{"ً":{"ٌ":1509,"ٍ":"تفسير ابن كثير - ط أولاد الشيخ","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"https://archive.org/download/tkather_sheikh/","files":["tkather00.pdf","tkather01p.pdf|المقدمة","tkather01.pdf","tkather02.pdf","tkather03.pdf","tkather04.pdf","tkather05.pdf","tkather06.pdf","tkather07.pdf","tkather08.pdf","tkather09.pdf","tkather10.pdf","tkather11.pdf","tkather12.pdf","tkather13.pdf","tkather14.pdf","tkather15.pdf"]},"ّ":"الكتاب: تفسير القرآن العظيم\nالمؤلف: عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن كثير الدمشقي (ت ٧٧٤ هـ)\nتحقيق: مصطفى السيد محمد - محمد السيد رشاد - محمد فضل العجماوي - علي أحمد عبد الباقي - حسن عباس قطب\n(هذه الطبعة أول طبعة مقابلة على النسخة الأزهرية، وكذلك على نسخة كاملة بدار الكتب المصرية)\nالناشر: (مؤسسة قرطبة، مكتبة أولاد الشيخ)، الجيزة - مصر\n[وأعادتْ طبعها دار عالم الكتب بالرياض بنفس ترقيم الصفحات]\nتنبيه: [لمكتبة أولاد الشيخ طبعةٌ لاحقة بتحقيق «رضوان جامع رضوان» في ١٢ مجلدا]\nالطبعة: الأولى، ١٤٢١ هـ - ٢٠٠٠ م\nعدد الأجزاء: ١٥ (١٤ والفهارس)\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":3,"ٕ":3,"ٖ":1770153561,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["المقدمة","1","2","3","4","5","6","7","8","9","10","11","12","13","14"],"ٚ":[{"title":"مقدمة التحقيق","level":1,"page":1},{"title":"الفصل الأول ترجمة الحافظ ابن كثير","level":2,"page":5},{"title":"الفصل الثاني منهج ابن كثير في تفسيره","level":2,"page":14},{"title":"طرق وأصول التفسير عند ابن كثير","level":3,"page":14},{"title":"١ - تفسير القرآن بالقرآن","level":4,"page":14},{"title":"٢ - تفسير القرآن بالسنة","level":4,"page":15},{"title":"٣ - تفسير القرآن بأقوال الصحابة","level":4,"page":17},{"title":"٤ - تفسير القرآن بأقوال التابعين","level":4,"page":17},{"title":"٥ - لا يختص بالتفسير الرسول ﷺ أو السلف الصالح","level":4,"page":18},{"title":"٦ - نقد الإسرائيليات","level":4,"page":21},{"title":"منهج ابن كثير في نقد الإسرائيليات","level":5,"page":24},{"title":"١ - الإعراض عن ذكر الإسرائيليات","level":6,"page":24},{"title":"٢ - الإسرائيليات في أقوال من أسلم من أهل الكتاب","level":6,"page":25},{"title":"٣ - الإسرائيليات في أقوال الصحابة","level":6,"page":25},{"title":"٤ - الإسرائيليات في أقوال التابعين","level":6,"page":26},{"title":"مصادر ابن كثير في التفسير","level":3,"page":27},{"title":"أولا: مصادره السلفية","level":4,"page":27},{"title":"ثانيا: مصادره من الكتب","level":4,"page":27},{"title":"ثالثا: كتب السنة وعلوم الحديث وشروحه","level":4,"page":33},{"title":"تعقيب عام حول مصادر السنة","level":5,"page":38},{"title":"رابعا: مصادره في الفقه وأصوله","level":4,"page":39},{"title":"تعليق عام على مصادره في الفقه","level":5,"page":41},{"title":"خامسا: في التاريخ والسير والتراجم","level":4,"page":41},{"title":"تعقيب عام حول مصادره في التاريخ والسيرة والتراجم","level":5,"page":42},{"title":"سادسا كتب علوم اللغة","level":4,"page":43},{"title":"سابعا: مصادر في موضوعات مختلفة","level":4,"page":43},{"title":"ثامنا: مصادر هامة لم يصرح بأسمائها","level":4,"page":46},{"title":"تاسعا: نقول عن شيوخ ابن كثير","level":4,"page":46},{"title":"عاشرا: نقول عامة ومبهمة","level":4,"page":46},{"title":"الفصل الثالث منهجنا في تحقيق الكتاب","level":2,"page":48},{"title":"منهج تخريج الأحاديث","level":3,"page":48},{"title":"أوهام الحافظ ابن كثير في تفسيره","level":3,"page":50},{"title":"نماذج من صور النسخ الخطية","level":3,"page":60},{"title":"مقدمة المؤلف","level":1,"page":86},{"title":"كتاب فضائل القرآن","level":1,"page":103},{"title":"كيف نزول الوحي وأول ما نزل","level":2,"page":103},{"title":"جمع القرآن","level":2,"page":114},{"title":"أنزل القرآن على سبعة أحرف","level":2,"page":129},{"title":"تأليف القرآن","level":2,"page":146},{"title":"فصل فأما نقط المصحف وشكله","level":2,"page":151},{"title":"كان جبريل يعرض القرآن على النبي ﷺ","level":2,"page":151},{"title":"فصل: نقط المصحف وشكله","level":2,"page":153},{"title":"فضل القرآن على سائر الكلام","level":2,"page":161},{"title":"الوصايا بكتاب الله","level":2,"page":163},{"title":"فصل في إيراد أحاديث في معنى الباب وذكر أحكام التلاوة بالأصوات","level":2,"page":166},{"title":"اغتباط صاحب القرآن","level":2,"page":175},{"title":"خيركم من تعلم القرآن وعلمه","level":2,"page":177},{"title":"القراءة عن ظهر قلب","level":2,"page":180},{"title":"استذكار القرآن وتعاهده","level":2,"page":182},{"title":"القراءة على الدابة","level":2,"page":187},{"title":"تعليم الصبيان القرآن","level":2,"page":188},{"title":"نسيان القرآن وهل يقول: نسيت آية كذا وكذا، وقول الله تعالى: ﴿سنقرئك فلا تنسى إلا ما شاء الله﴾","level":2,"page":189},{"title":"من لم ير بأسا أن يقول: سورة البقرة، وسورة كذا وكذا","level":2,"page":190},{"title":"الترتيل في القراءة","level":2,"page":191},{"title":"مد القراءة","level":2,"page":193},{"title":"الترجيع","level":2,"page":194},{"title":"حسن الصوت بالقراءة","level":2,"page":195},{"title":"من أحب أن يسمع القرآن من غيره","level":2,"page":195},{"title":"قول المقرئ للقارئ: حسبك","level":2,"page":196},{"title":"في كم يقرأ القرآن وقول الله تعالى: ﴿فاقرءوا ما تيسر منه﴾","level":2,"page":196},{"title":"البكاء عند قراءة القرآن","level":2,"page":204},{"title":"من راءى بقراءة القرآن أو تأكل به أو فجر به","level":2,"page":205},{"title":"كتاب الجامع لأحاديث شتى تتعلق بتلاوة القرآن وفضائله وفضل أهله","level":2,"page":210},{"title":"ذكر الدعاء المأثور لحفظ القرآن وطرد النسيان","level":2,"page":218},{"title":"[مقدمة مفيدة تذكر في أول التفسير قبل الفاتحة","level":2,"page":229},{"title":"سورة الفاتحة","level":1,"page":233},{"title":"ذكر ما ورد في فضل الفاتحة","level":2,"page":238},{"title":"[الكلام على] تفسير الاستعاذة [وأحكامها]","level":2,"page":250},{"title":"فصل في فضلها","level":2,"page":266},{"title":"ذكر أقوال السلف في الحمد","level":2,"page":284},{"title":"سورة البقرة","level":1,"page":317},{"title":"[تفسير] سورة البقرة [مدنية وآياتها ست وثمانون ومائتان]","level":2,"page":317},{"title":"ذكر ما ورد في فضلها","level":2,"page":317},{"title":"ذكر ما ورد في فضلها مع آل عمران","level":2,"page":323},{"title":"(ذكر ما ورد في فضل السبع الطول)","level":2,"page":327},{"title":"فصل [البقرة نزلت بالمدينة]","level":2,"page":329},{"title":"ذكر الآثار الواردة في ذلك عن الصحابة والتابعين ﵃ أجمعين","level":2,"page":607},{"title":"ذكر بناء قريش الكعبة بعد إبراهيم الخليل ﵇ بمدد طويلة وقبل مبعث رسول الله ﷺ بخمس سنين","level":2,"page":714},{"title":"ذكر الأحاديث الواردة في فضل هاتين الآيتين الكريمتين نفعنا الله بهما!","level":2,"page":1148},{"title":"تفسير سورة آل عمران وهي مدنية","level":1,"page":1157},{"title":"تفسير سورة النساء","level":1,"page":1483},{"title":"(تفسير هذه السبع)","level":2,"page":1602},{"title":"(ذكر أقوال السلف في ذلك)","level":2,"page":1620},{"title":"(أقوال ابن عباس في ذلك)","level":2,"page":1624},{"title":"(أقوال التابعين)","level":2,"page":1626},{"title":"(ذكر سبب نزول مشروعية التيمم)","level":2,"page":1720},{"title":"ذكر سبب آخر غريب جدا","level":2,"page":1774},{"title":"(ذكر سبب نزول هذه الآية الكريمة)","level":2,"page":1779},{"title":"(باب الصلاة عند مناهضة الحصون ولقاء العدو).","level":2,"page":1878},{"title":"(ذكر الرواية بذلك).","level":2,"page":1928},{"title":"ذكر من قال ذلك","level":2,"page":1970},{"title":"(ذكر من قال ذلك)","level":2,"page":1973},{"title":"(ذكر الأحاديث الواردة في نزول عيسى ابن مريم إلى الأرض من السماء في آخر الزمان قبل يوم القيامة وأنه يدعو إلى عبادة الله وحده لا شريك له)","level":2,"page":1975},{"title":"(صفة عيسى ﵇","level":2,"page":1993},{"title":"ذكر الكلام على معناها وبالله المستعان وعليه التكلان","level":2,"page":2025},{"title":"تفسير سورة المائدة وهي مدنية","level":1,"page":2032},{"title":"فصل المذاهب في حكم من أمسكه كلب الصيد","level":2,"page":2057},{"title":"(ذكر الآثار بذلك)","level":2,"page":2094},{"title":"ذكر الأحاديث الواردة في غسل الرجلين وأنه لابد منه","level":2,"page":2137},{"title":"ذكر أقوال المفسرين هاهنا","level":2,"page":2188},{"title":"سبب آخر [في نزول] هذه الآيات الكريمات","level":2,"page":2254},{"title":"قاعدة مهمة","level":2,"page":2264},{"title":"مسألة: إذا اقتص المجني عليه من الجاني، فمات من القصاص","level":2,"page":2265},{"title":"[ذكر الأحاديث الواردة في بيان تحريم الخمر]","level":2,"page":2360},{"title":"ذكر أقوال السلف في هذا المقام","level":2,"page":2389},{"title":"[ذكر أخبار رويت عن السلف في نزول المائدة على الحواريين]","level":2,"page":2443},{"title":"سورة الأنعام [وهي مكية]","level":1,"page":2460},{"title":"تفسير سورة الأعراف","level":1,"page":2711},{"title":"فصل","level":2,"page":2715},{"title":"تفسير سورة الأنفال","level":1,"page":2963},{"title":"(سبب آخر في نزول الآية الأولى من السورة)","level":2,"page":2967},{"title":"تفسير سورة التوبة وهي مدنية","level":1,"page":3092},{"title":"[حاشية]","level":2,"page":3195},{"title":"(بيان أن المراد بالسياحة الصيام)","level":2,"page":3249},{"title":"[تفسير] سورة يونس ﵇","level":1,"page":3287},{"title":"تفسير سورة هود","level":1,"page":3365},{"title":"تفسير سورة يوسف ﵇","level":1,"page":3450},{"title":"(ذكر من قال ذلك)","level":2,"page":3526},{"title":"تفسير سورة الرعد","level":1,"page":3545},{"title":"[تفسير] سورة إبراهيم ﵇","level":1,"page":3618},{"title":"سورة الحجر","level":1,"page":3684},{"title":"تفسير سورة النحل وهي مكية","level":1,"page":3732},{"title":"[تفسير سورة سبحان وهي مكية]","level":1,"page":3815},{"title":"[ذكر الأحاديث الواردة في الإسراء. رواية أنس بن مالك]","level":2,"page":3816},{"title":"فائدة حسنة جليلة","level":2,"page":3875},{"title":"تفسير سورة الكهف وهي مكية","level":1,"page":4015},{"title":"[تفسير] سورة مريم [وهي مكية]","level":1,"page":4129},{"title":"تفسير سورة طه [وهي] مكية","level":1,"page":4224},{"title":"تفسير سورة الأنبياء وهي مكية","level":1,"page":4303},{"title":"تفسير سورة الحج وهي مدنية","level":1,"page":4377},{"title":"سورة المؤمنون","level":1,"page":4475},{"title":"تفسير سورة النور وهي مدينة","level":1,"page":4531},{"title":"تفسير سورة الفرقان وهي مكية","level":1,"page":4655},{"title":"تفسير سورة الشعراء وهي مكية","level":1,"page":4708},{"title":"تفسير سورة النمل وهي مكية","level":1,"page":4761},{"title":"تفسير سورة القصص وهي مكية","level":1,"page":4811},{"title":"تفسير سورة العنكبوت وهي مكية","level":1,"page":4863},{"title":"تفسير سورة الروم وهي مكية","level":1,"page":4902},{"title":"ما روي في فضل هذه السورة الشريفة واستحباب قراءتها في الفجر","level":2,"page":4939},{"title":"تفسير سورة لقمان وهي مكية","level":1,"page":4941},{"title":"(فصل في الخمول والتواضع)","level":2,"page":4957},{"title":"باب ما جاء في الشهرة","level":2,"page":4961},{"title":"فصل في حسن الخلق","level":2,"page":4963},{"title":"فصل في ذم الكبر","level":2,"page":4968},{"title":"فصل في الاختيال","level":2,"page":4970},{"title":"تفسير سورة [الم] السجدة وهي مكية","level":1,"page":4985},{"title":"تفسير سورة الأحزاب وهي مدنية","level":1,"page":5007},{"title":"تفسير سورة سبأ وهي مكية","level":1,"page":5154},{"title":"تفسير سورة فاطر وهي مكية","level":1,"page":5200},{"title":"تفسير سورة يس وهي مكية","level":1,"page":5238},{"title":"تفسير سورة الصافات وهي مكية","level":1,"page":5285},{"title":"فصل في ذكر الآثار الواردة عن السلف في أن الذبيح من هو؟","level":2,"page":5325},{"title":"ذكر الآثار الواردة بأنه إسماعيل ﵇ وهو الصحيح المقطوع به","level":2,"page":5328},{"title":"تفسير سورة ص وهي مكية","level":1,"page":5351},{"title":"تفسير سورة الزمر وهي مكية","level":1,"page":5390},{"title":"ذكر أحاديث فيها نفى القنوط","level":2,"page":5420},{"title":"ذكر سعة أبواب الجنة","level":2,"page":5438},{"title":"تفسير سورة المؤمن وهي مكية","level":1,"page":5443},{"title":"[تفسير حم السجدة وهي مكية]","level":1,"page":5492},{"title":"تفسير سورة الشورى وهي مكية","level":1,"page":5529},{"title":"تفسير سورة الزخرف وهي مكية","level":1,"page":5572},{"title":"ذكر الأحاديث الواردة عند ركوب الدابة","level":2,"page":5577},{"title":"تفسير سورة الدخان وهي مكية","level":1,"page":5608},{"title":"تفسير سورة الجاثية وهي مكية","level":1,"page":5631},{"title":"تفسير سورة الأحقاف وهي مكية","level":1,"page":5643},{"title":"تفسير سورة محمد وهي مدنية","level":1,"page":5696},{"title":"تفسير سورة الفتح وهي مدنية","level":1,"page":5722},{"title":"ذكر سبب هذه البيعة العظيمة","level":2,"page":5732},{"title":"(وهذا ذكر الأحاديث الواردة في قصة الحديبية وقضية الصلح)","level":2,"page":5752},{"title":"تفسير سورة الحجرات وهي مدنية","level":1,"page":5774},{"title":"تفسير سورة ق وهي مكية","level":1,"page":5815},{"title":"تفسير سورة الذاريات وهي مكية","level":1,"page":5845},{"title":"تفسير سورة الطور وهي مكية","level":1,"page":5863},{"title":"تفسير سورة النجم وهي مكية","level":1,"page":5884},{"title":"تفسير سورة اقتربت وهي مكية","level":1,"page":5924},{"title":"تفسير سورة الرحمن [وهي مدنية]","level":1,"page":5950},{"title":"تفسير سورة الواقعة وهي مكية","level":1,"page":5983},{"title":"تفسير سورة الحديد وهي مدنية","level":1,"page":6039},{"title":"تفسير سورة المجادلة وهي مدنية","level":1,"page":6079},{"title":"تفسير سورة الحشر وهي مدنية","level":1,"page":6109},{"title":"تفسير سورة الممتحنة وهي مدنية","level":1,"page":6144},{"title":"تفسير سورة الصف وهي مدنية","level":1,"page":6176},{"title":"تفسير سورة الجمعة وهي مدنية","level":1,"page":6191},{"title":"تفسير سورة المنافقون وهي مدنية","level":1,"page":6205},{"title":"تفسير سورة التغابن وهي مدنية","level":1,"page":6217},{"title":"تفسير سورة الطلاق وهي مدنية","level":1,"page":6226},{"title":"تفسير سورة التحريم وهي مدنية","level":1,"page":6247},{"title":"تفسير سورة الملك وهي مكية","level":1,"page":6268},{"title":"تفسير سورة \"ن\" وهي مكية","level":1,"page":6280},{"title":"تفسير سورة الحاقة وهي مكية","level":1,"page":6311},{"title":"تفسير سورة المعارج وهي مكية","level":1,"page":6325},{"title":"تفسير سورة نوح وهي مكية","level":1,"page":6338},{"title":"تفسير سورة الجن وهي مكية","level":1,"page":6347},{"title":"تفسير سورة المزمل وقوله مكية","level":1,"page":6360},{"title":"تفسير سورة المدثر وهي مكية","level":1,"page":6375},{"title":"تفسير سورة القيامة وهي مكية","level":1,"page":6392},{"title":"تفسير سورة الإنسان وهي مكية","level":1,"page":6406},{"title":"تفسير سورة المرسلات وهي مكية","level":1,"page":6419},{"title":"تفسير سورة النبأ وهي مكية","level":1,"page":6427},{"title":"تفسير سورة النازعات وهي مكية","level":1,"page":6438},{"title":"تفسير سورة عبس وهي مكية","level":1,"page":6446},{"title":"تفسير سورة التكوير وهي مكية","level":1,"page":6457},{"title":"تفسير سورة الانفطار وهي مكية","level":1,"page":6473},{"title":"[تفسير] سورة المطففين [وهي مدنية]","level":1,"page":6480},{"title":"[تفسير] سورة الانشقاق [وهي مكية]","level":1,"page":6491},{"title":"[تفسير] سورة البروج [وهي مكية]","level":1,"page":6501},{"title":"[تفسير] سورة الطارق [وهي مكية]","level":1,"page":6515},{"title":"[تفسير] سورة \"سبح\" [وهي مكية]","level":1,"page":6519},{"title":"[تفسير] سورة الغاشية [وهي مكية]","level":1,"page":6529},{"title":"[تفسير] سورة الفجر [وهي مكية]","level":1,"page":6537},{"title":"تفسير سورة البلد وهي مكية","level":1,"page":6553},{"title":"[تفسير] سورة والشمس وضحاها [وهي مكية]","level":1,"page":6564},{"title":"[تفسير] سورة الليل [وهي مكية]","level":1,"page":6571},{"title":"[تفسير] سورة الضحى [وهي مكية]","level":1,"page":6580},{"title":"[تفسير] سورة \"ألم نشرح\" [وهي مكية]","level":1,"page":6588},{"title":"[تفسير] سورة \"والتين والزيتون\" [وهي مكية]","level":1,"page":6594},{"title":"[تفسير] سورة \"اقرأ\" [وهي أول شيء نزل من القرآن]","level":1,"page":6597},{"title":"[تفسير] سورة \"ليلة القدر\" [مكية]","level":1,"page":6603},{"title":"[تفسير] سورة \"لم يكن\" [وهي مدنية]","level":1,"page":6620},{"title":"[تفسير] سورة إذا زلزلت [وهي مكية]","level":1,"page":6626},{"title":"[تفسير] سورة العاديات [وهي مكية]","level":1,"page":6634},{"title":"[تفسير] سورة القارعة [وهي مكية]","level":1,"page":6638},{"title":"[تفسير] سورة التكاثر [وهي مكية]","level":1,"page":6642},{"title":"[تفسير] سورة العصر [وهي مكية]","level":1,"page":6651},{"title":"[تفسير] سورة \"ويل لكل همزة لمزة\" [وهي مكية]","level":1,"page":6653},{"title":"[تفسير] سورة الفيل [وهي مكية]","level":1,"page":6655},{"title":"[تفسير] سورة \"لإيلاف قريش\" [وهي مكية]","level":1,"page":6665},{"title":"[تفسير السورة التي يذكر فيها الماعون] [وهي مكية]","level":1,"page":6668},{"title":"[تفسير] سورة الكوثر [مدنية، وقيل: مكية]","level":1,"page":6675},{"title":"[تفسير] سورة ﴿قل يا أيها الكافرون﴾ [وهي مكية]","level":1,"page":6684},{"title":"[تفسير] سورة إذا جاء نصر الله والفتح [وهي مدنية]","level":1,"page":6689},{"title":"[تفسير] سورة المسد [وهي مكية]","level":1,"page":6695},{"title":"[تفسير] سورة الإخلاص [وهي مكية]","level":1,"page":6700},{"title":"ذكر سبب نزولها وفضيلتها","level":2,"page":6700},{"title":"[تفسير] سورتي المعوذتين [وهما مدنيتان]","level":1,"page":6716},{"title":"تفسير سورة الفلق","level":1,"page":6722},{"title":"تفسير سورة الناس","level":1,"page":6729},{"title":"خاتمة ناسخ المخطوطة \"ز\"","level":1,"page":6733}],"ٛ":{"المقدمة,5":1,"المقدمة,6":2,"المقدمة,7":3,"المقدمة,8":4,"المقدمة,9":5,"المقدمة,10":6,"المقدمة,11":7,"المقدمة,12":8,"المقدمة,13":9,"المقدمة,14":10,"المقدمة,15":11,"المقدمة,16":12,"المقدمة,17":13,"المقدمة,19":14,"المقدمة,20":15,"المقدمة,21":16,"المقدمة,22":17,"المقدمة,23":18,"المقدمة,24":19,"المقدمة,25":20,"المقدمة,26":21,"المقدمة,27":22,"المقدمة,28":23,"المقدمة,29":24,"المقدمة,30":25,"المقدمة,31":26,"المقدمة,32":27,"المقدمة,33":28,"المقدمة,34":29,"المقدمة,35":30,"المقدمة,36":31,"المقدمة,37":32,"المقدمة,38":33,"المقدمة,39":34,"المقدمة,40":35,"المقدمة,41":36,"المقدمة,42":37,"المقدمة,43":38,"المقدمة,44":39,"المقدمة,45":40,"المقدمة,46":41,"المقدمة,47":42,"المقدمة,48":43,"المقدمة,49":44,"المقدمة,50":45,"المقدمة,51":46,"المقدمة,52":47,"المقدمة,53":48,"المقدمة,54":49,"المقدمة,55":50,"المقدمة,56":51,"المقدمة,57":52,"المقدمة,58":53,"المقدمة,59":54,"المقدمة,60":55,"المقدمة,61":56,"المقدمة,62":57,"المقدمة,63":58,"المقدمة,64":59,"المقدمة,65":60,"المقدمة,67":61,"المقدمة,68":62,"المقدمة,69":63,"المقدمة,70":64,"المقدمة,71":65,"المقدمة,72":66,"المقدمة,73":67,"المقدمة,74":68,"المقدمة,75":69,"المقدمة,76":70,"المقدمة,77":71,"المقدمة,78":72,"المقدمة,79":73,"المقدمة,80":74,"المقدمة,81":75,"المقدمة,82":76,"المقدمة,83":77,"المقدمة,84":78,"المقدمة,85":79,"المقدمة,86":80,"المقدمة,87":81,"المقدمة,88":82,"المقدمة,89":83,"المقدمة,90":84,"المقدمة,91":85,"1,3":86,"1,4":87,"1,5":88,"1,6":89,"1,7":90,"1,8":91,"1,9":92,"1,10":93,"1,11":94,"1,12":95,"1,13":96,"1,14":97,"1,15":98,"1,16":99,"1,17":100,"1,18":101,"1,19":102,"1,21":103,"1,22":104,"1,23":105,"1,24":106,"1,25":107,"1,26":108,"1,27":109,"1,28":110,"1,29":111,"1,30":112,"1,31":113,"1,32":114,"1,33":115,"1,34":116,"1,35":117,"1,36":118,"1,37":119,"1,38":120,"1,39":121,"1,40":122,"1,41":123,"1,42":124,"1,43":125,"1,44":126,"1,45":127,"1,46":128,"1,47":129,"1,48":130,"1,49":131,"1,50":132,"1,51":133,"1,52":134,"1,53":135,"1,54":136,"1,55":137,"1,56":138,"1,57":139,"1,58":140,"1,59":141,"1,60":142,"1,61":143,"1,62":144,"1,63":145,"1,64":146,"1,65":147,"1,66":148,"1,67":149,"1,68":150,"1,69":151,"1,70":152,"1,71":153,"1,72":154,"1,73":155,"1,74":156,"1,75":157,"1,76":158,"1,77":159,"1,78":160,"1,79":161,"1,80":162,"1,81":163,"1,82":164,"1,83":165,"1,84":166,"1,85":167,"1,86":168,"1,87":169,"1,88":170,"1,89":171,"1,90":172,"1,91":173,"1,92":174,"1,93":175,"1,94":176,"1,95":177,"1,96":178,"1,97":179,"1,98":180,"1,99":181,"1,100":182,"1,101":183,"1,102":184,"1,103":185,"1,104":186,"1,105":187,"1,106":188,"1,107":189,"1,108":190,"1,109":191,"1,110":192,"1,111":193,"1,112":194,"1,113":195,"1,114":196,"1,115":197,"1,116":198,"1,117":199,"1,118":200,"1,119":201,"1,120":202,"1,121":203,"1,122":204,"1,123":205,"1,124":206,"1,125":207,"1,126":208,"1,127":209,"1,128":210,"1,129":211,"1,130":212,"1,131":213,"1,132":214,"1,133":215,"1,134":216,"1,135":217,"1,136":218,"1,137":219,"1,138":220,"1,139":221,"1,140":222,"1,141":223,"1,142":224,"1,143":225,"1,144":226,"1,145":227,"1,146":228,"1,147":229,"1,148":230,"1,149":231,"1,150":232,"1,151":233,"1,152":234,"1,153":235,"1,154":236,"1,155":237,"1,156":238,"1,157":239,"1,158":240,"1,159":241,"1,160":242,"1,161":243,"1,162":244,"1,163":245,"1,164":246,"1,165":247,"1,166":248,"1,167":249,"1,168":250,"1,169":251,"1,170":252,"1,171":253,"1,172":254,"1,173":255,"1,174":256,"1,175":257,"1,176":258,"1,177":259,"1,178":260,"1,179":261,"1,180":262,"1,181":263,"1,182":264,"1,183":265,"1,184":266,"1,185":267,"1,186":268,"1,187":269,"1,188":270,"1,189":271,"1,190":272,"1,191":273,"1,192":274,"1,193":275,"1,194":276,"1,195":277,"1,196":278,"1,197":279,"1,198":280,"1,199":281,"1,200":282,"1,201":283,"1,202":284,"1,203":285,"1,204":286,"1,205":287,"1,206":288,"1,207":289,"1,208":290,"1,209":291,"1,210":292,"1,211":293,"1,212":294,"1,213":295,"1,214":296,"1,215":297,"1,216":298,"1,217":299,"1,218":300,"1,219":301,"1,220":302,"1,221":303,"1,222":304,"1,223":305,"1,224":306,"1,225":307,"1,226":308,"1,227":309,"1,228":310,"1,229":311,"1,230":312,"1,231":313,"1,232":314,"1,233":315,"1,234":316,"1,235":317,"1,236":318,"1,237":319,"1,238":320,"1,239":321,"1,240":322,"1,241":323,"1,242":324,"1,243":325,"1,244":326,"1,245":327,"1,246":328,"1,247":329,"1,248":330,"1,249":331,"1,250":332,"1,251":333,"1,252":334,"1,253":335,"1,254":336,"1,255":337,"1,256":338,"1,257":339,"1,258":340,"1,259":341,"1,260":342,"1,261":343,"1,262":344,"1,263":345,"1,264":346,"1,265":347,"1,266":348,"1,267":349,"1,268":350,"1,269":351,"1,270":352,"1,271":353,"1,272":354,"1,273":355,"1,274":356,"1,275":357,"1,276":358,"1,277":359,"1,278":360,"1,279":361,"1,280":362,"1,281":363,"1,282":364,"1,283":365,"1,284":366,"1,285":367,"1,286":368,"1,287":369,"1,288":370,"1,289":371,"1,290":372,"1,291":373,"1,292":374,"1,293":375,"1,294":376,"1,295":377,"1,296":378,"1,297":379,"1,298":380,"1,299":381,"1,300":382,"1,301":383,"1,302":384,"1,303":385,"1,304":386,"1,305":387,"1,306":388,"1,307":389,"1,308":390,"1,309":391,"1,310":392,"1,311":393,"1,312":394,"1,313":395,"1,314":396,"1,315":397,"1,316":398,"1,317":399,"1,318":400,"1,319":401,"1,320":402,"1,321":403,"1,322":404,"1,323":405,"1,324":406,"1,325":407,"1,326":408,"1,327":409,"1,328":410,"1,329":411,"1,330":412,"1,331":413,"1,332":414,"1,333":415,"1,334":416,"1,335":417,"1,336":418,"1,337":419,"1,338":420,"1,339":421,"1,340":422,"1,341":423,"1,342":424,"1,343":425,"1,344":426,"1,345":427,"1,346":428,"1,347":429,"1,348":430,"1,349":431,"1,350":432,"1,351":433,"1,352":434,"1,353":435,"1,354":436,"1,355":437,"1,356":438,"1,357":439,"1,358":440,"1,359":441,"1,360":442,"1,361":443,"1,362":444,"1,363":445,"1,364":446,"1,365":447,"1,366":448,"1,367":449,"1,368":450,"1,369":451,"1,370":452,"1,371":453,"1,372":454,"1,373":455,"1,374":456,"1,375":457,"1,376":458,"1,377":459,"1,378":460,"1,379":461,"1,380":462,"1,381":463,"1,382":464,"1,383":465,"1,384":466,"1,385":467,"1,386":468,"1,387":469,"1,388":470,"1,389":471,"1,390":472,"1,391":473,"1,392":474,"1,393":475,"1,394":476,"1,395":477,"1,396":478,"1,397":479,"1,398":480,"1,399":481,"1,400":482,"1,401":483,"1,402":484,"1,403":485,"1,404":486,"1,405":487,"1,406":488,"1,407":489,"1,408":490,"1,409":491,"1,410":492,"1,411":493,"1,412":494,"1,413":495,"1,414":496,"1,415":497,"1,416":498,"1,417":499,"1,418":500,"1,419":501,"1,420":502,"1,421":503,"1,422":504,"1,423":505,"1,424":506,"1,425":507,"1,426":508,"1,427":509,"1,428":510,"1,429":511,"1,430":512,"1,431":513,"1,432":514,"1,433":515,"1,434":516,"1,435":517,"1,436":518,"1,437":519,"1,438":520,"1,439":521,"1,440":522,"1,441":523,"1,442":524,"1,443":525,"1,444":526,"1,445":527,"1,446":528,"1,447":529,"1,448":530,"1,449":531,"1,450":532,"1,451":533,"1,452":534,"1,453":535,"1,454":536,"1,455":537,"1,456":538,"1,457":539,"1,458":540,"1,459":541,"1,460":542,"1,461":543,"1,462":544,"1,463":545,"1,464":546,"1,465":547,"1,466":548,"1,467":549,"1,468":550,"1,469":551,"1,470":552,"1,471":553,"1,472":554,"1,473":555,"1,474":556,"1,475":557,"1,476":558,"1,477":559,"1,478":560,"1,479":561,"1,480":562,"1,481":563,"1,482":564,"1,483":565,"1,484":566,"1,485":567,"1,486":568,"1,487":569,"1,488":570,"1,489":571,"1,490":572,"1,491":573,"1,492":574,"1,493":575,"1,494":576,"1,495":577,"1,496":578,"1,497":579,"1,498":580,"1,499":581,"1,500":582,"1,501":583,"1,502":584,"1,503":585,"1,504":586,"1,505":587,"1,506":588,"1,507":589,"1,508":590,"1,509":591,"1,510":592,"1,511":593,"1,512":594,"1,513":595,"1,514":596,"1,515":597,"1,516":598,"1,517":599,"1,518":600,"1,519":601,"1,520":602,"1,521":603,"1,522":604,"1,523":605,"1,524":606,"1,525":607,"1,526":608,"1,527":609,"1,528":610,"1,529":611,"1,530":612,"1,531":613,"1,532":614,"1,533":615,"1,534":616,"1,535":617,"1,536":618,"1,537":619,"1,538":620,"1,539":621,"1,540":622,"1,541":623,"1,542":624,"1,543":625,"1,544":626,"1,545":627,"1,546":628,"1,547":629,"1,548":630,"1,551":631,"2,5":632,"2,6":633,"2,7":634,"2,8":635,"2,9":636,"2,10":637,"2,11":638,"2,12":639,"2,13":640,"2,14":641,"2,15":642,"2,16":643,"2,17":644,"2,18":645,"2,19":646,"2,20":647,"2,21":648,"2,22":649,"2,23":650,"2,24":651,"2,25":652,"2,26":653,"2,27":654,"2,28":655,"2,29":656,"2,30":657,"2,31":658,"2,32":659,"2,33":660,"2,34":661,"2,35":662,"2,36":663,"2,37":664,"2,38":665,"2,39":666,"2,40":667,"2,41":668,"2,42":669,"2,43":670,"2,44":671,"2,45":672,"2,46":673,"2,47":674,"2,48":675,"2,49":676,"2,50":677,"2,51":678,"2,52":679,"2,53":680,"2,54":681,"2,55":682,"2,56":683,"2,57":684,"2,58":685,"2,59":686,"2,60":687,"2,61":688,"2,62":689,"2,63":690,"2,64":691,"2,65":692,"2,66":693,"2,67":694,"2,68":695,"2,69":696,"2,70":697,"2,71":698,"2,72":699,"2,73":700,"2,74":701,"2,75":702,"2,76":703,"2,77":704,"2,78":705,"2,79":706,"2,80":707,"2,81":708,"2,82":709,"2,83":710,"2,84":711,"2,85":712,"2,86":713,"2,87":714,"2,88":715,"2,89":716,"2,90":717,"2,91":718,"2,92":719,"2,93":720,"2,94":721,"2,95":722,"2,96":723,"2,97":724,"2,98":725,"2,99":726,"2,100":727,"2,101":728,"2,102":729,"2,103":730,"2,104":731,"2,105":732,"2,106":733,"2,107":734,"2,108":735,"2,109":736,"2,110":737,"2,111":738,"2,112":739,"2,113":740,"2,114":741,"2,115":742,"2,116":743,"2,117":744,"2,118":745,"2,119":746,"2,120":747,"2,121":748,"2,122":749,"2,123":750,"2,124":751,"2,125":752,"2,126":753,"2,127":754,"2,128":755,"2,129":756,"2,130":757,"2,131":758,"2,132":759,"2,133":760,"2,134":761,"2,135":762,"2,136":763,"2,137":764,"2,138":765,"2,139":766,"2,140":767,"2,141":768,"2,142":769,"2,143":770,"2,144":771,"2,145":772,"2,146":773,"2,147":774,"2,148":775,"2,149":776,"2,150":777,"2,151":778,"2,152":779,"2,153":780,"2,154":781,"2,155":782,"2,156":783,"2,157":784,"2,158":785,"2,159":786,"2,160":787,"2,161":788,"2,162":789,"2,163":790,"2,164":791,"2,165":792,"2,166":793,"2,167":794,"2,168":795,"2,169":796,"2,170":797,"2,171":798,"2,172":799,"2,173":800,"2,174":801,"2,175":802,"2,176":803,"2,177":804,"2,178":805,"2,179":806,"2,180":807,"2,181":808,"2,182":809,"2,183":810,"2,184":811,"2,185":812,"2,186":813,"2,187":814,"2,188":815,"2,189":816,"2,190":817,"2,191":818,"2,192":819,"2,193":820,"2,194":821,"2,195":822,"2,196":823,"2,197":824,"2,198":825,"2,199":826,"2,200":827,"2,201":828,"2,202":829,"2,203":830,"2,204":831,"2,205":832,"2,206":833,"2,207":834,"2,208":835,"2,209":836,"2,210":837,"2,211":838,"2,212":839,"2,213":840,"2,214":841,"2,215":842,"2,216":843,"2,217":844,"2,218":845,"2,219":846,"2,220":847,"2,221":848,"2,222":849,"2,223":850,"2,224":851,"2,225":852,"2,226":853,"2,227":854,"2,228":855,"2,229":856,"2,230":857,"2,231":858,"2,232":859,"2,233":860,"2,234":861,"2,235":862,"2,236":863,"2,237":864,"2,238":865,"2,239":866,"2,240":867,"2,241":868,"2,242":869,"2,243":870,"2,244":871,"2,245":872,"2,246":873,"2,247":874,"2,248":875,"2,249":876,"2,250":877,"2,251":878,"2,252":879,"2,253":880,"2,254":881,"2,255":882,"2,256":883,"2,257":884,"2,258":885,"2,259":886,"2,260":887,"2,261":888,"2,262":889,"2,263":890,"2,264":891,"2,265":892,"2,266":893,"2,267":894,"2,268":895,"2,269":896,"2,270":897,"2,271":898,"2,272":899,"2,273":900,"2,274":901,"2,275":902,"2,276":903,"2,277":904,"2,278":905,"2,279":906,"2,280":907,"2,281":908,"2,282":909,"2,283":910,"2,284":911,"2,285":912,"2,286":913,"2,287":914,"2,288":915,"2,289":916,"2,290":917,"2,291":918,"2,292":919,"2,293":920,"2,294":921,"2,295":922,"2,296":923,"2,297":924,"2,298":925,"2,299":926,"2,300":927,"2,301":928,"2,302":929,"2,303":930,"2,304":931,"2,305":932,"2,306":933,"2,307":934,"2,308":935,"2,309":936,"2,310":937,"2,311":938,"2,312":939,"2,313":940,"2,314":941,"2,315":942,"2,316":943,"2,317":944,"2,318":945,"2,319":946,"2,320":947,"2,321":948,"2,322":949,"2,323":950,"2,324":951,"2,325":952,"2,326":953,"2,327":954,"2,328":955,"2,329":956,"2,330":957,"2,331":958,"2,332":959,"2,333":960,"2,334":961,"2,335":962,"2,336":963,"2,337":964,"2,338":965,"2,339":966,"2,340":967,"2,341":968,"2,342":969,"2,343":970,"2,344":971,"2,345":972,"2,346":973,"2,347":974,"2,348":975,"2,349":976,"2,350":977,"2,351":978,"2,352":979,"2,353":980,"2,354":981,"2,355":982,"2,356":983,"2,357":984,"2,358":985,"2,359":986,"2,360":987,"2,361":988,"2,362":989,"2,363":990,"2,364":991,"2,365":992,"2,366":993,"2,367":994,"2,368":995,"2,369":996,"2,370":997,"2,371":998,"2,372":999,"2,373":1000,"2,374":1001,"2,375":1002,"2,376":1003,"2,377":1004,"2,378":1005,"2,379":1006,"2,380":1007,"2,381":1008,"2,382":1009,"2,383":1010,"2,384":1011,"2,385":1012,"2,386":1013,"2,387":1014,"2,388":1015,"2,389":1016,"2,390":1017,"2,391":1018,"2,392":1019,"2,393":1020,"2,394":1021,"2,395":1022,"2,396":1023,"2,397":1024,"2,398":1025,"2,399":1026,"2,400":1027,"2,401":1028,"2,402":1029,"2,403":1030,"2,404":1031,"2,405":1032,"2,406":1033,"2,407":1034,"2,408":1035,"2,409":1036,"2,410":1037,"2,411":1038,"2,412":1039,"2,413":1040,"2,414":1041,"2,415":1042,"2,416":1043,"2,417":1044,"2,418":1045,"2,419":1046,"2,420":1047,"2,421":1048,"2,422":1049,"2,423":1050,"2,424":1051,"2,425":1052,"2,426":1053,"2,427":1054,"2,428":1055,"2,429":1056,"2,430":1057,"2,431":1058,"2,432":1059,"2,433":1060,"2,434":1061,"2,435":1062,"2,436":1063,"2,437":1064,"2,438":1065,"2,439":1066,"2,440":1067,"2,441":1068,"2,442":1069,"2,443":1070,"2,444":1071,"2,445":1072,"2,446":1073,"2,447":1074,"2,448":1075,"2,449":1076,"2,450":1077,"2,451":1078,"2,452":1079,"2,453":1080,"2,454":1081,"2,455":1082,"2,456":1083,"2,457":1084,"2,458":1085,"2,459":1086,"2,460":1087,"2,461":1088,"2,462":1089,"2,463":1090,"2,464":1091,"2,465":1092,"2,466":1093,"2,467":1094,"2,468":1095,"2,469":1096,"2,470":1097,"2,471":1098,"2,472":1099,"2,473":1100,"2,474":1101,"2,475":1102,"2,476":1103,"2,477":1104,"2,478":1105,"2,479":1106,"2,480":1107,"2,481":1108,"2,482":1109,"2,483":1110,"2,484":1111,"2,485":1112,"2,486":1113,"2,487":1114,"2,488":1115,"2,489":1116,"2,490":1117,"2,491":1118,"2,492":1119,"2,493":1120,"2,494":1121,"2,495":1122,"2,496":1123,"2,497":1124,"2,498":1125,"2,499":1126,"2,500":1127,"2,501":1128,"2,502":1129,"2,503":1130,"2,504":1131,"2,505":1132,"2,506":1133,"2,507":1134,"2,508":1135,"2,509":1136,"2,510":1137,"2,511":1138,"2,512":1139,"2,513":1140,"2,514":1141,"2,515":1142,"2,516":1143,"2,517":1144,"2,518":1145,"2,519":1146,"2,520":1147,"2,521":1148,"2,522":1149,"2,523":1150,"2,524":1151,"2,525":1152,"2,526":1153,"2,527":1154,"2,528":1155,"2,531":1156,"3,5":1157,"3,6":1158,"3,7":1159,"3,8":1160,"3,9":1161,"3,10":1162,"3,11":1163,"3,12":1164,"3,13":1165,"3,14":1166,"3,15":1167,"3,16":1168,"3,17":1169,"3,18":1170,"3,19":1171,"3,20":1172,"3,21":1173,"3,22":1174,"3,23":1175,"3,24":1176,"3,25":1177,"3,26":1178,"3,27":1179,"3,28":1180,"3,29":1181,"3,30":1182,"3,31":1183,"3,32":1184,"3,33":1185,"3,34":1186,"3,35":1187,"3,36":1188,"3,37":1189,"3,38":1190,"3,39":1191,"3,40":1192,"3,41":1193,"3,42":1194,"3,43":1195,"3,44":1196,"3,45":1197,"3,46":1198,"3,47":1199,"3,48":1200,"3,49":1201,"3,50":1202,"3,51":1203,"3,52":1204,"3,53":1205,"3,54":1206,"3,55":1207,"3,56":1208,"3,57":1209,"3,58":1210,"3,59":1211,"3,60":1212,"3,61":1213,"3,62":1214,"3,63":1215,"3,64":1216,"3,65":1217,"3,66":1218,"3,67":1219,"3,68":1220,"3,69":1221,"3,70":1222,"3,71":1223,"3,72":1224,"3,73":1225,"3,74":1226,"3,75":1227,"3,76":1228,"3,77":1229,"3,78":1230,"3,79":1231,"3,80":1232,"3,81":1233,"3,82":1234,"3,83":1235,"3,84":1236,"3,85":1237,"3,86":1238,"3,87":1239,"3,88":1240,"3,89":1241,"3,90":1242,"3,91":1243,"3,92":1244,"3,93":1245,"3,94":1246,"3,95":1247,"3,96":1248,"3,97":1249,"3,98":1250,"3,99":1251,"3,100":1252,"3,101":1253,"3,102":1254,"3,103":1255,"3,104":1256,"3,105":1257,"3,106":1258,"3,107":1259,"3,108":1260,"3,109":1261,"3,110":1262,"3,111":1263,"3,112":1264,"3,113":1265,"3,114":1266,"3,115":1267,"3,116":1268,"3,117":1269,"3,118":1270,"3,119":1271,"3,120":1272,"3,121":1273,"3,122":1274,"3,123":1275,"3,124":1276,"3,125":1277,"3,126":1278,"3,127":1279,"3,128":1280,"3,129":1281,"3,130":1282,"3,131":1283,"3,132":1284,"3,133":1285,"3,134":1286,"3,135":1287,"3,136":1288,"3,137":1289,"3,138":1290,"3,139":1291,"3,140":1292,"3,141":1293,"3,142":1294,"3,143":1295,"3,144":1296,"3,145":1297,"3,146":1298,"3,147":1299,"3,148":1300,"3,149":1301,"3,150":1302,"3,151":1303,"3,152":1304,"3,153":1305,"3,154":1306,"3,155":1307,"3,156":1308,"3,157":1309,"3,158":1310,"3,159":1311,"3,160":1312,"3,161":1313,"3,162":1314,"3,163":1315,"3,164":1316,"3,165":1317,"3,166":1318,"3,167":1319,"3,168":1320,"3,169":1321,"3,170":1322,"3,171":1323,"3,172":1324,"3,173":1325,"3,174":1326,"3,175":1327,"3,176":1328,"3,177":1329,"3,178":1330,"3,179":1331,"3,180":1332,"3,181":1333,"3,182":1334,"3,183":1335,"3,184":1336,"3,185":1337,"3,186":1338,"3,187":1339,"3,188":1340,"3,189":1341,"3,190":1342,"3,191":1343,"3,192":1344,"3,193":1345,"3,194":1346,"3,195":1347,"3,196":1348,"3,197":1349,"3,198":1350,"3,199":1351,"3,200":1352,"3,201":1353,"3,202":1354,"3,203":1355,"3,204":1356,"3,205":1357,"3,206":1358,"3,207":1359,"3,208":1360,"3,209":1361,"3,210":1362,"3,211":1363,"3,212":1364,"3,213":1365,"3,214":1366,"3,215":1367,"3,216":1368,"3,217":1369,"3,218":1370,"3,219":1371,"3,220":1372,"3,221":1373,"3,222":1374,"3,223":1375,"3,224":1376,"3,225":1377,"3,226":1378,"3,227":1379,"3,228":1380,"3,229":1381,"3,230":1382,"3,231":1383,"3,232":1384,"3,233":1385,"3,234":1386,"3,235":1387,"3,236":1388,"3,237":1389,"3,238":1390,"3,239":1391,"3,240":1392,"3,241":1393,"3,242":1394,"3,243":1395,"3,244":1396,"3,245":1397,"3,246":1398,"3,247":1399,"3,248":1400,"3,249":1401,"3,250":1402,"3,251":1403,"3,252":1404,"3,253":1405,"3,254":1406,"3,255":1407,"3,256":1408,"3,257":1409,"3,258":1410,"3,259":1411,"3,260":1412,"3,261":1413,"3,262":1414,"3,263":1415,"3,264":1416,"3,265":1417,"3,266":1418,"3,267":1419,"3,268":1420,"3,269":1421,"3,270":1422,"3,271":1423,"3,272":1424,"3,273":1425,"3,274":1426,"3,275":1427,"3,276":1428,"3,277":1429,"3,278":1430,"3,279":1431,"3,280":1432,"3,281":1433,"3,282":1434,"3,283":1435,"3,284":1436,"3,285":1437,"3,286":1438,"3,287":1439,"3,288":1440,"3,289":1441,"3,290":1442,"3,291":1443,"3,292":1444,"3,293":1445,"3,294":1446,"3,295":1447,"3,296":1448,"3,297":1449,"3,298":1450,"3,299":1451,"3,300":1452,"3,301":1453,"3,302":1454,"3,303":1455,"3,304":1456,"3,305":1457,"3,306":1458,"3,307":1459,"3,308":1460,"3,309":1461,"3,310":1462,"3,311":1463,"3,312":1464,"3,313":1465,"3,314":1466,"3,315":1467,"3,316":1468,"3,317":1469,"3,318":1470,"3,319":1471,"3,320":1472,"3,321":1473,"3,322":1474,"3,323":1475,"3,324":1476,"3,325":1477,"3,326":1478,"3,327":1479,"3,328":1480,"3,329":1481,"3,330":1482,"3,331":1483,"3,332":1484,"3,333":1485,"3,334":1486,"3,335":1487,"3,336":1488,"3,337":1489,"3,338":1490,"3,339":1491,"3,340":1492,"3,341":1493,"3,342":1494,"3,343":1495,"3,344":1496,"3,345":1497,"3,346":1498,"3,347":1499,"3,348":1500,"3,349":1501,"3,350":1502,"3,351":1503,"3,352":1504,"3,353":1505,"3,354":1506,"3,355":1507,"3,356":1508,"3,357":1509,"3,358":1510,"3,359":1511,"3,360":1512,"3,361":1513,"3,362":1514,"3,363":1515,"3,364":1516,"3,365":1517,"3,366":1518,"3,367":1519,"3,368":1520,"3,369":1521,"3,370":1522,"3,371":1523,"3,372":1524,"3,373":1525,"3,374":1526,"3,375":1527,"3,376":1528,"3,377":1529,"3,378":1530,"3,379":1531,"3,380":1532,"3,381":1533,"3,382":1534,"3,383":1535,"3,384":1536,"3,385":1537,"3,386":1538,"3,387":1539,"3,388":1540,"3,389":1541,"3,390":1542,"3,391":1543,"3,392":1544,"3,393":1545,"3,394":1546,"3,395":1547,"3,396":1548,"3,397":1549,"3,398":1550,"3,399":1551,"3,400":1552,"3,401":1553,"3,402":1554,"3,403":1555,"3,404":1556,"3,405":1557,"3,406":1558,"3,407":1559,"3,408":1560,"3,409":1561,"3,410":1562,"3,411":1563,"3,412":1564,"3,413":1565,"3,414":1566,"3,415":1567,"3,416":1568,"3,417":1569,"3,418":1570,"3,419":1571,"3,420":1572,"3,421":1573,"3,422":1574,"3,423":1575,"3,424":1576,"3,425":1577,"3,426":1578,"3,427":1579,"3,428":1580,"3,429":1581,"3,430":1582,"3,431":1583,"3,432":1584,"3,433":1585,"3,434":1586,"3,435":1587,"3,436":1588,"3,437":1589,"3,438":1590,"3,439":1591,"3,440":1592,"3,441":1593,"3,442":1594,"3,443":1595,"3,444":1596,"3,445":1597,"3,446":1598,"3,447":1599,"3,448":1600,"3,449":1601,"3,450":1602,"3,451":1603,"3,452":1604,"3,453":1605,"3,454":1606,"3,455":1607,"3,456":1608,"3,457":1609,"3,458":1610,"3,459":1611,"3,460":1612,"3,461":1613,"3,462":1614,"3,463":1615,"3,464":1616,"3,465":1617,"3,466":1618,"3,467":1619,"3,468":1620,"3,469":1621,"3,470":1622,"3,471":1623,"3,472":1624,"3,473":1625,"3,474":1626,"3,475":1627,"3,476":1628,"3,477":1629,"3,478":1630,"3,479":1631,"3,480":1632,"3,481":1633,"4,5":1634,"4,6":1635,"4,7":1636,"4,8":1637,"4,9":1638,"4,10":1639,"4,11":1640,"4,12":1641,"4,13":1642,"4,14":1643,"4,15":1644,"4,16":1645,"4,17":1646,"4,18":1647,"4,19":1648,"4,20":1649,"4,21":1650,"4,22":1651,"4,23":1652,"4,24":1653,"4,25":1654,"4,26":1655,"4,27":1656,"4,28":1657,"4,29":1658,"4,30":1659,"4,31":1660,"4,32":1661,"4,33":1662,"4,34":1663,"4,35":1664,"4,36":1665,"4,37":1666,"4,38":1667,"4,39":1668,"4,40":1669,"4,41":1670,"4,42":1671,"4,43":1672,"4,44":1673,"4,45":1674,"4,46":1675,"4,47":1676,"4,48":1677,"4,49":1678,"4,50":1679,"4,51":1680,"4,52":1681,"4,53":1682,"4,54":1683,"4,55":1684,"4,56":1685,"4,57":1686,"4,58":1687,"4,59":1688,"4,60":1689,"4,61":1690,"4,62":1691,"4,63":1692,"4,64":1693,"4,65":1694,"4,66":1695,"4,67":1696,"4,68":1697,"4,69":1698,"4,70":1699,"4,71":1700,"4,72":1701,"4,73":1702,"4,74":1703,"4,75":1704,"4,76":1705,"4,77":1706,"4,78":1707,"4,79":1708,"4,80":1709,"4,81":1710,"4,82":1711,"4,83":1712,"4,84":1713,"4,85":1714,"4,86":1715,"4,87":1716,"4,88":1717,"4,89":1718,"4,90":1719,"4,91":1720,"4,92":1721,"4,93":1722,"4,94":1723,"4,95":1724,"4,96":1725,"4,97":1726,"4,98":1727,"4,99":1728,"4,100":1729,"4,101":1730,"4,102":1731,"4,103":1732,"4,104":1733,"4,105":1734,"4,106":1735,"4,107":1736,"4,108":1737,"4,109":1738,"4,110":1739,"4,111":1740,"4,112":1741,"4,113":1742,"4,114":1743,"4,115":1744,"4,116":1745,"4,117":1746,"4,118":1747,"4,119":1748,"4,120":1749,"4,121":1750,"4,122":1751,"4,123":1752,"4,124":1753,"4,125":1754,"4,126":1755,"4,127":1756,"4,128":1757,"4,129":1758,"4,130":1759,"4,131":1760,"4,132":1761,"4,133":1762,"4,134":1763,"4,135":1764,"4,136":1765,"4,137":1766,"4,138":1767,"4,139":1768,"4,140":1769,"4,141":1770,"4,142":1771,"4,143":1772,"4,144":1773,"4,145":1774,"4,146":1775,"4,147":1776,"4,148":1777,"4,149":1778,"4,150":1779,"4,151":1780,"4,152":1781,"4,153":1782,"4,154":1783,"4,155":1784,"4,156":1785,"4,157":1786,"4,158":1787,"4,159":1788,"4,160":1789,"4,161":1790,"4,162":1791,"4,163":1792,"4,164":1793,"4,165":1794,"4,166":1795,"4,167":1796,"4,168":1797,"4,169":1798,"4,170":1799,"4,171":1800,"4,172":1801,"4,173":1802,"4,174":1803,"4,175":1804,"4,176":1805,"4,177":1806,"4,178":1807,"4,179":1808,"4,180":1809,"4,181":1810,"4,182":1811,"4,183":1812,"4,184":1813,"4,185":1814,"4,186":1815,"4,187":1816,"4,188":1817,"4,189":1818,"4,190":1819,"4,191":1820,"4,192":1821,"4,193":1822,"4,194":1823,"4,195":1824,"4,196":1825,"4,197":1826,"4,198":1827,"4,199":1828,"4,200":1829,"4,201":1830,"4,202":1831,"4,203":1832,"4,204":1833,"4,205":1834,"4,206":1835,"4,207":1836,"4,208":1837,"4,209":1838,"4,210":1839,"4,211":1840,"4,212":1841,"4,213":1842,"4,214":1843,"4,215":1844,"4,216":1845,"4,217":1846,"4,218":1847,"4,219":1848,"4,220":1849,"4,221":1850,"4,222":1851,"4,223":1852,"4,224":1853,"4,225":1854,"4,226":1855,"4,227":1856,"4,228":1857,"4,229":1858,"4,230":1859,"4,231":1860,"4,232":1861,"4,233":1862,"4,234":1863,"4,235":1864,"4,236":1865,"4,237":1866,"4,238":1867,"4,239":1868,"4,240":1869,"4,241":1870,"4,242":1871,"4,243":1872,"4,244":1873,"4,245":1874,"4,246":1875,"4,247":1876,"4,248":1877,"4,249":1878,"4,250":1879,"4,251":1880,"4,252":1881,"4,253":1882,"4,254":1883,"4,255":1884,"4,256":1885,"4,257":1886,"4,258":1887,"4,259":1888,"4,260":1889,"4,261":1890,"4,262":1891,"4,263":1892,"4,264":1893,"4,265":1894,"4,266":1895,"4,267":1896,"4,268":1897,"4,269":1898,"4,270":1899,"4,271":1900,"4,272":1901,"4,273":1902,"4,274":1903,"4,275":1904,"4,276":1905,"4,277":1906,"4,278":1907,"4,279":1908,"4,280":1909,"4,281":1910,"4,282":1911,"4,283":1912,"4,284":1913,"4,285":1914,"4,286":1915,"4,287":1916,"4,288":1917,"4,289":1918,"4,290":1919,"4,291":1920,"4,292":1921,"4,293":1922,"4,294":1923,"4,295":1924,"4,296":1925,"4,297":1926,"4,298":1927,"4,299":1928,"4,300":1929,"4,301":1930,"4,302":1931,"4,303":1932,"4,304":1933,"4,305":1934,"4,306":1935,"4,307":1936,"4,308":1937,"4,309":1938,"4,310":1939,"4,311":1940,"4,312":1941,"4,313":1942,"4,314":1943,"4,315":1944,"4,316":1945,"4,317":1946,"4,318":1947,"4,319":1948,"4,320":1949,"4,321":1950,"4,322":1951,"4,323":1952,"4,324":1953,"4,325":1954,"4,326":1955,"4,327":1956,"4,328":1957,"4,329":1958,"4,330":1959,"4,331":1960,"4,332":1961,"4,333":1962,"4,334":1963,"4,335":1964,"4,336":1965,"4,337":1966,"4,338":1967,"4,339":1968,"4,340":1969,"4,341":1970,"4,342":1971,"4,343":1972,"4,344":1973,"4,345":1974,"4,346":1975,"4,347":1976,"4,348":1977,"4,349":1978,"4,350":1979,"4,351":1980,"4,352":1981,"4,353":1982,"4,354":1983,"4,355":1984,"4,356":1985,"4,357":1986,"4,358":1987,"4,359":1988,"4,360":1989,"4,361":1990,"4,362":1991,"4,363":1992,"4,364":1993,"4,365":1994,"4,366":1995,"4,367":1996,"4,368":1997,"4,369":1998,"4,370":1999,"4,371":2000,"4,372":2001,"4,373":2002,"4,374":2003,"4,375":2004,"4,376":2005,"4,377":2006,"4,378":2007,"4,379":2008,"4,380":2009,"4,381":2010,"4,382":2011,"4,383":2012,"4,384":2013,"4,385":2014,"4,386":2015,"4,387":2016,"4,388":2017,"4,389":2018,"4,390":2019,"4,391":2020,"4,392":2021,"4,393":2022,"4,394":2023,"4,395":2024,"4,396":2025,"4,397":2026,"4,398":2027,"4,399":2028,"4,400":2029,"4,401":2030,"4,402":2031,"5,5":2032,"5,6":2033,"5,7":2034,"5,8":2035,"5,9":2036,"5,10":2037,"5,11":2038,"5,12":2039,"5,13":2040,"5,14":2041,"5,15":2042,"5,16":2043,"5,17":2044,"5,18":2045,"5,19":2046,"5,20":2047,"5,21":2048,"5,22":2049,"5,23":2050,"5,24":2051,"5,25":2052,"5,26":2053,"5,27":2054,"5,28":2055,"5,29":2056,"5,30":2057,"5,31":2058,"5,32":2059,"5,33":2060,"5,34":2061,"5,35":2062,"5,36":2063,"5,37":2064,"5,38":2065,"5,39":2066,"5,40":2067,"5,41":2068,"5,42":2069,"5,43":2070,"5,44":2071,"5,45":2072,"5,46":2073,"5,47":2074,"5,48":2075,"5,49":2076,"5,50":2077,"5,51":2078,"5,52":2079,"5,53":2080,"5,54":2081,"5,55":2082,"5,56":2083,"5,57":2084,"5,58":2085,"5,59":2086,"5,60":2087,"5,61":2088,"5,62":2089,"5,63":2090,"5,64":2091,"5,65":2092,"5,66":2093,"5,67":2094,"5,68":2095,"5,69":2096,"5,70":2097,"5,71":2098,"5,72":2099,"5,73":2100,"5,74":2101,"5,75":2102,"5,76":2103,"5,77":2104,"5,78":2105,"5,79":2106,"5,80":2107,"5,81":2108,"5,82":2109,"5,83":2110,"5,84":2111,"5,85":2112,"5,86":2113,"5,87":2114,"5,88":2115,"5,89":2116,"5,90":2117,"5,91":2118,"5,92":2119,"5,93":2120,"5,94":2121,"5,95":2122,"5,96":2123,"5,97":2124,"5,98":2125,"5,99":2126,"5,100":2127,"5,101":2128,"5,102":2129,"5,103":2130,"5,104":2131,"5,105":2132,"5,106":2133,"5,107":2134,"5,108":2135,"5,109":2136,"5,110":2137,"5,111":2138,"5,112":2139,"5,113":2140,"5,114":2141,"5,115":2142,"5,116":2143,"5,117":2144,"5,118":2145,"5,119":2146,"5,120":2147,"5,121":2148,"5,122":2149,"5,123":2150,"5,124":2151,"5,125":2152,"5,126":2153,"5,127":2154,"5,128":2155,"5,129":2156,"5,130":2157,"5,131":2158,"5,132":2159,"5,133":2160,"5,134":2161,"5,135":2162,"5,136":2163,"5,137":2164,"5,138":2165,"5,139":2166,"5,140":2167,"5,141":2168,"5,142":2169,"5,143":2170,"5,144":2171,"5,145":2172,"5,146":2173,"5,147":2174,"5,148":2175,"5,149":2176,"5,150":2177,"5,151":2178,"5,152":2179,"5,153":2180,"5,154":2181,"5,155":2182,"5,156":2183,"5,157":2184,"5,158":2185,"5,159":2186,"5,160":2187,"5,161":2188,"5,162":2189,"5,163":2190,"5,164":2191,"5,165":2192,"5,166":2193,"5,167":2194,"5,168":2195,"5,169":2196,"5,170":2197,"5,171":2198,"5,172":2199,"5,173":2200,"5,174":2201,"5,175":2202,"5,176":2203,"5,177":2204,"5,178":2205,"5,179":2206,"5,180":2207,"5,181":2208,"5,182":2209,"5,183":2210,"5,184":2211,"5,185":2212,"5,186":2213,"5,187":2214,"5,188":2215,"5,189":2216,"5,190":2217,"5,191":2218,"5,192":2219,"5,193":2220,"5,194":2221,"5,195":2222,"5,196":2223,"5,197":2224,"5,198":2225,"5,199":2226,"5,200":2227,"5,201":2228,"5,202":2229,"5,203":2230,"5,204":2231,"5,205":2232,"5,206":2233,"5,207":2234,"5,208":2235,"5,209":2236,"5,210":2237,"5,211":2238,"5,212":2239,"5,213":2240,"5,214":2241,"5,215":2242,"5,216":2243,"5,217":2244,"5,218":2245,"5,219":2246,"5,220":2247,"5,221":2248,"5,222":2249,"5,223":2250,"5,224":2251,"5,225":2252,"5,226":2253,"5,227":2254,"5,228":2255,"5,229":2256,"5,230":2257,"5,231":2258,"5,232":2259,"5,233":2260,"5,234":2261,"5,235":2262,"5,236":2263,"5,237":2264,"5,238":2265,"5,239":2266,"5,240":2267,"5,241":2268,"5,242":2269,"5,243":2270,"5,244":2271,"5,245":2272,"5,246":2273,"5,247":2274,"5,248":2275,"5,249":2276,"5,250":2277,"5,251":2278,"5,252":2279,"5,253":2280,"5,254":2281,"5,255":2282,"5,256":2283,"5,257":2284,"5,258":2285,"5,259":2286,"5,260":2287,"5,261":2288,"5,262":2289,"5,263":2290,"5,264":2291,"5,265":2292,"5,266":2293,"5,267":2294,"5,268":2295,"5,269":2296,"5,270":2297,"5,271":2298,"5,272":2299,"5,273":2300,"5,274":2301,"5,275":2302,"5,276":2303,"5,277":2304,"5,278":2305,"5,279":2306,"5,280":2307,"5,281":2308,"5,282":2309,"5,283":2310,"5,284":2311,"5,285":2312,"5,286":2313,"5,287":2314,"5,288":2315,"5,289":2316,"5,290":2317,"5,291":2318,"5,292":2319,"5,293":2320,"5,294":2321,"5,295":2322,"5,296":2323,"5,297":2324,"5,298":2325,"5,299":2326,"5,300":2327,"5,301":2328,"5,302":2329,"5,303":2330,"5,304":2331,"5,305":2332,"5,306":2333,"5,307":2334,"5,308":2335,"5,309":2336,"5,310":2337,"5,311":2338,"5,312":2339,"5,313":2340,"5,314":2341,"5,315":2342,"5,316":2343,"5,317":2344,"5,318":2345,"5,319":2346,"5,320":2347,"5,321":2348,"5,322":2349,"5,323":2350,"5,324":2351,"5,325":2352,"5,326":2353,"5,327":2354,"5,328":2355,"5,329":2356,"5,330":2357,"5,331":2358,"5,332":2359,"5,333":2360,"5,334":2361,"5,335":2362,"5,336":2363,"5,337":2364,"5,338":2365,"5,339":2366,"5,340":2367,"5,341":2368,"5,342":2369,"5,343":2370,"5,344":2371,"5,345":2372,"5,346":2373,"5,347":2374,"5,348":2375,"5,349":2376,"5,350":2377,"5,351":2378,"5,352":2379,"5,353":2380,"5,354":2381,"5,355":2382,"5,356":2383,"5,357":2384,"5,358":2385,"5,359":2386,"5,360":2387,"5,361":2388,"5,362":2389,"5,363":2390,"5,364":2391,"5,365":2392,"5,366":2393,"5,367":2394,"5,368":2395,"5,369":2396,"5,370":2397,"5,371":2398,"5,372":2399,"5,373":2400,"5,374":2401,"5,375":2402,"5,376":2403,"5,377":2404,"5,378":2405,"5,379":2406,"5,380":2407,"5,381":2408,"5,382":2409,"5,383":2410,"5,384":2411,"5,385":2412,"5,386":2413,"5,387":2414,"5,388":2415,"5,389":2416,"5,390":2417,"5,391":2418,"5,392":2419,"5,393":2420,"5,394":2421,"5,395":2422,"5,396":2423,"5,397":2424,"5,398":2425,"5,399":2426,"5,400":2427,"5,401":2428,"5,402":2429,"5,403":2430,"5,404":2431,"5,405":2432,"5,406":2433,"5,407":2434,"5,408":2435,"5,409":2436,"5,410":2437,"5,411":2438,"5,412":2439,"5,413":2440,"5,414":2441,"5,415":2442,"5,416":2443,"5,417":2444,"5,418":2445,"5,419":2446,"5,420":2447,"5,421":2448,"5,422":2449,"5,423":2450,"5,424":2451,"5,425":2452,"5,426":2453,"5,427":2454,"5,428":2455,"5,429":2456,"5,430":2457,"5,431":2458,"5,432":2459,"6,5":2460,"6,6":2461,"6,7":2462,"6,8":2463,"6,9":2464,"6,10":2465,"6,11":2466,"6,12":2467,"6,13":2468,"6,14":2469,"6,15":2470,"6,16":2471,"6,17":2472,"6,18":2473,"6,19":2474,"6,20":2475,"6,21":2476,"6,22":2477,"6,23":2478,"6,24":2479,"6,25":2480,"6,26":2481,"6,27":2482,"6,28":2483,"6,29":2484,"6,30":2485,"6,31":2486,"6,32":2487,"6,33":2488,"6,34":2489,"6,35":2490,"6,36":2491,"6,37":2492,"6,38":2493,"6,39":2494,"6,40":2495,"6,41":2496,"6,42":2497,"6,43":2498,"6,44":2499,"6,45":2500,"6,46":2501,"6,47":2502,"6,48":2503,"6,49":2504,"6,50":2505,"6,51":2506,"6,52":2507,"6,53":2508,"6,54":2509,"6,55":2510,"6,56":2511,"6,57":2512,"6,58":2513,"6,59":2514,"6,60":2515,"6,61":2516,"6,62":2517,"6,63":2518,"6,64":2519,"6,65":2520,"6,66":2521,"6,67":2522,"6,68":2523,"6,69":2524,"6,70":2525,"6,71":2526,"6,72":2527,"6,73":2528,"6,74":2529,"6,75":2530,"6,76":2531,"6,77":2532,"6,78":2533,"6,79":2534,"6,80":2535,"6,81":2536,"6,82":2537,"6,83":2538,"6,84":2539,"6,85":2540,"6,86":2541,"6,87":2542,"6,88":2543,"6,89":2544,"6,90":2545,"6,91":2546,"6,92":2547,"6,93":2548,"6,94":2549,"6,95":2550,"6,96":2551,"6,97":2552,"6,98":2553,"6,99":2554,"6,100":2555,"6,101":2556,"6,102":2557,"6,103":2558,"6,104":2559,"6,105":2560,"6,106":2561,"6,107":2562,"6,108":2563,"6,109":2564,"6,110":2565,"6,111":2566,"6,112":2567,"6,113":2568,"6,114":2569,"6,115":2570,"6,116":2571,"6,117":2572,"6,118":2573,"6,119":2574,"6,120":2575,"6,121":2576,"6,122":2577,"6,123":2578,"6,124":2579,"6,125":2580,"6,126":2581,"6,127":2582,"6,128":2583,"6,129":2584,"6,130":2585,"6,131":2586,"6,132":2587,"6,133":2588,"6,134":2589,"6,135":2590,"6,136":2591,"6,137":2592,"6,138":2593,"6,139":2594,"6,140":2595,"6,141":2596,"6,142":2597,"6,143":2598,"6,144":2599,"6,145":2600,"6,146":2601,"6,147":2602,"6,148":2603,"6,149":2604,"6,150":2605,"6,151":2606,"6,152":2607,"6,153":2608,"6,154":2609,"6,155":2610,"6,156":2611,"6,157":2612,"6,158":2613,"6,159":2614,"6,160":2615,"6,161":2616,"6,162":2617,"6,163":2618,"6,164":2619,"6,165":2620,"6,166":2621,"6,167":2622,"6,168":2623,"6,169":2624,"6,170":2625,"6,171":2626,"6,172":2627,"6,173":2628,"6,174":2629,"6,175":2630,"6,176":2631,"6,177":2632,"6,178":2633,"6,179":2634,"6,180":2635,"6,181":2636,"6,182":2637,"6,183":2638,"6,184":2639,"6,185":2640,"6,186":2641,"6,187":2642,"6,188":2643,"6,189":2644,"6,190":2645,"6,191":2646,"6,192":2647,"6,193":2648,"6,194":2649,"6,195":2650,"6,196":2651,"6,197":2652,"6,198":2653,"6,199":2654,"6,200":2655,"6,201":2656,"6,202":2657,"6,203":2658,"6,204":2659,"6,205":2660,"6,206":2661,"6,207":2662,"6,208":2663,"6,209":2664,"6,210":2665,"6,211":2666,"6,212":2667,"6,213":2668,"6,214":2669,"6,215":2670,"6,216":2671,"6,217":2672,"6,218":2673,"6,219":2674,"6,220":2675,"6,221":2676,"6,222":2677,"6,223":2678,"6,224":2679,"6,225":2680,"6,226":2681,"6,227":2682,"6,228":2683,"6,229":2684,"6,230":2685,"6,231":2686,"6,232":2687,"6,233":2688,"6,234":2689,"6,235":2690,"6,236":2691,"6,237":2692,"6,238":2693,"6,239":2694,"6,240":2695,"6,241":2696,"6,242":2697,"6,243":2698,"6,244":2699,"6,245":2700,"6,246":2701,"6,247":2702,"6,248":2703,"6,249":2704,"6,250":2705,"6,251":2706,"6,252":2707,"6,253":2708,"6,254":2709,"6,255":2710,"6,257":2711,"6,258":2712,"6,259":2713,"6,260":2714,"6,261":2715,"6,262":2716,"6,263":2717,"6,264":2718,"6,265":2719,"6,266":2720,"6,267":2721,"6,268":2722,"6,269":2723,"6,270":2724,"6,271":2725,"6,272":2726,"6,273":2727,"6,274":2728,"6,275":2729,"6,276":2730,"6,277":2731,"6,278":2732,"6,279":2733,"6,280":2734,"6,281":2735,"6,282":2736,"6,283":2737,"6,284":2738,"6,285":2739,"6,286":2740,"6,287":2741,"6,288":2742,"6,289":2743,"6,290":2744,"6,291":2745,"6,292":2746,"6,293":2747,"6,294":2748,"6,295":2749,"6,296":2750,"6,297":2751,"6,298":2752,"6,299":2753,"6,300":2754,"6,301":2755,"6,302":2756,"6,303":2757,"6,304":2758,"6,305":2759,"6,306":2760,"6,307":2761,"6,308":2762,"6,309":2763,"6,310":2764,"6,311":2765,"6,312":2766,"6,313":2767,"6,314":2768,"6,315":2769,"6,316":2770,"6,317":2771,"6,318":2772,"6,319":2773,"6,320":2774,"6,321":2775,"6,322":2776,"6,323":2777,"6,324":2778,"6,325":2779,"6,326":2780,"6,327":2781,"6,328":2782,"6,329":2783,"6,330":2784,"6,331":2785,"6,332":2786,"6,333":2787,"6,334":2788,"6,335":2789,"6,336":2790,"6,337":2791,"6,338":2792,"6,339":2793,"6,340":2794,"6,341":2795,"6,342":2796,"6,343":2797,"6,344":2798,"6,345":2799,"6,346":2800,"6,347":2801,"6,348":2802,"6,349":2803,"6,350":2804,"6,351":2805,"6,352":2806,"6,353":2807,"6,354":2808,"6,355":2809,"6,356":2810,"6,357":2811,"6,358":2812,"6,359":2813,"6,360":2814,"6,361":2815,"6,362":2816,"6,363":2817,"6,364":2818,"6,365":2819,"6,366":2820,"6,367":2821,"6,368":2822,"6,369":2823,"6,370":2824,"6,371":2825,"6,372":2826,"6,373":2827,"6,374":2828,"6,375":2829,"6,376":2830,"6,377":2831,"6,378":2832,"6,379":2833,"6,380":2834,"6,381":2835,"6,382":2836,"6,383":2837,"6,384":2838,"6,385":2839,"6,386":2840,"6,387":2841,"6,388":2842,"6,389":2843,"6,390":2844,"6,391":2845,"6,392":2846,"6,393":2847,"6,394":2848,"6,395":2849,"6,396":2850,"6,397":2851,"6,398":2852,"6,399":2853,"6,400":2854,"6,401":2855,"6,402":2856,"6,403":2857,"6,404":2858,"6,405":2859,"6,406":2860,"6,407":2861,"6,408":2862,"6,409":2863,"6,410":2864,"6,411":2865,"6,412":2866,"6,413":2867,"6,414":2868,"6,415":2869,"6,416":2870,"6,417":2871,"6,418":2872,"6,419":2873,"6,420":2874,"6,421":2875,"6,422":2876,"6,423":2877,"6,424":2878,"6,425":2879,"6,426":2880,"6,427":2881,"6,428":2882,"6,429":2883,"6,430":2884,"6,431":2885,"6,432":2886,"6,433":2887,"6,434":2888,"6,435":2889,"6,436":2890,"6,437":2891,"6,438":2892,"6,439":2893,"6,440":2894,"6,441":2895,"6,442":2896,"6,443":2897,"6,444":2898,"6,445":2899,"6,446":2900,"6,447":2901,"6,448":2902,"6,449":2903,"6,450":2904,"6,451":2905,"6,452":2906,"6,453":2907,"6,454":2908,"6,455":2909,"6,456":2910,"6,457":2911,"6,458":2912,"6,459":2913,"6,460":2914,"6,461":2915,"6,462":2916,"6,463":2917,"6,464":2918,"6,465":2919,"6,466":2920,"6,467":2921,"6,468":2922,"6,469":2923,"6,470":2924,"6,471":2925,"6,472":2926,"6,473":2927,"6,474":2928,"6,475":2929,"6,476":2930,"6,477":2931,"6,478":2932,"6,479":2933,"6,480":2934,"6,481":2935,"6,482":2936,"6,483":2937,"6,484":2938,"6,485":2939,"6,486":2940,"6,487":2941,"6,488":2942,"6,489":2943,"6,490":2944,"6,491":2945,"6,492":2946,"6,493":2947,"6,494":2948,"6,495":2949,"6,496":2950,"6,497":2951,"6,498":2952,"6,499":2953,"6,500":2954,"6,501":2955,"6,502":2956,"6,503":2957,"6,504":2958,"6,505":2959,"6,506":2960,"6,507":2961,"6,508":2962,"7,5":2963,"7,6":2964,"7,7":2965,"7,8":2966,"7,9":2967,"7,10":2968,"7,11":2969,"7,12":2970,"7,13":2971,"7,14":2972,"7,15":2973,"7,16":2974,"7,17":2975,"7,18":2976,"7,19":2977,"7,20":2978,"7,21":2979,"7,22":2980,"7,23":2981,"7,24":2982,"7,25":2983,"7,26":2984,"7,27":2985,"7,28":2986,"7,29":2987,"7,30":2988,"7,31":2989,"7,32":2990,"7,33":2991,"7,34":2992,"7,35":2993,"7,36":2994,"7,37":2995,"7,38":2996,"7,39":2997,"7,40":2998,"7,41":2999,"7,42":3000,"7,43":3001,"7,44":3002,"7,45":3003,"7,46":3004,"7,47":3005,"7,48":3006,"7,49":3007,"7,50":3008,"7,51":3009,"7,52":3010,"7,53":3011,"7,54":3012,"7,55":3013,"7,56":3014,"7,57":3015,"7,58":3016,"7,59":3017,"7,60":3018,"7,61":3019,"7,62":3020,"7,63":3021,"7,64":3022,"7,65":3023,"7,66":3024,"7,67":3025,"7,68":3026,"7,69":3027,"7,70":3028,"7,71":3029,"7,72":3030,"7,73":3031,"7,74":3032,"7,75":3033,"7,76":3034,"7,77":3035,"7,78":3036,"7,79":3037,"7,80":3038,"7,81":3039,"7,82":3040,"7,83":3041,"7,84":3042,"7,85":3043,"7,86":3044,"7,87":3045,"7,88":3046,"7,89":3047,"7,90":3048,"7,91":3049,"7,92":3050,"7,93":3051,"7,94":3052,"7,95":3053,"7,96":3054,"7,97":3055,"7,98":3056,"7,99":3057,"7,100":3058,"7,101":3059,"7,102":3060,"7,103":3061,"7,104":3062,"7,105":3063,"7,106":3064,"7,107":3065,"7,108":3066,"7,109":3067,"7,110":3068,"7,111":3069,"7,112":3070,"7,113":3071,"7,114":3072,"7,115":3073,"7,116":3074,"7,117":3075,"7,118":3076,"7,119":3077,"7,120":3078,"7,121":3079,"7,122":3080,"7,123":3081,"7,124":3082,"7,125":3083,"7,126":3084,"7,127":3085,"7,128":3086,"7,129":3087,"7,130":3088,"7,131":3089,"7,132":3090,"7,133":3091,"7,135":3092,"7,136":3093,"7,137":3094,"7,138":3095,"7,139":3096,"7,140":3097,"7,141":3098,"7,142":3099,"7,143":3100,"7,144":3101,"7,145":3102,"7,146":3103,"7,147":3104,"7,148":3105,"7,149":3106,"7,150":3107,"7,151":3108,"7,152":3109,"7,153":3110,"7,154":3111,"7,155":3112,"7,156":3113,"7,157":3114,"7,158":3115,"7,159":3116,"7,160":3117,"7,161":3118,"7,162":3119,"7,163":3120,"7,164":3121,"7,165":3122,"7,166":3123,"7,167":3124,"7,168":3125,"7,169":3126,"7,170":3127,"7,171":3128,"7,172":3129,"7,173":3130,"7,174":3131,"7,175":3132,"7,176":3133,"7,177":3134,"7,178":3135,"7,179":3136,"7,180":3137,"7,181":3138,"7,182":3139,"7,183":3140,"7,184":3141,"7,185":3142,"7,186":3143,"7,187":3144,"7,188":3145,"7,189":3146,"7,190":3147,"7,191":3148,"7,192":3149,"7,193":3150,"7,194":3151,"7,195":3152,"7,196":3153,"7,197":3154,"7,198":3155,"7,199":3156,"7,200":3157,"7,201":3158,"7,202":3159,"7,203":3160,"7,204":3161,"7,205":3162,"7,206":3163,"7,207":3164,"7,208":3165,"7,209":3166,"7,210":3167,"7,211":3168,"7,212":3169,"7,213":3170,"7,214":3171,"7,215":3172,"7,216":3173,"7,217":3174,"7,218":3175,"7,219":3176,"7,220":3177,"7,221":3178,"7,222":3179,"7,223":3180,"7,224":3181,"7,225":3182,"7,226":3183,"7,227":3184,"7,228":3185,"7,229":3186,"7,230":3187,"7,231":3188,"7,232":3189,"7,233":3190,"7,234":3191,"7,235":3192,"7,236":3193,"7,237":3194,"7,238":3195,"7,239":3196,"7,240":3197,"7,241":3198,"7,242":3199,"7,243":3200,"7,244":3201,"7,245":3202,"7,246":3203,"7,247":3204,"7,248":3205,"7,249":3206,"7,250":3207,"7,251":3208,"7,252":3209,"7,253":3210,"7,254":3211,"7,255":3212,"7,256":3213,"7,257":3214,"7,258":3215,"7,259":3216,"7,260":3217,"7,261":3218,"7,262":3219,"7,263":3220,"7,264":3221,"7,265":3222,"7,266":3223,"7,267":3224,"7,268":3225,"7,269":3226,"7,270":3227,"7,271":3228,"7,272":3229,"7,273":3230,"7,274":3231,"7,275":3232,"7,276":3233,"7,277":3234,"7,278":3235,"7,279":3236,"7,280":3237,"7,281":3238,"7,282":3239,"7,283":3240,"7,284":3241,"7,285":3242,"7,286":3243,"7,287":3244,"7,288":3245,"7,289":3246,"7,290":3247,"7,291":3248,"7,292":3249,"7,293":3250,"7,294":3251,"7,295":3252,"7,296":3253,"7,297":3254,"7,298":3255,"7,299":3256,"7,300":3257,"7,301":3258,"7,302":3259,"7,303":3260,"7,304":3261,"7,305":3262,"7,306":3263,"7,307":3264,"7,308":3265,"7,309":3266,"7,310":3267,"7,311":3268,"7,312":3269,"7,313":3270,"7,314":3271,"7,315":3272,"7,316":3273,"7,317":3274,"7,318":3275,"7,319":3276,"7,320":3277,"7,321":3278,"7,322":3279,"7,323":3280,"7,324":3281,"7,325":3282,"7,326":3283,"7,327":3284,"7,328":3285,"7,329":3286,"7,331":3287,"7,332":3288,"7,333":3289,"7,334":3290,"7,335":3291,"7,336":3292,"7,337":3293,"7,338":3294,"7,339":3295,"7,340":3296,"7,341":3297,"7,342":3298,"7,343":3299,"7,344":3300,"7,345":3301,"7,346":3302,"7,347":3303,"7,348":3304,"7,349":3305,"7,350":3306,"7,351":3307,"7,352":3308,"7,353":3309,"7,354":3310,"7,355":3311,"7,356":3312,"7,357":3313,"7,358":3314,"7,359":3315,"7,360":3316,"7,361":3317,"7,362":3318,"7,363":3319,"7,364":3320,"7,365":3321,"7,366":3322,"7,367":3323,"7,368":3324,"7,369":3325,"7,370":3326,"7,371":3327,"7,372":3328,"7,373":3329,"7,374":3330,"7,375":3331,"7,376":3332,"7,377":3333,"7,378":3334,"7,379":3335,"7,380":3336,"7,381":3337,"7,382":3338,"7,383":3339,"7,384":3340,"7,385":3341,"7,386":3342,"7,387":3343,"7,388":3344,"7,389":3345,"7,390":3346,"7,391":3347,"7,392":3348,"7,393":3349,"7,394":3350,"7,395":3351,"7,396":3352,"7,397":3353,"7,398":3354,"7,399":3355,"7,400":3356,"7,401":3357,"7,402":3358,"7,403":3359,"7,404":3360,"7,405":3361,"7,406":3362,"7,407":3363,"7,408":3364,"7,409":3365,"7,410":3366,"7,411":3367,"7,412":3368,"7,413":3369,"7,414":3370,"7,415":3371,"7,416":3372,"7,417":3373,"7,418":3374,"7,419":3375,"7,420":3376,"7,421":3377,"7,422":3378,"7,423":3379,"7,424":3380,"7,425":3381,"7,426":3382,"7,427":3383,"7,428":3384,"7,429":3385,"7,430":3386,"7,431":3387,"7,432":3388,"7,433":3389,"7,434":3390,"7,435":3391,"7,436":3392,"7,437":3393,"7,438":3394,"7,439":3395,"7,440":3396,"7,441":3397,"7,442":3398,"7,443":3399,"7,444":3400,"7,445":3401,"7,446":3402,"7,447":3403,"7,448":3404,"7,449":3405,"7,450":3406,"7,451":3407,"7,452":3408,"7,453":3409,"7,454":3410,"7,455":3411,"7,456":3412,"7,457":3413,"7,458":3414,"7,459":3415,"7,460":3416,"7,461":3417,"7,462":3418,"7,463":3419,"7,464":3420,"7,465":3421,"7,466":3422,"7,467":3423,"7,468":3424,"7,469":3425,"7,470":3426,"7,471":3427,"7,472":3428,"7,473":3429,"7,474":3430,"7,475":3431,"7,476":3432,"7,477":3433,"7,478":3434,"7,479":3435,"7,480":3436,"7,481":3437,"7,482":3438,"7,483":3439,"7,484":3440,"7,485":3441,"7,486":3442,"7,487":3443,"7,488":3444,"7,489":3445,"7,490":3446,"7,491":3447,"7,492":3448,"7,493":3449,"8,5":3450,"8,6":3451,"8,7":3452,"8,8":3453,"8,9":3454,"8,10":3455,"8,11":3456,"8,12":3457,"8,13":3458,"8,14":3459,"8,15":3460,"8,16":3461,"8,17":3462,"8,18":3463,"8,19":3464,"8,20":3465,"8,21":3466,"8,22":3467,"8,23":3468,"8,24":3469,"8,25":3470,"8,26":3471,"8,27":3472,"8,28":3473,"8,29":3474,"8,30":3475,"8,31":3476,"8,32":3477,"8,33":3478,"8,34":3479,"8,35":3480,"8,36":3481,"8,37":3482,"8,38":3483,"8,39":3484,"8,40":3485,"8,41":3486,"8,42":3487,"8,43":3488,"8,44":3489,"8,45":3490,"8,46":3491,"8,47":3492,"8,48":3493,"8,49":3494,"8,50":3495,"8,51":3496,"8,52":3497,"8,53":3498,"8,54":3499,"8,55":3500,"8,56":3501,"8,57":3502,"8,58":3503,"8,59":3504,"8,60":3505,"8,61":3506,"8,62":3507,"8,63":3508,"8,64":3509,"8,65":3510,"8,66":3511,"8,67":3512,"8,68":3513,"8,69":3514,"8,70":3515,"8,71":3516,"8,72":3517,"8,73":3518,"8,74":3519,"8,75":3520,"8,76":3521,"8,77":3522,"8,78":3523,"8,79":3524,"8,80":3525,"8,81":3526,"8,82":3527,"8,83":3528,"8,84":3529,"8,85":3530,"8,86":3531,"8,87":3532,"8,88":3533,"8,89":3534,"8,90":3535,"8,91":3536,"8,92":3537,"8,93":3538,"8,94":3539,"8,95":3540,"8,96":3541,"8,97":3542,"8,98":3543,"8,99":3544,"8,101":3545,"8,102":3546,"8,103":3547,"8,104":3548,"8,105":3549,"8,106":3550,"8,107":3551,"8,108":3552,"8,109":3553,"8,110":3554,"8,111":3555,"8,112":3556,"8,113":3557,"8,114":3558,"8,115":3559,"8,116":3560,"8,117":3561,"8,118":3562,"8,119":3563,"8,120":3564,"8,121":3565,"8,122":3566,"8,123":3567,"8,124":3568,"8,125":3569,"8,126":3570,"8,127":3571,"8,128":3572,"8,129":3573,"8,130":3574,"8,131":3575,"8,132":3576,"8,133":3577,"8,134":3578,"8,135":3579,"8,136":3580,"8,137":3581,"8,138":3582,"8,139":3583,"8,140":3584,"8,141":3585,"8,142":3586,"8,143":3587,"8,144":3588,"8,145":3589,"8,146":3590,"8,147":3591,"8,148":3592,"8,149":3593,"8,150":3594,"8,151":3595,"8,152":3596,"8,153":3597,"8,154":3598,"8,155":3599,"8,156":3600,"8,157":3601,"8,158":3602,"8,159":3603,"8,160":3604,"8,161":3605,"8,162":3606,"8,163":3607,"8,164":3608,"8,165":3609,"8,166":3610,"8,167":3611,"8,168":3612,"8,169":3613,"8,170":3614,"8,171":3615,"8,172":3616,"8,173":3617,"8,175":3618,"8,176":3619,"8,177":3620,"8,178":3621,"8,179":3622,"8,180":3623,"8,181":3624,"8,182":3625,"8,183":3626,"8,184":3627,"8,185":3628,"8,186":3629,"8,187":3630,"8,188":3631,"8,189":3632,"8,190":3633,"8,191":3634,"8,192":3635,"8,193":3636,"8,194":3637,"8,195":3638,"8,196":3639,"8,197":3640,"8,198":3641,"8,199":3642,"8,200":3643,"8,201":3644,"8,202":3645,"8,203":3646,"8,204":3647,"8,205":3648,"8,206":3649,"8,207":3650,"8,208":3651,"8,209":3652,"8,210":3653,"8,211":3654,"8,212":3655,"8,213":3656,"8,214":3657,"8,215":3658,"8,216":3659,"8,217":3660,"8,218":3661,"8,219":3662,"8,220":3663,"8,221":3664,"8,222":3665,"8,223":3666,"8,224":3667,"8,225":3668,"8,226":3669,"8,227":3670,"8,228":3671,"8,229":3672,"8,230":3673,"8,231":3674,"8,232":3675,"8,233":3676,"8,234":3677,"8,235":3678,"8,236":3679,"8,237":3680,"8,238":3681,"8,239":3682,"8,240":3683,"8,241":3684,"8,242":3685,"8,243":3686,"8,244":3687,"8,245":3688,"8,246":3689,"8,247":3690,"8,248":3691,"8,249":3692,"8,250":3693,"8,251":3694,"8,252":3695,"8,253":3696,"8,254":3697,"8,255":3698,"8,256":3699,"8,257":3700,"8,258":3701,"8,259":3702,"8,260":3703,"8,261":3704,"8,262":3705,"8,263":3706,"8,264":3707,"8,265":3708,"8,266":3709,"8,267":3710,"8,268":3711,"8,269":3712,"8,270":3713,"8,271":3714,"8,272":3715,"8,273":3716,"8,274":3717,"8,275":3718,"8,276":3719,"8,277":3720,"8,278":3721,"8,279":3722,"8,280":3723,"8,281":3724,"8,282":3725,"8,283":3726,"8,284":3727,"8,285":3728,"8,286":3729,"8,287":3730,"8,288":3731,"8,289":3732,"8,290":3733,"8,291":3734,"8,292":3735,"8,293":3736,"8,294":3737,"8,295":3738,"8,296":3739,"8,297":3740,"8,298":3741,"8,299":3742,"8,300":3743,"8,301":3744,"8,302":3745,"8,303":3746,"8,304":3747,"8,305":3748,"8,306":3749,"8,307":3750,"8,308":3751,"8,309":3752,"8,310":3753,"8,311":3754,"8,312":3755,"8,313":3756,"8,314":3757,"8,315":3758,"8,316":3759,"8,317":3760,"8,318":3761,"8,319":3762,"8,320":3763,"8,321":3764,"8,322":3765,"8,323":3766,"8,324":3767,"8,325":3768,"8,326":3769,"8,327":3770,"8,328":3771,"8,329":3772,"8,330":3773,"8,331":3774,"8,332":3775,"8,333":3776,"8,334":3777,"8,335":3778,"8,336":3779,"8,337":3780,"8,338":3781,"8,339":3782,"8,340":3783,"8,341":3784,"8,342":3785,"8,343":3786,"8,344":3787,"8,345":3788,"8,346":3789,"8,347":3790,"8,348":3791,"8,349":3792,"8,350":3793,"8,351":3794,"8,352":3795,"8,353":3796,"8,354":3797,"8,355":3798,"8,356":3799,"8,357":3800,"8,358":3801,"8,359":3802,"8,360":3803,"8,361":3804,"8,362":3805,"8,363":3806,"8,364":3807,"8,365":3808,"8,366":3809,"8,367":3810,"8,368":3811,"8,369":3812,"8,370":3813,"8,371":3814,"8,373":3815,"8,374":3816,"8,375":3817,"8,376":3818,"8,377":3819,"8,378":3820,"8,379":3821,"8,380":3822,"8,381":3823,"8,382":3824,"8,383":3825,"8,384":3826,"8,385":3827,"8,386":3828,"8,387":3829,"8,388":3830,"8,389":3831,"8,390":3832,"8,391":3833,"8,392":3834,"8,393":3835,"8,394":3836,"8,395":3837,"8,396":3838,"8,397":3839,"8,398":3840,"8,399":3841,"8,400":3842,"8,401":3843,"8,402":3844,"8,403":3845,"8,404":3846,"8,405":3847,"8,406":3848,"8,407":3849,"8,408":3850,"8,409":3851,"8,410":3852,"8,411":3853,"8,412":3854,"8,413":3855,"8,414":3856,"8,415":3857,"8,416":3858,"8,417":3859,"8,418":3860,"8,419":3861,"8,420":3862,"8,421":3863,"8,422":3864,"8,423":3865,"8,424":3866,"8,425":3867,"8,426":3868,"8,427":3869,"8,428":3870,"8,429":3871,"8,430":3872,"8,431":3873,"8,432":3874,"8,433":3875,"8,434":3876,"8,435":3877,"8,436":3878,"8,437":3879,"8,438":3880,"8,439":3881,"8,440":3882,"8,441":3883,"8,442":3884,"8,443":3885,"8,444":3886,"8,445":3887,"8,446":3888,"8,447":3889,"8,448":3890,"8,449":3891,"8,450":3892,"8,451":3893,"8,452":3894,"8,453":3895,"8,454":3896,"8,455":3897,"8,456":3898,"8,457":3899,"8,458":3900,"8,459":3901,"8,460":3902,"8,461":3903,"8,462":3904,"8,463":3905,"8,464":3906,"8,465":3907,"8,466":3908,"8,467":3909,"8,468":3910,"8,469":3911,"8,470":3912,"8,471":3913,"8,472":3914,"8,473":3915,"8,474":3916,"8,475":3917,"8,476":3918,"8,477":3919,"8,478":3920,"8,479":3921,"9,5":3922,"9,6":3923,"9,7":3924,"9,8":3925,"9,9":3926,"9,10":3927,"9,11":3928,"9,12":3929,"9,13":3930,"9,14":3931,"9,15":3932,"9,16":3933,"9,17":3934,"9,18":3935,"9,19":3936,"9,20":3937,"9,21":3938,"9,22":3939,"9,23":3940,"9,24":3941,"9,25":3942,"9,26":3943,"9,27":3944,"9,28":3945,"9,29":3946,"9,30":3947,"9,31":3948,"9,32":3949,"9,33":3950,"9,34":3951,"9,35":3952,"9,36":3953,"9,37":3954,"9,38":3955,"9,39":3956,"9,40":3957,"9,41":3958,"9,42":3959,"9,43":3960,"9,44":3961,"9,45":3962,"9,46":3963,"9,47":3964,"9,48":3965,"9,49":3966,"9,50":3967,"9,51":3968,"9,52":3969,"9,53":3970,"9,54":3971,"9,55":3972,"9,56":3973,"9,57":3974,"9,58":3975,"9,59":3976,"9,60":3977,"9,61":3978,"9,62":3979,"9,63":3980,"9,64":3981,"9,65":3982,"9,66":3983,"9,67":3984,"9,68":3985,"9,69":3986,"9,70":3987,"9,71":3988,"9,72":3989,"9,73":3990,"9,74":3991,"9,75":3992,"9,76":3993,"9,77":3994,"9,78":3995,"9,79":3996,"9,80":3997,"9,81":3998,"9,82":3999,"9,83":4000,"9,84":4001,"9,85":4002,"9,86":4003,"9,87":4004,"9,88":4005,"9,89":4006,"9,90":4007,"9,91":4008,"9,92":4009,"9,93":4010,"9,94":4011,"9,95":4012,"9,96":4013,"9,97":4014,"9,99":4015,"9,100":4016,"9,101":4017,"9,102":4018,"9,103":4019,"9,104":4020,"9,105":4021,"9,106":4022,"9,107":4023,"9,108":4024,"9,109":4025,"9,110":4026,"9,111":4027,"9,112":4028,"9,113":4029,"9,114":4030,"9,115":4031,"9,116":4032,"9,117":4033,"9,118":4034,"9,119":4035,"9,120":4036,"9,121":4037,"9,122":4038,"9,123":4039,"9,124":4040,"9,125":4041,"9,126":4042,"9,127":4043,"9,128":4044,"9,129":4045,"9,130":4046,"9,131":4047,"9,132":4048,"9,133":4049,"9,134":4050,"9,135":4051,"9,136":4052,"9,137":4053,"9,138":4054,"9,139":4055,"9,140":4056,"9,141":4057,"9,142":4058,"9,143":4059,"9,144":4060,"9,145":4061,"9,146":4062,"9,147":4063,"9,148":4064,"9,149":4065,"9,150":4066,"9,151":4067,"9,152":4068,"9,153":4069,"9,154":4070,"9,155":4071,"9,156":4072,"9,157":4073,"9,158":4074,"9,159":4075,"9,160":4076,"9,161":4077,"9,162":4078,"9,163":4079,"9,164":4080,"9,165":4081,"9,166":4082,"9,167":4083,"9,168":4084,"9,169":4085,"9,170":4086,"9,171":4087,"9,172":4088,"9,173":4089,"9,174":4090,"9,175":4091,"9,176":4092,"9,177":4093,"9,178":4094,"9,179":4095,"9,180":4096,"9,181":4097,"9,182":4098,"9,183":4099,"9,184":4100,"9,185":4101,"9,186":4102,"9,187":4103,"9,188":4104,"9,189":4105,"9,190":4106,"9,191":4107,"9,192":4108,"9,193":4109,"9,194":4110,"9,195":4111,"9,196":4112,"9,197":4113,"9,198":4114,"9,199":4115,"9,200":4116,"9,201":4117,"9,202":4118,"9,203":4119,"9,204":4120,"9,205":4121,"9,206":4122,"9,207":4123,"9,208":4124,"9,209":4125,"9,210":4126,"9,211":4127,"9,212":4128,"9,213":4129,"9,214":4130,"9,215":4131,"9,216":4132,"9,217":4133,"9,218":4134,"9,219":4135,"9,220":4136,"9,221":4137,"9,222":4138,"9,223":4139,"9,224":4140,"9,225":4141,"9,226":4142,"9,227":4143,"9,228":4144,"9,229":4145,"9,230":4146,"9,231":4147,"9,232":4148,"9,233":4149,"9,234":4150,"9,235":4151,"9,236":4152,"9,237":4153,"9,238":4154,"9,239":4155,"9,240":4156,"9,241":4157,"9,242":4158,"9,243":4159,"9,244":4160,"9,245":4161,"9,246":4162,"9,247":4163,"9,248":4164,"9,249":4165,"9,250":4166,"9,251":4167,"9,252":4168,"9,253":4169,"9,254":4170,"9,255":4171,"9,256":4172,"9,257":4173,"9,258":4174,"9,259":4175,"9,260":4176,"9,261":4177,"9,262":4178,"9,263":4179,"9,264":4180,"9,265":4181,"9,266":4182,"9,267":4183,"9,268":4184,"9,269":4185,"9,270":4186,"9,271":4187,"9,272":4188,"9,273":4189,"9,274":4190,"9,275":4191,"9,276":4192,"9,277":4193,"9,278":4194,"9,279":4195,"9,280":4196,"9,281":4197,"9,282":4198,"9,283":4199,"9,284":4200,"9,285":4201,"9,286":4202,"9,287":4203,"9,288":4204,"9,289":4205,"9,290":4206,"9,291":4207,"9,292":4208,"9,293":4209,"9,294":4210,"9,295":4211,"9,296":4212,"9,297":4213,"9,298":4214,"9,299":4215,"9,300":4216,"9,301":4217,"9,302":4218,"9,303":4219,"9,304":4220,"9,305":4221,"9,306":4222,"9,307":4223,"9,309":4224,"9,310":4225,"9,311":4226,"9,312":4227,"9,313":4228,"9,314":4229,"9,315":4230,"9,316":4231,"9,317":4232,"9,318":4233,"9,319":4234,"9,320":4235,"9,321":4236,"9,322":4237,"9,323":4238,"9,324":4239,"9,325":4240,"9,326":4241,"9,327":4242,"9,328":4243,"9,329":4244,"9,330":4245,"9,331":4246,"9,332":4247,"9,333":4248,"9,334":4249,"9,335":4250,"9,336":4251,"9,337":4252,"9,338":4253,"9,339":4254,"9,340":4255,"9,341":4256,"9,342":4257,"9,343":4258,"9,344":4259,"9,345":4260,"9,346":4261,"9,347":4262,"9,348":4263,"9,349":4264,"9,350":4265,"9,351":4266,"9,352":4267,"9,353":4268,"9,354":4269,"9,355":4270,"9,356":4271,"9,357":4272,"9,358":4273,"9,359":4274,"9,360":4275,"9,361":4276,"9,362":4277,"9,363":4278,"9,364":4279,"9,365":4280,"9,366":4281,"9,367":4282,"9,368":4283,"9,369":4284,"9,370":4285,"9,371":4286,"9,372":4287,"9,373":4288,"9,374":4289,"9,375":4290,"9,376":4291,"9,377":4292,"9,378":4293,"9,379":4294,"9,380":4295,"9,381":4296,"9,382":4297,"9,383":4298,"9,384":4299,"9,385":4300,"9,386":4301,"9,387":4302,"9,389":4303,"9,390":4304,"9,391":4305,"9,392":4306,"9,393":4307,"9,394":4308,"9,395":4309,"9,396":4310,"9,397":4311,"9,398":4312,"9,399":4313,"9,400":4314,"9,401":4315,"9,402":4316,"9,403":4317,"9,404":4318,"9,405":4319,"9,406":4320,"9,407":4321,"9,408":4322,"9,409":4323,"9,410":4324,"9,411":4325,"9,412":4326,"9,413":4327,"9,414":4328,"9,415":4329,"9,416":4330,"9,417":4331,"9,418":4332,"9,419":4333,"9,420":4334,"9,421":4335,"9,422":4336,"9,423":4337,"9,424":4338,"9,425":4339,"9,426":4340,"9,427":4341,"9,428":4342,"9,429":4343,"9,430":4344,"9,431":4345,"9,432":4346,"9,433":4347,"9,434":4348,"9,435":4349,"9,436":4350,"9,437":4351,"9,438":4352,"9,439":4353,"9,440":4354,"9,441":4355,"9,442":4356,"9,443":4357,"9,444":4358,"9,445":4359,"9,446":4360,"9,447":4361,"9,448":4362,"9,449":4363,"9,450":4364,"9,451":4365,"9,452":4366,"9,453":4367,"9,454":4368,"9,455":4369,"9,456":4370,"9,457":4371,"9,458":4372,"9,459":4373,"9,460":4374,"9,461":4375,"9,462":4376,"10,5":4377,"10,6":4378,"10,7":4379,"10,8":4380,"10,9":4381,"10,10":4382,"10,11":4383,"10,12":4384,"10,13":4385,"10,14":4386,"10,15":4387,"10,16":4388,"10,17":4389,"10,18":4390,"10,19":4391,"10,20":4392,"10,21":4393,"10,22":4394,"10,23":4395,"10,24":4396,"10,25":4397,"10,26":4398,"10,27":4399,"10,28":4400,"10,29":4401,"10,30":4402,"10,31":4403,"10,32":4404,"10,33":4405,"10,34":4406,"10,35":4407,"10,36":4408,"10,37":4409,"10,38":4410,"10,39":4411,"10,40":4412,"10,41":4413,"10,42":4414,"10,43":4415,"10,44":4416,"10,45":4417,"10,46":4418,"10,47":4419,"10,48":4420,"10,49":4421,"10,50":4422,"10,51":4423,"10,52":4424,"10,53":4425,"10,54":4426,"10,55":4427,"10,56":4428,"10,57":4429,"10,58":4430,"10,59":4431,"10,60":4432,"10,61":4433,"10,62":4434,"10,63":4435,"10,64":4436,"10,65":4437,"10,66":4438,"10,67":4439,"10,68":4440,"10,69":4441,"10,70":4442,"10,71":4443,"10,72":4444,"10,73":4445,"10,74":4446,"10,75":4447,"10,76":4448,"10,77":4449,"10,78":4450,"10,79":4451,"10,80":4452,"10,81":4453,"10,82":4454,"10,83":4455,"10,84":4456,"10,85":4457,"10,86":4458,"10,87":4459,"10,88":4460,"10,89":4461,"10,90":4462,"10,91":4463,"10,92":4464,"10,93":4465,"10,94":4466,"10,95":4467,"10,96":4468,"10,97":4469,"10,98":4470,"10,99":4471,"10,100":4472,"10,101":4473,"10,102":4474,"10,103":4475,"10,104":4476,"10,105":4477,"10,106":4478,"10,107":4479,"10,108":4480,"10,109":4481,"10,110":4482,"10,111":4483,"10,112":4484,"10,113":4485,"10,114":4486,"10,115":4487,"10,116":4488,"10,117":4489,"10,118":4490,"10,119":4491,"10,120":4492,"10,121":4493,"10,122":4494,"10,123":4495,"10,124":4496,"10,125":4497,"10,126":4498,"10,127":4499,"10,128":4500,"10,129":4501,"10,130":4502,"10,131":4503,"10,132":4504,"10,133":4505,"10,134":4506,"10,135":4507,"10,136":4508,"10,137":4509,"10,138":4510,"10,139":4511,"10,140":4512,"10,141":4513,"10,142":4514,"10,143":4515,"10,144":4516,"10,145":4517,"10,146":4518,"10,147":4519,"10,148":4520,"10,149":4521,"10,150":4522,"10,151":4523,"10,152":4524,"10,153":4525,"10,154":4526,"10,155":4527,"10,156":4528,"10,157":4529,"10,158":4530,"10,159":4531,"10,160":4532,"10,161":4533,"10,162":4534,"10,163":4535,"10,164":4536,"10,165":4537,"10,166":4538,"10,167":4539,"10,168":4540,"10,169":4541,"10,170":4542,"10,171":4543,"10,172":4544,"10,173":4545,"10,174":4546,"10,175":4547,"10,176":4548,"10,177":4549,"10,178":4550,"10,179":4551,"10,180":4552,"10,181":4553,"10,182":4554,"10,183":4555,"10,184":4556,"10,185":4557,"10,186":4558,"10,187":4559,"10,188":4560,"10,189":4561,"10,190":4562,"10,191":4563,"10,192":4564,"10,193":4565,"10,194":4566,"10,195":4567,"10,196":4568,"10,197":4569,"10,198":4570,"10,199":4571,"10,200":4572,"10,201":4573,"10,202":4574,"10,203":4575,"10,204":4576,"10,205":4577,"10,206":4578,"10,207":4579,"10,208":4580,"10,209":4581,"10,210":4582,"10,211":4583,"10,212":4584,"10,213":4585,"10,214":4586,"10,215":4587,"10,216":4588,"10,217":4589,"10,218":4590,"10,219":4591,"10,220":4592,"10,221":4593,"10,222":4594,"10,223":4595,"10,224":4596,"10,225":4597,"10,226":4598,"10,227":4599,"10,228":4600,"10,229":4601,"10,230":4602,"10,231":4603,"10,232":4604,"10,233":4605,"10,234":4606,"10,235":4607,"10,236":4608,"10,237":4609,"10,238":4610,"10,239":4611,"10,240":4612,"10,241":4613,"10,242":4614,"10,243":4615,"10,244":4616,"10,245":4617,"10,246":4618,"10,247":4619,"10,248":4620,"10,249":4621,"10,250":4622,"10,251":4623,"10,252":4624,"10,253":4625,"10,254":4626,"10,255":4627,"10,256":4628,"10,257":4629,"10,258":4630,"10,259":4631,"10,260":4632,"10,261":4633,"10,262":4634,"10,263":4635,"10,264":4636,"10,265":4637,"10,266":4638,"10,267":4639,"10,268":4640,"10,269":4641,"10,270":4642,"10,271":4643,"10,272":4644,"10,273":4645,"10,274":4646,"10,275":4647,"10,276":4648,"10,277":4649,"10,278":4650,"10,279":4651,"10,280":4652,"10,281":4653,"10,282":4654,"10,283":4655,"10,284":4656,"10,285":4657,"10,286":4658,"10,287":4659,"10,288":4660,"10,289":4661,"10,290":4662,"10,291":4663,"10,292":4664,"10,293":4665,"10,294":4666,"10,295":4667,"10,296":4668,"10,297":4669,"10,298":4670,"10,299":4671,"10,300":4672,"10,301":4673,"10,302":4674,"10,303":4675,"10,304":4676,"10,305":4677,"10,306":4678,"10,307":4679,"10,308":4680,"10,309":4681,"10,310":4682,"10,311":4683,"10,312":4684,"10,313":4685,"10,314":4686,"10,315":4687,"10,316":4688,"10,317":4689,"10,318":4690,"10,319":4691,"10,320":4692,"10,321":4693,"10,322":4694,"10,323":4695,"10,324":4696,"10,325":4697,"10,326":4698,"10,327":4699,"10,328":4700,"10,329":4701,"10,330":4702,"10,331":4703,"10,332":4704,"10,333":4705,"10,334":4706,"10,335":4707,"10,337":4708,"10,338":4709,"10,339":4710,"10,340":4711,"10,341":4712,"10,342":4713,"10,343":4714,"10,344":4715,"10,345":4716,"10,346":4717,"10,347":4718,"10,348":4719,"10,349":4720,"10,350":4721,"10,351":4722,"10,352":4723,"10,353":4724,"10,354":4725,"10,355":4726,"10,356":4727,"10,357":4728,"10,358":4729,"10,359":4730,"10,360":4731,"10,361":4732,"10,362":4733,"10,363":4734,"10,364":4735,"10,365":4736,"10,366":4737,"10,367":4738,"10,368":4739,"10,369":4740,"10,370":4741,"10,371":4742,"10,372":4743,"10,373":4744,"10,374":4745,"10,375":4746,"10,376":4747,"10,377":4748,"10,378":4749,"10,379":4750,"10,380":4751,"10,381":4752,"10,382":4753,"10,383":4754,"10,384":4755,"10,385":4756,"10,386":4757,"10,387":4758,"10,388":4759,"10,389":4760,"10,391":4761,"10,392":4762,"10,393":4763,"10,394":4764,"10,395":4765,"10,396":4766,"10,397":4767,"10,398":4768,"10,399":4769,"10,400":4770,"10,401":4771,"10,402":4772,"10,403":4773,"10,404":4774,"10,405":4775,"10,406":4776,"10,407":4777,"10,408":4778,"10,409":4779,"10,410":4780,"10,411":4781,"10,412":4782,"10,413":4783,"10,414":4784,"10,415":4785,"10,416":4786,"10,417":4787,"10,418":4788,"10,419":4789,"10,420":4790,"10,421":4791,"10,422":4792,"10,423":4793,"10,424":4794,"10,425":4795,"10,426":4796,"10,427":4797,"10,428":4798,"10,429":4799,"10,430":4800,"10,431":4801,"10,432":4802,"10,433":4803,"10,434":4804,"10,435":4805,"10,436":4806,"10,437":4807,"10,438":4808,"10,439":4809,"10,440":4810,"10,441":4811,"10,442":4812,"10,443":4813,"10,444":4814,"10,445":4815,"10,446":4816,"10,447":4817,"10,448":4818,"10,449":4819,"10,450":4820,"10,451":4821,"10,452":4822,"10,453":4823,"10,454":4824,"10,455":4825,"10,456":4826,"10,457":4827,"10,458":4828,"10,459":4829,"10,460":4830,"10,461":4831,"10,462":4832,"10,463":4833,"10,464":4834,"10,465":4835,"10,466":4836,"10,467":4837,"10,468":4838,"10,469":4839,"10,470":4840,"10,471":4841,"10,472":4842,"10,473":4843,"10,474":4844,"10,475":4845,"10,476":4846,"10,477":4847,"10,478":4848,"10,479":4849,"10,480":4850,"10,481":4851,"10,482":4852,"10,483":4853,"10,484":4854,"10,485":4855,"10,486":4856,"10,487":4857,"10,488":4858,"10,489":4859,"10,490":4860,"10,491":4861,"10,492":4862,"10,493":4863,"10,494":4864,"10,495":4865,"10,496":4866,"10,497":4867,"10,498":4868,"10,499":4869,"10,500":4870,"10,501":4871,"10,502":4872,"10,503":4873,"10,504":4874,"10,505":4875,"10,506":4876,"10,507":4877,"10,508":4878,"10,509":4879,"10,510":4880,"10,511":4881,"10,512":4882,"10,513":4883,"10,514":4884,"10,515":4885,"10,516":4886,"10,517":4887,"10,518":4888,"10,519":4889,"10,520":4890,"10,521":4891,"10,522":4892,"10,523":4893,"10,524":4894,"10,525":4895,"10,526":4896,"10,527":4897,"10,528":4898,"10,529":4899,"10,530":4900,"10,531":4901,"11,5":4902,"11,6":4903,"11,7":4904,"11,8":4905,"11,9":4906,"11,10":4907,"11,11":4908,"11,12":4909,"11,13":4910,"11,14":4911,"11,15":4912,"11,16":4913,"11,17":4914,"11,18":4915,"11,19":4916,"11,20":4917,"11,21":4918,"11,22":4919,"11,23":4920,"11,24":4921,"11,25":4922,"11,26":4923,"11,27":4924,"11,28":4925,"11,29":4926,"11,30":4927,"11,31":4928,"11,32":4929,"11,33":4930,"11,34":4931,"11,35":4932,"11,36":4933,"11,37":4934,"11,38":4935,"11,39":4936,"11,40":4937,"11,41":4938,"11,42":4939,"11,43":4940,"11,45":4941,"11,46":4942,"11,47":4943,"11,48":4944,"11,49":4945,"11,50":4946,"11,51":4947,"11,52":4948,"11,53":4949,"11,54":4950,"11,55":4951,"11,56":4952,"11,57":4953,"11,58":4954,"11,59":4955,"11,60":4956,"11,61":4957,"11,62":4958,"11,63":4959,"11,64":4960,"11,65":4961,"11,66":4962,"11,67":4963,"11,68":4964,"11,69":4965,"11,70":4966,"11,71":4967,"11,72":4968,"11,73":4969,"11,74":4970,"11,75":4971,"11,76":4972,"11,77":4973,"11,78":4974,"11,79":4975,"11,80":4976,"11,81":4977,"11,82":4978,"11,83":4979,"11,84":4980,"11,85":4981,"11,86":4982,"11,87":4983,"11,88":4984,"11,89":4985,"11,90":4986,"11,91":4987,"11,92":4988,"11,93":4989,"11,94":4990,"11,95":4991,"11,96":4992,"11,97":4993,"11,98":4994,"11,99":4995,"11,100":4996,"11,101":4997,"11,102":4998,"11,103":4999,"11,104":5000,"11,105":5001,"11,106":5002,"11,107":5003,"11,108":5004,"11,109":5005,"11,110":5006,"11,111":5007,"11,112":5008,"11,113":5009,"11,114":5010,"11,115":5011,"11,116":5012,"11,117":5013,"11,118":5014,"11,119":5015,"11,120":5016,"11,121":5017,"11,122":5018,"11,123":5019,"11,124":5020,"11,125":5021,"11,126":5022,"11,127":5023,"11,128":5024,"11,129":5025,"11,130":5026,"11,131":5027,"11,132":5028,"11,133":5029,"11,134":5030,"11,135":5031,"11,136":5032,"11,137":5033,"11,138":5034,"11,139":5035,"11,140":5036,"11,141":5037,"11,142":5038,"11,143":5039,"11,144":5040,"11,145":5041,"11,146":5042,"11,147":5043,"11,148":5044,"11,149":5045,"11,150":5046,"11,151":5047,"11,152":5048,"11,153":5049,"11,154":5050,"11,155":5051,"11,156":5052,"11,157":5053,"11,158":5054,"11,159":5055,"11,160":5056,"11,161":5057,"11,162":5058,"11,163":5059,"11,164":5060,"11,165":5061,"11,166":5062,"11,167":5063,"11,168":5064,"11,169":5065,"11,170":5066,"11,171":5067,"11,172":5068,"11,173":5069,"11,174":5070,"11,175":5071,"11,176":5072,"11,177":5073,"11,178":5074,"11,179":5075,"11,180":5076,"11,181":5077,"11,182":5078,"11,183":5079,"11,184":5080,"11,185":5081,"11,186":5082,"11,187":5083,"11,188":5084,"11,189":5085,"11,190":5086,"11,191":5087,"11,192":5088,"11,193":5089,"11,194":5090,"11,195":5091,"11,196":5092,"11,197":5093,"11,198":5094,"11,199":5095,"11,200":5096,"11,201":5097,"11,202":5098,"11,203":5099,"11,204":5100,"11,205":5101,"11,206":5102,"11,207":5103,"11,208":5104,"11,209":5105,"11,210":5106,"11,211":5107,"11,212":5108,"11,213":5109,"11,214":5110,"11,215":5111,"11,216":5112,"11,217":5113,"11,218":5114,"11,219":5115,"11,220":5116,"11,221":5117,"11,222":5118,"11,223":5119,"11,224":5120,"11,225":5121,"11,226":5122,"11,227":5123,"11,228":5124,"11,229":5125,"11,230":5126,"11,231":5127,"11,232":5128,"11,233":5129,"11,234":5130,"11,235":5131,"11,236":5132,"11,237":5133,"11,238":5134,"11,239":5135,"11,240":5136,"11,241":5137,"11,242":5138,"11,243":5139,"11,244":5140,"11,245":5141,"11,246":5142,"11,247":5143,"11,248":5144,"11,249":5145,"11,250":5146,"11,251":5147,"11,252":5148,"11,253":5149,"11,254":5150,"11,255":5151,"11,256":5152,"11,257":5153,"11,258":5154,"11,259":5155,"11,260":5156,"11,261":5157,"11,262":5158,"11,263":5159,"11,264":5160,"11,265":5161,"11,266":5162,"11,267":5163,"11,268":5164,"11,269":5165,"11,270":5166,"11,271":5167,"11,272":5168,"11,273":5169,"11,274":5170,"11,275":5171,"11,276":5172,"11,277":5173,"11,278":5174,"11,279":5175,"11,280":5176,"11,281":5177,"11,282":5178,"11,283":5179,"11,284":5180,"11,285":5181,"11,286":5182,"11,287":5183,"11,288":5184,"11,289":5185,"11,290":5186,"11,291":5187,"11,292":5188,"11,293":5189,"11,294":5190,"11,295":5191,"11,296":5192,"11,297":5193,"11,298":5194,"11,299":5195,"11,300":5196,"11,301":5197,"11,302":5198,"11,303":5199,"11,304":5200,"11,305":5201,"11,306":5202,"11,307":5203,"11,308":5204,"11,309":5205,"11,310":5206,"11,311":5207,"11,312":5208,"11,313":5209,"11,314":5210,"11,315":5211,"11,316":5212,"11,317":5213,"11,318":5214,"11,319":5215,"11,320":5216,"11,321":5217,"11,322":5218,"11,323":5219,"11,324":5220,"11,325":5221,"11,326":5222,"11,327":5223,"11,328":5224,"11,329":5225,"11,330":5226,"11,331":5227,"11,332":5228,"11,333":5229,"11,334":5230,"11,335":5231,"11,336":5232,"11,337":5233,"11,338":5234,"11,339":5235,"11,340":5236,"11,341":5237,"11,342":5238,"11,343":5239,"11,344":5240,"11,345":5241,"11,346":5242,"11,347":5243,"11,348":5244,"11,349":5245,"11,350":5246,"11,351":5247,"11,352":5248,"11,353":5249,"11,354":5250,"11,355":5251,"11,356":5252,"11,357":5253,"11,358":5254,"11,359":5255,"11,360":5256,"11,361":5257,"11,362":5258,"11,363":5259,"11,364":5260,"11,365":5261,"11,366":5262,"11,367":5263,"11,368":5264,"11,369":5265,"11,370":5266,"11,371":5267,"11,372":5268,"11,373":5269,"11,374":5270,"11,375":5271,"11,376":5272,"11,377":5273,"11,378":5274,"11,379":5275,"11,380":5276,"11,381":5277,"11,382":5278,"11,383":5279,"11,384":5280,"11,385":5281,"11,386":5282,"11,387":5283,"11,388":5284,"12,5":5285,"12,6":5286,"12,7":5287,"12,8":5288,"12,9":5289,"12,10":5290,"12,11":5291,"12,12":5292,"12,13":5293,"12,14":5294,"12,15":5295,"12,16":5296,"12,17":5297,"12,18":5298,"12,19":5299,"12,20":5300,"12,21":5301,"12,22":5302,"12,23":5303,"12,24":5304,"12,25":5305,"12,26":5306,"12,27":5307,"12,28":5308,"12,29":5309,"12,30":5310,"12,31":5311,"12,32":5312,"12,33":5313,"12,34":5314,"12,35":5315,"12,36":5316,"12,37":5317,"12,38":5318,"12,39":5319,"12,40":5320,"12,41":5321,"12,42":5322,"12,43":5323,"12,44":5324,"12,45":5325,"12,46":5326,"12,47":5327,"12,48":5328,"12,49":5329,"12,50":5330,"12,51":5331,"12,52":5332,"12,53":5333,"12,54":5334,"12,55":5335,"12,56":5336,"12,57":5337,"12,58":5338,"12,59":5339,"12,60":5340,"12,61":5341,"12,62":5342,"12,63":5343,"12,64":5344,"12,65":5345,"12,66":5346,"12,67":5347,"12,68":5348,"12,69":5349,"12,70":5350,"12,71":5351,"12,72":5352,"12,73":5353,"12,74":5354,"12,75":5355,"12,76":5356,"12,77":5357,"12,78":5358,"12,79":5359,"12,80":5360,"12,81":5361,"12,82":5362,"12,83":5363,"12,84":5364,"12,85":5365,"12,86":5366,"12,87":5367,"12,88":5368,"12,89":5369,"12,90":5370,"12,91":5371,"12,92":5372,"12,93":5373,"12,94":5374,"12,95":5375,"12,96":5376,"12,97":5377,"12,98":5378,"12,99":5379,"12,100":5380,"12,101":5381,"12,102":5382,"12,103":5383,"12,104":5384,"12,105":5385,"12,106":5386,"12,107":5387,"12,108":5388,"12,109":5389,"12,111":5390,"12,112":5391,"12,113":5392,"12,114":5393,"12,115":5394,"12,116":5395,"12,117":5396,"12,118":5397,"12,119":5398,"12,120":5399,"12,121":5400,"12,122":5401,"12,123":5402,"12,124":5403,"12,125":5404,"12,126":5405,"12,127":5406,"12,128":5407,"12,129":5408,"12,130":5409,"12,131":5410,"12,132":5411,"12,133":5412,"12,134":5413,"12,135":5414,"12,136":5415,"12,137":5416,"12,138":5417,"12,139":5418,"12,140":5419,"12,141":5420,"12,142":5421,"12,143":5422,"12,144":5423,"12,145":5424,"12,146":5425,"12,147":5426,"12,148":5427,"12,149":5428,"12,150":5429,"12,151":5430,"12,152":5431,"12,153":5432,"12,154":5433,"12,155":5434,"12,156":5435,"12,157":5436,"12,158":5437,"12,159":5438,"12,160":5439,"12,161":5440,"12,162":5441,"12,163":5442,"12,165":5443,"12,166":5444,"12,167":5445,"12,168":5446,"12,169":5447,"12,170":5448,"12,171":5449,"12,172":5450,"12,173":5451,"12,174":5452,"12,175":5453,"12,176":5454,"12,177":5455,"12,178":5456,"12,179":5457,"12,180":5458,"12,181":5459,"12,182":5460,"12,183":5461,"12,184":5462,"12,185":5463,"12,186":5464,"12,187":5465,"12,188":5466,"12,189":5467,"12,190":5468,"12,191":5469,"12,192":5470,"12,193":5471,"12,194":5472,"12,195":5473,"12,196":5474,"12,197":5475,"12,198":5476,"12,199":5477,"12,200":5478,"12,201":5479,"12,202":5480,"12,203":5481,"12,204":5482,"12,205":5483,"12,206":5484,"12,207":5485,"12,208":5486,"12,209":5487,"12,210":5488,"12,211":5489,"12,212":5490,"12,213":5491,"12,215":5492,"12,216":5493,"12,217":5494,"12,218":5495,"12,219":5496,"12,220":5497,"12,221":5498,"12,222":5499,"12,223":5500,"12,224":5501,"12,225":5502,"12,226":5503,"12,227":5504,"12,228":5505,"12,229":5506,"12,230":5507,"12,231":5508,"12,232":5509,"12,233":5510,"12,234":5511,"12,235":5512,"12,236":5513,"12,237":5514,"12,238":5515,"12,239":5516,"12,240":5517,"12,241":5518,"12,242":5519,"12,243":5520,"12,244":5521,"12,245":5522,"12,246":5523,"12,247":5524,"12,248":5525,"12,249":5526,"12,250":5527,"12,251":5528,"12,253":5529,"12,254":5530,"12,255":5531,"12,256":5532,"12,257":5533,"12,258":5534,"12,259":5535,"12,260":5536,"12,261":5537,"12,262":5538,"12,263":5539,"12,264":5540,"12,265":5541,"12,266":5542,"12,267":5543,"12,268":5544,"12,269":5545,"12,270":5546,"12,271":5547,"12,272":5548,"12,273":5549,"12,274":5550,"12,275":5551,"12,276":5552,"12,277":5553,"12,278":5554,"12,279":5555,"12,280":5556,"12,281":5557,"12,282":5558,"12,283":5559,"12,284":5560,"12,285":5561,"12,286":5562,"12,287":5563,"12,288":5564,"12,289":5565,"12,290":5566,"12,291":5567,"12,292":5568,"12,293":5569,"12,294":5570,"12,295":5571,"12,297":5572,"12,298":5573,"12,299":5574,"12,300":5575,"12,301":5576,"12,302":5577,"12,303":5578,"12,304":5579,"12,305":5580,"12,306":5581,"12,307":5582,"12,308":5583,"12,309":5584,"12,310":5585,"12,311":5586,"12,312":5587,"12,313":5588,"12,314":5589,"12,315":5590,"12,316":5591,"12,317":5592,"12,318":5593,"12,319":5594,"12,320":5595,"12,321":5596,"12,322":5597,"12,323":5598,"12,324":5599,"12,325":5600,"12,326":5601,"12,327":5602,"12,328":5603,"12,329":5604,"12,330":5605,"12,331":5606,"12,332":5607,"12,333":5608,"12,334":5609,"12,335":5610,"12,336":5611,"12,337":5612,"12,338":5613,"12,339":5614,"12,340":5615,"12,341":5616,"12,342":5617,"12,343":5618,"12,344":5619,"12,345":5620,"12,346":5621,"12,347":5622,"12,348":5623,"12,349":5624,"12,350":5625,"12,351":5626,"12,352":5627,"12,353":5628,"12,354":5629,"12,355":5630,"12,357":5631,"12,358":5632,"12,359":5633,"12,360":5634,"12,361":5635,"12,362":5636,"12,363":5637,"12,364":5638,"12,365":5639,"12,366":5640,"12,367":5641,"12,368":5642,"13,5":5643,"13,6":5644,"13,7":5645,"13,8":5646,"13,9":5647,"13,10":5648,"13,11":5649,"13,12":5650,"13,13":5651,"13,14":5652,"13,15":5653,"13,16":5654,"13,17":5655,"13,18":5656,"13,19":5657,"13,20":5658,"13,21":5659,"13,22":5660,"13,23":5661,"13,24":5662,"13,25":5663,"13,26":5664,"13,27":5665,"13,28":5666,"13,29":5667,"13,30":5668,"13,31":5669,"13,32":5670,"13,33":5671,"13,34":5672,"13,35":5673,"13,36":5674,"13,37":5675,"13,38":5676,"13,39":5677,"13,40":5678,"13,41":5679,"13,42":5680,"13,43":5681,"13,44":5682,"13,45":5683,"13,46":5684,"13,47":5685,"13,48":5686,"13,49":5687,"13,50":5688,"13,51":5689,"13,52":5690,"13,53":5691,"13,54":5692,"13,55":5693,"13,56":5694,"13,57":5695,"13,58":5696,"13,59":5697,"13,60":5698,"13,61":5699,"13,62":5700,"13,63":5701,"13,64":5702,"13,65":5703,"13,66":5704,"13,67":5705,"13,68":5706,"13,69":5707,"13,70":5708,"13,71":5709,"13,72":5710,"13,73":5711,"13,74":5712,"13,75":5713,"13,76":5714,"13,77":5715,"13,78":5716,"13,79":5717,"13,80":5718,"13,81":5719,"13,82":5720,"13,83":5721,"13,84":5722,"13,85":5723,"13,86":5724,"13,87":5725,"13,88":5726,"13,89":5727,"13,90":5728,"13,91":5729,"13,92":5730,"13,93":5731,"13,94":5732,"13,95":5733,"13,96":5734,"13,97":5735,"13,98":5736,"13,99":5737,"13,100":5738,"13,101":5739,"13,102":5740,"13,103":5741,"13,104":5742,"13,105":5743,"13,106":5744,"13,107":5745,"13,108":5746,"13,109":5747,"13,110":5748,"13,111":5749,"13,112":5750,"13,113":5751,"13,114":5752,"13,115":5753,"13,116":5754,"13,117":5755,"13,118":5756,"13,119":5757,"13,120":5758,"13,121":5759,"13,122":5760,"13,123":5761,"13,124":5762,"13,125":5763,"13,126":5764,"13,127":5765,"13,128":5766,"13,129":5767,"13,130":5768,"13,131":5769,"13,132":5770,"13,133":5771,"13,134":5772,"13,135":5773,"13,136":5774,"13,137":5775,"13,138":5776,"13,139":5777,"13,140":5778,"13,141":5779,"13,142":5780,"13,143":5781,"13,144":5782,"13,145":5783,"13,146":5784,"13,147":5785,"13,148":5786,"13,149":5787,"13,150":5788,"13,151":5789,"13,152":5790,"13,153":5791,"13,154":5792,"13,155":5793,"13,156":5794,"13,157":5795,"13,158":5796,"13,159":5797,"13,160":5798,"13,161":5799,"13,162":5800,"13,163":5801,"13,164":5802,"13,165":5803,"13,166":5804,"13,167":5805,"13,168":5806,"13,169":5807,"13,170":5808,"13,171":5809,"13,172":5810,"13,173":5811,"13,174":5812,"13,175":5813,"13,176":5814,"13,177":5815,"13,178":5816,"13,179":5817,"13,180":5818,"13,181":5819,"13,182":5820,"13,183":5821,"13,184":5822,"13,185":5823,"13,186":5824,"13,187":5825,"13,188":5826,"13,189":5827,"13,190":5828,"13,191":5829,"13,192":5830,"13,193":5831,"13,194":5832,"13,195":5833,"13,196":5834,"13,197":5835,"13,198":5836,"13,199":5837,"13,200":5838,"13,201":5839,"13,202":5840,"13,203":5841,"13,204":5842,"13,205":5843,"13,206":5844,"13,207":5845,"13,208":5846,"13,209":5847,"13,210":5848,"13,211":5849,"13,212":5850,"13,213":5851,"13,214":5852,"13,215":5853,"13,216":5854,"13,217":5855,"13,218":5856,"13,219":5857,"13,220":5858,"13,221":5859,"13,222":5860,"13,223":5861,"13,224":5862,"13,225":5863,"13,226":5864,"13,227":5865,"13,228":5866,"13,229":5867,"13,230":5868,"13,231":5869,"13,232":5870,"13,233":5871,"13,234":5872,"13,235":5873,"13,236":5874,"13,237":5875,"13,238":5876,"13,239":5877,"13,240":5878,"13,241":5879,"13,242":5880,"13,243":5881,"13,244":5882,"13,245":5883,"13,246":5884,"13,247":5885,"13,248":5886,"13,249":5887,"13,250":5888,"13,251":5889,"13,252":5890,"13,253":5891,"13,254":5892,"13,255":5893,"13,256":5894,"13,257":5895,"13,258":5896,"13,259":5897,"13,260":5898,"13,261":5899,"13,262":5900,"13,263":5901,"13,264":5902,"13,265":5903,"13,266":5904,"13,267":5905,"13,268":5906,"13,269":5907,"13,270":5908,"13,271":5909,"13,272":5910,"13,273":5911,"13,274":5912,"13,275":5913,"13,276":5914,"13,277":5915,"13,278":5916,"13,279":5917,"13,280":5918,"13,281":5919,"13,282":5920,"13,283":5921,"13,284":5922,"13,285":5923,"13,286":5924,"13,287":5925,"13,288":5926,"13,289":5927,"13,290":5928,"13,291":5929,"13,292":5930,"13,293":5931,"13,294":5932,"13,295":5933,"13,296":5934,"13,297":5935,"13,298":5936,"13,299":5937,"13,300":5938,"13,301":5939,"13,302":5940,"13,303":5941,"13,304":5942,"13,305":5943,"13,306":5944,"13,307":5945,"13,308":5946,"13,309":5947,"13,310":5948,"13,311":5949,"13,312":5950,"13,313":5951,"13,314":5952,"13,315":5953,"13,316":5954,"13,317":5955,"13,318":5956,"13,319":5957,"13,320":5958,"13,321":5959,"13,322":5960,"13,323":5961,"13,324":5962,"13,325":5963,"13,326":5964,"13,327":5965,"13,328":5966,"13,329":5967,"13,330":5968,"13,331":5969,"13,332":5970,"13,333":5971,"13,334":5972,"13,335":5973,"13,336":5974,"13,337":5975,"13,338":5976,"13,339":5977,"13,340":5978,"13,341":5979,"13,342":5980,"13,343":5981,"13,344":5982,"13,345":5983,"13,346":5984,"13,347":5985,"13,348":5986,"13,349":5987,"13,350":5988,"13,351":5989,"13,352":5990,"13,353":5991,"13,354":5992,"13,355":5993,"13,356":5994,"13,357":5995,"13,358":5996,"13,359":5997,"13,360":5998,"13,361":5999,"13,362":6000,"13,363":6001,"13,364":6002,"13,365":6003,"13,366":6004,"13,367":6005,"13,368":6006,"13,369":6007,"13,370":6008,"13,371":6009,"13,372":6010,"13,373":6011,"13,374":6012,"13,375":6013,"13,376":6014,"13,377":6015,"13,378":6016,"13,379":6017,"13,380":6018,"13,381":6019,"13,382":6020,"13,383":6021,"13,384":6022,"13,385":6023,"13,386":6024,"13,387":6025,"13,388":6026,"13,389":6027,"13,390":6028,"13,391":6029,"13,392":6030,"13,393":6031,"13,394":6032,"13,395":6033,"13,396":6034,"13,397":6035,"13,398":6036,"13,399":6037,"13,400":6038,"13,401":6039,"13,402":6040,"13,403":6041,"13,404":6042,"13,405":6043,"13,406":6044,"13,407":6045,"13,408":6046,"13,409":6047,"13,410":6048,"13,411":6049,"13,412":6050,"13,413":6051,"13,414":6052,"13,415":6053,"13,416":6054,"13,417":6055,"13,418":6056,"13,419":6057,"13,420":6058,"13,421":6059,"13,422":6060,"13,423":6061,"13,424":6062,"13,425":6063,"13,426":6064,"13,427":6065,"13,428":6066,"13,429":6067,"13,430":6068,"13,431":6069,"13,432":6070,"13,433":6071,"13,434":6072,"13,435":6073,"13,436":6074,"13,437":6075,"13,438":6076,"13,439":6077,"13,440":6078,"13,441":6079,"13,442":6080,"13,443":6081,"13,444":6082,"13,445":6083,"13,446":6084,"13,447":6085,"13,448":6086,"13,449":6087,"13,450":6088,"13,451":6089,"13,452":6090,"13,453":6091,"13,454":6092,"13,455":6093,"13,456":6094,"13,457":6095,"13,458":6096,"13,459":6097,"13,460":6098,"13,461":6099,"13,462":6100,"13,463":6101,"13,464":6102,"13,465":6103,"13,466":6104,"13,467":6105,"13,468":6106,"13,469":6107,"13,470":6108,"13,471":6109,"13,472":6110,"13,473":6111,"13,474":6112,"13,475":6113,"13,476":6114,"13,477":6115,"13,478":6116,"13,479":6117,"13,480":6118,"13,481":6119,"13,482":6120,"13,483":6121,"13,484":6122,"13,485":6123,"13,486":6124,"13,487":6125,"13,488":6126,"13,489":6127,"13,490":6128,"13,491":6129,"13,492":6130,"13,493":6131,"13,494":6132,"13,495":6133,"13,496":6134,"13,497":6135,"13,498":6136,"13,499":6137,"13,500":6138,"13,501":6139,"13,502":6140,"13,503":6141,"13,504":6142,"13,505":6143,"13,506":6144,"13,507":6145,"13,508":6146,"13,509":6147,"13,510":6148,"13,511":6149,"13,512":6150,"13,513":6151,"13,514":6152,"13,515":6153,"13,516":6154,"13,517":6155,"13,518":6156,"13,519":6157,"13,520":6158,"13,521":6159,"13,522":6160,"13,523":6161,"13,524":6162,"13,525":6163,"13,526":6164,"13,527":6165,"13,528":6166,"13,529":6167,"13,530":6168,"13,531":6169,"13,532":6170,"13,533":6171,"13,534":6172,"13,535":6173,"13,536":6174,"13,537":6175,"13,538":6176,"13,539":6177,"13,540":6178,"13,541":6179,"13,542":6180,"13,543":6181,"13,544":6182,"13,545":6183,"13,546":6184,"13,547":6185,"13,548":6186,"13,549":6187,"13,550":6188,"13,551":6189,"13,552":6190,"13,553":6191,"13,554":6192,"13,555":6193,"13,556":6194,"13,557":6195,"13,558":6196,"13,559":6197,"13,560":6198,"13,561":6199,"13,562":6200,"13,563":6201,"13,564":6202,"13,565":6203,"13,566":6204,"14,5":6205,"14,6":6206,"14,7":6207,"14,8":6208,"14,9":6209,"14,10":6210,"14,11":6211,"14,12":6212,"14,13":6213,"14,14":6214,"14,15":6215,"14,16":6216,"14,17":6217,"14,18":6218,"14,19":6219,"14,20":6220,"14,21":6221,"14,22":6222,"14,23":6223,"14,24":6224,"14,25":6225,"14,26":6226,"14,27":6227,"14,28":6228,"14,29":6229,"14,30":6230,"14,31":6231,"14,32":6232,"14,33":6233,"14,34":6234,"14,35":6235,"14,36":6236,"14,37":6237,"14,38":6238,"14,39":6239,"14,40":6240,"14,41":6241,"14,42":6242,"14,43":6243,"14,44":6244,"14,45":6245,"14,46":6246,"14,47":6247,"14,48":6248,"14,49":6249,"14,50":6250,"14,51":6251,"14,52":6252,"14,53":6253,"14,54":6254,"14,55":6255,"14,56":6256,"14,57":6257,"14,58":6258,"14,59":6259,"14,60":6260,"14,61":6261,"14,62":6262,"14,63":6263,"14,64":6264,"14,65":6265,"14,66":6266,"14,67":6267,"14,68":6268,"14,69":6269,"14,70":6270,"14,71":6271,"14,72":6272,"14,73":6273,"14,74":6274,"14,75":6275,"14,76":6276,"14,77":6277,"14,78":6278,"14,79":6279,"14,80":6280,"14,81":6281,"14,82":6282,"14,83":6283,"14,84":6284,"14,85":6285,"14,86":6286,"14,87":6287,"14,88":6288,"14,89":6289,"14,90":6290,"14,91":6291,"14,92":6292,"14,93":6293,"14,94":6294,"14,95":6295,"14,96":6296,"14,97":6297,"14,98":6298,"14,99":6299,"14,100":6300,"14,101":6301,"14,102":6302,"14,103":6303,"14,104":6304,"14,105":6305,"14,106":6306,"14,107":6307,"14,108":6308,"14,109":6309,"14,110":6310,"14,111":6311,"14,112":6312,"14,113":6313,"14,114":6314,"14,115":6315,"14,116":6316,"14,117":6317,"14,118":6318,"14,119":6319,"14,120":6320,"14,121":6321,"14,122":6322,"14,123":6323,"14,124":6324,"14,125":6325,"14,126":6326,"14,127":6327,"14,128":6328,"14,129":6329,"14,130":6330,"14,131":6331,"14,132":6332,"14,133":6333,"14,134":6334,"14,135":6335,"14,136":6336,"14,137":6337,"14,138":6338,"14,139":6339,"14,140":6340,"14,141":6341,"14,142":6342,"14,143":6343,"14,144":6344,"14,145":6345,"14,146":6346,"14,147":6347,"14,148":6348,"14,149":6349,"14,150":6350,"14,151":6351,"14,152":6352,"14,153":6353,"14,154":6354,"14,155":6355,"14,156":6356,"14,157":6357,"14,158":6358,"14,159":6359,"14,160":6360,"14,161":6361,"14,162":6362,"14,163":6363,"14,164":6364,"14,165":6365,"14,166":6366,"14,167":6367,"14,168":6368,"14,169":6369,"14,170":6370,"14,171":6371,"14,172":6372,"14,173":6373,"14,174":6374,"14,175":6375,"14,176":6376,"14,177":6377,"14,178":6378,"14,179":6379,"14,180":6380,"14,181":6381,"14,182":6382,"14,183":6383,"14,184":6384,"14,185":6385,"14,186":6386,"14,187":6387,"14,188":6388,"14,189":6389,"14,190":6390,"14,191":6391,"14,192":6392,"14,193":6393,"14,194":6394,"14,195":6395,"14,196":6396,"14,197":6397,"14,198":6398,"14,199":6399,"14,200":6400,"14,201":6401,"14,202":6402,"14,203":6403,"14,204":6404,"14,205":6405,"14,206":6406,"14,207":6407,"14,208":6408,"14,209":6409,"14,210":6410,"14,211":6411,"14,212":6412,"14,213":6413,"14,214":6414,"14,215":6415,"14,216":6416,"14,217":6417,"14,218":6418,"14,219":6419,"14,220":6420,"14,221":6421,"14,222":6422,"14,223":6423,"14,224":6424,"14,225":6425,"14,226":6426,"14,227":6427,"14,228":6428,"14,229":6429,"14,230":6430,"14,231":6431,"14,232":6432,"14,233":6433,"14,234":6434,"14,235":6435,"14,236":6436,"14,237":6437,"14,238":6438,"14,239":6439,"14,240":6440,"14,241":6441,"14,242":6442,"14,243":6443,"14,244":6444,"14,245":6445,"14,246":6446,"14,247":6447,"14,248":6448,"14,249":6449,"14,250":6450,"14,251":6451,"14,252":6452,"14,253":6453,"14,254":6454,"14,255":6455,"14,256":6456,"14,257":6457,"14,258":6458,"14,259":6459,"14,260":6460,"14,261":6461,"14,262":6462,"14,263":6463,"14,264":6464,"14,265":6465,"14,266":6466,"14,267":6467,"14,268":6468,"14,269":6469,"14,270":6470,"14,271":6471,"14,272":6472,"14,273":6473,"14,274":6474,"14,275":6475,"14,276":6476,"14,277":6477,"14,278":6478,"14,279":6479,"14,280":6480,"14,281":6481,"14,282":6482,"14,283":6483,"14,284":6484,"14,285":6485,"14,286":6486,"14,287":6487,"14,288":6488,"14,289":6489,"14,290":6490,"14,291":6491,"14,292":6492,"14,293":6493,"14,294":6494,"14,295":6495,"14,296":6496,"14,297":6497,"14,298":6498,"14,299":6499,"14,300":6500,"14,301":6501,"14,302":6502,"14,303":6503,"14,304":6504,"14,305":6505,"14,306":6506,"14,307":6507,"14,308":6508,"14,309":6509,"14,310":6510,"14,311":6511,"14,312":6512,"14,313":6513,"14,314":6514,"14,315":6515,"14,316":6516,"14,317":6517,"14,318":6518,"14,319":6519,"14,320":6520,"14,321":6521,"14,322":6522,"14,323":6523,"14,324":6524,"14,325":6525,"14,326":6526,"14,327":6527,"14,328":6528,"14,329":6529,"14,330":6530,"14,331":6531,"14,332":6532,"14,333":6533,"14,334":6534,"14,335":6535,"14,336":6536,"14,337":6537,"14,338":6538,"14,339":6539,"14,340":6540,"14,341":6541,"14,342":6542,"14,343":6543,"14,344":6544,"14,345":6545,"14,346":6546,"14,347":6547,"14,348":6548,"14,349":6549,"14,350":6550,"14,351":6551,"14,352":6552,"14,353":6553,"14,354":6554,"14,355":6555,"14,356":6556,"14,357":6557,"14,358":6558,"14,359":6559,"14,360":6560,"14,361":6561,"14,362":6562,"14,363":6563,"14,364":6564,"14,365":6565,"14,366":6566,"14,367":6567,"14,368":6568,"14,369":6569,"14,370":6570,"14,371":6571,"14,372":6572,"14,373":6573,"14,374":6574,"14,375":6575,"14,376":6576,"14,377":6577,"14,378":6578,"14,379":6579,"14,380":6580,"14,381":6581,"14,382":6582,"14,383":6583,"14,384":6584,"14,385":6585,"14,386":6586,"14,387":6587,"14,388":6588,"14,389":6589,"14,390":6590,"14,391":6591,"14,392":6592,"14,393":6593,"14,394":6594,"14,395":6595,"14,396":6596,"14,397":6597,"14,398":6598,"14,399":6599,"14,400":6600,"14,401":6601,"14,402":6602,"14,403":6603,"14,404":6604,"14,405":6605,"14,406":6606,"14,407":6607,"14,408":6608,"14,409":6609,"14,410":6610,"14,411":6611,"14,412":6612,"14,413":6613,"14,414":6614,"14,415":6615,"14,416":6616,"14,417":6617,"14,418":6618,"14,419":6619,"14,420":6620,"14,421":6621,"14,422":6622,"14,423":6623,"14,424":6624,"14,425":6625,"14,426":6626,"14,427":6627,"14,428":6628,"14,429":6629,"14,430":6630,"14,431":6631,"14,432":6632,"14,433":6633,"14,434":6634,"14,435":6635,"14,436":6636,"14,437":6637,"14,438":6638,"14,439":6639,"14,440":6640,"14,441":6641,"14,442":6642,"14,443":6643,"14,444":6644,"14,445":6645,"14,446":6646,"14,447":6647,"14,448":6648,"14,449":6649,"14,450":6650,"14,451":6651,"14,452":6652,"14,453":6653,"14,454":6654,"14,455":6655,"14,456":6656,"14,457":6657,"14,458":6658,"14,459":6659,"14,460":6660,"14,461":6661,"14,462":6662,"14,463":6663,"14,464":6664,"14,465":6665,"14,466":6666,"14,467":6667,"14,468":6668,"14,469":6669,"14,470":6670,"14,471":6671,"14,472":6672,"14,473":6673,"14,474":6674,"14,475":6675,"14,476":6676,"14,477":6677,"14,478":6678,"14,479":6679,"14,480":6680,"14,481":6681,"14,482":6682,"14,483":6683,"14,484":6684,"14,485":6685,"14,486":6686,"14,487":6687,"14,488":6688,"14,489":6689,"14,490":6690,"14,491":6691,"14,492":6692,"14,493":6693,"14,494":6694,"14,495":6695,"14,496":6696,"14,497":6697,"14,498":6698,"14,499":6699,"14,500":6700,"14,501":6701,"14,502":6702,"14,503":6703,"14,504":6704,"14,505":6705,"14,506":6706,"14,507":6707,"14,508":6708,"14,509":6709,"14,510":6710,"14,511":6711,"14,512":6712,"14,513":6713,"14,514":6714,"14,515":6715,"14,516":6716,"14,517":6717,"14,518":6718,"14,519":6719,"14,520":6720,"14,521":6721,"14,522":6722,"14,523":6723,"14,524":6724,"14,525":6725,"14,526":6726,"14,527":6727,"14,528":6728,"14,529":6729,"14,530":6730,"14,531":6731,"14,532":6732,"14,533":6733,"14,534":6734,"14,535":6735,"14,536":6736},"ٜ":{"المقدمة":[5,91],"1":[3,551],"2":[5,531],"3":[5,481],"4":[5,402],"5":[5,432],"6":[5,508],"7":[5,493],"8":[5,479],"9":[5,462],"10":[5,531],"11":[5,388],"12":[5,368],"13":[5,566],"14":[5,536]},"ٝ":["المقدمة,5","المقدمة,6","المقدمة,7","المقدمة,8","المقدمة,9","المقدمة,10","المقدمة,11","المقدمة,12","المقدمة,13","المقدمة,14","المقدمة,15","المقدمة,16","المقدمة,17","المقدمة,19","المقدمة,20","المقدمة,21","المقدمة,22","المقدمة,23","المقدمة,24","المقدمة,25","المقدمة,26","المقدمة,27","المقدمة,28","المقدمة,29","المقدمة,30","المقدمة,31","المقدمة,32","المقدمة,33","المقدمة,34","المقدمة,35","المقدمة,36","المقدمة,37","المقدمة,38","المقدمة,39","المقدمة,40","المقدمة,41","المقدمة,42","المقدمة,43","المقدمة,44","المقدمة,45","المقدمة,46","المقدمة,47","المقدمة,48","المقدمة,49","المقدمة,50","المقدمة,51","المقدمة,52","المقدمة,53","المقدمة,54","المقدمة,55","المقدمة,56","المقدمة,57","المقدمة,58","المقدمة,59","المقدمة,60","المقدمة,61","المقدمة,62","المقدمة,63","المقدمة,64","المقدمة,65","المقدمة,67","المقدمة,68","المقدمة,69","المقدمة,70","المقدمة,71","المقدمة,72","المقدمة,73","المقدمة,74","المقدمة,75","المقدمة,76","المقدمة,77","المقدمة,78","المقدمة,79","المقدمة,80","المقدمة,81","المقدمة,82","المقدمة,83","المقدمة,84","المقدمة,85","المقدمة,86","المقدمة,87","المقدمة,88","المقدمة,89","المقدمة,90","المقدمة,91","1,3","1,4","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271","1,272","1,273","1,274","1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,284","1,285","1,286","1,287","1,288","1,289","1,290","1,291","1,292","1,293","1,294","1,295","1,296","1,297","1,298","1,299","1,300","1,301","1,302","1,303","1,304","1,305","1,306","1,307","1,308","1,309","1,310","1,311","1,312","1,313","1,314","1,315","1,316","1,317","1,318","1,319","1,320","1,321","1,322","1,323","1,324","1,325","1,326","1,327","1,328","1,329","1,330","1,331","1,332","1,333","1,334","1,335","1,336","1,337","1,338","1,339","1,340","1,341","1,342","1,343","1,344","1,345","1,346","1,347","1,348","1,349","1,350","1,351","1,352","1,353","1,354","1,355","1,356","1,357","1,358","1,359","1,360","1,361","1,362","1,363","1,364","1,365","1,366","1,367","1,368","1,369","1,370","1,371","1,372","1,373","1,374","1,375","1,376","1,377","1,378","1,379","1,380","1,381","1,382","1,383","1,384","1,385","1,386","1,387","1,388","1,389","1,390","1,391","1,392","1,393","1,394","1,395","1,396","1,397","1,398","1,399","1,400","1,401","1,402","1,403","1,404","1,405","1,406","1,407","1,408","1,409","1,410","1,411","1,412","1,413","1,414","1,415","1,416","1,417","1,418","1,419","1,420","1,421","1,422","1,423","1,424","1,425","1,426","1,427","1,428","1,429","1,430","1,431","1,432","1,433","1,434","1,435","1,436","1,437","1,438","1,439","1,440","1,441","1,442","1,443","1,444","1,445","1,446","1,447","1,448","1,449","1,450","1,451","1,452","1,453","1,454","1,455","1,456","1,457","1,458","1,459","1,460","1,461","1,462","1,463","1,464","1,465","1,466","1,467","1,468","1,469","1,470","1,471","1,472","1,473","1,474","1,475","1,476","1,477","1,478","1,479","1,480","1,481","1,482","1,483","1,484","1,485","1,486","1,487","1,488","1,489","1,490","1,491","1,492","1,493","1,494","1,495","1,496","1,497","1,498","1,499","1,500","1,501","1,502","1,503","1,504","1,505","1,506","1,507","1,508","1,509","1,510","1,511","1,512","1,513","1,514","1,515","1,516","1,517","1,518","1,519","1,520","1,521","1,522","1,523","1,524","1,525","1,526","1,527","1,528","1,529","1,530","1,531","1,532","1,533","1,534","1,535","1,536","1,537","1,538","1,539","1,540","1,541","1,542","1,543","1,544","1,545","1,546","1,547","1,548","1,551","2,5","2,6","2,7","2,8","2,9","2,10","2,11","2,12","2,13","2,14","2,15","2,16","2,17","2,18","2,19","2,20","2,21","2,22","2,23","2,24","2,25","2,26","2,27","2,28","2,29","2,30","2,31","2,32","2,33","2,34","2,35","2,36","2,37","2,38","2,39","2,40","2,41","2,42","2,43","2,44","2,45","2,46","2,47","2,48","2,49","2,50","2,51","2,52","2,53","2,54","2,55","2,56","2,57","2,58","2,59","2,60","2,61","2,62","2,63","2,64","2,65","2,66","2,67","2,68","2,69","2,70","2,71","2,72","2,73","2,74","2,75","2,76","2,77","2,78","2,79","2,80","2,81","2,82","2,83","2,84","2,85","2,86","2,87","2,88","2,89","2,90","2,91","2,92","2,93","2,94","2,95","2,96","2,97","2,98","2,99","2,100","2,101","2,102","2,103","2,104","2,105","2,106","2,107","2,108","2,109","2,110","2,111","2,112","2,113","2,114","2,115","2,116","2,117","2,118","2,119","2,120","2,121","2,122","2,123","2,124","2,125","2,126","2,127","2,128","2,129","2,130","2,131","2,132","2,133","2,134","2,135","2,136","2,137","2,138","2,139","2,140","2,141","2,142","2,143","2,144","2,145","2,146","2,147","2,148","2,149","2,150","2,151","2,152","2,153","2,154","2,155","2,156","2,157","2,158","2,159","2,160","2,161","2,162","2,163","2,164","2,165","2,166","2,167","2,168","2,169","2,170","2,171","2,172","2,173","2,174","2,175","2,176","2,177","2,178","2,179","2,180","2,181","2,182","2,183","2,184","2,185","2,186","2,187","2,188","2,189","2,190","2,191","2,192","2,193","2,194","2,195","2,196","2,197","2,198","2,199","2,200","2,201","2,202","2,203","2,204","2,205","2,206","2,207","2,208","2,209","2,210","2,211","2,212","2,213","2,214","2,215","2,216","2,217","2,218","2,219","2,220","2,221","2,222","2,223","2,224","2,225","2,226","2,227","2,228","2,229","2,230","2,231","2,232","2,233","2,234","2,235","2,236","2,237","2,238","2,239","2,240","2,241","2,242","2,243","2,244","2,245","2,246","2,247","2,248","2,249","2,250","2,251","2,252","2,253","2,254","2,255","2,256","2,257","2,258","2,259","2,260","2,261","2,262","2,263","2,264","2,265","2,266","2,267","2,268","2,269","2,270","2,271","2,272","2,273","2,274","2,275","2,276","2,277","2,278","2,279","2,280","2,281","2,282","2,283","2,284","2,285","2,286","2,287","2,288","2,289","2,290","2,291","2,292","2,293","2,294","2,295","2,296","2,297","2,298","2,299","2,300","2,301","2,302","2,303","2,304","2,305","2,306","2,307","2,308","2,309","2,310","2,311","2,312","2,313","2,314","2,315","2,316","2,317","2,318","2,319","2,320","2,321","2,322","2,323","2,324","2,325","2,326","2,327","2,328","2,329","2,330","2,331","2,332","2,333","2,334","2,335","2,336","2,337","2,338","2,339","2,340","2,341","2,342","2,343","2,344","2,345","2,346","2,347","2,348","2,349","2,350","2,351","2,352","2,353","2,354","2,355","2,356","2,357","2,358","2,359","2,360","2,361","2,362","2,363","2,364","2,365","2,366","2,367","2,368","2,369","2,370","2,371","2,372","2,373","2,374","2,375","2,376","2,377","2,378","2,379","2,380","2,381","2,382","2,383","2,384","2,385","2,386","2,387","2,388","2,389","2,390","2,391","2,392","2,393","2,394","2,395","2,396","2,397","2,398","2,399","2,400","2,401","2,402","2,403","2,404","2,405","2,406","2,407","2,408","2,409","2,410","2,411","2,412","2,413","2,414","2,415","2,416","2,417","2,418","2,419","2,420","2,421","2,422","2,423","2,424","2,425","2,426","2,427","2,428","2,429","2,430","2,431","2,432","2,433","2,434","2,435","2,436","2,437","2,438","2,439","2,440","2,441","2,442","2,443","2,444","2,445","2,446","2,447","2,448","2,449","2,450","2,451","2,452","2,453","2,454","2,455","2,456","2,457","2,458","2,459","2,460","2,461","2,462","2,463","2,464","2,465","2,466","2,467","2,468","2,469","2,470","2,471","2,472","2,473","2,474","2,475","2,476","2,477","2,478","2,479","2,480","2,481","2,482","2,483","2,484","2,485","2,486","2,487","2,488","2,489","2,490","2,491","2,492","2,493","2,494","2,495","2,496","2,497","2,498","2,499","2,500","2,501","2,502","2,503","2,504","2,505","2,506","2,507","2,508","2,509","2,510","2,511","2,512","2,513","2,514","2,515","2,516","2,517","2,518","2,519","2,520","2,521","2,522","2,523","2,524","2,525","2,526","2,527","2,528","2,531","3,5","3,6","3,7","3,8","3,9","3,10","3,11","3,12","3,13","3,14","3,15","3,16","3,17","3,18","3,19","3,20","3,21","3,22","3,23","3,24","3,25","3,26","3,27","3,28","3,29","3,30","3,31","3,32","3,33","3,34","3,35","3,36","3,37","3,38","3,39","3,40","3,41","3,42","3,43","3,44","3,45","3,46","3,47","3,48","3,49","3,50","3,51","3,52","3,53","3,54","3,55","3,56","3,57","3,58","3,59","3,60","3,61","3,62","3,63","3,64","3,65","3,66","3,67","3,68","3,69","3,70","3,71","3,72","3,73","3,74","3,75","3,76","3,77","3,78","3,79","3,80","3,81","3,82","3,83","3,84","3,85","3,86","3,87","3,88","3,89","3,90","3,91","3,92","3,93","3,94","3,95","3,96","3,97","3,98","3,99","3,100","3,101","3,102","3,103","3,104","3,105","3,106","3,107","3,108","3,109","3,110","3,111","3,112","3,113","3,114","3,115","3,116","3,117","3,118","3,119","3,120","3,121","3,122","3,123","3,124","3,125","3,126","3,127","3,128","3,129","3,130","3,131","3,132","3,133","3,134","3,135","3,136","3,137","3,138","3,139","3,140","3,141","3,142","3,143","3,144","3,145","3,146","3,147","3,148","3,149","3,150","3,151","3,152","3,153","3,154","3,155","3,156","3,157","3,158","3,159","3,160","3,161","3,162","3,163","3,164","3,165","3,166","3,167","3,168","3,169","3,170","3,171","3,172","3,173","3,174","3,175","3,176","3,177","3,178","3,179","3,180","3,181","3,182","3,183","3,184","3,185","3,186","3,187","3,188","3,189","3,190","3,191","3,192","3,193","3,194","3,195","3,196","3,197","3,198","3,199","3,200","3,201","3,202","3,203","3,204","3,205","3,206","3,207","3,208","3,209","3,210","3,211","3,212","3,213","3,214","3,215","3,216","3,217","3,218","3,219","3,220","3,221","3,222","3,223","3,224","3,225","3,226","3,227","3,228","3,229","3,230","3,231","3,232","3,233","3,234","3,235","3,236","3,237","3,238","3,239","3,240","3,241","3,242","3,243","3,244","3,245","3,246","3,247","3,248","3,249","3,250","3,251","3,252","3,253","3,254","3,255","3,256","3,257","3,258","3,259","3,260","3,261","3,262","3,263","3,264","3,265","3,266","3,267","3,268","3,269","3,270","3,271","3,272","3,273","3,274","3,275","3,276","3,277","3,278","3,279","3,280","3,281","3,282","3,283","3,284","3,285","3,286","3,287","3,288","3,289","3,290","3,291","3,292","3,293","3,294","3,295","3,296","3,297","3,298","3,299","3,300","3,301","3,302","3,303","3,304","3,305","3,306","3,307","3,308","3,309","3,310","3,311","3,312","3,313","3,314","3,315","3,316","3,317","3,318","3,319","3,320","3,321","3,322","3,323","3,324","3,325","3,326","3,327","3,328","3,329","3,330","3,331","3,332","3,333","3,334","3,335","3,336","3,337","3,338","3,339","3,340","3,341","3,342","3,343","3,344","3,345","3,346","3,347","3,348","3,349","3,350","3,351","3,352","3,353","3,354","3,355","3,356","3,357","3,358","3,359","3,360","3,361","3,362","3,363","3,364","3,365","3,366","3,367","3,368","3,369","3,370","3,371","3,372","3,373","3,374","3,375","3,376","3,377","3,378","3,379","3,380","3,381","3,382","3,383","3,384","3,385","3,386","3,387","3,388","3,389","3,390","3,391","3,392","3,393","3,394","3,395","3,396","3,397","3,398","3,399","3,400","3,401","3,402","3,403","3,404","3,405","3,406","3,407","3,408","3,409","3,410","3,411","3,412","3,413","3,414","3,415","3,416","3,417","3,418","3,419","3,420","3,421","3,422","3,423","3,424","3,425","3,426","3,427","3,428","3,429","3,430","3,431","3,432","3,433","3,434","3,435","3,436","3,437","3,438","3,439","3,440","3,441","3,442","3,443","3,444","3,445","3,446","3,447","3,448","3,449","3,450","3,451","3,452","3,453","3,454","3,455","3,456","3,457","3,458","3,459","3,460","3,461","3,462","3,463","3,464","3,465","3,466","3,467","3,468","3,469","3,470","3,471","3,472","3,473","3,474","3,475","3,476","3,477","3,478","3,479","3,480","3,481","4,5","4,6","4,7","4,8","4,9","4,10","4,11","4,12","4,13","4,14","4,15","4,16","4,17","4,18","4,19","4,20","4,21","4,22","4,23","4,24","4,25","4,26","4,27","4,28","4,29","4,30","4,31","4,32","4,33","4,34","4,35","4,36","4,37","4,38","4,39","4,40","4,41","4,42","4,43","4,44","4,45","4,46","4,47","4,48","4,49","4,50","4,51","4,52","4,53","4,54","4,55","4,56","4,57","4,58","4,59","4,60","4,61","4,62","4,63","4,64","4,65","4,66","4,67","4,68","4,69","4,70","4,71","4,72","4,73","4,74","4,75","4,76","4,77","4,78","4,79","4,80","4,81","4,82","4,83","4,84","4,85","4,86","4,87","4,88","4,89","4,90","4,91","4,92","4,93","4,94","4,95","4,96","4,97","4,98","4,99","4,100","4,101","4,102","4,103","4,104","4,105","4,106","4,107","4,108","4,109","4,110","4,111","4,112","4,113","4,114","4,115","4,116","4,117","4,118","4,119","4,120","4,121","4,122","4,123","4,124","4,125","4,126","4,127","4,128","4,129","4,130","4,131","4,132","4,133","4,134","4,135","4,136","4,137","4,138","4,139","4,140","4,141","4,142","4,143","4,144","4,145","4,146","4,147","4,148","4,149","4,150","4,151","4,152","4,153","4,154","4,155","4,156","4,157","4,158","4,159","4,160","4,161","4,162","4,163","4,164","4,165","4,166","4,167","4,168","4,169","4,170","4,171","4,172","4,173","4,174","4,175","4,176","4,177","4,178","4,179","4,180","4,181","4,182","4,183","4,184","4,185","4,186","4,187","4,188","4,189","4,190","4,191","4,192","4,193","4,194","4,195","4,196","4,197","4,198","4,199","4,200","4,201","4,202","4,203","4,204","4,205","4,206","4,207","4,208","4,209","4,210","4,211","4,212","4,213","4,214","4,215","4,216","4,217","4,218","4,219","4,220","4,221","4,222","4,223","4,224","4,225","4,226","4,227","4,228","4,229","4,230","4,231","4,232","4,233","4,234","4,235","4,236","4,237","4,238","4,239","4,240","4,241","4,242","4,243","4,244","4,245","4,246","4,247","4,248","4,249","4,250","4,251","4,252","4,253","4,254","4,255","4,256","4,257","4,258","4,259","4,260","4,261","4,262","4,263","4,264","4,265","4,266","4,267","4,268","4,269","4,270","4,271","4,272","4,273","4,274","4,275","4,276","4,277","4,278","4,279","4,280","4,281","4,282","4,283","4,284","4,285","4,286","4,287","4,288","4,289","4,290","4,291","4,292","4,293","4,294","4,295","4,296","4,297","4,298","4,299","4,300","4,301","4,302","4,303","4,304","4,305","4,306","4,307","4,308","4,309","4,310","4,311","4,312","4,313","4,314","4,315","4,316","4,317","4,318","4,319","4,320","4,321","4,322","4,323","4,324","4,325","4,326","4,327","4,328","4,329","4,330","4,331","4,332","4,333","4,334","4,335","4,336","4,337","4,338","4,339","4,340","4,341","4,342","4,343","4,344","4,345","4,346","4,347","4,348","4,349","4,350","4,351","4,352","4,353","4,354","4,355","4,356","4,357","4,358","4,359","4,360","4,361","4,362","4,363","4,364","4,365","4,366","4,367","4,368","4,369","4,370","4,371","4,372","4,373","4,374","4,375","4,376","4,377","4,378","4,379","4,380","4,381","4,382","4,383","4,384","4,385","4,386","4,387","4,388","4,389","4,390","4,391","4,392","4,393","4,394","4,395","4,396","4,397","4,398","4,399","4,400","4,401","4,402","5,5","5,6","5,7","5,8","5,9","5,10","5,11","5,12","5,13","5,14","5,15","5,16","5,17","5,18","5,19","5,20","5,21","5,22","5,23","5,24","5,25","5,26","5,27","5,28","5,29","5,30","5,31","5,32","5,33","5,34","5,35","5,36","5,37","5,38","5,39","5,40","5,41","5,42","5,43","5,44","5,45","5,46","5,47","5,48","5,49","5,50","5,51","5,52","5,53","5,54","5,55","5,56","5,57","5,58","5,59","5,60","5,61","5,62","5,63","5,64","5,65","5,66","5,67","5,68","5,69","5,70","5,71","5,72","5,73","5,74","5,75","5,76","5,77","5,78","5,79","5,80","5,81","5,82","5,83","5,84","5,85","5,86","5,87","5,88","5,89","5,90","5,91","5,92","5,93","5,94","5,95","5,96","5,97","5,98","5,99","5,100","5,101","5,102","5,103","5,104","5,105","5,106","5,107","5,108","5,109","5,110","5,111","5,112","5,113","5,114","5,115","5,116","5,117","5,118","5,119","5,120","5,121","5,122","5,123","5,124","5,125","5,126","5,127","5,128","5,129","5,130","5,131","5,132","5,133","5,134","5,135","5,136","5,137","5,138","5,139","5,140","5,141","5,142","5,143","5,144","5,145","5,146","5,147","5,148","5,149","5,150","5,151","5,152","5,153","5,154","5,155","5,156","5,157","5,158","5,159","5,160","5,161","5,162","5,163","5,164","5,165","5,166","5,167","5,168","5,169","5,170","5,171","5,172","5,173","5,174","5,175","5,176","5,177","5,178","5,179","5,180","5,181","5,182","5,183","5,184","5,185","5,186","5,187","5,188","5,189","5,190","5,191","5,192","5,193","5,194","5,195","5,196","5,197","5,198","5,199","5,200","5,201","5,202","5,203","5,204","5,205","5,206","5,207","5,208","5,209","5,210","5,211","5,212","5,213","5,214","5,215","5,216","5,217","5,218","5,219","5,220","5,221","5,222","5,223","5,224","5,225","5,226","5,227","5,228","5,229","5,230","5,231","5,232","5,233","5,234","5,235","5,236","5,237","5,238","5,239","5,240","5,241","5,242","5,243","5,244","5,245","5,246","5,247","5,248","5,249","5,250","5,251","5,252","5,253","5,254","5,255","5,256","5,257","5,258","5,259","5,260","5,261","5,262","5,263","5,264","5,265","5,266","5,267","5,268","5,269","5,270","5,271","5,272","5,273","5,274","5,275","5,276","5,277","5,278","5,279","5,280","5,281","5,282","5,283","5,284","5,285","5,286","5,287","5,288","5,289","5,290","5,291","5,292","5,293","5,294","5,295","5,296","5,297","5,298","5,299","5,300","5,301","5,302","5,303","5,304","5,305","5,306","5,307","5,308","5,309","5,310","5,311","5,312","5,313","5,314","5,315","5,316","5,317","5,318","5,319","5,320","5,321","5,322","5,323","5,324","5,325","5,326","5,327","5,328","5,329","5,330","5,331","5,332","5,333","5,334","5,335","5,336","5,337","5,338","5,339","5,340","5,341","5,342","5,343","5,344","5,345","5,346","5,347","5,348","5,349","5,350","5,351","5,352","5,353","5,354","5,355","5,356","5,357","5,358","5,359","5,360","5,361","5,362","5,363","5,364","5,365","5,366","5,367","5,368","5,369","5,370","5,371","5,372","5,373","5,374","5,375","5,376","5,377","5,378","5,379","5,380","5,381","5,382","5,383","5,384","5,385","5,386","5,387","5,388","5,389","5,390","5,391","5,392","5,393","5,394","5,395","5,396","5,397","5,398","5,399","5,400","5,401","5,402","5,403","5,404","5,405","5,406","5,407","5,408","5,409","5,410","5,411","5,412","5,413","5,414","5,415","5,416","5,417","5,418","5,419","5,420","5,421","5,422","5,423","5,424","5,425","5,426","5,427","5,428","5,429","5,430","5,431","5,432","6,5","6,6","6,7","6,8","6,9","6,10","6,11","6,12","6,13","6,14","6,15","6,16","6,17","6,18","6,19","6,20","6,21","6,22","6,23","6,24","6,25","6,26","6,27","6,28","6,29","6,30","6,31","6,32","6,33","6,34","6,35","6,36","6,37","6,38","6,39","6,40","6,41","6,42","6,43","6,44","6,45","6,46","6,47","6,48","6,49","6,50","6,51","6,52","6,53","6,54","6,55","6,56","6,57","6,58","6,59","6,60","6,61","6,62","6,63","6,64","6,65","6,66","6,67","6,68","6,69","6,70","6,71","6,72","6,73","6,74","6,75","6,76","6,77","6,78","6,79","6,80","6,81","6,82","6,83","6,84","6,85","6,86","6,87","6,88","6,89","6,90","6,91","6,92","6,93","6,94","6,95","6,96","6,97","6,98","6,99","6,100","6,101","6,102","6,103","6,104","6,105","6,106","6,107","6,108","6,109","6,110","6,111","6,112","6,113","6,114","6,115","6,116","6,117","6,118","6,119","6,120","6,121","6,122","6,123","6,124","6,125","6,126","6,127","6,128","6,129","6,130","6,131","6,132","6,133","6,134","6,135","6,136","6,137","6,138","6,139","6,140","6,141","6,142","6,143","6,144","6,145","6,146","6,147","6,148","6,149","6,150","6,151","6,152","6,153","6,154","6,155","6,156","6,157","6,158","6,159","6,160","6,161","6,162","6,163","6,164","6,165","6,166","6,167","6,168","6,169","6,170","6,171","6,172","6,173","6,174","6,175","6,176","6,177","6,178","6,179","6,180","6,181","6,182","6,183","6,184","6,185","6,186","6,187","6,188","6,189","6,190","6,191","6,192","6,193","6,194","6,195","6,196","6,197","6,198","6,199","6,200","6,201","6,202","6,203","6,204","6,205","6,206","6,207","6,208","6,209","6,210","6,211","6,212","6,213","6,214","6,215","6,216","6,217","6,218","6,219","6,220","6,221","6,222","6,223","6,224","6,225","6,226","6,227","6,228","6,229","6,230","6,231","6,232","6,233","6,234","6,235","6,236","6,237","6,238","6,239","6,240","6,241","6,242","6,243","6,244","6,245","6,246","6,247","6,248","6,249","6,250","6,251","6,252","6,253","6,254","6,255","6,257","6,258","6,259","6,260","6,261","6,262","6,263","6,264","6,265","6,266","6,267","6,268","6,269","6,270","6,271","6,272","6,273","6,274","6,275","6,276","6,277","6,278","6,279","6,280","6,281","6,282","6,283","6,284","6,285","6,286","6,287","6,288","6,289","6,290","6,291","6,292","6,293","6,294","6,295","6,296","6,297","6,298","6,299","6,300","6,301","6,302","6,303","6,304","6,305","6,306","6,307","6,308","6,309","6,310","6,311","6,312","6,313","6,314","6,315","6,316","6,317","6,318","6,319","6,320","6,321","6,322","6,323","6,324","6,325","6,326","6,327","6,328","6,329","6,330","6,331","6,332","6,333","6,334","6,335","6,336","6,337","6,338","6,339","6,340","6,341","6,342","6,343","6,344","6,345","6,346","6,347","6,348","6,349","6,350","6,351","6,352","6,353","6,354","6,355","6,356","6,357","6,358","6,359","6,360","6,361","6,362","6,363","6,364","6,365","6,366","6,367","6,368","6,369","6,370","6,371","6,372","6,373","6,374","6,375","6,376","6,377","6,378","6,379","6,380","6,381","6,382","6,383","6,384","6,385","6,386","6,387","6,388","6,389","6,390","6,391","6,392","6,393","6,394","6,395","6,396","6,397","6,398","6,399","6,400","6,401","6,402","6,403","6,404","6,405","6,406","6,407","6,408","6,409","6,410","6,411","6,412","6,413","6,414","6,415","6,416","6,417","6,418","6,419","6,420","6,421","6,422","6,423","6,424","6,425","6,426","6,427","6,428","6,429","6,430","6,431","6,432","6,433","6,434","6,435","6,436","6,437","6,438","6,439","6,440","6,441","6,442","6,443","6,444","6,445","6,446","6,447","6,448","6,449","6,450","6,451","6,452","6,453","6,454","6,455","6,456","6,457","6,458","6,459","6,460","6,461","6,462","6,463","6,464","6,465","6,466","6,467","6,468","6,469","6,470","6,471","6,472","6,473","6,474","6,475","6,476","6,477","6,478","6,479","6,480","6,481","6,482","6,483","6,484","6,485","6,486","6,487","6,488","6,489","6,490","6,491","6,492","6,493","6,494","6,495","6,496","6,497","6,498","6,499","6,500","6,501","6,502","6,503","6,504","6,505","6,506","6,507","6,508","7,5","7,6","7,7","7,8","7,9","7,10","7,11","7,12","7,13","7,14","7,15","7,16","7,17","7,18","7,19","7,20","7,21","7,22","7,23","7,24","7,25","7,26","7,27","7,28","7,29","7,30","7,31","7,32","7,33","7,34","7,35","7,36","7,37","7,38","7,39","7,40","7,41","7,42","7,43","7,44","7,45","7,46","7,47","7,48","7,49","7,50","7,51","7,52","7,53","7,54","7,55","7,56","7,57","7,58","7,59","7,60","7,61","7,62","7,63","7,64","7,65","7,66","7,67","7,68","7,69","7,70","7,71","7,72","7,73","7,74","7,75","7,76","7,77","7,78","7,79","7,80","7,81","7,82","7,83","7,84","7,85","7,86","7,87","7,88","7,89","7,90","7,91","7,92","7,93","7,94","7,95","7,96","7,97","7,98","7,99","7,100","7,101","7,102","7,103","7,104","7,105","7,106","7,107","7,108","7,109","7,110","7,111","7,112","7,113","7,114","7,115","7,116","7,117","7,118","7,119","7,120","7,121","7,122","7,123","7,124","7,125","7,126","7,127","7,128","7,129","7,130","7,131","7,132","7,133","7,135","7,136","7,137","7,138","7,139","7,140","7,141","7,142","7,143","7,144","7,145","7,146","7,147","7,148","7,149","7,150","7,151","7,152","7,153","7,154","7,155","7,156","7,157","7,158","7,159","7,160","7,161","7,162","7,163","7,164","7,165","7,166","7,167","7,168","7,169","7,170","7,171","7,172","7,173","7,174","7,175","7,176","7,177","7,178","7,179","7,180","7,181","7,182","7,183","7,184","7,185","7,186","7,187","7,188","7,189","7,190","7,191","7,192","7,193","7,194","7,195","7,196","7,197","7,198","7,199","7,200","7,201","7,202","7,203","7,204","7,205","7,206","7,207","7,208","7,209","7,210","7,211","7,212","7,213","7,214","7,215","7,216","7,217","7,218","7,219","7,220","7,221","7,222","7,223","7,224","7,225","7,226","7,227","7,228","7,229","7,230","7,231","7,232","7,233","7,234","7,235","7,236","7,237","7,238","7,239","7,240","7,241","7,242","7,243","7,244","7,245","7,246","7,247","7,248","7,249","7,250","7,251","7,252","7,253","7,254","7,255","7,256","7,257","7,258","7,259","7,260","7,261","7,262","7,263","7,264","7,265","7,266","7,267","7,268","7,269","7,270","7,271","7,272","7,273","7,274","7,275","7,276","7,277","7,278","7,279","7,280","7,281","7,282","7,283","7,284","7,285","7,286","7,287","7,288","7,289","7,290","7,291","7,292","7,293","7,294","7,295","7,296","7,297","7,298","7,299","7,300","7,301","7,302","7,303","7,304","7,305","7,306","7,307","7,308","7,309","7,310","7,311","7,312","7,313","7,314","7,315","7,316","7,317","7,318","7,319","7,320","7,321","7,322","7,323","7,324","7,325","7,326","7,327","7,328","7,329","7,331","7,332","7,333","7,334","7,335","7,336","7,337","7,338","7,339","7,340","7,341","7,342","7,343","7,344","7,345","7,346","7,347","7,348","7,349","7,350","7,351","7,352","7,353","7,354","7,355","7,356","7,357","7,358","7,359","7,360","7,361","7,362","7,363","7,364","7,365","7,366","7,367","7,368","7,369","7,370","7,371","7,372","7,373","7,374","7,375","7,376","7,377","7,378","7,379","7,380","7,381","7,382","7,383","7,384","7,385","7,386","7,387","7,388","7,389","7,390","7,391","7,392","7,393","7,394","7,395","7,396","7,397","7,398","7,399","7,400","7,401","7,402","7,403","7,404","7,405","7,406","7,407","7,408","7,409","7,410","7,411","7,412","7,413","7,414","7,415","7,416","7,417","7,418","7,419","7,420","7,421","7,422","7,423","7,424","7,425","7,426","7,427","7,428","7,429","7,430","7,431","7,432","7,433","7,434","7,435","7,436","7,437","7,438","7,439","7,440","7,441","7,442","7,443","7,444","7,445","7,446","7,447","7,448","7,449","7,450","7,451","7,452","7,453","7,454","7,455","7,456","7,457","7,458","7,459","7,460","7,461","7,462","7,463","7,464","7,465","7,466","7,467","7,468","7,469","7,470","7,471","7,472","7,473","7,474","7,475","7,476","7,477","7,478","7,479","7,480","7,481","7,482","7,483","7,484","7,485","7,486","7,487","7,488","7,489","7,490","7,491","7,492","7,493","8,5","8,6","8,7","8,8","8,9","8,10","8,11","8,12","8,13","8,14","8,15","8,16","8,17","8,18","8,19","8,20","8,21","8,22","8,23","8,24","8,25","8,26","8,27","8,28","8,29","8,30","8,31","8,32","8,33","8,34","8,35","8,36","8,37","8,38","8,39","8,40","8,41","8,42","8,43","8,44","8,45","8,46","8,47","8,48","8,49","8,50","8,51","8,52","8,53","8,54","8,55","8,56","8,57","8,58","8,59","8,60","8,61","8,62","8,63","8,64","8,65","8,66","8,67","8,68","8,69","8,70","8,71","8,72","8,73","8,74","8,75","8,76","8,77","8,78","8,79","8,80","8,81","8,82","8,83","8,84","8,85","8,86","8,87","8,88","8,89","8,90","8,91","8,92","8,93","8,94","8,95","8,96","8,97","8,98","8,99","8,101","8,102","8,103","8,104","8,105","8,106","8,107","8,108","8,109","8,110","8,111","8,112","8,113","8,114","8,115","8,116","8,117","8,118","8,119","8,120","8,121","8,122","8,123","8,124","8,125","8,126","8,127","8,128","8,129","8,130","8,131","8,132","8,133","8,134","8,135","8,136","8,137","8,138","8,139","8,140","8,141","8,142","8,143","8,144","8,145","8,146","8,147","8,148","8,149","8,150","8,151","8,152","8,153","8,154","8,155","8,156","8,157","8,158","8,159","8,160","8,161","8,162","8,163","8,164","8,165","8,166","8,167","8,168","8,169","8,170","8,171","8,172","8,173","8,175","8,176","8,177","8,178","8,179","8,180","8,181","8,182","8,183","8,184","8,185","8,186","8,187","8,188","8,189","8,190","8,191","8,192","8,193","8,194","8,195","8,196","8,197","8,198","8,199","8,200","8,201","8,202","8,203","8,204","8,205","8,206","8,207","8,208","8,209","8,210","8,211","8,212","8,213","8,214","8,215","8,216","8,217","8,218","8,219","8,220","8,221","8,222","8,223","8,224","8,225","8,226","8,227","8,228","8,229","8,230","8,231","8,232","8,233","8,234","8,235","8,236","8,237","8,238","8,239","8,240","8,241","8,242","8,243","8,244","8,245","8,246","8,247","8,248","8,249","8,250","8,251","8,252","8,253","8,254","8,255","8,256","8,257","8,258","8,259","8,260","8,261","8,262","8,263","8,264","8,265","8,266","8,267","8,268","8,269","8,270","8,271","8,272","8,273","8,274","8,275","8,276","8,277","8,278","8,279","8,280","8,281","8,282","8,283","8,284","8,285","8,286","8,287","8,288","8,289","8,290","8,291","8,292","8,293","8,294","8,295","8,296","8,297","8,298","8,299","8,300","8,301","8,302","8,303","8,304","8,305","8,306","8,307","8,308","8,309","8,310","8,311","8,312","8,313","8,314","8,315","8,316","8,317","8,318","8,319","8,320","8,321","8,322","8,323","8,324","8,325","8,326","8,327","8,328","8,329","8,330","8,331","8,332","8,333","8,334","8,335","8,336","8,337","8,338","8,339","8,340","8,341","8,342","8,343","8,344","8,345","8,346","8,347","8,348","8,349","8,350","8,351","8,352","8,353","8,354","8,355","8,356","8,357","8,358","8,359","8,360","8,361","8,362","8,363","8,364","8,365","8,366","8,367","8,368","8,369","8,370","8,371","8,373","8,374","8,375","8,376","8,377","8,378","8,379","8,380","8,381","8,382","8,383","8,384","8,385","8,386","8,387","8,388","8,389","8,390","8,391","8,392","8,393","8,394","8,395","8,396","8,397","8,398","8,399","8,400","8,401","8,402","8,403","8,404","8,405","8,406","8,407","8,408","8,409","8,410","8,411","8,412","8,413","8,414","8,415","8,416","8,417","8,418","8,419","8,420","8,421","8,422","8,423","8,424","8,425","8,426","8,427","8,428","8,429","8,430","8,431","8,432","8,433","8,434","8,435","8,436","8,437","8,438","8,439","8,440","8,441","8,442","8,443","8,444","8,445","8,446","8,447","8,448","8,449","8,450","8,451","8,452","8,453","8,454","8,455","8,456","8,457","8,458","8,459","8,460","8,461","8,462","8,463","8,464","8,465","8,466","8,467","8,468","8,469","8,470","8,471","8,472","8,473","8,474","8,475","8,476","8,477","8,478","8,479","9,5","9,6","9,7","9,8","9,9","9,10","9,11","9,12","9,13","9,14","9,15","9,16","9,17","9,18","9,19","9,20","9,21","9,22","9,23","9,24","9,25","9,26","9,27","9,28","9,29","9,30","9,31","9,32","9,33","9,34","9,35","9,36","9,37","9,38","9,39","9,40","9,41","9,42","9,43","9,44","9,45","9,46","9,47","9,48","9,49","9,50","9,51","9,52","9,53","9,54","9,55","9,56","9,57","9,58","9,59","9,60","9,61","9,62","9,63","9,64","9,65","9,66","9,67","9,68","9,69","9,70","9,71","9,72","9,73","9,74","9,75","9,76","9,77","9,78","9,79","9,80","9,81","9,82","9,83","9,84","9,85","9,86","9,87","9,88","9,89","9,90","9,91","9,92","9,93","9,94","9,95","9,96","9,97","9,99","9,100","9,101","9,102","9,103","9,104","9,105","9,106","9,107","9,108","9,109","9,110","9,111","9,112","9,113","9,114","9,115","9,116","9,117","9,118","9,119","9,120","9,121","9,122","9,123","9,124","9,125","9,126","9,127","9,128","9,129","9,130","9,131","9,132","9,133","9,134","9,135","9,136","9,137","9,138","9,139","9,140","9,141","9,142","9,143","9,144","9,145","9,146","9,147","9,148","9,149","9,150","9,151","9,152","9,153","9,154","9,155","9,156","9,157","9,158","9,159","9,160","9,161","9,162","9,163","9,164","9,165","9,166","9,167","9,168","9,169","9,170","9,171","9,172","9,173","9,174","9,175","9,176","9,177","9,178","9,179","9,180","9,181","9,182","9,183","9,184","9,185","9,186","9,187","9,188","9,189","9,190","9,191","9,192","9,193","9,194","9,195","9,196","9,197","9,198","9,199","9,200","9,201","9,202","9,203","9,204","9,205","9,206","9,207","9,208","9,209","9,210","9,211","9,212","9,213","9,214","9,215","9,216","9,217","9,218","9,219","9,220","9,221","9,222","9,223","9,224","9,225","9,226","9,227","9,228","9,229","9,230","9,231","9,232","9,233","9,234","9,235","9,236","9,237","9,238","9,239","9,240","9,241","9,242","9,243","9,244","9,245","9,246","9,247","9,248","9,249","9,250","9,251","9,252","9,253","9,254","9,255","9,256","9,257","9,258","9,259","9,260","9,261","9,262","9,263","9,264","9,265","9,266","9,267","9,268","9,269","9,270","9,271","9,272","9,273","9,274","9,275","9,276","9,277","9,278","9,279","9,280","9,281","9,282","9,283","9,284","9,285","9,286","9,287","9,288","9,289","9,290","9,291","9,292","9,293","9,294","9,295","9,296","9,297","9,298","9,299","9,300","9,301","9,302","9,303","9,304","9,305","9,306","9,307","9,309","9,310","9,311","9,312","9,313","9,314","9,315","9,316","9,317","9,318","9,319","9,320","9,321","9,322","9,323","9,324","9,325","9,326","9,327","9,328","9,329","9,330","9,331","9,332","9,333","9,334","9,335","9,336","9,337","9,338","9,339","9,340","9,341","9,342","9,343","9,344","9,345","9,346","9,347","9,348","9,349","9,350","9,351","9,352","9,353","9,354","9,355","9,356","9,357","9,358","9,359","9,360","9,361","9,362","9,363","9,364","9,365","9,366","9,367","9,368","9,369","9,370","9,371","9,372","9,373","9,374","9,375","9,376","9,377","9,378","9,379","9,380","9,381","9,382","9,383","9,384","9,385","9,386","9,387","9,389","9,390","9,391","9,392","9,393","9,394","9,395","9,396","9,397","9,398","9,399","9,400","9,401","9,402","9,403","9,404","9,405","9,406","9,407","9,408","9,409","9,410","9,411","9,412","9,413","9,414","9,415","9,416","9,417","9,418","9,419","9,420","9,421","9,422","9,423","9,424","9,425","9,426","9,427","9,428","9,429","9,430","9,431","9,432","9,433","9,434","9,435","9,436","9,437","9,438","9,439","9,440","9,441","9,442","9,443","9,444","9,445","9,446","9,447","9,448","9,449","9,450","9,451","9,452","9,453","9,454","9,455","9,456","9,457","9,458","9,459","9,460","9,461","9,462","10,5","10,6","10,7","10,8","10,9","10,10","10,11","10,12","10,13","10,14","10,15","10,16","10,17","10,18","10,19","10,20","10,21","10,22","10,23","10,24","10,25","10,26","10,27","10,28","10,29","10,30","10,31","10,32","10,33","10,34","10,35","10,36","10,37","10,38","10,39","10,40","10,41","10,42","10,43","10,44","10,45","10,46","10,47","10,48","10,49","10,50","10,51","10,52","10,53","10,54","10,55","10,56","10,57","10,58","10,59","10,60","10,61","10,62","10,63","10,64","10,65","10,66","10,67","10,68","10,69","10,70","10,71","10,72","10,73","10,74","10,75","10,76","10,77","10,78","10,79","10,80","10,81","10,82","10,83","10,84","10,85","10,86","10,87","10,88","10,89","10,90","10,91","10,92","10,93","10,94","10,95","10,96","10,97","10,98","10,99","10,100","10,101","10,102","10,103","10,104","10,105","10,106","10,107","10,108","10,109","10,110","10,111","10,112","10,113","10,114","10,115","10,116","10,117","10,118","10,119","10,120","10,121","10,122","10,123","10,124","10,125","10,126","10,127","10,128","10,129","10,130","10,131","10,132","10,133","10,134","10,135","10,136","10,137","10,138","10,139","10,140","10,141","10,142","10,143","10,144","10,145","10,146","10,147","10,148","10,149","10,150","10,151","10,152","10,153","10,154","10,155","10,156","10,157","10,158","10,159","10,160","10,161","10,162","10,163","10,164","10,165","10,166","10,167","10,168","10,169","10,170","10,171","10,172","10,173","10,174","10,175","10,176","10,177","10,178","10,179","10,180","10,181","10,182","10,183","10,184","10,185","10,186","10,187","10,188","10,189","10,190","10,191","10,192","10,193","10,194","10,195","10,196","10,197","10,198","10,199","10,200","10,201","10,202","10,203","10,204","10,205","10,206","10,207","10,208","10,209","10,210","10,211","10,212","10,213","10,214","10,215","10,216","10,217","10,218","10,219","10,220","10,221","10,222","10,223","10,224","10,225","10,226","10,227","10,228","10,229","10,230","10,231","10,232","10,233","10,234","10,235","10,236","10,237","10,238","10,239","10,240","10,241","10,242","10,243","10,244","10,245","10,246","10,247","10,248","10,249","10,250","10,251","10,252","10,253","10,254","10,255","10,256","10,257","10,258","10,259","10,260","10,261","10,262","10,263","10,264","10,265","10,266","10,267","10,268","10,269","10,270","10,271","10,272","10,273","10,274","10,275","10,276","10,277","10,278","10,279","10,280","10,281","10,282","10,283","10,284","10,285","10,286","10,287","10,288","10,289","10,290","10,291","10,292","10,293","10,294","10,295","10,296","10,297","10,298","10,299","10,300","10,301","10,302","10,303","10,304","10,305","10,306","10,307","10,308","10,309","10,310","10,311","10,312","10,313","10,314","10,315","10,316","10,317","10,318","10,319","10,320","10,321","10,322","10,323","10,324","10,325","10,326","10,327","10,328","10,329","10,330","10,331","10,332","10,333","10,334","10,335","10,337","10,338","10,339","10,340","10,341","10,342","10,343","10,344","10,345","10,346","10,347","10,348","10,349","10,350","10,351","10,352","10,353","10,354","10,355","10,356","10,357","10,358","10,359","10,360","10,361","10,362","10,363","10,364","10,365","10,366","10,367","10,368","10,369","10,370","10,371","10,372","10,373","10,374","10,375","10,376","10,377","10,378","10,379","10,380","10,381","10,382","10,383","10,384","10,385","10,386","10,387","10,388","10,389","10,391","10,392","10,393","10,394","10,395","10,396","10,397","10,398","10,399","10,400","10,401","10,402","10,403","10,404","10,405","10,406","10,407","10,408","10,409","10,410","10,411","10,412","10,413","10,414","10,415","10,416","10,417","10,418","10,419","10,420","10,421","10,422","10,423","10,424","10,425","10,426","10,427","10,428","10,429","10,430","10,431","10,432","10,433","10,434","10,435","10,436","10,437","10,438","10,439","10,440","10,441","10,442","10,443","10,444","10,445","10,446","10,447","10,448","10,449","10,450","10,451","10,452","10,453","10,454","10,455","10,456","10,457","10,458","10,459","10,460","10,461","10,462","10,463","10,464","10,465","10,466","10,467","10,468","10,469","10,470","10,471","10,472","10,473","10,474","10,475","10,476","10,477","10,478","10,479","10,480","10,481","10,482","10,483","10,484","10,485","10,486","10,487","10,488","10,489","10,490","10,491","10,492","10,493","10,494","10,495","10,496","10,497","10,498","10,499","10,500","10,501","10,502","10,503","10,504","10,505","10,506","10,507","10,508","10,509","10,510","10,511","10,512","10,513","10,514","10,515","10,516","10,517","10,518","10,519","10,520","10,521","10,522","10,523","10,524","10,525","10,526","10,527","10,528","10,529","10,530","10,531","11,5","11,6","11,7","11,8","11,9","11,10","11,11","11,12","11,13","11,14","11,15","11,16","11,17","11,18","11,19","11,20","11,21","11,22","11,23","11,24","11,25","11,26","11,27","11,28","11,29","11,30","11,31","11,32","11,33","11,34","11,35","11,36","11,37","11,38","11,39","11,40","11,41","11,42","11,43","11,45","11,46","11,47","11,48","11,49","11,50","11,51","11,52","11,53","11,54","11,55","11,56","11,57","11,58","11,59","11,60","11,61","11,62","11,63","11,64","11,65","11,66","11,67","11,68","11,69","11,70","11,71","11,72","11,73","11,74","11,75","11,76","11,77","11,78","11,79","11,80","11,81","11,82","11,83","11,84","11,85","11,86","11,87","11,88","11,89","11,90","11,91","11,92","11,93","11,94","11,95","11,96","11,97","11,98","11,99","11,100","11,101","11,102","11,103","11,104","11,105","11,106","11,107","11,108","11,109","11,110","11,111","11,112","11,113","11,114","11,115","11,116","11,117","11,118","11,119","11,120","11,121","11,122","11,123","11,124","11,125","11,126","11,127","11,128","11,129","11,130","11,131","11,132","11,133","11,134","11,135","11,136","11,137","11,138","11,139","11,140","11,141","11,142","11,143","11,144","11,145","11,146","11,147","11,148","11,149","11,150","11,151","11,152","11,153","11,154","11,155","11,156","11,157","11,158","11,159","11,160","11,161","11,162","11,163","11,164","11,165","11,166","11,167","11,168","11,169","11,170","11,171","11,172","11,173","11,174","11,175","11,176","11,177","11,178","11,179","11,180","11,181","11,182","11,183","11,184","11,185","11,186","11,187","11,188","11,189","11,190","11,191","11,192","11,193","11,194","11,195","11,196","11,197","11,198","11,199","11,200","11,201","11,202","11,203","11,204","11,205","11,206","11,207","11,208","11,209","11,210","11,211","11,212","11,213","11,214","11,215","11,216","11,217","11,218","11,219","11,220","11,221","11,222","11,223","11,224","11,225","11,226","11,227","11,228","11,229","11,230","11,231","11,232","11,233","11,234","11,235","11,236","11,237","11,238","11,239","11,240","11,241","11,242","11,243","11,244","11,245","11,246","11,247","11,248","11,249","11,250","11,251","11,252","11,253","11,254","11,255","11,256","11,257","11,258","11,259","11,260","11,261","11,262","11,263","11,264","11,265","11,266","11,267","11,268","11,269","11,270","11,271","11,272","11,273","11,274","11,275","11,276","11,277","11,278","11,279","11,280","11,281","11,282","11,283","11,284","11,285","11,286","11,287","11,288","11,289","11,290","11,291","11,292","11,293","11,294","11,295","11,296","11,297","11,298","11,299","11,300","11,301","11,302","11,303","11,304","11,305","11,306","11,307","11,308","11,309","11,310","11,311","11,312","11,313","11,314","11,315","11,316","11,317","11,318","11,319","11,320","11,321","11,322","11,323","11,324","11,325","11,326","11,327","11,328","11,329","11,330","11,331","11,332","11,333","11,334","11,335","11,336","11,337","11,338","11,339","11,340","11,341","11,342","11,343","11,344","11,345","11,346","11,347","11,348","11,349","11,350","11,351","11,352","11,353","11,354","11,355","11,356","11,357","11,358","11,359","11,360","11,361","11,362","11,363","11,364","11,365","11,366","11,367","11,368","11,369","11,370","11,371","11,372","11,373","11,374","11,375","11,376","11,377","11,378","11,379","11,380","11,381","11,382","11,383","11,384","11,385","11,386","11,387","11,388","12,5","12,6","12,7","12,8","12,9","12,10","12,11","12,12","12,13","12,14","12,15","12,16","12,17","12,18","12,19","12,20","12,21","12,22","12,23","12,24","12,25","12,26","12,27","12,28","12,29","12,30","12,31","12,32","12,33","12,34","12,35","12,36","12,37","12,38","12,39","12,40","12,41","12,42","12,43","12,44","12,45","12,46","12,47","12,48","12,49","12,50","12,51","12,52","12,53","12,54","12,55","12,56","12,57","12,58","12,59","12,60","12,61","12,62","12,63","12,64","12,65","12,66","12,67","12,68","12,69","12,70","12,71","12,72","12,73","12,74","12,75","12,76","12,77","12,78","12,79","12,80","12,81","12,82","12,83","12,84","12,85","12,86","12,87","12,88","12,89","12,90","12,91","12,92","12,93","12,94","12,95","12,96","12,97","12,98","12,99","12,100","12,101","12,102","12,103","12,104","12,105","12,106","12,107","12,108","12,109","12,111","12,112","12,113","12,114","12,115","12,116","12,117","12,118","12,119","12,120","12,121","12,122","12,123","12,124","12,125","12,126","12,127","12,128","12,129","12,130","12,131","12,132","12,133","12,134","12,135","12,136","12,137","12,138","12,139","12,140","12,141","12,142","12,143","12,144","12,145","12,146","12,147","12,148","12,149","12,150","12,151","12,152","12,153","12,154","12,155","12,156","12,157","12,158","12,159","12,160","12,161","12,162","12,163","12,165","12,166","12,167","12,168","12,169","12,170","12,171","12,172","12,173","12,174","12,175","12,176","12,177","12,178","12,179","12,180","12,181","12,182","12,183","12,184","12,185","12,186","12,187","12,188","12,189","12,190","12,191","12,192","12,193","12,194","12,195","12,196","12,197","12,198","12,199","12,200","12,201","12,202","12,203","12,204","12,205","12,206","12,207","12,208","12,209","12,210","12,211","12,212","12,213","12,215","12,216","12,217","12,218","12,219","12,220","12,221","12,222","12,223","12,224","12,225","12,226","12,227","12,228","12,229","12,230","12,231","12,232","12,233","12,234","12,235","12,236","12,237","12,238","12,239","12,240","12,241","12,242","12,243","12,244","12,245","12,246","12,247","12,248","12,249","12,250","12,251","12,253","12,254","12,255","12,256","12,257","12,258","12,259","12,260","12,261","12,262","12,263","12,264","12,265","12,266","12,267","12,268","12,269","12,270","12,271","12,272","12,273","12,274","12,275","12,276","12,277","12,278","12,279","12,280","12,281","12,282","12,283","12,284","12,285","12,286","12,287","12,288","12,289","12,290","12,291","12,292","12,293","12,294","12,295","12,297","12,298","12,299","12,300","12,301","12,302","12,303","12,304","12,305","12,306","12,307","12,308","12,309","12,310","12,311","12,312","12,313","12,314","12,315","12,316","12,317","12,318","12,319","12,320","12,321","12,322","12,323","12,324","12,325","12,326","12,327","12,328","12,329","12,330","12,331","12,332","12,333","12,334","12,335","12,336","12,337","12,338","12,339","12,340","12,341","12,342","12,343","12,344","12,345","12,346","12,347","12,348","12,349","12,350","12,351","12,352","12,353","12,354","12,355","12,357","12,358","12,359","12,360","12,361","12,362","12,363","12,364","12,365","12,366","12,367","12,368","13,5","13,6","13,7","13,8","13,9","13,10","13,11","13,12","13,13","13,14","13,15","13,16","13,17","13,18","13,19","13,20","13,21","13,22","13,23","13,24","13,25","13,26","13,27","13,28","13,29","13,30","13,31","13,32","13,33","13,34","13,35","13,36","13,37","13,38","13,39","13,40","13,41","13,42","13,43","13,44","13,45","13,46","13,47","13,48","13,49","13,50","13,51","13,52","13,53","13,54","13,55","13,56","13,57","13,58","13,59","13,60","13,61","13,62","13,63","13,64","13,65","13,66","13,67","13,68","13,69","13,70","13,71","13,72","13,73","13,74","13,75","13,76","13,77","13,78","13,79","13,80","13,81","13,82","13,83","13,84","13,85","13,86","13,87","13,88","13,89","13,90","13,91","13,92","13,93","13,94","13,95","13,96","13,97","13,98","13,99","13,100","13,101","13,102","13,103","13,104","13,105","13,106","13,107","13,108","13,109","13,110","13,111","13,112","13,113","13,114","13,115","13,116","13,117","13,118","13,119","13,120","13,121","13,122","13,123","13,124","13,125","13,126","13,127","13,128","13,129","13,130","13,131","13,132","13,133","13,134","13,135","13,136","13,137","13,138","13,139","13,140","13,141","13,142","13,143","13,144","13,145","13,146","13,147","13,148","13,149","13,150","13,151","13,152","13,153","13,154","13,155","13,156","13,157","13,158","13,159","13,160","13,161","13,162","13,163","13,164","13,165","13,166","13,167","13,168","13,169","13,170","13,171","13,172","13,173","13,174","13,175","13,176","13,177","13,178","13,179","13,180","13,181","13,182","13,183","13,184","13,185","13,186","13,187","13,188","13,189","13,190","13,191","13,192","13,193","13,194","13,195","13,196","13,197","13,198","13,199","13,200","13,201","13,202","13,203","13,204","13,205","13,206","13,207","13,208","13,209","13,210","13,211","13,212","13,213","13,214","13,215","13,216","13,217","13,218","13,219","13,220","13,221","13,222","13,223","13,224","13,225","13,226","13,227","13,228","13,229","13,230","13,231","13,232","13,233","13,234","13,235","13,236","13,237","13,238","13,239","13,240","13,241","13,242","13,243","13,244","13,245","13,246","13,247","13,248","13,249","13,250","13,251","13,252","13,253","13,254","13,255","13,256","13,257","13,258","13,259","13,260","13,261","13,262","13,263","13,264","13,265","13,266","13,267","13,268","13,269","13,270","13,271","13,272","13,273","13,274","13,275","13,276","13,277","13,278","13,279","13,280","13,281","13,282","13,283","13,284","13,285","13,286","13,287","13,288","13,289","13,290","13,291","13,292","13,293","13,294","13,295","13,296","13,297","13,298","13,299","13,300","13,301","13,302","13,303","13,304","13,305","13,306","13,307","13,308","13,309","13,310","13,311","13,312","13,313","13,314","13,315","13,316","13,317","13,318","13,319","13,320","13,321","13,322","13,323","13,324","13,325","13,326","13,327","13,328","13,329","13,330","13,331","13,332","13,333","13,334","13,335","13,336","13,337","13,338","13,339","13,340","13,341","13,342","13,343","13,344","13,345","13,346","13,347","13,348","13,349","13,350","13,351","13,352","13,353","13,354","13,355","13,356","13,357","13,358","13,359","13,360","13,361","13,362","13,363","13,364","13,365","13,366","13,367","13,368","13,369","13,370","13,371","13,372","13,373","13,374","13,375","13,376","13,377","13,378","13,379","13,380","13,381","13,382","13,383","13,384","13,385","13,386","13,387","13,388","13,389","13,390","13,391","13,392","13,393","13,394","13,395","13,396","13,397","13,398","13,399","13,400","13,401","13,402","13,403","13,404","13,405","13,406","13,407","13,408","13,409","13,410","13,411","13,412","13,413","13,414","13,415","13,416","13,417","13,418","13,419","13,420","13,421","13,422","13,423","13,424","13,425","13,426","13,427","13,428","13,429","13,430","13,431","13,432","13,433","13,434","13,435","13,436","13,437","13,438","13,439","13,440","13,441","13,442","13,443","13,444","13,445","13,446","13,447","13,448","13,449","13,450","13,451","13,452","13,453","13,454","13,455","13,456","13,457","13,458","13,459","13,460","13,461","13,462","13,463","13,464","13,465","13,466","13,467","13,468","13,469","13,470","13,471","13,472","13,473","13,474","13,475","13,476","13,477","13,478","13,479","13,480","13,481","13,482","13,483","13,484","13,485","13,486","13,487","13,488","13,489","13,490","13,491","13,492","13,493","13,494","13,495","13,496","13,497","13,498","13,499","13,500","13,501","13,502","13,503","13,504","13,505","13,506","13,507","13,508","13,509","13,510","13,511","13,512","13,513","13,514","13,515","13,516","13,517","13,518","13,519","13,520","13,521","13,522","13,523","13,524","13,525","13,526","13,527","13,528","13,529","13,530","13,531","13,532","13,533","13,534","13,535","13,536","13,537","13,538","13,539","13,540","13,541","13,542","13,543","13,544","13,545","13,546","13,547","13,548","13,549","13,550","13,551","13,552","13,553","13,554","13,555","13,556","13,557","13,558","13,559","13,560","13,561","13,562","13,563","13,564","13,565","13,566","14,5","14,6","14,7","14,8","14,9","14,10","14,11","14,12","14,13","14,14","14,15","14,16","14,17","14,18","14,19","14,20","14,21","14,22","14,23","14,24","14,25","14,26","14,27","14,28","14,29","14,30","14,31","14,32","14,33","14,34","14,35","14,36","14,37","14,38","14,39","14,40","14,41","14,42","14,43","14,44","14,45","14,46","14,47","14,48","14,49","14,50","14,51","14,52","14,53","14,54","14,55","14,56","14,57","14,58","14,59","14,60","14,61","14,62","14,63","14,64","14,65","14,66","14,67","14,68","14,69","14,70","14,71","14,72","14,73","14,74","14,75","14,76","14,77","14,78","14,79","14,80","14,81","14,82","14,83","14,84","14,85","14,86","14,87","14,88","14,89","14,90","14,91","14,92","14,93","14,94","14,95","14,96","14,97","14,98","14,99","14,100","14,101","14,102","14,103","14,104","14,105","14,106","14,107","14,108","14,109","14,110","14,111","14,112","14,113","14,114","14,115","14,116","14,117","14,118","14,119","14,120","14,121","14,122","14,123","14,124","14,125","14,126","14,127","14,128","14,129","14,130","14,131","14,132","14,133","14,134","14,135","14,136","14,137","14,138","14,139","14,140","14,141","14,142","14,143","14,144","14,145","14,146","14,147","14,148","14,149","14,150","14,151","14,152","14,153","14,154","14,155","14,156","14,157","14,158","14,159","14,160","14,161","14,162","14,163","14,164","14,165","14,166","14,167","14,168","14,169","14,170","14,171","14,172","14,173","14,174","14,175","14,176","14,177","14,178","14,179","14,180","14,181","14,182","14,183","14,184","14,185","14,186","14,187","14,188","14,189","14,190","14,191","14,192","14,193","14,194","14,195","14,196","14,197","14,198","14,199","14,200","14,201","14,202","14,203","14,204","14,205","14,206","14,207","14,208","14,209","14,210","14,211","14,212","14,213","14,214","14,215","14,216","14,217","14,218","14,219","14,220","14,221","14,222","14,223","14,224","14,225","14,226","14,227","14,228","14,229","14,230","14,231","14,232","14,233","14,234","14,235","14,236","14,237","14,238","14,239","14,240","14,241","14,242","14,243","14,244","14,245","14,246","14,247","14,248","14,249","14,250","14,251","14,252","14,253","14,254","14,255","14,256","14,257","14,258","14,259","14,260","14,261","14,262","14,263","14,264","14,265","14,266","14,267","14,268","14,269","14,270","14,271","14,272","14,273","14,274","14,275","14,276","14,277","14,278","14,279","14,280","14,281","14,282","14,283","14,284","14,285","14,286","14,287","14,288","14,289","14,290","14,291","14,292","14,293","14,294","14,295","14,296","14,297","14,298","14,299","14,300","14,301","14,302","14,303","14,304","14,305","14,306","14,307","14,308","14,309","14,310","14,311","14,312","14,313","14,314","14,315","14,316","14,317","14,318","14,319","14,320","14,321","14,322","14,323","14,324","14,325","14,326","14,327","14,328","14,329","14,330","14,331","14,332","14,333","14,334","14,335","14,336","14,337","14,338","14,339","14,340","14,341","14,342","14,343","14,344","14,345","14,346","14,347","14,348","14,349","14,350","14,351","14,352","14,353","14,354","14,355","14,356","14,357","14,358","14,359","14,360","14,361","14,362","14,363","14,364","14,365","14,366","14,367","14,368","14,369","14,370","14,371","14,372","14,373","14,374","14,375","14,376","14,377","14,378","14,379","14,380","14,381","14,382","14,383","14,384","14,385","14,386","14,387","14,388","14,389","14,390","14,391","14,392","14,393","14,394","14,395","14,396","14,397","14,398","14,399","14,400","14,401","14,402","14,403","14,404","14,405","14,406","14,407","14,408","14,409","14,410","14,411","14,412","14,413","14,414","14,415","14,416","14,417","14,418","14,419","14,420","14,421","14,422","14,423","14,424","14,425","14,426","14,427","14,428","14,429","14,430","14,431","14,432","14,433","14,434","14,435","14,436","14,437","14,438","14,439","14,440","14,441","14,442","14,443","14,444","14,445","14,446","14,447","14,448","14,449","14,450","14,451","14,452","14,453","14,454","14,455","14,456","14,457","14,458","14,459","14,460","14,461","14,462","14,463","14,464","14,465","14,466","14,467","14,468","14,469","14,470","14,471","14,472","14,473","14,474","14,475","14,476","14,477","14,478","14,479","14,480","14,481","14,482","14,483","14,484","14,485","14,486","14,487","14,488","14,489","14,490","14,491","14,492","14,493","14,494","14,495","14,496","14,497","14,498","14,499","14,500","14,501","14,502","14,503","14,504","14,505","14,506","14,507","14,508","14,509","14,510","14,511","14,512","14,513","14,514","14,515","14,516","14,517","14,518","14,519","14,520","14,521","14,522","14,523","14,524","14,525","14,526","14,527","14,528","14,529","14,530","14,531","14,532","14,533","14,534","14,535","14,536"],"ٞ":{"1":[1],"5":[2],"14":[3,4,5],"15":[6],"17":[7,8],"18":[9],"21":[10],"24":[11,12],"25":[13,14],"26":[15],"27":[16,17,18],"33":[19],"38":[20],"39":[21],"41":[22,23],"42":[24],"43":[25,26],"46":[27,28,29],"48":[30,31],"50":[32],"60":[33],"86":[34],"103":[35,36],"114":[37],"129":[38],"146":[39],"151":[40,41],"153":[42],"161":[43],"163":[44],"166":[45],"175":[46],"177":[47],"180":[48],"182":[49],"187":[50],"188":[51],"189":[52],"190":[53],"191":[54],"193":[55],"194":[56],"195":[57,58],"196":[59,60],"204":[61],"205":[62],"210":[63],"218":[64],"229":[65],"233":[66],"238":[67],"250":[68],"266":[69],"284":[70],"317":[71,72,73],"323":[74],"327":[75],"329":[76],"607":[77],"714":[78],"1148":[79],"1157":[80],"1483":[81],"1602":[82],"1620":[83],"1624":[84],"1626":[85],"1720":[86],"1774":[87],"1779":[88],"1878":[89],"1928":[90],"1970":[91],"1973":[92],"1975":[93],"1993":[94],"2025":[95],"2032":[96],"2057":[97],"2094":[98],"2137":[99],"2188":[100],"2254":[101],"2264":[102],"2265":[103],"2360":[104],"2389":[105],"2443":[106],"2460":[107],"2711":[108],"2715":[109],"2963":[110],"2967":[111],"3092":[112],"3195":[113],"3249":[114],"3287":[115],"3365":[116],"3450":[117],"3526":[118],"3545":[119],"3618":[120],"3684":[121],"3732":[122],"3815":[123],"3816":[124],"3875":[125],"4015":[126],"4129":[127],"4224":[128],"4303":[129],"4377":[130],"4475":[131],"4531":[132],"4655":[133],"4708":[134],"4761":[135],"4811":[136],"4863":[137],"4902":[138],"4939":[139],"4941":[140],"4957":[141],"4961":[142],"4963":[143],"4968":[144],"4970":[145],"4985":[146],"5007":[147],"5154":[148],"5200":[149],"5238":[150],"5285":[151],"5325":[152],"5328":[153],"5351":[154],"5390":[155],"5420":[156],"5438":[157],"5443":[158],"5492":[159],"5529":[160],"5572":[161],"5577":[162],"5608":[163],"5631":[164],"5643":[165],"5696":[166],"5722":[167],"5732":[168],"5752":[169],"5774":[170],"5815":[171],"5845":[172],"5863":[173],"5884":[174],"5924":[175],"5950":[176],"5983":[177],"6039":[178],"6079":[179],"6109":[180],"6144":[181],"6176":[182],"6191":[183],"6205":[184],"6217":[185],"6226":[186],"6247":[187],"6268":[188],"6280":[189],"6311":[190],"6325":[191],"6338":[192],"6347":[193],"6360":[194],"6375":[195],"6392":[196],"6406":[197],"6419":[198],"6427":[199],"6438":[200],"6446":[201],"6457":[202],"6473":[203],"6480":[204],"6491":[205],"6501":[206],"6515":[207],"6519":[208],"6529":[209],"6537":[210],"6553":[211],"6564":[212],"6571":[213],"6580":[214],"6588":[215],"6594":[216],"6597":[217],"6603":[218],"6620":[219],"6626":[220],"6634":[221],"6638":[222],"6642":[223],"6651":[224],"6653":[225],"6655":[226],"6665":[227],"6668":[228],"6675":[229],"6684":[230],"6689":[231],"6695":[232],"6700":[233,234],"6716":[235],"6722":[236],"6729":[237],"6733":[238]},"ٟ":[6733,6734,6735,6736]},"pages":[{"text":"﷽\n<span class='title'>المقدمة </span>\nإن الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢].\n﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١].\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].\nوبعد؛ فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدى هدي محمَّد ﷺ، وشرّ الأمُور محدثاتها، وكلَّ مُحْدّثةٍ بدعةٌ، وكلَّ بدعةٍ ضلالة، وكلَّ ضلالة في النَّار.\nأما بعد:\nفإن أحق ما صُرفت إلى علمه العناية، وبلغت في معرفته الغاية ما كان لله في العلم به رضىً، وللعالم به إلى سبيل الرشاد هُدًى، وإنَّ أجمع ذلك لباغيه هو كتاب الله الذي لا ريب فيه، وتنزيله الذي لا مِرية فيه، الفائز بجزيل الذخر وسني الأجر تاليه، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد.\nومن تمام جزيل نعم الله علينا أن تكفل الله بحفظ كتابه الكريم فقال ﵎: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩].\nوأن يسر درسه وفهمه فقال عز اسمه: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ١٧].\nوإن من أعظم وسائل حفظه، وتيسير درسه وفهمه أن يعني العلماء قديمًا وحديثًا بتفسيره وإيضاح معانيه، وكشف أسراره وبيان أحكامه.","vol":"المقدمة","page":5},{"text":"ومن هؤلاء العلماء الذين سخروا أنفسهم لخدمة كتاب ربهم، شيخ الإِسلام، وقدوة العلماء والحفاظ، وعمدة أهل المعاني والألفاظ، أبو الفداء إسماعيل بن كثير -رحمه الله تعالى- الذي انتهت إليه رياسة العلم في الحديث والتفسير والتاريخ، وكتبه التي بين أيدينا شاهدة له بذلك، وحسبك منها ما نحن بصدده، وهو كتابه: \"تفسير القرآن العظيم\" الذي قال عنه السيوطي: \"وله التفسير الذي لم يُؤلَّف على نمطه مثله\".\nويُعدُّ هذا التفسير من التفاسير المأثورة، والتي ضاع أكثرها قبل عصر ابن تيمية ﵀ المتوفى سنة ٧٢٨ هـ. وقيمة تفسير ابن كثير لا تنحصر في أنه تفسير أثري، جمع كثيرًا من الروايات والأخبار المأثورة، إذ من الممكن الحصول عليها من مصدر آخر، لكن امتياز تفسير ابن كثير عن جميع التفاسير التي بلغتنا - سواء كانت بالمأثور أو غيره - يرجع إلى تطبيقه الفذ لمنهج تفسير القرآن، إذ جمع الآيات المتماثلة، وأحصاها عدًّا، وأبان الأسرار الدقيقة في تناسقها، وانسجام ألفاظها، وتساوق أساليبها، وعظمة معانيها، وهو بهذا يمثل معجمًا مفهرسًا لألفاظ القرآن الكريم وآياته، لكنه لم يطبع على ورق، بل على قلبٍ واعٍ لآيات الله وكلماته.\nويرجع امتياز تفسيره أيضًا إلى حشده لكثير من الأحاديث والأخبار والروايات وأقوال الصحابة والتابعين مبينًا - في الغالب - درجة الأحاديث والروايات المأثورة من الصحة والضعف، كاشفًا عن أسانيدها وطرقها ومتونها على أسس علم الجرح والتعديل، مرجحًا في أغلب الأحيان الأقوال الصحيحة، مضعفًا لغيرها.\nوقد كان ابن كثير من كبار المحدثين الحفاظ، لذلك غلبت عليه تلك الطريقة الحديثية في تفسيره، ويكفي أن تعرف - دعمًا لهذه الحقيقة - أن مجموع مصادر السنة في تفسيره يوازي ثلث المصادر كلها، وأن الأحاديث التي ذكرها عن الكتب الستة ومسند الإمام أحمد بلغت عددًا هائلًا.\nومن ميزات ابن كثير أيضًا أنَّه كان يتمتع بمَلَكة نقدية فاحصة، سلَّطها على هذا الحشد الهائل من الروايات المأثورة، والأخبار المتوارثة، فأقر منها ما يتفق مع النقل الصحيح والعقل السليم، وندَّد بالروايات المنكرة، والأخبار المختلقة التي لا حاجة لنا بها في ديننا، ولا في دنيانا.\nويرجع امتياز تفسير ابن كثير كذلك إلى أنَّه ليس في التفاسير كلها - مأثورة وغير مأثورة - ما ناقش الإسرائيليات وأبان زيفها، ودحض إفكها على هدًى من قواعد علم الجرح والتعديل كتفسير ابن كثير، فهو في هذا الجانب لا يفوقه مفسر حافظ ولا يضاهيه. وتلك حقيقة واضحة وضوح الشمس لمن تأمل تفسيره وأمعن النظر","vol":"المقدمة","page":6},{"text":"فيه.\nويمتاز ابن كثير في تفسيره بأنه كان يمثل السلف الصالح في آرائهم وتصوراتهم كما بينها القرآن والسنة.\nكما يعتبر تفسير ابن كثير من أهم تفاسير المحدثين إن لم يكن أهمها على الإطلاق لاعتبارات كثيرة منها:\n* كثرة المصادر التي ذكرها من كتب السنة والتفسير، والإكثار من النقل عنها.\n* ذكر الطرق المختلفة للحديث الواحد.\n* ذكر المواضع المتعددة للحديث في الكتاب الواحد.\n* عدم الاكتفاء بحديث أو اثنين في الموضع الواحد.\n* بيان درجة الحديث وذكر الثقات والضعفاء والمجاهيل من الرواة على ضوء ما قاله علماء الجرح والتعديل.\n* تحذير ابن كثير المتكرر من الإسرائيليات، والروايات المضطربة في التفسير والحديث ونقده لها.\n* يضاف إلى هذا تأخر ابن كثير زمنيًّا -إذ عاش في القرن الثامن الهجري- مما وفَّر تحت يديه عدد هائلًا من المراجع والمصادر في التفسير والحديث، وهذا ما لم يكن متوفرًا لغيره من المفسرين قبله.\nلذلك فقد عُدَّ تفسير ابن كثير من أحسن التفاسير وأجودها وأدقها بعد تفسير إمام المفسرين أبي جعفر محمَّد بن جرير الطبري، كما يقول أبو الأشبال أحمد شاكر رحمه الله تعالى.\nبل إنه قد فاقه في جوانب كثيرة، واستدرك عليه كثيرًا من الأمور، ولهذا وضع لهذا التفسير القبول في الأرض، فوجد له رواج بين عوام المسلمين قبل طلبة العلم منهم، ولا نعلم تفسيرًا بلغ في عدد طبعاته مثل هذا الكتاب.\nلذلك فقد عزمنا -بعد استخارة المولى ﵎ أن نخرج هذا التفسير في ثوبٍ قشيب، قلَّ أن تجد مثله - إن شاء الله تعالى - في الطبعات السابقة.\nوقبل الشروع في المقصود رأينا أن تقدم بين يدي الكتاب مقدمة متضمنة ثلاثة فصول:","vol":"المقدمة","page":7},{"text":"الفصل الأوّل: ترجمة الحافظ ابن كثير.\nالفصل الثاني: منهج ابن كثير في تفسيره.\nالفصل الثالث: منهجنا في التحقيق.","vol":"المقدمة","page":8},{"text":"<span data-type='title' id=toc-2>الفصل الأول ترجمة الحافظ ابن كثير </span>(^١)\nهو الإمام الحافظ الحجة المحدّث المؤرخ الثقة، ذو الفضائل، عماد الدين، أبو الفداء: إسماعيل بن عمر بن كثير بن ضوء بن كثير، القرشي، الدمشقي، الشافعي.\nولد ﵀ بقرية \"مِجْدَل\" من أعمال \"بُصْرَى\" وكان أبوه من أهل \"بصرى\"، وأمه من قرية \"مجدل\".\nوقومه كانوا ينتسبون إلى الشرف، وبأيديهم نِسَب. كما قال هو في ترجمة أبيه، في تاريخه \"البداية والنهاية\": \"وقف على بعضها شيخنا المزي فأعجبه ذلك وابتهج به، فصار يكتب في نسبي بسبب ذلك: القرشي\".\n- وتاريخ مولده سنة ٧٠٠ هـ، كما ذكر أكثر من ترجم له \"أو بعدها بقليل\" كما قال الحافظ ابن حجر في الدرر الكامنة. وهو تاريخ تقريبي. الراجح أنَّه مستنبط من كلامه في ترجمة أبيه، حيث ذكر أن أباه \"توفي سنة ٧٠٣ هـ: وكنت إذ ذاك صغيرًا ابن ثلاث سنين أو نحوها، لا أدركه إلا كالحلم\".\nو\"ابن ثلاث سنين\" لا يعرف تواريخ السنين - على اليقين - في تلك السن. فقد سمع إذن تحديد السنة التي مات فيها أبوه ممن حوله من إخوة أو أهل أو جيران. ولكنه يدرك أباه \"كالحلم\" فالذي هو في سن أقل من الثلاث ما أظنه يذكر شيئًا \"كالحلم\" ولا أبعد من الحلم ولا أقرب. فهو حين موت أبيه قد جاوز الثالثة - في أكبر ظني - ولذلك أرجح أن مولده كان في سنة ٧٠٠ أو قبلها بقليل. وهو أقرب إلى الصحة من قول الحافظ ابن حجر: \"أو بعدها بقليل\" لأنَّ الذي \"بعدها\" لا يكاد يبلغ الثالثة عند موت أبيه.\n- وَكان أبوه \"الخطيب شهاب الدين أبو حفص عمر بن كثير\" من العلماء الفقهاء الخطباء. ولد -كما قال ابنه- في حدود سنة ٦٤٠ وترجم له ابنه الحافظ في تاريخه الكبير \"البداية والنهاية\" ج ١٤ ص ٣١ - ٣٣ ومما قال في ترجمته: \"اشتغل بالعلم عند أخواله بني عقبة ببصرى. فقرأ البداية في مذهب أبي حنيفة. وحفظ جمل الزجاجي. وعُني بالنحو والعربية واللغة. وحفظ أشعار العرب، حتى\n_________\n(^١) - نقلنا هذه الترجمة من مقدمة الشيخ أحمد شاكر -رحمه الله تعالى- لكتابه عمدة التفسير.","vol":"المقدمة","page":9},{"text":"كان يقول الشعر الجيد الفائق الرائق في المدح والمرائي وقليل من الهجاء. وقرر بمدارس بصرى بمَبْرَك الناقة شمالي البلدة، حيث يزار، وهو المَبْرَك المشهور عند الناس! والله أعلم بصحة ذلك. ثمَّ انتقل إلى خطابة القرية شرقي بصرى، وتمذهب للشافعي، وأخذ عن النووي والشيخ تقي الدين الفزاري، وكان يكرمه ويحترمه، فيما أخبرني شيخنا العلامة ابن الزملكاني. فأقام بها نحوًا من ١٢ سنة، ثمَّ تحول إلى خطابة مجدل: القرية التي منها الوالدة. فأقام بها مدة طويلة، في خير وكفاية وتلاوة كثيرة. وكان يخطب جيدًا، وله مقول عند الناس، ولكلامه وقع؛ لديانته وفصاحته وحلاوته. وكان يؤثر الإقامة في البلاد، لما يرى فيها من الرفق ووجود الحلال له ولعياله. وقد ولد له عدة أولاد من الوالدة ومن أخرى قبلها. أكبرهم إسماعيل. ثمَّ يونس، وإدريس. ثمَّ من الوالدة: عبد الوهاب، وعبد العزيز، وأخوات عدة. ثمَّ أنا أصغرهم وسميت باسم الأخ إسماعيل - لأنه كان قد قدم دمشق، فاشتغل بها بعد أن حفظ القرآن على والده، وقرأ مقدمة في النحو، وحفظ التنبيه، وشرحه على العلامة تاج الدين الفزاري، وحصل المتتخب في أصول الفقه، قاله لي شيخنا ابن الزملكاني.\n- ثمَّ إنه سقط من سطح الشامية البرانية، فمكث أيامًا ومات. فوجد الوالد عليه وجدًا كثيرًا، ورثاه بأبياتٍ كثيرة. فلما ولدت أنا له بعد ذلك سمانى باسمه. فأكبر أولاده: إسماعيل، وأصغرهم وآخرهم: إسماعيل، فرحم الله من سلف، وختم بخير لمن بقي.\nتوفي والدي في شهر جمادى الأولى سنة ٧٠٣ في قرية مجدل. ودفن بمقبرتها الشمالية عند الزيتون. وكنت إذ ذاك صغيرًا، ابن ثلاث سنين أو نحوها. لا أدركه إلا كالحلم. ثمَّ تحولنا من بعده في سنة ٧٠٧ إلى دمشق، صحبة كمال الدين عبد الوهاب، وقد كان لنا شقيقًا، وبنا رفيقًا شفوقًا، وقد تأخرت وفاته إلى سنة خمسين -يعني سنة ٧٥٠. فاشتغلت على يديه في العلم، فيسر الله تعالى منه ما يسر، وسهل منه ما تعسر\".\nوقد بدأ الاشتغال بالعلم على يدي أخيه عبد الوهاب -كما قال آنفًا- ثمَّ اجتهد في تحصيل العلوم على العلماء الكبار في عصره. وحفظ القرآن الكريم، وختم حفظه سنة ٧١١، كما صرح بذلك في تاريخه ١٤: ٣١٢ وقرأ بالقراءات، حتى عدَّه الداودي من القراء، وترجم له في طبقاتهم التي ألفها. وسمع الحديث من كثير من أئمة الحفاظ في عصره. وعني بالسماع والإكثار منه. فمما ذكر في تاريخه ١٤: ١٤٩، أنَّه سمع صحيح مسلم في تسعة مجالس على الشيخ نجم الدين بن العسقلاني، بقراءة الوزير العالم أبي القاسم محمَّد بن محمَّد بن سهل الأزدي الغرناطي","vol":"المقدمة","page":10},{"text":"الأندلسي، المتوفى بالقاهرة في ٢٢ محرم سنة ٧٣٠ - حين قدم دمشق في جمادى الأولى سنة ٧٢٤ عازمًا على الحج.\nوذكر في ترجمة شيخه الكبير المعمر الرحلة شهاب الدين الحجار المعروف بابن الشحنة: أنه سمع عليه \"بدار الحديث الأشرفية في أيام الشتويات نحوًا من خمسمائة جزء بالإجازات والسماع\". وهذا الشيخ \"عاش مائة سنة محققًا، وزاد عليها\". وتوفي سنة ٧٣٠. (التاريخ ١٤: ١٥٠).\nوتفقّه على الشيخين: برهان الدين الفزاري وكمال الدين بن قاضي شهبة. وحفظ التنبيه للشيرازي في فروع الشافعية، ومختصر ابن الحاجب في الأصول. ولزم الحافظ الكبير أبا الحجاج المزي، وقرأ عليه مؤلفه العظيم في الرجال \"تهذيب الكمال\" وصاهره على ابنته زينب. وكان من أعظم تلاميذ شيخ الإسلام ابن تيمية. ولازمه وتخرج على يديه، وكانت له به خصوصية ومناضلة عنه، واتباع له في كثير من آرائه. وكان يفتي برأيه في مسألة الطلاق، وامتحن بسبب ذلك وأوذي.\nوكان من أفذاذ العلماء في عصره. أثنى عليه معاصروه وتلاميذه ومن بعدهم- الثناء الجم.\n- فذكره الحافظ الذهبي في طبقات الحفاظ [٤: ٢٩]، مع أن الذهبي يكاد يكون من طبقة شيوخه، لأنه مات سنة ٧٤٨، قبل ابن كثير بـ ٢٦ سنة. فقال في طبقات الحفاظ: \"وسمعت من الفقيه المفتي المحدث، ذي الفضائل، عماد الدين إسماعيل بن عمر بن كثير البُصْرَوي الشافعي … سمع من ابن الشحنة وابن الرداد وطائفة، له عناية بالرجال والمتون والفقه. خرَّج وناظر وصنف وفسر وتقدم\". وقال الذهبي في \"المعجم المختص\"- فيما نقل ابن حجر وغيره: \"الإمام المفتي المحدث البارع، فقيه متفنن، محدث متقن، مفسر نقال\".\nوقال تلميذه شهاب الدين بن حجي: \"كان أحفظ من أدركناه لمتون الأحاديث. وأعرفهم بتخريجها ورجالها، وصحيحها وسقيمها. وكان أقرانه وشيوخه يعترفون له بذلك. وكان يستحضر كثيرًا من التفسير والتاريخ، قليل النسيان. وكان فقيهًا جيد الفهم صحيح الذهن، ويحفظ التنبيه إلى آخر وقت. ويشارك في العربية مشاركة جيدة، وينظم الشعر. وما أعرف أني اجتمعت به -على كثرة ترددي عليه- إلا واستفدت منه\". (عن النعيمي في كتاب الدارس).\nوقال تلميذه الحافظ أبو المحاسن الحسيني في ذيل تذكرة الحفاظ (ص ٥٨):","vol":"المقدمة","page":11},{"text":"\"وصاهر شيخنا أبا الحجاج المزي فأكثر عنه. وأفتى ودرس وناظر، وبرع في الفقه والتفسير والنحو. وأمعن النظر في الرجال والعلل\".\nوقال الحافظ ابن حجر في الدرر الكامنة: \"ولازم المزي، وقرأ عليه تهذيب الكمال، وصاهره على ابنته وأخذ عن ابن تيمية ففتن بحبه، وامتحن بسببه. وكان كثير الاستحضار، حسن المفاكهة، سارت تصانيفه في البلاد في حياته، وانتفع بها الناس بعد وفاته. ولم يكن على طريقة المحدثين في تحصيل العوالي، وتمييز العالي من النازل ونحو ذلك من فنونهم، وإنما هو من محدثي الفقهاء. وقد اختصر مع ذلك كتاب ابن الصلاح، وله فيه فوائد\".\n- ونقل السيوطي في ذيل طبقات الحفاظ كلام الحافظ ابن حجر في أنه \"لم يكن على طريقة المحدثين … \" ثم تعقبه بقوله: \"العمدة في علم الحديث؛ معرفة صحيح الحديث وسقيمه، وعللَّه واختلاف طرقه، ورجاله جرحًا وتعديلًا، وأما العالي والنازل ونحو ذلك- فهو من الفضلات، لا من الأصول المهمة\". وهذا حق.\nوقال السيوطي أيضًا: \"له التفسير الذي لم يؤلف على نمطه مثله\". يشير إلى هذا التفسير العظيم الذي بين أيدينا.\nوقال العلامة العيني- فيما نقل عنه ابن تغري بردي في النجوم الزاهرة: \"كان قدوة العلماء والحفاظ، وعمدة أهل المعاني والألفاظ، وسمع وجمع، وصنف ودرس، وحدث وألف. وكان له اطلاع عظيم في الحديث والتفسير والتاريخ، واشتهر بالضبط والتحرير، وانتهى إليه علم التاريخ والحديث والتفسير. وله مصنفات عديدة مفيدة\".\nووصفه الحافظ العلامة شمس الدين بن ناصر، في كتاب \"الرد الوافر\"- بأنه \"الشيخ الإمام العلامة الحافظ، عماد الدين، ثقة المحدثين، عمدة المؤرخين، علم المفسرين\".\nوقال فيه ابن حبيب -فيما نقل الداودي في طبقات القراء، وابن العماد في \"الشذرات\": \"إمام ذوي التسبيح والتهليل، وزعيم أرباب التأويل، سمع وجمع وصنف، وأطرب الأسماع بأقواله وشنف، وحدَّث وأفاد، وطارت فتاويه إلى البلاد، واشتهر بالضبط والتحرير، وانتهت إليه رياسة العلم في التاريخ والحديث والتفسير\".\nوروى له الحافظ ابن حجر في \"إنباء الغمر\"، وابن العماد في \"الشذرات\"- البيتين المشهورين، الذائعين على الألسنة:","vol":"المقدمة","page":12},{"text":"تمُرُّ بنا الأيامُ تَتْرَى وإنما … نُسَاقُ إلى الآجال والعينُ تَنْظُرُ\nفلا عائدٌ ذاك الشبابُ الذي مَضَى … ولا زَائلٌ هذا المشَيبُ المُكَدِّرُ\nوصحبته وملازمته لشيخ الإسلام ابن تيمية أفادته أعظم الفوائد، في علمه ودينه، وتقوية خلقه، وتربية شخصيته المستقلة الممتازة.\nفهو مستقل الرأي، يدور مع الدليل حيث دار، لا يتعصب لمذهبه ولا لغيره. وكتبه العظيمة، وخاصة هذا التفسير الجليل -فيها الدلائل الوافرة. ونجده- مع أنه شافعي المذهب- يفتى في مسألة الطلاق الثلاث بلفظ واحد، بما رجحته الدلائل الثابتة الصحاح، أنه يقع طلقة واحدة. ثم يمتحن ويلقى الأذى، فيثبت على قوله، ويصبر على ما يلقى في سبيل اللَّه.\n- وهو -وهو تلميذ شيخ الإسلام ومن خاصة أنصاره- يعرف ما كان بين شيخه شيخ الإسلام وبين قاضي القضاة تقي الدين السبكي- ومع ذلك فإنه لا يعين عليه في محنة لحقته، بل يعلن عن غبطته بأن تزول عنه المحنة. فيذكر في التاريخ- في حوادث سنة ٧٤٣ (١٤: ٢٠٤) أنه أرجف الناس كثيرًا بقاضي القضاة -في دمشق- \"واشتهر أنه سينعقد له مجلس للدعوى عليه بما دفعه من مال الأيتام إلى الطنبغا وإلى الفخري. وكتبت فتوى عليه بذلك في تغريمه، وداروا بها على المفتين، فلم يكتب لهم أحد فيها غير القاضي جلال الدين بن حسام الدين الحنفي، رأيت خطه عليها وحده بعد الصلاة. وسئلت في الإفتاء عليها فامتنعت، لما فيها من التشويش على الحكام\". ثم يقول: \"وكانوا له في نية عجيبة، ففرج اللَّه عنه بطلبه إلى الديار المصرية.\nفهذا خُلق أهل العلم النبلاء الأتقياء.\nوقد طار ذكره في الأقطار الإسلامية، حتى إنه ليذكر في حوادث سنة ٧٦٣ (١٤: ٢٩٤ - ٢٩٥) أن شابًّا أعجميًّا حضر من بلاد تبريز وخراسان، \"يزعم أنه يحفظ البخاري ومسلمًا \"وجامع المسانيد\" و\"الكشاف\" للزمخشري وغير ذلك\"، وأنه امتحنه بقراءة مجالس من البخاري وغيره، بحضرة قاضي القضاة الشافعي، وجماعة من الفضلاء، ثم قال: \"وفرح بكتابتي له بالسماع على الإجازة. وقال: أنا ما خرجت من بلادي إلا إلى القصد إليك، وأن تجيزني. وذكرك في بلادنا مشهور\".\nوهذا الخبر يدل على أن كتابه \"جامع المسانيد\" وصل إلى أقصى الشرق، في بلاد تبريز وخراسان، حتى يحفظه هذا الشاب الأعجمي أو يحفظ شيئًا منه. في حين أن الحافظ ابن كثير لم يتم تأليف \"جامع المسانيد\" كما هو معروف، فكأن العلماء","vol":"المقدمة","page":13},{"text":"وطلاب العلم كانوا ينسخون ما يخرج منه، ويتداولونه بينهم، حتى يصل من دمشق إلى تلك النواحي النائية.\nولم يكن ممن يخدع في الفتاوى التي ظاهرها قصد الاستفتاء، ووراءها ألاعيب سياسية، أو أغراض شخصية غير سليمة، وإن كان المستفتي من الأمراء أو ممن يخشى بأسه، فهو يقول في حوادث سنة ٧٦٢: \"وجاءتنى فتيا صورتها: ما تقول السادة العلماء في ملك اشترى غلامًا، فأحسن إليه وأعطاه وقدمه، ثم إنه وثب على سيده فقتله، وأخذ ماله ومنع ورثته منه، وتصرف في المملكة، وأرسل إلى بعض نواب البلاد ليقدم عليه ليقتله؟ فهل له الامتناع منه؟ وهل إذا قاتل دون نفسه وماله حتى يقتل يكون شهيدًا؟ وهل يثاب الساعي في خلاص حق ورثة الملك المقتول من القصاص والمال؟ أفتونا مأجورين.\nفهذا استفتاء صيغ في صورة توحي بالجواب. وباطنه أن ذاك الأمير السائل يريد أن يمتنع على الملك الذي دعاه للحضور عنده، ويريد أن يثير فتنة وقتالًا على صاحب الأمر، لعله يصل إلى ما وصل إليه ذاك من المُلْك، كعادة الأمراء من المماليك في ذلك العهد. ولكن ابن كثير يجيبه جوابًا حكيمًا يكشف عن بعض مقصده، ويضمن جوابه النصيحة الواجبة في مثل هذه الحال، فيقول: \"فقلت للذي جاءني بها من جهة الأمير: إن كان مراده خلاص ذمته فيما بينه وبين الله تعالى فهو أعلم بنيته في الذي يقصده! ولا يسعى في تحصيل حق معين إذا ترتب على ذلك مفسدة راجحة في ذلك، فيؤخر الطلب إلى وقت إمكانه بطريقه! وإن كان مراده بهذا الاستفتاء أن يتقوى بها في جمع الدولة، والأمراء عليه- فلا بد أن يكتب عليها كبار القضاة والمشايخ أولًا، ثم بعد ذلك بقية المفتين بطريقه\" (التاريخ ١٤: ٢٨١ - ٢٨٢).\nوكان الإفرنج قد غدروا بمدينة الإسكندرية، وأشاعوا فيها الرعب، وارتكبوا الفظائع غدرًا، وذلك: أنهم وصلوا إليها من البحر يوم الأربعاء ٢٢ محرم سنة ٧٦٧ \"فلم يجدوا بها نائبًا ولا جيشًا، ولا حافظًا للبحر ولا ناصرًا، فدخلوها يوم الجمعة بكرة النهار، بعدما حرقوا أبوابًا كثيرة منها. وعاثوا في أهلها فسادًا، يقتلون الرجال، ويأخذون الأموال، ويأسرون النساء والأطفال، فالحكم لله العلي الكبير المتعال. وأقاموا يوم الجمعة والسبت والأحد والاثنين والثلاثاء. فلما كان صبيحة الأربعاء قدم الشاليش المصري، فأقلعت الفرنج -لعنهم الله- عنها، وقد أسروا خلقًا كثيرًا يقاربون الأربعة آلاف، وأخذوا من الأموال ذهبًا وحريرًا وبهارًا وغير ذلك. ما لا يحد ولا يوصف. وقدم السلطان والأمير الكبير يلبغا ظهر يومئذ وقد تفارط الحال، وتحولت الغنائم كلها إلى الشوائن بالبحر، فسمع للأسارى من العويل","vol":"المقدمة","page":14},{"text":"والبكاء والشكوى والجار إلى الله، والاستغاثة به وبالمسلمين- ما قطع الأكباد، وذرفت به العيون وأصم الأسماع. فإنا لله وإنا إليه راجعون. ولما بلغت الأخبار إلى أهل دمشق شق طيهم ذلك جدًّا، وذكر ذلك الخطيب يوم الجمعة على المنبر، فتباكى الناس كثيرًا. فإنا لله وإنا إليه راجعون\".\nفهذه وقعة شنيعة غادرة من الإفرنج -كعادتهم- والنفوس تتقزز من مثلها، وتثور من أجلها. والملوك والأمراء الظالمون ينتهزون فرصة تعبئة الرأي العام الإسلامي -وثورته من أجل هذا الغدر، وغضبًا لهذه الفظائع- ليأكلوا أموال الناس بالباطل، وظاهر أمرهم الانتقام وباطنه السلب والنهب. ولكن الحافظ ابن كثير يلزم جانب الحق والعدل، ولا يرضى بالظلم، ولو كان ظاهره الانتقام والثأر للمسلمين، فيقول: \"وجاء المرسوم الشريف من الديار المصرية، إلى نائب السلطنة، بمَسْك النصارى من الشام جملة واحدة، وأن يأخذ منهم ربع أموالهم، لعمارة ما خرب من الإسكندرية، ولعمارة مراكب تغزو الإفرنج. فأهانوا النصارى، وطلبوا من بيوتهم بعُنْف. وخافوا أن يقتلوا، ولم يفهموا ما يراد بهم، فهربوا كل مهرب. ولم تكن هذه الحركة شرعية ولا يجوز اعتمادها شرعًا.\nوقد طلبت يوم السبت السادس عشر من صفر أي سنة ٧٦٧ إلى الميدان الأخضر، للاجتماع بنائب السلطنة، وكان اجتماعنا بعد العصر يومئذ، بعد الفراغ من لعب الكرة. فرأيت منه أنسًا كبيرًا، ورأيته كامل الفهم، حسن العبارة كريم المجالسة. فذكرت له أن هذا لا يجوز اعتماده في النصارى، يعني المرسوم بالمصادرة. فقال: إن بعض فقهاء مصر أفتى للأمير الكبير بذلك! فقلت له: هذا مما لا يسوغ شرعًا، ولا يجوز لأحد أن يفتي بهذا. ومتى كانوا باقين على الذمة، يؤدون إلينا الجزية ملتزمين بالذلة والصغار، وأحكام الملة قائمة- لا يجوز أن يؤخذ منهم الدرهم الواحد الفرد فوق ما يبذلونه من الجزية. ومثل هذا لا يخفى على الأمير! فقال: كيف أصنع وقد ورد المرسوم بذلك؟ ولا يمكنني أن أخالفه؟! \".\nثم ذكر أن نائب السلطنة كتب بذلك إلى الديار المصرية. ولكن هذا النائب لم يكن عند قوله، فنفذ المرسوم، وطلب النصارى الذين اجتمعوا في كنيستهم إلى بين يديه، وهم قريب من أربعمائة، فحلفهم: كم أموالكم؟ وألزمهم بأداء الربع من أموالهم، فإنا لله وإنا إليه راجعون\"، وكانت هذه المصادرة الظالمة في شهر ربيع الأول سنة ٧٦٧. ثم قال الحافظ -في حوادث شهر ربيع الآخر: \"وفي أوائل هذا الشهر ورد المرسوم الشريف السلطاني، بالرد على نساء النصارى ما كان أخذ منهم مع الجباية التي كان تقدم أخذها منهم، وإن كان الجميع ظلمًا، ولكن الأخذ من النساء أفحش وأبلغ في الظلم\". (التاريخ ١٤: ٣١٤ - ٣١٥، ٣١٨).","vol":"المقدمة","page":15},{"text":"فانظر إلى هذا الإمام العظيم، الذي يقف عند حدود الشريعة المطهرة، يقيم ميزان العدل الصحيح كما عرفه من دينه الحنيف، ويألم ويسترجع لما ناب النصارى من مصادرة ظالمة من أمراء طغاة جائرين. كما ألم واسترجع من قبل لما أصاب المسلمين من غدر النصارى وبغيهم، وشتان هذا وذاك، ولكنه لا يرضى إلا أن يقيم ميزان العدل.\nفكان هذا العقل المستقل العظيم الثابت على الحق، والذي لا تغلبه العواطف والأهواء، مما يجعل للرجل منزلة عند الناس كبيرة. يثق به أنصاره وغير أنصاره، وموافقوه ومخالفوه. بل جعله موضع الثقة والاستشارة عند الذميين، حتى ليستشيره بعض رؤسائهم، في أخص شئونهم الكنيسية، فإنه يذكر قصة طريفة، في استشارة أحد البتاركة إياه في ذلك. يحسن أن نذكرها بعبارته بحروفها:\nفقال- في حوادث سنة ٧٦٧: \"وحضر عندي يوم الثلاثاء تاسع شوال، البَتْرَك بشارة، الملقب بميخائيل، وأخبرني أن المطارنة بالشام بايعوه على أن جعلوه بتركا بدمشق عوضًا عن البترك بأنطاكية. فذكرت له أن هذا أمر مبتدع في دينهم، فإنه لا تكون البتاركة إلا أربعة: بالإسكندرية، وبالقدس، وبأنطاكية، وبرومية، فنقل رومية إلى إسطنبول، وهي القسسطنطينية، وقد أنكر عليهم كثير منهم إذ ذاك، فهذا الذي ابتدعوه في هذا الوقت أعظم من ذلك. لكن اعتذر بأنه في الحقيقة هو عن أنطاكية. وإنما أذن له في المقام بالشام الشريف، لأجل أنه أمره نائب السلطنة أن يكتب عنه وعن أهل ملتهم إلى صاحب قبرص، يذكر له ما حل بهم من الخزي والنكال والجناية بسبب عدوان صاحب قبرص على مدينة الإسكندرية. وأحضر لي الكتب إليه وإلى ملك إسطنبول، وقرأها في من لفظه -لعنه الله- ولعن المكتوب إليهم أيضًا!! وقد تكلمت معه في دينهم، ونصوص ما يعتقده كل من الطوائف الثلاثة وهم: الملكية، واليعقوبية -ومنهم الإفرنج والقبط- والنسطورية، فإذا هو يفهم بعض الشيء. ولكن حاصله أنه حمار، من أكفر الكفار! لعنه الله\".\n(التاريخ ١٤: ٣١٩ - ٣٢٠).\nولا يعجبن القارئ من أن يكون ابن كثير أعلم بعقائد طوائف النصارى من أحد بتاركتهم. أستغفر الله، بل إنه يذكر عن ذاك البترك ميخائيل الذي تكلم معه \"أنه يفهم بعض الشيء\"- لأن ابن كثير ﵀ من أوسع العلماء اطلاعًا على أقوال أهل الملل والنحل، خاصة مذاهب المسيحيين. كما يدل عليه كلامه في مواضع كثيرة في التفسير والتاريخ. بل يكفي في الدلالة على سعة اطلاعه في ذلك أن يكون تلميذ شيخ الإسلام ابن تيمية، الذي ألف موسوعته النفيسة في ذلك: \"كتاب الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح\". وهو مطبوع معروف.","vol":"المقدمة","page":16},{"text":"وكان ﵀ قد أضر في آخر عمره. ثم مات يوم الخميس ٢٦ شعبان سنة ٧٧٤. وقال ابن ناصر: \"وكانت له جنازة حافلة مشهورة. ودفن بوصية منه في تربة شيخ الإسلام ابن تيمية، بمقبرة الصوفية، خارج باب النصر من دمشق\".\n* * * *","vol":"المقدمة","page":17},{"text":"<span data-type='title' id=toc-3>الفصل الثاني منهج ابن كثير في تفسيره </span>(^٢)\nرسم ابن كثير منهجه وحدد أصوله في مقدمة التفسير. وهذا المنهج قد وضعه شيخه ابن تيمية من قبل، بل إن أصول هذا المنهج من صياغة ابن تيمية نفسه، كما يتبين ذلك من \"مقدمته في أصول التفسير\".\nوقد بدأ ابن كثير مقدمة تفسيره بعد خطبة الكتاب ببيان طرق وأصول التفسير، فبدأ بالأصل الأول وهو:\n\n<span data-type='title' id=toc-5>١ - تفسير القرآن بالقرآن:</span>\nفإن قال قائل: فما أحسن طرق التفسير؟ فالجواب أن أصح الطرق في ذلك أن يفسر القرآن بالقرآن، فما أُجمل في مكانٍ فإنه قد بُسط في موضع آخر.\nوتجد هذا الأصل في مقدمة التفسير لابن تيمية بنفس العبارات مع تغيير طفيف.\n* وقد طبق ابن كثير هذا المنهج خير تطبيق، فنجده قد جمع الآيات المتعلقة في الموضوع الواحد:\nفهو يحشد في تفسيره بالقرآن الآيات المماثلة التي يجمعها وحدة الموضوع، أو تندرج تحت قاعدة عامة يلتزم بها القرآن الكريم.\nومن الأمثلة على ذلك تفسيره لقوله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيرَاتِ﴾ قال: يعني أيظن هؤلاء المغرورون أن ما نعطيهم من الأموال والأولاد لكرامتهم علينا ومعزتهم عندنا؟ كلا، ليس الأمر كما يزعمون في قولهم: ﴿نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ لقد أخطأوا في ذلك وخاب رجاؤهم، بل إنما نفعل بهم ذلك استدراجًا وإنظارًا وإملاء، ولهذا قال: ﴿بَلْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ كما قال تعالى: ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ الآية، وقال تعالى ﴿إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا﴾ وقال تعالى: ﴿فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيثُ لَا يَعْلَمُونَ (٤٤) وَأُمْلِي لَهُمْ﴾ الآية. وقال: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ إلى\n_________\n(^٢) - نقلًا عن رسالة \"الحافظ ابن كثير ومنهجه في التفسير\" للدكتور إسماعيل سالم -رحمه الله تعالى- وذلك بتصرفٍ واختصار.","vol":"المقدمة","page":19},{"text":"قوله: ﴿عَنِيدًا﴾، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إلا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ الآية. والآيات في هذا كثيرة.\n\n<span data-type='title' id=toc-6>٢ - تفسير القرآن بالسنة:</span>\nوقد صور ابن كثير هذا الأصل بقوله: \"فإن أعياك ذلك فعليك بالسنة؛ فإنها شارحة للقرآن وموضحة له، بل قد قال الإمام أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي -رحمه الله تعالى-: \"كل ما حكم به رسول الله ﷺ فهو مما فهمه من القرآن، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَينَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾. وقال تعالى: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيكَ الْكِتَابَ إلا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ولهذا قال رسول الله ﷺ: \"ألا وإني أوتيت القرآن ومثله معه\" -يعني السنة.\nويستطرد ابن كثير في بيان هذا الأصل فيقول: والغرض أنك تطلب تفسير القرآن منه؛ فإن لم تجده فمن السنة، كما قال رسول الله ﷺ لمعاذ حين بعثه إلى اليمن: \"فبم تحكم؟ \" قال: بكتاب الله. قال: \"فإن لم تجد؟ \" قال: بسنة رسول الله ﷺ قال: \"فإن لم تجد؟ \" قال: أجتهد رأيي. قال: فضرب رسول الله ﷺ في صدره وقال: \"الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله\".\nوذكر أن هذا الحديث في المسند والسنن بإسناد جيد.\nوهذا الأصل تراه بألفاظه عند ابن تيمية.\n* والأمثلة على تفسير القرآن بالسنة لا حصر لها حتى ليتحير المرء في اختيار بعضها؛ لكثرتها أولًا، ولطولها ثانيًا، ولتعدد جوانب الاستشهاد بها ثالثًا، ومن ثم ليكون معروفًا أن النماذج التي نسوقها لا تعطي رؤية كاملة وتامة لتفسير القرآن بالسنة عند ابن كثير، ومن أراد صورة مكتملة فليرجع إلى التفسير نفسه، فقد يصل الأمر بابن كثير أن يفسر بعض الآيات بما يزيد على خمسين حديثًا كما فعل عند تفسيره لآية الإسراء، ونورد هنا بعض الأمثلة القليلة والقصيرة والتي تصور إلى حد ما مدى إفادته من السنة في التفسير، ومدى ارتباطه بها، إذ قد توضح مبهمًا، أو تخصص عامًّا، أو تقيد مطلقًا، أو تفصل مجملًا وما إلى ذلك.\n* والسنة النبوية حين تفسر الآية تعطي المعنى الصحيح، فكثير من المفسرين -ومنهم مجاهد وعطاء والضحاك والسدي ومقاتل وقتادة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم- قالوا في تفسير قوله تعالى ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا﴾ أن","vol":"المقدمة","page":20},{"text":"الضمير يرجع إلى إبراهيم ﵊، وقال مجاهد في رواية أخرى له: الله سماكم المسلمين من قبل في الكتب المتقدمة وفي الذكر ﴿وَفِي هَذَا﴾ يعني القرآن، وعلق ابن كثير على هذا فقال: وهذا هو الصواب لأنه تعالى قال: ﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ ثم حثهم وأغراهم على مما جاء به الرسول صلوات الله وسلامه عليه بأنه ملة أبيهم إبراهيم الخليل، ثم ذكر منته تعالى على هذه الأمة بما نوه به من ذكرها والثناء عليها في سالف الدهر، وقديم الزمان في كتب الأنبياء يتلى على الأحبار والرهبان فقال: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ﴾ أي من قبل هذا القرآن ﴿وَفِي هَذَا﴾. ثم ذكر حديثًا رواه النسائي عن الحارث الأشعري عن رسول الله ﷺ قال: \"من دعا بدعوى الجاهلية فإنه من جُثا جهنم\". قال رجل: يا رسول الله وإن صام وصلى؟ قال: لا نعم، وإن صام وصلى، فادعوا بدعوة الله التي سماكم بها المسلمين المؤمنين عباد الله\".\n* وقد يستشكل على المرء معنى آية بجانب حديث يوهم التعارض معها فيبدد الحافظ ابن كثير هذا الإشكال بحجج قوية.\nمن ذلك تفسيره لقوله تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ﴾ فإن قيل: فما الجمع بين هذه الآية، وبين الحديث الثابت في الصحيحين عن أبي هريرة قال: استب رجل من المسلمين ورجل من اليهود فقال اليهودي في قسم يقسمه: لا والذي اصطفى موسى على العالمين، فرفع المسلم يده فلطم بها وجه اليهودي، فقال: أي خبيث؟ وعلى محمد ﷺ. فجاء اليهودي إلى النبي ﷺ فاشتكى على المسلم. فقال رسول الله ﷺ: \"لا تفضلوني على الأنبياء؛ فإن الناس يصعقون يوم القيامة، فكون أول من يفيق، فأجد موسى باطشًا بقائمة العرش، فلا أدري أفاق قبل أم جوزى بصعقة الطور، فلا تفضلوني على الأنبياء\". وفي رواية: \"لا تفضلوا بين الأنبياء\" فالجواب من وجوه:\nأحدها: أن هذا كان قبل أن يعلم بالتفضيل. وفي هذا نظر.\nالثاني: أن هذا من باب الهضم والتواضع.\nالثالث: أن هذا نهي عن التفضيل في مثل هذه الحال التي تحاكموا فيها عند التخاصم والتشاجر.\nالرابع: لا تفضلوا بمجرد الآراء والعصبية.\nالخامس: ليس مقام التفضيل إليكم، وإنما هو إلى الله ﷿، وعليكم الانقياد والتسليم له، والإيمان به\".","vol":"المقدمة","page":21},{"text":"وقد ذكر بعض هذه الوجوه في موضع آخر.\n\n<span data-type='title' id=toc-7>٣ - تفسير القرآن بأقوال الصحابة:</span>\nقال ابن كثير في ذلك: \"إذا لم تجد التفسير في القرآن ولا في السنة، رجعنا في ذلك إلى أقوال الصحابة؛ فإنهم أدرى بذلك، لما شاهدوا من القرائن والأحوال التي اختصوا بها، ولما لهم من الفهم التام، والعلم الصحيح والعمل الصالح، لا سيما علماؤهم وكبراؤهم كالأئمة الأربعة الخلفاء الراشدين والأئمة المهديين وعبد الله بن مسعود ﵃.\nوذكر روايتين عن ابن مسعود قال في إحداهما: والذي لا إله غيره، ما نزلت آية من كتاب الله إلا وأنا أعلم فيمن نزلت، وأين نزلت، ولو أعلم أحدًا أعلم بكتاب الله مني تناله المطايا لأتيته.\nومن هؤلاء البحر الحبر عبد الله بن عباس ترجمان القرآن ببركة دعاء رسول الله ﷺ حيث قال: \"اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل\" وقد ذكر أن ابن مسعود قال: نعم الترجمان للقرآن ابن عباس. وقد مات ابن مسعود ﵁ في سنة اثنين وثلاثين على الصحيح، وعمِّر بعده عبد الله بن عباس ستًّا وثلاثين سنة، فما ظنك بما كسبه من العلوم بعد ابن مسعود.\nوذكر أبو وائل أن عليًّا استخلف عبد الله بن عباس على الموسم فخطب الناس فقرأ في خطبته سورة البقرة، وفي رواية سورة النور ففسرها تفسيرًا لو سمعته الروم والترك والديلم لأسلموا.\nوانظر هذا الأصل عند ابن تيمية تجده منقولًا عنه.\n\n<span data-type='title' id=toc-8>٤ - تفسير القرآن بأقوال التابعين:</span>\nوهذا هو الأصل الرابع من أصول التفسير وطرقه، وفيه يقول ابن كثير:\n\"إذا لم تجد التفسير في القرآن ولا في السنة ولا وجدته عن الصحابة فقد رجع كثير من الأئمة في ذلك إلى قول التابعين كمجاهد بن جبر، فإنه كان آية في التفسير. ونقل عن محمد بن إسحاق عن مجاهد قوله: عرضت المصحف على ابن عباس ثلاث عرضات من فاتحته إلى خاتمته أوقفه عند كل آية منها وأسأله عنها. وقال سفيان الثوري: إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك به\".\nومن التابعين أيضًا سعيد بن جبير، وعكرمة مولى ابن عباس، وعطاء بن رباح،","vol":"المقدمة","page":22},{"text":"والحسن البصري، ومسروق بن الأجدع، وسعيد بن المسيب وأبو العالية، والربيع بن أنس، وقتادة، والضحاك بن مزاحم، وغيرهم، وهؤلاء تذكر أقوالهم في الآية فيقع في عبارتهم تباين في الألفاظ يحسبها من لا علم عنده اختلافًا فيحكيها أقوالًا، وليس كذلك، فإن منهم من يعبر عن الشيء بلازمه أو بنظيره، ومنهم في ينص على الشيء بعينه والكل بمعنى واحد في أكثر الأماكن، فليتفطن لذلك والله الهادي.\nوأورد ابن كثير اعتراضًا ذكره شعبة بن الحجاج وغيره قال فيه: أقوال التابعين في الفروع ليست حجة، فكيف تكون حجة في التفسير؟! وأجاب ابن كثير -نقلًا عن ابن تيمية- يعني أنها لا تكون حجة على غيرهم ممن خالفهم، وهذا صحيح، أما إذا أجمعوا على الشيء فلا يرتاب في كونه حجة. فإن اختلفوا فلا يكون قول بعضهم حجة على قول بعض، ولا على من بعدهم. ويرجع في ذلك إلى لغة القرآن أو السنة، أو عموم لغة العرب، أو أقوال الصحابة في ذلك.\n\n<span data-type='title' id=toc-9>٥ - لا يختص بالتفسير الرسول ﷺ أو السلف الصالح:</span>\nيتعرض ابن كثير قبل بحث هذا الأصل لموضوع تفسير القرآن بالرأي فيقول: فأما تفسير القرآن بمجرد الرأي فحرام، وذكر رواية عن ابن عباس عن النبي ﷺ: \"من قال في القرآن برأيه، وبما لا يعلم فليتبوأ مقعده من النار\" وبين أن هذا الحديث قد أخرجه الترمذي والنسائي وأبو داود وقال الترمذي: حديث حسن.\nوروى ابن جرير عن جندب أن رسول الله ﷺ قال: \"من قال في القرآن برأيه فقد أخطأ\" وعلق ابن كثير على هذا الحديث فقال: وقد روى هذا الحديث أبو داود والترمذي والنسائي من حديث سهيل بن أبي حَزم القُطعي، وقال الترمذي: غريب.\nوقد تكلم بعض أهل العلم في سهيل، وفي لفظ لهم: \"من قال في كتاب الله برأيه فأصاب فقد أخطأ\"، أي لأنه قد تكلف ما لا علم له به، وسلك غير ما أمر به. والله أعلم.\nثم يقول: \"وهكذا سمى الله القذفة كاذبين فقال: ﴿فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ فالقاذف كاذب. ولو كان قد قذف من زنى في نفس الأمر؛ لأنه أخبر بما لا يحل له الإخبار به، ولو كان أخبر بما يعلم؛ لأنه تكلف ما لا علم له به، والله أعلم.\nويذكر ابن كثير روايات كثيرة عن جماعة من السلف الصالح تفيد تحرجهم عن","vol":"المقدمة","page":23},{"text":"التفسير.\nمنها ما روي عن إبراهيم التيمي أن أبا بكر الصديق سئل عن قوله تعالى: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ فقال: أي سماء تظلني، وأي أرض تقلني، إذا أنا قلت في كتاب الله ما لا أعلم.\nوعن أنس ﵁ أن عمر بن الخطاب ﵁ قرأ على المنبر: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ فقال: هذه الفاكهة قد عرفناها فما الأبُّ؟ ثم رجع إلى نفسه فقال: إن هذا هو التكلف يا عمر.\nوعلّق على هاتين الروايتين فقال: وهذا كله محمول على أنهما ﵄ إنما أرادا استكشاف علم كيفية الأب، وإلا فكونه نبتًا من الأرض ظاهر لا يجهل.\nأما رواية ابن أبي مليكة فقد قال فيها: سأل رجل ابن عباس عن يوم كان مقداره ألف سنة؟ فقال له ابن عباس: فما يوم ﴿كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ فقال له الرجل: إنما سألتك لتحدثني. فقال ابن عباس: هما يومان ذكر الله في كتابه، الله أعلم بهما. فكره أن يقول في كتاب الله ما لا يعلم.\nوقال مالك عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب أنه كان إذا سئل عن تفسير آية من القرآن قال: إنا لا نقول في القرآن شيئًا.\nوذكر عنه أيضًا أنه كان لا يتكلم إلا في المعلوم من القرآن. وسئل ابن المسيب عن آية من القرآن فقال: لا تسألني عن القرآن، وسل من يزعم أنه لا يخفى عليه منه شيء. يعني عكرمة.\nوعن عبد الله بن عمر العمري قال: لقد أدركت فقهاء المدينة، وإنهم ليعظمون القول في التفسير منهم سالم بن عبد الله، والقاسم بن محمد، وسعيد بن السيب، ونافع.\nويعلق ابن كثير على هذه الآثار فيقول: فهذه الآثار الصحيحة وما شاكلها عن أئمة السلف محمولة على تحرجهم عن الكلام في التفسير بما لا علم لهم فيه، فأما من تكلم بما يسلم من ذلك لغة وشرعًا فلا حرج عليه.\nولهذا روي عن هؤلاء وغيرهم أقوال في التفسير ولا منافاة، لأنهم تكلموا فيما علموه، وسكتوا عما جهلوه، وهذا هو الواجب على كل أحد، فإنه كما يجب السكوت عما لا علم له به، فكذلك يجب القول فيما سئل عنه مما يعلمه لقوله تعالى: ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ ولا جاء في الحديث الذي روي من طرق:","vol":"المقدمة","page":24},{"text":"\"من سئل عن علم فكتمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار\".\nوذكر ابن كثير عن الطبري رواية من طريق جعفر بن محمد الزبيري، عن عائشة ﵂ قالت: ما كان النبي ﷺ يفسر شيئًا من القرآن إلا آيات بعدد، علمهن إياه جبريل ﵇.\nقال ابن كثير: وتكلم عليه الإمام أبو جعفر بما حاصله أن هذه الآيات مما لا يعلم إلا بالتوقيف عن الله تعالى مما وقفه عليها جبرائيل.\nوهذه عبارة الطبري من تفسيره: \"أما الخبر الذي روي عن رسول الله ﷺ أنه لم يكن يفسر من القرآن شيئًا إلا آيات تعد، فإن ذلك مصحح ما قلنا من القول في الباب الماضي قبل، وهو أن من تأويل القرآن ما لا يدرك علمه إلا ببيان الرسول ﷺ، وذلك بتفصيل مجمل ما في آية، من أمر الله ونهيه وحلاله وحرامه، وحدوده وفرائضه، وسائر معاني شرائع دينه، الذي هو مجمل في ظاهر التنزيل، وللعباد إلى تفسيره الحاجة. لا يدرك علم تأويله إلا ببيان من عند الله على لسان رسول الله ﷺ، وما أشبه ذلك مما تحويه آي القرآن من سائر حكمه الذي جعل بيانه لخلقه إلى رسول الله ﷺ، فلا يعلم أحد من خلق الله تأويل ذلك إلا ببيان رسول الله ﷺ، ولا يعلمه رسول الله ﷺ إلا بتعليم الله إياه ذلك بوحيه إليه، إما مع جبريل أو مع من شاء من رسله إليه، فذلك هو الآي التي كان رسول الله ﷺ يفسرها لأصحابه بتعليم جبريل إياه، وهن لا شك آي ذوات عدد. ومن آي القرآن ما قد ذكر أن الله جل ثناؤه استأثر بعلم تاويله فلم يطلع على علمه ملكًا مقربًا، ولا نبيًّا مرسلًا، ولكنهم يؤمنون بأنه من عنده وأنه لا يعلم تأويله إلا الله، فأما ما لا بد للعباد من تأويله ببيان الله ذلك له، بوحيه مع جبريل، فذلك هو المعنى الذي أمره الله ببيانه لهم؛ فقال جل ذكره: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾.\nولو كان تأويل الخبر عن رسول الله ﷺ أنه كان لا يفسر من القرآن شيئًا إلا آيًا تعد هو ما يسبق إليه أوهام أهل البدع من أنه لم يكن يفسر من القرآن إلا القليل من آيه واليسير من حروفه؛ كأنه إنما أنزل إليه ﷺ الذكر ليترك للناس ما أنزل إليهم، لا ليبين لهم ما أنزل. وفي أمر الله جل ثناؤه نبيه ﷺ ببلاغ ما أنزل إليه، وإعلامه إياه أنه ما أنزل إليه ما أنزل ليبين للناس ما نزل إليهم، وقيام الحجة على أن النبي ﷺ قد بلغ وأدى ما أمره الله ببلاغه وأدائه على ما أمره به، وصحة الخبر عن عبد الله بن مسعود لقوله: كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات لم يجاوزهن حتى يعلم معانيهن والعمل بهن-: ما ينبيء عن خطأ من ظن أو توهم أن معنى الخبر","vol":"المقدمة","page":25},{"text":"الذي ذكرنا عن عائشة عن رسول الله ﷺ أنه لم يكن يفسر من القرآن شيئًا إلا آيات تعد، وهو أنه لم يمكن يبين لأمته من تأويله إلا اليسير القليل منه.\nهذا مع ما في الخبر الذي رُوي عن عائشة من العلة، التي في إسناده، التي لا يجوز الاحتجاج به لأحد ممن علم صحيح سند الآثار وفاسدها في الدين، لأن راويه ممن لا يعرف في أهل الآثار وهو جعفر بن محمد الزبيري\".\nويوضح ابن كثير هذه العلة التي أشار إليها ابن جرير الطبري فيقول:\n\"إنه حديث منكر غريب، وجعفر هذا هو ابن محمد بن خالد بن الزبير بن العوام القرشي الزبيري. قال البخاري: لا يتابع في حديثه. وقال الحافظ أبو الفتح الأزدي: منكر الحديث\".\nوعلق على تأويل الطبري لحديث عائشة فقال: \"وهذا تأويل صحيح لو صح الحديث، فإن من القرآن ما استأثر الله تعالى بعلمه، ومنه ما يعلمه العلماء، ومنه ما تعلمه العرب من لغاتها، ومنه ما لا يعذر أحد في جهالته كما صرح بذلك ابن عباس. قال: \"التفسير على أربعة أوجه: وجه تعرفه العرب من كلامها، وتفسير لا يعذر أحد بجهالته، وتفسير يعلمه العلماء، وتفسير لا يعلمه أحد إلا الله\".\n\n<span data-type='title' id=toc-10>٦ - نقد الإسرائيليات:</span>\nعرض ابن كثير هذا الأصل كما فعل شيخه ابن تيمية، غير أنه فصل ووضح موقفه من الإسرائيليات بحيث يعتبر -في هذا الأصل- قد أضاف جديدًا.\nلقد نقل ابن كثير عن كتب السنة الصحيحة في مواضع مختلفة من تفسيره- عدة أحاديث تفيد النهي الصريح عن الأخذ من أهل الكتاب.\nفذكر عن الإمام أحمد، فيما رواه عبد الله بن ثابت قال: \"جاء عمر إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إني مررت بأخ لي يهودي من قريظة، فكتب لي جوامع من التوراة ألا أعرضها عليك؟ قال: فتغير وجه رسول الله ﷺ، قال عبد الله بن ثابت: قلت له: ألا ترى ما بوجه رسول الله ﷺ؟ فقال عمر: رضيت بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد رسولًا، قال: فسري عن النبي ﷺ وقال: \"والذي نفسي بيده، لو أصبح فيكم موسى ﵇ ثم اتبعتموه وتركتموني لضللتم، إنكم حظي من الأمم، وأنا حظكم من النبيين\".\nوذكر عن الحافظ أبي يعلى فيما رواه عن جابر قال رسول الله ﷺ: \"لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء فإنهم لن يهدوكم وقد ضلوا، وإنكم إما أن تصدقوا بباطل","vol":"المقدمة","page":26},{"text":"وإما أن تكذبوا بحق، وإنه والله لو كان موسى وعيسى حيين لما وسعهما إلا اتباعي\".\nوفي رواية للإمام أحمد، عن جابر بن عبد الله: أن عمر بن الخطاب أتى النبي ﷺ بكتاب أصابه هن بعض أهل الكتاب فقرأه على النبي ﷺ قال: فغضب وقال: \"أمتهوِّكون فيها يا بن الخطاب؟ والذي نفسي بيده لقد جئتكم بها بيضاء نقية، لا تسألوهم عن شيء فيخبروكم بحق فتكذبونه أو بباطل فتصدقونه، والذي نفسي بيده لو أن موسى كان حيًّا ما وسعه إلا أن يتبعني\".\nوقد قسم ابن كثير الإسرائيليات إلى ثلاثة أقسام فقال:\nأحدها: ما علمنا صحته بما بأيدينا مما يشهد له بالصدق فذاك صحيح.\nوالثاني: ما علمنا كذبه مما عندنا مما يخالفه.\nوالثالث: ما هو مسكوت عنه، لا من هذا القبيل ولا من هذا القبيل، فلا نؤمن به ولا نكذبه، ويجوز حكايته.\nويتحدث عن القسم الثالث في موضع آخر فيقول: ومنها ما هو مسكوت عنه فهو المأذون في روايته بقوله ﵇: \"حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج\" وهو الذي لا يصدق ولا يكذب لقوله: \"فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم\".\nويستطرد في شرح هذا القسم فيقول: وغالب ذلك مما لا فائدة فيه تعود إلى أمر ديني. ولهذا يختلف علماء أهل الكتاب في هذا كثيرًا، ويأتي من المفسرين خلاف بسبب ذلك كما يذكرون في مثل هذا أسماء أصحاب الكهف، ولون كلبهم، وعددهم، وعصا موسى من أي الشجر كانت، وأسماء الطيور التي أحياها الله لإبراهيم، وتعيين البعض الذي ضرب به القتيل من البقرة، ونوع الشجرة التي كلم الله منها موسى إلى غير ذلك مما أبهم الله تعالى في القرآن، مما لا فائدة في تعيينه تعود على المكلفين في دينهم ولا دنياهم.\nولكن نقل الخلاف عنهم في ذلك جائز كما قال تعالى: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إلا قَلِيلٌ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إلا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ فقد اشتملت هذه الآية الكريمة على الأدب في هذا المقام، وتعليم ما ينبغي في مثل هذا، فإنه تعالى حكى منهم ثلاثة أقوال، ضغف القولين الأولين، وسكت عن الثالث، فدل على صحته، إذ لو كان باطلًا لردّه كما ردّهما، ثم أرشد على أن الاطلاع على عدتهم لا طائل تحته. فقال في مثل هذا: ﴿قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ","vol":"المقدمة","page":27},{"text":"بِعِدَّتِهِمْ﴾ بأنه ما يعلم ذلك إلا قليل من الناس ممن أطلعه الله عليه، فلهذا قال: ﴿فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إلا مِرَاءً ظَاهِرًا﴾ أي لا تجهد نفسك فيما لا طائل تحته، ولا تسألهم عن ذلك فإنهم لا يعلمون من ذلك إلا رجم الغيب، فهذا أحسن ما يكون في حكاية الخلاف: أن تستوعب الأقوال في ذلك المقام، وأن تنبه على الصحيح منها، وتبطل الباطل، وتذكر فائدة الخلاف وثمرته لئلا يطول النزاع والخلاف فيما لا فائدة تحته، فتشتغل به عن الأهم فالأهم.\nفأما من حكى خلافًا في مسألة ولم يستوعب أقوال الناس فيها فهو ناقص، إذ قد يكون الصواب في الذي تركه، أو يحكي الخلاف ويطلقه، ولا ينبه على الصحيح من الأقوال فهو ناقص أيضًا، فإن صحح غير الصحيح عامدًا فقد تعمد الكذب، أو جاهلًا فقد أخطأ، وكذلك من نصب الخلاف فيما لا فائدة تحته، أو حكى أقولًا متعددة لفظًا، ويرجع حاصلها إلى قول أو قولين معنًى، فقد ضيع الزمان، وتكثر مما ليس بصحيح، فهو كلابس ثوبي زور، والله الموفق للصواب.\nونخرج من هذا النص بما يلي:\n١ - أن ما أخذ عن أهل الكتاب مما هو مسكوت عنه تجوز روايته.\n٢ - أن هذا المروي لا فائدة فيه.\n٣ - كثرة الخلاف في هذه المرويات.\n٤ - وجوب استيعاب الأقوال في حكاية الخلاف والتنبيه على الصحيح والباطل وذكر فائدة وثمرة الخلاف.\n٥ - عدم إثارة الخلاف فيما لا طائل تحته حتى لا يتشعب الخلاف ويضيع الزمان.\nويؤكد ابن كثير حرصه على الإعراض على كثير من الأحاديث الإسرائيلية لما فيها من ضياع الوقت، وما اشتملت عليه من كذب فاضح فيقول في تفسير قوله تعالى ﴿وَلَقَدْ آتَينَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ﴾:\nوما يذكر من الأخبار عنه في إدخال أبيه له في السرب، وهو رضيع، وأنه خرج بعد أيام، فنظر إلى الكواكب والمخلوقات، فتبصر فيها، وما قصد كثير من المفسرين وغيرهم، فعامتها أحاديث بني إسرائيل، فما وافق منها الحق مما بأيدينا عن المعصوم قبلناه لموافقته الصحيح، وما خالف شيئًا من ذلك رددناه، وما ليس فيه موافقة ولا مخالفة لا نصدقه ولا نكذبه، بل نجعله وقفًا، وما كان من هذا الضرب","vol":"المقدمة","page":28},{"text":"منها فقد رخص كثير من السلف في روايته، وكثير من ذلك مما لا فائدة فيه، ولا حاصل له بما ينتفع به في الدين، أو كانت فائدته تعود على المكلفين في دينهم، لبينته هذه الشريعة الكاملة الشاملة.\nوالذي نسلكه في هذا التفسير الإعراض عن كثير من الأحاديث الإسرائيلية، لما فيها من تضييع الزمان، ولما اشتمل عليه كثير منها من الكذب المروج عليهم، فإنهم لا تفرفة عندهم بين صحيحها وسقيمها، كما حرره الأئمة الحفاظ المتقنون من هذه الأمة\".\n\n<span data-type='title' id=toc-11>منهج ابن كثير في نقد الإسرائيليات:</span>\nومنهج ابن كثير في مهاجمة الإسرائيليات ذو جوانب متعددة، فقد يشير إليها بدون أن يذكرها، أو يذكرها منسوبة إلى بعض المفسرين، أو ينسبها إلى قائلها، مع مناقشته لها وبيان بطلانها.\nوإليك بيان بعض جوانب هذا المنهج.\n\n<span data-type='title' id=toc-12>١ - الإعراض عن ذكر الإسرائيليات:</span>\nيذكر ابن كثير في كثير من الآيات أنه قد قيل ها هنا إسرائيليات ضربنا عنها صفحًا، وقد علل وجهة نظره في عدم إيرادها بأن بعض الروايات يستحى من ذكرها، وبعضها الآخر لا يذكره خشية الإطالة، والروايات الإسرائيلية كلها باطلة غير صحيحة، ولا يرجي منها نفع أو خير.\nوانظر أمثلة لهذا في تفسير الآية (٨١) من سورة القصص، والآية (٤) من الإسراء، والآية (٣٧) من الأحزاب.\nوالعجب أن يردد هذه الإسرائيليات مُفسر كبير كالطبري والزمخشري، والعجب أن يردده بعض الأساتذة المحدثين كما فعلت الدكتورة بنت الشاطئ في كتابها \"نساء النبي\" فضلًا عن المستشرقين الذين يكيدون للإسلام وأهله.\nوها أنت ذا ترى ابن كثير يرد على هذا بأنها روايات باطلة لا يصح منها شيء.\nقال الدكتور مصطفى زيد بصدد رده لهذه الإسرائيليات: \"ولسنا ندري كيف تبلغ بهم الجرأة إلى حد الدفاع عن إسرائيليات لفقت قبل الطبري، واستغلال ما وقع فيه المرحوم الدكتور محمد حسين هيكل من أنه من وضع المستشرقين المبشرين؟ ثم لماذا يحتجون بمفسر كالزنحشري، لم يعرف بالحفظ والرواية في أمر يحتاج إليهما، ويغفلون مفسرًا حافظًا محدثًا هو الحافظ ابن كثير؟! ثم نقل النص الذي أوردناه عن ابن كثير سابقًا.","vol":"المقدمة","page":29},{"text":"<span data-type='title' id=toc-13>٢ - الإسرائيليات في أقوال من أسلم من أهل الكتاب:</span>\nلقد كان للذين أسلموا من أهل الكتاب دور كبير في نقل كثير من الإسرائيليات في التفسير والحديث والقصص والتاريخ وغير ذلك، ومن بين الذين اضطلعوا بهذا الأمر الخطير: كعب الأحبار ووهب بن منبه، فقد أدخلا كثيرًا مما اعتقداه في الديانات السابقة إلى الدين الإسلامي، لدرجة أنك لا تكاد تفتح كتابًا مأثورًا في التفسير أو الحديث أو القصص أو التاريخ إلا وجدت روايات كثيرة عنهما، ولا يقبلها العقل ولا الشرع، ولسنا في حاجة إليها كما قرر ابن كثير دائمًا.\nكعب الأحبار:\nهو كعب بن ماتع الحميري (أبو إسحاق) كان من كبار علماء اليهود، توفي (٣٣ هـ ٦٥٢ م) وقد ذُكرت له أقوال كثيرة في كتب التفسير وغيرها، وقد نقد ابن كثير كثيرًا من هذه النقول التي أخذت عنه.\nفانظر مثلًا: تفسير الآية (١٠٢) من سورة الصافات، والآية (٥٧) من سورة مريم.\nوهب بن منبه:\nهو وهب بن منبه الصنعاني، من أبناء الفرس الذين بعث بهم كسرى إلى اليمن، ولد (٢٤ هـ - ٦٤٥ م) وتوفي (١١٤ هـ - ٧٧٢ م)، وقد أدخل في التفسير والتاريخ والحديث روايات كثيرة أبان ابن كثير عن زيفها وبطلانها.\nفانظر مثلًا تفسير الآية (١٥٨) من سورة الأنعام، والآية (٢٤٨) من سورة البقرة.\n\n<span data-type='title' id=toc-14>٣ - الإسرائيليات في أقوال الصحابة:</span>\nرُوي عن بعض الصحابة آثار غريبة في التفسير والحديث، تلقيت عن بعض من أسلم من أهل الكتاب، ككعب الأحبار ووهب بن منبه، وبعض ما نقل عن أهل الكتاب لم يصرح فيه بأنه أخذ عنهم، ولكن كان مصدره بعض كتب أهل الكتاب كما قال ابن كثير عن عبد الله بن عمرو: إن بعض رواياته الغريبة مأخوذة من الزاملتين اللتين حملهما معه من اليرموك.\nهذا، وقد نسب إلى بعض الصحابة كابن عباس كثير من الروايات التي لم يثبت عنه شيء منها، ومن هنا نجد بعض ما يكشف لنا السر عن الروايات المتناقضة","vol":"المقدمة","page":30},{"text":"للصحابي الواحد في الآية الواحدة.\nفمن الإسرائيليات التي رويت عن ابن عباس ﵁: وأبطل ابن كثير نسبتها إليه؛ ما روي عنه في تفسير الآية (٢٨) من سورة الحجر، والآية (١١) من سورة الإسراء، والآية (٢٢) من سورة المائدة.\nإسرائيليات عن أنس بن مالك:\nوقد روى ابن أبي حاتم عن أنس بن مالك رواي غريبة أيضًا عن طول هؤلاء الجبارين.\nإسرائيليات عن عبد الله بن عمرو ﵁:\nوأكثرها مأخوذ من الزاملتين اللتين أحضرهما معه من اليرموك كما يقول ابن كثير … ومن أمثلة ما روي عنه ما جاء في تفسير الآية (٢٥) من سورة الفرقان، والآية (١٥٨) من سورة الأنعام\n\n<span data-type='title' id=toc-15>٤ - الإسرائيليات في أقوال التابعين:</span>\nوفي أقوال التابعين آثار إسرائيلية كثيرة، وضعها بعض زنادقة أهل الكتاب؛ ليختبروا بذلك عقول الجهلة من الناس، وليلبسوا الحق بالباطل.\nفمن ذلك ما أورده ابن كثير عن سعيد بن المسيب وعكرمة والقرظي: قال ابن كثير في تفسير قوله تعالى: ﴿إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (٧)﴾ [الفجر: ٧]: وعقب عليه قائلًا: فإن هذا كله من خرافات الإسرائيليين، من وضع بعض زنادقتهم ليختبروا بذلك عقول الجهلة من الناس أن تصدقهم في جميع ذلك.","vol":"المقدمة","page":31},{"text":"<span data-type='title' id=toc-16>مصادر ابن كثير في التفسير</span>\n<span data-type='title' id=toc-17>أولًا: مصادره السلفية:</span>\nأكثر الحافظ ابن كثير من نقله عن السلف الصالح من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين وغيرهم، كعبد الله بن عباس وعبد الله بن عمرو، وعبد الله بن مسعود، وعلي بن أبي طالب، ومجاهد، وعكرمة، وقتادة، والضحاك، والحسن البصري، وأبي الشعثاء، والسدي، والربيع بن أنس، وزيد بن أسلم، وعطاء بن أبي رباح، وسعيد بن جبير، وسعيد بن المسيب، وسعيد بن أبي عروبة، وابن جريج، وعطية العوفي، وإبراهيم النخعي، وعلي بن أبي طلحة، وسفيان الثوري، وعطاء بن يسار، والأعمش، وأبي وائل، ومحمد بن كعب وغيرهم.\nكما نقل ابن كثير عن أهل اللغة والشروح كالخليل بن أحمد والأصمعي وأبي عمرو بن العلاء، وأبي عبيد القاسم بن سلام، والزجاج وغيرهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-18>ثانيا: مصادره من الكتب </span>(٣):\nها هي ذي مصادر ابن كثير في التفسير، مرتبة ترتيبًا موضوعيًّا أولًا، ثم أبجديًّا داخل كل موضوع ثانيًا، مع مراعاة الاسم المشهور وحذف كلمة (ال) و(ابن) منه.\nأولًا: الكتب المقدسة:\n١ - القرآن الكريم.\n٢ - التوراة من نسختين.\n٣ - الإنجيل.\nثانيا: في الفسير وعلوم القرآن:\n(أ) في التفسير:\n٤ - تفسير آدم بن أبي إياس المتوفى سنة ٢٢٠ هـ أو ٢٢١ هـ.\n٥ - تفسير أبي بكر بن المنذر المتوفى سنة ٣١٨ هـ.\n٦ - تفسير ابن أبي حاتم المتوفى سنة ٣٢٧ هـ.","vol":"المقدمة","page":32},{"text":"٧ - تفسير أبي مسلم الأصبهاني (محمَّد بن بحر) المتوفى سنة ٣٢٢ هـ واسم كتابه: \"جامع التأويل لمحكم التنزيل\".\n٨ - تفسير ابن أبي نجيح (عبد الله بن يسار الأعرج المكي مولى ابن عمر).\n٩ - تفسير البغوي (أبي محمَّد الحسين بن مسعود بن محمَّد الفراء المتوفى سنة ٥١٦ هـ) (واسم كتابه (معالم التنزيل).\n١٠ - تفسير ابن تيمية (تقي الدين أبي العباس أحمد بن عبد الحليم المتوفى سنة ٧٢٨ هـ) وهو جزء في تفسير قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيبِ﴾.\n١١ - تفسير الثعلبي (أحمد بن محمَّد بن إبراهيم أبي إسحاق النيسابوري المتوفى سنة ٤٢٧ هـ).\n١٢ - تفسير الجبائي (أبي علي) المتوفى سنة ٣٠٣ هـ.\n١٣ - تفسير ابن الجوزي (عبد الرحمن بن علي المتوفى سنة ٥٩٧ هـ). واسم الكتاب (زاد المسير في علم التفسير).\n١٤ - تفسير ابن دحيم (أبي إسحاق إبراهيم بن عبد الرحمن بن إبراهيم بن دحيم) المتوفى سنة ٣١٩ هـ.\n١٥ - تفسير الرازي (محمَّد بن عمر بن الحسن بن الحسين التيمي البكري أبي عبد الله المشهور بفخر الدين الرازي المتوفى سنة ٦٠٦ هـ، وكتابه يسمى (التفسير الكبير المشهور بمفاتيح الغيب).\n١٦ - تفسير الزمخشري (جار الله أبي القاسم محمود بن عمر الخوارزمي المتوفى سنة ٥٣٨ هـ) كتابه يدعى (الكشاف عن حقائق التنزيل، وعيون الأقاويل في وجوه التأويل).\n١٧ - تفسير السدي الكبير المتوفى سنة (١٢٧ هـ - ٧٤٥ هـ).\n١٨ - تفسير سنيد بن داود. المتوفى سنة ٢٢٦ هـ.\n١٩ - تفسير شجاع بن مخلد المتوفى سنة ٢٣٥ هـ.\n٢٠ - تفسير الطبري. المتوفى سنة ٣١٠ هـ.\n٢١ - تفسير عبد بن حميد. المتوفى سنة ٢٤٩ هـ.","vol":"المقدمة","page":33},{"text":"٢٢ - تفسير عبد الرحمن بن زيد بن أسلم. المتوفى سنة ١٨٢ هـ.\n٢٣ - تفسير عبد الرزاق الصنعاني، المتوفى سنة ٢١١ هـ.\n٢٤ - تفسير ابن عطية العوفي. المتوفى سنة ١١١ هـ.\n٢٥ - تفسير القرطبي (أبي عبد الله محمَّد بن أحمد الأنصاري القرطبي المتوفى سنة ٦٧١ هـ)، وتفسيره يسمى (الجامع لأحكام القرآن الكريم).\n٢٦ - تفسير مالك بن أنس إمام دار الهجرة. وهو جزء مجموع له.\n٢٧ - تفسير الماوردي (أبي الحسن علي بن محمَّد بن حبيب المتوفى سنة ٤٥٥ هـ).\nواسم تفسيره (النكت والعيون).\n٢٨ - تفسير ابن مردويه.\n٢٩ - تفسير الواحدي (علي بن أحمد بن محمَّد بن علي أبي الحسن المتوفى سنة ٤٦٨ هـ).\n٣٠ - تفسير وكيع بن الجراح. المتوفى سنة ١٩٧ هـ.\n(ب) في علوم القرآن:\n٣١ - (البيان) لأبي عمرو الداني (الحافظ أبي عمرو عثمان بن سعيد بن عثمان بن سعيد المعروف بالداني (٣٧١ - ٤٤٤ هـ) وهو حافظ محدث مفسر. واسم الكتاب \"جامع البيان في القراءات السبع\")، وهو من أحسن مصنفاته يشتمل على نيف وخمسمائة رواية وطريق قيل: إنه جمع فيه كل ما يعلمه في هذا العلم.\n٣٢ - (التبيان) لأبي زكريا النووي (محيي الدين يحيى بن شرف النووي المتوفى سنة ٦٧٧ هـ. أما اسم الكتاب فهو (التبيان في آداب حملة القرآن) وقد رتب على عشرة أبواب ثم اختصره وسماه (مختار التبيان).\n٣٣ - جزء فيمن جمع القرآن من المهاجرين للحافظ ابن السمعاني القاضي أبي سعيد عبد الكريم بن أبي بكر، محمَّد بن أبي المظفر المنصور التميمي المروزي المتوفى سنة ٥١٢ هـ.\n٣٤ - جمع مصاحف الأئمة.\n٣٥ - شرح الشاطبية للشيخ شهاب الدين أبي شامة (عبد الرحمن بن إسماعيل","vol":"المقدمة","page":34},{"text":"المقدسي الدمشقي المتوفى سنة ٦٦٥ هـ).\n٣٦ - فضائل القرآن لأبي عبيد القاسم بن سلام المتوفى سنة ٢٢٤ هـ.\n٣٧ - مصحف أبي بن كعب وهو أحد الأربعة الذين جمعوا القرآن: (زيد بن ثابت، ومعاذ بن جبل، وأبو زيد الأنصاري) وقد توفي أبيُّ سنة ١٩ هـ، وقيل ٢٥ أو ٢٢ أو ٢٣ هـ.\n٣٨ - معاني القرآن للزجاج (أبي إسحاق إبراهيم بن السري الزجاج المتوفى سنة ٣١١ هـ).\n٣٩ - الناسخ والمنسوخ لأبي عبيد القاسم بن سلام.\nتعليق عام حول مصادر ابن كثير في التفسير:\nلو ألقينا نظرة فاحصة على المصادر التفسيرية التي استقى ابن كثير منها \"تفسيره\" فإننا يجب أن نراعي النقاط الآتية:\n١ - الطابع العام لهذه التفاسير.\n٢ - أكثر التفاسير ذكرًا عند ابن كثير.\n٣ - مدى صحة النقول التي نقلها.\n٤ - موقف ابن كثير من هذه المصادر.\nوالطابع العام الذي تتميز به المصادر التفسيرية في تفسير ابن كثير هو التفسير بالمأثور، ومن هنا نرى قائمة كبيرة منها؛ كتفسير الطبري وابن أبي حاتم، وسنيد بن داود، وابن مردويه، وعبد الرزاق، ووكيع بن الجراح. . . إلخ وكثير من هذه التفاسير مفقود.\nوهناك تفاسير أخرى ذات طابع خاص لكنها قليلة؛ كتفسير الجبائي، وأبي مسلم الأصبهاني، والزمخشري، ولقد كان لهذه التفاسير منهج اعتزالي فلسفي أخضع الآيات والتراكيب القرآنية لخدمة أهداف المعتزلة ومبادئهم، ولا يذكر ابن كثير هذه التفاسير إلا بصدد عرض فكرة المذهب، ثم يشرع في بيان وجهة نظره التي كثيرًا ما تعارض تلك الأفكار غير السلفية والتي تتسم بالتعصب لمذهبها.\nوقد يكتفي الحافظ ابن كثير بالإشارة إلى أن تفسيرًا \"فلان\" قد قال غير الحق لأن أغراضًا معينة قد دفعته إلى قول ما قال:","vol":"المقدمة","page":35},{"text":"ومن أمثلة رده على هذه التفاسير ذات النزعة الخاصة ما قاله في تفسير قوله تعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ سورة البقرة الآية (٧) تفنيدًا لرأي الزمخشري.\nوأما أكثر التفاسير دورانًا في تفسير ابن كثير فخمسة: تفسير ابن جرير الطبري، وابن أبي حاتم، وعبد الرزاق الصنعاني، وأبي بكر بن مردويه، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم. وأخص هذه الخمسة تفسير ابن جرير الطبري وابن أبي حاتم، فقد كاد يذكرهما في كل صفحة من صفحات التفسير.\nولعل السبب في هذا ما سبق أن قررناه من أن هذه الكتب تحوي بين دفتيها عددًا هائلًا من الأحاديث والروايات والأخبار الواردة عن السلف الصالح، وهذا يلائم منهج التفسير بالمأثور الذي آثره ابن كثير لنفسه.\nوهناك من المصادر التفسيرية ما لم يذكر إلا مرة أو مرتين، كتفسير الثعلبي صاحب \"العرائس\" والمعروف بسرد الأخبار والروايات الإسرائيلية والقصص الخرافية، ذكر ابن كثير رواية له عن ابن عباس وعائشة ﵄ تتحدث عن سحر النبي ﷺ على يد لبيد بن الأعصم الذي حصل على مشاطة النبي ﷺ وعدة من أسنان مشطه، فسحره بها، فمرض رسول الله ﷺ، وانتشر شعر رأسه، ولبث ستة أشهر يرى أنه يأتي النساء ولا يأتيهن … إلخ.\nعلق ابن كثير على هذه الرواية فقال: \"هكذا أورده بلا إسناد، وفيه غرابة وفيه بعض نكارة، ولبعضه شواهد مما تقدم والله أعلم\".\nوأما مدى صحة النقول التي كان ينقلها عن المصادر، فإننا قد قمنا ببعض المقارنات بين النقل وأصله في تفسيري ابن جرير والبغوي، وتبين أن النقول - أكثرها صحيح، وأن بها بعض الزيادات التي لا تتجاوز بعض الكلمات القليلة مثل \"﵁\" أو \"﷿\"، وكذلك تجد بعض الكلمات الناقصة، ولكنها قليلة.\nمثال ذلك نقله عن ابن جرير في تفسير أول سورة الشورى.\nوعلى أية حال فإن هذه الزيادة أو النقصان لا تؤثر في المعنى كثيرًا، وقد تكون هناك بعض النقول التي تجد فيها زيادة أو نقصًا عن الأصل أكثر مما رأينا مما يرجع إلى تعدد النسخ واختلافها، أو سهو بعض النساخ وغير ذلك.\nويلخص ابن كثير - أحيانًا - ما ينقله عن غيره، وهو في هذا يبلغ القمة في الأمانة حين يحافظ على النصوص وما تتضمنه من أفكار، بحيث لا تجد في تلخيصه","vol":"المقدمة","page":36},{"text":"بعدًا عن المعنى الأصلي أو تحريفًا أو تبديلًا، مثال ذلك تلخيصه رأي الطبري في تفسير الآية (١٢٤) سورة البقرة.\nوقد بينا فيما سبق بعض النصوص التي نقلها - نصًّا - ولم يغير فيها شيئًا وقد فعلنا ذلك مع بعض النصوص التي لم نثبتها خشية الإطالة.\nوقد ترى الرواية الواحدة بعدة طرق فيقتصر ابن كثير - أحيانًا - على إحداهما ويشير إلى أن الرواية قد رويت من غير وجه، على نحو ما فعل في روايات تفسير الآية المشار إليها آنفًا.\nلقد كانت آراء ابن كثير مستمدة من أوثق الكتب الإِسلامية المعتمدة، لكن ما موقفه من هذا الحشد الهائل من المصادر؟ ونخص الكتب الخمسة التي سبق ذكرها وقلنا: إنه اعتمد عليها كثيرًا؟ هل كان موقفه مجرد \"النقل\" فقط.\nالحقيقة أن ابن كثير عالم حافظ ناقد مدقق وليس مجرد فقال، كما قيل.\nفإنه إذا لم يتفق مع غيره من المفسرين في بعض الآراء وجدناه يحشد عددًا هائلًا من الأدلة لدحض هذا الرأي أو ذاك.\nومن طبيعته التدرج في وحدة المعارضة، فإذا استحسن رأيًا نقله بعبارة: \"قال فلان\" أو: \"في تفسير فلان كذا\" لكنه إذا خالف رأي غيره قال: \"واختار فلان كذا وفيه نظر\". وإذا اشتد الخلاف درجة قال: \"زعم فلان كذا\" فإذا حمي الجدال وجدته يقول: \"والعجب كل العجب أن يقول فلان هذا\" وقد يزيد: \"مع جلالة قدره\" أو يقول: \"وقد روي فلان خبرًا عجيبًا منكرًا جدًّا\" وما شابه ذلك.\nوينبه ابن كثير كثيرًا إلى الإسرائيليات في كتب التفسير والحديث والسيرة وغيرها.\nوما أكثر هذه الإسرائيليات وما أكثر تحذير ابن كثير منها!\nإن تفسير ابن كثير من أمهات كتب التفسير التي تدحض هذه الخرافات التي امتلأت بها كتب كثيرة من التفسير والحديث والسيرة وغيرها. ولقد كان السيوطي صادقًا حين وصف تفسير ابن كثير بأنه \"لم يؤلف على نمطه مثله\" وبخاصة في مسألة الإسرائيليات ونقدها وتفنيدها وبيان بطلانها؛ فلقد نقد ابن كثير كثيرًا من الروايات الإسرائيلية التي وجدت في أمهات كتب التفسير كالطبري وابن أبي حاتم وابن مردويه وعبد الرزاق الصنعاني والبغوي … إلخ. ونحن إذا ألححنا على تأكيد هذه الحقيقة فإننا نهدف من وراء ذلك إلى تنبيه الأذهان إلى الخطر الكبير الذي امتلأت به كتب التفسير والمتمثل في الأخبار الواهية والروايات الضعيفة والنقول التي أخذت عن أهل الكتاب بلا نقد ولا روية.","vol":"المقدمة","page":37},{"text":"ومن جانب آخر يتبين لنا مدى أهمية تفسير ابن كثير المتحرر من تلك الروايات التي لا تستند إلى دليل عقلي صحيح، أو نقلي صريح. ومن جهة ثالثة يظهر لنا ثقل المسئولية الملقاة على كاهل العلماء والهيئات العلمية لتحرير كتب التفسير والحديث من تلك الروايات الإسرائيلية الباطلة.\nونشير ها هنا إلى مواضع متفرقة من نقد ابن كثير للمرويات التي ينقلها عن الكتب الخمسة التي هي أهم الكتب التي نقل عنها:\n١ -: فعن الطبري: نقد ما روى من إسرائليات في تفسير الآية (٧٤) من سورة الأنعام، والآية (٨٥) من سورة الإسراء، والآية (٩٣) من سورة الكهف.\n٢ - وعن تفسير ابن أبي حاتم نقد مروايات تفسير الآية (١٩٠) من سورة الأعراف.\n٣ - وعن تفسير عبد الرزاق نقد مرويات تفسير الآية (٦٤) من سورة النساء.\n٤ - أما تفسير ابن مردويه فنقد ما رواه في تفسير الآية (٢٦١) من سورة البقرة.\n٥ - وأما تفسير عبد الرحمن بن زيد بن أسلم فنقد مرويات تفسير الآية (٢٠٥) من سورة الأعراف.\nيتبين من مراجعة هذه المواضع وغيرها أن موقف ابن كثير مما ينقل هو موقف العالم المدقق الناقد الذي لا يقبل رأيًا غريبًا، أو خبرًا عجيبًا، أو رواية إسرائيلية، بل يهاجمها وينقدها ويبين بطلانها، وتلك الأمثلة التي أشرنا إلى مواضعها هي قُلَّ من كُثير، وفيها ذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع، وهو شهيد، والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-19>ثالثا: كتب السنة وعلوم الحديث وشروحه:</span>\n(أ) الكتب الستة مضافًا إليها مسند أحمد بن حنبل:\n٤٠ - الجامع الصحيح للإمام البخاري.\n٤١ - صحيح مسلم.\n٤٢ - سنن أبي داود.\n٤٣ - سنن الترمذي (الجامع).\n٤٤ - سنن النسائي.","vol":"المقدمة","page":38},{"text":"٤٥ - سنن ابن ماجه.\n٤٦ - مسند الإمام أحمد بن حنبل.\n(ب) بقية كتب السنة وعلوم الحديث وشروحه:\n٤٧ - أحاديث الأصول للحافظ ابن كثير.\n٤٨ - عارضة الأحوذي في شرح الترمذي للإمام أبي بكر محمَّد بن العربي المتوفى سنة ٥٤٣ هـ.\n٤٩ - الأسماء والصفات للبيهقي (أبي بكر أحمد بن الحسين بن علي البيهقي المتوفى سنة ٤٥٨ هـ والكتاب يتضمن الأحاديث الواردة في أسماء الله تعالى وصفاته.\n٥٠ - الأربعين الطائية: (لأبي الفتوح محمَّد بن محمَّد بن علي الطائي الهمداني المتوفى سنة ٥٥٥ هـ) وقد ذكر فيه أنه أملى أربعين حديثًا من مسموعاته عن أربعين شيخًا كل حديث عن واحد من الصحابة فذكر ترجمته وفضائله وأورد عقيب كل حديث بعض ما اشتمل عليه من الفوائد وشرح غريبه وأتبع بكلمات مستحسنة وسماه (الأربعين في إرشاد السائرين إلى منازل اليقين).\n٥١ - الأطراف لأبي الحجاج المزي.\n٥٢ - الأفراد للدارقطني أبي الحسن علي بن عمر الدارقطني الشافعي المولود في دارقطن في محال بغداد (٢٠٦ هـ - ٩١٨ م) والمتوفى (٣٨٥ هـ - ٩٩٥ م) أما اسم الكتاب فهو: فوائد الأفراد.\n٥٣ - الأمالي لأحمد بن سليمان النجاد (أبي بكر أحمد بن سليمان بن الحسن الحنبلي المعروف بالنجاد، فقيه محدث توفي (٣٤٨ هـ - ٩٦٥ م) ويبدو أن كتابه هذا هو ما أملاه في دروسه التي كان يعقدها بعد صلاة الجمعة (وكانت له حلقتان في جامع المنصور، حلقة قبل الصلاة للفتوى على مذهب الإِمام أحمد، وبعد الصلاة لإملاء الحديث، واتسعت رواياته وانتشرت أحاديثه ومصنفاته وكان رأسًا في الفقه رأسًا في الحديث.\n٥٤ - الأنواع والتقاسيم في الحديث لابن حبان الحافط محمَّد بن أحمد بن حبان البستي المولود في بست من نواحي سجستان بين هراة وغزنة والمتوفى (٣٥٤ هـ - ٩٦٥ م).\n٥٥ - الثقات لابن حبان.","vol":"المقدمة","page":39},{"text":"٥٦ - جامع الأصول لابن الأثير (المبارك بن محمَّد بن محمَّد بن عبد الكريم الشيباني الجزري المتوفى ٦٠٦ هـ، جمع فيه ابن الأثير الأَصول الستة: البخاري، ومسلم، والموطأ، وأبو داود، والنسائي، والترمذي، وله مختصر يسمى (تيسير الوصول إلى جامع الأصول) لابن الديبع الشيباني المتوفى سنة ٩٤٤ هـ.\n٥٧ - جامع الثوري (سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري المتوفى سنة ١٦١ هـ).\n٥٨ - الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع: للخطيب البغدادي (أبي بكر أحمد بن علي بن ثابت المعروف بالخطيب البغدادي والمتوفي سنة ٤٦٣ هـ).\n٥٩ - جامع المسانيد لابن الجوزي.\n٦٠ - الجرح والتعديل لابن أبي حاتم.\n٦١ - جزء من الأحاديث التي تنهى عن إتيان النساء في أدبارهن للذهبي.\n٦٢ - جزء من الأحاديث الواردة في الاستغفار للدارقطني.\n٦٣ - جزء من الأحاديث الواردة في فضل الأيام العشرة من ذي الحجة لابن كثير.\n٦٤ - جزء من الأحاديث الواردة في كفارة المجلس لابن كثير.\n٦٥ - جزء من حديث الصور لابن كثير أيضًا.\n٦٦ - جزء من الرد على حديث السجل لابن كثير كذلك.\n٦٧ - الخلافيات للبيهقي.\n٦٨ - دلائل النبوة لأبي زرعة الرازي: (عبيد الله بن عبد الكريم بن يزيد بن فروخ الرازي (أبي زرعة) محدث حافظ توفي (٣٦٤ هـ - ٨٧٨ م).\n٦٩ - دلائل النبوة لأبي نعيم الأصبهاني: (أحمد بن عبد الله الأصبهاني المتوفى سنة ٤٣٠ هـ) وصاحب حلية الأولياء، وكتابه ذاك ثلاثة أجزاء ذكر منها مؤلفها الأحاديث الواردة في شأن النبي ﷺ وما يتعلق بحياته ونشأته وبعثته وزواجه وغزواته إلخ.\n٧٠ - دلائل النبوة للبيهقي: وموضوعه كسالفه.\n٧١ - السنة للطبراني: (أبي القاسم سليمان بن أحمد بن أيوب الطبراني صاحب المعاجم الثلاثة (الكبير والأوسط والأصغر) (٣٦٠ هـ).","vol":"المقدمة","page":40},{"text":"٧٢ - السنن لأبي بكر بن أبي عاصم: (الحافظ أحمد بن عمرو الشيباني المتوفى ٢٨٧ هـ).\n٧٣ - سنن أبي بكر الأثرم: (من أصحاب أحمد بن حنبل، واسمه أحمد بن محمَّد بن هانئ، ويكنى أبا بكر. له من الكتب: كتاب السنن في الفقه، على مذهب أحمد، وشواهده من الحديث وكتاب التاريخ وكتاب العلل وكتاب الناسخ والمنسوخ في الحديث.\n٧٤ - سنن أبي بكر البيهقي.\n٧٥ - سنن الدارقطني.\n٧٦ - سنن سعيد بن منصور الخراساني المتوفى ٢٢٧ هـ، وله تفسير كما ذكر الثعلبي في الكشف.\n٧٧ - شرح البخاري للحافظ ابن كثير وهو من الكتب المفقودة.\n٧٨ - شرح مسلم للنووي.\n٧٩ - صحيح ابن خزيمة (محمَّد بن إسحاق النيسابوري المتوفى سنة ٣١١ هـ).\n٨٠ - علل الخلال: أبي بكر أحمد بن محمَّد بن هارون البغدادي الحنبلي المعروف بالخلال المتوفى ٣١١ هـ.\n٨١ - المحدث الفاصل بين الراوي والواعي للرامهرمزي الحافظ أبي محمَّد الحسن بن عبد الرحمن بن خلاد الرامهرمزي المتوفى ٣٦٠ هـ - ٩٧١ م.\n٨٢ - المختارة للضياء المقدسي واسمه (الأحاديث المختارة).\n٨٣ - المراسيل لأبي داود.\n٨٤ - المستخرج على البخاري للحافظ أبي بكر البرقاني أحمد بن محمَّد بن أحمد بن غالب الخوارزمي المتوفى ٤٢٥ هـ.\n٨٥ - المستخرج على الصحيحين للضياء المقدسي.\n٨٦ - مستدرك الحاكم النيسابوري (لأبي عبد الله محمَّد بن عبد الله بن حمد بن نعيم الضبي النيسابوري الشهير بالحاكم المتوفى ٤٠٤ هـ).\n٨٧ - مسند أبي بكر البزار، أحمد بن عمرو البصري البزار المتوفى ٢٩١ هـ أو","vol":"المقدمة","page":41},{"text":"٢٩٢ هـ.\n٨٨ - مسند أبي بكر الحميدي (الحافظ عبد الله بن الزبير المكي المتوفى ٢١٩ هـ).\n٨٩ - مسند أبي بكر الصديق لابن كثير وقد تحدثنا عنه من قبل.\n٩٠ - مسند أبي داود الطيالسي، سليمان بن داود بن الجارود الطيالسي الفارسي مولى بني الزبير المتوفى ٢٠٢ هـ، وقيل ٢٠٤ هـ.\n٩١ - مسند أبي يعلى الموصلي (الحافظ أحمد بن علي بن المثنى الموصلي المتوفى (٣٠٧ هـ - ٩١٨ م).\n٩٢ - مسند الحارث بن أبي أسامة (أبي محمَّد الحارث بن محمَّد بن أبي أسامة التميمي البغدادي ١٨٦ هـ - ٢٨٢ هـ).\n٩٣ - مسند الدارمي (عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي السمرقندي شيخ مسلم وأبي داود والترمذي المتوفى ٢٥٥ هـ - ٨٦٩ م).\n٩٤ - مسند الشافعي.\n٩٥ - مسند ابن عباس ﵁ الجزء الثاني منه للحافظ أبي يعلى الموصلي.\n٩٦ - مسند عبد بن حميد.\n٩٧، ٩٨ - مسند عمر بن الخطاب، للحافظ ابن كثير.\n٩٩ - المسند الكبير لابن كثير (واسمه جامع المسانيد والسنن الهادي لأقوم سنن).\n١٠٠ - مسند محمَّد بن يحيى العبدي: (الحافظ أبي عبد الله محمَّد بن إسحاق بن محمَّد بن يحيى بن منده بن الوليد العبدي المتوفى ٣٩٥ هـ -١٠٠٥ م).\n١٠١ - مسند الهيثم بن كليب (ابن شريح الشاشي أبو سعيد المتوفى ٣٣٥ هـ-\n٩٤٥ م وكتابه يسمى (المسند الكبير في الحديث) في مجلدين.\n١٠٢ - مشكل الحديث لأبي جعفر الطحاوي (أحمد بن محمَّد بن سلامة الأزدي المصري الطحاوي المتوفى ٣٢١ هـ وقيل ٣٢٢ هـ).\n١٠٣ - مشكل الحديث لابن قتيبة (عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري أبي محمَّد ٢١٣ هـ - ٢٧٦ هـ).","vol":"المقدمة","page":42},{"text":"١٠٤ - مصنف عبد الرزاق الصنعاني.\n١٠٥ - المطولات للطبراني.\n١٠٦ - معجم أبي العباس الدغولي: المتوفى (٣٢٥ هـ - ٩٣٧ م)، أبو العباس محمَّد بن عبد الرحمن بن محمَّد بن عبد الله السرخسي الدغولي).\n١٠٧ - معجم أبي القاسم البغوي: (عبد الله بن محمَّد بن عبد العزيز البغوي ويعرف بابن بنت منيع المتوفى ٣١٧ هـ، وله المعجم الكبير، والمعجم الصغير، وكتاب السنن على مذاهب الفقهاء.\n١٠٨ - المعجم الكبير للطبراني.\n١٠٩ - الموضوعات لأبي الفرج ابن الجوزي.\n١١٠ - الموطأ للإمام مالك.\n١١١ - نوادر الأصول للحكيم الترمذي لأبي عبد الله محمَّد بن علي الحكيم الترمذي.\n\n<span data-type='title' id=toc-20>تعقيب عام حول مصادر السنة</span>\nيبدو لأول وهلة أن مصادر ابن كثير في الحديث كثيرة جدًّا وهي على وجه التحديد واحد وسبعون مصدرا، من بينها خمسة عشر مسندًا، وتسعة كتب من السنن، وشرح البخاري، وشرح مسلم، ومنها أيضًا كتب الصحاح، والمستخرجات، والمستدركات، والجوامع، والمعاجم، والمطولات، وكتب متفرقة في الجرح والتعديل، ونقد الحديث وغير ذلك.\nوإذا أضفنا إلى هذا كله كثيرًا من المصادر التفسيرية التي سبق ذكرها وهي تشتمل على أحاديث كثيرة فإن مصادر السنة وعلومها توازي ثلث المصادر كلها التي ذكرت في تفسير ابن كثير.\nوترجع أهمية هذه المصادر إلى أن كثيرًا منها قد فقد، وليس لدينا منها نسخة مطبوعة أو مخطوطة، ونستطيع أن نأخذ فكرة محددة إلى حد كبير عن بعضها من تلك النقول التي نقلها ابن كثير في تفسيره، وفكرة عامة عن بعضها الآخر.\nوعلى أية حال، فإن هذه الكثرة قد خلفت وراءها عددًا هائلًا من الأحاديث النبوية وآراء قيمة في علم الجرح والتعديل ونقد الحديث.","vol":"المقدمة","page":43},{"text":"<span data-type='title' id=toc-21>رابعًا: مصادره في الفقه وأصوله:</span>\n١١٢ - الأحكام الكبرى للحافظ ابن كثير.\n١١٣ - الإرشاد في أصول الفقه لإمام الحرمين الجويني أبي المعالي عبد الملك بن عبد الله بن يوسف المتوفى ٧٨٨ هـ.\n١١٤ - الاستذكار لأبي عمر بن عبد البر (يوسف بن عبد البر النمري القرطبي الأندلسي المتوفى ٦٤٣ هـ).\n١١٥ - الإملاء للإمام الشافعي.\n١١٦ - الأم للإمام الشافعي.\n١١٧ - الأموال الشرعية لأبي عبيد القاسم بن سلام.\n١١٨ - الإيجاز في علم الفرائض لابن اللبان (أبي الحسين محمَّد بن عبد الله بن اللبان المصري المتوفى ٤٠٢ هـ).\n١١٩ - الإيضاح في الفروع لأبي علي الطبري (أبي علي الحسن بن القاسم الطبري الشافعي المتوفى ٣٠٥ هـ).\n١٢٠ - الحواشي للمنذري (للحافظ عبد العظيم بن عبد العظيم بن عبد القوي بن عبد الله المنذري زكي الدين أبي محمَّد محدث فقيه).\n١٢١ - جزء في تطهير المساجد لابن كثير.\n١٢٢ - جزء في الذبيحة التي لم يذكر اسم الله عليها.\n١٢٣ - جزء في فضل يوم عرفة لابن كثير.\n١٢٤ - جزء في الميراث لابن كثير.\n١٢٥ - الشامل لابن الصباغ (واسمه الشامل في فروع الشافعية) لأبي نصر عبد السيد بن محمَّد المعروف بابن الصباغ الشافعي المتوفى ٤٧٧ هـ. قال ابن خلكان وهو من أجود كتب الشافعية وأصحها نقلًا.\n١٢٦ - شرح المهذب للنووي وهو المعروف باسم \"المجموع\".\n١٢٧ - الشرح الكبير للرافعي (أبي القاسم عبد الكريم بن محمَّد بن عبد الكريم","vol":"المقدمة","page":44},{"text":"القزويني الرافعي المتوفى سنة ٦٢٣ هـ وكتابه يسمى: (العزيز في شرح الوجيز).\n١٢٨ - الصلاة للمروزي (أبي عبد الله محمَّد بن نصر المروزي كان من أشهر المحدثين في زمانه توفي (٢٩٤ ص- ٩٠٦ م).\n١٢٩ - الصيام لابن كثير.\n١٣٠ - العبادة الكاملة للهذلي (أبي القاسم يوسف بن علي بن جبارة بن محمد الهذلي المغربي المتوفى ٤٦٥ هـ - ١٠٧٤ م).\n١٣١ - العدة للرافعي.\n١٣٢ - فضائل الأوقات للبيهقي.\n١٣٣ - فضائل الصلاة على النبي ﷺ من لأحمد بن فارس اللغوي (أبي الحسين) القزويني المتوفى (٣٩٥ هـ - ١٠٠٤ م).\n١٣٤ - فضل الصلاة على النبي ﷺ للقاضي إسماعيل بن إسحاق بن إسماعيل الأزدي أبي إسحاق المتوفى ٢٨٢ هـ - ٨٩٦ م.\n١٣٥ - كتاب جمعه الذهبي في الكبائر.\n١٣٦ - كتاب لابن تيمية في إبطال التحليل تضمن النهي عن تعاطي الوسائل المفضية إلى كل باطل.\n١٣٧ - كشف الغطا في تبيين الصلاة الوسطى للحافظ أبي محمَّد عبد المؤمن بن خلف الدمياطي.\n١٣٨ - المحلى لابن حزم أبي محمَّد علي بن حزم الظاهري المتوفى ٤٥٦ هـ.\n١٣٩ - المختصر للإمام الشافعي.\n١٤٠ - مصنف الإِمام البخاري في مسألة القراءة خلف الإِمام.\n١٤١ - المقدمات لابن كثير.\n١٤٢ - النهاية للإمام الجويني (واسم الكتاب: نهاية المطلب في دراية المذهب).\n١٤٣ - الياسق لجنكيزخان المتوفى (٦٢٤ هـ) والكتاب عبارة عن أحكام اقتبست من شرائع شتى من اليهودية والنصرانية والإِسلام وغير ذلك وكان دستور التتار.","vol":"المقدمة","page":45},{"text":"<span data-type='title' id=toc-22>تعليق عام على مصادره في الفقه</span>\nمصادر ابن كثير في الفقه اثنان وثلاثون، والملاحظ فيهما أنها من أمهات كتب الفقه، ولكن أغلبها مفقود، وبعضها مخطوط لم ينشر بعد.\nومصادر الفقه أقل بكثير من مصادر السنة، ولعل السبب في هذا يرجع إلى أن ابن كثير لم يكن يفرع المسائل الفقهية، ويستطرد فيها كما يفعل القرطبي مثلًا في تفسيره، بل كان يعرضها بإيجاز شديد ويحيل أحيانًا كثيرة إلى كتابه \"الأحكام الكبرى\" وغيره، لكنه مع هذا كله استطرد في بعض المسائل التي سنشير إليها في الباب القادم إن شاء الله.\nومن الملاحظ أيضًا أن معظم هذه المصادر شافعية المذهب كالأم والإملاء للشافعي وشرح التهذيب للنووي، والإيضاح للطبري، والشامل لابن الصباغ وغيرها. وقد أفاد ابن كثير من آراء المذاهب الأخرى وكتبها، ورجح بعض هذه الآراء على مذهبه لأن الدليل الصحيح كان معها.\n\n<span data-type='title' id=toc-23>خامسا: في التاريخ والسير والتراجم:</span>\n١٤٤ - الاستيعاب في معرفة الأصحاب لابن عبد البر.\n١٤٥ - (أسد الغابة في معرفة الصحابة) لابن الأثير.\n١٤٦ - أسماء الصحابة للحافظ أبي نعيم الأصبهاني.\n١٤٧ - الإكليل للهمذاني (أبي محمَّد الحسن بن أحمد بن يعقوب الهمذاني اليمني المتوفى سنة ٣٣٤ هـ).\n١٤٨ - البداية والنهاية لابن كثير.\n١٤٩ - تاريخ الخطيب البغدادي.\n١٥٠ - تاريخ ابن عساكر (علي بن الحسن المتوفى سنة ٥٧١ هـ).\n١٥١ - التاريخ الكبير للإمام البخاري.\n١٥٢ - تاريخ مكة للأزرقي (أبي الوليد محمَّد بن عبد الله الأزرقي توفي بعد سنة ٢٤٤ هـ بقليل).\n١٥٣ - تهذيب الأسماء واللغات للنووي.","vol":"المقدمة","page":46},{"text":"١٥٤ - التنوير في مولد السراج المنير للحافظ أبي الخطاب عمر بن دحية.\n١٥٥ - جزء من فتح القسطنطينية للحافظ ابن كثير.\n١٥٦ - الروض الأنف للسهيلي (عبد الرحمن بن عبد الله السهيلي المتوفى ٥٦١ هـ- ١١٨٥ م وكتابه يدعى \"الروض الأنف الباسم\" في شرح السيرة).\n١٥٧ - سيرة عمر بن الخطاب لابن كثير.\n١٥٨، ١٥٩ - السيرة لابن كثير (مطولة وموجزة).\n١٦٠ - سيرة الفقهاء للفقيه يحيى بن إبراهيم بن مزين الطليطلي أبي زكريا من أهل قرطبة بالأندلس.\n١٦١ - الشفاء للقاضي عياض اليحصبي المتوفى (٥٤٤ هـ - ١١٤٩ م).\n١٦٢ - الطبقات الكبرى لابن سعد (أبي عبد الله محمَّد بن سعد بن منيع تلميذ الواقدي ومساعده فلقب من أجل ذلك: كاتب الواقدي، توفي (٢٣٠ هـ - ٨٤٥ م).\n١٦٣ - معرفة الصحابة لابن منده (أبي عبد الله محمَّد بن إسحاق بن محمَّد المعروف بابن منده حفيد (أبي عبد الله محمَّد بن يحيى).\n١٦٤ - معرفة الصحابة للموصلي (الحافظ أبي يعلى الموصلي).\n١٦٥ - مغازي الأموي سعيد بن يحيى الأموي.\n١٦٦ - مغازي عبد الله بن لهيعة المتوفى (١٧٤ هـ - ٧٩٠ م).\n١٦٧ - المغازي لمحمد بن إسحاق بن يسار صاحب السيرة والمتوفى (١٥٠ هـ أو ١٥١ هـ).\n١٦٨ - المغازي لموسى بن عقبة بن أبي العباس الأسدي المتوفى سنة ١٤١ هـ.\n١٦٩ - (نهاية البداية والنهاية) لابن كثير وقد ذكره بقوله (كتاب في التحذير من الفتن).\n\n<span data-type='title' id=toc-24>تعقيب عام حول مصادره في التاريخ والسيرة والتراجم:</span>\nمصادر ابن كثير في التاريخ والسيرة والتراجم خمسة وعشرون مصدرًا. ومعظمها","vol":"المقدمة","page":47},{"text":"موجود في المكتبة العربية، وبعضها مفقود لا ندري عنه شيئًا كسيرة عمر بن الخطاب ومغازي موسى بن عقبة، والأموي وغيرهم. ونستطيع أن نرى صورة عامة لهذه الكتب المفقودة من النقول التي نقلها ابن كثير في تفسيره.\nوهذه المصادر من أمهات الكتب الإِسلامية المعتمدة التي يعد الكثير منها موسوعات ضخمة في التاريخ والسير والتراجم كالبداية والنهاية وتاريخ بغداد وتاريخ ابن عساكر والطبقات الكبرى وغيرها. فالحافظ ابن كثير كان يستمد معلوماته ويستقيها من مصادر إسلامية معتبرة وذات قيمة كبيرة، وليس معنى هذا أنها مصادر مبرأة من كل عيب، وأنها خلت من الروايات الغريبة والمنكرة، والنقول الإسرائيلية التي يشن ابن كثير الحرب عليها في كثير من الأحوال، ويحذر منها ما وجد إلى ذلك سبيلا.\n\n<span data-type='title' id=toc-25>سادسًا كتب علوم اللغة</span>\n١٧٠ - الجمل لأبي القاسم عبد الرحمن بن إسحاق الزجاجي.\n١٧١ - الزاهر لابن الأنباري (أبي بكر محمَّد بن القاسم بن محمَّد بن بشار المشهور بابن الأنباري المتوفى ٢٢٨ هـ).\n١٧٢ - الصحاح لأبي نصر إسماعيل بن حماد الجوهري المتوفى ٣٩٣ هـ وقيل: ٣٩٨ هـ أو ٤٠٠ هـ.\n١٧٣ - الغريب لأبي عبيد القاسم بن سلام.\nهذه أربعة كتب في علوم اللغة، منها ما ذكر مرة واحدة كالزاهر لابن الأنباري، ومنها ما ذكر كثيرًا كالغريب والصحاح، أما الجمل فكان يرجع إليه ابن كثير إذا احتاج إليه في مسألة نحوية أو تركيب لغوي.\n\n<span data-type='title' id=toc-26>سابعا: مصادر في موضوعات مختلفة:</span>\n١٧٤ - إثبات عذاب القبر للبيهقي.\n١٧٥ - الأذكار للنسائي.\n١٧٦ - الأذكار للنووي.\n١٧٧ - الأذكار للمعري (الحسن بن علي بن شبيب من المحدثين الفقهاء).\n١٧٨ - الأذكار وفضائل الأعمال للحافظ ابن كثير.\n١٧٩ - الأشراف على مذاهب الأشراف للوزير أبي المظفر يحيى بن محمَّد بن هبيرة","vol":"المقدمة","page":48},{"text":"المتوفى (٥٦٠ هـ).\n١٨٠ - الاعتقاد للبيهقي.\n١٨١ - الإنباه على ذكر أصول القبائل الرواة لابن عبد البر.\n١٨٢ - الأهوال لابن أبي الدنيا (أبي بكر عبد الله أو عبد الله بن محمَّد بن أبي الدنيا القرشي بالولاء المتوفى (٢٨١ هـ - ٨٩٤ م).\n١٨٣ - التذكرة للقرطبي.\n١٨٤ - التفكر والاعتبار لابن أبي الدنيا.\n١٨٥ - التقوى لابن أبي الدنيا.\n١٨٦ - التوحيد للإمام أبي إسحاق بن خزيمة.\n١٨٧ - جزء في الإسراء والمعراج للحسن بن عرفة بن يزيد العبدي البغدادي (أبي علي) المحدث.\n١٨٨ - جزء في دخول مؤمني الجن الجنة لابن كثير.\n١٨٩ - جزء مجموع في الجراد لابن عساكر.\n١٩٠ - خطبة لمروان بن الحكم.\n١٩١ - الخمول والتواضع لابن أبي الدنيا.\n١٩٢ - ذم الطفيليين للخطيب البغدادي.\n١٩٣ - ذم المسكر لابن أبي الدنيا.\n١٩٤ - الرد على الجهمية للإمام أحمد بن حنبل.\n١٩٥ - الرد على الجهمية للدارمي (عثمان بن سعيد بن خالد التميمي الدارمي (أبي سعيد) المتوفى ٢٨٠ هـ - ٨٩٤ م).\n١٩٦ - الزهد لعبد الله بن المبارك ويكنى أبا عبد الرحمن المتوفى سنة ١٨١ هـ.\n١٩٧ - السابق واللاحق للخطيب البغدادي.\n١٩٨ - السر المكتوم في مخاطبة الشمس والنجوم المنسوب لأبي عبد الله الرازي.","vol":"المقدمة","page":49},{"text":"١٩٩ - صفة أهل الجنة للحافظ أبي عبد الله المقدسي.\n٢٠٠ - صفة العرش لمحمد بن عثمان بن أبي شيبة المتوفى سنة ٢٩٧ هـ.\n٢٠١ - صفة النار للحافظ ابن كثير.\n٢٠٢ - العجائب الغريبة للحافظ محمَّد بن المنذر (أبي عبد الرحمن محمَّد بن المنذر بن سعيد بن عثمان السلمي المعروف بشكر).\n٢٠٣ - الفكاهة للزبير بن بكار (أبي عبد الله الزبير بن بكار بن أحمد بن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير المتوفى ٢٥٦ هـ - ٨٧٠ م).\n٢٠٤ - القبور لابن أبي الدنيا.\n٢٠٥ - القصد والأمم بمعرفة أصول أنساب العرب والعجم لابن عبد البر.\n٢٠٦ - كتاب في الروح للحافظ أبي عبد الله بن منده.\n٢٠٧ - ما قررته المجامع النصرانية سنة ٤٠٠ هـ نقلًا عن سعيد بن بطريق - يعد من علماء النصارى.\n٢٠٨ - مسانيد الشعراء لابن مردويه.\n٢٠٩ - مساوئ الأخلاق (الجزء الثاني منه) لأبي بكر الخرائطي (محمَّد بن جعفر بن سهل الخرائطي المتوفى ٢٣٧ هـ - ٩٣٨ م).\n٢١٠ - المستقصى للحافظ البهائي.\n٢١١ - المشهور في أسماء الأيام والشهور للشيخ علم الدين السخاوي (علي بن محمَّد بن عبد الرحمن الهمذاني شيخ القراء بدمشق المتوفى ٦٤٣ هـ).\n٢١٢ - المعارف لابن قتيبة.\n٢١٣ - مقدمة في الأنساب لابن كثير.\n٢١٤ - مقصورة ابن دريد (أبي بكر محمَّد بن الحسن بن دريد المتوفى سنة ٣٢١ هـ).\n٢١٥ - مكارم الأخلاق للخرائطي.\n٢١٦ - النسب للزبير بن بكار.","vol":"المقدمة","page":50},{"text":"٢١٧ - نوادر الأصول للقرطبي.\n\n<span data-type='title' id=toc-27>ثامنًا: مصادر هامة لم يصرح بأسمائها:</span>\n٢١٨ - بعض كتب أبي العباس بن تيمية.\n٢١٩ - بعض كتب ابن جرير غير التفسير.\n٢٢٠ - كتاب لإمام الحرمين الجويني غير الإرشاد.\n٢٢١ - كتاب لرزين بن معاوية (أبي الحسن المتوفى بعد العشرين وخمسائة).\n٢٢٢ - الكتب الإسرائيلية.\n٢٢٣ - كتب التفاسير.\n٢٢٤ - كتب الصحاح والمسانيد والسنن.\nهذه سبعة كتب لم يحدد ابن كثير أسماءها، أما الكتب الثلاثة الأخيرة فإن السبب في عدم تحديدها قد يرجع إلى أن النقل الذي يستقيه منها يكون مشهورًا لدرجة تعفيه عن ذكر مرجعه. لكن هذا الأمر نسبي فقد يكون النقل مشهورًا ومعروفًا من جانب ابن كثير أما بالنسبة لغيره فلا.\nوالكتب الأربعة الأولى لا ندري لعدم ذكرها وتحديدها سببًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-28>تاسعًا: نقول عن شيوخ ابن كثير:</span>\n٢٢٥ - أبو العباس ابن تيمية.\n٢٢٦ - أبو العباس الحجار.\n٢٢٧ - أبو عبد الله محمد بن أحمد الذهبي.\n٢٢٨ - أبو الحجاج المزي.\n\n<span data-type='title' id=toc-29>عاشرًا: نقول عامة ومبهمة:</span>\n٢٢٩ - أبو عمرو بن العلاء (زبان بن العلاء بن عمار بن عبد الله بن الحسن).\n٢٢٠ - أبو محمد عبد الله بن محمد بن حبان الأندلسي المتوفى ٥١٧ هـ.\n٢٣١ - الحسن بن هانئ- شاعر.","vol":"المقدمة","page":51},{"text":"٢٣٢ - ابن بطة (عبد الله بن محمد بن حمدان العكبري المعروف بابن بطة المتوفى ٣٨٧ هـ- ٩٩٧ م).\n٢٣٣ - ابن خلكان القاضي.\n٢٣٤ - الخليل بن أحمد.\n٢٣٥ - سيبويه (عمرو بن عثمان بن قنبر).\n٢٣٦ - عبد الله بن الزبعري (شاعر مشهور).\n٢٣٧ - الغزالي.\n٢٣٨ - النابغة الذبياني (شاعر).\n٢٣٩ - بعض علماء التاريخ.\n٢٤٠ - بعض علماء الطب.\n٢٤١ - بعض علماء الهيئة (الجغرافيا).","vol":"المقدمة","page":52},{"text":"<span data-type='title' id=toc-30>الفصل الثالث منهجنا في تحقيق الكتاب</span>\nقمنا بمقابلة الكتاب على نسختين خطيتين كاملتين، وأثبتنا الفروق بينهما الأولى وهي النسخة الأزهرية وتقع في سبعة مجلدات.\nالمجلد الأول، وعدد أوراقه (٣١٢) ورقة، ويبدأ من أول التفسير إلى نهاية سورة البقرة.\nالمجلد الثاني، وعدد أوراقه (٣٢٤) ورقة، ويبدأ بتفسير سورة آل عمران، وينتهي بتفسير الآية (٩٥) من سورة المائدة.\nالمجلد الثالث، وعدد أوراقه (٣٢٨) ورقة، ويبدأ بتفسير الآية (٦٩) من سورة الماندة، وينتهي بتفسير سورة هود.\nالمجلد الرابع، وعدد أوراقه (٣٢٢) ورقة، ويبدأ بتفسير سورة يوسف وينتهي بتفسير سورة الحج.\nالمجلد الخامس، وعدد أوراقه (٣٢٠) ورقة، ويبدأ بتفسير سورة المؤمنون، وينتهي بسورة فاطر.\nالمجلد السادس وعدد أوراقه (٢٨٠) ورقة، ويبدأ بتفسير سورة يس، وينتهي بسورة القمر.\nالمجلد السابع، وعدد أوراقه (٣٣٠) ويبدأ بتفسير سورة الرحمن وينتهي بتفسير سورة الناس.\nوالثانية وهي نسخة دار الكتب المصرية وهي مثل النسخة الأزهرية في عدد المجلدات، وبداية كل مجلد ونهايته.\n\n<span data-type='title' id=toc-31>منهج تخريج الأحاديث</span>\nقد قمنا بتخريح أحاديث الكتاب، والحكم على بعض الأسانيد من خلال دراسة رجال الإسناد، بناءً على القواعد التي وضعها أهل العلم في هذا الفن.\nوقد اتبعنا منهجًا وسطًا في تخريج الأحاديث، حتى لا نُسود الصفحات بما لا فائدة منه، وكان منهجنا في تخريج الأحاديث كما يلي:","vol":"المقدمة","page":53},{"text":"إذا كان الحديث في الصحيحين أو أحدهما اكتفينا بعزوه إليهما، وربما نعزوه إلى الكتب الستة وغيرها، وذلك إذا نسبه المؤلف إليها، وهذا من باب التوثيق لأقوال المصنف.\nوأما إذا لم يكن الحديث في أحد الصحيحين فإننا نستقصي على قدر وسعنا في التخريج لا سيما إذا كان الحديث مما ضعفه أهل العلم، فنبين سبب ضعفه، فإن كان له شاهد يُصحَّح أو يحُسَّن به ولم يذكره المؤلف ذكرناه، وأتبعناه بالأحاديث التي وردت في معناه.\nكما أننا عرضنا نصوص الأحاديث على كتب السنة الأصول؛ فإن وجدنا نقصًا أو زيادة في المعنى ذكرنا ذلك في الحاشية، وأحيانا نضع الزيادة بين معكوفتين في الأصل، وننبه على ذلك في الحاشية، وإذا كان الاختلاف يسيرًا كان يكون في حرف عطف أو في كلمة النبي أو الرسول تركنا ذلك على حاله.\nوقد ضبطنا سلاسل الأسانيد التي ذكرها المصنف من خلال الأصول التي اعتمدنا عليها في التخريج، مع الاستعانة أيضًا بكتب الرجال. ومن أهمها تهذيب الكمال للحافظ المزي، وتهذيبه وتقريبه للحافظ ابن حجر العسقلاني، ومنها ميزان الاعتدال للحافظ الذهبي، ولسان الميزان للحافظ ابن حجر. ..","vol":"المقدمة","page":54},{"text":"<span data-type='title' id=toc-32>أوهام الحافظ ابن كثير في تفسيره</span>\nلعل بعض من ينظر إلى هذا العنوان يلحق سيئ الظن بنا، ويرى أنَّا عمدنا للطعن على من تقدمنا، وإظهار العيب في علماء سلفنا. ومعاذ الله من هذا!!. وأنى يكون ذلك، وبهم ذُكرنا، وبشعاع ضيائهم تبصرنا، وباقتفائنا واضح رسومهم تميزنا، وبسلوك سبيلهم عن المنهج تحيزنا.\nوما مثلهم ومثلنا إلا ما قال أبو عمرو بن العلاء: ما نحن فيمن مضى إلا كَبَقْلٍ في أصول نَخْلٍ طوال.\nلكن لما جعل الله تعالى في الخلق أعلامًا، ونصب لكل قوم إمامًا، لزم المهتدين بمبين أنوارهم، والقائمين بالحق في اقتفاء آثارهم ممن رزق البحث والفهم، وإنعام النظر في العلم -ونسأل الله ﷿ أن نكون كذلك- بيان ما أهملوا، وتسديد ما أغفلوا إذ لم يكونوا معصومين من الزلل، ولا آمنين مغ مقارفة الخطأ والخطل، وذلك حق العالم على المتعلم، وواجب على التالي للمتقدم [١].\nومن هذا المبدأ استخرنا الله تعالى في كتابة مثل هذا العنصر في المقدمة، فرأينا أهميته لا سيما وأن الكتاب متداول بين عوام المسلمين قبل طلبة العلم منهم، وقد وقع فيه أغلاط وتصحيفات كثيرة نكتفي بذكر أمثلة منها هنا، والباقي تراه في حاشية الكتاب. لكن مما ينبغي التنبيه عليه، قبل ذكر هذه الأمثلة أن نقول: إن بعض الأغلاط والتصحيفات التي تم تعقيبها أو تقويمها، أعظمنا أن تكون غابت عن الحافظ ابن كثير، وأكثرنا جوازها عليه، وجوزنا أن يكون ذلك تصحيفًا أو تحريفًا من الناسخ؛ مع أنه لا يعرى بشر من السهو والغلط فسبحان من لا تأخذه سنة ولا نوم.\nوقد فسمنا هذه الأوهام بحسب ما وقع لنا إلى أربعة أقسام وهي:\nأولًا: (١) - الخطأ في العزو.\nمثاله: ألّا يكون الحديث في الصحيحين أو في أحدهما، ومع هذا تراه يعزوه إليهما أو إلى واحد منها أو يكون فيهما أو في أحدهما لكنه من طريق غير الطريق الذي عزاه المصنف إليهما أو إلى أحدهما.\nومن ذلك:\n١ - أنه ذكر حديثًا - (سورة آل عمران / آية رقم ١٨٥) - من رواية ابن أبي حاتم في تفسيره بإسناده إلى أبي هريرة مرفوعًا: \"موضع سوط في الجنة خير من","vol":"المقدمة","page":55},{"text":"الدنيا وما فيها، اقرءوا إن شئتم: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾.\nوقال: \"هذا حديث ثابت في الصحيحين من غير هذا الوجه، بدون هذه الزيادة. يعني قوله: \"اقرءوا إن شئتم … \" وهذا اللفظ إنما أخرجه البخاري (٢٨٩٢) بإسناده إلى سهل بن سعد الساعدي مرفوعًا: \"رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها، وموضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما عليها، والروحة يروحها العبد في سبيل الله أو الغدوة خير من الدنيا وما عليها\" واقتصر مسلم في صحيحه حديث (١٣) (١٨٨١) على إخراج الجزء الثالث من الحديث دون الأولين.\n٢ - ومنه أيضًا أنه ذكر حديثًا - (سورة آل عمران / آية ١٦٩) - برواية الإمام أحمد: ثنا عبد الصمد، ثنا حماد، ثنا ثابت، عن أنس مرفوعًا: \"ما من نفس تموت لها عند الله خير … \" الحديث وقال: تفرد به مسلم من طريق حماد.\nوهذا إنما أخرجه مسلم من طريق، حميد وقتادة، عن أنس، ولم يخرجه مسلم من طريق ثابت، عن أنس، ومن المحتمل أن يكون الناسخ أو غيره تصرف في هذه العبارة وأصلها: تفرد به أحمد من طريق حماد. والله أعلم\n٣ - ومنه قوله في (سورة آل عمران / آية ١٨٧): كما جاء في الصحيحين عن النبي ﷺ: \"من ادعى دعوة كاذبة ليتكثر بها، لم يزده الله إلا قلة\".\nوهذا إنما هو جزء من حديث رواه مسلم (١٧٦) (١١٠) من مسند ثابت، عن الضحاك، وأصله عند البخاري (١٣٦٣) دون هذه اللفظة، وقد أفاد أبو الفضل ابن حجر في \"الفتح\" (١١/ ٥٣٨): أنها من زيادات مسلم.\n٤ - قوله في (سورة النساء / آية ٣١): \"وفي الصحيح شاهد لمعناه - وهو حديث أنس: \"شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي\" وهو قوله ﷺ بعد ذكر الشفاعة: \"أترونها للمؤمنين المتقين؟ لا، ولكنها للخاطئين المتلوثين\".\nوهذا لا يوجد في أي من الصحيحين وإنما رواه ابن ماجة (٤٣١١) فحسب من بين أصحاب الكتب الستة.\nهذا وقد بدا لي أن يكون ابن كثير يعني بقوله: \"وفي الصحيح\" أي: وفي الحديث الصحيح لأن مثل هذا ورد كثيرًا فيستبعد أن يكرر مثل هذا الوهم منه. والله أعلم. ومع هذا فإن الحديث مُعَلٍّ بالاضطراب كما تراه محققًا في الموضع المذكور.","vol":"المقدمة","page":56},{"text":"٥ - قوله في (سورة النساء / آية ٣٤) بعد ذكر حديث: \"لن يفلح قوم ولو أمرهم امرأة\": \"رواه البخاري من حديث عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه\". وعزوه إلى البخاري من هذه الطريق خطأ؛ فإن البخاري رواه (٤٤٢٥، ٧٠٩٩) وكذا رواه الترمذي (٢٢٦٢) والنسائي (٨/ ٢٢٧) وأحمد (٥/ ٤٣، ٤٧، ٥١) من طرق، عن الحسن البصري، عن أبي بكرة به، والحديث لم يذكره المصنف في كتابه \"جامع المسانيد والسنن\" المجلد (١٣) ومن قبله شيخه أبو الحجاج المزي في كتابه \"تحفة الأشراف\" (٩/ ٤٤) من رواية عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه، وقد استدرك ذلك المصنف نفسه فرواه على الجادة في كتابه \"البداية والنهاية\" (٢/ ٢٦).\n٦ - قوله (سورة النساء / آية ٥٩): \"وعن أبي هريرة ﵁ قال: أوصاني خليلي: أن أسمع وأطيع وإن كان عبدًا حبشيًّا مجُدّع الأطراف\" رواه مسلم.\nومسلم رواه (٣٦) (١٨٣٧) من حديث أبي ذر، ومن هذا الوجه رواه أحمد (٥/ ١٦١) وابن ماجة (٢٨٦٢) والبخاري في الأدب المفرد (١١٣)، وحديث أبي هريرة لم أهتد له.\n٧ - قوله (سورة الأنعام / آية ١٢): \"ثبت في الصحيحين من طريق الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ: \"إن الله لما خلق الخلق كتب كتابًا عنده فوق العرش: إن رحمتي تغلب غضبي\".\nكذا عزاه للصحيحين من هذه الطريق، وإنما الذي أخرجه من هذا الوجه البخاري (٧٤٠٤) وحده، ورواه مسلم (١٤: ١٦) (٢٧٥١) من طريق أبي الزناد، عن الأعرج، ومن طريق الحارث بن عبد الرحمن بن ميناء، كلاهما (الأعرج وعطاء) عن أبي هريرة به - وانظر \"تحفة الأشراف\" (٩/ ٣٤٦، ٣٨٤).\n٨ - ومنه قوله (سورة الأنعام / آية ١٠٣): ثبت في الصحيحين من حديث أبي موسى الأشعري ﵁ قال رسول الله ﷺ: \"إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام. . \" الحديث وهذا وهم؛ لأن الحديث انفرد بروايته مسلم (٢٩٣، ٢٩٥) (١٧٩) دون البخاري، وقد ذكر المصنف نفسه ذلك في (سورة البقرة / آية ٢٥٥) وعزاه إلى الصحيح فقط.","vol":"المقدمة","page":57},{"text":"٩ - قوله (سورة الأعراف / آية ٨): \" … ومن ذلك في الصحيح قصة القرآن وأنه يأتي صاحبه في صورة شاب شاحب اللون، فيقول: من أنت؟ فيقول: أنا القرآن الذي أسهرت ليلك وأظمأت نهارك\".\nوالحديث إنما أخرجه ابن ماجة فحسب من بين أصحاب الكتب الستة، ورواه أحمد (٥/ ٣٤٨) ضمن حديث طويل نقله المصنف في صدر تفسير سورة البقرة وعزاه إلى ابن ماجة.\n١٠ - قوله (سورة الأعراف / آية ٩٥): ثبت في الصحيحين: \"عجبًا للمؤمن لا يقضي الله له قضاء إلا كان خيرًا له، إن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له، وإن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له\".\nكذا عزاه للصحيحين وهو وهم، استدركه هو نفسه عند (آية رقم ٥) من سورة إبراهيم، وعزاه للصحيح فقط، وهو في صحيح مسلم (٢٤) (٢٩٩٩) من حديث صهيب، وقد عزاه الحافظ ابن حجر في \"الفتح\" (١٠/ ١٠٩) إلى مسلم فحسب، وانظر (سورة يونس / آية ١٢).\n١٠ - ذكر حديثًا (سورة الأعراف / آية ١٥٨) بإسناد الإمام أحمد: ثنا محمد بن جعفر، ثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن أبي موسى الأشعري ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: (من سمع بي من أمتي أو يهودي أو نصراني فلم يؤمن بي لم يدخل الجنة\".\nوقال في (سورة هود / آية): \"وفي صحيح مسلم من حديث شعبة عن أبي بشر … \" فذكره.\nكذا عزاه من هذا الوجه إلى صحيح مسلم!! مع أنه أورده في \"جامع المسانيد والسنن\" (٥/ ٢٨٤ / مخطوط) ومن قبله شيخه المزي في \"تحفة الأشراف\" (٦/ ٨٩٩٥) ولم ينسباه إلا إلى النسائي، وقد أخرجه النسائي في التفسير من \"السنن الكبرى\" (٦/ ١١٢٤١) ولذلك اورده الهيثمي في \"المجمع\" (٨/ ٢٦٤). وقد روى مسلم في صحيحه (٢٤٠) (١٥٣) من طريق عمرو بن الحارث أن أبا يونس حدثه، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ أنه قال: … فذكر حديثًا بنحو السابق.\n١٢ - وأورد في (سورة هود / آية ٧) حديث عمران بن حصين مرفوعًا: \"اقبلوا البشرى يا بني تميم … \" وقال: وهذا الحديث مخرج في صحيحي البخاري ومسلم بألفاظ كثيرة.","vol":"المقدمة","page":58},{"text":"والحديث أورده المزي في \"تحفة الأشراف\" (٦/ ١٠٨٢٩) والحافظ ابن حجر في \"النكت الظراف\" ولم ينسباه إلا إلى البخاري والترمذي والنسائي دون مسلم، بل إن المصنف نفسه ذكره في \"البداية والنهاية\" (١/ ١٧)، (٥/ ٨٢) وعزاه للمذكورين دون مسلم.\n١٣ - قوله (سورة هود / آية ١١٤): \"وفي الصحيح عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ أنه قال: \"أرأيتم لو أن نهرًا غمرًا … \".\nوالحديث متفق عليه دون لفظة: \"نهرًا غمرًا\" فلم يخرجها إلا مسلم (٢٨٤) (٦٦٨) من حديث جابر بن عبد الله، ورواها أحمد (٢/ ٤٢٦) من حديث أبي هريرة.\nولم يقتصر الخطأ في العزو عند ابن كثير على الصحيحين بل قد تعدى إلى غيرهما، فمن ذلك:\nأ - أنه ذكر حديثًا (سورة النساء / آية ٣١) رواه الحاكم بإسناده إلى معاذ بن هانئ، ثنا حرب بن شداد، ثنا يحيى بن أبي كثير، عن عبد الحميد بن سنان، عن عبيد بن عمير، عن أبيه -يعني: عمير بن قتادة ﵁ أنه حدثه وكانت له صحبة: أن رسول الله ﷺ قال في حجة الوداع: \"ألا إن أولياء الله المصلون … \" فذكر حديثًا طويلًا.\nقال ابن كثير: \"هكذا رواه الحاكم مطولًا، وقد أخرجه أبو داود والترمذي مختصرًا من حديث معاذ بن هانئ به\".\nكذا قال!! والذي رواه مع أبي داود هو النسائي، ولم يروه الترمذي، والمصنف نفسه ذكره في \"جامع المسانيد والسنن\" (١٠/ ١١٤) ومن قبله شيخه أبو الحجاج المزي في \"تحفة الأشراف\" (٨/ ١٠٨٩٥) والسيوطي في \"الدر المنثور\" (٢/ ٢٦٢) معزوًا إلى أبي داود والنسائي.\nب - وذكر (سورة النساء / آية ٤٣) ما رواه ابن أبي حاتم بإسناده إلى شعبة أخبرني سماك بن حرب قال: سمعت مصعب بن سعد يحدث عن سعد قال: نزلت في أربع آيات … الحديث.\nقال ابن كثير: \"والحديث بطوله عند مسلم من رواية شعبة، ورواه أهل السنن إلا ابن ماجة من طرق عن سماك به\".\nكذا عزاه لأهل السنن -إلا ابن ماجة- من طريق سماك، والذي رواه من هذه","vol":"المقدمة","page":59},{"text":"الطريق هو الترمذي (٣١٨٩) فحسب، ورواه أبو داود (٢٧٤٠) والنسائي في \"الكبرى\" (٦/ ١١١٩٦) وكذا الترمذي (٣٠٧٩) من طرق عن أبي بكر بن عياش، عن عاصم بن أبي النجود، عن مصعب بن سعد به مختصرًا، وقد استدرك المصنف نفسه هذا الخطأ عند فاتحة سورة الأنفال، وانظر أيضًا \"تحفة الأشراف\" (٣/ ٣٩٣٠).\nجـ- ومنه قوله (سورة النساء / آية ٤٣): \" … ويستشهد لهذا القول بالحديث الذي رواه أحمد وأهل السنن من حديث أبي قلابة، عن عمرو بن بجدان، عن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ: \"الصعيد طهور المسلم … \".\nكذا عزاه هنا لأهل السنن ولم يخرجه من بينهم ابن ماجة، وقد استدرك هو نفسه ذلك بعد عدد من الصفحات (رقم ٤٩٥) فقال: \"رواه الإمام أحمد وأهل السنن إلا ابن ماجة\".\nد- ومنه قوله (سورة الأنعام / آية ١٢١): \"واحتج لهذا الذهب -وهو: إن ترك البسملة على الذبيحة نسيانًا لم يضر، وإن تركها عمدًا لم تحل- بالحديث المروي من طرق عند ابن ماجة عن ابن عباس وأبي هريرة وأبي ذر وعقبة بن عامر وعبد الله ابن عمر عن النبي ﷺ: \"إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه\".\nوابن ماجة لم يرو حديث عقبة بن عامر وحديث عبد الله بن عمر. انظر تخريجهما في الموضع المذكور.\nهـ- وذكر (سورة الأعراف / آية ٢٠٢) ما رواه أبو بكر بن مردويه بإسناده إلى محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁ قال: جاءت امرأة إلى النبي ﷺ وبها طيف، فقالت: يا رسول الله، ادع الله أن يشفيني، فقال: \"إن شئت دعوت الله فشفاك. . \" الحديث.\nقال ابن كثير: \"رواه غير واحد من أهل السنن وعندهم … \".\nوالذي رواه من أهل السنن هو النسائي فحسب، فرواه في السنن الكبرى (٤/ ٧٤٩٠) من حديث ابن عباس، وكذا أخرج حديث ابن عباس البخاري (٥٦٥٢) ومسلم (٥٤) (٢٥٧٦).\nو- ومنه قوله (سورة هود / آية ١٧): \"وفي المسند والسنن: \"كل مولود يولد على هذه الملة، حتى يُعرب عنه لسانه! وهذا لم يعزه المزي في التحفة (١/ ٧٠) إلا إلى النسائي في السير (٥/ ٨٦١٦) من الكبرى بلفظ آخر من حديث","vol":"المقدمة","page":60},{"text":"الأسود بن سريع.\nثانيًا: الخطأ في تسمية الصحابي الذي روى الحديث، أو نسبة الحديث إلى الصحابي ولم يكن له في الباب شيء.\nفمن الأول:\nقوله في (سورة يوسف / آية ٥، ٤١): \"وفي الحديث الذي رواه الإمام أحمد وبعض أهل السنن من رواية معاوية بن حَيدَة القشيري أنه قال: قال رسول الله ﷺ: \"الرؤيا على رجل طائر ما لم تعبر، فإذا عبرت وقعت\".\nكذا جعله من مسند معاوية بن حيدة وقد رواه أحمد (٤/ ١٠، ١٢، ١٣) وعنه أبو داود (٥٠٢٥) والترمذي (٢٢٧٩، ٢٢٨٠) وابن ماجة (٣٩١٤) وغيرهم من حديث أبي رزين العقيلي. وذكره المصنف نفسه في كتابه \"جامع المسانيد\" (٣ / ورقة - ١٧) في مسند أبي رزين ولم يذكره في مسند معاوية بن حيدة.\nومن الثاني:\nقوله (سورة النساء / آية ٥٨): \"وفي حديث الحسن عن سمرة أن رسول الله ﷺ قال: \"أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك\".\nولم أجد لسمرة رواية في هذا الباب، وإنما أخرجه ابن جرير (٨/ ٩٨٥٠) بإسناد صحيح عن الحسن مرسلًا، ويحتمل أن المصنف أو الناسخ زاد: \"سمرة\" سهوًا لشهرة الخلاف الواقع في رواية الحسن عن سمرة، وفي الباب عن غير واحد من الصحابة. انظر حاشية الموضع المذكور.\nثالثًا: الخطأ الواقع في الأسانيد فمن ذلك:\n١ - ما ذكره (سورة النساء / آية ٤٣) عن ابن جرير في تفسيره (٨/ ٩٥٨١) حدثني حميد بن مسعدة، حدثنا يزيد بن زريع، ثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير قال: ذكروا اللمس فقال ناس من الموالي: ليس بالجماع … \" فذكر الخبر، ثم قال الحافظ ابن كثير: \"ثم رواه عن ابن بشار، عن غندر، عن شعبة به نحوه … \".\nوالذي في تفسير ابن جرير من هذه الطريق أن شعبة رواه عن: \"أبي قيس، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس به\".\n٢ - ومنه ما نقله (سورة الأنعام / آية ٥٩) عن ابن أبي حاتم بإسناده إلى مالك بن","vol":"المقدمة","page":61},{"text":"سعير، ثنا الأعمش، عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد الله بن الحارث قال: ما في الأرض من شجرة ولا مغرز إبرة إلا عليها ملك موكل يأتي الله بعلمها … \".\nقال ابن كثير: \"وكذا رواه ابن جرير (١١/ ١٣٣٠٨): \"زياد بن يحيى الحساني أبو الخطاب\" وفي الحاشية للشيخ شاكر قال: جاء في المخطوطة وتفسير ابن كثير: \"زياد بن عبد الله الحساني أبو الخطاب\" وهو خطأ لا شك فيه؛ فإن الذي يروي عن مالك بن سعير، هو زياد بن يحيى الحساني أبو الخطاب فضلًا عن أنه ليس في الرواة من يسمى: زياد بن عبد الله الحساني أبو الخطاب.\n٣ - ومنه أنه ذكر (سورة الأنعام / آية ٦٥) حديثًا من رواية الإمام أحمد بإسناده إلى معاذ بن جبل قال: أتيت رسول الله ﷺ أطلبه. وفيه أن رسول الله ﷺ قال: \"إني صليت صلاة رغبة ورهبة … \".\nقال ابن كثير: \"ورواه ابن مردوية من حديث أبي عوانة، عن عبد الله بن عمير عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن معاذ بن جبل … \".\nفقوله: \"عن عبد الله بن عمير\" خطأ وصوابه: \"عبد الملك بن عمير\" إذ ليس في الرواة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى من اسمه هكذا. وقد جاء الإسناد على الصواب في المسند (٥/ ٢٤٧، ٢٤٣).\n٤ - ومنه ما نقله (سورة الأنعام / آية ١١٢) عن ابن جرير في تفسيره (١٢/ ١٣٧٦٩) ثنا المثنى، ثنا أبو صالح، حدثني معاوية بن صالع، عن أبي عبد الله محمد بن أيوب وغيره من المشيخة، عن بن عائذ، عن أبي ذر قال: أتيت رسول الله ﷺ في مجلس قد أطال فيه الجلوس … الحديث.\nكذا كنى هنا \"محمد بن أيوب\" بـ\" أبي عبد الله\" وكذا هو في تفسير ابن جرير، قال الشيخ الأديب محمود شاكر في حاشيته على تفسير ابن جرير (١٢/ ٥٤): \"أبو عبد الله محمد بن أيوب كأنه خطأ من الناسخ، وصوابه أبو عبد الملك محمد بن أيوب قال البخاري في \"التاريخ الكبير\" (١/ ٢٩ / ١، ٣٠): \"محمد بن أيوب أبو عبد الملك الأزدي، عن ابن عائذ، عن أبي ذر. . وترجمه ابن أبي حاتم (٣/ ٢ / ١٩٦، ١٩٧) فذكر مثله.\nقلت: وجاء على الصواب في رواية ابن عساكر في \"تاريخ دمشق\" (٨/ ١٦٧ / مخطوط).\n٥ - ومنه أنه ذكر (سورة الأعراف / آية ٧٠) حديثًا من رواية الإمام أحمد، ثنا زيد بن الحباب، حدثني أبو المنذر سلَّام بن سليمان النحوي، ثنا عاصم بن أبي","vol":"المقدمة","page":62},{"text":"النجود، عن أبي وائل، عن الحارث البكري قال: خرجت أشكو العلاء بن الحضرمي إلى رسول الله ﷺ … فذكر حديثًا طويلًا.\nقال الحافظ ابن كثير: \"ورواه الترمذي، عن عبد بن حميد، عن زيد بن الحباب به نحوه، ورواه النسائي من حديث سلَّام أبي المنذر، عن عاصم - وهو ابن بهدلة - ومن طريقه رواه ابن ماجة أيضًا عن أبي وائل، عن الحارث بن حسان البكري به\" ا هـ.\nورواية ابن ماجة ليس فيها أبو وائل، وانظر \"تحفة الأشراف\" (٣ / رقم ٣٢٧٧).\n٦ - ومنه ما نقله (سورة الأعراف / آية ١٤٣) عن ابن جرير في تفسيره (١٣/ ١٥٠٨٧) حدثني المثنى، ثنا الحجاج بن منهال، حدثنا حماد، عن ليث، عن أنس: أن النبي ﷺ قرأ هذه الآية: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ قال هكذا بأصبعه ووضع النبي ﷺ أصبعه الإبهام على المفصل الأعلى من الخنصر فساخ الجبل.\nكذا نقل المصنف عن ابن جرير هذا الإسناد، والذي في تفسير ابن جرير: \" … ثنا حماد، عن ثابت، عن أنس\" ونقل الأديب محمود شاكر في الحاشية هذا الإسناد عن هذا الموضع ثم قال: \"وليس ذلك كما نقل، فإن الثابت في المخطوطة والمطبوعة: حماد، عن ثابت، عن أنس\" ليس فيها \"ليث\" فلا أدري كيف وقع هذا للحافظ ابن كثير ولا من أين\".\nثالثًا: التقصير في العزو:\nفمن ذلك:\n* ما ذكره (سورة آل عمران / آية ١٨٠) من حديث بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﷺ قال: \"لا يأتي الرجل مولاه فيسأله من فضل ما له عنده فيمنعه إلا دعي له يوم القيامة شجاعًا، يتلمظ فضله الذي منع\" واقتصر على عزوه لابن جرير وابن مردويه، مع أن الحديث رواه أحمد (٥/ ٢، ٣، ٥) وأبو داود (٥١٣٩) والنسائي (٥/ ٨٢) وغيرهم ممن هم أولى أن يعزى إليهم الحديث.\nرابعًا: السهو في نقل بعض كلام الأئمة:\nفمن ذلك:\n١ - ما ذكره (سورة الأنعام / آية ١٠٣) أن الحاكم وغيره قد رووا من طريق الحكم بن أبان قال: سمعت عكرمة يقول: سمعت ابن عباس يقول: رأى محمد ربه ﵎.","vol":"المقدمة","page":63},{"text":"ثم نقل ابن كثير عن الحاكم قوله: \"صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه\".\nوالذي في جميع نسخ الحاكم أنه قال عقبه: \"صحيح الإسناد ولم يخرجاه\" وهذا أشبه منه، وإن كان فيه تساهل بيِّن؛ حيث رواه الحاكم من طريق إبراهيم بن الحكم بن أبان، حدثني أبي به. وإبراهيم هذا ضعفه الجمهور، ولذا تعقب الحاكمَ الذهبي في حكمه السابق، فقال: بل إبراهيم متروك\". قلت: ولم يخرج الشيخان له ولا لأبيه شيئًا.\n٢ - ومن ذلك أنه ذكر (سورة الأعراف / آية ٨) حديث البطاقة المشهور ثم قال عقبه: \"رواه الترمذي وصححه\".\nوالثابت عند الترمذي في جامعه (٢٦٣٩) أنه قال: \"حسن غريب\" وكذا هو في \"تحفة الأشراف\" (٦/ ٢٥٠٣) وهو ما نقله المصنف نفسه في تفسيره (سورة الأنبياء / آية ٤٧).","vol":"المقدمة","page":64},{"text":"<span data-type='title' id=toc-33>نماذج من صور النسخ الخطية</span>","vol":"المقدمة","page":65},{"text":"اللوحة الأولى من الجزء الأول من النسخة الأزهرية","vol":"المقدمة","page":67},{"text":"اللوحة الثانية من الجزء الأول من النسخة الأزهرية","vol":"المقدمة","page":68},{"text":"اللوحة الأخيرة من الجزء الأول من النسخة الأزهرية","vol":"المقدمة","page":69},{"text":"اللوحة الأخيرة من الجزء الثاني من النسخة الأزهرية","vol":"المقدمة","page":70},{"text":"اللوحة الأولى من الجزء الثالث من النسخة الأزهرية","vol":"المقدمة","page":71},{"text":"اللوحة الأخيرة من الجزء الثالث من النسخة الأزهرية","vol":"المقدمة","page":72},{"text":"اللوحة الأولى من الجزء الرابع من النسخة الأزهرية","vol":"المقدمة","page":73},{"text":"اللوحة الأخيرة من الجزء الرابع من النسخة الأزهرية","vol":"المقدمة","page":74},{"text":"اللوحة الأولى من الجزء الخامس من النسخة الأزهرية","vol":"المقدمة","page":75},{"text":"اللوحة الأخيرة من الجزء الخامس من النسخة الأزهرية","vol":"المقدمة","page":76},{"text":"اللوحة الأولى من الجزء السادس من النسخة الأزهرية","vol":"المقدمة","page":77},{"text":"اللوحة الأخيرة من الجزء السادس من النسخة الأزهرية","vol":"المقدمة","page":78},{"text":"اللوحة الأولى من الجزء السابع من النسخة الأزهرية","vol":"المقدمة","page":79},{"text":"اللوحة الأولى من الجزء الأول من نسخة دار الكتب المصرية","vol":"المقدمة","page":80},{"text":"اللوحة الأخيرة من الجزء الأول من نسخة دار الكتب المصرية","vol":"المقدمة","page":81},{"text":"اللوحة الأولى من الجزء الثاني من نسخة دار الكتب المصرية","vol":"المقدمة","page":82},{"text":"اللوحة الأخيرة من الجزء الثاني من نسخة دار الكتب المصرية","vol":"المقدمة","page":83},{"text":"اللوحة الأولى من الجزء الثالث من نسخة دار الكتب المصرية","vol":"المقدمة","page":84},{"text":"اللوحة الأولى من الجزء الرابع من نسخة دار الكتب المصرية","vol":"المقدمة","page":85},{"text":"اللوحة الأولى من الجزء الخامس من نسخة دار الكتب المصرية","vol":"المقدمة","page":86},{"text":"اللوحة الأخيرة من الجزء الخامس من نسخة دار الكتب المصرية","vol":"المقدمة","page":87},{"text":"اللوحة الأولى من الجزء السادس من نسخة دار الكتب المصرية","vol":"المقدمة","page":88},{"text":"اللوحة الأخيرة من الجزء السادس من نسخة دار الكتب المصرية","vol":"المقدمة","page":89},{"text":"اللوحة الأولى من الجزء السابع من نسخة دار الكتب المصرية","vol":"المقدمة","page":90},{"text":"اللوحة الأخيرة من الجزء السابع من نسخة دار الكتب المصرية","vol":"المقدمة","page":91},{"text":"﷽\nقال الشيخ الإمام [العالم] [¬١] الأوحد، البارع الحافظ المتقن، عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن الخطيب أبي حفص عمر بن كثير، الشافعي، رحمه الله تعالى ورضي عنه:\nالحمد لله الذي افتتح كتابه بالحمد فقال ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ\nيَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ وقال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١) قَيِّمًا\nلِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا (٢) مَاكِثِينَ\nفِيهِ أَبَدًا (٣) وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا (٤) مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ\nمِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إلا كَذِبًا﴾.\nوافتتح خلقه بالحمد فقال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ واختتمه بالحمد فقال بعد [ما] [¬٢]، ذكر مآل أهل الجنة وأهل النار: ﴿وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَينَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ﴾. ولهذا قال تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إلا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيهِ تُرْجَعُونَ﴾.\nكما قال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾. فله الحمد في الأولى والآخرة، أي: في جميع ما خلق وما هو خالق، هو المحمود في ذلك كله، كما يقول المصلى: \"اللهم ربنا؛ لك الحمد، ملء السموات وملء الأرض، وملء ما شت من شيء بعد\" (^١) ولهذا يلهم أهل الجنة تسبيحه وتحميده كما يُلهمون\n_________\n(^١) - صحيح وَرَدَ من حديث عبد الله بن أبي أوفى، ومن حديث أبي سعيد، ومن حديث ابن عباس، ومن حديث علي بن أبي طالب، ومن حديث البراء، ومن حديث أبي جحيفة ﵃ أجمعين.\nأما حديث عبد الله بن أبي أوفى: فرواه مسلم في الصلاة برقم (٤٧٦)، ورواه أبو داود في الصلاة، باب: ما يقول إذا رفع رأسه من الركوع برقم (٨٤٦)، وهو عند ابن ماجه في إقامة الصلاة، باب: ما يقول إذا رفع رأسه من الركوع برقم (٨٧٨).\nوأما حديث أبي سعيد فرواه مسلم برقم (٤٧٧)، وأبو داود في الصلاة، باب: ما يقول إذا رفع رأسه من الركوع برقم (٨٤٧)، والنسائي في التطبيق، باب: ما يقول في قيامه ذلك برقم (١٠٦٨)، ورواه أحمد، ورواه الدارمي برقم (١٣١٣).\nوأما حديث ابن عباس فرواه مسلم برقم (٤٧٨)، والنسائي وقم (١٠٦٦، ١٠٦٧)، ورواه أحمد برقم ٢٤٣٦، ٢٤٨٥، ٢٤٩٤، ٢٥٠١، ٣٠٧٣، ٣٤٨٨. =\n_________\n[¬١]- زيادة من ز.\n[¬٢]- سقط من ز.","vol":"1","page":3},{"text":"النفس (^٢)، أي: يسبحونه ويحمدونه عدد أنفاسهم، لما يرون من عظيم نعمه عليهم، وكمال قدرته، وعظيم سلطانه، وتوالي مننه، [ودوام إحسانه إليهم] [¬١]، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٩) دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ﴾.\nوالحمد لله الذي أرسل [¬٢] رسله ﴿مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾. وختمهم بالنبي الأمي العربي المكي الهادي لأوضح السبل، أرسله إلى جميع خلقه من الإنس والجن من لدن بعثته إلى قيام الساعة، كما قال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ [لَا إِلَهَ إلا هُوَ] [¬٣] يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾. وقال تعالى: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾.\nفمن بلغه هذا القرآن من عرب وعجم، وأسود وأحمر، وإنس وجان فهو نذير له؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾. فمن كفر بالقرآن ممن ذكرنا فالنار موعده بنصِّ الله تعالى، وكما قال تعالى: ﴿فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيثُ لَا يَعْلَمُونَ (٤٤) وَأُمْلِي لَهُمْ﴾. وقال رسول الله ﷺ: (بعثت إلى الأحمر والأسود\" (^٣).\n_________\n= وأما حديث علي بن أبي طالب فرواه مسلم برقم (٧٧١)، وأبو داود في الصلاة، باب: ما يستفتح به الصلاة من الدعاء برقم (٧٦٠)، والترمذي في الصلاة، باب: ما يقول الرجل إذا رفع رأسه من الركوع، وفي الدعوات برقم (٣٤٢١، ٣٤٢٢)، وهو عند أحمد برقم (٧٣١، ٨٠٥)، ورواه الدارمي برقم (١٣١٤).\nوأما حديث البراء فرواه مسلم في الصلاة برقم (٤٧١).\nوأما حديث أبي جحيفة فرواه ابن ماجه في إقامة الصلاة، باب: ما يقول إذا رفع رأسه من الركوع برقم (٨٧٩).\n(^٢) - رواه مسلم في كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها -من صحيحه- برقم (٢٨٣٥) من حديث الأعمش عن أبي سفيان عن جابر.\n(^٣) - رواه مسلم من حديث جابر في المساجد -من صحيحه- برقم (٥٢١)، وكذا رواه أحمد برقم (١٤٣٠٥). ورواه أحمد من حديث ابن عباس برقم ٢٢٥٦، ٢٧٤٢ - (١/ ٢٥٠، ٣٠١)، ورواه أحمد من حديث أبي موسى برقم ١٩٧٨٩ - (٦/ ٤١٤)، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ٢٦١) =\n_________\n[¬١]- في ز: إحسانه.\n[¬٢]- في خ: أنزل.\n[¬٣]- سقط من: خ.","vol":"1","page":4},{"text":"قال مجاهد (^٤): [يعني] [¬١] الإنس والجن. فهو صلوات الله وسلامه عليه رسول الله إلى جميع الثقلين: الإنس والجن، مبلغًا لهم عن الله تعالى ما أوحاه إليه من هذا الكتاب العزيز الذي ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَينِ يَدَيهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾، وقد أعلمهم فيه عن الله تعالى أنه ندبهم [فيه] [¬٢] إلى تفهمه، فقال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾. وقال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾. وقال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾.\nفالواجب على العلماء الكشف عن معاني كلام اللَّه، وتفسير ذلك، وطلبه من مظانه، وتعلم ذلك وتعليمه، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ [¬٣] لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ [¬٤] فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾. وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ فذم الله تعالى أهل الكتاب قبلنا بإعراضهم عن كتاب الله [إليهم] [¬٥]، وإقبالهم على الدنيا وجمعها، واشتغالهم بغير ما أمروا به من اتباع كتاب الله.\nفعلينا أيها المسلمون أن ننتهي عما ذمهم الله تعالى به، وأن نأتمر بما أُمرنا به من تعلم كتاب اللَّه المنزل إلينا وتعليمه، وتفهمه وتفهيمه، قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَال عَلَيهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُون (١٦) اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْييِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾. ففي ذكره تعالى لهذه الآية بعد التي قبلها- تنبيهٌ على أنه تعالى كما يحيي الأرض بعد موتها كذلك يلين القلوب بالإيمان [والهدى] [¬٦] بعد قسوتها من الذنوب والمعاصي، والله المؤمل المسئول أن يفعل بنا ذلك [¬٧] إنه جواد كريم.\n_________\n= وقال: رواه أحمد متصلًا ومرسلًا والطبراني ورجاله رجال الصحيح. ورواه أحمد من حديث أبي ذر برقم ٢١٣٧٩ - (٥/ ١٤٥) وأطرافه (٢١٣٩٤، ٢١٥١٥). وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ٢٥٩) وقال: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح.\n(^٤) - أورده أحمد من طريق الأعمش عنه عقب الحديث ٢١٣٧٩ - (٥/ ١٤٥).\n_________\n[¬١]- سقط من ز.\n[¬٢]- زيادة من ز.\n[¬٣]- في ز، خ: ليبيننه.\n[¬٤]- في ز، خ: يكتمونه.\n[¬٥]- في ت: المنزل عليهم.\n[¬٦]- سقط من ز.\n[¬٧]- في ت: هذا.","vol":"1","page":5},{"text":"فإن قال قائل: فما أحسن طرق التفسير؟ فالجواب: إن أصح الطرق في ذلك أن يفسر القرآن بالقرآن، فما أجمل في مكان، فإنه قد فُسر في موضع آخر، فإن أعياك ذلك فعليك بالسنة؛ فإنها شارحةٌ للقرآن وموضحة له، بل قد قال الإمام أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي رحمه الله تعالى: كل ما حكم به رسول الله، ﷺ، فهو مما فهمه من القرآن.\nقال الله تعالى: ﴿إنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَينَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾. وقال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيكَ الذِّكْرَ [¬١] لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيكَ الْكِتَابَ إلا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾.\nولهذا قال رسول الله، ﷺ: \"ألا إني أوتيت القرآن وحله معه\". (^٥) يعني السنة. والسنة أيضًا تنزل عليه بالوحي كما ينزل القرآن، إلا أنها لا تتلى كما يتلى القرآن. وقد استدل الإمام الشافعي -رحمه الله تعالى- وغيره من الأئمة على ذلك بأدلة كثيرة ليس هذا موضع ذلك.\nوالغرض أنك تطلب تفسير القرآن منه، فإن لم تجده فمن السنة، كما قال رسول الله صلى اللَّه عليه وسدم لمعاذ حين بعثه إلى اليمن: \"بم تحكم؟ \". قال: بكتاب الله. قال: \"فإن لم تجد؟ \". قال: بسنة رسول الله. قال: \"فإن لم تجد [¬٢]؟ \". قال: أجتهد برأي. قال: فضرب رسول الله ﷺ في صدره وقال: (الحمد لله الذي وفق [رسول] [¬٣] رسول الله لما يوضي رسوله الله\" (^٦).\n_________\n(^٥) - رواه أبو داود في كتاب السنة، باب: في لزوم السنة (٤/ ٢٠٠) حديث (٤٦٠٤)، من ظريق عبد الوهاب بن نجدة، ثنا أبو عمرو بن كثير بن دينار، عن حريز بن عثمان، عن عبد الرحمن بن أبي عوف، عن المقدام بن معدي كرب، به. ورواه أحمد حديث ١٧٢٢٣ - (٤/ ١٣٠) من حديث يزيد بن هارون، عن حريز، به، ورواه الخطيب في الفقيه والمتفقه (١/ ٨٩).\n(^٦) - رواه أبو داود في الأقضية، باب: اجتهاد الرأي في القضاء برقم (٣٥٩٢)، والترمذي في الأحكام، باب: ما جاء في القاضي كيف يقضي برقم (١٣٢٧)، ورواه أحمد ٢٢١٠٥، ٢٢١٩٩ (٥/ ٢٤٢، ٢٣٠)، ورواه الدارمي في المقدمة برقم (١٧٠)، والدارقطني، جميعهم من طريق أبي عون محمد بن عبيد الله الثقفي -ثقة- عن عمرو بن الحارث -مجهول- عن رجال من أصحاب معاذ، به. وقال الترمذي: هذا الحديث لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وليس إسناده عندي بمتصل. =\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"القرآن\".\n[¬٢]- في ز: تجده.\n[¬٣]- سقط من: خ.","vol":"1","page":6},{"text":"وهذا الحديث في المسانيد [¬١] والسنن بإسناد جيد كما هو مقرر في موضعه. وحينئذ إذا لم نجد التفسير في القرآن ولا في السنة رجعنا في ذلك إلى أقوال الصحابة؛ فإنهم أدرى بذلك لما شاهدوا [¬٢] من القرائن والأحوال التي اختصوا بها، ولما لهم من الفهم التام، والعلم الصحيح، والعمل الصالح، لا سيما [علماؤهم وكبراؤهم] [¬٣] كالأئمة الأربعة الخلفاء الراشدين، والائمة المهتدين [¬٤] المهديين، وعبد الله بن مسعود، ﵁.\n_________\n= وهذا الحديث أورده الجوزقاني في الموضوعات وقال: هذا حديث باطل، رواه جماعة عن شعبة، وقد تصفحت عن هذا الحديث في المسانيد الكبار والصغار وسألت من لقيته من أهل العلم بالنقل عنه فلم أجد له طريقا غير هذا. والحارث بن عمرو هذا مجهول، وأصحاب معاذ من أهل حمص لا يعرفون، ومثل هذا الإسناد لا يعتمد عليه في أصل من أصول الشريعة. فإن قيل: إن الفقهاء قاطبة أوردوه في كتبهم واعتمدوا عليه. قيل: هذا طريقه والخلف قلد فيه السلف، فإن أظهروا طريقًا غير هذا مما يثبت عند أهل النقل رجحنا إلى قولهم وهذا مما لا يمكنهم البتة انتهى. وقال الحافظ جمال الدين المزي: الحارث بن عمرو لا يعرف إلا بهذا الحديث. قال البخاري: لا يصح حديثه ولا يعرف. وقال الذهبي في الميزان: تفرد به أبو عون محمد بن عبد الله الثقفي عن الحارث، وما روى عن الحارث غير أبي عون فهو مجهول.\nلكن الحديث له شواهد موقوفة عن عمر بن الخطاب وابن مسعود وزيد بن ثابت وابن عباس وقد أخرجها البيهقي في سننه عقب تخريجه لهذا الحديث تقوية له كذا في مرقاة الصمود.\nوقال البخاري في التاريخ الكبير: الحارث بن عمرو ابن أخي المغيرة بن شعبة الثقفي، عن أصحاب معاذ عن معاذ روى عنه أبو عون ولا يصح ولا يعرف إلا بهذا مرسل.\nوقال الحافظ ابن القيم في أعلام الموقعين عن رب العالمين: وقد أقر النبي ﷺ معاذا على اجتهاد رأيه فيما لم يجد فيه نصًّا عن الله ورسوله، فقال شعبة: حدثني أبو عون، عن الحارث بن عمرو، عن أناس من أصحاب معاذ: أن رسول الله ﷺ لما بعثه إلى اليمن قال: \"كيف كصنع إن عرض لك قضاء؟ \" قال: أقضي بما في كتاب الله، قال: \"وإن لم يكن في كتاب الله؟ \" قال: فبسنة رسول الله، ﵌. قال: \"فإن لم يكن في سنة رسول الله ﵌؟ \" قال: أجتهد رأيي لا آلو. قال: فضرب رسول الله، ﵌، صدري ثم قال: \"الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله ﵌\". فهذا حديث وإن كان عن غير مسمين فهم أصحاب معاذ فلا يضره ذلك لأنه يدل على شهرة الحديث، وأن الذي حدث به الحارث بن عمرو، عن جماعة من أصحاب معاذ لا واحد منهم. وهذا أبلغ في الشهرة من أن يكون عن واحد منهم ولو سمي، كيف وشهرة أصحاب معاذ بالعلم والدين والفضل والصدق بالمحل الذي لا يخفى ولا يعرف في أصحابه متهم ولا كذاب ولا مجروح بل أصحابه من أفاضل المسلمين وخيارهم لا يشك أهل العلم بالنقل في ذلك، كيف وشعبة حامل لواء هذا الحديث، =\n_________\n[¬١]- في ز، خ: المساند.\n[¬٢]- في ز: شاهدوه.\n[¬٣]- في خ: [علماءهم وكبراءهم].\n[¬٤]- سقط من ز.","vol":"1","page":7},{"text":"قال الإمام أبو جعفر محمد بن جرير الطبري (^٧): حدثنا أبو كريب، حدَّثنا جابر بن نوح، حدثنا الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق؛ قال: قال عبد الله -يعني ابن مسعود-: والذي لا إله غيره، ما نزلت آية من كتاب الله إلا وأنا أعلم فيمن نزلت، وأين نزلت، ولو أعلم مكان أحد أعلم بكتاب الله مني تناله المطايا لأتيته.\nوقال الأعمش (^٨) أيضًا عن أبي وائل، عن ابن مسعود، قال: كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات لم يجاوزهن حتى يعرف معانيهن والعمل بهن.\nوقال أبو عبد الرحمن السلمي (^٩): حدَّثنا الذين كانوا يقرئوننا أنهم كانوا يستقرئون من النبي ﷺ، فكانوا [¬١] إذا تعلموا عشر آيات لم يخلفوها حتى يعملوا [¬٢] بما فيها من العمل؛ فتعلمنا القرآن والعمل جميعًا.\nومنهم الحبر البحر عبد الله بن عباس ابن عم رسول الله ﷺ، وترجمان القرآن، ببركة [¬٣] دعاء رسول الله ﷺ له حيث قال: \"اللهم؛ فقهه في الدين،\n_________\n= وقد قال بعض أئمة الحديث: إذا رأيت شعبة في إسناد حديث فاشدد يديك به.\nقال أبو بكر الخطيب: وقد قيل: إن عبادة بن نسي رواه عن عبد الرحمن بن غنم عن معاذ، وهذا إسناد متصل ورجاله معروفون بالثقة على أن أهل العلم قد نقلوه واحتجوا به فوقفنا بذلك على صحته عندهم، كما وقفنا على صحة قول رسول الله ﵌ \"لا وصيه لوارث\" وقوله في البحر: \" هو الطهور ماؤه والحل ميتته\" وقوله: \"إذا اختلف المتبايعان في الثمن والسلعة قائمة تحالفا وترادا البيع\" وقوله: \"الدية على العاقلة\" وإن كانت هذه الأحاديث لا تثبت من جهة الإسناد ولكن لما نقلها الكافة عن الكافة غنوا بصحتها عندهم عن طلب الإسناد لها، فكذلك حديث معاذ لما احتجوا به جميعا غنوا عن طلب الإسناد له، انتهى كلامه.\n(^٧) - صحيح رواه الطبري ٨٣ - (١/ ٨٠). وجابر بن نوح: قال ابن معين: ليس بشيء. وقال أبو داود: ما أنكر حديثه. وقال ابن حبان: لا يحتج به. وقال النسائي: ليس بالقوي. إلا أنه توبع، تابعه حفص بن غياث بن طلق عند البخاري فقد رواه في فضائل القرآن -من صحيحه- برقم (٥٠٠٢) ولفظه عنده: \" … تبلغه الإبل لركبت إليه\".\n(^٨) - صحيح رواه الطبري بإسناده إلى الأعمش حديث ٨١ - (١/ ٨٠).\n(^٩) - رواه الطبري- برقم ٨٢ - (١/ ٨٠) من رواية جرير، عن عطاء بن السائب، وعطاء اختلط، وجرير ممن روى عنه بعد الاختلاط -وأبو عبد الرحمن السلمي اسمه عبد الله بن حبيب هو من كبار التابعين.\n_________\n[¬١]- في خ، ر: وكانوا.\n[¬٢]- في ز، خ: \"يعلموا\".\n[¬٣]- في ز، خ: وببركة.","vol":"1","page":8},{"text":"وعلمه التأويل\" (^١٠).\nوقال ابن جرير (^١١): حدثنا محمد بن بشار، حدثنا وكيع، ثنا سفيانُ، عن الأعمش، عن مسلم [¬١]-قال- قال عبد الله -يعني ابن مسعود-: نعم ترجمان القرآن ابن عباس.\nثم رواه (^١٢) عن يحيى بن داود، عن إسحاق الأزرق، عن سفيانَ، عن الأعمش، عن مسلم بن صبيح [] [¬٢] أبي الضحى، عن مسروق، عن ابن مسعود؛ أنه قال: نعم الترجمان للقرآن ابن عباس.\nثم رواه (^١٣) عن بندار، عن جعفر بن عون، عن الأعمش به كذلك.\nفهذا إسناد صحيح إلى ابن مسعود أنه قال عن ابن عباس هذه العبارة.\nوقد مات ابن مسعود ﵁ في سنة اثنتين وثلاثين على الصحيح، وعُمِّرَ بعده عبد الله بن عباس ستًّا وثلاثين سنة، فما ظنك بما كسبه [¬٣] من العلوم بعد ابن مسعود ﵄. وقال الأعمش عن أبي وائل: استخلف عليّ عبد الله بن عباس على الموسم، فخطب الناس، فقرأ في خطبته سورة البقرة، وفي رواية: سورة النور، ففسرها تفسيرًا لو سمعته الروم والترك والديلم لأسلموا [¬٤].\nولهذا غالب ما يرويه إسماعيل بن عبد الرحمن السدي الكبير في تفسيره عن هذين الرجلين عبد الله بن مسعود وابن عباس، ولكن في بعض الأحيان ينقل عنهم ما يحكونه من أقاويل أهل\n_________\n(^١٠) - صحيح رواه أحمد برقم (٢٣٩٣، ٢٨٧٤). وروى البخاري منه: \"اللهم فقهه في الدين\". في كتاب الوضوء، باب: وضع الماء عند الخلاء. وروى مسلم في الفضائل من صحيحه برقم (٢٤٧٧): \"اللَّهم فقهه\". ورواه الترمذي في المناقب برقم (٣٨٢٤) بلفظ: \"اللهم علمه الحكمة\". ورواه ابن ماجه في المقدمة رقم (١٦٦): \"اللهم علمه الحكمة وتأويل القرآن\".\n(^١١) - تفسير ابن جرير ١٠٤ - (١/ ٩٠).\n(^١٢) - تفسير ابن جرير ١٠٥ - (١/ ٩٠).\n(^١٣) - تفسير ابن جرير ١٠٦ - (١/ ٩٠).\n_________\n[¬١]- رسمها في ز، خ: مسلم كذا.\n[¬٢]- في ت، ر: \"عن\". وهي زيادة مقحمة في الإسناد.\n[¬٣]- في ز، خ: \"كتبه\".\n[¬٤]- في ز، خ: \"أسلموا\".","vol":"1","page":9},{"text":"الكتاب التي أباحها رسول الله ﷺ حيث قال: \"بلغوا عني ولو آية، وحدّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب عليّ متعمدًا فليتبوّأ مقعده من النار\" (^١٤). رواه البخاري عن عبد الله [بن عمرو] [¬١]؛ ولهذا كان عبد الله بن عمرو ﵄[قد أصاب يوم اليرموك] [¬٢] زاملتين من كتب أهل الكتاب، فكان يحدث منهما بما فهمه من هذا الحديث من الإذن في ذلك.\nولكن هذه الأحاديث الإسرائيلية تُذكر للاستشهاد لا للاعتضاد، فإنها على ثلاثة أقسام:\n(أحدها) ما علمنا صحته مما بأيدينا مما يشهد [¬٣] له بالصدق، فذاك صحيح.\n(والثاني) ما علمنا كذبه مما عندنا مما يخالفه.\n(والثالث) ما [¬٤] هو مسكوت عنه، لا من هذا القبيل، ولا من هذا القبيل، فلا نؤمن به ولا نكذبه وتجوز حكايته لما تقدم، وغالب ذلك مما لا فائدة فيه تعود إلى أمرٍ ديني.\nولهذا يختلف [¬٥] علماء أهل الكتاب في [مثل] [¬٦] هذا كثيرًا، ويأتي عن المفسرين خلافٌ بسبب ذلك، كما يذكرون في مثل هذا أسماء أصحاب الكهف، ولون كلبهم، وعددهم [¬٧]، وعصا موسى من أي الشجر [¬٨] كانت. وأسماء الطيور التي أحياها الله لإبراهيم، وتعيين البعض الذي ضُرِبَ به القتيل من البقرة، ونوع الشجرة التي كلم الله منها موسى، إلى غير ذلك مما أبهمه الله تعالى في القرآن، مما لا فائدة في تعيينه تعود على المكلفين في دينهم ولا دنياهم.\nولكن نقْل الخلاف عنهم في ذلك جائز، كما قال تعالى: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ * وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيبِ * وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إلا قَلِيلٌ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إلا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ فقد اشتملت هذه الآية الكريمة على الأدب في هذا المقام، وتعليم ما ينبغي في مثل هذا، فإنه تعالى حكى [¬٩] عنهم ثلاثة [¬١٠] أقوال، ضعّف القولين الأولين، وسكت عن الثالث، فدل على صحته،\n_________\n(^١٤) - رواه البخاري في أحاديث الأنبياء، باب: ما ذكر عن بني إسرائيل برقم (٣٤٦١).\n_________\n[¬١]- سقط من ز، خ، وأثبتناها من ر.\n[¬٢]- في خ: \"يوم اليرموك قد أصاب\".\n[¬٣]- في ز: نشهد.\n[¬٤]- في ز: مما.\n[¬٥]- في ز: تختلف.\n[¬٦]- زيادة من ز.\n[¬٧]- في ز وعدتهم.\n[¬٨]- في ز، خ: شجر.\n[¬٩]- في خ: \"أخبر\".\n[¬١٠]- في خ: \"بثلاثة\".","vol":"1","page":10},{"text":"إذ لو كان باطلًا لردّه كما ردّهما [¬١]، ثم أرشد على أنّ الاطلاع على عدتهم لا طائل تحته، فيقال [¬٢] في مثل هذا: ﴿قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ﴾ فإنه ما يعلم ذلك [¬٣] إلا قليل من الناس ممن أطلعه الله عليه؛ فلهذا قال: ﴿فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إلا مِرَاءً ظَاهِرًا﴾ أي: لا تجهد نفسك فيما لا طائل تحته، ولا تسألهم عن ذلك، فإنهم لا يعلمون من ذلك إلا رجم الغيب، فهذا أحسن ما يكون في [¬٤] حكاية الخلاف، أن تستوعب [¬٥] الأقوال في ذلك المقام، وأن تنبه [¬٦] على الصحيح منها، وتبطل [¬٧] الباطل، وتذكر [¬٨] فائدة الخلاف وثمرته؛ لئلا يطول النزاع والخلاف فيما لا فائدة تحته، فتشتغل [¬٩] به عن الأهم [] [¬١٠].\nفأمَّا من حكى خلافًا في مسألة ولم يستوعب أقوال الناس فيها فهو ناقص، إذ قد يكون الصواب في الذي تركه، أو يحكي الخلاف ويطلقه ولا ينبه على الصحيح من الأقوال فهو ناقص أيضًا، فإن صحح غير الصحيح عامدًا فقد تعمد الكذب، أو جاهلًا فقد أخطأ، وكذلك من نصب الخلاف فيما لا فائدة تحته، أو حكى أقوالًا متعّددة لفظًا، ويرجع حاصلها إلى قول أو قولين معنى فقد ضيع الزمان وتكثر بما ليس بصحيح، فهو كلابس ثوبي زور، والله الموفق للصواب.\nفصل\nإذا لم تجد التفسير في القرآن ولا في السنة، ولا وجدته عن الصحابة، فقد رجع كثير من الأئمة في ذلك إلى أقوال التابعين، كمجاهد بن جبر [¬١١] فإنه كان آية في التفسير، كما قال محمد بن إسحاق: ثنا أبان بن صالح، عن مجاهد؛ قال: عرضت المصحف على ابن عباس ثلاث عرضات من فاتحته إلى خاتمته، أوقفه عند كل آية منه، وأسأله عنها (^١٥).\nوقال ابن جرير (^١٦): حدثنا أبو كريب، حدثنا طلق بن غنام، عن عثمان المكي، عن ابن أبي مُليكة؛ قال: رأيت مجاهدًا سأل [ابن عباس] [¬١٢] عن تفسير القرآن ومعه ألواحه، قال: فيقول له\n_________\n(^١٥) - تفسير ابن جرير رقم ١٠٨ - (١/ ٩٠).\n(^١٦) - تفسير ابن جرير رقم ١٠٧ - (١/ ٩٠).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"ردها\".\n[¬٢]- في ت، ر: \"فقال\".\n[¬٣]- في ز: بذلك.\n[¬٤]- في ز: من.\n[¬٥]- في ز: نستوعب.\n[¬٦]- في ز: ننبه.\n[¬٧]- في ز، خ: \"وتبطل\".\n[¬٨]- في ز: ونذكر.\n[¬٩]- في ز: فنشتغل.\n[¬١٠]- في ر، ت: فالأهم.\n[¬١١]- في خ: \"جبير\".\n[¬١٢]- زيادة من ش.","vol":"1","page":11},{"text":"ابن عباس: اكتب. حتى سأله عن التفسير كله؛ ولهذا كان سفيان الثوري يقول: إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك به.\nوكسعيد بن جبير، وعكرمة مولى ابن عباس، وعطاء بن أبي رباح، والحسن البصري، ومسروق بن الأجدع، وسعيد بن المسيب، وأبي العالية، والربيع بن أنس، وقتادة، والضحاك بن مزاحم، وغيرهم من التابعين وتابعيهم ومن بعدهم، فتذكر [¬١] أقوالهم في الآية، فيقع في عباراتهم تباين في الألفاظ يحسبها من لا علم عنده اختلافًا فيحكيها أقوالًا، وليس كذلك فإن منهم من يعبر عن الشيء بلازمه أو بنطره، ومنهم في ينص على الشيء بعينه، والكل بمعنى واحد في كثير من الأماكن، فليتفطن اللبيب لذلك، والله الهادي.\nوقال شعبة بن الحجاج وغيره: أقوال التابعين في الفروع ليست حجة، فكيف تكون حجة في التفسير؟ يعني: أنها لا تكون حجة على غيرهم ممن خالفهم، وهذا صحيح.\nأمّا إذا أجمعوا [¬٢] على الشيء فلا يرتاب في كونه حجة، فإن اختلفوا فلا يكون [] [¬٣] بعضهم حجة على [] [¬٤] بعض ولا على من بعدهم، ويرجع في ذلك إلى لغة القرآن، أو السنة، أو عموم لغة العرب، أو أقوال الصحابة في ذلك.\nفأمّا تفسير القرآن بمجرد الرأي فحرام، لما رواه محمد [¬٥] بن جرير -رحمه الله تعالى- حيث قال (^١٧): ثنا محمد بن بشار، ثنا [يحيى] [¬٦] بن سعيد، ثنا سفيان، حدّثني عبد الأعلى -هو ابن عامر الثعلبي- عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ؛ قال: \"من قال في القرآن برأيه أو بما لا يعلم، فليتبوّأ مقعده من النار\".\nوهكذا أخرجه الترمذي والنسائي من طرق عن سفيان الثوري به (^١٨).\nورواه أبو داود (^١٩) عن مسدّد، عن أبي عوانة، عن عبد الأعلى به مرفوعًا [¬٧].\n_________\n(^١٧) - إسناد ضعيف، تفسير ابن جرير ٧٤ - (١/ ٧٧). وفي إسناده عبد الأعلي بن عامر الثعلبي: ضعفه أحمد وأبو زرعة. وقال أحمد بن زهير عن يحيى: ليس بذاك القوي (الميزان ٢/ ٥٣٠).\n(^١٨) - إسناده ضعيف، رواه الترمذي برقم (٢٩٥١)، والنسائي في الكبرى برقم (٨٠٨٤)، ورواه أحمد برقم ٢٠٦٩، ٢٤٢٩ - (١/ ٢٣٣، ٢٦٩)، ومداره على عبد الأعلي بن عامر.\n(^١٩) - كما في تحفة الأشراف (٤ / رقم ٥٥٤٣).\n_________\n[¬١]- في ز: فنذكر\n[¬٢]- في ز: اجتمعوا.\n[¬٣]- في ت: قول.\n[¬٤]- في ت: قول.\n[¬٥]- سقط من: خ.\n[¬٦]- سقط من ز.\n[¬٧]- سقط من ز.","vol":"1","page":12},{"text":"وقال الترمذي: هذا حديث حسن.\nوهكذا رواه ابن جرير أيضًا عن [يحيى بن] [¬١] طلحة اليربوعي، عن شريك، عن عبد الأعلى به مرفوعًا (^٢٠).\nولكن رواه (^٢١) عن محمد بن حميد [¬٢]، عن الحكم بن بشير، عن عمرو [¬٣] بن قيس الملائي، عن عبد الأعلى، عن سعيد، عن ابن عباس [فوقفه. وعن محمد بن حميد، عن جريو، عن ليث، عن بكر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس] [¬٤] من قوله، فالله أعلم.\nوقال ابن جرير (^٢٢): حدثنا العباس بن عبد العظيم العنبري، ثنا حبّان [¬٥] بن هلال، ثنا سهيل [¬٦] أخو حزم، ثنا أبو عمران الجوني، عن جندب؛ أن رسول الله ﷺ قال: \"من قال في القرآن برأيه فقد أخطأ\". وقد روى هذا الحديث أبو داود والترمذي والنسائي، من حديث سهيل بن أبي [¬٧] حزم القطعي (^٢٣).\nوقال الترمذي: غريب. وقد تكلم بعض أهل العلم في سهيل.\nوفي لفظ لهم: \"من قال في كتاب الله برأيه فأصاب فقد أخطأ\" (^٢٤). أي لأنه قد تكلف ما لا علم له به، وسلك غير ما أمر به، فلو أنه أصاب المعنى في نفس الأمر لكان قد أخطأ؛ لأنه\n_________\n(^٢٠) - تفسير ابن جرير ٧٣ - (١/ ٧٧).\n(^٢١) - تفسير ابن جرير ٧٦ - (١/ ٧٨) ورواه أيضًا موقوفًا اين أبي شيبة في المصنف (٢٠/ ٥١١).\n(^٢٢) - تفسير ابن جرير ٨٠ - (١/ ٧٩).\n(^٢٣) - إسناده ضعيف، سهيل بن أبي حزم -عبد الله أو مهران- قال ابن معين: صالح. وقال أبو حاتم: ليس بالقوي. وكذا قال البخاري والنسائي. وروى أحمد بن زهير، عن ابن معين: ضعيف. (الميزان ٢/ ٢٤٤) وفي التقريب: ضعيف. والحديث رواه أبو داود في الحلم، باب: الكلام في كتاب الله بغير علم برقم (٣٦٥٢) والترمذي في التفسير، باب: ما جاء في الذي يفسر القرآن برأيه برقم (٢٩٥٣) والنسائي في الكبرى برقم (٨٠٨٦).\n(^٢٤) - هذا لفظ أبي داود المشار له في التعليق السابق.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من خ.\n[¬٢]- في خ: \"حكيم\".\n[¬٣]- في ز: عمر.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٥]- في ز: حسان.\n[¬٦]- في ت: \"سهل\".\n[¬٧]- سقط من: خ.","vol":"1","page":13},{"text":"لم يأت الأمر من بابه، كمن حكم بين الناس على جهل فهو في النار وإن وافق حكمه الصواب في نفس الأمر، لكن يكون أخف جرمًا ممن أخطأ، والله أعلم.\nوهكذا سمى الله تعالى القذفة كاذبين فقال: ﴿فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ فالقاذف كاذب ولو كان قد قذف من زنى في نفس الأمر؛ لأنه أخبر بما لا يحل له الإخبار به، ولو كان أخبر بما يعلم؛ لأنه [¬١] تكلف ما لا علم له به، والله أعلم.\nولهذا تحرّج جماعة من السلف عن تفسير ما لا علم لهم به، كما روى شعبة، عن سليمان، عن عبد الله بن مرّة، عن أبي معمر [¬٢]؛ قال: قال أبو بكر الصدّيق (^٢٥) ﵁: أي أرض تقلني، وأي سماء تظلني، إذا قلت في كتاب الله بما لا [¬٣] أعلم.\nوقال أبو عبيد القاسم بن سلام (^٢٦): ثنا محمد [¬٤] بن يزيد، عن العوّام بن حوشب، عن إبراهيم التيمي أنّ أبا بكر الصدّيق سئل عن قوله [تعالى: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ فقال: أي سماء تظلني وأي أرض تقلني، إذا [¬٥] أنا قلت في كتاب الله ما لا أعلم … منقطع.\nوقال أبو عبيد أيضًا (^٢٧): ثنا يزيد، عن حميد، عن أنس؛ أن عمر بن الخطاب قرأ على المنبر] [¬٦] ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ فقال: هذه الفاكهة قد عرفناها فما الأب؛ ثم رجع إلى نفسه فقال: إنّ هذا لهو التكلف يا عمر.\nوقال [عبد بن حميد (^٢٨)] [¬٧]: ثنا سليمان بن حرب، ثنا حماد بن زيد، عن ثابت، عن أنس؛ قال: كنا عند عمر بن الخطاب ﵁ وفي ظهر قميصه أربع رقاع فقرأ:\n_________\n(^٢٥) - رواه الطبري في تفسيره ٧٩ - (١/ ٧٨). أبو معمر: هو عبد الله بن سخبرة -تابعي ثقة- أرسل الحديث عن أبي بكر الصديق ﵁.\n(^٢٦) - فضائل القرآن (ص ٢٢٧) ورواه ابن أبي شيبة في المصنف (١٠/ ٥١٣) عن محمد بن عبيد، عن العوام بن حوشب، به.\n(^٢٧) - فضائل القرآن (ص ٢٢٧) ورواه ابن أبي شيبة في المصنف (١٠/ ٥١٢) عن يزيد، به، ورواه الحاكم في المستدرك (٢/ ٥١٤) من طريق يزيد عن حميد، به، وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.\n(^٢٨) - رواه أبو نعيم في مستخرجه من حديث سليمان بن حرب، به مثله سواء، ورواه ابن سعد =\n_________\n[¬١]- سقط من ز.\n[¬٢]- في ت: \"معمر\".\n[¬٣]- في ز: لم.\n[¬٤]- في خ: \"محمود\".\n[¬٥]- في ز: إن.\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٧]- في ر: محمد بن سعد.","vol":"1","page":14},{"text":"﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ فقال: فما [¬١] الأب؟ ثم قال: إن هذا لهو التكلف فما عليك أن لا تدريه …؟\nوهذا كله محمول على أنهما ﵄ إنما أرادا استكشاف علم كيفية الأب، وإلا فكونه نبتًا من الأرض ظاهر لا يجهل، لقوله [¬٢] تعالى: ﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا﴾ الآية.\nوقال ابن جرير (^٢٩): حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدَّثنا ابن علية، عن أيوب، عن ابن أبي مليكة؛ أنّ ابن عباس سئل عن آية -لو سئل عنها بعضكم لقال فيها- فأبى أن يقول فيها.\nإسناده [¬٣] صحيح.\nوقال أبو عبيد (^٣٠): حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن أيوب، عن ابن أبي مليكة؛ قال: سأل رجل ابن عباس عن يوم كان مقداره ألف سنة؟ فقال له ابن عباس: فما ﴿يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾؛ فقال له [¬٤] الرجل: إنما سألتك لتحدثني، فقال ابن عباس: هما يومان ذكرهما الله تعالى في كتابه، الله [¬٥] أعلم بهما.\nفكره أن يقول في كتاب الله ما لا يعلم.\nوقال أيضًا ابن جرير (^٣١): حدّثني يعقوب -يعني: ابن إبراهيم- حدَّثنا ابن علية، عن مهدي بن ميمون، عن الوليد بن مسلم؛ قال: جاء طلق بن حبيب إلى جُندب بن عبد الله، فسأله عن آية من القرآن .. فقال له [¬٦]: أحرّج عليك إن كنت مسلمًا، لما [¬٧] قمت عني -أو قال: أن تجالسني.\nوقال مالك عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب: إنه كان إذا سئل عن تفسير آية من\n_________\n= في الطبقات (٣/ ٣٢٧)، ورواه البخاري في الاعتصام، باب: ما يكره من كثرة السؤال وتكلف ما لا يعنيه برقم (٧٢٩٣) عن سليمان بن حرب به مختصرًا ولفظه: \"نهينا عن التكلف\".\n(^٢٩) - تفسير ابن جرير ٩٨ - (١/ ٨٦).\n(^٣٠) - فضائل القرآن (ص ٢٢٨).\n(^٣١) - تفسير ابن جرير ٩٩ - (١/ ٨٦).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: ما.\n[¬٢]- في خ: كقوله.\n[¬٣]- في ز: إسناد.\n[¬٤]- سقط من ز.\n[¬٥]- سقط من: خ.\n[¬٦]- سقط من ت.\n[¬٧]- في ز، خ: إلا ما، والمثبت من ر.","vol":"1","page":15},{"text":"القرآن، قال: إنا لا نقول في القرآن شيئًا (^٣٢).\nوقال الليث عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب؛ أنه كان لا يتكلم إلا في المعلوم في [¬١] من القرآن (^٣٣).\nوقال شعبة عن عمرو بن مرة؛ قال: سأل رجل سعيد بن المسيب عن آية من القرآن … فقال: لا تسألني عن القرآن، وسل من يزعم أنه لا يخفى عليه منه شيء -يعني عكرمة (^٣٤).\nوقال ابن شوذب: حدثني يزيد بن أبي يزيد؛ قال: كنا نسأل سعيد بن المسيب عن الحلال والحرام، وكان أعلم الناس، فإذا سألناه عن تفسير آية من القرآن، سكت كأن لم يسمع (^٣٥).\nوقال ابن جرير (^٣٦): حدّثني أحمد بن عبدة الضبي، حدثنا حماد بن زيد، حدثنا عبيد الله بن عمر؛ قال: لقد أدركت فقهاء المدينة، وإنهم ليعظمون القول في التفسير، منهم: سالم بن عبد الله، والقاسم بن محمد، وسعيد بن المسيب، ونافع.\nوقال أبو عبيد (^٣٧): حدثنا عبد الله بن صالح، عن الليث، عن هشام بن [¬٢] عروة؛ قال: ما سمعت أبي يؤول [¬٣] آية من كتاب الله قَطُّ.\nوقال أيوب وابن عون وهشام الدستوائي، عن محمد بن سيرين: سألت عَبيدة -يعني [¬٤] السلماني- عن آية من القرآن … فقال: [ذهب الذين كانوا يعلمون فيم أنزل القرآن] [¬٥]، فاتق الله، وعليك بالسداد (^٣٨).\n_________\n(^٣٢) - رواه الطبري في تفسيره ٩٤ - (١/ ٨٥) من طريق يونس، عن ابن وهب، عن مالك، به.\n(^٣٣) - رواه الطبري في تفسيره ٩٥ - (١/ ٨٦) من طريق يونس، عن ابن وهب، عن الليث، به.\n(^٣٤) - رواه الطبري في تفسيره ١٠١ - (١/ ٨٦ - ٨٧) وابن أبي شيبة في المصنف (١٠/ ٥١١) من طريق محمد بن جعفر، عن شعبة، به.\n(^٣٥) - رواه ابن جرير في تفسيره ١٠٠ - (١/ ٨٦) عن العباس بن الوليد، عن أبيه، عن ابن شوذب به.\n(^٣٦) - تفسير ابن جرير ٩٢ - (١/ ٨٥).\n(^٣٧) - فضائل القرآن (ص ٢٢٩).\n(^٣٨) - رواه ابن جرير في تفسيره ٩٧ - (١/ ٨٦) من طريق يعقوب، عن ابن علية، عن أيوب وابن عون به.\n_________\n[¬١]- في ز: العلوم.\n[¬٢]- في ز: عن.\n[¬٣]- في ز: تأول، والمثبت من ر.\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- ما بين المعكوفين مكررة في: خ.","vol":"1","page":16},{"text":"وقال أبو عبيد (^٣٩): حدثنا معاذ، عن ابن عون، عن عبد الله [¬١] بن مسلم بن يسار، عن أبيه، قال: إذا حدّثت عن الله حديثًا [¬٢] فقف حتى تنظر ما قبله وما بعده.\nحدَّثنا (^٤٠) هشيم، عن مغيرة، عن إبراهيم؛ قال: كان أصحابنا يتقون التفسير ويهابونه.\nوقال شعبة عن عبد الله بن [¬٣] أبي السفر؛ قال: قال الشعبي: والله ما من آية إلا وقد سألت عنها، ولكنها الرواية عن الله ﷿ (^٤١).\nوقال أبو عبيد (^٤٢): حدثنا هشيم، حدثنا عمر [¬٤] بن أبي زائدة، عن الشعبي، عن مسروق؛ قال: [اتقوا] [¬٥] التفسير، فإنما هو الرواية عن الله.\nفهذه الآثار الصحيحة وماشاكلها عن أئمة السلف - محمولةٌ على تحرُّجِهم عن الكلام في التفسير بما لا علم لهم به، فأما من تكلم بما يعلم من ذلك لغة وشرعًا فلا حرج عليه؛ ولهذا روي عن هؤلاء وغيرهم أقوال [¬٦] في التفسير ولا منافاة؛ لأنهم تكلموا فيما علموه وسكتوا عما جهلوه.\nوهذا هو الواجب على كل أحد، فإنه كما يجب السكوت عما لا علم له به، فكذلك يجب القول فيما سئل عنه مما يعلمه؛ لقوله تعالى: ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾] [¬٧] ولما جاء في الحديث المروي من طرق: \"من سئل عن علم فكتمه ألجم ورم القيامة بلجام من نار\" (^٤٣).\n_________\n(^٣٩) - فضائل القرآن (ص ٢٢٩).\n(^٤٠) - فضائل القرآن (ص ٢٢٩) ورواه أبو نعيم (٤/ ٢٢٢) من طريق جرير عن المغيرة، به.\n(^٤١) - رواه ابن جرير في تفسيره ١٠٢ - (١/ ٨٧) من طريق ابن المثنى، عن سعيد بن عامر، عن شعبة، به.\n(^٤٢) - فضائل القرآن (ص ٢٢٩).\n(^٤٣) - وَرَدَ من حديث أبي هريرة، ومن حديث أنس، وأبي سعيد الخدري، ﵃، أما حديث أبي هريرة، فرواه أحمد في السند (٢/ ٢٦٣)، وأبو داود في كتاب العلم، باب: كراهية منع العلم برقم (٣٦٥٨)، والترمذي في العلم برقم (٢٦٤٩)، وابن ماجة في المقدمة برقم (٢٦٦) من طريق علي بن الحكم -لا بأس به- عن عطاء، عن أبي هريرة، وقال الترمذي: \"حديث حسن\". =\n_________\n[¬١]- في ز: \"عبيد الله\" والمثبت من ر\n[¬٢]- سقط من ز.\n[¬٣]- في ز، خ: \"عن\".\n[¬٤]- في الأصلين: و\"ت\"، و\"ر\": عمرو. والمثبت من الفضائل لأبي عبيد ص ٣٧٧.\n[¬٥]- في ر: اتقوا الله.\n[¬٦]- في ز، خ: \"أقوالا\".\n[¬٧]- في ز، خ: \"ليبيننه للناس ولا يكتمونه\".","vol":"1","page":17},{"text":"فأما [¬١] الحديث الذي رواه أبو جعفر بن جرير (^٤٤): حدثنا عباس بن عبد العظيم، حدَّثنا محمد بن خالد بن عثمة، حدَّثنا جعفر بن محمد [] [¬٢] الزبيري، حدّثني هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة؛ قالت: ماكان النبي ﷺ يفسر شيئًا من القرآن إلا آيًا بعدد [¬٣] علمهن إياه جبريل ﵇.\nثم رواه (^٤٥) عن أبي بكر محمد بن يزيد الطرسوسي [¬٤]، عن معن بن عيسى، عن جعفر بن خالد، عن هشام به- فإنه حديثٌ منكرٌ غريبٌ، وجعفر هذا هو ابن محمد بن خالد بن الزبير بن العوام القرشي الزبيري، قال البخاري: لا يتابع في حديثه. وقال الحافظ أبو الفتح الأزدي: منكر الحديث. وتكلم عليه الإمام أبو جعفر بما حاصله أن هذه الآيات مما لا يعلم إلا بالتوقيف عن الله تعالى مما وقفه عليها جبرائيل.\nوهذا تأويل صحيح لو صح الحديث، فإن من القرآن ما استأثر الله تعالى بعلمه، ومنه ما يعلمه العلماء، ومنه ما تعلمه العرب من لغاتها، ومنه ما لا يعذر أحد في جهله [¬٥]، كما صرح بذلك ابن عباس فيما قال ابن جرير (^٤٦):\n_________\n= وأما حديث أنس، فرواه ابن ماجة في المقدمة برقم (٢٦٤) من طريق يوسف بن إبراهيم - قال البخاري: هو صاحب عجائب، وقال ابن حبان: روى عن أنس من حديثه ما لا يحل بالرواية. واتفقوا على ضعفه- عن أنس، وقال البوصيري في الزوائد (١/ ١١٧): \"هذا إسناد ضعيف\".\nوأما حديث أبي سعيد، فرواه ابن ماجة في السنن برقم (٢٦٥) من طريق محمد بن داب - كذبه أبو زرعة وغيره، ونسب إلى الوضع - عن صفوان بن سليم، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد، عن أبي سعيد، وقال البوصيري في الزوائد (١/ ١١٨): \"هذا إسناد ضعيف\".\n(^٤٤) - ضعيف، والحديث في تفسير ابن جرير ٩٠ - (١/ ٨٤) ورواه أبو يعلى في مسنده (٨/ ٢٣) من طريق معن القزاز، عن فلان بن محمد بن خالد، عن هشام بن عروة به، ورواه البزار في مسنده (كشف الأستار رقم ٢١٨٥) عن محمد بن المثنى، عن محمد بن خالد بن عثمة، عن حفص - أظنه ابن عبد الله - عن هشام، عن أبيه به. وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ٣٠٣) وقال: رواه أبو يعلى والبزار بنحوه وفيه راوٍ لم يتحرر اسمه عند أحدهما. وبقية رجاله رجال الصحيح.\n(^٤٥) - تفسير ابن جرير ٩١ - (١/ ٨٤).\n(^٤٦) - تفسير ابن جرير ٧١ - (١/ ٧٥).\n_________\n[¬١]- في ت: \"وأما\".\n[¬٢]- في ت: بن.\n[¬٣]- في ش: \"تعد\".\n[¬٤]- في ز: الطرشوشي.\n[¬٥]- في ت: \"جهالته\".","vol":"1","page":18},{"text":"حدثنا محمد بن بشار، حدَّثنا مؤمل، حدثنا سفيان، عن أبي الزناد؛ قال: قال ابن عباس: التفسير على أربعة أوجه: وجه تعرفه العرب من كلامها، وتفسير لا يعذر أحد بجهالته، وتفسير يعلمه العلماء، وتفسير لا يعلمه إلا الله.\nقال ابن جرير: وقد رُوي نحوه في حديث في إسناده نظر: حدّثني يونس بن عبد الأعلى الصدفي، أنبأنا ابن وهب؛ قال: سمعت عمرو بن الحارث يحدث عن الكلبي، عن أبي صالح مولى [¬١] أمّ هانئ، عن ابن عباس، أن رسول الله، ﷺ قال: \"أنزل القرآن على سبعة [¬٢] أحرف حلال وحرام، لا يُعذر أحد بالجهالة به، [وتفسير تفسِّره العرب] [¬٣]، وتفسير تفسره العلماء، ومتشابه لا يعلمه إلا الله ﷿، ومن ادعى علمه سوى الله فهو كاذب\" (^٤٧).\nوالنظر الذي أشار إليه في إسناده هو من جهة محمد بن السائب الكلبي؛ فإنه متروك الحديث، لكن قد يكون إنما وهم في رفعه، ولعله من كلام ابن عباس كما تقدّم، والله أعلم بالصواب [¬٤].\n_________\n(^٤٧) - تفسير ابن جرير ٧٢ - (١/ ٧٦).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"عن\".\n[¬٢]- في ت: \"أربعة\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- سقط من ز.","vol":"1","page":19},{"text":"<span data-type='title' id=toc-35>كتاب فضائل القرآن</span>\nقال البخاري، ﵀:\n\n<span data-type='title' id=toc-36>كيف نزول الوحي وأول ما نزل:</span>\nقال ابن عباس: المهيمن: الأمين، القرآن أمين على كل كتاب قبله.\nحدثنا عبيد اللَّه بن موسى، عن شيبان، عن يحيى، عن أبي سلمة قال: أخبرتني عائشة وابن عباس؛ قالا: لبث النبي ﷺ بمكة عشر سنين ينزل عليه القرآن، وبالمدينة عشرًا (^١).\nذكر البخاري ﵀ -كتاب \"فضائل القرآن\" بعد كتاب التفسير؛ لأن التفسير أهم فلهذا بدأ به، ونحن قدمنا الفضائل قبل التفسير وذكرنا فضل كل سورة قبل تفسيرها ليكون ذلك باعثًا على حفظ القرآن وفهمه والعمل بما فيه، واللَّه المستعان.\nوقول ابن عباس في تفسير المهيمن إنما يريد به البخاري قوله تعالى في المائدة بعد ذكر التوراة والإنجيل: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَينَ يَدَيهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيمِنًا عَلَيهِ﴾ (^٢).\nقال الإمام أبو جعفر بن جرير، ﵀: حدثنا المثنى، حدثنا عبد اللَّه بن صالِح، حدثني معاوية، عن علي -يعني: ابن أبي طلحة- عن ابن عباس في قوله: ﴿وَمُهَيمِنًا عَلَيهِ﴾ قال: المهيمن: الأمين. قال: القرآن أمين على كل كتاب قبله (^٣).\nوفي رواية: شهيدًا عليه (^٤).\nوقال سفيان الثوري وغير واحد من الأئمة عن ألي إسحاق السبيعي، عن التميمي، عن ابن عباس: ﴿وَمُهَيمِنًا عَلَيهِ﴾ قال: مؤتمنًا [¬١] (^٥).\n_________\n(^١) - رواه البخاري في فضائل القرآن، باب: كيف نزل الوحي، وأول ما نزل برقم (٤٩٧٩، ٤٩٧٨).\nورواه أيضًا في المغازي، باب: وفاة النبي، ﷺ، برقم (٤٤٦٤، ٤٤٦٥).\n(^٢) -[المائدة: ٤٨].\n(^٣) - تفسير ابن جرير ١٢١١٤ - (١٠/ ٣٧٩).\n(^٤) - تفسير ابن جرير ١٢١٠٤ - (١٠/ ٣٧٧).\n(^٥) - رواه ابن جرير في تفسيره برقم ١٢١٠٧: ١٢١١٣ - (١٠/ ٣٧٨)، والتميمي -وفي بعض الروايات: رجل من تميم- هو أربدة التميمي: راوى التفسير عن ابن عباس، روى عنه أبو إسحاق السبيعي وحده، فيما ذكر غير واحد، وقد روى السندي بن عبدويه، عن عمرو بن أبي قيس، =\n_________\n[¬١]- في تفسير ابن جرير: مؤتمنًا عليه.","vol":"1","page":21},{"text":"وبنحو ذلك قال مجاهد والسدي وقتادة وابن جريج والحسن البصري وغير واحد من أئمة السلف.\nوأصل الهيمنة: الحفظ والارتقاب، يقال إذا رَقَب الرجل الشيء وحفظه وشهده: قد هيمن فلان عليه، فهو يهيمن هيمنة وهو عليه مهيمن، وفي أسماء اللَّه تعالى: ﴿المهيمن﴾ (^٦)، وهو الشهيد على كل شيء، والرقيب: الحفيظ بكل شيء.\nوأما الحديث الذي أسنده البخاري: أنه ﵇، أقام بمكة عشر سنين ينزل عليه القرآن، وبالمدينة عشرًا، فهو مما انفرد به البخاري دون مسلم، وإنما رواه النسائي من حديث شيبان وهو ابن عبد الرحمن، عن يحيى وهو ابن أبي كثير، عن أبي سلمة عنهما (^٧).\nوقال أبو عبيد القاسم بن سلام: حدثنا يزيد، عن داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: أنزل القرآن جملة واحدة إلي السماء الدنيا في ليلة القدر، ثم نزل بعد ذلك في عشرين سنة، ثم قرأ: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ (^٨) هذا إسناد صحيح (^٩).\nأما إقامته بالمدينة عشرًا فهذا مما لا خلاف فيه، وأما إقامته بمكة بعد النبوة فالمشهور ثلاث عشرة سنة؛ لأنه، ﵊، أوحي إليه وهو ابن أربعين سنة، وتوفي وهو ابن ثلاث وستين سنة على الصحيح، ويحتمل أنه حذف ما زاد على العشرة اختصارًا في الكلام؛ لأن العرب\n_________\n= عن مطرف بن طريف، عن المنهال بن عمرو، عن التميمي، عن ابن عباس قال: كنا نتحدث أن النبي، ﷺ، عهد إلى علي سبعين عهدًا، لم يعهدها إلى غيره، رواه الطبراني في معجمه عن محمد بن سهل بن الصباح، عن أحمد بن الفرات، عن السندي، وقال: تفرد به السندي، قلت: قرأت بخط الذهبي: هذا حديث منكر، وقال ابن معين، عن أبي أحمد الزبيري: سلت إسرائيل عن اسم التميمي؛ فقال: أربدة، وقال العجلي: تابعي كوفي ثقة، وقال ابن حبان في الثقات: أصله من البصرة، كان يجالس البراء بن عازب، وقال ابن البرقي: مجهول، وذكره البرديجي في أفراد الأسماء، وذكره أبو العرب الصقلي القيرواني في الضعفاء. ا هـ من التهذيب.\n(^٦) -[الحشر / ٢٣].\n(^٧) - رواه البخاري برقم (٤٩٧٨، ٤٩٢٩) عن عبيد اللَّه بن موسى، والنسائي في الكبرى برقم (٧٩٧٧). وأحمد (٢٦٩٦) حدثنا حسن بن موسى، ثنا شيبان، فذكره.\n(^٨) -[الإسراء: ١٠٦].\n(^٩) - فضائل القرآن (ص ٣٦٧ - ٣٦٨)، ورواه النسائي، وابن أبي شيبة (١٠/ ٥٣٣)، والطبري (١٥/ ١١٩) (٣٠/ ١٦٦)، ورواه الحاكم في المستدرك (٢/ ٢٢٢) من طرق، عن داود بن أبي هند، به، وقال: \"هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه\". وعزاه السيوطي في الدر المنثور (٤/ ٢٠٥) لابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي.","vol":"1","page":22},{"text":"كثيرًا ما يحذفون الكسور في كلامهم، أو أنهما إنما اعتبرا قرن جبريل، ﵇، به ﵇. فإنه قد روى الإمام أحمد أنه قرن به، ﵇، ميكائيل في ابتداء الأمر، يلقي إليه الكلمة والشيء، ثم قرن به جبريل.\nووجه مناسبة هذا الحديث بفضائل القرآن: أنه ابتدئ بنزوله في مكان شريف، وهو البلد الحرام، كما أنه كان في زمن شريف وهو شهر رمضان، فاجتمع له شرف الزمان والمكان؛ ولهذا يستحب إكثار تلاوة القرآن في شهر رمضان، لأنه ابتدئ نزوله فيه، ولهذا كان جبريل يعارض به رسول اللَّه ﷺ في كل سنة في شهر رمضان، فلما كان في السنة التي توفي فيها عارضه به مرتين تأكيدًا وتثبيتًا.\nوأيضًا في هذا الحديث بيان أنه من القرآن مَكِّي ومنه مدني، فالمكي: ما نزل قبل الهجرة، والمدنى: ما نزل بعد الهجرة، سواء كان بالمدينة أو بغيرها من أي البلاد كان، حتى ولو كان بمكة أو عرفة. وقد أجمعوا على سور أنها من المكي وأخر أنها من المدني، واختلفوا في أخر، وأراد بعضهم ضبط ذلك بضوابط في تقييدها عسر ونظر، ولكن قال بعضهم: كل سورة في أولها شيء من الحروف المقطعة فهي مكية إلا البقرة وآل عمران، كما أن كل سورة فيها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فهي مدنية وما فيها: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ فيحتمل أن يكون من هذا ومن هذا، والغالب أنه مكي. وقد يكون مدنيًّا كما في البقرة: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (^١٠)، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ (^١١).\nقال أبو عبيد (^١٢): حدثنا أبو معاوية، حدثنا من سمع الأعمش يحدث عن إبراهيم بن علقمة: كل شيء في القرآن: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فإنه أنزل بالمدينة، وما كان ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ فإنه أنزل بمكة.\nثم قال (^١٣): حدثنا علي بن معبد، عن أبي المُلَيْح، عن ميمون بن مِهْران، قال: ما كان في القرآن: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ و﴿يَا بَني آدَم﴾ فإنه مكي، وما كان: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فإنه مدني.\n_________\n(^١٠) -[البقرة: ٢٠].\n(^١١) -[البقرة: ١٦٨].\n(^١٢) - فضائل القرآن (ص ٣٦٧)، ورواه ابن الضريس في فضائل القرآن أيضًا (٢٦)، وقد رواه البزار (٣/ ٢١٨٦) من حديث قيس بن الربيع، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن ابن مسعود؛ وقال: لا نعلمُ أحدًا أعنده إلا قيس، وغيره يرسله.\nورواه الحاكم (٣/ ١٨) من طريق الجراح بن مليح الرؤاسي، عن الأعمش، بمثل رواية قيس.\n(^١٣) - فضائل القرآن (ص ٣٦٧).","vol":"1","page":23},{"text":"ومنهم من يقول: إن بعض السور نزل مرتين، مرة بالمدينة ومرة بمكة، واللَّه أعلم. ومنهم من يستثني من المكي آيات يدعي أنها من المدني، كما في سورة الحج وغيرها.\nوالحق في ذلك ما دل عليه الدليل الصحيح، فاللَّه أعلم.\nوقال أبو عبيد: حدثنا عبد اللَّه بن صالح، عن معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، قال: نزلت بالمدينة سورة البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، والأنفال، والتوبة، والحج، والنور، والأحزاب، والذين كفروا، والفتح، والحديد، والمجادلة، والحشر، والممتحنة، والحواريون، والتغابن، ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾، و﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ﴾، والفجر، ﴿وَاللَّيلِ إِذَا يَغْشَى﴾ و﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيلَةِ الْقَدْرِ﴾ و﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ و﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾ و﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ﴾ وسَائر ذلك بمكة (^١٤).\nوهذا إسناد صحيح عن ابن أبي طلحة مشهور، وهو أحد أصحاب ابن عباس الذين رووا عنه التفسير، وقد ذكر في المدني سورًا في كونها مدنية نظر، وفاته الحجرات والمعوذات.\nالحديث الثاني:\nوقال البخاري: حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا معتمر قال: سمعت أبي، عن أبي عثمان قال: أنبئت أن جبريل، ﵇، أتى النبي ﷺ وعنده أم سلمة، فجعل يتحدث، فقال النبي ﷺ: \"من هذا؟ \" أو كما قال، قالت: هذا دحية الكلبي، فلما قام قالت: واللَّه ما حسبته إلا إياه، حتى سمعت خطة النبي ﷺ يُخبر خبَر جبريل. أو كما قال، قال أبي: فقلت لأبي عثمان: ممن سمعت هذا؟ فقال: من\n_________\n(^١٤) - فضائل القرآن (ص ٣٦٥)، ورواه ابن الضريس في فضائله ص (٣٣، ٣٤)، وعلي بن أبي طلحة: واسمه سالم بن المخارق الهاشمي، يكنى أبا الحسن، وقيل غير ذلك، أصله من الجزيرة، وانتقل إلى حمص، ررى عن ابن عباس ولم يسمع منه، بينهما مجاهد، قال الميموني عن أحمد: له أشياء منكرات، وهو من أهل حمص، وقال الآجري عن أبي داود: وهو إن شاء اللَّه مستقيم الحديث، ولكن له رأي سوء، كان هي السيف، وقد رآه حجاج بن محمد، وقال النسائي: ليس به بأس، وقال دحيم: لم يسمع التفسير من ابن عباس، وقال صالح بن محمد: روى عنه الكوفيون والشاميون وغيرهم، وقال يعقوب بن سفيان: ضعيف الحديث منكر، ليس محمود المذهب، وقال في موضع آخر: شامي ليس هو بمتروك ولا هو حجة، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: روى عن ابن عباس ولم يره، وذكر الخطيب أن أحمد بن حنبل قال: إن علي بن أبي طلحة الذي روى عنه الثوري والحسن بن صالح ورآه حجاج الأعور، كوفي، غير الشامي، والصواب أنهما واحد، قال أبو بكر بن عيسى صاحب تاريخ حمص: مات سنة ثلاث وأربعين ومائة، له عند مسلم حديث واحد، في ذكر العزل، وروى له الباقون حديثًا آخر في الفرائض. ونقل البخاري من تفسيره رواية معاوية بن صالح عنه، عن ابن عباس شيئًا كثيرًا في التراجم وغيرها، ولكنه لا يسميه، يقول: قال ابن عباس، أو يذكر عن ابن عباس، ووثقه الحجلي.","vol":"1","page":24},{"text":"أسامة بن زيد.\nوهكذا رواه أيضًا في علامات النبوة عن عباس بن الوليد النرسي، ومسلم في فضائل أم سلمة، عن عبد الأعلي بن حماد ومحمد بن عبد الأعلى كلهم عن معتمر بن سليمان به (^١٥).\nوالغرض من إيراد هذا الحديث هاهنا أن السفير بين اللَّه وبين محمد ﷺ جبريل ﵇ وهو ملك كريم ذو وجاهة وجلالة ومكانة كما قال: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ (^١٦)، وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (٢٠) مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (٢١) وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ﴾ (^١٧) الآيات. فمدح الرب ﵎ عبديه ورسوليه جبريل ومحمدًا ﷺ وسنستقصي الكلام على تفسير هذا الكتاب في موضعه إذا وصلنا إليه إن شاء الله تعالى وبه الثقة.\nوفي الحديث فضيلة عطمة لأم سلمة، ﵂ -كما بينه مسلم ﵀ لرؤيتها لهذا الملك العظيم، وفضيلة أيضًا لدحية بن خليفة الكلبي، وذلك أن جبريل، ﵇، كان كثيرًا ما يأتي رسول اللَّه ﷺ على صورة دحية وكان جميل الصورة، ﵁، وكان من قبيلة أسامة بن زيد بن حارثة الكلبي، كلهم ينسبون إلى كلب بن وبرة وهم قبيلة من قضاعة، وقضاعة قيل: إنهم من عدنان، وقيل: من قحطان، وقيل: بطن مستقل بنفسه، واللَّه أعلم.\nالحديث الثالث: حدثنا عبد اللَّه بن يوسف، حدثنا الليث، حدثنا سعيد المقبري، عن أبييه، عن أبي هرهة، ﵁، قال: قال النبي ﷺ: \"ما من الأنبياء نبي إلا أعطي ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيت وحيًا أوحاه اللَّه إليّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة\" (^١٨).\nورواه أيضًا في كتاب \"الاعتصام\" عن عبد العزيز بن عبد اللَّه، ومسلم والنسائي عن قتيبة جميعًا، عن الليث بن سعد، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبيه -واسمه كيسان المقبري- به.\nوفي هذا الحديث فضيلة عظيمة للقرآن المجيد على كل معجزة أعطيها نبي من الأنبياء، وعلى\n_________\n(^١٥) - صحيح البخاري، كتاب فضائل القرآن، باب: كيف نزل الوحي برقم (٤٩٨٠)، وفي المناقب، باب: علامات النبوة في الإسلام (٣٦٣٤)، وصحيح مسلم، كتاب فضائل الصحابة برقم ١٠٠ - (٢٤٥١).\n(^١٦) -[الشعراء: ١٩٤، ١٩٣].\n(^١٧) -[التكوير: ١٩ - ٢٢].\n(^١٨) - صحيح البخاري، كتاب فصائل القرآن، باب: كيف نزل الوحي وأول ما نزل برقم (٤٩٨١)، وفي الاعتصام، باب: قول النبي، ﷺ: \"بعثت بجوامع الكلم\" (٧٢٧٤). ورواه مسلم في الإيمان برقم ٢٣٩ - (١٥٢)، والنسائي في التفسير من الكبرى (١١١٢٩).","vol":"1","page":25},{"text":"كل كتاب أنزله، وذلك أن معنى الحديث: ما من نبي إلا أعطي من المعجزات ما آمن عليه البشر، أي: ما كان دليلًا على تصديقه فيما جاءهم به واتبعه من اتبعه من البشر، ثم لما مات الأنبياء لم تبق لهم معجبزة بعدهم إلا ما يحكيه أتباعهم عما شاهدوه في زمانه، فأما الرسول الخاتم للرسالة محمد ﷺ فإنما كان معظم ما آتاه اللَّه وحيًا منه إليه منقولًا إلى الناس بالتواتر، ففي كل حين هو كما أنزل، فلهذا قال: \"فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا\"، وكذلك وقع، فإن أتباعه أكثر من أتباع الأنبياء لعمومِ رسالته ودوامها إلى قيام الساعة، واستمرار معجزته، ولهذا قال اللَّه ﵎: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالمِينَ نَذِيرًا﴾ (^١٩) وقال تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ (^٢٠)، ثم تقاصر معهم إلى عشر سور منه فقال: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (^٢١) ثم تحداهم إلى أن يأتوا بسورة من مثله فعجزوا، فقال: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (^٢٢)، وقصر التحدي على هذا المقام في السور المكية كما ذكرنا وفي المدنية أيضًا كما في سورة البقرة، حيث يقول تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ (^٢٣) فَأخبرهم بأنهم عاجزون عن معارضته بمثله، وأنهم لا يفحلون ذلك في المستقبل أيضًا، وهذا وهُم أفصح الخلق وأعلمهم بالبلاغة والشعر وقريض الكلام وضروبه، لكن جاءهم من اللَّه ما لا قبل لاحد من البشر به من الكلام الفصيح البليغ الوجيز، المحتوي على العلوم الكثيرة الصحيحة النافعة، والأجبار الصادقة عن الغيوب الماضية والآتية، والأحكام العادلة والمحكمة، كما قال تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ (^٢٤).\nوقال الإمام أحمد بن حنبل: حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا أبي، حدثنا محمد بن إسحاق قال: ذكر محمد بن كعب القرظي، عن الحارث بن عبد اللَّه الأعور قال قلت: لآتين أمير المؤمنين، فلأسألنه عما سمعت العشية قال: فجئته بعد العشاء، فدخلت عليه، فذكر الحديث.\nقال: ثم قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: \"أتاني جبريل فقال: يا محمد، أمتك مختلفة بعدك\". قال: \"فقلت له: فأين المَخْرَج يا جبريل؟ \" قال: فقال: \"كتاب اللَّه به يَقْصِم اللَّه كلَّ جبار، من اعتصم به نجا، ومن تركه هلك -مرتين- قول\n_________\n(^١٩) -[الفرقان: ١].\n(^٢٠) -[الإسراء: ٨٨].\n(^٢١) -[هود:١٣].\n(^٢٢) -[يونس: ٣٨].\n(^٢٣) -[البقرة: ٢٤، ٢٣].\n(^٢٤) -[الأنعام: ١١٥].","vol":"1","page":26},{"text":"فَصْل وليس بالهزل، لا تخلقه الأَلسن، ولا تفنى عجائبه، فيه نبأ ما كان قبلكم، وفصل ما بينكم، وخبر ما هو كائن بعدكم\" هكذا رواه الإمام أحمد (^٢٥).\nوقال أبو عيسى الترمذي: حدثنا عبد بن حميد، حدثنا حسين بن علي الجعفي، حدثنا حمزة الزيات، عن أبي المختار الطائي، عن ابن أخي الحارث الأعور، عن الحارث الأعور، قال: مررت في المسجد فإذا الناس يخوضون في الأحاديث فدخلت علَى عليٍّ فقلت: يا أمير المؤمنين، ألا ترى الناس قد خاضوا في الأحاديث؟ قال: أو قد فعلوها؟ قلت: نعم. قال: أما إني سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: \"إنها ستكون فتنة\" فقلت: ما المَخْرج منها يا رسول اللَّه؟ قال: \"كتاب اللَّه، فيه نبأ ما قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحُكْمُ ما بينكم، هو الفصل ليس بالهَزْلِ، من تركه من جبار قَصَمه اللَّه، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله اللَّه، هو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، هو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تَلْتَبس به الألسنة، ولا يشبع منه العلماء، ولا يَخْلَق عنِ كثرةِ الرد، ولا تنقضي عجائبه، هو الذي لم تنته الجن إذْ سمعته حتى قالوا: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ﴾ (^٢٦)، من قال به صَدق، ومن عمل به أُجِر، ومن حكم به عَدَل، ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم\". خذها إليك يا أعور. ثم قال: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث حمزة الزيات، وإسناده مجهول وفي حديث الحارث مقال (^٢٧).\nقلت: لم ينفرد بروايته حمزة بن حبيب الزيات، بل قد رواه محمد بن إسحاق، عن محمد بن كعب القرظي، عن الحارث الأعور، فبرئ حمزة من عهدته، على أنه وإن كان ضعيف الحديث إلا أنه إمام في القراعة والحديث، مشهور من رواية الحارث الأعور وقد تكلموا فيه، بل قد كذبه بعضهم من جهة رأيه واعتقاده، أما أنه تعمد الكذب في الحديث فلا، واللَّه أعلم، وقصارى هذا الحديث أن يكون من كلام أمير المؤمنين علي، ﵁، وقد وهِمَ بعضهم في رفعه، وهو كلام حسن صحيح على أنه قد روي له شاهد عن عبد اللَّه بن مسعود عن النبي ﷺ.\nقال الإمام العلم أبو عبيد القاسم بن سلام في كتابه \"فضائل القرآن\" (^٢٨): حدثنا أبو اليقظان\n_________\n(^٢٥) - المسند برقم ٧٠٤ - (١/ ٩١) وهذا إسناد ضعيف جدًّا من أجل الحارث الأعور، والظاهر أنه منقطع لقول محمد بن إسحاق -مدلس-: \"وذكر محمد بن كعب القرظي\".\n(^٢٦) -[الجن: ١، ٢].\n(^٢٧) - إسناده ضعيف جدًّا، الحارث تقدم قريبًا، وأبو مختار الطائي، وابن أبي الحارث: مجهولان، والحديث في سنن الترمذي، أبواب ثواب القرآن، باب: ما جاء في فضل القرآن، برقم (٢٩٠٦)، ورواه الدارمي (٢/ ٣١٢ - ٣١٣)، وابن أبي شيبة (١٠/ ٤٨٢)، وابن نصر في قيام الليل ص (٧٥).\n(^٢٨) - فضائل القرآن (ص ٥٠)، ورواه الحاكم في المستدرك (١/ ٥٥٥) من طريق الهجري، به.=","vol":"1","page":27},{"text":"عمار بن محمد الثوري أو غيره، عن أبي إسحاق الهجري، عن أبي الأحوص، عن عبد اللَّه بن مسعود، عن النبي ﷺ قال: \"إن هذا القرآن مأدبة اللَّه تعالى فتعلموا من مأدبته ما استطعتم، إن هذا القرآن حبل اللَّه، ﷿، وهو النور المبين، والشفاء النافع، عِصْمَة لمن تمسك به، ونجاة لمن تبعه، لا يعوج فيقوم، ولا يزيغ فيستعتب، ولا تنقضي عجائبه، ولا يَخْلَقُ عن كثرة الرد، فاتلوه، فإن اللَّه يأجركم على تلاوته بكل حرف عشر حسنات، أما إني لا أقول لكم الم حرف، ولكن ألف عشر، ولام عشر، وميم عشر\".\nوهذا غريب من هذا الوجه، وقد رواه محمد بن فضيل، عن أبي إسحاق الهجري، واسمه إبراهيم بن مسلم، وهو أحد التابعين، ولكن تكلموا فيه كثيرًا.\nوقال أبو حاتم الرازي: لين ليس بالقوي. وقال أبو الفتح الأزدي: رفَّاع كثير الوهم. قلت: فيحتمل -واللَّه أعلم- أن يكون وهم في رفع هذا الحديث، إنما هو من كلام ابن مسعود، ولكن له شاهد من وجه آخر، والله أعلم.\nوقال أبو عبيد أيضًا: حدثنا حجاج، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن يزيد عن عبد اللَّه بن مسعود قال: لا يسأل عبد عن نفسه إلا القرآن، فإن كان يحب القرآن فإنه يحب الله ورسوله (^٢٩).\nالحديث الرابع: قال البخاري: حدثنا عمرو بن محمد، حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا أبي، عن صالح بن كيسان، عن ابن شهاب، قال: أخبرني أنس بن مالك أن اللَّه تابع الوحي على رسوله ﷺ قبل وفاته حتى توفاه أكثر ما كان الوحي، ثم توفي رسول الله ﷺ بعد.\nوهكذا رواه مسلم، عن عمرو بن محمد هذا -وهو الناقد- وحسن الحلواني وعبد بن حميد، والنسائي، عن إسحاق بن منصور الكوسج، أربعتهم عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد\n_________\n= والحديث أخرجه ابن أبي شيبة (١٠/ ٤٨٢ - ٤٨٣)، وابن الضريس في الفضائل مختصرًا (٥٨)، وابن حبان في المجروحين (١/ ١٠٠)، وابن نصر في قيام الليل (٧٠)، والبيهقي في الشعب (١٧٨٦)، وأبو نعيم في أخبار أصبهان (٢/ ٢٧٨)، والخطيب في الجامع (١/ ١٠٧)، وابن الجوزي في الواهيات (١/ ١٠١)، وقال ابن الجوزي: لا يصح. وقال الحاكم: صحيح الإسناد، وردَّه الذهبي بضعف الهجري. وقد ورد موقوفًا على ابن مسعود؛ رواه الدارمي (٢/ ٣٠٨ - ٣١٠)، وعبد الرزاق (٣/ ٦٠١٧)، والطبراني (٩/ ٨٦٤٦).\n(^٢٩) - فضائل القرآن (ص ٥١ - ٥٢)، ورواه الطبراني في الكبير (٩/ ٨٦٥٧) من طريق شعبة، عن أبي إسحاق بسنده سواء ولفظه: \"من أحب أن يعلم أنه يحب الله ورسوله فلينظر فإن كان يحب القرآن فهو يحب اللَّه ورسوله ﷺ\". وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ١٦٥) وقال: رواه الطبراني (٨٦٥٧) ورجاله ثقات.","vol":"1","page":28},{"text":"الزهري، به (^٣٠).\nومعناه: أن اللَّه تعالى تابع نزول الوحي على رسوله ﷺ شيئًا بعد شيء كل وقت بما يحتاج إليه، ولم تقع فترة بعد الفترة الأولى التي كانت بعد نزول الملك أول مرة بقوله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١] فإنه استلبث الوحي بعدها حينًا يقال: قريبًا بن سنتين أو أكثر، ثم حَمي الوحي وتتابع، وكان أول شيء نزل بعد تلك الفترة: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ (^٣١).\nالحديث الخامس: حدثنا أبو نعيم، حدثنا سفيان عن الأسود بن قيس قال: سمعت جندبًا يقول: اشتكى النبي ﷺ فلم يقم ليلة أو ليلتين، فأتته امرأة فقالت: يا محمد، ما أرى شيطانك إلا تركك، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿وَالضُّحَى * وَاللَّيلِ إِذَا سَجَى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ (^٣٢).\nوقد رواه البخاري في غير موضع أيضًا، ومسلم والترمذي والنسائي من طرق أخر (^٣٣)، عن سفيان -وهو الثوري- وشعبة بن الحجاج كلاهما عن الأسود بن قيس العبدي، عن جندب بن عبد اللَّه البجلي، به. وسيأتي الكلام على هذا الحديث في تفسير سورة الضحى إن شاء الله تعالى.\nوالمناسبة في ذكر هذا الحديث والذي قبله في فضائل القرآن: أن اللَّه تعالى له برسوله عناية عظيمة ومحبة شديدة، حيث جعل الوحي متتابعًا عليه ولم يقطعه عنه؛ ولهذا إنما أنزل عليه القرآن مفرقًا ليكون ذلك أبلغ في العناية والإكرام.\nقال البخاري، ﵀: نزل القرآن بلسان قريش والعرب، ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾، حدثنا أبو اليمان، حدثنا شعيب، عن الزهري: أخبرني أنس بن مالك قال: فأمر عثمان بن عفان زيد بن ثابت وسعيد بن العاص وعبد الله بن الزبير وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام أن ينسخوها في المصاحف، وقال لهم: إذا اختلفتم أنتم وزيد في عربية من عربية\n_________\n(^٣٠) - صحيح البخاري، كتاب فضائل القرآن، باب: كيف نزل الوحي وأول ما نزل برقم (٤٩٨٢)، وصحيح مسلم، كتاب التفسير برقم ٢ - (٣٠١٦). والنسائي في فضائل القرآن (٨).\n(^٣١) -[المدثر: ١، ٢].\n(^٣٢) - صحيح البخاري، كتاب فضائل القرآن، باب: كيف نزل الوحي وأول ما نزل برقم (٤٩٨٣). والآيات [الضحى: ١ - ٣].\n(^٣٣) - صحيح البخاري، كتاب التهجد، باب: ترك القيام للمريض برقم (١١٢٥)، وانظر (٤٩٥٠، ٤٩٥١)، ومسلم في الجهاد والسير برقم ١١٤ - (١٧٩٧)، والترمذي في تفسير القرآن، باب: سورة الضحى برقم (٣٣٤٥)، وسنن النسائي الكبرى برقم (١١٦٨١).","vol":"1","page":29},{"text":"القرآن، فاكتبوها بلسان قريش، فإن القرآن نزل بلسانهم، ففعلوا (^٣٤).\nهذا الحديث قطعة من حديث سيأتي قريبًا والكلام عليه، ومقصود البخاري منه ظاهر، وهو أن القرآن نزل بلغة قريش، وقريش خلاصة العرب؛ ولهذا قال أبو بكر بن أبي داود:\nحدثنا عبد الله بن محمد بن خلاد، حدثنا يزيد، حدثنا شيبان، عن عبد الملك بن عمير، عن جابر بن سمرة، قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: لا يمليَّن في مصاحفنا هذه إلا غلمان قريش أو غلمان ثقيف. وهذا إسناد صحيح (^٣٥).\nوقال أيضًا (^٣٦): حدثنا إسماعيل بن أسد، حدثنا هوذة، حدثنا عوف، عن عبد الله بن فضالة، قال: لما أراد عمر أن يكتب الإمام أقعد له نفرًا من أصحابه وقال: إذا اختلفتم في اللغة فاكتبوها بلغة مُضر، فإن القرآن نزل بلغة رجل من مضر ﷺ، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ (^٣٧)، وقال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ (^٣٨)، وقال تعالى: ﴿وَهَذَا لِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ (^٣٩)، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾ (^٤٠) الآية، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على ذلك.\nثم ذكر البخاري، ﵀، حديث يعلى بن أمية أنه كان يقول: ليتني أرى رسول الله ﷺ حين ينزل عليه الوحي. فذكر الحديث الذي سأل عمن أحرم بعمرة وهو متضمخ (^٤١) بطيب وعليه جبة، قال: فنظر رسول اللَّه ﷺ ساعة ثم فجأه الوحي، فأشار عمر إلى يعلى أي: تعال، فجاء يعلى، فأدخل رأسه فإذا هو محمر الوجه يغط كذلك ساعة، ثم سري عنه، فقال: \"أين الذي سألني عن العمرة آنفًا؟ \" لم فذكر أمره بنزع الجبة وغسل الطيب.\nوهذا الحديث رواه جماعة من طرق عديدة (^٤٢)، والكلام عليه في كتاب الحج، ولا تظهر\n_________\n(^٣٤) - صحيح البخاري، كتاب فضائل القرآن برقم (٤٩٨٤).\n(^٣٥) - المصاحف (ص ١١). وعبد الملك بن عمير: قال الحافظ: ثقة، فصيح، عالم تغير حفظه، وربما دلس، وقال في التعريف: مشهور بالتدليس، وصفه به الدارقطني، وابن حبان وغيرهما. وقال ابن حبان. وكان مدلسًا. وذكره الذهبي في المدلسين، والعلائي والمقدسي والحلبي، وجعله الحافظ في المرتبة الثالثة من مرات المدلسين.\n(^٣٦) - المصاحف (ص ١١).\n(^٣٧) -[الزمر: ٢٨].\n(^٣٨) -[الشعراء: ١٩٢ - ١٩٥].\n(^٣٩) -[النحل: ١٠٣].\n(^٤٠) -[فصلت: ٤٤].\n(^٤١) - تمضَّخ بالطيب: تلطخ به.\n(^٤٢) - البخاري في كتاب الحج، باب: غسل الخلوق ثلاث مرات من الثياب، وكتاب العمرة =","vol":"1","page":30},{"text":"مناسبة ما بينه وبين هذه التَّرجمة، ولا يكاد، ولو ذكر في التَّرجمة التي قبلها لكان أظهر وأبين، والله أعلم.\n_________\n= باب: يفعل بالعمرة ما يفعل بالحج (١٧٨٩)، وكتاب فضائل القرآن، باب: نزل القرآن بلسان قريش والعرب برقم (٤٩٨٥)، وفي جزاء الصيد، باب: إذا أحرم جاهلًا وعليه قميص برقم (١٨٤٧)، ومسلم في كتاب الحج برقم (١١٨٠)، وأبو داود في كتاب الحج، باب: الرجل يحرم في ثيابه برقم (١٨١٩، ١٨٢٠)، والتِّرمِذي في الحج، باب: ما جاء في الذي يحرم وعليه قميص أو جبة برقم (٨٣٦)، وسنن النَّسائي (٥/ ١٣٠).","vol":"1","page":31},{"text":"<span data-type='title' id=toc-37>جمع القرآن</span>\nقال المؤلف، ﵀: فائدة جليلة حسنة، ثبت في الصحيحين عن أنس قال: جمع القرآن على عهد النبي ﷺ أوبعة، كلهم من الأنصار؛ أبيُّ بن كعب، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأَبو زيد. فقيل له: من: أَبو زيد؟ قال: أحد عمومتي. وفي لفظ للبخاري عن أنس قال: مات النبي ﷺ ولم يجمع القرآن غير أربعة؛ أَبو الدرداء، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأَبو زيد، ونحن ورثناه.\nقلت: أَبو زيد هذا ليس بمشهور؛ لأنه مات قديمًا، وقد ذكروه في أهل بدر، وسمَّاه بعضهم: سعيد بن عبيد. ومعنى قول أنس: \"ولم يجمع القرآن\". يعني من الأنصار سوى هؤلاء، وإلَّا فمن المهاجرين جماعة كانوا يجمعون القرآن كالصديق، وابن مسعود، وسالم مولى أبي حذيفة وغيرهم.\nقال الشيخ أَبو الحسن الأشعري، ﵀: قد علم بالاضطرار أن رسول الله ﷺ قدم أبا بكر في مرض الموت ليصلي بالناس، وقد ثبت في الخبر المتواتر أن رسول الله ﷺ قال: \"ليؤم القوم أقرؤهم\" (^٤٣)، فلو لم يكن الصديق أقرأ القوم لما قدمه عليهم. نقله أَبو بكر بن زنجويه في كتاب \"فضائل الصديق\" عن الأشعري.\nوحكى القرطبي في أوائل تفسيره عن القاضي أبي بكر الباقلاني أنَّه قال - بعد ذكره حديث أنس بن مالك هذا -: فقد ثبت بالطرق المتواترة أنَّه جمع القرآن عثمان، وعلي، وتميم الداري، وعبادة بن الصامت، وعبد الله بن عمرو بن العاص، فقول أنس: \"لم يجمعه غير أربعة\" يحتمل أنَّه لم يأخذه تلقيًا من في رسول الله ﷺ غير هؤلاء الأربعة، وأن بعضهم تلقى بعضه عن بعض. قال: وقد تظاهرت الروايات بأن الأئمة الأربعة جمعوا القرآن على عهد النبي ﷺ لأجل سبقهم إلى الإسلام، وإعظام الرسول لهم (^٤٤).\nقال القرطبي: لم يذكر القاضي ابن مسعود وسالمًا مولى أبي حذيفة، وهما ممن جمع القرآن (^٤٥).\n_________\n(^٤٣) - رواه مسلم في صحيحه في المساجد، باب: من أحق بالإمامة برقم (٦٧٣)، وأَبو داود في كتاب الصلاة، باب: من أحق بالإمامة (٥٨٢، ٥٨٣، ٥٨٤)، والتِّرمِذي في الصلاة، باب: ما جاء من أحق بالإمامة (٢٣٥)، والنسائي (٢/ ٧٦ - ٧٧)، وابن ماجة في إقامة الصلاة، باب: ما جاء من أحق بالإمامة (٩٨٠) من حديث أبي مسعود البدري - عقبة بن عمرو، ﵁.\n(^٤٤) - تفسير القرطبي (١/ ٥٧).\n(^٤٥) - تفسير القرطبي (١/ ٥٧).","vol":"1","page":32},{"text":"[نقلتُ هذه من على ظهر الجزء الأول من أجزاء المؤلف]\nقال البخاري: حدَّثنا موسى بن إسماعيل، حدَّثنا إبراهيم بن سعد، حدَّثنا ابن شهاب، عن عبيد بن السباق، أن زيد بن ثابت قال: أرسل إليَّ أَبو بكر - مقتل أهل اليمامة - فإذا عمر بن الخطاب عنده، فقال أَبو بكر: إن عمر بن الخطاب أتاني، فقال: إن القتل قد استَحَرَّ (^٤٦) بقُرَّاء القرآن، وإني أخشى أن يستحر القتل بالقراء في المواطن فيذهب كثير من القرآن، وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن. فقلت لعمر: كيف نفعل شيئًا لم يفعله رسول الله ﷺ؟ قال عمر: هذا والله خير، فلم يزل عمر يراجعني حتَّى شرح الله صدري لذلك، ورأيت في ذلك الذي رأى عمر. قال زيد: قال: أَبو بكر: إنك رجل شاب عاقل لانتهمك، وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله ﷺ، فتتبع القرآن فاجمعه، فوالله لو كلفوني نقل جبل من الجبال ما كان عليَّ أثقل مما أمرني به من جمع القرآن. قلت: كيف تفعلون شيئًا لم يفعله رسول الله ﷺ؟ قال: هو والله خير. فلم يزل أَبو بكر يراجعني حتَّى شرح الله صدري للذي شرح له صدر أبي بكر وعمر، ﵄، فتتبعت القرآن أجمعه من العُسُب (^٤٧) واللِّخَاف (^٤٨) وصدور الرجال، ووجدتِ آخر بسورة التوبة مع أبي خزيمة الأنصاري لم أجدها مع غيره (^٤٩): ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ﴾ [التوبة: ١٢٨]، حتَّى خاتمة براءة، فكانت الصحف عند أبي بكر حتَّى توفاه الله، ثم عند عمر حياته، ثم عند حفصة بنت عمر، ﵃ (^٥٠).\nوقد روى البخاري هذا الحديث في غير موضع من كتابه، ورواه الإمام أحمد والتِّرمِذي والنَّسائي من طرق عن الزُّهْريّ، به (^٥١).\nوهذا من أحسن وأجل وأعظم ما فعله الصديق، ﵁، فإنه أقامه الله بعد النبي ﷺ مقامًا لا ينبغي لأحد بعده، قاتل الأعداء من مانعي الزكاة، والمرتدين، والفرس والروم، ونفذ الجيوش، وبعث البعوث والسرايا، ورد الأمر إلى نصابه بعد الخوف من تفرقه وذهابه، وجمع القرآن العظيم من أماكنه المتفرقة حتَّى تمكن القارئ من حفظه كله، وكان هذا\n_________\n(^٤٦) - استحر القتل: أي اشتد، ومحر، وهو استفعل من الحَرِّ: الشدة.\n(^٤٧) - العُسب: جريد النخل، مما لم ينبت عليه الخوص، والمفرد: عسيب.\n(^٤٨) - اللخاف: حجارة بيض رقاق، والمفرد: لحفة.\n(^٤٩) - قال الحافظ في الفتح (٩/ ١٥): يعني مكتوبة.\n(^٥٠) - صحيح البخاري، كتاب فضائل القرآن، باب: جمع القرآن برقم (٤٩٨٦).\n(^٥١) - صحيح البخاري، كتاب التفسير، ونضائل القرآن برقم (٤٦٧٩، ٤٩٨٩)، وأحمد في المسند ٥٧ - (١/ ١٠)، والتِّرمِذي في تفسير القرآن برقم (٣١٠٣)، والنَّسائي في الكبرى برقم (٧٩٩٥).","vol":"1","page":33},{"text":"من سر قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ [الحجر: ٩] فجمع الصديق الخير وكف الشرور، ﵁ وأرضاه. ولهذا رُوي عن غير واحد من الأئمة منهم وَكِيع وابن مهدي وقبيصة، عن سفيان الثَّوري، عن إسماعيل بن عبد الرحمن السدي الكبير، عن عبد خير، عن علي بن أبي طالب، ﵁، أنَّه قال: أعظم الناس أجرًا في المصاحف أَبو بكر، إن أبا بكر كان أول من جمع القرآن بين اللوحين (^٥٢). هذا إسناد صحيح.\nوقال أَبو بكر بن أبي داود في كتاب المصاحف: حدَّثنا هارون بن إسحاق، حدَّثنا عبدة، عن هشام، عن أبيه، أن أبا بكر هو الذي جمع القرآن بعد النبي ﷺ، يقول: ختمه (^٥٣). صحيح أيضًا.\nوكان عمر بن الخطاب، ﵁، هو الذي تنبه لذلك لما استحر القتل بالقراء، أي اشتد القتل وكثر في قراء القرآن يوم اليمامة -يعني يوم اليمامة- يعني: يوم قتال مسيلمة الكذاب وأصحابه من بني حنيفة بأرض اليمامة في حديقة الموت، وذلك أن مسيلمة التف معه من المرتدين قريب من مائة ألف، فجهز الصديق لقتاله خالد بن الوليد في قريب من ثلاثة عشر ألفًا، فالتقوا معهم، فانكشف الجيش الإسلامي لكثرة من فيه من الأعراب، فنادى القراء من كبار الصحابة: يا خالد، يقولون: ميزنا من هؤلاء الأعراب فتميزوا منهم، وانفردوا، فكانوا قريبًا من ثلاثة آلاف، ثم صدقوا الحملة، وقاتلوا قتالًا شديدًا، وجعلوا يتنادون، يا أصحاب سورة البقرة، فلم يزل ذلك دأبهم حتَّى فتح الله عليهم ووَلَّى جيش الكفار فارًّا، وأتبعتهم السيوف المسلمة في أقفيتهم قتلًا وأسرًا، وقتل الله مسيلمة، وفرق شمل أصحابه، ثم رجعوا إلى الإسلام، ولكن قتل من القراء يومئذ قريب من خمسمائة، ﵃، فلهذا أشار عمر على الصدِّيق بأن يجمع القرآن؛ لئلا يذهب منه شيء بسبب موت من يكون يحفظه من الصحابة بعد ذلك في مواطن القتال، فإذا كتب وحفظ صار ذلك محفوظًا فلا فرق بين حياة من بلغه أو موته، فراجعه الصديق قليلًا ليستثبت الأمر، ثم وافقه، وكذلك راجعهما زيد بن ثابت في ذلك ثم صار إلى ما رأياه، ﵃ أجمعين، وهذا المقام من أعظم فضائل زيد بن ثابت الأنصاري؛ ولهذا قال أَبو بكر بن أبي داود:\nحدَّثنا عبد الله بن محمد بن خَلَّاد، حدَّثنا يزيد، حدَّثنا مبارك بن فضالة، عن الحسن؛ أن عمر بن الخطاب سأل عن آية من كتاب الله فقيل: كانت مع فلان فقتل يوم اليمامة، فقال: إنا لله، فأمر بالقرآن فجمع فكان أول من جمعه في المصحف (^٥٤).\n_________\n(^٥٢) - رواه ابن أبي داود في المصاحف (ص ٥)، وابن أبي شيبة (١٠/ ٥٤٤).\n(^٥٣) - منقطع، عروة بن الزبير لم يدرك أبا بكر والحديث في المصاحف (ص ٥).\n(^٥٤) - المصاحف (ص ١٠). والمبارك بن فضالة ضعيف ومدلس.","vol":"1","page":34},{"text":"هذا منقطع، فإن الحسن لم يدرك عمر، ومعناه: أنَّه أشار بجمعه فجمع؛ ولهذا كان مهيمنًا على حفظه وجمعه كما رواه ابن أبي داود حيث قال:\nحدثنها أَبو الطاهر، حدَّثنا ابن وَهْب، حدثنا عمر بن طلحة الليثي، عن محمد بن عمرو بن علقمة، عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، أن عمر لما جمع القرآن كان لا يقبل من أحد شيئًا حتَّى يشد شاهدان (^٥٥).\nوذلك عن أمر الصدق له في ذلك، كَما قال أَبو بكر بن أبي داود:\nحدثنا أَبو الطاهر، حدثنا ابن وَهْب، أخبرني ابن أبي الزناد، عن هشام بن عروة، عن أبيه قال: لما استحر القتل، بالقراء يومئذ فرق (^٥٦) أَبو بكر، ﵁، أن يضيع، فقال لعمر بن الخطاب ولزيد بن ثابت: فمن جاءكما بشاهدين على شيء من كتاب الله فاكتباه (^٥٧). منقطع حسن.\nولهذا قال زيد بن ثابت: وجدت سورة التوبة، يعني قوله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ إلى آخر الآيتين (^٥٨) مع أبي خزيمة الأنصاري، وفي رواية: مع خزيمة بن ثابت - الذي جعل رسول الله ﷺ شهادته بشهادتين - لم أجدها مع غيره، فكتبوها عنه لأنه جعل رسول الله ﷺ شهادته بشهادتين في قصة الفرس التي ابتاعها رسول الله ﷺ من الأعرابي، فأنكر الأعرابي البيع، فشهد خزيمة هذا بتصديق رسول الله ﷺ، فأمضى شهادته وقبض الفرس من الأعرابي.\nوالحديث رواه أهل السنن (^٥٩) وهو مشهور.\nوري أبو جعفر الرازي عن الربيع عن أبي العالية أن أبي بن كعب أملاها عليهم مع خزيمة بن ثابت (^٦٠).\n_________\n(^٥٥) - المصاحف (ص ٦).\n(^٥٦) - أي: خاف وخشي.\n(^٥٧) - المصاحف (ص ٦).\n(^٥٨) -[التوبة: ١٢٨، ١٢٩].\n(^٥٩) - رواه أَبو داود في الأقضية برقم (٣٦٠٧)، والنَّسائي في البيوع (٢/ ٣٠٧)، ورواه أحمد (٥/ ٢١٥ - ٢١٦)، وابن سعد في الطبقات (٤/ ٣٧٨ - ٣٧٩)، وابن أبي عمر كما في المطالب ٤٤٥٢ - (٩/ ٣١١). وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٢٠٨٥)، والطحاوي في الشرح (٤/ ١٢٦)، والحاكم (٢/ ١٧)، والبيهقي (٧/ ٦٦، ١٠/ ١٤٥ - ١٤٦)، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد، ورجاله باتفاق الشيخين ثقات.\n(^٦٠) - رواه عبد الله بن أحمد في زوائد المسند ٢١٣٠٦ - (٥/ ١٣٤)، من طريق عمر بن شقيق، عن =","vol":"1","page":35},{"text":"وقد روى ابن وَهْب عن عمرو بن طلحة الليثي، عن محمد بن عمرو بن علقمة، عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب؛ أن عثمان شهد بذلك أيضًا (^٦١).\nوأما قول زيد بن ثابت: \"فتتبعت القرآن أجمعه من العُسُب واللِّخاف وصدور الرجال\" وفي رواية: \"من العُسب والرِّقَاع والأضلاع\"، وفي رواية: \"من الأكتاف والأقتاب وصدور الرجال\".\nأما العُسُب فجمع عسيب. قال أَبو نصر إسماعيل بن حمَّاد الجوهري: وهو من السعف فويق الكَرَب لم ينبت عليه الخوص، وما نبت عليه الخوص فهو السعف.\nواللِّخاف: جمع لَخْفَة وهي القطعة من الحجارة مستدقة، كانوا يكتبون عليها وعلى العسب وغير ذلك، مما يمكنهم الكتابة عليه بما يناسب ما يسمعونه من القرآن من رسول الله ﷺ.\nومنهم من لم يكن يحسن الكتابة أو يثق بحفظه، فكان يحفظه، فتلقاه زيد بن ثابت من هذا من عسيبه، ومن هذا من لخافه، ومن صدر هذا، أي من حفظه وكانوا أحرص شيء على أداء الأمانات وهذا من أعظم الأمانة؛ لأن رسول الله ﷺ أودعهم ذلك ليبلغوه إلي من بعده كما قال الله تعالى: ﴿﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة: ٦٧]، ففعل، صلوات الله وسلامه عليه، ما أمر به؛ ولهذا سألهم في حجة الوداع يوم عرفة علي رءوس الأشهاد والصحابة أوفر ما كانوا مجتمعين، فقال: \"إنكم مسئولون عني فما أنتم قائلون؟ \". فقالوا: نشهد أنك قد بلغت وأدَّيت ونصحت، فجعل يشير بأصبعه إلى السماء، وينكبها عليهم ويقول: \"اللَّهم اشهد، اللَّهم اشهد، اللَّهم اشهد). رواه مسلم عن جابر (^٦٢).\n_________\n= أبي جعفر به، وعمر بن شقيق: قال ابن حزم: لا يدري من هو. وذكره ابن حبان في ثقاته (٨/ ٤٤٠)، وقال الذهبي: فيه لين. ذكر له ابن عدي ثلاثة أحاديث وقال: هو قليل الحديث. قلت - الذهبي -: ما رأيت أحدًا ضعفه. ثم ذكر له هذا الحديث وقال: ما تفرد به عمر بن شقيق الجرمي، فقد رواه عبد الله بن أبي جعفر الرازي، عن أبيه أيضًا. ا هـ من الميزان (٣/ ٢٠٥). وقال الحافظ في التقريب: مقبول -أي عند المتابعة-. وأَبو جعفر الرازي: هو عيسى بن عبد الله بن ماهان. قال أحمد: ليس بقوي في الحديث، وعنه: صالح. وعنه: يكتب حديثه. وقال الفلاس: فيه ضعف وهو من أهل الصدق. وقال النَّسائي: ليس بالقوي. ووثقه أَبو حاتم، وابن معين في رواية، وابن المديني وابن سعد. وقال أَبو زرعة: شيخ يهم كثيرا وقال ابن حجر ﵀ ﵀: صدوق سيء الحفظ. وأخرجه ابن الضريس في الفضائل (٢٧)، والبيهقي في الدلائل (٧/ ١٣٨ - ١٣٩).\n(^٦١) - رواه ابن أبي داود في المصاحف (ص ١٠ - ١١).\n(^٦٢) - رواه مسلم في كتاب الحج - وهو جزء من حديث جابر الطويل في حجة الوداع - برقم ١٤٧ - (١٢١٨).","vol":"1","page":36},{"text":"وقد أمر أمته أن يبلغ الشاهد الغائب وقال: \"بلِّغوا عني ولو آية\" (^٦٣) يعني: ولو لم يكن مع أحدكم سوى آية واحدة فليؤدها إلى من وراءه، فبلَّغوا عنه ما أمرهم به، فأدوا القرآن قرآنًا، والسنة سنة، لم يلبسوا هذا بهذا؛ ولهذا قال ﵊: \"من كتب عني سوى القرآن فليمحه\" (^٦٤) أي: لئلا يختلط بالقرآن، وليس معناه: ألا يحفظوا السنة ويرووها، والله أعلم.\nفلهذا نعلم بالضرورة أنَّه لم يبق من القرآن مما أداه الرسول ﷺ إليهم إلَّا وقد بلغوه إلينا، ولله الحمد والمنة، فكان الذي فعله الشيخان أَبو بكر وعمر، ﵄، من أكبر المصالح الدينية وأعظمها، من حفظهما كتاب الله في الصحف، لئلا يذهب منه شيء بموت من تلقاه عن رسول الله ﷺ، ثم كانت تلك الصحف عند الصديق أيام حياته، ثم أخذها عمر بعده فكانت عنده محروسة معظمة مكرمة، فلما مات كانت عند حفصة أم المؤمنين، لأنها كانت وصيته من أولاده على أوقافه وتركته وكانت عند أم المؤمنين ﵂، حتَّى أخذها منها أمير المؤمنين عثمان بن عفان، ﵁، كما سنذكره إن شاء الله تعالى.\nقال البخاري (^٦٥)، ﵀: حدَّثنا موسى بن إسماعيل، حدَّثنا إبراهيم، حدَّثنا ابن شهاب، أن أَنس بن مالك، حدثه أن حذيفة بن اليمان قدم على عثمان بن عفان ﵄ وكان يغازي أهل الشام في فتح أرمينية وأذربيجان مع أهل العراق، فأفزع حذيفة اختلافهم في القراءة. فقال حذيفة لعثمان: يا أمير المؤمنين، أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى. فأرسل عثمان إلى حفصة أن أرسلي إلينا بالصحف نسخها في المصاحف ثم نردها إليك، فأرسلت بها حفصة إلى عثمان، فأمر زيد بن ثابت وعبد الله بن الزُّبَير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام فنسخوها في المصاحف، وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش، فإنما أنزل بلسانهم. ففعلوا، حتَّى إذا نسخوا الصحف في المصاحف رد عثمان الصحف\n_________\n(^٦٣) - رواه البخاري في أحاديث الأنبياء، باب: ما ذكر عن بني إسرائيل برقم (٣٤٦١)، رواه التِّرمِذي في أَبواب العلم، باب: ما جاء في الحديث عن بني إسرائيل (٢٦٦٩)، من حديث عبد الله بن عمرو، ﵄.\n(^٦٤) - رواه مسلم في صحيحه في الزهد والرقائق برقم ٧٢ - (٣٠٠٤)، والنَّسائي في الكبرى -كتاب فضائل القرآن، باب: كتابة القرآن رقم (٨٠٠٨) - (٥/ ١٠ - ١١). وأحمد (١١٠٩٩، ١١٠١، ١١١٧٢، ١١٣٦٠، ١١٤٤١، ١١٥٥٢) - (٣/ ١٢، ٢١، ٣٩، ٤٦، ٥٦) من طرق عن أبي سعيد به.\n(^٦٥) - صحيح البخاري، كتاب فضائل القرآن، باب: جمع القرآن برقم (٤٩٨٧، ٤٩٨٨).","vol":"1","page":37},{"text":"إلى حفصة وأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا، وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق. قال ابن شهاب الزُّهْريّ: فأخبرني خارجة بن زيد بن ثابت: سمع زيد بن ثابت قال: فقدت آية من الأحزاب حين نسخنا المصحف قد كنت أسمع رسول الله ﷺ يقرأ بها، والتمسناها فوجدناها مع خزيمة بن ثابت الأنصاري: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيهِ﴾ (^٦٦)، فألحقناها في سورتها في المصحف.\nوهذا -أيضًا- من أكبر مناقب أمير المؤمنين عثمان بن عفان، ﵁، فإن الشيخين سبقاه إلى حفظ القرآن أن يذهب منه شيء وهو جمع الناس على قراءة واحدة؛ لئلا يختلفوا في القرآن، ووافقه على ذلك جميع الصحابة، وإنَّما روى عن عبد الله بن مسعود شيء من التغضب بسبب أَنَّه لم يكن ممن كتب المصاحف وأمر آصحابه بغل مصاحفهم لما أمر عثمان بحرق ما عدا المصحف الإمام، ثم رجع ابن مسعود إلى الوفاق حتَّى قال علي بن أَبي طالب، ﵁: لو لم يفعل ذلك عثمان لفعلته أنا (^٦٧). فاتفق الأئمة أَبو بكر وعمر وعثمان وعلي، رضي عنهم، على أن ذلك من مصالح الدين، وهم الخلفاء الذين قال رسود الله ﷺ: \"عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي\" (^٦٨). وكان السبب في هذا حذيفة بن اليمان، ﵁ فإنه لما كان غازيا في فتح أرمينية وأذربيجان، وكان قد اجتمع هناك أهل الشام والعراق وجعل حذيفة يسمع منهم قراءات على حروف شتى، ورأى منهُم اختلافًا كثيرًا وافتراقًا، فلما رجع إلى عثمان أعلمه، وقال لعثمان: أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصاري.\nوذلك أن اليهود والنصارى مختلفون فيما بأيديهم من الكتب، فاليهود بأيديهم نسخة من التوراة، والسامرة يخالفونهم في ألفاظ كثيرة ومعان أيضًا، وليس في توراة السامرة حرف الهمزة ولا حرف الياء، والنصارى -أيضًا- بأيديهم توراة يسمونها العتيقة وهي مُخَالفَةُ لنسختي اليهود والسامرة، وأما الأناجيل التي بأيدي النصارى فأربعة: إنجيل مرقس، وإنجيل لوقا، وإنجيل\n_________\n(^٦٦) -[الأحزاب: ٢٣].\n(^٦٧) - أخرجه أَبو عبيد في الفضائل، وابن أبي داود في المصاحف (١٢، ٢٣).\n(^٦٨) - صحيح، رواه أحمد في المسند ١٧١٩٢ - (٤/ ١٢٦) وبرقم (١٧١٩٤، ١٧١٩٥، ١٧١٩٦). وأخرجه أَبو داود في كتاب السنة، باب: في لزوم السنة حديث (٤٦٠٧) من طريق أحمد بن حنبل، ثنا الوليد بن مسلم، ثنا ثور بن يزيد، ثنا خالد بن معدان، ثنا عبد الرحمن به. والتِّرمِذي في كتاب الحلم، باب: الأخذ بالسنة واجتناب البدعة، حديث (٢٦٧٨)، وابن ماجة في المقدمة، باب: اتباع سنة الخلفاء الراشدين المهديين (١/ ١٦) حديث (٤٣)، (٤٤)، من طريق إسماعيل بن بشر بن منصور، ثنا عبد الرحمن بن مهدي به. والطبراني في الكبير (١٨/ ٢٤٦) حديث (٦١٧) - (٦٢١)، والدارمي (١/ ٤٣ - ٤٤)، وابن حبان (١٠٢)، وابن أبي عاصم (١/ ١٩)، وصححه الشيخ الألباني في صحيح أبي داود حديث (٣٨٥١)، وصحيح ابن ماجة (٤٢)، (١٤١١).","vol":"1","page":38},{"text":"متى، وإنجيل يوحنا، وهي مختلفة -أيضًا- اختلافا كثيرًا، وهذه الأناجيل الأربعة كل منها لطيف الحجم منها ما هو قريب من أربع عشرة ورقة بخط متوسط، ومنها ما هو أكبر من ذلك إما بالنصف أو بالضعف، ومضمونها سيرة عيسى وأيامه وأحكامه وكلامه وفيه شيء قليل مما يدعون أنَّه كلام الله، وهي مع هذا مختلفة، كما قلنا، وكذلك التوراة مع ما فيها من التحريف والتبديل ثم هما منسوخان بعد ذلك بهذه الشريعة المحمدية المطهرة.\nفلما قال حذيفة لعثمان ذلك أفزعه وأرسل إلى حفصة أم المؤمنين أن ترسل إليه بالصحف التي على القراءة به وترك ما سواه، ففعلت حفصة وأمر عثمان هؤلاء الأربعة وهم زيد بن ثابت القرشي الأسدي، أحد فقهاء الصحابة ونجبائهم علمًا وعملًا وأصلًا وفضلًا، وسعيد بن العاص بن سعيد بن العاصي بن أمية القرشي الأموي، وكان كريما جوادًا ممدحًا، وكان أشبه الناس لهجة برسول الله ﷺ، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشي المحزومي، فجلس هؤلاء النفر الأربعة يكتبون القرآن نسخًا، وإذا اختلفوا في وضع الكتابة على أي لغة رجعوا إلى عثمان، كما اختلفوا في التابوت أيكتبنه بالتاء أو الهاء، فقال زيد بن ثابت: إنما هو التابوه. وقال الثلاثة القرشيون: إنما هو التابوت فترافعوا إلى عثمان فقال: اكتبوه بلغة قريش، فإن القرآن نزل بلغتهم (^٦٩).\nوكأنَّ عثمان - والله أعلم - رتب السور في المصحف، وقدم السبع الطوال وثنى بالمئين؛ ولهذا روى ابن جرير وأَبو داود والتِّرمِذي والنَّسائي من حديث غير واحد من الأئمة الكبار، عن عوف الأعرابي، عن يزيد الفارسي، عن ابن عبَّاس (^٧٠) قال: قلت العثمان بن عفان: ما\n_________\n(^٦٩) - رواه التِّرمِذي (٣١٠٤)، وعمر بن شبة (٣/ ١٠٠٠، ١٠٠١)، وابن أبي داود (١٩)، والبيهقي (٢/ ٣٨٥) من قول الزُّهْريّ.\n(^٧٠) - ضعيف، رواه ابن جرير ٣١٩ - (١/ ١٠٢)، وأَبو داود برقم (٧٨٦)، والتِّرمِذي برقم (٣٠٨٦)، والنَّسائي في الكبرى برقم (٨٠٠٧)، وأحمد ٣٩٩ - (١/ ٥٧)، وابن أبي داود (٣١ - ٣٢)، وابن حبان (٤٣ الإحسان)، والحاكم في المستدرك (٢٢١، ٣٣٠)، والبيهقي في السنن (٢/ ٤٢)، وعمر بن شبة (٣/ ١٠١٥، ١٠١٦). ومدار هذا الحديث على يزيد الفارسي: وقد اختلفوا فيه، أهو يزيد بن هرمز أم غيره، قال البخاري في التاريخ (٨/ ٣٦٧) قال لي علي: قال عبد الرحمن: يزيد الفارسي هو ابن هرمز. قال: فدكرته ليحيى فلم يعرفه، قال: وكان يكون مع الأمراء، وذكر البخاري ذلك في الضعفاء ص ١٢٢. وقال ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٩/ ٢٩٣): قال أَبو محمد: اختلفوا في يزيد بن هرمز أنَّه يزيد الفارسي أم لا، فقال عبد الرحمن بن مهدي، وأحمد: وأحمد: يزيد الفارسي هو يزيد بن هرمز، وأنكر يحيى القطان أن يكونا وأحدًا، وسمعت أبي يقول: يزيد بن هرمز هذا ليس بيزيد الفارسي، هو سواه. وقال التِّرمِذي عقب الحديث: ويزيد الفارسي قد روي عن ابن عبَّاس غير حديث، ويقال: هو يزيد بن هرمز. وقال الحافظ في التقريب: مقبول -أي عند المتابعة.","vol":"1","page":39},{"text":"حملكم أن عمدتم إلى الأنفال وهي من المثاني وإلى براءة وهي من المئين، فقرنتم بينها ولم تكتبوا بينها سطر ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، ووضعتموها في السبع الطوال؟ ما حملكم على ذلك؟ فقال عثمان: كان رسول الله ﷺ مما يأتي عليه الزمان وهو ينزل عليه السور ذوات العدد، فكان إذا نزل عليه الشيء دعا بعض من كان يكتب فيقول: ضعوا هؤلاء الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا، فإذا أنزلت عليه الآية فيقول: ضعوا هذه الآية في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا، وكانت الأنفال من أول ما نزل بالمدينة، وكانت براءة من آخر القرآن، وكانت قصتها شبيهة بقصتها، وحسبت أنها منها فقبض رسول الله ﷺ ولم يبين لنا أنها منها، فمن أجل ذلك قرنت بينهما ولم أكتب بينهما سطر ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ فوضعتها في السبع الطوال.\nففهم من هذا الحديث أن ترتيب الآيات في السور أمر توقيفي متلقى عن الرسول ﷺ، وأما ترتيب السور فمن أمير المؤمنين عثمان بن عفان، ﵁؛ ولهذا ليس لأحد أن يقرأ القرآن إلا مرتبًا آياته؛ فإن نكسه أخطأ خطأ كبيرًا. وأما ترتيب السور فمستحب اقتداء بعثمان، ﵁، والأولى إذا قرأ أن يقرأ متواليًا كما قرأ ﵊، في صلاة الجمعة بسورة الجمعة والمنافقين وتارة بسبح وهل أتاك حديث الغاشية، فإن فرق جاز، كما صح أن رسول الله ﷺ قرأ في العيد بقاف واقتربت الساعة، رواه مسلم (^٧١) عن أبي واقد، وفي الصحيحين (^٧٢) عن أبي هريرة، ﵁؛ أن رسول الله ﷺ كان يقرأ في صلاة الصبح يوم الجمعة: ﴿الم﴾ السجدة، و﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾.\nوإن قدم بعض السور على بعض جاز أيضًا، فقد روى حذيفة أن رسول الله ﷺ قرأ البقرة ثم النساء ثم آل عمران. أخرجه مسلم (^٧٣).\nوقرأ عمر في الفجر بسورة النحل ثم بيوسف (^٧٤).\nثم إن عثمان رد المصحف إلى حفصة، فلم يزل عندها حتى أرسل إليها مروان بن الحكم\nيطلبها فلم تعطه حتى ماتت، فأخذها من عبد الله بن عمر فحرقها لئلا يكون فيها شيء يخالف\nالمصاحف الأئمة التي نفذها عثمان إلى الآفاق، مصحفًا إلى أهل مكة، ومصحفًا إلى البصرة،\nوآخر إلى الكوفة، وآخر إلى الشام، وآخر إلى اليمن، وآخر إلى البحرين، وترك عند أهل المدينة\n_________\n(^٧١) - رواه مسلم في صلاة العيدين برقم ١٤ - (٨٩١).\n(^٧٢) - البخاري في كتاب الجمعة، باب: ما يقرأ في صلاة الفجر يوم الجمعة برقم (٨٩١)، ومسلم في كتاب الجمعة برقم ٦٥ - (٨٨٠).\n(^٧٣) - رواه مسلم في صلاة المسافرين وقصرها برقم ٢٠٣ - (٧٧٢).\n(^٧٤) - رواه البخاري (٣٧٠٠)، وابن حبان (٦٩١٧ إحسان).","vol":"1","page":40},{"text":"مصحفًا، رواه أبو بكر بن أبي داود، عن أبي حاتم السجستاني، سمعه يقوله (^٧٥).\nوصحح القرطبي أنه إنما نفذ إلى الآفاق أربعة مصاحف. وهذا غريب.\nوأمر بما عدا ذلك من مصاحف الناس أن يحرق لئلا تختلف قراءات الناس في الآفاق، وقد وافقه الصحابة في عصره على ذلك ولم ينكره أحد منهم، وإنما نقم عليه ذلك أولئك الرهط الذين تمالئوا عليه وقتلوه، قاتلهم الله، وفي ذلك جملة ما أنكروا مما لا أصل له، وأما سادات المسلمين من الصحابة، ومن نشأ في عصرهم ذلك من التابعين، فكلهم وافقوه.\nقال أبو داود الطيالسي وابن مهدي وغُنْدَر عن شعبة، عن عَلْقَمة بن مَرْثَد، عن رجل، عن سُويَد بن غفلة، قال عليّ حين حرق عثمان المصاحف: لو لم يصنعه هو لصنعته (^٧٦).\nوقال أبو بكر بن أبي داود (^٧٧): حدثنا أحمد بن سِنَان، حدثنا عبد الرحمن، حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق، عن مصعب بن سعد بن أبي وقاص، قال: أدركت الناس متوافرين حين حرق عثمان المصاحف فأعجبهم ذلك، أو قال: لم ينكر ذلك منهم أحد. وهذا إسناد صحيح.\nوقال أيضًا (^٧٨): حدثنا إسحاق بن إبراهيم الصواف، حدثنا يحيى بن كثير، حدثنا ثابت بن عمارة الحنفي، قال: سمعت غنيم بن قيس المازني قال: قرأت القرآن على الحرفين جميعًا، والله ما يسرني أن عثمان لم يكتب المصحف، وأنه ولد لكل مسلم كلما أصبح غلام، فأصبح له مثل ماله. قال: قلنا له: يا أبا العنبر، ولم؟ قال: لو لم يكتب عثمان المصحف لطفق الناس يقرءون الشعر.\nوحدثنا (^٧٩) يعقوب بن سفيان، حدثنا محمد بن عبد الله، حدثني عمران بن حدير، عن أبي مِجْلَز قال: لولا أن عثمان كتب القرآن لألفيت الناس يقرءون الشعر.\nوحدثنا (^٨٠) أحمد بن سنان قال: سمعت ابن مهدي يقول: خصلتان لعثمان بن عفان ليستا لأبي بكر ولا لعمر: صبره نفسه حتى قتل مظلومًا، وجمعه الناس على المصحف.\n_________\n(^٧٥) - المصاحف لابن أبي داود (ص ٣٤).\n(^٧٦) - رواه ابن أبي داود في المصاحف (ص ١٢).\n(^٧٧) - المصاحف (ص ١٢).\n(^٧٨) - المصاحف (ص ١٣)، يحيى بن كثير: ثقة، وثابت بن عمارة الحنفي: قال في التقريب: صدوق فيه لين.\n(^٧٩) - المصاحف (ص ١٣)، وعمران بن حدير: ثقة.\n(^٨٠) - المصاحف (ص ١٣).","vol":"1","page":41},{"text":"وأما عبد الله بن مسعود فقد قال إسرائيل: عن أبي إسحاق، عن حميد بن مالك قال: لما أمر عثمان بالمصاحف -يعني بتحريقها- ساء ذلك عبد الله بن مسعود وقال: من استطاع منكم أن يغلَّ مصحفًا فليغلل، فإنه من غلَّ شيئًا جاء بما غل يوم القيامة.\nثم قال عبد الله: لقد قرأت القرآن من في رسول الله ﷺ سبعين سورة وزيد صبي، أفأترك ما أخذت من فيِ رسول الله ﷺ (^٨١).\nوقال أبو بكر (^٨٢): حدثنا عبد اللَّه بن محمد بن النعمان، حدثنا سعيد بن سليمان، حدثنا أبو شهاب، عن الأعمش، عن أبي وائل، قال: خطبنا ابن مسعود على المنبر فقال: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ (^٨٣)، غلوا مصاحفكم، وكيف تأمروني أن أقرأ على قراءة زيد بن ثابت، وقد قرأت القرآن من فيِّ رسول الله ﷺ بضعًا وسبعين سورة، وإن زيد بن ثابت ليأتي مع الغلمان له ذؤابتان، والله ما نزل من القرآن شيء إلا وأنا أعلم في أي شيء نزل، وما أحد أعلم بكتاب اللَّه مني، وما أنا بخيركم، ولو أعلم مكانًا تبلغه الإبل أعلم بكتاب الله مني لأتيته. قال أبو وائل: فلما نزل عن المنبر جلست في الحلق، فما أحد ينكر ما قال.\nأصل هذا مخرج في الصحيحين (^٨٤) وعندهما: ولقد علم أصحاب محمد أني أعلمهم بكتاب الله. وقول أبي وائل: \"فما أحد ينكر ما قال\"، يعني: من فضله وعلمه وحفظه، والله أعلم.\nوأما أمره بغَلّ المصاحف وكتمانها، فقد أنكره عليه غير واحد.\nقال الأعمش (^٨٥) عن إبراهيم، عن علقمة، قال: قدمت الشام فلقيت أبا الدرداء، فقال: كنا نعد عبد الله جبانًا (^٨٦)، فما باله يواثب الأمراء.\n_________\n(^٨١) - رواه أحمد (٣٦٩٧، ٣٨٤٦، ٣٩٠٦، ٤٢١٨) (١/ ٣٨٩، ٤٠٥، ٤١٤)، والطيالسي (٤٠٥) والبخاري في التاريخ الكبير (٢/ ١ / ٢٤٧)، وابن أبي داود في المصاحف (ص ١٥)، وأبو نعيم في الحلية (١/ ١٢٥)، والحاكم وصححه (٢/ ٢٢٨)، والطبراني في الكبير (٨٤٣٤، ٨٤٣٥)، والدارقطني في المؤتلف (٦٧٢).\n(^٨٢) - المصاحف (ص ١٥ - ١٦).\n(^٨٣) -[آل عمران: ١٦١].\n(^٨٤) - رواه البخاري في فضائل القرآن، باب: القراء من أصحاب رسول الله، ﷺ، برقم (٥٠٠٠)، ومسلم في فضائل الصحابة من صحيحه برقم ١١٤ - (٢٤٦٢).\n(^٨٥) - المصاحف (ص ١٨).\n(^٨٦) - في المصاحف: \"حنانًا\".","vol":"1","page":42},{"text":"وقال أبو بكر بن أبي داود (^٨٧):\nباب رضا عبد اللَّه بن مسعود بجمع عثمان المصاحف بعد ذلك:\nحدثنا عبد اللَّه بن سعيد ومحمد بن عثمان العجلي قالا: حدثنا أبو أسامة، حدثني الوليد بن قيس، عن عثمان بن حسان العامري، عن فُلفُلة الجعفي قال: فزعت فيمن فزع إلى عبد الله في المصاحف، فدخلنا عليه، فقال رجل من القوم: إنا لم نأتك زائرين، ولكنا جئنا حين راعنا هذا الخبر، فقال: إن القرآن أنزل على نبيكم من سبعة أبواب، على سبعة أحرف -أو حروف- وإن الكتاب قبلكم كان ينزل -أو نزل- من باب واحد على حرف واحد. وهذا الذي استدل به أبو بكر، ﵀، على رجوع ابن مسعود فيه نظر، من جهة أنه لا يظهر من هذا اللفظ رجوع عما كان يذهب إليه، والله أعلم.\nوقال أبو بكر أيضًا (^٨٨): حدثنا عمي، حدثنا أبو رجاء، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن مصعب بن سعد قال: قام عثمان فخطب الناس فقال: يا أيها الناس! عهدكم بنبيكم منذ ثلاث عشرة وأنتم تمترون في القرآن، وتقولون: قراءة أبيّ وقراءة عبد الله، يقول الرجل: والله ما تقيم قراءتك، وأعزم على كل رجل منكم ما كان معه من كتاب الله شيء لما جاء به، فكان الرجل يجيء بالورقة والأديم فيه القرآن حتى جمع من ذلك كثرة ثم دخل عثمان فدعاهم رجلًا رجلًا فناشدهم: لسمعت رسول اللَّه ﷺ وهو أملاه عليك؟ فيقول: نعم، فلما فرغ من ذلك عثمان قال: من أكتبُ الناس؟ قالوا: كاتب رسول الله ﷺ زيد بن ثابت. قال: فأي الناس أعرب؟ قالوا: سعيد بن العاص. قال عثمان: فليمْل سعيد، وليكتب زيد. فكتب زيد مصاحف ففرقها في الناس، فسمعت بعض أصحاب رسول الله ﷺ يقولون: قد أحسن. إسناد صحيح.\nوقال أيضًا (^٨٩): حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن زيد، حدثنا أبو بكر، حدثنا هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن كثير بن أفلح قال: لما أراد عثمان أن يكتب المصاحف جمع له اثني عشر رجلًا من قريش والأنصار، فيهم أبيّ بن كعب وزيد بن ثابت، قال: فبعثوا إلى الربعة التي في بيت عمر فجيء بها، قال: وكان عثمان يتعاهدهم، وكانوا إذا تدارءوا في شيء أخروه. قال محمد: فقلت لكثير -وكان فيهم فيمن يكتب-: هل تدرون لم كانوا\n_________\n(^٨٧) - المصاحف (ص ١٨)، والحديث رواه أحمد في العلل (٣٧٢٥)، وفي المسند (١/ ٤٤٥)، والطحاوي في مشكل الآثار (٤/ ١٨٢)، وعمر بن شبة (٣/ ١٠٠٦).\n(^٨٨) - المصاحف (ص ٢٣ - ٢٤).\n(^٨٩) - المصاحف (ص ٢٥ - ٢٦)، وأبو بكر هو ابن عياش، ثقة عابد؛ إلا أنه لما كبر ساء حفظ، وكتابه صحيح.","vol":"1","page":43},{"text":"يؤخرونه؟ قال: لا. قال محمد: فظننت ظنًّا إنما كانوا يؤخرونها لينظروا أحدثهم عهدًا بالعرضة الأخيرة فيكتبونها على قوله. صحيح أيضًا.\nقلت: الربعة هي الكتب المجتمعة، وكانت عند حفصة، ﵂، فلما جمعها عثمان، ﵁، في المصحف، ردها إليها، ولم يحرقها في جملة ما حرقه مما سواها، لأنها هي بعينها الذي كتبه، وإنما رتبه، ثم إنه كان قد عاهدها على أن يردها إليها، فما زالت عندها حتى ماتت، ثم أخذها مروان بن الحكم فحرقها وتأول في ذلك ما تأول عثمان، كما رواه أبو بكر بن أبي داود (^٩٠):\nحدثنا محمد بن عوف، حدثنا أبو اليمان، حدثنا شعيب، عن الزهري، أخبرني سالم بن عبد الله: أن مروان كان يرسل إلى حفصة يسألها الصحف التي كتب منها القرآن، فتأبى حفصة أن تعطيه إياها. قال سالم: فلما توفيت حفصة ورجعنا من دفنها أرسل مروان بالعزيمة إلى عبد الله بن عمر ليرسلن إليه بتلك الصحف، فأرسل بها إليه عبد الله بن عمر فأمر بها مروان فشققت، وقال مروان: إنما فعلت هذا لأن ما فيها قد كتب وحفظ بالمصحف، فخشيت إن طال بالناس زمان أن يرتاب في شأن هذه الصحف مرتاب أو يقول: إنه قد كان شيء منها لم يكتب. إسناده صحيح.\nوأما ما رواه الزهري (^٩١) عن خارجة، عن أبيه في شأن آية الأحزاب وإلحاقهم إياها في سورتها، فذكره لهذا بعد جمع عثمان فيه نظر، وإنما هذا كان حال جمع الصديق الصحف كما جاء مصرحًا به في غير هذه الرواية عن الزهري، عن عبيد بن السباق، عن زيد بن ثابت، والدليل على ذلك أنه قال: \"فألحقناها في سورتها من المصحف\" وليست هذه الآية ملحقة في الحاشية في المصاحف العثمانية.\nفهذه الأفعال من أكبر القربات التي بادر إليها الأئمة الراشدون أبو بكر وعمر، ﵄، حفظًا على الناس القرآن، جمعاه لئلا يذهب منه شيء وعثمان، ﵁، جمع قراءات الناس على مصحف واحد ووضعه على العرضة الأخيرة التي عارض بها جبريل رسول الله ﷺ في آخر رمضان من عمره، ﵊، فإنه عارضه به عامئذ مرتين؛ ولهذا قال رسول الله ﷺ لفاطمة ابنته لما مرض: \"وما أرى ذلك إلا لاقتراب أجلي\". أخرجاه في الصحيحين (^٩٢).\n_________\n(^٩٠) - المصاحف (ص ٢٤ - ٢٥)، وفضائل القرآن لأبي عبيد (ص ٢٨٤)، وعمر بن شبة (٣/ ١٠٠٣، ١٠٠٤)، وابن عبد البر (٨/ ٣٠٠)، وقال أبو عبيد: لم يسمع في شيء من الحديث أن مروان هو الذي مزق الصحف إلا في هذا الحديث.\n(^٩١) - رواه ابن أبي داود في المصاحف (ص ٢٩) عن الزهري.\n(^٩٢) - رواه البخاري في الاستئذان، باب: من ناجى بين يدي الناس … برقم (٦٢٨٦، ٦٢٨٥)، =","vol":"1","page":44},{"text":"وقد روي أن عليًّا، ﵁، أراد أن يجمع القرآن بعد رسول الله ﷺ مرتبًا بحسب نزوله أولًا فأولا، كما رواه ابن أبي داود حيث قال:\nحدثنا محمد بن إسماعيل الأحمسي، حدثنا ابن فضيل، عن أشعث، عن محمد بن سيرين قال: لما توفي النبي ﷺ أقسم عليٌّ ألا يهتدي برداء إلا لجمعة حتى يجمع القرآن في مصحف ففعل، فأرسل إليه أبو بكر، ﵁، بعد أيام: أكرهت إمارتي يا أبا الحسن؟ فقال: لا والله إلا أني أقسمت ألا أرتدي برداء إلا لجمعة. فبايعه ثم رجع (^٩٣).\nهكذا رواه وفيه انقطاع، ثم قال: لم يذكر المصحف أحد إلا أشعث، وهو لين الحديث، وإنما رووا: حتى أجمع القرآن، يعني أتم حفظه، فإنه يقال للذي يحفظ القرآن: قد جمع القرآن.\nقلت: وهذا الذي قاله أبو بكر أظهر، والله أعلم، فإن عليًّا لم ينقل عنه مصحف على ما قيل ولا غير ذلك، ولكن قد توجد مصاحف على الوضع العثماني، يقال: إنها بخط علي، ﵁، وفي ذلك نظر، فإنه في بعضها: كتبه علي بن أبي طالب، وهذا لحن من الكلام؛ وعلي ﵁ من أبعد الناس عن ذلك فإنه كما هو المشهور عنه هو أول من وضع علم النحو، فيما رواه عنه أبو الأسود ظالم بن عمرو الدؤلي، وأنه قسم الكلام إلى اسم وفعل وحرف، وذكر أشياء أخر تممها أبو الأسود بعده، ثم أخذه الناس عن أبي الأسود فوسعوه ووضحوه، وصار علمًا مستقلًا.\nوأما المصاحف العثمانية الأئمة فأشهرها اليوم الذي في الشام بجامع دمشق عند الركن شرقي المقصورة المعمورة بذكر الله، وقد كانت قديمًا بمدينة طبرية ثم نقل منها إلى دمشق في حدود ثمان عشرة وخمسمائة، وقد رأيته كتابًا عزيزًا جليلًا عظيمًا ضخمًا بخط حسن مبين قوي بحبر محكم في رق أظنه من جلود الإبل، والله أعلم، زاده الله تشريفًا وتكريمًا وتعظيمًا.\nفأما عثمان، ﵁، فما يعرف أنه كتب بخطه هذه المصاحف، وإنما كتبها زيد بن ثابت في أيامه، ربما وغيره، فنسبت إلى عثمان لأنها بأمره وإشارته، ثم قرئت على الصحابة بين يدي عثمان، ثم نفذت إلى الآفاق، ﵁، وقد قال أبو بكر بن أبي داود (^٩٤):\n_________\n= ومسلم في فضائل الصحابة برقم ٩٨ - (٢٤٥٠).\n(^٩٣) - المصاحف (ص ١٠)، ومن طريقه ابن عساكر (١٢/ ٣٢٧ - ٣٢٨).\n(^٩٤) - رواه الطبري (٤/ ٣٨٣)، وعمر بن شبة (٣/ ١١٣٨ - ١١٣٩)، والطبراني (١/ ١١٩)، من طريق الزهري، عن أبي سلمة؛ قال: لما ضرب عثمان. فذكره، وحسن إسناده الهيثمي (٩/ ٩٤)، وهو منقطع بين أبي سلمة وعثمان.","vol":"1","page":45},{"text":"حدثنا علي بن حرب الطائي، حدثنا قريش بن أنس، حدثنا سليمان التيمي، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد مولى بني أسيد، قال: لما دخل المصريون على عثمان ضربوه بالسيف على يده فوقعت على: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (^٩٥)، فمد يده وقال: واللَّه إنها لأول يد خطت المفصل.\nوقال أيضًا: حدثنا أبو طاهر، حدثنا ابن وهب قال: سألت مالكًا عن مصحف عثمان، فقال لي: ذَهَب.\nيحتمل أنه سأله عن المصحف الذي كتبه بيده، ويحتمل أن يكون سأله عن المصحف الذي تركه في المدينة، والله أعلم.\nقلت: وقد كانت الكتابة في العرب قليلة جدًّا، وإنما أول ما تعلموا ذلك ما ذكره هشام بن محمد بن السائب الكلبي وغيره: أن بشر بن عبد الملك أخا أكيدر دومة تعلم الخط من الأنبار، ثم قدم مكة فتزوج الصهباء بنت حرب بن أمية أخت أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية فعلمه حرب بن أمية وابنه سفيان، وتعلمه عمر بن الخطاب من حرب بن أمية، وتعلمه معاوية من عمه سفيان بن حرب، وقيل: إن أول من تعلمه من الأنبار قوم من طيئ من قرية هناك يقال لها: بقة، ثم هذبوه ونشروه في جزيرة العرب فتعلمه الناس. ولهذا قال أبو بكر بن أبي داود (^٩٦):\nحدثنا عبد الله بن محمد الزهري، إن شاء الله، حدثنا سفيان، عن مجاهد، عن الشعبي قال: سألنا المهاجرين من أين تعلمتم الكتابة؟ قالوا: من أهل الحيرة. وسألنا أهل الحيرة: من أين تعلمتم الكتابة؟ قالوا: من أهل الأنبار.\nقلت: والذي كان يغلب على زمان السلف الكتابة المكتوفة ثم هذبها أبو علي بن مقلة الوزير، وصار له في ذلك منهج وأسلوب في الكتابة، ثم قربها علي بن هلال البغدادي المعروف بابن البواب وسلك الناس وراءه. وطريقته في ذلك واضحة جيدة. والغرض أن الكتابه لما كانت في ذلك الزمان لم تحكم جيدًا، وقع في كتابة المصاحف اختلاف في وضع الكلمات من حيث صناعة الكتابة لا من حيث المعنى، وصنف الناس في ذلك، واعتنى بذلك الإمام الكبير أبو عبيد القاسم بن سلام ﵀ في كتابه فضائل القرآن، والحافظ أبو بكر بن أبي داود ﵀ فبوبا على ذلك، وذكرا قطعة صالحة هي من صناعة القرآن، ليست مقصدنا ها هنا؛ ولهذا نص الإمام مالك ﵀ على أنه لا توضع المصاحف إلا على وضع كتابة الإمام، ورخص في ذلك غيره، واختلفوا في الشكل والنقط فمن مرخص ومن مانع، فأما كتابة السور وآياتها والتعشير والأجزاء والأحزاب فكثير في مصاحف زماننا، والأولى اتباع السلف الصالح.\n_________\n(^٩٥) -[البقرة: ١٣٧].\n(^٩٦) - المصاحف (ص ٤).","vol":"1","page":46},{"text":"ثم قال البخاري (^٩٧):\nذكر كُتَّاب النبي ﷺ.\nوأورد فيه من حديث الزهري، عن ابن السباق، عن زيد بن ثابت، أن أبا بكر الصديق قال له: وكنت تكتب الوحي لرسول الله ﷺ، وذكر نحو ما تقدم في جمعه للقرآن (^٩٨)، وقد تقدم، وأورد حديث زيد بن ثابت في نزول: ﴿لَا يَسْتَوي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ (^٩٩)، وسيأتي الكلام عليه في سورة النساء إن شاء الله تعالى. ولم يذكر البخاري أحدًا من الكتّاب في هذا الباب سوى زيد بن ثابت، وهذا عجب، وكأنه لم يقع له حديث يورده سوى هذا، والله أعلم.\nوموضع هذا في كتاب السيرة عند ذكر كتّابه ﵇.\nثم قال البخاري ﵀: (^١٠٠)\n\n<span data-type='title' id=toc-38>أنزل القرآن على سبعة أحرف</span>\nحدثنا سعيد بن عفير، حدثنا الليث، حدثني عقيل، عن ابن شهاب قال: حدثني عبيد الله بن عبد الله؛ أن عبد الله بن عباس حدثه: أن رسول الله ﷺ قال: \"أقرأني جبريل على حرف فراجعته، فلم أزل أستزيده ويزيدني حتى انتهى إلى سبعة أحرف\".\nوقد رواه -أيضًا- في بدء الخلق، ومسلم من حديث يونس، ومسلم -أيضًا- من حديث معمر، كلاهما عن الزهري بنحوه، ورواه ابن جرير من حديث الزهري به (^١٠١)، ثم قال الزهري: بلغني أن تلك السبعة الأحرف إنما هي في الأمر الذي يكون واحدًا لا تختلف في حلال ولا في حرام.\nوهذا مبسوط في الحديث الذي رواه الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام حيث قال (^١٠٢):\n_________\n(^٩٧) - البخاري في فضائل القرآن برقم (٤٩٨٩). والذي في البخاري \"باب: كاتب النبي ﷺ\" كذا بالإفراد.\n(^٩٨) - البخاري في فضائل القرآن برقم (٤٩٩٠).\n(^٩٩) -[النساء: ٩٥].\n(^١٠٠) - البخاري في فضائل القرآن برقم (٤٩٩١).\n(^١٠١) - البخاري في باب: ذكر الملائكة صلوات الله عليم برقم (٣٢١٩)، ومسلم في صلاة المسافرين وقصرها برقم ٢٧٢ - (٨١٩)، وتفسير ابن جرير ١٩ - (١/ ٢٩).\n(^١٠٢) - فضائل القرآن (ص ٣٣٦).","vol":"1","page":47},{"text":"حدثنا يزيد ويحيى بن سعيد كلاهما عن حميد الطويل، عن أنس بن مالك، عن أبيّ بن كعب قال: ما حاك في صدري شيء منذ أسلمت، إلا أنني قرأت آية وقرأها آخر غير قراءتي فقلت: أقرأنيها رسول الله، ﷺ، فقال: أقرأنيها رسول اللَّه، ﷺ، فأتينا رسول الله، ﷺ، فقلت: يا رسول الله، أقرأتني آية كذا وكذا؟ قال: \"نعم\"، وقال الآخر: أليس تقرئني آية كذا وكذا؟ قال: \"نعم\". فقال: \"إن جبريل وميكائيل أتياني فقعد جبريل عن يميني وميكائيل عن يساري، فقال جبريل: اقرأ القرآن على حرف، فقال ميكائيل: استزده، حتى بلغ سبعة أحرف وكل حرف شاف كاف\".\nوقد رواه النسائي من حديث يزيد -وهو ابن هارون- ويحيى بن سعيد القطان كلاهما عن حميد الطويل، عن أنس، عن أبيّ بن كعب بنحوه (^١٠٣).\nوكذا رواه ابن أبي عدي ومحمود بن ميمون الزعفراني ويحيى بن أيوب كلهم عن حميد به (^١٠٤).\nوقال ابن جرير (^١٠٥): حدثنا محمد بن مرزوق، حدثنا أبو الوليد، حدثنا حماد بن سلمة، عن حميد، عن أنس، عن عبادة بن الصامت، عن أبيّ بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ: \"أنزل القرآن على سبعة أحرف\" فأدخل بينهما عبادة بن الصامت.\nوقال الإمام أحمد بن حنبل ﵀ (^١٠٦): حدثنا يحيى بن سعيد عن إسماعيل بن أبي خالد، حدثني عبد اللَّه بن عيسى، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أبيّ بن كعب، قال: كنت في المسجد فدخل رجل فقرأ قراءة أنكرتها عليه، ثم دخل آخر فقرأ قراءة سوى قراءة صاحبه، فقمنا جميعًا، فدخلنا على رسول اللَّه ﷺ، فقلت: يا رسول الله، إن هذا قرأ قراءة أنكرتها عليه، ثم دخل هذا فقرأ قراءة غير قراءة صاحبه، فقال لهما النبي صلى الله\n_________\n(^١٠٣) - إسناده صحيح، وهو في سنن النسائي الكبرى برقم (٧٩٨٦)، ورواه أحمد (٥/ ١١٤، ١٢٢)، وابن أبي شيبة (١٠/ ٥١٧)، وعبد بن حميد (١٦٤)، وابن حبان (٧٣٧ الإحسان).\n(^١٠٤) - رواه ابن جرير في تفسيره ٢٦ - (١/ ٣٣)، ورواه عبد الله بن أحمد (٥/ ١٢٢)، والطحاوي في المشكل (٤/ ١٨٩).\n(^١٠٥) - تفسير ابن جرير برقم ٢٨ - (١/ ٣٤)، ورواه أحمد (٥/ ١١٤)، وابن حبان (٧٤٢)، وتمام في فوائده (١٧٠٦)، والطحاوي في المشكل (٤/ ١٨٢)، وابن عدي (٢/ ٦٧٩).\n(^١٠٦) - المسند ٢١٢٥١ - (٥/ ١٢٧)، وأخرجه مسلم في كتاب صلاة المسافرين وقصرها رقم: ٢٧٣ - (٨٢٠، ٨٢١)، وأبو داود في كتاب الصلاة، باب: أنزل القرآن على سبعة أحرف (رقم: ١٤٧٨).\nوالنسائي في كتاب الافتتاح، باب: جامع ما جاء في القرآن (٢/ ١٥٢) رقم (٩٣٩) كلهم من طريق عبد الرحمن بن أبي ليلى، به.","vol":"1","page":48},{"text":"عليه وسلم: \"اقرآ\"، فقرآ، فقال: \"أصبتما\". فلما قال لهما النبي ﷺ الذي قال كبُر عليّ ولا إذا كنت في الجاهلية، فلما رأى الذي غشيني ضرب في صدري ففضت عرقًا، وكأنما أنظر إلى رسول الله فرقًا فقال: \"يا أبيّ، إن ربي أرسل إليّ أن اقرأ القرآن على حرف، فرددت إليه أن هون على أمتي، فأرسل إليّ أن اقرأه على حرفين، فرددت إليه أن هوّن على أمتي، فأرسل إليّ أن اقرأه على سبعة أحرف، ولك بكل ردة مسألة تسألنيها\".\nقال: \"قلت: اللهم اغفر لأمتي، اللهم اغفر لأمتي، وأخرت الثالثة ليوم يرغب إليّ فيه الخلق حتى إبراهيم ﵇ \". وهكذا رواه مسلم من حديث إسماعيل بن أبي خالد به.\nوقال ابن جرير (^١٠٧): حدثنا أبو كُرَيب، حدثنا محمد بن فضيل، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن عبد الله بن عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أبيه، عن جده، عن أبيّ بن كعب، قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن الله أمرني أن أقرأ القرآن على حرف واحد، فقلت: خفف عن أمتي، فقال: اقرأه على حرفين، فقلت: اللهم ربّ خفف عن أمتي، فأمرني أن أقرأه على سبعة أحرف من سبعة أبواب الجنة كلها شافٍ كافٍ\".\nوقال ابن جرير (^١٠٨): حدثنا يونس عن ابن وهب، أخبرني هشام بن سعد، عن عبيد الله بن عمر، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أبيّ بن كعب، أنه قال: سمعت رجلا يقرأ في سورة النحل قراءة تخالف قراءتي، ثم سمعت آخر يقرؤها بخلاف ذلك، فانطلقت بهما إلى رسول اللَّه ﷺ فقلت: إني سمعت هذين يقرآن في سورة النحل فسألتهما: من أقرأكما؟ فقالا: رسول الله ﷺ، فقلت: لأذهبن بكما إلى رسول الله ﷺ إذ خالفتما ما أقرأني رسول الله ﷺ، فقال رسول الله ﷺ لأحدهما: \"اقرأ\". فقرأ، فقال: \"أحسنت\" ثم قال للآخر: \"اقرأ\". فقرأ، فقال: \"أحسنت\". قال أبيّ: فوجدت في نفسي وسوسة الشيطان حتى احمر وجهي، فعرف ذلك رسول الله ﷺ في وجهي، فضرب يده في صدري ثم قال: \"اللهم أخسئ الشيطان عنه، يا أبيّ، أتاني آت من ربي فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ القرآن على حرف واحد، فقلت: رب، خفف عن أمتي، ثم أتاني الثانية فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ القرآن على حرفين فقلت: رب، خفف عن أمتي، ثم أتاني الثالثة، فقال مثل ذلك وقلت له مثل ذلك، ثم أتاني الرابعة فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ القرآن على سبعة أحرف، ولك بكل ردة مسألة، فقلت: يا رب، اللهم اغفر لأمتي، يا رب، اغفر لأمتي، واختبأت الثالثة شفاعة لأمتي يوم القيامة\". إسناده صحيح.\nقلت: وهذا الشك الذي حصل لأبيّ في تلك الساعة هو، والله أعلم، السبب الذي لأجله\n_________\n(^١٠٧) - إسناده صحيح، والحديث في تفسير ابن جرير ٣١ - (١/ ٣٧).\n(^١٠٨) - تفسير ابن جرير ٣٨ - (١/ ٤١).","vol":"1","page":49},{"text":"قرأ عليه رسول الله ﷺ قراءة إبلاغ وإعلام ودواء لما كان حصل له سورة ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ إلى آخرها لاشتمالها على قوله تعالى: ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً (٢) فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ (^١٠٩)، وهذا نظير تلاوته سورة الفتح حين أنزلت مرجعه، ﵇، من الحديبية على عمر بن الخطاب، وذلك لما كان تقدم له من الأسئلة لرسول الله ﷺ ثم لأبي بكر الصديق، ﵄، في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ (^١١٠).\nوقال ابن جرير (^١١١): حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن الحكم، عن مجاهد، عن ابن أبي ليلى، عن أبيّ بن كعب أن رسول الله ﷺ كان عند أضاة بني غفار، فأتاه جبريل فقال: إن الله يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على حرف، قال: \"أسأل الله معافاته ومغفرته، فإن أمتي لا تطيق ذلك\". ثم أتاه الثانية فقال: إن الله يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على حرفين. قال: \"أسأل الله معافاته ومغفرته، فإن أمتي لا تطيق ذلك\". ثم جاء الثالثة فقال: إن الله يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على ثلاثة أحرف قال: \"أسأل الله معافاته ومغفرته، وإن أمتي لا تطيق ذلك\". ثم جاءه الرابعة فقال: إن اللَّه يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على سبعة أحرف فأيما حرف قرءوا عليه فقد أصابوا.\nوأخرجه مسلم وأبو داود والنسائي من رواية شعبة به، وفي لفظ لأبي داود عن أبيّ بن كعب قال: قال لي رسول الله ﷺ: \"يا أبيّ، إلي أقرئت القرآن فضل لي: على حرف أو حرفين؟ فقال الملك الذي معي: قل على حرفين. قلت: على حرفين: فقيل لي: على حرفين أو ثلاثة؟ فقال الملك الذي معي: قل على ثلاثة. قلت: على ثلاثة. حتى بلغ سبعة أحرف ثم قال: ليس منها إلا شاف كاف إن قلت: سميعًا عليمًا، عزنرا حكيما، ما لم تختم آية عذاب برحمة أو آية رحمة بعذاب\" (^١١٢).\nوقد روى ثابت بن قاسم نحوًا من هذا عن أبي هريرة عن النبي ﷺ (^١١٣) ومن كلام ابن مسعود، ﵁، نحو ذلك.\nوقال الإمام أحمد (^١١٤): حدثنا حسين بن علي الجعفي، عن زائدة، عن عاصم، عن زر،\n_________\n(^١٠٩) -[البينة: ٢، ٣].\n(^١١٠) -[الفتح: ٢٧].\n(^١١١) - تفسير ابن جرير ٣٥ - (١/ ٤٠)، ورواه مسلم ٢٧٤ - (٨٢١).\n(^١١٢) - مسلم في صلاة المسافرين وقصرها برقم (٨٢٠)، وأبو داود في الصلاة، باب: أنزل القرآن على سبعة أحرف، برقم (١٤٧٧، ١٤٧٨)، والنسائي في الافتتاح ٩٣٩ - (٢/ ١٥٢ - ١٥٣).\n(^١١٣) - ورواه أحمد في المسند (٢/ ٢٣٢، ٤٤٠)، وابن أبي شيبة (١٠/ ٥١٦)، وابن حبان (٧٤٣)، والبزار (٣/ ٢٣١٣) من طريق محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، ﵁.\n(^١١٤) - إسناده حسن، والحديث في المسند ٢١٢٨٤، ٢١٢٨٥ - (٥/ ١٣٢)، وأخرجه الترمذي =","vol":"1","page":50},{"text":"عن أبي قال: لقي رسول الله ﷺ جبريل عند أحجار المراء، فقال رسول الله ﷺ لجبريل: \"إني بعثت إلى أمة أميين فيهم الشيخ الفاني، والعجوز الكبيرة، والغلام، فقال: مرهم فليقرؤوا القرآن على سبعة أحرف\".\nوأخرجه الترمذي من حديث عاصم بن أبي النَّجُود، عن زر، عن أبيّ بن كعب، به، وقال: حسن صحيح.\nوقد رواه أبو عبيد عن أبي النضر، عن شيبان، عن عاصم بن أبي النجود، عن زر، عن حذيفة أن رسول الله ﷺ لقي جبريل عند أحجار المراء، فذكر الحديث (^١١٥)، واللَّه أعلم.\nوهكذا رواه الإمام أحمد عن عفان، عن حماد، عن عاصم، عن زر، عن حذيفة، أن رسول الله ﷺ قال: \"لقيت جبريل عند أحجار المراء، فقلت: يا جبريل، إني أرسلت إلى أمة أمية؛ الرجل، والمرأة، والغلام، والجارية، والشيخ الفاني، الذي لم يقرأ كتابًا قط فقال: إن القرآن أنزل على سبعة أحرف\" (^١١٦).\nوقال أحمد أيضًا (^١١٧): حدثنا وَكِيع وعبد الرحمن، عن سفيان، عن إبراهيم بن مهاجر، عن رِبْعي بن حِراش: حدثني من لم يكذبني -يعني حذيفة- قال: لقي النبي ﷺ جبريل عند أحجار المراء فقال: إن أمتك يقرءون القرآن على سبعة أحرف، فمن قرأ منهم على حرف فليقرأ كما علم، ولا يرجع عنه.\n_________\n= في كتاب القراءات، باب: ما جاء أنزل القرآن على سبعة أحرف (رقم: ٢٩٤٤) من طريق أحمد بن منيع، عن الحسن بن موسى، عن شيبان، عن عاصم بن بهدلة، به. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وقد رُوي من غير هذا الوجه، عن أبي بن كعب. ورواه أبو داود الطيالسي ص ٧٣ حديث ٥٤٣. بمعناه من حديث حماد بن سلمة، عن عليم. ورواه ابن حبان في صحيحه برقم (٧٣٩ الإحسان) من طريق زائدة، به مثله.\n(^١١٥) - فضائل القرآن لأبي عبيد (ص ٣٣٨).\n(^١١٦) - المسند ٢٣٤٣٣، ٢٣٥٠٥، ٢٣٥٥٤ - (٥/ ٣٩١، ٤٠٠، ٤٠٥ - ٤٠٦). وأخرجه الطبراني في الكبير (٣/ ١٦٧ / رقم: ٣٠١٩). من نفس طريق أحمد، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ١٥٠) بروايتين وقال: \"رواه أحمد والبزار والطبراني، وفيه عاصم بن بهدلة، وهو ثقة، وفيه كلام لا يضر\".\n(^١١٧) - إبراهيم بن مهاجر: ضعفه يحيى بن معين، وابن حبان، والدارقطني وقال: يعتبر به. وقال يحيى بن سعيد القطان، وأبو حاتم الرازي، والنسائي، والترمذي: ليس بقوي، وقال أحمد: لا بأس به. وقال ابن عدي: هو عندي أصلح من إبراهيم الهجري، وحديثه يكتب في الضعفاء، وروى له مسلم حديثين متابعة. والحديث في المسند برقم ٢٣٣٨٠، ٢٣٥١٧ - (٥/ ٣٨٥، ٤٠١). وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ١٥١) وعزاه لأحمد وقال: \"وفيه راو لم يسم\"، كذا قال!!!.","vol":"1","page":51},{"text":"وقال عبد الرحمن: إن في أمتك الضعيف، فمن قرأ على حرف فلا يتحول منه إلى غيره رغبة عنه. وهذا إسناد صحيح ولم يخرجوه.\nحديث آخر في معناه عن سليمان بن صرد: قال ابن جرير: حدثنا إسماعيل بن موسى السديّ، حدثنا شريك عن أبي إسحاق، عن سليمان بن صرد -يرفعه- قال: \"أتاني ملكان، فقال أحدهما: اقرأ. قال: على كم؟ قال: على حرف. قال: زده، حتى انتهى إلى سبعة أحرف\" (^١١٨).\nورواه النسائي في اليوم والليلة عن عبد الرحمن بن محمد بن سلام عن إسحاق الأزرق عن العَوَّام بنن حَوْشَب، عن أبي إسحاق، عن سليمان بن صرد قال: أتى أبيّ بن كعب رسول الله ﷺ برجلين اختلفا في القراءة، فذكر الحديث (^١١٩).\nوهكذا رواه أحمد بن منيع عن يزيد بن هارون، عن العوام بن حوشب به، ورواه أبو عبيد عن يزيد بن هارون، عن العوام، عن أبي إسحاق، عن سليمان بن صرد، عن أبيّ أنه أتى النبي ﷺ برجلين، فذكره (^١٢٠).\nوقال ابن جرير (^١٢١): حدثنا أبو كُرَيْب، حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن فلان العبدي -قال ابن جرير: ذهب عني اسمه- عن سليمان بن صرد، عن أبي بن كعب قال: رحت إلى المسجد، فسمعت رجلا يقرأ فقلت: من أقرأك؟ قال: رسول الله ﷺ، فانطلقت به إلى رسول الله ﷺ، فقلت: استقرئ هذا. قال: فقرأ، فقال: \"أحسنت\". قال: قلت: إنك أقرأتني كذا وكذا! فقال: \"وأنت قد أحسنت\". قال: فقلت: قد أحسنت! قد أحسنت! قال: فضرب بيده على صدري ثم قال: \"اللَّهم أذهب عن أبيّ الشك\". قال: ففضت عرقًا، وامتلأ جوفي فرقا. قال: ثم قال: \"إن الملكين أتياني، فقال أحدهما: اقرأ القرآن على حرف، وقال الآخر: زده. قال: قلت: زدني. فقال: اقرأه على حرفين، حتى بلغ سبعة أحرف فقال: اقرأه على سبعة أحرف\".\nوقد رواه أبو عبيد، عن حجاج، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن سقير (^١٢٢) العبدي،\n_________\n(^١١٨) - تفسير ابن جرير ٢١ - (١/ ٣٠)، والطحاوي في مشكل الآثار (٤/ ١٨٩)، ورواه عبد الله بن أحمد من حديث سليمان بن صرد، عن أبي، مرفوعًا (٥/ ١٢٥).\n(^١١٩) - سنن النسائي الكبرى برقم (١٠٥٠٦).\n(^١٢٠) - فضائل- القرآن لأبي عبيد (ص ٣٣٦).\n(^١٢١) - تفسير ابن جرير ٢٥ - (١/ ٣٢)، وعبد الله بن أحمد في زوائده على المسند (٥/ ١٢٤).\n(^١٢٢) - ترجمته في الجرح والتعديل (٤/ ٣١٨)، والتاريخ الكبير (٤/ ٣٣٠)، وقال الحسيني: مجهول =","vol":"1","page":52},{"text":"عن سليمان بن صرد، عن أبيّ، عن النبي ﷺ بنحو ذلك (^١٢٣).\nورواه أبو داود عن أبي الوليد الطيالسي، عن همام، عن قتادة، عن يحيى بن يَعْمَر، عن سليمان بن صرد، عن أبي بن كعب، بنحوه (^١٢٤).\nفهذا الحديث محفوظ من حيث الجملة عن أبيّ بن كعب، والظاهر أن سليمان بن صرد الخزاعي شاهد على ذلك، والله أعلم.\nحديث آخر عن أبي بكرة: قال الإمام أحمد (^١٢٥): حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن حماد بين سلمة، عن علي بن زيد، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه، عن النبي ﷺ قال: \"أتاني جبريل وميكائيل، ﵉، فقال جبريل: إقرأ القرآن على حرف واحد، فقال ميكائيل: استزده، قال: اقرأ على سبعة أحرف، كلها شاف كاف، ما لم تختم آية رحمة بآية عذاب أو آية عذاب برحمة\".\nوهكذا رواه ابن جرير عن أبي كُرَيب، عن زيد بن الحُباب، عن حماد بن سلمة به، وزاد في آخره كقولك: هلم وتعال (^١٢٦).\nحديث آخر عن سمرة: قال الإمام أحمد: حدثنا بَهْز وعفان كلاهما عن حماد بن سلمة، حدثنا قتادة، عن الحسن، عن سمرة؛ أن رسول الله ﷺ قال: \"أنزل القرآن على سبعة أحرف\". إسناد صحيح، ولم يخرجوه (^١٢٧).\n_________\n= قال الحافظ في التعجيل: لم يصب في ذلك، وذكره ابن حبان في الثقات (٤/ ٣٨٥).\n(^١٢٣) - فضائل القرآن (ص ٣٣٦).\n(^١٢٤) - رواه أبو داود في الصلاة، باب: أنزل القرآن على سبعة أحرف برقم (١٤٧٧)، ورواه أحمد، وعبد الله (٥/ ١٢٤)، والطحاوي في المشكل (٤/ ١٨٩)، والبيهقي في الكبرى (٢/ ٣٨٤).\n(^١٢٥) - المسند ٢٠٤٧٨ - (٥/ ٤١)، وابن أبي شيبة (١٠/ ٥١٧)، والطحاوي في المشكل (٤/ ١٩١)، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ١٥١)، وقال: ورواه أحمد والطبراني بنحوه؛ إلا أنه قال: وأذهب وأدبر، وفيه علي بن زيد بن جدعان، وهو سيء الحفظ، وقد توبع، وبقية رجال أحمد رجال الصحيح به.\n(^١٢٦) - تفسير ابن جرير ٤٠ - (١/ ٤٣).\n(^١٢٧) - رواية بهز في المسند ٢٠٢٢٧ - (٥/ ١٦)، ولفظه: \"نزل القرآن على سبعة أحرف\"، ورواية عفان برقم ٢٠٣١١ - (٥/ ٢٢)، ولفظه \"نزل القرآن على ثلاثة أحرف\" وأخرجه الطبراني في الكبير (٧/ ٢٤٩ / رقم: ٦٨٥٣)، وابن أبي شيبة (١٠/ ٥١٧)، وتمام (٧٤٢)، والبزار (٣/ ٢٣١٤)، وابن عدي (٢/ ٦٧٩)، والحاكم (٢/ ٢٢٣)، والطحاوي (٤/ ١٩٥)، من طريق حماد بن سلمة، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة مرفوعًا: \"أنزل القرآن على ثلاثة أحرف\". وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ١٥٢) وقال: \"رواه أحمد والبزار والطبراني في الثلاثة، ورجال أحمد وأحد إسنادي الطبراني=","vol":"1","page":53},{"text":"حديث آخر عن أبي هريرة: قال الإمام أحمد: حدثنا أنس بن عياض، حدثني أبو حازم، عن أبي سلمة -لا أعلمه إلا عن أبي هريرة- أن رسول الله ﷺ قال: \"نزل القرآن على سبعة أحرف، مراء في القرآن كفر -ثلاث مرات- فما علمتم منه فاعملوا وما جهلتم منه فردوه إلى عالمه\". ورواه النسائي عن قتيبة عن أبي ضمرة أنس بن عياض، به (^١٢٨).\nحديث آخر عن أم أيوب: قال الإمام أحمد: حدثنا سفيان عن عبيد اللَّه -وهو ابن أبي يزيد عن أبيه عن أم أيوب -يعني امرأة أبي أيوب الأنصارية- أن رسول الله ﷺ قال: \"أنزل القرآن على سبعة أحرف، أيها قرأت أجزأك\" (^١٢٩). وهذا إسناد صحيح ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة.\nحديث آخر عن أبي جهيم: قال أبو عبيد: حدثنا إسماعيل بن جعفر، عن يزيد بن خصيفة، عن مسلم بن سعيد مولى ابن الحضرمي، وقال غيره: عن بسر بن سعيد، عن أبي جهيم الأنصاري، أن رجلين اختلفا في آية من القرآن، كلاهما يزعم أنه تلقاها من رسول الله ﷺ، فمشيا جميعًا حتى أتيا رسول الله ﷺ، فذكر أبو جهيم أن رسول الله ﷺ قال: \"إن هذا القرآن نزل على سبعة أحرف، فلا تماروا، فإن مراء فيه كفر\" (^١٣٠).\n_________\n= والبزار رجال الصحيح\".\nقال البزار: ولا نعلم يروي هذا اللفظ إلا سمرة، ولا رواه عن قتادة إلا حماد.\nوقال الحاكم: احتج البخاري برواية الحسن عن سمرة، واحتج مسلم بأحاديث حماد بن سلمة، وهذا الحديث صحيح، وليس له علة، كذا قال!!!.\nوالذي في البخاري: أنه روى عن حبيب بن الشهيد قال: أمرني ابن سيرين أن أسأل الحسن، ممن سمع حديث العقيقة؟ فسألته، فقال: من سمرة بن جندب.\nوهذا ليس فيه أن البخاري احتج برواية الحسن عن سمرة، وإنما فيه ما يثبت أن الحسن سمع من سمرة حديث العقيقة، والله أعلم.\n(^١٢٨) - المسند ٧٩٧٦ - (٢/ ٣٠٠)، وسنن النسائي الكبرى برقم (٨٠٩٣)، وابن حبان (٧٤)، وابن جرير (٧)، وأبو يعلى (١/ ٦٠١٦)، والخطيب في تاريخه (١١/ ٢٦).\n(^١٢٩) - إسناده صحيح- رجاله ثقات. والحديث في المسند ٢٧٥٥٠، ٢٧٧٣١ - (٦/ ٤٣٣، ٤٦٢)، ورواه إسحاق بن راهوية برقم (٢٣٢١)، وأخرجه الحميدي في مسنده (١/ ١٦٣)، وابن أبي شيبة (١٠/ ٥١٥ - ٥١٦)، وابن أبي عاصم (٣٣٢٠)، والطحاوي (٤/ ١٨٣)، وابن جرير (٢٤)، وقال الهيثمي (٧/ ١٥٤): رواه الطبراني ورجاله ثقات ا هـ.\n(^١٣٠) - فضائل القرآن (ص ٣٣٧)، ومن طريق مسلم بن سعيد رواه البخاري في التاريخ (٤/ ٢٦٢ / ١)، والحارث في مسنده، والبيهقي في الشعب (٢٢٦٥)، والبغوي (٤/ ٥٠٥ - ٥٠٦). ومن طريق بسر =","vol":"1","page":54},{"text":"وهكذا رواه أبو عبيد على الشك، وقد رواه الإمام أحمد على الصواب، فقال:\nحدثنا أبو سلمة الخزاعي، حدثنا سليمان بن بلال، حدثني يزيد بن خصيفة، أخبرني بسر بن سعيد، حدثني أبو جهيم؛ أن رجلين اختلفا في آية من القرآن فقال هذا: تلقيتها من رسول الله ﷺ وقال هذا: تلقيتها من رسول الله ﷺ فسألا النبي ﷺ فقال: \"القرآن يقرأ على سبعة أحرف، فلا تماروا في القرآن، فإن مراءً في القرآن كفر\".\nوهذا إسناد صحيح -أيضًا- ولم يخرجوه.\nثم قال أبو عبيد (^١٣١): حدثنا عبد الله بن صالح، عن الليث، عن يزيد بن الهاد، عن محمد بن إبراهيم، عن بسر بن سعيد، عن أبي قيس -مولى عمرو بن العاص- أن رجلا قرأ آية من القرآن، فقال له عمرو -يعني ابن العاص-: إنما هي كذا وكذا، بغير ما قرأ الرجل، فقال الرجل: هكذا أقرأنيها رسول الله ﷺ فخرجا إلى رسول الله ﷺ حتى أتياه، فذكرا ذلك له، فقال رسول الله ﷺ: \"إن هذا القرآن نزل على سبعة أحرف، فأيّ ذلك قرأتم أصبتم، فلا تماروا في القرآن، فإن مراء فيه كفر\".\nورواه الإمام أحمد عن أبي سلمة الخزاعي، عن عبد الله بن جعفر بن عبد الرحمن بن المسور بن مخرمة، عن يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد، عن بسر بن سعيد، عن أبي قيس مولى عمرو بن العاص به نحوه، وفيه: \"فإن المراء فيه كفر أو إنه الكفر به\". وهذا -أيضًا- حديث جيد (^١٣٢).\n_________\n= رواه أحمد (٤/ ١٦٩ - ١٧٠)، والطبري (٤١)، والطحاوي في المشكل (٤/ ١٨٣) وابن عبد البر (٨/ ٢٨٢).\nقال الشيخ أحمد شاكر في حاشيته على ابن جرير ٤١ - (١/ ٤٤): \"قوله: وما كانت رواية أبي عبيد على الشك، كما زعم ابن كثير، إنما للحدث طريقان: الأول: إسماعيل بن جعفر ورويه عن يزيد بن خصيفة، عن مسلم بن سعيد. وسليمان بن بلال يرويه عين وويد بن خصيفة، عن بسر- أخي مسلم، فأشار أبو عبيد في أشاء الإسناد إلى الرواية الأخرى دون أن يذكر إسنادها\".\nوقد ذكر البخاري الروايتين في التاريخ الكبير (١/ ١ / ٢٣٦) في ترجمة مسلم بن سعيد مولى ابن الحضرمي والحديث في المسند ١٧٥٨٩ - (٤/ ١٧٠)، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ١٥١) وقال: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح. والحديث صححه الشيخ الألباني في صحيح الجامع (٤٣٢٠).\n(^١٣١) - فضائل القرآن (ص ٣٣٧ - ٣٣٨)، ورواه أحمد (٤/ ٢٠٤ - ٢٠٥)، والبيهقي في الشعب (٢٢٦٦) وقال الحافظ في الفتح (٩/ ١٢٦): إسناده جيد.\n(^١٣٢) - صحيح، والحديث في المسند ١٧٨٧٢ - (٤/ ٢٠٤). ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ١٥٠) وقال: رواه أحمد. وصححه الشيخ الألباني في السلسلة الصحيحة (١٥٢٢) وقال: هذا =","vol":"1","page":55},{"text":"حديث آخر عن ابن مسعود: قال ابن جرير: حدثنا يونس بن عبد الأعلى، أنا ابن وهب، أخبرني حيوة بن شريح، عن عقيل بن خالد، عن سلمة بن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن ابن مسعود، عن النبي ﷺ أنه قال: \"كان الكتاب الأول نزل من باب واحد وعلى حرف واحد، ونزل القرآن من سبعة أبواب وعلى سبعة أحرف: زاجر، وآمر، وحلال، وحرام، ومحكم، ومتشابه، وأمثال، فأحلوا حلالة، وحرّموا حرامه، وافعلوا ما أمرتم به، وانتهوا عما نهيتم عنه، واعتبروا بأمثاله، واعملوا بمحكمه، وآمنوا بمتشابهه، وقولوا آمنا به كل من عند ربنا\" (^١٣٣).\nثم رواه عن أي كُرَيْب عن المحاربي، عن ضمرة بن حبيب، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن ابن مسعود من كلامه (^١٣٤) وهو أشبه. والله أعلم.\n_________\n= إسنادصحيح، رجاله كلهم ثقات على شرط مسلم.\n(^١٣٣) - تفسير ابن جرير ٦٧ - (١/ ٦٨). قال الحافظ في الفتح (٩/ ٢٩) -وذكر الخبر السالف بهذا الإسناد فقال-: قال ابن عبد البر: هذا حديث لا يثبت لأنه من رواية أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن ابن مسعود، ولم يلق ابن مسعود. ثم قال: وصحح الحديث المذكور ابن حبان، والحاكم، وفي تصحيحه نظر؛ لانقطاعه بين أبي سلمة وابن مسعود، وقد أخرجه البيهقي من وجه آخر عن الزهريّ مرسلًا. وقال: هذا مرسل جيد.\nورواه ابن حبان (٧٤٥ إحسان)، والحاكم (١/ ٥٥٣)، وأخرجه الهروي في ذم الكلام [ل ٦٢ ب]، وأخرجه الطبراني (٨٢٩٦) من حديث عمار بن مطر، عن ليث بن سعد، عن الزهريّ، عن سلمة بن عمر بن أبي سلمة، عن أبيه: أن النبي ﷺ قال لعبد الله بن مسعود: \"إن الكتب … \" وعمار هذا ضعيف جدًّا، ورواه أحمد (١/ ٤٤٥)، وابن أبي داود في المصاحف ص ١٨. من طريقين عن زهير، عن أبي همام، عن عثمان بن حسان، عن فلفلة الجعفي، عن ابن مسعود. قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ١٥٢): وفيه عثمان بن حسان ذكره ابن أبي حاتم، فلم يجرحه ولم يوثقه، وبقية رجاله ثقات. ورواه النسائي في الكبرى من طريق سفيان، عن أبي همام الوليد بن قيس، عن القاسم بن حسان، عن فلفلة، به.\n(^١٣٤) - تفسير ابن جرير ٧٠ - (١/ ٦٩).","vol":"1","page":56},{"text":"فصل\nقال أبو عبيد: قد تواترت هذه الأحاديث كلها عن الأحرف السبعة إلا ما حدثني عفان، عن حماد بن سلمة، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة بن جندب، عن النبي ﷺ قال: \"نزل القرآن على ثلاثة أحرف\" (^١٣٥).\nقال أبو عبيد: ولا نرى المحفوظ إلا السبعة لأنها المشهورة، وليس معنى تلك السبعة أن يكون الحرف الواحد يقرأ على سبعة أوجه، وهذا شيء غير موجود، ولكنه عندنا أنه نزل سبع لغات متفرقة في جميع القرآن من لغات العرب، فيكون الحرف الواحد منها بلغة قبيلة والثاني بلغة أخرى سوى الأولى، والثالث بلغة أخرى سواهما، كذلك إلى السبعة، وبعض الأحياء أسعد بها وأكثر حظا فيها من بعض، وذلك بين في أحاديث تترى.\nقال: وقد روى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: نزل القرآن على سبع لغات، منها خمس بلغة العجز من هوازن (^١٣٦).\nقال أبو عبيد: والعجز هم بنو أسعد بن بكر، وجشم بن بكر، ونصر بن معاوية، وثقيف هم عليا هوازن الذين قال أبو عمرو بن العلاء: أفصح العرب عليا هوازن وسفلى تميم يعني بني دارم.\nولهذا قال عمر: لا يملي في مصاحفنا إلا غلمان قريش أو ثقيف (^١٣٧).\nقال ابن جرير: واللغتان الأخريان: قريش وخزاعة، رواه قتادة عن ابن عباس، ولكن لم يلقه (^١٣٨).\nقال أبو عبيد (^١٣٩): وحدثنا هُشَيْم، عن حصين بن عبد الرحمن، عن عبيد الله بن عبد الله\n_________\n(^١٣٥) - فضائل القرآن (ص ٣٣٩)، ورواه أحمد من طريق عفان به ٢٠٣١١ - (٥/ ٢٢)، ومن طريق بهز به برقم ٢٠٢٢٧ - (٥/ ١٦)، وأخرجه الطبراني في الكبير (٧/ ٢٤٩ / رقم: ٦٨٥٣)، ورواه البيهقي من طريق أبي عبيد في السنن الكبرى (٢/ ٣٨٥)، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ١٥٢) وقال: \"رواه أحمد والبزار والطبراني في الثلاثة، ورجال أحمد وأحمد إسنادي الطبراني والبزار رجال الصحيح\".\n(^١٣٦) - إسناده ضعيف جدًّا من أجل الكلبي، والحديث في فضائل القرآن (ص ٣٤٠).\n(^١٣٧) - فضائل القرآن (ص ٣٤٠)، ورواه عمر بن شبة (٣/ ١٠١٤)، وابن أبي داود في المصاحف ص ١١، والخطيب (٧/ ٤٥٠).\n(^١٣٨) - تفسير ابن جرير (١/ ٦٦).\n(^١٣٩) - فضائل القرآن (ص ٣٤٣)، ورواه ابن أبي شيبة (٨/ ٥١٧ - ٥١٨) (١٠/ ٤٧٤) من حديث ابن عباس.","vol":"1","page":57},{"text":"ابن عتبة، عن ابن عباس؛ أنه كان يسأل عن القرآن فينشد فيه الشعر. قال أبو عبيد: يعني: أنه كان يستشهد به على التفسير.\nحدثنا هُشَيْم عن أبي بشر، عن سعيد أو مجاهد، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَاللَّيلِ وَمَا وَسَقَ﴾ (^١٤٠)، قال: ما جمع، وأنشد:\nقد اتَّسقْنَ لو يجدْنَ سائقا (^١٤١)\nحدثنا هشيم، أنبأنا حصين، عن عكرمة، عن ابن عباس في قول: ﴿فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ (١٤)﴾ (^١٤٢) قال: الأرض، قال: وقال ابن عباس: قال أمية بن أبي الصلتَ:\nعندهم لحم بحرٍ ولحم ساهرة (^١٤٣)\nحدثنا يحيى بن سعيد عن سفيان، عن إبراهِيم بن مهاجر، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: كنت لا أدري ما ﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (^١٤٤)، حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بئر، فقال أحدهما: أنا فطرتها. يقول: أنا ابتدأتها (^١٤٥). إسناد جيد أيضًا.\nوقال الإمام أبو جعفر بن جرير الطبري، ﵀، بعد ما أورد طرفًا مما تقدم: وصح وثبت أن الذي نزل به القرآن من ألسن العرب البعض منها دون الجميع، إذ كان معلوما أن ألسنتها ولغاتها أكثر من سبع بما يعجز عن إحصائه ثم قال: وما برهانك على ما قلته دون أن يكون معناه ما قاله مخالفوك، من أنه نزل بأمر وزجر، وترغيب وترهيب، وقصص ومثل، ونحو ذلك من الأقوال فقد علمت قائل ذلك من سلف الأمة وخيار الأئمة؟ قيل له: إن الذين قالوا ذلك لم يدعوا أن تأويل الأخبار التي تقدم ذكرها، هو ما زعمت أنهم قالوه في الأحرف السبعة، التي نزل بها القرآن دون غيره فيكون ذلك لقولنا مخالفا، وإنما أخبروا أن القرآن نزل على سبعة أحرف، يعنون بذلك أنه نزل على سبعة أوجه، والذي قالوا من ذلك كما قالوا، وقد روينا بمثل الذي قالوا من ذلك عن رسول الله ﷺ وعن جماعة من الصحابة، من أنه نزل من سبعة أبواب الجنة، كما تقدم -يعني كما تقدم في رواية عن أبيّ بن كعب وعبد الله بن\n_________\n(^١٤٠) -[الانشقاق: ١٧].\n(^١٤١) - فضائل القرآن (ص ٣٤٣)، وابن جرير (٣٠/ ٧٦).\n(^١٤٢) -[النازعات: ١٤].\n(^١٤٣) - فضائل القرآن (ص ٣٤٤)\n(^١٤٤) -[فاطر: ١].\n(^١٤٥) - فضائل القرآن (ص ٣٤٥)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور (٥/ ٢٤٤) لعبد بن حميد وابن أبي حاتم وابن المنذر والبيهقي في الشعب.","vol":"1","page":58},{"text":"مسعود: أن القرآن نزل من سبعة أبواب الجنة (^١٤٦).\nقال ابن جرير: والأبواب السبعة من الجنة هي المعاني التي فيها من الأمر والنهي، والترغيب والترهيب، والقصص والمثل، التي إذا عمل بها العامل وانتهى إلى حدودها المنتهى، استوجب بها الجنة.\nثم بسط القول في هذا بما حاصله: أن الشارع رخص للأمة التلاوة على سبعة أحرف، ثم لما رأى الإمام أمير المؤمنين عثمان بن عفان، ﵁، اختلاف الناس في القراءة، وخاف من تفرق كلمتهم- جمعهم على حرف واحد، وهو هذا المصحف الإمام، قال: واستوثقت له الأمة على ذلك بالطاعة، ورأت أن فيما فعله من ذلك الرشد والهداية، وتركت القراءة بالأحرف الستة التي عزم عليها إمامها العادل في تركها طاعة منها له، ونظر منها لأنفسها ولمن بعدها من سائر أهل ملتها، حتى درست من الأمة معرفتها، وتعفت (^١٤٧) آثارها، فلا سبيل اليوم لأحد إلى القراءة بها لدثورها وعفو آثارها. إلى أن قال: فإن قال من ضعفت معرفته: وكيف جاز لهم ترك قراءة اقرأهموها رسول الله ﷺ وأمرهم بقراءتها؟ قيل: إن أمره إياهم بذلك لم يكن أمر إيجاب وفرض، وإنما كان أمر إباحة ورخصة؛ لأن القراءة بها لو كانت فرضًا عليهم لوجب أن يكون العلم بكل حرف من تلك الأحرف السبعة عند من يقوم بنقله الحجة، ويقطع خبره العذر، ويزيل الشك من قراءة الأمة، وفي تركهم نقل ذلك كذلك أوضح الدليل على أنهم كانوا في القراءة بها مخيرين. إلى أن قال: فأما ما كان من اختلاف القراءة في رفع حرف ونصبه وجره تسكين حرف وتحريكه، ونقل حرف إلى آخر مع اتفاق الصورة فمن معنى قول النبي ﷺ: \"أمرت أن أقرأ القرآن على سبعة أحرف\" بمعزل؛ لأن المراء في مثل هذا ليس بكفر، في قول أحد من علماء الأمة، وقد أوجب ﷺ بالمراء في الأحرف السبعة الكفر، كما تقدم (^١٤٨).\nالحديث الثاني: قال البخاري، ﵀ (^١٤٩): حدثنا سعيد بن عفير، حدثنا الليث، حدثنا عقيل، عن ابن شهاب قال: أخبرني عروة بن الزبير: أن المسور بن مخرمة وعبد الرحمن بن عبد القارئ حدثاه أنهما سمعا عمر بن الحطاب يقول: سمعت هشام بن حكيم يقرأ سورة الفرقان في حياة رسول الله ﷺ، فاستمعت لقراءته فإذا هو يقرأ على حروف كثيرة لم يقرئنيها رسول الله ﷺ، فكدت أساوره في الصلاة، فتبصرت حتى\n_________\n(^١٤٦) - تفسير ابن جرير (١/ ٤٧).\n(^١٤٧) - تعفَّى الشيء: زال وامتحى.\n(^١٤٨) - تفسير ابن جرير (١/ ٤٩).\n(^١٤٩) - البخاري في فضائل القرآن، باب: أنزل القرآن على سبعة أحرف برقم (٤٩٩٢).","vol":"1","page":59},{"text":"سلم فلببته بردائه فقلت: من أقرأك هذه السورة التي سمعتك تقرأ؟ قال: أقرأنيها رسول الله ﷺ. فقلت: كذبت، فإن رسول الله ﷺ قد أقرأنيها على غير ما قرأت، فانطلقت به أقوده إلى رسول الله ﷺ فقلت: إني سمعت هذا يقرأ سورة الفرقان على حروف لم تقرئنيها! فقال رسول الله ﷺ: \"أرسله، اقرأ يا هشام\"، فقرأ عليه القراءة التي سمعته يقرأ، فقال رسول الله ﷺ: \"كذلك أنزلت\"، ثم قال: \"اقرأ يا عمر\"، فقرأت القراءة التي أقرأني، فقال رسول الله ﷺ: \"كذلك أنزلت. إن القرآن أنزل على سبعة أحرف، فاقرءوا ما تيسر منه\".\nوقد رواه الإمام أحكد والبخاري -أيضًا- ومسلم وأَبو داود والنَّسائي والتِّرمِذي من طرق عن الزهري (^١٥٠).\nورواه الإمام أحمد -أيضًا- عن ابن مهدي، عن مالك، عن الزُّهْريّ، عن عروة، عن عبد الرحمن بن عبدٍ القاري، عن عمر، فذكر الحديث بنحوه (^١٥١).\nوقال الإمام أحمد (^١٥٢): حدَّثنا عبد الصمد، حدَّثنا حرب بن ثابت، حدَّثنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أبييه، عن جده قال: قرأ رجل عند عمر فغير عليه فقال: قرأت على رسول الله ﷺ فلم يغير عليَّ قال: فاجتمحا عند النبي ﷺ، فقرأ الرجل على النبي ﷺ فقال له: \"قد أحسنت\". قال: فكأن عمر وجد من ذلك، فقال رسول الله ﷺ: \"يا عمر، إن القرآن كله صواب، مما لم يُجعل عذابٌ مغفرةً أو مغفرةٌ عذابًا\".\nوهذا إسناد حسن. وحرب بن ثابت هذا يكنى بأبي ثابت، لا نعرف أحدًا جرحه.\nوقد اختلف العلماء في معنى هذه السبعة الأحرف وما أريد منها على أقوال: قال أَبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح الأنصاري القرطبي المالكي في مقدمات تفسيره: وقد اختلف العلماء في المراد بالأحرف السبعة على خمسة وثلانين قولا، ذكرها أَبو حاتم محمد بن حبان البستي، ونحن نذكر منها خمسة أقوال.\n_________\n(^١٥٠) - المسند (١/ ٢٤)، والبخاري في الخصومات، باب: كلام الخصوم بعضهم في بعض برقم (٢٤١٩)، ومسلم في صلاة المسافرين وقصرها برقم ٢٧٠ - (٨١٨)، وأبو داود في الصلاة، باب: أنزل القرآن على سبعة أحرف برقم (١٤٧٥)، والتِّرمِذي في القراءات، باب: القرآن نزل على سبعة أحرف برقم (٢٩٤٣)، والنَّسائي في الافتتاح (٢/ ١٥٠).\n(^١٥١) - المسند (١/ ٤٠).\n(^١٥٢) - المسند ١٦٤١٨ - (٤/ ٣٠). وحرب بن ثابت ذكره في التعجيل (١/ ٤٣٨) وقال نقلًا عن الحسيني: وثقه ابن حبان.","vol":"1","page":60},{"text":"قلت: ثم سردها القرطبي، وحاصلها ما أنا مورده ملخصا:\nفالأول - وهو قول أكثر أهل العلم، منهم سفيان بن عيينة، وعبد الله بن وَهْب، وأَبو جعفر بن جرير، والطحاوي -: أن المراد سبعة أوجه من المعاني المتقاربة بألفاظ مختلفة نحو: أقبل وتعال وهلم. وقال الطحاوي: وأيين ما ذكر في ذلك حديث أبي بكرة قال: جاء جبريل إلى رسول الله ﷺ فقال: اقرأ على حرف، ققال ميكائيل: استزده فقال: اقرأ على حرفين، فقال ميكائيل: استزده، حتَّى بلغ سبعة أحرف، فقال: اقرأ فكل شاف كاف إلَّا أن تخلط آية رحمة بآية عذاب، أو آية عذاب بآية رحمة، على نحو هلم وتعال وأقبل واذهب وأسرع وعجل.\nورُوي عن ورقاء عن ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد، عن ابن عبَّاس، عن أبيّ بن كعب: أنَّه كان يقرأ: ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ (^١٥٣): \" للذين آمنوا أمهلونا\" \"للذين آمنوا أخرونا\" \"للذين آمنوا ارقبونا\"، وكان يقرأ: \"كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ﴾ (^١٥٤): \" مروا فيه\" \"سعوا فيه\". قال الطحاوي وغيره: وإنَّما كان ذلك رخصة أن يقرأ الناس القرآن على سبع لغات، وذلك لَما كان يتعسر على كثير من الناس التلاوة على لغة قريش، وقرأه رسول الله ﷺ لعدم علمهم بالكتابة والضبط وإتقان الحفظ وقد ادّعى الطحاوي والقاضي الباقلاني والشيخ أَبو عمر بن عبد البر أن ذلك كان رخصة في أول الأمر، ثم نسخ بزوال العذر وتيسر الحفظ وكثرة الضبط وتعلم الكتابة.\nقلت: وقال بعضهم: إنما كان الذي جمعهم على قراءة واحدة أمير المؤمنين عثمان بن عفان، ﵁، أحد الخلفاء الراشدين المهدين المأمور باتباعهم، وإنَّما جمعهم عليها لما رأى من اختلافهم في القراءة المفضية إلى تفرق الأمة وتكفير بعضهم بعضا، فرتب لهم المصاحف الأئمة على العرضة الأخيرة التي عارض بها جبريل رسول الله ﷺ في آخر رمضان من عمره، ﵊، وعزم عليهم ألا يقرءوا بغيرها، وألا يتعاطوا الرخصة التي كانت لهم فيها سعة، ولكنها أدت إلى الفرقة والاختلاف، كما ألزم عمر بن الخطاب الناس بالطلاق الثلاث المجموعة حتَّى تتابعوا فيها وأكثروا منها، قال: فلو أنا أمضيناه عليهم، فأمضاه عليهم. وكان كذلك ينهى عن المتعة في أشهر الحج لئلا تُقْطع زيارة البيت في غير أشهر الحج. وقد كان أَبو موسى يفتي بالتمتع فترك فتياه اتباعا لأمير المؤمنين وسمعا وطاعة للأئمة المهديين.\nالقول الثاني: أن القرآن نزل على سبعة أحرف، وليس المراد أن جميعه يقرأ على سبعة أحرف، ولكن بعضه على حرف وبعضه على حرف آخر. قال الخطابي: وقد يقرأ بعضه بالسبع لغات كما في قوله: ﴿وَعَبَدَ الطَّاغُوتِ﴾ (^١٥٥) و﴿يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ﴾ (^١٥٦). قال القرطبي:\n_________\n(^١٥٣) -[الحديد: ١٣].\n(^١٥٤) -[البقرة: ٢٠].\n(^١٥٥) -[المائدة: ٦٠].\n(^١٥٦) -[يوسف: ١٢].","vol":"1","page":61},{"text":"ذهب إلى هذا القول أَبو عبيد، واختاره ابن عطية. قال أَبو عبيد: وبعض اللغات، أسعدُ به من بعض، وقال القاضي البلاقلاني: ومعنى قول عثمان: إنه نزات بلسان قريش، أي: معظمه، ولَم يقم دليل على أن جميعه بلغة قريش كله، قال الله تعالى: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًا﴾ (^١٥٧)، ولم يقل: قرشيا. قال: واسم العرب يتناول جميع القبائل واحدا، ويعنى حجازها ويمنها، وكذلك قال الشيخ أَبو عمر بن عبد البر، قال: لأن غير لغة قريش موجودة في صحيح القراءات كتحقيق الهمزات، فإن قريشًا لا تهمز، وقال ابن عطية: قال ابن عبَّاس، ما كنت أدري ما معنى: ﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [فاطر: ١] حتَّى سمعت أعرابيًّا يقول لبئر ابتدأ حفرها: أنا فطرتها.\nالقول الثالث: أن لغات القرآن السبع منحصرة في مضر على اختلاف، قبائلها خاصة؛ لقول عثمان: إن القرآن نزل بلغة قريش، وقريش هم بنو النضر بن الحارث على الصحيح من أقوال أهل النسب، كما نطق به الحديث في سنن ابن ماجة وغيره.\nالقول الرابع - وحكاه الباقلاني عن بعض العلماء -: أن وجوه القراءات ترجع إلى سبعة أشياء، منها ما تتغير حركته ولا تتغير صورته ولا معناه مثل: ﴿وَيَضِيقُ صَدْرِي﴾ (^١٥٨)، و\"يَضِيقُ\"، منها ما لا تتغير صورته ويختلف معناه مثل: ﴿فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَينَ أَسْفَارِنَا﴾ (^١٥٩) و\"باعد بين أسفارنا\"، وقد يكون الاختلاف في الصورة والمعنى بالحرف مثل: ﴿نُنْشِزُهُا﴾ (^١٦٠)، و\"نَنشُزُها\"، أو بالكلمة مع بقاء المعنى مثل: هو ﴿كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ﴾ (^١٦١)، أو \"كالصوف المنفوش\" أو باختلاف الكلمة [واختلاف المعنى، مثل ﴿﴿وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ﴾ (^١٦٢) \" وطلع منضود\" أو بالتقدم والتأخر مثل: هو ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ﴾ (^١٦٣). أو \"سكرة الحق الموت\" أو بالزِّيادة مثل \"تسع وتسعون نعجة أنثى\"، وأما الغلام كان كافرًا وكان أَبواه مؤمنين]. ﴿فإن الله من بعد إكراههن لهن غفور رحيم﴾ (^١٦٤).\nالقول الخامس: أن المراد بالأحرف السبعة معاني القرآن وهي: أمر، ونهى، ووعد، ووعيد، وقصص، ومجادلة، وأمثال. قال ابن عطية: وهذا ضعيف؛ لأن هذه لا تسمى حروفا، وأيضًا فالإجماع أن التوسعة لم تقع في تحليل حلال، ولا في تغيير شيء من المعاني، وقد أورد القاضي الباقلاني في هذا حديثًا، ثم قال: وليست هذه هي التي أجاز لهم القراءة\n_________\n(^١٥٧) -[يوسف:٢].\n(^١٥٨) -[الشعراء: ١٣].\n(^١٥٩) -[سبأ:١٩].\n(^١٦٠) -[البقرة: ٢٥٩].\n(^١٦١) -[القارعة ٥].\n(^١٦٢) -[الواقعة: ٢٩].\n(^١٦٣) -[ق: ١٩].\n(^١٦٤) -[النور: ٣٣].","vol":"1","page":62},{"text":"بها (^١٦٥).\nفصل\nقال القرطبي (^١٦٦): قال كثير من علمائنا كالداودي وابن أبي صفرة وغيرهما: هذه القراءات السبع التي تنسب لهؤلاء القراء السبعة ليست هي الأحرف السبعة التي اتسعت الصحابة في القراءة بها، وإنَّما هي راجعة إلى حرف واحد من السبعة وهو الذي جمع عليه عثمان المصحف. ذكره ابن النحاس وغيره.\nقال القرطبي: وقد سوغ كل واحد من القراء السبعة قراءة الآخر وأجازها، وإنَّما اختار القراءة المنسوبة إليه لأنه رآها أحسن والأولى عنده. قال: وقد أجمع المسلمون في هذه الأمصار على الاعتماد على ما صح عن هؤلاء الأئمة فيما رووه ليرأوه من القراءات، وكتبوا في ذلك مصنفات واستمر الإجماع على الصواب وحصل ما وعبد الله به من حفظ الكتاب.\n_________\n(^١٦٥) - تفسير القرطبي (١/ ٤٢ - ٤٧).\n(^١٦٦) - تفسير القرطبي (١/ ٤٦).","vol":"1","page":63},{"text":"قال البخاري ﵀ (^١٦٧):\n\n<span data-type='title' id=toc-39>تأليف القرآن</span>\nحدَّثنا إبراهيم بن موسى، أخبرنا هشام بن يوسف: أن ابن جريج أخبرهم قال: وأخبرني يوسف بن ماهك قال؛ إني عند عائشة أم المؤمنين، ﵂، إذ جاءها عراقي فقال: أي الكفن خير؟ قالت: ويحك! وما يضرك، قال: يا أم المؤمنين، أريني مصحفك، قالت: لم؟ قال: لعلي أؤلف القرآن عليه، فإنه يقرأ غير مؤلف، قالت: وما يضرك أيه قرأت قبل، إنما نزل أول ما نزل منه سورة من المفصل فيها ذكر الجنَّة والنار، حتَّى إذا ثاب الناس إلى الإسلام، نزل الحلال والحرام ولو نزل أول شيء: ولا تشربوا الخمر، لقالوا: لا ندع الخمر أبدا، ولو نزل: لا تزنوا، لقالوا: لا ندع الزنا أبدًا، لقد نزل بمكة على محمد ﷺ وإني لجارية ألعب: ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾ (^١٦٨)، وما نزلت سورة البقرة والنساء إلَّا وأنا عنده، قال: فأخرجت له المصحف فأملت عليه آي السور.\nوهكذا رواه النَّسائي من حديث ابن جريج، به (^١٦٩).\nوالمراد من التأليف هاهنا ترتيب سوره. وهذا العراقي سأل أولًا عن أبي الكفن خير، أي: أفضل، فأخبرته عائشة، ﵂، أن هذا لا ينبغي أن يعتني بالسؤال عنه ولا القصد له ولا الاستعداد، فإن في هذا تكلفا لا طائل تحته، وكانوا في ذلك الزمان يصفون أهل العراق بالتعنت في الأسئلة، كما سأل بعضهم عبد الله بن عمر عن دم البعوض يصيب الثوب، فقال عبد الله بن عمر: انظروا أهل العراق، يسألون عن دم البعوض، وقد قتلوا ابن بنت رسول الله ﷺ\" (^١٧٠).\nولهذا لم تبالغ معه عائشة، ﵂، في الكلام لئلا يظن أن ذلك أمر مهم، وإلَّا فقد روى أحمد وأهل السنن من حديث سمرة وابن عبَّاس عن رسول الله ﷺ قال: \"البسوا من ثيابكم البياض، وكفنوا فيها موتاكم، فإنها أطهر وأطيب\" (^١٧١) وصححه\n_________\n(^١٦٧) - البخاري في فضائل القرآن، باب: تأليف القرآن برقم (٤٩٩٣).\n(^١٦٨) -[القمر: ٤٦].\n(^١٦٩) - سنن النسائي الكبرى برقم (٧٩٨٧).\n(^١٧٠) - رواه البخاري في فضائل أصحاب النبي، ﷺ، من صحيحه، باب: فضائل الحسن والحسين برقم (٣٧٥٣).\n(^١٧١) - حديث سمرة في المسند ٢٠١٥٣ - (٥/ ١٠)، وأخرجه التِّرمِذي في كتاب الأدب، باب: ما جاء في لبس البياض (رقم: ٢٨١٠) وقال: هذا حديث حسن صحيح، والنَّسائي في كتاب الزينة، باب: الأمر بلبس البيض من الثياب (رقم: ٥٣٢٢، ٥٣٢٣) (٨/ ٢٠٥). وفي الكبرى في =","vol":"1","page":64},{"text":"التِّرمِذي من الوجهين.\nوفي الصحيحين عن عائشة، ﵂، أنَّها قالت: كفن رسول الله ﷺ في ثلاثة أثواب بيض سحولية، ليس فيها قميص ولا عمامة (^١٧٢). وهذا محرر في باب الكفن من كتاب الجنائز.\nثم سألها عن ترتيب القرآن فانتقل إلى سؤال كبير، وأخبرها أنَّه يقرأ غير مؤلف، أي: غير مرتب السور. وكأن هذا قبل أن يبعث أمير المؤمنين عثمان، ﵁، إلى الآفاق بالمصاحف الأئمة المؤلفة على هذا الترتيب المشهور اليوم، وقبل الإلزام به، والله أعلم.\nولهذا أخبرته: إنه لا يضرك بأي سورة بدأت، وأن أول سورة نزلت فيها ذكر الجنَّة والنار، وهذه إن لم تكن ﴿اقرأ﴾ فقد يحتمل أنَّها أرادت اسم جنس لسور المفصل التي فيها الوعد والوعيد، ثم لما انقاد الناس إلى التصديق أمروا ونهوا بالتدريج أولًا فأولا، وهذا من حكمة الله ورحمته، ومعنى هذا الكلام: أن هذه السورة أو السور التي فيها ذكر الجنَّة والنار ليست البداءة بها في أوائل المصاحف، مع أنَّها من أول ما نزل، وهذه البقرة والنساء من أوائل ما في المصحف، وقد نزلت عليه في المدينة وأنا عنده.\nفأما ترتيب الآيات في السور فليس في ذلك رخصة، بل هو أمر توقيفي عن رسول الله ﷺ، كما تقدم تقرير ذلك؛ ولهذا لم ترخص له في ذلك، بل أخرجت له مصحفها، فأملت عليه أي السور، والله أعلم. وقول عائشة: لا يضرك بأي سورة بدأت، يدل على أنَّه لو قدم بعض السور أو أخر، كما دل عليه حديث حذيفة وابن مسعود، وهو في الصحيح أنَّه، ﵇، قرأ في قيام الليل بالبقرة ثم النساء ثم آل عمران (^١٧٣).\nوقد حكى القرطبي عن أبي بكر بن الأنباري في كتاب الرد أنه قال: فمن أخر سورة مقدمة أو قدم أخرى مؤخرة كمن أفسد نظم الآيات وغير الحروف والآيات (^١٧٤)، وكان مستنده اتِّباع\n_________\n= كتاب الزينة، باب: الأمر بلبس الثياب البيض (رقم: ٩٦٤٢، ٩٦٤٣، ٩٦٤٤) (٥/ ٤٧٧)، وابن ماجة في كتاب اللباس، باب: البياض من الثياب (رقم: ٣٥٦٧).\nوحديث ابن عبَّاس في المسند (١/ ٢٣١، ٢٤٧)، ورواه أبو داود في كتاب الطب، باب: الأمر بالكحل برقم (٣٨٧٨)، والتِّرمِذي في الجنائز، باب: ما يستحب من الأكفان برقم (٩٩٤)، وابن ماجة في الجنائز، باب: ما جاء فيما يستحب من الكفن برقم (١٤٧٢).\n(^١٧٢) - البخاري في الجنائز، باب الثياب البيض للكفن برقم (١٢٦٤)، ومسلم في الجنائز برقم ٤٥ (٩٤١).\n(^١٧٣) - رواه مسلم في صحيحه برقم (٧٧٢) وقد تقدم.\n(^١٧٤) - تفسير القرطبي (١/ ٦٠).","vol":"1","page":65},{"text":"مصحف عثمان، ﵁، فإنه مرتب على هذا النحو المشهور، والظاهر أن ترتيب السور فيه منه ما هو راجع إلى رأي عثمان ﵁، وذلك ظاهر في سؤال ابن عباس له عن ترك البسملة في أول براءة، وذكره الأنفال من الطول، والحديث في التِّرمِذي وغيره بإسناد جيد وقوي. وقد ذكرنا عن علي أنَّه كان قد عزم على ترتيب القرآن بحسب نزوله.\nولهذا حكى القاضي الباقلاني: أن أول مصحفه كان: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْأَكْرَمُ﴾ وأول مصحف ابن مسعود: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ ثم البقرة، ثم النساء على ترتيب مختلف، وأول مصحف أبيّ: ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ﴾، ثم النساء، ثم آل عمران، ثم الأنعام، ثم المائدة، ثم كذا على اختلاف شديد، ثم قال القاضي: ويحتمل أن ترتيب السور في المصحف على ما هو عليه اليوم من اجتهاد الصحابة، ﵃، وكذا ذكره مكي في تفسير سورة براءة قال: فأما ترتيب الآيات والبسملة فِي الأوائل فهو من النبي ﷺ.\nوقال ابن وَهْب في جامعه: سمعت سليمان بن بلال يقول: سئل ربيعة: لم قدمت البقرة وآل عمران، وقد نزل قبلهما بضع وثمانون سورة؟ فقال: قدمتا وألف القرآن على علم ممن ألفه، وقد أجمعوا على العلم بذلك، فهذا مما ينتهى إليه ولا يسأل عنه. قال ابن وَهْب: وسمعت مالك يقول: إنما ألف القرآن على ما كانوا يسمعونه من النبي ﷺ (^١٧٥).\nقال أَبو الحسن بن بطَّال: إنما يجب تأليف سوره في الرسم والخط خاصة ولا يعلم أن أحدًا منهم قال: إن ترتيب ذلك واجب في الصلاة وفي قراء القرآن ودرسه، وأنه لا يحل لأحد أن يقرأ الكهف قبل البقرة، ولا الحج قبل الكهف، إلا ترى إلى قول عائشة: ولا يضرك أيه قرأت قبل. وقد كان النبي ﷺ يقرأ في الصلاة السورة في ركعة، ثم يقرأ في الركعة الأخرى بغير السورة التي تليها.\nقال: وأما ما رُوي عن ابن مسعود وابن عمر أنهما كرها أن يقرأ القرآن منكوسًا. وقالا: إنما ذلك منكوس القلب، فإنما عنيا بذلك من يقرأ السورة منكوسةً فيبتدأ بآخرها إلى أولها، فإن ذلك حرام محظور.\nثم قال البخاري: حدَّثنا آدم، عن شعبة، عن أبي إسحاق قال: سمعت عبد الرحمن بن يزيد قال: سمعت ابن مسعود يقول في بني إسرائيل والكهف ومريم وطه والأنبياء: إنهن من العتاق الأول، وهن من تلادى (^١٧٦).\n_________\n(^١٧٥) - ذكره القرطبي في تفسيره (١/ ٥٩، ٦٠).\n(^١٧٦) - رواه البخاري في فضائل القرآن، باب: تأليف القرآن برقم (٤٩٩٤).","vol":"1","page":66},{"text":"انفرد البخاري بإخراجه والمراد منه ذكر ترتيب هذه السور في مصحف ابن مسعود كالمصاحف العثمانية، وقوله: \"من العتاق الأول\" أي: من قديم م نزل، وقو\": \"وهن من تلادى\" أي: من قديم ما قنيت وحفظت. والتالد في لغتهم: قديم المال والمتاع، والطارف حديثه وجديده، والله أعلم.\nوحدثنا أَبو الوليد (^١٧٧)، حدَّثنا شعبة، حدثنا أبو إسحاق: سمع البراء بن عازب ﵁ يقول: تعلمت ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ قبل أن يقدم النبي ﷺ. وهذا متفق عليه، وهو قطعة من حديث الهجرة، والمراد منه أن ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ سورة مكية نزلت قبل الهجرة، واللَّه أعلم.\nثم قال (^١٧٨): حدَّثنا عبْدَان، عن أبي حمزة، عن الأعمَش، عن شقيق قال: قال عبد الله: لقد علمت النظائر التي كان النبي ﷺ يقرؤهن اثنين اثنين في كل ركعة، فقام عبد الله ودخل معه علقمة، وخرج علقمة فسألناه فقال: عشرون سورة من أول المفصل على تأليف ابن مسعود، آخرهن من الحواميم [حم الدخان وعمّ يتساءلون] [¬١].\nوهذا التأليف الذي عن ابن مسعود غريب مخالف لتأليف عثمان، ﵁، فإن المفصل في مصحف عثمان، ﵁، من سورة الحجرات إلى آخره وسورة الدخان لا تدخل فيه بوجه، والدليل على ذلك ما رواه الإمام أحمد (^١٧٩):\nحدَّثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدَّثنا عبد الله بن عبد الرحمن الطائفي، عن عثمان بن عبد الله بن أوس الثقفي، عن جده أوس بن حذيفة قال: كنت في الوفد الذين أتوا النبي ﷺ فذكر حديثًا فيه: أن رسول الله ﷺ كان يسمر معهم بعد العشاء\n_________\n(^١٧٧) - رواه البخاري في فضائل القرآن، باب: تأليف القرآن برقم (٤٩٩٥).\n(^١٧٨) - رواه البخاري في فضائل القرآن، باب: تأليف القرآن برقم (٤٩٩٦).\n(^١٧٩) - عبد الله بن عبد الرحمي الطائفي: صدوق، يخطئ ويهم، روى له البخاري في الأدب ومسلم، وغيرهما، وعثمان بن عبد الله بن أوس: قال في التقريب: مقبول، روى له أبو داود وابن ماجة، والحديث في المسند ١٦٢١٤ - (٤/ ٩)، (٤/ ٣٤٣)، ورواه أبو داود في كتاب الصلاة، باب: تحزيب القرآن، حديث (١٣٩٣) من طريق مسدد وعبد الله بن سعيد، عن قران بن تمام وأبي خالد، عن عبد الله، به، وابن ماجة في كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب: في كم يستحب يختم القرآن، من طريق أبي بكر بن أبي شيبة، ثنا أَبو خالد الأحمر، عن عبد الله به، حديث (١٣٤٥) والبخاري في التاريخ (١/ ٢ / ١٦)، وابن أبي شيبة (٢/ ٥٠١ - ٥٠٢)، والطيالسي (١١٠٨)، وابن سعد (٥/ ٥١٠)، والطبراني في الكبير (١/ ٢٢٠) حديث (٥٩٩)، والحديث ضعفه الشيخ الألباني في ضعيف أبي داود حديث ٢٩٧.\n_________\n[¬١]- ليست في البخاري.","vol":"1","page":67},{"text":"فمكث عنا ليلة لم يأتنا، حتَّى طال ذلك علينا بعد العشاء. قال: قلنا: ما أمكثك عنا يا رسول الله. قال: \"طرأ علي حزب من القرآن، فأردت ألا أخرج حتَّى أقضيه\". قال: فسألنا أصحاب رسول الله ﷺ حين أصبحنا، قال: قلنا: كيف تحزبون القرآن؟ قالوا: نحزبه ثلاث سور، وخمس سور، وسبع سور، وتسع سور، وإحدى عشرة سورة، وثلاث عشرة سورة، وحزب المفصل من قاف حتَّى يختم.\nورواه أبو داود وابن ماجة من حديث عبد الله بن عبد الرحمن بن يعلى الطائفي، به، وهذا إسناد حسن.","vol":"1","page":68},{"text":"<span data-type='title' id=toc-40>فصل\nفأما نقط المصحف وشكله،</span> فيقال: إن أول من أمر به عبد الملك بن مروان، فتصدى لذلك الحجاج وهو بواسط، فأمر الحسن البصري ويحيى بن يعمر ففعلا ذلك، ويقال: إن أول من نقط المصحف أَبو الأسود الدؤلي، وذكروا أنَّه كان لمحمد بن سيرين مصحف قد نقطه له يحيى بن يعمر (^١٨٠)، والله أعلم.\nوأما كتابة الأعشار على الحواشي فينسب إلى الحجاج أيضًا، وقيل: بل أول من فعله المأمون، وحكى أَبو عمرو الداني عن ابن مسعود أنَّه كره التعشير في المصحف، وكان يحكه (^١٨١)، وكره مجاهد ذلك أيضًا.\nوقال مالك: لا بأس به بالحبر، فأما بالألوان المصبغة فلا. وأكره تعداد آي السور في أولها في المصاحف الأمهات، فأما ما يتعلم فيه الغلمان فلا أرى به بأسًا.\nوقال قَتَادة: بدءوا فنقطوا، ثم خمسوا، ثم عشروا. وقال يحيى بن أبي كثير: أول ما أحدثوا النقط على الباء والتاء والثاء، وقالوا: لا بأس به، هو نور له، أحدثوا نقطا عند آخر الآي، ثم أحدثوا الفواتح والخواتم.\nورأى إبراهيم النخعي فاتحة سورة كذا، فأمر بمحوها وقال: قال ابن مسعود: لا تخلطوا بكتاب الله ما ليس فيه. قال أَبو عمرو الداني: ثم قد أطبق المسلمون في ذلك في سائر الآفاق على جواز ذلك في الأمهات وغيرها.\nثم قال البخاري، ﵀:\n\n<span data-type='title' id=toc-41>كان جبريل يعرض القرآن على النبي ﷺ</span>\nقال مسروق: عن عائشة، عن فاطمة، ﵂، أسر إليّ رسول الله ﷺ: أن جبريل كان يعارضني بالقرآن كل سنة وأنه عارضني العام مرتين ولا أراه إلا حضر أجلي. هكذا ذكره معلقًا وقد أسنده في موضع آخر (^١٨٢).\nثم قال: حدَّثنا يحيى بن قزعة، حدَّثنا إبراهيم بن سعد، عن الزُّهْريّ، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عبَّاس قال: كان النبي ﷺ أجود الناس بالخير، وأجود ما\n_________\n(^١٨٠) - روى ابن أبي داود في المصاحف (ص ١٤١) بإسناده عن هارون بن موسى: أول من نقط المصاحف يحيى بن يعمر.\n(^١٨١) - رواه أَبو عبيد بإسناده إلى عبد الله في فضائل القرآن (ص ٣٩٤).\n(^١٨٢) - البخاري في فضائل القرآن عقب حديث (٤٩٩٦).","vol":"1","page":69},{"text":"يكون في شهر رمضان؛ لأن جبريل كان يلقاه في كل ليلة في شهر رمضان حتى ينسلخ يعرض عليه رسول الله ﷺ القرآن، فإذا لقيه جبريل كان أجود بالخير من الريح المرسلة، وهذا الحديث متفق عليه (^١٨٣)، وقد تقدم الكلام عليه في أول الصحيح وما فيه من الحكم والفوائد، والله أعلم.\nثم قال: حدثنا خالد بن يزيد، حدثنا أبو بكر، عن أبي حصين، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: كان يعرض على النبي ﷺ القرآن كل عام مرة، فعرض عليه مرتين في العام الذي قبض فيه، وكان يعتكف كل عام عشرا فاعتكف عشرين في العام الذي قبض فيه.\nورواه أبو داود والنسائي وابن ماجة من غير وجه عن أبي بكر -وهو ابن عياش- عن أبي حصين، واسمه عثمان بن عاصم، به (^١٨٤).\nوالمراد من معارضته له بالقرآن كل سنة: مقابلته على ما أوحاه إليه عن الله تعالى، ليبقى ما بقي، ويذهب ما نسخ توكيدًا، أو استثباتًا وحفظًا؛ ولهذا عرضه في السنة الأخيرة من عمره، ﵇، اقتراب أجله على جبريل مرتين، وعارضه به جبريل كذلك؛ ولهذا فهم، ﵇، اقتراب أجله. وعثمان، ﵁، جمع المصحف الإمام على العرضة الأخيرة ﵁ وأرضاه، وخصّ بذلك رمضان من بين الشهور؛ لأن ابتداء الإيحاء كان فيه؛ ولهذا يستحب دراسة القرآن وتكراره فيه، ومن ثم كثر اجتهاد الأئمة فيه في تلاوة القرآن، كما تقدم ذكرنا لذلك.\n_________\n(^١٨٣) - البخاري في فضائل القرآن برقم (٤٩٩٧)، ومسلم في الفضائل برقم ٥٠ - (٢٣٠٨).\n(^١٨٤) - البخاري في فضائل القرآن برقم (٤٩٩٨)، وفي الاعتكاف، باب: الاعتكاف في العشر الأوسط (٢٠٤٤)، وأبو داود في الصوم، باب: أن يكون الاعتكاف برقم (٢٤٦٦)، والنسائي في الكبرى برقم (٧٩٩٢)، وابن ماجة في الصوم، باب: الاعتكاف برقم (١٧٦٩).","vol":"1","page":70},{"text":"القراء من أصحاب النبي ﷺ\nحدثنا حفص بن عمر، حدثنا شعبة، عن عمرو، عن إبراهيم، عن مسروق: ذكر عبد الله بن عمرو عبد الله بن مسعود، فقال: لا أزال أحبه، سمعت رسول الله يقول: \"خذوا القرآن من أربعة: من عبد الله بن مسعود، وسالم، ومعاذ بن جبل، وأبي بن كعب\"، ﵃ (^١٨٥).\nوقد أخرجه البخاري في المناقب في غير موضع، ومسلم والنسائي من حديث شعبة، عن عمرو بن مرة به (^١٨٦).\nوأخرجاه والترمذي والنسائي -أيضًا- من حديث الأعمش، عن أبي وائل، عن مسروق به (^١٨٧).\nفهؤلاء الأربعة اثنان من المهاجرين الأولين عبد الله بن مسعود، وسالم مولى أبي حذيفة، وقد كان سالم هذا من سادات المسلمين وكان يؤم الناس قبل مقدم النبي ﷺ في المدينة، واثنان من الأنصار: معاذ بن جبل، وأبيّ بن كعب، وهما سيدان كبيران، ﵃ أجمعين.\nثم قال: حدثنا عمر بن حفص، حدثنا أبي، حدثنا الأعمش، حدثنا شقيق بن سلمة قال: خطبنا عبد الله فقال: والله لقد أخذت من في رسول الله ﷺ بضعا وسبعين سورة، والله لقد علم أصحاب النبي ﷺ أني من أعلمهم بكتاب الله وما أنا بخيرهم. قال شقيق: فجلست في الحلق أسمع ما يقولون، فما سعت رادًّا يقول غير ذلك (^١٨٨).\nحدثنا محمد بن كثير، أخبرنا سفيان، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة قال: كنا بحمص، فقرأ ابن مسعود سورة يوسف فقال رجل: ما هكذا أنزلت، فقال: قرأت على رسول\n_________\n(^١٨٥) - البخاري في فضائل القرآن، باب: القراء من أصحاب رسول الله، ﷺ، برقم (٤٩٩٩).\n(^١٨٦) - البخاري في فضائل القرآن، باب: القراء من أصحاب رسول الله، ﷺ، برقم (٤٩٩٩)، وانظر (٣٨٠٦، ٣٨٠٨، ٣٧٥٨، ٣٧٦٠)، ومسلم في فضائل الصحابة برقم ١١٦ - (٢٤٦٤)، والنسائي في الكبرى برقم (٧٩٩٦).\n(^١٨٧) - البخاري برقم (٣٧٦٠)، ومسلم في فضائل الصحابة برقم ١١٧ - (٢٤٦٤)، والترمذي في المناقب، باب: مناقب عبد الله بن مسعود برقم (٣٨١٠)، والنسائي في الكبرى برقم (٧٩٩٧).\n(^١٨٨) - صحيح البخاري في فضائل القرآن، باب: القراء من أصحاب رسول الله، ﷺ، برقم (٥٠٠٠).","vol":"1","page":71},{"text":"الله ﷺ فقال: \"أحسنت\" ووجد منه ريح الخمر، فقال: أتجترئ أن تكذب بكتاب الله وتشرب الخمر؟! فجلده الحد (^١٨٩).\nحدثنا عمر بن حفص، حدثنا أبي، حدثنا الأعمش، حدثنا مسلم، عن مسروق قال: قال عبد الله: والله الذي لا إله غيره، ما أنزلت سورة من كتاب الله إلا وأنا أعلم أين أنزلت، ولا أنزلت آية من كتاب الله إلا وأنا أعلم فيمن أنزلت، ولو أعلم أحدًا أعلم مني [بكتاب الله] [¬١] تبلغه الإبل لركبت إليه (^١٩٠).\nوهذا كله حق وصدق، وهو من إخبار الرجل بما يعلم من نفسه مما قد يجهله غيره، فيجوز ذلك للحاجة، كما قال تعالى إخبارا عن يوسف لما قال لصاحب مصر: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٥٥]، ويكفيه مدحا وثناء قول رسول الله ﷺ: \"استقرئوا القرآن من أربعة\"، فبدأ به.\nوقال أبو عبيد: حدثنا مصعب بن المقدام، عن سفيان، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عمر، عن النبي ﷺ قال: \"من أحب أن يقرأ القرآن غضًّا (^١٩١) كما أنزل فليقرأه على قراءة ابن أم عبد\" (^١٩٢).\nوهكذا رواه الإمام أحمد، عن أبي معاوية، عن الأعمش، به مطولا، وفيه قصة.\nوأخرجه الترمذي والنسائي من حديث أبي معاوية به وصححه الدارقطني، وقد ذكرته في مسند عمر (^١٩٣).\n_________\n(^١٨٩) - البخاري في فضائل القرآن، باب: القراء من أصحاب رسول الله، ﷺ، برقم (٥٠٠١).\n(^١٩٠) - البخاري في فضائل القرآن، باب: القراء من أصحاب رسول الله، ﷺ، برقم (٥٠٠٢).\n(^١٩١) - قال ابن الأثير: الغض: الطري الذي لم يتغير؛ أراد طريقته في القراءة، وهيئته فيها. وقيل: أراد الآيات التي سمعها منه، من أول سورة النساء إلى قوله: ﴿فَكَيفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ النهاية (٣/ ٣٧١).\n(^١٩٢) - فضائل القرآن (ص ٣٧٢)، والحاكم (٢/ ٢٢٧) (٣/ ٣١٨)، وأحمد في المسند (١/ ٢٥، ٢٦)، والترمذي في الصلاة، باب: ما جاء من الرخصة في السمر بعد العشاء برقم (١٦٩)، والنسائي في الكبرى برقم (٨٢٥٦).\n(^١٩٣) - مسند عمر بن الخطاب ﵁ للمؤلف (ص ١٧١ - ١٧٣) وقال: \"وهذا الحديث لا يشك أنه محفوظ، وهذا الاضطراب لا يضر صحته، والله أعلم\".\n_________\n[¬١]- زيادة عن البخاري.","vol":"1","page":72},{"text":"وفي مسند الإمام أحمد -أيضًا- عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: \"ومن أحب أن يقرأ القرآن غضا كما أنزل فليقرأه على قراءة ابن أم عبد\" (^١٩٤)، وابن أم عبد هو عبد الله بن مسعود، وكان يعرف بذلك.\nثم قال البخاري (^١٩٥): حدثنا حفص بن عمر، حدثنا همام، حدثنا قتادة قال: سألت أنس بن مالك: من جمع القرآن على عهد رسول الله ﷺ؟ قال: أربعة، كلهم من الأنصار: أبيّ بن كعب، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبو زيد. ورواه مسلم من حديث همام.\nثم قال البخاري: تابعه الفضل، عن حسين بن واقد، عن ثمامة، عن أنس بن مالك.\nحدثنا معلى بن أسد، حدثنا عبد الله بن المثنى قال: حدثني ثابت البناني وثمامة عن أنس بن مالك قال: مات النبي ﷺ ولم يجمع القرآن غير أربعة: أبو الدرداء، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبو زيد. قال: ونحن ورثناه (^١٩٦).\nفهذا الحديث ظاهره أنه لم يجمع القرآن من الصحابة سوى هؤلاء الأربعة فقط، وليس هذا هكذا، بل الذي لا شك فيه أنه جمعه غير واحد من المهاجرين أيضًا، ولعل مراده: لم يجمع القرآن من الأنصار؛ ولهذا ذكر الأربعة من الأنصار، وهم أبي بن كعب في الرواية الأولى المتفق عليها وفي الثانية من أفراد البخاري: أبو الدرداء، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبو زيد، وكلهم مشهورون إلا أبا زيد هذا، فإنه غير معروف إلا في هذا الحديث، وقد اختلف في اسمه فقال الواقدي: اسمه قيس بن السكن بن قيس بن زعورا بن حرام بن جندب بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار (^١٩٧).\nوقال ابن نمير: اسمه سعد بن عبيد بن النعمان بن قيس بن عمرو بن زيد بن أمية من الأوس. وقيل: هما اثنان جمعا القرآن، حكاه أبو عمر بن عبد البر، وهذا بعيد وقول الواقدي أصح لأنه\n_________\n(^١٩٤) - رواه أحمد في المسند (٢/ ٤٤٦)، وفي فضائل الصحابة (١٥٣٧)، وأبو يعلى (٦١٠٦)، والعقيلي (١/ ١٩٧ - ١٩٨)، والبزار (٣/ ٢٦٨٢)، وقال البزار: جرير ليس بالحافظ، وتركه النسائي، وضعفه ابن السكن، وقال أبو حاتم والبخاري: منكر الحديث.\n(^١٩٥) - البخاري في فضائل القرآن، باب: القراء من أصحاب رسول الله، ﷺ، برقم (٥٠٠٣)، ومسلم في فضائل الصحابة، برقم ١١٦ - (٢٤٦٥).\n(^١٩٦) - البخاري في فضائل القرآن، باب: القراء من أصحاب رسول الله، ﷺ، برقم (٥٠٠٤).\n(^١٩٧) - انظر: أسد الغابة (٦/ ١٢٠)، والإصابة (٣/ ٢٤٠).","vol":"1","page":73},{"text":"خزرجي؛ لأن أنسًا قال: ونحن ورثناه، وهم من الخزرج، وفي بعض ألفاظه: وكان أحد عمومتي.\nوقال قتادة عن أنس (^١٩٨) قال: افتخر الحيان الأوس والخزرج، فقالت الأوس: منا غسيل الملائكة حنظلة بن أبي عامر، ومنا الذي حمته الدبُرُ عاصم بن ثابت، ومنا الذي اهتز لموته العرش سعد بن معاذ، ومنا من أجيزت شهادته بشهادة رجلين خزيمة بن ثابت.\nفقالت الخزرج: منا أربعة جمعوا القرآن على عهد رسول الله ﷺ: أبيّ بن كعب، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبو زيد.\nفهذا كله يدل على صحة قول الواقدي، وقد شهد أبو زيد هذا بدرًا، فيما ذكره غير واحد.\nوقال موسى بن عقبة عن الزهري: قتل أبو زيد قيس بن السكن يوم جسر أبي عبيدة على رأس خمس عشرة سنة من الهجرة، والدليل على أن من المهاجرين من جمع القرآن أن الصديق، ﵁، قدّمه رسول الله ﷺ في مرضه إمامًا علي المهاجرين والأنصار، مع أنه ﷺ قال: \"يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله\" (^١٩٩)، فلولا أنه كان اقرأهم لكتاب الله لما قدّمه عليهم. هذا مضمون ما قرره الشيخ أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري، وهذا التقرير لا يُدفع ولا يشك فيه، وقد جمع الحافظ ابن السمعاني في ذلك جزءًا، وقد بسطت تقرير ذلك في كتاب مسند الشيخين، ﵄.\nومنهم عثمان بن عفان وقد قرأه في ركعة -كما سنذكره- وعلي بن أبي طالب يقال: إنه جمعه على ترتيب ما أنزل، وقد قدمنا هذا.\nومنهم عبد الله بن مسعود، وقد تقدم عنه أنه قال: ما من آية من كتاب الله إلا وأنا أعلم أين نزلت؟ وفيم نزلت؟ ولو علمت أحدًا أعلم مني بكتاب الله تبلغه المطي لذهبت إليه.\nومنهم سالم مولى أبي حذيفة، كان من السادات النجباء والأئمة الأتقياء وقد قتل يوم اليمامة شهيدًا.\nومنهم الحبر البحر عبد الله بن عباس بن عبد المطلب ابن عم رسول الله ﷺ وترجمان القرآن، وقد تقدم عن مجاهد أنه قال: قرأت القرآن على ابن عباس مرتين، أقفه عند كل آية وأسأله عنها.\n_________\n(^١٩٨) - رواه أبو يعلى (٥/ ٢٩٥٣)، والبزار (٣/ ٢٨٠٢)، والطبراني (٤/ ٣٤٨٨)، وقال الهيثمي (١٠/ ٤١): رجاله رجال الصحيح.\n(^١٩٩) - رواه مسلم في صحيحه برقم (٦٧٢) من حديث أبي مسعود الأنصاري، وقد تقدم.","vol":"1","page":74},{"text":"ومنهم عبد الله بن عمرو، كما رواه النسائي وابن ماجة من حديث ابن جريج عن عبد الله بن أبي مُلَيْكة، عن يحيى بن حكيم بن صفوان، عن عبد الله بن عمرو قال: جمعت القرآن فقرأت به كل ليلة، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال: \"اقرأه في شهر\". وذكر تمام الحديث (^٢٠٠).\nثم قال البخاري: حدثنا صدقة بن الفضل، حدثنا يحيى، عن سفيان، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال عمر: عليٌّ أقضانا، وأبيّ أقرؤنا، وإنا لَنَدع من لحنِ أبيٍّ، وأبيّ يقول: أخذته من في رسول الله ﷺ، فلا أتركه لشيء قال الله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦] (^٢٠١).\nوهذا يدل على أن الرجل الكبير قد يقول الشيء يظنه صوابًا وهو خطأ في نفس الأمر؛ ولهذا قال الإمام مالك: ما من أحد إلا يؤخذ من قوله وورد إلا قول صاحب هذا القبر، أي: فكله مقبول، صلوات الله وسلامه عليه. ثم ذكر البخاري فضل فاتحة الكتاب وغيرها، وسنذكر فضل كل سورة عندها ليكون ذلك أنسب. ثم قال:\nنزول السكينة والملائكة عند القراءة\nوقال الليث: حدثني يزيد بن الهاد، عن محمد بن إبراهيم، عن أسيد بن الحضير قال: بينا هو يقرأ من الليل سورة البقرة، وفرسه مربوطة عنده، إذ جالت الفرس، فسكت فسكنت، ثم قرأ فجالت الفرس، فسكت فسكنت، ثم قرأ فجالت الفرس، فانصرف، وكان ابنه يحيى قريبًا منها، فأشفق أن تصيبه، فلما اجتره رفع رأسه إلى السماء حتى ما وراها، فلما أصبح حدث النبي ﷺ فقال: \"اقرأ يا بن حضير، اقرأ يا بن حضير\". قال فأشفقت يا رسول الله أن تطأ يحيى وكان منها قريبًا، فرفعت رأسي وانصرفت إليه، فرفعت رأسي إلى السماء فإذا مثل الظُّلَّة، فيها أمثال المصابيح، فخرجت حتى لا أراها قال: \"أو تدري ما ذاك؟ \" قال: لا، قال: \"تلك الملائكة دَنَتْ لصوتك، ولو قرأت لأصبحت ينظر الناس إليها لا تتوارى منهم\". قال ابن الهاد: وحدثني هذا الحديث عبد الله بن خباب عن أبي سعيد الخدري عن\n_________\n(^٢٠٠) - رواه النسائي في الكبرى برقم (٨٠٦٤)، وابن ماجة في إقامة الصلاة والسنة فيها، باب: في كم يستحب يختم القرآن برقم (١٣٤٦)، وأحمد (٢/ ١٦٣)، وعبد الرزاق (٥٩٥٦)، وابن حبان (٧٥٦، ٧٥٧ إحسان)، والفريابي في الفضائل (١٢٧)، وأبو نعيم في الحلية (١/ ٢٨٥). ويحيى بن حكيم بن صفوان: قال في التقريب: مقبول -أي عند المتابعة -.\n(^٢٠١) - البخاري في فضائل القرآن، باب: القراء من أصحاب رسول الله ﷺ برقم (٥٠٠٥).","vol":"1","page":75},{"text":"أسيد بن الحضير (^٢٠٢).\nهكذا أورد البخاري هذا الحديث معلقًا، وفيه انقطاع في الرواية الأولى، فإن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي المدني تابعي صغير لم يدرك أسيدًا لأنه مات سنة عشرين، وصلى عليه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، ﵄. ثم فيه غرابة من حيث إنه قال: وقال الليث: حدثني يزيد بن الهاد ولم أره بسند متصل عن الليث كذلك، إلا ما ذكره الحافظ أبو القاسم بن عساكر في الأطراف أن يحيى بن عبد الله بن بكير رواه عن الليث كذلك.\nوقد رواه الإمام أبو عبيد في فضائل القرآن فقال (^٢٠٣): وحدثنا عبد الله بن صالح ويحيى بن بُكير، عن الليث، عن يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، عن أسيد بن حضير، فذكر الحديث إلى آخره، ثم قال: قال ابن الهاد: وحدثني عبد الله بن خباب، عن أبي سعيد، عن أسيد بن حضير بهذا.\nوقد رواه النسائي في فضائل القرآن (^٢٠٤)، عن محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، عن شعيب بن الليث، وعن علي بن محمد بن علي، عن داود بن منصور، كلاهما عن الليث، عن خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن يزيد بن عبد الله، وهو ابن الهاد، عن عبد الله بن خباب، عن أبي سعيد، عن أسيد، به.\nورواه يحيى بن بكير (^٢٠٥)، عن الليث كذلك أيضًا، فجمع بين الإسنادين.\nورواه في المناقب عن أحمد بن سعيد الرباطي، عن يعقوب بن إبراهيم، عن أبه، عن يزيد بن الهاد، عن عبد الله بن خباب، عن أبي سعيد، أن أسيد بن حضير بينما هو ليلة يقرأ في مربده، الحديث (^٢٠٦). ولم يقل: عن أسيد، ولكن ظاهره أنه عنه، والله أعلم.\nوقال أبو عبيد (^٢٠٧): حدثني عبد الله بن صالح، عن الليث، عن ابن شهاب، عن ابن كعب بن مالك، عن أسيد بن حضير: أنه كان على ظهر بيته يقرأ القرآن وهو حسن الصوت، ثم ذكر مثل هذا الحديث أو نحوه.\n_________\n(^٢٠٢) - البخاري في فضائل القرآن، باب: نزول السكينة والرحمة برقم (٥٠١٨).\n(^٢٠٣) - فضائل القرآن (ص ٦٣، ٦٤)، والبيهقي في الدلائل (٧/ ٨٤)، ورواه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني برقم ١٩٢٨، ١٩٢٩ - (٣/ ٤٦٨ - ٤٦٩)، والطبراني في الكبير برقم ٥٦١ - (١/ ١٦٧).\n(^٢٠٤) - سنن النسائي الكبرى برقم (٨٠٧٤).\n(^٢٠٥) - سنن النسائي الكبرى برقم (٨٢٤٤).\n(^٢٠٦) - ورواه مسلم ٢٤٢ - (٨٩٦)، وأحمد (٣/ ٨١).\n(^٢٠٧) - فضائل القرآن (ص ٦٤، ٦٥)، ورواه البخاري في تاريخه (٣/ ٣١٣ / ١)، والحاكم (١/ ٥٥٣ - ٥٥٤).","vol":"1","page":76},{"text":"وحدثنا قبيصة (^٢٠٨)، عن حماد بن سلمة، عن ثابت البناني، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أسيد بن حضير قال: قلت: يا رسول الله، بينا أنا أقرأ البارحة بسورة، فلما انتهيت إلى آخرها سمعت وجبة من خلفي، حتى ظننت أن فرسي تطلق، فقال رسول الله ﷺ: \"اقرأ أبا عتيك\" مرتين قال: فالتفت إلى أمثال المصابيح ملء بين السماء والأرض، فقال رسول الله ﷺ: \"اقرأ أبا عتيك\". فقال: والله ما استطعت أن أمضي فقال: \"تلك الملائكة تنزلت لقراءة القرآن، أما إنك لو مضيت لرأيت الأعاجيب\".\nوقال أبو داود الطالسي: حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق سمع البراء يقول: بينما رجل يقرأ سورة الكهف ليلة إذ رأى دابته تركض، أو قال: فرسه يركض، فنظر فإذا مثل الضبابة أو مثل الغمامة، فذكر ذلك لرسول الله ﷺ فقال: \"تلك السكينة تنزلت للقرآن، أو تنزلت على القرآن\" (^٢٠٩).\nوقد أخرجه صاحبا الصحيح من حديث شعبة (^٢١٠). والظاهر أن هذا هو أسيد بن الحضير، ﵁، فهذا مما يتعلق بصناعة الإسناد، وهذا من أغرب تعليقات البخاري، ﵀، ثم سياقه ظاهر فيما ترجم عليه من نزول السكينة والملائكة عند القراءة.\nوقد اتفق نحو هذا الذي وقع لأسيد بن الحضير لثابت بن قيس بن شماس كما قال أبو عبيد:\nحدثنا عباد بن عباد عن جرير بن حازم، عن عمه جرير بن زيد، أن أشياخ أهل المدينة حدثوه: أن رسول الله ﷺ قيل له: ألم تر ثابت بن قيس بن شماس لم تزل داره البارحة تزهر مصاييح؟ قال: \"فلعله قرأ سورة البقرة\". قال: فسئل ثابت فقال: قرأت سورة البقرة (^٢١١).\nوفي الحديث المشهور الصحيح: \"ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله، يتلون كتاب الله، ويتدارسونه فيما بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحَفَّتْهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده\" رواه مسلم عن أبي هريرة (^٢١٢).\n_________\n(^٢٠٨) - فضائل القرآن (ص ٦٥)، ورواه ابن حبان (١٧١٦)، وابن أبي عاصم ١٩٣٠ - (٣/ ٤٦٩)، والدولابي (١/ ٨٣)، والطبراني (٥٦٦)، والحاكم (١/ ٥٥٤)، والبيهقي (١٨٢٤).\n(^٢٠٩) - مسند الطالسي برقم (٧١٤)، ورواه مسلم ٢٤١ - (٧٩٥)، والترمذي (٢٨٨٥)، وأبو نعيم في الحلية (٤/ ٣٤٢)، والبيهقي في الدلائل (٧/ ٨٣).\n(^٢١٠) - البخاري في المناقب، باب: علامات النبوة برقم (٣٦١٤)، ومسلم في صلاة المسافرين برقم ٢٤٠ - (٧٩٥).\n(^٢١١) - فضائل القرآن (ص ٦٥ - ٦٦).\n(^٢١٢) - مسلم في كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار برقم ٣٨ - (٢٦٩٩).","vol":"1","page":77},{"text":"ولهذا قال الله ﵎: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨]، وجاء في بعض التفاسير: أن الملائكة تشهده.\nوقد جاء في الصحيحين عن أبي هريرة، ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: (يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الصبح وصلاة العصر، فيعرج إليه الذين باتوا فيكم فيسألهم وهو أعلم بهم، كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: أتيناهم وهم يصلون، وتركناهم وهم يصلون\" (^٢١٣).\nمن قال: لم يترك النبي ﷺ إلا ما بين الدفتين\nحدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا سفيان، عن عبد العزيز بن رفيع قال: دخلت أنا وشداد بن معقل على ابن عباس، فقال له شداد بن معقل: أترك النبي ﷺ من شيء؟ قال: ما ترك إلا ما بين الدفتين. قال: ودخلنا على محمد بن الحنفية فسألناه فقال: ما ترك إلا ما بين الدفتين.\nتفرد به البخاري (^٢١٤)، ومعناه: أنه، ﵇، ما ترك مالًا ولا شيئًا يورث عنه، كما قال عمرو بن الحارث أخو جويرية بنت الحارث: ما ترك رسول الله ﷺ دينارًا ولا درهمًا ولا عبدًا ولا أمة ولا شيئًا (^٢١٥).\nوفي حديث أبي الدرداء: \"إن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، وإنما ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر\" (^٢١٦).\n_________\n(^٢١٣) - رواه البخاري في مواقيت الصلاة، باب فضل صلاة العصر برقم (٥٥٥)، ومسلم في المساجد برقم ٢١٠ - (٦٣٢).\n(^٢١٤) - رواه البخاري في كتاب فضائل القرآن، باب: من قال: لم يترك النبي، ﷺ، إلا ما بين الدفتين برقم (٥٠١٩).\n(^٢١٥) - رواه البخاري في الوصايا من صحيحه، باب: الوصايا … وفي كتاب المغازي، باب: مرض النبي ﷺ ووفاته برقم (٢٧٣٩، ٤٤٦١).\n(^٢١٦) - رواه أبو داود في كتاب العلم، باب: الحث على طلب العلم برقم (٣٦٤١)، والترمذي في العلم، باب: ما جاء في فضل الفقه على العبادة (٢٦٨٣)، وابن ماجة في المقدمة برقم (٢٢٣)، وابن حبان في صحيحه برقم (٨٠ موارد). من حديث عاصم بن رجاء بن حيوة، عن داود بن جميل، عن كثير بن قيس، عن أبي الدرداء، به في حديث طويل. إلا أن الترمذي لم يذكر داود بن جميل- وقال أبو عيسى: ولا نعرف هذا الحديث إلا من حديث عاصم بن رجاء بن حيوة، وليس هو عندي بمتصل هكذا. وإنما يروى هذا الحديث عن عاصم بن رجاء بن حيوة، عن داود بن جميل، عن كثير بن قيس، عن أبي الدرداء عن النبي، ﷺ. =","vol":"1","page":78},{"text":"ولهذا قال ابن عباس: وإنما ترك ما بين الدفتين يعني: القرآن، والسنة مفسرة له ومبينة وموضحة له، فهي تابعة له، والمقصود الأعظم كتاب الله تعالى، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَينَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ الآية [فاطر: ٣٢]، فالأنبياء، ﵈، لم يخلقوا للدنيا يجمعونها ويورثونها، إنما خلقوا للآخرة يدعون إليها ويرغبون فيها؛ ولهذا قال رسول الله ﷺ: \"لا نورث ما تركنا فهو صدقة\" (^٢١٧).\nوكان أول من أظهر هذه المحاسن من هذا الوجه أبو بكر الصديق، ﵁، لما سئل عن ميراث النبي ﷺ، فأخبر عنه بذلك، ووافقه على نقله عنه، ﵇، غير واحد من الصحابة؛ منهم عمر وعثمان وعلي والعباس وطلحة والزبير وعبد الرحمن ابن عوف وأبو هريرة وعائشة وغيرهم، وهذا ابن عباس يقول -أيضًا- عنه ﵇، ﵃ أجمعين.\n\n<span data-type='title' id=toc-43>فضل القرآن على سائر الكلام</span>\nحدثنا هُدْبة بن خالد أبو خالد، حدثنا همام، حدثنا قتادة، حدثنا أنس بن مالك، عن أبي موسى، ﵄، عن النبي ﷺ: \"مثل الذي يقرأ القرآن كمثل الأُتْرُجة، طعمها طيب وريحها طيب. والذي لا يقرأ القرآن كالتمرة، طعمها طيب ولا ريح لها، ومثل الفاجر الذي يقرأ القرآن كمثل الريحانة، ريحها طيب وطعمها مر، ومثل الفاجر الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة طعمها مر ولا ريح لها\" (^٢١٨).\nوهكذا رواه في مواضع أخر مع بقية الجماعة من طرق عن قتادة به (^٢١٩).\n_________\n= وداود بن جميل: قال الذهبي في الميزان: حديثه مضطرب وضعفه الأزدي، وذكره ابن حبان في الثقات.\nوقال الدارقطني: عاصم ومن فوقه ضعفاء. وكثير بن قيس ضعفه الدارقطني، ووثقه ابن حبان. وعاصم بن رجاء بن حيوة: قال ابن معين: صويلح. وقال أبو زرعة: لا بأس به، وضعفه الدارقطني.\n(^٢١٧) - متفق عليه من حديث عائشة: رواه البخاري في فضائل أصحاب النبي، ﷺ، باب: مناقب قرابة رسول الله، ﷺ، برقم (٣٧١٢)، وفي الفرائض، باب: قول النبي، ﷺ: \"لا نووث ما تركنا صدقة\" برقم (٦٧٣٠)، ومسلم في الجهاد والسير برقم ٥١ - (١٧٥٨)، وأبو داود برقم (٩٧٧)، و(٢٩٧٦)، والترمذي في الشمائل، والنسائي في الفرائض من الكبرى. وقد روي من حديث العباس، وطلحة، وعبد الله بن عثمان، وعمر بن الخطاب، وسعد بن مالك، وأبي هريرة، وعائشة، والزبير.\n(^٢١٨) - رواه البخاري، كتاب فضائل القرآن، باب: فضل القرآن على سائر الكلام، برقم (٥٠٢٠).\n(^٢١٩) - رواه البخاري في الأطعمة، باب: ذكر الطعام، وفي فضائل القرآن، باب: إثم من راءى بقراءة القرآن. .: برقم (٥٤٢٧، ٥٠٥٩)، ومسلم في صلاة المسافرين وقصرها برقم ٢٤٣ - (٧٩٧) وأبو داود في الأدب، باب: من يؤمر أن يجالس برقم (٤٨٢٩، ٤٨٣٠)، والترمذي في الأمثال=","vol":"1","page":79},{"text":"ووجه مناسبة الباب لهذا الحديث: أن طيب الرائحة دار مع القرآن وجودًا وعدمًا، فدل على شرفه على ما سواه من الكلام الصادر من البر والفاجر. ثم قال:\nحدثنا مُسَدَّد، حدثنا يحيى، عن سفيان، حدثني عبد الله بن دينار، قال: سمعت ابن عمر ﵁ عن النبي ﷺ قال: \"إنما أجلكم في أجل من خلا من الأمم كما بين صلاة العصر ومغرب الشمس، ومثلكم ومثل اليهود والنصارى كمثل رجل استعمل عمالًا، فقال: من يعمل لي إلى نصف النهار على قيراط؟ فعملت اليهود فقال: من يعمل لي من نصف النفير إلى العصر؟ فعملت النصارى، ثم أنتم تعملون من العصر إلى المغرب بقيراطين قيراطين، قالوا: نحن أكثر عملًا وأقل عطاءً! قال: هل ظلمتكم من حقكم؟ قالوا: لا. قال: فذلك فضلي أوتيه من شئت\" (^٢٢٠).\nتفرد به من هذا الوجه، ومناسبته للترجمة: أن هذه الأمة مع قصر مدتها فضلَتْ الأمم الماضية مع طول مدتها، كما قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ (^٢٢١).\nوفي المسند والسنن عن بَهْزِ بن حكيم، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله ﷺ: \"أنتم توفون سبعين أمة، أنتم خيرها وأكرمها على الله\" (^٢٢٢). وإنما فازوا بهذا ببركة الكتاب العظيم الذي شرفه الله تعالى على كل كتاب أنزله، جعله مهيمنا عليه، وناسخًا له، وخاتمًا له؛ لأن كل الكتب المتقدمة نزلت إلى الأرض جملة واحدة، وهذا القرآن نزل منجمًا بحسب الوقائع لشدة الاعتناء به وبمن أنزله عليه، فكل مرة كنزول كتاب من الكتب المتقدمة، وأعظم الأمم المتقدمة هم اليهود والنصارى، فاليهود استعملهم الله من لدن موسى إلى زمان عيسى، والنصارى من ثمّ إلى أن بعث محمد ﷺ، ثم استعمل أمته إلى قيام الساعة، وهو المشبه بآخر النهار، وأعطى الله المتقدمين قيراطًا قيراطًا، وأعطى هؤلاء قيراطين قيراطين، ضعفى ما أعطى أولئك، فقالوا: أي ربنا، ما لنا أكثر عملًا وأقل أجرًا؟ فقال: هل\n_________\n= باب: في مثل المؤمن القارئ للقرآن برقم (٢٨٦٥)، والنسائي في الإيمان، باب: مثل الذي يقرأ القرآن … (٨/ ١٢٤، ١٢٥)، وابن ماجة في المقدمة برقم (٢١٤).\n(^٢٢٠) - صحيح البخاري، كتاب فضائل القرآن، باب: فضل القرآن على سائر الكلام، برقم (٥٠٢١).\n(^٢٢١) -[آل عمران: ١١٠].\n(^٢٢٢) - المسند ٢٠٠٦٥ - (٤/ ٤٤٧)، وحديث ٢٠٠٧٤ - (٥/ ٣)، وأخرجه الترمذي في كتاب تفسير القرآن، باب: ومن سورة آل عمران، حديث (٣٠٠١)، وابن ماجه في كتاب الزهد، باب: صفة أمة محمد، ﷺ، حديث (٤٢٨٧ - ٤٢٨٨)، والدارمي في كتاب الرقاق، باب: في قول النبي، ﷺ: \"أنتم خير الأمم\" حديث (٢٧٦٣)، (٢/ ٢٢١)، والطبراني في \"الكبير\" برقم (١٠٢٣ - ١٠٢٤ - ١٠٢٥)، (١٩/ ٤٢٢ - ٤٢٣)، والحاكم وصححه (٤/ ٨٤)، وابن الجوزي في الموضعات (١/ ٣٠)، وقال الترمذي: حسن.","vol":"1","page":80},{"text":"ظلمتكم شيئًا؟ قالوا: لا، قال: فذلك فضلي -أي الزائد على ما أعطتكم- أؤتيه من أشاء كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَينِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٨) لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ (^٢٢٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-44>الوصايا بكتاب الله</span>\nحدثنا محمد بن يوسف، حدثنا مالك بن مِغْول، حدثنا طلحة بن مُصَرِّف قال: سألت عبد الله بن أبي أوفى: أوصى النبي ﷺ؟ قال: لا. فقلْت: فكيف كتب على الناس الوصية، أمروا بها ولم يوص؟ قال: أوصى بكتاب الله، ﷿ (^٢٢٤).\nوقد رواه في مواضع أخر مع بقية الجماعة، إلا أبا داود من طرق عن مالك بن مغول به (^٢٢٥)، وهذا نظير ما تقدم عن ابن عباس: \"ما ترك إلا ما بين الدفتين\"، وذلك أن الناس كتب عليهم الوصية في أموالهم كما قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَينِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ (^٢٢٦). وأما هو ﷺ فلم يترك شيئًا يورث عنه، وإنما ترك ماله صدقة جَارية من بعده، فلم يحتج إلى وصية في ذلك ولم يوصِ إلى خليفة يكون بعده على التنصيص؛ لأن الأمر كان ظاهرًا من إشارته وإيمائه إلى الصديق؛ ولهذا لما هم بالوصية إلى أبي بكر ثم عدل عن ذلك فقال: \"يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر\" (^٢٢٧)، وكان كذلك، وإنما أوصى الناس باتباع كتاب الله تعالى.\nمن لم يتغنَّ بالقرآن وقول الله تعالى:\n﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيهِمْ﴾ (^٢٢٨).\n_________\n(^٢٢٣) -[الحديد: ٢٩، ٢٨].\n(^٢٢٤) - صحيح البخاري، كتاب فضائل القرآن، باب: فضل القرآن على سائر الكلام، برقم (٥٠٢٢).\n(^٢٢٥) - رواه البخاري في الوصايا، باب: الوصايا …، وفي المغازي، باب: مرض النبي، ﷺ، ووفاته برقم (٤٤٦٠، ٢٧٤٠)، ومسلم في الوصايا برقم ١٦ - (١٦٣٤)، والترمذي في الوصايا، باب: ما أن النبي، ﷺ، لم يوص برقم (٢١١٩)، والنسائي في الوصايا، باب: بل أوصى النبي، ﷺ (٦/ ٢٤٠)، وابن ماجة في الوصايا، باب: هل أوصى رسول الله، ﷺ برقم (٢٦٩٦).\n(^٢٢٦) -[البقرة: ١٨٠].\n(^٢٢٧) - رواه البخاري في صحيحه برقم (٧٢١٧)، ومسلم في صحيحه برقم (٢٣٨٧) من حديث عائشة، ﵂.\n(^٢٢٨) -[العنكبوت: ٥١].","vol":"1","page":81},{"text":"حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا الليث، حدثنا عقيل، عن ابن شهاب قال: أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، ﵁، أنه كان يقول: قال رسول الله ﷺ: \"لم يأذن الله لشيء، ما أذن لنبي أن يتغنى بالقرآن\"، وقال صاحب له: يزيد يجهر به فرد من هذا الوجه.\nثم رواه عن علي بن عبد الله بن المديني، عن سفيان بن عيينة، عن الزهري، به (^٢٢٩).\nقال سفيان: تفسيره: يستغني به، وقد أخرجه مسلم والنسائي من حديث سفيان بن عيينة (^٢٣٠)، ومعناه: أن الله ما استمع لشيء كاستماعه لقراءة نبي يجهر بقراءته ويحسنها، وذلك أنه يجتمع في قراءة الأنبياء طيب الصوت لكمال خلقهم وتمام الخشية، وذلك هو الغاية في ذلك.\nوهو، ﷾، يسمع أصوات العباد كلهم برهم وفاجرهم، كما قالت عائشة، ﵂: سبحان الله الذي وسع سمعه الأصوات (^٢٣١).\nولكن استماعه لقراءة عباده المؤمنين أعظم، كما قال تعالى: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إلا كُنَّا عَلَيكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ الآية (^٢٣٢)، ثم استماعه لقراءة أنبيائه أبلغ كما دل عليه هذا الحديث العظيم، ومنهم من فسر الأذن هاهنا بالأمر، والأول أولى لقوله: \"ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي أن يتغنى بالقرآن\" أي: يجهر به، والإذن: الاستماع؛ لدلالة السياق عليه، وكما قال تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (٢) وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ (٣) وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ (٤) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾ (^٢٣٣) أي استمعت لربها وحقت أي: وحق لها أن تستمع أمره وتطيعه، فالإذن هاهنا هو الاستماع؛ ولهذا جاء في حديث روااه ابن ماجة بسند جيد عن فضالة بن عبيد قال: قال رسول الله ﷺ: \"لله أشد أذنا إلى الرجل الحسن الصوت بالقرآن يجهر به من صاحب القينة إلى قينته\" (^٢٣٤).\n_________\n(^٢٢٩) - رواه البخاري في فضائل القرآن، باب: من لم يتغن بالقرآن بقم (٥٠٢٣)، (٥٠٢٤).\n(^٢٣٠) - رواه مسلم في صلاة المسافرين برقم ٢٣٢ - (٧٩٢)، والنسائي في كتاب الافتتاح، باب: تزيين القرآن بالصوت ١٠١٨ - (٢/ ١٨٠).\n(^٢٣١) - رواه البخاري في صحيحه عقب حديث (٧٣٨٥) معلقًا، ورواه النسائي بلفظ: \"الحمد لله … \" في كتاب الطلاق، باب: الظهار ٣٤٦٠ - (٦/ ١٦٨)، وفي التفسير من الكبرى، وابن ماجه في المقدمة (١٨٨)، ورواه في الطلاق بلفظ: تبارك الذي وسع سمعه كل شيء، حديث (٢٠٦٣).\n(^٢٣٢) -[يونس: ٦١].\n(^٢٣٣) -[الانشقاق: ١ - ٥].\n(^٢٣٤) - رواه ابن ماجة في إقامة الصلاة والسنة فيها، باب: في حسن الصوت بالقرآن برقم (١٣٤٠)، من طريق رائد بن سعيد الرملي، ثنا الوليد بن مسلم، ثنا الأوزاعي، ثنا إسماعيل بن عبيد الله، =","vol":"1","page":82},{"text":"وقول سفيان بن عيينة: إن المراد بالتغني: يستغني به، فإن أراد: أنه يستغني به عن الدنيا، وهو الظاهر من كلامه الذي تابعه عليه أبو عبيد القاسم بن سلام وغيره، فخلاف الظاهر من مراد الحديث؛ لأنه قد فسره بعض رواته بالجهر، وهو تحسين القراءة والتحزين بها.\nقال حرملة: سمعت ابن عيينة يقول: معناه: يستغني به، فقال لي الشافعي: ليس هو هكذا، ولو كان هكذا لكان يتغانى به، وإنما هو يتحزن ويترنم به، ثم قال حرملة: وسمعت ابن وهب يقول: يترنم به، وهكذا نقل المزني والربيع عن الشافعي، ﵀.\nوعلى هذا فتصدير البخاري الباب بقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (^٢٣٥)، فيه نظر؛ لأن هذه الآية الكريمة ذكرَت ردًّا عَلي الذين سألوا عن آيات تدل عِلى صدقه، حيث قال: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيهِمْ﴾ الآية (^٢٣٦). ومعنى ذلك: أولم يكفهم آية دالة على صدقك إنزالنا القرآن عليك وأنت رجل أمي ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ (^٢٣٧) أي: وقد جئت فيه بخبر الأولين والآخرين فأين هذا من التغني بالقرآن وهو تحسين الصوت به أو الاستغناء به عما عداه من أمور الدنيا، فعلى كل تقدير تصدير الباب بهذه الآية الكريمة فيه نظر.\n_________\n= عن ميسرة مولى فضالة، عن فضالة بن عبيد به. وقال البوصيري: (١/ ٤٣٦) هذا إسنادٌ حسن لقصور درجة ميسرة مولى فضالة، وراشد بن سعيد عن درجة أهل الحفظ والضبط، ورواه الإمام أحمد في مسنده ٢٤٠٥٥، ٢٤٠٦٥ - (٦/ ١٩، ٢٠)، ورواه ابن حبان في صحيحه (٦٥٩) عن عبد الله بن محمد بن سالم، عن عبد الرحمن بن إبراهيم، عن الأوزاعي، به، ورواه الطبراني في الكبير ٧٧٢ - (١٨/ ٣٠١)، والحاكم في مستدركه (١/ ٥٧٠ - ٥٧١) إلا أنه أسقط من السند ميسرة مولى فضالة- وقال: صحيح على شرطهما. ا هـ. قال الذهبي: بل هو منقطع. ورواه البيهقي في الكبرى (١٠/ ٢٣٠) من طريق محمد بن عقبة بن كثير، عن الوليد بن مسلم، حدثنا الأوزاعي فذكره.\nوميسرة مولى فضالة: ترجمه البخاري في التاريخ (٧/ ٣٧٥ - ٣٧٦) ولم وورد فيه جرحًا ولا تعديلًا، وتبعه ابن أبي حاتم (٨/ ٢٥٣) ووثقه ابن حبان، ولكن في سماع إسماعيل منه نظر كما قال ابن حجر.\n(^٢٣٥) -[العنكبوت: ٥١].\n(^٢٣٦) -[العنكبوت: ٥٠ - ٥١].\n(^٢٣٧) -[العنكبوت: ٤٨].","vol":"1","page":83},{"text":"<span data-type='title' id=toc-45>فصل في إيراد أحاديث في معنى الباب وذكر أحكام التلاوة بالأصوات</span>\nقال أبو عبيد (^٢٣٨): حدثنا عبد الله بن صالح، عن قباث بين رزين، عن عُلَيِّ بن رباح اللخمي، عن عقبة بن عامر قال: خرج علينا رسول الله ﷺ يوما ونحن في المسجد نتدارس القرآن، فقال: \"تعلموا كتاب الله واقتنوه\". قال: وحسبت أنه قال: \"وتغنوا به، فوالذي نفسي بيده، لهو أشد تفلتا من المخاض من العُقُل\".\nوحدثنا عبد الله بن صالح، عن موسى بن علي، عن أبيه، عن عقبة بن عامر، عن رسول الله ﷺ مثل ذلك إلا أنه قال: \"واقتنوه وتغنوا به\" ولم يشك.\nوهكذا رواه أحمد والنسائي في كتاب \"فضائل القرآن\"، من حديث موسى بن علي، عن أبيه، به، ومن حديث عبد الله بن المبارك، عن قباث بن رزين، عن عُلَيٍّ بن رباح، عن عقبة، وفي بعض ألفاظه: خرج علينا ونحن نقرأ القرآن فسلم علينا، وذكر الحديث. ففيه دلالة على السلام على القارئ.\nثم قال أبو عبيد (^٢٣٩): حدثنا أبو اليمان، عن أبي بكر بن عبد الله بن أبي مريم، عن المهاصر بن حبيب قال: قال رسول الله ﷺ: \"يا أهل القرآن، لا توسدوا القرآن، واتلوه حق تلاوته آناء الليل والنهار، وتغنوه وتقنَّوه، واذكروا ما فيه لعلكم تفلحون\" وهذا مرسل.\n_________\n(^٢٣٨) - فضائل القرآن (ص ٦٩ - ٧٠)، رواه أحمد في المسند برقم ١٣٣٦٥، ١٧٤١٠، ١٧٤٤٣ - (٤/ ١٤٦، ١٥٠، ١٥٣)، والنسائي الكبرى برقم (٨٠٣٤)، وأخرجه الدارمي حديث ٣٣٥١ - (٢/ ٤٣٩) كتاب فضائل القرآن، باب: في تعاهد القرآن، وأبو يعلى في مسنده ١٧٤٠ - (٣/ ٢٨١)، وابن أبي شيبة حديث ١٠٠٤٠ - (١٠/ ٤٧٧)، وقال الهيثمي في المجمع (٧/ ١٦٩): رواه أحمد والطبراني إلا أنه قال: \"لهو أشد تفصيًا من المخاض في العقل\". ورجال أحمد رجال الصحيح. ا هـ. وصححه الشيخ الألباني في صحيح الجامع (٢٩٦١).\n(^٢٣٩) - إسناده ضعيف لضعف أبي بكر بن أبي مريم، والمهاصر بن حبيب، تابعي فالحديث مرسل، والحديث في فضائل القرآن (ص ٧٠ - ٧١). ورواه من طريق المهاصر، عن عبيدة الأملوكي مرفوعًا، كل من البيهقي (١٨٥٢)، وأبو نعيم في أخبار أصبهان (١/ ٢٦٠)، وابن عساكر (٤/ ٥٦)، وعزاه الهيثمي للطبراني في الكبير، وضعفه بأبي بكر بن أبي مريم. وقد رواه البخاري في تاريخه (٨٤/ ٢١٣) موقوفًا على عبيدة الأملوكي، ورواه أيضًا كذلك البيهقي في الشعب برقم (٢٠٠٨، ٢٠٠٩).","vol":"1","page":84},{"text":"ثم قال أبو عبيد: قوله: \"تغنوه\": يعني: اجعلوه غناءكم من الفقر، ولا تعدوا الإقلال معه فقرًا. وقوله: \"وتَقَنَّوه\"، يقول: اقتنوه، كما تقتنون الأموال واجعلوه مالكم.\nوقال أبو عبيد: حدثني هشام بن عمار، عن يحيى بن حمزة، عن الأوزاعي، حدثني إسماعيل بن عبيد الله بن أبي المهاجر، عن فضالة بن عبيد، عن النبي ﷺ قال: \"لله أشد أذَنًا [¬١] إلى الرجل الحسن الصوت بالقرآن من صاحب القينة إلى قينته\" (^٢٤٠).\nقال أبو عبيد: هذا الحديث بعضهم يزيد في إسناده يقول: عن إسماعيل بن عبيد الله، عن مولى فضالة عن فضالة وهكذا رواه ابن ماجة، عن راشد بن سعيد بن أبي راشد، عن الوليد، عن الأوزاعي، عن إسماعيل بن عبيد الله، عن ميسرة مولى فضالة، عن فضالة، عن النبي ﷺ: \"لله أشد أَذَنًا إلى الرجل الحسن الصوت بالقرآن يجهر به من صاحب القينة إلى قينته\" (^٢٤١). قال أبو عبيد: يعني: الاستماع. وقوله في الحديث الآخر: \"ما أذن الله لشيء\" أي: ما استمع.\nوقال أبو القاسم البغوي: حدثنا محمد بن حميد، حدثنا سلمة بن الفضل، حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن، عن ابن أبي مُلَيكة، حدثنا القاسم بن محمد، حدثنا السائب قال: قال لي سعد: يا بن أخي، هل قرأت القرآن؟ قلت: نعم. قال: غن به، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"غنوا بالقرآن، ليس منا من لم يغن بالقرآن، وابكوا، فإن لم تقدووا على البكاء فتباكوا\" (^٢٤٢).\nوقد روى أبو داود من حديث الليث وعمرو بن دينار كلاهما عن عبد الله بن أبي مُلَيكة، عن عبد الله بن أبي نَهِيك، عن سعد بن أبي وقاص قال: قال رسول الله ﷺ: \"ليس منا من لم يكن بالقرآن\" (^٢٤٣).\nورواه ابن ماجة من حديث ابن أبي مليكة، عن عبد الرحمن بن السائب، عن سعد بن أبي وقاص قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن هذا القرآن نزل بحزن، فإذا قرأتموه\n_________\n(^٢٤٠) - فضائل القرآن (ص ١٦١ - ١٦٢).\n(^٢٤١) - تقدم (١٩٥).\n(^٢٤٢) - وفي إسناده محمد بن حميد الرازي وهو متروك.\n(^٢٤٣) - إسناده صحيح، والحديث رواه أبو داود في كتاب الصلاة، باب: استحباب الترتيل في القرآن برقم (١٤٦٩، ١٤٧٠)، ورواه أحمد (١٤٧٦).\n_________\n[¬١]- في الفضائل لأبي عبيد: أذانًا.","vol":"1","page":85},{"text":"فابكوا، فإن لم تبكوا فتباكوا، وتغنوا به، فمن لم يكن به فليس منا\" (^٢٤٤).\nوقال أحمد: حدثنا وَكِيع، حدثنا سعيد بن حسان المخزومي، عن ابن أبي مُلَيكة، عن عبد الله بن أبي نهيك، عن سعد بن أبي وقاص قال: قال رسول الله ﷺ: \"ليس منا من لم يتغن بالقرآن\" (^٢٤٥). قال وكيع: يعني: يستغنى به.\nورواه أحمد أيضًا عن الحجاج وأبي النضر، كلاهما عن الليث بن سعد، وعن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، كلاهما عن عبد الله بن أبي مليكة به. وفي هذا الحديث كلام طويل يتعلق بسنده ليس هذا موضعه، والله أعلم.\nوقال أبو داود: حدثنا عبد الأعلي بن حماد، حدثنا عبد الجبار بن الورد، قال: سمعت ابن أبي مُلَيكة، يقول: قال عبيد الله بن أبي يزيد: مرّ بنا أبو لُبَابة فاتَّبعناه حتى دخل بيته فدخلنا عليه، فإذا رجل رَثُّ البيت، رَثُّ الهيئة، فانتسبنا له، فقال: تجار كسبة، فسمعته يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"ليس في من لم يتغن بالقرآن\". قال: فقلت لابن أبي مليكة: يا أبا محمد، أرأيت إذا لم يكن حسن الصوت قال: يحسنه ما استطاع. تفرد به أبو داود (^٢٤٦).\nفقد فهم من هذا أن السلف، ﵃، إنما فهموا من التغني بالقرآن: أنما هو تحسين الصوت به، وتحزينه، كما قاله الأئمة، ﵏، ويدل على ذلك -أيضًا- ما رواه أبو داود حيث قال:\n_________\n(^٢٤٤) - رواه ابن ماجة في إقامة الصلاة، باب: في حسن الصوت بالقرآن، برقم (١٣٣٧) وقال البوصيري في الزوائد (١/ ٤٣٤): هذا إسناد فيه أبو رافع، واسمه إسماعيل بن رافع، ضعيف متروك، ورواه بتمامه أبو يعلى الموصلي ٦٨٩ - (٢/ ٤٩): حدثنا عمرو الناقد، حدثنا الوليد، حدثنا إسماعيل بن رافع، حدثني ابن أبي مليكة، فذكره، ورواه الحاكم في المستدرك (١/ ٥٦٩) من طريق ابن الهيثم بن موسى، عن الوليد بن مسلم، به، ورواه البيهقي في الكبرى (١٠/ ٢٣١) عن الحاكم به، وفي الشعب (٢٠٥١)، والآجري في أخلاق حملة القرآن (٨٠).\n(^٢٤٥) - إسناده صحيح، والحديث في المسند ١٤٧٦ - (١/ ١٧٢)، والطالسي (٢٠١). ورواه أحمد أيضًا في المسند برقم ١٥١٢، ١٥٤٩ - (١/ ١٧٥، ١٧٩)، ورواه أبو داود (١٤٦٩، ١٤٧٠)، والدارمي (١/ ٢٨٨)، (٢/ ٣٣٨)، وابن أبي شيبة (٢/ ٥٢٢، ١٠/ ٤٦٤)، وعبد الرزاق (٤١٧١)، وعبد بن حميد (١٥١)، وأبو يعلى (٧٤٨)، والطحاوي في المشكل (٢/ ١٢٨)، وابن حبان (١٢٠ إحسان)، والحاكم (١/ ٥٦٩)، والبيهقي (١٠/ ٢٣٠)، والقضاعي في مسند الشهاب (١١٩٤، ١٢٠٢).\n(^٢٤٦) إسناده حسن، ورواه أبو داود في الصلاة، باب: استحباب الترتيل في القراءة، برقم (١٤٧١)، وابن أبي عاصم ١٩٠٣ - (٣/ ٤٥٠)، والطحاوي (٢/ ١٢٨)، والطبراني ٥/ ٢٤ - (٤٥١٤)، والبيهقي (٢/ ٥٤) (١٠/ ٢٣٠)، وعبد الجبار بن الورد: صدوق يهم.","vol":"1","page":86},{"text":"حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا جرير، عن الأعمش، عن طلحة، عن عبد الرحمن بن عَوْسَجة، عن البراء بن عازب قال: قال رسول الله ﷺ: \"زينوا القرآن بأصوتكم\" (^٢٤٧).\nوأخرجه النسائي وابن ماجة من حديث شعبة، عن طلحة وهو ابن مصرف، به (^٢٤٨).\n_________\n(^٢٤٧) - أخرجه أبو داود في كتاب الصلاة، باب: استحباب الترتيل في القراءة حديث (١٤٦٨)، والنسائي في كتاب الصلاة، باب: تزيين القرآن بالصوت (٢/ ١٧٩)، والبخاري في خلق أفعال العباد (٢٥١، ٢٥٠) وذكره معلقًا في \"الصحيح\" (٧٥٤٤)، والحاكم في \"مستدركه\" (١/ ٥٧١)، والبيهقي في \"الكبرى\" (٢/ ٥٣)، (١٠/ ٢٢٩)، وابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٧/ ١٥٣) في كتاب فضائل القرآن، ورواه أحمد (١٨٥٤٥، ١٨٦٧٠، ١٨٧٦٣) من طرق عن الأعمش، به، وقد صرح الأعمش بالسماع عند البخاري في المصدر المتقدم.\nوالحديث أخرجه أيضًا النسائي (٢/ ١٧٩ - ١٨٠)، وابن ماجه في كتاب (قامة الصلاة والسنة فيها، باب: في حسن الصوت بالقرآن حديث (١٣٤٢)، والدارمي (٣٥٠٣) (٢/ ٣٤٠)، والبخاري في خلق أفعال العباد (٢٥٢، ٢٥٣، ٢٥٤)، والطيالسي في \"مسنده\" (٧٣٨)، وابن حبان حديث (٧٤٩)، والحاكم في \"مستدركه\" (١/ ٥٧١، ٥٧٥)، والبيهقي في \"الكبرى\" (٢/ ٥٣) (١٠/ ٢٢٩). كلهم من طرق عن طلحة بن مصرف، به.\nووقع عند النسائي والبخاري والطيالسي: قال عبد الرحمن بن عوسجة: وكنت أنسيت: \"زينوا القرآن بأصواتكم\" حتى ذكرنيه الضحاك بن مزاحم.\nوقال الحاكم (١/ ٥٧٣): وقد حدث بهذا الحديث جماعة عن شعبة، عن طلحة الحديث بطوله، ولم يذكر هذه اللفظة: \"كنت نسيت\" غيرُ يحيى بن سعيد، ومعاذ العنبري.\nوقد روى هذا الحديث جم غفير عن طلحة بن مصرف، ذكرهم أبو نعيم في \"الحلية\" (٥/ ٢٧)، فراجعه إن شكت. وقد توبع طلحة بن مصرف على هذا الحديث كما قال الحاكم (١/ ٥٧٥) وجدنا لطحة بن مصرف متابعين في روايته عن عبد الرحمن بن عوسجة، وهما الحكم بن عتيبة، وزيد بن الحارث.\nوله متابعة ثالثة أخرجها أبو يعلى في \"مسنده\" (١٦٨٦) (٣/ ٢٤٥) من طريق عتبة بن أبي حكيم، عن طلحة بن نافع، عن عبد الرحمن بن عوسجة به، لكن الحكم هذا مختلف فيه.\nوللحديث شواهد عن عدد من الصحابة كما قال الحافظُ ابن حجر في \"الفتح\" (١٣/ ٥١٩):\nوفي الباب عن أبي هريرة: أخرجه ابن حبان في \"صحيحه\". وعن ابن عباس: أخرجه الدارقطني في الأفراد بسند حسن. وعن عبد الرحمن بن عوف: أخرجه البزار بسند ضعيف. وعن ابن مسعود: وقع لنا في الأول من فوائد عثمان بن السماك، ولكنه موقوف. قال ابن بطال: المراد بقوله: \"زينوا القرآن بأصوتكم\" المد والترتيل والمهارة في القرآن جودة التلاوة بجودة الحفظ فلا يتلعثم ولا يتشكك، وتكون قرابه سهلة بتيسير الله تعالى، كما يسره على الكرام البررة. ا. هـ.\n(^٢٤٨) - النسائي في الافتتاح، باب: تزين القرآن بالصوت ١٠١٦ - (٢/ ١٧٩)، وابن ماجة في إقامة الصلاة، باب: حسن الصوت بالقرآن برقم (١٣٤٢).","vol":"1","page":87},{"text":"وأخرجه النسائي من طرق أخر عن طلحة (^٢٤٩)، وهذا إسناد جيد.\nوقد وثق النسائي، وابن حبان عبد الرحمن بن عوسجة هذا، ونقل الأزدي عن يحيى بن سعيد القطان أنه قال: سألت عنه بالمدينة، فلم أرهم يحمدونه (^٢٥٠).\nوقال أبو عبيد القاسم بن سلام: حدثنا يحيى بن سعيد، عن شعبة قال: نهاني أيوب أن أحدث بهذا الحديث: \"زينوا القرآن بأصواتكم\" قال أبو عبيد: وإنما كره أيوب فيما نرى، أن يتأول الناس بهذا الحديث الرخصة من رسول الله ﷺ في الألحان المبتدعة، فلهذا نهاه أن يحدث به (^٢٥١).\nقلت: ثم إن شعبة ﵀ روى الحديث متوكلا على الله، كما رُوي له، ولو ترك كل حديث يتأوله مبطل لترك من السنة شيء كثير، بل قد تطرقوا إلى تأويل آيات كثيرة من القرآن وحملوها على غير محاملها الشرعية المرادة، والله المستعان، وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله.\nوالمراد من تحسين الصوت بالقرآن: تطريبه وتحزينه والتخشع به، كما رواه الحافظ الكبير بَقِيّ بن مَخْلَد ﵀، حيث قال: حدثنا أحمد بن إبراهيم، حدثنا يحيى بن سعيد الأموي، حدثنا طلحة بن يحيى بن طلحة، عن أبي بردة بن أبي موسى، عن أبيه قال: قال لي رسول الله ﷺ: \"لو رأيتني وأنا أستمع قراءتك البارحه\". قلت: أما والله لو علمت أنك تستمع قراءتي لحبرتها لك تحبيرا.\nورواه مسلم من حديث طلحة به وزاد: \"لقد أوتيت مزمارًا من مزامير آل داود\" (^٢٥٢).\nوسيأتي هذا في بابه حيث يذكره البخاري، والغرض أن أبا موسى قال: لو أعلم أنك تستمع لحبّرته لك تحبيرا، فدل على جواز تعاطي ذلك وتكلفه، وقد كان أبو موسى كما قال، ﵇، قد أعطى صوتًا حسنا كما سنذكره إن شاء الله، مع خشية تامة ورقة أهل اليمن الموصوفة، فدل على أن هذا من الأمور الشرعية.\nقال أبو عبيد (^٢٥٣): حدثنا عبد الله بن صالح، عن الليث، عن يونس، عن ابن شهاب، عن\n_________\n(^٢٤٩) - النسائي ١٠١٥ - (٢/ ١٧٩).\n(^٢٥٠) - وانظر تهذيب التهذيب (٢/ ٥٤٠ ط الرسالة).\n(^٢٥١) - فضائل القرآن (ص ١٦٧).\n(^٢٥٢) - رواه مسلم في صلاة المسافرين برقم ٢٣٥، ٢٣٦ - (٧٩٣).\n(^٢٥٣) - فضائل القرآن (ص ١٦٣)، ورواه الدارمي (٢/ ٣٣٩)، وابن سعد (٦/ ١٠٤)، وأبو نعيم في الحلية (١/ ٢٥٨)، والطحاوي في المشكل (٢/ ١٦١)، وعبد الرزاق (٢/ ٤١٧٩، ٤١٨٠، ٤١٨١) =","vol":"1","page":88},{"text":"أبي سلمة قال: كان عمر إذا رأى أبا موسى قال: ذكرنا ربنا يا أبا موسى، فيقرأ عنده.\nوقال أبو عبيد: وحدثنا إسماعيل بن إبراهيم، حدثنا سليمان التيمي، أنبئت عنه، حدثنا أبو عثمان النهدي قال: كان أبو موسى يصلي بنا، فلو قلت: إني لم أسمع صوت صنجٍ قط، ولا بربطٍ قط، ولا شيئًا قط أحسن من صوته (^٢٥٤).\nوقال ابن ماجة (^٢٥٥): حدثنا العباس بن عبد الرحمن الدمشقي، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثني حنطة بن أبي سفيان أنه سمع عبد الرحمن بن سابط الجمحي يحدث عن عائشة قالت: أبطأت على رسول الله ﷺ ليلة بعد العشاء، ثم جئت فقال: \"أين كنت؟ \" قلت: كنت أستمع قراءة رجل من أصحابك لم أسمع مثل قراءته وصوته من أحد، قالت: فقام فقمت معه حتى استمع له، ثم التفت إليّ فقال: \"هذا سالم مولى أبي حذيفة، الحمد لله الذي جعل في أمتي مثل هذا\". إسناد جيد.\nوفي الصحيحين عن جبير بن مطعم قال: سمعت رسول الله ﷺ يقرأ في المغرب بالطور، فما سمعت أحدا أحسن صوتًا أو قال: قراءة منه. وفي بعض ألفاظه: فلما سمعته قرأ: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيرِ شَيءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ (^٢٥٦)، خلت أن فؤادى قد انصدع (^٢٥٧). وكان جبير لما سمع هذا بعدُ مشركًا على دين قومه، وإنما كان قدم في فداء الأسارى بعد بدر، وناهيك بمن تؤثر قراءته في المشرك المصر على الكفر! وكان هذا سبب هدايته ولهذا كان أحسن القراءة ما كان عن خشوع القلب.\n_________\n= وابن حبان (٢٢٦٤). وهو منقطع بين أبي سلمة، وعمر وكذلك لم يسمع من أبي موسى.\n(^٢٥٤) - فضائل القرآن (ص ١٦٣)، وابن سعد في الطبقات (٨/ ١٠٤)، وأبو نعيم في الحلية (١/ ٢٥٨)، والبخاري في خلق أفعال العباد (٢٩١)، وأورده الحافظ ابن حجر في الفتح وقال: (٩/ ٩٣): \"سنده صحيح\".\n(^٢٥٥) - رواه ابن ماجة في إقامة الصلاة، باب: حسن الصوت بالقرآن، برقم (١٣٣٨). وقال في الزوائد (١/ ٤٣٥): هذا إسناد صحيح رجاله ثقات، رواه الحاكم في المستدرك (٣/ ٢٢٥ - ٢٢٦) عن عبد الصمد بن علي بن مكرم، عن جعفر بن محمد بن شاكر، عن موسى بن هارون عن الوليد به، ا هـ. ورواه أحمد ٢٥٤٢٧ - (٦/ ١٦٥)، والبزار كما في كشف الأستار ببعضه (٣/ ٢٥٤، ٢٥٥ / رقم: ٢٦٩٤)، وأبو نعيم في الحلية (١/ ٣٧١)، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٣٠٠) وعزاه للبزار وقال: \"ورجاله رجال الصحيح\". وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين. كذا قال، وعبد الرحمن بن سابط لم يخرج له البخاري شيئًا.\n(^٢٥٦) -[الطور: ٣٥].\n(^٢٥٧) - رواه البخاري في الأذان، باب: الجهر في المغرب برقم (٧٦٥)، وانظر (٤٨٥٤)، ومسلم في الصلاة برقم ١٧٤ - (٤٦٣).","vol":"1","page":89},{"text":"كما قال أبو عبيد: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن ليث، عن طاوس قال: أحسن الناس صوتًا بالقرآن أخشاهم لله (^٢٥٨).\nوحدثنا قبيصة، عن سفيان، عن ابن جريج، عن ابن طاوس، عن أبيه قال: أحسن الناس صوتًا بالقرآن أخشاهم لله.\nوحدثنا قبيصة، عن سفيان، عن ابن جريج، عن ابن طاوس، عن أبيه، وعن الحسن بن مسلم، عن طاوس قال: سئل رسول الله ﷺ: أي الناس أحسن صوتًا بالقرآن؟ فقال: \"الذي إذا سمعته رأيته يخشى الله\" (^٢٥٩).\nوقد روي هذا متصلا من وجه آخر، فقال ابن ماجة (^٢٦٠):\nحدثنا بشر بن معاذ الضرير، حدثنا عبد الله بن جعفر المديني، حدثنا إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن من أحسن الناس صوتًا بالقرآن الذي إذا سمعتموه يقرأ حسبتموه يخشى الله\"، ولكن عبد الله بن جعفر هذا، وهو والد علي بن المديني، وشيخه ضعيفان، والله أعلم.\nوالغرض أن المطلوب شرعًا إنما هو التحسين بالصوت الباعث على تدبر القرآن وتفهمه والخشوع والخضوع والانقياد للطاعة، فأما الأصوات بالنغمات المحدثة المركبة على الأوزان والأوضاع الملهية والقانون الموسيقائي، فالقرآن ينزه عن هذا ويجل ويعظم أن يسلك في أدائه هذا المذهب، وقد جاءت السنة بالزجر عن ذلك، كما قال الإمام العلم أبو عبيد القاسم بن سلام، ﵀ (^٢٦١):\n_________\n(^٢٥٨) - فضائل القرآن (ص ١٦٥).\n(^٢٥٩) - فضائل القرآن (ص ١٦٥). ورواه الدارمي ٣٤٩٢ - (٢/ ٣٣٨).\n(^٢٦٠) - إسناده ضعيف، والحديث رواه ابن ماجة في إقامة الصلاة، باب: حسن الصوت بالقرآن، برقم (١٣٣٩)، ورواه الآجري في أخلاق حملة القرآن (٨٣)، وأورده البوصيري في الزوائد (١/ ٤٣٥) وقال: هذا إسناد ضعيف لضعف إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع وعبد الله بن جعفر.\n(^٢٦١) - فضائل القرآن (ص ١٦٥)، والحديث رواه الطبراني في الأوسط ٧٢٢٥ - (٧/ ١٨٣) وقال الطبراني: لا يروى هذا الحديث عن حذيفة إلا بهذا الإسناد، تفرد به بقية، ورواه البيهقي في الشعب (٢٦٤٩، ٢٦٥٠) من طريق أبي حصين الفزاري، عن أبي محمد، عن حذيفة، وقال ابن الجوزي في العلل (١/ ١١١): هذا حديث لا يصح. وأبو محمد مجهول، وبقية يروي عن الضعفاء ويدلسهم. وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ١٦٩) وقال: فيه راوٍ لم يسم، وقال الذهبي في ترجمة حصين بن مالك في الميزان (١/ ٥٥٣): \"تفرد عنه بقية، ليس بمعتمد، والخبر منكر\". وقال في تلخيص العلل: تفرد به بقية، عن حصين بن مالك الفزاري، عن أبي محمد -مجهول- عن حذيفة مرفوعًا. وحصين ليس بعمدة.","vol":"1","page":90},{"text":"حدثنا نعيم بن حماد، عن بَقِيَّة بن الوليد، عن حصين بن مالك الفزاري: سمعت شيخًا يكنى أبا محمَّد يحدث عن حذيفة بن اليمان قال: قال رسول الله ﷺ: \"اقرءوا القرآن بلحون العرب وأصواتها، وإياكم ولحون أهل الفسق وأهل الكتابين، وسيجيء قوم من بعدي يرجعون بالقرآن ترجيع الغناء والرهبانية والنوح، لا يجاوز حناجرهم، مفتونة قلوبهم وقلوب الذين يعجبهم شأنهم\".\nوحدثنا يزيد، عن شريك، عن أبي اليقظان عثمان بن عمير، عن زاذان أبي عمر، عن عليم قال: كنا على سطح ومعنا رجل من أصحاب النبي ﷺ قال يزيد: لا أعلمه إلا قال: عابس الغفاري- فرأى الناس يخرجون في الطاعون فقال: ما هؤلاء؟ قالوا: يفرون من الطاعون، فقال: يا طاعون خذني، فقالوا: تتمنى الموت وقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"لا يتمنين أحدكم الموت\"؟ فقال: إني أبادر خصالا سمعت رسول الله ﷺ يتخوفهن على أمته: \"بيع الحكم، والاستخفاف بالدم، وقطيعة الرحم، وقوم يتخذون القرآن مزامير يقدمون أحدهم ليس بأفقههم ولا أفضلهم إلا ليغنيهم به غناءً\" وذكر خلتين أخرتين (^٢٦٢).\n_________\n(^٢٦٢) - صحيح- إسناده ضعيف، والحديث في فضائل القرآن (ص ١٦٦)، وعثمان بن عمير أبي حميد بن قيس البجلي: قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: قال أبي: عثمان بن عمير: أبو اليقظان، ويقال: عثمان بن قيس ضعيف الحديث، كان ابن مهدي ترك حديثه، وقال عمرو بن علي: لم يرضى يحيى ولا عبد الرحمن أبا اليقظان، وقال الدوري عن ابن معين: ليس حديثه بشيء، وقال ابن أبي حاتم: ثنا أبي سألت محمَّد بن عبد الله بن نمير، عن عثمان بن عمير فضعفه، قال: وسألت أبي عنه فقال: ضعيف الحديث، منكر الحديث، وقال الدارقطني: متروك. وقال الحاكم عن الدارقطني: زائغ لا يحتج به. وأما عُليم الكوفي: فقد قال ابن حجر في التعجيل: وقال ابن حبان في ثقات التابعين عُليم الكندي روى عن سلمان الفارسي، ﵁، روى عنه زاذان.\nوالحديث رواه أحمد ١٦٠٨٧ - (٣/ ٤٩٤ - ٤٩)، ورواه الطبراني في الكبير (١٨/ ٣٤) حديث (٦١)، وقال الهيثمي في المجمع (٥/ ٢٤٨): رواه أحمد والطبراني في الأوسط والكبير نحوه؛ إلا أنه قال: عن عابس الغفاري … ا هـ. وفي إسناد أحمد عثمان بن عمير البجلي، وهو ضعيف وأحد إسنادي الكبير رجاله رجال الصحيح. وقال في (٤/ ٢٠٢): رواه الطبراني في الأوسط وفيه عثمان بن عمير وهو ضعيف. ا هـ.\nوأخرجه: الإمام البخاري في تاريخه (٧/ ٨٠) معلقًا من وجهين، ورواه الطبراني (١٨/ ٣٤ - ٣٦) حديث (٥٨، ٥٩، ٦٠)، والبزار كما في كشف الأستار حديث (١٦١٠)، من طرف ليث بن أبي سليم، عن أبي اليقظان، عن عثمان بن عمير، عن زاذان قال: كنا مع عابس … فذكره. ورواه الطبراني (١٨/ ٣٤) حديث ٥٧، وفي الأوسط (٣/ ٣١٨) رقم (٨٧٣٦) من حديث يحيى بن أيوب، عن عبيد الله بن زحر، عن علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة، عن عابس الغفاري نحوه، وصححه بطرقه الألباني في السلسلة الصحيحة (٢/ ٧٠٩) حديث (٩٧٩) وقال: أشار إلى صحته الحافظ في ترجمة الحكم من الإصابة وهو حري بذلك لطرقه التي ذكرنا.","vol":"1","page":91},{"text":"وحدثنا يعقوب بن إبراهيم، عن ليث بن أبي سليم، عن عثمان بن عمير، عن زاذان، عن عابس الغفاري، عن النبي ﷺ مثل ذلك أو نحوه (^٢٦٣).\nوحدثنا يعقوب بن إبراهيم، عن الأعمش، عن رجل، عن أنس بن مالك: أنه سمع رجلًا يقرأ القرآن بهذه الألحان التي أحدث الناس، فأنكر ذلك ونهى عنه (^٢٦٤).\nهذه طرق حسنة في باب الترهيب، وهذا يدل على أنه محذور كبير، وهو قراءة القرآن بالألحان التي يسلك بها مذاهب الغناء، وقد نص الأئمة، ﵏، على النهي عنه، فأما إن خرج به إلى التمطيط الفاحش الذي يزيد بسببه حرفا أو ينقص حرفا، فقد اتفق العلماء على تحريمه، والله أعلم.\nوقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا محمَّد بن معمر، حدثنا روح، حدثنا عبيد الله بن الأخنس، عن ابن أبيِ مُلَيكة، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ: \"ليس منا من لم يَتَغَنَّ بالقرآن\" (^٢٦٥).\nثم قال: وإنما ذكرناه لأنهم اختلفوا على ابن أبي مليكة فيه، فرواه ابن عبد الجبار بن الورد عنه عن أبي لبابة، ورواه عمرو بن دينار والليث عنه عن ابن أبي نَهِيك عن سعد، ورواه عِسْلُ بن سفيان عنه، عن عائشة (^٢٦٦).\n_________\n(^٢٦٣) - فضائل القرآن (ص ١٦٦)، والبخاري في تاريخه (٤/ ١ / ٨)، والبيهقي (٢٤٠٩)، والطبراني (١٨/ ٥٨ - ٥٩)، وفي الأوسط (٦٨٩)، ورواه الخرائطي في مساوئ الأخلاق (٢٧٧)، وقال الهيثمي (٥/ ٢٤٥) ورجاله رجال الصحيح.\n(^٢٦٤) - فضائل القرآن (ص ١٦٦ - ١٦٧)، ورواه الدارمي (٢/ ٣٤٠)، وابن نصر في قيام الليل (٢٣٧).\n(^٢٦٥) - مختصر زوائد البزار برقم (١٥٧٤)، وكشف الأستار (٢٣٣٢)، وأخرجه الطبراني في الكبير ١١٢٣٩ - (١١/ ١٢١)، والبخاري في التاريخ الكبير (٣/ ١ / ٤٠١) معلقًا، ووصله الحاكم (١/ ٥٧٠)، والقضاعي في مسند الشهاب (١٢٠٠)، وقال البزار: إنما ذكرنا هذا لنبين الاختلاف على ابن أبي مليكة فيه، فرواه عمرو بن دينار والليث عنه، عن ابن أبي نهيك، عن سعد. ورواه نافع بن عمر، عنه، عن ابن الزبير، ورواه عسل عنه، عن عائشة، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ١٧٠) وقال: رواه البزار والطبراني في الكبير، ورجاله رجال الصحيح.\n(^٢٦٦) - مختصر زوائد البزار برقم (١٥٧٥، ١٥٧٦)، وكشف الأستار (٢٣٣٤)، ورواه البخاري في تاريخه (٣/ ١ / ٤٠١)، وأبو يعلى (٨/ ٤٧٥٥)، وابن عدي (٥/ ٢٠١٢)، والحاكم في المستدرك (١/ ٥٧٠) وقال الحاكم: \"إسناده شاذ\". وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ١٧٠) وقال: فيه أبو أمية بن يعلى وهو ضعيف. وأورده في (٢/ ٢٦٧) وقال: فيه عسل بن سفيان، وثقه ابن حبان، وقال: يخطئ ويخالف، وضعفه جمهور الأئمة وقال البزار: لا نعلم أسند شعبة عن عسل إلا هذا، ولا رواه عن شعبة إلا معاذ بن معاذ وروح.","vol":"1","page":92},{"text":"ورواه [نافع مولى ابن عمر] عنه، عن ابن الزبير (^٢٦٧).\n\n<span data-type='title' id=toc-46>اغتباط صاحب القرآن</span>\nحدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، عن الزهري، حدثني سالم بن عبد الله: أن عبد الله بن عمر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله الكتاب فقام به آناء الليل، ورجل أعطاه الله مالًا فهو يتصدق به آناء الليل والنهار\" (^٢٦٨).\nانفرد به البخاري من هذا الوجه، واتفقا على إخراجه من رواية سفيان عن الزهري (^٢٦٩).\nثم قال البخاري: حدثنا علي بن إبراهيم، حدثنا روح، حدثنا شعبة، عن سليمان: سمعت ذَكْوان، عن أبي هريرة؛ أن رسول الله ﷺ قال: \"لا حسد إلا في اثنتين: رجل علمه الله القرآن فهو يتلوه آناء الليل وآناء النهار، فسمعه جار له فقال: ليتني أوتيت مثل ما أوتي فلان فعملت مثل ما يعمل، ورجل آتاه الله مالًا فهو يهلكه في الحق، فقال رجل: ليتني أوتيت مثل ما أوتي فلان فعملت مثل ما يعمل\" (^٢٧٠).\nومضمون هذين الحديثين: أن صاحب القرآن في غبطة وهو حسن الحال، فينبغي أن يكون شديد الاغتباط بما هو فيه، ويستحب تغبيطه بذلك، يقال: غبطه يغبِطه -بكسر الباء- غبطًا: إذا تمنى مثل ما هو فيه من النعمة، وهذا بخلاف الحسد المذموم وهو تمني زوال نعمة المحسود عنه، سواء حصلت لذلك الحاسد أو لا وهذا مذموم شرعًا، مهلك، وهو أول معاصي إبليس حين حسد آدم، ﵇، على ما منحه الله تعالى من الكرامة والاحترام والإعظام. والحسد الشرعي الممدوح هو تمني مثل حال ذلك الذي هو على حالة سارة؛ ولهذا قال ﵇: \"لا حسد إلا في اثنتين\"، فذكر النعمة القاصرة وهي تلاوة القرآن آناء الليل والنهار، والنعمة المتعدية وهي إنفاق المال بالليل والنهار، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ﴾ (^٢٧١)، وقد روي نحو، هذا من وجه آخر، فقال عبد الله ابن الإِمام أحمد: وجدت في كتاب أبي بخط يده: كتب إليّ\n_________\n(^٢٦٧) - مختصر زوائد البزار برقم ١٥٧٧، وكشف الأستار (٢٣٣٥)، ورواه الدولابي (١/ ٦٤ - ٦٥، ١٦٠)، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ١٧٠) وقال: فيه محمَّد بن ماهان، قال الدارقطني: ليس بالقوي وبقية رجاله ثقات.\n(^٢٦٨) - رواه البخاري في فضائل القرآن من صحيحه، باب: اغتباط صاحب القرآن، برقم (٥٠٢٥).\n(^٢٦٩) - رواه البخاري في التوحيد، باب: (٤٥)، برقم (٧٥٢٩) ومسلم في صلاة المسافرين وقصرها برقم ٢٦٦ - (٨١٥).\n(^٢٧٠) - رواه البخاري في فضائل القرآن من صحيحه، باب: اغتباط صاحب القرآن، برقم (٥٠٢٦).\n(^٢٧١) -[فاطر: ٢٩].","vol":"1","page":93},{"text":"أبو توبة الربيع بن نافع، فكان في كتابه:\nحدثنا الهيثم بن حميد، عن زيد بن واقد، عن سليمان بن موسى، عن كثير بن مرة، عن يزيد بن الأخنس، أن رسول الله ﷺ قال: \"لا تنافس بينكم إلا في اثنتين: رجل أعطاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل والنهار، ويتبع ما فيه، فيقول رجل: لو أن الله أعطاني مثل ما أعطى فلانًا فأقوم به كما يقوم به، ورجل أعطاه الله مالًا فهو ينفق ويتصدق، فيقول رجل: لو أن الله أعطاني مثل ما أعطى فلانًا فأتصدق به\" (^٢٧٢).\nوقريب من هذا ما قال الإمام أحمد:\nحدثنا عبد الله بن نمير، حدثنا عبادة بن مسلم، حدثني يونس بن خباب، عن سعيد أبي البختري الطائي، عن أبي كبشة؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"ثلاث أقسم عليهن، وأحدثكم حديثًا فاحفظوه، فأما الثلاث التي أقسم عليهن: فإنه ما نقص مال عبد من صدقة، ولا ظلم عبد مظلمة فيصبر عليها إلا زاده الله بها عزا، ولا يفتح عبد باب مسألة إلا فتح الله له باب فقر، وأما الذي أحدثكم حديثًا فاحفظوه، فإنه قال: إنما الدنيا لأربعة نفر: عبد رزقه الله مالًا وعلمًا فهو يتقي فيه ربه ويصل رحمه، ويعلم لله فيه حقه\"، قال: \"فهذا بأفضل المنازل، وعبد رزقه الله علما ولم يرزقه مالًا فهو يقول: لو كان لي مال عملت بعمل فلان\" قال: \"فأجرهما سواء، وعبد رزقه الله مالًا ولم يرزقه علما فهو يخبط في ماله بغير علم لا يتقي فيه ربه، ولا يصل فيه رحمه، ولا يعلم لله فيه حقه، فهذا بأخبث المنازل، وعبد لم يرزقه الله مالا ولا علما فهو يقول: لو كان لي مال لفعلت بعمل فلان\" قال: \"هي نيته فوزرهما فيه سواء\" (^٢٧٣).\nوقال أيضًا: حدثنا وَكِيع، حدثنا الأعمش، عن سالم بن أبي الجعد، عن أبي كبشة الأنماري قال: قال رسول الله ﷺ: \"مثل هذه الأمة مثل أربعة نفر: رجل آتاه الله مالًا وعلمًا فهو يعمل به في ماله ينفقه في حقه، ورجل آتاه الله علمًا ولم يؤته مالًا فهو يقول: لو كان لي مثل مال هذا عملت فيه مثل الذي يعمل\". قال رسول الله ﷺ: \"فهما في الأجر سواء، ورجل آتاه الله مالًا ولم يؤته علما فهو يخبط فيه ينفقه في غير حقه، ورجل لم يؤته الله مالا ولا علما فهو يقول: لو كان لي مثل هذا عملت فيه مثل\n_________\n(^٢٧٢) - إسناده حسن، والحديث في المسند ١٧٠١٦ - (٤/ ١٠٥)، وأخرجه الطبراني في الكبير (١٢/ ٢٣٩١) حديث (٦٢٦)، قال الهيثمي في المجمع (٣/ ١٠٨): رواه أحمد كتابة، والطبراني في الكبير والأوسط، وفيه سليمان بن موسى، وفيه كلام، وقد وثقه جماعة. ا هـ.\n(^٢٧٣) - المسند ١٨٠٨٦ - (٤/ ٢٣١)، والترمذي (٢٣٢٠)، والطبراني (٢٢/ ٨٥٥، ٨٦٨)، والبغوي (١٤/ ٢٨٩ - ٢٩٠)، ويوسف بن خباب: صدوق يخطئ، ورمي بالرفض، روى له البخاري في الأدب والأربعة.","vol":"1","page":94},{"text":"الذي يعمل\". قال رسول الله ﷺ: \"فهما في الوزر سواء\". إسناد صحيح (^٢٧٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-47>خيركم من تعلم القرآن وعلمه</span>\nحدثنا حجاج بن مِنْهال، حدثنا شعبة، أخبرني علقمة بن مَرْثَد، سمعت سعد بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمن، عن عثمان بن عفان، ﵁ عن النبي ﷺ قال: \"خيركم من تعلم القرآن وعلمه\". وأقرأ أبو عبد الرحمن في إمرة عثمان، ﵁، حتى كان الحجاج قال:\nوذلك الذي أقعدني مقعدي هذا (^٢٧٥).\nوقد أخرج الجماعة هذا الحدث سوى مسلم من رواية شعبة، عن علقمة بن مرثد، عن سعد بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمن - وهو عبد الله بن حبيب السلمي ﵀.\nوحدثنا أبو نعيم، حدثنا سفيان، عن عَلْقَمة بن مرثد، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن عثمان بن عفان قال: قال النبي ﷺ: \"إن أفضلكم من تعلم القرآن وعلمه\" (^٢٧٦).\nوهكذا رواه الترمذي والنسائي وابن ماجة من طرقٍ عن سفيان، عن علقمة، عن أبي\n_________\n(^٢٧٤) - المسند ١٨٠٧٩، ١٨٠٨٢ - (٤/ ٢٣٠)، ورواه ابن ماجه (٢/ ١٤١٣) حديث (٤٢٢٨) في كتاب الزهد، باب: النية. ورواه وكيع في الزهد (٢٤٠)، وهناد كذلك (٥٨٦) والطبراني في الكبير (٢٢/ ٣٤٥) حديث (٨٦٨) من طريق وكيع به، سندًا ومتنًا، والفريابي في الفضائل (١٠٥، ١٠٦)، والطحاوي في المشكل (٢٦٣)، والبيهقي (٤/ ١٨٩)، وقال الحافظ ابن حجر: لم يسمع سالم من أبي كبشة، وقد أخرجه أبو عوانة في صحيحه من طريق جرير، عن منصور، عن سالم قال: حدثت عن أبي كبشة. قاله في النكت الظراف (٩/ ٢٧٤). قلت: صرح سالم بالسماع لهذا الحديث من أبي كبشة عند أحمد (١٨٠٨٢). وأخرجه الترمذي في كتاب الزهد، باب: ما جاء مثل الدنيا مثل أربعة نفر، حديث (٢٣٢٥) قال: حدثنا محمَّد بن إسماعيل، ثنا أبو نعيم، ثنا عبادة بن مسلم، ثنا يونس بن خباب، عن سعيد الطائي أبي البختري أنه قال: حدثني أبو كبشة الأنماري أنه سمع رسول الله، ﷺ يقول: \"ثلاثة أقسم عليهن وأحدثكم حديثًا فاحفظوه … \" الحديث وقال الترمذي: حسن صحيح.\n(^٢٧٥) - البخاري في فضائل القرآن برقم (٥٠٢٧). وأبو داود في الصلاة، باب: ثواب قراءة القرآن برقم (١٤٥٢)، والترمذي في فضائل القرآن برقم (٢٩٠٧)، والنسائي في الكبرى برقم (٨٠٣٧)، وابن ماجة في السنة -المقدمة- باب: فضل من تعلم القرآن برقم (٣١١).\n(^٢٧٦) - البخاري في فضائل القرآن من صحيحه برقم (٥٠٢٨).","vol":"1","page":95},{"text":"عبد الرحمن، من غير ذكر سعد بن عبيدة (^٢٧٧)، كما رواه شعبة ولم يختلف عليه فيه، وهذا المقام مما حكم لسفيان الثوري فيه على شعبة، وخطأ بُنْدَار يحيى بن سعيد في روايته ذلك عن سفيان، عن علقمة، عن سعد بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمن وقال: رواه الجماعة من أصحاب سفيان عنه، بإسقاط سعد بن عبيدة، ورواية سفيان أصحُّ في هذا المقام المتعلق بصناعة الإسناد، وفي ذكره طول لولا الملالة لذكرناه، وفيما ذكر كفاية وإرشاد إلى ما ترك، والله أعلم.\nوالغرض أنه، ﵊، قال: \"خيركم من تعلم القرآن وعلمه\" وهذه من صفات المؤمنين المتبعين للرسل، وهم الكُمل في أنفسهم، المكملون لغيرهم، وذلك جمع النفع القاصر والمتعدي، وهذا بخلاف صفة الكفار الجبارين الذين لا ينفعون، ولا يتركون أحدا ممن أمكنهم أن ينتفع، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ﴾ (^٢٧٨)، وكما قال تعالى: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾ (^٢٧٩)، في أصح قولي المفسرين في هذا، وهو أنهم ينهون الناس عن اتباع القرآن مع نأيهم وبعدهم عنه أيضًا، فجمعوا بين التكذيب والصد، كما قال تعالى: ﴿مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا﴾ (^٢٨٠)، فهذا شأن الكفار، كما أن شأن الأخيار الأبرار أن يتكمل في نفسه وأن يسعى في تكميل غيره كما قال ﵇: \"خيركم من تعلم القرآن وعلمه\"، وكما قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَال إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (^٢٨١)، فجمع بين الدعوة إلى الله سواء كان بالأذان أو بغيره من أنواع الدعوة إلى الله تعالى من تعليم القرآن والحديث والفقه وغير ذلك، مما يُبتغى به وجه الله، وعمل هو في نفسه صالحًا، وقال قولًا صالحًا أيضًا، فلا أحد أحسن حالًا من هذا. وقد كان أبو عبد الرحمن السلمي الكوفي -أحد أئمة الإِسلام ومشايخهم- ممن رغب في هذا المقام، فقعد يعلم الناس من إمارة عثمان إلى أيام الحجاج قالوا: وكان مقدار ذلك الذي مكث فيه يعلم القرآن سبعين سنة، ﵀، وآتاه الله ما طلبه ودامه. آمين.\nقال البخاري ﵀: حدثنا عمرو بن عون، حدثنا حماد، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد قال: أتت النبي ﷺ امرأة فقالت: إنها قد وهبت نفسها لله ورسوله، فقال: \"ما لي في النساء من حاجة\". فقال رجل: زوّجنيها، قال: \"أعطها ثوبًا\"، قال: لا أجد، قال: \"أعطها ولو خاتما من حديد\"، فاعتل له، فقال: \"ما معك من القرآن؟ \". قال: كذا وكذا. فقال: \"قد زوجتكها بما معك من القرآن\" (^٢٨٢).\n_________\n(^٢٧٧) - الترمذي في فضائل القرآن من صحيحه برقم (٢٩٠٨)، والنسائي في الكبرى برقم (٨٠٣٨)، وابن ماجة برقم (٣١٢).\n(^٢٧٨) -[النحل: ٨٨].\n(^٢٧٩) -[الأنعام: ٢٦].\n(^٢٨٠) -[الأنعام: ١٥٧].\n(^٢٨١) -[فصلت: ٣٣].\n(^٢٨٢) - البخاري في فضائل القرآن من صحيحه، باب: خيركم من تعلم القرآن وعلمه برقم (٥٠٢٩).","vol":"1","page":96},{"text":"وهذا الحديث متفق على صحة إخراجه من طرق عديدة، والغرض منه أن الذي قصده البخاري أن هذا الرجل تعلم الذي تعلمه من القرآن، وأمره النبي ﷺ أن يعلمه تلك المرأة، ويكون ذلك صداقًا لها علي ذلك، وهذا فيه نزاع بين العلماء، وهل يجوز أن يجعل مثل هذا صداقًا؟ أو هل يجوز أخذ الأجرة على تعليم القرآن؟ وهل هذا كان خاصًّا بذلك الرجل؟ وما معنى قوله ﵊: \"زوجتكها بما معك من القرآن\"؟ أبسبب ما معك من القرآن؟ كما قاله أحمد بن حنبل: نكرمك بذلك أو بعوض ما معك، وهذا أقوى، لقوله في صحيح مسلم: \"فعلمها\"، وهذا هو الذي أراده البخاري ها هنا وتحرير باقي الخلاف مذكور في كتاب النكاح والإجارات، والله المستعان.","vol":"1","page":97},{"text":"<span data-type='title' id=toc-48>القراءة عن ظهر قلب</span>\nإنما أفرد البخاري في هذه الترجمة حديث أبي حازم عن سهل بن سعد، الحديث الذي تقدم الآن، وفيه أنه، ﵇، قال لرجل: \"فما معك من القرآن؟ \". قال: معي سورة كذا وكذا، لسور عددها. قال: \"أتقرؤهن عن ظهر قلبك؟ \". قال: نعم. قال: \"اذهب فقد ملكتكها بما معك من القرآن\" (^٢٨٣).\nوهذه الترجمة من البخاري، ﵀، مشعرة بأن قراءة القرآن عن ظهر قلب أفضل، والله أعلم. ولكن الذي صرح به كثيرون من العلماء أن قراءة القرآن من المصحف أفضل؛ لأنه يشتمل على التلاوة والنظر في المصحف وهو عبادة، كما صرح به غير واحد من السلف، وكرهوا أن يمضي على الرجل يوم لا ينظر في مصحفه، واستدلوا على أفضلية التلاوة في المصحف بما رواه الإِمام العلم أبو عبيد ﵀ في كتاب \"فضائل القرآن\" حيث قال:\nحدثنا نعيم بن حماد، عن بقية بن الوليد، عن معاوية بن يحيى، عن سليمان بن مسلم، عن عبد الله بن عبد الرحمن، عن بعض أصحاب النبي ﷺ قال: قال النبي ﷺ: \"فضل قراءة القرآن نظرًا على من يقرأه ظهرًا، كفضل الفريضة على النافلة\" (^٢٨٤) وهذا الإسناد ضعيف، فإن معاوية بن يحيى هو الصدفي أو الأطرابلسي، وأيهما كان فهو ضعيف.\nوقال الثوري: عن عاصم، عن زر، عن ابن مسعود قال: أديموا النظر في المصحف (^٢٨٥).\nوقال حماد بن سلمة (^٢٨٦)، عن علي بن زيد، عن يوسف بن ماهك [¬١]، عن ابن عباس، عن عمر: أنه كان إذا دخل بيته نشر المصحف فقرأ فيه.\nوقال حماد أيضًا (^٢٨٧): عن ثابت، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن ابن مسعود: أنه كان إذا اجتمع إليه إخوانه نشروا المصحف، فقرءوا، وفسر لهم. إسناد صحيح.\n_________\n(^٢٨٣) - البخاري في فضائل القرآن، باب: القراءة عن ظهر قلب برقم (٥٠٣٠).\n(^٢٨٤) - فضائل القرآن (ص ١٠٤)، ورواه ابن شاهين (١٩٤)، وبقية: مدلس، وقد عنعن. وأورده في ضعيف الجامع (٣٩٨٤). وسليمان بن مسلم: ضعيف.\n(^٢٨٥) - فضائل القرآن (ص ١٠٤) وقال ابن حجر: \"إسناده صحيح\". ورواه أبو الحسين بن بشران في فوائده، وعبد الرزاق (٣/ ٥٩٧٩)، وابن أبي شيبة (١٠/ ٥٣١)، والطبراني (٩/ ٨٦٨٧، ٨٦٩٦).\n(^٢٨٦) - فضائل القرآن (ص ١٠٥).\n(^٢٨٧) - فضائل القرآن (ص ١٠٥).\n_________\n[¬١]- في الفضائل: مهران.","vol":"1","page":98},{"text":"وقال حماد بن سلمة: عن حجاج بن أرطأة، عن ثوير بن أبي فاختة، عن ابن عمر قال: إذا رجع أحدكم من سوقه فلينشر المصحف وليقرأ (^٢٨٨).\nوقال الأعمش عن خَيثَمة: دخلت على ابن عمر وهو يقرأ في المصحف، فقال: هذا جزئي الذي أقرأ به الليلة (^٢٨٩).\nفهذه الآثار تدل على أن هذا أمر مطلوب لئلا يعطل المصحف فلا يقرأ منه، ولعله قد يقع لبعض الحفظة نسيان فيستذكر منه، أو تحريف كلمة أو آية أو تقديم أو تأخير، فالاستثبات أولى، والرجوع إلى المصحف أثبت من أفواه الرجال، فأما تلقين القرآن فمن فم الملقن أحسن؛ لأن الكتابة لا تدل على كمال الأداء، كما أن المشاهد من كثير ممن يحفظ من الكتابة فقط يكثر تصحيفه وغلطه، وإذا أدى الحال إلى هذا منع منه إذا وجد شيخا يوقفه على لفظ القرآن، فأما عند العجز عمن يلقن فلا كلف الله نفسًا إلا وسعها، فيجوز عند الضرورة ما لا يجوز عند الرفاهية، فإذا قرأ في المصحف -والحالة هذه- فلا حرج عليه، ولو فرض أنه قد يحرف بعض الكلمات عن لفظها على لغته ولفظه، فقد قال الإِمام أبو عبيد:\nحدثنا هشام بن إسماعيل الدمشقي، عن محمَّد بن شعيب، عن الأوزاعي؛ أن رجلًا صحبهم في سفر قال: فحدثنا حديثًا ما أعلمه إلا رفعه إلى رسول الله ﷺ قال: \"إن العبد إذا قرأ فحرف أو أخطأ كتبه الملك كما أنزل\" (^٢٩٠).\nوحدثنا حفص بن غياث، عن الشيباني، عن بكير بن الأخنس قال: كان يقال: إذا قرأ الأعجمي والذي لا يقيم القرآن كتبه الملك كما أنزل. وقال بعض العلماء: المدار في هذه المسألة على الخشوع في القراءة، فإن كان الخشوع عند القراءة على ظهر القلب فهو أفضل، وإن كان عند النظر في المصحف فهو أفضل فإن استويا فالقراءة نظرا أولى؛ لأنها أثبت وتمتاز بالنظر في المصحف، قال الشيخ أبو زكريا النووي، ﵀، في \"التبيان\": والظاهر أن كلام السلف وفعلهم محمول على هذا التفصيل.\nتنبيه:\nإن كان البخاري، ﵀، أراد بذكر حديث سهل الدلالة على أن تلاوة القرآن عن ظهر قلب أفضل منها في المصحف، ففيه نظر؛ لأنها قضية عين، فيحتمل أن ذلك الرجل كان لا يحسن الكتابة ويعلم ذلك رسول الله ﷺ منه، فلا يدل على أن التلاوة عن ظهر\n_________\n(^٢٨٨) - فضائل القرآن (ص ١٠٥)، وحجاج، وثوير ضعيفان.\n(^٢٨٩) - فضائل القرآن (ص ١٠٥)، ورواه ابن أبي شيبة (١٠/ ٥٣٠، ٥٣١).\n(^٢٩٠) - فضائل القرآن (ص ١٠٦)، وسنده ضعيف لإعضاله.","vol":"1","page":99},{"text":"قلب أفضل مطلقا في حق من يحسن ومن لا يحسن، إذ لو دل هذا لكان ذكر حال رسول الله ﷺ وتلاوته عن ظهر قلب -لأنه أمي لا يدري الكتابة- أولى من ذكر هذا الحديث بمفرده.\nالثاني: أن سياق الحديث إنما هو لأجل استثبات أنه يحفظ تلك السور عن ظهر قلب؛ ليمكنه تعليمها لزوجته، وليس المراد هاهنا: أن هذا أفضل من التلاوة نظرا، ولا عدمه (^٢٩١)، والله ﷾ أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-49>استذكار القرآن وتعاهده</span>\nحدثنا عبد الله بن يوسف، أخبرنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر؛ أن رسول الله ﷺ قال: \"إنما مثل صاحب القرآن كمثل صاحب الإبل المعقَّلة، إن عاهد عليها أمسكها، وإن أطلقها ذهبت\" هكذا رواه مسلم والنسائي من حديث مالك به (^٢٩٢). وقال الإمام أحمد (^٢٩٣): حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول اللَّه ﷺ: \"مثل القرآن إذا عاهد عليه صاحبه فقرأه بالليل والنهار، كمثل رجل له إبل، فإن عقلها حفظها، وإن أطلق عقالها ذهبت، فكذلك صاحب القرآن\". أخرجاه، قاله ابن الجوزي في جامع المسانيد، وإنما هو من أفراد مسلم من حديث عبد الرزاق به (^٢٩٤).\nوحدثنا محمد بن عرعرة، حدثنا شعبة، عن منصور، عن أبي وائل، عن عبد الله قال: قال النبي ﷺ: \"بئس ما لأحدهم أن يقول: نسيت آية. كيت وكيت، بل نُسِّيَ، واستذكروا القرآن فإنه أشد تفصِّيًا من صدور الرجال من النعم\" (^٢٩٥).\nتابعه بشر. هو ابن محمد السختياني- عن ابن المبارك، عن شعبة.\n_________\n(^٢٩١) - قال الحافظ ابن حجر في الفتح (٩/ ٧٨) بعد أن ذكر كلام الحافظ ابن كثير هنا: (ولا يرد على البخاري شيء مما ذكر؛ لأن المراد بقوله: باب القراءة عن ظهر قلب، مشروعيتها أو استحبابها، والحديث مطابق لما ترجم به، ولم يتعرض لكونها أفضل من القراءة نظرًا، وقد صرح كثير من العلماء أن القراءة من المصحف نظرًا أفضل من القراءة عن ظهر قلب\".\n(^٢٩٢) - البخاري في فضائل القرآن، باب: استذكار القرآن وتعاهده برقم (٥٠٣١)، ومسلم في صلاة المسافرين وقصرها برقم ٢٢٦ - (٧٨٩)، والنسائي في الافتتاح باب: جامع ما جاء في القرآن ٩٤٢ - (٢/ ١٥٤).\n(^٢٩٣) - المسند (٢/ ٣٥)، وعبد الرزاق (٣/ ٥٩٧١).\n(^٢٩٤) - مسلم في صلاة المسافرين وقصرها برقم ٢٢٧ - (٧٨٩).\n(^٢٩٥) - البخاري في فضائل القرآن، باب: استذكار القرآن وتعاهده برقم (٥٠٣١)، برقم (٥٠٣٢).","vol":"1","page":100},{"text":"وقد رواه الترمذي عن محمود بن غيلان، عن أبي داود الطيالسي، عن شعبة به (^٢٩٦)، وقال: حسن صحيح.\nوأخرجه النسائي من رواية شعبة (^٢٩٧).\nوحدثنا عثمان، حدثنا جرير، عن منصور مثله. وتابعه ابن جريج عن عبدة، عن شقيق: سمعت عبد الله قال: سمعت النبي ﷺ (^٢٩٨).\nوهكذا أسنده مسلم من حديث ابن جريج، به (^٢٩٩).\nورواه النسائي في اليوم والليلة من حديث محمد بن جحادة، عن عبدة وهو ابن أبي لُبَابة، به (^٣٠٠).\nوهكذا رواه مسلم عن عثمان وزهير بن حرب وإسحاق بن إبراهيم عن جريج، به (^٣٠١)، وستأتي رواية البخاري له عن أبي نعيم، عن سفيان الثوري، عن منصور، به.\nوالنسائي من رواية ابن عيينة عن منصور، به، فقد رواه هؤلاء عن منصور، به مرفوعًا في رواية هؤلاء كلهم (^٣٠٢).\nوقد رواه النسائي عن قتيبة، عن حماد بن زيد، عن منصور، عن أبي وائل، عن عبد الله موقوفًا (^٣٠٣).\nوهذا غريب وفي مسند أبي يعلى (^٣٠٤)، فإنما هو نَسِي بالتخفيف.\nحدثنا محمد بن العلاء، حدثنا أبو أسامة، عن بريد، عن أبي بردة، عن أبي موسى، عن\n_________\n(^٢٩٦) - الترمذي في أبواب القراءات، باب: ومن سورة الحج برقم (٢٩٤).\n(^٢٩٧) - النسائي في الافتتاح وباب: جامع ما جاء في القرآن رقم ٩٤٣ - (٢/ ١٥٤).\n(^٢٩٨) - البخاري في فضائل القرآن، باب: استذكار القرآن وتعاهده برقم (٥٠٣٢).\n(^٢٩٩) - مسلم في صلاة المسافرين وقصرها برقم ٢٣٠ - (٧٩٠).\n(^٣٠٠) - النسائي في الكبرى برقم (١٠٥٦٠).\n(^٣٠١) - مسلم في صلاة المسافرين وقصرها برقم ٢٢٨ - (٧٩٠).\n(^٣٠٢) - البخاري في فضائل القرآن، باب: نسيان القرآن برقم (٥٠٣٩)، والنسائي في الكبرى برقم (٨٠٤٢).\n(^٣٠٣) - النسائي في الكبرى برقم (١٠٥٦٤).\n(^٣٠٤) - مسند أبي يعلى ٥١٣٦ - (٩/ ٦٩).","vol":"1","page":101},{"text":"النبي ﷺ قال: \"تعاهدوا القرآن، فوالذي نفسي بيده، لهو أشد تَفصيًّا من الإبل في عقلها\" وهكذا رواه مسلم عن أبي كريب محمد بن العلاء وعبد اللَّه بن برادٍ الأشعري، كلاهما عن أبي أسامة حماد بن أسامة، به (^٣٠٥).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا علي بن إسحاق، حدثنا عبد الله بن المبارك، حدثنا موسى بن علي: سمعت أبي يقول: سمعت عقبة بن عامر يقول: قال رسول الله ﷺ: \"تعلموا كتاب الله، وتعاهدوه وتغنوا به، فوالذي نفسي بيده، لهو أشد تفلتا من المخاض في العقل\" (^٣٠٦).\nومضمون هذه الأحاديث الترغيب في كثرة تلاوة القرآن واستذكاره وتعاهده؛ لئلا يعرضه حافظه للنسيان، فإن ذلك خطر كبير، نسأل اللَّه العافية منه، فإنه قال الإمام أحمد:\nحدثنا خلف بن الوليد، حدثنا خالد، عن يزيد بن أبي زياد، عن عيسى بن فائد، عن رجل، عن سعد بن عبادة قال: قال رسول الله ﷺ: \"ما من أمير عشرة إلا ويؤتى به يوم القيامة مغلولًا لا يفكه من ذلك الغل إلا العدل، وما من رجل قرأ القرآن فنسيه إلا لقي الله يوم القيامة [¬١] يلقاه وهو أجذم\" (^٣٠٧).\n_________\n(^٣٠٥) - البخاري في فضائل القرآن، باب: استذكار القرآن وتعاهده برقم (٥٠٣٣)، ومسلم في صلاة المسافرين وقصرها برقم ٢٣١ - (٧٩١).\n(^٣٠٦) - المسند ١٧٣٦٥ - (٤/ ١٤٦)، ورواه النسائي في الكبرى ٨٠٤٩ - (٥/ ٢١)، وأخرجه الدارمي (٢/ ٤٣٩) كتاب فضائل القرآن، باب: في تعاهد القرآن، حديث (٣٣٥١)، وأبو يعلى في مسنده (٣/ ٢٨١)، وابن أبي شيبة (١٠/ ٤٧٧) حديث (١٠٠٤٠)، وابن نصر (١٤٠)، وابن حبان (١٧٨٨)، والفريابي (١٦٢، ١٦٣)، والطبراني في الكبير (١٧/ ٨٠١)، والبيهقي في الشعب (١٨١٩ هـ) وقال الهيثمي في المجمع (٧/ ١٦٩): رواه أحمد والطبراني إلا أنه قال: \"لهو أشد تفصيًا من المخاض في العقل\". ورجال أحمد رجال الصحيح، ا هـ. وصححه الشيخ الألباني في صحيح الجامع (٢٩٦١).\n(^٣٠٧) - عيسى بن فائد: قال الذهبي في الميزان: لا يدرى من هو، عن سعد بن عبادة ..، فذكر الحديث وقال: رواه ابن إدريس، عن يزيد بن أبي زياد، فأدخلوا رجلًا بين ابن فائد وبين سعد، وقيل غير ذلك. (الميزان ٣/ ٣١٩) وقال ابن عبد البر: هذا إسناد رديء في هذا المعنى، وعيسى بن فائد لم يسمع من سعد بن عبادة ولا أدركه وقال ابن المديني: مجهول- لم يرو عنه غير يزيد بن أبي زياد (التهذيب ٨/ ٢٢٧). والحديث في المسند رقم ٢٢٥٦٤، ٢٢٥٥٧ - (٥/ ٢٨٥، ٢٨٤). وأخرج طرفه الأول وهو \"ما من أمير عشرة إلا … إلخ\". البزار كما في كشف الأستار (٢/ ٢٥٤ / رقم: ١٦٤٢). والطبراني في الكبير (٦/ ٢٢، ٢٣ / رقم: ٥٣٨٨، ٥٣٨٩). من طرق عن يزيد بن أبي زياد به. وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٥/ ٢٠٥) وعزاه لأحمد والبزار والطبراني وقال: \"وفيه رجل لم يسم، وبقية أحد إسنادي أحمد رجاله رجال الصحيح\".\n_________\n[¬١]- سقط من المسند.","vol":"1","page":102},{"text":"هكذا رواه جرير بن عبد الحميد، ومحمد بن فضيل، عن يزيد بن أبي زياد، كما رواه خالد بن عبد الله (^٣٠٨).\nوقد أخرجه أبو داود عن محمد بن العلاء عن ابن إدريس، عن يزيد بن أبي زياد، عن عيسى بن فائد، عن سعد بن عبادة، عن النبي ﷺ بقصة نسيان القرآن، ولم يذكر الرجل المبهم (^٣٠٩).\nوكذا رواه أبو بكر بن عياش، عن يزيد بن أبي زياد، وقد رواه شعبة، عن يزيد فوهم في إسناده، ورواه وَكِيع عن أصحابه، عن يزيد، عن عيسى بن فائد، عن النبي ﷺ مرسلًا.\nوقد رواه الإمام أحمد في مسنده عن عبادة بن الصامت فقال:\nحدثنا عبد الصمد، حدثنا عبد العزيز بن مسلم، حدثنا يزيد بن أبي زياد، عن عيسى بن فائد، عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله ﷺ: \"ما من أمير عشرة إلا يؤتي به يوم القيامة مغلولًا لا يفكه منها إلا عدله، وما من رجل تعلم القرآن ثم نسيه إلا لقي الله يوم القيامة أجذم\" (^٣١٠).\nوكذا رواه أبو عوانة، عن يزيد بن أبي زياد، ففيه اختلاف، لكن هذا في باب الترهيب مقبول والله أعلم- لاسيما إذا كان له شاهد من وجه آخر، كما قال أبو عبيد:\nحدثنا حجاج، عن ابن جريج قال: حُدثت عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: \"عرضت عليُّ أجور أمتي حتى القذاة والبعرة يخرجها الرجل من المسجد، وعرضت عليُّ ذنوب أمتي فلم أر ذنبًا أكبر من آية أو سورة من كتاب الله أوتيها رجل فنسيها\". قال ابن جريج: وحُدّثت عن سلمان الفارسي قال: قال رسول الله ﷺ: \"من أكبر ذنب توافى به أمتي يوم القيامة سورة من كتاب الله كانت مع أحدهم فنسيها\" (^٣١١).\n_________\n(^٣٠٨) - رواه أبو عبيد في الفضائل (ص ١٠٣) من طريق جرير، ورواه ابن أبي شيبة في المصنف (١٠/ ٤٧٨)، والبزار (٢/ ١٦٤٢)، والطبراني (٦/ ٥٣٨٨، ٥٣٩١) من طريق ابن فضيل.\n(^٣٠٩) - أخرجه أبو داود في كتاب الصلاة، باب: التشديد فيمن حفظ القرآن ثم نسيه (رقم: ١٤٧٤)، ومن طريقه الخطيب في الجامع (١/ ١١٠).\n(^٣١٠) - المسند ٢٢٨٦١ - (٥/ ٣٢٣). والحديث ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد في موضعين الأول (٥/ ٢٠٥) وقال: \"رواه أحمد وابنه\" والثاني في (٧/ ١٦٧) وعزاه لعبد الله بن أحمد وقال: \"ورجاله ثقات، وفي بعضهم خلاف\".\n(^٣١١) - فضائل القرآن (ص ٢٠١).","vol":"1","page":103},{"text":"وقد روى أبو داود والترمذي وأبو يعلى والبزار وغيرهم من حديث ابن أبي رواد، عن ابن جريج، عن المطلب بن عبد الله بن حنطب، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: \"عرضت عليّ أجور أمتي حتى القذاة يخرجها الرجل من المسجد، وعرضت عليّ ذنوب أمتي، فلم أر ذنبًا أعظم من سورة من القرآن أو آية أوتيها رجل ثم نسيها\" (^٣١٢).\nقال الترمذي: غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وذاكرت به البخاري فاستغربه، وحكى البخاري عن عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي أنه أنكر سماع المطلب من أنس بن مالك.\nقلت: وقد رواه محمد بن يزيد الآدمي، عن ابن أبي رواد، عن ابن جريج عن الزهري، عن أنس بن مالك، عن النبي ﷺ، به. والله أعلم.\nوقد أدخل بعض المفسرين هذا المعنى في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤) قَال رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (١٢٥) قَال كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (١٢٦)﴾ [طه: ١٢٤ - ١٢٥] (^٣١٣)، وهذا الذي قاله هذا -وإن لم يكن هو المراد جميعه- فهو بعضه، فإن الإعراض عن تلاوة القرآن وتعريضه للنسيان وعدم الاعتناء به فيه تهاون كبير وتفريط شديد، نعوذ بالله منه؛ ولهذا قال ﵇: \"تعاهدوا القرآن\"، وفي لفظ \"استذكروا القرآن، فإنه أشد تفصيًا من صدور الرجال من النعم\".\nالتَّفَصِّي: التخلص يقال: تَفَصَّى فلان من البلية: إذا تخلص منها، ومنه: تفصَّى النوى من التمرة: إذا تخلص منها، أي: إن القرآن أشد تفلتا من الصدور من النعم إذا أرسلت من غير عقال:\nوقال أبو عبيد: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم قال: قال عبد الله -يعني ابن مسعود-: إني لأمقت القارئ أن أراه سمينًا نسيًّا للقرآن (^٣١٤).\n_________\n(^٣١٢) - إسناده ضعيف، المطلب: كثير الإرسال والتدليس وقد عنعن، وأنكر ابن المديني أن يكون سمع من أنس، لكن ابن أبي حاتم قال في المراسيل (٢١٠): سمعت أبي يقول: المطلب بن عبد الله بن حنطب عامة حديثه مراسيل، لم يدرك أحدًا من أصحاب النبي، ﷺ، إلا سهل بن سعد وأنسًا وسلمة بن الأكوع ومن كان قريبًا منهم. والحديث رواه أبو داود في الصلاة، باب: في كنس المسجد برقم (٤٦١)، والترمذي في فضائل القرآن برقم (٢٩١٦) وأبو يعلى ١٥١٠ - (٧/ ٢٥٣)، ورواه البيهقي (٢/ ٤٤٠)، والطبراني في الأوسط (٦٤٨٩)، وأخرجه عبد الرزاق ٥٩٧٧ - (٣/ ٣٦١).\n(^٣١٣) -[طه: ١٢٤ - ١٢٦].\n(^٣١٤) - فضائل القرآن (ص ٢٠٢)، ورواه أبو نعيم في الحلية (٤/ ٢٢٧)، وفيه انقطاع بين النخعي وابن مسعود.","vol":"1","page":104},{"text":"وحدثنا عبد الله بن المبارك، عن عبد العزيز بن أبي رواد قال: سمعت الضحاك بن مزاحم يقول: ما من أحد تعلم القرآن ثم نسيه إلا بذنب يحدثه؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠] (^٣١٥)، وإن نسيان القرآن من أعظم المصائب (^٣١٦).\nولهذا قال إسحاق بن راهويه وغيره: يُكره لرجل أن يمر عليه أربعون يومًا لا يقرأ فيها القرآن، كما أنه يُكره له أن يقرأ في أقل من ثلاثة أيام، كما سيأتي هذا، حيث يذكره البخاري بعد هذا، وكان الأليق أن يتبعه هذا الباب، ولكن ذكر بعد هذا قوله:\n\n<span data-type='title' id=toc-50>القراءة على الدابة</span>\nحدثنا حجاج، حدثنا شعبة، أخبرني أبو إياس قال: سمعت عبد الله بن مغفل، ﵁، قال: رأيت رسول الله ﷺ يوم فتح مكة وهو يقرأ على راحلته سورة الفتح (^٣١٧).\nوهذا الحديث قد أخرجه الجماعة سوى ابن ماجة من طرق، عن شعبة، عن أبي إياس، وهو معاوية بن قرة، به (^٣١٨)، وهذا -أيضًا- له تعلق بما تقدم من تعاهد القرآن وتلاوته سفرًا وحضرًا، ولا يكره ذلك عند أكثر العلماء إذا لم يتله القارئ في الطريق.\nوقد نقله ابن أبي داود عن أبي الدرداء أنه كان يقرأ في الطريق، وقد روى عن عمر بن عبد العزيز أنه أذن في ذلك، وعن الإمام مالك أنه كره ذلك، كما قال ابن أبي داود:\nوحدثني أبو الربيع، أخبرنا ابن وهب قال: سألت مالكا عن الرجل يصلي من آخر الليل، فيخرج إلى المسجد، وقد بقي من السورة التي كان يقرأ منها شيء، فقال: ما اعلم القراءة تكون في الطريق.\nوقال الشعبي: تكره قراءة القرآن في ثلاثة مواطن: في الحمام، وفي الحشوش، وفي بيت الرحى وهي تدور. وخالفه في القراءة في الحمام كثير من السلف: أنها لا تكره، وهو مذهب مالك والشافعي وإبراهيم النخعي وغيرهم، وروى ابن أبي داود عن علي بن أبي طالب: أنه كره\n_________\n(^٣١٥) -[الشورى: ٣٠].\n(^٣١٦) - فضائل القرآن (ص ٢٠٢)، وابن المبارك في الزهد (٨٥)، ووكيع في الزهد (٩٥)، وابن أبي شيبة (١٠/ ٤٧٨ - ٤٧٩)، وابن أبي حاتم في تفسيره، والبيهقي في الشعب (١٨١٣ هـ).\n(^٣١٧) - رواه البخاري في فضائل القرآن، باب: القراءة على الدابة برقم (٥٠٣٤).\n(^٣١٨) - رواه مسلم في صلاة المسافرين وقصرها، برقم ٢٣٧ - (٧٩٤)، وأبو داود في الصلاة، باب: استحباب الترتيل في القراءة برقم (١٤٦٧)، والترمذي في الشمائل، باب: قراءة الرسول، ﷺ برقم (٣١٢)، والنسائي في الكبرى برقم (٨٠٦٢).","vol":"1","page":105},{"text":"ذلك، ونقله ابن المنذر عن أبي وائل شقيق بن سلمة، والشعبي والحسن البصري ومكحول وقبيصة بن ذؤيب، وهو رواية عن إبراهيم النخعي، ويحكى عن أبي حنيفة، ﵏، أن القراءة في الحمام تكره، وأما القراءة في الحشوش فكراهتها ظاهرة، ولوقيل بتحريم ذلك صيانة لشرف القرآن لكان مذهبًا، وأما القراءة في بيت الرحى وهي تدور؛ فلئلا يعلو غير القرآن عليه، والحق يعلو ولا يُعلى، والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-51>تعليم الصبيان القرآن</span>\nحدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا أبو عوانة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير قال: إن الذي تدعونه المفصل هو المحكم، قال: وقال ابن عباس: توفي رسول الله ﷺ وأنا ابن عشر سنين وقد قرأت المحكم (^٣١٩).\nحدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا هُشَيْم، أخبرنا أبو بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: جمعت المحكم في عهد النبي ﷺ، فقلت له: وما المحكم؟ قال: \"المفصل\" (^٣٢٠).\nانفرد بإخراجه البخاري، وفيه دلالة على جواز تعلم الصبيان القرآن؛ لأن ابن عباس أخبر عن سنه حين موت الرسول ﷺ، وقد كان جمع المفصل، وهو من الحجرات، كما تقدم ذلك، وعمره آنذاك عشر سنين.\nوقد روى البخاري أنه قال: توفي رسول الله ﷺ وأنا مختون (^٣٢١). وكانوا لا يختنون الغلام حتى يحتلم، فيحتمل أنه تجوز في هذه الرواية بذكر العشر، وترك ما زاد عليها من الكسر، والله أعلم.\nوعلى كل تقدير، ففيه دلالة على جواز تعليمهم القرآن في الصبا، وهو ظاهر، بل قد يكون مستحبًا أو واجبًا؛ لأن الصبي إذا تعلم القرآن بلغ وهو يعرف ما يصلي به، وحفظه في الصغر أولى من حفظه كبيرًا، وأشد علوقًا بخاطره وأرسخ وأثبت، كما هو المعهود من حال الناس، وقد استحب بعض السلف أن يترك الصبي في ابتداء عمره قليلا للعب، ثم توفر همته على القراءة، لئلا يلزم أولًا بالقراءة فيملها ويعدل عنها إلى اللعب، وكره بعضهم تعليمه القرآن وهو لا يعقل ما يقال له، ولكن يترك حتى إذا عقل وميز علم قليلًا قليلا، بحسب همته ونهمته وحفظه وجودة ذهنه، واستحب عمر بن الخطاب، ﵁، أن يلقن خمس آيات خمس آيات،\n_________\n(^٣١٩) - البخاري في فضائل القرآن، باب: تعليم الصبيان القرآن برقم (٥٠٣٥).\n(^٣٢٠) - البخاري في فضائل القرآن، باب: تعليم الصبيان القرآن برقم (٥٠٣٦).\n(^٣٢١) - البخاري في الاستئذان، باب: الختان بعد الكبر ونتف الإبط برقم (٦٢٩٩).","vol":"1","page":106},{"text":"رويناه عنه بسند جيد (^٣٢٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-52>نسيان القرآن وهل يقول: نسيت آية كذا وكذا، وقول الله تعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى إلا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾</span> [الأعلى: ٦ - ٧] (^٣٢٣).\nحدثنا الربيع بن يحيى، حدثنا زائدة، حدثنا هشام، عن عروة، عن عائشة قالت: لقد سمع النبي ﷺ رجلا يقرأ في المسجد فقال: \"يررحمه الله، لقد أذكرني آية كذا وكذا من سورة كذا\" انفرد به.\nوحدثني محمد بن عبيد بن ميمون، حدثنا عيسى بن يونس، عن هشام وقال: أسقطتهن من سورة كذا وكذا. انفرد به أيضًا. تابعه علي بن مسهر وعبدة عن هشام (^٣٢٤).\nوقد أسندهما البخاري في موضع آخر، ومسلم معه في عبدة (^٣٢٥).\nوحدثنا أحمد بن أبي رجاء، حدثنا أبو أسامة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، ﵂، قالت: سمع رسول الله ﷺ رجلا يقرأ في سورة بالليل فقال: \"يرحمه الله، فقد أذكرني آية كذا وكذا كنت أنسيتها من سورة كذا وكذا\". ورواه مسلم من حديث أبي أسامة حماد بن أسامة (^٣٢٦).\nالحديث الثاني: حدثنا أبو نعيم، حدثنا سفيان، عن منصور، عن أبي وائل، عن عبد الله، ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: \"بئس ما لأحدهم أن يقول: نسيت آية كيت وكيت، بل هو نُسِّي\" ورواه مسلم والنسائي، من حديث منصور به (^٣٢٧).\nوقد تقدم. وفي مسند أبي يعلى: فإنما هو نُسِيَ\"، بالتخفيف، هذا لفظه.\n_________\n(^٣٢٢) - مسند الفاروق للمؤلف (١/ ١٧٠).\n(^٣٢٣) -[الأعلى: ٦، ٧].\n(^٣٢٤) - البخاري برقم (٥٠٣٧).\n(^٣٢٥) - البخاري في الدعوات، باب: قول الله ﵎: ﴿وَصَلِّ عَلَيهِمْ﴾ برقم (٦٣٣٥)، ومسلم في صلاة المسافرين وقصرها برقم ٢٢٥ - (٧٨٨).\n(^٣٢٦) - البخاري برقم (٥٠٣٨)، ومسلم في صلاة المسافرين وقصرها رقم ٢٢٤ - (٧٨٨).\n(^٣٢٧) - البخاري برقم (٥٠٣٩)، ومسلم في صلاة المسافرين وقصرها برقم ٢٢٨ - (٧٩٥)، وسنن النسائي الكبرى برقم (٨٠٤٢).","vol":"1","page":107},{"text":"وفي هذا الحديث -والذي قبله- دليل على أن حصول النسيان للشخص ليس بنقص له إذا كان بعد الاجتهاد والحرص، وفي حديث ابن مسعود أدب في التعبير عن حصول ذلك، فلا يقول: نسيت آية كذا، فإن النسيان ليس من فعل العبد، وقد يصدر عنه أسبابه من التناسي والتغافل والتهاون المفضي إلى ذلك، فأما النسيان نفسه فليس بفعله؛ ولهذا قال: \"بل هو نُسِيَ\"، مبني لما لم يسم فاعله، وأدب -أيضًا- في ترك إضافة ذلك إلى الله تعالى، وقد أسند النسيان إلى العبد في قوله: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ [الكهف: ٢٤] (^٣٢٨) وهو، والله أعلم، من باب المجاز السائغ بذكر المسبب وإرادة السبب؛ لأن النسيان إنما يكون عن سبب قد يكون ذنبا، كما تقدم عن الضحاك بن مزاحم، فأمر الله تعالى بذكره ليذهب الشيطان عن القلب كما يذهب عند النداء بالأذان، والحسنة تذهب السيئة، فإذا زال السبب للنسيان انزاح، فحصل الذكر لشيء بسبب ذكر الله تعالى، والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-53>من لم ير بأسًا أن يقول: سورة البقرة، وسورة كذا وكذا</span>\nحدثنا عمر بن حفص بن غياث، حدثنا أبي، حدثنا الأعمش، حدثنا إبراهيم، عن علقمة وعبد الرحمن بن يزيد، عن أبي مسعود الأنصاري، قال: قال رسول الله ﷺ: \"الآيتان من آخر سورة البقرة، من قرأ بهما في ليلة كفتاه\" (^٣٢٩).\nوهذا الحديث قد أخرجه الجماعة من حديث عبد الرحمن بن يزيد، وصاحبا الصحيح والنسائي وابن ماجة من حديث علقمة، كلاهما عن أبي مسعود عقبة بن عمرو الأنصاري البدري (^٣٣٠).\nالحديث الثاني: ما رواه من حديث الزهري، عن عروة، عن المِسْوَر وعبد الرحمن بن عبد القارئ، كلاهما عن عمر قال: سمعت هشام بن حكيم بن حزام يقرأ سورة الفرقان … وذكر الحديث بطوله، كما تقدم، وكما سيأتي (^٣٣١).\n_________\n(^٣٢٨) -[الإسراء: ١٠٦].\n(^٣٢٩) - البخاري في فضائل القرآن برقم (٥٠٤٠).\n(^٣٣٠) - البخاري في المغازي، وفي فضائل القرآن برقم (٤٠٠٨، ٥٠٠٨)، ومسلم برقم ٢٥٥، ٢٥٦ - (٨٠٧، ٨٠٨)، وأبو داود في الصلاة، باب: تحزيب القرآن برقم (١٣٩٧)، والترمذي في ثواب القرآن، باب: آخر سورة البقرة برقم (٢٨٨١)، والنسائي في الكبرى برقم (٨٠١٨، ٨٠١٩)، وابن ماجة في إقامة الصلاة، باب: ما جاء فيما يرجى أن يكفي من قيام الليل، برقم (١٣٦٨، ١٣٦٩).\n(^٣٣١) - البخاري في فضائل القرآن، باب من لم ير بأسًا أن يقول: سورة البقرة، وسورة كذا وكذا برقم (٥٠٤١).","vol":"1","page":108},{"text":"الحديث الثالث: ما رواه من حديث هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: سمع رسول الله، ﷺ، قارئًا يقرأ من الليل في المسجد، فقال: \"يرحمه الله، لقد أذكرني كذا وكذا آية، كنت أسقطتهن من سورة كذا وكذا\" (^٣٣٢).\nوهكذا في الصحيحين عن ابن مسعود: أنه كان يرمي الجمرة من الوادي ويقول: هذا مقام الذي أنزلت عليه سورة البقرة (^٣٣٣).\nوكره بعض السلف ذلك، ولم يروا إلا أن يقال: السورة التي يذكر فيها كذا وكذا، كما تقدم من رواية يزيد الفارسي عن ابن عباس، عن عثمان أنه قال: إذا نزل شيء من القرآن يقول رسول الله، ﷺ: \"اجعلوا هذا في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا\"، ولا شك أن هذا أحوط وأولى، ولكن قد صحت الأحاديث بالرخصة في الآخر، وعليه عملُ الناس اليوم في ترجمة السور في مصاحفهم، وبالله التوفيق.\n\n<span data-type='title' id=toc-54>الترتيل في القراءة</span>\nوقول الله ﷿: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (٤)﴾ [المزمل: ٤] (^٣٣٤)، وقوله: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ﴾ [الإسراء: ١٠٦] (^٣٣٥)، يَكره أن يهذ كهذ الشعر، يفرق: يفصل، قال ابن عباس: ﴿فَرَقْنَاهُ﴾: فصلناه.\nحدثنا أبو النعمان، حدثنا مهدي بن ميمون، حدثنا واصل -وهو ابن حيان الأحدب- عن أبي وائل، عن عبد الله قال: غدونا على عبد الله، فقال رجل: قرأت المفصل البارحة، فقال: هذا كهذ الشعر، إنا قد سمعنا القراءة، وإني لأحفظ القراءات التي كان يقرأ بهن النبي، ﷺ، ثماني عشرة سورة من المفصل، وسورتين من آل حم (^٣٣٦).\nورواه مسلم عن شيبان بن فَرُّوخ، عن مهدي بن ميمون، عن واصل -وهو ابن حيان الأحدب- عن أبي وائل شقيق بن سلمة، عن ابن مسعود، به (^٣٣٧).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا قتيبة، حدثنا ابن لَهِيعة، عن الحارث بن يزيد، عن زياد بن\n_________\n(^٣٣٢) - رواه البخاري في فضائل القرآن، باب: من لم ير بأسًا أن يقول: سورة البقرة، وسورة كذا وكذا برقم (٥٠٤٢).\n(^٣٣٣) - رواه البخاري في كتاب الحج، باب: رمي الجمار من بطن الوادي برقم (١٧٤٧)، ومسلم في كتاب الحج، برقم ٣٠٥ - (١٢٩٦).\n(^٣٣٤) -[المزمل: ٤].\n(^٣٣٥) -[الإسراء: ١٠٦].\n(^٣٣٦) - رواه البخاري في فضائل القرآن، باب: الترتيل في القراءة برقم (٥٠٤٣).\n(^٣٣٧) - رواه مسلم في صلاة المسافرين وقصرها برقم ٢٧٨ - (٨٢٢).","vol":"1","page":109},{"text":"نعيم، عن مسلم بن مِخْراق، عن عائشة أنه ذكر لها أن ناسًا يقرءون القرآن في الليل مرة أو مرتين، فقالت: أولئك قرءوا ولم يقرءوا، كنت أقوم مع النبي ﷺ ليلة التمام، فكان يقرأ سورة البقرة وآل عمران والنساء، فلا يمر بآية فيها تخوف إلا دعا الله واستعاذ، ولا يمر بآية فيها استبشار إلا دعا الله ورغب إليه (^٣٣٨).\nالحديث الثاني: حدثنا قتيبة، حدثنا جرير، عن موسى بن أبي عائشة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ (^٣٣٩): كان رسول الله، ﷺ، إذا نزل جبريل بالوحى، وكان مما يحرك به لسانه وشفتيه فيشتد عليه. وذكر تمام الحديث كما سيأتي، وهو متفق عليه، وفيه وفي الذي قبله دليل على استحباب ترتيل القراءة والترسل فيها من غير هَذْرَمة (^٣٤٠) ولا سرعة مفرطة، بل بتأمل وتفكر، قال الله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ (^٣٤١).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن بن سفيان، عن عاصم، عن زر، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي، ﷺ، قال: \"يقال لصاحب القرآن: اقرأ وارْقَ، ورتل كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منزلك عند آخر آية تقرؤها\" (^٣٤٢).\nوقال أبو عبيد: حدثنا جرير، عن مغيرة، عن إبراهيم، قال: قرأ علقمة على عبد الله، فكأنه عجل، فقال عبد الله: فداك أبي وأمي، رتل فإنه زين القرآن. قال: وكان علقمة حسن الصوت بالقرآن (^٣٤٣).\n_________\n(^٣٣٨) - حسن، الحارث بن يزيد: ثقة، وثقه أحمد، والنسائي وأبو حاتم، والعجلي. زياد بن نعيم: هو زياد بن ربيعة بن نعيم، ثقة، ومسلم بن مخراق: مولى عائشة حجازي نزيل مصر، مقبول -أي عند المتابعة-.\nوالحديث في المسند ٢٤٧٢١ - (٦/ ٩٢)، وأخرجه أبو يعلى في مسنده (٨/ ٢٥٧، ٢٥٨ / رقم: ٤٨٤٢) من طريق ابن لهيعة، والبيهقي في الصلاة من الكبرى (٢/ ٣١٠) من طريق يحيى بن أيوب، كلاهما من طريق الحارث بن يزيد، به، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٢/ ٢٧٢) وقال: \"رواه أحمد وجاء عنده في رواية: يقرأ أحدهما القرآن مرتين أو ثلاثًا، وأبو يعلى، وفيه ابن لهيعة، وفيه كلام\".\n(^٣٣٩) -[القيامة: ١٦]\n(^٣٤٠) - يقال: هذرم فلان، لمن أسرع في مشيته أو قراءته، أو كلامه، وهذرم القرآن أسرع في قراءته لا يتدبر معانيه.\n(^٣٤١) -[ص ٢٩].\n(^٣٤٢) - إسناده حسن، والحديث في المسند (٢/ ١٩٢)، ورواه أبو داود (١٤٦٤)، والترمذي (٢٩١٤)، والنسائي، وابن أبي شيبة (١/ ٤٩٨٠)، والحاكم (١/ ٥٥٢، ٥٥٣)، وابن حبان (١٧٩٠).\n(^٣٤٣) - فضائل القرآن (ص ١٥٧)، ورواه البخاري في خلق أفعال العباد (٢٦٠)، وابن أبي شيبة (٢/ ٥٢٠)، وابن سعد (٦/ ٩٠)، وابن نصر (ص ١٢١)، والطبراني في الكبير (٩/ ٨٦٩٥)، وأبو نعيم في الحلية (٢/ ٩٩)، والبيهقي (٥/ ٥٤).","vol":"1","page":110},{"text":"وحدثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن أيوب، عن أبي جمرة؛ قال: قلت لابن عباس: إني سريع القراءة وإني أقرأ القرآن في ثلاث، فقال: لأن أقرأ البقرة في ليلة فأدبرها وأرتلها أحب إليَّ من أن أقرأ كما تقول (^٣٤٤).\nوحدثنا حجاج، عن شعبة وحشاد بن سلمة، عن أبي جمرة، عن ابن عباس، نحو ذلك، إلا أن في حديث حماد: أحب إليّ من أن أقرأ القرآن أجمع هذرمة (^٣٤٥).\nثم قال البخاري، ﵀:\n\n<span data-type='title' id=toc-55>مد القراءة</span>\nحدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا جرير بن حازم الأزدي، حدثنا قتادة قال: سألت أنس بن مالك عن قراءة النبي، ﷺ، فقال: كان يمد مدا (^٣٤٦).\nوهكذا رواه أهل السنن، من حديث جرير بن حازم، به (^٣٤٧).\nوحدثنا عمرو بن عاصم، حدثنا همام، عن قتادة قال: سئل أنس بن مالك: كيف كانت قراءة النبي، ﷺ؟ فقال: كانت مدًّا، ثم قرأ: يسم الله الرحمن الرحيم. يمد بسم الله، ويمد بالرحمن، ويمد يالرحيم. انفرد به البخاري من هذا الوجه (^٣٤٨).\nوفي معناه الحديث الذي رواه الإمام أبو عبيد: حدثنا أحمد بن عثمان، عن عبد الله بن المبارك، عن الليث بن سعد، عن ابن أبي مُلَيكَة، عن يعلى بن مَملك، عن أم سلمة: أنها نعتت قراءة رسول الله ﷺ قراءة مفسرة حرفًا حرفًا (^٣٤٩).\n_________\n(^٣٤٤) - فضائل القرآن (ص ١٥٧)، والحديث رواه الآجري في أخلاق حملة القرآن (٨٩)، والبيهقي (٢/ ٣٩٦) وفي الشعب (١٨٨٢ هـ).\n(^٣٤٥) - فضائل القرآن (ص ١٥٧)، ورواه البيهقي في الكبرى (٢/ ٣٩٦، ٣/ ١٣) وابن المبارك (١١٩٣)، وعبد الرزاق (٢/ ٤١٨٧).\n(^٣٤٦) - رواه البخاري في فضائل القرآن، باب: الترتيل في القراءة برقم (٥٠٤٥).\n(^٣٤٧) - رواه أبو داود في الصلاة، باب: استحباب الترتيل في القراءة برقم (١٤٦٥)، والترمذي في الشمائل برقم (٣٠٨)، والنسائي في الافتتاح، باب: مد الصوت بالقراءة ١٠١٤ - (٢/ ١٧٩)، وابن ماجة في إقامة الصلاة والسنة فيها، باب: ما جاء في القراءة في صلاة الليل برقم (١٣٥٣).\n(^٣٤٨) - رواه البخاري في فضائل القرآن، باب: الترتيل في القراءة برقم (٥٠٤٦).\n(^٣٤٩) - فضائل القرآن (ص ١٥٦)، ورواه أبو داود (١٤٦٦)، والترمذي (٢٩٢٣)، وفي الشمائل (٣٠٧) والنسائي (٢/ ١٨١)، والبخاري في خلق أفعال العباد (١٧١، ١٧٢) وأحمد (٦/ ٢٩٤، ٣٠٠)، وابن خزيمة (٢/ ١١٥٨)، والحاكم (١/ ٣٠٩ - ٣٠١).","vol":"1","page":111},{"text":"وهكذا رواه الإمام أحمد بن حنبل، عن يحيى بن إسحاق، وأبو داود عن يزيد بن خالد الرملي، والترمذي والنسائي، كلاهما عن قتيبة، كلهم عن الليث بن سعد به (^٣٥٠). وقال الترمذي: حسن صحيح.\nثم قال أبو عبيد: وحدثنا يحيى بن سعيد الأموي، عن ابن جريج، عن ابن أبي مُلَيكة، عن أم سلمة قالت: كان رسول الله، ﷺ، يقطع قراءته؛ بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين. الرحمن الرحيم. مالك يوم الدين. وهكذا.\nوهكذا رواه أبو داود والترمذي من حديث ابن جريج (^٣٥١). وقال الترمذي: غريب وليس إسناده بمتصل. يعني: أن عبد الله بن عبيد الله بن أبي مُلَيكة لم يسمعه من أم سلمة، وإنما رواه عن يعلى بن مَمْلَك، كما تقدم، والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-56>الترجيع</span>\nحدثنا آدم بن أبي إياس، حدثنا شعبة، حدثنا أبو إياس قال: سمعت عبد الله بن مغفل قال: رأيت النبي، ﷺ، وهو على ناقته -أو جمله- وهي تسير به، وهو يقرأ سورة الفتح قراءة لينة وهو ررجع (^٣٥٢).\nوقد تقدم هذا الحديث في القراءة على الدابة وأنه من المتفق عليه، وفيه أن ذلك كان يوم الفتح، وأما الترجيع: فهو الترديد في الصوت، كما جاء -أيضًا- في البخاري أنه جعل يقول: (آآآ)، وكأن ذلك صدر من حركة الدابة تحته، فدل على جواز التلاوة عليها، و(ن أفضى إلى ذلك ولا يكون ذلك من باب الزيادة في الحروف، بل ذلك مغتفر للحاجة، كما يصلي على الدابة حيث توجهت به، مع إمكان تأخير ذلك والصلاة إلى القبلة، والله أعلم.\n_________\n(^٣٥٠) - يعلى بن مملك: قال في التقريب: مقبول -أي عند المتابعة- وفي التهذيب: ذكره ابن حبان في الثقات. والحديث في المسند ٢٦٦٧٣ - (٦/ ٣٠٠). وأخرجه أبو داود في سننه في كتاب الصلاة، باب: استحباب الترتيل في القراءة. (٢/ ٧٤، ٧٥ / رقم: ١٤٦٦). والترمذي في جامعه في كتاب فضائل القرآن، باب: ما جاء كيف كان قراءة النبي، ﷺ. (٥/ ١٨٢، ١٨٣ / رقم: ٢٩٢٣)، والنسائي في الصغرى في كتاب الافتتاح، باب: تزيين القرآن بالصوت (٢/ ١٨١ / رقم: ١٠٢٢) وكتاب قيام الليل وتطوع النهار، باب: ذكر صلاة النبي، ﷺ، بالليل (٣/ ٢١٤ / رقم: ١٦٢٩)، وفي الكبرى في كتاب فضائل القرآن، باب: الترتيل (٥/ ٢٢/ رقم: ٨٠٥٧)، كلهم من طريق الليث بن سعد، به.\n(^٣٥١) - فضائل القرآن (ص ١٥٦)، ورواه أبو داود في كتاب الحررف والقراءات برقم (٤٠٠١)، والترمذي في القراءات، باب: في فاتحة الكتاب برقم (٢٩٢٧)، ورواه أحمد (٦/ ٣٠٢، ٣٢٣)، والطبراني (٢٣/ ٦٠٣)، وضعفه الترمذي بالانقطاع.\n(^٣٥٢) - رواه البخاري في فضائل القرآن، باب: الترجيع برقم (٥٠٤٧).","vol":"1","page":112},{"text":"<span data-type='title' id=toc-57>حسن الصوت بالقراءة</span>\nحدثنا محمد بن خلف أبو بكر، حدثنا أبو يحيى الحمّاني، حدثنا بريد بن عبد الله بن أبي بردة، عن جده أبي بردة، عن أبي موسى الأشعري: أن رسول الله ﷺ قال: \"يا أبا موسى، لقد أوتيت مزمارًا من مزامير آل داود\" (^٣٥٣)\nوهكذا رواه الترمذي عن موسى بن عبد الرحمن الكندي، عن أبي يحيى الحمّاني (^٣٥٤) - واسمه عبد الحميد بن عبد الرحمن - وقال: حسن صحيح. وقد رواه مسلم من حديث طلحة بن يحيى بن طلحة، عن أبي بردة، عن أبي موسى (^٣٥٥)، وفيه قصة، وقد تقدم الكلام على تحسين الصوت عند قول البخاري: من لم يتغن بالقرآن، وذكرت هناك أحكامًا كافية عن إعادتها هاهنا، والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-58>من أحب أن يسمع القرآن من غيره</span>\nحدثنا عمر بن حفص بن غياث، حدثنا أبي، حدثنا الأعمش، عن إبراهيم بن عبيدة، عن عبد الله قال: قال لي النبي ﷺ: \"اقرأ على القرآن\". قلت: أقرأ عليك وعليك أنزل؟! قال: \"إني أحب أن أسمعه من غيري\".\nوقد رواه الجماعة إلا ابن ماجة، من طرق عن الأعمش (^٣٥٦)، وله طرق يطول ذكرها وبسطها.\nوقد تقدم فيما رواه مسلم من حديث طلحة بن يحيى بن طلحة، عن أبي بردة، عن أبي موسى: أن رسول الله، ﷺ، قال له: \"يا أبا موسى، لو رأيتني وأنا أستمع لقراءتك البارحة\". فقال: أما والله لو أعلم أنك تستمع قراءتي لحبَّرْتها لك تحبيرا.\nوقال الزهري، عن أبي سلمة: كان عمر إذا رأى أبا موسى قال: ذكرنا ربنا يا أبا موسى. فيقرأ عنده.\nوقال أبو عثمان النهدي: كان أبو موسى يصلى بنا، فلو قلت: إني لم أسمع صوت صنج\n_________\n(^٣٥٣) - رواه البخاري في فضائل القرآن، باب: حسن الصوت بالقراءة للقرآن، برقم (٥٠٤٨).\n(^٣٥٤) - رواه الترمذي في المناقب، باب: مناقب أبي موسى الأشعري برقم (٣٨٥٥).\n(^٣٥٥) - رواه مسلم في صلاة المسافرين وقصرها، برقم ٢٣٦ - (٧٩٣).\n(^٣٥٦) - رواه البخاري في كتاب فضائل القرآن، باب: من أحب أن يستمع القرآن من غيره برقم (٥٠٤٩)، ومسلم في صلاة المسافرين وقصرها برقم ٢٤٧ - (٨٠٠)، وأبو داود في العلم، باب: في القصص برقم (٣٦٦٨)، والترمذي في تفسير القرآن، باب: ومن سورة النساء برقم (٣٠٢٥)، والنسائي في الكبرى برقم (٨٠٧٥).","vol":"1","page":113},{"text":"قط ولا بربط قط، ولا شيئًا قط أحسن من صوته.\n\n<span data-type='title' id=toc-59>قول المقرئ للقارئ: حسبك</span>\nحدثنا محمد بن يوسف، حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن عبيدةَ، عن عبد الله قال: قال لي رسول الله ﷺ: \"اقرأ عليّ\". فقلت: يا رسول الله، أأقرأ عليك وعليك أنزل؟! قال: \"نعم\"، فقرأت عليه سورة النساء حتى أتيت إلى هذه الآية: ﴿فَكَيفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ (^٣٥٧)، قال: \"حسبك الآن\" فالتفت إليه فإذا عيناه تذرفان (^٣٥٨).\nأخرجه الجماعة إلا ابن ماجه، من رواية الأعمش، به (^٣٥٩)، ووجه الدلالة ظاهر، وكذا الحديث الآخر: \"اقرءوا القرآن ما ائتلفت عليه قلوبكم، فإذا اختلفتم فقوموا\".\n\n<span data-type='title' id=toc-60>في كم يقرأ القرآن وقول الله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾</span>\nحدثنا علي، حدثنا سفيان، قال: قال لي ابن شبرمة: نظرت كم يكفي الرجل من القرآن فلم أجد سورة أقل من ثلاث آيات. فقلت: لا ينبغي لأحد أن يقرأ أقل من ثلاث آيات. قال سفيان: أخبرنا منصور، عن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن يزيد، أخبره علقمة عن أبي مسعود، فلقيته وهو يطوف بالبيت، قذكر قول النبي، ﷺ، إن: \"من قرأ بالآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه\" (^٣٦٠).\nوقد تقدم أن هذا الحديث متفق عليه، وقد جمع البخاري فيما بين عبد الرحمن بن يزيد وعلقمة عن أبي مسعود وهو صحيح؛ لأن عبد الرحمن سمعه أولًا من علقمة، ثم لقي أبا مسعود وهو يطوف فسمعه منه، وعليّ هذا هو ابن المديني وشيخه هو سفيان بن عيينة، وما قاله عبد الله بن شبرمة -ففيه الكوفة في زمانه- استنباط حسن، وقد جاء في حديث في السنن: \"لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب وثلاث آيات\" (^٣٦١)، ولكن هذا الحديث -أعني حديث أبي\n_________\n(^٣٥٧) -[النساء: ٤١].\n(^٣٥٨) - البخاري في كتاب فضائل القرآن، باب: قول المقرئ للقارئ: حسبك، برقم (٥٠٥٠).\n(^٣٥٩) - تقدم (٢٩٨).\n(^٣٦٠) - البخاري في كتاب فضائل القرآن، باب: في كم يقرأ القرآن، وقول الله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ [المزمل: ٢٠] برقم (٥٠٥١).\n(^٣٦١) - لم نجده في شيء من السنن بزيادة: \"وثلاث آيات،. وإنما أخرجه ابن عدي، عن عمر بن يزيد المدائني، عن عطاء، عن ابن عمر قال: قال رسول الله، ﷺ: \"لا يجزئ المكتوبة =","vol":"1","page":114},{"text":"مسعود- أصح وأشهر وأخص، ولكن وجه مناسبته للترجمة التي ذكرها البخاري فيه نظر، والله أعلم (^٣٦٢).\nوالحديث الثاني أظهر في المناسبة وهو قوله (^٣٦٣):\nحدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا أبو عَوَانة، عن مغيرة، عن مجاهد، عن عبد الله بن عمرو قال: أنكحني أبي امرأة ذات حسب، فكان يتعاهد كِنَّته فيسألها عن بعلها فتقول: نعم الرجل من رجل لم يطأ لنا فراشا، ولم يفتش لنا كنفا منذ أتيناه، فلَما طال ذلك عليه ذكر للنبي ﷺ، فقال: \"ألقني به\"، فلقيته بعد، فقال: \"كيف تصوم؟ \". قلت: كل يوم. قال: \"وكيف تختم؟ \". قال: كل ليلة. قال: \"صم كل شهر ثلاثة، واقرأ القرآن في كل شهر\": قال: قلت: إني أطيق أكثر من ذلك. قال: \"صم ثلاثة أيام في الجمعة\". قلت: أطيق أكثر من ذلك. قال: \"أفطر يومين وصم يومًا\". قلت: أطيق أكثر من ذلك. قال: \"صم أفضل الصوم، صوم داود، صيام يوم وإفطار يوم، واقرأ في كل سبع ليال مرةً\"، فليتني قبلت رخصة رسول الله ﷺ! وذلك أني كبرت وضعفت، فكان يقرأ على بعض أهله السبع من القرآن بالنهار والذي يقرأ يعرضه بالنهار ليكون أخف عليه بالليل، وإذا أراد أن يتقوى أفطر أيامًا وأحصى وصام مثلهن، كراهية أن يترك شيئًا فارق عليه النبي ﷺ. وقال بعضهم: في ثلاث وفي خمس وأكثرهم على سبع.\nوقد رواه في الصوم، والنسائي -أيضًا- عن بُنْدَار، عن غُنْدَر، عن شعبة، عن مغيرة، والنسائي من حديث حصين، كلاهما عن مجاهد، به (^٣٦٤).\n_________\n= إلا بفاتحة الكتاب، وثلاث آيات فصاعدًا\" وضعف عمر بن يزيد، وقال: إنه منكر الحديث. وأما طرفه الأول ففي الصحيح، ورواه الطبراني في الأوسط بلفظ \" … وآيتين معها\". وفيه الحسن بن يحيى الخشني، ضعفه النسائي، والدارقطني، ووثقه دحيم، وابن عدي، وابن معين في رواية، وأورده الهيثمي (٢/ ١١٥). وأخرجه ابن عدي، عن ربيع بن بدر، عن سعيد الجريري، عن أبي العلاء، عن أخيه مطرف بن عبد الله بن الشخير، عن عمران بن حصين قال: سمعت النبي، ﷺ، يقول: \"لا تجزئ صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب، وآيتين فصاعدًا\". وضعف الربيع بن بدر، عن البخاري، والنسائي، وابن معين. وأورده ابن عدي (٤/ ١٤٣٦) في ترجمة أبي سفيان طريف بن شهاب - ضعغوه- بلفظ: \"لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب والسورة\" قال: ولم يصح. وقال ابن عدي في ترجمته: ولأبي سفيان هذا غير ما أمليت وقد روى عنه الثقات، وإنما أنكر عليه في متون الأحاديث أشياء لم يأت بها غيره، وأما أسانيده فهي مستقيمة.\n(^٣٦٢) - قال الحافظ ابن حجر في الفتح (٩/ ٩٥): \"وقد خفيت مناسبة حديث أبي مسعود بالترجمة على ابن كثير، والذي يظهر أنها من جهة أن الآية المترجم بها تناسب ما استدل به ابن عيينة من حديث أبي مسعود، والجامع بينهما أن كلا من الآية والحديث يدل على الاكتفاء بخلاف ما قال ابن شبرمة\".\n(^٣٦٣) - البخاري في كتاب فضائل القرآن، باب: في كم يقرأ القرآن برقم (٥٠٥٢).\n(^٣٦٤) - البخاري، باب: صوم يوم وإفطار يوم برقم (١٩٧٨)، والنسائي (٩/ ٢٠٤، ٢١٠).","vol":"1","page":115},{"text":"ثم روى البخاري ومسلم وأبو داود من حديث يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن عبد الرحمن -مولي بني زهرة - عن أبي سلمة قال: وأحسبني قال: سمعت أنا من أبي سلمة، عن عبد الله بن عمرو قال: قال لي النبي ﷺ: \"اقرأ القرآن في شهر\". قلت: إني أجد قوة. قال: \"فاقرأه في سبع ولا تزد على ذلك\" (^٣٦٥). فهذا السياق ظاهره يقتضي المنع من قراءة القرآن في أقل من سبع، وهكذا الحديث الذي رواه أبو عبيد:\nحدثنا حجاج وعمر بن طارق ويحيى بن بكير، كلهم عن ابن لَهِيعة، عن حبان بن واسع، عن أبيه، عن قيس بن أبي صعصعة؛ أنه قال للنبي ﷺ: يا رسول الله، في كم أقرأ القرآن؟ فقال: \"في كل خمس عشرة\". قال: إني أجدني أقوى من ذلك، قال: \"ففي كل جمعة\" (^٣٦٦).\nوحدثنا حجاج، عن شعبة، عن محمد بن ذكوان -رجل من أهل الكوفة- قال: سمعت عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود يقول: كان عبد الله بن مسعود يقرأ القرآن في غير رمضان من الجمعة إلى الجمعة (^٣٦٧).\nوعن حجاج، عن شعبة، عن أيوب: سمعت أبا قِلَابة، عن أبي المهلب قال: كان أبيّ بن كعب يختم القرآن في كل ثمان.\nوحدثنا علي بن عاصم، عن خالد، عن أبي قلابة قال: كان أبي بن كعب يختم القرآن في كل ثمان. وكان تميم الداري يختمه في كل سبع (^٣٦٨)\n_________\n(^٣٦٥) - البخاري برقم (٥٠٥٤)، ورواه مسلم في الصيام برقم ١٨٤ - (١١٥٩)، وأبو داود في كتاب الصلاة، باب: في كم يقرأ القرآن برقم (١٣٨٨).\n(^٣٦٦) - فضائل القرآن (ص ١٧٧)، ورواه ابن الأثير -معلقًا- في أسد الغابة (٤/ ٤٢٩) من طريق يحيى بن بكير وسعيد بن أبي مريم، به. وقال: أخرجه الثلاثة. وأورده ابن حجر في الإصابة (٨/ ١١٣) وعزاه إلى أبي عبيد، ومحمد بن نصر في قيام الليل، والطبراني ٨٧٧ - (١٨/ ٣٤٤) وغيرهم. قال: وقال ابن السكن: رُوي عنه حديث تفرد به ابن لهيعة. ورواه الفسوي في المعرفة والتاريخ (١/ ٢٩٨). ورواه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني برقم (٢٠٠٨). وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٢/ ٢٦٩) وقال: رواه الطبراني في الكبير وفيه ابن لهيعة، وفيه كلام.\n(^٣٦٧) - فضائل القرآن (ص ١٧٧)، وعبد الرزاق (٣/ ٥٩٤٩)، وابن سعد (٣/ ٥٠٠)، والفريابي في فضائل القرآن (١٣٣: ١٣٦)، وابن نصر في قيام الليل ص (١٥٦).\n(^٣٦٨) - فضائل القرآن (ص ١٧٨).","vol":"1","page":116},{"text":"وحدثنا هُشَيم، عن الأعمش، عن إبراهيم: أنه كان يختم القرآن في كل سبع (^٣٦٩).\nوحدثنا جرير، عن منصور، عن إبراهيم قال: كان الأسود يختم القرآن في كل ست، وكان علقمة يختمه في كل خمس (^٣٧٠).\nفلو تركنا ومجرد هذا لكان الأمر في ذلك جليا، ولكن دلت أحاديث أخرجوها على جواز قراءته فيما دون ذلك، كما رواه الإمام أحمد في مسنده:\nحدثنا حسن، حدثنا ابن لَهِيعة، حدثنا حبان بن واسع، عن أبيه، عن سعد بن المنذر الأنصاري؛ أنه قال: يا رسول الله، أقرأ القرآن في ثلاث؟ قال: \"نعم\". قال: فكان يقرؤه حتى توفي (^٣٧١).\nوهذا إسناد جيد قوي حسن، فإن حسن بن موسى الأشيب ثقة متفق على جلالته روى له الجماعة وابن لَهِيعة، إنما يخشى من تدليسه وسوء حفظه، وقد صرح هاهنا بالسماع، وهو من الأئمة العلماء بالديار المصرية في زمانه، وشيخه حبان بن واسع بن حبان وأبوه، كلاهما من رجال مسلم، والصحابي لم يخرج له أحد من أهل الكتب الستة، وهذا على شرط كثير منهم، والله أعلم.\nوقد رواه أبو عبيد، ﵀، عن ابن بكير، عن ابن لَهِيعة، عن حبان بن واسع، عن أبيه، عن سعد بن المنذر الأنصاري أنه قال: يا رسول الله، أقرأ القرآن في ثلاث؟ قال: \"نعم، إن استطعت\". قال: فكان يقرؤه كذلك حتى توفي (^٣٧٢).\nحديث آخر:\n_________\n(^٣٦٩) - فضائل القرآن (ص ١٧٨).\n(^٣٧٠) - فضائل القرآن (ص ١٧٨)، وابن أبي شيبة (٢/ ٥٠١)، والفريابي (١٣٩)، وأبو نعيم في الحلية (٢/ ٩٩، ١٠٣)، والبيهقي في الشعب (٢١٨٩).\n(^٣٧١) - وهذا الحديث ساقط من النسخة المطبوعة من المسند -الميمنية- وقد استدركناه والحمد لله في نسختنا المطبوعة من المسند حديث (٢٧٨٠٧). والحديث أورده الحافظ في الأطراف (١ / ل ٨١) والهيثمي في غاية المقصد، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٢/ ٢٦٨) وقال: وفيه ابن لهيعة وحديثه حسن وفيه ضعف. ورواه الطبراني برقم ٥٤٨١ - (٦/ ٦٢). وسعد بن المنذر ترجمه في الإصابة وقال: ذكره البخاري وقال: روى حديثه ابن لهيعة ولم يصح. قلت: وأخرجه ابن المبارك في الزهد (١٢٧٤) عن ابن لهيعة … فذكره قال: وأخرجه الحسن بن سفيان، والبغوى من طريق ابن لهيمة، عن حبان، ورواه أبو نعيم في معرفة الصحابة، والفريابي (١٢٨) من طريق قتيبة بن سعيد، عن ابن لهيعة به. وقال: رواه ابن المبارك، وابن وهب والحسن الأشيب والناس عن ابن لهيعة.\n(^٣٧٢) - فضائل القرآن (ص ١٧٩).","vol":"1","page":117},{"text":"قال أبو عبيد: حدثنا يزيد، عن همام، عن قتادة، عن يزيد بن عبد الله بن الشخير، عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا يفقه من قرأه في أقل من ثلاث\".\nوهكذا أخرجه أحمد وأصحاب السنن الأربعة من حديث قتادة، به (^٣٧٣). وقال الترمذي: حسن صحيح.\nحديث آخر: قال أبو عبيد: حدثنا يوسف بن الغرق، عن الطيب بن سليمان، حدثتنا عمرة بنت عبد الرحمن: أنها سمعت عائشة تقول: كان رسول الله ﷺ لا يختم القرآن في أقل من ثلاث (^٣٧٤).\nهذا حديث غريب وفيه ضعف، فإن الطيب بن سليمان هذا بصري، ضعفه الدارقطني، وليس هو بذاك المشهور، والله أعلم.\nوقد كره غير واحد من السلف قراءة القرآن في أقل من ثلاث، كما هو مذهب أبي عبيد وإسحاق وابن راهويه وغيرهما من الخلف، أيضًا.\nقال أبو عبيد: حدثنا يزيد، عن هشام بن حسان، عن حفصة، عن أبي العالية، عن معاذ بن جبل أنه كان يكره أن يقرأ القرآن في أقل من ثلاث (^٣٧٥). صحيح.\nوحدثنا يزيد، عن سفيان، عن علي بن بذَيمة، عن أبي عبيدة قال: قال عبد الله: من قرأ القرآن في أقل من ثلاث فهو راجز (^٣٧٦).\nوحدثنا حجاج، عن شعبة، عن علي بن بذيمة، عن أبي عبيدة، عن عبد الله مثله سواء (^٣٧٧).\n_________\n(^٣٧٣) - فضائل القرآن (ص ١٧٩)، والمسند (٢/ ١٨٩، ١٦٥)، وأبو داود في الصلاة، باب: تحزيب القرآن، برقم (١٣٩٤)، والترمذي في القراءات، باب: في كم يختم القرآن برقم (٢٩٤٩)، والنسائي في الكبرى برقم (٨٠٦٧)، وابن ماجة في إقامة الصلاة، باب: في كم يستحب ختم القرآن برقم (١٣٤٧)، والطيالسي (٢٢٧٥)، وابن أبي شيبة (٢/ ٥٠٠، ٥٠١)، وابن حبان (٧٥٨) والفريابي (١٤٢، ١٤٥)، والبيهقي (١٩٨١)، وأبو نعيم في أخبار أصبهان (١/ ٢٦٥).\n(^٣٧٤) - يوسف بن الغرق: ترجمه في الجرح والتعديل (٩/ ٢٢٧) وقال: قال أبي: ليس بقوي، وقال - أحمد: رأيته ولم أكتب عنه شيئًا. والحديث في فضائل القرآن (ص ١٧٩).\n(^٣٧٥) - فضائل القرآن (ص ١٧٩).\n(^٣٧٦) - فضائل القرآن (ص ١٨٠).\n(^٣٧٧) - فضائل القرآن (ص ١٨٠).","vol":"1","page":118},{"text":"وحدثنا حجاج، عن شعبة، عن محمد بن ذَكْوَان، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه؛ أنه كان يقرأ القرآن في رمضان في ثلاث (^٣٧٨). إسناده صحيح.\nوفي المسند عن عبد الرحمن بن شبل مرفوعًا: \"اقرءوا القرآن، ولا تغلوا فيه، ولا تجفوا عنه، ولا تأكلوا به ولا تستكثروا به\" (^٣٧٩).\nفقوله: \"لا تغلوا فيه\" أي: لا تبالغوا في تلاوته بسرعة في أقصر مدة، فإن ذلك ينافي التدبر غالبًا؛ ولهذا قابله بقوله: \"ولا تجفوا عنه\" أي: لا تزكوا تلاوته.\nفصل\nوقد ترخص جماعة من السلف في تلاوة القرآن في أقل من ذلك؛ منهم أمير المؤمنين عثمان بن عفان، ﵁.\nقال أبو عبيد (^٣٨٠): حدثنا حجاج، عن ابن جريج، أخبرني ابن خَصيفة، عن السائب بن رزيد: أن رجلًا سأل عبد الرحمن بن عثمان التيمي عن صلاة طلحة بن عبيد الله فقال: إن شئت أخبرتك عن صلاة عثمان، ﵁، فقال: نعم. قال: قلت: لأعلين الليلة على الحجر، فقمت، فلما قمت إذا أنا برجل مقنع يزحمني، فنظرت فإذا عثمان بن عفان، فتأخرت\n_________\n(^٣٧٨) - إسناده حسن، وهو في فضائل القرآن (ص ١٨٠)، ورواه ابن نصر في قيام الليل ص (١٥٥)، والفريابي (١٣٢)، والطبراني في الكبير (٦/ ٨٧٠٩)، وقال ابن أبي حاتم، وتبعه الذهبي: محمد بن ذكوان ما روى عنه غير شعبة.\n(^٣٧٩) - صحيح، رواه أحمد في المسند ١٥٥٧١، (٣/ ٤٢٨، ٤٤٤) ثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن هشام -يعني الدستوائي- قال: حدثني يحيى بن أبي كثير، عن أبي راشد الحبراني، قال: قال عبد الرحمن بن شبل، ..... وعن عبد الصمد، ثنا همام، ثنا يحيى، عن زيد بن سلام، عن جده، عن أبي راشد الحبراني، عن عبد الرحمن بن شبل:. . فذكره، وأخرجه \"البزار\" -كما في كشف الأستار- في كتاب \"التفسير\" باب: قراءة القرآن حديث ٢٣٢٠ - (٣/ ٩٣)، وأبو يعلى ١٥١٨ - (٣/ ٨٩).\nوالطبراني في الأوسط ٢٥٧٤ - (٣/ ٨٦)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (٣/ ١٨)، وقال الهيثمي في \"المجمع\": رواه أحمد والبزار نحوه، ورجال أحمد رجال الصحيح، وصححه الحاكم (٢/ ١٩٠، ١٩١) وقال: على شرط مسلم. ووافقه الذهبي، ورواه البيهقي (٢٣٨٢)، والحديث صححه الألباني في الصحيحة برقم (٢٦٠). وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٤/ ٧٦) وعزاه للطبراني في معجمه الكبير- وذكر أن له طريقًا آخر عن أبي هريرة \"المجمع\" (٧/ ١٧١) وقال: رواه الطبراني في الأوسط عن شيخه المقدام بن داود، وهو ضعيف. ا هـ. وقال ابن حجر في الفتح (٩/ ٨٢) بعد عزوه لأحمد ولأبي يعلى: سنده قوي. ا هـ.\n(^٣٨٠) - فضائل القرآن (ص ١٨١). ورواه عبد الرزاق (٣/ ٤٦٥٣)، والبيهقي بمعناه في الكبرى (٣/ ٢٤، ٢٥).","vol":"1","page":119},{"text":"عنه، فصلى فإذا هو يسجد سجود القرآن، حتى إذا قلت: هذه هوادى الفجر، أوتر بركعة لم يصل غيرها. وهذا إسناد صحيح.\nقال: وحدثنا هُشَيم، أنا منصور، عن ابن سيرين قال: قالت نائلة بنت الفرافصة الكلبية حيث دخلوا على عثمان ليقتلوه: إن يقتلوه أو يدعوه، فقد كان يحيي الليل كله بركعة يجمع فيها القرآن. وهذا حسن أيضًا (^٣٨١).\nوقال -أيضًا-: حدثنا أبو معاوية، عن عاصم بن سليمان، عن ابن سيرين: إن تميمًا الداري قرأ القرآن في ركعة (^٣٨٢).\nحدثنا حجاج عن شعبة، عن حماد، عن سعيد بن جبير: أنه قال: قرأت القرآن في ركعة في البيت -يعني الكعبة (^٣٨٣).\nوحدثنا جرير، عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة أنه قرأ القرآن في ليلة، طاف بالبيت أسبوعًا (^٣٨٤)، ثم أتى المقام فصلى عنده فقرأ بالطول، ثم طاف بالبيت أسبوعًا، ثم أتى المقام فصلى عنده فقرأ بالمئين، ثم طاف أسبوعًا ثم أتى المقام فصلى عنده فقرأ بالمثاني، ثم طاف بالبيت أسبوعًا ثم أتى المقام فصلى عنده فقرأ بقية القرآن (^٣٨٥).\nوهذه كلها أسانيد صحيحة، ومن أغرب ما هاهنا: ما رواه أبو عبيد ﵀:\nحدثنا سعيد بن عُفَيْر، عن بكر بن مضر، أن سليم بن عتر التجيبي كان يختم القرآن في ليلة ثلاث مرات، ويجامع ثلاث مرات. قال: فلما مات قالت امرأته: رحمك الله، إن كنت لترضي ربك وترضي أهلك، قالوا: وكيف ذلك؟ قالت: كان يقوم من الليل فيختم القرآن، ثم يلم بأهله ثم يغتسل، ويعود فيقرأ حتى يختم ثم يلم بأهله، ثم يغتسل، ويعود فيقرأ حتى\n_________\n(^٣٨١) - فضائل القرآن (ص ١٨١)، ورواه ابن أبي شيبة (١/ ٣٦٧، ٢/ ٥٢٠) وابن سعد في الطبقات (٣/ ٧٦)، وأبو نعيم في الحلية (١/ ٥٧)، وعمر بن شبة (٤/ ١٢٧٢)، والطبراني في الكبير (١/ ١٣٠).\n(^٣٨٢) - فضائل القرآن (ص ١٨٢)، ورواه ابن المبارك في الزهد (١٢٧٧)، وابن أبي شيبة (٢/ ٥٠٢)، وعنه ابن حبان في الثقات (٣/ ٤٠)، والبيهقي في الكبرى (٣/ ٢٥)، وفي الشعب (١٩٩٤ هـ).\n(^٣٨٣) - فضائل القرآن (ص ١٨٢)، ورواه أبي حبان في الثقات (٤/ ٢٧٦)، والطحاوي في شرح المعاني (١/ ٣٤٨)، وابن سعد (٦/ ٢٥٩)، وعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد (ص ٣٧٠)، وعنه أبو نعيم في الحلية (٤/ ٢٧٣).\n(^٣٨٤) - الأسبوع: الطواف حول البيت سبع مرات.\n(^٣٨٥) - فضائل القرآن (ص ١٨٢)، ورواه من طريقه ابن عساكر (١١/ ٨٢٢)، والفريابي في الفضائل (١٤٠)، وابن حبان في الثقات (٥/ ٢٠٨).","vol":"1","page":120},{"text":"يختم، ثم يلم بأهله ثم يغتسل، ويخرج إلى صلاة الصبح (^٣٨٦).\nقلت: كان سليم بن عتر تابعيًّا جليلًا ثقة نبيلًا، وكان قاضيًا بمصر أيام معاوية وقاضّها، ثم قال أبو حاتم: روى عن أبي الدرداء، وعنه ابن زحر، ثم قال: حدثني محمد بن عوف، عن أبي صالح كاتب الليث، حدثني حرملة بن عمران، عن كعب بن علقمة قال: كان سليم ابن عتر من خير التابعين (^٣٨٧).\nوذكره ابن يونس في تاريخ مصر.\nوقد روى ابن أبي داود عن مجاهد أنه كان يختم القرآن فيما بين المغرب والعشاء.\nوعن منصور قال: كان علي الأزدي يختم القرآن فيما بين المغرب والعشاء كل ليلة من رمضان (^٣٨٨).\nوعن إبراهيم بن سعد قال: كان أبي يحتبي فما يحل حبوته حتى يختم القرآن.\nقلت: وروي عن منصور بن زاذان: أنه كان يختم فيما بين الظهر والعصر، ويختم أخرى فيما بين المغرب والعشاء، وكانوا يؤخرونها قليلًا (^٣٨٩).\nوعن الإمام الشافعي، ﵀: أنه كان يختم في اليوم والليلة من شهر رمضان ختمتين، وفي غيره ختمة.\nوعن أبي عبد الله البخاري -صاحب الصحيح- أنه كان يختم في الليلة ويومها من رمضان ختمة.\nومن غريب هذا وبديعه ما ذكره الشيخ أبو عبد الرحمن السلمي الصوفي قال: سمعت الشيخ أبا عثمان المغربي يقول: كان ابن الكاتب يختم بالنهار أربع ختمات، وبالليل أربع ختمات.\nوهذا نادر جدا. فهذا وأمثاله من الصحيح عن السلف محمول إما على أنه ما بلغهم في ذلك حديث مما تقدم، أو أنهم كانوا يفهمون ويتفكرون فيما يقرءونه مع هذه السرعة، والله أعلم.\nقال الشيخ أبو زكريا النووي في كتابه التبيان بعد ذكر طرف مما تقدم: (والاختيار أن ذلك\n_________\n(^٣٨٦) - فضائل القرآن (ص ١٨٢ - ١٨٣)، وأورده الذهبي في السير (٤/ ١٣٢) من حديث ابن لهيعة، عن الحارث بن يزيد أن سليم بن عتر كان يقرأ القرآن كل ليلة ثلاث مرات ..\n(^٣٨٧) - الجرح والتعديل (٤/ ٢١١، ٢١٢).\n(^٣٨٨) - رواه ابن حبان في الثقات (٥/ ١٦٤ - ١٦٥).\n(^٣٨٩) - البيهقي (١٩٩٩)، وأبو نعيم في الحلية (٣/ ٥٧ - ٥٨)، وابن حبان في الثقات (٧/ ٤٧٤) نحوه.","vol":"1","page":121},{"text":"يختلف باختلاف الأشخاص، فمن كان له بدقيق الفكر لطائف ومعارف فليقتصر على قدر يحصل له كمال فهم ما يقرؤه، وكذا من كان مشغولا بنشر العلم أو غيره من مهمات الدين ومصالح المسلمين العامة فليقتصر على قدر لا يحصل بسببه إخلال بما هو مرصد له، وإن لم يكن من هؤلاء المذكورين فليستكثر ما أمكنه من غير خروج إلى حد الملل والهذْرَمة).\nثم قال البخاري، ﵀:\n\n<span data-type='title' id=toc-61>البكاء عند قراءة القرآن</span>\nوأورد فيه من رواية الأعمش، عن إبراهيم، عن عبيدة، عن عبد الله -هو ابن مسعود- قال: قال رسول الله ﷺ: \"اقرأ عليّ\". قلت: أقرأ عليك وعليك أنزِل؟ قال: \"إني أشتهي أن أسمعه من غيري\". قال: فقرات النساء، حتى إذا بلغت: ﴿فَكَيفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ (^٣٩٠)، قال لي: \"كفَّ أو أمسكَ\"، فرأيت عينيه تذرفان (^٣٩١).\nوهذا من المتفق عليه كما تقدم، وكما سيأتي إن شاء الله.\n_________\n(^٣٩٠) -[النساء: ٤١].\n(^٣٩١) - صحيح البخاري برقم (٥٠٥٥).","vol":"1","page":122},{"text":"<span data-type='title' id=toc-62>من راءى بقراءة القرآن أو تَأكَّل به أو فجر به</span>\nحدثنا محمد بن كثير، أخبرنا سفيان، حدثنا الأعمش، عن خَيثمة، عن سُويد بن غفلة [قال:] [¬١] قال علي، ﵁: سمعت النبي ﷺ يقول: \"يأتي في آخر الزمان قوم حدثاء الأسنان، سفهاء الأحلام، يقولون من خير قول البرية، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرّميّة، لا يجاوز إيمانهم حناجرهم، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن قتلهم أجر لمن قتلهم يوم القيامة\" (^٣٩٢).\nوقد رُوي في موضعين آخرين، ومسلم وأبو داود والنسائي، من طرق عن الأعمش، به (^٣٩٣).\nحدثنا عبد الله بن يوسف، حدثنا مالك، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي سعيد الخدري قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: \"يخرج فيكم قوم تحقرون صلاتكم مع صلاتهم، وصيامكم مع صيامهم، وعملكم مع عملهم، ويقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، ينظر في النصل فلا ورى شيئًا، وينظر في القدح فلا ورى شيئًا، وينظر في الريش فلا يرى شيئًا، ويتمارى في الفوق\" (^٣٩٤).\nورواه في موضع آخر، ومسلم -أيضًا- والنسائي من طرق عن الزهري، عن أبي سلمة، به (^٣٩٥)، وابن ماجة من رواية محمد بن عمرو بن علقمة، عن أبي سلمة، به.\nحدثنا مُسَدّد بن مسرهد، حدثنا يحيى بن سعيد، عن شعبة، عن قتادة، عن أنس بن\n_________\n(^٣٩٢) - صحيح البخاري برقم (٥٠٥٧).\n(^٣٩٣) - رواه البخاري في المناقب، باب: علامات النبوة في الإسلام، وفي كتاب استتابة المرتدين، باب: قتل الخوارج برقم (٣٦١١، ٦٩٣٠)، ومسلم في الزكاة، برقم ١٥٤ - (١٠٦٦)، وأبو داود في كتاب السنة، باب: قتال الخوارج برقم (٤٧٦٧)، والنسائي في تحريم الدم، باب: من شهر سيفه ثم وضعه في الناس ٤١٠٢ - (٧/ ١١٩).\n(^٣٩٤) - صحيح البخاري برقم (٥٠٥٨).\n(^٣٩٥) - رواه البخاري في كتاب المناقب، باب: علامات النبوة في الإسلام، وفي كتاب استتابة المرتدين، باب: من ترك قتال الخوارج … برقم (٦٩٣٣، ٣٦١٠)، ومسلم في كتاب الزكاة برقم (١٠٦٤)، والنسائي في الكبرى برقم (٨٥٦٠) وابن ماجه في المقدمة، باب: ذكر الخوارج حديث (١٦٩).\n_________\n[¬١]- زيادة من البخاري.","vol":"1","page":123},{"text":"مالك، عن أبي موسى، ﵄، عن النبي ﷺ قال: \"مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن ويعمل به كالأترجة طعمها طيب وريحها طيب، والمؤمن الذي لا يقرأ القرآن ويعمل به كالتمرة طعمها طيب ولا ريح لها، ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن كالريحانة ريحها طيب وطعمها مر، ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن كالحنظلة طعمها مر -أو خبيث- وريحها مر\" (^٣٩٦).\nورواه في موضع آخر مع بقية الجماعة من طرق، عن قتادة، به (^٣٩٧).\nومضمون هذه الأحاديث التحذير من المراءاة بتلاوة القرآن التي هي من أعظم القرب، كما جاء في الحديث: \"واعلم أنك لن تتقرب إلى الله بأعظم مما خرج منه\" (^٣٩٨) يعني: القرآن.\nوالمذكورون في حديث علي وأبي سعيد هم الخوارج، وهم الذين لا يجاوز إيمانهم حناجرهم، وقد قال في الرواية الأخرى: \"يحقر أحدكم قراءته مع قراءتهم، وصلاته مع صحهم، وصيامه مع صيامهم\". ومع هذا أمر بقتلهم لأنهم مراءون في أعمالهم في نفس الأمر، وإن كان بعضهم قد لا يقصد ذلك، إلا أنهم أسسوا أعمالهم على اعتقاد غير صالح، فكانوا في ذلك كالمذمومين في قوله: ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (^٣٩٩)،\n_________\n(^٣٩٦) - صحيح البخاري برقم (٥٠٥٩).\n(^٣٩٧) - رواه البخاري في كتاب الأطعمة، باب: ذكر الطعام برقم (٥٤٢٧)، وفي التوحيد، باب: قراءة الفاجر والمنافق (٧٥٦٠)، ومسلم في صلاة المسافرين وقصرها برقم ٢٤٣ - (٧٩٧)، وأبو داود في الأدب، باب: من يؤمر أن يجالس برقم (٤٨٣٠)، والترمذي في الأمثال، باب: في مثل المؤمن القارئ للقرآن … برقم (٢٨٦٥)، والنسائي في الإيمان، باب: مثل الذي يقرأ القرآن … برقم ٥٠٣٨ - (٨/ ١٢٤)، وابن ماجة في المقدمة برقم (٢١٤).\n(^٣٩٨) - إسناده ضعيف، من أجل ليث بن أبي سليم، وبكر بن خنيس، فقد رواه أحمد في المسند ٢٤٠٦ (٥/ ٢٦٨) عن هاشم بن القاسم، ثنا بكر بن خنيس، عن ليث بن أبي سليم، عن زيد بن أرطاة، عن أبي أمامة .... فذكره، وأخرجه الترمذي في كتاب فضائل القرآن، باب: رقم (١٧) (رقم: ٢٩١١) من طريق أحمد بن منيع، عن هاشم بن القاسم، به. ورواه ابن نصر في قيام الليل (ص ٤١ - ٢، ١٢٢)، وفي تعظيم قدر الصلاة (١٧٨)، وابن بطة في الإبانة- الرد على الجهمية (٨)، والخطيب (٧/ ٨٨، ١٢/ ٢٢٠)، وقال البخاري في خلق أفعال العباد (٥٠٩): لا يصح. وقال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وبكر بن خنيس قد تكلم فيه ابن المبارك، وتركه في آخر أمره، وقد روى هذا الحديث زيد بن أرطاة، عن جبير بن نفير، عن النبي، ﷺ، مرسل. حدثنا بذلك إسحاق بن منصور، ثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن معاوية، عن العلاء بن الحارث، عن زيد بن أرطاة، عن جبير بن نفير قال: قال النبي، ﷺ: \"إنكم لن ترجعوا إلى الله بأفضل مما خرج منه\" -يعني القرآن.\n(^٣٩٩) -[التوبة: ١٠٩].","vol":"1","page":124},{"text":"وقد اختلف العلماء في تكفير الخوارج وتفسيقهم ورد رواياتهم، كما سيأتي تفصيله في موضعه إن شاء الله.\nوالمنافق المشبه بالريحانة التي لها ريح ظاهر وطعمها مر هو المرائي بتلاوته، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إلا قَلِيلًا﴾ (^٤٠٠).\nثم قال البخاري:\nاقرءوا القرآن ما ائتلَفت عليه قلوبكم\nحدثنا أبو النعمان محمد بن الفضل عارم، حدثنا حماد بن زيد، عن أبي عمران الجوني، عن جندب بن عبد الله، ﵁، عن النبي، ﷺ، قال: \"اقرءوا القرآن ما ائتلفت عليه قلوبكم، فإذا اختلفتم فقوموا عنه\" (^٤٠١).\nحدثنا عمرو بن علي بن بحر الفلّاس، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا سلام بن أبي مطيع، عن أبي عمران الجوني، عن جُنْدُب قال: قال رسول الله ﷺ: \"اقرءوا القرآن ما ائتلفت عليه قلوبكم، فإذا اختلفتم فقوموا [عنه] [¬١] \" (^٤٠٢).\nتابعه الحارث بن عُبَيد وسعيد بن زيد، عن أبي عمران، ولم يرفعه حماد بن سلمة وأبان.\nوقال غُنْدَر: عن شعبة، عن أبي عمران قال: سمعت جُنْدُبا- قوله\nوقال ابن عون، عن أبي عمران، عن عبد الله بن الصامت، عن عمر- قوله.\nوجندب أصح وأكثر (^٤٠٣).\nوقد رواه في موضع آخر، ومسلم كلاهما عن إسحاق بن منصور، عن عبد الصمد، عن همام، عن أبي عمران، به (^٤٠٤)\n_________\n(^٤٠٠) -[النساء: ١٤٢]\n(^٤٠١) - صحيح البخاري برقم (٥٠٦٠).\n(^٤٠٢) - صحيح البخاري برقم (٥٠٦١).\n(^٤٠٣) - قال الحافظ ابن حجر: \"أي أصح سندًا وأكثر طرقًا، وهو كما قال، فإن الجم الغفير رواه عن أبي عمران عن جندب إلا أنهم اختلفوا عليه في رفعه ووقفه، والذين رفعوه ثقات حفاظ فالحكم لهم، وأما رواية ابن عون فشاذة لم يتابع عليها\".\n(^٤٠٤) - البخاري، في كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب: كراهية الاختلاف =\n_________\n[¬١]- زيادة من البخاري.","vol":"1","page":125},{"text":"ومسلم -أيضًا- عن يحيى بن يحيى، عن الحارث بن عبيد أبي قدامة، عن أبي عمران، به.\nورواه مسلم -أيضًا- عن أحمد بن سعيد، عن حبان بن هلال، عن أبان العطار، عن أبي عمران، به مرفوعًا (^٤٠٥).\nوقد حكى البخاري: أن أبان وحماد بن سلمة لم يرفعاه، فالله أعلم.\nورواه النسائي والطبراني (^٤٠٦) من حديث مسلم بن إبراهيم، عن هارون بن موسى الأعور النحوي، عن أبي عمران، به.\nورواه النسائي -أيضًا- من طرق عن سفيان، عن حجاج بن فرافصة، عن أبي عمران، به مرفوعًا (^٤٠٧)، وفي رواية عن هارون بن زيد بن أبي الزرقاء، عن أبيه، عن سفيان، عن حجاج، عن أبي عمران، عن جُنْدُب موقوفًا، ورواه عن محمد بن إسماعيل بن إبراهيم، عن إسحاق الأزرق، عن عبد الله بن عون، عن أبي عمران، عن عبد الله بن الصامت، عن عمر قوله.\nقال أبو بكر بن أبي داود: لم يخطئ ابن عون في حديث قط إلا في هذا، والصواب عن جندب.\nورواه الطبراني، عن علي بن عبد العزير، عن مسلم بن إبراهيم وسعيد بن منصور قالا: حدثنا الحارث بن عبيد، عن أبي عمران، عن جندب مرفوعًا (^٤٠٨).\nفهذا مما تيسر من ذكر طرق هذا الحديث على سبيل الاختصار، والصحيح منها ما أرشد إليه شيخ هذه الصناعة أبو عبد الله البخاري، ﵀، من أن الأكثر والأصح: أنه عن جندب بن عبد الله مرفوعًا إلى رسول الله ﷺ.\nومعنى الحديث أنه، ﵇، أرشد وحض أمته على تلاوة القرآن إذا كانت القلوب مجتمعة على تلاوته، متفكرة فيه، متدبرة له، لا في حال شغلها وملالها، فإنه لا يحصل المقصود من التلاوة بذلك كما ثبت في الحديث أنه قال ﵊: \"اكلفوا من\n_________\n= برقم (٧٣٦٥)، ومسلم في كتاب العلم برقم ٤ - (٢٦٦٧).\n(^٤٠٥) - مسلم في العلم برقم (٢٦٦٧).\n(^٤٠٦) - السنن الكبرى للنسائي، كتاب فضائل القرآن، حديث (٨٠٩٨)، والمعجم الكبير للطبرانى حديث (١٦٧٤).\n(^٤٠٧) - النسائي في الكبرى برقم (٨٠٩٦).\n(^٤٠٨) - المعجم الكبير حديث ١٦٧٣ - (٢/ ١٦٣ - ١٦٤).","vol":"1","page":126},{"text":"العمل ما تطيقون، فإن الله لا يمل حتى تملوا\" (^٤٠٩)، وقال: \"أحب الأعمال إلى الله ما داوم عليه صاحبه وإن قل\"، وفي اللفظ الآخر: \"أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل\" (^٤١٠).\nثم قال البخاري (^٤١١): حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا شعبة، عن عبد الملك بن ميسرة، عن النزال بن سبرة، عن عبد الله -هو ابن مسعود- أنه سمع رجلا يقرأ آية سمع النبي ﷺ قرأ خلافها، فأخذت بيده فانطلقت إلى النبي، ﷺ، فقال: \"كلاكما محسن فاقرأا\" أكبر علمي قال: \"فإن من كان قبلكم اختلفوا فأهلكهم الله ﷿\".\nوأخرجه النسائي من رواية شعبة، به.\nوهذا في معنى الحديث الذي تقدمه، وأنه ينهى عن الاختلاف في القراءة والمنازعة في ذلك والمراء فيه كما تقدم النهي عن ذلك، والله أعلم.\nوقريب من هذا ما رواه عبد الله ابن الإمام أحمد في مسند أبيه:\nحدثنا أبو محمد بن محمد الجرمي، حدثنا يحيى بن سعيد الأموي، عن الأعمش، عن عاصم، عن زر بن حبيش قال: قال عبد الله بن مسعود: تمارينا في سورة من القرآن فقلنا: خمس وثلاثون آية، ست وثلاثون آية، قال: فانطلقنا إلى رسول الله ﷺ فوجدنا عليًّا يناجيه فقلنا له: اختلفنا في القراءة، فاحمر وجه رسول الله، ﷺ، فقال علي: إن رسول الله، ﷺ، يأمركم أن تقرءوا كما قد علمتم (^٤١٢).\nوهذا آخر ما أورده البخاري، ﵀، في كتاب فضائل القرآن، جل منزله، وتعالى قائله، ولله الحمد والمنة.\n_________\n(^٤٠٩) - رواه البخاري في الإيمان، باب: أحب الدين إلى الله أدومه برقم (٤٣)، ومسلم في صلاة المسافرين وقصرها من صحيحه برقم (٧٨٥) من حديث عائشة، ﵂.\n(^٤١٠) - رواه مسلم في صلاة المسافرين وقصرها برقم ٢١٥ - (٧٨٢) من حديث عائشة، ﵂.\n(^٤١١) - البخاري برقم (٥٠٦٢)، والنسائي في الكبرى برقم (٨٠٩٥).\n(^٤١٢) - سنده حسن، زوائد المسند (٥/ ١٠١، ١٠٦)، ورواه أحمد (٣٩٩٢، ٣٩٩٣)، والطبري في تفسيره (١/ ١٢)، وأبو يعلى (٨/ ٥٠٥٧)، وابن حبان (١٧٨٣)، والحاكم وصححه (٢/ ٢٢٣، ٢٢٤).","vol":"1","page":127},{"text":"<span data-type='title' id=toc-63>كتاب الجامع لأحاديث شتى تتعلق بتلاوة القرآن وفضائله وفضل أهله</span>\nفصل\nقال أحمد (^٤١٣): حدثنا معاوية بن هشام، حدثنا شيبان، عن فراس، عن عطية، عن أبي سعيد قال: قال نبي الله ﵊: \"يقال لصاحب القرآن إذا دخل الجنة: اقرأ واصعد، فيقرأ ويصعد بكل آية درجة، حتى يقرأ آخر شيء معه\".\nوقال أحمد (^٤١٤): حدثنا أبو عبد الرحمن، حدثنا حَيوَة، حدثنا بشير بن أبي عمرو\n_________\n(^٤١٣) - إسناده ضعيف وهو حديث صحيح، عطية هو ابن سعد العوفي: ضعيف، وقد تابعه ذكوان أبو صالح، والحديث في المسند برقم ١١٣٧٦ - (٣/ ٤٠)، ورواه أحمد ١٠٠٨٩ - (٢/ ٤٧١)، من طريق وكيع، ثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد، أو عن أبي هروة -شك الأعمش- قال: يقال لصاحب القرآن يوم القيامة: اقرأ وارقه؛ فإن منزلك عند آخر آية تقرؤها. وأخرجه ابن ماجه في كتاب الأدب، باب: ثواب القرآن (٣٧٨٠)، وأبو يعلى في مسنده ١٠٩٤ - (٢/ ٣٤٦): حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا عبيد الله بن موسى، أنبأنا شيبان به، وأخرجه أبو يعلى أيضًا ١٣٣٨ - (٢/ ٤٩٥) ثنا زهير، ثنا عبيد الله بن موسى، به، وأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف، كتاب فضائل القرآن، باب: من قال لصاحب القرآن: اقرأ وارقه (١) (٧/ ١٧٢)، وقال الهيثمي في \"المجمع\" (٧/ ١٦٥): رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح. ويشهد له حديث عبد الله بن عمرو بن العاص عند أبي داود في الصلاة: باب: استحباب الترتيل في القراءة (١٤٦٤)، والترمذي في ثواب القرآن، باب: ما تقرب العبد بمثل القرآن (٢٩١٥) وقال: \"حديث حسن صحيح،، وصححه ابن حبان (٧٦٦)، وفي الموارد (١٧٩٠)، والحاكم (١/ ٥٥٢، ٥٥٣) ووافقه الذهبي.\n(^٤١٤) - إسناده حسن، والحديث في المسند ١١٣٥٦ - (٣/ ٣٨). بشير بن أبي عمرو: هو أبو الفتح المصري الخولاني؛ قال الحافظ في التقريب: ثقة، والوليد بن قيس روى عنه أكثر من واحد. وثقه ابن حبان والعجلي، وقال ابن حجر: \"مقبول\". وأخرجه البخاري في \"خلق أفعال العباد\" (٦١٠)، وابن حبان في \"صحيحه\" (٧٧٥) (٣/ ٣٢)، والحاكم في \"المستدرك\" (٢/ ٣٧٤)، (٤/ ٥٤٧) وعنه، والبيهقي في \"شعب الإيمان\" (٢٦٢٦) (٢/ ٥٣٣)، وفي \"دلائل النبوة\" (٦/ ٤٦٥)، وابن أبي حاتم، كما في تفسير ابن كثير (٥/ ٢٣٩). من طريق عبد الله بن يزيد أبي عبد الرحمن المقرئ به. وقال الحاكم: \"صحيح الإسناد\" ووافقه الذهبي. وزاد نسبته السيوطي في الدر المنثور (٤/ ٤٩٩) إلى ابن المنذر وابن مردويه. وله طريق أخرى عن أبي سعيد بمعناه، عند أبي نصر المروزي في \"قيام الليل\" (ص ١٢٨)، وأبي عبيد في \"فضائل القرآن\" (ص ٢٠٥ - ٢٠٦). والبغوي في شرح السنة (١١٨٢) (٤/ ٤٣٩)، وحسنه الشيخ الألباني في الصحيحة (٢٥٨) (١/ ٤٦٢).","vol":"1","page":128},{"text":"الخولاني؛ أن الوليد بن قيس التجيبي حدثه أنه سمع أبا سعيد الخدري يقول: سمعت رسول الله ﷺ، يقول: \"يكون خلف من بعد الستين سنة، أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا، ثم يكون خلف يقرءون القرآن لا يعدو تراقيهم، ويقرأ القرآن ثلاثة: مؤمن، ومنافق، وفاجر\".\nقال بشير: فقلت للوليد: ما هؤلاء الثلاثة؟ قال: المنافق كافر به، والفاجر يتأكل به، والمؤمن يؤمن به.\nوقال أحمد (^٤١٥): حدثنا حجاج، حدثنا الليث، حدثني يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير، عن أبي الخطاب، عن أبي سعيد أنه قال: إن رسول الله، ﷺ، عام تبوك خطب الناس وهو مسند ظهره إلى نخلة فقال: \"ألا أخبركم بخير الناس وشر الناس؛ إن من خير الناس رجلا عمل في سبيل الله على ظهر فرسه أو على ظهر بعيره أو على قدميه حتى يأتيه الموت، وإن من شر الناس رجلا فاجرا جريئًا يقرأ كتاب الله، ولا ويرعوي [¬١] إلى شيء منه\".\nقال الحافط أبو بكر البزار (^٤١٦): حدثنا محمد بن عمر بن هياج الكوفي، حدثنا الحسين ابن\n_________\n(^٤١٥) - إسناده ضعيف لجهالة أبي الخطاب المصري، والحديث في المسند ١١٣٣٥، ١١٣٩٠، ١١٥٦٥ - (٣/ ٣٧، ٥٨، ٤١). وأبو الخطاب المصري، قال ابن حجر: مجهول. قال المزي: ذكره الحاكم فيمن لم يقف على اسمه، عن أبي سعيد. وقال النسائي: لا أعرفه. وكذا قال ابن المديني. وقال الذهبي: مجهول. ووثقه العجلي على عادته في توثيق كثير من المجاهيل. وأبو الخير، هو مرثد بن عبد الله أبو الخير اليزني المصري، ثقة فقيه، روى له الجماعة. وأخرجه النسائي-كتاب الجهاد، باب: فضل من عمل في سبيل الله على قدمه (٦/ ١١ - ١٢). وعبد بن حميد في \"المنتخب\" (٩٨٩)، والحاكم في المستدرك (٢/ ٦٧ - ٦٨). وعنه البيهقي في السنن الكبرى (٩/ ١٦٠)، ومن طريق آخر في \"شعب الإيمان\" (٤٢٩٠) (٤/ ٤٢)، والمزى في \"تهذيب الكمال\": (٣٣/ ٢٨٣) ترجمة أبي الخطاب، من طرق عن ليث بن سعد، به. وقال الحاكم \"صحيح الإسناد\" ووافقه الذهبي، وليس كما قالا لجهالة حال أبي الخطاب.\n(^٤١٦) - إسناده ضعيف؛ لضعف عطية بن سعد العوفي، وكذا محمد بن الحسن بن أبي يزيد. ورواه الترمذي في أبواب ثواب القرآن، باب: من شغله القرآن أعطي أفضل العطايا وفضل كلام الله على غيره كفضل الله على خلقه-برقم (٢٩٢٦) من طريق محمد بن الحسن بن أبي يزيد الهمداني به، وقال الترمذي: \"هذا حديث حسن غريب\"، ورواه الدارمي في سننه (٣٣٥٩)، ورواه الدارمي في الرد على الجهمية (٢٣٦، ٣٣٩)، ورواه عبد الله بن أحمد في السنة (١٢٨)، والبيهقي في الأسماء والصفات صـ (٢٣٨). قال الحافظ في الفتح (٩/ ٦٦): رجاله ثقات إلا عطية العوفي ففيه ضعف. وأخرجه =\n_________\n[¬١]- يرعَوي أي: لا ينكفُّ ولا يَنْزَجِر، من رعا يرعُو إذا كَفَّ عن الأمور. وقد ارعَوَى عن القبيح يرعَوي ارعواءً. والاسم: الرُّعيا بالفتح والضّم. وقيل: الارعواء: الندم على الشيء والانصراف عنه وتركه. نهاية [٢/ ٢٣٦].","vol":"1","page":129},{"text":"عبد الأول، حدثنا محمد بن الحسن الهمداني، عن عمرو بن قيس، عن عطية، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ: \"يقول الله تعالى: من شغله قراءة القرآن عن دعائي أعطيته أفضل ثواب السائلين\". وقال رسول الله ﷺ: \"إن فضل كلام الله على سائر الكلام كفضل الله على خلقه\"، ثم قال: تفرد به محمد بن الحسن ولم يتابع عليه.\nوقال الإمام أحمد: حدثنا أبو عبيدة الحداد، حدثني عبد الرحمن بن بُدَيل بن ميسرة، حدثني أبي، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن لله أهْلِين من الناس\". قيل: من هم يا رسول الله؟ قال: \"أهْل القرآن هم أهل اللَّه وخاصته\" (^٤١٧).\n_________\n= ابن عدي من رواية شهر بن حوشب، عن أبي هريرة مرفوعًا: \"فضل القرآن على سائر الكلام كفضل الله على خلقه\". وفي إسناده عمر بن سعيد الأشج وهو ضعيف. وأخرجه ابن الضريس من وجه آخر عن شهر بن حوشب مرسلًا، ورجاله لا بأس بهم. وأخرجه يحيى بن عبد الحميد الحماني في مسنده من حديث عمر بن الخطاب، وفي إسناده صفوان بن أبي الصهباء، مختلف فيه. وأخرجه ابن الضريس أيضًا من طريق الجراح بن الضحاك، عن علقمة بن مرثد، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن عثمان رفعه: \"خيركم من تعلم القرآن وعلمه -ثم قال-: وفضل القرآن على سائر الكلام كفضل الله تعالى على خلقه وذلك أنه منه\". ثم قال الحافظ: وقد بين العسكري أن هذه الزيادة من قول أبي عبد الرحمن السلمي، وقال البخاري في خلق أفعال العباد: وقال أبو عبد الرحمن السلمي … فذكره. وأشار إلى أنه لا يصح مرفوعًا. وأخرجه العسكري أيضًا عن طاوس والحسن قولهما. ا هـ.\nوحديث أبي هريرة رواه أبو يعلى في معجم شيوخه عن موسى بن عبد الرحمن، عن عمر بن سعيد الأبح ص ٢٩٤ - (٣٢٠ - ٣٢١).\nورواه ابن عدي في ترجمة عمر بن سعيد الأبح (٥/ ١٧٠٥).\nورواه اللالكائي في أصول الاعتقاد ٥٥٧ - (٢/ ٣٣٩). من حديث عبد الوهاب بن عطاء، عن سعيد، عن الأشعث الأعمى، عن شهر، عن أبي هريرة. ورواه الدارمي في الرد على الجهمية (٣٢٦) - بسندين عن الأشعث- ورواه ابن بطة (٢/ ٤٨٢) بسند آخر عن شهر، وكذا البيهقي في الأسماء والصفات (٢٣٩).\nورواية الحديث مرسلًا عن شهر عن النبي ﷺ رواه الدارمي (٣٣٦٠). وابن الضريس.\nوسئل الدارقطني عن حديث شهر بن حوشب، عن أبي هريرة فقال: يرويه أشعث بن جابر الحراني واختلف عنه، فرواه عمر بن سعد الأبح، عن ابن أبي عروبة، عن قتادة، عن أشعث الحراني، عن شهر، عن أبي هريرة. وغيره يرويه عن ابن أبي عروبة، عن أشعث لا يذكر قتادة.\nقال: ورواه حماد بن سلمة، عن أشعث، عن شهر مرسلًا، عن النبي، ﷺ، وهو أشبه بالصواب. وقال عمرو بن حمران: عن سعيد عن قتادة، عن شهر، عن أبي هريرة مرفوعًا، ولا يذكر أشعث. وكذلك قال شيبان بن فروخ، عن عمر الأبح، عن سعيد، عن قتادة، عن شهر، عن أبي هريرة مرفوعًا.\n(^٤١٧) - المسند ١١٣١٣ - (٣/ ١٢٨)، وعبد الرحمن بن بديل: لا بأس به، (م، س) وبديل بن ميسرة العقيلي البصري، قال ابن سعد وابن معين والنسائي: ثقة، وقال أبو حاتم: صدوق. والحديث=","vol":"1","page":130},{"text":"وقال أبو القاسم الطبراني: حدثنا محمد بن علي بن شعيب السمسار، حدثنا خالد بن خِدَاش، حدثنا جعفر بن سليمان، عن ثابت، أن أنس بن مالك، ﵁: كان إذا ختم القرآنَ جمع أهله وولده فدعا لهم (^٤١٨).\nوقال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثنا محمد بن عباد المكي، حدثنا حاتم بن إسماعيل عن شريك، عن الأعمش، عن يزيد بن أبان، عن الحسن، عن أنس؛ قال: قال رسول الله ﷺ: \"القرآن غنى لا فقر بعده ولا غنى دونه\" (^٤١٩).\nوقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا سلمة بن شبيب، حدثنا عبد الرزاق، حدثنا عبد الله بن المحرر، عن قتادة، عن أنس؛ قال: قال رسول الله ﷺ: \"لكل شيء حلية، وحلية القرآن الصوت الحسن\" (^٤٢٠). ابن المحرر ضعيف.\nوقال الإمام أحمد: حدثنا حسن، حدثنا ابن لَهِيعة، حدثنا بكر بن سوادة، عن وفاء الخولاني، عن أنس بن مالك قال: بينما نحن نقرأ فينا العربي والعجمي والأسود والأبيض، إذ خرج علينا رسول الله، ﷺ، فقال: \"أنتم في خير، تقرءون كتاب الله وفيكم رسول الله، ﷺ، وسيأتي على الناس زمان يثقونه كما يثقف القدح، يتعجلون أجورهم ولا يتأجلونها\" (^٤٢١).\nوقد رواه الإمام أحمد -أيضًا- عن حسن، عن ابن لَهِيعة، عن بكر، عن وفاء، عن سهل\n_________\n= رواه أحمد ١١٣٠٠، (٣/ ١٢٧)، ورواه النسائي في كتاب فضائل القرآن، من السنن الكبرى، وابن ماجه في المقدمة، باب: فضل من تعلم القرآن وعلمه، حديث (٢١٥). جميعهم من حديث عبد الرحمن بن مهدي، عن عبد الرحمن بن بديل، به. ورواه أحمد ١٢٣١٣ - (٣/ ١٢٧ - ١٢٨)، وح ١٣٥٦٧ - (٣/ ٢٤٢)، ورواه الطيالسي (٢١٢٤)، وابن نصر في قيام الليل (ص ٧٤)، والآجري في أخلاق حملة القرآن (٧)، والحاكم (١/ ٥٥٦)، وقال الذهبي في الميزان: إسناده صالح.\n(^٤١٨) - المعجم الكبير (١/ ٢٤٢)، وأخرجه الدارمي (٢/ ٣٣٦)، والفريابي في الفضائل (٨٣)، وقال الهيثمي في المجمع (٧/ ١٧٢): \"رجاله ثقات\".\n(^٤١٩) - إسناده ضعيف، رواه الطبراني في المعجم الكبير ٧٣٨ - (١/ ٢٥٥)، وأبو يعلى في مسنده (٢٧٧٣). وأورده الهيثمي في المجمع (٧/ ١٥٨) وقال: \"رواه أبو يعلى وفيه يزيد بن أبان الرقاشي وهو ضعيف\". وأورده ابن حجر في المطالب، والبوصيري في الإتحاف وأعله بيزيد بن أبان.\n(^٤٢٠) - مسند البزار برقم (٢٣٣٠ كشف الأستار)، ومختصر زوائد البزار (١٥٧٢)، ورواه عبد الرزاق في مصنفه (/ ٤٨٤)، وابن عدي (٤/ ١٤٥٢)، وقال البزار: تفرد به عبد الله بن المحرر، وهو ضعيف الحديث.\n(^٤٢١) - المسند ١٢٥٠٦، ١٢٦٠٣ - (٣/ ١٤٦، ١٥٥). وذكره في مجمع الزوائد (٤/ ٩٤) وقال: رواه أحمد وفيه ابن لهيعة وحديثه حسن وفيه كلام.","vol":"1","page":131},{"text":"ابن سعد، عن النبي، ﷺ، فذكره (^٤٢٢).\nوقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا يوسف بن موسى، حدثنا عبد الله بن الجهم، حدثنا عمرو بن أبي قيس، عن عبد ربه بن عبد الله، عن عمر بن نبهان، عن الحسن، عن أنس؛ أن النبي، ﷺ، قال: \"إن البيت الذي يقرأ فيه القرآن يكثر خيره، والبيت الدي لا يقرأ فيه القرآن يقل خيره\" (^٤٢٣).\nوقال الحافظ أبو يعلى (^٤٢٤): حدثنا الفضل بن الصباح، حدثنا أبو عبيدة، عن محتسب، حدثني يزيد الرقاشي، عن أنس؛ قال: قعد أبو موسى في بيت واجتمع إليه ناس، فأنشأ يقرأ عليهم القرآن، قال: فأتى رسول الله، ﷺ، رجل، فقال: يا رسول الله، ألا أعجبك من أبي موسى؟ إنه قعد في بيت فاجتمع إليه ناس فأنشأ يقرأ عليهم القرآن قال: فقال رسول الله ﷺ: \"أتستطيع أن تقعدني حيث لا يراني منهم أحد؟ \". قال: نعم. قال: فخرج رسول الله، ﷺ، فأقعده الرجل حيث لا يراه منهم أحد، فسمع قراءة أبي موسى فقال: \"إنه ليقرأ على مزمار من مزامير داود، ﵇\".\nهذا غريب، ويزيد الرقاشي ضعيف.\nوقال الإمام أحمد: حدثنا مصعب بن سلام، حدثنا جعفر -هو ابن محمد بن علي بن الحسين- عن أبيه، عن جابر بن عبد الله قال: خطبنا رسول الله، ﷺ، فحمد الله وأثنى عليه بما هو له أهل، ثم قال: \"أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وإن أفضل الهدي هدى محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة\" ثم يرفع صوته وتحمر وجنتاه، ويشتد غضبه إذا ذكر الساعة، كأنه منذر جيش. قال: ثم يقول: \"أتتكم الساعة بعثت أنا والساعة هكذا -وأشار بأصبعيه السبابة والوسطى- صبحتكم الساعة ومستكم، من ترك مالًا فلأهله، ومن ترك دَينًا أو ضياعًا فإليّ وعليّ\" (^٤٢٥).\n_________\n(^٤٢٢) - المسند ٢٢٩٧٠ - (٥/ ٣٣٨) ورواه أبو داود في كتاب الصلاة، باب: ما يجزي الأمي والأعجمي من القراءة (رقم: ٨٣١). من طريق أحمد بن صالح، عن عبد الله بن وهب، به، ورواه ابن حبان (١٧٨٦، ١٧٨٧)، والطبراني في الكبير (٦/ ٦٠٢٤).\n(^٤٢٣) - مسند البزار برقم (٢٣٢١) \"كشف الأستار\"، ومختصر الزوائد (١٥٧٠) وقال الهيثمي في المجمع (٧/ ١٧١): رواه البزار وقال: لم يروه إلا أنس. وفيه عمر بن نبهان ضعيف.\n(^٤٢٤) - مسند أبي يعلى (٧/ ١٣٣ - ١٣٥) (٤٠٩٦) وفيه يزيد الرقاشي ضعيف، ومحتسب: لين الحديث، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائلد (٩/ ٣٦٠)، وقال: رواه أبو يعلى، وإسناده حسن. كذا قال!!!، وأورده الحافظ في المطالب (٤٤٣٧)، وكذا البوصيري في الإتحاف، وضعف إسناده بيزيد الرقاشي.\n(^٤٢٥) - المسند ١٤٣٧٥ - (٣/ ٣١٠). والحديث رواه: مسلم في كتاب الصلاة، باب: تخفيف الصلاة والخطبة (٦/ ٢١٨)، حديث ٤٣، ٤٤، ٤٥ - (٨٦٧). والنسائي في الصلاة، باب: كيف =","vol":"1","page":132},{"text":"وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الوهاب -يعني ابن عطاء- أنبأنا أسامة بن زيد الليثي، عن محمد بن المنُكَدِر، عن جابر بن عبد الله قال: دخل رسول الله، ﷺ، المسجد، فإذا قوم يقرءون القرآن فقال: \"اقرءوا القرآن وابتغوا به وجه الله ﷿ من قبل أن يأتي قوم يقيمونه إقامة القدح [¬١]، يتعجلونه [¬٢] ولا يتأجلونه [¬٣] \" (^٤٢٦).\nقال أحمد -أيضًا- حدثنا خلف بن الوليد، حدثنا خالد، حدثنا حميد الأعرج، عن محمد بن المنْكَدر، عن جابر بن عبد الله قال: خرج علينا رسول الله ﷺ ونحن نقرأ القرآن، وفينا العجمي والأعرابي قال: فاستمع فقال: اقرءوا فكل حسن، وسيأتي قوم يقيمونه كما يقام القدح، يتعجلونه ولا يتأجلونه\" (^٤٢٧).\nوقال أبو بكر البزار: حدثنا أبو كُرَيب محمد بن العلاء، حدثنا عبد الله بن الأجلح، عن الأعمش، عن المعلى الكندي، عن عبد الله بن مسعود قال: إن هذا القرآن شافع مشفع، من اتبعه قاده إلى الجنة، ومن تركه أو أعرض عنه -أو كلمة نحوها- زجّ في قفاه إلى النار\" (^٤٢٨).\n_________\n= الخطبة (٣/ ١٨٨). وفي كتاب العلم من الكبرى، باب: الغضب عند الموعظة والتعليم إذا رأى العالم ما يكره (٣/ ٤٤٩، ٤٥٠) حديث ٥٨٩٢. وابن ماجة في المقدمة، باب: اجتناب البدع والجدل (١/ ١٧)، حديث ٤٥. والحديث رواه أحمد حديث ١٤٤٧٣ - (٣/ ٣١٩). ورواه أحمد حديث ١٥٠٢٧ - (٣/ ٣٧١).\n(^٤٢٦) - صحيح- على ضعفٍ في إسناده، أسامة بن زيد الليثي ضعفه أحمد ويحيى القطان، وقال ابن حجر: صدوق يهم. وقد تابعه حميد الأعرج، وحميد الأعرج: ليس به بأس، روى له الجماعة، والحديث في المسند ١٤٨٨٩ - (٣/ ٣٥٧)، ورواه أبو داود في كتاب الصلاة، باب: ما يجزئ الأمي والأعجمي من القراءة حديث (٨٣٠) من حديث حميد الأعرج، عن ابن المنكدر، به، ورواه أبو يعلى (٤/ ٢١٩٧)، والبيهقي في الشعب (٢٤٠٠، ٢٤٠١ هـ).\n(^٤٢٧) - المسند ١٥٣١٣ - (٣/ ٣٩٧)، وأبو داود (٨٣٠)، والبيهقي في الشعب (٢٣٩٩ هـ)، والبغوي في شرح السنة (٣/ ٨٨).\n(^٤٢٨) - مسند البزار برقم (١٢١) \"كشف الأستار\". وأورده ابن حجر في مختصر زوائد البزار برقم (١١٥). وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ١٧١) وقال: رواه البزار هكذا موقوفًا على=\n_________\n[¬١]- القِدْح: السهم الذي يُرْمَى به عن القوس، بعد تقديمه واعتداله، ويقيمونه إقامة القِدْح؛ أي: يبالغون في تحسينه كما يبالغون في تحسين القدح واعتداله. الفتح الرباني بتصرف [١٨/ ١٣].\n[¬٢]- يتعجلونه أي: يطلبون بقراءته أجرة من عَرَض الدنيا الزائل، ولا يقرءونه لله ليوفيهم أجورهم في الآخرة. الفتح الرباني [١٨/ ١٣].\n[¬٣]- لا يتأجلونه التأجُّل تَفَعُّل من الأجل وهو الوقت المحدود المضروب في المستقبل، أي: أنهم يتعجلون العمل بالقرآن ولا يؤخرونه. نهاية [١/ ٢٦].","vol":"1","page":133},{"text":"وحدثنا أبو كريب، حدثنا عبد الله بن الأجلح، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، عن النبي ﷺ بنحوه (^٤٢٩).\nوقال الحافظ أبو يعلى (^٤٣٠): حدثنا أحمد بن عبد العزيز بن مروان أبو صخر، حدثني بكر بن يونس، عن موسى بن علي، عن أبيه، عن يحيى بن أبي كثير اليمامي، عن جابر بن عبد الله، أن رسول الله ﷺ قال: \"من قرأ ألف آية كتب الله له قنطارا، والقنطار مائة رطل، والرطل اثنتا عشرة أوقية، والأوقية ستة دنانير، والدينار أربعة وعشرون قيراطا، والقيراط مثل أحُد، ومن قرأ ثلاثمائة آية قال الله لملائكته: نصب عبدي لي، أشهدكم يا ملائكتي أني قد غفرت له، ومن بلغه عن اللَّه فضيلة فعمل بها إيمانًا به ورجاء ثوابه، أعطاه اللَّه ذلك وإن لم يكن ذلك كذلك\".\nوقال أحمد (^٤٣١): حدثنا جرير، عن قابوس، عن أبيه، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: \"إنَّ الرجل الذي ليس في جوفه شيء من القرآن كالبيت الخرب\".\nقال البزار: لا نعلمه يروى عن ابن عباس إلا من هذا الوجه.\nوقال الطبراني: حدثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة، حدثني أبي قال: وجدت في كتاب أبي بخطه عن عمران بن أبي عمران، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال رسول اللَّه ﷺ: \"من اتبع كتاب الله هداه اللَّه من الضلالة، ووقاه سوء الحساب يوم القيامة، وذلك أن الله ﷿ يقول: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾ [طه:\n_________\n= ابن مسعود، وروى بإسناده عن جابر أن النبي، ﷺ، قال … بنحوه. ورجال حديث جابر المرفوع ثقات. ورجال أثر ابن مسعود فيه المعلى الكندي وقد وثقه ابن حبان.\n(^٤٢٩) - البزار كما في (كشف الأستار ١٢٢). وأورده ابن حجر في مختصر زوائد البزار برقم (١١٦)، ورواه ابن حبان (١٢٤)، والبيهقي (٤/ ١٨٥٥)، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ١٧١) وقال: رجاله ثقات.\n(^٤٣٠) - معجم الشيوخ لأبي يعلى (٧٤)، -مقتصرًا على أوله- وأحمد بن عبد العزيز بن مروان: ذكره ابن حبان في الثقات وقال: يغرب. وأشار إلى جهالته الخطيب كما في اللسان (١/ ٢١٥). وأما بكر بن يونس فهو منكر الحديث. قاله البخاري، وضعفه أبو حاتم. وقال ابن عدي: عامة ما يرويه لا يتابع عليه (الميزان ١/ ٣٤٨)، و(التهذيب ١/ ٤٨٨). ويحيى بن أبي كثير لم يسمع من جابر- انظر جامع التحصيل للعلائي ص ٢٩٩ - وأورده الحافظ في المطالب ٣٨٨٢ - (٨/ ٤٨٠) وسقط منه الصحابي وأول المتن.\n(^٤٣١) - المسند ١٩٤٧ - (١/ ٢٢٣). ورواه الترمذي في ثواب القرآن، باب: الذي ليس في جوفه شيء من القرآن كالبيت الخرب (٢٩١٤) عن أحمد بن منيع، عن جرير به. وقال: حسن صحيح. ونسبه شارحه أيضًا للدارمي ٣٣٠٩ - (٢/ ٣٠٨)، والحاكم (١/ ٥٥٤).","vol":"1","page":134},{"text":"١٢٣] \" (^٤٣٢).\nوقال الطبراني: حدثنا يحيى بن عثمان بن صالح، حدثنا أبي، حدثنا ابن لَهِيعة، عن عمرو بن دينار، عن طاوس، عن ابن عباس؛ أن رسول اللَّه ﷺ قال: \"إن أحسن الناس قراءة من قرأ القرآن يتحزن به\" (^٤٣٣).\nوقال -أيضًا-: حدثنا أبو يزيد القراطيسي، حدثنا نعيم بن حماد، حدثنا عبدة بن سليمان، عن سعيد أبي سعد البقال، عن الضحاك، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: \"أحسنوا الأصوات بالقرآن\" (^٤٣٤).\nوروى -أيضًا- بسنده إلى الضحاك عن ابن عباس مرفوعًا: \"أشراف أمتي حملة القرآن\" (^٤٣٥).\nوقال الطبراني: حدثنا معاذ بن المثنى، حدثنا إبراهيم بن أبي سويد الذارع، حدثنا صالح المري، عن قتادة، عن زرارة بن أوفى، عن ابن عباس قال: سأل رجل رسول الله ﷺ فقال: أي الأعمال أحب إلى الله؟ فقال: \"الحال المرتحل\". قال: يا رسول اللَّه، ما الحال المرتحل؟ قال: \"صاحب القرآن يضرب في أوله حتى يبلغ آخره، وفي آخره حتى يبلغ أوله\" (^٤٣٦).\n_________\n(^٤٣٢) - المعجم الكبير ١٢٤٣٧ - (١٢/ ٤٨)، وفي الأوسط ٥٤٦٦ - (٥/ ٣٣٢)، وقال الهيثمي في المجمع (١/ ١٦٩): \"فيه أبو شيبة وهو ضعيف جدًّا\". وأورده الألباني في ضعيف الجامع (٥٣٢٩)، وقال: ضعيف جدًّا. وعزاه للضعيفة (٤٥٣١).\nوقد ورد موقوفًا عن ابن عباس، رواه أبو بكر بن أبي شيبة (١٠/ ٤٦٧، ٤٦٨)، وعبد الرزاق (٣/ ٦٠٣٣)، وابن جرير (١٦/ ٣٢٥)، والحاكم (٢/ ٣٨١)، والبيهقي في الشعب (١٨٧١ هـ).\n(^٤٣٣) - المعجم الكبير ١٠٨٥٢ - (١١/ ٧)، وأبو نعيم في الحلية (٤/ ١٩) وأورده في مجمع الزوائد (٧/ ١٧٠) وقال: رواه الطبراني، وفيه ابن لهيعة، وهو حسن الحديث وفيه ضعف.\n(^٤٣٤) - المعجم الكبير ١٢٦٤٣ - (١٢/ ١٨)، ورواه ابن عدي في الكامل (٣/ ١١٩٤، ٧/ ٢٥٢١)، وأبو سعد البقال ضعيف بل متروك، والضحاك لم يسمع من ابن عباس، وأورده في مجمع الزوائد (٧/ ١٧٠) بلفظ: \"زينوا أصواتكم بالقرآن\" وفي رواية: \"أحسنوا أصواتكم بالقرآن\". وقال: رواه الطبراني بإسنادين وفي أحدهما عبد الله بن خراش وثقه ابن حبان وقال: ربما أخطأ، ووثقه البخاري وغيره، وبقية رجاله رجال الصحيح.\n(^٤٣٥) - المعجم الكبير ١٢٦١٢ - (١٢/ ١٢٥) من طريق سعد الجرجاني عن نهشل- وكلاهما ضعيف- عن الضحاك به. وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ١٩١) وقال: رواه الطبراني وفيه سعد بن سعيد الجرجاني، وهو ضعيف.\n(^٤٣٦) - إسناده ضعيف، والحديث في المعجم الكبير ١٢٧٨٣ - (١٢/ ١٦٨)، وعنه أبو نعيم في الحلية (٢/ ٢٦٠)، ورواه الحاكم في المستدرك (١/ ٥٦٨) من طريق صالح المري به، وقال: \"تفرد به =","vol":"1","page":135},{"text":"<span data-type='title' id=toc-64>ذكر الدعاء المأثور لحفظ القرآن وطرد النسيان</span>\nقال الحافظ أبو القاسم الطبراني في معجمه الكبير: حدثنا الحسين بن إسحاق التستري، حدثنا هشام بن عمار، حدثنا محمد بن إبراهيم القرشي، حدثني أبو صالح وعكرمة، عن ابن عباس قال: قال علي بن أبي طالب: يا رسول اللَّه، القرآن يتفلت من صدري، فقال النبي ﷺ: \"أعلمك كلمات ينفعك اللَّه بهن وينفع من علمته\". قال: قال: نعم بأبي أنت وأمي، قال: \"صل ليلة الجمعة أربع ركعات تقرأ في الأولى بفاتحة الكتاب ويس، وفي الثانية بفاتحة الكتاب وحم الدخان، وفي الثالثة بفاتحة الكتاب والم تنزيل السجدة، وفي الرابعة بفاتحة الكتاب وتبارك المفصل، فإذا فرغت من التشهد فاحمد الله وأثن عليه، وصل على النبيين، واستغفر للمؤمنين، ثم قل: اللهم ارحمني بترك المعاصي أبدًا ما أبقيتني، وارحمني من أن أتكلف ما لا يعنيني، وارزقني حسن النظر فيما يرضيك عني، اللَّهم بديع السموات والأرض، ذا الجلال والإكرام والعزة التي لا ترام، أسألك يا الله يا رحمن بجلالك ونور وجهك أن تلزم قلبي حفظ [¬١] كتابك كما علمتني، وارزقني أن أتلوه على النحو الذي يرضيك عني، وأسألك أن تنور بالكتاب بصري، وتطلق به لساني، وتفرج به عن قلبي، وتشرح به صدري، وتستعمل به بدني، وتقويني على ذلك وتعينني [على ذلك] [¬٢]، فإنه لا يعينني على الخير غيرك، ولا يوفق له إلا أنت، فافعل ذلك ثلاث جمع أو خمسًا أو سبعا تحفظه بإذن الله وما أخطأ مؤمنا قط\". فأتى النبي ﷺ بعد ذلك بسبع جمع فأخبره بحفظ القرآن والحديث، فقال النبي ﷺ: \"مؤمن ورب الكعبة\" علم أبو الحسن [¬٣]، علم أبو الحسن [¬٤] \" هذا سياق الطبراني (^٤٣٧).\nوقال أبو عيسى الترمذي في كتاب الدعوات من جامعه (^٤٣٨): حدثنا أحمد بن الحسن،\n_________\n= صالح المري، وهو من زهاد أهل البصرة\". وتعقبه الذهبي فقال: \"صالح متروك\". ورواه الترمذي ينحوه في كتاب القراءات (٢٩٤٨). والدارمي بنحوه في فضائل القرآن (٢/ ٤٦٩). روياه من طريق صالح المري.\n(^٤٣٧) - المعجم الكبير ١٢٠٣٦ - (١١/ ٣٦٧)، ورواه الطبراني في الدعاء (١٣٣٣)، ورواه من طريقه ابن الجوزي في الموضوعات (٢/ ١٣٨)، وقال: \"هذا حديث لا يصح، ومحمد بن إبراهيم مجروح، وأبو صالح لا نعلمه إلا إسحاق بن نجيح وهو متروك\" ..\n(^٤٣٨) - رواه الترمذي في الدعوات، باب: في دعاء الحفظ برقم (٣٥٧٠)، والحاكم في المستدرك (١/ ٣١٦، ٣١٧)، وقال الذهبي: هذا حديث منكر شاذ أخاف أن يكون موضوعًا، وقد حيرني=\n_________\n[¬١]- في المعجم الكبير: \"حب\"\n[¬٢]- في المعجم الكبير: \"عليه\".\n[¬٣]- في المعجم الكبير: \"أبا حسن\"\n[¬٤]- في المعجم الكبير: \"أبا حسن\".","vol":"1","page":136},{"text":"حدثنا سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا ابن جريج، عن عطاء بن أبي رباح وعكرمة مولى ابن عباس، عن ابن عباس أنه قال: بينما نحن عند رسول الله ﷺ إذ جاءه على بن أبي طالب فقال: بأبي أنت وأمي، تفلت هذا القرآن من صدري فما أجدني أقدر عليه، فقال له رسول الله ﷺ: \"يا أبا الحسن، أفلا أعلمك كلمات ينفعك الله بهن، وينفع بهن من علمته، ويثبت ما تعلمت في صدرك؟ \" قال: أجل يا رسول الله، فعلمني، قال: \"إذا كان ليلة الجمعة فإن استطعت أن تقوم في ثلث الليل الآخر فإنها ساعة مشهودة، والدعاء فيها مستجاب، وقد قال أخي يعقوب لبنيه: ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي﴾ (^٤٣٩)، يقول: حتى تأتي ليلة الجمعة، فإن لم تستطع فقم في وسطها، فإن لم تستطع فقم في أولها فصل أربع ركعات، تقرأ في الركعة الأولى بفاتحة الكتاب وسورة يس، وفي الركعة الثانية بفاتحة الكتاب وحم الدخان، وفي الركعة الثالثة بفاتحة الكتاب والم تنزيل السجدة، وفي الركعة الرابعة بفاتحة الكتاب وتبارك المفصل، فإذا فرغت من التشهد، فاحمد الله وأحسن الثناء على الله، وصل عليّ وأحسن وعلى سائر النبيين، واستغفر للمؤمنين والمؤمنات، ولإخوانك الذين سبقوك بالإيمان، ثم قل في آخر ذلك: اللهم ارحمني بترك المعاصي أبدا ما أبقيتني، وارحمني أن أتكلف ما لا يعنيني، وارزقني حسن النظر فيما يرضيك عني، اللَّهم بديع السموات والأرض، ذا الجلال والإكرام والعزة التي لا ترام، أسألك يا اللَّه يا رحمن بجلالك ونور وجهك أن تلزم قلبي حفظ كتابك كما علمتني، وارزقني أن أتلوه على النحو الذي يرضيك عني، اللهم بديع السموات والأرض ذا الجلال والإكرام والعزة التي لا ترام، أسألك يا الله يا رحمن بجلالك ونور وجهك، أن تنور بكتابك بصري، وأن تطلق به لساني، وأن تفرج به عن قلبي، وأن تشرح به صدري، وأن تغسل به بدني، فإنه لا يعينني على الحق غيرك ولا يؤتيه إلا أنت، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، يا أبا الحسن، تفعل ذلك ثلاث جمع أو خمسا أو سبعا تجاب بإذن الله تعالى، والذي بعثني بالحق ما أخطأ مؤمنا قط\". قال ابن عباس: فوالله ما لبث عليٌّ إلا خمسًا أو سبعًا حتى جاء عليٌّ [¬١] رسول الله ﷺ في مثل ذلك المجلس، فقال: يا رسول الله، الله إني كنت فيما خلا لا آخذ إلا أربع آيات أو نحوهن، فإذا قرأتُهُن على نفسي تَفَلَّتْنَ وأنا أتعلَّم اليوم أربعين آية أو نحوها، فإذا قرأتها على نفسي فكأنما كتاب الله بين عَينَيّ، ولقد كنت أسمع الحديث، فإذا رَدَّدْتُه تَفَلَّت، وأنا اليوم أسمع الأحاديث، فإذا تحدثتُ\n_________\n= والله جودة سنده، ليس فيه إلا الوليد بن مسلم، وقد قال: حدثنا ابن جريج. وقال في الميزان (٢/ ٢١٣ - ٢١٤)، وهو مع نظافة عنده حديث منكر جدًّا، في نفسي منه شيء، فالله أعلم، فلعل سليمان شبه له كما قال فيه أبو حاتم: لو أن رجلًا وضع له حديثًا لم يفهم.\n(^٤٣٩) -[يوسف: ٩٨].\n_________\n[¬١]- زيادة من الترمذي.","vol":"1","page":137},{"text":"بها لم أخْرِم منها حرفًا، فقال له رسول اللَّه، ﷺ، عند ذلك: \"مؤمن ورب الكعبة يا أبا الحسن\".\nثم قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث الوليد بن مسلم. كذا قال: وقد تقدم من غير طريقه.\nورواه الحاكم في مستدركه من طريق الوليد، ثم قال: على شرط الشيخين ولا شك أن سنده من الوليد على شرط الشيخين حيث صرح الوليد بالسماع من ابن جريج، فالله أعلم- فإنه في المتن غرابة بل نكارة، واللَّه أعلم.\nوقال الإمام أحمد (^٤٤٠): حدثنا وَكِيع، حدثنا العمري، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: \"مثل القرآن مثل الإبل المعقلة إن تعاهدها صاحبها أمسكها، وإن تركها ذهبت\".\nورواه -أيضًا- عن محمد بن عبيد ويحيى بن سعيد، عن عبيد الله العمري به (^٤٤١).\nورواه أيضًا عن عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعًا نحوه (^٤٤٢).\nوقال البزار: حدثنا محمد بن معمر، حدثنا حميد بن حماد بن أبي الحوار، حدثنا مِسْعر، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر قال: سئل رسول اللَّه ﷺ: أي الناس أحسن قراءة؟ قال: \"من إذا سمعته يقرأ رؤيت أنه يخشى الله، ﷿\" (^٤٤٣).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن، عن سفيان، عن عاصم، عن زر، عن عبد اللَّه بن عمرو، عن النبي ﷺ قال: \"يقال لصاحب القرآن: اقْرأ وارْقَ ورَتِّل كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها\" (^٤٤٤).\n_________\n(^٤٤٠) - إسناده صحيح والحديث في المسند ٤٧٥٩ - (٢٣١٢).\n(^٤٤١) - إسناده صحيح والحديث في المسند ٤٦٦٥، ٤٨٤٥ - (٢/ ١٧،٣٠).\n(^٤٤٢) - إسناده صحيح والحديث في المسند ٤٩٢٣ - (٢/ ٣٥).\n(^٤٤٣) - رواه البزار برقم (٢٣٣٦ كشف الأستار)، وهو في مختصر زوائد البزار (١٥٧٨) وقال البزار: لم يتابع حميد على روايته هذه، إنما رويه مسعر، عن عبد الكريم، عن مجاهد مرسلًا، ومسعر لم يحدث عن عبد الله بن دينار بشيء، ولم نسمع هذا إلا من محمد بن معمر أخرجه إلينا من كتابه، ورواه الروياني في مسنده، والطبراني في الأوسط، وتمام في فوائده (١٤٥٨)، وابن عدي في الكامل (٢/ ٩٦٣)، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (١٧٠/ ٧) وقال: رواه الطبراني في الأوسط والبزار وفيه حميد بن حماد بن خوار وثقه ابن حبان، وقال: ربما أخطأ وبقية رجال البزار رجال الصحيح.\n(^٤٤٤) - إسناده صحيح، والحديث في المسند ٦٧٩٩ - (٢/ ١٩٢).","vol":"1","page":138},{"text":"وقال أحمد: حدثنا حسن، حدثنا ابن لَهِيعة، حدثني حيي بن عبد الله، عن أبي عبد الرحمن الحبلي، عن عبد الله بن عمرو قال: جاء رجل إلى النبي، ﷺ، فقال: يا رسول الله، إني أقرأ القرآن فلا أجد قلبي يعقل عليه، فقال رسول الله ﷺ: \"إن قلبك حُشِيَ الإيمان، وإن [العبد يُعطى الإيمان] [¬١] قبل القرآن\" (^٤٤٥).\nوبهذا الإسناد: أن رجلًا جاء بابن له فقال: يا رسول الله، إن أبني هذا يقرأ المصحف بالنهار ويبيت بالليل، فقال رسول الله، ﷺ: \"ما تنقم أن ابنك يظل ذاكرًا ويبيت سالمًا\" (^٤٤٦).\nوقال أحمد: حدثنا موسى بن داود، حدثنا ابن لَهِيعة، عن حيي، عن أبي عبد الرحمن، عن عبد الله بن عمرو، أن النبي ﷺ قال: \"الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة، يقول الصيام: أي رب، منعته الطعام والشهوات بالنهار فشفعني فيه، ويقول القرآن: منعته النوم بالليل فشفعني فيه\"، قال: \"فيشفعان\" (^٤٤٧).\nوقال أحمد: حدثنا حسن، حدثنا ابن لَهيعة، حدثنا دراج، عن عبد الرحمن بن جبير، عن عبد الله بن عمرو قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"أكثر منافقي أمتي قراؤها\" (^٤٤٨).\n_________\n(^٤٤٥) - والحديث في المسند ٦٦٠٤ - (٢/ ١٧٢). وأورده الهيثمي (١/ ٦٣) وقال: رواه أحمد وفيه ابن لهيعة.\n(^٤٤٦) - والحديث في المسند ٦٦١٤ - (٢/ ١٧٣). وأورده الهيثمي (٢/ ٢٧٠) وقال: رواه أحمد وفيه ابن لهيعة وفيه كلام.\n(^٤٤٧) - والحديث في المسند ٦٦٢٦ - (٢/ ١٧٤). ورواه الحاكم (١/ ٥٥٤) من طريق ابن وهب، عن حيي بن عبد الله بهذا الإسناد، وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. ورواه أبو نعيم في الحلية (٨/ ١٦١) من طريق رشدين بن سعد، عن حيي بن عبد الله به. ونسبه السيوطي في الجامع الصغير (٥٢٠٣) للبيهقي في الشعب (١٩٩٤ هـ). وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ١٨١) وقال: رواه أحمد، والطبراني في الكبير ورجال الطبراني رجال الصحيح.\n(^٤٤٨) - والحديث في المسند ٦٦٣٤ - (٢/ ١٧٥)، ورواه ابن بطة في الإبانة (٩٤٢) من طريق ابن وهب، ثنا ابن لهيعة بسنده سواء. وقال العراقي: رواه أحمد من حديث عقبة بن عامر، وعبد الله بن عمرو وفيهما ابن لهيعة.\nورواه البيهقي في السنن، وفي الشعب عن ابن عمر، وكذلك رواه ابن عدي في ترجمة الفضل بن مختار، والحاكم في تاريخ نيسابور في ترجمة عبد الله بن خالد التميمي، عن عصمة بن مالك، قال الهيثمي: أحد أسانيد أحمد ثقات أثبات، وسند الطبراني فيه الفضل بن المختار وهو ضعيف، وهكذا أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف قال: حدثنا زيد بن الحارث قال: حدثني عبد الرحمن بن شريح، =\n_________\n[¬١]- في المسند: \"الإيمان يعطي العبد\".","vol":"1","page":139},{"text":"وقال أحمد (^٤٤٩): حدثنا وَكِيع، حدثني همام، في قتادة، عن يزيد بن عبد الله بن الشخير، عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ: \"من قرأ القرآن في أقل من ثلاث لم يفقه\".\nورواه -أيضًا- عن غُنْدَر، عن شعبة، عن قتادة، به. وقال الترمذي: حسن صحيح.\nوقال أبو القاسم الطبراني (^٤٥٠): حدثنا محمَّد بن إسحاق بن راهويه، حدثنا أبي، حدثنا عيسى بن يونس، ويحيى بن أبي الحجاج التميمي، عن إسماعيل بن رافع، عن إسماعيل بن عبيد الله بن أبي المهاجر، عن عبد الله بن عَمْرو، عن رسول الله ﷺ قال: \"من قرأ القرآن فكأنما استُدْرِجَت النبوة بين جنبيه، غير أنه لا يوحَي إليه، ومن قرأ القرآن فرأى أن أحدًا أعْطِيَ أفضلَ مما أُعْطِيَ فقدَ عَظَّمَ ما صَغَّر الله، وصَغر ما عظّم الله، وليس ينبغي لحامل القرآن أن يَسْفه فيمن يَسْفَه، أو يَغْضَب فيمن يَغْصب، أو يَحتَدَّ فيمن يَحْتَدُّ، ولكن يعفو ويصفح، لِفضل القرآن\".\n_________\n= حدثنا شرحبيل بن يزيد العامري قال: سمعت محمَّد بن صدقة الصدفي يقول: سمعت عبد الله بن عمرو يقول: سمعت رسول الله ﷺ قوله … فساقه.\nوحديث عقبة بن عامر؛ رواه أحمد (٤/ ١٥١، ١٥٤، ١٥٥)، والفريابي في صفة المنافق (٣٢، ٣٣، ٣٤)، والطبراني في الكبير (١٧/ ٨٥١)، وابن عدي في الكامل (٤/ ١٤٦٦).\nوقد تابع الوليد بن المغيرة، وهو ثقة ابن لهيعة عند البخاري في خلق أفعال العباد (٦١٤)، والفريابي (٣٥) والبيهقي في الشعب (٦٥٦١)، وأحمد (٤/ ١٥٥).\n(^٤٤٩) - المسند ٦٨١٠ - (٢/ ١٩٣)، و٦٥٣٥، ٦٨٤١ - (٢/ ١٦٤، ١٩٥)، ورواه الطيالسي (٢٢٧٥). ورواه أبو داود في الصلاة، باب: في كم يقرأ القرآن (١٣٩٠) ورواه الترمذي في القراءات (٢٩٤٧) وابن ماجه.\nوقد جاء في كراهية قراءته في أقل من ثلاث عن جماعة من الصحابة منهم معاذ بن جبل، قال أبو عبيد القاسم بن سلام: حدثنا يزيد هو ابن هارون، حدثنا هشام بن حسان، عن حفصة بنت سيرين، عن أبي العالية، عن معاذ أنه كان يكره أن يقرأ القرآن في أقل من ثلاث.\n(^٤٥٠) - أورده الهيثمي في \"المجمع (٧/ ١٥٩) وقال: رواه الطبراني وفيه إسماعيل بن رافع وهو متروك. وأورد الهندي في تذكرة الموضوعات: \"من قرأ القرآن لم رأى أن أحدًا أوتي أفضل مما أوتيَ لقدَ استصغر ما عظم الله تعالى، وقال: ضعيف\".\nورواه ابن أبي شيبة في المصنف موقوفًا على عبد الله بن عمرو، وكذلك محمَّد بن نصر في كتاب قيام الليل.\nوأخرج ابن الأنباري في المصاحف، والبيهقي، وابن عساكر، عن أبي أمامة مرفوعا، والخطيب عن ابن عمر كذلك: \"من قرأ ثلث القرآن فقد أعطي ثلث النبوة، ومن قرأ نصف القرآن أعطي نصف النبوة، ومن قرأ ثلثيه أعطي ثلثي النبوة، ومن قرأ القرآن كله فقد أعطي النبوة كلها غير أنه لا يوحى إليه … \" الحديث. وأخرج الحاكم والبيهقي عن عبد الله بن عمرو رفعه: \"من قرأ القرآن فقد استدرج النبوة بين جنبيه غير أنه لا يوحى إليه\".","vol":"1","page":140},{"text":"وقال الإِمام أحمد: حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم، حدثنا عباد بن ميسرة، عن الحَسَنُ، عن أبي هُرَيرةَ؛ أن رسول الله ﷺ قال: \"من استمع إلى آية من كتاب الله كُتبِتْ له حسنة مضاعفةٌ ومن تلاها كانت له نورًا يوم القيامة\" (^٤٥١).\nوقال البزار: حدثنا محمَّد بن حرب، حدثنا يحيى بن المتوكل، حدثنا عَنْبَسة بن مهْران، عن الزهريّ، عن سَعِيد وأبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: \"مراءٌ في القرآن كفر\". ثم قال: عنبسة هذا ليس بالقويّ. وعنده فيه إسناد آخر (^٤٥٢).\nوقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا أبو بكر، حدثنا ابن إدريس، حدثنا المقبري، عن جده، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"أعربوا القرآن والتمسوا غرائبه\" (^٤٥٣).\nوقال الطبراني: حدثنا موسى بن حازم الأصبهاني، حدثنا محمَّد بن بكير الحضرمي، حدثنا إسماعيل بن عَيّاشٍ، عن يحيى بن الحارث الذماري، عن القاسم أبي عبد الرحمن، عن فضالة بن عُبَيد، وَتمِيم الداري، عن النبي ﷺ قال: \"من قرأ عشر آيات في ليلة كتب له قنطار، والقنطار خير من الدنيا وما فيها، فإذا كان يوم القيامة يقول ربك، ﷿: اقرأ وارقَ بكل آية درجة حتى ينتهى إلى آخر آية معه، يقول ربك: اقبض، فيقول العبد بيده: يا رب أنت أعلم. فيقول: بهذه الخلد وبهذه النعيم\" (^٤٥٤).\n_________\n(^٤٥١) - المسند ٨٤٧٥ - (٢/ ٣٤١)، والعقيلي في الضعفاء (٣/ ١٣٣)، وإسناده ضعيف لضعف عباد بن ميسرة، ولعدم سماع الحسن من أبي هريرة. وأعله الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ١٦٢) بعباد بن ميسرة، وقد أورده الألباني في ضعيف الجامع (٥٤٠٨).\n(^٤٥٢) - ورواه أبو نعيم في الحلية (٥/ ١٩٢) من طريق محمَّد بن حرب الواسطي به، وقال: \"غريب من حديث مكحول، لم نكتبه إلا عن حديث ابن حرب\".\n(^٤٥٣) - مسند أبي يعلى ٦٥٦٠ - (١١/ ٤٣٦)، وابن أبي شيبة (١٠/ ٤٥٦)، والحاكم (٢/ ٤٣٩)، وعنه البيهقي في الشعب (٢٠٩٣، ٢٠٩٤، ٢٠٩٥)، وقال الهيثمي في \"المجمع (٧/ ١٦٣): \"فيه عبد الله بن سعيد بن أبي سعيد المقبري وهو متروك\".\nوأورده ابن حجر في المطالب (٣٨٧٨، ٣٨٧٩) وكذا البوصيري في الإتحاف، باب: إعراب القرآن، قال: قال أحمد بن منيع: ثنا أبو معاوية، ثنا عبد الله بن سعيد المقبري، عن أبيه، عن جده، عن أبي هريرة.\nومن حديث ابن أبي شيبة قال: ثنا عبد الله بن إدريس، عن ابن المقبري، عن أنس، عن جده. وقال البوصيري: مدار إسناد حديث أبي هريرة هذا على عبد الله بن سعيد وهو ضعيف.\nقال العراقي: رواه ابن أبي شيبة في المصنف، والبيهقي في الشعب من حديث أبي هريرة.\nورواه الحاكم كذلك وقال: صحيح عند جماعة، وتعقبه الذهبي في التلخيص فقال: مجمع على ضعفه.\nوقال الصدر المناوي: فيه ضعيفان.\n(^٤٥٤) - المعجم الكبير ١٢٥٣ - (٢/ ٥٠)، وفي الأوسط وقال: لا يروى هذا الحديث عن =","vol":"1","page":141},{"text":"وروى الحافظ ابن عساكر في ترجمة معقس بن عمران بن حطان قال: قال: دخلت مع أبي علي أم الدرداء، ﵂، فسألها أبي: ما فضل من قرأ القرآن على من لم يقرأ؟ قالت: حدثتني عائشة قالت: جُعِلت دَرَجُ الجنة على عدد آي القرآن، فمن قرأ ثلث القرآن ثم دخل الجنة كان على الثلث من دَرَجها، ومن قرأ نصف القرآن كان على النصف من درَجها، ومن قرأه كُله كان في علِّيِّينَ، لم يكن فوقه إلا نبي أو صديق أو شهيد (^٤٥٥).\nوقال الطبراني: حدثنا مسعَدةُ بن سَعْد العطارُ المكي، حدثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي، حدثنا إسحاق بن إبراهيم مولى جميع بن حارثة الأنصاري، حدثنا عبد الله بن ماهان الأزدي، حدثني فائد مولى عُبَيد الله بن أبي رافع، حدثتني سُكينة بنت الحُسَين بن علي، عن أبيها قال: قال رسول الله ﷺ: \"حملة القرآن عُرَفاء أهل الجنة يوم القيامة\" (^٤٥٦).\nوروى الطبراني من حديث بقيَّة، في أبي بكر بن أبي مريم، عن المهاصر بن حبيب، عن عبيدة المليكي، عن رسول الله، ﷺ، إنّه كان يقول: \"يا أهل القرآن، لا توسَّدوا القرآن، واتلوه حَق تلاوته من آناء الليل والنهار، وتغنوه وتقَنَّوه، واذكروا ما فيه لعلكم تفلحون، ولا تسعجلوا ثوابه، فإن له ثوابًا\" (^٤٥٧).\nوفي حديث عقبة بن عامر نحوه، كما تقدم.\nوقال الإِمام أحمد: حدثنا أبو سعيد، حدثنا ابن لَهِيعَة، عن مِشْرَح، عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله، ﷺ: \"لو أن القرآن جُعِل في إهاب ثم ألقي في النار ما احترق\" (^٤٥٨).\n_________\n= فضالة، وتميم إلا بهذا الإسناد، تفرد به إسماعيل. وأورده في مجمع الزوائد (٢/ ٢٦٧) وقال: رواه الطبراني في الكبير والأوسط، وفيه إسماعيل بن عياش، ولكنه من روايته عن الشاميين وهي مقبولة.\n(^٤٥٥) - تاريخ دمشق (١٧/ ١٠ مخطوط).\n(^٤٥٦) - المعجم الكبير ٢٨٩٩ - (٣/ ١٣٢)، وقال الهيثمي في \"المجمع (٧/ ١٦١): \"فيه إسحاق المدني وهو ضعيف\"، ورواه أبو نعيم في تاريخ أصبهان (٢/ ٣٢٣)، وأورده ابن الجوزي في الموضوعات (١/ ٢٥٣)، وابن عراق في تنزيه الشريعة (١/ ٢٩٣)، والفوائد المجموعة (٣٠٧). وأمالي الشجري (١/ ٨٤)، وابن القيسرانى في تذكرة الموضوعات (٣٦١).\n(^٤٥٧) - إسناده ضعيف قال الهيثمي في المجمع (٢/ ٢٥٢): \"رواه الطبراني في الكبير وفيه أبو بكر بن أبي مريم وهو ضعيف\"، ورواه البيهقي في الشعب (١٨٥٢)، وأبو نعيم في أخبار أصبهان (١/ ٢٦٠)، وابن عساكر في تاريخه (٤/ ٥٩٥، ٥٩٦).\n(^٤٥٨) - إسناده حسن رواه أحمد ١٧٤١٤ - (٤/ ١٥١)، ورواه أحمد ١٧٤٥٦ - (٤/ ١٥٤) من حديث أبي عبد الرحمن عبد الله بن يزيد، عن ابن لهيعة، ١٧٤٦٧ - (٤/ ١٥٥) من حديث حجاج عن ابن لهيعة، ورواه الفريابي في فضائل القرآن، باب: في فضل القرآن وقراءته، من حديث =","vol":"1","page":142},{"text":"تفرد به. قيل: معناه: أن الجسد الذي يقرأ القرآن لا تمسه النار.\nوفي سُنن ابن ماجه من طريق المغيرة بن نَهِيك، عن عقبة بن عامر مرفوعًا: \"من تعلم القرآن [¬١]، ثم تركه فقد عصاني / (^٤٥٩).\nوفي حديث رواه أبو يعلى من طريق ليث، عن مجاهد، عن أبي سعيد مرفوعًا: \"عليك بتقوى الله، فإنها رأس كل خير، وعليك بالجهاد، فإنه رهبانية [¬٢]، الإِسلام، وعليك بِذِكْرِ\n_________\n= عبد الله بن يزيد، عن ابن لهيعة به، ومن حديث قتيبة بن سعيد، عن ابن لهيعة أيضًا. ورواه أيضًا أبو عبيد في فضائل القرآن (٥٤)، وأبو يعلى في مسنده (٣/ ٢٨٤) حديث (١٧٤٥)، والدارمي (٢/ ٤٣٠) في فضائل القرآن، باب: من قرأ القرآن، ورواه ابن عدي (٦/ ٢٤٦٠)، والطبراني (١٧ / رقم ٨٥٠، و٤٩٨)، وقال الهيثمي في المجمع (٧/ ١٥٨): رواه أحمد، وأبو يعلى، والطبراني، وفيه ابن لهيعة، وفيه خلاف، وفسره بعض رواة أبي يعلى بأن من جمع القرآن ثم دخل النار، فهو شر من الخنزير.\nوأورده الذهبي في الميزان (٢/ ٦٨٠)، وقال الذهبي: قال خالد بن خداش: قال لي ابن وهب: ما رفعه لنا ابن لهيعة قط في أول عمره.\nورواه ابن عدي (٥/ ١٩٣٣)، والطبراني (٥٩٠١)، وابن حبان في الضعفاء (٢/ ١٤٨) من حديث عبد الوهاب بن الضحاك، عن عبد العزيز بن أبي حازم، عن أبيه، عن سهل بن سعد. وأورده ابن طاهر في التذكرة وقال: قال البخاري: عبد الوهاب عنده عجائب، وقال ابن حبان: لا يحتج به وأنكر عليه هذا الحديث.\nوقال ابن طاهر: وهذا لقنوه عبد الوهاب فتلقنه وحدث به. قال عبدان الأهوازي: رأيت البغداديين لقنوه عبد الوهاب بحضرتي فمنعتهم فتلقن.\nورواه ابن عدي (٦/ ٢٠٤١) والطبراني والبيهقي في الشعب من حديث عصمة بن مالك بإسناد ضعيف.\n(^٤٥٩) - كذا ذكره ابن كثير، وقد رواه ابن ماجه في كتاب الجهاد، باب: الرمي في سبيل الله بلفظ: \"من تعلم الرمي … الحديث\". برقم (٢٨١٤) من حديث ابن وهب، عن ابن لهيعة، عن عثمان بن نعيم الرعيني، عن المغيرة بن نهيك، به.\n_________\n[¬١]- في سنن ابن ماجه: \"الرمي\".\n[¬٢]- رهبانية الإِسلام: الرهبانية في الأصل مذهب ابتدعته النصارى، وأصلها من الرهْبَة: الخوف، كانوا يترهبون بالتخلي من أشغال الدنيا، وتَرك مَلاذها والزهد فيها، والعزلة عن أهلها، وتَعمد مشاقها، حتى إن منهم من كان يخصي نفسه، ويضع السلسلة في عنقه، وغير ذلك من أنواع التعذيب، فنفى النبي ﷺ كل هذه الأمور عن الإِسلام، ونهى المسلمين عنها، واستبدلهم الله بخير منها، ألا وهو الجهاد، يريد أن الرهبان وإن تركوا الدنيا وزهدوا فيها وتخلوا عنها، فلا تَرْك ولا زُهْد ولا تخلي أكثر من بذل النفس في سبيل الله، وكما أنه ليس عند النصارى عمل أفضل من الترهب، ففي الإِسلام لا عملَ أفضلُ من الجهاد .. والرهبان: جمع راهب، وقد يقع على الواحد، ويجمع على رهابين ورهابنة، والرهبنة فَعلَنَة منه، أو فَعْلَلَة على تقدير أصلية النون وزيادتها، والرهبانية منسوبة إلى الرهبنة بزيادة الألف.\nنهاية بتصرف [٢/ ٢٨٠، ٢٨١].","vol":"1","page":143},{"text":"الله وتلاوة القرآنِ، فإنه نورٌ لك في الأرض وذكر لك في السماء، واخْزُنْ لسانَكَ إلا من خَيَر، فإنك بذلك تَغْلِب الشيطان\" (^٤٦٠).\nوهكذا أذكُرُ آثارًا مروية عن ابن أمِّ عَبْد -عبد الله بن مسعود- أحدِ قُرَّاء القرآن مِنَ الصَّحَابةِ المأمورِ بالتلاوة على نحوهم.\nروى الطبراني، عن الدَّبَرِي، عن عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن أبي إسحاق، قال: قال ابن مسعود: كل آية في كتاب الله خيرٌ مما في السماء والأرض (^٤٦١).\nومن طريق شعبة، عن أبي إسحاق، عن مرة قال ابن مسعود: من أراد العلم فليثور القرآن، فإن فيه علم الأولين والآخرين (^٤٦٢).\n_________\n(^٤٦٠) - إسناده ضعيف، والحديث في مسند أبي يعلى ١٠٠٠ - (٢/ ٢٨٤)، وليث بن أبي سليم ضعيف. ورواه أحمد ١١٧٩٠ - (٣/ ٨٢) من طريق حسين، حدثنا إسماعيل بن عياش، عن الحجاج بن مروان الكلاعي وعقيل بن مدرك السلمي، عن أبي سعيد، وهذا إسناد حسن. الحجاج بن مروان الكلاعي، قال ابن حجر في \"التعجيل\" (ت ١٨٦): ليس بالمشهور، وحديثه في المسند مقرون بعقيل بن مدرك. والكلاعي بفتح الكاف. نسبة إلى قبيلة، يقال لها: كلاع، نزلت الشام، وأكثرهم نزل حمص. وعقيل بن مدرك السلمي أو الخولاني، أبو الأزهر، الشامي، ذكره ابن حبان في \"الثقات\" (٧/ ٢٩٤) وقال الذهبي: وثق، وقال ابن حجر: مقبول. وإسماعيل بن عياش صدوق في روايته عن أهل بلده، مخلطٌ في غيرهم. وهذه الرواية عن أهل بلده فإنه حمصي. والحديث ذكره الهيثمي في \"المجمع\" (٤/ ٢١٨) وقال: رواه أحمد وأبو يعلى. . ورجال أحمد ثقات، وفي إسناد أبي يعلى ليث بن أبي سليم وهو مدلس\". وهي عند الطبراني في \"الصغير\"، وابن الضريس في \"فضائل القرآن\" (٦٨). من طريق يعقوب الهيثمي، عن ليث، عن مجاهد، عن أبي سعيد، به، وزاد فيه: \"واخزن لسانك إلا من خير، فإنك بذلك تغلب الشيطان\" - وقد سقط \"مجاهد\" عند ابن الضريس؛ فليستدرك هناك، والله المستعان. وهذه الزيادة الأخيرة أخرجها ابن أبي الدنيا في \"الصمت وآداب اللسان\" (٩١) من طريق إسماعيل بن عياش، حدثني عقيل بن مُدرك أن رجلًا قال لأبي سعيد: أوصني … فذكره موقوفًا.\nوذكره الهيثمي (١٠/ ٣٠٤) مطولًا، وقال: رواه الطبراني في \"الصغير\" وفيه ليث بن أبي سليم وهو مدلس وقد وثق، هو وبقية رجاله. وقال المنذري في \"الترغيب والترهيب\" (٣/ ٥٣٢): رواه الطبراني في الصغير وأبو الشيخ في الثواب، كلاهما من رواية ليث بن أبي سليم، ورواه ابن أبي الدنيا وأبو الشيخ أيضًا مرفوعًا عليه مختصرًا.\nوانظر الحديث في مسند أحمد (٣/ ٢٦٦) من مسند أنس بن مالك. وفي الباب عن أبي ذر، عند أبي نعيم في \"الحلية\" (١/ ١٦٦ - ١٦٨) وصححه ابن حبان (٢/ ٣٦١)، وهو عند أحمد (٢/ ٦٢٩). (٥/ ١٧٩، ١٧٨) مختصرًا.\n(^٤٦١) - إسناده منقطع بين أبي إسحاق، وابن مسعود، وهو في المعجم الكبير ٨٦٦٢ - (٩/ ١٤٥)، ورواه عبد الرزاق في مصنفه (٥٩٩٢).\n(^٤٦٢) - سنده صحيح، وهو المعجم الكبير ٨٦٦٥، ٨٦٦٦ - (٩/ ١٤٦)، ورواه عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد ص (١٥٧)، وابن أبي شيبة (١٤/ ٩٤) (١٠/ ٤٨٥)، وابن المبارك في الزهد (٨١٤) والفريابي (٧٨).","vol":"1","page":144},{"text":"ومن طريق سُفيان وشعبة، عن سلمة بن كُهَيل، عن أبي الأحوص، عن عبد الله قال: إن هذا القرآن ليس فيه حرف إلَّا له حدٌّ، ولكل حد مَطلع (^٤٦٣).\nومن حديث الثوري، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن سيار أبي الحكم، عن ابن مسعودٍ أنه قال: أعربوا هذا القرآن فإنه عربي، وسيجيءُ قوم يثقَفُونه وليسوا بخياركم (^٤٦٤).\nوالثوري، عن عاصم، عن زِرٍّ، عن ابن مسعود قال: أديموا النظر في المصحف، وإذا اخلفتم في ياء أو تاء فاجعلوها ياء، ذكروا القرآن فإنه مذكر (^٤٦٥).\nوقال عبد الرزاق، عن إسرائيل، عن عبد العزيز بن رفيع، عن شَدَّاد بن مَعْقِل، سَمِعْتُ ابن مسعود يقول: إن أول ما تفقدونَ من دينكم الأمانة، وآخر ما يبقى من دينكم الصلاة، وَلَيُصَلِّينَ قوم لا خَلَاقَ لهم، ولينزعن القرآن من بين أظهركم. قالوا: يا أبا عبد الرحمن، ألسنا نقرأ القرآن وقد أثبتناه في مصاحفنا؟ قال: يُسرَى على القرآن ليلًا فَيُذْهَبُ به من أجواف الرجال فلا يبقى في الأرض منه شيء -وفي رواية: لا يبقى في مصحف منه شيءٌ- ويصِبح الناس فُقَراءَ كالبهائم. ثم قرأ عبد الله: ﴿وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَينَا إِلَيكَ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَينَا وَكِيلًا﴾ (^٤٦٦).\nوقال الطبراني: حدثنا علي بن عبد العزيز، حدثنا أبو نعيم، حدثني شيبة، عن علي بن بذيمةَ، عن أبي عبيدة بن عبد الله، عن أبيه قال: من قرأ القرآن في أقَل من ثلاثٍ فهو راجز (^٤٦٧).\nقال هشام عن الحسَنِ: إنه بلغه عن ابن مسعود مثلُ ذلك.\nومن طريق الأعمش، عن أبي وائل قال: كان عبد الله بن مسعود يقل الصوم، فيقال له في\n_________\n(^٤٦٣) - سنده صحيح، وهو في المعجم الكبير ٨٦٦٧ - (٩/ ١٤٦).\n(^٤٦٤) - المعجم الكبير ٨٦٨٦ - (٩/ ١٥٠). وفي إسناده عبد الله بن محمَّد بن سعيد بن أبي مريم وهو ضعيف.\n(^٤٦٥) - المعجم الكبير ٨٦٩٦، ٨٦٩٧ - (٩/ ١٥٢)، ورواه عبد الرزاق (٥٩٧٩)، وابن أبي شيبة (١٠/ ٥٣١)، والبيهقي في الشعب (٢٠٢٨).\n(^٤٦٦) - المعجم الكبير ٨٧٠٠ - (٩/ ١٥٣)، والمصنف لعبد الرزاق (٥٩٨٠)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ٥٢، ٣٣٠): رجاله رجال الصحيح غير شداد بن معقل، وهو ثقة، والآية في [الإسراء: ٨٦].\n(^٤٦٧) - إسناده ضعيف لانقطاعه بين أبي عبيدة، وابن مسعود، وهو في المعجم الكبير ٨٧٠١، ٨٧٠٢، ٨٧٠٣، ٨٧٠٤، ٨٧٠٥ - (٩/ ١٥٤)، ورواه ابن أبي شيبة (٢/ ٥٠١)، والفريابي (١٤٦، ١٤٧، ١٤٨).","vol":"1","page":145},{"text":"ذلك، فيقول: إني إذا صُمْتُ ضَعُفْتُ عن القراءةِ والصلاة، والقراءة والصلاة أحبُّ إلي (^٤٦٨).\n_________\n(^٤٦٨) - المعجم الكبير ٨٨٦٨، ٨٨٦٩، ٨٨٧٥ - (٩/ ١٩٥)، ورواه ابن أبي شيبة (١٠/ ٥٠٩)، وعبد الرزاق (٧٩٠٣)، وأورده في مجمع الزوائد (١٠/ ١٣٥) وقال: ورجاله رجال الصحيح.","vol":"1","page":146},{"text":"<span data-type='title' id=toc-65>[مقدمة مفيدة تذكر في أول التفسير قبل الفاتحة</span>\nقال أبو بكر بن الأنباري: حدثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي، حدثنا الحجاج بن منهال، حدَّثنا همام، عن قتادة؛ قال: نزل في المدينة من القرآن البقرة وآل عمران، والنساء والمائدة، وبراءة والرعد، والنحل والحج، والنور والأحزاب، ومحمد، والفتح، والحجرات والرحمن، والحديد والمجادلة، والحشر، والممتحنة، والصف، والجمعة، والمنافقون والتغابن والطلاق و﴿يا أيها النبي لم تحرم﴾ إلى رأس العشر و﴿إذا زلزلت …﴾ و﴿إذا جاء نصر الله﴾ هؤلاء السور نزلت بالمدينة وسائر السور بمكة.\nفأما عدد آيات القرآن العظيم فستة آلاف آية؛ ثم اختلف فيما زاد على ذلك على أقوال: فمنهم من لم يزد على ذلك، ومنهم من قال: ومائتا آية وأربع آيات، وقيل: وأربع عشرة آية، وقيل: ومائتان وتسع عشرة آية، وقيل: ومائتان وخمس وعشرون آية، أو ست وعشرون آية، وقيل: ومائتان وست وثلاثون، حكى ذلك أبو عمرو الداني في كتابه البيان (^٤٦٩).\nوأما كلماته؛ فقال الفضل بن شاذان، عن عطاء بن يسار: سبع وسبعون ألف كلمة، وأربعمائة وتسع وثلاثون كلمة.\nوأما حروفه؛ فقال عبد الله بن كثير عن مجاهد: هذا ما أحصينا من القرآن، وهو ثلثمائة ألف حرف، واحد وعشرون ألف حرف، ومائة وثمانون حرفًا.\nوقال الفضل عن عطاء بن يسار: ثلثمائة ألف حرف وثلاثة وعشرون ألفا وخمسة عشرة حرفًا.\nوقال سلام أبو محمَّد الحماني: إن الحجاج جمع القراء والحفاظ والكتاب فقال: أخبروني عن القرآن كله كم من حرف هو؟ قال: فحسبنا فأجمعوا أنه ثلثمائة ألف وأربعون ألفا وسبعمائة وأربعون حرفًا.\nقال: فأخبرونى عن نصفه فإذا هو إلى الفاء من قوله في الكهف: ﴿وليتلطف﴾.\nوثلثه الأول عند رأس مائة آية من براءة، والثاني على رأس مائة أو إحدى ومائة من الشعراء، والثالث إلى آخره.\nوسُبعه الأول إلى الدال من قوله تعالى: ﴿فمنهم من آمن به ومنهم من صدّ﴾ والسبع الثاني إلى التاء من قوله تعالى في سورة الأعراف: ﴿أولئك حبطت﴾ والثالث إلى الألف الثانية من قوله\n_________\n(^٤٦٩) - تفسير القرطبي (١/ ٦٥).","vol":"1","page":147},{"text":"تعالى في الرعد: ﴿أكلها﴾، والرابع إلى الألف في الحج من قوله: ﴿جعلنا منسكًا﴾ والخامس إلى الهاء من قوله في الأحزاب: ﴿وما كان لمؤمن ولا مؤمنة﴾، والسادس إلى الواو من قوله تعالى في الفتح: ﴿الظانين بالله ظن السوء﴾، والسابع إلى آخر القرآن.\nقال سلام أبو محمَّد: علمنا ذلك في أربعة أشهر.\nقالوا: وكان الحجاج يقرأ في كل ليلة ربع القرآن، فالأول إلى آخر الأنعام والثاني إلى ﴿وليتلطف﴾ من سورة الكهف، والثالث إلى آخر الزمر، والرابع إلى آخر القرآن.\nوقد حكى الشيخ أبو عمرو الداني في كتابه (البيان) خلافًا في هذا كله، فالله أعلم (^٤٧٠).\nوأما (التحزيب والتجزئة) فقد اشتهرت الأجزاء من ثلاثين كما في الرُبعات بالمدارس وغيرها، وقد ذكرنا فيما تقدم الحديث الوارد في تحزيب الصحابة للقرآن، والحديث في مسند الإِمام أحمد، وسنن أبي داود وابن ماجه وغيرهم عن أوس بن حذيفة (^٤٧١)؛ أنه سأل أصحاب رسول الله ﷺ في حياته: كيف تُحزبون القرآن؟ قالوا: ثلث وخمس وسبع وتسع واحد عشرة وثلاث عشرة وحزب المفصل حتى تختم.\n[فصل]\nواختلف في معنى السورة مما هي مشتقة فقيل: من الإبانة والارتفاع، قال النابغة:\nألم تر أن الله أعطاك سورة … ترى كل ملك دونها يتذبذب\nفكأن القاري ينتقل بها من منزلة إلى منزلة.\nوقيل: لشرفها وارتفاعها كسور البلدان، وقيل: سميت سورة لكونها قطعة من القرآن وجزءًا\n_________\n(^٤٧٠) - انظر: تفسير القرطبي (١/ ٦٤).\n(^٤٧١) - ضعيف: ضعفه الشيخ الألباني. والحديث رواه أحمد ١٦٢١٤ - (٤/ ٩)، ورواه أبو خالد في كتاب الصلاة، باب: تحزيب القرآن (٢/ ٥٥ - ٥٦) حدث (١٣٩٣) من طريق مسدد، وعبد الله بن سعيد، عن قران بن تمام وأبي خالد، عن عبد الله به. وابن ماجه في كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب: في كم يستحب يختم القرآن. من طريق أبي بكر بن أبي شيبة، ثنا أبو خالد الأحمر، عن عبد الله به. (١/ ٤٢٧) حديث (١٣٤٥). والطبراني في الكبير (١/ ٢٢٠) حديث (٥٩٩).\nمن حديث عبد الله بن عبد الرحمن الطائفي، عن عثمان بن عبد الله بن أوس الثقفي، عن جده أوس بن حذيفة.\nوعبد الله بن عبد الرحمن الطائفي: صدوق، يخطئ ويهم. روى له البخاري في الأدب ومسلم، وغيرهما.\nوعثمان بن عبد الله بن أوس: قال في التقريب: مقبول، روى له أبو داود وابن ماجه.\nوالحديث ضعفه الشيخ الألباني في ضعيف أبي داود حديث ٢٩٧.","vol":"1","page":148},{"text":"منه مأخوذٌ من أسآر الإناء وهو البقية. وعلى هذا فيكون أصلها مهموزًا. وإنما خففت الهمزة فأبدلت الهمزة واوًا لانضمام ما قبلها.\nوقيل: لتمامها وكمالها؛ لأن العرب يسمون الناقة التامة سورة.\n(قلت): ويحتمل أن يكون من الجمع والإحاطة لآياتها كما يسمى سور البلد لإحاطته بمنازله دوره.\nوجمع السورة سوَر بفتح الواو، وقد يجمع على سورات وسوارات.\nوأما الآية فمن العلامة على انقطاع الكلام الذي قبلها عن الذي بعدها وانفصالها، أي: هي بائنة عن أختها ومنفردة، قال الله تعالى: ﴿إن آية ملكه﴾ وقال النابغة:\nتوهمت آيات لها فعرفتها … لستة أعوام وذا العام سابع\nوقيل: لأنها جماعة حروف من القرآن وطائفة منه، كما يقال: خرج القوم بآياتهم أي بجماعاتهم، قال الشاعر (^٤٧٢):\nخرجنا من النقبين لا حي مثلنا … بآيتنا نزجي اللقاح المطافلا\nوقيل: سميت آية لأنها عجيب يعجز البشر عن التكلم بمثلها.\nقال سيبويه: وأصلها أيية مثل أكمة وشجرة، تحركت الياء وانفتح ما قبلها؛ فقلبت ألفا فصارت آية بهمزة بعدها مدة.\nوقال الكسائي: أصلها آيية على وزن آمنة فقلبت ألفًا ثم حذفت لالتباسها.\nوقال الفراء: أصلها أيية -بتشديد الياء الأولى- فقلبت ألفًا كراهة التشديد، فصارت آية وجمعها آي وآياي وآيات.\nوأما الكلمة؛ فهي اللفظة الواحدة، وقد تكون على حرفين، مثل: \"ما\" و\"لا\" ونحو ذلك. وقد تكون أكثر، وأكثر ما تكون عشرة أحرف مثل: ﴿ليستخلفنهم﴾ و﴿أنلزمكموها﴾ و﴿فأسقيناكموه﴾. وقد تكون الكلمة الواحدة آية، مثل: والفجر، والضحى، والعصر، وكذلك الم، وطه، ويس، وحم، في قول الكوفيين، وحم، وعسق، عندهم كلمتان وغيرهم لا يسمي هذه آيات بل يقول: هذه فواتح السور.\nوقال أبو عمرو الداني: لا أعلم كلمة هي وحدها آية إلا قوله تعالى ﴿مدهامتان﴾ بسورة الرحمن.\n_________\n(^٤٧٢) - البيت لبرج بن مسهر الطائي، وهو في تفسير القرطبي (١/ ٦٦).","vol":"1","page":149},{"text":"[فصل]\nقال القرطبي (^٤٧٣): أجمعوا على أنَّه ليس في القرآن شيء من التراكيب الأعجمية، وأجمعوا أن فيه أعلامًا من الأعجمية، كإبراهيم، ونوح، ولوط، واختلفوا هل فيه شيء من غير ذلك بالأعجمية؟ فأنكر ذلك الباقلاني والطبري وقالا: ما وقع فيه مما يوافق الأعجمية فهو من باب ما توافقت فيه اللغات] [¬١].\n_________\n(^٤٧٣) - تفسير القرطبي (١/ ٦٨).\n_________\n[¬١]- هذه المقدمة التي بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"1","page":150},{"text":"<span data-type='title' id=toc-66>سورة الفاتحة</span>\n[بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\nيقال لها: الفاتحة، أي: فاتحةُ الكتاب خطًّا، وبها تفتح [¬١] القراءة في الصلوات [¬٢]، ويقال لها أيضًا: (أم الكتاب) عند الجمهور، كرهه [¬٣] أَنس. والحسن وابن سيرين كرها تسميتها بذلك.\nقال الحسن وابن سيرين: إنما ذلك اللوح المحفوظ.\nوقال الحسن: الآيات المحكمات هن أم الكتاب. ولذا [¬٤] كرها أيضًا أن يقال لها: (أم القرآن).\nوقد ثبت في الصحيح عند التِّرمِذي، وصححه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: \"الحمد لله رب العالين أم القرآن، وأم الكتاب، والسبع المثاني، والقرآن العظيم\" (^١).\nويقال لها: (الحمد) ويقال لها: (الصلاة)؛ لقوله ﷺ عن ربه: \"قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فإذا قال العبد: الحمد لله رب العالمين، قال الله: حمدني عبدي … \" (^٢). الحديث.\nفسُميت الفاتحة صلاة لأنها شرط فيها، ويقال لها: (الشفاء)، لما رواه الدارمي عن أبي سعيد مرفوعًا: \"فاتحة الكتاب شفاء من كل سُم\" (^٣).\n_________\n(^١) - صحيح، رواه البخاري في تفسير القرآن برقم (٤٧٠٤) ولفظه: \"أم القرآن هي السبع المثاني والقرآن العظيم\"، ورواه أبو داود باللفظ الذي أورده ابن كثير في كتاب الصلاة، باب: فاتحة الكتاب برقم (١٤٥٧) دون قوله: \"والقرآن العظيم\"، ورواه التِّرمِذي في كتاب تفسير القرآن، باب: ومن سورة الحجر برقم (٣١٢٤) دون قوله: \"رب العالمين\" و\"والقرآن العظيم\".\n(^٢) - صحيح، رواه مسلم في الصلاة برقم (٣٩٥)، وأَبو داود في الصلاة، باب: من ترك القراءة في صلاته بفاتحة الكتاب (٨٢١)، والتِّرمِذي في التفسير، باب: سورة الفاتحة برقم (٢٩٥٣)، والنسائي في الافتتاح، باب: ترك القراءة بفاتحة الكتاب رقم (٩٠٩)، ورواه ابن ماجة في الأدب، باب: ثواب القرآن رقم (٣٧٨٤)، ورواه مالك في النداء للصلاة برقم (١٨٩)، ورواه أحمد ٧٢٨٩، ٧٨٢٣، ٩٩٣٤ - (٢/ ٢٤١، ٢٨٥، ٤٦٠)، والبيهقي في الشعب ٢٣٦١ - (٢/ ٤٤٥ - ٤٤٦).\n(^٣) - تبع الحافظُ ابن كثير - القرطبيَّ في عزوه الحديث للدارمي، والذي في الدارمي: \"فاتحة الكتاب =\n_________\n[¬١]- في ن: تفتتح.\n[¬٢]- في ن: الصلاة.\n[¬٣]- في الأصلين، و\"ت\": ذكره. والمثبت من تفسير القرطبي (١/ ١١١).\n[¬٤]- صوابه: كذا.","vol":"1","page":151},{"text":"ويقال لها: (الرقية)؛ لحديث أبي سعيد في الصحيح حين رقى بها الرجل السليم، فقال له رسول الله ﷺ: \"وما يدريك أنَّها رقية؟ \" (^٤).\nوروى الشعبي عن ابن عبَّاس أنَّه سماها: (أساس القرآن)، قال: وأساسها بسم الله الرحمن الرحيم.\nوسماها سفيان بن عيينة: (بالواقية)، وسماها يحيى بن أبي كثير: (الكافية)؛ لأنها تكفي عما عداها، ولا يكفي ما سواها عنها، كما جاء في بعض الأحاديث المرسلة (^٥): \" أم القرآن عِوض من غيرها، وليس [] [¬١]، غيرها عوض منها\" (^٦).\n_________\n= شفاء من كل داء\" من حديث عبد الملك بن عمير، عن رسول الله، ﷺ، مرسلًا. وقال السيوطي: رجاله ثقات. والحديث بلفظ: \"شفاء من كل داء\" أخرجه أحمد، والبيهقي في شعب الإيمان برقم ٢٣٧٠ - (٢/ ٤٥٠) من حدث عبد الملك بن عمير مرسلًا. وقال: وهذا منقطع وهو شاهد لما تقدم.\nورواه البيهقي في الشعب أيضًا برقم ٢٣٦٧ - (٢/ ٤٥٠) - وقال السيوطي: بسندٍ جيد - من حديث عبد الله بن جابر (٥).\n(*) في شعب الإيمان المطبوعة: جاء الحديث من طريق علي بن هاشم، عن أبيه، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر بن عبد الله مرفوعًا … \"فاتحة الكتاب فيها شفاء من كل داء\".\nوالحديث بلفظ: \"فاتحة الكتاب شفاء من السم، رواه البيهقي في شعب الإيمان برقم ٢٣٦٨ - (٢/ ٤٥٠) وفي إسناده سلَّام، وهو الطويل وهو متروك. وزيد العمي وهو ضعيف. وعزاه السيوطي في الدر المنثور إلي سعيد بن منصور في سننه، من حديث أبي سعيد الخدري. وإلى أبي الشيخ في كتاب الثواب من وجه آخر، عن أبي سعيد وأبي هريرة مرفوعًا، مثله. وأورده الشوكاني بلفظ: \"شفاء من كل سقم\". وعزاه لسعيد بن منصور، والبيهقي في الشعب.\n(^٤) - أخرجه البخاري في كتاب الإجارة، باب: ما يُعطى في الرقية على أحياء العرب بفاتحة الكتاب (٢٢٧٦) وأطرافه (٥٠٠٧، ٥٧٣٦، ٥٧٤٩)، ومسلم في كتاب السلام، باب: جواز أخذ الأجرة على الرقية بالقرآن والأذكار برقم ٦٥ - (٢٢٠١)، وأَبو داود في كتاب البيوع، باب: في كسب الحجام برقم (٣٤١٨)، وكتاب الطب، باب: كيف الرقى؟ برقم (٣٩٠٠)، والتِّرمِذي في كتاب الطب، باب: ما جاء في أخذ الأجر على التعويذ برقم (٢٠٦٥)، والنَّسائي في عمل اليوم والليلة من الكبرى، باب: ما يقول على الملدوغ (١٠٨٦٧، ١٠٨٦٨)، (٦/ ٢٥٤، ٢٥٥)، وابن ماجة في كتاب التجارات، باب: أجر الراقي برقم (٢١٥٦)، وأحمد (١٠٩٩٨، ١١٤١٥، ١١٠٨٤، ١١٤٨٨، ١١٨٠٣) (٣/ ٢، ٤٤، ١٠، ٥٠، ٨٣).\n(^٥) - كذا قال الحافظ ابن كثير، ولم أعرف وجه الإرسال، فالحديث مرفوعٌ، متصلُ الإسناد.\n(^٦) - أخرجه الدارقطني (١/ ٣٢٢)، والحاكم (١/ ٢٣٨) من حديث محمد بن خلاد الإسكندراني، عن أشهب بن عبد العزيز، عن ابن عيينة، عن ابن شهاب، عن محمود بن الربيع، عن عبادة =\n_________\n[¬١]- في ر: من.","vol":"1","page":152},{"text":"ويقال لها: (سورة الصلاة) و(الكنز)، ذكرهما الزمخشري في كشافه (^٧)] [¬١].\nوهي مكية [قاله ابن عبَّاس وقَتَادة وأَبو العالية] [¬٢]، وقيل: مدنية [قاله أَبو هريرة ومجاهد وعطاء بن يسار والزهري] [¬٣] ويقال: نزلت مرتين، مرة بمكة، ومرة بالمدينة. [والأول أشبه لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَينَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾] [¬٤]، واللَّه تعالى أعلم.\n[وحكى أَبو اللَّيث السمرقندي أن نصفها نزل بمكة، ونصفها الآخر نزل بالمدينة، وهو غريب جدًّا، نقله القرطبي عنه] [¬٥]، وهي سبع آيات بلا خلاف، [وقال عمرو بن عبيد: ثمان. وقال حسين الجعفي: ستة، وهذان القولان شاذان] [¬٦] إنَّما اختلفوا في البسملة هل هي آية مستقلة من أولها كما هو المشهور [عن] [¬٧] جمهور قرَّاء الكوفة، وقول جماعة من الصحابة والتابعين وخلق من الخلف -أو بعض آية، أو لا تعدّ من أوَّلها بالكلية، كما هو قول أهل المدينة من القرَّاء والفقهاء؛ على ثلاثة أقوال [كما] سيأتي [تقريرها] [¬٨] في موضعه إن شاء الله تعالى وبه الثقة.\nقالوا: وكلماتها خمس وعشرون كلمة، وحروفها مائة وثلاثة عشر حرفًا.\nقال البخاري في أول كتاب التفسير: وسميت (أم الكتاب) لأنه يبدأ بكتابتها في المصاحف، ويبدأ بقراءتها في الصلاة. وقيل: إنما سميت بذلك لرجوع معاني القرآن كله إلى ما تضمنته. قال ابن جرير (^٨): والعرب تسمي كل جامع أمرًا أو مقدم لأمر إذا كانت له توابع تتبعه هو لها\n_________\n= ابن الصامت، به. وقال الدَّارَقُطني: تفرد به محمد بن خلاد، عن أشهب، عن ابن عيينة. وإنَّما المحفوظ عن الزُّهْريّ بهذا السند: \"لا تجزئ صلاة لا يقرأ فيها بأم القرآن\"، والله أعلم. وقال الحاكم: قد اتفق الشيخان على إخراج هذا الحديث عن الزُّهْريّ، من أوجه مختلفة، بغير هذا اللفظ، ورواة هذا الحديث أكثرهم أئمة، وكلهم ثقات وعلى شرطهما. قال: ولهذا الحديث شواهد بألفاظ مختلفة لم يخرجاه وأسانيدها مستقيمة ا هـ.\nوقول الحاكم ﵀: \"ورواة هذا الحديث أكثرهم أئمة، وكلهم ثقات، وعلى شرطهما\". فيه نظر؛ فإن محمد بن خلاد الإسكندراني: قال الذهبي (٣/ ٥٣٧): لا يدري من هو، انفرد بهذا الخبر من حديث عبادة بن الصامت - مرفوعًا - أم القرآن عوض من غيرها وما منها عوض. وقال أَبو سعيد بن يونس: يروي مناكير، وهو إسكندراني يكفي أبا عبد الله.\n(^٧) - الكشاف (١/ ٤).\n(^٨) - في تفسيره (١/ ١٠٧ - ١٠٨).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من ز، خ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من ز، خ.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من ز، خ.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من ز، خ.\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من ز، خ.\n[¬٦]- سقط من ز.\n[¬٧]- في ت: عند.\n[¬٨]- في \"خ، ز\": \"تفسيرها\".","vol":"1","page":153},{"text":"إمام جامع - أُمًّا، فتقول للجلدة التي تجمع الدماغ: أم الرأس، ويسمون لواء الجيش ورايتهم التي يجتمعون تحتها أُمًّا، واستشهد بقول ذي الرُّمة:\nعلى رأسه أم لنا نقتدي بها … جماع أمور [ليس نعصي] [¬١] لها أمرًا\nيعني: الرمح.\nقال: وسميت مكة (أمّ القرى) لتقدّمها أمام جميعها وجمعها ما سواها، وقيل: لأن الأرض دحيت منها [¬٢]. ويقال لها أيضًا: (الفاتحة)، لأنها تفتتح بها القراءة، وافتتحت الصحابة بها كتابة المصحف الإمام، وصح تسميتها بالسبع المثاني. قالوا: لأنها تثنى في الصلاة، فتقرأ في كل ركعة، وإن كان للمثاني معنى آخر غير هذا، كما سيأتي بيانه في موضعه، إن شاء الله تعالى.\nقال الإمام أحمد (^٩): حدَّثنا يزيد بن هارون، أنبأنا ابن أبي ذئب، [وهاشم بن هاشم] [¬٣] عن ابن أبي ذئب، عن المقبري، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، أنَّه قال [في أمّ] [¬٤] القرآن: \"هي أمّ القرآن، وهي السبع المثاني، وهي القرآن العظيم]. ثم رواه عن إسماعيل بن عمر، عن ابن أبي ذئب، به.\nوقال أَبو جعفر محمد بن جرير الطَّبري: حدّثني يونس بن عبد الأعلى، أنبأنا [¬٥] ابن وَهْب، أخبرني ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ؛ قال: \"هي أُمّ القرآن، وهي فاتحة الكتاب، وهي السبع المثاني\" (^١٠).\nوقال الحافظ أَبو بكر أحمد بن موسى بن مردويه في تفسيره: حدَّثنا أحمد بن محمد بن زياد، حدَّثنا محمد بن غالب بن حرب، حدَّثنا إسحاق بن عبد الواحد الموصلي، حدَّثنا المعافى بن عمران، عن عبد الحميد بن جعفر، عن نوح بن أبي بلال، عن المقبري، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: \"الحمد لله رب العالمين سبع آيات، بسم اللَّه الرحمن الرحيم إحداهن، وهي السبع المثاني والقرآن العظيم، وهي أُمّ الكتاب وفاتحة الكتاب\" (^١١).\n_________\n(^٩) - صحيح، رواه أحمد حديث ٩٧٨٧، ٩٧٨٩ - (٢/ ٤٤٨). وهاشم بن هاشم، صوابه: هاشم بن القاسم. والله أعلم.\n(^١٠) - تفسير ابن جرير ١٠٧ - (١/ ٤٧).\n(^١١) - إسحاق بن عبد الواحد الموصلي: قال النَّسائي: لا أعرفه. وقال أَبو علي الحافظ النيسابوري فيما نقله عنه ابن الجوزي: متروك الحديث. وقال الخطيب: لا بأس به. وقال الذهبي: بل هو واهٍ. =\n_________\n[¬١]- في خ: لا نعاصي. وفي \"ز\": ليس نعاصي.\n[¬٢]- في \"ز، وخ\": من تحتها.\n[¬٣]- في خ، ز: \"وهشام بن هشام\".\n[¬٤]- في ز: لأم.\n[¬٥]- في خ: \"أخبرنا\".","vol":"1","page":154},{"text":"وقد رواه الدارقطني (١٢) أيضًا عن أَبي هريرة مرفوعًا بنحوه أو مثله، وقال: كلهم ثقات. وروى البيهقي عن علي (^١٣) ابن عبَّاس (^١٤) وأبي هريرة (^١٥) أنهم فسروا قوله تعالى: ﴿سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾ بالفاتحة، وأن البسملة هي الآية السابعة منها. وسيأتي تمام هذا عند البسملة.\n[وقد روى الأعمش، عن إبراهيم؛ قال: قيل لابن مسعود: لِمَ لَمْ تكتب الفاتحة في مصحفك؟ فقال: لو كتبتها؛ لكتبتها في أول كل سورة (^١٦). قال أَبو بكر بن أبي داود - يعني - حيث يقرأ في الصلاة؛ قال: واكتفيت بحفظ المسلمين لها عن كتابتها.\nوقد قيل: إن الفاتحة أول شيء أنزل من القرآن، كما ورد في حديث رواه البيهقي (^١٧) في دلائل النبوة، ونقله الباقلاني - أحد أقوال ثلاثة، وقيل: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١)﴾ كما في حديث جابر (^١٨) في\n_________\n= وذكره ابن حبان في الثقات. وقال في التقريب: تكلم فيه بعضهم (الميزان ١/ ١٩٥، التهذيب ١/ ٢١٢). (١٢) - سنن الدارقطني (١/ ٣١٢)، ورواه الطبراني في الأوسط ٥١٠٢ - (٥/ ٢٠٨)، ورواه البيهقي (٢/ ٤٥)، وقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن نوح بن أبي بلال إلَّا عبد الحميد بن جعفر، تفرد به علي بن ثابت.\n(^١٣) - حديث علي رواه البيهقي (٢/ ٤٥) من حديث أسباط بن نصر، عن السدي، عن عبد خيرٍ، عن علي. وأسباط بن نصر؛ أخرج له مسلم؛ إلَّا أنهم تكلموا فيه. قال النسائي: ليس بالقوي. وقال أَبو نعيم: ضعيف، أحاديثه عامتها سقط، مقلوب الأسانيد. وإسماعيل السدي أخرج له أيضًا مسلم. وتكلموا فيه، ضعفه ابن مهدي وابن معين، وقال السعدي: كذاب. وأساء السدي القول فيه.\n(^١٤) - حديث ابن عبَّاس رواه أيضًا البيهقي (٢/ ٤٥) من حديث عبد الملك بن جريج، عن أبيه، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبَّاس. وعبد العزيز بن جريج والد عبد الملك: قال البخاري: لا يتابع في حديثه.\nوذكره ابن حبان في الثقات. وقال ابن حجر ﵀: لين.\n(^١٥) - حديث أبي هريرة عند البيهقي (٢/ ٤٥، ٢/ ٣٧٦ - ٣٧٧) من حديث عبد الحميد بن جعفر، عن نوح بن أبي بلال، عن سعيد، عن أبي هريرة به مرفوعًا. وقال: كذلك رواه أَبو بكر الحنفي، عن عبد الحميد بن جعفر؛ قال: ثم لقيت نوحًا فحدثني به، عن سعيد، عن أبي هريرة موقوفًا غير مرفوع. قال البيهقي: وروينا عن علي وابن عبَّاس وغيرهما ما دل على ذلك.\nوعبد الحميد بن جعفر: ضعفه القطان والثوري، وقال صاحب الجوهر النقي: وأَبو بكر الحنفي أجل من عبد الحميد بلا شك.\nوروى هذه الأثار عبد الرزاق في مصنفه (٢/ ٢٦٠٩)، والطحاوي في المشكل (٢/ ٩٧)، والطبري (١٤/ ٥٤ - ٥٥)، والبيهقي (٢١٤١، ٢١٤٢)، والحاكم (٢/ ٢٥٧)، وابن عبد البر (٢٠/ ٢١٢).\n(^١٦) - إبراهيم بن يزيد النخعي أحد الأئمة كان يدلس وهو مكثر من الإرسال، وجماعة من الأئمة صححوا مراسيله، وخص البيهقي ذلك بما أرسله عن ابن مسعود ا هـ (من جامع التحصيل للعلائي).\n(^١٧) - دلائل النبوة للبيهقي (٢/ ١٥٨) وقال البيهقي: \"فهذا منقطع\".\n(^١٨) - روى البخاري في صحيحه: حدَّثنا يحيى، حدثنا وكيع، عن علي بن المبارك، عن يحيى =","vol":"1","page":155},{"text":"الصحيح. وقيل: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ وهذا هو الصحيح كما سيأتي تقريره في موضعه، والله المستعان] [¬١].\n\n<span data-type='title' id=toc-67>ذكر ما ورد في فضل الفاتحة</span>\nقال الإمام أحمد بن محمد بن حنبل (^١٩) - رحمه الله تعالى- في مسنده: حدَّثنا يحيى بن سعيد، عن شعبة، حدَّثني خُبيب بن عبد الرحمن، عن حفص بن عاصم، عن أبي سعيد بن المعلى، ﵁؛ قال: كنت أصلي فدعاني رسول الله ﷺ، فلم أجبه حتَّى صليت فأتيته [¬٢] فقال: \"ما منعك أن تأتيني؟ \". قال: قلت: يا رسول الله؛ إني كنت أصلي. قال: \"ألم يقل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾؟ \". ثم قال: \"لأعلمنك أعظم سورة في القرآن قبل أن تخرج من المسجد\". قال: فأخذ بيدي، فلما أراد أن يخرج من المسجد قلت: يا رسول الله؛ إنك قلت: لأعلمنك أعظم سورة في القرآن. قال: \"نعم، ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ﴾ هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته\".\nوهكذا رواه البخاري، عن مسدّد وعلي بن المديني - كلاهما - عن يحيى بن سعيد القطان، به.\n_________\n= ابن أبي كثير: سألت أبا سلمة بن عبد الرحمن عن أول ما نزل من القرآن؟ قال: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ قلت: يقولون: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ فقال أبو سلمة: سألت جابر بن عبد الله، ﵄، عن ذلك، وقلت له مثل الذي قلت، فقال جابر: لا أحدثك إلا ما حدَّثنا رسول الله، ﷺ. . الحديث.\n(^١٩) - صحيح، رواه أحمد ١٧٩٠٥ - (١/ ٢١٤)، و١٥٧٧٢ - (٣/ ٤٥٠)، ورواه البخاري في كتاب التفسير، باب: ما جاء في فاتحة الكتاب حديث (٤٤٧٤)، وأطرافه (٤٦٤٧)، (٤٧٠٣)، (٥٠٠٦)، وأَبو داود في كتاب الصلاة، باب: فاتحة الكتاب حديث ١٤٥٨ - (٢/ ٧١)، والنَّسائي في كتاب الافتتاح، باب: تأويل قول الله ﷿: ﴿وَلَقَدْ آتَينَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ رقم ٩١٣ - (٢/ ١٣٩)، وفي الكبرى في كتاب فضائل القرآن، باب: فضل فاتحة الكتاب حديث ٨٠١٠ - (٥/ ١١)، وفي كتاب التفسير، باب: قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَينَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ حديث ١١٢٧٥ - (٦/ ٣٧٥)، وأخرجه ابن ماجة في كتاب الأدب، باب: ثواب القرآن (٢/ ١٢٤٤، حديث (٣٧٨٥)، والدارمي ١٤٩٢ - (١/ ٤١٧)، وابن حبان (٣/ ٥٦)، وابن خزيمة ٨٦٢، ٨٦٣ - (٢/ ٣٨)، وأَبو يعلى ٦٨٣٧ - (١٢/ ٢٢٥)، والطبراني ٧٦٨، ٧٦٩ - (٢٢/ ٣٠٣)، والبيهقي (٧/ ٦٤) كلهم من طريق شعبة، عن خبيب بن عبد الرحمن، عن حفص، عن عاصم، عن أبي سعيد بن المعلى.\n_________\n[¬١]- سقط من ز.\n[¬٢]- في ز، خ: \"وأتيته\".","vol":"1","page":156},{"text":"[ورواه في موضع آخر من التفسير، وأَبو داود والنَّسائي وابن ماجة من طرق عن شعبة، به].\nورواه الواقدي عن محمد بن معاذ الأنصاري، عن خُبيب بن عبد الرحمن، عن حفص بن عاصم، عن أبي سعيد بن العلي، عن أبي بن كعب فذكر نحوه (^٢٠).\nوقد وقع في الموطأ للإمام مالك بن أَنس (^٢١) ﵀ ما ينبغي التنبيه عليه، فإنه رواه مالك، عن العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب الحرقي؛ أن أبا سعيد مولى ابن عامر [¬١]، بن كريز أخبرهم؛ أن رسول الله ﷺ نادى أبي بن كعب وهو يصلي في المسجد، فلما فرعٌ من صلاته لحقه؛ قال: فوضع النبي ﷺ يده على يدي وهو يريد أن يخرج من باب المسجد، ثم قال ﷺ: \"إني لأرجو أن لا تخرج من باب المسجد حتى تعلم سورة ما أنزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في القرآن [¬٢] مثلها\". قال أبي ﵁: فجعلت أبطئ في المشي رجاء ذلك، ثم قلت: يا رسول الله؛ ما [¬٣] السورة التي وعدتني؟ قال: \"كيف تقرأ إذا افتتحت الصلاة؟ \" قال: فقرأت عليه ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ﴾ حتَّى أتيتُ على آخرها، فقال رسول الله ﷺ: \"هي هذه السورة، وهي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أعطيت\".\n_________\n(^٢٠) - الواقدي: متهم بالكذب، وشيخه مجهول.\n(^٢١) - الموطأ (١/ ٨٣)، ورواه الحاكم (١/ ٥٧٧) والعلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب مولى الحرقة، والحرقة: امرأة من جهينة، وهي فخذ من أفخاذ جهينة، ينسب إليها الحرقيون. وهو من تابعي أهل المدينة، كان ابن معين لا يرضاه، وليس قوله فيه بشيء. قال أحمد بن زهير: سمعت يحيى بن معين يقول: العلاء بن عبد الرحمن ليس بذاك. قال: وسمعت يحيى بن معين يقول: لم يزل الناس يتقون حديث العلاء بن عبد الرحمن. قال أَبو عمر بن عبد البر: ليت شعري أين الناس الذين كانوا تقون حديثه، وقد حدث عنه هؤلاء الأئمة الجلة وجماعة غيرهم كثير؟! وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: سمعت أبي يقول: العلاء بن عبد الرحمن ثقة، وأَبو سعيد مولى عامر بن كريز: لا يوقف له على اسم، وهو معدود في أهل المدينة، وحديثه هذا مرسل.\nقال ابن عبد البر في التمهيد (٢٠/ ٢١٧): ولم يختلف الرواة على مالك في إسناد هذا الحديث وخالفه فيه غيره، خالفه شعبة، والدراوردي، وعبد الرحمن بن إبراهيم، وإسماعيل بن جعفر، وإبراهيم بن طهمان، وجماعة فرووه، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: مر النبي، ﷺ، على أبي بن كعب، وهو قائم يصلي … فذكر الحديث بنحوه، رواه النسائي في تفسيره (٢٢٥)، والتِّرمِذي (٢٨٧٥)، وقال: حسن صحيح، ورواه الدارمي (٢/ ٣٢٠ - ٣٢١)، وأحمد (٢/ ٤١٢ - ٤١٣).\n_________\n[¬١]- في ت: ابن عامر.\n[¬٢]- في خ: \"الفرقان\".\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.","vol":"1","page":157},{"text":"فأَبو سعيد هذا ليس بأبي سعيد بن المعلى، كما اعتقده ابن الأثير في جامع الأصول (^٢٢) ومن تبعه، فإنّ ابن المعلى صحابي أنصاري، وهذا تابعي من موالي خزاعة، وذاك الحديث متصل صحيح، وهذا ظاهره أنه منقطع، إن لم يكن سمعه أَبو سعيد هذا من أبي بن كعب، فإن كان قد سمعه منه فهو على شرط مسلم، والله أعلم.\nعلى أنَّه قد روي عن أبي بن كعب من غير وجه، كما قال الإمام أحمد (^٢٣): حدَّثنا عفان، حدَّثنا عبد الرحمن بن إبراهيم، حدَّثنا العلاء [¬١] بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - قال: خرج رسول الله ﷺ على أبي بن كعب وهو يصلي، فقال: \"يا أبي\" فالتفت ثم لم يجبه، ثم قال: \"أبي\". فخفف ثم انصرف إلى رسول الله ﷺ فقال: السلام عليك أي رسول الله. فقال: \"وعليك السلام، ما منعك -أي أبي- إذ دعوتك أن تجيبني؟ \". فقال: أي رسول الله؛ إني كنت في الصلاة. قال: \"أولست تجد فيما أوحي الله [¬٢]، إلي ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾؟ \" قال: بلى يا رسول الله؛ لا أعود. قال: \"أتحب أن أعلمك سورة لم ينزل لا [¬٣] في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في الفرقان مثلها؟ \" قلت: نعم، أي رسول الله. قال رسول الله ﷺ: \"إني لأرجو أن لا أخرج من هذا الباب حتى تعلمها\". قال: فأخذ رسول الله ﷺ بيدي يحدّثني وأنا أتبطأ مخافة أن يبلغ قبل أن يقضي الحديث، فلما دنونا من الباب قلت: أي رسول الله؛ ما السورة التي وعدتني؟ قال: \"ما تقرأ في الصلاة؟ \" قال: فقرأت عليه أمّ القرآن، قال: \"والذي نفسي بيده ما أنزل الله [¬٤] في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في الفرقان مثلها، إنها السبع المثاني\".\nورواه التِّرمِذي عن قتيبة، عن الدراوردي، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁\n_________\n(^٢٢) - جامع الأصول (٨/ ٤٦٦).\n(^٢٣) - المسند (٢/ ٤١٢، ٤١٣)، وعبد الرحمن بن إبراهيم: قال الدوري عن ابن معين: ثقة. وقال العجلي: ثقة. وقال النَّسائي: ليس بالقوي. وقال أَبو زرعة: لا بأس، أحاديثه مستقيمة. وقال أَبو حاتم: ليس بقوي. روى عن العلاء بن عبد الرحمن حديثًا منكرًا. وقال أبو داود: وهو عندي منكر الحديث، وعن ابن معين: ليس بشيء. وقال العقيلي: منكر الحديث، وأخرج له الدارقطني حديثًا من طريقه، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، وضعفه به. وقال ابن حبان: منكر الحديث، يروي ما لا يتابع عليه، وليس بالمشهور في العدالة، على أن التنكب عن أخباره أولى. إلا أنَّه قد توبع، تابعه عبد العزيز بن محمد عند التِّرمِذي، كما في الحدث التالي، وعبد الحميد بن جعفر عند عبد الله بن أحمد كما سيأتي بعد حديثين. =\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"المعلى\".\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- سقط من ز.\n[¬٤] سقط من: ز، خ.","vol":"1","page":158},{"text":"فذكره، وعنده: \"إنها من السبع المثاني والقوآن العظيم الذي أعطيته\".\nثم قال: هذا حديث حسن صحيح. وفي الباب عن أَنس بن مالك (^٢٤).\nورواه عبد الله بن الإمام [¬١] أحمد (^٢٥)، عن إسماعيل [] [¬٢] أبي معمر، عن أبي أسامة، عن عبد الحميد بن جعفر، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هو - سنة، عن أبي بن كعب فذكره مطوَّلا بنحوه أو قريبًا منه.\nوقد رواه التِّرمِذي والنسائي جميعًا (^٢٦) عن أبي عمار حسين بن حريث، عن الفضل بن موسى، عن عبد الحميد بن جعفر، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن أبي بن كعب؛ قال: قال رسول الله ﷺ: \"ما أنزل الله في التوراة ولا في الإنجيل مثل أمّ القرآن، وهي السبع المثاني، وهي مقسومة بيني وبين عبدي نصفين [¬٣] \".\nهذا لفظ النَّسائي. وقال التِّرمِذي: حديث [¬٤] حسن غريب.\n_________\n= ورواه التِّرمِذي في أبواب ثواب القرآن، باب: ما جاء في فضل فاتحة الكتاب، رقم (٢٨٧٥)، ورواه النَّسائي في تفسيره (٢٢٥)، والدارمي (٢/ ٣٢٠ - ٣٢١)، وابن جرير (١٤/ ٤٠)، وابن خزيمة (٢/ ٣٧ - ٣٨)، وأَبو يعلى (١١/ ٣٦٧)، والطحاوي في المشكل (١/ ٤٦٧ - ٤٦٨).\n(^٢٤) - حديث أَنس - صحيح - رواه النَّسائي في فضائل القرآن من الكبرى برقم (٨٠١١)، وفي اليوم والليلة (٧٢٣)، وابن حبان (١٧١٣ موارد)، والحاكم (١/ ٥٦٠)، والبيهقي في الشعب ٢٣٥٨ - (٢/ ٤٤٤ - ٤٤٥)، وزاد السيوطي في الدر (١/ ٥) نسبته إلى أبي ذر الهروي في فضائله، ولفظه. \"ألا أخبرك بأفضل القرآن؟ قال: فتلا عليه ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ﴾. وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم. قلت: في إسناده علي بن عبد الحميد المَعْنِي - ووقع في عمل اليوم والليلة: علي بن عبد المجيد - لم يخرج له مسلم شيئًا. والحديث أورده الألباني في الصحيحة برقم (١٤٩٩).\n(^٢٥) - إسماعيل بن إبراهيم بن معمر: ثقة مأمون، وأبو أسامة هو حمَّاد بن أسامة، ثقة ثبت، والحديث في زوائد المسند حديث ٢١١٧٢ - (٥/ ١١٤).\n(^٢٦) - أخرجه التِّرمِذي في كتاب تفسير القرآن، باب: ومن سورة الحجر (٣١٢٤). ثم ذكر نحوه بمعناه من حديث قتيبة: حدَّثنا عبد العزيز بن محمد، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة. وقال التِّرمِذي: حديث عبد العزيز بن محمد أطول وأتم، وهذا أصح من حديث عبد الحميد بن جعفر، و\"كذا روى غير واحدٍ عن العلاء بن عبد الرحمن. ورواه النَّسائي في كتاب الافتتاح، باب: تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَينَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ (٢/ ١٣٩ / رقم: ٩١٤). ورواه ابن خزيمة في صحيحه (١/ ٢٥٢ / رقم: ٥٠٠، ٥٠١). وأخرجه الحاكم في المستدرك (١/ ٥٥٧، ٢/ ٢٥٧ - ٢٥٨، و٤/ ٣٥٤) وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه.\n_________\n[¬١] سقط من: ز، خ.\n[¬٢] في ت: بن.\n[¬٣] سقط من ز.\n[¬٤] سقط من ز، خ.","vol":"1","page":159},{"text":"وقال الإمام أحمد (^٢٧): حدثنا محمد بن عُبيد، حدَّثنا هاشم -يعني بن البريد- حدَّثنا عبد الله بن محمد بن [¬١] عقيل، عن ابن جابر؛ قال: انتهيتُ إلى رسول الله ﷺ وقد أهراق الماء، فقلت: السلام عليك يا رسول الله؛ فلم يردَّ عليَّ، قال: فقلت: السلام عليك يا رسول الله؛ فلم يردّ عليَّ، [قال: فقلت: السلام عليك يا رسول الله؛ فلم يردَّ عليَّ، قال] [¬٢]: فانطلق رسول الله ﷺ يمشي وأنا خلفه حتى دخل رحله، ودخلت أنا المسجد، فجلستُ كئيبًا حزينًا، فخرج عليَّ رسول الله ﷺ [و] [¬٣] قد تطهر، فقال: \"عليك السلام ورحمة الله، وعليك السلام ورحمة الله، وعليك السلام ورحمة الله\". ثم قال: \"ألا أخبرك -يا عبد الله بن جابر- بأخير [¬٤] سورة في القرآن؟ \". قلت: بلى يا رسول الله. قال: \"اقرأ الحمد لله رب العالمين حتى تختمها\".\nهذا إسناد جيد، وابن عقيل هذا [¬٥] يحتج [¬٦] به الأئمة الكبار، وعبد الله بن جابر هذا هو الصحابي، ذكر ابن الجوزي أنه هو العبدي، والله أعلم.\nويقال: إنه عبد الله بن جابر الأنصاري البياضي (^٢٨)، فيما ذكره الحافظ ابن عساكر.\nواستدلوا بهذا الحديث وأمثاله على تفاضل بعض الآيات والسور على بعض، كما هو المحكي عن كثير من العلماء، منهم إسحاق بن راهويه، وأبو بكر بن العربي، وابن \"الحصار\" [¬٧] من المالكية، وذهبت طائفة أخرى [¬٨] إلى أنه لا تفاضل في ذلك؛ لأن الجميع كلام الله، ولئلا\n_________\n(^٢٧) - الحديث في السند برقم ١٧٦٤٧ - (٤/ ١٧٧)، ورواه البيهقي في الشعب (٢١٥٣)، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٥/ ٣١٠)، وقال: رواه أحمد وفيه عبد الله بن محمد بن عقيل، وهو سييء الحفظ، وحديثه حسن، وبقية رجاله ثقات.\n(^٢٨) - وهو الذي رجحه الحافظ ابن حجر في كتابه \"تعجيل المنفعة\" (١/ ٧٢٦ - ٧٢٧). قال الحافظ: عبد الله بن جابر الأنصاري البياضي، له صحبة ورواية، وعنه عقبة بن أبي عائشة … قلت: الحديث الذي رواه عقبة بن أبي عائشة أخرجه الطبراني وابن السكن، وأما أحمد فإنما أخرج له حديثًا آخر من طريق عبد الله بن محمد بن عقيل، عنه.\nوقال في ترجمة عبد الله بن جابر العبدي: وحديثه \"في فضل قراءة الحمد\" رواه عنه عبد الله بن محمد بن عقيل. قلت -ابن حجر-: الحديث الذي في فضل قراءة الحمد هو حديث البياضي المذكور قبل هذا، وهو الذي أخرجه له أحمد … ا هـ.\n_________\n[¬١]- في خ: \"عن\"\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- سقط من ز.\n[¬٤]- في المسند: بخير.\n[¬٥]- سقط من ز.\n[¬٦]- في خ: \"تحتج\".\n[¬٧]- في خ: \"القصال\"، وفي ز: القصار.\n[¬٨]- في ز: أخر.","vol":"1","page":160},{"text":"[يوهم التفضيل نقص] [¬١] المفضل عليه، وإن كان الجميع فاضلًا. نقله القرطبي عن الأشعري وأبي بكر الباقلاني، وأبي حاتم بن حبان البستي، ويحي بن يحيى، ورواية عن الإمام مالك أيضًا.\nحديث آخر\nقال البخاري في فضائل القرآن (^٢٩): حدَّثنا محمد بن المثنى، حدَّثنا وهب، حدَّثنا هشام، عن محمد، عن معبد [¬٢]، عن أبي سعيد الخدري؛ قال: كنا في مسير لنا فنزلنا، فجاءت جارية فقالت: إن سيد الحي سليم، وإنّ نفرنا غُيّبٌ، فهل منكم راقٍ؟ فقام معها [¬٣] رجل ما كنا نأبنه [¬٤] برقية، فرقاه فبرأ، فأُمر له بثلاثين شاة وسقانا لبنًا، فلما رجع قلنا له: أكنت تحسن رقية أو كنت ترقي؟ قال: لا، ما رقيت إلا بأمّ الكتاب. قلنا: لا تحدثوا شيئًا حتى نأتي -أو [¬٥] نسأل- رسول الله ﷺ، فلما قدمنا المدينة ذكرناه للنبي ﷺ، فقال: \"وما كان يدريه أنها رقية اقسموا واضربوا لي بسهم\".\nوقال أبو معمر: حدَّثنا عبد الوارث، حدَّثنا هشام، حدَّثنا محمد بن سيرين، حدّثني معبد بن سيرين، عن أبي سعيد الخدري بهذا.\nوهكذا رواه مسلم وأبو داود من رواية هشام، وهو ابن حسان، عن ابن سيرين به (^٣٠).\nوفي بعض روايات مسلم (^٣١) لهذا الحديث أنّ أبا سعيد الخدري هو الذي رقى ذلك السليم - يعني اللديغ- يسمونه بذلك تفاؤلًا.\n_________\n(^٢٩) - صحيح البخاري، باب: فضل فاتحة الكتاب حديث رقم (٥٠٠٧).\n(^٣٠) - رواه مسلم في السلام برقم (٢٢٠١)، ورواه أبو داود في البيوع، باب: كسب الأطباء برقم (٣٤١٩).\n(^٣١) - لم أقف عليه عند مسلم، وقد رواه أحمد برقم ١١٠٨٤ - (٣/ ١٠) وأخرجه الترمذي في كتاب الطب، باب: ما جاء في أخذ الأجر على التعويذ برقم (٢٠٦٣)، والنسائي في الكبرى -كتاب عمل اليوم والليلة- باب: ما يقول على الملدوغ. (١٠٨٦٦) (١٠٨٦٩) (٦/ ٢٥٤، ٢٥٥). وابن ماجه في كتاب التجارات، باب: أجر الراقي (٢١٥٦)، وعبد بن حميد (٨٦٦)، وابن حبان في صحيحه (٦١١٢) (١٣/ ٤٧٦ - ٤٧٧). والدارقطني (٣/ ٦٣ - ٦٤)، وابن أبي شيبة في مصنفه (٨/ ٥٣ - ٥٤).\nمن طرق عن الأعمش، عن جعفر بن إياس، عن أبي نضرة، به. وقال الترمذي: حديث حسن صحيح [ط الدعاس، وتحفة الأشراف]، ورواه أحمد (٣/ ٥٠).\n_________\n[¬١]- في ز: يوهن الفضل القضاء.\n[¬٢]- في خ: \"معد\".\n[¬٣] في ز، خ: \"منا\".\n[¬٤]- أبنه: عابه، ورماه بخلة سوء، والمعنى: ما كنا نعلم أنه يرقي فنعيبه بذلك.\n[¬٥]- زيادة من: ز، خ.","vol":"1","page":161},{"text":"حديث آخر:\nروى مسلم في صحيحه والنسائي في سننه من حديث أبي الأحوص سلام بن سليم (^٣٢)، عن عمار بن رُزَيْق [¬١]، عن عبد اللَّه بن عيسي بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس؛ قال: بينا رسول الله ﷺ وعنده جبريل؛ إذ سمع نقيضًا فوقه، فرفع جبريل بصره إلى السماء، فقال: هذا باب قد فتح من السماء ما فتح قَطُّ. قال: فنزل منه ملك، فأتى النبي ﷺ، فقال: أبشر بنورين قد أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك: فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة، لن تقرأ حرفًا منهما إلا أوتيته. وهذا لفظ النسائي ولمسلم نحوه.\nحديث آخر:\nقال مسلم (^٣٣): حدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي -هو ابن راهويه- حدثنا سفيان بن عيينة، عن العلاء -يعني ابن عبد الرحمن بن يعقوب الحُرقي- عن أبيه، عن أبي هريرة، ﵁، عن النبي ﷺ؛ قال: \"من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن ففي خداج -ثلاثًا- غير تمام\". فقيل لأبي هريرة: إنا نكون وراء [¬٢] الإمام فقال [¬٣]: اقرأ بها في نفسك، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: قال الله ﷿: \"قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل، [فإذا [¬٤] قال العبد: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ﴾ قال الله تعالى: حمدني عبدي. وإذا قال: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ قال الله: أثنى عليَّ عبدي، فإذا قال: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ قال الله: مجَّدَني عبدي. وقال مرة: فوض إليَّ عبدي، فإذا قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ قال: هذا بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل] [¬٥]، فإذا قال: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيهِمْ غَيرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [] [¬٦]. قال: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل\".\nوهكذا رواه النسائي عن إسحاق بن راهويه.\nوقد روياه أيضًا (^٣٤)، عن قتيبة، عن مالك، عن العلاء، عن أبي السائب مولى هشام بن\n_________\n(^٣٢) - رواه مسلم في صلاة المسافرين وقصرها برقم (٨٠٦)، والنسائي في الافتتاح ٩١٢ - (٢/ ١٣٨).\n(^٣٣) - رواه مسلم في الصلاة، حديث ٣٨ - (٣٩٥).\n(^٣٤) - رواه مسلم في الصلاة، حديث ٣٩ - (٣٩٥)، ورواه النسائي في الكبرى برقم (٨٠١٢)، وفي الصغرى (٢/ ١٣٥).\n_________\n[¬١] في ر، ز: زريق.\n[¬٢] في خ: خلف.\n[¬٣] في ز: قال.\n[¬٤] في ز: وإذا.\n[¬٥] ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٦] في خ، ز: آمين.","vol":"1","page":162},{"text":"زُهرة [¬١]، عن أبي هريرة به، وفي هذا السياق: \"فنصفها لي ونصفها لعبدي، ولعبدي ما سأل\".\nوهكذا [¬٢] رواه ابن إسحاق عن العلاء (^٣٥).\nوقد رواه مسلم من حديث ابن جريج عن العلاء عن أبي السائب هكذا (^٣٦).\nورواه أيضًا من حديث [ابن أبي أويس] [¬٣] عن العلاء، عن أبيه وأبي السائب كلاهما عن أبي هريرة (^٣٧).\nوقال الترمذي: هذا حديث حسن، وسألت أبا زرعة عنه؟ فقال: كلا الحديثين صحيح، من قال: عن العلاء، عن أبيه، وعن العلاء، عن أبي السائب (^٣٨).\nوقد روى هذا الحديث عبد الله بن الإمام أحمد (^٣٩) من حديث العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن أبي بن كعب مطولًا.\nوقال [¬٤] ابن جرير (^٤٠): حدَّثنا صالح بن مسمار المروزي، حدَّثنا زيد بن الحباب، حدَّثنا عنبسة بن سعيد، عن مُطرف بن طريف، عن سعد بن إسحاق بن [¬٥] كعب بن عجرة، عن جابر بن عبد الله؛ قال: قال رسول الله قال الله عليه وسلم: \"قال الله تعالى: \"قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، وله ما سأل\" فإذا قال العبد: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ﴾ قال: \"حمدني عبدي\" وإذا قال: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ قال: \"أثنى عليّ عبدي\". ثم قال:\n_________\n(^٣٥) - رواه أحمد (٢/ ٢٨٦)، والبخاري في القراءة (٧٣)، وابن جرير (١/ ٨٦)، والبيهقي في القراءة (٥٧، ٥٨).\n(^٣٦) - رواه مسلم في الصلاة برقم ٤٠ - (٣٩٥).\n(^٣٧) - رواه مسلم في الصلاة، حديث ٤١ - (٣٩٥).\n(^٣٨) - سنن الترمذي برقم (٢٩٥٣).\n(^٣٩) - لم نعثر عليه في المسند.\n(^٤٠) - إسناده جيد: تفسير ابن جرير ٢٢٤ - (١/ ٢٠١)، ورواه ابن أبي حاتم في تفسيره ١٩ - (١/ ١٧) من طريق زيد بن الحباب، به.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: عروة\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"كذا\".\n[¬٣]- وقع في صحيح مسلم: أبو أويس. وهو عبد الله بن عبد الله بن أويس بن مالك بن أبي عامر الأصبحي، أبو أويس المدني والد إسماعيل ابن أبي أويس وأبي بكر بن أبي أويس وهو ابن ابن عم مالك بن أنس وصهره على أخته، روى له الجماعة سوى البخاري.\n[¬٤]- في خ: \"قال\".\n[¬٥]- في ت: عن.","vol":"1","page":163},{"text":"\"هذا لي وله ما بقي\". وهذا غريب من هذا الوجه (^٤١).\nثم الكلام على ما يتعلق بهذا الحديث مما يختص بالفاتحة [¬١]، من وجوه:\n(أحدها) أنه قد أطلق فيه لفظ الصلاة، والمراد القراءة كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَينَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ أي: بقراءتك، كما جاء مصرحًا به في الحديث [¬٢] الصحيح عن ابن عباس (^٤٢)، وهكذا قال في هذا الحديث: \"قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فنصفها لي، ونصفها لعبدي، ولعبدي ما سأل\" ثم بين [تفصيل [¬٣] هذه القسمة] [¬٤] في قراءة الفاتحة، فدل على عظمة [¬٥] القراءة في الصلاة، وأنها من أكبر أركانها، إذ [¬٦] أطلقت العبادة وأريد بها [¬٧] جزء واحد منها وهو القراءة، كما أطلق لفظ القراءة والمراد به الصلاة في قوله: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ والمراد صلاة الفجر، كما جاء مصرحًا به في الصحيحين (^٤٣) من أنه يشهدها [¬٨] ملائكة الليل وملائكة النهار، فدل هذا كله على أنه لا بد من القراءة في الصلاة، وهو اتفاق من العلماء، ولكن اختلفوا في مسألة نذكرها في الوجه الثاني، وذلك أنه هل [¬٩] يتعين للقراءة في الصلاة [] [¬١٠] فاتحة الكتاب أم تجزئ هي [أو غيرها] [¬١١]؟ على قولين مشهورين:\nفعند أبي حنيفة ﵀ ومن وافقه من أصحابه وغيرهم أنها لا تتعين، بل مهما قرأ به من القرآن أجزأه في الصلاة، واحتجوا بعموم قوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ وبما ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة في قصة المسيء صلاته أن رسول الله ﷺ قال له: \"إذا قمت إلى الصلاة فكبر ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن\". قالوا: فأمره بقراءة ما تيسر، ولم يعين له الفاتحة ولا غيرها، فدلَّ على ما قلنا [¬١٢].\n_________\n(^٤١) - قال الشيخ أحمد شاكر -رحمه الله تعالى- في تعليقه على ابن جرير: ولعله يريد أنه لم يروه أحدٌ من حديث جابر؛ إلا بهذا الإسناد، وليس من ذلك بأس، وقد ثبت معناه من حديث أبي هريرة، فهو شاهدٌ قوي لصحته.\n(^٤٢) - رواه البخاري في كتاب التوحيد، رقم (٧٤٩٠)، ومسلم في كتاب الصلاة، حديث ١٤٥ - (٤٤٦).\n(^٤٣) - رواه البخاري في الأذان برقم (٦٤٩)، وسلم في المساجد ومواضع الصلاة برقم (٦٤٩).\n_________\n[¬١]- في ز: بحكم الفاتحة.\n[¬٢]- زيادة من: ز، خ.\n[¬٣]- في ز: تفضيل.\n[¬٤]- في خ: \"تفضيل هذه القراءة\".\n[¬٥]- في ز: عظم.\n[¬٦]- في ز: إذا.\n[¬٧]- في ز: به.\n[¬٨]- في خ: \"تشهدها\".\n[¬٩]- سقط من: ز، خ.\n[¬١٠]- في ر: غير.\n[¬١١]- في ز: \"وغيرها\".\n[¬١٢]- في ت: \"قلنا\".","vol":"1","page":164},{"text":"(والقول الثاني) أنه يتعين [¬١] قراءة الفاتحة في الصلاة، ولا تجزئ الصلاة بدونها، وهو قول بقية الأئمة: مالك، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وأصحابهم وجمهور العلماء، واحتجوا على ذلك بهذا الحديث المذكور حيث قال -صلوات الله وسلامه عليه-: \"من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأمّ القرآن فهي خداج\" والخداج هو الناقص كما فسر [] [¬٢] في الحديث [\"غير تمام\"] [¬٣].\nواحتجوا أيضًا بما ثبت في الصحيحين (^٤٤) بن حديث الزهري عن محمود بن الربيع عن عبادة بن الصامت؛ قال: قال رسول اللَّه ﷺ: \"لا صلاة لمن لم [¬٤] يقرأ بفاتحة الكتاب\".\nوفي صحيح ابن خزيمة وابن حبان عن أبي هريرة (^٤٥) ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا تجزئ صلاة لا يقرأ فيها بأمّ القرآن\". والأحاديث في هذا الباب كثيرة، ووجه المناظرة هاهنا يطول ذكره، وقد أشرنا إلى [مأخذهم في ذلك] [¬٥]، ﵏.\nثم إن مذهب الشافعي وجماعة من أهل العلم أنه تجب قراءتها في كل ركعة.\nوقال آخرون: إنما [¬٦] تجب قراءتها [¬٧] في معظم الركعات، وقال الحسن وأكثر البصريين: إنما تجب قراءتها [¬٨] في ركعة واحدة من الصلوات [¬٩] أخذًا بمطلق الحديث: \"لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحه الكتاب\". وقال أبو حنيفة وأصحابه والثوري والأوزاعي: لا تتعين [¬١٠] قراءتها، بل لو قرأ بغيرها أجزأه لقوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا [¬١١] مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [كما تقدم] [¬١٢]، والله أعلم.\n_________\n(^٤٤) - رواه البخاري في الأذان برقم (٧٥٦)، ومسلم في الصلاة برقم (٣٩٤).\n(^٤٥) - صحيح ابن خزيمة برقم ٤٩٠ - (١/ ٢٤٨)، وصحيح ابن حبان برقم (٤٥٧ موارد)، ورواه أحمد (٢/ ٤٥٧، ٤٧٨)، والطحاوي في شرح المعاني (١/ ٢١٦)، وفي المشكل (٢/ ٢٣) وقال ابن حبان: لم يقل في خبر العلاء هذا: \"لا تجزئ\" إلا شعبة، ولا عنه إلا وهب بن جرير، ومحمد بن كثير.\n_________\n[¬١]- في ت: \"تتعين\".\n[¬٢]- في ت: به.\n[¬٣]- في ت: \"غير تام\".\n[¬٤]- في ز: لا.\n[¬٥]- في ز: مآخذهم.\n[¬٦]- في خ: \"إنها\".\n[¬٧]- في ز، خ: \"في إنها\".\n[¬٨]- في ز، خ \"في إنها\".\n[¬٩]- في ز: الصلاة.\n[¬١٠]- في خ: \"يتعين\".\n[¬١١]- في ز: فاقرأ.\n[¬١٢]- زيادة من: ز، خ.","vol":"1","page":165},{"text":"وقد روى ابن ماجة من حديث أبي سفيان السعدي عن أبي نضرة عن أبي سعيد مرفوعًا: \"لا صلاة لمن لم يقرأ في كل ركعة بالحمد وسورة في فريضة أو غيرها\" (^٤٦). وفي صحة هذا نظر، وموضع [¬١] تحرير هذا كله في كتاب الأحكام الكبير، والله أعلم.\n(والوجه الثالث) هل تجب [¬٢] قراءة الفاتحة على المأموم؟ فيه ثلاثة أقوال للعلماء:\n(أحدها) أنه تجب عليه قراءتها، كما تجب على إمامه لعموم الأحاديث المتقدمة.\n(والثاني) لا تجب على المأموم قراءة بالكلية لا الفاتحة ولا غيرها لا في الصلاة الجهرية ولا السرية، لما رواه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده (^٤٧) عن جابر بن عبد الله، عن النبي ﷺ، أنه قال: \"من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة\"، ولكن في إسناده ضعف.\nورواه مالك عن وهب بن كيسان، عن جابر من كلامه (^٤٨)\nوقد روي هذا الحديث من طرق ولا يصح شيء منها عن النبي، ﷺ، والله أعلم.\n(والقول الثالث) أنه تجب القراءة على المأموم في السرية لما تقدم، ولا تجب في الجهرية لما ثبت في صحيح مسلم (^٤٩) عن أبي موسى الأشعري؛ قال: قال رسول الله ﷺ:\n_________\n(^٤٦) - إسناده ضعيف، والحديث في سنن ابن ماجة في كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب: القراءة خلف الإمام برقم (٨٣٦)، وقال البوصيري في الزوائد (١/ ٢٩١): \"هذا إسناد ضعيف، أبو سفيان السعدي واسمه طريف بن شهاب، وقيل: ابن سعد، قال ابن عبد البر: أجمعوا على ضعفه\"، وأبو سفيان قد توبع، تابعه قتادة، فرواه عن أبي نضرة، عن أبي سعيد مرفوعًا بلفظ: \"أمرنا أن نقرأ بفاتحة الكاب وما تيسر\"، أخرجه أبو داود في السنن برقم (٨١٨)، وابن حبان في صحيحه.\n(^٤٧) - إسناده ضعيف: والحديث رواه أحمد في المسند من حديث جابر، وهو الجعفي -ضعيف رافضي- عن أبي الزبير -مدلس وقد عنعن- عن جابر برقم ١٤٦٨٥ - (٣/ ٣٣٩)، ورواه عبد بن حميد حديث (١٠٥٠)، وابن ماجة في كتاب إقامة السنة، باب: إذا قرأ الإمام فأنصتوا (١/ ٢٧٧)، حديث ٨٥٠. كلاهما من طريق الحسن بن صالح، عن جابر الجعفي، عن أبي الزبير، به. قال الحافظ في التلخيص الحبير (١/ ٤٢٠): فائدة: حديث: \"من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة\" مشهور من حديث جابر وله طرق عن جماعة من الصحابة كلها معلولة.\n(^٤٨) - رواه البيهقي في السنن الكبرى (٢/ ١٦٠) من طريق مالك، وقال: \"هذا هو الصحيح عن جابر من قوله، غير مرفوع\".\n(^٤٩) - رواه مسلم في الصلاة برقم (٤٠٤)، ورواه أبو داود في الصلاة، باب: التشهد برقم (٩٧٢)، من حديث سليمان التيمي، عن قتادة، عن أبي غلاب، عن حطان، عن أبي موسى، به.\nوقال الدارقطني: وقد خالف التيمي جماعة منهم: هشام الدستوائي، وشعبة، وسعيد، وأبان، =\n_________\n[¬١]- في ز: وموضح.\n[¬٢]- في خ: \"يجب\".","vol":"1","page":166},{"text":"\"إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا قرأ فأنصتوا\". وذكر بقية الحديث.\nوكذا رواه أهل السنن (^٥٠) أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة عن أبي هريرة عن النبي ﷺ؛ أنه قال: \"وإذا قرأ فأنصتوا\". وقد صححه مسلم بن الحجاج أيضًا (^٥١)، فدل هذان الحديثان على صحة هذا القول، وهو قولٌ قديمٌ للشافعي ﵀ ورواية عن الإمام أحمد بن حنبل -رحمه الله تعالى- والغرض من ذكر هذه المسائل هاهنا بيان اختصاص سورة الفاتحة بأحكام لا تتعلق بغيرها من السور، والله أعلم.\nوقال الحافظ أبو بكر البزار (^٥٢): حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري، حدَّثنا غسان بن عبيد، عن\n_________\n= وهمام، وأبو عوانة، ومعمر، وعدي بن أبي عمارة. رووه عن قتادة ولم يقل أحد منهم: \"وإذا قرأ فأنصتوا\"، وقد روى عمر بن عامر متابعة التيمي، وعمر ليس بالقوي -تركه يحيى القطان- وفي اجتماع أصحاب قتادة على خلاف التيمي دليل على وهمه والله أعلم. قال في العلل: ولعله شبه عليه لكثرة من خالفه من الثقات.\n(^٥٠) - رواه أبو داود في الصلاة، باب: الإمام يصلي من قعود برقم (٦٠٤)، والنسائي في الافتتاح (٢/ ١٤١، ١٤٢)، وابن ماجة في إقامة الصلاة، باب: إذا قرأ الإمام فأنصتوا برقم (٨٤٦) قال أبو داود: \"وهذه الزيادة: \"وإذا قرأ فأنصتوا\" ليست بمحفوظة، الوهم عندنا من أبي خالد\".\nقال البخاري: الليث وبكر بن مضر قد رويا الحديث عن ابن عجلان، عن عدد من شيوخه ولم يذكرا عنه هذه الزيادة. وأن سهيل بن أبي صالح، وأبا سلمة، وهمامًا، وأبا يونس وغير واحد عن أبي هريرة عن النبي، ﷺ، رووا هذا الحديث فلم يذكر أحد منهم هذه الزيادة.\nوقال ابن خزيمة: إن الأخبار المتواترة عن أبي هريرة بالأسانيد الصحيحة الثابتة المتصلة بهذه القصة ليس في شيء منها: \"وإذا قرأ فأنصتوا\" إلا خبرًا أبي خالد، ولا يعتد أهل الحديث بروايته.\nقال البيهقي: والحديث في الصحيح من حديث أبي صالح وأبي الزناد، عن الأعرج، وأبي يونس وهمام، وأبي علقمة الهاشمي، كلهم عن أبي هريرة، ليس في شيء من روايات هؤلاء: \"وإذا قرأ فأنصتوا\".\nوذكر البيهقي أن الأحاديث في الصحيح - حديث عائشة، وجابر وأنس - ليس فيها كلها هذه الزيادة.\nوقال الدوري: سمعت يحيى بن معين يقول في حديث أبي خالد الأحمر عن ابن عجلان: \"وإذا قرأ فأنصتوا\" قال: ليس بشيء ولم يثبته ووهنه.\n(^٥١) - ذكر ذلك مسلم عقب حديث ٦٣ - (٤٠٤):. قال أبو إسحاق: قال أبو بكر ابن أخت أبي النضر في هذا الحديث؛ فقال مسلم: تريد أحفظ من سليمان؟ فقال له أبو بكر: فحديث أبي هريرة؟ فقال: هو صحيح -يعني: \"وإذا قرأ فأنصتوا\" فقال: هو عندي صحيح. فقال له: لِمَ لَمْ تضعه ها هنا؟ قال: ليس كل شيء عندي صحيح وضعته ها هنا، إنما وضعت ها هنا ما أجمعوا عليه.\n(^٥٢) - رواه البزار، كما في كشف الأستار برقم (٣١٠٩) وفيه غسان بن عبيد، قال ابن عدي: \"الضعف على أحاديثه بينٌ\". وقال عباس وآخر عن يحيى: ثقة، يروي جامع سفيان. وروى الجنيد عن يحيى: ضعيف. وقال الدارقطني: صالح، وضعفه أحمد (الميزان ٣/ ٣٣٤ - ٣٣٥). وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ١٢١) وقال: رواه البزار، وفيه غسان بن عبيد، وهو ضعيف ووثقه ابن حبان.","vol":"1","page":167},{"text":"أبي عمران الجوني، عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"إذا وضعت جنبك على الفراش وقرأت فاتحة الكتاب وقل هو الله أحد فقد أمنت من كل شيء إلا الموت\".\n\n<span data-type='title' id=toc-68>[الكلام على] [¬١] تفسير الاستعاذة [وأحكامها]</span> [¬٢]\nقال الله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ وقال تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾ وقال تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَينَكَ وَبَينَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤) وَمَا يُلَقَّاهَا إلا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إلا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٣٥) وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾.\nفهذه ثلاث آيات ليس لهنّ رابعة في معناها، وهو أن الله تعالى يأمر بمصانعة العدوّ الإنسي والإحسان إليه؛ ليردّه عنه [¬٣] طبعه الطيب الأصل إلى الموالاة [¬٤] والمصافاة، ويأمر بالاستعاذة به من العدوّ الشيطاني لا محالة إذ لا يقبل مصانعة ولا إحسانًا، ولا يبتغي غير هلاك ابن آدم؛ لشدة العداوة بينه وبين أبيه آدم من قبل، كما قال تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ﴾ وقال تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ وقال: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾ وقد أقسم للوالد آدم ﵇ أنه له [¬٥] لمن الناصحين وكذب فكيف معاملته لنا وقد قال: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْويَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إلا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ وقال الله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيطَانِ الرَّجِيمِ إِنَّهُ لَيسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾.\nقالت طائفة من القرّاء وغيرهم: يتعوّذ [¬٦] بعد القراءة واعتمدوا على ظاهر سياق الآية ولدفع الإعجاب بعد فراغ العبادة، وممن ذهب إلى ذلك حمزة فيما ذكره ابن قلوقا [¬٧] عنه وأبو حاتم السجستاني، حكى ذلك أبو القاسم يوسف بن علي بن جُبارة الهذلي المغربي في كتابه \"الكامل\"، وروي عن أبي هريرة أيضًا وهو غريب، [ونقله محمد بن عمر الرازي في تفسيره عن ابن سيرين في رواية عنه قال: وهو قول إبراهيم النخعي وداود بن علي الأصبهاني الظاهري.\n_________\n[¬١]- سقط من ر.\n[¬٢]- سقط من ز، خ.\n[¬٣]- سقط من ز.\n[¬٤]- في ز: الموادة.\n[¬٥]- سقط من ز.\n[¬٦]- في ز: نتعوذ.\n[¬٧]- في خ: \"ملوما\"، وفي ز: فلوفا.","vol":"1","page":168},{"text":"وحكى القرطبي (^٥٣)، عن أبي بكر بن العربي، عن المجموعة، عن مالك ﵀ أنّ القارئ يتعوّذ بعد الفاتحة. واستغربه ابن العربي (^٥٤)!. وحكى قولًا ثالثا وهو الاستعاذة أوّلا وآخرًا جمعًا بين الدليلين، نقله الرازي] [¬١]. والمشهور الذي عليه الجمهور أنّ الاستعاذة إنما تكون قبل التلاوة لدفع الوساوس فيها، ومعنى الآية عندهم ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيطَانِ الرَّجِيمِ﴾ أي إذا أردت القراءة كقوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيدِيَكُمْ﴾. الآية] [¬٢]. أي إذا أردتم القيام، والدليل على ذلك الأحاديث عن رسول الله ﷺ بذلك.\nقال الإمام أحمد بن حنبل (^٥٥) ﵀: حدثنا محمد بن الحسن [بن أتش] [¬٣]، حدثنا جعفر بن سليمان، عن علي بن علي الرفاعي اليشكري، عن أبي المتوكل الناجي، عن أبي سعيد الخدري؛ قال: كان رسول الله ﷺ إذا قام من الليل فاستفتح صلاته وكبر قال: \"سبحانك اللَّهم وبحمدك، وتبارك اسمك وتعالى جدّك، ولا إله غيرك- ويقول: لا إله إلا الله -ثلاثًا- ثم يقول: أعوذ بالله السميع العليم، من الشيطان الرجيم، من همزه ونفخه ونفثه [ويقول اللَّه أكبر ثلاثًا، ثم يقول: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه] [¬٤] \".\n_________\n(^٥٣) - تفسير القرطبي (١/ ٨٨).\n(^٥٤) - أحكام القرآن (٣/ ١١٧٦).\n(^٥٥) - المسند برقم ١١٤٨٩ - (٣/ ٥٠)، والحديث صحيح: محمد بن الحسن بن أَتَش اليَمَاني، قال أحمد: كان من القدرية الكبار، ووثقه أبو حاتم وأحمد بن صالح، وذكره ابن حبان في الثقات (٩/ ٦٩)، وقال النسائي: ليس بثقة، وقال مرة: متروك، قال ابن حجر في التهذيب (٩/ ١٠٠): كلام النسائي فيه غير مقبول، لأن أحمد، وعلي بن المديني لا يرويان إلا عن مقبول مع قول أحمد بن صالح فيه، وفي \"التقريب\" صدوق فيه لين رمي بالقدر. وجعفر بن سليمان هو الضبعي أبو سليمان البصري، صدوق زاهد. وعلي بن علي؛ قال أحمد: لم يكن به بأس؛ إلا أنه رفع أحاديث، ووثقه يحيى بن معين وأبو زرعة، وقال النسائي: لا بأس به، وتكلم فيه يحيى بن سعيد، وفي التقريب: لا بأس به رمي بالقدر. والحديث أخرجه أبو داود: كتاب الصلاة، باب: من رأى الاستفتاح \"بسبحانك اللهم وبحمدك\" (٧٧٥)، والترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما يقول عند افتتاح الصلاة (٢٤٢)، والنسائي: كتاب الافتتاح، باب: نوع آخر من الذكر بين افتتاح الصلاة وبين القراءة (٢/ ١٣٢)، وفي الكبرى (٩٧٢، ٩٧٣) (١/ ٣١٣، ٣١٤). وابن أبي شيبة في المصنف، كتاب الصلاة، باب: فيما يفتتح به الصلاة (١/ ٢٦٣)، وعنه ابن ماجه في إقامة الصلاة والسنة فيها، باب: افتتاح الصلاة (٨٠٤)، وعبد الرزاق في المصنف (٢٥٥٤)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ١٩٧ - ١٩٨)، وابن خزيمة في صحيحه (٤٦٧)، وأبو يعلى في مسنده (١١٠٨) (٢/ ٣٥٨)، والبيهقي =\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٤]- زيادة من المسند.","vol":"1","page":169},{"text":"وقد رواه أهل السنن الأربعة (^٥٦) من رواية جعفر بن سليمان، عن علي بن علي، وهو الرفاعي.\nوقال الترمذي: هو أشهر حديث في هذا الباب، وقد فسر الهمز بالموتة وهي الخنق، والنفخ بالكبر، والنفث بالشعر.\nكما رواه أبو داود وابن ماجة (^٥٧) من حديث شعبة، عن عمرو بن مرّة، عن عاصم العنزي، عن نافع بن جبير بن مطعم، عن أبيه؛ قال: رأيت رسول الله صلى الله تعالى عليه [وعلى آله] [¬١] وسلم حين دخل في الصلاة قال: \"الله أكبر كبيرًا -ثلاثًا-[الحمد لله كثيرًا ثلاثًا] [¬٢]، سبحان الله بكرة وأصيلًا -ثلاثًا- اللَّهم؛ إني أعوذ بك من الشيطان من همزه ونفخه ونفثه\". قال عمرو: همزه الموتة، ونفخه الكبر، ونفثه الشعر.\n_________\n= في الكبرى (٢/ ٣٤، ٣٥) والمزي في تهذيب الكلمال (٢١/ ٧٦) ترجمة علي بن علي. وقال الترمذي: \"حديث أبي سعيد أشهر حديث في هذا الباب. وقد تُكلم في إسناد حديث أبي سعيد، كان يحيى بن سعيد يتكلم في علي بن علي الرفاعي، وقال أحمد: لا يصح الحديث. وأجاب الشيخ الألباني عن ذلك في الإرواء (١/ ٥١ - ٥٢) فقال: ولعل هذا لا ينفي أن يكون حسنًا؛ فإن رجاله كلهم ثقات، وعلي هذا وإن تكلم فيه يحيى بن سعيد فقد وثقه يحيى بن معين ووكيع وأبو زرعة. . قلت \"أي الألباني\": وهذا لا يوجب إهدار حديثه، بل يحتج به حتى يظهر خطؤه، وهنا ما روى شيئًا منكرًا\".\nقلت: وهناك علة أخرى للحديث أشار إليها أبو داود بعد إخراجه الحديث فقال: \"وهذا الحديث يقولون: هو عن علي بن علي، عن الحسن مرسلًا، الوهم من جعفر\".\nلكن يشهد لبعضه حديث جبير بن مطعم الآتي وهو عند أبي داود (٧٦٤)، وابن ماجه (٨٠٧).\nوصححه ابن خزيمة (٤٦٨)، وابن حبان (١٧٧٨)، والحاكم (١/ ٢٣٥)، ووافقه الذهبي. وحديث عبد الله بن مسعود عند ابن ماجه (٨٠٨)، والطيالسي (٣٩٦)، وأبي يعلى (٤٩٩٤) وصححه ابن خزيمة (٤٧٢)، وفي الباب أيضًا عن ابن عمر عند مسلم في المساجد ومواضع الصلاة، باب: ما يقال بين تكبيرة الإحرام والقراءة (١٥٠) (٦٠١)، وعن عائشة عند أبي داود (٧٧٦)، والترمذي (٢٤٣)، وابن ماجه (٨٠٦)، وصححه الشيخ الألباني في الإرواء (٣٤١).\n(^٥٦) - انظر الحديث السابق.\n(^٥٧) - رواه أبو داود في الصلاة، باب: ما يستفتح به الصلاة من الدعاء برقم (٧٦٤)، وابن ماجة في إقامة الصلاة، باب: الاستعاذة في الصلاة برقم (٨٠٧)، ورواه أحمد (٤/ ٨٥)، وابن خزيمة (٤٦٨)، والبخاري في التاريخ (٣/ ٢ / ٤٨٨ - ٤٨٩)، والطيالسي (٩٤٧)، وأبو يعلى (١٣/ ٧٣٩٨)، وابن الجارود (١٨٠)، والطبراني في الكبير (٦/ ١٥٦٨)، ورواه ابن حبان في صحيحه برقم (٤٤٣)، والحاكم (١/ ٢٣٥)، والبيهقي (٢/ ٣٥) من طريق شعبة، به، ورواه المزي في تهذيبه في ترجمة عاصم العنزي.\nقال الحاكم: صحيح الإسناد، وعاصم العنزي: مجهول، ما وثقه إلا ابن حبان. قال ابن حبان: عاصم العنزي يروي عن نافع بن جبير بن مطعم، عن أبيه قال: كان النبي، ﷺ، =\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"1","page":170},{"text":"وقال ابن ماجة (^٥٨): حدَّثنا علي بن المنذر، حدَّثنا ابن فضيل، حدثنا عطاء بن السائب، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن ابن مسعود، عن النبي ﷺ، قال: \"اللَّهم؛ إني أعوذ بك من الشيطان الرجيم وهمزه ونفخه ونفثه\".\nقال: همزه الموتة، [ونفخه الكبر، ونفثه الشعر] [¬١].\nوقال الإمام أحمد (^٥٩): حدَّثنا إسحاق بن يوسف، حدَّثنا شريك، عن يعلى بن عطاء، عن\n_________\n= إذا دخل في الصلاة قال: … فذكره. كذا قال شعبة عن عمرو بن مرة، عن عاصم العنزي، وقال مسعر: عن عمرو ابن مرة، عن رجل من عنزة، رواه أبو داود (٧٦٥)، وأحمد (٤/ ٨٠ - ٨١)، والطبراني (١٥٦٩)، والخطيب في تاريخه (٣١/ ٤٣٦ - ٤٣٧). وقال ابن إدريس: عن حصين، عن عمرو بن مرة، عن عباد بن عاصم، عن نافع بن جبير، رواه ابن أبي شيبة (١/ ٢٣١، ٢٣٨، ١٠/ ١٩٢)، وأحمد (٤/ ٨٣)، وابن خزيمة (٤٦٩)، والطبراني (٢/ ٥٧٠)، وقال عباد بن العوام: عن حصين، عن عمرو بن مرة، عن عمار بن عاصم، عن نافع بن جبير، ذكره البخاري، وهو عند ابن عياش، عن عبد العزيز بن عبيد الله بن حمزة بن صهيب، عن عبد الرحمن بن نافع بن جبير بن مطعم، عن أبيه بطوله. وقال البخاري: وهذا لا يصح. قال الحافظ في التهذيب: قلت: وقال البزار: اختلفوا في اسم العنزي، رواه وهو غير معروف. وقال ابن خزيمة: وعاصم العنزي، وعباد بن عاصم مجهولان، لا يدرى من هما ولا يعلم الصحيح ما روى حصين، أو شعبة - هكذا فرق بينهما ابن خزيمة، وكذا البخاري، وابن أبي حاتم، وابن حبان (التاريخ الكبير ٦/ ٤٨٨، الثقات ٥/ ٤٣٨، ٧/ ٢٥٨، تهذيب التهذيب ٥/ ٤٨، تهذيب الكمال ١٣/ ٥٣٤).\n(^٥٨) - رواه ابن ماجة برقم (٨٠٨)، ورواه أحمد ٣٨٣٠ - (٤/ ٤٠١)، وابن أبي شيبة (١٠/ ١٥٨ - ١٨٦)، وأبو يعلى (٨/ ٤٩٩٤، ٩/ ٥٠٧٧) والحاكم (١/ ٢٠٧)، والبيهقي (٢/ ٢٦)، وابن خزيمة في صحيحه برقم (٤٧٢)، من طريق محمد بن فضيل به، وقال البوصيري في الزوائد (١/ ٢٨٥): في إسناده مقال؛ فإن عطاء بن السائب اختلط بآخر عمره، وسمع منه محمد بن فضيل بعد الاختلاط، وفي سماع أبي عبد الرحمن السلمي من ابن مسعرد كلام. قال شعبة: لم يسمع. وقال أحمد: أرى قول شعبة وهمًا، وقال البخاري في الكبير (٣/ ١ / ٧٣)، وفي الصغير (١/ ٢٠١) سمع عليًّا وعثمان وابن مسعود. وقال أبو عمرو الداني: أخذ أبو عبد الرحمن القراءة عرضًا عن عثمان وعلي وابن مسعود ا هـ.\nوقال الحاكم: صحيح وقد استشهد البخاري بعطاء بن السائب.\nوقد تابع ابن فضيل ورقاء بن عمر، وعمرو بن رزيق، فروياه عن عطاء بن السائب، رواه أحمد ٣٨٢٨ - (١/ ٤٠٣) من طرق عمرو، وأبو يعلى (٩/ ٥٣٨٠) من طريق عمرو، والبيهقي (٢/ ٣٦) من طرق عمرو، وورقاء، وقد سمعا منه بعد الاختلاط أيضًا.\nوخالفهم حماد بن سلمة فرواه عن عطاء بن السائب، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن ابن مسعود أنه كان يتعوذ في الصلاة من الشيطان الرجيم من نفخه ونفثه وهمزه، رواه الطيالسي (٣٧١ ص ٤٩) وعنه البيهقي (٢/ ٣٦)، ورواه الطبراني في الكبير (٩/ ٩٣٠٢) وحماد روى عن عطاء قبل الاختلاط وبعده.\n(^٥٩) - المسند برقم ٢٢٢٧٥ - (٥/ ٢٥٣). =\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"نفثه: الشعر، ونفخه: الكبر\".","vol":"1","page":171},{"text":"رجل حدثه؛ أنه سمع أبا أمامة الباهلي؛ يقول: كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة كبر ثلاثًا ثم قال: \"لا إله إلا الله\". ثلاث مرات و\"وسبحان الله وبحمده\" ثلاث مرات. ثم قال: \"أعوذ بالله من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه\".\nوقال الحافظ أبو يعلى أحمد بن علي بن المثنى الموصلي في مسنده (^٦٠): حدثنا عبد الله بن عُمر بن أبان الكوفي، حدثنا علي بن هاشم بن البريد، عن يزيد بن زياد، عن عبد الملك بن عُمير، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أبي بن كعب ﵁ قال: تلاحى رجلان عند النبي ﷺ فتمزع أنف أحدهما غضبًا، فقال رسول الله ﷺ: \"إني لأعلم شيئًا لو قاله لذهب [¬١] عنه ما يجد: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم\".\nوكذا رواه النسائي في اليوم والليلة (^٦١)، عن يوسف بن عيسى المروزي، عن الفضل بن موسى، عن يزيد بن زياد بن أبي الجعد، به.\nوقد روى هذا الحديث أحمد بن حنبل، عن أبي سعيد، عن زائدة، وأبو داود عن يوسف بن موسى، عن جرير بن عبد الحميد، والترمذي والنسائي في اليوم والليلة عن بندار، عن ابن مهدي، عن الثوري، والنسائي أيضًا من حديث زائدة بن قدامة - ثلاثتهم، عن عبد الملك بن عمير، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن معاذ بن جبل ﵁ قال: استب رجلان عند النبي ﷺ، فغضب أحدهما غضبًا شديدًا حتى خيل إليّ أنّ أحدهما يتمزع أنفه من شدّة غضبه، فقال النبي ﷺ: \"إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد من الغضب\". فقال: ما هي يا رسول الله؟ قال: \"يقول: اللَّهم؛ إني أعوذ بك من الشيطان الرجيم\". قال: فجعل معاذ يأمره فأبى وجعل يزداد غضبًا. وهذا لفظ أبي داود (^٦٢).\n_________\n= والحديث إسناده ضعيف، لجهالة شيخ يعلى بن عطاء، وشريك القاضي -رحمه الله تعالى-: تُكلم فيه لسوء حفظه، لكن تابعه حماد بن سلمة عند أحمد (٥/ ٢٥٣). والحديث ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٢/ ٢٦٥) وعزاه لأحمد وقال: \"وفيه من لم يسم\".\n(^٦٠) - لم نعثر على هذا الحديث في مسند أبي يعلى، ولا في المطالب العالية، ولا في مجمع الزوائد، وقد أورده الضياء في المختارة من طريق أبي يعلى ١٢٣٦ - (٣/ ٤٣٦).\n(^٦١) - سنن النسائي الكبرى برقم (١٠٢٢٣).\n(^٦٢) - المسند (٥/ ٢٤٠، ٢٤٤)، ورواه أبو داود في الأدب، ما يقال عند الغضب برقم (٤٧٨٠) والترمذي في الدعوات برقم (٣٤٥٢)، والنسائي في الكبرى برقم (١٠٢٢١، ١٠٢٢٢)، وابن السني في اليوم والليلة (٤٥٤)، والضياء في المختارة (١٢٣٧) وعزاه في الدر المنثور (٥/ ٣٦٥) لابن مردويه. وأعله الترمذي بالإرسال لأن عبد الرحمن بن أبي ليلى لم يدرك معاذًا.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"ذهب\".","vol":"1","page":172},{"text":"وقال الترمذي: مرسل، يعني أن عبد الرحمن بن أبي ليلى لم يلق معاذ بن جبل فإنه مات قبل سنة عشرين.\n(قلت): وقد يكون عبد الرحمن بن أبي ليلى سمعه من أبي بن كعب كما تقدّم، وبلغه عن معاذ بن جبل، فإنّ هذه القصة شهدها غير واحد من الصحابة ﵃.\nقال البخاري: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا جرير، عن الأعمش، عن عدي بن ثابت؛ قال: قال سليمان بن صرد ﵁: استب رجلان عند النبي ﷺ ونحن عنده جلوس، فأحدهما يسب صاحبه مغضبًا قد احمرّ وجهه، فقال النبي ﷺ: \"إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجده، لو قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم\". فقالوا للرجل: ألا تسمع ما يقول رسول الله ﷺ؟! قال: إني لست بمجنون (^٦٣).\nوقد رواه أيضًا مع مسلم وأبي داود والنسائي من طرق متعددة عن الأعمش، به (^٦٤).\nوقد جاء في الاستعاذة أحاديث كثيرة يطول ذكرها هاهنا، وموطنها كتاب الأذكار وفضائل الأعمال، والله أعلم.\nوقد روي أن جبريل ﵇ -أوّل ما نزل بالقرآن على رسول الله ﷺ أمره بالاستعاذة، كما قال الإمام أبو جعفر بن جرير (^٦٥):\nحدَّثنا أبو كريب، حدثنا [¬١] عثمان بن سعيد، حدثنا بشر بن عمارة، حدثنا أبو روق، عن الضحاك، عن عبد الله بن عباس؛ قال: أوّل ما نزل جبريل على محمد ﷺ؛ قال: \"يا محمد؛ استعذ\" قال: \"أستعيذ [باللَّه السميع] [¬٢] العليم من الشيطان الرجيم\" ثم\n_________\n(^٦٣) - رواه البخاري في الأدب، باب: الحذر من الغضب برقم (٦١١٥).\n(^٦٤) - رواه مسلم في البر والصلة، والآداب برقم (٢٦١٠)، وأبو داود في الأدب، باب: ما يقال عند الغضب برقم (٤٧٨١)، والنسائي في الكبرى برقم (١٠٢٢٤، ١٠٢٢٥).\n(^٦٥) - تفسير ابن جرير ١٣٧ - (١/ ١١٣). وبشر بن عمارة: قال أبو حاتم: ليس بالقوي في الحديث.\nوقال البخاري تعرف وتنكر. وقال النسائي: ضعيف. وقال ابن حبان: كان يخطئ حتى خرج عن حد الاحتجاج به إذا انفرد. وقال ابن عدي: لم أر في أحاديثه حديثًا منكرًا وهو عندي حديثه إلى الاستقامة أقرب. قلت: وقال البرقاني عن الدارقطني: متروك. وقال العقيلي: لا يتابع على حديثه. وقال الساجي مثل البخاري. وأما أبو روق واسمه عطية بن الحارث: فثقة.\nوأما الانقطاع الذي أشار إليه ابن كثير، فهو لين الضحاك وابن عباس.\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- في ز: بالسميع.","vol":"1","page":173},{"text":"قال: \"قل: بسم الله الرحمن الرحيم\" ثم قال ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ قال عبد الله: وهي أوّل سورة أنزلها الله على محمد ﷺ بلسان جبريل.\nوهذا الأثر غريب، وإنما ذكرناه ليُعرف فإنّ في إسناده ضعفًا وانقطاعًا، والله أعلم.\n[مسألة\nوجمهور العلماء على أنّ الاستعاذة مستحبة ليست بمتحتمة يأثم تاركها، وحكى الرازي عن عطاء بن أبي رباح وجوبها في الصلاة وخارجها كلما أراد القراءة، قال: وقال ابن سيرين: إذا تعوّذ مرّة واحدة في عمره فقد كفى في إسقاط الوجوب، واحتج الرازي لعطاء بظاهر الآية ﴿فَاسْتَعِذْ﴾ وهو أمر ظاهره الوجوب، وبمواظبة النبي ﷺ عليها؛ ولأنها تدرأ شر الشيطان، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب؛ ولأن الاستعاذة أحوط، وهو أحد مسالك الوجوب.\nوقال بعضهم: كانت واجبة على النبي ﷺ دون أمّته، وحكي عن مالك أنه لا يتعوّذ في المكتوبة ويتعوّذ لقيام رمضان في أوّل ليلة منه.\nمسألة\nوقال الشافعي في الإملاء: يجهر بالتعوّذ وإن أسرّ فلا يضر، وقال في الأمّ بالتخيير؛ لأنه أسر ابن عمر وجهر أبو هريرة، واختلف قول الشافعي فيما عدا الركعة الأولى، هل يستحب التعوّذ فيها على قولين، ورجح عدم الاستحباب، والله أعلم.\nفإذا قال المستعيذ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم كفى ذلك عند الشافعي وأبي حنيفة، وزاد بعضهم: أعوذ بالله السميع العليم، وقال آخرون: بل يقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، إن الله هو السميع العليم، قاله الثوري والأوزاعي، وحُكي عن بعضهم أنه يقول: أستعيذ بالله من الشيطان الرجيم؛ لمطابقة أمر الآية؛ ولحديث الضحاك عن ابن عباس المذكور، والأحاديث الصحيحة كما تقدّم أولى بالاتباع من هذا، والله أعلم.\nمسألة\nثم الاستعاذة في الصلاة إنما هي للتلاوة وهو قول أبي حنيفة ومحمد. وقال أبو يوسف: بل للصلاة فعلى هذا يتعوذ المأموم، وإن كان لا يقرأ ويتعوذ في العيد بعد الإحرام، وقبل تكبيرات العيد، والجمهور بعدها قبل القراءة. ومن لطائف الاستعاذة أنها طهارة للفم مما كان يتعاطاه من اللغو والرفث وتطيب له، وتهيؤ لتلاوة كلام الله، وهي استعانة بالله، واعتراف له بالقدرة، وللعبد","vol":"1","page":174},{"text":"بالضعف والعجز عن مقاومة هذا العدوّ المبين الباطني الذي لا يقدر على منعه ودفعه إلا اللَّه الذي خلقه، ولا يقبل مصانعة، ولا يدارى بالإحسان، بخلاف العدو من نوع الإنسان كما دلت على ذلك آيات من القرآن في ثلاث من المثاني، وقال تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيسَ لَكَ عَلَيهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا﴾. وقد نزلت الملائكة لمقاتلة العدو البشري، فمن قتله العدو الظاهري البشري كان شهيدًا، ومن قتله العدو الباطني كان طريدًا، ومن غلبه العدو الظاهري كان مأجورًا، ومن قهره العدو الباطني كان مفتونًا أو موزورًا، ولما كان الشيطان يرى الإنسان من حيث لا يراه استعاذ منه بالذي يراه ولا يراه الشيطان.\nفصل\nوالاستعاذة هي الالتجاء إلى الله تعالى، والالتصاق بجنابه من شر كل ذي شر، والعياذة تكون لدفع الشر، واللياذ يكون لطلب جلب الخير، كما قال المتنبي:\nيا من ألوذ به فيما أؤمله … ومن أعوذ به ممن أحاذره\n[لا يجبر الناس عظمًا أنت كاسره … ولا يهيضون عظمًا أنت جابره] (^٦٦) [¬١]\nومعنى أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، أي: أستجير بجناب الله من الشيطان الرجيم [¬٢] أن يضرني في ديني أو دنياي أو يصدني عن فعل ما أمرت به، أو يحثني على فعل ما نهيت عنه، فإن الشيطان لا يكفه عن الإنسان إلا الله؛ ولهذا أمر الله تعالى بمصانعة شيطان الإنس ومداراته بإسداء الجميل إليه ليردّه طبعه عما هو فيه من الأذى، وأمر بالاستعاذة به من شيطان الجنّ؛ لأنه لا يقبل رشوة ولا يؤثر فيه جميل؛ لأنه شرير بالطبع، ولا يكفه عنك إلا الذي خلقه، وهذا المعنى في ثلاث آيات من القرآن لا أعلم لهن رابعة، قوله تعالى في الأعراف: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ فهذا فيما يتعلق بمعاملة الأعداء من البشر ثم قال: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ وقال تعالى في سورة قد أفلح المؤمنون: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ (٩٦) وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (٩٧) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾ وقال تعالى في سورة حم السجدة: ﴿وَلَا تَسْتَوي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَينَكَ وَبَينَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤) وَمَا يُلَقَّاهَا إلا الَّذِينَ صَبَرُوا\n_________\n(^٦٦) - ذكر البيتين الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (١١/ ٢٧٥)، وقال: \"وقد بلغني عن شيخنا العلامة شيخ الإسلام أحمد بن تيمية ﵀ أنه كان ينكر على المتنبي هذه المبالغة في مخلوق ويقول: إنما يصلح هذا لجناب الله ﷾ وأخبرني العلامة شمس الدين ابن القيم ﵀ أنه سمع الشيخ تقي الدين المذكور يقول: ربما قلت هذين البيتين في السجود أدعو الله بما تضمناه من الذل والخضوع\".\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- سقط من ز.","vol":"1","page":175},{"text":"وَمَا يُلَقَّاهَا إلا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٣٥) وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾.\nوالشيطان في لغة العرب مشتق من شطن إذا بعُد، فهو بعيد بطبعه عن طباع البشر، وبعيد بفسقه عن كل خير، وقيل: مشتق من شاط؛ لأنه مخلوق من نار، ومنهم من يقول: كلاهما صحيح في المعنى، ولكن الأول أصح، وعليه يدل كلام العرب، قال أمية بن أبي الصلت في ذكر ما أوتي سليمان ﵊:\nأيما شاطن عصاه عكاه … ثم يُلقى [¬١] في السجن والأغلال [¬٢]\nفقال: أيما شاطن، ولم يقل: أيما شائط. وقال النابغة الذبياني، وهو زياد بن عمرو بن معاوية بن جابر بن ضباب [¬٣] بن يربوع بن مرة بن سعد بن ذبيان:\nنأتْ بسعاد عنك نوى شطون … فبانت والفؤاد بها رهين\nيقول: بعدت بها طريق بعيدة. و[قال سيبويه: العرب تقول: تشيطن فلان، إذا فَعَلَ فِعْلَ الشياطين، ولو كان من شاط، لقالوا: تشيط] [¬٤] فالشيطان [¬٥] مشتق من البعد على الصحيح؛ ولهذا يسمون كل ما تمرّد من جني وإنسي وحيوان شيطانًا، قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾.\nوفي مسند الإمام أحمد (^٦٧) عن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله صلى الله عليه\n_________\n(^٦٧) - رواه أحمد في المسند برقم ٢١٦٢٩، ٢١٦٣٥ - (٥/ ١٧٨، ١٧٩) في حديث طويل. ورواه النسائي (٨/ ٢٧٥)، والطيالسي (٤٧٨)، والبزار كما في كشف الأستار (١٦٠)، والبيهقي في الشعب (٣٥٧٦ هـ)، رووه مطولًا ومختصرًا من طرقٍ عن المسعودي، عن أبي عمر، ويقال: أبو عمرو - عن عبيد بن الخشخاش، ويقال: الحسحاس - عن أبي ذر، وأبو عمر هذا تركه الدارقطني، وكذا عبيد أيضًا، ووثقه ابن حبان، وقال البخاري: عبيد بن الخشخاش لم يذكر سماعًا من أبي ذر. وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ١٥٩، ١٦٠) وقال \"رواه أحمد والبزار والطبراني في الأوسط بنحوه، وعند النسائي طرف منه، وفيه المسعودي، وهو ثقة، ولكنه اختلط.\nورواه أحمد من حديث أبي أمامة ٢٢٣٣٨ - (٥/ ٢٦٥) ثنا أبو المغيرة، ثنا معان بن رفاعة، حدثني عليّ بن يزيد، عن القاسم أبي عبد الرحمن، عن أبي أمامة … فذكره في حديثٍ طويل. وأخرجه الطبراني في الكبير (٨/ ٢٥٨، ٢٥٩ / رقم: ٧٨٧١) من نفس طريق أحمد، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ١٥٩) وقال: \"رواه أحمد والطبراني في الكبير، ومداره على علي بن يزيد، وهو ضعيف\".\n_________\n[¬١]- في ز: يلقي بي.\n[¬٢]- في حاشية ز: في نسخة: والأكبال.\n[¬٣]- في ز، خ: \"صباب\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- في ز، خ: \"والشيطان\".","vol":"1","page":176},{"text":"وسلم: \"يا أبا ذر، تعوذ بالله من شياطين الإنس والجن\" نقلت: أو للإنس شياطين؟ قال: \"نعم\".\nوفي صحيح مسلم عن أبي ذر أيضًا قال: قال رسول الله ﷺ: \"يقطع الصلاةَ المرأة، والحمار، والكلب الأسود\". فقلت: يا رسول الله؛ ما بال الكلب الأسود من الأحمر من [¬١] الأصفر؟ فقال: \"الكلب الأسود شيطان\" (^٦٨).\nوقال ابن وهب: أخبرني هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه؛ أن عمر بن الخطاب ﵁ ركب برذونًا فجعل يتبختر به، فجعل يضربه فلا يزداد إلا تبخترًا، فنزل عنه وقال: ما حملتموني إلا على شيطان، ما نزلت عنه حتى أنكرت نفسي. إسناده صحيح (^٦٩).\nوالرجيم فعيل بمعنى مفعول، أي: إنه مرجوم مطرود عن الخير كله، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ﴾ وقال تعالى: ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ (٦) وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيطَانٍ مَارِدٍ (٧) لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ (٨) دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ (٩) إلا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾ وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ (١٦) وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيطَانٍ رَجِيمٍ (١٧) إلا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ﴾ إلى غير ذلك من الآيات، [وقيل: رجيم بمعنى راجم؛ لأنه يرجم الناس بالوساوس والربائث (^٧٠)، والأول أشهر وأصح] [¬٢].\n﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١)﴾\nافتتح بها الصحابة كتاب الله، واتفق العلماء على أنها بعض آية من سورة النمل، ثم اختلفوا هل هي آية مستقلة في أول كل سورة، أو من [أول] كل سورة كتبت في أوّلها، أو أنها بعض آية من أول [¬٣] كل سورة، أو أنها [¬٤] كذلك في الفاتحة دون غيرها، أو أنها إنما [¬٥] كتبت للفصل لا أنها آية على أقوال للعلماء سلفًا وخلفًا وذلك مبسوط في غير هذا الموضع.\n_________\n(^٦٨) - رواه مسلم في الصلاة برقم ٢٦٥ - (٥١٠).\n(^٦٩) - رواه ابن جرير في تفسيره ١٣٦ - (١/ ١١١) من طريق يونس بن عبد الأعلى، عن ابن وهب، به.\n(^٧٠) - يقال: ربثته عن الأمر: إذا حبسته وثبطته، والربائث: جمع ربيثة، وهي الأمر يحبس الإنسان عن مهامِّه. النهاية (٢/ ١٨٢).\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- زيادة من ز، خ.\n[¬٤]- سقط من ز.\n[¬٥]- سقط من: خ.","vol":"1","page":177},{"text":"وفي سنن أبي داود بإسناد صحيح عن ابن عباس (^٧١) ﵄ أن رسول الله ﷺ كان لا يعرف فصل السورة حتى ينزل عليه [¬١] ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾.\nوأخرجه الحاكم أبو عبد الله النيسابوري في مستدركه أيضًا، ورُوي مرسلًا عن سعيد بن جبير.\nوفي صحيح ابن خزيمة عن أم سلمة (^٧٢) ﵂ أن رسول الله ﷺ قرأ البسملة في أول الفاتحة في الصلاة وعدّها آية لكنه من رواية عمر بن هارون البلخي، وفيه ضعف، عن ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عنها.\nوروى له الدارقطني (^٧٣) متابعًا [¬٢] عن أبي هريرة مرفوعًا، وروى مثله (^٧٤) عن علي وابن عباس وغيرهما، وممن حُكي عنه أنها آية من كل سورة إلا براءة: ابن عباس، وابن عمر، وابن الزبير، وأبو هريرة، وعلي. ومن التابعين: عطاء، وطاوس، وسعيد بن جبير، ومكحول، والزهري، وبه يقول\n_________\n(^٧١) - رواه أبو داود في الصلاة، باب: من جهر بها برقم (٧٨٨)، ورواه البيهقي في الكبرى (٢/ ٤٢)، وفي الشعب (٢١٢٥ هـ) من طريق أبي داود، ورواه ابن عبد البر في التمهيد (٢٠/ ٢١٠) من طريق أبي داود، عن قتيبة بسنده موصولًا، والبزار (٢١٨٧)، وأبو نعيم في أخبار أصبهان (٢/ ٢٥٥ - ٢٥٦)، والحاكم (١/ ٢٣١)، وعنه البيهقي في المعرفة (٢/ ٣٦٥ - ٣٦٦)، وقال الحاكم صحيح على شرط الشيخين، وقال الذهبي في تلخيص المستدرك بعد أن ذكر الحديث عن ابن عباس: أما هذا فثابت. وقال الهيثمي: رواه البزار بإسنادين رجال أحدهما رجال الصحيح. وقد رواه أبو داود في المراسيل (٣٦) عن سعيد بن جبير، وقال: المرسل أصح، ورواه الحميدي مرسلًا (٥٢٨)، وكذا الطحاوي في المشكل (١٣٧٦)، وعبد الرزاق (٢٦١٧).\n(^٧٢) - إسناده ضعيف، عمر بن هارون: قال ابن حبان: كان ممن يروي عن الثقات المعضلات، ويدعى شيوخًا لم يرهم، وكان ابن مهدي حسن الرأي فيه. قال ابن الجنيد: سمعت يحيى بن معين يقول: عمر بن هارون كذاب، وعن يحيى بن معين قال: عمر بن هارون البلخي ليس بشيء. قال أبو حاتم: كان عمر بن هارون صاحب سنة وفضل وسخاء، وكان أهل بلده يبغضونه لتعصبه في السنة وذبه عنها، ولكن كان شأنه في الحديث ما وصفت، وفي التعديل ما ذكرت، والمناكير في روايته تدل على صحة ما قال يحيى بن معين فيه. وقد حسن القول فيه جماعة من شيوخنا، كان يصلهم في كل سنة بصلات كثيرة من الدراهم والثياب وغيرها، يبعث إليهم من بلخ إلى بغداد.\nوالحديث في صحيح ابن خزيمة برقم (٤٩٣). ورواه الحاكم في المستدرك (١/ ٢٣٣)، ورواه البيهقي (٢/ ٤٤) وقال الحاكم: عمر بن هارون أصل في السنة. ولم يخرجاه وإنما خرجته شاهدًا.\n(^٧٣) - سنن الدارقطني ١٧ - (١/ ٣٠٦).\n(^٧٤) - سنن الدارقطني (١/ ٣٠٢) عن علي بن أبي طالب، وطرقه كلها ضعيفة، (١/ ٣٠٣) عن ابن عباس من طريقين ضعيفين، وسيأتي كلام العلماء على الجهر بالبسملة.\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- في خ: \"متابعة\".","vol":"1","page":178},{"text":"عبد الله بن المبارك، والشافعي، وأحمد بن حنبل في رواية عنه، وإسحاق بن راهويه، وأبو عبيد القاسم بن سلام ﵏.\nوقال مالك وأبو حنيفة وأصحابهما: ليست آية من الفاتحة، ولا من غيرها من السور.\nوقال الشافعي في قول في [¬١] بعض طرق مذهبه: هي آية من الفاتحة وليست من غيرها، وعنه أنها بعض آية من أول كل سورة وهما غريبان.\nوقال داود: هي آية مستقلة في أول كل سورة لا منها، وهذا رواية عن الإمام أحمد [بن حنبل] [¬٢] وحكاه أبو بكر الرازي عن أبي الحسن الكرخي، وهما من أكابر أصحاب أبي حنيفة ﵏ (^٧٥).\nهذا ما يتعلق بكونها آية [¬٣] من الفاتحة أم لا.\nفأما [¬٤] ما يتعلق بالجهر بها فمفرعٌ على هذا، فمن رأى أنها ليست [من الفاتحة] [¬٥] فلا يجهر بها، وكذا من قال: إنها آية من أولها، وأما من قال: بأنها من أوائل السور فاختلفوا، فذهب الشافعي ﵀ إلى أنه يجهر بها مع الفاتحة والسورة، وهو مذهب طوائف من الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين سلفًا وخلفًا، فجهر بها من الصحابة أبو هريرة، وابن عمر، وابن عباس، ومعاوية؛ وحكاه ابن عبد البر والبيهقي عن عُمر وعلي، ونقله الخطيب عن الخلفاء الأربعة، وهم: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وهو غريب. ومن التابعين عن سعيد بن جبير، وعكرمة، وأبي قلابة، والزهري، وعلي بن الحسين وابنه محمد، وسعيد بن المسيب، وعطاء، وطاوس، ومجاهد، وسالم، ومحمد بن كعب القرظي، [ومحمد بن عبيد] [¬٦]، وأبي بكر ابن [¬٧] محمد بن عمرو بن حزم، وأبي وائل، وابن سيرين، ومحمد بن المنكدر، وعلي بن عبد الله بن عباس وابنه محمد، ونافع مولى ابن عمر، وزيد بن أسلم، وعمر بن عبد العزيز، والأزرق بن قيس، وحبيب بن أبي ثابت، وأبي الشعثاء، ومكحول، وعبد الله بن معقل ابن مقرن. زاد البيهقي: وعبد الله بن صفوان، ومحمد بن الحنفية. زاد ابن عبد البر: وعمرو بن دينار.\nوالحجة في ذلك أنها بعض الفاتحة، فيجهر بها كسائر أبعاضها. وأيضًا فقد روى النسائي في\n_________\n(^٧٥) - ولشيخ الإسلام ابن تيمية تفصيل في هذه المسألة، فراجعه في الفتاوى (٢٢/ ٤٣٨ - ٤٤٣).\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢] ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- سقط من ز.\n[¬٤]- في خ: \"وأما\".\n[¬٥]- في ز: منها.\n[¬٦]- سقط من: ز، خ.\n[¬٧]- سقط من: خ.","vol":"1","page":179},{"text":"سننه، وابن خزيمة، وابن حبان في صحيحيهما [¬١] (^٧٦)، والحاكم في مستدركه عن أبي هريرة، أنه صلى فجهر في قراءته بالبسملة، وقال بعد أن فرغ: إني لأشبهكم صلاة برسول الله ﷺ. وصححه الدارقطني والخطيب والبيهقي وغيرهم.\nوروى أبو داود والترمذي، عن ابن عباس (^٧٧)؛ أن رسول الله ﷺ كان يفتتح الصلاة ببسم الله الرحمن الرحيم. ثم قال الترمذي: وليس إسناده [¬٢] بذاك.\nوقد رواه الحاكم في مستدركه، عن ابن عباس (^٧٨)؛ قال: كان رسول الله صلى الله عليه\n_________\n(^٧٦) - صحيح، رواه النسائي في كتاب الافتتاح، باب: قراءة بسم الله الرحمن الرحيم برقم ٩٠٥ - (٢/ ١٣٤)، وابن الجارود (١٨٤)، وابن خزيمة برقم (٤٩٩)، وابن حبان برقم (٤٥٠ موارد)، والحاكم في المستدرك (١/ ٢٣٢)، والبيهقي (٢/ ٤٦، ٥٨).\n(^٧٧) - ضعيف، وكذا عزاه المزي في التحفة (٥/ ٢٦٥)، ورواه الترمذي في الصلاة، باب: من رأى الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم برقم (٢٤٥)، والدارقطني (١/ ٣٠٤)، والبيهقي (٢/ ٤٧)، ورواه العقيلي (١/ ٨٠ - ٨١)، وابن عدي (١/ ٣٠٥) - جميعًا من حديث معتمر بن سليمان؛ قال: حدثني إسماعيل بن حماد، عن أبي خالد، عن ابن عباس، به. أما العقيلي فرواه في ترجمة إسماعيل بن حماد بن أبي سليمان وقال: حديثه غير محفوظ ويحكيه عن مجهول ثم ذكر الحديث. وأما ابن عدي فرواه في ترجمة إسماعيل من طريق إسماعيل، عن أبي خالد، عن ابن عباس، ومن طريق إسماعيل، عن عمران، عن ابن عباس، وقال: وهذا الحديث لا يرويه إلا معتمر وهو غير محفوظ، سواء قال: عن أبي خالد، أو عن عمران بن خالد جميعًا مجهولين. أما الزيلعي فقال (١/ ٣٤٦، ٣٤٧): أبو خالد هو الوالبي. واسمه هرمز. وقال المارديني في الجوهر النقي (١/ ٤٧): مجهول. وأما ابن حجر فقال (في التلخيص): قال البزار، وابن حبان: هو الوالبي، وقيل: لا يصح ذلك.\nويقال: هرم؛ قال عنه ابن حجر في التقريب: مقبول. وقال الذهبي في الكاشف: صدوق. وقال الخزرجي في الخلاصة: قال ابن عدي: في حديثه لين. وقال أبو حاتم: صالح الحديث.\n(^٧٨) - ضعيف جدًّا، والحديث في المستدرك (١/ ٢٠٨) وفي إسناده عبد الله بن عمرو بن حسان، كذبه الدارقطني، وقال علي بن المديني: يضع الحديث. وقال العقيلي: أحاديثه مقلوبة. وقال أبو حاتم: ليس بشيء، ضعيف الحديث، كان لا يصدق (الميزان ٢/ ٤٦٨) (الجرح ٥/ ١١٩) لذلك تعقب الذهبي الحاكم على تصحيحه فقال: \"عبد الله بن عمرو بن حسان المذكور في إسناده كذبه غير واحد، ومثل هذا لا يخفى على المصنف\" -أي الحاكم. وقال الزيلعي: هذا الحديث غير صريح، ولا صحيح. فأما كونه غير صريح فإنه ليس فيه أنه في الصلاة، وأما غير صريح فإن فيه عبد الله بن عمرو الواقعي ثم ذكر أقوال العلماء فيه.\nوقد روى الطحاوي في المشكل (١٣٧٥) بإسناد جيد عن سالم الأفطس، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: كان جبريل ﵇ إذا نزل على رسول، الله ﷺ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ علم أن السورة قد انقضت.\n_________\n[¬١]- في ت: \"صحيحهما\".\n[¬٢]- سقط من: خ.","vol":"1","page":180},{"text":"وسلم يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم. ثم قال: صحيح.\nوفي صحيح البخاري، عن أنس بن مالك (^٧٩)؛ أنه سئل عن قراءة رسول الله ﷺ. فقال: كانت قراءته مدًّا، ثم قرأ بسم الله الرحمن الرحيم، يمدّ بسم الله، ويمدّ الرحمن، ويمدّ الرحيم.\nوفي مسند الإمام أحمد، وسنن أبي داود، وصحيح ابني خزيمة، ومستدرك الحاكم، عن أمّ سلمة (^٨٠) ﵂ أنها [¬١] قالت: كان رسول الله ﷺ يقطع قراءته ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾. وقال الدارقطني إسناده صحيح.\nوروى [الإمام أبو عبد الله] [¬٢] الشافعي ﵀ والحاكم في مستدركه عن أنس (^٨١)، أن معاوية صلى بالمدينة فترك البسملة فأنكر عليه من حضره [¬٣] من المهاجرين ذلك، فلما صلى المرة الثانية بسمل.\nوفي هذه الأحاديث والآثار التي أوردناها كفاية ومقنع في الاحتجاج لهذا القول عما عداها. فأمّا المعارضات والروايات الغربية وتطريقها وتعليلها وتضعيفها وتقريرها فله موضع آخر.\nوذهب آخرون إلى أنه لا يجهر بالبسملة في الصلاة، وهذا هو الثابت عن الخلفاء الأربعة وعبد الله بن مغفل وطوائف من سلف التابعين والخلف، وهو مذهب أبي حنيفة والثوري وأحمد بن حنبل. وعند الإمام مالك أنه لا يقرأ البسملة بالكلية لا جهزا ولا سرًّا، واحتجوا بما في صحيح\n_________\n(^٧٩) - رواه البخاري في فضائل القرآن، باب: مد القراءة برقم (٥٠٤٦).\n(^٨٠) - رواه أحمد في المسند ٢٦٦٩٢ - (٦/ ٣٠٢)، وأبو داود في سننه في كتاب الحروف والقراءات- أول الكتاب (٤٠١). والترمذي في جامعه في كتاب القراءات، باب: في فاتحة الكتاب (٢٩٢٧). والحاكم في المستدرك (١/ ٢٣٢).\n(^٨١) - رواه الحاكم في المستدرك (١/ ٢٣٣)، من حديث عبد المجيد بن عبد العزيز، عن ابن جريج، أخبرني عبد الله بن عثمان بن خثيم، أن أبا بكر بن حفص بن عمر أخبر أن أنس بن مالك قال: صلى معاوية … فذكر الحديث بطوله. ثم قال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، فقد احتج بعبد المجيد بن عبد العزيز، وسائر الرواة متفق على عدالتهم، وهو علة لحديث شعبة وغيره عن قتادة -على علو قدره- يدلس ويأخذ عن كل أحد، وإن كان قد أدخل في الصحيح حديث قتادة فإن في ضده شواهد أحدها ما ذكرنا، ورواه الدارقطني (١/ ٣١١).\n_________\n[¬١]- زيادة من: ز، خ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في ز: حضر.","vol":"1","page":181},{"text":"مسلم عن عائشة (^٨٢) ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يفتتح الصلاة بالتكبير والقراءة بالحمد لله رب العالمين، وبما في الصحيحين عن أنس بن مالك (^٨٣)؛ قال: صليت خلف النبي ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان، فكانوا يستفتحون [¬١] بالحمد لله رب العالمين. ولمسلم: لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم في أوّل قراءة ولا في [¬٢] آخرها، ونحوه في السنن [] [¬٣] عن عبد الله بن مغفل (^٨٤) ﵁ فهذه مآخذ الأئمة ﵏ في هذه المسألة [¬٤]، وهي قريبة؛ لأنهم أجمعوا على صحة صلاة من جهر بالبسملة ومن أسرَّ، ولله الحمدُ والمنَّة.\n_________\n(^٨٢) - رواه مسلم في الصلاة برقم ٢٤٠ - (٤٩٨).\n(^٨٣) - رواه البخاري في الأذان، باب: ما يقول بعد التكبير برقم (٧٤٣)، ومسلم في الصلاة برقم ٥٠ - (٣٩٩). وليس عند البخاري: \"وعثمان\".\n(^٨٤) - رواه الترمذي في الصلاة، باب: ما جاء في ترك الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم برقم (٢٤٤)، والنسائي في الافتتاح، باب: ترك قراءة بسم الله الرحمن الرحيم في فاتحة الكتاب ٩٠٨ - (٢/ ١٣٥) وابن ماجة في إقامة الصلاة والسنة فيها، باب: افتتاح القراءة برقم (٨١٥)، ورواه أحمد (٤/ ٨٥، ٥/ ٥٤ - ٥٥)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٢٠٢)، والبيهقي (٢/ ٥٠).\nقال الزيلعي في نصب الراية (١/ ٣٣٢): حديث آخر: رواه الترمذي والنسائي وابن ماجة من حديث أبي نعامة الحنفي واسمه قيس بن عباية، ثنا بن عبد الله بن مغفل قال: سمعني أبي وأنا أقول: بسم الله الرحمن الرحيم فقال: أي بني إياك والحدث قال: ولم أر أحدًا من أصحاب رسول الله، ﷺ، كان أبغض إليه الحدث في الإسلام يعني منه قال: وصليت مع النبي، ﷺ، ومع أبي بكر ومع عمر ومع عثمان فلم أسمع أحدًا منهم يقولها فلا تقلها أنت، إذا صليت فقل: الحمد لله رب العالمين انتهى.\nقال الترمذي: حديث حسن والعمل عليه عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي، ﷺ، منهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وغيرهم ومن بعدهم من التابعين، وبه يقول سفيان الثوري وابن المبارك وأحمد وإسحاق: لا يرون الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم في الصلاة، ويقولها في نفسه، انتهى.\nقال النووي في الخلاصة: وقد ضعف الحفاظ هذا الحديث وأنكروا على الترمذي تحسينه كابن خزيمة وابن عبد البر والخطيب وقالوا: إن مداره على ابن عبد الله بن مغفل وهو مجهول، انتهى.\nورواه أحمد في مسنده من حديث أبي نعامة، عن بني عبد الله بن مغفل قالوا: كان أبونا إذا سمع أحدًا منا يقول: بسم الله الرحمن الرحيم يقول: أي بني، صليت مع النبي، ﷺ، وأبي بكر وعمر فلم أسمع أحدًا منهم يقول: بسم الله الرحمن الرحيم، انتهى.\nورواه الطبراني في معجمه عن عبد الله بن بريدة عن ابن عبد الله بن مغفل عن أبيه مثله. ثم أخرجه عن أبي سفيان طريف بن شهاب، عن يزيد بن عبد الله بن مغفل، عن أبيه قال: صليت=\n_________\n[¬١]- في ت: يفتتحون.\n[¬٢]- سقط من ز.\n[¬٣]- في ز: [و].\n[¬٤]- في ز: البسملة.","vol":"1","page":182},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= خلف إمام فجهر ببسم الله الرحمن الرحيم، فلما فرغ من صلاته قلت: ما هذا؟! غُيِّب عنا هذه التي أراك تجهر بها فإني قد صليت مع النبي، ﷺ، ومع أبي بكر وعمر فلم يجهروا بها انتهى. فهؤلاء ثلاثة رووا هذا الحديث عن ابن عبد الله بن مغفل، عن أبيه، وهم أبو نعامة الحنفي قيس بن عباية وقد وثقه ابن معين وغيره، وقال ابن عبد البر: هو ثقة عند جميعهم. وقال الخطيب: لا أعلم أحدًا رماه ببدعة في دينه، ولا كذب في روايته، وعبد الله بن بريدة، وهو أشهر من أن يثنى عليه، وأبو سفيان السعدي وهو إن تكلم فيه ولكنه يعتبر به، ما تابعه عليه غيره من الثقات، وهو الذي سمى ابن عبد الله بن مغفل: يزيد، كما هو عند الطبراني فقط، فقد ارتفعت الجهالة عن ابن عبد الله بن مغفل برواية هؤلاء الثلاثة عنه.\nوقد تقدم في مسند الإمام أحمد، عن أبي نعامة، عن بني عبد الله بن مغفل، وبنوه الذي يروي عنهم يزيد وزياد ومحمد، والنسائي وابن حبان وغيرهما يحتجون بمثل هؤلاء مع أنهم ليسوا مشهورين بالرواية، ولم يرو واحد منهم حديثًا منكرًا، ليس له شاهد ولا متابع، حتى يجرح بسببه، وإنما رووا ما رواه غيرهم من الثقات، فأما يزيد فهو الذي سُمي في هذا الحديث، وأما محمد فروى له الطبراني عنه عن أبيه؛ قال: سمعت النبي، ﷺ، يقول: \"ما من إمام يبيت غاشًّا لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة\" وزياد أيضًا روى له الطبراني عنه، عن أبيه، مرفوعًا: \"لا تحذفوا فإنه لا يصاد به صيد ولا ينكأ العدو ولكنه يكسر السن ويفقأ العين\" انتهى.\nوبالجملة فهذا حديث صريح في عدم الجهر بالتسمية، وهو وإن لم يكن من أقسام الصحيح فلا ينزل عن درجة الحسن، وقد حسنه الترمذي، والحديث الحسن يحتج به، لا سيما إذا تعددت شواهده، وكثرت متابعاته، والذين تكلموا فيه وتركوا الاحتجاج به لجهالة ابن عبد الله بن مغفل قد احتجوا في هذه المسألة بما هو أضعف منه، بل احتج الخطيب بما يعلم هو أنه موضوع، ولم يحسن البيهقي في تضعيف هذا الحديث، إذ قال بعد أن رواه في كتاب المعرفة من حديث أبي نعامة بسنده المتقدم ومتن السنن: هذا حديث تفرد به أبو نعامة قيس بن عباية، وأبو نعامة وابن عبد الله بن مغفل لم يحتج بهما صاحبا الصحيح.\nفقوله: \"تفرد به أبو نعامة\"، ليس بصحيح، فقد تابعه عبد الله بن بريدة وأبو سفيان كما قدمناه، وقوله: \"وأبو نعامة وابن عبد الله بن مغفل لم يحتج بهما صاحبا الصحيح\" ليس هذا لازمًا في صحة الإسناد، ولئن سلمنا فقد قلنا: إنه حسن، والحسن يحتج به، وهذا الحديث مما يدل على أن ترك الجهر عندهم كان ميراثًا عن نبيهم، ﷺ، يتوارثه خلفهم عن سلفهم، وهذا وحده كاف في المسألة لأن الصلوات الجهرية دائمة صباحًا ومساءًا، فلو كان ﵇ يجهر بها دائمًا لما وقع فيه اختلاف، ولا اشتباه، ولكان معلومًا بالاضطرار، ولما قال أنس: لم يجهر بها، ﵇، ولا خلفاؤه الراشدون، ولا قال عبد الله بن مغفل ذلك أيضًا، وسماه حدثًا، ولما استمر عمل أهل المدينة في محراب النبي، ﷺ، ومقامه على ترك الجهر يتوارثه آخرهم عن أولهم، وذلك جار عندهم مجرى الصاع والمد، بل أبلغ من ذلك؛ لاشتراك جميع المسلمين في الصلاة، ولان الصلاة تتكرر كل يوم وليلة، وكم من إنسان لا يحتاج إلى صاع ولا مد، ومن يحتاجه يمكث مدة لا يحتاج إليه، ولا يظن عاقل أن أكابر الصحابة والتابعين وأكثر أهل العلم كانوا يواظبون على خلاف ما كان رسول الله، ﷺ يفعله.","vol":"1","page":183},{"text":"<span data-type='title' id=toc-69>فصل في فضلها</span>\nقال الإمام العالم الحبر العابد أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم ﵀ في تفسيره (^٨٥): حدثنا أبي، حدثنا جعفر بن مسافر، حدَّثنا زيد بن المبارك الصنعاني، حدَّثنا سلّام بن وهب الجَنَدي، حدَّثنا أبي، عن طاوس، عن ابن عباس؛ أنّ عثمان بن عفان سأل رسول الله ﷺ عن بسم الله الرحمن الرحيم؟ فقال: \"هو اسم من أسماء الله، وما بينه وبين اسم الله الأكبر إلا كما بين سواد العينين وبياضهما من القرب\".\nوهكذا رواه أبو بكر بن مردويه، عن سليمان بن أحمد، عن علي بن المبارك، عن زيد بن المبارك، به.\nوقد روى الحافظ ابن مردويه من طريقين (^٨٦)، عن إسماعيل بن عياش، عن إسماعيل بن يحيى، عن مسعر، عن عطية، عن أبي سعيد؛ قال: قال رسول الله ﷺ: \"إنّ عيسى بن مريم ﵇ أسلمته أمّه إلى الكتاب ليعلمه، فقال [¬١] له المعلم: اكتب. فقال [¬٢]: ما أكتب؟ قال: باسم الله. قال له عيسى: [وما باسم] [¬٣] الله؟ قال المعلم: ما أدري. قال له عيسى: الباء بهاء الله، والسين سناؤه، والميم مملكته [¬٤]، والله إله الآلهة، والرحمن رحمن الدنيا والآخرة، والرحيم رحيم الآخرة\".\nوقد رواه ابن جرير من حديث إبراهيم بن العلاء [¬٥] الملقب زبريق [¬٦]، عن إسماعيل بن عياش،\n_________\n(^٨٥) - موضوع، والحديث في تفسير ابن أبي حاتم ٥ - (١/ ١٢)، ورواه الخطيب في تاريخه (٧/ ٣١٣)، والحاكم في المستدرك (١/ ٥٥٢)، والبيهقي في الشعب (٢١٢٣ هـ) من طريق زيد بن المبارك، به. ورواه العقيلي في ترجمة سلام بن وهب الجندي وقال: لا يتابع على حديثه، ولا يعرف إلا به. وقال الذهبي في ترجمة سلام بن وهب في الميزان (٢/ ١٨٢ ت ٣٣٥٨): \"أتى بخبر منكر، بل كذب\" ثم ساق هذا الخبر.\n(^٨٦) - موضوع، رواه ابن جرير ١٤٠ - (١/ ١٢١)، وانظر ١٤٥، ١٤٧ - (١/ ١٢٥، ١٢٧)، ورواه ابن عدي في الكامل (١/ ٣٠٣) بمثل طريق ابن جرير، وقال ابن عدي: (هذا حديث باطل الإسناد لا ورويه غير إسماعيل. وقال: إسماعيل هذا يحدث عن الثقات بالبواطيل\". ا. هـ. ومن طريقه -أي ابن عدي- أخرجه ابن الجوزي في الموضوعات (١٨٦) - وقال: موضوع، ثم قال: ما يصنع مثل هذا الحديث إلا ملحد، يريد شين الإسلام، أو جاهل في غاية الجهل، وقلة المبالاة بالدين- وأخرجه ابن حبان (١/ ١٢٦ - ١٢٧) وقال: إسماعيل يروي الموضوعات عن الثقات، وما لا أصل له عن الأثبات، لا يحل الرواية عنه، ولا الاحتجاج به بحال.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"قال\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في خ: \"وما لباسم\".\n[¬٤]- في ز ك ملكته.\n[¬٥]- في ز: المعلى.\n[¬٦]- في ت، ر: ابن زبريق.","vol":"1","page":184},{"text":"عن إسماعيل بن يحيى، عن ابن أبي مليكة، عمن حدّثه، عن ابن مسعود.\nومسعر، عن عطية، عن أبي سعيد؛ [قال: قال رسول] [¬١] الله ﷺ … فذكره. وهذا غريب جدًّا، وقد يكون صحيحًا إلى من دون رسول الله ﷺ، وقد [¬٢] يكون من الإسرائيليات لا من المرفوعات: والله أعلم.\nوقد روى جويبر (^٨٧) عن الضحاك نحوه من قِبَله.\nوقد روى ابن مَرْدُوَيه من حديث يزيد بن أبي خالد، عن سليمان بن بريدة. وفي رواية عن عبد الكريم أبي أمية، عن ابن [¬٣] بريدة، عن أبيه؛ أن رسول الله ﷺ؛ قال: \"أنزلت عليَّ آية لم تنزل [¬٤] على نبي غير سليمان بن داود وغيري، وهي بسم الله الرحمن الرحيم\" (^٨٨).\nوروى بإسناده عن عبد الكبير [¬٥] بن المعافى بن عمران، عن أبيه، عن عمر بن ذرّ، عن عطاء بن أبي رباح، عن جابر بن عبد الله؛ قال: لما نزل ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ هرب الغيم إلى المشرق، وسكنت الرياح، وهاج البحر، وأصغت البهائم بآذانها، ورجمت الشياطين من السماء، وحلف الله تعالى بعزته وجلاله أن لا يسمى اسمه على شيء إلا بارك فيه (^٨٩).\n[وقال وكيع، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن ابن مسعود؛ قال: من أراد أن ينجيه الله من الزبانية التسعة عشر فليقرأ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ فيجعل الله له بن كل حرف منها جُنَّة من كل واحد. ذكره ابن عطية والقرطبي، ووجهه ابن عطية (^٩٠) [ونظَّره] بحديث: \"لقد\n_________\n(^٨٧) - جوبير: متروك.\n(^٨٨) - عبد الكريم أبو أمية: ضعيف، قاله في التقريب.\nورواه ابن أبي حاتم في تفسيره (٩/ ١٦٣٠٦) من طريق عبد الكريم أبي أمية، عن ابن بريدة، عن أبيه، به، مرفوعًا.\nورواه الدارقطني في السنن ٢٩ - (١/ ٣١٠) من طريق سلمة بن صالح، عن يزيد بن أبي خالد، عن عبد الكريم أبي أمية، عن ابن بريدة نحوه، ورواه البيهقي (١٠/ ٦٢) وقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن ابن بريدة إلا عبد الكريم، ولا عنه إلا يزيد، تفرد به سلمة.\nوسلمة هو ابن صالح: قال الذهبي: تركوه. وسيأتي قول الحافظ ابن كثير: \"هذا حديث غريب، وإسناده ضعيف\" عند تفسير الآية: ٣٠ من سورة النمل.\n(^٨٩) - وعزاه السيوطي في الدر المنثور (١/ ٢٦) للثعلبي في تفسيره.\n(^٩٠) - المحرر الوجيز لابن عطية (١/ ٥٤).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"عن النبي\".\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- في خ: \"أبي\".\n[¬٤]- في ز: ينزل.\n[¬٥] في ر: عبد الكريم الكبير. وفي ز: عبد الكريم. وعبد الكبير: ثقة.","vol":"1","page":185},{"text":"رأيت بضعة وثلاثين ملكًا يبتدرونها\" (^٩١). لقول الرجل: ربنا ولك الحمد حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه. من أجل أنها بضعة وثلاثون حرفًا وغير ذلك] [¬١].\nوقال الإمام أحمد بن حنبل في مسنده (^٩٢): حدَّثنا محمد بن جعفر، حدَّثنا شعبة، عن عاصم؛ قال: سمعت أبا تميمة يحدث عن رديف النبي ﷺ، قال: عُثر بالنبي ﷺ [] [¬٢] فقلت: تَعِسَ الشيطان. فقال النبي ﷺ: \"لا تقل: تعس الشيطان، فإنك إذا قلت: تعس الشيطان، تعاظم وقال: بقوّتي صرعتُه، وإذا قلتَ: باسم الله، تصاغر حتى يصير مثل الذباب\". هكذا وقع في رواية الإمام أحمد.\nوقد روى النسائي في اليوم والليلة (^٩٣)، وابن مردويه في تفسيره من حديث خالد الحذاء، عن أبي تميمة -وهو الهجيمي [¬٣]- عن أبي المليح بن أسامة بن عُمير، عن أبيه؛ قال: كنت رديف النبي ﷺ فذكره، وقال: \"لا تقل هكذا، فإنه يتعاظم حتى يكون كالبيت، ولكن قل: باسم الله، فإنه يصغر حتى يكون كالذبابة [¬٤] \".\nفهذا من تأثير بركة باسم الله، ولهذا تستحب في أول كل عمل وقول، فتستحب في أول الخطبة لما جاء: \"كلُّ أَمرٍ [¬٥] لا يبدأ فيه ببسم الله [الرحمن الرحيم] [¬٦]، فهو أجذم\" (^٩٤).\n_________\n(^٩١) - رواه البخاري في كتاب الأذان، باب: (١٢٦) برقم (٧٩٩) من حديث رفاعة بن رافع، ﵁.\n(^٩٢) - أبو تميمة الهجيمي: هو طريف بن مجالد- قال الذهبي في الكاشف: وثق. والحديث رواه أحمد برقم ٢٠٦٤٨، ٢٠٦٤٩، ٢٠٧٤٧ - (٥/ ٥٩، ٧١)، (٣/ ٣٦٥)، وعبد الرزاق (١١/ ٢٠٨٩٩)، والطحاوي في مشكل الآثار (١/ ١٥٩)، والبغوي في شرح السنة (١٢/ ٣٥٣ - ٣٥٤)، ورواه الحاكم (٤/ ٢٩٢) من طريق يزيد بن زريع، عن خالد الحذاء، عن أبي تميمة، عن رديف النبي، ﷺ، مثله، وصححه الحاكم، وردَّه الذهبي بالخالفة، وقد خالف وهب بن بقية؛ يزيد بن زريع في إسناده، فرواه عن خالد الحذاء، عن أبي تميمة، عن أبي المليح، عن رجل كان ردف النبي، ﷺ، وساق الحديث. وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ١٣١، ١٣٢)، وعزاه لأحمد وقال: \"رواه أحمد بأسانيد ورجالها كلها رجال الصحيح\". ورواه أبو داود من حديث خالد الحذاء، عن أبي تميمة، عن عامر، ويقال: عمير أبو المليح بن أسامة الهذلي، عن رجل فذكره، في كتاب الأدب، باب: (٨٥) حديث رقم (٤٩٨٢).\n(^٩٣) - رواه النسائي في الكبرى برقم (١٠٣٨٩) ورواه من طريق ابن المبارك عن خالد الحذاء، عن أبي تميمة، عن أبي المليح، عن ردف رسول الله ﷺ، وقال النسائي: \"وهو الصواب\".\n(^٩٤) - ضعيف جدًّا، رواه بهذا اللفظ الخطيب في \"الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع\" (٢/ ١٢٨) =\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من ز، خ.\n[¬٢]- في المسند: حمارُه.\n[¬٣]- في خ: \"الجهمي\"، في ز: الجهيم.\n[¬٤]- في خ: \"كالذباب\".\n[¬٥]- في ز، خ: \"خطبة\".\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"1","page":186},{"text":"[وتستحب البسملة عند دخول الخلاء؛ لما ورد من الحديث في ذلك (^٩٥)] [¬١]، وتستحب في أول الوضوء؛ لما جاء في مسند الإمام أحمد والسنن من رواية أبي هريرة وسعيد بن زيد وأبي سعيد\n_________\n= من طريق مبشر بن إسماعيل، عن الأوزاعي، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁.\n(^٩٥) - روي من حديث علي، وأنس، وأبي سعيد، وأبي هريرة، ﵃، أما حديث علي، فقد رواه الترمذي في كتاب الصلاة، باب: ما ذكر من التسمية عند دخول الخلاء برقم (٦٠٦)، وابن ماجه في الطهارة وسننها، باب: ما يقول الرجل إذا دخل الخلاء- كلاهما من طريق محمد بن حميد الرازي، حدثنا الحكم بن بشير بن سليمان، ثنا خلاد الصفار، عن الحكم بن عبد الله النصري، عن أبي إسحاق، عن أبي جحيفة، عن علي، ﵁، مرفوعًا بلفظ: \"ستر ما بين أعين الجن وعورات بني آدم إذا دخل أحدهم الخلاء أن يقول: بسم الله\". وقال الترمذي: هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وإسناده ليس بذاك القوي. وقال: وقد رُوي عن أنس، عن النبي، ﷺ، أشياء غير هذا. قال الألباني: وله ثلاث علل -أي حديث علي-: الأولى: عنعنة أبي إسحاق، واختلاطه. الثانية: الحكم بن عبد الله النصري: فإنه مجهول الحال. الثالثة: محمد بن حميد الرازي فإنه وإن كان موصوفًا بالحفظ فهو مطعون فيه حتى كذبه بعضهم كأبي زرعة وغيره، وأشار البخاري لتضعيفه جدًّا بقوله: فيه نظر. ا هـ باختصار (الإرواء ١/ ٨٨ - ٨٩).\nوحديث أنس -الذي أشار إليه الترمذي- أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ٢٠٥) بلفظ: \"ستر ما بين أعين الجن وعورات بني آدم إذا وضعوا ثيابهم أن يقولوا بسم الله\". وقال: رواه الطبراني في الأوسط (٧٠٦٦) بإسنادين أحدهما فيه سعيد بن مسلمة الأموي، ضعفه البخاري وغيره، ووثقه ابن حبان وابن عدي، وبقية رجاله موثقون. وأخرجه ابن السني (ص ٨). وأخرجه ابن عدي (٣/ ٣٨٠).\nولابن أبي شيبة عن أنس: كان إذا دخل الكنيف قال: \"بسم الله، اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث. وأخرج ابن السني (ص ٨) عن أنس، عن رسول الله، ﷺ قال: \"هذه الحشوش محتضرة، فإذا دخل أحدكم الخلاء فليقل: بسم الله\".\nوروى أحمد بن منيع في مسنده -كما عزاه له ابن حجر في المطالب العالية (٤٠)، والبوصيري في الإتحاف- من حديث محمد بن الفضل بن عطية، عن زيد العمي، عن جعفر العبدي، عن أبي سعيد الخدري: \"سترة ما بين أعين الجن وعورات بني آدم إذا وضع الرجل ثوبه أن يقول: بسم الله\". وقال ابن حجر: محمد ضعيف. وقد خالفه سعيد بن مسلمة، عن الأعمش، عن زيد العمي، عن أنس أخرجه ابن عدي في الكامل (٣/ ٣٨٠)، والطبراني في الدعوات (٢/ ٣٦٨)، والأوسط (٧٠٦٦) وأما البوصيري فقال: قلت: زيد العمي ضعيف.\nوروى ابن السني -كما في الكنز ١٧٦٠ - (٥/ ٨٤) - من حديث أبي هريرة مرفوعًا: \"هذه الحشوش محتضرة فإذا دخل أحدكم فليقل: بسم الله.\nوعن أبي العالية قال: ستر بين الجن وعورات بني آدم أن يقول الرجل: بسم الله. أخرجه سعيد بن منصور- كما في الكنز ٢٥٩٣ - (٥/ ١٢٦).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.","vol":"1","page":187},{"text":"مرفوعًا: \"لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه\" (^٩٦). وهو حديث حسن.\n_________\n(^٩٦) - حديث أبي هريرة رواه الإمام أحمد: (٢/ ٤١٨). وأبو داود في كتاب الطهارة، باب: التسمية على\nالوضوء (رقم: ١٠١). وفي العلل الكبير للترمذي: باب: ١٢ - في التسمية عند الوضوء. وابن ماجه:\nكتاب الطهارة وسننها، باب: ما جاء في التسمية على الوضوء (١/ ١٤٠ / رقم: ٣٩٩).\nوالدارقطني: (١/ ٧٩). والحاكم: (١/ ١٤٦). والبيهقي: (١/ ٤١). من طريق محمد بن موسى المخزومي، عن يعقوب بن سلمة، عن أبيه، عن أبي هريرة بلفظ: \"لا صلاة لمن لا وضوء له، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه\". قال ابن حجر: ورواه الحاكم من هذا الوجه، فقال: يعقوب بن أبي سلمة، وادعى أنه الماجشون وصححه لذلك، والصواب أنه الليثي، قال البخاري: لا يعرف له سماع من أبيه، ولا لأبيه من أبي هريرة، وأبوه ذكره ابن حبان في الثقات، وقال: ربما أخطأ وهذه عبارة عن ضعفه؛ فإنه قليل الحديث جدًّا، ولم يرو عنه سوى ولده؛ فإذا كان يخطيء مع قلة ما روى، فكيف يوصف بكونه ثقة!. قال ابن الصلاح: انقلب إسناده على الحاكم، فلا يحتج لثبوته بتخريجه له. وتبعه النووي، وقال ابن دقيق العيد: لو سلم للحاكم أنه يعقوب بن أبي سلمة الماجشون، واسم أبي سلمة: دينار، فيحتاج إلى معرفة حال أبي سلمة، وليس له ذكر في شيء من كتب الرجال، فلا يكون أيضًا صحيحًا.\nقال في البدر المنير: وحاصل ما يعلل به هذا الحديث: الضعف والانقطاع؛ أما الضعف: فيعقوب بن سلمة لا أعرف حاله، وقال الذهبي في الميزان (٤/ ٢٥٢): شيخ، ليس بعمدة. وأما أبوه: فلم يعرف حاله المزي، ولا الذهبي، وإنما قال في الميزان: لم ورو عنه غير ولده. وأما الانقطاع: فقال الترمذي في عللَّه: سألت محمدًا -يعني البخاري- عن هذا الحديث فقال: محمد بن موسى المخزومي: لا بأس به مقارب الحديث، ويعقوب بن سلمة المدني لا يعرف له سماع من أبيه، ولا يعرف لأبيه سماع من أبي هريرة. قال: وأغرب ابن الجوزي فقال في كتابه التحقيق: هذا حديث جيد. ا هـ من البدر.\nقال ابن حجر: وله طريق أخرى عند الدارقطني (٧١/ ١)، والبيهقي (١/ ٤٤) من طريق محمود بن محمد الظفري، عن أيوب بن النجار، عن يحيى، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة بلفظ: \"ما توضأ من لم يذكر اسم الله عليه، وما صلى من لم يتوضأ\" ومحمود ليس بالقوي، وأيوب قد سمعه يحيى بن معين يقول: لم أسمع من يحيى بن أبي كثير إلا حديثًا واحدًا: \"التقى آدم وموسى … \".\nوقد ورد الأمر بذلك من حديث أبي هريرة، ففي الأوسط للطبراني-: (رقم: ٤٠١) من مجمع البحرين- من طريق عليّ بن ثابت، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة؛ قال: قال رسول الله، ﷺ: \"يا أبا هريرة؛ إذا توضأت فقل: باسم الله والحمد لله، فإن حَفَظَتَك لا تزال تكتب لك الحسنات، حتى تحدث من ذلك الوضوء\"، قال: تفرد به عمرو بن أبي سلمة، عن إبراهيم بن محمد، عنه، وفيه أيضًا (٢ / ل ٢٨٤) كما هو في مجمع البحرين (رقم: ٤٠٠) من طريق الأعرج، عن أبي هريرة رفعه: \"إذا استيقظ أحدكم من نومه، فلا يدخل يده في الإناء حتى يغسلها، ويسمي قبل أن يدخلها\"، تفرد بهذه الزيادة عبد الله بن محمد بن يحيى بن عروة، وهو متروك، عن هشام بن عروة، عن أبي الزناد، عنه.\nأما حديث سعيد بن زيد: فسئل أحمد عن حديث سعيد بن زيد فقال: لا يثبت. (الضعفاء للعقيلي ١/ ١٧٧). وقال ابن الجوزي في العلل المتناهية (٣٣٧/ ١): هذا حديث لا يثبت عن رسرل الله =","vol":"1","page":188},{"text":"ومن العلماء من أوجبها عند الذكر هاهنا، ومنهم من قال بوجوبها مطقًا، وكذا تستحب عند\n_________\n= ﷺ. وقال البخاري: أبو ثفال المري؛ عن رباح بن عبد الرحمن: في حديثه نظر. وقال الترمذي: قال البخاري: أحسن شيء في هذا الباب: هذا الحديث.\nوالحديث رواه الترمذي أبواب الطهارة، باب: ما جاء في التسمية عند الوضوء (رقم: ٢٥). والبزار، وأحمد (٤/ ٧٠)، وابن ماجة كتاب الطهارة وسننها، باب: ما جاء في التسمية في الوضوء (رقم: ٣٩٨)، والدارقطني (١/ ٧٢، ٧٣)، والعقيلي (١/ ١٧٧) ترجمة: ثمامة بن حصين الشاعر، والحاكم (٤/ ٦٠). من طريق عبد الرحمن بن حرملة، عن أبي ثفال، عن رباح بن عبد الرحمن بن أبي سفيان بن حويطب، عن جدته، عن أبيها، قال: سمعت رسول الله، ﷺ يقول: … فذكره. لفظ الترمذي قال: وقال محمد: أحسن شيء في هذا الباب حديث رباح، ولابن ماجة بزيادة \"لا صلاة لمن لا وضوء له\" وصرح العقيلي، والحاكم بسماع بعضهم من بعض، وزاد \"ولا يؤمن بالله من لا يؤمن بي، ولا يؤمن بي من لا يحب الأنصار\" وزاد الحاكم في روايته: حدثتني جدتي أسماء بنت سعيد بن زيد بن عمرو، أنها سمعت رسول الله، ﷺ … فأسقط منه ذكر أبيها، وقال الدارقطني في العلل: اختلف فيه، فقال وهيب، وبشر بن المفضل، وغير واحد هكذا، وقال حفص بن ميسرة، وأبو معشر، وإسحاق بن حازم: عن ابن حرملة، عن أبي ثفال، عن رباح، عن جدته: أنها سمعت … ولم يذكروا أباها، ورواه الدراوردي، عن أبي ثفال، عن رباح، عن ابن ثوبان مرسلًا، ورواه صدقة مولى آل الزبير، عن أبي ثفال، عن أبي بكر بن حويطب مرسلًا، وأبو بكر بن حويطب هو رباح المذكور، قاله الترمذي. قال الدارقطني: والصحيح قول وهيب وبشر بن المفضل ومن تابعهما. وفي المختارة للضياء من مسند الهيثم بن كليب من طريق وهيب، عن عبد الرحمن بن حرملة، سمع أبا غالب سمعت رباح بن عبد الرحمن، حدثتني جدتي: أنها سمعت أباها … كذا قال: قال الضياء: المعروف أبو ثفال، بدل أبي غالب، وهو كما قال: وصحح أبو حاتم وأبو زرعة في العلل روايتهما أيضًا، بالنسبة إلى من خالفهما، لكن قالا: إن الحديث ليس بصحيح؛ أبو ثفال ورباح مجهولان، وزاد ابن القطان: أن جدة رباح أيضًا لا يعرف اسمها، ولا حالها. كذا قال: فأما هي فقد عرف اسمها من رواية الحاكم، ورواه البيهقي أيضًا مصرحًا باسمها. وأما حالها فقد ذكرت في الصحابة، وإن لم يثبت لها صحبة فمثلها لا يسأل عن حالها. وأما أبو ثفال فروى عنه جماعة، وقال البخاري: في حديثه نظر. وهذه عادته فيمن يضعفه، وذكره ابن حبان في الثقات، إلا أنه قال: لست بالمعتمد على ما تفرد به. فكأنه لم يوثقه. وأما رباح فمجهول، قال ابن القطان: فالحديث ضعيف جدًّا. وقال البزار: أبو ثفال مشهور، ورباح وجدته لا نعلمهما رويا إلا هذا الحديث، ولا حدث عن رباح إلا أبو ثفال، فالخبر من جهة النقل لا يثبت.\nأما حديث أبي سعيد: فرواه أحمد (٣/ ٤١)، والدارمي (١/ ١٨٧ / رقم: ٦٩١)، والترمذي في العلل باب: ١٢ / باب في التسمية عند الوضوء. وابن ماجه كتاب الطهارة وسننها، باب: ما جاء في التسمية في الوضوء (رقم: ٣٩٧)، وابن عدي (٦/ ٦٧) ترجمة: كثير بن زيد. وابن السكن والبزار، والدارقطني (١/ ٧١)، والحاكم (١/ ١٤٧)، والبيهقي (١/ ٤٣)، من طريق كثير بن زيد، عن رُبيح بن عبد الرحمن بن أبي سعيد، بلفظ حديث الباب، وزعم ابن عدي أن زيد بن الحباب تفرد به عن كثير، وليس كذلك، فقد رواه الدارقطني (١/ ٧١) من حدث أبي عامر العقدي، وابن ماجه كتاب الطهارة وسننها، باب: ما جاء في التسمية في الوضوء (رقم: ٣٩٧). من حديث=","vol":"1","page":189},{"text":"الذبيحة في مذهب الشافعي وجماعة، وأوجبها آخرون عند الذكر، ومطلقًا في قول بعضهم، كما سيأتي بيانه في موضعه [إن شاء الله.\nوقد ذكر الرازي في تفسيره في فضل البسملة أحاديث، منها: عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ؛ قال: \"إذا أتيتَ أهلك فسمِّ الله، فإنه إن وجد لك ولد كتب لك بعدد أنفاسه وأنفاس ذريته حسناتٌ\". وهذا لا أصل له، ولا رأيته في شيء من الكتب المعتمد عليها ولا غيرها] [¬١].\nوهكذا تستحب عند الأكل؛ لما في صحيح مسلم؛ أن رسول الله ﷺ؛ قال لربيبه عُمر بن أبي سلمة: \"قل: باسم الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك\" (^٩٧).\nومن العلماء من أوجبها والحالة هذه، وكذلك تستحب عند الجماع؛ لما في الصحيحين (^٩٨) عن ابن عباس؛ أن رسول الله ﷺ؛ قال: \"لو أن أحدهم [¬٢] [إذا أراد أن يأتي] [¬٣]، أهله قال: باسم الله، اللهم، جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا، فإنه إن يقدر بينهما ولد لم يضره الشيطان أبدًا\".\nومن هاهنا ينكشف لك أن القولين عند النحاة في تقدير المتعلق بالباء -في قولك: ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾ هل هو اسم أو فعل- متقاربان، وكل قد ورد به القرآن، أما من قدره باسم، تقديره (باسم الله) ابتدائي فلقوله [¬٤] تعالى: ﴿وَقَال ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا [¬٥] وَمُرْسَاهَا\n_________\n= أبي أحمد الزبيري، وأما حال كثير بن زيد، فقال ابن معين: ليس بالقوي. وقال أبو زرعة: صدوق فيه لين. وقال أبو حاتم: صالح الحديث ليس بالقوي يكتب حديثه. ورُبيح، قال أبو حاتم: شيخ، وقال الترمذي عن البخاري: منكر الحديث، وقال أحمد: ليس بالمعروف، وقال المروزي: لم يصححه أحمد، وقال: ليس فيه شيء يثبت. وقال البزار: روى عنه فُليح بن سليمان، وكثير بن زيد، وكثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، وكل ما روي في هذا الباب فليس بقوي، ثم ذكر أنه روى عن كثير بن زيد، عن الوليد بن رباح، عن أبي هريرة، وقال العقيلي: الأسانيد في هذا الباب فيها لين. وقد قال أحمد بن حنبل: إنه أحسن شيء في هذا الباب. وقال السعدي: سئل أحمد عن التسمية، فقال: لا أعلم فيه حديثًا صحيحًا، أقوى شيء فيه حديث كثير بن زيد، عن رُبيح، وقال إسحاق بن راهويه: هو أصح ما في الباب.\n(^٩٧) - رواه مسلم في كتاب الأشربة برقم ١٠٨ - (٢٠٢٢)، ولفظه: \"يا غلام! كل بيمينك، وكل مما يليك\"، وهو عند البخاري في الأطعمة، باب: التسمية على الطعام، والأكل باليمين برقم (٥٣٧٦).\n(^٩٨) - رواه البخاري في الوضوء، باب: التسمية على كل حال وعند الوقاع برقم (١٤١). ومسلم في كتاب النكاح برقم ١١٦ - (١٤٣٤).\n_________\n[¬١]- سقط من ز، خ.\n[¬٢]- في خ: أحدكم.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"أتي\".\n[¬٤]- في خ: \"فكقوله\".\n[¬٥]- في خ: \"مجراها\".","vol":"1","page":190},{"text":"إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. ومن قدره بالفعل [أمرًا أو خبرًا نحو: ابدأ باسم الله، أو ابتدأت باسم الله] [¬١]، فلقوله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ وكلاهما صحيح؛ فإن الفعل لا بد له من مصدر، فلك أن تقدر الفعل ومصدره، وذلك بحسب الفعل الذي سميت قبله، إن كان قيامًا أو قعودًا، أو أكلًا أو شربًا، أو قراءة أو وضوءًا أو صلاة، فالمشروع ذكر اسم [¬٢] الله في الشروع في ذلك كله تبركًا وتيمُّنًا واستعانة على الإتمام والتقبل، والله أعلم.\nولهذا روى ابن جرير، وابن أبي حاتم، من حديث بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس، قال: إن أول ما نزل به جبريل على محمد ﷺ، قال: يا محمد؛ قل: أستعيذ بالله [¬٣] السميع [¬٤] العليم من الشيطان الرجيم. ثم قال: قل: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. قال: قال له جبريل: قل [¬٥] باسم الله يا محمد. يقول: اقرأ بذكر الله ربك، وقم واقعد بذكر الله تعالى. لفظ ابن جرير (^٩٩).\nوأمّا مسألة الاسم هل هو المسمى أو غيره ففيها للناس ثلاثة أقوال: [أحدها: أنّ الاسم هو المسمى، وهو قول أبي عبيدة وسيبويه، واختاره الباقلاني وابن فورك، وقال الرازي -وهو محمد بن عمر المعروف بابن خطيب الري- في مقدّمات تفسيره: قالت الحشوية والكرامية والأشعرية: الاسم نفس المسمى وغير نفس التسمية. وقالت المعتزلة: الاسم غير المسمى وغير التسمية. والمختار عندنا أنّ الاسم غير المسمى وغير التسمية، ثم نقول: إن كان المراد بالاسم هذا اللفظ الذي هو أصوات متقطعة وحروف مؤلفة، فالعلم الضروري حاصل أنه غير المسمى، وإن كان المراد بالاسم ذات المسمى، فهذا يكون من باب إيضاح الواضحات وهو عبث، فثبت أنّ الخوض في هذا البحث على جميع التقديرات يجري مجرى العبث.\nثم شرع يستدل على مغايرة الاسم للمسمى بأنه قد يكون الاسم موجودًا والمسمى مفقودًا، كلفظة المعدوم، وبأنه قد يكون للشيء أسماء متعدّدة كالمترادفة، وقد يكون الاسم واحدًا والمسميات متعدّدة، كالمشترك، وذلك دال على تغاير الاسم والمسمى، وأيضًا فالاسم لفظ وهو عرض، والمسمى قد يكون ذاتًا ممكنة أو واجبة بذاتها، وأيضًا فلفظ النار والثلج لو كان هو المسمى لوَجد اللافظ بذلك حرَّ النار أو بردَ الثلج ونحو ذلك، ولا يقوله عاقل، وأيضًا فقد قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾. وقال النبي ﷺ: \"إن لله تسعة وتسعين\n_________\n(^٩٩) - في سنده ضعف وانقطاع، والحديث في تفسير ابن جرير ١٣٩ - (١/ ١١٧)، وابن أبي حاتم ٦ - (١/ ١٣) وبشر بن عمارة تقدمت ترجمته برقم (٥٩).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- في ز، خ: \"بالسميع\".\n[¬٥]- سقط من: ز، خ.","vol":"1","page":191},{"text":"اسمًا\". فهذه أسماء كثيرة والمسمى واحد وهو الله تعالى، وأيضًا فقوله: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ﴾ أضافها إليه كما قال: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ ونحو ذلك فالإضافة تقتضي المغايرة، وقوله تعالى: ﴿فَادْعُوهُ بِهَا﴾ أي فادعوا الله بأسمائه، وذلك دليل على أنها غيره، واحتج من قال الاسم هو المسمى بقوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ والمتبارك هو الله تعالى، والجواب أن الاسم معظم لتعظيم الذات المقدّسة، وأيضًا فإذا قال الرجل: زينب طالق. يعني: امرأته؛ طلقت، ولو كان الاسم غير المسمى لما وقع الطلاق.\nوالجواب أن المراد أنّ الذات المسماة بهذا الاسم طالق.\nقال الرازي: وأمّا التسمية فإنها جعل الاسم معينًا لهذه الذات فهي غير الاسم أيضًا، والله أعلم] [¬١].\n﴿اللَّهُ﴾ عَلَمٌ على الرب ﵎، يقال: إنه الاسم الأعظم؛ لأنه يوصف بجميع الصفات كما قال تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إلا هُوَ عَالِمُ الْغَيبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (٢٢) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إلا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣) هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. فأجرى الأسماء الباقية كلها صفات له كما قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَو ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾.\nوفي الصحيحين (^١٠٠) عن أبي هريرة؛ أنّ رسول الله ﷺ؛ قال: \"إنّ لله تسعة وتسعين اسمًا مائة إلا واحدًا، من أحصاها دخل الجنة\".\n[وجاء تعدادها في رواية الترمذي وابن ماجة (^١٠١)، وبين الروايتين اختلاف زيادة ونقصان، وقد\n_________\n(^١٠٠) - رواه البخاري في كتاب الشروط، باب: ما يجوز من الاشتراط، وفي الدعوات، باب: لله مائة اسم غير واحدة، وفي التوحيد، باب: إن لله مائة اسم إلا واحدة برقم (٢٧٣٦، ٦٤١٠، ٧٣٩٢)، ومسلم في الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار برقم ٦ - (٢٦٧٧).\n(^١٠١) - رواه الترمذي في كتاب الدعوات، باب: أسماء الله الحسنى بالتفصيل برقم (٣٥٠٢)، رواه عن إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني، حدثني صفوان بن صالح، ثنا الوليد بن مسلم، ثنا شعيب بن أبي حمزة، عن أبي الزناد، عن الأعرج، به. وقال: هذا حديث غريب. حدثنا به غير واحدٍ، عن صفوان بن صالح ولا نعرفه إلا من حديث صفوان بن صالح، وهو ثقة عند أهل الحديث. قال: وقد روى آدم بن أبي إياس هذا الحديث بإسنادٍ غير هذا عن أبي هريرة، عن النبي، ﷺ، وذكر فيه الأسماء وليس له إسناد صحيح. =\n_________\n[¬١]- بياض في ز، خ، وكتب ناسخ ز: كذا بالأصل.","vol":"1","page":192},{"text":"ذكر الرازي في تفسيره عن بعضهم أنّ لله خمسة آلاف اسم، ألف في الكتاب والسنة الصحيحة، وألف في التوراة، وألف في الإنجيل، وألف في الزبور، وألف في اللوح المحفوظ] [¬١].\nوهو اسم لم يُسَمَّ به غيره ﵎؛ ولهذا لا يعرف في كلام العرب له [¬٢] اشتقاق من فعل\n_________\n= ورواه البغوي (١٢٥٧) من طريق إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني، عن صفوان بن صالح، عن الوليد بن مسلم.\nورواه الحاكم (١/ ١٦) من حديث موسى بن أيوب النصيبي، وصفوان بن فيلح قال: حدثنا الوليد بن مسلم.\nورواه البيهقي (١٠/ ٢٧) من طريق جعفر بن محمد الفريابي، عن صفوان بن صالح، عن الوليد بن مسلم، ثنا شعيب بن أبي حمزة، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة. وفي الأسماء والصفات.\nوالحديث رواه ابن حبان في صحيحه ٨٠٨ - (٣/ ٨٨ - ٩٠) من ثلاث طرق، عن صفوان بن صالح، عن الوليد بن مسلم.\nوقال الحاكم: هذا حديث قد خرجاه في الصحيحين بأسانيد صحيحة دون ذكر الأسامى فيه والعلة فيه عنهما أن الوليد بن مسلم تفرد بسياقته بطوله، وذكر الأسامي فيه ولم يذكرها غيره، وليس هذا بعلة فإني لا أعلم اختلافا بين أئمة الحديث أن الوليد بن مسلم أوثق وأحفظ، وأعلم وأجل من أبي اليمان، وبشر بن شعيب، وعلي بن عياش، وأقرانهم من أصحاب شعيب.\nثم نظرنا فوجدنا الحديث قد رواه عبد العزيز بن الحصين، عن أيوب السختياني وهشام بن حسان جميعًا عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ بطوله.\nورواه ابن ماجه في الدعاء، باب: أسماء الله ﷿ برقم (٣٨٦١). عن هشام بن عمار، ثنا عبد الملك بن محمد الصنعاني، ثنا أبو المنذر زهير بن محمد التميمي، ثنا موسى بن عقبة، حدثني عبد الرحمن الأعرج، عن أبي هريرة فذكره.\nورواه الحاكم (١/ ١٦) من طريق خالد بن مخلد، عن عبد العزيز بن حصين بن الترجمان، ثنا أيوب السختياني، وهشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة. وقال الحاكم: فيه عبد العزيز بن الحصين، وهو ثقة. قال الذهبي: بل ضعفوه.\nوقال البوصيري في الزوائد (٣/ ٢٠٧): لم يخرج أحد من الأئمة الستة عدد أسماء الله الحسنى من حديث أبي هريرة، ولا من غيره سوى ابن ماجه والترمذي لكن طريق الترمذي بغير هذا السياق، وبزيادة ونقص وتقديم وتأخير، وطريق الترمذي أصح شيء في هذا الباب، قلت -البوصيري-: رواه ابن خزيمة وابن حبان في صحيحه والحاكم في المستدرك من حديث أبي هريرة أيضًا، وإسناد طريق ابن ماجه ضعيف؛ لضعف عبد الملك بن محمد الصنعاني. ا هـ كلامه.\nوأما طريق الحاكم ففيها عبد العزيز بن الحصين بن الترجمان، قال البخاري: ليس بالقوي عندهم. وقال ابن معين: ضعيف. وقال مسلم: ذاهب الحديث. وقال ابن عدي: الضعف على روايته بين. وأورد له العقيلي في الضعفاء حديث الأسماء، وقال: لا يتابع عليه وفيه لين، واضطراب. وقال الآجري: سألت أبا داود عنه فقال: متروك الحديث. وقال البغوي: ضعيف الحديث. وضعفه علي بن المديني جدًّا، =\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- سقط من ز.","vol":"1","page":193},{"text":"يفعل [¬١]، فذهب من ذهب من النحاة إلى أنه اسم جامد لا اشتقاق له، [وقد نقله القرطبي (^١٠٢) عن جماعة من العلماء، منهم: الشافعي، والخطبي، وإمام الحرمين، والغزالي، وغيرهم. ورُوي عن الخليل وسيبويه أنّ الألف واللام فيه لازمة، قال الخطابي: ألا ترى أنك تقول: يا الله، ولا تقول: يا الرحمن، فلولا أنه من أصل الكلمة لما جاز إدخال حرف النداء على الألف واللام] [¬٢]، وقيل: إنه مشتق. واستدلوا عليه بقول رؤبة بن العجاج:\nلله درّ الغانيات المده … سبحن واسترجعن من تألهي (^١٠٣)\nفقد صرح الشاعر بلفظ المصدر، وهو التأله من أله يأله إلاهة وتألهًا، كما روي [عن ابن عباس أنه] [¬٣] قرأ: (ويذرك وإلاهتك) قال: عبادتك. أي أنه كان يُعبد ولا يَعبد، وكذا قال مجاهد وغيره، [وقد استدل بعضهم على كونه مشتقًا بقوله تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾ كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ ونقل سيبويه عن الخليل أنّ أصله إلاه مثل فعال، فأدخلت الألف واللام بدلًا من الهمزة. قال سيبويه: مثل الناس أصله أناس. وقيل: أصل الكلمة لاه، فدخلت الألف واللام للتعظيم وهذا اختيار سيبويه. قال الشاعر:\nلاه ابن عمك لا أفضلت في حسب … عني ولا أنت دياني فتخزوني (^١٠٤)\nقال القرطبي: بالخاء المعجمة؛ أي فتسوسني.\nوقال الكسائي والفرّاء: أصله الإله، حذفوا الهمزة، وأدغموا اللام الأولى في الثانية، كما قال: ﴿لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي﴾ أي: لكن أنا، وقد قرأها كذلك الحسن.\nقال القرطبي: ثم قيل: هو مشتق من وله إذا تحير. والوله: ذهاب العقل، يقال: رجل واله وامرأة ولهى [وماء موله] [¬٤]، إذا أرسل في الصحراء، فالله تعالى يحير أولئك في الفكر في حقائق صفاته، فعلى هذا يكون [أصل إلاه] [¬٥] ولاه فأبدلت الواو همزة، كما قالوا في وشاح:\n_________\n= وقال النسائي في التمييز: ليس بثقة. ولا يكتب حديثه. قال ابن حجر: وأعجب من كل ما تقدم أن الحاكم أخرج له في المستدرك وقال: إنه ثقة. (الميزان ٢/ ٦٢٧، اللسان ٤/ ٢٨، ٢٩).\n(^١٠٢) - تفسير القرطبي (١/ ١٠٣).\n(^١٠٣) - البيت في اللسان، مادة \"مده\" وفي تفسير ابن جرير (١/ ١٢٣).\n(^١٠٤) - البيت لذي الإصبع العدواني، وهو من شواهد ابن عقيل على شرح الألفية برقم (٢٠٨)، ولسان العرب، مادة \"ل وهـ\".\n_________\n[¬١]- في خ: \"تفعل\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في ز: أن ابن عباس قرأ.\n[¬٤]- في ر: مولوهة.\n[¬٥]- زيادة من القرطبي.","vol":"1","page":194},{"text":"إشاح ووسادة إسادة.\nوقال الرازي: وقيل: إنه مشتق من ألهت إلى فلان، أي: سكنت إليه، فالعقول لا تسكن إلا إلى ذكره، والأرواح لا تفرح إلا بمعرفته؛ لأنه الكامل على الإطلاق دون غيره، قال الله تعالى: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ قال: وقيل: من لاه يلوه إذا احتجب.\nوقيل: اشتقاقه من أله الفصيل أولع بأمّه، والمعنى أن العياد مألوهون [¬١] مولعون بالتضرع إليه في كل الأحوال. قال: وقيل: مشتق من أله الرجل يأله إذا فزع من أمر نزل به، فألهه أي أجاره، فالمجير لجميع الخلائق من كل المضار هو الله سبحانه؛ لقوله تعالى: ﴿وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيهِ﴾ وهو المنعم لقوله تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ المطعم لقوله تعالى: ﴿وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ﴾ وهو الموجد؛ لقوله تعالى: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ وقد اختار الرازي أنه اسم غير مشتق ألبتة، قال: وهو قول الخليل وسيبويه وأكثر الأصوليين والفقهاء.\nثم أخذ يستدل على ذلك بوجوه؛ منها: أنه لو كان مشتقًا لاشترك في معناه كثيرون.\nومنها: أن بقية الأسماء تذكر صفات له، فتقول: الله الرحمن الرحيم الملك القدوس. فدل على أنه ليس بمشتق، قال: فأما قوله تعالى: ﴿الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (١) اللَّهِ﴾ على قراءة الجر فجعل ذلك من باب عطف البيان، ومنها قوله تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ وفي الاستدلال بهذه على كون هذا الاسم جامدًا غير مشتق نظر، والله أعلم\nوحكى الرازي عن بعضهم أن اسم الله تعالى عبراني لا عربي، ثم ضعفه وهو حقيق بالتضعيف كما قال، وقد حكى الرازي هذا القول ثم قال: واعلم أن الخلائق قسمان؛ واصلون إلى ساحل بحر المعرفة، ومحرومون قد بقوا في ظلمات الحيرة وتيه الجهالة، فكأنهم قد فقدوا عقولهم وأرواحهم، وأما الواجدون فقد وصلوا إلى عرصة النور، وفسحة الكبرياء والجلال، فتاهوا في ميادين الصمدية، وبادوا في عرصة الفردانية، فثبت أن الخلائق كلهم والهون في معرفته، ورُوي عن الخليل بن أحمد أنه قال: لأن الخلق يألهون إليه بفتح اللام وكسرها لغتان.\nوقيل: إنه مشتق من الارتفاع، فكانت العرب تقول لكل شيء مرتفع: لاها. وكانوا يقولون: إذا طلعت الشمس: لاهت. وقيل: إنه مشتق من أله الرجل إذا تعبد، وتأله إذا تنسك. وقرأ ابن عباس ﴿وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾ [¬٢] وأصل ذلك الإله فحذفت الهمزة التي هي فاء الكلمة، فالتقت اللام التي هي [¬٣] عينها مع اللام الزائدة في أولها للتعريف، فأدغمت إحداهما في الأخرى، فصارتا\n_________\n[¬١]- في اللسان: مولهون.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.","vol":"1","page":195},{"text":"في اللفظ لامًا واحدة مشدّدة، وفخمت تعظيمًا فقيل: الله.\n﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ اسمان مشتقان من الرحمة على وجه المبالغة. ورحمن أشدّ مبالغة من رحيم، [وفي كلام ابن جرير] [¬١] ما يفهم منه [¬٢] حكاية الاتفاق على هذا، وفي تفسير بعض السلف ما يدل على ذلك، كما تقدّم في الأثر عن عيسى ﵇ أنه قال: والرحمن رحمن الدنيا والآخرة، والرحيم رحيم الآخرة.\n[وزعم بعضهم أنه غير مشتق؛ إذ لو كان كذلك لاتصل بذكر المرحوم وقد قال: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ وحكى ابن الأنبارى في الزاهر عن المبرد أن الرحمن اسم عبراني ليس بعربي، وقال أبو إسحاق الزجاج في معاني القرآن: وقال أحمد بن يحيى: الرحيم عربي والرحمن عبراني؛ فلهذا جمع بينهما.\nقال أبو إسحاق: وهذا القول مرغوب عنه.\nوقال القرطبي: والدليل على أنه مشتق ما خزجه الترمذي (^١٠٥) وصححه عن عبد الرحمن ابن عوف ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: \"قال الله تعالى أنا الرحمن، خلقت الرَّحِم وشققت لها اسمًا من اسمي، فمن وصلها وصلته، ومن قطعها قطعته\".\nقال: وهذا نصُّ في الاشتقاق فلا معنى للمخالفة والشقاق. قال: وإنكار العرب لاسم الرحمن\n_________\n(^١٠٥) - رواه الترمذي في أبواب البر والصلة، باب: ما جاء في قطيعة الرحم برقم (١٩٠٧) من طريق سفيان، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن عبد الرحمن بن عوف، ﵁، وقال الترمذي: حديث سفيان، عن الزهري، حديث صحيح، وروى معمر هذا الحديث، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن رداد الليثي، عن عبد الرحمن بن عوف- ومعمر، كذا يقول البخاري: وحديث معمر خطأ. وقال الترمذي: وفي الباب عن أبي سعيد، وابن أبي أوفى، وعامر بن ربيعة، وأبي هريرة، وجبير بن مطعم.\nورواه أبو داود في الزكاة، باب: صلة الرحم حديث (١٦٩٤).\nوالطريق الأول: اختلف في سماع أبي سلمة بن عبد الرحمن من أبيه، والصحيح أنه لم يسمع كما قال يحيى بن معين، والبخاري (العلائى ص ٢١٣).\nوالطريق الثاني: رداد الليثي: لم يروه عنه إلا أبو سلمة، ولم يوثقه معتبر.\nورواه أحمد (١/ ١٩١) من طريق يحيى بن أبي كثير، عن إبراهيم بن عبد الله بن قارظ أن أباه حدثه أنه دخل على عبد الرحمن بن عوف.\nقال ابن حجر: وللمتن متابع، رواه أبو يعلى بسند صحيح من طريق عبد الله بن قارظ، عن عبد الرحمن بن عوف من غير ذكر أبي الرداد فيه، وأخرجه أحمد (٢/ ٤٩٨) من حديث أبي هريرة بسند حسن.\n_________\n[¬١]- في خ: وفي كلامه -أي ابن جرير.\n[¬٢]- سقط من: خ.","vol":"1","page":196},{"text":"لجهلهم بالله وبما وجب له.\nقال القرطبي: ثم قيل: هما بمعنى واحد كندمان ونديم. قاله أبو عبيد، وقيل: ليس بناء فعلان كفعيل؛ فإن فعلان لا يقع إلا على مبالغة الفعل نحو قولك: رجل غضبان للرجل الممتلئ غضبًا، وفعيل قد يكون بمعنى الفاعل والمفعول.\nقال أبو علي الفارسي: الرحمن اسم عام في جميع أنواع الرحمة يختص به الله تعالى، والرحيم إنما هو من جهة المؤمنين قال الله تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾.\nوقال ابن عباس هما اسمان رقيقان أحدهما أرق من الآخر. أي أكثر رحمة، ثم حكى عن الخطابي وغيره أنهم استشكلوا هذه الصفة، وقالوا: لعله أرفق كما في الحديث: \"إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله، وإنه يعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف\" (^١٠٦).\nوقال ابن المبارك: الرحمن إذا سئل أعطى، والرحيم إذا لم يسأل يغضب. وهذا كما جاء في الحديث الذي رواه الترمذي وابن ماجة من حديث أبي صالح الفارسي الخوزي عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: \"من لم يسأل الله يغضب عليه\" (^١٠٧).\n_________\n(^١٠٦) - رواه مسلم في البر والصلة، والآداب برقم ٧٧ - (٢٥٩٣) من حديث عائشة، ﵂، ورواه أبو داود في الأدب، باب: في الرفق برقم (٤٨٠٧) من حديث عبد الله بن مغفل، ﵁. ورواه ابن ماجه من حديث أبي هريرة (٣٦٨٨).\n(^١٠٧) - رواه الترمذي في الدعوات، باب: من لم يسأل الله يغضب عليه، برقم (٣٣٧٣)، وابن ماجة في الدعاء، باب: فضل الدعاء برقم (٣٨٢٧).\nوأخرجه أحمد ٩٦٩٩، ٩٧١٧، ١٠١٨١ - (٢/ ٤٤٢، ٤٤٣، ٤٧٧) من حديث مروان الفزاري ووكيع عن أبي المليح - صبيح - عن أبي صالح.\nوالبخاري في الأدب (٦٥٨) والبزار والحاكم (١/ ٤٩١) كلهم من طريق أبي صالح الخوزي -بضم الخاء المعجمة وسكون الواو ثم زاي- عن أبي هريرة. وقال الترمذي: وقد روى وكيع وغير واحد عن أبي المليح هذا الحديث ولا نعرفه إلا من هذا الوجه. وأبو المليح اسمه صبيح. سمعت محمدًا يقول وقال: يقال له الفارسي.\nورواه أحمد ٩٧١٧، ١٠١٨١ - (٢/ ٤٤٣، ٤٧٧)، وابن ماجه في كتاب الدعاء، باب: فضل الدعاء برقم (٣٨٢٧) بلفظ: من لم يدعُ الله .....\nوقال الحافظ ابن حجر في الفتح (١١/ ٩٥): \"وهذا الخوزى مختلف فيه، ضعفه ابن معين، وقواه أبو زرعة، وظن الحافظ ابن كثير-[سورة غافر آية ٦٠] (*) - أنه أبو صالح السمان فجزم بأن أحمد تفرد بتخريجه، وليس كما قال، فقد جزم شيخه المزي في الأطراف بما قلته. ووقع في رواية البزار والحاكم عن أبي صالح الخوزي سمعت أبا هريرة.\n(*) - قال الحافظ ابن كثير [في سورة غافر آية ٦٠]: تفرد به أحمد، وهذا إسناد لا بأس به. =","vol":"1","page":197},{"text":"وقال بعض الشعراء\nلا تطلبن بني آدم حاجة … وسل الذي أبوابه لا تغلق\nالله يغضب إن تركت سؤاله … وبني آدم حين يسأل يغضب (^١٠٨)] [¬١]\nوقال ابن جرير (^١٠٩): حدَّثنا السري بن يحيى التميمي، حدَّثنا عثمان بن زفر، سمعت العرزمي يقول: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ قال: ﴿الرَّحْمَنِ﴾ لجميع الخلق، ﴿الرَّحِيمِ﴾ قال: بالمؤمنين.\nقالوا: ولهذا قال: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ﴾، وقال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ فذكر الاستواء باسمه الرحمن ليعم جميع خلقه برحمته، وقال: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [فخصهم باسمه الرحيم] [¬٢]، قالوا: فدل على أن الرحمن أشد مبالغة في الرحمة لعمومها في الدارين لجميع خلقه، والرحيم خاصة بالمؤمنين.\nلكن جاء في الدعاء المأثور: \"رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما\" (^١١٠). [واسمه تعالى الرحمن خاص به لم يُسَمَّ به غيره، كما قال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَو ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ وقال تعالى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ ولما تجمهر مسيلمة الكذاب وتسمى برحمن اليمامة، كساه الله جلباب الكذب وشهره به، فلا يقال إلا مسيلمة الكذاب، فصار يُضرب به المثل في الكذب بين أهل الحضر من أهل المدر، وأهل الوبر من أهل البادية والأعراب] [¬٣].\nوقد زعم بعضهم أن الرحيم أشد مبالغة من الرحمن، لأنه أكد به، والمؤكِّد [¬٤] لا يكون إلا أقوى من المؤكَّد. والجواب؛ أن هذا ليس من باب التوكيد، وإنما هو من باب النعت، ولا يلزم فيه\n_________\n= ولم أره ذكر أن أبا صالح هو السمان بل قال: وأبو صالح هذا هو الخوزي سكن شعب الخوز قاله البزار في مسنده.\n(^١٠٨) - ذكره القرطبي في التفسير (١/ ١٠٦) غير منسوب.\n(^١٠٩) - الأثر في تفسير ابن جرير ١٤٦ - (١/ ١٢٧).\n(^١١٠) - دعاء: \"رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما\" رواه الحاكم (١/ ٥١٥) وصححه، وتعقبه الذهبي فقال: قلت: الحكم ليس بثقة. وقال الحافظ المنذري في الترغيب (٢/ ٦١٦): رواه البزار (٤/ ٣١٧٧)، والحاكم والأصبهاني في الترغيب (١٢٤٥)، والطبراني في الدعاء (١٠٤١)، والبيهقي في الدلائل (٦/ ١٧١، ١٧٢) كلهم من طريق الحكم بن عبد الله الأيلي. وقال الحاكم: صحيح الإسناد. قال المنذري: كيف والحكم متروك متهم؟!. والقاسم مع ما قيل فيه لم يسمع من عائشة -كذا قال- وقد جاء مصرحًا في المستدرك أنه ابن محمد وليس فيه كلام، وهو كثير الرواية عن عائشة. وأورد الهيثمي (١٠/ ١٨٦) فقال: فيه الحكم بن عبد الله الأيلي وهو متروك.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من ر، خ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- في ز، خ: \"والتأكيد\".","vol":"1","page":198},{"text":"ما ذكروه، وعلى هذا فيكون تقدير [¬١] اسم الله الذي لم يسم به [¬٢] أحد غيره، ووصفه أولًا بالرحمن الذي منع من التسمية به لغيره، كما قال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَو ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾. وإنما تجمهر مسيلمة اليمامة في التسمي به، ولم يتابعه على ذلك إلا من كان معه في الضلالة [¬٣].\nوأما الرحيم فإنه [تعالى وصف] [¬٤] به غيره، حيث قال: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾. كما وصف غيره بغير ذلك من أسمائه [كما قال تعالى] [¬٥]: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾. والحاصل أن من أسمائه تعالى ما يسمى به غيرُه، ومنها ما لا يسمى به غيره، كاسم [¬٦] الله والرحمن والخالق والرزاق ونحو ذلك، فلهذا بدأ باسم الله ووصفه بالرحمن؛ لأنه أخص وأعرف من الرحيم؛ لأن التسمية أولًا إنما تكون بأشرف [¬٧] الأسماء فلهذا ابتدأ بالأخص فالأخص.\nفإن قيل: فإذا كان الرحمن أشد مبالغة فهلا اكتفي به عن الرحيم؟. فقد روي عن عطاء الخراساني ما معناه، أنه لما تسمى غيره تعالى بالرحمن، جيء بلفظ الرحيم ليقطع التوهم بذلك، فإنه لا يوصف بالرحمن الرحيم إلا الله تعالى، كذا رواه ابن جرير عن عطاء، ووجَّهَه بذلك والله أعلم.\nوقد زعم بعضهم أن العرب لا تعرف الرحمن، حتى رد الله عليهم ذلك بقوله: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَو ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ ولهذا قال كفار قريش يوم الحديبية، لما قال رسول الله ﷺ لعلى: \"اكتب \"بسم المه الرحمن الرحيم\" فقالوا: لا نعرف الرحمن ولا الرحيم. رواه البخاري (^١١١).\nوفي بعض الروايات؛ لا نعرف الرحمن إلا رحمن اليمامة. وقال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا﴾. والظاهر أن إنكارهم هذا إنما هو جحود وعناد وتعنّت في كفرهم؛ فإنه [¬٨] قد [¬٩] وجد في [أشعارهم في] [¬١٠] الجاهلية تسمية الله تعالى بالرحمن.\n_________\n(^١١١) - رواه البخاري في كتاب الشروط، باب: الشروط في الجهاد … برقم (٢٧٣١، ٢٧٣٢).\n_________\n[¬١]- في ز: تقديم.\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- في ز: الضلال.\n[¬٤]- في خ: \"وصف تعالى\".\n[¬٥]- في ز، خ: في \"قوله\".\n[¬٦]- في ز، خ: كاسمه.\n[¬٧]- في ز، خ: بأشهر.\n[¬٨]- في ز، خ: \"وإنه\".\n[¬٩]- سقط من: ز، خ.\n[¬١٠]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"أشعار\".","vol":"1","page":199},{"text":"قال ابن جرير: وقد أنشد بعض الجاهلية الجهال:\nألا ضربت تلك الفتاة هجينها … ألا قضب الرحمن ربي يمينها (^١١٢)\nوقال سلامة بن جندل الطهوي:\nعَجِلْتُم علينا عَجْلَتَيْنا [¬١] عليكم … وما يشأِ الرحمنُ يَعْقِدْ ويُطْلِقِ (^١١٣)\nوقال ابن جرير (^١١٤): حدثنا أبو كريب، حدّثنا عثمان بن سعيد، حدّثنا بشر بن عمارة، حدّثنا أبو روق، عن الضحاك، عن عبد الله بن عباس قال: الرحمن: الفعلان من الرحمة، هو من كلام العرب. وقال ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ الرفيق الرقيق بمن أحب أن يرحمه، والبعيد الشديد على من أحب أن يعنف عليه، وكذلك أسماؤه كلها.\nوقال ابن جرير (^١١٥) أيضًا [¬٢]: حدّثنا محمَّد بن بشار، حدّثنا حماد بن مسعدة، عن عوف عن الحسن قال: الرحمن اسم ممنوع.\nوقال ابن أبي حاتم (^١١٦): حدثنا أبو سعيد بن [¬٣] يحيى بن سعيد القطان، حدّثنا زيد بن الحباب، حدّثني أبو الأشهب، عن الحسن قال: [الرحمن] اسم لا يستطيع الناس أن ينتحلوه، تسمى به ﵎.\n[وقد جاء في حديث أم سلمة (^١١٧) أن رسول الله ﷺ كان يقطع قراءته حرفًا حرفًا ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ\n_________\n(^١١٢) - تفسير ابن جرير (١/ ١٣١).\n(^١١٣) - تفسير ابن جرير (١/ ١٣١).\n(^١١٤) - إسناده ضعيف لضعف بشر بن عمارة. والضحاك لم يلق ابن عباس. والحديث في تفسير ابن جرير ١٤٨ - (١/ ١٢٩).\n(^١١٥) - تفسير ابن جرير ١٥٠ - (١/ ١٣٤).\n(^١١٦) - إسناده حسن، أبو سعيد هو أحمد بن محمَّد بن يحيى بن سعيد القطان، وأبو الأشهب هو جعفر بن حيان السعدي العطاردي ثقة، والحديث في تفسير ابن أبي حاتم ٧ - (١/ ١٣).\n(^١١٧) - رواه أحمد في المسند ٢٦٦٩٢ - (٦/ ٣٠٢)، وأخرجه أبو داود في سننه في كتاب الحروف والقراءات أول الكتاب (رقم: ٤٠٠١) والترمذي في جامعه في كتاب القراءات، باب: في فاتحة الكتاب (رقم: ٢٩٢٧) كلهم من طريق يحيى بن سعيد الأموي، به.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"عجلتنا\".\n[¬٢]- زيادة من: ز، خ.\n[¬٣]- زيادة من خ، وتفسير النسبة أبي حاتم.","vol":"1","page":200},{"text":"الدِّينِ﴾ فقرأ بعضهم كذلك وهم طائفة، ومنهم من وصلها بقوله ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ﴾ وكُسِرت الميم لالتقاء الساكنين وهم الجمهور. وحكى الكسائي من الكوفيين عن بعض العرب أنها تقرأ بفتح الميم وصلة الهمزة فيقولون: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ (٢)﴾. فنقلوا حركة الهمزة إلى الميم بعد تسكينها كما قُرئ قوله تعالى: ﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إلا هُوَ﴾ قال ابن عطية: ولم ترد هذه قراءة عن أحد فيما علمت] [¬١].\n﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ (٢)﴾\n[القراء السبعة على ضم الدال في قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ هو مبتدأ وخبر، وروي عن سفيان ابن عيينة، ورؤبة بن العجاج أنهما قالا: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ بالنصب وهو على إضمار فعل. وقرأ ابن أبي عبلة ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ بضم الدال والسلام إتباعًا للثاني الأول، وله شواهد لكنه شاذ. وعن الحسن وزيد بن علي ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ بكسر الدال إتباعًا للأوّل الثاني] [¬٢].\nقال أبو جعفر بن جرير [﵀]: معنى [¬٣] ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ الشكر لله خالصًا دون سائر ما يعبد من دونه، ودون كل ما برأ من خلقه، بما أنعم على عباده من النعم التي لا يحصيها العدد، ولا يحيط بعددها غيره أحد؛ في تصحيح الآلات لطاعته، وتمكين جوارح أجسام المكلفين لأداء فرائضه، مع ما بسط لهم في دنياهم من الرزق، وغذاهم به من نعيم العيش، من غير استحقاق منهم ذلك عليه، ومع ما نبههم عليه ودعاهم إليه، في الأسباب المؤدية إلى دوام الخلود في دار المقام في النعيم المقيم، فلربنا الحمد على ذلك كله أولًا وآخرًا.\n[وقال ابن جرير ﵀: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ ثناء أثنى به على نفسه، وفي ضمنه أمر عباده أن يثنوا عليه فكأنه قال: قولوا: الحمد لله] [¬٤] قال: وقد قيل: إن قول القائل: [الحمد لله] [¬٥]، ثناء عليه [بأسمائه الحسنى وصفاته العلى] [¬٦]، وقوله: (الشكر لله) ثناء عليه بنعمه وأياديه. ثم شرع في ردّ ذلك بما حاصله: أن جميع أهل المعرفة بلسان العرب يوقعون كلًّا من الحمد والشكر مكان الآخر، [وقد نقل السلمي هذا المذهب أنهما سواء عن جعفر الصادق وابن عطاء من الصوفية.\nوقال ابن عباس: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ كلمة كل شاكر.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في خ: \"يعني\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفَين سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- في ز، خ: \"بأسمائه العلى وصفاته الحسنى\".","vol":"1","page":201},{"text":"وقد استدل القرطبي (^١١٨) لابن جرير بصحة قول القائل: الحمد لله شكرًا] [¬١]ـ. وهذا الذي ادعاه [ابن جرير] [¬٢] فيه نظر؛ لأنه اشتهر عند كثير من العلماء من المتأخرين أن الحمد هو الثناء بالقول على المحمود بصفاته اللازمة والمتعدية، والشكر لا يكون إلا على المتعدية، ويكون بالجنَان واللسان والأركان، كما قال الشاعر:\nأفادتكم [¬٣] النعماء مني ثلاثة … يدي ولساني والضمير المحجبا\nولكنهم [¬٤] اختلفوا أيهما أعم، الحمد أو الشكر؟ على قولين، والتحقيق أن بينهما عمومًا وخصوصًا، فالحمد أعم من الشكر من حيث ما يقعان عليه؛ لأنه يكون على الصفات اللازمة والمتعدية، تقول: حمدته لفروسيته، وحمدته لكرمه، وهو أخص؛ لأنه لا يكون إلا بالقول. والشكر أعم من حيث ما يقعان عليه [¬٥]؛ لأنه يكون بالقول والفعل [¬٦] والنية كما تقدّم، وهو أخص؛ لأنه لا يكون إلا على الصفات المتعدية، لا يقال شكرته لفروسيته. وتقول: شكرته على كرمه وإحسانه إليَّ. هذا حاصل ما حرره بعض المتأخرين، والله أعلم.\nوقال أبو نصر إسماعيل بن حماد الجوهري: الحمد نقيض الذم، تقول: حمدت الرجل أحمده حمدًا ومحمدة فهو حميد ومحمود، والتحميد أبلغ من الحمد، والحمد أعم من الشكر. وقال في الشكر: هو الثناء على المحسن بما أولاكه من المعروف، يقال: شكرته وشكرت له. وباللام أفصح.\n[وأما المدح فهو أعم من الحمد؛ لأنه يكون للحي وللميت وللجماد أيضًا، كما يمدح الطعام والمكان ونحو ذلك، ويكون قبل الإحسان وبعده وعلى الصفات المتعدية واللازمة أيضًا فهو أعم] [¬٧].\n\n<span data-type='title' id=toc-70>ذكر أقوال السلف في الحمد</span>\nقال ابن أبي حاتم (^١١٩): حدثنا أبي، حدَّثنا أبو معمر القطيعي، حدَّثنا حفص، عن حجاج عن ابن أبي مليكة، عن ابن عباس ﵄ قال: قال عمر ﵁: قد عَلِمنَا\n_________\n(^١١٨) - تفسير القرطبي (١/ ١٣٤).\n(^١١٩) - إسناده ضعيف لتدليس الحجاج بن أرطاة، والحديث في تفسير ابن أبي حاتم ١٢ - (١/ ١٤).\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في ز: أفادتهم.\n[¬٤]- في ز: ولكن.\n[¬٥]- في ز، خ: \"به\".\n[¬٦]- في ز: والعمل.\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"1","page":202},{"text":"سبحان الله [....] [¬١] ولا إله إلا الله فما الحمد لله؟ فقال علي: كلمة رضيها الله لنفسه.\nورواه غير أبي معمر، عن حفص فقال: قال عمر لعلي - وأصحابه عنده -: لا إله إلا الله وسبحان الله والله أكبر قد عرفناها، فما الحمد لله؟ قال عَلي: كلمة أحبها [الله تعالى] لنفسه، ورضيها لنفسه، وأحب أن تقال (^١٢٠).\nوقال علي بن زيد بن جدعان (^١٢١)، عن يوسف بن مهران قال: قال ابن عباس: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾: كلمة الشكر وإذا قال العبد: الحمد لله، قال: شكرني عبدي. رواه ابن أبي حاتم.\nوروى أيضًا هو وابن جرير، من حديث بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس أنه قال: الحمد لله هو الشكر لله، [والاستخذاء له] [¬٢]، والإقرار له بنعمه وهدايته وابتدائه وغير ذلك.\nوقال كعب الأحبار (^١٢٢): الحمد لله ثناء الله. وقال الضحاك: الحمد؛ رداء الرحمن. وقد ورد الحديث بنحو ذلك.\nقال ابن جرير (^١٢٣): حدَّثنا [¬٣] سعيد بن عمرو السكوني، حدثنا بقية بن الوليد، حدّثني عيسى بن إبراهيم، عن موسى بن أبي حبيب، عن الحكم بن عمير - وكانت له صحبة - قال: قال\n_________\n(^١٢٠) - قال أبو حاتم ١٣ - (١/ ١٥)، و٣٤٧ - (١/ ١١٧): كذا رواه أبو معمر القطيعي، في حفص. وحدثنا به الأشج؛ فقال: ثنا حفص -وخالفه فيه- فقال فيه: قال عمر لعلي، ﵄، وأصحابه عنده … لا إله إلا الله، والحمد لله، والله أكبر؛ قد عرفناها، فما سبحان الله؟ فقال علي: كلمة أحبها لنفسه، ورضيها لنفسه، وأحب أن تقال. كذا هو عند ابن أبي حاتم - السؤال فيه عن سبحان الله - والذي نقله ابن كثير ﵀ ذكر فيه أن السؤال عن الحمد لله، فانتبه لذلك.\n(^١٢١) - تفسير ابن جرير (١٥١)، وابن أبي حاتم (٩).\n(^١٢٢) - تفسير ابن جرير (١٥٣)، وابن أبي حاتم (١٠).\n(^١٢٣) - إسناده ضعيف جدًّا، والحديث في تفسير ابن جرير ١٥٢ - (١/ ١٣٦).\nعيسى بن إبراهيم: قال البخاري والنسائي: منكر الحديث. وقال يحيى: ليس بشيء. وقال أبو حاتم متروك الحديث. وقال النسائي أيضًا متروك. قال الذهبي في الميزان: عيسى متروك (الميزان ٣/ ٣٠٨).\nوقال: موسى بن أبي حبيب ضعفه أبو حاتم، وله عن الحكم بن عمير -رجل قيل له صحبة- والذي أرى أنه لم يلقه، وموسى مع ضعفه متأخر عن لقي صحابي كبير، وإنما أعرف له رواية عن علي بن الحسين، يروي عنه إبراهيم بن إسحاق الصيني أحد التلفى - (الميزان ٤/ ٢٠٢).\nوالحكم بن عُمير، ذكره أبو نعيم في الصحابة (١/ ١٥٦) وقال: تفرد بالرواية عنه موسى بن أبي حبيب =\n_________\n[¬١]- في خ: \"والحمد لله\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٣]- في خ: \"حدثني\".","vol":"1","page":203},{"text":"رسول الله ﷺ: \"إذا قلتَ: الحمد لله رب العالمين فقد شكرت الله، فزادك\".\nوقد روى الإِمام أحمد بن حنبل (^١٢٤): حدَّثنا روح، حدَّثنا عوف، عن الحسن، عن الأسود بن سريع، قال: قلت: يا رسول الله؛ ألا أنشدك محامد حمدت بها ربي ﵎؟ فقال: \"أما إنّ ربك يحب الحمد\".\nورواه النسائي عن علي بن حجر، عن ابن علية، عن يونس بن عبيد، عن الحسن، عن الأسود بن سريع، به.\nوروى [أبو عيسى الحافظ] [¬١] الترمذي والنسائي وابن ماجه من حديث موسى بن إبراهيم بن كثير، عن طلحة بن خراش [¬٢] عن جابر بن عبد الله؛ قال: قال رسول الله ﷺ: \"أفضل الذكر لا إله إلا الله، وأفضل الدعاء الحمد لله\" (^١٢٥). وقال الترمذي: حسن غريب.\n_________\n= وذكره الحافظ في الإصابة، وقال: قال ابن أبي حاتم عن أبيه: روى عن النبي، ﷺ، أحاديث منكرة ورويها عيسى بن إبراهيم - وهو ضعيف- عن موسى بن أبي حبيب - وهو ضعيف- عن عمه الحكم.\n(^١٢٤) - حسن، إسناده ضعيف، الحسن البصري مدلس، وقد عنعن هنا، ولم يصرح بالسماع، وقد نقل العلائي عن علي بن المديني: أن الحسن البصري لم يسمع من الأسود بن سريع، وعليه فيكون الحديث فيه انقطاع، بين الحسن والأسود.\nورواه أحمد ١٥٦٢٨ - (٣/ ٤٣٥)، والبخاري في الأدب المفرد برقم (٨٥٩)، والحاكم (٣/ ٦١٤)، وقال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وحسنه الألباني في \"صحيح الأدب المفرد\".\nوأخرجه النسائي في كتاب النعوت من الكبرى، باب: الحب والكراهية حديث ٧٧٤٥ - (٤/ ٤١٦).\nورواه ابن أبي حاتم (١١٥٩)، وابن جرير (١٥٤)، والطبراني في الكبير (١/ ٨٢٠ - ٨٢٥، ٨٣٦) وفي الأوسط، وأبو نعيم في المعرفة (٨٩٧)، والطحاوي في شرح المعاني (٤/ ٢٩٨)، والبيهقي في الشعب (٤٠٥٧)، وابن عدي (٥/ ١٧٦٣)، والحاكم (٣/ ٦١٤)، والقضاعى في مسند الشهاب (١٠٨٢)، وقد تابع الحسنَ عبدُ الرحمن بن أبي بكرة: رواه الحاكم (٣/ ٦١٥)، والطبراني في الكبير (١/ ٨٤٤)، وعنه أبو نعيم في المعرفة (٨٩٩)، وفي الحلية (١/ ٤٦)، وقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن الزهري إلا إبراهيم بن سعد، تفرد به معمر بن بكار، وقال الحاكم: صحيح الإسناد، فردَّه الذهبي بقوله: معمر له مناكير\".\n(^١٢٥) - حسنه الترمذي، وموسى بن إبراهيم بن كثير: وثقه ابن حبان (٧/ ٤٤٩) وقال: كان ممن يخطئ، وذكره الذهبي في الميزان وقال: مدني صالح. وفي التقريب: صدوق يخطئ. والحديث رواه الترمذي في الدعوات، باب: ما جاء أن دعوة المسلم مستجابة، برقم (٣٣٨٠)، والنسائي في الكبرى برقم (١٠٦٦٧)، وابن ماجه في كتاب الأدب، باب: فضل الحامدنى برقم (٣٨٠٠)، ورواه ابن حبان ٨٤٦ - (٣/ ١٢٦)، والحاكم (١/ ٤٩٨، ٥٠٣): صححه، ورواه أيضًا ابن أبي الدنيا =\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٢]- في خ: \"حراش\".","vol":"1","page":204},{"text":"[وروى ابن ماجه عن أنس بن مالك (^١٢٦) ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"ما أنعم الله على عبد نعمة فقال: الحمد لله، إلا كان الذي أعطى أفضل مما أخذ\".\nوقال القرطبي في تفسيره: وفي نوادر الأصول عن أنس عن النبي ﷺ قال: \"لو أن الدنيا بحذافيرها في يد رجل من أمَّتي، ثم قال: الحمد لله لكان الحمد لله أفضل من ذلك\" (^١٢٧).\nقال القرطبي وغيره: أي لكان إلهامه الحمد لله أكثر نعمة عليه من نعم الدنيا؛ لأنّ ثواب الحمد لا يفنى ونعيم الدنيا لا يبقى.\nقال الله تعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيرٌ أَمَلًا (٤٦)﴾ [الكهف: ٤٦].\nوفي سنن ابن ماجه عن ابن عمر (^١٢٨): أن رسول الله ﷺ حدثهم: \"أن عبدًا\n_________\n= في الشكر (١٠٢)، والطبراني في الدعاء (١٤٨٣)، وابن عبد البر في التمهيد (٦/ ٤٢ - ٤٣)، والبيهقي في الشعب (٤٠٦١ هـ)، وفي الأسماء والصفات (١/ ١٧٩)، وفي الدعوات الكبير (١١٧)، والأصبهانى في الترغيب (٢٤٨١)، والبغوي في شرح السنة (٥/ ٤٩).\n(^١٢٦) - الحديث رواه ابن ماجه في كتاب الأدب، باب: فضل الحامدين برقم (٣٨٠٥) من طريق أبي عاصم، عن شبيب بن بشر، عن أنس، به. ورواه الطبراني في الأوسط (١٣٧٩)، والبيهقي في الشعب (٤٠٩١ هـ)، وشبيب بن بشر: وثقه ابن معين، وقال أبو حاتم وغيره: لين الحديث (الميزان ٢/ ٢٦٣). وقال البوصيري في الزوائد (٣/ ١٩٢): \"هذا إسناد حسن، شبيب بن بشر مختلف فيه\".\nوقال الطبراني: لم ورو هذا الحديث عن شبيب إلا عاصم.\n(^١٢٧) - قال الألباني في السلسلة الضعيفة (٢/ ٢٦٧): \"موضوع\"، ورواه ابن عساكر (١٥/ ٢٧٦ / ٢) عن أبي المفضل - محمَّد بن عبد الله بن محمَّد بن همام بن المطلب الشيباني: حدثني محمَّد بن عبد الحس بن سويد الحربي الحافظ، نا زريق، نا عمران بن موسى الجند يسابوري - نزيل بردعة - نا سورة بن زهير الغامري -من أهل البصرة- حدثني هشيم، عن الزبير بن عدي، عن أنس بن مالك مرفوعًا. وهذا موضوع آفته أبو المفضل هذا، قال الخطيب (٥/ ٤٦٦، ٤٦٧): \"كان وروى غرائب الحديث وسؤالات الشيوخ، فكتب الناس عنه، بانتخاب الدارقطني، ثم بأن كذبه، فمزقوا حديثه، وأبطلوا روايته، وكان بعد يضع الأحاديث للرافضة. قال حمزة بن محمَّد بن طاهر الدقاق: كان يضع الحديث، وكان له سمت ووقار. وقال لي الأزهري: كان أبو المفضل دجالًا كاذبًا\". ورواه ابن عساكر عنه في ترجمة أبي المفضل هذا، ومن بينه وبين هشيم لم أعرفهم غير زريق، والظاهر أنه ابن محمَّد الكوفي، روى عن حماد بن زيد، قال الذهبي: \"ضعفه الأمير ابن ماكولا\". ا هـ من الضعيفة.\n(^١٢٨) - إسناده ضعيف، رواه ابن ماجه في كتاب الأدب، باب: فضل الحادمين برقم (٣٨٠١) =","vol":"1","page":205},{"text":"من عباد الله قال: يا رب؛ لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك. فعضلت بالملكين فلم يدريا كيف يكتبانها فصعدا إلى الله فقالا: يا ربنا؛ إنّ عبدًا قد قال مقالة لا ندري كيف نكتبها. قال الله - وهو أعلم بما قال عبده: ماذا قال عبدي؟ قالا: يا رب، إنه قال: لك الحمد يا رب كما في لجلال وجهك وعظيم سلطانك. فقال الله لهما: اكتباها كما قال عبدي حتى يلقاني فأجزيه بها\".\nوحكى القرطبي (^١٢٩) عن طائفة أنهم قالوا: قول العبد: الحمد لله رب العالمين أفضل من قوله: لا إله إلا الله؛ لاشتمال الحمد لله رب العالمين على التوحيد مع الحمد.\nوقال آخرون: لا إله إلا الله أفضل؛ لأنها تفصل بين الإيمان والكفر، وعليها يقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، كما ثبت في الحديث المتفق عليه (^١٣٠).\nوفي الحديث الآخر [] (^١٣١): \" أفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له\". وقد تقدّم عن جابر مرفوعًا: \"أفضل الذكر لا إله إلا الله، وأفضل الدعاء الحمد لله\". وحسنه الترمذي] [¬١].\n_________\n= من طريق صدقة بن بشير، عن قدامة بن إبراهيم، عن ابن عمر ﵄، ورواه الطبراني في الكبير (١٢/ ١٣٢٩٧)، والبيهقي في الشعب (٤٠٧٧)، وقال البوصيري في الزوائد (٣/ ١٩١): \"هذا إسناد فيه مقال، قدامة بن إبراهيم ذكره ابن حبان في الثقات، وصدقة بن بشير لم أر من جرحه ولا من وثقه، وباقي رجال الإسناد ثقات. قال: ورواه أحمد من هذا الوجه\".\n(^١٢٩) - القرطبي (١/ ١٣٢).\n(^١٣٠) - رواه البخاري في كتاب الزكاة، باب: وجوب الزكاة ١٣٩٩، وله طرف في كتاب الجهاد، ورواه مسلم ٣٢: ٣٥ - (٢٠، ٢١).\n(^١٣١) - رواد الترمذي في السنن برقم (٣٥٨٥) من طريق حماد بن أبي حميد، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده به، بلفظ: \"خير الدعاء دعاء يوم عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير\". وقال الترمذي: \"هذا حديث غريب من هذا الوجه، وحماد بن أبي حميد هو محمَّد بن أبي حميد، وهو أبو إبراهيم الأنصاري المديني وليس بالقوي عند أهل الحديث. قال الألباني وإسناده فيه ضعف.\nوأخرج الأصبهاني في الترغيب: عن أبي مروان، ثنا عبد العزيز بن محمَّد، عن عمرو بن أبي عمرو، عن المطلب مرسلًا مختصرًا بلفظ: \"أفضل الدعاء دعاء يوم عرفة، وإن أفضل ما أقوله أنا وما قال النبيون من قبلي: لا إله إلا الله\".\nقال الألباني (الصحيحة ١٥٠٢): وهذا مرسل حسن الإسناد، المطلب هو ابن عبد الله بن حنطب صدوق، ومن دونه ثقات رجال مسلم غير أبي مروان، وهو محمَّد بن عثمان بن خالد الأموي صدوق يخطئ كما قال في التقريب. قال حفظه الله: وجملة القول أن الحديث ثابت بمجموع هذه الشواهد والله أعلم\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"1","page":206},{"text":"والألف واللام في الحمد لاستغراق جميع أجناس الحمد وصنوفه لله تعالى، كما جاء في الحديث (^١٣٢): \" اللهم لك الحمد كله، ولك الملك كله، وبيدك الحير كله، وإليك يرجع الأمر كله\". الحديث.\n﴿رَبِّ الْعَالمِينَ﴾\nوالربُّ هو المالك المتصرف، ويطلق في اللغة على السيد وعلى المتصرف للإصلاح. وكل ذلك صحيح في حق الله تعالى، [ولا يستعمل الرب لغير الله بل بالإضافة تقول: رب الدار، رب كذا. وأما الرب فلا يقال إلا لله ﷿، وقد قيل: إنه الاسم الأعظم] [¬١] والعالمين جمع عالم،\n_________\n= وروى الطبراني في فضائل عشر ذي الحجة من حديث قيس بن الرببع، عن الأغر بن الصباح، عن خليفة بن حصين، عن علي مرفوعًا: \"أفضل ما قلت أنا والنبيون عشية عرفة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير\". قال الألباني: وهذا إسناد لا بأس به في الشواهد. رجاله ثقات غير قيس بن الربيع فهو سيئ الحفظ فحديثه حسن بما له من الشواهد.\n(^١٣٢) - وَرَدَ من حديث حذيفة، وأبي سعيد، وسعد بن أبي وقاص، ﵃، فحديث حذيفة رواه أحمد ٢٣٤٦٢ - (٥/ ٣٩٦): ثنا عفان، ثنا همام، ثنا الحجاج بن فرافصة، حدثني رجل، عن حذيفة بن اليمان: أنه أتى النبي ﷺ فقال: بينما أنا أصلي، إذ سمعت متكلمًا يقول: اللَّهم لك الحمد كله، ولك الملك كله، بيدك الخير كله، إليك يرجع الأمر كله، علانيته وسره، فأهل أن تحمد، إنك على كل شيء قدير، اللَّهم اغفر لي جميع ما مضى من ذنبي، واعصمني فيما بقي من عمري، وارزقني عملًا زاكيًا ترضى به عني. فقال النبي، ﷺ: \"ذاك مَلَك أتاك يعلمك تحميد ربك\". وإسناده ضعيف لجهالة الراوي عن حذيفة. والحديث ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٩٥، ٩٦) وعزاه لأحمد، وقال: \"وفيه راو لم يسم، وبقية رجاله ثقات\".\nوأما حديث أبي سعيد، فرواه البيهقي في شعب الإيمان برقم (٤٤٠٠) والديلمي في الفردوس (٦٨١٧) من طريق خالد بن يزيد، عن ابن أبي ذئب، عن زيد بن أسلم، عن عطاء، عن أبي سعيد الخدري.\nوقال البيهقي: قال أبو عبد الله -يعني الحاكم- تفرد به خالد بن يزيد العمري، عن ابن أبي ذئب.\nوخالد بن يزيد هذا كذبه أبو حاتم، ويحيى، وقال ابن حبان: يروي الموضوعات عن الأثبات واستنكر له ابن عدي في الكامل عدة أحاديث ثم قال: ولخالد بن يزيد، عن الثوري وابن أبي ذئب وغيرهم غير ما ذكرت وعامتها مناكير.\nوأما حديث سعد، فرواه البيهقي في شعب الإيمان برقم (٤٣٩٩) من طريق أبي بلج، عن مصعب بن سعد، عن أبيه سعد بن أبي وقاص. وأبو بلج: يحيى بن سليم وثقه جماعة، وضعفه آخرون وقال البخاري: فيه نظر.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"1","page":207},{"text":"[وهو كل موجود سوى الله ﷿] [¬١]، والعالم جمعٌ لا واحد له من لفظه، والعوالم أصناف المخلوقات [في السموات] [¬٢] وفي البر والبحر، وكل قرن منها وجيل يسمى [¬٣] عالمًا أيضًا.\nقال بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ (٢)﴾ [الفاتحة: ٢]. الحمد لله الذي له الخلق كله، السموات والأرضون، وما [¬٤] فيهن وما بينهنّ، مما نعلم ومما [¬٥] لا نعلم.\nوفي رواية سعيد بن جبير وعكرمة عن ابن عباس - رب الجنّ والإنس؛ وكذلك قال سعيد بن جبير ومجاهد وابن جريج، وروي عن علي [نحوه] [¬٦].\nوقال ابن أبي حاتم: بإسناد لا يعتمد عليه.\n[واستدل القرطبي لهذا القول بقوله تعالى: ﴿لِيَكُونَ لِلْعَالمِينَ نَذِيرًا﴾. وهم الجنّ والإنس.\nقال الفراء وأبو عبيد: العالم عبارة عما يعقل وهم: الإنس والجن، والملائكة والشياطين، ولا يقال للبهائم عالم.\nوعن زيد بن أسلم وأبي محيصن: العالم كل ماله روح ترفرف] [¬٧] وقال قتادة: ﴿رَبِّ الْعَالمِينَ﴾ كل صنف عالم. [وقال الحافظ ابن عساكر في ترجمة مروان بن محمَّد - وهو أحد خلفاء بني أمية، وهو يعرف بالجعد، ويلقب بالحمار - أنه قال: خلق الله سبعة عشر ألف عالم؛ أهل السموات - وأهل الأرض عالم واحد، وسائرهم لا يعلمهم إلا الله ﷿] [¬٨].\nوقال أبو جعفر الرازي: عن الربيع بن أنس عن أبي العالية في قوله تعالى: ﴿رَبِّ الْعَالمِينَ﴾ قال الإنس عالم، والجن عالم، وما سوى ذلك ثمانية عشر ألف عالم أر أربعة عشر ألف عالم -هو يشك - من [¬٩] الملائكة على الأرض، وللأرض أربع زوايا، في كل زاوية ثلاثة آلاف عالم، وخمسمائة عالم خلقهم الله [¬١٠] لعبادته.\nرواه ابن جرير وابن أبي حاتم. [وهذا كلام غريب يحتاج مثله إلى دليل صحيح] [¬١١].\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- في ز: ومن.\n[¬٥]- في ز: ما.\n[¬٦]- سقط من: ز، خ.\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٨]- ما بين المعكوفتين سغط من: ز، خ.\n[¬٩]- سقط من: ز، خ.\n[¬١٠]- سقط من: ز، خ.\n[¬١١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"1","page":208},{"text":"وقال ابن أبي حاتم (^١٣٣): حدثنا أبي، حدَّثنا هشام بن خالد، حدَّثنا الوليد بن مسلم، حدَّثنا الفرات -يعني ابن الوليد- عن مغيث [¬١] بن سمي، عن تُبَيع -يعني الحميري- في قوله تعالى: ﴿رَبِّ الْعَالمِينَ﴾ قال: العالمين ألف أمّة فستمائة في البحر، وأربعمائة في البر.\n[وحكي مثله عن سعيد بن المسيب] [¬٢]، وقد روي نحو هذا مرفوعًا.\nكما قال الحافظ أبو يعلى أحمد بن علي بن المثنى في مسنده: حدَّثنا محمَّد بن المثنى، حدَّثنا عبيد بن واقد القيسي أبو عباد، حدّثني محمَّد بن عيسى بن كيسان، حدثنا محمَّد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله قال: قلَّ [¬٣] الجراد في سنة من سنين عمر التي وليَ فيها فسأل عنه، فلم يخبر بشيء، فاغتم لذلك، فأرسل راكبًا يضرب إلى اليمن [¬٤] وآخر إلى الشام، وآخر إلى العراق، يسأل هل رُئيَ من الجراد شيءٌ أم لا؟ قال: فأتاه الراكب الذي في قِبَل اليمن بقبضة من جراد فألقاها بين يديه، فلما رآها كبر ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"خلق الله ألف أمّة؛ ستمائة في البحر، وأربعمائة في البر، فأوّل شيء [يهلك] [¬٥]، من هذه الأم الجراد، فإذا هلك تتابعت مثل النظام إذا قطع سلكه\" (^١٣٤).\n_________\n(^١٣٣) - رواه ابن أبي حاتم ١٦ - (١/ ١٦). وجاء في النسخ وأصل تفسير ابن أبي حاتم \"معتب\"، وفي كتب الرجال \"مغيث\". [التاريخ (٨/ ٢٤)، تهذيب الكمال (٢٨/ ٣٤٨)، تهذيب التهذيب (١٠/ ٢٢٨)، الكاشف (٢/ ٢٨٤)].\n(^١٣٤) - رواه أبو يعلى كما في مسنده - لعله - الكبير، ومن طريقه ابن حبان في \"المجروحين\" (٢/ ٢٥٦، ٢٥٧) وكذا ذكره المصنف من طريقه في \"البداية والنهاية\" (١/ ٣٠). وذكره في مجمع الزوائد (٧/ ٣٢٥)، وأخرجه ابن عدي في \"الكامل\" (٥/ ١٩٩٠) (٦/ ٢٢٤٩) وأبو الشيخ في \"العظمة\" (٥ / رقم ١٢٨٥) والخطيب في تاريخه (١١/ ٢١٧، ٢١٨) - ومن طريقه ابن الجوزي في \"الموضوعات\" (٣/ ١٣، ١٤) - والبيهقي في \"الشعب\" (٧/ ١٠٣٢، ١٠٣٣) من طريق عبيد بن واقد به، وقال ابن حبان: \"وهذا شيء لا شك أنه موضوع ليس هذا من كلام رسول الله ﷺ\".\nوعلته عبيد بن واقد وشيخه، قال المصنف في \"البداية\": عبيد بن واقد أبو عباد البصري ضعفه أبو حاتم، وقال ابن عدي: عامة ما يرويه لا يتابع عليه، وشيخه أضعف منه. قال الفلاس والبخاري: منكر الحديث، وقال أبو زرعة: لا ينبغي أن يحدث عنه، وضمفه ابن حبان والدارقطني وأنكر عليه ابن عدي هذا الحديث بعينه وغيره والله أعلم\".\nوضعف إسناد السيوطي في \"الدر المنثور\" (١/ ٣٦) وتعقب ابن الجوزي في إيراد هذا الحديث في \"الموضوعات\" فقال في \"اللآلئ\" (١/ ٨٢) \"لم يتهم محمَّد بن عيسى بكذب، بل وثقه بعضهم فيما نقله الذهبي، وقال ابن عدي: أنكر عليه هذا الحديث، وحديث آخر أخرجه أبو الشيخ =\n_________\n[¬١]- في ز، خ، ر: معتب.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في ز، خ: \"قتل\".\n[¬٤]- في ز، خ: \"كذا\".\n[¬٥]- في خ: \"هلكت\".","vol":"1","page":209},{"text":"[و] [¬١] محمد بن عيسى هذا [¬٢]-وهو الهلالي- ضعيف.\n[وحكى البغوي عن سعيد بن المسيب أنه قال: لله ألف عالم؛ ستمائة في البحر، وأربعمائة في البر. وقال وهب بن منبه: لله ثمانية عشر ألف عالم، الدنيا عالم منها. وقال مقاتل: العوالم ثمانون ألفًا وقال كعب الأحبار: لا يعلم عدد العوالم إلا الله ﷿. نقله كله البغوي.\nوحكى القرطبي عن أبي سعيد الخدري أنه قال: إن لله أربعين ألف عالم، الدنيا من شرقها إلى مغربها عالم واحد منها.\nوقال الزجاج: العالم كل ما خلق الله في الدنيا والآخرة.\nقال القرطبي: وهذا هو الصحيح أنه شامل لكل العالمين كقوله: ﴿قَال فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالمِينَ قَال رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَينَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ والعالم مشتق من العلامة قلت: لأنه علم دال على وجود خالقه وصانعه ووحدانيته، كما قال ابن المعتز:\nفيا عجبًا كيف يعصى الإله … أم كيف يجحده الجاحد\nوفي كل شيء له آية … تدل على أنه واحد] [¬٣]\nوقوله تعالى:\n_________\n= في \"العظمة\" والبيهقي في \"شعب الإيمان\"- واقتصر الحافظ -يعني ابن حجر- على تضعيفه، وتابع السيوطي في تعقبه ابن عَرَّاق في \"تنزيه الشريعة\" (١/ ١٩٠) ويبدو أن المصنف يذهب إلى تضعيفه فحسب أيضًا فإنه قال: محمد بن عيسى هذا -وهو الهلالي- ضعيف\" وكذا ضعفه الهيثمي حيث قال في \"المجمع\": فيه عبيد بن واقد القيسي وهو ضعيف، وضعفه أيضًا البوصيري فقال- في الإتحاف (٦/ ٣٤٥ هامش المطالب - قرطبة) - \"إسناده ضعيف، لضعف محمد بن عيسى بن كيسان\" والحق أن هذا الحديث إن لم يكن موضوعًا، فهو ضعيف جدًّا، فإن محمد بن عيسى هذا- فوق ما نقله ابن كثير من كلام الأئمة فيه- فقد اتهمه ابن طاهر المقدسي في \"معرفة التذكرة\" (٤٢٠) وقال فيه ابن حبان: يروى عن محمد ابن المنكدر العجائب، وعن الثقات الأوابد، لا يجوز الاحتجاج بخبره إذا انفرد، وقال الذهبي في \"المغني\" (١/ ٦٦٢): \"ضعفوه بمرَّة\" وأما ما نقله ابن عدي: إسناده إلى نعيم بن حماد، حدثني عبيد بن واقد، عن محمد بن عيسى أبو يحيى الهلالي وكان ثقة\" وهذا ما عناه الذهبي في \"الميزان\" (٥ / ت ٨٠٣) - ونقله عنه السيوطي في كلامه المتقدم- بقوله: \"ووثقه بعضهم\" فإنه مردود لأنه توثيق من ضعيف يحتاج إلى من يُعدِّله، ولم يوجد فكيف يقبل تعديل لغيره!! وبالله التوفيق وانظر \"التهذيب\" (٣/ ٤١ - الرسالة).\n_________\n[¬١]- زيادة من خ.\n[¬٢]- في ز، خ: \"هكذا\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"1","page":210},{"text":"﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣)﴾\nتقدم الكلام عليه في البسملة بما أغنى عن إعادته.\n[قال القرطبي إنَّما وصف نفسه بالرحمن الرحيم بعد قوله: رب العالمين؛ ليكون من باب قرن الترغيب بعد الترهيب. كما قال تعالى: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾ وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.\nقال: فالربُّ فيه ترهيب، والرحمن الرحيم ترغيب.\nوفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة ما طمع في جنته أحد، ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة ما قنط من رحمته أحد\" (^١٣٥)] [¬١].\n﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾\nقرأ بعض القراء ﴿مَالِكِ﴾ وقرأ آخرون ﴿مَلِك﴾.\nوكلاهما صحيح متواتر في السبع.\n[ويقال: ملك بكسر اللام وبإسكانها. ويقال: مليك أيضًا، وأشبع نافع كسرة الكاف فقرأ: (ملكي يوم الدين) وقد رجَّح كلا من القراءتين مرجِّحون من حيث المعنى، وكلاهما صحيحة حسنة. ورجح الزمخشري ملك؛ لأنَّها قراءة أهل الحرمين، ولقوله: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾، وقوله: ﴿قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ﴾ وحكي من أبي حنيفة أنَّه قرأ ﴿مَلَكَ يوم الدين﴾ على أنَّه فعل وفاعل ومفعول وهذا شاذ غريب جدًّا] [¬٢].\nوقد روى أبو بكر بن أبي داود (^١٣٦) في ذلك شيئًا غريبًا حيث قال: حدَّثنا أبو عبد الرحمن\n_________\n(^١٣٥) - رواه مسلم في التوبة برقم ٢٣ - (٢٧٥٥).\n(^١٣٦) - رواه أبو بكر بن أبي داود في المصاحف (ص ٩٣)، وعدي بن الفضل: ساقط. وروى الحاكم في المستدرك (٢/ ٢٣٢) من طريق ابن فضيل، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة أن النبي، ﷺ قرأ: \"مَلِكِ يوم الدين\".\nوروى أبو بكر بن أبي داود في المصاحف (ص ٩٤) عن هشام بن يونس، عن حفص- يَعني: ابن غياث =\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"1","page":211},{"text":"الأَذْرميُّ، حدَّثنا عبد الوهاب عن [¬١] عدي بن الفضل، عن أبي المطرف، عن ابن شهاب - أنَّه بلغه أن رسول الله ﷺ وأبا بكر وعمر وعثمان ومعاوية وابنه يزيد بن معاوية كانوا يقرءون: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ قال ابن شهاب: وأول من أحدث \"ملك\" مروان.\n(قلت): مروان عنده علم بصحة ما قرأه، لم يطلع عليه ابن شهاب، والله أعلم.\nوقد روي من طرق متعدّدة (^١٣٧) أوردها ابن مردويه أن رسول الله ﷺ كان يقرؤها: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، ومالك مأخوذ من المِلك كما قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيهَا وَإِلَينَا يُرْجَعُونَ﴾ وقال: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ﴾، وملك مأخوذ من المُلك كما قال تعالى: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ وقال: ﴿قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ﴾، وقال: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾.\nوتخصيص [¬٢] الملك بيوم الدين لا ينفيه عما عداه؛ لأنَّه قد تقدَّم الإخبار بأنه رب العالمين، وذلك عام في الدُّنيا والآخرة، وإنما أضيف إلى يوم الدين؛ لأنَّه لا يدعي أحد هنالك شيئًا، ولا يتكلم أحد إلَّا بإذنه. كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَال صَوَابًا﴾. وقال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إلا هَمْسًا﴾ وقال تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إلا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾.\nوقال الضَّحَّاك: عن ابن عباس: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ يقول: لا يملك أحد في ذلك اليوم معه حكمًا، كملكهم في الدُّنيا. قال: ويوم الدين يوم الحساب للخلائق وهو يوم القيامة، يدينهم [¬٣] بأعمالهم إن خيرًا فخير وإن شرّا فشر، إلَّا من عفا عنه. وكذلك قال غيره من الصّحابة والتابعين والسلف وهو ظاهر.\nوحكى ابن جرير عن بعضهم أنَّه ذهب إلى [أن] [¬٤] تفسير مالك يوم الدين -أنَّه القادر على\n_________\n= عن ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن أم سلمة قالت: قام رسول الله ﷺ من الليل فقرأ الحمد لله فقطعها وقرأ \"مَلِكِ يوم الدين\". وروى نحوه (ص ٩٤) عن بعض أزواج النَّبيِّ، ﷺ.\nوروى الحاكم في المستدرك (٢/ ٢٣٢) من طريق ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن أم سلمة أنَّها كانت تقرأ: \"مَلِكِ يوم الدين\".\nقال أبو بكر بن أبي داود: سمعت أبي يقول في هذا الحديث: إنَّما هو حديث كقطيع القراءة والترسل فيها وأمَّا قوله ﴿مَلِكِ﴾ فيقال: إنَّها قراءة ابن جريج لا أنه رواها عن ابن أبي مليكة.\n(^١٣٧) - انظر كتاب المصاحف لأبي بكر بن أبي داود ص ٩٣.\n_________\n[¬١]- في الأصلين: بن. والمثبت من المصاحف.\n[¬٢]- في ز، خ: \"وتخصص\".\n[¬٣]- في ز: يدنيهم.\n[¬٤]- زيادة من ز.","vol":"1","page":212},{"text":"إقامته، ثم شرع يضعفه.\nوالظاهر أنَّه لا منافاة لين هذا القول وما تقدَّم، وأن كلًّا من القائلين هذا [¬١] القول وبما قبله يعترف بصحة القول الآخر ولا ينكره، ولكن السياق أدل على المعنى الأوّل من هذا. كما قال تعالى: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ﴾. والقول الثَّاني يشبه [¬٢] قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ﴾، والله أعلم.\n[والملك في الحقيقة هو الله ﷿ قال الله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إلا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ﴾.\nوفي الصحيحين عن أبي هريرة (^١٣٨) ﵁ مرفوعًا: \"أخنع اسم عند الله رجل تسمى بملك الأملاك، ولا مالك إلَّا الله\".\nوفيهما (^١٣٩) عنه عن رسول الله ﷺ قال: \"يقبض الله الأرض ويطوي السماء بيمينه، ثم يقول: أنا الملكِ أين ملوك الأرض؟ أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ \". وفي القرآن العظيم ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ فأمَّا تسمية غيره في الدُّنيا بملك فعلى سبيل المجاز. كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا﴾ ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ﴾ ﴿إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾.\nوفي الصحيحين (^١٤٠): \" مثل الملوك على الأسرة\".\n_________\n(^١٣٨) - رواه البُخاريّ في الأدب من صحيحه، باب: \"بغض الأسماء إلى الله برقم (٦٢٠٦). ومسلم في الآداب برقم (٢١٤٣)، وأبو داود في الأدب، باب: في تغيير الاسم القبيح برقم (٤٩٦١)، والترمذي في الأدب، باب: ما يكره من الأسماء برقم (٢٨٣٧)، ورواه أحمد (٧٢٨٥)، جميعًا من حديث أبي هريرة.\n(^١٣٩) - رواه البُخاريّ في التفسير، باب: قوله تعالى ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾ برقم (٤٨١٢)، وأطرافه في الرقاق (٦٥١٩)، وفي التَّوحيد (٧٣٩٢)، ومسلم في صفة القيامة والجنة والنَّار (٢٧٨٧)، وابن ماجة في المقدمة، باب: فيما أنكرت الجهمية برقم (١٩٢)، وأحمد (٨٦٤٦)، والدارمي في الرقاق (٢٧٩٩)، جميعًا من حديث أبي هريرة.\n(^١٤٠) - رواه البُخاريّ في الجهاد والسير، باب: الدعاء بالجهاد والشهادة للرجال والنساء برقم (٢٧٨٩).\nوفي الجهاد والسير برقم (٢٨٧٨)، وفي الاستئذان (٦٢٦٢)، وفي التعبير (٧٠٠٢)، ورواه مسلم في الإمارة برقم (١٩١٢)، والترمذي في فضائل الجهاد عن رسول الله، ﷺ، باب: ما جاء في غزو البحر (١٦٤٥)، والنَّسائيُّ في الجهاد، باب: فضل الجهاد في البحر (٣١٧١)، وأحمد (٣/ ٢٤٠)، ومالك في الجهاد، باب: الترغيب في الجهاد (١٠١١). جميعًا من حديث أنس بن مالك في حديث طويل.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"بهذا\".\n[¬٢]- في خ: \"شبه\".","vol":"1","page":213},{"text":"والدين: الجزاء والحساب. كما قال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ﴾ وقال: ﴿أَإِنَّا لَمَدِينُونَ﴾ أي: مجزيون محاسبون، وفي الحديث: \"الكَيِّس من دان نفسه وعَمِل لما بعد الموت\" (^١٤١). أي: حاسب نفسه. كما قال عمر ﵁: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أنفسكم قبل أن توزنوا، وتأهبوا للعرض الأكبر على من لا تخفى عليه أعمالكم ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾] [¬١].\n﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾\n[قرأ السبعة والجمهور بتشديد الياء من \"إياك\"، وقرأ عمرو بن فايد بتخفيفها مع الكسر، وهي قراءة شاذة مردودة، لأنَّ \"إيا\" ضوء الشَّمس، وقرأ بعضهم \"أياك\" بفتح الهمزة وتشديد الياء، وقرأ بعضهم: هياك بالهاء بدل الهمزة، كما قال الشَّاعر:\nفهياك والأمر الذي إن تراحبت … موارده ضاقت عليك مصادره\nو\"نستعين\" بفتح النون أوّل الكلمة في قراءة الجميع سوى يَحْيَى بن وثاب، والأعمش فإنهما كسراها. وهي لغة بني أسد وربيعة وبني تميم] [¬٢].\nوالعبادة في اللُّغة من الذلة يقال: طريق معبّد وبعير معبد أي مذلَّل، وفي الشرع عبارة عما يجمع كمال المحبة والخضوع والخوف.\nوقدّم المفعول وهو إياك وكرَّر للاهتمام والحصر؛ أي لا نعبد إلَّا إياك، ولا نتوكل إلَّا عليك، وهذا هو كمال الطاعة. والدين يرجع كله إلى هذين المعنيين. وهذا كما قال بعض السلف: الفاتحة سر القرآن وسرها هذه الكلمة ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ فالأوّل تبرؤ من الشرك،\n_________\n(^١٤١) - ضعيف، رواه التِّرمذيُّ (٢٤٥٩) وحسنه، وابن ماجة (٤٢٦٠)، وأحمد (٤/ ١٢٤)، وفي الزهد ص (٣٨)، وابن المبارك في الزهد (١٧١)، والطيالسي (١١٢٢)، والطبراني في الكبير (٤٣/ ٧١٧)، وفي مسند الشاميين (١٤٨٥)، والحاكم (١/ ٥٧، ٤/ ٢٥١)، والبيهقيّ في الكبرى (٣/ ٣٦٩)، وفي الشعب (١٠٥٤٦)، وأبو نعيم في الحلية (١/ ٢٦٧، ٢٦٨، ٨/ ١٧٤)، والخطيب في التَّاريخ (١٢/ ٥٠) من طريق أبي بكر بن أبي مريم، عن ضمرة بن حبيب، عن شداد بن أوس مرفوعًا، وقال الحاكم: صحيح على شرط البُخاريّ، وتعقَّبه الذهبي فقال: لا، والله، في سنده أبو بكر بن أبي مريم، وهو واهٍ. وقال ابن عدي (٢/ ٤٧٣): ولأبي بكر بن أبي مريم غير ما ذكرت من الحديث، والغالب على حديثه الغرائب، وقل ما يوافقه الثقات، وأحاديثه صالحة، وهو ممن لا يحتج بحديثه، وله متابعة عند الطّبرانيّ بسندٍ ضعيف جدًّا (٧/ ٧١٤١).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"1","page":214},{"text":"والثَّاني تبرؤ من الحول والقوّة والتفويض إلى الله ﷿، وهذا المعنى في غير آية من القرآن، كما قال تعالى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ [¬١]﴾. ﴿قُلْ: هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيهِ تَوَكَّلْنَا﴾. ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إلا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا﴾. وكذلك هذه الآية الكريمة:.\nوتحوّل الكلام من الغيبة إلى المواجهة بكاف الخطاب، وهو مناسبه؛ لأنَّه لما أثنى على الله تعالى فكأنه اقترب وحضر بين يدي الله تعالى، فلهذا قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾. وفي هذا دليل على أن أوّل السورة خبر من الله تعالى بالثناء على نفسه الكريمة بجميل صفاته الحسنى، وإرشاد لعباده بأن [¬٢] يثنوا عليه بذلك؛ ولهذا لا تصح صلاة من لم يقل ذلك وهو قادر عليه. كما جاء في الصحيحين (^١٤٢)، عن عبادة بن الصَّامت أن رسول الله ﷺ قال: \"لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة [¬٣] الكتاب\".\nوفي صحيح مسلم (^١٤٣)، من حديث العلاء بن عبد الرحمن [مولى الحُرَقة] [¬٤]، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ: \"يقول الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فنصفها لي، ونصفها لعبدي، ولعبدي ما سأل، إذا قال العبد: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ﴾ قال الله [¬٥]: حمدني عبدي. وإذا قال: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ قال الله [¬٦]: أثنى عليَّ عبدي. فإذا قال: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ قال الله: مجدني عبدي. فإذا [¬٧] قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ قال: هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل. فإذا قال: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ *صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيهِمْ غَيرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ قال: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل\".\nوقال الضَّحَّاك عن ابن عباس ﵄: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ يعني إياك نوحد ونخاف ونرجو يا ربنا لا غيرك ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [على طاعتك وعلى أمورنا كلها.\nوقال قتادة (﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾] [¬٨] يأمركم أن تخلصوا له العبادة، وأن تستعينوه على\n_________\n(^١٤٢) - رواه البُخاريّ في بابه الأذان، باب (٩٥) برقم (٧٥٦)، ومسلم في الصَّلاة برقم (٣٩٤)، والحديث رواه أبو داود في الصَّلاة، باب: من ترك القراءة في صلاته برقم (٨٢٢)، والترمذي في الصَّلاة، باب: ما جاء في أنَّه لا صلاة إلَّا بفاتحة الكتاب برقم (٢٤٧). وفي باب: ما جاء في القراءة خلف الإمام برقم (٣١١). والنَّسائيُّ في الافتتاح برقم (٩١٠، ٩١١).\n(^١٤٣) - رواه مسلم في الصَّلاة برقم ٢٨ - (٣٩٥).\n_________\n[¬١]- في ت: \"تعملون\".\n[¬٢]- في ز: أن.\n[¬٣]- في ز: فاتحة.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٥]- سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- سقط من: ز، خ.\n[¬٧]- في ز: وإذا.\n[¬٨]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.","vol":"1","page":215},{"text":"أموركم [¬١]. وإنَّما قدّم: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ على ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ لأنَّ العبادة له هي المقصودة، والاستعانة وسيلة إليها، والاهتمام والحزم هو [¬٢] تقديم [¬٣] ما هو الأهم فالأهم والله أعلم.\n[فإن قيل: فما معنى النون في قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ فإن كانت للجمع فالداعي واحد، وإن كانت للتعظيم فلا يناسب هذا المقام. وقد أجيب بأن المراد من ذلك الإخبار عن جنس العباد، والمصلي فرد منهم، ولا سيما إن كان في جماعة أو إمامهم فأخبر عن نفسه وعن إخوانه المؤمنين بالعبادة التي خلقوا لأجلها، وتوسط لهم بخير.\nومنهم من قال: يجوز أن تكون للتعظيم كأن العبد قيل له: إذا كنت داخل العبادة فأنت شريف، وجاهك عريض فقل: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾. وإن كنت خارج العبادة فلا تقل نحن ولا فعلنا، ولو كنت في مائة ألف أو ألف ألف لاحتياج الجميع إلى الله ﷿ وفقرهم إليه.\nومنهم من قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ ألطف في التواضع من إياك عَبَدْنا؛ لما في الثاني من تعظيم نفسه، من جعله نفسه وحده أهلًا لعبادة الله تعالى الذي لا يستطيع أحد أن يعبده حق عبادته، ولا يثني عليه كما يليق به، والعبادة مقام عظيم يشرف به العبد لانتسابه إلى جناب الله تعالى كما قال بعضهم:\nلا تدعني إلَّا بيا عبدها … فإنَّه أشرف أسمائي\nوقد سمى الله رسول الله ﷺ بعبده في أشرف مقاماته فقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾ ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ﴾ ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيلًا﴾ فسماه عبدًا عند إنزاله عليه، وعند قيامه في الدعوة، وإسرائه به، وأرشده إلى القيام بالعبادة في أوقات يضيق صدره من تكذيب المخالفين حيث يقول: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ * وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾.\nوقد حكى الرَّازي في تفسيره عن بعضهم: أنّ مقام العبودية أشرف من مقام الرسالة؛ لكون العبادة تصدر من الخلق إلى الحق، والرسالة من الحق إلى الخلق. قال: ولأن الله يتولَّى مصالح عبده والرسول يتولَّى مصالح أمته.\nوهذا القول خطأ، والتوجيه أيضًا ضعيف لا حاصل له، ولم يتعرَّض له الرَّازي بتضعيف ولا ردّ. وقال بعض الصوفية: العبادة إمَّا لتحصيل ثواب أو درء عقاب. قالوا: وهذا ليس بطائل إذ\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"أمركم\".\n[¬٢]- سقط من: م.\n[¬٣]- في ز، خ: \"أن يقدم\".","vol":"1","page":216},{"text":"مقصوده تحصيل مقصوده، وإما للتشريف بتكاليف الله تعالى.\nوهذا أيضًا عندهم ضعيف، بل العالي أن يعبد الله لذاته المقدسة الموصوفة بالكمال قالوا: ولهذا يقول المصلي: أصلي لله. ولو كان لتحصيل الثواب ودرء العقاب لبطلت الصَّلاة.\nوقد ردّ ذلك عليهم آخرون وقالوا: كون العبادة لله ﷿ لا ينافي أن يطب معها ثوابًا ولا أن يدفع عذابًا، كما قال ذلك الأعرابي: أما إنِّي لا أحسن دندنتك ولا دندنة معاذ، إنما أسأل الله الجنَّة وأعوذ به من النَّار. فقال النَّبيُّ ﷺ: \"حولها ندندن\" (^١٤٤).\n﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾\nقراءة الجمهور بالصاد وقرئ السراط، وقرئ بالزَّاي، قال الفراء: وهي لغة بني عذرة وبني كلب] [¬١]. لا تقدَّم الثّناء على المسئول ﵎ ناسب أن يعقب بالسؤال كما قال: \"فنصفها إلى ونصفها لعبدي ولعبدي ما سأَل\". وهذا أكمل أحوال السائل، أن يمدح مسئوله، ثم يسأله حاجته [وحاجة إخوانه المؤمنين بقوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾] [¬٢] لأنَّه أنجح للحاجة وأنجع للإجابة، ولهذا أرشد الله تعالى إليه لأنَّه الأكمل.\nوقد يكون السؤال بالإخبار عن حال السائل واحتياجه، كما قال موسى ﵇: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيرٍ فَقِيرٌ﴾ وقد يتقدّمه مع ذلك وصف المسئول كقول ذي النون: ﴿لَا إِلَهَ إلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾. وقد يكون بمجرّد الثّناء على المسئول، يقول الشَّاعر:\n_________\n(^١٤٤) - صحيح، رواه أحمد في المسند ١٥٩٤٣ - (٣/ ٤٧٤)، وأبو داود في الصَّلاة، باب: في تخفيف الصَّلاة برقم (٧٩٢)، كلاهما من حديث سليمان بن مهران الأعمش، عن أبي صالح، عن بعض أصحاب النَّبيِّ ﷺ.\nورواه ابن ماجة في الصَّلاة، باب: في التشهد، والصلاة على النَّبيِّ، ﷺ (٩١٠) وفي الدعاء، باب: الجوامع من الدعاء (٣٨٤٧) وابن حبان في صحيحه برقم (٥١٤ موارد) من طريق الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، ﵁. وقال البوصيري في زوائده: إسناده صحيح ورجاله ثقات. وصححه الألباني في صحيح أبي داود حديث ٧١٠. وصحيح ابن ماجة حديث ٧٤٢.\nوقوله: \"حولها ندندن\" وروي: \"عنهما ندندن\" الدَّنْدَنة: أن يتكلم الرجل بالكلام تُسمَع نغمته ولا يُفْهَم، وهو أرفع من الهينمة قليلًا. والضمير في حولهما للجنة والنار: أي حولهما ندندن وفي طلبهما، ومنه دندن الرجل إذا اختلف في مكان واحدٍ مجيئًا وذَهابًا. وأمَّا عنهما ندندن فمعناه أن دندنتنا صادرة عنهما وكائنة بسببهما. نهاية [٢/ ١٣٧].\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"1","page":217},{"text":"أأذكرُ حاجتي أم قد كفانِي … حياؤك إنَّ شيمتَكَ الحياءُ\nإذا أثنى عليك المرءُ يومًا … كفاهُ مِنْ تعرضِه الثناءُ\nوالهداية ها هنا الإرشاد والتوفيق، وقد تُعدى الهداية بنفسها كما [ها هنا] [¬١]: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ فتضمن معنى ألهمنا أو وفقنا أو ارزقنا أو أعطنا، ﴿وَهَدَينَاهُ النَّجْدَينِ﴾ أي: بينا له الخير والشر وقد تعدى بإلى كقوله تعالى: ﴿اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. ﴿فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾ وذلك بمعنى الإرشاد والدلالة، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وقد تُعدى باللام كقول أهل الجنَّة: ﴿وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا﴾ أي وفقنا لهذا وجعلنا له أهلًا [¬٢].\nوأمَّا الصراط المستقيم فقال الإمام أبو جعفر بن جرير: أجمعت الأمة من أهل التأويل جميعًا على أن الصراط المستقيم هو: الطَّريق الواضح الذي لا اعوجاج فيه.\nوكذلك في لغة جميع العرب، فمن ذلك قول جرير بن عطيف الخطفي:\nأمير المؤمنين على صراط … إذا اعوج الموارد مستقيم\nقال: والشواهد على ذلك أكثر من أن تحصر. قال: ثم تستعيرُ العرب الصراط فتستعمله في كل قول وعمل وُصف باستقامة أو اعوجاج، فتصف المستقيم باستقامته والمعوج باعوجاجه.\nثم اختلفت عبارات المفسرين من السلف والخلف في تفسير الصراط، وإن كان يرجع حاصلها إلى شيء واحد وهو المتابعة لله وللرسول، فروي أنَّه كتاب الله.\nقال ابن أبي حاتم (^١٤٥): حدَّثنا الحسن بن عرفة، حدّثني يَحْيَى بن يمان، عن حمزة الزيات، عن سعد -[وهو أبو [¬٣] المختار الطَّائي] [¬٤]- عن ابن أخي الحارث الأعور، عن الحارث الأعور، عن علي بن أبي طالب [﵁] قال: قال رسول الله ﷺ: \"الصراط المستقيم كتاب الله\".\nوكذلك رواه ابن جرير من حديث حمزة بن حبيب الزيات، [وقد تقدَّم في فضائل القرآن] [¬٥] وقد رواه أحمد والترمذي (^١٤٦) من رواية الحارث الأعور، عن علي مرفوعًا \"وهو حبل الله\n_________\n(^١٤٥) - ضعيف جدًّا: في سنده ابن أخي الحارث مجهول؛ والحارث: ضعيف، وسعد الطَّائي مجهول. والحديث في تفسير ابن أبي حاتم ٣٢ - (١/ ٢٠).\n(^١٤٦) - ضعيف جدًّا كالذي قبله، رواه أحمد (١/ ٩١) ورواه التِّرمذيُّ في فضائل القرآن، باب: ما جاء في فضل القرآن برقم (٢٩٠٦). وقال: هذا حديث غريب لا نعرفه إلَّا من هذا الوجه وإسناده =\n_________\n[¬١]- في خ: هنا\n[¬٢]- سقط من ز.\n[¬٣]- في ز: ابن.\n[¬٤]- سقط من: خ.\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"1","page":218},{"text":"المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم\".\nوقد روي هذا موقوفًا عن علي ﵁، وهو أشبه (^١٤٧)، والله أعلم.\nوقال الثوري عن منصور عن أبي وائل، عن عبد الله قال (^١٤٨): الصراط المستقيم كتاب الله. وقيل: هو الإسلام. وقال الضَّحَّاك: عن ابن عباس قال: قال جبريل لمحمد ﵉: قل يا محمَّد: اهدنا الصراط المستقيم. يقول: اهدنا الطَّريق [¬١] الهادي، وهو دين الله الذي لا عوج فيه.\nوقال ميمون بن مهران (^١٤٩): عن ابن عباس، في قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ قال: ذاك الإسلام.\nوقال إسماعيل بن عبد الرحمن السدي الكبير عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرَّة الهمدانيّ، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبيِ ﷺ: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ قالوا: هو الإسلام (^١٥٠).\n_________\n= مجهول وفي الحارث مقال.\n(^١٤٧) - رواه موقوفًا ابن جرير في تفسيره ١٧٥ - (١/ ١٧٢) وقد سبق الكلام على هذا الحديث في فضائل القرآن.\n(^١٤٨) - ورواه ابن جرير (١٧٧)، والحاكم (٢/ ٢٥٨)، وقال: صحيح على شرط الشيخين. كذا قال، وبالنظر إلى تمام الإسناد يتبين لك عدم صحة قوله ﵀ فقد رواه من طريق الحسن بن علي بن عفَّان، عن أبي داود الحفري عمر بن سعد، عن الثوري، فالحفري من رجال مسلم دون البُخاريّ، والحسن بن علي من رجال ابن ماجة وحده.\n(^١٤٩) - تفسير ابن جرير برقم ١٨٠ - (١/ ١٧٤) من حديث موسى بن سهل الرازي، عن يَحْيَى بن عوف، عن الفرات بن السَّائب، عن ميمون، به. الفرات بن السائب: أبو سليمان وقيل: أبوالمعلى الجزري، عن ميمون بن مهران، قال البُخاريّ: منكر الحديث تركوه. وقال يَحْيَى بن معين: ليس بشيء. وقال الدارقطني وغيره: متروك. وقال أحمد بن حنبل: قريب من محمَّد بن زياد الطحان في ميمون يتهم بما يتهم به ذاك. وقال أحمد: كذاب أعور يضع الحديث. وقال أبو حاتم الرَّازي: ضعيف الحديث، منكر الحديث. وقال الساجي: تركوه. وقال النَّسائيّ: متروك الحديث. وقال عباس: عن يَحْيَى بن معين: منكر الحديث. وقال أبو أحمد الحاكم: ذاهب الحديث. وقال ابن عدي: له أحاديث غير محفوظة، وعن ميمون مناكير (اللسان ٤/ ٤٣٠، الكشف الحثيث ٢٠٨. التَّاريخ الكبير ٧/ ١٣٠، الكامل ٦/ ٢٢).\n(^١٥٠) - ابن جرير برقم (١٦٨، ١٨٢)، والحاكم (٢/ ٢٥٨)، وأبو صالح هو مولى أم هانئ، واسمه باذام، ويقال: باذان، وفيه كلام كثير، والصَّواب في حاله أنَّه ضعيف، وهو يروي في التفسير =\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"الصراط\".","vol":"1","page":219},{"text":"وقال عبد الله بن محمد بن عقيل عن جابر (^١٥١): ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ قال: الإسلام، هو أوسع مما بين السماء والأرض.\nوقال ابن الحنفية (^١٥٢) في قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ قال: هو دين الله الذي لا يقبل من العباد غيره.\nوقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم (^١٥٣): ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ قال: هو الإسلام.\nوفي معنى هذا؛ الحديث الذي رواه الإمام أحمد في مسنده، حيث قال: حدثنا الحسن بن سوار أبو العلاء، حدَّثنا ليث -يعني ابن سعد- عن معاوية بن صالح- أنّ عبد الرحمن بن جبير بن نفيرٍ، حدّثه عن أبيه، عن النواس بن سمعان، عن رسول الله ﷺ قال: (ضرب الله مثلًا صراطًا مسقيمًا وعلى جنبتي [¬١] الصراط سوران فيهما أبواب مفتحة، وعلى الأبواب ستور مرخاة، وعلى باب الصراط داع يقول يا أيها الناس، ادخلوا الصراط [جميعًا ولا تعوجوا. وداع يدعو من فوق [¬٢] الصراط] [¬٣]، فإذا أراد الإنسان أن يفتح شيئًا من تلك الأبواب قال: ويحك! لا تفتحه، فإنك إن تفتحه تلِجْه. فالصراط الإسلام، والسوران حدود الله، والأبواب المفتحة محارم اللَّه، وذلك الداعي على رأس الصراط كتاب الله، والداعي من فوق الصراط [¬٤] واعظ الله في [¬٥] قلب كل مسلم\".\nوهكذا رواه ابن أبي حاتم وابن جرير من حديث الليث بن سعد به (^١٥٤).\nورواه الترمذي والنسائي جميعًا (^١٥٥)، عن علي بن حجر، عن بقية، عن بحير بن سعد، عن\n_________\n= ما لم يتابعه أهل التفسير عليه فيما قاله ابن عدي، لكنه متابع بأبي مالك الغفاري.\n(^١٥١) - ابن نصر في السنة (٢٥)، وابن جرير (١٧٨)، والحاكم (٢/ ٢٥٨ - ٢٥٩)، وإسناده حسن، وقال الحاكم: صحيح الإسناد.\n(^١٥٢) - ابن جرير بإسنادٍ ضعيف (١٨١).\n(^١٥٣) - ابنَ جرير (١٨٥).\n(^١٥٤) - المسند ١٧٦٨٥ - (٤/ ١٨٢)، وتفسير ابن أبي حاتم ٣٣ - (١/ ٢١) مختصرًا، وتفسير ابن جرير\n١٨٦، ١٨٧ - (١/ ١٧٦) مختصرًا. والبيهقي في الشعب (٧٢١٦)، والأصبهاني في الترغيب (٧٤٣)، والطحاوي في مشكل الآثار (٢/ ٤٢٣)، (٣/ ٣٥)، وابن أبي عاصم في السنة (١٩). والحسن بن سوار: صدوق.\n(^١٥٥) - رواه الترمذي في الأمثال، باب: ما جاء في مثل الله ﷿ لعباده بنحوه =\n_________\n[¬١]- في خ: \"جانبي\"\n[¬٢]- في المسند. جوف.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- في ز: من.","vol":"1","page":220},{"text":"خالد بن معدان، عن جبير بن نفير، عن النوّاس بن سمعان، به.\nوهو إسناد حسن صحيح، والله أعلم.\nوقال مجاهد (^١٥٦): ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ قال: الحق. وهذا أشمل، ولا منافاة بينه وبين ما تقدم.\nوروى ابن أبي حاتم وابن جرير (^١٥٧)، من حديث أبي النضر هاشم بن القاسم، حدثنا [¬١] حمزة بن المغيرة، عن عاصم الأحول، عن أبي العالية: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ قال: هو النبي ﷺ وصاحباه من بعده. قال عاصم: فذكرنا ذلك للحسن، فقال: صدق أبو العالية، ونصح.\nوكل هذه الأقوالِ صحيحةٌ، وهي متلازمة؛ فإن من اتبع النبي ﷺ واقتدى باللذين من بعده أبي بكر وعمر - فقد اتبع الحق، ومن اتبع الحق فقد اتبع الإسلام، ومن اتبع الإسلام فقد اتبع القرآن، وهو كتاب الله وحبله المتين، وصراطه المستقيم، فكلها صحيحة يصدّق بعضها بعضا، ولله الحمد.\nوقال الطبراني (^١٥٨): حدثنا محمد بن الفضل السقطي، حدثنا إبراهيم بن مهدي المصيصي، حدثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن عبد الله قال ﴿الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ الذي تركنا عليه رسول الله ﷺ.\nولهذا قال الإمام أبو جعفر بن جرير ﵀: والذي هو أولى بتأويل هذه الآية عندي -أعنى- ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ أن يكون معنيًّا به: وفقنا للثبات على ما ارتضيته، ووفقت له من أنعمت عليه من عبادك من قول وعمل، وذلك هو الصراط المستقيم؛ لأنّ من وفق لما وفق له من أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين [¬٢] فقد وفق للإسلام، وتصديق الرسل والتمسك بالكتاب، والعمل بما أمره الله به والانزجار عما زجره عنه، واتباع منهاج النبي\n_________\n= حديث ٢٨٥٩، النسائي، في الكبرى برقم (١١٢٣٣)، وأحمد ١٧٦٨٧ - (٤/ ١٨٢)، وأخرجه الحاكم في المستدرك في كتاب الإيمان (١/ ٧٣).\n(^١٥٦) - ابن أبي حاتم (٣٥).\n(^١٥٧) - تفسير ابن أبي حاتم ٣٤ - (١/ ٢١)، وتفسير ابن جرير ١٨٤ - (١/ ١٧٥)، وأورده السيوطي في الدر المنثور، وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن عدي، وابن عساكر. ورواه الحاكم عن أبي العالية عن ابن عباس وصححه (٢/ ٢٥٩).\n(^١٥٨) - المعجم الكبير ١٠٤٥٤ - (١٠/ ٢٤٥) وسنده صحيح.\n_________\n[¬١]- في خ: أنبأنا.\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.","vol":"1","page":221},{"text":"ﷺ ومنهاج الخلفاء الأربعة وكل عبد صالح، وكل ذلك من الصراط المستقيم.\n(فإن قيل): فكيف يسأل المؤمن الهداية في كل وقت من صلاة وغيرها وهو متصف بذلك؟ فهل [¬١] هذا من باب تحصيل الحاصل أم لا؟\nفالجواب أن لا، ولولا احتياجه ليلًا ونهارًا إلى سؤال الهداية لما أرشده الله تعالى إلى ذلك، فإن العبد مفتقر في كل ساعة وحالة إلى الله تعالى، في تثبيته على الهداية ورسوخه فيها، وتبصره وازدياده منها، واستمراره عليها، فإن العبد لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًّا إلا ما شاء الله، فأرشده تعالى إلى أن يسأله في كل وقت أن يمده بالمعونة والثبات والتوفيق، فالسعيد من وفقه الله تعالى لسؤاله، فإنه تعالى قد تكفل بإجابة الداعي إذا دعاه، ولا سيما المضطر المحتاج المفتقر إليه آناء الليل وأطراف النهار.\nوقد قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ﴾. الآية. فقد أمر الذين آمنوا بالإيمان، وليس [ذلك من باب] [¬٢] تحصيل الحاصل؛ لأن المراد الثبات والاستمرار والمداومة على الأعمال المعينة على ذلك، والله أعلم.\n[وقال تعالى، آمرًا لعباده المؤمنين أن يقولوا: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ وقد كان الصدّيق ﵁ يقرأ بهذه الآية في الركعة الثالثة من صلاة المغرب بعد الفاتحة سرًّا، فمعنى قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ استمرّ بنا عليه ولا تعدل بنا إلى غيره] [¬٣] (^١٥٩).\n﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيهِمْ غَيرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾\nقد تقدّم الحديث فيما إذا قال العبد: اهدنا الصراط المستقيم إلى آخرها أن الله يقول: \"هذا لعبدي ولعبدي ما سأل\". وقوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ مفسر للصراط المستقيم، وهو بدل منه عند النحاة، ويجوز أن يكون عطف بيان، والله أعلم.\nوالذين [أنعم اللَّه] [¬٤] عليهم هم المذكورون في سورة النساء حيث قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ\n_________\n(^١٥٩) - مالك في الموطأ، وعبد الرزاق (٢/ ٢٦٩٨)، وابن المنذر في الأوسط (٣/ ١١٢).\n_________\n[¬١]- في ز: وهل.\n[¬٢]- في ز، خ: في ذلك.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- في ز، خ: \"أنعمت\".","vol":"1","page":222},{"text":"وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩) ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا﴾.\nوقال الضحاك (^١٦٠): عن ابن عباس: صراط الذين أنعمت عليهم بطاعتك، وعبادتك، من ملائكتك، وأنبيائك، والصدّيقين، والشهداء، والصالحين، وذلك نظير ما قال ربنا تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيهِمْ﴾ الآية.\nوقال أبو جعفر الرازي: عن الربيع بن أنس: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيهِمْ﴾ قال: هم النبيون.\nوقال ابن جريج (^١٦١): عن ابن عباس: هم المؤمنون. وكذا قال مجاهد. وقال وكيع: هم المسلمون. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: هم: النبي ﷺ ومن معه.\nوالتفسير المتقدّم عن ابن عباس ﵄ أعم [¬١] وأشمل، [والله أعلم] [¬٢].\nوقوله تعالى: ﴿غَيرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [قرأ الجمهور ﴿غَيرِ﴾ بالجر على النعت. قال الزمخشري: وقريء بالنصب على الحال، وهي قراءة رسول الله ﷺ وعمر بن الخطاب، ورويت عن ابن كثير، وذو الحال الضمير في عليهم، والعامل أنعمت عليهم] [¬٣] يعني اهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم ممن تقدّم وصفهم ونعتهم، وهم: أهل الهداية والاستقامة، والطاعة لله ورسله، وامتثال أوامره وترك نواهيه وزواجره -غير صراط المغضوب عليهم- وهم [¬٤] الذين فسدت إرادتهم [¬٥] فعلموا الحق وعدلوا عنه، ولا صراط الضالين [وهم الذين] [¬٦] فقدوا [¬٧] العلم، فهم هائمون في الضلالة لا يهتدون إلى الحق. وأكد الكلام بـ \"لا\"، ليدل على أن ثَمّ مسلكين فاسدين، وهما طريقتا اليهود والنصارى.\nوقد زعم بعض النحاة أن غير هاهنا استثنائية، فيكون على هذا منقطعًا لاستثنائهم من المنعم عليهم وليسوا منهم، وما أوردناه أولى لقول [¬٨] الشاعر (^١٦٢):\nكأنك من جِمال بني أقيش … يقعقع عند رجليه بشنٍّ\n_________\n(^١٦٠) - رواه ابن جرير (١٨٨)، وابن أبي حاتم (٣٨)، والضحاك لم يسمع من ابن عباس فهو ضعيف.\n(^١٦١) - ابن جريج لم يسمع من ابن عباس، فهو منقطع، ورواه الطبري (١٩٠).\n(^١٦٢) - هو النابغة الذبياني، والبيت في تفسير ابن جرير (١/ ١٧٩)، وهو في ديوانه (١٩٨).\n_________\n[¬١]- في خ: أشد.\n[¬٢] ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٤] سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- في ز: إرادتهم.\n[¬٦]-ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٧]- في ز، خ: \"فقد\".\n[¬٨]- في ز، خ: كقول.","vol":"1","page":223},{"text":"أي: كأنك جمل من جمال بني أقيش، فحذت الموصوف واكتفى بالصفة، وهكذا غير المغضوب عليهم [أي: غير صراط المغضوب عليهم] [¬١] اكتفي بالمضاف إليه عن ذكر المضاف، وقد دل عليه سياق الكلام وهو قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيهِمْ﴾ ثم قال تعالى: ﴿غَيرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيهِمْ﴾. ومنهم من زعم أن \"لا\". في قوله تعالى: ﴿وَلَا الضَّالِّين﴾ زائدة، وأنَّ تقدير الكلام: عنده غير المغضوب عليهم والضالين، واستشهد ببيت العجاج:\nفي بئر لا حور [¬٢] سعى [¬٣] وما شعر (^١٦٣)\nأي في بئر حور [¬٤]، والصحيح ما قدمناه؛ ولهذا روى أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب فضائل القرآن (^١٦٤) عن [أبي معاوية] [¬٥]، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه كان يقرأ ﴿غَيرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [وهذا إسناد صحيح، وكذلك حكي عن أبيّ بن كعب أنه قرأ كذلك [¬٦]، وهو محمول على أنه صدر منهما [¬٧] على وجه التفسير.\nفيدل على ما قلناه من أنه إنما جيء- \"بلا [¬٨]- لتأكيد النفي [لئلا يتوهم أنه معطوف على الذين أنعمت عليهم] [¬٩]، وللفرق بين الطريقتين لتجتنب كل واحد [¬١٠] منهما، فإن طريقة أهل الإيمان مشتملة على العلم بالحق والعمل به، واليهود فقدوا العمل، والنصارى فقدوا العلم؛ ولهذا كان الغضب لليهود، والضلال للنصارى، لأن من علم وترك استحق الغضب بخلاف من لم يعلم. والنصارى لما كانوا قاصدين شيئًا لكنهم لا يهتدون إلى طريقه [¬١١]؛ لأنهم لم يأتوا الأمر من بابه، وهو اتباع الرسول الحق- ضلوا، وكل من اليهود والنصارى ضال مغضوب عليه، لكن أخص أوصاف اليهود الغضب، [كما قال تعالى عنهم: ﴿مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيهِ﴾] [¬١٢]، وأخص أوصاف النصارى الضلال [كما قال تعالى عنهم: ﴿قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾] [¬١٣]. وبهذا جاءت الأحاديث والآثار.\n_________\n(^١٦٣) - البيت في تفسير ابن جرير (١/ ١٩٠).\n(^١٦٤) - فصائل القرآن (ص ٢٨٩ - ٢٩٠)، وسعيد بن منصور (١٧٧)، وابن أبي داود (٥١).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في ز، خ: \"جور\".\n[¬٣]- في خ: سرى.\n[¬٤]- في ز، خ: \"جور\".\n[¬٥]- في الفضائل: معاوية.\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٧]- في ز: منه.\n[¬٨]- في ز، خ: \"بها\".\n[¬٩]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬١٠]- سقط من: ز، خ.\n[¬١١]- في خ: \"طريقة\".\n[¬١٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬١٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"1","page":224},{"text":"[وذلك واضح بين فيما] [¬١] قال الإمام أحمد:\nحدَّثنا محمد بن جعفر، ثنا شعبة قال [¬٢] سمعت سماك بن حرب، يقول [¬٣]: سمعت عباد بن حبيش، يحدّث عن عدي بن حاتم قال: جاءت خيلُ رسول الله ﷺ فأخذوا عمتي وناسًا، فلما أتوا بهم إلى [¬٤] رسول الله ﷺ صُفوا له، فقالت: يا رسول الله؛ ناء الوافد، وانقطع الولد، وأنا عجوز كبيرة. ما لي من خدمة، فمُنَّ عليَّ مَنَّ الله عليك! قال: \"من وافدك؟ \". قالت: عدي بن حاتم. قال: \"الذي فرّ من الله ورسوله\". قالت: فمن علي، فلما رجع، ورجل إلى جنبه، ترى أنه علي، قال: سليه حملانا [¬٥] فسألته، فأمر لها قال: فأتتني فقالت: لقد فعلت فعلة ما كان أبوك [¬٦] يفعلها، فإنه [ق] أتاه فلان فأصاب منه، وأتاه فلان فأصاب منه، فأتيته فإذا عنده امرأة وصبيان أو صبي، وذكر قربهم من النبي ﷺ قال: فعرفت أنه ليس بملك كسرى ولا قيصر، فقال: \"يا عدي؛ ما أفرك؟ أن يقال: لا إله إلا الله؟ فهل من [] [¬٧] إله إلا الله؟ قال: ما أفرك أن يقال: الله أكبر؟ فهل شيء أكبر من الله ﷿؟ \". قال: فأسلمت فرأيت وجهه استبشر وقال: (إن المغضوب عليهم [¬٨] اليهود، وإن الضالين النصارى\" (^١٦٥). وذكر الحديث.\nورواه الترمذي من حديث سماك بن حرب، وقال: حسن غريب لا نعرفه إلا من حديثه.\n_________\n(^١٦٥) - المسند ١٩٤٣٨ - (٤/ ٣٧٨)، وأخرجه الترمذي في كتاب تفسير القرآن، باب: ومن سورة فاتحة الكتاب برقم (٢٩٥٣)، وابن حبان في صحيحه (٧٢٠٦) (١٦/ ١٨٣ - ١٨٤) بنحوه مختصرًا.\nوالطبراني في الكبير (٢٣٦) ورقم (٢٣٧) والمزي في تهذيب الكمال (١٤/ ١١٠) (١٧/ ٩٨ - ٩٩، ١٠٠)، والبيهقي في الدلائل (٥/ ٣٣٩ - ٣٤٠) من طرق عن سماك بن حرب، عن عباد بن حبيش عن عدي بن حاتم، به. وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث سماك بن حرب. وذكره الهيثمي في المجمع (٦/ ٢١١) مطولًا وقال: \"رواه أحمد والطبراني، ورجاله رجال الصحيح غير عباد بن حبيش، وهو ثقة، وفي الصحيح وغيره بعضه. ا هـ\nقلت: عباد بن حبيش: ذكره الذهبي في الميزان (٣/ ٧٩) ت (٤١١٢) وقال: \"شيخ لسماك بن حرب. لا يعرف، له عن عدي بن حاتم\". وقال الحافظ ابن حجر في التهذيب (٥/ ٧٩) (١٥٢): جهله ابن القطان. وقال في التقريب ت (٣١٢٤): مقبول. وذكره البخاري في التاريخ الكبير (٦/ ٣٣) ت (١٥٩٨)، وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٦/ ٧٨) ت (٤٠١)، ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا. ومثل هذا لا يُحسَّن حديثه إلا إذا توبع، ولم أقف على متابعة له بذكر الحديث بطوله هكذا، =\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- سقط من ز، خ.\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- في خ: \"حملا\".\n[¬٦]- سقط من: ز، خ.\n[¬٧]- في ز، خ: لا.\n[¬٨]- سقط من: خ.","vol":"1","page":225},{"text":"(قلت): وقد رواه حماد بن سلمة (^١٦٦)، عن سماك، عن مُرِّي بن قَطَرِي، عن عدي بن حاتم قال: سألت رسول الله ﷺ عن قوله الله تعالى: ﴿غَيرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيهِمْ﴾ قال: \"هم اليهود\" ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ قال: \"النصارى هم الضالون\".\nوهكذا رواه سفيان بن عيينة، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي، عن عدي بن حاتم، به (^١٦٧).\nوقد روي حديث عدي هذا من طرق، وله ألفاظ كثيرة يطول ذكرها.\nوقال عبد الرزاق (^١٦٨): أخبرنا معمر، عن بُدَيل العُقَيلي، أخبرني عبد الله بن شقيق أنه أخبره من سمع [رسول الله] [¬١] ﷺ وهو بوادي القُرى، وهو على فرسه، وسأله رجل من بني القين، فقال: يا رسول الله؟ من هؤلاء؟ قال: \"المغضوب عيهم -وأشار إلى اليهود- والضالون هم النصارى له.\nوقد رواه الجُرَيري وعروة وخالد الحَذَّاء عن عبد الله بن شقيق، فأرسلوه (^١٦٩)، ولم يذكروا من سمع النبي ﷺ.\nووقع في رواية عروة تسمية عبد الله بن عمر، فالله أعلم.\nوقد روى ابن مَرْدُويه من حديث إبراهيم بن طهمان، عن بديل بن ميسرة، عن عبد اللَّه بن شقيق عن أبي ذرّ قال: سألت رسول الله ﷺ عن المغضوب عليهم؟ قال: \"اليهود\". قال: قلت: [] [¬٢] الضالين [¬٣]؟ قال: \"النصارى\" (^١٧٠).\n_________\n= ولكن بعض فقرات الحديث صحيحة. والحديث أخرجه مختصرًا جدًّا الترمذي (٢٩٥٤) (٥/ ١٨٧).\nوأبو داود الطالسي (١٠٤٠) ولم يذكر عباد بن حبيش، وإنما قال: \"عمن سمع عدي بن حاتم\"، وابن حبان في صحيحه (٦٢٤٦) (١٤/ ١٣٩ - ١٤٠)، (٧٣٦٥) (٣٦٥/ ١٦ - ٣٦٦).\n(^١٦٦) - رواه ابن جرير في تفسيره ١٩٥ - (١/ ١٨٦). وإسناده حسن.\n(^١٦٧) - رواه الحميدي في مسنده (٢/ ٤٠٦) عن سفيان، به.\n(^١٦٨) - تفسير عبد الرزاق (١/ ٣٧)، ورواه من طريقه ابن جرير في تفسيره ١٩٨ - (١/ ١٨٧)، ورواه أحمد (٥/ ٣٢ - ٣٣)، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ٣١١) وقال: رجاله رجال الصحيح.\n(^١٦٩) - رواه ابن جرير في تفسيره (١/ ١٨٦، ١٨٧).\n(^١٧٠) - قال الحافظ ابن حجر في الفتح (٨/ ١٥٩): \"أخرجه ابن مردويه بإسناد حسن عن أبي ذر\".\n_________\n[¬١]- في خ: \"النبي\".\n[¬٢]- في ز، خ: قال.\n[¬٣]- في ز، خ: \"الضالون\".","vol":"1","page":226},{"text":"وقال السُّدي: عن أبي مالك وعن أبي صالحٍ عن ابن عباس، وعن مرة الهمداني، عن ابن مسعود، وعن أناس من أصحاب النبي ﷺ ﴿غَيرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيهِمْ﴾: هم اليهود، ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾: هم النصارى.\nوقال الضحاك وابن جريج، عن ابن عباس: ﴿غَيرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيهِمْ﴾: اليهود [¬١]، ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾: النصارى.\nوكذا [¬٢] قال الربيع بن أنس، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وغير واحد. وقال ابن أبي حاتم: ولا أعلم بين المفسرين في هذا اختلافًا.\nوشاهد ما قاله هؤلاء الأئمة من أن اليهود مغضوب عليهم، والنصارى ضالون، الحديث المتقدم، وقوله تعالى في خطابه مع بني إسرائيل في [سورة] [¬٣] البقرة: ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾. وقال في المائدة: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ [¬٤]﴾. وقال تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾.\nوفي السيرة (^١٧١) عن زيد بن عمرو بن نفيل -أنه لما خرج هو وجماعة من أصحابه إلى الشام يطلبون الدين الحنيف، قالت له اليهود: إنك لن تستطيع الدخول معنا حتى تأخذ بنصيبك من غضب الله. فقال: أنا من غضب الله أفر، وقالت له النصارى: إنك لن تستطع الدخول معنا حتى تأخذ بنصيبك من سخط الله. فقال: لا أستطيعه. فاستمرّ على فطرته، وجانب عبادة الأوثان ودين المشركين، ولم يدخل مع أحد من اليهود ولا النصارى.\nوأما أصحابه فتنصروا ودخلوا في دين النصرانية؛ لأنهم وجدوه أقرب من دين اليهود إذ ذاك، وكان منهم ورقة بن نوفل حتى هداه الله بنبيه لما بعثه آمن بما وجد من الوحي، ﵁.\n[مسألة: والصحيح من مذاهب العلماء أنه يغتفر الإخلال بتحرير ما بين الضاد والظاء لقرب\n_________\n(^١٧١) - انظر: السيرة النبوية لابن هشام (١/ ٢٢٤)، وأخرجه البخاري مطولا (٧/ ١٤٢ - ١٤٣)، وعزاه في الإصابة بهذا السياق لأبي يعلى والبغوي، والروياني والطبراني والحاكم.\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- في ز: وكذلك.\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- في ز، خ: وأضل سبيلًا.","vol":"1","page":227},{"text":"مخرجيهما وذلك أنّ الضاد مخرجها من أول حافة اللسان وما يليها من الأضراس، ومخرج الظاء من طرف اللسان وأطراف الثنايا العليا؛ ولأن كلًّا من الحرفين من الحروف المجهورة، ومن الحروف الرخوة، ومن الحروف المطبقة، فلهذا كله اغتفر استعمال أحدهما مكان الآخر لمن لا يميز ذلك، والله أعلم. وأما حديث: \"أنا أفصح من نطق بالضاد\" (^١٧٢) فلا أصل له، والله أعلم] [¬١].\n[فصل]\nاشتملت هذه السورة الكريمة، وهي سبع آيات، على حمد الله وتمجيده والثناء عليه، بذكر أسمائه الحسنى المستلزمة لصفاته العليا [¬٢]، وعلى ذكر المعاد وهو يوم الدين، وعلى إرشاده [¬٣] عبيده إلى سؤاله والتضرع إليه، والتبرؤ من حولهم وقوتهم، وإلى إخلاص العبادة له وتوحيده بالألوهية ﵎، وتنزيهه أن يكون له شريك أو نظير أو مماثل، وإلى سؤالهم إياه الهداية إلى الصراط المستقيم وهو الدين القويم، وتثبيتهم عليه حتى يفضي بهم ذلك إلى جواز الصراط الحسي يوم القيامة، المفضي بهم إلى جنات النعيم في جوار النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.\nواشتملت على الترغيب في الأعمال الصالحة ليكونوا مع أهلها يوم القيامة، والتحذير من مسالك الباطل، لئلا يحضروا مع سالكيها يوم القيامة وهم المغضوب عليهم والضالون. وما أحسن ما جاء إسناد الإنعام إليه في قوله تعالى ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيهِمْ﴾ وحذف الفاعل في الغضب في قوله تعالى: ﴿غَيرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيهِمْ﴾ وإن كان هو الفاعل لذلك في الحقيقة كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيهِمْ﴾. الآية.\nوكذلك إسناد الضلال إلى من قام به، وإن كان هو الذي أضلهم بقدره كما قال تعالى: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾، وقال: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أنه سبحانه هو المنفرد بالهداية والإضلال، لا كما تقول الفرقة القدرية ومن حذا حذوهم من أن العباد هم الذين يختارون ذلك ويفعلونه، ويحتجون على بدعتهم [¬٤] بمتشابه من القرآن، ويتركون ما يكون فيه صريحًا في الرد عليهم.\nوهذا حال أهل الضلال والغي، وقد ورد في الحديث الصحيح: \"إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذووهم\" (^١٧٣). يعني في قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي\n_________\n(^١٧٢) - كشف الخفا (١/ ٢٠٠ - ٢٠١)، ونقل عن السيوطي أنه قال في اللآلئ: معناه صحيح، ولكن لا أصل له، وهو في الفوائد المجموعة (ص ٣٢٧).\n(^١٧٣) - رواه البخاري في تفسير القرآن من صحيحه، باب: منه آيات محكمات برقم (٤٥٤٧)، =\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في ز: العلى.\n[¬٣]- في ز، خ: \"إرشاد\".\n[¬٤]- في ز: بدعهم.","vol":"1","page":228},{"text":"قُلُوبِهِمْ زَيغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ فليس -بحمد الله- لمبتدع في القرآن حجة صحيحة؛ لأن القرآن جاء ليفصل الحق من الباطل، مفرقًا بين الهدى والضلال، وليس فيه تناقض ولا اختلاف؛ لأنه من عند الله تنزيل من حكيم حميد.\n[فصل]\nيستحب لمن قرأ الفاتحة أن يقول بعدها آمين، [مثل يس] [¬١] ويقال: أمين بالقصر أيضًا، ومعناه: اللهم، استجب، والدليل على [استحباب التأمين] [¬٢] ما رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي عن وائل بن حجر (^١٧٤)، قال: سمعت النبي ﷺ قرأ ﴿غَيرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فقال: \"آمين\". مدّ بها صوته، ولأبي داود: رفع بها صوته. وقال\n_________\n= ومسلم في العلم من صحيحه برقم (٢٦٦٥)، ورواه أبو داود برقم (٤٥٩٨)، والترمذي برقم (٢٦٦٥)، وابن ماجه في المقدمة (٤٧)، ورواه أحمد كلهم من حديث عائشة، ﵂.\n(^١٧٤) - المسند ١٨٨٩٥، ١٨٨٩٦ - (٤/ ٣١٥ و٣١٦) ثنا وكيع، ثنا سُفْيَان، عن سَلَمَة بن كهيل، عن حجر بن عنبس، عن وائل بن حجر، قال: سمعت النبي ﷺ قرأ: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فقال: \"آمين\" يمد بها صوته. -حَدَّثَنا عبد الله، حدثني أبي، ثنا عبد الرحمن قال: وقال شعبة: وخفض بها صوته. والحديث رواه أبو داود في كتاب الصلاة، باب: التأمين وراء الإمام - (١/ ٢٤٦ / ح ٩٣٢). والترمذي في سننه، أبواب الصلاة، باب: ما جاء في التأمين (٢/ ٢٧ / ح ٢٤٨، ٢٤٩) وقال أبو عيسى: حديث وائل بن حجر حديث حسن. ورواه النسائي في كتاب الافتتاح، باب: قول المأموم إذا عطس خلف الإمام (٢/ ١٤٥) وله في الكبرى (٩١٤). وابن ماجه في سننه في كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب: الجهر بآمين (١/ ٢٧٨ / ح ٨٥٥) وكتاب الأدب، باب: فضل الحامدين (٢/ ١٢٤٩ / ح ٣٨٠٢). ورواه الدارمي أيضًا (١٢٥٠)، والدارقطني (١/ ٣٣٤، ٣٣٥). وقال أبو عيسى: وسمعت محمدًا يقول: حديث سفيان أصح من حديث شعبة في هذا، وأخطأ شعبة في مواضع من هذا الحديث، فقال عن حجر أبي العنبس، وإنما هو حجر بن عنبس ويكنى أبا السكن، وزاد فيه عن علقمة بن وائل، وليس فيه عن علقمة، وإنما هو: عن حجر بن عنبس عن وائل بن حجر، وقال: وخفض بها صوته، وإنما هي ومد بها صوته.\nقال الحافظ في التلخيص الحبير: حديث وائل بن حجر: صليت خلف النبي، ﷺ، فلما قال: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾، قال: \"آمين\" ومد بها صوته، الترمذي، وأبو داود والدارقطني وابن حبان، من طريق الثوري، عن سلمة بن كهيل، عن حجر بن عنبس، عنه، وفي رواية أبي داود، ورفع بها صوته، وسنده صحيح وصححه الدارقطني، وأعله ابن القطان، بحجر بن عنبس، وأنه لا يعرف، وأخطأ في ذلك، بل هو ثقة معروف، قيل: له صحبة، ووثقه يحيى بن معين وغيره، وتصحف اسم أبيه علي بن حزم، فقال فيه: حجر بن قيس، وهو مجهول، وهذا غير مقبول منه، ورواه ابن ماجة من طريق أخرى، عن عبد الجبار بن وائل، عن أبيه، قال: صليت مع النبي، ﷺ، فلما قال: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾، قال \"آمين\" فسمعناها منه ورواه أحمد والدارقطني من هذا الوجه بلفظ \"مد بها صوته\" =\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في ز، خ: \"ذلك\".","vol":"1","page":229},{"text":"الترمذي: هذا حديث حسن. وروي عن علي وابن مسعود وغيرهم (^١٧٥).\nوعن أبي هريرة قال: كان رسول الله ﷺ إذا تلا ﴿غَيرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ قال: \"آمين\"، حتى يسمع من يليه من الصف الأوّل. رواه أبو داود وابن ماجة وزاد\n_________\n= قال الترمذي في جامعه: رواه شعبة عن سلمة بن كهيل، فأدخل بين حجر، ووائل، علقمة بن وائل، فقال: \"وخفض بها صوته\" قال: وسمت محمدًا يقول: حديث سفيان أصح، وأخطأ فيه شعبة في مواضع، قال: عن حجر أبي العنبس، إنما هو أبو السكن، وزاد فيه علقمة وليس فيه علقمة، وقال: \"خفض بها صوته\" وإنما هو \"ومد بها صوته\" وكذا قال أبو زرعة. قال الترمذي: وروى العلاء بن صالح، عن سلمة نحو رواية سفيان، وقال أبو بكر الأثرم: اضطرب فيه شعبة، في إسناده ومتنه، ورواه سفيان فضبطه، ولم يضطرب في إسناده ولا في متنه. وقال الدارقطني: يقال: وهم فيه شعبة، وقد تابع سفيان، محمد بن سلمة بن كهيل، عن أبيه، وقال ابن القطان: اختلف شعبة، وسفيان فيه، فقال شعبة: خفض، وقال الثوري: رفع، وقال شعبة: حجر أبي العنبس، وقال الثوري: حجر بن عنبس، وصوب البخاري، وأبو زرعة، قول الثوري، وما أدري لِمَ لمْ يصوبا القولين حتى يكون حجر بن عنبس هو أبو العنبس؟ قلت: وبهذا جزم ابن حبان في الثقات، أن كنيته كاسم أبيه، ولكن قال البخاري: إن كنيته أبو السكن، ولا مانع أن يكون له كنيتان، قال: واختلفا أيضًا في شيء آخر، فالثوري يقول: حجر، عن وائل، وشعبة يقول: حجر، عن علقمة بن وائل، عن أبيه، قلت: لم يقف ابن القطان على ما رواه أبو مسلم الكجي في سننه: حدثنا عمرو بن مرزوق، ثنا شعبة، عن سلمة بن كهيل، عن حجر، عن علقمة بن وائل، عن وائل، قال: وقد سمعه حجر من وائل قال: صلى النبي، ﷺ فذكر الحديث، وهكذا رواه أبو داود الطيالسي في مسنده عن شعبة، عن سلمة، سمعت حجرًا أبا العنبس، سمعت علقمة بن وائل، عن وائل، قال: وسمعته من وائل، فبهذا تنتفي وجوه الاضطراب عن هذا الحديث، وما بقي إلا التعارض الواقع بين شعبة، وسفيان فيه في الرفع والخفض، وقد رجحت رواية سفيان بمتابعة اثنين له بخلاف شعبة، فلذلك جزم النقاد بأن روايته أصح، والله أعلم.\n(تنبيه) احتج الرافعي بحديث وائل على استحباب الجهر بآمين، وقال في أماليه: يجوز حمله على أنه تكلم بها على لغة المد، دون القصر من جهة اللفظ، ولكن رواية من قال: رفع صوته، تبعد هذا الاحتمال، ولهذا قال الترمذي عقبه: وبه يقول غير واحد، يرون أنه يرفع صوته.\n(فائدة) قال ابن أبي حاتم في العلل: سألت أبي عن حديث، حدثناه أحمد بن عثمان بن حكيم، ثنا بكر بن عبد الرحمن، عن عيسى بن المختار، عن ابن أبي ليلى، عن سلمة بن كهيل، عن حجية بن عدي، عن علي: أنه سمع النبي، ﷺ يقول: \"آمين\" حين يفرغ من قراءة فاتحة الكتاب، فقال: هذا عندي خطأ، إنما هو حجر بن عنبس، عن وائل، وهذا من ابن أبي ليلى فإنه كان سيئ الحفظ، قلت: وروى المطلب بن زياد، عن ابن أبي ليلى أيضًا، عن عدي بن ثابت، عن زر بن حبيش، عن علي نحوه، فقال: هذا خطأ.\n(^١٧٥) - حديث علي رواه ابن ماجه (٨٥٤)، وابن أبي حاتم في العلل (١/ ٢٥١)، وقال البوصيري: هذا إسناد ضعيف، وفيه مقال، وابن أبي ليلى وهو محمد بن عبد الرحمن ضعفه الجمهور، وله شاهد من حديث وائل بن حجر .. ا هـ. =","vol":"1","page":230},{"text":"فيه [¬١]: يرتج بها المسجد (^١٧٦). والدارقطني وقال: هذا إسناد حسن.\nوعن بلال أنه قال: يا رسول الله؛ لا تسبقني بآمين. رواه أبو داود (^١٧٧).\n[ونقل أبو نصر القشيري عن الحسن وجعفر الصادق، أنهما شدّدا الميم من آمين مثل ﴿آمِّينَ الْبَيتَ الْحَرَامَ﴾] [¬٢]. قال أصحابنا وغيرهم: ويستحب ذلك لمن هو خارج الصلاة، ويتأكد في حق المصلي، وسواء كان منفردًا أو إمامًا أو مأمومًا وفي جميع الأحوال؛ لما جاء في الصحيحين (^١٧٨) عن أبي هريرة ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: \"إذا أمّن الإمام فأمِّنوا؛ فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه\".\nولمسلم أنّ رسول الله ﷺ قال: \"إذا قال أحدكم في الصلاة: آمين والملائكة في السماء: آمين، فوافقت إحداهما الأخرى غفر له ما تقدّم من ذنبه\" (^١٧٩).\n[قيل بمعني من وافق تأمينه تأمين الملاثكة في الزمان، وقيل: في الإجابة، وقيل: في صفة الإخلاص] [¬٣].\nوفي صحيح مسلم (^١٨٠) عن أبي موسى مرفوعًا: \"إذا [¬٤] قال -يعني- الإمام: ﴿ولا الضالين﴾ فقولوا: آمين، يجبكم [¬٥] الله\".\n_________\n= وقال أبو حاتم: هذا عندي خطأ إنما هو سلمة، عن حجر أبي العنبس، عن وائل بن حجر، عن النبي، ﷺ، ثم قال أبو حاتم: كان ابن أبي ليلي سيئ الحفظ.\n(^١٧٦) - رواه أبو داود الصلاة، باب: التأمين وراء الإمام برقم (٩٣٤)، وابن ماجة في إقامة الصلاة والسنة فيها، باب: الجهر بآمين برقم (٨٥٣)، وابن عبد البر في التمهيد (٧/ ١٣)، وأبو يعلى (١١/ ٦٢٢٠)، وقال البوصيري (١/ ٢٩٦): هذا إسناد ضعيف، أبو عبد الله لا يعرف حاله، وبشر ضعفه أحمد، وقال ابن حبان: روي الموضوعات ..\n(^١٧٧) - منقطع رواه أبو داود في الصلاة، باب: التأمين وراء الإمام برقم (٩٣٧)، ورواه أحمد ٢٣٩٩٠ - (٦/ ١٢)، وابن خزيمة (١/ ٥٧٣).\n(^١٧٨) - رواه البخاري في الأذان برقم (٧٨٠)، وأطرافه (٧٨١، ٧٨٢، ٤٤٧٥، ٦٤٠٢) ومسلم في الصلاة برقم (٤١٠).\n(^١٧٩) - رواه مسلم في الصلاة برقم ٧٤ - (٤١٠).\n(^١٨٠) - رواه مسلم ٦٢ - (٤٠٤)، وأبو داود (٩٧٢)، وأحمد برقم ١٩٦٤٩ - (٤/ ٤٠١).\n_________\n[¬١] سقط من ز.\n[¬٢] سقط من ز.\n[¬٣] سقط من ز.\n[¬٤] في ز: وإذا.\n[¬٥] في ز: يحبكم.","vol":"1","page":231},{"text":"وقال جويبر [¬١]: عن الضحاك، عن ابن عباس قال: قلت: يا رسول الله، ما معنى آمين؟ قال: \"رب افعل\" (^١٨١).\n[وقال الجوهري: معنى آمين: كذلك فليكن.\nوقال الترمذي: معناه لا تخيب رجاءنا. وقال الأكثرون: معناه اللَّهم، استجب لنا.\nوحكي القرطبي (^١٨٢) عن مجاهد وجعفر الصادق وهلال بن يساف أن آمين اسم من أسماء الله تعالى.\nوروي عن ابن عباس مرفوعًا ولا يصح، قاله أبو بكر بن العربي المالكي] [¬٢].\nوقال أصحاب مالك: لا يؤمّن الإمام ويؤمّن المأموم؛ لما رواه مالك عن سمي، عن أبي صالح، عن أبي هريرة أنّ رسول الله ﷺ قال: [\"وإذا قال -يعني الإمام-: ﴿ولا الضالين﴾ فقولوا: آمين\" (^١٨٣). الحديث] [¬٣].\nواستأنسوا أيضًا بحديث أبي موسى عند مسلم: \"وإذا قرأ ﴿ولا الضالين﴾ فقولوا: آمين\".\nوقد قدّمنا في المتفق عليه \"إذا أمّن الإمام فأمّنوا\"، وأنه ﵊ كان يؤمّن إذا قرأ ﴿غَيرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾.\nوقد اختلف أصحابنا في الجهر بالتأمين للمأموم في الجهرية، وحاصل الخلاف أنّ الإمام إن نسي التأمين جهر المأموم به قولا واحدًا، وإن أمّن الإمام جهرًا فالجديد أنه لا يجهر المأموم، وهو مذهب أبي حنيفة ورواية عن مالك؛ لأنه ذكرٌ من الأذكار فلا يجهر به كسائر أذكار الصلاة. والقديم أنه يجهر به وهو مذهب الإمام أحمد بن حنبل، والرواية الأخرى عن مالك لما تقدّم: \"حتى يرتج المسجد\".\nولنا قول آخر ثالث: أنه إن كان المسجد صغيرًا لم يجهر المأموم؛ لأنهم يسمعون قراءة الإمام،\n_________\n(^١٨١) - جويبر هالك، والضحاك: قيل: لم يسمع من ابن عباس. ورواه الثعلبي في تفسيره كما في الدر المنثور (١/ ٤٥) من طريق الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس مثله، وهو ضعيف جدًّا؛ لأن الكلبي تالف.\n(^١٨٢) - تفسير القرطبي (١٢٨١١).\n(^١٨٣) - الموطأ (١/ ٨٧)، ورواه البخاري في صحيحه برقم (٧٩٦)، ومسلم في صحيحه برقم (٤٠٩) من طريق مالك، به.\n_________\n[¬١]- في ز: جوهر.\n[¬٢] سقط من ز.\n[¬٣]- بياض في ز، وقال الناسخ: كذا بالأصل.","vol":"1","page":232},{"text":"وإن كان كبيرًا جهر ليبلغ التأمين من في أرجاء المسجد، والله أعلم.\nوقد روي الإمام أحمد في مسنده عن عائشة (^١٨٤) ﵂ أن رسول الله ﷺ ذكرت عنده اليهود فقال: \"إنهم لن [¬١] يحسدونا عيي شيء كما يحسدونا علي الجمعة التي هدانا الله لها وضلوا عنها، وعلي القبلة التي هدانا الله لها [¬٢] وضلوا عنها، وعلي قولنا خلف الإمام: آمين\".\nورواه ابن ماجة (^١٨٥)، ولفظه: \"ما حسدتكم اليهود علي شيء ما حسدتكم علي السلام والتأمين\".\nوله عن ابن عباس (^١٨٦) أن رسول الله ﷺ قال: \"ما حسدتكم اليهود علي شيء ما حسدتكم على قول: آمين، فأكثروا من قول: آمين\". وفي إسناده طلحة بن عمرو، وهو ضعيف.\nوروي ابن مردويه عن أبي هريرة؛ أن رسول الله ﷺ قال: \"آمين: خاتم رب العالمين علي عباده المؤمنين\" (^١٨٧).\nوعن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: \"أعطيت آمين في الصلاة وعند الدعاء، لم يعط أحد قبلي إلا أن يكون موسى، كان موسى يدعو وهارون يؤمّن، فاختموا الدعاء بآمين، فإنّ الله يستجيبه لكم\" (^١٨٨).\n_________\n(^١٨٤) - المسند (٦/ ١٣٥)، والبيهقي (٢/ ٥٦) مطولًا، والبخاري في التارسخ (١/ ١/ ٢٢) مختصرًا.\n(^١٨٥) - رواه ابن ماجة برقم (٨٥٦) من طريق حماد بن سلمة، عن سهيل، عن أبي صالح، عن أبيه، عن عائشة مرفوعًا، وقال البوصيري في الزوائد (١/ ٢٩٧): \"هذا إسناد صحيح احتج مسلم بجميع رواته\".\n(^١٨٦) - رواه ابن ماجة برقم (٨٥٧) من طريق يزيد بن صبيح، عن طلحة بن عمرو، عن عطاء، عن ابن عباس مرفوعًا. وقال البوصيري (١/ ٢٩٨): هذا إسناد ضعيف لاتفاقهم على ضعف طلحة بن عمرو.\n(^١٨٧) - ضعيف جدًّا، ورواه ابن عدي في الكامل (٦/ ٤٤٠) من طريق مؤمل، عن أبي أمية بن يعلى عن المقبري، عن أبي هريرة به، وقال ابن عدي \"لا يرويه عن أبي أمية بن يعلى -وإن كان ضعيفًا- غير مؤمل هذا\". ورواه الطبراني في الدعاء (٢١٩).\n(^١٨٨) - ورواه الحارث بن أبي أسامة في مسنده كما في \"بغية الباحث ١٦٧\" من طريق عبد العزيز بن أبان، ثنا زريي -مولي خالد- عن أنس بن مالك، به، وزريي بن عبد الرحمن واهٍ ضعيف، وعبد العزيز بن أبان متروك؛ إلا أنه توبع من حرمي بن عمارة، وعبد الصمد بن عبد الوارث- كلاهما عن زريي، رواه ابن خزيمة (١٥٨٦).\n_________\n[¬١]- في ز: لم.\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.","vol":"1","page":233},{"text":"(قلت): ومن هنا نزع بعضهم في الدلالة بهذه الآية الكريمة وهي قوله تعالى: ﴿وَقَال مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٨٨) قَال قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (٨٩)﴾. فذكر الدعاء عن موسى وحده، ومن سياق الكلام ما يدل على أنّ هارون أمّن، فنزل منزلة من دعا، لقوله تعالى: ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾ فدلَّ ذلك علي أن من أمّن على دعاء فكأنما قاله، فلهذا قال من قال: إنّ المأموم لا يقرأ؛ لأنّ تأمينه على قراءة الفاتحة بمنزلة قراءتها، [ولهذا جاء في الحديث: \"من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة\" [رواه أحمد في مسنده] [¬١]، وكان بلال يقول: لا تسبقني بآمين [يا رسول الله؛] [¬٢] فدل هذا المنزع على أن المأموم لا قراءة عليه في الجهرية، والله أعلم] [¬٣].\nولهذا قال ابن مردويه: حدثنا أحمد بن الحسن، حدثنا عبد الله بن محمد بن سلام، حدثنا إسحاق بن إبراهيم، حدثنا جرير، عن ليث بن أبي سليم، عن كعب، عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ: \"إذا قال الإمام: ﴿غَيرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فقال: آمين، كوافق آمين أهل الارض آمين أهل السماء، غفر الله للعبد ما تقدّم من ذنبه، ومثل من لا يقول: آمين، كمثل رجل غزا مع قوم، فاقترعوا فخرجت سهامهم، ولم يخرج سهمه، فقال: لِمَ لم يخرج سهمي؟ فقيل: إنك لم تقل آمين\" (^١٨٩).\n_________\n(^١٨٩) - إسناده ضعيف، ورواه أبو يعلى في مسنده ٦٤١١ - (١١/ ٢٩٦) عن أبي خيثمة، عن جرير، به، وليث ابن أبي سليم ضعيف، وقال السيوطي في الدر المنثور: إسناده جيد.\n_________\n[¬١]- سقط من ز.\n[¬٢]- سقط من ز.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.","vol":"1","page":234},{"text":"﷽\n\n[تفسير] [¬١]<span data-type='title' id=toc-71> سورة البقرة </span>[مدنية وآياتها ست وثمانون ومائتان] [¬٢]\n<span data-type='title' id=toc-73>ذكر ما ورد في فضلها:</span>\nقال الإمام أحمد: حدَّثنا عارم، حدَّثنا معتمر، عن أبيه، عن رجل، عن أبيه، عن معقل بن يسار: أن رسول الله ﷺ قال: \"البقرة سنام القرآن وذروته، نزل مع كل آية منها ثمانون مَلَكًا، واستخرجت ﴿الله لا إله إلا هو الحي القيوم﴾ من تحت العرش، فوصلت [¬٣]، بها، أو فوصلت [¬٤] بسورة البقرة، ويس: قلب القرآن، لا يقرؤها رجل يريد الله والدار الآخرة إلا غفر له، واقرءوها على موتاكم\" (^١). انفرد به أحمد.\nوقد رواه أحمد أيضًا، عن عارم، عن عبد الله بن المبارك، عن سليمان التيمي، عن أبي عثمان -وليس بالنهدي- عن أبيه، عن معقل بن يسار، قال: قال رسول الله ﷺ: \"اقرءوها على موتاكم\" (^٢) يعني يس.\nفقد تبيّنا [¬٥] بهذا الإسناد معرفة المبهم في الرواية الأولى. وقد أخرج هذا الحديث على هذه\n_________\n(^١) - إسناده ضعيف، والحديث رواه أحمد حديث ٢٠٨٥١ - (٥/ ٢٥)، وأخرجه الطبراني في الكبير (٢٠/ ٢٢٠، ٢٣٠، ٢٣١ / رقم: ٥١١، ٥٤١)، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ٣١١) وقال: \"قلت: في سنن أبي داود منه طرف، رواه أحمد، وفيه راوٍ لم يسم، وبقية رجاله رجال الصحيح، ورواه الطبراني وأسقط المبهم\".\nوأخرج النسائي في عمل اليوم والليلة (١٠٧٥) منه: \"يس قلب القرآن … \" عن محمد بن عبد الأعلى، عن معتمر، عنه، به، وأخرج الروياني من أوله إلى \" … تحت العرش\" (١٣٠٧) عن عمرو بن علي، عن معتمر، عنه، به، وأخرج أبو الشيخ في الأمثال (٢٧٤): \"البقرة سنام القرآن وذروته\"، عن محمد بن عبد الأعلى، عن معتمر، عنه، به، ورواه الطيالسي (٩٣١) من حديث ابن المبارك، عن سليمان التيمي، عن رجل، عن أبيه، عن معقل بن يسار مرفوعًا: \"اقرأوا يس على موتاكم\". وأخرجه الروياني بتمامه (١٢٨٤) دون ذكر والد شيخ سليمان التيمي. إلا أن محققه زاده من عنده.\n(^٢) - إسناده ضعيف، والحديث رواه أحمد حديث ٢٠٨٥٢ - (٥/ ٢٥).\n_________\n[¬١]- زيادة من ز.\n[¬٢]- سقط من ز.\n[¬٣]- عند الروياني: فُضِّلت.\n[¬٤]- عند الروياني: فُضِّلت.\n[¬٥]- في ز، خ: بينا.","vol":"1","page":235},{"text":"الصفة في الرواية الثانية أبو داود، والنسائي، وابن ماجة (^٣).\nوقد روي الترمذي من حديث حكيم بن جبير -وفيه ضعف- عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"لكل شيء سنامٌ، وإن سنام القرآن سورة [¬١] البقرة، وفيها آية هي سيدة آي القرآن: آية الكرسي\" (^٤).\n_________\n(^٣) - ضعيف، أخرجه أبو داود في كتاب الجنائز، باب: القراءة عند الميت رقم (٣١٢١). والنسائي في الكبرى في كتاب عمل اليوم والليلة، باب: ما يقرأ على الميت رقم (١٠١٩٣، ١٠٩١٤)، وابن ماجة في كتاب الجنائز، باب: ما جاء فيما يقال عن المريض إذا حضر رقم (١٤٤٨)، كلهم من حديث معقل بن يسار. وأبو عثمان لم يوثقه سوى ابن حبان، وقال الذهبي في الميزان: لا يعرف، قال ابن المديني: مجهول لم يرو عنه غير سليمان التيمي. وأبوه لا يعرف أيضًا. قال ابن القطان: أبو عثمان هذا لا يعرف، ولا روي عنه غير سليمان التيمي، وإذا لم يكن هو معروفًا فأبوه أبعد من أن يعرف، وهو إنما روي عنه. وقال الدارقطني كما في التلخيص: هذا حديث ضعيف الإسناد مجهول المتن، ولا يصح في الباب حديث. والحديث رواه أيضًا ابن أبي شيبة (٤/ ٧٤) والحاكم (١/ ٥٦٥) والبيهقي (٣/ ٣٨٣) والطيالسي (٩٣١) والطبراني في الكبير (٢٠/ ٢١٩) وابن حبان (٥/ ٣) - بعضهم يقول: عن أبي عثمان، عن أبيه، وبعضهم يقول: عن أبي عثمان، عن معقل. وقال الحاكم: أوقفه يحيى بن سعيد، وغيره، عن سليمان التيمي، والقول فيه قول ابن المبارك، إذ الزيادة من الثقة مقبولة.\n(^٤) - إسناده ضعيف، رواه الترمذي برقم (٢٨٧٨)، وعبد الرزاق (٦٠١٩)، وابن نصر في قيام الليل (ص ١١٧)، والحميدي (٩٩٤)، ومن طريقه الحاكم في المستدرك (١/ ٥٦٠ - ٥٦١) (٢/ ٢٥٩)، وابن عدي في الكامل (٢/ ٦٣٧) والبيهقي في الشعب (٢٣٧٥) من طريق حكيم بن جبير، به.\nوقال الترمذي: هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث حكيم بن جبير، وقد تكلم شعبة في حكيم بن جبير وضعفه. وأما الحاكم فقال: صحيح الإسناد، والشيخان لم يخرجا عن حكيم بن جبير لوهم في رواياته؛ إنما لغلوه في التشيع.\nوحكيم بن جبير الأسدي ويقال: مولي الحكم بن أبي العاص الثقفي الكوفي؛ قال أحمد: ضعيف الحديث مضطرب. وقال ابن معين: ليس بشيء. وقال ابن المديني: سألت يحيى بن سعيد عنه فقال: كم روي إنما روي شيئًا يسيرًا قلت: من تركه؟ قال: شعبة، من أجل حديث الصدقة- وقال معاذ بن معاذ: قلت لشعبة: حدثني بحديث حكيم بن جبير، قال: أخاف النار. وقال القطان عن شعبة نحو ذلك. وقال يعقوب بن شيبة: ضعيف الحديث. وقال ابن أبي حاتم: سألت أبا زرعة عنه فقال: في رأيه شيء. قلت: ما محله؟ قال: الصدق إن شاء الله. وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث منكر الحديث له رأي غير محمود نسأل الله السلامة، غال في التشيع. وقال البخاري: كان شعبة يتكلم فيه. وقال النسائي: ليس بالقوي. وقال الدارقطني: متروك. قلت: وقول شعبة فيه يدل علي أنه ترك الرواية عنه. وقال ابن مهدي: إنما روي أحاديث يسيرة وفيها منكرات. وقال الفلاس: كان يحيي يحدث عنه. وكان عبد الرحمن لا يحدث عنه. وقال البخاري في التاريخ: كان يحيي وعبد الرحمن لا يحدثان عنه. وقال الساجي: غير ثبت في الحديث، فيه ضعف. وروي عنه الحسن بن صالح حديثًا منكرًا. وقال الآجري عن أبي داود: ليس بشيء.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.","vol":"1","page":236},{"text":"وفي مسند أحمد وصحيح مسلم والترمذي والنسائي من حديث سُهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة [﵁]: أن رسول الله ﷺ قال: \"لا تجعلوا بيوتكم قبورًا، فإن البيت الذي يقرأ [¬١]، فيه سورة البقرة لا يدخله الشيطان\" (^٥) وقال الترمذي: حسن صحيح.\nوقال أبو عبيد القاسم بن سلام (^٦): حدثني ابن أبي مريم، في ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن سنان بن سعد، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن الشيطان يخرج من البيت إذا سمع سورة البقرة تقرأ فيه\".\nسنان بن سعد، ويقال بالعكس، وثقه ابن معين، واستنكر حديثه أحمد بن حنبل وغيره.\n_________\n(^٥) - صحيح، والحديث في المسند (٤/ ٢٨٢، ٣٣٧، ٣٧٨، ٣٨٨)، وصحيح مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها برقم ٢١٢ - (٧٨٠)، وسنن الترمذي، كتاب فضائل القرآن، باب: فضل سورة البقرة، وآية الكرسي برقم (٢٨٧٧) وسنن النسائي الكبرى برقم (٨٠١٥). ورواه ابن حبان (٦٣٥ موارد)، وابن أبي شيبة مختصرًا (٢/ ٢٥٦).\n(^٦) - هو في فضائل القرآن (ص ٢٢٨). وابن لهيعة: ضعيف. وقد تابعه عمرو بن الحارث، عن يزيد بن أبي حبيب بسنده سواء، رواه الفريابي (٣٨) من طريق ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، وابن لهيعة. وهذا بالإضافة إلي متابعة عمرو بن الحارث فهو من رواية ابن وهب، عن ابن لهيعة، وقد حسنها بعض أهل العلم.\nوسعد بن سنان ويقال: سنان بن سعد الكندي المصري، روي عن أنس، وعنه يزيد بن أبي حبيب وحده، فالليث بن سعد يقول: عن يزيد، عن سعد بن سنان، وعمرو بن الحارث وابن لهيعة يقولان: عن يزيد، عن سنان بن سعد، وروي ابن إسحاق عن يزيد عنه أحاديث، سماه في بعضها سعد بن سنان، وفي بعضها سنان بن سعد، وفي بعضها سعيد بن سنان، وقال ابن حبان في الثقات: حدث عنه المصريون وأرجو أن يكون الصحيح سنان بن سعد، وقد اعتبرت حديثه فرأيت ما روي عن سنان بن سعد يشبه أحاديث الثقات، وما روي عن سعد بن سنان وسعيد بن سنان فيه المناكير كأنهما اثنان. وقال محمد بن علي الوراق عن أحمد بن حنبل: لم أكتب أحاديث سنان بن سعد لأنهم اضطربوا فيها؛ فقال بعضهم: سعد بن سنان، وبعضهم: سنان بن سعد، وقال عبد الله بن أحمد، عن أبيه: تركت حديثه لأنه مضطرب غير محفوظ قال: وسمعته مرة أخرى يقول: يشبه حديثه حديث الحسن لا يشبه حديث أنس. وقال ابن أبي خيثمة: سألت ابن معين عن سعد بن سنان الذي روي عنه يزيد بن أبي حبيب؛ فقال: ثقة. وقال أبو داود: قلت لأحمد بن صالح: سنان بن سعد سمع أنسًا فغضب من إجلاله له. وقال الجوزجاني: سعد بن سنان أحاديثه واهية. وقال النسائي: منكر الحديث. قلت: وقال ابن سعد: سنان بن سعد منكر الحديث. وقال البخاري: سنان بن سعد، وعنه أحمد بن حنبل، وحكي البخاري الخلاف في اسمه ثم قال: والصحيح سنان، وكذا صوبه ابن يونس، وذكر أن محمد بن يزيد بن أبي زياد الثقفي روي عنه أيضًا، وقال ابن معين: سمع عبد الله بن يزيد من سنان بن سعد بعدما اختلط.\n_________\n[¬١]- في ن: تقرأ.","vol":"1","page":237},{"text":"وقال أبو عبيد (^٧): حدَّثنا محمد بن جعفر، عن شعبة، عن سلمة بن كهيل، عن أبي الأحوص، عن عبد الله -يعني ابن مسعود ﵁ قال: إن الشيطان يفرّ من البيت يسمع فيه سورة البقرة.\nورواه النسائي (^٨) في \"اليوم والليلة\". وأخرجه الحاكم في مستدركه من حديث شعبة، ثم قال الحاكم: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه.\nوقال ابن مَرْدُويه: حدثنا أحمد بن كامل، حدثنا أبو إسماعيل الترمذي، حدثنا أيوب بن سليمان بن بلال، حدثني أبو بكر بن أبي أويس، عن سليمان بن بلال، عن محمد بن عجلان، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا أُلْفِيَنَّ أحدكم يضع إحدي رجليه علي الأخرى يتغنَّى، ويدع سورة البقرة يقرؤها، فإن الشيطان ينفر [¬١] من البيت الذي [¬٢] تقرأ فيه سورة البقرة، وإن أصفر البيوت الجَوف، الصِّفْر من كتاب الله\" (^٩). وهكذا رواه النسائي في \"اليوم والليلة\" عن محمد بن نصر، عن أيوب بن سليمان به.\n[وروي الدارمي في مسنده [¬٣] (^١٠)، عن ابن مسعود قال: ما من بيت تقرأ فيه سورة البقرة\n_________\n(^٧) رجاله رجال الصحيح، أبو الأحوص هو عوف بن مالك، والحديث في فضائل القرآن لأبي عبيد (ص ٢٢٩).\n(^٨) - النسائي في الكبرى برقم (١٠٨٠٠). والحاكم في المستدرك (١/ ٥٦١، ٢/ ٢٦٠).\n(^٩) - أيوب بن سليمان بن بلال: ثقة، لينه الساجي بلا حجة. وأبو بكر بن أبي أويس-واسمه عبد الحميد بن عبد الله-: ثقة مشهور بكنيته. وسليمان بن بلال: ثقة. ورواه النسائي في الكبرى برقم (١٠٩٧٧)، ورواه الطبراني في المعجم الأوسط برقم (٢٢٤٨) (٧٧٦٦) من طريق حلو بن السري، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله به مرفوعًا، وقال: لم يرو هذا الحديث عن حلو بن السري إلا الحارث بن محمد، تفرد به يعقوب بن إسحاق أبو يوسف القلوسي وخالفهما -أي ابن عجلان وحلو بن السري- شعبة، فرواه عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله فوقفه، أخرجه ابن الضريس في فضائل القرآن برقم (١٧٥) وشعبة أوثق الناس في أبي إسحاق، ليرواه ابن الضريس في فضائل القرآن برقم (١٦٤) من طريق إبراهيم الهجري، عن أبي الأحوص، عن عبد الله موقوفًا. وكذا رواه الدارمي من حديث إبراهيم الهجري، عن أبي الأحوص، عن عبد الله موقوفًا أيضًا برقم (٣٤٩٧). ورواه البيهقي في الشعب (٢٣٧٩) وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ٣١٢ - ٣١٣) وقال: رواه الطبراني في الصغير وفيه ابن إسحاق وهو مدلس، ومن لم أعرفهم. ثم أورده (٦/ ٣١٣) وقال: رواه الطبراني في الأوسط وفيه من لا أعرفهم.\n(^١٠) - سنن الدارمي برقم (٣٣٧٨) من طريق فطر، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله، به. وإسناده حسن.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"يفر\".\n[¬٢]- زيادة من: خ.\n[¬٣]- كذا في ت، ز، خ.","vol":"1","page":238},{"text":"إلا خرج منه الشيطان وله ضراط.\nوقال (^١١): إن لكل شيء سنامًا، وإن سنام القرآن سورة البقرة، وإن لكل شيء لبابًا، وإن لباب القرآن المفصل.\nوروي (^١٢) أيضًا من طريق الشعبي قال: قال عبد الله بن مسعود: من قرأ عشر آيات من سورة البقرة في ليلة لم يدخل ذلك البيت شيطان تلك الليلة؟ أربع من أولها، وآية الكرسي، وآيتان بعدها، وثلاث آيات من آخرها.\nوفي رواية (^١٣): لم يقربه ولا أهله يومئذٍ شيطان، ولا شيء يكرهه، ولا يقرأن على مجنون إلا أفاق] [¬١].\nوعن سهل بن سعد [¬٢] قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن لكل شيء سنامًا، وإن [¬٣] سنام القرآن البقرة، وإن من قرأها في بيته ليلة لم يدخله شيطان [¬٤] ثلاث ليال، ومن قرأها في بيته نهارًا لم يدخله شيطان [¬٥] ثلاثة أيام\".\nرواه أبو القاسم الطبراني (^١٤) وأبو حاتم بن حبان في صحيحه [وابن مردويه من حديث الأزرق\n_________\n(^١١) - سنن الدارمي برقم (٣٣٨٠) من طريق حماد بن سلمة، عن عاصم، عن أبي الأحوص، عن عبد الله، به. ورواه من طرق حماد به ابن الضريس في فضائل القرآن رقم (١٧٨). ورواه الطبراني (٨٦٤٤) والحاكم وصححه. والبيهقي (٢٣٧٦) دون قوله: \"وإن لكل شيء لبابًا … \" وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ١٥٩) وقال: رواه الطبراني، وفيه عاصم بن بهدلة، وهو ثقة وفيه ضعف، وبقية رجاله رجال الصحيح.\n(^١٢) - منقطع، والحديث في سنن الدارمي برقم (٣٣٨٥). من طريق جعفر بن عون، عن أبي العميس، عن الشعبي به. والشعبي لم يسمع من ابن مسعود، وأخرجه الطبراني (٨٦٧٣).\n(^١٣) - سنن الدارمي برقم (٣٣٨٦). من طريق عمرو بن عاصم، عن حماد، عن عاصم، عن الشعبي به.\nورواه ابن الضريس (١٧٩) بمعناه، من طريق حسين الجعفي، عن زائدة، عن عاصم، عن عامر الشعبي، به.\n(^١٤) - ضعيف، خالد بن سعيد: قال العقيلي: لا يتابع علي حديثه. وأورد له هذا الحديث. والحديث في المعجم الكبير ٥٨٦٤ - (٦/ ١٦٣)، ورواه أبو يعلى (٧٥٥٤)، وابن حبان برقم (١٧٢٧ موارد). ورواه العقيلي (٢/ ٦)، وأبو نعيم في أخبار أصبهان (١/ ١٠١)، والبيهقي في الشعب (٢٣٧٨)، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ٣١١ - ٣١٢) وقال: رواه الطبراني، وفيه سعيد بن خالد الخزاعي المدني، وهو ضعيف- كذا قال: سعيد بن خالد، وكذلك هو في الطبراني-.\nوأورده الحافظ في المطالب من طريق أبي يعلى (٣٩١٨) وقال: ورواه من طريقه ابن حبان.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في ز، خ: \"سعيد\".\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- في ت، ش: \"الشيطان\".\n[¬٥]- في ت، ش: \"الشيطان\".","vol":"1","page":239},{"text":"ابن علي، حدثنا حسان بن إبراهيم، حدثنا خالد بن سعيد المدني، عن أبي حازم، عن سهل، به. وعند ابن حبان: خالد بن سعيد المديني] [¬١].\nوقد روى الترمذي والنسائي وابن ماجة من حديث عبد الحميد بن جعفر، عن سعيد المقبري، عن عطاء مولى أبي أحمد، عن أبي هريرة ﵁ قال: بعث [¬٢] رسول اللَّه ﷺ بعثًا [¬٣] وهم ذوو عددٍ فاستقرأهم، فاستقرأ كل واحدٍ منهم -يعني- ما معه من القرآن، فأتى على رجل من أحدثهم سنًّا، فقال: \"ما معك يا فلان؟ \". فقال [¬٤]: معي كذا وكذا وسورة البقرة. فقال: \"أمعك سورة البقرة؟ \". قال: نعم. قال: \"اذهب فأنت أميرهم\". فقال رجل من أشرافهم: والله ما منعني أن أتعلم سورة [¬٥] البقرة إلا أني خشيت أن لا أقوم بها. فقال رسول الله ﷺ: \"تعلموا القرآن واقرءوه؛ فإن مثل القرآن لمن تعلمه فقرأه وقام به كمثل جراب محشوّ مسكًا يفوح ريحه في كل مكان، ومثل من تعلمه فيرقد وهو في جوفه كمثل جراب [أوكي على] [¬٦] مسك\" (^١٥).\nهذا لفظ رواية [¬٧] الترمذي، ثم قال: هذا حديث [¬٨] حسن. ثم رواه من حديث الليث، عن سعيدٍ، عن عطاء مولى أبي أحمد مرسلًا، فالله أعلم.\nوقال البخاري (^١٦): وقال الليث: حدثني يزيد بن الهاد، عن محمد بن إبراهيم، عن أسيد\n_________\n(^١٥) - ضعيف، عطاء مولى أبي أحمد؛ أورده الذهبي في الميزان (٣/ ٢٠٩). وقال الذهبي: لا يكاد يعرف. وقال ابن عدي: بعض حديثه عن سعيد مما لا يتابع عليه. وقال الحافظ: مقبول -أي عند المتابعة- والحديث في سنن الترمذي، أبواب فضائل القرآن، باب: ما جاء في سورة البقرة وآية الكرسي برقم (٢٨٧٦)، وسنن النسائي الكبرى برقم (٨٧٤٩)، وابن ماجه في المقدمة برقم (٢١٧). وابن خزيمة (١٥٠٩)، وعنه ابن حبان (١٧٨٩ موارد)، والبزار، وابن نصر (ص ٢٥)، والحاكم (١/ ٤٤٣) والحديث رواه ابن عدي (٥/ ١٧٠٣) من حديث عمر بن طلحة بن علقمة بن وقاص الليثي، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة بهذا مختصرًا. وقال البزار: هذا الحديث لا نعلمه يروى عن النبي، ﷺ، إلا من حديث أبي هريرة بهذا الإسناد، وعطاء مولى أبي أحمد لا نعلمه حدث عن أبي هريرة إلا بهذا الإسناد، ولا حدث عنه إلا سعيد المقبري. وقال الترمذي: هذا حديث حسن. وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه!!!. وهو في ضعيف الجامع (٢٤٥٢) وضعاف السنن المذكورة.\nوقول الحاكم ﵀: \"صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه\" خطأ بَيِّن؛ فعطاء لم يرو له الشيخان، وعبد الحميد لم يحتج به البخاري.\n(^١٦) - صحيح البخاري في فضائل القرآن باب: نزول السكينة والملائكة عند قراءة القرآن برقم (٥٠١٨).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- سقط من ز.\n[¬٣]- في ز، خ: \"ساو\".\n[¬٤]- في ز: قال.\n[¬٥]- سقط من ز.\n[¬٦]- في خ: \"حشى\"، وفي ز: أولي.\n[¬٧]- في ز: رواة.\n[¬٨]- سقط من ز.","vol":"1","page":240},{"text":"ابن حُضير [¬١]﵁ قال: بينما [¬٢] هو يقرأ من الليل سورة البقرة، وفرسه مربوطة عنده، إذ جالت الفرس، فسكت فسكنت، فقرأ فجالت الفرس، فسكت فسكنت، ثم قرأ فجالت الفرس فانصرف، وكان ابنه يحيى قريبًا منها فأشفق أن تصيبه، فلما أخذه رفع رأسه إلى السماء حتى ما يراها، فلما أصبح حدّث النبي ﷺ فقال: \"اقرأ يا ابن حُضير\". قال: فأشفقت يا رسول الله؛ أن تطأ يحيى وكان منها قريبًا، فرفعت رأسي وانصرفت إليه، فرفعت رأسي إلى السماء فإذا مثل الظُلة فيها أمثال المصابيح، فخرجت حتى لا أراها. قال: \"وتدري ما ذاك؟ \" قال: لا. قال: \"تلك الملائكة دنت لصوتك ولو قرأت لأصبحت ينظر الناس إليها لا تتوارى منهم\".\nوهكذا رواه الإمام العالم [¬٣] أبو عبيد القاسم بن سلام (^١٧)، في كتاب فضائل القرآن عن عبد الله بن صالح [¬٤] ويحيى بن بكير، عن الليث، به.\nوقد رُوي من [وجه آخر] [¬٥] عن أسيد بن حضير كما تقدم (^١٨)، والله أعلم.\nوقد وقع نحو من هذا لثابت بن قيس بن شماس [¬٦]﵁ وذلك فيما رواه أبو عبيد (^١٩) - حدَّثنا عباد بن عباد، عن جرير بن حازم، عن عمه [¬٧] جرير بن زيد [¬٨]: أن أشياخ أهل المدينة حدّثوه أن رسول الله ﷺ قيل له: ألم تر ثابت بن قيس بن شماس لم تزل داره البارحة تزهر مصابيحَ؟!. قال: \"فلعله قرأ سورة البقرة\".\nقال: فسئل ثابت فقال: قرأت سورة البقرة. وهذا إسناد جيد، إلا أن فيه إبهامًا، ثم هو مرسل، والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-74>ذكر [¬٩] ما ورد في فضلها مع آل عمران</span>\n_________\n(^١٧) - الحديث في فضائل القرآن (ص ٦٣)، ورواه البيهقي في الدلائل (٧/ ٨٤)، وأبو نعيم في المعرفة رقم ٨٧٦ - (٢/ ٢٥٥) والحافظ في تغليق التعليق (٤/ ٣٨٧).\n(^١٨) - فضائل القرآن لأبي عبيد ص (٦٥).\n(^١٩) - فضائل القرآن لأبي عبيد (ص ٦٥ - ٦٦).\n_________\n[¬١]- في ز: الحضير.\n[¬٢]- في ز: بينا.\n[¬٣]- في ز: العلم.\n[¬٤]- في الفضائل: عبد الله بن صباح.\n[¬٥]- في ز: وجوه أخر.\n[¬٦]- في ز: الشماس.\n[¬٧]- سقط من: ز، خ.\n[¬٨]- في ز، خ: يزيد.\n[¬٩]- سقط من ز.","vol":"1","page":241},{"text":"قال [¬١] الإمام أحمد (^٢٠): حدَّثنا أبو نعيم، حدَّثنا بشير بن المهاجر، حدّثني عبد الله بن بريدة، عن أبيه قال: كنت جالسًا عند النبي ﷺ فسمعته يقول: \"تعلموا سورة البقرة؛ فإن أخذها بركة، وتركها حسرة، ولا تستطيعها البطلة\".\nقال [¬٢]: ثم سكت ساعة ثم قال: \"تعلموا سورة البقرة وآل عمران فإنهما الزهراوان، يظلان صاحبهما يوم القيامة كأنهما غمامتان أو غيايتان (^٢١)، أو فرقان من طير صواف، وإن القرآن يلقى صاحبه يوم القيامة حين ينشق عنه قبره كالرجل الشاحب، فيقول له: هل تعرفني؟ فيقول: ما أعرفك. فيقول: أنا صاحبك القرآن الذي أظمأتك في الهواجر، وأسهرت ليلك، وإن كل تاجر من وراء تجارته، وإنك اليوم من وراء كل تجارة، فيعطى الملك بيمينه والخُلد بشماله، ويوضع على رأسه تاج الوقار، ويُكسى والداه حلتين لا يقوم [¬٣] لهما أهل الدنيا، فيقولان: بمَ كُسينا هذا؟ فيقال: بأخذ ولدكما القرآن، ثم يقال: اقرأ واصعد في درج الجنة وغرفها، فهو في صعود ما دام يقرأ هذًّا [¬٤] كان أو ترتيلًا\".\nوروى ابن ماجة (^٢٢) من حديث بشير بن المهاجر [] [¬٥] بعضه، وهذا إسناد حسنٌ على شرط مسلم؛ فإن بشيرًا هذا أخرج له مسلم ووثقه ابن معين، وقال النسائي: ليس به بأس. إلا أن الإمام أحمد قال فيه: هو منكر الحديث، قد اعتبرت أحاديثه فإذا هي تجيء بالعجب. وقال البخاري: يخالف في بعض حديثه. وقال أبو حاتم الرازي: يكتب حديثه ولا يحتج به. وقال ابن عدي:\n_________\n(^٢٠) - الحديث في المسند برقم ٢٣٠٥٦ - (٥/ ٣٤٨)، ورواه الدارمي (٢/ ٣٢٤)، وابن أبي شيبة (١٠/ ٤٩٢ - ٤٩٣)، ومن طريقه ابن الضريس في الفضائل (٩٩)، والعقيلي في الضعفاء (١/ ١٤٤)، والبيهقي في الشعب (١٨٣٥) وقال العقيلي: لا يصح في هذا الباب شيء -يعني: \"وإن القرآن يلقى صاحبه\"، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ١٥٩) وقال: \"وروى ابن ماجة منه طرفًا- رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح\". وأخرجه ابن عدي في ترجمة بشير (٢/ ٤٥٤) وقال: ولبشير أحاديث غير ما ذكرت عن ابن بريدة وغيره، وقد روى ما لا يتابع عليه، وهو ممن يكتب حديثه، وإن كان فيه بعض الضعف، وأورده الحافظ ابن طاهر في الذخيرة (٢/ ١١٥٧) وقال: وبشير لا يتابع على أكثر أحاديثه، وهو متروك الحديث. وقد رُوي من حديث ابن عباس، رواه ابن عدي في الكامل (٥/ ١٨٧٤) من طريق عاصم بن هلال، عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس. وعاصم ضعيف.\n(^٢١) - الغياية: كل شيء أظل الإنسان فوق رأسه كالسحابة وغيرها (النهاية ٣/ ٤٠٣).\n(^٢٢) - أخرجه ابن ماجة في كتاب الأدب، باب: ثواب القرآن (رقم: ٣٧٨١) من طريق علي بن محمد، عن وكيع، به. وبشير لم يرو له مسلم إلا حديثًا واحدًا في الحدود، وخالفه في سياقه سليمان بن بريدة.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: وقال.\n[¬٢]- في خ: ثم قال.\n[¬٣]- في خ: \"تقوم\".\n[¬٤]- في خ: \"هذا\".\n[¬٥]- في ز، خ: به.","vol":"1","page":242},{"text":"روى ما لا يتابع عليه. وقال الدراقطني: ليس بالقوي.\n(قلت): ولكن لبعضه شواهد، فمن ذلك حديث أبي أمامة الباهلي، قال الإمام أحمد (^٢٣): حدَّثنا عبد الملك بن عمرو، حدَّثنا هشام، عن يحيى بن أبي [¬١] كثير، عن أبي سلام، عن أبي أمامة، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"اقرءوا القرآن؛ فإنه شافع لأصحابه يوم القيامة، اقرءوا الزهراوين: البقرة وآل عمران، فإنهما يأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو كأنهما غيايتان، أو كأنهما فرقان من [¬٢] طير صواف يُحاجان عن أهلهما\" ثم قال: \"اقرءوا البقرة فإن أخذها بركة وتركها حسرة ولا تستطيعها البطلة\".\nوقد رواه مسلم (^٢٤) في الصلاة من حديث معاوية بن سلام، عن أخيه زيد بن سلام، عن جده أبي سلام -ممطور الحبشي- عن أبي أمامة - صدي بن عجلان الباهلي [¬٣]- به.\nالزهراوان: المنيران [¬٤]، والغياية [¬٥]: ما أظلك من فوقك. والفرق: القطعة من الشيء، والصواف: المصطفة المتضامة. والبطة: السحرة. ومعنى لا تستطيعها؛ أي: لا يمكنهم حفظها. وقيل: لا تستطيع النفوذ [¬٦] في قارئها، والله أعلم.\nومن ذلك حديث النواس بن سمعان، قال الإمام أحمد (^٢٥): حدَّثنا يزيد بن عبد ربه، حدَّثنا الوليد بن مسلم، عن محمد بن مهاجر، عن الوليد بن عبد الرحمن الجرشي، عن جبير بن نفير قال: سمعت النواس بن سمعان الكلابي، يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"يؤتى بالقرآن يوم القيامة وأهله الذين كانوا يعملون به، تقدمهم سورة البقرة وآل عمران\". وضرب لهما رسول الله ﷺ ثلاثة أمثال ما نسيتهن بعدُ، قال: \"كأنهما غمامتان أو ظلتان سوداوان بينهما شرقٌ، أو كأنهما فرقان من طير صواف [¬٧] يحاجان عن صاحبهما\".\n_________\n(^٢٣) - صحيح، وهو في المسند حديث ٢٢٢٤٦ - (٥/ ٢٤٩)، و(٥/ ٢٥٥، ٢٥٧) وعزاه السيوطي في الدر المنثور (١/ ١٨) لابن زنجويه في فضائل القرآن، ومن طريق رواه البغوي في شرح السنة ١١٩٣ - (٤/ ٢٥٦)، والطبراني (٨/ ٧٥٤٢، ٧٥٤٣)، وابن الضريس (٩٨)، والحاكم (١/ ٥٦٤)، والروياني في مسنده ١٢٥٤ - (٢/ ٣٠٥) والبيهقي في الشعب (١٨٢٧).\n(^٢٤) - رواه مسلم في صلاة المسافرين وقصرها برقم ٢٥٢ - (٨٠٤).\n(^٢٥) - المسند حديث ١٧٦٨٨ - (٤/ ١٨٣)، والبخاري في الكبير (٤/ ٢ / ١٤٧ - ١٤٨)، والبيهقي في الشعب (٢١٥٧).\n_________\n[¬١]- سقط من ز.\n[¬٢]- زيادة من ز.\n[¬٣]- سقط من ز.\n[¬٤]- في ن: المنيرتان.\n[¬٥]- في ز، خ: \"الغاية\".\n[¬٦]- في ز، خ: \"التفرد\".\n[¬٧]- في ز: صافٍ.","vol":"1","page":243},{"text":"ورواه مسلم (^٢٦) عن إسحاق بن منصور، عن يزيد [¬١] بن عبد ربه، به.\nوالترمذي (^٢٧)، من حديث الوليد بن عبد الرحمن الجرشي، به. وقال: حسن غريب.\nوقال أبو عبيد (^٢٨): حدَّثنا حجاج، عن حماد بن سلمة [¬٢]، عن عبد الملك بن عمير، قال: قال حماد: أحسبه عن أبي منيب، عن عمه [¬٣]، أن رجلًا قرأ البقرة وآل عمران فلما قضى صلاته قال له كعب: أقرأت البقرة وآل عمران؟ قال: نعم. قال: فوالذي نفسي بيده إن فيهما اسم الله الذي إذا دُعي به استجاب. قال: فأخبرني به. قال: لا، واللَّه لا أخبرك به، ولو أخبرتك به لأوشكت أن تدعوه بدعوة أَهْلَكُ فيها أنا وأنت.\nوحدّثنا (^٢٩) عبد الله بن صالح، عن معاوية بن صالح، عن سليم بن عامر، أنه سمع أبا أمامة يقول: إن أخًا لكم أُرِي في المنام أن الناس يسلكون في صدع جبل وعر طويل، وعلى رأس الجبل شجرتان خضراوان تهتفان [¬٤]: هل فيكم من يقرأ سورة البقرة؟ [] [¬٥] هل فيكم من يقرأ سورة آل عمران؟ قال: فإذا قال الرجل: نعم دنتا [¬٦] منه بأعذاقهما حتى يتعلق بهما فتخطران [¬٧] به الجبل.\nوحدّثنا (^٣٠) عبد اللَّه بن صالح، عن معاوية بن صالح، عن أبي عمران، أنه سمع أم الدرداء تقول: إن رجلًا ممن [قد] [¬٨] قرأ القرآن أغار على جار له فقتله، وإنه أقيد منه [¬٩] فقتل، فما زال القرآن ينسل منه سورة سورة حتى بقيت البقرة وآل عمران جمعة، ثم إن آل عمران انسلت منه، وأقامت البقرة جمعة، فقيل لها: ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ قال: فخرجت\n_________\n(^٢٦) - رواه مسلم في كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب: فضل قراءة القرآن وسورة البقرة رقم ٢٥٣ - (٨٠٥).\n(^٢٧) - سنن الترمذي في كتاب فضائل القرآن، باب: ما جاء في سورة آل عمران حديث (٢٨٨٣).\n(^٢٨) - فضائل القرآن (ص ٢٣٥ - ٢٣٦). ورواه ابن الضريس في فضائله (٨٥).\n(^٢٩) - فضائل القرآن (ص ٢٣٦)، والدارمي (٢/ ٣٢٤).\n(^٣٠) - فضائل القرآن (ص ٢٣٦)، وسنده حسن وأبو عمران؛ مختلف في اسمه، وثقه ابن حبان، وقال أبو حاتم: صالح.\n_________\n[¬١]- في ز: محمد.\n[¬٢]- في ز: سلم.\n[¬٣]- ف ز: عمر.\n[¬٤]- في ز، خ: \"يهتفان\".\n[¬٥]- في ت: [و].\n[¬٦]- في ز، خ: \"دنيا\".\n[¬٧]- في خ: \"فيخطران\".\n[¬٨]- زيادة من ز ومن الفضائل.\n[¬٩]- في ت، خ: به.","vol":"1","page":244},{"text":"كأنها السحابة العظيمة.\nقال أبو عبيد: أراه يعني أنهما كانتا معه في قبره تدفعان [¬١] عنه وتؤنسانه، فكانتا من آخر ما بقي معه من القرآن.\nوقال أيضًا (^٣١): حدَّثنا أبو مسهر الغساني، عن سعيد بن عبد العزيز التنوخي، أن يزيد بن الأسود الجُرَشي كان يحدث أنه من قرأ البقرة وآل عمران في يوم برئ من النفاق حتى يمسي، ومن قرأهما في ليلة برئ من النفاق حتى يصبح. قال: فكان يقرؤهما كل يوم وليلة سوى جزئه.\nوحدّثنا (^٣٢) يزيد، عن وقاء [¬٢] بن إياس، عن سعيد بن جبير قال: قال عمر بن الخطاب ﵁: من قرأ البقرة وآل عمران في ليلة كان -أو كتب- من القانتين.\nفيه انقطاع، ولكن ثبت في الصحيح [¬٣] (^٣٣): أن رسول الله ﷺ [وآله وسلم] [¬٤] قرأ بهما في ركعة واحدة.\n\n<span data-type='title' id=toc-75>(ذكر [¬٥] ما ورد في فضل السبع الطول </span>[¬٦]\nقال أبو عبيد (^٣٤): حدَّثنا هشام بن إسماعيل الدمشقي، عن محمد بن شعيب، عن سعيد بن بشير، عن قتادة، عن أبي المليح، عن واثلة بن الأسقع، عن النبي ﷺ قال:\n_________\n(^٣١) - فضائل القرآن (ص ٢٣٧).\n(^٣٢) - فضائل القرآن (ص ٢٣٧)، ورواه سعيد بن منصور في تفسيره (٤٨٥)، ومن طريقه البيهقي في الشعب (٢٢٠١)، وسعيد بن جبير لم يدرك عمر، ووقاء بن إياس: قال أبو حاتم: صالح الحديث. وقال أبو أحمد الحاكم: ليس بالمتين عندهم، وقال يحيى بن سعيد: ما هو بالذي يعتمد عليه. وقال آخر: صدوق. وقال النسائي: ليس بالقوي. (الميزان ٤/ ٣٣٥).\n(^٣٣) - الحديث في صحيح مسلم في صلاة المسافرين وقصرها ٢٠٣ - (٧٧٢)، والنسائي برقم ١٠٠٩ - (٢/ ١٧٧)، ١٦٦٤ - (٣/ ٢٢٥ - ٢٢٦) من حديث حذيفة، ﵁.\n(^٣٤) - حسن، سعيد بن بشير؛ ضعيف في قتادة، وقد تابعه عمران بن داور، عن قتادة، كما هو عند أحمد وغيره، والحديث في فضائل القرآن (ص ٢٢٥)، ورواه ابن جرير في تفسيره ١٢٦ - (١/ ١٠٠) من طريق رواد بن الجراح، عن سعيد بن بشير، به، ورواه أحمد ١٧٠٣٢ - (٤/ ١٠٧): ثنا سليمان بن داود- أبو داود الطيالسي؛ قال: أنا عمران القطان، عن قتادة، عن أبي المليح الهذلي، عن واثلة بن الأسقع، ورواه الطيالسي ١٠١٢ - (١٣٦)، ورواه ابن جرير في تفسيره ١٢٦ - (١/ ١٠٠) من طريق الطيالسي، عن عمران -أبي العوام- عن قتادة، له، ورواه ابن جرير في تفسيره ١٢٩ - (١/ ١٠١) من طريق ليث بن أبي\n_________\n[¬١]- في ت: \"يدفعان\".\n[¬٢]- في خ: ورقاء.\n[¬٣]- في خ: الصحيحين.\n[¬٤]- ما بين المعكوفين سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- في خ: \"الطوال\" وهي ساقطة من ز.","vol":"1","page":245},{"text":"\"أعطيت السبع الطول [¬١] مكان التوراة، وأعطيت المئين [¬٢] مكان الإنجيل، وأعطيت المثاني مكان الزبور، وفضلت بالمفصل\".\nهذا حديث غريب، وسعيد بن [] [¬٣] بشير، فيه لين.\nوقد رواه أبو عبيد (^٣٥) عن عبد الله بن صالح، عن الليث، عن سعيد بن أبي هلال، قال: بلغنا أنّ رسول الله ﷺ قال … فذكره، والله أعلم.\nثم قال (^٣٦): حدَّثنا إسماعيل بن جعفر، عن عمرو بن أبي عمرو مولى المطلب بن عبد الله بن حنطب، عن حبيب بن هند الأسلمي، عن عروة، عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ قال: \"من أخذ السبع فهو حَبْر\".\nوهذا أيضًا غريب، وحبيب بن هند بن أسماء بن هند بن حارثة الأسلمي، روى عنه عمرو بن أبي عمرو، وعبد الله بن أبي بكرة [¬٤]، وذكره أبو حاتم الرازي ولم يذكر فيه جرحًا، فالله أعلم.\nوقد رواه الإمام أحمد (^٣٧) عن سليمان بن داود وحسين، كلاهما عن إسماعيل بن جعفر، به.\n_________\n= سليم، عن أبي بردة، عن أبي المليح؛ به نحوه، وأخرجه الطبراني في الكبير (٢٢/ ٧٥ - ٧٦) حديث (١٨٥ - ١٨٧)، والحميدي في مسنده (١٩١٨)، وأورده الهيثمي (٧/ ١٥٨)، وقال: رواه أحمد والطبراني بنحوه. وأورده (٧/ ٤٦) وقال: رواه أحمد، وفيه عمران القطان، وثقه ابن حبان وغيره وضعفه النسائي وغيره، وبقية رجاله ثقات، ورواه ابن الضريس في فضائله -مرسلًا- من حديث عبد الأعلى، عن وهيب، عن خالد، عن أبي قلابة مرفوعًا ص (٨٢، ١٢٧)، وابن جرير أيضًا ١٢٧ - (١/ ١٠٠).\n(^٣٥) - معضل، والحديث في فضائل القرآن (ص ٢٢٥ - ٢٢٦). ثم قال بعده: قال عبد الله: لم يحفظ الليث عن سعيد إلا ثلاثة أحاديث هذا أحدها.\n(^٣٦) - حبيب بن هند ترجمه البخاري، وابن أبي حاتم، ولم يذكرا فيه جرحًا، ولا تعديلًا، وذكره ابن حبان في الثقات (ت الكبير ٢/ ٣٢٧، والجرح ٣/ ١١٠، والثقات ٤/ ١٤١، ٦/ ١٧٧، والتعجيل ١/ ٤٢٥) والحديث في فضائل القرآن (ص ٢٢٦).\n(^٣٧) - المسند حديث ٢٤٥٥٣ - (٦/ ٧٣)، وأخرجه الحاكم في المستدرك (١/ ٥٦٤)، والبزار كما في كشف الأستار (٣/ ٩٥ / رقم: ٢٣٢٧)، والطحاوي في المشكل (٢/ ١٥٤)، والبغوي في شرح السنة (٤/ ٤٦٨)، والخطيب البغدادي في تاريخ بغداد (١٠/ ١٠٨)، كلهم عن عمرو بن أبي عمرو، به. وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ١٦٢) وقال: \"رواه أحمد والبزار، ورجال البزار رجال الصحيح غير حبيب بن هند الأسلمي، وهو ثقة، ورواه بإسناد آخر رجاله رجال الصحيح، ورواه بإسناد آخر عن أبي هريرة، عن النبي، ﷺ قال … مثله، ولكن سقط من الإسناد رجل\".\n_________\n[¬١]- سقط من: خ ز.\n[¬٢]- في خ: \"المنن\".\n[¬٣]- في خ: أبي.\n[¬٤]- في ز: بكر.","vol":"1","page":246},{"text":"ورواه أيضًا عن أبي سعيد (^٣٨)، عن سليمان بن بلال، عن حبيب بن [هند، عن] [¬١] عروة، عن عائشة؛ أنّ رسول الله ﷺ قال: \"من أخذ السبع الأول من القرآن فهو حَبْر\".\nقال أحمد (^٣٩): وحدّثنا حسين، حدثنا ابن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، مثله.\nقال عبد الله بن أحمد: وهذا أرى فيه، عن أبيه، عن الأعرج، ولكن كذا كان في الكتاب فلا أدري [أغفله أبي] [¬٢] أو كذا هو مرسل.\n[وروى الترمذي (^٤٠)، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ بعث بعثًا وهم ذوو عدد، وقدّم عليهم أحدثهم سنًّا لحفظه سورة البقرة، وقال له: \"اذهب فأنت أميرهم\". وصححه الترمذي] [¬٣].\nثم قال أبو عبيد (^٤١): حدَّثنا هشيم، أخبرنا أبو بشر، عن سعيد بن جبير في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَينَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾ قال: هي السبع الطول: البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، والأنعام، والأعراف، ويونس. قال: وقال مجاهد: هي السبع الطول [¬٤].\nوهكذا قال مكحول وعطية بن قيس وأبو محمد الفارسي [و] [¬٥] شداد بن [عبيد الله] [¬٦] ويحيى بن الحارث الذماري في تفسير الآية بذلك، وفي تعدادها، وأنّ يونس هي السابعة.\n\n<span data-type='title' id=toc-76>فصل [البقرة نزلت بالمدينة]</span> [¬٧]\n_________\n(^٣٨) - المسند حديث ٢٤٦٤٢ - (٦/ ٨٢).\n(^٣٩) - إسناده ضعيف، وهو في المسند حديث ٢٤٥٥٤ - (٦/ ٧٣).\n(^٤٠) - الحديث في سنن الترمذي، أبواب فضائل القرآن، باب: ما جاء في سورة القرة وآية الكرسي برقم (٢٨٧٦). وتقدم برقم (١٥).\n(^٤١) - فضائل القرآن لأبي عبيد ص (٢٢٧)، وابن جرير (٤/ ٥٣)، والبيهقي في الشعب (٢١٩٥ هـ).\n_________\n[¬١]- في ز: عبد.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٣]- سقط من خ.\n[¬٤]- في خ: \"الطوال\".\n[¬٥]- سقط من ز.\n[¬٦]- في ن: أوس.\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"1","page":247},{"text":"والبقرة جميعها مدنية بلا خلاف، [وهي من أوائل ما نزل بها، لكن قوله تعالى فيها: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ الآية، يقال: إنها آخر ما نزل من القرآن ويحتمل أن تكون منها، وكذلك آيات الربا من آخر ما نزل، وكان خالد بن معدان يسمي البقرة فسطاط القرآن] [¬١].\nقال بعض العلماء: وهي مشتملة على ألف خبر، وألف أمر، وألف نهي.\nوقال العادّون: آياتها مائتان وثمانون وسبع آيات، وكلماتها ستة آلاف كلمة ومائة وإحدى وعشرون كلمة، وحروفها خمسة وعشرون ألفًا وخمسمائة حرف، فالله أعلم.\nقال ابن جريج (^٤٢): عن عطاء، عن ابن عباس: نزلت بالمدينة سورة البقرة.\nوقال خصيف (^٤٣): عن مجاهد، عن عبد الله بن الزبير، قال: نزلت [¬٢] بالمدينة سورة البقرة.\nوقال الواقدي (^٤٤): حدثني الضحاك بن عثمان، عن أبي الزناد، عن خارجة بن زيد بن ثابت، عن أبيه، قال: نزلت البقرة بالمدينة. وهكذا قال غير واحد من الأئمة والعلماء والمفسرين ولا خلاف فيه.\nوقال ابن مردويه: حدَّثنا محمد بن معمر، حدَّثنا الحسن بن علي بن الوليد الفارسي [¬٣]، حدَّثنا خلف بن هشام، وحدّثنا عبيس [¬٤] بن ميمون، عن موسى بن أنس بن مالك، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا تقولوا سورة البقرة ولا سورة آل عمران ولا سورة النساء وكذا القرآن كله، ولكن قولوا: السورة [¬٥] التي يذكر فيها البقرة، والتي يذكر فيها آل عمران، وكذا القرآن كله\" (^٤٥).\n_________\n(^٤٢) - رواة ابن الضريس (١٨)، وعزاه في الدر المنثور (١/ ١٧) لأبي جعفر النحاس، في الناسخ والمنسوخ، وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل من طرقٍ عن ابن عباس، وعطاء الخرساني لم يسمع من ابن عباس.\n(^٤٣) - خصيف هو ابن عبد الرحمن: ضعيف، والحديث عزاه في الدر المنثور (١/ ١٧) لابن مردويه.\n(^٤٤) - الواقدي: متروك.\n(^٤٥) - منكر، والحديث رواه الطبراني في الأوسط برقم (٣٤٥٠ مجمع البحرين)، والبيهقي في شعب الإيمان برقم (٢٥٨٢)، والعقيلي في الضعفاء (٣/ ٤١٨)، وابن الجوزي في الموضوعات (١/ ٢٥٠) من طريق عُبيس بن ميمون، عن موسى بن أنس، به، وهو في اللآلئ المصنوعة (١/ ٢٣٩)، وقال البيهقي: \"عُبيس بن\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٢]- في ز: انزل.\n[¬٣]- سقط من ز.\n[¬٤]- في ز، خ: عيسى، وهو تحريف.\n[¬٥]- في ز، خ: \"سورة\".","vol":"1","page":248},{"text":"هذا حديث غريب لا يصح رفعه، وعبيس [¬١] بن ميمون هذا هو أبو [¬٢] سلمة الخوّاص، وهو ضعيف الرواية، لا يحتج به، وقد ثبت في الصحيحين عن ابن مسعود أنه رمى الجمرة من بطن الوادي، فجعل البيت عن يساره، ومنى عن يمينه، ثم قال: هذا مقام الذي أنزلت عليه سورة البقرة. أخرجاه (^٤٦).\nوروى ابن مردويه (^٤٧)، من حديث شعبة، عن عقيل بن طلحة، عن عتبة بن فرقد [¬٣]، قال: رأى النبي ﷺ في أصحابه تأخرًا فقال: \"يا أصحاب سورة البقرة\". وأظنّ هذا كان يوم حنين حين ولوا مدبرين، أمر العباس فناداهم- \"يا أصحاب الشجرة\" -يعني: أهل بيعة الرضوان- وفي رواية: \"يا أصحاب سورة [¬٤] البقرة\"- لينشطهم [¬٥] بذلك، فجعلوا يقبلون من كل وجه.\nوكذلك يوم اليمامة مع أصحاب مسيلمة، جعل الصحابة يفرون لكثافة [جيش بني] [¬٦]\n_________\n= ميمون منكر الحديث، وهذا لا يصح، وإنما روى عن ابن عمر من قوله\". وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ١٥٧) وقال: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه عُبيس بن ميمون وهو متروك.\n(^٤٦) - صحيح البخاري، كتاب الحج، باب: رمى الجمار من بطن الوادي برقم (١٧٤٧)، ومسلم في كتاب الحج، برقم ٣٠٥ - (١٢٩٦).\n(^٤٧) - رواه الطبراني في المعجم الكبير (١٧/ ١٣٣) من طريق علي بن قتيبة، عن شعبة، عن عقيل بن طلحة، به، ورواه ابن أبي عاصم، من طريق أسد بن قتيبة، عن عقيل بن طلحة، به، وأورده الهيثمي (٥/ ٣٣٧) وقال: رواه الطبراني، وفيه علي بن قتيبة وهو ضعيف.\nورواه عبد الرزاق (٥/ ٩٧٤١)، ومن طريق عبد الرزاق رواه مسلم ٧٦ - (١٧٧٥)، وأحمد (١٧٧٥) من حديث كثير بن العباس، عن أبيه.\nورواه أحمد ١٧٧٦ - (١/ ٢٠٧) من حديث كثير بن عباس قال: كان عباس وأبو سفيان -يعني بن الحارث- معه -يعني النبي، ﷺ، فخطبهم وقال: \"الآن حمي الوطيس- وقال-: نادِ يا أصحاب سورة البقرة\".\nورواه أحمد في فضائل الصحابة ١٧٧٦ - (٢/ ٩٢٨) من حديث كثير بن العباس، به.\nورواه أبو يعلى -من حديث أنس- في مسنده ٣٦٠٦ - (٦/ ٢٨٩)، والطبراني في الأوسط (٢٧٥٨) من طريق عمرو بن عاصم، عن أبي العوام، عن معمر، عن الزهري، عن أنس، ﵁. وأورده الهيثمي (٦/ ١٨١) وعزاه لأبي يعلى والطبراني وقال: رجالهما رجال الصحيح غير عمران بن داور القطان، وهو أبو العوام، وثقه ابن حبان وغيره، وضعفه ابن معين وغيره.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: عيسى.\n[¬٢]- في ز: ابن.\n[¬٣]- في ز، خ: \"مربد\".\n[¬٤]- سقط من ز.\n[¬٥]- في ز: ينشطهم.\n[¬٦]- في خ: \"حسدى\"، وفي ز: حشري.","vol":"1","page":249},{"text":"حنيفة، فجعل المهاجرون والأنصار يتنادون يا أصحاب سورة البقرة! حتى فتح الله عليهم (^٤٨) رضي الله عن أصحاب رسول الله أجمعين.\n﷽\nالم ﴿١﴾\nقد اختلف المفسرون في الحروف المقطعة التي في أوائل السور؛ فمنهم من قال: هي مما استأثر اللَّه بعلمه، فردّوا علمها إلى الله ولم يفسروها.\n[حكاه القرطبي في تفسيره (^٤٩) عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود ﵃ أجمعين، وقاله عامر الشعبي وسفيان الثوري والربيع بن خُثيم، واختاره أبو حاتم بن حبان] [¬١] \".\nومنهم من فسرها، واختلف هؤلاء في معناها؛ فقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: إنما هي أسماء السور. قال العلامة أبو القاسم محمود بن عمر الزمخشري في تفسيره (^٥٠): وعليه إطباق الأكثر. ونقل عن سيبويه أنه نص عليه] [¬٢] ويعتضد لهذا [¬٣] بما ورد في الصحيحين (^٥١) عن أبي هريرة أنّ رسول الله ﷺ كان يقرأ في صلاة الصبح يوم الجمعة ﴿الم﴾ السجدة، و﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾.\nوقال سفيان الثوري (^٥٢): عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، أنه قال: ﴿الم﴾، و﴿حم﴾، و\n_________\n(^٤٨) - رواه عبد الرزاق (٥/ ٩٤٦٥) عن معمر، وابن أبي شيبة في المصنف (١٢/ ٥٠٢) عن وكيع، وسعيد بن منصور، عن يعقوب بن عبد الرحمن، ثلاثتهم، عن هشام بن عروة، عن أبيه قال: \"كان شعار أصحاب النبي، ﷺ، يوم مسيلمة: يا أصحاب سورة البقرة\".\n(^٤٩) - تفسير القرطبي (١/ ١٥٤).\n(^٥٠) - الكشاف (١/ ١٠).\n(^٥١) - رواه البخاري في الجمعة، باب: ما يقرأ في صلاة الفجر يوم الجمعة برقم (٨٩١)، ومسلم في الجمعة برقم ٦٥، ٦٦ - (٨٨٠).\n(^٥٢) - رواه ابن جرير برقم (٢٣٠)، وعزاه السيوطي في الدر لابن المنذر، وأبي الشيخ، وقد قيل: إن ابن أبي نجيح لم يسمع التفسير من مجاهد، قاله يحيى بن سعيد القطان، ولكن الواسطة بينهما هو القاسم بن أبي بزة، وهو ثقة، قال ابن حبان: لم يسمع التفسير من مجاهد غير القاسم، وكل من يروي عن مجاهد\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في ز: هذا.","vol":"1","page":250},{"text":"﴿المص﴾، و﴿ص﴾ فواتح افتتح الله بها القرآن.\nوكذا قال غيره عن مجاهد (^٥٣)، وقال مجاهد (^٥٤) في رواية أبي حذيفة موسى بن مسعود، عن شبل، عن ابن أبي نجيح، عنه أنه قال: ﴿الم﴾ اسم من أسماء القرآن.\nوهكذا قال قتادة وزيد بن أسلم (^٥٥).\nولعل هذا يرجع إلى معنى قول عبد الرحمن بن زيد [بن أسلم] [¬١]: إنه اسم من أسماء السور؛ فإن كل سورة يطلق عليها اسم القرآن، فإنه يبعد أن يكون المص اسمًا [¬٢] للقرآن كله؛ لأن المتبادر إلى فهم سامع من يقول: قرأت المص، إنما ذلك عبارة عن [¬٣] سورة الأعراف لا لمجموع القرآن، والله أعلم.\nوقيل: هي اسم من أسماء الله تعالى، فقال الشعبي: فواتح السور من أسماء الله تعالى. وكذلك قال سالم بن عبد الله، وإسماعيل بن عبد الرحمن السدي الكبير. وقال شعبة: عن السدي: بلغني أن ابن عباس قال: ﴿الم﴾ اسم من أسماء الله الأعظم. هكذا رواه ابن أبي حاتم من حديث شعبة.\nورواه (^٥٦) ابن جرير عن بندار، عن ابن مهدي، عن شعبة، قال: سألت السدي عن حم وطس والم؛ فقال: قال ابن عباس: هي اسم الله الأعظم.\nوقال ابن جرير (^٥٧): وحدّثنا محمد بن المثنى، حدَّثنا أبو النعمان، حدَّثنا شعبة، عن إسماعيل السدي، عن مرة الهمداني قال: قال عبد الله: … فذكر نحوه.\n[وحكي مثله عن علي وابن عباس] [¬٤]. وقال علي بن أبي طلحة: عن ابن عباس (^٥٨): هو\n_________\n= التفسير إنما أخذه من كتاب القاسم.\n(^٥٣) - رواه ابن جرير برقم (٢٢٨، ٢٣١)، وابن أبي حاتم برقم (٥١) من طريق ابن جريج.\n(^٥٤) - رواه ابن جرير برقم (٢٢٦).\n(^٥٥) - رواه عبد الرزاق (١/ ٣٩)، ومن طريقه ابن جرير (٢٢٥).\n(^٥٦) - تفسير ابن جرير ٢٣٣ - (١/ ٢٠٦). وفيه (محمد بن المثنى) بدل (بندار- محمد بن بشار).\n(^٥٧) - تفسير ابن جرير ٢٣٤ - (١/ ٢٠٦).\n(^٥٨) - رواه ابن جرير برقم (٢٣٦)، وعلي بن طلحة لم يسمع من ابن عباس، ولم يره.\n_________\n[¬١]- سقط من ز.\n[¬٢]- في ز: اسم.\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"1","page":251},{"text":"قسم أقسم الله به، وهو من أسماء الله تعالى.\nوروى ابن أبي حاتم (^٥٩) وابن جرير من حديث ابن عُليّة عن خالد الحذاء، عن عكرمة، أنه قال: ﴿الم﴾ قسم.\nورويا (^٦٠) أيضًا من حديث شريك بن عبد الله، عن عطاء بن السائب، عن أبي الضحى، عن ابن عباس: ﴿الم﴾ قال: أنا الله أعلم.\nوكذا قال سعيد بن جبير (^٦١).\nوقال السدي عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة الهمداني [¬١] عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي ﷺ (^٦٢): ﴿الم﴾ قال: أما [¬٢] الم فهي حروف استفتحت من حروف هجاء أسماء [¬٣] الله تعالى.\nوقال أبو جعفر الرازي (^٦٣): عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية في قوله تعالى: ﴿الم﴾ قال: هذه الأحرف الثلاثة من التسعة والعشرين حرفًا دارت فيها الألسن كلها، ليس منها حرف إلا وهو مفتاح اسم من أسمائه، وليس منها حرف إلا وهو من آلائه وبلائه، وليس منها حرف إلا وهو في مدة أقوام [¬٤] وآجالهم.\nقال عيسى ابن مريم ﵇ وعجب فقال: وأعجب أنهم ينطقون بأسمائه، ويعيشون في رزقه، فكيف يكفرون به. فالألف مفتاح اسمه الله. واللام مفتاح اسمه لطيف، والميم مفتاح اسمه مجيد، فالألف آلاء الله، واللام لطف الله، والميم مجد الله، والألف ستة [¬٥] واللام ثلاثون [] [¬٦]، والميم أربعون [] [¬٧].\n_________\n(^٥٩) - إسناده صحيح، وهو في تفسير ابن أبي حاتم ٥٢ - (١/ ٣٠)، وتفسير ابن جرير ٢٣٧ - (٧/ ٢٠١).\n(^٦٠) - إسناده ضعيف، لضعف شريك، واختلاط عطاء، وهو في تفسير ابن أبي حاتم ٤٣ - (١/ ٢٧) وتفسير ابن جرير ٢٣٨ - (١/ ٢٠٧).\n(^٦١) - رواه ابن جرير (٢٣٩).\n(^٦٢) - رواه ابن جرير (٢٤٠)، والبيهقي في الأسماء والصفات (١/ ١٦٥).\n(^٦٣) - تفسير ابن أبي حاتم ٤٩ - (١/ ٢٨).\n_________\n[¬١]- في خ: الهمذاني.\n[¬٢]- سقط من ز.\n[¬٣]- في ز، خ: \"اسم\".\n[¬٤]- في ز: قوم.\n[¬٥]- في ت، وابن جرير: \"سنة\".\n[¬٦]- في ت وابن جرير: سنة.\n[¬٧]- في ت وابن جرير: سنة.","vol":"1","page":252},{"text":"هذا لفظ ابن أبي حاتم.\nونحوه رواه ابن جرير (^٦٤)، ثم شرع يوجه كل واحد من هذه الأقوال ويوفق بينها، وأنه لا منافاة بين كل [¬١] واحد منها وبين الآخر، وأن الجمع ممكن، فهي أسماء للسور، ومن أسماء اللَّه تعالى يفتتح بها السور، فكل حرف منها دل على اسم من أسمائه وصفة من صفاته، كما افتتح سورًا كثيرة بتحميده وتسبيحه وتعظيمه.\nقال: ولا مانع من دلالة الحرف منها على اسم من أسماء الله، وعلى صفة من صفاته، وعلى مدة وغير ذلك، كما ذكره الربيع بن أنس، عن أبي العالية؛ لأن الكلمة الواحدة تطلق على معاني كثيرة، كلفظة الأمة فإنها تطلق ويراد به الدين، كقوله تعالى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾، وتطلق ويراد بها الرجل المطيع للَّه كقوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. وتطلق ويراد بها الجماعة كقوله: ﴿وَجَدَ عَلَيهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ﴾ وقوله: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا﴾ وتطلق ويراد بها الحين من الدهر كقوله تعالى: ﴿وَقَال الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ أي بعد حين على أصح القولين، قال: فكذلك هذا.\nهذا حاصل كلامه موجهًا، ولكن هذا ليس كما ذكره أبو العالية، فإن أبا العالية زعم أن الحرف دل على هذا وعلى هذا، وعلى هذا معنى، ولفظة الأمة وما أشبهها من الألفاظ المشتركة في الاصطلاح إنما دل في القرآن في كل موطن على معنى واحد دل عليه سياق الكلام، فأما حمله على مجموع محامله إذا أمكن فمسألة مختلف فيها بين علماء الأصول، ليس هذا موضع البحث فيها، والله أعلم.\nثم إن لفظة [¬٢] الأمة تدل [¬٣] على كل [من معانيها] [¬٤] في سياق الكلام بدلالة الوضع، فأما دلالة الحرف الواحد على اسم يمكن أن يدل على اسم آخر من غير أن يكون أحدهما أولى من الآخر في التقدير أو الإضمار بوضع ولا بغيره، فهذا مما لا يفهم إلا بتوقيف؛ والمسألة مختلف فيها، وليس فيها إجماع حتى يحكم به.\nوما أنشدوه من الشواهد على صحة إطلاق الحرف الواحد على بقية الكلمة، فإن في السياق ما يدل على ما حذف بخلاف هذا، كما قال الشاعر:\nقلنا لها قفي لنا فقالت قاف … لا تحسبي أنا نسينا الإيجاف [¬٥]\n_________\n(^٦٤) - تفسير ابن جرير ٢٤٣ - (١/ ٢٠٨) موقوفًا على الربيع بن أنس.\n_________\n[¬١] سقط من ز.\n[¬٢]- في ز: لفظ.\n[¬٣] في ز: يدل\n[¬٤]- في ز: معانيه.\n[¬٥]- في ز، خ: \"الإلحاف\". والإيجاف: حث الدابة على سرعة السير، وهو الوجيف.","vol":"1","page":253},{"text":"تعني وقفت.\nوقال الآخر:\nما للظليم عَال [¬١] كَيفَ لا يا … ينقَدُّ عنه جلده إذا يا\nفقال ابن جرير: كأنه أراد أن يقول: إذا يفعل كذا وكذا، فالفاء بالياء من يفعل.\nوقال الآخر:\nبالخير خيرات وإن شرًّا فا … ولا أريد الشرَّ إلا أن تا\nيقول: وإن شرًّا فشر، ولا أريد الشر إلا أن تشاء، فاكتفى بالفاء والتاء من الكلمتين عن بقيتهما، ولكن هذا ظاهر من سياق الكلام، والله أعلم.\n[قال القرطبي (^٦٥): وفي الحديث \"من أعان على قتل مسلم بشطر كلمة\" الحديث قال سفيان: هو أن يقول في اقتل \"اق\"] [¬٢].\n_________\n(^٦٥) - تفسير القرطبي (١/ ١٥٦)، والحديث رواه ابن ماجة في الديات، باب: التغليظ في قتل مسلم ظلمًا برقم (٢٦٢٠)، والبيهقي (٨/ ٢٢)، وأبو يعلى ٥٩٠٠ - (١٠/ ٣٠٦)، ورواه العقيلي (٤/ ٣٨٢)، وابن الجوزي في الموضوعات (٣/ ١٠٤)، وابن عدي (٧/ ٢٧١٤ - ٢٧١٥)، والبيهقي في الكبرى (٨/ ٢٢)، من طريق يزيد بن أبي زياد، عن الزهري، عن سعيد، عن أبي هريرة، ﵁، به، مرفوعًا، وقال البوصيري في الزوائد (٢/ ٣٣٤): \"هذا إسناد ضعيف، يزيد بن أبي زياد الدمشقي قال فيه البخاري وأبو حاتم: منكر الحديث\"، ونقل الذهبي في الميزان (٤/ ٤٢٥) وابن حجر في التلخيص (١٨٧٠) أن أبا حاتم الرازي قال: \"باطل، موضوع\"، ونقل ابن الجوزي عن أحمد قال: ليس هذا الحديث بصحيح. وقال ابن عدي: ليس بمحفوظ، وكل رواياته مما لا يتابع عليه.\nورواه الطبراني في الكبير ١١١٠٢ - (١١/ ٧٩) من حديث العوام بن حوشب، عن مجاهد، عن ابن عباس قال قال رسول الله ﷺ: \"من شرك في دمٍ حرام بشطر كلمة جاء يوم القيامة مكتوب بين عينيه آيس من رحمة الله\".\nورواه البيهقي (٨/ ٢٢) من حديث نوح بن الهيثم، عن الفرج بن فضالة، عن الضحاك، عن الزهري- معضلًا - يرفعه. وفرج: مُضعف.\nوقد رواه أبو نعيم في الحلية (٥/ ٧٤) من طريق حكيم بن نافع، عن خلف بن حوشب، عن الحكم بن عتيبة، عن سعيد بن المسيب، سمعت عمر فذكره. وقال: تفرد به حكيم، عن خلف.\nقال الحافظ: وأورده ابن الجوزي في الموضوعات (٣/ ١٠٤) من طرق أخرى، منها عن أبي سعيد الخدري بلفظ: \"يجيء القاتل يوم القيامة مكتوبًا بين عينيه: آيس من رحمة الله\". وأعله بعطية، ومحمد بن عثمان بن أبي شيبة، ومحمد لا يستحق أن يحكم على أحاديثه بالوضع- وثقه صالح جزرة، وقال ابن\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"غال\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"1","page":254},{"text":"وقال خصيف (^٦٦): عن مجاهد أنه قال: فواتح السور كلها ﴿ق وص وحم وطسم والر﴾ وغير ذلك هجاء موضوع.\nوقال بعض أهل العربية: هي حروف من حروف المعجم استغني بذكر ما ذكر منها في أوائل السور عن ذكر بواقيها التي هي تتمة الثمانية والعشرين حرفًا، كما يقول القائل: ابني يكتب في ا ب ت ث، أي في حروف المعجم الثمانية والعشرين، فيستغنى بذكر بعضها عن مجموعها. حكاه ابن جرير (^٦٧).\nقلت: مجموع الحروف المذكورة في أوائل السور بحذف المكرر منها أربعة عشر حرفًا، وهي - ال م ص رك هـ ي ع ط س خ ق ن- يجمعها قولك: نصٌّ حكيمٌ قاطعٌ لهُ سرٌّ. وهي نصف الحروف عددًا والمذكور منها أشرف من المتروك، وبيان ذلك من صناعة التصريف.\n[قال الزمخشري (^٦٨): وهذه الحروف الأربعة عشر مشتملة على أصناف أجناس الحروف يعني من المهموسة والمجهورة، ومن الرخوة والشديدة، ومن المطبقة والمفتوحة ومن المستعلية والمنخفضة، ومن حروف القلقلة. وقد سردها مفصلة ثم قال: فسبحان الذي دقت في كل شيء حكمته. وهذه الأجناس المعدودة مكثورة بالمذكورة منها، وقد علمت أن معظم الشيء وجله ينزل منزلة كله] [¬١]، ومن هاهنا لخص [¬٢] بعضهم في هذا المقام كلامًا فقال: لا شك أن هذه الحروف لم ينزلها ﷾ عبثًا ولا سدىً، ومن قال من الجهلة: إنه في القرآن ما هو تعبد لا معنى له بالكلية فقد أخطأ خطأً كبيرًا، فتعين أن لها معنى في نفس الأمر، فإن صح لنا فيها عن المعصوم شيء قلنا به، وإلا، وقفنا حيث وقِفنا وقلنا: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾. ولم يجمع العلماء فيها على [¬٣] شيء معين، وإنما اختلفوا فمن ظهر له بعض الأقوال بدليل فعليه اتباعه، وإلا فالوقف حتى يتبين. هذا مقام.\nالمقام الآخر في الحكمة التي اقتضت إيراد هذه الحروف في أوائل السور، ما هي؟ مع قطع\n_________\n= عدي: لم أر له حديثًا منكرًا وهو على ما وصف لي أنه لا بأس به. وأما عبد الله بن أحمد بن حنيل فقال: كذاب. وقال ابن خراش: كان يضع الحديث. وقال البرقاني: لم أزل أسمعهم يذكرون أنه مقدوح فيه.\n(الميزان ٣/ ٦٤٢) - وأما عطة فضعيف، لكن حديثه يحسنه الترمذي إذا توبع.\n(^٦٦) - رواه ابن جرير (٢٤٢)، وعزاه السيوطي في الدر (١/ ٢٣) لابن المنذر.\n(^٦٧) - تفسير ابن جرير (١/ ٢٠٩).\n(^٦٨) - الكشاف (١/ ١٣).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في ز: لحظ.\n[¬٣]- سقط من ز.","vol":"1","page":255},{"text":"النظر عن معانيها في أنفسها؛ فقال بعضهم: إنما ذكرت ليعرف [¬١] بها أوائل السور. حكاه ابن جرير (^٦٩) وهذا ضعيف؛ لأن الفصل حاصل بدونها، فيما لم تذكر فيه، وفيما ذكرت فيه البسملة [¬٢] تلاوة وكتابة.\nوقال آخرون: بل ابتدئ بها لتُفْتَحَ لاستماعها أسماع المشركين، إذ [¬٣] تواصوا بالإعراض عن القرآن، حتى إذا استمعوا له تُلي [¬٤] عليهم المؤلَّف منه.\nحكاه ابن جرير أيضًا (^٧٠)، وهو ضعيف أيضًا؛ لأنه لو كان كذلك لكان ذلك في جميع السور لا يكون في بعضها، بل غالبها ليس كذلك، ولو كان كذلك أيضًا لانبغي الابتداء بها في أوائل الكلام معهم، سواء كان افتتاح سورة أو غير ذلك.\nثم إن هذه السورة والتي تليها أعني البقرة وآل عمران مدنيتان ليستا خطابًا للمشركين، فانتقض ما ذكروه بهذه الوجوه.\nوقال آخرون: بل إنما ذكرت هذه الحروف في أوائل السور التي ذكرت فيها بيانًا لإعجاز القرآن، وأن الخلق عاجزون عن معارضته بمثله، هذا مع أنه مركب [¬٥] من هذه الحروف المقطعة التي يتخاطبون بها.\nوقد حكى هذا المذهب الرازي في تفسيره عن المبرد وجمع من المحققين.\nوحكى القرطبيُّ عن الفراء وقطرب نحو هذا.\nوقرره الزمحشري في كشافه ونصره أتم نصر، وإليه ذهب الشيخ الإمام العلامة أبو العباس بن تيمية وشيخنا الحافظ المجتهد أبو الحجاج المزي وحكاه لي عن ابن تيمية.\n[قال الزمخشري: ولم ترد كلها مجموعة في أول القرآن، وإنما كررت ليكون أبلغ في التحدي والتبكيت، كما كررت قصص كثيرة، وكرر التحدي بالصريح في أماكن.\nقال: وجاء منها على حرف واحد كقوله- ﴿ص﴾ ﴿ن﴾ ﴿ق﴾ - وحرفين مثل ﴿حم﴾ وثلاثة مثل ﴿الم﴾ وأربعة مثل ﴿المر﴾ ﴿والمص﴾ وخمسة مثل ﴿كهيعص﴾ ﴿وحم\n_________\n(^٦٩) - تفسير ابن جرير (١/ ٢٢٠ - ٢٢٤).\n(^٧٠) - تفسير ابن جرير (١/ ٢١٠).\n_________\n[¬١]- في ز: لنعرف.\n[¬٢]- في ز: بالبسملة.\n[¬٣]- في خ: \"إذا\".\n[¬٤]- في ز: تلا.\n[¬٥]- سقط من: ز، خ.","vol":"1","page":256},{"text":"عسق﴾ لأن أساليب كلامهم على هذا من الكلمات، ما هو على حرف وعلى حرفين وعلى ثلاثة وعلى أربعة وعلى خمسة لا أكثر من ذلك.\n(قلت] [¬١] ولهذا كل سورة افتتحت بالحروف فلا بد أن يذكر فيها الانتصار للقرآن، وبيان إعجازه وعظمته، وهذا معلوم بالاستقراء، وهو الواقع [في تسع وعشرين سورة] [¬٢]، ولهذا يقول تعالى: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيبَ﴾ ﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢) نَزَّلَ عَلَيكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَينَ يَدَيهِ﴾، ﴿المص (١) كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ﴾، ﴿الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾، ﴿الم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالمِينَ﴾، ﴿حم (١) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣)﴾ [الشورى: ٣] ﴿حم (١) عسق (٢) كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ وغير ذلك من الآيات الدالة على صحة ما ذهب إليه هؤلاء لمن أمعن النظر، والله أعلم.\nوأما من زعم أنها دالة على معرفة المدد، وأنه يستخرج من ذلك أوقات الحوادث والفتن والملاحم، فقد ادعى ما ليس له، وطار في غير مطاره، وقد ورد في ذلك حديث ضعيف، وهو مع ذلك أدل على بطلان هذا المسلك من التمسك به على صحته، وهو ما رواه محمد بن إسحاق بن يسار -صاحب المغازي (^٧١) -: حدّثني الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، عن جابر بن عبد الله بن رئاب [¬٣] قال: مر أبو ياسر بن أخطب في رجال من يهود برسول الله ﷺ وهو يتلو فاتحة سورة البقرة: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيبَ فِيهِ﴾ فأتى أخاه حُيي بن أخطب في رجال من اليهود فقال: تعلمون والله لقد سمعت محمدًا يتلو فيما أنزل اللَّه تعالى عليه: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ فقال: أنت سمعته؟ قال: نعم. قال: فمشى حُيي بن أخطب في أولئك النفر من اليهود [¬٤] إلى رسول اللَّه ﷺ، فقالوا: يا محمد، ألم تذكر أنك تتلو فيما أنزل الله عليك: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾؟ فقال رسول الله ﷺ: \"بلى\". فقالوا: جاءك [¬٥] بهذا جبريل من عند الله؟ فقال: \"نعم\" قالوا: لقد بعث الله قبلك أنبياء ما نعلمه بين لنبي منهم ما مدة ملكه وما أجل أمته غيرك، فقام [¬٦] حُييّ بن أخطب وأقبل على من كان معه، فقال لهم: الألف واحدة، واللام ثلاثون، والميم أربعون، فهذه إحدى وسبعون سنة، [أفتدخلون في دين نبي إنما مدة ملكه وأجل أمته إحدى وسبعون سنة؟] [¬٧] ثم أقبل على رسول\n_________\n(^٧١) - رواه البخاري في التاريخ الكبير (٢/ ٢٠٧ - ٢٠٨)، وابن جرير في تفسيره ٢٤٦ - (١/ ٢١٦ - ٢١٨) من طريق ابن إسحاق، وهو في السيرة النبوية لابن هشام (٢/ ١٩٤ - ١٩٥).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في خ: \"زياب\".\n[¬٤]- في ز: يهود.\n[¬٥]- في ز: أجاءك.\n[¬٦]- في ز: فقال.\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.","vol":"1","page":257},{"text":"اللَّه، ﷺ فقال: يا محمد! هل مع هذا غيره؟ فقال: \"نعم\" قال: ما ذاك؟ قال: ﴿المص﴾ قال: هذه أثقل وأطول؛ الألف واحدة، واللام ثلاثون، والميم أربعون، والصاد سبعون [¬١]، فهذه إحدى وثلاثون [¬٢] ومائة [¬٣] سنة. هل مع هذا يا محمد غيره؟ قال: \"نعم\" قال: ما ذاك [¬٤]؟ قال ﴿الر [¬٥]﴾. قال: هذا [¬٦] أثقل وأطول الألف واحدة، واللام ثلاثون، والراء مائتان، فهذه إحدى وثلاثون ومائتا [¬٧] سنة. [فهل مع هذا يا محمد غيره؟ قال: \"نعم\"، [قال: ماذا؟ قال] [¬٨] ﴿المر﴾ قال: هذه أثقل وأطول؛ الألف واحدة، واللام ثلاثون، والميم أربعون والراء مائتان، فهذه إحدى وسبعون ومائتان] [¬٩]. ثم قال: لقد لُبِّسَ علينا أمرك يا محمد؛ حتى ما ندري أقليلًا أعطت أم كثيرًا، ثم قال: قوموا عنه، ثم قال أبو ياسر لأخيه حيي بن أخطب ولمن معه من الأحبار: ما يدريكم؟ لعله قد جمع هذا لمحمد كله، إحدى وسبعون، وإحدى وثلاثون ومائة، وإحدى وثلاثون ومائتان، وإحدى وسبعون ومائتان، فذلك سبعمائة وأربع سنين.\nفقالوا: لقد تشابه علينا أمره فيزعمون أن هؤلاء الآيات نزلت فيهم: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾.\nفهذا الحديث [¬١٠] مداره على محمد بن السائب الكلبي وهو ممن [¬١١] لا يحتج بما انفرد به، ثم كان مقتضى هذا المسلك إن كان صحيحًا أن يحسب [¬١٢] ما لكل حرف من الحروف الأربعة عشر التي ذكرناها وذلك يبلغ منه جملة كثيرة، وإن حُسبت مع التكرر فأطم [¬١٣]، وأعظم، والله أعلم.\n﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢)﴾\nقال ابن جريج (^٧٢): قال ابن عباس: ذلك الكتاب أي [¬١٤]: هذا الكتاب، وكذا [¬١٥] قال\n_________\n(^٧٢) - منقطع، ابن جريج لم يسمع من ابن عباس.\n_________\n[¬١]- في ن: تسعون.\n[¬٢]- هكذا وجد في خ، م، والأصح \"إحدى وأربعون ومائة\".\n[¬٣]- مكررة في خ.\n[¬٤]- في خ: \"ماذا\".\n[¬٥]- في ز: ﴿المر﴾\n[¬٦]- في ز، خ: \"هذه\".\n[¬٧]- في خ: \"إحد وسبعون ومائتان.\n[¬٨]- سقط من ز.\n[¬٩]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ\n[¬١٠]- سقط من ز.\n[¬١١]- في ز، خ: \"مما\".\n[¬١٢]- في ز: بحسب.\n[¬١٣]- في ت: فأتم.\n[¬١٤]- سقط من: ز، خ.\n[¬١٥]- سقط من: خ.","vol":"1","page":258},{"text":"مجاهد وعكرمة، وسعيد بن جبير والسدى، ومقاتل بن حيان [¬١] وزيد بن أسلم، وابن جريج أن ذلك بمعنى هذا، والعرب تقارض بين اسمي [¬٢] الإشارة، فيستعملون كلًّا منهما مكان الآخر، وهذا معروف في كلامهم. [وقد حكاه البخاري عن معمر بن المثنى أبي عبيدة وقال الزمخشري ذلك إشارة إلى ﴿الم﴾ كما قال تعالى: ﴿لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَينَ ذَلِكَ﴾ وقال تعالى: ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَينَكُمْ﴾ وقال: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ﴾ وأمثال ذلك مما أشير به إلى ما تقدم ذكره، والله أعلم.\nوقد ذهب بعض المفسرين فيما حكاه القرطبي (^٧٣) وغيره إلى أن ذلك إشارة إلى القرآن الذي وعد الرسول ﷺ بإنزاله عليه أو التوراة أو الإنجيل أو نحو ذلك في أقوال عشرة. وقد ضعفت هذا المذهب كثيرون، والله أعلم [¬٣].\nوالكتاب: القرآن.\nومن قال: إن المراد بذلك الكتاب الإشارة إلى التوراة والإنجيل كما حكاه ابن جرير [¬٤] (^٧٤) وغيره فقد أبعد النجعة، وأغرق في النزع، وتكلّف ما لا علم له به.\nوالريب: الشك.\nقال السديُّ: عن أبي مالك، وعن أبي صالح، في ابن عباس، وعن مرة الهمداني، عن ابن مسعود، وعن أناس من أصحاب رسول الله ﷺ (^٧٥): ﴿لَا رَيبَ فِيهِ﴾: لا شك فيه.\nوقال أبو الدرداء (^٧٦) وابن عباس (^٧٧)، ومجاهد وسعيد بن جبير، وأبو مالك ونافع مولى ابن عمر، وعطاء وأبو العالية، والربيع بن أنس ومقاتل بن حيان [¬٥]، والسديُّ وقتادة، واسماعيل بن أبي خالد- وقال ابن أبي حاتم: لا أعلم في هذا خلافًا.\n_________\n(^٧٣) - تفسير القرطبي (١/ ١٥٧، ١٥٨).\n(^٧٤) - تفسير ابن جرير (١/ ٢٢٧ - ٢٢٨).\n(^٧٥) - تفسير ابن جرير (٢٥٤)، وتفسير ابن أبي حاتم (٥٥).\n(^٧٦) - تفسير ابن أبي حاتم (٥٥)، وأحمد في الزهد (١١).\n(^٧٧) - تفسير ابن جرير (٢٥٥، ٢٥٦)، بإسنادين ضعيفين.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"مقاتل بن حبان\".\n[¬٢]- في ز: هذي الاسمين.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- في ز، خ: \"ابن جبَير\".\n[¬٥]- في خ: \"مقاتل بن حبان\".","vol":"1","page":259},{"text":"[وقد يستعمل الريب في التهمة قال جميل:\nبثينة قالت يا جميل أربتني … فقلت كلانا يا بثين مريب\nواستعمل أيضًا في الحاجة كما قال بعضهم:\nقضينا من تهامة كل ريب … وخيبر ثم أجمعنا السيوفا] [¬١]\nومعنى الكلام هنا [¬٢] أن هذا الكتاب [و] [¬٣] هو القرآن لا شك فيه أنه نزل من عند الله كما قال اللَّه تعالى في السجدة: ﴿الم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالمِينَ﴾ [وقال بعضهم: هذا خبر ومعناه النهي أي: لا ترتابوا فيه] [¬٤] ومن القرّاء من يقف على قوله تعالى: ﴿لَا رَيبَ﴾ ويبتدئ بقوله تعالى: ﴿فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ والوقف على [قوله تعالى]: ﴿لَا رَيبَ فِيهِ﴾ أولى للآية التي ذكرناها [¬٥] ولأنه يصير قوله تعالى: ﴿هُدًى﴾ صفة للقرآن وذلك أبلغ من كون فيه هدىً.\nوهدًى يحتمل من حيث العربية أن يكون مرفوعًا على النعت ومنصوبًا على الحال وخصت الهداية المتقين كما قال: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ (٤٤)﴾. ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إلا خَسَارًا (٨٢)﴾ إلى غير ذلك من الآيات الدالة [¬٦] على اختصاص المؤمنين بالنفع بالقرآن؛ لأنه هو [¬٧] في نفسه هدى ولكن لا يناله إلا الأبرار كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٥٧)﴾.\nوقد قال السدي عن أبي مالك، و[¬٨] عن أبي صالح عن ابن عباس، وعن مرّة الهمداني عن ابن مسعود، وعن أناس [¬٩] من أصحاب رسول اللَّه ﷺ (^٧٨): ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ يعني نورًا اللمتقين.\nوقال الشعبي: هدى من الضلالة.\nوقال سعيد بن جبير: تبيان للمتقين. وكل [¬١٠] ذلك صحيح.\n_________\n(^٧٨) - تفسير ابن جرير (٢٦٠، ٢٦٣).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- سقط من ز.\n[¬٣]- زيادة من ز.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- في ز: ذكرنا.\n[¬٦]- سقط من: ز، خ.\n[¬٧]- سقط من: م.\n[¬٨] سقط من: خ.\n[¬٩]- في ز، خ: \"ناس\".\n[¬١٠]- مكررة في خ.","vol":"1","page":260},{"text":"وقال السدى: عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة الهمداني، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب رسول الله ﷺ: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ قال: هم المؤمنون.\nوقال محمد بن إسحاق، عن محمد [بن أبي محمد] [¬١] مولى زيد بن ثابت، عن عكرمة أو عن [¬٢] سعيد بن جبير، عن ابن عباس (^٧٩): ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾: أي الذين يحذرون من الله عقوبته في ترك ما يعرفون من الهدى، وهجون رحمته في التصديق بما جاء به.\nوقال أبو روق عن الضحاك عن ابن عباس: ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ قال: المؤمنين [¬٣] الذين يتقون الشرك بي، ويعملون بطاعتي.\nوقال سفيان الثوري: عن رجل، عن الحسن البصري قوله تعالى (^٨٠): ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ قال: اتقوا ما حرم اللَّه [¬٤] عليهم، وأدَّوْا ما افترض الله [¬٥] عليهم.\nوقال أبو بكر بن عياش: سألني الأعمش عن ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾، قال: فأجبته. فقال لي: سل عنها الكلبي، فسألته، فقال: الذين يجتنبون كبائر الإثم قال [¬٦]: فرجعت إلى الأعمش، فقال: نرَى [¬٧] أنه كذلك ولم ينكره.\nوقال قتادة: ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ هم الذين نعتهم الله [¬٨] بقوله: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ الآية و[¬٩] التي بعدها.\nواختار ابن جرير (^٨١) أن الآية تعم ذلك كله، وهو كما قال.\nوقد روى الترمذي وابن ماجة (^٨٢) من رواية أبي عقيل عبد اللَّه بن عقيل، عن عبد اللَّه بن\n_________\n(^٧٩) - تفسير ابن جرير (٢٦٢)، وابن أبي حاتم (٦٢)، وإسناده ضعيف.\n(^٨٠) - تفسير ابن جرير (٢٦١).\n(^٨١) - تفسير ابن جرير (١/ ٢٣٣ - ٢٣٤).\n(^٨٢) - ضعيف، والحديث رواه الترمذي في أبواب صفة القيامة برقم (٢٤٥١)، وابن ماجة في الزهد، باب الورع والتقوى برقم (٤٢١٥)، ورواه عبد بن حميد (٤٨٤)، والبخاري في التاريخ (٣/ ١ / ١٥٨)، وابن\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- زيادة من ز، خ.\n[¬٣]- في ز: للمؤمنين.\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- سقط من: م.\n[¬٧]- في ز: ترى: أي.\n[¬٨]- سقط من ز.\n[¬٩]- سقط من: ز، خ.","vol":"1","page":261},{"text":"يزيد، عن ربيعة بن يزيد، وعطية بن قيس، عن عطية السعدي قال: قال رسول الله ﷺ \"لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرًا مما [¬١] به بأس\" ثم قال الترمذي: حسن غريب.\nوقال ابن أبي حاتم (^٨٣): حدَّثنا أبي، حدَّثنا عبد الله بن عمران، حدثنا إسحاق بن سليمان - يعني الرازي - عن المغيرة بن مسلم، عن ميمون أبي حمزة قال: كنت جالسًا عند أبي وائل، فدخل علينا رجل يقال له: أبو عفيف - من أصحاب معاذ، فقال له شقيق بن سلمة: يا أبا عفيف؛ ألا تحدّثنا عن معاذ بن جبل! قال: بلى، سمعته يقول: يحبس الناس يوم القيامة في بقيع واحد فينادي مناد: أين المتقون؟ فيقومون في كنف من الرحمن لا يحتجب الله منهم ولا يستتر. قلت: من المتقون؟ قال: قوم اتقوا الشرك وعبادة الأوثان وأخلصوا لله العبادة، فيمرون إلى الجنة.\n[ويطلق الهدى ويراد به ما يقرّ في القلب من الإيمان، وهذا لا يقدر على خلقه في قلوب العباد إلا الله ﷿.\nقال الله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾. وقال: ﴿لَيسَ عَلَيكَ هُدَاهُمْ﴾.\nوقال: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ﴾ وقال: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ إلى غير ذلك من الآيات، ويطلق ويراد به بيان الحق وتوضيحه والدلالة عليه والإرشاد إليه، قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وقال: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ وقال تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَينَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ وقال: ﴿وَهَدَينَاهُ النَّجْدَينِ (١٠)﴾ على تفسير من قال: المراد بهما الخير والشر. وهو الأرجح، والله أعلم، وأصل التقوى: التوقي مما يكره، لأن أصلها وقى من الوقاية قال النابغة:\nسقط النصيف ولم ترد إسقاطه … فتناولته واتقتنا باليد\n_________\n= أبي حاتم في التفسير (٦٠)، والطبراني في الكبير (١٧/ ٤٤٦)، والحاكم (٤/ ٣١٩)، والبيهقي في سننه (٥/ ٣٣٥)، وفي الشعب (٥٣٦١)، والقضاعي في مسند الشهاب (٩٠٩: ٩١٢)، وعزاه السيوطي في الدر (١/ ٢٤) لأحمد، ولم نقف عليه، وقال الحاكم: صحيح الإسناد، قال ابن القطان: عبد الله بن يزيد لا أعرف روى عنه إلا أبو عقيل ومحمد بن سعد، ولا تعرف حاله. وفي الميزان: قال الجوزجاني: أحاديثه منكرة.\n(^٨٣) - ضعيف، والحديث في تفسير ابن أبي حاتم ٦١ - (١/ ٣٣) في إسناده ميمون القصاب، قال أحمد: متروك الحديث، وقال الدارقطني ضعيف. وقال أبو حاتم: يكتب حديثه. وقال البخاري: ليس بالقوي عندهم. وقال النسائي: ليس بثقة.\n_________\n[¬١]- في ز: لما.","vol":"1","page":262},{"text":"وقال الآخر:\nفألقت قناعًا دونه الشمس واتقت … بأحسن موصولين كف ومعصم\nوقد قيل: إن عمر بن الخطاب ﵁ سأل أبي بن كعب عن التقوى، فقال له: أما سلكت طريقًا ذا شوك؟ قال: بلى. قال: فما عملت؟ قال: شمرت واجتهدت. قال: فذلك التقوى. وقد أخذ هذا المعنى ابن العتز فقال:\nخل الذنوب صغيرها … وكبيرها ذاك التقى\nواصنع كماشٍ فوق أو … ض الشوك يحذر ما يرى\nلا تحقرن صغيرة … إن الجبال من الحصى\nوأنشد أبو الدرداء يومًا:\nيريد المرء أن يؤتى مناه … ويأبى الله إلا ما أرادا\nيقول المرء فائدتي ومالي … وتقوى الله أفضل ما استفادا\nوفي سنن ابن ماجة (^٨٤) عن أبي أمامة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"ما استفاد المرء بعد تقوى الله خيرًا من زوجة صالحة؛ إن نظر إليها سرته، وإن أمرها أطاعته، وإن أقسم عليها أبرته، وإن غاب عنها نصحته في نفسها وماله\"] [¬١].\nالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣)\nقال أبو جعفر الرازي، عن العلاء بن المسيب بن رافع، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله (^٨٥) قال: الإيمان التصديق.\n_________\n(^٨٤) - ضعيف، والحديث رواه ابن ماجة في النكاح، باب: أفضل النساء برقم (١٨٥٧) من طريق عثمان بن أبي العاتكة، عن علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة ﵁، ورواه الطبراني (٨/ ٧٨٨١)، وقال البوصيري في الزوائد (٢/ ٧٠): \"هذا إسناد فيه علي بن زيد بن جدعان وهو ضعيف - كذا قال - وعثمان بن أبي العاتكة مختلف فيه\". وله شاهد من حديث عبد الله بن عمرو، رواه مسلم وغيره. ورواه النسائي من طريق أبي هريرة، وأبو داود في سننه، وأبو بكر بن أبي شيبة في مسنده من حديث ابن عباس ﵄. ا هـ - وفي المطبوعة من سنن ابن ماجه: \"علي بن يزيد\"، وهو الصواب، وهو الألهاني، وقول البوصيري السابق: إنه علي بن زيد بن جدعان، ليس بصحيح، وانظر تحفة الأشراف (١/ ١٧٩)، وتهذيب الكمال (١٩/ ٣٩٧).\n(^٨٥) - تفسير ابن جرير (٢٧١).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"1","page":263},{"text":"وقال علي بن أبي طلحة وغيره: عن ابن عباس (^٨٦) ﵄: ﴿يُؤْمِنُونَ﴾: يصدّقون.\nوقال معمر، عن الزهري: الإيمان: العمل (^٨٧).\nوقال أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس (^٨٨): ﴿يُؤْمِنُونَ﴾: يخشون.\nقال ابن جرير (^٨٩) وغيره: والأولى أن يكونوا موصوفين بالإيمان بالغيب قولًا واعتقادًا وعملًا. قال: وقد تدخل الخشية لله في معنى الإيمان، الذي هو تصديق القول بالعمل، والإيمان كلمة جامعة للإقرار بالله وكتبه ورسله، وتصديق الإقرار بالفعل.\n(قلت): أما الإيمان في اللغة فيطلق على التصديق المحض، وقد يستعمل في القرآن والمراد به ذلك، كما قال تعالى: ﴿يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ وكما قال إخوة يوسف لأبيهم: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ وكذلك إذا استعمل مقرونًا مع الأعمال كقوله تعالى: ﴿إلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ فأما إذا استعمل مطلقًا فالإيمان الشرعي المطلوب لا يكون إلا اعتقادًا وقولًا وعملًا، هكذا ذهب إليه أكثر الأئمة، بل قد حكاه الشافعي وأحمد بن حنبل وأبو عبيد وغير واحد إِجماعًا أن الإيمان: قول وعمل، يريد وينقص. وقد ورد فيه آثار كثيرة، وأحاديث أوردنا الكلام فيها في أول شرح البخاري، ولله الحمد والمنة.\nومنهم [¬١] من فسره بالخشية كقوله [¬٢] تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيبِ﴾ وقوله: ﴿مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾ والخشية خلاصة الإيمان والعلم، كما قال تعالى [¬٣]: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾.\n[وقال بعضهم: يؤمنون بالغيب كما يؤمنون بالشهادة، وليسوا كما قال تعالى: عن المنافقين: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ وقال: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (١)﴾ فعلى هذا يكون قوله: بالغيب حالًا، أي: في حال كونهم غيبًا عن\n_________\n(^٨٦) - تفسير ابن جرير (٢٦٨).\n(^٨٧) - تفسير ابن جرير (٢٧٠).\n(^٨٨) - تفسير ابن جرير (٢٦٩).\n(^٨٩) - تفسير ابن جرير (١/ ٢٣٥).\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- في ز، خ: \"لقوله\".\n[¬٣]- سقط من: خ.","vol":"1","page":264},{"text":"الناس] [¬١].\nوأما الغيب المراد هاهنا فقد اختلفت عبارات السلف فيه، وكلها صحيحة ترجع إلى أن الجميع مراد.\nقال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية (^٩٠) في قوله تعالى: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْغَيبِ﴾ قال: يؤمنون بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وجنته وناره ولقائه، ويؤمنون بالحياة بعد الموت وبالبعث، فهذا غيب كله. وكذا قال قتادة بن دعامة.\nوقال السُّدي عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس، وعن مرّة الهمداني عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي ﷺ: أما الغيب فما غاب عن العباد من أمر الجنة وأمر النار وما ذكر في القرآن.\nوقال محمد بن إسحاق عن محمد بن أبي محمد، عن عكرمة -أو عن سعيد بن جبير- عن ابن عباس (^٩١): ﴿بِالْغَيبِ﴾ قال: بما جاء منه -يعني من الله تعالى. وقال سفيان الثوري عن عاصم عن زر قال: الغيب: القرآن.\nوقال عطاء بن أبي رباح (^٩٢): من آمن بالله فقد آمن بالغيب.\nوقال إسماعيل بن أبي خالد: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْغَيبِ﴾ قال: بغيب الإسلام.\nوقال زيد بن أسلم: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيبِ﴾ قال بالقدر.\nفكل هذه متقاربة [في معنى] [¬٢] واحد؛ لأن جميع هذه المذكورات من الغيب الذي يجب الإيمان به.\nوقال سعيد بن منصور (^٩٣): حدَّثنا: أبو [¬٣]، معاوية، عن الأعمش، عن عمارة بن عمير، عن عبد الرحمن بن يزيد قال: كنا عند عبد الله بن مسعود جلوسًا، فذكرنا\n_________\n(^٩٠) - تفسير ابن جرير (٢٧٦)، وابن أبي حاتم (٦٧).\n(^٩١) - تفسير ابن جرير (٢٧٣).\n(^٩٢) - رواه ابن أبي حاتم برقم (٧٠).\n(^٩٣) - سنن سعيد بن منصور برقم (١٨٠)، وابن أبي حاتم (٦٦)، وابن منده في الإيمان (٢٠٩)، والحاكم (٢/ ٢٦٠) وقال: على شرط الشيخين.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في خ: \"بمعنى\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"ابن معاوية\".","vol":"1","page":265},{"text":"أصحاب النبي ﷺ وما سبقونا [¬١] به، قال: فقال عبد الله: إن أمر محمد ﷺ كان بينًا لمن رآه، والذي لا إله غيره ما آمن أحد قط إيمانًا أفضل من إيمان بغيب. ثم قرأ: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيبِ﴾ إلى قوله ﴿الْمُفْلِحُونَ﴾.\nوهكذا رواه ابن أبي حاتم وابن مردويه والحاكم في مستدركه من طرق، عن الأعمش به (^٩٤). وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.\nوفي معنى هذا الحديث الذي رواه الإمام أحمد (^٩٥): حدَّثنا أبو المغيرة، أخبرنا [¬٢] الأوزاعي، حدّثني أسيد [¬٣] بن عبد الرحمن، عن خالد بن دريك، عن ابن مُحَيريز [¬٤] قال: قلت لأبي جمعة: حدَّثنا حديثًا سمعته من رسول الله ﷺ، قال: نعم، أحدّثك حديثًا جيدًا، تغدينا مع رسول الله ﷺ ومعنا أبو عبيدة بن الجراح، فقال: يا رسول اللَّه؛ [هل] [¬٥] أحد خير منَّا؟ أسلمنا معك وجاهدنا معك؟ قال: \"نعم، قوم من بعدكم يؤمنون بي ولم يروني\".\nطريق أخرى: قال أبو بكر بن مردويه في تفسيره (^٩٦):\n_________\n(^٩٤) - تفسير ابن أبي حاتم ٦٦ - (٣٤١١)، والمستدرك (٢/ ٢٦٠).\n(^٩٥) - المسند حديث ١٧٠٢٧ - (٤/ ١٠٦)، ورواه الدارمي حديث (٢٧٤٧) بنفس الإسناد، وأخرجه الطبراني في الكبير حديث (٣٥٣٧ - ٣٥٣٩) (٤/ ٢٢ - ٢٤)، والحاكم في المستدرك (٤/ ٨٥)، وأبو يعلى في مسنده ١٥٥٩ - (٣/ ١٢٨)، ورواه البخاري في خلق أفعال العباد صـ ٥٠ برقم (١٢٤)، وفي التاريخ (١/ ٢ / ٣١١)، وابن أبي عاصم (٢١٣٦)، وابن عساكر (٨/ ١٨٧ - ١٨٨) من حديث عبد الله بن صالح قال: ثنا معاوية بن صالح، عن ابن جبير قال: قدم علينا أبو جمعة الأنصاري … فذكره نحوه. وذكره الهيثمي في المجمع (١٠/ ٦٩) وقال: رواه أحمد وأبو يعلى، والطبراني بأسانيد، وأحد أسانيد أحمد رجاله ثقات. ا هـ. وقال الحافظ ابن حجر في الإصابة (٤/ ٣٣): \"واختلف فيه على الأوزاعي، فقال الأكثر: عن أسيد، عن خالد بن دريك، عن ابن محيريز. وقال ابن شماسة: عن الأوزاعي، عن أسيد، عن صالح بن محمد: حدثني أبو جمعة به\" قال الحافظ: وأغرب البزار فزعم أن الأوزاعي تفرد بالرواية عنه وذكر ابن عساكر: أن الأوزاعي روى عن أسيد بن عبد الرحمن عنه؛ فسمى أباه: محمدًا؛ قال: والصواب صالح بن جبير. (التهذيب ٤/ ٣٨٣ - ٣٨٤). وقال في فتح الباري (٧/ ٦): \"إسناده حسن\".\n(^٩٦) - رواه الطبراني في المعجم الكبير ٣٥٤٠ - (٤/ ٢٣) عن بكر بن سهل، عن عبد الله بن صالح به، ومن طريق ضمرة بن ربيعة به، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٦٥ - ٦٦) وقال: رواه الطبراني واختلف في رجاله.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"سبقوا\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"حدثنا\".\n[¬٣]- في ت: \"أسد\".\n[¬٤]- في ز، خ: \"ابن جبير\".\n[¬٥]- سقط من: خ.","vol":"1","page":266},{"text":"حدَّثنا عبد اللَّه بن جعفر، حدَّثنا إِسماعيل بن عبد اللَّه بن مسعود، حدَّثنا عبد اللَّه بن صالح، حدَّثنا معاوية بن صالح، [عن صالح] [¬١] بن جبير قال: قدم علينا أبو جمعة الأنصاري صاحب رسول اللَّه ﷺ بيت المقدس ليصلي فيه، ومعنا يومئذ رجاء بن حيوة [﵁] فلما انصرف [¬٢] خرجنا نشيعه، فلما أراد الانصراف قال: إن لكم جائزة وحقًّا أحدّثكم بحديث سمعته من رسول اللَّه ﷺ. قلنا: هات رحمك اللَّه! قال: كنا مع رسول اللَّه ﷺ ومعنا معاذ بن جبل عاشر عشرة، فقلنا: يا رسول اللَّه، هل من قوم أعظم منَّا أجرًا [¬٣]، آمنا باللَّه [¬٤] واتبعناك؟ قال: \"ما يمنعكم من ذلك ورسول اللَّه بين أظهركم يأتيكم بالوحي من السماء، بل قوم من بعدكم يأتيهم كتاب بين لوحين يؤمنون به ويعملون بما فيه، أولئك أعظم منكم أجرًا\". مرتين.\nثم رواه من حديث ضمرة بن ربيعة، عن مرزوق بن نافع (^٩٧)، عن صالح بن جبير، عن أبي جمعة بنحوه.\nوهذا الحديث فيه دلالة على العمل بالوجادة التي اختلف فيها أهل الحديث كما قررته في أول شرح البخاري؛ لأنه مدحهم على ذلك، وذكر أنهم أعظم أجرًا من هذه الحيثية لا مطلقًا.\nوكذا الحديث الآخر الذي رواه الحسن بن عرفة العبدي، حدَّثنا إِسماعيل بن عياش الحمصي، عن المغيرة بن قيس التميمي، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه قال: قال رسول اللَّه ﷺ: \"أي الخلق أعجب إليكم إيمانًا؟ \" قالوا الملائكة. [قال: \"وما لهم لا يؤمنون وهم عند ربهم؟ \". قالوا: فالنبيون.] [¬٥] قال \"وما لهم لا يؤمنون والوحي ينزله عليهم؟ \". قالوا: فنحن. قال: \"وما لكم لا تؤمنون وأنا بين أظهركم؟ \". قال: فقال رسول اللَّه، ﷺ: \"ألا إن أعجب الخلق إليَّ إيمانًا لقومٌ يكونون من بعدكم يجدون صحفًا فيها كتاب يؤمنون بما فيها\" (^٩٨).\n_________\n(^٩٧) - رواه الطبراني (٣٥٤١)، ومرزوق بن نافع: ذكره ابن حبان في الثقات (٩/ ١٨٩).\n(^٩٨) - جزء الحسن بن عرفة برقم (١٩)، ومن طريقه البيهقي في الدلائل (٦/ ٣٥٨)، ورواه الخطيب في شرف أصحاب الحديث (٦١)، وأبو القاسم الأصبهاني في الترغيب (٤٨)، وإسناده ضعيف لعلتين: الأولى: إسماعيل بن عياش رواه عن المغيرة بن قيس، وهو من روايته عن غير الشاميين - أهل بلده - وهي ضعيفة، والثانية: المغيرة؛ قال ابن أبي حاتم (٨/ ٢٢٧): منكر الحديث.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في ز: انصرفنا.\n[¬٣]- في ز، خ: \"أجرًا منا\".\n[¬٤]- في ز: بك.\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.","vol":"1","page":267},{"text":"قال أبو حاتم الرازي: المغيرة بن قيس البصري منكر الحديث.\n[قلت]: ولكن قد روى أبو يعلى في مسنده (^٩٩)، وابن مردويه في تفسيره، والحاكم في مستدركه من حديث محمد بن أبي حميد - وفيه ضعف - عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عمر، عن النبي ﷺ بمثله أو نحوه.\nوقال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه.\nوقد رُوي نحوه عن [¬١] أنس بن مالك مرفوعًا (^١٠٠)، واللَّه أعلم.\nوقال ابن أبي حاتم (^١٠١): [حدَّثنا أبي] [¬٢] حدَّثنا عبد اللَّهِ بن محمد المسندي، حدَّثنا إسحاق بن إدريس، أخبرني إبراهيم بن جعفر بن محمود بن سلمة الأنصاري، أخبرني جعفر بن محمود، عن جدته نُوَيلة [¬٣] بنت أسلم قالت: صليت الظهر -أو العصر- في مسجد بني حارثة، فاستقبلنا مسجد إيلياء فصلينا سجدتين، ثم جاءنا من يخبرنا أنّ رسول اللَّه ﷺ قد استقبل البيت [¬٤] الحرام، فتحول النساء مكان الرجال والرجال مكان النساء فصلينا السجدتين الباقيتين ونحن مستقبلو [¬٥] البيت الحرام.\nقال إبراهيم: فحدثني رجال من بني حارثة أنّ رسول اللَّه ﷺ حين بلغه ذلك\n_________\n(^٩٩) - ضعيف، وهو في مسند أبي يعلى ١٦٠ - (١/ ٤٧)، والمستدرك (٤/ ٨٥)، والبزار (٣/ ٢٨٣٩)، والعقيلي (٤/ ٢٣٨)، والخطيب في شرف أصحاب الحديث (٣٦ - ٣٧)، وابن عساكر (١٦/ ٤٨٦)، وقال البزار: إنما نعرف هذا من حديث محمد بن أبي حميد، وهو مدني، ليس بالقوي، حدث بهذا وبحديث آخر لم يتابع عليه. وتعقب الذهبي الحاكمَ فقال: \"بل محمد بن أبي حميد ضعفوه\".\n(^١٠٠) - رواه البزار في مسنده برقم (٢٨٤٠ كشف الأستار) وهو في مختصر زوائد البزار (٢٠٧١) من طريق سعيد بن بشير، عن قتادة، عن أنس ﵁، وقال: \"غريب من حديث أنس\". وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٦٥) وقال: رواه البزار، وفيه سعيد بن بشير، وقد اختلف فيه، فوثقه قوم وضعفه آخرون وبقية رجاله ثقات.\n(^١٠١) - إسناده ضعيف جدًّا، وهو تفسير ابن أبي حاتم ٧٣ - (١/ ٣٦) وفي إسناده إسحاق بن إدريس قال البخاري \"تركه الناس\". وقال ابن معين: \"يضع الحديث\"، ورواه الطبراني في المعجم الكبير ٥٣٠ - (٢٤/ ٢٠٧)، وابن الأثير في أسد الغابة (٧/ ٤٤)، من طريق إبراهيم بن حمزة الزبيري - وهي متابعة لإسحاق بن إدريس - عن إبراهيم بن جعفر، عن أبيه، به نحوه، وأورده في مجمع الزوائد (٢/ ١٤) وقال: ورجاله موثقون.\n_________\n[¬١]- زيادة من ز، خ:.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- ويقال: تويلة. ويقال: بديلة.\n[¬٤]- في ز: بيت.\n[¬٥]- في ز، خ: مستقبلون، والمثبت من تفسير ابن أبي حاتم.","vol":"1","page":268},{"text":"قال: \"أولئك قوم آمنوا بالغيب\".\nهذا حديث غريب من هذا الوجه.\nقال ابن عباس: ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ أي يقيمون الصلاة بفروضها.\nوقال الضحاك، عن ابن عباس: إقامة الصلاة إتمام [¬١] الركوع والسجود والتلاوة والخشوع والإقبال عليها فيها.\nوقال قتادة: إقامة الصلاة المحافظة على مواقيتها ووضوئها وركوعها وسجودها.\nوقال مقاتل بن حيان [¬٢]: إقامتها المحافظة على مواقيتها وإسباغ الطهور فيها، وتمام ركوعها وسجودها وتلاوة القرآن فيها، والتشهد والصلاة على النبي ﷺ، فهذا إقامتها. وقال علي بن أبي طلحة وغيره: عن ابن عباس: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ قال: زكاة أموالهم.\nوقال السدي عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة، عن ابن مسعود، وعن أناس من أصحاب رسول الله ﷺ: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ قال: [هي [¬٣]] نفقة الرجل على أهله، وهذا قبل أن تنزل الزكاة.\nوقال جوبير (^١٠٢) عن الضحاك: كانت النفقات قرباتٍ [¬٤] يتقربون بها إلى اللَّه تعالى على قدر ميسرتهم وجهدهم، حتى نزلت فرائض الصدقات سبع آيات في سورة براءة، مما يذكر فيهنّ الصدقات هنّ الناسخات المثبتات.\nوقال قتادة: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ فأنفغوا مما أعطاكم الله هذه الأموال، عواري وودائع عندك يا بن آدم؛ يوشك أن تفارقها.\nواختار ابن جرير أنّ الآية عامة في الزكاة والنفقات، فإنه قال: وأولى التأويلات وأحقها بصفة القوم أن يكونوا لجميع اللازم لهم في أموالهم، مؤدين زكاة كان ذلك أو نفقة من لزمته نفقته، من أهلٍ أو [¬٥] عيال وغيرهم، ممن يجب [¬٦] عليهم نفقته بالقرابة والملك وغير ذلك؛ لأنّ اللَّه تعالى عم\n_________\n(^١٠٢) - جويبر: تالف، وهو عند ابن جرير في تفسيره (٢٨٧).\n_________\n[¬١]- في خ: \"تمام\".\n[¬٢]- في خ: \"مقاتل بن حبان\".\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- في ز: قربانًا.\n[¬٥]- في ز، خ: \"و\".\n[¬٦]- في ز، خ: \"تجب\".","vol":"1","page":269},{"text":"وصفهم ومدحهم بذلك، وكل من الإنفاق والزكاة ممدوح به محمود عليه.\n(قلت): كثيرًا ما يقرن الله تعالى بين الصلاة والإنفاق من الأموال؛ فإن الصلاة حق الله وعبادته وهي مشتملة على توحيده والثناء عليه، وتمجيده والابتهال إليه، ودعائه والتوكل عليه، والإنفاق هو [] [¬١] الإحسان إلى المخلوقين بالنفع المتعدي إليهم، وأولى الناس بذلك القرابات والأهلون والمماليك ثم الأجانب، فكل من النفقات الواجبة والزكاة المفروضة داخل في قوله تعالى: ﴿ومما رزقناهم ينفقون﴾، ولهذا ثبت في الصحيحين (^١٠٣) عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: \"بُني الإسلام على خمس: شهادةِ أن لا إِله إلا الله، [وأن محمدًا رسول الله،] [¬٢] وإقام الصلاة، وإيتاءِ الزكاةِ، وصوم رمضان، وحج البيتِ الحرام [¬٣] \". والأحاديث في هذا كثيرة.\nوأصل الصلاة في كلام العرب: الدعاء، قال الأعشى:\nلها حارس لا يبرحُ الدّهر بيتها … وإن ذُبِحَت صلَّى عليها وَزَمْزَما\nوقال أيضًا [¬٤]:\nوقابلها الريح في دنها … وصلى على دنها وارتسم\nأنشدهما ابن جرير مستشهدًا على ذلك.\nوقال الآخر [وهو الأعشى أيضًا] [¬٥]:\nتقول بنتي [¬٦] وقد قَربتُ مرتحلًا … يارب جنِّب أبي الأوصابَ والوَجَعَا\nعليكِ مثلُ الذي صليت [¬٧] فاغتمضي … نومًا فإن لجِنَبِ المرء مُضطجعًا [¬٨]\nيقول: عليك من الدعاء مثل الذي دعوت [¬٩] لي، وهذا ظاهر. ثم استعملت الصلاة في الشرع في ذات الركوع والسجود والأفعال المخصوصة في الأوقات المخصوصة، بشروطها المعروفة، وصفاتها وأنواعها المشهورة.\n_________\n(^١٠٣) - صحيح البخاري في كتاب الإيمان، باب: دعاؤكم إيمانكم برقم (٨)، وصحيح مسلم كتاب الإيمان، برقم ١٩ - (١٦).\n_________\n[¬١]- في ن: من.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- زيادة في: خ.\n[¬٤]- في ز، خ: \"الآخر\".\n[¬٥]- سقط من ز.\n[¬٦]- في ز: بنيتي.\n[¬٧]- في م: \"ضليت\".\n[¬٨]- في خ: \"معتطجعًا\".\n[¬٩]- في ز، خ: \"دعيت\".","vol":"1","page":270},{"text":"قال ابن جرير: وأرى أن الصلاة الفروضة سميت صلاة؛ لأن المصلي يتعرض لاستنجاح طلبته من ثواب الله بعمله، مع ما يسأل ربه فيها [¬١] من حاجته [¬٢].\n[وقيل: هي مشتقة من الصلوين إذا تحركا في الصلاة عند الركوع والسجود، وهما عرقان يمتدان من الظهر حتى يكتنفا عجب الذنب.\nومنه سمي المصلي وهو التالي للسابق في حلبة الخيل، وفيه نظر.\nوقيل: هي مشتقة من الصلي وهو الملازمة للشيء من قوله تعالى: ﴿لا يصلاها﴾ أي لا يلزمها ويدوم فيها: ﴿إلا الأشقى﴾.\nوقيل: مشتقة من تصلية الخشبة في النار لتقوَّم، كما أن المصلي يقوَّم عوجه بالصلاة: ﴿إن الصلاة تنهَى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر﴾ واشتقاقها من الدعاء أصح وأشهر، والله أعلم] [¬٣].\nوأما الزكاة فسيأتي الكلام عليها في موضعه إن شاء الله تعالى.\n﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤)﴾\nقال ابن عباس (^١٠٤): ﴿والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك﴾ أي: يصدّقون بما جئت به من الله، وما جاء به من قبلك من المرسلين لا يفرّقون بينهم، ولا يجحدون ما جاءوهم به من ربهم.\n﴿وبالآخرة هم يوقنون﴾ أي بالبعث والقيامة، والجنة والنار، والحساب والميزان.\nوإنما سميت الآخرة؛ لأنها بعد الدنيا، وقد اختلف الفسرون في الموصوفين هاهنا هل هم الموصوفون بما تقدم من قوله تعالى: ﴿الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون﴾ ومن هم؟ على ثلاثة أقوال حكاها ابن جرير:\nأحدها أن الموصوفين أوّلًا هم الموصوفون ثانيا، وهم كل مؤمن، مؤمنو العرب ومؤمنو [¬٤] أهل الكتاب وغيرهم. قاله مجاهد وأبو العالية والربيع أنس وقتادة.\n_________\n(^١٠٤) - رواه ابن جرير (٢٨٩)، وابن أبي حاتم (٨٠) بإسنادٍ ضعيف.\n_________\n[¬١]- زيادة من خ.\n[¬٢]- في ز، خ: \"حاجاته\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- سقط من: خ.","vol":"1","page":271},{"text":"والثاني: هما واحد وهم مؤمنو أهل الكتاب.\nوعلى هذين تكون الواو عاطفة صفات على صفات كما قال تعالى: ﴿سبح اسم ربك الأعلى الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى والذي أخرج المرعى فجعله غثاء أحوى﴾.\nوكما قال الشاعر:\nإلى الملك القَرم وابن الهُمام … وليثِ الكتيبة [¬١] في المُزدَحَم\nفعطف الصفات بعضها على بعض، والموصوف واحد.\nوالثالث: أن الموصوفين أوّلًا مؤمنو العرب، والموصوفون ثانيًا بقوله: ﴿والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك﴾. الآية مؤمنو [¬٢] أهل الكتاب. نقله السدي في تفسيره عن ابن عباس، وابن مسعود، وأناس من الصحابة [¬٣]، واختاره ابن جرير ﵀ ويستشهد لما قال بقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ﴾ الآية. وبقوله تعالى: ﴿وَإِذَا يُتْلَى عَلَيهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (٥٣) أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَينِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾، وبما [¬٤] ثبت في الصحيحين (^١٠٥) من حديث الشعبي، عن أبي بردة، عن أبي موسى، أن رسول الله ﷺ قال: \"ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين: رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وآمن بي، ورجل مملوك أدَّى حق الله وحق مواليه، ورجل أدب جاريته فأحسن تأديبها ثم أعتقها وتزوجها\".\nوأما ابن جرير فما استشهد على صحة ما قال إلا بمناسبة، وهي أن الله تعالى وصف في أول هذه السورة المؤمنين والكافرين، فكما أنه صنف الكافرين إلى صنفين: كافر، ومنافق، فكذلك المؤمنون صنفهم إلى صنفين: عربي، وكتابي.\n(قلت): والظاهر قول مجاهد، فيما رواه الثوري عن رجل، عن مجاهد. ورواه غير واحد عن ابن أبي نجيح عن مجاهد، أنه قال: أربع آيات من أوّل [¬٥] سورة البقرة في نعت المؤمنين، وآيتان في نعت الكافرين، وثلاث عشرة في المنافقين.\n_________\n(^١٠٥) - صحيح البخاري، كتاب العلم، باب: تعليم الرجل أمته وأهله رقم (٩٧) وصحيح مسلم، كتاب الإيمان برقم ٢٤١ - (١٥٤) بمعناه.\n_________\n[¬١]- في ز: الكثيبة.\n[¬٢]- في ز، خ: \"لمؤمنى\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"أصحابه\".\n[¬٤]- سقط من: خ.\n[¬٥]- سقط من ز.","vol":"1","page":272},{"text":"فهذه الآيات الأربع عامة [¬١] في كل مؤمن اتصف بها من عربي وعجمي، وكتابي من إنسي وجني، وليس تصح واحدة من هذه الصفات بدون الأخرى، بل كل واحدة مستلزمة للأخرى وشرط معها، فلا يصح الإيمان بالغيب وإقام الصلاة والزكاة إلا مع الإيمان بما جاء به الرسول [ﷺ] وما جاء به من قبله من [الرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين] [¬٢] والإيقان بالآخرة، كما أنّ هذا لا يصح إلا بذاك.\nوقد أمر الله تعالى المؤمنين بذلك، كما قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ﴾. الآية. وقال تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَينَا وَأُنْزِلَ إِلَيكُمْ﴾. الآية وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [¬٣]؛ آمنوا بما نزلنا مصدّقًا لما معكم﴾. وقال تعالى: ﴿قل يا أهل الكاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليكم من ربكم﴾. وأخبر تعالى عن المؤمنين كلهم [¬٤] بذلك فقال تعالى: ﴿آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبة ورسله [لا نفرق بين أحد من رسله] [¬٥]﴾ وقال تعالى: ﴿والذين آمنوا بالله ورسله ولم يفرّقوا بين أحد منهم أولئك سوف نؤتيهم أجورهم﴾. إلى [¬٦] غير ذلك من الآيات الدالة على أمر جميع المؤمنين بالإيمان باللَّه ورسله وكتبه.\nلكن لمؤمني أهل الكتاب خصوصية، وذلك أنهم يؤمنون بما بأيديهم [¬٧] مفصلًا، فإذا دخلوا في الإسلام وآمنوا به مفصلًا كان لهم على ذلك الأجر مرتين، وأما غيرهم فإنما يحصل له الإيمان بما تقدم مجملًا. كما جاء في الصحيح (^١٠٦): \" إذا حدّثكم أهل الكتاب [فلا تكذبوهم ولا تصدّقوهم] [¬٨]، و[لكن] [¬٩] قولوا: آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم\".\n_________\n(^١٠٦) - صحيح البخاري، كتاب التفسير، باب: ﴿قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا﴾ برقم (٤٤٨٥) وانظر (٧٣٦٢، ٧٥٤٢) من حديث أبي هريرة، ﵁، وليس في واحدٍ منهم \"إذا حدثكم أهل الكتاب\"، ولفظ: كان أهل الكتاب يقرؤن التوراة بالعبرانية، ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام، فقال رسول الله، ﷺ: \"لا تصدقوا أهل الكتاب، ولا تكذبوهم ﴿وقولوا آمنا بالله﴾ الآية. وروى أبو داود نحوه برقم (٣٦٤٤) من حديث أبي نملة ﵁ وكذلك أحمد (٤/ ١٣٦)، وعبد الرزاق (١١/ ٢٠٠٥٩)، وابن حبان (١١٠ موارد).\n_________\n[¬١]- في ن: عامات.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ر، خ.\n[¬٣]- في ز، خ: \"يا أهل الكتاب\".\n[¬٤]- سقط من: خ.\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- في ز، خ: و\n[¬٧]- في خ: \"في أيديهم\".\n[¬٨]- في ز، خ: \"فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم\".\n[¬٩]- سقط من: ز، خ.","vol":"1","page":273},{"text":"ولكن قد يكون إيمان كثير من العرب بالإسلام [الذي] [¬١] بعث به محمد ﷺ أتم وأكمل وأعم وأشمل من إيمان من دخل منهم في الإسلام، فهم وإن حصل لهم أجران من تلك الحيثية، فغيرهم [قد] [¬٢] يحصل له من التصديق ما ينيف ثوابه على الأجرين اللذين حصلا لهم، والله أعلم.\n﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥)﴾\nيقول الله تعالى ﴿أولئك﴾ أي المتصفون بما تقدّم من الإيمان بالغيب وإقام الصلاة، والإنفاق من الذي رزقهم الله، والإيمان بما أنزل الله [¬٣] إلى الرسول ومن قبله من الرسل، والإيقان بالدار الآخرة، وهو يستلزم الاستعداد لها من الأعمال الصالحة وترك المحرّمات- ﴿على هدى﴾ أي: على [¬٤] نور وبيان وبصيرة من الله تعالى. ﴿وأولئك هم المفلحون﴾ أي في الدنيا والآخرة.\nوقال محمد بن إسحاق عن محمد بن أبي محمد (^١٠٧)، عن عكرمة -أو سعيد بن جبير- عن ابن عباس: ﴿أولئك على هدى من ربهم﴾ أي: على نور من ربهم، واستقامة على ما جاءهم به [¬٥]. ﴿وأولئك هم المفلحون﴾. أي الذين أدركو ما طلبوا، ونجوا من شرّ ما منه هربوا.\nوقال ابن جرير (^١٠٨): وأمّا معنى قوله تعالى: ﴿أولئك على هدى من ربهم﴾ فإن معنى ذلك: أنهم [¬٦] على نور من ربهم وبرهان واستقامة وسداد بتسديده [¬٧] إياهم وتوفيقه لهم.\nوتأويل قوله تعالى: ﴿وأولئك هم المفلحون﴾ أي المنجحون المدركون ما طلبوا عند الله بأعمالهم وإيمانهم بالله وكتبه ورسله، من الفوز بالثواب، والخلود في الجنات، والنجاة مما أعدّ الله لأعدائه من العقاب.\nوقد حكى ابن جرير قولًا عن بعضهم أنه أعاد اسم الإشارة في قوله تعالى: ﴿أولئك على\n_________\n(^١٠٧) - محمد بن أبي محمد: قال الذهبي في الميزان (٤/ ٢٦): لا يعرف، وهو عند ابن جرير (٢٩٣، ٢٩٤)، وابن أبي حاتم (٨٤، ٨٨).\n(^١٠٨) - تفسير ابن جرير (١/ ٢٤٩).\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- زيادة من ز.\n[¬٣]- سقط من ز.\n[¬٤]- سقط من ز.\n[¬٥]- سقط من: خ.\n[¬٦]- في م: \"فإنهم\".\n[¬٧]- في ز: بتسدسد الله.","vol":"1","page":274},{"text":"هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون﴾ إلى مؤمنى أهل الكتاب الموصوفين بقوله تعالى [¬١]: ﴿والذين يؤمنون بما أنزل إليك﴾. الآية.\nعلى ما تقدم من الخلاف.\n[] [¬٢]: وعلى هذا فيجوز أن يكون قوله تعالى ﴿والذين يؤمنون بما أنزل إليك﴾ منقطعًا [¬٣] مما [¬٤] قبله، وأن يكون [¬٥] مرفوعًا على الابتداء وخبره ﴿[أولئك على هدًى من ربهم] [¬٦]﴾ ﴿أولئك هم المفلحون﴾. واختار أنه عائد إلى [¬٧] جميع من تقدم ذكره من مؤمني العرب وأهل الكتاب؛ لما رواه السدّي عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرّة الهمداني، عن ابن مسعود، وعن أناس من أصحاب رسول الله ﷺ: أما الذين يؤمنون بالغيب، فهم المؤمنون من العرب والذين يؤمنون بما أنزل إليك [وما أنزل من قبلك هم] [¬٨] المؤمنون من أهل الكتاب، ثم جمع الفريقين فقال: ﴿أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون﴾.\nوقد تقدّم من الترجيح أنّ ذلك صفة للمؤمنين [¬٩] عامّة، والإشارة عائدة عليهم، والله أعلم.\nوقد نقل هذا عن مجاهد وأبي العالية والرّبيع بن أنس وقتادة، ﵏.\nوقال ابن أبي حاتم (^١٠٩): حدَّثنا أبي، حدَّثنا يحيى بن عثمان بن صالح المصري، حدَّثنا أبي، حدثنا ابن لهيعة، حدّثني عبيد الله بن المغيرة، عن أبي الهيثم -واسمه سليمان بن عمرو [¬١٠]- عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ وقيل له: يا رسول الله! إنا نقرأ من القرآن فنرجو، ونقرأ من القرآن فنكاد أن نيأس -أو كما قال- قال: فقال: \"أفلا [¬١١] أخبركم عن أهل الجنة وأهل النار؟ \" قالوا: بلى يا رسول الله، قال: ﴿الم * ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين﴾ إلى -قوله تعالى- ﴿المفلحون﴾ هؤلاء أهل الجنة\". قالوا: إنا نرجو أن نكون\n_________\n(^١٠٩) - تفسير ابن أبي حاتم ٨٦ - (١/ ٤٠). وفي إسناده ابن لهيعة، وهو متكلم فيه. وعثمان بن صالح المصري: أورد له الذهبي (٣/ ٤٠) في الميزان حديثين، ثم نقل عن أبي حاتم قوله: هذا كذب. وقال الذهبي: صدوق، لينه أحمد بن صالح المصري؛ فإن أحمد بن صالح قال: دعه، دعه.\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- في ز قال.\n[¬٣]- في ز: متقطعًا.\n[¬٤]- في خ: \"عما\".\n[¬٥]- سقط من ز.\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من ت.\n[¬٧]- في ز: على.\n[¬٨]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٩]- في ز: للمؤمنين.\n[¬١٠]- في ز، خ: \"عبدٍ\".\n[¬١١]- في ز، خ: \"ألا\".","vol":"1","page":275},{"text":"هؤلاء. ثم قال: \" ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيهِمْ﴾ إلى قوله ﴿عظيم﴾ هؤلاء أهل النار\".\nقالوا لسنا هم يا رسول الله. قال: \"أجل\".\nإِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٦)﴾\nيقول تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي غطوا الحق [¬١] وستروه، وقد كتب الله تعالى عليهم ذلك، سواء عليهم إنذارُك وعدمُه، فإنهم لا يؤمنون بما جئتهم، به. كما قال تعالى: ﴿إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم﴾ وقال تعالى: في حق المعاندين من أهل الكتاب: ﴿ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك﴾. الآية. أي إن من كتب الله عليه الشقاوة فلا مُسْعِدَ له، ومن أضله فلا هادي له، فلا تذهب نفسك عليهم حسرات، وبلغهم الرسالة، فمن استجاب لك فله الحظ الأوفر، ومن تولى فلا تحزن عليهم [ولا يهمنك ذلك] [¬٢] ﴿فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب﴾ و﴿إنما أنت نذير والله على كل شيء وكيل﴾.\nوقال علي [¬٣] بن أبي طلحة: عن ابن عباس (^١١٠) في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٦)﴾ قال: كان رسول الله ﷺ يحرصُ أن يؤمن جميع الناس ويتابعوه على الهدى، فأخبره الله تعالى أنه لا يؤمن إلا من سبق له من الله السعادة في الذكَر الأول، ولا يضل إلا من سبق له من الله الشقاوة [¬٤] في الذكر الأول.\nوقال محمد بن إسحاق: حدّثني محمد بن أبي محمد (^١١١)، عن عكرمة -أو سعيد بن جبير- عن ابن عباس: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي بما أنزل إليك، وإن قالوا: إنا قد آمنا بما جاءنا قبلك ﴿سَوَاءٌ عَلَيهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾. أي: إنهم قد كفروا بما عندهم من ذكرك، وجحدوا ما أخذ عليهم من الميثاق، وقد كفروا بما جاءك وبما عندهم مما جاءهم به غيرك، فكيف يسمعون منك إنذارًا وتحذيرًا وقد كفروا بما عندهم من علمك.\nوقال أبو [¬٥] جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية قال: نزلت هاتان الآيتان في\n_________\n(^١١٠) - رواه ابن جرير (٢٩٧)، والبيهقي (١٤٦) في الأسماء والصفات، والطبراني (١٢/ ١٣٠٢٥)، وسنده ضعيف لانقطاعه.\n(^١١١) - محمد بن أبي محمد: مجهول، والأثر عند ابن جرير في تفسيره (٢٩٥)، وابن أبي حاتم (٩٢).\n_________\n[¬١]- في ز: الكفر.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٣]- سقط من: خ.\n[¬٤]- في ز: الشقاء.\n[¬٥]- في ز: ابن.","vol":"1","page":276},{"text":"قادة الأحزاب، وهم الذين قال الله فيهم: ﴿ألم تر إلى الذين بدّلوا نعمةَ اللَّه كفرًا وأحلوا قومهم دار البوار [جهنم يصلونها] [¬١]﴾ والمعنى الذي ذكرناه أوّلا، وهو المروي عن ابن عباس في رواية علي [¬٢] ابن أبي طلحة- أظهر، ويفسر ببقية الآيات التي في معناها والله أعلم.\nوقد ذكر ابن أبي حاتم (^١١٢) هاهنا حديثًا، فقال: حدثنا أبي، حدَّثنا يحيى بن عثمان بن صالح المصري، حدثنا أبي، حدَّثنا ابن لهيعة، حدثني عبيد الله [¬٣] بن المغيرة، عن أبي الهيثم، عن عبد الله بن عمرو، قال: قيل: يا رسول الله! إنا نقرأ من القرآن نرجو [¬٤]، ونقرأ فنكاد أن نيأس. فقال: \"ألا أخبركم\". ثم قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ [¬٥] أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ هؤلاء أهل النار\". قالوا: لسنا هم يا رسول اللَّه؟ قال: \"أجل\".\n[وقوله تعالى ﴿لا يؤمنون﴾ محله من الإعراب أنه جملة مؤكدة للتي قبلها.\n﴿سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم﴾ أي هم كفار في كلا الحالين؛ فلهذا أكد ذلك بقوله تعالى: ﴿لا يؤمنون﴾، ويحتمل أن يكون لا يؤمنون خبرًا لأنّ تقديره. إن الذين كفروا لا يؤمنون، ويكون قوله تعالى: ﴿سَوَاءٌ عَلَيهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ جملة معترضة والله أعلم] [¬٦].\nخَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٧)﴾\nقال السدّي: ختم الله؛ أي: طبع الله.\nوقال قتادة في هذه الآية: استحوذ عليهم الشيطان إذ أطاعوه، فختم الله على قلوبهم، وعلى سمعهم، وعلى أبصارهم غشاوة، فهم لا يبصرون هدًى، ولا يسمعون ولا يفقهون ولا يعقلون.\nوقال ابن جريج (^١١٣): قال مجاهد: ﴿ختم الله على قلوبهم﴾ قال: [نبئت أن] [¬٧]\n_________\n(^١١٢) - تفسير ابن أبي حاتم ٩١ - (١/ ٤٢). وإسناده ضعيف.\n(^١١٣) - تفسير ابن جرير (١/ ٢٥٩). ونقل العلائي في جامع التحصيل: قال ابن الجنيد: سألت يحيى بن معين سمع ابن جريج من مجاهد؟ قال: في حرف أو حرفين في القراءة لم يسمع غير ذلك، وكذلك قال البرديجي.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في ز، خ: عبد الله. والمثبت من تفسير ابن أبي حاتم.\n[¬٤]- في ت: \"فنرجوا\".\n[¬٥]- في ز: أنذرتهم.\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٧]- في ز: الطبع ينبت، والمثبت من تفسير الطبري.","vol":"1","page":277},{"text":"الذنوب على القلب تحف [¬١] به من كل نواحيه حتى تلتقي عليه، فالتقاؤها عليه الطبع، والطبع الختم. قال ابن جريج: الختم على القلب والسمع.\nقال ابن جريج: وحدّثني عبد الله بن كثير أنه سمع مجاهدًا يقول: الران أيسر من الطبع، والطبع أيسر من الإقفال، والإقفال أشد من [¬٢] ذلك كله.\nوقال الأعمش: أرانا مجاهد بيده، فقال: كانوا يرون أن القلب في مثل هذه [¬٣]-يعني الكف، فإذا أذنب العبد ذنبًا ضم منه، وقال بأصبعه الخنصر هكذا، فإذا أذنب ضم، وقال بإصبع أخرى، فإذا أذنب ضم، وقال بأصبع أخرى هكذا، حتى ضم أصابعه كلها، [قال: ثم] [¬٤] يطبع عليه بطابع.\n[وقال مجاهد] [¬٥]: كانوا يُرَون أنّ ذلك الرين [¬٦]. ورواه ابن جرير عن أبي كريب، عن وكيع، عن الأعمش، عن مجاهد، بنحوه.\nقال ابن جرير: وقال بعضهم: إنما معنى قوله تعالى: ﴿ختم الله على قلوبهم﴾ إخبار من الله عن تكبرهم وإعراضهم عن الاستماع لما دُعوا إليه من الحق، كما يقال: إن فلانًا لأصم عن هذا الكلام، إذا امتنع من سماعه، ورفع نفسه عن تفهمه تكبرًا.\nقال: وهذا لا يصح؛ لأن الله تعالى قد أخبر أنه هو الذي ختم على قلوبهم وأسماعهم.\n[(قلت): وقد أطنب الزمخشري (^١١٤) في تقرير ما ردّه ابن جرير هاهنا، وتأوّل الآية من خمسة أوجه وكلها ضعيفة جدًّا، وما جرّأه على ذلك إلا اعتزاله؛ لأنّ الختم على قلوبهم ومنعها من وصول الحق إليها قبيح عنده، يتعالى الله عنه في اعتقاده، ولو فهم قوله تعالى: ﴿فما زاغوا أزاغ الله قلوبهم﴾، وقوله: ﴿ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أوّل مرّة ونذرهم في طغيانهم يعمهون﴾، وما أشبه ذلك من الآيات الدالة على أنه تعالى إنما ختم على قلوبهم، وحال بينهم وبين الهدى جزاء وفاقًا على تماديهم في الباطل وتركهم الحق، وهذا عدل منه تعالى حسن وليس بقبيح، فلو أحاط علمًا بهذا لما قال ما قال، والله أعلم.\nقال القرطبي: وأجمعت الأمّة على أن الله ﷿ قد وصف نفسه بالختم والطبع على قلوب\n_________\n(^١١٤) - تفسير الزمخشري (١/ ٢١).\n_________\n[¬١]- في ز: فتحف، والمثبت من تفسير الطبري.\n[¬٢]- سقط من ز.\n[¬٣]- في ز: هذا.\n[¬٤]- في خ: ثم قال.\n[¬٥]- في ز: قال مجاهد: و.\n[¬٦]- في خ: \"الدين\".","vol":"1","page":278},{"text":"الكافرين مجازاة لكفرهم، كما قال: ﴿بل طبع الله عليها بكفرهم﴾. وذكر حديث تقليب القلوب (^١١٥): و\"يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك\" (^١١٦)، وذكر حديث حذيفة الذي في الصحيح (^١١٧)، عن رسول الله ﷺ قال: \"تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودًا عودًا، فأي قلب أشربها نكت فيه نكتة سوداء، وأي قلب أنكرها نكت فيه نكتة بيضاء، حتى تصير على قلبين، على أبيض مثل الصفا (*) فلا تضره فتنة ما دامت السمواتُ والأرض، والآخر أسود مربادًا كالكوز مُجخيًّا، لا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا\" الحديث] [¬١].\nقال [ابن جرير (^١١٨)] [¬٢]: والحق عندي في ذلك ما صح بنظيره الخبر عن رسول الله ﷺ، وهو ما حدَّثنا به محمد بن بشار، حدَّثنا صفوان بن عيسى، حدَّثنا ابن عجلان، عن القعقاع، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"إنّ المؤمن إذا أذنب ذنبًا كانت نكتة سوداء في قلبه، فإن تاب ونزع واستعتب [¬٣] صقل قلبه وإن زاد زادت حتى تعلو قلبه، فذلك الران الذي قال الله تعالى: ﴿كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون﴾.\n_________\n(^١١٥) - يعني حديث أبي موسى الأشعري مرفوعًا: \"مثل القلب مثل ريشة يقلبها الرياح بفلاةٍ\"، رواه أحمد (١٩٧١٦) من حديث عفان، ثنا عبد الواحد بن زياد، ثنا عاصم الأحول، عن أبي كبشة، قال: سمعت أبا موسى يقول على المنبر: قال رسول الله، ﷺ، فذكره، ورواه ابن ماجه (٨٨)، وابن أبي عاصم في السنة (٢٢٨) كلاهما من طريق يزيد الرقاشي: -وهو ضعيف- عن غنيم بن قيس، عن أبي موسى مرفوعًا، ورواه أحمد (١٩٨١١) (٤/ ٤١٩)، وعبد بن حميد (٥٣٥)، وابن أبي عاصم في السنة (١/ ١٠٢) حديث (٢٢٧)، والبغوى في شرح السنة (١/ ١٦٤) (٨٧) من حديث يزيد بن هارون، عن الجريري، عن غنيم بن قيس، عن أبي موسى مرفوعًا، وقال أحمد: ولم يرفعه إسماعيل، عن الجريري. وقال الألباني في تعليقه على السنة: إسناده صحيح، رجاله كلهم ثقات، على شرط مسلم.\n(^١١٦) - رواه النسائي في الكبرى (٤/ ٤١٤)، وابن ماجه (١٩٩)، وأحمد (٤/ ١٨٢)، وابن أبي عاصم في السنة (٢١٩، ٢٣٠)، وابن حبان (٢٤١٩) موارد، والحاكم (٢/ ٢٨٩، ٤/ ٣٢١)، والطبراني في الدعاء (١٢٦٢).\n(^١١٧) حديث حذيفة رواه مسلم في الإيمان ٢٣١ - (١٤٤)، وأحمد (٥/ ٣٨٦، ٤٠٥).\n(*) - قال القاضي عياض ﵀: ليس تشبيهه للصفا بيانًا لبياضه، لكن لصفة أخرى: لشدته على عقد الإيمان وسلامته من الخلل، وأن الفتن لم تلصق به، ولم تؤثر فيه، كالصفا، وهو الحجر الأملس الذي لا يعلق به شيء.\n(^١١٨) - تفسير ابن جرير ٣٠٤ - (١/ ٢٦٠)، ورواه أحمد ٧٩٣٩ - (٢/ ٢٩٧)، ورواه الحاكم (٢/ ٥١٧).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في الطبري: واستغفر.","vol":"1","page":279},{"text":"وهذا الحديث من هذا الوجه قد رواه الترمذي والنسائي (^١١٩)، عن قتيبة، عن الليث بن سعد وابن ماجة عن هشام بن عمار، عن حاتم بن إسماعيل والوليد بن مسلم، ثلاثتهم عن محمد بن عجلان، به.\nوقال الترمذي: حسن صحيح.\nثم قال ابن جرير: فأخبر رسول [¬١] الله ﷺ: أنّ الذنوب إذا تتابعت على القلوب أغلقتها، وإذا أغلقتها أتاها حينئذ الختم من قِبل الله تعالى والطبع، فلا يكون للإيمان إليها مسلك، ولا للكفر عنها [¬٢] مخلص، فذلك هو الختم والطبع الذي ذكر [¬٣] في قوله تعالى: ﴿ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم﴾ نظير الطبع والختم على ما تدركه الأبصار من الأوعية والظروف التي لا يوصل إلى ما فيها إلا بفض ذلك عنها ثم حلها، فكذلك لا يصل الإيمان إلى قلوب من وصف الله أنه ختم على قلوبهم وعلى سمعهم إلا بعد فض خاتمه وحله رباطها عنها.\nوأعلم أنّ الوقف التام على قوده تعالى: ﴿ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم﴾ وقوله: ﴿وعلى أبصارهم غشاوة﴾ جملة تامة؛ فإنّ الطبع يكون على القلب وعلى السمع، والغشاوة - وهي الغطاء - تكون على البصر، كما قال السدي في تفسيره عن أبي مالك وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة الهمداني، عن ابن مسعود، وعن أناس من أصحاب رسول [¬٤] الله ﷺ (^١٢٠) في قوله: ﴿ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم﴾ [] [¬٥] يقول: فلا يعقلون ولا يسمعون، يقول وجعل على أبصارهم غشاوة، يقول: على أعينهم فلا يبصرون.\nوقال ابن جرير (^١٢١): حدّثني محمد بن سعد، حدَّثنا أبي، حدّثني عمي الحسين بن الحسن،\n_________\n(^١١٩) - الترمذي في التفسير، باب: ومن سورة ويل للمطففين برقم (٣٣٣٤)، والنسائي في الكبرى برقم (١١٦٥٨)، وابن ماجة في الزهد، باب: ذكر الذنوب برقم (٤٢٤٤)، وابن حبان (١٧٧١ موارد)، والحاكم (٢/ ٥١٧)، والبيهقي (١٠/ ١٨٨) وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وصححه الحاكم على شرط مسلم.\n(^١٢٠) - رواه ابن جرير (٣٠٨)، ورواه ابن أبي حاتم (٩٥) موقوفًا على السدي.\n(^١٢١) - ضعيف، والحديث في تفسير ابن جرير ٣٠٥ - (١/ ٢٦٣). وهذا إسناد مسلسل بالضعفاء، محمد بن سعد بن محمد بن الحسن بن عطية العوفي: لين، وأبوه سعد بن محمد بن الحسن ضعيف جدًّا. والحسين بن الحسن بن عطية ضعيف كذلك. والحسن بن عطية ضعيف أيضًا، وكذلك عطية بن سعد العوفي.\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- في ز، خ: \"منها\".\n[¬٣]- في خ: \"النبي\".\n[¬٤]- في ز: ذكره الله.\n[¬٥]- في خ: و.","vol":"1","page":280},{"text":"عن أبيه، عن جدّه، عن ابن عباس ﴿ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم﴾، والغشاوة على أبصارهم.\nوقال (^١٢٢) و[¬١] حدَّثنا القاسم، حدَّثنا الحسين -يعني ابن داود وهو سنيد- حدثني حجاج - وهو ابن محمد الأعور - حدّثني ابن جريج قال: الختم على القلب والسمع، والغشاوة على البصر، قال الله تعالى: ﴿فإن يشأ الله يختم على قلبك﴾، وقال: ﴿وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة﴾.\nقال ابن جرير: ومن نصب غشاوة من قوله تعالى: ﴿وعلى أبصارهم غشاوة﴾، فيحتمل [¬٢] أنه نصبها بإضمار فعل، تقديره: وجعل على أبصارهم غشاوة، ويحتمل أن يكون نصبها على الإتباع على محل: ﴿وعلى سمعهم﴾ كقوله تعالى: ﴿وحور عين﴾ وقول الشاعر:\nعَلَفْتُها [¬٣] تبنًا وماء باردًا … حتى شَتَتْ هَمَّالةً عيناها\nوقال [¬٤] الآخر:\nورأيت زَوْجَكِ في الوغى … متقلِّدًا سيفًا ورُمْحا\nتقديره: وسقيتها ماء باردًا، ومعتقلًا رمحًا.\nلما تقدّم وصف المؤمنين في صدر السورة بأربع آيات، ثم عرف حال الكافرين بهاتين الآيتين، شرع تعالى في بيان حال المنافقين الذين يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر، ولما كان أمرهم يشتبه على كثير من الناس أطنب في ذكرهم بصفات متعدّدة، كلٌّ منها نفاق، كما أنزل سورة براءة فيهم، وسورة المنافقين فيهم، وذكرهم في سورة النور وغيرها من السور؛ تعريفًا لأحوالهم لتجتنب، ويجتنب من تلبس بها أيضًا فقال تعالى:\n﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (٨) يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إلا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (٩)\nالنفاق: هو إظهار الخير وإسرار الشر، وهو أنواع: اعتقادي: وهو الذي يخلد صاحبه في النار، وعملي: وهو من أكبر الذنوب، كما سيأتي تفصيله في موضعه، إن شاء الله تعالى، وهذا\n_________\n(^١٢٢) - تفسير ابن جرير ٣٠٦ - (١/ ٢٦٥).\n_________\n[¬١]- زيادة من: ز، خ.\n[¬٢]- في ت: \"يحتمل\".\n[¬٣]- في ز: فَعَلَفْتُها.\n[¬٤]- في ز: وقول.","vol":"1","page":281},{"text":"كما قال ابن جريج: المنافق يخالف قوله فعله، وسره علانيته، ومدخله مخرجه، ومشهده مَغِيبهُ.\nوإنما نزلت صفات المنافقين في السور المدنية؛ لأنّ مكة لم يكن فيها نفاق بل كان خلافه، من الناس من كان يظهر الكفر مُسْتَكْرَهًا وهو في الباطن مؤمن، فلما هاجر رسول الله صلى الله تعالى [¬١] عليه وعلى آله [¬٢] وسلم إلى المدينة، وكان بها الأنصار من الأوس والخزرج، وكانوا في جاهليتهم يعبدون الأصنام، على طريقة مشركي العرب، وبها اليهود من أهل الكتاب على طريقة أسلافهم، وكانوا ثلاث قبائل؛ بنو قينقاع حلفاء الخزرج، وبنو النضير وبنو قريظة حلفاء الأوس، فلما قدم رسول الله ﷺ المدينة، وأسلم من أسلم من الأنصار من قبيلتي الأوس والخزرج، وقل من أسلم من اليهود إلا عبد الله بن سلام ﵁، ولم يكن إذ ذاك نفاق أيضًا؛ لأنه لم يكن للمسلمين بعد شوكة تخاف، بل قد كان ﵊ وَادَعَ اليهود وقبائل كثيرة من أحياء العرب حوالي المدينة، فلما كانت وقعة بدر العظمى وأظهر الله كلمته وأعلى [¬٣] الإسلام وأهله، قال عبد الله بن أبي ابن سلول، وكان رأسًا في المدينة، وهو من الخزرج وكان سيد الطائفتين في الجاهلية، وكانوا قد عزموا على أن يملكوه عليهم، فجاءهم الخيرُ وأسلموا واشتغلوا عنه، فبقي في نفسه من الإسلام وأهله، فلما كانت وقعة بدر- قال: هذا أمر قد تَوَجَّه. فأظهر الدخول في الإسلام، ودخل معه طوائف ممن هو على طريقته ونِحلته وآخرون من أهل الكتاب، فمن ثَمَّ وجد النفاق في أهل المدينة ومن حولها من الأعراب، فأمّا المهاجرون فلم يكن فيهم أحد [نافق]، لأنه لم يكن أحد يهاجر مُكْرَهًا، بل يهاجر فيترك [¬٤] ماله وولده وأرضه رغبة فيما عند الله في الدار الآخرة.\nقال محمد بن إسحاق: حدّثني محمد بن أبي محمد (^١٢٣)، عن عكرمة -أو سعيد بن جبير- عن ابن عباس: ﴿ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين﴾ يعني المنافقين من الأوس والخزرج ومن كان على أمرهم. وكذا فسرها بالمنافقين [من الأوس والخزرج] [¬٥] أبو العالية والحسن وقتادة والسدّي.\nولهذا نبَّه الله سبحانه على صفات المنافقين؛ لئلا يغتر بظواهر [¬٦] أمرهم المؤمنون، فيقع بذلك فساد عريض من عدم الاحتراز منهم، ومن اعتقاد إيمانهم، وهم كفار في نفس الأمر، وهذا من المحذورات الكبار أن يظن بأهل الفجور خير، فقال تعالى: ﴿ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين﴾ أي يقولون ذلك قولًا ليس وراءه شيء آخر، كما قال تعالى:\n_________\n(^١٢٣) - محمد بن أبي محمد مجهول، وهو عند ابن جرير (٣١٢)، وابن أبي حاتم (١٠٤).\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٣]- في ت: \"وأعز\"\n[¬٤]- في ز: ويترك.\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ\n[¬٦]- في ز: بظاهر.","vol":"1","page":282},{"text":"﴿إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله [والله يعلم إنك لرسوله] [¬١]﴾ أي: إنما يقولون [¬٢] ذلك إذا جاءوك فقط، لا في نفس الأمر، ولهذا يؤكدون في [¬٣] الشهادة بإن ولام التأكيد في خبرها. كما أكدوا قولهم: آمنا بالله وباليوم الآخر، وليس الأمر كذلك، كما [كذبهم الله] [¬٤] في شهادتهم، وفي خبرهم هذا بالنسبة إلى اعتقادهم، بقوله تعالى: ﴿والله يشهد إن المنافقين لكاذبون﴾، وبقوله: ﴿وما هم بمؤمنين﴾.\nوقوله تعالى: ﴿يخادعون الله والذين آمنوا﴾ أي بإظهارهم ما أظهروه من الإيمان مع إسرارهم الكفر، يعتقدون بجهلهم أنهم يخدعون الله بذلك، وأنّ ذلك نافعهم عنده، وأنه يروج عليه كما قد يروج على بعض المؤمنين، كما قال تعالى: ﴿يوم يبعثهم الله جميعًا فيحلفون له كما يحلفون لكم ويحسبون أنهم على شيء ألا إنهم هم الكاذبون﴾. ولهذا قابلهم على اعتقادهم ذلك بقوله: ﴿وما يخدعون [¬٥] إلا أنفسهم وما يشعرون﴾. يقول: وما يغرّون بصنيعهم هذا ولا يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون بذلك من أنفسهم، كما قال تعالى: ﴿إنّ المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم﴾.\nومن القرّاء من قرأ: ﴿وما يخدعون [¬٦] إلا أنفسهم﴾ وكلا القراءتين ترجع إلى معنى واحد.\nقال ابن جرير: فإن قال قائل: كيف يكون المنافق لله وللمؤمنين مخادعًا وهو لا يظهر بلسانه خلاف ما هو له معتقد إلا تقية؟.\nقيل: لا تمتنع العرب من أن تسمي من أعطى بلسانه غير الذي في ضميره تقية لينجو مما هو له خائف مخادعًا، فكذلك المنافق سُمي مخادعًا لله وللمؤمنين، بإظهاره ما أظهره [¬٧] بلسانه تقية، بما يخلص [¬٨] به من القتل والسبي [¬٩] والعذاب العاجل، وهو لغير ما أظهره [¬١٠] مستبطن وذلك من فعله - وإن كان خداعًا للمؤمنين في عاجل الدنيا - فهو لنفسه بذلك من فعله خادعٌ؛ لأنه يظهر لها بفعله ذلك بها أنه يعطيها أمنيتها، ويسقيها كأس سرورها، وهو موردها [] [¬١١] حياض عطبها، ومجرعها به كأس عذابها، ومُزيرُها من غضب الله وأليم عقابه ما لا قبَلَ لها به، فذلك خديعته نفسه ظنًّا منه - مع إساءته إليها في أمر معادها - أنه [¬١٢] إليها محسن، كما قال تعالى:\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في ز: نقول.\n[¬٣]- زيادة من: ز، خ.\n[¬٤]- في ز: أكذبهم.\n[¬٥]- في ز، خ: \"يخادعون\".\n[¬٦]- في ت: \"يخادعون\".\n[¬٧]- في ز، خ: \"أظهر\".\n[¬٨]- في ز، خ: \"تخلص\".\n[¬٩]- في ز، خ: \"السبا\".\n[¬١٠]- في ز: أظهر.\n[¬١١]- في تفسير الطبري به.\n[¬١٢]- في خ: \"أن\".","vol":"1","page":283},{"text":"﴿وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون﴾ إعلامًا منه عباده المؤمنين أنّ المنافقين بإساءتهم إلى أنفسهم في إسخاطهم عليها ربهم بكفرهم وشكهم وتكذيبهم غير شاعرين ولا دارين، ولكنهم على عمياء [¬١] من أمرهم مقيمون.\nوقال ابن أبي حاتم (^١٢٤): أنبأنا علي بن المبارك [فيما كتب إلي، حدثنا زيد بن المبارك] [¬٢]، حدثنا محمد بن ثور، عن ابن جريج في قوله تعالى: ﴿يخادعون الله﴾ قال: يظهرون لا إله إلا الله يريدون أن يحرزوا بذلك دماءهم وأموالهم، وفي أنفسهم غير ذلك.\nوقال سعيد: عن قتادة: ﴿ومن الناس من يقول آمنا باللَّه وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين يخادعون الله والذين آمنوا وما يخادعون [¬٣] إلا أنفسهم وما يشعرون﴾ نعت المنافق عند كثير خَنِعُ الأخلاق، يصدّق بلسانه وينكر بقلبه، ويخالف بعمله، يصبح على حال ويمسي على غيره، ويمسي على حال ويصبح على غيره، و[¬٤] يتكفأ تكفأ السفينة كلما هبت ريح هبّ معها.\n﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (١٠)﴾\nقال السدي: عن أبي مالك وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرّة الهمداني، عن ابن مسعود، وعن أناس من أصحاب رسول [¬٥] الله ﷺ في هذه الآية: ﴿في قلوبهم مرض﴾ قال: شك، ﴿فزادهم الله مرضًا﴾ قال: شكًّا (^١٢٥).\nوقال ابن إسحاق عن محمد بن أبي محمد، عن عكرمة -أو سعيد بن جبير- عن ابن عباس ﴿في قلوبهم مرض﴾ قال: شك (^١٢٦).\nوكَذلك قال مجاهد وعكرمة، والحسن البصري وأبو العالية، والربيع بن أنس وقتادة.\nوعن عكرمة وطاوس، ﴿في قلوبهم مرض﴾ يعني: الرياء [¬٦].\nوقال الضحاك: عن ابن عباس: ﴿في قلوبهم مرض﴾ قال: نفاق: ﴿فزادهم الله مرضا﴾\n_________\n(^١٢٤) - تفسير ابن أبي حاتم ١٠٧ - (١/ ٤٦) وسنده جيد.\n(^١٢٥) - رواه ابن جرير (٣٢٤).\n(^١٢٦) - رواه ابن جرير (٣٢٢)، وابن أبي حاتم (١١٢، ١١٤) وسنده ضعيف.\n_________\n[¬١]- في ت: \"عمى\"\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٣]- في ت: \"يخدعون\".\n[¬٤]- سقط من ز.\n[¬٥]- في خ: \"النبي\".\n[¬٦]- في ز: الزنا.","vol":"1","page":284},{"text":"قال: نفاقًا. وهذا كالأول (^١٢٧).\nوقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: ﴿في قلوبهم مرض﴾ قال: هذا مرض في الدين وليس مرضًا في الأجساد، وهم المنافقون.\nوالمرض: الشك الذي دخلهم في الإسلام: ﴿فزادهم الله مرضًا﴾ قال: زادهم رجسًا، وقرأ: ﴿فأمّا الذين آمنوا فزادتهم إيمانًا وهم يستبشرون وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسًا إلى رجسهم﴾. قال: شرًّا إلى شرهم، وضلالة إلى ضلالتهم.\nوهذا الذي قاله عبد الرحمن ﵀ حسنٌ، وهو الجزاء من جنس العمل، وكذلك قاله الأوّلون، وهو نظير قوله تعالى أيضًا: ﴿والذين اهتدوا زادهم هدىً وآتاهم تقواهم﴾.\n[وقوله: ﴿بما كانوا يكذبون﴾ وقرئ: ﴿يكذبون﴾ وقد كانوا متصفين بهذا وهذا، فإنهم كانوا كذبة، ويكذِّبون بالغيب يجمعون بين هذا وهذا.\nوقد سئل القرطبي وغيره من المفسرين عن حكمة كفه ﵊ عن قتل المنافقين مع علمه بأعيان بعضهم؟ وذكروا أجوبة عن ذلك؛ منها ما ثبت في الصحيحين (^١٢٨) أنه ﷺ قال لعمر ﵁: \"أكره أن يتحدث العرب أن محمدًا يقتل أصحابه\".\nومعنى هذا خشية أن يقع بسبب ذلك تغير لكثير من الأعراب عن الدخول في الإسلام، ولا يعلمون حكمة قتله لهم، وأنّ قتله اياهم إنما هو على الكفر، فإنهم إنما يأخذونه بمجرّد ما يظهر لهم، فيقولون: إن محمدًا يقتل أصحابه.\nقال القرطبي: وهذا قول علمائنا وغيرهم، كما كان يعطي المؤلفة مع علمه بسوء اعتقادهم.\nقال ابن عطية: وهي طريقة أصحاب مالك نص عليه محمد بن الجهم والقاضي إسماعيل والأبهري وعن ابن الماجشون.\nومنها ما قال مالك: إنما كف رسول الله ﷺ عن المنافقين ليبين لأمّته أن\n_________\n(^١٢٧) - رواه ابن جرير (٣٢٣)، وابن أبي حاتم (١١١)، وسنده ضعيف.\n(^١٢٨) - رواه البيهقي (٨/ ١٩٨، ٩/ ٣٢ - ٣٣)، وفي الدلائل (٥/ ٢٥٧ - ٢٥٨) من طريق ابن إسحاق معضلًا، وروى نحوه البخاري (٦/ ٥٤٦، ٨/ ٦٤٨، ٦٥٢ الفتح)، ومسلم ٦٣ - (٢٥٨٤)، وأحمد (٣/ ٣٣٨، ٣٩٢ - ٣٩٣)، وأبو يعلى (١٨٢٤، ١٩٥٧)، وابن حبان (٥٩٩٠، ٦٥٨٢)، والطحاوي في المشكل (٤/ ٢٣٩) من حديث جابر.","vol":"1","page":285},{"text":"الحاكم لا يحكم بعلمه.\nقال القرطبي: وقد اتفق العلماء عن بكرة أبيهم على أنّ القاضي لا يقتل بعلمه. وإن اختلفوا في سائر الأحكام.\nقال: ومنها ما قال الشافعي: إنما مَنَعَ رسول الله ﷺ من قتل المنافقين ما كانوا يظهرونه من الإسلام مع العلم بنفاقهم؛ لأن ما يظهرونه يَجُبُّ ما قبله.\nويؤيد هذا قوله ﵊ في الحديث المجمع على صحته في الصحيحين (^١٢٩) وغيرهما: \"أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله ﷿\".\nومعنى هذا أن من قالها جرت عليه أحكام الإسلام ظاهرًا، فإن كان يعتقدها وجد ثواب ذلك في الدار الآخرة، وإن لم يعتقدها لم ينفعه [في الآخرة] جريان الحكم عليه في الدنيا، وكونه كان خليط أهل الإيمان ﴿ينادونهم ألم نكن معكم قالوا بلى ولكنكم فتنتم أنفسكم وتربصتم وارتبتم وغرّتكم الأماني حتى جاء أمر الله﴾ الآية. فهم يخالطونهم في بعض المحشر، فإذا حقت المحقوقية تميزوا منهم وتخلفوا بعدهم ﴿وحيل بينهم وبين ما يشتهون﴾ ولم يمكنهم أن يسجدوا معهم، كما نطقت بذلك الأحاديث.\nومنها: ما قاله بعضهم أنه إنما لم يقتلهم لأنه كان يخاف [¬١] من شرهم مع وجوده ﵊ بين أظهرهم يتلو عليهم آيات الله مبينات، فأما بعده فيقتلون إذا أظهروا النفاق وعلمه المسلمون.\nقال مالك: المنافق في عهد الرسول ﷺ هو الزنديق اليوم.\n(قلت): وقد اختلف العلماء في قتل الزنديق إذا أظهر الكفر، هل يستتاب أم لا؟ أو يفرق بين أن يكون داعية أم لا؟ أو يتكرّر منه ارتداده أم لا، أو يكون إسلامه ورجوعه من تلقاء نفسه، أو بعد أن ظُهِر عليه؟ على أقوال متعدّدة، موضع بسطها وتقريرها وعزوها كتاب \"الأحكام\".\n[تنبيه]: قول من قال: كان ﵊ يعلم أعيان بعض المنافقين، إنما مستنده حديث حذيفة بن اليمان (^١٣٠) في تسمية أولئك الأربعة عشر منافقًا في غزوة تبوك، الذين\n_________\n(^١٢٩) - البخاري في كتاب الإيمان برقم (٢٥) ومسلم في الإيمان برقم ٣٦ - (٢٢) من حديث ابن عمر ﵄.\n(^١٣٠) - رواه مسلم ٩: ١١ - (٢٧٧٩)، وأحمد (٥/ ٣٩٠).\n_________\n[¬١]- في ن: لا يخاف.","vol":"1","page":286},{"text":"هموا أن يفتكوا برسول الله ﷺ في ظلماء الليل عند عقبة هناك، عزموا على أن ينفروا به الناقة ليسقط عنها، فأوحى الله إليه أمرهم فأطلع على ذلك حذيفة ولعل الكف عن قتلهم كان لمدرك من هذه المدارك أو لغيرها، والله أعلم.\nفأمّا غير هؤلاء فقد قال الله تعالى: ﴿وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم﴾ الآية. وقال تعالى: ﴿لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلًا، ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلًا﴾ ففيها دليل على أنه لم يغر بهم ولم يدرك على أعيانهم، وإنما كان تذكر له صفاتهم فيتوسمها في بعضهم، كما قال تعالى: ﴿ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنهم في لحن القول﴾.\nوقد كان من أشهرهم بالنفاق عبد الله بن أبيّ بن سلول، وقد شهد عليه زيد بن أرقم بذلك الكلام الذي سبق في صفات المنافقين، ومع هذا لما مات صلى عليه النبي ﷺ وشهد دفنه كما يفعل ببقية المسلمين، وقد عاتبه عمر بن الخطاب ﵁ فيه فقال: \"إني أكره أن تتحدّث العرب أنّ محمدًا يقتل أصحابه\".\nوفي رواية في الصحيح: \"إني خيرت فاخترت\". وفي رواية (^١٣١): \" لو أعلم أني لو زدت على السبعين يغفر له لزدت] [¬١] \".\n﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (١١) أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ (١٢)﴾\nقال السدي في تفسيره عن أبي مالك و[عن] [¬٢] أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مُرّة الطَّيَّب الهمداني [¬٣]، عن ابن مسعود، وعن أناس [¬٤] من أصحاب النبي [¬٥] ﷺ: ﴿وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون﴾ [قال: هم المنافقون] [¬٦]، أمّا ﴿لا تفسدوا في الأرض﴾ قال: الفساد هو الكفر، والعمل بالمعصية.\nوقال أبو جعفر: عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية في قوله تعالى: ﴿وإذا قيل لهم لا\n_________\n(^١٣١) - رواه البخاري برقم (١٣٦٦) من حديث ابن عمر.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- سقط من ز.\n[¬٣]- سقط من ز.\n[¬٤]- في ز، خ: \"ناس\".\n[¬٥]- في خ: \"رسول الله\".\n[¬٦]- سقط من: ز، خ.","vol":"1","page":287},{"text":"تفسدوا في الأوض﴾ قال: يعني لا تعصوا في الأرض، وكان فسادهم ذلك معصية الله؛ لأنه من عصى الله في الأرض أو أمر بمعصيته [¬١] فقد أفسد في الأرض؛ لأنّ صلاح الأرض والسماء بالطاعة.\nوهكذا قال الربيع بن أنس وقتادة.\nوقال ابن جريج: عن مجاهد: ﴿وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأوض﴾ قال: إذا ركبوا معصية الله فقيل لهم: لا تفعلوا كذا وكذا، قالوا: إنما نحن على الهدى، مصلحون.\nوقد قال وكيع وعيسى بن يونس وعَثَّام [¬٢] بن علي، عن الأعمش، عن المنهال بن عمرو عن عباد بن عبد الله الأسدي (^١٣٢)، عن سلمان الفارسي: ﴿وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأوض قالوا إنما نحن مصلحون﴾ قال سلمان: لم يجئ أهل هذه الآية بعد.\nوقال ابن جرير (^١٣٣): حدّثني أحمد بن عثمان بن حكيم، حدَّثنا عبد الرحمن بن شريك، حدثني أبي، عن الأعمش، عن زيد بن وهب وغيره، عن سلمان الفارسي [¬٣] في هذه الآية، قال: ما جاء هؤلاء [بَعْدُ [¬٤]].\nقال ابن جرير (^١٣٤): يحتمل أن سلمان [﵁] أراد بهذا أن الذين يأتون بهذه الصفة أعظم فسادا من الذين كانوا في زمن [¬٥] النبي ﷺ لا أنه عنى أنه لم يمض ممن تلك صفته أحد.\nقال ابن جرير (^١٣٥): فأهل النفاق مفسدون في الأرض بمعصيتهم فيها ربهم، وركوبهم فيها ما نهاهم عن ركوبه، وتضييعهم فرائضه وشكهم في دينه الذي لا يُقْبَل من أحد عمل إلا بالتصديق به والإيقان بحقيقته، وكذبِهم المؤمنين بدعواهم غير ما هم عليه مقيمون [¬٦] من الشك\n_________\n(^١٣٢) - رواه ابن جرير (٣٣٧)، وابن أبي حاتم (١٢٣)، وعباد بن عبد الله الأسدي: أورده الذهبي في الميزان (٢/ ٣٦٨) وقال: قال البخاري: سمع منه المنهال بن عمرو، فيه نظر. قال ابن المديني: ضعيف الحديث، وذكره ابن حبان في الثقات.\n(^١٣٣) - تفسير ابن جرير ٣٣٨ - (١/ ٢٨٨)، وعبد الرحمن بن شريك ذكره ابن حبان في الثقات. وقال أبو حاتم: واهي الحديث.\n(^١٣٤) - تفسير ابن جرير (١/ ٢٨٩).\n(^١٣٥) - تفسير ابن جرير (١/ ٢٨٩).\n_________\n[¬١]- في ز: بمعصية لله\n[¬٢]- في ز، خ: \"غنام\".\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- سقط من: ز، خ، وهي مثبتة عند الطبري.\n[¬٥]- في ز: زمان.\n[¬٦]- في ز، خ: \"مقيمين\".","vol":"1","page":288},{"text":"والريب، ومظاهرتهم أهل التكذيب بالله وكتبه ورسله على أولياء الله إذا وجدوا إلى ذلك سبيلًا، فذلك إفساد المنافقين في الأرض، وهم يحسبون أنهم بفعلهم ذلك مصلحون فيها.\nوهذا الذي قاله حسن؛ فإن من الفساد في الأرض اتخاذ المؤمنين الكافرين أولياء كما قال تعالى: ﴿والذين كفروا بعضهم أولياء بعض إلا تفعلوه تكن فتنة في الأوض وفساد كبير﴾ فقطع الله الموالاة بين [المؤمنين والكافرين] كما قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين أتريدون أن تجعلوا لله عليكم سلطانًا مبينًا﴾، ثم قال: ﴿إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيرًا﴾، فالمنافق لما كان ظاهره الإيمان اشتبه أمره على المؤمنين، فكأن الفساد من جهة المنافق حاصل؛ لأنه هو الذي غرّ المؤمنين بقوله الذي لا حقيقة له، ووالى الكافرين على المؤمنين، ولو أنه استمر على حاله الأول لكان شره أخف، ولو أخلص العمل لله وتطابق قوله وعمله لأفلح وأنجح، ولهذا قال تعالى: ﴿وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون﴾ أي نريد أن نداري الفريقين من المؤمنين والكافرين، ونصطلح مع هؤلاء وهؤلاء، كما قال محمد بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد (^١٣٦)، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون﴾ أي إنما نريد الإصلاح بين الفريقين من المؤمنين وأهل الكتاب. يقول الله: ﴿ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون﴾ يقول: ألا إن هذا الذي يعتمدونه ويزعمون أنه إصلاح هو عين الفساد، ولكن من جهلهم لا يشعرون بكونه فسادًا.\n﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ (١٣)﴾\nيقول تعالى: وإذا قيل للمنافقين: آمنوا كما آمن الناس، أي كإيمان الناس بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت والجنة والنار وغير ذلك، مما أُخبر المؤمنون [¬١] به وعنه، وأطيعوا الله ورسوله في امتثال الأوامر وترك الزواجر ﴿قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء﴾ يعنون - لعنهم الله - أصحابَ رسول الله ﷺ ﵃ قاله أبو العالية والسدي في تفسيره بسنده عن ابن عباس وابن مسعود وغير واحد من الصحابة (^١٣٧)، وبه يقول الربيع بن أنس وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغيرهم، يقولون: أنصير نحن وهؤلاء بمنزلة واحدة وعلى طريقة واحدة وهم سفهاء؟!.\n_________\n(^١٣٦) - محمد بن أبي محمد: مجهول، ورواه ابن جرير (٣٤١)، وابن أبي حاتم (١٢٤).\n(^١٣٧) - رواه ابن جرير (٣٤٤).\n_________\n[¬١]- في ت: \"المؤمنين\".","vol":"1","page":289},{"text":"والسفهاء جمع سفيه، كما أن الحكماء جمع حكيم [والحلماء جمع حليم] [¬١]، والسفيه هو الجاهل الضعيف الرأي، القليل المعرفة بمواضع المصالح والمضار، ولهذا سمى الله النساء والصبيان سفهاء في قوله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾، قال عامة علماء التفسير [¬٢]: هم النساء والصبيان.\nوقد تولى الله سبحانه جوابهم في هذه المواطن كلها فقال: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ﴾ فأكد وحصر السفاهة فيهم.\n﴿وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ يعني ومن تمام جهلهم أنهم لا يعلمون بحالهم في الضلالة والجهل، وذلك أردى لهم، وأبلغ في العمى والبعد عن الهدى.\n﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (١٤) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٥)﴾.\nيقول تعالى: وإذا لقي هؤلاء المنافقون المؤمنين قالوا: ﴿آمَنَّا﴾ أي أظهروا لهم الإيمان والموالاة والمصافاة، غرورًا منهم للمؤمنين ونفاقًا ومصانعة وتقية، وليَشْركوهم فيما أصابوا من خير ومغنم، ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾ يعني: و[¬٣] إذا انصرفوا و[¬٤] ذهبوا و[¬٥] خلصوا إلى شياطينهم، فضمَّن ﴿خَلَوْا﴾ معنى انصرفوا، لتعديته بإلى، ليدل على الفعل المضمر والفعل الملفوظ به. ومنهم من قال: \"إلى\" هنا [¬٦] بمعنى \"مع\"، والأول أحسن وعليه يدور كلام ابن جرير.\nوقال السدّي عن أبي مالك: ﴿خَلَوْا﴾ يعني مضوا، و﴿شَيَاطِينِهِمْ﴾ يعني: سادتهم [وكبراءهم ورؤساءهم] [¬٧] من أحبار اليهود ورءوس المشركين والمنافقين.\nقال السدي في تفسيره عن أبي مالك وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة الهمداني [¬٨]، عن ابن مسعود، وعن [¬٩] ناس من أصحاب النبي ﷺ ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾ يعني [¬١٠]: هم رءوسهم في الكفر.\nوقال الضحاك عن ابن عباس؛ وإذا خلوا إلى أصحابهم وهم شياطينهم.\n_________\n[¬١]- سقط من ز.\n[¬٢]- في ز، خ: \"السلف\".\n[¬٣]- زيادة من: ز، خ.\n[¬٤]- في ز: أو.\n[¬٥]- في ز: أو.\n[¬٦]- في ز: ها هنا.\n[¬٧]- في ز: وكبراؤهم ورؤساؤهم.\n[¬٨]- سقط من: ز، خ.\n[¬٩]- سقط من: ز، خ.\n[¬١٠]- سقط من: ز، خ.","vol":"1","page":290},{"text":"وقال محمد بن إسحاق: عن محمد بن أبي محمد (^١٣٨)، عن عكرمة أو [¬١] سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾ من يهود الذين يأمرونهم بالتكذيب وخلاف ما جاء به الرسول ﷺ. وقال مجاهد: ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾ إلى أصحابهم من المنافقين والمشركين.\nوقال قتادة: ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾ قال: إلى رءوسهم وقادتهم في الشرك والشر.\nوبنحو ذلك فسره أبو مالك وأبو العالية والسدي والربيع بن أنس.\nقال ابن جرير: وشياطين كل شيء [¬٢] مَرَدَتُه، ويكون الشيطان من الإنس والجن، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾.\nوفي المسند (^١٣٩) عن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ: \"تعوَّذ بالله من شياطين الإنس والجن\" فقلت: يا رسول الله! أو [¬٣] للإنس شياطين؟ قال: \"نعم\".\nوقوله تعالى: ﴿قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ﴾ قال محمد بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس (^١٤٠) أي إنا على مثل ما أنتم عليه ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ أي إنما نحن نستهزئ بالقوم ونلعب بهم.\n_________\n(^١٣٨) - محمد بن أبي محمد: مجهول، وهو عند ابن جرير (٣٥٠)، وابن أبي حاتم (١٣٧).\n(^١٣٩) - ضعيف، وهو في المسند ٢١٦٢٩ - (٥/ ١٧٨) ثنا وكيع، ثنا المسعودى، أنبأني أبو عمر الدمشقي، عن عبيد بن الخشخاش، عن أبي ذر. وأبو عمر الدمشقي قال الدارقطني: متروك. وعبيد بن الخشخاش: قال الحافظ: روى عن أبي ذر في الاستعاذة من شياطين الإنس والجن، وعنه أبو عمر الدمشقي ذكره ابن حبان في الثقات. قال الحافظ: قلت: وقال: روى عنه الكوفيون، وقال البخاري لم يذكر سماعًا من أبي ذر، وضعفه الدارقطني. وأخرجه أيضًا البزار كما في كشف الأستار (١/ ٩٣، ٩٤ / رقم: ١٦٠). والطبراني في الأوسط كما في مجمع البحرين (١/ ٢٦٨ - ٢٦٩ / رقم: ٣١٣). وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ١٥٩، ١٦٠) وقال \"رواه أحمد والبزار والطبراني في الأوسط بنحوه، وعند النسائي طرف منه، وفيه المسعودي وهو ثقة، ولكنه اختلط. ورواه أحمد من حديث أبي أمامة ٢٢٣٣٨ - (٣/ ٢٦٥)، وفي إسناده علي بن يزيد الألهاني: منكر الحديث.\n(^١٤٠) - رواه ابن جرير (٣٥٠)، وابن أبي حاتم (١٤١).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"أن\".\n[¬٢]- في خ: \"نبي\".\n[¬٣]- في خ: \"و\".","vol":"1","page":291},{"text":"وقال الضحاك عن ابن عباس (^١٤١): ﴿[قَالُوا] [¬١] إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ ساخرون بأصحاب محمد ﷺ. وكذلك قال الربيع بن أنس وقتادة.\nوقوله تعالى جوابًا لهم ومقابلة على صنيعهم: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾.\nوقال ابن جرير: أخبر الله تعالى أنه فاعل بهم ذلك يوم القيامة في قوله [تعالى]: ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَينَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ [¬٢] الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ الآية، قال: فهذا وما أشبهه من استهزاء الله تعالى ذكره وسخريته ومكره وخديعته للمنافقين وأهل الشرك به، عند قائل هذا القول ومتأوّل هذا التأويل.\nقال: وقال آخرون: بل استهزاؤه بهم توبيخه إياهم، ولومه لهم على ما ركبوا من معاصيه، والكفر به.\nقال: وقال آخرون: هذا وأمثاله على سبيل الجواب، كقول الرجل لمن يخدعه إذا ظفر به: أنا الذي خدعتك. ولم يكن منه خديعة، ولكن قال ذلك إذا صار الأمر إليه.\nقالوا: وكذلك قوله تعالى: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيرُ الْمَاكِرِينَ﴾ و﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ على الجواب والله لا يكون منه المكر ولا الهزء. والمعنى أنّ المكر والهزء حاق بهم.\nوقال آخرون قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (١٤) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾، وقوله: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾، وقوله: ﴿فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ﴾ و﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾، وما أشبه ذلك إخبار من الله تعالى أنه مجازيهم جزاء الاستهزاء، ومعاقبهم عقوبة الخداع، فأخرج خبره عن جزائه [¬٣] إياهم وعقابه لهم مُخْرَجَ خبره عن فعلهم الذي عليه استحقوا العقاب في اللفظ، وإن اختلف المعنيان كما قال تعالى: ﴿وَجَزَاءُ [¬٤] سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا [فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ] [¬٥]﴾، وقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيهِ [بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيكُمْ] [¬٦]﴾ فالأوّل ظلم والثاني عدل، فهما وإن اتفق لفظاهما فقد اختلف معناهما.\n_________\n(^١٤١) رواه ابن جرير (٣٥٩)؛ وابن أبي حاتم (١٤٢)، وسنده ضعيف.\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- في خ: \"تحسبن\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"جوابه\".\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين زيادة من: ز، خ.","vol":"1","page":292},{"text":"قال: وإلى هذا المعنى وجهوا كل ما في القرآن من نظائر ذلك.\n[قال: وقال آخرون: إنّ معنى ذلك] [¬١] أنّ الله أخبر عن المنافقين أنهم إذا خَلَوا إلى مردتهم قالوا: إنا معكم على دينكم، في تكذيب محمد [صلى الله تعالى عليه وآله وسلم] وما جاء به، وإنما نحن بما نظهر لهم من قولنا لهم: [صدقنا بمحمد ﵇ وبما جاء به] [¬٢] مستهزئون، فأخبر الله تعالى أنه يستهزئ بهم فيظهر لهم من أحكامه في الدنيا، يعني من عصمة [¬٣] دمائهم وأموالهم خلافَ الذي لهم عنده في الآخرة يعني من العذاب والنكال (^١٤٢).\nثم شرع ابن جربر يوجه هذا القول وينصره؛ لأنّ المكر والخداع والسخرية على وجه اللعب والعبث منتفٍ عن الله ﷿ بالإجماع، وأما على وجه الانتقام والمقابلة بالعدل والمجازاة فلا يمتنع ذلك.\nقال: وبنحو ما قلنا فيه رُوي الخبر عن ابن عباس:\nحدثنا (^١٤٣) أبو كريب، حدثنا عثمان، حدثنا بشر، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ قال: يسخر بهم للنقمة منهم.\nوقوله تعالى: ﴿وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ قال السدي عن أبي مالك وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة الهمداني [¬٤]، عن ابن مسعود، وعن أناس [¬٥] من [أصحاب النبي ﷺ] [¬٦] يمدهم: يملي لهم (^١٤٤).\nوقال مجاهد: يزيدهم.\n[وقال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ وقال: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾ قال بعضهم: كلما أحدثوا ذنبًا أحدث لهم نعمة وهي في الحقيقة نقمة.\n_________\n(^١٤٢) - تفسير ابن جرير (١/ ٣٠٣).\n(^١٤٣) - تفسير ابن جرير ٣٦٣ - (١/ ٣٠٥)، وسنده ضعيف جدًّا.\n(^١٤٤) - رواه ابن جرير (٣٦٤)، وابن أبي حاتم (١٤٤).\n_________\n[¬١]- ما بن المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٢]- سقط من: ز، خ، ومثبت في تفسير الطبري.\n[¬٣]- سقط من ز.\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- في ز: ناس.\n[¬٦]- في ز، خ: \"الصحابة\".","vol":"1","page":293},{"text":"وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (٤٤) فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ﴾] [¬١].\nقال ابن جرير: والصواب نزيدهم على وجه الإملاء والترك لهم في عُتُوّهم وتمردهم، كما قال تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾.\nوالطغيان هو المجاوزة في الشيء كما قال تعالى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾.\nوقال الضحاك عن ابن عباس: ﴿فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ في كفرهم يتردّدون (^١٤٥).\nوكذا [¬٢] فسره السدي بسنده عن الصحابة، وبه يقول أبو العالية وقتادة والربيع بن أنس ومجاهد وأبو مالك وعبد الرحمن بن زيد في كفرهم وضلالتهم.\nقال ابن جرير: والعَمَه: الضلال، يقال: عمه فلان يَعْمَه عَمَهًا وعُمُوهًا إذا ضلَّ.\nقال: وقوله: ﴿فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ في ضلالتهم [¬٣]، وكفرهم الذي قد [¬٤] غمرهم دنسه وعلاهم رجسه، يتردّدون حيارى ضُلَّالًا، لا يجدون إلى المخرج منه سبيلًا؛ لأن الله تعالى قد طبع على قلوبهم وختم عليها، وأعمى أبصارهم عن الهدى، وأغشاها فلا يبصرون رشدًا ولا يهتدون سبيلًا.\n[وقال بعضهم: العمى في العين، والعمه في القلب.\nوقد يستعمل العمى في القلب أيضًا، قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾، وتقول: عمه الرجل يعمه عموهًا فهو عمه، وعامه وجمعه عُمه، وذهبت إبله العمهاء إذا لم يدر أين ذهبت [¬٥].\n﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾.\n_________\n(^١٤٥) - رواه ابن جرير (٣٦٦)، وابن أبي حاتم (١٤٨)، وسنده ضعيف جدًّا.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في ز، خ: \"وكذلك\".\n[¬٣]- في ز: ضلالهم.\n[¬٤]- زيادة من: ز، خ.\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"1","page":294},{"text":"قال السدي في تفسيره عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة، عن ابن مسعود، وعن ناس من الصحابة: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالةَ بِالْهُدَى﴾ قال: أخذوا الضلالة وتركوا الهدى.\nوقال ابن إسحاق: عن محمد بن أبي محمد (^١٤٦)، عن عكرمة أو عن سعيد [بن جبير] [¬١]، عن ابن عباس: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالةَ بِالْهُدَى﴾ أي: الكفر بالإيمان.\nوقال مجاهد: آمنوا ثم كفروا.\nوقال قتادة: استحبوا الضلالة على الهدى.\nوهذا الذي قاله قتادة يشبهه في المعنى قوله تعالى في ثمود: ﴿وَأَمَّا [¬٢] ثَمُودُ فَهَدَينَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾.\nوحاصل قول المفسرين فيما تقدم أن المنافقين عَدَلُوا عن الهدى إلى الضلال [¬٣]، واعتاضوا عن الهدى بالضلالة، وهو معنى قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالةَ بِالْهُدَى﴾ أي: بذلوا الهدى ثمنًا للضلالة، وسواء في ذلك من كان منهم قد حصل له الإيمان ثم رجع عنه إلى الكفر، كما قال تعالى فيهم: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾. أو أنهم استحبوا الضلالة على الهدى، كما قد [¬٤] يكون حال فريق آخر [¬٥] منهم، فإنهم أنواع وأقسام، ولهذا قال تعالى: ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾.\n[أي: ما ربحت صفقتهم في هذه البيعة ﴿وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾] [¬٦] أي: راشدين في صنيعهم ذلك.\nوقال ابن جرير (^١٤٧): حدثنا بشر، حدثنا نريد، حدثنا سعيد، عن قتادة: ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ قد والله رأيتموهم خرجوا من الهدى إلى الضلالة، ومن الجماعة إلى الفرقة، ومن الأمن إلى الخوف، ومن السنة إلى البدعة.\n_________\n(^١٤٦) - محمد بن أبي محمد: لا يعرف، وهو عند ابن جرير (٣٨٠)، وابن أبي حاتم (١٥٣).\n(^١٤٧) - تفسير ابن جرير- ٣٨٥ - (٢/ ٣١١).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في ت: \"فأما\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"الضلالة\".\n[¬٤]- زيادة من: ز، خ.\n[¬٥]- سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"1","page":295},{"text":"وهكذا رواه ابن أبي حاتم (^١٤٨) من حديث يزيد بن زريع، عن سعيد، عن قتادة، بمثله سواء.\n﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ (١٧) صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (١٨)﴾\n[يقال: مَثَل ومِثْل ومَثِيل أيضًا والجمع أمثال، قال الله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إلا الْعَالِمُونَ﴾] [¬١]، وتقرير هذا المثل أن الله سبحانه شبههم في اشترائهم الضلالة بالهدى، وصيرورتهم بعد البصيرة [¬٢] إلى العمى، بمن استوقد نارًا، فلما أضاءت ما حوله وانتفع بها وأبصر بها ما عن يمينه وشماله وتأنس بها، فبينا هو كذلك إذ طُفئت ناره وصار في ظلام شديد لا يبصر ولا يهتدي، وهو مع هذا [¬٣] أصم لا يسمع، أبكم لا ينطق، أعمى لو كان ضياء لما أبصر، فلهذا لا يرجع إلى ما كان عليه قبل ذلك، فكذلك هؤلاء المنافقون في استبدالهم الضلالة عوضًا عن الهدى، واستحبابهم الغي على الرشد، وفي هذا المثل دلالة على أنهم آمنوا ثم كفروا، كما أخبر تعالى [¬٤] عنهم في غير هذا الموضع، والله أعلم.\n[وقد حكى هذا الذي قلناه الرازي في تفسيره عن السدي، ثم قال: والتشبيه هاهنا في غاية الصحة؛ لأنهم بإيمانهم اكتسبوا أولًا نورًا ثم بنفاقهم ثانيًا أبطلوا ذلك فوقعوا في حيرة عظيمة، فإنه لا حيرة أعظم من حيرة الدين] [¬٥].\nوزعم ابن جرير أن المضروب لهم المثل هاهنا لم يؤمنوا في وقت من الأوقات، واحتج بقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾.\nوالصواب: أن هذا إخبار عنهم في حال نفاقهم وكفرهم، وهذا لا ينفي أنه كان حصل لهم إيمان قبل ذلك، ثم سُلبوه وطبع على قلوبهم، ولم يستحضر ابن جرير ﵀ هذه الآية هاهنا وهي قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ﴾. فلهذا [¬٦] وجه هذا المثل بأنهم استضاءوا بما أظهروه من كلمة الإيمان -أي في الدنيا- ثم أعقبهم ظلمات يوم القيامة.\nقال: وصح ضرب مثل الجماعة بالواحد، كما قال: ﴿رَأَيتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ\n_________\n(^١٤٨) - تفسير ابن أبي حاتم (١٥٧).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في ز، خ: \"التبصرة\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"ذلك\".\n[¬٤]- في ز، خ: \"عنهم تعالى\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- في خ: \"فهذا\".","vol":"1","page":296},{"text":"كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ أي: كدوران [عيني] الذي يغشى عليه من الموت، وقال تعالى: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إلا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [وقال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾. وقال بعضهم: تقدير الكلام مثل قصتهم كقصة الذين استوقدوا نارًا] [¬١].\n[وقال بعضهم: المستوقد واحد لجماعة معه. وقال آخرون: الذي هاهنا بمعنى الذين، كما قال الشاعر:\nوإن الذي حانت بفلج دماؤهم … هم القوم كل القوم يا أم خالد] [¬٢] «^١٤٩)\nقلت: وقد التفت في أثناء المثل من الواحد [¬٣] إلى الجمع في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ (١٧) صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾. وهذا أفصح في الكلام وأبلغ في النظام، وقوله تعالى: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ أي أذهب عنهم ما [¬٤] ينفعهم، وهو النور، وأبقى لهم ما يضرهم، وهو الإحراق والدخان. ﴿وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ﴾ وهو ما هم فيه من الشك والكفر والنفاق: ﴿لَا يُبْصِرُونَ﴾ لا يهتدون إلى سبل خير ولا يعرفونها، وهم مع ذلك ﴿صُمٌّ﴾ لا يسمعون خيرًا ﴿بُكْمٌ﴾ لا يتكلمون بما ينفعهم ﴿عُمْيٌ﴾ في ضلالة وعماية البصيرة، كما قال تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ فلهذا لا يرجعون إلى ما كانوا عليه من الهداية التي باعوها بالضلالة.\n(ذكر أقوال المفسرين من السلف بنحو ما ذكرناه)\nقال السدّي في تفسيره (^١٥٠) عن أبي مالك و[¬٥] عن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرّة الهمداني [¬٦] عن ابن مسعود، وعن ناس من الصحابة، في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ﴾ زعم أنّ ناسًا دخلوا في الإسلام مَقْدَم نبي الله ﷺ المدينة ثم إنهم نافقوا، وكان [¬٧] مثلهم كمثل رجُل كان في ظلمة، فأوقد نارًا، فلما أضاءت [] [¬٨] ما حوله من قذى أو أذى فأبصره حتى عرف ما يتقي منه [¬٩]، فبينما هو كذلك إذ طفئت ناره فأقبل لا يدري ما يتقي\n_________\n(^١٤٩) - البيت للأشهب بن رميلة، كما في اللسان، مادة \"فلج\".\n(^١٥٠) - رواه ابن جرير (٣٨٨)، وابن أبي حاتم (١٦٢).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في ز: الموحدة.\n[¬٤]- في خ: بما.\n[¬٥]- زيادة من: ز، خ.\n[¬٦]- سقط من: ز، خ.\n[¬٧]- في ز، خ: \"فكان\".\n[¬٨]- في ز: له.\n[¬٩]- في ز: منها.","vol":"1","page":297},{"text":"من أذى، فكذلك [¬١] المنافق كان في ظلمة الشرك فأسلم فعرف الحلال والحرام، والخير من [¬٢] الشرِّ، فبينما هو كذلك إذ كفر، فصار لا يعرف الحلال من الحرام، ولا الخير من الشرِّ.\nوقال مجاهد: ﴿فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ﴾ أمّا إضاءة النار فإقبالهم [¬٣] إلى المؤمنين والهدى.\nوقال عطاء الخراساني في قوله تعالى: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ قال: هذا [¬٤] مثل المنافق، يبصر أحيانًا ويحرف أحيانًا، ثم يدركه عمى القلب.\nو[¬٥] قال ابن أبي حاتم: وروي عن عكرمة والحسن، والسدّي والربيع بن أنس نحو قول عطاء الخراساني.\nوقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، في قوله تعالى: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ إلى آخر الآية، قال: هذه صفة المنافقين، كانوا قد آمنوا حتى أضاء الإيمان في قلوبهم، كما أضاءت النار لهؤلاء الذين استوقدوا نارًا [¬٦]، ثم كفروا فذهب الله بنورهم فانتزعه، كما ذهب بضوء هذه النار فتركهم في ظلمات لا يبصرون.\nوقال العوفي عن ابن عباس (^١٥١) في هذه الآية، قال: أمّا [¬٧] النور فهو إيمانهم الذي كانوا يتكلمون به، وأمّا الظلمة فهي ضلالتهم وكفرهم [الذي كانوا] [¬٨] يتكلمون به، وهم قوم كانوا على هدى ثم نُزع منهم فعتوا بعد ذلك.\nوأمّا قول ابن جرير، فيشبه ما رواه علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس (^١٥٢) في قوله تعالى: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ قال: هذا مثل ضربه الله للمنافقين أنهم كانوا يعتزون بالإسلام، فيناكحهم المسلمون ويوارثونهم ويقاسمونهم الفيء، فلما ماتوا سلبهم الله ذلك العزَّ كما سُلب صاحب النار ضَوءه.\n[وقال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي] [¬٩] اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ فإنما ضوء النار ما أوقدتها فإذا خمدت ذهب نورها، وكذلك المنافق، كلما تكلم\n_________\n(^١٥١) - رواه ابن جرير (٣٨٩)، وسنده ضعيف جدًّا.\n(^١٥٢) رواه ابن جرير (٣٨٧)، وابن أبي حاتم (١٥٨)، وإسناده ضعيف.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"فذلك\".\n[¬٢]- في ت: و..\n[¬٣]- في ز: فإقباله.\n[¬٤]- زيادة من: ز، خ.\n[¬٥]- سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- سقط من: ز، خ.\n[¬٧]- سقط من: ز، خ.\n[¬٨]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٩]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"1","page":298},{"text":"بكلمة الإخلاص، بلا إله إلا الله، أضاء له، فإذا شك وقع في الظلمة.\nوقال الضحاك [في قوله] [¬١]: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ [أمّا نورهم] [¬٢] فهو إيمانهم الذي تكلموا به.\nوقال عبد الرزاق عن معمر عن قتادة (^١٥٣): ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ﴾ فهي لا إله إلا الله، أضاءت لهم فأكلوا بها وشربوا وأمنوا في الدنيا، ونكحوا النساء، وحقنوا دماءهم، حتى إذا ماتوا ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون.\nوقال سعيد عن قتادة في هذه الآية: إنّ [¬٣] المعنى أنّ المنافق تكلم بلا إله إلا الله فأضاءت له في الدنيا، فناكح بها المسلمين، وغازاهم بها، ووارثهم بها وحقن بها دمه وماله، فلما كان عند الموت سُلبها المنافق؛ لأنه [¬٤] لم يكن لها أصل في قلبه، ولا حقيقة في عمله.\n﴿وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ [لَا يُبْصِرُونَ] [¬٥]﴾ قال علي بن أبي [¬٦] طلحة عن ابن عباس: ﴿وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ﴾ يقول: في عذاب إذا ماتوا (^١٥٤).\nوقال محمد [¬٧] بن إسحاق: عن محمد بن أبي محمد، عن عكرمة -أو سعيد [بن جبير] [¬٨]- عن ابن عباس (^١٥٥): ﴿وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ﴾ أي يبصرون الحق ويقولون به، حتى [إذا خرجوا] [¬٩] من ظلمة الكفر [أطفئوه بكفوهم] [¬١٠] ونفاقهم فيه، فتركهم الله في ظلمات الكفر، فهم لا يبصرون هدًى ولا يستقيمون على حق.\nوقال السدي في تفسيره بسنده: ﴿وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ﴾ فكانت الظلمة نفاقهم.\nوقال الحسن البصري: ﴿وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ﴾ فذلك حين يموت المنانق، فيظلم عليه عمله عمل السوء، فلا يجد له عملا من خيرٍ عمل به يصدق به قول لا إله إلا الله [¬١١].\n_________\n(^١٥٣) - رواه عبد الرزاق في تفسيره (١/ ٣٩)، وعنه ابن جرير (٣٩١)، وابن أبي حاتم (١٦٤).\n(^١٥٤) - رواه ابن جرير (٣٨٧)، وابن أبي حاتم (١٦٧).\n(^١٥٥) - رواه ابن جرير (٣٨٦)، وابن أبي حاتم (١٦٨).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- في ز، خ: \"لأنها\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- سقط من: ز، خ.\n[¬٧]- سقط من: ز، خ.\n[¬٨]- سقط من ز.\n[¬٩]- في ز: خرجوا به.\n[¬١٠]- في ز: اطفئوا بكفرهم به.\n[¬١١]- في ز، خ: \"هو\".","vol":"1","page":299},{"text":"﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ قال السدي بسنده: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ [عُمْيٌ] [¬١]﴾ فهم خرس عمي.\nوقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس (^١٥٦): ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ يقول: لا يسمعون الهدى ولا يبصرونه ولا يعقلونه. وكذا قال أبو العالية ص وقتادة بن دعامة.\n﴿فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ قال ابن عباس (^١٥٧): أي لا يرجعون إلى هدى، وكذا قال الربيع بن أنس.\nوقال السدي بسنده: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (١٨)﴾ [البقرة: ١٨] إلى الإِسلام.\nوقال قتادة: ﴿فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ أي: لا يتوبون، ولا هم يذكرون.\n﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ (١٩) يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ (٢٠)﴾.\nوهذا مثل آخر ضربه الله تعالى لضرب آخر من المنافقين، وهم قوم يظهر لهم الحق تارة، ويشكون تارة أخرى، فقلوبهم في حال شكهم وكفرهم وترددهم ﴿كَصَيِّبٍ﴾ والصيب: المطر، قاله ابن مسعود (^١٥٨) وابن عباس (^١٥٩) وناس من الصحابة، [وأبو العالية ومجاهد، وسعيد بن جبير] [¬٢] وعطاء، والحسن البصري، وقتادة، وعطة العَوْفى، وعطاء الخراساني، والسُّدّي، والربيع بن أنس.\nوقال الضحاك: هو السحاب.\nوالأشهر هو المطر نزل من السماء، في حال ظلمات، وهي الشكوك والكفر والنفاق.\n_________\n(^١٥٦) - رواه ابن جرير (٣٩٩)، وابن أبي حاتم (١٧٣).\n(^١٥٧) - رواه ابن أبي حاتم (١٧٨)، وسنده ضعيف.\n(^١٥٨) - ابن جرير (٤٠٨).\n(^١٥٩) - ابن جرير (٤٠٥).\n_________\n[¬١] سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- مكرر في: خ.","vol":"1","page":300},{"text":"و﴿وَرَعْدٌ﴾ وهو ما يزعج القلوب من الخوف، فإن من شأن المنافقين الخوف الشديد والفزع، كما قال تعالى: ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيحَةٍ عَلَيهِمْ﴾ قال ﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ (٥٦) لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأ أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلًا لَوَلَّوْا إِلَيهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ (٥٧)﴾.\nوالبرق: هو ما يلمع في قلوب هؤلاء الضرب من المنافقين في بعض الأحيان، من نور الإيمان، ولهذا قال: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ أي: ولا [¬١] يُجْدي عنهم حذرهم شيئًا؛ لأن الله محيط بهم [¬٢] بقدرته، وهم تحت مشيئته وإرادته، كما قال: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ (١٧) فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ (١٨) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ (١٩) وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ (٢٠)﴾. بهم [¬٣].\nثم قال ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾ [أي لشدته] [¬٤] وقوته في نفسه، وضعف بصائرهم، وعدم ثباتها للإيمان، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس (^١٦٠): ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾ يقول: يكاد محكم القرآن يدل على عورات المنافقين.\nوقال ابن إسحاق: حدّثني محمَّد بن أبي محمَّد (^١٦١)، عن عكرمة -أو سعيد بن جبير- عن ابن عباس: ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾ أي: لشدة [¬٥] ضوء الحق ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيهِمْ قَامُوا﴾ أي: كما ظهر لهم من الإيمان شيء استأنسوا به واتبعوه، وتارة تَعْرضُ لهم الشكوك أظلمت قلوبَهم فوقفوا حائرين.\nوقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس (^١٦٢): ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا﴾ يقول: كما أصاب المنافقين من عز الإسلام اطمأنوا إليه، وإذا [¬٦] أصاب الإِسلامَ نكبةٌ قاموا ليرجعوا إلى الكفر، كقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ﴾.\nوقال محمَّد بن إسحاق، عن محمَّد [بن أبي محمَّد] [¬٧] (^١٦٣)، عن عكرمة -أو سعيد [بن جبير] [¬٨]- عن ابن عباس: ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيهِمْ قَامُوا﴾ أي: يعرفون\n_________\n(^١٦٠) - ابن أبي حاتم (٢٠٤)، وابن جرير (٤٥٤) مطولًا.\n(^١٦١) - محمَّد بن أبي محمَّد: لا يعرف. وهو عند ابن جرير (٤٥١) مطولًا، وابن أبي حاتم (٢٠٧) مختصرًا.\n(^١٦٢) - رواه ابن جرير (٤٥٤)، وابن أبي حاتم (٢٠٩) وسنده ضعيف.\n(^١٦٣) - محمَّد بن أبي محمَّد: لا يرف. وهو عند ابن أبي حاتم (٢١٢)، وابن جرير (٤٥١).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"لا\"\n[¬٢]- زيادة من: ز، خ.\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- في ز، خ: لشدته أي.\n[¬٥]- في ز: بشدة\n[¬٦]- في ز: وإن.\n[¬٧]- سقط من ز.\n[¬٨]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"1","page":301},{"text":"الحق ويتكلمون به، فهم في قولهم به على استقامة، فإذا ارتكسوا منه إلى الكفر ﴿قَامُوا﴾ أي: متحيرين.\nوهكذا قال أبو العالية والحسن البصري وقتادة [والربيع بن أنس] [¬١] والسدي بسنده عن الصحابة، وهو أصح وأظهر، والله أعلم.\nوهكذا يكونون يوم القيامة عندما يعطى الناس النور بحسب إيمانهم؛ فمنهم من يعطى من النور ما يضيء له مسيرة فراسخ وأكثر من ذلك وأقل من ذلك، ومنهم من يطفأ نوره تارة ويضيء له أخرى، [ومنهم من يمشي] [¬٢] على الصراط تارة ويقف أخرى، ومنهم من يطفأ نوره بالكلية وهم الخُلَّص من المنافقين، الذين قال تعالى: فيهم ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا﴾. وقال في حق المؤمنين: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَينَ أَيدِيهِمْ وَبِأَيمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ [تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ] [¬٣]﴾ الآية. وقال تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ [نُورُهُمْ يَسْعَى] [¬٤] بَينَ أَيدِيهِمْ وَبِأَيمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ﴾.\n(ذكر الحديث الوارد في ذلك)\nقال سعيد بن أبي عروبة، [عن قتادة] [¬٥] في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ الآية: ذكر لنا أن [نبي الله] [¬٦] ﷺ كان يقول: \"من المؤمنين من يضيء نوره من المدينة إلى عدن، [أو بين صنعاء] [¬٧] ودون ذلك، حتى إن من المؤمنين من لا يضيء نوره إلا موضع قدميه\". رواه ابن جرير (^١٦٤).\nورواه ابن أبي حاتم من حديث عمران بن دَاوَر القطان عن قتادة، بنحوه.\nوهذا كما قال المنهال بن عمرو، عن قيس بن السكن، عن عبد الله بن مسعود، قال: يؤتون نورهم على قدر أعمالهم، فمنهم من يؤتى [¬٨] نوره كالنخلة، ومنهم من يؤتى [¬٩] نوره كالرجل\n_________\n(^١٦٤) - مرسل، ومراسيل قتادة من أضعف المراسيل، وهو عند ابن جرير (٢٧/ ١٢٨) وسيأتي في سورة الحديد.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في خ: \"فيمشي\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- في خ: \"يسعى نورهم\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- في خ: \"النبي\".\n[¬٧]- في الطبري: (٢٧/ ٢٢٢) أبين فصنعاء.\n[¬٨]- في ز، خ: \"يرى\".\n[¬٩]- في ز، خ: \"يرى\".","vol":"1","page":302},{"text":"القائم، وأدناهم نورًا على إبهامه يطفأ مرة ويتقد [¬١] مرة.\nوهكذا [¬٢] رواه ابن جرير (^١٦٥)، عن ابن مثنى، عن ابن إدريس، عن أبيه، عن المنهال.\nوقال ابن أبي حاتم (^١٦٦): حدَّثنا أبي، حدثنا علي بن محمَّد الطافسي [¬٣]، حدَّثنا ابن إدريس، سمعت [أبي يذكر] [¬٤] عن المنهال بن عمرو، عن قيس بن السكن، عن عبد الله [بن مسعود] [¬٥]: ﴿نُورُهُمْ يَسْعَى بَينَ أَيدِيهِمْ﴾ قال: على قدر أعمالهم [يمرّون على الصراط] [¬٦]؛ منهم من نوره مثل الجبل، ومنهم من نوره مثل النخلة، وأدناهم نورًا من نوره في إبهامه يتقد مرة ويطفأ أخرى.\nوقال ابن أبي حاتم أيضًا [¬٧] (^١٦٧): حدَّثنا محمَّد بن إسماعيل الأحمسي [¬٨]، حدثنا أبو يحيى الحماني [¬٩]، حدثنا عتبة بن اليقظان [¬١٠]، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال ليس أحد من أهل التوحيد إلا يعطى نورًا يوم القيامة، فأما المنافق فيطفأ نوره، فالمؤمن مشفق [¬١١] مما يرى من إطفاء نور المنافقين، فهم يقولون: ربنا؛ أتمم لنا نورنا.\nوقال الضحاك بن مزاحم: يعطي كل من كان يظهر الإيمان في الدنيا يوم القيامة نورًا؛ فإذا انتهى إلى الصراط طُفيء نور المنافقين، فلما رأى ذلك المؤمنون أشفقوا فقالوا: ربنا؛ أتمم لنا نورنا.\nفإذا تقرر هذا صار الناس أقسامًا: مؤمنون [¬١٢] خُلص وهم الموصوفون بالآيات الأربع في أول البقرة، وكفارٌ خُلص وهم الموصوفون بالآيتين بعدها، ومنافقون وهم قسمان: خلص وهم المضروب لهم المثل الناري، ومنافقون يتردّدون [¬١٣] تارة يظهر لهم لُمعٌ من الإيمان وتارة يخبو، وهم أصحاب المثل [¬١٤] المائي، وهم أخف حالًا من الذين قبلهم.\n_________\n(^١٦٥) - رواه ابن جرير (٢٧/ ١٢٨)، وأخرجه ابن أبي شيبة (١٣/ ٢٩٩)، ومن طريقه الحاكم (٢/ ٤٧٨).\n(^١٦٦) - أورده السيوطي في الدر المنثور (٨/ ٥٨)، وعزاه لابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن مردويه، والحاكم وصححه. وانظر الذي قبله.\n(^١٦٧) - عتبة بن اليقظان: وثقه النسائي، وقال علي بن الجنيد: لا يساوي شيئًا وذكره ابن حبان في الثقات.\n_________\n[¬١] في ز، خ: \"يقد\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"هكذا\".\n[¬٣]- في ز: الطيالسي.\n[¬٤]- في ز، خ: \"أبي بكر\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٧]- سقط من: ز، خ.\n[¬٨]- سقط من: خ، وفي ز: الأحمس.\n[¬٩]- في خ: \"الجماني\".\n[¬١٠]- في ز، خ: \"القطان\".\n[¬١١]- في ز: يشفق.\n[¬١٢]- في ت: مؤمنين.\n[¬١٣]- في خ: \"مترددون\".\n[¬١٤]- في خ: \"الشك\".","vol":"1","page":303},{"text":"وهذا المقام يشبه من بعض الوجوه ما ذُكر في سورة النور، من ضرب مثل المؤمن وما جعل الله في قلبه من الهدى والنور بالمصباح في الزجاجة التي كأنها كوكب دُري، وهي قلب المؤمن المفطور على الاٍ يمان واستمداده من الشريعة الخالصة الشافعية الواصلة إليه من غير كدر ولا تخليط، كما سيأتي تقريره في موضعه، إن شاء الله.\nثم ضرب مثل العُبّاد من الكفار، الذين يعتقدون أنهم على شيء وليسوا على شيء، وهم أصحاب الجهل المركب في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيئًا﴾ الآية.\nثم ضرب مثل الكفار الجُهَّال الجَهْلَ البسيط، وهم الذين قال تعالى فيهم [¬١]: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾، فقسم الكفار هاهنا الي قسمين: داعية، ومقلد، كما ذكرهما في أول سورة الحج [﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيطَانٍ مَرِيدٍ﴾ وقال بعده: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾ [¬٢] وقد قسم الله المؤمنين في أوّل [¬٣] الواقعة وفي آخرها، وفي سورة الإنسان إلى قسمين: سابقون [¬٤] وهم المقرّبون، وأصحابُ يمين وهم الأبرار.\nفتلخص من مجموع هذه الآيات الكريمات أن المؤمنين صنفان: مقرّبون وأبرار، وأن الكافرين صنفان: دعاة ومقلدون؛ وأنّ المنافقين أيضًا صنفان: منافق خالص، ومنافق فيه شعبة من نفاق، كما جاء في الصحيحين (^١٦٨)، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ: \"ثلاث من كن فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه واحدة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها من إذا حدّث كذب، وإذا ومحمد أخلف، وإذا ائتمن خان\".\nاستدلوا به على أنّ الإنسان قد تكون [¬٥] فيه شعبة من إيمان وشعبة من نفاق؛ إما عملي، لهذا [¬٦] الحديث، أو اعتقادي، كما دلت عليه الآية، كما ذهب إليه طائفة من السلف، وبعض العلماء، ما تقدم وكما سيأتي، إن شاء الله تعالى.\n_________\n(^١٦٨) - رواه البخاري في كتاب الإيمان، باب: علامات النفاق برقم (٣٤) ومسلم في الإيمان برقم ١٠٦ - (٥٨) ولفظه: \"أربع من كن فيه كان منافقًا خالصًا -والرابعة- وإذا خاصم فجر\".\n_________\n[¬١]- زيادة من ز، خ.\n[¬٢]- في ز الآية الثانية قبل الأولى.\n[¬٣]- في ز، خ: سورة.\n[¬٤]- في ت: \"سابقين\".\n[¬٥]- في ز: يكون.\n[¬٦]- في خ: \"كهذا\".","vol":"1","page":304},{"text":"قال الإِمام أحمد (^١٦٩): حدثنا أبو النضر، حدثنا أبو [¬١] معاوية [-يعني شيبان-] [¬٢] عن ليث، عن عمرو بن مرة، عن أبي البَخْتري [¬٣]، عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله، ﷺ: \"القلوب أربعة: قلب أجرد، فيه مثل السراج يزهر، وقلب أغلف مربوط على غلافه، وقلب منكوس، وقلب مصفح، فأما القلب الأجرد فقلب المؤمن سراجه فيه نوره، وأما القلب الأغلف فقلب الكافر، [وأما القلب المنكوس فقلب المنافق الخالص] [¬٤]، عرف ثم أنكر، وأما القلب المصفح فقلب فيه إيمان ونفاق، ومَثَل الإيمان فيه [¬٥] كمثل البقلة، يَمُدّها الماء الطيب، ومثل النفاق فيه كمثل القرحة يَمُدّها القيح والدم، فأي المادتين [¬٦] غلبت على الأخرى غلبت عليه\". وهذا إسناد [¬٧] جيد حسن.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ﴾.\nقال محمَّد بن إسحاق: حدّثني محمَّد بن أبي محمَّد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس (^١٧٠) في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾ قال: لِما تركوا\n_________\n(^١٦٩) - المسند (٣/ ١٧)، وإسناده ضعيف لعلتين: الأولى: الإرسال؛ فإن أبا البختري لم يسمع من أبي سعيد، قاله أبو داود، عقب إخراج حديث له عن أبي سعيد -كتاب الزكاة، باب: ما تجب فيه الزكاة، حديث ١٥٥٩ -: \"وأبو البختري لم يسمع من أبي سعيد\". ونقله عنه ابن حجر في التهذيب. وأبو البختري، اسمه سعيد بن فيروز بن أبي عمران الطائي الكوفي. وقال ابن أبي حاتم عن أبيه -في المراسيل-: لم يدرك أبا ذر، ولا أبا سعيد. وذكره ابن حبان في الثقات وقال: سعيد بن فيروز، ويقال: سعيد بن عمران، وقيل غير ذلك، وقال ابن سعد: كان كثير الحديث، يرسل حديثه، ويروي عن الصحابة، ولم يسمع من كثير أحد، فما كان من حديثه سماعًا فهو حسن، وما كان غيره فهو ضعيف. وقال عنه في التقريب: ثقة ثبت، فيه تشيع قليل، كثير الإرسال. والعلة الثانية: هي أنه من طريق ليث وهو ابن أبي سليم، واسم أنس أيمن، وقيل: أنس، وقيل غير ذلك، وهو صدوق اختلط جدًّا، ولم يتميز حديثه، فتُرك، قاله ابن حجر. وقال الذهبي: فيه ضعف يسير من سوء حفظه، كان ذا صلاة وصيام، وعلم كثير، وبعضهم احتج به. روى له مسلم مقرونًا. وأما عمرو بن مرة، فهو ثقة. والحديث أخرجه الطبراني في الصغير (٢/ ١٠٩ - ١١٠)، وأبو نعيم في الحلية (٤/ ٣٨٥)، وقال أبو نعيم: وقد رواه جرير، عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن أبي البختري، عن حذيفة مرسلًا. وقال أيضًا الحافظ ابن كثير في تفسيره - سورة النور آية ٢٠ -: إسناده جيد ولم يخرجوه. والحديث ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ٦٣) وقال: رواه أحمد والطبراني في الصغير، وفي إسناده ليث بن أبي سليم.\n(^١٧٠) - رواه ابن جرير (٤٧٠)، وابن أبي حاتم (٢١٠).\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- سقط من: خ، وفي ز: يعني: سبان.\n[¬٣]- في ز: البحتري.\n[¬٤]- سقط من ز.\n[¬٥]- في ز، خ: \"منه\".\n[¬٦]- في ز: المسندتين.\n[¬٧]- في ز، خ: \"إحسان\".","vol":"1","page":305},{"text":"من الحق بعد معرفته.\n﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ﴾.\nقال ابن عباس [¬١] (^١٧١): أي إن الله على كل ما أراد بعباده من نقمة أو عفو قدير.\nوقال ابن جرير: إنما وصف الله تعالى نفسه بالقدرة على كل شيء في هذا الموضع؛ لأنه حذر المنافقين بَأسه وسطوته، وأخبرهم أنه بهم محيط، وعلى إذهاب أسماعهم وأبصارهم قدير. ومعنى ﴿قَدِيرٌ﴾: قادر، كما أن معنى عليم عالم.\n[وذهب ابن جرير ومن تبعه من المفسرين إلى أن هذين المثلين مضروبان لصنف واحد من المنافقين، وتكون \"أو\" في قوله تعالى: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾ بمعنى الواو كقوله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ أو تكون للتخيير، أي: اضرب لهم مثلًا بهذا وإن شئت بهذا.\nقال القرطبي (^١٧٢): \" أو\" للتساوي، مثل جالس الحسن أو ابن سيرين، على ما وجهه الزمخشري (^١٧٣) أن كلًّا منهما مساو للآخر في إباحة الجلوس إليه، ويكون معناه على قوله: سواء ضربت لهم مثلًا بهذا أو بهذا فهو مطابق لحالهم.\n(قلت): وهذا يكون باعتبار جنس المنافقين؛ فإنهم أصناف، ولهم أحوال وصفات، كما ذكرها الله تعالى في سورة براءة، ومنهم، ومنهم، ومنهم، يذكر أحوالهم وصفاتهم وما يعتمدونه من الأفعال والأقوال، فجعل هذين المثلين لصنفين منهم أشد مطابقة لأحوالهم وصفاتهم، والله أعلم.\nكما ضرب المثلين في سورة النور لصنفي الكفار الدعاة والمقلدين في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ﴾ إلى أن قال: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ﴾ الآية. فالأول للدعاة الذين هم في جهل مركب، والثاني لذوي الجهل البسيط من الأتباع المقلدين، والله أعلم بالصواب] [¬٢].\n﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١)\n_________\n(^١٧١) - رواه ابن أبي حاتم (٢١٢).\n(^١٧٢) - القرطبي (١/ ٢١٥).\n(^١٧٣) - الكشاف (١/ ٣٣).\n_________\n[¬١]- عند ابن أبي حاتم: \"ابن إسحاق\".\n[¬٢]- سقط من ز.","vol":"1","page":306},{"text":"الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)﴾.\nشرع ﵎ في بيان [¬١] وحدانية ألوهيته، بأنه تعالى هو المنعم على عبيده، بإخراجهم من العلم إلى الوجود، وإسباغه عليهم النعم الظاهرة والباطنة، بأن جعل لهم الأرض فراشا، أي مهدًا كالفراش، مقررة [¬٢] موطأة مثبتة بالرواسي الشامخات، والسماء بناء وهو السقف، كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ (٣٢)﴾ [الأنبياء: ٣٢] وأنزل [لهم] [¬٣] من السماء ماء -والمراد به السحاب هاهنا- في وقته عند احتياجهم إليه، فأخرج لهم به من أنواع الزروع والثمار ما هو مشاهدٌ؛ رزقًا لهم ولأنعامهم، كما قرر هذا في غير موضع من القرآن، ومن أشبه آية [¬٤] بهذه الآية قوله تعالى: ﴿[] [¬٥] الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالمِينَ﴾. ومضمونه أنه الخالق الرازق مالك الدار وساكنيها ورازقهم، فبهذا [¬٦] يستحق أن يعبد وحده ولا يُشْرَك به غَيره، ولهذا قال: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.\nوفي الصحيحين عن ابن مسعود قال: قلت: يا رسول الله؛ أي الذنب أعظم؟ قال: \"أن تجعل لله ندًّا وهو خلقك … \" (^١٧٤) الحديث. وكذا حديث معاذ: \"أتدري ما حق الله على عباده؟ كان يعبدوه لا يشركوا به شيئًا … \" (^١٧٥) الحديث، وفي الحديث الآخر: \"لا يقولنّ أحدكم ما شاء الله وشاء فلان، ولكن ليقل: ما شاء الله، ثم شاء فلان\" (^١٧٦).\nوقال حماد بن سلمة: حدَّثنا عبد الملك بن عمير، عن رِبْعيِّ بن حِراش [¬٧] عن الطفيل ابن\n_________\n(^١٧٤) - البخاري في التفسير برقم (٤٧٦١)، ومسلم في الإيمان برقم ١٤١ - (٨٦).\n(^١٧٥) - رواه البخاري في كتاب التوحيد، باب: ما جاء في دعاء النبي، ﷺ، أمته. برقم (٧٣٧٣)، ومسلم في كتاب الإيمان، برقم ٤٨ - (٣٠).\n(^١٧٦) - صحيح، رواه أبو داود في كتاب الأدب، باب: لا يقل أحدكم: خبثت نفسي برقم (٤٩٨٠)، ورواه النسائي برقم (٩٨٥) في عمل اليوم والليلة، ورواه أحمد (٥/ ٣٨٤، ٣٩٤، ٣٩٨)، وابن أبي الدنيا في الصمت (٣٤١)، وابن أبي شيبة (١٧/ ١٩، ١٠/ ٣٤٦)، والطيالسي (٤٣٠)، وابن السني (٦٧١)، والطحاوي (١/ ٩٠)، والبيهقي في الكبرى (٣/ ٢١٦) من حديث حذيفة، ﵁.\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- في ز، خ: \"مقدرة\".\n[¬٣]- سقط من خ.\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- في ز: الله.\n[¬٦]- في: خ \"فهذا\".\n[¬٧]- في ز: خراش.","vol":"1","page":307},{"text":"سَخْبرَة [¬١] أخي عائشة أم المؤمنين لأمها، قال: رأيت فيما هي النائم، كأني أتيت على نفر من اليهود، فقلت: من أنتم؟ فقالوا: نحن اليهود. قلت: إنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون: عُزَير ابن الله. قالوا: وإنكم [¬٢] لأنتم القوم لولا أنكم تقولون: ما شاء الله وشاء محمَّد. قال: ثم مررت بنفر من النصارى، فقلت: من أنتم؟ قالوا: نحن النصارى. قلت: إنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون: المسيح ابن الله. قالوا: وإنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون: ما شاء الله وشاء محمَّد. فلما أصبحت أخبرت بها من أخبرت، ثم أتيت النبي ﷺ فأخبرته فقال: \"هل أخبرت بها أحدًا؟ \" فقلت: نعم. فقام فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: \"أما بعد، فإن طُفَيلًا رأى رؤيا أخبر بها من أخبر منكم، وإنكم قلتم: كلمة كان يمنعني كذا وكذا أن أنهاكم عنها، فلا تقولوا: ما شاء الله وشاء محمَّد، ولكن قولوا: ما شاء الله وحده\". هكذا رواه ابن مردويه في تفسير هذه الآية من حديث حماد بن سلمة به (^١٧٧)، وأخرجه ابن ماجه (^١٧٨) من وجه آخر عن عبد الملك بن عمير به، بنحوه.\nوقال سفيان بن سعيد الثوري، عن الأجلح بن عبد الله الكندي، عن يزيد بن الأصم، عن ابن عباس قال: قال رجل للنبي ﷺ: ما شاء الله وشئت. فقال: \"أجعلتني [¬٣] لله ندًّا؟ قل: ما شاء الله وحده\".\nرواه ابن مردويه وأخرجه النسائي وابن ماجه (^١٧٩) من حديث عيسى بن يونس، عن الأجلح،\n_________\n(^١٧٧) - ورواه الإِمام أحمد في المسند ٢٠٧٥١ - (٥/ ٧٢) من طريق بهز، وعفان، عن حماد بن سلمة، به، وابن أبي عاصم في الآحاد (٢٧٤٣)، والطبراني في الكبير (٤/ ٨٢١٤)، والحاكم (٣/ ٤٦٣).\n(^١٧٨) - رواه ابن ماجه في كتاب الكفارات، باب: النهي أن يقال: ما شاء الله وشئت، عقب حديث (٢١١٨) من حديث محمَّد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، ثنا أبو عاونة، عن عبد الملك، عن ربعي بن حراش، عن الطفيل، به نحوه، وقال البوصيري في الزوائد (٢/ ١٥١): هذا إسناد صحيح رجاله ثقات على شرط مسلم، رواه الدارمي في مسنده -كذا قال- عن يزيد بن هارون، عن شعبة، عن عبد الملك بن عمير، به، ورواه أبو بكر بن أبي شيبة في مسنده، عن عفان، عن حماد بن سلمة، عن عبد الملك بن عمير فذكره مطولًا جدًّا. وكذا رواه أبو يعلى من طريق عبد الملك، به.\n(^١٧٩) - رواه النسائي في الكبرى برقم (١٠٨٢٥)، وابن ماجه في كتاب الكفارات، باب: النهي أن يقال: ما شاء الله وشئت برقم (٢١١٧)، ورواه البخاري في الأدب المفرد (٧٨٣)، وأحمد (١/ ٢١٤، ٢٢٤، ٢٨٣، ٣٤٧)، وابن أبي شيبة (١٧/ ١٩ - ١١٨، ١٠/ ٣٤٦)، وابن أبي الدنيا في الصمت (٣٤٢)، وابن السني (٦٧٢)، والطحاوي في المشكل (١/ ٩٠)، والطبراني في الكبير (١٣٠٠٥، ١٣٠٠٦)، وأبو نعيم في الحلية (٤/ ٩٩)، والبيهقي (٣/ ٢١٧)، وقال البوصيري في الزوائد (١/ ١٥٠): هذا إسناد فيه الأجلح بن عبد الله، مختلف فيه، ضعفه أحمد، وأبو حاتم والنسائي، وأبو داود وابن سعد، =\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"سميرة\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"وأنتم\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"أجعلت\".","vol":"1","page":308},{"text":"به.\nوهذا كله صيانة وحماية لجناب التوحيد، والله أعلم.\nوقال محمَّد بن إسحاق: حدّثني محمَّد بن أبي محمَّد، عن عكرمة -أو سعيد بن جبير- عن ابن عباس قال: قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ للفريقين جميعًا من الكفار والمنافقين، أي: وحدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم (^١٨٠).\nوبه عن ابن عباس (^١٨١): ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي: لا تشركوا بالله غيره من الأنداد التي لا تنفع ولا تضر، وأنتم تعلمون أنه لا رب لكم يرزقكم غيره، وقد علمتم أن الذي يدعوكم إليه الرسول، ﷺ، من التوحيد [¬١] هو الحق الذي [¬٢] لا شكَّ فيه. وهكذا قال قتادة.\nوقال ابن أبي حاتم (^١٨٢): حدثنا أحمد بن عمرو بن أبي عاصم، حدثنا أبي عمرو، حدثنا أبي -الضحاك بن مخلد- أبو عاصم، حدثنا شبيب بن بشر، حدثنا عكرمة، عن ابن عباس، في قول الله ﷿: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ قال: الأنداد هو الشرك، أخفى من دبيب النمل على صفاة [¬٣] سوداء في ظلمة الليل، وهو أن يقول: والله، وحياتك يا فلان، وحياتي ويقول: لولا كلبة هذا لأتانا اللصوص البارحة، ولولا البط في الدار لأتى اللصوص، وقول الرجل لصاحبه: ما شاء الله وشئت، وقول الرجل: لولا الله وفلان. لا تجعل فيها \"فلان\"، هذا كله به شرك.\nوفي الحديث (^١٨٣) أن رجلًا قال لرسول الله ﷺ: ما شاء الله وشئت. فقال: \"أجعلتني لله ندًّا\".\nوفي الحديث الآخر (^١٨٤): \" نعم القوم أنتم لولا أنكم تنددون، تقولون: ما شاء الله وشاء\n_________\n= ووثقه ابن معين والعجلي ويعقوب بن سفيان، وباقي رجال الإسناد ثقات. رواه الإمام أحمد في مسنده من حديث ابن عباس أيضًا. ورواه أبو بكر بن أبي شيبة في مسنده إلا أنه قال: \"جعلتني لله عدلًا! قل: ما شاء الله\".\n(^١٨٠) - رواه ابن جرير (٤٧٢)، وابن أبي حاتم (٢١٦).\n(^١٨١) - رواه ابن جرير (٤٨٦)، وابن أبي حاتم (٢٣٢).\n(^١٨٢) - ابن أبي حاتم ٢٣٠ - (١/ ٨١)، وسنده جيد.\n(^١٨٣) - تقدم.\n(^١٨٤) - النسائي (٧/ ٦) من حديث قتيلة بنت صيفي، وأحمد (٦/ ٣٧١ - ٣٧٢)، وابن الأثير في =\n_________\n[¬١]- في ز: توحيده.\n[¬٢]- سقط من ز.\n[¬٣]- في ز، خ: \"صفا\".","vol":"1","page":309},{"text":"فلان\".\nقال أبو العالية: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ أي [عدلاء شركاء].\nوهكذا قال الربيع بن أنس وقتادة، والسدي وأبو مالك، واسماعيل بن أبي خالد.\nوقال مجاهد: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ قال: تعلمون أنه إله واحد في التوراة والإنجيل.\n(ذكر حديث في معنى هذه الآية الكريمة)\nقال الإمام أحمد (^١٨٥): حدثنا عفان، حدثنا أبو خلف -موسى بن خلف، وكان يُعَدُّ من البُدَلاء- حدثنا يحيى بن أبي كثير، عن زيد بن سلام، عن جده ممطور، عن الحارث الأشعري أن نبي اللَّه ﷺ قال: \"إن اللَّه ﷿ أمر يحيى بن زكريا- ﵇ بخمس كلمات، أن يعمل بهن، وأن يأمر بني إسرائيل أن يعملوا بهنّ، فكاد [¬١] أن [¬٢] يبطئ بها [¬٣]، فقال له عيسى ﵇: إنك قد أمرت بخمس كلمات أن تعمل بهنّ وتأمر بني إسرائيل أن يعملوا بهنّ، فإما أن تبلغهنّ وإما أن أبلغهنّ فقال: يا أخي، إني أخشى إن سبقتني أن أعذب أو يخسف بي قال: فجمع يحيى بن زكريا بني إسرائيل في بيت المقدس، حتى امتلأ المسجد، فقعد على الشرف، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: إن الله أمرني بخمس كلمات أن أعمل بهن، وآمركم أن تعملوا بهنّ، [وأولهنّ] [¬٤]، أن تعبدوا الله [و] [¬٥] لا تشركوا به شيئًا، فإن مثل ذلك مَثَلُ رجل اشترى عبدًا من خالص ماله بوَرِق أو ذهب، فجعل يعمل ويؤدي غلته [¬٦] إلى غير سيده، فأيكم يسره أن يكون عبده كذلك؟ وإن اللَّه خلقكم ورزقكم فاعبدوه ولا تشركوا به شيئًا، وآمركم بالصلاه؛ فإن اللَّه\n_________\n= أسد الغابة (٧/ ٢٣٩)، وصححه الحافظ في الفتح (٤/ ٣٨٩).\n(^١٨٥) - صحيح، والحديث في المسند ١٧٢١٩ - (٤/ ١٣٠)، وأخرجه الترمذي في كتاب الأمثال، باب: ما جاء في مثل الصلاة والصيام والصدقة (٥/ ١٣٦) حديث (٢٨٦٣)، والنسائي في التفسير، وفي السير من السنن الكبرى، والطيالسي (١١٦١، ١١٦٢)، وأبو يعلى (٣/ ١٥٧١)، وابن خزيمة (٣/ ١٨٩٥)، والحاكم في المستدرك (١/ ١١٧، ١١٨، ٢٣٦، ٤٢١)، والطبراني في الكبير (٤/ ٣٢٣) حديث (٣٤٢٧)، وابن حبان كما في الموارد (١٢٢٢)، وقال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح غرب. وصححه الألباني في صحيح الترمذي حديث ٢٢٩٨.\n_________\n[¬١]- في ز: وكان، والمثبت من المسند.\n[¬٢]- سقط من ز.\n[¬٣]- سقط من ز.\n[¬٤]- سقط من المسند.\n[¬٥]- سقط من ز.\n[¬٦]- في ز، خ: \"الذي عليه\".","vol":"1","page":310},{"text":"ينصب وجهه لوجه عبده ما لم يلفت، فإذا صليتم فلا تلعفتوا، وآمركم بالصيام، فإن مثل ذلك كمثل رجل معه صرة من مسك في عصابة، كلهم يجد ريح المسك، وإن خلوف فم الصائم أطيب عند اللَّه من ريح المسك، وآمركم بالصدقة، فإن مثل ذلك كمثل رجل أسره العدوّ فشدّوا يديه إلى عنقه وقدّموه ليضربوا عنقه، وقال لهم: هل لكم أن أفتدي نفسي منكم [¬١]؟ فجعل يفتدي نفسه منهم بالقليل والكثير حتى فك نفسه، وآمركم بذكر الله كثيرًا؛ فإن [¬٢] مثل ذلك كمثل رجل طلبه العدو سِرَاعًا في أثره، فأتى حصنًا حصينًا فتحصن فيه، وإن العبد أحصنُ ما يكون من الشيطان إذا كان في ذكر اللَّه.\nقال: وقال رسول اللَّه ﷺ: (وأنا آمركم بخمس، اللَّهُ أمرني بهن: الجماعة، والسمع، والطاعة، والهجرة، والجهاد في سبيل اللَّه؛ فإنه من خرج من الجماعة قيد شبر فقد خلع رِبْقة [¬٣] الإسلام من عنقه، إلا أن يراجع، ومن دعا بدعوى الجاهلية [¬٤] فهو من جُثَى (^١٨٦) جهنم\".\nقالوا: يا رسول اللَّه؛ وإن صام وصلَّى [¬٥]؟ [فقال: \"وإن صام وصلَّى] [¬٦] وزعم أنه مسلم؛ فادعوا المسلمين بأسمائهم [على ما] [¬٧] سماهم اللَّه ﷿ المسلمين المؤمنين عباد اللَّه\".\nهذا حديث حسن، والشاهد منه في هذه الآية قوله: \"وإن اللَّه خلقكم ورزقكم فاعبدوه ولا تشركوا به شيئًا\".\n[وهذه الآية دالة على توحيده تعالى بالعبادة وحده لا شريك له، وقد استدل بها كثير من المفسرين -كالرازي وغيره- على وجود الصانع تعالى، وهي دالة على ذلك بطريق الأولى؛ فإن من تأمّل هذه الموجودات السفلية والعلوية، واختلاف أشكالها وألوانها، وطباعها ومنافعها، ووضعها في مواضع النفع بها محكمة- علم قدرة خالقها وحكمته، وعلمه وإتقانه، وعظيم سلطانه، كما قال بعض الأعراب وقد سئل: ما الدليل على وجود الرب تعالى؟ فقال: يا سبحان اللَّه! أن البعرة لتدل على البعير، وإن أثر الأقدام لتدل على المسير، فسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، وبحار ذات أمواج؟ ألا يدل ذلك على وجود اللطيف الخبير؟\n_________\n(^١٨٦) - الجثا: جمع جُثوة -بالضم- وهو الشيء المجموع. النهاية (١/ ٢٣٩).\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في ز: وإن.\n[¬٣]- في ز: زيق.\n[¬٤]- في ز: جاهلية.\n[¬٥]- في ز: وإن صلى.\n[¬٦]- سقط من ز.\n[¬٧]- في ز: بل بما.","vol":"1","page":311},{"text":"وحكى الرازي عن الإمام مالك أنّ الرشيد سأله عن ذلك، فاستدل له باختلاف اللغات والأصوات والنغمات، وعن أبي حنيفة أنّ بعض الزنادقة سألوه عن وجود الباري تعالى، فقال لهم: دعوني فإني مفكر في أمر قد أخبرت عنه، ذكروا لي أنّ سفينة في البحر موقرة، فيها أنواع من المتاجر وليس بها أحد يحرسها ولا يسوقها، وهي مع ذلك تذهب وتجيء وتسير بنفسها، وتخترق الأمواج العظام حتى تتخلص منها، وتسير حيث شاءت بنفسها من غير أن يسوقها أحد. فقالوا: هذا شيء لا يقوله عاقل. فقال: وَيحَكُم! هذه الموجودات بما فيها من العالم العلوي والسفلي، وما اشتملت عليه من الأشياء المحكمة أليس لها صانع؟ فبهت القوم ورجعوا إلى الحق وأسلموا على يديه.\nوعن الشافعي أنه سئل عن وجود الصانع فقال: هذا ورق التوت طعمه واحد؛ تأكله الدود فيخرج منه الإبريسم، وتأكله النحل فيخرج منه العسل، وتأكله الشاة والبقر والأنعام فتلقيه بعرًا وروثا، وتأكله الطاء فيخرج منها المسك، وهو شيء واحد.\nوعن الإمام أحمد بن حنبل أنه سئل عن ذلك فقال: هاهنا حصن حصين أملس، ليس له باب ولا منفذ، ظاهره كالفضة البيضاء، وباطنه كالذهب الإبريز، فبينا هو كذلك إذ انصدع جداره، فخرج منه حيوان سميع بصير، ذو شكل حسن وصوت مليح.\nيعني بذلك البيضة إذا خرج منها الدجاجة، وسئل أبو نواس عن ذلك فأنشد:\nتأمّل في نبات الأرض وانظر … إلى آثار ما صنع المليك\nعيون من لجين شاخصات … بأحداق هي الذهب السبيك\nعلى قضب الزبرجد شاهدات … بأن الله ليس له شريك\nوقال ابن المعتز:\nفيا عجبًا كيف يعصى الإلـ … ـه أم كيف يجحده الجاحد\nوفي كل شيء له آية … تدل على أنه واحد\nوقال آخرون: من تأمل هذه السموات في ارتفاعها واتساعها، وما فيها من الكواكب الكبار والصغار النيرة من السيارة ومن الثوابت، وشَاهَدَها كيف تدور مع الفلك العظيم، في كل هم وليلة دويرة، ولها في أنفسها سير يخصها، ونظر إلى البحار المكتنفة للأرض من كل جانب، والجبال الموضوعة في الأرض لتقرّ ويسكن ساكنوها، مع اختلاف أشكالها وألوانها كما قال تعالى: ﴿وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ (٢٧) وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾.","vol":"1","page":312},{"text":"وكذلك هذه الأنهار السارحة من قطر إلى قطر للمنافع، وما ذرأ في الأرض من الحيوانات المتنوّعة، والنبات المختلف الطعوم والأراييح، والأشكال [والألوان] مع اتحاد طبيعة التربة والماء- استدل على وجود الصانع وقدرته العطمة، وحكمته ورحمته [بخلقه]، ولطفه بهم وإحسانه إليهم، وبره بهم لا إله غيره ولا رب سواه عليه توكلت وإليه أنيب، والآيات في القرآن الدالة على هذا المقام كثيرة جدًّا] [¬١].\n﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٣) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (٢٤)﴾.\nثم شرع تعالى في تقرير النبوّة بعد أن قرّر أنه لا إله إلا هو، فقال مخاطبًا للكافرين: ﴿وإن كنتم في ريب مما نزَّلنا على عبدنا﴾ يعني محمدًا صلى اللَّه تعالى عليه وآله وسلم ﴿فأتوا بسورة﴾ من مثل ما جاء به إن زعمتم أنه من عند غير اللَّه، فعارضوه بمثل ما جاء به، واستعينوا على ذلك بمن شئتم من دون اللَّه فإنكم لا تستطعون ذلك.\nقال ابن عباس (^١٨٧) ﴿شهداءكم﴾ أعوانكم. [أي قومًا آخرين يساعدونكم على ذلك] [¬٢].\nوقال السدي: عن أبي مالك: شركاءكم [¬٣] أي استعينوا بآلهتكم في ذلك يمدّونكم وينصرونكم [¬٤]\nوقال مجاهد: ﴿وادعوا شهداءكم﴾ قال: ناس يشهدون به. [يعني حكام الفصحاء] [¬٥].\nوقد تحدّاهم اللَّه تعالى بهذا في غير موضع من القرآن، فقال [في سورة \"القصص\": ﴿قل: فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما أتبعه إن كنتم صادقين﴾. وقال] [¬٦] في سورة سبحان: ﴿قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرًا﴾. وقال في سورة هود: ﴿أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون اللَّه إن كنتم صادقين﴾.\n_________\n(^١٨٧) - رواه ابن جرير (٤٩٦)، وابن أبي حاتم (٢٤١) بإسناد ضعيف.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في ز: شركاؤكم.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"1","page":313},{"text":"وقال في سورة يونس: ﴿وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون اللَّه ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل [¬١] الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين﴾.\nوكل هذه الآيات مكية، ثم تحدّاهم بذلك أيضًا في المدينة فقال في هذه الآية: ﴿وإن كنتم في ريب﴾ أي شك ﴿مما نزلنا على عبدنا﴾ يعني محمدًا ﷺ ﴿فأتوا بسورة من مثله﴾ يعني من مثل القرآن، قاله مجاهد وقتادة، واختاره ابن جرير [الطبري والزمخشري والرازي، ونقله عن عمر، وابن مسعود، وابن عباس، والحسن البصري، وأكثر المحققين، ورجَّح ذلك بوجوه من أحسنها أنه تحدّاهم كلهم متفرّقين ومجتمعين، سواء في ذلك أميهم وكتابيهم، وذلك أكمل في التحدّي وأشمل من أن يتحدى آحادهم الأميين ممن لا يكتب ولا يعاني شيئًا من العلوم] [¬٢]، وبدليل قوله تعالى: ﴿فأتوا بعشو سور مثله﴾ وقوله: ﴿لايأتون بمثله﴾ وقال بعضهم: من مثل محمد ﷺ يعني من رجل أمي مثله.\nوالصحيح الأول؛ لأن التحدي عام لهم كلهم مع أنهم أفصح الأم، وقد تحدّاهم بهذا في مكة والمدينة مرّات عديدة، مع شدّة عداوتهم له وبغضهم لدينه، ومع هذا عجزوا عن ذلك، ولهذا قال تعالى: ﴿فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا﴾ ولن لنفي التأييد [في المستقبل] [¬٣]، أي ولن تفعلوا ذلك أبدًا. [وهذه أيضًا معجزة أخرى، وهو أنه أخبر خبرًا جازمًا قاطعًا مقدمًا غير خائف ولا مشفق أن هذا القرآن لا يعارض بمثله أبد] [¬٤] [الآبدين ودهر الداهرين، وكذلك وقع الأمر، لم يعارض من لدنه إلى زمننا هذا، ولا يمكن، وأنى يتأتى ذلك لأحد، والقرآن كلام الله خالق كل شيء، وكيف يشبه كلام الخالق كلام الخلوقين، ومن تدبر القرآن، وجد فيه من وجوه الإعجاز فنونًا ظاهرة وخفية من حيث اللفظ، ومن جهة المعنى. قال الله تعالى: ﴿الر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير﴾ فأحكمت ألفاظه وفصلت معانيه أو بالعكس على الخلاف، فكل من لفظه ومعناه فصيح لا يجارى ولا يدانى؛ فقد أخبر عن مغيبات ماضية ووقعت طبق ما أخبر سواء بسواء، وأمر بكل خير ونهى عن كل شر، كما قال تعالى: ﴿وتمت كلمة ربك صدقًا وعدلًا﴾ أي: صدقًا في الإخبار، وعدلا في الأحكام، فكله حق وصدق وعدل وهدى، ليس فيه مجازفة ولا كذب ولا افتراء، كما يوجد في أشعار العرب وغيرهم من الأكاذيب والمجازفات التي لا يحسن شعرهم إلا بها، كما قيل في الشعر: إنّ أعذبه أكذبه، وتجد القصيدة الطويلة المديدة قد استعمل غالبها في وصف النساء أو الخيل أو الخمر، أو في مدح شخص معين أو فرس أو ناقة أو حرب أو كائنة أو مخافة أو سبع، أو شيء من المشاهدات المتعينة التي لا تفيد شيئًا إلا قدرة المتكلم المعين على الشيء الخفي أو الدقيق، أو إبرازه إلى الشيء الواضح، ثم تجد له فيه بيتًا أو بيتين أو أكثر\n_________\n[¬١]- في خ: \"وتفصيل كل شيء\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"1","page":314},{"text":"هي بيوت القصيد وسائرها هذر لا طائل تحته.\nوأما القرآن فجميعه فصيح في غاية نهايات البلاغة، عند من يعرف ذلك تفصيلًا واجمالًا، ممن فهم كلام العرب وتصاريف التعبير، فإنه إن تأملت أخباره وجدتها في غاية الحلاوة، سواء كانت مبسوطة أو وجيزة، وسواء تكررت أم لا، وكلما تكررت حلا وعلا، لا يخلق عن كثرة الردّ، ولا يمل منه العلماء، وإن أخذ في الوعيد والتهديد جاء منه ما تقشعر منه الجبال الصُم الراسيات، فما ظنك بالقلوب الفاهمات، وإن وعد أتى بما يفتح القلوب والآذان، ويشوق إلى دار السلام ومجاورة عرش الرحمن، كما قال في الترغيب: ﴿فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرّة أعين جزاء بما كانوا يعملون﴾. وقال: ﴿وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين، وأنتم فيها خالدون﴾. وقال في الترهيب: ﴿أفأمنتم أن يخسف بكم جانب البر﴾. ﴿أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور، أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصبًا فستعلمون كيف نذير﴾.\nوقال في الزجر: ﴿فكلًّا أخذنا بذنبه﴾ وقال في الوعظ: ﴿أفرأيت إن متعناهم سنين، ثم جاءهم ما كانوا يوعدون ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون﴾ إلى غير ذلك من أنواع الفصاحة والبلاغة والحلاوة، وإن جاءت الآيات في الأحكام والأوامر والنواهي اشتملت على الأمر بكل معروف حسن نافع طيب محبوب، والنهي عن كل قبيح رذيل دنيء، كما قال ابن مسعود وغيره من السلف: إذا سمعت اللَّه تعالى يقول في القرآن: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ فارعها سمعك؛ فإنها خير يأمر به، أو شر ينهى عنه.\nولهذا قال تعالى: ﴿يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم﴾ الآية. وإن جاءت الآيات في وصف المعاد، وما فيه من الأهوال، وفي وصف الجنة والنار، وما أعدّ اللَّه فيهما لأوليائه وأعدائه من النعيم والجحيم، والملاذ والعذاب الأليم، بشرت به وحذرت وأنذرت، ودعت إلى فعل الخيرات واجتناب المنكرات، وزهَّدت في الدنيا ورغبت في الأخرى، وثبَّتت على الطريقة المثلى، وهدت إلى صراط اللَّه المستقيم، وشرعه القويم، ونفت عن القلوب رجس الشيطان الرجيم] [¬١].\nولهذا ثبت في الصحيحين (^١٨٨) عن أبي هريرة ﵁ أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه\n_________\n(^١٨٨) - صحيح البخاري، كتاب فضائل القرآن، باب: كيف نزل الوحي وأول ما نزل برقم (٤٩٨١)، وصحيح مسلم، كتاب الإيمان برقم ٢٣٩ - (١٥٢).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"1","page":315},{"text":"وسلم قال: \"ما [من الأنبياء من نبي] [¬١] إلا قد أعطي من الآيات [ما مثله آمن عليه البشر] [¬٢]، وإنما [كان الذي أوتيت] [¬٣] وحيًا أوحاه اللَّه إليَّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة\". لفظ مسلم.\nوقوله [ﷺ]: \"وإنما كان الذي أوتيت [¬٤] وحيًا\" أي الذي اختصصت [¬٥] به من بينهم هذا القرآن المعجز للبشر أن يعارضوه، بخلاف غيره من الكتب الإلهية، فإنها ليست معجزة [عند كثير من العلماء] [¬٦]، واللَّه أعلم. وله أعليه الصلاة والسلام، من الآيات الدالة على نبوته وصدقه فيما جاء به ما [¬٧] لا يدخل تحت حصر، وللَّه الحمد والمنة.\n[وقد قرر بعض المتكلمين الإعجاز بطريق يشمل قول أهل السنة وقول المعتزلة في الصرفة، فقال: إن كان هذا القرآن معجزًا في نفسه، لا يستطيع البشر الإتيان بمثله، ولا في قواهم معارضته، فقد حصل المدعى وهو المطوب، وإن كان في إمكانهم معارضته بمثله، ولم يفعلوا ذلك مع شدة عداوتهم له، كان ذلك دليلًا على أنه من عند اللَّه، لصرفه إياهم عن معارضته مع قدرتهم على ذلك، وهذه الطريقة وإن لم تكن مرضية -لأن القرآن في نفسه معجز، لا يستطع البشر معارضته كما قررنا- إلا أنها تصلح على سبيل التنزل والمجادلة والمنافحة عن الحق. وبهذه الطريقة أجاب الرازي في تفسيره عن سؤاله في السور القصار؛ كالعصر، وإنا أعطيناك الكوثر] [¬٨].\nوقوله تعالى: ﴿فاتقوا النار التي وَقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين﴾ أما الوَقود بفتح الواو فهو ما يُلقى في النار لإضرامها كالحطب ونحوه، كما قال تعالى: ﴿وأما القاسِطون فكانوا لجهنم حطبًا﴾ وقال تعالى: ﴿إنكم وما تعبدون من دون اللَّه حَصَبُ جهنمَ أنتم لها واردون [لو كان هؤلاء آلهةً ما وَرَدُوها وكلٌّ فيها خالدون] [¬٩]﴾.\nوالمراد بالحجارة هاهنا هي حجارة الكبريت العظيمة السوداء [¬١٠] الصلبة المنتنة، وهي أشدّ الأحجار حرًّا إذا حميت، أجارنا اللَّهُ منها!\nوقال عبد [¬١١] الملك بن ميسرة الزرّاد، عن عبد الرحمن بن سابط، عن عمرو بن ميمون، عن\n_________\n[¬١]- في ت: \"ما من نبي من الأنبياء\".\n[¬٢]- في ت: \"ما آمن على مثله البشر\".\n[¬٣]- في ت: \"وإنما الذي كان أوتيته\".\n[¬٤]- في ت: \"أوتيته\".\n[¬٥]- في ز: اختصيت.\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٧]- سقط من ز.\n[¬٨]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٩]- ما بين المعكوفتين سفط من: ز، خ.\n[¬١٠]- في ز: السود.\n[¬١١]- في ز: عبيد.","vol":"1","page":316},{"text":"عبد اللَّه بن مسعود في قوله تعالى: ﴿وَقُودُها الناس والحجارة﴾ قال: هي حجارة من كبريت، خلقها اللَّه يوم خلق السموات والأرض في السماء الدنيا، يُعدها للكافرين.\nرواه ابن جرير، وهذا لفظه، وابن أبي حاتم، والحاكم في مستدركه، وقال: على شرط الشيخين (^١٨٩).\nوقال السدي في تفسيره، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرّة، عن ابن مسعود، وعن ناس من الصحابة: ﴿فاتقوا [¬١] النار التي وقودها الناس والحجارة﴾. أما الحجارة فهي حجارة في النار من كبريت أسود يعذبون به مع النار (^١٩٠).\nوقال مجاهد: حجارة من كبريت أنتن من الجيفة. وقال أبو جعفر محمد بن علي: حجارة من كبرسا. وقال ابن جريج: حجارة من كبريت أسود في النار. وقال لي [¬٢] عمرو بن دينار: أصلب من هذه الحجارة وأعظم.\n[وقيل: المراد بها حجارة الأصنام والأنداد التي كانت تُعبد من دون اللَّه، كما قال تعالى: ﴿إنكم وما تعبدون من دون اللَّه حصب جهنم﴾ الآية، حكاه القرطبي والرازي، ورجحه على الأوَّل، قال: لأن أخذ النار في حجارة الكبريت ليس بمستنكر، فجعلها هذه الحجارة أولى.\nوهذا الذي قاله ليس بقوي؛ وذلك أن النار إذا أضرمت بحجارة الكبريت كان ذلك أشدّ لحرها وأقوى لسعيرها، ولا سيما على ما ذكره السلف من أنها حجارة من كبريت معدة لذلك، ثم إن أخذ النار بهذه الحجارة أيضًا مشاهد، وهذا الجص يكون أحجارًا فيعمل فيه بالنار حتى يصير كذلك.\nوكذلك سائر الأحجار تفجرها النار وتحرقها، وإنما سيق هذا في حرّ هذه النار التي وعدوا بها وشدة إضرامها وقوة لهبها كما قال تعالى: ﴿كلما خَبَتْ زِدْنَاهُم سعيرًا﴾.\nوهكذا رجح القرطبي أن المراد بها الحجارة التي تُسعر بها النار لتحمر ويشتد لهبها، قال: ليكون ذلك أشد عذابًا لأهلها.\nقال: وقد جاء في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: \"كل مؤذٍ في\n_________\n(^١٨٩) - تفسير ابن جرير ٥٠٣ - (١/ ٣٨١)، وتفسير ابن أبي حاتم ٢٤٥ - (١/ ٨٥) والمستدرك (٢/ ٢٦١). وعبد الرزاق (١/ ٤٠)، وهناد في الزهد (٦٣)، والطبراني (٩/ ٩٠٢٦). وقول الحاكم: على شرط الشيخين فيه نظر؛ فإن عبد الرحمن بن سابط من رجال مسلم دون البخاري.\n(^١٩٠) - رواه ابن جرير (٥٠٥).\n_________\n[¬١]- في ز: اتقوا.\n[¬٢]- سقط من: خ.","vol":"1","page":317},{"text":"النار\" (^١٩١). وهذا الحديث ليس بمحفوظ ولا معروف. ثم قال القرطبي: وقد فسر بمعنيين:\nأحدهما أن كل من آذى الناس دخل النار.\nوالآخر أن كل ما يؤذي في النار يتأذى به أهلها من السباع والهوام وغير ذلك] [¬١].\nوقوله تعالى: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ الأظهر أن الضمير في أعدت، عائد إلى النار التي وقودها الناس والحجارة، ويحتمل عوده إلى الحجارة، كما قال ابن مسعود، ولا منافاة بين القولين في المعنى؛ لأنهما متلازمان.\nوأعدت؛ أي: أرصدت وحصلت للكافرين باللَّه ورسوله، كما قال ابن إسحاق، عن محمد، عن عكرمة -أو سعيد بن جبير- عن ابن عباس: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ أي: لمن كان على مثل ما أنتم عليه من الكفر.\n[وقد استدل كثير من أئمة السنة بهذه الآية على أن النار موجودة الآن، لقوله تعالى: ﴿أُعِدَّتْ﴾ أي أُرصدت وهُيئت، وقد وردت أحاديث كثيرة في ذلك منها: \"تحاجَّت الجنة والنار\" (^١٩٢). ومنها: \"استأذنت النار وبها فقالت: ربِّ أَكَلَ بعضي بعضًا. فأذِنَ لها بنفسين نفسٍ في الشتاء، ونفسٍ في الصيف\" (^١٩٣).\nوحديث ابن مسعود: سمعنا وجبة فقلنا ما هذه؟ فقال رسول اللَّه ﷺ: \"هذا حجر ألقي به من شفير جهنم منذ سبعين سنة، الآن وصل إلى قعرها\". وهو عند مسلم (^١٩٤).\n_________\n(^١٩١) - موضوع، رواه الخطيب في تاريخ بغداد (١١/ ٢٩٩) من طريق المفيد عن الأشج، عن علي ﵁ به، مرفوعًا. وآفته عثمان بن الخطاب بن عبد اللَّه العوام البلوي الأشج المغربي أبو عمرو يعرف بأبي الدنيا قال الخطيب: والعلماء من أهل النقل لا يثبتون قوله ولا يحتجون بحديثه. وقال أيضًا: حدث ببغداد خمسة أحاديث حفظت منها ثلاثة، هذا أحدها، وما علمت أن أحدًا ببغداد كتب عنه حرفا واحدًا، ولم يكن عندي بذاك الثقة. وقال الذهبي في المغني: كذبوه. ورواه ابن عساكر في تاريخ دمشق (١١/ ٩٢) وابن الجوزي في العلل المتناهية (٢/ ٢٦٣). وقال ابن الجوزي: هذا حديث لا يصح، والأشج غير موثوق بقوله عند العلماء. وقال المناوي في فيض القدير: وأورده الذهبي في المتروكين، وقال: خبر غريب.\n(^١٩٢) - البخاري (٤٨٥٠)، ومسلم ٣٦ - (٢٨٤٦).\n(^١٩٣) - رواه البخاري (٥٣٧)، وأحمد (٢/ ٢٣٨).\n(^١٩٤) - رواه مسلم من حديث أبي هريرة في كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها برقم ٣١ - (٢٨٤٤).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"1","page":318},{"text":"وحديث صلاة الكسوف (^١٩٥)، وليلة الإسراء، وغير ذلك من الأحاديث المتواترة في هذا المعنى، وقد خالفت المعتزلة بجهلهم في هذا ووافقهم القاضي منذر بن سعيد البلوطي قاضي الأندلس.\n(تنبيه ينبغي الوقوف عليه)\nقوله تعالى: ﴿فَأْتُوا بسورة من مثله﴾، وقوله في سورة يونس: ﴿بسورة مثله﴾ يعم كل سورة في القرآن طويلة كانت أو قصيرة؛ لأنها نكرة في سياق الشرط فتعُم، كما هي في سياق النفي عند المحققين من الأصوليين، كما هو مقرر في موضعه، فالإعجاز حاصل في طوال السور وقصارها، وهذا ما لا أعلم فيه نزاعًا بين الناس سلفًا وخلفًا.\nوقد قال الرازي في تفسيره: فإن قيل قوله تعالى: ﴿فأتوا بسورة من مثله﴾ يتناول سورة الكوثر، وسورة العصر، وقل يا أيها الكافرون، ونحن نعلم بالضرورة أن الإتيان بمثله أو بما يقرب منه ممكن. فإن قلتم: إن الإتيان بمثل هذه السور خارج عن مقدار البشر، كان مكابرة، والإقدام على هذه المكابرات مما يطرق بالتهمة إلى الدين. (قلنا): فلهذا السبب اخترنا الطريق الثاني. وقلنا: إن بلغت هذه السورة في الفصاحة حدّ الإعجاز فقد حصل المقصود، وإن لم يكن كذلك كان امتناعهم من المعارضة مع شدة دواعيهم إلى توهين أمره معجزا، فعلى التقديرين يحصل المعجز. هذا لفظه بحروفه.\nوالصواب أن كل سورة من القرآن معجزة، لا يستطع البشر معارضتها طويلة كانت أو قصيرة، قال الشافعي ﵀ لو تدبر الناس هذه السورة لكفتهم: ﴿والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر﴾.\nوقد رُوينا عن عمرو بن العاص أنه وفد على مسيلمة الكذاب قبل أن يسلم، فقال له مسيلمة: ماذا أنزل على صاحبكم بمكة في هذا الحين؟ فقال له عمرو: لقد أنزل عليه سورة وجيزة بليغة، فقال: وما هي؟ فقال ﴿والعصر إنّ الإنسان لفي خسر﴾ ففكر ساعة ثم رفع رأسه فقال: ولقد أنزل عليَّ مثلها. فقال: وما هو؟ فقال: يا وبر يا وبر، إنما أنت أذنان وصدر، وسائرك حقر فقر. ثم قال: كيف ترى يا عمرو؟ فقال له عمرو: واللَّه إنك لتعلم أني لأعلم أنك تكذب] [¬١].\n﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا\n_________\n(^١٩٥) - حديث ابن عباس في الخسوف رواه البخاري (١/ ٨٣)، ومسلم ١٧ - (٩٠٧).\n_________\n[¬١] ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"1","page":319},{"text":"الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٥)﴾\nلما ذكر تعالى ما أعدَّه لأعدائه من الأشقياء الكافرين به وبرسله من العذاب والنكال، عطف بذكر حال أوليائه من السعداء المؤمنين به وبرسله، الذين صدَّقوا إيمانهم [¬١] بأعمالهم الصالحة.\nوهذا معنى تسمية القرآن مثاني على أصح أقوال العلماء، كما سنبسطه في موضعه، وهو أن يذكر الإيمان ويتبع بذكر الكفر أو عكسه، أو حال السعداء [¬٢] ثم الأشقياء [¬٣] أو عكسه، وحاصله ذكر الشيء ومقابله.\nوأمّا ذكر الشيء ونظيره فذاك التشابه، كما سنوضحه إن شاء الله، فلهذا قال تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [فوصفها بأنها تجري من تحتها الأنهار] [¬٤]، كما وصف النار بأن وقودها الناسُ والحجارة، ومعنى ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ أي: من تحت أشجارها وغرفها.\nوتد جاء فِي الحديث (^١٩٦) أن أنهارها تجري في [¬٥] غير أخدود، وجاء في الكوثر أن حافتيه [¬٦] قباب اللؤلؤ المجوَّف، ولا منافاة بينهما، وطينها المسك الأذفر، وحصباؤها اللؤلؤ والجوهر، نسأل الله من فضله إنه هو البر الرحيم.\nوقال ابن أبي حاتم (^١٩٧): قرئ على الربيع بن سليمان، حدَّثنا أسد بن موسى، حدَّثنا ابن ثوبان، عن عطاء بن قُرَّة، عن عبد الله بن ضمرة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"أنهار الجنة تُفَجَّر من تحت تلال أو [¬٧] من تحت جبال المسك\".\n_________\n(^١٩٦) - رواه أبو نعيم في الحلية (٦/ ٢٠٥)، وفي صفة الجنَّة (٣١٦) من حديث أنس بن مالك، وإسناده ضعيف.\n(^١٩٧) - إسناده حسن من أجل ابن ثوبان، وعبد الله بن ضمرة: وثقه العجلي وابن حبان. والحديث في تفسير ابن أبي حاتم ٢٥٣ - (١/ ٨٧)، ورواه أَبو نعيم في صفة الجنَّة برقم (٣١٣) من طريق الربيع بن سليمان، به، ورواه ابن حبان في صحيحه برقم (٢٦٢٢ موارد) من حديث أسد بن موسى، عن ابن ثوبان، له، ورواه العقيلي (٢/ ٣٢٦)، والبيهقي في البعث (٢٦٦).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: أيمانهم الصادقة.\n[¬٢]- في ز: البعداء.\n[¬٣]- في ز، خ: الأتقياء.\n[¬٤]- ما بين المعكوفين سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- في ز: من.\n[¬٦] في ز: حافتاه.\n[¬٧]- في ز، خ: \"أخر\".","vol":"1","page":320},{"text":"وقال [أيضًا (^١٩٨)] [¬١]: حدَّثنا أَبو سعيد، حدَّثنا وكيع، عن الأعمش، عن عبد الله [بن مرّة، عن مسروق قال: قال عبد الله] [¬٢]: أنهار الجنَّة تفجر من جبل مسك.\nوقوله تعالى: ﴿كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ﴾. قال [¬٣] السدي في تفسيره، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عبَّاس، وعن مرَّة، عن ابن مسعود، وعن ناس من الصحابة قالوا: ﴿هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ﴾ قال: إنهم أتوا بالثمرة في الجنَّة، فلما نظروا إليها قالوا: هذا الذي رزقنا من قبل في الدنيا (^١٩٩).\nوهكذا قال قَتَادة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، ونصره [¬٤] ابن جرير.\nوقال عكرمة: ﴿قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ﴾ قال: معناه مثل الذي كان بالأمس. وكذا قال الربيع بن أَنس.\nوقال مجاهد: يقولون: ما أشبهه به!\nقال ابن جرير: وقال آخرون: بل تأويل ذلك: هذا الذي رزقنا من ثمار الجنَّة من قبل هذا [¬٥]؛ لشدة [¬٦] مشابهة بعضه بعضا لقوله تعالى: ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾ قال سُنَيد بن داود (^٢٠٠): حدَّثنا شيخ من أهل المصيصة، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، قال: يؤتى أحدهم بالصحفة [من الشيء] [¬٧] فيأكل منها، ثم يؤتى بأخرى فيقول: هذا الذي أتينا به من قبل. فتقول الملائكة: كُلْ، فاللون واحد والطعم مختلف.\nوقال ابن أبي حاتم (^٢٠١): حدَّثنا أبي، حدَّثنا سعيد بن سليمان، حدَّثنا عامر بن يسَاف، عن يحيى بن أبي كثير قال: عُشب الجنَّة الزعفران، وكثبانها المسك، ويطوف عليهم الولدان بالفواكه فيأكلونها، ثم يؤتون بمثلها، فيقول لهم أهل الجنَّة: هذا الذي أيتمونا آنفًا به. فتقول [¬٨] لهم\n_________\n(^١٩٨) - رواه ابن أبي حاتم (٢٥٥)، وابن أبي شيبة (١٣/ ٩٦)، والبيهقي (٢٦٧)، وعبد الرزاق (١١/ ٢٠٨٧٣).\n(^١٩٩) - رواه ابن جرير (٥١٢)، وابن أبي حاتم (٢٥٨) عن السدي قوله.\n(^٢٠٠) - ابن جرير (٥١٨).\n(^٢٠١) - إسناده حسن، والحديث عند ابن أبي حاتم ٢٦٢ - (١/ ٩٠)، وأَبو نعيم في صفة الجنة (٣٥٣).\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٣]- في ز: وقال.\n[¬٤]- في ز: ونصر.\n[¬٥]- في خ: \"هذه\".\n[¬٦]- في خ: \"الشدة\".\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٨]- في ز: فيقول.","vol":"1","page":321},{"text":"الولدان: كلوا فإن اللون واحد والطعم مختلف. وهو قول الله تعالى: ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾.\nوقال أَبو جعفر الرازي عن الربيع بن أَنس، عن أبي العالية: ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾ قال: يشبه بعضه بعضًا، ويختلف في الطعم.\nوقال ابن أبي حاتم: ورُوي عن مجاهد والربيع بن أَنس والسدي نحو ذلك.\nوقال ابن جرير بإسناده (^٢٠٢): عن السدي في تفسيره، عن أبي مالك، وعن [¬١] أبي صالح؛ عن ابن عبَّاس، وعن مرَّةٍ عن ابن مسعود، وعن ناس من الصحابة في قوله تعالى: ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾ يعني: في اللون والمرأى [¬٢]. وليس يشتبه في الطعم.\nوهذا اختيار ابن جرير.\nوقال عكرمة: ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾ قال: يشبه ثمر الدنيا، غير أن ثمر الجنَّة أطيب.\nوقال سفيان الثَّوري عن الأعمَش، عن أبي ظبيان، عن ابن عباس: لا يشبه شيء مما في الجنَّة ما في الدنيا إلَّا في الأسماء (^٢٠٣).\nوفي رواية ليس في الدنيا مما في الجنَّة إلَّا الأسماء.\nورواه [¬٣] ابن جرير من رواية الثَّوري، وابن أبي حاتم من حديث أبي معاوية، كلاهما عن الأعمَش، به.\nوقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله تعالى: ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾ قال: يعرفون أسماءه كما كانوا في الدنيا؛ التفاح بالتفاح، والرمان بالرمان، قالوا في الجنَّة: هذا الذي رزقنا من قبل في الدنيا، وأتوا به متشابهًا، يعرفونه وليس هو مثله في الطعم.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ قال ابن أبي طلحة عن ابن عبَّاس: مطهرة من القذر والأذى.\nوقال مجاهد: من الحيض والغائط والبول والنخام والبزاق والمني والولد. وقال قَتَادة: مطهرة من الأذى والمأثم. وفي رواية عنه: لا حيض ولا كلف. ورُوي عن عطاء والحسن والضحاك وأبي\n_________\n(^٢٠٢) - رواه ابن جرير (٥٢٤).\n(^٢٠٣) - رواه ابن جرير (٥٣٤).\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في ز، خ: \"والرأى\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"رواه\".","vol":"1","page":322},{"text":"صالح وعطية والسدي نحو ذلك.\nوقال ابن جرير (^٢٠٤): حدثني يونس بن عبد الأعلى، أنبأنا [¬١] ابن وَهْب، عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم قال: المطهرة التي لا تحيض، قال: وكذلك خلقت حوّاء ﵍ حتَّى عصت، فلما عصت قال الله تعالى: إني خلقتك مطهرة، وسأدميك كما أدميت هذه الشجرة.\nوهذا غريب.\nوقال الحافظ أَبو بكر بن مردويه: حدَّثنا إبراهيم بن محمد، حدثني جعفر بن محمد بن حرب، وأحمد بن محمد الجُوري [¬٢] قالا: حدَّثنا محمد بن عبيد الكندي، حدَّثنا عبد الرزاق بن عمر البريعيّ، حدَّثنا عبد الله بن المبارك، عن شعبة، عن قَتَادة، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد عن النبي ﷺ في قوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ قال: من الحيض والغائط، والنخاعة [¬٣] والبزاق (^٢٠٥).\nهذا حديث غريب، وقد رواه الحاكم في مستدركه، عن محمد بن يعقوب، عن الحسن بن علي بن عفان، عن محمد بن عبيد، به. وقال: صحيح على شرط الشيخين.\nوهذا الذي ادعاه فيه نظر؛ فإن عبد الرزاق بن عمر البزيعي هذا قال فيه أَبو حاتم بن حبان البستي: لا يجوز الاحتجاج به (^٢٠٦).\n(قلت): والأظهر ال هذا من كلام قَتَادة، كما تقدَّم، والله أعلم.\nوقوله تعالى: ﴿وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ هذا هو تمام السعادة، فإنهم مع هذا النعيم في مقام أمين من الموت والانقطاع، فلا آخر له ولا انقضاء، بل في نعيم سرمدي أبدي على الدوام، والله المسئول أن يحشرنا في زمرتهم إنه جواد كريم، بر رحيم.\n﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ\n_________\n(^٢٠٤) - رواه ابن جرير (٥٥٠).\n(^٢٠٥) - ورواه أَبو نعيم في صفة الجنَّة برقم (٣٦٣) من طريق عبد الله بن محمد بن يعقوب، عن محمد بن عبيد به. وقال الحافظ في الفتح: لا يصح إسناده؛ إلا أنَّه قال في تغليق التعليق (٣/ ٤٩٩): إسناده لا بأس به.\n(^٢٠٦) - المجروحين (٢/ ١٦٠) وتمام كلام ابن حبان: يقلب الأخبار، ويسند المراسيل لا يجوز الاحتجاج به إذا انفرد، ثم ذكر الحديث، وتجال: وهذا قول قَتَادة رفعه، لا أصل له من كلام النبي ﷺ.\n_________\n[¬١]- في خ: \"أخذنا\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"الحوازى\".\n[¬٣]- في خ: \"النخامة\".","vol":"1","page":323},{"text":"آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إلا الْفَاسِقِينَ ﴿(٢٦) الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٢٧)﴾\nقال السدي في تفسيره (^٢٠٧): عن أبي مالك، وعن أبي صالح عن ابن عبَّاس، وعن مرة، عن ابن مسعود، وعن ناس من الصحابة: لما ضرب الله هذين المثلين للمنافقين، يعني قوله تعالى: ﴿مَثَلُهم كَمَثَل الذي استوقد نارًا﴾، وقوله: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾ الآيات الثلاث، قال المنافقون: الله أعلى وأجل من أن يضرب هذه الأمثال، فأنزل الله تعالى هذه الآية إلى قوله تعالى ﴿هُمْ الْخَاسِرُونَ﴾.\nوقال عبد الرزاق (^٢٠٨)، عن [¬١] معمر، عن قَتَادة: لما ذكر الله تعالى العنكبوت والذباب قال المشركون: ما بال العنكبوت والذباب يذكران؟ فأنزل الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾.\nوقال سعيد: عن قَتَادة: أي: إنَّ الله لا يَسْتَحْيي من الحق أن يذكر شيئًا ما، قلّ أو كثر، وإن الله [ذكر] [¬٢] في كتابه [الذباب و] [¬٣] العنكبوت قال أهل الضلالة: ما أراد الله من ذكر هذا؟ فأنزل الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً﴾.\nقلت: العبارة الأولى عن قَتَادة فيها [¬٤] إشعار أنَّ هذه الآية مكية، وليس كذلك، وعبارة رواية سعيد [عن قَتَادة] [¬٥] أقرب، والله أعلم.\nوروى ابن جريج عن مجاهد نحو هذا الثاني عن قَتَادة.\nوقال ابن أبي حاتم: روي عن الحسن وإسماعيل بن أبي خالد نحو قول السدي وقَتَادة.\n_________\n(^٢٠٧) - ابن جرير (٥٥٤).\n(^٢٠٨) - تفسير عبد الرزاق (١/ ٤١) ومن طريقه ابن جرير (٥٥٨)، وابن أبي حاتم (٢٧٤).\n_________\n[¬١]- في ز: بن.\n[¬٢]- زيادة من: ز، خ.\n[¬٣]- سقط من ز.\n[¬٤]- زيادة من: خ.\n[¬٥]- سقط من ز.","vol":"1","page":324},{"text":"وقال أَبو جعفر الرازي عن الربيع بن أَنس في هذه الآية قال: هذا مَثَلٌ ضربه الله للدنيا، إِذْ البعوضة [¬١] تحيا ما جاعت، فإذا سمنت ماتت. وكذلك مثل هؤلاء القوم الذين ضرب الله [¬٢] لهم هذا المثل في القرآن، إذا امتلئوا من الدنيا ريًّا أخذهم الله عند ذلك، ثم تلا: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيءٍ﴾.\nهكذا رواه ابن جرير، ورواه ابن أبي حاتم، من حديث أبي جعفر، عن الربيع [بن أَنس] [¬٣]، عن أبي العالية، بنحوه، فالله أعلم.\nفهذا اختلافهم في سبب النزول، وقد اختار ابن جرور ما حكاه السُّدي؛ لأنه أمسَّ بالسورة، وهو مناسب، ومعنى الآية أنَّه تعالى أخبر أنَّه لا يستحي أي: لا يستنكف، وقيل: لا يخشى أن يضرب مثلًا ما، أي مثل كان، بأي شيء كان صغيرًا كان [¬٤]، أو كبيرًا.\nو\"ما\" هاهنا للتقليل [¬٥]، وتكون بعوضة منصوبة على البدل، كما تقول: لأضربن ضربًا ما، فيصدق بأدنى شيء، [أو تكون \"ما\" نكرة موصوفة ببعوضة] [¬٦] واختار ابن جرير أن \"ما\" موصولة، وبعوضة معربة بإعرابها، قال: وذلك سائغ في كلام العرب، أنهم يعربون صلة \"ما\" ومن\" إعرابهما؛ لأنهما يكونان معرفة تارة، ونكرة أخرى، كما قال حسان بن ثابت:\nيَكْفِي [¬٧] بِنَا فَضْلًا عَلَى من غَيرِنَا … حُبُّ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ إِيَّانَا\nقال: ويجوز أن تكون بعوضة منصوبة بحذف الجار، وتقدير الكلام: إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلًا ما بين بعوضة إلى ما فوقها.\n[وهذا الذي اختاره الكسائي والفراء، وقرأ الضحاك وإبراهيم بن أبي عبلة ﴿بَعُوْضَةً﴾ بالرفع.\nقال ابن جني: وتكون صلة لـ \"ما\"، وحذف العائد، كما في قوله: ﴿تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ﴾ أي: على الذي هو أحسن.\nوحكى سيبويه: ما أنا بالذي قائل لك شيئًا، أي: بالذي هو قائل لك شيئًا] [¬٨].\nوقوله تعالى: ﴿فَمَا فَوْقَهَا﴾ فيه قولان:\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- زيادة من: خ.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- في خ: \"التعليل\".\n[¬٦]- سقط من ز.\n[¬٧]- في ت، وتفسير الطبري: \"وكفى\".\n[¬٨]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"1","page":325},{"text":"أحدهما: فما دونها في الصغر والحقارة، كما إذا وُصف رجل باللؤم والشحِّ، فيقول السامع: نعم، وهو فوق ذلك. يعني: فيما وصفت، [وهذا قول الكسائي وأبي عبيد. قاله الرازي وأكثر المحققين.\nوفي الحديث: \"لو أن الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة لما سقى كافرًا منها شربة ماء\" (^٢٠٩)] [¬١].\nوالثاني: فما فوقها فما هو أكبر منها، لأنه ليس شيء أحقر ولا أصغر من البعوضة.\nوهذا [قول قَتَادة بن دعامة] [¬٢] واختيار ابن جرير، [فإنه يؤيده ما رواه مسلم، عن عائشة، ﵂،: أن رسول الله، ﷺ، قال: \"ما من مسلم يُشَاك شَوْكةً فما فوقها إلَّا كُتب له بها درجةٌ ومُحيت عنه بي خطيئة\" (^٢١٠)] [¬٣].\nفأخبر أنَّه لا يستصغر شيئًا يضرب به مثلًا، ولو كان في الحقارة والصغر كالبعوضة، [كما لا يستنكف عن خلقها، كذلك لا يستنكف من ضرب المثل بها] [¬٤]، كما ضرب المثل بالذباب والعنكبوت في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَو اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ وقال: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾. وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (٢٤) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَال لِلنَّاسِ [¬٥] لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٥) وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ\n_________\n(^٢٠٩) - إسناده ضعيف، رواه التِّرمِذي في الزهد، باب: ما جاء في هوان الدنيا على الله، ﷿، برقم (٢٣٢٠)، من طريق عبد الحميد بن سليمان، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد، ﵁، به، مرفوعًا، وقال أَبو عيسى: هذا حديث صحيح غريب من هذا الوجه. وفي الباب عن أبي هريرة. ورواه العقيلي (٣/ ٤٦)، وابن عدي في الكامل (٥/ ١٩٥٦)، وأَبو نعيم في الحلية (٣/ ٢٥٣) - جميعهم من طريق عبد الحميد بن سليمان. ورواه ابن ماجة من طريق زكريا بن منظور (٤١١٠)، وكذا الحاكم (٤/ ٣٠٦)، ورواه الطبراني (٦/ ٥٩٢١) من طريق زمعة بن صالح - ثلاثتهم: عبد الحميد، وزكريا، وزمعة - عن أبي حازم. وقال الحاكم: صحيح الإسناد فردَّه الذهبي بقوله: زكريا ضعفوه. وزمعة وعبد الحميد أيضًا ضعيفان.\n(^٢١٠) - صحيح مسلم، كتاب البر والصلة والآداب برقم ٤٦ - (٢٥٧٢).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- سقط من: خ.","vol":"1","page":326},{"text":"مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ (٢٦) يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾. وقال تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيءٍ﴾ الآية. ثم قال: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَينِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَينَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيرٍ هَلْ يَسْتَوي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾] [¬١] الآية. كما قال: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ الآية. وقال: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ﴾. الآية. وقال [¬٢]: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إلا الْعَالِمُونَ﴾. وفي القرآن أمثال كثيرة. قال بعض السلف: إذا سمعتُ المثل في القرآن فلم أفهمه بكيتُ على نفسي؛ لأن الله تعالى قال [¬٣]: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إلا الْعَالِمُونَ﴾.\nوقال مجاهد في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ الأمثال صغيرها وكبيرها يؤمن بها المؤمنون [¬٤] ويعلمون أنَّها الحق من ربهم، ويهديهم الله بها.\nوقال قَتَادة: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ أي: يعلمون أنَّه كلام الرحمن، وأنه من عند الله.\nوروي عن مجاهد والحسن والربيع بن أَنس نحو ذلك.\nوقال أَبو العالية: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ يعني: هذا المثل. الذين كفروا ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا﴾ كما قال في سورة المدثر: ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إلا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إلا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ [¬٥] وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إلا هُوَ﴾. وكذلك قال هاهنا: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إلا الْفَاسِقِينَ﴾.\nقال السُّدي في تفسيره: عن أبي مالك وعن أبي صالح، عن ابن عبَّاس، وعن مرة، عن ابن مسعود، وعن ناس من الصحابة: يضل به كثيرًا يعني به المنافقين، ويهدي به كثيرًا يعني به المؤمنين، فيزيد هؤلاء ضلالة إلى ضلالتهم [¬٦] لتكذيبهم بما قد علموه حقًّا يقينًا، من المثل الذي ضربه\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في ز: وقد قال تعالى.\n[¬٣]- في ز: يقول.\n[¬٤]- في ز، خ: \"الأولون\".\n[¬٥]- سقط من ز.\n[¬٦]- في ز: ضلالهم.","vol":"1","page":327},{"text":"الله بما ضربه [لهم، وأنه لما ضُرب] [¬١] له موافق، فذلك إضلال الله إياهم به، ﴿وَيَهْدِي بِهِ﴾ يعني: المثل [¬٢] كثيرًا من أهل الإيمان والتصديق، فيزيدهم هدى إلى هداهم وإيمانًا إلى إيمانهم؛ لتصديقهم بما قد علموه حقا يقينًا أنَّه موافق لما [¬٣] ضربه الله له مثلًا وإقرارهم به، وذلك هداية من الله لهم به ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إلا الْفَاسِقِينَ﴾ [قال: هم المنافقون.\nوقال أَبو العالية: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إلا الْفَاسِقِينَ﴾] [¬٤]، قال: هم أهل النفاق. وكذا قال الربيع بن أَنس.\nوقال ابن جريج (^٢١١): عن مجاهد، عن ابن عبَّاس: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إلا الْفَاسِقِينَ﴾: قال: يقول: يعرفه الكافرون فيكفرون به.\nوقال قَتَادة: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إلا الْفَاسِقِينَ﴾ فسقوا فأضلهم الله على فسقهم.\nوقال ابن أبي حاتم (^٢١٢): حُدِّثت عن إسحاق بن سليمان، عن أبي سنان، عن عمرو بن مرة، عن مصعب بن سعد، عن سعد ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا﴾ يعني: الخوارج.\nوقال شعبة (^٢١٣)، عن عمرو بن مرة، عن مصعب بن سعد، قال: سألت أبي فقلت: قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾ إلى آخر الآية، فقال: هم الحرورية.\nوهذا الإسناد [إن] [¬٥] صح عن سعد بن أبي وقاص ﵁ فهو تفسير على المعنى، لا أن الآية أريد منها التنصيص على الخوارج، الذين خرجوا على عليٍّ بالنهروان؛ فإن أولئك لم يكونوا حال نزول الآية، وإنَّما هم داخلون بوصفهم فيها مع من دخل؛ لأنهم سموا خوارج لخروجهم عن [¬٦] طاعة الإمام والقيام بشرائع الإسلام.\nوالفاسق في اللغة: هو الخارج عن الطاعة أيضًا، وتقول العرب: فسقت الرطبة إذا خرجت من قشرتها، ولهذا يقال للفأرة: فويسقة لخروجها عن جحرها للفساد.\nوثبت في الصحيحين عن عائشة: أن رسول الله ﷺ قال: \"خمس فواسق\n_________\n(^٢١١) - رواه ابن أبي حاتم برقم (٢٨٧).\n(^٢١٢) - رواه ابن أبي حاتم برقم (٢٨٢)، وإسناده ضعيف.\n(^٢١٣) - رواه ابن أبي حاتم (٢٨٨، ٢٩٣).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٢]- في ز: بالمثل.\n[¬٣]- في ز، خ: \"ما\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٥]- في ر: وإن.\n[¬٦]- في ز: على.","vol":"1","page":328},{"text":"يُقْتَلن في الحِل والحرَم: الغراب، والحدأة، والعقرب، والفارة، والكلب العقور\" (^٢١٤).\nفالفاسق يشمل الكافر والعاصي، ولكن فسق الكافر أشد وأفحش، والمراد من الآية الفاسق الكافر، والله أعلم؛ بدليل أنَّه وصفهم بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾.\nوهذه الصفات صفات الكفار المباينة لصفات المؤمنين، كما قال تعالى في سورة الرعد ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (١٩) الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ (٢٠) وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ﴾ الآيات. إلى أن قال: ﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾.\nوقد اختلف أهل التفسير في معنى العهد الذي وصف هؤلاء الفاسقين بنقضه، فقال بعضهم: هو وصية الله إلى خلقه وأمره إياهم بما أمرهم به من طاعته، ونهيه إياهم عما نهاهم عنه من معصيته في كتبه وعلى لسان رسله، ونقضهم ذلك هو [¬١] تركهم العمل به.\nوقال آخرون: بل هي في كفار أهل الكتاب والمنافقين منهم، وعهد الله الذي نقضوه هو ما أخذه الله عليهم في التوراة من العمل بما فيها واتباع محمد ﷺ إذا بعث والتصديق به، وبما جاء به من عند ربهم، ونقضهم ذلك هو جحودهم به بعد معرفتهم بحقيقته وإنكارهم ذلك، وكتمانهم علم ذلك عن [¬٢] الناس بعد إعطائهم الله من أنفسهم الميثاق ليبيننه للناس ولا يكتمونه، فأخبر تعالى أنهم نبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنًا قليلًا، وهذا اختيار ابن جرير ﵀ و[هو] [¬٣] قول مقاتل بن حيان.\nوقال آخرون: بل عنى بهذه الآية جميع أهل الكفر والشرك والنفاق، وعهده إلى جميعهم في توحيده ما [¬٤] وضع لهم [¬٥] من الأدلة الدالة على ربوبيته، وعهده إليهم في أمره ونهيه ما [¬٦] احتج به لرسله من المعجزات التي لا يقدر أحد من الناس غيرهم أن يأتي بمثلها [¬٧]، الشاهدة لهم على صدقهم [¬٨].\n_________\n(^٢١٤) - صحيح البخاري، كتاب بدء الخلق، باب: إذا وقع الذباب. برقم (٣٣١٤)، وصحيح مسلم في الحج برقم ٦٧ - (١١٩٨).\n_________\n[¬١]- في ز: و.\n[¬٢]- سقط من ز.\n[¬٣]- سقط من ز.\n[¬٤]- في ز: بما.\n[¬٥]- في ز: إليهم.\n[¬٦]- في ز: بما.\n[¬٧]- في ز، خ: \"بمثله\".\n[¬٨]- في ز: صدقه.","vol":"1","page":329},{"text":"قالوا: ونقضهم ذلك تركهم الإقرار بما قد تبينت [¬١] لهم صحته بالأدلة وتكذيبهم الرسل والكتب مع علمهم أن ما أتوا به حق، وروي عن مقاتل بن حيان أيضًا نحو هذا، وهو حسن.\n[وإليه مال الزمخشري فإنه قال: فإن قلت: فما المراد بعهد الله؟ قلت: ما ركز في عقولهم من الحجة على التوحيد، كأنه أمر وصاهم به ووثقه عليهم، وهو معنى قوله تعالى: ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ إذ أخذ الميثاق عليهم من الكتب المنزلة عليهم كقوله ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [¬٢].\nوقال آخرون: العهد الذي ذكره تعالى هو العهد الذي أخذه عليهم حين أخرجهم من صلب آدم الذي وصف في قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ [¬٣] وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى [شَهِدْنَا] [¬٤]﴾. الآيتين، ونقضهم ذلك تركهم الوفاء به وهكذا روي عن مقاتل بن حيان أيضًا، حكى هذه الأقوال ابن جرير في تفسيره.\nوقال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾ إلى قوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ قال: هي ست خصال من المنافقين إذا كانت فيهم الظَّهْرَة على الناس أظهروا هذه الخصال: إذا حدّثوا كذبوا، وإذا وعدوا أخلفوا، وإذا ائتمنوا خانوا، ونقضوا عهد الله من بعد ميثاقه، وقطعوا ما أمر الله به أن يوصل، وأفسدوا في الأرض، وإذا كانت الظهْرَةُ عليهم أظهروا الخصال الثلاث [¬٥]: إذا حدّثوا كذبوا، وإذا وعدوا أخلفوا، وإذا ائتمنوا خانوا، وكذا قال الربيع بن أنس أيضًا، وقال السدي في تفسيره بإسناده: قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾ قال: هو ما عُهد إليهم في القرآن فأقروا به ثم كفروا فنقضوه.\nوقوله: ﴿وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾ قيل: المراد به صلة الأرحام والقرابات، كما فسره قتادة، كقوله تعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيتُمْ إِنْ تَوَلَّيتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ ورجحه ابن جرير، وقيل: المراد [¬٦] أعم من ذلك، فكل ما أمر الله بوصله وفعله قطعوه وتركوه.\nوقال مقاتل بن حيان في قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ قال: في الآخرة، وهذا كما قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾.\nوقال الضحاك: عن ابن عباس (^٢١٥): كل شيء نسبه الله إلى غير أهل الإسلام من اسم مثل\n_________\n(^٢١٥) - رواه ابن جرير (٥٧٥)، وسنده ضعيف.\n_________\n[¬١]- في ز: ثبتت.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في ز: ذرياتهم.\n[¬٤]- سقط من: خ.\n[¬٥]- سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- سقط من: ز، خ.","vol":"1","page":330},{"text":"خاسر، فإنما يعني به الكفر، وما نسبه إلى أهل الإسلام فإنما يعني به الذنب.\nوقال ابن جرير في قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾: الخاسرون جمع خاسر، وهم الناقصون أنفسهم حظوظهم بمعصيتهم الله من رحمته، كما يخسر الرجل في تجارته بأن يوضع من رأس ماله في بيعه، وكذلك المنافق والكافر خسر بحرمان الله إياه رحمته التي خلقها لعباده في القيامة أحوج ما كانوا إلى رحمته، يقال منه: خسر الرجل يخسر خَسرًا وخُسرانًا وخَسَارًا، كما قال جرير بن عطية.\nإن سَلِيطًا في الخَسَارِ إنه … أولادُ قَوم خُلقُوا أقِنَّه\n﴿كَيفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيهِ تُرْجَعُونَ (٢٨)﴾\nيقول تعالى محتجًّا على [وجوده وقدرته] [¬١]، وأنه الخالق المتصرف في عباده: ﴿كَيفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ﴾ أي: كيف تجحدون وجوده، أو تعبدون معه غيره؟! ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ﴾ أي: وقد كنتم عدمًا فأخرجكم إلى الوجود، كما قال تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيرِ شَيءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (٣٥) أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيئًا مَذْكُورًا﴾ والآيات في هذا كثيرة.\nوقال سفيان الثوري عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله بن مسعود ﵁ (^٢١٦) - ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَينِ وَأَحْيَيتَنَا اثْنَتَينِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا﴾. قال: هي التي في البقرة ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾.\nوقال ابن جريج: عن عطاء (^٢١٧)، عن ابن عباس: ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ أمواتًا في أصلاب آبائكم، لم تكونوا شيئًا حتى خلقكم، ثم يميتكم موتة الحق، ثم يحييكم حين يبعثكم. قال: وهي مثل قوله تعالى: ﴿أَمَتَّنَا اثْنَتَينِ وَأَحْيَيتَنَا اثْنَتَينِ﴾. وقال الضحاك عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿أَمَتَّنَا اثْنَتَينِ وَأَحْيَيتَنَا اثْنَتَينِ﴾ قال: كنتم ترابًا قبل أن يخلقكم، فهذه ميتة، ثم أحياكم فخلقكم فهذه حياة، ثم يميتكم فترجعون إلى القبور فهذه\n_________\n(^٢١٦) - رواه ابن جرير (٥٧٧)، وابن أبي حاتم (٣٠١)، والطبراني (٩/ ٩٠٤٤)، والحاكم (٥/ ٤٣٧) وقال: على شرط الشيخين، وإنما هو على شرط مسلم وحده.\n(^٢١٧) - رواه ابن أبي حاتم (٣٠٣)، وابن جرير (١/ ١٨٦ الحلبي)، وعطاء هو الخرساني، لم يسمع من ابن عباس، فهو منقطع.\n_________\n[¬١]- في ت: وجود قدرته.","vol":"1","page":331},{"text":"ميتة أخرى، ثم يبعثكم يوم القيامة فهذه حياة أخرى [¬١]، فهذه ميتتان وحياتان، فهو كقوله ﴿كَيفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾.\nوهكذا روي عن السُّدي بسنده، [] [¬٢] عن أبي مالك وعن أبي صالح، عن ابن عباس وعن مرة، عن ابن مسعود وعن ناس من الصحابة، وعن أبي العالية والحسن البصري ومجاهد وقتادة وأبي صالح والضحاك وعطاء الخراساني نحو ذلك.\nوقال الثوري عن السدي، عن أبي صالح: ﴿كَيفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيهِ تُرْجَعُونَ﴾ قال: يحييكم في القبر، ثم يميتكم.\nوقال ابن جرير، عن يونس، عن ابن وهب، عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم قال: خلقهم في [¬٣] ظهر آدم [ثم أخذ] [¬٤] عليهم الميثاق، ثم أماتهم ثم خلقهم في الأرحام، ثم أماتهم ثم أحياهم يوم القيامة، وذلك كقوله تعالى: ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَينِ وَأَحْيَيتَنَا اثْنَتَينِ﴾.\nوهذا غريب والذي قبله، والصحيح ما تقدّم عن ابن مسعود وابن عباس، وأولئك الجماعة من التابعين، وهو كقوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيبَ فِيهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ الآية [وعبر عن الحال، قبل الوجود بالموت لجامع ما يشتركان فيه من عدم الإحساس، كما قال تعالى في الأصنام: ﴿أَمْوَاتٌ غَيرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ الآية.\nوقالا: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيتَةُ أَحْيَينَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ﴾] [¬٥].\n﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمٌ (٢٩)﴾\nلما ذكر تعالى دلالة من خلقهم وما يشاهدونه في أنفسهم، ذكر دليلًا آخرَ مما يشاهدونه من خَلْق السموات والأرض فقال: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ أي قصد إلى السماء، والاستواء هاهنا تضمن معنى القصد و[¬٦] الإقبال؛ لأنه عُدي بإلى ﴿فَسَوَّاهُنَّ﴾ أي: فخلق السماء سبعًا، والسماء هاهنا اسم جنس، فلهذا قال: ﴿فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمٌ﴾ أي: وعلمه محيط بجميع ما خلق. كما قال: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾، وتفصيل هذه الآية في سورة حم السجدة،\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ\n[¬٢]- في ز، غ: [و].\n[¬٣]- في ز: من.\n[¬٤]- في ز: فأخذ.\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- في ز: أو.","vol":"1","page":332},{"text":"وهو قوله تعالى: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَينِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالمِينَ (٩) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (١٠) ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَال لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالتَا أَتَينَا طَائِعِينَ (١١) فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَينِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾.\nففي هذا دلالة على أنه تعالى ابتدأ بخلق الأرض أولًا، ثم خلق السموات سبعًا، وهذا شأن البناء أن يبدأ بعمارة أسافله ثم أعاليه بعد ذلك، وقد صرح المفسرون بذلك، كما سنذكره بعد هذا أن شاء الله. فأما قوله تعالى: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (٢٧) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (٢٨) وَأَغْطَشَ لَيلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا (٢٩) وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (٣٠) أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا (٣١) وَالْجِبَال أَرْسَاهَا (٣٢) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾ فقد قيل: إن \"ثم\" هاهنا إنما هي لعطف الخبر على الخبر لا لعطف الفعل على الفعل، كما قال الشاعر:\nقل لمن ساد ثم ساد أبوه … ثم [¬١] قد ساد قبل [¬٢] ذلك جده\nوقيل: إن الدحيَ كان بعد خلق [¬٣] السموات.\nرواه علي [¬٤] بن أبي طلحة عن ابن عباس (^٢١٨).\nوقد قال السدي في تفسيره (^٢١٩)، عن أبي مالك وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مُرّة، عن ابن مسعود، وعن ناس من الصحابة: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمٌ﴾ قال: أن الله ﵎ كان عرشه على الماء، ولم يخلق شيئًا غير ما خلق قبل الماء، فلما أراد أن يخلق الخلق أخرج من الماء دخانًا، فارتفع فوق الماء فسما عليه، فسماه سماء، ثم أيبس الماء فجعله أرضا واحدة، ثم فتقها فجعلها سبع أرضين في يومين في الأحد والإثنين، فخلق الأرض على حوت، والحوتُ هو [النون] [¬٥] الذي ذكره الله في القرآن ﴿ن وَالْقَلَمِ﴾، والحوت في الماء، والماء على ظهر صفاة، والصفاة على ظهر ملك، والملك على صخرة، والصخرة في الريح، وهي الصخرة التي ذكر لقمان ليست في السماء ولا في الأرض، فتحرك الحوت فاضطرب فتزلزلت الأرض فأرسى عليها\n_________\n(^٢١٨) - رواه ابن جرير برقم (٥٩٤)، وعلي لم يسمع من ابن عباس كما تقدم.\n(^٢١٩) - رواه ابن جرير (٥٩١)، والبيهقي في الأسماء (٢/ ١١٨ - ١١٩)، وابن أبي حاتم (٣٠٧).\n_________\n[¬١]- سقط من.\n[¬٢]- في ز: بعد.\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- سقط من: ز، خ.","vol":"1","page":333},{"text":"الجبال فقرّت، فالجبال تفخر على الأرض، فذلك قوله تعالى: ﴿[وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ] [¬١] رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾، وخلق الجبال فيها، وأقواتَ أهلها وشجرها [¬٢] وما ينبغي لها في يومين؛ في الثلاثاء والأربعاء، وذلك حين يقول: ﴿قُلْ [¬٣] أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَينِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالمِينَ (٩) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا﴾ يقول: أنبت شجرها ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾ [يقول: أقواتها] [¬٤]، لأهلها ﴿فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ﴾ يقول: من سأل فهكذا الأمر ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾ وذلك الدخان من تنفس الماء حين تنفس، فجعلها سماء واحدة، ثم فتقها فجعلها سبع سموات في يومين؛ في الخميس والجمعة، وإنما سُمي يوم الجمعة؛ لأنه جمع فيه خلق السموات والأرض ﴿وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا﴾ قال: خلق الله في كل سماء خلقها من الملائكة والخلق الذي فيها من البحار وجبال البرد ومما [¬٥] لا يعلم [¬٦]، ثم زين السماء الدنيا بالكواكب فجعلها زينة وحفظًا تحْفَظُ من الشياطين، فلما فرغ من خلق ما أحب استوى على العرش [فذلك حين يقول: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ ويقول: ﴿كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا [وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيءٍ حَيٍّ﴾.\nوقال ابن جرير (^٢٢٠): حدثني المثنى، حدثنا عبد اللَّه بن صالح، حدثني أبو معشر، عن سعيد بن أبي سعيد، عن عبد الله بن سلام أنه قال: إن الله بدأ الخلق يوم الأحد فخلق الأرضين في الأحد والإثنين، وخلق الأقوات والرواسي في الثلاثاء والأربعاء، وخلق السموات في الخميس والجمعة، وفرغ في آخر ساعة من يوم الجمعة، فخلق فيها آدم على عَجَل، فتلك الساعة التي تقوم فيها الساعة.\nوقال مجاهد في قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ قال: خلق الله الأرض قبل السماء فلما خلق الأرض [¬٧] ثار [¬٨] منها دخان، فذلك حين يقول: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَال لَهَا وَلِلْأَرْضِ﴾ قال: بعضهن فوق بعض، وسبع أرضين، يعني بعضهن تحت بعض.\n_________\n(^٢٢٠) - رواه ابن جرير (٥٩٥)، وأبو الشيخ في العظمة (٨٨٢)، وإسناده ضعيف لضعف أبي معشر واسمه نجيح بن عبد الرحمن. وأخرجه ابن منده في التوحيد (٦١)، والبيهقي في الأسماء (٢/ ١٢٣ - ١٢٤)، وابن عبد البر (٤٨/ ٢٣)، والفريابي في القدر بإسناد آخر صحيح.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"جعل\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"وسخرها\".\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- سقط من ز.\n[¬٥]- في ز: وما.\n[¬٦]- في ز، خ: \"نعلم\".\n[¬٧]- سقط من: ز، خ.\n[¬٨]- في ز، خ: \"بان\".","vol":"1","page":334},{"text":"[وهذه الآية دالة على أنّ الأرض خُلقت قبل السماء، كما قال في آية السجدة: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَينِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالمِينَ (٩) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (١٠) ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَال لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالتَا أَتَينَا طَائِعِينَ (١١) فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَينِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ فهذه وهذه دالتان على أنّ الأرض خُلقت قبل السماء، وهذا ما لا أعلم فيه نزاعًا بين العلماء إلا ما نقله ابن جرير، عن قتادة أنه زعم أنّ السماء خُلقت قبل الأرض، وقد توقف في ذلك القرطبي في تفسيره لقوله تعالى: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (٢٧) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (٢٨) وَأَغْطَشَ لَيلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا (٢٩) وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (٣٠) أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا (٣١) وَالْجِبَال أَرْسَاهَا﴾. قالوا: فذكر خلق السماء قبل الأرض وفي صحيح البخاري (^٢٢١) أنّ ابن عباس سئل عن هذا بعينه فأجاب بأنّ الأرض خلقت قبل السماء، وأنّ الأرض إنما دُحيت بعد خلق السماء، وكذلك أجاب غير واحد من علماء التفسير قديمًا وحديثًا، وقد حرّرنا ذلك في سورة النازعات، وحاصل ذلك أن الدحي مفسر بقوله تعالى: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (٣٠) أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا (٣١) وَالْجِبَال أَرْسَاهَا﴾ ففسر الدحي بإخراج ما كان مودعًا فيها بالقوة إلى الفعل لما أكملت صورة المخلوقات الأرضية، ثم السماوية، دحا بعد ذلك الأرض فأخرجت ما كان مودعًا فيها من المياه، فنبتت النباتات على اختلاف أصنافها وصفاتها وألوانها وأشكالها، وكذلك جرت هذه الأفلاك، فدارت بما فيها من الكواكب الثوابت والسيارة، والله ﷾ أعلم] [¬١].\nوقد ذكر ابن أبي حاتم (^٢٢٢) وابن مردويه في تفسير هذه الآية- الحديث الذي رواه مسلم\n_________\n(^٢٢١) - صحيح البخاري، كتاب التفسير (٨/ ٥٥٥ - ٥٥٦ الفتح).\n(^٢٢٢) - تفسير ابن أبي حاتم ٣٠٥ - (١/ ١٠٣)، وصحيح مسلم في كتاب صفات المنافقين وأحكامهم برقم (٢٧٨٩)، وسنن النسائي الكبرى برقم (١١٠١٠)، ورواه أحمد (٢/ ٣٢٧)، وأبو يعلى (١٠/ ٥١٣ - ٥١٤)، وابن منده في التوحيد رقم (٥٨)، وابن جرير في التفسير (٢٤/ ٩٥)، وأخرجه ابن معين في تاريخه رواية الدوري برقم (٢١٠)، ومن طرف الدولابي (١/ ١٥٧)، وذكره البخاري في التاريخ (١/ ٤١٣، ٤١٤)، من طريق إسماعيل بن أمية به، ثم قال: وقال بعضهم: عن أبي هريرة عن كعب وهو أصح. والبيهقي في الأسماء والصفات (٢/ ٢٥٠ - ٢٥٦)، قال البيهقي: هذا حدث أخرجه مسلم في كتابه عن سريج بن يونس وغيره، عن حجاج بن محمد، وزعم بعض أهل العلم بالحدث أنه غير محفوظ لمخالفته =\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفين سقط من: خ.","vol":"1","page":335},{"text":"والنسائي في التفسير أيضًا، من رواية ابن جُرَيج قال: أخبرني إسماعيل بن أمية، عن أيوب بن خالد، عن عبد الله بن رافع مولى أم سلمة، عن أبي هريرة قال: أخذ رسول الله ﷺ بيدي فقال: \"خلق الله التربة يوم السبت، وخلق الجبال فيها يوم الأحد، وخلق الشجر فيها يوم الإثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الأربعاء، وبث فيها الدواب يوم الخميس، وخلق آدم بعد العصر يوم الجمعة من آخر ساعة من ساعات الجمعة، فيما بين العصر إلى الليل\".\nوهذا الحديث من غرائب صحيح مسلم وقد تكلم عليه علي بن المديني، والبخاري، وغير واحد من الحفاظ، وجعلوه من كلام كعب، وأنّ أبا هريرة إنما سمعه من كلام [¬١] كعب الأحبار، وإنما اشتبه على بعض الرواة فجعلوه [¬٢] مرفوعًا، وقد حرّر ذلك البيهقي.\n﴿وَإِذْ قَال رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَال إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٠)﴾\nيخبر تعالى بامتنانه علي بني آدم، بتنويهه بذكرهم في الملإ الأعلى قبل إيجادهم، فقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَال رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ﴾ أي واذكر يا محمد إذ قال ربك للملائكة، واقصص على قومك ذلك [¬٣]، وحكى ابن جرير عن بعض أهل العربية [-وهو أبو عبيدة-] [¬٤] أنه زعم أن \"إذ\" هاهنا زائدة، وأنّ تقدير الكلام \"وقال ربك\"، وردّه ابن جرير.\n[قال القرطبي: وكذا ردّه جميع المفسرين حتى قال الزجاج: هذا اجتراء من أبي عبيدة] [¬٥]. ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ أي: قومًا يخلف [¬٦] بعضهم بعضا قرنا بعد قرن وجيلًا بعد\n_________\n= ما عليه أهل التفسير وأهل التواريخ، وزعم بعضهم أن إسماعيل بن أمية إنما أخذه عن إبراهيم بن أبي يحيى، عن أيوب بن خالد، وإبراهيم غير محتج به. قال علي بن المديني: وما أرى إسماعيل بن أمية أخذ هذا إلا من إبراهيم بن أبي يحيى. قلت: وقد تابعه على ذلك موسى بن عبيدة الربذي، عن أيوب بن خالد؛ إلا أن موسى بن عبيدة ضعيف، وروي عن بكر بن الشرود، عن إبراهيم بن أبي يحيى، عن صفوان بن سليم، عن أيوب بن خالد، وإسناده ضعيف، والله أعلم.\nوللعلامة عبد الرحمن المعلمي كلام متين في تصحيح هذا الحديث ورد الشبه عنه في كتابه \"الأنوار الكاشفة\" (ص ١٨٥ - ١٩٠).\n_________\n[¬١]- سقط من ز.\n[¬٢]- في ز، خ: \"فجعله\".\n[¬٣]- في ز: ذاك.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- في ز، خ: \"تخلف\".","vol":"1","page":336},{"text":"جيل، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ﴾ وقال [¬١]: ﴿وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ﴾ وقال: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ﴾ وقال: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾ [وقرئ في الشاذ: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ حكاها الزمخشري وغيره، ونقل القرطبي، عن زيد بن علي] [¬٢] وليس المراد هاهنا بالخليفة آدم ﵇ فقط [كما يقوله طائفة من المفسرين، وعزاه القرطبي إلى ابن عباس وابن مسعود وجميع أهل التأويل، وفي ذلك نظر بل الخلاف في ذلك كثير حكاه الرازي في تفسير وغيره، والظاهر أنه لم يرد آدم عينًا] [¬٣]؛ إذ لو كان كذلك لما حسن قول الملائكة: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ فإنهم إنما [¬٤] أرادوا أن من هذا الجنس من يفعل ذلك، وكأنهم علموا ذلك بعلم خاص، أو بما فهموه من الطبيعة البشرية، [فإن الله] [¬٥] أخبرهم أنه يخلق هذا المصنف من صلصال من حمإ مسنون، [أو فهموا من الخليفة أنه الذي يفصل بين الناس ما يقع بينهم من المظالم ويردعهم عن المحارم والمآثم، قاله القرطبي] [¬٦]، أو أنهم قاسوهم [¬٧] على من سبق، كما سنذكر أقوال المفسرين في ذلك.\nوقول الملائكة هذا ليس على وجه الاعتراض على الله، ولا على وجه الحسد لبني آدم، كما قد يتوهمه بعض المفسرين، [وقد وصفهم الله تعالى بأنهم لا يسبقونه بالقول، أي لا يسألونه شيئًا لم يأذن لهم فيه، وهاهنا لما أعلمهم بأنه سيخلق في الأرض خلقًا، قال قتادة: وقد تقدم إليهم أنهم يفسدون فيها فقالوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ الآية] [¬٨]، وإنما هو سؤال استعلام واستكشاف عن الحكمة في ذلك، يقولون: يا ربنا! ما الحكمة في خلق هؤلاء مع أن منهم من يفسد في الأرض ويسفك الدماء، فإن كان المراد عبادتك، فنحن نسبح بحمدك ونقدس لك، أي نصلي لك، كما سيأتي، أي: ولا يصدر منا شيء من ذلك وهلا] [¬٩] وقع الاقتصار علينا؟ قال الله تعالى -مجيبًا لهم عن هذا السؤال-: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [أي إني [¬١٠] أعلم من المصلحة الراجحة في خلق هذا المصنف على المفاسد التي ذكرتموها ما لا تعلمون] [¬١١] أنتم، فإني سأجعل فيهم الأنبياء، وأرسل فيهم الرسل، ويوجد منهم [¬١٢] الصديقون والشهداء، والصالحون والعباد، والزهاد والأولياء، والأبرار والمقربون، والعلماء العاملون والخاشعون والمحبون له ﵎ المتبعون رسله، صلوات الله وسلامه عليهم.\n_________\n[¬١] سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- زيادة من: ز، خ.\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين زيادة من: ز، خ.\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٧]- في ز: قاسوه.\n[¬٨]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٩]- في ز، خ: \"هلالا\".\n[¬١٠]- زيادة من ز.\n[¬١١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬١٢]- في ز، خ: \"فيهم\".","vol":"1","page":337},{"text":"[وقد ثبت في الصحيح (^٢٢٣) أن الملائكة إذا صعدت إلى الرب تعالى بأعمال عباده يسألهم -وهو أعلم- كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: أتيناهم وهم يصلون وتركناهم وهم يصلون.\nوذلك لأنهم يتعاقبون فينا، ويجتمعون في صلاة الصبح وفي صلاة العصر، فيمكث هؤلاء، ويصعد أولئك بالأعمال. كما قال ﵊: \"يرفع إليه عمل الليل قبل النهار، وعمل النهار قبل الليل\" (^٢٢٤). فقولهم: أتيناهم وهم يصلون وتركناهم وهم يصلون من تفسير قوله لهم: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ وقيل معنى قوله جوابًا لهم: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ إني لي حكمة مفصلة في خلق هؤلاء والحالة ما ذكرتم لا تعلمونها. وقيل: إنه جواب ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ فقال: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ أي: من وجود إبليس بينكم، وليس هو كما وصفتم أنفسكم به. وقيل: بل تضمن قولهم: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ طلبًا منهم أن يسكنوا الأرض بدل بني آدم، فقال الله تعالى لهم: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ من أن بقاءكم في السماء أصلح لكم وأليق بكم. ذكرها الرازي مع غيرها من الأجوبة، والله أعلم] [¬١].\nذكر أقوال المفسرين ببسط ما ذكرناه\nقال ابن جرير (^٢٢٥): حدثني القاسم بن الحسن، [قال حدثنا الحسين، قال] [¬٢] حدثني الحجاج، عن جرير بن حازم، ومبارك [عن الحسن، وأي بكر] [¬٣]، عن الحسن وقتادة قالوا: قال الله للملائكة: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ قال لهم: إني فاعل.\nوهذا، معناه أنه أخبرهم بذلك.\nوقال السدّي: استشار الملائكة في خلق آدم. رواه ابن أبي حاتم قال: وروي عن قتادة\n_________\n(^٢٢٣) - صحيح مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة برقم ٢١٠ - (٦٣٢) من حديث أبي هريرة، ﵁.\n(^٢٢٤) - رواه مسلم برقم ٢٩٣، ٢٩٤ - (١٧٩)، وابن ماجه (١٩٥)، وأحمد (٤/ ٤٠٤)، وابن أبي عاصم في السنة (٦١٤)، وابن خزيمة في التوحيد (٢٨، ٢٩، ٣٠، ١٠٠) من حديث أبي موسى الأشعري، ﵁.\n(^٢٢٥) - تفسير ابن جرير رقم ٥٩٧ - (١/ ٤٤٧)، وأبو بكر هو الهذلي: ضعفه ابن المديني جدًّا، وقال ابن معين: ليس بشيء. والحسين هو ابن داود الملقب بسنيد. والمبارك هو ابن فصالة، مدلس وقد عنعن؛ إلا أنه صرح بالتحديث عند ابن أبي حاتم ٣١٦ - (١/ ١٠٧).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.","vol":"1","page":338},{"text":"نحوه (^٢٢٦).\nوهذه العبارة إن لم ترجع إلى معنى الإخبار ففيها تساهل، وعبارة الحسن وقتادة في رواية ابن جرير أحسن، والله أعلم.\n﴿فِي الْأَرْضِ﴾ قال ابن أبي حاتم (^٢٢٧): حدثنا أبي، حدثنا [أبو سلمة] [¬١]، حدثنا حماد، حدثنا عطاء بن السائب، عن عبد الرحمن بن سابط أن رسول الله، ﷺ، قال: \"دُحِيت الأرض من مكة، وأول من طاف بالبيت الملائكة، فقال الله: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ يعني مكة\".\nوهذا مرسل، وفي سنده ضعف، وفيه مُدْرَج، وهو أن المراد بالأرض مكة، والله أعلم. فإن الظاهر أن المراد بالأرض أعم من ذلك، [والله أعلم] [¬٢].\n﴿خَلِيفَةً﴾ قال السدي في تفسيره (^٢٢٨)، عن أبي مالك وعن أبي صالح، عن ابن عباس - وعن مرة، عن ابن مسعود، وعن ناس من الصحابة: إن الله تعالى قال للملائكة: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ قالوا: ربنا وما يكون ذلك الخليفة؟ قال: يكون له ذرية يفسدون في الأرض ويتحاسدون [] [¬٣] ويقتل بعضهم بعضًا.\nقال ابن جرير (^٢٢٩): فكان تأويل الآية على هذا ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ مني [¬٤]، يخلفني في الحكم [بالعدل] [¬٥] بين خلقي، وإن ذلك الخليفة هو آدم ومن قام مقدمه في طاعة الله والحكم بالعدل بين خلقه، وأما الإفساد وسفك الدماء بغير حقها فمن غير خلفائه.\nقال ابن جرير: وإنما معنى الخلافة التي ذكرها الله إنما هي خلافة قَرْنٍ منهم قَرْنًا، قال: والخليفة\nالفعيلة، من قولك: خلف فلان فلانًا في هذا الأمر، إذا قام مقدمه فيه بعده، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيفَ تَعْمَلُونَ﴾، ومن ذلك قيل للسلطان الأعظم: خليفة؛ لأنه خلف الذي كان قبله فقام بالأمر مقامه، فكان منه خلفًا.\n_________\n(^٢٢٦) - رواه ابن أبي حاتم ٣١٥ - (١/ ١٠٧). وقال محققه: هذا خبر منكر.\n(^٢٢٧) - تفسير ابن أبي حاتم ٣١٨ - (١/ ١٠٨)، ورواه ابن جرير (٥٩٦)، وعزاه السيوطي في الدر (١/ ٤٦) لابن عساكر، وعطاء بن السائب اختلط؛ إلا أن حماد بن سلمة سمع منه قبل الاختلاط.\n(^٢٢٨) - رواه ابن جرير برقم (٦٠٥).\n(^٢٢٩) - تفسير ابن جرير (١/ ٤٥٠).\n_________\n[¬١]- في ز: ابن سلم.\n[¬٢]- زيادة من: ز، خ.\n[¬٣]- في خ: وقال:.\n[¬٤]- في خ: \"متى\".\n[¬٥]- زيادة من ز، خ.","vol":"1","page":339},{"text":"قال: وكان محمد بن إسحاق يقول في قوله تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ يقول: ساكنًا وعامرًا يعمرها ويسكنها خلقًا ليس منكم.\n[قال ابن جرير (^٢٣٠)،] [¬١]: وحدثنا أبو كريب، حدثنا عثمان [¬٢] بن سعيد، حدثنا بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس قال: إن [¬٣] أول من سكن الأرض الجن، فأفسدوا فيها وسفكوا فيها الدماء، وقتل بعضهم بعضًا، قال: فبعث الله إليهم إبليس، فقتلهم إبليس ومن معه حتى ألحقهم بجزائر البحور وأطراف الجبال، ثم خلق آدم وأسكنه إياها فلذلك قال: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾.\nوقال سفيان الثوري (^٢٣١): عن عطاء بن السائب، عن ابن سابط ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ قال: يعنون به [¬٤] بني آدم.\nوقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: قال الله للملائكة: إني أريد أن أخلق في الأرض خلقًا وأجعل فيها خليفة، وليس لله ﷿ خلق إلا الملائكة، والأرض ليس فيها خلق، قالوا: أتجعل فيها من يفسد فيها!.\nوقد تقدّم ما رواه السُّدّي، عن ابن عباس وابن مسعود وغيرهما من الصحابة أن الله أعلم الملائكة بما تفعله [¬٥] ذرّية آدم، فقالت الملائكة ذلك، وتقدم آنفًا ما رواه الضحاك، عن ابن عباس أن الجن أفسدوا في الأرض قبل بني آدم، فقالت الملائكة ذلك، فقاسوا هؤلاء بأولئك.\nوقال ابن أبي حاتم (^٢٣٢): حدثنا أبي، حدثنا علي بن محمد الطنافسي، حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن بُكَير بن الأخنس، عن مجاهد، عن عبد الله بن عمرو، قال: كان الجن [¬٦] بنو الجان، في الأرض قبل أن يُخلق آدم بألفي سنة، فأفسدوا في الأرض، وسفكوا الدماء، فبعث الله جندًا من الملائكة فضربوهم حتى ألحقوهم بجزائر البحور، فقال الله للملائكة: ﴿وَإِذْ قَال رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَال إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾.\n_________\n(^٢٣٠) - ضعيف، منقطع والحديث في تفسير ابن جرير ٦٠١ (١/ ٤٥٠). وروى الحاكم معناه (٢/ ٢٦١).\n(^٢٣١) - رواه ابن جرير (٦٠٣، ٦٠٨)، وابن أبي حاتم (٣٢٧).\n(^٢٣٢) - تفسير ابن أبي حاتم ٣٢٢ - (١/ ١٠٩)، ورواه الحاكم في المستدرك (٢/ ٢٦١) بسنده من طريق أبي معاوية، عن ابن عباس -لا عن عبد الله بن عمرو- وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في ز، خ: \"عمر\".\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- في خ: \"يفعله\" وفي ز: يفعل.\n[¬٦]- سقط من: ز، خ.","vol":"1","page":340},{"text":"وقال أبو جعفر الرازي: عن الريبع [بن أنس،] [¬١]، عن أبي العالية في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَال رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ إلى قوله ﴿وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾. قال: خلق الله الملائكة يوم الأربعاء، وخلق الجن يوم الخميس، وخلق آدم يوم الجمعة؛ فكفر قوم من الجن، فكانت الملائكة تهبط إليهم في الأرض فتقاتلهم [ببغيهم] [¬٢]، فكانت الدماء بينهم، وكان [¬٣] الفساد في الأرض، فمن ثم قالوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾ كما أفسدت الجن ﴿وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ كما سفكوا.\nقال ابن أبي حاتم (^٢٣٣): وحدثنا الحسن بن محمد بن الصباح، حدثنا سعيد بن سليمان، حدثنا مبارك بن فضالة، حدثنا الحسن قال: قال الله للملائكة: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾، قال لهم: إني فاعل. [أفاضوا برأيهم] [¬٤]، فعلمهم علمًا وطوي عنهم علمًا، علمه ولم يعلموه، فقالوا بالعلم الذي علمهمم: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ ﴿قَال إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾.\nقال الحسن: إن ابن كانوا في الأرض يفسدون ويسفكون الدماء، ولكن جعل الله في قلوبهم أن ذلك سيكون، فقالوا بالقول الذي عَلَّمهم.\nوقال عبد الرزاق (^٢٣٤) كلت معمر، عن قتادة في قوله: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾.\nكان الله [¬٥] أعلمهم أنه إذا كان في الأرض خَلْق أفسدوا فيها وسفكوا الدماء، فذلك حين قالوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾.\nوقال ابن أبي حاتم (^٢٣٥): حدثنا أبي، حدثنا هشام الرازي، حدثنا ابن المبارك، عن معروف،\n_________\n(^٢٣٣) - تفسير ابن أبي حاتم ٣٢٤ - (١/ ١١١٠)، ورواه ابن جرير (٦١١)، ومبارك بن فضالة. مدلس؛ إلا أنه صرح بالتحديث.\n(^٢٣٤) - تفسير عبد الرزاق (١/ ٤٢) ومن طريقه ابن جرير (٦١٠)، وابن أبي حاتم (٣٢٦).\n(^٢٣٥) - تفسير ابن أبي حاتم ٣٢٨ - (١/ ١١٢)، وهو ضعيف لجهالة الراوي عن أبي جعفر، ومعروف بن خربوذ -مولى عثمان، قال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: ضعيف. وقال أبو حاتم: يكتب حديثه، قال: ويقال: إن الناس أخذوا عنه شعر بديل، وذكره ابن حبان في الثقات، له في البخاري حديثه عن أبي الطفيل، عن علي، في العلم، وعند الباقين حديثه عن أبي الطفيل أنه رأى النبي، ﷺ، في الحج. قلت: وقال أحمد: ما أدري كيف حديثه. وقال الساجي: صدوق. وقال ابن حبان =\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- سقط من ز، خ.\n[¬٣]- في ز: فكان.\n[¬٤]- من \"ز\" وابن أبي حاتم، وفي ت: [آمنوا بربهم].\n[¬٥]- سقط من: ز، خ.","vol":"1","page":341},{"text":"يعني ابن خَرّبوذ المكي، عمن سمع أبا جعفر محمد بن علي يقول: السِّجِل ملك، وكان هاروت وماروت من أعوانه، وكان له في [¬١] كل يوم ثلاث لمحات ينظرهن في أمّ الكتاب، فنظر نظرة لم تكن له فأبصر فيها خلق آدم وما فيه من الأمور، فأسَرَّ ذلك إلى هاروت وماروت، وكانا من أعوانه، فلما قال الله تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾. قالا [¬٢] ذلك استطالة على الملائكة.\nوهذا أثر غريب، وبتقدير صحته إلى أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين الباقر، فهو نقله عن أهل الكتاب، وفيه نكارة توجب ردّه، والله أعلم. ومقتضاه: أن الذين قالوا ذلك إنما كانوا اثنين فقط، وهو خلاف السياق.\nوأغرب منه ما رواه ابن أبي حاتم أيضًا، حيث قال (^٢٣٦): حدثنا أبي، حدثنا هشام بن عبيد [¬٣] الله، حدَّثنا عبد الله بن يحيى بن أبي كثير، قال سمعت أبي يقول؛ إنّ الملائكة الذين قالوا ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ كانوا عشرة آلاف، فخرجت نار من عند الله فأحرقتهم.\n_________\n= في الضعفاء: كان يشتري الكتب فيحدث بها ثم تغير حفظه، فكان يحدث على التوهم، فكأنه ترجم لغيره، فإن هذه الصفة مفقودة في حديث معروف (التهذيب).\nوهشام بن عبيد الله الرازي السِبتي، بكسر السين المهملة، قال أبو حاتم الوازي: صدوق، وقد قال أبو حاتم: ما رأيت أعظم قدرا منه، ومن أبي مسهر بدمشق، وكان يقول: لقيت ألفًا وسبعمائة شيخ وأنفقت في العلم سبعمائة ألف درهم، وأما ابن حبان فذكره في الضعفاء فقال: كان يهم ويخطيء على الثقات، وروى عن ابن أبي ذئب، عن نافع، عن ابن عمر رفعه: \"الدجاج غنم فقراء أمتي، والجمعة حج فقرائها\" وروى عن مالك، عن الزهري، عن أنس مرفوعًا: \"مثل أمتي مثل المطر … \" الحديث، قال الذهبي في الميزان: كلاهما باطلان.\nقلت: ذكر الدارقطني أنه تفرد بحديث مالك، وأنه وهم فيه، فدخل عليه حديث في حديث، وأما الأول: فأخرجه ابن حبان، عن عبد الله بن محمد القيراطي، عن عبد الله بن يزيد محمش عنه، ومحمش تقدم في العبادلة- في الميزان أنه كان يتهم بوضع الحديث فبرئ هشام من عهدته. ا هـ من التهذيب.\n(^٢٣٦) - تفسير ابن أبي حاتم ٣٢٩ - (١/ ١١٢)، وعبد الله بن يحيى بن أبي كثير اليمامي روى عن أبيه وجعفر بن محمد بن علي، قال أبو طالب عن أحمد: ثقة لا بأس به. وقال أبو حاتم: صدوق. وذكره ابن حبان في الثقات، وقال ابن عدي: لم أجد للمتقدمين فيه كلامًا، ولا أعرف له ما أنكره؛ إلا حديث النهي عن أكل أذني القلب، ورواه عن أبيه، عن رجل من الأنصار مرفوعًا، وأرجو أنه لا بأس به. قلت: قال البخاري: أثنى عليه مسدد لقيه باليمامة أي عبد الله. التهذيب.\nوأما يحيى بن أبي كثير: فهو كثير الإرسال، ومراسيله قال عنها يحيى القطان: شبه الريح.\n_________\n[¬١]- سقط من ز.\n[¬٢]- في ز: قالوا.\n[¬٣]- في خ: \"ابن أبي عبد الله\".","vol":"1","page":342},{"text":"وهذا أيضًا إسرائيلي منكر كالذي قبله، والله أعلم.\nقال ابن جريج (^٢٣٧): إنما تكلموا بما أعلمهم الله [¬١] أنه كائن من خلق آدم، فقالوا: أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء.\nقال ابن جرير: وقال بعضهم: إنما قالت الملائكة ما قالت: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾؛ لأنّ الله أذن لها [¬٢] في السؤال عن ذلك، بعد ما أخبرها [¬٣] أن ذلك كائن من بني آدم، فسألته الملائكة فقالت -على [¬٤] التعجب منها-: وكيف يعصونك يا رب وأنت خالقهم؟ فأجابهم ربهم: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ يعني: أن ذلك كائن منهم وإن لم تعلموه أنتم [ومن بعض ما] [¬٥] ترونه لي طائعًا.\nقال: وقال بعضهم ذلك من الملائكة على وجه الاسترشاد عما لم يعلموا من ذلك، فكأنهم قالوا: يا رب! خبرنا، مسألة استخبار منهم، لا على وجه الإنكار. واختاره ابن جرير.\n[وقال سعيد، عن قتادة قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَال رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ قال: استشار الملائكة في خلق آدم، فقالوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ وقد علمت الملائكة أنه لا شيء أكره عند الله من سفك الدماء والفساد في الأرض ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَال إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. فكان في علم الله أنه سيكون من تلك الخليقة أنبياء ورسل وقوم صالحون وساكنوا الجنة، قال: وذكر لنا عن ابن عباس أنه كان يقول: إن الله لما أخذ في خلق آدم ﵇، قالت الملائكة: ما الله خالق خلقًا أكرم عليه منا ولا أعلم منا، فابتلوا بخلق آدم -وكل خَلْق مُبتَلى- كما ابتُليت السموات والأرض بالطاعة، فقال الله تعالى ﴿ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالتَا أَتَينَا طَائِعِينَ﴾.\nوقوله تعالى] [¬٦]: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ قال عبد الرزاق (^٢٣٨) عن معمر، عن قتادة: التسبيحُ: التسبيحُ، والتقديس: الصلاة.\nوقال السدي (^٢٣٩): عن أبي مالك، وعن أبي صالح عن ابن عباس- وعن مرة، عن ابن\n_________\n(^٢٣٧) - أخرجه ابن جرير ٦١٦ - (١/ ٤٦٩).\n(^٢٣٨) - تفسير عبد الرزاق (١/ ٤٢).\n(^٢٣٩) - رواه ابن جرير (٦١١).\n_________\n[¬١]- سقط من ز.\n[¬٢]- في ت: لهم.\n[¬٣]- في ت: أخبرهم.\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- في ز: ومن يعصيني ممن.\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"1","page":343},{"text":"مسعود، وعن ناس من الصحابة ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ قال: يقولون: نصلي لك.\nوقال مجاهد: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ قال: نعظمك ونكبرك.\nوقال الضحاك: التقديس: التطهير.\nوقال محمد بن إسحاق: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ قال: لا نعصي، ولا نأتي شيئًا تكرهه.\nوقال ابن جرير: التقديس هو التعظيم والتطهير، ومنه قولهم: سبوح قدُّوس، يعني بقولهم: سبوح: تنزيه له [¬١]، وبقولهم: قدوس: طهارة وتعظيم له، وكذلك [¬٢] قيل للأرض: أرض مقدّسة، يعني بذلك المطهرة. فمعنى قول الملائكة إذا: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾، ننزهك ونبرئك مما يضيفه إليك أهلُ الشرك بك ﴿وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾، ننسبك إلى ما هو من صفاتك، من الطهارة من الأدناس وما أضاف إليك أهل الكفر بك.\n[وفي صحيح مسلم (^٢٤٠)، عن أبي ذرٍّ ﵁ أنْ رسول الله ﷺ سئل: أي الكلام أفضل؟ قال: \"ما اصطفى الله لملائكته: سبحان الله وبحمده\".\nوروى البيهقي (^٢٤١) عن عبد الرحمن بن قرط أن رسول الله ﷺ ليلة أُسري به سمع تسبيحًا في السموات العلى: \"سبحان العلي الأعلى، ﷾\"] [¬٣]. ﴿قَال إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ و[¬٤] قال قتادة: فكان في علم الله أنه سيكون في [¬٥] علم تلك الخليقة [¬٦] أنبياء\n_________\n(^٢٤٠) - رواه مسلم في الذكر والدعاء والتوبة، برقم (٢٧٣١). ورواه الترمذي في الدعوات برقم (٣٥٩٣). ورواه أحمد (٥/ ١٦١) والبخاري في الأدب (٦٣٨).\n(^٢٤١) - رواه الطبراني في الأوسط (٣٧٤٢)، وكذا عزاه للبيهقي في الأسماء والصفات السيوطي في الدر (٤/ ١٨٣). ورواه أبو نعيم في الحلية (٢/ ٧) من طريق مسكين بن ميمون، عن عروة بن رويم، عن عبد الرحمن بن قرط، ﵁، به، مرفوعًا، ومسكين بن ميمون: قال الذهبي (٤/ ١٠١): لا أعرفه، وخبره منكر، وذكر له هذا الحديث، وكذا تبعه الحافظ في اللسان (٦/ ٢٨)، والهيثمي في المجمع (١/ ٧٨)، ومسكين هذا وثقه اين معين (٤/ ٤٧١ تاريخ الدورى) وأورده ابن شاهين في الثقات، وابن حبان (٧/ ٥٠٥)، وعبد الرحمن بن قرط الثمالي الحمصي: قال ابن معين والبخارى وأبو حاتم: كان من أهل الصفة، وروى البخاري وابن السكن من طريق سكين المؤذن: حدثني عروة بن رويم، عن عبد الرحمن بن قرط أن رسول الله، ﷺ، ليلة أمرى به إلى المسجد الأقصى كان بين المقام =\n_________\n[¬١]- في ز: لله.\n[¬٢]- في ز: ولذلك.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- زيادة من: خ.\n[¬٥]- في ز: عن.\n[¬٦]- في ز: الخليفة.","vol":"1","page":344},{"text":"ورسل وقوم صالحون وساكنو الجنة.\nوسيأتي عن ابن مسعود وابن عباس وغير [¬١] واحد من الصحابة والتابعين أقوال في حكمة قوله تعالى: ﴿قَال إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾.\n[وقد استدل القرطبي وغيره بهذه الآية على وجوب نصب الخليفة ليفصل بين الناس فيما اختلفوا فيه، ويقطع تنازعهم، وينتصر لمظلومهم من ظالمهم، ويقيم الحدود، ويزجر عن تعاطي الفواحش، إلى غير ذلك من الأمور المهمة التي لا تمكن إقامتها إلا بالإمام، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.\nوالإمامة تُنال بالنص، كما يقوله طائفة من أهل السنة في أبي بكر، أو بالإيماء إليه كما يقول آخرون منهم، أو باستخلاف الخليفة آخر بعده. كما فعل الصديق بعمر بن الخطاب، أو بتركه شورى في جماعة صالحين كذلك كما فعله عمر، أو باجتماع أهل الحل والعقد على مبايعته، أو بمبايعة واحد منهم له فيجب التزامها عند الجمهور، وحكى على ذلك إمام الحرمين الإجماع، واللَّه أعلم.\nأو بقهر واحد الناس على طاعته فتجب لئلا يؤدي ذلك إلى الشقاق والاختلاف، وقد نص عليه الشافعي.\nوهل يجب الإشهاد على عقد الإمامة؟ فيه خلاف؛ فمنهم من قال: لا يشترط، وقيل: بلى، ويكفي شاهدان، وقال الجبائي: يجب أربعة، وعاقد ومعقود له، كما ترك عمر ﵁ الأمر شورى بين ستة، فوقع الأمر على عاقد وهو عبد الرحمن بن عوف، ومعقود له وهو عثمان، واستنبط وجوب الأربعة الشهود من الأربعة الباقين، وفي هذا نظر، والله أعلم.\nويجب أن يكون ذكرا حرًّا بالغًا عاقلًا مسلمًا عدلًا مجتهدًا بصيرا سليم الأعضاء خبيرا بالحروب والآراء قرشيًّا على الصحيح، ولا يشترط الهاشمي، ولا المعصوم من الخطأ، خلافًا للغلاة الروافض، ولو فسق الإمام هل ينعزل أم لا؟ فيه خلاف، والصحيح أنه لا ينعزل لقوله ﵊ \"إلا أن تروا كفرًا بواحًا عندكم من الله فيه برهان\" (^٢٤٢).\n_________\n= وزمزم، جبرائيل عن يمينه، وميكائيل عن يساره، فطارا به حتى بلغ السماوات السبع، فلما رجع قال: سمعت تسبيحًا في السماوات العلا. الحديث. وأخرجه سعيد بن منصور، عن سكين لكن أرسله. وسيأتي عند تفسير الآية: ٤٤ من سورة الإسراء.\n(^٢٤٢) - رواه البخاري في الفتن، باب: قول النبي، ﷺ: سترون بعدي أمورًا برقم (٧٠٥٥)، ومسلم في الإمارة برقم ٤٢ - (١٧٠٩) من حديث عبادة بن الصامت، ﵁.\n_________\n[¬١]- في خ: \"وعن\".","vol":"1","page":345},{"text":"وهل له أن يعزل نفسه؟ فيه خلاف، وقد عزل الحسن بن علي ﵁ نفسه وسلم الأمر إلى معاوية، لكن هذا لعذر، وقد مُدح على ذلك.\nفأما نصب إمامين في الأرض أو أكثر فلا يجوز؛ لقوله ﵊ \"من جاءكم وأمركم جميع يريد أن يفرق بينكم فاقتلوه كائنًا من كان\" (^٢٤٣).\nوهذا قول الجمهور، وقد حكى الإجماع على ذلك غيرُ واحدٍ؛ منهم إمام الحرمين، وقالت الكرامية: يجوز اثنين فأكثر، كما كان علي ومعاوية إمامين واجبي الطاعة، قالوا: وإذا جاز بعث نبيين في وقت واحد وأكثر، جاز ذلك في الإمامة؛ لأن النبوة أعلى رتبة بلا خلاف، وحكى إمام الحرمين عن الأستاذ أبي إسحاق أنه جوّز نصب إمامين فأكثر إذا تباعدت الأقطار واتسعت الأقاليم بينهما، وتردد إمام الحرمين في ذلك.\nقلت: وهذا يشبه حال خلفاء بني العباس بالعراق، والفاطميين بمصر، والأمويين بالمغرب، ولنقرر هذا كله في موضع آخر من كتاب \"الأحكام\". إن شاء الله تعالى] [¬١].\n﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَال أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣١) قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إلا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٣٢) قَال يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَال أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٣٣)﴾\nهذا مقام ذَكَرَ الله تعالى فيه شرف آدم على الملائكة، بما اختصه [به] [¬٢] من علم أسماء كل شيء دونهم، وهذا كان بعد سجودهم له، وإنما قدّم هذا الفصل على ذاك لمناسبة ما بين هذا المقام وعدم علمهم بحكمة [¬٣] خلق الخليفة [¬٤]، حين سألوا عن ذلك، فأخبرهم تعالى بأنه يعلم ما لا يعلمون؛ ولهذا ذكر الله هذا المقام عقيب هذا؛ ليبين لهم شرف آدم بما فضل به عليهم في العلم، فقال تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾.\n_________\n(^٢٤٣) - رواه مسلم في الإمارة من صحيحه برقم ٦٠ - (١٨٥٢) من حديث عرفجة، ﵁.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٢]- زيادة من ز.\n[¬٣]- في خ: \"بحكم\".\n[¬٤]- في خ: \"الخليقة\".","vol":"1","page":346},{"text":"وقال السدي عمن حدّثه عن ابن عباس (^٢٤٤): ﴿وعلم آدم الأسماء كلها﴾ قال: علمه [¬١] أسماء ولده إنسانًا [إنسانًا] [¬٢] والدواب، فقيل: هذا الحمار، هذا الجمل، هذا الفرس.\nوقال الضحاك عن ابن عباس (^٢٤٥): ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [قال: هي هذه الأسماء] [¬٣] التي يتعارف بها الناس إنسان، ودواب [¬٤]، وسماء [¬٥]، وأرض، وسهل، وبحر، وخيل [¬٦]، وحمار، وأشباه ذلك من الأمم وغيرها.\nوروى ابن أبي حاتم وابن جرير (^٢٤٦) من حديث عاصم بن كليب عن سعيد بن معبد [¬٧]، عن ابن عباس: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ قال: علمه اسم الصحفة والقدر؟ قال: نعم حتى الفسوة والفُسَيَّة [¬٨].\nوقال مجاهد: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ قال: علمه [¬٩]، اسم كل دابة، وكل طير، وكل شيء.\nوكذلك رُوي عن سعيد بن جبير وقتادة وغيرهم من السلف أنه علمه أسماء كل شيء. وقال الربيع في رواية عنه: أسماء الملائكة.\nوقال حميد الشامي: أسماء النجوم.\nوقال عبد الرحمن بن زيد: علمه أسماء ذريته كلهم.\nواختار ابن جرير أنه علمه أسماء اللائكة وأسماء الذرية، لأنه قال: ﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ﴾ وهذا عبارة عما يعقل. وهذا الذي رجح به ليس بلازم، فإنه لا ينفي أن يدخل معهم غيرهم، ويعبر عن الجميع بصيغة من يعقل للتغليب. كما قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَينِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ\n_________\n(^٢٤٤) - ابن أبي حاتم (٣٤٠)، وسنده ضعيف.\n(^٢٤٥) - ابن جرير (٦٤٦)، وسنده ضعيف.\n(^٢٤٦) - تفسير ابن أبي حاتم ٣٤١ - (١/ ١١٥)، ورواه ابن جرير ٦٥١ - (١/ ٤٨٣)، وسعيد بن معبد: ذكره البخاري (٢/ ١ / ٤٦٨)، وابن أي حاتم (٢/ ١ / ٦٣) ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"عرض عليه\".\n[¬٢]- سقط من ز.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٤]- في ز، خ: \"دابة\".\n[¬٥]- سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- في ز، خ: \"جمل\".\n[¬٧]- في خ: \"سعيد\".\n[¬٨]- في خ: \"الفسو\".\n[¬٩]- في ز: علم.","vol":"1","page":347},{"text":"اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ﴾.\n[وقد قرأ عبد الله بن مسعود ﴿ثم عرضهن﴾. وقرأ أبي بن كعب: ﴿ثم عرضها﴾، أي: السموات] [¬١].\nوالصحيح أنه علمه أسماء الأشياء كلها ذواتها وصفاتها [¬٢] وأفعالها، كما قال ابن عباس: حتى الفسوة والفُسيّة، يعني: أسماء الذوات والأفعال المكبر والمصغر؛ ولهذا قال البخاري في تفسير هذه الآية في [¬٣] كتاب التفسير من صحيحه (^٢٤٧):\nحدثنا مسلم بن إبراهيم، حدَّثنا هشام، حدثنا قتادة، عن أنس بن مالك: أن رسول الله ﷺ قال -وقال لي خليفة: حدَّثنا يزيد بن زُرَيع، حدَّثنا سعيد، عن قتادة، عن أنس، عن النبي ﷺ قال: \"يجتمع المؤمنون يوم القيامة، فيقولون: لو استشفعنا إلى ربنا؟ فيأتون آدم فيقولون: أنت أبو الناس، خلقك الله بيده، وأسجد لك ملائكته، وعلمك أسماء كل شيء، فاشفع لنا عند ربك حتى يريحنا من مكاننا هذا، فيقول: لست هُنَاكُم، ويذكر ذنبه فيستحي، فيقول [¬٤]: ائتوا نوحًا فإنه أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض، فيأتونه فيقول: لست هناكم، ويذكر سؤاله ربه ما ليس له به علم فيستحي، فيقول: ائتوا خليل الرحمن، فيأتونه، فيقول: لست هناكم. فيقول [¬٥]: ائتوا موسى عبدًا كلمه [¬٦] الله وأعطاه التوراة، فيأتونه، فيقول: لست هناكم. في يذكر قتل النفس بغير نفس؛ فيستحي من ربه. فيقول [¬٧]: ائتوا عيسى عبدَ الله ورسوله وكَلِمَةَ الله وروحه، فيأتونه [¬٨]، فيقول: لست هناكم، ائتوا محمدًا عبدًا غَفَر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فيأتوني، فأنطلق حتى أستأذن على ربي فيؤذن لي، فإذا رأيت ربي وقعتُ ساجدًا، فيدعني ما شاء الله، ثم يقال: ارفع رأسك، وسل تعطه، وقُل يسمع، واشفع تشفع، فأرفع رأسي فأحمده بتحميد يعلمنيه، ثم أشفع فَيَحدُّ لي حدًّا فأدخلهم الجنة، ثم أعود إليه، فإذا [¬٩] رأيت ربي مثله، ثم أشفع فيحد لي حدًّا فأدخلهم الجنة، [ثم أعود الثالثة] [¬١٠]، ثم أعود الرابعة فأقول: ما بقي في النار إلا من حبسه القرآن ووجب عليه الخلود.\nهكذا ساق البخاري هذا الحديث هاهنا، وقد رواه مسلم والنسائي من حديث هشام، وهو ابن\n_________\n(^٢٤٧) - البخاري في كتاب التفسير باب: وعلم آدم الأسماء كلها برقم (٤٤٧٦).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- سقط من ز.\n[¬٣]- في ز: من.\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- في خ: \"كلم\".\n[¬٧]- سقط من: ز، خ.\n[¬٨]- سقط من ز.\n[¬٩]- في ز: وإذا.\n[¬١٠]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"1","page":348},{"text":"أبي عبد الله الدستوائى، عن قتادة، به (^٢٤٨).\nوأخرجه مسلم والنسائي وابن ماجة من حديث سعيد، و[¬١] هو ابن أبي عروبة، عن قتادة (^٢٤٩).\nووجه إيراده هاهنا والمقصود منه قوله ﵊ \"فيأتون آدم فيقولون: أنت أبو الناس خلقك الله بيده، وأسجد لك ملائكته، وعلمك أسماء كل شيء\".\nفدل هذا على [¬٢] أنه علمه [¬٣] أسماء جميع المخلوقات؛ ولهذا قال ﴿ثم عرضهم على الملائكة﴾ يعني المسميات، كما قال عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن قتادة قال: ثم عرض تلك الأسماء على الملائكة: ﴿فَقَال أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.\nوقال السدي في تفسيره (^٢٥٠): عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس - وعن مرّة، عن ابن مسعود، وعن ناس من الصحابة ﴿وعلم آدم الاسماء كلها﴾ ثم عرض الخلق على الملائكة.\nوقال ابن جريج، عن مجاهد ﴿ثم عرضهم﴾: عرض أصحاب الأسماء على الملائكة.\nوقال ابن جرير (^٢٥١): حدثنا القاسم، حدثنا الحسين، حدثني الحجاج، عن جرير بن حازم ومبارك بن فضالة، عن الحسن -وأبي بكر، عن الحسن وقتادة- قال: علمه اسم كل شيء، [وجعل يسمي كل شيء] [¬٤] باسمه، وعُرضت عليه أمَّة، أمَّة.\nوبهذا الإسناد عن الحسن وقتادة، في قوله تعالى: ﴿إن كنتم صادقين﴾. إني لم أخلق خلقًا إلا كنتم أعلم منه، فأخبروني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين.\nوقال الضحاك: عن ابن عباس (^٢٥٢): ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ إن كنتم تعلمون أني [¬٥] لم\n_________\n(^٢٤٨) - مسلم في الإيمان برقم (١٩٣)، والنسائي في الكبرى برقم (١٠٩٨٤).\n(^٢٤٩) - مسلم في الإيمان برقم (١٩٣)، والنسائي في الكبرى برقم (١١٢٤٣)، وابن ماجة في الزهد، باب: ذكر الشفاعة برقم (٤٣١٢).\n(^٢٥٠) - رواه ابن جرير (٦٦٢)، وابن أبي حاتم (٣٤٥).\n(^٢٥١) - رواه ابن جرير (٦٦٧).\n(^٢٥٢) - رواه ابن جرير (٦٧١)، وسنده ضعيف.\n_________\n[¬١]- سقط من ز.\n[¬٢]- سقط من ز.\n[¬٣]- سقط من ز.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٥]- سقط من ز.","vol":"1","page":349},{"text":"أجعل في الأرض خليفة.\nوقال السدي (^٢٥٣) عن أبي مالك، وعن أبي صالح عن ابن عباس، وعن مرّة، عن ابن مسعود، وعن ناس من الصحابة: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ أن بني آدم يفسدون في الأرض ويسفكون الدماء.\nوقال ابن جرير: وأولى الأقوال في ذلك تأويل ابن عباس ومن قال بقوله، ومعنى ذلك فقال: أنبئوني بأسماء من عَرَضْتُه عليكم أيها [¬١] الملائكة القائلون: أتجعل فيها [¬٢] من يفسد فيها [¬٣] ويسفك الدماء؟ من غيرنا، أم منا، فنحن نسبح بحمدك ونقدس لك إن كنتم صادقين في قِيلكم، إني إنْ جعلت خليفتي في الأرض من غيركم عصاني و[¬٤] ذريته وأفسدوا وسفكوا الدماء، وإن جعلتكم فيها أطعتموني واتبعتم [¬٥] أمري بالتعظيم لي والتقديس، فإذا [¬٦] كنتم لا تعلمون أسماء هؤلاء الذين عرضت عليكم وأنتم تشاهدونهم، فأنتم بما هو غير موجود من الأمور الكائنة التي لم توجد أحرى أن تكونوا [¬٧] غير عالمين. ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إلا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾.\nهذا تقديس وتنزيه من الملائكة للَّه تعالى أن يحيط أحد بشيء من علمه إلا بما شاء، وأن يعلموا شيئًا إلا ما علمهم الله تعالى؛ ولهذا قالوا: ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إلا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ [الْحَكِيمُ] [¬٨]﴾ أي: العليم بكل شيء، الحكيم في خلقك وأمرك، وفي تعليمك من تشاء ومنعك من تشاء، لك الحكمة في ذلك والعدل التام.\nقال ابن أبي حاتم (^٢٥٤): حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا حفص بن غياث، عن حجاج، عن ابن أبي مليكة، عن ابن عباس: سبحان الله. قال: تنزيه الله نفسه عن السوء، قال [¬٩]: ثم قال عمر لعلي -وأصحابه عنده-: لا إله إلا الله قد عرفناها، فما سبحان الله؟ فقال له علي: كلمة أحبها الله لنفسه، ورضيها، وأحب أن تقال:\n_________\n(^٢٥٣) - رواه ابن جرير (٦٧٢).\n(^٢٥٤) - إسناده ضعيف، والحديث في تفسير ابن أبي حاتم ٣٤٧ - (١/ ١١٧). والحجاج هو ابن أرطأة مدلس وقد عنعن.\n_________\n[¬١]- في ز: أيتها.\n[¬٢]- في ز: في الأرض.\n[¬٣]- في ز: في الأرض.\n[¬٤]- سقط من ز.\n[¬٥]- في ز، خ: \"أتيتم\".\n[¬٦]- في ز: فإذًا إذا.\n[¬٧]- في خ: \"يكونوا\".\n[¬٨]- سقط من: خ.\n[¬٩]- زيادة من: ز، خ.","vol":"1","page":350},{"text":"قال (^٢٥٥): وحدثنا أبي، حدثنا ابن نفيل، حدثنا النضر بن عربي [¬١] قال: سأل رجل ميمون بن مهران عن \"سبحان الله\" قال [¬٢]: اسم يُعَظّمُ الله به ويحاشى به من السوء.\nوقوله تعالى: ﴿قَال يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَال أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾.\nقال زيد بن أسلم: قال: أنت جبرائيل، أنت ميكائيل، أنت إسرافيل، حتى عدّد الأسماء كلها، حتى بلغ الغراب.\nوقال مجاهد في قول الله: ﴿قَال يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ﴾ قال اسم الحمامة، والغراب، واسم كل شيء.\nوروي عن سعيد بن جبير، والحسن، وقتادة نحو ذلك. فلما ظهر فضل آدم ﵇ على الملائكة ﵈ في سرده ما [¬٣] علمه اللَّه تعالى من أسماء الأشياء، قال الله تعالى للملائكة: ﴿قَال أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ أي: ألم أتقدم إليكم أني أعلم الغيب الظاهر والخفي؛ كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾. وكما قال تعالى إخبارًا عن الهدهد أنه قال لسليمان: ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إلا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾.\nوقيل في معنى [¬٤] قوله تعالى ﴿وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ غيرُ ما ذكرناه؛ فروى الضحاك عن ابن عباس ﴿وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ قال: يقول [¬٥]: أعلم السر كما أعلم العلانية، يعني ما كَتَم إبليس في نفسه من الكبر والاغترار.\nوقال السدي (^٢٥٦): عن أبي مالك، وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة عن ابن مسعود، وعن ناس من الصحابه قال: قولهم: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا [وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾. الآية] [¬٦]. فهذا الذي أبدوا ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُون﴾ يعني: ما أسر إبليس في نفسه من الكبر، وكذلك قال سعيد بن جبير ومجاهد والسدي والضحاك والثوري، [واختاره مالك و] [¬٧] ابن\n_________\n(^٢٥٥) - تفسير ابن أبي حاتم ٣٤٨ - (١/ ١١٧)، وإسناده حسن.\n(^٢٥٦) - رواه ابن جرير (٦٧٩).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"عدي\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"فقال\".\n[¬٣]- في ز: من.\n[¬٤]- زيادة من ز.\n[¬٥]- زيادة من: ز، خ.\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٧]- في ت: \"اختار ذلك\".","vol":"1","page":351},{"text":"جرير.\nوقال أبو العالية والربيع بن أنس والحسن وقتادة: هو قولهم: لم يخلق ربنا خلقًا إلا كنا أعلم منه وأكرم عليه منه.\nوقال أبو جعفر الرازي: عن الربيع بن أنس: ﴿وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ فكان الذي أبدوا هو [¬١]، قولهم: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا [وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ [¬٢]﴾ وكان الذي كتموا بينهم قولهم: لم يخلق ربنا خلقًا إلا كنا [¬٣] نحن أعلم منه وأكرم. فعرفوا أن الله فضل عليهم آدم في العلم والكرم.\nوقال ابن جرير (^٢٥٧): حدَّثنا يونس، حدَّثنا ابن وهب، عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قصة الملائكة وآدم فقال الله للملائكة: كما لم تعلموا هذه الأسماء فليس لكم علم، إنما أردت أن أجعلهم ليفسدوا فيها، هذا عندي قد علمته، ولذلك أخفيت عنكم أني أجعل فيها من يعصيني ومن يطعني، قال: وقد [¬٤] سبق من الله ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ قال: ولم تعلم الملائكة ذلك ولم يدروه، قال: فلما [¬٥] رأوا ما أعطى الله آدم من العلم أقرّوا له بالفضل.\nوقال ابن جرير: وأولى الأقوال في ذلك قول ابن عباس، وهو أن معنى قوله تعالى ﴿وأعلم ما تبدون﴾ وأعلم -مع علمي غيب السموات والأرض- ما تظهرونه [¬٦] بألسنتكم ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ تخفونه] [¬٧] في أنفسكم، فلا يخفى علي شيء، سواء عندي سرائركم وعلانيتكم.\nوالذي أظهروه بألسنتهم قولهم: أتجعل فيها من يفسد فيها، والذي كانوا يكتمونه [¬٨] ما كان منطويا عليه إبليس من الخلاف على الله في أوامره [¬٩]، والتكبر عن طاعته.\nقال: وصح ذلك كما تقول العرب: قُتِل الجيش وهُزموا، وإنما قتل الواحد أو [¬١٠] البعض، وهزم الواحد أو [¬١١] البعض، فيخرج الخبر عن المهزوم منه و[¬١٢] المقتول مخرج الخبر عن جميعهم، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ﴾ ذُكِر أن الذي نادى إنما كان واحدًا من بني تميم، قال: وكذلك قوله: ﴿وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾.\n_________\n(^٢٥٧) - تفسير ابن جرير ٦٧٧ - (١/ ٤٩٧). وسنده صحيح.\n_________\n[¬١]- سقط من ز.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- سقط من: خ.\n[¬٥]- في ز: ولما.\n[¬٦]- في ت: تظهرون.\n[¬٧]- في ت: تخفون.\n[¬٨]- في ت: \"يكتمون\".\n[¬٩]- في ز: أمره.\n[¬١٠]- في ز: و.\n[¬١١]- في ز: و.\n[¬١٢]- في ز، خ: \"أو\".","vol":"1","page":352},{"text":"﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إلا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٣٤)﴾.\nوهذه كرامة عظيمة من الله تعالى لآدم، امتن بها على ذريته، حيث أخبر أنه تعالى أمر الملائكة بالسجود لآدم، وقد دل على ذلك أحاديث أيضًا كثيرة، منها حديث الشفاعة المتقدم، وحديث موسى ﵇ \"رب أرني آدم الذي أخرجنا ونفسه من الجنة، فلما اجتمع به قال: أنت آدم الذي خلقه الله [¬١] بيده، ونفخ فيه من روحه وأسجد له ملائكته … (^٢٥٨). قال وذكر الحديث كما سيأتي [إن شاء الله] [¬٢].\nوقال ابن جرير (^٢٥٩): حدَّثنا أبو كريب، حدَّثنا عثمان بن سعيد، حدَّثنا بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس قال: كان إبليس من حي من أحياء الملائكة يقال لهم: الحن، خلقوا من نار السموم، من بين الملائكة، وكان اسمه الحارث، وكان خازنًا من خزان الجنة، قال: وخلقت الملائكة كلهم من غير غير هذا الحي، قال: وخلقت الجن الذين ذكروا في القرآن من مارج من نار، [وهو لسان النار الذي يكون في طرفها إذا ألهبت.\nقال: وخلق الإنسان من طين] [¬٣]، فأول من سكن الأرض الجن فأفسدوا فيها وسفكوا الدماء [¬٤]، وقتل بعضهم بعضًا.\nقال: فبعث الله إليهم إبليس في جند من الملائكة، وهم هذا الحي اللذين [¬٥] يقال لهم: الجن - فقتلهم إبليس ومن معه، حتى ألحقهم بجزائر البحور وأطراف الجبال، فلما فعل إبليس ذلك اغتر في نفسه، فقال: قد صنعت شيئًا لم يصنعه أحد.\nقال: فاطلع الله على ذلك من قلبه، ولم تطع [¬٦] عليه الملائكة الذين كانوا معه، فقال الله تعلى للملائكة الذين كانوا [¬٧] معه: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ فقالت الملائكة مجيبين له: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ كما أفسدت الجن وسفكت الدماء، وإنما بعثتنا عليهم لذلك؟ فقال الله تعالى: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. يقول: إِني قد اطلعت\n_________\n(^٢٥٨) - رواه أبو داود في كتاب السنة، باب: في القدر، برقم (٤٧٠٢).\n(^٢٥٩) - تفسير ابن جرير ٦٠٦ - (١/ ٤٥٥)، وابن أبي حاتم (٣٦٦)، وأصله متفق عليه كما سيأتي إن شاء الله.\n_________\n[¬١]- سقط من.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- في ز، خ: \"الذي\"\n[¬٦]- في ز، خ: \"يطلع\".\n[¬٧]- سقط من ز.","vol":"1","page":353},{"text":"من [¬١] قلب إبليس على ما لم تطلعوا عليه من كبره واغتراره. قال: ثم أمر بتربة آدم فرفعت، فخلق الله آدم من طين لازب، واللازب اللزج الصلب [¬٢]، من حمإ مسنون منتن، وإنما كان حمأ مسنونًا بعد التراب، فخلق منه آدم بيده.\nقال: فمكث أربعين ليلة جسدًا ملقى، وكان [¬٣] إبليس يأتيه فيضربه برجله، فيصلصل [أي] [¬٤] فيصوت قال: فهو قول الله تعالى: ﴿من صلصال كالفخار﴾ يقول: كالشيء المنفرج الذي ليس بمصمت.\nقال: ثم يدخل في فيه ويخرج من دبره، ويدخل من دبره ويخرج من فِيه، ثم يقول: لست شيئًا للصلصلة، وَلِشَيء مَا خُلِقْتَ ولئن سلَّطت عليك لأهلكنك، ولئن سلطتَ عليَّ لأعصينك [¬٥].\nقال: فلما نفخ الله فيه من روحه، أتت النفخة من قِبل رأسه فجعل لا يجري شيء منها في جسده إلا صار لحمًا ودمًا، فلما انتهت النفخة إلى سرته نظر إلى جسده فأعجبه [ما رأى من جسده] [¬٦] فذهب لينهض فلم يقدر، فهو قول الله تعالى: ﴿وكان [¬٧]، الإنسان عجولًا﴾ قال: ضَجِرًا [¬٨] لا صبرَ له على سراء ولا ضراء.\nقال: فلما تمت النفخة في جسده عطس، فقال: \"الحمد لله رب العالمين\" -بإلهام الله- فقال الله له: \"يرحمك الله يا آدم! \". قال: ثم قال تعالى: للملائكة الذين كانوا مع إبليس خاصة دون الملائكة الذين في السموات-: اسجدوا لآدم؛ فسجدوا كلهم أجمعون إلا إبليس أبي واستكبر، لما كان حدّث نفسه من الكبر والاغترار.\nفقال: لا أسجد له، وأنا خير منه وأكبر سنًّا وأقوى خلقًا، خلقتني من نار وخلقته من طين. يقول: إن النار أقوى من الطين. قال: فلما أبى إبليس أن يسجد أبلسه الله، أي [¬٩]: آيسه من الخير كله، وجعله شيطانًا رجيمًا عقوبة لمعصيته.\nثم علّم آدم الأسماء كلها، وهي هذه الأسماء التي يتعارف بها الناس إنسان ودابة، وأرض وسهل، وبحر وجبل وحمار، وأشباه ذلك من الأمم وغيرها.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"علي\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"الطيب\".\n[¬٣]- في خ: \"فكان\".\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- في ز، خ: \"لأعطينك.\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين في خ: \"فأعجبه\".\n[¬٧]- في ز: وخلق.\n[¬٨]- في خ: \"ضجر\".\n[¬٩]- سقط من: خ.","vol":"1","page":354},{"text":"ثم عرض هذه الأسماء على أولئك الملائكة يعني: الملائكة الذين كانوا مع إبليس، الذين خلقوا من نار السموم وقال لهم: ﴿أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ﴾ أي [¬١] يقول: أخبروني بأسماء هؤلاء ﴿إن كنتم صادقين﴾ إن كنتم تعلمون لِم أجعل في الأرض خليفة.\nقال: فلما علمت الملائكة موجدة الله عليهم فيما تكلموا به من علم الغيب، الذي لا يعلمه غيره، الذي ليس لهم به علم ﴿قالوا سبحانك﴾ تنزيهًا لله من أن يكون أحد يعلم الغيب غيره- و[¬٢] تبنا إليك ﴿لَا عِلْمَ لَنَا إلا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ تبريًّا منهم من علم الغيب، إلا ما علمتنا كما علمت آدم فقال: ﴿قَال يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ﴾ يقول: أخبرهم بأسمائهم ﴿[فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ] [¬٣] قَال أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ﴾ أيتها [¬٤] الملائكة خاصة ﴿إني أعلم غيب السموات والأرض﴾ ولا يعلم غيري ﴿وأعلم ما تبدون﴾ يقول: ما تظهرون ﴿وما كنتم تكتمون﴾ يقول: أعلم السر كما أعلم العلانية، يعني ما كتم إبليس في نفسه من الكبر والاغترار.\nهذا سياق غريب، وفيه أشياء فيها نظر، يطول مناقشتها، وهذا الإسناد إلى ابن عباس يروى به تفسير مشهور.\nوقال السدي في تفسيره (^٢٦٠)، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس - وعن مرة، عن ابن مسعود، وعن أناس من أصحاب النبي [¬٥] ﷺ لما فرغ الله من خلق ما أحب استوى على العرش، فجعل إبلس على مُلك السماء [¬٦] الدنيا، وكان من قبيلة من الملائكة يقال لهم الجن، وإنما سموا الجن، لأنهم خزان الجنة، وكان إبليس مع مُلكه خازنًا، فوقع في صدره [كبر] [¬٧] وقال: ما أ عطاني الله هذا إلا لمزية لي على الملائكة.\nفلما وقع ذلك الكبر في نفسه اطلع الله على ذلك منه فقال [¬٨] الله للملائكة: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ فقالوا: [¬٩] ربنا؛ وما يكون ذلك الخليفة؟ قال: يكون له ذرية يفسدون في الأرض ويتحاسدون ويقتل بعضهم بعضًا.\nقالوا: [ربنا] أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال: إني أعلم ما لا تعلمون. يعني: من شأن إبليس. فبعث الله [¬١٠] جبريل إلى الأرض ليأتيه\n_________\n(^٢٦٠) - رواه ابن جرير (٦٠٧).\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- سقط من: ز، خ\n[¬٤]- في ز، خ: \"أيها\".\n[¬٥]- في خ: \"رسول الله\".\n[¬٦]- في ز: سماء.\n[¬٧]- سقط من: ز، خ، وهي زيادة من الطبري.\n[¬٨]- في خ؛ \"وقال\".\n[¬٩]- في ز، خ: \"قالوا\".\n[¬١٠]- سقط من: ز، خ.","vol":"1","page":355},{"text":"بطين منها، فقالت الأرض: إني أعوذ بالله منك أن تقبض [¬١] مني أو تشينني، فرجع ولم يأخذ، وقال: رب مني عاذت بك فأعذتها، فبعث ميكائيل، فعاذت منه فأعاذها [¬٢]، فرجع فقال كما قال جبريل، فبعث ملك الموت فعاذت منه، فقال: وأنا أعوذ بالله أن أرجع ولم أنفذ أمره، فأخذ من وجه الأرض وخلط، ولم يأخذ من مكان واحد، وأخذ من تربة حمراء وبيضاء وسوداء؛ فلذلك خرج بنو آدم مختلفين، فصعد به فَبَلّ التراب حتى عاد طينًا لازبًا، واللازب هو الذي يلتزق بعضه ببعض، ثم قال للملائكة: ﴿إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإ مَسْنُونٍ (٢٨) فَإِذَا سَوَّيتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ فخلقه الله بيده لئلا يتكبر إبليس عنه، ليقول له: تتكبر عما عملت بيدي، ولم أتكبر أنا عنه يخلقه بشرًا، فكان جسدًا من طين أربعين سنة من مقدار يوم الجمعة، فمرّت به الملائكة ففزعوا منه لما رأوه، وكان أشدهم فزعًا منه [¬٣] إبليس، فكان يمر به فيضربه فيصوت الجسد كما يصوت الفخار تكون له صلصلة فذلك [¬٤] حين يقول: ﴿من صلصال كالفخار﴾ ويقول: لأمر ما خلقت.\nودخل من فيه فخرج من دبره، وقال للملائكة: لا ترهبوا من هذا؛ فإن ربكم صمد وهذا أجوف، لئن سلطت عليه لأهلكنه، فلما بلغ الحين الذي يريد الله ﷿ أن ينفخ فيه الروح قال للملائكة: إذا نفختُ فيه من روحي فاسجدوا له، فلما نفخ فيه الروح فدخل الروح في رأسه عطس فقالت الملائكة: قل: الحمد لله، [فقال: الحمد لله] [¬٥]، فقال له الله: \"رحمك ربك\".\nفلما دخلت الروح في عينيه نظر إلى ثمار الجنة، فلما دخل الروح إلى جوبه اشتهى المام، فوثب قبل أن تبلغ الروح رجليه عجلان إلى ثمار الجنة، فذلك حين يقول الله تعالى: ﴿خُلق الإنسان من عجل﴾ ﴿فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس أبى أن يكون مع الساجدين﴾ ﴿أبى واستكبر وكان من الكافرين﴾.\nقال الله له: ما منعك أن تسجد إذ أمرتك لما خلقتُ بيدي؟ قال: أنا خير منه، لم أكن لأسجد لبشر [¬٦] خلقته من طين.\nقال الله له: ﴿فاهبط [¬٧] منها فما يكون لك﴾ يعني ما ينبغي لك ﴿أن تتكبر فيها فاخرج [¬٨] إنك من الصاغرين﴾ والصغار هو الذل.\n_________\n[¬١]- في تفسير الطبري: تنقص.\n[¬٢]- في ز، خ: \"فعاذها\".\n[¬٣]- زيادة في: خ.\n[¬٤]- في ز، خ: \"بذلك\".\n[¬٥]- زيادة من: ز، خ.\n[¬٦]- في ز، خ: \"لمن\".\n[¬٧]- في: اخرج.\n[¬٨]- في ز، خ: \"اخرج\".","vol":"1","page":356},{"text":"قال: ﴿وعلم آدم الأسماء كلها﴾ ثم عرض الخلق على الملائكة ﴿فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين﴾ أن بني آدم يفسدون في الأرض ويسفكون الدماء، فقالوا له [¬١]: ﴿سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم﴾ قال الله: ﴿يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم إني أعلم غيب السموات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون﴾.\nقال: قولهم: ﴿أتجعل فيها من يفسد فيها﴾ فهذا الذي أبدوا ﴿[وما كنتم] [¬٢] تكتمون﴾ يعني ما أسر إبليس في نفسه من الكبر.\nفهذا الإسناد إلى هؤلاء الصحابة مشهور في تفسير السديّ، ويقع فيه إسرائيليات كثيرة، فلعل بعضها مدرج [¬٣] ليس من كلام الصحابة، أو أنهم أخذوه من بعض الكتب المتقدمة، والله أعلم. والحاكم يروي في مستدركه بهذا الإسناد بعينه أشياء، ويقول: على شرط البخاري (^٢٦١).\nوالغرض أن الله تعالى لما أمر الملائكة بالسجود لآدم، دخل إبليس في خطابهم، لأنه -وإن لم يكن من عنصرهم- إلا أنه كان قد تشبه بهم وترسم [¬٤] بأفعالهم، فلهذا دخل في الخطاب لهم، وذم في مخالفة الأمر، وسنبسط المسألة إن شاء الله تعالى عند قوله تعالى: ﴿إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه﴾.\nولهذا قال محمد بن إسحاق، عن خلاد (^٢٦٢)، عن عطاء، عن طاوس، عن ابن عباس قال: كان إبليس قبل أن يركب المعصية من الملائكة اسمه عزازيل، وكان من سكان الأرض، وكان من أشد الملائكة اجتهادًا، وأكثرهم علمًا، فذلك [¬٥] دعاه إلى الكبر، وكان من حي يسمون حنًّا [¬٦].\nوفي رواية عن خلاد، عن عطاء، عن طاوس -أو مجاهد- عن ابن عباس، أو غيره، بنحوه (^٢٦٣).\n_________\n(^٢٦١) - كذا قال الحافظ. ولم أقف على قول الحاكم: \"على شرط البخاري\"، وإنما يقول: \"على شرط مسلم\"، والله أعلم. والصواب -والله أعلم- أن الإسناد ليس على شرط واحدٍ منهما.\n(^٢٦٢) - رواه ابن جرير ٦٨٦ - (١/ ٥٠٢). وخلاد هو ابن عبد الرحمن، ثقة. ولكن السند إلى ابن إسحاق ضعيف.\n(^٢٦٣) - رواه ابن جرير ٦٨٧ - (١/ ٥٠٧). وإسناده كالذي قبله.\n_________\n[¬١]- زيادة من ز.\n[¬٢]- في ز: وأعلم ما.\n[¬٣]- في ز، خ: \"مدرجًا\".\n[¬٤]- في ت: \"توسم\".\n[¬٥]- في ز: فلذلك.\n[¬٦]- في ز، خ: \"جنًا\".","vol":"1","page":357},{"text":"وقال ابن أبي حاتم (^٢٦٤): حدثنا أبي، حدثنا سعيد بن سليمان، حدثنا عباد -يعني ابن العوّام- عن سفيان بن حسين، عن يعلى بن مسلم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: كان إبليس اسمه عزازيل، وكان من أشراف [¬١] الملائكة من ذوي الأجنحة الأربعة، ثم أبلس [¬٢] بعد.\nوقال سُنَيد [¬٣]، عن حجاج، عن ابن جريج (^٢٦٥)، قال: قال ابن عباس: كان إبليس من أشراف الملائكة وأكرمهم قبيلة، وكان خازنًا على الجنان، وكان له سلطان سماء الدنيا، وكان له سلطان على [¬٤] الأرض.\nوهكذا روى الضحاك وغيره عن ابن عباس، سواء (^٢٦٦).\nوقال صالح مولى التَّوأمة [¬٥] (^٢٦٧) عن ابن عباس: إن من الملائكة قَبيلًا يقال لهم: الحن، وكان [¬٦] إبليس منهم، وكان [يسوس] [¬٧] ما بين السماء والأرض، فعصى، فمسخه الله شيطانًا رجيمًا. رواه ابن جرير.\nوقال قتادة، عن سعيد بن المسيب: كان إبليس رئيس ملائكة سماء الدنيا (^٢٦٨).\nوقال ابن جرير (^٢٦٩): حدثنا محمد بن بشار، حدثنا عدي [¬٨] بن أبي عدي، عن عوف، عن الحسن قال: ما كان إبليس من الملائكة طرفة عين قط، وإنه لأصل الجن، كما أن آدم أصل الإنس.\nوهذا إسناد صحيح عن الحسن. وهكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم سواء.\n_________\n(^٢٦٤) - رجال إسناده ثقات، والحديث في تفسير ابن أبي حاتم ٣٦٥ - (١/ ١٢٢).\n(^٢٦٥) - منقطع، ابن جريج لم يسمع من ابن عباس. والأثر رواه ابن جرير ٦٨٩ - (١/ ٥٠٣).\n(^٢٦٦) - منقطع، الضحاك لم يسمع من ابن عباس، وهو عند ابن جرير (٦٨٥).\n(^٢٦٧) - ابن جرير (٦٩٠، ٧٠٠) وصالح مولى التوأمة: صدوق، اختلط، وروى أثره هذا ابن كثير معلقًا؛ فلم نعرف الراوي عنه ليتبين لنا هل روى عنه قبل الاختلاط أم بعده؛ إلا أن ابن جرير رواه ٦٩٠ - (١/ ٥٠٤) من حديث ابن جريج، عن صالح، به. وابن جريج ممن روى عنه قبل الاختلاط. ورواه من طريق شريك بن أبي نمر برقم ٧٠٠ - (١/ ٥٠٧).\n(^٢٦٨) - رواه ابن جرير ٦٩٢ - (١/ ٥٠٤).\n(^٢٦٩) - رواه ابن جرير ٦٩٦ - (١/ ٥٠٦).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"أشرف\".\n[¬٢]- في خ: \"إبليس\".\n[¬٣]- في خ: \"سفيان\".\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- في خ: \"التومة\".\n[¬٦]- في ز: فكان.\n[¬٧]- في ت: \"يوسوس\".\n[¬٨]- سقط من: ز، خ.","vol":"1","page":358},{"text":"وقال شهر بن حوشب: كان إبليس من الجن الذين طردتهم الملائكة، فأسره بعض الملائكة فذهب به إلى السماء. رواه ابن جرير.\nوقال سنيد بن داود (^٢٧٠): حدثنا هشيم، أنبأنا عبد الرحمن بن يحيى، عن موسى بن نمير، وعثمان بن سعيد بن كامل، عن سعد بن مسعود قال: كانت الملائكة تقاتل الجن، فسبي إبليس وكان صغيرًا، فكان مع الملائكة، يتعبد [¬١] معها، فلما أمروا بالسجود لآدم سجدوا [¬٢]، فأبى إبليس فلذلك قال تعالى: ﴿إلا إبليس كان من الجن﴾.\nوقال ابن جرير (^٢٧١): حدثنا محمد بن سنان القزاز، حدثنا أبو عاصم، عن شريك، عن رجل، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: إن الله خلق خلقًا فقال: اسجدوا لآدم. فقالوا: لا نفعل. فبعث الله عليهم نارًا فأحرقتهم [¬٣]. ثم خلق خلقًا آخر فقال: ﴿إني خالق بشرًا من طين﴾ اسجدوا لآدم. قال: فأبوا. فبعث الله عليهم نارًا فأحرقتهم. ثم خلق هؤلاء، فقال: اسجدوا لآدم. قالوا: نعم. وكان إبليس من أولئك الذين أبوا أن يسجدوا لآدم.\nوهذا غريب ولا يكاد يصح إسناده، فإن فيه رجلًا مبهمًا ومثله لا يحتج به، والله أعلم.\nوقال قتادة في قوله تعالى: ﴿وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم﴾ فكانت الطاعة لله، والسجدة لآدم أكرم الله آدم بها [¬٤] أن أسجد له ملائكته.\nوقال في قوله تعالى: ﴿فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين﴾ حسد عدو الله إبليس آدم ﵇، على ما أعطاه الله من الكرامة، وقال: أنا ناري وهذا طيني. وكان بدء الذنوب الكبر، استكبر عدو اللَّه أن يسجد لآدم ﵇.\nوقال بعض الناس: كان هذا سجود تحية وسلام وإكرام، كما قال تعالى: ﴿ورفع أبويه على العرش وخروا له سجدًا وقال: يا أبت، هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقًّا﴾.\nوقد كان هذا مشروعًا في الأمم الماضية، ولكنه نسخ في ملتنا. قال معاذ: قدمت الشام فرأيتهم يسجدون لأساقفتهم وعلمائهم، فأنت يا رسول الله؛ أحق أن يسجد لك. فقال: \"لا، لو كنت آمرًا بشرًا أن يسجد لبشر، لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها من عظم حقه عليها\" (^٢٧٢).\n_________\n(^٢٧٠) - رواه ابن جرير ٦٩٩ - (١/ ٥٠٧)، وسنده ضعيف.\n(^٢٧١) - تفسير ابن جرير ٧٠٢ - (١/ ٥٠٨)، وسنده ضعيف.\n(^٢٧٢) - ورد من حديث جماعة من الصحابة منهم معاذ، وزيد بن أرقم، وعبد الله بن أبي أوفى =\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"فتعبد\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"فسجدوا\".\n[¬٣]- في خ: \"فحرقهم\"، وفي ز: تحرقهم.\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.","vol":"1","page":359},{"text":"ورجحه الرازي وقال بعضهم: بل كانت السجدة لله وآدم قبلة فيها. كما قال تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ وفي هذا التنظير نظر، والأظهر أن القول الأول أولى، والسجدة لآدم إكرامًا وإعظامًا واحترامًا وسلامًا، وهي طاعة لله ﷿؛ لأنها امتثال لأمره تعالى.\nوقد قوّاه الرازي في تفسيره وضعف ما عداه من القولين الآخرين، وهما: كونه جُعل قبلة إذ لا يظهر فيه شرف.\nوالآخر: أن المراد بالسجود الخضوع لا الانحناء ووضع الجبهة على الأرض. وهو ضعيف كما قال:\nوقال قتادة في قوله تعالى: ﴿فَسَجَدُوا إلا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ حسد عدوّ الله إبليس آدم ﵇، على ما أعطاه الله من الكرامة، وقال: أنا ناريٌّ وهذا طينيٌّ، وكان بدء الذنوب الكبر، استكبر عدوّ الله أن يسجد لآدم ﵇.\nقلت: وقد ثبت في الصحيح \"لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من كبر\" (^٢٧٣).\n_________\n= وأبي هريرة، وأنس، وقيس بن سعد، وعائشة، وسلمان، ﵃.\nفرواه أحمد في المسند ٢٢٠٨٢، ٢٢٠٨٣ - (٥/ ٢٢٧) من حديث الأعمش، عن أبي ظبيان، عن معاذ بن جبل، ومن حديث الأعمش، قال: سمعت أبا ظبيان يحدث، عن رجل من الأنصار، عن معاذ بن جبل فذكره، وأبو ظبيان لم يلق معاذًا ولا أدركه، قاله ابن حزم، كما في التهذيب، وإسناده الآخر فيه مجهول. وأخرجه الطبراني في الكبير (٢٠/ ١٧٤، ١٧٥ رقم: ٣٧٣) من حديث أبي ظبيان، عن معاذ. وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٤/ ٣٠٩) وقال: \"رواه البزار بتمامه، وأحمد باختصار، ورجاله رجال الصحيح، وكذلك طريق من طرق أحمد، وروى الطبراني بعضه\".\nورواه الترمذي (١١٥٩) من حديث أبي هريرة، وكذا ابن حبان (١٢٩١)، والبيهقي في الكبرى (٧/ ٢٩١).\nورواه البزار كما في كشف الأستار (٢/ ٢٧٩ / رقم: ١٤٦٨) من حديث صدقة بن عبد الله، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن القاسم الشيباني، وهو ابن عوف، عن زيد بن أرقم؛ قال: بعث رسول الله ﷺ، معاذًا إلى الشام … فذكر الحديث. وأورده الهيثمي (٤/ ٣١٠) وقال: رواه البزار والطبراني في الكبير والأوسط، وأحد إسنادي الطبراني رجاله رجال الصحيح؛ خلا صدقة بن عبد الله السمين، وثقه أبو حاتم وجماعة، وضعفه البخاري وجماعة. ا هـ.\nوأخرجه أحمد ١٩٤٦١ - (٤/ ٣٨١)، وابن ماجة، كتاب: النكاح، باب: حق الزوج على المرأة (١٨٥٣)، والبيهقي في الكبرى (٧/ ٢٩٢)، وصححه ابن حبان (٩/ ٤١٧١) من حديث عبد الله بن أبي أوفى، وإسناده حسن. وانظر الإرواء (٣/ ٥٤ - ٥٨).\n(^٢٧٣) - رواه مسلم في الإيمان برقم ١٤٧، ١٤٨، ١٤٩ - (٩١) من حديث عبد الله بن مسعود، ﵁.","vol":"1","page":360},{"text":"وقد كان في قلب إبليس من الكبر والكفر والعناد ما اقتضى طرده وإبعاده عن جناب الرحمة وحضرة القدس.\nوقال ابن أبي حاتم (^٢٧٤) حدثنا أبو [¬١] سعيد الأشج، حدثنا أبو أسامة، حدثنا صالح بن حيان، حدثنا عبد الله بن بريدة: قوله تعالى: ﴿وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ من الذين أبوا، فأحرقتهم النار.\nوقال أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية: ﴿وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ يعني: من العاصين.\nوقال السدي: ﴿وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ الذين لم يخلقهم الله يومئذ [¬٢] يكونون بعد.\nوقال محمد بن كعب القرظي: ابتدأ الله خلق إبليس على الكفر والضلالة، وعمل بعمل الملائكة، فصيره الله إلى ما [ابتدأه] عليه خلقه من الكفر، قال الله تعالى: ﴿وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾.\n[وقال قتادة في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ فكانت الطاعة لله والسجدة لآدم أكرم الله آدم بها أن أسْجَدَ له ملائكته.\nقال بعض المعربين: وكان من الكافرين، أي: وصار من الكافرين بسبب امتناعه، كما قال: ﴿فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾ وقال: ﴿فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ وقال الشاعر:\nبتيهاء قفرٍ والمطيٌّ كأنها … قطا الحزن قد كانت فراخًا بيوضها\nأي قد صارت.\nوقال ابن فورك: تقديره وقد كان في علم الله من الكافرين.\nورجحه القرطبي وذكر هاهنا مسألة فقال: قال علماؤنا: من أظهر الله على يديه ممن ليس بنبي كرامات وخوارق العادات فليس ذلك دالًّا على ولايته خلافًا لبعض الصوفية والرافضة. هذا لفظه.\nثم استدل على ما قال بأنا لا نقطع بهذا الذي جرى الخارق على يديه أنه يوافي الله بالإيمان وهو لا يقطع لنفسه لذلك، يعني: والولي الذي يقطع له بذلك الأمر.\n_________\n(^٢٧٤) - ضعيف، صالح بن حيان: قال البخاري: فيه نظر، وقال أبو حاتم: ليس بالقوي، وضعفه يحيى بن معين (التاريخ ٢/ ٢ / ٧٥) (الجرح ٤/ ٣٩٨) والأثر رواه ابن أبي حاتم ٣٧٠ - (١/ ١٢٣).\n_________\n[¬١]- في ز: ابن.\n[¬٢]- مكانها بياض في: ز، خ.","vol":"1","page":361},{"text":"قلت: وقد استدل بعضهم على أن الخارق قد يكون على يد غير الولي، بل قد يكون على يد الفاجر والكافر أيضًا بما ثبت عن ابن صياد أنه قال: هو الدخ حين خبأ له رسول الله ﷺ ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ (^٢٧٥). وبما كان يصدر عنه أنه كان يملأ الطريق إذا غضب حتى ضربه عبد الله بن عمر، وبما ثبتت به الأحاديث عن الدجال بما يكون على يديه من الخوارق الكثيرة؛ من أنه يأمر السماء أن تمطر فتمطر، والأرض أن تنبت فتنبت؛ وتتبعه كنوز الأرض مثل اليعاسيب؛ وأن يقتل ذلك الشاب ثم يحييه، إلى غير ذلك من الأمور المهولة.\nوقد قال يونس بن عبد الأعلى الصدفي: قلت للشافعي: كان الليث بن سعد يقول: إذا رأيتم الرجل يمشي على الماء [] [¬١] فلا تغتروا به حتى تعرضوا أمره على الكتاب والسنة.\nفقال الشافعي: قصر الليث ﵀ بل إذا رأيتم الرجل يمشي على الماء ويطير في الهواء فلا تغتروا به حتى تعرضوا أمره على الكتاب والسنة.\nوقد حكى الرازي وغيره قولين للعلماء هلي المأمور بالسجود لآدم خاص بملائكة الأرض أو عام بملائكة السموات والأرض؟ وقد رجح كلًّا من القولين طائفة، وظاهر الآية الكريمة العموم ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٧٣) إلا إِبْلِيسَ﴾ فهذه أربعة أوجه مقوية للعموم، والله أعلم] [¬٢].\n﴿وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (٣٥) فَأَزَلَّهُمَا الشَّيطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (٣٦)﴾\nيقول الله تعالى إخبارًا عما أكرم به آدم: بعد أن أمر الملائكة بالسجود له، فسجدوا إلا إبليس: إنه أباحه الجنة يسكن منها حيث يشاء، ويأكل منها ما شاء، رغدًا، أي: هنيئًا واسعًا طيبًا.\nوروى الحافظ أبو بكر بن مردويه، من حديث محمد بن عيسى الدامغاني: حدَّثنا سلمة بن الفضل، عن ميكائيل، عن ليث، عن إبراهيم التيمي، عن أبيه، عن أبي ذر، قال: قلت: يا رسول الله؟ أرأيت آدم أنبيًّا كان؟ قال: \"نعم نبيًّا رسولًا، [كلمه الله قِبَلًا] \" [يعني عيانًا. فقال] [¬٣]: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ (^٢٧٦).\n_________\n(^٢٧٥) - رواه البخاري (٣/ ٢١٨ الفتح) ومسلم ٥٦٠، ٥٦١ - (١٠).\n(^٢٧٦) - ورواه ابن سعد في الطبقات الكبرى (١/ ١٠) من طريق أبي عمر الشامي، عن عبيد الخشخاش، =\n_________\n[¬١]- في ر: ويطير في الهواء.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.","vol":"1","page":362},{"text":"وقد اختلف في الجنة التي أسكنها آدم، أهي في السماء أم [¬١] في الأرض؟ والأكثرون على الأول، [وحكى القرطبي عن المعتزلة والقدرية القول بأنها في الأرض] [¬٢]، وسيأتي تقرير ذلك في سورة الأعراف إن شاء الله تعالى، وسياق الآية يقتضي أن حوّاء خلقت قبل دخول آدم الجنة.\nوقد صرح بذلك محمد بن إسحاق حيث قال (^٢٧٧): لما فرغ الله من معاتبة إبليس، أقبل على آدم وقد علمه الأسماء كلها فقال: ﴿يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ قال: ثم [¬٣] ألقيت السنة على آدم فيما بلغنا عن أهل الكتاب- من أهل التوراة وغيرهم من أهل العلم، عن ابن عباس وغيره- ثم أخذ ضلعًا من أضلاعه من شقه الأيسر، ولأم مكانه لحمًا، وآدم نائم لم يهُب من نومه حتى خلق الله من ضلعه تلك زوجته حوّاء، فسوّاها امرأة ليسكن إليها، فلما كُشِف عنه السنة وهبَّ من نومه، رآها إلى جنبه، فقال:- فيما يزعمون والله أعلم-\"لحمى ودمي وروحي [¬٤] \". فسكنْ [¬٥] إليها، فلما زوّجه الله وجعل له سكنًا من نفسه قال له قِبَلًا [¬٦]: ﴿يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾.\nويقال: إن خلق حوّاء كان بعد دخوله الجنة كما قال السدي في خبر [¬٧] ذكره عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس- وعن مرّة، عن ابن مسعود، وعن ناس من الصحابة (^٢٧٨): أخرج إبليس من الجنة، وأسكن آدم الجنة، فكان يمشي فيها وحْشًا ليس له زوج يسكن إليه، فنام نومة فاستيقظ، وعند رأسه امرأة قاعدة خلقها الله من ضلعه، فسألها: ما أنت؟ قالت: امرأة. قال: ولم خلقت؟ قالت: لتسكن إليَّ. قالت له الملائكة: -ينظرون ما بلغ من علمه- ما اسمها [¬٨] يا آدم؟ قال: حوّاء، قالوا [¬٩]: ولم [سميت] [¬١٠]، حوّاء؟ قال: إنها خلقت من شيء\n_________\n= عن أبي ذر بنحوه، ورواه أبو الشيخ في العظمة برقم (١٠١٦) من طريق جعفر بن الزبير، عن القاسم، عن أبي أمامة، عن أبي ذر بنحوه، ورواه أحمد في المسند ٢٣٣٨٩ - (٥/ ٢٦٥) من طريق علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة مرفوعًا بنحوه.\nورواه الطبراني في الأوسط (٤٢٥٩) (٧٣٣٥)، وقال عقب الأول: لم يروه عن إبراهيم إلا ليث، ولا عن ليث إلا ميكال، وهو شيخ كوفي، ولا نعلمه أسند حديثًا غير هذا. وزاد عقب الثاني: ولا عن ميكال إلا سلمة بن الفضل.\n(^٢٧٧) - ابن جرير برقم (٧١١).\n(^٢٧٨) - ابن جرير برقم (٧١٠).\n_________\n[¬١]- في ز: أو.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- سقط من: خ.\n[¬٤]- في التفسير: زوجتي.\n[¬٥]- في خ: \"يسكن\".\n[¬٦]- سقط من: خ.\n[¬٧]- في: ز، خ \"تفسيره\".\n[¬٨]- في ز: اسمه.\n[¬٩]- في ز، خ: \"قال\".\n[¬١٠]- سقط من: ز، خ.","vol":"1","page":363},{"text":"حي (^٢٧٩). قال الله: ﴿يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيثُ شِئْتُمَا﴾.\nوأمّا قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ فهو اختبار من الله تعالى وامتحان لآدم. وقد اختلف في هذه الشجرة، ما هي؟ فقال السدي: عمن حدّثه، عن ابن عباس (^٢٨٠): الشجرة التي نُهي عنها آدم ﵇ هي الكَرْم. وكذا قال سعيد بن جبير، والسدي، والشعبي، وجَعْدة بن هُبَيرة، ومحمد بن قيس.\nوقال السدي أيضًا في خبر ذكره عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس وعن مرّة، عن ابن مسعود، وعن ناس من الصحابة: ﴿وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ هي الكرم.\nوتزعم يهود أنها الحنطة.\nوقال ابن جرير وابن أبي حاتم (^٢٨١): حدثنا محمد بن إسماعيل بن سمرة الأحمسي، حدَّثنا أبو يحيى الحماني [¬١]، حدَّثنا النضر أبو عمر الخزّاز [¬٢]، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: الشجرة التي نُهي عنها آدم [﵇] هي السنبلة.\nوقال عبد الرزاق (^٢٨٢): أنبأنا [¬٣] ابن عيينة وابن المبارك، عن الحسن بن عمارة، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: هي السنبلة.\nوقال: محمد بن إسحاق عن رجل من أهل العلم، [] [¬٤]، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: هي البر.\nوقال ابن جرير (^٢٨٣): وحدّثني المثنى بن إبراهيم، حدَّثنا مسلم بن إبراهيم، حدَّثنا القاسم، حدّثني رجل من بني تميم، أن ابن عباس كتب إلى أبي الجلد [¬٥] يسأله [¬٦] عن الشجرة التي أكل\n_________\n(^٢٧٩) - ابن منده في التوحيد برقم (٨١).\n(^٢٨٠) - ابن جرير برقم (٧٣٠).\n(^٢٨١) - ضعيف جدًّا، النضر بن عبد الرحمن أبو عمر: قال البخاري: منكر الحديث. وأبو يحيى الحماني عبد الحميد بن عبد الرحمن مختلف فيه. والحديث عند ابن أبي حاتم ٣٨١ - (١/ ١٢٦). وابن جرير ٧١٨ - (١/ ٥١٦ - ٥١٧).\n(^٢٨٢) - رواه ابن جرير بإسناده إلى عبد الرزاق برقم ٧٢٥ - (١/ ٥١٨). والحسن بن عمارة: ضعيف بل متروك.\n(^٢٨٣) - تفسير ابن جرير ٧٢٣ - (١/ ٥١٧). وإسناده ضعيف؛ لجهالة الرجل من بني تميم.\n_________\n[¬١]- في خ: \"الجماني\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"الخراز\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"حدثنا\".\n[¬٤]- في ت، ر: [عن حجاج] وقد سقط من: ز، خ، وتفسير الطبري.\n[¬٥]- في ز: مجلد.\n[¬٦]- في ز: فسأله.","vol":"1","page":364},{"text":"منها آدم والشجرة التي تاب عندها آدم. فكتب إليه [أبو الجلد] [¬١]: سألتني عن الشجرة التي نُهِيَ عنها آدم وهي السنبلة، وسألتني عن الشجرة التي تاب عندها آدم وهي الزيتونة.\nوكذلك فسره الحسن البصري، ووهب بن منبه، وعطية العوفي، وأبو مالك ومحارب بن دثار، وعبد الرحمن بن أبي ليلى.\nوقال محمد بن إسحاق عن بعض أهل اليمن، عن وهب بن منبه أنه كان يقول: هي [¬٢] البر، ولكن الحبة منها في الجنة ككُلَى البقر، و[¬٣] ألين من الزبد وأحلى من العسل.\nوقال سفيان الثوري: عن حصين، عن أبي مالك: ﴿وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ قال: النخلة.\nوقال ابن جرير: عن مجاهد: ﴿وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ قال: التينة [¬٤]، وبه قال قتادة وابن جريج.\nوقال أبو جعفر الرازي: عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، كانت الشجرة من أكل منها أحدث، ولا ينبغي أن يكون في الجنة حدث.\nوقال عبد الرزاق (^٢٨٤): حدثنا عمر بن عبد الرحمن بن مُهْرِب قال: سمعت وهب بن منبه يقول: لما أسكن الله آدم وزوجته الجنة ونهاه عن أكل الشجرة، وكانت شجرة غصونها متشعب بعضها في [¬٥] بعض، وكان لها ثمر تأكله الملائكة لخلدهم، وهي الثمرة [¬٦] التي نهى الله عنها آدم وزوجته.\nفهذه أقوال ستة في تعيين [¬٧] هذه الشجرة.\nقال الإمام العلامة أبو جعفر بن جرير (^٢٨٥) ﵀: والصواب في ذلك أن يقال: إنّ الله جلَّ ثناؤه نهى آدم وزوجته عن أكل شجرة بعينها من أشجار الجنة، دون سائر أشجارها فأكلا منها، ولا علم عندنا بأي شجرة كانت على التعيين؛ لأن الله لم يضع لعباده دليلًا على ذلك في القرآن ولا من السنة الصحيحة.\n_________\n(^٢٨٤) - رواه ابن جرير ياسناده إلى عبد الرزاق ٧٤٢ - (١/ ٥٢٥).\n(^٢٨٥) - تفسير ابن جرير (١/ ٥٢٠ - ٥٢١).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٢]- في ز: من.\n[¬٣]- سقط من ز.\n[¬٤]- في ز، خ: \"تيتة\".\n[¬٥]- في ت: \"من\".\n[¬٦]- في ت: \"الشجرة\".\n[¬٧]- في ت: \"تفسير\".","vol":"1","page":365},{"text":"وقد قيل: كانت شجرة البر وقيل: كانت شجرة العنب، وقيل: كانت شجرة التين. وجائز أن تكون [¬١] واحدة منها، وذلك عِلْمٌ إذا عُلِمَ لم ينفع العالمَ به علمُه، وإن جَهِلَهُ جاهل لم يضره جهله به، والله أعلم.\n[وكذلك رجح الإبهام الرازي في تفسيره وغيره وهو الصواب] [¬٢].\nوقوله تعالى: ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيطَانُ عَنْهَا﴾. يصح أن يكون الضمير في قوله: ﴿عَنْهَا﴾ عائدًا إلى الجنة، فيكون معنى الكلام كما قرأ [¬٣] عاصم بن بَهْدلة، وهو ابن أبي النَّجُود: فأزلهما، أي: فنحاهما، ويصح أن يكون عائدًا على أقرب المذكورين، وهو الشجرة، فيكون معنى الكلام كما قال الحسن وقتادة: \"فأزلهما\"، أي: من قَبِيلِ الزلل، فعلى هذا يكون تقدير الكلام ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيطَانُ عَنْهَا﴾ أي: بسببها، كما قال تعالى: ﴿يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ﴾ أي: يصرف بسببه من هو مأفوك؟ ولهذا قال تعالى: ﴿فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ﴾ أي: من اللباس والمنزل الرحب والرزق الهنيء والراحة.\n﴿وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾. أي [¬٤]: قرار وأرزاق وآجال ﴿إِلَى حِينٍ﴾ أي: إلى وقت مؤقت ومقدار معين، ثم تقوم القيامة.\nوقد ذكر المفسرون من السلف كالسُّدّي بأسانيده، وأبي العالية، ووهب بن منبه وغيرهم، هاهنا أخبارًا إسرائيلية عن قصة الحية [¬٥] وإبليس، وكيف جرى من دخول إبليس إلى [¬٦] الجنة ووسوسته، وسنبسط ذلك، إن شاء الله، في سورة الأعراف، فهناك القصة أبسط منها هاهنا، والله الموفق.\nوقد قال ابن أبي حاتم هاهنا (^٢٨٦): حدثنا علي بن الحسن [¬٧] بن إشكاب، حدثنا علي بن\n_________\n(^٢٨٦) - علي بن عاصم: صدوق يخطئ ويصر، وقد تابعه يونس بن محمد، عند أحمد في الزهد، والحسن لم يسمع من أبي بن كعب -وقد رواه عن عُتي، عن أبي-كما عند الحاكم والبيهقي، وقتادة مدلس، وقد عنعن؛ إلا أنه صرح عند أحمد في الزهد بالتحدث، والحديث في تفسير ابن أبي حاتم ٣٩٢ - (١/ ١٢٦)، ورواه أحمد في الزهد ص ٤٨، من حديث يونس بن محمد المؤدب، ثنا شيبان، عن قتادة، حدثنا الحسن، عن أبي مرفوعًا، وأخرجه ابن سعد في الطبقات (١/ ٣١)، والحاكم في المستدرك (٢/ ٢٦٢)، والبيهقي في البحث والنشور ص (١٧٥) من طريق عبد الوهاب بن عطاء، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن، عن عتي، عن أُبى مرفوعًا. وصححه الحاكم مع اختلافٍ في الألفاظ. وقد رواه الحاكم مختصرًا موقوفًا على أبي (٢/ ٥٤٤).\n_________\n[¬١]- في خ: \"يكون\".\n[¬٢]-ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في خ. \"قال\".\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- في ز، خ: \"الجنة\".\n[¬٦]- سقط من: ز، خ.\n[¬٧]- في خ، وابن أبي حاتم: \"الحسين\".","vol":"1","page":366},{"text":"عاصم، عن سعيد بن أبي عَرُوبة، عن قتادة، عن الحسن، عن أبي بن كعب، قال: قال رسول الله، ﷺ: \"إن الله خلق آدم رجلا طُوَالا، كثير شعر الرأس، كأنه نخلة سَحوق، فلما ذاق الشجرة سقط عنه لباسه، فأوّل ما بدا منه عورته، فلما نظر إلى عورته جعل يَشْتَدَّ في الجنة فأخذت شَعْرَه شجرةٌ، فنازعها، فناداه الرحمن يا آدم؛ مني تَفرُّ؟ فلما سمع كلام الرحمن، قال: يا رب؛ لا، ولكن استحياء\".\nقال (^٢٨٧): وحدثني جعفر بن أحمد بن الحكم القرشي [¬١] سنة أربع وخمسين ومائتين، حدثنا سليمان [¬٢] بن منصور بن عمار، حدثنا علي بن عاصم، عن سعيد، عن قتادة، عن أبي ابن كعب قال: قال رسول الله ﷺ: \"لما ذاق آدم من الشجرة فرّ [¬٣] هاربًا، فتعلقت شجرة بشعره، فنودي يا آدم؛ أفرارًا مني؟ قال بل حياء منك. قال: يا آدم؛ اخرج من جواري؛ فبعزتي لا يساكنني فيها من عصاني، ولو خلقت مثلك ملء الأرض خلقًا فم عصوني لأسكنتهم دار العاصين\".\nهذا حديث غريب، وفيه انقطاع، بل إعضال بين قتادة وأبي بن كعب، ﵁ [¬٤]!\nوقال الحاكم (^٢٨٨): حدَّثنا [¬٥] أبو بكر بن بَالُويَه [¬٦] عن محمد بن أحمد بن النضر، عن معاوية بن عمرو، عن زائدة، عن عمار بن [] [¬٧] معاوية البَجَلي، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: ما أسكن آدم الجنة إلا ما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس.\nثم قال: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه.\n[وقال عبد بن حميد في تفسيره. حدَّثنا روح، عن هشام، عن الحسن، قال: لبث آدم في الجنة ساعة من نهار، تلك الساعة ثلاثون ومائة سنة من أيام الدنيا] [¬٨].\nوقال أبو جعفر الرازي (^٢٨٩): عن الربيع بن أنس قال: خرج [¬٩]، آدم من الجنة للساعة التاسعة\n_________\n(^٢٨٧) - تفسير ابن أبي حاتم ٣٩٣ - (١/ ١٣٠).\n(^٢٨٨) - رواه الحاكم (٢/ ٥٤٢)، وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. قلت: عمار بن معاوية لم يرو له البخاري. وقال أحمد: لم يسمع من سعيد بن جبير شيئًا (العلائي ص ٢٤١). فالأثر منقطع.\n(^٢٨٩) - رواه ابن أبي حاتم بإسناده إلى أبي جعفر الرازي برقم ٣٩٤ - (١/ ١٣١).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"القونسي\". وعند ابن أبي حاتم: القومسي.\n[¬٢]- عند ابن أبي حاتم: سليم.\n[¬٣]- في ز: مر.\n[¬٤]- في ت: \"عنهما\".\n[¬٥]- في ز، خ: \"أخبرنا\".\n[¬٦]- في خ: \"حالويه\".\n[¬٧]- في ز، خ: أبي.\n[¬٨]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٩]- في خ: \"أخرج\".","vol":"1","page":367},{"text":"أو العاشرة، فأخرج آدم معه غصنًا من شجر الجنة على رأسه تاج من شجر الجنة، وهو الإكليل من ورق الجنة.\nوقال السدي: قال الله تعالى: ﴿اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا﴾ فهبطوا ونزل [¬١] آدم بالهند، [ونزل معه الحجر الأسود، وقبضة من ورق الجنة فبثه بالهند] [¬٢] فنبتت شجرة [¬٣] الطب، فإنما أصل ما يجاء به من [الطيب من الهند] [¬٤] من قبضة الورق التي [¬٥] هبط بها آدم، وإنما قبضها [آدم حين أخرج من الجنة] [¬٦] أسفًا على الجنة حين أخرج منها.\nوقال عمران بن عيينة (^٢٩٠) عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: أهبط آدم من الجنة بدَحْناء أرض بالهند [¬٧].\nوقال ابن أبي حاتم (^٢٩١): حدَّثنا أبو زرعة، حدَّثنا عثمان بن أبي شيبة، حدَّثنا جرير، عن عطاء، عن سعيد، عن ابن عباس؛ قال: أهبط آدم ﵇ إلى أرض يقال لها دَحْناء، بين مكة والطائف.\nوعن الحسن البصري قال: أهبط آدم بالهند، وحواء بجدة، وإبليس بدستميسان من البصرة على أميال، وأهبطت الحية بأصبهان. رواه ابن أبي حاتم (^٢٩٢).\nوقال [أبو محمد] [¬٨] بن أبي حاتم (^٢٩٣): حدَّثنا محمد بن عمار بن الحارث، حدَّثنا محمد بن سعيد بن سابق، حدَّثنا عمرو بن أبي قيس، عن الزبير [¬٩] بن عدي، عن ابن عمر قال: أهبط آدم بالصفا وحواء بالمروة.\n_________\n(^٢٩٠) - رواه ابن أبي حاتم بإسناده إلى عمران بن عيينة برقم ٣٩٧ - (١/ ١٣١)، ورواه الحاكم (٢/ ٥٤٢) من حديث عمرو بن علي، عن عمران بن عيينة، به. وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وإسناده ضعيف، عمران بن عيينة: قال أبو حاتم: يأتي بالمناكير، ووصفه العقيلي بالوهم. وعطاء بن السائب: اختلط.\n(^٢٩١) - رواه ابن أبي حاتم ٣٩٨ - (١/ ١٣٢). وجرير سمع من عطاء بعد الاختلاط.\n(^٢٩٢) - رواه ابن أبي حاتم ٣٩٩ - (١/ ١٣٢)، وفي إسناده عباد بن ميسرة: لين الحديث. وصدقة بن عمرو الغساني، وهو مجهول.\n(^٢٩٣) - تفسير ابن أبي حاتم: ٣٩٦ - (١/ ١٣١).\n_________\n[¬١]- في ز: فنزل.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في ز، خ: \"شجر\".\n[¬٤]- في ز، خ: \"من الهند من الطيب\".\n[¬٥]- في ز، خ: \"الذي\".\n[¬٦]- زيادة من: خ.\n[¬٧]- في ت: \"الهند\".\n[¬٨]- سقط من: ز، خ.\n[¬٩]- سقط من ز، وفي خ: \"ابن الزبير\".","vol":"1","page":368},{"text":"وقال رجاء بن أبي سلمة (^٢٩٤): أهبط آدم ﵇ يداه على ركبتيه مطأطئًا رأسه، وأهبط إبليس مشبكًا [¬١] بين أصابعه رافعًا رأسه إلى السماء.\nقال عبد الرزاق (^٢٩٥): قال معمر: أخبرني عوف عن قسامة بن زهير، عن أبي موسى قال: إن الله حين أهبط آدم من الجنة إلى الأرض، علمه صنعة كل شيء، وزوده من ثمار الجنة، فثماركم هذه من ثمار الجنة، غير أن هذه تتغير وتلك لا تتغير.\nوقال الزهري: عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه أدخل الجنة، وفيه أخرج منها\". رواه مسلم والنسائي (^٢٩٦).\n[وقال الرازي: اعلم أن في هذه الآية تهديدًا عظيمًا عن كل المعاصي من وجوه: (الأوّل): إنما يتصوّر ما جرى على آدم بسبب إقدامه على هذه الزلة الصغيرة، كان على وجل شديد من المعاصي، قال الشاعر:\nيا ناظرا يرنو بعينَيْ راقدٍ … ومشاهدًا للأمر غير مشاهدِ\nتَصِلُ الذنوبَ إلى الذنوب وترتجي … دَرَجَ الجنَانِ ونيل فوز العابدِ\nأنسيتَ ربَّك حين أخرج آدمًا … منها إلى الدنيا بذنب واحدٍ\nقال ابن القاسم:\nولكننا سبي العدو فهل ترى … نعود إلى أوطاننا ونسلم\nقال الرازي: عن فتح الموصلي أنه قال: كنا قومًا من أهل الجنة، فسبانا إبليس إلى الدنيا، فليس لنا إلا الهم والحزن حتى نرد إلى الدار التي أخرجنا منها.\nفإن قيل: فإذا كانت جنة آدم التي أخرج منها في السماء -كما يقول الجمهور من العلماء-\n_________\n(^٢٩٤) - رواه ابن أبي حاتم بإسناده ٣٩٥ - (١/ ١٣١)، وفي إسناده ضمرة، وهو ابن ربيعة: ذكر الساجي أنه يهم، ويروي أحاديث مناكير.\n(^٢٩٥) - تفسير عبد الرزاق (١/ ٤٣ - ٤٤)، ومن طريقه ابن أبي حاتم (٤٢١)، ورواه البزار (٢٢٤٥ كشف الأستار)، وابن جرير (٥٣٧)، والحاكم (٢/ ٥٤٣)، من طرقٍ عن قسامة بن زهير، فذكره عن أبي موسى موقوفًا.\nورواه البزار (٢٣٤٤ كشف) مرفوعًا، وقال: لا نعلم رفعه إلا ربعي.\n(^٢٩٦) - رواه مسلم في كتاب الجمعة، برقم ١٧ - (٨٥٤)، والنسائي في كتاب الجمعة، باب: ذكر فضل يوم الجمعة برقم ١٣٧٣ - (٣/ ٨٩).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"مشتبكًا\".","vol":"1","page":369},{"text":"فكيف تمكن إبليس من دخول الجنة وقد طرد من هنالك طردًا قدريًّا، والقدري لا يخالف ولا يمانع؟ فالجواب: أن هذا بعينه استدل به من يقول: إن الجنة التي كان فيها آدم في الأرض لا في السماء.\nكما قد بسطنا هذا في أول كتابنا البداية والنهاية، وأجاب الجمهور بأجوبة: أحدها: أنه منع من دخول الجنة مكرمًا، فأما على وجه السرقة والإهانة فلا يمتنع؛ ولهذا قال بعضهم -كما جاء في التوراة: إنه دخل في فم الحية إلى الجنة. وقد قال بعضهم: يحتمل أنه وسوس لهما وهو خارج باب الجنة.\nوقال بعضهم: يحتمل أنه وسوس لهما وهو في الأرض وهما في السماء، ذكرها الزمخشري وغيره. وقد أورد القرطبي (^٢٩٧) هاهنا أحاديث في الحيات وقتلهن وبيان حكم ذلك فأجاد وأفاد] [¬١].\n﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٣٧)﴾\nقيل: إن هذه الكلمات [¬٢] مفسرة بقوله تعالى: ﴿قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾.\nوروي هذا [¬٣] عن مجاهد، وسعيد بن جبير، وأبي العالية، والربيع بن أنس، والحسن وقتادة، ومحمد بن كعب القرظي، وخالد بن معدان، وعطاء الخراساني، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم.\nوقال أبو إسحاق السبيعي (^٢٩٨) عن رجل من بني تميم، قال: أتيت ابن عباس فسألته قلت [¬٤]: ما الكلمات التي تلقى آدم من ربه؟ قال: علم شأن الحج.\nوقال سفيان الثوري (^٢٩٩): عن عبد [¬٥] العزيز بن رُفيع، أخبرني من سمع عبيد بن عمير - وفي رواية أخبرني مجاهد، عن عبيد بن عمير - أنه قال: قال آدم: يا رب؛ خطيئتي التي أخطأتُ شيءٌ كتبتَه عليَّ قبل أن تخلقني أو شيء ابتدعتُه من قِبَلِ نفسي؟ قال \"بل شيء [¬٦] كتبتُه عليك\nyyy\n_________\n(^٢٩٧) -  تفسير القرطبي (١/ ٣١٣ - ٣١٧).\n(^٢٩٨) - ابن أبي حاتم برقم (٤١٢).\n(^٢٩٩) - رواه ابن أبي حاتم برقم (٤١٣)، وابن جرير برقم (٧٨١، ٧٨٤).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في خ: \"الآيات\".\n[¬٣]- زيادة من: ز، خ.\n[¬٤]- زيادة من: خ.\n[¬٥]- سقط من: خ.\n[¬٦]- سقط من: ز، خ.","vol":"1","page":370},{"text":"قبل أن أخلقك\" قال: فكما كتبته علي فاغفر [¬١] لي. قال فذلك قوله تعالى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ [فَتَابَ عَلَيهِ] [¬٢]﴾.\nوقال السدّي (^٣٠٠): عمن حدثه، عن ابن عباس: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾ قال: قال آدم ﵇: يا رب؛ ألم تخلقني بيدك؟ قيل له: بلى. قال [¬٣]: [ونفخت في من روحك؟ قيل له: بلى] [¬٤] وعطستُ، فقلتَ: يرحمك الله، وسبقت رحمتُكَ غضَبَك؟ قيلَ له: بلى. وكتبت عليَّ أن أعمل هذا؟ قيل له: بلى. قال: أرأيت [¬٥] إن تبت هل أنت راجعي إلى الجنة؟ قال: نعم.\nوهكذا [¬٦] رواه العوفي، وسعيد بن جبير، وسعيد بن مَعْبَد، عن ابن عباس، بنحوه.\nورواه الحاكم في مستدركه من حديث سعيد [¬٧] بن جبير، عن ابن عباس، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه (^٣٠١). وهكذا فسره السدّي وعطية العَوْفي.\nوقد روى ابن أبي حاتم (^٣٠٢) هاهنا حديثًا شبيهًا بهذا فقال: حدثنا علي بن الحسين [¬٨] ابن إشكاب، حدثنا علي بن عاصم، عن سعيد بن أبي عَرُوبة، عن قتادة، عن الحسن، عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ: \"قال آدم ﵇: أرأيت يا رب؛ إن تبتُ ورجعتُ أعائدي إلى الجنة؟ قال: نعم. فذلك قوله: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾.\nوهذا حديث غريب من هذا الوجه، وفيه انقطاع.\nوقال أبو جعفر الرازي: عن الربيع بن أنس عن أبي العالية في قوله تعالى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ [فَتَابَ عَلَيهِ] [¬٩]﴾. قال: إن آدم لما أصاب الخطيئة قال: يا رب؛ أرأيت إن تبت وأصلحت؟ قال الله: \"إذًا أرجعك إلى الجنة\". فهي من الكلمات، ومن الكلمات أيضًا: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾.\n_________\n(^٣٠٠) - ابن أبي حاتم برقم (٤١١).\n(^٣٠١) - المستدرك (٥/ ٥٤٢)، وقال: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، ورواه ابن جرير برقم (٧٧٥).\n(^٣٠٢) - تفسير ابن حاتم ٤١٠ - (١/ ١٣٥)، والحسن لم يسمع من أبيٍّ فهو منقطع، وهو الذي أشار إليه ابن كثير.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"فاغفره\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين مكرر في خ.\n[¬٥]- في ز: أفرأيت.\n[¬٦]- في ز، خ: \"كذا\".\n[¬٧]- زيادة من: ز، خ.\n[¬٨]- في ز، خ: \"الحسن\".\n[¬٩]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"1","page":371},{"text":"وقال ابن أبي نَجيح: عن مجاهد، أنه كان يقول في قول الله تعالى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ [فَتَابَ عَلَيهِ] [¬١]﴾ قال الكلمات اللَّهُمَّ؛ لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك، رب؛ إني ظلمت نفسي فاغفر لي، إنك خير الغافرين، اللَّهُمَّ؛ لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك، رب؛ إني ظلمت نفسي [[فارحمني] [¬٢]، إنك خير الراحمين، اللَّهُمَّ لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك، رب إني ظلمت نفسي] [¬٣] فتب علي، إنك أنت التواب الرحيم.\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ أي: إنه يتوب على من تاب إليه وأناب كقوله: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا [¬٤] أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾. وقوله: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ [ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا] [¬٥]﴾. الآية. وقوله: ﴿وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا [فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا] [¬٦]﴾. إلى [¬٧] غير ذلك من الآيات الدالة على أنه تعالى يغفر الذنوب؛ ويتوب على من يتوب، وهذا من لطفه بخلقه ورحمته بعبيده، لا إله إلا هو التواب الرحيم.\n﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٨) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٣٩)﴾\nيقول تعالى مخبرًا عما أنذر به آدم وزوجته وإبليس حين [¬٨] أهبطهم من الجنة -والمراد الذرية- إنه سينزل الكتب، ويبعث الأنبياء والرسل، كما قال أبو العالية: الهُدَى الأنبياء والرسل والبينات [¬٩] والبيان، وقال مقاتل بن حَيَّان: الهدى محمد ﷺ، وقال الحسن: الهدى القرآن، وهذان القولان صحيحان، وقول أبي العالية أعَمّ.\n﴿فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ﴾ أي: من أقبل على ما أُنزلتْ به الكتب، وأُرسلتْ به الرسل ﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيهِمْ﴾ أي: فيما يستقبلونه [¬١٠] من أمر الآخرة ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ على ما فاتهم من أمور الدنيا، كما قال في سورة طه ﴿قَال اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٢]- في ز: فاغفر لي.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٤]- في خ: \"تعلموا\".\n[¬٥]- زيادة من: ز، خ.\n[¬٦]- في ز، خ: \"و\".\n[¬٧]- في خ: (حتى).\n[¬٨]- سقط من: خ.\n[¬٩]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬١٠]- في ز: يستقبلون.","vol":"1","page":372},{"text":"قال ابن عباس: فلا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾. كما قال هاهنا: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ أي مخلدون فيها، لا محيد لهم عنها، ولا محيص.\nوقد أورد ابن جرير ﵀ هاهنا حديثًا ساقه من طريقين عن أبي مَسْلَمة سعيد بن يزيد عن أبي نضرة المنذر بن مالك بن قطعة عن أبي سعيد -واسمه سعد بن مالك بن سِنَان الخدري- قال: قال رسول الله ﷺ: \"أما أهل النار الذين هم أهلها فإنهم لا [¬١] يموتون فيها ولا يحيون، و[¬٢] لكن أقوام [¬٣] أصابتهم النار بخطاياهم أو بذنوبهم فأماتتهم [¬٤]، إماتة، حتى إذا صاروا فحمًا أذن في الشفاعة\".\nوقد رواه مسلم من حديث شعبة، عن أبي سلمة، به (^٣٠٣).\n[وذكر هذا الإهباط الثاني لما تعلق به ما بعده من المعنى المغاير للأول، وزعم بعضهم أنه تأكيد وتكرير، كما يقال: قم. قم. وقال آخرون: بل الإهباط الأول من الجنة إلى السماء الدنيا، والثاني من سماء الدنيا إلى الأرض. والصحيح الأول، والله أعلم] [¬٥].\n﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (٤٠) وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ (٤١)﴾\nيقول تعالى آمرًا بني إسرائيل بالدخول [¬٦] في الإسلام، ومتابعة محمد عليه من الله أفضل الصلاة والسلام، ومُهَيّجًا لهم بذكر أبيهم إسرائيل، وهو نبي الله يعقوب ﵇، وتقديره: يا بني العبد الصالح المطيع لله؛ كونوا مثل أبيكم في متابعة الحق، كما تقول: يا بن الكريم؛ افعل كذا. يا بن الشجاع؛ بارز الأبطال. يا بن العالم؛ اطلب العلم. ونحو ذلك.\nومن ذلك أيضًا قوله تعالى: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾. فإسرائيل هو يعقوب ﵇ بدليل ما رواه أبو داود الطيالسي، حدثنا عبد الحميد بن بهرام، عن شهر بن حَوشب، قال: حدثني عبد الله بن عباس قال: حضرت عصابة من اليهود نبي الله صلى الله عليه\n_________\n(^٣٠٣) - تفسير ابن جرير ٧٩٧ - (١/ ٥٥٢)، ورواه مسلم في كتاب الإيمان برقم ٣٠٦ - (١٨٥).\n_________\n[¬١]- سقط من ز، خ.\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في ز: أقوامًا.\n[¬٤]- في ز: فأماتهم.\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- في خ: \"في الدخول\".","vol":"1","page":373},{"text":"وآله وسلم فقال لهم: \"هل تعلمون أن إسرائيل يعقوب؟ \" قالوا: اللَّهُمَّ؛ نعم. فقال النبي ﷺ: \"اللَّهُمَّ؛ اشهد\" (^٣٠٤).\nوقال الأعمش: عن إسماعيل بن رجاء، عن عمير [¬١] مولى ابن عباس. عن [عبد الله] [¬٢] بن عباس: أن إسرائيل كقولك: عبد الله (^٣٠٥).\nوقوله تعالى: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيكُمْ﴾ قال مجاهد: نعمة الله التي أنعم بها عليهم فيما سمى وفيما سوى ذلك، أن [¬٣] فجر لهم الحجر، وأنزل عليهم المن والسلوى، ونجاهم [¬٤] من عبودية آل فرعون.\nوقال أبو العالية: نعمته أن جعل منهم الأنبياء والرسل، وأنزل عليهم الكتب.\nقلت: وهذا كقول موسى ﵇ لهم: ﴿يَاقَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالمِينَ﴾. يعني: في زمانهم.\nوقال محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن أبي محمد (^٣٠٦)، عن عكرمة -أو سعيد بن جبير- عن ابن عباس، في قوله تعالى: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيكُمْ﴾ أي: بلائي عندكم وعند آبائكم لما كان نجاهم به من فرعون وقومه، [وقال تعالى] ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾. قال: بعهدي الذي أخذت في [¬٥] أعناقكم للنبي محمد ﷺ إذا [¬٦] [جاءكم أوف بعهدكم، أي:] [¬٧] أنجز لكم ما وعدتكم [¬٨] عليه بتصديقه واتباعه، بوضع ما كان عليكم من الإصر والأغلال التي كانت في أعناقكم بذنوبكم التي كانت من أحداثكم.\n[وقال الحسن البصري: هو قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَي عَشَرَ نَقِيبًا وَقَال اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾. الآية.\n_________\n(^٣٠٤) - إسناده حسن، رواه الطيالسي في حديث طويل برقم ٢٧٣١ ص ٣٥٦ - ٣٥٧. ورواه أحمد في المسند ٢٤٧١ - (١/ ٢٧٣) عن حسين، عن عبد الحميد بن بهرام، به.\n(^٣٠٥) - رواه ابن جرير برقم (٧٩٨).\n(^٣٠٦) - مجهول، وهو عند ابن جرير برقم (٨٠١)، وابن أبي حاتم برقم (٤٣٨)، وسنده ضعيف.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"عمه\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- في ز، خ: \"وأنجاهم\".\n[¬٥]- في ز: من.\n[¬٦]- في ز، خ: \"إذ\".\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٨]- في خ: \"وعدكم\".","vol":"1","page":374},{"text":"وقال آخرون هو الذي أخذ الله عليهم في التوراة، أنه سيبعث من بني إسماعيل نبيًّا عظيمًا يطيعه جميع الشعوب، والمراد به محمد ﷺ، فمن اتبعه غفر الله له ذنبه، وأدخله الجنة، وجعل له أجرين.\nوقد أورد الرازي بشارات كثيرة عن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بمحمد ﷺ] [¬١]، وقال أبو العالية ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي﴾ قال: عهده إلى عباده دين [¬٢] الإسلام أن يتبعوه.\nوقال الضحاك (^٣٠٧): عن ابن عباس ﴿أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ قال: أرضَ [¬٣] عنكم وأدخلكم الجنة. وكذا قال السدي، والضحاك، وأبو العالية، والربيع بن أنس.\nوقوله تعالى: ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ أي فاخشون، قاله أبو العالية، والسدي، والربيع بن أنس، وقتادة.\nوقال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾: أي أنزل بكم ما أنزلت [¬٤] بمن كان قبلكم من آبائكم من النّقمَات التي قد عرفتم من المسخ وغيره.\nوهذا انتقال من الترغيب إلى الترهيب، فدعاهم إليه بالرغبة والرهبة، لعلهم يرجعون إلى الحق، واتباع الرسول، ﷺ، والاتعاظ بالقرآن وزواجره، وامتثال أوامره وتصديق أخباره، والله [يهدي من] [¬٥] يشاء إلى [صراط مستقيم] [¬٦].\nولهذا قال ﴿وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ﴾ يعني به القرآن الذي أنزله على محمد [ﷺ] النبي الأمي العربي، بشيرًا ونذيرًا وسراجًا منيرًا، مشتملًا على الحق من الله تعالى، مصدقًا لما بين يديه من التوراة والإنجيل.\nقال أبو العالية ﵀ في قوله تعالى: ﴿وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ﴾ يقول [يا معشر أهل الكتاب؛ آمنوا بما أنزلت مصدقًا لما معكم، يقول] [¬٧] لأنهم يجدون محمدًا ﷺ مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل.\nوروي عن مجاهد والربيع بن أنس وقتادة نحو ذلك.\n_________\n(^٣٠٧) - رواه ابن جرير برقم (٨٠٩)، وابن أبي حاتم برقم (٤٤١، ٤٤٤)، وسنده ضعيف.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في ز: دينه.\n[¬٣]- في ز: أرضي.\n[¬٤]- في ز: أنزل.\n[¬٥]- في ز، خ: \"الهادي لمن\".\n[¬٦]- في ز، خ: \"صراطه المستقيم\".\n[¬٧]- سقط من ز.","vol":"1","page":375},{"text":"وقوله: ﴿وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ﴾ [قال بعض المعربين: أول فريق كافر به أو نحو ذلك] [¬١].\nقال ابن عباس (^٣٠٨): ولا تكونوا أول كافر به وعندكم فيه من العلم ما ليس عند غيركم.\nو[¬٢] قال أبو العالية: يقول ولا تكونوا أول من كفر بمحمد ﷺ.\n[يعني من جنسكم أهل الكتاب بعد سماعكم بمبعثه] [¬٣]. وكذا قال الحسن والسدي والربيع بن أنس.\nواختار ابن جرير أن الضمير في قوله ﴿بِهِ﴾ عائد على القرآن الذي تقدم ذكره في قوله ﴿بِمَا أَنْزَلْتُ﴾.\nوكلا القولين صحيح؛ لأنهما متلازمان؛ لأن من كفر بالقرآن فقد كفر بمحمد [ﷺ] [¬٤] ومن كفر بمحمد ﷺ، فقد كفر بالقرآن.\nوأما قوله: ﴿أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ﴾ فيعني به أول من كفر به من بني إسرائيل؛ لأنه قد تقدمهم من كفار قريش وغيرهم من العرب بشر كثير، وإنما المراد أول من كفر به من بني إسرائيل مباشرة، فإنّ يهود المدينة أول بني إسرائيل خوطبوا بالقرآن، فكفرهم به يستلزم أنهم أول من كفر به من جنسهم.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ يقول: لا تعتاضوا عن الإيمان بآياتي وتصديق رسولي بالدنيا وشهواتها فإنها قليلة فانية، كما قال عبد الله بن المبارك (^٣٠٩): أنبأنا [¬٥] عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن هارون بن يزيد [¬٦] قال: سئل الحسن - يعني البصري- عن قوله تعالى: ﴿ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ قال: الثمن القليل: الدنيا بحذافيرها.\nوقال ابن لهيعة (^٣١٠): حدّثني عطاء بن دينار، عن سعيد بن جبير، في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ وإن آياته كتابه الذي أنزله [¬٧] إليهم، وإن الثمن القليل الدنيا\n_________\n(^٣٠٨) - ابن جرير برقم (٨١٩)، وابن أبي حاتم برقم (٤٥٠).\n(^٣٠٩) - رواه ابن أبي حاتم في تفسيره برقم (٤٥٦)، وابن أبي الدنيا في ذم الدنيا برقم (٤٩٧).\n(^٣١٠) - رواه ابن أبي حاتم بإسنادٍ ضعيف برقم (٤٥٤).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- زيادة من: ز، خ.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٥]- في خ: \"أخبرنا\".\n[¬٦]- في خ: \"شريد\".\n[¬٧]- في ز: أنزل.","vol":"1","page":376},{"text":"وشهواتها.\nوقال السدي: ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ يقول لا تأخذوا طمعًا [¬١] قليلًا ولا [¬٢] تكتموا اسم الله لذلك الطمع وهو الثمن.\nوقال أبو جعفر: عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ يقول: لا تأخذوا عليه أجرًا، قال: وهو مكتوب عندهم في الكتاب الأوّل: يا بن آدم؛ عَلِّمْ مجانًا كما عُلِّمْتَ مجانًا.\n[وقيل: معناه لا تعتاضوا عن البيان والإيضاح ونشر العلم النافع في الناس بالكتمان واللبس؛ لتستمروا على رياستكم في الدنيا القليلة الحقيرة الزائلة عن قريب.\nوفي سنن أبي داود، عن أبي هريرة (^٣١١) ﵁ قال: قال: رسول الله ﷺ: \"من تعلم علمًا مما يبتغى به وجه الله لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضًا من الدنيا (لم يُرَحْ رائحة الجنة) [¬٣] يوم القيامة\".\nفأمّا تعليم العلم بأجرة؛ فإن كان قد تعين عليه فلا يجوز أن يأخذ عليه أجرة، ويجوز أن يتناول من بيت المال ما يقوم به حاله وعياله، فإن لم يحصل له منه شيء وقطعه التعليم عن التكسب فهو كما لم يتعين عليه، وإذا لم يتعين عليه فإنه يجوز أن يأخذ عليه أجرة عند مالك والشافعي وأحمد وجمهور العلماء. كما في صحيح البخاري عن أبي سعيد (^٣١٢) في قصة اللديغ \"إن أحق ما أخذتم عليه أجرًا كتاب الله\".\nوقوله في قصة المخطوبة: \"زَوَّجْتُكَهَا بما معك من القرآن\" (^٣١٣).\nفأما حديث عبادة بن الصامت أنه علَّم رجلًا من أهل الصفة شيئًا من القرآن، فأهدى له قوسًا، فسأل عنه رسول الله، ﷺ، فقال: \"إن أحببت أن تطوَّق بقوس من نار فاقْبَلْه\" فتركه.\n_________\n(^٣١١) - رواه أبو داود في كتاب العلم، باب: في طلب العلم لغير الله برقم (٣٦٦٤). وابن ماجه في المقدمة برقم (٢٥٢)، ورواه أحمد (٢/ ٣٣٨)، وابن أبي شيية (٨/ ٥٤٣)، وابن حبان (٨٩)، والحاكم (١/ ٨٥)، والعقيلي (٣/ ٤٦٧).\n(^٣١٢) - رواه البخاري في الطب، باب: الشروط في الرقية بفاتحة الكتاب برقم (٥٧٣٧).\n(^٣١٣) - رواه البخاري في الوكالة، باب: وكالة المرأة الإمام في النكاح، برقم (٢٣١٠) و(٥١٤٩) من حديث سهل بن سعد، ﵁.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- في سنن أبي داود: لم يجد عرف الجنة.","vol":"1","page":377},{"text":"رواه أبو داود (^٣١٤)\nوروي مثله عن أبي بن كعب مرفوعًا (^٣١٥)، فإن صح إسناده فهو محمول عند كثير من العلماء، منهم أبو عمر بن عبد البر، على أنه لما علَّمه الله لم يجز بعد هذا أن يعتاض عن ثواب الله بذلك القوس، فأمَّا إذا كان من أوّل الأمر على التعليم بالأجرة فإنه يصح كما في حديث اللديغ وحديث سهل في المخطوبة، والله أعلم.\nوقوله] [¬١] ﴿وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ﴾ قال ابن أبي حاتم (^٣١٦): حدثنا أبو عمر الدوري، حدثنا أبو\n_________\n(^٣١٤) - ضعيف، رواه أبو داود في البيوع والتجارات، باب: كسب المعلم برقم (٣٤١٦). وابن ماجه في التجارات، باب: الأجرة على تعليم القرآن حديث (٢١٥٧). ورواه الحاكم (٢/ ٤١)، والبيهقي (٦/ ١٢٥) جميعهم من حديث مغيرة بن زياد الموصلي، عن عبادة بن نسي، عن الأسود بن ثعلبة، عن عبادة، به. وقال المنذري: وفي إسناده المغيرة بن زياد -أبو هاشم الموصلي- وقد وثقه وكيع، ويحيى بن معين، وتكلم فيه جماعة، وقال الإمام أحمد: ضعيف الحديث، حدث بأحاديث مناكير، وكل حديث رفعه فهو منكر. ونقل البيهقي عن علي بن المديني قوله: رواه مغيرة بن زياد، عن عبادة بن نسي، عن الأسود بن ثعلبة، عن عبادة بن الصامت، وإسناده كله معروف؛ إلا الأسود بن ثعلبة؛ فإنا لا نحفظ عنه إلا هذا الحديث. قال البيهقي: وقد قيل: عن عبادة بن نسي، عن جنادة بن أبي أمية، عن عبادة فذكره. ثم قال: وكذلك رواه أبو المغيرة، عن بشر - وقال: هذا حديث مختلف فيه على عبادة بن نسي كما ترى، وحديث ابن عباس، وأبي سعيد أصح إسنادًا منه.\nوالأسود بن ثعلبة: ذكره ابن حبان في الثقات، وصحح الحاكم حديثه هذا. وقال ابن عبد البر: حديث معروف عند أهل العلم لأنه روى عن عبادة من وجهين. وقد حفظ عنه ثلاثة أحاديث.\n(^٣١٥) - رواه ابن ماجه في سننه في كتاب التجارات، باب: الأجر على تعليم القرآن (٢١٥٨)، ورواه البيهقي في السنن الكبرى (٦/ ١٢٥) من طريق عبد الرحمن بن أبي مسلم، عن عطية بن قيس، عن أبي بن كعب ﵁، به، مرفوعًا، قال البيهقي: وهو منقطع.\nوفي الزوائد (٢/ ١٦٥): هذا إسناد مضطرب، قاله الذهبي (٢/ ٥٦٧) في ترجمة عبد الرحمن بن سلم.\nوقال العلائي في المراسيل (٢٣٩): عطية بن قيس، عن أبي بن كعب مرسل. وقال الذهبي أيضًا: ما روى عنه -يعني- عبد الرحمن بن سلم، سوى ثور بن يزيد.\nقال ابن التركماني: وعطية هذا تابعي، ذكر صاحب الكمال عن أبي مسهر أنه ولد في عهد النبي ﷺ، فعلى هذا روايته عن أبي محمولة على الاتصال. وقد ذكر قاسم بن أصبغ هذا الحديث من جهة أبي إدريس الخولاني، عن أبي، وذكره صاحب الميزان في ترجمة شبابة بن سوار … ثم قال: مرسل جيد الإسناد. وقال المزي في أطرافه: رواه موسى بن علي بن رباح، عن أبيه، عن أبي. ورواه محمد بن جحادة، عن رجل يقال له: أبان عن أبي.\nقال البيهقي: ورُوي من وجهٍ آخر ضعيف عن أبي الدرداء، ثم ذكر الحديث ثم ذكر عن دحيم أنه ليس له أصل.\nقال ابن التركماني: قلت: أخرجه البيهقي هنا بسند جيد فلا أدري ما وجه ضعفه وكونه لا أصل له.\n(^٣١٦) - رواه ابن أبي حاتم ٤٥٧ - (١/ ١٤٧)، وسنده حسن.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"1","page":378},{"text":"إسماعيل المؤدب، عن عاصم الأحول، عن أبي العالية، عن طلق بن حبيب قال: التقوى أن تعمل بطاعة الله رجاء رحمة الله على نور من الله، والتقوى أن تترك معصية الله [مخافة عذاب الله] [¬١]، على نور من الله [تخاف عقاب الله] [¬٢].\nومعنى قوله: ﴿وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ﴾ أنه تعالى يتوعدهم فيما يتعمدونه [¬٣] من كتمان الحق وإظهار خلافه، ومخالفتهم الرسول صلوات الله وسلامه عليه.\n﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤٢) وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣)﴾\nيقول تعالى ناهيًا لليهود عما كانوا يتعمدونه [¬٤] من تلبيس [¬٥] الحق بالباطل وتمويهه به، وكتمانهم الحق وإظهارهم الباطل: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. فنهاهم عن الشيئين معًا، وأمرهم بإظهار الحق والتصريح به؛ ولهذا قال الضحاك: عن ابن عباس (^٣١٧): ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾ لا [¬٦] تخلطوا [الحق بالباطل والصدق بالكذب] [¬٧].\nوقال أبو العالية: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾ يقول: ولا تخلطوا الحق بالباطل، وأدّوا النصيحة لعباد الله من أمّة [¬٨] محمد ﷺ.\nويروى [¬٩] عن سعيد بن جبير والربيع بن أنس نحوه.\nوقال قتادة ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾ [] [¬١٠] ولا تلبسوا اليهودية والنصرانية بالإسلام، [وأنتم تعلمون] [¬١١] أنّ دين الله الإسلام، وأنّ اليهودية والنصرانية بدعة ليست من الله.\nوروي عن الحسن البصري نحو ذلك.\nوقال محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن أبي محمد (^٣١٨)، عن عكرمة أو سعيد بن جبير،\n_________\n(^٣١٧) - ابن جرير برقم (٨٢٣)، وسنده ضعيف.\n(^٣١٨) - مجهول، وهو عند ابن جرير برقم (٨٣٢)، وابن أبي حاتم برقم (٤٦١).\n_________\n[¬١]- زيادة من: ز، خ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في ز: يعتمدونه.\n[¬٤]- في ز، خ: \"يعتمدونه\".\n[¬٥]- في ز، خ: \"تلبيسهم\".\n[¬٦]- سقط من: ز، خ.\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٨]- في ز، خ: \"أمر\".\n[¬٩]- في ز: وروي.\n[¬١٠]- في ز، خ: \"قال\".\n[¬١١]- سقط من ز.","vol":"1","page":379},{"text":"عن ابن عباس ﴿وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. أي: لا تكتموا ما عندكم من المعرفة برسولي وبما جاء به، وأنتم تجدونه مكتوبًا [¬١] عندكم فيما تعلمون من الكتب التي بأيديكم. وروي عن أبي العالية نحو ذلك.\nوقال مجاهد، والسدي، وقتادة، والربيع بن أنس ﴿وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ﴾ يعني: محمدًا، ﷺ.\n[(قلت): ﴿وَتَكْتُمُوا﴾ يحتمل أن يكون مجزومًا، ويحتمل أن يكون منصوبًا، أي لا تجمعوا بين هذا وهذا، كما يقال: لا تأكل السمك وتشرب اللبن، قال الزمخشري: وفي مصحف ابن مسعود: وتكتمون الحق، أي: في حال كتمانكم الحق ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ حال أيضًا، ومعناه: وأنتم تعلمون الحق، ويجوز أن يكون المعنى: وأنتم تعلمون ما في ذلك من الضرر العظيم على الناس من إضلالهم عن الهدى المُفْضِي بهم إلى النار، إن سلكوا ما تبدونه لهم من الباطل المشوب بنوع من الحق؛ لتروّجوه عليهم، والبيان: الإيضاح، وعكسه الكتمان وخلط الحق بالباطل [¬٢].\n﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ قال مقاتل: قوله تعالى لأهل الكتاب: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ أمرهم أن يصلوا مع النبي ﷺ[﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ أمرهم أن يؤتوا الزكاة أي يدفعونها إلى النبي ﷺ] [¬٣] ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ أمرهم أن يركعوا مع الراكعين من أمّة محمد ﷺ، يقول: كونوا معهم ومنهم.\nوقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس (^٣١٩): [وآتوا الزكاة] [¬٤] يعني بالزكاة طاعة الله والإخلاص.\nوقال وكيع عن أبي جناب [¬٥] (^٣٢٠)، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ قال: ما يوجب الزكاة، قال: مائتان فصاعدًا.\nوقال مبارك بن فضالة عن الحسن، في قوله تعالى: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ قال: فريضة واجبة، لا تنفع الأعمال إلا بها [¬٦] وبالصلاة.\n_________\n(^٣١٩) - رواه ابن أبي حاتم برقم (٤٦٨).\n(^٣٢٠) - أبو جناب: ضعيف، واسمه: يحيى بن أبي حية، وهو عند ابن أبي حات برقم (٤٦٩).\n_________\n[¬١]- سقط من ز.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين زيادة من: ز، خ.\n[¬٥]- في خ: \"خباب\".\n[¬٦]- في ز، خ: \"به\".","vol":"1","page":380},{"text":"وقال ابن أبي حاتم (^٣٢١): حدثنا أبو زرعة، حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا جرير، عن أبي حيان التيمي، عن الحارث العُكلي في قوله تعالى: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ قال: صدقة الفطر.\n[وقوله تعالى: ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ أي: وكونوا مع المؤمنين في أحسن أعمالهم، ومن أخص ذلك وأكمله الصلاة.\nوقد استدل كثير من العلماء بهذه الآية على وجوب الجماعة، وأُبسط ذلك في كتاب \"الأحكام الكبير\" إن شاء الله تعالى، وقد تكلم القرطبي على مسائل الجماعة والإمامة فأجاد] [¬١].\n﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾\nيقول تعالى كيف يليق بكم -يا معشر أهل الكتاب، وأنتم تأمرون الناس بالبر- وهو جماع الخير- أن تنسوا أنفسكم، فلا تأتمرون [¬٢] بما تأمرون الناس به، وأنتم مع ذلك تتلون الكتاب، وتعلمون ما فيه على من قصَّر في أوامر الله؟ أفلا تعقلون ما أنتم صانعون بأنفسكم، فتنتبهوا [¬٣] من رقدتكم، وتتبصروا [¬٤] من عمايتكم؟\nوهذا كما قال عبد الرزاق (^٣٢٢) عن معمر عن قتادة في قوله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ قال: كان بنو إسرائيل يأمرون الناس بطاعة الله وبتقواه وبالبر، ويخالفون؛ فعيرهم الله ﷿. وكذلك قال السدي.\nوقال ابن جريج: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ﴾ أهلُ الكتاب والمنافقون، كانوا يأمرون الناس بالصوم والصلاة، وَيَدَعون العمل بما يأمرون به الناس؛ فعيرهم الله بذلك، [فمن أمر بخير] [¬٥] فليكن أشدّ الناس فيه مسارعة.\nوقال محمد بن إسحاق، عن محمد، عن عكرمة -أو سعيد [بن جبير] [¬٦]- عن ابن عباس ﴿وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ أي: تتركون أنفسكم ﴿وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ أي: تنهون الناس عن الكفر بما عندكم من النبوّة والعهد من التوراة، وتتركون أنفسكم أي وأنتم تكفرون بما\n_________\n(^٣٢١) - تفسير ابن أبي حاتم ٤٧٢ - (١/ ١٥٠). ورجال إسناده ثقات.\n(^٣٢٢) - تفسير عبد الرزاق (١/ ٤٤)، وابن جرير برقم (٨٤٣)، وابن أبي حاتم برقم (٤٧٨)، وسنده صحيح.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في ز: تأتمروا.\n[¬٣]- في ز، خ: \"فتنبهوا\".\n[¬٤]- في ز، خ: \"وتبصروا\".\n[¬٥]- بياض في ز.\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"1","page":381},{"text":"فيها من عهدي إليكم في تصديق رسولي، وتنقضون ميثاقي وتجحدون [¬١] ما تعلمون من كتابي (^٣٢٣).\nوقال الضحاك (^٣٢٤): عن ابن عباس في هذه الآية يقول: أتأمرون الناس بالدخول في دين محمد ﷺ وغير ذلك مما أمرتم به من إقام الصلاة، وتنسون أنفسكم؟\nوقال أبو جعفر بن جرير (^٣٢٥): حدثني علي بن الحسن، حدثنا مسلم الجَرمي، حدثنا مخلد بن الحسين، عن أيوب السختياني عن أبي قلابة في قول الله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾ قال: قال أبو الدرداء ﵁: لا يفقه الرجل كل الفقه حتى يمقت الناس في ذات الله، ثم يرجع إلى نفسه فيكون لها أشدّ مقتًا.\nوقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في هذه الآية هؤلاء اليهود إذا جاء الرجل يسألهم عن الشيء ليس فيه حق ولا رشوة ولا شيء أمروه بالحق؛ فقال الله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾.\nوالغرض: أنّ الله تعالى ذمّهم على هذا الصنيع، ونبههم على خطهم في حق أنفسهم، حيث كانوا يأمرون بالخير ولا يفعلونه، وليس المراد ذمهم على أمرهم بالبر مع تركهم له؛ بل على تركهم له، فإن الأمرَ بالمعروف معروف، وهو واجب على العالم، ولكن [الواجب و] [¬٢] الأولى بالعالم أن يفعله مع من أمرهم به، ولا يتخلف عنهم، كما قال شعيب ﵇: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إلا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إلا بِاللَّهِ عَلَيهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيهِ أُنِيبُ﴾.\nفكُلٌّ من الأمر بالمعروف وفعله واجب، لا يسقط أحدهما بترك الآخر على أصح قولي العلماء من السلف والخلف. وذهب بعضهم إلى أنّ مرتكب المعاصي لا ينهى غيره عنها، وهذا ضعيف،\n_________\n(^٣٢٣) - رواه ابن جرير برقم (٨٤٠)، وابن أبي حاتم برقم (٤٧٧) مختصرًا.\n(^٣٢٤) - ابن جرير برقم (٨٤١). وسنده ضعيف\n(^٣٢٥) - رواه ابن جرير ٨٤٦ - (٢/ ٨)، وابن أبي شيبة (٨/ ١٦٧ ع)، والبيهقي في الأسماء والصفات (ص ٢١٠). ومسلم الجرمي: هو مسلم بن أبي مسلم، أورده ابن حبان في الثقات (٩/ ١٥٨) وقال: ربما أخطأ، وقال الأزدي: حدث بأحاديث لا يتابع عليها، وأورد له البيهقي حديثًا من وجهين عنه، وقال: غير قوي. قال الحافظ: وليس في إسناده من ينظر فيه غير مسلم هذا (اللسان ٦/ ٣٨). وأبو قلابة: اسمه عبد الله بن زيد: قال الحافظ: ثقة، فاضل كثير الإرسال. قال العجلي: فيه نصب يسير. وذكره العلائي في المدلسين. وقال الذهبي: ثقة في نفسه؛ إلا أنه يدلس عمن لحقهم، وعمن لم يلحقهم، وكان له صحف يحدث منها، ويدلس.\n_________\n[¬١]- في ز: تحجون.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"1","page":382},{"text":"وأضعف منه تمسكهم بهذه الآية؛ فإنه لا حجة لهم فيها.\nوالصحيح أن العالم يأمر بالمعروف وإن لم يفعله، وينهى عن المنكر وإن ارتكبه، [قال مالك: عن ربيعة: سمعت سعيد بن جبير يقول: لو كان المرء لا يأمر بالمعروف، ولا ينهى عن المنكر حتى لا يكون فيه شيء ما، ما أمر أحد بالمعروف، ولا نهى عن منكر. قال مالك: وصدق، مَنْ ذا الذي ليس فيه شيء؟\n(قلت):] [¬١] ولكنه والحالة هذه مذموم على ترك الطاعة وفعله المعصية؛ لعلمه بها ومخالفته على بصيرة؛ فإنه ليس من يعلم كمن لا يعلم؛ ولهذا جاءت الأحاديث في الوعيد على ذلك، كما قال الإمام أبو القاسم الطبراني في معجمه الكبير (^٣٢٦):\nحدَّثنا أحمد بن المعلى الدمشقي، والحسن بن علي المعمري، قالا: حدَّثنا هشام بن عمار، حدَّثنا علي بن سليمان الكلبي، حدَّثنا الأعمش، عن أبي تميمة الهُجَيمي، عن جندب بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"مَثَل العالِم الذي يُعلِّم الناس الخير ولا يعمل به؛ كمثل السراج يضيء للناس ويحرق نفسه\".\nهذا حديث غريب من هذا الوجه.\nحديث آخر، قال الإمام أحمد بن حنبل (^٣٢٧) في مسنده [¬٢]: حدَّثنا وكيع، حدثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد -هو ابن جدعان- عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله، ﷺ: \"مررت ليلة أسري بي على قوم شفاهُهم تُقْرضُ بمقاريض من نار. قال: قلت: من هؤلاء؟ قالوا: خطباء أمّتك [¬٣] من أهل الدنيا، ممن كانوا يأمرون\n_________\n(^٣٢٦) - المعجم الكبير ١٦٨١ - (٢/ ١٦٥) وقال الهيثمي في المجمع (١/ ١٨٥): \"رجاله موثقون\".\nورواه الخطيب في اقتضاء العلم العمل (٧٠). وصححه الألباني في تعليقه عليه.\n(^٣٢٧) - إسناده ضعيف، لضعف علي بن زيد بن جدعان؛ إلا أنه توبع عند ابن حبان، وابن أبي حاتم وأبي نعيم، والحديث في المسند ١٢٢٣١ - (٣/ ١٢٠)، ورواه أحمد حديث ١٢٨٧٩ - (٣/ ١٨٠)، ١٣٤٤٥ - (٣/ ٢٣١)، ١٣٥٤٠ - (٣/ ٢٣٩)، ورواه أبو يعلى حديث ٣٩٩٦، ٣٩٩٢ من حديث علي بن زيد أيضًا، عن أنس. ورواه ابن المبارك في الزهد برقم ٨١٩. وأخرجه ابن حبان في صحيحه حديث ٥٣. وهو في الدر المنثور للسيوطي (١/ ١٢٦)، وقد عزاه لابن أبي شيبة، وعبد بن حميد (١٢٢٢)، والبزار، وابن أبي داود في البعث، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في الشعب. ورواه أبو نعيم في الحلية (٨/ ٤٣ - ٤٤) من طريق ابن مصفى، حدثنا بقية، حدثنا إبراهيم بن أدهم، حدثنا مالك بن دينار، عن أنس. ورواه أيضًا في الحلية (٨/ ١٧٢) من طريق عبد الله بن موسى، عن ابن المبارك، عن سليمان التيمي، عن أنس.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في خ: \"سنده\".\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.","vol":"1","page":383},{"text":"الناس بالبر وينسون أنفسهم، وهم يتلون الكتاب، أفلا يعقلون؟ \".\nورواه عبد بن حميد في مسنده (^٣٢٨) وتفسيره عن الحسن بن موسى، عن حماد بن سلمة، به [¬١].\nورواه ابن مردويه في تفسيره (^٣٢٩)، من حديث يونس بن محمد المؤدب والحجاج بن منهال كلاهما عن حماد بن سلمة به، وكذا رواه يزيد بن هارون، عن حماد بن سلمة، به [¬٢].\nثم قال ابن مردويه: حدَّثنا محمد بن عبد الله بن إبراهيم، حدَّثنا موسى بن هارون، حدَّثنا إسحاق بن إبراهيم التستري ببلخ، حدَّثنا مكي بن إبراهيم، حدَّثنا عمر بن قيس، عن علي بن زيد، عن ثمامة، عن أنس؛ قال: سمعت رسول الله، ﷺ، يقول: \"مررت ليلة أسري بي على أناس تقرض شفاههم وألسنتهم بمقاريض من نار. قلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء خطاء أمّتك، الذين يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم\".\nوأخرجه ابن حبان في صحيحه (^٣٣٠)، وابن أبي حاتم، وابن مردويه أيضًا من حديث هشام الدستوائي، عن المغيرة -يعني ابن حبيب ختن مالك بن دينار [- عن مالك بن دينار] [¬٣]، عن ثمامة، عن أنس بن مالك قال: لما عُرج برسول الله ﷺ مرّ بقوم تُقرض شفاهُهم فقال: \"يا جبريل! مَن هؤلاء؟ قال: هؤلاء الخطباء من أمّتك يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم؛ أفلا يعقلون؟ \".\nحديث آخر، قال الإمام أحمد (^٣٣١): حدثنا يعلى بن عبيد، حدَّثنا الأعمش، عن أبي وائل قال: قيل لأسامة، وأنا رديفه: ألا تكلم عثمان؟ فقال: [ألا] [¬٤] إنكم تُرَون أني لا أكلمه، ألا أسمعكم! إني لأكلمه [¬٥] فيما بيني وبينه ما دون أن أفتتح أمرًا -لا أحب أن أكون أوّل منٍ افتتحه، والله لا أقول لرجل إنك خير الناس وإن كان عليّ أميرًا- بعد أن [¬٦] سمعت رسول الله ﷺ يقول [¬٧]. قالوا: وما سمعته يقول؟ قال: سمعته يقول: \"يُجاء بالرجل يوم\n_________\n(^٣٢٨) - المنتخب (١٢٢٢)، وأحمد (٣/ ٢٣٩ - ٢٤٠).\n(^٣٢٩) - رواه أحمد (٣/ ٢٣١)، والطيالسي (٢٠٦٠).\n(^٣٣٠) - صحيح ابن حبان برقم (٣٥ موارد) وتفسير ابن أبي حاتم ٤٧٦ - (١/ ١٥١). والمغيرة بن حبيب: قال البخاري: كان صدوقًا عدلًا، ووثقه ابن حبان، وقال: يغرب. وقال الأزدي: منكر الحديث.\n(^٣٣١) - المسند ٢١٨٧٥ - (٥/ ٢٠٥) وانظر (٥/ ٢٠٧، ٢٠٩)، والبيهقي =\n_________\n[¬١]- سقط من ز.\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- زيادة من ز.\n[¬٥]- في ز: لا أكلمه.\n[¬٦]- في ز: إذ.\n[¬٧]- سقط من ز.","vol":"1","page":384},{"text":"القيامة، فيلقى في النار، فتندلق [¬١] (^٣٣٢) به أقتابه، فيدور بها في النار كما يدور الحمار برحاه، فيطيف به أهل النار فيقولون: يا فلان! ما أصابك؟ ألم تكن تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟ فيقول: كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه\".\nورواه البخاري ومسلم، من حديث سليمان بن مهران [¬٢] الأعمش، به نحوه (^٣٣٣).\n[وقال أحمد: حدَّثنا سيار بن حاتم، حدَّثنا جعفر بن سليمان، عن ثابت، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن الله يعافي الأمّيين يوم القيامة ما لا يعافي العلماء\" (^٣٣٤).\nوقد ورد في بعض الآثار: \"إنه يغفر للجاهل سبعين مرة حتى يغفر للعالم مرّة واحدة، ليس من يعلم كمن لا يعلم، وقال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾.\nوروى ابن عساكر في ترجمة الوليد بن عقبة، عن النبي ﷺ قال: \"إنّ أناسًا\n_________\n= في الكبرى (١٠/ ٩٤ - ٩٥)، وفي الشعب (١٣/ ٧١٦١).\n(^٣٣٢) - الاندلاق: خروج الشيء من مكانه، يريد خروج أمعائه من جوفه. النهاية (٢/ ١٣٠).\n(^٣٣٣) - أخرجه البخاري في كتاب بدء الخلق، باب: صفة النار وأنها مخلوقة (رقم: ٣٢٦٧) وطرفه في (٧٠٩٨). ومسلم في كتاب الزهد والرقائق، باب: عقوبة من يأمر بالمعروف ولا يفعله وينهى عن المنكر ويفعله رقم (٢٩٨٩). كلاهما من طريق الأعمش، به.\n(^٣٣٤) - حديث منكر، قاله أحمد بن حنبل فيما نقله عنه السيوطي في اللآلئ، ورواه الخطيب في اقتضاء العلم (٨٠)، ورواه أبو نعيم في الحلية (٢/ ٣٣١، ٩/ ٢٢٣)، ورواه أبو بكر المروزي في الورع (٣/ ٢) والرامهرمزي في الفاصل ص ١٤٣. وابن عساكر في ذم من لا يعمل بعلمه، والضياء المقدسي في المختارة (١/ ٥٠١) كلهم من طريق الإمام أحمد به، وقال أبو نعيم: \"هذا حديث غريب تفرد به سيار، عن جعفر، ولم نكتبه إلا من حديث أحمد بن حنبل\". وقال عبد الله بن أحمد: \"هذا حديث منكر، حدثني به أبي، وما حدثني به إلا مرة\". وأورده الذهبي في ترجمة جعفر بن سليمان الضبعي (١٥٠٥). وأورده السيوطي في اللآلئ (١/ ١١٧) وقال: قال أحمد: حديث منكر، وأورده ابن الجوزي في الواهيات (١/ ١٣٣) وأورده المقدسي في المختارة، وهما طرفا نقيض.\nقال الألباني: علته سيار أبو حاتم، أورده الذهبي في الضعفاء، وقال: قال القواريري: كان معي في الدكان لم يكن له عقل. قيل: أتتهمه؟ قال: لا. وقال غيره: صدوق، سليم الباطن، وضعفه ابن المديني وغيره. قلت -الألباني-: وكأنه لذلك لم يورده في المسند، وقول عبد الله هذا ذكره الضياء أيضًا عقب الحديث فيتعجب منه كيف أورده في المختارة!. وكذلك أورده ابن قدامة في المنتخب، وزاد: قال المروزي: قال أبو عبد الله: الخطأ من جعفر، ليس هذا من قبل سيار- كذا قال الإمام، وجعفر خير من سيار، وحسبه أنه احتج به مسلم، والله أعلم.\n_________\n[¬١]- في خ: \"فيتدلق\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"يريد أن\".","vol":"1","page":385},{"text":"من أهل الجنة يطلعون على أناس من أهل النار فيقولون: بم دخلتم النار؟ فوالله ما دخلنا الجنة إلا بما تعلمنا منكم، فيقولون إنا كنا نقول ولا نفعل\" (^٣٣٥).\nورواه من حديث الطبراني (^٣٣٦)، عن أحمد بن يحيى الخباز الرملي، عن زهير بن عباد الرواسي، عن أبي بكر [الدَّاهري] عبد الله بن حكيم، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي، عن الوليد بن عقبة فذكره] [¬١].\nوقال الضحاك: عن ابن عباس (^٣٣٧): أنه جاءه رجل، فقال: يا ابن عباس، إني أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عني المنكر، قال أوَبَلَغتَ ذلك؟ قال: أرجو. قال: إن لم تخش أن تُفْتَضَح بثلاث آيات من كتاب الله فافعل. قال: وما هنّ؟ قال: قوله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾. أَحْكَمْتَ هذه؟ قال: لا. قال فالحرف الثاني؟ قال: قوله تعالى: ﴿لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾. أحكمت هذه؟ قال: لا. قال: فالحرف الثالث؟ قال: قول العبد الصالح شعيب ﵇: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ [إِنْ أُرِيدُ إلا الْإِصْلَاحَ] [¬٢]﴾ أحكمت هذه الآية؟ قال: لا. قال: فابدأ بنفسك.\nرواه ابن مَرْدُويه في تفسيره.\nوقال الطبراني (^٣٣٨): حدَّثنا عبدان بن أحمد، حدَّثنا زيد بن الحريش، حدَّثنا عبد الله بن خِرَاش، عن العوام بن حوشب، عن المسيب بن رافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله، ﷺ: \"من دعا الناس إلى قول أو عمل ولم يعمل هو به لم يزل في ظل سخط الله حتى يكف أو يعمل ما قال، أو دعا إليه\".\n[إسناده فيه ضعف. وقال إبراهيم النخعي إني لأكره القصص لثلاث آيات؛ قوله تعالى:\n_________\n(^٣٣٥) - ضعيف جدًّا، رواه ابن عساكر (١٧ / ل ٨٦٧)، ورواه الطبراني في الكبير (٢٢ / رقم ٤٠٥)، وفي الأوسط (٩٩)، ورواه الخطيب في اقتضاء العلم العمل برقم (٧٣)، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ١٨٥) وقال: رواه الطبراني في الكبير، وفيه أبو بكر عبد الله بن حكيم الداهري، وهو ضعيف جدًّا.\nوانظر: مختصر تاريخ دمشق لابن منظور (٢٦/ ٣٣٦).\n(^٣٣٦) - إسناده ضعيف جدًّا، أبو بكر الداهري: اتهموه بالوضع. وزهير بن عباد ضعيف.\n(^٣٣٧) - البيهقي في الشعب (١٣/ ٧١٦٢).\n(^٣٣٨) - إسناده ضعيف، ورواه أبو نعيم في الحلية (٢/ ٧)، من طريق الطبراني، وقال الهيثمي في المجمع (٧/ ٢٧٦): \"فيه عبد الله بن خراش وثقه ابن حبان وقال: يخطئ، وضعفه الجمهور، وبقية رجاله ثقات\".\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.","vol":"1","page":386},{"text":"﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ وقوله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ وقوله إخبارًا عن شعيب ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إلا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إلا بِاللَّهِ عَلَيهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيهِ أُنِيبُ [¬١]﴾.\n﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إلا عَلَى الْخَاشِعِينَ (٤٥) الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيهِ رَاجِعُونَ (٤٦)﴾.\nيقول تعالى آمرًا عبيده، فيما يؤملون من خير الدنيا [والآخرة] [¬٢] بالاستعانة بالصبر والصلاة، كما [قال مقاتل] [¬٣] بن حَيَّان في تفسير هذه الآية: استعينوا على طلب الآخرة بالصبر على الفرائض، والصلاة.\nفأما الصبر فقيل: إنه الصيام، نص عليه مجاهد.\n[قال القرطبي وغيره: ولهذا يسمى رمضان شهر الصبر، كما نطق به الحديث] [¬٤]. وقال سفيان الثوري: عن أبي إسحاق، عن جُرَيّ بن كليب، عن رجل من بني سليم، عن النبي ﷺ قال: \"الصوم نصف الصبر\" (^٣٣٩).\nوقيل: المراد بالصبر الكف عن المعاصي؛ ولهذا قرنه بأداء العبادات وأعلاها فعل الصلاة.\n_________\n(^٣٣٩) - الحديث رواه أحمد، ثنا معاذ بن معاذ، أنا شُعْبَة، أنا أبو إسحاق الهمداني، عن جريّ النهدي، عن رجل من بني سليم … ١٨٣٤٠ (٤/ ٢٦٠) وجري النهدي: وهو ابن كليب النهدي الكوفي، قال الحافظ في التقريب ت (٩٢١): مقبول -أي عند المتابعة- وأبو إسحاق الهمداني: هو السبيعي -مدلس وقد عنعن- وتابعه عاصم بن أبي النجود عند أحمد حديث ٢٣٢٠٥. ويونس بن أبي إسحاق حديث ٢٣١٧٩، ٢٣٢٦٦. ورواه الترمذي في كتاب الدعوات، باب: (٨٧) حديث ٣٥١٩. والدارمي في سننه في كتاب الصلاة، باب: ما جاء في الطهور حديث ٦٦٠ (١/ ١٣٢). والبيهقي في شعب الإيمان (٣/ ٢٩١) حديث ٣٥٧٥. من طريق أبي الأحوص وشعبة، عن أبي إسحاق، عن جري النهدي، عن رجل من بني سليم؛ قال: عرض رسول الله، ﷺ، في يدي أو في يده … الحديث.\nورواه أحمد في مسنده حديث ٢٣١٧٩، ٢٣٢٠٥، ٢٣٢٤٥، ٢٣٢٦٦ (٥/ ٣٦٥، ٣٧٠). وذكره السيوطي في الدر المنثور (١/ ١٢). وقال أبو عيسى: هذا حديث حسن. والحديث ضعفه الشيخ الألباني في ضعيف الترمذي (٣٧٦٥).\nورواه ابن ماجه ١٧٤٥ - (١/ ٥٥٥) من حديث أبي هريرة، وفي إسناده، موسى بن عبيدة، وهو ضعيف.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في خ: \"كما قال تعالى مقاتل .. \" وهو خطأ.\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.","vol":"1","page":387},{"text":"و[¬١] قال ابن أبي حاتم (^٣٤٠): [حدثني أبي حدَّثنا] [¬٢] عبيد الله بن حمزة بن إسماعيل، حدَّثنا إسحاق بن سليمان، عن أبي سنان، عن عمر بن الخطاب، ﵁، قال: الصبر صبران؛ صبر عند المصيبة حسن، وأحسن منه الصبر عن محارم الله.\nقال [¬٣]: وروي عن الحسن البصري نحو قول عمر.\nوقال ابن المبارك: عن ابن لَهِيعة، عن مالك بن دينار، عن سعيد بن جبير قال: الصبر: اعتراف العبد لله بما أصيب [¬٤] فيه، واحتسابه عند الله ورجاء ثوابه، وقد يجزع الرجل وهو يتجلد، لا يُرى منه إلا الصبر.\nوقال أبو العالية في قوله تعالى [¬٥]: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ قال [¬٦]: على مرضاة الله، واعلموا أنها من طاعة الله.\nوأما قوله: ﴿وَالصَّلَاةِ﴾ فإن الصلاة من أكبر العون على الثبات في الأمر، كما قال تعالى: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ الآية.\nوقال الإمام أحمد (^٣٤١): حدَّثنا خلف بن الوليد، حدَّثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، عن عكرمة بن عمار، عن محمد بن عبد الله الدؤلي قال: قال عبد العزيز أخو [¬٧] حذيفة -قال حذيفة- يعني ابن اليمان ﵁: كان رسول الله ﷺ إذا حزبه أمر صلى.\nورواه أبو داود، [عن محمد بن عيسى، عن يحيى بن زكريا، عن عكرمة بن عمار كما\n_________\n(^٣٤٠) - منقطع، وهو في تفسير ابن أبي حاتم برقم ٤٨٨ - (١/ ١٥٥). أبو سنان: وهو سعيد بن سنان، لم يسمع من عمر.\n(^٣٤١) - المسند ٢٣٤٠٦ - (٥/ ٣٨٨)، وأخرجه أبو داود في كتاب الصلاة، باب: وقت قيام النبي، ﷺ، من الليل (رقم: ١٣١٩). وعبد العزيز بن أخي حذيفة: قال الذهبي في الميزان (٢/ ٦٣٩): لا يعرف.\n_________\n[¬١]- زيادة من ز، خ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- في ز، خ: \"أصاب\".\n[¬٥]- سقط من: خ.\n[¬٦]- سقط من: خ.\n[¬٧]- في المسند وأبي داود: ابن أخي. وفي أطراف المسند: (أخو)، وصوَّب أبو نعيم، ووافقه الحافظ أنه (ابن أخي حذيفة). وصوَّب ابن أبي حاتم، وابن حبان أنه (أخو حذيفة).","vol":"1","page":388},{"text":"سيأتي] [¬١].\nوقد رواه ابن جرير (^٣٤٢) من حديث ابن جريج، عن عكرمة بن عمار، عن محمد بن عبيد بن أبي قدامة، عن عبد العزيز بن اليمان، عن حذيفة قال: كان رسول الله ﷺ إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة.\n[ورواه بعضهم عن عبد العزيز ابن أخي حذيفة -ويقال: أخي حذيفة- مرسلًا عن النبي ﷺ.\nوقال محمد بن نصر المروزي في كتاب الصلاة: حدَّثنا سهل بن عثمان العسكري، حدَّثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة قال: قال عكرمة بن عمار: قال محمد بن عبد الله الدؤلي: قال عبد العزيز قال حذيفة: رجعت إلى النبي ﷺ ليلة الأحزاب وهو مشتمل في شملة يصلي، وكان إذا حزبه أمر صلى (^٣٤٣).\nحدَّثنا [عبد الله] [¬٢] بن معاذ، حدَّثنا أبي، حدَّثنا شعبة، عن أبي إسحاق، سمع حارثة بن مضرب، سمع عليًّا ﵁ يقول: لقد رأيتنا ليلة بدر وما فينا إلا نائم غير رسول الله، ﷺ، يصلي ويدعو حتى أصبح (^٣٤٤)] [¬٣].\nقال ابن جرير: وروي عنه ﵊ أنه مر بأبي هريرة وهو منبطح على بطنه فقال له: \"أشكنب [¬٤] دّرْدْ\" [ومعناه: أيوجعك بطنك! قال نعم] [¬٥]. قال: \"قم فصل فإن الصلاة شفاء\" (^٣٤٥).\n_________\n(^٣٤٢) - تفسير ابن جرير ٨٤٩ - (٢/ ١٢).\n(^٣٤٣) - تعظيم قدر الصلاة برقم ٢١٢ - (١/ ٢٣١).\n(^٣٤٤) - تعظيم قدر الصلاة برقم ٢١٣ - (١/ ٢٣١)، والحديث رواه النسائي في الكبرى (٨٢٣)، ورواه أحمد (١٠٢٣، ١١٦١)، والطيالسي (١١٦)، وأبو يعلى (٢٨٠، ٣٠٥)، وابن خزيمة (٢/ ٨٩٩)، وابن حبان (٢٢٥٧)، والبيهقي في الدلائل (٣/ ٤٩)، من حديث شعبة، به.\n(^٣٤٥) - منكر، وهو في تفسير ابن جرير (٢/ ١٣). والحديث رواه أحمد (٢/ ٣٩٠، ٤٠٣)، ورواه ابن ماجه ٣٤٥٨ - (٢/ ١١٤٤). وابن. حبان في المجروحين (١/ ١٩٦)، وابن عدي في الكامل (٣/ ٩٨٥)، تمام في فوائده (١١٤٣)، والعقيلي (٢/ ٤٨)، وابن الجوزي في الواهيات (١/ ١٧٠، ١٧١) وفي إسناد ابن ماجه: ليث بن أبي سليم، وهو ضعيف. وداود بن علية: وهو ضعيف أيضًا، قال ابن حبان: منكر الحديث جدًّا يروي عن الثقات ما لا أصل له، وعن الضعفاء ما لا يعرف. وقال ابن حبان أيضًا: =\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- صوابه: عبيد الله.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- في خ: \"أسلب\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"1","page":389},{"text":"قال ابن جرير (^٣٤٦): وقد حدَّثنا محمد بن العلاء ويعقوب بن إبراهيم قالا: حدَّثنا ابن عُلَيَّة، حدَّثنا عيينة [¬١] بن عبد الرحمن، عن أبييه، أن ابن عباس نُعِي إليه أخوه قُثَم [¬٢]، وهو في سفر، فاسترجع ثم تنحَّى عن الطريق، فأناخ فصلى ركعتين أطال فيهما الجلوس، ثم قام يمشي إلى راحلته وهو يقول ﴿واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين﴾.\nوقال سُنَيد [¬٣]: عن حجاج، عن ابن جريج ﴿واستعينوا بالصبر والصلاة﴾ قال: إنهما مَعونتان على رحمة اللَّه، والضمير في قوله ﴿وإنها لكبيرة [¬٤]﴾ عائد إلى الصلاة، نص عليه مجاهد، واختاره ابن جرير.\nويحتمل أن يكون عائدًا على ما يدل [¬٥] عليه الكلام وهو الوصية بذلك، كقوله تعالى: في قصة قارون ﴿وقال الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب إلا خير لمن آمن وعمل صالحا ولا يلقاها إلا الصابرون﴾ وقال تعالى: ﴿ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه وليٌّ حميم وما يُلَقَّاها إلا الذين صبروا [وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم﴾ أي وما يلقى هذه الوصية إلا الذين صبروا] [¬٦]، وما يلقاها، أي: يؤتاها ويلهمها إلا ذو حظ عظيم.\nوعلى كل تقدير فقوله تعالى: ﴿وإنها لكبيرة﴾ أي مشقة ثقيلة إلا على الخاشعين، و[¬٧] قال ابن أبي طلحة عن ابن عباس يعني المصدقين بما أنزل اللَّه. وقال مجاهد: المؤمنين حقًّا، وقال أبو العالية: إلا على الخاشعين: الخائفين، وقال مقاتل بن حيان: إلا على الخاشعين، يعني به: المتواضعين.\nوقال الضحاك: ﴿وإنها لكبيرة﴾ قال: إنها لثقيلة إلا على الخاضعين لطاعته، الخائفين سطواته، المصدقين بوعده ووعيده.\nوهذا يشبه ما جاء في الحديث: \"لقد سألت عن عظيم، وإنه ليسير على من يسره اللَّه عليه\" (^٣٤٧).\n_________\n= وقد رُوي هذا الحديث عن أبي هرهة موقوفًا، وهو أصح. والموقوف رواه البخاري في تاريخه الصغير (٢/ ٢٥٨)، والعقيلي (٢/ ٤٨)، وابن عدي (٣/ ٩٨٥)، وابن الجوزي ١/ ١٧٠).\n(^٣٤٦) - تفسير ابن جرير ٨٥٢ - (٢/ ١٤). وإسناده صحيح.\n(^٣٤٧) - حسن بطرقه، رواه أحمد في المسند ٢٢١١٤ - (٥/ ٢٣١) من حديث عبد الرزاق، عن معمر=\n_________\n[¬١]- في ز، خ: ابن عيينة.\n[¬٢]- في خ: \"قتم\".\n[¬٣]- في خ: \"سعيد\".\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- في ز، خ: \"دل\".\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٧]- زيادة في خ.","vol":"1","page":390},{"text":"وقال ابن جرير: معنى الآية: واستعينوا أيها الأحبار من أهل الكتاب، بحبس أنفسكم على طاعة اللَّه، وبإقامة الصلاة المانعة من الفحشاء والمنكر، المقربة من رضاء اللَّه، العطمة إقامتها إلا على [الخاشعين، أي] [¬١] المتواضعين للَّه [¬٢] المستكينين [¬٣] لطاعته المتذللين من مخافته.\nهكذا قال، والظاهر أن الآية وإن كانت خطابًا في سياق إنذار بني إسرائيل، فإنهم لم يقصدوا بها على سبيل التخصيص، وإنما هي عامّه لهم ولغيرهم. واللَّه أعلم.\nوقوله تعالى: ﴿الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم وأنهم أبيه راجعون﴾ هذا من تمام الكلام الذي قبله، أي: وإنّ الصلاة أو الوَصَاة لثقيلة إلا على الخاشعين الذين يظون أنهم ملاقو ربهم، أي: [يعلمون أنهم محشورون] [¬٤] إليه يوم القيامة معروضون [¬٥] عليه، وأنهم إليه راجعون، أي: أمورهم راجعة إلى مشيئته، يحكم فيها ما يشاء بعدله؛ فلهذا لما أيقنوا بالمعاد والجزاء سَهُل عليهم فِعلُ الطاعات وترك المنكرات.\nفأما قوله: ﴿يظنون أنهم ملاقو ربهم﴾ فقال [¬٦] ابن جرير، ﵀: العرب قد تسمي اليقين ظنًّا، والشك، ظنًّا، نطر تسميتهم الظلمة \"سُدْفة\" [¬٧]، والضياء \"سُدْفة\" [¬٨]، والمغيث \"صارخًا\"، والمستغيث \"صارخًا\"، وما أشبه ذلك من الأسماء التي يسمى بها الشيء وضدّه، كما قال دريد بن الصِّمة:\nفقلت لهم ظُنُّوا بألفي مُدَجَّجٍ [¬٩] … سَرَاتُهُمُ في الفَارِسِيِّ [¬١٠] المسرَّدِ [¬١١]\n_________\n= عن عاصم بن أبي النجود، عن أبي وائل، عن معاذ ﵁. وأخرجه الترمذي في كتاب الإيمان، باب: ما جاء في حرمة الصلاة (رقم: ٢٦١٦). وقال: هذا حديث حسن صحيح، والنسائي في الكبرى في كتاب التفسير، باب: قوله تعالى: ﴿تتجافى جنوبهم عن المضاجع﴾ (١١٣٩٤)، وابن ماجة في كتاب الفتن، باب: كف اللسان في الفتنة (رقم: ٣٩٧٣) كلهم من طريق معمر، عن عاصم بن أبي النجود، به. ورواه أحمد ٢٢١٣١ - (٥/ ٢٣٣) من حديث شعبة، عن الحكم، قال: سمعت عروة بن النزال -أو النزال بن عروة، يحدث عن معاذ بن جبل- قال شعبة: فقلت له: سمعه من معاذ؟ قال: لم يسمعه منه. وقد أدركه- أنه قال: يا رسول اللَّه! أخبرني بعمل يدخلني الجنة. فذكر مثل حديث معمر، عن عاصم، أنه … قال الحكم: وسمعته من ميمون بن أبي شبيب. ورواه ٢٢١٦٧ - (٥/ ٢٣٧).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- سقط من ز، خ.\n[¬٣]- في ز: المستكنين.\n[¬٤]- في ز: يحشرون.\n[¬٥]- في ز: معرضون.\n[¬٦]- في ن: وقال.\n[¬٧]- في ز: شدفة.\n[¬٨]- في ز: شدفة.\n[¬٩]- في ز: مدحج.\n[¬١٠]- في خ: \"بالفارسى\".\n[¬١١]- في ز: المسود.","vol":"1","page":391},{"text":"يعني بذلك تيقنوا بألفي [¬١] مدجج [¬٢] يأتيكم، وقال عَمِيرة [¬٣] بن طارق:\nبأن [¬٤] تغتزوا قومي وأقعُدَ فيكم … وأجعلَ مني الظنَّ غيبًا [¬٥] مرجَّما\nيعني وأجعل مني اليقين غيبًا [¬٦] مرجمًا، قال والشواهد من أشعار العرب وكلامها على أنّ الظن في معنى اليقين أكثر من أن تحصر، وفيما ذكرنا لمن وفق لفهمه كفاية؛ ومنه قول اللَّه تعالى ﴿ورأى المجرمون النار فظنوا أنهم مواقعوها﴾، ثم قال [ابن جرير (^٣٤٨)] [¬٧].\nحدثنا محمد بن بشار، حدثنا أبو عاصم، حدثنا سفيان، عن جابر، عن مجاهد قال: كل ظنّ في القرآن يقين، أي: ظننت وظنوا.\nوحدثني المثنى (^٣٤٩)، حدثنا إسحاق، حدثنا أبو داود الحفري، عن سفيان، عن ابن [¬٨] أبي نجيح، عن مجاهد، قال: كل ظن في القرآن فهو علم، وهذا سند صحيح.\nوقال أبو جعفر الرازي: عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية في قوله تعالى: ﴿الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم﴾ قال: الظن هاهنا يقين.\nقال ابن أبي حاتم: وروي عن مجاهد، والسدي، والربيع بن أنس، وقتادة نحو قول أبي العالية.\nوقال سُنَيد: عن حجاج، عن ابن جريج ﴿الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم﴾ [علموا أنهم ملاقوا ربهم] [¬٩] كقوله ﴿إني ظننت أني ملاق حسابيه﴾ يقول: علمت.\nوكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم.\n(قلت): وفي الصحيح (^٣٥٠) أنّ اللَّه تعالى يقول للعبد يوم القيامة: \"ألم أزوِّجك، ألم\n_________\n(^٣٤٨) - تفسير ابن جرير ٨٦٢ - (٢/ ١٩). وجابر هو ابن يزيد الجعفى: ضعيف.\n(^٣٤٩) - تفسير ابن جرير ٨٦٣ - (٢/ ١٩).\n(^٣٥٠) - صحيح مسلم برقم ١٦ - (٢٩٦٨)، والترمذي (٢٤٢٨).\n_________\n[¬١]- في خ: \"ألفي \".\n[¬٢]- في ز: مدحج.\n[¬٣]- في ز، خ: \"عمير\".\n[¬٤]- في خ: \"وإن\".\n[¬٥]- في ز: عيبًا.\n[¬٦]- في ز: عيبًا.\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٨]- سقط من ز.\n[¬٩]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز وخ.","vol":"1","page":392},{"text":"أكرمك، ألم [¬١] أسخر لك الخيل والإبل وأذرك ترأس (^٣٥١) وتربع (^٣٥٢) \" فيقول: بلى.\nفيقول اللَّه تعالى [¬٢]: \"أفظننت أنك ملاقيَّ؟ \" [فيقول: لا] [¬٣]. فيقول اللَّه: \"اليوم أنساك كما نسيتني\"، وسيأتي مبسوطًا عند قوله تعالى: ﴿نسوا اللَّه فنسيهم﴾ [إن شاء اللَّه تعالى] [¬٤].\nيَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالمِينَ (٤٧)\nيذكرهم تعالى بسالف [¬٥] نعمه على آبائهم وأسلافهم، وما كان فضلهم به من إرسال الرسل منهم، وإنزال الكتب عليهم و[¬٦] على سائر الأمم من أهل زمانهم، كما قال تعالى: ﴿ولقد اخترناهم على علم على العالمين﴾ وقال تعالى: ﴿وإذ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمة اللَّه عليكم إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكا وآتاكم ما لم يؤت أحدًا من العالمين﴾.\nوقال أبو جعفر الرازي: عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية في قوله تعالى: ﴿وأني فضلتكم على العالمين﴾ قال: بما أعطوا من الملك والرسل والكتب على عَالم من كان في ذلك الزمان؛ فإنّ لكل زمان عالمًا.\nورُوي عن مجاهد، والربيع بن أنس، وقتادة، وإسماعيل بن أبي خالد نحو ذلك، ويجب الحمل على هذا؛ لأنّ هذه الأمّة [¬٧] أفضل منهم لقوله تعالى: خطابًا لهذه الأمّة: ﴿كنتم خير أمّة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرًا لهم﴾ وفي المسانيد [¬٨] والسنن، عن معاوية بن حَيدَة [¬٩] القُشَيري (^٣٥٣) قال: قال\n_________\n(^٣٥١) - رأس القومَ، يرأسهم، رئاسة: إذا صار رئيسهم، ومُقَدِّمهم. النهاية (٢/ ١٧٦).\n(^٣٥٢) - تربع: أي تأخذ ربع الغنيمة. يقال: ربعت القوم؛ أربعهم: إذا أخذت ربع أموالهم، مثل عشرتهم أعشرهم. يريد: ألم أجعلك رئيسًا مطاعًا؛ لأن الملك كان يأخذ ربع الغنيمة في الجاهلية، دون أصحابه. النهاية (٢/ ١٨٦).\n(^٣٥٣) - رواه أحمد ٢٠٠٦٥ - (٤/ ٤٤٧)، ورواه أحمد برقم ٢٠٠٧٣، ٢٠٠٧٧، ٢٠٠٩٧ (٥/ ٥)، وأخرجه الترمذي في كتاب تفسير القرآن، باب: ومن سورة آل عمران، حديث (٣٠٠١)، (٥/ ٢١١). وابن ماجه في كتاب الزهد، باب: صفة أمة محمد، ﷺ، حديث (٤٢٨٧ - ٤٢٨٨)، (٢/ ١٤٣٣). والدارمي في كتاب الرقاق، باب: في قول النبي، ﷺ: \"أنتم خير الأمم\" حديث (٢٧٦٣)، (٢/ ٢٢١).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"و\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٣]- سقط من: خ.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- في ز، خ: سالف.\n[¬٦]- سقط من ز.\n[¬٧]- في خ: \"الآية\".\n[¬٨]- في ز، خ: \"المساند\".\n[¬٩]- في خ: \"جندة\".","vol":"1","page":393},{"text":"رسول اللَّه ﷺ \"أنتم تُوفُونَ سبعين أمّة، أنتم خيرها وأكرمها على اللَّه\". والأحاديث في هذا كثيرة تذكر عند قوله تعالى: ﴿كنتم خير أمّة أخرجت للناس﴾.\n[وقيل: المراد تفضيل بنوع مَا من الفضل على سائر الناس، ولا يلزم تفضيلهم مطلقًا، حكاه الرازي، وفيه نظر. وقيل إنهم فُضِّلوا على سائر الأم لاشتمال أمّتهم على لأنبياء منهم، حكاه القرطبي في تفسيره، وفيه نظر؛ لأن العالمين عام يشتمل من قبلهم ومن بعدهم من الأنبياء، فإبراهيم الخليل قبلهم وهو أفضل من سائر أنبيائهم، ومحمد بعدهم وهو أفضل من جميع الخلق، وسيد ولد آدم في الدنيا والآخرة، صلوات اللَّه وسلامه عليه.] [¬١]\nوَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤٨)\nلما ذكرهم تعالى بنعمه أولًا، عطف على ذلك التحذير من حُلُول نقمه بهم يوم القيامة فقال ﴿واتقوا يومًا﴾ يعني: يوم القيامة ﴿لا تجزي نفس عن نفس شيئًا﴾ أي: لا يغنى أحد عن أحد، كما قال ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾ وقال ﴿لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه﴾ وقال ﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم واخشوا يومًا لا يجزي والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئًا﴾ فهذه أبدغ المقامات أنّ كلًّا من الوالد وولده لا يغنى أحدهم عن الآخر شيئًا.\nوقوله تعالى: ﴿ولا يقل منها شفاعة﴾ يشي: من [¬٢] الكافرين، كما قال: ﴿فما تنفعهم شفاعة الشافعين﴾ وكما قال عن أهل النار: ﴿فما لنا من شافعين ولا صديق حميم﴾.\nوقوله تعالى: ﴿ولا يؤخذ منها عدل﴾ أي لا يقبل منها فداء، كما قال تعالى: ﴿إنّ الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبًا ولو افتدى به﴾ وقال ﴿إنّ الذين كفروا لو أنّ لهم ما في الأرض جميعًا ومثله معه ليفتدوا به من عذاب يوم القيامة ما تقبل منهم ولهم عذاب أليم﴾ وقال تعالى: ﴿وإن تعدل كل عدل لا يؤخذ منها﴾. وقال ﴿فاليوم لا يؤخذ منكم فدية ولا من الذين كفروا [مأواكم النار هي مولاكم] [¬٣]﴾ الآية، فأخبر تعالى أنهم إن [¬٤] لم يؤمنوا برسوله ويتابعوه على ما بعثه به، ووافوا اللَّه يوم القيامة على ما هم عليه، فإنه لا ينفعهم قرابة قريب ولا شفاعة ذي جاه، ولا يقبل منهم فداء ولو بملء الأرض ذهبًا، كما قال تعالى: ﴿من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة﴾ وقال ﴿لا بيع فيه ولا خلال﴾.\n_________\n= والطبراني في \"الكبير\" برقم (١٠٢٣ - ١٠٢٤ - ١٠٢٥)، (١٩/ ٤٢٢ - ٤٢٣).\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في ز: عن.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- سقط من: خ.","vol":"1","page":394},{"text":"[قال سنيد: حدّثني حجاج، حدّثني ابن جريج، قال: قال مجاهد: قال ابن عباس: ﴿ولا يؤخذ منها عدل﴾ قال: بدل، والبدل الفدية، وقال السدّي: أمّا عدل فيعدلها من العدل، يقول: لو جاءت بملء الأرض ذهبًا تفتدي به ما تُقُبل منها، وكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم] [¬١]، وقال أبو جعفر الرازي: عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية في قوله: ﴿ولا يؤخذ [¬٢] منها عدل﴾ يعني: فداء.\nقال ابن أبي حاتم: وروي عن أبي مالك، والحسن، وسعيد بن جبير، وقتادة، والربيع بن أنس نحو ذلك.\nوقال عبد الرزاق أنبأنا [¬٣]، الثوري، عن الأعمش، عن إبراهيم التيمي، عن أبيه، عن علي ﵁ في حديث طويل: قال: والصرف والعدل التطوّع والفريضة (^٣٥٤).\nوكذا قال الوليد بن مسلم، عن عثمان بن أبي العاتكة، عن عمير بن هانئ.\nوهذا القول غريب هاهنا [¬٤]، والقول الأوّل أظهر في تفسير هذه الآية، وقد ورد حديث يقوّيه، وهو ما قال ابن جرير:\nحدّثني نجيح بن إبراهيم، حدثنا علي بن حكيبم، حدَّثنا حميد بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن عَمْرو بني قيس المُلائي، عن رجل من بني أمية من أهل الشام -أحسن عليه الثناء- قال: قيل: يا رسول الله، ما العدل؟ قال: \"العدل الفدية\" (^٣٥٥).\nوقوله تعالى: ﴿ولا هم ينصرون﴾ أي: ولا أحد يغضب لهم فينصرهم وينقذهم من عذاب الله، كما تقدم من أنه لا يعطف عليهم ذو قرابة ولا ذو جاه، ولا يقبل منهم فداء، هذا كله من جانب التلطف، ولا لهم ناصر من أنفسهم، ولا من غيرهم، كما قال ﴿فما له من قوّة ولا ناصر﴾ أي: إنه تعالى لا يقبل فيمن كفر به فدية ولا شفاعة، ولا ينقذ أحدًا من عذابه منقذٌ، [ولا يخلصه منه أحد] [¬٥]، ولا يجيره منه أحد، كما قال تعالى: ﴿وهو يجير ولا يجار عليه﴾ وقال ﴿فيومئذ لا يعذب عذابه أحد ولا يوثق وثاقه أحد﴾ وقال ﴿ما لكم لا تناصرون بل هم اليوم مستسلمون﴾ وقال ﴿فلولا نصرهم الذين اتخذوا من دون اللَّه قربانا آلهة بل ضلوا\n_________\n(^٣٥٤) - رواه ابن أبي حاتم برقم (٥٠٦).\n(^٣٥٥) - مرسل أو منقطع، فالرجل المبهم مجهول، والراجح أنه تابعي، فيكون الحديث مرسلًا أو معضلًا، والحديث في تفسير ابن جرير ٨٨٦ - (٢/ ٣٤).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين ساقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في ت: يقبل.\n[¬٣]- في خ: \"أخبرنا\".\n[¬٤]- في ز، خ: \"هنا\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"1","page":395},{"text":"عنهم﴾ الآية.\nوقال الضحاك (^٣٥٦) عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿ما لكم لا تناصرون﴾ ما لكم اليوم لا تَمانَعُون منا، هيهات! ليس ذلك لكم اليوم.\nقال ابن جرير: وتأويل قوله: ﴿ولا هم ينصرون﴾ يعني: أنهم يومئذ لا ينصرهم ناصر، كما لا يشفع لهم شافع، ولا يقبل منهم عدل ولا فدية. بَطَت هنالك المحاباة، واضمحلت الرشى والشفاعات، وارتفع من القوم التناصر والتعاون، وصار الحعكم إلى [الجبار العدل] [¬١] الذي لا ينفع لديه الشفعاء ولا [¬٢] النصراء، فيجزي بالسيئة مثلها وبالحسنة أضعافها، وذلك نظير قوله تعالى: ﴿وقفوهم إنهم مسئولون ما لكم لا تناصرون بل هم اليوم مستسلمون﴾.\nوَإِذْ نَجَّينَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (٤٩) وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَينَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٠)\nيقول تعالى: واذكروا يا بني إسرائيل نعمتي عليكم؛ ﴿إذ نجيناكم من آل فرعون [يسومونكم سوء العذاب] [¬٣]﴾، أي: خلصتكم منهم، وأنقذتكم من أيديهم صحبة موسى ﵇، وقد كانوا يسومونكم، أي ورردونكم ويذيقونكم ويولونكم سوء العذاب، وذلك أن فرعون -لعنه اللَّه- كان قد رأى رؤيا هالته؛ رأى نارًا خرجت من بيت المقدس فدخلت بيوت القبط ببلاد مصر، إلا بيوت بني إسرائيل، مضمونها: أن زوال ملكه يكون على يدي رجل من بني إسرائيل، ويقال: بل تحدث سمَّاره عنده بأن بنى إسرائيل يتوقعون خروج رجل منهم، يكون لهم به دولة ورفعة، وهكذا جاء في [حديث الفُتُون،] [¬٤] كما سيأتي في موضعه، [في سورة طه،] [¬٥] إن شاء اللَّه تعالى، فعند ذلك أمر فرعون -لعنه اللَّه- بقتل كل ذَكَر يولد بعد ذلك من بني إسرائيل، وأن تترك البنات، وأمر باستعمال بني إسرائيل في مشاق الأعمال وأراذلها.\nوهاهنا فسر العذاب بذبح الأبناء، وفي سورة إبراهيم عطف عليه، كما قال ﴿يسومونكم سوء العذاب ويذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم﴾، وسيأتي تفسير ذلك في أول سورة القصص، إن شاء اللَّه تعالى، وبه الثقة والعونة والتأييد. [ومعنى يسومونكم: يولونكم قاله أبو\n_________\n(^٣٥٦) - ابن جرير برقم (٨٨٧)، وسنده ضعيف.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"عدل الجبار\".\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- في ز، خ: \"الحديث المضون\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"1","page":396},{"text":"عبيدة. كما يقال: سامه خطة خسف، إذا أولاه إياها. قال عمرو بن كلثوم:\nإذا ما الملْكُ سام الناسَ خَسْفًا … أبَينا أن نُقِرَّ الخسْفَ فينا\nوقيل: معناه يديمون عذابكم. كما يقال: سائمة الغنم من إدامتها الرعي، نقله القرطبي. وإنما\nقال هاهنا: ﴿يذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم﴾ ليكون ذلك تفسيرًا للنعمة عليهم في\nقوله: ﴿يسومونكم سوء العذاب﴾ ثم فسره بهذا لقوله هاهنا: ﴿اذكروا نعمتي التي أنعمت\nعليكم﴾ وأما في سورة إبراهيم: فلما قال: ﴿وذكرهم بأيام اللَّه﴾ أي: بأياديه ونعمه عليهم،\nفناسب أن يقول هناك: ﴿يسومونكم سوء العذاب ويذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم﴾\nفعطف عليه الذبح ليدل على تعدد النعم والاُيادي علي بني إسرائيل] [¬١].\nوفرعون عَلَمٌ على كل من ملك مصر، كافرًا [من العماليق وغيرهم] [¬٢]، كما أن قيصر علم\nعلى كل من ملك الروم مع الشام كافرًا، وكذلك كسرى لمن [¬٣] ملك الفرس، وتُبَّع لمن ملك\nاليمن كافرًا، [والنجاشي لمن ملك الحبشة، وبطيموس لمن ملك الهند] [¬٤]، ويقال: كان اسم\nفرعون الذي كان في زمن [¬٥] موسى ﵇ الوليد بن مصعب [بن الريان] [¬٦]، وقيل:\nمصعب بن الريان، [فكان من سلالة عمليق بن الاُود بن إرم بن سام بن نوح وكنيته أبو مرة،\nوأصله فارسي من إصطخر] [¬٧]، وأيَّاما كان فعليه [¬٨] لعنة اللَّه.\nوقوله تعالى: ﴿وفي ذلكم بلاءمن ربكم عظيم﴾.\nقال ابن جرير: وفي الذي فعلنا بكم من إنجائنا إياكم مما كنتم فيه من عذاب آل [¬٩] فرعون،\nبلاءلكم من ربكم عطم، أي: نعمة عطمة عليكم في ذلك.\nوقال علي بن أبي طلحة: عن ابن عباس (^٣٥٧) قوله تعالى: ﴿بلاء من ربكم عظيم﴾ قال:\nنعمة.\nوقال مجاهد: ﴿بلاء من ربكم عظيم﴾ قال: نعمة. من ربكم عظيمة، وكذا [¬١٠] قال أبو\nالعالية وأبو مالك والسدي وغيرهم، وأصل البلاء الاختبار، وقد يكون بالخير والشر، كما قال\n_________\n(^٣٥٧) - ابن جرير برقم (٨٩٩)، وابن أبي حاتم برقم (٥١١).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في ز، خ: \"لكل من\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- في ز، خ: \"زمان\".\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٨]- في ز، خ: \"فعله\".\n[¬٩]- سقط من: خ.\n[¬١٠]- في ز، خ: \"وكذلك\".","vol":"1","page":397},{"text":"تعالى: ﴿ونبلوكم بالشر والخير فتنة﴾، وقال ﴿وبلوناهم بالحسنات والسيئات [لعلهم\nويرجعون] [¬١]﴾. قال ابن جريو: وأكثر ما يقال في الشر: بلوته أبلوه بَلَاء، وفي الخير أبليه إبلاء\nوبلاء، قال زهير بن أبي سلمى:\nجَزَى الله بالإحسان ما فَعَلا يكُمْ … وأبلاهما خَيْرَ البلاء الذي يَبْلُو\nقال فجمع بين اللغتين؛ لأنه أراد: فأنعم اللَّه عليهما خير النعم التي يَخْتَبِرُ بها عباده.\n[وقيل: المراد بقوله ﴿وفي ذلكم بلاء﴾ إشارة الى ما كانوا فيه من العذاب المهين، من ذبح\nالأبناء واستحياء النساء. قال القرطبي: وهذا قول الجمهور ولفظه بعد ما حكى القول الأول، ثم\nقال: وقال الجمهور الإشارة إلى الذبح ونحوه، والبلاء هاهنا في الشر، والمعنى: وفي الذبح مكروه\nوامتحان] [¬٢].\nوقوله تعالى: ﴿وإذ فرقنا بكم البحر فأنجيناكم وأغرقنا آل فرعون وأنتم تنظرون﴾ معناه:\nوبعد أن أنقذناكم من آل فرعون، وخرجتم مع موسى ﵇، خرج فرعون في طلبكم،\nفقرقنا بكم البحر، كما أخبر تعالى عن ذلك مفصلًا كما سيأتي في مواضعه، ومن أبسطها ما [¬٣]\nفى سورة الشعراء [إن شاء اللَّه] [¬٤].\n﴿فأنجيناكيم﴾. أي خلصناكم منهم، وحجزنا يينكم وبينهم، وأغرقناهم وأنتم تنظرون،\nليكون ذلك أشفى لصدوركم، وأبلغ فى إهانة عدوكم.\nقال عبد الرزاق (^٣٥٨): أنبأنا معمر، عن أبي إسحاق الهَمْداني، عن عمرو بن ميمون الأَوْدي\nفي قوله تعالى: ﴿وإذ فرقنا بكم البحر﴾ الى قوله ﴿وأنتم [¬٥] تنظرون [¬٦]﴾. قال لما خرج\nموسى ببني إسرائيل، بلغ ذلك فرعون، فقال: لا تبعوهم حتى تصيح الديكة. قال فواللَّه ما صاح\nليلتئذ [¬٧] ديك حتى أصبحوا، فدعا بشاة فَذُبحت، ثم قال لا أفرغ من كبدها [¬٨] حتى يجتمع\nإليَّ ستمائة ألف من القبط، فلم يفرغ من كبدها [¬٩] حتى اجتمع اليه ستمائة ألف من القبطِ، [ثم\nسار] [¬١٠] فلما أتى موسى البحر قال له رجل من أصحابه يقال له يوشع بن نون أين أمَرَ [¬١١]\n_________\n(^٣٥٨) - تفسير عبد الرزاق (١/ ٤٥)، وهو عند ابن جرير برقم (٩٠٨)، وابن أبي حاتم برقم (٥١٢).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ ز،.\n[¬٣]- سقط من: خ.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٥]- سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- في ز، خ: \"ينظرون\".\n[¬٧]- سقط من: ز، خ.\n[¬٨]- في ز، خ. \"لبدها\".\n[¬٩]- في ز، خ: \"لبدها\".\n[¬١٠]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬١١]- في ز: أمرك.","vol":"1","page":398},{"text":"ربك؟ قال أمامك. يضير إلِى البحر. فأقحم [¬١] يوشع فرسَه في البحر حتى بلغ الغَمْرَ، فذهب به\nالغمر، ثم رجع، فقال أين أمَرَ [¬٢] ربك يا موسى؟ فواللَّه ما كذبتَ، ولا [¬٣] كذِبتَ، فعل ذلك\nثلاث مرات، ثم أوحى الله إلى موسى: ﴿أن اضوب بعصاك البحر﴾ فضربه ﴿فانفلق فكان\nكل فرق كالطود العظيم﴾ - يقول مثل الجبل- ثم سار موسى ومن معه، وأتبعهم فرعون في\nطريقهم، حتى إذا تتاموا فيه أطبقه الله عليهم، فلذلك قال ﴿وأغرقنا آل فرعون وأنتم\nتنظرون﴾.\nوكذلك قال غير واحد من السلف، كما سيأتي بيانه في موضعه، وقد ورد أن هذا اليوم كان\nيوم عاشوراء، كما قال الإمام أحمد (^٣٥٩):\nحدّثنا عفان، حدّثنا عبد الوارث، حدّثنا أيوب، عن عبد اللَّه بن سعيد بن جبير، عن أبيه،\nعن ابن عباس، قال: قدم رسول اللَّه ﷺ المدينة، فرأى اليهود يصومون يوم\nعاشوراء، فقال: \"ما هذا اليوم الذي تصومون\". قالوا هذا يوم صالح، هذا يوم نجى اللَّه عزَّ\nوجل فيه بني إسرائيل من عدوهم [¬٤]، فصامه موسى ﵇. فقال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه\nوسلم: \"أنا أحق بموسى منكم\" فصامه رسول الله ﷺ، وأمر بصومه.\nوروى هذا الحدثحا البخاريُّ ومسلمٌ والنسائي وابن ماجة (^٣٦٠)، من طرق، عن أيوب\nالسختياني، به نحو ما تقدم.\nوقال أبو يعلى الموصلي: حدّثنا أبو الرييع، حدّثنا سلام- يعني ابن سليم- عن زيد العَمّيّ،\nعن يزيد الرقاشى، عن أنس، عن النبي ﷺ قال: \"فلق اللَّه البحر لبني إسرائيل\nيوم عاشوراء\" (^٣٦١).\nوهذا ضعيف من هذا الوجه بم فإن زيدًا العمّيّ فيه ضعف، وشيخه يزيد الرقاشي أضعف منه.\n_________\n(^٣٥٩) - صحيح، وإلحديث في المسند (١/ ٢٩١، ٣١٠، ٣٣٦)\n(^٣٦٠) - صحيح البخاري، كتاب صلاة التراويح، باب: صوم يوم عاشوراء برقم (٢٠٠٤)، وصحيح\nمسلم في كتاب الصيام برقم ١٢٨ - (١١٣٠)، وابن ماجه في الصيام، باب: صوم يوم عاشوراء (١٧٣٤).\n(^٣٦١) - إسناده ضعيف جدًّا؛ لضعى زيد العمي، ونى يد بن أبان الرقاشي، والحديث فى مسند أبي يعلى ٤٠٩٤ - (٧/ ١٣٣)، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ١٨٨) وقال: رواه أبو يعلى، وفيه يزيد\nالرقاشي، وفيه كلام وقد وثق. وأورده في المطالب ٣٨٢١ - (٨/ ٤٣٨).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"فاقتحم\".\n[¬٢]- في ز: أمرك.\n[¬٣]- في خ: \"أوما\"، وفي ز: وما.\n[¬٤]- في ز، خ: \"غرقهم\".","vol":"1","page":399},{"text":"﴿أَرْبَعِينَ لَيلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (٥١) ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٢) وَإِذْ آتَينَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (٥٣)﴾\nيقول تعالى: واذكروا نعمتي عليكم في عفوي عنكم، لَمَّا عبدتم العجل بعد ذهاب موسى لميقات ربه، عند انقضاء أمد المواعدة، وكانت أربعين يومًا، وهي المذكورة في الأعراف، في قوله تعالى: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ﴾ قيل: إنها ذو القعدة بكماله وعشر من ذي الحجة، وكان ذلك بعد خلاصهم من قوم فرعون، وإنجائهم من البحر.\nوقوله تعالى: ﴿وَإِذْ آتَينَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ يعني التوراة ﴿وَالْفُرْقَانَ﴾ وهو ما يَفْرق بين الحق والباطل، والهدى والضلال، ﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾. وكان ذلك أيضًا بعد خروجهم من البحر، كما دل عليه سياق الكلام في سورة الأعراف. ولقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَينَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾.\n[وقيل: الواو زائدة، والمعنى ولقد آتينا موسى الكتاب الفرقان، وهذا غريب. وقيل: عطف عليه، وإن كان المعنى واحدًا، كما في قول الشاعر:\nوقَدَّمَتِ الأدِيمَ لراقشيه … فألفى قولها كذبا ومينا\nوقال الآخر:\nألَا حبَّذا هندٌ وأرضٌ بها هندُ … وهندٌ أتى مِنْ دونها النأيُ والبعدُ\nفالكذب هو المين، والنأي هو البعد. وقال عنترة:\nحُيِّيتَ مِنْ طَلَلٍ تقادم عَهْدُه … أقْوَى وأقْفَرَ بعدَ أُمِّ الهيثم\nفعطف الإقفار على الأقواء وهو هو] [¬١].\n﴿وَإِذْ قَال مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٥٤)﴾\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"1","page":400},{"text":"هذه صفةُ توبته تعالى على بني إسرائيل من عبادة العجل [¬١]، قال الحسن البصري ﵀ في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَال مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ﴾.\nفقال: ذلك حين وقع في قلوبهم من شأن عبادتهم العجل ما وقع، حين قال الله تعالى ﴿وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا﴾. الآية.\nقال: فذلك حين يقول موسى: ﴿يَاقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ﴾.\nوقال أبو العالية، وسعيد بن جبير، والربيع بن أنس: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ﴾. أي إلى خالقكم.\nقلت: وفي قوله هاهنا ﴿إِلَى [¬٢] بَارِئِكُمْ﴾ تنبيه على عظَم جرمهم. أي فتوبوا إلى الذي خلقكم، وقد عبدتم معه غيره.\nوقد [¬٣] روى النسائي وابن جرير وابن أبي حاتم (^٣٦٢)، من حديث يزيد بن هارون، عن الأصبغ بن زيد الورّاق، عن القاسم بن أبي أيوب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال الله تعالى: إن توبتهم أن يقتل كل رجل منهم كل [من لقي [¬٤]] [¬٥] من والد وولد، فيقتله بالسيف، ولا يبالي من قتل في ذلك الموطن.\nفتاب أولئك الذين كانوا خفي على موسى وهارون ما اطلع الله على [¬٦] ذنوبهم، فاعترفوا بها وفعلوا ما أمروا به، فغفر الله للقاتل والمقتول. وهذا قطعة من حديث الفُتُون، وسيأتي في سورة طه بكماله، إن شاء الله.\nوقال ابن جرير (^٣٦٣): حدثني عبد الكريم بن الهيثم، حدثنا إبراهيم بن بَشَّار، حدثنا سفيان بن عيينة، قال: قال أبو سعيد: عن عكرمة، عن ابن عباس، قال قال موسى لقومه: ﴿فَتُوبُوا [¬٧] إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾،\n_________\n(^٣٦٢) - سنن النسائي الكبرى برقم (١١٣٢٦)، وابن جرير (١٦/ ١٦٤ حلبي)، وابن أبي حاتم ٥٣١ - (١/ ١٦٨)، وأبو يعلى (٥/ ٢٦١٨)، والطحاوي في المشكل (٦٦) وأصبغ بن زيد: وثقه يحيى بن معين، وأبو داود، والدارقطني، وقال أبو حاتم، والنسائي: ليس به بأس، وضعفه ابن سعد وابن حبان، وفي التقريب: صدوق يغرب. والقاسم بن أبي أيوب: ثقة.\n(^٣٦٣) - تفسير ابن جرير ٩٣٦ - (٢/ ٧٣) وسنده صحيح.\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- سقط من ز.\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- في خ: \"بقى\".\n[¬٥]- سقط من ز.\n[¬٦]- في ز، خ: \"من\".\n[¬٧]- في ز، خ: \"توبوا\".","vol":"1","page":401},{"text":"قال: أمر موسى قومه - عن [¬١] أمر ربه ﷿ أن يقتلوا أنفسهم، قال [¬٢]: واحتبى الذين عبدوا [¬٣] العجل فجلسوا، وقام الذين لم يعكفوا على العجل، فأخذوا الخناجر بأيديهم، وأصابتهم ظُلّة شديدة، فجعل يقتل بعضهم بعضًا، فانجلت الظُلّة عنهم، وقد أجلوا عن سبعين ألف قتيل، كل من قتل منهم كانت له توبة، وكل من بقي كانت له توبة.\nوقال ابن جريج (^٣٦٤): أخبرني القاسم [بن أبي بَزَّة] [¬٤]: أنه سمع سعيد بن جُبَير ومجاهدًا يقولان في قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ قالا: قام بعضهم إلى بعض بالخناجر، يقتل [¬٥] بعضهم بعضًا، لا يحنو رجل على قريب ولا بعيد حتى ألوى موسى بثوبه، فطرحوا ما بأيديهم، فكشف عن سبعين ألف قتيل. وأن الله أوحى إلى موسى: أن حَسْبي فقد اكتفيت، فذلك حين ألوى موسى بثوبه.\n[وروي عن علي ﵁ نحو ذلك] [¬٦]. وقال قتادة: أمر القوم بشديد من الأمر، فقاموا يتناحرون بالشفار يقتل بعضهم بعضًا، حتى بلغ الله فيهم نقمته، فسقطت الشفار من أيديهم، فأمسك عنهم القتل فجعله لِحَيِّهم توبة وللمقتول شهادة.\nوقال الحسن البصري: أصابتهم ظلمة حنْدس (^٣٦٥)، فقتل بعضهم بعضًا، ثم انكشف عنهم، فجعل توبتهم في ذلك.\nوقال السدّي: في قوله: ﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ قال: فاجتلد الذين عبدوه والذين لم يعبدوه بالسيوف، فكان من قُتل من الفريقين شهيدًا، حتى كثر القتل، حتى كادوا أن يهلكوا حتى قتل منهم [¬٧] سبعون ألفًا، وحتى دعا موسى وهارون ربنا أهلكت بني إسرائيل، ربنا البقيةَ البقيةَ؛ فأمرهم أن يلقوا [¬٨] السلاح وتاب عليهم، فكان من قتل منهم من الفريقين شهيدًا، ومن بقي مكفرًا عنه؛ فذلك قوله ﴿فَتَابَ عَلَيكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾.\nوقال الزهري: لما أُمرت بنو إسرائيل بقتل أنفسها، برزوا ومعهم موسى، فاضطربوا بالسيوف وتطاعنوا بالخناجر، وموسى رافع يديه، حتى إذا أفنوا بعضهم، قالوا [¬٩]: يا نبي الله؛ ادع الله لنا، وأخذوا بعضُديه يسندون يديه، فلم يزل أمرهم على ذلك، حتى إذا قبل الله توبتهم قبض أيديهم\n_________\n(^٣٦٤) - تفسير ابن جرير ٩٣٥ - (٢/ ٧٣)، وابن أبي حاتم برقم (٥٣٢).\n(^٣٦٥) - حُندس: أي شديدة السواد.\n_________\n[¬١]- في ز: من.\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في ز، خ: \"عكفوا على\".\n[¬٤]- في ز، خ: \"بن أبي بره\".\n[¬٥]- في ز، خ: \"فقتل\".\n[¬٦]- سقط من: ز، خ.\n[¬٧]- في ز: بينهم.\n[¬٨]- في ز، خ: \"يضعوا\".\n[¬٩]- في ز: فقالوا.","vol":"1","page":402},{"text":"بعضهم عن بعض، فألقوا السلاح وحزن موسى وبنو إسرائيل للذي كان من القتل فيهم، فأوحى الله جل ثناؤه إلى موسى ما يحزنك؟ أما من قُتل منهم [¬١] فحيٌّ عندي يرزقون، وأما من بقي فقد قبلت توبته. فسُرَّ بذلك موسى وبنو إسرائيل.\nرواه ابن جرير (^٣٦٦) بإسناد جيد عنه.\nوقال ابن إسحاق لما رجع موسى إلى قومه، وأحرق العجل وذَرّاه في اليم، خرج إلى ربه بمن اختار من قومه فأخذتهم الصاعقة، ثم بُعثوا، فسأل موسى ربه التوبة لبني إسرائيل من عبادة العجل. فقال [¬٢]: لا، إلا أن يقتلوا أنفسهم، قال: فبلغني أنهم قالوا لموسى نَصبر لأمر الله، فَأمَرَ موسى: من لم يكن عَبَدَ العجل أن يقتل من عبده، فجلسوا بالأفنية وأصْلَتَ [عليهم القومُ] [¬٣] السيوف، فجعلوا يقتلونهم، وبكى موسى، وَبَهَشَ [¬٤] (^٣٦٧) إليه النساء والصبيان، يطلبون العفو عنهم، فتاب الله [¬٥] عليهم، وعفا عنهم، وأمر موسى أن ترفع عنهم السيوف.\nوقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: لما رجع موسى إلى قومه، وكانوا سبعين [¬٦] رجلًا قد اعتزلوا مع هارون العجل لم يعبدوه. فقال لهم موسى: انطلقوا إلى موعد ربكم. فقالوا يا موسى؛ ما من توبة؟ قال بلى، ﴿اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيكُمْ﴾. الآية. فاخترطوا السيوف والجِرَزَة [¬٧] (^٣٦٨) والخناجر والسكاكين.\nقال: وبعث عليهم ضبابة. قال فجعلوا يتلامسون بالأيدي، ويقتل بعضهم بعضًا. قال ويلقى الرجل أباه وأخاه فيقتله وهو [¬٨] لا يدري. قال ويتنادون فيها [¬٩]، رحم الله عبدًا صبر نفسه [¬١٠] حتى يبلغ الله رضاه، قال فقتلاهم شهداء، وتِيبَ على أحيائهم ثم قرأ ﴿فَتَابَ عَلَيكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾.\n﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٥) ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٦)﴾\n_________\n(^٣٦٦) - ابن جرير برقم (٩٤١).\n(^٣٦٧) - بهش إليه: أسرع.\n(^٣٦٨) - جمع جُرْز، وهو العمود من الحديد.\n_________\n[¬١]- في ز: منكم.\n[¬٢]- في ز: قال.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في خ: \"القوم عليهم\".\n[¬٤]- في خ: \"هس\". وفي ز: هش.\n[¬٥]- سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- في ز، خ: \"سبعون\".\n[¬٧]- في ز: الحررة، وهي سقط من: خ.\n[¬٨]- سقط من ز.\n[¬٩]- سقط من: ز، خ.\n[¬١٠]- سقط من: ز، خ.","vol":"1","page":403},{"text":"يقول تعالى: واذكروا نعمتي عليكم في بعثي لكم بعد الصعق؛ إذ سألتم رؤيتي جهرة عيانًا، مما لا يستطاع لكم ولا لأمثالكم، كما قال ابن جريج: قال ابن عباس في هذه الآية: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ قال: علانية (^٣٦٩).\nوكذا قال إبراهيم بن طهمان عن عباد بن إسحاق، عن أبي الحويرث، عن ابن عباس أنه قال في قوله تعالى: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ أي: علانية، أي: حتى نرى الله (^٣٧٠).\nوقال قتادة والربيع بن أنس: ﴿حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ أي عيانًا. وقال أبو جعفر. عن الربيع بن أنس: هم السبعون الذين اختارهم موسى فساروا معه. قال [¬١] فسمعوا كلامًا، فقالوا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾. قال: فسمعوا صوتًا فصعقوا، يقول: ماتوا.\nوقال مروان بن الحكم، فيما خطب به على منبر مكة: الصاعقة: صيحة من السماء.\nوقال السدي في قوله: ﴿فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ﴾ الصاعقة [¬٢]: نار.\nوقال عروة بن رُوَيم في قوله: ﴿وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ قال فصُعق بعضهم وبعضٌ ينظرون، ثم بُعث هؤلاء وصُعق هؤلاء.\nوقال السدي: ﴿فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ﴾ فماتوا، فقام موسى يبكي ويدعو الله، ويقول: رب؛ ماذا أقول لبني إسرائيل إذا أتيتهم وقد أهلكت خيارهم، ﴿لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا﴾. فأوحي الله إلى موسى: أنّ هؤلاء السبعين ممن اتخذوا العجل، ثم إن الله أحياهم فقاموا وعاشوار [¬٣] رجلٌ رجلٌ، ينظر بعضهم إلى بعض: كيف يحيون؟ قال: فذلك قوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.\nوقال الربيع بن أنس: كان موتُهم عقوبة لهم، فبعثوا من بعد الموت ليستوفوا آجالهم. وكذا قال قتادة.\nوقال ابن جرير (^٣٧١): حدثنا محمد بن حميد، حدَّثنا سلمة بن الفضل عن محمد بن إسحاق، قال: لما رجع موسى إلى قومه فرأى ما هم عليه من عبادة العجل، وقال لأخيه وللسامري ما قال، وحَرَّق العجل وذرّاه في اليم، اختار موسى منهم سبعين رجلًا؛ الخيِّر فالخيِّر، وقال: انطلقوا\n_________\n(^٣٦٩) - رواه ابن جرير برقم (٩٤٧)، وسنده ضعيف.\n(^٣٧٠) - رواه ابن أبي حاتم برقم (٥٣٨)، وفي سنده ضعف.\n(^٣٧١) - تفسير ابن جرير ٩٥٧ - (٢/ ٨٦ - ٨٧)، وسنده ضعيف جدًّا.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في ز: وعاش.","vol":"1","page":404},{"text":"إلى الله وتوبوا [إلى الله] [¬١] مما صنعتم، واسألوه [¬٢] التوبة على من تركتم وراءكم من قومكم، صوموا وتطهروا وطهِّروا ثيابكم.\nفخرج بهم إلى طور سيناء لميقات وَقَّتَهُ له ربه، وكان لا يأتيه إلا بإذن منه وعِلْم، فقال له السبعون، فيما ذكر لي حين صنعوا ما أمرهم به وخرجوا للقاء الله - قالوا: يا موسى؛ اطلب لنا إلى ربك نسمع كلام ربنا، فقال أفعل، فلما دنا موسى من الجبل، وقع عليه الغمام حتى تغشى الجبل كله، ودنا موسى فدخل فيه، وقال للقوم ادنوا - وكان موسى إذا كلمه الله [¬٣] وقع على جبهته نور ساطع، لا يستطع أحد من بني آدم أن ينظر إليه - فضرب دونه بالحجاب، ودنا القوم حتى إذا دخلوا في الغمام وقعوا سجودًا فسمعوه وهو يكلم موسى يأمره وينهاه: افعل ولا تفعل. فلما فرغ إليه من أمره انكشف عن موسى الغمام، فأقبل إليهم فقالوا لموسى: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ فأخذتهم الرجفة، وهي الصاعقة، فماتوا جميعًا، وقام موسى يناشد ربه ويدعوه ويرغب إليه، ويقول ﴿رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ﴾ قد سَفِهوا، أفتهلك من ورائي من بني إسرائيل بما يفعل السفهاء منا؟ أي: إن هذا لهم هلاك، و[¬٤] اخترت منهم سبعين [¬٥] رجلا، الخيّر فالخيّر، أرجع إليهم وليس معي منهم رجل واحد، فما الذي يصدّقوني به ويأمنوني عليه بعد هذا؟ ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيكَ﴾ فلم بزل موسى يناشد ربه ﷿ ويطلب إليه حتى ردّ إليهم أرواحهم، وطلب إليه التوبة لبني إسرائيل من عبادة العجل، فقال: لا إلا أن يقتلوا أنفسهم.\nهذا سياق محمد بن إسحاق.\nوقال إسماعيل بن عبد الرحمن السدي الكبير: لما تابت بنو إسرائيل من عبادة العجل وتاب الله عليهم بقتل [¬٦] بعضهم لبعض [¬٧]-كما أمرهم الله [¬٨] به - أمر اللهُ موسى أن يأتيه في كل أناس من بني إسرائيل، يعتذرون إليه من عبادة العجل، ووعدهم موسى، فاختار موسى قومَه سبعين رجلًا على عَينه، ثم ذهب بهم ليعتذروا، وساق البقية.\n[وهذا السياق يقتضي أن الخطاب توجه إلى بني إسرائيل، في قوله: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ والمراد: السبعون المختارون منهم، ولم يحك كثير من المفسرين سواه، وقد أغرب الرازي في تفسيره حين حكى في قصة هؤلاء السبعين: أنهم بعد إحيائهم قالوا: يا موسى؛ إنك لا تطلب من الله شيئًا إلا أعطاك فادعه أن يجعلنا أنبياء، فدعا بذلك، فأجاب الله\n_________\n[¬١]- سقط من خ.\n[¬٢]- في خ: \"وسلوه\".\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- سقط من ز.\n[¬٥]- في ت: تسعين.\n[¬٦]- في خ: \"يقتل\".\n[¬٧]- في ز: بعضًا.\n[¬٨]- سقط من ز.","vol":"1","page":405},{"text":"دعوته.\nوهذا غريب جدًّا؛ إذ لا يعرف في زمان موسى نبيٌّ سوى هارون ثم يوشع بن نون، وقد غلط أهل الكتاب أيضًا في دعواهم أن هؤلاء رأوا الله ﷿؛ فإن موسى الكليم ﵇ قد سأل ذلك فمنع منه، كيف يناله هؤلاء السبعون.\nالقول الثاني في الآية] [¬١]:\nقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في تفسير هذه الآية قال لهم موسى - لما رجع من عند ربه بالألواح قد كتب فيها التوراة فوجدهم يعبدون العجل، فأمرهم بقتل أنفسهم، ففعلوا، فتاب الله عليهم - فقال: إن هذه الألواح فيها كتاب الله؛ فيه أمركم الذي أمركم به ونهيكم الذي نهاكم عنه. فقالوا: ومن يأخذه بقولك أنت؟ لا والله حتى نرى الله جهرة، حتى يطع الله علينا ويقول [¬٢]: هذا كتابي فخذوه، فما له لا يكلمنا كما يكلمك أنت يا موسى؛ وقرأ قول الله: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ قال: فجاءت غضبة من اللَّه، فجاءتهم صاعقة بعد التوبة، فصَعَقَتهم فماتوا أجمعون، قال: ثم أحياهم الله من بعد موتهم، وقرأ قول الله ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾: فقال لهم موسى: خذوا كتاب الله. فقالوا: لا، فقال: أي شيء أصابكم؟ فقالوا [¬٣]: أصابنا أنا متنا ثم حَيِينا، قال: خذوا كتاب الله. قالوا: لا. فبعث الله ملائكة فنتقت الجبل فوقهم. [وهذا السياق يدل على أنهم كلفوا بعد ما أحيوا.\nوقد حكى الماوردي في ذلك قولين: أحدهما أنه سقط التكليف عنهم لمعاينتهم الأمر جهرة حتى صاروا مضطرين إلى التصديق.\nوالثاني: أنهم مكلفون لئلا يخلو عاقل من تكليف. قال القرطبي: وهذا هو الصحيح؛ لأن معاينتهم للأمور الفظيعة لا تمنع تكليفهم؛ لأن بني إسرائيل قد شاهدوا أمورًا عظامًا من خوارق العادات وهم في ذلك مكلفون، وهذا واضح، والله أعلم] [¬٤].\n﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٥٧)﴾\nلما ذكر تعالى ما [¬٥] دفعه عنهنم من [¬٦] النقم، شرع يذكرهم أيضًا بما أسبغ عليهم من النعم،\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في ز، خ: \"فيقول\".\n[¬٣]- في ز: قالوا.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- سقط من ز.","vol":"1","page":406},{"text":"فقال: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيكُمُ الْغَمَامَ﴾ وهو جمع غمامة، سُمي بذلك، لأنه يَغُمّ السماء أي: يواريها ويسترها. وهو السحاب الأبيض، ظُلّلوا به في التيه ليقيهم حرّ الشمس، كما رواه النسائي وغيره عن ابن عباس في حديث الفُتُون قال: ثم ظلل عليهم في التيه بالغمام.\nو[¬١] قال ابن أبي حاتم: وروي عن ابن عمر والربيع بن أنس، وأبي مِجْلَز والضحاك والسدي نحو قول ابن عباس، وقال الحسن وقتادة: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيكُمُ الْغَمَامَ﴾: كان هذا في البرية، ظلل عليهم الغمام من الشمس.\nوقال ابن جرير [¬٢]: قال آخرون: وهو غمام أبرد من هذا وأطيب.\nوقال ابن أبي حاتم (^٣٧٢): حدَّثنا أبي، حدَّثنا أبو حذيفة، حدَّثنا شبل، عن ابن أبي نَجيِح، عن مجاهد ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيكُمُ الْغَمَامَ﴾ قال: ليس بالسحاب، هو الغمام الذي يأتي الله فيه يوم القيامة، ولم يكن إلا لهم.\nوهكذا رواه ابن جرير (^٣٧٣)، عن المثنى بن إبراهيم، عن أبي حذيفة.\nوكذا رواه الثوري، وغيره، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد (^٣٧٤).\nوكأنه يريد - والله أعلم - أنه ليس من زيِّ هذا السحاب بل أحسن منه وأطيب وأبهى منظرًا، كما قال سنيد في تفسيره عن حجاج بن محمد، عن ابن جريج قال: قال ابن عباس: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيكُمُ الْغَمَامَ﴾ قال: غمام أبرد من هذا وأطيب، وهو [¬٣] الذي يأتي الله فيه في قوله ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ [¬٤]﴾ وهو الذي جاءت فهه الملائكة يوم بدر. قال ابن عباس: وكان معهم في التّيه.\nوقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا عَلَيكُمُ الْمَنَّ﴾ اختلفت عبارات المفسرين في المنّ ما هو؟ فقال علي ابن أبي طلحة: عن ابن عباس: كان المنّ ينزل عليهم على الأشجار، فيغدون إليه فيأكلون منه ما شاءوا (^٣٧٥).\n_________\n(^٣٧٢) - رواه ابن أبي حاتم برقم (٥٥٣).\n(^٣٧٣) - رواه ابن جرير برقم (٩٦٣).\n(^٣٧٤) - رواه ابن جرير برقم (٩٦٢).\n(^٣٧٥) - رواه ابن أبي حاتم برقم (٥٥٦).\n_________\n[¬١]- زيادة من ز، خ.\n[¬٢]- في ز، خ: \"جريج\".\n[¬٣]- في خ: \"وهذا\".\n[¬٤]- سقط من ز.","vol":"1","page":407},{"text":"وقال مجاهد: المنّ صمغة. وقال عكرمة: المنّ شيء أنزله الله عليهم مثل: الطل، يشبه [¬١] الرُّبّ الغليظ.\nوقال السدي: قالوا: يا موسى؛ كيف لنا بما هاهنا؟ أين الطعام؟ فأنزل الله عليهم المنّ، فكان يسقط [¬٢] على شجرة [¬٣] الزنجبيل.\nوقال قتادة: كان المنّ ينزل عليهم [¬٤] في محلتهم سُقُوط الثلج، أشد بياضًا من اللبن، وأحلى من العسل، يسقط عليهم من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، يأخذ الرجل منهم قدر ما يكفيه يومه ذلك، فإذا تعدى ذلك فسد ولم يبق حتى إذا كان يوم سادسه - ليوم [¬٥] جمعته - أخذ ما يكفيه ليوم سادسه ويوم سابعه؛ لأنه كان يوم عيد لا يشخَص فيه لأمر [¬٦] معيشته ولا يطلبه لشيء، وهذا كله في البرية.\nوقال الربيع بن أنس: المنّ شراب كان ينزل عليهم مثل العسل، فيمزجونه بالماء ثم يشربونه.\nوقال وهب بن منبه - وسئل عن المنّ - فقال: خُبز الرقاق مثل الذرة، أو مثل النَقيِّ. وقال أبو جعفر بن جرير: حدثني محمد [¬٧] بن إسحاق، حدثنا أبو أحمد، حدثنا إسرائيل، عن جابر، عن عامر - وهو الشعبي - قال: عسلكم هذا جزء من سبعين جزءًا من المنّ.\nوكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: إنه العسل. ووقع في شعر أمية بن أبي الصلت حيث قال.\nفرأى الله أنهم بِمَضِيع … لا بذي مَزْرَع ولا مَثْمُورا\nفسناها عليهمُ غاديات … وتَرى مُزْنهم خلايا وخورا\nعسلا ناطفًا وماء فراتًا … وحليبًا ذا بهجة مرمورا\nفالناطف: هو السائل، والحليب المرمور: الصافي منه.\nوالغرض أنّ عبارات المفسرين متقاربة في شرح المنّ؛ فمنهم من فسره بالطعام، ومنهم من فسره بالشراب. والظاهر - والله أعلم - أنه كل ما امتن الله به عليهم من طعام وشراب وغير ذلك، مما ليس لهم فيه عمل ولا كَدٌّ، فالمن المشهور إن أُكل وحده كان طعامًا وحلاوة، وإن مزج مع الماء صار شرابًا طيبًا، وإن ركب مع غيره صار نوعًا آخر، ولكن ليس هو المراد من الآية وحده،\n_________\n[¬١]- في ت: \"شبه\".\n[¬٢]- في خ: \"ينزل\".\n[¬٣]- في ز: الشجرة.\n[¬٤]- سقط من ز.\n[¬٥]- في خ: \"كيوم\".\n[¬٦]- في خ: \"أمر\".\n[¬٧]- في ز، خ: \"أحمد\".","vol":"1","page":408},{"text":"والدليل على ذلك قول البخاري (^٣٧٦):\nحدثنا أبو نعيم، حدثنا سفيان، عن عبد الملك بن [¬١] عمرو بن حُرَيث عن سعيد بن زيد ﵁ قال: قال النبي، ﷺ: \"الكمأة (^٣٧٧) من المنّ (^٣٧٨)، وماؤها شفاء للعين\".\nوهذا الحديث رواه الإمام أحمد، عن سفيان بن عيينة، عن عبد الملك - وهو ابن عمير - به.\nوأخرجه الجماعة (^٣٧٩) في كتبهم؛ إلا أبا داود، من طرق عن عبد الملك - وهو ابن عمير - به.\nوقال الترمذي: حسن صحيح.\nورواه البخاري ومسلم والنسائي من رواية الحكم، عن الحسن العُرَني، عن عَمرو بن حريث، به (^٣٨٠).\nوقال الترمذي (^٣٨١): حدثنا أبو عبيدة بن أبي السفر، ومحمود بن غيلان قالا حدثنا سعيد بن عامر، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"العجوة من الجنة، وفيها شفاء من السم، والكمأة من المن، وماؤها شفاء للعين\".\nتفرد بإخراجه الترمذي ثم قال: هذا حديث حسن غريب، [لا نعرفه إلا من حديث محمد\n_________\n(^٣٧٦) - صحيح البخاري، كتاب التفسير، باب: قوله ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيكُمُ الْغَمَامَ﴾ برقم (٤٤٧٨) والمسند (١/ ١٨٧).\n(^٣٧٧) - الكَمْأَة جمع: كمأ، وهو فُطُرٌ من الفصيلة الكمئية، وهي أرضيَّة تنتفخ حاملاتٍ أبواغها فتُجْنَى وتؤكل مطبوخة، ويختلف حجمها بحسب الأنواع. المعجم الوسيط [٢/ ٨٢٩]\n(^٣٧٨) - المَنّ؛ أي: هي مِمَّا مَنَّ الله به على عباده. وقيل: شبهها بالمَنَّ، وهو العسل الحُلْوُ الذي ينزل من السماء عَفْوًا بلا عِلاجٍ. وكذلك الكمأة لا مؤونة فيها ببَذْرٍ ولا سَقْي. نهاية [٤/ ٣٦٦].\n(^٣٧٩) - صحيح البخاري، كتاب التفسير، سورة الأعراف، باب: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا﴾ برقم (٤٦٣٩)، ومسلم في الأشربة برقم (٢٠٤٩)، والترمذي في الطب، باب: ما جاء في الكمأة والعجوة برقم (٢٠٦٧)، والنسائي في الكبرى برقم (٦٦٦٧).\n(^٣٨٠) - صحيح البخاري، كتاب الطب، باب: المن شفاء للعين برقم (٥٧٠٨)، ومسلم في الأشربة برقم (٢٠٤٩)، والنسائي في الكبرى برقم (١٠٩٨٨).\n(^٣٨١) - الترمذي في الطب، باب: ما جاء في الكمأة والعجوة برقم (٢٠٦٦).\n_________\n[¬١]- في ز: عن.","vol":"1","page":409},{"text":"ابن عمرو، وإلا من حديث سعيد بن عامر، عنه،] [¬١] وفي الباب عن سعيد بن زيد وأبي سعيد وجابر.\nكذا قال. وقد رواه الحافظ أبو بكر بن مَرْدُويه في تفسيره (^٣٨٢)، من طريق آخر، عن أبي هريرة، فقال: حدَّثنا أحمد بن الحسن بن أحمد البصري، حدَّثنا أسلم بن سهل، حدَّثنا القاسم بن عيسى، حدَّثنا طلحة بن عبد الرحمن، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"الكمأة من المن، وماؤها شفاء للعين\".\nوهذا حديث غريب من هذا الوجه، وطلحة بن عبد الرحمن هذا [السلمي الواسطى] [¬٢]، يكنى: بأبى محمد، وقيل: أبو سليمان المؤدب. قال فيه الحافظ أبو أحمد بن عدي: روى عن قتادة أشياء لا يتابع عليها (^٣٨٣).\nثم قال الترمذي [¬٣]: حدَّثنا محمد بن بشار، حدَّثنا معاذ بن هشام، حدَّثنا أبي، عن قتادة، عن شهر بن حوشب، عن أبي هريرة أن ناسًا من أصحاب النبي ﷺ قالوا: الكمأة جُدَري الأرض، فقال نبي الله ﷺ: \"الكمأة من المن وماؤها شفاء للعين، والعجوة من الجنة وهي شفاء من السم\".\nوهذا الحديث قد رواه النسائي عن محمد بن بشار، به (^٣٨٤).\nوعنه، عن غندر، عن شعبة، عن أبي بشر جعفر بن إياس، عن شهر بن حوشب، عن أبي هريرة، به (^٣٨٥).\nوعن محمد بن بشار، عن عبد الأعلى، عن خالد الحذاء، عن شهر بن حوشب. بقصة الكمأة فقط (^٣٨٦).\n_________\n(^٣٨٢) - إسناده ضعيف جدًّا، لضعف طلحة بن عبد الرحمن، وانظر الكامل (٤/ ١٤٣٢ - ١٤٣٣).\n(^٣٨٣) - الكامل لابن عدي (٤/ ١١٤).\n(^٣٨٤) - رواه الترمذي برقم (٢٠٦٨) والنسائي في الكبرى برقم (٦٦٧١) عن نصير بن الفرج، عن معاذ بن هشام، به، ولم أقف عليه، عن محمد بن بشار، وقد ذكره المزى، عن محمد بن بشار في تحفة الأشراف (١٠/ ١١٢). وإسناده ضعيف لضعف شهر.\n(^٣٨٥) - سنن النسائي الكبرى برقم (٦٦٧٣). وإسناده ضعيف لضعف شهر.\n(^٣٨٦) - سنن النسائي الكبرى برقم (٦٦٧٢). وإسناده ضعيف لضعف شهر.\n_________\n[¬١]- وعبارة الترمذي هكذا: من هذا الوجه، وهو من حديث محمد بن عمرو، ولا نعرفه إلا من حديث سعيد بن عامر عن محمد بن عمرو.\n[¬٢]- في ز: يسلمي واسطي\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.","vol":"1","page":410},{"text":"وروى [¬١] النسائي أيضًا وابن ماجة [¬٢] [من حديث] [¬٣] محمد بن بشار، عن أبي عبد الصمد عبد العزيز بن عبد الصمد، عن مطر الوراق، عن شهر بقصة العجوة عند النسائي، وبالقصتين عند ابن ماجة (^٣٨٧).\nوهذه الطريق منقطعة بين شهر بن حوشب وأبي هريرة؛ فإنه لم يسمع [¬٤] منه، بدليل ما رواه النسائي في الوليمة من سننه عن علي بن الحسين الدرهمي، عن عبد الاعلى، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، في شهر بن حوشب، عن عبد الرحمن بن غنم، عن أبي هريرة قال: خرج رسول الله ﷺ وهم يذكرون الكمأة، وبعضهم يقول: جدري الأرض. فقال: \"الكمأة من المن، وماؤها شفاء للعين\" (^٣٨٨).\nوروي، عن شهر [بن حوشب] [¬٥]، عن أبي سعيد وجابر، كما قال الإمام أحمد (^٣٨٩):\nحدَّثنا أسباط بن محمد، حدَّثنا الأعمش، عن جعفر بن إياس، عن شهر بن حوشب، عن جابر بن عبد اللَّه، وأبي سعيد الخدري قالا: قال رسول الله ﷺ: \"الكمأة من المن، وماؤها شفاء للعين، والعجوة من الجنة وهي شفاء من السم\".\nوقال النسائي في الوليمة أيضًا: حدَّثنا محمد بن بشار، حدَّثنا محمد بن جعفر، حدَّثنا شعبة،\n_________\n(^٣٨٧) - سنن ابن ماجة في باب الطب، باب: الكمأة والعجوة برقم (٣٤٥٥).\n(^٣٨٨) - سنن النسائي الكبرى برقم (٦٦٧٠).\n(^٣٨٩) - المسند (٣/ ٤٨) وإسناده ضعيف من أجل شهر بن حوشب. وأسباط بن محمد هو ابن عبد الرحمن بن خالد بن ميسرة أبو محمد الكوفي، قال ابن معين: ثقة، وقال مرة: ليس به بأس، وكان يخطيء عن سفيان، وقال النسائي: ليس به بأس، وقال أبو حاتم: صالح، وقال ابن سعد: كان ثقة صدوقًا؛ إلا أن فيه بعض الضعف، وفي التقريب: ثقة ضُعِّف في الثوري من التاسعة. ع.\nوأخرجه ابن ماجه- كتاب الطب، باب: الكمأة والعجوة (٣٤٥٣) حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير، ثنا أسباط بن محمد، به.\nوأخرجه النسائي في الكبرى - كتاب الأطعمة، باب: الاختلاف علي أبي بشر (٦٦٧٤) (٤/ ١٥٧).\nمن طريق أبي خيثمة، قال: ثنا الأعمش، به - مختصرًا.\nوأخرجه ابن ماجه، والنسائي (٦٦٧٧). من طريقين عن الأعمش، عن جعفر بن إياس، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد، بنحوه. وقال البوصيري في الزوائد: إسناده حسن، وشهر مختلف فيه، لكن قيل: الصواب عن أبي هريرة كما في رواية غير المصنف.\n_________\n[¬١]- في خ: ورواه.\n[¬٢]- في ز، خ: \"عن\".\n[¬٣]- سقط من: خ.\n[¬٤]- في ز: يسمعه.\n[¬٥]- سقط من ز.","vol":"1","page":411},{"text":"[عن أبي بشر جعفر بن إياس، عن شهر بن حوشب، عن أبي سعيد وجابر ﵄ أن رسول الله ﵌ قال: \"الكمأة من المن، وماؤها شفاء للعين\" (^٣٩٠).\nثم رواه أيضًا [] [¬١] ابن ماجة من طرق عن الأعمش] [¬٢] عن أبي بشر، عن شهر عنهما، به (^٣٩١).\nوقد رويا [¬٣]-أعني النسائي وابن ماجة من حديث سعيد بن مسلم كلاهما عن الأعمش، عن جعفر بن إياس، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد. زاد النسائي جابر [¬٤]، عن النبي ﷺ قال: \"الكمأة من المن، وماؤها شفاء للعين\" (^٣٩٢).\nورواه ابن مردويه، عن أحمد بن عثمان، عن عباس الدوري، عن لاحق بن صواب، عن عمار بن رُزَيق، عن الأعمش، كابن ماجة.\nوقال ابن مَرْدُويه أيضًا حدَّثنا أحمد بن عثمان، حدثنا عباس الدوري، حدثنا الحسن بن الربيع، حدثنا أبو الأحوص، عن الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أبي سعيد الخدري؛ قال: خرج علينا رسول الله ﷺ وفي يده كمآت [¬٥]\n_________\n= لكن للحديث إسناد آخر عن أبي سعيد مرفوعًا -بلفظ مختصر-.\nأخرجه النسائي (٦٦٧٨) (٤/ ١٥٨)، وابن أبي شيبة في المصنف- كتاب الطب، باب: في الكمأة (٢) (٥/ ٤٦٢)، وأبو يعلى في مسنده (١٣٤٨) (٢/ ٥٠١)، وعنه ابن حبان في صحيحه (٦٠٧٤) (١٣/ ٤٣٨): وفي الموارد (١٤٠٢) (٤/ ٣٨٢ - ٣٨٣). من طريق شيبان، عن الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أبي سعيد الخدري؛ قال: خرج علينا رسول الله ﷺ وفي يده أَكمُؤٌ فقال \"هؤلاء من المن، وماؤها شفاء للعين\". وهذا إسناد صحيح على شرط البخاري.\nوفي الباب عن سعيد بن زيد عند البخاري في التفسير، باب: \"وظللنا عليكم الغمام\" (٤٤٧٨).\nومسلم في الأشربة، باب: فضل الكمأة ومداواة العين بها (٢٠٤٩)، والترمذي في الطب، باب: ما جاء في الكمأة والعجوة (٢٠٦٨)، وابن ماجه (٣٤٥٤)، وتقدم (١/ ١٨٧، ١٨٨).\n(^٣٩٠) - لم أقف عليه في المطبوع من سنن النسائي الكبرى، وعزاه المزي له في التحفة (٢/ ١٨٩).\n(^٣٩١) - أخرجه ابن ماجه - كتاب الطب، باب: الكمأة والعجوة (٣٤٥٣) حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير، ثنا أسباط بن محمد، به.\n(^٣٩٢) - سنن النسائي الكبرى برقم (٦٦٧٦ - ٦٦٧٧)، وسنن ابن ماجة برقم (٣٤٥٣) لكن وقع في سنن النسائي عن جرير عن الأعمش، والله أعلم.\n_________\n[¬١]- في ز: [و].\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٣]- في ز، خ: \"روياه\".\n[¬٤]- في ز: وجابر.\n[¬٥]- في خ: \"كموات\".","vol":"1","page":412},{"text":"فقال: \"الكمأة من المن وماؤها شفاء للعين\".\nوأخرجه النسائي، عن عمرو بن منصور، عن الحسن بن الربيع، به (^٣٩٣)\nثم [¬١] رواه أيضًا، عن عبد الله بن إسحاق، عن الحسن بن سلام، عن عبيد الله بن موسى، عن شيبان [¬٢]، عن الأعمش، به.\nوكذا رواه النسائي (^٣٩٤)، عن أحمد بن عثمان بن حكيم، عن عبيد الله بن موسى [¬٣].\nوقد روي من حديث أنس بن مالك ﵁ كما قال ابن مردويه.\nحدثنا محمد بن عبد الله بن إبراهيم، حدثنا حمدون بن أحمد، حدثنا حوثرة بن أشرس، حدثنا حماد، عن شعيب بن الحبحاب عن أنس أن أصحاب رسول الله ﷺ تدارءوا [¬٤] في الشجرة التي اجتثت من فوق الأرض مالها من قرار، فقال بعضهم: نحسبه [¬٥] الكمأة. فقال رسول الله ﷺ: \"الكمأة من المن، وماؤها شفاء للعين، والعجوة من الجنة، وفيها شفاء من السم\" (^٣٩٥).\nوهذا الحديث محفوظ أصله من رواية حماد بن سلمة. وقد روى الترمذي والنسائي (^٣٩٦) من طريقه شيئًا من هذا، والله أعلم.\nوروي عن شهر، عن ابن عباس، كما رواه النسائي أيضًا في الوليمة عن أبي بكر أحمد بن علي بن سعيد، عن عبد الله بن عون الخراز [¬٦]، عن أبي عبيدة الحداد، عن عبد الجليل بن عطية، عن شهر، عن عبد الله بن عباس [عن النبي] [¬٧]، ﷺ قال: \"الكمأة من المن، وماؤها شفاء للعين\" (^٣٩٧).\n_________\n(^٣٩٣) - لم أقف عليه في المطبوع من سنن النسائي الكبرى، وقد أورده المزي في تحفة الأشراف (٣/ ٣٨٨ حديث ٤١٣١) وعزاه للنسائى في الكبرى، كتاب التفسير.\n(^٣٩٤) - سنن النسائي الكبرى برقم (٦٦٧٨).\n(^٣٩٥) - ورواه ابن عدي في الكامل (٢/ ٣٧٠) من طريق حسان بن سياه، عن ثابت، عن أنس بنحوه. وقال ابن عدي: وحسان بن سياه له أحاديث غير ما ذكرت، وعامتها لا يتابعه غيره عليها، والضعف يتبين على رواياته، وأحاديثه.\n(^٣٩٦) - رواه الترمذي برقم (٣١١٩)، والنسائي في الكبرى برقم (١١٢٦٢).\n(^٣٩٧) - سنن النسائي الكبرى برقم (٦٦٦٩)، ورواه الطبراني (١٢/ ١٣٠١٠)، وسنده ضعيف =\n_________\n[¬١]- في ت: ابن مردويه.\n[¬٢]- في خ: \"سفيان\".\n[¬٣]- سقط من: خ.\n[¬٤]- في ز، خ: \"تداروا\".\n[¬٥]- في خ: \"هي\".\n[¬٦]- في ز، خ: \"الجزار\".\n[¬٧]- في خ: \"أن رسول الله\".","vol":"1","page":413},{"text":"فقد اختلف -كما ترى- فيه على شهر بن حوشب، ويحتمل عندي أنه حفظه ورواه من هذه الطرق كلها، وقد سمعه من بعض الصحابة وبلغه عن بعضهم؛ فإن الأسانيد إليه جيدة، وهو لا يتعمد الكذب، وأصل الحديث محفوظ عن رسول الله ﷺ كما تقدم من رواية سعيد بن زيد [﵁] [¬١].\nوأما السلوى فقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس السلوى طائر شبيه [¬٢] بالسُّمَانَى، كانوا يأكلون منه (^٣٩٨).\nوقال السدي في خَبر ذكره، عن أبي مالك، وعن أبي صالح عن ابن عباس - وعن مُرّة، عن ابن مسعود، وعن ناس [¬٣] من الصحابة: السلوى: طائر يشبه السُّمَانى (^٣٩٩).\nوقال ابن أبي حاتم (^٤٠٠): حدَّثنا الحسن بن محمد بن الصباح، حدَّثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، حدثنا قرة بن خالد، عن جهضم، عن ابن عباس قال: السلوى: هو السُّمَانى.\nوكذا قال مجاهد والشعبي والضحاك والحسن، وعكرمة والربيع بن أنس، رحمهم الله تعالى [¬٤]، وعن عكرمة: أمّا السلوى فَطَير كطير يكون بالجنة، أكبر من العصفور، أو نحو ذلك.\nوقال قتادة: السلوى كان [¬٥] من طير إلى الحمرة، تحشُرها [¬٦] عليهم الريحُ الجنوبُ، وكان الرجل يذبح منها قدر ما يكفيه يومه ذلك، فإذا تعدّى فسد ولم يبق عنده، حتى إذا كان يوم سادسه ليوم جمعته أخذ ما يكفيه ليوم سادسه ويوم سابعه؛ لأنه كان يوم عبادة لا يشخص فيه [¬٧] لشيء ولا يطلبه.\nوقال وهب بن منبه: السلوى: طير سمين مثل الحمام، كان يأتيهم فيأخذون منه من سبت إلى سبت. وفي رواية عن وهب، قال: سألتْ بنو إسرائيل موسى ﵇ اللحم، فقال الله: لأطعمنهم من أقل لحم يعلم في الأرض، فأرسل عليهم ريحًا، فأذرت عند مساكنهم\n_________\n= لضعف عبد الجليل بن عطية، وثقه ابن معين، ولينه البخاري، وقال أبو أحمد الحاكم: حديثه ليس بالقائم.\n(^٣٩٨) - ابن أبي حاتم برقم (٥٦٤).\n(^٣٩٩) - ابن جرير برقم (٩٧٩).\n(^٤٠٠) - تفسير ابن أبي حاتم برقم (٥٦٣).\n_________\n[¬١]- سقط من: \"خ\".\n[¬٢]- في ت: \"يشبه\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"أناس\".\n[¬٤]- سقط من: خ.\n[¬٥]- سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- في ز: يحشرها.\n[¬٧]- في ز، خ: \"منه\".","vol":"1","page":414},{"text":"السلوى، وهو السمانى [¬١]، مثل ميل في ميل قيدَ رمح في [¬٢] السماء، فخبؤا [¬٣] للغد [¬٤] فنتن اللحم وخَنِز الخبز.\nوقال السدي: لما دخل بنو إسرائيل التيه، قالوا لموسى ﵇: كيف لنا بما هاهنا؟ أين الطعام؟ فأنزل الله عليهم المنّ، فكان ينزل [¬٥] على شجر [¬٦] الزنجبيل، والسلوى وهو طائر يشبه السمانى أكبر منه، فكان يأتي أحدهم فينظر إلى الطير، فإن كان سمينًا ذبحه وإلا أرسله، فإذا سمن أتاه، فقالوا: هذا الطعام، فأين الشراب؟ فأُمِر موسى فضرب بعصاه الحجر، فانفجرت منه اثنتا [¬٧] عشرة عينًا، فشرب كل سِبط من عين، فقالوا: هذا الشراب، فأين الظل؟ فَظَلَّلَ عليهم الغمام، فقالوا: هذا الظل، فأين اللباس؟ فكانت ثيابهم تطول [¬٨] معهم كما تطول الصبيان، ولا يَنخرق لهم ثوب فذلك قوله تعالى: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيكُمُ [¬٩] الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيكُمُ [¬١٠] الْمَنَّ وَالسَّلْوَى﴾، وقوله: ﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا [¬١١] عَشْرَةَ عَينًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ [كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ] [¬١٢]﴾.\nوروي عن وهب بن منبه، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم نحو ما قاله السدى.\nوقال سنيد: عن حجاج، عن ابن جريج قال: قال ابن عباس: خُلق لهم في التيه ثياب لا تخرق ولا تدرن، قال ابن جريج: فكان [¬١٣] الرجل إذا أخذ من المن والسلوى فوق طعام يوم فسد، إلا أنهم كانوا يأخذون في يوم الجمعة طعام يوم السبت فلا يصبح فاسدًا.\n[قال ابن عطية (^٤٠١): السلوى طير بإجماع المفسرين، وقد غلط الهذلي في قوله: إنه العسل، وأنشد في ذلك مستشهدًا.\nوقاسمها باللَّه جهدًا لأنتم … ألذ من السلوى إذا ما أشورها\nقال: فظنّ أن للسلوى عسلًا. قال القرطبي: دعوى الإجماع لا يصح؛ لأن المؤرج أحد علماء اللغة والتفسير قال: إنه العسل، واستدل ببيت الهذلي هذا، وذكر أنه كذلك في لغة كنانة؛\n_________\n(^٤٠١) - المحرر الوجيز لابن عطية (١/ ٢٢٩).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"السمان\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"إلى\".\n[¬٣]- سقط من ز.\n[¬٤]- في ز: للعيد.\n[¬٥]- في ز: يسقط.\n[¬٦]- في ز: الشجر.\n[¬٧]- في ز، خ: \"اثنتى\".\n[¬٨]- في ز: يطول.\n[¬٩]- في ز: عليهم.\n[¬١٠]- في ز: عليهم.\n[¬١١]- في ز، خ: \"اثنتى\".\n[¬١٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬١٣]- في ز: وكان.","vol":"1","page":415},{"text":"لأنه يسلى به ومنه عين سلوان.\nوقال الجوهري: السلوى: العسل، واستشهد ببيت الهذلي أيضًا. والسلوانة بالضم: خرزة كانوا يقولون إذا صب عليها ماء المطر فشربها العاشق سلا، قال الشاعر:\nشربتُ على سُلوانةٍ ماءَ مُزْنةٍ … فلا وجديدِ العيش يامَيُّ ما أسلو\nواسم ذلك الماء: السلوان، وقال بعضهم: السلوان دواء يشفي الحزين فيسلوا، والأطباء يسمونه مفرج. قالوا: والسلوى جمع بلفظ الواحد أيضًا، كما يقال سمانى للمفرد والجمع، وويلي كذلك.\nوقال الخليل: واحده سلواة وأنشد:\nوإني لتعروني لذكراك هِزَّةٌ … كما انتفض السَّلواة من بَلَلِ القطر\nوقال الكسائى: السلوى واحدة وجمعه سلاوى. نقله كله القرطبي (^٤٠٢)] [¬١].\nوقوله تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ أمر إباحة وإرشاد وامتنان، وقوله تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾، أي: أمرناهم بالأكل مما رزقناهم وأن يعبدوا، كما قال ﴿كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ﴾ فخالفوا وكفروا فظلموا أنفسهم، هذا مع ما شاهدوه من الآيات البينات، والمعجزات القاطعات، وخوارق العادات؛ ومن هاهنا تتبين فضيلة أصحاب محمد [ﷺ] ورضي عنهم على سائر أصحاب الأنبياء، في صبرهم وثباتهم وعدم تعنتهم، [مع ما] [¬٢] كانوا معه في أسفاره وغزواته؛ منها عام تبوك، في ذلك القيظ والحرّ الشديد والجهد، لم يسألوا خرق عادة، ولا إيجادَ أمر، مع أن ذلك كان سهلًا على النبي [¬٣] ﷺ، ولكن لما أجهدهم الجوع سألوه في تكثير طعامهم، فجمعوا ما معهم فجاء قدر مَبْرك الشاة، فدعا الله [¬٤] فيه، وأمرهم فملئوا كل وعاء معهم، وكذا لما احتاجوا إلى الماء سأل الله تعالى فجاءتهم [¬٥] سحابة فأمطرتهم، فشربوا وسقوا الإبل وملئوا سقيتهم [¬٦]، ثم نظروا فإذا هي لم تجاوز العسكر. فهذا هو الأكمل في الاتباع [¬٧]: المشي مع قدر الله، مع متابعة الرسول ﷺ.\n﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ\n_________\n(^٤٠٢) - تفسير القرطبي (١/ ٤٠٨).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في ز، خ: \"كما\".\n[¬٣]- في خ: \"الرسول\".\n[¬٤]- سقط من ز.\n[¬٥]- في خ: \"فجاءت\".\n[¬٦]- في ز، خ: \"أسقيتهم\".\n[¬٧]- في ت: اتباع.","vol":"1","page":416},{"text":"سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (٥٨) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (٥٩)\nيقول تعالى لائمًا لهم على نكولهم عن الجهاد، ودخول الأرض المقدّسة، لما قدموا من بلاد مصر صحبة موسى ﵇ فأمروا بدخول الأرض المقدّسة التي هي ميراث لهم عن أبيهم إسرائيل، وقتال من فيها من العماليق الكفرة، فنكلوا عن قتالهم وضعفوا واستحسروا، فرماهم الله تعالى في التيه عقوبة لهم، كما ذكره تعالى في سورة المائدة، ولهذا [¬١] كان أصح القولين أن هذه البلدة هي بيت المقدس، كما نص على ذلك السديُّ والرَّبيعُ بن أنسٍ وقتادةُ، [وأبو مسلم الأصفهانيُّ وغير واحد. وقد قال اللَّه تعالى حاكيًا عن موسى: ﴿يَاقَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا﴾. الآيات] [¬٢]. وقال آخرون: هي أريحا، [ويحكى عن ابن عباس، وعبد الرحمن ابن زيد] [¬٣]، وهذا بعيد؛ لأنها ليست على طريقهم، وهم قاصدون بيت المقدس، لا أريحا، [وأبعد من ذلك قول من ذهب إلى أنها مصر، حكاه الرازي في تفسيره، والصحيح الأول أنها بيت المقدس] [¬٤]، [وهذا كان لما] [¬٥] خرجوا من التيه بعد أربعين سنة مع يوشع بن نون ﵇ وفتحها الله عليهم عشية جمعة، وقد حبست لهم الشمس يومئذ قليلًا حتى أمكن الفتح، وأما أريحا فقرية ليست مقصودة لبني إسرائيل، ولما فتحوها أمروا أن يدخلوا الباب باب البلد ﴿سُجَّدًا﴾ أي شكرًا للَّه تعالى على ما أنعم به عليهم من الفتح والنصر، وردّ بلدهم إليهم وإنقاذهم من التيه والضلال.\n[قال العوفي في تفسيره عن ابن عباس (^٤٠٣) أنه كان يقول في قوله تعالى: ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ أي ركعًا] [¬٦].\nوقال ابن جرير: حدَّثنا محمد بن بشار، حدَّثنا أبو أحمد الزبيري، حدَّثنا سفيان، عن الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ قال: ركعًا من باب صغير.\n_________\n(^٤٠٣) - رواه ابن جرير برقم (١٠٠٦)، وسنده ضعيف جدًّا.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"وهذا\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- في ز، خ: \"ولهذا خرجوا\".\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"1","page":417},{"text":"ورواه الحاكم من حديث سفيان، به. ورواه ابن أبي حاتم من حديث سفيان -وهو الثوري- به (^٤٠٤). وزاد: فدخلوا من قبل أستاههم.\n[وقال الحسن البصري: أمروا أن يسجدوا على وجوههم حال دخولهم، واستبعده الرازي وحكى عن بعضهم أن المراد هاهنا في السجود الخضوع لتعذر حمله على حقيقته] [¬١] وقال خصيف: قال عكرمة: قال ابن عباس: كان الباب قِبَل القِبلة.\nوقال [ابن عباس] [¬٢] ومجاهد والسدي وقتادة [¬٣] والضحاك: هو باب الحطة من باب إيلياء بيت المقدس.\n[وحكى الرازي عن بعضهم أنه عنى بالباب جهة من جهات القبلة] [¬٤]\nوقال خصيف: قال عكرمة: قال ابن عباس: فدخلوا على شق (^٤٠٥).\nوقال السدي: عن أبي سعيد الأزدي، عن أبي الكنود (^٤٠٦)، عن عبد الله بن مسعود قيل لهم ادخلوا الباب سجدًا، فدخلوا مقنعي رؤوسهم أي: رافعي رؤوسهم خلاف ما أمروا.\nوقوله [تعالى: ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ قال الثوري: عن الأعمش، عن المنهال، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾] [¬٥] قال: مغفرة، استغفروا.\nوروي عن عطاء والحسن وقتادة والرييع بن أنس، نحوه.\nوقال الضحاك عن ابن عباس: ﴿وَقُولُوا [¬٦] حِطَّةٌ﴾ قال: قولوا: هذا الأمر حق، كما قيل لكم (^٤٠٧).\nوقال عكرمة: قال [¬٧]: قولوا: لا إله إلا الله.\n_________\n(^٤٠٤) - تفسير ابن جرير ١٠٢٤ - (٢/ ١١٣)، والمستدرك (٢/ ٢٦٢)، وتفسير ابن أبي حاتم ٥٨٠ - (١/ ١٨٢). وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. قلت: المنهال من رجال البخاري دون مسلم.\n(^٤٠٥) - رواه ابن أبي حاتم برقم (٥٨١).\n(^٤٠٦) - ابن أبي حاتم برقم (٥٨٣) بسندٍ ضعيف.\n(^٤٠٧) - ابن جرير برقم (١٠١٧)، وابن أبي حاتم برقم (٥٨٥)، وإسناده ضعيف.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- في ز، خ: \"وقوله:\".\n[¬٧]- زيادة من: خ.","vol":"1","page":418},{"text":"وقال الأوزاعي: كتب ابن عباس إلى رجل قد سماه يسأله عن قوله تعالى: ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ فكتب إليه أن أقرّوا بالذنب.\nوقال الحسن وقتادة: أي احطط عنا خطايانا ﴿نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾ وقال [¬١]: هذا جواب الأمر، أي: إذا فعلتم ما أمرناكم؛ غفرنا لكم الخطيئات وضعفنا لكم الحسنات.\nوحاصل الأمر: أنهم أمروا أن يخضعوا لله تعالى عند الفتح بالفعل والقول، وأن يعترفوا بذنوبهم ويستغفروا منها، والشكر على النعمة عندها، والمبادرة إلى ذلك من [¬٢] المحبوب [عند الله] [¬٣] تعالى، كما قال تعالى ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾. فسره بعض الصحابة بكثرة الذكر والاستغفار عند الفتح والنصر، وفسره ابن عباس: بأنه نُعي إلى رسول الله ﷺ أجله فيها، وأقرّه على ذلك عمر ﵁.\nولا منافاة بين أن يكون قد أمر بذلك عند ذلك ونعي إليه روحه الكريمة أيضًا، ولهذا كان ﵊ يظهر عليه الخضوع جدًّا عند النصر، كما روي أنه كان يوم الفتح -فتح مكة- داخلًا إليها من الثنية العليا، وإنه لخاضع لربه حتى أن عثنونه ليمس مورك رحله، [شكرًا للَّه] [¬٤] على ذلك.\nثم لما دخل البلد اغتسل وصلَّى ثماني ركعات وذلك ضحىً، وقال [¬٥] بعضهم: هي صلاة الضحى. وقال آخرون: بل هي صلاة الفتح؛ فاستحبوا للإمام وللأمير [¬٦] إذا فتح بلدًا أن يصلي فيه ثماني ركعات عند أول دخوله، كما فعل سعد بن أبي وقاص ﵁ لما دخل إيوان كسرى صلى فيه ثماني ركعات، والصحيح [¬٧] أنه يفصل بين كل ركعتين بتسليم، وقيل يصليها كلها بتسليم واحد، والله أعلم.\nوقوله تعالى: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾.\nقال البخاري (^٤٠٨): حدّثني محمد، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن ابن المبارك، عن\n_________\n(^٤٠٨) - صحيح البخاري، كتاب التفسير، سورة البقرة، باب: ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ …﴾ برقم (٤٤٧٩). ورواه النسائي في الكبرى برقم (١٠٩٨٩)، وبرقم (١٠٩٩٠).\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في ز: عن.\n[¬٣]- في ز، خ: \"لله\".\n[¬٤]- يشكر الله.\n[¬٥]- في ز، خ: \"فقال\".\n[¬٦]- في ز: الأمير.\n[¬٧]- سقط من ز.","vol":"1","page":419},{"text":"معمر، عن همام بن منبه، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ، قال \"قيل لبني إسرائيل ﴿وادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ [البقرة: ٥٨] فدخلوا يزحفون على أستاههم، فبدلوا وقالوا: حطة حبة في شعره\".\nورواه النسائي: عن محمد بن إسماعيل بن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن مهدي، به موقوفًا. وعن محمد بن عبيد بن محمد، عن ابن المبارك ببعضه مسندًا في قوله تعالى: ﴿حِطَّةٌ﴾ قال: فبدلوا [¬١]، فقالوا: حبة.\nوقال عبد الرزاق: أنبأنا معمر، عن همام بن منبه، أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ: \"قال الله لبني إسرائيل ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ﴾ [البقرة: ٥٨] فبدلوا، ودخلوا [¬٢] الباب يزحفون على أستاههم فقالوا: حبة في شعرة\".\nوهذا حديث صحيح رواه البخاري، عن إسحاق بن نصر، ومسلم عن محمد بن رافع، والترمذي، عن عبد [الرحمن] [¬٣] بن حميد، كلهم عن عبد الرزاق، به (^٤٠٩).\nوقال الترمذي حسن صحيح.\nوقال محمد بن إسحاق: كان تبديلهم، كما حدثني صالح بن كيسان، عن صالح مولى التوأمة [¬٤]، عن أبي هريرة، وعمن لا أتهم عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ قال: \"دخلوا الباب -الذي أمروا أن يدخلوا فيه سجدًا- يزحفون على أستاههم، وهم يقولون: حنطة في شعيرة\" (^٤١٠).\nوقال أبو داود (^٤١١): حدثنا أحمد بن صالح، حدثنا سليمان بن داود، حدثنا عبد الله بن وهب، حدثنا هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري، ﵁، عن النبي ﷺ: \"قال الله لبني إسرائيل: ادخلوا الباب سجدًا\n_________\n(^٤٠٩) - صحيح البخاري، كتاب التفسير، سورة الأعراف، باب: قوله: ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ برقم (٤٦٤١)، ومسلم في التفسير برقم ١ - (٣٠١٥)، والترمذي في التفسير، تفسير سورة البقرة برقم (٢٩٥٦).\n(^٤١٠) - صالح: ضعيف واختلط، والحديث رواه ابن جرير في تفسيره ١٠٢٠ - (٢/ ١١٢)، و١٠٢١ - (٢/ ١١٢) عن محمد بن إسحاق، قال: حدثت عن محمد بن أبي محمد، عن سعيد أو عكرمة، عن ابن عباس فذكره.\n(^٤١١) - رواه أبو داود في الحروف والقراءات برقم (٤٠٠٦) وسنده حسن.\n_________\n[¬١]- في ز: بدلوا.\n[¬٢]- في خ: \"فدخلوا\".\n[¬٣]-.\n[¬٤]- في خ: \"التومة\".","vol":"1","page":420},{"text":"وقولوا: حطة نغفر لكم خطاياكم\". ثم قال أبو داود: حدَّثنا جعفر بن مسافر، حدَّثنا ابن أبي فديك، عن هشام بن سعد بمثله [¬١].\nهكذا رواه منفردًا به في كتاب الحروف مختصرًا.\nوقال ابن مردويه: حدَّثنا عبد الله بن جعفر، حدَّثنا إبراهيم بن مهدي [¬٢]، حدثنا أحمد بن محمد بن المنذر القزاز، حدَّثنا محمد بن إسماعيل بن أبي [¬٣] فديك، عن [¬٤] هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري، قال: سرنا مع رسول الله- ﷺ حتى إذا كان من آخر الليل، أجزنا في ثنية [¬٥] يقال لها: ذات الحنظل، فقال رسول الله ﷺ: \"ما مثل هذه الثنية الليلة إلا كمثل الباب الذي قال الله لبني إسرائيل: ادخلوا الباب سجدًا وقولوا: حطة نغفر لكم خطاياكم\" (^٤١٢).\nوقال سفيان الثوري: عن أبي إسحاق، عن البراء: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٢] قال: اليهود، قيل لهم: ادخلوا الباب سجدًا. قال: ركعًا، وقولوا حطة، أي [¬٦]: مغفرة، فدخلوا على أستاههم، وجعلوا يقولون: حنطة حمراء فيها شعيرة، فذلك قول الله تعالى: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ [البقرة: ٥٩].\nوقال الثوري (^٤١٣): عن السدّي، عن أبي سعد [¬٧] الأزدي، عن أبي الكنود، عن ابن مسعود: وقولوا: حطة فقالوا: حنطة حبة حمراء فيها شعيرة؛ فأنزل الله: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ [البقرة: ٥٩].\nوقال أسباط (^٤١٤): عن السدّي، عن مرَّة، عن ابن مسعود أنه قال: إنهم قالوا: هُطِّي سمعاتا [¬٨] أزبة [¬٩] مزبا [¬١٠]، فهي بالعربية: حبة [¬١١] حنطة حمراء مثقوبة [¬١٢] فيها شعرة\n_________\n(^٤١٢) - ورواه البزار في مسنده برقم (١٨١٢) عن إسحاق بن بهلول، عن محمد بن إسماعيل بن أبي فديك به، نحوه، وقال الهيثمي في المجمع (٦/ ١٤٤): \"رجاله ثقات\".\n(^٤١٣) - رواه ابن جرير برقم (١٠٢٣)، وابن أبي حاتم برقم (٥٩٢).\n(^٤١٤) - رواه ابن جرير برقم (١٠٩٢)، وابن أبي حاتم برقم (٥٩٣).\n_________\n[¬١]- في ز: مثله.\n[¬٢]- في ز: فهد.\n[¬٣]- سخط من ز.\n[¬٤]- في ز: ثنا.\n[¬٥]- في ز: سرية.\n[¬٦]- سقط من: ز، خ.\n[¬٧]- في ز: سعيد.\n[¬٨]- في خ: \"سمعاثا\".\n[¬٩]- في خ: \"أزبه\".\n[¬١٠]- في ز، خ: \"مربا\".\n[¬١١]- في ز: حبط.\n[¬١٢]- في ز: مستوبة.","vol":"1","page":421},{"text":"سوداء، فذلك قوله تعالى: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ [البقرة: ٥٩].\nوقال الثوري (^٤١٥): عن الأعمش، عن المنهال، عن سعيد، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ قال [¬١] ركعًا من باب صغير، فدخلوا [¬٢] من قبل أستاههم، وقالوا حنطة، فذلك [¬٣] قوله تعالى: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ [البقرة: ٥٩].\nوهكذا روي عن عطاء ومجاهد، وعكرمة والضحاك، والحسن وقتادة، والربيع بن أنس ويحيى بن رافع. وحاصل ما ذكره المفسرون وما دل عليه السياق من الحديث: أنهم بذلوا أمر الله لهم من الخضوع بالقول والفعل، فأمروا أن يدخلوا سجدًا، فدخلوا يزحفون على أستاههم من قِبَل أستاههم رافعي رؤوسهم، وأمروا أن يقولوا: حطة، أي: احطط عنا ذنوبنا [وخطايانا] [¬٤]، فاستهزءوا فقالوا: حنطة في شعيرة [¬٥]. وهذا في غاية ما يكون من المخالفة والمعاندة؛ ولهذا أنزل الله بهم بأسه وعذابه بفسقهم، وهو خروجهم عن طاعته؛ ولهذا قال: ﴿فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (٥٩)﴾ [البقرة: ٥٩].\nوقال الضحاك عن ابن عباس: كل شيء في كتاب الله من الرجز يعني به العذاب (^٤١٦).\nوهكذا روي عن مجاهد، وأبي مالك، والسدّي، والحسن، وقتادة أنه العذاب. وقال أبو العالية الرجز: الغضب، وقال الشعبي: الرجز؛ إمَّا الطاعون، وإمَّا البرد. وقال سعيد بن جبير: هو الطاعون.\nوقال ابن أبي حاتم (^٤١٧): حدَّثنا أبو سعيد الأشج، حدَّثنا وكيع، عن [¬٦] سفيان، عن حبيب بن أبي ثابت، عن إبراهيم بن سعد -يعني بن أبي وقاص- عن سعد بن مالك وأسامة بن زيد وخزيمة بن ثابت ﵃ قالوا: قال رسول الله ﷺ: \"الطاعون رجز عذاب [¬٧]، عذب به من كان قبلكم\".\nوهكذا رواه النسائي من حديث سفيان الثوري به (^٤١٨).\n_________\n(^٤١٥) - رواه ابن جرير برقم (١٠٢٤)، وابن أبي حاتم برقم (٥٩٤).\n(^٤١٦) - ابن جرير برقم (١٠٤٢).\n(^٤١٧) - تفسير ابن أبي حاتم ٥٩٥ - (١/ ١٨٦)، ورواه مسلم ٩٧ - (٢٢١٨).\n(^٤١٨) - سنن النسائي الكبرى برقم (٧٥٣٣).\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في ز: يدخلون.\n[¬٣]- في ز، خ: \"فهو\".\n[¬٤]- سقط من ز.\n[¬٥]- في ز، خ: \"شعرة\".\n[¬٦]- في خ: \"حدثنا\".\n[¬٧]- سقط ش: خ.","vol":"1","page":422},{"text":"وأصل الحديث في الصحيحين (^٤١٩) من حديث حبيب بن أبي ثابت: \"إذا سمعتم بالطاعون بأرض فلا تدخلوها\". الحديث.\nقال ابن جرير (^٤٢٠): أخبرني يونس بن عبد الأعلى، عن ابن وهب، عن يونس، عن الزهري قال [¬١]: أخبرني عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أسامة بن زيد، عن رسول الله ﷺ قال: \"إن هذا الوجع والسَّقَم رجز عذِّبَ به بعض الأمم قبلكم\". وهذا الحديث أصله مخرّج في الصحيحين، من حديث الزهري، ومن حديث مالك، عن محمد بن المنكدر، وسالم أبي النضر، عن عامر بن سعد، بنحوه (^٤٢١)\n﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَينًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٦٠)﴾ [البقرة: ٦٠]\nيقول تعالى: واذكروا نعمتي عليكم في إجابتي لنبيكم موسى ﵇ حين استسقاني لكم، وتيسيري لكم الماء، وإخراجه لكم من حجر يحمل معكم، وتفجيري الماء لكم [¬٢] منه من ثنتي عشرة عينا، لكل سبط من أسباطكم عين قد عرفوها، فكلوا من المن والسلوى، واشربوا من هذا الماء الذي أنبعته لكم بلا سعي منكم [ولا كدّ] [¬٣]، واعبدوا [¬٤] الذي سخر لكم ذلك ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٦٠)﴾ ولا تقابلوا النعم بالعصيان فَتُسلَبوها.\nوقد بسطه [¬٥] المفسرون في كلامهم، كما قال ابن عباس، ﵁،: وجُعِلَ بين ظهرانيهم حجر مربع، وأمر موسى ﵇ فضربه بعصاه، فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا، في كل ناحية منه ثلاث عيون، وأعلم كل سبط عينهم يشربون منها لا يرتحلون من مَنْقَلة إلا وجدوا ذلك معهم بالمكان الذي كان منهم بالمنزل الأول.\nوهذا قطعة من الحديث الذي رواه النسائي، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وهو حديث الفتون\n_________\n(^٤١٩) - صحيح البخاري برقم (٥٧٢٨)، وصحيح مسلم برقم ٩٧ - (٢٢١٨).\n(^٤٢٠) - تفسير ابن جرير ١٠٣٦ - (٢/ ١١٦).\n(^٤٢١) - صحيح البخاري برقم (٦٩٧٤، ٣٤٧٣)، وصحيح مسلم برقم ٩٨ - (٢٢١٨).\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- سقط من ز.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في خ: \"ولا كدر\".\n[¬٤]- في خ: \"اعبدوا\".\n[¬٥]- في ز: بسط.","vol":"1","page":423},{"text":"الطويل.\nوقال عطية العوفي (^٤٢٢): وجعل لهم حجرًا مثل رأس الثور يحمل على ثور، فإذا نزلوا منزلًا وضعوه فضربه موسى ﵇ بعصاه، فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا، فإذا ساروا حملوه على ثور فاستمسك الماء.\nوقال عثمان بن عطاء الخراساني: عن أبيه كان لبنى إسرائيل حجر، فكان يضعه هارون ويضربه موسى بالعصا.\nوقال قتادة: كان حجرًا طوريًّا من الطور، يحملونه معهم حتى إذا نزلوا ضربه موسى بعصاه.\n[وقال الزمخشري: وقيل: كان من رخام، وكان ذراعًا في ذراع، وقيل: مثل رأس الإنسان، وقيل كان من الجنة، طوله عشرة أذرع، على طول موسى، وله شعبتان يتقدان في الظلمة، وكان يحمل على حمار. قال: وقيل: أهبطه آدم من الجنة فتوارثوه، حتى وقع إلى شعيب، فدفعه إليه مع العصا. وقيل هو الحجر الذي وضع عليه ثوبه حين اغتسل فقال له جبريل: ارفع هذا الحجر؛ فإن فيه قدرة، ولك فيه معجزة، فحمله في مخلاته. قال الزمخشري: ويحتمل أن تكون اللام للجنس لا للعهد، أي اضرب الشيء الذي يقال له الحجر.\nوعن الحسن لم يأمره أن يضرب حجرًا بعينه. قال: وهذا أظهر في المعجزة وأبين في القدرة، فكان يضرب الحجر بعصاه فينفجر، ثم يضربه فييبس فقالوا: إن فقد موسى هذا الحجر عطشنا، فأوحى الله إليه أن يكلم الحجارة فتنفجر، ولا يمسها بالعصا لعلهم يقرّون، والله أعلم] [¬١].\nوقال يحيى بن النضر: قلت لجوبير: كيف علم كل أناس مشربهم؟ قال: كان موسى يضع الحجر، ويقوم من كل سبط رجل، ويضرب موسى الحجر فينفجر منه اثنتا [¬٢] عشرة عينا، فينتضح من كل عين على رجل، فيدعو ذلك الرجل سبطه إلى تلك العين.\nوقال الضحاك (^٤٢٣): قال ابن عباس: لما كان بنو إسرائيل في التيه شق لهم من الحجر أنهارًا.\nوقال سفيان الثوري (^٤٢٤): عن أبي سعيد، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: ذلك في التيه، ضرب لهم موسى الحجر فصار فيه اثنتا [¬٣] عشرة عينًا من ماء، لكل سبط منهم عين يشربون\n_________\n(^٤٢٢) - ابن أبي حاتم برقم (٦٠٣)، وسنده إلى عطية العوفي حسن.\n(^٤٢٣) - ابن أبي حاتم برقم (٦٠٧).\n(^٤٢٤) - ابن جرير برقم (١٠٤٥).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٢]- في ز، خ: \"اثنتى\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"اثنتى\".","vol":"1","page":424},{"text":"منها.\nوقال مجاهد نحو قول ابن عباس.\nوهذه القصة شبيهة بالقصة التي [¬١] في سورة الأعراف، ولكن تلك مكية؛ فلذلك كان الإخبار عنهم بضمير الغائب؛ لأن الله تعالى يقص [] [¬٢] على رسوله [ﷺ] ما [¬٣] فعل بهم. وأمّا في هذه السورة -وهي البقرة- فهي [¬٤] مدنية؛ فلهذا كان الخطاب فيها [¬٥] متوجهًا إليهم.\nوأخبر هناك بقوله ﴿فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا [¬٦] عَشْرَةَ عَينًا﴾ [الأعراف: ١٦٠] وهو أول الانفجار، وأخبر هاهنا بما آل إليه الحال [¬٧] آخرًا وهو الانفجار فناسب ذكر الانفجار [¬٨] هاهنا وذاك هناك، والله أعلم.\n[وبين السياقين تباين من عشرة أوجه لفظية ومعنوية، قد سأل عنها الزمخشري في تفسيره، وأجاب عنها بما عنده، والأمر في ذلك قريب، والله أعلم] [¬٩].\n﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَال أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ﴾ [البقرة: ٦١]\nيقول تعالى: واذكروا نعمتي عليكم في إنزالي عليكم المن والسلوى، طعامًا طيبًا نافعًا هنيئًا سهلًا، واذكروا دبركم وضجركم مما رزقناكم [¬١٠]، وسؤالكم موسى استبدال ذلك بالأطعمة الدنية من البقول ونحوها مما سألتم.\nوقال الحسن البصري ﵀ فبطروا ذلك ولم [¬١١] يصبروا عليه، وذكروا عيشهم الذي كانوا فيه، وكانوا قومًا أهل أعداس وبصل وبقل [¬١٢] وفوم، فقالوا ﴿يَامُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا﴾. وإنما قالوا على طعام واحد، وهم يأكلون المنّ والسلوى؛ لأنه لا يتبدل ولا يتغير\n_________\n[¬١]- في ز: المذكورة.\n[¬٢]- في ز: ذلك.\n[¬٣]- في ز: عما.\n[¬٤]- في ز: فإنها.\n[¬٥]- سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- في ز، خ: \"اثنتى\".\n[¬٧]- في ز، خ: \"الأمر\".\n[¬٨]- في ز، خ: \"هذا\".\n[¬٩]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬١٠]- في ز: رزقتكم.\n[¬١١]- في ز: فلم.\n[¬١٢]- في ز: يقول.","vol":"1","page":425},{"text":"كل يوم فهو مأكل واحد] [¬١]. فالبقول والقثاء والعدس والبصل كلها معروفة، وأما الفوم [¬٢] فقد اختلف السلف في معناه؛ فوقع في قراءة ابن مسعود وثومها بالثاء، وكذا [¬٣] فسره مجاهد في رواية ليث بن أبي سليم، عنه، بالثوم [¬٤]. وكذا الربيع بن أنس وسعيد بن جبير.\nوقال ابن أبي حاتم (^٤٢٥): حدثنا أبي، حدثنا عمرو بن رافع، حدثنا أبو عمارة يعقوب بن إسحاق البصري، عن يونس، عن الحسن في قوله: ﴿وَفُومِهَا﴾ قال: قال ابن عباس: الثوم.\nقالوا: وفي اللغة القديمة: فوّموا لنا [بمعنى اختبزوا] [¬٥]، وقال ابن جرير: فإن كان ذلك صحيحًا فإنه من الحروف المبدلة، كقولهم: وقعوا في عاشور شر، وعافور شر. وأثافي وأثاثي. ومغافير ومغاثير، وأشباه [¬٦] ذلك مما تقلب الفاء ثاء. والثاء فاء لتقارب مخرجيهما، والله أعلم.\nوقال آخرون: الفوم الحنطة، وهو البر الذي يعمل منه الخبز.\nقال ابن أبي حاتم (^٤٢٦): حدثنا يونس بن عبد الأعلى. قراءةً، أنبأنا [¬٧] ابن وهب قراءةً [¬٨]، حدثني نافع بن أبي نعيم: أن ابن عباس سئل عن قول الله: ﴿وَفُومِهَا﴾ ما فومها؟ قال: الحنطة. قال ابن عباس. أما سمعت قول أحيحة بن الجلاح وهو يقول:\nقد كنت أغنى [¬٩] الناس شخصًا واحدًا … ورد المدينة عن زراعة فوم\nوقال ابن جرير (^٤٢٧): حدثنا علي بن الحسن [¬١٠]، حدثنا مسلم الجَرمي [¬١١]، حدثنا عيسى بن يونس، [عن رشدين بن كريب] [¬١٢]، عن أبيه، عن ابن عباس في قول الله تعالى: ﴿وَفُومِهَا﴾ قال: الفوم الحنطة بلسان بني هاشم.\n_________\n(^٤٢٥) - رواه ابن أبي حاتم ٦١٩ - (١/ ١٩٣)، وفي إسناده أبو عمارة يعقوب بن إسحاق: قال ابن أبي حاتم: ما أرى بحديثه بأسًا. وقال ابن عدي: روى ما لا يتابع عليه. والحسن لم يسمع من ابن عباس.\n(^٤٢٦) - رواه ابن أبي حاتم ٦١٨ - (١/ ١٩٢)، ورواه ابن جرير (١٠٧٦)، ونافع بن أبي نعيم لم يدرك ابن عباس فهو منقطع. ورواه الطبراني (١٠/ ١٠٥٩٧)، وفي إسناده جويبر، وهو هالك.\n(^٤٢٧) - رشدين بن كريب: ضعيف، والأثر في تفسير ابن جويبر: ١٠٧٥ - (٢/ ١٢٨ - ١٢٩).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في خ: والتوم.\n[¬٣]- في- ز: \"وكذلك\".\n[¬٤]- في خ: بالثاء.\n[¬٥]- في ز: \"يعين اختبروا\".\n[¬٦]- في ز، خ: \"وما أشبه\".\n[¬٧]- في خ: \"أخبرنا\".\n[¬٨]- سقط من: ز، خ.\n[¬٩]- في ز: أعني.\n[¬١٠]- في ت، خ: الحسين.\n[¬١١]- في خ: \"الحرمى\".\n[¬١٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.","vol":"1","page":426},{"text":"وكذا قال علي بن أبي طلحة (^٤٢٨) والضحاك (^٤٢٩)، [عن ابن عباس] [¬١]، وعكرمة (^٤٣٠) عن ابن عباس أن الفوم الحنطة.\nوقال سفيان الثوري: عن ابن جريج، عن مجاهد وعطاء: ﴿وَفُومِهَا﴾ قالا: و[¬٢] خبزها.\nوقال هشيم: عن يونس، عن الحسن وحصين، عن أبي مالك: ﴿وَفُومِهَا﴾ قال: الحنطة.\nوهو قول عكرمة والسدي والحسن البصري وقتادة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغيرهم، فالله [¬٣] أعلم.\n[وقال الجوهري: الفوم: الحنطة، وقال ابن دريد: الفوم: السنبلة. وحكى القرطبي عن عطاء وقتادة أن الفوم كل حب يختبز. قال: وقال بعضهم هو الحمص لغة شامية، ومنه يقال لبائعه: فامي مغير عن فومي] [¬٤]، قال البخاري وقال بعضهم: الحبوب التي تؤكل كلها فوم. وقوله تعالى: ﴿قَال أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيرٌ﴾ فيه تقريع لهم وتوبيخ على ما سألوا من هذه الأطعمة الدنية مع ما هم فيه من العيش الرغيد، والطعام الهنيء الطيب النافع. وقوله تعالى: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا﴾ هكذا هو منون مصروف مكتوب بالألف في المصاحف الأئمة العثمانية، وهو قراءة الجمهور بالصرف.\nقال ابن جرير: ولا أستجيز القراءة بغير ذلك لإجماع المصاحف على ذلك.\nوقال ابن عباس (^٤٣١): ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا﴾ قال مصرًا من الأمصار، رواه ابن أبي حاتم من حديث أبي سعد البقال سعيد بن المرزبان، عن عكرمة، عنه.\nقال: وروي عن السدي وقتادة والربيع بن أنس نحو ذلك.\nوقال ابن جرير: وقع في قراءة أبي بن كعب وابن مسعود (اهبطوا مصر) من غير إجراء يعني من غير صرف. ثم روي عن أبي العالية والربيع بن أنس أنهما فسرا ذلك بمصر فرعون.\nوكذا رواه ابن أبي حاتم عن أبي العالية والربيع [¬٥]، وعن الأعمش أيضًا.\n_________\n(^٤٢٨) - ابن جرير (١٠٧٣).\n(^٤٢٩) - ابن جرير برقم (١٠٧٤)، وسنده ضعيف.\n(^٤٣٠) - ابن أبي حاتم برقم (٦١٧)، وفي إسناده متروك.\n(^٤٣١) - ابن أبي حاتم برقم (٦٢٢)، وأبو سعد البقال: متروك.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- سقط من ز.\n[¬٣]- في ز: والله.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- سقط من: ز، خ.","vol":"1","page":427},{"text":"وقال ابن جرير: ويحتمل أن يكون المراد مصر فرعون على قراءة الإجراء أيضًا. ويكون ذلك من باب [¬١] الاتباع لكتابة المصحف، كما في قوله تعالى: ﴿قَوَارِيرَا (١٥) قَوَارِيرَ﴾. ثم توقف في المراد ما هو؛ أمصر فرعون أم [¬٢] مصر من الأمصار؟ وهذا الذي قاله فيه نظر، والحق أن المراد مصر من الأمصار كما روي عن ابن عباس وغيره، والمعنى على ذلك؛ لأنّ موسى ﵇ يقول لهم هذا الذي سألتم ليس بأمر عزيز، بل هو كثير في أي بلد دخلتموه [¬٣] وجدتموه، فليس يساوي مع دناءته وكثرته في الأمصار أن أسأل الله فيه؛ ولهذا قال ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ﴾ أي ما طلبتم، ولما كان سؤالهم هذا من باب البطر والأشر ولا ضرورة [¬٤] فيه لم يجابوا إليه، والله أعلم.\n﴿وَضُرِبَتْ عَلَيهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٦١)﴾ [البقرة: ٦١]\nيقول تعالى: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ﴾. أي: وضعت عليهم وألزموا بها شرعًا وقدرًا، أي: لا يزالون مستذَلِّين، من وَجَدَهم استذلهم وأهانهم، وضرب عليهم الصغار، وهم مع ذلك في أنفسهم أذلاء متمسكنون [¬٥].\nوقال الضحاك: عن ابن عباس في قوله: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ﴾ قال: هم أصحاب النيالات، يعني الجزية (^٤٣٢).\nوقال عبد الرزاق (^٤٣٣): عن معمر، عن الحسن وقتادة في قوله تعالى: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيهِمُ الذِّلَّةُ [¬٦] وَالْمَسْكَنَةُ﴾ قال: يعطون الجزية عن يد وهم صاغرون. وقال الضحاك ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ﴾ قال: الذل [¬٧]. وقال الحسن: أذلهم الله فلا منعة لهم، وجعلهم الله تحت أقدام المسلمين، ولقد أدركتهم هذه الأمَّة [¬٨] وإنّ المجوس لتجبيهم الجزية.\n_________\n(^٤٣٢) - رواه ابن أبي حاتم برقم (٦٢٦) وسنده ضعيف جدًّا.\n(^٤٣٣) - تفسير عبد الرزاق (١/ ٤٧)، وابن جرير برقم (١٠٨٨)، وابن أبي حاتم برقم (٦٢٧).\n_________\n[¬١]- سقط من ز.\n[¬٢]- في ز: أو.\n[¬٣]- في ت: دخلتموها.\n[¬٤]- في ز: ضرورية.\n[¬٥]- في ز: متمسكنين.\n[¬٦]- سقط من ز.\n[¬٧]- في ز: الدلة.\n[¬٨]- في ز، خ: \"الآية\".","vol":"1","page":428},{"text":"وقال أبو العالية والربيع بن أنس والسدي: المسكنة الفاقة. وقال عطية العوفي: الخراج. وقال الضحاك: الجزية. وقوله تعالى: ﴿وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ قال الضحاك: استحقوا الغضب من الله.\nوقال الربيع بن أنس: فحدث عليهم غضب من الله. وقال سعيد بن جبير ﴿وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [يقول: استوجبوا سخطًا، وقال ابن جربر: يعني بقوله: ﴿وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [¬١] انصرفوا ورجعوا، ولا يقال باءوا إلا موصولًا: إمّا بخير وإمّا بشر، يقال منه: باء فلان بذنبه يبوء به بوءًا وبواء. ومنه قوله تعالى: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ﴾ [المائدة: ٢٩]، يعني: تنصرف متحملهما وترجع بهما، قد صارا عليك دوني. فمعنى الكلام إذا: فرجعوا منصرفين متحملين غضب الله، قد صار عليهم من الله غضب، ووجب عليهم [من الله] [¬٢] سخط.\nوقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيرِ الْحَقِّ﴾ يقول تعالى: هذا الذي جازيناهم [به] [¬٣] من الذلة والمسكنة، وإحلال الغضب بهم؛ بسبب استكبارهم عن اتباع الحق، وكفرهم بآيات الله، وإهانتهم حملة الشرع -وهم الأنبياء وأتباعهم- فانتقصوهم [إلى أن] [¬٤] أفضى بهم الحال إلى أن قتلوهم، فلا كفر [¬٥] أعظم من هذا، أنهم كفروا بآيات الله، وقتلوا أنبياء [الله بغير] [¬٦] الحق؛ ولهذا جاء في الحديث المتفق على صحته أن رسول الله ﷺ قال: \"الكِبرُ بَطَرُ الحق وغَمْطُ الناس\" (^٤٣٤).\nوقال الإمام أحمد (^٤٣٥) [﵀] حدثنا إسماعيل، عن ابن عون، عن عمرو بن سعيد، عن حميد بن عبد الرحمن قال: قال ابن مسعود: كنت لا أحجب عن النجوى، ولا عن كذا ولا عن كذا، قال: [فأتيت رسول الله ﷺ] [¬٧] وعنده مالك بن مرارة الرهاوي [¬٨]، فأدركته من آخر حديثه، وهو يقول: يا رسول الله، قد قسم لي من الجمال ما ترى فما أحب أن أحدًا من الناس فضلني بشراكين فما فوقهما، أفليس ذلك هو البغي؟ فقال: \"لا ليس ذلك [] [¬٩] من البغي، ولكن البغي من بطر -أو قال- سفه الحق وغمط الناس\". يعني: رد\n_________\n(^٤٣٤) - رواه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان: برقم ١٤٧ - (٩١) من حديث عبد الله بن مسعود ﵁. وهو عند البخاري في تاريخه (٣/ ١ / ٢) ولم أقف عليه عند البخاري في صحيحه.\n(^٤٣٥) - المسند (١/ ٣٨٥).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في خ: \"منه\".\n[¬٣]- زيادة من ز.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"حتى\".\n[¬٥]- في ز: كبر.\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٧]- في خ: \"فأتيته\".\n[¬٨]- في خ: \"الهاوى\".\n[¬٩]- في ز: هو.","vol":"1","page":429},{"text":"الحق وانتقاص الناس والازدراء بهم والتعاظم عليهم. ولهذا لما ارتكب بنو إسرائيل ما ارتكبوه من الكفر بآيات الله [وقتلهم أنبياءه] [¬١]، أحل الله بهم بأسه الذي لا يردّ، وكساهم ذلا في الدنيا موصولًا بذل الآخرة جزاء وفاقًا.\nقال أَبو داود الطالسي (^٤٣٦): حدَّثنا شعبة، عن الأعمَش، عن إبراهيم، عن أبي معمر، عن عبد الله بن مسعود قال: كانت بنو إسرائيل في اليوم تقتل ثلاثمائة نبي، ثم يقيمون سوق بقلهم من [¬٢] آخر النهار.\nوقد قال الإمام أحمد (^٤٣٧): حدَّثنا عبد الصمد، حدَّثنا أبان، حدَّثنا عاصم، عن أَبي وائل، عن عبد الله يعني: ابن مسعود أن رسول الله ﷺ قال: \"أَشدّ الناس [¬٣] عذابًا يوم القيامة: رجل كله نبي أو قتل نبيًّا، وإمام ضلالة، وممثل من الممثلين\".\nوقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ وهذه علة أخرى في مجازاتهم [¬٤]، بما جوزوا به، أنهم كانوا يعصون ويعتدون، فالعصيان: فعل المناهي، والاعتداء: المجاوزة في حد المأذون فيه أو المأمور به، والله أعلم.\n﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢)﴾\nلما بيَّن تعالى حال من خالف أوامره، وارتكب زواجره، وتعدّى في فعل ما [لا إذن] [¬٥] فيه، وانتهك المحارم، وما أحل بهم من النكال - نبه تعالى على أن مَنْ أحسن من الأمم السالفة [¬٦] وأطاع؛ فإن له جزاءًا لحسنى، وكذلك الأمر إلى قيام الساعة؛ كل من اتبع الرسول النبي الأمي فله السعادة الأبدية، ولا خوف عليهم فيما يستقبلونه، ولا هم يحزنون على ما يتركونه ويخلفونه، كما قال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ وكما تقول الملائكة للمؤمنين عند الاحتضار في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾.\n_________\n(^٤٣٦) - لم تعثر عليه في المسند الطيالسي المطبوع.\n(^٤٣٧) - المسند (٧/ ٤٠١).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"وقتل أنبيائهم\".\n[¬٢]- في ز: في.\n[¬٣]- سقط من: خ.\n[¬٤]- في ز: مجرايهم.\n[¬٥]- في ز: أذن.\n[¬٦]- في خ: \"السابقة\".","vol":"1","page":430},{"text":"قال ابن أبي حاتم (^٤٣٨): حدَّثنا [أبي] [¬١] حدَّثنا ابن أبي عمر العدني [¬٢]، حدَّثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: قال سلمان ﵁: سألت النبي، ﷺ، عن أهل دين كنتُ معهم، فذكرتُ من صلاتهم وعبادتهم، فنزلت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [إلى آخر] [¬٣] الآية.\nوقال السدي: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ الآية، نزلت في أصحاب سلمان الفارسي، بينا هو يحدّث النبي، ﷺ، إذ ذكر أصحابه، فأخبره خبرهم، فقال: كانوا أ يصلون ويصومون، ويؤمنون بك، ويشهدون أنك ستبعث نبيًّا، فلما فرغ سلمان من ثنائه عليهم، قال له نبي اللَّه، ﷺ: \"يا سلمان، هم من أهل النار\". فاشتد ذلك على سلمان، فأنزل الله هذه الآية، فكان إيمان اليهود: أنَّه من تمسك بالتوراة [وسنة موسى ﵇، حتَّى جاء عيسى. فلما جاء عيسى؛ كان من تمسك بالتوراة] [¬٤]، وأخذ بسنة موسى فلم يدعها ولم يتبع عيسى، كان هالكًا. وإيمان النصارى: أن من تمسك بالإنجيل منهم، وشرائع عيسى، كان مؤمنا مقبولا منه [¬٥]، حتَّى جاء محمد ﷺ فمن لم يتبع محمدًا، ﷺ، منهم ويدع ما كان عليه من سنة عيسى والإنجيل؛ كان هالكًا (^٤٣٩).\nوقال ابن أبي حاتم: وروي عن سعيد بن جبير نحو هذا.\n(قلت): وهذا لا ينافي ما روى علي بن أبي طلحة، عن ابن عبَّاس ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ الآية - قال [¬٦]- فأنزل الله بعد ذلك: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾.\nفإن هذا الذي قاله [ابن عبَّاس] [¬٧] أخبار عن أنَّه لا يقبل من أحد طريقة ولا عملًا، إلَّا ما كان موافقًا لشريعة محمد، ﷺ، بعد أن بعثه بما بعثه به، فأما قبل ذلك؛ فكل من اتبع الرسول في زمانه فهو على هدى وسبيل ونجاة، فاليهود أتباع موسى ﵇ الذين كانوا يتحاكمون إلى التوراة في زمانهم.\n_________\n(^٤٣٨) - رواه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦٣٨ - (١/ ١٩٨)، وهو منقطع فإن مجاهدًا لم يسمع من سلمان.\n(^٤٣٩) - رواه ابن أبي حاتم بإسناده إلى السدي، من حديث أبي زرعة، عن عمرو بن حمَّاد، ثنا أسباط، عن السدي، به. وهذا إسناد فيه ضعف، وانقطاع بين السدي وسلمان.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٢]- في ز، خ: \"العوفي\".\n[¬٣]- سقط من ز.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٥]- في ز: منهم.\n[¬٦]- سقط من ز.\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين زيادة من: ز، خ.","vol":"1","page":431},{"text":"واليهود [¬١] من الهوادة وهي المودّة، أو التهوّد وهو التوبة؛ كقول [¬٢] موسى ﵇: ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيكَ﴾ أي تُبنا، فكأنهم سُمُّوا بذلك في الأصل لتوبتهم ومودتهم في بعضهم لبعض [¬٣] أوقيل: لنسبتهم إلى يهودا أكبر أولاد يعقوب، وقال أَبو عمرو بن العلاء: لأنهم يتهوّدون أي يتحرّكون عند قراءة التوراة] [¬٤]، فلما بُعث عيسى ﷺ وجب على بني إسرائيل اتباعه، والانقياد له، فأصحابه وأهل دينه هم النصارى، وسُموا بذلك لتناصرهم فيما بينهم، وقد يقال لهم: أنصار أيضًا، كما قال عيسى ﵇: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَال الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ﴾ وقيل: إنهم إنما سموا بذلك من أجل أنهم نزلوا أرضًا يقال لها: ناصرة، قاله قَتَادة وابن جريج، ورُوي عن ابن عبَّاس أيضًا والله أعلم.\nوالنصارى جمع نصران كنشاوى جمع نشوان، وسكارى جمع سكران، ويقال للمرأة: نصرانة، قال الشاعر:\nنصرانة لم تَحَنَّفِ (^٤٤٠)\nفلما بعث الله محمدًا، ﷺ، خاتمًا للنبيين، ورسولًا إلى بني آدم على الاطلاق، وجب عليهم تصديقه فيما أخبر، وطاعته فيما أمر، والانكفاف عما عنه زجر. وهؤلاء هم المؤمنون حقًّا [¬٥]، وسميت أمة محمد ﷺ مؤمنين؛ لكثرة إيمانهم وشدّة إيقانهم؛ ولأنهم يؤمنون بجميع الأنبياء الماضية والغيوب الآتية. وأما الصابئون فقد اختلف فيهم؛ فقال سفيان الثَّوري: عن ليث بن أبي سليم، عن مجاهد قال: الصابئون قوم بين المجوس واليهود والنصارى، ليس لهم دين، وكذا رواه ابن أبي نجيح عنه، وروي عن عطاء وسعيد بن جبير نحو ذلك.\nوقال أَبو العالية والربيع بن أَنس والسدي وأَبو الشعثاء جابر بن زيد والضحاك [وإسحاق بن راهوية] [¬٦]: الصابئون فرقة من أهل الكتاب يقرءون الزبور (^٤٤١).\n[ولهذا قال أَبو حنيفة وإسحاق: لا بأس بذبائحهم ومناكحتهم] [¬٧] وقال هُشَيم، عن\n_________\n(^٤٤٠) - أورده ابن جرير بتمامه (٢/ ١٤٤) وهو لأبي الأخزر الحماني، وتمامه:\nفكلتاهما خرَّت وأسجد رأسها … كما سجدت نصرانة لم تحنفِ\n(^٤٤١) - قول أبي العالية والسدي؛ رواهما ابن جرير بإسناده إليهما في تفسيره برقم ١١١٠، ١١١١ - (٢/ ١٤٧).\n_________\n[¬١]- في ز: والتهود.\n[¬٢]- في ز: لقول.\n[¬٣]- في ز: بعض.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"1","page":432},{"text":"مطرف: كنا عند الحكم بن عتيبة فحدّثه رجل من أهل [¬١] البصرة عن الحسن أنَّه كان يقول في الصابئين: إنهم كالمجوس، فقال الحكم: ألم أخبركم بذلك؟.\nوقال عبد الرحمن بن مهدي: عن معاوية بن عبد الكريم: سمعت الحسن ذكر الصابئين فقال: هم قوم يعبدون الملائكة.\n[وقال ابن جرير (^٤٤٢): حدَّثنا محمد بن عبد الأعلى، حدَّثنا المعتمر بن سليمان، عن أبيه، عن الحسن قال: [أُخبر] زياد أن الصابئين يصلون إلى القبلة ويصلون الخمسة، قال: فأراد أن يضع عنهم الجِزيَةَ، قال: فخُبِّر بعدُ أنهم يعبدون الملائكة] [¬٢]. وقال أَبو جعفر الرازي: بلغني أن الصابئين قوم يعبدون الملائكة، ويقرءون الزبور ويصلون للقبلة [¬٣]، وكذا قال سعيد بن أبي عروبة، عن قَتَادة.\nوقال ابن أبي حاتم (^٤٤٣): حدَّثنا يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وَهْب، أخبرني ابن أبي الزناد، عن أبيه، قال: الصابئون قوم مما يلي العراق، وهم بكوثى [¬٤] وهم يؤمنون بالنبيين كلهم، ويصومون من كل سنة ثلاثين يومًا، ويصلون إلى اليمن كل يوم خمس صلوات.\nوسئل وَهْب بن منبه عن الصابئين فقال: الذي يعرف الله وحده، وليست له شريعة يعمل بها، ولم يحدث كفرًا.\nوقال عبد الله بن وَهْب: قال عبد الرحمن بن زيد: الصابئون أهل [¬٥] دين من الأديان، كانوا بجزيرة الموصل يقولون: لا إله إلَّا الله، وليس لهم عمل ولا كتاب ولا نبي إلَّا قول: لا إله إلَّا الله، قال [¬٦]: ولم يؤمنوا برسول؛ فمن أجل ذلك كان المشركون يقولون للنبي ﷺ وأصحابه: هؤلاء الصابئون، يشبهونهم بهم، يعني: في قول [¬٧]: لا إله إلَّا الله.\n[وقال الخليل: هم قوم يشبه دينهم دين النصارى إلَّا أن قبلتهم نحو مَهَب الجنوب، يزعمون أنهم على دين نوح ﵇. وحكى القرطبي، عن مجاهد والحسن وابن أبي نجيح: أنهم قوم\n_________\n(^٤٤٢) - رواه ابن جرير برقم ١١٠٨ - (٢/ ١٤٧).\n(^٤٤٣) - رواه ابن أبي حاتم برقم ٦٤٥ - (١/ ٢٠٠ - ٣٠١). وهو ضعيف؛ لضعف عبد الرحمن بن أبي الزناد: قال ابن معين: ضعيف، وعنه: ليس بشيء. وعنه: لا يحتج به. وكذا قال أَبو حاتم، وضعفه النسائي، وقال أحمد: مضطرب الحديث، ووثقه مالك - وقال ابن عدي: هو ممن يكتب حديثه. وعن أحمد: ضعيف. وقال يحيى بن معين: هو أثبت الناس في هشام بن عروة.\n_________\n[¬١]- سقط من ز.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في ز، خ: \"إلى القبلة\".\n[¬٤]- سقط من: خ.\n[¬٥]- سقط من ز.\n[¬٦]- سقط من: خ.\n[¬٧]- في \"قوله\".","vol":"1","page":433},{"text":"تركَّب دينهم بين اليهود والمجوس، ولا تؤكل ذبائحهم، [قال ابن عبَّاس]: ولا تنكَح نساؤهم. قال القرطبي (^٤٤٤): والذي تحصل من مذهبهم، فيما ذكره بعض العلماء، أنهم موحدون ويعتقدون تأثير النجوم وأنها فاعلة [¬١]؛ ولهذا أفتى أَبو سعيد الإصطخري بكفرهم للقادر بالله حين سأله عنهم.\nواختار الرازي أن الصابئين قوم يعبدون الكواكب بمعنى أن الله جعلها قبلة للعبادة والدعاء، أو بمعنى أن الله فوض تدبير أمر هذا العالم إليها.\nقال: وهذا القول هو المنسوب إلى الكشدانيين (^٤٤٥) الذين جاءهم إبراهيم ﵇ رادًّا عليهم ومبطلًا لقولهم] [¬٢].\nوأظهر الأقوال - والله أعلم - قول مجاهد ومتابعيه [¬٣] ووهب بن منبه أنهم قوم ليسوا على دين اليهود ولا النصارى ولا المجوس ولا المشركين، وإنَّما هم قوم [¬٤] باقون على فطرتهم، ولا دين مقرر لهم يتبعونه ويقتفونه؛ ولهذا كان المشركون ينبزون (^٤٤٦) من أسلم بالصابئ، أي أنَّه قد خرج عن سائر أديان أهل الأرض إذ ذاك.\nوقال بعض العلماء: الصابئون الذين لم تبلغهم دعوة نبي، واللَّه أعلم.\n﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَينَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٦٣) ثُمَّ تَوَلَّيتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٤)﴾.\nيقول تعالى مذكرًا بني إسرائيل ما أخذ عليهم من العهود والمواثيق بالإيمان به وحده لا شريك له واتباع رسله، وأخبر تعالى أنَّه لما أخذ عليهم الميثاق رفع الجبل فوق [¬٥] رءوسهم ليقروا بما عوهدوا عليه، ويأخذوه بقوة وحزم وهمة [¬٦] وامتثال، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آتَينَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ فالطور: هو\n_________\n(^٤٤٤) - القرطبي (١/ ٤٣٤ - ٤٣٥).\n(^٤٤٥) - هم طائفة من عبدة الكواكب -كما في تاج العروس.\n(^٤٤٦) - ينبزون: يلقبون.\n_________\n[¬١]- في القرطبي (١/ ٤٣٤): فعالة.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في خ: \"متابعته\".\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- في ز: على.\n[¬٦]- زيادة من: ز، خ.","vol":"1","page":434},{"text":"الجبل، كما (فسره به في) [¬١] الأعراف، ونصَّ على ذلك ابن عبَّاس ومجاهد، وعطاء وعكرمة، والحسن والضحاك، والربيع بن أَنس وغير واحد، وهذا ظاهر.\nوفي رواية عن ابن عبَّاس - الطور: ما أنبت من الجبال، وما لم يُنْبِتْ فليس بطور.\nوفي حديث الفتون عن ابن عبَّاس أنهم لما امتنعوا عن الطاعة رفع عليهم الجبل ليسمعوا.\nوقال السدي: فلما أَبوا أن يسجدوا أمر الله الجبل أن يقع عليهم، فنظروا إليه وقد غشيهم، فسقطوا سُجَّدًا، فسجدوا [¬٢] على شق ونظروا بالشق الآخر، فرحمهم الله فكشفه عنهم، فقالوا: والله [¬٣] ما سجدة أحب إلى الله من سجدة كشف بها العذاب عنهم، فهم يسجدون كذلك، وذلك قول الله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ﴾.\nوقال الحسن في قوله: ﴿خُذُوا مَا آتَينَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾ يعني: التوراة.\nوقال أَبو العالية والربيع بن أَنس: بقوة أي: بطاعة. وقال مجاهد: بقوة: بعمل بما فيه. وقال قَتَادة: ﴿خُذُوا مَا آتَينَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾ القوة الجد وإلَّا قذفته [¬٤] عليكم.\nأقال: فأقروا بذلك: أنهم يأخذون ما أوتوا بقوة. ومعنى قوله\" وإلَّا قذفته عليكم: أي] [¬٥]: أسقطه عليكم، يعني: الجبل.\nوقال أَبو العالية والربيع: ﴿وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ﴾ يقول: اقرءوا ما في التوراة واعملوا به.\nوقوده تعالى: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيتُمْ مِنْ بَعْدِ﴾ يقول تعالى: ثم بعد هذا الميثاق المؤكد العظيم توليتم عنه وانثنيتم ونقضتموه ﴿فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ أي: بتوبته [¬٦] عليكم وإرساله النبيين والمرسلين إليكم ﴿لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ بنقضكم ذلك الميثاق في الدنيا والآخرة.\n﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (٦٥) فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَينَ يَدَيهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٦٦)﴾.\nيقول تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ﴾ يا معشر اليهود؛ ما حل من البأس بأهل القرية التي عصت أمر الله، وخالفوا عهده وميثاقه، فيما أخذه عليهم من تعظيم السبت والقيام بأمره؛ إذ كان مشروعًا لهم فتحيَّلوا على اصطياد الحيتان في يوم السبت، بما وضعوه لها من الشصوص والحبائل والبرك\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"فسر بآية\".\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- سقط من ز.\n[¬٤]- في ز، خ: \"دفنته\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- في ز: توبته.","vol":"1","page":435},{"text":"قبل يوم السبت، فلما جاءت يوم السبت على عادتها في الكثرة نشبت بتلك الحبائل والحيل، فلم تخلص منها [¬١] يومها ذلك، فلما كان الليل أخذوها بعد انقضاء السبت.\nفلما فعلوا ذلك مسخهم الله إلى صورة القردة، وهي أشبه شيء بالأناسي في الشكل الظاهر وليست بإنسان حقيقة، فكذلك أعمال هؤلاء وحيَلهم لما كانت مشابهة للحق في الظاهر ومخالفة له في الباطن، كان جزاؤهم من جنس عملهم.\nوهذه القصة مبسوطة في سورة الأعراف حيث يقول تعالى: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾. القصة بكمالها.\nوقال السدي: أهل هذة القرية هم أهل \"أيلة\"، وكذا قال قَتَادة، وسنورد أقوال المفسرين هناك مبسوطة إن شاء الله وبه الثقة.\nوقوله تعالى: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾. قال [¬٢] ابن أبي حاتم (^٤٤٧): حدَّثنا أبي، حدَّثنا أَبو حذيفة، حدَّثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ قال: مُسخت قلوبهم ولم يمسخوا قردة، وإنَّما هو مثل ضربه الله ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾.\nورواه ابن جرير (^٤٤٨)، عن المثنى، عن أبي حذيفة.\nوعن (^٤٤٩) محمد بن عمرو [¬٣] الباهلي، عن أبي عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، به.\nوهذا سند جيد عن مجاهد، وقول غريب خلاف الظاهر من السياق في هذا المقام وفي غيره،\n_________\n(^٤٤٧) - رواه ابن أبي حاتم ٦٧٧ - (١/ ٢٠٩). وأَبو حذيفة موسى بن مسعود النهدي: قال الذهبي (٤/ ٢٢١): أحد شيوخ البخاري. صدوق إن شاء الله، يهم، تكلم فيه أحمد، وضعفه التِّرمِذي، وقال ابن خزيمة: لا أحتج به. وقال عمرو بن علي: لا يحدث ﵀ من يبصر الحديث. وقال أَبو أحمد الحاكم: ليس بالقوي عندهم. وقال غبراهيم بن يعقوب: سمعت أحمد يقول: كان سفيان الذي يحدث ﵀ أَبو حذيفة ليس هو سفيان الذي يحدث عنه الناس. وقال بندار: ضعيف الحديث. وقال أَبو حاتم: صدوق معروف بالثوري. وقال أحمد: هو من أهل الصدق.\n(^٤٤٨) - رواه ابن جرير: ١١٤٧ - (١/ ١٧٥).\n(^٤٤٩) - رواه ابن جرير: ١١٤٣ - (١/ ١٧٢).\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في ز: وقال:\n[¬٣]- في ز: عمر.","vol":"1","page":436},{"text":"قال الله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾. الآية.\nوقال العوفي في تفسيره، عن ابن عبَّاس: ﴿لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾: فجعل الله [¬١] منهم القردة والخنازير. فزعم أن شباب القوم صاروا قردة، وأن [¬٢] المشيخة صاروا خنازير.\nوقال شيبان النحوي عن قَتَادة: ﴿لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾: فصار القوم قردة [¬٣] تَعَاوَى لها أذناب بعدما كانوا رجالًا ونساءً.\nوقال عطاء الخراساني: نودوا: يا أهل القرية ﴿لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾. فجعل الذين نهوهم يدخلون عليهم فيقولون: يا فلان، ألم ننهكم؟ فيقولون برءوسهم: أي بلى.\nوقال ابن أبي حاتم (^٤٥٠): حدَّثنا علي بن الحسين [¬٤]، حدَّثنا عبد الله بن محمد بن ربيعة بالمصيصة، حدَّثنا محمد بن مسلم -يعني الطائفي- عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عبَّاس، قال: إنما كان الذين اعتدوا في السبت فجعلوا قردة فُوَاقا [¬٥] (^٤٥١) ثم هلكوا. ما كان للمسخ نسل.\nوقال الضحاك (^٤٥٢)، عن ابن عبَّاس: فمسخهم الله قردة بمعصيتهم: يقول إذ لا يحيون في الأرض إلَّا ثلاثة أيام، قال: ولم يعش مسخ قط فوق ثلاثة أيام، ولم يأكل ولم يشرب ولم ينسل. وقد خلق الله القردة والخنازير وسائر الخلق في الستة الأيام [¬٦] التي ذكرها [¬٧] اللَّه في كتابه، فمسخ هؤلاء القوم في صورة القِرَدة، وكذلك يفعل بمن يشاء كما يشاء، ويحوِّله كما يشاء.\nوقال أَبو جعفر الرازي: عن الربيع، عن أبي العالية في قوله: ﴿كُونُوا [¬٨] قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ قال: يعني: أذلة صاغرين، ورُوي عن مجاهد وقَتَادة والربيع وأبي مالك، نحوه.\n_________\n(^٤٥٠) - إسناده ضعيف: عبد الله بن محمد بن ربيعة: قال الذهبي في الميزان: أحد الضعفاء، أتى عن مالك بمصائب (الميزان ٢/ ٤٨٨). ومحمد بن مسلم استشهد به مسلم، وضعفه أحمد بن حنبل ووثقه يحيى بن معين وغيره (الميزان ٤/ ٤٠). والحديث في تفسير ابن أبي حاتم حديث ٦٧٥ - (١/ ٢٠٩).\n(^٤٥١) - فواقًا: قدر ما بين الحلبتين من الوقت.\n(^٤٥٢) - منقطع - الضحاك لم يلق ابن عبَّاس، وهو عند ابن جرير (١١٣٨) مطولًا.\n_________\n[¬١]- سقط من ز.\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في ز، خ: \"قرودًا\".\n[¬٤]- في ت: الحسن.\n[¬٥]- في خ: \"فراما\"، وفيم، ز: فراقًا.\n[¬٦]- في ت: أيام.\n[¬٧]- في ز، خ: \"ذكر\".\n[¬٨]- سقط من: ز، خ.","vol":"1","page":437},{"text":"وقال محمد بن إسحاق: عن داود بن [] [¬١] \"الحصين (^٤٥٣)، عن عكرمة، قال: قال ابن عبَّاس: إن الله إنما افترضَ علي بني إسرائيل اليوم الذي افترض عليكم في عيدكم - يوم الجمعة - فخالفوا إلى السبت فعظموه، وتركوا ما أمروا به، فلما أَبوا إلَّا لزوم السبت ابتلاهم الله فيه [فحرم عليهم ما أحل لهم في غيره، وكانوا في قرية بين أيلة والطور، يقال لها: مدين] [¬٢] فحرم الله [¬٣] عليهم في السبت الحيتانَ: صيدها وأكلها. وكانوا إذا كان يوم السبت أقبلت إليهم شُرَّعًا إلى ساحل بحرهم، حتَّى إذا ذهب السبت ذهبن فلم يروا حُوتًا صغيرًا ولا كبيرًا، حتَّى إذا كان يومُ السبت أتين شرَّعًا، حتَّى إذا ذهب السبت ذهبن فكانوا كذلك، حتَّى إذا [¬٤] طال عليهم الأمد، وقَرِموا [¬٥] (^٤٥٤) إلى الحيتان، عمد رجل منهم فأخذ حوتًا سرًّا يوم السبت، فخزمه بخيط، ثم أرسله في الماء، وأوتد له وتدًا في الساحل فأوثقه، ثم تركه حتَّى إذا كان الغد جاء فأخذه، أي: إني لم آخذه في يوم السبت، فانطلق [¬٦] به فأكله، حتَّى إذا كان يوم السبت الآخر عاد لمثل ذلك، ووجد الناسُ ريح الحيتان، فقال أهل القرية: والله لقد وجدنا ريح الحيتان، ثم عثروا على صنع [¬٧] ذلك الرجل. قال: ففعلوا كما فعل، وأكلوا [¬٨] سرًّا زمانًا طويلًا، لم يعجل الله عليهم بعقوبة [¬٩] حتَّى صادوها علانية وباعوها [في الأسواق] [¬١٠]. فقالت طائفة منهم من أهل البقية [¬١١]: وَيحَكُم\" اتقوا الله، ونَهوهم عما كانوا [¬١٢] يصنعون، فقالت طائفة أخرى لم تأكل الحيتان، ولم تنه القوم عما [¬١٣] صنعوا: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ﴾. لسُخطنا أعمالهم ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾.\nقال ابن عبَّاس: فبينا هم على ذلك أصبحت تلك البقية في أنديتهم ومساجدهم فقدوا الناس\n_________\n(^٤٥٣) - سنده ضعيف جدًّا، وهو عند ابن جرير (١١٣٩)، وداود بن الحصين: قال أبو داود: أحاديثه عن عكرمة مناكير. وقال علي بن المديني: ما رواه عن عكرمة فمنكر. وقال أَبو حاتم: لولا أن مالكًا روى عنه لترك حديثه. (الميزان ٢/ ٥).\n(^٤٥٤) - يقال: قَرِمَ اللحم، أي اشتدت شهوته إليه.\n_________\n[¬١]- في ت، خ: أبي.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٣]- سقط من: خ.\n[¬٤]- زيادة من ز.\n[¬٥]- في ز: وقربوا.\n[¬٦]- في ز، خ: \"ثم انطق\".\n[¬٧]- في: \"صنيع\".\n[¬٨]- في ت: \"وصنعوا\".\n[¬٩]- في ت: \"العقوبة\".\n[¬١٠]- في ز: بالأسواق.\n[¬١١]- في خ: \"البقعة\".\n[¬١٢]- سقط من: خ.\n[¬١٣]- في خ: \"كما\".","vol":"1","page":438},{"text":"فلم [¬١] يروهم [¬٢]، قال: فقال بعضهم لبعض: إن للناس لشأنًا [¬٣] فانظروا ما هو؟ فذهبوا ينظرون في دورهم، فوجدوها مغلقة عليهم، قد دخلوها ليلًا فغلقوها على أنفسهم، كما يغلق الناس على أنفسهم فأصبحوا فيها قردة، و[¬٤] إنهم ليعرفون الرجل بعينه وإنه لقرد، والمرأة بعينها وإنها لقردة، والصبي بعينه وإنه لقرد. قال: قال [¬٥] ابن عبَّاس: فلولا ما ذكر الله أنَّه نجى [¬٦] الذين نهوا عن السوء لقد أهلك الله [¬٧] الجميع منهم. قال: وهي القرية التي قال [الله] [¬٨] جل ثناؤه لمحمد ﷺ: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ﴾. الآية. وروى الضحاك عن ابن عبَّاس (^٤٥٥) نحوًا من هذا.\nوقال السدي في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾. قال: هم [¬٩] أهل \"أيلة\"، وهي القرية التي كانت حاضرة البحر، فكانت الحيتان إذا كان يوم السبت -وَقَدْ حرم الله على اليهود أن يعملوا في السبت شيئًا- لم يبق في البحر حوتٌ إلَّا خرج، حتَّى يخرجن خراطيمهن من الماء، فإذا كان يوم الأحد لَزمْنَ مقل [¬١٠] (^٤٥٦) البحر فلم يُرَ منهن شيء حتَّى يكون يوم السبت، فذلك قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ﴾.\nفاشتهى بعضهم السمك فجعل الرجل يحفر الحفيرة، ويجعل لها نهرًا إلى البحر، فإذا كان يوم السبت فتح النهر فأقبل الموج بالحيتان يضربها حتَّى يلقيها في الحفيرة، فيريد الحوت أن يخرج فلا يطيق من أجل قلة ماء النهر، فيمكث فيها [¬١١]، فإذا كان يوم الأحد جاء فأخذه، فجعل الرجل يشوي السمك فيجد جاره ريحه فيسأله فيخبره، فيصنع مثل ما صنع جاره حتَّى فشا فيهم أكل السمك، فقال لهم علماؤهم: ويحكم! إنما تصطادون يوم السبت، وهو لا يحل لكم، فقالوا: إنما صدناه يوم الأحد حين أخذناه، فقال الفقهاء [¬١٢]: لا، ولكنكم صِدْتُموه يوم فتحتم [¬١٣] له [¬١٤] الماء فدخل، قال: وغلبوا أن ينتهوا.\n_________\n(^٤٥٥) - ابن جرير برقم (١١٣٨) وسنده ضعيف.\n(^٤٥٦) - المقل: أسفل البئر، ومغاص البحر.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"فلا\".\n[¬٢]- في ز: يرونهم.\n[¬٣]- في ت: \"شأنًا\".\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- في ز: يقول:\n[¬٦]- في ز، خ: \"أنجى\".\n[¬٧]- سقط من ز.\n[¬٨]- زيادة من ز.\n[¬٩]- في ز، خ: \"فهم\".\n[¬١٠]- في ت: سفل. والمثبت من ز، خ.\n[¬١١]- سقط من: ز، خ.\n[¬١٢]- في ز، خ: \"العلماء\".\n[¬١٣]- في ز، خ: \"فتحكم\".\n[¬١٤]- سقط من: ز، خ.","vol":"1","page":439},{"text":"فقال بعض الذين نهوهم لبعض: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾. يقول: لم تعظوهم، وقد وعظتموهم فلم يطعوكم، فقال بعضهم: ﴿مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾. فلما أبوا قال المسلمون: والله لا نُسَاكنكم في قرية واحدة.\nفقسموا القرية بجدار، ففتح المسلمون بابًا والمعتدون في السبت بابًا، ولعنهم داود ﵇ فجعل المسلمون يخرجون من بابهم، والكفار من بابهم، فخرج المسلمون ذات يوم ولم يفتح الكفار بابهم، فلما أبطئوا عليهم تسوّر [¬١] المسلمون عليهم الحائط، فإذا هم قردة يثب بعضهم على بعض، ففتحوا عنهم، فذهبوا في الأرض، فذلك قول الله تعالى: ﴿فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾. وذلك حين يقول: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾. الآية. فهم القردة.\n(قلت): والغرض من هذا السياق عن هؤلاء الأئمة بيان خلاف ما ذهب إليه مجاهد، ﵀، من أن مسخهم إنما كان معنويًّا لا صوريًّا؛ بل الصحيح أنه معنوي صوري. والله تعالى أعلم.\nوقوله تعالى: ﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا [لِمَا بَينَ يَدَيهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾] [¬٢]. قال بعضهم: الضمير في ﴿فَجَعَلْنَاهَا﴾. عائد على القردة، [وقيل: على الحيتان] [¬٣]، وقيل: على العقوبة، وقيل: على القرية، حكاها ابن جرير. والصحيح أن الضمير عائد على القرية، أي فجعل الله هذه القرية -والمراد أهلها- بسبب اعتدائهم في سبتهم ﴿نَكَالًا﴾. أي: عاقبناهم عقوبة فجعلناها [¬٤] عبرة، كما قال الله [¬٥] عن فرعون: ﴿فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَال الْآخِرَةِ وَالْأُولَى﴾. وقوله تعالى: ﴿لِمَا بَينَ يَدَيهَا وَمَا خَلْفَهَا﴾. أي: من القرى، [قال ابن عباس: يعني جعلناها بما أحللنا بها من العقوبة عبرة لما حولها من القرى] [¬٦]. كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى وَصَرَّفْنَا الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾. ومنه قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾. الآية. على أحد الأقوال، فالمراد: لما بين يديها وما خلفها في [¬٧] المكان، كما قال محمد بن إسحاق: عن داود بن الحصين (^٤٥٧)، عن عكرمة، عن ابن عباس: لما بين يديها من القرى وما خلفها من القرى، وكذا قال سعيد بن جبير: ﴿لِمَا بَينَ يَدَيهَا وَمَا خَلْفَهَا﴾. قال [¬٨]: من بحضرتها من\n_________\n(^٤٥٧) - منكر، وهو عند ابن جرير برقم (١١٥٦)، وابن أبي حاتم برقم (٦٨١).\n_________\n[¬١]- في ز: تسوروا.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين زيادة من: ز، خ.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- في ز، خ: \"فجعلناهم\".\n[¬٥]- في خ: \"تعالى\".\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٧]- في ز. خ: \"من\".\n[¬٨]- سقط من: ز، خ.","vol":"1","page":440},{"text":"الناس يومئذ.\nورُوي عن إسماعيل بن أبي خالد وقتادة وعطية العوفي ﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَينَ يَدَيهَا﴾.\nقال: ما كان [¬١] قبلها من الماضين في شأن السبت.\nوقال أبو العالية والربيع وعطية: ﴿وَمَا خَلْفَهَا﴾ لمن [¬٢] بقي بعدهم من الناس من بني إسرائيل أن يعملوا مثل عملهم. وكان هؤلاء يقولون: المراد لما [¬٣] بين يديها وما خلفها في الزمان.\nوهذا مستقيم بالنسبة إلى من يأتي بعدهم من الناس أن يكون أهل تلك القرية عبرة لهم، وأمّا بالنسبة إلى من سلف قبلهم من الناس فكيف يصح هذا الكلام أن تفسر الآية به وهو أن تكون عبرة لمن سبقهم؟ و[¬٤] هذا لعل أحدًا من الناس لا يقوله بعد تصوره؛ فتعين أن المراد بما بين يديها وما خلفها في المكان، وهو ما حولها من القرى، كما قاله ابن عباس وسعيد بن جبير، والله أعلم.\nوقال أبو جعفر الرازي: عن الربيع [بن أنس] [¬٥]، عن أبي العالية ﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَينَ يَدَيهَا [وَمَا خَلْفَهَا] [¬٦]﴾. [] [¬٧] أي: عقوبة لما خلا من ذنوبهم [¬٨].\nوقال ابن أبي حاتم: وروي عن عكرمة ومجاهد، والسدي [والحسن وقتادة والربيع بن أنس نحو ذلك] [¬٩] [وحكى القرطبي عن ابن عباس والسدي] [والفراء، وابن عطية: ﴿لِمَا بَينَ يَدَيهَا﴾. من ذنوب القوم، ﴿وَمَا خَلْفَهَا﴾. لمن يعمل بعدها مثل تلك الذنوب. وحكى الرازي ثلاثة أقوال؛ أحدها: أن المراد لما بين يديها وما خلفها من تقدّمها من القرى بما عندهم من العلم بخبرها بالكتب المتقدمة ومن بعدها].\n[والثاني: المراد بذلك من بحضرتها من القرى والأمم. والثالث: أنه تعالى جعلها عقوبة لجميع ما ارتكبوه من قبل هذا الفعل وما بعده، وهو قول الحسن.\n(قلت): وأرجح الأقوال: المراد بما بين يديها وما خلفها، من بحضرتها من القرى، التي يبلغهم خبرها وما حل بها، كما قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى﴾ الآية، وقال تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ﴾. الآية. وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾. فجعلهم عبرة ونكالًا لمن في زمانهم، وموعظة لمن\n_________\n[¬١]- زيادة من: ز، خ.\n[¬٢]- في ت: \"لما\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"بما\".\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٧]- في ز: في المكان، وما حولها من القرى.\n[¬٨]- في ز، خ: \"دونهم\".\n[¬٩]- زيادة من ز.","vol":"1","page":441},{"text":"يأتي بعدهم بالخبر المتواتر عنهم، ولهذا قال: ﴿وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾] [¬١]: وقوله تعالى: ﴿وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾.\nقال محمد بن إسحاق: عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس ﴿وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾: الذين من بعدهم إلى يوم القيامة (^٤٥٨).\nوقال الحسن وقتادة: ﴿وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ بعدهم، فيتقون [¬٢] نقمة الله، ويحذرونها.\nوقال السدي وعطية العوفي: ﴿وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ قال: أمة محمد ﷺ.\n(قلت): المراد بالموعظة هاهنا الزاجر، أي: جعلنا ما أحللنا بهؤلاء من البأس والنكال في مقابلة ما ارتكبوه من محارم الله وما تحيلوا به من الحيل؛ فليحذر المتقون صنيعهم لئلا يصيبهم ما أصابهم، كما قال الإمام أبو عبد الله [ابن بطة] [¬٣]: حدَّثنا أحمد بن محمد بن مسلم [¬٤]، حدَّثنا الحسن بن محمد بن الصباح الزعفراني، حدَّثنا يزيد بن هارون، حدَّثنا محمد بن عمرو، [عن أبي سلمة] عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: \"لا ترتكبوا [¬٥]، ما ارتكب اليهود، فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل\" (^٤٥٩).\nوهذا إسناد جيد، وأحمد بن محمد بن مسلم هذا وَثَّقه الحافظ أبو بكر الخطيب البغدادي، وباقي رجاله مشهورون على شرط الصحيح، والله أعلم.\n﴿وَإِذْ قَال مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَال أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾.\nيقول تعالى: واذكروا -يا بني إسرائيل- نعمتي عليكم في خرق العادة لكم في شأن البقرة، وييان القاتل من هو بسببها، وإحياء الله المقتول، ونصِه على من قتله منهم.\n[مسألة\n_________\n(^٤٥٨) - ابن جرير برقم (١١٦٦)، وابن أبي حاتم برقم (٦٨٩).\n(^٤٥٩) - أحمد بن محمد مسلم -أو سلم كما ورد اسمه في غير ما موضع من الإبانة- لم نقف على ترجمته. والحديث في جزء الخلع وإبطال الحيل لابن بطة (ص ٢٤). وجود إسناده ابن القيم في إغاثة اللَّهفان (١/ ٥١٣)، وحسنه في تهذيب السنن (٥/ ١٠٣)، ومن قبله ابن تيمية في الفتاوى (٢٩/ ٢٩).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٢]- في ز، خ: \"فيتقوا\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٤]- كذا في الأصلين وفي الإبانة: سلم.\n[¬٥]- في ز، خ: \"تركبوا\".","vol":"1","page":442},{"text":"الإبلُ تنحر، والغنم تذبح، واختلفوا في البقر، فقيل: تذبح، وقيل: تنحر، والذبح أولى لنص القرآن ولقرب منحرها من مذبحها.\nقال ابن المنذر: ولا أعلم خلاقًا في حل ما ذبح مما ينحر، أو نحر ما يذبح، غير أن مالكًا كره ذلك. وقد يكره الإنسانُ ما لا يحرمه.\nقال أبو عبد الله وكان نزول قصة البقرة على موسى ﵇ في أمر القتيل قبل نزول القسامة في التوراة].\n[(ذكر بسط القصة)] [¬١]\n[كما] [¬٢] قال ابن أبي حاتم: [] [¬٣] حدَّثنا الحسن بن محمد بن الصباح، حدَّثنا يزيد بن هارون، أنبأنا [¬٤] هشام بن حَسَّان، عن محمد بن سيرين، عن عَبِيدة السلماني، قال: كان رجل من بني إسرائيل عقيمًا لايولد له، وكان له مال كثير، وكان ابنُ أخيه وارثَه فقتله، ثم احتمله ليلًا فوضعه على باب رجل منهم، ثم أصبحَ يَدعيه عليهم حتى تسلحوا، وركب بعضهم إلى بعض. فقال ذوو الرأي منهم [¬٥] والنهى: علام يقتل بعضكم بعضًا وهذا رسول الله فيكم؟ فأتوا موسى ﵇ فذكروا ذلك له، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَال أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾. قال: قالولم [¬٦] يعترضوا لأجزأت عنهم أدنى بقرة، ولكنهم شدّدوا فشدد عليهم، حتى انتهوا إلى البقرة التي أمروا بذبحها، فوجدوها عند رجل ليس له بقرة غيرها، فقال: والله لا أنقصها من مِلء جلدها ذهبًا، فأخذوها بملء جلدها ذهبًا فذبحوها، فضربوه ببعضها فقام، فقالوا: من قتلك؟ فقال: هذا -لابن أخيه- ثم مال ميتًا، فلم يُعْطَ من ماله شيئًا [¬٧]؛ فلم يُوَرَّث قاتل بعد.\nورواه ابن جرير (^٤٦٠) من حديث أيوب، عن محمد بن سيرين، عن عبيدة، بنحو من ذلك، والله أعلم.\n_________\n(^٤٦٠) - إسناده صحيح: والحديث في تفسير عبد الرزاق (١/ ٤٨)، وابن حاتم حديث ٦٩٥ - (١/ ٢١٤)، وتفسير ابن جرير برقم ١١٧٢ - (١/ ٣٣٧). ورواه البيهقي في سننه (٦/ ٢٢٠) من حديث يزيد بن هارون، به.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- زيادة من: ز، خ.\n[¬٣]- في خ: ثم.\n[¬٤]- في خ: \"أخبرنا\".\n[¬٥]- سقط من: خ.\n[¬٦]- سقط من ز.\n[¬٧]- في ز: شيء.","vol":"1","page":443},{"text":"ورواه [عبد بن حميد] [¬١] في تفسيره أنبأنا [¬٢] يزيد بن هارون. به.\nورواه آدم بن أبي إياس في تفسيره عن أبي جعفر -هو الرازي [¬٣]- عن هشام بن حسان، به.\nوقال آدم بن أبي إياس في تفسيره: أنبأنا [¬٤] أبو جعفر الرازي، عن الربيع، عن أبي العالية في قول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ قال: و[¬٥] كان رجل من بني إسرائيل، وكان غنيًّا، ولم يكن له ولد، وكان له قريب وكان وارثه، فقتله؛ ليرثه، ثم ألقاه على مجمع الطريق، وأتى موسى ﵇ فقال له: إن قريبي قُتل، وأتى إلى أمر عظيم، وإني لا أجد أحدًا يبن لي من قتله غيرك يا نبي اللَّه؛ قال: فنادى موسى في الناس فقال: أنشد الله من كان عنده من هذا علم إلا بينه لنا، فلم يكن عندهم علم، فأقبل القاتل على موسى ﵇ فقال له: أنت نبي الله فسل [¬٦] لنا ربك أن يبين لنا، فسأل ربه فأوحى اللَّه إليه ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾. فعجبوا من ذلك، فقالوا: ﴿أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا [¬٧] قَال أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَال إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ﴾. يعني: لا هَرِمة ﴿وَلَا بِكْرٌ﴾. يعني: ولا صغيرة ﴿عَوَانٌ بَينَ ذَلِكَ﴾. أي: نصفٌ بين البكر والهرمة ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَال إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾. [أي: صاف لونها] [¬٨] ﴿تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾. أي: تعجب الناظرين ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَينَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ قَال إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ﴾. أي: لم يذللها [¬٩] العمل ﴿تُثِيرُ الْأَرْضَ﴾. يعني: وليست بذلول تثير الأرض، ﴿وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ﴾. يعني [¬١٠]: ولا تعمل في الحرث ﴿مُسَلَّمَةٌ﴾. يعني: مسلمة من العيوب ﴿لَا شِيَةَ فِيهَا﴾. يقول: لابياض فيها ﴿قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾. قال: ولو أن القوم حين أمروا بذبح [¬١١] بقرة استعرضوا بقرة من البقر فذبحوها لكانت إياها، ولكن [¬١٢] شدّدوا على أنفسهم فشدّد الله عليهم، ولولا أنّ القوم استثنوا فقالوا: ﴿وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾. لما هدوا إليها أبدًا، فبلغنا أنهم لم يجدوا البقرة التي نعتت لهم إلا عند عجوز و[¬١٣] عندها يتامى، وهي القَيِّمَة عليهم، فلما علمت أنه [¬١٤] لا يزكو [¬١٥] لهم غيرها، أضعفت عليهم الثمن، فأتوا موسى فأخبروه أنهم لم يجدوا هذا النعت إلا عند فلانة، وأنها سألتهم أضعاف\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في خ: \"عنه\".\n[¬٢]- في خ: \"أبا\".\n[¬٣]- في خ: الرزي.\n[¬٤]- في خ: \"حدثنا\".\n[¬٥]- زيادة من: ز، خ.\n[¬٦]- في خ: \"فاسأل\".\n[¬٧]- في ز: هزًا.\n[¬٨]- سقط من: ز، خ.\n[¬٩]- في ز، خ: \"يذلها\".\n[¬١٠]- في ز: يقول:\n[¬١١]- في خ: \"أن يذبحوا\".\n[¬١٢]- في ز، خ: \"ولكنهم\".\n[¬١٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬١٤]- في خ: \"أنهم\".\n[¬١٥]- في خ: \"يزنوا\".","vol":"1","page":444},{"text":"ثمنها، فقال لهم [¬١] موسى: إن اللَّه قد خفف عليكم فشددتم على أنفسكم فأعطوها رضاها وحكمها، ففعلوا واشتروها فذبحوها، فأمرهم موسى ﵇ أن يأخذوا عظمًا منها فيضربوا به القتيل، ففعلوا فرجع إليه روحه فسمى لهم قاتله، ثم عاد ميتًا كما كان، فأخذ قاتله -وهو الذي كان أتى موسى ﵇ فشكا إليه-[فقتله الله] [¬٢] على أسوأ عمله.\nوقال محمد بن جرير (^٤٦١): حدثني محمد [¬٣] بن سعد [¬٤]، حدثني أبي، حدثني عمي، حدثني أبي، عن أبيه [¬٥] عن ابن عباس في قوله في شأن البقرة: وذلك أن شيخًا من بني إسرائيل على عهد موسى ﵇ كان مكثرًا من المال، وكان بنو أخيه فقراء لامال لهم، وكان الشيخ لا ولد له، وكان [¬٦] بنو أخيه ورثته، فقالوا: ليت عمنا قد مات فورثنا ماله، وإنه لما تطاول عليهم ألّا يموت عمهم أتاهم الشيطان فقال لهم: هل لكم إلى أن تقتلوا عمكم، فترثوا ماله، وتغرموا أهل المدينة التي لستم بها دِيَتَهُ؛ وذلك أنهما كانتا [¬٧] مدينتين، كانوا في إحداهما [¬٨]، وكان القتيلِ إذا قتل وطرح [¬٩] بين المدينتين، قيس ما بين القتيل والقريتين فأيتهما [¬١٠] كانت أقرب إليه غرِمَت الدية، وأنهم لما سوّل لهم الشيطان ذلك، وتطاول عليهم ألا يموت عمهم عمدوا إليه فقتلوه، ثم عمدوا فطرحوه على باب المدينة التي ليسوا فيها. فلما أصبح أهل المدينة جاء بنو أخي الشيخ، فقالوا: عمنا قُتل على باب مدينتكم، فواللَّه لتغرمنّ لنا دية عمنا. قال أهل المدينة: نقسم بالله ما قتلنا، ولا علمنا قاتلًا، ولا فتحنا باب مدينتنا منذ أغلق حتى أصبحنا.\nوإنهم عمدوا إلى موسى ﵇ فلما أتوه، قال بنو أخي الشيح: عمنا وجدناه مقتولًا على باب مدينتهم، وقال أهل المدينة: نقسم بالله ما قتلناه، ولا فتحنا باب المدينة من حين أغلقناه حتى أصبحنا، وإن جبريل جاء بأمر السميع العليم إلى موسى ﵇ فقال: قل لهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾. فتضربوه ببعضها.\nوقال السدي (^٤٦٢): ﴿وَإِذْ قَال مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ قال: كان رجل من بني إسرائيل مكثرًا من المال، وكانت له ابنة، وكان له ابن أخ محتاج، فخطب إليه ابن\n_________\n(^٤٦١) - رواه ابن جرير برقم ١١٨٠ - (٢/ ١٨٨)، وإسناده مسلسل بالضعفاء، وقد تقدم هذا الإسناد.\n(^٤٦٢) - تفسير ابن جرير برقم ١١٧٤ - (٢/ ١٨٥ - ١٨٧).\n_________\n[¬١]- زيادة من: ز، خ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- في ز، خ: سعيد.\n[¬٥]- في خ: \"جده\". وفي ز زيادة: عن جده.\n[¬٦]- سقط من: خ.\n[¬٧]- في ز، خ: \"كانا\".\n[¬٨]- في ز: إحديهما.\n[¬٩]- في ز: فطرح.\n[¬١٠]- في. فأيهما.","vol":"1","page":445},{"text":"أخيه ابنته، فأبى أن يزوجه فغضب الفتى، وقال: والله لأقتلن عمي ولآخذن ماله، ولأنكحن ابنته، ولآكلنّ ديته، فأتاه الفتى وقد قدم تجار في بعض أسباط بني إسرائيل، فقال: يا عم؛ انطق معي فخذ لي من تجارة هؤلاء القوم، لعلي أن أصيب منها [¬١]، فإنهم إذا رأوك معي أعطوني؛ فخرج العم مع الفتى ليلًا، فلما بلغ الشيخ ذلك السبط قتله الفتى، ثم رجع إلى أهله، فلما أصبح جاء كأنه يطب عمه -كأنه لا يدري أين هو- فلم يجده، فانطلق نحوه، فإذا هو بذلك السبط مجتمعين عليه، فأخذهم وقال: قتلتم عمي فأدّوا إليَّ ديته، فجعل يبكي ويحثو التراب على رأسه وينادي: واعماه، فرفعهم إلى موسى فقضى عليهم بالدية. فقالوا له: يا رسول الله؛ ادع لنا ربك حتى يبين لنا من صاحبه، فيؤخذ صاحب الجريمة [¬٢] فوالله إنّ ديته علينا لهينة، [ولكن نستحي] [¬٣] أن نعير به. فذلك حين يقول الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ فقال لهم موسى [﵇]: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾. قالوا: نسألك عن القتيل وعمن قتله، وتقول: اذجوا بقرة، أتهزأ بنا؟ ﴿قَال أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾.\nقال ابن عباس (^٤٦٣): فلو اعترضوا [¬٤] بقرة فذبحوها لأجزأت عنهم، ولكنهم شدّدوا، وتعنتوا على موسى، فشدد الله عليهم. فقالوا: ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَال إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَينَ ذَلِكَ﴾. والفارض: الهرمة التي لا تلد، والبكر: التي لم تلد إلا ولدًا واحدًا. والعوان: النَّصَفُ التي بين ذلك، التي قد ولدت وولد ولدها ﴿فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَال إِنَّهُ يَقُولُ [إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾. قال: نقي لونها ﴿تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾. قال: تعجب الناظرين ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَينَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ قَال إِنَّهُ يَقُولُ] [¬٥] إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا﴾. من بياض ولا سواد ولا حمرة ﴿قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾. فطلبوها فلم يقدروا عليها. وكان رجل في بني إسرائيل، من أبر الناس بأبيه، وإن رجلًا مرّ به معه لؤلؤ يبيعه -وكان أبوه نائمًا تحت رأسه المفتاح- فقال له الرجل: تشتري مني هذا اللؤلؤ بسبعين ألفًا؟ فقال له [¬٦] الفتى: كما أنت حتى يستيقظ أبي فآخذه منك بثمانين ألفًا؛ قال [¬٧] الآخر: أيقظ أباك وهو لك بستين ألفا، فجعل التاجر يحط له حتى بلغ [¬٨] ثلاثين ألفًا، وزاد الآخر على أن ينتظر أباه حتى يستيقظ حتى بلغ مائة ألف، فلما أكثر عليه قال: والله لا أشتريه منك بشيء أبدًا، وأبي أن يوقظ أباه فعوضه الله من ذلك اللؤلؤ أن جعل له تلك البقرة، فمرت به بنو إسرائيل يطلبون\n_________\n(^٤٦٣) - ابن أبي حاتم برقم (٦٩٨).\n_________\n[¬١]- في ز: فيها.\n[¬٢]- في ز، خ: \"الفرصة\".\n[¬٣]- في ز: ولكنا نستحيي.\n[¬٤]- في خ: \"أعرضوا\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٦]- سقط من ز، خ.\n[¬٧]- سقط من: خ.\n[¬٨]- سقط من ز.","vol":"1","page":446},{"text":"البقرة، وأبصروا البقرة عنده، فسألوه أن يبيعهم إياها بقرة ببقرة، فأبى، فأعطوه ثنتين فأبى، فزادوه حتى بلغوا عشرة [¬١] فأبى [¬٢] فقالوا: والله لا نتركك حتى نأخذها منك. فانطلقوا به إلى موسى ﵇ فقالوا: يا نبي الله؟ إنا وجدناها عند هذا، فأبى أن يعطيناها وقد أعطيناه ثمنًا، فقال له موسى: أعطهم بقرتك. فقال [¬٣]: يا رسول الله، أنا أحق بمالي. فقال: صدقت، وقال للقوم: أرضوا صاحبكم، فأعطوه وزنها ذهبًا، فأبى، فأضعفوا له مثل ما أعطوه وزنها، حتى أعطوه وزنها عشر مرات ذهبًا فباعهم إياها وأخذ ثمنها، فذبحوها. قال: اضربوه ببعضها، فضربوه بالبَضْعة التي بين الكتفين، فعاش، فسألوه [¬٤]: من قتلك؟ فقال لهم: ابن أخي قال: أقْتلُهُ فآخذ ماله وأنكح ابنته. فأخذوا الغلام فقتلوه.\nوقال سنيد (^٤٦٤): حدثنا حجاج -هو ابن محمد- عن ابن جريج، عن مجاهد، وحجاج، عن أبي معشر، عن محمد بن كعب القرظي ومحمد بن قيس -دخل حديث بعضهم في حديث بعض- قالوا: إن سبطًا من بني إسرائيل لما رأوا كثرة شرور الناس، بنوا مدينة فأعتزلوا شرور الناس، فكانوا إذا أمسوا لم يتركوا أحدًا منهم خارجًا إلا أدخلوه، وإذا افتتحوا قام رئيسهم فنظر وأشرف، فإذا لم ير شيئًا فتح المدينة، فكانوا مع الناس حتى يمسوا، قال: وكان رجل من بني إسرائيل له مال كثير، ولم يكن له وارث غير أخيه، فطال عليه حياته فقتله ليرثه، ثم حمله\nفوضعه على باب المدينة، ثم كمن في مكان هو وأصحابه، قال: فأشرف [¬٥] رئيس المدينة على\nباب المدينة فنظر فلم ير شيئًا ففتح الباب، فلما رأى القتيل ردّ الباب فناداه أخو المقتول وأصحابه:\nهيهات! قتلتموه ثم تردّون الباب! وكان موسى لما رأى القتل كثيرًا في أصحابه -بنى إسرائيل-\nكان إذا رأى القتيل بين ظهراني القوم أخذهم، فكاد يكون بين أخي المقتول وبين أهل المدينة قتال\nحتى لبس الفريقان السلاح، ثم كف بعضهم عن بعض فأتوا موسى فذكروا له شأنهم، قالوا: يا\nموسى [¬٦]؛ إن هؤلاء قتلوا قتيلًا، ثم ردوا الباب. وقال أهل المدينة: يا رسول الله؛ قد عرفت\nاعتزالنا الشرور وبنينا مدينة كما رأيت، نعتزل شرور الناس، والله [¬٧] ما قتلنا ولا علمنا قاتلًا.\nفأوحى الله تعالى إليه أن يذبحوا بقرة، فقال لهم موسى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾.\nوهذه السياقات عن عبيدة وأبي العالية والسدي وغيرهم فيها اختلاف ما، و[¬٨] الظاهر أنها\n_________\n(^٤٦٤) - ورواه ابن جرير في تفسيره برقم ١١٨٢ - (٢/ ١٨٨) من طريق سنيد، واسمه حُسين، ضُعِف مع إمامته ومعرفته! لكونه كان يلقن شيخه الحجاج بن محمد (التقريب).\n_________\n[¬١]- في خ: \"عشرا\".\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- في ز، خ: \"قال\".\n[¬٤]- في ز: فسلوه.\n[¬٥]- في خ: \"فشرف\".\n[¬٦]- في ز، خ: \"رسول الله\".\n[¬٧]- سقط من ز.\n[¬٨]- زيادة من: ز، خ.","vol":"1","page":447},{"text":"مأخوذة من كتب بني إسرائيل، وهي مما يجوز نقلها ولكن لا تصدّق ولا تُكَذّب؛ فلهذا لا يعتمد عليها إلا ما وافق الحق عندنا، والله أعلم.\n﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَال إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَينَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ (٦٨) قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَال إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ (٦٩) قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَينَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ (٧٠) قَال إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ (٧١)﴾.\nأخبر تعالى عن تعنت بني إسرائيل وكثرة سؤالهم لرسولهم، ولهذا [¬١] لما ضيقوا على أنفسهم ضيق الله [¬٢] عليهم، ولو أنهم ذبحوا أبي بقرة كانت لوقعت الموقع عنهم، كما قال ابن عباس وعَبيدةُ وغير واحد، ولكنهم شدّدوا فشدّد عليهم فقالوا: ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ﴾.\nأي [¬٣]: ما هذه البقرة؟ وأي شيء صفتها.\nقال ابن جرير (^٤٦٥): حدثنا أبو كريب، حدثنا عَثَّام [¬٤] بن علي، عن الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: لو أخذوا أدنى بقرة لاكتفوا بها، ولكنهم شددوا فشدّد الله عليهم.\nإسناد صحيح، وقد رواه غير واحد عن ابن عباس، وكذا قال عبيدة والسدي، ومجاهد وعكرمة، وأبو العالية وغير واحد.\nوقال ابن جريج: قال لي [¬٥] عطاء: لو أخذوا أدنى بقرة لكفتهم [¬٦].\n_________\n(^٤٦٥) - رواه ابن جرير برقم ١٢٣٥ - (٢/ ٢٠٤).\n_________\n[¬١]- في ت: \"وهذا\".\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- سقط من: خ.\n[¬٤]- في ز، خ: \"عثمان\".\n[¬٥]- سقط من ز.\n[¬٦]- في ز: كفتهم.","vol":"1","page":448},{"text":"قال ابن جريج: قال رسول الله، ﷺ: \"إنما أمروا بأدنى بقرة، ولكنهم لما شدّدوا على أنفسهم شدّد الله عليهم، وايم الله، لو أنهم لم يستثنوا لما [¬١]، بُيِّنَتْ لهم آخر الأبد\" (^٤٦٦).\n﴿قَال إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ﴾. أي: لا كبيرة هرمة ولا صغيرة لم يلحقها الفحل، كما قاله أبو العالية والسدي، ومجاهد وعكرمة، وعطية العوفي وعطاء الخراساني ووهب بن منبه والضحاك والحسن وقتادة، وقاله ابن عباس أيضًا.\nوقال الضحاك عن ابن عباس (^٤٦٧): ﴿عَوَانٌ بَينَ ذَلِكَ﴾. [يقول: نَصَفٌ] [¬٢] بين الكبيرة والصغيرة، وهي أقوى ما يكون من الدواب والبقر وأحسن ما تكون [¬٣]، وروي عن عكرمة ومجاهد، وأبي العالية والربيع بن أنس، وعطاء الخراساني والضحاك نحو ذلك.\nوقال السدي: العوان: النَّصَف التي بين ذلك التي قد [¬٤] ولدت، وولد ولدها.\nوقال هشيم: عن جويبر (^٤٦٨) عن كثير بن زياد، عن الحسن في البقرة: كانت بقرة وحشية.\nوقال ابن جريج: عن عطاء، عن ابن عباس (^٤٦٩): من لبس نعلًا صفراء لم يزل في سرور ما دام لابسها؛ وذلك قوله تعالى ﴿صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾ وكذا قال مجاهد ووهب بن منبه: إنها كانت صفراء.\nوعن ابن عمر (^٤٧٠): كانت صفراء الظِّلف. وعن سعيد بن جبير: كانت صفراء القرن والظلف.\nوقال ابن أبي حاتم (^٤٧١): حدَّثنا أبي، حدَّثنا نصر بن علي، حدَّثنا نوح [¬٥] بن قيس، أنبأنا أبو رجاء، عن الحسن في قوله تعالى: ﴿صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾. قال: سوداء شديدة السواد.\n_________\n(^٤٦٦) - مرسل بل معضل رواه ابن جرير في تفسيره برقم ١٢٤٢ - (٢/ ٢٠٥).\n(^٤٦٧) - رواه ابن جرير برقم (١٢١٠)، وابن أبي حاتم برقم (٧٠٤) وإسناده ضعيف.\n(^٤٦٨) - جويبر: متروك الحديث، وهو عند ابن أبي حاتم برقم (٧٠٩)، وابن جرير برقم (١٢٢١).\n(^٤٦٩) - رواه ابن أبي حاتم برقم (٧١٠) والطبراني (١٠/ ١٠٦١٢).\n(^٤٧٠) - رواه ابن أبي حاتم برقم (٧١٢).\n(^٤٧١) - إسناده صحيح، والحديث عند ابن أبي حاتم برقم ٧١٤ - (١/ ٢٢٠).\n_________\n[¬١]- في ز: ما.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في خ: \"يكون\".\n[¬٤]- سقط من ز.\n[¬٥]- في ز: فرح.","vol":"1","page":449},{"text":"وهذا غريب، والصحيح الأوّل؛ ولهذا أكد صفرتها بأنه ﴿فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾.\nوقال عطية العوفي: ﴿فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾. [تكاد تسود] [¬١] من صفرتها.\nوقال سعيد بن جبير: ﴿فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾. قال: صافية اللون. وروي عن أبي العالية والربيع ابن أنس، والسدّي والحسن وقتادة نحوه.\nوقال شريك عن مغراء، عن ابن عمر: ﴿فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾. قال: صاف [¬٢].\nوقال العوفي في تفسيره عن ابن عباس: ﴿فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾. شديدة الصفرة، تكاد من صفرتها تبيض.\nوقال السدّي: ﴿تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾. أي: تعجب الناظرين. وكذا قال أبو العالية وقتادة والربيع بن أنس.\nوقال وهب بن منبه: إذا نظرت إلى جلدها يُخَيَّل إليك أنْ شعاع الشمس يخرج من جلدها. [وفي التوراة أنها كانت حمراء، فلعل هذا خطأ في التعريب، أو كما قال الأول: إنها كانت شديدة الصفرة تضرب إلى حمرة وسواد، والله أعلم] [¬٣].\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَينَا﴾ أي [¬٤]: لكثرتها، فميِّز لنا هذه البقرة وصفها وجَلِّها لنا ﴿وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ إذا بينتها لنا ﴿لَمُهْتَدُونَ﴾ إليها.\nوقال ابن أبي حاتم (^٤٧٢): حدَّثنا أحمد بن يحيى الأودي الصوفي، حدَّثنا أبو سعيد أحمد بن داود الحداد، حدَّثنا سرور بن المغيرة الواسطي -ابن أخي منصور بن زاذان- عن عباد بن منصور، عن الحسن، عن أبي رافع، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"لولا أنّ بني إسرائيل قالوا: ﴿وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾ لما [¬٥] أعطوا ولكن استثنوا\".\n_________\n(^٤٧٢) - إسناده ضعيف: عباد بن منصور: ضعفوه وترجمته في الميزان (٣/ ٣٧٦). وسرور بن المغيرة ذكره الذهبي في الميزان (٢/ ١١٦) وقال: ذكره الأزدي وتكلم فيه، وقال أبو حاتم (٤/ ٣٢٥): شيخ. وأورده في اللسان (٣/ ١١). وابن حبان في الثقات: (٦/ ٤٣٧) والحديث في تفسير ابن أبي حاتم برقم ٧٢٧ - (١/ ٢٢٣).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في خ: \"يكاد يسود\".\n[¬٢]- في ز: صافي.\n[¬٣]- ما في المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- في ز، خ: \"ما\".","vol":"1","page":450},{"text":"ورواه الحافظ أبو بكر بن مردويه (^٤٧٣) في تفسيره من وجه آخر، عن سرور بن المغيرة ابن [¬١] زاذان، عن عباد بن منصور، عن الحسن، عن حديث أبي رافع، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله، صلى اللَّه عديه وسلم: \"لولا أن بني إسرائيل قالوا ﴿وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾ ما أعطوا أبدًا، ولو أنهم اعترضوا بقرة من البقر فذبحوها لأجزأت عنهم، ولكنهم شدّدوا فشدّد الله عليهم\".\nوهذا حديث غريب من هذا الوجه، وأحسن أحواله أن يكون من كلام أبي هريرة، كما تقدم مثله عن السدّي، والله أعلم.\n﴿قَال إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ﴾. أي: إنها ليست مذللة بالحراثة، ولا معدّة للسقي في [السانية] بل هي مكرّمة حسنة [¬٢] صبيحة ﴿مسلمة﴾. صحيحة لا عيب فيها ﴿لا شية فيها﴾ أي: ليس فيها لون غير لونها.\nوقال عبد الرزاق (^٤٧٤) عن معمر عن قتادة: ﴿مسلمة﴾ يقول: لا عيب فيها، وكذا قال أبو العالية والربيع، وقال مجاهد: ﴿مسلمة﴾ من الشية.\nوقال عطاء الخراساني: ﴿مسلمة﴾ القوائم والخلق.\n﴿لا شية فيها﴾ قال مجاهد: لا بياض ولا سواد. وقال أبو العالية والربيع والحسن وقتادة: ليس فيها بياض. وقال عطاء الخراساني: ﴿لَا شِيَةَ فِيهَا﴾ قال: لونها واحد بهيم. وروي عن عطية العوفي، ووهب بن منبه، وإسماعيل بن أبي خالد نحو ذلك.\nوقال السدّي: ﴿لا شية فيها﴾ من بياض ولا سواد ولا حمرة، وكل هذه الأقوال متقاربة في المعنى.\n[وقد زعم بعضهم أنّ المعنى في ذلك قوله تعالى: ﴿إنها بقرة لا ذلول﴾ ليست بمذللة بالعمل، ثم استأنف فقال ﴿تُثِيرُ الْأَرْضَ﴾ أي: يعمل عليها بالحراثة لكنها لا تسقي الحرث. وهذا ضعيف؛ لأنه فسر الذلول التي [لم] تذلل بالعمل بأنها لا تثير الأرض ولا تسقي الحرث، كذا قرره القرطبي وغيره] [¬٣]. ﴿قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾ [] [¬٤] قال قتادة: الآن بيَّنتَ لنا. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: وقبل ذلك، والله قد جاءهم الحق.\n_________\n(^٤٧٣) - إسناده ضعيف: فيه عباد بن منصور، وهو ضعيف.\n(^٤٧٤) - رواه ابن جرير برقم (١٢٥٩)، وابن أبي حاتم برقم (٧٣٨).\n_________\n[¬١]- في ت: عن.\n[¬٢]- في خ: \"حسناء\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- في خ: و.","vol":"1","page":451},{"text":"﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾. قال الضحاك عن ابن عباس: كادوا ألا يفعلوا، ولم يكن ذلك الذي أرادوا؛ لأنهم أرادوا ألَّا يذبحوها.\nيعني أنهم مع هذا البيان، وهذه الأسئلة والأجوبة والإيضاح ما ذبحوها إلا بعد الجهد، وفي هذا ذمٌّ لهم؛ وذلك أنه لم يكن غرضهم إلا التعنت؛ فلهذا ما كادوا يذبحونها [¬١].\nوقال محمد بن كعب ومحمد بن قيس: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾. لكثرة ثمنها.\nوفي هذا نظر؛ لأن كثرة ثمنها لم يثبت إلا من نقل بني إسرائيل، كما تقدم من حكاية أبي العالية والسدي، ورواه العوفي عن ابن عباس. وقال عبيدة ومجاهد ووهب بن منبه وأبو العالية، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم: إنهم اشتروها بمال كثير، وفيه اختلاف، ثم قد قيل في ثمنها غير ذلك.\nوقال عبد الرزاق (^٤٧٥): أنبأنا ابن عيينة، أخبرني محمد بن سوقة، عن عكرمة قال: [ما كان ثمنها إلا ثلاثة دنانير.\nوهذا إسناد جيد عن عكرمة] [¬٢]، والظاهر أنه نقله عن أهل الكتاب أيضًا.\nو[¬٣] قال ابن جرير وقال آخرون: لم يكادوا أن يفعلوا ذلك خوف الفضيحة، إن اطلع الله على قاتل القتيل الذي اختصموا فيه.\nولم يسنده عن أحد، ثم اختار أن الصواب في ذلك أنهم لم يكادوا يفعلون ذلك لغلاء ثمنها، وللفضيحة. وفي هذا نظر؛ بل الصواب -والله أعلم- ما تقدم من رواية الضحاك عن ابن عباس على ما وجهناه، وبالله التوفيق.\n[مسألة\nاستدل بهذه الآية في حصر صفات هذه البقرة حتى تعينت أو تم تقييدها بعد الإطلاق على صحة السلم في الحيوان، كما هو مذهب مالك والأوزاعي، والليث والشافعي، وأحمد وجمهور العلماء سلفًا وخلفًا؛ بدليل ما ثبت في الصحيحين (^٤٧٦) عن النبي ﷺ: \"لا\n_________\n(^٤٧٥) - تفسير عبد الرزاق (١/ ٥٠).\n(^٤٧٦) - صحيح البخاري بلفظ: \"لا تباشر المرأة المرأة فتنعتها إلى زوجها كأنه ينظر إليها\". من حديث ابن مسعود في كتاب النكاح، باب: لا تباشر المرأة المرأة فتنعتها إلى زوجها برقم (٥٢٤١). ورواه أيضًا\n_________\n[¬١]- في ز: يذبحوها.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.","vol":"1","page":452},{"text":"تنعت المرأةُ المرأة لزوجها كأنه ينظر إليها\" وكما وصف النبي ﷺ إبل الدية في قتل الخطأ وشبه العبد بالصفات المذكورة بالحديث، وقال أبو حنيفة والثوري والكوفيون: لا يصح السلم في الحيوان؛ لأنه لا تنضبط أحواله، وحُكي مثله عن ابن مسعود وحذيفة بن اليمان، وعبد الرحمن بن سمرة وغيرهم] [¬١].\n﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٧٢) فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٧٣)﴾\nقال البخاري: ﴿فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا﴾ - اختلفتم.\nوهكذا قال مجاهد فيما رواه ابن أبي حاتم (^٤٧٧)، عن أدِ\"، عن أبي حذيفة، عن شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد أنه قال في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا﴾. اختلفتم.\nوقال عطاء الخراساني والضحاك: اختصمتم فيها، وقال ابن جريج: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا﴾. قال: قال بعضهم: أنتم قتلتموه. وقال آخرون [¬٢]: بل أنتم قتلتموه، وكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم.\n﴿وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾. قال مجاهد: ما تغيبون.\nوقال ابن أبي حاتم (^٤٧٨): حدثنا عمرو بن سلم [¬٣] البصري، حدثنا محمد بن الطفيل العبدي، حدَّثنا صدقة بن رستم، سمعت المسيب بن رافع يقول: ما عمل رجل حسنة في سبعة أبيات إلا أظهرها الله، وما عمل رجل سيئة في سبعة أبيات إلا أظهرها الله؛ وتصديق ذلك في كلام الله ﴿وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٧٢) فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا﴾. هذا البعض أيُّ شيء كان\n_________\n= أبو داود في النكاح، باب: ما يؤمر به من غض البصر (٢١٥٠) والترمذي في الأدب، باب: كراهية مباشرة الرجل الرجل والمرأة المرأة (٢٧٩٢)، والنسائي في عشرة النساء من الكبرى حديث (٩٢٣١). وأحمد برقم (٣٦٠٩، ٣٦٦٨) ولم نقف عليه عند مسلم.\n(^٤٧٧) - رواه ابن أبي حاتم ٧٥١ - (١/ ٢٢٨).\n(^٤٧٨) - صدقة بن رستم: أورده الذهبي في الميزان وقال: قال أبو حاتم ما به بأس، صدوق. وقال ابن حبان: يروي عن الإثبات ما لا يشبه حديث الثقات وهما، وقال البخاري: لم يصح حديثه. ومحمد بن الطفيل: صدوق. والحديث في تفسير ابن أبي حاتم برقم ٧٥٤ - (١/ ٢٢٩). ورواه البيهقي في شعب الإيمان (٥/ ٦٩٤٥).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في ز: الآخرون.\n[¬٣]- في ت: مسلم.","vol":"1","page":453},{"text":"من أعضاء هذه البقرة، فالمعجزة حاصلة به وخرق العادة به كائن، وقد كان معينا في نفس الأمر، فلو كان في تحيينه لنا فائدة تعود علينا في أمر الدين أو الدنيا لبينه الله تعالى لنا، ولكنه [¬١] أبهمه ولم يجئ من طريق صحيح عن معصوم بيانه، فنحن نبهمه كما أبهمه الله.\nولهذا قال ابن أبي حاتم (^٤٧٩): حدَّثنا أحمد بن سنان، حدثنا عفان [¬٢] بن مسلم، حدَّثنا عبد الواحد بن زياد، حدَّثنا الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: إن أصحاب بقرة بني إسرائيل طلبوها أربعين سنة حتى وجدوها عند رجل في بقر له، وكانت بقرة تعجبه، قال: فجعلوا يعطونه بها فيأبى حتى أعطوه [ملء مسكها] [¬٣] دنانير، فذبحوها فضربوه -يعني القتيل- بعضوٍ منها، فقام تَشْخُب أوداجه دمًا، فقالوا له: مَنْ قتلك؟ قال: قتلني فلان.\nوكذا قال الحسن وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم: إنه ضرب ببعضها.\nوفي رواية عن ابن عباس أنهم ضربوه بالعظم الذي يلي الغضروف.\nوقال عبد الرزاق: أنبأنا [¬٤] معمر قال: قال أيوب عن ابن سيرين، عن عبيدة: ضربوا القتيل ببعض لحمها، و[¬٥] قال معمر: قال قتادة: ضربوه [¬٦] بلحم فخذها فعاش، فقال: قتلني فلان (^٤٨٠).\nوقال [وكيع بن الجراح في تفسيره] [¬٧]: حدَّثنا [¬٨] النضر بن عربي، عن عكرمة: ﴿فقلنا اضربوه ببعضها﴾: فضرب بفخذها فقام؛ فقال: قتلني فلان.\nقال ابن أبي حاتم: ورُوي عن مجاهد وقتادة وعكرمة [¬٩]، نحو ذلك.\nوقال السدي: فضربوه بالبَضْعة التي بين الكتفين فعاش، فسألوه، فقال: قتلني ابن أخي.\nوقال أبو العالية: أمرهم موسى ﵇ أن يأخذوا عظمًا من عظامها، فيضربوا به\n_________\n(^٤٧٩) - رواه ابن أبي حاتم برقم ٧٥٥ - (١/ ٢٢٩). وعبد الواحد بن زياد: قال في التقريب: ثقة، في حديثه، عن الأعمش وحده مقال:- قلنا: قد روى الشيخان حديثه عن الأعمش- والمنهال بن عمرو: وثقه ابن معين، والنسائي والعجليّ، وفي التقريب: صدوق ربما وهم.\n(^٤٨٠) - تفسير عبد الرزاق (١/ ٤٩).\n_________\n[¬١]- في ز. ولكن.\n[¬٢]- في ز، خ: \"عثمان\".\n[¬٣]- في خ: \"مثلها\".\n[¬٤]- في خ: \"أخبرنا\".\n[¬٥]- سقط من: خ.\n[¬٦]- في ز، خ: \"فضربوه\".\n[¬٧]- في ز، خ: \"أبو أسامة\"\n[¬٨]- في ز، خ: \"عن\".\n[¬٩]- سقط من: ز، خ.","vol":"1","page":454},{"text":"القتيل، ففعلوا، فرجع إليه روحه، فسمى لهم قاتله، ثم عاد ميتًا كما كان.\nوقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: فضربوه ببعض آرابها.\nوقيل: بلسانها. [وقيل: بعجب ذنبها] [¬١]. وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى﴾ أي: فضربوه فحيي، ونبه تعالى على قدرته وإحيائه الموتى بما شاهدوه من أمر القتيل. جعل ﵎ ذلك الصنع حجة لهم على المعاد، وفاصلًا ما كان بينهم من الخصومة والفساد، والله تعالى قد ذكر في هذه السورة ما [¬٢] خلقه من [¬٣] إحياء الموتى في خمسة مواضع؛ ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ﴾. وهذه القصة، وقصة الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت، وقصة الذي من على قرية وهي خاوية على عروشها، وقصة إبراهيم ﵇ والطيور الأربعة.\nونبه [¬٤] تعالى بإحياء الأرض بعد موتها على إعادة الأَجسام بعد صيرورتها رميمًا، كما قال أبو داود الطالسي (^٤٨١):\nحدَّثنا شعبة، أخبرني يعلى بن عطاء قال: سمعت وكيع بن عُدُس يحدث عن أبي رَزِين العقيلي ﵁ قال: قلت: يا رسول الله؛ كيف يحيي الله الموتى؟ قال: \"أما مررت بواد مُمْحل، ثم مررت به خَضِرا؟ \" قال: بلى قال: \"كذلك النشور\". أو قال: \"كذلك يحيى الله الموتى\". وشاهد هذا قوله تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيتَةُ أَحْيَينَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (٣٣) وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ (٣٤) لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيدِيهِمْ أَفَلَا يَشْكُرُونَ﴾.\n[مسئلة\nاستدل لمذهب الإمام مالك في كون قول الجريح: فلان قتلنى لوثًا بهذه القصة؛ لأن القتيل لما حيي سُئل عمن قتله، فقال: فلان قتلني، فكان ذلك مقبولًا منه، لأنه لايخبر حينئذ إلا بالحق، ولا يتهم والحالة هذه، ورجحوا ذلك لحديث أنس: أن يهوديًّا قتل جارية على أوضاح لها، فرضىخ رأسها بين حجرين، فقيل: من فعل بك هذا؟ أفلان؟ أفلان؟ حتى ذكروا اليهودي، فأومأت برأسها، فأخذ اليهودي، فلم يزل به حتى اعترف، فأمر رسول الله، ﷺ، أن يرضخ رأسه بين حجرين (^٤٨٢).\n_________\n(^٤٨١) - مسند الطيالسي برقم (١٠٨٩) صـ (١٤٧).\n(^٤٨٢) - رواه البخاري في كتاب الخصومات، باب: ما يذكر في الإشخاص والخصومة بين المسلم واليهودي برقم (٢٤١٣).\n_________\n[¬١]- سقط من ز.\n[¬٢]- في ت: \"مما\".\n[¬٣]- في ز: في.\n[¬٤]- في ز، خ: \"وينبه\".","vol":"1","page":455},{"text":"وعند مالك إذا كان لوثًا حلف أولياء القتيل قسامة، وخالف الجمهور في ذلك، ولم يجعلوا قول القتيل في ذلك لوثًا] [¬١].\n﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٧٤)﴾\nيقول تعالى توبيخًا لبني إسرائيل وتقريعًا لهم على ما شاهدوه من آيات الله تعالى وإحيائه الموتى: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ كله ﴿فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ﴾. التي لا تلين أبدًا؛ ولهذا نهى الله المؤمنين عن مثل حالهم فقال: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا [¬٢] كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَال عَلَيهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾.\nو[¬٣] قال العوفي في تفسيره: عن ابن عباس: لما ضُرب المقتول ببعض البقرة جلس أحيا ما كان قط، فقيل له: من قتلك؟ قال [¬٤]: بنو أخي قتلوني، ثم قبض فقال بنو أخيه حين [قبضه الله] [¬٥]: ما قتلناه، فكذبوا بالحق بعد إذ رأوه فقال الله: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾. يعني: بني أخي الشيخ ﴿فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ فصارت قلوب بني إسرائيل مع طول الأمد قاسية، بعيدة عن الموعظة بعد ما شاهدوه من الآيات والمعجزات، فهي في قسوتها كالحجارة التي لا علاج للينها، أو أشد قسوة من الحجارة؛ فإن [¬٦] من الحجارة ما يتفجر [¬٧] منها العيون [الجارية بالأنهار] [¬٨]، ومنها ما يشقق فيخرج منه الماء وإن لم يكان جاريًا، ومنها ما يهبط من رأس الجبل من خشية الله، وفيه إدراك لذلك بحسبه [¬٩]، كما قال: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيءٍ إلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤٤)﴾.\nوقال ابن أبي نجيح عن مجاهد: إنه كان يقول: كل حجر يتفجر منه الماء، أو يتشقق [¬١٠] عن\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في خ: \"تكونوا\".\n[¬٣]- زيادة من: ز، خ.\n[¬٤]- في ز: فقال:\n[¬٥]- في ز، خ: \"قُبض، والله\".\n[¬٦]- في خ: \"فإنه\".\n[¬٧]- في ت: \"تتفجر\".\n[¬٨]- في ت: \"بالأنهار الجارية\".\n[¬٩]- سقط من: خ. وفي ز: لحسه.\n[¬١٠]- في ز: ينشق.","vol":"1","page":456},{"text":"ماء، أو يتردى [¬١] من رأس جبل، لمن خشية الله، نزل بذلك القرآن.\nوقال محمد بن إسحاق: حدّثني محمد بن أبي محمد (^٤٨٣) عن عكرمة -أو سعيد بن جبير- عن ابن عباس ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾. أي: وإن من الحجارة لألين من قلوبكم عَمَّا تدعون إليه من الحق ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾.\n[وقال أبو علي الجبائي في تفسيره ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾. هو سقوط البرد من السحاب.\nقال القاضي الباقلاني: وهذا تأويل بعيد. وتبعه في استبعاده الرازي، وهو كما قال؛ فإن هذا خروج عن اللفط بلا دليل، والله أعلم] [¬٢].\nوقال ابن أبي حاتم (^٤٨٤): حدثنا أبي، حدَّثنا هشام بن عمار، حدثنا الحكم بن هشام الثقفي، حدثني يحيى بن أبي طالب -يعني يحيى بن يعقوب- في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ﴾. قال: هو كثرة البكاء ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ﴾ قال: قليل البكاء ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ قال: بكاء القلب، من غير دموع العين.\n[وقد زعم بعضهم أن هذا من باب المجاز، وهو إسناد الخشوع إلى الحجارة، كما أسندت الإرادة إلى الجدار في قوله: ﴿يريد أن ينقض﴾ قال الرازي والقرطبي وغيرهما من الأئمة: ولا حاجة إلى هذا؛ فإن الله تعالى يخلق فيها هذه الصفة، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَينَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا﴾ وقال: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾. الآية. وقال: ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ (٦)﴾ ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ﴾ الآية ﴿قَالتَا أَتَينَا طَائِعِينَ﴾ ﴿الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ﴾ الآية ﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَينَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ﴾ الآية. وفي الصحيح: \"هذا جبل يحبنا ونحبه\"، وكحنين الجذع المتواتر خبره، وفي صحيح مسلم: \"إني لأعرف حجرًا بمكة كان يسلم علي قبل أن أبعث، إني لأعرفه الآن\" وفي صفة الحجر\n_________\n(^٤٨٣) - مجهول، وهو عند ابن أبي حاتم برقم ٧٧٠ - (١/ ٢٣٣، ٢٣٤)، وإسناده ضعيف. وهو في السيرة (٢/ ١٨٢)، وعند ابن جرير (١/ ٣٦٤ حلبي).\n(^٤٨٤) - رواه ابن أبي حاتم ٧٦٥ - (١/ ٢٣٢). وإسناده ضعيف. هشام بن عمار: صدوق مكثر له ما ينكر. والحكم بن هشام الثقفي: وثقه ابن معين، وأبو داود، والعجلي، وقال أبو حاتم: لا نحتج به. ويحيى بن يعقوب: قال أبو حاتم: محله الصدق، وقال البخاري: منكر الحديث.\n_________\n[¬١]- في ز: تردى.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"1","page":457},{"text":"الأسود أنه يشهد لمن استلمه بحق يوم القيامة، وغير ذلك مما في معناه] [¬١].\nتنبيه\nاختلف علماء العربية في معنى قوله تعالى: ﴿فهي كالحجارة أو أشد قسوة﴾ بعد الإجماع على استحالة كونها للشك، فقال بعضهم: \"أو\"هاهنا بمعنى الواو، تقديره: فهي كالحجارة وأشدّ قسوة، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ [﴿عُذْرًا أَوْ نُذْرًا﴾] [¬٢] وكما قال النابغة الذبياني [¬٣]:\nقالت: ألا ليتما هذا الحمامُ لنا … إلى [¬٤] حَمَامتنا أو نصفُه فَقَدِ\nتريد: ونصفه. قاله ابن جرير. وقال جرير بن عطية:\nقال الخِلافَةَ أو كانت له قدرًا … كما أتى ربَّه موسى على قَدَرِ\nقال ابن جرير: يعني قال الخلافة، وكانت له قدرًا.\nوحكى القرطبي قولًا: أنها للتخيير، أي: مثلًا لهذا وهذا، وهذا مثل: جَالِسِ الحسنَ أو ابنَ سيرين.\nوكذا حكاه الرازي في تفسيره وزاد قولًا آخر: إنها للإبهام بالنسبة إلى الخاطب، كقول القائل: أكلت خبزًا أو تمرًا، وهو يعلم أيهما أكل، وقال آخر: إنها بمعنى قول القائل: [كُلْ] حلوا أو حامضًا، أي: لا يخرج عن واحد منهما. أي: وقلوبكم صارت كالحجارة أو أشد قسوة منها، لا تخرج عن واحد من هذين الشيئين، والله أعلم] [¬٥].\nوقال آخرون: \"أو\"هاهنا بمعنى \"بل\"، تقديره [¬٦]: فيى كالحجارة بل أشدّ قسوة، وكقوله: ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾، ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَينِ أَوْ أَدْنَى (٩)﴾ وقال آخرون: معنى ذلك ﴿فهي كالحجارة أو أشد قسوة﴾ عندكم، حكاه ابن جرير.\nوقال آخرون: المراد بذلك الإبهام على الخاطب كما قال أبو الأسود:\nأحبّ محمدًا حُبًّا شديدًا … وعباسًا وحمزة والوصيَّا\nفإن يك حُبُّهم رشدًا أصبه … ولست بمخطيء إن كان غيًّا\nقال ابن جرير: قالوا: ولا شك أن أبا الأسود لم يكن شاكًّا في أن حب من سمى رَشَدٌ،\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- سقط من ز، خ.\n[¬٣]- في خ: \"الرماني\".\n[¬٤]- في ز: على.\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٦]- في خ: \"فتقديره\".","vol":"1","page":458},{"text":"ولكنه أبهم على من خاطبه، قال: وقد ذكر عن أبي الأسود أنه لما قال هذه الأبيات قيل له: شككت؟ فقال: كلا والله. ثم انتزع [¬١] يقول [¬٢] الله تعالى: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ فقال: أوَ [¬٣] كان شاكًّا من أخبر بهذا: في الهادي منهم من الضلال؟. [وقال بعضهم: معنى ذلك: فقلوبكم [¬٤] لا تخرج عن أحد هذين المثلين؛ إما أن تكون مثل الحجارة في القسوة، وإما أن تكون أشد منها قسوة.\nقال ابن جرير: ومعنى ذلك] [¬٥]-على هذا التأويل-: فبعضها كالحجارة قسوة، وبعضها أشدّ قسوة من الحجارة. وقد رجحه ابن جرير مع توجيه غيره.\n(قلت): وهذا القول الأخير يبقي [¬٦]، شبيهًا بقوله تعالى: ﴿مثلهم كمثل الذي استوقد نارًا﴾ مع قوله: ﴿أو كصيب من السماء﴾، وكقوله: ﴿والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة﴾ مع قوله: ﴿أو كظلمات في بحر لجي﴾. الآية. أي: إن منهم من [هو هكذا] [¬٧]، ومنهم من [هو هكذا] [¬٨]، والله أعلم.\nوقال الحافظ أبو بكر بن مردويه: حدَّثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، حدثنا محمد بين أيوب، حدثنا محمد بن عبد الله بن أبي الثلج، حدثنا علي بن حفص، حدثنا إبراهيم بن عبد الله بن حاطب، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر أن رسول الله، ﷺ، قال: \"لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله؛ فإن كثرة الكلام بغير ذكر الله قسوة القلب، وإن أبعد الناس من الله القلب القاسي\".\nرواه الترمذي (^٤٨٥) في كتاب الزهد من جامعه، عن محمد بن عبد الله بن أبي الثلج، صاحب الإمام أحمد، به.\nومن وجه آخر عن إبراهيم بن عبد الله بن الحارث بن حاطب، به. وقال: غريب لا نعرفه إلا من حديث إبراهيم.\n_________\n(^٤٨٥) - ضيعف، والحديث في سنن الترمذي برقم (٢٤١١)، وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث إبراهيم بن عبد الله بن حاطب، وأورده الإمام مالك في الموطأ (٢/ ٩٨٦) بلاغا عن عيسى ﵇. وانظره في الضعيفة لشيخنا الألباني حفظه الله تعالى حديث (٩٢٠) وانظر أيضًا (٩٠٨).\n_________\n[¬١]- في ز، خ. \"أسرع\".\n[¬٢]- في ز: يقول:\n[¬٣]- في خ: \"و\".\n[¬٤]- في ز: فقلوبهم.\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٦]- سقط من: خ.\n[¬٧]- في ز، خ: \"كهذا\".\n[¬٨]- في ز، خ: \"كهذا\".","vol":"1","page":459},{"text":"[وروى البزار (^٤٨٦) عن أنس مرفوعًا: \"أربع من الشقاء: جمود العين، وقساوة القلب، وطول الأمل، والحرص على الدنيا\"] [¬١].\n﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٥) وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٧٦) أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ (٧٧)﴾\nيقول تعالى: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ﴾ أيها المؤمنون ﴿أَنْ يُؤْمِنُوا [¬٢] لَكُمْ﴾ أي: ينقاد لكم بالطاعة هؤلاء الفرقة الضالة من اليهود، الذين شاهد آباؤهم من الآيات البينات ما شاهدوه، ثم قست قلوبهم من بعد ذلك ﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ﴾ أي [¬٣]: يتأوّلونه على غير تأويله ﴿مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ﴾ أي: فهموه على الجلية ومع هذا يخالفونه على بصيرة ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أنهم مخطئون فيما ذهبوا إليه من تحريفه وتأويله، وهذا المقام شبيه بقوله تعالى ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾.\nقال محمد بن إسحاق (^٤٨٧): حدثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس أنه قال: ثم قال الله تعالى لنبيه ﷺ ولمن معه من المؤمنين يؤيسهم منهم: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ وليس\n_________\n(^٤٨٦) - ضعيف، وهو في كشف الأستار برقم (٣٢٣٠)، ومختصر زوائد البزار ٢٠٠٣ - (٢/ ٤٥٦) من طريق هانئ بن المتوكل، عن عبد الله بن سليمان وأبان عن أنس به مرفوعًا، وقال البزار: \"عبد الله بن سليمان حدث بأحاديث لم يتابع عليها\"، وقال ابن حجر: وهانئ ضعيف. وقال الهيثمي في المجمع (١٠/ ٢٢٦): \"وفيه هانئ بن المتوكل، وهو ضعيف\". وقال ابن حبان: هانئ بن المتوكل: كثرت المناكير في روايته ولا يجوز الاحتجاج به. وأورد الحديث ابن الجوزي في الموضوعات وقال ابن الجوزي: وعبد الله بن سليمان مجهول.\nوالحديث في الحلية (٦/ ١٧٥) من طريق صالح المري، عن يزيد الرقاشي عن أنس. وإسناده ضعيف لضعف صالح المري، ويزيد: متروك.\n(^٤٨٧) - السيرة (١٢/ ١٨٢)، وابن أبي حاتم ٧٧٣ - (١/ ٢٣٤) وإسناده ضعيف.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في ز: يؤمن.\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.","vol":"1","page":460},{"text":"قوله: [يسمعون كلام الله] [¬١]: يسمعون [¬٢] التوراة. كلهم قد سمعها، ولكنهم الذين سألوا موسى رؤية ربهم فأخذتهم الصاعقة فيها.\nقال محمد بن إسحاق فيما حدثني بعض أهل العلم: إنهم قالوا لموسى، يا موسى، قد حيل بيننا وبين رؤية الله تعالى فأسمعنا كلامه حين يكلمك. فطلب ذلك موسى إلى ربه تعالى، فقال: نعم مُرْهُم فليتطهروا، وليطهروا ثيابهم ويصوموا ففعلوا، ثم خرج بهم حتى أتوا الطور، فلما غشيهم الغمام أمرهم موسى أن يسجدوا [فوقعوا سجودًا] [¬٣]، وكلمه ربه تعالى فسمعوا [¬٤] كلامه يأمرهم وينهاهم حتى عقلوا عنه ما سمعوا، ثم انصرف بهم إلى بني إسرائيل، فلما جاءوهم حرّف فريق منهم ما أمرهم به، [وقالوا حين قال موسى لبني إسرائيل: إن الله قد أمركم بكذا وكذا، قال ذلك الفريق الذين ذكرهم الله؛ إنما قال كذا وكذا خلافًا لما قال الله ﷿ لهم] [¬٥]، فهم الذين عنى الله لرسوله ﷺ.\nوقال السدي ﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ﴾ قال: هي التوراة، حرّفوها.\nوهذا الذي ذكره السدي أعم مما ذكره ابن عباس وابن إسحاق، وإن كان قد اختاره ابن جرير لظاهر السياق، فإنه ليس يلزم من سماع كلام الله أن يكون منه، كما سمعه الكليم موسى ابن عمران ﵊ وقد قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ أي: مُبلَّغًا إليه؛ ولهذا قال قتادة في قوله: ﴿ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ قال: هم اليهود، و[¬٦] كانوا يسمعون كلام الله ثم يحرّفونه من بعدما عقلوه ووعوه.\nوقال مجاهد: الذين يحرّفونه والذين يكتمونه هم العلماء منهم.\nوقال أبو العالية: عمدوا إلى ما أنزل الله في [¬٧] كتابهم، من نعت محمد ﷺ، فحرّفوه عن مواضعه، وقال السدي ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أي: أنهم أذنبوا. وقال ابن وهب: قال ابن زيد في قوله: ﴿يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ﴾ قال: التوراة التي أنزلها الله عليهم يحرّفونها؛ يجعلون الحلال فيها حرامًا [والحرام فيها حلالًا] [¬٨] والحق فيها باطلًا، والباطل فيها حقًّا، إذا جاءهم المحق برشوة أخرجوا له كتاب الله، وإذا جاءهم المبطل\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في ز، خ: \"سمعوا\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- في خ: \"فلما سمعوا\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- زيادة من: ز، خ.\n[¬٧]- في ز، خ: \"نعت\".\n[¬٨]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.","vol":"1","page":461},{"text":"برشوة أخرجوا له ذلك الكتاب، فهو فيه محق، وإن جاءهم [¬١] أحد يسألهم شيئًا [¬٢] ليس فيه حق، ولا رشوة، ولا شيء، أمروه بالحق، فقال الله لهم: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾.\nو[¬٣] قوله تعالى: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا [آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ] [¬٤]﴾. الآية.\nقال محمد بن إسحاق: حدثنا [¬٥] محمد بن أبي محمد عن عكرمة أو -سعيد بن جبير- عن ابن عباس ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا﴾. أي: بصاحبكم رسول الله، ولكنه إليكم خاصة ﴿وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا﴾. لا تحدثوا العرب بهذا؛ فإنكم قد كنتم تستفتحون به عليهم، فكان منهم. فأنزل الله: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾. أي: تقرّون بأنه نبي، وقد علمتم أنه قد أخذ له الميثاق عليكم [¬٦] باتباعه، وهو يخبرهم أنه النبي الذي كنا ننتظر، ونجد في كتابنا. اجحدوه ولا تقرّوا به. يقول الله تعالى: ﴿أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾.\nوقال الضحاك: عن ابن عباس: يعني المنافقين من اليهود، كانوا إذا لقوا أصحاب محمد ﷺ قالوا: آمنا.\nوقال السدي (^٤٨٨): هؤلاء ناس من اليهود آمنوا ثم نافقوا، وكذا قال الربيع بن أنس وقتادة وغير واحد من السلف والخلف، حتى قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم فيما رواه ابن وهب عنه: كان رسول الله، ﷺ، قد قال: \"لا يدخلن علينا قصبة المدينة إلا مؤمن\" فقال رؤساؤهم من أهل الكفر والنفاق: اذهبوا فقولوا: آمنا، واكفروا إذا رجعتم إلينا، فكانوا يأتون المدينة بالبكَر [¬٧] يرجعون إليهم بعد العصر. وقرأ قول الله تعالى: ﴿وَقَالتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾. وكانوا يقولون إذا دخلوا المدينة: نحن مسلمون؛ ليعلموا خبر رسول الله ﷺ وأمره، فإذا رجعوا رجعوا إلى الكفر، فلما أخبر الله نبيه ﷺ قطع ذلك عنهم فلم يكونوا يدخلون.\n_________\n(^٤٨٨) - رواه ابن جرير في تفسيره ١٣٤٩ - (٢/ ٢٥٤) عن يونس، عن ابن وهب، به. وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم: ضعيف جدًّا.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"جاء\".\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- سقط من: خ.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٥]- في خ: \"حدثني\".\n[¬٦]- سقط من: ز، خ.\n[¬٧]- في ز: بالبُكير.","vol":"1","page":462},{"text":"وكان المؤمنون يظنون أنهم مؤمنون، فيقولون: أليس قد قال الله لكم: كذا وكذا؟ فيقولون: بلى. فإذا رجعوا إلى قومهم -[يعني: الرؤساء] [¬١]- قالوا: ﴿أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيكُمْ﴾ الآية.\nوقال أبو العالية: ﴿أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيكُمْ﴾. يعني: بما أنزل الله [¬٢] عليكم في كتابكم من نعت محمد ﷺ.\nوقال عبد الرزاق (^٤٨٩) عن معمر عن قتادة: ﴿أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾. قال: كانوا يقولون: سيكون نبي. فخلا بعضهم [إلى بعض] [¬٣]، فقالوا: ﴿أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيكُمْ﴾.\nقول آخر في المراد بالفتح:\nقال ابن جريج: حدثني القاسم بن أبي بَزَّة عن مجاهد (^٤٩٠)، في قوله تعالى: ﴿أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيكُمْ﴾. قال: قام النبي ﷺ يوم قريظة تحت حصونهم، فقال: \"يا إخوان القردة والخنازير، ويا عبدة الطاغوت\". فقالوا: من أخبر بهذا [¬٤] الأمر محمدًا؟ ما خرج هذا القول إلا منكم ﴿أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيكُمْ﴾. بما حكم الله للفتح، ليكون لهم حجة عليكم. قال ابن جريج: عن مجاهد هذا حين أرسل إليهم عليًّا، فآذوا محمدًا ﷺ.\nوقال السدي ﴿أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيكُمْ﴾ - من العذاب - ﴿لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾. هؤلاء ناس من اليهود آمنوا ثم نافقوا، فكانوا [¬٥] يحدّثون المؤمنين من العرب بما عُذّبوا به، فقال بعضهم لبعض: ﴿أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيكُمْ﴾ من العذاب، ليقولوا: نحن أحب إلى الله منكم، وأكرم على الله منكم.\nوقال عطاء الخراساني ﴿أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيكُمْ﴾ يعني: بما قضى لكم وعليكم.\nوقال الحسن البصري: هؤلاء اليهود كانوا إذا لقوا الذين آمنوا قالوا: آمنا، وإذا خلا بعضهم إلى بعض قال بعضهم: لا تحدثوا أصحاب محمد بما فتح الله عليكم مما في كتابكم؛ فيحاجوكم\n_________\n(^٤٨٩) - تفسير عبد الرزاق (١/ ٥٠).\n(^٤٩٠) - مرسل. وهو عند ابن جرير ١٣٤٧ - (٢/ ٢٥٢ - ٢٥٣).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في ز، خ: \"ببعض\".\n[¬٤]- في خ: \"هذا\".\n[¬٥]- في ز، خ: \"وكانوا\".","vol":"1","page":463},{"text":"به عند ربكم، فيخصموكم.\nوقوله تعالى: ﴿أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾. قال أبو العالية: يعني ما أسروا من كفرهم بمحمد، ﷺ، وتكذيبهم به، وهم [¬١] يجدونه مكتوبًا عندهم. وكذا قال قتادة.\nوقال الحسن ﴿أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ﴾. قال: كان ما أسروا أنهم كانوا إذا تولوا عن أصحاب محمد، ﷺ، وخلا بعضهم إلى بعض، تناهوا أن يخبر أحد [¬٢] منهم أصحاب محمد، ﷺ، بما فتح الله عليهم مما في كتابهم، خشية أن يحاجهم أصحاب محمد، ﷺ، بما في كتابهم عند ربهم. ﴿وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ يعني: حين قالوا لأصحاب محمد ﷺ: آمنا. وكذا قال أبو العالية والربيع وقتادة.\n﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إلا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إلا يَظُنُّونَ (٧٨) فَوَيلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيدِيهِمْ وَوَيلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ (٧٩)﴾\nيقول تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ﴾ أي: ومن أهل الكتاب. قاله مجاهد. والأمّيون جمع أمّي، وهو الرجل الذي لا يحسن الكتابة. قاله أبو العالية والربيع، وقتادة وإبراهيم النخعي، وغير واحد، وهو ظاهر في قوله تعالى: ﴿لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ﴾ أي: لا يدرون ما فيه؛ ولهذا في صفات النبي ﷺ: أنه الأمي [¬٣]؛ لأنه لم يكن يحسن الكتابة، كما قال تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾. وقال ﵊: \"إنا أمّة أمّية، لا نكتب ولا نحسب، الشهر هكذا وهكذا وهكذا\". الحديث، أي: لا نفتقر في عباداتنا ومواقيتها إلى كتاب ولا حساب. وقال [تبارك] وتعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾.\nوقال ابن جرير: نسبت العرب من لا يكتب ولا يَخُط من الرجال إلى أمِّه في جهله بالكتاب، دون أبيه. قال: وقد روي عن ابن عباس ﵄ [¬٤] قول خلاف هذا، وهو ما حدثنا، به (^٤٩١):\n_________\n(^٤٩١) - هذا إسنادٌ فيه ضعف وانقطاع -كما تقدم، والحديث في تفسير ابن جرير ١٣٥٨ - (٢/ ٢٥٨، ٢٥٩). بشر بن عُمارة: ضعفه النسائي ومشاه غيره. وقال البخاري: يعرف وينكر. وقال ابن عدي:=\n_________\n[¬١]- في ز: وهو.\n[¬٢]- في خ: \"واحد\".\n[¬٣]- في خ: \"أمى\".\n[¬٤]- في ز، خ: \"عنه\".","vol":"1","page":464},{"text":"أبو كريب، حدثنا عثمان بن سعيد، عن بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ﴾ قال: الأمّيون قوم لم يصدّقوا رسولًا أرسله الله، ولا كتابًا أنزله الله، فكتبوا كتابًا بأيديهم، ثم قالوا لقوم سفلة جُهَّال: هذا من عند الله. وقال: قد أخبر أنهم يكتبون بأيديهم، ثم سماهم أمّيين لجحودهم كتب الله ورسله. ثم قال ابن جرير: وهذا التأويل تأويل على خلاف ما يعرف من كلام العرب المستفيض بينهم. وذلك أنّ الأمّي عند العرب الذي لا يكتب.\nقلت: ثم في صحة هذا عن ابن عباس بهذا الإسناد نظر، والله أعلم.\nو[¬١] قوله تعالى: ﴿إلا أَمَانِيَّ﴾ قال ابن أبي طلحة عن ابن عباس: إلا أماني: إلا أحاديث.\nوقال الضحاك عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿إلا أَمَانِيَّ﴾ يقول: إلا قولًا يقولونه بأفواههم كذبًا. وقال مجاهد: إلا كذبًا. وقال سنيد: عن حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إلا أَمَانِيَّ﴾. قال: أُنَاس من اليهود [¬٢] لم يكونوا يعلمون من الكتاب شيئًا، وكانوا يتكلمون بالظن بغير ما في كتاب الله، ويقولون: هو من الكتاب، أماني يتمنونها. وعن الحسن البصري، نحوه.\nوقال أبو العالية والرييع وقتادة: ﴿إلا أَمَانِيَّ﴾ يتمنون على الله ما ليس لهم.\nوقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: ﴿إلا أَمَانِيَّ﴾ قال: تمنوا فقالوا: نحن من أهل الكتاب. وليسوا منهم.\nقال ابن جرير (٤٩٢): والأشبه بالصواب قول الضحاك عن ابن عباس. وقول [¬٣] مجاهد: إن الأمّيين الذين وصفهم الله تعالى أنهم لا يفقهون من الكتاب الذي أنزله [¬٤] الله تعالى على موسى - شيئًا، ولكنهم يَتَخَرَّصُون [¬٥] الكذب، ويَتَخَرَّصُون [¬٦] الأباطيل كذبًا وزورًا. والتمني [¬٧] في هذا الموضع هو تخلق الكذب وتخرصه [¬٨]. ومنه الخبر المروي عن عثمان بن عفان، ﵁، ما تغنيت ولا تمنيت. يعني: ما تخرصت [¬٩] الباطل ولا تخلقت [¬١٠]، الكذب.\n_________\n= حديث بشر بن عمارة عندي إلى الاستقامة أقرب (الميزان ١/ ٣٢١). والضحاك لم يسمع من ابن عباس. (٤٩٢) - تفسير ابن جرير (٢/ ٢٦٢).\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في ز: يهود.\n[¬٣]- في ت: وقال.\n[¬٤]- في ز: أنزل.\n[¬٥]- في خ: \"يتحرصون\".\n[¬٦]- في خ: \"يتحرصون\".\n[¬٧]- في ز: والمتمني.\n[¬٨]- في خ: \"وتحرضه\".\n[¬٩]- في خ: \"تحرصت\".\n[¬١٠]- في ت: اختلقت.","vol":"1","page":465},{"text":"[وقيل: المراد بقوله إلا أماني بالتشديد والتخفيف أيضًا أي: إلا تلاوة، فعلى هذا يكون استثناء منقطعًا، واستشهدوا على ذلك بقوله تعالى: ﴿إلا إِذَا تَمَنَّى﴾ أي تلا ﴿أَلْقَى الشَّيطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ الآية. وقال كعب بن مالك الشاعر:\nتمنَّى كتاب الله أوّل ليلِهِ … وآخره لاقى حمام المقادر\nوقال آخر:\nتمنى كتاب الله آخر ليلِهِ … تمني داود الكتاب على رسل] [¬١]\nوقال محمد بن إسحاق (^٤٩٣): حدثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﴿لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إلا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إلا يَظُنُّونَ﴾. أي [¬٢]: ولا يدرون ما فيه، وهم يجحدون [¬٣] نبوتك بالظن.\nوقال مجاهد ﴿وَإِنْ هُمْ إلا يَظُنُّونَ﴾: يكذبون.\nوقال قتادة وأبو العالية والربيع: يظنون بالله [¬٤] الظنون بغير الحق.\nوقوله تعالى: ﴿فَوَيلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾. الآية هؤلاء صنف آخر من اليهود، وهم الدعاة إلى الضلال بالزور والكذب على الله، وأكل أموال الناس بالباطل.\n[والويل: الهلاك والدمار] [¬٥]، وهي كلمة مشهورة في اللغة. وقال سفيان الثوري: عن زياد بن فَيَّاض، سمعت أبا عياض يقول: ويل: صديد في أصل جهنم.\nوقال عطاء بن يسار: الويل: واد في جهنم لو سيرت فيه الجبال لماعت.\nوقال ابن أبي حاتم (^٤٩٤): حدثنا يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن\n_________\n(^٤٩٣) - رواه ابن جرير (١٣٦٢)، وإسناده ضعيف.\n(^٤٩٤) - إسناده ضعيف، وهو في تفسير ابن أبي حاتم ٨٠٣ - (١/ ٢٤٣). ورواه أحمد بزيادة في آخره برقم ١١٧٢٩ - (٣/ ٧٥)، وأخرجه عبد بن حميد في \"المنتخب\" (٩٢٤) ثنا الحسن بن موسى، به، ومن طريقه الترمذي في التفسير، باب: ومن سورة الأنبياء، ﵈ (٣١٦٤) وأخرجه أبو يعلى في مسنده (٢/ ١٣٨٣) حدثنا زهير، حدثنا الحسن بن موسى، به. وأسد بن موسى في \"الزهد\" (١٥) حدثنا ابن لهيعة، به. والبيهقي في \"البعث\" (٤٨٧) من طريق كامل، ثنا ابن لهيعة، به. وقال\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في خ: \"يجدون\".\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.","vol":"1","page":466},{"text":"الحارث، عن درّاج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري، عن رسول الله، ﷺ، قال: \"ويل: واد في جهنم يهوي فيه الكافر أربعين خريفًا قبل أن يبلغ قعره\".\nورواه الترمذي (^٤٩٥)، عن عبد بن حميد عن الحسن بن موسى، عن [¬١] ابن لهيعة، عن درّاج، به. وقال: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث ابن لهيعة.\n(قلت): لم ينفرد به ابن لهيعة كما ترى، ولكن الآفة ممن بعده، وهذا الحديث بهذا الإسناد -مرفوعًا- منكرٌ، والله أعلم.\nوقال ابن جرير (^٤٩٦): حدَّثنا المثنى، حدَّثنا إبراهيم بن عبد السلام بن صالح التستري [¬٢]، حدثنا علي بن جرير، عن حماد بن سلمة، في عبد الحميد بن جعفر، عن كنانة العدوي، عن عثمان بن عفان، ﵁، عن رسول الله، ﷺ: ﴿فَوَيلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيدِيهِمْ وَوَيلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾. قال: \"الويل: جبل في النار، وهو الذي أنزل في اليهود؛ لأنهم حرّفوا التوراة، زادوا فيها ما أحبوا، ومحوا منها ما يكرهون، ومحوا اسم محمد ﷺ من التوراة ولذلك غضب الله عليهم فرفع بعض التوراة؛ فقال تعالى: ﴿فَوَيلٌ\n_________\n= الترمذي: هذا حديث غريب، لا نعرفه مرفوعًا إلا من حديث ابن لهيعة. قلنا: لم ينفرد برفعه ابن لهيعة كما قال الترمذي بل تابعه عمرو بن الحارث، عن دراج، به. كما في حديثنا هذا، وكما عند الطبري في \"تفسيره\" (١/ ٣٧٨)، وابن حبان في \"صحيحه\" (١٦/ ٧٤٦٧)، وهو في \"الموارد\" (٨/ ٢٦١٠).\nمن طريق عبد الله بن وهب عنه، به.\nوأخرجه الحاكم في \"المستدرك\" (٤/ ٥٩٦)، والبيهقي في \"البعث\" (٤٦٥). من طريقين عن ابن وهب، به مطولًا، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وتابع ابن وهب، رشدين بن سعد، عن عمرو، به مطولًا. أخرجه نعيم بن حماد في \"زوائد الزهد لابن المبارك\" (٣٣٤) ومن طريق ابن المبارك رواه البغوي في \"شرح السنة\" (١٥/ ٤٤٠٩). وعلى ذلك فالآفة ليست من ابن لهيعة، وإنما من رواية دراج، عن أبي الهيثم.\nوقد جاء موقوفًا من نفس طريق المرفوع أخرجه الحاكم (٢/ ٥٣٤)، ومن طريقه البيهقي (٤٦٤) بلفظ: \"الويل وادٍ في جهنم يهوي فيه الكافر أربعين خريفًا، قبل أن يفرغ من حساب الناس\". وقال الحاكم: صحيح الإسناد.\nوالحديث زاد نسبته السيوطي في \"الدر المنثور\" (١/ ١٥٩) إلى ابن أبي الدنيا في \"صفة النار\" وابن مردويه.\n(^٤٩٥) - ضعيف، وهو في سنن الترمذي كتاب تفسير القرآن، باب: سورة الأنبياء، برقم (٣١٦٤). وانظر التعليق السابق.\n(^٤٩٦) - تفسير ابن جرير ١٣٦٨، ١٣٩٥ - (٢/ ٢٦٨، ٢٧١).\n_________\n[¬١]- سقط من ز.\n[¬٢]- في ز: العشيري، والمثبت من ابن جرير.","vol":"1","page":467},{"text":"لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيدِيهِمْ وَوَيلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ \".\nوهذا غريب أيضًا جدًّا.\n[وعن ابن عباس: الويل: المشقة من العذاب. وقال الخليل بن أحمد: الويل شدّة الشر. وقال سيبويه: ويل لمن وقع في الهلكة، وويح لمن أشرف عليها. وقال الأصمعي: الويل تفجع، والويل ترحم. وقال غيره: الويل الحزن. وقال الخليل: وفي معنى ويل ويح وويش وويه وويك وويب، ومنهم من فرّق بينها.\nوقال بعض النحاة: إنما جاز الابتداء بها وهي نكرة؛ لأن فيها معنى الدعاء، ومنهم من جوّز نصبها بمعنى ألزمهم ويلًا. (قلت): لكن لم يقرأ بذلك أحد] [¬١].\nوعن عكرمة عن ابن عباس، ﵄، ﴿فَوَيلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيدِيهِمْ﴾ قال: هم أحبار اليهود. وكذا قال سعيد: عن قتادة: هم اليهود.\nوقال سفيان الثوري: عن عبد الرحمن بن علقمة سألت ابن عباس، ﵁، عن قوله تعالى: ﴿فَوَيلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيدِيهِمْ﴾ قال: نزلت في المشركين وأهل الكتاب.\nوقال السديُّ: كان ناس من اليهود كتبوا كتابًا من عندهم، يبيعونه من العرب، ويحدثونهم أنه [¬٢] من عند الله، ليأخذوا [¬٣] به ثمنًا قليلًا.\nوقال الزهري: أخبرني عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس أنه قال: يا معشر المسلمين، كيف تسألون أهل الكتاب عن شيء، [وكتاب الله] [¬٤] الذي أنزله [¬٥] على نبيه أحدث أخبار الله تقرءونه [¬٦] غضًّا لم يَشِب؟، وقد حَدَّثكم الله تعالى أن أهل الكتاب قد بدلوا كتاب الله وغيروه، وكتبوا بأيديهم الكتاب، وقالوا: هو من عند الله؛ ليشتروا به ثمنًا قليلًا، أفلا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مُسَاءلتهم، ولا والله ما رأينا منهم أحدًا قط سألكم عن الذي أنزل إليكم.\nرواه البخاري من طرق، عن الزهري (^٤٩٧).\nوقال الحسن بن أبي الحسن البصري:، الثمن القليل: الدنيا بحذافيرها.\n_________\n(^٤٩٧) - صحيح البخاري في الشهادات، باب: لا يسأل أهل الشرك عن الشهادة وغيرها برقم (٢٦٨٥) وانظر (٧٣٦٣، ٧٥٢٣).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- سقط من خ.\n[¬٣]- في ز: فيأخذوا.\n[¬٤]- في ز: وكتابكم.\n[¬٥]- في ز: أنزل الله.\n[¬٦]- في خ: \"تعرفونه\".","vol":"1","page":468},{"text":"وقوله تعالى: ﴿فَوَيلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيدِيهِمْ وَوَيلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾. أي: فويل لهم مما كتبوا بأيديهم من الكذب والبهتان والافتراء، وويل لهم مما أكلوا به من السحت، كما قال الضحاك عن ابن عباس ﵄: ﴿فَوَيلٌ لَهُمْ﴾ يقول: فالعذاب عليهم، من الذي كتبوا بأيديهم من ذلك الكذب ﴿وَوَيلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ يقول: مما يأكلون به الناس السفلة وغيرهم.\n﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إلا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾\nيقول تعالى إخبارًا عن اليهود فيما نقلوه وادّعوه لأنفسهم، من أنهم لن تمسهم النار إلا أيامًا معدودة، ثم ينجون منها، فردّ الله عليهم ذلك بقوله تعالى: ﴿قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا﴾. أي: بذلك، فإن كان قد وقع عهد [¬١] فهو لا يُخَلف عهده، ولكن هذا ما جرى ولا كان؛ ولهذا أتى \"بأم\" التي بمعنى: بل، أي: بل تقولون على الله ما لا تعلمون من الكذب والافتراء عليه.\nقال محمد بن إسحاق، عن سيف بن سليمان، عن مجاهد، عن ابن عباس، إنّ اليهود كانوا يقولون: إنّ [¬٢] هذه الدنيا سبعة آلاف سنة، وإنما نُعَذَّبُ بكل ألف سنة يومًا في النار، وإنما هي سبعة أيام معدودة [¬٣]، فأنزل الله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إلا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ إلى قوله: ﴿خَالِدُونَ﴾.\nثم رواه عن محمد (^٤٩٨)، عن سعيد أو عكرمة، عن ابن عباس بنحوه [¬٤].\nوقال العوفي عن ابن عباس: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إلا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾: اليهود قالوا: لن تمسنا النار إلا أربعين ليلة (^٤٩٩).\n[زاد غيره: وهي مدة عبادتهم العجل. وحكاه القرطبي عن ابن عباس وقتادة] [¬٥]. وقال الضحاك: قال ابن عباس: زعمت اليهود أنهم وجدوا في التوراة مكتوبًا أنّ ما بين طرفي جهنم\n_________\n(^٤٩٨) - رواه ابن أبي حاتم برقم (٨١٨).\n(^٤٩٩) - ابن جرير برقم (١٤٠٥) وسنده ضعيف جدًّا.\n_________\n[¬١]- سقط من ز.\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في ز: معدودات.\n[¬٤]- في خ: \"نحوه\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"1","page":469},{"text":"مسيرة أربعين سنة إلى أن ينتهوا إلى شجرة الزقوم، التي هي نابتة [¬١] في أصل الجحيم، وقال أعداء [¬٢] الله: إنما نُعذَّب حتى ننتهي إلى شجرة الزقوم، فتذهب جهنم وتهلك [¬٣]. فذلك قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾.\nوقال عبد الرزاق (^٥٠٠): عن معمر عن قتادة: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ يعني: الأيام التي عبدنا فيها العجل.\nوقال عكرمة: خاصمت اليهود رسول الله- ﷺ فقالوا: لن ندخل النار إلا أربعين ليلة، وسيخلفنا فيها [¬٤] قوم آخرون- يعنون [¬٥] محمدًا ﷺ وأصحابه، ﵃، فقال رسول الله، ﷺ، بيده على رءوسهم: \"بل أنتم خالدون مخلدون لا يخلفكم إليها أحد\". فأنزل الله ﷿: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾. الآية.\nوقال الحافط أبو بكر بن مردويه ﵀: حدّثنا عبد الله بن جعفر، حدّثنا محمد بن محمد بن صخر، حدّثنا أبو عبد الرحمن المقرئ، حدثنا ليث بن سعد، حدّثني سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة ﵁ قال: لما فتحت خيبر أهديت لرسول الله ﷺ شاة فيها سُم، فقال رسول الله- ﷺ: \"اجمعوا لي من كان من اليهود هاهنا\". فقال لهم رسول الله، ﷺ: \"من أبوكم؟ \" قالوا: فلان. قال: \"كذبتم؛ بل أبوكم فلان\". فقالوا: صدقت وبَرِرت.\nثم قال لهم: \"هل أنتم صادقيَّ عن شيء إن سألتكم عنه؟ \". قالوا: نعم، يا أبا القاسم؛ وإن كذبناك عرفت كذبنا كما عرفته في أبينا. فقال لهم رسول الله ﷺ: \"من أهل النار؟ \". فقالوا: نكون فيها يسيرًا ثم تخلفوا نا فيها. فقال لهم رسول الله، صلى الله عيه وسلم: \"اِخسَئُوا، والله لا نخلفكم فيها أبدًا\". ثم قال لهم رسول الله، ﷺ: \"هل أنتم صادقيَّ عن شيء إن سألتكم عنه؟ \". قالوا: نعم، يا أبا القاسم؛ قال [¬٦]: \"هل جعلتم في هذه الشاة سُمًّا؟ \" فقالوا: نعم. قال: \"فما [¬٧] حملكم على ذلك؟ \". فقالوا: أردنا؛ إن كنت كاذبًا أن نستريح منك، وإن كنت نبيًّا لم يضرك.\n_________\n(^٥٠٠) - تفسير عبد الرزاق (١/ ٥١).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"ثابتة\".\n[¬٢]- في خ: \"عهد\".\n[¬٣]- في خ: \"لعلك\".\n[¬٤]- في ز، خ: \"إليها\".\n[¬٥]- في ز، خ: \"يعني\".\n[¬٦]- في ز: فقال.\n[¬٧]- في ز: ما.","vol":"1","page":470},{"text":"ورواه الإمام [¬١] أحمد والبخاري والنسائي من حديث الليث بن سعد بنحوه (^٥٠١).\nبَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٨١) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٨٢)\nيقول تعالى: ليس الأمر كما تمنيتم ولا كما تشتهون؛ بل الأمر أنه مَنْ عمل سيئة وأحاطت به خطيئته، وهو من وافى يوم القيامة وليست [¬٢] له حسنة؛ بل جميع أعماله [¬٣] سيئات؛ فهذا من أهل النار [﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾] [¬٤] [أي [¬٥]: آمنوا بالله ورسوله، وعملوا الصالحات] [¬٦] من العمل الموافق للشريعة فهم [¬٧] من أهل الجنة، وهذا المقام شبيه بقوله تعالى: ﴿لَيسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾.\nقال محمد بن إسحاق (^٥٠٢): حدّثني محمد بن أبي محمد، عن سعيد -أو عكرمة- عن ابن عباس ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً﴾. أي: عمل مثل [¬٨] أعمالكم، وكفر بمثل ما كفرتم به، حتى يحيط به كفره، فما له من حسنة.\nوفي رواية عن ابن عباس، قال: الشرك (^٥٠٣).\nقال ابن أبي حاتم (^٥٠٤): وروي عن أبي وائل وأبي العالية ومجاهد، وعكرمة، والحسن وقتادة\n_________\n(^٥٠١) - المسند ٩٨٢٦ - (٢/ ٤٥١) وصحيح البخاري في الجزية والموادعة، باب: إذا غدر المشركون بالمسلمين، هل يعفى عنهم برقم (٣١٦٩)، وأطرافه (٤٢٤٩، ٥٧٧٧)، وسنن النسائي الكبرى برقم (١١٣٥٥).\n(^٥٠٢) - رواه ابن أبي حاتم ٨٢٧ - (١/ ٢٥٠) ٠ و٨٣٠ - (١/ ٢٥٢) وابن جرير ١٤٢٠ - (٢/ ٢٨٠).\n(^٥٠٣) - رواه ابن أبي حاتم بإسناد ضعيف إلى ابن عباس برقم ٨٢ - (١/ ٢٥١).\n(^٥٠٤) - ابن أبي حاتم (١/ ٢٥١).\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- في ز: وليس.\n[¬٣]- في ز، خ: \"عمله\".\n[¬٤]- سقط من ز.\n[¬٥]- في ز: والذين.\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من خ.\n[¬٧]- في ز: فهو.\n[¬٨]- في ز، خ: \"بمثل\".","vol":"1","page":471},{"text":"والربيع بن أنس، نحوه.\nوقال الحسن أيضًا والسدي: السيئة: الكبيرة من الكبائر (^٥٠٥).\nوقال ابن جريج عن مجاهد ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾. قال: بقلبه.\nوقال أبو هريرة وأبو وائل وعطاء والحسن: ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾. قالوا [¬١]: أحاط به شركه.\nوقال الأعمش، عن أبي رزين، عن الربيع بن خُثَيم ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ قال: الذي يموت على خطايا [¬٢] من قبل أن يتوب. وعن السدي وأبي رزين. نحوه.\nوقال أبو العالية ومجاهد والحسن في رواية عنهما، وقتادة والربيع بن أنس: ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ الكبيرة الموجبة، وكل هذه الأقوال متقاربة في المعنى، والله أعلم. ويذكر هاهنا الحديث الذي رواه الإمام أحمد حيث قال (^٥٠٦):\nحدَّثنا سليمان بن داود، حدَّثنا [عمران عن قتادة] [¬٣]، عن عبد ربه، عن أبي عياض، [] [¬٤] عن عبد الله بن مسعود ﵁: أنّ رسول الله، ﷺ، قال: \"إياكم ومحقرات الذنوب، فإنهن يجتمعن علي الرجل حتى يهلكنه\". وإنّ رسول الله، ﷺ، ضرب لهنّ مثلًا، كمثل قوم نزلوا بأرض فلاة، فحضر صنيع القوم، فجعل الرجل ينطلق فيجيء بالعود، والرجل يجيء بالعود، حتى جمعوا سوادًا، وأججوا نارًا، فأنضجوا ما قذفوا فيها.\n_________\n(^٥٠٥) - رواه ابن أبي حاتم بإسناده ٨٢٨ - (١/ ٢٥١).\n(^٥٠٦) - المسند ٣٨١٨ - (٢/ ٤٠١). وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ١٨٩) وقال: رواه أحمد والطبراني في الأوسط ورجالهما رجال الصحيح غير عمران بن داور القطان وقد وثق. وهو تساهل من الحافظ الهيثمي رحمه الله تعالى، فإن عبد ربه -وهو ابن أبي يزيد- قال ابن المديني: مجهول -لم يرو له شيء في الصحيحين. وأبو عياض تفرد بالرواية عنه عبد ربه، ولم يرو له إلا أبو داود والكَسائي.\nورواه أحمد عن حديث سهل بن سعد ٢٢٩١٤ - (٥/ ٣٣١). ثنا أنس بن عياض، حدثني أبو حازم -لا أعلمه إلا عن سهل بن سعد- قال: قال رسول الله، ﷺ: \"إياكم ومحقرات الذنوب، فإنما مثل محقرات الذنوب كقوم نزلوا في بطن واد، فجاء ذا بِعُودٍ، وجاء ذا بعود، حتى أنضجوا خبْزَتَهم، وإن محقراتِ الذنوب متى يؤخذ بها صاحبُها تهلكه\". أخرجه الطبراني في الكبير (٦/ ١٦٥، ١٦٦ / رقم: ٨٨٧٢). وفي الصغير (٢/ ٣٢٧ / رقم: ٨٨٧). وفي الأوسط كما في=\n_________\n[¬١]- في ز: قال.\n[¬٢]- في خ: \"خطاياه\".\n[¬٣]- في ز: عمر بن قتادة، وفي خ: عمرو بن قتادة.\n[¬٤]- في خ زيادة: عن عبد ربه.","vol":"1","page":472},{"text":"وقال محمد بن إسحاق: حدّثني محمد، عن سعيد -أو عكرمة- عن ابن عباس ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ أي: من آمن بما كفرتم به [¬١]. وعمل بما [¬٢] تركتم من دينه، فلهم الجنة خالدين فيها. يخبرهم أن الثواب بالخير والشر مقيم على أهله [لا انقطاع له أبدًا] [¬٣].\n﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إلا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَينِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيتُمْ إلا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ (٨٣)﴾\nيُذكِّر ﵎ بني إسرائيل بما أمرهم به من الأوامر، وأخذه ميثاقهم على ذلك، وأنهم تولوا عن ذلك كله، وأعرضوا قصدًا وعمدًا، وهم يعرفونه ويذكرونه، فأمرهم تعالى أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا. وبهذا أمر جميع خلقه؛ ولذلك خلقهم، كما قال تعالى: [﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إلا نُوحِي إِلَيهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إلا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ وقال تعالى] [¬٤]: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ وهذا هو أعلى الحقوق وأعظمها، وهو حق الله ﵎ أن يعبد وحده لا شريك له، ثم بعده حق المخلوقين، وآكدهم وأولاهم بذلك حق الوالدين؛ ولهذا يقرن [تبارك و] [¬٥] تعالى [كثيرًا] [¬٦] بين حقه وحق الوالدين، كما قال تعالى: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ وقال ﵎: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إلا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَينِ إِحْسَانًا﴾ الآية. إلى أن قال: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ﴾\nوفي الصحيحين (^٥٠٧)، عن ابن مسعود، قلت: يا رسول الله؛ أيُّ العمل أفضل؟ قال:\n_________\n= مجمع البحرين (٨/ ٢٦١، ٢٦٢ / رقم: ٥٠٨٠). وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ١٩٠) وقال: رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح، والطبراني في الثلاثة من طريقين، ورجال أحدهما رجال الصحيح غير عبد الوهاب بن عبد الحكم، وهو ثقة.\nورواه من حديث عائشة (٦/ ٧٠، ١٥١).\n(^٥٠٧) - صحيح البخاري، كتاب مواقيت الصلاة، باب: فضل الصلاة لوقتها برقم (٥٢٧) وأطرافه (٧٥٣٤، ٥٩٧٠) وصحيح مسلم، كتاب الإيمان برقم ١٣٧ - (٨٥).\n_________\n[¬١]- سقط من ز.\n[¬٢]- في ز: ما.\n[¬٣]- في ز، خ: \"أبدًا لا انقطاع له\".\n[¬٤]- سقط من ز، خ.\n[¬٥]- في ز: الله.\n[¬٦]- زيادة من ز.","vol":"1","page":473},{"text":"\"الصلاة على وقتها\" قلت: ثم أي؟ قال: \"بر الوالدين\" قلت: ثم أي؟ قال: \"الجهاد في سبيل الله\" ولهذا جاء في الحديث الصحيح (^٥٠٨): أنّ رجلا قال: يا رسول الله؛ من أبَرُّ؟ قال: \"أمك\" قال: ثم من؟ قال: \"أمك\" قال: ثم من؟ قال: \"أباك، ثم أدناك ثم [¬١] أدناك\".\n[وقوله تعالى: ﴿لَا تَعْبُدُونَ إلا اللَّهَ﴾ قال الزمخشري: خبر بمعنى الطلب وهو آكد، وقيل: كان أصله: أن لا تعبدوا إلا الله، كما قرأها من قرأها من السلف فحذفت أن فارتفع، وحكى عن أُبي، وابن مسعود أنهما قرآها: (لا تعبدوا إلا اللَّه) ونقل هذا التوجيه القرطبي في تفسيره عن سيبويه. قال: واختاره الكسائى والفراء] [¬٢].\nقال ﴿وَالْيَتَامَى﴾ وهم الصغار الذين لا كاسب لهم من الآباء: ﴿وَالْمَسَاكِينِ﴾ الذين لا يجدون ما ينفقون على أنفسهم وأهليهم، وسيأتي الكلام على هذه الأصناف عند آية النساء، التي أمرنا الله تعالى بها صريحًا في قوله: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيئًا وَبِالْوَالِدَينِ إِحْسَانًا﴾ الآية.\nوقوله تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ أي: كلموهم طيّبًا ولِينُوا لهم جانبًا، ويدخل في ذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالمعروف، كما قال الحسن البصري في قوله تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ فالحُسْن من القول: يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويحلم ويعفو ويصفح، ويقول للناس حسنًا كما قال الله، وهو كل خُلُقٍ حسن رضيه الله.\nوقال الإمام أحمد (^٥٠٩): حدَّثنا روح، حدَّثنا أبو عامر الخَزَّاز، عن أبي عمران الجَوْني، عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذر ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: \"لا\n_________\n(^٥٠٨) - جاء ذلك من حديث معاوية بن حيدة، أخرجه أبو داود في كتاب الأدب، باب: في بر الوالدين برقم (٥١٣٩). والترمذي في كتاب البر والصلة، باب: ما جاء في بر الوالدين برقم (١٨٩٧). وأحمد ٢٠٠٧٦ - (٥/ ٣). كلهم من طريق بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده، به. وقال الترمذي: وهذا حديث حسن. ومن حديث كليب بن منفعة، عن أبيه، عن جده، رواه أبو داود في السنن برقم (٥١٤٠) ومن طريقه ذكره البخاري في تاريخه معلقًا. وأخرج البخاري في صحيحه (٥٩٧١) من حديث أبي زرعة بن جرير، عن أبي هريرة قال: جاء رجل إلى النبي، ﷺ، فقال: يا رسول الله؛ من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: \"أمك\" قال: ثم من؟ قال: \"ثم أمك\" قال: ثم من؟ قال: \"ثم أمك\" قال: ثم من؟ قال: \"ثم أبوك\". ورواه مسلم ٤٠٣ - (٢٥٤٨) وابن ماجه (٢٧٠٦) بنحوه وفي حديثهما: \"ثم أمك\" مرتين.\n(^٥٠٩) - المسند ٢١٦٠٢ - (٥/ ١٧٣)، وأخرجه مسلم في كتاب البر والصلة والآداب (رقم: ٢٦٢٦). والترمذي في كتاب الأطعمة، باب: ما جاء في إكثار ماء المرقة (رقم: ١٨٣٣). كلاهما من طريق صالح بن رستم، به.\n_________\n[¬١]- سقط من ز.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"1","page":474},{"text":"تحقرن من المعروف شيئًا، وإن لم تجد فَالْقَ أخاك بوجه منطلق [¬١] \".\nوأخرجه مسلم في صحيحه، والترمذي [وصححه] [¬٢] من حديث [أبي عامر الخزَّاز] [¬٣]، واسمه صالح بن رستم، به.\nوناسب أن يأمرهم بأن يقولوا للناس حسنًا، بعد ما أمرهم بالإحسان إليهم بالفعل؛ فجمع بين طرفي الإحسان الفعلي والقولي، ثم أكد الأمر بعبادته والإحسان إلى الناس بالمعين من ذلك، وهو الصلاة والزكاة، فقال: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ وأخبر أنهم تولوا [¬٤] عن ذلك كله، أي: تركوه وراء ظهورهم، وأعرضوا عنه على عمد بعد العلم به، إلا القليل منهم. وقد أمر الله تعالى هذه الأمة بنظير ذلك في سورة النساء، بقوله: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيئًا وَبِالْوَالِدَينِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾ فقامت هذه الأمة [¬٥] من ذلك بما لم تقم به أمة من الأم قبلها ولله الحمد والمنة.\nومن النقول الغريبة هاهنا ما ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره (^٥١٠): حدثنا أبي، حدَّثنا محمد بن خلف العسقلاني، حدَّثنا عبد الله بن يوسف [-يعني التنيسي-] [¬٦] حدثنا خالد بن صبيح، عن حميد بن عقبة، عن أسد بن وداعة أنه كان يخرج من منزله فلا يلقى يهوديًّا ولا نصرانيًّا إلا سلم عليه فقيل له: ما شأنك تسلم على اليهودي والنصراني؟ فقال: إن الله تعالى يقول: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ وهو السلام. قال: وروي عن عطاء الخراساني، نحوه.\n(قلت): وقد [ثبت في] [¬٧] السنة أنهم لا يبدءون بالسلام والله أعلم (^٥١١).\nوَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (٨٤) ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ\n_________\n(^٥١٠) - رواه ابن أبي حاتم برقم ٨٥٢ - (١/ ٢٥٩).\n(^٥١١) - أخرجه مسلم في صحيحه في كتاب السلام برقم ١٣ - (٢١٦٧) عن أبي هريرة، ﵁، أن رسول الله، ﷺ، قال: \"لا تبدءوا اليهود ولا النصارى بالسلام، فإذا لقيتم أحدهم في طريق فاضطروه إلى أضيقه\".\n_________\n[¬١]- في المسند: طلق.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط عن: ز، خ.\n[¬٣]- في خ: \"أبي عمران الجوني\".\n[¬٤]- في ز، خ: \"نزلوا\".\n[¬٥]- في خ: \"الآية\".\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٧]- في ز: ثبتت.","vol":"1","page":475},{"text":"فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إلا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٨٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٨٦)\nيقول الله ﵎، منكرًا على اليهود الذين كانوا في زمان رسول الله، ﷺ بالمدينة، وما كانوا يعانونه من القتال مع الأوس والخزرج، وذلك أن الأوس والخزرج -وهم الأنصار- كانوا في الجاهلية عُبَّاد أصنام، وكانت بينهم حروب كثيرة، وكانت يهود المدينة ثلاث قبائل: بنو قينقاع، وبنو النضير حلفاء الخزرج، وبنو قريظة حلفاء الأوس، فكانت الحرب إذا نشبت بينهم قاتل كل فريق مع حلفائه، فيقتل اليهودي أعداءه، وقد يقتل اليهودي الآخر من [¬١] الفريق الآخر، وذلك حرام عليه في دينه ونص كتابه، ويخرجونهم من بيوتهم، وينهبون ما فيها من الأثاث والأمتعة والأموال، ثم إذا وضعت الحرب أوزارها استفكوا الأسارى من الفريق المغلوب، عملًا بحكم التوراة؛ ولهذا قال تعالى: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ ولهذا قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ﴾ أي: لا يقتل بعضكم بعضًا، ولا يخرجه من منزله، ولا يظاهر عليه، كما قال تعالى: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ [ذَلِكُمْ خَيرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ] [¬٢]﴾ وذلك أنّ أهل [الملة الواحدة] [¬٣] بمنزلة النفس الواحدة، كما قال ﵊: \"مثل المؤمنين في توادّهم وتواحمهم وتواصلهم بمنزلة الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحُمَّى والسهر\".\n[وقوله تعالى]: ﴿ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ أي: ثم أقررتم بمعرفة [¬٤] هذا الميثاق وصحته، وأنتم تشهدون به.\n_________\n[¬١]- سقط من ز.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في ز: البلد الواحد.\n[¬٤]- في ز: لمعرفة.","vol":"1","page":476},{"text":"﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ [تَظَاهَرُونَ عَلَيهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيكُمْ إِخْرَاجُهُمْ [¬١]﴾ الآية.\nو[¬٢] قال محمد بن إسحاق بن يسار، حدثني محمد بن أبي محمد، عن سعيد بن جبير -أو عكرمة- عن ابن عباس ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ الآية. قال: أنَّبهم الله بذلك [¬٣] من فعلهم، وقد حرَّم عليهم في التوراة سفك دمائهم، وافترض عليهم فيها فداء أسراهم، فكانوا فريقين: طائفة منهم بنو قينقاع -وهم [¬٤] حلفاء الخزرج، والنضير، وقريظة ش، وهم [¬٥] حلفاء الأوس- فكانوا [¬٦] إذا كانت بين الأوس والخزرج حرب خرجت بنو قينقاع مع الخزرج، وخرجت النضير وقريظة مع الأوس، يظاهر كل واحد من الفريقين حلفاءه على إخوانه حتى يتسافكوا دماءهم بينهم، وبأيديهم التوراة يعرفون فيها ما عليهم وما لهم. والأوس والحزرج أهل شرك يعبدون الأوثان، و[¬٧] لا يعرفون جنة ولا نارًا، ولا بعثًا ولا قيامة، ولا كتابًا، ولا حلالًا ولا حرامًا، فإذا وضعت الحرب أوزارها افتدوا أسراهم، تصديقًا لما في التوراة، وأخذًا به- بعضهم من بعض- يفتدي بنو قينقاع ما كان من أسراهم في أيدي الأوس، ويفتدي النضير وقريظة ما كان في أيدي الخزرج منهم، ويطلون (^٥١٢) ما أصابوا من دمائهم [¬٨]، وقتلى [¬٩] من قتلوا منهم فيما بينهم، مظاهرة لأهل الشرك عليهم.\nيقول الله -تعالى ذكره-[حيث أنَّبَهم] [¬١٠] بذلك ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ أي: تفادونهم [¬١١] بحكم التوراة، وتقتلونهم [¬١٢]، وفي حكم التوراة أن لا يقتل [¬١٣]، ولا [¬١٤] يخرج [¬١٥] من داره، ولا [¬١٦] يظاهر عليه من يُشْرك بالله، ويعبد الأوثان من دونه، ابتغاء عرض الدنيا. ففي ذلك من فعلهم مع الأوس والخزرج -فيما بلغني- نزلت هذه القصة (^٥١٣).\n_________\n(^٥١٢) - طلَّ دمه: أبطله، وأهدره.\n(^٥١٣) - انظر: السيرة النبوية لابن هشام (٢/ ١٨٨) وتفسير ابن جرير برقم ١٤٧١ - (٢/ ٣٠٥).\n_________\n[¬١]- زيادة من: ز، خ.\n[¬٢]- زيادة من: ز، خ.\n[¬٣]- سقط من ز.\n[¬٤]- في ز: وأنهم.\n[¬٥]- في ز، خ: \"وأنهم\".\n[¬٦]- في خ: \"وكانوا\".\n[¬٧]- سقط من: خ.\n[¬٨]- في ز، خ: \"الدماء\".\n[¬٩]- في ز: وقتلوا.\n[¬١٠]- في ز: حين أنبأهم.\n[¬١١]- في ز، خ: \"يفادونهم\".\n[¬١٢]- في ز، خ: \"ويقتله\".\n[¬١٣]- في ز، خ: \"يفعل\".\n[¬١٤]- سقط من: ز، خ.\n[¬١٥]- في ز، خ: \"يخرجه\".\n[¬١٦]- سقط من: خ.","vol":"1","page":477},{"text":"وقال أسباط، عن السدي: كانت قريظة حلفاء الأوس، وكانت النضير حلفاء الخزرج، فكانوا يقتتلون في حرب سُمَير، فيقاتل بنو قريظة مع حلفائها النضير وحلفاءهم، وكانت النضيرُ تقاتل قريظة وحلفاءها، ويغلبونهم [¬١] فيخرّبون ديارهم ويخرجونهم منها، فإذا أسر رجل من الفريقين كليهما [¬٢] جمعوا له حتى يفدوه. فتعيرهم العرب بذلك ويقولون: كيف تقاتلونهم وتفدونهم؟ قالوا: إنا أمرنا أن نفديهم، وحرِّم علينا قتالهم: قالوا: فلم تقاتلونهم؟ قالوا: إنا نستحي [¬٣] أن تُسْتَذلَ [¬٤] حلفاؤنا [¬٥]. فذلك حين عيرهم الله ﵎، فقال تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ الآية.\nوقال شعبة، عن السدي: نزلت هذه الآية في قيس بن الخَظِيم [¬٦]: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ الآية. وقال أسباط، عن السدي، عن عبد خير [¬٧]، قال: غزونا مع سلمان بن ربيعة الباهلي بَلَنْجَر فحاصرنا أهلها ففتحنا المدينة، وأصبنا سبايا، واشترى عبد الله بن سلام يهودية بسبعمائة، فلما مرَّ برأس الجالوت، نزل به فقال له عبد الله: يا رأس الجالوت؛ هل لك في عجوز هاهنا من أهل دينك تشتريها مني؟ قال: نعم، قال: أخذتها بسبعمائة درهم. قال: فإني أربحك سبعمائة أخرى. قال: فإني قد حلفت أن لا أنقصها من أربعة آلاف. قال: لا حاجة لي فيها. قال: والله لتشترينها [¬٨] مني أو لتكفُرَنَّ بدينك الذي أنت عليه. قال: ادن مني، فدنا منه، فقرأ في أذنه التي في التوراة: إنك لا تجد مملوكًا من بني إسرائيل إلا اشتريته فأعتقته ﴿وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ [¬٩] وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيكُمْ إِخْرَاجُهُمْ﴾ قال: أنت عبد الله بن سلام؟ قال: نعم. قال: فجاء بأربعة آلاف، فأخذ عبد الله ألفين، وردّ عليه ألفين.\nوقال آدم بن أبي إياس في تفسيره: حدثنا أبو جعفر -يعني الرازي- حدثنا الربيع بن أنس (^٥١٤)، أخبرنا أبو العالية: أنّ عبد الله بن سلام مَرَّ على رأس الجالوت بالكوفة، وهو يفادي من النساء من لم يقع عليها العرب، ولا يفادي من وقع عليها العرب، فقال عبد الله بن سلام: أما إنه مكتوب عندك في كتابك أن تفاديهنّ كلهنّ.\nوالذي [¬١٠] أرشدت إليه الآية الكريمة، وهذا السياق ذمُّ اليهود في قيامهم بأمر التوراة التي\n_________\n(^٥١٤) - رواه ابن جرير برقم (١٤٨٠).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"ويلعنونهم\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"كلاهما\".\n[¬٣]- في ز: نستحيي.\n[¬٤]- في خ: \"يستدل\".\n[¬٥]- في ز: بحلفائنا.\n[¬٦]- في ز، خ: \"الحطيم\".\n[¬٧]- في خ: \"جبر\".\n[¬٨]- في ز، خ: لتشتريها\".\n[¬٩]- في ز: تفدوهم.\n[¬١٠]- في ز، خ: \"والتي\".","vol":"1","page":478},{"text":"يعتقدون صحتها، ومخالفة شرعها مع معرفتهم بذلك وشهادتهم له بالصحة؛ فلهذا لا يؤتمنون على ما فيها، ولا على نقلها، ولا يصدقون فيما يكتمونه من صفة رسول الله ﷺ ونعته، ومبعثه ومخرجه، ومهاجره، وغير ذلك من شئونه، التي قد [¬١] أخبرت بها الأنبياء قبله [عليهم الصلاة والسلام] [¬٢].\nواليهود عليهم لعائن الله يتكاتمونه بينهم؛ ولهذا قال تعالى: ﴿فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إلا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ أي: بسبب مخالفتهم شرع الله وأمره ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ﴾ جزاء على ما كتموه من كتاب الله الذي بأيديهم ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ [¬٣] أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ﴾ أي: استحبوها على الآخرة واختاروها ﴿فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ﴾، أي: لا يفتر عنهم ساعة واحدة ﴿وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ أي: وليس لهم ناصر ينقذهم مما هم فيه من العذاب الدائم السرمدي، ولا يجيرهم [¬٤] منه.\nوَلَقَدْ آتَينَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّينَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَينَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ (٨٧)\nينعت ﵎ بني إسرائيل بالعتوّ والعناد والمخالفة والاستكبار على الأنبياء، وأنهم إنما يتبعون أهواءهم، فذكر تعالى أنه آتى موسى [¬٥] الكتاب -وهو التوراة- فحرفوها وبدلوها، وخالفوا أوامرها وأولوها، وأرسل الرسل والنبيين من بعده الذين يحكمون بشريعته كما قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيهِ شُهَدَاءَ﴾ الآية. ولهذا قال تعالى: ﴿وَقَفَّينَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ﴾ قال السدي، عن أبي مالك: أتبعا. وقال غيره: أردفنا. والكل قريب، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى﴾ حتى ختم أنبياء بني إسرائيل بعيسى ابن مريم، فجاء بمخالفة التوراة في بعض الأحكام، ولهذا أعطاه الله تعالى من البينات، وهي: المعجزات. قال ابن عباس: من إحياء الموتى، وخلقه من الطين كهيئة الطر فينفخ فيها فتكون طيرًا [¬٦] بإذن الله، وإبرائه الأسقام، وإخباره بالغيوب، وتأييده [¬٧] بروح القدس- وهو جبريل ﵇ - ما يدلهم [به] [¬٨] على صدقه فيما جاءهم به. فاشتد تكذيب بني إسرائيل له،\n_________\n[¬١]- زيادة من: ز، خ.\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- في ز، خ: \"يعملون\".\n[¬٤]- في ز، خ: \"يجزيهم\".\n[¬٥]- في ز، خ: \"بني إسرائيل\".\n[¬٦]- في ز: طائرًا.\n[¬٧]- في ز، خ: \"والتأييد\".\n[¬٨]- زيادة من ز.","vol":"1","page":479},{"text":"وحسدُهم وعنادُهم لمخالفته التوراة في البعض، كما قال تعالى إخبارًا عن عيسى: ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ الآية. فكانت بنو إسرائيل تعامل الأنبياء ﵈ أسوأ المعاملة؛ [ففريقًا يكذبون، وفريقًا يكذبونه و] يقتلونه، وما ذاك إلا لأنهم كانوا يأتونهم بالأمور المخالفة لأهوائهم وآرائهم، ووإلزامهم بأحكام التوراة التي قد تصرفوا في مخالفتها؛ فلهذا كان [ذلك يشق] [¬١] عليهم فيكذبونهم، وربما قتلوا بعضهم؛ ولهذا قال تعالى: ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾.\nوالدليل على أن روح القدس هو جبريل -كما نص عليه ابن مسعود في تفسير هذه الآية، وتابعه على ذلك [ابن عباس] [¬٢] ومحمد بن كعب القرظى [¬٣] وإسماعيل بن أبي [¬٤] خالد، والسدي، والربيع بن أنس، وعطية العوفي، وقتادة مع قوله تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٣]- ما [¬٥] قال البخاري: وقال ابن أبي الزناد، عن أبيه، عن عُروة، عن عائشة: إن رسول الله، ﷺ، وضع لحسان بن ثابت مِنْبرًا في المسجد، فكان ينافح عن رسول الله، ﷺ، فقال رسول الله، ﷺ: \"اللَّهُمَّ؛ أيِّدْ حسان بروح القدس كما نافح عن نبيك [¬٦] \". وهذا [¬٧] من البخاري تعليق (^٥١٥).\nوقد رواه أبو داود في سننه، [عن لُوَين] [¬٨]، والترمذي، عن علي بن حجر، وإسماعيل بن موسى الفزاري، ثلاثتهم، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، وهشام بن عروة، كلاهما عن عروة، عن عائشة به (^٥١٦). وقال الترمذي: حسن صحيح، وهو حديث أبي الزناد.\n_________\n(^٥١٥) - وكذا عزاه المزى في تحفة الأشراف (١٢/ ١٠) للبخاري، وقال الحافظ ابن حجر في \"النكت الظراف\": \"لم أر هذا الموضع في صحيح البخاري، وقد وصله أحمد والطبراني ٣٥٨٠ - (٤/ ٣٧) وصححه الحاكم\". وعبد الرحمن بن أبي الزناد: ضعيف، ضعفه يحيى بن معين، وأحمد بن حنبل، وابن مهدى، وعلي بن المديني، والنسائي، وابن عدي، وابن حبان.\n(^٥١٦) - رواه أبو داود في كتاب الأدب، باب: ما جاء في الشعر برقم (٥٠١٥)، والترمذي في الأدب، باب: ما جاء في إنشاد الشعر برقم (٢٨٤٦). ورواه الطبراني (٤/ ٣٧) رقم (٣٥٨٠) من حديث عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، عن عروة، عن عائشة، واحمد ٢٤٤٨ - (٦/ ٧٢)، والحاكم (٣/ ٥٥٤).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"يشق ذلك\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- زيادة من: ز، خ.\n[¬٤]- زيادة من: ز، خ.\n[¬٥]- في خ: \"كما\".\n[¬٦]- في ز، خ: \"نبيه\".\n[¬٧]- في ت: \"فهذا\".\n[¬٨]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.","vol":"1","page":480},{"text":"وفي الصحيحين (^٥١٧): من حديث سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة: أن عمر بن الخطاب مر بحسان، وهو ينشد الشعر في المسجد، فلحظ إليه [¬١]، فقال: قد كنت أنشد فيه، وفيه من هو خير منك، ثم التفت إلى أبي هريرة فقال: أنشدك الله، أسمعتَ رسول الله ﷺ يقول: \"أجب عني، اللَّهُمَّ، أيده بروح القدس\"؟ فقال: الَّلهُمَّ نعم.\nوفي بعض الروايات: أن رسول الله ﷺ قال لحسان: \"اهجهم -أو هاجهم- وجبريل معك\".\n[وفي شعر حسان قوله:\nوجبريل رسول الله فينا … وروح القدس ليس به خفاء] [¬٢]\nوقال محمد بن إسحاق: حدّثني [عبد الله بن] [¬٣] عبد الرحمن بن أبي حسين المكي، عن شهر بن حوشب الأشعري: أن نفرًا من اليهود سألوا رسول الله ﷺ فقالوا: أخبرنا عن الروح. فقال: \"أنشدكم بالله وبأيامه عند بني إسرائيل، هل تعلمون أنه جبريل وهو الذي يأتيني؟ \" قالوا: نعم (^٥١٨).\n[وفي صحيح ابن حبان، عن ابن مسعود أن رسول الله ﷺ قال: \"إن روح القدس نفث في روعي: أنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها وأجلها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب] [¬٤] \" (^٥١٩).\n_________\n(^٥١٧) - صحيح البخاري كتاب بدء الخلق، باب: ذكر الملائكة، صلوات الله عليهم، برقم (٣٢١٢) وصحيح مسلم فضائل الصحابة برقم ١٥١ - (٢٤٨٥).\n(^٥١٨) - مرسل، ورواه ابن جرير في تفسيره ١٤٨٩ - (٢/ ٣٢٠) من طريق ابن حميد، عن سلمة، عن ابن إسحاق، به، وشهر بن حوشب كثير الإرسال، والأوهام، ضعفه يحيى بن سعيد، وشعبة، والجوزجاني، موسى بن هارون، وأبو حاتم الرازي، وابن حبان، وابن عدي، ووثقه أحمد، وابن معين، وقال أبو زرعة: لا بأس به. وروى له مسلم مقرونًا، وحسن له أحمد ما روى عبد الحميد بن بهرام، عنه.\n(^٥١٩) - إسناده ضعيف، رواه البغوي في شرح السنة برقم ٤١١١، ٤١١٢، ٤١١٣ - (١٤/ ٣٠٣ - ٣٠٥) من طرق، عن زبيد اليامي، عن ابن مسعود -أو عمن أخبره عن ابن مسعود، عن ابن مسعود، له مرفوعًا. ورواه القضاعي في مسند الشهاب حديث ١١٥١ (٢/ ١٨٥) من طريق زبيد اليامي، عمن أخبره، عن ابن مسعود، به، ورواه الحاكم (٢/ ٤) من حديث ابن أبي بكير، عن الليث بن سعد، عن خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن سعيد بن أبي أمية الثقفي، عن يونس بن بكير، عن ابن مسعود ولفظه\". . . . إن جبريل ﵇ ألقى في روعي أن أحدًا منكم لن يخرج من الدنيا حتى يستكمل رزقه فاتقوا الله أيها الناس وأجملوا في الطلب\".\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- زيادة من: ز، خ.\n[¬٤]- ما بين المعكوفين سقط من: ز، خ.","vol":"1","page":481},{"text":"أقوال آخر:\nقال ابن أبي حاتم (^٥٢٠): حدَّثنا أبو زرعة، حدَّثنا منجاب [¬١] بن الحارث، حدَّثنا بشر، عن أبي روق عن الضحاك، عن ابن عباس ﴿وَأَيَّدْنَاهُ [¬٢] بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ قال: هو الاسم الأعظم [¬٣] الذي كان عيسى يُحيي به الموتى.\nوقال ابن جرير (^٥٢١): حدثت [¬٤] عن المنجاب. . . فذكره.\nو[¬٥] قال ابن أبي حاتم: وروي عن سعيد بن جبير نحو ذلك.\n[ونقله القرطبي عن عبيد بن عمير أيضًا قال: وهو الاسم الأعظم] [¬٦]. وقال [ابن أبي نجيح] [¬٧]: الروح هو حفظة على الملائكة.\nوقال أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس: القدس هو الرب ﵎. وهو قول كعب، [وحكى القرطبي عن مجاهد والحسن البصري أنهما قالا: القدس هو الله تعالى، وروحه جبريل. فعلى هذا يكون القول الأوّل] [¬٨]. وقال السدي: القدس البركة.\nوقال العوفي، عن ابن عباس: القدس الطهر.\nوقال ابن جرير (^٥٢٢) حدَّثنا يونس بن عبد الأعلى، أنبأنا [¬٩] ابن وهب قال: قال ابن زيد في قوله تعالى: ﴿وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ قال: أيد الله عيسى بالإنجيل روحًا، كما جعل القرآن روحًا كلاهما روح من الله، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَينَا إِلَيكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾.\nثم قال ابن جرير: وأولى التأويلات في ذلك بالصواب قولُ من قال: الروح في هذا الموضع جبريل؛ لأن الله ﷿ أخبر أنه أيد عيسى به كما أخبر في قوله تعالى: ﴿إِذْ قَال اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ الآية. فذكر أنه أيده به، فلو كان\n_________\n(^٥٢٠) - إسناده فيه ضعف والقطاع- تقدم بيانه، والحديث عند ابن أبي حاتم ٨٩٢ - (١/ ٢٧٠).\n(^٥٢١) - تفسير ابن جرير رقم ١٤٩١ - (٣/ ٣٢١).\n(^٥٢٢) - تفسير ابن جرير برقم ١٤٩٠ - (٣/ ٣٢١).\n_________\n[¬١]- في خ: \"سنجاب\".\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- في ز، خ: \"حديث\".\n[¬٥]- سقط من ز.\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٧]- في خ: \"ابن أبي حاتم\".\n[¬٨]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٩]- في خ: \"أخبرنا\".","vol":"1","page":482},{"text":"الروح الذي أيده به هو الإنجيل، لكان قولًا: ﴿إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾، ﴿وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ تكرير قول لا معنى له، والله [﷾] أعز وأجل [¬١] أن يخاطب عباده بما لا يفيدهم به [¬٢].\n(قلت): ومن الدليل على أنه جبريل ما تقدم في أول السياق، ولله الحمد. [وقال الزمخشري: ﴿بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ بالروح المقدسة كما تقول: حاتم الجود، ورجل صدق، ووصفها بالقدس كما قال: ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ فوصفه بالاختصاص والتقريب تكرمة. وقيل: لأنه لم تضمه الأصلاب والأرحام الطوامث، وقيل: بجبريل، وقيل: بالإنجيل، كما قال في القرآن: ﴿رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ وقيل: باسم الله الأعظم الذي كان يحيي الموتى بذكره، فتضمن كلامه قولًا آخر، وهو أن المراد روح عيسى نفسه المقدّسة المطهرة. وقال الزمخشري في قوله تعالى: ﴿فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ إنما لم يقل؛ وفريقًا، لأنه أراد بذلك وصفهم في المستقبل أيضًا؛ لأنهم حاولوا قتل النبي ﷺ بالسُّمِّ والسحر، وقد قال ﵇ في مرض موته: \"ما زالت أكلة خيبر تعاودني، فهذا أوان انقطاع أبهري\".\n(قلت): وهذا الحديث في صحيح البخاري (^٥٢٣) وغيره] [¬٣].\n﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ (٨٨)﴾\nقال محمد بن إسحاق (^٥٢٤)، حدّثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة -أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ أي: في أكنة.\nوقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ أي: لا تفقه.\n_________\n(^٥٢٣) - رواه البخاري تعليقًا في المغازي، باب: مرض النبي، ﷺ، ووفاته برقم (٤٤٢٨) بلفظ: \"يا عائشة: ما أزال أجد ألم الطعام الذي أكلت بخيبر فهذا أوان وجدت انقطاع أَبهري من ذلك السم\". وهذا الحديث بهذا اللفظ- الذي أورده ابن كثير، وفيه زيادة: \"كل عام\"- رواه ابن عدي في كامله (٣/ ١٢٣٩)، والذهبي في الميزان (٢/ ١٥٦). وأبو نعيم وابن السني- كلاهما في الطب النبوي. ورواه البيهقي (١٠/ ١١) وأورده في فيض القدر (٥/ ٤٤٨). وفي إسناد هذا الخبر سعيد بن محمد الوراق: قال ابن معين: ليس بشيء. وقال ابن سعد وغيره: ضعيف. وقال النسائي: ليس بثقة. وقال الدارقطني: متروك. وقال ابن عدي: يتبين الضعف على رواياته. وروى عنه أحمد بن حنبل وعلي بن حرب وجماعة.\n(^٥٢٤) - رواه ابن جرير برقم ١٤٩٨ - (٢/ ٣٢٥)، وإسناده ضعيف.\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"1","page":483},{"text":"وقال العوفي (^٥٢٥)، عن ابن عباس ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ هي: القلوب المطبوع عليها.\nوقال مجاهد: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾: عليها غشاوة.\nوقال عكرمة: عليها طابع، وقال أبو العالية: أي لا تفقه [¬١]، وقال السدي: يقولون عليها غلاف، وهو الغطاء.\nوقال عبد الرزاق: عن مَعْمَر، عن قتادة [فلا تعي ولا تفقه، قاله مجاهد وقتادة.\nوقرأ ابن عباس: ﴿غُلْفٌ﴾ بضم اللام، وهو جمع غلاف، أي: قلوبنا أوعية لكل علم فلا تحتاج إلى علمك قاله ابن عباس وعطاءٍ.\n﴿بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ﴾ أي: طردهم الله وأبعدهم من كل خير.\n﴿فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ﴾ قال قتادة: معناه لا يؤمن منهم إلا القليل] [¬٢] ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ هو كقوله ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيهِ﴾.\nوقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله: ﴿غُلْفٌ﴾ قال: تقول [¬٣]: قلبي في غلاف فلا يخلص إليه مما [¬٤] تقول [¬٥] شيء [¬٦]، وقرأ: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيهِ﴾.\nوهذا هو [¬٧] الذي رجحه ابن جرير، واستشهد بما رُوي من حديث عمرو بن مرّة الجملي [¬٨]، عن أبي البختري، عن حذيفة قال: \"القلوب أربعة\" (^٥٢٦) فذكر منها: \"وقلب أغلف\n_________\n(^٥٢٥) - رواه ابن جرير برقم ١٥٠٠ - (٢/ ٣٢٦) وإسناده ضعيف.\n(^٥٢٦) - رواه ابن جرير برقم ١٤٩٧ - (٣/ ٣٢٤) وإسناده منقطع. فقد نص في التهذيب على أن أبا البختري لم يدرك حذيفة. وقد رُوي مرفوعًا من حديث أبي سعيد. رواه أحمد بن حنبل - (٣/ ١٧) والطبراني في الصغير (٢/ ١٠٩ - ١١٠)، وأبو نعيم في الحلية (٤/ ٣٨٥). من حديث ليث بن أبي سليم عن عمرو بن مرة، عن أبي البختري، عن أبي سعيد- وإسناده ضعيف لعلتين: الأولى: الإرسال؛ فإن أبا البختري لم يسمع من أبي سعيد، قاله أبو داود، عقب إخراج حديث له عن أبي سعيد- كتاب الزكاة، باب: ما تجب فيه الزكاة، حديث ١٥٥٩ -: \"وأبو البختري لم يسمع من أبي سعيد\". ونقله عنه ابن حجر في التهذيب. وأبو البختري، اسمه سعيد بن فيروز بن أبي عمران الطائي الكوفي. وقال ابن أبي حاتم عن أبيه -في المراسيل-: لم يدرك أبا ذر، ولا أبا سعيد. وذكره ابن حبان في الثقات وقال: سعيد بن\n_________\n[¬١]- في ز: نفقه.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في ز، خ: \"يقول\".\n[¬٤]- في ز، خ: \"ما\".\n[¬٥]- في خ: \"يقول\".\n[¬٦]- سقط من: ز، خ.\n[¬٧]- زيادة من: ز، خ.\n[¬٨]- في ز: الحملي.","vol":"1","page":484},{"text":"مغضوب عليه، وذاك قلب الكافر\".\nوقال ابن أبي حاتم (^٥٢٧): حدَّثنا محمد بن عبد الرحمن العَرْزَميُّ، أنبأنا [¬١] أبي، عن جدّي، عن قتادة، عن الحسن في قوله: ﴿قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ قال: لم تختن.\nوهذا القول يرجع معناه إلى ما تقدّم من عدم طهارة قلوبهم وأنها بعيدة من الخير.\nقول آخر: قال الضحاك عن ابن عباس (^٥٢٨) [في قوله] [¬٢] ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ قال: يقولون [¬٣]: قلوبنا غلف [¬٤] مملوءة علمًا لا تحتاج [¬٥] إلى علم محمد، ولا غيره.\nوقال عطية العوفي [] [¬٦] ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾: أي: أوعية [¬٧] للعلم.\nوعلى هذا المعنى جاءت قراءة بعض الأنصار فيما حكاه ابن جرير ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ بضم اللام، [نقلها الزمخشري] [¬٨] أي: جمع غلاف، أي: أوعية، بمعنى أنهم ادّعوا أن قلوبهم مملوءة بعلم لا يحتاجون معه إلى علم آخر، كما كانوا يَمُنُّون بعلم التوراة؛ ولهذا قال تعالى: ﴿بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ﴾. أي: ليس الأمر كما ادّعوا؛ بل قلوبهم ملعونة مطبوع عليها، كما قال في سورة النساء: ﴿وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إلا قَلِيلًا﴾.\nوقد اختلفوا في معنى قوله تعالى: ﴿فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ﴾ وقوله: ﴿فَلَا يُؤْمِنُونَ إلا قَلِيلًا﴾.\n_________\n= فيروز، ويقال: سعيد بن عمران، وقيل غير ذلك، وقال ابن سعد: كان كثير الحديث، يرسل حديثه، ويروي عن الصحابة، ولم يسمع من كثير أحد، فما كان من حديثه سماعًا فهو حسن، وما كان غيره فهو ضعيف. وقال عنه في التقريب: ثقة ثبت، فيه تشيع قليل، كثير الإرسال. والعلة الثانية: هي أنه من طريق ليث وهو ابن أبي سليم، واسم أبيه أيمن، وقيل: أنس، وقيل غير ذلك، وهو صدوق اختلط جدًّا، ولم يتميز حديثه، فتُرك، قاله ابن حجر. وقال الذهبي: فيه ضعف يسير من سوء حفظه، كان ذا صلاة وصيام، وعلمٍ كثير، وبعضهم احتج به. روى له مسلم مقرونًا. وأما عمرو بن مرة، فهو ثقة. وقال أيضًا الحافظ ابن كثير في تفسيره- سورة النور آية ٢٠ -: إسناده جيد ولم يخرجوه. والحديث ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ٦٣) وقال: رواه أحمد والطبراني في الصغير، وفي إسناده ليث بن أبي سليم.\n(^٥٢٧) - إسناده ضعيف، والحديث عند ابن أبي حاتم برقم ٩٠٢ - (١/ ٢٧٣).\n(^٥٢٨) - ابن جرير برقم ١٥١٣ - (٢/ ٣٢٧).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"حدثنا\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين زيادة من: ز، خ.\n[¬٣]- في ز، خ: \"قالوا\".\n[¬٤]- في ت: عن ابن عباس، والمثبت موافق لما في الطبري (٣٢٧١٢)، والأصلين- ز، خ.\n[¬٥]- في ز: نحتاج.\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٧]- في خ: \"أواعية\".\n[¬٨]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"1","page":485},{"text":"فقال بعضهم: فقليل من يؤمن منهم. وقيل فقليل إيمانهم، بمعنى أنهم يؤمنون بما جاءهم به موسى من أمر المعاد والثواب والعقاب، ولكنه إيمان [¬١] لا ينفعهم؛ لأنه مغمور [¬٢] بما كفروا به من الذي جاءهم به محمد ﷺ.\nوقال بعضهم: إنما [¬٣] كانوا غير مؤمنين بشيء، وإنما قال: ﴿فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ﴾ وهم بالجميع كافرون، كما تقول العرب: قلما [¬٤] رأيت مثل هذا قط. تريد: ما رأيت مثل هذا قط.\n[وقال الكسائي: تقول العرب: من زنى بأرض قلما تنبت. أي: لا تنبت شيئًا] [¬٥] حكاه [¬٦] ابن جرير، ﵀، والله أعلم.\n﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ (٨٩)﴾\nيقول تعالى ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ﴾ يعني: اليهود. ﴿كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ وهو القرآن الذي أنزل على محمد ﷺ مصدّق لما معهم، يعني: من التوراة وقوله: ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. أي: وقد كانوا من قبل مجيء هذا الرسول بهذا الكتاب يستنصرون بمجيئه على أعدائهم من المشركين إذا قاتلوهم، يقولون: إنه سيبعث نبي في آخر الزمان نقتلكم معه قتل عاد وإرم.\nكما قال محمد بن إسحاق (^٥٢٩)، عن عاصم بن [¬٧] عمر بن قتادة، [عن قتادة] [¬٨] الأنصاري، عن أشياخ منهم قال: قالوا [¬٩]: فينا والله وفيهم، يعني: في الأنصار وفي اليهود الذين كانوا جيرانهم، نزلت هذه القصة، يعني: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾. قالوا [¬١٠]: كنا قد علوناهم قهرًا [¬١١] دهرًا في الجاهلية، ونحن أهل شرك وهم أهل كتاب،\n_________\n(^٥٢٩) - رواه ابن جرير برقم ١٥١٩ - (٢/ ٣٣٢)، والسيرة (٢/ ١٩٠).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"إنما\".\n[¬٢]- في ز: معمور.\n[¬٣]- في ز، خ: \"إنهم\".\n[¬٤]- في خ: \"قط\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- في ز، خ: \"حكاها\".\n[¬٧]- في خ: \"عن\".\n[¬٨]- ما بين المعكوفتين سقط من س: ز، خ.\n[¬٩]- سقط من: ز، خ.\n[¬١٠]- في خ: \"قال\".\n[¬١١]- سقط من: ز، خ.","vol":"1","page":486},{"text":"فكانوا يقولون: إن نبيًّا يُبعث الآن نتبعه، قد أظل زمانه فنقتلكم [¬١] معه قتل عاد وإرم، فلما بعث الله رسوله من قريش واتبعناه [¬٢] كفروا به، يقول الله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾.\nوقال الضحاك عن ابن عباس (^٥٣٠) في قوله: ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. قال: يستظهرون، يقولون: نحن نعين محمدًا عليهم، وليسوا كذلك [¬٣] بل [¬٤] يكذبون.\nوقال محمد بن إسحاق (^٥٣١): أخبرني محمد بن أبي محمد، أخبرني عكرمة -أو سعيد بن جبير- عن ابن عباس أن يهودًا كانوا يستفتحون على الأوس والخزرج برسول الله، ﷺ، قبل مبعثه، فلما بعثه الله من العرب كفروا به، وجحدوا ما كانوا يقولون فيه، فقال لهم معاذ بن جبل، وبشر بن البراء بن مَعْرور، [أخو بني] [¬٥] سلمة: يا معشر يهود؛ اتقوا الله وأسلموا، فقد كنتم تستفتحون علينا بمحمد، ﷺ، ونحن أهل شرك، وتخبروننا] [¬٦] بأنه مبعوث، وتصفونه لنا بصفته. فقال سَلام بن مِشْكم [¬٧] أخو بني النضير: ما جاءنا بشيء نعرفه، وما هو بالذي كنا نذكر لكم. فأنزل الله في ذلك من قولهم: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾. الآية [¬٨].\nوقال العوفى (^٥٣٢): عن ابن عباس: ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. يقول: يستنصرون بخروج محمد، صلى الله عليه: سلم، [على مشركي العرب، يعني بذلك أهل الكتاب، فلما بعث محمد، ﷺ] [¬٩] ورأوه من غيرهم كفروا به وحسدوه.\n_________\n(^٥٣٠) - رواه ابن جرير برقم (١٥٣٢)، وسنده ضعيف.\n(^٥٣١) - انظر: السيرة النبوية لابن هشام (٢٢/ ١٩٦) وتفسير ابن جرير ١٥٢٠ - (٢/ ٢٣٣ - ٢٣٤).\n(^٥٣٢) - رواه ابن جرير برقم ١٥٢٢ - (٢/ ٣٣٤)، وسنده ضعيف.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"نقتلكم\".\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في ز، خ: \"لذلك\".\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- في ز، خ: \"وداود بن. .\".\n[¬٦]- في ز: وتخبرونا.\n[¬٧]- في خ: \"مسلم\".\n[¬٨]- سقط من: ز، خ.\n[¬٩]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.","vol":"1","page":487},{"text":"وقال أبو العالية: كانت اليهود تستنصر بمحمد، ﷺ، على مشركي العرب، يقولون: اللَّهُمَّ، ابعث هذا النبي الذي نجده مكتوبًا عندنا حتى نعذب المشركين ونقتلهم. فلما بعث الله محمدًا، ﷺ، ورأوا أنه من غيرهم، كفروا به حسدًا للعرب، وهم يعلمون أنه رسول الله، ﷺ، فقال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾.\nوقال قتادة: ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. قال: وكانوا يقولون: إنه سيأتي نبي ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾.\nوقال مجاهد: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾. [قال: هم اليهود] [¬١].\n﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ (٩٠)﴾\nقال مجاهد: ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾ يهود شروا الحق بالباطل، وكتمانَ ما جاءَ به مُحَمَّد ﷺ، بأن يبينوه.\nوقال السدي: ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾ يقول: باعوا به أنفسهم. يعني: بئسما اعتاضوا لأنفسهم فَرَضُوا [¬٢] به، [وعدلوا إليه من الكفر بما أنزل الله على محمد ﷺ عن تصديقه وموازرته ونصرته] [¬٣]، وإنما حملهم على ذلك البغي والحسد والكراهية ﴿أَنْ [¬٤] يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾. ولا حسد أعظم من هذا.\nو[¬٥] قال ابن إسحاق: عن محمد عن عكرمة -أو سعيد- عن ابن عباس: ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾. أي: أن الله جعله من غيرهم ﴿فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ﴾. قال ابن عباس: فالغضب على الغضب، فغضبه عليهم فيما كانوا ضيعوا من التوراة وهي معهم، وغضب عليهم [¬٦] بكفرهم بهذا النبي الذي بعث [¬٧] الله إليهم.\n_________\n.............................................\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٢]- في ز: ورضوا.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- في ز: لأن.\n[¬٥]- زيادة من: خ.\n[¬٦]- سقط من: ز، خ.\n[¬٧]- في ز، خ: \"أحدث\".","vol":"1","page":488},{"text":"(قلت): ومعنى باءوا: أي [¬١] استوجبوا واستحقوا واستقروا بغضب على غضب، وقال أبو العالية: غضب الله عليهم بكفرهم بالإنجيل وعيسى، ثم غضب الله عليهم بكفرهم بمحمد، ﷺ، وبالقرآن [¬٢].\nو[عن عكرمة وقتادة مثله] [¬٣]. قال السدي: أما الغضب الأول فهو حين غضب عليهم في العِجْل، وأمأ الغضب [¬٤] الثاني فغَضِب عليهم حين كفروا بمحمد ﷺ.\n[وعن ابن عباس مثله] [¬٥]. وقوله تعالى: ﴿وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾. لما كان كفرهم سببه البغي والحسد، ومنشأ ذلك التكبر قوبلوا بالإهانة والصغار في الدنيا والآخرة، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾. [أي: صاغرين حقيرين ذليلين راغمين] [¬٦].\nوقد قال الإمام أحمد (^٥٣٣): [حدثنا يحيى] [¬٧]، حدثنا ابن عجلان، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي، ﷺ، قال: \"يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر في صور [¬٨] الناس، يعلوهم كل شيء من الصغار، حتى يدخلوا سجنًا في جهنم، يقال له: بُولَسُ، تعلوهم [¬٩] نار الأنيار، يسقون من طينة الخبال: عُصارةِ أهل النار\".\n﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَينَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٩١) وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (٩٢)﴾\n_________\n(^٥٣٣) - المسند ٦٦٧٧ - (٢/ ١٧٩). وهو عند الترمذي برقم (٢٤٩٢) وفي الرقائق من الكبرى للنسائي، ورواه البخاري في الأدب المفرد (٥٥٧)، والحميدي ٥٩٨ - (٢/ ٢٧٤)، وابن أبي الدنيا في التواضع والخمول ٢٢٣).\n_________\n[¬١]- زيادة من ز.\n[¬٢]- في ز، خ: \"والقرآن ﵉\".\n[¬٣] ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- زيادة عن: ز، خ.\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٨]- في خ: \"صورة\".\n[¬٩]- في ز: فتعلوهم.","vol":"1","page":489},{"text":"يقول تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ﴾ أي: لليهود وأمثالهم من أهل الكتاب: ﴿آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [أي] [¬١] على محمد ﷺ، وصدقوه واتبعوه ﴿قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَينَا﴾ أي: يكفينا الإيمان بما أنزل علينا من التوراة والإنجيل، ولا نقر إلا بذلك ﴿وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ﴾ يعني بما يعد [¬٢] بعده ﴿وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ﴾ أي: وهم يعلمون أن ما أنزل على محمد، ﷺ، الحق ﴿مُصَدِّقًا﴾ منصوب [¬٣] على الحال، أي: في حال تصديقه [¬٤] لما معهم من التوراة والإنجيل، فالحجة قائمة عليهم بذلك، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَينَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾. ثم [¬٥] قال تعالى ﴿فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ [إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ] [¬٦]﴾ أي: إن كنتم صادقين في دعواكم الإيمان بما أنزل اليكم فَلِمَ قتلتم الأنبياء الذين جاءوكم بتصديق التوراة التي بأيديكم، والحكم بها وعدم نسخها، وأنتم تعلمون صدقهم؟ قتلتموهم بغيًا وعنادًا واستكبارًا على رسل الله، فلستم تتبعون إلا مجرد الأهواء والآراء والتشهي، كما قال تعالى: ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾.\nوقال السدي في هذه الآية: يعيرهم الله ﵎ ﴿قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.\nوقال أبو جعفر بن جرير: قل يا محمد، ليهود بني إسرائيل الذين [¬٧] إذا قلت لهم: آمنوا بما أنزل الله قالوا: نؤمن بما أنزل علينا: لم تقتلون -إِن كنتم يا معشر يهود [¬٨]، مؤمنين بما أنزل الله عليكم-[أنبياء الله] [¬٩]؟ وقد حرم الله في الكتاب الذي أنزل عليكم قتلهم [¬١٠]؛ بل أمركم فيه باتباعهم وطاعتهم وتصديقهم، وذلك من الله تكذيب لهم في قولهم: نؤمن بما أنزل علينا، وتعييرٌ لهم.\n﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ﴾ أي: بالآيات الواضحات [¬١١]، والدلائل القاطعات [¬١٢] على أنه رسول الله، وأنه لا إله إلا الله، و[الآيات] [¬١٣] البينات هي: الطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، والعصا، واليد، وفرق البحر، وتظليلهم بالغمام، والمن،\n_________\n[¬١]- زيادة من ز.\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- سقط من ز.\n[¬٤]- في خ: \"تصديقهم\".\n[¬٥]- سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٧]- سقط من: ز، خ.\n[¬٨]- في ز: اليهود.\n[¬٩]- في ز، خ: \"أنبياءه\".\n[¬١٠]- في خ: \"قبلهم\".\n[¬١١]- في ز، خ: \"الواضحة\".\n[¬١٢]- في ز: القاطعة.\n[¬١٣]- سقط من: ز، خ.","vol":"1","page":490},{"text":"والسلوى، والحجر وغير ذلك من الآيات التي شاهدوها، ﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ﴾ أي: معبودًا من دون الله في زمان موسى وأيامه [¬١]، وقوله: ﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾ أي: من بعد ما ذهب عنكم إلى الطور لمناجاة الله ﷿ -كما قال تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ﴾. ﴿وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ﴾ [أي وأنتم ظالمون] [¬٢]، في هذا الصنيع الذي صنعتموه من عبادتكم العجل، وأنتم تعلمون أنه لا إله إلا الله، كما قال تعالى: ﴿وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾.\n﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَينَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَينَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٩٣)﴾\nيعدد سبحانه [¬٣] وتعالى عليهم خطأهم، ومخالفتهم للميثاق وعتوهم وإعراضهم [¬٤] عنه، حتى رفع الطور عليهم حتى قبلوه، ثم خالفوه؛ ولهذا قال [¬٥]: ﴿قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَينَا﴾. وقد تقدّم تفسير ذلك.\n﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ﴾. قال عبد الرزاق: عن معمر عن قتادة ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ [¬٦]﴾. قال: أشربوا [في قلوبهم] [¬٧] حبه حتى خلص ذلك إلى قلوبهم. وكذا قال أبو العالية والربيع بن أنس.\nوقال الإمام أحمد (^٥٣٤): حدثنا عصام بن خالد، حدثني [¬٨] أبو بكر بن عبد الله بن أبي مريم الغساني، عن خالد بن محمد الثقفي، عن بلال بن أبي الدرداء، عن أبي الدرداء، عن النبي ﷺ: قال \"حبك الشيء يُعْمي وَيُصِم\".\n_________\n(^٥٣٤) - إسناده ضعيف من أجل أبي بكر بن أبي مريم، وبلال بن أبي الدرداء: ثقة روى له أبو داود. وخالد بن محمد الثقفي: ثقة، روى له أبو داود. والحديث في المسند ٢١٧٨٣، ٢١٧٨٤ - (٥/ ١٩٤) وأخرجه أبو داود في كتاب الأدب، باب: في الهوى (رقم: ٥١٣٠)، ورواه أحمد ٢٧٥٨٨ - (٦/ ٤٥٠)، وعبد بن حميد (٢٠٥) والقضاعي في مسند الشهاب ٢١٩ - (١/ ١٥٧)، والطبراني في مسند الشاميين ١٤٥٤ - (٢/ ٣٤٠)، ١٤٦٨ - (٢/ ٣٤٦).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"وآياته\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٣]- في خ: \"تبارك\".\n[¬٤]- سقط س ز.\n[¬٥]- زيادة من: ز، خ.\n[¬٦]- سقط س: ز، خ.\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين زيادة ش: ز، خ.\n[¬٨]- في خ: \"حدثنا\".","vol":"1","page":491},{"text":"ورواه أبو داود، عن حيوة بن شريح، عن بقية، عن أبي بكر بن عبد الله بن أبي مريم، به.\nوقال السدي: أخذ موسى ﵇ العجلَ فذبحه [ثم حرقه] [¬١] بالمبرد، ثم ذراه [¬٢] في البحر، فلم يبق بحر يجري يومئذ إلا وفع فيه شيء منه [¬٣] ثم قال لهم موسى: اشربوا منه. فشربوا، فمن كان يحبه خرج على شاربيه الذهب؛ فذلك حين يقول الله [¬٤] تعالى: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ﴾.\nوقال ابن أبي حاتم (^٥٣٥)، حدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن رجاء، حدثنا [¬٥] إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عمارة بن عبدٍ [¬٦] وأبي عبد الرحمن السلمي، عن علي بن أبي طالب، ﵁، قال: عمد موسى إلى العجل، فوضع عليه المبارد [¬٧] (^٥٣٦)، فبرده [¬٨] بها [¬٩] وهو على شاطئ نهر، فما شرب أحد من ذلك الماء ممن كان يعبد العجل إلا اصفرّ وجهه مثل الذهب.\nوقال سعيد بن جبير: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ﴾. [قال: لما أحرق العجل] [¬١٠] بُرِد، ثم نسف، فحسوا الماء حتى عادت وجوههم كالزعفران.\n[وحكى القرطبي عن كتاب القشيري أنه ما شرب أحد منه ممن عبد العجل إلا جنّ، ثم قال القرطبي: وهذا شيء غير ما هاهنا؛ لأن القصود من هذا السياق أنه ظهر على شفاههم ووجوههم، والمذكور هاهنا أنهم أشربوا في قلوبهم العجل، يعني في حال عبادتهم له، ثم أنشد قول النابغة في زوجه عثمة:\nتغلغل حُبُّ عَثْمَةَ في فؤادي … فباديه مع الخافي يسيرُ\nتغلغل حيث لم يبلغ شراب … ولا حزن ولم يبلغ سرور\n_________\n(^٥٣٥) - تفسير ابن أبي حاتم برقم ٩٣٦ - (١/ ٢٨٢)، وعمارة بن عبدٍ: قال أحمد: مستقيم الحديث، لا يرو عنه غير أبي إسحاق، وقال أبو حاتم: شيخ مجهول، لا يحتج بحديثه، وذكره ابن حبان في الثقات، روى له النسائي حديثًا واحدًا (تهذيب الكمال ٢١/ ٢٥٢)، وهو متابع بأبي عبد الرحمن السلمي، وهو ثقة كثير الحديث، قال البخاري: سمع علما، وقال ابن أبي حاتم: ليس تثبت روايته عن علي (جامع التحصيل ص ٢٠٨).\n(^٥٣٦) - المبارد: جمع مبرد، وهو ما يحك به الحديد حتى يذوبه. الصحاح (٢/ ٢٤٦).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في ز، خ: \"ذر\".\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- في خ: \"أخبرنا\".، وفي ز: أنبأنا.\n[¬٦]- في ز، خ: \"عبد الله\". وفي ت: عمير، وكلاهما خطأ.\n[¬٧]- في خ: \"النار\".\n[¬٨]- في ز، خ: \"فبرد\".\n[¬٩]- سقط من: ز، خ.\n[¬١٠]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"1","page":492},{"text":"أكاد إذا ذكرتُ العهد منها … أطير لو أن إنسانا يطيرُ] [¬١]\nوقوله [¬٢]: ﴿قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. أي: بئسما تعتمدونه في قديم الدهر وحديثه من كفركم بآيات الله، ومخالفتكم الأنبياء، ثم اعتمادكم في كفركم بمحمد ﷺ وهذا أكبر ذنوبكم وأشد الأمور عليكم؛ إذ كفرتم بخاتم الرسل وسيد الأنبياء والمرسلين المبعوث إلى الناس أجمعين، فكيف تدعون لأنفسكم الإيمان، وقد فعلتم هذه الأفاعيل القبيحة؛ من نقضكم المواثيق، وكفركم بآيات الله، وعبادتكم العجل [من دون الله] [¬٣]؟!\n﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٩٤) وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٩٥) وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (٩٦)﴾\nقال محمد بن إسحاق (^٥٣٧): حدثني محمد بن أبي محمد عن عكرمة -أو سعيد بن جبير- عن ابن عباس ﵁: يقول الله تعالى لنبيه محمد [¬٤] ﷺ: ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. أي: ادعوا بالموت على أي الفريقين أكذب، فأبوا ذلك على رسول الله ﷺ ﴿ولنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾. أي: بِعِلْمِهِم [¬٥] بما عندهم من العلم بك، والكفر بذلك، ولو تمنوه يوم قال لهم ذلك ما بقي على الأرض يهودي إلا مات.\nوقال الضحاك (^٥٣٨): عن ابن عباس: ﴿فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ﴾: فسلوا [¬٦] الموت.\nوقال عبد الرزاق (^٥٣٩): عن معمر، عن عبد الكريم الجزري، عن عكرمة، قوله: ﴿فَتَمَنَّوُا\n_________\n(^٥٣٧) - إسناده ضعيف، وهو عند ابن جرير ١٣٧١ - (٢/ ٥٤٦)، وابن أبي حاتم (٩٤٢).\n(^٥٣٨) - إسناده ضعيف، وهو عند ابن جرير (١٥٦٨).\n(^٥٣٩) - إسناده صحيح، وهو عند ابن أبي حاتم ٩٤٣ - (١/ ٢٨٥).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٢]- في خ: \"وقال\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- في ز: يعَلمُهم.\n[¬٦]- في خ: \"فسألوا\".","vol":"1","page":493},{"text":"﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ قال: قال ابن عباس: لو تمنى اليهود [¬١] الموت لماتوا.\nوقال ابن أبي حاتم (^٥٤٠): حدثنا أبي، حدثنا علي بن محمد الطنافسي، حدثنا عثام، سمعت الأعمش قال: لا أظنه إلا عن المنهال، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: لو تمنوا الموت لشرق أحدهم بريقه.\nوهذه أسانيد صحيحة إلى ابن عباس.\nوقال ابن جرير في تفسيره: وبلغنا أنّ النبي [¬٢] ﷺ قال: \"لو أنّ اليهود تمنوا الموت لماتوا، ولرأوا مقاعدهم من النار، ولو خرج الذين يباهلون رسول الله، ﷺ، لرجعوا لا يجدون أهلًا، ولا مالا\".\nحدَّثنا بذلك أبو كريب، حدثنا زكريا بن عدي، حدثنا عبيد الله بن عمرو، عن عبد الكريم، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن رسول الله ﷺ.\nورواه الإمام أحمد (^٥٤١)، عن إسماعيل بن يزيد الرقي، حدثنا فرات، عن عبد الكريم، به.\nوقال ابن أبي حاتم (^٥٤٢): حدثنا الحسن بن أحمد، حدثنا إبراهيم بن عبد الله بن بشار، حدثنا سرور بن المغيرة، عن عباد بن منصور، عن الحسن، قال: قول الله ما كانوا ليتمنوه [¬٣] أبدًا [¬٤] بما قدّمت أيديهم. قلت: أراُيتك لو أنهم أحبوا الموت حين قيل لهم ﴿تَمَنَّوُا الْمَوْتَ [¬٥]﴾ أتراهم كانوا ميتين؟ قال: لا والله، ما كانوا ليموتوا لو تمنوا الموت، وما كانوا ليتمنوه وقد قال الله -ما سمعت-: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾.\nوهذا غريب عن الحسن. ثم هذا الذي فسر به ابن عباس الآية هو المتعين، وهو الدعاء على\n_________\n(^٥٤٠) - رواه ابن أبي حاتم برقم ٩٤١ - (١/ ٢٨٤).\n(^٥٤١) - تفسير ابن جرير برقم ١٥٦٦ - (٢/ ٣٦٢)، والمسند ٢٢٢٥ - (١/ ٢٤٨). ورواه أبو يعلى رقم ٢٦٠٤ - (٤/ ٤٧١)، والنسائي في الكبرى ١١٠٦١ - (٦/ ٣٠٨). وإسماعيل بن يزيد الرقي: قال الحسيني: فيه جهالة. وقال في التعجيل: بل هو معروف وهو مترجم في التهذيب (التعجيل (١/ ٣١٢). وقد رجح الشيخ شاكر رحمه الله تعالى أنهما اثنان. وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ٢٢٨) وقال: رواه أحمد وأبو يعلى ورجال أبي يعلى رجال الصحيح.\n(^٥٤٢) - رواه ابن أبي حاتم ٩٤٦ - (١/ ٢٨٥). وإسناده ضعيف؛ لضعف عباد بن منصور.\n_________\n[¬١]- في خ: \"اليهودي\".\n[¬٢]- في خ: \"الرسول\".\n[¬٣]- في خ: \"يتمنوه\".\n[¬٤]- زيادة من: ز، خ.\n[¬٥]- سقط من: ز، خ.","vol":"1","page":494},{"text":"أي الفريقين أكذب منهم، أو في المسلمين على وجه المباهلة، ونقله ابن جرير عن قتادة وأبي العالية والربيع بن أنس رحمهم الله تعالى!\nونظير هذه الآية قوله تعالى في سورة الجمعة: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٦) وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٧) قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. فهم -عليهم لعائن الله تعالى! - لما زعموا أنهم أبناء الله وأحباؤه، وقالوا: لن يدخل الجنة إلا من كان هودًا أو نصارى، دعوا إلى المباهلة، والدعاء عدى أكذب الطائفتين منهم، أو من المسلمين.\nفلما نكلوا [¬١] عن ذلك عَلِم كل أحد أنهم ظالمون؛ لأنهم لو كانوا جازمين بما هم فيه لكانوا أقدموا على ذلك، فلما تأخروا علم كذبهم، وهذا كما دعا رسول الله ﷺ وفد نجران من النصارى بعد قيام الحجة عليهم في المناظرة، وعتوهم وعنادهم- إلى المباهلة، فقال الله تعالى: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾.\nفلما رأوا ذلك قال بعض القوم لبعض: والله لئن باهلتم هذا النبي لا يبقى منكم عين تَطْرِفُ، فعند ذلك [جنحوا للسلم] [¬٢] وبذلوا [¬٣] الجزية عن يد، وهم صاغرون، فضوبها عليهم، وبعث معهم أبا [¬٤] عبيدة بن الجراح ﵁ أمينًا. ومثل هذا المعنى، أو قريب منه [قول الله] [¬٥] تعالى لنبيه ﷺ أن يقول للمشركين: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلَالةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾. أي: من كان في الضلالة منا أو منكم، فزاده الله مما هو فيه، ومدّ له، واستدرجه، كما سيأتي تقريره في موضعه، إن شاء الله تعالى.\nفأما من فسر الآية على معنى ﴿[قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ] [¬٦] إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. أي: [إن كنتم صادقين] [¬٧] في دعواكم فتمنوا الآن الموت، ولم يتعرض هؤلاءِ للمباهلة، كما قرره [¬٨] طائفة من التكلمين وغيرهم، ومال إليه ابن جرير بعد ما قارب القول الأول؛ فإنه قال (^٥٤٣): القول في تأويل [¬٩] قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ\n_________\n(^٥٤٣) - تفسير ابن جرير برقم (٢/ ٣٦٢، ٣٦٣).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"تكلموا\".\n[¬٢]- في خ: \"جنحوا إلى السلم\".\n[¬٣]- في ز: بذل.\n[¬٤]- في خ: \"أبو\".\n[¬٥]- في خ: \"قوله\".\n[¬٦]- سقط من: ز، خ.\n[¬٧]- زيادة من: خ.\n[¬٨]- في خ: \"قدره\".\n[¬٩]- في ز، خ: \"تفسير\".","vol":"1","page":495},{"text":"كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.\nالآية [¬١]. فهذه [¬٢] الآية مما احتج الله سبحانه لنبيه به ﷺ على اليهود الذين كانوا بين ظهراني مُهَاجَره، وفضح بها أحبارهم وعلماءهم، وذلك أن الله تعالى أمر نبيه ﷺ [أن يدعوهم] [¬٣] إلى قضية عادلة بينه وبينهم، فيما كان بينه وبينهم من الخلاف، كما أمره أن يدعو الفريق الآخر [¬٤] من النصارى إذ خالفوه في عيسى [ابن مريم] [¬٥]﵇ وجادلوه فيه، إلى فاصلة بينه وبينهم من المباهلة. فقال لفريق اليهود: إن كنتم محقين فتمنوا الموت؛ فإنّ ذلك غير ضارّ بكم إن كنتم محقين، فيما تدعون من الإيمان، وقرب النزلة من الله، بل أعطكم أمنيتكم من الموت إذا تمنيتم، فإنما تصيرون إلى الراحة من تعب الدنيا ونصبها، وكدر عيشها، والفوز بجوار الله في جناته، إن كان الأمر كما تزعمون من أن الدار الآخرة لكم خاصة دوننا، وإن لم تعطوها علم الناس أنكم المبطلون، ونحن المحقون في دعوانا، وانكشف أمرنا وأمركم لهم [¬٦]؛ فامتنعت اليهود من الإجابة إلى ذلك لعلمها [¬٧] أنها إن تمنت الموت هلكت فذهبت دنياها، وصارت إلى خزي الأبد في آخرتها، كما امتنع فريق النصارى [الذين جادلوا النبي، ﷺ، في عيسى -إذ دعوا للمباهلة- من المباهلة] [¬٨].\nفهذا الكلام منه أوله حسن، وأما آخره ففيه نظر، وذلك أنه لا تظهر الحجة عليهم على هذا التأويل، إذ يقال: إنه [¬٩] لا يلزم من كونهم يعتقدون أنهم صادقون [¬١٠] في دعواهم أن يتمنوا الموت، فإنه لا ملازمة بين وجود الصلاح وتمني الموت، وكم من صالح لا يتمنى الموت، بل يودّ أن يعمر ليزداد [¬١١] خيرًا، وترتفع درجته في الجنة، كما جاء [في الحديث] [¬١٢]: \"خيركم من طال عمره، وحسن عمله\" (^٥٤٤).\n_________\n(^٥٤٤) - جاء من حديث عبد الله بن بسر، وأبي بكرة، وأبي هريرة وجابر ﵃، فأما حديث عبد الله بن بسر، فرواه الترمذي في الزهد، باب: ما جاء في طول العمر للمؤمن، برقم (٢٣٢٩) وقال: \"هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه\"، وأما حديث أبي بكرة، فرواه الترمذي في باب: شر الناس من طال عمره وساء عمله برقم (٢٣٣٠) وقال: \"هذا حديث حسن صحيح\"، وأما حديث أبي هريرة، فرواه أحمد في المسند ٧٢١١ - (٢/ ٢٣٥). وحديث جابر رواه عبد بن حميد (١٠٨٦).\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في ز، خ: \"وهذه\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- في ز، خ: \"آخر\".\n[¬٥]- سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- سقط من: ز، خ.\n[¬٧]- في ز، خ: \"لعلمهم\".\n[¬٨]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٩]- سقط من: ز، خ.\n[¬١٠]- في خ: \"صادقين\".\n[¬١١]- في ز: ليزاد.\n[¬١٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"1","page":496},{"text":"ولهم مع ذلك أن يقولوا على هذا: فها أنتم تعتقدون أيها [¬١] المسلمون؛ أنكم أصحاب الجنة، وأنتم لا تتمنون في حال الصحة الموت [¬٢]، فكيف تلزموننا [¬٣] بما لا يلزمكم [¬٤]؟!\nوهذا كله إنما نشأ من تفسير الآية على هذا المعنى، فأما على تفسير ابن عباس، فلا يلزم عليه [¬٥] شيء من ذلك؛ بل قيل لهم كلام نَصَفٌ: إن كنتم تعتقدون أنكم أولياء الله [¬٦] من دون الناس، وأنكم أبناء الله وأحباؤه، وأنكم من [¬٧] أهل الجنة، ومن عداكم من [¬٨] أهل النار، فباهلوا على ذلك، وادعوا على الكاذبين منكم، أو من غيركم، واعلموا أنّ المباهلة تستأصل الكاذب لا محالة.\nفلما تيقنوا ذلك وعرفوا صدقه، نكلوا عن المباهلة لما يعلمون من كذبهم وافترائهم، وكتمانهم الحق من صفة الرسول ﷺ ونعته، وهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، ويتحققونه. فعلم كل أحد باطلهم، وخزيهم، وضلالهم، وعنادهم، عليهم لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة!!\n[وسميت هذه الباهلة تمنِّيًا، لأنّ كل محق يودّ لو أهلك الله المبطل المناظر له، ولا سيما إذا كان في ذلك حجة له في بيان حقه وظهوره، وكانت المباهلة بالموت؛ لأن الحياة عندهم عزيزة عظيمة؛ لا يعلمون من سوء مآلهم بعد الموت] [¬٩]، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٩٥) وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ﴾. أي: على طول عُمر، لما يعلمون من مآلهم السيئ، وعاقبتهم عند الله الخاسرة؛ لأن الدنيا سجن المؤمن، وجنة الكافر، فهم يودون لو تأخروا عن مقام الآخرة بكل ما أمكنهم، وما [يحاذرون منه] [¬١٠] واقع بهم لا محالة، حتى وَهُم أحرص من المشركين الذين لا كتاب لهم، وهذا من باب عطف [الخاص على العام] [¬١١].\nقال ابن أبي حاتم (^٥٤٥): حدَّثنا أحمد بن سنان، حدَّثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، عن الأعمش، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ قال: الأعاجم.\n_________\n(^٥٤٥) - تفسير ابن أبي حاتم برقم ٩٥١ - (١/ ٢٨٦)، والمستدرك (٢/ ٢٦٣).\n_________\n[¬١]- مكررة في خ.\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- في ز: تلزمونا.\n[¬٤]- في ز: نلزمكم.\n[¬٥]- سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- في خ: \"لله\".\n[¬٧]- سقط من: ز، خ.\n[¬٨]- سقط من. ز، خ.\n[¬٩]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬١٠]- في ز، خ: \"يحذرون\".\n[¬١١]- في خ: \"العام على الخاص\".","vol":"1","page":497},{"text":"وكذا [¬١] رواه الحاكم في مستدركه من حديث الثوري، وقال: صحيح على شرطهما، ولم يخرجاه. قال: وقد اتفقا على سند تفسير الصحابي.\nوقال الحسن البصري: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ﴾. قال: المنافق أحرص الناس على حياة، وهو أحرص على الحياة من المشرك ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ﴾. أي: يودّ [¬٢] أحد اليهود، كما يدل عليه نظم السياق.\nوقال أبو العالية: ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ﴾ أي [¬٣]: أحد [¬٤] المجوس، وهو يرجع إلى الأوّل ﴿لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾. قال الاعمش: عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾. قال [¬٥]: هو كقول الفارسي \"زه هزارسال\" يقول: عشرة آلاف [¬٦] سنة، وكذا روي عن سعيد بن جبير نفسه أيضًا.\nوقال ابن جرير (^٥٤٦): حدثنا محمد بن علي بن الحسن بن شقيق قال [¬٧]: سمعت أبي [عليًّا] [¬٨] يقول: حدثنا [¬٩] أبو حمزة، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ قال: هو قول الأعاجم: \" [هزار سال نوروز مهرجان] [¬١٠] \".\nوقال مجاهد: ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ قال: حَببتْ [إليهم الخطئةُ طولَ العمر] [¬١١].\nوقال محمد [¬١٢] بن إسحاق (^٥٤٧)، عن محمد [بن أبي محمد] [¬١٣] عن [¬١٤] سعيد -أو عكرمة- عن ابن عباس ﴿وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ﴾ أي: و[¬١٥] ما هو بمنجيه من\n_________\n(^٥٤٦) - ابن جرير ١٥٩١ - (٢/ ٣٧٢).\n(^٥٤٧) - إسناده ضعيف، وهو عند ابن أبي حاتم (٩٥٥)، وفي السيرة النبوية (٢/ ١٩١).\n_________\n[¬١]- سقط من ز.\n[¬٢]- سقط من ز.\n[¬٣]- في ز، خ: \"يعني\".\n[¬٤]- سقط من: خ.\n[¬٥]- سقط من: خ.\n[¬٦]- في ز، خ: \"ألف\".\n[¬٧]- سقط من: ز، خ.\n[¬٨]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٩]- في ز، خ: \"أخبرنا\".\n[¬١٠]- في الطبري: \"سال زه نوروز مهرجان حر\".\n[¬١١]- في خ: إليهم طول الخطئة وطول العمر.\n[¬١٢]- في ت: \"مجاهد\".\n[¬١٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬١٤]- في خ: \"بن\".\n[¬١٥]- سقط من: خ.","vol":"1","page":498},{"text":"العذاب، وذلك أن المشرك لا يرجو بعثًا بعد الموت، فهو يحب طول الحياة، وأن اليهودي لو [¬١] عرف مآله في الآخرة من الخزي ما [¬٢] ضيع ما عنده من العلم.\nوقال العوفي (^٥٤٨): عن ابن عباس: ﴿وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ﴾ قال: هم الذين عادوا جبريل. وقال أبو العالية وابن عمر: فما ذاك بمغيثه من العذاب، ولا منجيه منه.\nوقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم [في هذه الآية] [¬٣]: يهود أحرص على الحياة من هؤلاء، وقد ود هؤلاء لو [¬٤] يعمر أحدهم ألف سنة، وليس ذلك بمزحزحه من العذاب لو عُمرَ، كما أنّ عمر إبليس لم ينفعه، إذ كان كافرًا. ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ أي: خبير بصير بما يعمل عباده من خير وشر، وسيجازي كل عامل بعمله.\n﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَينَ يَدَيهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (٩٧) مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَال فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ (٩٨)﴾.\nقال الإمام أبو جعفر محمد بن جرير الطبري ﵀: أجمع أهل العلم بالتأويل جميعًا، أنّ هذه الآية نزلت جوابا لليهود من بني إسرائيل، إذ زعموا أن جبريل عدوّ لهم، وأن ميكائيل وليٌّ لهم، ثم اختلفوا في السبب الذي من أجله قالوا ذلك. فقال بعضهم: إنما كان سبب قيلهم ذلك من أجل مناظرة جرت بينهم، وبين رسول الله ﷺ في [¬٥] أمر نبوّته.\n(ذكر من قال ذلك)\nحدثنا أبو كريب، حدثنا يونس بن بكير، عن عبد الحميد بن بَهرام، عن شهر بن حَوشب، عن ابن عباس أنه قال: حضرت عصابة من اليهود إلى [¬٦] رسول الله ﷺ فقالوا: يا أبا القاسم، حدِّثْنا عن خلال نسألك عنهن، لا يعلمهن إلا نبي، فقال رسول الله، ﷺ: \"سلوا عما شئتم، ولكن اجعلوا لي ذمة الله، وما أخذ يعقوب على بنيه، لئن أنا حدثتكم [عن شيء] [¬٧] فعرفتموه لتتابعني [¬٨] على الإسلام\" فقالوا: ذلك لك. فقال رسول\n_________\n(^٥٤٨) - رواه ابن جرير ١٦٠٣ - (٢/ ٣٧٦)، وإسناده ضعيف جدًّا.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"قد\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"بما\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- في ز، خ: \"أن\".\n[¬٥]- في ز: من.\n[¬٦]- سقط من: ز، خ.\n[¬٧]- في ز، خ: \"شيئًا\".\n[¬٨]- في ز، خ: \"لتبايعني\".","vol":"1","page":499},{"text":"الله ﷺ: \"سلوني عما شئتم\" فقالوا: أخبرنا عن أربع خلال نسألك عنهنّ: أخبرنا أيّ الطعام [¬١] حرَّم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة؟ وأخبرنا كيف ماء المرأة وماء الرجل؟ وكيف يكون الذكر منه والأنثى؟ وأخبرنا بهذا النبي الأمي في التوراة ومن [¬٢] وليُّه من الملائكة؟ فقال النبيُّ ﷺ: \"عليكم عهد الله لئن أنا أنبأتكم لتتابعني [¬٣]؟ \" فأعطوه ما شاء من عهد وميثاق، فقال: \"نشدتكم بالذي أنزل التوراةَ على موسى، هل تعلمون أن إسرائيل يعقوب مرض مرضًا شديدًا، فطال سقمه منه، فنذر لله نذرًا؛ لئن عافاه الله من سقمه ليُحرِّمَنَّ أحبَّ الطعام والشراب إليه، وكان أحب الطعام إليه لحوم [¬٤] الإبل، وأحب الشراب إليه ألبانها\" فقالوا: اللَّهم نعم. فقال رسول الله ﷺ: \"اللَّهم اشهد عليهم، وأنشدكم بالله الذي لا إله إلا هو الذي أنزل التوراة على موسى، هل تعلمون أن ماء الرجل [غليظ أبيض] وأن ماء المرأة [رقيق أصفر]، فأيهما علا كان له الولد، والشبه بإذن الله [﷿]، وإذا علا ماء الرجل ماء المرأة كان الولد ذكرًا بإذن الله، وإذا علا ماء المرأة ماء الرجل كان الولد أنثى بإذن الله [﷿] \". قالوا: اللَّهم نعم. قال: \"اللَّهم اشهد -قال:- وأنشدكم [بالله الذي] [¬٥]، أنزل التوراة على موسى، هل تعلمون أن هذا النبي الأمي تنام عيناه ولا ينام قلبه؟ \" قالوا: اللَّهم نعم، قال: \"اللَّهم اشهد\" قالوا: أنت الآن، فحدثنا من وليك من الملائكة، فعندها نجامعك أو نفارقك. قال: \"فإن وليي جبريل، ولم يبعث اللَّه نبيًّا قط إلا وهو وليه\" قالوا: فعندها نفارقك، ولو كان وليك سواه من الملائكة تابعناك وصدقناك. قال: \"فما يمنعكم [¬٦] أن تصدقوه؟ \" قالوا: إنه عدوُّنا؛ فأنزل الله ﷿: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ [فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَينَ يَدَيهِ]﴾ إلى قوله: ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ فعندها باءوا بغضب على غضب (^٥٤٩).\nوقد رواه الإمام أحمد في مسنده (^٥٥٠)، عن أبي النضر هاشم بن القاسم، وعبد بن حميد في تفسيره، عن أحمد بن يونس كلاهما، عن عبد الحميد بن بَهرام به.\nورواه الإمام أحمد أيضًا (^٥٥١)، عن الحسين بن محمد المروزي، عن عبد الحميد به [¬٧]،\n_________\n(^٥٤٩) - إسناده حسن وهو في تفسير ابن جرير ١٦٠٥ - (٢/ ٣٧٧ - ٣٨٠).\n(^٥٥٠) - إسناده حسن، وهو في المسند ٢٥١٤ - (١/ ٢٧٨). ورواه ابن سعد (١/ ١ / ١١٢ - ١١٦).\n(^٥٥١) - إسناده حسن، وهو في المسند ٢٤٧١ - (١/ ٢٧٣).\n_________\n[¬١]- في خ: \"طعام\".\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في خ: \"لتبايعني\".\n[¬٤]- في ز، خ: \"لحمان\".\n[¬٥]- سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- في ز، خ: \"منعكم\".\n[¬٧]- زيادة من: ز، خ.","vol":"1","page":500},{"text":"بنحوه.\nوقد رواه محمد بن إسحاق بن يسار، حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين، عن شهر بن حوشب، فذكره مرسلًا (^٥٥٢)، وزاد فيه. قالوا: فأخبرنا عن الروح؟ قال: \"أنشدكم بالله وبآياته عند بني إسرائيل، هل تعلمون أنه جبريل، وهو الذي يأتيني؟ \" قالوا: اللَّهم [¬١] نعم، ولكنه [عدو لنا]، وهو مَلَكٌ إنما يأتي بالشدة، وسفك الدماء، فلولا ذلك لاتبعناك [¬٢]؛ فأنزل الله تعالى فيهم: ﴿قُلْ [¬٣] مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ [فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ] [¬٤]﴾ إلى قوله ﴿كَأَنَّهُمْ [¬٥] لَا يَعْلَمُونَ﴾.\nوقال الإمام أحمد (^٥٥٣): حدثنا أبو أحمد، حدثنا عبد الله بن الوليد العجلي، عن بكير بن شهاب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: أقبلت يهود إلى رسول الله ﷺ فقالوا [¬٦]: يا أبا القاسم، إنا نسألك عن خمسة أشياء، فإن أنبأتنا بهنّ عرفنا أنك نبي، واتبعناك، فأخذ عليهم ما أخذ إسرائيل علي بنيه إذ قال: ﴿وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾، قال: \"هاتوا\" قالوا: أخبرنا عن علامة النبي؟ قال: \"تنام عيناه ولا ينام قلبه\". قالوا: أخبرنا كيف تؤنث المرأة وكيف يذكر الرجل؟ قال: \"يلتقي الماءان، فإذا علا ماء الرجل ماء المرأة؛ أذكرت [¬٧]، وإذا علا ماء المرأة ماء الرجل، أنثت\" قالوا: أخبرنا ما حرم إسرائيل على نفسه؟ قال: \"كان يشتكي عرق النسا فلم يجد شيئًا يلائمه إلا ألبان كذا وكذا\" -قال أحمد: قال بعضهم: يعني: الإبل؛ فحرم لحومها- قالوا: صدقت. قالوا: أخبرنا ما هذا الرعد؟ قال: \"مَلَكٌ من ملائكة [¬٨] الله ﷿ موكل بالسحاب، بيديه -أو في [يديه- مِخْراق] [¬٩] من نار، يزجر به السحاب، يسوقه حيث أمره الله ﷿\" قالوا: فما هذا الصوت الذي نسمع؟ قال [¬١٠]: \"صوته\" قالوا: صدقت. قالوا [¬١١]: إنما بقيت واحدة، وهي التي نتابعك إن أخبرتنا بها [¬١٢]، إنه ليس من نبي إلا و[¬١٣] له مَلَك يأتيه بالخبر فأخبرنا من\n_________\n(^٥٥٢) - رواه ابن جرير برقم (١٦٠٦)، وإسناده إلى ابن إسحاق ضعيف.\n(^٥٥٣) - إسناده صحيح وهو في المسند ٢٤٨٣ - (١/ ٢٧٤) ورواه الترمذي في تفسير القرآن، باب: سورة الرعد برقم (٣١١٧) ورواه النسائي في الكبرى برقم (٩٠٧٢). وقال الترمذي: حسن صحيح غريب.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في ز، خ: \"اتبعناك\".\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين زيادة من: ز، خ.\n[¬٥]- زيادة من: ز، خ.\n[¬٦]- في ز، خ: \"قالوا\".\n[¬٧]- في ز: ذكرت.\n[¬٨]- في ز، خ: \"الملائكة\".\n[¬٩]- في ز، خ: \"يده محراق\".\n[¬١٠]- في خ: \"قالوا\".\n[¬١١]- سقط من: ز، خ.\n[¬١٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬١٣]- سقط من: ز، خ.","vol":"1","page":501},{"text":"صاحبك؟ قال: \"جبريل ﵇ \"قالوا: جبربل ذاك الذي [¬١] ينزل بالحرب، والقتال، والعذاب عدونا، لو قلتَ ميكائيل الذي ينزل بالرحمة، [والقطر والنبات] لكان؛ فأنزل الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ إلى آخر الآية.\nورواه الترمذي والنسائي من حديث عبد الله بن الوليد به، وقال الترمذي: حسن غريب.\nوقال سنيد (^٥٥٤) في تفسيره عن حجاج بن محمد، عن ابن جريج، أخبرني القاسم بن أبي بزة [¬٢]: أن يهود سألوا النبي ﷺ عن [¬٣] صاحبه الذي ينزل عليه بالوحي قال: \"جبريل\" قالوا: فإنه لنا عدو، ولا يأتي إلا بالشدة، والحرب، والقتال؛ فنزلت [¬٤]: ﴿قُلْ [¬٥] مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾ الآية، قال ابن جريج: و[¬٦] قال مجاهد: قالت يهود: يا محمد، ما ينزل جبريل إلا بشدة وحرب وقتال؛ فإنه لنا عدوّ؛ فنزل: ﴿قُلْ [¬٧] مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾ الآية.\nوقال البخاري (^٥٥٥): قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾ الآية [¬٨]، قال عكرمة: جبر، وميك [¬٩] وإسراف: عبد، وإيل: الله.\nحدثنا عبد الله بن مُنِير [¬١٠]، سمع عبد الله بن بكر، حدثنا حُمَيد، عن أنس بن مالك قال: سمع عبد الله بن سلام بمقدم رسول الله ﷺ، وهو في أرض يخترف [¬١١] [- يجتني- الثمر] [¬١٢] فأتى النبيَّ، ﷺ، فقال: إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهنّ إلا نبي؛ ما أوّل أشراط الساعة؟ وما أوّل طعام أهل الجنة؟ وما ينزع الولد إلى أبيه أو إلى أمه؟ قال: \"أخبرني بهن جبريل آنفًا\" قال: جبريل؟ قال: \"نعم\" قال: ذاك عدوّ اليهود من الملائكة، فقرأ هذه الآية: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ﴾، \"و[¬١٣] أمّا أوّل أشراط الساعة: فنار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب، وأمّا أوّل طعام يأكله أهل الجنة:\n_________\n(^٥٥٤) - رواه ابن جرير ١٦٠٧ - (٢/ ٣٨٠) وإسناده ضعيف.\n(^٥٥٥) - رواه البخاري في التفسير، باب: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾ برقم (٤٤٨٠).\n_________\n[¬١]- في خ: \"﷿\".\n[¬٢]- في ز: مرة. في خ: \"برة\".\n[¬٣]- في ز: من.\n[¬٤]- في ز: فنزل.\n[¬٥]- سقط من ز.\n[¬٦]- زيادة من: خ.\n[¬٧]- سقط من: خ.\n[¬٨]- زيادة من: خ.\n[¬٩]- في ز: ميل.\n[¬١٠]- في ز، خ: \"نمير\".\n[¬١١]- في خ: \"يحترق\".\n[¬١٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬١٣]- سقط من: ز، خ.","vol":"1","page":502},{"text":"فزيادة كبد الحوت، وإذا سبق [ماء الرجل] [¬١] ماء المرأة نزع الولد، وإذا سبق ماء المرأة نزعت أنثى [¬٢] \" قال: أشهد ألا إله إلا الله، وأشهد أنك رسول الله. يا رسول الله، إنّ اليهود قوم بُهتٌ، وإنهم [] [¬٣] إن يعلموا بإسلامي قبل أن تسألهم يبهتوني، فجاءت اليهود فقال [لهم النبي ﷺ] [¬٤]: \"أي رجل عبد الله بن سلام فيكم؟ \" قالوا: خيرنا وابن خيرنا، وسيدنا وابن سيدنا قال: \"أرأيتم إن أسلم عبد الله بن سلام؟ \" فقالوا: أعاذه الله من ذلك! فخرج عبد الله فقال: أشهد ألا إله إلا الله، وأشهد [¬٥] أن محمدًا رسول الله، فقالوا: هو [¬٦] شَرُّنا وابنُ شَرِّنا؛ فانتقصوه فقال [¬٧]: هذا الذي كنت أخاف يا رسول الله.\nانفرد به البخاري من هذا الوجه.\nوقد أخرجه [¬٨] (^٥٥٦) من وجه آخر عن أنس بنحوه.\nوفي صحيح مسلم (^٥٥٧)، عن ثوبان مولى رسول الله ﷺ، قريب من هذا السياق، كما سيأتي في موضعه. [إن شاء الله تعالى] [¬٩] وحكاية البخاري [كما تقدم] [¬١٠] عن عكرمة هو المشهور أن \"إيل\" هو الله. وقد رواه سفيان الثوري، عن خصيف، عن عكرمة.\n[ورواه عبد بن حميد، عن إبراهيم بن الحكم، عن أبيه عن عكرمة] [¬١١] ورواه ابن جرير (^٥٥٨)، عن الحسين بن يزيد الطحان، عن إسحاق بن منصور، عن قيس بن [¬١٢] عاصم، عن عكرمة أنه قال: إن [¬١٣] جبريل اسمه عبد الله، وميكائيل: اسمه [¬١٤] عبيد الله، إيل: الله.\nورواه نريد النحوي، عن عكرمة، عن ابن عباس، مثله سواء. كذا قال غير واحد من السلف\n_________\n(^٥٥٦) - صحيح البخاري في أحاديث الأنبياء، باب: خلق آدم وذريته برقم (٣٣٢٩) من طريق مروان بن معاوية عن حميد، عن أنس، وصحيح البخاري، كتاب مناقب الأنصار، باب (٥١) برقم (٣٩٣٨) من طريق بشر بن المفضل، عن حميد، عن أنس.\n(^٥٥٧) - صحيح مسلم، كتاب الحيض برقم ٣٤ - (٣١٥).\n(^٥٥٨) - تفسير ابن جرير برقم ١٦٢١ - (٣/ ٣٩٠).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين مكررة في خ.\n[¬٢]- زيادة من: خ.\n[¬٣]- في خ: قبل.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- سقط من: خ.\n[¬٦]- سقط من: ز، خ.\n[¬٧]- في ز، خ: \"قال\".\n[¬٨]- في ز، خ: \"أخرجاه\".\n[¬٩]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬١٠]- في ز، خ: ما تقدم.\n[¬١١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬١٢]- في ز: عن.\n[¬١٣]- سقط من ز.\n[¬١٤]- سقط من: خ.","vol":"1","page":503},{"text":"-كما سيأتي قريبًا- ومن الناس من يقول: \"إيل\" عبارة في عبد، والكلمة الأخرى هي اسم الله؛ لأن كلمة إيل لا تتغير في الجميع، فوزانه: عبد الله، عبد الرحمن، عبد الملك، عبد القدوس، عبد السلام، عبد الكافي، عبد الجليل، فعبدٌ موجودة [¬١] في هذا كله، واختلفت الأسماء المضاف إليها، وكذلك جبربل، وميكائيل، [وعزرائيل، وإسرافيل] ونحو ذلك، وفي كلام غير العرب يقدمون المضاف إليه على المضاف، والله أعلم.\nثم قال ابن جرير: وقال آخرون: بل كان سبب قيلهم ذلك؛ من أجل مناظرة جرت بين عمر بن الخطاب، ﵁، وبينهم، في أمر النبي ﷺ.\n(ذكر من قال ذلك)\nحدثني محمد بن المثنى (^٥٥٩) حدثني ربْعِي بن عُلَيّة، عن داود بن أبي هند، عن الشعبي، قال: نزل عمر الروحاء، فرأى رجالًا يبتدرون أحجارًا يصلون إليها، فقال: ما بال [¬٢] هؤلاء؟ قالوا: يزعمون أن رسول الله، ﷺ، صلى هاهنا، قال: فكره ذلك، وقال: إيما [¬٣] رسول الله، صلى الله تعالى عليه وسلم، أدركته الصلاة بواد فصلاها، ثم ارتحل فتركه، ثم أنشأ يحدثهم فقال: كنت أشهد اليهود يوم مِدْراسهم، فأعجب من التوراة و[¬٤] كيف تصدق الفرقان؟ ومن القرآن [¬٥] كيف يصدق التوراة؟ فبينما [¬٦] أنا عندهم ذات يوم قالوا: يا ابن الخطاب؛ ما من أصحابك أحد أحب إلينا منك.\nقلت: ولم ذلك؟ قالوا: لأنك [¬٧] تغشانا وتأتينا، قلت: إني آتيكم، فأعجب من الفرقان [¬٨] كيف يصدق التوراة؟ ومن التوراة كيف تصدق [¬٩] الفرقان؟ قال: وَمَرَّ رسول الله ﷺ فقالوا: يا ابن الخطاب؛ ذاك صاحبكم، فَالْحَقْ به.\nقال [¬١٠]: فقلت [¬١١] لهم عند ذلك: نشدتكم بالله الذي لا إله إلا هو، وما استرعاكم من\n_________\n(^٥٥٩) - مرسل، وهو تفسير ابن جرير ١٦٠٨ - (٢/ ٣٨١ - ٣٨٢).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"فعند من جوزه\".\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في ز، خ: إنما، والمثبت من ابن جرير.\n[¬٤]- زيادة من: خ.\n[¬٥]- في ز: الفرقان.\n[¬٦]- في ز، خ: \"فبينا\".\n[¬٧]- في ز: أنك.\n[¬٨]- في ز، خ: \"القرآن\".\n[¬٩]- في خ: \"يصدق\".\n[¬١٠]- في خ: \"فقال\".\n[¬١١]- في خ: \"قلت\".","vol":"1","page":504},{"text":"حقه، وما [¬١] استودعكم من كتابه، أتعلمون أنه رسول الله؟ قال: فسكتوا، فقال لهم عالمهم وكبيرهم: إنه قد غلظ عليكم فأجيبوه، [قالوا: فأنت] [¬٢] عالمنا، وكبيرنا فأجبه أنت. قال: أما إذ نشدتنا بما نشدتنا به؛ فإنا نعلم أنه رسول الله.\nقال [¬٣]: قلت: ويحكم فأنَّى هلكتم، قالوا: إنا [¬٤] أنهلك. قال [¬٥] \": قلت: كيف ذلك [¬٦]، وأنتم تعلمون أنه رسول الله، و[¬٧] لا تتبعونه، ولا تصدقونه؟ قالوا: إن لنا عدوا من الملائكة وَسِلْمًا من الملائكة، وإنه قرن بنبوّته عدوّنا من الملائكة.\nقال: قلت: ومن عدوّكم؟ ومن سلمكم؟ قالوا: عدوّنا جبريل، وسلمنا ميكائيل. [قال: قلت: وفيم عاديتم جبريل، وفيم سالمتم ميكائيل؟] [¬٨] قالوا: إن جبريل ملك الفظاطة والغلظة، والإعسار، والتشديد، والعذاب، ونحو هذا، وإن ميكائيل ملك الرحمة، والرأفة، والتخفيف، ونحو هذا.\nقال: قلت: وما منزلتهما من ربهما ﷿؟ قالوا: أحدهما عن يمينه، والآخر عن يساره.\nقال: قلت: فواللهِ [¬٩] الذي لا إله إلا هو، إنهما والذي بينهما لعدوّ لمن عاداهما، وسلم لمن سالمهما، و[¬١٠] ما ينبغي لجبريل أن يسالم عدوّ ميكائيل، وما ينبغي لميكائيل أن يسالم عدوّ جبريل، قال: ثم قمت فاتبعت النبي ﷺ فلحقته، وهو خارج من خَوْخة [¬١١] [-باب صغير كالنافذة الكبيرة، وتكون بين بيتين ينصب عليها باب-] [¬١٢] لبني فلان، فقال: يا ابن الخطاب؛ ألا أقرئك آيات نزلن قبل، فقرأ عليَّ: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ حتى قرأ هذه [¬١٣] الآيات، قال: قلت: بأبي وأمي أنت [¬١٤] يا رسول الله؛ والذي بعثك بالحق لقد جئت وأنا [أريد أن] [¬١٥] أخبرك، فأسمع [¬١٦] اللطيف الخبير قد سبقني إليك بالخبر.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في ز، خ: \"فقالوا: أنت\".\n[¬٣]- زيادة من: ز، خ.\n[¬٤]- سقط من: ز، خ\n[¬٥]- زيادة من ز، خ.\n[¬٦]- في ز، خ: \"ذاك\"\n[¬٧]- في ز، خ: \"ثم\".\n[¬٨]- ما بين المعكوفتين زيادة من: خ\n[¬٩]- زيادة من: خ.\n[¬١٠]- سقط من: ز، خ.\n[¬١١]- كذا في ز، خ، وعند ابن جرير: مخرفة، وهو الصواب، والمخرفة: البستان، أو سكة بين صفين من النخل.\n[¬١٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬١٣]- زيادة من: ز، خ.\n[¬١٤]-سقط من: ز، خ.\n[¬١٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬١٦]- في ز: وأسمع.","vol":"1","page":505},{"text":"وقال ابن أبي حاتم (^٥٦٠): حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو أسامة، عن مجالد، أنبأنا [¬١] عامر قال: انطلق عمر بن الخطاب إلى اليهود فقال: أنشدكم بالذي أنزل التوراة على موسى، هل تجدون محمدًا في كتبكم؟ قالوا: نعم. قال: فما يمنعكم أن تتبعوه؟ قالوا: إن الله لم يبعث رسولًا إلا جعل له من الملائكة كفلًا، وإن جبريل كفل محمدًا، وهو الذي يأتيه، وهو عدّونا من الملائكة، وميكائيل سلمنا، لو كان ميكائيل هو الذي يأتيه أسلمنا، قال: فإني أنشدكم بالله الذي أنزل التوراة على موسى، ما منزلتهما من رب العالمين؟ قالوا: جبريل عن يمينه، وميكائيل عن شماله.\nقال عمر: وإني أشهد ما ينزلان إلا بإذن الله، وما كان ميكائيل ليسالم عدوّ جبريل، وما كان جبرائيل ليسالم عدوّ ميكائيل، فبينما [¬٢] هو عندهم إذ مرّ النبي ﷺ فقالوا: هذا صاحبك يا بن الخطاب؛ فقام إليه عمر، فأتاه، وقد أنزل الله ﷿ عليه: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَال فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾.\nوهذان الإسنادان يدلان على أن الشعبي حدّث به عن عمر، ولكن فيه انقطاع بينه وبين عمر، فإنه لم يدرك وفاته، والله أعلم.\nوقال ابن جرير (^٥٦١): حدثنا بشر، حدثنا يزيد بن زُرَيع، عن سعيد، عن [¬٣] قتادة قال: ذُكر لنا أن عمر بن الخطاب انطلق ذات يوم إلى اليهود، فلما أبصروه [¬٤] رحبوا به؛ فقال لهم عمر: أما والله ما جئتكم لحبكم، ولا لرغبة [¬٥] فيكم، ولكن جئت لأسمع منكم، فسألهم وسألوه، فقالوا، مَنْ صاحبُ صاحبِك؟ فقال لهم: جبريل، فقالوا: ذاك عدوّنا من أهل السماء، يُطِلعُ محمدًا على سرنا، وإذا جاء جاء بالحرب [¬٦] والسَّنَة [¬٧]، ولكن صاحب صاحبنا ميكائيل، وكان إذا جاء جاء الخصب والسلم، فقال لهم عمر: هل [¬٨] تعرفون جبريل، وتنكرون محمدًا ﷺ؟ ففارقهم عمر عند ذلك، وتوجه نحو النبي ﷺ ليحدّثه حديثهم فوجده قد أنزلت عليه هذه الآية: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ الآيات.\n_________\n(^٥٦٠) - الحديث في تفسير ابن أبي حاتم (١/ ٢٩٠). وفي إسناده ضعف، وانقطاع.\n(^٥٦١) - رواه ابن جرير ١٦١٠ - (٢/ ٣٨٣)، وإسناده منقطع بين قتادة، وعمر.\n_________\n[¬١] في ز، خ: \"أبا\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"فبينا\".\n[¬٣]- في خ: \"بن\".\n[¬٤]- في خ: \"انصرفوا\"، وفي ر: انصرف.\n[¬٥]- في ز، خ: \"للرغبة\".\n[¬٦]- في ز، خ: الحرب، والمثبت من ابن جرير.\n[¬٧]- سقط من: خ.\n[¬٨]- سقط من: ز، خ.","vol":"1","page":506},{"text":"ثم قال: حدثني المثنى (^٥٦٢)، حدثنا آدم، حدثنا أبو جعفر، عن قتادة قال: بلغنا أن عمر أقبل إلى [¬١] اليهود يومًا، فذكر نحوه، وهذا [] [¬٢] أيضًا منقطع، وكذلك رواه أسباط، عن السدّي، عن عمر مثل هذا أو نحوه، وهو منقطع أيضًا.\nوقال ابن أبي حاتم (^٥٦٣): حدثنا محمد بن عمار، حدثنا عبد الرحمن [يعني الدَّشْتَكي] [¬٣]، حدثنا [¬٤] أبو جعفر، عن حصين بن عبد الرحمن، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى: أن يهوديًّا لقي [¬٥] عمر بن الخطاب فقال: إن جبريل الذي يذكر صاحبكم عدوّ لنا. فقال عمر: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَال فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ قال: فنزلت على لسان عمر، ﵁.\n[ورواه عبد بن حميد، عن أبي النضر هاشم بن القاسم، عن أبي جعفر هو الرازي] [¬٦].\nوقال ابن جرير (^٥٦٤): حدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا هشيم، أخبرنا حصين بن [¬٧] عبد الرحمن، عن ابن أبي ليلى في قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾ قال: قالت اليهود للمسلمين: لو أن ميكائيل كان هو [¬٨] الذي ينزل عليكم لتبعناكم؛ فإنه ينزل بالرحمة والغيث، وإن جبريل ينزل بالعذاب والنقمة، فإنه [عدوّ لنا] [¬٩]، قال: فنزلت هذه الآية.\n[حدثني (^٥٦٥) يعقوب، قال] [¬١٠]: حدثنا هشيم، أخبرنا عبد الملك، عن عطاء بنحوه.\nوقال عبد الرزاق (^٥٦٦): أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾ قال: قالت اليهود: إن جبريل [عدوّ لنا] [¬١١]؛ لأنه ينزل بالشدة والسَّنَة، وإن ميكائيل ينزل\n_________\n(^٥٦٢) - تفسير ابن جرير ١٦١١ - (٢/ ٣٨٣)، وإسناده منقطع بين قتادة، وعمر.\n(^٥٦٣) - تفسير ابن أبي حاتم ٩٦٧ - (١/ ٢٩١)، وهذا منقطع، ابن أبي ليلى لم يدرك عمر.\n(^٥٦٤) - تفسير أبي جرير برقم ١٦١٥ - (٣/ ٣٨٦).\n(^٥٦٥) - تفسير ابن جرير برقم ١٦١٦ - (٣/ ٣٨٦).\n(^٥٦٦) - تفسير عبد الرزاق (١/ ٥٣).\n_________\n[¬١]- في خ: \"على\".\n[¬٢]- في ت: [في تفسير آدم وهو].\n[¬٣] ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٤]- في ز، خ: \"أخبرنا\".\n[¬٥]- في ز: أتى.\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٧]- في خ: \"عن\".\n[¬٨]- سقط من: ز، خ.\n[¬٩]- ما بين المعكوفتين في خ: \"لنا عدو\".\n[¬١٠]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬١١]- في خ: \"عدونا\".","vol":"1","page":507},{"text":"بالرخاء والعافية والخصب، فجبريل عدونا، فقال الله تعالى: [﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾. الآية.\nوأما تفسير الآية فقوله تعالى] [¬١]: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ أي: من عادى جبريل، فليعلم أنه الروح الأمين الذي نزل بالذكر الحكيم، على قلبك من الله بإذنه له في ذلك، فهو رسول من رسل الله مَلكي، ومن عادى رسولًا، فقد عادى جميع الرسل، [كما أنّ من آمن برسول، فإنه يلزمه الإيمان بجميع الرسل] [¬٢]، وكما أنّ من كفر برسول فإنه يلزمه الكفر بجميع الرسل، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَينَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَينَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾. الآيتين. فحكم عليهم بالكفر المحقق إذ آمنوا ببعض الرسل، وكفروا ببعضهم، وكذلك من عادى جبريل فإنه عدوّ لله؛ لأن جبريل لا ينزل بالأمر من تلقاء نفسه، وإنما ينزل بأمر ربه، كما قال: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إلا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَينَ أَيدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَينَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ الآية. وقال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾.\nوقد روى البخاري في صحيحه (^٥٦٧)، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"من عادى لي وليًّا فقد بارزني بالحرب\"، ولهذا غضب الله لجبريل على من عاداه، فقال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَينَ يَدَيهِ﴾ أي: من الكتب المتقدّمة ﴿وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ هدى لقلوبهم، وبشرى لهم بالجنة، وليس ذلك إلا للمؤمنين، كما قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾. الآية. وقال تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إلا خَسَارًا﴾. الآية.\nثم قال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَال فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾. يقول تعالى: من عاداني وملائكتي ورسلي- ورسله تشمل [¬٣] رسله من الملائكة والبشر كما قال تعالى: ﴿[] [¬٤] اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾.\n﴿وَجِبْرِيلَ وَمِيكَال [¬٥]﴾ وهذا من باب عطف الخاص على العام، فإنهما دخلا في الملائكة، ثم عموم الرسل، ثم خُصِّصَا [¬٦] بالذكر، لأن السياق في الانتصار لجبريل، وهو السفير\n_________\n(^٥٦٧) - صحيح البخاري، كتاب الرقاق، باب: التواضع برقم (٦٥٠٢).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في ز، خ: \"يشمل\".\n[¬٤]- في خ: إن.\n[¬٥]- في خ: \"ميكائيل\".\n[¬٦]- في خ: \"خصصنا\".","vol":"1","page":508},{"text":"بين الله وأنبيائه، وقرن معه [¬١] ميكائيل في اللفظ؛ لأن اليهود زعموا أن جبريل عدوّهم وميكائيل وليهم [¬٢]، فأعلمهم [الله تعالى] [¬٣] أن [¬٤] بن عادى واحدًا منهما، فقد عادى الآخر، وعادى الله أيضًا؛ لأنه أيضًا ينزل على [أنبياء الله] [¬٥] بعض الأحيان، كما قرن برسول الله ﷺ في ابتداء الأمر، ولكن جبريل أكثر، وهي وظيفته، وميكائيل موكل بالنبات والقطر، هذاك بالهدى، وهذا بالرزق، كما أن إسرافيل موكل [بالنفخ في الصور للبعث] [¬٦] يوم [¬٧] القيامة؛ ولهذا جاء في الصحيح (^٥٦٨): أن رسول الله ﷺ كان إذا قام من الليل يقول: \"اللَّهم رب جبربل، وميكائيل، وإسرافيل، فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك، فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اخْتُلِفَ فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم\"، وقد تقدّم مما حكاه البخاري، ورواه ابن جرير، عن عكرمة، وغيره [¬٨] أنه قال: جبر [¬٩] وميك وإسراف: عبيد [¬١٠]، وإيل: الله.\nوقال ابن أبي حاتم (^٥٦٩): حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، عن الأعمش، عن إسماعيل بن رجاء، عن عمير مولى ابن عباس، [عن ابن عباس] [¬١١] قال: إنما كان قوله جبريل كقوله: عبد الله، وعبد الرحمن، وقيل [¬١٢] جبر: عبد، وإيل: الله.\nوقال محمد بن إسحاق (^٥٧٠): عن الزهري، عن علي بن الحسين قال: أتدرون [¬١٣] ما اسم جبريل من أسمائكم؟ قلنا: لا. قال: اسمه عبد [¬١٤] الله، قال: فتدرون ما اسم ميكائيل من أسمائكم؟ قلنا لا. قال اسمه عبيد [¬١٥] الله، وكل اسم مرجعه إلى إيل فهو إلى الله [﷿].\nقال ابن أبي حاتم (^٥٧١): وروي عن [عكرمة، ومجاهد] والضحاك، ويحيى بن يعمر نحو\n_________\n(^٥٦٨) - رواه ابن أبي حاتم برقم ٩٧١ - (١/ ٢٩٢).\n(^٥٧١) - ابن أبي حاتم (١/ ٢٩٣).\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في خ: \"عدوهم\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- في خ: \"أنه\".\n[¬٥]- في ز، خ: \"الأنبياء\".\n[¬٦]- في ز، خ: بالصور للنفخ للبعث.\n[¬٧]- في ز: ليوم.\n[¬٨]- سقط من: خ.\n[¬٩]- في ز، خ: \"جر\".\n[¬١٠]- في ز، خ: \"عبد\".\n[¬١١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬١٢]- في ز، خ: \"وقال\".\n[¬١٣]- في ز، خ: \"تدرون\".\n[¬١٤]- في خ: \"عبيد\".\n[¬١٥]- في خ: \"عبد\".","vol":"1","page":509},{"text":"ذلك، ثم [] [¬١] قال حدثني [¬٢] أبي، حدثنا أحمد بن أبي الحَوَاري، حدثني عبد العزيز بن عمير قال: اسم جبريل في الملائكة خادم الله، قال: فحدَّثتُ به أبا سليمان الداراني فانتفض، وقال: لَهَذا الحديثُ أحبُّ إليَّ من كلِ شيءٍ في دفتر كان بين يديه.\nوفي جبريل وميكائيل لغات وقراءات، تذكر في كتب اللغة والقراءات، [ولم نطول] [¬٣] كتابنا هذا بسرد ذلك، إلا أن يدور فهم المعنى عليه، أو يرجع الحكم في ذلك إليه، وبالله الثقة، وهو المستعان.\nوقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ [¬٤] عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ فيه إيقاع المُظْهَر مكان المضمر حيث لم يقل: فإنه عدوّ للكافرين؛ بل قال: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ كما قال الشاعر:\nلا أرى الموتَ يسبِقُ الموتَ شيء [¬٥] … نغص [¬٦] الموتُ ذا [¬٧] الغنى والفقيرا\nوقال الآخر [¬٨]:\nليتَ الغرابَ غداةَ ينعَبُ دائبًا … كان الغرابُ مُقَطَّعَ الأوداج\nوإنما أظهر [الله هذا] [¬٩] الاسم هاهنا؛ لتقرير [¬١٠] هذا المعنى وإظهاره، وإعلامهم أن من عادى وليًّا [¬١١] لله فقد عادى الله، ومن عادى الله فإن الله عدوّ له، ومن كان الله عدوّه، فقد خسر الدنيا والآخرة، كما تقدّم الحديث: \"من عادى لي وليًّا فقد بارزني بالحرب\" (^٥٧٢)، وفي الحديث الآخر: \"إني لأثأر لأوليائي كما يثأر الليث الحَرِبُ\". وفي الحديث [¬١٢] الصحيح: \"وَمَنْ كنتُ خَصْمَهُ خَصَمْتُه\".\n﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إلا الْفَاسِقُونَ (٩٩) أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠٠) وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ\n_________\n(^٥٧٢) - رواه البخاري (٦٥٠٢) في كتاب الرقاق، باب: التواضع.\n_________\n[¬١]- في خ: \"و\".\n[¬٢]- في خ: \"حدثنا\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٤]- زيادة من: خ.\n[¬٥]- في ز، خ: \"شيئًا\".\n[¬٦]- في ز، خ: \"سبق\".\n[¬٧]- في ز، خ: \"و\".\n[¬٨]- في ز: للآخر.\n[¬٩]- سقط من: ز، خ.\n[¬١٠]- في ز: لتقدير.\n[¬١١]- في ز، خ: \"أولياء\".\n[¬١٢]- سقط من: ز، خ.","vol":"1","page":510},{"text":"أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٠١) وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَينِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَينَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إلا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٢) وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٣)﴾\nقال الإمام أبو جعفر بن جرير (^٥٧٣) في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾. الآية [¬١]. أي: أنزلنا إليك يا محمد؛ علامات واضحات دالات [¬٢]، على نبوّتك، وتلك الآيات هي ما حواه [¬٣] كتاب الله من خفايا علوم اليهود، ومكنونات سرائر أخبارهم، وأخبار أوائلهم من بني إسرائيل، والنبأ عما تضمنته كتبهم التي لم يكن يعلمها إلا أحبارُهم وعلماؤهم، وما حرّفه أوائلهم وأواخرهم، وبدّلوه من أحكامهم، التي كانت في التوراة.\nفأطلع الله في كتابه الذي أنزله على نبيه محمد ﷺ فكان في ذلك من أمره الآيات البينات لمن أنصف نفسه، ولم يدعه [¬٤] إلى هلاكها الحسد والبغي؛ إذ كان في فطرة كل ذي فطرة صحيحة تصديق من أتى بمثل ما جاء به محمد ﷺ من الآيات البينات التي وَصَفَ من غير تَعَلُّمٍ تعلَّمه من بشر [¬٥]، ولا أخذ شيئًا منه عن آدمي.\nكما قال الضحاك: عن ابن عباس (^٥٧٤): ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ يقول: فأنت\n_________\n(^٥٧٣) - ابن جرير (٢/ ٣٩٧).\n(^٥٧٤) - رواه ابن جرير برقم ١٦٣٠ - (٢/ ٣٩٧).\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- في ز، خ: \"دلالات\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"حكاه\".\n[¬٤]- في ز: يدعها.\n[¬٥]- في خ: \"بشرى\".","vol":"1","page":511},{"text":"تتلوه عليهم وتخبرهم به غدوة وعشية، وبين ذلك، وأنت عندهم أمّي لا [¬١] تقرأ كتابًا، وأنت تخبرهم بما في أيديهم على وجهه، يقول الله تعالى [لهم في ذلك] [¬٢] عبرة وبيان، وعليهم حجة لو كانوا يعلمون.\nوقال محمد بن إسحاق (^٥٧٥): حدّثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة -أو سعيد بن جبير- عن ابن عباس؛ قال: قال ابن صوريا الفطيُوني [¬٣] لرسول الله ﷺ: يا محمد؛ ما جئتنا بشيء نعرفه، وما أنزل الله عليك من آية بينة فنتبعك. فأنرل الله في ذلك من قوله: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ [¬٤] بِهَا إلا الْفَاسِقُونَ﴾.\nوقال مالك بن الصيف [¬٥] (^٥٧٦) - حين بُعث رسولُ الله ﷺ وذكَّرهم ما أخذ عليهم من الميثاق، وما عهد إليهم في محمد ﷺ: والله ما عَهِد إلينا في محمد [ﷺ] ولا أخذ علينا ميثاقًا؛ فأنزل الله تعالى: ﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾.\nوقال الحسن البصري: في قوله: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾. قال: نعم ليس في الأرض عهد يعاهدون عليه إلا نقضوه ونبذوه، يعاهدون اليوم وينقضون غدًا.\nوقال السدي: لا يؤمنون بما جاء به محمد ﷺ. وقال قتادة: نبذه فريق منهم، أي نقضه فريق منهم.\nوقال ابن جرير (^٥٧٧): أصل النبذ الطرح والإلقاء، ومنه سُمي اللقيط منبوذًا، ومنه سُمي النبيذ وهو التمر والزبيب إذا طرحا في الماء. قال أبو الأسود الدؤلي:\nنظرتَ إلى عنوانه فنبذْتَه … كنبذك نعلًا أخْلَقَتْ من نعالكا\nقلت: فالقوم ذمهم الله بنبذهم العهود التي تقدم الله إليهم في التمسك بها والقيام بحقها؛ ولهذا أعقبهم ذلك التكذيب بالرسول المبعوث إليهم، وإلى الناس كافة، الذي في كتبهم نعتُه، وصفتُه وأخباره، وقد أُمروا فيها باتباعه، ومؤازرته، ومناصرته، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ\n_________\n(^٥٧٥) - رواه ابن جرير برقم ١٦٣٧، ١٦٣٨ - (٢/ ٣٩٨)، والسيرة (٢/ ١٩٦).\n(^٥٧٦) - رواه ابن جرير برقم ١٦٣٩ - (٢/ ٤٠٠)، والسيرة لابن هشام (٢/ ١٩٦).\n(^٥٧٧) - تفسير ابن جرير (٢/ ٤٠١).\n_________\n[¬١]- في خ: لم.\n[¬٢]- في ز، خ: \"في ذلك لهم\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"النطيوني\".\n[¬٤]- في ز، خ: \"يجحد\".\n[¬٥]- في ز، خ: \"الضيف\".","vol":"1","page":512},{"text":"الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ الآية. وقال هاهنا ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾. الآية. أي: طرح [¬١] طائفة منهم كتاب الله الذي بأيديهم مما فيه البشارة بمحمد ﷺ وراء ظهورهم، أي: تركوها كأنهم لا يعلمون ما فيها، وأقبلوا على تعلم السحر واتباعه، ولهذا أرادوا كيدًا برسول [¬٢] الله ﷺ وسحروه في مُشْط ومُشَاقة وجُفّ طلعة ذَكَر تحت راعوثة [¬٣] (^٥٧٨) ببئر [¬٤] ذي أروان، وكان الذي تولى ذلك منهم رجل يقال له: لبيد بن الأعصم - لعنه الله وقبحه [¬٥] فأطلع [¬٦] الله على ذلك رسوله، ﷺ، وشفاه منه وأنقذه، كما ثبت ذلك مبسوطًا في الصحيحين عن عائشة أم المؤمنين ﵂ كما سيأتي بيانه.\nو[¬٧] قال السدي: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ﴾ قال: لما جاءهم محمد ﷺ عارضوه بالتوراة فخاصموه بها، فاتفقت التوراة والقرآن، فنبذوا التوراة وأخذوا بكتاب آصف، وسحر هاروت وماروت، فلم يوافق القرآن فذلك قوله: ﴿كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾.\nوقال قتادة في قوله: ﴿كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ قال: إن القوم كانوا يعلمون ولكنهم نبذوا علمهم، وكتموه، وجحدوا به.\nوقال العوفي في تفسيره: عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾ الآية. وكان حين ذهب ملك سليمان ارتد فئام [¬٨] (^٥٧٩) من الجن والإنس واتبعوا الشهوات، فلما أرجع [¬٩] الله إلى سليمان مُلْكَه، وقام الناس على الدين كما كان، أو أن سليمان ظهر على كتبهم فدفنها تحت كرسيه، وتوفي سليمان ﵇ حِدْثَان ذلك، فظهر الإنس والجن على الكتب بعد وفاة سليمان وقالوا: هذا كتاب من الله نزل على سليمان وأخفاه عنا [¬١٠] فأخذوا به فجعلوه دينًا؛ فأنزل الله تعالى ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ\n_________\n(^٥٧٨) - الراعوثة: حجر في أعلى البئر، يقف عليه المستقي.\n(^٥٧٩) - الفئام: الجماعة من الناس.\n_________\n[¬١]- في خ: \"أطرح\".\n[¬٢]- في ز: لرسول.\n[¬٣]- في ز: راعونة.\n[¬٤]- في ز: بئر.\n[¬٥]- سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- في خ: \"فأطلعه\".\n[¬٧]- زيادة من: خ.\n[¬٨]- في خ: \"قيام\".\n[¬٩]- في ز، خ: \"رجع\".\n[¬١٠]- في ز، خ: \"منا\".","vol":"1","page":513},{"text":"لَا يَعْلَمُونَ﴾. الآية. واتبعوا الشهوات التي كانت [تتلو الشياطين] [¬١]، وهي المعازف، واللعب، وكل شيء يصد عن ذكر الله.\nوقال ابن أبي حاتم (^٥٨٠): حدَّثنا أبو سعيد الأشج، حدَّثنا أبو أسامة، عن الأعمش، عن المنهال، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: كان [¬٢] آصف كاتب سليمان، وكان يَعْلَمُ الاسم الأعظم، وكان يكتب كل شيء بأمر سليمان، ويدفنه تحت كرسيه، فلما مات سليمان أخرجته [¬٣] الشياطين، فكتبوا بين كل سطرين سحرًا وكفرًا، وقالوا: هذا الذي كان سليمان يعمل بها.\nقال [¬٤]: فأكفره [¬٥] جُهَّالُ الناس وَسَبُّوه، ووقف [علماء الناس] [¬٦]، فلم يزل [جهال الناس] [¬٧] يسبونه حتى أنزل الله على محمد ﷺ: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾.\nوقال ابن جرير (^٥٨١): حدّثني أبو السائب سلم [¬٨] بن جنادة السُّوائي، حدَّثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن المنهال، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: كان سليمان ﵇ إذا أراد أن يدخل الخلاء، أو يأتي شيئًا من نسائه أعطى الجرادة - وهي امرأته [¬٩]- خاتمه، فلما أراد الله أن يبتلي سليمان ﵇ - بالذي ابتلاه به، أعطى الجرادة ذات يوم خاتَمه، فجاء الشيطان في صورة سليمان فقال لها: هاتي خاتمي، فأخذه فلبسه، فلما لبسه دانت له الشياطين، والجن، والإنس.\nقال: فجاءها سليمان، فقال لها: هاتي خاتمي. فقالت: كذبت، لست سليمان، قال: فعرف سليمان أنه بلاء ابْتُلي به. قال: فانطلقت الشياطين فكتبت في تلك الأيام كتبًا فيها سحر وكفر، ثم دفنوها تحت كرسي سليمان، ثم أخرجوها وقرءوها [¬١٠] على الناس، وقالوا: إنما كان سليمان يغلب الناس بهذه الكتب، قال فبرئ الناس من سليمان، وأكفروه حتى بعث الله محمدًا ﷺ وأنزل عليه: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾.\n_________\n(^٥٨٠) - تفسير ابن أبي حاتم برقم ٩٨٨ - (١/ ٢٩٧).\n(^٥٨١) - تفسير ابن جرير يرقم ١٦٦٠ - (٢/ ٤١٤).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في ز، خ: \"قال\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"أخرجه\".\n[¬٤]- سقط من: خ.\n[¬٥]- في ز، خ: \"فألفوه\".\n[¬٦]- في ز: علماؤهم.\n[¬٧]- في ز: جهالهم.\n[¬٨]- في ز: مسلم.\n[¬٩]- في ز: امرأة.\n[¬١٠]- في ز، خ: \"فقرءوها\".","vol":"1","page":514},{"text":"ثم قال ابن جرير (^٥٨٢): حدَّثنا ابن حميد، حدَّثنا جرير عن حصين بن عبد الرحمن، عن عمران -وهو ابن الحارث- قال: بينما [¬١] نحن عند ابن عباس ﵄ إذ جاء رجل فقال له: من أين جئت؟ قال: من العراق. قال: من أيَه؟ قال: من الكوفة قال: فما الخبر؟ قال: تركتهم يتحدثون أن عليًّا خارج إليهم، ففزع ثم قال: ما تقول لا أبا لك؟ لو شعرنا ما نكحنا نساءه ولا قسمنا ميراثه، أما إني سأحدثكم عن ذلك، إنه كانت الشياطين يسترقون السمع من السماء، فيجيء أحدهم بكلمة حق قد سمعها، فإذا جُرِّب منه وصُدق كذب معها سبعين كذبة. قال: فَتَشْرَبُها قلوب الناس، قال: فأطلع الله عليها سليمان ﵇ فدفنها تحت كرسيه، فلما توفي سليمان ﵇ قام شيطانُ الطريق فقال: أفلا أدلكم على كنزه [¬٢] المُمَنَّع الذي لا كنز له مثله؟ تحت الكرسي. فأخرجوه، فقالوا: هذا سحره [¬٣] فتناسخها الأمم -حتى بقاياها ما يتحدث به أهل العراق- فأنزل الله ﷿: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾. الآية.\nوروى الحاكم في مستدركه، عن أبي زكريا العَنْبري، عن محمد بن عبد السلام، عن إسحاق بن إبراهيم، عن جرير، به (^٥٨٣).\nوقال السدي في قوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيمَانَ﴾ أي: على عهد سليمان، قال: كانت الشياطين تصعد إلى السماء، فتقعد منها مقاعد للسمع، فيستمعون من كلام الملائكة ما [¬٤] يكون في الأرض من موت، أو غيب، أو أمر، فيأتون الكهنة، فيخبرونهم، فَتُحَدِّثُ الكهنةُ الناسَ، فيجدونه كما قالوا، فلما [¬٥] أمنتهم الكهنة كذبوا لهم؛ وأدخلوا فيه غيره، فزادوا مع كل كلمة سبعين كلمة، فاكتتب الناسُ ذلك الحديث في الكتب، وفشا ذلك [¬٦] في بني إسرائيل أن الجن تعلم الغيب، فبعث سليمانُ في الناس فجمع تلك الكتب فجعلها في صندوق، ثم دفنها تحت كرسيه، ولم يكن أحد من الشياطين يستطيع أن يدنو من الكرسي إلا احترق. وقال: لا أسمع أحدًا يذكر أن الشياطين يعلمون الغيب إلا ضربتُ عنقه.\nفلما مات سليمان، ﵇، وذهبت العلماء الذين كانوا يعرفون أمر سليمان، وخلف من بعد ذلك خَلْف - تمثل الشيطان [¬٧] في صورة إنسان، ثم أتى نفرًا من بني إسرائيل، فقال لهم:\n_________\n(^٥٨٢) - تفسير ابن جرير برقم ١٦٦٢ - (٢/ ٤١٥).\n(^٥٨٣) - المستدرك (٢/ ٢٦٥).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"بينا\".\n[¬٢]- في خ: \"كنز\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"سحر\".\n[¬٤]- في ز: مما.\n[¬٥]- في ز: حتى إذا.\n[¬٦]- سقط من ز.\n[¬٧]- في ز: شيطان.","vol":"1","page":515},{"text":"هل أدلكم على كنز لا تأكلونه أبدًا؟ قالوا: نعم. قال: فاحفروا تحت الكرسي، وذهب [¬١] معهم، وأراهم [¬٢] المكان وقام ناحية، فقالوا له [¬٣] فادنُ. فقال [¬٤]: لا، ولكنني [¬٥] هاهنا في أيديكم، فإن لم تجدوه فاقتلوني، فحفروا فوجدوا تلك الكتب؛ فلما أخرجوها قال الشيطان: إن سليمان إنما كان يضبط الإنس، والشياطين، والطير بهذا السحر. ثم طار وذهب.\nوفشا في الناس أن سليمان إنما [¬٦] كان ساحرًا، واتخذت بنو إسرائيل تلك الكتب، فلما جاء محمد ﷺ خاصموه بها، فذلك حين يقول الله تعالى: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾.\nوقال الربيع بن أنس: إن اليهود سألوا محمدًا ﷺ زمانًا عن أمور من التوراة، لا يسألونه عن شيء من ذلك إلا أنزل الله ﷾ عليه [¬٧] ما سألوه [¬٨] عنه، فيخصمهم، فلما رأوا ذلك قالوا: هذا أعلم بما أنزل الله إلينا منا.\nوإنهم سألوه عن السحر، وخاصموه به، فأنزل الله ﷿: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾. وإن الشياطين عمدوا إلى كتابٍ فكتبوا فيه السحر، والكهانة، وما شاء الله من ذلك، فدفنوه تحت كرسي [¬٩] مجلس سليمان، وكان سليمان [¬١٠]﵇ لا يعلم الغيب.\nفلما فارق سليمان الدنيا استخرجوا ذلك السحر، وخدعوا الناس، وقالوا: هذا علم كان سليمان يكتمه ويحسده [¬١١] الناس عليه، فأخبرهبم النبي ﷺ بهذا الحديث فرجعوا من عنده، وقد حزنوا [¬١٢] [وقد] [¬١٣] أدحض الله حجتهم.\nوقال مجاهد في قوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيمَانَ﴾ قال: كانت الشياطين تستمع [¬١٤] الوحي، فما سمعوا من كلمة زادوا فيها مائتين مثلها. فأرسل سليمان، ﵇، إلى ما كتبوا من ذلك، فلما توفي سليمان وجدته [¬١٥] الشياطين وعلمته [¬١٦] الناس، وهو\n_________\n[¬١]- مكرر في: خ.\n[¬٢]- في ز، خ: \"فأراهم\".\n[¬٣]- سقط من: خ.\n[¬٤]- في خ: \"قال\".\n[¬٥]- في ز: ولكني.\n[¬٦]- زيادة من: خ.\n[¬٧]- زيادة من: ز، خ.\n[¬٨]- في ز، خ: \"سألوا\".\n[¬٩]- سقط من: ز، خ.\n[¬١٠]- زيادة من: ز، خ.\n[¬١١]- في ز، خ. \"يحسد\".\n[¬١٢]- في ز، خ: \"خزيوا\".\n[¬١٣]- في خ: \"قد\"، وفي: ز [و]\n[¬١٤]- في ز، خ: \"تسمع\".\n[¬١٥]- في ز، خ: \"وحدثته\".\n[¬١٦]- في ز، خ: \"فعلمته\".","vol":"1","page":516},{"text":"السحر.\nوقال سعيد بن جبير: كان سليمان ﵇ يتتبع [¬١] ما في أيدي الشياطين من السحر فيأخذه منهم، فيدفنه تحت كرسيه في بيت خزانته، فلم تقدر [¬٢] الشياطين أن يصلوا إليه، فدبت إلى الإنس فقالوا لهم: أتدرون ما [¬٣] العلم الذي كان سليمان يسخر به الشياطين والرياح وغير ذلك؟ قالوا: نعم. قالوا: فإنه في بيت خزانته وتحت كرسيه، فاستثار به. الإنسُ، واستخرجوه، [وعملوا به] [¬٤]، فقال أهل الحجا [¬٥]: كان سليمان يعمل بهذا، وهذا سحر. فأنزل الله تعالى على لسان [¬٦] نبيه محمد ﷺ براءة سليمان ﵇ فقال تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾.\nوقال محمد بن إسحاق بن يسار: عمدت الشياطين حين عرفت موت سليمان بن داود ﵇ فكتبوا أصناف السحر: \"من كان يحب أن يبلغ كذا وكذا فليفعل [¬٧] كذا وكذا\"، حتى إذا صنفوا أصناف السحر جعلوه في كتاب، ثم ختموه [¬٨] بخاتم على نقش خاتم سليمان، وكتبوا في [¬٩] عنوانه: هذا ما كتب آصف بن برخيا الصديق للملك سليمان بن داود [﵉] من ذخائر كنوز العلم.\nثم دفنوه تحت كرسيه، واستخرجته بعد ذلك بقايا بني إسرائيل حتى أحدثوا ما أحدثوا، فلما عثروا عليه قالوا: والله ما كان ملك [¬١٠] سليمان [بن داود] [¬١١] إلا بهذا؛ فأفشوا السحر في الناس، فتعلموه [¬١٢] وعلموه [¬١٣]، [فليس هو] [¬١٤] في أحد أكثر منه في اليهود لعنهم الله!\nفلما ذكر رسول الله ﷺ فيما نزل عليه من الله - سليمان بن داود وعدَّه فيمن عدّ [¬١٥] من المرسلين. قال من كان بالمدينة من اليهود [¬١٦]: ألا تعجبون من محمد، يزعم أن ابن داود كان نبيًّا، والله ما كان إلا ساحرًا. وأنزل الله في [¬١٧] ذلك من [¬١٨] قولهم: ﴿وَاتَّبَعُوا\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"يتبع\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"يقدر\".\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- في ز: فعملوا بها.\n[¬٥]- في خ: \"الحجاز\".\n[¬٦]- زيادة من: ز، خ.\n[¬٧]- في ز: فليقل.\n[¬٨]- في خ: \"ختمو\".\n[¬٩]- سقط من: ز، خ.\n[¬١٠]- سقط من: ز، خ.\n[¬١١]- ما بين المعكوفتين زيادة من: ز، خ.\n[¬١٢]- في خ: \"وتعلموه\".\n[¬١٣]- في ز: وليس.\n[¬١٤]- في ز: وعملوه.\n[¬١٥]- في ز: عده.\n[¬١٦]- في ز: يهود.\n[¬١٧]- سقط من: ز، خ.\n[¬١٨]- في ز، خ: \"في\".","vol":"1","page":517},{"text":"مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾. الآية.\nوقال ابن جرير (^٥٨٤): حدَّثنا القاسم، حدَّثنا حسين حدثنا [¬١] حجاج عن أبي بكر، عن شَهْر بن حَوْشب قال: لما سُلِبَ سليمان ﵇ ملكه، كانت الشياطين تكتب السحر في غيبة سليمان. فكتبت: \"من أراد أن يأتي كذا وكذا فليستقبل الشمس، وليقل كذا وكذا؛ ومن أراد أن يفعل كذا وكذا، فليستدبر الشمس، وليقل كذا وكذا؛ فكتبتْه وجعلتْ عنوانَه: هذا ما كتب آصف بن برخيا للملك سليمان بن داود ﵉ من ذخائر كنوز العلم\". ثم دفنته تحت كرسيه، فلما مات سليمان ﵇ قام إبليس لعنه الله! خطيبًا، فقال [¬٢]: يا أيها الناس؛ إن سليمان لم يكن نبيًّا، إنما كان ساحرًا، فالتمسوا سحره في متاعه، وبيوته. ثم دلهم على المكان الذي دفن فيه. فقالوا: والله لقد كان سليمان ساحرًا، هذا سحره، بهذا تَعَبَّدَنا، وبهذا قهرنا.\nفقال [¬٣] المؤمنون: بل كان نبيًّا مؤمنًا. فلما بعث الله النبي محمدًا [¬٤] ﷺ [جعل يذكر الأنبياء] [¬٥] حتى [¬٦]، ذكر داود وسليمان فقالت اليهود: انظروا إلى محمد يخلط الحق بالباطل. يذكر سليمان مع الأنبياء. إنما كان ساحرًا يركب الريح، فأنزل الله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيمَانَ [وَمَا كَفَرَ سُلَيمَانُ] [¬٧]﴾. الآية.\nوقال [¬٨] ابن جرير (^٥٨٥): حدَّثنا محمد بن عبد الأعلى الصنعاني، قال: حدثنا المعتمر بن سليمان قال: سمعت عمران بن حُدَيْر [¬٩]، عن أبي مِجْلزَ قال: أخذ سليمان ﵇ من كل دابة عهدًا، فإذا أصيب رجل فسأل بذلك العهد، خلي عنه، فزاد [¬١٠] الناس السجع والسحر، وقالوا: هذا يعمل به سليمان [بن داود ﵉]؛ فقال الله تعالى: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾.\nوقال ابن أبي حاتم (^٥٨٦): حدَّثنا [عصام بن رَوّاد] [¬١١]، حدَّثنا آدم، حدَّثنا المسعودي، عن\n_________\n(^٥٨٤) - رواه ابن جرير برقم ١٦٦٦ - (٢/ ٤١٦).\n(^٥٨٥) - تفسير ابن جرير برقم ١٦٦١ - (٢/ ٤١٤).\n(^٥٨٦) - رواه ابن أبي حاتم برقم ٩٨٩ - (١/ ٢٩٨).\n_________\n[¬١]- في ت: بن.\n[¬٢]- في ز، خ: \"قال\".\n[¬٣]- في ز: وقال:\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٦]- في ز، خ: \"حين\".\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٨]- في خ: \"حدثنا\".\n[¬٩]- في ز، خ: \"جرير\".\n[¬١٠]- في الطبري: فرأى. قال محققه ﵀، والصواب ما في الطبري.\n[¬١١]- في خ: \"عاصم بن داود\".","vol":"1","page":518},{"text":"زياد مولى ابن مصعب عن الحسن ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ﴾. قال: ثلث الشعر، وثلث السحر، وثلث الكهانة.\nوقال (^٥٨٧): حدثنا الحسن بن أحمد، حدَّثنا إبراهيم بن عبد الله بن بشار الواسطي، حدّثني سُرور [¬١] بن المغيرة، عن عباد بن منصور، عن الحسن ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيمَانَ﴾ وتبعته [¬٢] اليهود على ملكه. وكان السحر قبل ذلك في الأرض لم يزل بها، ولكنه إنما اتبع على ملك سليمان.\nفهذه نبذة من أقوال أئمة السلف في هذا المقام، ولا يخفى ملخص القصة والجمع بين أطرافها، وأنه لا تعارض بين السياقات على اللبيب الفَهم، والله الهادي.\nوقوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيمَانَ﴾ أي: واتبعت اليهود الذين أوتوا الكتاب من [¬٣] بعد إعراضهم عن كتاب الله الذي بأيديهم ومخالفتهم لرسول الله محمد ﷺ ما تتلوه [¬٤] الشياطين، أي: [ما ترويه وتخبر به] [¬٥] وتحدثه الشياطين على ملك سليمان. وعدّاه بـ \"على\"، لأنه ضمن \"تتلو\" \"تكذب\".\nوقال ابن جرير: \"على\" هاهنا بمعنى \"في\"، أي: تتلو في ملك سليمان. ونقله عن ابن جُرَيج، وابن إسحاق (قلت): والتضمين أحسن وأولى، والله أعلم.\nوقول الحسن البصري ﵀: \"و[¬٦] قد كان السحر قبل زمان [¬٧] سليمان بن داود\" صحيح لا شك فيه؛ لأن السحرة كانوا في زمان موسى ﵇ وسليمان بن داود بعده، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾. الآية. ثم ذكر [¬٨] القصة بعدها، وفيها: ﴿وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ﴾. وقال قوم صالح - وهم قبل إبراهيم الخليل ﵇ - لنبيهم صالح: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾ [أي: المسحورين على المشهور] [¬٩].\nو[¬١٠] قوله تعالى: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَينِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى\n_________\n(^٥٨٧) - رواه ابن أبي حاتم برقم ٩٩٢ - (١/ ٢٩٩). وفيه عباد بن منصور، وهو ضعيف.\n_________\n[¬١]- في ز: مسرور.\n[¬٢]- في ز: واتبعته.\n[¬٣]- سقط من: خ.\n[¬٤]- في ز، خ: \"تتلوا\".\n[¬٥]- في ز، خ: \"ما ترونه وتخبرونه\".\n[¬٦]- سقط من: ز، خ.\n[¬٧]- في ز: زمن.\n[¬٨]- سقط من: ز، خ.\n[¬٩]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬١٠]- زيادة من: ز، خ.","vol":"1","page":519},{"text":"يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَينَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾. اختلف الناس في هذا المقام، فذهب بعضهم إلى أنّ \"ما\" نافية، أعني: التي في قوله: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَينِ﴾.\n[قال القرطبي: ما نافية، ومعطوف في قوله: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيمَانُ﴾ ثم قال: ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَينِ﴾ وذلك أن اليهود كانوا يزعمون أنه نزل به جبريل، وميكائيل، فأكذبهم الله، وجعل قوله: ﴿هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾ بدلًا من الشياطين.\nقال: وصح ذلك؛ إما لأن الجمع يطلق على الاثنين، كما في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾، أو لكونهما لهما أتباع، أو ذُكرا من بينهم لتمردهما. تقدير الكلام عنده: يعلمون الناس السحر ببابل وهاروت، وماروت. ثم قال: وهذا أولى ما حملت عليه الآية، وأصح، ولا يلتفت إلى ما سواه] [¬١].\nوروى ابن جرير بإسناده (^٥٨٨)، من طريق العوفي، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَينِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾ الآية. يقول: لم ينزل الله السحر. وبإسناده عن الربيع بن أنس في قوله: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَينِ﴾ قال: ما أنزل الله عليهما السحر.\nقال ابن جرير: فتأويل الآية على هذا ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيمَانَ﴾ من السحر، وما كفر سليمان، ولا أنزل الله السحر على الملكين ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر [وما أنزل على الملكين] [¬٢] ببابل هاروت، وماروت.\nفيكون قوله: ﴿بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾ من المؤخر الذي معناه المقدَّم. قال: فإن قال لنا قائل: كيف [¬٣] وجه تقديم ذلك؟ قيل: وجه تقديمه أن يقال: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيمَانَ﴾ [من السحر] [¬٤]، وما كفر سليمان، وما أنزل الله السحر [¬٥] على الملكين، ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر ببابل هاروت وماروت، فيكون معنيًّا بالملكين جبريل وميكائيل ﵉ لأنّ سحرة [¬٦] اليهود فيما ذكر كانت تزعم: أن الله أنزل السحر على لسان جبريل، وميكائيل إلى سليمان بن داود، فأكذبهم الله بذلك، وأخبر نبيه محمدًا، ﷺ أن حبريل، وميكائيل لم ينزلا بسحر، وبرَّأ سليمان ﵇ مما\n_________\n(^٥٨٨) - رواه ابن جرير برقم ١٦٧٠ - (٤١٩١٢)، وسنده ضعيف.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين زيادة من: خ.\n[¬٣]- في ز: وكيف.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- سقط من ز.\n[¬٦]- زياده من: ز، خ.","vol":"1","page":520},{"text":"نحلوه من السحر، وأخبرهم أن السحر من عمل الشياطين، وأنها تعلم الناس ذلك ببابل، وأن الذين يعلمونهم ذلك رجلان: اسم أحدهما هاروت، واسم الآخر ماروت، فيكون هاروت وماروت على هذا التأويل ترجمة عن الناس، وردًّا عليهم.\nهذا لفظه بحروفه (^٥٨٩).\nوقد قال ابن أبي حاتم (^٥٩٠): حدثت [¬١] عن عُبَيد الله بن موسى، أخبرنا فضيل بن مرزوق، عن عطية ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَينِ﴾ قال: ما أنزل الله [¬٢] على جبريل، وميكائيل السحر.\n[قال ابن أبي حاتم (^٥٩١)] [¬٣]: وحدثنا الفضل [¬٤] بن شاذان، حدثنا محمد بن عيسى، حدثنا [معلى]-يعني ابن أسد- حدثنا بكر -يعني ابن مصعب- حدثنا الحسن بن أبي جعفر: أن عبد الرحمن بن أبزى كان يقرؤها: \"وما أنزل على الملكين داود وسليمان\".\nوقال أبو العالية: لم ينزل عليهما السحر، يقول [¬٥]: عَلِما الإيمان والكفر، فالسحر من الكفر، فهما ينهيان عنه أشدّ النهي. رواه ابن أبي حاتم.\nثم شرع ابن جرير في رد هذا القول، وأن (ما) بمعنى الذي، وأطال القول في ذلك، وارعى أن هاروت وماروت ملكان أنزلهما الله إلى الأرض، وأذن لهما في تعليم السحر، اختبارًا لعباده، وامتحانًا، بعد أن بين لعباده أن ذلك مما ينهى عنه على ألسنة الرسل، وادعى: أن هاروت وماروت مطيعان في تعليم ذلك؛ لأنهما امتثلا ما أمرا به.\nوهذا الذي سلكه غريب جدًّا، وأغرب منه قول من زعم: أن هاروت وماروت قبيلان من الجن [كما زعمه ابن حزم] [¬٦].\nوروى ابن أبي حاتم (^٥٩٢) بإسناده، عن الضحاك بن مزاحم: أنه كان يقرؤها ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَينِ﴾ ويقول: هما علجان من أهل بابل.\nوَوَجَّه أصحاب هذا القول الإنزال بمعنى الخَلْق، لا بمعنى الإيحاء، في قوله تعالى: ﴿وَمَا\n_________\n(^٥٨٩) - تفسير ابن جرير (٢/ ٤١٩، ٤٢٠).\n(^٥٩٠) - إسناده ضعيف، والحديث عند ابن أبي حاتم برقم ١٠٠٦ - (١/ ٣٠٢).\n(^٥٩١) - رواه ابن حاتم ١٠٠٧ - (١/ ٣٠٢).\n(^٥٩٢) - إسناده ضعيف، فيه شعيب بن كيسان: ذكره البخاري في الضعفاء، ولينه العقيلي، والأثر عند ابن أبي حاتم ١٠٠٩ - (١/ ٣٠٣).، وفيه أيضًا ثابت بن جابان: مستور الحال.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"حديث\".\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- في خ: \"الفضيل\".\n[¬٥]- في ز: بقول.\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"1","page":521},{"text":"أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَينِ﴾ كما قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾، ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾، ﴿وَيُنَزِّلُ [¬١] لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا﴾. وفي الحديث: \"ما أنزل الله داء إلا أنزل له دواء\" (^٥٩٣)، وكما يقال: \"أنزل الله الخير والشر\".\n[وحكى القرطبي عن ابن عباس، وابن أبزى، رالحسن البصري: أنهم قرءوا ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَينِ﴾ بكسر اللام، وقال ابن أبزى: وهما داود وسليمان. قال القرطبي: فعلى هذا تكون ما نافية أيضًا] [¬٢].\nرذهب آخرون إلى الوقف على قوله: ﴿يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ [وما: نافية] [¬٣] قال ابن جرير: حدثني يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرنا الليث، عن يحيى بن سعيد، عن القاسم بن محمد: وسأله رجل عن قول الله تعالى ﴿يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَينِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾ قال الرجل: يعلمان الناس السحر، و[¬٤] ما أنزل عليهما، أو يعلمان الناس ما لم ينزل عليهما؟ فقال القاسم: ما أبالي أيتهما كانت (^٥٩٤).\nثم روى عن يونس، عن أنس بن عياض، عن بعض أصحابه: أن القاسم قال في هذه القصة: لا أبالي أي ذلك كان، إني آمنت به (^٥٩٥).\nوذهب كثيرون من السلف إلى أنهما كانا ملكين من السماء، وأنهما أنزلا إلى الأرض فكان من أمرهما ما كان، وقد ورد في ذلك حديث مرفوع، رواه الإمام أحمد في مسنده- ﵀ -كما سنورده إن شاء الله تعالى، وعلى هذا فيكون الجمع بين هذا، وبين ما ورد [¬٥] من الدلائل على عصمة الملائكة- أن هذين سبق في علم الله لهما هذا، فيكون تخصيصًا لهما، فلا تعارض حينئذ، كما سبق في علمه من أمر إبليس ما سبق، رفي قول: إنه كان من الملائكة: لقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إلا إِبْلِيسَ أَبَى﴾ إلى غير ذلك من الآيات الدالة على ذلك، مع أنّ شأن هاررت وماروت على\n_________\n(^٥٩٣) - رواه البخاري (٥٦٧٨) والنسائي في الطب وابن ماجه (٣٤٣٩) من حديث أبي هريرة.\nورواه النسائي في الوليمة والطب وابن ماجه من حديث ابن مسعود (٣٤٣٨).\n(^٥٩٤) - رواه ابن جرير برقم ١٦٧٨ - (٢/ ٤٢٣).\n(^٥٩٥) - رواه ابن جرير برقم ١٦٧٩ - (٢/ ٤٢٣، ٤٢٤).\n_________\n[¬١]- في خ: \"وتنزل\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- سقط من ز.\n[¬٥]- في ز، خ: \"ثبت\".","vol":"1","page":522},{"text":"ما ذكر، أخف مما وقع من إبليس لعنه الله تعالى!\n[وقد حكاه القرطبي، عن علي، وابن مسعود، وابن عباس، وابن عمر، وكعب الأحبار، والسدي، والكلبي] [¬١].\n(ذكر الحديث الوارد في ذلك إن صح سنده ورفعه وبيان الكلام عليه)\nقال الإمام أحمد بن حنبل -رحمه الله تعالى- في مسنده (^٥٩٦): حدثنا يحيى بن أبي بكير [¬٢]، حدثنا زهير بن محمد، عن موسى بن جبير، عن نافع، عن عبد الله بن عمر ﵄ أنه سمع نبي الله ﷺ يقول: \"إن آدم ﵇ لما أهبطه الله إلى الأرض، قالت الملائكة: أي رب، ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَال إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. قالوا: ربنا نحن أطوع لك من بني آدم، قال الله تعالى للملائكة: هلموا ملكين من الملائكة حتى نهبطهما إلى الأرض [فننظر كيف يعملان. قالوا: ربنا هاروت وماروت. فأهبطا إلى الأرض] [¬٣] ومثلت لهما الزهرة، امرأة من أحسن البشر، فجاءتهما، فسألاها نفسها، ففالت: لا والله حتى تتكلما [¬٤] بهذه الكلمة من الإشراك، فقالا: والله لا نشرك بالله شيئًا أبدًا. فذهبت عنهما، ثم رجعت بصبي تحمله، فسألاها نفسها، فقالت: لا والله حتى تقتلا هذا الصبي. فقالا: لا [¬٥]، والله لا نقتله أبدًا، فذهبت ثم [¬٦] رجعت [¬٧] بقدح خمر تحمله، فسألاها نفسها. فقالت: لا، والله حتى تشربا هذا الخمر، فشربا فسكرا فوقعا عليها، وقتلا الصبي، فلما أفاقا قالت المرأة: والله ما تركتما شيئًا أبيتماه عليّ إلا قد فعلتماه حين سكرتما. فخُيرا بين عذاب الدنيا، وعذاب الآخرة، فاختارا عذاب الدنيا، وهكذا رواه أبو حاتم [] [¬٨] ابن حبان في صحيحه عن الحسن بن سفيان، عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن يحيى بن أبي بُكير، به.\nوهذا حديث غريب من هذا الوجه، ورجاله كلهم ثقات من رجال الصحيحين، إلا موسى بن جبير هذا، وهو الأنصاري السلمي مولاهم المديني الحذاء، روى عن ابن عباس، وأبي أمامة بن سهل بن حنيف، ونافع، وعبد الله بن كعب [¬٩] بن مالك، رَوَى عنه ابنه عبد السلام، وبكر\n_________\n(^٥٩٦) - ضعيف، والحديث في المسند ٦١٧٨ - (٢/ ١٣٤)، وابن حبان برقم (١٧١٧) \"موارد\" وقال أبو حاتم في العلل (٢/ ٦٩): \"هذا حديث منكر\".\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في ز، خ: \"بكر\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٤]- في ز: تكلما.\n[¬٥]- سقط من: خ.\n[¬٦]- سقط من: خ.\n[¬٧]- في خ: \"فرجعت\".\n[¬٨]- في خ: [و].\n[¬٩]- في خ: \"سعد\".","vol":"1","page":523},{"text":"ابن مضر، وزهير بن محمد، وسعيد بن سلمة، وعبد الله بن لهيعة، وعمرو بن الحارث، ويحيى بن أيوب. وروى له أبو داود، وابن ماجة، وذكره ابن أبي حاتم في كتاب الجرح والتعديل، ولم يحك فيه شيئًا [¬١] من هذا، ولا هذا فهو مستور الحال (^٥٩٧)، وقد تفرد به عن نافع مولى ابن عمر عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ. وروي له متابع من وجه آخر، عن نافع كما قال ابن مردويه: حدثنا دعلج بن أحمد، حدثنا هشام [بن علي بن هشام] [¬٢]، حدثنا عبد الله بن رجاء، حدثنا سعيد بن سلمة، حدثنا موسى بن سرجس [¬٣]، عن نافع، عن ابن عمر، سمع النبي، ﷺ، يقول … فذكره بطوله.\nوقال أبو جعفر بن جرير ﵀ (^٥٩٨): حدثنا القاسم، حدثنا الحسين -وهو سنيد بن داود صاحب التفسير- حدثنا الفرج بن فضالة، عن معاوية بن صالح، عن نافع قال: سافرت مع ابن عمر، فلما كان من آخر الليل، قال: يا نافع؛ انظر، طلعت الحمراء؟ قلت لا - مرتين أو ثلاثًا - ثم قلت: قد طلعت، قال: لا مرحبًا بها ولا أهلًا.\nقلت: سبحان الله! نجم مسخر سامع مطيع. قال: ما قلت لك إلا ما سمعت من رسول الله، ﷺ، أو قال: قال لي رسول الله ﷺ: \"إن الملائكة قالت: يارب؛ كيف صبرك على بني آدم في الخطايا [¬٤] والذنوب؟ قال: إني ابتليتهم وعافيتكم. قالوا: لو كنا مكانهم ما عصيناك. قال: فاختاروا ملكين منكم. قال [¬٥]: فلم يألوا جهدًا أن يختاروا، فاختاروا هاروت وماروت، وهذان أيضًا غريبان جدًّا.\nوأقرب ما يكون [¬٦] في هذا أنه من رواية عبد الله بن عمر، عن كعب الأحبار، لا عن النبي، ﷺ، كما قال عبد الرزاق في تفسيره، عن الثوري، عن موسى بن عقبة، عن سالم، عن ابن عمر، عن كعب الأحبار [¬٧] قال: ذكرت الملائكة أعمال بني آدم، وما يأتون من الذنوب، فقيل لهم: اختاروا منكم اثنين، فاختاروا هاروت وماروت، فقال [¬٨] لهما: إني أرسل\n_________\n(^٥٩٧) - الجرح والتعديل (٨/ ١٣٩) وذكره ابن حبان في الثقات (٧/ ٤٥١) وقال: \"يخطئ ويخالف\".\n(^٥٩٨) - ضعيف، والحديث في تفسير ابن جرير ١٦٨٨ - (٢/ ٤٣٣). الفرج بن فضالة: قال البخاري: منكر الحديث.\n_________\n[¬١]- زيادة من: ز، خ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في خ: \"سرخس\".\n[¬٤]- في ز، خ: \"الخطأ\".\n[¬٥]- في ز: قالوا.\n[¬٦]- سقط من: ز، خ.\n[¬٧]- سقط من: ز، خ.\n[¬٨]- في ز، خ: \"فقيل\".","vol":"1","page":524},{"text":"إلى بني آدم رسلًا، ليس [¬١] بيني وبينكم رسول، انزلا لا تشركا بي شيئًا، ولا تزنيا، ولا تشربا الخمر. قال كعب: فوالله ما أمسيا من يومهما الذي أهبطا فيه حتى استكملا جميع ما نُهيا عنه.\nورواه ابن جرير من طريقين (^٥٩٩)، عن عبد الرزاق، به.\nورواه ابن أبي حاتم (^٦٠٠)، عن أحمد بن عصام، عن مؤمّل، عن سفيان الثوري، به.\nورواه ابن جرير أيضًا (^٦٠١): حدثني المثنى، حدثنا المعلى -وهو ابن أسد- حدثنا عبد العزيز بن المختار، عن موسى بن عقبة، حدثني سالم أنه سمع عبد الله يحدث عن كعب الأحبار، فذكره.\nفهذا أصح وأثبت إلى عبد الله بن عمر من الإسنادين المتقدمين، وسالم أثبت في [¬٢] أبيه من [¬٣] مولاه نافع. فدار الحديث، ورجع إلى نقل كعب الأحبار، عن كتب بني إسرائيل، والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-77>ذكر الآثار الواردة في ذلك عن الصحابة والتابعين ﵃ أجمعين</span>\nقال ابن جرير (^٦٠٢): حدثني المثنى، حدثنا الحجاج، حدثنا حماد، عن خالد الحذاء، عن عمير بن سعيد، قال: سمعت عليًّا ﵁ يقول: كانت الزهرة امرأة جميلة من أهل فارس، وإنها خاصمت إلى الملكين هاروت وماروت، فراوداها عن نفسها، فأبت عليهما إلا أن يعلماها الكلام الذي إذا تكلم به أحدٌ [¬٤] يعرج به إلى السماء، فعلماها فتكلمت به [¬٥] فعرجت إلى السماء، فمسخت كوكبًا.\nوهذا الإسناد رجاله ثقات، وهو غريب جدًّا.\nوقال ابن أبي حاتم (^٦٠٣): حدثنا الفضل بن شاذان، حدثنا محمد بن عيسى، حدثنا\n_________\n(^٥٩٩) - تفسير عبد الرزاق (١/ ٥٣)، وتفسير ابن جرير ١٦٨٤ - (٢/ ٤٢٩).\n(^٦٠٠) - تفسير ابن أبي حاتم برقم ١٠١٣ - (١/ ٣٠٦).\n(^٦٠١) - تفسير ابن جرير برقم ١٦٨٥ - (٢/ ٤٣٠).\n(^٦٠٢) - رواه ابن جرير ١٦٨٣ - (٢/ ٤٢٩)، ورواه الحاكم مطولًا (٢/ ٢٦٥ - ٢٦٦).\n(^٦٠٣) - تفسير ابن أبي حاتم ١٠٠٨ - (١/ ٣٠٣). ورواه الحاكم (٢/ ٢٦٥).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"فليس\".\n[¬٢]- في خ: \"من\".\n[¬٣]- في خ: \"في\".\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- سقط من ز.","vol":"1","page":525},{"text":"إبراهيم بن موسى، أخبرنا [¬١] أبو معاوية، عن [ابن أبي خالد] [¬٢]، عن عمير بن سعيد، عن علي ﵁ قال: هما ملكان [¬٣] من ملائكة السماء. يعني: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَينِ﴾.\nورواه الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسيره بسنده، عن مغيث، عن مولاه جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده، عن علي- مرفوعًا، وهذا لا يثبت من هذا الوجه.\nثم رواه من طريقين آخرين، عن جابر، عِن أبي الطفيل، عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"لعن الله الزهرة، فإنها هي التي فتنت [¬٤] الملكين هاروت وماروت\". وهذا أيضًا لا يصح (^٦٠٤)، وهو منكر جدًّا، والله أعلم.\nوقال ابن جرير (^٦٠٥): حدّثني المثنى بن إبراهيم، حدثنا الحجاج بن منهال، حدثنا حماد، عن علي بن زيد، عن أبي عثمان النهدي، عن ابن مسعود، وابن عباس أنهما قالا جميعًا: لما كثر بنو آدم وعصوا، دعت الملائكة عليهم والأرض والجبال: ربنا لا [تمهلهم] [¬٥] تهلكهم [¬٦] فأوحى الله إلى الملائكة: إني [أزلت [¬٧] الشهوة والشيطان من قلوبكم] [¬٨] [وأنزلت الشهوة والشيطان في قلوبهم] [¬٩]، ولو نزلتم لفعلتم أيضًا.\nقال: فحدّثوا أنفسهم أن لو ابتلوا اعتصموا، فأوحى الله إليهم أن اختاروا ملكين من أفضلكم، فاختاروا هاروت وماروت، فأهُبطا إلى الأرض، وأنزلت الزهرة إليهما في صورة امرأة من أهل فارس [يسمونها بيدخت] [¬١٠]، قال [¬١١]: فوقعا بالخطيئة، فكانت الملائكة يستغفرون للذين آمنوا ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ فلما وقعا بالخطيئة استغفروا لمن في الأرض ﴿أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ فخُيرا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، فاختارا عذاب الدنيا.\n_________\n(^٦٠٤) - ورواه ابن السني في عمل اليوم والليلة برقم (٦٥٤) من طريق عيسى بن يونس، عن أخيه إسرائيل عن جابر، عن أبي الطفيل، عن علي، به.\n(^٦٠٥) - تفسير ابن جرير برقم ١٦٨٢ - (٢/ ٤٢٨).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"حدثنا\".\n[¬٢]- في ز، خ: خالد.\n[¬٣]- في ز، خ: \"ملكين\".\n[¬٤]- في ز، خ: \"قتلت\".\n[¬٥]- سقط من: خ.\n[¬٦]- في حاشية ز، وابن جرير: لعله: ألا تهلكهم.\n[¬٧]- في ز: أنزلت.\n[¬٨]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٩]- سقط من ز.\n[¬١٠]- سقط من: ز، خ.\n[¬١١]- في ز: قالا.","vol":"1","page":526},{"text":"وقال ابن أبي حاتم (^٦٠٦): حدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن جعفر الرقي، أخبرنا [¬١] عبيد الله -يعني ابن عمرو- عن زيد بن أبي أنيسة، عن المنهال بن عمرو، ويونس بن خباب، عن مجاهد قال: كنت نازلًا على عبد الله بن عمر في سفر، فلما كان ذات ليلة قال لغلامه: انظر! هل [¬٢] طلعت الحمراء؟ لا مرحبًا بها ولا أهلًا، ولا حياها الله، هي صاحبة الملَكَين، قالت الملائكة: يارب [¬٣]؛ كيف تَدَعُ عصاة بني آدم وهم يسفكون الدم الحرام، وينتهكون محارمك، ويفسدون في الأرض؟\nقال: إني قد ابتليتهم، فلعل [¬٤] إن [¬٥] ابتليتكم [¬٦] بمثل الذي ابتليتهم به فعلتم كالذي يفعلون. قالوا: لا. قال: فاختاووا من خياركم اثنين، فاختاروا هاروت وماروت، فقال لهما: إلى مهبطكما إلى الأرض، وعاهد إليكما ألا تشركا، ولا تزنيا، ولا تخونا، فأهبطا إلى الأرض وألقى عليهما الشهوة [¬٧]، وأهبطت لهما الأرض في أحسن صورة امرأة، فتعرّضت لهما، فراوداها [¬٨] عن نفسها.\nفقالت: إني على دين لا يصح [¬٩] لأحد أن يأتيني إلا من كان على مثله. قالا: وما دينك. قالت: المجوسية، قالا: الشرك! هذا شيء لا نقرّ به، فمكثت عنهما ما شاء الله تعالى، ثم تعرضت لهما فراوداها [¬١٠] عن [¬١١] نفسها. فقالت: ما شئتما، غير أن لي زوجًا، وأنا أكره أن يطلع على هذا مني فأفتضح، فإن أقررتما لي بديني، وشرطتما لي أن تصعدا بي إلى السماء فعلت. فأقرّا لها بدينها وأتياها فيما يريان، ثم صعدا بها إلى السماء، فلما انتهيا بها إلى السماء اخْتُطِفَتْ منهما، وقطعت أجنحتهما، فوقعا خائفين نادمين يبكيان، وفي الأرض نبي يدعو بين الجمعتين، فإذا كان يوم الجمعة أجيب. فقالا: لو أتينا فلانًا فسألناه فطلب لنا التوبة!، فأتياه، فقال: رحمكما الله، كيف يطلب التوبة [¬١٢] أهل الأرض لأهل السماء؟! قالا: إنا قد ابْتُلِينا، قال: ائتياني يوم الجمعة. فأتياه، فقال: ما أُجِبْتُ فيكما بشيء، ائتياني في الجمعة الثانية،\n_________\n(^٦٠٦) - تفسير ابن أبي حاتم ١٠١٤ - (١/ ٣٠٦، ٣٠٧). ويونس بن خباب: منكر الحديث، وهو متابع بالمنهال بن عمرو.\n_________\n[¬١]- في خ: \"ثنا\".\n[¬٢]- سقط من: ر\n[¬٣]- في ز: رب.\n[¬٤]- في ز: فعل، وفي خ: قبل.\n[¬٥]- في خ: \"أن\".\n[¬٦]- في خ: \"أبتليكم\".\n[¬٧]- في ز، خ: \"الشبق\".\n[¬٨]- في ز: فأراداها.\n[¬٩]- في خ: \"يصلح\".\n[¬١٠]- في ز: فأراداها.\n[¬١١]- في ز: على.\n[¬١٢]- سقط من: ز، خ.","vol":"1","page":527},{"text":"فأتياه، فقال: اختارا فقد خيّرتما؛ إن أحببتما [¬١] معافاة الدنيا وعذاب الآخرة، وإن أحببتما فعذاب الدنيا وأنتما يوم القيامة على حكم الله، فقال أحدهما: إن الدنيا لم يمض منها إلا قليل [¬٢]. وقال الآخر ويحك! إني قد أطعتك في الأمر الأوّل، فأطعني الآن، إن عذابًا يفنى ليس كعذاب يبقى. فقال [¬٣]: و[¬٤] إننا يوم القيامة على حكم الله، فأخاف أن يعذبنا، قال: لا، إني أرجو إن علم الله أنا قد اخترنا عذاب الدنيا مخافة عذاب الآخرة أن لا يجمعهما علينا. قال: فاختارا عذاب الدنيا، فجعلا في بكرات من حديد في قليب مملوءة من نار، عاليهما سافلهما. وهذا إسناد جيد إلى عبد الله بن عمر. وقد تقدّم في رواية ابن جرير من حديث معاوية ابن صالح، عن نافع، عنه، رفعه. وهذا أثبت وأصح إسنادًا. ثم هو -والله أعلم- من رواية ابن عمر. عن كعب. كما تقدّم بيانه [من رواية] [¬٥] سالم، عن أبيه. وقوله إن الزهرة نزلت على [¬٦] صورة امرأة حسناء، وكذا في المروي عن علي، فيه غرابة جدًّا.\nوأقرب ما ورد في ذلك ما قال ابن أبي حاتم (^٦٠٧)، حدثنا عصام بن رواد [¬٧]، حدثنا آدم، أخبرنا [¬٨] أبو جعفر، حدثنا الربيع بن أنس، عن قيس بن عباد، عن ابن عباس ﵄ قال: لما وقع الناس من بعد آدم ﵇ فيما وقعوا فيه من المعاصي والكفر بالله، قالت الملائكة في السماء: يارب، هذا العالم الذي إنما خلقتهم لعبادتك وطاعتك، [] [¬٩] قد وقعوا فيما وقعوا فيه، وركبوا الكفر، وقتل النفس، وأكل المال الحرام، والزنا، والسرقة، وشرب الحمر. فجعلوا يدعون عليهم، ولا يعذرونهم، فقيل: إنهم في غيب فلم يعذروهم. فقيل لهم: اختاروا منكم من أفضلكم مَلَكَين، آمرهما وأنهاهما. فاختاروا هاروت وماروت، فأُهبطا إلى الأرض، وجعل لهما شهوات بني آدم، وأمرهما الله أن يعبداه ولا يشركا به شيئًا، ونُهيا عن قتل النفس الحرام، وأكل المال الحرام، وعن الزنا، والسرقة، وشرب الخمر. فلبثا في الأرض زمانًا يحكمان بين الناس بالحق، وذلك في زمن [¬١٠] إدريس ﵇ وفي ذلك الزمان امرأة حُسْنُها في النساء كحسن الزهرة في سائر الكواكب، وأنهما أتيا عليها فخضعا لها في القول، وأراداها [¬١١] على نفسها، فأبت إلا أن يكونا على أمرها وعلى دينها، فسألاها [¬١٢] عن دينها، فأخرجت لهما صنمًا. فقالت: هذا أعبده. فقالا: لا حاجة لنا في عبادة هذا فذهبا\n_________\n(^٦٠٧) - تفسير ابن أبي حاتم برقم ١٠١٢ - (١/ ٣٠٥).\n_________\n[¬١]- في ت: \"خيرتما\".\n[¬٢]- في خ: \"القليل\".\n[¬٣]- سقط من: خ.\n[¬٤]- زيادة من: خ.\n[¬٥]- في ز، خ: \"عن\".\n[¬٦]- في ت: \"في\".\n[¬٧]- في خ: \"داود\".\n[¬٨]- في خ: \"حدثنا\".\n[¬٩]- في خ: \"و\".\n[¬١٠]- في خ: \"زمان\".\n[¬١١]- في خ: \"وراوداها\".\n[¬١٢]- في خ: \"فسألا\".","vol":"1","page":528},{"text":"[فغبرا ما شاء الله] [¬١]، ثم أتيا عليها فأراداها على نفسها، [ففعلت مثل ذلك] [¬٢]. فذهبا، ثم أتيا عليها فراوداها على نفسها، فلما رأت أنهما قد أبيا أن يعبدا الصنم قالت لهما: اختارا أحد الخلال الثلاث: إما أن تعبدا هذا الصنم، [وإما أن تقتلا هذه النفس] [¬٣] وإما أن تشربا هذه الخمر. فقالا: كل هذا لا ينبغي، وأهون هذا شرب الخمر. فشربا الخمر. [فأخذت فيهما] [¬٤] فواقعا المرأة، فخشيا أن يخبر الإنسان عنهما فقتلاه، فلما ذهب عنهما السكر، وعلما ما وقعا فيه من الخطيئة، أرادا أن يصعدا إلى السماء، فلم يستطيعا، وحيل بينهما وبين ذلك، وكُشِفَ الغطاء فيما بينهما، وبين أهل السماء، فنظرت الملائكة إلى ما وقعا فيه، فعجبوا كل العجب، وعرفوا أنه من كان في غيب فهو أقل خشية، فجعلوا بعد ذلك يستغفرون لمن في الأرض، فنزل في ذلك: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾. فقيل لهما: اختارا عذاب الدنيا أو عذاب الآخرة. فقالا: أما عذاب الدنيا فإنه ينقطع ويذهب، وأما عذاب الآخرة فلا انقطاع له، فاختارا عذاب الدنيا، فجُعِلا، ببابل فهما يعذبان.\nوقد رواه الحاكم في مستدركه مطوَّلًا عن أبي زكريا العنبري، عن محمد بن عبد السلام، عن إسحاق بن راهويه، عن حكام بن سلم الرازي [¬٥]-وكان ثقة- عن أبي جعفر الرازي، به، ثم قال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. فهذا أقرب ما روي في شأن الزهرة، والله أعلم (^٦٠٨).\nوقال ابن أبي حاتم (^٦٠٩): حدثنا أبي، حدثنا مسلم [¬٦] حدثنا القاسم بن الفضل الحُدَّاني [¬٧]، حدثنا يزيد -يعني الفارسي- عن ابن عباس قال [¬٨]: إن أهل سماء الدنيا أشرفوا على أهل الأرض فرأوهم يعملون المعاصي، فقالوا: يارب؛ أهل الأرض كانوا [¬٩] يعملون بالمعاصي. فقال الله: أنتم معي، وهم في [¬١٠] غيب عني. فقيل لهم: اختاروا منكم ثلاثة، فاختاروا منهم ثلاثة على أن يهبطوا إلى الأرض، على أن يحكموا بين أهل الأرض، وجعل فيهم شهوة الآدميين، فأمروا أن لا يشربوا خمرًا، ولا يقتلوا نفسًا، ولا يزنوا، ولا يسجدوا لوثن. فاستقال منهم واحد فأقيل، فأهبط اثنان إلى الأرض، فأتتهما امرأة من أحسن الناس يقال لها: مناهية.\n_________\n(^٦٠٨) - وقد أبطل الإمام ابن حزم قصة هاروت وماروت ورد على من ادعى شربهما الخمر وارتكابهما الزنا والقتل في كتابه الفصل (٣/ ٣٠٣ - ٣٠٨) (٤/ ٦١ - ٦٥).\n(^٦٠٩) - تفسير ابن أبي حاتم برقم ١٠١٥ - (١/ ٣٠٨).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٢]- مكررة في خ.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- في ز: الدارزي.\n[¬٦]- في ز، خ: \"سالم\".\n[¬٧]- في ز، خ: \"الحراني\".\n[¬٨]- زيادة من: ز، خ.\n[¬٩]- سقط من: ز، خ.\n[¬١٠]- سقط من: ز، خ.","vol":"1","page":529},{"text":"فهوياها جميعًا، ثم أتيا منزلها، فاجتمعا عندها، فأراداها فقالت لهما: لا، حتى تشربا خمري، وتقتلا ابن جاري، وتسجدا لوثني. فقالا: لا نسجد. ثم شربا من الخمر، ثم قتلا، ثم سجدا. فأشرف أهل السماء عليهما. فقالت لهما: أخبراني بالكلمة التي [¬١] إذا قلتماها طِرْتُما؟. فأخبراها. فطارت، فمسخت جمرة، وهي هذه الزهرة، وأما هما فأرسل إليهما سليمان بن داود فَخَيَّرَهُما بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة. فاختارا عذاب الدنيا. فهما مناطان بين السماء والأرض.\nوهذا السياق فيه زيادات كثيرة، وإغراب ونكارة. والله أعلم بالصواب.\nوقال عبد الرزاق (^٦١٠): قال معمر: قال قتادة والزهري: عن عبيد الله بن عبد الله ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَينِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾: كانا ملكين من الملائكة، فأهبطا ليحكما بين الناس. وذلك أن الملائكة سخروا من حكام بني آدم، فحاكمت إليهما امرأة، فحافا لها. ثم ذهبا يصعدان فحيل بينهما وبين ذلك، ثم [¬٢] خُيَّرا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، فاختارا عذاب الدنيا. وقال معمر: قال قتادة: فكانا يعلمان الناس السحر فأخذ عليهما أن لا يعلما [¬٣] أحدًا حتى يقولا: إنما نحن فتنة فلا تكفر.\nوقال أسباط: عن السدى أنه قال: كان [¬٤] من أمر هاروت وماروت أنهما طعنا على أهل الأرض في أحكامهم فقيل لهما: إني أعطيت بني آدم عشرًا من الشهوات فبها يعصونني، قال هاروت وماروت: ربنا لو أعطيتنا تلك الشهوات ثم نزلنا لحكمنا بالعدل، فقال لهما: انزلا فقد أعطيتكما تلك الشهوات العشر، فاحكما بين الناس، فنزلا ببابل دنياوند [¬٥] فكانا يحكمان، حتى إذا أمسيا عرجا، فإذا أصبحا هبطا، فلم يزالا كذلك حتى أتتهما امرأة تخاصم زوجها، فأعجبهما [] [¬٦] حسنها واسمها بالعربية زهرة [¬٧]، وبالنبطية [¬٨] بيذخت [¬٩] وبالفارسية أناهيد [¬١٠] فقال أحدهما لصاحبه: إنها لتعجبني، قال الآخر: قد أردت أن أذكر لك فاستحييت منك، فقال الآخر، هل لك أن أذكرها لنفسها؟ قال نعم، ولكن كيف لنا بعذاب الله؟ قال الآخر: إنا لنرجو رحمة الله.\n_________\n(^٦١٠) - تفسير عبد الرزاق (١/ ٥٣).\n_________\n[¬١]- في خ: \"الذي\".\n[¬٢]- في ز: و.\n[¬٣]- في ت: \"يعلمان\".\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- في ت: \"دنباوند\".\n[¬٦]- في ز: من.\n[¬٧]- في ز: الزهرة.\n[¬٨]- في ز: بالقبطية.\n[¬٩]- في ز، خ: \"بيدخت\".\n[¬١٠]- في ز: أتاهيذ.","vol":"1","page":530},{"text":"فلما جاءت تخاصم زوجها ذكر إليها نفسها، فقالت: لا، حتى تقضيا لي على زوجي، فقضيا لها على زوجها، ثم واعدتهما خربة من الخرب يأتيانها فيها، فأتياها لذلك، فلما أراد الذي يواقعها قالت: ما أنا بالذي أفعل حتى تخبراني بأي كلام تصعدان إلى السماء، وبأي كلام تنزلان منها، فأخبراها فتكلمت، فصعدت، فأنساها الله -تعالى- ما تنزل [¬١] به فثبتت [¬٢] مكانها وجعلها الله كوكبًا، فكان عبد الله بن عمر كلما رآها لعنها وقال [¬٣] هذه التي فتنت هاروت وماروت، فلما كان الليل أرادا أن يصعدا فلم يطيقا، فعرفا الهلكة، فخيرا بين [¬٤] عذاب الدنيا و[¬٥] عذاب الآخرة، فاختارا عذاب الدنيا فعلقا ببابل وجعلا يكلمان الناس كلامهما وهو السحر.\nوقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد: أما شأن هاروت وماروت، فإن الملائكة عجبت من ظلم بني، آدم وقد جاءتهم الرسل والكتب والبينات، فقال لهم ربهم -تعالى-: اختاروا منكم ملكين أنزلهما يحكمان في الأرض [بين بني آدم] [¬٦]، فاختاروا فلم يألوا هاروت وماروت، فقال لهما حين أنزلهما: أعجبتما [¬٧] من بني آدم من ظلمهم و[] [¬٨] معصيتهم وإنما تأتيهم الرسل والكتب من وراء رراء، وأنتما ليس بيني وبينكما رسول، فافعلا كذا وكذا، ودعا كذا و[¬٩] كذا، فأمرهما بأمر ونماهماشم [¬١٠] نزلا على ذلك ليس أحد أطوع لله منهما، فحكما فعدلا. فكانا يحكمان النهار بين بني آدم، فإذا أمسيا عرجا، فكانا مع الملائكة، وينزلان حين يصبحان، فيحكمان فيعدلان، حتى أنزلت عليهما الزهرة في أحسن صورة امرأة تخاصم، فقضيا عليها، فلما قامت وجد كل واحد منهما في نفسه، فقال أحدهما لصاحبه: وجدت مثل الذي وجدت؟ قال: نعم. فبعثا إليها أن ائتنا نقض لك. فلما رجعت قالا وقضيا لها، فأتتهما، فتكشفا لها عن عورتهما، وإنما كانت شهوتهما [¬١١] في أنفسهما، ولم يكونا كبني آدم في شهوة النساء ولذتها. فلما بلغا ذلك، واستحلا افتُتنا، فطارت الزهرة فرجعت حيث كانت. فلما أمسيا عرجا فزُجرا فلم يؤذن لهما، ولم تحملهما أجنحتهما، فاستغاثا برجل من بنى آدم، فأتياه. فقالا: ادع لنا ربك. فقال: كيف يشفع أهل الأرض لأهل السماء؛ قالا: سمعنا ربك يذكرك بخير في السماء. فوعدهما يوما، وغدا يدعو لهما فدعا لهما، فاستجيب له، فخيرا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، فنظر أحدهما إلى صاحبه. فقال: ألا تعدم أن أفواج عذاب الله في الآخرة كذا وكذا في الخلد، وفي الدنيا تسع مرات مثلها؟ فأمرا أن ينزلا ببابل، فثم عذابهما. وزعم أنهما معلقان في\n_________\n[¬١]- في ز: تنزل.\n[¬٢]- في ز، خ: \"فبقيت\".\n[¬٣]- في ز: فقال:\n[¬٤]- سقط من ز.\n[¬٥]- في ز: من.\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين زيادة من: ر، خ.\n[¬٧]- في ز، خ: \"أعجبتم\".\n[¬٨]- في ز: من.\n[¬٩]- زيادة من: خ.\n[¬١٠]- في ز، خ: \"ونهاهما ثم\".\n[¬١١]- في ز: سوءتهما.","vol":"1","page":531},{"text":"الحديد مطويان، يصفقان بأجنحتهما.\nوقد روى في قصة [¬١] هاروت وماروت عن جماعة من التابعين، كمجاهد، والسدى، والحسن، وقتادة، وأبي العالية، والزهرى، والربيع بن أنس، ومقاتل بن حيان [¬٢]، وغيرهم، وقصها خلق من المفسرين من المتقدمين والمتأخرين، وحاصلها راجع في تفصيلها إلى أخبار بني إسرائيل، إذ ليس فيها حديث مرفوع صحيح متصل الإسناد إلى الصادق المصدوق المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى، وظاهر سياق القرآن إجمال القصة من غير بسط ولا إطناب فيها، فنحن نؤمن بما ورد في القرآن على ما أراده الله -تعالى- والله أعلم بحقيقة الحال.\nوقد ورد [في ذلك] [¬٣] أثر غريب، وسياق عجيب في ذلك، أحببنا أن ننبه عليه. قال الإمام أبو جعفر بن جرير (^٦١١) - رحمه الله تعالى-: حدثنا الربيع بن سليمان، أخبرنا ابن وهب، أخبرني ابن أبي الزناد، حدّثني هشام بن عروة، عن أبيه عن عائشة زوج النبي، ﷺ، أنها قالت: قدمت [عليّ امرأة] [¬٤] من أهل دومة الجندل، جاءت تبتغي رسول الله، ﷺ، بعد موته حداثة ذلك، تسأله [] [¬٥] أشياء دخلت فيه من أمر السحر، ولم تعمل به قالت عائشة، ﵂، لعروة: يا ابن أختي، فرأيتها تبكي حين لم تجد رسول الله، ﷺ، فيشفيها، فكانت [¬٦] تبكي حتى إني لأرحمها، وتقول: إني أخاف أن أكون قد هلكت، كان لي زوج فغاب عني، فدخلت على عجوز، فشكوت ذلك إليها، فقالت: إن فعلت ما آمرك به فأجعله يأتيك، فلما كان الليل جاءتني بكلبين أسودين، فركبت أحدهما وَرَكَبَتْ الآخر، فلم يكن كشيء [¬٧] حتى وقفنا ببابلَ، وإذا برجلين معلقين بأرجلهما. فقالا: ما جاء بك؟ فقلت [¬٨]: أتعلم [¬٩] السحر؟ فقالا: إنما نحن فتنة فلا تكفري، فارجعي، فأبيت، وقلت [¬١٠]: لا. قالا: فاذهبي إلى ذلك التنور، فبولي فيه. فذهبت ففزعت ولم أفعل، فرجعت إليهما، فقالا: أفعلت؟ فقلت: نعم. فقالا: هِل رأيت شيئًا؟ فقلت: لم أرى [¬١١] شيئًا. فقالا: لم تفعلي، ارجعي إلى بلادك، ولا تكفري فَأرْبَبْتُ [¬١٢]، وأبيت فقالا: اذهبي إلى ذلك التنور فبولي فيه. [فذهبت فاقشعررت، وخفت، ثم رجعت إليهما وقلت: قد\n_________\n(^٦١١) - تفسير ابن جرير برقم ١٦٩٥ - (٢/ ٤٣٩ - ٤٤١). وابن أبي الزناد ضعيف.\n_________\n[¬١]- في ز: قضية.\n[¬٢]- في خ: \"مقاتل\".\n[¬٣]- سقط من ز.\n[¬٤]- في ز، خ: \"امرأة على\".\n[¬٥]- في ز: عن.\n[¬٦]- في ز: كانت ز.\n[¬٧]- في ز: لشيء.\n[¬٨]- في ز، خ: \"فقلنا\".\n[¬٩]- في ز، خ: \"نتعلم\".\n[¬١٠]- في ز: فقلت.\n[¬١١]- في خ: \"أو\".\n[¬١٢]- في ز، خ: \"فأربت\".","vol":"1","page":532},{"text":"فعلت. فقالا: فما رأيت؟ فقلت: لم أرى شيئًا. فقالا: كذبت؛ لم تفعلي، ارجعي إلى بلادك ولا تكفري؛ فإنك على رأس أمرك، فَأرَبْبَتُ وأبيت. فقالا: اذهبي إلى ذلك التنور فبولي فيه] [¬١] فذهبت إليه فبلت [¬٢] فيه، فرأيت فارسًا مقنعًا بحديد [خرج مني] [¬٣]، فذهب في السماء وغاب حتى ما أراه، فجئتهما فقلت: قد فعلت. فقالا: فما رأيت؟ قلت: رأيت فارسًا مقنعًا خرج [¬٤] مني [¬٥] فذهب في السماء حتى ما أراه. فقالا: صدقت، ذلك إيمانك خرج منك. اذهبي. فقلت للمرأة: والله ما أعلم شيئًا، وما قالا لي شيئًا. فقالت: بلى لم تريدي شيئًا إلا كان: خذي هذا القمح فابذر [¬٦]؛ فبذرت، وقلت: اطلعي فأطلعت [¬٧]، وقلت: [احقلي فأحقلت] [¬٨] ثم قلت: افركي، فأفركت، ثم قلت: أيبسي فأيبست، ثم قلت: اطحني فأطحنت، ثم قلت: اخبزي فأخبزت، فلما رأيت أني لا أريد شيئًا إلا كان، سُقِطَ في يدي، وندمت، -والله- يا أم المؤمنين؛ والله [¬٩] ما فعلت شيئًا قط، ولا أفعله أبدًا.\nورواه ابن أبي حاتم (^٦١٢) عن الربيع بن سليمان، به [¬١٠] مطولًا كما تقدم. رزاد بعد قولها: ولا أفعله أبدًا: فسألت أصحاب رسول الله - صلى الله عليه رسلم-، حداثة وفاة رسول الله ﷺ وهم يومئذ متوافررن، فما دَرَوْا ما يقولون لها، وكلهم هاب، وخاف أن يفتيها بما لا يعلمه، إلا أنه قد قال لها ابن عباس -أو بعض من كان عنده لو كان أبواك حيين أو أحدهما؟.\nقال هشام: فلو جاءتنا أفتيناها بالضمان. قال ابن أبي الزناد: ركان هشام يقول: إنهم كانوا من أهل الورع رالخشية [¬١١] من الله. ثم يقول هشام: لو جاءتنا مثلها اليوم لوجدت نَوْكَى، أهل حمق رتكلف بغيرعلم.\nفهذا إسناد جيد إلى عائشة ﵂.\nوقد استدل بهذا الأثر من ذهب إلى أن الساحر له تمكن في قلب الأعيان، لأن هذه المرأة بذرت، واستغلت في الحال.\n_________\n(^٦١٢) - تفسير ابن أبي حاتم برقم ١٠٢٩ - (١/ ٣١٢) ورواه البيهقي في السنن الكبرى (٨/ ١٣٧) من طريق الربيع بن سليمان به مطولًا.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في خ: \"فبالت\".\n[¬٣]- في ز، خ: فخرج.\n[¬٤]- في خ: منه.\n[¬٥]- في ز، خ: \"منه\".\n[¬٦]- في خ: \"فاندري\".\n[¬٧]- في خ: \"فطلقت\".\n[¬٨]- في ز، خ: \"اجعلي فأجعلت\".\n[¬٩]- سقط من ز.\n[¬١٠]- سقط من: خ.\n[¬١١]- في ز: وخشية.","vol":"1","page":533},{"text":"وقال آخرون: بل ليس له القدرة [¬١] إلا على التخييل، كما قال تعالى: ﴿سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ وقال تعالى: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾. واستدل به على أن بابل المذكورة في القرآن هي بابل العراق، لا بابل دُنباوند [¬٢] كما قاله السدي وغيره، ثم إن الدليل على أنها بابل العراق ما قال ابن أبي حاتم (^٦١٣):\nحدثنا علي بن الحسين، حدثنا أحمد بن صالح، حدّثني ابن وهب، حدّثني ابن لهيعة، ويحيى بن أزهر، عن عمار بن سعد المرادي، عن أبي صالح الغفاري [¬٣]: أن علي بن أبي طالب ﵁[مرّ ببابل وهو يسير، فجاء المؤذن يؤذنه لصلاة العصر، فلما برز منها أمر المؤذن فأقام الصلاة، فلما فرغ] [¬٤] قال: إن حبيبي ﷺ نهاني أن أُصلي [بأرض المقبرة، ونهاني أن أصلي] [¬٥] ببابل فإنها ملعونة.\nوقال أبو داود (^٦١٤): حدثنا سليمان بن داود، أخبرنا ابن وهب، حدثني ابن لهيعة، ويحيى بن أزهر، عن عمار بن سعد المرادي، عن أبي صالح الغفاري [¬٦]: أن عليًّا مر ببابل، وهو يسير، فجاء المؤذن يؤذنه بصلاة العصر، فلما برز منها أمر المؤذن، فأقام الصلاة، فلما فرغ قال: إن حبيبي، ﷺ، نهاني: أن أصلي في المقبرة، ونهاني: أن أصلي بأرض بابل، فإنها ملعونة.\nحدَّثنا أحمد بن صالح، حدَّثنا ابن وهب، أخبرني يحيى بن أزهر، وابن لهيعة، عن حجاج [¬٧] بن شداد، عن أبي صالح الغفاري [¬٨]، عن علي، بمعنى حديث سليمان بن داود قال: فلما \"خرج\" مكان \"برز\".\nوهذا الحديث حسن عند الإمام أبي داود، لأنه رواه، وسكت عليه [¬٩]، ففيه من الفقه كراهيةُ الصلاة بأرض بابل، كما تكره بديار ثمود الذين نهى رسول الله ﷺ عن الدخول إلى منازلهم، إلا أن يكونوا باكين.\n_________\n(^٦١٣) - تفسير ابن أبي حاتم برقم ١٠١٠ - (١/ ٣٠٤). وأبو صالح الغفاري -سعيد بن عبد الرحمن- عن علي مرسل- العلائي ص ١٨٢ - .\n(^٦١٤) - سنن أبي داود برقم (٤٩٠، ٤٩١).\n_________\n[¬١]- في ز: قدرة.\n[¬٢]- في ز، خ: \"دنياوند\".\n[¬٣]- في خ: \"النقاري\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- في خ: \"النقاري\".\n[¬٧]- في ز، خ: \"الحجاج\".\n[¬٨]- في خ: \"الغفاري\".\n[¬٩]- في ز، خ: \"عنه\".","vol":"1","page":534},{"text":"قال أصحاب الهيئة: وبعد ما بين بابل، وهي من إقليم العراق، عن البحر المحيط الغربي، [ويقال له] [¬١] \"أوقيانوس [¬٢] \" سبعون درجة.\nويسمون هذا طولًا، وأمّا عرضها، وهو بعد [¬٣] ما بينها وبين وسط الأرض من ناحية الجنوب وهو المسامت لخط الاستواء، اثنان [¬٤] وثلاثون درجة، والله أعلم.\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ قال أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن قيس بن عباد، عن ابن عباس قال: فإذا أتاهما الآتي يريد السحر نهياه أشدّ النهي، وقالا له: إنما نحن فتنة فلا تكفر، وذلك أنهما علما الخير والشر، والكفر والإيمان، فعرفا أن السحر من الكفر. قال [¬٥]: فإذا أبى عليهما أمراه أن يأتي مكان كذا وكذا، فإذا أتاه عاين الشيطانَ فعلَّمه، فإذا تعلم خرج منه النور، فنظر إليه ساطعًا في السماء فيقول: يا حسرتاه يا ويله [¬٦] ماذا أصنع؟.\nوعن الحسن البصري أنه قال في تفسير هذة الآية: نعم أُنزل الملكان بالسحر، ليعلما [¬٧] الناس البلاء الذي أراد الله أن يبتلي به الناس، فأخذ عليهما الميثاق أن لا يعلما أحدًا حتى يقولا: إنما نحن فتنة فلا تكفر. رواه ابن أبي حاتم.\nوقال قتادة: كان أخذ عليهما أن لا يعلما أحدًا حتى يقولا: إنما نحن فتنة -أي: بلاء ابتلينا به فلا تكفر. وقال السدّي: إذا أتاهما إنسان يريد السحر، وعظاه، وقالا له: لا تكفر، إنما نحن فتنة. فإذا أبى قالا له: ائت هذا الرماد، فَبُلْ عليه. فإذا بال عليه، خرج منه نور فسطع حتى يدخل السماء، وذلك الإيمان.\nوأقبل شيء أسودُ كهيئة الدخان حتى يدخل في مسامعه [¬٨] وكلِّ شيء. وذلك غضب الله. فإذا أخبرهما بذلك علماه السحر، فذلك قول الله تعالى: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾. الآية.\nوقال سُنيد: عن حجاج عن ابن جريج في هذه الآية: لا يجتريء على السحر إلا كافر.\n_________\n[¬١]- في ز: ويقابله.\n[¬٢]- في ز، خ: \"أولياوس\".\n[¬٣]- سقط من: خ.\n[¬٤]- في ز، خ: \"ثنتان\".\n[¬٥]- سقط من: خ.\n[¬٦]- في خ: \"ويلاه\".\n[¬٧]- في خ: \"ليعلم\".\n[¬٨]- في خ: \"السماع\".","vol":"1","page":535},{"text":"وأما الفتنة: فهي المحنة، والاختبار، ومنه قول الشاعر:\nوقد فُتِن النَّاسُ في دينهم … وخلَّى ابنُ عفان شرًّا طويلا\nوكذلك [¬١] قوله تعالى، إخبارًا عن موسى ﵇ حيث قال: ﴿إِنْ هِيَ إلا فِتْنَتُكَ﴾ أي: ابتلاؤك، واختبارك، وامتحانك ﴿تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ﴾ الآية [¬٢].\nوقد استدل بعضهم بهذه الآية على تكفير من تعلم السحر، ويُستَشْهَدُ له بالحديث الذي رواه الحافظ أبو بكر البزار (^٦١٥)، حدَّثنا محمد بن المثنى، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن همام، عن عبد الله قال: \"من أتى كاهنًا، أو ساحرًا فصدّقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ\". وهذا إسناد جيد، وله شواهد أخر.\nوقوله تعالى: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَينَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾. أي: فيتعلم الناس من هاروت وماروت من علم السحر ما يتصرفون به فيما يتصرفون فيه من الأفاعيل المذمومة، ما إنهم ليفرّقون به بين الزوجين مع ما بينهما من الخلطة والائتلاف.\nوهذا من صنيع الشياطين، كما رواه مسلم في صحيحه (^٦١٦)، من حديث الأعمش، عن أبي سفيان طلحة بن نافع، عن جابر بن عبد الله ﵁، عن النبي، ﷺ، قال: \"إن الشيطان ليضع [¬٣] عرشه على الماء، ثم يبعث سراياه في الناس، فأقربهم [¬٤] عنده منزلةً أعظمهم عنده فتنة، يجيء أحدهم فيقول: ما زلت بفلان حتى تركتُه وهو يقول كذا وكذا. فيقول إبليس: لا والله ما صنعت شيئًا، ويجيء أحدهم فيقول: ما تركتُه حتى فرّقت بينه، وبين أهله قال: فَيُقَرِّبُه ويدنيه، ويلتزمه، ويقول: نعم أنت\".\nوسبب التفريق بين الزوجين بالسحر، ما يخيل إلى الرجل، أو المرأة من الآخر من سوء منظر، أو خلق، أو نحو ذلك، أو عقد، أو بغضة، أو نحو ذلك من الأسباب المقتضية للفرقة، والمرء عبارة عن الرجل، وتأنيثه امرأة، ويثنَّى كل منهما ولا يجمعان، والله أعلم.\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إلا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾. قال سفيان الثوري: إلا بقضاء الله. وقال محمد بن إسحاق: إلا بتخلية الله بينه وبين ما أراد. وقال الحسن البصري: ﴿وَمَا\n_________\n(^٦١٥) -\n(^٦١٦) - صحيح مسلم في صفات المنافقين وأحكامهم برقم (٢٨١٣).\n_________\n[¬١]- في ز: وكذا.\n[¬٢]- زيادة من: ز، خ.\n[¬٣]- في ز، خ: \"يضع\".\n[¬٤]- في خ: \"أقلهم\".","vol":"1","page":536},{"text":"هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إلا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ قال: نعم، من شاء الله سلطهم عليه، ومن لم يشإ الله [¬١] لم يسلط، ولا يستطيعون ضر أحد إلا بإذن الله، كما قال الله تعالى. وفي رواية عن الحسن أنه قال: لا يضر هذا السحر إلا من دخل فيه.\nوقوله تعالى: ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ﴾ أي: يضرهم في دينهم، وليس له نفع يوازي ضرره.\n﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾. أي: ولقد علم اليهود الذين استبدلوا بالسحر عن متابعة الرسول [¬٢] ﷺ لمن فعل فعلهم؛ ذلك أنه ما له في الآخرة من خلاق.\nقال ابن عباس، ومجاهد، والسدّى: من نصيحب، [وقال عبد الرازق: عن معمر، عن قتادة: ما له في الآخرة من جهة عند الله، وقال عبد الرازق، وقال الحسن: ليس له دين] [¬٣].\nوقال سعد [¬٤]: عن قتادة: ﴿مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾. قال: ولقد [¬٥] علم أهل الكتاب فيما عهد الله إليهم؛ أن الساحر لا خلاق له في الآخرة.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾، ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾. يقول تعالى: ﴿وَلَبِئْسَ﴾ البديل: ما استبدلوا به من السحر عوضًا عن الإيمان، ومتابعة الرسل، لو كان لهم [¬٦] علم بما وعظوا به. ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيرٌ﴾. أي: ولو أنهم آمنوا بالله ورسله [¬٧]، واتقوا المحارم، لكان مثوبةُ الله على ذلك خيرًا لهم، مما [¬٨] استخاروا لأنفسهم ورضُوا به، كما قال تعالى: ﴿وَقَال الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إلا الصَّابِرُونَ﴾.\nوقد يستدل بقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا﴾ من ذهب إلى تكفير الساحر، كما هو رواية عن الإمام أحمد بن حنبل (^٦١٧)، وقول طائفة من السلف. وقيل: بل لا يكفر، ولكن حدُّه ضربُ عنقِه، لما رواه الشافعي، وأحمد بن حنبل رحمهما الله قال [¬٩]: أخبرنا سفيان [-هو ابن\n_________\n(^٦١٧) - رواه عبد الله بن أحمد في مسائل أبيه، ط. المكتب الإسلامي برقم (١٥٤٢) عن أبيه عن سفيان به.\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- في ز، خ: \"الرسل\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- في ز، خ: \"سعيد\".\n[¬٥]- في ز: وقد.\n[¬٦]- في خ: \"له\".\n[¬٧]- في ز: بما.\n[¬٨]- سقط من: خ.\n[¬٩]- سقط من: ز، خ.","vol":"1","page":537},{"text":"عيينة-] [¬١] عن عمرو بن دينار أنه سمع بِجَالةَ بن عَبَدةَ يقول: كتب عمر بن الخطاب ﵁: أن اقتلوا كلَّ ساحر، وساحرة. قال: فقتلنا ثلاث سواحر. وقد أخرجه البخاري (^٦١٨) في صحيحه أيضًا. وهكذا صح أن حفصة أمَّ المؤمنين سحرتها جاريةٌ لها، فأمرت بها فقتلت (^٦١٩). قال الإمام أحمد بن حنبلٍ: [صح عن] [¬٢] ثلاثة [¬٣] من أصحاب النبي، ﷺ، في قتل الساحر.\nوروى الترمذي (^٦٢٠) من حديث إسماعيل بن مسلم، عن الحسن، عن جندب الأزدي أنه قال: قال رسول الله ﷺ: \"حدّ الساحر ضربه بالسيف\".\nثم قال: لا نعرفه مرفوعًا إلا من هذا الوجه، وإِسماعيل بن مسلم يضعف في الحديث، والصحيح عن الحسن، عن جندب موقوفًا.\nقلت: قد رواه الطبراني (^٦٢١) من وجه آخر، عن الحسن، عن جندب مرفوعًا، والله أعلم.\nوقد روي من طرف متعددة أنّ الوليد بن عقبة كان عنده ساحر يلعب بين يديه، فكان يضرب رأس الرجل، ثم يصيح به فيردّ إليه رأسه، فقال الناس: سبحان الله يحيي الموتى! ورآه رجل من صالحي المهاجرين، فلما كان الغد جاء مشتملًا على سيفه، وذهب يلعب لعبه ذلك، فاخترط الرجل سيفه فضرب عنق الساحر، وقال: إن كان صادقًا [¬٤] فَلُيحيي نفسَهُ. وتلا قوله تعالى: ﴿أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ فغضب الوليد إذ لم يستأذنه في ذلك؛ فسجنه ثم أطلقه (^٦٢٢)، والله أعلم.\nو[¬٥] قال الإمام [¬٦] أبو بكر الخلال: أخبرنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدّثني أبي، حدثنا\n_________\n(^٦١٨) - رواه أحمد (١٦٥٧)، والشافعي في الرسالة (١١٨٣)، وفي الأم (٦/ ٩٦)، والطيالسي مختصرًا (٢٢٥)، والبخاري مطولًا (٦/ ١٨٤ - ١٨٥)، والبيهقي في الكبرى (٨/ ٢٤٧ - ٢٤٨).\n(^٦١٩) - رواه عبد الله بن أحمد في مسائل أبيه، ط. المكتب الإسلامي برقم (١٥٤٣) عن أبيه عن يحيى بن سعيد، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر: أن حفصة سحرتها جاريتها، فذكره.\n(^٦٢٠) - سنن الترمذي برقم (١٤٦٠).\n(^٦٢١) - الكبير (٢/ ١٦١) من طريق محمد بن الحسن بن سيار، عن خالد العبد عن الحسن عن سمرة به.\n(^٦٢٢) - الرجل الذي قتله هو جندب بن كعب، انظر القصة في: أسد الغابة لابن الأثير في ترجمة جندب بن كعب (١/ ٣٦١) وفي الإصابة للحافظ ابن حجر (١/ ٢٥١).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في ز، خ: \"فثلاثة\".\n[¬٤]- في ز، خ: \"ساحرًا\".\n[¬٥]- سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- سقط من: ز، خ.","vol":"1","page":538},{"text":"يحيى بن سعيد، حدّثني أبو إسحاق، عن حارثة، قال: كان [¬١] عند بعض الأمراء رجل يلعب فجاء جندب مشتملًا على سيفه فقتله، قال [¬٢]: أراه كان ساحرًا.\nوحمل الشافعي ﵀ قصة عمر وحفصة على سحر يكون شركًا، والله أعلم.\n(فصل)\nحكى أبو عبد الله الرازي في \"تفسيره \" عن المعتزلة، أنهم أنكروا وجود السحر، قال: وربما كَفَّروا من اعتقد وجوده، قال: وأمّا أهلُ السنة فقد جوَّزوا أن يقدر الساحر أن يطير في الهواء، ويقلب الإنسان حمارًا [¬٣] والحمار إنسانًا، إلا أنهم قالوا: أن الله يخلق الأشياء عندما يقول الساحر تلك الرقى والكلمات المعينة، فأما أن يكون المؤثر في ذلك هو الفلك، والنجوم، فلا، خلافًا للفلاسفة، والمنجمين، والصابئة، ثم استدل على وقوع السحر، وأنه بخلق الله تعالى، بقوله تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إلا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ ومن الأخبار: بأن رسول الله، ﷺ، سُحِرَ، وأن السحر عمل فيه، وبقصة تلك المرأة مع عائشة ﵂ وما ذكرت تلك المرأة من إتيانها بابلَ، وتعلمها السحر.\nقال: وبما يذكر في هذا الباب من الحكايات الكثيرة، ثم قال بعد هذا [¬٤]:\n(المسألة الخامسة) في أنّ العلم بالسحر ليس بقبيح ولا محظور: اتفق المحققون على ذلك، لأنّ العلم لذاته شريف، وأيضًا لعموم قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾. ولأنّ [¬٥] السحر لو لم يكن [¬٦] يُعْلَم لما أمكن الفرق بينه وبين المعجزة، والعلم بكون المعجز [¬٧] معجزًا واجب، وما يتوقف الواجب عليه فهو واجب، فهذا يقتضي أن يكون تحصيل العلم بالسحر واجبًا وما يكون واجبًا، فكيف [¬٨] يكون حرامًا وقبيحًا؟!.\nهذا لفظه بحروفه في هذه المسألة، وهذا الكلام فيه نظر من وجوه:\nأحدها [¬٩] قوله: العلم بالسحر ليس بقبيحٍ شرعًا [¬١٠]، [إن عنى به ليس بقبيح عقلًا] [¬١١]، فمخالفوه من المعتزلة يمنعون هذا، وإن عنى أنه ليس بقبيح شرعًا، ففي هذة الآية الكريمة تبشيع\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في ز، خ: \"فقال\".\n[¬٣]- في خ: \" أو\".\n[¬٤]- في خ: \"هذه\".\n[¬٥]- مكررة في خ: بلفظ\" ولئن\".\n[¬٦]- سقط من ز.\n[¬٧]- في ز، خ: \"المعجزة\".\n[¬٨]- في ز: كيف.\n[¬٩]- في ت: \"أحدهما\".\n[¬١٠]- زيادة من: خ.\n[¬١١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.","vol":"1","page":539},{"text":"لتعلم السحر، [وفي الصحيح (^٦٢٣): \" من أتى عرافًا أو [¬١] كاهنًا فقد كفر بما أنزل على محمَّد\"] [¬٢]. وفي السنن (^٦٢٤): \" من عقد عقدة، ونفث فيها فقد سحر\". وقوله: \"ولا محظورًا [¬٣]- اتفق المحققون على ذلك\". كيف لا يكون [محظورًا مع] [¬٤] ما [¬٥] ذكرناه من الآية والحديث؟! واتفاقُ المحققين يقتضي أن يكون قد [¬٦] نصَّ على هذه المسألة أئمة العلماء، أو أكثرهم، وأين نصوصهم على ذلك؟ ثم إدخاله علم [¬٧] السحر في عموم قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾. فيه نظر؛ لأن هذه الآية إنما دلت على مدح العالمين بالعلم الشرعي، وَلِم قُلتَ إن هذا منه؟ ثم [¬٨] ترقيه [¬٩] إلى وجوب تعلمه بأنه لا يحصل العلم\n_________\n(^٦٢٣) - صحيح، رواه أحمد ٩٥٣٢ - (٢/ ٤٢٩) من حديث عرف، عن خلاس، عن أبي هريرة، والحسن عن النبي، ﷺ بلفظ: \"من أتى كاهنًا أو عرافًا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمَّد. ورواه الحاكم (١/ ٨) وعنه البيهقي في الكبرى (١/ ١٣٥) من حديث روح، عن عوف، عن خلاس ومحمد بن سيرين، عن أبي هريرة، به. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرطهما جميعًا من حديث محمَّد بن سيرين ولم يخرجاه، وحدَّث البخاري، عن إسحاق، عن روح، عن عرف، عن خلاس ومحمد، عن أبي هريرة؛ قصة موسى أنه آدر.\nورواه أبو يعلى الموصلي (٩/ ٥٤٠٨) من حديث عبد الرحمن بن سلام، عن إبراهيم بن طهمان، عن أبي إسحاق، عن هبيرة بن بريم، عن عبد الله بن مسعود -موقوفًا- ولفظه: \"من أتى عرافًا أو ساحرًا أو كاهنًا فسأله فصدقه بما يقول - فقد كفر بما أنزل على محمَّد\". ورواه أبو داود الطيالسي حديث ٣٨٢ (صـ ٥٠): حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق، عن هبيرة بن بريم، عن عبد الله -موقوفًا- قال: \"من أتى كاهنًا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمَّد\". ورواه البزار ٢٦٠٧ - (٢/ ٤٤٣). وقال البزار: ورواه غير واحد عن أبي إسحاق، عن هبيرة، عن عبد الله. وذكره الهيثمي (٥/ ١١٨) وقال: رواه البزار ورجاله رجال الصحيح، خلا هبيرة بن بريم، وهو ثقة.\nوهو عند مسلم برقم ١٣٥ - (٢٢٣٠) من حديث بعض أزواج النبي، ﷺ -مرفوعًا- بلفظ: من أتى عرافًا فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين ليلة. ورواه أحمد أيضًا برقم ١٦٦٩٣ - (٤/ ٦٨)، و٢٣٣٢٨ - (٥/ ٣٨٠). ورواه البيهقي في الكبرى (٨/ ١٣٨).\n(^٦٢٤) - إسناده ضعيف منقطع، رواه النسائي في كتاب: تحريم الدم، باب: \"الحكم في السحرة\" (٧/ ١١٢) ثنا عمرو بن علي، ثنا أبو داود، ثنا عباد بن ميسرة المِنْقَرِيّ، عن الحسن، عن أبي هريرة مرفوعًا. والحسن لم يسمع من أبي هريرة عند الجمهور -كما قال المنذري في \"الترغيب والترهيب\" [٤/ ٣٢] وانظر جامع التحصيل صـ ١٦٤ - وعبّاد بن ميسرة لين الحديث عابد، وأورده الذهبي في الميزان (٢/ ٣٧٨) وقال: هذا الحديث لا يصح للين عباد وانقطاعه. وقال ابن حجر في التلخيص الحبير (٤/ ٤١): وهو\n_________\n[¬١]- في ز: و.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين مكررة في خ.\n[¬٣]- في ز، خ: \"محظورًا\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين في خ: \"فما\".\n[¬٦]- سقط من: ز، خ.\n[¬٧]- سقط من: ز، خ.\n[¬٨]- سقط من: خ.\n[¬٩]- في خ: \"ترقية\".","vol":"1","page":540},{"text":"بالمعجز إلا به، ضعيف بل فاسد؛ لأن أعظم معجزات رسولنا ﵊ هي القرآن العظيم، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد. ثم إن [¬١] العلم بأنه معجز لا يتوقف على علم السحر أصلًا، ثم من المعلوم بالضرورة أن الصحابة والتابعين، وأئمة المسلمين وعامتهم، كانوا يعلمون المعجز، ويفرّقون بينه وبين غيره، ولم يكونوا يعلمون السحر، ولا تعلموه ولا علَّموه، والله أعلم.\nثم قد ذكر أبو عبد الله الرازي أن [¬٢] أنواع السحر ثمانية - (الأول): سحر الكلدانيين والكشدانيين، الذين كانوا يعبدون الكواكب السبعة [¬٣] المتحيرة، وهي السيارة، وكانوا يعتقدون أنها مدبرة العالم، وأنها تأتي بالخير والشر، وهم الذين بعث الله [¬٤] إليهم إبراهيم الخليل، ﷺ، مبطلًا لمقالتهم، ورادَّا [¬٥] لمذهبهم [¬٦]، وقد استقصى في (كتاب السر المكتوم، في مخاطبة الشمس والنجوم) المنسوب إليه، كما [¬٧] ذكره [¬٨] القاضي ابن خلكان وغيره، ويقال: إنه تاب منه، وقيل: بل [¬٩] صنفه على وجه إظهار الفضيلة لا على سبيل الاعتقاد. وهذا هو المظنون به، إلا أنه ذكر فيه طرائقهم [¬١٠] في مخاطبة كلٍّ من هذه الكواكب السبعة، وكيفية ما يفعلون وما يلبسونه وما يتنسكون [¬١١] به.\nقال: (والنوع الثاني) - سحر أصحاب الأوهام والنفوس القوية [¬١٢]، ثم استدل على أن الوهم له تأثير، بأن الإنسان يمكنه أن يمشي على الجسر الموضوع على وجه الأرض، ولا يمكنه المشي عليه إذا كان ممدودًا على نهر أو نحوه، قال: وكما أجمعت الأطباء على نهي المرعوف عن النظر إلى الأشياء الحمر، والمصروع إلى [¬١٣] الأشياء القوية اللمعان أو الدوران، وما ذلك [¬١٤] إلا لأن النفوس خلقت مطيعةً [¬١٥] للأوهام.\nقال: ولقد [¬١٦] اتفق العقلاء على أن الإصابة بالعين حق.\n_________\n= ضعيف. وأورده الألباني في ضعيف الجامع حديث (٥٧٠٢). وقد استنكر له -يعني: عباد- الحافظ ابن عدي هذا الحديث، فأورده في \"الكامل\" [٤/ ١٦٤٨].\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- سقط من: خ.\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- في ت: وردًا.\n[¬٦]- في ز: لمذاهبهم.\n[¬٧]- في ز، خ: \"فيما\".\n[¬٨]- في ت: ذكرها.\n[¬٩]- في ز، خ: \"أنه\".\n[¬١٠]- فإنه: طريقهم.\n[¬١١]- في ت: \"يتمسكون\".\n[¬١٢]- سقط من: خ.\n[¬١٣]- في خ: \"على\".\n[¬١٤]- في خ: \"ذاك\".\n[¬١٥]- في ز، خ: \"منطبعة\".\n[¬١٦]- في ز، خ: \"وقد\".","vol":"1","page":541},{"text":"وله أن يستدل على ذلك بما ثبت في الصحيح (^٦٢٥): أن رسول الله ﷺ قال: \"العين حق ولو كان شيء سابق القدر لسبقته العين\".\nقال: فإذا عرفت هذا فنقول: النفس التي تفعل هذه الأفاعيل قد تكون قوية جدًّا، فتستغني في هذه الأفاعيل [¬١] عن الاستعانة بالآلات والأدوات، وقد تكون ضعيفة؛ فتحتاج إلى الاستعانة بهذة الآلات.\nوتحقيقُه أن النفس إذا كانت [مستعلية على] [¬٢] البدن شديدة الانجذاب إلى عالم السموات، صارت كأنها روح من الأرواح السماوية، فكانت قوية على التأثير في مواد هذا العالم، وإذا كانت ضعيفة شديدة التعلق بهذة الذات [¬٣] البدنية، فحينئذ لا يكون لها تصرفٌ ألبتة إلا في هذا البدن. ثم أرشد إلى مداواة هذا الداء بتقليل الغذاء، والانقطاع عن [الناس] [¬٤] [والرياضة] [¬٥].\n(قلت): وهذا الذي يشير إليه هو التصرف بالحال، وهو علي قسمين: تارة تكون [¬٦] حالًا صحيحة شرعية يتصرف [بها فيما] [¬٧] أمر الله ورسوله [ﷺ]، ويترك [¬٨] ما نهى الله تعالى عنه ورسوله، ﷺ، فهذه [¬٩] الأحوال مواهبٌ من الله تعالى؛ وكراماتٌ للصالحين من هذه الأمة، ولا يسمى هذا سحرًا في الشرع.\nوتارة تكون الحالة فاسدة لا يمتثل صاحبها ما أمر الله ورسوله، ﷺ، ولا يتصرف بها في ذلك. فهذه حال الأشقياء المخالفين للشريعة، ولا يدل إعطاء الله إيَّاهم هذه الأحوال على محبته لهم، كما أن الدجال -لعنه الله- له من [¬١٠] الخوارق للعادات ما دلت عليه الأحاديث الكثيرة مع إنّه مذموم شرعًا لعنه الله!. وكذلك عن شابهه من مخالفي الشريعة المحمدية، على صاحبها أفضل الصلاة والسلام. وبسط هذا يطول جدًّا؛ وليس هذا موضعه.\nقال: (والنوع الثالث) من السحر: الاستعانة [بالأرواح [¬١١] الأرضية] [¬١٢]؛ وهم الجن خلافًا للفلاسفة والمعتزلة: وهم على قسمين: مؤمنين [¬١٣]، وكفار وهم الشياطين.\n_________\n(^٦٢٥) - رواه مسلم في كتاب السلام برقم ٤٢ - (٢١٨٨) من حديث عبد الله بن عباس ﵁.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"الأفعال\".\n[¬٢]- في ز، خ: مشتغلة عن\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"اللذات\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين في خ: \"النظر\"\n[¬٥]- في ن: والرياء\".\n[¬٦]- في ز: يكون.\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين في خ: فيها\".\n[¬٨]- في ز، خ: \"وترك\".\n[¬٩]- في ز، خ: \"وهذه\".\n[¬١٠]- في ت: \"مع\".\n[¬١١]- سقط من: خ.\n[¬١٢]- في ز: بالأرضية.\n[¬١٣]- في ز، خ: \"مؤمنون\".","vol":"1","page":542},{"text":"قال: واتصال النفوس الناطقة بها أسهل من اتصالها بالأرواح السماوية، لما بينهما من المناسبة والقرب، ثم إن أصحاب الصنعة، وأرباب التجربة شاهدوا أن الاتصال بهذه الأرواح الأرضية يحصل بأعمال سهلة قليلة من الرقى والدخن [¬١] والتجريد. وهذا النوع هو المسمى بالعزائم وعمل التسخير [¬٢].\n(النوع الرابع) من السحر: التخييلات [¬٣] والأخذ بالعيون والشعبذة، ومبناه على [¬٤] أن البصر قد يخطئ، ويشتغل بالشيء المعين دون غيره، ألا ترى أن المشعبذ الحاذق يظهر عمل شيء يذهل أذهان الناظرين به، ويأخذ عيونهم إليه، حتى إذا استفرغهم الشغل بذلك الشيء بالتحديق و[¬٥] نحوه، عمل شيئًا آخر عملًا بسرعة شديدة، وحينئذ يُظهر لهم شيئًا [¬٦] آخر غير ما انتظروه، فيتعجبون منه جدًّا، ولو أنه سكت [ولم تكلم] [¬٧] بما يصرف الخواطر إلى ضد ما يريد أن يعمله، ولم تتحرك النفوس والأوهام إلى غير ما يريد إخراجه، لفطن الناظرون لكل ما يفعله.\n(قال): وكلما كانت الأحوال التي تفيد حسن البصر نوعًا من أنواع الخلل أشدَّ، كان العملُ أحسن، مثل أن يجلس [¬٨] المشعبذ في موضع مضيء جدًّا -أو مظلم- فلا تقف القوة الناظرة [¬٩] على أحوالها بكلالها، والحالة هذه.\n(قلت): وقد قال بعض المفسرين: إن سحر السحرة بين يدي فرعون إنما كان من باب الشعبذة؛ ولهذا قال تعالى: ﴿فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾. وقال تعالى: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ قالوا: ولم تكن تسعى في نفس الأمر. والله أعلم.\n(النوع الخامس من السحر): الأعمال العجيبة التي تظهر من تركيب الآلات المركبة من النسب الهندسية؛ كفارس على فرس في يده بوق، كلما مضت [¬١٠] ساعة من النهار ضرب بالبوق، من غير أن يمسه أحد، ومنها الصور التي تصورها الروم والهند، حتى لا يفرق الناظر بينها وبين الإنسان، حتى يصوروها [¬١١] ضاحكة وباكية.\nإلى أن قال: فهذه الوجوه من لطف أمور المخاييل.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"الدخل\".\n[¬٢]- في ز: تسخير.\n[¬٣]- في خ: التخيلات.\n[¬٤]- سقط من: خ.\n[¬٥]- سقط من ز.\n[¬٦]- في خ: \"شيء\".\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين في ت: \"وما يتكلم\".\n[¬٨]- في خ: \"يحبس\".\n[¬٩]- في خ: \"الباطنة\".\n[¬١٠]- في خ: \"مضت\".\n[¬١١]- في خ: \"يصورونها\".","vol":"1","page":543},{"text":"قال: وكان سحر سحرة فرعون من هذا القبيل.\n(قلت): يعني ما قاله بعض المفسرين: إنهم عمدوا إلى تلك الحبال، والعصي، فحشوها زئبقًا، فصارت تتلوى بسبب ما فيها من ذلك الزئبق، فيخيل إلى الرائي أنها تسعى باختيارها.\nقال الرازي: ومن هذا الباب تركيب صندوق الساعات، ويندرج في هذا الباب علم جَرِّ الأثقال بالآلات الخفيفة.\nقال: وهذا في الحقيقة لا ينبغي أن يعد من باب السحر؛ لأن لها أسبابًا معلومة يقينية من اطَّلع عليها قدر عليها.\n(قلت): ومن هذا القبيل حيل النصارى على عامتهم، بما يرونهم إياه من الأنوار؛ كقضية قمامة الكنيسة التي لهم ببيت المقدس، وما يحتالون به من إدخال النار خفيةً إلى الكنيسة، وإشعال ذلك القنديل بصنعة لطفة تروج على العوام منهم، وأما الخواص فهم معترفون بذلك، ولكن يتأولون: أنهم يجمعون شمل أصحابهم على دينهم، فيرون ذلك سائغًا لهم، وفيه شبهة للجهلة الأغبياء من متعبدي الكرّامية، الذين يرون جواز وضع الأحاديث في الترغيب والترهيب، فيدخلون في عداد من قال رسول الله ﷺ: \"من كذب عليّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار\" (^٦٢٦) وقوله: \"حدثوا عني ولا تكذبوا علي؛ فإنه من يكذب عليَّ يلج النار\" (^٦٢٧).\nثم ذكر هاهنا حكاية عن بعض الرهبان، وهو أنه سمع صوت طائر حزين الصوت، ضعيف الحركة، فإذا سمعته الطيور ترقُّ له، فتذهب فتلقي في وكره من ثمر الزيتون ليتبلغ به، فعمد هذا الراهب إلى صنعة طائر على شكله، وتوصّل إلى أن جعله أجوفَ، فإذا دخلته الريح يُسمع له صوتُ كصوت ذلك الطائر، وانقطع في صومعة ابتناها، وزعم أنها على قبر بعض صالحيهم، وعلق ذلك الطائر في مكان منها، فإذا كان زمان الزيتون فتح باب من ناحيته فيدخل الريح إلى داخل هذه الصورة، فيسمع صوتَها كُلُّ طائر في شكله أيضًا، فتأتي الطيور، فتحمل من الزيتون شيئًا كثيرًا، فلا ترى النصارى إلا ذلك الزيتون في هذه الصومعة، ولا يدرون ما سببه، ففتنهم\n_________\n(^٦٢٦) - هذا الحديث من الأحاديث المتواترة رواه جمع من الصحابة عن النبي، ﷺ، عدَّهم الإِمام الطبراني في جزء له فزادوا على الستين، وانظره في: صحيح البخاري في كتاب العلم، باب: إثم من كذب على النبي، ﷺ برقم (١٠٧) من حديث الزبير، وحديث (١١٠) من حديث أبي هريرة، ﵄، وفي مقدمة صحيح مسلم برقم ٢، ٣، ٤ - (٢، ٣، ٤) من حديث أنس وأبي هريرة والمغيرة ﵃.\n(^٦٢٧) - رواه البخاري برقم (١٠٦) - دون قوله: \"حدثوا عني\" - وكذا رواه مسلم في مقدمة صحيحه برقم ١ - (١) كلاهما من حديث علي ﵁.","vol":"1","page":544},{"text":"بذلك، وأوهم أن هذا من كرامات صاحب هذا القبر، عليهم لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة.\nقال الرازي: (النوع السادس من السحر): الاستعانة بخواص الأدوية؛ يعني في الأطعمة والدهانات، قال: واعلم أنه لا سبيل إلى إنكار الخواص، فإن تأثير المغناطيس مشاهد.\n(قلت): يدخل في هذا القبيل كثير ممن يدعي الفقر، ويتحيل على جهلة الناس بهذه الخواص، مدعيًّا أنها أحوال له من مخالطة النيران، ومسك الحيات إلى غير ذلك من المحالات.\nقال: (النوع السابع من السحر) تعليق القلب، وهو أن يدعي الساحر أنه عرف الاسم الأعظم، وأن الجن يطعونه وينقادون له في أكثر الأمور، فإذا اتفق أن يكون السامع لذلك ضعيف العقل، قليل التمييز؛ اعتقد أنه حق، وتعلق قلبه بذلك، وحصل في نفسه نوع من الرعب، والمخافة، فإذا حصل الخوف ضعفت القوى الحساسة، فحينئذ يتمكن الساحر أن يفعل ما يشاء.\n(قلت): هذا النمط يقال له: التنبلة، وإنما يروج على ضعفاء العقول من بني آدم، وفي علم الفراسة ما يرشد إلى معرفة كامل العقل من ناقصه، فإذا كان المتنبل حاذقًا في علم الفراسة عرف من ينقاد له من الناس من غيره.\nقال: (النوع الثامن من السحر) السعي بالنميمة، والتضريب من وجوه خفيفة لطفة، وذلك شائع في الناس.\n(قلت): النميمة على قسمين: تارة تكون على وجه التحريش بين الناس، وتفريق قلوب المؤمنين، فهذا حرام متفق عليه، فأما إن كانت على وجه الإصلاح بين الناس، وائتلاف كلمة المسلمين، كما جاء في الحديث: \"ليس بالكذاب من ينم خيرًا\" (^٦٢٨)، أو يكون على وجه التخزيل والتفريق بين جموع الكفرة؛ فهذا أمر مطلوب، كما جاء في الحديث: \"الحرب خدعة\" (^٦٢٩)، وكما فعل نعيم بن مسعود في تفريقه بين كلمة الأحزاب، وبين قريظة، وجاء إلى هؤلاء، فنمى إليهم عن هؤلاء كلامًا، ونقل من هؤلاء إلى أولئك شيئًا آخر، ثم لأم بين ذلك، فتناكرت النفوس وافترقت. وإنما يحذو على مثل هذا الذكاء والبصيرة النافذة، والله المستعان.\n_________\n(^٦٢٨) - متفق عليه من حديث أم كلثوم بنت عقبة بلفظ: \"ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس فينمي خيرًا أو يقول خيرًا\" رواه البخاري في الصلح، باب: ليس الكاذب الذي يصلح بين الناس حديث ٢٦٩٢. ورواه مسلم في البر حديث ١٠١ - (٢٦٠٥).\n(^٦٢٩) - متفق عليه من حديث جابر بن عبد الله، رواه البخاري في الجهاد والسير، باب: الحرب خدعة، حديث ٣٠٣٠، ومسلم ١٧ - (١٧٣٩)، ورواه أبو داود ٢٦٣٦، والترمذي ١٦٧٥، والنسائي في السير من الكبرى. وقد رُوي من حديث علي بن أبي طالب، وعبد الله بن عباس، وكعب بن مالك، وأبي هريرة وعائشة.","vol":"1","page":545},{"text":"ثم قال الرازي: فهذه جملة الكلام في أقسام السحر، وشرح أنواعه، وأصنافه.\n(قلت): وإنما أدخل كثيرًا من هذه الأنواع المذكورة في فن السحر، للطافة مداركها؛ لأن السحر في اللغة: عبارة عمَّا لطف وخفي سببه. ولهذا جاء في الحديث: \"إن من البيان لسحرًا\" (^٦٣٠). وسمي السحور لكونه يقع خفيًّا آخر الليل. والسَّحْرُ: الرئة، وهي محل الغذاء، وسميت بذلك؛ لخفائها؛ ولطف مجاريها إلى أجزاء البدن، وغضونه، كما قال أبو جهل يوم بدر لعتبة: انتفخ سَحْرك أي: انتفخت رئته من الخوف. وقالت عائشة ﵂: توفي رسول الله ﷺ بين سحري ونحري (^٦٣١). وقال تعالى: ﴿سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ﴾، أي أخفوا عنهم عملهم، والله أعلم.\nوقال أبو عبد الله القرطبي: وعندنا أن السحر حق، وله حقيقة يخلق الله عنده ما يشاء خلافًا للمعتزلة، وأبي إسحاق الإسفرايني من الشافعية، حيث قالوا: إنه تمويه، وتخييل. قال: ومن السحر ما يكون بخفة اليد كالشعوذة، والشعوذي: البريد؛ لخفة سيره.\nقال ابن فارس: وليست هذه الكلمة من كلام البادية.\nقال القرطبي: ومنه ما يكون كلامًا يحفظ، ورقىً من أسماء الله تعالى، وقد يكون من عهود الشياطين، ويكون أدوية، وأدخنة، وغير ذلك. قال: وقوله ﵇: \"إن من البيان لسحرًا\" يحتمل أن يكون مدحًا كما تقوله طائفة، ويحتمل أن يكون ذمًّا للبلاغة قال: وهذا أصح. قال: لأنها تصوب الباطل حتى توهم السامع أنه حق، كما قال ﵊: \"فلعل بعضكم أن يكون ألحنَ بحجته من بعض فأقضي له\" (^٦٣٢) الحديث.\n_________\n(^٦٣٠) - صحيح، رواه البخاري من حديث ابن عمر في النكاح، باب الخطبة، حديث ٥١٤٦. وفي الطب باب: وإن من البيان لسحرًا حديث ٥٧٦٧، ورواه الترمذي في البر، باب: ما جاء في أن من البيان سحرًا حديث ٢٠٢٩. ورواه أبو داود في الأدب، باب: المتشدق بالكلام، حديث ٥٠٠٧. ورواه مسلم من حديث عمار في الجمعة برقم ٤٧ - (٨٦٩). وقد رُوي من حديث عبد الله بن عباس، رواه أبو داود حديث ٥٠١١، والترمذي ٢٨٤٥، وابن ماجه ٣٧٥٦. ورواه أبو داود من حديث بريدة بن الحصيب حديث ٥٠١٢.\n(^٦٣١) - رواه البخاري في المغازي، باب: مرض النبي، ﷺ، ووفاته بوقم ٤٤٥١. ورواه مسلم في فضائل الصحابة حديث ٨٤ - (٢٤٤٣)، وأحمد حديث ٢٤٣٢٧ - (٤٨١٦).\n(^٦٣٢) - متفق عليه من حديث أم سلمة، رواه البخاري في الشهادات حديث (٢٦٨٠)، وفي الأحكام حديث (٧١٦٥)، وفي الحيل حديث (٦٩٦٧). ورواه مسلم في الأقضية حديث (١٧١٣). وهو عند الترمذي في الأحكام حديث (١٣٣٩)، وعند أبي داود في الأقضية بوقم (٣٥٨٣)، وعند النسائي في أدب القضاة حديث (٥٤٠١). وعند ابن ماجه في الأحكام حديث (٢٣١٧)، وعند أحمد ٢٦٦٠١ - (٦/ ٢٩٠).\nوهو عند أحمد من حديث أبي هريرة.","vol":"1","page":546},{"text":"(فصل)\nوقد ذكر الوزير أبو المظفر يحيى بن محمَّد بن هبيرة، ﵀، في كتابه (الإشراف على مذاهب الأشراف) بابًا في السحر؛ فقال: أجمعوا على أن السحر له حقيقة إلا أبا حنيفة، فإنه قال: لا حقيقة له عنده.\nواختلفوا فيمن يتعلم السحر، ويستعمله، فقال أبو حنيفة، ومالك، وأحمد: يكفر بذلك.\nومن أصحاب أبي حنيفة من قال: إنْ تعلمه ليتقيه، أو ليجتنبه فلا يكفر، ومن تعلمه معتقدًا جوازه، أو أنه ينفعه كفر.\nوكذا من اعتقد أن الشياطين تفعل له ما يشاء فهو كافر.\nوقال الشافعي ﵀: إذا تعلم السحر؛ قلنا له: صف لنا سحرك. فإن وصف ما يوجب الكفر مثل ما اعتقده أهل بابل من التقرب إلى الكواكب السبعة، وأنها تفعل ما يلتمس منها فهو كافر، وإن كان لا يوجب الكفر، فإن اعتقد إباحته فهو كافر.\nقال ابن هبيرة: وهل يقتل بمجرد فعله واستعماله؟ فقال مالك وأحمد [¬١]: نعم. وقال الشافعي، وأبو حنيفة: لا. فأمَّا إن قتل بسحره إنسانًا فإنه يقتل عند مالك، والشافعي، وأحمد.\nوقال أبو حنيفة: لا يقتل، حتى يتكرر منه ذلك، أو يقر بذلك في حق شخص معين. وإذا قتل، فإنه يقتل حدًّا عندهم، إلا الشافعي، فإنه قال: يقتل والحالة هذه قصاصًا.\nقال: وهل إذا تاب الساحر تقبل توبته؟ فقال مالك، وأبو حنيفة، وأحمد في المشهور عنهم [¬٢]: لا تقبل. وقال الشافعي وأحمد في الرواية الأخرى: تقبل.\nوأما ساحر أهل الكتاب فعند أبي حنيفة فإنه يقتل، كما يقتل الساحر المسلم.\nوقال مالك، [وأحمد والشافعي]: لا يقتل. يعني لقصة لبيد بن الأعصم.\nواختلفوا في المسلمة الساحرة، فعند أبي حنيفة أنها لا تقتل، ولكن تحبس. وقال الثلاثة: حكمها حكم الرجل، والله اُعلم.\nوقال أبو بكر الخلال (^٦٣٣): أخبرنا أبو بكر المروزي، قال: قُرئ على أبي عبد الله -يعني\n_________\n(^٦٣٣) - عمر بن هارون هو البلخي: قال يحيى بن معين: كذاب خبيث، ورواه أبو بكر الخلال في كتابه\" الجامعُ\" \"أهل الملل والردة والزنادقة وتارك الصلاة والفرائض\" ص ٥٣٢ حديث ١٣٥٦.\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- في خ: \"عنهما\".","vol":"1","page":547},{"text":"أحمد بن حنبل-: عمر بن هارون، حدثنا يونس، عن الزهريّ قال: يقتل ساحر المسلمين، ولا يققال ساحر المشركين؛ لأن رسول الله ﷺ سحرته امرأة من اليهود فلم يقتلها.\n[وقد نقل القرطبي، عن مالك ﵀ أنه قال في الذمي إذا سحر: يقتل إن قتل سِحْرُهُ، وحكى ابن خويز منداد، عن مالك روايتين في الذمي إذا سحر:\nإحداهما: أنه يستتاب فإن أسلم، وإلا قتل.\nوالثانية: أنه يُقْتَل وإن أسلم.\nوأمّا الساحر المسلم، فإن تضمَّن كفرًا؛ كفر عند الأئمة الأربعة وغيرهم، لقوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾، لكن قال مالك: إذا ظُهِرَ عليه لم تقبل توبته؛ لأنه كالزنديق، فإن تاب قبل أن يُظهر عليه وجاءنا] [¬١] [تائبًا قبلناه، فإن قَتَلَ سِحْرُهُ قُتِلَ.\nقال الشافعي: فإن قال: لم أتعمد القتل فهو مخطئ تجب عليه الدية.\n(مسألة) وهل يُسْأَلُ الساحرُ حلًّا لسحره؟ فأجارُه سعيد بن المسيب، فيما نقله نقلًا عنه البخاري، وقال عامر الشعبي: لا بأس بالنشرة (^٦٣٤). وكره ذلك الحسن البصري، وفي الصحيح عن عائشة أنها قالت: يا رسول الله! هلا تنشرت؟ فقال: \"أمّا الله فقد شفاني، وخشيت أن أفتح على الناس شرًّا\" (^٦٣٥)، وحكى القرطبي عن وهب أنه قال: يؤخذ سبع ورقات من سدر، فتدق بين حجرين، ثم تضرب بالماء، ويقرأ عليها آية الكرسي، ويشرب منها المسحور ثلاث حسوات، ثم يغتسل بباقيه، فإنه يذهب ما به، وهو جيد للرجل الذي يؤخذ عن امرأته.\n(قلت): أنفع ما يستعمل لإذهاب السحر ما أنزل الله على رسوله في إذهاب ذلك وهو المعوذتان، وفي الحديث: \"لم يتعوذ المتعوذ بمثلهما\" (^٦٣٦) وكذلك قراءة آية الكرسي؛ فإنها مطردة للشيطان] [¬٢].\n_________\n(^٦٣٤) - النُشرة؛ بالضم: ضرب من الرقية، والعلاج، يعالج به من كان ظن أن به مَسًّا من الجن. النهاية (٥/ ٥٤)، وقيل: هي حل السحر عن المسحور، وهي نوعان، أحدهما: حل بسحر مثله، وهو الذي من عمل الشيطان، والثاني: النشرة؛ الرقية، والتعوذات، والأدوية، والدعوات المباحة، فهذا جائز.\n(^٦٣٥) - متفق عليه، رواه البخاري في كتاب الطب، باب: السحر برقم (٥٧٦٦)، ومسلم في كتاب السلام برقم ٤٣ - (٢١٨٩).\n(^٦٣٦) - رواه النسائي في السنن (٨/ ٢٥١) من حديث عقبة بن عامر، ﵁.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.","vol":"1","page":548},{"text":"انتهى بحمد الله وتوفيقه الجزء الأول ويليه إن شاء الله تعالى الجزء الثاني وأوله تفسير قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٠٤) مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيكُمْ مِنْ خَيرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (١٠٥)","vol":"1","page":551},{"text":"﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٠٤) مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيكُمْ مِنْ خَيرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (١٠٥)﴾\nنهى اللَّه تعالى عباده [¬١] المؤمنين أن يتشبهوا بالكافرين في مقالهم، وفعالهم، وذلك أن اليهود كانوا يُعَانُون من الكلام ما فيه توريةٌ لما يقصدونه من التنقص [¬٢] عليهم لعائن اللَّه؛ فإذا أرادوا أن يقولوا: اسمع لنا. يقولون: راعنا. يورُّون بالرعونة، كما قال تعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ وكذلك جاءت الأحاديث بالأخبار عنهم بأنهم كانوا إذا سَلَّموا إنما يقولون: السامُ عليكم، والسام: هو الموت، ولهذا أمرنا أن نرد عليهم بـ \"وعليكم\" (^٦٢٤). وإنه يستجاب لنا فيهم، ولا يستجاب لهم فينا.\nوالغرض أن اللَّه -تعالى- نهى المؤمنين عن مشابهة الكافرين قولًا وفعلًا، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٠٤)﴾.\nوقال الإمام أحمد (^٦٢٥): حدثنا أبو النضر، حدثنا عبد الرحمن بن ثابت، حدثنا حسان بن عطية [¬٣]، عن أبي مُنيب الجُرَشي [¬٤]، عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله، ﷺ: \"بعثت بين يدي الساعة بالسيف، حتى يعبد الله وحده لا شريك له،\n_________\n(^٦٢٤) - الصواب أن يقال في هذا المقام: \"عليكم\" بدون الواو؛ وذلك أنه إذا حذف \"الواو\" صار قولهم الذي قالوه بعينه مردودٌ عليهم، وبإدخال الواو يقع الاشتراك معهم، والدخول فيما قالوه؛ لأن الواو حرف للعطف والجمع بين الشيئين. معالم السنن للخطابي (٨/ ٧٥).\n(^٦٢٥) - إسناده حسن، والحديث في المسند برقم ٥٦٦٧ - (٢/ ٩٢)، و٥١١٥، ٥١١٤ - (٢/ ٥٠). وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ٤٩) وقال: رواه أحمد، وفيه عبد الرحمن بن ثابت، وثقه ابن المديني وغيره، وضعفه أحمد وغيره، وبقية رجاله ثقات. وقال السخاوي: فيه ضعف، ولكن له شواهد. وقال ابن تيمية: سنده جيد. وقال ابن حجر في الفتح: سنده حسن.\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- في ت: \"التنقيص\".\n[¬٣]- في خ: \"بن ثابت\".\n[¬٤]- في خ: \"الحرسى\".","vol":"2","page":5},{"text":"وجعل رزقي تحت ظل رمحي، [وجعلت الذلة] [¬١]، والصغار على من خالف أمري، ومن تشبه بقوم فهو منهم\".\nوروى أبو داود (^٦٢٦) عن عثمان بن أبي شيبة، عن أبي النضر هاشم بن القاسم به: \"من تشبه بقوم فهو منهم\" ففيه دلالة على النهي الشديد، والتهديد، والوعيد، على التشبه بالكفار في أقوالهم، وأفعالهم، ولباسهم، وأعيادهم، وعبادتهم، وغير ذلك من أمورهم التي لم تشرع لنا، ولم نُقَرر عليها.\nو[¬٢] قال ابن أبي حاتم (^٦٢٧): حدثنا أبي، حدثنا نعيم بن حماد، حدثنا عبد الله بن المبارك، حدثنا مسعر، عن مَعْن دمعون -أو أحدهما- أنّ رجلا أتى عبد اللَّه بن مسعود فقال: اعهد إليَّ، فقال: إذا سمعت اللَّه يقول: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ فارعها سمعك، فإنه خير يأمر به، أو شر ينهى عنه.\nوقال الأعمش، عن خيثمة، قال: ما تقرءون [¬٣] في القرآن ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ فإنه في التوراة: يا أيها المساكين.\nوقال محمد بن إسحاق (^٦٢٨): حدّثني محمد بن أبي محمد، عن سعيد بن جبير أو عكرمة عن ابن عباس ﴿راعنا﴾ أي: أرعنا سمعك.\nوقال الضحاك (^٦٢٩): عن ابن عباس (يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا﴾. قال: كانوا يقولون للنبي ﷺ: أرعنا سمعك، وإنما ﴿راعنا﴾ كقولك: عاطنا.\nوقال ابن أبي حاتم (^٦٣٠): وروي عن أبي العالية، وأبي مالك، والربيع بن أنس، وعطية العوفي، وقتادة، نحو ذلك.\n_________\n(^٦٢٦) - إسناد حسن، كالذي قبله، والحديث في سنن أبي داود في كتاب اللباس، باب: في لبس الشهرة برقم (٤٠٣١).\n(^٦٢٧) - رجاله ثقات، والحديث في تفسير ابن أبي حاتم ١٠٤٤ - (١/ ٣١٧). ورواه أبو عبيد في فضائل القرآن (٧٤ - و٧٥)، وأحمد في الزهد (١٥٨) - كلاهما من طريق مسعر به؛ إلا أنه عند أحمد عن مسعر، عن معن قال: قال عبد الله .. وعنده زيادة في أوله. ورواه أبو نعيم في الحلية (١/ ١٣٠) من طريق أحمد بن حنبل، عن وكيع، عن مسعر، به، كما عند أحمد.\n(^٦٢٨) - إسناده ضعيف، ورواه ابن جرير برقم ١٧٢٥ - (٢/ ٤٦٠).\n(^٦٢٩) - إسناده ضعيف، ورواه ابن أبي حاتم بإسناده ١٠٤٥ - (١/ ٣١٧)، وابن جرير ١٧٣١ - (٢/ ٤٦١).\n(^٦٣٠) - أوردها ابن أبي حاتم (١/ ٣١٧) وقول عطية وقتادة أخرجهما ابن جرير (١/ ٤٦٩ حلبي).\n_________\n[¬١]- في المسند: وجُعل الذل.\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- في خ: \"يقرئون\".","vol":"2","page":6},{"text":"وقال مجاهد (^٦٣١): ﴿لا تقولوا راعنا﴾: لا تقولوا خلافا. وفي رواية: لا تقولوا: اسمع منا ونسمع منك.\nوقال عطاء (^٦٣٢): ﴿لا تقولوا راعنا﴾ كانت لغة تقول [¬١] الأنصار فنهى اللَّه عنها.\nوقال الحسن (^٦٣٣): ﴿لا تقولوا راعنا﴾ قال: الراعنُ من القولِ السخريُّ منه. نهاهم اللَّه أن يسخروا من قول محمد ﷺ وما يدعوهم إليه من الإسلام.\nوكذا روي عن ابن جريج أنه قال مثله.\nوقال أبو صخر: ﴿لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا واسمعوا﴾ قال: كان رسول اللَّه ﷺ، إذا أدبر ناداه من كانت له حاجة من المؤمنين، فيقول [¬٢]: أرعنا سمعك، فأعظم الله رسوله ﷺ أن يقال ذلك له.\nوقال السدي: كان رجل من اليهود من بني قينقاع، يدعى [¬٣] رفاعة بن زيد، يأتي النبيَّ، ﷺ، فإذا لقيه فكلمه قال: أرعني سمعك، واسمع غير مُسْمَع، وكان المسلمون يحسبون أن الأنبياء كانت تفخم بهذا، فكان ناس منهم يقولون: اسمع غير مسمع: غَيرَ صاغر. وهي كالتي في سورة النساء. فتقدم [¬٤] الله إلى المؤمنين ألا يقولوا: راعنا.\nوكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم بنحو من هذا.\nقال ابن جرير (^٦٣٤): والصواب من القول في ذلك عندنا: أن اللَّه نهى المؤمنين: أن يقولوا لنبيه ﷺ: راعنا، لأنها كلمة كرهها [¬٥] اللَّه تعالى أن يقولها لنبيه ﷺ نظير الذي ذكر عن النبي ﷺ أنة قال: \"لا تقولوا للعنب الكرم؛ ولكن قولوا: الحبلة، ولا تقولوا: عبدي ولكن قولوا: فتاي\" (^٦٣٥) وما أشبه ذلك.\n_________\n(^٦٣١) - رواه ابن أبي حاتم ١٠٤٧ - (١/ ٣١٨).\n(^٦٣٢) - رواه ابن أبي حاتم ١٠٤٦ - (١/ ٣١٨).\n(^٦٣٣) - رواه ابن أبي حاتم ١٠٤٨ - (١/ ٣١٨).\n(^٦٣٤) - تفسير ابن جرير (٢/ ٤٦٣).\n(^٦٣٥) - روى مسلم من حديث علقمة بن وائل، عن أبيه، في كتاب الأدب حديث (٢٢٤٨): لا تقولوا الكرم ولكن قولوا: الحبلة -يعني العنب. ورواه الدارمي بلفظٍ مقاربٍ في الأشربة حديث ٢١١٤.\nورواه أحمد من حديث أبي هريرة حديث ٧٥٠٩ بلفظ: لا تسموا العنب الكرم. وهو عند البخاري في الأدب، باب: لا تسبوا الدهر رقم ٦١٩٢. ومسلم في الأدب برقم (٢٢٤٧).\n_________\n[¬١]- زيادة من: خ.\n[¬٢]- في ت: \"يقول\".\n[¬٣]- في ت: ويدعى.\n[¬٤]- في خ: \"فيقدم\".\n[¬٥]- في ت: \"كره\".","vol":"2","page":7},{"text":"وقوله تعالى: ﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ يبين [تعالى بذلك] شدة عداوة الكافرين من أهل الكتاب والمشركين، الذين حذر اللَّه [¬١] تعالى من مشابهتهم للمؤمنين؛ ليقطع المودّة بينهم وبينهم. وينبه [¬٢] تعالى على ما أنعم به على المؤمنين من الشرع التام الكامل، الذي شرعه لنبيه محمد ﷺ حيث يقول تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾.\n﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ (١٠٦) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيًّ وَلَا نَصِيرٍ (١٠٧)﴾\nقال ابن أبي طلحة (^٦٣٦): عن ابن عباس ﵄: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾ ما نبدل من آية.\nوقال ابن جريج، عن مجاهد: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾ أي [¬٣]: ما نَمْحُ [¬٤] من آية.\nوقال ابن أبي نَجِيح (^٦٣٧)، عن مجاهد: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾ قال: نثبت خطها ونبدّل حكمها. [حدّث به] [¬٥] عن أصحاب عبد الله بن مسعود.\nوقال ابن أبي حاتم (^٦٣٨): وروي عن أبي العالية ومحمد بن كعب القرظي، نحو ذلك.\nوقال الضحاك: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾: ما نُنْسِكَ [¬٦]. وقال عطاء: أما ﴿مَا نَنْسَخْ﴾: فما نترك من القرآن. وقال ابن أبي حاتم: يعني تُرك فلم ينزل على محمد، ﷺ.\nوقال السدي ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾ نَسْخُها: قَبْضُها.\n_________\n(^٦٣٦) - إسناده ضعيف، ورواه ابن جرير برقم ١٧٤٧ - (٢/ ٤٧٣).\n(^٦٣٧) - ابن أبي حاتم ١٠٦٢ - (١/ ٣٢٢).\n(^٦٣٨) - ابن أبي حاتم ١٠٦٢ - (١/ ٣٢٢).\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- في ت: \"ونبه\".\n[¬٣]- سقط من: خ.\n[¬٤]- في خ: \"ما نمحوا\".\n[¬٥]- عند ابن أبي حاتم: حدثنيه. وعند الطبري: حدثت به.\n[¬٦]- في خ: \"ما نسيك\".","vol":"2","page":8},{"text":"وقال ابن أبي حاتم (^٦٣٩): يعني: قبضها رفعها مثل قوله: \"الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة\" وقوله \"لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى لهما ثالثًا\" (^٦٤٠).\nوقال ابن جرير: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾ ما ننقل من حُكْم آية إلى غيره، فنبدِّله ونغيره، وذلك أن يحول الحلال حرامًا، والحرام حلالًا، والمباح محظورًا، والمحظور مباحًا. ولا يكون ذلك إلا في الأمر، والنهي، والحظر، والإطلاق، والمنع، والإباحة، فأما الأخبار فلا يكون فيها ناسخ، ولا منسوخ.\nوأصل النسخ: من نسخ الكتاب، وهو نقله من نسخة [إلى] [¬١] أخرى غيرها، فكذلك معنى نسخ الحكم إلى غيره، إنما هو تحويله، ونقل عبادَة إلى غيرها [¬٢]، وسواء نسخ حكمها أو خطها، [إذ هي] [¬٣] في كلتا حالتيها منسوخة.\nوأما علماء الأصول، فاختلفت عباراتهم في حد النسخ، والأمر في ذلك قريب، لأن معنى النسخ الشرعي معلوم عند العلماء، ولخّص بعضهم أنه رفع الحكم بدليل شرعي متأخر، فاندرج في ذلك نسخ الأخف بالأثقل، وعَكسُه، والنسخ لا [¬٤] إلى بدل. وأما تفاصيل أحكام النسخ، وذكر أنواعه، وشروطه، فمبسوط [¬٥] في فَنّ أصول الفقه.\nوقال الطبراني (^٦٤١): حدثنا أبو شبيل [¬٦] عبيد الله بن عبد الرحمن بن واقد، حدثنا أبي، حدثنا العباس بن الفضل، عن سليمان بن أرقم، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، قال: قرأ رجلان سورة أقرأهما رسول اللَّه، ﷺ، فكانا يقرآن بها، فقاما ذات ليلة يصليان، فلم يقدرا منها على حرف، فأصبحا غاديين على رسول اللَّه ﷺ فذكرا ذلك له، فقال رسول اللَّه، ﷺ: \"إنها مما نسخ، وأنسي، فالهوا عنها\" فكان الزهري يقرؤها: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا﴾ بضم النون الحفيفة.\n_________\n(^٦٣٩) - ابن أبي حاتم (١/ ٣٢٣).\n(^٦٤٠) - جزء من حديث متفق عليه، رواه البخاري في الرقاق باب: ما يتقى من فتنة المال حديث ٦٤٣٦. ومسلم في الزكاة ١١٦ - (١٠٨)، ورواه مسلم بمعناه حديث ١١٨ - (١٠٤٩). وهو عندهما من حديث أنس بمعناه.\n(^٦٤١) - إسناده ضعيف جدًّا، والحديث في المعجم الكبير (١٢/ ٢٨٨). وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ٣١٥) وقال: وفيه سليمان بن أرقم، وهو متروك.\n_________\n[¬١]- ستقط من: خ.\n[¬٢]- في خ: \"غيره\".\n[¬٣]- في ز: وهي.\n[¬٤]- سقط: خ.\n[¬٥]- في ت: فمبسوطة.\n[¬٦]- سقط من: خ.","vol":"2","page":9},{"text":"[] [¬١] سليمان بن أرقم: ضعيف.\n[وقد روى أبو بكر بن الأنباري، عن أبيه، عن نصر بن داود [عن] أبي عبيد، عن عبد الله بن صالح، عن الليث عن يونس وعقيل، عن ابن شهاب، عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف مثله مرفوعًا، ذكره القرطبي (^٦٤٢)] [¬٢].\nوقوله تعالى: ﴿أو ننسها﴾ فقرئ على وجهين: ننسأها وننسها، فأمّا من قرأها: نَنْسأَها بفتح النون والهمزة بعد السين فمعناه: نؤخرها.\nقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ ننسأهَا﴾ يقول: ما نبدل من آية، أو نتركها لا نبدلها.\nو[¬٣] قال مجاهد عن أصحاب ابن مسعود: أو ننسأها نثبت خطها ونبدل حكمها.\nوكما [¬٤] قال عبيد بن عُمَير، زمجاهد، وعطاء: أو ننسأها: نؤخرها ونرجئها.\nوقال عطة العوفي: ﴿أو ننسأها﴾: نؤخرها فلا ننسخها.\nوقال السدي مثله أيضًا، وكذا الربيع بن أنس.\nوقال الضحاك: ﴿ما ننسخ من آية أو ننسأها﴾ يعني الناسخ من المنسوخ.\nوقال أبو العالية: ﴿ما ننسخ من آية أو ننسأها﴾ أي: نؤخرها عندنا.\nوقال ابن أبي حاتم (^٦٤٣): حدثنا عبيد الله بن إسماعيل البغدادي، حدثنا خلف، حدثنا الخفاف، عن إسماعيل -يعني ابن مسلم- عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير،\n_________\n(^٦٤٢) - القرطبي (٢/ ٦٣)، وأبو أمامة: ولد في حياة النبي، ﷺ، له رؤية ولم يسمع من النبي، ﷺ، معدود في الصحابة، وقال ابن سعد: كان ثقة. والحديث رواه أبو عبيد في الناسخ والنسوخ قال: حدثنا عبد الله بن صالح، عن الليث … فذكره. ورواه الطحاوي بلفط مقارب في مشكل الآثار برقم (٢٠٣٤) من طريق ابن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب، عن أبي أمامة به، وبرقم (٢٠٣٥) من طريق شعيب بن أبي حمزة، عن الزهري، عن أبي أمامة به. وقال الطحاوي: هكذا حدثنا يونس بهذا الحديث، فلم يتجاوز به أبا أمامة، وأصحاب الحديث يدخلون هذا في المسند؛ لأن أبا أمامة ممن ولد في عهد النبي ﷺ ويقول أهله: إن رسول اللَّه ﷺ كان سماه أسعد باسم أبي أمامة أسعد بن زرارة.\n(^٦٤٣) - إسناده ضعيف، إسماعيل بن مسلم ضعيف، والحديث رواه ابن أبي حاتم ١٠٧٠ - (١/ ٣٢٥).\n_________\n[¬١]- في خ: قال.\n[¬٢]- ما بين المعكوتين سقط من: خ.\n[¬٣]- سقط من: خ.\n[¬٤]- زيادة من: خ.","vol":"2","page":10},{"text":"عن ابن عباس قال: خطنا عمر ﵁ فقال: يقول الله ﷿: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا﴾ أي: نؤخرها.\nوأما على قراءة ﴿أَوْ نُنْسِهَا﴾ فقال عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة في قوله: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا﴾ قال: كان الله [﷿] [¬١] ينسي نبيه ﷺ ما يشاء، وينسخ ما يشاء.\nوقال ابن جرير (^٦٤٤): حدثنا سوار بن عبد الله، حدثنا خالد بن الحارث، حدثنا عوف، عن الحسن، أنه قال في قوله: ﴿أَوْ نُنْسِهَا﴾ قال: إن نبيكم ﷺ أقرئ قرآنًا ثم نسيه.\nوقال ابن أبي حاتم (^٦٤٥): حدثنا أبي، حدثنا ابن نُفيل، حدثنا محمد بن الزبير الحراني، عن الحجاج -يعني الجزري- عن عكرمة، عن ابن عباس قال: كان مما ينزل الله على النبي، ﷺ، الوحي بالليل وينساه بالنهار، فأنزل الله ﷿: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيرٍ مِنْهَا﴾.\nقال أبو حاتم: قال لي أبو جعفر بن نفيل: ليس هو الحجاج بن أرطاة، هو شيخ لنا جَزَري.\nوقال عبيد بن عمير: ﴿أَوْ نُنْسِهَا﴾؛ نرفعها من عندكم.\nوقال ابن جرير (^٦٤٦): حدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا هشيم، عن يعلى بن عطاء، عن القاسم بن ربيعة قال: سمعت سعد بن أبي وقاص يقرأ: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا﴾ قال: قلت له: فإن سعيد بن المسيب يقرأ: ﴿أَوْ نُنْسِهَا﴾ قال: فقال سعد: إنّ القرآن لم ينزل على المسيب، ولا على آل المسيب قال الله -جل ثناؤه-: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى﴾ ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾.\nوكذا رواه عبد الرزاق (^٦٤٧)، عن هشيم.\n_________\n(^٦٤٤) - تفسير ابن جرير ١٧٤٥، ١٧٥٤ - (٢/ ٤٧٢، ٤٧٤).\n(^٦٤٥) - إسناده ضعيف، محمد بن الزبير الحراني منكر الحديث، والحجاج بن تميم الجزري الرقي: قال النسائي ليس بثقة. وقال الأزدي: ضعيف. وقال ابن عدي: ليس له كثير رواية، ورواياته ليست بالمستقيمة. والحديث عند ابن أبي حاتم: ١٠٦٥ - (١/ ٣٢٣). ورواه ابن عدي (٦/ ٢٢٤٣).\n(^٦٤٦) - تفسير ابن جرير ١٧٥٥ - (٢/ ٤٧٥). والقاسم بن ربيعة ذكره ابن حبان في الثقات وقال ابن حجر في (التهذيب ٨/ ٣٢٠): قرأت بخط الذهبي: ما حدث عنه سوى يعلى.\n(^٦٤٧) - تفسير عبد الرزاق (١/ ٥٥).\n_________\n[¬١]- في خ: \"تعالى\".","vol":"2","page":11},{"text":"وأخرجه الحاكم في مستدركه (^٦٤٨) من حديث أبي حاتم الرازي، عن آدم، عن شعبة، عن يعلى [¬١] بن عطاء، به. وقال: على شرط الشيخين، ولم يخرجاه.\nقال ابن أبي حاتم: وروي عن محمد بن كعب، وقتادة، وعكرمة، نحو قول سعيد.\nوقال الإمام أحمد (^٦٤٩): أخبرنا يحيى، حدثنا سفيان الثوري، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال عمر: عليٌّ أقضانا، وأبيٌّ أقرؤنا، وإنا لندع بعض ما يقول أبي، وأبي يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول، فلن أدعه لشيء. والله يقول: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيرٍ مِنْهَا﴾.\nوقال البخاري (^٦٥٠): [حدثنا عمرو بن علي] [¬٢] حدثنا يحيى، حدثنا سفيان، عن حبيب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: قال عمر: أقرؤنا أبي، وأقضانا علي، وإنا لندع من قول أبي؛ وذلك أنّ أبيًّا يقول: لا أدع شيئًا سمعته من رسول الله ﷺ وقد قال الله: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا﴾.\nوقوله: ﴿نَأْتِ بِخَيرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ أي في الحكم بالنسبة إلى مصلحة المكلفين، كما قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿نَأْتِ بِخَيرٍ مِنْهَا﴾ يقول: خير لكم في المنفعة، وأرفق بكم.\nوقال أبو العالية: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾ فلا نعمل بها ﴿أَوْ نُنْسِهَا﴾ أي: نرجئها عندنا، نأت بها أو نظيرها.\nوقال السدي: ﴿نَأْتِ بِخَيرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ يقول: نأت بخير من الذي نسخناه، أو مثل الذي نركناه.\nوقال قتادة: ﴿نَأْتِ بِخَيرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ يقول: آية فيها تخفيف، فيها رخصة، فيها أمر، فيها نهي.\n_________\n(^٦٤٨) - يعلى بن عطاء- ثقة - من رجال مسلم دون البخاري، وإن كان روى له البخاري في القراءة خلف الإمام. والقاسم بن ربيعة -مقبول -أي عند المتابعة، ذكره ابن حبان وحده في الثقات- لم يرو له سوى النسائي. ولم يرو عنه سوى يعلى بن عطاء. لذا لقول الحاكم: على شرط الشيخين، فيه نظر.\n(^٦٤٩) - صحيح، والحديث في المسند حديث ٢١١٦٢ - (٥/ ١١٣).\n(^٦٥٠) - أخرجه البخاري في كتاب التفسير، باب: قوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا﴾ (٨/ ١٦ - ١٧ / رقم: ٤٤٨١). وطرفه في (٥٠٠٥).\n_________\n[¬١]- في خ: \"معلى\".\n[¬٢]- سقط من ز.","vol":"2","page":12},{"text":"وقوله: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ (١٠٦) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ يرشد تعالى عباده [¬١] بهذا إلى أنه المتصرف في خلقه بما يشاء، فله الخلق والأمر، وهو المتصرف، فكما يخلقهم كما يشاء، ويسعد من يشاء، ويشقي من يشاء، ويصح من يشاء، ويمرض من يشاء، ويوفق من يشاء، ويخذل من يشاء، كذلك يحكم في عباده بما يشاء، فيحل ما يشاء، ويحرم ما يشاء، ويبيح ما يشاء، ويحظر ما يشاء، وهو الذي يحكم ما يريد لا معقب لحكمه، ولا يُسأل عما يفعل وهم يسألون، ويختبر عباده وطاعتهم لرسله بالنسخ، فيأمر بالشيء لما فيه من المصلحة التي يعلمها -تعالى- ثم ينهى عنه لما يعلمه تعالى. فالطاعة كل الطاعة في امتثال أمره، واتباع رسله في تصديق ما أخبروا، وامتثال ما أمروا، وترك ما عنه زجروا، وفي هذا المقام رد عظيم، وبيان بليغ لكفر اليهود، وتزييف شبهتهم -لعنهم الله- في دعوى استحالة النسخ إما عقلًا، كما زعمه بعضهم جهلًا وكفرًا، وإما نقلًا كما تخرصه آخرون منهم افتراءً وإفكا.\nقال الإمام أبو جعفر بن جرير (^٦٥١) ﵀: فتأويل الآية ألم تعلم يا محمد أن لي ملك السموات والأرض، وسلطانهما دون غيري أحكم فيهما وفيما فيهما، بما أشاء، وآمر فيهما، وفيما فيهما بما أشاء، وأنهى عما أشاء، وأنسخ، وأبدل، وأغير من أحكامي التي أحكم بها في عبادي بما أشاء إذا أشاء، وأقرّ فيهما ما أشاء.\nثم [¬٢] قال: وهذا الخبر وإن كان خطابًا من الله تعالى لنبيه ﷺ على وجه الخبر عن عظمته، فإنه منه جل ثناؤه تكذيب لليهود الذين أنكروا نسخ أحكام التوراة، وجحدوا نبوّة عيسى ومحمد -عليهما الصلاة والسلام- لمجيئهما بما جاءا به من عند الله بتغيير ما غير الله من حكم التوراة، فأخبرهم الله: أنّ له ملك السموات والأرض وسلطانهما، وأنّ الخلق أهل مملكته وطاعته، وعليهم السمع والطاعة لأمره ونهيه، وأن له أمرهم بما شاء، ونهيهم عما يشاء، ونسخ ما يشاء، وإقرار ما يشاء، وإنشاء ما يشاء من إقراره، وأمره، ونهيه.\n(قلت): الذي يحمل اليهود على البحث في مسألة النسخ إنما هو الكفر والعناد، فإنه ليس في العقل ما يدل على امتناع النسخ في أحكام الله -تعالى- لأنه يحكم ما يشاء كما أنه [¬٣] يفعل ما يريد، مع [¬٤] أنه قد وقع ذلك في كتبه المتقدّمة، وشرائعه الماضية؛ كما أحلَّ لآدم تزويج بناته من بنيه، ثم حرَّم ذلك. وكما أباح لنوح بعد خروجه من السفينة أكل جميع الحيوانات، ثم نسخ حل بعضها، وكان نكاح الأختين مباحًا لإسرائيل وبنيه، وقد حرَّم ذلك في شريعة التوراة\n_________\n(^٦٥١) - التفسير (٢/ ٤٨٨).\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- سقط من: خ.\n[¬٤]- سقط من: خ.","vol":"2","page":13},{"text":"وما بعدها، [وأمر إبراهيم ﵇ بذبح ولده ثم نسخ قبل الفعل، وأمر جمهور بني إسرائيل بقتل من عبد العجل منهم، ثم رفع عنهم القتل كيلا يستأصلهم القتل] [¬١] وأشياء كثيرة يطول ذكرها، وهم يعترفون بذلك ويصدفون [¬٢] عنه.\nوما يجاب به عن هذه الأدلة بأجوبة لفظية، فلا يصرف الدلالة في المعنى، إذ هو المقصود كما في كتبهم مشهورًا من البشارة برحمد ﷺ والأمر باتباعه، فإنه يفيد وجوب متابعته ﵊ وأنه لا يُقْبَل عملٌ إلا على شريعته.\nوسواء قيل: إن الشرائع المتقدمة مُغَيَّاة إلى بعثته ﵇، فلا يسمى ذلك نسخًا كقوله: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيلِ﴾ وقيل: إنها مطلقة وإن شريعة محمد ﷺ نسختها، فعلى كل تقدير فوجوبُ متابعته [¬٣] متعيّنٌ، لأنه جاء بكتاب هو آخر الكتب عهدًا بالله ﵎.\n[ففي هذا المقام بَيَّن تعالى جواز النسخ ردًّا على اليهود عليهم لعنة الله، حيث قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ (١٠٦) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ الآية، فكما أن له الملك بلا منازع، فكذلك له الحكم بما يشاء ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ وقرئ في سورة آل عمران -التي نزل صدرها خطابًا مع أهل الكتاب- وقوع النسخ في قوله تعالى: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إلا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ الآية. كما سيأتي تفسيرها، والمسلمون كلهم متفقون على جواز النسخ في أحكام الله تعالى، لما له في ذلك من الحكمة البالغة، وكلهم قال بوقوعه.\nوقال أبو مسلم الأصبهاني المفسر: لم يقع شيء من ذلك في القرآن.\nوقوله ضعيف مردود مرذول. وقد تعسف في الأجوبة عما وقع من النسخ، فمن ذلك قضية العدّة بأربعة أشهر وعشر بعد الحول لم يُجب على ذلك بكلام مقبول، وقضية تحويل القبلة إلى الكعبة عن بيت المقدس لم يُجب بشيء، ومن ذلك نسخ مصابرة المسلم لعشرة من الكفرة إلى مصابرة الاثنين، ومن ذلك نسخ وجوب الصدقة قبل مناجاة الرسول ﷺ وغير ذلك، والله أعلم [¬٤].\n﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٢]- في خ: \"اتباعه\".\n[¬٣]- في خ: \"ويصدقون\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفين سقط من: خ.","vol":"2","page":14},{"text":"الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (١٠٨)﴾.\nنهى الله تعالى المؤمنين [¬١] في هذه الآية الكريمة، عن كثرة سؤال النبي، ﷺ، عن الأشياء قبل كونها، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ﴾ أي: وإن تسألوا عن تفصيلها بعد نزولها تبين لكم، ولا تسألوا عن الشيء قبل كونه؛ فلعله أن يحرم من أجل تلك المسألة.\nولهذ جاء في الصحيحين [¬٢] (^٦٥٢): (إنّ [¬٣] أعظم المسلمين جرمًا من سأل [¬٤] عن شيء لم يحرّم؛ فحرّم من أجل مسألته\"، ولما سئل رسول الله ﷺ عن الرجل يجد مع امرأته رجلًا (^٦٥٣)، فإن تكلم تكلم بأمر عظيم، وإن سكت سكت عن مثل ذلك، فكره رسول الله ﷺ المسائل وعابها، ثم أنزل الله حكم الملاعنة؛ ولهذا ثبت في الصحيحين (^٦٥٤) من حديث المغيرة بن شعبة: أنّ رسول الله ﷺ: كان ينهى عن قيل وقال، [وإضاعة المال، وكثرة السؤال] [¬٥]. وفي صحيح مسلم (^٦٥٥): \" ذروني ما تركتكم، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم، وإن نهيتكم عن شيء فاجتنبوه\". وهذا إنما قاله بعد ما أخبرهم أن الله كتب عليهم الحج، فقال رجل: أكل عام يا رسول الله؟ فسكت عنه رسول الله ﷺ ثلاثًا. ثم قال ﵇: \"لا، ولو قلت: نعم لوجبت، ولو وجبت لما استطعتم\" ثم قال: \"ذروني ما تركتكم\" الحديث، وهكذا قال أنس بن مالك (^٦٥٦): نهينا أن نسأل رسول الله ﷺ عن شيء،\n_________\n(^٦٥٢) - رواه البخاري في كتاب الاعتصام، باب: ما كره من كثرة السؤال برقم (٧٢٨٩)، ومسلم في كتاب الفضائل برقم ١٣٢ - (٢٣٥٨) من حديث سعد بن أبي وقاص ﵁.\n(^٦٥٣) - رواه البخاري في كتاب الطلاق، باب: من جوز الطلاق ثلاثًا، وباب: اللعان ومن طلق بعد اللعان برقم (٥٢٥٩، ٥٣٠٨)، ومسلم في كتاب اللعان برقم (١٤٩٢) من حدث سهل بن سعد ﵁.\n(^٦٥٤) - رواه البخاري في الزكاة، برقم (١٤٧٧) ورواه مسلم في كتاب الأقضية برقم ١٢، ١٣، ١٤ - (٥٩٣).\n(^٦٥٥) -) رواه مسلم في كتاب الحج برقم ٤١٢ - (١٣٣٧) من حديث أبي هريرة ﵁.\n(^٦٥٦) - رواه مسلم في كتاب الإيمان، برقم ١٠، ١١ - (١٢).\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- في خ: \"الصحيح\".\n[¬٣]- سقط من: خ.\n[¬٤]- في ت: \"يسأل\".\n[¬٥]- في خ: \"وكثرة السؤال، وإضاعة المال\" ا. هـ.","vol":"2","page":15},{"text":"فكان يعجبنا أن يأتي الرجل من أهل [¬١] البادية فيسأله ونحن نسمع.\nوقال الحافظ أبو يعلى الموصلي (^٦٥٧) في مسنده: أخبرنا أبو كريب، حدثنا إسحاق بن سليمان، عن أبي سنان، عن أبي إسحاق، عن البراء بن عازب، قال: إن [¬٢] كان ليأتي عليَّ السنة أريد أن أسأل رسول الله، ﷺ، عن الشيء فأتهيب منه، وإن كنا لنتمنى الأعراب.\nوقال البزار (^٦٥٨): حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا ابن فضيل، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: ما رأيت قومًا خيرًا من أصحاب محمد ﷺ؛ [ما سألوه] [¬٣] إلا عن ثنتي عشرة مسألة، كلها في القرآن ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيسِرِ﴾ ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى﴾ يعني هذا وأشباهَهُ.\nوقوله تعالى: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾ أي: بل تريدون، أو هي على بابها في الاستفهام، وهو إنكاري، وهو يعمّ المؤمنين والكافرين؛ فإنه، عليه الصلاة [¬٤] والسلام، رسول الله إلى الجميع، كما قال -تعالى-: ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ﴾.\nقال محمد بن إسحاق (^٦٥٩): حدّثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة، أو سعيد، عن ابن عباس قال: قال رافع بن حُرَيمَلَةَ -أو وهب بن زيد: يا محمد! ائتنا بكتاب تُنَزِّلُه علينا من السماء نقرؤه، وفجِّر لنا أنهارًا نتِّبعْك ونصدقك. فأنزل الله من قولهم: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾.\nوقال أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية في قوله -تعالى-: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾ قال: قال رجل: يا رسول الله!\n_________\n(^٦٥٧) - لم نعثر عليه في المطبوع من مسند أبي يعلى.\n(^٦٥٨) - رواه أبو يعلى -كما في المطالب حديث ٣٩٥٥ - من حديث زهير، عن ابن فضيل، به. ورواه الدارمي (١٢٧) من حديث عبد الله بن محمد بن أبي شيبة، عن ابن فضيل، به، وفيهما \"ثلاث عشرة\" بدل\" ثنْتَي عشرة\"، ورواه الطبراني في المعجم الكبير (١١/ ٤٥٤) من طريق عبد الله بن عمر بن أبان، عن محمد بن فضيل، به، مطولًا. وأورده في مجمع الزوائد (١/ ١٥٩) وقال: رواه الطبراني في الكبير وفيه عطاء بن السائب وهو ثقة، ولكنه اختلط، وبقية رجاله ثقات.\n(^٦٥٩) - إسناده ضعيف، وهو عند ابن جرير برقم ١٧٧٧ - (٢/ ٤٩٠).\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٣]- سقط من: خ.\n[¬٤]- سقط من: خ.","vol":"2","page":16},{"text":"لو كانت كَفَّارتنا [¬١] ككفَّارات [¬٢] بني إسرائيل؟ فقال النبي ﷺ: \"اللَّهم لا نبغيها - ثلاثًا - ما أعطاكم الله خيرٌ مما أعطى بني إسرائيل؛ كانت بنو إسرائيل إذا أصاب أحدهم الخطيئة وجدها مكتوبة على بابه، وكفارتها، فإن كَفّرها كانت له خزيًا [¬٣] في الدنيا، وإن لم يكفرها كانت له خزيًا في الآخرة، فما أعطاكم الله خير مما أعطى بني إسرائيل\" قال: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ وقال: (الصلوات الخمس من الجمعة إلى الجمعة كفارات [¬٤] لما بينهن\" وقال: \"من هم بسيئة فلم يعملها لم تكتب عليه؛ وإن عملها كتبت سيئة واحدة، ومن هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة واحدة، وإن عملها كتبت له عشر أمثالها، ولا يهلك على الله إلا هالك\" فأنزل الله: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾.\nوقال مجاهد: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾: أن يريهم الله جهرةً؟ قال: سألت قريش محمدًا ﷺ أن يجعل لهم الصَّفَا ذهبًا قال: \"نعم وهو لكم كالمائدة لبني إسرائيل [إن كفرتم\" فأبوا ورجعوا] [¬٥].\nوعن السدي، وقتادة نحو هذا، والله أعلم.\nوالمراد أن الله ذمَّ من سأل الرسول ﷺ عن شيء على وجه التعنت والاقتراح، كما سألت بنو إسرائيل موسى ﵇ تعنتًا، وتكذيبًا، وعنادًا. قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ﴾ أي: ومن يَشْتَر الكفر بالإيمان ﴿فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ أي: فقد خرج عن الطريق المستقيم إلى الجهل والضلال. وهكذا حال الذين عدلوا عن تصديق الأنبياء واتباعهم، والانقياد لهم إلى مخالفتهم، وتكذيبهم والاقتراح عليهم بالأسئلة التي لا يحتاجون إليها على وجه التعنت والكفر، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ (٢٨) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ﴾.\nوقال أبو العالية: يتبدل الشدة بالرخاء.\n﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ (١٠٩) وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا\n_________\n[¬١]- في خ: \"كفاراتنا\".\n[¬٢]- في خ: \"كفارات\".\n[¬٣]- في خ: \"كفارة\".\n[¬٤]- في خ: \"خيرا\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.","vol":"2","page":17},{"text":"الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٠)﴾\nيحذر تعالى عباده المؤمنين عن سلوك طريق الكفار من أهل الكتاب، ويُعْلِمُهم بعداوتهم لهم في الباطن والظاهر [¬١]، وما هم مشتملون عليه من الحسد للمؤمنين، مع علمهم بفضلهم، وفضل نبيهم، ويأمر عبادَهُ المؤمنين بالصفح والعفو، أو [¬٢] الاحتمال حتى يأتي أمر الله من النصر، والفتح. ويأمرهم بإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، ويحثهم على ذلك، ويرغبهم فيه، كما قال محمد بن إسحاق: حدّثني محمد بن أبي محمد (^٦٦٠)، عن سعيد بن جبير، أو عكرمة، عن ابن عباس قال: كان حُيَي بن أخطب، وأبو ياسر بن أخطب من أشد يهود للعرب حسدًا، إذ خصهم الله برسوله، ﷺ، وكانا جاهدين في ردّ الناس عن الإسلام ما استطاعا، فأنزل الله فيهما: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ﴾ الآية.\nوقال عبد الرزاق (^٦٦١)، عن معمر، عن الزهري، في قوله تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ قال: هو كعب بن الأشرف.\nوقال ابن أبي حاتم (^٦٦٢): حدثنا أبي، حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، عن الزهري، أخبرني عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك، عن أبيه، أن كعب بن الأشرف اليهودي كان شاعرًا، وكان يهجو النبيَّ صلى الله عليه ويمملم، وفيه [¬٣] أنزل الله ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا﴾.\nوقال الضحاك، عن ابن عباس: أن رسولًا أميًّا يخبرهم بما في أيديهم من الكتب والرسل والآيات، ثم يصدق بذلك كله مثل تصديقهم، ولكنهم جحدوا ذلك كفرًا، وحسدًا، وبغيًا، وكذلك قال الله تعالى: ﴿كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ يقول: من بعد ما أضاء لهم الحق، لم يجهلوا منه شيئًا، ولكن الحسد حملهم على الجحود، فعيرهم ووبخهم، ولامهم أشدَّ الملامة، وشرع لنبيه ﷺ وللمؤمنين ما هم عليه من التصديق والإيمان، والإقرار بما أنزل الله عليهم، وما أنزل من\n_________\n(^٦٦٠) - إسناده ضعيف، وهو عند ابن جرير (١٧٨٨)، وهو في السيرة لابن هشام ٢/ ١٩٧).\n(^٦٦١) - تفسير عبد الرزاق (١/ ٥٥).\n(^٦٦٢) - إسناده صحيح، والحديث عند ابن أبي حاتم ١٠٩٠ - (١/ ٣٣١ - ٣٣٢).\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- في خ: \"و\".\n[¬٣]- في خ: \"وفيهم\".","vol":"2","page":18},{"text":"قبلهم بكرامته، وثوابه الجزيل، ومعونته لهم.\nوقال الربيع بن أنس: ﴿مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾ من قبل أنفسهم.\nوقال أبو العالية: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ من بعد ما تبين لهم [¬١] أن محمدًا رسول الله يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل، فكفروا به حسدًا، وبغيًا؛ إذ كان من غيرهم، وكذا قال قتادة، والربيع بن أنس، والسدي.\nوقوله تعالى: ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ مثل قوله تعالى: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ الآية.\nو[¬٢] قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس (^٦٦٣) في قوله: ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ نَسَخَ ذلك قولُه: ﴿فَاقْتُلُوا [¬٣] الْمُشْرِكِينَ حَيثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ وقولُه: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ إلى قوله: ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ فَنَسَخَ هذا عفوَهُ عن المشركين، وكذا قال أبو العالية، والربيع بن أنس، وقتادة، والسدي: إنها منسوخة بآية السيف، ويرشد إلى ذلك أيضًا قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾.\nوقال ابن أبي حاتم (^٦٦٤)، حدثنا أبي، حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، عن الزهري، أخبرني عروة بن الزبير: أن أسامة بن زيد أخبره قال: كان رسول الله ﷺ وأصحابه يعفون عن المشركين، وأهل الكتاب، كما أمرهم الله، ويصبرون على الأذى قال الله: ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ﴾ وكان رسول الله ﷺ يتأول من العفو ما أمره [¬٤] الله به، حتى أذن الله فيهم بالقتل [¬٥]، فقتل الله به من قتل من صناديد قريش. وهذا إسناده صحيح، ولم أره في شيء من الكتب الستة [ولكن له أصل في الصحيحين (^٦٦٥) عن أسامة بن زيد] [¬٦].\n_________\n(^٦٦٣) - رواه ابن جرير برقم ١٧٩٦ - (٢/ ٥٠٣).\n(^٦٦٤) - إسناده صحيح، والحديث في تفسير ابن أبي حاتم ١٠٩٥ - (١/ ٣٣٣).\n(^٦٦٥) - رواه البخاري في التفسير حديث (٤٥٦٦). وفي الأدب برقم (٦٢٠٧)، ورواه مسلم برقم (١٧٩٨).\n_________\n[¬١] زيادة من: خ.\n[¬٢]- زيادة من: خ.\n[¬٣]- في خ: \"واقتلوا\".\n[¬٤]- في خ: \"أمر\".\n[¬٥]- في خ: \"بقتل\".\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.","vol":"2","page":19},{"text":"وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ (١٠٩) وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ يَحُثهم [¬١] تعالى على الاشتغال بما ينفعهم وتَعُود عليهم عاقبتهُ يوم القيامة، من إقامة [¬٢] الصلاة وإيتاء الزكاة؛ حتى يمكن لهم الله النصر في الحياة الدنيا، ويوم يقوم الأشهاد ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ هذا قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ [¬٣] بَصِير﴾ يعني: أنه تعالى لا يغفل عن عمل عامل، ولا يضيع لديه، سواء كان خيرًا، أو شرًّا؛ بأنه سيجازي كل عامل بعمله.\nوقال أبو جعفر بن جرير في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ [¬٤] بَصِير﴾: وهذا الخبر من الله للذين خاطبهم بهذه الآيات من المؤمنين، أنهم مهما فعلوا من خير أو شر، سرًّا أو علانية، فهو به بصير، لا يخفى عليه منه شيء؛ فيجزيهم بالإحسان خيرًا، وبالإساءة مثلها. وهذا الكلام، وإن كان [قد خرج] [¬٥] مخرج الخبر، فإن فيه رعدًا، ووعيدًا، وأمرًا، وزجرًا، وذلك أنه أعلم القوم أنه بصير بجميع أعمالهم؛ ليجدّوا في طاعته - إذ كان ذلك مُدَّخرًا لهم عنده حتى يثيبهم [¬٦] عليه، كما قال تعالى: ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ وليحذروا معصيته.\nقال: وأما قوله: ﴿بَصِيرٌ﴾ فإنه مبصر، صُرف إلى \"بصير\" كما صرف مُبْدع إلى \"بديع\"، ومؤلم إلى \"أليم\"، [والله أعلم] [¬٧].\nوقال ابن أبي حاتم (^٦٦٦): حدثنا أبو زرعة، حدثنا ابن بكير، حدثني ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير، عن عقبة بن عامر، قال: رأيت رسول الله، صلى الله عليه رسلم [يفسر في] [¬٨] هذه الآية: ﴿سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾، يقول: بكل شيء بصير.\n﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إلا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١١١) بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١١٢) وَقَالتِ\n_________\n(^٦٦٦) - في إسناده ضعف من أجل ابن لهيعة، والحديث في تفسير ابن أبي حاتم (١/ ٣٣٦).\n_________\n[¬١]- في خ: \"يحث\".\n[¬٢]- في خ: \"إقام\".\n[¬٣]- في خ: \"يعملون\".\n[¬٤]- \"يعملون\".\n[¬٥]- سقط من: خ.\n[¬٦]- في خ: \"يثبتهم\".\n[¬٧]- سقط من: خ.\n[¬٨]- في ابن أبي حاتم: يقتري.","vol":"2","page":20},{"text":"الْيَهُودُ لَيسَتِ النَّصَارَي عَلَي شَيءٍ وَقَالتِ النَّصَارَي لَيسَتِ الْيَهُودُ عَلَي شَيءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَال الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَينَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١١٣)﴾\nيبين تعالي اغترار اليهود والنصاري بما هم فيه؛ حيث ادّعت كل طائفة من اليهود والنصاري: أنه لن يدخل الجنة إلا من كان على ملتها، كما أخبر الله عنهم في سورة المائدة أنهم قالوا: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾. فأكذبهم الله تعالى بما أخبرهم أنه معذبهم [¬١] بذنوبهم، ولو كانوا كما ادّعوا لما كان الأمر كذلك، وكما تقدّم من دعواهم: أنه لن تمسهم النار إلا أيامًا معدودة، ثم ينتقلون إلي الجنة، وردّ عليهم تعالي في ذلك، وهكذا قال لهم في هذه الدعوى التي ادّعَوْها [¬٢] بلا دليل، ولا حجة، ولا بينة فقال: ﴿تلك أمانيهم﴾.\nوقال أبو العالية: أماني: تمنَّوْها علي الله بغير حق. وكذا قال قتادة، والربيع بن أنس.\nثم قال تعالى: ﴿قل﴾ أي: يا محمد، ﴿هاتوا برهانكم﴾.\nقال أبو العالية، ومجاهد، والسدي، والربيع بن أنس: حجتكم. وقال قتادة: بيِّنتكم علي ذلك ﴿إن كنتم صادقين﴾ أي [¬٣] فيما [¬٤] تدعونه.\nثم قال تعالى: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ أي: من أخلص العمل لله وحده لا شريك له، كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾. الآية.\nوقال أبو العالية والربيع: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾. يقول: من أخلص لله.\nوقال سعيد بن جبير: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾: أخلص ﴿وجهه﴾، قال: دينه ﴿وهو محسن﴾ أي: متبع [¬٥]، فيه الرسولَ، ﷺ، فإن للعمل المتقبل شرطين: أحدَهما [¬٦] أن يكون خالصًا لله وحده، والآخر: أن يكون صوابًا موافقًا للشريعة، فمتي كان خالصًا، ولم يكن صوابًا لم يتقبل؛ ولهذا قال [رسول الله] [¬٧] ﷺ: \"من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو ردّ\" رواه مسلم من حديث عائشة، عنه، ﵊.\n_________\n[¬١]- في خ: \"يعذبهم\".\n[¬٢]- في خ: \"ادعو\".\n[¬٣]- سقط من: خ.\n[¬٤]- في ز، خ: كما.\n[¬٥]- في ت: \"يتبع\".\n[¬٦]- مكررة في خ.\n[¬٧]- سقط من: خ.","vol":"2","page":21},{"text":"فعمل الرهبان ومن شابههم، وإن فرض أنهم مخلصون [¬١] فيه لله، فإنه لا يتقبل منهم حتى يكون ذلك متابعًا للرسول، ﷺ، المبعوث إليهم والي الناس كافة، وفيهم وأمثالهم قال الله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (٢٣)﴾، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيئًا﴾ و[قال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ (٢) عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ (٣) تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً (٤) تُسْقَى مِنْ عَينٍ آنِيَةٍ (٥)﴾] [¬٢]. وروي عن أمير المؤمنين عمر، ﵁، أنه تأوّلها في الرهبان كما سيأتي.\nوأما إن كان العمل موافقًا للشريعة في الصورة الظاهرة، ولكن لم يخلص عامله القصد لله تعالى فهو أيضًا مردود على فاعله، وهذا حال [المرائين والمنافقين] كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إلا قَلِيلًا (١٤٢)﴾ وقال تعالى: ﴿فَوَيلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥) الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (٦) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ (٧)﴾ ولهذا قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ وقال في هذه الآية الكريمة: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾.\nوقوله: ﴿فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ ضَمِن لهم تعالي علي ذلك تحصيل الأجور، وآمنهم مما يخافون من المحذور فـ: ﴿وَلَا خَوْفٌ عَلَيهِمْ﴾ فيما يستقبلونه، ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ علي ما مضى مما يتركونه. كما قال سعيد بن جبير فـ: ﴿لَا خَوْفٌ عَلَيهِمْ﴾ يعني في الآخرة ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يعني: لا يحزنون] [¬٣] للموت.\nوقوله تعالى: ﴿وَقَالتِ الْيَهُودُ لَيسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيءٍ وَقَالتِ النَّصَارَى لَيسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾ يبين [¬٤] به تعالي تناقضَهُم، وتباغضَهُم، وتعاديهم، وتعاندهم، كما قال محمد بن إسحاق (^٦٦٧): حدّثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة -أو سعيد بن جبير- عن ابن عباس قال: لما قدم أهل نجران من النصاري علي رسول الله ﷺ، أتتهم أحبار يهود فتنازعوا عند رسول الله ﷺ، فقال رافع بن حُرَيملة: ما أنتم علي شيء، وكَفَرَ بعيسى وبالإنجيل، وقال رجل من أهل نجران من النصاري لليهود: ما أنتم علي شيء وجَحَدَ بنبوّة موسى، وكفر بالتوراة. فأنزل الله تعالى\n_________\n(^٦٦٧) - إسناده ضعيف، ورواه ابن جرير ١٨١١ - (٢/ ٥١٣).\n_________\n[¬١]- \" يخلصون\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٤]- في ت: \"بين\".","vol":"2","page":22},{"text":"في ذلك من قولهما: ﴿وَقَالتِ الْيَهُودُ لَيسَتِ النَّصَارَي عَلَي شَيءٍ وَقَالتِ النَّصَارَي لَيسَتِ الْيَهُودُ عَلَي شَيءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾ قال: إن كلًّا يتلو في كتابه تصديق من كفر به، أي: يكفر اليهود بعيسى وعندهم التوراة، فيها ما أخذ الله عليهم علي لسان موسى بالتصديق بعيسى، وفي الإنجيل ما جاء به عيسى بتصديق موسى، وما جاء به [¬١] من التوراة من عند الله، وكل [¬٢] يكفر بما في يد [¬٣] صاحبه.\nوقال مجاهد في تفسير هذه الآية: قد كانت أوائل اليهود والنصاري علي شيء.\nوقال قتادة: ﴿وَقَالتِ الْيَهُودُ لَيسَتِ النَّصَارَي عَلَي شَيءٍ﴾ قال: بلي [¬٤] قد كانت أوائل النصاري علي شيء، ولكنهم ابتدعوا وتفرقوا. ﴿وَقَالتِ النَّصَارَي لَيسَتِ الْيَهُودُ عَلَي شَيءٍ﴾ قال: بلي [¬٥]، قد كانت أوائل اليهود علي شيء، ولكنهم ابتدعوا وتفرّقوا.\nوعنه رواية أخرى؛ كقول أبي العالية، والربيع بن أنس في تفسير هذه الآية: ﴿وَقَالتِ الْيَهُودُ لَيسَتِ النَّصَارَي عَلَي شَيءٍ وَقَالتِ النَّصَارَي لَيسَتِ الْيَهُودُ عَلَي شَيءٍ﴾. هؤلاء أهل الكتاب الذين كانوا علي عهد رسول الله- ﷺ وهذا القول يقتضي أن كلًّا من الطائفتين صدقت فيما رمت به الطائفة الأخرى، ولكن ظاهر سياق الآية يقتضي ذمهم فيما قالوه مع [¬٦] علمهم بخلاف ذلك. ولهذا قال تعالى: ﴿وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾ أي: وهم يعلمون أن [¬٧] شريعة التوراة والإنجيل، كل منهما قد كانت مشروعة في وقت، ولكنهم [¬٨] تجاحدوا فيما بينهم عنادًا، وكفرًا، ومقابلة للفاسد بالفاسد، كما تقدم عن ابن عباس، ومجاهد، وقتادة في الرواية الأولى عنه في تفسيرها، والله أعلم.\nوقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ قَال الَّذِينَ [] [¬٩] لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾ يبيِّن [¬١٠]، بهذا جهل اليهود، والنصارى فيما تقابلوا به من القول، وهذا من باب [الإيماء والإشارة] [¬١١] وقد اخْتُلف فيمن عُني بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [فقال الربيع بن أنس، وقتادة ﴿كَذَلِكَ قَال الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾. قالا: قالت النصاري مثل قول اليهود وقيلهم] [¬١٢].\n_________\n[¬١]- زيادة من: خ.\n[¬٢]- في خ: \"وكفر\".\n[¬٣]- في خ: \"يدي\".\n[¬٤]- في ز، خ: \"بل\".\n[¬٥]- في ز، خ: \"بل\".\n[¬٦]- في ت: من.\n[¬٧]- زيادة من: خ.\n[¬٨]- في ز، خ: \"ولكن\".\n[¬٩]- في ز، من قبلهم.\n[¬١٠]- في ت: \"بين\".\n[¬١١]- ما بين المعكوفتين في خ: \"الإيمان والإسارة\".\n[¬١٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.","vol":"2","page":23},{"text":"وقال ابن جريج: قلت لعطاء: من هؤلاء الذين لا يعلمون؟ قال: أم كانت قبل اليهود والنصاري وقبل التوراة والإنجيل.\nوقال السدي: ﴿كَذَلِكَ قَال الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ فهم العرب، قالوا: ليس محمد علي شيء.\nواختار أبو جعفر بن جرير أنها عامّة تصلح للجميع، وليس ثم دليل قاطع يعين واحدًا من هذه الأقوال، والحمل علي الجميع أولى، والله أعلم.\nوقوله تعالى: ﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَينَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ أي: إنه تعالى يجمع بينهم يوم المعاد، ويفصل بينهم بقضائه العدل الذي لا يجور فيه، ولا يظلم مثقال ذرّة. وهذه الآية كقوله تعالى في سورة الحج: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَينَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ شَهِيدٌ (١٧)﴾، وكما قال تعالى: ﴿قُلْ يَجْمَعُ بَينَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَينَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ (٢٦)﴾.\n﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إلا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١١٤)﴾\nاختلف المفسرون في المراد من الذين منعوا مساجد الله وسَعَوا في خرابها علي قولين:\n(أحدِهما): ما رواه العوفي في تفسيره، عن ابن عباس (^٦٦٨) في قوله: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ قال: هم النصاري.\nوقال مجاهد: هم النصاري. كانوا يطرحون في بيت المقدس الأذي، ويمنعون الناس أن يصلوا فيه.\nوقال عبد الرزاق (^٦٦٩)، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: ﴿وَسَعَى فِي خَرَابِهَا﴾ قال: هو بُخْتنَصّر وأصحابه، خرّب بيت المقدس، وأعانه علي ذلك النصاري.\nوقال سعيد، عن قتادة: قال: أولئك أعداء الله النصاري، حملهم بغض اليهود علي أن أعانوا بختنَصّر البابلي المجوسي علي تخريب بيت المقدس.\n_________\n(^٦٦٨) - إسناده ضعف جدًّا، ورواه ابن جرير ١٨٢٠ - (٢/ ٥٢٠).\n(^٦٦٩) - رواه ابن جرير برقم ١٨٢٤ - (٢/ ٥٢٠).","vol":"2","page":24},{"text":"وقال السدّي: كانوا ظاهروا بختنصر على خراب بيت المقدس حتى خربه، وأمر به أن تطرح فيه الجيف، وإنما أعانه الروم علي خرابه من أجل أن بني إسرائيل قتلوا يحيى بن زكريا.\nوروي نحوه عن الحسن البصري.\n(القول الثاني) ما رواه ابن جرير (^٦٧٠): حدثني يونس بن عبد الأعلى، حدثنا [¬١] ابن وهب قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا﴾ قال: هؤلاء المشركون الذين [¬٢] حالوا بين رسول الله ﷺ يوم الحديبية وبين أن يدخل مكة حتى نحر هديه بذي طُوَي وهادنهم، وقال لهم: \"ما كان أحد يَصُدّ عن هذا البيت، وقد كان الرجل يلقي قاتل أبيه وأخيه فلا يصدّه\"، فقالوا: لا يدخل علينا من قتل آباءنا يوم بدر وفينا باق.\nوفي قوله: ﴿وَسَعَى فِي خَرَابِهَا﴾ قال: إذ قطعوا من يعمرها بذكره، ويأتيها للحج والعمرة.\nوقال ابن أبي حاتم (^٦٧١): ذكر عن سلمة: قال: قال محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة -أو سعيد بن جبير- عن ابن عباس أن قريشًا منعوا النبي، ﷺ، الصلاة عند الكعبة في المسجد الحرام، فأنزل الله: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾.\nثم اختار ابن جرير القول الأول، واحتج بأن قريشًا لم تسع في خراب الكعبة، وأما الروم فسعوا في تخريب بيت المقدس.\n(قلت): والذي يظهر -والله أعلم- القول الثاني، كما قاله ابن زيد. وروي عن ابن عباس؛ لأن النصاري إذا منعت اليهود الصلاة في البيت المقدس؛ كان دينهم أقوم من دين اليهود، وكانوا أقرب منهم، ولم يكن ذكر الله من اليهود مقبولًا إذ ذاك؛ لأنهم لُعنوا من قبل على لسان داود وعيسي بن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون.\nوأيضًا فإنه تعالي لما وجه الذم في حق اليهود والنصاري، شرع في ذم المشركين الذين أخرجوا الرسول، ﷺ، وأصحابه من مكة، ومنعوهم من الصلاة في المسجد الحرام، وأما اعتماده علي أن قريشًا لم تسع في خراب الكعبة، فأي خراب أعظم مما فعلوا؟ أخرجوا عنها رسول الله، ﷺ، وأصحابه، واستحوذوا عليها بأصنامهم، وأندادهم،\n_________\n(^٦٧٠) - رواه ابن جرير برقم ١٨٢٦ - (٢/ ٥٢١).\n(^٦٧١) - ابن أبي حاتم رقم ١١١٧ - (١/ ٣٤١).\n_________\n[¬١] في خ: \"أخبرنا\".\n[¬٢]- في خ: \"حين\".","vol":"2","page":25},{"text":"وشركهم، كما قال تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إلا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٣٤)﴾ وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَي أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ (١٧) إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَي الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إلا اللَّهَ فَعَسَي أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾. وقال تعالى: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾. فقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَي الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إلا اللَّهَ﴾ فإذا كان من هو كذلك مطرودًا منها مصدودًا عنها، فأي خراب لها أعظم من ذلك؟ وليس المراد بعمارتها زخرفتها، وإقامة صورتها فقط؛ إنما عمارتها بذكر الله فيها، وإقامة شرعه فيها، ررفعها عن الدنس والشرك.\nوقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إلا خَائِفِينَ﴾ هذا خبر معناه: الطلب، أي: لا تُمَكِّنوُا هؤلاء - إذا قدرتم عليهم - من دخولها إلا تحت الهدنة والجزية؛ ولهذا لما فتح رسول الله، ﷺ، مكة أمر من العام القابل في سنة تسع أن ينادي برحاب مِنَى: \"ألا لا يحجن بعد العام مشرك، ولا يطوفن بالبيت عُريان، ومن كان له أجل فأجله إلي مدته\" (^٦٧٢) وهذا كان تصديقًا، وعملًا بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ الآية. [¬١] قال بعضهم: ما كان ينبغي لهم أن يدخلوا مساجد الله إلا خائفين علي حال التهيب، رارتعاد الفرائص من المؤمنين أن يبطشوا بهم فضلًا أن يستولوا عليها، ويمنعوا المؤمنين منها.\nوالمعنى: ما كان الحق والواجب إلا ذلك لولا ظلم الكفرة وغيرهم.\nوقيل: أن هذا بشارة من الله للمسلمين: أنه سيُظْهرُهم علي المسجد الحرام، وعلى سائر المساجد، وأنه يذل المشركين لهم؛ حتى لا يدخل [¬٢] المسجد الحرام أحد منهم إلا خائفًا، يخاف أن يؤخذ فيعاقب، أو يُقتل أن لم يسلم، وقد أنجز الله هذا الوعد كما تقدم من منع المشركين من دخول [المسجد الحرام] [¬٣]، وأوصى رسول الله ﷺ أن لا يبقى بجزيرة العرب دينان، وأن يجلي اليهود والنصاري منها ولله الحمد والمنة.\n_________\n(^٦٧٢) - رواه الترمذي في تفسير القرآن، باب: ومن سورة التوبة، من حديث ابن عباس حديث ٣٠٩١، وقال: حسن غريب من حديث ابن عباس، ومن حديث علي حديث ٣٠٩٢ وقال: حسن صحيح.\n_________\n[¬١]- زيادة من: خ.\n[¬٢]- في خ: \"يدخلوا\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في خ: \"الحرم\".","vol":"2","page":26},{"text":"وما ذاك إلا لتشريف أكناف المسجد الحرام، وتطهير البقعة التي بعث الله فيها رسوله إلى الناس كافة بشيرًا ونذيرًا صلوات الله وسلامه [¬١] عليه.\nوهذا هو الخزي لهم في الدنيا؛ لأن الجزاء من جنس العمل، فكما صدوا المؤمنين عن المسجد الحرام صُدوا عنه، وكما أجلوهم من مكة [أجلوا عنها] [¬٢].\n﴿وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ على ما انتهكوا من حرمة البيت، وامتهنوه من نصب الأصنام حوله، ودعاء غير الله عنده والطواف به عُرْيًا، وغير ذلك من أفاعيلهم التي يكرهها الله ورسوله ﷺ.\nوأمّا من فسر بيت القدس فقال كعب الأحبار: إن النصارى لما ظهروا علي بيت المقدس خَرَّبوه، فلما بعث الله محمدًا، ﷺ، أنزل عليه: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إلا خَائِفِينَ﴾. الآية، فليس في الأرض نصراني يدخل بيت المقدس إلا خائفًا، وقال السدي: فليس في الأرض رومي يدخله اليوم إلا وهو خائف أن تُضْرَبَ [¬٣] عُنُقُه، أو قد أخيف بأداء الجزية فهو يؤديها.\nوقال قتادة: لا يدخلون المساجد إلا مسارقة.\nقلت: وهذا لا ينفي أن يكون داخلًا في معنى عموم الآية؛ فإن النصارى لما ظلموا بيت المقدس، بامتهان الصخرة التي كانت تصلي إليها اليهود، عُوقبوا شرعًا وقَدَرًا بالذلة فيه، إلا في أحيان من الدهر امتحن [¬٤] بهم بيت القدس. وكذلك اليهودُ لما عَصَوا الله فيه أيضًا أعظمَ من عصيان النصارى كانت عقوبتهم أعظمَ، والله أعلم.\nوفسر هؤلاء الخزي في الدنيا بخروج المهدي، عند السدي، وعكرمة، ووائل بن داود. وفسره قتادة بأداء الجزية عن يد وهم صاغرون.\nوالصحيح أن الخزي في الدنيا أعم من ذلك كله.\nوقد ورد الحديث بالاستعاذة من خزي الدنيا وعذاب الآخرة، كما قال الإمام أحمد (^٦٧٣): حدثنا الهيثم بن خارجة، حدثنا محمد بن أيوب بن ميسرة بن حَلْبَس، سمعت أبي يحدث عن\n_________\n(^٦٧٣) - بسر بن أرطأة، ويقال: ابن أبي أرطأة، قال الحافظ المزي: حديث بسر بن أبي أرطاة عن النبي ﷺ، وقيل: لم يسمع منه. وقال الحافظ: من صغار الصحابة. قال المنذري: =\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- في خ: \"أجلوهم منها\".\n[¬٣]- في ت: \"يضرب\".\n[¬٤]- في خ: \"اشتحن\".","vol":"2","page":27},{"text":"بُشْر [¬١] بن أرطاة قال: كان رسول الله ﷺ، يدعو: \"اللَّهم؛ أحسن عاقبتنا في الأمور كلها، وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة\".\nوهذا حديث حسن، وليس في شيء من الكتب الستة، وليس لصحابيَّه؛ وهو بُسْر [¬٢] بن أرطاة، حديث سواه، وسوي حديث: \"لا تقطع الأيدي في الغزو [¬٣] \" (^٦٧٤).\n﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَينَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (١١٥)﴾\nوهذا -والله أعلم- فيه تسلية للرسول ﷺ وأصحابه الذين أخرجوا من مكة، وفارقوا مسجدهم، ومُصَلَّاهم، وقد كان رسول الله ﷺ يصلي بمكة إلى بيت\n_________\n= قرشي عامري كنيته أبو عبد الرحمن اختلف في صحبته، وقيل: له صحبة، وقيل: لا صحبة له، وإن\nمولده قبل وفاة النبي، ﷺ، بسنتين وله أخبار مشهورة، وكان يحيى بن معين لا يحسن\nالثناء عليه وهذا يدل على أنه لا صحبة له، وغمزه الدارقطني. والله ﷿ أعلم. ا هـ كلامه رحمه\nالله. ومحمد بن أيوب بن ميسرة بن حلبس: قال الحافظ في التعجيل: صالح لا بأس له، ليس بمشهور.\nقال: وأورده النباتي في الضعفاء في ذيل الكامل، قال الذهبي في الميزان: وما فيه مغمز -أي مطعن- ا هـ. ولعل مستند النباتي قول أبي حاتم: ليس بمشهور، ففهم من ذلك أنه عند أبي حاتم مجهول، وليس كذلك، بل مراد أبي حاتم أنه لم يشتهر في العلم اشتهار غيره من أقرانه، مثل سعيد بن عبد العزيز وأنظاره، وقد ذكره ابن حبان في الثقات (٧/ ٣٨٥، ٤٣٢) في الطبقة الثالثة، وقال: كنيته أبو بكر. وأيوب بن ميسرة: وثقه ابن حبان. قال ابن حجر: لم يذكر ابن عساكر في الرواة عنه إلا ابنه محمدًا، والهيثم بن عمران. قال البخاري: كان أكبر من أخيه يونس. وكذا قال أبو مسهر نحوه وزاد: وكان أفقه، وكان يفتي في الحلال والحرام. نقله العلائي في تاريخه عنه. والحديث في المسند برقم ١٧٦٧٩ - (٤/ ١٨١)، والحديث أخرجه ابن حبان كما في الموارد (٢٤٢٤)، (٢٤٢٥)، والطبراني في الكبير (٢/ ٣٣) حديث (١١٩٦) - (١١٩٨)، والبخاري في التاريخ الكبير (١/ ٣٠)، وابن عدي في الكامل (٢/ ٤٣٨)، والحاكم في المستدرك (٣/ ٥٩١) من حديث بكر بن سهل الدمياطي، ثنا محمد بن المبارك الصوري، ثنا إبراهيم بن أبي شيبان، حدثني يزيد بن عبيدة بن أبي المهاجر، حدثني يزيد مولى بسر، به. وذكره الهيثمي (١٠/ ١٧٨) وقال: رواه أحمد والطبراني، ورجال أحمد ثقات.\n(^٦٧٤) - الحديث رواه أبو داود في كتاب الحدود، باب: في الرجل يسرق في الغزو يقطع حديث (٤٤٠٨)، والترمذي في الحدود، باب: ما جاء أن لا يقطع الأيدي في الغزو حديث ١٤٥٠. وقال أبو عيسى: حديث غريب. ورواه النسائي في كتاب قطع السارق، باب: القطع في السفر بلفظ: \"لا تقطع الأيدي في السفر\". (٩١/ ٨). ورواه أحمد برقم ١٧٦٧٧، ١٧٦٧٨ - (٤/ ١٨١) والطبراني في الكبير (٢/ ٣٣) حديث (١١٩٥) وقوي إسناده ابن حجر في الإصابة (١/ ٢٤٣ - ٢٤٤).\n_________\n[¬١] في خ: \"بشر\".\n[¬٢]- في خ: \"بشر\".\n[¬٣]- في خ: \"الفرر\".","vol":"2","page":28},{"text":"المقدس والكعبةُ بين يديه، فلما قدم المدينة وَجَّه (^٦٧٥) إلي بيت المقدس ستة عشر شهرًا، أو سبعة عشر شهرًا، ثم صرفه الله الي الكعبة بَعْدُ، ولهذا يقول تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَينَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾.\nقال أبو عبيد القاسم بن سلام (^٦٧٦) في كتاب \"الناسخ والمنسوخ\": حدثنا حجاج بن محمد، أخبرنا ابن جريج، وعثمان بن عطاء، عن عطاء، عن ابن عباس؛ قال: أول ما نسخ لنا من القرآن فيما ذكر لنا -والله أعلم- شأنُ القبلة، قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَينَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ فاستقبل رسول الله ﷺ فصلى نحو بيت المقدس، وترك البيت العتيق، ثم [صرفه الله إلي بيته العتيق ونسخها] [¬١]. فقال: ﴿وَمِنْ حَيثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾.\nوقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: كان أول ما نسخ من القرآن القبلة. وذلك أن رسول الله، ﷺ، لما هاجر إلي المدينة -وكان أهلها اليهود- أمره الله أن يستقبل بيت المقدس؛ ففرحت اليهود، فاستقبلها رسول الله، ﷺ، بضعةَ عَشَرَ شهرًا، وكان رسول الله، ﷺ، يحب قبلة إبراهيم، فكان يدعو وينظر إلى السماء، فأنزل الله ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ إلي قوله: ﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ فارتاب من ذلك اليهود، وقالوا: ﴿مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيهَا﴾ [فأنزل الله] [¬٢]: ﴿قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ وقال: ﴿فَأَينَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾.\nوقال عكرمة، عن ابن عباس: ﴿فَأَينَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾، قال: قبلة الله أينما توجهت شرقًا أو غربًا. وقال مجاهد: ﴿فَأَينَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ حيثما كنتم فلكم قبلة تستقبلونها: الكعبة.\n_________\n(^٦٧٥) - وَجَّه إلى الشيء: توجه، بمعنى وجهه إليه.\n(^٦٧٦) - الناسخ والمنسوخ رقم (٢١)، ورواه ابن أبي حاتم في تفسيره (١/ ٣٤٦) من طريق حجاج بن محمد به، ورواه الحاكم في المستدرك (٢/ ٢٦٧) من طريق ابن جريج، عن عطاء، به. وقال: \"هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه بهذا السياق\".\nنقول: عطاء هو الخراساني -كما هو موجود في الناسخ والمنسوخ- وعطاء الخراساني: لم يسمع من ابن عباس- العلائي ص ٢٣٨ - وقال يحيى بن سعيد: ابن جريج، عن عطاء الخراساني: ضعيف، إنما هو كتاب دفعه إليه- العلائي ص ٢٣٠ - وابن جريج متابع من عثمان بن عطاء إلا أن عثمان ضعيف.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ز هكذا: صرفه الله إلى البيت العتيق، ونسخها وصرفه إلي البيت العتيق.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.","vol":"2","page":29},{"text":"وقال ابن أبي حاتم (^٦٧٧) بعد رواية الأثر المتقدم، عن ابن عباس في نسخ القبلة، عن عطاء، عنه: وروي عن أبي العالية، والحسن، وعطاء الخراساني، وعكرمة، وقتادة، والسدي، وزيد بن أسلم نحو ذلك.\nوقال ابن جرير (^٦٧٨): وقال آخرون: بل أنزل الله هذه الآية قبل أن يفرض التوجه إلي الكعبة، وإنما أنزلها تعالى، ليعلم نبيه- ﷺ وأصحابه أن لهم التوجه بوجوههم للصلاة حيث شاءوا من نواحي المشرق والمغرب؛ لأنهم لا يوجهون وجوههم وجهًا من ذلك، وناحية إلّا كان جلَّ ثناؤه في ذلك الوجه وتلك الناحية؛ لأن له تعالى المشارق والمغارب، وأنه لا يخلو منه مكان، كما قال تعالى: ﴿[ولا أدنى من ذلك] [¬١] ولا أكثر إلا هو معهم أينما كانوا﴾ قالوا: ثم نسخ ذلك بالفرض الذي فَرَضَ عليهم التوجُّهَ إلي المسجد الحرام، هكذا قال:\nوفي قوله: \"وأنه تعالى لا يخلو منه مكان\" إن أراد علمه تعالى، فصحيح، فإن علمه، تعالى محيط بجميع المعلومات، وأما ذاته تعالى فلا تكون محصورة في شي من خلقه، تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا.\nقال ابن جرير (^٦٧٩): وقال آخرون: بل نزلت هذه الآية علي رسول الله- ﷺ إذنًا من الله أن يصلي [المتطوع] حيث توجه من شرق أو غرب، في مسيره في سفره، وفي حال المسايفة وشدة الخوف.\nحدثنا أبو كريب، حدثنا ابن إدريس، حدَّثنا عبد الملك -هو ابن أبي سليمان- عن سعيد بن جبير، عن ابن عمر: أنه كان يصلي حيث توجهت به راحلته ويذكر أن رسول الله ﷺ، كان يفعل ذلك، ويتأول هذه الآية ﴿فَأَينَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾.\nورواه مسلم (^٦٨٠)، والترمذي، والنسائي، وابن أبي حاتم، وابن مردويه من طرق، عن عبد الملك بن أبي سليمان، به.\nوأصله في الصحيحين (^٦٨١) من حديث ابن عمر، وعامر بن ربيعة، من غير ذكر الآية.\n_________\n(^٦٧٧) - ابن أبي حاتم (١/ ٣٤٦).\n(^٦٧٨) - تفسير ابن جرير (٢/ ٥٢٨).\n(^٦٧٩) - تفسير ابن جرير (٢/ ٥٣٠).\n(^٦٨٠) - رواه مسلم في صلاة المسافرين وقصرها برقم (٧٠٠)، والترمذي في تفسير القرآن برقم (٢٩٥٨) وسنن النسائي في الصلاة (٢٤٤/ ١)، وتفسير ابن أبي حاتم (١/ ٣٤٤).\n(^٦٨١) - رواه البخاري في تقصير الصلاة، باب: صلاة التطوع على الدواب، وباب: الإيماء على الدابة برقم (١٠٩٣، و١٠٩٧)، ومسلم في صلاة المسافرين وقصرها برقم ٤٠ - (٧٠١).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.","vol":"2","page":30},{"text":"وفي صحيح البخاري (^٦٨٢) من حديث نافع، عن ابن عمر: أنه كان إذا سئل عن صلاة الخوف وصفها ثم قال: فإن كان خوف أشد من ذلك صلوا رجالًا قيامًا على أقدامهم، وركبانًا مستقبلي القبلة وغير مستقبليها.\nقال نافع: ولا أرى ابن عمر ذكر ذلك إلا عن النبي، ﷺ.\n[مسألة: ولم يفرق الشافعي -في المشهور عنه- بين سفر المسافة، وسفر العدو، فالجميع عنه يجوز التطوع فيه على الراحلة، وهو قول أبي حنيفة خلافًا لمالك وجماعته، واختار أبو يوسف وأبو سعيد الإصطخري التطوع على الدابة في المصر، وحكاه أبو يوسف، عن أنس بن مالك ﵁ واختاره أبو جعفر الطبري، حتى للماشي أيضًا] [¬١].\nقال ابن جرير: وقال آخرون: بل نزلت هذه الآية في قوم عُمِّيَتْ عليهم القبلة، فلم يعرفوا شَطْرها، فصلوا على أنحاء مختلفة فقال الله تعالى: لي المشارق والمغارب فأنى [¬٢] وليتم وجوهكم فهنالك وجهي، وهو قبلتكم- فيعلمكم [¬٣] بذلك أن صلاتكم ماضية.\nحدَّثنا (^٦٨٣) أحمد بن إسحاق الأهوازي، حدثنا أبو أحمد الزبيري، حدثنا أبو الربيع السمان، عن عاصم بن عبيد الله، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة، عن أبيه قال: كنا مع رسول الله، ﷺ، في ليلة سوداء مظلمة، فنزلنا منزلًا، فجعل الرجلُ يأخذ الأحجارَ، فيعمل مسجدًا يصلي فيه. فلما أصبحنا إذا نحن قد صلينا إلى غير القبلة، فقلنا: يا رسول الله! لقد صلينا ليلتنا هذه لغير القبلة، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَينَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ الآية.\nثم رواه (^٦٨٤) عن سفيان بن وكيع، عن أبيه، عن أبي الربيع السمان، بنحوه.\nورواه الترمذي (^٦٨٥) عن محمود بن غيلان، عن وكيع. وابن ماجه، عن يحيى بن حكيم، عن أبي داود، عن أبي [¬٤] الربيع السمان.\n_________\n(^٦٨٢) - رواه البخاري في كتاب التفسير، باب: وقوموا لله قانتين برقم (٤٥٣٥).\n(^٦٨٣) - إسناده ضعيف، لضعف عاصم بن عبيد الله، رواه ابن جرير ١٨٤١ - (٢/ ٥٣١).\n(^٦٨٤) - ابن جرير ١٨٤٣ - (٢/ ٥٣٢).\n(^٦٨٥) - ضعيف، والحديث في سنن الترمذي في أبواب الصلاة، باب: ما جاء في الرجل يصلي لغير القبلة برقم (٣٤٥)، وفي التفسير برقم (٢٩٦٠) وعند ابن ماجة في إقامة الصلاة، باب: من يصلي لغير القبلة وهو لا يعلم برقم (١٠٢٠).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في خ: \"فأنى\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"فعليكم\".\n[¬٤]- سقط من: خ.","vol":"2","page":31},{"text":"ورواه ابن أبي حاتم (^٦٨٦)، عن الحسن بن محمد بن الصباح، عن سعيد بن سليمان، عن أبي الربيع السمان: واسمه أشعث بن سعيد البصري- وهو ضعيف الحديث.\nوقال الترمذي: هذا حديث حسن [¬١]. ليس إسناده بذاك، ولا نعرفه إلا من حديث أشعث السمان، وأشعث يُضَعَّف في الحديث.\nقلت: وشيخه عاصم أيضًا ضعيف.\nقال البخاري: منكر الحديث. وقال ابن معين: ضعيف لا يحتج به. وقال ابن حبان: متروك، والله أعلم.\nوقد رُوي من طريق أخرى عن جابر.\nوقال الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسير هذه الآية: حدثنا إسماعيل بن علي بن إسماعيل، حدثنا الحسن بن علي بن شبيب، حدثني أحمد بن عبد الله بن الحسن، قال: وجدت في كتاب أبي: حدثنا عبد الملك العرزمي، عن عطاء، عن جابر قال: بَعَث رسولُ الله ﷺ سَريَّة كنت فيها، فأصابتنا ظلمة فلم نعرف القبلة، فقالت طائفة منا: قد عرفنا القبلة، هي هاهنا قِبل الشمال فصلوا وخطوا خطوطًا، فلما أصبحوا وطلعت الشمس أصبحت تلك المخطوط لغير القبلة. فلما قفلنا من سفرنا سألْنَا النبيَّ، ﷺ، فسكت، وأنزل الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَينَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾.\nثم رواه من حديث محمد بن عبيد الله العَرزَمي، عن عطاء، عن جابر، به (^٦٨٧).\nوقال الدارقطني: قرئ على عبد الله بن عبد العزيز -وأنا أسمع- حدثكم داود بن عمرو، حدثنا محمد بن يزيد الواسطي، عن محمد بن سالم، عن عطاء، عن جابر قال: كنا مع رسول الله، ﷺ، في مسير فأصابنا غيم، فتحيرنا، فاختلفنا في القبلة: فصلى كل رجل [¬٢] منا على حدة، وجعل أحدنا يخط بين يديه؛ لنعلم أمكنتنا، فذكرنا ذلك للنبي، ﷺ، فلم يأمرنا بالإعادة، وقال: قد أجزأت صلاتكم.\n_________\n(^٦٨٦) - ضعيف، والحديث في تفسير ابن أبي حاتم (١/ ٣٤٤).\n(^٦٨٧) - ضعيف، ورواه الدارقطني في السنن (١/ ٢٧١) من طريق إسماعيل بن علي، عن الحسن بن علي بن شبيب، به، ورواه البيهقي في السنن الكبرى (٢/ ١٢) من طريق محمد بن الحارث، عن أحمد بن عبيد الله قال: وجدت في كتاب أبي فذكر مثله، ورواه أيضًا (٢/ ١٠) من طريق محمد بن عبيد الواسطي، عن محمد بن عبيد الله العرزمي، عن عطاء، به.\n_________\n[¬١]- في الترمذي: حسن غريب.\n[¬٢]- زيادة من: خ.","vol":"2","page":32},{"text":"ثم قال الدارقطني: كذا قال: عن محمد بن سالم. وقال غيره: عن محمد بن [عبيد الله] [¬١] العَرْزمي، عن عطاء، وهما ضعيفان (^٦٨٨).\nثم رواه ابن مردويه أيضًا من حديث الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس: أن رسول الله، ﷺ، بعث سَرِيَّة فأخذتهم ضبابة، فلم يهتدوا إلى القبلة، فصلوا لغير القبلة. ثم استبان لهم بعد ما طلعت الشمس أنهم صلوا لغير القبلة. فلما جاءوا إلى رسول الله، ﷺ، حدثوه، فأنزل الله تعالى هذه الآية: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَينَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾.\nوهذه الأسانيد فيها ضعف، ولعله يشدُّ بعضها بعضًا. وأما إعادة الصلاة لمن تبين له خطؤه ففيها قولان للعلماء، وهذه دلائل على عدم القضاء، والله أعلم.\nقال ابن جرير (^٦٨٩): وقال آخرون: بل نزلت هذه الآية في سبب النجاشي، كما حدثنا محمد بن بشار، حدثنا [هشام بن معاذ] [¬٢]، حدثني أبي، عن قتادة: أن النبي ﷺ قال: إن أخًا لكم قد مات فصلوا عليه. قالوا: نصلي على رجل ليس بمسلم؟. قال فنزلت: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ﴾، [قال قتادة] [¬٣] فقالوا: فإنه كان لا يصلي إلى القبلة فأنزل الله: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَينَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾.\nوهذا غريب والله أعلم.\n[وقد قيل: إنه كان يصلي إلى بيت المقدس قبل أن يبلغه الناسخ إلى الكعبة، كما حكاه القرطبي عن قتادة.\nوذكر القرطبي (^٦٩٠): أنه لما مات، صلى عليه رسول الله، ﷺ. فأخذ بذلك من ذهب إلى الصلاة على الغائب. قال: وهذا خاص عند أصحابنا من ثلاثة أوجه أحدها: أنه\n_________\n(^٦٨٨) - ضعيف، وهو في سنن الدارقطني (١/ ٢٧١) ورواه الحاكم في المستدرك (١/ ٢٠٦) من طريق داود بن عمرو، به، وقال: \"هذا حديث صحيح رواته كلهم ثقات غير محمد بن سالم فإني لا أعرفه بعدالة ولا جرح\". قال الذهبي: قلت: \"هو أبو سهل واه\".\n(^٦٨٩) - ضعيف لإرساله، والحديث في تفسير ابن جرير ١٨٤٤ - (٢/ ٥٣٢).\n(^٦٩٠) - تفسير القرطبي (٢/ ٨٢).\n_________\n[¬١]- في ت: \"عبد الله\".\n[¬٢]- في خ: \"معاذ بن هشام\".\n[¬٣]- مكرر في خ.","vol":"2","page":33},{"text":"﵇ شاهد حين [سُوِّي] عليه طويت له الأرض. والثاني: أنه لما لم يكن عنده من يصلي عليه، واختاره ابن العربي. قال القرطبي: ويبعد أن يكون ملك مسلم ليس عنده أحد من قومه على دينه، وقد أجاب ابن العربي عن هذا: لعلهم لم يكن عندهم شرعية الصلاة على الميت. وهذا جواب جيد. والثالث: أنه ﵊ إنما صلى عليه ليكون ذلك كالتأليف لبقية الملوك، والله أعلم] [¬١].\nوقد أورد الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسير هذه الآية من حديث أبي معشر، عن محمد بن عَمرو بن علقمة، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"ما بين المشرق والمغرب قبلة لأهل المدينة وأهل الشام، وأهل العراق\". وله مناسبة هاهنا.\nوقد أخرجه الترمذي (^٦٩١)، وابن ماجة من حديث أبي معشر -واسمه نجيح بن عبد الرحمن السّندي [¬٢] المدني- به: \"ما بين المشرق والمغرب قبلة\". وقال الترمذي: وقد روي من غير وجه عن أبي هريرة، وتكلم بعض أهل العلم في أبي معشر من قِبَلِ حفظِه.\nثم قال الترمذي: حدثني الحسن بن أبي بكر المروزي، حدثنا المعلي بن منصور، حدثنا عبد الله بن جعفر المخرمي [¬٣]، عن عثمان بن محمد [بن المغيرة الأخنسي] [¬٤]، عن سعيد [¬٥]، المقبري، عن أبي هريرة، ﵁، عن النبي، ﷺ، قال: \"ما بين المشرق والمغرب قبلة (^٦٩٢) \"، ثم قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وحُكِي عن البخاري أنه قال: هذا أقوى من حديث أبي معشر وأصح. قال الترمذي: وقد روي عن غير واحد من الصحابة: \"ما بين المشرق والمغرب قبلة\"- منهم عمر بن الخطاب (^٦٩٣)، وعلي، وابن عباس، ﵃، أجمعين. وقال ابن عمر: إذا جعلت المغرب عن يمينك والمشرق عن يسارك، فما بينهما قبلة، إذا استقبلت القبلة.\nثم قال ابن مردويه (^٦٩٤): حدثنا علي بن أحمد بن عبد الرحمن، حدثنا يعقوب بن [يوسف]\n_________\n(^٦٩١) - ضعيف، رواه الترمذي في أبواب الصلاة، باب: ما جاء في ابتداء القبلة، برقم (٣٤٢)، وابن ماجة في إقامة الصلاة، باب: القبلة برقم (١٠١١).\n(^٦٩٢) - رواه الترمذي في أبواب الصلاة، باب: ما جاء في ابتداء القبلة برقم (٣٤٤)،\n(^٦٩٣) - حديث عمر رواه مالك في الموطأ، في الصلاة، باب: ما جاء في القبلة، من حديث نافع عنه موقوفًا برقم ٤٦٠.\n(^٦٩٤) - رواه الدارقطني (١/ ٢٧٠) من طريق يعقوب بن يوسف، والبيهقي (٢/ ٩) والصواب وقفه.=\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٢]- في خ: \"السّدى\".\n[¬٣]- في خ: \"الخرمى\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٥]- في ت: أبي سعيد.","vol":"2","page":34},{"text":"مولى بني هاشم، حدثنا شعيب بن أيوب، حدثنا ابن نمير، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي، ﷺ، قال: \"ما بين المشرق والمغرب قبلة\".\nوقد رواه الدارقطني والبيهقي: وقال: المشهور عن ابن عمر، عن عمر، ﵄، قوله.\nقال ابن جرير (^٦٩٥): ويحتمل: فأينما تولوا وجوهكم في دعائكم لي فهنالك وجهي أستجيب لكم دعاءكم، كما حدثنا القاسم، حدثنا الحسين، حدثني حجاج، قال: قال ابن جريج: قال مجاهد لما نزلت: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ قالوا: إلى أين؟ فنزلت ﴿فَأَينَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾.\nقال ابن جرير (^٦٩٦): [ومعنى قوله] [¬١]: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ يسع خلقه كلهم بالكفاية والإفضال والجود [¬٢].\nوأما قوله: ﴿عَلِيمٌ﴾ فإنه يعني: عليم بأعمالهم، ما يغيب عنه منها شيء، ولا يعزب [¬٣] عن علمه، بل هو بجميعها عليم.\n﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ (١١٦) بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (١١٧)﴾\nاشتملت هذه الآية الكريمة، والتي تليها [¬٤] علي الرد على النصارى -عليهم لعائن الله- وكذا من أشبههم من اليهود، ومن مشركي العرب، ممن جعل الملائكة بنات الله، فأكذب الله جميعهم في دعواهم، وقولهم: إنّ لله ولدًا؛ فقال تعالى: ﴿سُبْحَانَهُ﴾ أي: تعالى، وتقدّس، وتنزه عن ذلك علوًّا كبيرًا ﴿بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، أي: ليس\n_________\n= قال ابن أبي حاتم في العلل ٥٣٨ - (١/ ١٨٤): \"سئل أبو زرعة عن حديث رواه يزيد بن هارون، عن محمد بن عبد الرحمن، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وملم: \"ما بين المشرق والمغرب قبله\" قال أبو زرعة: \"هذا وهم، الحديث حديث ابن عمر موقوف\".\n(^٦٩٥) - تفسير ابن جرير ١٨٤٧ - (٢/ ٥٣٤).\n(^٦٩٦) - تفسير ابن جرير (٢/ ٥٣٧).\n_________\n[¬١]- في خ: \"ويعني بقوله\".\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- في خ: \"تغرب\".\n[¬٤]- في خ: \"قبلها\".","vol":"2","page":35},{"text":"الأمر كما افتروا، وإنما له ملك السموات والأرض [ومن فيهنَّ] [¬١]، وهو المتصرف فيهم، وهو خالقهم، ورازقهم، ومقدرهم ومسخرهم، ومسيرهم، ومصرفهم كما يشاء، والجميع عبيد له، وملك له، فكيف يكون له ولد منهم؟! والولد إنما يكون متولدًا من شيئين متناسبين، وهو تبارك، وتعالى ليس له نظير، ولا مشارك في عظمته وكبريائه، ولا صاحبة له، فكيف يكون له ولد؟ كما قال تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمٌ﴾، وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (٨٨) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيئًا إِدًّا (٨٩) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (٩١) وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (٩٢) إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إلا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (٩٤) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ وقال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾.\nفقرّر تعالى في هذه الآيات الكريمة أنه السيد العظيم، الذي لا نظير له، ولا شبيه له، وأنّ جميع الأشياء غيره مخلوقة له مربوبة؛ فكيف يكون له منها ولد؟ ولهذا قال البخاري (^٦٩٧) في تفسير هذه الآية [¬٢] من البقرة:\nحدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب عن عبد الله بن أبي حُسَين، حدثنا نافع بن جبير -هو ابن مطعم- عن ابن عباس، عن النبي، ﷺ، قال: \"قال الله تعالى: كذبني ابن آدم، ولم يكن له ذلك، [وشتمني، ولم يكن له ذلك] [¬٣]، فأمّا تكذبيه إياي، فيزعم أني لا أقدر أن أعيده كما كان، وأما شتمه إياي فقوله: إنّ [¬٤]، لي ولدًا فسبحاني [¬٥] أن أتخذ صاحبة، أو [¬٦] ولدًا\".\nانفرد به البخاري من هذا الوجه.\nوقال ابن مردويه (^٦٩٨): حدثنا أحمد بن كامل، حدثنا محمد بن إسماعيل الترمذي، حدثنا [إسحاق بن محمد الفَرْوي] [¬٧]، حدثنا مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله، ﷺ: \"يقول الله تعالى: كذبني ابن آدم، وما [¬٨] ينبغي\n_________\n(^٦٩٧) - رواه البخاري في التفسير، باب: وقالوا اتخذ الله ولدًا سبحانه، برقم (٤٤٨٢).\n(^٦٩٨) - رواه البخاري في التفسير برقم (٤٩٧٤) من طريق شعيب، عن أبي الزناد، به، وفيه: \"لم ألد، ولم أولد. .\".\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- في خ: \"الآيات\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٤]- سقط من: خ.\n[¬٥]- في خ: \"سبحانى\".\n[¬٦]- في خ: \"و\".\n[¬٧]- في ت، ر: \"محمد بن إسحاق بن محمد الفروى\".\n[¬٨]- في خ: \"لم\".","vol":"2","page":36},{"text":"له أن يكذبني، وشتمني وما [¬١] ينبغي له أن يشتمني، فأمّا [¬٢] تكذيبه إياي فقوله: لن يعيدني كما بدأني، وليس أوّل الخلق بأهون عليَّ من إعادته. وأما شتمه [¬٣] إياي فقوله: اتخذ الله ولدًا. وأنا الله الأحد الصمد ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾.\nوفي الصحيحين (^٦٩٩): عن رسول الله، ﷺ أنه قال: \"لا أحد أصبر على أذى سمعه من الله؛ إنهم يجعلون له ولدًا، وهو يرزقهم، ويعافيهم\".\nوقوله تعالى: ﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ قال ابن أبي حاتم (^٧٠٠): حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أسباط، عن مطرِّف، عن عطية، عن ابن عباس قال: ﴿قَانِتِينَ﴾ مصلين.\nوقال عكرمة وأبو مالك: ﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ مقرون له بالعبودية، وقال سعيد بن جبير: ﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ يقول: الإخلاص، وقال الربيع بن أنس يقول: ﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ أي [¬٤]: قائم يوم القيامة، وقال السدي: ﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ أي [¬٥]: مطيعون يوم القيامة.\nوقال خصيف، عن مجاهد: ﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾، قال: مطيعون، كن إنسانًا فكان، وقال: كن حمارًا فكان.\nوقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾: مطيعون، يقول: طاعة الكافر في سجود ظله وهو كاره.\nوهذا القول عن [¬٦] مجاهد -وهو اختيار ابن جرير- يجمع [¬٧] الأقوال كلها، وهو أنّ القنوت هو الطاعة، والاستكانة إلى الله، وهو [¬٨] شرعي وقدري، كما قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾.\nوقد روي [¬٩] حديث فيه بيان القنوت في القرآن، ما هو المراد به، كما قال ابن أبي حاتم (^٧٠١): حدثنا يونس بن عبد الأعلى، حدَّثنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث: أن\n_________\n(^٦٩٩) - رواه البخاري في الأدب، باب: الصبر على الأذى برقم (٦٠٩٩)، ورواه مسلم في صفة القيامة والجنة والنار برقم (٢٨٠٤) من حديث أبي موسى الأشعري، ﵁.\n(^٧٠٠) - إسناده ضعيف؛ لضعف عطية العوفي، والحديث عند ابن أبي حاتم حديث ١١٣٨ - (١/ ٣٤٩).\n(^٧٠١) - إسناده ضعيف، والحديث في تفسير ابن أبي حاتم ١١٣٥ - (١/ ٣٤٨) وانظر الحديث التالي.\n_________\n[¬١]- في خ: \"لم\".\n[¬٢]- في خ: \"أما\".\n[¬٣]- في ت: \"شتمته\".\n[¬٤]- سقط من: خ.\n[¬٥]- في خ: \"يقول\".\n[¬٦]- في خ: \"من\".\n[¬٧]- في خ: \"بجميع\".\n[¬٨]- في خ: \"وذلك\".\n[¬٩]- في خ: \"ورد\".","vol":"2","page":37},{"text":"دراجًا أبا السمح حدّثه، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري، عن رسول الله ﷺ قال: \"كل حرف من القرآن يذكر فيه القنوت فهو الطاعة\".\nوكذا رواه الإمام أحمد (^٧٠٢)، عن حسن بن موسى، عن ابن لهيعة، عن دَرّاج بإسناده، مثله.\nولكن هذا الإسناد ضعيف لا يعتمد عليه، ورفع هذا الحديث منكر، وقد يكون من كلام الصحابي، أو من دونه، والله أعلم. وكثيرًا ما يأتي بهذا الإسناد تفاسير فيها نَكَارَة؛ فلا يغتر بها، فإنَّ السند ضعيف، والله أعلم.\nوقوله تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: خالقهما على غير مثال سبق، قال مجاهد والسدي: وهو مقتضى اللغة، ومنه يقال للشيء المحدث: بدعة. كما جاء في [صحيح مسلم] [¬١]: \"فإن كل محدثة بدعة\" (^٧٠٣)، والبدعة على قسمين: تارة تكون بدعة [¬٢] شرعية، كقوله: \"فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة\" (^٧٠٤)، وتارة تكون بدعة لغوية، كقول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب (^٧٠٥) ﵁ عن جمعه إياهم على صلاة التراويح واستمرارهم: نِعْمَتِ البدعةُ هذه.\n_________\n(^٧٠٢) - إسناده ضعيف؛ لضعف رواية دراج، عن أبي الهيثم. رواه أحمد ١١٧٢٨ - (٣/ ٧٥)، وأخرجه أبو يعلى في مسنده (٢/ ١٣٧٩) حدثنا الحسن بن موسى، به. وابن جرير في \"تفسيره\" (٣/ ٢٦٥ - ٢٦٦) من طريق محمد بن حرب، قال: ثنا ابن لهيعة به، وأخرجه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٢/ ٥٣١)، وابن حبان في \"صحيحه\" (٢/ ٣٠٩)، وفي \"الموارد\" (٥/ ١٧٢٣)، والطبراني في \"الأوسط\" (٥/ ٥١٨١)، وأبو نعيم في \"الحلية\" (٨/ ٣٢٥). من طريق عبد الله بن وهب أخبرني عمرو بن الحارث عن دراج، به. وذكره الهيثمي في \"المجمع\" (٦/ ٣٢٣) وقال: \"رواه أحمد وأبو يعلى والطبراني في الأوسط، وفي إسناد أحمد وأبي يعلى ابنُ لهيعة وهو ضعيف\". وزاد نسبته السيوطي في \"الدر المنثور\" (١/ ٢٠٨) إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، والنحاس في \"ناسخه\" وأبي نصر السِّجِزي في \"الإبانة\" والضياء في \"المختارة\".\n(^٧٠٣) - رواه مسلم في الجمعة برقم (٨٦٧) من حديث جابر ﵁ بلفظ: \". .. وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة. \".\n(^٧٠٤) - رواه أبو داود في السنة، باب: لزوم السنة حديث (٤٦٠٧) من حديث العرباض بن سارية، وكذا رواه أحمد، والدارمي في المقدمة، باب: اتباع السنة حديث ٩٥.\n(^٧٠٥) - رواه البخاري في صلاة التراويح، باب: فضل من قام رمضان رقم (٢٠١٠). ومالك في الموطأ في النداء للصلاة، باب: ما جاء في قيام رمضان رقم ٢٥٢.\n_________\n[¬١]- في خ: \"الصحيح لمسلم\".\n[¬٢] في خ: \"بدعية\".","vol":"2","page":38},{"text":"وقال ابن جرير (^٧٠٦): و﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ مبدعهما [¬١]، وإنما هو مُفْعِل فصرف إلى فَعيل، كما صُرف المؤلم إلى الأليم [¬٢]، والمُسمع إلى السميع. ومعنى المبدع [¬٣]: المنشئ والمحدث ما لا يسبقه إلى إنشاء مثله وإحداثه أحد. قال: ولذلك سُمي المبتدع في الدين مبتدعًا؛ لإحداثه فيه ما لم يسبقه [¬٤] إليه غيره، وكذلك كل محدث فعلًا أو قولًا [¬٥] لم يتقدّمه [¬٦] فيه متقدّم، فإن العرب تسميه مبتدعًا. ومن ذلك قول أعشى ثعلبة في مدح هوذة بن علي الحنَفي:\nيرعى [¬٧] إلى قول سادات الرجال إذا … أبدَوا له الحزْمَ أو ما شاءهُ ابَتَدعا\nأي: يحدث ما شاء.\nقال ابن جرير (^٧٠٧): فمعنى الكلام؛ سبحان الله أن [¬٨] يكون له [¬٩] ولد، وهو مالك ما في السموات والأرض، تشهد [¬١٠] له جميعها بدلالتها عليه بالوحدانية، وتقرّ له بالطاعة، وهو بارئها وخالقها وموجدها من غير أصل، ولا مثال احتذاها عليه. وهذا إعلام من الله لعباده أن ممن يشهد له بذلك المسيح، الذي أضافوا إلى الله بُنُوَته، وإخبار منه لهم أن الذي ابتدع السموات، والأرض من غير أصل وعلى غير مثال، هو الذي ابتدع المسيح عيسى [¬١١] من غير والد بقدرته.\nوهذا من ابن جرير ﵀ كلام جيد وعبارة صحيحة.\nوقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾. يبين بذلك تعالى كمال قدرته، وعظيم سلطانه، وأنه إذا قدّر أمرًا وأراد كونه، فإنما يقول له: كن، أي: مرة واحدة، فيكون، أي: فيوجد على وفق ما أراد، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا [¬١٢] قَوْلُنَا لِشَيءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾. وقال تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إلا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ وقال الشاعر:\n_________\n(^٧٠٦) - تفسير ابن جرير (٢/ ٥٤٠).\n(^٧٠٧) - تفسير ابن جرير (٢/ ٤٥١).\n_________\n[¬١]- في خ: \"مبدعها\".\n[¬٢]- في خ: \"أليم\".\n[¬٣]- في خ: \"البديع\".\n[¬٤]- في ت: \"يسبق\".\n[¬٥]- في خ: \"و\".\n[¬٦]- في ت: \"تتقدم\".\n[¬٧]- زيادة من: خ.\n[¬٨]- في خ: \"أنّى\".\n[¬٩]- في خ: \"لله\".\n[¬١٠]- في خ: \"يشهد\".\n[¬١١]- سقط من: خ.\n[¬١٢]- في خ: \"أمرنا\".","vol":"2","page":39},{"text":"إذا ما أراد الله أمرًا فإنَّما … يقول له كن قولة فيكونُ\nونبه تعالى بذلك أيضًا على أنه خلق عيسى بكلمة: كن، فكان كما أمره الله تعالى، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَال لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾.\n﴿وَقَال الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَال الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (١١٨)﴾\nقال محمد بن إسحاق (^٧٠٨): حدّثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة، أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: قال رافع بن حُرَيملة لرسول الله ﷺ: يا محمد! إن كنت رسولًا من الله كما تقول، فقل لله فليكلمنا حتى نسمع كلامه. فأنزل الله في ذلك من قوله: ﴿وَقَال الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ﴾ [وقال مجاهد ﴿وَقَال الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ﴾] [¬١]. قال: النصارى تقوله.\nوهو اختيار ابن جرير، قال: لأن [¬٢] السياق فيهم، وفي ذلك نظر.\n[وحكى القرطبي ﴿لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ﴾: أي يخاطبنا بنبوّتك يا محمد. قلت: وهو ظاهر السياق والله أعلم] [¬٣].\nوقال أبو العالية، والربيع بن أنس، وقتادة، والسدي في تفسير هذه الآية: هذا قول كفار العرب ﴿كَذَلِكَ قَال الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ] [¬٤]﴾ قالوا: هم اليهود والنصارى، ويؤيد [¬٥] هذا القول، وأن القائلين ذلك هم مشركو العرب قوله تعالى: ﴿وَإِذَا [¬٦] جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيثُ يَجْعَلُ رِسَالتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ﴾. الآية. وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا﴾ إلى قوله: ﴿قل\n_________\n(^٧٠٨) - إسناده ضعيف، ورواه ابن جرير ١٨٦٢ - (٢/ ٥٥١).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٢]- في خ: \"لا\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٥]- في خ: \"يريد\".\n[¬٦]- في خ: \"وإن\".","vol":"2","page":40},{"text":"سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إلا بَشَرًا رَسُولًا﴾ وقوله تعالى: ﴿وَقَال الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَينَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾ إلى غير ذلك من الآيات الدالة على كفر مشركي العرب، وعتوّهم [¬١] وعنادهم، وسؤالهم ما لا حاجة لهم به، إنما هو الكفر والمعاندة، كما قال من قبلهم من الأمم الخالية من أهل الكتابين وغيرهم، كما قال تعالى: ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾، وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾، وقوله تعالى: ﴿تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ أي أشبهت قلوب مشركي العرب قلوب من تقدّمهم في الكفر والعناد والعتوّ، كما قال تعالى ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إلا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٥٢) أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ؟﴾ الآية. وقوله تعالى: ﴿قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾، أي: قد أوضحنا الدلالات على صدق الرسل بما لا يحتاج معها إلى سؤال آخر وزيادة أخرى، لمن أيقن، وصدق، واتبع الرسل، وفهم ما جاءوا به عن [¬٢] الله ﵎، وأما من ختم الله على قلبه وسمعه [¬٣]، وجعل على بصره غشاوة، فأولئك الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾.\n﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ (١١٩)﴾\nقال ابن أبي حاتم (^٧٠٩)، حدَّثنا أبي، حدثنا عبد الرحمن بن صالح، حدثنا عبد الرحمن بن محمد بن عبيد الله الفَزَاري [¬٤]، عن شيبان النحوي، أخبرني قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبي، ﷺ، قال: \"أنزلت عليَّ ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾، قال: بشيرًا بالجنة، ونذيرًا من النار\". وقوله: ﴿وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾ قراءة أكثرهم [¬٥]: ﴿وَلَا تُسْأَلُ﴾ بضم التاء على الخبر. وقراءة أبي بن كعب ﴿وما تسأل﴾. وفي قراءة ابن مسعود ﴿ولن تسئل عن أصحاب الجحيم﴾ نقلها [¬٦] ابن جرير (^٧١٠) أي: لا نسألك عن كفر من كفر بك، كقوله [¬٧]: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيكَ الْبَلَاغُ وَعَلَينَا\n_________\n(^٧٠٩) - فيه عنعنة قتادة، وهو مدلس، وعبد الرحمن بن محمد بن عبيد الله الفزاري: قال أبو حاتم ليس بقوي (٥/ ٢٨٢). والحديث في تفسير ابن أبي حاتم ١١٥٥، ١١٥٦ - (١/ ٣٥٤).\n(^٧١٠) - تفسير ابن جرير (٢/ ٥٥٨).\n_________\n[¬١]- في خ: \"وغيرهم\".\n[¬٢]- في خ: \"من\".\n[¬٣]- سقط من: خ.\n[¬٤]- في خ: \"البزازى\".\n[¬٥]- في خ: \"بعضهم\".\n[¬٦]- في خ: \"نقلهما\".\n[¬٧]- سقط من: خ.","vol":"2","page":41},{"text":"الْحِسَابُ﴾. وكقوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيهِمْ بِمُصَيطِرٍ﴾. الآية. وكقوله تعالى ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنْتَ عَلَيهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ﴾ وأشباه ذلك من الآيات. وقرأ آخرون: ﴿وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾ بفتح التاء على النهي، أي لا تسأل عن حالهم، كما قال عبد الرزاق (^٧١١): أخبرنا الثوري، عن موسى بن عُبَيدة، عن محمد بن كعب القرظي، قال: قال رسول الله، ﷺ: \"ليت شعري! ما فعل أبواي؟ ليت شعري! ما فعل أبواي؟ ليت شعري! ما فعل أبواي؟ \" فنزلت: ﴿وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾، فما ذكرهما حتى توفاه الله ﷿.\nورواه ابن جرير (^٧١٢)، عن أبي كُريب، عن وكيع عن موسى بن عبيدة [-وقد تكلموا فيه- عن محمد بن كعب] [¬١] به مثله.\n[وقد حكاه القرطبي، وهذا كما يقال: لا تسأل عن فلان أي: قد بلغ فوق ما تحسب. وقد ذكرنا في التذكرة: أن الله أحيا له أبويه حتى آمنا به. وأجبنا عن قوله: \"إن أبي وأباك في النار\". قلت: والحديث المروي في حياة أبويه ﵇ ليس في شيء من الكتب الستة، ولا غيرها، وإسناده ضعيف، والله أعلم] [¬٢].\nثم قال [ابن جرير] [¬٣] (^٧١٣): وحدّثني القاسم، حدثنا الحسين، حدّثني حجاج، عن ابن جريج، أخبرني داود بن أبي عاصم: أنّ النبي، ﷺ، قال ذات يوم: \"أين أبواي؟ \" فنزلت: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾. وهذا مرسل كالذي قبله.\nوقد رَدَّ ابن جرير هذا القول المروي عن محمد بن كعب، وغيره في ذلك؛ لاستحالة الشك من الرسول، ﷺ، في أمر أبويه، واختار القراءة الأولى.\nوهذا الذي سلكه هاهنا فيه نظر؛ لاحتمال أن هذا كان في حال استغفاره لأبويه قبل أن يعلم أمرهما، فلما علم ذلك تبرأ منهما، وأخبر عنهما أنهما من أهل النار. [كما ثبت هذا في الصحيح] [¬٤] ولهذا أشباه كثيرة ونظائر، ولا يلزم ما ذكره ابن جرير، والله أعلم.\n_________\n(^٧١١) - ضعيف، والحديث في تفسير عبد الرزاق (١/ ٧٨) ومحمد بن كعب القرظي تابعي، فالحديث مرسل، والمرسل لا تقوم به حجة. وموسى بن عبيدة، ضعيف جدًّا.\n(^٧١٢) - ضعيف كالذي قبله، والحديث في تفسير ابن جرير (٢/ ٥٥٨).\n(^٧١٣) - ضعيف لإرساله، والحديث في تفسير ابن جرير (٢/ ٥٥٩).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.","vol":"2","page":42},{"text":"وقال الإمام أحمد (^٧١٤): حدثنا موسى بن داود، حدَّثنا فُليح بن سليمان، عن هلال بن علي، عن عطاء بن يسار، قال: لقيت عبد الله بن عمرو بن العاص فقلت: أخبرني عن صفة رسول الله، ﷺ، في التوراة فقال: أجل، والله إنه لموصوف في التوراة بصفته في القرآن: يا أيها النبي؛ إنا أرسلناك شاهدًا، ومبشرًا، ونذيرًا، وحِرْزًا للأميين، وأنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل، لا فظ، ولا غليظ، ولا سخاب في الأسواق، ولا يدفع [بالسيئةِ السيئةَ] [¬١]، ولكن [يعفو ويغفر] [¬٢]، ولن يقبضه حتى يقيم [¬٣] به الملة العوجاء، بأن يقولوا: لا إله إلا الله؛ فيفتح به أعينًا عُمْيًا، وآذانًا صمًّا، وقلوبًا غُلْفًا.\nانفرد بإخراجه البخاري (^٧١٥)، فرواه في البيوع عن محمد بن سنان، عن فُلَيح، به،.\nوقال: تابعه عبد العزيز بن أبي سلمة، عن هلال، وقال سعيد: عن هلال، عن عطاء، عن عبد الله بن سلام.\nورواه (^٧١٦) في التفسير عن عبد الله، عن عبد العزيز بن أبي سلمة، عن هلال، عن عطاء، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، به. فذكر نحوه، فعبد الله هذا هو ابن صالح، كما صرح به في كتاب الأدب. وزعم أبو مسعود الدمشقي [¬٤] أنه عبد الله بن رجاء.\nوقد رواه الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسير هذه الآية من البقرة، عن أحمد بن الحسن بن أيوب، عن محمد بن أحمد بن البراء، عن المعافى بن سليمان، عن فليح، به. وزاد: قال عطاء: ثم لقيت كعب الأحبار، فسألته، فما اختلفا في حرف، إلا أن كعبًا قال بِلُغَتِهِ: أعينًا عمومي، وآذانًا صمومي، وقلوبًا غلوفًا.\n﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيًّ وَلَا نَصِيرٍ (١٢٠) الَّذِينَ آتَينَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (١٢١)﴾\n_________\n(^٧١٤) - إسناده على شرط البخاري؛ على كلام في فليح بن سليمان، والحديث في السند ٦٦٢٢ - (٢/ ١٧٤).\n(^٧١٥) - رواه البخاري في باب: كراهية السخب في السوق برقم (٢١٢٥).\n(^٧١٦) - رواه البخاري في سورة الفتح، باب: إنا أرسلناك شاهدًا ومبشرًا ونذيرًا، برقم (٤٨٣٨).\n_________\n[¬١]- في خ: \"السيئة بالسيئة\".\n[¬٢]- في خ: \"يعفو وتغفر\".\n[¬٣]- في خ: \"تتم\".\n[¬٤]- سقط من: خ.","vol":"2","page":43},{"text":"قال ابن جرير: يعني بقوله جل ثناؤه: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ وليست اليهود -يا محمد- ولا النصارى براضية عنك أبدًا، فدع طلب ما يرضيهم ويوافقهم [¬١]، وأقبلْ على طلب رضا الله في دعائهم إلى ما بعثك الله به من الحق.\nوقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى﴾ أي: قل يا محمد: إن هدى الله الذي بعثني به هو الهدى، يعني هو الدين المستقيم الصحيح الكامل الشامل.\nقال قتادة: في قوله: ﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى﴾ قال: خصومة عَلَّمَها الله محمدًا ﷺ وأصحابه، يخاصمون بها أهل الضلالة.\nقال قتادة: وبلغنا أن رسول الله، ﷺ، كان يقول: \"و[¬٢] لا تزال طائفة من أمّتي يقاتلون [¬٣] على الحق ظاهرين، لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله\" (^٧١٧).\n(قلت): هذا الحديث مخرّج في الصحيح عن عبد الله بن عمرو (^٧١٨).\n﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيًّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ فيه تهديد، ووعيد شديد للأمّة عن اتباع طرائق اليهود والنصارى، بعدما علموا من القرآن والسنة، عياذًا بالله من ذلك، فإن الخطاب مع الرسول، [والأمر لأمّته] [¬٤].\n[وقد استدل كثير من الفقهاء لقوله: ﴿حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ حيث أفرد الملة، على أن الكفر كله ملة واحدة، كقوله تعالى: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾. فعلى هذا لا يتوارث المسلمون والكفار، وكل منهم يرث قرينه، سواء كان من أهل دينه أم لا؛ لأنهم كلهم ملة واحدة، وهذا مذهب الشافعي، وأبي حنيفة، وأحمد في رواية عنه. وقال في الرواية الأخرى كقول مالكٍ: إنه لا يتوارث أهل ملتين شتى كما جاء في الحديث (^٧١٩)، والله أعلم] [¬٥].\n_________\n(^٧١٧) - إسناده ضعيف لانقطاعه.\n(^٧١٨) - رواه مسلم برقم بلفظ: لا تزال عصابة من أمتي يقاتلون على أمر الله، قاهرين لعدوهم، لا يضرهم من خالفهم حتى تأتيهم الساعة وهم على ذلك في كتاب الإمارة برقم ١٧٦ - (١٩٢٤).\n(^٧١٩) - رُوي من حديث عبد الله بن عمرو، وجابر بن عبد الله، وأسامة بن زيد. أما حديث عبد الله بن عمرو: فرواه أبو داود في الفرائض، باب: هل يرث المسلم الكافر برقم (٢٩١١)، وابن ماجه في الفرائض، باب: ميراث أهل الإسلام من أهل الشرك برقم (٢٧٣١). وأما حديث أسامة بن زيد فهو متفق عليه بلفظ: \"لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم\". رواه البخاري في الفرائض، باب: =\n_________\n[¬١]- في خ: \"وموافقهم\".\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- في خ: \"يقتتلون\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين في خ: \"والأمة\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.","vol":"2","page":44},{"text":"وقوله: ﴿الَّذِينَ آتَينَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ [] [¬١] قال عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة: هم اليهود والنصارى. وهو قول عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، واختاره ابن جرير.\nوقال سعيد، عن قتادة: هم أصحاب رسول الله، ﷺ.\nوقال ابن أبي حاتم (^٧٢٠): حدثنا أبي، حدثنا إبراهيم بن موسى، وعبد الله بن عمران الأصبهاني، قالا: [حدثنا يحيى بن يمان] [¬٢]، حدثنا أسامة بن زيد، عن أبيه، عن عمر بن الخطاب: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ قال: إذا مر بذكر الجنة، سأل الله الجنة، وإذا مر بذكر النار، تعوّذ بالله من النار.\nوقال أبو العالية: قال ابن مسعود: \"والذي نفسي بيده إن حق تلاوته أن يُحِلّ حلاله ويحرّم حرامه، ويقرأه كما أنزله الله، ولا يحرّف الكلم عن مواضعه، ولا يتأوّل منه شيئًا على [¬٣] غير تأويله\".\nوكذا رواه عبد الرزاق (^٧٢١)، عن معمر، عن قتادة ومنصور بن المعتمر، عن ابن مسعود.\nوقال السدّي (^٧٢٢): عن أبي مالك، عن ابن عباس في هذه الآية، قال: يُحِلون حلاله ويحرّمون حرامه، ولا يحرّفونه عن مواضعه.\nوقال ابن أبي حاتم: وروي عن ابن مسعود نحو ذلك.\nوقال الحسن البصري: يعملون بمحكمه، ويؤمنون بمتشابهه، وَيَكِلُون ما أشكل عليهم إلى\n_________\n= لا يرث المسلم الكافر. .، برقم (٦٧٦٤). ومسلم في الفرائض - برقم ١ - (١٦١٤). وأبو داود في الفرائض، باب: هل يرث المسلم الكافر برقم (٢٩٠٩). والترمذي في الفرائض، باب: إبطال الميراث بين المسلم والكافر برقم (٢١٠٧). والنسائي في الفرائض من الكبرى، وابن ماجه في الفرائض، باب: ميراث أهل الإسلام من أهل الشرك برقم (٢٧٢٩). وحديث جابر رواه الترمذي في الفرائض، باب: لا يتوارث أهل ملتين، برقم (٢١٠٨) وقال: هذا حديث غريب.\n(^٧٢٠) - زيد بن أسلم لم يسمع من عمر، وأسامة بن زيد بن أسلم: ضعيف من قبل حفظه. ويحيى بن يمان: ضعفه أحمد والنسائي وابن نمير، واختلف قول يحيى، فضعفه مرة، وقال مرة: ليس به بأس وقال الذهبي: صالح الحديث. وقال ابن حجر: صدوق عابد يخطئ كثيرًا وقد تغير. والحديث في تفسير ابن أبي حاتم ١١٦٧ - (١/ ٣٥٧).\n(^٧٢١) - عبد الرزاق في تفسيره (١/ ٥٦ - ٥٧)\n(^٧٢٢) - رواه ابن جرير برقم ١٨٨٧ - (٢/ ٥٦٦).\n_________\n[¬١]- في خ: و.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٣]- سقط من: خ.","vol":"2","page":45},{"text":"عالمه.\nوقال ابن أبي حاتم (^٧٢٣): حدثنا أبو زرعة، حدثنا إبراهيم بن موسى، أخبرنا ابن أبي زائدة، أخبرنا داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ قال: يتبعونه حق اتباعه، ثم قرأ: ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا﴾ يقول: اتبعها.\nقال: وروي عن عكرمة، وعطاء، ومجاهد، وأبي رزين، وإبراهيم النخَعي نحوُ ذلك.\nوقال سفيان الثوري: حدثنا زُبَيد، عن مُرَّة، عن عبد الله بن مسعود في قوله: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ قال: يتبعونه حق اتباعه.\n[قال القرطبي (^٧٢٤): وروى نصر بن عيسى، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي، ﷺ، في قوله: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ قال: \"يتبعونه حق تلاوته\" ثم قال: في إسناده غير واحد من المجهولين فيما ذكره الخطيب، إلا أن معناه صحيح.\nوقال أبو موسى الأشعري: من يتبع القرآن يهبط به على رياض الجنة.\nوقال عمر بن الخطاب: هم الذين إذا مروا بآية رحمة سألوها من الله، وإذا مروا بآية عذاب استعاذوا منها.\nقال: وقد روي هذا المعنى عن النبي ﷺ (^٧٢٥) -: أنه كان إذا مر بآية رحمة سأل، وإذا مر بآية عذاب تعوّذ] [¬١].\nوقوله: ﴿أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ خبر عن: ﴿الَّذِينَ آتَينَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾. أي: من أقام كتابه من أهل الكتب المنزلة على الأنبياء المتقدّمين حق إقامته آمن بما أرسلتك به يا محمد؛ كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ الآية. وقال: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ أي: إذا أقمتموها حق\n_________\n(^٧٢٣) - رواه ابن أبي حاتم ١١٦٦ - (١/ ٣٥٧). ورجال إسناده ثقات.\n(^٧٢٤) - القرطبي (٢/ ٩٥).\n(^٧٢٥) - رواه أبو داود في الصلاة، باب: ما يقول الرجل في ركوعه وسجوده، برقم (٨٧١)، والترمذي -وقال: حسن صحيح- في أبواب الصلاة، باب: ما جاء في التسبيح في الركوع والسجود برقم (٢٦٢)، ورواه النسائي، وابن ماجة في إقامة الصلاة، باب: ما جاء في القراءة في صلاة الليل برقم (١٣٥١). جميعهم من حديث صلة بن زفر، عن حذيفة، وأصله عند مسلم برقم ٢٠٣ - (٧٧٢).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.","vol":"2","page":46},{"text":"الإقامة، وآمنتم بها حق الإيمان، وصدّقتم ما فيها من الإخبار بمبعث محمد ﷺ ونعته، وصفته، والأمر باتباعه، ونصره، ومؤازرته - قادكم ذلك إلى الحق، واتباع الخير في الدنيا والآخرة، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ .. الآية. وقال تعالى: ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ [¬١] أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (١٠٧) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا﴾، أي: إن كان ما وعدنا به من شأن محمد، ﷺ، لواقعًا. وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَينَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (٥٢) وَإِذَا يُتْلَى عَلَيهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (٥٣) أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَينِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾.\nوقال تعالى: ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾، ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾. وفي الصحيح: \"والذي نفسي بيده، لا يسمع بي أحد من هذه الأمّة: يهودي ولا نصراني، ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار\" (^٧٢٦).\n﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالمِينَ (١٢٢) وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (١٢٣)﴾\nو[¬٢] قد تقدّم نظير هذه الآية في صدر السورة، وكرّرت هاهنا، للتأكيد، والحث على اتباع الرسول النبي الأمي، الذي يجدون صفته في كتبهم، ونعته، واسمه، وأمره، وأمّته. يحذرهم من كتمان هذا، وكتمان ما أنعم به عليهم، وأمرهم أن يذكروا نعمة الله عليهم، من النعم الدنيوية والدينية. ولا يحسدوا بني عمهم من العرب على ما رزقهم الله من إرسال الرسول الخاتم منهم، ولا يحملهم [¬٣] ذلك الحسد على مخالفته، وتكذيبه، والحيد [¬٤] عن موافقته، صلوات الله وسلامه عليه دائمًا إلى يوم الدين.\n_________\n(^٧٢٦) - رواه مسلم في الإيمان من حديث أبي هريرة بمعناه برقم ٢٤٠ - (١٥٣).\n_________\n[¬١]- في خ: \"بالله\".\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- في خ: \"ولا يحملنهم\".\n[¬٤]- في خ: \"والحيدة\".","vol":"2","page":47},{"text":"* ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَال إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَال وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَال لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (١٢٤)﴾\nيقول تعالى منبهًا على شرف إبراهيم خليله ﵇ وأن الله جعله إمامًا للناس يقتدى به في التوحيد [حين] قام بما كلفه الله تعالى به من الأوامر والنواهي؛ ولهذا قال: ﴿وَإِذِ [¬١] ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾ أي: واذكر يا محمد، لهؤلاء المشركين، وأهل الكتابين الذين ينتحلون ملة إبراهيم، وليسوا عليها، وإنما الذي هو عليها مستقيم، فأنت والذين معك من المؤمنين، اذكر لهؤلاء ابتلاء الله إبراهيم، أي: اختباره له بما كلفه به من الأوامر والنواهي ﴿فَأَتَمَّهُنَّ﴾ أي: قام بهن كلهن، كما قال تعالى: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ أي: وفي جميع ما شرع له؛ فعمل به صلوات الله عليه، وقال تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٠) [شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٢١) وَآتَينَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٢٢) ثُمَّ أَوْحَينَا إِلَيكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ] [¬٢]﴾، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [وقال تعالى]: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٦٧) إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾.\nوقوله تعالى: ﴿بِكَلِمَاتٍ﴾ أي: بشرائع، وأوامر، ونواهٍ، فإن الكلمات تطلق ويراد بها الكلمات القدرية، كقوله -تعالى- عن مريم ﵍: ﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾. وتطلق، ويراد بها الشرعية، كقوله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ [¬٣] رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ أي: كلماته الشرعية. وهي إما خبر صدق، وإمّا طلب عدل إن كان أمرًا أو نهيًا، ومن ذلك هذه الآية الكريمة: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ أي: قام بهنّ. قال: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ أي: جزاء على ما فَعَل، كما قام بالأوامر، وترك الزواجر، جعله الله للناس قدوة، وإمامًا يقتدى به، ويحتذى حذوه.\nوقد اختُلِف في تفسير الكلمات التي اختبر الله بها إبراهيم الخليل ﵇ فروي عن ابن عباس في ذلك روايات: فقال عبد الرزاق (^٧٢٧)، عن معمر، عن قتادة، قال ابن عباس: ابتلاه الله بالمناسك. وكذا رواه أبو إسحاق السّبِيعي، عن التميمي، عن ابن عباس.\n_________\n(^٧٢٧) - تفسير ابن جرير ١٩٢٦ - (٣/ ١٣).\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين مكرر في خ.\n[¬٣]- في خ: \"كلمات\".","vol":"2","page":48},{"text":"وقال عبد الرزاق (^٧٢٨) أيضًا: أخبرنا معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾ قال: ابتلاه الله بالطهارة: خمس في الرأس، وخمس في الجسد؛ في الرأس: قص الشارب، والمضمضة، والاستنشاق، والسواك، وفَرْق الرأس. وفي الجسد: تقليم الأظفار، وحلق العانة، والختان، ونتف الإبط، وغسل أثر الغائط والبول بالماء.\nقال ابن أبي حاتم (^٧٢٩): وروي عن سعيد بن المسيب، ومجاهد، والشعبي، والنخعي، وأبي صالح، وأبي الجلد، نحو ذلك.\n(قلت): وقريب من هذا ما ثبت في صحيح مسلم (^٧٣٠) عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: \"عَشْرٌ من الفطرة: قص الشارب، وإعفاء اللحية، والسواك، واستنشاق الماء، وقص الأظفار، وغسل البَرَاجم، ونتف الإبط، وحلق العانة، وانتقاص الماء\". قال مصعب: ونسيت العاشرة إلا أن تكون المضمضة.\nقال وكيع: انتقاص الماء يعني: الاستنجاء.\nوفي [الصحيحين] [¬١]، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: \"الفطرة خمس: الختان، والاستحداد، وقص الشارب، وتقيم الأظفار، ونتف الإبط\" ولفظه لمسلم (^٧٣١).\nوقال ابن أبي حاتم (^٧٣٢): أنبأنا يونس بن عبد الأعلى قراءةً، أخبرنا ابن وهب، أخبرني ابن\n_________\n(^٧٢٨) - تفسير عبد الرزاق (١/ ٥٧). ورواه الحاكم (٢/ ٢٦٦) وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.\n(^٧٢٩) - ابن أبي حاتم (١/ ٣٥٩).\n(^٧٣٠) - رواه مسلم في كتاب الطهارة، برقم ٥٦ - (٢٦١). من حديث مصعب بن شيبة، عن طلق بن حبيب، عن عبد الله بن الزبير، عن عائشة فذكره. ومصعب بن شيبة: قال في الميزان (٤/ ١٢٠): قال أبو حاتم: لا يحمدونه. وقال غيره: ثقة. وقال الدارقطني: ليس بالقوي. وقال أحمد: أحاديثه مناكير. ثم ذكر له حديثًا أخرجه أبو داود، ثم قال: مصعب ضعيف. ولذا فقد انتقد الدارقطني مسلمًا في إخراجه هذا الحديث وقال: إن النسائي قال: إن مصعب بن شيبة منكر الحديث، وأن الصحيح وقفه على عائشة.\n(^٧٣١) - رواه البخاري في كتاب اللباس، باب: قص الشارب برقم (٥٨٨٩)، ورواه مسلم في الطهارة، برقم ٤٩ - (٢٥٧).\n(^٧٣٢) - رواه ابن أبي حاتم ١١٧٥ - (١/ ٣٦١). وإسناده حسن فهو من رواية ابن وهب، عن ابن لهيعة\n_________\n[¬١]- في ت: \"الصحيح\".","vol":"2","page":49},{"text":"لهيعة، عن [ابن هُبَيرة] [¬١]، عن حَنَش [¬٢] بن عبد الله الصنعاني، عن ابن عباس: أنه كان يقول في تفسير [¬٣]، هذه الآية: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾، قال: عَشْرٌ: ستٌّ في الإنسان، وأربعٌ في المشاعر، فأمّا التي في الإنسان: حلق العانة، ونتف الإبط، والختان، وكان ابن هبيرة يقول: هؤلاء الثلاثة واحدة، وتقليم الأظفار، وقص الشارب، والسواك، وغسل يوم الجمعة. والأربعة التي في المشاعر: الطواف، والسعي بين الصفا والمروة، ورمي الجمار، والإفاضة.\nوقال داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس أنه قال: ما ابتلي بهذا الدين أحد فقام به كله إلا إبراهيم، قال الله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ قلت له: وما الكلمات التي ابتلى الله إبراهيم بهن فأتمهن؟ قال: الإسلام ثلاثون سهمًا: منها عشر آيات في براءة ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ﴾ إلى آخر الآية، وعشر آيات في أول سورة ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ و﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ﴾ وعشر آيات في الأحزاب ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ إلى آخر الآية، فأتمهن كلهن، فكتبت [¬٤] له براءة. قال الله: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾.\nهكذا رواه الحاكم (^٧٣٣)، وأبو جعفر بن جرير، وأبو محمد بن أبي حاتم، بأسانيدهم إلى داود بن أبي هند، به. وهذا لفظ ابن أبي حاتم.\nوقال محمد بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، عن سعيد، أو عكرمة، عن ابن عباس قال: الكلمات التي ابتلى الله بهن [¬٥] إبراهيم فأتمهن: فراق قومه في الله [¬٦] حين أمر بمفارقتهم، ومحاجته نمروذ في الله حين [¬٧] وقفه على ما وقفه عليه من خطر الأمر الذي فيه خلافه، وصبره على قذفه إياه في النار، ليحرقوه في الله على هول ذلك من أمرهم، والهجرة بعد ذلك من وطنه وبلاده في الله حين أمره بالخروج عنهم، وما أمره به من الضيافة والصبر عليها بنفسه [¬٨] وماله، وما ابتلي به من ذبح ابنه حين أمره بذبحه، فلما مضى على ذلك من الله كلِّه، وأخلصه للبلاء قال الله له: ﴿أَسْلِمْ قَال أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالمِينَ﴾ على ما كان من خلاف الناس وفراقهم.\n_________\n(^٧٣٣) - تفسير ابن جرير ١٩٠٨، ١٩٠٩ - (٣/ ٨) وفي إسناد الثاني: خارجة بن مصعب - الراوي عن داود وهو ضعيف، ورواه ابن أبي حاتم ١١٧٣ - (١/ ٣٦٠). وفي إسناده: عدي - وهو ابن عبد الرحمن، الراوي عن داود - وهو مستور، وفيه أيضًا سعيد بن عبد الجبار الزبيدي، وهو متهم بالكذب.\n_________\n[¬١]- في خ: \"أبي هريرة\".\n[¬٢]- في خ: \"حسن\".\n[¬٣]- سقط من: خ.\n[¬٤]- في خ: \"فكتب\".\n[¬٥]- سقط من: خ.\n[¬٦]- في خ: \"أمته\".\n[¬٧]- في خ: \"حتى\".\n[¬٨]- سقط من: خ.","vol":"2","page":50},{"text":"وقال ابن أبي حاتم (^٧٣٤): حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا إسماعيل بن عُلَية، عن أبي رجاء، عن الحسن -يعني البصري: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ [¬١]﴾ قال: ابتلاه بالكوكب فرضي عنه، وابتلاه بالقمر فرضي عنه، وابتلاه بالشمس فرضي عنه، وابتلاه بالهجرة فرضي عنه، وابتلاه بالختان فرضي عنه، أو ابتلاه بابنه فرضي عنه] [¬٢].\nوقال ابن جرير (^٧٣٥): حدثنا بشر بن معاذ، حدثنا يزيد بن زريع، حدثنا سعيد، عن قتادة قال: كان الحسن يقول: إي والله لقد ابتلاه [¬٣] بأمر فصبر عليه: ابتلاه بالكوكب والشمس، والقمر، فأحسن في ذلك، وعرف أن ربه دائم لا يزول فوجه وجهه للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما كان من المشركين، ثم ابتلاه بالهجرة فخرج من بلاده ليقومه حتى لحق بالشام، مهاجزا إلى الله، ثم ابتلاه بالنار قبل الهجرة، فصبر على ذلك، وابتلاه الله بذبح ابنه والختان، فصبر على ذلك.\nوقال عبد الرزاق (^٧٣٦)، أخبرنا معمر، عمن سمع الحسن يقول في قوله: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾ قال: ابتلاه الله بذبح ولده، وبالنار، والكوكب، [والقمر، والشمس].\nوقال أبو جعفر بن جرير (^٧٣٧): حدثنا ابن بشار، أحدثنا سَلْم بن قتيبة] [¬٤]، حدثنا أبو هلال، عن الحسن: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾ قال: ابتلاه بالكوكب، والشمس [¬٥]، والقمر، فوجده صابرًا.\nوقال العوفي في تفسيره، عن ابن عباس: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾، فمنهنّ: ﴿قَال [¬٦] إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾، ومنهن: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيتِ وَإِسْمَاعِيلُ [¬٧]﴾، ومنهنّ الآيات في شأن المنسك والمقام الذي جعل لإبراهيم، والرزق الذي رزق ساكنو البيت، ومحمد بعث في دينهما.\n_________\n(^٧٣٤) - تفسير ابن أبي حاتم ١١٧٨ - (١/ ٣٦٢).\n(^٧٣٥) - رواه ابن جرير ١٩٣٤ - (٣/ ١٤).\n(^٧٣٦) - إسناده ضعيف لجهالة الراوي عن الحسن، والحديث في تفسير عبد الرزاق (١/ ٥٧).\n(^٧٣٧) - رواه ابن جرير ١٩٣٦ - (٣/ ١٤). وأبو هلال: محمَّد بن سليم: وثقه أبو داود، وقال أبو حاتم: محله الصدق، ليس بذاك المتين. وقال النسائي: ليس بالقوي. وقال ابن معين: صدوق يرمي بالقدر.\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٣]- في خ: \"لابتلاه\".\n[¬٤]- في خ: \"حدثنا سالم حدثنا قتيبة\".\n[¬٥]- في خ: \"وبالشمس\".\n[¬٦]- سقط من: خ.\n[¬٧]- سقط من: خ.","vol":"2","page":51},{"text":"وقال ابن أبي حاتم (^٧٣٨): حدثنا الحسن بن محمَّد بن الصباح، حدثنا شبابة، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في [¬١] قوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾، قال الله لإبراهيم: إني مبتليك بأمر فما هو؟ قال: تجعلني للناس إمامًا؟ قال نعم: قال: ومن ذرّيتي؟ ﴿قَال لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾. قال: تجعل البيت مثابة للناس؟ قال: نعم. قال: وأمْنًا؟ قال: نعم: قال: وتجعلنا مسلمين لك ومن ذرّيتنا أمّة مسلمة لك. قال: نعم: قال: وترزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله؟ قال: نعم.\nقال ابن أبي نجيح: سمعته عن عكرمة، فعرضته على مجاهد فلم ينكره.\nوهكذا رواه ابن جرير (^٧٣٩) من غير وجه، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد.\nوقال سفيان الثوري: عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ قال: ابتلي بالآيات التي بعدها: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَال وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَال لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾.\nوقال أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾ قال: الكلمات: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ وقوله: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا﴾ وقوله: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ﴾ وقوله: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيتِ وَإِسْمَاعِيلُ﴾ الآية، قال: فذلك كله من الكلمات التي ابتلي بهنّ إبراهيم.\nوقال السدي: الكلمات التي ابتلى إبراهيمَ ربُّه ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٢٧) رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَينِ لَكَ﴾ إلى قوله: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾.\n[وقال القرطبي (^٧٤٠): وفي الموطأ وغيره (^٧٤١)، عن يحيى بن سعيد، أنه سمع سعيد بن\n_________\n(^٧٣٨) - تفسير ابن أبي حاتم ٩/ ١١١ - (١/ ٣٦٢).\n(^٧٣٩) - تفسير ابن جرير برقم ١٩١٧، ١٩١٨، ١٩١٩، ١٩٢١ - (٣/ ١١).\n(^٧٤٠) - تفسير القرطبي (٢/ ٩٨).\n(^٧٤١) - رواه ابن أبي شيبة في المصنف في كتاب الأرائل، باب: أول ما فعل، ومن فعله برقم (٦) من حديث ابن نمير، عن يحيى بن سعيد، عن ابن المسيب: إن إبراهيم أول من أضاف الأضياف، وأول الناس اختتن، وأول الناس قلم أظفاره، وجز شاربه واستحد. ورواه البيهقي في الشعب برقم (٨٦٤٢) من حديث سعيد بن المسيب قال: إبراهيم ﵇ أول من اختتن، وأول من قرى الضيف =\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.","vol":"2","page":52},{"text":"المسيب يقول: إبراهيم ﵇ أوّل من اختتن، وأوّل من ضاف الضيف، [وأول من استحد] [¬١] وأوّل من قلم أظفاره، وأوّل من قص الشارب، وأوّل من شاب فلما رأى الشيب قال: يا رب! ما هذا؟ قال: وقار. قال: يا رب! زدني وقارًا.\nوذكر ابن أبي شيبة عن سعد بن إبراهيم، عن أبيه قال: أوّل من خطب على المنابر إبراهيم ﵇، قال غيره: وأوّل من برد البريد، وأوّل من ضرب بالسيف، وأوّل من استاك، وأوّل من استنجى بالماء، وأوّل من لبس السراويل.\nوروي [عن] معاذ بن جبل قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن أَتخذ المنبرَ لقد اتخذه أبي إبراهيم، وإن أتَّخِذ العصا فقد اتخذها أبي إبراهيم\"\n(قلت): هذا الحديث لا يثبت والله أعلم: ثم شرع القرطبي يتكلم على ما يتعلق بهذه الأشياء من الأحكام الشرعية] [¬٢].\nقال أبو جعفر بن جرير (^٧٤٢) ما حاصله: أنَّهُ يجوز أن يكون المراد بالكلمات جميع ما ذكر، وجائز أن يكون بعض ذلك، ولا يجوز الجزم بشيء منها أنه المراد على التعيين؛ إلا بحديث، أو إجماع. قال: ولم يصح في ذلك خبر بنقل الواحد، ولا بنقل الجماعة الذي يجب التسليم له.\nقال: غَيْرَ أنه قد روي عن النبي، ﷺ، في نظير معنى ذلك خبران: أحدهما ما [¬٣] حدثنا به أبو كريب، حدثنا رشدين [¬٤] بن سعد، حدثني [زَبَّان بن فائد] [¬٥]، عن سهل بن معاذ بن أنس قال: كان النبي، ﷺ، يقول: \"ألا أخبركم لم سمى الله إبراهيم خليله: الذي وفى لأنه كان يقول كما أصبح، وكلما أمسى: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (١٧) [وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ] [¬٦] (١٨)﴾ [إلى\n_________\n= وأول من رأى الشيب، .... ورواه البيهقي في الشعب برقم (٨٦٤١) من حديث سعيد عن أبي هريرة مرفوعًا: إن إبراهيم أول من أضاف الضيف، وأول من قص الشارب، وأول من رأى الشيب، وأول من قص الأظافر، وأول من اختتن بقدومه ابن عشرين ومائة سنة. وروى الطبراني بإسناده في كتاب الأوائل (١٠) من حديث أبي هريرة مرفوعًا: أول من أضاف الأضياف إبراهيم ﵇. وروى بنفس الإسناد أيضًا (١١): أول من اختتن إبراهيم ﵇. وأخرج ابن أبي الدنيا في قرى الضيف عن أبي هريرة: أول من أضاف الضيف إبراهيم ﵇.\n(^٧٤٢) - ابن جرير في تفسيره (٣/ ١٥).\n_________\n[¬١]- زيادة من القرطبي.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٣]- سقط من: خ.\n[¬٤]- في خ: \"راشد\".\n[¬٥]- في خ: \"ريان بن قائد\".\n[¬٦]- سقط من: خ.","vol":"2","page":53},{"text":"آخر] [¬١] الآية (^٧٤٣).\nقال: والآخر منهما (^٧٤٤) ما [¬٢] حدثنا به أبو كريب، أخبرنا [¬٣] الحسن بن [¬٤] عطية، أخبرنا [¬٥] إسرائيل، عن جعفر بن الزبير، عن القاسم، عن أبي أمامة، قال: قال رسول الله، ﷺ: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (٣٧)﴾ [النجم: ٣٧] قال [¬٦]: \"أتدرون مما وفَّي؟ قالوا: الله ورسوله أعلم قال: \"وفي عمل يومه، أربع ركعات في النهار\".\nورواه آدم في تفسيره، عن حماد بن سلمة، وعبد بن حميد، عن يونس بن محمَّد، عن حماد بن سلمة، عن جعفر بن الزبير، به.\nثم شرع ابن جرير يضعف هذين الحديثين، وهو كما قال؛ فإنه لا يجوّز [¬٧] روايتهما إلا ببيان ضعفهما، وضعفهما من وجوه عديدة: فإنّ كلّا من السندين مشتمل على غير واحد من الضعفاء، مع ما في متن الحديث مما يدل على ضعفه، والله أعلم.\nثم قال ابن جرير: ولو قال قائل: إنّ الذي قاله مجاهد، وأبو صالح، والربيع بن أنس أولى بالصواب [من القول الذي قاله غيرهم] [¬٨] كان مذهبًا؛ لأن [¬٩] قوله: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ\n_________\n(^٧٤٣) - زبان بن فائد: ضعفه أحمد وابن معين وغيرهما، وقال ابن حبان: منكر الحديث جدًّا، يتفرد عن سهل بن معاذ بنسخة كأنها موضوعة، لا يحتج به. وقال أبو حاتم: شيخ صالح. وقال الليث بن سعد: لو أراد زبان أن يزيد في العبادة مقدار خردلة ما وجد لها موضعًا. ونال ابن يونس: كان على مظالم مصر وكان من أعدل ولاتهم. وسهل بن معاذ بن أنس الجهني: قال أبو بكر بن أبي خيثمة عن ابن معين: ضعيف. وذكره ابن حبان في الثقات. قال ابن حجر: لكن قال: لا يعتبر حديثه ما كان من رواية زبان بن فائد عنه، وذكره في الضعفاء فقال: منكر الحديث جدًّا، فلست أدرى أوقع التخليط في حديثه منه أو من زبان؟ فإن كان من أحدهما فالأخبار التي رواها ساقطة، وإنما اشتبه هذا وإن راوبها عن سهل زبان إلا الشيء بعد الشيء، وزبان ليس بشيء. وقال العجلي: مصري تابعي ثقة. بخ د ت ق. ورشدين بن سعد: ضعيف. والحديث رواه أحمد في المسند برقم ١٥٦٦٦ - (٣/ ٤٣٩). من حديث ابن لهيعة عن زبان عن سهل، به. ورواه الطبراني في الكبير (٢٠/ ١٩٢) حديث ٤٢٧ - ٤٢٨. وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ١١٧) وقال: رواه الطبراني وفيه ضعفاء وثقوا.\n(^٧٤٤) - تفسير ابن جرير (٣/ ١٥). وعلته جعفر بن الزبير، وهو: ضعيف جدًّا. وقال ابن حبان: روى عن القاسم مولى معاوية أشياء كأنها موضوعة. وقال أبو حاتم: روى جعفر بن الزبير عن القاسم عن أبي أمامة نسخة موضوعة أكثر من مئة حديث. وقال البخاري: متروك الحديث، تركوه.\n_________\n[¬١]- في خ: \"حتى يختم\".\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- في خ: \"حدثنا\".\n[¬٤]- في ت: \"عن\".\n[¬٥]- في خ: \"حدثنا\".\n[¬٦]- سقط من: خ.\n[¬٧]- في خ: \"لا تجوز\".\n[¬٨]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٩]- في خ: \"فإن\".","vol":"2","page":54},{"text":"إِمَامًا﴾ وقوله: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾ الآية، وسائر الآيات التي هي نظير ذلك كالبيان عن الكلمات التي ذكر الله أنه ابتلى بهنّ إبراهيم.\n(قلت): والذي قاله أوّلًا من أنّ [¬١] الكلمات تشمل [¬٢] جميع ما ذكر، أقوى من هذا الذي جوّزه من قول مجاهد ومن قال مثله؛ لأن السياق يعطي غير ما قالوه، والله أعلم.\nوقوله: ﴿قَال وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَال لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ قال [¬٣] لما جعل الله إبراهيم إمامًا، سأل الله أن تكون الأئمةُ من بعده من ذرّيته، فأجيب إلى ذلك، وأخبر أنه سيكون من ذريته ظالمون، وأنه لا ينالهم عهد الله، ولا يكونون أئمة فلا يقتدى بهم. والدليل على أنه أجيب إلى طلبته قوله تعالى في سورة العنكبوت: ﴿وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ فكل نبي أرسله [¬٤] الله، وكل كتاب أنزله الله بعد إبراهيم، ففي ذرّيته صلوات الله وسلامه عليه.\nوأما قوله تعالى: ﴿قَال لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ فقد اختلفوا في ذلك، فقال خصيف، عن مجاهد في قوله: ﴿قَال لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾. قال: إنه سيكون في ذرّيتك ظالمون.\nوقال ابن أبي نجيح عن مجاهد: ﴿قَال لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾. قال: لا يكون لي إمام ظالم، وفي رواية لا اجعل إمامًا ظالما يقتدى به.\nوقال سفيان، عن منصور، عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿قَال لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾. قال: لا يكون إمام ظالم يقتدى به.\nوقال ابن أبي حاتم (^٧٤٥)، حدثنا أبي، حدثنا مالك بن إسماعيل، أخبرنا [¬٥] شريك، عن منصور، عن مجاهد في قوله: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ قال: أنا من كان منهم صالحًا فسأجعله [¬٦] إمامًا يقتدى به، وأما من كان ظالمًا، فلا، ولا نُعْمَةَ عين.\nوقال سعيد بن جبير: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾: المراد به المشرك، لا يكون إمامَ ظالمٍ.\nيقول: لا تكون إمام مشرك.\nوقال ابن جريج: عن عطاء، قال: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَال وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ فأبى أن يجعل من ذريته إمامًا ظالمًا قلت لعطاء: ما عهده؟ قال: أمره.\n_________\n(^٧٤٥) - تفسير ابن أبي حاتم برقم ١١٨٨ - (١/ ٣٦٥).\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- في خ: \"يشمل\".\n[¬٣]- زيادة من: خ.\n[¬٤]- في خ: \"أرسل\".\n[¬٥]- في خ: \"حدثنا\".\n[¬٦]- في الأصلين: أجعله.","vol":"2","page":55},{"text":"وقال ابن أبي حاتم (^٧٤٦): حدثنا [¬١] عمرو بن ثور -القيساري [¬٢]- فيما كتب إليّ، حدثنا الفريابي [¬٣]، حدثنا إسرائيل، حدَّثنا سماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: قال الله لإبراهيم: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَال وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾. فأبى أن يفعل، ثم قال: ﴿قَال لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾.\nوقال محمَّد بن إسحاق، عن محمَّد بن أبي محمَّد، عن سعيد -أو عكرمة- عن ابن عباس: ﴿قَال وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَال لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ يخبره أنه كائن في ذرّيته ظالم لا ينال عهده، ولا ينبغي أن يوليه شيئًا من أمره، وإن كان من ذرّية خليله، ومحسن ستنفذ فيه دعوته، وتبلغ له فيه ما أراد من مسألته.\nوقال العوفي، عن ابن عباس: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾. قال: يعني لا عهد لظالم عليك في ظلمه، أن تطيعه فيه.\nوقال ابن جرير (^٧٤٧): [حدثنا المثنى] [¬٤]، حدثنا إسحاق، حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله، عن إسرائيل، عن مسلم الأعور، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ قال: ليس للظالمين عهد، وإن عاهدته فانتقضه.\nوروي عن مجاهد، وعطاء، ومقاتل بن حيان نحو ذلك.\nوقال الثوري، عن هارون بن عنترة، عن أبيه، قال: ليس لظالمٍ عهدٌ.\nوقال عبد الرزاق (^٧٤٨): أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ قال: لا ينال عبد الله في الآخرة الظالمين، فأمّا في الدنيا فقد ناله الظالم فأمن به، وأكل وعاش.\nوكذا قال إبراهيم النخعي، وعطاء، والحسن، وعكرمة.\nوقال الربيع بن أنس: عهدُ الله الذي عهد إلى عباده دينه، يقول: لا ينال دينه الظالمين، ألا ترى أنه قال: ﴿وَبَارَكْنَا عَلَيهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ (١١٣)﴾ [الصافات: ١١٣] يقول: ليس كل ذرّيتك يا إبراهيم على الحق.\n_________\n(^٧٤٦) - رواه ابن أبي حاتم ١١٨٥ - (١/ ٣٦٤). وسماك مضطرب الحديث في عكرمة خاصة.\n(^٧٤٧) - تفسير ابن جرير ١٩٥٥ - (٣/ ٢٢). ومسلم الأعور: متروك الحديث.\n(^٧٤٨) - تفسير عبد الرزاق (١/ ٥٨).\n_________\n[¬١]- في خ: \"أخبرنا\".\n[¬٢]- في خ: \"القسارى\".\n[¬٣]- في خ: \"الفرياني\".\n[¬٤]- سقط من: خ.","vol":"2","page":56},{"text":"وكذا رُوي عن أبي العالية، وعطاء، ومقاتل بن حيان [¬١].\nوقال جويبر عن الضحاك: لا ينال طاعتي عدوّ لي يعصيني، ولا أنحلها إلا وليًّا لي يطيعني. وقال الحافظ أبو بكر بن مردويه: حدثنا عبد الرحمن بن محمَّد بن حامد، حدثنا أحمد بن عبد الله بن سعيد الأسدي، حدثنا سليم بن سعيد الدامغاني، حدثنا وكيع، عن الأعمش، عن سعد [¬٢] بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن علي بن أبي طالب، عن النبي، ﷺ، قال: \" ﴿لَا يَنَالُ [عَهْدِي الظَّالِمِينَ] [¬٣]﴾ قال [¬٤]: لا طاعة إلا في المعروف\" (^٧٤٩).\nوقال السدي: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ يقول: عهدي: نبوّتي.\nفهذه أقوال مفسري السلف في هذه الآية على ما نقله ابن جرير، وابن أبي حاتم رحمهما الله تعالى. واختار ابن جرير أن هذه الآية - وإن كانت ظاهرة في الخبر، أنه لا ينال عبد الله بالإمامة ظالمًا، ففيها [¬٥] إعلام من الله لإبراهيم الخليل ﵇ أنه سيوجد من ذرّيتك من هو ظالم لنفسه، كما تقدّم عن مجاهد وغيره، والله أعلم.\n[وقال ابن خويز منداد المالكي: الظالم لا يصلح أن يكون خليفةً، ولا حاكمًا، ولا مفتيًا، ولا شاهدًا، ولا راويًا] [¬٦].\n﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ قال العوفي عن ابن عباس قوله تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيتَ مَثَابَةً﴾ قول: لا يقضون منه وطرًا؛ يأتونه، ثم يرجعون إلى أهليهم، ثم يعودون إليه.\nوقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: مثابة للناس، يقول: يثوبون.\n_________\n(^٧٤٩) - رواه بمعناه وفيه قصة: البخاري في المغازي، باب: سرية عبد الله بن حذافة السهمي برقم (٤٣٤٠) وفي خبر الآحاد برقم (٧٢٥٧)، ومسلم في الإمارة برقم (١٨٤٠)، وأبو داود في الجهاد، باب: في الطاعة برقم (٢٦٢٥)، والنسائي في البيعة باب: جزاء من أمر بمعصية فاطاع، والطيالسي (١٠٩) وأحمد (١/ ٩٤) من طرق عن علي.\n_________\n[¬١]- في خ: \"بن حبان\".\n[¬٢]- في ت: \"سعيد\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٤]- سقط من: خ.\n[¬٥]- في ت: \"فيها\".\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.","vol":"2","page":57},{"text":"رواهما [¬١] ابن جرير.\nوقال ابن أبي حاتم (^٧٥٠): أخبرنا [¬٢] أبي، أخبرنا [¬٣] عبد الله بن رجاء، أخبرنا إسرائيل [¬٤]، عن مسلم، عن مجاهد، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ﴾ قال: يثوبون إليه، ثم يرجعون. قال: وروي عن أبي العالية، وسعيد بن جبير في رواية، وعطاء، ومجاهد، والحسن، وعطية، والربيع بن أنس، والضحاك نحو ذلك.\nوقال ابن جرير (^٧٥١): حدّثني عبد الكريم بن أبي عمير، حدّثني الوليد بن مسلم قال: قال أبو عمرو -يعني الأوزاعي-: حدّثني عبدة بن أبي لبابة، في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ﴾ قال: لا ينصرف عنه منصرف وهو يرى أنه قد قضى منه وطرًا.\nوحدّثني يونس، عن ابن وهب، قال: قال ابن زيد: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ﴾ قال: يثوبون إليه من البلدان كلها ويأتونه.\n[وما أحسن ما قال الشاعر في هذا المعنى أورده القرطبي (^٧٥٢):\nجعل البيت مثابًا لهم ليس … منه الدهر يقضون الوطر] [¬٥]\nوقال سعيد بن جبير -في الرواية الأخرى- وعكرمة، وقتادة، وعطاء الخراساني: ﴿مَثَابَةً لِلنَّاسِ﴾ أي: مجمعًا.\n﴿وَأَمْنًا﴾ قال الضحاك عن ابن عباس: أي أمنًا للناس.\nوقال أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا﴾ يقول: أمنًا من العدوّ، وأن يحمل فيه السلاح، وقد كانوا في الجاهلية يتخطف الناس من حولهم، وهم آمنون لا يُسْبَون.\nوروي عن مجاهد وعطاء، والسدي، وقتادة، والربيع بن أنس قالوا: من دخله كان آمنًا.\n_________\n(^٧٥٠) - رواه ابن أبي حاتم ١٢٠٠ - (١/ ٣٦٨). وفيه مسلم بن كيسان الأعور: متروك الحديث. وهناك راوٍ آخر يسمى مسلم يروي عن مجاهد وهو مسلم بن عمران، ومسلم بن عمران ثقة من رجال الستة.\n(^٧٥١) - رواه ابن جرير في تفسيره برقم ١٩٦٨ - (٣/ ٢٧) وفي إسناده الوليد بن مسلم مدلس، ولم يصرح كالسماع ولا بالتحديث.\n(^٧٥٢) - تفسير القرطبي (٢/ ١١٠).\n_________\n[¬١]- في خ: \"رواه\".\n[¬٢]- في خ: \"حدثنا\".\n[¬٣]- في خ: \"حدثنا\".\n[¬٤]- في خ: \"إسماعيل\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.","vol":"2","page":58},{"text":"ومضمون ما فسر به هؤلاء الأئمة هذه الآية: أن الله تعالى يذكر شرف البيت، وما جعله موصوفًا به شرعًا وقدرًا، من كونه مثابةً للناس، أي: جعله محلًا تشتاق إليه الأرواح، وتحن إليه، ولا تقضي منه وطرًا، ولو تردّدت إليه كل عام، استجابة من الله تعالى لدعاء خليله إبراهيم، ﵇، في قوله: ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوي إِلَيهِمْ﴾ إلى أن قال: ﴿رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ﴾ ويصفه تعالى بأنه جعله آمنًا، من دخله أمن، ولو كان قد فعل ما فعل، ثم دخله كان آمنًا.\nوقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: كان الرجل يلقى قاتل [أبيه وأخيه] [¬١]ـ فيه فلا يَعْرض له، كما وصف [¬٢] في سورة المائدة بقوله تعالى: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ﴾، أي: يُرفع عنهم بسبب تعظيمها السوءُ، كما قال ابن عباس: لو لم يحج الناس هذا البيت لأطبق الله السماء على الأرض. وما هذا الشرف إلا لشرف بانيه أوّلا وهو خليل الرحمن، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيئًا﴾ وقال تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالمِينَ (٩٦) فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾.\nوفي هذه الآية الكريمة نبّه على مقام إبراهيم مع الأمر بالصلاة عنده. فقال: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ وقد اختلف المفسرون في المراد بالمقام [¬٣] ما هو؟\nفقال ابن أبي حاتم (^٧٥٣): حدثنا عمرو بن شبة [¬٤] النميري، حدَّثنا أبو خلف -يعني عبد الله بن عيسى- حدثنا داود بن أبي هند، عن مجاهد، عن ابن عباس: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ قال: مقام إبراهيم الحرم كله. وروي عن مجاهد، وعطاء مثل ذلك.\nوقال أيضًا [¬٥] (^٧٥٤): حدثنا الحسن بن محمَّد بن الصباح، حدثنا حجاج، عن ابن جريج قال: سألت عطاء عن ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ فقال: سمعت ابن عباس قال: أما مقام إبراهيم الذي ذُكر هاهنا، فمقام إبراهيم هذا الذي في المسجد. ثم قال: و﴿مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ﴾ يَعُدُّ كثير مقامَ إبراهيم الحجَّ كلَّه. ثم فسره [¬٦] لي عطاء فقال: التعريف،\n_________\n(^٧٥٣) - رواه ابن أبي حاتم برقم ١٢٠٧ - (١/ ٣٧١). وإسناده ضعيف لضعف عبد الله بن عيسى: أورده في الميزان (٢/ ٤٧٠) وقال: قال أبو زرعة: منكر الحديث. وقال ابن عدي: هوي عن يونس وداود بن أبي هند ما لا يوافقه عليه الثقات، أحاديثه أفراد كلها. وقال النسائي: ليس بثقة.\n(^٧٥٤) - تفسير ابن أبي حاتم ١٢٠٦ - (١/ ٣٧١).\n_________\n[¬١]- في خ: \"أخيه أو أخيه\".\n[¬٢]- في خ: \"وصفها\".\n[¬٣]- سقط من: خ.\n[¬٤]- في خ: \"شيبة\".\n[¬٥]- سقط من: خ.\n[¬٦]- في خ: \"فسر\".","vol":"2","page":59},{"text":"وصلاتان بعرفة، والمشعر، ومنى، ورمي الجمار، والطواف كان الصفا والمروة. فقلت: أفسره ابن عباس؟ قال: لا. ولكن قال: مقام إبراهيم الحجُّ كلُّه. قلت: أسمعت ذلك لم أجمع؟ قالا: نعم، سمعته منه.\nوقال سفيان الثوري عن عبد الله بن مسلم عن سعيد بن جبير: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ قال: الحِجْر مقام إبراهيم [نبي الله] [¬١] قد جعله الله رحمة، فكان يقوم عليه ويناوله إسماعيل الحجارة. ولو غسل رأسه كما يقولون لاختلف رجلاه.\n[وقال السُّدي: المقام: الحجر الذي وضعته زوجة إسماعيل تحت قدم إبراهيم حتى غسلت رأسه. حكاه القرطبي وضعفه ورجّحه غيره، وحكاه الرازي في تفسيره، عن الحسن البصري، وقتادة، والربيع بن أنس] [¬٢].\nوقال ابن أبي حاتم (^٧٥٥): حدثنا الحسن بن بن الصباح، حدثنا عبد الوهاب بن عطاء، عن ابن جريج، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، سمع جابرًا يحدّث عن حجة النبي ﷺ قال: لما طاف النبي، ﷺ، قال له عمر: هذا مقامُ أبينا إبراهيم؟ قال: نعم. قال: أفلا نتخذه مصلى؟ فأنزل الله ﷿: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾.\nوقال عثمان بن أبي شيبة (^٧٥٦): أخبرنا [¬٣] أبو أسامة، عن زكريا، عن أبي إسحاق، عن أبي ميسرة قال: قال عمر: قلت: يا رسول الله! هذا مقام خليلِ ربِّنا؟ قال: نعم. قال: أفلا نتخذه مصلّى؟ فنزلت: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾.\nوقال ابن مردويه: حدثنا دعلج بن أحمد، حدثنا غيلان بن عبد الصمد، حدثنا مسروق بن المرزبان، حدثنا زكريا بن أبي زائدة، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون، عن عمر بن الخطاب، أنه مرَّ بمقام إبراهيم، فقال: يا رسول الله، أليس نقوم [¬٤] بمقام خليل ربنا؟ قال: بلى. قال: أفلا نتخذه مصلى؟ فلم يلبث إلا يسيرا حتى نزلت: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ\n_________\n(^٧٥٥) - تفسير ابن أبي حاتم ١٢٠٥ - (١/ ٣٧٠). وعبد الوهاب بن عطاء: صدوق ربما أخطأ.\n(^٧٥٦) - منقطع أبو ميسرة عمرو بن شرحبيل؛ قال أبو زرعة: حديثه عن عمر مرسل - العلائي ص ٢٤٤. ورواه الدارقطني في \"الأفراد\" كما في \"أطراف الغرائب والأفراد\" لابن القيسراني (ق ٣١) وقال: \"غريب من حديث أبي إسحاق عن أبي ميسرة -عمرو بن شرحبيل- عن عمر تفرد به زكريا بن أبي زائدة عنه\".\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٣]- في خ: \"حدثنا\".\n[¬٤]- في خ: \"تقوم\".","vol":"2","page":60},{"text":"إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾.\nوقال ابن مردويه، حدَّثنا محمد بن أحمد بن أحمد القزويني، حدَّثنا علي بن الحسين، بن الجنيد، حدَّثنا هشام بن خالد، حدَّثنا الوليد، عن مالك بن أَنس، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر قال: لما وقف رسول الله، ﷺ، يوم فتح مكة عند مقام إبراهيم، قال له عمر: يا رسول الله! هذا مقام إبراهيم الذي قال الله: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾؟ قال: نعم.\nقال الوليد: قلت لمالك: هكذا حدثك؟ ﴿وَاتَّخِذُوا﴾ قال: نعم. هكذا وقع في هذه الرواية. وهو غريب.\nوقد روى النَّسائي (^٧٥٧) من حديث الوليد بن مسلم نحوه.\nوقال البخاري (^٧٥٨): باب قوله: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ ﴿مَثَابَةً﴾: يثوبون: يرجعون.\nحدَّثنا مسدد، حدَّثنا يحيى، عن حميد، عن أَنس بن مالك، قال: قال عمر بن الخطاب: وافقت ربي في ثلاث، أو وافقني ربي في ثلاث، قلت: يا رسول الله! لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلَّى؟ فنزلت: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾. وقلت: يا رسول الله! يدخل عليك البر والفاجر، فلو أمرت أمهاتِ المؤمنين بالحجاب، فأنزل الله آية الحجاب. قال: وبلغني معاتبة النبي، ﷺ، بعض نسائه فدخلت عليهن فقلت: إن انتهين، أو ليبدلن الله رسولَهُ خيرًا منكن، حتَّى أتيتُ إحدى نسائه، فقالت: يا عمر! أما في رسول الله ما يعظ نساءه - حتَّى تعظهنَّ أنت، فأنزل الله -: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ … [¬١]﴾ .. الآية.\nوقال ابن أبي مريم: أخبرنا يحيى بن أيوب، حدَّثني حميد قال: سمعت أنسًا، عن عمر، ﵄.\nهكذا ساقه البخاري هاهنا، وعلق الطَّرِيق الثانية عن شيخه سعيد بن الحكم المعروف بابن أبي مريم المصري. وقد تفرد بالرواية عنه البخاري من بين أصحاب الكتب الستة. وروى عنه الباقون بواسطةٍ، وغرضه من تعليق هذا الطَّرِيق ليبين فيه اتصال إسناد الحديث، وإنَّما لم يسنده، لأن\n_________\n(^٧٥٧) - النسائي في الحج، باب: القراءة في ركعتي الطواف، حديث ٢٩٦٣ (٥/ ٢٣٦).\n(^٧٥٨) - صحيح البخاري في كتاب التفسير برقم (٤٤٨٣).\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.","vol":"2","page":61},{"text":"يحيى بن أيوب الغافقي فيه شيء، كما قال الإمام أحمد فيه: هو سيئ الحفظ، والله أعلم.\nوقال الإمام أحمد (^٧٥٩): حدَّثنا هشيم، حدَّثنا حميد، عن أَنس قال: قال عمر ﵁: وافقت ربي ﷿ في ثلاث؛ قلت: يا رسول الله! لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلَّى؟ فنزلت: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾. وقلت: يا رسول الله! إن نساءك يدخل عليهن البر والفاجر، فلو أمرتهن أن يحتجبن؟ فنزلت آية الحجاب. واجتمع على رسول الله ﷺ نساؤه في الغيرة. فقلت لهن: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ﴾ فنزلت كذلك، ثم رواه أحمد (^٧٦٠) عن يحيى وابن أبي عدي، كلاهما عن حميد، عن أَنس، عن عمر أنَّه قال: وافقت ربي في ثلاث، أو وافقني ربي في ثلاث فذكره.\nوقد رواه البخاري (^٧٦١)، عن عمرو بن عون، والترمذي، عن أحمد بن منيع، والنَّسائي عن يعقوب بن إبراهيم الدورقي، وابن ماجة عن محمد بن الصباح، كلهُم عن هشيم بن بشير، به.\nورواه التِّرمِذي (^٧٦٢) أيضًا عن عبد بن حميد، عن حجاج بن منهال، عن حماد بن سلمة، والنَّسائي عن هناد، عن يحيى بن أبي زائدة، كلاهما عن حميد -وهو ابن تيرويه الطويل- به.\nوقال التِّرمِذي: حسن صحيح.\nورواه الإمام علي بن المديني، عن يزيد بن زريع عن حميد، به. وقال: هذا من صحيح الحديث، وهو بصري.\nورواه الإمام مسلم بن الحجاج (^٧٦٣) في صحيحه بسند آخر؛ ولفظ آخر، فقال: حدثنا عقبة بن مُكرمَ، أخبرنا سعيد بن عامر، عن جويرية بن أسماء، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر، قال: وافقت ربي في ثلاث: في الحجاب، وفي أسارى بدر، وفي مقام إبراهيم.\nوقال أَبو حاتم الرازي (^٧٦٤): حدَّثنا محمد بن عبد الله الأنصاري، حدَّثنا حميد الطويل، عن أَنس بن مالك، قال: قال عمر بن الخطاب: وافقفي ربي في ثلاث، أو وافقت ربي [في\n_________\n(^٧٥٩) - المسند (١/ ٢٣).\n(^٧٦٠) - رواية يحيى في المسند (١/ ٣٦) ورواية ابن أبي عدي (١/ ٢٤).\n(^٧٦١) - رواه البخاري في التفسير برقم (٤٩١٦) وسنن التِّرمِذي في التفسير، سورة البقرة، برقم (٢٩٦٠) وسنن النَّسائي الكبرى برقم (١١٦١١) وسنن ابن ماجة برقم (١٠٠٩).\n(^٧٦٢) - سنن التِّرمِذي في التفسير برقم (٢٩٥٩) وسنن النسائي الكبرى برقم (١٠٩٩٨).\n(^٧٦٣) - صحيح مسلم في كتاب فضائل الصحابة، برقم (٢٣٩٩).\n(^٧٦٤) - ورواه البيهقي في السنن الكبرى (٧/ ٨٨) من طريق أبي حاتم الرازي، به.","vol":"2","page":62},{"text":"ثلاث] [¬١]: قلت: يا رسول الله لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلَّى؟ فنزلت: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾. وقلت: يا رسول الله؛ لو حجبت النساء فنزلت آية الحجاب. والثالثة: لما مات عبد الله بن أُبَيٍّ، جاء رسول الله، ﷺ، ليصلي عليه. قلت: يا رسول الله! تصلي على هذا الكافر المنافق! فقال: إيهًا (^٧٦٥) عنك يا بنَ الخطَّاب فنزلت: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾.\nوهذا إسناد صحيح أي، ولا تعارض بين هذا ولا هذا، بل الكل صحيح، ومفهوم العدد إذا عارضه منطوق قُدم عليه، والله أعلم.\nوقال ابن جرير: أخبرني جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر أن رسول الله، ﷺ، رمل ثلاثة أشواط، ومشى أربعًا، حتَّى إذا فرغ عمد إلى مقام إبراهيم، فصلى خلفه ركعتين، ثم قرأ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾.\nوقال ابن جرير (^٧٦٦): حدثنا يوسف بن سلمان، حدَّثنا حاتم بن إسماعيل، حدَّثنا جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر قال: استلم رسول الله ﷺ الركن، فرمل ثلاثًا] ومشى أربعًا، ثم تقدم [¬٢] إلى مقام إبراهيم فقرأ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ فجعل المقام بينه وبين البيت، فصلى ركعتين.\nوهذا قطعة من الحديث الطويل الذي رواه مسلم في صحيحه من حديث حاتم بن إسماعيل.\nوروى البخاري (^٧٦٧) بسنده، عن عمرو بن دينار، قال: سمعت ابن عمر يقول: قدم رسول الله، ﷺ، فطاف بالبيت سبعًا، وصلى خلف المقام ركعتين.\nفهذا كله مما يدل على أن المراد بالمقام إنما هو الحَجَر الذي كان إبراهيم ﵇ يقوم عليه لبناء الكعبة، لما ارتفع الجدار أتاه إسماعيل ﵇ به، ليقوم فوقه، ويناوله الحجارة فيضعها بيده لرفع الجدار، و[¬٣] كلما كمل ناحية انتقل إلى الناحية الأخرى، يطوف حول\n_________\n(^٧٦٥) - أي كفَّ واسكتْ.\n(^٧٦٦) - تفسير ابن جرير ٢٠٠٣ - (٣/ ٣٦) وهو قطعة من حديث جابر الطويل في صفة حجة النبي، ﷺ، وقد رواه مسلم في كتاب الحج، كتاب: حجة النبي، ﷺ، برقم ١٤٧، ١٤٨ - (١٢١٨). وعند أحمد برقم ١٤٤٨٢ - (٣/ ٣٢٠ - ٣٢١).\n(^٧٦٧) - رواه البخاري في الصلاة، باب: واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى، وفي العمرة، كتاب: متى يحل المعتمر برقم (٣٩٥، ١٧٩٣).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٢]- في خ: \"نفذ\".\n[¬٣]- سقط من: خ.","vol":"2","page":63},{"text":"الكعبة، وهو واقف عليه، كلما فرغ من جدار نقله إلى الناحية التي تليها، و[¬١] هكذا، حتَّى تم جدارات الكعبة، كما سيأتي وإنه في قصة إبراهيم، وإسماعيل في بناء البيت، من رواية ابن عبَّاس عند البخاري. وكانت آثار قدميه ظاهرة منه، ولم يزل هذا معروفًا تعرفه العرب في جاهليتها، ولهذا قال أَبو طالب في قصيدته المعروفة اللامية:\nوموطئ إبراهيم في الصخر رطبة … على قدميه حافيًا غير ناعل\nوقد أدرك المسلمون ذلك فيه أيضًا. كما قال عبد الله بن وَهْب: أخبرني يونس بن يزيد، عن ابن شهاب: أن أَنس بن مالك حدثهم، قال: رأيت المقام فيه أثر أصابعه ﵇ وأخمص قدميه، غير أنَّه أذهبه مسح الناس بأيديهم.\nوقال ابن جرير (^٧٦٨): حدَّثنا بشر بن معاذ، حدَّثنا يزيد بن زريع، حدَّثنا سعيد، عن قَتَادة: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾، إنما أمروا أن يصلوا عنده و[¬٢] لم يؤمروا بمسحه. وقد تكلفت هذه الأمة شيئًا ما تكلفته الأمم قبلها، ولقد ذكر لنا من رأى أثر عقبه، وأصابعه فيه، فما زالت هذه الأمة يمسحونه حتَّى اخلولق وانمحى.\n(قلت): وقد كان هذا المقام ملصقًا بجدار الكعبة قديمًا، ومكانه معروف اليوم إلى جانب الباب مما يلي الحجر يمنة الداخل من الباب في البقعة المستقلة هناك، وكان الخليل ﵇ لما فرغ من بناء البيت وضعه إلى جدار الكعبة، أو أنَّه انتهى عنده البناء فتركه هناك، ولهذا - والله أعلم - أمر بالصلاة هناك عند الفراغ من الطواف، وناسب أن يكون عند مقام إبراهيم حيث انتهى بناء الكعبة فيه، وإنَّما أخره عن جدار الكعبة أميرُ المؤمنين عمر بن الخطاب، ﵁ أحد الأئمة المهديين، والخلفاء الراشدين، الذين أمرنا باتباعهم، وهو أحد الرجلين اللذين قال فيهما رسول الله، ﷺ: \"اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر\" (^٧٦٩) وهو الذي نزل القرآن بوفاقه في الصلاة عنده، ولهذا لم ينكر ذلك أحد من الصحابة ﵃ أجمعين.\nقال عبد الرزاق (^٧٧٠) عن ابن جريج. حدثني عطاء وغيره من أصحابنا، قال: أول من نقله عمر بن الخطاب، ﵁.\n_________\n(^٧٦٨) - رواه ابن جرير برقم ٢٠٠٠ - (٣/ ٣٥).\n(^٧٦٩) - أخرجه الحميدي برقم (٤٤٩)، وأحمد (٥/ ٣٢٨)، والتِّرمِذي (٣٦٦٢)، وابن ماجة (٩٧). قال الترمذي: هنا حديث حسن، وكان سفيان بن عيينة يدلس هذا الحديث فربما ذكره عن زائدة، عن عبد الملك بن عمير، وربما لم يذكر فيه \"عن زائدة\".\n(^٧٧٠) - المصنف لعبد الرزاق برقم ٨٩٥٥ - (٥/ ٤٨).\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- سقط من: خ.","vol":"2","page":64},{"text":"[وقال عبد الرزاق (^٧٧١) - أيضًا- عن معمر، عن حميد الأعرج، عن مجاهد قال: أول من أخر المقام إلى موضعه الآن عمر بن الخطاب ﵁] [¬١].\nوقال الحافظ أَبو بكر أحمد [بن الحسين بن علي] [¬٢] البيهقي، أخبرنا أَبو [الحسين ابن] [¬٣] الفضل القطان، أخبرنا القاضي أبو بكر أحمد بن كامل، حدَّثنا أبو إسماعيل محمد ابن إسماعيل السلمي، حدَّثنا أَبو ثابت، حدَّثنا الدراوردي، عن حشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂: أن المقام كان في زمان رسول الله ﷺ وزمان أبي بكر، ﵁، ملتصقًا بالبيت، ثم أخره عمر بن الخطاب ﵁، وهذا إسناد صحيح مع ما تقدم.\nوقال ابن أبي حاتم (^٧٧٢): حدَّثنا أبي، حدَّثنا ابن أبي عمر العَدَني [¬٤] قال: قال سفيان [يعني ابن عيينة] [¬٥] وهو إمام المكيين في زمانه: كان المقام في سُقْع [¬٦] البيت على عهد رسول الله، ﷺ، فحوله عمر إلى مكانه بعد النبي ﷺ، وبعد قوله: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾. قال: ذهب السيل به بعد تحويل عمر إياه من موضعه هذا، فرده عمر إليه.\nوقال سفيان: لا أدرى كم بينه وبين الكعبة قبل تحويله؟. قال سفيان: لا أدري أكان لاصقًا بها أم لا؟ فهذه الآثار متعاضدة على ما ذكرناه، والله أعلم.\nوقد قال الحافظ أبو بكر بن مَرْدُويه: حدَّثنا أبو عمرو [وهو أحمد بن محمد بن حكيم] [¬٧] حدَّثنا محمد بن عبد الوهاب [بن أبي تمام] [¬٨]، حدَّثنا آدم [هو ابن أبي إياس] [¬٩] في تفسيره، حدَّثنا شريك، عن إبراهيم بن مهاجر، عن مجاهد قال: قال عمر [بن الخطاب] [¬١٠]: يا رسول الله! لو صلينا خلف المقام؟ فأنزل الله: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ فكان المقام عند البيت، فحوله رسول الله، ﷺ، إلى\n_________\n(^٧٧١) - المصنف لعبد الرزاق برقم ٨٩٥٣ - (٥/ ٤٧ - ٤٨)\n(^٧٧٢) - تفسير ابن أبي حاتم ١٢٠٩ - (١/ ٣٧٢).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٢]- في خ: \"بن علي بن الحسين\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين زيادة من: خ.\n[¬٤]- في خ: \"المدني\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٦]- مكانها في المخطوطة بياض.\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٨]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٩]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬١٠]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.","vol":"2","page":65},{"text":"موضعه هذا. قال مجاهد: و[¬١] كان عمر يرى الرأي؛ فينزل به القرآن (^٧٧٣).\nهذا مرسل عن مجاهد، وهو مخالف لما تقدم من رواية عبد الرزاق، عن معمر، عن حميد الأعرج، عن مجاهد أن [¬٢] أول من أَخَّر المقام إلى موضعه الآن عمر بن الخطاب ﵁، وهذا أصح من طريق ابن مَرْدُويه، مع اعتضاد هذا بما تقدم، والله أعلم.\n﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (١٢٥) وَإِذْ قَال إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَال وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٢٦) وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٢٧) رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَينِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَينَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٢٨).\nقال الحسن البصري: قوله: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ﴾ قال: أمرهما الله أن يطهراه من الأذى، والنجس، ولا يصيبه من ذلك شيء.\nوقال ابن جُرَيج: قلت لعطاء: ما عهده؟ قال: أمره.\nوقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ﴾، أي: أمرناه .. كذا، قال. والظاهر أن هذا الحرف إنما عُدِّيَ بإلى لأنه في معنى: تقدمنا وأوحينا.\nوقال سعيد بن جبير عن ابن عبَّاس (^٧٧٤): قوله: ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ﴾. قال: من الأوثان.\nوقال مجاهد، وسعيد بن جبير: ﴿طَهِّرَا بَيتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾: إن ذلك من الأوثان، والرفث [¬٣] وقول الزور، والرجس.\n_________\n(^٧٧٣) - قال الحافظ ابن حجر في الفتح (٨/ ١٦٩): \"إسناده ضعيف\".\n(^٧٧٤) - ابن أبي حاتم ١٢١٤ - (١/ ٣٧٣).\n_________\n[¬١]- في خ: \"قد\".\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- في خ: \"والريب\".","vol":"2","page":66},{"text":"قال ابن أبي حاتم (^٧٧٥): وروي عن عُبَيد بن عمير، وأبي العالية، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وعطاء وقتادة: ﴿طَهِّرَا بَيتِيَ﴾. أي: بلا إله إلَّا الله، من الشرك.\nوأما قوله تعالى: ﴿لِلطَّائِفِينَ﴾ فالطواف بالبيت معروف، وعن سعيد بن جبير أنَّه قال في قوله تعالى: ﴿لِلطَّائِفِينَ﴾ يعني من أتاه من غُرْبَةٍ ﴿وَالْعَاكِفِينَ﴾ المقيمين فيه. [وهكذا روي عن قَتَادة والربيع بن أنس أنهما فسرا العاكفين بأهله المقيمين فيه] [¬١] كما قال سعيد بن جبير.\nوقال يحيى القطان عن عبد الملك -هو ابن أبي سليمان- عن عطاء في قوله: ﴿وَالْعَاكِفِينَ﴾ قال: من انتابه من الأمصار فأقام عنده، وقال لنا ونحن مجاورون: أنتم من العاكفين.\nوقال وكيع، عن أبي بكر الهذلي (^٧٧٦)، عن عطاء، عن ابن عبَّاس، قال: إذا كان جالسًا فهو من العاكفين.\nوقال ابن أبي حاتم (^٧٧٧): حدَّثنا أبي، حدَّثنا موسى بن إسماعيل، حدَّثنا حمَّاد بن سلمة، حدَّثنا ثابت، قال: قلت لعبد الله بن عبيد بن عمير: ما أراني إلَّا مُكَلِّم الأمير: أن أمنع الذين ينامون في المسجد الحرام، فإنهم يُجْنِبون ويُحدثون. قال: لا تفعل، فإن ابن عمر سئل عنهم، فقال: هم العاكفون.\n[ورواه عبد بن حميد، عن سليمان بن حرب، عن حمَّاد بن سلمة، به] [¬٢].\n(قلت): وقد ثبت في الصحيح (^٧٧٨): أن ابن عمر كان ينام في مسجد الرسول، ﷺ، وهو عَزَب [¬٣].\nوأما قوله تعالى: ﴿وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ فقال وكيع عن أبي بكر الهذلي (^٧٧٩)، عن عطاء،\n_________\n(^٧٧٥) - ابن أبي حاتم ١٢١٦ - (١/ ٣٧٤).\n(^٧٧٦) - رواه ابن أبي حاتم ١٢٢١ - (١/ ٣٧٥) عن أبي سعيد الأشج، عن وكيع، به، وأَبو بكر الهذلي: لين الحديث. ضعفه أحمد وغيره، وقال غندر وابن معين: لم يكن بثقة. وقال أَبو حاتم: لين يكتب حديثه. وقال النَّسائي: ليس بثقة. وقال البخاري: ليس بالحافظ عندهم (الميزان: ٤/ ٤٩٧).\n(^٧٧٧) - رواه ابن أبي حاتم ١٢٢٤ - (١/ ٣٧٦).\n(^٧٧٨) - صحيح البخاري برقم (٤٤٠).\n(^٧٧٩) - رواه ابن أبي حاتم ١٢١٧ - (١/ ٣٧٤) عن أبي سعيد الأشج، وعمرو الأودي كلاهما عن وكيع به.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٣]- في خ: \"غريب\".","vol":"2","page":67},{"text":"عن ابن عبَّاس: ﴿وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾، قال: إذا كان مصليًا فهو من الركع السجود، وكذا قال عطاء، وقَتَادة.\nوقال ابن جرير، ﵀: فمعنى الآية: وأمرنا إبراهيم، وإسماعيل بتطهير بيتي للطائفين، والتطهير الذي أمرهما به في البيت هو: تطهيره من الأصنام، وعبادة الأوثان فيه، ومن الشرك، ثم أورد سؤالًا فقال: فإن قيل: فهل كان قبل بناء إبراهيم عند البيت شيء من ذلك الذي أمر بتطهيره منه؟ وأجاب بوجهين:\n(أحدِهما) أنَّه أمرهما بتطهيره مما كان يعبد عنده زَمَانَ قوم نوح من الأصنام، والأوثان؛ ليكون ذلك سنة لمن بعدهما [¬١]، إذ كان الله تعالى قد جعل إبراهيم إمامًا يقتدى، به. كما قال عبد الرحمن بن زيد ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيتِيَ﴾ قال: من الأصنام التي يعبدون، التي كان المشركون يعظمونها.\n(قلت): وهذا الجواب مُفَرَّعٌ على أنَّه كان يعبد عنده أصنام قبل إبراهيم، ﵇، ويحتاج إثبات هذا إلى دليل عن المعصوم محمد [صلى الله عليه وعلى آله وسلم] [¬٢].\n(والجواب الثاني): أنَّه أمرهما أن يخلصا في بنائه لله وحده لا شريك له، فيبنياه مطهرًا من الشرك والريب، كما قال جلَّ ثناؤه: ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ﴾. قال: فذلك [¬٣] قوله: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيتِيَ﴾. أي: ابنيا بيتي على طهر من الشرك بي والريب، كما قال السدي: ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيتِيَ﴾ ابنيا بيتي للطائفين.\nوملخص هذا الجواب: أن الله تعالى أمر إبراهيم، وإسماعيل ﵉ أن يبنيا الكعبة على اسمه وحده لا شريك له، للطائفين به والعاكفين عنده، والمصلين إليه من الركع السجود. كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيئًا وَطَهِّرْ بَيتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ الآيات.\n[وقد اختلف الفقهاء: أبهما أفضل الصلاة عند البيت أو الطواف به؟ فقال مالك ﵀: الطواف به لأهل الأمصار أفضل. وقال الجمهور: الصلاة أفضل مطقًا، وتوجيه كل منهما يذكر في كتاب الأحكام] [¬٤]، والمراد من ذلك الردُّ على المشركين الذين يشركون بالله عند بيته، المؤسس على عبادته وحده لا شريك له، ثم مع ذلك يصدون أهله المؤمنين عنه كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ\n_________\n[¬١]- في خ: \"بعدهما ليكون ذلك\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٣]- في خ: \"فكذلك\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.","vol":"2","page":68},{"text":"لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾.\nثم ذكر: أن البيت إنما أسس لمن يعبد الله وحده لا شريك له، وإمّا [¬١] بطواف أو صلاة، فذكر في سورة الحج أجزاءها الثلاثة: قيامها، وركوعها، وسجودها، ولم يذكر العاكفين، لأنه تقدم ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ وفي هذه الآية الكريمة ذكر الطائفين والعاكفين، واكتفى بذكر الركوع، والسجود عن القيام، لأنه قد علم أنَّه لا يكون ركوع ولا سجود إلا بعد قيام، وفي ذلك [¬٢] أيضًا ردٌّ على من لا يحجه من أهل الكتابين: اليهود، والنصارى؛ لأنهم يعتقدون فضيلة إبراهيم الخليل وعظمته، ويعلمون أنه بَنى هذا البيت للطواف في الحج والعمرة، وغير ذلك، وللاعتكاف والصلاة عنده، وهم لا يعلمون شيئًا من ذلك، فكيف [¬٣] يكونون مقتدين بالخليل، وهم لا يفعلون ما شرع الله له؟! وقد حج البيتَ موسى بن عمران وغيره من الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام -كما أخبر بذلك المعصوم، الذي ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إلا وَحْيٌ يُوحَى﴾.\nوتقدير الكلام إذًا. ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ أي تقدّمنا بوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ أي طهراه من الشرك والريب، وابنياه خالصًا لله، معقلًا للطائفين، والعاكفين، والركع السجود.\nوتطهير المساجد مأخوذ من هذه الآية الكريمة، ومن قوله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾. ومن السنة من أحاديث كثيرة، من الأمر بتطهيرها، وتطييبها وغير ذلك، من صيانتها من الأذى والنجاسات، وما أشبه ذلك، ولهذا قال ﵇: \"إنما بنيت الساجد لما بنيت له\" (^٧٨٠). وقد جمعت في ذلك جزءًا على حده، ولله الحمد والنة.\n[وقد اختلف الناس في أول من بنى الكعبة فقيل: الملائكة قبل آدم، روي هذا عن أبي جعفر الباقر محمد بن علي بن الحسن، ذكره القرطبي، وحكى لفظه، وفيه غرابه. وقيل: آدم ﵇.\nرواه عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن عطاء، وسعيد بن المسيب، وغيرهم: أن آدم بناه من خمسة أجبل من حراء، وطور سيناء زيتا، وجبل لبنان، والجودى، وهذا غريب أيضًا. وروي عن ابن عبَّاس، وكعب الأحبار، وقَتَادة، وعن وَهْب بن منبه: أن أول من بناه شيث ﵇. وغالب من يذكر هذا إنما يأخذه من كتب أهل الكتاب. وهي مما لا يصدق، ولا\n_________\n(^٧٨٠) - رواه مسلم في المساجد ومواضع الصلاة، برقم ٨٠ - (٥٦٩) من حديث بريدة ﵁.\n_________\n[¬١]- في خ: إما.\n[¬٢]- في خ: \"هلك\".\n[¬٣]- في خ: \"فكيف لا\".","vol":"2","page":69},{"text":"يكذب، ولا يعتمد عليها بمجردها. وأما إذا صح حديث في ذلك فعلى الرأس والعين] [¬١].\nوقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَال إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾.\nقال الإمام أَبو جعفر بن جرير (^٧٨١): حدَّثنا ابن بشار قال: حدَّثنا عبد الرحمن بن مَهْدي، حدَّثنا سفيان، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله، ﷺ: \"إِنَّ إِبَراهيم حرم بيت الله وأَمَّنَه، وإني حرمت المدينة ما بين لابتيها فلا يُصاد صيدها ولا يُقطع عِضَاهُهَا\".\nوهكذا رواه النَّسائي (^٧٨٢)، عن محمد بن بشار، عن بندار، به.\nوأخرجه مسلم (^٧٨٣)، عن أَبي بكر بن أبي شيبة، وعمرو الناقد، كلاهما عن أبي أحمد الزبيري، عن سفيان الثَّوري.\nوقال [ابن جرير] [¬٢] أيضًا (^٧٨٤): حدَّثنا أَبو كريب، وأَبو السائب قالا [¬٣]: حدَّثنا ابن إدريس. وحدثنا أَبو كريب، حدَّثنا عبد الرحيم الرازي، قالا جميعًا: سمعنا أشعث، عن نافع، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن إبراهيم كَان عبدَ الله وخليله، وإني عبدُ الله ورسوله، وإن إبراهيم حرم مكة، وإني حرمت المدينة ما بين لابتيها، عِضَاهَها وصَيدَها، لا يحمل فيها سلاح لقتال، ولا يقطع منها شجرة إلَّا لعلف بعير\".\nوهذه الطَّرِيق غريبة، ليست في شيء من الكتب الستة، وأصل الحديث في صحيح مسلم من\n_________\n(^٧٨١) - إسناده على شرط مسلم: وأَبو الزبير محمد بن مسلم: مدلس وقد عنعن. والحديث في تفسير ابن جرير برقم ٢٠٢٩ - (٣/ ٤٨).\nاللابة: الحرة، وهي الأرض ذات الحجارة السود التي قد ألبستها لكثرتها، وجمعها لابات. النهاية (٤/ ٢٧٤) واللابتان: هما الحرتان بجانبي المدينة.\nوالعضاة: كل شجر عظيم له شوك، وقيل: العظيم من الشجر مطلقًا.\n(^٧٨٢) - رواه النَّسائي في الكبرى برقم (٤٢٨٤).\n(^٧٨٣) - رواه مسلم في الحج بلفظ: إن إبراهيم حرم مكة ....، ٤٥٣٨ - برقم (١٣٦٢).\n(^٧٨٤) - إسناده ضعيف، أشعث هو ابن سوار: ضعيف، والحديث في تفسير ابن جرير ٢٠٣٠ - (٣/ ٤٨).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- سقط من: خ.","vol":"2","page":70},{"text":"وجه آخر، عن أبي هريرة ﵁، قال: كان الناس إذا رأوا أوّل الثمر، جاءوا به إلى رسول الله، ﷺ، فإذا أخذه رسول الله ﷺ قال: \"اللهم، بارك لنا في ثمرنا، وبارك لنا في مدينتنا، وبارك لنا في صاعنا، وبارك لنا في مُدِّنا، اللَّهم، إن إبراهيم عبدك وخليلك ونبيك، وإني عبدك ونبيك. وإنه دعاك لمكة، وإني أدعوك للمدينة بمثل مما دعاك لمكة، ومِثْلِهِ معه\" ثم يدعو أصْغَرَ وليد له فيعطه ذلك الثمر. وفي لفظ\"بركة مع بركةٍ\". ثم يعطيه أصغر من يحضره من الولدان- لفظ مسلم (^٧٨٥).\nثم قال ابن جرير (^٧٨٦): حدَّثنا أبو كريب، حدَّثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا بكر بن مضر، عن ابن الهاد، عن أبي بكر بن محمد، عن عبد الله بن عمرو بن عثمان، عن رافع بن خديج، قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن إبراهيم حرم مكة، وإني أحرم ما بين لابتيها\".\nانفرد بإخراجه مسلم، فرواه عن قتيبة، عن بكر بن مضر، به. ولفظه كلفظه سواء.\nوفي الصحيحين (^٧٨٧) عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله، ﷺ، لأبي طلحة: \"التمس لي غلامًا من غلمانكم يخدمني\" فخرج بي أبو طلحة يردفني وراءه، فكنت أخدم رسول الله، صلى الله عليه: سلم، كلما نزل. وقال في الحديث: ثم أقْبَل حتى إذا بدا له أحد قال: \"هذا جبل [¬١] يحبنا ونحبه\"، فلما أشرف على المدينة قال: \"اللَّهم، إني أحرم ما بين جبليها، فل ما حرم به إبراهيم مكة، اللَّهم، بارك لهم في مُدِّهِم وصاعهم\". وفي لفظ لهما: \"اللهم [بارك لهم في مكيالهم، و،] [¬٢] بارك لهم في صاعهم، وبارك لهم في مدهم\". زاد البخاري: يعني أهل المدينة.\nولهما أيضًا عن أنس: أن رسول الله، ﷺ قال: \"اللهم اجعل بالمدينة ضِعْفَي ما جعلته بمكة من البركة\" (^٧٨٨).\nوعن عبد الله بن زيد بن عاصم ﵁ عن النبي ﷺ: \"إن إبراهيم حرّم مكة، ودعا لها، وحرمت المدينة كما حرم إبراهيم مكة، ودعوت لها في مدها\n_________\n(^٧٨٥) - رواه مسلم في الحج برقم ٤٧٣ - (١٣٧٣).\n(^٧٨٦) - تفسير ابن جرير ٢٠٣١ - (٣/ ٤٩). ورواه مسلم في الحج برقم ٤٥٦ - (١٣٦١).\n(^٧٨٧) - رواه البخاري في الجهاد برقم (٢٨٩٣)، وأطرافه في (٥٤٢٥، ٦٣٦٣)، ومسلم في الحج برقم ٦٤٢ - (١٣٦٥)، واللفظ لمسلم.\n(^٧٨٨) - رواه البخاري في فضائل المدينة برقم (١٨٨٥)، ومسلم في الحج برقم ٤٦٦ - (١٣٦٩).\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.","vol":"2","page":71},{"text":"وصاعها مثل ما دعا إبراهيم لمكة\".\nرواه البخاري (^٧٨٩) وهذا لفظه، ومسلم ولفظه: أن رسول الله ﷺ قال: \"إن إبراهيم حرم مكة، ودعا لأهلها، واني حرمت المدينة كما حرم إبراهيم مكة، وإني دعوت لها في صاعها ومدها بمثل ما دعا به إبراهيم لأهل مكة\".\nوعن أبي سعيد، ﵁، عن النبي، ﷺ قال: \"اللَّهم، إن إبراهيم حَرَّم مكة فجعلها حرامًا، وإني حرمت المدينة حرامًا ما بين مَأزِمَيها [¬١] (^٧٩٠). ألا [¬٢] يُهْرَاقَ فيها دم، ولا يحمل فيها سلاح لقتال، ولا يُخبط فيها شجرة إلا لعلف اللَّهم، بارك لنا في مدينتنا، اللهم، بارك لنا في صاعنا، اللَّهم، بارك لنا في مدنا، اللَّهم، اجعل مع البركة بركتين\" الحديث رواه مسلم (^٧٩١).\nوالأحاديث في تحريم المدينة كثيرة، وإنما أوردنا منها ما هو متعلق بتحريم إبراهيم، ﵇، لمكة لما في ذلك من مطابقة الآية الكريمة.\n[وتمسك بها من ذهب إلى أن تحريم مكة إنما كان على لسان إبراهيم الخليل، وقيل: إنها محرمة منذ خلقت مع الأرض، وهذا أظهر وأقوى، والله أعلم] [¬٣].\nوقد وردت أحاديث أُخَرُ تدلٌ على أن الله تعالى حرم مكة قبل خلق السموات والأرض، كما جاء في الصحيحين (^٧٩٢) عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ، يوم فتح مكة: \"إن هذا البلد حَرَّمه الله يوم خلق السموات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة. [وإنه لم يُحِل القتال فيه لأحد قبلي، ولم يحل لي إلا ساعة من نهار، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة] [¬٤]. لا يعضد شوكه؛ ولا ينفر صيده، ولا تُلتَقَط لُقْطتُهُ إلا من عرّفها، ولا يخُتْلى خَلاهَا\". فقال العباس: يا رسول الله! إلا الإذخَر فإنه\n_________\n(^٧٨٩) - رواه البخاري في البيوع، باب: بركة صاع النبي، ﷺ، ومده برقم (٢١٢٩). ومسلم في الحج برقم ٤٥٤ - (١٣٦٠).\n(^٧٩٠) - المأزم: الجبل، وقيل: هو المضيق بين جبلين، ونحوه، والأول هو الصواب هنا، ومعناه ما بين جبليها.\n(^٧٩١) - رواه مسلم في الحج برقم ٤٧٥ - (١٣٧٤).\n(^٧٩٢) - رواه البخاري في الجنائز، باب: الأذخر والحشيش في القبر، وفي جزاء الصيد، باب: لا يحل القتال بمكة برقم (١٣٤٩، ١٨٣٤) وأطرافه: (١٥٨٧، ٣١٨٩، ٣٠٧٧)، ورواه مسلم في الحج برقم ٤٤٥ - (١٣٥٣).\n_________\n[¬١]- في خ: \"مأزمها\".\n[¬٢]- في خ: \"بألا\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.","vol":"2","page":72},{"text":"لقينهم، ولبيوتهم فقال: \"إلا الإذخر (^٧٩٣) \"، وهذا لفظ مسلم.\nولهما (^٧٩٤) عن أبي هريرة نحو من ذلك.\nثم قال البخاري (^٧٩٥) بعد ذلك: و[¬١] قال أبان بن صالح: عن الحسن بن مسلم، عن صفية بنت شيبة: سمعت النبي، ﷺ، مثله.\nوهذا الذي علقه البخاري رواه الإمام أبو عبد الله بن ماجه (^٧٩٦)، عن محمد بن عبد الله بن نُمَير [¬٢]، عن يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق، عن [¬٣] أبان بن صالح، عن الحسن بن مسلم بن يَنَّاق، عن صفية بنت شيبة، قالت: سمعت [رسول الله] [¬٤] ﷺ يخطب عام الفتح، فقال: \"يأيها الناس، إن الله حرم مكة يوم خلق السموات والأرض، فهي حرام إلى يوم القيامة، لا يُعْضَد شجرها، ولا ينفر صيدها، ولا يأخذ لُقْطَتَهَا إلا مُنْشِد\". فقال العباس: إلا الإذخر فإنه للبيوت والقبور، فقال رسول الله، ﷺ: \"إلا الإذْخِر\".\nوعن أبي شُرَيح العدوي أنه قال لعَمْر بن سعيد -وهو يبعث البعوث إلى مكة: ائذن لي أيها الأمير أن اُحدثك قولًا قام به رسول الله، ﷺ، الغَدَ من يوم الفتح، سَمِعَتْهُ أذناي، ووعاه قلبي، وأبصرته عيناي حين تكلم به، إنه حمد الله وأثنى عليه ثم قال: \"إن مكة حرمها الله ولم يحرمها الناس، فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دمًا، ولا يعضد بها شجرة، فإن أحد ترخص بقتال رسول الله صلي الله تعالى [¬٥] عليه وآله [¬٦] وسلم، فقولوا: إن الله أذن لرسوله، ولم يأذن لكم، وإنما أذنَ لي فيها ساعة من نهار، وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس؛ فليبلغِ الشاهدُ الغائب\" فقيل لأبي\n_________\n(^٧٩٣) - الإذخر: نبات طيب الرائحة، تُسقَّف به البيوت فوق الخشب.\n(^٧٩٤) - رواه البخاري في كتاب العلم، باب: كتابة العلم برقم (١١٢) وأطرافه (٢٤٣٤، ٦٨٨٠) ومسلم في الحج برقم ٤٤٧ - (١٣٥٥).\n(^٧٩٥) - البخاري في الجنائز، باب: الإذخر والحشيش في القبر، عقب حديث (١٣٤٩).\n(^٧٩٦) - رواه ابن ماجة، كتاب المناسك، باب: فضل مكة، برقم (٣١٠٩)، ومحمد بن إسحاق، مدلس، وقد صرح بالتحديث عند ابن ماجه، وأبان بن صالح: قال الحافظ: وثقه الأئمة، ووهم ابن حزم فجهله، وابن عبد البر فضعفه. وقال في الزوائد: في إسناده أبان بن صالح، وهو ضعيف.\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- في خ: \"نمر\".\n[¬٣]- عند ابن ماجه: ثنا.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٥]- سقط من: خ.\n[¬٦]- سقط من: خ.","vol":"2","page":73},{"text":"شُرَيح: ما قال لك عمرو؟ قال: أنا أعلم بذلك منك [¬١] يا أبا شريح، وإن الحرم لا يعيذ عاصيًا، ولا فارًّا بدم، ولا فارًّا بِخَرَبَة [¬٢] (^٧٩٧).\nرواه البخاري (^٧٩٨)، ومسلم، وهذا لفظه، فإذا علم هذا فلا منافاة بين هذه الأحاديث الدالة على أن الله حَرّم مكة يوم خلق السموات والأرض، وبين الأحاديث الدالة على أن إبراهيم ﵇ حرمها؛ لأن إبراهيم بلغ عن الله حكمه فيها، وتحريمه إياها، وأنها لم تزل بلدًا حرامًا عند الله قبل بناء إبراهيم ﵇ لها، كما أنه قد كان رسول الله، ﷺ، مكتوبًا عند الله خاتم النبيين؛ وإن آدم لمنجَدل في طينته، ومع هذا قال إبراهيم ﵇: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ الآية. وقد أجاب الله دعاءه بما سبق في علمه وقدره. ولهذا جاء في الحديث أنهم قالوا: يا رسول الله؛ أخبرنا عن بَدْء أمرك. فقال: \"دعوة أبي إبراهيم [﵇] [¬٣]، وبشرى عيسى بن مريم، ورأت أمي كأنه خرج منها نور أضاءت [¬٤] له قصور الشام\".\nأي: أخبرنا عن بدء ظهور أمرك. كما سيأتي قريبًا، إن شاء الله.\nوأما مسألة تفضيل مكة على المدينة كما هو قول الجمهور، أو المدينة على مكة كما هو مذهب مالك وأتباعه، فتذكر في موضع آخر بأدلتها إن شاء الله، وبه الثقة. وقوله تعالى إخبارًا عن الخليل أنه قال: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا﴾ أي: من الخوف، لا يَرْعَبُ أهله، وقد فعل الله ذلك شرعًا وقدرًا، كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ وقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾. إلى غير ذلك من الآيات، وقد تقدمت الأحاديث في تحريم القتال فيها، وفي صحيح مسلم (^٧٩٩) عن جابر سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"لا يحل لأحد أن يحمل بمكة السلاح\" وقال في هذه السورة: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا﴾ [أي اجعل هذه البقعة بلدًا آمنًا] [¬٥]، وناسب\n_________\n(^٧٩٧) - الخربة أصلها: العيب، والمراد بها ها هنا الذي يفرّ بشيء، يريد أن ينفرد عليه، ويغلب عليه، مما لا تجيزه الشريعة، والخارب أيضًا: سارق الإبل خاصة، ثم نقل إلى غيرها، اتساعًا، وقد جاء في سياق الحديث في كتاب البخاري أن الخربة الجناية، والبليَّة.\n(^٧٩٨) - رواه البخاري في جزاء الصيد، باب: لا يعضد شجر الحرم وقم (١٨٣٢)، ومسلم في الحج برقم ٤٤٦ - (١٣٥٤).\n(^٧٩٩) - رواه مسلم في الحج من حديث أبي الزبير- مدلس، وقد عنعن- عن جابر برقم ٤٤٩ - (١٣٥٦).\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- في خ: \"بجزية\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٤]- في ت: \"أضاء\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.","vol":"2","page":74},{"text":"هذا، لأنه قبل بناء الكعبة، وقال تعالى في سورة إبراهيم: ﴿وَإِذْ قَال إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا﴾ وناسب هذا هناك؛ لأنه -والله أعلم- كأنه وقع دعاء مرة ثانية بعد بناء البيت واستقرار أهله به، وبعد مولد إسحاق الذي هو أصغر سنًّا من إسماعيل بثلاث عشرة سنة، ولهذا قال في آخر الدعاء: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾.\nوقوله تعالى: ﴿وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَال وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾.\nقال أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب: ﴿قَال وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ قال: هو من قول الله تعالى، وهذا قول مجاهد وعكرمة، وهو الذي صوّبه ابن جرير ﵀. قال: وقرأ آخرون ﴿قَال وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾. فجعلوا ذلك من تمام دعاء إبراهيم، كما رواه أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية قال: كان ابن عباس يقول: ذلك قول إبراهيم، يسأل ربَّه أن من كفر فأمْتِعْه قليلًا.\nوقال أبو جعفر، عن ليث بن أبي سليم، عن مجاهد: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا﴾ يقول: ومن كفر، فأرزقه قليلًا أيضًا ﴿ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾.\nوقال محمد بن إسحاق: لما عزل إبراهيم ﵇ الدعوة عمن أبي الله أن يجعل له الولاية - انقطاعًا إلى الله ومحبته، وفراقًا لمن خالف أمره، وإن كانوا من ذريته، حين عرف أنه كائن منهم [] [¬١] ظالم [لا يناله] [¬٢] عهده، بخبر الله له بذلك- قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾ فإني أرزق البر والفاجر، وأمتعه قليلًا.\nوقال حاتم بن إسماعيل، عن حُمَيد الخرَّاط، عن عَمَّار الدُّهني [¬٣]، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾، قال ابن عباس: كان إبراهيم يحجُرها على المؤمنين دون الناس، فأنزل الله ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾ أيضًا أرزقهم كما أرزق المؤمنين، أأخلق خلقًا لا أرزقهم؟ أمتعهم قليلًا، ثم أضطرهم إلى عذاب النار وبئس المصير. ثم قرأ ابن عباس: ﴿كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾ رواه ابن مردويه. وروي عن عكرمة ومجاهد نحو ذلك أيضًا. وهذا كقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا\n_________\n[¬١]- في خ: أنه.\n[¬٢]- في خ: \"ألا ينال\".\n[¬٣]- في خ: \"الذهبي\".","vol":"2","page":75},{"text":"ثُمَّ إِلَينَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾، وقوله تعالى: (﴿وَمَنْ كَفَرَ فَلَا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إِلَينَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٢٣) نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾، وقوله: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيهَا يَظْهَرُونَ (٣٣) وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيهَا يَتَّكِئُونَ (٣٤) وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾، وقوله: ﴿ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ أي: ثم ألجئه بعد متاعه في الدنيا وبسطنا عليه من ظلها إلى عذاب النار وبئس المصير. ومعناه: أن الله تعالى ينظرهم ويمهلهم، ثم يأخذهم أخذ عزيز مقتدر، كقوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ وفي الصحيحين (^٨٠٠): \" لا أحد أصبر على أذى سمعه من الله، إنهم يجعلون له ولدًا وهو يرزقهم ويعافيهم\"، وفي الصحيح (^٨٠١) أيضًا: \"إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يُفْلِتْه\"، ثم قرأ قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾.\n[وقرأ بعضهم: ﴿قَال وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا﴾، الآية. جعله من تمام دعاء إبراهيم. وهي قراءة شاذة مخالفة للقراء السبعة. وتركيب السياق يأبى معناها، والله أعلم؛ فإن الضمير في قال راجع إلى الله تعالى في قراءة الجمهور، والسياق يقتضيه، وعلى هذه القراءة الشاذة يكون الضمير في قال عائدًا على إبراهيم. وهذا خلاف نظم الكلام، واللَّه سبحانه هو العلام] [¬١].\nوأما قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٢٧) رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَينِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَينَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ فالقواعد: جمع قاعدة، وهي السارية والأساس، يقول تعالى: واذكر يا محمد لقومك بناء إبراهيم وإسماعيل ﵉ البيت، ورفْعَهما القواعد منه، وهما يقولان: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾، [وحكى القرطبي وغيره عن أبيّ، وابن مسعود أنهما كانا يقرآن: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾.\n(قلت): ويدل على هذا قولهما بعده: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَينِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ الآية، [¬٢]، فهما في عمل صالح، وهما يسألان الله تعالى أن يتقبل منهما، كما روى ابن\n_________\n(^٨٠٠) - تقدم.\n(^٨٠١) - رواه البخاري في التفسير، سورة هود، برقم (٤٦٨٦) ومسلم في البر والصلة برقم ٦١ - (٢٥٨٣) من حديث أبي موسى الأشعري ﵁.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.","vol":"2","page":76},{"text":"أبي حاتم من حديث محمد بن يزيد بن خُنيس المكي، عن وُهَيب بن الوَرْد أنه قرأ: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا﴾، ثم يبكي ويقول: يا خليل الرحمن، ترفع قوائم بيت الرحمن، وأنت مُشْفِق ألا يتقبل [¬١] منك. وهذا كما حكى الله تعالى عن حال المؤمنين المخلصين في قوله: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا﴾ أي: يعطون ما أُعطوا من الصدقات، والنفقات، والقربات ﴿وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾، أي: خائفة ألا يتقبل منهم. كما جاء في [¬٢] الحديث الصحيح، عن عائشة، عن رسول الله ﷺ كما سيأتي في موضعه.\nوقال بعض المفسرين: الذي كان يرفع القواعد هو إبراهيم، والداعي إسماعيل، والصحيح أنهما كانا يرفعان،: يقولان كما سيأتي بيانه.\nوقد روى البخاري هاهنا حديثًا سنورده، ثم نُتِبْعه بآثار متعلقة بذلك.\nقال البخاري (^٨٠٢) ﵀: حدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن أيوب السَّختياني، وكثير بن كثير بن المطلب بن أبي وداعة -يزيد أحدهما على الآخر- عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄ قال: أول ما اتخذ النساء المنطق من قِبَل أم إسماعيل ﵉ اتخذت منطقًا، ليعفِّي أثرها علي سارة، ثم جاء بها إبراهيم، وبابنها إسماعيل ﵉ وهي ترضعه، حتى وضعهما عند البيت عند دوحة فوق زَمْزم في أعلى المسجد، وليس بمكة يومئذ أحد، وليس بها ماء، فوضعهما هنالك، ووضع عندهما جرابًا فيه تمر، وسِقَاءً فيه ماء، ثم قفَّى إبراهيم، ﵇، منطلقًا، فتبعته أم إسماعيل فقالت: ياإبراهيم! أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه أنيس [¬٣] ولا شيء؟ فقالت له ذلك مرارًا، وجعل لا يلتفت إليها، فقالت [¬٤]: آلله أمرك بهذا؟ - قال نعم. قالت: إذًا لا يضيعنا، ثم رجعت. فانطلق إبراهيم، ﵇، حتى إذا كان عند الثنية حيث لا يرونه، استقبل بوجهه البيت، ثم دعا بهؤلاء الدعوات ورفع يديه، فقال [¬٥]: ﴿رَبَّنَا [¬٦] إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيتِكَ الْمُحَرَّمِ﴾ حتى بلغ: ﴿يَشْكُرُونَ﴾، وجعلت أم إسماعيل ترضع إسماعيل ﵉، وتشرب من ذلك الماء، حتى إذا نَفِدَ [¬٧] ماء السقاء عطشت، وعطش ابنها، وجعلت تنظر إليه يتلوى -أو قال: يتلبط-\n_________\n(^٨٠٢) - رواه البخاري في أحاديث الأنبياء برقم (٣٣٦٤).\n_________\n[¬١]- في خ: \"يقبل\".\n[¬٢]- في خ: \"به\".\n[¬٣]- في خ: \"أنس\".\n[¬٤]- في خ: \"قالت\".\n[¬٥]- في خ: \"قال\".\n[¬٦]- في خ: \"ربِّ\".\n[¬٧]- في خ: \"نفذ\".","vol":"2","page":77},{"text":"فانطلقت كراهية أن تنظر إليه، فوجدت الصفا أقرب جبل في الأرض يليها [¬١]، فقامت عليه، ثم استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحدًا؟ فلم تر أحدًا، فهبطت من الصفا حتى إذا بلغت الوادي رفعت طَرَف درعها، ثم سعت سعى الإنسان المجهود حتى جاوزت الوادي، ثم أتت المروة، فقامت عليها، فنظرت [¬٢] هل ترى أحدًا؟، فلم ترى أحدًا. ففعلت ذلك سبع مرات، قال ابن عباس: قال النبي، ﷺ: \"فلذلك سعى الناس بينهما\".\nفلما أشرفت على المروة سمعت صوتًا فقالت: \"صه\" -تريد نفسها- ثم تَسَمَّعت فسمعت أيضًا، فقالت: قد أسمعت إن كان عندك غواث، فإذا هي بالملك عند موضع زمزم، فبحث بعقبه، أو قال بجناحه حتى ظهر الماء، فجعلت تحَوِّضُهُ، وتقول بيدها هكذا، وجعلت تغرف من الماء في سقائها، [وهو يفور] [¬٣] بعد ما تغرف. قال ابن عباس: قال النبي، ﷺ: \"يرحم الله أم إسماعيل، لو تركت زمزم -أوقال: لو لم تغرف من الماء- لكانت زمزم عينًا معينًا\".\nقال [¬٤]: فشربت وأرضعت ولدها، فقال لها الملك: لا تخافي الضيعة، فإن هاهنا بيتًا لله، ﷿، يبنيه [¬٥] هذا الغلام وأبوه، وإن الله-﷿ لا يضبع أهله. وكان البيت مرتفعًا من الأرض كالرابية تأتيه السيول فتأخذ عن يمينه وعن شماله، فكانت كذلك حتى مرت بهم رفقة من جُرْهُم، أو أهل بيت من جرهم، مقبلين من طريق كَدَاء فنزلوا في أسفل مكة، فرأوا طائرًا عائفًا فقالوا: إن هذا الطائر ليدور [¬٦] على الماء، لَعَهْدُنا بهذا الوادي وما فيه ماء، فأرسلوا جَرِيّا أو جريين، فإذا هم بالماء، فرجعوا فأخبروهم بالماء، فأقبلوا. قال: وأم إسماعيل عند الماء. فقالوا: أتأذنين لنا أن ننزل عندك؟ قالت: نعم. ولكن لا حق لكم في الماء عندنا [¬٧]، قالوا: نعم.\nقال [عبد الله] [¬٨] بن عباس: فقال النبي، ﷺ: \"فألفى ذلك أم إسماعيل وهي تحب الإنس\". فنزلوا، وأرسلوا إلى أهليهم فنزلوا معهم، حتى إذا كان بها أهل أبيات منهم، وشب الغلام، وتعلم العربية منهم، وأنْفَسَهم، وأعجبهم حين شب، فلما أدرك زوّجوه امرأة منهم، وماتت أم إسماعيل ﵉، فجاء إبراهيم بعد ما تزوّج إسماعيل ليطالع تَرْكَتَه فلم يجد إسماعيل، فسأل امرأته عنه فقالت: خرج يبتغي لنا. ثم سألها عن عيشهم وهيئتهم فقالت: نحن بشرٍّ، نحن في ضيق وشدّة. وشكت إليه. قال: فإذا جاء زوجك فاقرئي عليه¬ السلام، وقولي له: يغير عتبة بابه. فلما جاء إسماعيل كأنه أنس شيئًا فقال:\n_________\n[¬١]- في خ: \"تليها\".\n[¬٢]- في خ: \"ونظرت\".\n[¬٣]- في خ: \"وهي تفور\".\n[¬٤]- سقط من: خ.\n[¬٥]- في خ: \"يبنى\".\n[¬٦]- سقط من: خ.\n[¬٧]- سقط من: خ.\n[¬٨]- زيادة من: خ.","vol":"2","page":78},{"text":"هل جاءكم من أحد؟ قالت: نعم، جاءنا شيخ كذا وكذا، فسأل عنك، فأخبرته، وسألني كيف عيشنا؟ فأخبرته أننا [¬١] في جهد وشدّة. قال: فهل أوصاك بشيء؟ قالت: نعم، أمرني أن أقرأ عليك السلام، ويقول: غَيِّر عتبة بابك. قال: ذاك أبي. وقد [¬٢] أمرني أن أفارقك، فالحقي بأهلك، فطلقها، وتزوّج منهم بأخرى، فلبث عنهم إبراهيم ما شاء الله، ثم أتاهم بعد فلم يجده، فدخل على امرأته فسألها عنه فقالت: خرج يبتغي لنا. قال: كيف أنتم؟ وسألها عن عيشهم وهيئتهم؟. فقالت: نحن بخير وسعة، وأثنت على الله ﷿، قال: ما طعامكم؟ قالت: اللحم. قال: فما شرابكم؟ قالت: الماء، قال \"اللَّهم بارك لهم في اللحم والماء- قال النبي ﷺ: \"ولم يكن لهم يومئذ حَبّ، ولو كان لهم لدعا لهم فيه\" قال: فهما لا يخلو عليهما أحد بغير مكة إلا لم يوافقاه، قال: فإذا جاء زوجك فاقرئي عليه¬ السلام، ومريه يثبت عتبة بابه، فلما جاء إسماعيل ﵇ قال: هل أتاكم من أحد؟ قالت: نعم [أتانا شيخ حسن الهيئة، وأثنت عليه، فسألني عنك، فأخبرته، فسألني كيف عيشنا؟ فأخبرته أنا بخير. قال: فأوصاك بشيء؟ قالت: نعم] [¬٣]، هو يقرأ عليك السلام، ويأمرك أن تثبت عتبة بابك، قال: ذاك أبي، وأنت العتبة، أمرني أن أمسكك. ثم لبث عنهم ما شاء الله ﷿، ثم جاء بعد ذلك، وإسماعيل يَبْري نَبْلًا له تحت دوحة قريبًا من زمزم، فلما رآه قام إليه [¬٤] فصنعا كما يصنع الوالد بالولد، والولد بالوالد، ثم قال: يا إسماعيل! إنّ الله ﷿ أمرني بأمر قال: فاصنع ما أمرك ربك ﷿، قال: وتعينني؟ قال: وأعينك. قال: فإن الله أمرني أن أبني هاهنا بيتًا، وأشار إلى أكَمَةٍ مرتفعة على ما حولها، قال: فعند ذلك رفعا القواعد من البيت. فجعل إسماعيل يأتي بالحجارة، وإبراهيم يبني، حتى إذا ارتفع البناء، جاء بهذا الحجر فوضعه له، فقام عليه وهو يبني، وإسماعيل يناوله الحجارة، وهما يقولان: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ قال: فجعلا يبنيان حتى يدورا حول البيت وهما يقولان: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾.\n[ورواه عبد بن حميد، عن عبد الرزاق، به مطولًا] [¬٥].\nورواه ابن أبي حاتم (^٨٠٣)، عن أبي عبد الله محمد بن حماد [الطهراني]. وابن جرير، عن أحمد بن ثابت الرازي، كلاهما عن عبد الرزاق به مختصرًا.\n_________\n(^٨٠٣) - تفسير ابن أبي حاتم برقم ١٢٤٤ - (١/ ٣٨١)، وابن جرير ٢٠٥٥ - (٣/ ٦٧).\n_________\n[¬١]- في خ: \"أني\".\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٤]- سقط من: خ.\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.","vol":"2","page":79},{"text":"وقال أبو بكر بن مردويه (^٨٠٤): حدثنا إسماعيل بن علي بن إسماعيل، حدثنا بشر بن موسى، حدثنا أحمد بن محمد الأزرقي، حدثنا مسلم بن خالد الزنجي، عن عبد الملك بن جريج، عن كثير بن كثير، قال: كنت أنا وعثمان بن أبي سليمان، وعبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين في ناس مع سعيد بن جبير، في أعلى المسجد ليلًا، فقال سعيد بن جبير: سلوني قبل ألا تروني. فسألوه عن المقام. فأنشأ يحدثهم عن ابن عباس، فذكر الحديث بطوله.\nثم قال البخاري (^٨٠٥): حدَّثنا عبد الله بن محمد، حدثنا أبو عامر عبد الملك بن عمرو، حدثنا إبراهيم بن نافع، عن كثير بن كثير، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄ قال: لما كان بين إبراهيم وبين أهله ما كان، خرج بإسماعيل وأم إسماعيل، ومعهم شَنَّة فيها ماء، فجعلت أم إسماعيل، تشرب من الشنة، فيَدِرُّ لبنُها على صبيها، حتى قدم مكة فوضعهما تحت دوحة، ثم رجع إبراهيم [إلى أهله] [¬١] فاتبعته أم إسماعيل، حتى لما [¬٢] بلغوا كَدَاء نادته من وراءه: يا إبراهيم، إلى من تتركنا؟ قال: إلى الله ﷿. قالت: رضيت بالله. قال: فرجعت فجعلت تشرب من الشنة، ويدر لبنها على صبيها [¬٣] حتى لما فَني الماء، قالت: لو ذهبت فنظرت لعلي أحس أحدًا. [قال فذَهَبَت فصعدت الصفا، فنظرت، ونظرت، هل تحس أحدًا، فلم تحس أحدًا] [¬٤]. فلما بلغت الوادي سعت حتى أتت المروة، ففعلت ذلك أشواطًا [حتى أتمت سبعًا] [¬٥]، ثم قالت: لو ذهبت فنظرت؛ ما فعل -تعني [¬٦] الصبي- فذهبت فنظرت فإذا هو على حاله كأنه ينشغ [¬٧] للموت، فلم تقرها نفسها، فقالت: لو ذهبت فنظرت لعلى أحس أحدًا قال: فذهبت فصعدت الصفا، فنظرت ونظرت فلم تحس أحدًا، حتى أتمت سبعًا، ثم قالت: لو ذهبت فنظرت ما فعل، فإذا هي بصوت، فقالت: أغث إن كان عندك خير، فإذا جبريل ﵇ قال: فقال بعقبه هكذا، وغمز عقبه على الأرض. قال: فانبثق الماء، فَدَهَشَتْ [¬٨] أم إسماعيل، فجعلت تحفر.\nقال: فقال أبو القاسم ﷺ: \"لو تركته لكان ظاهرًا\".\n_________\n(^٨٠٤) - مسلم بن خالد: ضعفه غير واحد، وأحمد بن محمد الأزرقي روى له البخاري. وكثير بن كثير: ثقة.\n(^٨٠٥) - رواه البخاري في أحاديث الأنبياء برقم (٣٣٦٥).\n_________\n[¬١]- زيادة من: خ.\n[¬٢]- زيادة من: خ.\n[¬٣]- في خ: \"نفسها\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٦]- زيادة من: خ.\n[¬٧]- في خ: \"ينثغ\".\n[¬٨]- في خ: \"فذهبت\".","vol":"2","page":80},{"text":"قال: فجعلت تشرب من الماء ويدر لبنها على صبيها.\nقال فمر ناس من جرهم ببطن الوادي، فإذا هم بطير، كأنهم أنكروا ذلك، وقالوا ما يكون الطير إلا على ماء، فبعثوا رسولهم فنظر، فإذا هو بالماء. فأتاهم فأخبرهم، فأتوا إليها فقالوا: يا أم إسماعيل، أتأذنين لنا أن نكون معك -أو نسكن معك؟ - فبلغ ابنُها ونكح منهم امرأة.\nقال: ثم إنه بدا لإبراهيم ﷺ، فقال لأهله: إني مطلع تركتي. قال: فجاء فسلم، فقال: أين إسماعيل؟ قالت امرأته: ذهب يصيد. قال: قولي له إذا جاء: غير عتبة بابك، فلما أخبرته، قال: أنت ذاك، فاذهبي إلى أهلك.\nقال: ثم إنه بدا لإبراهيم فقال لأهله: إني مطلع تركتي، قال فجاء فقال: أين إسماعيل؟ فقالت امرأته: ذهب يصيد، فقالت: ألا تنزل فتطعم وتشرب، فقال: ما طعامكم وما شرابكم؟ قالت: طعامنا اللحم وشرابنا الماء، قال: اللهم بارك لهم في طعامهم وشرابهم.\nقال: فقال أبو القاسم ﷺ: \"بَرَكة بدعوة إبراهيم\".\nقال: ثم إنه بدا لإبراهيم ﷺ فقال لأهله: إني مطلع تركتي. فجاء فوافق إسماعيل من وراء زمزم يصلح نبلًا له. فقال: يا إسماعيل، إن ربَّك، ﷿، أمرني أن أبني له بيتًا. ففال: أطِعْ ربك ﷿. قال: إنه قد أمرني أن تعينني عليه، فقال: إذن أفعل -أو كما قال- قال: فقاما، فجعل إبراهيم يبني، وإسماعيل يناوله الحجارة، ويقولان: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ قال: حتى ارتفع البناء، وضَعُف الشيخ عن نقل الحجارة، فقام على حَجَر المقام، فجعل يناوله الحجارة، ويقولان: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾.\nهكذا رواه من هذين الوجهين في كتاب الأنبياء.\nوالعجب أن الحافظ أبا عبد الله الحاكم رواه في كتابه \"المستدرك\" (^٨٠٦) عن أبي العباس الأصم، عن محمد بن سنان الَقزَّاز [¬١]، عن أبي علي عبيد الله بن عبد المجيد الحنفي، عن إبراهيم بن نافع، به. وقال: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه. كذا قال. وقد رواه البخاري كما ترى، من حديث إبراهيم بن نافع، وكأن فيه اختصارًا، فإنه لم يذكر فيه شأن [¬٢] الذبح، وقد جاء في الصحيح أن قرني الكبش كانا معلقين بالكعبة، وقد جاء أن إبراهيم ﵇ كان يزور أهله بمكة على البراق سريعًا، ثم. يعود إلى أهله بالبلاد\n_________\n(^٨٠٦) - لم نعثر عليه عند الحاكم في المستدرك.\n_________\n[¬١]- في خ: البزار.\n[¬٢]- سقط من: خ.","vol":"2","page":81},{"text":"المقدسة، والله أعلم، والحديث -والله أعلم- إنما فيه مرفوع أماكن صرح بها ابن عباس، عن النبي، ﷺ.\nوقد ورد عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب في هذا السياق ما يخالف بعض هذا، كما قال ابن جرير (^٨٠٧): حدثنا محمد بن بشار، ومحمد بن المثنى قالا: حدثنا مؤمل، حدثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن حارثة بن مضرِّب، عن علي بن أبي طالب، قال: لما أمر إبراهيم ببناء البيت، خرج معه إسماعيل وهاجَرُ. قال: فلما قدم مكة رأى على رأسه في موضع البيت مثل الغمامة، فيه مثل الرأس. فكلمه، قال: يا إبراهيم ابن علي ظلي، أو قال [¬١]: على قدري، ولا تَزِد ولا تنقص. فلما بنى خرج، وخلف إسماعيل وهاجر، فقالت هاجر: يا إبراهيم إلى من تكلنا؟ قال: إلى الله، قالت: انطلق، فإنه لا يضيعنا. قال: فعطش إسماعيل عطشًا شديدًا، قال: فصعدت هاجر إلى الصفا فنظرت فلم تر شيئًا، [حتى أتت المروة فلم تر شيئًا] [¬٢]، ثم رجعت إلى الصفا، فنظرت فلم تر شيئًا، [حتى أتت المروة لم تر شيئًا، ثم رجعت إلى الصفا فنظرت فلم تر شيئًا] [¬٣]، حتى فعلت ذلك سبع مرات فقالت: يا إسماعيل! مت [¬٤] حيث لا أراك، فأتته وهو يفحص برجله من العطش. فناداها جبريل فقال لها: من أنت؟ قالت: أنا هاجر أمّ ولد إبراهيم. قال: فإلى من وكلكما؟. قالت: وكلنا إلى الله. قال: وكلكما إلى كافٍ. قال: ففحص الغلام الأرض بأصبعه، فنبعت زمزم. فجعلت تحبس الماء فقال: دعيه فإنه [¬٥] رواء. ففي هذا السياق [أنه بنى] [¬٦] البيت قبل أن يفارقهما، وقد يحتمل أنه كان محفوظًا: أن يكون أوّلًا وضع له محوطًا وتحجيرًا، لا أنه بناه إلى أعلاه، حتى كبر إسماعيل فبنياه معًا، كما قال الله [¬٧] تعالى.\nثم قال ابن جرير (^٨٠٨): حدثنا هناد بن السَّريّ، حدَّثنا أبو الأحوص، عن سماك، عن خالد بن عرعرة: أن رجلًا قام إلى علي، ﵁، فقال: ألا تخبرني عن البيت، أهو أوّل بيت وضع في الأرض؟ فقال: لا. ولكنه أول بيت وضع فيه البركة مقام إبراهيم، ومن دخله كان آمنًا، وإن شئت أنبأتك كيف بني، إن الله أوحى إلى إبراهيم: أنِ ابنِ لي بيتًا في الأرض،\n_________\n(^٨٠٧) - تفسير ابن جرير ٢٠٥٧ - (٣/ ٦٨ - ٦٩). ومؤمل بن إسماعيل: ضعيف يعتبر له. قال البخاري فيه: منكر الحديث، وقال ابن حجر: صدوق سييء الحفظ. وأبو إسحاق مدلس وقد عنعن.\n(^٨٠٨) - تفسير ابن جرر ٢٠٥٨ - (٣/ ٧٠ - ٧١).\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٤]- في خ: من.\n[¬٥]- في خ: \"فإنها\".\n[¬٦]- في خ: \"أن بناء\".\n[¬٧]- زيادة من: خ.","vol":"2","page":82},{"text":"قال: فضاق إبراهيم بذلك ذرعًا، فأرسل الله السكينة، وهي ريح خجوج (^٨٠٩)، ولها رأسان فأتبع أحدهما صاحبه، حتى انتهت إلى مكة، فتطوّت (^٨١٠) على موضع البيت كطي الحجفة، وأمر إبراهيم أن يبني حيث تستقر السكينة، فبنى إبراهيم، وبقي الحجر، فذهب الغلام [يبغى] [¬١] شيئًا. فقال إبراهيم: ابغني حجرًا كما آمرك. قال: فانطلق الغلام يلتمس له حجرًا، فأتاه به، فوجده قد ركب الحجر الأسود في مكانه. فقال: يا أبت! من آتاك بهذا الحجر؟ فقال: آتاني به من لا يتكل على بنائك، جاء به جبريل ﵇ من السماء، فأتماه.\nوقال ابن أبي حاتم (^٨١١): حدَّثنا محمد بن عبد الله بن يزيد القري، حدثنا سفيان، عن بشر بن عاصم، عن سعيد بن المسيب، عن كعب الأحبار، قال: كان البيت غثاءة على الماء قبل أن يخلق الله الأرض بأربعين عامًا، ومنه دحيت الأرض.\nقال سعيد: وحدثنا علي بن أبي طالب: أن إبراهيم أقبل من أرض أرمينية، ومعه السكينة تدله على تبوُّء البيت كما تتبوّأ العنكبوت بيتًا، قال: فكشفت عن أحجار لا يطيق الحجرَ إلا ثلاثون رجلًا. قلت: يا أبا محمد، فإن الله يقول: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيتِ وَإِسْمَاعِيلُ﴾ قال: كان ذلك بعد.\nوقال السُّدي: إن الله ﷿ أمر إبراهيم أن يبني البيت هو وإسماعيل: ابنيا بيتيَ للطائفين والعاكفين، والركع السجود، فانطلق إبراهيم [﵇] حتى أتى مكة، فقام هو وإسماعيل وأخذا المعاول لا يدريان أين البيت، فبعث الله ريحًا، يقال لها: ريح الخجوج، لها جناحان ورأس في صورة حية، فكشفت لهما ما حول الكعبة عن أساس البيت الأوّل، واتبعاها بالمعاول يحفران حتى وضعا الأساس، فذلك حين يقول تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيتِ﴾] [¬٢]، ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيتِ﴾، فلما بنيا القواعد فبلغا مكان الركن. قال إبراهيم لإسماعيل: يا بني اطلب لي حجزا حسنًا أضعه هاهنا. قال: يا أبت، إني كسلانُ لَغِب. قال: علي بذلك، [فانطلق يطلب له حجرًا، فجاءه بحجر فلم يرضه، فقال: ائتنى بحجر أحسن من هذا] [¬٣] فانطق يطلب له حجرًا، فأتاه [¬٤] جبريل بالحجر الأسود من الهند، وكان أبيض ياقوتة بيضاء مثل الثَّغَامة\n_________\n(^٨٠٩) - يقال: ريح خجوج، أي شديدة المرور في غير استواء.\n(^٨١٠) - أي استدارت كالتُرس، وهو تفعلت من الطي.\n(^٨١١) - تفسير ابن أبي حاتم ١٢٤٥ - (١/ ٣٨١).\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين زيادة من: خ.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٤]- في خ: وجاءه.","vol":"2","page":83},{"text":"وكان آدم هبط به من الجنة فاسود من خطايا الناس، فجاءه إسماعيل بحجر فوجده عند الركن، فقال: يا أبه! من جاءك بهذا؟ قال: جاء به من هو أنشط منك، فبنيا وهما يدعوان الكلمات التي ابتلى إبراهيمَ ربُّه، فقال: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾.\nوفي هذا السياق ما يدل على أن قواعد البيت كانت مبنية قبل إبراهيم، وإنما هُديَ إبراهيم إليها وبُوِيء لها. وقد ذهب إلى هذا [¬١] ذاهبون، كما قال الإمام عبد الرزاق (^٨١٢): أخبرنا معمر، عن أيوب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيتِ﴾ قال: القواعد التي كانت قواعد البيت قبل ذلك.\nوقال عبد الرزاق أيضًا (^٨١٣)، أخبرنا هشام بن حسان، عن سوّار ختن عطاء، عن عطاء بن أبي رباح، قال: لما أهبط آدم من الجنة، كانت رجلاه في الأرض ورأسه في السماء، يسمع [¬٢] كلام أهل السماء، ودعاءهم، يأنس إليهم، فهابته الملائكة، حتى شكت إلى الله في دعائها وصلاتها. فخفضه الله تعالى إلى الأرض، فلما فقد ما كان يسمع منهم استوحش حتى شكا ذلك إلى الله في دعائه، وفي صلاته، فوَجَّه إلى مكة، فكان موضع قَدَمه قرية، وخَطْوُه مفازة، حتى انتهى إلى مكة، وأنزل الله ياقوتة من ياقوت الجنة، فكانت على موضع البيت الآن. فلم يزل يطوف به حتى أنزل الله الطوفان، فرفعت تلك الياقوتة، حتى بعث الله إبراهيم ﵇، فبناه. وذلك قول الله تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيتِ﴾.\nوقال عبد الرزاق (^٨١٤): أخبرنا ابن جريج، عن عطاء، قال: قال آدم؛ يارب [¬٣] إني لا أسمع أصوات الملائكة، قال: بخطيئتك، ولكن اهبط إلى الأرض، فابن لي بيتًا، ثم أحفُفْ به، كما رأيت الملائكة تحف ببيتي الذي في السماء، فيزعم الناس أنه بناه من خمسة أجبل: من حراء، وطور زيتا، وطور سيناء، [وجبل لبنان] [¬٤]، والجودي. وكان رَبَضَهُ من حراء، فكان هذا بناء آدم حتى بناه إبراهيم ﵇ بعد.\nوهذا صحيح إلى عطاء، ولكن في بعضه نكارة، والله أعلم.\nوقال عبد الرزاق أيضًا (^٨١٥): أخبرنا معمر، عن قتادة، قال: وضع الله البيتَ مع آدم\n_________\n(^٨١٢) - تفسير عبد الرزاق (١/ ٥٨ - ٥٩).\n(^٨١٣) - رواه ابن جرير في تفسيره ٢٠٤١ - (٣/ ٥٩) من طريق الحسن بن يحيى، عن عبد الرزاق، به.\n(^٨١٤) - رواه ابن جرير في تفسيره ٢٠٣٧ - (٣/ ٥٧ - ٥٨) من طريق الحسن بن يحيى، عن عبد الرزاق، به.\n(^٨١٥) - رواه ابن جرير في تفسيره ٢٠٤٢ - (٣/ ٥٩) من طريق الحسن بن يحيى، عن عبد الرزاق، به.\n_________\n[¬١]- في خ: \"ذلك\".\n[¬٢]- في خ: \"فسمع\".\n[¬٣]- زيادة من ابن جرير.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.","vol":"2","page":84},{"text":"[حين] [¬١] أهبط الله آدم إلى الأرض، وكان مهبطه بأرض الهند، وكان رأسه في السماء ورجلاه في الأرض، فكانت الملائكة تهابه، فنقص إلى ستين ذراعًا، فحزن آدم [¬٢] إذ فقد أصوات الملائكة وتسبيحهم، فشكا ذلك إلى الله، ﷿، فقال الله: يا آدم، إني قد أهبطت لك بيتًا تطوف به كما يطاف حول عرشي، وتصلي عنده كما يُصلى عند عرشي، فانطلق إليه آدم، فخرج ومُدّ له في خَطْوه، فكان بين كل خطوتين مفازة؛ فلم تزل تلك المفازة بعد ذلك، فأتى آدم البيت فطاف به، ومن بعده من الأنبياء.\nوقال ابن جرير (^٨١٦): حدثنا ابن حميد، حدثنا يعقوب القمي [¬٣]، عن حفص بن حميد، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: وضع الله [¬٤] البيت على أركان الماء، على أربعة أركان، قبل أن تخلق الدنيا بألفي عام، ثم دحيت الأرض من تحت البيت.\nوقال محمد بن إسحاق: حدثني [عبد الله] [¬٥] بن أبي نجيح، عن مجاهد وغيره من أهل العلم، إن الله لما بوّأ إبراهيم مكان البيت خرج إليه من الشام -وخرج معه بإسماعيل، وبأمّه هاجر، وإسماعيل طفل صغير- يرضع، وحملوا فيما حدّثني على البراق، ومعه جبريل يدله على موضع البيت، ومعالم الحرم، وخرج معه جبريل، فكان لا يمر بقرية إلا قال: أبهذه أمرت يا جبريل؟ فيقول جبريل: امضه، حتى قدم به مكة،: هي إذ ذاك عضاه سَلَم وَسَمُر، وبها أناس يقال لهم: العماليق خارج مكة وما حولها، والبيت يومئذ ربوة حمراء مدرة، فقال إبراهيم لجبريل: أهاهنا أمرت أن أضعهما؟ قال: نعم. فعمد بهما إلى موضع الحجر فأنزلهما فيه، وأمر هاجر أم إسماعيل أن تتخذ فيه عريشًا، فقال: ﴿رَبَّنَا [¬٦] إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيتِكَ الْمُحَرَّمِ﴾ إلى قوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾.\nوقال عبد الرزاق (^٨١٧): أخبرنا هشام بن حسان، أخبرني حميد، عن مجاهد؛ قال: خلق الله موضع هذا البيت قبل أن يخلق شيئًا بألفي سنة، وأركانه في الأرض السابعة وكذا قال ليث بن أبي سليم، عن مجاهد: القواعد في الأرض السابعة.\nوقال ابن أبي حاتم (^٨١٨): حدَّثنا أبي، أخبرنا [¬٧] عَمرو بن رافع، أخبرنا [¬٨] عبد الوهاب ابن\n_________\n(^٨١٦) - رواه ابن جرير ٢٠٤٦ - (٣/ ٦١).\n(^٨١٧) - رواه ابن جرير في تفسيره ٢٠٤٩ - (٣/ ٦٢) من طريق الحسن بن يحيى، عن عبد الرزاق، به.\n(^٨١٨) - ابن أبي حاتم ١٢٤١ - (١/ ٣٨٠). وقال محققه: وإسناده ضعيف، ومتنه منكر.\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- في خ: \"العمى\".\n[¬٤]- سقط من: خ.\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من ن: خ.\n[¬٦]- في خ: \"ربِّ\".\n[¬٧]- في خ: \"حدثنا\".\n[¬٨]- في خ: \"حدثنا\".","vol":"2","page":85},{"text":"معاوية، عن عبد المؤمن بن خالد، عن علباء بن أحمر: أن ذا القرنين قدم مكة فوجد إبراهيم، وإسماعيل يبنيان قواعد البيت من خمسة أجبل. فقال: ما لكما ولأرضي؟ فقالا: نحن عبدان مأموران، أمرنا ببناء هذه الكعبة. قال: فهاتا بالبينة على ما تدعيان. فقامت خمسة أكبش، فقلن: نحن نشهد: إن إبراهيم، وإسماعيل عبدان مأموران أمرا ببناء هذه الكعبة. فقال: قد رضيت وسلمت، ثم مضى.\nوذكر الأزْرَقي في تاريخ مكة أن ذا القرنين طاف مع إبراهيم ﵇ بالبيت، وهذا يدل على تقدّم زمانه، والله أعلم.\nوقال البخاري (^٨١٩) ﵀ قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيتِ وَإِسْمَاعِيلُ﴾ الآية: القواعد أساسه، واحدها قاعدة. والقواعد من النساء واحدتها قاعدُ [¬١].\nحدثنا إسماعيل، حدّثني مالك، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله: أن عبد الله بن محمد بن أبي بكر، أخبن عبد الله بن عمر، عن عائشة زوج النبي ﷺ: أن رسول الله ﷺ قال: \"ألم ترَي أن قومك حين بنوا [البيت اقتصروا] [¬٢] عن قواعد إبراهيم\"؟ فقلت: يا رسول الله، ألا تردّها على قواعد إبراهيم؟ قال: \"لولا حِدْثان قومك بالكفر\". فقال عبد الله بن عمر: لئن كانت عائشةُ سمعت هذا من رسول الله، ﷺ، ما أرى رسول اللْه ﷺ ترك استلام الركنين اللذين يليان الحِجْر إلا أن البيت لم يُتَمَّم على قواعد إبراهيم ﵇.\nوقد رواه في الحج عن القعنبي [¬٣]، وفي أحاديث الأنبياء عن عبد الله بن يوسف. ومسلم عن يحيى بن يحيى، ومن حديث ابن وهب. والنسائي من حديث عبد الرحمن بن القاسم، كلهم عن مالك، به (^٨٢٠).\nورواه مسلم أيضًا (^٨٢١) من حديث نافع قال: سمعت عبد الله بن [محمد بن] [¬٤] أبي بكر بن أبي قُحَافة يحدث عن عبد الله بن عُمَر، عن عائشة، عن النبي ﷺ قال: \"لولا أن قومك حديثو عهد بجاهلية -أو قال بكفر- لأنفقت كنز الكعبة في سبيل الله،\n_________\n(^٨١٩) - صحيح البخاري، كتاب: التفسير برقم (٤٤٨٤).\n(^٨٢٠) - صحيح البخاري برقم (١٥٨٣، ٣٣٦٨)، ومسلم في الحج برقم ٣٩٨ - (١٣٣٣)، والنسائي في المناسك، باب: بناء الكعبة (٥/ ٢١٤).\n(^٨٢١) - رواه مسلم في الحج برقم ٤٠٠ - (١٣٣٣).\n_________\n[¬١]- في خ: \"غير\".\n[¬٢]- في خ: \"الكعبة أقصروا\".\n[¬٣]- في خ: \"التعنبي\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين زيادة من: خ.","vol":"2","page":86},{"text":"ولجعلت بابها بالأرض، ولأدخلت فيها من الحِجْر\".\nوقال البخاري (^٨٢٢): حدثنا عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن الأسود قال: قال لي ابن الزبير: كانت عائشة تسر إليك حديثًا كثيرًا فما حدثثك في الكعبة؟ قال: قلت: قالت لي: قال النبي ﷺ: \"يا عائشة! لولا قومُك حديثٌ عهدهم -فقال ابن الزبير: بكفر- لنقضت الكعبة، فجعلت لها بابين: بابا يدخل منه الناس وبابا يخرجون منه\" ففعله ابن الزبير.\nانفرد بإخراجه البخاري فرواه هكذا في كتاب العلم من صحيحه.\nوقال مسلم في صحيحه (^٨٢٣): حدَّثنا يحيى بن يحيى، أخبرنا أبو معاوية، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: قال لي رسول الله ﷺ: \"لولا حداثة عهد قومك بالكفر لنقضت الكعبة، ولجعلتها على أساس إبراهيم، فإن قريشًا حين بنت البيت استقصرت، ولجعلت لها خَلْفًا\".\nقال: وحدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وأبو كُرَيب، قالا: حدثنا ابن نُمَير، عن هشام بهذا الإسناد انفرد به مسلم\nقال (^٨٢٤): وحدّثني محمد بن حاتم، حدّثني محمد [¬١] بن مهدي، أخبرنا [¬٢] سَلِيم بن حيان، عن سعيد -يعني ابن ميناء- قال: سمعت عبد الله بن الزبير يقول: حدّثتني خالتي -يعني عائشة ﵂ قالت: قال النبي، ﷺ: \"يا عائشة! لولا قومك حديثو عهد بشرك، لهدمت الكعبة فألزقتها بالأرض، ولجعلت لها بابين بابًا شرقيًّا، وبابًا غربيًّا، وزدت فيها ستة أذرع من الحِجْر، فإن قريشًا اقتصرتها حيث بنت الكعبة\" انفرد به أيضًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-78>ذكر بناء قريش الكعبة بعد إبراهيم الخليل ﵇ بمدد طويلة وقبل مبعث رسول الله ﷺ بخمس سنين</span>\nوقد نقل معهم في الحجارة، وله من العمر خمس وثلاثون سنة صلوات الله وسلامه عليه دائمًا\n_________\n(^٨٢٢) - رواه البخاري في العلم، باب: من ترك بعض الاختيار … برقم (١٢٦).\n(^٨٢٣) - صحيح مسلم، في الحج برقم ٣٩٨ - (١٣٣٣).\n(^٨٢٤) - صحيح مسلم، في الحج برقم ٣٩٨ - (١٣٣٣).\n==\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- في خ: \"حدثنا\".","vol":"2","page":87},{"text":"إلى يوم الدين.\nقال محمد بن إسحاق بن يسار في السيرة (^٨٢٥): ولما بلغ رسول الله، ﷺ، خمسًا وثلاثين سنة، اجتمعت قريش لبنيان الكعبة، وكانوا يَهُمُّون بذلك، ليسقَّفوها [¬١] ويهابون هدمها، وإنما كانت رَضْمًا فوق القامة، فأرادوا رفعها وتسقيفها، وذلك أن نفرًا سرقوا كنز الكعبة، وإنما كان يكون في بئر في جوف الكعبة، وكان الذي وجد عنده الكنز دويك، مولى بني مُلَيح بن عمرو من خزاعة، فقطعت قريش يده، ويزعم الناس: أن الذين سرقوه وضعوه عند دويك، وكان البحر قد رمى بسفينة إلى جُدّة لرجل من تجار الروم، فتحطمت، فأخذوا خشبها فأعدّوه لتسقيفها، وكان بمكة رجل قبطي نجار، فهيأ لهم في أنفسهم بعض ما يصلحها، وكانت حية تخرج من بئر الكعبة التي كانت تطرح فيها ما يُهْدَى لها كل يوم فتتشرّق على جدار الكعبة، وكانت مما يهابون، وذلك أنه كان لا يدنو منها أحد إلا احْزَألِّتْ وكَشَّتْ وفتحت فاها، فكانوا يهابونها. فبينا هي يومًا تَتَشرَّق على جدار الكعبة، كما كانت تصنع، بعث الله إليها طائرًا فاختطفها، فذهب بها، فقالت قريش: إنا لنرجو أن يكون الله قد رضي ما أردنا، عندنا عامل رفيق، وعندنا خشب، وقد كفانا الله الحيَّة.\nفلما أجمعوا أمرهم في هدمها وبنيانها؛ قام أبو وهب بن عمرو بن عائذ بن عَبْد بنِ عمران بن مخزوم- فتناول من الكعبة حجرًا، فوثب من يده، حتى رجع إلى موضعه، فقال: يا معشر قريش، لا تُدخلوا في بنيانها من كسبكم إلا طيبًا، لا يدخل فيها مهر بَغِي، ولا بيع ربًا، ولا مظلمة أحد من الناس.\nقال ابن إسحاق: والناس ينحلون هذا الكلام للوليد [¬٢] بن المغيرة بن عبد الله بن عُمَر بن مخزوم.\nقال: ثم إن قريش تحزّأت الكعبة، فكان شق الباب لبني عبد مناف وزُهرة، وكان ما بين الركن الأسود والركن اليماني لبني مخزوم وقبائل من قريش انضموا إليهم، وكان ظهر الكعبة لبني جُمَح وسَهْم. وكان شق الحِجْر لبني عبد الدار بن قُصَيّ، ولبني أسد بن عبد العزَّى بن قصي، ولبني عدي بن كعب بن لُؤَيّ، وهو الحَطم.\nثم إن الناس هابوا هدمها، وفَرِقوا منه، فقال الوليد بن المغيرة: أنا أبدؤكم في هدمها، فأخذ المعول، ثم قام عليها، وهو يقول اللهم لم تُرَعْ، اللهم إنا لا نريد إلا الخير، ثم هدم من ناحية\n_________\n(^٨٢٥) - سيرة ابن هشام (١/ ١٢٤ صُبيح).\n_________\n[¬١]- في خ: \"ليسقفونها\".\n[¬٢]- في خ: \"الوليد\".","vol":"2","page":88},{"text":"الركنين، فتربص الناس تلك الليلة، وقالا: ننظر؛ فإن أصيب لم نهدم منها شيئًا، ورددناها كفي كانت، وإن لم يصبه شيء فقد رضي الله ما صنعنا، فأصبح الوليد من ليلته غاديًا على عمله، فهدم وهدم الناس معه، حتى إذا انتهى الهدم بهم إلى الأساس، أساس إبراهيم ﵇، أفضوا إلى حجارة خضر كالأسنة آخذ بعضها بعضًا.\nقال: فحدّثني بعض من وروي الحديث، أن رجلًا من قريش ممن كان يهدمها، أدخل عتلة بين حجرين منها ليقلع بها أيضًا أحدهما، فلما تحرك الحجر تنقَّضَتْ مكة بأسرها، فانتهوا عن ذلك الأساس.\nقال ابن إسحاق: ثم إن القبائل من قريش جمعت الحجارة لبنائها، كل قبيلة تجمع على حدة، ثم بَنَوْها، حتى بلغ البنيان موضع الركن -يعني الحجر الأسود- فاختصموا فيه، كل قبيلة تريد أن ترفعه إلى موضعه دون الأخرى، حتى تحاوروا وتخالفوا، وأعدّوا للقتال، فقرّبت بنو عبد الدار جفنة مملوءة دمًا، ثم تعاقدوا هم وبنو عدي بن كعب بن لُؤَيّ على الموت، وأدخلوا أيديهم في ذلك الدم في تلك الجفنة، فسموا \"لَعَقَةَ الدم\" فمكثت قريش على ذلك أربع ليال، أو خمسًا، ثم إنهم اجتمعوا في المسجد فتشاورا وتناصفوا. فزعم بعض أهل الرواية: أن أبا أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عُمَر بن مخزوم، وكان عامئذ أسن قريش كلهم، قال: يا معشر قريش، اجعلوا بينكم فيما تختلفون فيه أوّل من دخل من باب هذا المسجد، يقضي بينكم فيه، ففعلوا [¬١]، فكان أوّلَ داخل رسولُ الله ﷺ؛ فلما رأوه قالوا: هذا الأمين، رضينا، هذا محمد، فلما انتهى إليهم وأخبروه الخبر، قال ﷺ: \"هَلُمّ إلَيّ ثوبًا\". فأُتي به، فأخذ الركن -يعني الحجر الأسود- فوضعه فيه بيده، ثم قال: لتأخذ كل قبيلة بناحية من الثوب، ثم ارفعوه جميعًا. ففعلوا حتى إذا بلغوا به موضعه، وضعه هو بيده ﷺ ثم بُني عليه.\nوكانت قريش تسمي رسول الله ﷺ قبل أن ينزل عليه الوحي: (الأمين). فلما فرغوا من البنيان، وبنوها على ما أرادوا: قال الزبير بن عبد المطلب، فيما كان من أمر الحيّة التي كانت قريش تهاب بنيان الكعبة لها:\nعجبت لما تصوبت العُقَاب … إلى الثعبان وهي لها اضطراب\nوقد كانت يكون لها كشيشٌ … وأحيانا يكون لها وثاب\nإذا قمنا إلى التأسيس شدت … تُهَيِّبُنا البناءَ وقد تُهَابُ\nفلما أن خشينا الزَّجْرَ جاءت … عُقابٌ تتلئب لها انصباب\nفضمتها إليها ثم خَلَّتْ … لنا البنيان لبس لها حجاب\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.","vol":"2","page":89},{"text":"فَقُمْنَا حاشدين إلى بناء … لنا منه [¬١] القواعِدُ والتراب\nغداة نُرَفِّع التأسيس منه … وليس على مُسَموّينا [¬٢] ثياب\nأعزّ به المليك بني لُؤَي … فليس لأصله منهم ذَهاب\nوقد حشدت هناك بنو عدي … ومرة قد تقدَّمها كلاب\nفبوّأنا المليكُ بذاك عِزّا … وعند الله يُلْتَمَسُ الثواب\nقال ابن إسحاق: وكانت الكعبة على عهد النبي، ﷺ، ثمانية عشرَ ذراعًا، وكانت تُكسى القباطي، ثم كسيت بَعْدُ البرود، وأول من كساها الديباجَ الحجاجُ بن يوسف.\n(قلت): ولم تزل علي بناء قريش حتى احترقت [¬٣] في أول امارة عبد الله بن الزبير، بعد سنة ستين. وفي آخر [¬٤] ولاية يزيد بن معاوية، لما حاصروا ابن الزبير، فحينئذ نقضها ابن الزبير إلى الأرض، وبناها على قواعد إبراهيم ﵇، وأدخل لها الحجر وجعل فيها بابا شرقيًّا وبابًا غربيًّا ملصقين بالأرض، كما سمع ذلك من خالته عائشة أم المؤمنين [﵂] [¬٥]، [عن رسول الله ﷺ] [¬٦]، ولم تزل كذلك مدة إمارته حتى قتله الحجاج، فردّها إلى ما كانت عليه بأمر عبد الملك بن مروان له بذلك، كما قال مسلم بن حجاج في صحيحه (^٨٢٦): حدثنا هَنَّاد بن السَّرِيّ، حدثنا ابن أبي زائدة، أخبرنا ابن أبي سليمان، عن عطاء، قال: لما احترق البيت زمن يزيد بن معاوية حين غزاها أهل الشام، فكان من أمره ما كان، تركه ابن الزبير حتى قدم الناس الموسم يريد أن يُجَزئَهم [¬٧] أو يحزبهم على أهل الشام، فلما صدر الناس قال: يا أيها الناس؛ أشيروا علي في الكعبة أنقضها ثم أبني بناءها، أو أصلح ما وَهِيَ منها؟ قال ابن عباس: فإني قد فُرِق لي رأي فيها: أرى أن تصلح ما وَهِيَ منها، وتدع بيتًا أسلم الناس عليه، وأحجارًا أسلم الناس عليها، وبعث عليها - النبي، ﷺ. فقال ابن الزبير: لو كان أحدهم احترق بيته ما رضي حتى يجدده، فكيف بيت ربكم ﷿ إني مستخير ربي ثلاثًا ثم عازم على أمري، فلما مضت ثلاث أجمع رأيه على أن ينقضها، فتحاماها الناس أن ينزل بأول الناس يصعد فيه أمر من السماء، حتى صعده رجل، فألقى منه حجارة، فلما لم يره الناس أصابه شيء، تتابعوا، فنقضوه حتى بلغوا به الأرض، فجعل ابن الزبير أعمدة يستر عليها الستور، حتى ارتفع بناؤه، وقال ابن الزبير: إني سمعت عائشة ﵂ تقول: إنّ النبي، ﷺ قال: \"لولا أن الناس\n_________\n(^٨٢٦) - صحيح مسلم، كتاب الحج برقم ٤٠٢ - (١٣٣٣).\n_________\n[¬١]- في خ: \" لمنه\" والصواب ما أُثبت.\n[¬٢]- في خ: \"مساوينا\".\n[¬٣]- في خ: \"أحرقت\".\n[¬٤]- سقط من: خ.\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين زيادة من: خ.\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٧]- سقط من: خ.","vol":"2","page":90},{"text":"حديث عهدهم بكفر، وليس عندي من النفقة ما يقويني علي بنائه، لكنت أدخلت فيه من الحجر خمسة أذرع، ولجعلت له بابا يدخل الناس منه، وبابا يخرجون منه\" قال: فأنا أجد ما أنفق، ولست أخاف الناس. قال: فزاد فيه خمسة أذرع من الحجر، حتى أبدى له [¬١] أُسًّا نظر الناس إليه، فبنى عليه البناء، وكان طول الكعبة ثمانية عشر ذراعًا، فلما زاد فيه استقصره، فزاد في طوله عشرة أذرع، وجعل له بابين: أحدهما يدخل منه، والآخر يخرج منه. فلما قتل ابن الزبير؛ كتب الحجاج إلى عبد الملك يخبره بذلك، ويخبره أن ابن الزبير قد وضع البناء [على أسّ] [¬٢] نظر إليه العدول من أهل مكة، فكتب إليه عبد الملك: إنا لسنا من تلطيخ ابن الزبير في شيء، أما ما زاده في طوله فأقره. وأما ما زاد فيه من الحجر فرده إلى بنائه، وسدّ الباب الذي فتحه فنقضه، وأعاده إلى بنائه.\nوقد رواه النسائي في سننه (^٨٢٧)، عن هناد، عن يحيى بن أبي زائدة، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء، عن ابن الزبير، عن عائشة بالمرفوع منه، ولم يذكر القصة، وقد كانت السنة إقرار ما فعله عبد الله بن الزبير ﵄ [¬٣]، لأنه هو الذي ودّه رسول الله، ﷺ، ولكن خشي أن تنكره [¬٤] قلوب بعض الناس؛ لحداثة عهدهم بالإِسلام، وقرب عهدهم من الكفر، ولكن خفيت هذه السنة على عبد الملك بن مروان، ولهذا لما تحقق ذلكَ عن عائشة؛ أنها روت ذلك عن رسول الله، ﷺ، قال: وددنا أنا تركناه وما تولى.\nكما قال مسلم (^٨٢٨): حدّثني محمَّد بن حاتم، حدَّثنا محمَّد بن بكر، أخبرنا ابن جريج [¬٥]، سمعت عبد الله بن عُبَيد بن عمير، والوليد بن عطاء، يحدثان عن الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة، قال عبد الله بن عبيد: وَفَدَ الحارث بن [عبد الله] [¬٦] على عبد الملك بن مروان في خلافته، فقال عبد الملك: ما أظن أبا خُبَيب -يعني: ابن الزبير- سمع من عائشة ما كان يزعم أنه سمعه منها، قال الحارث: بلى، أنا سمعته منها. قال: سمعتها تقول ماذا؟ قال: قالت: قال رسول الله، ﷺ: \"إن قومك استقصروا من بنيان البيت، ولولا حداثة عهدهم بالشرك، أعدت ما تركوا منة، فإن بدا لقومك من بعدي أن يبنوه، فَهَلُمِّي لأرِيكِ\n_________\n(^٨٢٧) - سنن النسائي، كتاب المناسك، باب: الحجر (٥/ ٢١٨).\n(^٨٢٨) - صحيح مسلم في الحج، برقم ٤٠٣ - (١٣٣٣).\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفين سقط من: خ.\n[¬٣]- في خ: \"عنه\".\n[¬٤]- في خ: \"تنكر\".\n[¬٥]- في الأصلين ابن جرير، والمثبت من صحيح مسلم.\n[¬٦]- في خ: \"عبيد الله\".","vol":"2","page":91},{"text":"ما تركوا منه\"، فأراها قريبًا من سبعة أذرع.\nهذا حديث عبد الله بن عبيد بن عمير. وزاد عليه الوليد بن عطاء: قال النبي - صلى الله عليه. وسلم -: \"ولجعلت لها بابين موضوعين في الأرض: شرقيًّا وغربيًّا. وهل تدرين لِمَ كان قومك رفعوا بابها؟ \" قالت: قلت: لا. قال: \"تعزْزا ألا يدخلها إلا من أرادوا، فكان الرجل إذا هو أراد أن يدخلها يَدَعُونه حتى يرتقي، حتى إذا كان أن يدخل دفعوه فسقط\". قال عبد الملك: فقلت للحارث: أنت سمعتها تقول هذا؟ قال: نعم. قال: فنكت ساعة بعصاه، ثم. قال: وَدِدْت أني تركته وما تحَمَّل.\nقال مسلم (^٨٢٩): وحدّثناه محمَّد بن عمرو بن جبلة، حدثنا أبو عاصم (ح) [¬١] وحدّثنا عَبدُ بن حُمَيد، أخبرنا عبد الرزاق -كلاهما عن ابن جريج- بهذا الإسناد، مثل حديث ابن بكر.\nقال (^٨٣٠): وحدثني محمَّد بن حاتم، حدَّثنا عبد الله بن بكر السهمي، حدثنا حاتم بن أبي صغيرة، عن أبي قَزَعَةَ، أن عبد الملك بن مروان، بينما هو يطوف بالبيت إذ قال: قاتل اللهُ ابنَ الزبير؛ حيث يكذب على أم المؤمنين، يقول: سمعتها تقول: قال رسول الله ﷺ: \"يا عائشة، لولا حِدْثَانُ قومك بالكفر، لنقضت الكعبة حتى أزيد فيها من الحِجْرِ، فإن قومك قصروا في البنيان\". فقال الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة: لا تقل هذا يا أمير المؤمنين، فإني [¬٢] سمعت أم المؤمنين تحدث هذا. قال: لو كنت سمعته قبل أن أهدمه، لتركنه على ما بنى ابن الزبير. فهذا الحديث كالمقطوع به إلى عائشة أم المؤمنين؛ لأنه [¬٣] قد روي عنها من طرق صحيحة متعددة، عن الأسود بن يزيد، والحارث ابن عبد الله بنع أبي ربيعة، وعبد الله ابن الزبير، وعبد الله بن محمَّد بن أبي بكر الصدّيق، وعروة بن الزبير فدّل هذا على صواب ما فعل [¬٤]، ابن الزبير، فلو ترك لكان جيدًا.\nولكن بعد ما رجع الأمر إلى هذا الحال، فقد كره بعض العلماء أن يغير عن حاله، كما ذكر عن أمير المؤمنين هارون الرشيد، أو أبيه المهدي، أنه سأل الإِمام مالكا عن هدم الكعبة، وردها إلى [¬٥]، ما فعله ابن الزبير، فقال له مالك: يا أمير المؤمنين، لا تجعل كعبة الله مَلْعَبَةَ للملوك، لا يشاء أحد أن يهدمها إلا هدمها. فترك ذلك الرشيد.\n_________\n(^٨٢٩) - صحيح مسلم في الحج، برقم (١٣٣٣).\n(^٨٣٠) - صحيح مسلم في الحج، برقم ٤٠٤ - (١٣٣٣).\n_________\n[¬١]- في خ: \"حينئذٍ\".\n[¬٢]- في خ: \"فأنا\".\n[¬٣]- في خ: \"لأنها\".\n[¬٤]- في خ: \"علي\".\n[¬٥]- في خ: \"فعله\".","vol":"2","page":92},{"text":"نقله عياض والنووي. ولا تزال -والله أعلم- هكذا إلى آخر الزمان، إلى أن يخرِّبها ذو السويقتين من الحبشة، كما ثبت ذلك في الصحيحين (^٨٣١) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله، ﷺ: \"يخرّب الكعبة ذو السويقتين من الحبشة\" أخرجاه.\nوعن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: \"كأني به أسود أفحَجَ يقلعها حجرًا حجرًا\" رواه البخاري (^٨٣٢).\nوقال الإمام أحمد بن حنبل في مسنده (^٨٣٣)، أخبرنا [¬١] أحمد بن عبد الملك الحراني، أخبرنا [¬٢] محمَّد بن سلمة، عن ابن إسحاق، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵂، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"يخرِّب الكعبة ذو السويقتين من الحبشة، ويسلبها حليتها، ويجردها [¬٣] من كسوتها. ولكأني أنظر إليه أصَيلع أفَيدع يضرب عليها بمسحاته ومعوله\".\nالفدع: زيغ بين القدم [¬٤] وعظم الساق.\nوهذا والله أعلم إنما يكون بعد خروج يأجوج ومأجوج، لما جاء في صحيح البخاري (^٨٣٤) عن أبي سعيد الخدري، ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"ليُحجَّنَّ [¬٥] البيتُ وليعتَمَرنَّ بعد خروج يأجوج ومأجوج\".\nوقوله تعالى حكاية لدعاء إبراهيم وإسماعيل، ﵉: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَينِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَينَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٢٨)﴾.\nقال ابن جرير: يعنيان بذلك: واجعلنا مستسلمين لأمرك، خاضعين لطاعتك، لا نشرك معك في الطاعة أحدًا سواك، ولا في العبادة غيرك.\n_________\n(^٨٣١) - رواه البخاري في الحج، باب: قوله تعالى: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ …﴾ وباب: هدم الكعبة برقم (١٥٩١، ١٥٩٦) ومسلم في الفتن وأشراط الساعة برقم ٥٧ - (٢٩٠٩).\n(^٨٣٢) - رواه البخاري في الحج، باب: هدم الكعبة برقم (١٥٩٥).\n(^٨٣٣) - المسند (٢/ ٢٢٠).\n(^٨٣٤) - رواه البخاري في الحج، باب: قوله تعالى: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ …﴾ برقم (١٥٩٣).\n_________\n[¬١]- في خ: \"حدثنا\"ـ.\n[¬٢]- في خ: \"حدثنا\".\n[¬٣]- في خ: \"وتجردها\".\n[¬٤]- في م: \"القدم\".\n[¬٥]- في خ: \"لتحجن\".","vol":"2","page":93},{"text":"وقال ابن أبي حاتم (^٨٣٥): حدثنا أبي، حدثنا إسماعيل بن رجاء بن حيان الحصني القرشي، حدثنا معقل بن عبيد الله، عن عبد الكريم ﴿وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَينِ لَكَ﴾، قال: مخلصين لك ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ قال: مخلصة.\nوقال أيضًا (^٨٣٦): حدثنا علي بن الحسين، أخبرنا [¬١] المُقدمي، حدثنا سعيد بن عامر، عن سلام بن أبي مطيع في هذه الآية: ﴿وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَينِ﴾، قال: كانا مسلمين، ولكنهما سألاه الثبات.\nوقال عكرمة: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَينِ لَكَ﴾ قال الله: قد فعلت ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ قال الله: قد فعلت. وقال السدي: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ يعنيان: العرب.\nو[¬٢] قال ابن جرير: والصواب أنه يعم العرب وغيرهم؛ لأن من ذرية إبراهيم بني إسرائيل، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾.\n(قلت): وهذا الذي قاله ابن جرير لا ينفيه السدي، فإن تخصيصهم بذلك لا ينفي من عداهم، والسياق إنما هو في العرب، ولهذا قال بعده: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ﴾ الآية. والمراد بذلك محمَّد ﷺ، وقد بعث فيهم، كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ ومع هذا لا ينفي رسالته إلى الأحمر والأسود؛ لقوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيكُمْ جَمِيعًا﴾ وغير ذلك من الأدلة القاطعة.\nوهذا الدعاء من إبراهيم وإسماعيل ﵉، كما أخبرنا الله تعالى عن عباده المؤمنين المتقين، في قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾. وهذا القدر مرغوب فيه شرعًا، فإن من تمام محبة عبادة الله تعالى، أن يُحب أن يكون من صُلبه من يعبد الله وحده لا شريك له؛ ولهذا لما قال الله تعالى لإبراهيم ﵇: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ قال: ﴿قَال وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَال لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾. وهو قوله: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾، وقد ثبت في صحيح مسلم (^٨٣٧)، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: \"إذا مات ابن آدم انقطع عمله، إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له\".\n_________\n(^٨٣٥) - ابن أبي حاتم برقم ١٢٥٥ - (١/ ٣٨٥). وإسماعيل بن رجاء: ثقة.\n(^٨٣٦) - ابن أبي حاتم برقم ١٢٥٣ - (١/ ٣٨٤). وسلام ثقة، في روايته عن قتادة ضعف.\n(^٨٣٧) - رواه مسلم في الوصية برقم ١٤ - (١٦٣١).\n_________\n[¬١]- في خ: \"حدثنا\".\n[¬٢]- زيادة من: خ.","vol":"2","page":94},{"text":"﴿وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا﴾ قال ابن جريج: عن عطاء: ﴿وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا﴾ أخرجها لنا، وعلمناها. وقال مجاهد: ﴿وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا﴾ مذابحنا. وروي عن عطاءٍ أيضًا، وقتادة نحو ذلك.\nوقال سعيد بن منصور (^٨٣٨): حدثنا عتاب بن بشير، عن خُصَيف، عن مجاهد، قال: قال إبراهيم: ﴿وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا﴾، فأتاه جبرائيل، فأتى به البيت، فقال: ارفع القواعد، نرفع القواعد وأتم البنيان. ثم أخذ بيده فأخرجه، فانطق به إلى الصفا، قال: هذا من شعائر الله. [ثم انطلق به إلى المروة، فقال: هذا من شعائر الله] [¬١]. ثم انطلق به نحو مني، فلما كان من العقبة، إذا إبليس قائم عند الشجرة، فقال: كَبر وارمه، فكبر ورماه. ثم انطق إبليس، فقام عند الجمرة الوسطى، فلما جاز به جبريل وإبراهيم، قال [¬٢] له: كبر وارمه، فكبر ورماه. فذهب الخبيث إبلبس، وكان الخبيث أراد أن يُدْخل في الحج شيئًا فلم يستطع، فأخذ بيد إبراهيم حتى أتى به المشعر الحرام، فقال: هذا المشعر الحرام. فأخذ بيد إبراهيم حتى أتى به عرفات، قال: قد عرفت ما أريتك؟ قالها ثلاث مرات. قال: نعم.\nوروي عن أبي مجلز وقتادة نحو ذلك.\nوقال أبو داود الطيالسي (^٨٣٩): حدثنا حماد بن سلمة عن [أبي عاصم] [¬٣] الغنوي، عن أبي الطفيل، عن ابن عباس قال: إن إبراهيم لما أرِيَ أوامر المناسك، عرض له الشيطان عند المسعى، فسابقه إبراهيم، ثم انطلق به جبريل حتى أتى به مني فقال: \"هذا مُنَاخ الناس] [¬٤]. فلما انتهى إلى جمرة العقبة تعرض له الشيطان، فرماه بسبع حصيات، حتى ذهب [ثم أتى به الجمرة الوسطى فعرض له الشيطان فرماه بسبع حصيات، حتى ذهب] [¬٥]. ثم أتى به الجمرة [¬٦] القصوى [فعرض له الشيطان فرماه بسبع حصيات] [¬٧]، حتى ذهب، فأتى به جَمعًا، فقال: هذا المشعر. ثم أتى به عرفة. فقال: هذه عرفة. فقال له جبريل: أعرفت؟.\n_________\n(^٨٣٨) - إسناده ضعيف، لضعف خصيف بين عبد الرحمن.\n(^٨٣٩) - مسند الطيالسي برقم (٢٦٩٧). وأبو عاصم الغنوى: أورده الذهبي في الميزان (٤/ ٥٤٢) وقال: قال أبو حاتم: لا أعرفه، ولا أعرف روى عنه غير حماد بن سلمة، وقال ابن معين: ثقة. وقال الحافظ في التقريب: مقبول -أي عند المتابعة.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٢]- في خ: \"فقال\".\n[¬٣]- في: \"أبي العاصم\".\n[¬٤]- في خ: \"مناخ الناس هذا\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٦]- في خ: \"جمرة\".\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين زيادة من: خ.","vol":"2","page":95},{"text":"رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٢٩)﴾\nيقول تعالى إخبارًا عن تمام دعوة إبراهيم لأهل الحرم أن يبعث الله فيهم رسولًا منهم، أي من ذرية إبراهيم، وقد وافقت هذه الدعوة المستجابة قدر الله السابق في تعيين محمَّد صلوات الله وسلامه عليه رسولا في الأميين، إليهم وإلى سائر الأعجمين من الإنس والجن، كما قال الإِمام أحمد (^٨٤٠): حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن معاوية بن صالح، حدثنا [¬١] سعيد بن سُوَيد الكلبي، عن عبد الأعلي بن هلال السلمي، عن العرباض بن سارية: قال: قال رسول الله، صدى الله عليه وسلم: \"إني عند الله لخاتم النبيين، وإن آدم لمنجدل في طينته، وسأنبئكم بأول ذلك، دعوة أبي إبراهيم، وبشارة عيسى بي، ورؤيا أمي، التي رأت، وكذلك أمهمات النبيين يَرَينَ\".\nوكذلك [¬٢] رواه ابن وهب، والليث، وكاتبه عبد الله بن صالح، عن معاوية بن صالح، وتابعه أبو بكر بن أبي مريم، عن سعيد بن سُوَيد، له.\nوقال الإِمام أحمد (^٨٤١) أيضًا: حدثنا أبو النضر، حدثنا الفرج، حدثنا لقمان بن عامر، قال: سمعت أبا أمامة قال: قلت: يا رسول الله، ما كان أول بدء أمرك؟ قال: \"دعوة أبي إبراهيم، وبشرى عيسى بي [¬٣]، ورأت أمي أنه خرج منها نور أضاءت له قصور الشام\".\n_________\n(^٨٤٠) - المسند ١٧٢٠٠ - (٤/ ١٢٧). وسعيد بن سويد الكلبي: ذكره ابن حبان في الثقات. وقال البخاري: لم يصح حديثه -يعني الذي رواه معاوية عنه مرفوعًا: \"إني عبد الله وخاتم النبيين .... \" وخالفه ابن حبان والحاكم فصححاه، فقال الحاكم \"في المستدرك ٢/ ٤١٨\": صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.\nوعبد الأعلي بن هلال السلمي: ترجمه البخاري في الكبير (٦/ ٦٨) ولم يذكر فيه جرحًا، وكذا ابن أبي حاتم، ولم يذكر أيضًا فيه جرحًا (٣/ ١ / ٢٥) ويستدرك على الحافظ في التعجيل. والحديث أخرجه الطبراني في الكبير (١٨/ ٢٥٢) حديث (٦٢٩) - (٦٣١). وقال الهيثمي في \"المجمع (٨/ ٢٢٦): واحد أسانيد أحمد رجاله رجال الصحيح غير سعيد بن سويد وثقه ابن حبان.\n(^٨٤١) - إسناده ضعيف من أجل الفرج بن فضالة. والحديث في المسند ٢٢٣٦١ - (٥/ ٢٦٢). وأخرجه الطبراني في الكبير (٨/ ٢٠٥، ٢٠٦ / رقم: ٧٧٢٩) من طرق عن فرج بن فضالة، به. وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ٢٢٢) وعزاه لأحمد والطبراني وقال عن إسناد أحمد: \"وإسناده حسن، وله شواهد تقويه\".\n_________\n[¬١]- في خ: \"عن\".\n[¬٢]- في خ: \"وكذا\".\n[¬٣]- سقط من: خ.","vol":"2","page":96},{"text":"والمراد: أن أول من نوه بذكره وشهره في الناس إبراهيم ﵇ - ولم يزل ذكره في الناس مذكورًا مشهورًا سائرًا حتى أفصح به خاتم أنبياء بني إسرائيل نسبًا، وهو عيسى بن مريم ﵇، حيث قام في بني إسرائيل خطيبًا، وقال: ﴿إني رسول الله إليكم [مصدقًا لما بين يدي من التوراة] [¬١] ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد﴾. ولهذا قال في هذا الحديث: دعوة أبي إبراهيم، وبشرى عيسى بن مريم.\nوقوله: \"ورأت أمي أنه خرج منها نور أضاءت له قصور الشام! \". قيل: كان منامًا رأته حين حملت به، وقصته على قومها فشاع فيهم واشتهر بينهم، وكان ذلك توطئة، وتخصيص الشام بظهور نوره إشارة إلى استقرار دينه وثبوته ببلاد الشام، ولهذا تكون [¬٢] الشام في آخر الزمان. معقلًا للإسلام وأهله، وبها ينزل عيسى بن مريم إذا نزل بدمشق بالمنارة الشرقية البيضاء منها، ولهذا جاء في الصحيحين: \"لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم، حتى يأتي أمر الله، وهم كذلك\" (^٨٤٢)، وفي صحيح البخاري: \"وهم بالشام\" (^٨٤٣).\nو[¬٣] قال أبو جعفر الرازي: عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، في قوله: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ يعني أمة محمَّد ﷺ. فقيل له: قد أستجيب لك، وهو كائن في آخر الزمان. وكذا قال السدي وقتادة.\nوقوله تعالى: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ﴾، يعني القرآن: ﴿وَالْحِكْمَةَ﴾ يعني: السنة، قاله الحسن، وقتادة، ومقاتل بن حيان، وأبو مالك، وغيرهم. وقيل: الفهم في الدين. ولا منافاة.\n﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾ قال علي بن أبي طلحة: عن ابن عباس، يعني: طاعة الله، والإخلاص. وقال محمَّد بن إسحاق: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ قال: يعلمهم الخير فيفعلوه،\n_________\n(^٨٤٢) - هذا لفظ حديث ثوبان عند مسلم في كتاب الإمارة برقم ١٧٠ - (١٩٢٠). وهو عند البخاري في كتاب التوحيد، باب: قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ﴾ برقم (٧٤٦٠) من حديث معاوية ﵁، وبرقم (٧٤٥٩) من حديث المغيرة ﵁. ورواه أيضًا مسلم بنحوه من حديث معاوية في كتاب الإمارة برقم ١٧٤ - (١٠٣٧)، ومن حديث المغيرة برقم ١٧١ - (١٩٢١).\n(^٨٤٣) - رواه البخاري في كتاب التوحيد، باب: قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ﴾ برقم (٧٤٦٠) من حديث معاذ ﵁.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٢]- في خ: \"يكون\".\n[¬٣]- زيادة من: خ.","vol":"2","page":97},{"text":"والشر فيتقوه، ويخبرهم برضا الله عنهم إذا أطاعوا [¬١]؛ ليستكثروا [¬٢] من طاعته، ويجتنبوا [¬٣] ما يسخطه [¬٤] من معصيته.\nوقوله: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ أي: العزيز الذي لا يعجزه شيء، وهو قادر على كل شيء، الحكيمُ في أفعاله وأقواله، فيضع الأشياءَ في محالها؛ لعلمه وحكمته وعدله.\n﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إلا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَينَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٣٠) إِذْ قَال لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَال أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالمِينَ (١٣١) وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٣٢)﴾\nيقول ﵎ ردًّا [على الكفار] [¬٥] فيما ابتدعوه وأحدثوه من الشرك بالله، المخالف لملة إبراهيم الخليل إمام الحنفاء؛ فإنه جرد توحيد ربه ﵎، فلم يدع معه غيره، ولا أشرك به طرفة عين، وتبرأ من كل معبود سواه، وخالف في ذلك سائر قومه، حتى تبرأ من أبيه فقال ﴿يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٧٨) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾، [أو قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَال إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إلا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾] [¬٦] وقال تعالى ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إلا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ وقال تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٠) شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٢١) وَآتَينَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ ولهذا وأمثاله قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ﴾ أي: عن طريقته ومنهجه، فيخالفها ويرغب عنها ﴿إلا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ أي ظلم نفسه بسفهه وسوء تدبيره بتركه الحق إلى الضلال، حيث خالف طريق من اصطفي في الدنيا للهداية والرشاد من حداثة سنه، إلى أن اتخذه الله خليلًا وهو في الآخرة من الصالحين السعداء، [فمن ترك] [¬٧] طريقه هذا ومسلكه وملته واتبع طرق الضلالة والغي، فأي سفه أعظم من هذا؟ أم أي ظلم أكبر من هذا كله [¬٨]؟؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ\n_________\n[¬١]- في خ: \"أطاعوه\".\n[¬٢]- في خ: \"واستكثروا\".\n[¬٣]- في خ: \"وتجنبوا\".\n[¬٤]- في خ: \"السخط\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين في خ: مكررة.\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين في خ: \"فترك\".\n[¬٨]- سقط من: خ.","vol":"2","page":98},{"text":"عَظِيمٌ﴾.\nوقال أبو العالية وقتادة: نزلت هذه الآية في اليهود، أحدثوا طريقًا ليست من عند الله، وخالفوا ملة إبراهيم فيما أحدثوه، ويشهد لصحة هذا القول قول الله تعالى: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٦٧) إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾.\nوقوله تعالى: ﴿إِذْ قَال لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَال أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالمِينَ﴾ أي: أمره الله تعالى بالإخلاص له، والاستسلام والانقياد، فأجاب إلى ذلك شرعًا وقدرًا. وقوله: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ﴾، أي: وصى بهذه الملة -وهي الإِسلام- لله [أو يعود الضمير على الكلمة، وهي قوله: ﴿أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالمِينَ﴾] [¬١] لحرصهم [¬٢] عليها ومحبتهم لها حافظوا عليها، إلى حين الوفاة، ووصوا أبناءهم بها من بعدهم.\n[كقوله تعالى: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾، وقد قرأ بعض السلف: ويعقوبَ بالنصب عطفًا على بنيه، كأن إبراهيم وصى بنيه وابنَ ابنه يعقوبَ بن إسحاق، وكان حاضرًا ذلك. وقد ادعى القشيري فيما حكاه القرطبي عنه: أن يعقوب إنما ولد بعد وفاة إبراهيم، ويحتاج مثل هذا إلى دليل صحيح، والظاهر -والله أعلم- أن إسحاق ولد له يعقوب في حياة الخليل وسارة؛ لأن البشارة وقعت بهما في قوله: ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾، وقد قرئ بنصب يعقوب ها هنا على نزع الخافض، فلو لم يوجد يعقوب في حياتهما؛ لما كان لذكره من بين ذرية إسحاق كبير فائدة، وأيضًا فقد قال الله تعالى في سورة العنكبوت: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ الآية، وقال في الآية الأخرى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً﴾ وهذا يقتضي أنه وجد في حياته، وأيضًا فإنه باني بيت المقدس، كما نطقت بذلك الكتب (١) المتقدمة، وثبت في الصحيحين (^٨٤٤) من حديث أبي ذر، قلت: يا رسول الله! أيُّ مسجد وضع أولُ؟ قال: \"المسجد الحرام\" قلت: ثم أي. قال: \"بيت المقدس\". قلت: كم بينهما؟ قال: \"أربعون سنة\" الحديث.\nفزعم ابن حبان أن بين سليمان -الذي اعتقد أنه باني بيت المقدس وإنما كان جدده بعد خرابه وزخرفه- وبين إبراهيم أربعين سنة، وهذا مما أنكر على ابن حبان، فإن المدة بينهما تزيد على ألوف السنين، والله أعلم، وأيضًا فإن وصية يعقوب لبنيه سيأتي ذكرها قريبًا، وهذا يدل على أنه\n_________\n(^٨٤٤) - رواه البخاري في أحاديث الأنبياء باب (١٠) برقم (٣٣٦٦) ورواه مسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة برقم ١ - (٥٢٠).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٢]- في خ: \"لحرفتهم\".","vol":"2","page":99},{"text":"ها هنا من جملة الموصين، وقوله:] [¬١] ﴿يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ أي: أحسنوا في حال الحياة، والزموا هذا ليرزقكم الله الوفاة عليه. فإن المرء يموت غالبًا على ما كان عليه، ويبعث على ما مات عليه، وقد أجرى الله الكريم عادته بأن من قصد الخير وفق له ويسر عليه، ومن نوى صالحًا ثبت عليه؛ وهذا لا يعارض ما جاء في الحديث الصحيح [¬٢]: \"إن [¬٣] الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة، حتى ما يكون بينه وبينها إلا باع أو ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار، فيدخلها. وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار، حتى ما يكون بينه وبينها إلا باع أو ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل الجنة، [فيدخلها\" (^٨٤٥).\nلأنه قد جاء في بعض روايات هذا الحديث: \"فيعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس، ويعمل بعمل أهل النار فيما يبدو للناس\" (^٨٤٦)] [¬٤] وقد قال الله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى [¬٥] (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾.\n﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَال لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٣) تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾\nيقول تعالى محتجًّا على المشركين من العرب أبناء إسماعيل، وعلى الكفار من بني إسرائيل- وهو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم -عليهم [¬٦] السلام - بأن يعقوب لما حضرته الوفاة، وصى\n_________\n(^٨٤٥) - البخاري من حديث ابن مسعود في كتاب أحاديث الأنبياء، باب: خلق آدم وذريته برقم (٣٣٣٢)، وطرفه (٦٥٩٤). ورواه مسلم في القدر (٢٦٤٣)، وأبو داود في السنة (٤٠٨٥)، والترمذي في القدر (٢١١٣) وابن ماجه (٧٦). وأحمد برقم (٣٩٢٤ إحياء التراث).\n(^٨٤٦) - رواه البخاري درقم (٢٨٩٨) من حديث سهل بن سعد، وطرفه (٤٢٠٢، ٤٢٠٧)، ورواه مسلم (١١٢) في الإيمان، وأحمد (٢٢٣٠٦ إحياء التراث).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- في خ: \"فإن\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٥]- سقط من: خ.\n[¬٦]- في خ: \"عليه\".","vol":"2","page":100},{"text":"بنيه بعبادة الله وحده لا شريك له، فقال لهم: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾، وهذا من باب التغليب؛ لأن إسماعيل عمه.\n[قال النحاس: والعرب تسمي العم أبًا، نقله القرطبي، وقد استدل بهذه الآية الكريمة من جعل الجد أبًا، وحجب به الإخوة، كما هو قول الصديق، حكاه البخاري عنه من طريق ابن عباس وابن الزبير، ثم قال البخاري: ولم يختلف عليه، وإليه ذهبت عائشة أم المؤمنين. وبه يقول الحسن البصري وطاووس، وعطاء؛ وهو مذهب أبي حنيفة، وغير واحد من السلف والخلف. وقال مالك، والشافعي، وأحمد في المشهور عنه: إنه يقاسم الإخوة. وحُكي ذلك عن عمر، وعثمان وعلي، وابن مسعود، وزيد بن ثابت، وجماعة من السلف والخلف. واختاره صاحبا أبي حنيفة: القاضي أبو يوسف، ومحمد بن الحسن. ولتقريرها موضع آخر.\nوقوله] [¬١] ﴿إِلَهًا وَاحِدًا﴾: أي: نوحده بالألوهية، ولا نشرك به شيئًا غيره، ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾: أي: مطيعون خاضعون؛ كما قال تعالى: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ [¬٢]﴾ والإِسلام: هو ملة الأنبياء قاطبة، وإن تنوعت شرائعهم، واختلفت مناهجهم، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي [¬٣] إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾. والآيات في هذا كثيرة، والأحاديث، فمنها قوله [ﷺ] [¬٤]: \"نحن معشر الأنبياء أولاد عَلَّات ديننا واحد .... \" (^٨٤٧).\nوقوله تعالى: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ﴾، أي: مضت ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ﴾، أي: إن السلف الماضين من آبائكم من الأنبياء والصالحين لا ينفعكم انتسابكم إليهم إذا [¬٥] لم تفعلوا خيرًا يعود نفعه عليكم؛ فإن لهم أعمالهم التي عملوها، ولكم أعمالكم ﴿وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.\nوقال أبو العالية والربيع وقتادة ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ﴾: يعني: إبراهيم وإسماعيل،\n_________\n(^٨٤٧) - رواه البخاري في أحاديث الأنبياء، باب: قول الله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ …﴾ برقم (٣٤٤٢، ٣٤٤٣) من حديث أبي هريرة ﵁. وأولاد العلات: هم الإخوة من الأب وأمهاتهم شتى.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٢]- في خ: \"ترجعون\".\n[¬٣]- في خ: \"يوحي\".\n[¬٤]- في خ: \"﵇\".\n[¬٥]- في خ: \"إذ\".","vol":"2","page":101},{"text":"وإسحاق، ويعقوب، والأسباط.\n[ولهذا جاء في الأثر: \"من أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه\" (^٨٤٨).] [¬١]\n﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٣٥)﴾\nقال محمد بن إسحاق (^٨٤٩): حدثني محمَّد بن أبي محمَّد، حدثني سعيد بن جبير أو عكرمة، عن ابن عباس، قال: قال عبد الله بن صوريا الأعور لرسول الله ﵌: ما الهدى إلا ما نحن عليه، فاتبعنا يا محمَّد تهتد. وقالت النصارى مثل ذلك، فأنزل الله ﷿: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا﴾.\nوقوله: ﴿قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ أي لا نريد ما دعوتمونا [¬٢] إليه من اليهودية والنصرانية، بل نتبع: ﴿مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ أي مستقيمًا. قاله محمَّد بن كعب القرظي، وعيسى بن جارية [¬٣].\nوقال خصيف، [عن مجاهد] [¬٤] مخلصًا. وروى علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: حاجًّا (^٨٥٠). وكذا روي عن الحسن والضحاك وعطية والسدي.\nوقال أبو العالية: الحنيف الذي يستقبل البيت بصلاته، ويرى أن حجه عليه إن استطاع إليه سبيلًا.\nوقال مجاهد، والربيع بن أنس: حنيفًا، أي [¬٥] متبعًا، وقال أبو قلابة: الحنيف الذي يؤمن بالرسل كلهم من أوّلهم إلى آخرهم.\nوقال قتادة: الحنيفية شهادة ألَّا إله إلا الله؛ يدخل فيها تحريم الأمهات والبنات والخالات والعمات، وما حرّم الله ﷿، والختان.\n_________\n(^٨٤٨) - رواه مسلم من حديث أبي هريرة مرفوعًا برقم (٢٦٩٩)، وأبو داود (٢١٥٨)، والترمذي (٢٩٤٥).\n(^٨٤٩) - إسناده ضعيف، ورواه ابن جرير ٢٠٩٠ - (٣/ ١٠١ - ١٠٢)، وابن أبي حاتم ١٣٠٠ - (١/ ٣٩٦).\n(^٨٥٠) - إسناده منقطع، ورواه ابن جرير ٢٠٩٧ - (٣/ ١٠٦)، وابن أبي حاتم ١٣٠١ - (١/ ٣٩٦).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٢]- في خ: \"دعوتم\".\n[¬٣]- في خ: \"حارثة\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٥]- سقط من: خ.","vol":"2","page":102},{"text":"﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٦)﴾\nأرشد الله تعالى عباده المؤمنين إلى الإيمان بما أنزل إليهم بواسطة رسوله محمَّد ﷺ مفصلًا، وما أنزل على الأنبياء المتقدمين مجملًا، ونص على أعيان من الرسل، وأجمل ذكر بقية الأنبياء، وألَّا [¬١] يفرّقوا بين أحد منهم، بل يؤمنوا بهم كلهم، ولا يكونوا كمن قال الله فيهم ﴿وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾ الآية.\nوقال البخاري (^٨٥١): حدّثنا محمَّد بن بشار، حدثنا عثمان بن عُمَر، أخبرنا علي بن المبارك، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أي هريرة؛ قال: كان أهل الكتاب يقرءون التوراة بالعبرانية، ويفسرونها بالعربية لأهل الإِسلام، فقال رسول الله ﵌: \"لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم و[¬٢] ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ \" الآية.\nوقد روى مسلم وأبو داود والنسائي من حديث عثمان بن حكيم، عن سعيد بن يسار، عن ابن عباس (^٨٥٢)؛ قال: كان رسول الله ﷺ أكثر ما يصلي الركعتين اللتين قبل الفجر بـ ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ الآية، والأخرى بـ ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾.\nوقال أبو العالية والربيع وقتادة: الأسباط بنو يعقوب اثنا عشر رجلًا، ولد كل رجل منهم أمّة من الناس، فسموا الأسباط.\n[وقال الخليل بن أحمد وغيره: الأسباط في بني إسرائيل، كالقبائل في بني إسماعيل. وقال الزمخشري في الكشاف: الأسباط حفدة يعقوب، ذراري أبنائه الاثنى عشر. وقد نقله الرازي\n_________\n(^٨٥١) - رواه البخاري في التفسير، سورة البقرة، باب: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ برقم (٤٤٨٥).\n(^٨٥٢) - رواه مسلم في كتاب صلاة المسافرين، برقم ٩٩ - (٧٢٧) وأبو داود في الصلاة، باب: تخفيفهما -يعني ركعتي الفجر- برقم (١٢٥٩)، والنسائي في الافتتاح (٢/ ١٥٥). ورواه أحمد في المسند برقم ٢٠٢٨، ٢٠٨٦.\n_________\n[¬١]- في خ: \"وأنهم\".\n[¬٢]- سقط من: ت.","vol":"2","page":103},{"text":"عنه وقرّره ولم يعارضه.\nوقال البخاري: الأسباط قبائل في بني إسرائيل، وهذا يقتضي أن المراد بالأسباط ها هنا شعوب بني إسرائيل، وما أنزل الله من الوحي على الأنبياء الموجودين منهم. كما قال موسى لهم: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾ الآية.\nوقال تعالى: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا﴾ قال القرطبي: وسموا الأسباط: من السبط وهو التتابع، فهم جماعة، وقيل: أصله: من السبط بالتحريك وهو الشجر، أي: في الكثرة بمنزلة الشجرة الواحدة سبطة. وقال الزجاج: ويبين لك هذا، ما حدّثنا محمَّد بن جعفر الأنباري، حدثنا أبو نجيد الدقاق، حدثنا الأسود بن عامر، حدثنا إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: كل الأنبياء من بني إسرائيل إلا عشرة: نوح وهود وصالح، وشعيب، وإبراهيم، وإسحاق، ويعقوب، وإسماعيل، ومحمد عليهم الصلاة والسلام. قال القرطبي: السبط: الجماعة والقبيلة، والراجعون إلى أصل واحد] [¬١].\nوقال قتادة: أمر الله المؤمنين أن يؤمنوا به، ويصدقوا بكتبه كلها وبرسله.\nوقال سليمان بن حبيب: إنما أمرنا أن نؤمن بالتوراة والإنجيل، ولا نعمل بما فيهما.\nوقال ابن أبي حاتم (^٨٥٣): حدثنا محمَّد بن محمَّد بن مصعب الصوري، أخبرنا مؤمَّل، حدثنا عبيد الله بن أبي حميد، عن أبي المليح، عن معقل بن يسار، قال: قال رسول الله ﷺ: \"آمنوا بالتوراة والزبور والإنجيل، وليسعكم القرآن\". ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٣٧) صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ (١٣٨)﴾\nيقول تعالى: ﴿فَإِنْ آمَنُوا [بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ] [¬٢]﴾، [يعني: الكفار من أهل الكتاب، وغيرهم بمثل ما آمنتم به، يا] [¬٣] أيها المؤمنون من الإيمان بجميع كتب الله ورسله، ولم يفرّقوا بين أحد منهم ﴿فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ أي: فقد أصابوا الحق، وأرشدوا إليه. ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ أي عن\n_________\n(^٨٥٣) - تفسير ابن أبي حاتم ١٣١٢ - (١/ ٤٠٠)، وفي إسناده عبيد الله بن أبي حميد متفق على ضعفه ويروي عن أبي المليح عجائب. انظر: الميزان (٣/ ٥) والتهذيب (٧/ ٩).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ت.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.","vol":"2","page":104},{"text":"الحق إلى الباطل، بعد قيام الحجة عليهم: ﴿فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾ أي: فسينصرك عليهم، ويظفرك بهم ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾.\nوقال ابن أبي حاتم (^٨٥٤): قرئ على يونس بن عبد الأعلى، حدثنا ابن وهب، حدثنا زياد بن يونس، حدّثنا نافع بن أبي نعيم، قال: أرسل إلى بعض الخلفاء مصحف عثمان [بن عفان] [¬١] ليصلحه، قال زياد: فقلت له: إن الناس ليقولون: إن مصحفه كان في حجره حين قتل، فوقع الدم على ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ فقال نافع: بصرت عيني بالدم على هذه الآية وقد قَدُم.\nوقوله: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ قال الضحاك عن ابن عباس: دين الله.\nوكذا روي عن مجاهد وأبي العالية، وعكرمة، وإبراهيم، والحسن، وقتادة، والضحاك، وعبد الله بن كثير، وعطية العوفي، والربيع بن أنس، والسدي نحو ذلك.\n[وانتصاب صبغة الله: إما على الإغراء؛ كقوله: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ﴾ أي الزموا ذلك عليكموه. وقال بعضهم: بدلًا مني قوله: ﴿مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ﴾. وقال سيبويه: هو مصدر مؤكد انتصب عن قوله: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ﴾، كقوله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ﴾] [¬٢].\nوقد ورد في حديث رواه ابن أبي حاتم (^٨٥٥)، وابن مردويه من رواية أشعث بن إسحاق، [عن جعفر بن أبي المغيرة] [¬٣] عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: أن نبي الله ﷺ، قال: \"إن بني إسرائيل قالوا: يا موسى هل يصبغ ربك؟ فقال: اتقوا الله. فناداه ربه: يا موسى، سألوك هل يصبغ ربك؟ فقل: نعم: أنا أصبغ الألوان: الأحمر والأبيض والأسود، والألوان كلها من صبغي. وأنزل الله على نبيه ﷺ: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً﴾ \".\nكذا وقع في رواية ابن مردويه مرفوعًا، وهو في رواية ابن أبي حاتم موقوف، وهو أشبه إن صح إسناده، والله أعلم.\n﴿قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ\n_________\n(^٨٥٤) - تفسير ابن أبي حاتم ١٣٢١ - (١/ ٤٠٢).\n(^٨٥٥) - تفسير ابن أبي حاتم ١٣٢٣ - (١/ ٤٠٣) ومن طريقه أبو الشيخ في العظمة برقم ١٣٨ - (٢/ ٤٥٢).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: م.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٣]- زيادة من ابن أبي حاتم، ومن العظمة.","vol":"2","page":105},{"text":"مُخْلِصُونَ (١٣٩) أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٤٠) تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٤١)﴾\nيقول الله [¬١] تعالى مرشدًا نبيه -صلوات الله وسلامه عليه- إلى درء مجادلة المشركين: ﴿قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ﴾. أي: أتناظروننا في توحيد الله، والإخلاص له، والانقياد، واتباع أوامره، وترك زواجره، ﴿وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ﴾ المتصرف فينا وفيكم، المستحق لإخلاص الإلهية له وحده لا شريك له، ﴿وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾. أي: نحن برآء منكم [ومما تعبدون] [¬٢]، وأنتم برآء منا، كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾. وقال تعالى: ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾ إلى آخر الآية. وقال تعالى إخبارًا عن إبراهيم: ﴿وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ﴾. إلى آخر الآية. وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ﴾. الآية.\nوقال في هذه الآية الكريمة: ﴿[وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ] [¬٣] وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ﴾ أي نحن براء منكم، كما أنتم براء منا، ونحن له مخلصون؛ أي: في العبادة والتوجه. ثم أنكر تعالى عليهم في دعواهم أن إبراهيم ومن ذكر بعده من الأنبياء والأسباط كانوا على ملتهم: إما اليهودية، وإما [¬٤] النصرانية، فقال: ﴿قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ﴾ يعني: بل الله أعلم، وقد أخبر أنهم لم يكونوا هودًا ولا نصارى، كما قال تعالى: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. الآية والتي بعدها.\nوقوله: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ﴾.\nقال الحسن البصري: كانوا يقرءون في كتاب الله الذي أتاهم؛ إن الدين الإِسلام، وإن محمدًا رسول الله، وإن إبراهيم وإسماعيل، وإسحاق، ويعقوب، والأسباط كانوا برآء من اليهودية والنصرانية، فشهد الله بذلك، وأقروا به على أنفسهم لله، فكتموا شهادة الله عندهم في [¬٥] ذلك.\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٤]- في خ: \"أو\".\n[¬٥]- في ت: \"من\".","vol":"2","page":106},{"text":"وقوله: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ تهديد، ووعيد شديد، أي إن [¬١] علمه محيط بعملكم، وسيجزيكم عليه. ثم قال تعالى: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ﴾. أي: قد مضت، ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ﴾. أي: لهم أعمالهم، ولكم أعمالكم، ﴿وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ وليس يغني عنكم انتسابكم إليهم، من غير متابعة منكم لهم، ولا تغترّوا بمجرّد النسبة إليهم، حتى تكونوا [منقادين مثلهم] [¬٢] لأوامر الله، واتباع رسله الذين [¬٣] بعثوا مبشرين ومنذرين، فإنه من كفر بنبي واحد فقد كفر بسائر الرسل، ولا سيما من كفر بسيد الأنبياء، وخاتم المرسلين، ورسول رب العالمين إلى جميع الإنس والجن من سائر المكلفين، صلوات الله وسلامه عليه، وعلى سائر أنبياء الله أجمعين.\n﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٤٢) وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٤٣)﴾\n[قيل: المراد بالسفهاء ها هنا مشركو العرب، قاله الزجاج. وقيل: أحبار يهود، قاله مجاهد. وقيل: المنافقون، قاله السدي. والآية عامة في هؤلاء كلهم، والله أعلم] [¬٤].\nقال البخاري (^٨٥٦): حدثنا أبو نعيم، سمع زهيرًا، عن أبي إسحاق، عن البراء ﵁ أن رسول الله ﷺ صلى إلى بيت المقدس ستة عشر شهرًا، أو سبعة عشر شهرًا، وكان يعجبه أن تكون قبلته قبل [¬٥] البيت، وأنه صلى أول صلاة صلاها صلاة العصر، وصلى معه قوم، فخرج رجل ممن كان صلى معه، فمرَّ [¬٦] على أهل المسجد، وهم راكعون،\n_________\n(^٨٥٦) - رواه البخاري في كتاب التفسير، باب: سورة البقرة، باب: قوله تعالى ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ …﴾ برقم (٤٤٨٦).\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- في خ: \"مثلهم منفادين\".\n[¬٣]- في خ: \"الذي\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٥]- في خ: \"قبلة\".\n[¬٦]- في خ: \"يمر\".","vol":"2","page":107},{"text":"فقال: أشهد بالله؛ لقد صليت مع النبي ﷺ قبل مكة، فداروا كما هم قبل البيت؛ وكان الذي قد [¬١] مات على القبلة قبل أن تحول قبل البيت رجالًا قتلوا، لم ندر ما نقول فيهم، فأنزل الله ﷿: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾.\nانفرد به البخاري من هذ الوجه. ورواه مسلم من وجه آخر (^٨٥٧).\nوقال محمَّد بن إسحاق: حدثني إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي إسحاق، عن البراء قال: كان رسول الله ﷺ يصلي نحو بيت [¬٢] المقدس، ويكثر النظر إلى السماء، ينتظر أمر الله، فأنزل الله: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾. فقال رجال [¬٣] من المسلمين: وددنا لو علمنا عِلْم من مات منا قبل أن نصرف [¬٤] إلى القبلة، وكيف بصلاتنا نحو بيت المقدس، فأنزل الله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾، وقال السفهاء من الناس -وهم أهل الكتاب-: ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها؟ فأنزل الله: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ …﴾. إلى آخر الآية.\nوقال ابن أبي حاتم (^٨٥٨): حدثنا أبو زرعة، حدثنا الحسن بن عطية، حدثنا إسرائيل، عن أبى إسحاق، عن البراء قال: كان رسول الله ﷺ قد صلى نحو بيت المقدس ستة عشر أو سبعة عشر شهرًا، وكان يحب أن يوجه نحو الكعبة، فأنزل الله: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾. قال: فوجه نحو الكعبة. وقال السفهاء في الناس-[وهم] [¬٥] اليهود-: ﴿مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ فأنزل الله: ﴿قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.\nوقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس (^٨٥٩): إن رسول الله ﷺ لما هاجر إلى المدينة؛ أمره الله تعالى أن يستقبل بيت المقدس، ففرحت اليهود، فاستقبلها رسول الله ﷺ بضعة عشر شهرًا، وكان رسول الله ﷺ يحب قبلة إبراهيم، فكان يدعو\n_________\n(^٨٥٧) - صحيح مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة برقم ١١ - (٥٢٥).\n(^٨٥٨) - ابن أبي حاتم ١٣٢٨ - (١/ ٢٤٨).\n(^٨٥٩) - رواه ابن أبي حاتم بإسناده إلى علي بن أبي طلحة ١٣٢٩ - (١/ ٢٤٨).\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- في خ: \"البيت\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"رجل\".\n[¬٤]- في خ: \"تصرف\".\n[¬٥]- في خ: \"هم\".","vol":"2","page":108},{"text":"الله، وينظر إلى السماء، فأنزل الله ﷿: ﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾. أي نحوه فارتاب من ذلك اليهود، وقالوا: ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها؟ فأنزل الله: ﴿قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.\nوقد جاء في هذا الباب أحاديث كثيرة، وحاصل الأمر: أنه قد كان رسول الله ﷺ أمِرَ باستقبال الصخرة من بيت المقدس، فكان بمكة يصلي بين الركنين، فتكون [¬١] بين يديه الكعبة، وهو مستقبل صخرة بيت المقدس، فلما هاجر إلى المدينة تعذر الجمع بينهما، فأمره الله بالتوجه إلى بيت المقدس، [قاله ابن عباس، والجمهور.\nثم اختلف هؤلاء هل كان الأمر به بالقرآن أو بغيره؟ على قولين: وحكى القرطبي في تفسيره عن عكرمة وأبي العالية والحسن البصري: أنّ التوجه إلى بيت المقدس، كان باجتهاده ﵇.\nوالمقصود: أنّ التوجه إلى بيت المقدس بعد مقدمه ﷺ المدينة] [¬٢]، واستمرّ [¬٣] الأمر على ذلك بضعة عشر شهرًا، وكان يكثر الدعاء والابتهال أن يوجه إلى الكعبة، التي هي قبلة إبراهيم ﵇ فأجيب إلى ذلك، وأمر بالتوجه إلى البيت العتيق، فخطب رسول الله ﷺ الناسَ فأعلمهم [¬٤] بذلك، وكان أوّل صلاة صلاها إليها صلاة العصر، كما تقدم في الصحيحين، من رواية البراء.\nووقع عند النسائي (^٨٦٠) من رواية أبي سعيد بن المعلى أنها الظهر. وقال: [كنت أنا وصاحبي أوّل من صلى إلى الكعبة.\nوذكر غير واحد من المفسرين، وغيرهم، أن تحويل القبلة نزل على رسول الله، وقد صلى ركعتين من الظهر، وذلك في مسجد بني سلمة فسمي مسجد القبلتين، وفي حديث نويلة بنت مسلم، أنهم جاءهم الخبر بذلك في صلاة الظهر، قالت: فتحوّل الرجالُ مكان النساءِ، والنساءُ مكانَ الرجالِ. ذكره الشيخ أبو عمر بن عبد البر النمري] [¬٥].\nوأما أهل قباء فلم يبلغهم الخبر إلى صلاة الفجر من اليوم الثاني، كما جاء في الصحيحين،\n_________\n(^٨٦٠) - سنن النسائي الكبرى برقم (١١٠٠٤).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"فيكون\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في ز، خ: \"فاستمر\".\n[¬٤]- في خ: \"وأعلمهم\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.","vol":"2","page":109},{"text":"عن ابن عمر (^٨٦١) ﵄ أنه قال: بينما الناس بقباء في صلاة الصبح، إذ جاءهم آت، فقال: إن رسول الله ﷺ [قد أنزل عليه الليلة قرآن] [¬١]، وقد أمر أن يستقبل الكعبة، فاستقبلوها. وكانت وجوههم إلى الشام فاستداروا إلى الكعبة.\nوفي هذا دليل على أنّ الناسخ لا يلزم حكمه إلا بعد العلم به، وإن تقدم نزوله وإبلاغه؛ لأنهم لم يؤمروا بإعادة العصر والمغرب والعشاء، والله أعلم.\nولما وقع هذا حصل لبعض الناس من أهل النفاق والريب، والكفرة من اليهود ارتياب وزيغٌ عن الهدى، وتخبيطٌ وشكٌّ، وقالوا: ﴿مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ أي: قالوا [¬٢]: ما لهؤلاء تارة يستقبلون كذا، وتارة يستقبلون كذا؟! فأنزل الله جوابهم في قوله: ﴿قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾. أي: الحكم والتصرف والأمر كله لله: ﴿فَأَيْنَمَا [¬٣] تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ و﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾. أي: الشأن كله في امتثال أوامر الله، فحيثما وجهنا توجهنا، فالطاعة في امتثال أمره، ولو وجهنا في كل يوم مراتٍ إلى جهات متعدّدة، فنحن عبيده، وفي تصرفه [¬٤]، وخدّامه، فحيثما وجهنا توجهنا، وهو تعالى له بعبده ورسوله محمَّد صلوات الله وسلامه عليه وأمّته عنايةٌ عطمة، إذ هداهم إلى قبلة إبراهيم خليل الرحمن، وجعل توجههم إلى الكعبة المبنية [¬٥] على اسمه تعالى، وحده لا شريك له أشرف بيوت الله في [¬٦] الأرض؛ إذ هي بناء [¬٧] إبراهيم الخليل ﵇؛ ولهذا قال: ﴿قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.\nوقد روى الإمام أحمد (^٨٦٢) عن علي بن عاصم، عن حصين [¬٨] بن عبد الرحمن، عن عُمَر [¬٩] بن قيس، عن محمَّد بن الأشعث، عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ، يعني: في أهل الكتاب: \"إنهم لا يحسدوننا [¬١٠] على شيء، كما يحسدوننا [¬١١] على يوم الجمعة التي هدانا الله لها وضلوا عنها، وعلى القبلة التي هدانا\n_________\n(^٨٦١) - رواه البخاري في الصلاة، باب: ما جاء في القبلة برقم (٤٠٣)، ومسلم في المساجد ومواضع الصلاة برقم ١٣ - (٥٢٦).\n(^٨٦٢) - المسند حديث (٢٥١٤١) - (٦/ ١٣٤). وعلي بن عاصم: صدوق يخطئ ويُصر. وعمر بن قيس: صدوق ربما وهم. ومحمد بن الأشعث: مقبول، ووهم من ذكره في الصحابة.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في ز، خ: \"وحيثما\".\n[¬٤]- في ز، خ: \"تصريفه\".\n[¬٥]- في ز، خ: \"المكية\".\n[¬٦]- في ز، خ: \"و\".\n[¬٧]- في ز، خ: \"بناية\".\n[¬٨]- في ز، خ: \"فضيل\".\n[¬٩]- في ز، خ: \"عمرو\".\n[¬١٠]- في ز، خ: \"يحسدونا\".\n[¬١١]- في ز، خ: \"يحسدونا\".","vol":"2","page":110},{"text":"الله لها، وضلوا عنها، وعلى قولنا خلف الإمام: آمين\".\nوقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيكُمْ شَهِيدًا﴾ يقول تعالى: إنما حوّلناكم إلى قبلة إبراهيم ﵇ واخترناها لكم، لنجعلكم خيار الأمم، لتكونوا يوم القيامة شهداء على الأمم؛ لأن الجميع معترفون لكم بالفضل، والوسط هاهنا الخيار والأجود، كما يقال [قريش] [¬١]: أوسط العرب نسبًا ودارًا، أي: خيرها.\nوكان رسول الله ﷺ وسطا في قومه، أي أشرفهم نسبًا، ومنه الصلاة البرسطى التي هي أفضل الصلوات، وهي العصر، كما ثبت في الصحاح وغيرها، ولما جعل الله هذه الأمّه وسطًا، خصها بأكمل الشرائع، وأقوم المناهج، وأوضح [¬٢] المذاهب، كما قال تعالى: ﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾.\nوقال الإمام أحمد (^٨٦٣): حدَّثنا وكيع، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسدم: \"يدعى نوح يوم القيامة، فيقال له: هل بلغت؟ فيقول: نعم، فيدعى قومه، فيقال لهم: هل بلغكم؟ فيقولون: ما أتانا من نذير، وما أتانا من أحد، فيقال لنوح: من يشهد لك؟ فيقول: محمد وأمّته. قال: فلذلك قوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾. قال: \" [الوسط] [¬٣] العدل، فتدعون فتشهدون له بالبلاغ، ثم أشهد عليكم\".\nرواه البخاري (^٨٦٤)، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه من طرق عن الأعمش.\nوقال الإمام أحمد أيضًا (^٨٦٥): حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي\n_________\n(^٨٦٣) - صحيح، وهو في المسند ١١٢٩٩ - (٣/ ٣٢).\n(^٨٦٤) - أخرجه البخاري في كتاب الأنبياء، باب: قول الله ﷿ ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِه﴾ (٣٣٣٩)، وكتاب التفسير باب: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا …﴾ (٤٤٨٧)، وكتاب الاعتصام بالكتاب والسنة باب: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ (٧٣٤٩). والترمذي في كتاب تفسير القرآن برقم (٢٩٦١). والنسائي في الكبرى في كتاب التفسير برقم (١١٠٠٧) (٦/ ٢٩٢). وابن ماجه في كتاب الزهد باب: صفة أمة محمد ﷺ برقم (٤٢٨٢).\n(^٨٦٥) - صحيح، وهو في المسند ١١٥٧٤ - (٣/ ٥٨).\n_________\n[¬١]- في خ: في.\n[¬٢]- في خ: \"وأصح\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"والوسط\".","vol":"2","page":111},{"text":"سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: \"يجيء النبي يوم القيامة ومعه الرجلان وأكثر من ذلك، فيدعى قومه فيقال لهم: هل بلغكم هذا؟ فيقولون: لا. فيقال له: هل بلغت قومك؟ فيقول: نعم. فيقال: من يشهد لك؟ فيقول: محمد وأمّته؛ فيدعى بمحمد وأمّته، فيقال لهم: هل بلغ هذا قومه؟ فيقولون: نعم. فيقال: وما علمكم؟ فيقولون: جاءنا نبينا ﷺ، فأخبرنا أنّ الرسل قد بلغوا، فذلك قوله ﷿: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ قال: عدلًا: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيكُمْ شَهِيدًا﴾ \".\nوقال الإمام [¬١] أحمد أيضًا (^٨٦٦): حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي ﷺ في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾، قال: \"عدلًا\".\nوروى الحافظ أبو بكر بن مردويه (^٨٦٧)، وابن أبي حاتم، من حديث عبد الواحد بن زياد، عن أبي مالك الأشجعي، عن المغيرة بن عتيبة عن [¬٢] نهاس [¬٣]، حدثني مكاتب [¬٤] لنا، عن جابر بن عبد الله، عن النبي ﷺ قال: \"أنا وأمّتي يوم القيامة على كوم مشرفين على الخلائق، ما من الناس أحد إلا ودّ أنه منا، وما من نبي كذبه قومه إلا ونحن نشهد: أنه قد بلغ رسالة ربه ﷿\".\nوروى الحاكم في مستدركه (^٨٦٨)، وابن مردويه أيضًا -واللفظ له- من حديث مصعب بن ثابت، عن محمد بن كعب القرظي، عن جابر بن عبد الله، قال: شهد رسول الله ﷺ جنازة في بني سلمة، وكنت إلى جانب رسول الله ﷺ، فقال بعضهم: والله [¬٥] يا رسول الله؛ [لنعم المرء كان، لقد كان عفيفًا مسلمًا، وكان … وأثنوا\n_________\n(^٨٦٦) - صحيح، وهو في المسند ١١٠٨٢ - (٣/ ٩).\n(^٨٦٧) - إسناده ضعيف لجهالة الراوي عن جابر، والحديث رواه ابن جرير في تفسيره (٣/ ١٤٧) من طريق ابن فضيل عن أبي مالك الأشجعي، به.\n(^٨٦٨) - المستدرك (٢/ ٢٦٨) وتعقبه الذهبي بقوله: \"فيه مصعب بن ثابت ليس بالقوي\". ومصعب بن ثابت: قال أحمد: أراه ضعيف الحديث لم أر الناس يحمدون حديثه. وقال ابن معين: ضعيف. وقال مرة: ليس بشيء. وقال أبو حاتم: صدوق كثير الحديث ليس بالقوي. وذكره ابن حبان في الثقات. وقال ابن سعد: كان كثير الحديث يستضعف. وقال الدارقطني: ليس بالقوي. (تهذيب التهذيب ١٠/ ١٥٨، ١٥٩).\n_________\n[¬١]- سقط من: خ، ز.\n[¬٢]- في ز: عن.\n[¬٣]- في خ: \"نباس\".\n[¬٤]- في ز، خ: \"مكتب\".\n[¬٥]- سقط من: خ.","vol":"2","page":112},{"text":"عليه خيرًا، فقال رسول الله ﷺ: \"أنت بما [¬١] تقول؟ \" فقال الرجل: الله أعلم بالسرائر، فأمّا الذي بدا لنا منه فذاك، فقال النبي ﷺ: \"وجبت\"، ثم شهد جنازة في بني حارثة، وكنت إلى جانب رسول الله ﷺ، فقال بعضهم: يا رسول الله] [¬٢]؛ بئس [¬٣] المرءُ كان، إن كان لفظًّا غليظا، فأثنوا عليه شرًّا. فقال رسول الله ﷺ لبعضهم: \"أنت بالذي [¬٤] تقول\"؟ فقال الرجل: الله أعلم بالسرائر، فأمّا الذي بدا لنا منه فذاك. فقال رسول الله ﷺ: \"وجبت\". قال مصعب بن ثابت: فقال لنا عند ذلك محمد بن كعب: صدق رسول الله ﷺ ثم قرأ: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيكُمْ شَهِيدًا﴾.\nثم قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه.\nوقال الإمام أحمد (^٨٦٩): حدثنا يونس بن محمد، حدثنا داود بن أبي الفرات، عن عبد الله بن بريدة، عن أبي الأسود، أنه قال: أتيت المدينة فوافقتها وقد وقع بها مرض، فهم يموتون موتًا ذريعًا، فجلست إلى عمر بن الخطاب، فمرت به جنازة، فأثني على صاحبها خيرٌ، فقال: وجبت، وجبت. ثم مر بأخرى فأُثني عليها شرٌّ، فقال عمر: وجبت، فقال أبو الأسود: ما وجبت يا أمير المؤمنين؟ قال: قلت كما قال رسول الله ﵌: \"أيما مسلم شهد له أربعة بخير أدخله الله الجنة\" قال: فقلنا: وثلاثة؟ قال: فقال [¬٥]: \"وثلاثة\"، قال: ففلنا: واثنان؟ قال: \"واثنان\". ثم لم نسأله عن الواحد.\nوكذا رواه البخاري، والترمذي، والنسائي من حديث داود بن أبي الفرات به.\nوقال [¬٦] ابن مردويه: حدثنا أحمد بن عثمان بن يحيى، حدثنا أبو قلابة الرقاشي، حدثني أبو الوليد، حدثنا نافع بن عمر، حدثني أمية بن صفوان، عن أبي بكر بن أبي زهير الثقفي، عن أبيه [¬٧]، قال: سمعت رسول الله ﷺ بالنّباوة يقول: \"يوشك أن تعلموا خياركم من شراركم\" قالوا: بم يا رسول الله؟ قال: \"بالثناء الحسن والثناء السيئ أنتم شهداء الله في الأرض\" ورواه ابن ماجه (^٨٧٠)، عن [أبي بكر بن أبي شيبة، عن يزيد بن\n_________\n(^٨٦٩) - المسند (١/ ٢٢)، والبخاري في الجنائز، باب: ثناء الناس على الميت برقم (١٣٦٨) والترمذي في الجنائز، باب: ما جاء في الثناء الحسن على الميث برقم (١٠٥٩) والنسائي (٤/ ٥٠).\n(^٨٧٠) - رواه ابن ماجة برقم (٤٢٢١) وقال البوصيري في الزوائد (٣/ ٣٠١): \"إسناد صحيح، رجاله ثقات\".\n_________\n[¬١]- في المستدرك: الذي.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ\n[¬٣]- في خ: \"لبئس\".\n[¬٤]- في المستدرك: الذي\n[¬٥]- زيادة من: خ.\n[¬٦]- في خ: \"قال\".\n[¬٧]- في ز، خ: \"لبيد\".","vol":"2","page":113},{"text":"هارون.\nورواه الإمام أحمد (^٨٧١)، عن يزيد بن هارون وعبد الملك بن عمرو وسريج، عن نافع بن عمر، به] [¬١].\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيهَا إلا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إلا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾ يقول تعالى: إنما شرعنا [¬٢] لك يا محمد التوجه أولًا إلى بيت المقدس، ثم صرفناك عنها إلى الكعبة، ليظهر حال من يتبعك ويطيعك ويستقبل معك حيثما توجهت، ممن ينقلب على عقبيه، أي مرتدًّا عن دينه ﴿وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً﴾ أي: هذه الفعلة -وهو صرف التوجه عن بيت المقدس إلى الكعبة- أي: وإن كان هذا لأمرًا عظيمًا في النفوس، إلا على الذين هدى الله قلوبهم، وأيقنوا بتصديق الرسول، وأنّ كل ما جاء به فهو الحق الذي لا مرية فيه، وأنّ الله يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، فله أن يكلف عباده بما شاء، وينسخ ما يشاء، وله الحكمة التامّة والحجة البالغة في جميع ذلك، بخلاف الذين في قلوبهم مرض؟ فإنه [¬٣] كلما حدث أمر أحدث لهم شكا، كما يحصل للذين آمنوا إيقان وتصديق، كما قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾. وقال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيهِمْ عَمًى﴾. وقال تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إلا خَسَارًا﴾. ولهذا كان بن ثبت على تصديق الرسول ﷺ واتباعه في ذلك، وتوجه حيث أمره الله من غير شك ولا ريب من سادات الصحابة. وقد ذهب لعضهم إلى أن السابقين [¬٤] الأوَّلين من المهاجرين والأنصار هم الذين صلوا القبلتين.\nوقال البخاري (^٨٧٢) في تفسير هذه الآية:\nحدثنا مسدد، حدثنا يحيى، عن سفيان، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر قال: بينا الناس يصلون الصبح في مسجد قباء؛ إذ جاء رجل فقال: قد أنزل على النبي صلى الله عليه\n_________\n(^٨٧١) - لم نجد في المطبوع من المسند طريق يزيد بن هارون، وذكرها الحافظ ابن حجر في أطراف المسند (٦/ ٢٣١). وطريق عبد الملك في المسند (٣/ ٤١٦)، وأما طريق سريج ففي المسند (٦/ ٤٦٦).\n(^٨٧٢) - صحيح البخاري برقم (٤٤٨٨).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في خ: \"شرعت\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"فإن\".\n[¬٤]- في ز، خ: \"للسابقين\".","vol":"2","page":114},{"text":"وسلم قرآن، وقد أمر أن يستقبل الكعبة، فاستقبلوها. فتوجهوا إلى الكعبة.\nوقد رواه سلم (^٨٧٣) من وجه آخر، عن ابن عمر. ورواه الترمذي (^٨٧٤) من [¬١] حديث سفيان الثوري، وعنده أنهم كانوا ركوعًا، فاستداروا كما هم إلى الكعبة، وهم ركوع. وكذا رواه [¬٢] مسلم (^٨٧٥) من حديث حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس، مثله. وهذا يدل على كمال طاعتهم لله ولرسوله، وانقيادهم لأوامر الله ﷿، ﵃ أجمعين.\nوقوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ أي: صلاتكم إلى بيت المقدس قبل ذلك، لا [¬٣] [] [¬٤] يضيع ثوابها عند الله. وفي الصحيح (^٨٧٦)، من حديث أبي إسحاق السبيعي، عن البراء قال: مات قوم كانوا يصلون نحو بيت المقدس، فقال الناس: ما حالهم في ذلك؟ فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾.\n[ورواه الترمذي (^٨٧٧)، عن ابن عباس، وصححه] [¬٥].\nوقال ابن إسحاق: حدثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة، أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ أي: بالقبلة الأولى، وتصديقكم نبيكم، واتباعه إلى القبلة الأخرى، أي: ليعطيكم أجرهما جميعًا ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾.\nوقال الحسن البصري: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ أي: ما كان الله ليضيع محمدًا ﷺ، وانصرافكم معه حيث انصرف، ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾.\nوفي الصحيح (^٨٧٨) أنّ رسول الله ﷺ رأى امرأة من السبي قد فرق بينها وبين\n_________\n(^٨٧٣) - صحيح مسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة برقم ١٣ - (٥٢٦).\n(^٨٧٤) - سنن الترمذي كتاب الصلاة، باب: ما جاء في ابتداء القبلة برقم (٣٤١).\n(^٨٧٥) - صحيح مسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة برقم ١٥ - (٥٢٧).\n(^٨٧٦) - سبق تخريج الحديث قريبًا.\n(^٨٧٧) - رواه الترمذي في تفسير القرآن، باب: سورة البقرة برقم (٢٩٦٤).\n(^٨٧٨) - رواه البخاري من حديث عمر بن الخطاب في كتاب الأدب، باب: رحمة الولد وتقبيله ومعانقته برقم (٥٩٩٩). ومسلم في التوبة برقم ٢٢ - (٢٧٥٤).\n_________\n[¬١]- في خ: \"عن\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"روى\".\n[¬٣]- في ت: \"ما\".\n[¬٤]- في ز، خ: كان.\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.","vol":"2","page":115},{"text":"ولدها، فجعلت كلما وجدت صبيًّا من السبي، أخذته، فألصقته بصدرها، وهي تدور على ولدها، فلما وجدته ضمته إليها وألقمته ثديها. فقال رسول الله ﷺ: \"أترون هذه طارحة ولدها في النار، وهي تقدر على ألا تطرحه؟ \" قالوا: لا يا رسول الله. قال: \"فوالله، لله أرحم بعباده من هذه بولدها\".\n﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (١٤٤)﴾\nقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس (^٨٧٩): كان أول ما نُسخ من القرآن القبلة، وذلك أن رسول الله ﷺ لما هاجر إلى المدينة، وكان أكثرَ أهلها اليهودُ، فأمره الله أن يستقبل بيت المقدس، ففرحت اليهود، فاستقبلها رسول الله ﷺ بضعة عشر شهرًا، وكان يحب قبلة إبراهيم، فكان يدعو إلى الله وينظر إلى السماء، فأنزل الله: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ إلى قوله: ﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾. فارتابت [¬١] من ذلك اليهود، وقالوا: ﴿مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾، وقال: ﴿فَأَينَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾، وقال الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيهَا إلا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيهِ﴾.\nوروى ابن مردويه من حديث القاسم العمري، عن عمه عبيد الله بن عمر، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: كان النبي ﷺ إذا سلم من صلاته إلى بيت المقدس رفع رأسه إلى السماء. فأنزل الله: ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ إلى الكعبة إلى الميزاب [¬٢] يؤم به جبرائيل ﵇.\nوروى الحاكم (^٨٨٠) في \"مستدركه\" من حديث شعبة، عن يعلى بن [¬٣] عطاء، عن [¬٤] يحيى\n_________\n(^٨٧٩) - رواه ابن أبي حاتم، عن أبيه، عن أبي صالح كاتب الليث - صدوق كثير الغلط، ثبت في كتابه، وكانت فيه غفلة -عن معاوية بن صالح -صدوق له أوهام- عن علي بن أبي طلحة -منقطع- عن ابن عباس به برقم ١٣٥٥ - (١/ ٢٥٣).\n(^٨٨٠) - المستدرك (٢/ ٢٦٩). ويعلى بن عطاء: ثقة، من رجال مسلم. ويحيى بن قمطة: أورده ابن أبي حاتم (٩/ ١٨١)، والبخاري (٨/ ٢٦٩) ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا. وذكره ابن حبان في الثقات (٥/ ٥٢٩).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"فارتاب\".\n[¬٢]- في خ: \"الميزان\".\n[¬٣]- في خ: \"عن\".\n[¬٤]- في ز، خ: \"بن\".","vol":"2","page":116},{"text":"ابن قمطة [¬١]، قال: رأيت عبد الله بن عمرو جالسًا في المسجد الحرام، بإزاء الميزاب، فتلا هذه الآية: ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ قال: نحو ميزاب الكعبة.\nثم قال: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه.\nورواه ابن أبي حاتم (^٨٨١)، عن الحسن بن عرفة، عن هشيم [¬٢]، عن يعلى بن عطاء، به.\nوهكذا قال غيره، وهو أحد قولي الشافعي ﵁: إن الغرض إصابة عين الكعبة [¬٣].\nوالقول الآخر -وعليه الأكثرون- أن المراد المواجهة [¬٤] كما رواه الحاكم (^٨٨٢)، من حديث [أبي إسحاق] [¬٥]، عن عمير بن زياد الكندي، عن علي [بن أبي طالب] [¬٦] ﵁؛ ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ قال: شطره: قِبَلَهُ. ثم قال: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه.\nوهذا قول أبي العالية ومجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير، وقتادة، والربيع بن أنس، وغيرهم. وكما تقدم في الحددث الآخر: \"ما بين المشرق والمغرب قبلة\".\n[وقال القرطبي: روى ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: \"البيت قبلة لأهل المسجد، والمسجد قبلة لأهل الحرم، والحرم قبلة لأهل الأرض في مشارقها ومغاربها من أمتي\" (^٨٨٣)] [¬٧].\nو[¬٨] قال أبو نعيم الفضل بن دكين: حدَّثنا زهير، عن أبي إسحاق، عن البراء، أن النبي ﷺ صلى قِبَل بيت المقدس ستة عشر شهرًا، أو سبعة عشر شهرًا، وكان يعجبه قبلته قِبَل البيت، وأنه صلى صلاة العصر، وصلى معه قوم فخرج رجل ممن كان يصلي معه، فمرَّ\n_________\n(^٨٨١) - ابن أبي حاتم ١٣٥٧ - (١/ ٢٥٣).\n(^٨٨٢) - المستدرك (٢/ ٢٦٩). وأبو إسحاق: مدلس، وقد عنعن. وعميرة بن زياد الكندي: ذكره ابن حبان في الثقات (٥/ ٢٨٠) والبخاري في التاريخ (٧/ ٦٩) وابن سعد في الطبقات (٦/ ٢٠٣) وابن أبي حاتم (٧/ ٢٤). ووثقه العجلي (٢/ ١٩٣).\n(^٨٨٣) - رواه البيهقي في السنن الكبرى (٩/ ٢ - ١٠) من طريق عمر بن حفص، عن ابن جريج به، وقال البيهقي: (تفرد به عمر بن حفص المكي وهو ضعيف لا يحتج به، وروى بإسناد آخر ضعيف، عن عبد الله بن حبشي كذلك مرفوعًا، ولا يحتج بمثله، والله أعلم\".\n_________\n[¬١]- في حاشية (ز): قطمة. وعليها علامة (خ).\n[¬٢]- في ت: \"هشام\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"القبلة\".\n[¬٤]- في ز: \"الوجهة\".\n[¬٥]- في ت: محمد بن إسحاق.\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ\n[¬٨]- زيادة من: خ.","vol":"2","page":117},{"text":"على أهل المسجد، وهم راكعون، فقال: أشهد بالله لقد صليت مع رسول الله ﷺ قبل مكة فداروا كما هم قِبَلَ البيت (^٨٨٤).\nوقال عبد الرزاق (^٨٨٥): أخبرنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء قال [¬١]: لما قدم رسول الله ﷺ المدينة صلى نحو بيت القدس ستة عشر شهرًا، أو سبعة عشر شهرًا، وكان رسول الله ﷺ يحب أن يحول نحو الكعبة، فنزلت: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ فصرف إلى الكعبة.\nوروى النسائي (^٨٨٦)، عن أبي سعيد بن المعلى قال: كنا نغدو إلى المسجد على عهد رسول الله ﷺ، فنمر على المسجد فنصلي فيه، فمررنا يومًا، ورسول الله ﷺ قاعد على المنبر، فقلت: لقد حدث أمر، فجلست، فقرأ رسول الله ﷺ هذه الآية: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ حتى فرغ من الآية، فقلت لصاحبي: تعال نركع ركعتين قبل أن ينزل رسول الله ﷺ؛ فنكون أول من صلى، فتوارينا فصليناهما، ثم نزل النبي ﷺ فصلى للناس الظهر يومئذٍ.\nوكذا روى ابن مردويه عن ابن عمر: أن أول صلاة صلاها رسول الله ﷺ إلى الكعبة صلاة الظهر، وأنها الصلاة الوسطى، والمشهور أن [¬٢] أول صلاة صلاها إلى الكعبة صلاة العصر؛ ولهذا تأخر الخبر عن أهل قباء إلى صلاة الفجر.\nوقال الحافظ أبو بكر بن مردويه: حدثنا سليمان بن أحمد، حدثنا الحسين بن إسحاق التستري، حدثنا رجاء بن [¬٣] محمد السقطي، حدَّثنا إسحاق بن إدريس، حدثنا إبراهيم بن جعفر، حدّثني أبي، عن جدته أم أبيه نويلة بنت مسلم قالت: صلينا الظهر، أو العصر في مسجد بني حارثة، فاستقبلنا مسجد إيلياء، فصلينا ركعتين، ثم جاء من يحدّثنا: أن رسول الله ﷺ قد استقبل البيت الحرام، فتحول النساء مكان الرجال، والرجال مكان النساء، فصلينا السجدتين الباقيتين؛ ونحن مستقبلون البيت الحرام؛ فحدثني رجل من بني حارثة أن النبي ﷺ قال: \"أولئك رجال يؤمنون بالغيب\" (^٨٨٧).\n_________\n(^٨٨٤) - رواه البخاري في كتاب التفسير من صحيحه، باب: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ ....﴾ برقم (٤٤٨٦) عن أبي نعيم به وفيه زيادة.\n(^٨٨٥) - رواه ابن أبي حاتم، عن الحسن بن أبي الربيع، عن عبد الرزاق به برقم ١٣٥٤ - (١/ ٢٥٢ - ٢٥٣).\n(^٨٨٦) - سنن النسائي الكبرى (١١٠٠٤).\n(^٨٨٧) - إسناده صحيح، والحديث رواه الطبراني في المعجم الكبير (٢٥/ ٤٣) وقال الهيثمي في المجمع =\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- في خ: \"أنها\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"عن\".","vol":"2","page":118},{"text":"[وقال ابن مردويه أيضًا] [¬١]: حدثنا محمد بن علي بن دحيم، حدَّثنا أحمد بن حازم، حدَّثنا مالك بن إسماعيل النهدي، حدَّثنا قيس، عن زياد بن علاقة، عن عمارة بن أوس، قال: بينما نحن في الصلاة نحو بيت المقدس، ونحن ركوع، إذ نادى [¬٢] مناد بالباب: إن القبلة قد حوّلت إلى الكعبة. قال: فأشهد على إمامنا أنه انحرف فتحول هو والرجال والصبيان، وهم ركوع نحو الكعبة (^٨٨٨).\nوقوله: ﴿وَحَيثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾. أمر تعالى باستقبال الكعبة من جميع جهات الأرض: شرقًا، وغربًا، وشمالًا، وجنوبها، ولا يستثنى من هذا شيء سوى النافلة في حال السفر، فإنه يصليها حيثما توجه قالبه وقلبه نحو الكعبة، وكذا في حال المسايفة في القتال يصلي على كل حال، وكذا من جهل جهة القبلة يصلي باجتهاده، وإن كان مخطئًا في نفس الأمر؛ لأن الله تعالى لا يكلف نفسًا إلا وسعها.\n[مسألة وقد استدل المالكية بهذه الآية على أنّ المصلي ينظر أمامه، لا إلى موضع [سجوده، كما ذهب إليه الشافعي، وأحمد، وأبو حنيفة. قال المالكية: بقوله: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ فلو نظر إلى موضع سجوده، لاحتاج أن يتكلف ذلك بنوع من الانحناء، وهو ينافي كمال القيام. وقال بعضهم: ينظر الصلي في قيامه إلى صدره. وقال شريك القاضي: ينظر في حال قيامه إلى موضع سجوده، كما قال جمهور الجماعة؛ لأنه أبلغ في الخضوع، وآكد في الخشوع، وقد ورد به الحديث، وأمّا في حال ركوعه فإلى موضع قدميه، وفي حال سجوده إلى موضع أنفه، وفي حال قعوده إلى حجره [¬٣].\nوقوله: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ أي: واليهود الذين أنكروا استقبالكم الكعبة، وانصرافكم عن بيت المقدس، يعلمون أن الله تعالى سيوجهك إليها بما في كتبهم عن أنبيائهم من النعت والصفة لرسول الله ﷺ وأمّته، وما خصه [¬٤] الله تعالى\n_________\n= (٢/ ١٤): \"فيه إسحاق بن إدريس الأسواري وهو ضعيف متروك\".\n(^٨٨٨) - إسناده ضعيف: والحديث في طبقات ابن سعد بمعناه (٤/ ٣٨١). وقيس بن الربيع: ضعيف (المجروحين ٢/ ٢١٦). وعمارة بن أوس: أورده في الإصابة (٤/ ٥٧٧) وقال: قال البخاري له صحبة، وكذا قال ابن حبان وزاد: إني لست أعتمد على إسناده وحديثه. وأخرج ابن أبي خيثمة والبغوي من طريق قيس بن الربيع، عن زياد بن علاقة … فذكره بمعناه، وقال: تفرد به قيس وهو ضعيف. وأخرجه الطبراني من رواية عبد الملك بن حسين، عن زياد بن علاقة، عن عمارة بن رويبة ا هـ. ورواه ابن أبي شيبة في المصنف (١/ ٣٣٥) عن شبابة عن قيس عن زياد به.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في خ: \"أتى\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- في ز: \"حصه\".","vol":"2","page":119},{"text":"به وشرفه من الشريعة الكاملة العظيمة، ولكن أهل الكتاب يتكاتمون ذلك بينهم حسدًا وكفرًا وعنادًا، ولهذا تهدَّدهم [¬١] تعالى بقوله: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾.\n﴿وَلَئِنْ أَتَيتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (١٤٥)﴾\nيخبر تعالى عن كفر اليهود وعنادهم ومخالفتهم، ما يعرفونه من شأن رسول الله ﷺ، وأنه لو أقام عليهم كل دليل على صحة ما جاءهم به لما اتبعوه وتركوا أهواءهم، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾، ولهذا قال ها هنا: ﴿وَلَئِنْ أَتَيتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ﴾.\nوقوله: ﴿وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ﴾ إخبار [¬٢] عن شدة متابعة الرسول ﷺ لما أمره الله تعالى به، وأنه كما هم متمسكون [¬٣] بآرائهم وأهوائهم [¬٤]؛ فهو أيضًا متمسك [¬٥] بأمر الله وطاعته واتباع مرضاته، وأنه لا يتبع أهواءهم في جميع أحواله، وما كان متوجهًا إلى بيت المقدس؛ لكونها [¬٦] قبلة اليهود، وإنما ذلك عن أمر الله تعالى، ثم حذر تعالى من مخالفة الحق الذي يعلمه العالم إلى الهوى؛ فإن العالم الحجة عليه أقوم من غيره، ولهذا قال مخاطبا للرسول، والمراد به [¬٧] الأمة: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾.\n﴿الَّذِينَ آتَينَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤٦) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (١٤٧)﴾\nيخبر تعالى أن علماء أهل الكتاب يعرفون صحة ما جاءهم به الرسول ﷺ، كما يعرف أحدهم ولده، والعرب كانت تضرب المثل في صحة الشيء بهذا، كما جاء في\n_________\n[¬١]- في ز: \"يهددهم\".\n[¬٢]- في خ: \"إخبارًا\".\n[¬٣]- في ت: \"مستمسكون\".\n[¬٤]- في ز: \"وأعوانهم\".\n[¬٥]- في ت: \"مستمسك\".\n[¬٦]- في ز، خ: \"لأنها\".\n[¬٧]- سقط من: ز، خ.","vol":"2","page":120},{"text":"الحديث أن رسول الله ﷺ قال لرجل معه صغيرٌ: \"ابنكَ هذا؟ \" قال: نعم يا رسول الله، أشهد به. قال: \"أما إنه لا يجني عليك ولا تجني عليه\" (^٨٨٩).\n[قال القرطبي: ويروى عن عمر، أنَّه قال لعبد الله بن سلام: أتعرف محمدًا كما تعرف ولدك؟ قال: نعم وأكثر، نزل الأمين من السماء على الأمين في الأرض بنعته فعرفته، وإني لا أدري ما كان من أُمِّه.\nقلت: وقد يكون المراد ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ من بين أبناء الناس كلهم، لا يشك أحد ولا يمترى في معرفة ابنه إذا رآه من أبناء الناس كلهم] [¬١].\nثم أخبر تعالى أنهم مع هذا التحقق والإيقان [¬٢] العلمي ﴿لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ﴾ أي: ليكتمون الناس ما في كتبهم من صفة النبي ﷺ، ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾. ثم ثَبَّت تعالى نبيه ﷺ، والمؤمنين وأخبرهم بأن ما جاء به الرسول ﷺ هو الحق الذي لا مرية فيه ولا شك، فقال: ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾.\n﴿وَلِكُلٍّ وجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيرَاتِ أَينَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ (١٤٨)﴾\nقال العوفي، عن ابن عبَّاس: ﴿وَلِكُلٍّ وجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ يعني بذلك أهل الأديان، يقول: لكل [] [¬٣] قبلة - رضونها، ووجهة الله حيث توجه المؤمنون.\nوقال أَبو العالية: لليهودي وجهة هو موليها، وللنصراني وجهة هو موليها، وهداكم أنتم أيتها [¬٤] الأمة إلى [¬٥] القبلة التي هي القبلة. وروي عن مجاهد وعطاء، والضحاك، والربيع بن أنس، والسدي نحو هذا.\n_________\n(^٨٨٩) - رواه أحمد في المسند ١٧٥٣٨، ١٧٥٣٩ - (٤/ ١٦٣)، وأَبو داود في السنن، كتاب الديات، باب: لا يؤخذ أحد بجريرة أخيه أو أبيه، برقم (٤٤٩٥)، والنَّسائي في القسامة، باب: هل يؤخذ أحد بجريرة أحد، برقم (٤٨٣٢). والبيهقي في السنن الكبرى في كتاب الجنايات، باب: إيجاب القصاص على القاتل دون غيره (٨/ ٨٧). والدارمي في الديات، باب: لا يؤاخذ أحد بجناية غيره (٢/ ١٩٨ - ١٩٩). والحميدي في مسنده بنحوه حديث ٨٦٦. وابن الجارود في المنتقى (٧٧٠). وابن حبان كما في الموارد (٥٢٢) كتاب الديات، باب: لا يجني أحد على أحد. وعبد الله بن أحمد في زوائده =\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في ر: الإتقان.\n[¬٣]- في ر: قبيلة.\n[¬٤]- في خ: \"أيها\".\n[¬٥]- سقط من: ز، خ.","vol":"2","page":121},{"text":"وقال مجاهد في الرراية الأخرى [] [¬١]: ولكن أمر كل قوم أن يصلوا إلى الكعبة.\nوقرأ ابن عبَّاس وأبو جعفر الباقر وابن عامر ﴿وَلِكُلٍّ وجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾.\nوهذه الآية شبيهة بقوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ وجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ [وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ﴾] [¬٢] ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ﴾.\nوقال هاهنا: ﴿أَينَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ﴾، أي: هو قادر على جمعكم من الأرض، وإن تفرّقت أجسادكم وأبدانكم.\n﴿وَمِنْ حَيثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٤٩) وَمِنْ حَيثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيكُمْ حُجَّةٌ إلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٠)﴾\nهذا أمر ثالث من الله تعالى باستقبال المسجد الحرام من جميع أقطار الأرض.\n[وقد اختلفوا في حكمة هذا التكرار ثلاث مرات: فقيل: تأكيد، لأنه أول ناسخ وقع في الإسلام على ما نص عليه ابن عبَّاس وغيره. وقيل: بل هو منزل على أحوال، فالأمر الأول لمن هو مشاهد الكعبة، والثاني لمن هو في مكة غائبًا عنها، والثالث لمن هو في بقية البلدان. هكذا وجهه فخر الدين الرازي.\nوقال القرطبي: الأول لمن هو بمكة، والثاني: لمن هو في بقية الأمصار، والثالث لمن خرج في الأسفار ورجح هذا الجواب القرطبي.\n_________\n= على المسند (٢/ ٢٢٦، ٢٢٧). من حديث أبي رمثة ﵁. وصححه الألباني في الإرواء (٧/ ٣٣٢) حديث (٢٣٠٣).\nورواه ابن ماجة - من حديث الخشخاش العنبري ﵁ في الديات، باب: لا يجني أحد على أحد برقم (٢٦٧١). وقال في الزوائد إسناده كلهم ثقات إلَّا أن هشيمًا كان يدلس، وليس للخشخاش سوى هذا الحديث الموجود عند ابن ماجة، وليس له في بقية الأصول الخمسة.\n_________\n[¬١]- في ر: والحسن.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"2","page":122},{"text":"وقيل: إنما ذكر ذلك لتعلقه بما قبله، أو بعده من السياق، فقال أوّلا: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾، إلى قوله: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ فذكر في هذا المقام إجابته إلى طلبته، وأمره بالقبلة التي كان يود التوجه إليها ويرضاها، وقال في الأمر الثاني: ﴿وَمِنْ حَيثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٤٩)﴾ فذكر أنَّه الحق من الله، وارتقاءه المقام الأوَّل؛ حيث كان موافقًا لرضا الرسول ﷺ، فبين أنَّه الحق أيضًا من الله يحبه ويرتضيه.\nوذكر في الأمر الثالث حكمة قطع حجة المخالف من اليهود الذين كانوا يتحججون باستقبال الرسول إلى قبلتهم، وقد كانوا يعلمون بما كتبهم أنَّه سيصرف إلى قبلة إبراهيم ﵇ إلى الكعبة وكذلك مشركو العرب انقطعت حجتهم لما صرف الرسول ﷺ عن قبلة اليهود إلى قبلة إبراهيم التي هي أشرف، وقد كانوا يعظمون الكعبة وأعجبهم استقبال الرسول إليها.\nوقيل غير ذلك من الأجوبة عن حكمة التكرار. وقد بسطها الرازي وغيره، والله أعلم] [¬١].\nوقوله: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيكُمْ حُجَّةٌ﴾ أي: أهل الكتاب، فإنهم يعلمون من صفة هذه الأمة التوجه إلى الكعبة فإذا فقدوا ذلك من صفتها ربما احتجوا بها على المسلمين، أو [¬٢] لئلا يحتجوا بموافقة المسلمين إياهم في التوجه الي بيت المقدس. وهذا أظهر.\nقال أَبو العالية: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيكُمْ حُجَّةٌ﴾ يعني به أهل الكتاب حين قالوا: صرف محمد إلى الكعبة، وقالوا: اشتاق الرجل إلى بيت أبيه ودين قومه. وكان حجتهم على النبي ﷺ انصرافه [¬٣] إلى البيت الحرام أن قالوا: سيرجع إلى ديننا كما رجع إلى قبلتنا.\nقال ابن أَبي حاتم (^٨٩٠): وروي عن مجاهد، وعطاء، والضحاك، والربيع بن أَنس، وقَتَادة، والسدّي نحو هذا. وقال هؤلاء في قوله: ﴿إلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ يعني مشركي قريش.\nووجه بعضهم حجة الظَّلَمةِ - وهي داحضة - أن قالوا: إن هذا الرجل يزعم أنه على دين إبراهيم، فإن كان توجهه إلى بيت المقدس على ملة إبراهيم، فلِمَ رجع عنه؟ والجواب: أن الله\n_________\n(^٨٩٠) - ابن أبي حاتم ١٣٨٩ - (١/ ٢٥٩).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في ت: \"و\".\n[¬٣]- في خ: \"الصرافة\".","vol":"2","page":123},{"text":"تعالى اختار له التوجه إلى بيت المقدس أوّلًا لما له تعالى في ذلك من الحكمة، فأطاع ربه تعالى في ذلك، ثم صرفه إلى قبلة إبراهيم وهي الكعبة، فامتثل أمر الله في ذلك أيضًا، فهو - صلوات الله وسلامه عليه - مطيع لله في جميع أحواله، لا يخرج عن أمر الله طرفة معين، وأمَّته تبع له.\nوقوله: ﴿فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي﴾ أي: لا تخشوا شبه الظمة المتعنتين، وأفردوا الخشية لي، فإنه تعالى هو أهل أن يخشى منه.\nوقوله: ﴿وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيكُمْ﴾ عطف على ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيكُمْ حُجَّةٌ﴾ أي [¬١]: ولأتم نعمتي عليكم فيما شرعت [¬٢] لكم من استقبال الكعبة، لتكمل لكم الشريعة من جميع وجوهها ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ أي: إلى ما ضلت عنه الأم هديناكم إليه وخصصناكم به، ولهذا كانت هذه الأمة أشرف الأم وأفضلها.\n﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (١٥١)﴾\nيذّكر تعالى عباده المؤمنين ما أنعم به عليهم من بعثة الرسول محمد ﷺ إليهم، يتلو عليهم آيات الله مبينات، ويزكيهم، أي يطهرهم من رذائل الأخلاق، ودنس النفوس، وأفعال الجاهلية، ويخرجهم من الظلمات إلى النور، ويعلمهم الكتاب: وهو [¬٣] القرآن، والحكمة: وهي السنة، ويعلمهم ما لم يكونوا يعلمون. فكانوا في الجاهلية الجهلاء يسفهون بالقول الفَرى [¬٤]، فانتقلوا ببركة رسالته، ويمن سفارته، إلى حال الأولياء، وسجايا العلماء، فصاروا أعمق الناس علمًا، وأبرَّهم قلوبًا، وأقلهم [¬٥] تكلفًا، وأصدقهم [¬٦] لهجة، وقال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا [مِنْ أَنْفُسِهِمْ] [¬٧] يَتْلُو عَلَيهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ﴾ الآية. وذمَّ من لم يعرف قدر هذه النعمة، فقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾.\nقال ابن عبَّاس: يعني [بنعمة الله] [¬٨] محمدًا ﷺ، ولهذا ندب الله المؤمنين\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في ز، خ: \"شرعته\".\n[¬٣]- في خ: \"وهي\".\n[¬٤]- في خ: \"الفراء\".\n[¬٥]- في ز، خ: \"وأقلها\".\n[¬٦]- في ز، خ: \"وأصدقها\".\n[¬٧]- في ز، خ: منهم.\n[¬٨]- سقط من: ز، خ.","vol":"2","page":124},{"text":"إلى الاعتراف بهذه النعمة ومقابلتها بذكره وشكره. فقال: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾.\nقال مجاهد في قوله: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ [رَسُولًا مِنْكُمْ] [¬١]﴾ يقول: كما فعلت فاذكروني.\nقال عبد الله بن وَهْب: عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم: أن موسى ﵇ قال: يا رب؛ كيف أشكرك؟ قال له ربه: \"تذكرني ولا تنساني، فإذا ذكرتني فقد شكرتني، وإذا نسيتني، فقد كفرتني\".\nوقال الحسن البصري، وأَبو العالية، والسدي، والربيع بن أَنس: إن الله يذكر من ذكره، ويزيد من شكره، ويعذب من كفره.\nوقال بعض السلف في قوله تعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ قال: هو أن يطاع فلا يعصى، ويذكر فلا ينسى، ويشكر فلا يكفر.\nوقال ابن أبي حاتم (^٨٩١): حدَّثنا الحسن بن محمد بن الصباح، أخبرنا يزيد بن هارون، أخبرنا عمارة الصيدلاني، حدَّثنا مكحول الأزدي قال: قلت لابن عمر: أرأيت قاتل النفس، وشارب الخمر، والسارق، والزاني يذكر الله، وقد قال الله تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾؟! قال: إذا ذكر الله هذا ذكره الله بلعنته، حتَّى يسكت.\nوقال الحسن البصري في قوله: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ قال: اذكروني فيما أوجبت [¬٢] عليكم، أذكركم فيما أوجبت لكم على نفسي.\nوعن سعيد بن جبير، اذكروني بطاعتي أذكركم بمغفرتي، وفي رواية: برحمتي.\nوعن ابن عبَّاس في قوله: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ قال: ذكر الله إياكم أكبر [¬٣] من ذكركم إياه.\nوفي الحديث الصحيح (^٨٩٢) \" يقول الله تعالى: من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي،\n_________\n(^٨٩١) - ابن أبي حاتم ١٣٩٧ - (١/ ٢٦٠)، وعمارة بن زاذان الصيدلاني - قال ابن عدي (٥/ ٨٠)؛ وهو عندي لا بأس به ممن يكتب حديثه. وفي التاريخ الكبير (٦/ ٥٠٥): ربما يضطرب في حديثه. وأورده العقيلي في الضعفاء وذكر قول البخاري. وقال الحافظ: صدوق كثير الخطأ.\n(^٨٩٢) - رواه البخاري في التوحيد برقم (٧٤٠٥)، ومسلم في التوبة والذكر والدعاء برقم (٢٦٧٥).\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- في ز، خ: \"أفترضت\".\n[¬٣]- في ز: \"أكثر\".","vol":"2","page":125},{"text":"ومن ذكرني في ملإ ذكرته في ملإ خير منه\".\nقال الإمام أحمد (^٨٩٣): حدَّثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن قَتَادة، عن أَنس قال [¬١]: قال رسول الله ﷺ: \"قال الله ﷿: يا بن آدم، إن ذكرتني في نفسك ذكرتك في نفسي، وإن ذكرتني في ملإ ذكرتك في ملإ من الملائكة -أو قال في [¬٢] ملإ خير منه [¬٣]- وإن دنوت مني شبرًا دنوت منك ذراعًا، وإن دنوت مني ذراعًا دنوت منك باعًا، وإن أتيتني تمشي أتيتك أهرول\".\nصحيح الإسناد. أخرجه البخاري من حديث قَتَادة. وعنده قال قَتَادة: الله أقرب بالرحمة.\nوقوله تعالى: ﴿وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ أمر الله تعالى بشكره، ووعد على شكره بمزيد الخير، فقال: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ (٧)﴾.\nوقال الإمام أحمد (^٨٩٤): حدَّثنا روح، حدَّثنا شعبة، عن الفضيل بن فضالة، رجل من قيس - حدَّثنا أَبو رجاء العطاردي، قال: خرج علينا عمران بن حصين [¬٤]، وعليه مطرف من خز لم نره عليه قبل ذلك ولا بعده، فقال: إن رسول الله ﷺ قال: \"من أنعم الله عليه نعمة فإن الله يحب أن يرى أثر نعمته على خلقه\"، وقال روح مرة: \"على عبده\".\n_________\n(^٨٩٣) - المسند ١٢٢٥٤، ١٢٤٢٧ - (٣/ ١٢٢، ١٣٨)، ورواه البخاري في التوحيد، باب: ذكر النبي ﷺ وروايته عن ربه حديث (٧٥٣٦).\n(^٨٩٤) - المسند ١٩٩٨٨ - (٤/ ٤٣٨). والفضيل بن فضالة القيسي: صدوق. والحديث أخرجه الطبراني في \"المعجم الكبير\": برقم: (٢٨١) (١٨/ ١٣٥)، ورقم (٤١٨)، (١٨/ ١٨١). والبيهقي في \"شعب الإيمان\" برقم: (٦٢٠٠) (٥/ ١٦٣). وابن سعد في \"الطبقات الكبرى\": (٧/ ٧). من طريق الفضيل بن فضالة، عن أبي رجاء العطاردي، عن عمران بن حصين: أن النبي ﷺ قال: \"إن الله إذا أدعم على عبد نعمة يحب أن يرى أثر نعمته عليه\". وذكره الهيثمي في \"مجمع الزوائد\": (٥/ ١٣٥) وقال: رواه أحمد والطبراني، ورجال أحمد ثقات ا هـ.\nوله شاهد من حديث أبي الأحوص عوف بن مالك بن نضلة: عن أبيه مرفوعًا: رواه أحمد (٣/ ٤٧٣).\nوله شاهد آخر من حديث أبي هريرة. أخرجه البيهقي في \"شعب الإيمان\" برقم: (٦٢٠٢)، (٥/ ١٦٣).\nوذكره الشيخ الألباني (حفظه الله) في \"سلسلة الأحاديث الصحيحة\" برقم: (١٢٩٠)، ٣١/ ٢٨٠ - ٢٨١) من طريق مفضل بن فضالة عن أَبي رجاء العطاردي عن عمران به. وقد ضعفه من هذا الطَّرِيق فقال: قلت: وهذا إسناد ضعيف، رجاله ثقات غير الفضل هذا وهو ابن أبي أمية أَبو مالك البصري، أخو مبارك ضعيف. ا هـ. وصححه بشواهده.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- في ز: \"منهم\".\n[¬٤]- في خ: \"الحصين\".","vol":"2","page":126},{"text":"﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (١٥٣) وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ (١٥٤)﴾\nلما فرغ تعالى من بيان الأمر بالشكر شرع في بيان الصبر، والإرشاد إلى [¬١] الاستعانة بالصبر والصلاة، فإن العبد إما أن يكون في نعمة فيشكر عليها، أو في نقمة فيصبر عليها؛ كما جاء في الحديث: \"عجبًا للمؤمن! لا يقضي الله له قضاء إلَّا كان خيرًا له، إن أصابته سراء فشكر، كان خيرًا له، وإن أصابته فراء فصبر، كان خيرًا له\".\nوبين تعالى أن أجود ما يستعان به على تحمل اللمصائب الصبر والصلاة، كما تقدَّم في قوله: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إلا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾. وفي الحديث أن [¬٢] رسول الله ﷺ كان [¬٣] إذا حزبه [¬٤] أمر صلى (^٨٩٥).\nوالصبر صبران: فصبر على ترك المحارم والمآثم، وصبر على فعل الطاعات والقربات، والثاني أكثر ثوابًا، لأنه المقصود، [] [¬٥]. كما قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: الصبر في بابين: الصبر لله بما أحب وإن ثقل على الأنفس والأبدان، والصبر [¬٦] لله عما كره وإن نازعت إليه الأهواء، فمن كان هكذا فهو من الصابرين الذين يسلم عليهم إن شاء الله.\nوقال علي بن الحسين زين العابدين: إذا جمع الله الأولين والآخرين ينادي منادٍ: أين الصابرون ليدخلوا الجنَّة قبل الحساب؟ قال: فيقوم عنق من الناس، فتتلقاهم الملائكة، فيقولون: إلى أين يا بني آدم؟ فيقولون: إلى الجنَّة. فيقولون: قبل [¬٧] الحساب؟ قالوا: نعم. قالوا: ومن أنتم؟ قالوا: نحن [¬٨] الصابرون. قالوا: وما كان صبركم؟ قالوا: صبرنا على طاعة الله، وصبرنا عن معصية الله، حتَّى توفانا الله. قالوا: أنتم كما قلتم، ادخلوا الجنَّة، فنعم أجر العاملين.\n_________\n(^٨٩٥) - رواه أَبو داود في كتاب الصلاة باب: وقت قيام النبي ﷺ من الليل برقم (١٣١٩) من حديث عبد العزيز ابن أخي حذيفة عن حذيفة ﵁. وقال المنذري: ذكر بعضهم أنَّه روي مرسلًا. ورواه أحمد في المسند ٢٣٤٠٦ - (٥/ ٣٨٨) وتقدم الكلام عليه (٢٢٧).\n_________\n[¬١]- في ر: و.\n[¬٢]- في ز، خ: \"كان\".\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- في خ: \"حزنه\".\n[¬٥]- في ر: [وأما الصبر الثالث وهو الصبر على المصائب والنوائب، فذاك أيضًا واجب كالاستغفار من المعايب].\n[¬٦]- في خ: \"وصبر\".\n[¬٧]- في ز: وقبل.\n[¬٨]- سقط من: ز.","vol":"2","page":127},{"text":"(قلت): ويشهد لهذا قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيرِ حِسَابٍ﴾.\nوقال سعيد بن جبير: الصبر اعتراف العبد لله بما أصاب منه، واحتسابه عند الله رجاء ثوابه، وقد يجزع الرجل وهو متجلد لا هي منه إلَّا الصبر.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ﴾ يخبر تعالى أن الشهداء في برزخهم أحياء يرزقون، كما جاء في صحيح مسلم (^٨٩٦): \" أن أرواح الشهداء في حواصل طير خضر تسرح في الجنَّة حيث شاءت، ثم تأوي إلى قناديل معلقة تحت العرش، فاطلع عليهم ربك اطِّلاعَةً، فقال: ماذا تبغون؟ فقالوا: يا ربنا! وأي شيء نبغي وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدًا من خلقك؟ ثم عاد إليهم بمثل هذا، فلما رأوا أنهم لا يتركون من أن يسألوا، قالوا: نريد أن تردّنا إلى الدار الدنيا، فنقاتل في سبيلك، حتَّى نقتل فيك مرة أخرى -لما يرون من ثواب الشهادة- فيقول الرب ﷻ: إني كتبت أنهم إليها لا يرجعون\".\nوفي الحديث الذي رواه الإمام أحمد (^٨٩٧)، عن الإمام الشَّافعي، عن الإمام مالك، عن الزُّهْريّ، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ: \"نسمة المؤمن طائر تعلق في شجر الجنة، حتَّى ورجعه اللَّه إلى جسده يوم يبعثه\".\nففيه دلالة لعموم المؤمنين أيضًا، وإن كان الشهداء قد خصصوا بالذكر في القرآن تشريفًا لهم، وتكريمًا، وتعظيمًا.\n﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧)﴾\n_________\n(^٨٩٦) - صحيح مسلم، كتاب الإمارة، رقم ١٢١ - (١٨٨٧) من حديث ابن مسعود ﵁ وساقه ابن كثير رحمه الله تعالى بمعناه.\n(^٨٩٧) - المسند ١٥٨٢٠ - (٣/ ٤٥٥) و١٥٨١٨، ١٥٨١٩. والحديث أخرجه النَّسائي في كتاب الجنائز، باب: أرواح المؤمنين عن قتيبة ٢٠٧٣ - (٤/ ١٠٨). وابن ماجة عن سويد بن سعيد (٢/ ١٤٢٨) حديث (٤٢٧١). كلاهما عن مالك به. وسيأتي عند تفسير (آية ١٦٩ آل عمران) وسيأتي قول الحافظ ابن كثير ﵀: وهو بإسناد صحيح عزيز عظيم اجتمع فيه ثلاثة من الأئمة الأربعة أصحاب المذاهب المتبعة.","vol":"2","page":128},{"text":"أخبر تعالى أنَّه يبتلي عباده: أي يختبرهم ويمتحنهم، كما قال تعالى: (﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾، فتارة بالسراء وتارة بالضراء من خوف وجوع، كما قال تعالى: ﴿لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ﴾ فإن الجائع والخائف كل منهما يظهر ذلك عليه؛ ولهذا قال: لباس الجوع والخوف. وقال هاهنا: ﴿بِشَيءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ﴾ أي بقليل من ذلك ﴿وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ﴾ أي: ذهاب بعضها ﴿وَالْأَنْفُسِ﴾ كموت الأصحاب، والأقارب، والأحباب ﴿وَالثَّمَرَاتِ﴾ أي: لا تُغِل الحدائق والمزارع كعادتها، كما قال بعض السلف: فكانت بعض النخيل لا تثمر غير واحدة. وكل هذا وأمثاله مما يختبر الله به عباده، فمن صبر أثابه، ومن قنط أحل به عقابه؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾.\nوقد حكى بعض المفسرين أن المراد من الخوف هاهنا خوف الله، وبالجوع صيام رمضان، وبنقص [¬١] الأموال: الزكاة، والأنفس: الأمراض. والثمرات: الأولاد.\nوفي هذا نظر، والله أعلم.\nثم بين تعالى مَن الصابرون الذين شكرهم، فقال: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيهِ رَاجِعُونَ﴾ أي: تسلوا بقولهم هذا عما أصابهم، وعلموا أنهم ملك لله يتصرف في عبيده بما يشاء، وعلموا أنَّه لا يضيع لديه مثقال ذرّة يوم القيامة، فأحدث لهم ذلك اعترافهم بأنهم عبيده، وأنهم إليه راجعون في الدار الآخرة، ولهذا أخبر تعالى عما أعطاهم على ذلك، فقال: ﴿أُولَئِكَ عَلَيهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ [¬٢]﴾ أي: ثناء من الله عليهم ورحمة [¬٣]. قال سعيد بن جبير: أي: أمنة من العذاب.\n﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب: نعم العدلان ونعمت العلاوة ﴿أُولَئِكَ عَلَيهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ﴾ فهذان العدلان ﴿هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ فهذه العلاوة، وهي ما توضع بين العدلين، وهي زيادة في الحمل، فكذلك هؤلاء أعطوا ثوابهم وزيدوا أيضًا.\nوقد ورد في ثواب الاسترجاع، وهو قول الله [¬٤]: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيهِ رَاجِعُونَ﴾ عند المصائب أحاديث كثيرة. فمن ذلك ما رواه الإمام أحمد (^٨٩٨) [حديث قال] [¬٥]:\n_________\n(^٨٩٨) - صحيح، والحديث في المسند ١٦٣٩٣ - (٤/ ٢٧).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"ونقص\".\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- سقط من: ت.\n[¬٤]- سقط من: ت.\n[¬٥]- سقط من: ز، خ.","vol":"2","page":129},{"text":"حدَّثنا يونس [بن محمد] [¬١]، حدَّثنا ليث -يعني ابن سعد [¬٢]- عن يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد، عن عمرو بن أبي عمرو، عن المطلب [¬٣]، عن أم سلمة، قالت: أتاني أبو سلمة يومًا من عند رسول الله ﷺ؛ فقال: لقد سمعت من رسول الله ﷺ قولًا سررت به. قال: \"لا يصيب أحدًا من المسلملين مصيبةٌ فيسترجع عند مصيبته، ثم يقول: اللهم أجُرْني في مصيبتي وأخلف لي خيرًا منها، إلَّا فعل ذلك به\"، قالت أم سلمة: فحفظت ذلك منه، فلما توفي أَبو سلمة استرجعت وقلت: اللهم؛ أجرْني في مصيبتي واخلف لي خيرًا منه [¬٤]، ثم رجعت إلى نفسي فقلت من أين لي خير [¬٥] من أبي سلمة؟ فلما انقضت عدّتي استأذن عليَّ رسول الله ﷺ، وأنا أدبغ إهابًا لي، فغسلت يدي من القرَظ، وأذنت له، فوضعت له وسادة أدم حشوها ليف، فقعد عليها، فخطبني إلى نفسي، فلما فرغ من مقالته قلت: يا رسول الله، ما بي ألّا يكون بك الرغبة، ولكني امرأة فيّ غيرةٌ شديدة، فأخاف أن ترى مني شيئًا يعذبني الله به، وأنا امرأة قد دخلت في السن، وأنا ذات عيال، فقال: \"أمَّا ما ذكرت من الغيرة، فسوف يذهبها الله ﷿ عنك، وأما ما ذكرت من السن. فقد أصابني مثل الذي أصابك، وأما ما ذكرت من العيال فإنما عيالك عيالي\". قالت: فقد سلمت لرسول الله ﷺ، فتزوجها رسول الله ﷺ، فقالت أم سلمة بعد: أبدلني الله بأبي سلمة خيرًا منه - رسولَ الله ﷺ.\nوفي صحيح مسلم (^٨٩٩)، عنها أنَّها قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"ما من عبد تصيبه مصيبة يقول: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيهِ رَاجِعُونَ﴾ اللهم؛ أجرْني في مصيبتي، واخلف لي خيرًا منها، [إلَّا آجره الله في مصيبته، وأخلف له خيرًا منها\"] [¬٦]. قالت فلما توفي أَبو سلمة قلت كما أمرني رسول الله صلى الذ عليه وسلم، فأخلف الله لي خيرًا منه - رسول الله ﷺ.\nوقال الإمام أحمد (^٩٠٠): حدَّثنا يزيد وعباد بن عباد، قالا: حدَّثنا هشام بن أَبي هشام،\n_________\n(^٨٩٩) - مسلم في كتاب الجنائز، باب: ما يقال عند المصيبة، من طريق يحيى عن أيوب، وقتيبة، وابن حجر، عن إسماعيل عن جعفر، عن سعد بن سعيد، عن عمر بن كثير بن أفلح، عن ابن سفينة - عن أم سلمة به نحوه. (٦/ ٣١٢) حديث (٣ - ٩١٨). وحديث (٤، ٥ - ٩١٨).\n(^٩٠٠) - إسناده ضعيف جدًّا والحديث في المسند ١٧٣٤ - (١/ ٢٠١). هشام بن أبي هشام هو هشام بن زياد: متروك، ضعفه البخاري، والنَّسائي، وابن معين. وأمه لا يعرف من هي. وقوله: حدَّثنا عباد =\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٢]- في خ: \"أسعد\".\n[¬٣]- في خ: \"المطلبي\".\n[¬٤]- في ت: \"منها\".\n[¬٥]- في ز، خ: \"خيرًا\".\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.","vol":"2","page":130},{"text":"[حدثنا] [¬١] عباد بن زياد، عن أمه عن فاطمة بنة الحسين، عن أبيها الحسين بن علي، عن النبي ﷺ؛ قال: \"ما من مسلم ولا مسلمة يصاب بمصيبة، فيذكرها وإن طال عهدها -وقال عباد: قدم عهدها- فيحدث لذلك استرجاعًا، إلَّا جدّد الله له عند ذلك فأعطاه مثل أجرها يوم أصيب\".\nورواه ابن ماجة (^٩٠١) في \"سننه\"، عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن وكيع، عن هشام بن [¬٢]، زياد، عن أمه عن فاطمة بنت الحسين، عن أبيها.\nوقد رواه إسماعيل بن علية، ويزيد بن هارون، عن هشام بن [¬٣] زياد، عن أبيه (كذا) [¬٤]، عن فاطمة، عن أبيها.\nوقال الإمام أحمد (^٩٠٢): حدثنا يحيى بن إسحاق السالحيني، أخبرنا حماد بن سلمة، عن أبي سنان؛ قال: دفنت ابنًا لي، فإني لفي القبر إذ أخذ بيدي أبو طلحة -يعني الخولاني- فأخرجني، وقال لي [¬٥]: ألا أبشرك. قلت: بلى. قال: حدثني الضحاك بن عبد الرحمن ابن [¬٦] عرزب، عن أبي موسى؛ قال: قال رسول الله ﷺ: \"قال الله: يا ملك الموت؛ قبضت ولد عدي؛ قبضت قرة عينه وثمرة فؤاده. قال: [نعم. قال] [¬٧]: فماذا [¬٨]، قال: قال:\n_________\n= ابن زياد: صوابه: قال عباد: ابن زياد. أي أن عباد بن عباد حين سمى شيخه ذكر اسم أبيه لا كنيته. وأما يزيد بن هارون فذكر الكنية فقط. وانظر الحديث التالي.\n(^٩٠١) - إسناده ضعيف جدًّا والحديث في سنن ابن ماجة، في الجنائز، باب: ما جاء في الصبر على المصيبة برقم (١٦٠٠) وقال البوصيري في الزوائد (١/ ٥٢٨): هذا إسناد فيه هشام بن زياد وهو ضعيف، هكذا رواه ابن أبي شيبة في مسنده، ورواه أحمد بن منيع في مسنده: حدثنا يزيد، أنبأ هشام بن أبي هشام، عن أمه عن فاطمة بنت الحسين-. فذكره بإسناده ومعناه، وقد اختلف النسخ: هل هو عن أبيعه أو عن [عمه]- كذا في الزوائد- ولا يعرف لهما حال.\nورواه يعقوب بن إبراهيم الدورقي عن ابن علية، عن هشام بن زياد، عن أبيه، عن فاطمة، وتابعه أحمد بن أبي السرح، عن يزيد بن هارون، عن هشام.\n(^٩٠٢) - حسن، والحديث في المسند برقم ١٩٧٧٩ - (٤/ ٤١٥). وأخرجه الترمذي في كتاب الجنائز، باب: فضل المصيبة إذا احتسب، حديث (١٠٢١) (٣/ ٣٤١). وعبد بن حميد (٥٥١). وابن حبان في كتاب الجنائز، باب: ما جاء في الصبر وثواب الأمراض، حديث (٢٩٤٨) (٧٢١٠). ونعيم بن حماد في زوائد الزهد لابن المبارك (١٠٨). كلهم من طريق حماد بن سلمة به. وقال الترمذي: حسن غريب.=\n_________\n[¬١]- صوابه: قال:\n[¬٢] في ز: \"عن\".\n[¬٣]-في خ: \"عن\".\n[¬٤] سقط من: خ.\n[¬٥]- سقط من: ز، خ.\n[¬٦] في ز، خ: \"عن\".\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٨] في ز: \"فما\".","vol":"2","page":131},{"text":"حمدك واسترجع. قال: ابنوا له بيتًا في الجنة وسموه بيت الحمد\".\nثم رواه عن علي بن إسحاق، عن عبد الله بن المبارك، فذكره.\nوهكذا رواه الترمذي، عن سويد بن نصر، عن ابن المبارك به، وقال: حسن غريب. واسم أبي سنان عيسى بن سنان.\n﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيتَ أَو اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ (١٥٨)﴾\nقال الإمام أحمد: حدثنا سليمان بن داود الهاشمي، أخبرنا إبراهيم بن سعد، عن الزهريّ، عن عروة، عن عائشة؛ قالت: قلت: أرأيت قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيتَ أَو اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾. قلت: فوالله ما على أحد جناح ألّا [¬١] يتطوّف بهما. فقالت عائشة: بئسما قلت يا بن أختي؛ [إنها لو كانت] [¬٢] على ما أوّلتها [¬٣] عليه، كانت فلا جناح عليه ألّا [¬٤] يطوّف بهما، ولكنها إنما أنزلت؛ أن الأنصار كانوا قبل أن يسلموا [] [¬٥] يهلون لمناة الطاغية، التي كانوا يعبدونها عند المشلل [¬٦]، وكان من أهل لها يتحرَّج أن يطوّف بالصفا رالمررة، فسألوا عن ذلك رسول الله ﷺ،\n_________\n= وعزاه الألباني في الصحيح (٣/ ٣٩٨) للثقفي في \"الثقفيات\" (٣/ ١٥ / ٢). عن عبد الحكم بن ميسرة الحارثي أبي يحيى: ثنا سفيان عن علقمة بن مرثد عن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري مرفوعًا. وقال: غريب من حديث الثوري لا أعرفه إلا من هذا الوجه، ورواه الضحاك بن عبد الرحمن بن عرزب وغيره عن أبي موسى الأشعري ﵁. وحسنه الألباني بمجموع الطرق انظر الصحيحة (١٤٠٨).\n_________\n[¬١]- في خ: \"أن\"\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٣]- في ز، خ: \"أولها\"\n[¬٤]- في خ: \"أن\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين في ز: \"كانوا\".\n[¬٦]- المشلل: بضم الميم وفتح الشين وتشديد اللام الأولى وفتحها: موضع بين مكة والمدينة. نهاية [٤/ ٣٣٤].","vol":"2","page":132},{"text":"فقالوا: يا رسول الله؛ إنا كنا نتحرج أن نطوّف بالصفا والمروة في الجاهلية. فأنزل الله ﷿: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ [فَمَنْ حَجَّ الْبَيتَ أَو اعْتَمَرَ] [¬١] فَلَا جُنَاحَ عَلَيهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾، قالت عائشة: ثم قد سنّ رسول الله ﷺ الطواف بهما. فليس لأحد أن يدع الطواف بهما، أخرجاه في الصحيحين (^٩٠٣).\nوفي رواية عن الزهري أنه قال: فحدثت بهذا الحديث أبا بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، فقال لي [¬٢]: [إن هذا]] [¬٣] العلم ما كنت سمعته، ولقد سمعت رجالا من أهل العلم يقولون: إن الناس -إلا من ذكرت عائشة- كانوا يقولون: إن طوافنا بين هذين الحجرين من أمر الجاهلية. وقال آخرون من الأنصار: إنما أمرنا بالطواف بالبيت ولم نؤمر بالطواف بين الصفا والمروة، فأنزل الله تعالى ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله﴾ قال أبو بكر بن عبد الرحمن: فلعلها نزلت في هؤلاء وهؤلاء.\nورواه البخاري (^٩٠٤) من حديث مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة بنحو ما تقدم.\nثم قال البخاري (^٩٠٥): حدَّثنا محمد بن يوسف، حدَّثنا سفيان، عن عاصم بن سليمان، قال: سألت أنسًا عن الصفا والمروة .. قال: كنا نرى أنهما [¬٤] من أمر الجاهلية، فلما جاء الإسلام أمسكنا عنهما، فأنزل الله ﷿ ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾.\n[وذكر القرطبي في تفسيره عن ابن عباس قال: كانت الشياطين تفرق بين الصفا والمروة الليل كله، وكانت بينهما آلهة، فلما جاء الإسلام سألوا رسول الله ﷺ عن الطواف بينهما فنزلت هذه الآية.\nوقال الشعبي: كان إساف على الصفا وكانت نائلة على المروة، وكانوا يستلمونهما، فتحرجوا بعد الإسلام من الطواف بينهما، فنزلت هذه الآية.\n(قلت) ذكر محمد بن إسحاق في كتاب السيرة أن إسافًا ونائلة كانا بشرين، فزنيا داخل الكعبة، فمسخا حجرين، فنصبتهما قريش تجاه الكعبة ليعتبر بهما الناس، فلما طال عهدهما عبدا ثم حولا إلى الصفا والمروة، فنصبا هنالك، فكان من طاف بالصفا والمروة يستلمهما، ولهذا] [¬٥]\n_________\n(^٩٠٣) - المسند ٢٥٢٢٣ - (٦/ ١٤٤)، وأخرجه البخاري في كتاب الحج، باب: وجوب الصفا والمروة وجعل من شعائر الله (رقم: ١٦٤٣) وأطرافه في (١٧٩٠، ٤٤٩٥، ٤٨٦١). ومسلم في كتاب الحج، (رقم: ١٢٧٧). وأبو داود في كتاب المناسك، باب: أمر الصفا والمروة. (٢/ ١٨١ - ١٨٢ / رقم: ١٩٠١). والترمذي في كتاب تفسير القرآن، باب: ومن سورة البقرة (رقم: ٢٩٦٥). والنسائي في كتاب مناسك الحج، باب: ذكر الصفا والمروة (٥/ ٢٣٧ - ٢٣٩). وابن ماجة في كتاب المناسك، باب: السعي بين الصفا والمروة (رقم: ٢٦٨٦). كلهم من طريق عروة به.\n(^٩٠٤) - صحيح البخاري (٤٤٩٥).\n(^٩٠٥) - صحيح البخاري برقم (٤٤٩٦).\n_________\n[¬١]- في خ: \"إلى قوله تعالى\".\n[¬٢]- سقط من: ت.\n[¬٣]- في ز، خ: \"وهذا\".\n[¬٤]- في ز: \"ذلك\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"2","page":133},{"text":"[يقول أبو طالب في قصيدته المشهورة:\nوحيث ينيخ الأشعرون ركابهم … لمفْضَي السيول من إساف ونائل] [¬١]\nوفي \"صحيح مسلم (^٩٠٦) \" من [¬٢] حديث جابر الطويل، وفيه: أنَّ رسول الله على الله عليه وسلم لما فرغ من طوافه بالبيت، عاد إلى الركن، فاستلمه، ثم خرج من باب الصفا، وهو يقول: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾. ثم قال: \"أبدأ بما بدأ الله به\" وفي رواية النسائي \"ابدءوا بما بدأ الله به\".\nوقال الإمام أحمد (^٩٠٧): حدَّثنا مريج، حدَّثنا عبد الله بن المؤمل، عن عطاء بن أبي رباح، عن صفية بنت شيبة، عن حبيبة بنت أبي تَجْرَاة، قالت: رأيت رسول الله ﷺ يطوف بين الصفا والمروة، والناس بين يديه، وهو وراءهم، وهو يسعى حتى أرى ركبتيه من شدة السعي يدور به إزاره، وهو يقول: \"اسعَوا فإن الله كتب عليكم السعي\".\nثم رواه الإمام أحمد (^٩٠٨)، عن عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن واصل مولى أبي عيينة، عن موسى بن عُبَيدة، عن صفية بنت شيبة، أن امرأة أخبرتها أنها سمعت النبي ﷺ بين الصفا والمروة يقول: \"كتب عليكم السعي، فاسعَوا\".\n_________\n(^٩٠٦) - مسلم، كتاب الحج، برقم ١٤٧ - (١٢١٨).\n(^٩٠٧) - إسناده ضعيف والحديث في المسند ٢٧٤٧٥، ٢٧٤٧٤ - (٦/ ٤٢١). ورواه الدارقطني من حديث يونس بن محمد، ومعاذ بن هانئ، عن ابن المؤمل، عن عبد الله بن الحصين، عن عطاء، عن صفية بنت شيبة، عن حبيبة (٢/ ٢٥٥). والحديث رواه الشافعي، وإسحاق بن راهويه والحاكم وسكت عنه. وأعله ابن عدي في الكامل بابن المؤمل وأسند تضعيفه عن أحمد والنسائي وابن معين. ورواه الدارقطني من حديث الواقدي عن علي بن محمد العمري عن منصور الحجبي عن أمه عن برة بنت أبي تجزأة. والواقدى: متروك.\nقال ابن أبي حاتم في العلل (١/ ٢٦٩): سألت أبي عن حديث رواه سعيد بن سليمان، عن عبد الله بن المؤمل، عن عطاء، عن صفية بنة شيبة، عن حبيبة بنة أبي تجزأة، عن النبي ﷺ في السعي بين الصفا والمروة. قال أبي: رواه غير سعيد، عن عبد الله بن المؤمل، فقال: عن عمر بن عبد الرحمن بن محيض، عن صفية بنة شيبة، عن حبيبة بنة أبي تجزأة وأما الشافعي فروى عن ابن المؤمل، عن عمر بن عبد الرحمن بن محيض، عن عطاء، عن صفية بنت شيبة، عن حبيية بنت أبي تجزأة، عن النبي ﷺ.\nوالحديث رواه الطبراني في الكبير (٢٤/ ٢٢٦) برقم (٥٧٣): قال: ثنا عبد الله، ثنا أبي، عن الشافعي، ثنا عبد الله بن المؤمل به \"وجعله عن صفية بنت شيبة عن حبيبة به\".\n(^٩٠٨) - المسند ٢٧٥٧٠ - (٦/ ٤٣٧). وإسناده ضعيف لضعف موسى بن عبيدة.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.","vol":"2","page":134},{"text":"وقد استدل بهذا الحديث على مذهب [¬١] من يرى أن [¬٢] السعي بين الصفا والمروة ركن في الحج، كما هو مذهب الشافعي، ومن وافقه، [ورواية عن أحمد، وهو المشهور عن مالك] [¬٣]. وقيل: إنّه واجب وليس بركن. [فإن تركه عمدًا أو سهوًا جبره بدم، وهو رواية عن أحمد وبه يقول طائفة] [¬٤]. وقيل: بل مستحب [وإليه ذهب أبو حنيفة والثوري والشعبي وابن سيرين، وروي عن أنس وابن عمر وابن عباس، وحكي عن مالك في العتبية. قال القرطبي: واحتجوا بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيرًا﴾] [¬٥]. والقول الأول أرجح، لأنه ﵇ طاف بينهما وقال: \"لتأخذوا عني مناسككم\"، فكل ما فعله في حجمه تلك واجب لا بد من فعله في الحج، إلا ما خرج بدليل، والله أعلم.\n[وقد تقدم قوله ﵇ \"اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي\"] [¬٦]، فقد بيّن الله تعالى أن الطواف بين الصفا والمروة من شعائر الله، أي: مما شرع الله تعالى لإبراهيم الخليل في مناسك الحج، وقد تقدم في حديث ابن عباس أن أصل ذلك مأخوذ من تطواف [¬٧] هاجر وتَرْدادها بين الصفا والمروة في طلب الماء لولدها لما نَفَد ماؤهما وزادهما، حين تركهما إبراهيم ﵇ هنالك، وليس [¬٨] عندهما أحد من الناس، فلما خافت على ولدها الضيعة هنالك، ونفد ما عندهما قامت تطلب الغوث من الله ﷿ فلم تزل تتردد في هذه البقعة المشرفة بين الصفا والروة متذللة خائفة وجلة مضطرة فقيرة إلى الله ﷿، حتى كشف الله كربتها، وآنس غربتها، وفرج شدتها، وأتبع لها زمزم التي ماؤها \"طعام طُعم، وشفاء سُقم\"، فالساعي بينهما ينبغي له أن يستحضر فقره وذُله وحاجته إلى الله في هداية قلبه، وصلاح حاله، وغفران ذنبه، وأن يلتجئ إلى الله ﷿ ليزيح ما هو به من النقائص والعيوب، وأن يهديه إلى الصراط [¬٩] المستقيم، وأن يثبته عليه إلى مماته، وأن يحوله من حاله الذي هو عليه من الذنوب والمعاصي إلى حال الكمال والغفران والسداد والاستقامة، كما فعل بهاجر، ﵍.\n[وقوله: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيرًا﴾ قيل: زاد في طوافه بينهما على قدر الواجب؛ ثامنة وتاسعة ونحو ذلك.\nوقيل: يطوف بينهما في حجة تطوع أو عمرة تطوع. وقيل: المراد تطوع خيرًا في سائر\n_________\n[¬١]- في ز: \"من يذهب\".\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سفط من: ز، خ.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- ما بين المعكوكمبن سفط من: ز، خ.\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سفط من: ز، خ.\n[¬٧]- في ت: \"طواف\".\n[¬٨]- في ز، خ: \"ليس\".\n[¬٩]- في ز: \"صراطه\".","vol":"2","page":135},{"text":"العبادات. حكى ذلك الرازي وعزى الثالث إلى الحسن البصري، والله أعلم.\nوقوله: ﴿فإن الله شاكر عليم﴾ أي: يثيب على القليل بالكثير، ﴿عليم﴾ بقدر الجزاء فلا يبخس أحدًا ثوابه و﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَال ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (٤٠)﴾ [¬١].\n﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (١٥٩) إلا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٦٠) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٦١) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (١٦٢)﴾\nهذا وعيد شديد لمن كتم ما جاءت به الرسل من الدلالات البينة على المقاصد الصحيحة والهدى النافع للقلوب من بعد ما بينه الله تعالى لعباده في كتبه التي أنزلها على رسله.\nقال أبو العالية: نزلت في أهل الكتاب، كتموا صفة محمد ﷺ. ثم أخبر أنهم يلعنهم كل شيء على صنيعهم ذلك، فكما أن العالِم يستغفر له كل شيء حتى الحوت في الماء والطير في الهواء، فهؤلاء بخلاف العلماء، فيلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون.\nوقد ورد في الحديث المسند (^٩٠٩) من طرائق [¬٢] يشد بعضها بعضًا، عن أبي هريرة، وغيره؛ أن رسول الله على الله عليه وسلم، قال: \"من سئل عن علم، فكتمه، ألجم يوم القيامة بلجام من نار\".\nوالذي في الصحيح (^٩١٠) عن أبي هريرة أنه قال: لولا آية في كتاب الله ما حدّثت أحدًا شيئًا: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا [¬٣] مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى﴾. الآية.\nوقال ابن أبي حاتم (^٩١١): حدثنا الحسن بن عرفة، حدثنا عمار بن محمد، عن ليث بن أبي\n_________\n(^٩٠٩) - المسند (٢/ ٢٦٣، ٣٠٥، ٣٥٣، ٣٤٤، ٢٩٦، ٤٩٥).\n(^٩١٠) - صحيح البخاري، كتاب العلم، باب: حفظ العلم برقم (١١٨).\n(^٩١١) - رواه ابن أبي حاتم ١٤٤٤ - (١/ ٢٦٩). وإسناده ضعيف.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ\n[¬٢]- في ز، خ: \"طرق\".\n[¬٣]- في خ: \"أنزل الله\".","vol":"2","page":136},{"text":"سليم، عن المنهال به. عمرو، عن راذان- أبي [¬١] عُمَر- عن البراء بن عازب؛ قال: كنا مع النبي ﷺ في جنازة، فقال: \"إنّ الكافر يضرب ضربة بين عينيه فيسمع صوته كل دابة غير الثقلين، فتلعنه كل دابة سمعت صوته، فذلك قول الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ يعني: دواب الأرض.\n[ورواه ابن ماجة (^٩١٢)، عن محمد بن الصباح، عن [عمار] [¬٢] بن محمد به] [¬٣].\nوقال عطاء بن أبي رباح: كل دابة والجنّ والإنس.\nوقال مجاهد: إذا أجدبت الأرض قالت [¬٤] البهائم: هذا من أجل عصاة بني آدم لعن الله عصاة بني آدم.\nوقال أبو العالية والربيع بن أنس وقتادة: ﴿ويلعنهم اللاعنون﴾: [] [¬٥] يعني تلعنهم ملائكة الله والمؤمنون.\n[وقد جاء في الحديث: \"أنّ العالم يستغفر له كل شيء حتى الحيتان في البحر\" (^٩١٣).\nوجاء في هذه الآية أن كاتم العلم يلعنه الله والملائكة والناس أجمعون، واللاعنون أيضًا وهم كل فصيح وأعجمي؛ إمّا بلسان المقال أو الحال] أو كل من كان له عقل يوم القيامة، [والله أعلم] [¬٦].\nثم استثنى الله تعالى من هؤلاء من تاب إليه، فقال: ﴿إلا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا﴾ أي: رجعوا عما كانوا فيه، وأصلحوا أعمالهم [وأحوالهم] [¬٧]، وبينوا للناس ما كانوا يكتمونه [¬٨] ﴿فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾. وفي هذا دلالة على أنّ الداعية إلى كفر أو بدعة إذا تاب إلى الله تاب الله عليه.\nوقد ورد أنّ الأمم السابقة [¬٩] لم تكن التوبة تقبل من مثل هؤلاء منهم، ولكن هذا من شريعة\n_________\n(^٩١٢) - لم نقف عليه في سنن ابن ماجه.\n(^٩١٣) - رواه الدارمي في المقدمة باب: في فضل العلم والعالم برقم (٣٤٣) ولفظه: \"معلم الخير يستغفر له كل شيء حتى الحوت في البحر\".\n_________\n[¬١]- في ز: \"بن\".\n[¬٢]- في خ: عامر.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ر.\n[¬٤]- في خ: \"قال\".\n[¬٥]- في ز: \"يلعنهم\".\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٧]- زيادة من ر.\n[¬٨]- في ز، خ: \"كتموه\".\n[¬٩]- في ر خ: \"السالفة\".","vol":"2","page":137},{"text":"في التوبة ونبي الرحمة صلوات الله وسلامه عليه.\nثم أخبر تعالى عمن كفر به واستمرّ به الحال إلى مماته بأن ﴿عَلَيهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٦١) خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أي: في اللعنة التابعة [¬١]، لهم إلى يوم القيامة، ثم المصاحبة لهم في نار جهنم التي ﴿لا يخفف عنهم العذاب﴾ فيها، أي: لا [¬٢] ينقص عما هم فيه ﴿ولا هم ينظرون﴾ أي: لا يغير عنهم ساعة واحدة، ولا يفتر بل هو متواصل دائم، فنعوذ بالله من ذلك.\nوقال أبو العالية وقتادة: إن الكافر يوقف ورم القيامة فيلعنه الله، ثم تلعنه الملائكة، ثم يلعنه [¬٣] الناس أجمعون.\n[فصل\nلا خلاف في جواز لعن الكفار، وقد كان عمر بن الخطاب ﵁ ومن بعده من الأئمة يلعنون الكفرة في القنوت وغيره، فأمّا الكافر المعين فقد ذهب جماعة من العلماء إلى أنه لا يلعن؛ لأنا لا ندري بما يختم الله له، واستدل بعضهم بالآية ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾. وقالت طائفة أخرى: بل يجوز لعن الكافر المعين. واختاره الفقيه أبو بكر بن العربي المالكي. ولكنه احتج بحديث فيه ضعف، واستدل غيره لقوله ﵇ في قصة الذي كان يؤتى به سكران، فيحدّه، فقال رجل: لعنه الله، ما أكثر ما يؤتى به! فقال رسول الله ﷺ: \"لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله\" (^٩١٤)، فدل على أنّ من لا حب الله ورسوله يلعن، والله أعلم] [¬٤].\n﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إلا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)﴾\nيخبر تعالى عن تفرّده بالإلهية، وأنه لا شريك له، ولا عديل له، بل هو الله الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لا إله إلا هو وأنه الرحمن الرحيم. وقد تقدّم تفسير هذين الاسمين في أوّل الفاتحة [¬٥]، وفي الحديث عن شهر بن حوشب، عن أسماء بنت يزيد بن السكن، عن رسول الله\n_________\n(^٩١٤) - رواه البخاري في صحيحه، كتاب الحدود، باب: ما يكره من لكن شارب الخمر، وإنه ليس بخارج من الملة برقم (٦٧٨٠) من حديث عمر ﵁.\n_________\n[¬١]- في ز: \"البالغة\".\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- في خ: \"تلعنه\".\n[¬٤]- ما يبن المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- في ز، خ: \"السورة\".","vol":"2","page":138},{"text":"صلى الله عليه وسدم أنه قال: \"اسم الله الأعظم في هاتين الآيتين: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إلا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ و﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إلا هُوَ [الْحَيُّ الْقَيُّوم] [¬١]﴾ (^٩١٥). ثم ذكر الدليل على تفرّده بالإلهية [بتفرده] [¬٢] بخلق السموات والأرض وما فيهما، وما بين ذلك مما ذرأ وبرأ من الخلوقات الدالة على وحدانيته، فقال:\n﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَينَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٦٤)﴾\nيقول تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ تلك في ارتفاعها ولطافتها [¬٣] واتساعها وكواكبها السيارة والثوابت ودوران فلكها، وههذه الأرض في كثافتها [¬٤] وانخفاضها وجبالها، وبحارها وقفارها، وَوِهَادها وعُمرانها، وما فيها من المنافع، واختلاف الليل والنهار، ههذا يجيء ثم يذهب، ويخلفه الآخر ويعقبه، لا يتأخر عنه لحظة، كما قال تعالى: ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ وتارة يطول هذا ويقصر هذا، وتارة يأخذ هذا من هذا ثم يتعاوضان [¬٥]، كما قال تعالى: ﴿يُولِجُ اللَّيلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيلِ﴾ أي: يزيد من هذا في هذا، ومن هذا في هذا ﴿وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ﴾ أي: في تسخير البحر لحمل السفن من جانب إلى جانب لمعاش الناس، والانتفاع بما عند أهل ذلك الإقليم، ونقل فهذا إلى هؤلاء وما عند أولئك إلى هؤلاء ﴿وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ كما قال تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيتَةُ أَحْيَينَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ﴾ إلى قوله: ﴿ومما لا يعلمون﴾.\n_________\n(^٩١٥) - رواه أحمد (٦/ ٤٦١) وأبو داود في كتاب الصلاة، باب: الدعاء برقم (١٤٩٦)، والترمذي في الدعوات، باب: جامع الدعوات برقم (٣٤٧٨)، وابن ماجه في الدعاء، باب: اسم الله الأعظم حديث (٣٨٥٥) - وابن أبي شيبة (١٠/ ٢٧٢) والدارمي (٢/ ٤٥٠) وابن أبي حاتم ١٤٦٠ - (١/ ٢٧٢) والطبراني في الدعاء (١١٣)، وفي الكبير (٢٤/ ١٧٤) - جميعهم من طريق عبيد الله بن أبي زياد القداح - ليس بالقوي- عن شهر- صدوق كثير الإرسال والأوهام- به. وقال الترمذي: \"هذا حديث حسن صحيح\".\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- زيادة من ز.\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- في خ: \"يتعارضان\"، وفي ز: \"يتقارضان\".","vol":"2","page":139},{"text":"﴿وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ﴾ أي على اختلاف أشكالها وألوانها ومنافعها وصغرها وكبرها، وهو يعلم ذلك كله ويرزقه، لا يخفى عليه [شيء من ذلك] [¬١]، كما قال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ ﴿وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ﴾ أي: فتارة [¬٢] تأتي بالرحمة وتارة تأتي بالعذاب، و[¬٣] تارة تأتي مبشرة بين يدي السحاب، وتارة تسوقه، وتارة تجمعه، وتارة تفرقه، وتارة تصرفه، [ثم تارة تأتي من الجنوب - وهي الشامية - وتارة تأتي من ناحية اليمن، وتارة صبا وهي الشرقية التي تصدم وجه الكعبة وتارة دبورًا وهي غربية تفد من ناحية دبر الكعبة. وقد صنف الناس في الرياح والمطر والأنواء كتبا كثيرة فيما يتعلق بلغاتها وأحكامها، وبسط ذلك يطول هاهنا، والله أعلم] [¬٤].\n﴿وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [أي: سائر بين السماء والأرض مسخر] [¬٥] إلى ما يشاء [¬٦] الله من الأراضي والأماكن، كما يصرفه الله [¬٧] تعالي ﴿لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ أي [¬٨] في هذه الأشياء دلالات بينة على وحدانية الله تعالى، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾.\nوقال الحافظ أبو بكر بن مردويه (^٩١٦): أخبرنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، حدثنا أبو سعيد الأشتكي، حدثني أبي، عن أبيه، عن أشعث بن إسحاق، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد\n_________\n(^٩١٦) - اشعث بن إسحاق: ذكره البخاري (١/ ٤٢٨) وابن أبي حاتم (٢/ ٢٦٩» ونقل قول ابن معين: ثقة. ووثقه ابن حبان (٨/ ١٢٨).\nوجعفر بن أبي المغيرة: ذكره ابن حبان في الثقات ونقل ابن حبان في الثقات عن أحمد بن حنبل توثيقه، وقال ابن مندة: ليس بالقوي في سعيد بن جبير، وقال أبو نعيم الأصبهاني: اسم أبي المغيرة دينار وذكره البخاري وابن أبي حاتم ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا (الجرح ٢/ ٤٩٠) (التاريخ ٢/ ٢٠٠) وفي التقريب: صدوق يهم.\nوأبو سعيد الدشتكي: عبد الله بن سعد قال في التقريب: صدوق. وذكره البخاري (٥/ ١٠٧) وابن أبي حاتم (٥/ ٩٤).\nوالحديث رواه الطبراني في المعجم الكبير (١٢/ ١٢) من طريق يحيى الحماني عن يعقوب القمي، عن جعفر بن أبي المغيرة به نحوه.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"من ذلك شيء\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"تارة\".\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- في ز، خ: \"يسخر\".\n[¬٦]- في خ: \"شاء\".\n[¬٧]- سقط في: ز.\n[¬٨]- في ز: \"أن\".","vol":"2","page":140},{"text":"ابن جبير، عن ابن عباس؛ قال: أتت قريش محمدًا ﷺ؛ فقالوا: يا محمد؛ إنا [¬١] نريد أن تدعو ربك أن يجعل لنا الصفا ذهبًا، فنشتري به الخيل والسلاح، فنؤمن بك ونقاتل معك. قال: \"أوثقوا [¬٢] لي لئن دعوت ربي فجعل لكم الصفا ذهبًا لتؤمنن بي\". فأوثقوا له، فدعا ربه فأتاه جبريل فقال: إن ربك قد أعطاهم الصفا ذهبًا على أنهم إن لم يؤمنوا بك عذبهم عذابًا لم يعذبه أحدًا من العالمين. قال محمد ﷺ: \"رب لا، بل دعني وقومي فَلأَدْعُهم يومًا بيوم\"، فأنزل الله هذه الآية ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ﴾ الآية.\nورواه ابن أبي حاتم (^٩١٧) من وجه آخر، عن جعفر بن أبي المغيرة به. وزاد في آخره: وكيف يسألونك عن الصفا وهم يرون من الآيات ما هو أعظم من الصفا.\nوقال ابن أبي حاتم أيضًا (^٩١٨): حدَّثنا أبي، حدَّثنا أبو حذيفة، حدَّثنا شبل، عن ابن [¬٣] أبي نجيح، عن عطاء، قال: نزلت [¬٤] على النبي ﷺ بالمدينة: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إلا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾. فقال كفار قريش بمكة: كيف يسع الناس إله واحد؟ فأنزل الله تعالى ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ﴾ إلى قوله ﴿لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾.\nفبهذا يعلمون أنه إله واحد، وأنه إله كل شيء، وخالق كل شيء.\nوقال وكيع (^٩١٩) [بن الجراح] [¬٥]: حدَّثنا سفيان، عن أبيه، عن أبي الضحى قال: لما نزلت: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ إلى آخر الآية قال المشركون: إن كان هكذا فليأتنا بآية. فأنزل الله ﷿ ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيلِ وَالنَّهَارِ﴾ إلى قوله ﴿يَعْقِلُونَ﴾.\nورواه آدم بن أبي إياس، عن أبي جعفر -هو الرازي- عن سعيد بن مسروق والد سفيان، عن أبي الضحى، به.\n_________\n(^٩١٧) - رواه ابن أبي حاتم برقم ١٤٦٥ - (١/ ٢٧٣) من حديث عبد الرحمن بن عمر الزهري الصهباني رسته، عن ابن مهدي -يعني عبد الرحمن- عن يعقوب بن عبد الله الأشعري، عن جعفر به.\n(^٩١٨) - رواه ابن أبي حاتم برقم ١٤٦٤ - (١/ ٢٧٢).\n(^٩١٩) - رواه ابن جرير عن سفيان بن وكيع عن أبيه به ٢٣٩٩ - (٣/ ٢٦٩).\n_________\n[¬١]- في ز: \"إنما\".\n[¬٢]- في خ: \"وثقوا\".\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- في ز: \"نزل\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"2","page":141},{"text":"﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ (١٦٥) إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ (١٦٦) وَقَال الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ (١٦٧)﴾\nيذكر تعالى حال المشركين به في الدنيا، وما لهم في الدار الآخرة، حيث جعلوا له [¬١] أندادًا، أي: أمثالًا ونظراء يعبدونهم معه ويحبونهم كحبه، وهو الله لا إله إلا هو، ولا ضد له ولا ند له، ولا شريك معه.\nوفي \"الصحيحين (^٩٢٠) عن عبد الله بن مسعود قال [¬٢]: قلت: يا رسول الله؛ أي الذنب أعظم؟ قال: \"أن تجعل لله ندًّا وهو خلقك\".\nوقوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ ولحبهم لله وتمام معرفتهم به، وتوقيرهم، وتوحيدهم له، لا يشركون به شيئًا؛ بل يعبدونه وحده ويتوكلون عليه، ويلجئون في جميع أمورهم إليه. ثم توعد تعالى المشركين به الظالمين لأنفسهم بذلك فقال: ﴿وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [قال بعضهم: تقدير الكلام: لو عاينوا العذاب لعلموا حينئذ أن القوة لله جميعا] [¬٣]، أي: إن الحكم له وحده لا شريك له، وأن جميع الأشياء تحت قهره وغلبته وسلطانه ﴿وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ﴾ كما قال: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ (٢٥) وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾ يقول: لو علموا ما يعاينونه [¬٤] هنالك، وما يحل بهم من الأمر الفظيع المنكر الهائل على شركهم وكفرهم- لانتهوا عما هم فيه من الضلال.\nثم أخبر عن كفرهم بأوثانهم وتبرئ المتبوعين من التابعين، فقال: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ\n_________\n(^٩٢٠) - البخاري في التفسير- سورة البقرة، باب: قوله تعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ برقم (٤٤٧٧) وصحيح مسلم في الإيمان برقم ١٤١ - (٨٦).\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- في ز، خ: \"يقنتونه\".","vol":"2","page":142},{"text":"الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ تبرأت منهم الملائكة الذين كانوا يزعمون أنهم يعبدونهم في الدار [¬١] الدنيا، فتقول الملائكة: ﴿تَبَرَّأْنَا إِلَيكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ﴾ ويقولون: ﴿سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾.\nوالجن أيضًا تتبرأ منهم و[يتنصلون] [¬٢] من عبادتهم لهم، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (٨١) كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيهِمْ ضِدًّا﴾.\nوقال الخليل لقومه: ﴿إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَينِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾. وقال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ (٣١) قَال الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ (٣٢) وَقَال الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَال فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إلا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. وقال تعالى: ﴿وَقَال الشَّيطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إلا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.\nوقوله: ﴿وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ أي: عاينوا عذاب الله، وتقطعت بهم الحيل، وأسباب الخلاص، ولم يجدوا عن النار معدلًا ولا مصرفًا.\nقال عطاء، عن ابن عباس: ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ قال: المودة. وكذا قال مجاهد في رواية ابن أبي نجيح.\nوقوله: ﴿وَقَال الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا﴾ أي: لو أن لنا عودة إلى الدار الدنيا حتى نتبرأ من هؤلاء ومن عبادتهم، فلا نلتفت إليهم، بل نوحد الله وحده بالعبادة، وهم كاذبون في هذا، بل لو ردّوا لعادوا لما نهوا عنه [وإنهم لكاذبون] [¬٣]. كما أخبر الله [¬٤] تعالى عنهم بذلك، ولهذا قال: ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالهُمْ حَسَرَاتٍ\n_________\n[¬١]- في ز: \"دار\".\n[¬٢]- سفط من: خ، وفي ز: \"وينتصلون\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- سقط من: خ.","vol":"2","page":143},{"text":"عَلَيهِمْ﴾ [أي: تذهب وتضمحل كما قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾.\nوقال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ﴾ الآية. وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً﴾ الآية؛ ولهذا قال تعالى] [¬١]: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾.\n﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (١٦٨) إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾\nلما بين تعالى أنه لا إله إلا هو، وأنه المستقل بالخلق، شرع يبين أنه الرزاق [¬٢] لجميع خلقه، فذكر في [¬٣] مقام الامتنان؛ أنه أباح لهم أن يأكلوا مما [في الأرض] [¬٤] في حال كونه حلالًا من الله طيبًا، أي: مستطابًا في نفسه غير ضار للأبدان ولا للعقول، ونهاهم عن اتباع خطوات الشيطان، وهي: طرائقه ومسالكه فيما أضل أتباعه فيه من تحريم البحائر والسوائب والوصائل ونحوها مما كان زينة لهم في جاهليتهم، كما في حديث عياض بن حمار [¬٥] الذي في \"صحيح مسلم (^٩٢١) \" عن رسول الله ﷺ أنه قال: \"يقول الله تعالى: إن كل ما أمنحه عبادي فهو لهم حلال -وفيه- وإني خلقت عبادي حنفاء فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم [¬٦] عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت [¬٧] لهم\".\nوقال الحافظ أبو بكر بن مردويه (^٩٢٢): حدثنا سليمان بن أحمد، حدثنا محمد بن عيسى بنٍ شيبة المصري، حدثنا الحسن [¬٨] بن عبد الرحمن [الاحتياطي، حدثنا] [¬٩] أبو عبد الله\n_________\n(^٩٢١) - مسلم في كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها برقم ٦٣ - (٢٨٦٥).\n(^٩٢٢) - ضعيف، والحسن الاحتياطي قال ابن عدي (٢/ ٧٤٦ - ٧٤٧): يسرق الحديث، منكر عن الثقات، ولا يشبه حديثه حديث أهل الصدق. والحديث رواه الطبراني في المعجم الأوسط برقم (٦٤٩٥). وقال: لا يروى عن ابن جريج إلا بهذا الإسناد تفرد به الاحتياطي. وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ٢٩١) وقال: رواه الطبراني في الصغير وفيه من لم أعرفهم. وأشار الحافظ المنذري إلى ضعفه في الترغيب (٣/ ١٢). وضعفه الألباني في الضعيفة (١٨١٢).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في خ: \"الرزاق\".\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- في خ: \"حماد\".\n[¬٦]- في ز، خ: \"فاختالتهم\".\n[¬٧]- في خ: \"أحلت\".\n[¬٨]- في ز، خ: الحسين\n[¬٩]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.","vol":"2","page":144},{"text":"الجوزجاني -رفيق إبراهيم بن أدهم- حدثنا ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس قال: تليت هذه الآية عند النبي ﷺ ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ فقام سعد بن أبي وقاص فقال: يا رسول الله؛ ادع الله أن يجعلني مستجاب الدعوة، فقال: \"يا سعد أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة، والذي نفس محمد بيده [إن الرجل لَيقِذف] [¬١] اللقمةَ الحرامَ في جَوْفه ما [¬٢] يُتَقَبَّل منه أربعين يومًا، وأيما عبد نبت لحمه من السحت والربا فالنار أولى به\".\nوقول: ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ تنفير عنه وتحذير منه، كما قال: ﴿إِنَّ الشَّيطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾. وقال تعالى: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾.\nوقال قتادة، والسدي في قوله: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيطَانِ﴾: كل معصية لله فهي من خطوات الشيطان.\nوقال عكرمة: هي نزغات الشيطان. وقال مجاهد: خطاه، أو قال: خطاياه.\nوقال أبو مِجْلَز: هي النذور في المعاصي.\nوقال الشعبي: نذر رجل أن ينحر ابنه فأفتاه مسروق بذبح كبش. وقال: هذا من خطوات الشيطان.\nوقال أبو الضحى، عن مسروق: أتى عبد الله بن مسعود بضرع وملح، فجعل يأكل، فاعتزل رجل من القوم، فقال ابن مسعود: ناولوا صاحبكم. فقال: لا أريده. فقال: أصائم أنت؟ قال: لا. قال: فما شأنك؟ قال حرمت أن آكل ضرعًا أبدًا. فقال ابن مسعود: هذا من خطوات الشيطان، فاطْعَم وكَفِّر عن يمينك.\nرواه [¬٣] ابن أبي حاتم (^٩٢٣).\nوقال أيضًا (^٩٢٤): حدثنا أبي، حدثنا حسان بن عبد الله المصري [¬٤]، عن سليمان التيمي، عن أبي رافع، قال: غضبت يومًا [¬٥] على امرأتي، فقالت: هي يومًا يهودية ويومًا نصرانية، وكل\n_________\n(^٩٢٣) - ابن أبي حاتم ١٥٠٣ - (١/ ٢٨٠).\n(^٩٢٤) - ابن أبي حاتم ١٥٠٢ - (١/ ٢٨٠).\n_________\n[¬١]- في خ: مكانها بياض.\n[¬٢]- في ز، خ: \"لا\".\n[¬٣]- في ز: \"رواهن\".\n[¬٤]- في خ: \"البصري\".\n[¬٥]- سقط من: ز.","vol":"2","page":145},{"text":"مملوك لها حر إن لم تطلق امرأتك. فأتيت عبد الله بن عمر فقال: إنما هذه من خطوات الشيطان. وكذلك قالت زينب بنت أم سلمة، وهي يومئذ أفقه امرأة في المدينة. وأتيت عاصمًا [¬١] وابن عمر فقالا مثل ذلك.\nوقال [عبد بن حميد] [¬٢]: حدثنا [¬٣] أبو نعيم، عن شريك، عن عبد الكريم، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: ما كان من يمين أو نذر في غضب فهو من خطوات الشيطان، وكفارته كفارة يمين.\nوقوله: ﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ أي: إنما يأمركم عدوكم الشيطان بالأفعال السيئة، وأغلظ منها الفاحشة كالزنا ونحوه، وأغلظ من ذلك وهو القول على الله بلا علم، فيدخل في هذا كل كافر وكل مبتدع أيضًا.\n﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَينَا عَلَيهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (١٧٠) وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إلا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (١٧١)﴾\nيقول تعالى: (وإذا) قيل لهؤلاء الكفرة من المشركين: اتبعوا ما أنزل الله على رسوله، واتركوا ما أنتم عليه [¬٤] من الضلال والجهل، قالوا في جواب ذلك: بل نتبع ما ألفينا، أي: وجدنا عليه آباءنا أي من عبادة الأصنام والأنداد. قال الله تعالى منكرًا عليهم: ﴿أَوَ لَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ﴾ أي: الذين يقتدون بهم ويقتفون أثرهم ﴿لَا يَعْقِلُونَ شَيئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ أي: ليس لهم فهم ولا هداية.\nوروى ابن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس أنها نزلت في طائفة من اليهود، دعاهم رسول الله ﷺ إلى الإسلام، فقالوا: بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا، فأنزل الله هذه الآية.\nثم ضرب لهم تعالى مثلًا، كما قال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ﴾ فقال:\n_________\n[¬١]- في ز: \"عاصم\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في خ: \"عبد الله\"، وفي ز: \"عبد\".\n[¬٣]- في خ: \"ثنا\".\n[¬٤]- في ز، خ: \"فيه\".","vol":"2","page":146},{"text":"﴿وَ[¬١] مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: فيما هم فيه من الغي: الضلال والجهل، كالدواب السارحة التي لا تفقه [ما يقال لها، بل إذا نعق بها راعيها -أي دعاها إلى ما يرشدها- لا تفقه] [¬٢] ما يقول ولا تفهمه، بل إنما تسمع صوته فقط.\nهكذا روي عن ابن عباس، وأبي العالية، ومجاهد، وعكرمة، وعطاء، والحسن، وقتادة، وعطاء الخراساني، والربيع بن أنس، نحو هذا.\n[وقيل: إنما هذا مثل ضرب لهم في دعائهم الأصنام التي لا تسمع ولا تبصر ولا تعقل شيئًا، اختاره ابن جرير. والأوّل أولى، لأن الأصنام لا تسمع شيئًا ولا تعقله ولا تبصره ولا بطش لها ولا حياة فيها] [¬٣]. وقوله: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ أي صم عن سماع الحق، بكم لا يتفوّهون به، عُمي عن رؤية طريقه ومسلكه ﴿فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ أي: لا يعقلون شيئًا ولا يفهمونه.\n[كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾] [¬٤].\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١٧٢) إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيكُمُ الْمَيتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٧٣)﴾\nيقول تعالى آمرًا عباده المؤمنين بالأكل من طيبات ما رزقهم تعالى، وأن يشكروه تعالى على ذلك إن كانوا عبيده، والأكل من الحلال سبب لتقبل الدعاء والعبادة، كما أن الأكل من الحرام يمنع قبول الدعاء والعبادة [¬٥]، كما جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد (^٩٢٥) حدَّثنا أبو النضر، حدثنا الفضيل بن مرزوق، عن عدي بن ثابت، عن أبي حازم، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"أيها الناس إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا،\n_________\n(^٩٢٥) - المسند (٢/ ٣٢٨) ومسلم في الزكاة برقم ٦٥ - (١٠١٥) والترمذي في تفسير القرآن، سورة البقرة برقم (٢٩٨٩).\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- سقط من: ز، خ.","vol":"2","page":147},{"text":"وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾. ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر، يمد يديه إلى السماء: يا رب يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنَّى يستجاب لذلك؟! \".\nورواه مسلم في \"صحيحه\"، والترمذي من حديث فضيل [¬١] بن مرزوق.\nولما امتن تعالى عليهم برزقه، وأرشدهم إلى الأكل من طيبه، ذكر أنه لم يحزم عليهم من ذلك إلا الميتة، وهي التي تموت حتف أنفها من غير تذكية، وسواء كانت منخنقة، أو موقوذة، أو متردية، أو نطيحة، أو قد عدا عليها السبع، [وقد خصص الجمهور من ذلك ميتة البحر لقوله تعالى ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾ على ما سيأتي إن شاء الله. وحديث العنبر في الصحيح وفي المسند والموطأ والسنن قوله ﵇ في البحر: \"هو الطهور ماؤه الحل ميتته\" (^٩٢٦).\n_________\n(^٩٢٦) - صحيح، أخرجه مالك في الموطأ، كتاب الطهارة، باب: الطهور للوضوء (١٢)، ومن طريقه أبو داود في الطهارة، باب: الوضوء بماء البحر (٨٣)، والترمذي في الطهارة، باب: ما جاء في ماء البحر أنه طهور (٦٩)، والنسائي في الطهارة، باب: ماء البحر (١/ ٥٠)، وفي التيمم، باب: الوضوء بماء البحر (١/ ١٧٦)، وابن ماجه في الطهارة وسننها، باب: الوضوء بماء البحر (٣٨٦)، وفي الصيد، باب: الطافي من صيد البحر (٣٢٤٦)، وأحمد (٢/ ٢٣٧، ٣٦١، ٣٩٣)، والدارمي (٧٣٥، ٢٠١٧)، وابن الجارود (٤٣)، والبغوي في \"شرح السنة\" (٢٨١)، والبيهقي في \"السنن\" (١/ ٣)، والدارقطني (١/ ٣٦)، والبخاري في \"التاريخ الكبير\" (٣/ ٤٧٨)، وصححه ابن حبان (١٢٤٣)، وهو في الموارد (١١٩)، وابن خزيمة (١١١)، والحاكم (١/ ١٤٠) ووافقه الذهبي.\nوأخرجه أحمد (٢/ ٣٩٢)، والحاكم (١/ ١٤١) من طرق ثلاثة عن صفوان، به، ووقع عند أحمد: \"عن أبي بردة\"، بدلًا من \"المغيرة بن أبي بردة\".\nوأخرجه أحمد أيضًا (٢/ ٣٧٨)، والبخاري في \"التاريخ\" (٣/ ٤٧٨)، والدارمي (٧٣٤)، والحاكم (١/ ١٤١)، والبيهقي (١/ ٣) من طريق الجلاح أبي كثير عن سعيد بن سلمة عن المغيرة، به.\nلكن وقع عند الدارمي عن عبد الله بن سعيد المخزومي، عن المغيرة بن أبي بردة عن أبيه عن أبي هريرة، فزاد \"عن أبيه\" بين المغيرة وأبي هريرة، وسمى سعيد بن سلمة \"عبد الله بن سعيد\". وهذا اختلاف في اسم \"سعيد بن سلمة\" كما قال البيهقي في السنن (١/ ٣)، وقال أيضًا - فيما نقله عنه الزيلعي في نصب الراية (١/ ٩٧) -: \" … وإنما لم يخرجه البخاري، ومسلم في صحيحيهما لاختلاف وقع في اسم سعيد بن سلمة، والمغيرة بن أبي بردة\".\nقلت: وتابع سعيد بن سلمة عن المغيرة -به- يزيدُ بن محمد القرشي عند الحاكم (١/ ١٤٢) والبيهقي. قال الزيلعي: ولا يضر اختلاف من اختلف عليه فيه، فإن مالكًا قد أقام إسناده عن صفوان بن سليم، وتابعه الليث بن سعد عن يزيد عن الجلاح، كلاهما عن سعيد بن سلمة عن المغيرة بن أبي بردة، ثم =\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.","vol":"2","page":148},{"text":"وروى الشافعي وأحمد وابن ماجة والدارقطني حديث ابن عمر مرفوعًا: \"أحل لنا ميتتان ودمان: السمك والجراد والكبد والطحال\" (^٩٢٧) وسيأتي تقرير ذلك إن شاء الله في سورة المائدة.\n[مسألة] ولبن الميتة وبيضها المتصل بها نجس عند الشافعي وغيره، لأنه جزء منها.\nوقال مالك في رواية: هو طاهر، إلا أنه ينجس بالمجاورة. وكذلك أنفحة الميتة فيها الخلاف، والمشهور عندهم أنها نجسة. وقد أوردوا على أنفسهم أكل الصحابة من جبن المجوس فقال القرطبي في التفسير هاهنا: يخالط اللبن منها يسير ويُعفى عن قليل النجاسة إذا خالط الكثير من المائع.\nوقد روى ابن ماجة (^٩٢٨) من حديث سيف بن هارون، عن سليمان التيمي، عن أبي عثمان\n_________\n= يزيد بن محمد القرشي عن المغيرة بن أبي بردة عن أبي هريرة عن النبي ﷺ فصار الحديث بذلك صحيحًا.\nوقال الترمذي في \"العلل\" رقم (٢٣): سألت محمد بن إسماعيل البخاري عن هذا الحديث فقال: هو حديث صحيح. ونقل الحافظ ابن حجر في \"تهذيب التهذيب\" (١٠/ ٢٣٠) تصحيح هذا الحديث عن ابن خزيمة، وابن حبان، وابن المنذر، والخطابي، والطحاوي، وابن مندة، والحاكم وابن حزم، والبيهقي، وعبد الحق.\n(^٩٢٧) - ترتيب المسند للشافعي (٢/ ١٧٣)، وأحمد: (٢/ ٩٧)، وابن ماجة: كتاب الصيد، باب:\nصيد الحيتان والجراد. (٢/ ١٠٧٣ / رقم: ٣٢١٨) وكتاب الأطعمة، باب: الكبد والطحال (٢ /\n١١٠١، ١١٠٢ / رقم: ٣٣١٤). والدارقطني: (٤/ ٢٧٢)، والبيهقي في الكبرى (١/ ٢٥٤)،\n١٠/ ٧) من رواية عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن ابن عمر. ورواه الدارقطني من رواية\nسليمان بن بلال، عن زيد بن أسلم موقوفًا. قال: وهو أصح: وكذا صحح الموقوف أبو زرعة وأبو حاتم.\nوعبد الرحمن بن زيد ضعيف متروك. وقال أحمد: حديثه هذا منكر. وقال البيهقي: رفع هذا الحديث أولاد زيد بن أسلم: عبد الله، وعبد الرحمن، وأسامة، وقد ضعفهم ابن معين، وكان أحمد بن حنبل يوثق عبد الله. قلت -ابن حجر-: رواه الدارقطني (٤/ ٢٧١ - ٢٧٢) وابن عدي (١/ ٣٩٧) من رواية عبد الله بن زيد بن أسلم، قال ابن عدي: الحديث يدور على هؤلاء الثلاثة. قلت -ابن حجر-: تابعهم شخص أضعف منهم، وهو أبو هاشم كثير بن عبد الله الأبلي، أخرجه أبو مردويه في تفسير سورة الأنعام من طرف، عن زيد بن أسلم به، بلفظ: \"يحل من الميتة اثنان، ومن الدم اثنان، فأما الميتة: فالسمك والجراد، وأما الدم: فالكبد والطحال\" ورواه المسور بن الصلت أيضًا، عن زيد بن أسلم، لكنه خالف في إسناده، قال: عن عطاء، عن أبي سعيد مرفوعًا. أخرجه الخطيب - في تاريخ بغداد (١٣/ ٢٤٥) ترجمة المسور بن الصلت. وذكره الدارقطني في العلل، والمسور كذاب، نعم الرواية الموقوفة التي صححها أبو حاتم وغيره، هي في حكم المرفوع، لأن قول الصحابي: أحل لنا كذا، وحرم علينا كذا، مثل قوله: أمرنا بكذا، ونهينا عن كذا، فيحصل الاستدلال بهذه الرواية؛ لأنها في معنى المرفوع. والله أعلم.\n(^٩٢٨) - سيف بن هارون: قال ابن معين: سنان أوثق من أخيه سيف وهو فوقه، وسيف ليس بشيء=","vol":"2","page":149},{"text":"النهدي، عن سلمان ﵁: سئل رسول الله ﷺ عن السمن والجبن والفراء فقال: \"الحلال ما أحل الله في كتابه، والحرام ما حرّم الله في كتابه، وما سكت عنه فهو ممَّا عفا عنه\"] [¬١]. وكذلك حرّم عليهم لحم الخنزير، سواء ذكي، أو مات حتف أنفه، ويدخل شحمه في حكم لحمه، إما تغليبًا، أو أن اللحم يشمل ذلك، أو بطريق القياس على رأي، وكذلك [¬٢] حرّم عليهم ما أهل به لغير الله وهو ما ذبح على غير اسمه تعالى من الأنصاب والأنداد والأزلام، ونحو ذلك مما كانت الجاهلية ينحرون له.\n[وذكر القرطبي، عن ابن عطية، أنه نقل عن الحسن البصري، أنه سئل عن امرأة عملت عرسًا للعبها فنحرت فيه جزورًا، فقال: لا تؤكل لأنها ذبحت لصنم.\nوأورد القرطبي، عن عائشة ﵂ أنها سئلت عما يذبحه العجم لأعيادهم فيهدون منه المسلمين، فقالت: ما ذبح لذلك اليوم فلا تأكلوا منه وكلوا من أشجارهم] [¬٣].\nثم أباح تعالى تناول ذلك عند الضرورة والاحتياج إليها عند فقد غيرها من الأطعمة فقال: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾ أي: في غير بغي ولا عدوان، وهو مجاوزة الحد ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيهِ﴾ أي: في أكل ذلك ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.\nوقال مجاهد: فمن اضطر غير باغ ولا عاد، قاطعًا للسبيل، أو مفارقًا للأئمة، أو خارجًا في معصيه الله، فله الرخصة، ومن خرج باغيًا، أو عاديًا، أو في معصية الله فلا رخصة له، وإن اضطرّ إليه، وكذا روي عن سعيد بن جبير.\n_________\n= وقال مرة: سنان أحسنهما حالًا. وقال مرة: سيف ليس بذاك. وقال الآجري عن أبي داود: ليسا بشيء. وقال النسائي: ضعيف. وقال الدارقطني: ضعيف متروك. وقال أبو سعيد الأشج: ثنا أبو نعيم، ثنا سيف بن هارون وكان ثقة. وقال ابن عدي: له أحاديث ليست بالكثيرة وفي رواياته بعض النكرة روى لا الترمذي وابن ماجة حديثًا واحد .... وفيه: \"الحلال ما أحل الله في كتابه\" وقال مهنأ عن أحمد: أحاديثه منكرة. وقال أبو أحمد الحاكم: ليس بالقوي عندهم. وقال ابن حبان يروي عن الأثبات الموضوعات وصحح ابن جرير حديثه في تهذيبه. (التهذيب).\nوالحديث رواه ابن ماجة في كتاب الأطعمة، باب: الجبن والسمن برقم (٣٣٦٧).\nورواه الترمذي في اللباس، باب: ما جاء في لبس الفراء برقم (١٧٢٦) من طريق سيف بن هارون به وقال: هذا حديث غريب لا نعرفه مرفوعًا إلا من هذا الوجه. وروى سفيان وغيره عن سليمان التيمي- عن أبي عثمان، عن سلمان قوله، كأن الحديث الموقوف أصح، وسألت البخاري عن هذا الحديث فقال: ما أراه محفوظًا، روى سفيان عن سليمان التيمي عن أبي عثمان، عن سلمان موقوفًا، قال البخاري: وسيف بن هارون مقارب الحديث، وسيف بن محمد، عن عاصم ذاهب الحديث.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"2","page":150},{"text":"وقال سعيد في رواية عنه، ومقاتل بن حيان: غير باغ: يعني غير مستحله.\nوقال السدي: غير باغ يبتغي فيه شهوته.\nوقال [آدم بن أبي إياس: حدثنا ضمرة، عن عثمان بن] [¬١] عطاء -وهو [¬٢] الخراساني-[في قوله: غير باغ] [¬٣] عن أبيه قال] [¬٤]: لا يشوى من الميتة ليشتهيَه، ولا يطبخه ولا يأكل إلا العُلْقَة، ويحمل معه ما يبلغه الحلال، فإذا بلغه ألقاه. [وهو قوله: ﴿ولا عاد﴾ ويقول: لا يعدو به الحلال] [¬٥].\nوعن ابن عباس: لا يشبع منها. وفسره السدي بالعدوان. وعن ابن عباس ﴿غير باغ ولا عاد﴾ قال: غير باغ في الميتة ولا عاد في أكله.\nوقال قتادة: ﴿فمن اضطر غير باغ ولا عاد﴾ [قال: غير باغ في الميتة أي] [¬٦] في أكله أن يتعدَّى حلالًا إلى حرام. وهو يجد عنه مندوحة.\n[وحكى القرطبي عن مجاهد في قوله: ﴿فمن اضطر﴾ أي: أكره على ذلك بغير اختياره.\n[مسألة] ذكر القرطبي إذا وجد المضطر ميتة وطعام الغير بحيث لا قطع فيه ولا أذى، فإنه لا يحل له أكل الميتة، بل يأكل طعام الغير بغير خلاف -كذا قال- ثم قال: وإذا أكله والحالة هذه [هل يضمن أم لا؟ فيه قولان هما روايتان عن مالك.\nثم أورد من سنن ابن ماجة (^٩٢٩) من حديث شعبة، عن أبي إياس جعفر بن أبي وحشية، سمعت عباد بن شرحبيل العنزي قال: أصابتنا عامًا مخمصة، فأتيت المدينة، فأتيت حائطًا، فأخذت سنبلًا ففركته وأكلته وجعلت منه في كسائي، فجاء صاحب الحائط فضربني وأخذ\n_________\n(^٩٢٩) - عباد بن شرحبيل: قال البغوي وأبو الفتح الأزدي ما روى عنه غيره -يعني جعفر- وقال ابن السكن: في صحبته نظر.\nوالحديث رواه ابن ماجة في التجارات، باب: من مر على ماشية قومٍ أو حائطٍ، هل يصيب منه؟ برقم (٢٢٩٨). ورواه أدو داود في الجهاد، باب: في ابن السبيل يأكل من التمر ويشرب من اللبن. ورواه أحمد ١٧٥٦٨ - (٤/ ١٦٦). والنسائي في كتاب القضاة، باب: الاستعداء (٨/ ٢٤٠). والبيهقي في كتاب الضحايا، باب: ما يحل للمضطر من مال الغير (١٠/ ٢). والحاكم في المستدرك في كتاب الأطعمة (٤/ ١٣٣). وقال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين زيادة من ز، خ.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"2","page":151},{"text":"ثوبي، فأتيت رسول الله ﷺ فأخبرته فقال للرجل: \"مما أطعمته إذ كان جائعًا -[أو ساغبًا] [¬١]- ولا علمته إذ كان جاهلًا\"، فأمره فردّ إليه ثوبه وأمر له بوسق من طعام أو نصف وسق، إسناد صحيح قوي جيد. وله شواهد كثيرة، من ذلك حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: سئل رسول اللَّه ﷺ عن الثمر المعلق فقال: \"من أصاب منه من ذي حاجة يفيه غير متخذ خُبنة فلا شيء عليه\" الحديث (^٩٣٠)] [¬٢].\nوقال مقاتل بن حيان في قوله: ﴿فلا إثم عليه إن اللَّه غفور رحيم﴾ فيما أكل من اضطرار، وبلغنا -واللَّه أعلم- أنه لا يزاد على ثلاث لقم.\nوقال سعيد بن جبير: غفور لما أكل من الحرام. رحيم؛ إذ أحل له الحرام في الاضطرار.\nوقال وكيع: حدثنا الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق قال: من اضطر فلم يأكل ولم يشرب، ثم مات دخل النار.\n[وهذا يقتضي أن أكل الميتة للمضطر عزيمة لا رخصة، قال أبو الحسن الطبري- المعروف بالكيا الهراسي- رفيق الغزالي في الاشتغال: وهذا هو الصحيح عندنا كالإفطار للمريض في رمضان ونحو ذلك] [¬٣].\n﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إلا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٧٤) أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ (١٧٥) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (١٧٦)﴾\n_________\n(^٩٣٠) - رواه أبو داود في الحدود حديث (٤٣٩٠) وفي اللقطة، باب: التعريف باللقطة، حديث (١٧١٠)، ورواه الترمذي في البيوع برقم (١٢٨٩) ورواه النسائي في قطع السارق، باب: الثمر يسرق بعد أن يؤويه الجرين ٤٩٥٧ - (٤/ ٨٥)، ورواه ابن ماجه في الحدود (٢٥٩٦) ورواه أحمد، وقال الترمذي: \"هذا حديث حسن\".\nوقوله: خبنة: الحبنة: معطوف الإزار، وطرف الثوب، أي لا يأخذ في ثوبه. يقال: أخبن الرجل إذا خبأ شيئًا في خبنة ثوبه أو سراويله ا هـ. من النهاية.\n_________\n[¬١]- زيادة من ابن ماجه.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من ر، خ.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ","vol":"2","page":152},{"text":"يقول تعالى: ﴿إن الذين يكتمون ما أنزل اللَّه من الكتاب﴾ يعني: اليهود الذين كتموا صفة محمد ﷺ في كتبهم التي بأيديهم، مما يشهد [¬١] له بالرسالة والنبوة، فكتموا ذلك لئلا تذهب رياستهم وما كانوا يأخذونه من العرب من الهدايا والتحف على تعظيمهم إياهم، فخشوا -لعنهم اللَّه! - إن أظهروا ذلك أن يتبعه الناس ويتركوهم، فكتموا ذلك إبقاء على ما كان يحصل لهم من ذلك، وهو نزر [¬٢] يسير، فباعوا أنفسهم بذلك، واعتاضوا عن الهدى، واتباع الحق وتصديق الرسول والإيمان بما جاء عن اللَّه لذلك النزر [¬٣] اليسير، فخابوا وخسروا في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا فإن اللَّه أظهر لعباده صدق رسوله، بما نصبه وجعله معه من الآيات الظاهرات والدلائل [¬٤] القاطعات، فصدَّقه الذين كانوا يخافون أن يتبعوه، وصاروا عونًا له على قتالهم، وباءوا بغضب على غضب، وذمّهم اللَّه في كتابه في غير [] [¬٥] موضع.\nفمن [¬٦] ذلك هذه الآية الكريمة ﴿إن الذين يكتمون ما أنزل اللَّه من الكتاب ويشترون به ثمنًا قليلًا﴾ وهو: عرض الحياة الدنيا ﴿أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار﴾ أي: إنما يأكلون ما يأكلونه في مقابلة كتمان الحق نارًا تأجج في بطونهم يوم القيامة، كما قال تعالى: ﴿إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلمًا إنما يأكلون في بطونهم نارًا وسيصلون سعيرًا﴾، وفي الحديث الصحيح عن رسول اللَّه ﷺ أنه قال: \"إن [¬٧] الذي يأكل أو يشرب في آنية الذهب والفضة إنما يُجَرْجَرُ في بطنه نار جهنم\" (^٩٣١).\nوقوله: ﴿ولا يكلمهم اللَّه يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم﴾ وذلك لأنه تعالى غضبان عليهم، لأنهم كتموا وقد علموا، فاستحقوا الغضب، فلا ينظر إليهم ولا يزكيهم، أي: يثني عليهم ويمدحهم، بل يعذبهم عذابًا أليمًا.\nوقد ذكر ابن أبي حاتم (^٩٣٢): وابن مردويه هاهنا حديث الأعمش، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، عن رسول اللَّه ﷺ: \"ثلاثة لا يكلمهم، ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم [ولهم عذاب] [¬٨] أليم: شيخ زانٍ، وملك كذاب، وعائل مستكبر\".\n_________\n(^٩٣١) - رواه مسلم في اللباس والزينة برقم ٢ - (٢٠٦٥)، من حديث أم سلمة ﵂.\nورواه البخاري في كتاب الأشربة، كتاب: آنية الفضة برقم (٥٦٣٤) - وكذا مسلم ١ - (٢٠٦٥) وابن ماجه (٣٤١٣) - مقتصرين على ذكر النهضة- من حديث أم سلمة ﵂.\n(^٩٣٢) - ابن أبي حاتم ١٥٣٦ - (١/ ٢٨٦). والحديث رواه مسلم في كتاب الإيمان من صحيحه برقم ١٧٢ - (١٠٧).\n_________\n[¬١]- في ت: \"تشهد\".\n[¬٢]- في خ: \"نذر\".\n[¬٣]- في خ: \"النذر\".\n[¬٤]- في خ: \"الدلالات\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين في ز: \"ما\".\n[¬٦]- في ز: \"من\".\n[¬٧]- سقط من: ز.\n[¬٨]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"2","page":153},{"text":"ثم قال تعالى مخبرًا عنهم: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى﴾ أي: اعتاضوا عن الهدى وهو نشر ما في كتبهم من صفة الرسول وذكر مبعثه والبشارة به [¬١] من كتب الأنبياء واتباعه وتصديقه، استبدلوا عن ذلك واعتاضوا عنه بالضلالة وهو تكذيبه والكفر به، وكتمان صفاته في كتبهم ﴿وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ﴾ أي: اعتاضوا عن المغفرة بالعذاب، وهو ما تعاطوه من أسبابه المذكورة.\nوقوله تعالى: ﴿فما أصبرهم على النار﴾ يخبر تعالى أنهم في عذاب شديد عظيم هائل، يتعجب [¬٢] من رآهم فيها من صبرهم على ذلك مع [¬٣] شدّة ما هم فيه من العذاب والنكال والأغلال، عياذًا باللَّه من ذلك.\n[وقيل معنى قوله: ﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾ أي: فما أدومهم لعمل المعاصي التي تفضي بهم إلى النار] [¬٤].\nوقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ أي: إنما استحقوا هذا العذاب الشديد؛\nلأن الله تعالى أنزل على رسوله محمد ﷺ وعلى الأنبياء قبله كتبه بتحقيق الحق\nوإبطال الباطل، وهؤلاء اتخذوا آيات اللَّه هزوا، فكتابهم يأمرهم لإظهار العلم ونشره، فخالفوه\nوكذبوه. وهذا الرسول الخاتم يدعوهم إلى اللَّه تعالى، ويأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، وهم\nيكذبونه ويخالفونه ويجحدونه ويكتمون صفته، فاستهزءوا بآيات اللَّه المنزلة على رسله؛ فلهذا\nاستحقوا العذاب والنكال؛ وهذا قال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (١٧٦)﴾.\nلَيسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَال عَلَى حُبِّهِ ذَوي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (١٧٧)\n_________\n[¬١]- زبادة من: ز، خ.\n[¬٢]- في ز: \"يعجب\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"من\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"2","page":154},{"text":"اشتملت هذه الآية الكريمة على جمل عظيمة، وقواعدَ عميمة، وعقيدة مستقيمة، كما قال ابن أبي حاتم (^٩٣٣): حدَّثنا أبي، حدَّثنا عبيد بن هشام الحلبي، حدَّثنا عبيد الله بن عمرو، عن عامر بن شُفَي، عن عبد الكريم، عن مجاهد، عن أبي ذر: أنه سأل رسول اللَّه ﷺ ما الإيمان؟ فتلا عليه: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ﴾ إلى آخر الآية. قال: ثم سأله أيضًا، فتلاها عليه، ثم سأله فقال: \"إذا عملت حسنة أحبها [¬١] قلبك، وإذا عملت سيئة أبغضها [¬٢] قلبك\".\nوهذا منقطع؛ فإن مجاهدًا لم يدرك أبا ذر فإنه مات قديمًا.\nوقال المسعودي: حدَّثنا القاسم بن عبد الرحمن قال: جاء رجل إلى أبي ذر، فقال: ما الإيمان؟ فقرأ عليه هذه الآية ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ﴾ حتى فرغ منها. فقال الرجل: ليس عن البر سألتك. فقال أبو ذر: جاء رجل إلى رسول اللَّه ﷺ فسأله عما سألتني عنه [¬٣]، فقرأ عليه هذه الآية، فأبى أن يرضى كما أبيت أن ترضى، فقال له رسول اللَّه، ﷺ، وأشار بيده: \"المؤمن إذا عمل حسنة سرته ورجا ثوابها، وإذا عمل سيئة أحزنته وخاف عقابها\" (^٩٣٤).\nرواه ابن مردويه وهذا أيضًا منقطع، واللَّه أعلم.\nوأئا الكلام على تفسير هذه الآية، فإن اللَّه تعالى لما أمر المؤمنين أولًا بالتوجه إلى بيت المقدس، ثم حوّلهم إلى الكعبة، شق ذلك على نفوس طائفة من أهل الكتاب، وبعض المسلمين، فأنزل الله تعالى بيان حكمته في ذلك، وهو أن المراد إنما هو طاعة اللَّه ﷿ وامتثال أوامره والتوجه حيثما وجه، واتباع ما شرع، فهذا هو البر والتقوى والإيمان الكامل، وليس في لزوم التوجه إلى جهة من المشرق، أو [¬٤] المغرب برٌّ ولا طاعةٌ إن لم يكن عن أمر اللَّه وشرعه، ولهذا قال: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ\n_________\n(^٩٣٣) - رواه ابن أبي حاتم ١٥٣٩ - (١/ ٢٨٧). ورواه محمد بن نصر في \"تعظيم قدر الصلاة\" برقم (٤٠٩) من طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن عبد الكريم، عن مجاهد به. ورواه الحاكم (٢/ ٢٧٢) من طريق موسى بن أعين، عن عبد الكريم به نحوه، وقال: \"هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه\"، وتعقبه الذهبي: فقال: \"كيف وهو منقطع؟! \".\n(^٩٣٤) - ذكره ابن كثير معلقًا عن المسعودي وقد رواه محمد بن نصر في \"تعظيم قدر الصلاة\" برقم (٤٠٨) من طريق عبد الله بن في يد المقرئ والملائي، كلاهما عن المسعودي به نحوه، وأورده السيوطي في الدر المنثور وعزاه لإسحاق بن راهويه في مسنده، وعبد بن حميد وابن مردويه عن القاسم بن عبد الرحمن.\n_________\n[¬١]- في خ: \"أبغضها\"، وفي ز: \"فأحبها\".\n[¬٢]- في خ: \"أحبها\".\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- في ز: \"إلى\".","vol":"2","page":155},{"text":"أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾. الآية كما قال في الأضاحي والهدايا: ﴿لن ينال اللَّه لحومُها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم﴾.\nوقال العوفي عن ابن عباس في هذه الآية: ليس البر أن تصلوا ولا تعملوا، فهذا حين تحول من مكة إلى المدينة، ونزلت الفرائض، والحدود، فأمر اللَّه بالفرائض والعمل بها.\nوروي عن الضحاك، ومقاتل نحو ذلك.\nوقال أبو العالية: كانت اليهود تُقبل قبل المغرب، وكانت النصارى تقبل قبل المشرق، فقال اللَّه تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ يقول: هذا كلام الإيمان، وحقيقته العمل. وروي عن الحسن، والربيع بن أنس مثله.\nوقال مجاهد: ولكن البر ما ثبت في القلوب من طاعة اللَّه ﷿.\nوقال الضحاك: ولكن البر و[¬١] التقوى: أن تؤدوا الفرائض على وجوهها.\nوقال الثوري: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ الآية. قال: هذه أنواع البر كلها، وصدق ﵀؛ فإن من اتصف بهذه الآية، فقد دخل في عرى الإسلام كلها، وأخذ بمجامع الخير كله، وهو الإيمان باللَّه، و[¬٢] أنه لا إله إلا هو، وصدق بوجود الملائكة الذين هم سفرة بين اللَّه ورسله. ﴿والكتاب﴾ وهو اسم جنس يشمل الكتب المنزلة من السماء على الأنبياء حتى ختمت بأشرفها، وهو القرآن المهيمن على ما قبله من الكتب، الذي انتهى إليه كل خير، واشتمل على كل سعادة في الدنيا والآخرة، ونسخ به كل ما سواه من الكتب قبله، وآمن بأنبياء [¬٣] اللَّه كلهم من أولهم إلى خاتمهم محمد، صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين!\nوقوله: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ أي: أخرجه وهو محب له، راغب فيه. نص على ذلك ابن مسعود، وسعيد بن جبير، وغيرُهما من السلف والخلف، كما ثبت في الصحيحين (^٩٣٥) من حديث أبي هريرة مرفوعًا: \"أفضل الصدقة أن تصدق وأنت صحيح شحيح تأمل الغنى، وتخشى الفقر\".\n_________\n(^٩٣٥) - رواه البخاري في الزكاة، باب: فضل صدقة الشحيح الصحيح (١٤١٩). وفي الوصايا، باب: الصدقة عند الموت (٢٧٤٨). ومسلم في الزكاة برقم (١٠٣٢)، وهو عند أبي داود في الوصايا (٢٨٦٥). والنسائي في الوصايا (٣٦١١) وأحمد ٧١٥٦ - (٢/ ٢٣١).\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- في ز: \"وهو\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"أنبياء\".","vol":"2","page":156},{"text":"وقد روى الحاكم في مستدركه (^٩٣٦) من حديث شعبة، والثوري، عن منصور، عن زبيد، عن مرة، عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: \" ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ أن تعطيه وأنت صحيح شحيح، تأمل الغنى وتخشي الفقر\".\nثم قال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.\n(قلت): وقد رواه وكيع، عن الأعمش. وسفيان، عن زبيد، عن مرة، عن ابن مسعود موقوفًا، وهو أصح، والله أعلم.\nوقال تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (٨) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا (٩)﴾. [وقال تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [¬١]. وقوله: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ نمط آخر أرفع من هذا وهو أنهم آثروا بما هم مضطرون إليه، وهؤلاء أعطوا وأطعموا ما هم محبون له.\nوقوله: ﴿ذوي القربى﴾ وهم قرابات الرجل، و[¬٢] هم أولى من أعطى من الصدقة، كما ثبت في الحديث: \"الصدقة على المساكين صدقة، وعلى ذوي الرحم ثنتان صدقة وصلة، فهم أولى الناس بك، وببرك، وإعطائك\" (^٩٣٧)، وقد أمر الله تعالى بالإحسان إليهم في غير ما موضع من كتابه العزيز.\n﴿واليتامى﴾ هم: الذين لا كاسب لهم وقد مات آباؤهم، وهم ضعفاء صغار دون البلوغ والقدرة على التكسب، وقد قال عبد الرزاق: أنبأنا [¬٣] معمر، عن جويبر، عن الضحاك، عن النزال [¬٤] ابن سبرة، عن علي، عن رسول الله ﷺ قال: \"لا يُتْمَ بعد\n_________\n(^٩٣٦) - رواه الحاكم في المستدرك (٢/ ٢٧٢) وهو عنده موقوفًا وليس مرفوعًا، وليس فيه \"شعبة\".\n(^٩٣٧) - رواه الترمذي في كتاب الزكاة، باب: ما جاء في الصدقة على ذي القرابة برقم (٦٥٨) من حديث ابن عون، عن حفصة بنت سيرين، عن الرَّباب بنت صُلَيع، عن سلمان بن عامر مرفوعًا. والنسائي في كتاب الزكاة، باب: الصدقة على الأقارب ٢٥٨٢ - (٥/ ٩٢). وفي الكبرى ٢٣٦٣ - (٢/ ٤٩)، وابن ماجه ١٨٤٤ - (١/ ٥٩١)، ورواه أحمد (٤/ ١٧) (١٦٢٧٧) (٤/ ٢٤١)، والدارمي ١٦٨٠، ١٦٨١ - (١/ ٤٨٨). وابن حبان ٣٣٤٤ - (٨/ ١٣٢). وابن خزيمة ٢٠٦٧ - (٣/ ٢٧٨) و٢٣٨٥ - (٤/ ٧٧). والحاكم (١/ ٥٦٤)، والبيهقي (٤/ ١٧٤) (٧/ ٢٧). والطبراني في الكبير ٦٢٠٤، ٦٢٠٥٤، ٦٢٠٦، ٦٢٠٧، ٦٢١٠، ٦٢١١، ٦٢١٢ - (٦/ ٢٧٤، ٢٧٥، ٢٧٦). وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني ١١٣٦ - (٢/ ٣٦٣).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- في خ: \"أخبرنا\".\n[¬٤]- في خ: \"المنهال\"، وفي حاشية ز \"النزال\"، وفي المتن: \"المنهال\".","vol":"2","page":157},{"text":"حُلُمٍ\" (^٩٣٨).\n﴿والمساكين﴾ وهم: الذين لا يجدون ما يكفيهم في قوتهم وكسوتهم وسكناهم، فيعطون\n_________\n= وقال الحاكم: صحيح على شرط البخاري ووافقه الذهبي.\nقال شيخنا الألباني حفظه اللَّه تعالى: وليس كذلك فإن الرباب هذه إنما أخرج لها البخاري تعليقًا، ثم هي لا تعرف إلا برواية حفصة بنت سيرين عنها كما قال الذهبي نفسه في الميزان وقد وثقها ابن حبان وصحح حديثها هذا. وهو في هذا تابع لشيخه ابن خزيمة فقد صحح الحديث أيضًا كما في بلوغ المرام وكذا صححه أبو حاتم الرازي كما في التلخيص.\nقال الشيخ: ولا أدري ما وجه هذا التصحيح لا سيما عن أبي حاتم؛ فإنه معروف بتشدده في التصحيح والقواعد الحديثية تأبى مثل هذا التصحيح لتفرد حفصة، عن الرباب كما تقدم، ومعنى ذلك أنها مجهولة فكيف يصحح حديثها؟! مع عدم وجود شاهد له؛ إلا حديث أنس وهو معلول بمخالفة سعيد بن عامر للثقات كما سبق بيانه.\nورواه الطبراني في الكبير ٤٧٢٣ - (٥/ ١٠١) والأوسط من حديث أبي طلحة، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد وقال: رواه الطبراني في الكبير والأوسط، وفيه من لم أعرفه.\nورواه الطبراني في الكبير من حديث أبي أمامة مرفوعًا ٧٨٣٤ - (٦/ ٢٠٨).\n(^٩٣٨) - إسناد ضعيف جدًّا، جويبر: متروك الحديث.\nورواه أبو داود في الوصايا، باب: ما جاء متى ينقطع اليتم (٢٨٧٣) من حديث أحمد بن صالح، عن يحيى بن محمد المديني، عن عبد الله بن خالد بن سعيد بن أبي مريم، عن أبيه، عن سعيد بن عبد الرحمن بن يزيد بن رقيش أنه سمع شيوخًا من بني عمرو بن عوف ومن خاله عبد الله بن أبي أحمد قال: قال علي بن أبي طالب: حفظت عن رسول اللَّه ﷺ: \"لا يتم بعد احتلام ولا صمات يوم إلى اليل\". ومن طريق أبي داود رواه البيهقي (٦/ ٥٧).\nورواه الطبراني في الأوسط ٢٩٢١ - (١/ ٢٠٢) من حديث أحمد بن صالح به. وقال: قال أحمد بن صالح: عبد الله بن أبي أحمد بن جحش من كبار تابعي المدينة قد لقي عمر بن الخطاب، وهو أكبر من سعيد بن المسيب لا يروى هذا الحديث عن عبد الله بن أبي أحمد إلا بهذا الإسناد تفرد به أحمد بن صالح. ورواه الطبراني في الصغير من حديث محمد بن عبيد بن ميمون التبان عن أبيه، عن محمد بن جعفر بن أبي كثير عن موسى بن عقبة عن أبان بن تغلب عن إبراهيم عن علقمة عن علي (٢/ ١٥٨). وقال: ورواه عن أبان إلا موسى بن عقبة، ولا عن موسى إلا محمد بن جعفر ولا عن محمد إلا عبيد التبان تفرد به محمد بن سليمان عن محمد بن عبيد.\nوقد روي من حديث أنس: رواه البزار، وفيه يحيى بن يزيد بن عبد الملك النوفلي وهو ضعيف (مجمع الزوئد ٤/ ٢٢٦).\nومن حديث حنظلة: رواه الطبراني (٤/ ١٤). وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٤/ ٢٢٦) وقال: ورجاله ثقات. وقد روي من حديث جابر بن عبد الله رواه الطيالسي ١٧٦٧ - (٢٤٣). والحارث ٣٥٧ - (١/ ٤٣٩) والبيهقي (٧/ ٣١٥) وفيه حرام بن عثمان. ورواه الشهاب (٢/ ٣٩) من حديث محمد بن المنكدر عن أبيه مرفوعًا.","vol":"2","page":158},{"text":"ما تسدّ به حاجتهم، وخلتهم، وفي الصحيحين (^٩٣٩) عن أبي هريرة: أن رسول الله، ﷺ قال: \"ليس المسكين [بهذا الطوّاف الذي ترده التمرة والتمرتان، واللقمة واللقمتان، ولكن المسكين] [¬١] الذي لا يجد غنى يغنيه، ولا يفطن له فيتصدق عليه\".\n﴿وابن السبيل﴾ وهو: المسافر المجتاز الذي قد فرغت نفقته، فيعطى ما يوصله إلى [¬٢] بلده، وكذا الذي يريد سفرًا في طاعة، فيعطى مما يكفيه في ذهابه وإيابه، ويدخل في ذلك الضيف، كما قال علي بن أبي طلحة: عن ابن عباس أنه قال: ابن السبيل هو الضيف الذي ينزل بالمسلمين. وكذا قال مجاهد، وسعيد بن جبير، وأبو جعفر الباقر، والحسن، وقتادة، والضحاك، والزهري، والربيع بن أنس، ومقاتل بن حيان.\n﴿والسائلين﴾ وهم: الذين يتعرضون للطلب، فيعطون من الزكوات [¬٣]، والصدقات كما قال الإمام أحمد (^٩٤٠):\nحدَّثنا وكيع، وعبد الرحمن قالا: حدَّثنا سفيان، عن مصعب بن محمد، عن يعلى بن أبي يحيى، عن فاطمة بنت الحسين [¬٤] عن أبيها -قال عبد الرحمن: حسين بن علي- قال: قال رسول اللَّه، ﷺ: \"للسائل حق، وإن جاء على فرس\". رواه أبو داود.\n_________\n(^٩٣٩) - البخاري في الزكاة، باب: قول الله تعالى: ﴿لا يسألون الناس إلحافًا …﴾ برقم (١٤٧٩) وانظر (١٤٧٩، ٤٥٣٩) ومسلم في الزكاة برقم (١٠٣٩).\n(^٩٤٠) - رواه الإمام أحمد ١٧٣٠ - (١/ ٢٠١). ورواه أبو داود في الزكاة، باب: حق السائل برقم (١٦٦٥). والبيهقي (٧/ ٢٣). والطبراني في الكبير ٢٨٩٣ - (٣/ ١٣٠).\nقال السيوطي في مرقاة الصعود: وقد انتقد الحافظ سراج الدين القزويني على المصابيح أحاديث وزعم أنها موضوعة، ورد عليه الحافظ العلائي في كراسة، ثم أبو الفضل ابن حجر، منها هذا الحديث.\nقال العلائي: أما الطريق الأولى بأنها حسنة؛ مصعب وثقه ابن معين وغيره. قال فيه أبو حاتم: صالح، ولا يحتج به. وتوثيق الأولين أولى كالاعتماد، ويعلى بين أبي يحيى قال فيه أبو حاتم: مجهول، ووثقه ابن حبان فعنده زيادة علم على من لم يعلم حاله (*)، وقد أثبت أبو عبد الله محمد بن يحيى بن الحذاء سماع الحسين عن جده رسول الله ﷺ، وقال أبو علي بن السكن وأبو القاسم البغوي وغيرهما: كل رواياته مراسيل، فعلى هذا هي مرسل صحابي وجمهور العلماء على الاحتجاج بها.\nفأما على الرواية الثانية: فقد بين فيها أنه سمع ذلك من أبيه علي، عن النبي ﷺ. وزهير بن معاوية متفق على الاحتجاج به، ولكن شيخه لم يسمه والظاهر أنه يعلى بن أبي يحيى المتقدم.\nوبالجملة: الحديث حسن، ولا يجوز نسبته إلى الوضع انتهى.\nوقال المنذري: في إسناده يعلى بن أبي يحيى سئل عنه أبو حاتم الرازي فقال: مجهول. وقال أبو علي=\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في خ: \"الزكاة\".\n[¬٤]- في ز: \"حسين\".","vol":"2","page":159},{"text":"﴿وفي الرقاب﴾ وهم: المكاتبون الذين لا يجدون ما يؤدونه في كتابتهم.\nوسيأتي الكلام على كثير من هذه الأصناف في آية الصدقات من براءة، إن شاء اللَّه تعالى.\nوقد قال ابن أبي حاتم: حدَّثنا أبي، حدثنا يحيى بن عبد الحميد، حدثنا شريك، عن أبي حمزة، عن الشعبي، حدثتني فاطمة بنت قيس: أنها سألت رسول اللَّه ﷺ أفي المال حق سوى الزكاة؟ قالت: فتلا عليَّ ﴿وآتى المال على حبه﴾.\nورواه ابن مَرْدُوَيه من حديث آدم بن أبي إياس، ويحيى بن عبد الحميد كلاهما، عن شريك، عن أبي حمزة، عن الشعبي، عن فاطمة بنت قيس قالت: قال رسول اللَّه، ﷺ: \"في المال حق سوى الزكاة\"، ثم قرأ [¬١] ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ إلى قوله: ﴿وفي الرقاب﴾.\n[وأخرجه ابن ماجة، والترمذي (^٩٤١)، وضعف أبا حمزة ميمونًا الأعور، وقد رواه بيان [¬٢]، وإسماعيل بن سالم عن الشعبي] [¬٣]. وقوله: ﴿وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ﴾ أي: وأتم أفعال الصلاة في أوقاتها بركوعها وسجودها، وطمأنينتها، وخشوعها على الوجه الشرعي المرضي.\nوقوله: ﴿وآتى الزكاة﴾ يحتمل أن يكون المراد به زكاة النفس، وتخليصها [¬٤] من الأخلاق الدنيئة الرذيلة، كقوله: ﴿قد أفلح من زكاها * وقد خاب من دساها﴾. وقول موسى لفرعون: ﴿هل لك إلى أن تزكى * وأهديك إلى ربك فتخشى﴾ وقوله تعالى: ﴿وويل للمشركين * الذين لا يؤتون الزكاة﴾.\n_________\n= سعيد بن السكن. قد روي من وجوه صحاح حضور الحسين بن علي إلى رسول اللَّه ﷺ ولعبه بين يديه وتقبيله إياه، فأما الرواية التي تأتي عن الحسين بن علي، عن رسول اللَّه ﷺ فكلها مراسيل.\nوقال أبو القاسم البغوي في محجمه نحوًا من ذلك. وقال أبو عبد اللَّه محمد بن يحيى بن الحذاء: سمع النبي ﷺ ورآه ولم يكن بينه وبين أخيه الحسن إلا طهر واحد. انتهى.\nورواه الطبراني من حديث الهرماس بن زياد ٥٣٥ - (٢٢/ ٢٠٣).\n(^٩٤١) - ضعيف، والحديث رواه الترمذي في الزكاة، باب: ما جاء أن في المال حقًّا سوى الزكاة، برقم (٦٥٩) وابن ماجة في الزكاة، باب: ما أُدي زكاته فليس بكنز برقم (١٧٨٩) وقال الترمذي: \"هذا حديث ليس إسناده بذاك، وأبو حمزة يضعف في الحديث، وقد روى بيان وإسماعيل بن سالم عن الشعبي قوله، وهو أصح\".\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"تلا\".\n[¬٢]- في ز، خ: سيار.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- في ز، خ: \"وتخلصها\".","vol":"2","page":160},{"text":"ويحتمل أن يكون المراد زكاة المال، كما قاله سعيد بن جبير، ومقاتل بن حيان، ويكون المذكور من إعطاء هذه الجهات، والأصناف المذكورين إنما هو التطوع، والبر، والصلة؛ ولهذا تقدم في الحديث عن فاطمة بنت قيس: أن في المال حقًّا سوى الزكاة، واللَّه أعلم.\nوقوله: ﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا﴾ كقوله: ﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ﴾ وعكس هذه الصفة النفاق، كما صح في [¬١]، الحديث: \"آية المنافق ثلاث [¬٢]: إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان\" (^٩٤٢)، وفي الحديث الآخر \"إذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر\" (^٩٤٣).\nوقوله: ﴿وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ [¬٣] الْبَأْسِ﴾ أي: في حال الفقر، وهو البأساء، وفي حال المرض والأسقام وهو الضراء. ﴿وَحِينَ الْبَأْسِ﴾ أي في حال القتال والتقاء الأعداء، قاله ابن مسعود، وابن عباس، وأبو العالية، ومرة الهمداني، ومجاهد، وسعيد بن جبير، والحسن، وقتادة، والربيع بن أنس، والسدي، ومقاتل بن حيان، وأبو مالك، والضحاك، وغيرهم.\nوإنما نصب ﴿وَالصَّابِرِينَ [¬٤]﴾ على المدح والحث على الصبر في هذه الأحوال؛ لشدته وصعوبته، والله أعلم، وهو المستعان وعليه التكلان.\nوقوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ أي: هؤلاء الذين اتصفوا بهذه الصفات هم الذين صدقوا في إيمانهم؛ لأنهم حققوا الأيمان القلبي بالأقوال، والأفعال، فهؤلاء هم الذين صدقوا ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾؛ لأنهم اتقوا المحارم، وفعلوا الطاعات.\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٧٨) وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧٩)﴾\n_________\n(^٩٤٢) - رواه مسلم من حديث أبي هريرة في كتاب الإيمان، برقم ١٠٧ - (٥٩).\n(^٩٤٣) - رواه مسلم من حديث عبد الله بن عمرو ﵁ في كتاب الإيمان برقم ١٠٦ - (٥٨).\n_________\n[¬١]- زيادة من: ز، خ.\n[¬٢]- سقط هن: ز، خ.\n[¬٣]- مكررة في خ.\n[¬٤]- في ز: \"والصابرين\".","vol":"2","page":161},{"text":"يقول تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيكُمُ﴾ العدل في القصاص أيها المؤمنون، [فاقتلوا] [¬١] حركم بحركم، وعبدكم بعبدكم، وأنثاكم بأنثاكم، ولا تتجاوزوا، وتعتدرا كما اعتدى من قبلكم، وغيروا حكم اللَّه فيهم، وسبب ذلك قريظة، والنضير؛ كانت بنو النضير قد غزت قريظة في الجاهلية وقهروهم، فكان إذا قتل النضري القرظي لا يقتل به، بل يفادى بمائة وسق من التمر، وإذا قتل القرظي النضري قتل به، وإن فادوه فدوه بمائتي وسق من التمر ضعف دية القرظي، فأمر اللَّه بالعدل في القصاص، ولا يُتبَع سبيل المفسدين المحرّفين المخالفين لأحكام الله فيهم، كفرًا وبغيًا، فقال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾.\nوذكر في سبب [¬٢] نزولها ما رواه الإمام أبو [¬٣] محمد بن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا يحيى بن عبد اللَّه [بن بُكيرٍ، حدثني عبد اللَّه] [¬٤] [بن لهيعة] [¬٥]، حدثني عطاء بن دينار، عن سعيد بن جبير، في قول اللَّه تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ يعني إذا كان عمدًا، الحرّ بالحرّ. وذلك أن حيين من العرب اقتتلوا في الجاهلية قبل الإسلام بقليل، فكان بينهم قتل وجراحات، حتى [¬٦] قتلوا العبيد، والنساء، فلم يأخذ بعضهم من بعض حتى أسلموا، فكان أحد الحيين يتطاول على الآخر في العدة والأموال، فحلفوا أن لا يرضوا حتى يقتل بالعبد منا الحرّ منهم، وبالمرأة [¬٧] منا الرجل منهم، فنزلت فيهم. ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾ منها منسوخة نسخها ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ وقال علي بن أبي طلحة: عن ابن عباس في قوله: ﴿وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾ وذلك أنهم كانوا لا يقتلون الرجل بالمرأة، ولكن يقتلون الرجل بالرجل، والمرأة بالمرأة، فأنزل اللَّه: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَينَ بِالْعَينِ﴾ فجعل الأحرار في القصاص سواء فيما بينهم من العمد رجالهم ونساؤهم في النفس وفيما دون النفس، وجعل العبيد مستوين فيما بينهم من العمد في النفس، وفيما دون النفس رجالهم ونساؤهم، وكذلك روي عن أبي مالك أنها منسوخة بقوله: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾.\n[مسألة: ذهب أبو حنيفة إلى أنّ الحرّ يقتل بالعبد لعموم آية المائدة. وإليه ذهب الثوري وابن أبي ليلى وداود، وهو مروي عن عليّ، وابن مسعود، وسعيد بن المسيب، وإبراهيم النخعي، وقتادة والحكم. وقال البخاري وعلي بن المديني وإبراهيم النخعي والثوري في رواية عنه: ويقتل السيد بعبده لعموم حديث الحسن، عن سمرة: \"من قتل عبده قتلناه، ومن جدع عبده\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين زيادة من ز.\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٥]- في ز، خ: \"ابن أبي لهيعة\".\n[¬٦]- في ز، خ: \"قد\".\n[¬٧]- في ز، خ: \"المرأة\".","vol":"2","page":162},{"text":"جدعناه، ومن خصاه خصيناه\" (^٩٤٤). وخالفهم الجمهور فقالوا: لا يقتل الحرّ بالعبد؛ لأن العبد سلعة لو قُتل خطأ لم يجب فيه دية، وإنما تجب فيه قيمته؛ ولأنه لا يقاد بطرفه ففي النفس بطريق الأولى. وذهب الجمهور إلى أن المسلم لا يقتل بالكافر؛ لما ثبت في البخار (^٩٤٥)، عن علي قال: قال رسول اللَّه ﷺ: \"لا يقتل مسلم بكافر\"، ولا يصح حديث ولا تأويل يخالف هذا. وأما أبو حنيفة فذهب إلى أنه يُقتل به لعموم آية المائدة.\n[مسألة] قال الحسن وعطاء: لا يقتل الرجل بالمرأة لهذه الآية، وخالفهم الجمهور لآية المائدة ولقوله ﵇: \"المسلمون تتكافأ دماؤهم\" (^٩٤٦)، وقال الليث: إذا قتل الرجل امرأته لا يقتل بها خاصة.\n[مسألة] ومذهب الأئمة الأربعة والجمهور أن الجماعة يقتلون بالواحد. قال عمر في غلام قتله سبعة فقتلهم، وقال: لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم. ولا يعرف له في زمانه مخالف من الصحابة وذلك كالإجماع. وحكي عن الإمام أحمد رواية: أن الجماعة لا يقتلون بالواحد ولا يقتل بالنفس إلا نفس واحدة. وحكاه ابن المنذر عن معاذ وابن الزبير وعبد الملك بن مروان والزهري وابن سيرين وحبيب بن أبي ثابت. ثم قال ابن المنذر: وهذا أصح ولا حجة\n_________\n(^٩٤٤) - رواه أبو داود في الديات، باب: من قتل عبده أو مثّل به هل يقاد منه؟ برقم (٤٥١٦، ٤٥١٥) - مفرقًا- والترمذي في الديات، باب: الرجل يقتل عبده برقم (١٤١٤). والنسائي في القسامة، باب: القود من السيد للمولى، باب: القصاص في السن ٤٧٣٦، ٤٧٣٧، ٤٧٥٣، ٤٧٥٤ - (٢٠/ ٨، ٢١، ٢٦). وابن ماجه في الديات، باب: هل يقتل الحر بالعبد (٢٦٦٣) ببعضه.\nوقال الترمذي: \"هذا حديث حسن غريب\".\n(^٩٤٥) - البخاري في كتاب العلم، باب: كتابة العلم برقم (١١١)، وانظر (٣٠٤٧).\n(^٩٤٦) - رواه أحمد (٢/ ١٨٠)، وأبو داود في كتاب الديات، باب: أيقاد المسلم بالكافر؟ (رقم: ٤٥٣١)، وابن ماجة في كتاب الديات، باب: المسلمون تتكافأ دماؤهم (رقم: ٢٦٨٥) من حديث عبد الله بن عمرو.\nورواء أبو داود في كتاب الديات، باب: أيقاد المسلم بالكافر؟ (رقم: ٤٥٣٠)، والنسائي في كتاب القسامة: باب: القود بين الأحرار والمماليك في النفس، وباب: سقوط القود من المسلم للكافر (٨/ ١٩ / ٢٠، ٢٤ / رقم: ٤٧٣٤، ٤٧٣٥، ٤٧٤٥، ٤٧٤٦)، والحاكم (١/ ١٤١) من حديث علي بن أبي طالب ﵁.\nورواه ابن ماجة في كتاب الديات، باب: المسلمون، تتكافأ دماؤهم برقم (٢٦٨٣) من حديث ابن عباس ﵄.\nورواه ابن ماجة: باب الديات، باب: المسلمون تتكافأ دماؤهم (رقم: ٢٦٨٤) من حديث معقل بن يسار.\nورواه ابن حبان في صحيحه ست حديث ابن عمر. ورواه الحاكم من حديث أبي هريرة.","vol":"2","page":163},{"text":"لمن أباح قتل الجماعة. وقد ثبت عن ابن الزبير ما ذكرناه، وإذا اختلف الصحابة فسبيله النظر] [¬١].\n[وقوله: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيهِ بِإِحْسَانٍ﴾. قال مجاهد: عن ابن عباس] [¬٢] ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيءٌ﴾ فالعفو أن يقبل الدية في العمد، وكذا رُوي عن أبي العالية، وأبي الشعثاء، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وعطاء، والحسن، وقتادة، ومقاتل بن حيان.\nوقال [¬٣] الضحاك: عن ابن عباس ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيءٌ﴾ يعني [¬٤]: فمن تُرِكَ [¬٥] له من أخيه ﴿شَيءٌ [¬٦]﴾، يعني [¬٧]: أخذ الدية بعد استحقاق الدم، وذلك العفو ﴿فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ يقول: فعلى الطالب اتباع بالمعروف إذا قبل الدية ﴿وَأَدَاءٌ إِلَيهِ بِإِحْسَانٍ﴾ يعني: من القاتل من غير ضرر، ولا مَعْك يعني: المدافعة. وروى الحاكم من حديث سفيان، عن عمرو، عن مجاهد، عن ابن عباس: ويؤدّي المطلوب بإحسان. وكذا قال سعيد بن جبير، وأبو [¬٨]، الشعثاء جابر بن زيد والحسن، وقتادة، وعطاء الخراساني، والربيع بن أنس، والسدي، ومقاتل بن حيان.\n[[مسألة] قال مالك ﵀ في رواية ابن القاسم عنه وهو المشهور، وأبو حنيفة وأصحابه والشافعي وأحمد في أحد قوليه: ليس لولي الدم أن يعفو على الدية إلا برضا القاتل، وقال الباقون: له أن يعفو عليها وإن لم يرض.\n[مسألة] وذهب طائفة من السلف إلى أنه ليس للنساء عفو، منهم الحسن وقتادة والزهري وابن شبرمة والليث والأوزاعي، وخالفهم الباقون] [¬٩].\nوقوله: ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾ يقول تعالى: إنما شرع لكم أخذ الدية في العمد تخفيفًا [¬١٠]، من اللَّه عليكم، ورحمة بكم، مما [¬١١]، كان محتومًا على الأمم قبلكم من القتل، أو العفو، كما قال [¬١٢] سعيد بن منصور:\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٣]- بياض في ز، خ.\n[¬٤]- في ز: \"يقول\".\n[¬٥]- في خ: تركه.\n[¬٦]- في ز: \"بعد\".\n[¬٧]- سقط من: ز، خ.\n[¬٨]- في ز: \"أو\".\n[¬٩]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬١٠]- في ز: تخفيف\".\n[¬١١]- في ز: \"بما\".\n[¬١٢]- في ز: \"وقال\".","vol":"2","page":164},{"text":"حدَّثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، أخبرني مجاهد، عن ابن عباس قال: كُتب على بني إسرائيل القصاص في القتلى، ولم يكن فيهم العفو، فقال اللَّه لهذه الأمة: ﴿كُتِبَ عَلَيكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيءٌ﴾ فالعفو: أن يقبل الدية في العمد، ذلك تخفيف مما كتب على من كان قبلكم ﴿فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيهِ بِإِحْسَانٍ﴾ (^٩٤٧).\nوقد رواه غير واحد عن عمرو، وأخرجه ابن حبان (^٩٤٨) في \"صحيحه\"، عن عمرو بن دينار، به، ورواه جماعة عن مجاهد، عن ابن عباس، بنحوه.\nوقال قتادة: ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾: رحم اللَّه هذه الأمة، وأطعمهم الدية، ولم تحل لأحد قبلهم، فكان أهل التوراة إنما هو القصاص وعفو ليس بينهم أَرُشَ، وكان أهل الإنجيل إِنما هو عفو أمروا به، وجعل لهذه الأمة القصاص والعفو والأرْشَ.\nوهكذا روي عن سعيد بن جبير، ومقاتل بن حيان، والربيع بن أنس نحو هذا.\nوقوله: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ يقول تعالى: فمن قتل بعد أخذ الدية أو قبولها فله عذاب من الله أليم موجع شديد.\nوهكذا [¬١] روي عن ابن عباس، ومجاهد، وعطاء، وعكرمة، والحسن، وقتادة، والربيع بن أنس، والسدي، ومقاتل بن حيان: أنه هو الذي يقتل بعد أخذ الدية،\nكما قال محمد بن إسحاق: عن الحارث بن فضيل، عن سفيان بن أبي العوجاء، عن أبي شريح الخزاعي: أن النبي، ﷺ، قال: \"من أصيب بقتل، أو خبل، فإنه يختار إحدى ثلاث: إما أن يقتص، وإما أن يعفو، وإما أن يأخذ الدية، فإن أراد الرابعة فخذوا على يديه. ومن اعتدى بعد ذلك فله نار جهنم خالدًا فيها\" (^٩٤٩) رواه أحمد.\n_________\n(^٩٤٧) - سنن سعيد بن منصور برقم (٢٤٦) بتحقيق د. الحميد.\n(^٩٤٨) - صحيح ابن حبان (٧/ ٦٠١) \"الإحسان\".\n(^٩٤٩) - إسناده ضعيف: سفيان بن أبي العوجاء السلمي: ضعيف.\nوالحديث في المسند ١٦٤٢٧ - (٤/ ٣١). وأخرجه أبو داود في كتاب الديات، باب: الإمام يأمر بالعفو في الدم، من طريق موسى بن إسماعيل، ثنا حماد، أنا محمد بن إسحاق، عن الحارث به. حديث (٤٤٩٦). وابن ماجة في كتاب الديات، باب: من قتل له قتيل، من طريق أبي بكر وعثمان في أبي شيبة، ثنا جرير. حديث (٢٦٢٣). والدارقطني (٣/ ٩٦). وابن الجارود (٧٧٤) في المنتقى. والبيهقي (٨/ ٥٢). والبخاري في التاريخ الكبير (٣/ ٢٢٤). وضعف الشيخ الألباني إسناده؛ انظر الإرواء (٧/ ٢٧٨).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"كذا\".","vol":"2","page":165},{"text":"وقال سعيد بن أبي عروبة: عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة قال: قال رسول اللَّه، ﷺ: \"لا أعافي رجلًا قتل بعد أخذ الدية\" (^٩٥٠) يعني لا أقبل منه الدية بل أقتله.\nوقوله: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ يقول تعالى: وفي شرع القصاص لكم، وهو قتل القاتل، حكمة عظيمة لكم، وهي بقاء المُهَج وصونها؛ لأنه إذا علم القاتل أنه يقتل انكف عن صنيعه، فكان في ذلك حياة للنفوس [¬١]، وفي الكتب المتقدّمة: القتل أنفى للقتل. فجاءت هذه العبارة في القرآن أفصح، وأبلغ، وأوجز.\n﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ قال أبو العالية: جعل اللَّه القصاص حياة لكم [¬٢]، [فكم من] [¬٣] رجل يريد أن يقتل، فتمنعه مخافة أن يقتل.\nوكذا روي عن مجاهد، وسعيد بن جبير، وأبي مالك، والحسن، وقتادة، والربيع بن أنس، ومقاتل ابن حيان.\n﴿يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ يقول: يا أولي العقول، والأفهام، والنُّهى لعلكم تنزجرون [¬٤]، وتتركون [¬٥] محارم اللَّه، ومآثمه، والتقوى اسم جامع لفعل الطاعات، وترك المنكرات.\n﴿كُتِبَ عَلَيكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَينِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (١٨٠) فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ\n_________\n(^٩٥٠) - ذكره السيوطي في الدر المنثور (١/ ٤٢١) وعزاه لسمويه في فوائده.\nورواه البيهقي في السنن الكبرى (٨/ ٥٤) من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن مطر، عن الحسن مرسلًا وروى أبو داود في كتاب الديات، باب: من قتل بعد أخذ الدية برقم (٤٥٠٧) من طريق حماد، عن مطر، قال: وأحسبه عن الحسن، عن جابر بن عبد الله ﵁ مرفوعًا: \"لا أعفي من قتل بعد أخذه الدية\". -والحسن لم يسمع من جابر- ورواه البيهقي من طريق أبي داود (٨/ ٥٤).\nورواه الطيالسي من حديث حماد بن سلمة، عن مطر الوراق، عن رجل، عن جابر مرفوعًا: \"لا أعافي أحدًا قتل بعد أخذ الدبة\".\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"النفوس\".\n[¬٢]-زيادة ش ز، خ.\n[¬٣]- في ز، خ: \"في\".\n[¬٤]- في ز: \"تبرحون\".\n[¬٥]- في ز: \"فتتركون\".","vol":"2","page":166},{"text":"عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٨١) فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَينَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨٢)﴾\nاشتملت هذه الآية الكريمة على الأمر بالوصية للوالدين والأقربين، وقد كان ذلك واجبًا على أصح القولين قبل نزول آية المواريث، فلما نزلت آية الفرائض نسخت هذه، وصارت المواريث المقدّرة فريضة من اللَّه، يأخذها أهلوها حتمًا من غير وصية، ولا تحمل منة [¬١] الموصي؛ ولهذا جاء في [¬٢] الحديث الذي [¬٣] في السنن وغيرها عن عمرو بن خارجة قال: سمعت رسول اللَّه، ﷺ، يخطب وهو يقول: \"إن اللَّه قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث\" (^٩٥١).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم بن عُليَّة، عن يونس بن عبيد، عن محمد بن سيرين قال: جلس ابن عباس فقرًا سورة البقرة حتى أتى هذه الآية ﴿إِنْ تَرَكَ خَيرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَينِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ فقال: نسخت هذه الآية.\nوكذا رواه سعيد بن منصور، عن هشيم، عن يونس، به.\nورواه الحاكم في \"مستدركه\" وقال: صحيح على شرطهما (^٩٥٢).\n_________\n(^٩٥١) - رواه أحمد ١٧٧١٤، ١٧٧١٥، ١٧٧١٦ - (٤/ ١٨٦، ١٨٧) والترمذي في الوصايا، باب: ما جاء لا وصية لوارث برقم (٢١٢١) والنسائي في الوصايا، باب: إبطال الوصية للوارث، ٣٦٤١ - (٦/ ٢٤٧) ورواه ابن ماجة بنحوه في الوصايا، باب: لاوصية لوارث برقم (٢٧١٢). جميعهم من حديث قتادة، عن شهر بن حوشب، عن عبد الرحمن بن غنم، عن عمرو به.\nورواه الدارقطني في كتاب الوصايا (٤/ ١٥٢) والبيهقي (٦/ ٢٦٤). والطبراني في الكبير (١٧/ ٣٢ - ٣٤) حديث (٦٠) - (٧٢).\nقال في البدر المنير: وشهر تركوه؛ أي طعنوا فيه. ومن جملة ما أنكر عليه ما قاله في هذا الحدث عن عمرو بن خارجة أنه كان تحت جران ناقة رسول الله ﷺ والجران بطن العنق مما يلي الأرض. وهذا مجرد استبعاد وهو ممكن. ورواه ليث بن أبي سليم عن مجاهد عن عمرو بن خارجة. قلت: ورواه همام والحجاج بن أرطأة وعبد الرحمن بن عبد الله المسعودي والحسن بن دينار وغيرهم عن قتادة فلم يذكروا ابن غنم -الراوي عن عمرو بن خارجة- ا. هـ من البدر.\n(^٩٥٢) - سنن سعيد بن منصور برقم (٢٥٢) بتحقيق الدكتور الحميد، والمستدرك (٣/ ٢٧٣).\n_________\n[¬١]- في خ: \"أمانة\"، وفي ز: \"مانة\".\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- في ز: الذي.","vol":"2","page":167},{"text":"وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس (^٩٥٣) في قوله: ﴿الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَينِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ قال: كان لا يرث مع الوالدين غيرهما إلا وصية للأقربين، فأنزل اللَّه آية الميراث، فبين ميراث الوالدين، وأقرّ وصية الأقربين في ثلث مال الميت.\nوقال ابن أبي حاتم (^٩٥٤): حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح، حدثنا حجاج بن محمد، أخبرنا ابن جريج، وعثمان بن عطاء، [عن عطاء] [¬١]، عن ابن عباس في قوله: ﴿الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَينِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ نسختها هذه الآية: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾.\nثم قال ابن أبي حاتم (^٩٥٥): وروي عن ابن عمر، وأبي موسى، وسعيد بن المسيب [¬٢]، والحسن، ومجاهد، وعطاء، وسعيد بن جبير، ومحمد بن سيرين، وعكرمة، وزيد بن أسلم، والربيع بن أنس، وقتادة، والسدي، ومقاتل بن حيان، وطاوس، وإبراهيم النخعي، وشريح، والضحاك، والزهري: أن هذه الآية منسوخة نسختها آية الميراث.\nوالعجب من أبي عبد اللَّه محمد بن عمر الرازي ﵀ كيف حكى في \"تفسيره الكبير\" عن أبي مسلم الأصفهاني: أن هذه الآية غير منسوخة، وإنما هي مفسرة بآية المواريث، ومعناه: كتب عليكم ما أوصى اللَّه به من توريث الوالدين والأقربين. من قوله: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ قال: وهو قول أكثر المفسرين، والمعتبرين من الفقهاء. قال: ومنهم من قال: إنها منسوخة فيمن يرث، ثابتة فيمن لا يرث، وهو مذهب ابن عباس، والحسن، ومسروق، وطاوس، والضحاك، ومسلم بن يسار، والعلاء بن زياد.\n(قلت): وبه قال أيضًا سعيد بن جبير، والربيع بن أنس، وقتادة، ومقاتل بن حيان. ولكن على قول هؤلاء [¬٣] لا يسمى هذا نسخًا في اصطلاحنا المتأخر؛ لأن آية [المواريث إنما] [¬٤] رفعت حكم بعض أفراد ما دل عليه عموم آية الوصاية، لأن الأقربين أعم ممن يرث ومن لايرث، فرفع [¬٥] حكم من يرث [¬٦]، بما عين له، وبقي الآخر على ما دلت عليه الآية الأولى، وهذا إنما يتأتى على قول بعضهم: إن الوصاية في ابتداء الإسلام إنما كانت ندبًا حتى نسخت. فأمّا من يقول: إنها كانت واجبة - وهو الظاهر من سياق الآية - فيتعين أن تكون منسوخة بآية الميراث. كما قاله\n_________\n(^٩٥٣) - رواه ابن جرير بإسناده ٢٦٤٦ - (٣/ ٣٨٩).\n(^٩٥٤) - تفسير ابن أبي حاتم ١٦٠٤ - (١/ ٢٩٩).\n(^٩٥٥) - تفسير ابن أبي حاتم (١/ ٢٩٩).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في سقط من: ز.\n[¬٢]- في ز: \"أطيب\".\n[¬٣]- في خ: \"هذا\".\n[¬٤]- في ز: \"الميراث لهما\".\n[¬٥]- في ز: \"فرعت\".\n[¬٦]- سقط من: ز.","vol":"2","page":168},{"text":"أكثر المفسرين والمعتبرين [¬١] من الفقهاء، فإن وجوب الوصية للوالدين، والأقربين الوارثين [¬٢] منسوخ بالإجماع، بل منهي عنه للحديث المتقدم: \"إن اللَّه قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث\". فآية الميراث حكم مستقل، ووجوب من عند اللَّه لأهل الفروض وللعصبات رفع بها حكم هذه بالكلية.\nبقي الأقارب الذين لا ميراث لهم، يستحب له أن يوصي لهم من الثلث استئناسًا بآية الوصية وشمولها، ولما ثبت في \"الصحيحين (^٩٥٦) \"، عن ابن عمر قال: قال رسول اللَّه، ﷺ: \"ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه ببيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده\"، قال ابن عمر: ما مرّت عليَّ ليلة منذ سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول ذلك إلا وعندي وصيتي.\nوالآيات والأحاديث بالأمر ببر الأقارب والإحسان إليهم، كثيرة جدًّا.\nوقال عبد بن حميد في \"مسنده\" (^٩٥٧): أخبرنا عبيد اللَّه، عن مبارك بن حسان، عن نافع قال قال عبد اللَّه: قال رسول اللَّه ﷺ: \"يقول اللَّه تعالى: يا ابن آدم؛ ثنتان لم يكن لك واحدة منهما: جعلت لك نصيبًا في مالك حين أخذت بكظمك، لأطهرك به وأزكيك، وصلاة عبادي عليك بعد انقضاء أجلك\".\nوقوله: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيرًا﴾ أي: مالًا. قاله ابن عباس، ومجاهد، وعطاء، وسعيد بن جبير، وأبو العالية، وعطية العوفي، والضحاك، والسدي، والربيع بن أنس، ومقاتل بن حيان، وقتادة، وغيرهم.\nثم منهم من قال: الوصية مشروعة سواء قل المال، أو كثر كالوراثة، ومنهم من قال: إنما يوصي إذا ترك مالًا جزيلًا، ثم اختلفوا في مقداره، فقال ابن أبي حاتم (^٩٥٨):\nحدثنا محمد بن عبد اللَّه بن يزيد المقري [¬٣]، أخبرنا سفيان، عن هشام بن عروة، عن أبيه قال\n_________\n(^٩٥٦) - البخاري في كتاب الوصايا، باب: الوصايا برقم (٢٧٣٨) ومسلم في كتاب الوصية، برقم ١ - (١٦٢٧)\n(^٩٥٧) - مبارك بن حسان: لين الحديث، قال أبو داود: منكر الحديث. وقال النسائي: ليس بالقوي في حديثه شيء. وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: يخطئ ويخالف. وقال الأزدي: متروك يرمى بالكذب وقال ابن عدي روى أشياء غير محفوظة. (التهذيب ١٠/ ٢٤).\n(^٩٥٨) - تفسير ابن أبي حاتم ١٦٠٢ - (١/ ٢٩٩).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"المعتبرون\".\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- في ز، خ: \"المقبري\".","vol":"2","page":169},{"text":": قيل لعلي ﵁: إن رجلًا من قريش قد مات، وترك ثلثمائة دينار، أو أربعمائة [دينار] [¬١] ولم يوصِ. قال: ليس بشيء، إنما قال اللَّه: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيرًا﴾.\n[وقال أيضًا (^٩٥٩) [¬٢]: وحدثنا هارون بن إسحاق الهمداني، حدثنا عبدة -يعني ابن سليمان- عن هشام بن عروة، عن أبيه: أن عليًّا دخل على رجل من قومه يعوده، فقال له: أوصي [¬٣]؟ فقال له علي: إنما قال اللَّه: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيرًا﴾، إنما تركت شيئًا يسيرًا، فاتركه لولدك.\nوقال الحكم بن أبان (^٩٦٠): حدثني عكرمة، عن ابن عباس: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيرًا﴾ قال ابن عباس: من لم يترك ستين دينارًا لم يترك خيرًا. قال الحكم [¬٤]: قال طاوس: لم يترك خيرًا من لم يترك ثمانين دينارًا. وقال قتادة: كان يقال ألفًا فما فوقها.\nوقوله: ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي: بالرفق والإحسان، كما قال ابن أبي حاتم (^٩٦١).\nحدثنا الحسن بن أحمد، حدثنا إبراهيم بن عبد اللَّه بن يسار، حدثني سرور بن المغيرة، عن عباد بن منصور، عن الحسن، قوله: ﴿كُتِبَ عَلَيكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ فقال: نَعَم، الوصية حق، على كل مسلم أن يوصي إذا حضره الموت بالمعروف غير المنكر.\nوالمراد بالمعروف أن يوصي لأقربيه [¬٥] وصية لا تجحف بورثته، من غير إسراف ولا تقتير [¬٦]، كما ثبت في \"الصحيحين\" (^٩٦٢) أن سعدًا قال: يا رسول اللَّه؛ إن لي مالًا ولا يرثني إلا ابنة لي، أفأوصي بثُلُثي مالي؟ قال: \"لا\"، قال: فبالشطر؟ قال: \"لا\"، قال: فالثلث؟ قال: \"الثلث والثلث كثير، إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس\".\n_________\n(^٩٥٩) - تفسير ابن أبي حاتم ١٥٩٩ - (١/ ٢٩٨ - ٢٩٩).\n(^٩٦٠) - تفسير ابن أبي حاتم ١٦٠١ - (١/ ٢٩٩)، من رواية حفص بن عمر العدني عن الحكم بن أبان، وحفص بن عمر العدني ضعيف -كما في التقريب.\n(^٩٦١) - تفسير ابن أبي حاتم ١٥٩٨ - (١/ ٢٩٨). وعباد بن منصور: ضعيف.\n(^٩٦٢) - رواه البخاري في الجنائز، باب: رثاء النبي سعد بن خولة برقم (١٣٩٦) وأطرافه (٣٩٣٦، ٤٤٠٩، ٦٣٧٣). ومسلم في الوصية برقم (١٦٢٨).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين زيادة من ز.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز: \"قال\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"أأوصي\".\n[¬٤]- في ز، خ: \"الحاكم\".\n[¬٥]- في خ: \"أقاربه\".\n[¬٦]- في ز: \"تعتبر\".","vol":"2","page":170},{"text":"وفي \"صحيح البخاري\" (^٩٦٣): أن ابن عباس قال: لو أن الناس غضوا من الثلث إلى الربع، فإن رسول الله ﷺ قال: \"الثلث، والثلث كثير\".\nوروى الإمام أحمد (^٩٦٤): عن أبي سعيد مولى بني [¬١] هاشم، عن [ذيال بن عبيد] [¬٢] بن حنظلة، سمعت حنظة بن جذيم [¬٣] بن حنيفة: أن جدّه حنيفة: أوصى ليتيم في حجره بمائة من الإبل، فشق ذلك على بنيه، فارتفعوا إلى رسول الله ﷺ. فقال حنيفة: إني أوصيت ليتيم لي بمائة من الإبل، [كنا نسميها] [¬٤] المطية، فقال النبي [¬٥] ﷺ: \"لا، لا، لا. الصدقة خمس وإلا فعشر، وإلا فخمس عشرة، وإلا فعشرون، وإلا فخمس وعشرون، وإلا فثلاثون، وإلا فخمس وثلاثون، فإن كثرت [¬٦] فأربعون\".\nوذكر الحديث بطوله.\nوقوله: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ [إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ] [¬٧]﴾ يقول تعالى: فمن بدل الوصية وحرّفها، فغير حكمها: زاد فيها أو نقص، ويدخل في ذلك الكتمان لها بطريق الأولى ﴿فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ﴾. قال ابن عباس وغير واحد: وقد [¬٨] وقع أجر الميت على الله، وتعلق الإثم بالذين بدّلوا ذلك. ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ أي: قد اطلع على ما أوصى به الميت، وهو عليم بذلك، وبما بدله الموصى إليهم.\nوقوله تعالى: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا﴾ قال ابن عباس، وأبو العالية، ومجاهد والضحاك، والربيع بن أنس، والسدي: الجَنَف: الخطأ. وهذا يشمل أنواع الخطإ كلها، بأن زادوا وارثًا بواسطة أو وسيلة، كما إِذا أوصى ببيعه الشيء الفلاني محاباة، أو أوصى لابن ابنته ليزيدها، أو نحو ذلك من الوسائل، إِمّا مخطئًا غير عامد، بل بطبعه وقوّة شفقته من غير تبصر، أو متعمدًا آثمًا في ذلك، فللوصي -والحالة هذه- أن يصلح القضية، ويعدل في الوصية على الوجه الشرعي، ويعدل عن الذي أوصى به الميت إلى ما هو أقرب الأشياء إليه وأشبه الأمور به، جمعًا بين مقصود الموصي والطريق الشرعي.\n_________\n(^٩٦٣) - رواه البخاري في كتاب الوصايا، باب: الوصية بالثلث برقم (٢٧٤٣).\n(^٩٦٤) - المسند ٢٠٧٢٢ - (٥/ ٦٧).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"أبي\".\n[¬٢]- في ز: \"ديال بن عتبة\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"خديم\".\n[¬٤]- بياض في ز، خ.\n[¬٥]- في خ: \"الرسول\".\n[¬٦]- في خ: \"أكثرت\".\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٨]- سقط من: خ.","vol":"2","page":171},{"text":"وهذا الإصلاح والتوفيق ليس من التبديل في شيء، ولهذا عطف هذا فبينه على النَّهي عن [¬١] ذلك [¬٢]، ليعلم أن هذا ليس من ذلك [¬٣] بسبيل، والله أعلم.\nوقد قال ابن أبي حاتم (^٩٦٥): حدَّثنا العباس بن الوليد بن مزيد [¬٤] قراءة، أخبرني أبي، عن الأوزاعي، قال الزهري: حدّثني [] [¬٥] عروة، عن عائشة، عن النَّبيِّ ﷺ: أنَّه قال: \"يُرَدُّ من صَدَقة الجانف [¬٦] في حياته ما يُرَدُّ من وصية المجنف عند موته\".\nوهكذا رواه أبو بكر بن مردويه: من حديث العباس بن الوليد به [¬٧].\nقال ابن أبي حاتم: وقد أخطأ فيه الوليد بن مؤيد [¬٨]، وهذا الكلام: إنَّما هو عن عروة فقط، وقد رواه الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، فلم يجاوز به عروة.\nوقال ابن مردويه أيضًا (^٩٦٦): حدَّثنا محمَّد بن أحمد بن إبراهيم، حدَّثنا إبراهيم بن يوسف، حدَّثنا هشام بن عمار، حدَّثنا عمر بن المغيرة، عن داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النَّبيِّ ﷺ قال: \"الجنف [¬٩] في الوصيَّة من الكبائر\".\nوهذا في رفعه أيضًا نظر.\nوأحسن ما ورد في هذا الباب ما قال عبد الرزاق (^٩٦٧): حدَّثنا معمر، عن أشعث بن عبد الله، عن شهر بن حوشب، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن الرجل ليعمل بعمل أهل [¬١٠] الخير سبعين سنة، فإذا أوصى حاف في وصيته، فيختم له بشر\n_________\n(^٩٦٥) - ورواه أبو داود في المراسيل برقم (١٩٤) من طريق عباس بن الوليد بن مزيد، عن أبيه، عن الأوزاعي، به. قال العباس: حدثنا به مرَّة، عن عروة، ومرَّة عن عروة، عن عائشة عن النَّبيِّ ﷺ، ثم رواه أبو داود برقم (١٩٥) عن عروة مرسلًا، وبرقم (١٩٦) عن الزُّهريّ مرسلًا.\n(^٩٦٦) - ورواه الدارقطني في السنن (٤/ ١٥١)، والعقيلي في الضعفاء (٣/ ١٨٩)، والبيهقيّ في السنن الكبرى (٦/ ٢٧١) من طريق عمر بن المغيرة به نحوه، ورواه البيهقي في السنن الكبرى (٦/ ٢٧١) من طريق هشيم عن داود به موقوفًا، وقال: \"هذا هو الصَّحيح موقوف، وكذلك رواه ابن عيينة وغيره عن داود موقوفًا، وروي من وجه آخر مرفوعًا، ورفعه ضعيف.\n(^٩٦٧) - المصنف برقم (١٦٤٥٥) ورواه أبو داود في الوصايا، باب: كراهية الإضرار في الوصية، برقم (٢٨٦٧) والترمذي في الوصايا، باب: الضرار في الوصيَّة، برقم (٢١١٧)، وابن ماجة في =\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في ز، خ: \"لذلك\".\n[¬٣]- في ز: \"ذاك\".\n[¬٤]- في خ: يزيد\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين في ز: \"عن\".\n[¬٦]- في ز: \"الحايف\".\n[¬٧]- سقط من: ز، خ.\n[¬٨]- في خ: \"يزيد\".\n[¬٩]- في ز، خ: الحيف\".\n[¬١٠]- سقط من: خ.","vol":"2","page":172},{"text":"عمله، فيدخل النَّار. وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الشر سبعين سنة، فيعدل في وصيته، فيختم له بخير عمله فيدخل الجنة\". قال أبو هريرة: اقرءوا إن شئتم: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾. الآية [¬١].\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣) أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيرًا فَهُوَ خَيرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٤)﴾\nيقول تعالى مخاطبًا للمؤمنين من هذه الأمّة، وآمرًا لهم بالصيام، وهو الإمساك عن الطَّعام والشَّراب والوقاع بنيَّة خالصة لله ﷿ لما فيه من زكاة النفوس [¬٢] وطهارتها، وتنقيتها من الأخلاط [الرديئة، والأخلاق] [¬٣] الرذيلة. وذكر [أنَّه كما] [¬٤] أوجبه عليهم فقد أوجبه على من كان قبلهم، فلهم فيه أسوة حسنة [¬٥]، وليجتهد هؤلاء في أداء هذا الفرض أكمل مما فعله أولئك، كما قال تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيرَاتِ﴾ الآية؛ ولهذا قال ها هنا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾؛ لأنَّ الصوم فيه تزكية للبدن، وتضييق لمسالك الشيطان، ولهذا ثبت [¬٦] في \"الصحيحين\" (^٩٦٨): \" يا معشر الشباب؛ من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنَّه له\n_________\n= الوصايا، باب: الحيف في الوصيَّة برقم (٢٧٠٤) من طريق أشعث بن عبد الله بن جابر، عن شهر بن حوشب، عن أبي هريرة بمعناه وفيه: \"ستِّين سنة\" بدل \"سبعين سنة\"، وقال الترمذي: \"هذا حديث حسن صحيح غريب\".\nوالأشعث بن عبد الله بن جابر: وثقه يَحْيَى بن معين، والنسائي، وقال أحمد: لا بأس به، وقال العقيلي: في حديثه وهم. وتعقبه الذهبي في الميزان وقال: قول العقيلي: في حديثه وهم ليس بمسلم إليه، وأنا أتعجب كيف لم يخرج له البُخاريّ ومسلم. وشهر مختلف فيه على ما تقدم.\n(^٩٦٨) - البُخاريّ في الصوم باب: الصوم لمن خاف على نفسه العزبة يرقم (١٩٠٥) وانظر (٥٠٦٥، ٥٠٦٦)، ومسلم في كتاب النكاح برقم (١٤٠٠) من حديث عبد الله بن مسعود ﵁.\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- في ز، خ: \"النَّفس\".\n[¬٣]- سقط من: خ، وفي ز: \"الرذيلة والأخلاق\".\n[¬٤]- في ز: \"كما\".\n[¬٥]- سقط من: ز.\n[¬٦]- سقط من: ز.","vol":"2","page":173},{"text":"وجاء\"، ثم بين مقدار الصوم، وأنَّه ليس في كل يوم لئلا يشق على النفوس فتضعف عن حمله وأدائه، بل في أيَّام معدودات. وقد كان هذا في ابتداء الإسلام يصومون من كل شهر ثلاثة أيَّام، ثم نسخ ذلك بصوم شهر رمضان، كما سيأتي بيانه. وقد روي أن الصيام كان [¬١] أوَّلًا كما [¬٢] كان عليه الأمم قبلنا، من كل شهر ثلاثة أيَّام، عن معاذ وابن مسعود، وابن عباس، وعطاء، وقتادة، والضَّحَّاك بن مزاحم. وزاد: لم يزل هذا مشروعًا من زمان نوح إلى أن نسخ الله ذلك بصيام شهر رمضان.\nوقال عباد بن منصور (^٩٦٩): عن الحسن البصري: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ فقال: نعم، والله لقد كتب الصيام على كل أُمَّة قد [¬٣] خلت كما كتبه علينا شهرًا كاملًا وأيامًا معدودات: عددًا معلومًا. وروي عن السدي نحوه.\nوروى ابن أبي حاتم (^٩٧٠): من حديث أبي عبد الرحمن المقري، حدَّثنا سعيد بن أبي أيوب، حدثني عبد الله بن الوليد، عن أبي الرَّبيع -رجل من أهل المدينة- عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: \"صيام رمضان كتبه الله على الأمم قبلكم\" في حديث طويل اختصر منه ذلك.\nوقال أبو جعفر الرَّازي (^٩٧١): عن الرَّبيع بن أنس، عمن حديثه، عن ابن عمر قال: أنزلت: ﴿كُتِبَ عَلَيكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ كتب عليهم إذا صَلَّى أحدهم [¬٤] العتمة ونام حرم عليه الطعام والشَّراب والنساء إلى مثلها.\nقال ابن أبي حاتم (^٩٧٢): وروي عن ابن عباس وأبي العالية، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، ومجاهد، وسعيد بن جبير، ومقاتل بن حيان، والربيع بن أنس، وعطاء الخراساني نحو ذلك.\nوقال عطاء الخراساني (^٩٧٣): عن ابن عباس: ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ يعني\n_________\n(^٩٦٩) - ابن أبي حاتم ١٦٢٦ - (١/ ٣٠٥) وعباد بن منصور: ضعيف.\n(^٩٧٠) - ابن أبي حاتم ١٦٢٥ - (٤/ ٣٠١) وعزاه الحافظ ابن حجر في الفتح (٨/ ١٧٨) لابن أبي حاتم وقال: \"في إسناده مجهول\".\n(^٩٧١) - ابن أبي حاتم بإسناده ١٦٢٧ - (١/ ٣٠٥).\n(^٩٧٢) - ابن أبي حاتم (١/ ٣٠٥).\n(^٩٧٣) - ابن أبي حاتم ١٦٢٨ - (١/ ٣٠٥).\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- سقط من:، خ.\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.","vol":"2","page":174},{"text":"بذلك أهل الكتاب. وروي عن الشعبي والسدي، وعطاء الخراساني، مثله.\nثم بين حكم الصيام على ما كان عليه الأمر في ابتداء الإسلام، فقال: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ أي: المريض والمسافر لا يصومان في حال المرض والسفر، لما في ذلك من الشقة عليهما، بل يفطران ويقضيان بعدة ذلك من أيَّام آخر.\nوأمَّا الصَّحيح المقيم الذي يطلق الصيام، فقد كان مخيرًا بين الصيام وبين الإطعام، أن شاء صام، وإن شاء أفطر، وأطعم عن كل يوم مسكينًا، فإن أطعم أكثر من مسكين عن كل يوم فهو خير، وإن صام فهو أفضل من الأطعام، قاله ابن مسعود وابن عباس، ومجاهد [وطاوس، ومقاتل بن حيان] [¬١] وغيرهم من السلف، ولهذا قال تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيرًا فَهُوَ خَيرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.\nو[¬٢] قال الإمام أحمد (^٩٧٤): حدَّثنا أبو النضر، حدَّثنا المسعودي، حدَّثنا عمرو بن مرَّة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن معاذ بن جبل ﵁ قال: أحيلت الصَّلاة ثلاثة أحوال، وأحيل الصيام ثلاثة أحوال، فأما أحوال الصَّلاة: فإنَّ النَّبيَّ ﷺ قدم المدينة وهو يصلِّي سبعة عشر شهرًا إلي بيت المقدس، ثم إن الله ﷿ أنزل عليه: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾. الآية. فوجهه الله إلى مكّة. هذا حول.\nقال: وكانوا يجتمعون للصلاة ويُؤذِنُ بها بعضهم بعضًا حتى نقسوا، أو كادوا ينقسون. ثم إن رجلًا من الأنصار، يقال له عبد الله بن زيد [بن ثعلبة بن عبد ربه] [¬٣] أتى رسول الله ﷺ، فقال: يا رسول الله؛ إنِّي رأيت فيما يرى النائم ولو قلت: أني لم أكن نائمًا لصدقت، أني بينا أنا بين النائم واليقظان، إذ رأيت شخصًا عليه ثوبان أخضران فاستقبل القبلة، فقال: الله أكبر الله أكبر، أشهد ألا إله إلَّا الله -مثنى- حتَّى فرغ من الأذان، ثم أمهل ساعة، ثم قال مثل الذي قال، غير أنَّه يزيد [¬٤] في ذلك: قد قامت الصَّلاة- مرتين [¬٥]- قال رسول الله ﷺ: \"علمها بلالًا فليؤذن بها\"، فكان بلال أول من أذن بها. قال: وجاء عمر بن الخطاب ﵁ فقال: يا رسول الله؛ [إنه] [¬٦] قد طاف لي مثل الذي طاف به غير أنَّه سبقني، فهذان حالان [¬٧].\n_________\n(^٩٧٤) - المسند ٢٢٢٢٣ - (٥/ ٢٤٦).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- في خ: \"مزيد\".\n[¬٥]- في ز: \"قد قامت الصَّلاة\".\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين زيادة من ز.\n[¬٧]- في ز: \"حولان\".","vol":"2","page":175},{"text":"قال: وكانوا يأتون الصَّلاة وقد [¬١] سبقهم النَّبيُّ ﷺ ببعضها، فكان الرجل يشير إلى الرجل أن [¬٢] كم صلى؟ فيقول: واحدة أو اثنتين، فيصليهما، ثم يدخل مع القوم في صلاتهم، قال: فجاء معاذ فقال: لا أجده على حاد أبدًا إلَّا كنت عليها، ثم قضيت ما سبقني. قال: فجاء وقد سبقه النَّبيُّ ﷺ ببعضها، قال: فثبت معه، فلما قضى رسول الله ﷺ، قام فقضى، فقال رسول الله ﷺ: \"إنَّه قد سن لكم معاذ فهكذا فاصنعوا\". فهذه ثلاثة أحوال.\nوأما أحوال الصيام: فإن رسول الله ﷺ قدم المدينة، فجعل يصوم من كل شهر ثلاثة أيَّام وصام عاشوراء، ثم إن الله فرض عليه الصيام، وأنزل الله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ إلي قوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾، فكان من شاء صام، ومن شاء أطعم مسكينا، فأجزأ ذلك عنه.\nثم إن الله ﷿ أنزل الآية الأخرى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ إلى قوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾. فأثبت الله صيامه على المقيم الصَّحيح، ورخص فيه للمريض والمسافر، وثبت الإطعام للكبير الذي لا يستطيع الصيام، فهذان حالان [¬٣].\nقال: وكانوا يأكلون ويشربون ويأتون النساء ما لم يناموا، فإذا ناموا امتنعوا، ثم إن رجلًا من الأنصار يقال له صرمة، كان يعمل صائمًا حتَّى أمسى فجاء إلي أهله فصلَّى العشاء، ثم نام فلم يأكل ولم يشرب، حتَّى أصبح، فأصبح صائمًا، فرآه رسول الله ﷺ وقد جهد جهدًا شديدًا [فقال: \"ما لي أراك قد جهدت جهدًا شديدًا] [¬٤]؟ قال: يا رسول الله؛ إني عملت أمس فجئت حين جئت، فألقيت نفسي فنمت، فأصبحت حين أصبحت صائمًا. قال: وكان عمر قد أصاب من النساء بعد ما نام، فأتى النَّبيّ ﷺ فذكر له ذلك، فأنزل الله ﷿: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيلِ﴾.\nوأخرجه أبو داود في \"سننه\"، والحاكم في \"مستدركه\" من حديث المسعودي، به (^٩٧٥).\nوقد أخرج البُخاريّ ومسلم (^٩٧٦): من حديث الزُّهريّ، عن عروة، عن عائشة أنَّها قالت:\n_________\n(^٩٧٥) أخرجه أبو داود في كتاب الصَّلاة، باب: كيف الأذان (١/ ١٣٦ - ١٣٩ / رقم: ٥٠٦، ٥٠٧). وابن خزيمة في صحيحه (١/ ١٩٧، ١٩٩ / رقم: ٣٨١، ٣٨٣).\n(^٩٧٦) البُخاريّ في التفسير، باب: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيكُمُ الصِّيَامُ ..﴾ برقم (٤٥٠٢) =\n_________\n[¬١]- في ز: \"قد\".\n[¬٢]- في ز، خ: إذا\n[¬٣]- في ز: \"حولان\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من ز.","vol":"2","page":176},{"text":"كان عاشوراء يصام، فلما نزل فرض [¬١] رمضان كان من شاء صام ومن شاء أفطر. وروى البُخاريّ (^٩٧٧) عن ابن عمر وابن مسعود مثله.\nوقوله تعالى [¬٢]: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ كما قال معاذ ﵁: كان في ابتداء الأمر من شاء صام، ومن شاء أفطر وأطعم عن كل يوم مسكينًا.\nوهكذا روى البُخاريّ عن سلمة بن الأكوع، أنَّه قال: لما نزلت: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ كان من أراد أن يفطر يفتدي، حتى نزلت الآية التي بعدها فنسختها (^٩٧٨).\nوروى أيضًا (^٩٧٩): من حديث عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر قال: هي منسوخة.\nوقال السدي: عن مرَّة، عن عبد الله قال: لما نزلت هذه الآية ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ قال: يقول: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ أي: يتجشمونه. قال عبد الله: فكان من شاء صام ومن شاء أفطر وأطعم مسكينًا. ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ﴾ قال: يقول أطعم مسكينًا آخر ﴿فَهُوَ خَيرٌ لَهُ﴾ وأن تصوموا خير لكم فكانوا [¬٣] كذلك حتى نسختها: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾.\nوقال البُخاريّ أيضًا (^٩٨٠): أخبرنا [¬٤] إسحاق، أخبرنا روح، حدَّثنا زكريا بن إسحاق، حدَّثنا عمرو بن دينار، عن عطاء، سمع ابن عباس يقرأ ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾. قال ابن عباس: ليست منسوخة، هو الشَّيخ [¬٥] الكبير، والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما، فيطعمان مكان كل يوم مسكينًا.\nوهكذا روى غير واحد، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، نحوه.\n_________\n= ومسلم في كتاب الصيام برقم (١١٢٥).\n(^٩٧٧) حديث ابن عمر عند البُخاريّ في كتاب التفسير، باب: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيكُمُ الصِّيَامُ ..﴾ برقم (٤٥٠١)، وحديث ابن مسعود في عند البُخاريّ في كتاب التفسير، باب: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيكُمُ الصِّيَامُ ..﴾ برقم (٤٥٠٣).\n(^٩٧٨) البُخاريّ في التفسير، باب: ﴿ومَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ برقم (٤٥٠٧)،\n(^٩٧٩) - البخاري في التفسير، باب: ﴿ومَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ برقم (٤٥٠٦).\n(^٩٨٠) البُخاريّ في التفسير، باب: ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا. ..﴾ برقم (٤٥٠٥).\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- في خ: \"فكان\".\n[¬٤]- في خ: \"حدَّثنا\".\n[¬٥]- في خ: \"الشَّيخ\".","vol":"2","page":177},{"text":"وقال أبو بكر بن أبي شيبة (^٩٨١): حدَّثنا عبد الرحيم بن سليمان، عن أشعث بن سوار، عن عكرمة، عن ابن عباس قال [¬١]: نزلت هذه الآية ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ في الشيخ الكبير الذي لا يطيق الصوم ثم ضعف، فرخص له أن يطعم مكان كل يوم مسكينًا.\nوقال الحافظ أبو بكر بن مردويه (^٩٨٢): حدَّثنا محمَّد بن أحمد، حدَّثنا الحسين [¬٢] بن محمَّد بن بِهرام المحرمي، حدَّثنا وهب بن بقية، حدَّثنا خالد بن عبد الله، عن ابن أبي ليلى قال: دخلت على عطاء في رمضان وهو يأكل فقال: قال ابن عباس: نزلت هذه الآية ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ فكان من شاء صام ومن شاء أفطر وأطعم مسكينًا، ثم نزلت هذه الآية فنسخت الأولى، إلَّا الكبير الثَّاني إن شاء أطعم عن كل يوم مسكينًا وأفطر.\nفحاصل الأمر أن النسخ ثابت في حق الصَّحيح المقيم بإيجاب الصيام عليه، لقوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾، وأمَّا الشَّيخ الفاني الهرم [¬٣] الذي لا يستطيع الصيام فله [¬٤] أن يفطر ولا قضاء عليه؛ لأنَّه ليست له حال يصير إليها يتمكن فيها من القضاء، ولكن هل يجب عليه [إذا أفطر] [¬٥] أن يطعم عن كل يوم مسكينًا إِذا كان ذا جِدة؟ فيه قولان للعلماء: أحدهما: لا يجب عليه إطعام؛ لأنَّه ضعيف عنه لسنه فلم يجب عليه فدية كالصبي؛ لأنّ الله لا يكلف نفسًا إلَّا وسعها، وهو أحد قولي الشَّافعي، والثَّاني: وهو الصَّحيح وعليه أكثر العلماء: أنَّه يجب عليه فدية عن كل يوم كما فسره ابن عباس، وغيره من السلف على قراءة من قرأ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ أي يتجشمونه، كما قاله ابن مسعود وغيره، وهو اختيار البُخاريّ فإنَّه قال: وأمَّا الشَّيخ الكبير إذا لم يطلق الصيام، فقد أطعم أنس بعد ما كبر عامًا أو عامين عن [¬٦] كل يوم مسكينًا خبزًا ولحمًا وأفطر (^٩٨٣).\nوهذا الذي علقه البُخاريّ قد أسنده الحافظ أبو يعلى الموصلى في \"مسنده\"، فقال (^٩٨٤):\n_________\n(^٩٨١) - أشعث بن سوار: ضعيف أخرج له مسلم في المتابعات.\n(^٩٨٢) - الحسين بن محمَّد: ثقة. وكذلك وهب بن بقية.\n(^٩٨٣) البخاري في التفسير، باب: ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا. ..﴾ قبل رقم (٤٥٠٥).\n(^٩٨٤) مسند أبي يعلى (٧/ ٢٠٤)، وقال الهيثمي في المجمع (٣/ ١٦٤): \"رجاله رجال الصحيح\" لكنَّه منقطع.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- في خ: \"الحسن\"، وفي ز: \"الحسنى\".\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- سقط من: ز، خ.","vol":"2","page":178},{"text":"حدَّثنا عُبَيد الله بن معاذ، حدَّثنا أبي، حدَّثنا عمران، عن أيوب بن أبي تميمة قال: ضعف أنس عن الصوم، فصنع جفنة من تريد فدعا ثلاثين مسكينًا فأطعمهم.\nورواه عبد بن حميد: عن روح بن عبادة، عن عمران -وهو ابن حُدَير [¬١]- عن أيوب، به.\nورواه عبد -أيضًا-: من حديث ستة من أصحاب أنس [عن أنس] [¬٢] بمعناه.\nومما يلتحق بهذا المعنى الحامل والمرضع، إذا خافتا على أنفسهما أو ولديهما، ففيهما خلاف كثير بين [¬٣] العلماء، فمنهم من قال: يفطران ويفديان، ويقضيان. وقيل: يفديان فقط ولا قضاء. وقيل: يجب القضاء بلا فدية. وقيل: يفطران ولا فدية، ولا قضاء. وقد بسطنا هذه المسألة مستقصاة في كتاب الصيام الذي أفردناه. ولله الحمد والمنة.\n﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٨٥)\nيمدح تعالى شهر الصيام من بين سائر الشهور، بأن اختاره من بينهن [¬٤] لإنزال القرآن العظيم فيه، وكما اختصه بذلك قد ورد الحديث بأنه الشهر الذي كانت الكتب الإلهية تنزل فيه على الأنبياء.\nقال الإمام أحمد بن حنبل ﵀ (^٩٨٥) -: حدَّثنا أبو سعيد مولى بني هاشم، حدَّثنا عمران أبو العوام، عن قتادة، عن أبي المليح، عن واثلة -يعني ابن الأسقع- أن رسول الله ﷺ قال: \"أنزلت صحف إبراهيم في أوّل ليلة في [¬٥] رمضان، [وأنزلت التوراة لست مضين من رمضان] [¬٦] والإِنجيل لثلاث عشرة خلت من رمضان، وأنزل الله\n_________\n(^٩٨٥) المسند ١٧٠٣٤ - (٤/ ١٠٧). ورواه البيهقي في الكبرى (٩/ ١٨٨). والطبراني في الكبير رقم ١٨٥ - (٢٢/ ٧٥). ورواه ابن أبي حاتم ١٦٤٩ - (١/ ٣١٠). وابن جرير ٢٨١٤ - (٣/ ٤٤٦).\n_________\n[¬١]- في خ: \"جدير\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٣]- في ز: \"من\".\n[¬٤]- في ز، خ: \"بينهم\".\n[¬٥]- في ز، خ: \"من\".\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"2","page":179},{"text":"القرآن لأربع وعشرين خلت من رمضان\".\nوقد روي من حديث جابر بن عبد الله وفيه: أنَّ الزبور أنزل [¬١] لثنتي عشرة خلت من رمضان، والإِنجيل لثماني عشرة، والباقي كما تقدم، رواه ابن مردويه.\nوأمَّا الصحف والتوراة والزبور والإنجيل، فنزل كل منها على النَّبيِّ الذي أنزل عليه جملة واحدة، وأمَّا القرآن فإنَّما نزل جملة واحدة إلى بيت العزة من السماء الدُّنيا، وكان ذلك في شهر رمضان، في ليلة القدر منه، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيلَةِ الْقَدْرِ﴾، وقال: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾، ثم نزل بعدُ مفرقًا بحسب الوقائع على رسول الله ﷺ.\nهكذا روى من غير وجه، عن ابن عباس، كما قال إسرإئيل: عن السدي، عن محمَّد بن أبي المجالد، عن مقسم عن ابن عباس: أنَّه سأل [¬٢] عطية بن الأسود، فقال: وقع في قلبي الشك من [¬٣] قول الله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾، وقوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾، وقوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيلَةِ الْقَدْرِ﴾، وقد أنزل في شوّال، وفي ذي القعدة، وفي ذي الحجة، وفي المحرّم، وصفر، وشهر ربيع. فقال ابن عباس: إنَّه أنزل في رمضان في ليلة القدر وفي ليلة مباركة جملة واحدة، ثم أنزل على مواقع النجوم ترتيلًا في الشهور والأيام. رواه ابن أبي حاتم (^٩٨٦) وابن مردويه، وهذا لفظه.\nوفي رواية سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: أنزل القرآن في النصف من شهر رمضان إلى سماء الدُّنيا فجعل في بيت العزة، ثم أنزل على رسول الله ﷺ في عشرين سنة؛ لجواب كلام النَّاس.\nوفي رواية عكرمة، عن ابن عباس، قال: نزل القرآن في شهر رمضان في ليلة القدر إلى هذه السماء الدُّنيا جملة واحدة، وكان الله يحدث لنبيه ما يشاء، ولا يجيء المشركون بمثل يخاصمون به إلَّا جاءهم الله بجوابه، وذلك قوله: ﴿وَقَال الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ [¬٤] عَلَيهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا * وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إلا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾.\nوقوله: ﴿هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ هذا مدح للقرآن الذي أنزله الله هدى\n_________\n(^٩٨٦) - ابن أبي حاتم ١٦٥٠ - (١/ ٣١٠). وابن جرير ٢٨٢٢ - (٣/ ٤٤٨).\n_________\n[¬١]- في ز: \"نزل\".\n[¬٢]- في ز: \"سألة\".\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- في ز: \"أنزل\".","vol":"2","page":180},{"text":"لقلوب العباد ممن آمن به وصدقه واتبعه ﴿وبينات﴾ أي: ودلائل وحجج بينة، واضحة، جلية لمن فهمها وتدبرها، دالة على صحة ما جاء به من الهدى المنافي [¬١] للضلال، والرشد المخالف للغي [¬٢]، ومفرقًا بين الحق والباطل، والحلال والحرام.\nوقد روي عن بعض السلف: أنه كره أن يقال إلا: \"شهر رمضان\" ولا يقال: \"رمضان\".\nقال ابن أبي حاتم (^٩٨٧): حدثنا أبي، حدثنا محمد بن بكار بن الريان، حدثنا أبو معشر، عن محمد بن كعب القُرَظي وسعيد -هو المقبري- عن أبي هريرة قال: لا تقولوا: رمضان، فإنّ رمضان اسم من أسماء الله تعالى [¬٣]، ولكن قولوا: شهر رمضان.\nقال ابن أبي حاتم: وقد روي عن مجاهد، ومحمد بن كعب نحو ذلك، ورخص فيه ابن عباس، وزيد بن ثابت،\n(قلت): أبو معشر: هو نجيح بن عبد الرحمن المدني إمام المغازي والسير، ولكن فيه ضعف، وقد رواه ابنه محمد عنه، فجعله مرفوعًا، عن أبي هريرة، وقد أنكره عليه الحافظ بن عدي [¬٤] وهو جدير بالإنكار، فإنه متروك، وقد وهم في رفع هذا الحديث، وقد انتصر البخاري ﵀ في كتابه لهذا فقال: \"باب يقال رمضان\" (^٩٨٨)، وساق أحاديث [في ذلك] [¬٥] منها: \"من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه\" (^٩٨٩) ونحو ذلك.\nوقوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ هذا إيجاب حَتْمٍ على من شهد استهلال الشهر -أي: كان مقيمًا في البلد حين [¬٦] دخل شهر رمضان، وهو صحيح في بدنه- أن يصوم لا محالة، ونسخت هذه الآية الإباحة [¬٧] المتقدمة لمن كان صحيحًا مقيمًا أن يفطر، ويفدي بإطعام مسكين عن كل يوم، كما تقدم بيانه. ولما حتَّم الصيام أعاد ذكر الرخصة\n_________\n(^٩٨٧) - رواه ابن أبي حاتم ١٦٤٨ - (١/ ٣١٠).\n(^٩٨٨) الترجمة في الصحيح (٤/ ١١٢): \"باب هل يقال رمضان أو شهر رمضان، ومن رأى كله واسعًا\".\n(^٩٨٩) - رواه البخاري في الإيمان، باب: صوم رمضان احتسابًا من الإيمان برقم (٣٨) ورواه برقم (١٩١٠، ٢٠١٤).\n_________\n[¬١]- في ز: \"النافي\".\n[¬٢]- في ز: \"للعمسي\".\n[¬٣]- سقط من: خ.\n[¬٤]- مكانها بياض في ز، خ.\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- في ز: \"حتى\".\n[¬٧]- في ز: \"للإباحة\".","vol":"2","page":181},{"text":"للمريض والمسافر [¬١] في الإِفطار، بشرط القضاء فقال: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ معناه: ومن كان به مرض في بدنه يشق عليه الصيام معه، أو يؤذيه، أوكان على سفر أي: في حال السفر [¬٢]، فله أن يفطر فإذا أفطر فعليه عدة [¬٣] ما أفطره في السفر من الأيام، ولهذا قال: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ أي: إنما رخص لكم في الفطر في حال المرض وفي السفر مع تحتمه في حق المقيم الصحيح، تيسيرًا [¬٤] عليكم ورحمة بكم.\nوهاهنا مسائل تتعلق بهذه الآية:\n(إحداها [¬٥]: أنه قد ذهب طائفة من السلف إلى أن من كان مقيمًا في أول الشهر، ثم سافر في أثنائه فليس له الإفطار بعذر السفر والحالة هذه لقوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾. وإنما يباح الإفطار لمسافر استهل الشهر وهو مسافر. وهذا القول غريب نقله أبو محمد بن حزم في كتابه المحلى، عن جماعة من الصحابة والتابعين. وفيما حكاه عنهم نظر، والله أعلم. فإنه قد ثبتت [¬٦] السنة عن رسول الله ﷺ أنه خرج في شهر رمضان لغزوة الفتح، فصام [¬٧] حتى بلغ الكديد، ثم أفطر وأمر الناس بالفطر، أخرجه صاحبا الصحيح (^٩٩٠).\n(الثانية) ذهب آخرون من الصحابة والتابعين إلى وجوب الإفطار في السفر لقوله: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾، والصحيح قول الجمهور؛ أن الأمر في ذلك على التخيير وليس بحتم؛ لأنهم كانوا يخرجون مع رسول الله ﷺ في شهر رمضان قال: فمنا الصائم ومنا المفطر، فلم يعب الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم (^٩٩١). فلو كان الإفطار هو الواجب لأنكر عليهم الصيام، بل الذي ثبت من فعل رسول الله ﷺ أنه كان في مثل هذه الحالة [¬٨] صائمًا لما ثبت في الصحيحين (^٩٩٢) عن أبي الدرداء قال [¬٩]:\n_________\n(^٩٩٠) البخاري في الصوم، باب: إذا صام أيامًا من رمضان ثم سافر برقم (١٩٤٤) وأطرافه (١٩٤٨، ٢٩٥٤، ٤٢٧٥، ٤٢٧٦، ٤٢٧٨، ٤٢٧٩)، ومسلم في الصيام برقم (١١١٣).\n(^٩٩١) رواه البخاري في الصوم من حديث أنس بن مالك، باب: لم يعب أصحاب النبي ﷺ بعضهم بعضًا في الصوم ومسلم في الصيام من صحيحه برقم (١١١٨).\n(^٩٩٢) البخاري في الصوم، باب: إذا صام أيامًا من رمضان ثم سافر برقم (١٩٤٥)، ومسلم في الصيام برقم (١١٢٢).\n_________\n[¬١]- في ز: \"والمسافر\".\n[¬٢]- في ز: \"سفر\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"بعدة\".\n[¬٤]- في ز: \"تيسرًا\".\n[¬٥]- في ز: \"أحدهما\".\n[¬٦]- في ز: \"ثبت\".\n[¬٧]- في ت: \"فسار\".\n[¬٨]- في ز: \"الحال\".\n[¬٩]- سقط من: ز، خ.","vol":"2","page":182},{"text":"خرجنا مع رسول الله ﷺ [في شهر رمضان] [¬١] في حر شديد حتى إن كان أحدنا ليضع يده على رأسه [من شدّة الحر] [¬٢]، وما فينا صائم إلا رسول الله ﷺ وعبد الله بن رواحة.\n(الثالثة) قالت [¬٣] طائفة منهم الشافعي: الصيام في السفر أفضل من الإفطار [لفعل النبي ﷺ كما تقدم، وقالت [¬٤] طائفة: بل الإفطار أفضلَ] [¬٥] أخذًا بالرخصة ولما ثبت عن رسول الله ﷺ أنه سئل عن الصوم في السفر؛ فقال: \"من أفطر فحسن، ومن صام فلا جناح عليه\" (^٩٩٣)، وقال في حديث آخر: \"عليكم برخصة الله التي رخص لكم\" (^٩٩٤)، وقالت طائفة: هما سواء لحديث عائشة؛ أن حمزة بن عمرو الأسلمي قال: يا رسول الله؛ إني كثير الصيام أفأصوم في السفر؟ قال [¬٦] \"إن شئت فصم، وإن شئت فأفطر\" (^٩٩٥). وهم في الصحيحين، وقيل: إن شق الصيام فالإفطار أفضل، لحديث جابر أن رسول الله ﷺ رأى رجلًا قد ظلل عليه فقال: \"ما هذا\"؟ قالوا: صائم، فقال: \"ليس من البر الصيام في السفر\"، أخرجاه (^٩٩٦)، فأمّا إن رغب عن السنة، ورأى أن الفطر مكروه إليه، فهذا يتعين عليه الإفطار ويحرم عليه الصيام والحالة هذه، لما جاء في مسند الإمام أحمد وغيره، عن ابن عمر وجابر وغيرهما: من لم يقبل رخصة الله كان عليه من الإِثم مثل جبال عرفة (^٩٩٧).\n(الرابعه) القضاء هل يجب متتابعًا، أو يجوز فيه التفريق؟ فيه قولان: (أحدهما) أنه يجب التتابع؛ لأن القضاء يحكي الأداء (والثاني) لا يجب التتابع بل إن شاء فرّق وإن\n_________\n(^٩٩٣) - رواه الدارقطني وصححه عن حموة بن عمرو الأسلمي.\n(^٩٩٤) - رواه النسائي في الصوم، باب: العلة التي من أجلها قيل ذلك وذكر الاختلاف … (٢٢٥٨) من حديث جابر بن عبد الله.\n(^٩٩٥) رواه البخاري في الصوم برقم (١٩٤٢، ١٩٤٣) ومسلم في الصيام برقم (١١٢١).\n(^٩٩٦) البخاري من حديث جابر في الصوم برقم (١٩٤٦)، ومسلم في الصوم برقم (١١١٥).\n(^٩٩٧) حديث ابن عمر في المسند (٢/ ٧١) (٥٣٩٢) وفي إسناده ابن لهيعة وهو ضعيف، وشيخه أبو طعمة -قال الحافظ: مقبول-. وحديث جابر لم نقف عليه.\nوقد روى من حديث عقبة عامر، رواه أحمد (٤/ ١٥٨) وفي إسناده أيضًا ابن لهيعة، وشيخه رزيق الثقفي: مجهول.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في ز: \"قال\".\n[¬٤]- في ز: \"قال\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٦]- في ز: \"فقال\".","vol":"2","page":183},{"text":"شاء تابع، وهذا قول جمهور السلف والخلف، وعليه ثبتت الدلائل؛ لأن التتابع إنما وجب في الشهر، لضرورة أدائه في الشهر، فأمّا بعد انقضاء رمضان فالمراد صيام أيام عدّة ما أفطر، ولهذا قال تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾، ثم قال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾، قال الإمام أحمد: حدثنا أبو سلمة الخزاعي، حدثنا أبو [¬١] هلال، عن حميد بن هلال العدوي، عن أبي قتادة، عن الأعرابي الذي سمع النبي ﷺ يقول: \"إن خير دينكم أيسره، إن خير دينكم أيسره\" (^٩٩٨).\nوقال أحمد أيضًا (^٩٩٩): حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا [¬٢] عاصم بن هلال، حدثنا غاضرة [¬٣] بن عروة الفقيمي، حدثني [¬٤] أبي عروة قال: كنا ننتظر النبي ﷺ فخرج [] [¬٥] يقطر رأسه من وضوء أو غسلٍ فصلى، فلما قضى الصلاة جعل الناس يسألونه: علينا حرج [¬٦] في كذا؟ فقال رسول الله ﷺ: \"إن دين الله في يسر\" -ثلاثًا يقولها- ورواه الإِمام أبو بكر بن مردويه في تفسير هذه الآية: من حديث مسلم بن إبراهيم، عن عاصم بن هلال، به.\nوقال الإمام أحمد (^١٠٠٠): حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، قال: [] [¬٧] حدثنا أبو التياح، سمعت أنس بن مالك يقول: إن رسول الله ﷺ قال: \"يسروا ولا تعسروا، وسكنوا ولا تنفروا\"، أخرجاه في الصحيحين.\n_________\n(^٩٩٨) رواه أحمد في المسند برقم ١٥٩٨٢ - (٣/ ٤٧٩) ومن حديث محجن بن الأدرع برقم ١٩٠٣٠ - (٤/ ٣٣٨) و٢٠٣٩٨، ٢٠٤٠٠ - (٥/ ٣٢). وفي إسناده رجاء بن أبي رجاء، ورواه الطبراني في المعجم الكبير (٢٠/ ٢٩٧ / ح ٧٠٤). وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ٣١١)، وقال: رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح خلا رجاء، وقد وثقه ابن حبان، ورجاء: قال الحافظ: مقبول.\n(^٩٩٩) إسناده ضعيف. عاصم بن هلال: قال في التقريب: فيه لين. وغاضرة: قال ابن المديني: مجهول. وذكره ابن حبان في ثقاته. والحديث في المسند ٢٠٧٢٦ - (٥/ ٦٩) وأخرجه الطبراني في الكبير (١٧/ ١٤٦، ١٤٧ / رقم: ٣٧٢). وأبو يعلى في مسنده (١٢/ ٢٧٤ / رقم: ٦٨٦٣). وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ٦١، ٦٢) وقال: \"رواه أحمد والطبراني في الكبير وأبو يعلى، وفيه عاصم بن هلال، وثقة أبو حاتم وأبو داود، وضعفه النسائي وغيره، وغاضرة لم يرو عنه غير عاصم، هكذا ذكر المزي\".\n(^١٠٠٠) المسند ١٣١٩٩ - (٣/ ٢٠٩)، ورواه البخاري في كتاب العلم، باب: العلم قبل القول والعمل حديث ٦٩، وطرفه حديث ٦١٢٥. ورواه مسلم حديث ٨ - (١٧٣٤). والنسائي في العلم من الكبرى حديث ٥٨٩٠ - (٣/ ٤٤٩).\n_________\n[¬١]- في ز: \"ابن\".\n[¬٢]- في ز: \"أنا\".\n[¬٣]- في ز: \"عاضره\" وفي خ: عامر.\n[¬٤] ما بين المعكوفين مكررة في ز: \"حدثني\".\n[¬٥]- في ز: خ: رجل.\n[¬٦]- في ز: \"خرج\".\n[¬٧]- في ز، خ: قال.","vol":"2","page":184},{"text":"وفي الصحيحين (^١٠٠١) أيضًا [¬١]: أن رسول الله، ﷺ، قال لمعاذ وأبي موسى حين بعثهما إلى اليمن: \"بشرا، ولا تنفرا، ويسرا، ولا تعسرا، وتطاوعا، ولا تختلفا\".\nوفي السنن، والمسانيد: أن رسول الله ﷺ قال: \"بعثت بالحنيفية السمحة\" (^١٠٠٢).\nوقال الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسيره: حدثنا عبد الله بن إسحاق بن إبراهيم، حدثنا يحيى بن أبي طالب، حدثنا عبد الوهاب بن عطاء، حدثنا أبو مسعود الجريري [¬٢]، عن عبد الله بن شقيق، عن محجن [¬٣] بن الأدرع: أن رسول الله ﷺ رأى رجلًا يصلي [فترآه ببصره] [¬٤] ساعة فقال: \"أتراه يصلي صادقًا؟ \"، قال: قلت: يا رسول الله هذا أكثر أهل المدينة صلاة، فقال رسول الله ﷺ: \"لا تسمعه فتهلكه\"، وقال: \"إن الله إنما [¬٥] أراد بهذه الأمة اليسر ولم يرد بهم العسر\" (^١٠٠٣).\nومعنى قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ﴾ أي إنما أرخص لكم في الإفطار للمرض والسفر، ونحوهما من الأعذار؛ لأرادته بكم اليسر، وإنما أمركم بالقضاء لتكملوا عدة شهركم.\nوقوله: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ أي ولتذكروا الله عند انقضاء عبادتكم كما قال: ﴿فَإِذَا قَضَيتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾، وقال: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠)﴾، وقال: ﴿وَسَبِّحْ [¬٦] بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ* ومن\n_________\n(^١٠٠١) البخاري في كتاب المغازي، باب: بعث أبي موسى ومعاذ إلى اليمن قبل حجة الوداع برقم (٤٣٤١، ٤٣٤٢، ٤٣٤٥)، ومسلم في الجهاد والسير برقم ٧ - (١٧٣٣).\n(^١٠٠٢) - رواه الإمام أحمد ٢٢٣٩١ - (٥/ ٢٦٦)، والطبراني في الكبير ٧٨٦٨ - (٨/ ٢٥٧) كلاهما من حديث علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة في حديث طويل. وأورده الهيثم في مجمع الزوائد (٥/ ٢٧٩) وعزاه لأحمد والطبراني في الكبير، وقال: وفيه علي بن يزيد الألهاني وهو ضعيف.\n(^١٠٠٣) ورواه أحمد في المسند ٢٠٣٩٨، ٢٠٣٩٩، ٢٠٤٠٠ - (٥/ ٣٢) من طرق عن عبد الله بن شقيق عن محجن نحوه.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- في ز، خ: \"الحريري\".\n[¬٣]- في ز: \"محجر\".\n[¬٤]- في ز: \"فتراه بصره\".\n[¬٥]- سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- في ز: \"فسبح\".","vol":"2","page":185},{"text":"اللَّيلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾، ولهذا جاءت السنة باستحباب التسبيح، والتحميد، والتكبير بعد الصلوات المكتوبات.\nوقال ابن عباس: ما كنا نعرف انقضاء صلاة رسول الله ﷺ إلا بالتكبير، ولهذا أخذ كثير من العلماء مشروعية التكبير في عيد الفطر من هذه الآية: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾، حتى ذهب داود بن علي الأصبهاني الظاهري إلى وجوبه في عيد الفطر؛ لظاهر الأمر في قوله: ﴿ولتكبروا الله [على ما هداكم] [¬١]﴾، وفي مقابلته مذهب أبي حنيفة ﵀ أنه لا يشرع التكبير في عيد الفطر، والباقون على استحبابه على اختلاف في تفاصيل بعض الفروع بينهم.\nوقوله: ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ أي إذا قمتم بما أمركم الله من طاعته [¬٢] بأداء فرائضه، وترك محارمه، وحفظ حدوده، فلعلكم أن تكونوا من الشاكرين بذلك.\n﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (١٨٦)﴾\nقال ابن أبي حاتم (^١٠٠٤): حدثنا أبي [حدثنا] [¬٣] يحيى بن المغيرة، أخبرنا جرير، عن عبدة بن أبي برزة السجستاني [¬٤]، عن الصُلْب [¬٥] بن حكيم بن معاوية بن حيدة القشيري، عن أبيه، عن جده، أن أعرابيًّا قال: يا رسول الله صلى الله عليك وسلم أقريب ربنا فنناجيه، أم بعيد [فنناديه؟ فسكت النبي ﷺ] [¬٦] فأنزل الله: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ [فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي﴾ إذا أمرتهم أن يدعوني فدعوني استجبت\". ورواه ابن جرير: عن محمد بن حميد الرازي، عن جرير به] [¬٧].\nورواه ابن مردويه، وأبو الشيخ الأصبهاني: من حديث محمد بن أبي حميد، عن جرير به.\nوقال ابن الرزاق (^١٠٠٥) أخبرنا جعفر بن سليمان، عن عوف، عن الحسن قال: سأل أصحاب رسول الله ﷺ [النبي ﷺ] [¬٨]: أين ربنا؟\n_________\n(^١٠٠٤) ورواه ابن جرير في تفسيره (٣/ ٤٨٠) من طريق جرير به.\n(^١٠٠٥) ورواه ابن جرير في تفسيره (٣/ ٤٨١) من طريق عبد الرزاق به.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في ز، خ: \"طاعاته\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من خ.\n[¬٤]- في ز، خ: \"السختياني\".\n[¬٥]- في ز، خ: الصلت وهو تصحيف، وفي المؤتلف والمختلف (٣/ ١٤٣٠).\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين سقط من: ر، خ.\n[¬٨]- ما بين المعكوفتين سقط من: ت.","vol":"2","page":186},{"text":"فأنزل الله ﷿: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ الآية.\nوقال ابن جريج: عن عطاء أنه بلغه لما نزلت: ﴿وقال ربكم ادعوني أستجب لكم﴾ قال الناس [لو نعلم] [¬١]: أي ساعة ندعو؟ فنزلت ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾.\nوقال الإمام أحمد (^١٠٠٦): حدَّثنا عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي، حدَّثنا خالد الحذاء، عن أبي عثمان النهدي، عن أبي موسى الأشعري قال: كنا مع رسول الله ﷺ في غزوة [¬٢]، فجعلنا لا نصعد شرفًا، ولا نعلو شرفًا، ولا نهبط واديًا إلا رفعنا أصواتنا بالتكبير، قال: فدنا منا فقال: \"يا أيها الناس اربعوا [¬٣] على أنفسكم، فإنكم لا تدعون أصم، ولا غائبًا، إنما تدعون سميعًا بصيرًا، إن الذي تدعون أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته، يا عبد الله بن قيس، ألا أعلمك كلمة من كنوز الجنة؟ لا حول ولا قوة إلا بالله\".\nأخرجاه في الصحيحين، وبقية الجماعة من حديث أبي عثمان النهدي، واسمه عبد الرحمن ابن [مل عنه] [¬٤] بنحوه.\nوقال الإمام أحمد (^١٠٠٧): حدثنا سليمان بن داود، حدثنا [¬٥] شعبة، حدثنا قتادة، عن أنس رضي الله عن أن النبي ﷺ قال: \"يقول الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا دعاني\".\nوقال الإمام أحمد (^١٠٠٨) أيضًا [¬٦]: حدَّثنا علي بن إسحاق، أنبأنا عبد الله، أنبأنا عبد\n_________\n(^١٠٠٦) المسند ١٩٦٥٣، ١٩٥٧٧، ١٩٦٢٩ - (٤/ ٤٠٢، ٣٩٤، ٣٩٩ - ٤٠٠). وأخرجه البخاري في كتاب الجهاد، باب: ما يكره من رفع الصوت في التكبير، حديث (٢٩٩٢) وأطرافه في (٤٢٠٥، ٦٣٨٤، ٦٤٠٩، ٦٦١٠، ٨٣٨٦). ومسلم في كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب: استحباب خفض الصوت بالذكر، حديث ٤٤: ٤٧ - (٢٧٠٤).\n(^١٠٠٧) المسند ١٣٢١٦ - (٣/ ٢١٠). ورواه البخاري في التوحيد، باب: ذكر النبي ﷺ وروايته عن ربه (٧٥٣٦)، من طريق شعبة عن قتادة عن أنس.\n(^١٠٠٨) كريمة بنت أبي حسحاس: قال الحافظ في التقريب: ثقة. وقال الذهبي في الميزان (٤/ ٦٠٩): تفرد عنها إسماعيل بن أبي المهاجر. وذكرها ابن حبان في الثقات، وإسماعيل ثقة روى له الشيخان. =\n_________\n[¬١]- في ز: \"له تعلم\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"غزاة\".\n[¬٣]- أي أرفقوا بأنفسكم، واخفضوا أصواتكم.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين في خ: \"زيد\"، وفي ز: \"بياض\".\n[¬٥]- في خ: \"عن\".\n[¬٦]- سقط من: ز.","vol":"2","page":187},{"text":"الرحمن بن يزيد بن جابر، حدَّثنا إسماعيل بن عبيد [¬١] الله، عن كريمة بنت [] [¬٢] حسحاس [¬٣] المزنية [¬٤] قالت: حدَّثنا أبو هريرة: أنه سمع رسول الله صلى الله عليه رسلم يقول: \"قال الله تعالى [¬٥]: أنا مع عبدي ما ذكرني وتحركت بي شفتاه\".\n(قلت): وهذا كقوله تعالى: ﴿إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون﴾، كقوله [¬٦] لموسى وهارون ﵉: ﴿إنني معكما أسمع وأرى﴾، والمراد من هذا أنه تعالى لا يخيب دعاء داعٍ، ولا يشغله عنه شيء، بل هو سميع الدعاء، ففيه [¬٧] ترغيب في الدعاء، وأنه لا يضيع لديه تعالى، كما قال [¬٨] الإمام أحمد (^١٠٠٩):\nحدَّثنا يزيد، حدثنا رجل، أنه سمع أبا عثمان- وهو [¬٩] النهدي- يحدّث عن سلمان- يعني الفارسي ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: \"إن الله تعالى ليستحي [¬١٠] أن يبسط العبد إليه يديه يسأله فيهما خيرًا فيردهما خائبتين\" - قال يزيد: سموا لي هذا الرجل فقالوا: جعفر بن ميمون.\nوقد رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة من حديث جعفر بن ميمون صاحب الأنماط به، وقال\n_________\n= وكذلك عبد الرحمن بن يزيد بن جابر. والحديث في المسند (٢/ ٥٤٠). ورواه ابن حبان (٨١٥) من حديث أيوب بن سويد، عن الأوزاعي، عن إسماعيل له.\nورواه أحمد (٢/ ٥٤٠)، وابن ماجه في الأدب، باب: فضل الذكر (٣٧٩٢) عن محمد بن مصعب، والبغوي في شرح السنة (١٢٤٢) والحاكم (١/ ٤٩٦). كلهم من طريق الأوزاعي، عن إسماعيل بن عبيد الله، عن أم الدرداء، عن أبي هريرة وصححه الحاكم.\nوعلقه البخاري في التوحيد (١٣/ ٤٩٩) ووصله في خلق أفعال العباد (ص ٨٧).\nوقال البوصيري: في إسناده محمد بن مصعب القرقساني، قال فيه صالح بن محمد: ضعيف. لكن رواه ابن حبان في صحيحه من طريق أيوب بن سويد عن الأوزاعي أيضًا، وأيوب بن سويد ضعيف.\n(^١٠٠٩) المسند ٢٣٨٢١ - (٥/ ٤٣٨). وأخرجه أبو داود في كتاب الصلاة، باب: الدعاء (رقم: ١٤٨٨). والترمذي في كتاب الدعوات، باب: رقم (١٠٥) (رقم: ٣٥٥٦). وقال: هذا حديث حسن غريب. وابن ماجة في كتاب الدعاء، باب: رفع اليدين في الدعاء (رقم: ٣٨٦٥). كلهم من طريق جعفر بن ميمون به.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"عبد\".\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- في ت: \"خشخاش\".\n[¬٤]- في ز: \"المدينية\".\n[¬٥]- سقط من: خ.\n[¬٦]- في خ: \"قوله\".\n[¬٧]- في ز: \"وفيه\".\n[¬٨]- في ز: \"وقال\".\n[¬٩]- في ز: \"هو\".\n[¬١٠]- في ز: \"ليستحيي\".","vol":"2","page":188},{"text":"الترمذي: حسن غريب، ورواه بعضهم ولم يرفعه.\nو[¬١] قال الشيخ الحافظ أبو الحجاج المزي [¬٢] ﵀ في أطرافه (^١٠١٠): وتابعه أبو همام محمد بن الزبرقان عن سليمان التيمي عن أبي عثمان النهدي به.\nوقال الإمام [¬٣] أحمد أيضًا (^١٠١١): حدَّثنا أبو عامر، حدَّثنا علي عن [¬٤] أبي المتوكل الناجي، عن أبي سعيد: أن النبي ﷺ قال: \"ما من مسلم يدعو الله ﷿ بدعوة ليس فيها إثم، ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث خصاله: إمّا أن يعجل له دعوته، وإما أن يدخرها له في الآخرة، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها\"، قالوا: إذًا نكثر [¬٥]، قال: \"الله أكثر\".\nوقال عبد الله بن الإمام أحمد (^١٠١٢): حدثنا إسحاق بن منصور الكوسج، أنبأنا محمد بن يوسف، حدَّثنا ابن [¬٦] ثوبان، عن أبيه، عن مكحول، عن جبير بن نفير، أن عبادة بن الصامت حدثهم: أن النبي ﷺ قال: \"ما على ظهر الأرض من رجل مسلم يدعو الله ﷿ بدعوة إلا آتاه الله إياها، أو كف عنه من السوء مثلها، ما لم يدع بإثم، أو قطيعة رحم\".\n_________\n(^١٠١٠) تحفة الأشراف (٤/ ٢٩).\n(^١٠١١) صحيح- والحديث في المسند ١١١٤٧ - (٣/ ١٨). وأخرجه البخاري في الأدب المفرد- (٧١٠). وابن أبي شيبة في المصنف -كتاب الدعاء، باب: في فضل الدعاء - (٤) - (٧/ ٢٤). وعنه عبد بن حميد في المنتخب - (٩٣٧). وأبو يعلى في مسنده - (١٠١٩) - (٢/ ٢٩٦). والحاكم في المستدرك - (١/ ٤٩٣)، وابن عبد البر في التمهيد - (٥/ ٣٤٣، ٣٤٤). من طرق عن علي بن علي الرفاعي به. وقال الحاكم: صحيح الإسناد إلا أن الشيخين لم يخرجاه عن علي بن علي الرفاعي ووافقه الذهبي. وذكره الهيثمي في \"المجمع\" - (١٠/ ١٥١ - ١٥٢) وقال: رواه أحمد وأبو يعلى بنحوه والبزار والطبراني في الأوسط، ورجال أحمد وأبي يعلى، وأحد إسنادي البزار رجاله رجال الصحيح غير علي بن علي الرفاعي وهو ثقة. وأخرجه الطبراني في الأوسط (٤٣٦٨) وفي \"الصغير\" - (٢/ ٩٢) من طريق سعيد بن بشير عن قتادة عن أبي المتوكل الناجي به. وهذا إسناد ضعيف؛ لضعف سعيد بن بشير لاسيما في قتادة، وعنعنة قتادة وهو معروف بالتدليس.\n(^١٠١٢) رواه عبد الله في زوائده على المسند (٥/ ٣٢٩). وابن ثوبان هو عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان: صدوق يخطئ وتغير بأخرة. ورواه الترمذي في الدعوات، باب: في انتظار الفرج (٣٥٦٨). ورواه الطبراني في الدعاء مطولًا برقم (٨٦)، وفيه مسلمة بن علي: متروك. وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ١٤٧) وعزاه إلى أحمد والترمذي والطبراني في الأوسط (١٤٧).\n_________\n[¬١]- زيادة من: ز، خ.\n[¬٢]- في ز، خ: \"المزني\".\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- في خ: \"بن\".\n[¬٥]- في خ: \"يكثر\".\n[¬٦]- في ز، خ: \"أبو\".","vol":"2","page":189},{"text":"ورواه الترمذي: عن عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، عن محمد بن يوسف الفريابي، عن ابن ثوبان -وهو عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان- به، وقال: حسن صحيح غريب من هذا الوجه.\nوقال الإمام مالك (^١٠١٣): عن ابن شهاب، عن أبي عبيد مولى ابن أزهر، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: \"يستجاب لأحدكم ما لم يعجل، يقول: دعوت فلم يستجب لي\".\nأخرجاه في الصحيحين من حديث مالك به، وهذا لفظ البخاري ﵀، وأثابه الجنة.\nوقال مسلم [في صحيحه] [¬١] (^١٠١٤): حدثني أبو الطاهر، حدَّثنا ابن وهب، أخبرني معاوية بن صالح، عن ربيعة بن يزيد، عن أبي إدريس الخولاني، عن أبي هريرة عن النبي، ﷺ، أنه قال: \"لا يزال يستجاب للعبد ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم، ما لم يستعجل\"، قيل: يا رسول الله و[¬٢] ما الاستعجال؟ قال: \"يقول قد دعوت، وقد دعوت، فلم أر يستجاب لي، فيستحسر [¬٣] عند ذلك، ويترك الدعاء\".\nوقال الإمام أحمد (^١٠١٥): حدثنا عبد الصمد، حدثنا أبو [¬٤] هلال، عن قتادة، عن أنس أن رسول الله، ﷺ، قال: \"لا يزال العبد بخير [¬٥] ما لم يستعجل\"، قالوا: وكيف يستعجل؟ قال: \"يقول قد دعوت ربي فلم يستجب لي\".\nوقال الإمام [¬٦] أبو جعفر الطبري في تفسيره: حدّثني يونس بن عبد الأعلى، حدَّثنا ابن وهب، حدَّثني أبو صخر: أن يزيد بن عبد الله بن قسيط حدثه، عن عروة بن الزبير، عن\n_________\n(^١٠١٣) الموطأ (١/ ٢١٣)، وصحيح البخاري برقم (٦٨٤٠)، ومسلم في الذكر والدعاء، والتوبة والاستغفار ٩٠، ٩١ - (٢٧٣٥).\n(^١٠١٤) رواه مسلم في الذكر والدعاء، والتوبة والاستغفار برقم ٩٢ - (٢٧٣٥).\n(^١٠١٥) المسند ١٣٢٢٢، ١٣٠٣١ - (٣/ ٢١٠، ١٩٣). ورواه أبو يعلى (٥/ ٢٨٦٥) وأخرجه أبو نعيم في الحلية (٦/ ٣٠٩) من طريق الربيع، عن يزيد عن أنس. وذكره في مجمع الزوائد (١٠/ ١٥٠) وقال: رواه أحمد وأبو يعلى بنحوه والبزار والطبراني في الأوسط وفيه أبو هلال الراسبي وهو ثقة وفيه خلاف، وبقية رجال أحمد وأبي يعلى رجال الصحيح.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في: ز \"أيضًا\".\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- يقال: حسر واستحسر: إذا أعيا وانقطع عن الشيء والمراد هنا أنه ينقطع عن الدعاء.\n[¬٤]- في ز، خ: \"ابن\".\n[¬٥]- في خ: \"حال\".\n[¬٦]- سقط من: ز.","vol":"2","page":190},{"text":"عائشة ﵂ أنها قالت: ما من عبد مؤمن يدعو الله بدعوة، فتذهب حتى تعجل [¬١] له في الدنيا، أو تؤخر [¬٢] له في الآخرة، إذا [هو] [¬٣] لم يعجل، أو يقنط، قال عروة: قلت: يا أمّاه كيف عجلته وقنوطه؟ قالا: يقول: سألت فلم أعْطَ [¬٤]، ودعوت فلم أُجَبْ.\nقال ابن قسيط: وسمعت سعيد بن المسيب قوله يقول عائشة سواء.\nوقال الإمام أحمد (^١٠١٦): حدثنا حسن، حدَّثنا ابن لهيعة، حدثنا بكر بن عمرو، عن أبي عبد الرحمن الحبلي [¬٥]، عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله ﷺ قال: \"القلوب أوعية، وبعضها أوعى من بعض، فإذا سألتم الله أيها الناس، فاسألوه، وأنتم موقنون [¬٦] بالإجابة، فإن الله لا يستجيب لعبد دعاه عن ظهر قلب غافل\".\nوقال ابن مردويه: حدثنا محمَّد بن إسحاق، عن [¬٧] أيوب، حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن أُتي بن [¬٨] نافع بن [معد يكرب] [¬٩] ببغداد، حدثني [ابن أبي] [¬١٠] نافع [حدثني أبي نافع] [¬١١] بن [معد يكرب] [¬١٢] قال: كنت أنا وعائشة سألت رسول الله ﷺ عن آية [¬١٣] ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾، قال: \"يا رب مسألة عائشة\"، فهبط جبريل فقال: \"الله يقرئك [¬١٤] السلام، هذا عبدي الصالح بالنية الصادقة، وقلبه نقي، يقول يا رب فأقول لبيك فأقضي حاجته\" (^١٠١٧).\n_________\n(^١٠١٦) إسناده ضعيف من أجل ابن لهيعة، وبكر بن عمرو ذكره ابن حبان في الثقات. وقال ابن القطان: لا تُعلم عدالته، وإنما هو من الشيوخ الذين لا يعرفون بالعلم، وإنما وقعت لهم روايات أخذت عنهم، بنحو ذلك وصفه أحمد بن حنبل، فإنه سئل عنه فقال: يُروى عنه. وسئل عنه أبو حاتم فقال: شيخ، وقال الدارقطني: يعتبر به. والحديث في المسند ٦٦٥٥ - (٢/ ١٧٧). وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ١٤٨) وقال: رواه أحمد وإسناده حسن.\n(^١٠١٧) إسناده ضعيف جدًّا، إسحاق بن إبراهيم: أورده الحافظ في لسان الميزان وقال: قال الدارقطني: دجال. قلت: نقل هذا عنه حمزة بن يوسف السهمي.\nوالحديث رواه ابن عدي. =\n_________\n[¬١]- في خ: \"يعجل\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"تدخر\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من خ.\n[¬٤]- في ز: \"أعطه\".\n[¬٥]- في خ: \"الجيلي\".\n[¬٦]- في ز، خ: \"مؤمنون\".\n[¬٧]- في ز، خ: \"بن\".\n[¬٨]- زيادة من: ز، خ.\n[¬٩]- في خ: \"مهدي كرب\".\n[¬١٠]- في ز، خ: \"أبي ابن\".\n[¬١١]- ما بين المعكوفتين زيادة من خ.\n[¬١٢]- في خ: \"مهدي كرب\".\n[¬١٣]- في ز، خ: \"الآية\".\n[¬١٤]- في ز: \"يقراوك\".","vol":"2","page":191},{"text":"وهذا [¬١] حديث غريب من هذا الوجه.\nوروى ابن مردويه: من حديث الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس [¬٢]، حدثني جابر بن عبد الله: أن النبي ﷺ قرأ ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ الآية، فقال رسول الله ﷺ: \"اللهم أمرت بالدعاء، وتوكلت بالإِجابة؛ لبيك اللهم لبيك لبيك [¬٣] لا شريك لك لبيك، إن الحب والنعمة لك، والملك لا شريك لك، أشهد أنك فرد أحد صمد، لم تلد ولم تولد، ولم يكن لك كفوًا أحد، وأشهد أن وعدك حقّ ولقاءك [¬٤] حق، والجنة حق، والنار حق والساعة آتية لا ريب فيها، وأنت تبعث من في القبور\" (^١٠١٨).\nوقال الحافظ أبو بكر البزار (^١٠١٩): وحدثنا [¬٥] الحسن بن يحيى الأرزي [¬٦]، ومحمد بن يحيى القُطَعي [¬٧] قالا: حدثنا الحجاج بن منهال، حدثنا صالح المري، عن الحسن، عن أنس: أن [¬٨] النبي، ﷺ، قال: \"يقول الله تعالى: يا ابن آدم، واحدة لك، وواحدة لي، وواحدة فيما بيني وبينك، فأما التي لي فتعبدني، لا [¬٩] تشرك بي شيئًا، وأمّا التي لك فما عملت من شيء، [أو من عمل] [¬١٠] وفقوله، وأمّا التي بيني وبينك فمنك الدعاء وعليّ الإجابة\".\n_________\n= ذكره ابن الأثير -نافع بن عمرو بن معد يكرب- في أسد الغابة (٥/ ٢٠٦) وقال: روى حديثه محمَّد بن إسحاق، عن إسحاق بن إبراهيم بن أُبَي بن نافع بن معد يكرب، عن جده أبي، عن أبيه نافع بن معد يكرب أنه قال … فذكر مثله. ثم قال ابن الأثير: أخرجه أبو موسى وقال: عند ابن إسحاق هذا، وعنذ غيره: عن إسحاق بن إبراهيم أحاديث.\n(^١٠١٨) إسناد ضعيف جدًّا: الكلبي: متروك الحديث ورواه الديلمي في مسند الفردوس برقم (١٧٩٨)، وابن أبي الدنيا في الدعاء كما في الدر المنثور (١/ ٤٧٤).\n(^١٠١٩) إسناده ضعيف، والحديث في كشف الأستار رقم (١٩) ومختصر زوائد البزار رقم (١٩) وقال البزار: تفرد به صالح المري، وصالح المري ضعفه الأئمة. ورواه أبو يعلى، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ٥١) وقال: رواه أبو يعلى والبزار، وفي إسناده صالح الري وهو ضعيف. وتدليس الحسن أيضًا. =\n_________\n[¬١]- في ز: \"هذا\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"عياش\".\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- في ز، خ: \"ولقاؤك\".\n[¬٥]- في ز: \"حدثنا\".\n[¬٦]- في خ: \"الأزدي\".\n[¬٧]- في خ: \"القطيعي\"، وفي ز: \"الطعي\" بدون نقط.\n[¬٨]- في ز، خ: \"عن\".\n[¬٩]- في خ: \"ولا\".\n[¬١٠]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"2","page":192},{"text":"وفي ذكره تعالى هذه الآية الباعثة على الدعاء متخللة بين أحكام الصيام-: إرشاد إلى الاجتهاد في الدعاء عند إكمال العدّة، بل وعند كل فطر. كما رواه الإِمام أبو داود الطيالسي في مسنده (^١٠٢٠): حدثنا أبو محمَّد المليكي، عن عمرو [-هو ابن شعيب بن محمَّد بن عبد الله بن عمرو- عن أبيه، عن جده عبد الله بن عمرو] [¬١] قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"للصائم عند إفطاره دعوة مستجابة\"، فكان عبد الله بن عمرو إذا أفطر دعا أهله وولده ودعا.\nوقال أبو عبد الله محمَّد بن يزيد بن ماجه في سننه (^١٠٢١): حدَّثنا هشام بن عمار، أخبرنا الوليد بن مسلم، عن إسحاق بن عبيد الله المدني، عن عبد الله بن أبي مليكة، عن عبد الله بن عمرو قال: قال النبي ﷺ: \"إن للصائم عند فطره لدعوة [¬٢] ما ترد\"، قال عبد الله بن أبي مليكة: سمعت عبد الله بن عمرو يقول إذا أفطر: اللهم إني أسألك برحمتك التي وسعت كل شيء أن تغفر لي.\nوفي مسند الإمام أحمد (^١٠٢٢)، وسنن [الترمذي، والنسائي] [¬٣] وابن ماجه عن أخبرنا هريرة قال: قال رسول الله، ﷺ: \"ثلاثة لا تردّ دعوتهم: الإمام العادل، والصائم حتى يفطر، ودعوة المظلوم يرفعها الله دون الغمام يوم القيامة، وتفتح [¬٤] لها أبواب السماء، ويقول بعزتي لأنصرنك ولو بعد حين\".\n﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ\n_________\n= وقد روي من حديث سلمان أورده في مجمع الزوائد (١/ ٥١) وقال: رواه الطبراني في الكبير، وفي إسناده حميد بن الربيع، وثقه غير واحد لكنه مدلس وفيه ضعف.\n(^١٠٢٠) مسند الطيالسي برقم (٢٢٦٢).\n(^١٠٢١) رواه ابن ماجه في الصوم، باب: في الصائم لا ترد دعوته برقم (١٧٥٣)، وقال البوصيري في الزوائد (٢/ ٣٨): هذا إسناد صحيح رجاله ثقات، رواه الحاكم في المستدرك (١/ ٤٢٢) عن عبد العزيز بن عبد الرحمن الدباس، عن محمَّد بن علي بن يزيد، عن الحكم بن موسى، عن الوليد، حدثنا إسحاق فذكره. ورواه البيهقي من طريق إسحاق بن عبيد الله. قال عبد العظيم المنذري في كتاب الترغيب له: وإسحاق هذا مدني لا يعرف. قلت: قال الذهبي في الكاشف: صدوق، وذكره ابن حبان في الثقات. ا هـ.\n(^١٠٢٢) المسند (٢/ ٤٤٥)، ورواه الترمذي في الدعوات، باب: سبق المفردون برقم (٣٥٩٨)، والنسائي، وابن ماجه في الصوم، باب: في الصائم لا ترد دعوته برقم (١٧٥٢).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في هامش المخطوط.\n[¬٢]- في خ: \"دعوة\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في خ: \"النسائي والترمذي\".\n[¬٤]- في ز: \"ويفتح\".","vol":"2","page":193},{"text":"عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٨٧)﴾\nهذة رخصة من الله تعالى للمسلمين، ورفع لما كان عليه الأمر في ابتداء الإِسلام، فإنه كان إذا أفطر أحدهم إنما يحل له الأكل، والشرب، والجماع إلى صلاة العشاء، أو ينام قبل ذلك، فمتى نام، أو صلّى العشاء حرم عليه الطعام والشراب والجماع إلى الليلة القابلة، فوجدوا من ذلك مشقة كبيرة، والرفث هنا هو الجماع؛ قاله ابن عباس، وعطاء، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وطاوس، وسالم بن عبد الله، وعمرو بن دينار، والحسن، وقتادة، والزهري، والضحاك، وإبراهيم النخعي، والسدّي، وعطاء الخراساني، ومقاتل بن حيان.\nوقوله: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ قال ابن عباس، ومجاهد، وسعيد بن جبير، والحسن، وقتادة، والسدّي، ومقاتل بن حيان: يعني [¬١] هن سكن لكم وأنتم سكن لهن.\nوقال الربيع بن أنس: هنّ لحاف لكم، وأنتم لحاف لهنّ، وحاصله أنّ الرجل والمرأة كل منهما. يخالط الآخر، ويماسه، ويضاجعه، فنايسب أن يرخص لهم في المجامعة في ليل رمضان لئلا يشق ذلك عليهم ويحرجوا، قال الشاعر:\nإذا ما الضجيع [ثنى جيدها] [¬٢] … تداعت فكانت عليه لباسا\nوكان السبب في نزول هذه الآية كما تقدّم في حديث معاذ الطويل، وقال أبو إسحاق: عن البراء بن عازب قال: كان أصحاب النبي ﷺ إذا كان الرجل صائمًا، فنام قبل أن يفطر لم يأكل إلى مثلها، وإن قيس بن صرمة الأنصاري كان صائمًا، وكان [¬٣] يومه ذاك [¬٤] يعمل في أرضه، فلما حضر الإفطار أتى امرأته فقال: هل عندك طعام؟ قالت: لا ولكن [¬٥] أنطق فأُطلب لك، فغلبته عينه فَنام، وجاءت امرأته فلما رأته نائمًا قال: خيبة لك! أنمت؟ فلما انتصف النهار غُشي عليه، فذكر ذلك للنبي ﷺ فنزلت هذه الآية:\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- في: خ \"مناحيدها\".\n[¬٣]- غير: \"ذلك\".\n[¬٤]- في ز: \"ذلك\".\n[¬٥]- سقط من ت.","vol":"2","page":194},{"text":"﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾، ففرحوا بها فرحًا شديدًا (^١٠٢٣).\nولفظ البخاري هاهنا من طريق أبي إسحاق سمعت البراء قال: لما نزل صوم رمضان كانوا لا يقربون النساء رمضان كله، وكان رجال يخونون أنفسهم، فأنزل الله [عليهم] [¬١]: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ﴾ (^١٠٢٤).\nوقال علي بن أبي طلحة: عن ابن عباس قال: كان المسلمون في شهر رمضان إذا صلوا العشاء حرم عليهم النساء، والطعام إلى مثلها من القابلة، ثم أن أناسًا من المسلمين أصابوا من النساء، والطعام في شهر رمضان بعد العشاء منهم عمر بن الخطاب، فشكوا ذلك إلى رسول الله صلى الله، عليه وسلم، فأنزل الله تعالى: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ الآية، وكذا روى العوفي عن ابن عباس.\nوقال موسى بن عقبة: عن كريب، عن ابن عباس قال: أن الناس كانوا قبل أن ينزل في الصوم ما نزل فيهم يأكلون، ويشربون، ويحل لهم شأن النساء، فإذ نام أحدهم لم يطعم، ولم يشرب، ولم [¬٢] يأتي أهله حتى يفطر من القابلة، فبلغنا أن عمر بن الخطاب بعد ما نام وجب عليه الصوم وقع على أهله، ثم جاء إلى النبي ﷺ فقال: أشكو إلى الله وإليك الذي صنعت قال: \"وما [¬٣] صنعت؟ \" قال: إني سولت لي نفسي فوقعت على أهلي بعد ما نمت وأنا أريد الصوم، فزعموا أن النبي ﷺ قال: \"ما كنتَ خليقًا أن تفعل\"، فنزل الكتاب: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾.\nوقال سعيد بن أبي عروبة: عن قيس بن سعد، عن عطاء بن أبي رباح، عن أبي هريرة في قول الله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيلِ﴾ قال: كان المسلمون قبل أن تنزل هذه الآية إذا صلوا العشاء الآخرة، حرم عليهم الطعام والشراب والنساء حتى يفطروا، وإن عمر بن الخطاب أصاب أهله بعد صلاة العشاء، رإن صرمة بن قيس الأنصاري غلبته عيناه [¬٤] بعد صلاه المغرب فنام، ولم يشبع من الطعام، ولم يستيقظ حتى صلى رسول الله ﷺ العشاء، فقام فأكل وشرب، فلما أصبح أتى رسول الله ﷺ فأخبره بذلك، فأنزل الله عند ذلك: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيلَةَ\n_________\n(^١٠٢٣) هذا الحديث رواه الطبري في تفسيره (٣/ ٤٩٥).\n(^١٠٢٤) البخاري في تفسير القرآن، باب: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ …﴾ برقم (٤٥٠٨).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين زيادة من ز.\n[¬٢]- في ز: \"ولا\".\n[¬٣]- في ز: \"وماذا\".\n[¬٤]- في خ: \"عينه\".","vol":"2","page":195},{"text":"الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ يعني بالرفث: مجامعة النساء ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ يعني [¬١] تجامعون النساء، وتأكلون، وتشربون بعد العشاء ﴿فَتَابَ عَلَيكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ يعني: جامعوهن ﴿وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ يعني: الولد ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيلِ﴾، فكان ذلك عفوًا من الله ورحمة.\nوقال هشيم: عن حصين بن عبد الرحمن، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: قام عمر بن الخطاب ﵁ فقال: يا رسول الله، إني أردت أهلي البارحة على ما يريد الرجل من [¬٢] أهله، فقالت: إنها قد نامت فظنتها تعتل فواقعتها، فنزل في عمر: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾.\nوهكذا رواه شعبة: عن عمرو بن مرة، عن ابن أبي ليلى به (^١٠٢٥).\nوقال أبو جعفر بن جرير (^١٠٢٦): حدّثني المثنى، حدثنا سويد، أخبرنا ابن المبارك، عن ابن لهيعة، حدثني موسى بن جبير مولى بني سلمة، أنه سمع عبد الله بن كعب بن مالك يحدث، عن أبيه قال: كان الناس في رمضان إذا صام الرجل فأمسى فنام، حرم عليه الطعام والشراب والنساء حتى يفطر من الغد، فرجع عمر بن الخطاب من عند النبي ﷺ ذات ليلة وقد سمر عنده، فوجد امرأته قد نامت، فأرادها فقالت: إني قد نمت، فقال: ما نمت، ثم وقع بها، وصنع كعب بن مالك مثل ذلك، فغدا عمر بن الخطاب إلى النبي ﷺ فأخبره، فأنزل الله: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ الآية.\nوهكذا روي عن مجاهد، وعطاء، وعكرمة والسدي [¬٣] وقتادة، وغيرهم في سبب نزول هذه الآية في عمر بن الخطاب ومن صنع كما صنع، وفي صرمة بن قيس، فأباح الجماع والمام والشراب في جميع الليل رحمة ورخصة ورفقًا.\nوقوله: ﴿وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ قال أبو هريرة، وابن عباس، وأنس، وشريح القاضي، ومجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير، وعطاء، والربيع بن أنس، والسدي، وزيد بن أسلم، والحكم بن عتيبة، ومقاتل بن حيان، والحسن البصري، والضحاك،\n_________\n(^١٠٢٥) رواه ابن جرير في تفسيره ٢٩٣٥ - (٣/ ٤٩٣) من طريق شعبة عن عمرو بن مرة به.\n(^١٠٢٦) تفسير الطبري ٢٩٤١ - (٣/ ٤٩٦). ورواه أحمد (٣/ ٤٦٠).\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- زيادة من: ز، خ.\n[¬٣]- زيادة من: ز، خ.","vol":"2","page":196},{"text":"وقتادة وغيرهم: يعني: الولد.\nوقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: ﴿وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ يعني: الجماع.\nوقال عمرو بن مالك البكري: عن أبي الجوزاء، عن ابن عباس ﴿وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ قال: ليلة القدر، ورواه ابن أبي حاتم وابن جرير.\nوقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر قال: قال قتادة: ابتغوا [¬١] الرخصة التي كتب الله لكم [وقال سعيد عن قتادة ﴿وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾] [¬٢] يقول ما أحل الله لكم.\nوقال عبد الرزاق أيضًا أخبرنا ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عطاء بن أبي رباح قال: قلت لابن عباس: كيف تقرأ هذه الآية ﴿وَابْتَغُوا﴾ أو ﴿اتبعوا﴾؟ قال: أيتهما شئت عليك بالقراءة الأولى.\nواختار ابن جرير أن الآية أعم من هذا كله.\nوقوله: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيلِ﴾ أباح تعالى الأكل والشرب مع ما تقدّم من إباحة الجماع في أي الليل شاء الصائم إلى أن يتبين ضياء الصباح من سواد الليل، وعبر عن ذلك بالخيط الأبيض من الخيط الأسود، ورفع اللبس بقوله: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ كما جاء في الحديث الذي رواه الإِمام أبو عبد الله البخاري (^١٠٢٧): حدّثني [¬٣] ابن أبي مريم، حدثنا أبو غسان محمَّد بن مطرف، حدثنا أبو حازم، عن سهل بن سعد قال: أنزلت: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيطِ الْأَسْوَدِ﴾ [ولم ينزل] [¬٤]: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾، وكان رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجليه الخيط الأبيض والخيط الأسود، فلا يزال يأكل حتى يتبين له رؤيتهما فأنزل الله بعد: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾، فعلموا أنما يعني الليل والنهار.\nقال الإِمام أحمد (^١٠٢٨): حدثنا هشيم [¬٥]، أخبرنا حصين، عن الشعبي، أخبرني عدي بن حاتم قال: لما نزلت هذه الآية ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيطِ\n_________\n(^١٠٢٧) البخاري في تفسير القرآن، باب: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيطِ الْأَسْوَدِ﴾ برقم (٤٥١١).\n(^١٠٢٨) المسند ١٩٢٤٧ - (٤/ ٣٧٧).\n_________\n[¬١]- في ز: \"وابتغوا\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين زيادة من: ز، خ.\n[¬٣]- في ز، خ: \"حدثنا\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٥]- في خ: \"حثيم\".","vol":"2","page":197},{"text":"الْأَسْوَدِ﴾ عمدت إلى عقالين أحدهما أسود والآخر أبيض قال: فجعلتهما تحت وسادتي، قال: فجعلت [¬١] أنظر إليهما فلا [¬٢] يتبين [¬٣] لي الأبيض من الأسود [] [¬٤]، فلما أصبحت غدوت إلى [¬٥] رسول الله ﷺ فأخبرته بالذي صنعت، فقال: \"إن وسادك إذا لعريض، إنما ذلك [¬٦] بياض النهار و[¬٧] سواد الليل\".\nأخرجاه في الصحيحين (^١٠٢٩) من غير وجه عن عدي، ومعنى قوله إن وسادك إذًا لعريض، أي: إن كان [ليسع لوضع] [¬٨] الخيط الأبيض والأسود المرادين من هذه الآية [تحتها، فإنهما] [¬٩] بياض النهار وسواد الليل، فيقتضي أن يكون بعرض المشرق والمغرب.\nوهكذا وقع في رواية البخاري مفسرًا بهذا، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا أبو عوانة، عن حصين، عن الشعبي، عن عدي قال: أخذ عدي عقالًا [أبيض و] [¬١٠] عقالًا أسود حتى كان بعض الليل نظر فلم يستبينا [¬١١]، فلما أصبح قال: يا رسول الله؛ جعلت تحت وسادتي، قال: \" [إن وسادك إذا لعريض] [¬١٢] إن كان الخيط الأبيض والأسود تحت وسادتك\" (^١٠٣٠).\nوجاء في بعض الألفاظ: \"إنك لعريض القفا\"، ففسره بعضهم بالبلادة وهو ضعيف؛ باب يرجع إلى هذا؛ لأنه إذا كان وساده عريضًا فقفاه أيضًا عريض، والله أعلم. ويفسره رواية البخاري أيضًا [¬١٣]: حدثنا قتيبة، حدثنا جرير، عن مطرف، عن الشعبي، عن عدي بن حاتم، قال: قلت: يا رسول الله؛ ما الخيط الأبيض من الخيط الأسود أهما [¬١٤] الخيطان؟ قال: \"إنك لعريض القفا إن أبصرت الخيطين، ثم قال: لا بل هو سواد الليل وبياض النهار\" (^١٠٣١).\n_________\n(^١٠٢٩) البخاري في الصوم، باب: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيطِ الْأَسْوَدِ﴾، وفي التفسير بوقم (١٩١٦، ٤٥٠٩)، ومسلم في الصيام برقم (١٠٩٠).\n(^١٠٣٠) البخاري في تفسير القرآن، باب: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيطِ الْأَسْوَدِ﴾ برقم (٤٥٠٩).\n(^١٠٣١) البخاري في تفسير القرآن، باب: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيطِ الْأَسْوَدِ﴾ برقم (٤٥١٠).\n_________\n[¬١]- في ز: \"جعلت\".\n[¬٢]- في ت: \"فلما\".\n[¬٣]- في ت: \"تبين\".\n[¬٤]- في ت: أمسكت.\n[¬٥]- في ز، خ: \"على\".\n[¬٦] في ز: \"ذاك\".\n[¬٧]- في ت: \"من\".\n[¬٨] في ر، خ. \"يسع لوضع\".\n[¬٩]- في خ: \"تحتهما فإنهما\".\n[¬١٠] زيادة من ز، خ.\n[¬١١]- في ز: \"يتبينا\".\n[¬١٢]- ما بين المعكوفتين مكرر في ح.\n[¬١٣]- سقط من: خ.\n[¬١٤] في خ: \"هما\".","vol":"2","page":198},{"text":"وفي إباحته تعالى جواز الأكل إلى طلوع الفجر دليل على استحباب السحور؛ لأنه من باب الرخصة والأخذ بها محبوب، ولهذا وردت السنة الثابتة عن رسول الله ﷺ بالحث على السحور، ففي الصحيحين عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: \"تسحروا فإن في السحور بركة\" (^١٠٣٢) وفي صحيح مسلم عن عمرو بن العاص ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن فصل [¬١] ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحور [¬٢] \" (^١٠٣٣).\nوقال الإِمام أحمد (^١٠٣٤): حدثنا إسحاق بن عيسى -هو ابن الطباع- حدثنا عبد الرحمن بن زيد، عن أبيه، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ: \"السحور أكله بركة فلا تدعوه، ولو أن أحدكم تجرّع [¬٣] جرعة من ماء؛ فإن الله وملائكته يصلون على المتسحرين\".\nوقد ورد في الترغيب في السحور أحاديث كثيرة حتى ولو بجرعة من ماء تشبهًا بالآكلين، ويستحب تأخيره إلى قريب انفجار الفجر كما جاء في الصحيحين، عن أنس بن مالك، عن زيد بن ثابت قال: تسحرنا مع رسول الله ﷺ، ثم قمنا إلى الصلاة، قال أنس: قلت لزيد: كم كان بين الأذان والسحور؟ قال: قدر خمسين آية (^١٠٣٥).\nوقال الإِمام أحمد: حدثنا موسى بن داود، حدثنا ابن لهيعة، عن سالم بن غيلان [¬٤]، عن\n_________\n(^١٠٣٢) البخاري في الصوم، باب: بركة السحور من غير إيجاب برقم (١٩٢٣)، ومسلم في الصيام برقم (١٠٩٥).\n(^١٠٣٣) مسلم في الصيام برقم (١٠٩٦).\n(^١٠٣٤) المسند ١١٤١٢ - (٣/ ٤٤). وفي إسناده عبد الرحمن بن زيد بن أسلم وهو ضعيف. وقد رواه أيضًا أحمد ١١١٠٠ - (٣/ ١٢) عن إسماعيل، عن هشام الدستوائي؛ قال: ثنا يحيى بن أبي كثير، عن أبي رفاعة، عن أبي سعيد الخدري به.\nوأبو رفاعة: ويقال فيه: رفاعة بن عوف، أبو مطيع، قال في التقريب: مقبول. وذكره الذهبي في الكاشف، فيمن اسمه رفاعة، قال: رفاعة، ويقال: أبو رفاعة، ويقال: أبو مطلع، عن أبي سعيد، وعنه محمَّد بن عبد الرحمن بن ثوبان. ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا. (١/ ٣٩٧). وله ذكرٌ في التاريخ الكبير (٣/ ٣٢٣)، والجرح والتعديل (٩/ ٣٧١) والحديث ذكره الهيثمي في المجمع (٣/ ١٥٣) وقال: رواه أحمد وفيه أبو رفاعة، ولم أجد من وثقه ولا جرحه، وبقية رجاله رجال الصحيح.\n(^١٠٣٥) البخاري في الصوم، باب: قدر كم بين السحور وصلاة الفجر برقم (١٩٢١)، ومسلم في الصيام برقم (١٠٩٧).\n_________\n[¬١]- في ز: \"فضل\".\n[¬٢]- في خ: \"السخر\"، وفي ز: \"السحر\".\n[¬٣]- في خ: \"يجرع\".\n[¬٤]- في ز: \"عيالان\".","vol":"2","page":199},{"text":"سليمان بن أبي عثمان، عن عدي بن حاتم الحمصي، عن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا تزال أمتي بخير ما عجلوا الإِفطار، وأخروا السحور\" (^١٠٣٦).\nوقد ورد في [¬١] أحاديث كثيرة أن رسول الله ﷺ سماه الغداء المبارك، وفي الحديث الذي رواه الإمام أحمد، والنسائي، وابن ماجه من رواية حماد بن سلمة، عن عاصم بن بهدلة، عن زر بن حبيش، عن حذيفة [بن اليمان] [¬٢] قال: تسحرنا مع رسول الله ﷺ وكان النهار إلا أن الشمس لم [¬٣] تطع (^١٠٣٧).\nوهو حديث تفرّد به عاصم بن أبي النجود، قاله النسائي، وحمله على أن المراد قرب النهار كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ أي قاربن انقضاء العدة، فإما إمساك بمعروف [¬٤] أو ترك للفراق [¬٥]، وهذا الذي قاله هو المتعين حمل الحديث عليه، أنهم تسحروا ولم يتيقنوا طلوع الفجر حتى أن بعضهم ظن طلوعه، وبعضهم لم يتحقق ذلك، وقد روي عن طائفة كبيرة [¬٦] من السلف أنهم تسامحوا في السحور عند مقاربة الفجر، روي مثل هذا عن أبي بكر، وعمر، وعلي، وابن مسعود، وحذيفة، وأبي هروة، وابن عمر، وابن عباس، وزيد بن ثابت، وعن طائفة كبيرة [¬٧] من التابعين منهم: محمَّد بن علي بن الحسين، وأبو مجلز، وإبراهيم النخعي، وأبو الضحى، وأبو وائل، وغيره من أصحاب ابن مسعود، وعطاء، والحسن، والحكم بن عتيبة، ومجاهد، وعروة بن الزبير، وأبو الشعثاء جابر بن زيد، وإليه ذهب الأعمش ومعمر [¬٨] بن راشد، وقد حررنا أسانيد ذلك في كتاب الصيام المفرد، ولله الحمد.\nوحكى أبو جعفر بن جرير في تفسيره عن بعضهم: أنه إنما يجب الإِمساك من طلوع\n_________\n(^١٠٣٦) المسند ٢١٣٩٢، ٢١٥٨٩ - (٥/ ١٤٧، ١٧٢) وإسناده ضعيف، فيه سليمان بن أبي عثمان: قال في التعجيل: مجهول. ص (١٦٦). وعدي بن حاتم الحمصي، ويقال: حاتم بن عدي: مجهول، وذكره ابن حبان في ثقاته. وابن لهيعة ضعيف، تقدم مرارًا. والحديث ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ١٥٤) وقال \"رواه أحمد وفيه سليمان بن أبي عثمان؛ قال أبو حاتم: مجهول\".\n(^١٠٣٧) المسند ٢٣٤٦٨ - (٥/ ٣٩٦)، وأخرجه النسائي في كتاب الصيام، باب: تأخير السحور وذكر الاختلاف على زر فيه (٤/ ١٤٢) (رقم: ٢١٥٢). وابن ماجة في كتاب الصيام، باب: ما جاء في تأخير السحور (رقم: ١٦٩٥).\n_________\n[¬١]- زيادة من: ز، خ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين زيادة من: خ.\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- في ز، خ: \"الفراق\".\n[¬٦]- في خ: \"كثيرة\".\n[¬٧]- في ز: \"كثيرة\".\n[¬٨]- في ت: \"وجابر\".","vol":"2","page":200},{"text":"الشمس، كما يجوز الإِفطار بغروبها.\n(قلت): وهذا القول ما أظن أحدًا من أهل العلم يستقر له قدم عليه لمخالفته نص القرآن في قوله: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيلِ﴾، وقد ورد في الصحيحين من حديث القاسم عن عائشة (^١٠٣٨): أن رسول الله ﷺ قال: \"لا يمنعنكم [¬١] أذان بلال عن سحوركم، فإنه ينادي بليل، فكلوا واشربوا حتى تسمعوا أذان ابن أم مكتوم، فإنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر\"، لفظ البخاري.\nوقال الإمام أحمد (^١٠٣٩): حدثنا موسى بن داود، حدثنا محمد بن جابر، عن قيس بن طلق، عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال: \"ليس الفجر المستطيل في الأفق، ولكنه المعترض الأحمر\".\nورواه أبو داود، والترمذي ولفظهما (^١٠٤٠): \" كلوا واشربوا ولا يهيدنكم [¬٢] الساطعُ المصعِد، فكلوا واشربوا حتى يعترض لكم الأحمر\".\nوقال [¬٣] ابن جرير [¬٤]: حدثنا محمد بن المثني، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا شعبة،\n_________\n(^١٠٣٨) البخاري في الصوم، باب: قول النبي ﷺ: \"لا يمنعنكم من سحوركم أذان بلال\" برقم (١٩١٨)، وأطرافه (٦١٧، ٦٢٠، ٦٢٣، ٢٦٥٦، ٧٢٤٨)، ومسلم في الصيام برقم (١٠٩٢). دون ذكر أوله، وأما طرفه الأول فقد رواه البخاري من حديث ابن مسعود (٦٢١) وكذلك مسلم (١٠٩٣)، وقد روي من حديث سمرة، وأنس.\n(^١٠٣٩) محمد بن جابر: وهو ابن سيار اليمامي؛ قال البخاري في الضغفاء: ليس بالقوي\". وقال في الصغير: يتكلمون فيه. وقال ابن معين: كان أعمى، واختلط عليه حديثه، وهو ضعيف. وقال النسائي: ضعيف. وضعفه أبو. حاتم وأبو زرعة. وقال ابن عدي: خالف في أحاديث، ومع ما تكلم فيه من تكلم يكتب حديثه. وقال ابن حجر: صدوق، ذهبت كتبه فساء حفظه، وخلط كثيرًا، وعمي فصار يلقن، ورجحه أبو حاتم على ابن لهيعة.\nوهذا الحديث بهذا الإسناد ساقط من مطبوعة المسند، وقد استدركناه والحمد لله في طبعتنا، وقد رواه أحمد عن موسى، ثنا محمد بن جابر، عن عبد الله بن النعمان، عن قيس بن طلق، عن أبيه، ورواه أحمد عن أبي زكريا السيلحيني، عن محمد بن جابر، عن قيس بن طلق، عن أبيه، به المسند ١٦٣٣٩، ١٦٣٤٠ - (٤/ ٢٣).\n(^١٠٤٠) رواه أبو داود في كتاب الصوم، باب: وقت السحور، من طريق محمد بن عيسى، ثنا ملازم\n_________\n[¬١]- في ت: \"يمنعكم\"\n[¬٢]- في خ: \"يهتد لكم\".\nوأصل الهيد: الحركة. وقد هدت الشيء أهيده هيدًا، إذا حركته وأزعجته.\n[¬٣]- في ز: \"بياض\".\n[¬٤]- في ز، خ: \"بن جريج\".","vol":"2","page":201},{"text":"عن شيخ من بني قشير، سمعت سمرة بن جندب يقول: قال رسول الله ﷺ: \"لا يغرنكم نداء بلال، وهذا البياض حتى ينفجر الفجر أو يطلع الفجر\" (^١٠٤١).\nثم رواه من حديث شعبة وغيره، عن سوادة بن حنطة، عن سمرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا يمنعنكم [¬١] من سحوركم أذان بلال، ولا الفجر المستطيل ولكن الفجر المستطير في الأفق\" (^١٠٤٢).\nقال: وحدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن علية، عن عبد الله بن سوادة القشيري، عن أبيه، عن سمرة بن جندب، قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا يغرنكم أذان بلال، ولا هذا البياض -[لعمود الصبح- حتى] [¬٢] يستطير\" (^١٠٤٣).\nورواه مسلم في صحيحه (^١٠٤٤)، عن زهير بن حرب، عن إسماعيل بن إبراهيم -هو [¬٣] ابن علية- مثله [¬٤] سواء.\nوقال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا ابن المبارك، عن سليمان [¬٥] التيمي، عن أبي عثمان النهدي، عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا يمنعن أحدكم أذان بلال عن سحوره -أو قال: نداء [¬٦] بلال- فإن بلالًا يؤذن بليل -أو قال [¬٧]: ينادي\n_________\n= ابن عمرو، عن عبد الله بن النعمان به. (٢/ ٣٠٤) حديث (٢٣٤٨). والترمذي في كتاب الصوم باب: ما جاء في بيان الفجر (٣/ ٨٥) حديث (٧٠٥). وقال أبو عيسى: حديث طلق بن علي حديث حسن غريب.\n(^١٠٤١) - رواه أحمد ثنا عفان، ثنا همام، حدثني سَوَادة، قال: سمعت سمُرَة بن جندب يقول فذكره ٢٠١٤٥ - (٥/ ٩).\nوعن وكيع، ثنا أبو هلال، عن سوادة بن حنطة، عن سَمرَة بن جندب برقم ٢٠٢٠٦٦ - (٥/ ١٤).\n(^١٠٤٢) رواه أحمد عن محمد بن جعفر وروح عن شعبة به برقم (٢٠١٢٧) - (٥/ ٧). وعن يزيد بن هارون، أنا شعبة، قال: سمعت سوادة القشيري يحدث، عن سَمُرَة بن جندب ٢٠٢٥٢ - (٥/ ١٨).\n(^١٠٤٣) - ورواه أحمد في السند ٢٠١٩٧ - (٥/ ١٣).\n(^١٠٤٤) أخرجه مسلم في كتاب الصوم، (رقم: ١٠٩٤).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"يمنعكم\".\n[¬٢]- في ز: \"تعمدوا الصبح حين\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"يعني\".\n[¬٤]- في ز، خ: \"بمثله\".\n[¬٥]- في ز، خ: \"سلمان\".\n[¬٦]- سقط من: خ، وغير واضحة في: ز.\n[¬٧]- سقط من: خ.","vol":"2","page":202},{"text":"لينبه نائمكم، وليرجع قائمكم، وليس الفجر أن يقول هكذا أو هكذا حتى يقول [¬١]، هكذا\"، ورواه من وجه آخر عن التيمي به (^١٠٤٥).\nوحدثني الحسن بن الزبرقان النخعي، حدثنا أبو أسامة، عن محمد بن أبي ذئب، عن الحارث بن عبد الرحمن، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان قال: قال رسول الله ﷺ: \"الفجر فجران: فالذي كأنه ذَنب السِّرحان [¬٢] لا يحرم شيئًا، وأما [¬٣] [] [¬٤] المستطير الذي يأخذ الأفق، فإنه يحل الصلاة ويحرم الطعام [¬٥] \" (^١٠٤٦)، وهذا مرسل جيد.\nوقال عبد الرزاق: أخبرنا ابن جريج، عن عطاء قال [¬٦]: سمعت ابن عباس يقول: هما فجران: فأما الذي يسطع في السماء، فليس يحل: لا يحرم شيئًا، ولكن الفجر الذي يستنير [¬٧] علي رءوس الجبال هو الذي يحرم الشراب.\nو[¬٨] قال عطاء: فأما إذا سطع سطوعًا في السماء -وسطوعه أن يذهب في السماء طولًا- فإنه لا يحرم به شراب للصائم [¬٩]، ولا صلاة، ولا يفوت به الحج [¬١٠]، ولكن إذا انتشر علي رءوس الجبال حرم الشراب للصيام وفات الحج.\nوهذا إسناد صحيح إلى ابن عباس وعطاء، وهكذا روي عن غير واحد من السلف ﵏.\n(مسألة) ومِن جَعلِهِ تعالى الفجر غاية لإباحة الجماع والطعام، والشراب لمن أراد الصيام، يستدل علي أنه من أصبح جنبًا فليغتسل وليتم صومه ولا حرج عليه، وهذا مذهب الأئمة الأربعة\n_________\n(^١٠٤٥) ورواه البخاري في صحيحه برقم (٦٢١، ٥٢٩٨)، ومسلم في صحيحه برقم (١٠٩٣١) من طريق أبي عثمان النهدي به.\n(^١٠٤٦) تفسير ابن جرير ٢٩٩٥ - (٣/ ٥١٤). والحسن بن الزبرقان: قال أبو حاتم: شيخ. وأبو أسامة هو حماد بن أسامة، ثقة حافظ ثبت. ومحمد بن أبي ذئب ثقة حافظ. ومحمد بن عبد الرحمن ثقة. ورواه البيهقي (٤/ ٢١٥). ورواه الحاكم موصولًا بذكر جابر بن عبد الله (١٩١/ ١) وقال: إسناده صحيح.\n_________\n[¬١]- في خ: \"تقول\".\n[¬٢]- السرحان: الذئب.\n[¬٣]- في ز، خ: وإنما، والمثبت من تفسير ابن جرير.\n[¬٤]- في ت: هو.\n[¬٥]- ز، خ: \"الصوم\".\n[¬٦]- زيادة من: ز، خ.\n[¬٧]- في خ: \"يستبين\".\n[¬٨]- سقط من: ز، خ.\n[¬٩]- في ز: \"الصيام\".\n[¬١٠]- في ز: \"حج\".","vol":"2","page":203},{"text":"وجمهور العلماء سلفًا وخلفًا، لما رواه البخاري ومسلم من حديث عائشة، وأم سلمة ﵄ أنهما قالتا: كان رسول الله ﷺ يصبح جنبًا من جماع غير احتلام، ثم يغتسل ويصوم (^١٠٤٧).\nوفي حديث أم سلمة عندهما: ثم لا يفطر ولا يقضي.\nوفي صحيح مسلم في عائشة أن رجلًا قال: يا رسول الله؛ تدركني الصلاة وأنا جنب فأصوم؟ فقال رسول الله ﷺ: \"وأنا تدركني الصلاة وأنا جنب فأصوم\" (^١٠٤٨). فقال: لست مثلنا يا رسول الله، قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فقال: \"والله إني لأرجو أن أكون أخشاكم وأعلمكم بما أتقي\".\nفأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد (^١٠٤٩): حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن همام، عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ أنه قال: \"إذا نودي للصلاة صلاة الصبح وأحدكم جنب فلا يصم يومئذ\" فإنه حديث جيد الإِسناد علي شرط الشيخين كما ترى، وهو في الصحيحين (^١٠٥٠) عن أبي هريرة عن الفضل بن عباس [¬١] [عن النبي ﷺ.\nوفي سنن النسائي عنه، عن أسامة بن زيد والفضل بن عباس] [¬٢] ولم يرفعه (^١٠٥١).\nفمن العلماء من علل هذا الحديث بهذا، ومنهم من ذهب إليه، ويحكي هذا عن أبي هريرة، وسالم، وعطاء، وهشام بن عروة، والحسن البصري، ومنهم من ذهب إلى التفرقة بين أن يصبح جنبًا نائمًا، فلا حرج [¬٣] عليه؛ لحديث عائشة وأم سلمة، أو مختارًا، فلا صوم له، لحديث أبي هريرة، يُحكي هذا عن عروة، وطاوس، والحسن، ومنهم من فرق بين الفرض فيتمه ويقضيه [¬٤]، وأما النفل فلا يضره، رواه الثوري: عن منصور، عن إبراهيم النخعي، وهو\n_________\n(^١٠٤٧) البخاري في الصوم، باب: الصائم يصبح جنبًا برقم (١٩٢٥، ١٩٢٦)، وباب: اغتسال الصائم (١٩٣٠، ١٩٣١، ١٩٣٢) ومسلم في الصيام برقم ٧٥، ٧٦، ٧٧، ٧٨، ٨٠ - (١١٠٩).\n(^١٠٤٨) مسلم في الصيام برقم ٩٧ - (١١١٠).\n(^١٠٤٩) المسند ٨١٣٠ - (٢/ ٣١٤).\n(^١٠٥٠) البخاري في الصوم، باب: الصائم يصبح جنبًا برقم (١٩٢٥)، ومسلم في الصيام برقم ٧٥ - (١١٠٩).\n(^١٠٥١) سنن النسائي الكبرى برقم (٢٩٣٣، ٢٩٣٤).\n_________\n[¬١]- في خ: \"عياش\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- زيادة من: خ.\n[¬٤]- في خ: \"ويقتضيه\".","vol":"2","page":204},{"text":"رواية عن الحسن البصري أيضًا، ومنهم من ادعى نسخ حديث أبي هريرة بحديث [¬١] عائشة، وأم سلمة، ولكن لا تاريخ معه.\nوادعى ابن حزم أنه منسوخ بهذه الآية الكريمة [¬٢] وهو بعيد أيضًا وأبعد [¬٣] إذ لا تاريخ، بل الظاهر من التاريخ خلافه، ومنهم من حمل حديث أبي هريرة علي نفي الكمال، فلا صوم له؛ لحديث عائشة وأم سلمة الدالين علي الجواز، وهذا المسلك أقرب الأقوال [¬٤] وأجمعها، والله أعلم.\nوقول تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيلِ﴾ يقتضي الإفطار عند غروب الشمس حكمًا شرعيًّا، كما جاء في الصحيحين (^١٠٥٢) عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ قا: قال رسول الله- ﷺ: \"إذا أقبل الليل من هاهنا وأدبر النهار من هاهنا فقد أفطر الصائم\".\nوعن سهل بن سعد الساعدي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر\" أخرجاه أيضًا (^١٠٥٣).\nوقال الإمام أحمد (^١٠٥٤): حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا الأوزاعي، حدثني قرة بن عبد الرحمن، عَن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ: \"يقول الله ﷿ إن أحب عبادي إلي أعجلهم فطرًا\"، ورواه الترمذي من غير وجه، عن الأوزاعي به، وقال: هذا حديث حسن غريب.\nوقال أحمد أيضًا (^١٠٥٥): حدثنا عفان، حدثنا عبيد [¬٥] الله بن إياد [¬٦]، سمعت إياد بن لقيط، [قال:] [¬٧] سمعت ليلي، امرأة بشير بن الخصاصية قالت: أردت أن أصوم يومين\n_________\n(^١٠٥٢) البخاري في الصوم باب: متى يحل فطر الصائم برقم (١٩٥٤)، ومسلم في الصيام برقم (١١٠٠).\n(^١٠٥٣) البخاري في الصوم، باب: تعجيل الإفطار، برقم ١٩٥٧، ومسلم في الصيام برقم (١٠٩٨).\n(^١٠٥٤) المسند ٧٢٤٠ - (٢/ ٢٣٨)، ورواه الترمذي في الصوم، باب: ما جاء في تعجيل الإفطار برقم (٧٠٠، ٧٠١). وأورده الألباني في ضعيف الترمذي، وضعيف الجامع برقم (٣٨٩).\n(^١٠٥٥) ليلى امرأة بشير: ترجم لها الحافظ في التقريب: باسم: الجهدمة، امرأة بشير بن الخصاصية صحابية يقال: كان النبي ﷺ غير اسمها فجعله ليلى. وإياد بن لقيط: ثقة. وعبيد الله بن\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"بحديثي\".\n[¬٢]- زيادة من: ز، خ.\n[¬٣]- زيادة من: ز، خ.\n[¬٤] سقط من: ز، ت.\n[¬٥]- في خ: \"عبد\".\n[¬٦]- في ز. \"زياد\".\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين سقط من خ.","vol":"2","page":205},{"text":"مواصلة، فمنعني بشير وقال: إن رسول الله ﷺ نهى عنه، وقال: \"يفعل ذلك النصارى، ولكن صوموا كما أمركم الله ﴿ثُمَّ [¬١] أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيلِ﴾ فإذا كان الليل فأفطروا\".\nولهذا ورد في الأحاديث الصحيحة النهي عن الوصال، وهو أن يصل [صوم يوم] [¬٢] بيوم آخر ولا يأكل بينهما شيئًا، قال الإمام أحمد: حدَّثنا عبد الرزاق، حدَّثنا معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا تواصلوا\"، قالوا: يا رسول الله إنك تواصل، قال: \"فإني لست مثلكم، إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني [¬٣] \"، قال: فلم ينتهوا عن الوصال، فواصل بهم النبي ﷺ يومين وليلتين ثم رأوا الهلال فقال: \"لو تأخر الهلال لزدتكم\" كالمنكل بهم [¬٤].\nوأخرجاه في الصحيحين من حديث الزهري، به (^١٠٥٦).\nوكذلك أخرجا النهي عن الوصال من حديث أنس وابن عمر (^١٠٥٧).\nوعن عائشة، ﵂، قالت: نهى رسول الله، ﷺ، عن الوصال رحمة لهم، فقالوا [¬٥]: إنك تواصل، قال: \"إني لست كهيئتكم، إني يطعمني ربي ويسقيني [¬٦] \" (^١٠٥٨).\nفقد ثبت النهي عنه من غير وجه، وثبت أنه من خصائص النبي، ﷺ، وأنه\n_________\n= إياد وثقه ابن معين والنسائي وابن حبان ولينه البزار وحده. والحديث في المسند ٢٢٠٥٠ - (٥/ ٢٢٥).\nوأخرجه الطبراني في الكبير (٢/ ٤٤ / رقم: ١٢٣١). من طرق عن عبيد الله بن إياد بن لقيط به. وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ١٥٨) وعزاه لأحمد والطبراني في الكبير وقال: \"وليلى لم أجد من ذكرها، وبقية رجاله رجال الصحيح\".\n(^١٠٥٦) رواه أحمد ٧٧٧٣ - (٢/ ٢٨١) والبخاري في الصوم، باب: التنكيل لمن أكثر الوصال برقم (١٩٦٥)، وفي الحدود، باب: كم التعزيز والأدب برقم (٦٨٥١) وفي التمني (٧٢٤٢) وفي الاعتصام (٧٢٩٩)، ومسلم في الصيام درقم (١١٠٥).\n(^١٠٥٧) حديث أنس عند البخاري في الصوم، باب الوصال برقم (١٩٦١)، وعند مسلم في الصيام برقم (١١٠٤)، وحديث ابن عمر عند البخاري في الصوم، برقم (١٩٦٢)، وعند مسلم في الصيام برقم (١١٠٢).\n(^١٠٥٨) البخاري في الصوم، باب: الوصال برقم (١٩٦٤)، ومسلم في الصوم برقم (١١٠٥).\n_________\n[¬١]- في خ: \"و\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في ت: يومًا.\n[¬٣]- في ز: \"ليسقين\".\n[¬٤]- في ت: \"لهم\".\n[¬٥]- في خ: \"قال\"، وفي ز: \"قالوا\".\n[¬٦]- في ز: \"بسقين\".","vol":"2","page":206},{"text":"كان يقوى علي ذلك ويعان، والأظهر أن ذلك الطعام والشراب في حقه إنما كان معنويًّا لا حسيًّا، وإلا فلا يكون مواصلًا مع الحسي ولكن كما قال الشاعر:\nلها أحاديث من [¬١] ذكراك تشغلها … عن الشراب وتلهيها عن الزاد\nوأما من أحب أن يمسك بعد غروب الشمس إلي وقت السحر فله ذلك، كما في حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا تواصلوا، فأيكم أراد أن يواصل فليواصل إلى السحر\"، قالوا: فإنك تواصل يا رسول الله، قال: \"إني لست كهيئتكم، إني أبيت لي مُطعم يطعمني وساقٍ يسقيني [¬٢] \"، أخرجاه في الصحيحين أيضًا (^١٠٥٩).\nوقال ابن جرير (^١٠٦٠): حدثنا أبو كريب، حدثنا أبو نعيم، حدثنا أبو إسرائيل العبس [¬٣]، عن أبي بكر بن حفص، عن أم ولد حاطب بن أبي بلتعة أنها مرت برسول الله ﷺ، وهو يتسحر، فدعاها إلي الطعام، فقالت: إني صائمة، قال: \"وكيف تصومين\"؟ فذكرت ذلك للنبي ﷺ فقال: \"أين أنت من وصال آل محمد من السحر إلى السحر\".\nوقال الإمام أحمد (^١٠٦١): حدثنا عبد الرزاق، حدثنا إسرائيل، عن عبد الأعلى، عن محمد بن علي، عن علي أن النبي ﷺ كان يواصل من السحر إلى السحر.\nوقد روى ابن جرير عن عبد الله بن الزبير (^١٠٦٢)، وغيره من السلف؛ أنهم كانوا يواصلون الأيام المتعددة، وحمله منهم علي أنهم كانوا يفعلون ذلك رياضة لأنفسهم، لا أنهم كانوا يفعلونه عبادة، والله أعلم.\nويحتمل أنهم كانوا يفهمون من النهي أنه إرشادي من باب الشفقة، كما جاء في حديث عائشة: \"رحمة لهم\" فكان ابن الزبير، وابنه عامر ومن سلك سبيلهم يتجشمون ذلك\n_________\n(^١٠٥٩) البخاري في الصوم، باب: الوصال برقم (١٩٦٣). ومسلم ().\n(^١٠٦٠) تفسير ابن جرير ٣٠٣٥ - (٣/ ٥٣٧، ٥٣٨). وإسناده ضعيف لضعف أبي إسرائيل العبسي، وهو إسماعيل بن خليفة الملائي.\n(^١٠٦١) إسناده ضعيف لضعف عبد الأعلى بن عامر الثعلبي، والحديث في المسند برقم ٧٠٠، ١١٩٤ - (١/ ٩١، ١٤١). ورواه عبد الأعلى في الموضع الأول عن أبي عبد الرحمن السلمي.\n(^١٠٦٢) - تفسير ابن جرير برقم ٣٠٢٨ - (٣/ ٥٣٥).\n_________\n[¬١]- في خ: \"في\".\n[¬٢]- في ز: \"يسقين\".\n[¬٣]- في ت: \"العنسي\".","vol":"2","page":207},{"text":"ويفعلونه؛ لأنهم كانوا يجدون قوّة عليه، وقد ذكر عنهم أنهم كانوا أول ما يفطرون علي السمن والصبر؛ لئلا تتخرق [¬١] الأمعاء بالطعام أولًا، وقد روي عن ابن الزبير أنه كان يواصل سبعة أيام ويصبح في اليوم السابع أقواهم وأجلدهم.\nوقال أبو العالية: إنما فرض الله الصيام بالنهار، فإذا جاء الليل [¬٢] فمن شاء أكل ومن شاء لم يأكل.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ قال [¬٣] علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: هذا في الرجل يعتكف في المسجد في رمضان، أو في غير رمضان، فحرم الله عليه أن ينكح النساء ليلا أو [¬٤] نهارًا حتى يقضي اعتكافه.\nوقال الضحاك: كان الرجل إذا اعتكف فخرج من المسجد جامع إن شاء، فقال الله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ أي لا تقربوهن ما دمتم عاكفين في المسجد ولا في غيره، وكذا قال مجاهد، وقتادة، وغير واحد أنهم كانوا يفعلون ذلك حتى نزلت هذه الآية.\nقال ابن أبي حاتم (^١٠٦٣): وروي [¬٥] عن ابن مسعود، ومحمد بن كعب، ومجاهد، وعطاء، والحسن، وقتادة، والضحاك، والسدي، والربيع بن أنس، ومقاتل، قالوا: لا يقربها وهو معتكف. وهذا الذي حكاه عن هؤلاء هو الأمر المتفق عليه عند العلماء: أن المعتكف يحرم عليه النساء ما دام معتكفًا في مسجده، ولو ذهب إلى منزله لحاجة لا بد له منها، فلا يحل له أن يتلبث [¬٦] فيه إلا بمقدار ما يفرغ من حاجته تلك من قضاء الغائط أو الأكل [¬٧]، وليس له أن يقبل امرأته ولا أن [¬٨] يضمها إليه، ولا يشتغل بشيء سوى اعتكافه، ولا يعود [¬٩] المريض لكن يسأل عنه وهو مارّ في طريقه.\nوللاعتكاف أحكام مفصلة في بابه [¬١٠]: منها ما هو مجمع عليه بين العلماء، ومنها ما هو مختلف فيه، وقد ذكرنا قطعة صالحة من ذلك في آخر كتاب الصيام، ولله الحمد والمنة [¬١١].\n_________\n(^١٠٦٣) - تفسير ابن أبي حاتم (١/ ٣١٩).\n_________\n[¬١]- في ز: \"تتحرق\".\n[¬٢]- في خ: \"بالليل\".\n[¬٣]- في ز: \"وقال\".\n[¬٤]- زيادة من ز.\n[¬٥]- في ز: \"ورري\".\n[¬٦]- في ت: \"يثبت\".\n[¬٧]- في خ: \"أكل\".\n[¬٨]- سقط من: خ.\n[¬٩]- في خ: \"تعود\".\n[¬١٠]- في ت: \"بابها\".\n[¬١١]- سقط من: ز، خ.","vol":"2","page":208},{"text":"ولهذا كان الفقهاء المصنفون يتبعون كتاب الصيام بكتاب الاعتكاف اقتداء بالقرآن العظيم، فإنه نبه علي ذكر الاعتكاف بعد ذكر الصوم، وفي ذكره تعالى الاعتكاف بعد الصيام إرشاد، وتنبيه علي الاعتكاف في الصيام، أو في آخر شهر الصيام، كما [ثبت] [¬١] السنة عن رسول الله، ﷺ، أنه كان يعتكف العشر الأواخر من شهر رمضان حتى توفاه الله ﷿ ثم اعتكف أزواجه من بعده، أخرجاه (^١٠٦٤) من حديث عائشة أم المؤمنين ﵂.\nوفي الصحيحين (^١٠٦٥) أن صفية بنت حيي كانت تزور النبي ﷺ وهو معتكف في المسجد، فتحدثت عنده ساعة، ثم قامت لترجع إلى منزلها، وكان ذلك ليلًا، فقام النبي ﷺ ليمشي معها حتى تبلغ دارها، وكان منزلها في دار أسامة بن زيد في جانب المدينة، فلما كان ببعض الطريق لقيه رجلان من الأنصار، فلما رأيا النبي ﷺ أسرعا -وفي رواية تواريا- أي حياء من النبي ﷺ لكون أهله معه، فقال لهما [النبي] [¬٢] ﷺ: \"علي رسلكما إنها صفية بنت حيي\" أي: [لا تسرعا، واعلما أنها صفية بنت حيي] [¬٣] أي زوجتي، فقالا: سبحان الله يا رسول الله فقال [ﷺ]: \"إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شيئًا، أو قال شرّا\".\nقال الشافعي ﵀: أراد ﵇ أن يعلم أمّته التبري من التهمة في محلها؛ لئلا يقعا في محذور، وهما كانا أتقى من [¬٤] أن يظنا بالنبي ﷺ شيئًا، والله أعلم، ثم المراد بالمباشرة إنما هو الجماع، ودواعيه من تقبيل ومعانقة، ونحو ذلك، فأما معاطاة الشيء، ونحوه فلا بأس به، فقد ثبت في الصحيحين (^١٠٦٦) عن عائشة ﵂ أنها قالت: كان رسول الله، ﷺ، يدني إليّ رأسه، فأرجله، وأنا حائض، وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان، قالت عائشة: ولقد كان المريض يكون في البيت فما أسأل عنه إلا وأنا\n_________\n(^١٠٦٤) البخاري في الاعتكاف، باب: اعتكاف النساء برقم (٢٠٣٣)، ومسلم في الصيام برقم (١١٧٢) واللفظ لمسلم.\n(^١٠٦٥) البخاري في الاعتكاف، باب: هل يخرج المعتكف لحوائجه إلى باب المسجد برقم (٢٠٣٥) وأطرافه ٢٠٣٨، ٢٠٣٩، ٣١٠١، ٣٢٨١، ٦٢١٩، ٧١٧١)، ومسلم في السلام برقم ٢٤ - (٢١٧٥) من حديث صفية ﵂.\n(^١٠٦٦) البخاري في الاعتكاف، باب: لا يدخل البيت إلا لحاجة برقم (٢٠٢٩)، ومسلم في الحيض برقم ٧ - (٢٩٧).\n_________\n[¬١]- في ت: \"ثبت في \".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من خ.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٤]- سقط من: ز.","vol":"2","page":209},{"text":"مارّة.\nوقوله: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ أي هذا الذي بيناه، وفرضناه، وحددناه من الصيام، وأحكامه، وما أبحنا فيه، وما حرمنا، وذكرنا [¬١] غاياته، ورخصه، وعزائمه حدود الله أي: شرعها الله، وبينها بنفسه، ﴿فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ أي: لا تجاوزوها وتتعدوها [¬٢]، وكان الضحاك، ومقاتل يقولان في قوله تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ أي: المباشرة في الاعتكاف.\nوقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: يعني هذه الحدود الأربعة، ويقرأ ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ حتى يبلغ: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيلِ﴾، قال: وكان أبي وغيره من مشيختنا يقولون هذا، ويتلونه علينا: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ﴾ أي: كما بين الصيام وأحكامه، وشرائعه، وتفاصيله، كذلك يبين سائر الأحكام على لسان عبده، ورسوله محمد، ﷺ، ﴿لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ أي: يعرفون كيف يهتدون، وكيف يطيعون كما قال الله تعالى ﴿هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾.\n﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالكُمْ بَينَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٨)﴾\nقال علي بن أبي طلحة: عن ابن عباس هذا في الرجل يكون عليه مال، وليس عليه فيه بينة، فيجحد المال، ويخاصم إلى الحكام وهو يعرف أن الحق عليه وهو يعلم: أنه آثم أكل حرام.\nوكذا روي، عن مجاهد، وسعيد بن جبير، وعكرمة، والحسن، وقتادة والسدي، ومقاتل بن حيان، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم أنهم قالوا: لا تخاصم وأنت تعلم أنك ظالم. وقد ورد في الصحيحين عن أم سلمة (^١٠٦٧): أن رسول الله ﷺ قال: \"ألا أنما أنا بشر، وإنما يأتيني الخصم، فلعل بعضكم أن يكون ألحن [¬٣] بحجته من بعض [فأقضي له] [¬٤]، فمن قضيت له، بحق مسلم، فإنما هي [¬٥] قطعة من نار، فليحملها، أو\n_________\n(^١٠٦٧) البخاري في المظالم، باب: إثم من خاصم في باطل وهو يعلمه برقم (٢٤٥٨)، وأطرافه (٢٦٨٠، ٦٩٦٧، ٧١٦٩، ٧١٨١، ٧١٨٥)، ومسلم في الأقضية برقم ٤ - (١٧١٣) من حديث أم سلمة ﵂.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"وذكر\".\n[¬٢]- في خ: \"وتعتذوها\".\n[¬٣]- أي: أعرف وأفطن بحجته من خصمه يقال: لحن فلان يلحن لحنًا إذا فطن.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- سقط من: ز.","vol":"2","page":210},{"text":"ليذرها\". فدلت هذه الآية الكريمة، وهذا الحديث على أن حكم الحاكم لا يغير الشيء في نفس الأمر، فلا يحل في نفس الأمر حرامًا هو حرام، ولا يحرم حلالا هو حلال، وإنما هو ملزم [¬١] في الظاهر، فإن طابق [ما] [¬٢] في نفس الأمر فذاك، وإلا فللحاكم أجره، وعلى المحتال وزره؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالكُمْ بَينَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي: تعلمون بطلان ما تدعونه وتروجونه [¬٣] في كلامكم.\nقال قتادة: اعلم يا بن آدم: [أن قضاء] [¬٤] القاضي لا يحل لك حرامًا، ولا يُحِقُّ لك باطلًا، وإنما يقضي القاضي بنحو ما يرى، وتشهد [¬٥] به الشهود، والقاضي بشر يخطئ ويصيب، واعلموا أن من قُضِيَ له بباطل: أن خصومته لم تنقض حتى يجمع الله بينهما يوم القيامة، فيقضي على المبطل للمحق بأجود مما قضى به للمبطل على المحق في الدنيا.\n﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٨٩)﴾\nقال العوفي: عن ابن عباس سأل الناس رسول الله ﷺ عن الأهلة، فنزلت هذه الآية: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ يعلمون بها حل دَيْنهم، وعدة نسائهم، ووقت حجهم.\nو[¬٦] قال أبو جعفر: عن الربيع، عن أبي العالية: بلغنا أنهم قالوا: يا رسول الله، لم خلقت الأهلة؟ فأنزل الله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ﴾. يقول: جعلها الله مواقيت لصوم المسلمين، وإفطارهم، وعدة نسائهم، ومحل دَيْنهم.\nوكذا روي عن عطاء، والضحاك، وقتادة، والسدي، والربيع بن أنس، نحو ذلك.\nوقال عبد الرزاق: عن عبد العزيز بن أبي رَوّاد، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله، ﷺ: \"جعل الله الأهلة مواقيت للناس، فصوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم، فعدوا ثلاثين يومًا\".\n_________\n[¬١]- في ز: \"يلزم\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من خ.\n[¬٣]- في خ: \"ترجون\"، وفي ز: \"تروجون\".\n[¬٤]- في ز: \"إن قضى\".\n[¬٥]- في خ: \"ويشهد\"\n[¬٦]- سقط من: خ.","vol":"2","page":211},{"text":"ورواه الحاكم في مستدركه، من حديث ابن أبي رواد، به (^١٠٦٨). وقال: [كان ثقة] [¬١] عابدًا مجتهدًا شريف النسب، فهو صحيح الإسناد، ولم يخرجاه.\nورواه [¬٢] محمد بن جابر: عن قيس بن طلق، عن أبيه قال: قال رسول الله، ﷺ: \"جعل الله الأهلة، فإذا رأيتم الهلال، فصوموا، وإذا رأيتموه، فأفطروا، فإن أغمي عليكم فأكملوا العدة ثلاثين\" (^١٠٦٩).\nوكذا روي من حديث أبي هريرة (^١٠٧٠)، ومن كلام علي بن أبي طالب ﵁.\nوقوله: ﴿وَلَيسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾. قال البخاري (^١٠٧١): حدثنا عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء قال: كانوا إذا أحرموا في الجاهلية أتوا البيت من ظهره، فأنزل الله: ﴿وَلَيسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾.\nوكذا رواه أبو داود الطالسي (^١٠٧٢): عن شعبة، عن أبي إسحاق، عن البراء قال: كانت الأنصار إذا قدموا من سفرهم [¬٣] لم يدخل الرجل من قبل بابه، فنزلت هذة الآية.\nوقال الأعمش: عن أبي سفيان، عن جابر: كانت قريش تدعى الحمس، وكانوا يدخلون من الأبواب في الإحرام، وكانت الأنصار، وسائر العرب لا يدخلون من باب في الإحرام، فبينا رسول الله ﷺ في بستان إذ خرج من بابه، وخرج معه قطة [¬٤] بن عامر [من\n_________\n(^١٠٦٨) المستدرك (١/ ٤٢٣).\n(^١٠٦٩) رواه أحمد في المسند ١٦٣٤٢ - (٤/ ٢٣) من حديث إسحاق بن عيسى عن محمد بن جابر به. وإسناده ضعيف من أجل محمد بن جابر. ورواه أحمد ١٦٣٣٨ (٤/ ٢٣). والحديث أخرجه الطبراني في الكبير (٨/ ٣٩٧) حديث (٢٨٣٧)، (٨٢٣٨). وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: رواه أحمد والطبراني في الكبير وفيه محمد بن جابر اليمامى وهو صدوق ولكنه ضاعت كتبه، وقبِلَ التلقين.\n(^١٠٧٠) حديث أبي هريرة رواه البخاري في كتاب الصوم من صحيحه، باب: إذا رأيتم الهلال فصوموا … برقم (١٩٠٩) وفيه: \"فأكملوا عدة شعبان\"، ومسلم في كتاب الصيام من صحيحه برقم ١٩، ٢٠ - (١٠٨١).\n(^١٠٧١) البخاري في كتاب التفسير، باب: ﴿وَلَيسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا …﴾ برقم (٤٥١٢).\n(^١٠٧٢) - مسند الطيالسي رقم ٧١٧ ص (٩٨).\n_________\n[¬١]- سقط من المستدرك.\n[¬٢]- في ت: \"وقال\"، وفي ز: \"بياض\".\n[¬٣]- في ز: \"سفر\".\n[¬٤]- في خ: \"وطبة\".","vol":"2","page":212},{"text":"الأنصار] [¬١] فقالوا: يا رسول الله: إن قطبة [¬٢] بن عامر رجل فاجر [¬٣]، وإنه خرج معك من الباب، فقال [¬٤] له: \"ما حملك على ما صنعت؟ \" قال: رأيتك فعلته، ففعلت كما فعلت. فقال: إني أحمس. قال له: فإن ديني دينك. فأنزل الله: ﴿وَلَيسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾.\nرواه ابن أبي حاتم، ورواه العوفي، عن ابن عباس بنحوه، وكذا روي عن مجاهد، والزهري، وقتادة، وإبراهيم النخعي، والسدي، والربيع بن أنس.\nوقال الحسن البصري: كان أقوام من أهل الجاهلية إذا أراد أحدهم سفرًا، و[¬٥] خرج من بيته يريد سفره الذي خرج له، ثم بدا له بعد خروجه: أن يقيم، ويدع سفره، لم يدخل البيت من بابه، ولكن يتسوّره من قبل ظهره، فقال الله تعالى: ﴿وَلَيسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا﴾. الآية.\nوقال محمد بن كعب: كان الرجل إذا اعتكف لم يدخل منزله من باب البيت، فأنزل الله هذه الآية.\nوقال عطاء بن أبي رباح: كان أهل يثرب إذا رجعوا من عيدهم [دخلوا منازلهم] [¬٦] من ظهورها، ويرون [¬٧] أن ذلك أدنى إلى البر، فقال الله تعالى: ﴿وَلَيسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا﴾] [¬٨].\nوقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ أي اتقوا الله، فافعلوا ما أمركم به، واتركوا ما نهاكم عنه ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ غدًا إذا وقفتم بين يديه فيجازيكم بأعمالكم [¬٩] على التمام والكمال.\n﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (١٩٠) وَاقْتُلُوهُمْ حَيثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ\n_________\n[¬١]- في ز: \"الأنصاري\".\n[¬٢]- في خ: \"وطبة\".\n[¬٣]- في ز، خ، ت: تاجر، وليس لها معنى في هذا السياق والمثبت من تفسير الطبري وابن أبي حاتم والإصابة.\n[¬٤]- في ز: \"فقالوا\".\n[¬٥]- في ز، خ: \"أو\".\n[¬٦]- في خ: \"يأتوا البيوت\"، وفي ز: \"بياض\".\n[¬٧]- في ز، خ: \"ويروى\".\n[¬٨]- ما بين المعكوفتين في ت: [ولا يرون أن ذلك أدنى غلى البر].\n[¬٩]- ما بين المعكوفتين في خ: \"فيجزيكم بأعمالكم\".","vol":"2","page":213},{"text":"مِنَ الْقَتْلِ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (١٩١) فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٩٢) وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إلا عَلَى الظَّالِمِينَ (١٩٣)﴾\nقال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية في قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ قال: هذه أول آية نرلت في القتال بالمدينة، فلما نزلت كان رسول الله، ﷺ، يقاتل من قاتله، ويكف عمن كف عنه حتى نزلت سورة براءة.\nوكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم حتى قال: هذه منسوخة بقوله: ﴿فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾، وفي هذا نظر؛ لأن قوله: ﴿الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ إنما هو تهييج وإغراء بالأعداء الذين همتهم قتال الإسلام وأهله، أي: كما يقاتلونكم فقاتلوهم [¬١] أنتم كما قال: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾، ولهذا قال في هذه الآية: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيثُ أَخْرَجُوكُمْ﴾ أي: لتكن [¬٢] همتكم منبعثة على قتالهم كما أن [¬٣] همتهم منبعثة [¬٤] على [¬٥] قتالكم وعلى [¬٦] إخراجهم من بلادهم التي أخرجوكم منها قصاصًا.\nوقوله: ﴿وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ أي: قاتلوا في سبيل الله، ولا تعتدوا في ذلك، ويدخل في ذلك ارتكاب المناهي -كما قاله [¬٧] الحسن البصري- من المثلة، والغلول، وقتل النساء، والصبيان، والشيوخ الذين لا رأي لهم، ولا قتال فيهم، والرهبان، وأصحاب الصوامع، وتحريق الأشجار، وقتل الحيوان لغير مصلحة كما قال ذلك ابن عباس، وعمر بن عبد العزيز، ومقاتل بن حيان وغيرهم، ولهذا جاء في صحيح مسلم عن بريدة (^١٠٧٣): أن رسول الله ﷺ كان يقول: \"اغزوا في سبيل الله، قاتلوا [¬٨] من كفر بالله، اغزوا، ولا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليدًا [¬٩] [ولا أصحاب الصوامع\"، رواه الإمام أحمد] [¬١٠].\n_________\n(^١٠٧٣) رواه مسلم في الجهاد والسير برقم (١٧٣١)، وأحمد في المسند (٢/ ٣٥٥).\n_________\n[¬١]- في خ: \"فافتلوهم\".\n[¬٢]- في ت: \"لتكون\".\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- سقط من: ز.\n[¬٥]- في ز، خ: \"إلى\"\n[¬٦]- في خ: \"إلى\".\n[¬٧]- في ز، خ: \"قال\".\n[¬٨]- سقط من: ز، خ.\n[¬٩]- في ت: \"الوليد\".\n[¬١٠]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"2","page":214},{"text":"وعن ابن عباس قال: كان رسول الله ﷺ إذا بعث جيوشه قال: \"اخرجوا باسم الله، قاتلوا في سبيل الله من كفر بالله، لا تغدروا [¬١]، ولا تغلوا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا الولدان، ولا أصحاب الصوامع\" (^١٠٧٤)، رواه الإِمام أحمد.\nولأبي داود عن أنس مرفوعًا نحوه (^١٠٧٥)، وفي الصحيحين عن ابن عمر قال: وُجِدت امرأة في بعض مغازي النبي ﷺ مقتولة، فأنكر رسول الله ﷺ قتل النساء والصبيان (^١٠٧٦).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا مصعب بن سلام، حدثنا الأجلح، عن قيس بن أبي مسلم، عن ربعي بن حراش [¬٢] قال: سمعت حذيفة يقول: ضرب لنا رسول الله ﷺ أمثالًا [واحد، وثلاثة، وخمسة، وسبعة، وتسعة، وأحد عشر] [¬٣] وترك سائرها، قال: \"إن قومًا كانوا أهل ضعف، ومسكنة قاتلهم أهل تجبر وعداوة [¬٤]، فأظهر الله أهل الضعف عليهم، فعمدوا [¬٥] إلى عدوّهم فاستعملوهم وسلطوهم، فأسخطوا الله عليهم إلى يوم القيامة [¬٦] \" (^١٠٧٧).\n_________\n(^١٠٧٤) رواه أحمد من حديث أبي القاسم بن أبي الزناد، قال: أخبرني ابن أبي حبيبة، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس به مرفوعًا ٢٧٢٨ - (١/ ٣٠٠). وأورده في مجمع الزوائد (٥/ ٣١٦ - ٣١٧) وعزاه لأحمد وأبي يعلى والبزار والطبراني في الكبير والأوسط ثم قال: وفي رجال البزار إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة وثقه أحمد وضعفه الجمهور. وبقية رجال البزار رجال الصحيح.\n(^١٠٧٥) رواه أبو داود في الجهاد، باب: في دعاء المشركين من حديث حسن بن صالح، عن خالد بن الفرز عن أنس به مرفوعًا برقم (٢٦١٤). وخالد بن الفرر تفرد بالرواية عنه الحسن بن صالح، قال النسائي: لا أعلم أحدًا روى عنه غير الحسن بن صالح، وقال يحيى بن معين: ليس لذاك، وقال أبو حاتم: شيخ.\n(^١٠٧٦) رواه البخاري في الجهاد والسير، باب: كل الصبيان في الحرب، وقتل النساء في الحرب وقم (٣٠١٤، ٣٠١٥)، ومسلم في الجهاد والسير برقم ٢٤ - (١٧٤٤).\n(^١٠٧٧) قيس بن أبي مسلم، واسم أبي مسلم رمانة: ذكره البخاري (٧/ ١٥٤) وابن أبي حاتم (٧/ ٩٦) وابن حبان (٧/ ٣٢٨) وقال في التعجيل (١/ ٣٤٦): وذكره ابن خلفون في الثقات.\nوالأجلح: قال ابن سعد (١/ ٣٥٠): كان ضعيفًا جدًّا. وقال العجلي (١/ ٢١٢): جائز الحديث وليس بالقوي في عداد الشيوخ. وذكره البخاري في التاريخ (٢/ ٦٨) وقال: يقال: اسمه يحيى. وذكره ابن حبان في المجروحين (١/ ١٧٥) وقال: كان لا يدرك ما يقول، يجعل أبا سفيان أبا الزبير ويقلب الأسامي. وقال ابن عدي (١/ ٤٢٦): له أحاديث صالحة غير ما ذكرت يروي عنه الكوفيون وغيرهم ولم أجد له شيئًا منكرًا يجاوز الحد لا إسنادًا ولا متنًا وهو أرجو أنه لا بأس به إلا أنه يعد من شيعة الكوفة وهو =\n_________\n[¬١]- في ت: \"تعتدوا\".\n[¬٢]- في ز: \"خراش\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من خ.\n[¬٤]- في ز: \"عداء\".\n[¬٥]- في ز: \"فعموا\".\n[¬٦]- في ز: \"يلقونه\".","vol":"2","page":215},{"text":"هذا حديث حسن الإسناد، ومعناه أن هؤلاء الضعفاء لما قدروا على الأقوياء، فاعتدوا عليهم، فاستعملوهم [¬١] فيما لا يليق بهم، أسخطوا الله عليهم بسبب هذا الاعتداء، والأحاديث والآثار في هذا كثيرة جدًّا.\nولما كان الجهاد فيه إزهاق النفوس وقتل الرجال نبه تعالى على أن ما هم مشتملون عليه من الكافر بالله والشرك به والصدّ عن سبيله أبلغ وأشدّ، وأعظم، وأطم من القتل، ولهذا قال: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾ قال أبو مالك أي: ما أنتم مقيمون عليه أكبر من القتل.\nوقال أبو العالية، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وعكرمة، والحسن، وقتادة، والضحاك، والربيع بن أنس في قوله: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾ يقول: الشرك أشد من القتل.\nوقوله: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ كما جاء في الصحيحين: \"إن هذا البلد حرّمه الله يوم خلق السموات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم [القيامة، ولم يحل [لي] [¬٢] إلا ساعة من نهار، وإنها ساعتي هذه حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة] [¬٣]، لا يُعْضَد [¬٤] شجره، ولا يختلى [¬٥] خلاه [¬٦]، فإن أحد ترخص بقتال رسول الله ﷺ، فقولوا: إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم\" (^١٠٧٨).\nيعني بذلك صلوات الله وسلامه عليه قتاله أهله [¬٧] يوم فتح مكة، فإنه فتحها عنوة وقتلت رجال منهم [¬٨] عند الخندمة [¬٩]، وقيل: صلحًا لقوله: \"من أغلق بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن، ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن\".\n_________\n= عندي مستقيم الحديث صدوق.\nوالحديث في المسند ٢٣٥٦٤ - (٥/ ٤٠٧). وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٥/ ٢٣٢، ٢٣٣) وعزاه لأحمد وقال: \"وفيه الأجلح الكندي، وهو ثقة، وقد ضُعف، وبقية رجاله ثقات\".\n(^١٠٧٨) البخاري في الحج، باب: لا يحل القتال بمكة برقم (١٨٣٤) وأطرافه (١٣٤٩، ١٥٨٧، ١٨٣٣، ٢٠٩٠، ٢٧٨٣، ٢٨٢٥، ٣٠٧٧، ٣١٨٩، ٤٣١٣)، ومسلم في الحج برقم (١٣٥٣) من حديث ابن عباس ﵄.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"واستعملوهم\"\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من خ.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٤]- عضد الشجرة: قطعها.\n[¬٥]- في ز: \"يختلى\".\n[¬٦]- الخلا مقصور: النبات الرطب الرقيق ما دام رطبًا، اختلاؤه: قطعه. النهاية (٢/ ٧٥).\n[¬٧]- في ز، خ: \"أهلها\".\n[¬٨]- في خ: \"به\".\n[¬٩]- مكانها بياض في خ. والخندمة: جبل بمكة (معجم البلدان) (٢/ ٤٤٩).","vol":"2","page":216},{"text":"وقوله: ﴿حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾ يقول تعالى: ولا [¬١] تقاتلوهم عند المسجد الحرام إلا أن يبدءوكم بالقتال فيه، فلكم حينئذ قتالهم، وقتلهم دفعًا للصيال [¬٢]، كما بايع النبي ﷺ أصحابه يوم الحديبية تحت الشجرة على القتال لما تألبت عليه بطون قريش ومن والاهم من أحياء ثقيف، والأحابيش عامئذ، ثم كف الله القتال بينهم فقال: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيهِمْ﴾، وقال: ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾.\nوقوله: ﴿فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أي: فإن تركوا القتال في الحرم، وأنابوا إلى الإسلام، والتوبة فإن الله يغفر ذنوبهم، ولو كانوا قد قتلوا المسلمين في حرم الله، فإنه تعالى لا يتعاظمه ذنب أن يغفره لمن تاب منه إليه.\nثم أمر الله [¬٣] تعالى بقتال الكفار ﴿حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ أي: شرك قاله ابن عباس، وأبو العالية، ومجاهد، والحسن، وقتادة، والربيع، ومقاتل بن حيان، والسدي، وزيد بن أسلم.\n﴿وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ أي يكون دين الله هو الظاهر العالي على سائر الأديان كما ثبت في الصحيحين عن أبي موسى الأشعري قال: سئل النبي ﷺ عن الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حمية، ويقاتل رياء، أيّ ذلك في سبيل الله؟ فقال: \"من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله\" (^١٠٧٩)، وفي الصحيحين: \"أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عَصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله (^١٠٨٠).\nوقوله: ﴿فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إلا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ يقول تعالى: فإن انتهوا عما هم فيه من الشرك، وقتال المؤمنين فكفوا عنهم، فإن من قاتلهم بعد ذلك فهو ظالم، ولا عدوان إلا على الظالمين، وهذا معنى قول مجاهد: لا يقاتل إلا من قاتل، أو يكون تقديره: فإن انتهوا، فقد\n_________\n(^١٠٧٩) البخاري في كتاب العلم، باب: من سأل وهو قائم عالمًا جالسًا برقم (١٢٣) وانظر (٢٨١٠) ٣١٢٦، ٧٤٥٨)، ومسلم في الإمارة برقم ١٥٠ - (١٩٠٤).\n(^١٠٨٠) البخاري في باب الإيمان، باب: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ …﴾ برقم (٢٥)، ومسلم في الإيمان برقم ٣٦ - (٢٢) من حديث عبد الله بن عمر ﵄.\n_________\n[¬١]- في ز: \"لا\".\n[¬٢]- في ت: \"للصائل\"، والصيال: القهر والعدوان.\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.","vol":"2","page":217},{"text":"تخلصوا من الظلم -وهو الشرك- فلا عدوان عليهم بعد ذلك، والمراد بالعدوان هاهنا المعاقبة، والمقاتلة كقوله: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيكُمْ﴾، وقوله: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾، ولهذا قال [¬١]، عكرمة وقتادة: الظالم الذي أبى أن يقول: لا إله إلا الله.\nوقال البخاري (^١٠٨١): قوله [¬٢]: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ …﴾ الآية:\nحدَّثنا محمد بن بشار، حدثنا عبد الوهاب، حدثنا عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر قال: أتاه رجلان في فتنة ابن الزبير فقالا: إن الناس ضُيَّعُوا [¬٣]، وأنت ابنُ عمر، وصاحب النبي ﷺ، فما يمنعك أن تخرج؟ فقال: يمنعني أن الله حرم دم أخي، قالا: ألم يقل الله: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾؟ فقال [¬٤]: قاتلنا حتى لم تكن فتنة، وكان الدين لله، وأنتم تريدون أن تقاتلوا حتى تكون فتنة وحتى [¬٥] يكون الدين لغير الله.\nوزاد عثمان بن صالح: عن ابن وهب، [قال] [¬٦] أخبرني فلان وحيوة بن شريح، عن بكر بن عمر المعافري، أن بكير بن عبد الله حدثه، عن نافع أن رجلًا أتى ابن عمر فقال: يا أبا عبد الرحمن ما حملك على أن تحج عامًا وتعتمر [¬٧] عامًا، وتترك الجهاد في سبيل الله ﷿، وقد علمت ما رغب الله فيه؟ فقال: يا ابن أخي بني الإسلام على خمس: الإيمان بالله ورسوله، والصلوت الخمس، وصيام رمضان، وأداء الزكاة، وحَج البيت، قال [¬٨]: يا أبا عبد الرحمن ألا تسمع ما ذكر الله في كتابه: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَينَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾، قال: فعلنا على عهد رسول الله ﷺ، وكان الإِسلام قليلًا، فكان الرجل يفتن في دينه إما قتلوه أو عذبوه حتى كثر الإِسلام فلم تكن فتنة.\nقال: فما قولك في علي وعثمان؟ قال: أمّا عثمان فكان [بالله عفا عنه] [¬٩]، وأمّا أنتم فكرهتم أن يعفو [¬١٠] عنه، وأمّا علي فابن عم رسول الله ﷺ وختنه، فأشار بيده فقال: هذا بيته حيث [¬١١] ترون.\n_________\n(^١٠٨١) البخاري في التفسير برقم (٤٥١٣ - ٤٥١٥).\n_________\n[¬١]- في خ: \"وقال\".\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- في ز، خ: \"صنعوا\".\n[¬٤]- في ز: \"قال\".\n[¬٥]- سقط من: ز.\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من خ.\n[¬٧]- في ت: \"وتقيم\".\n[¬٨]- في خ: \"قالوا\".\n[¬٩]- ما بين المعكوفتين بياض في ز، خ.\n[¬١٠]- في خ: \"تعفوا\".\n[¬١١]- في ز: \"حين\".","vol":"2","page":218},{"text":"الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (١٩٤)﴾\nقال عكرمة: عن ابن عباس، والضحاك، والسدي، وقتادة، ومقسم، والربيع بن أنس، وعطاء وغيرهم: لما سار رسول الله ﷺ معتمرًا في سنة ست من الهجرة، وحبسه المشركون عن الدخول والوصول إلى البيت، وصدوه بمن معه من المسلمين في ذي القعدة، وهو شهر حرام، حتى قاضاهم على الدخول من قابل، فدخلها في السنة الآتية هو ومن كان [¬١] معه من المسلمين، وأقصَّه [¬٢] الله منهم، فنزلت في ذلك هذه الآية: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾.\nوقال الإمام أحمد: حدثنا إسحاق بن عيسى، حدثنا ليث بن سعد، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله قال: لم يكن رسول الله ﷺ يغزو في الشهر الحرام إلا أن يُغْزى ويغزو [¬٣]، فإذا حضره أقام حتى ينسلخ (^١٠٨٢).\nهذا إسناد صحيح، ولهذا لما بلغ النبي ﷺ وهو مُخَيَّم بالحديبية أن عثمان قد [¬٤] قتل، وكان قد بعثه في رسالة إلى المشركين بايع أصحابه وكانوا ألفا وأربعمائة، تحت الشجرة على قتال المشركين، فلما بلغه أن عثمان لم يقتل كف عن ذلك، وجنح إلى المسالمة والمصالحة، فكان ما كان.\nوكذلك لما فرغ من قتال هوازن يوم حنين، وتحصن فَلُّهم [¬٥] بالطائف، عدل إليها فحاصرها، ودخل ذو القعدة وهو محاصر لها بالمنجنيق، واستمر عليها إلى كمال أربعين يومًا كما ثبت في الصحيحين عن أنس (^١٠٨٣)، فلما كثر القتل في أصحابه انصرف عنها ولم تفتح، ثم كر راجعًا إلى مكة، واعتمر من الجعرانة حيث قسم غنائم حنين، وكانت عمرته هذه في ذي القعدة أيضًا عام ثمان. صلوات الله وسلامه عليه.\n_________\n(^١٠٨٢) المسند ١٤٧٥٦، ١٤٦٢٥ - (٣/ ٣٤٥، ٣٣٤). وأبر الزبير وإن كان مدلسًا إلا أن الراوي عنه الليث بن سعد، فهو محمول على السماع. ورواه ابن جرير الطبري في تفسيره (٢/ ٣٤٦ - ٣٤٧). وأبو جعفر النحاس في ناسخه (ص ١٢١ - ١٢٢) من طرق عن ليث وهو ابن سعد عن أبي الزبير له. وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ٦٩) وقال: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح.\n(^١٠٨٣) الحديث بهذا المعنى في صحيح مسلم برقم (١٠٥٩).\n_________\n[¬١]- زيادة من خ.\n[¬٢]- أقصَّ فلانًا من غريمه مكنه من القصاص، وأخذ له بحقه.\n[¬٣]- في \"العزو\".\n[¬٤]- زيادة من ز، خ.\n[¬٥] الفلُّ المنهزم. ويطلق على الواحد والجمع.","vol":"2","page":219},{"text":"وقوله: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيكُمْ﴾ أمر بالعدل حتى في المشركين كما قال: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾، وقال: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾.\nوروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس أن قوله: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيكُمْ﴾ نزلت بمكة حيث لا شوكة ولا جهاد، ثم نسخ بآية القتال [¬١] بالمدينة، وقد رد هذا القول ابن جرير وقال: بل هذه [¬٢] الآية مدنية بعد عمرة القضية، وعزا ذلك إلى مجاهد ﵀.\nوقوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ أمر لهم بطاعة الله وتقواه، وإخبار بأنه تعالى مع الذين اتقوا بالنصر والتأييد في الدنيا والآخرة.\n﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥)﴾\nقال البخاري: حدثنا إسحاق، أخبرنا النضر، أخبرنا شعبة، عن سليمان، قال [¬٣]: سمعت أبا وائل، عن حذيفة ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ قال: نزلت في النفقة (^١٠٨٤).\nورواه ابن أبي حاتم (^١٠٨٥)، عن الحسن بن محمد بن الصباح، عن أبي معاوية، عن الأعمش به مثله، قال: وروي عن ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير، وعطاء، والضحاك، والحسن، وقتادة، والسدي، ومقاتل بن حيان نحو ذلك.\nوقال الليث بن سعد: عن يزيد بن أبي حبيب، عن أسلم أبي عمران قال: حمل رجل من المهاجرين بالقسططينية على صف العدو حتى خرقه ومعنا أبو أيوب الأنصاري، فقال ناس: ألقى بيده إلى التهلكة! فقال أبو أيوب: نحن أعلم بهذه الآية، إنما نزلت فينا، صحبنا رسول الله، ﷺ، وشهدنا معه المشاهد، ونصرناه، فلما فشا الإسلام وظهر، اجتمعنا معشر الأنصار نجيّا، فقلنا: قد أكرمنا الله بصحبة نبيه ﷺ ونصره حتى\n_________\n(^١٠٨٤) البخاري في باب التفسير، باب: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ …﴾ برقم (٤٥١٦).\n(^١٠٨٥) - تفسير ابن أبي حاتم ١٧٧٤ - (١/ ٣٣١).\n_________\n[¬١]- في ز: \"الجهاد\".\n[¬٢]- زيادة من: ز، خ.\n[¬٣]- زيادة عن: خ.","vol":"2","page":220},{"text":"فشا الإسلام وكثر أهله، وكنا قد آثرناه على الأهلين والأموال والأولاد، وقد وضعت الحرب أوزارها، فنرجع إلى أهلينا، وأولادنا فنقيم فيهما، فنزلت فينا: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ فكانت التهلكة الإِقامة في الأهل والمال، وترك الجهاد.\nرواه أبو داود، والترمذي، والنسائي، وعبد بن حميد في تفسيره، وابن أبي حاتم، وابن جرير، وابن مردويه، والحافظ أبو يعلى في مسنده، وابن حبان في صحيحه، والحاكم في مستدركه، كلهم من حديث يزيد بن أبي حبيب به (^١٠٨٦).\nوقال الترمذي: حسن صحيح غريب، وقال الحاكم: على شرط الشيخين ولم يخرجاه.\nولفظ أبي داود عن أسلم أبي عمران: كنا بالقسطنطينية، وعلى أهل مصر عقبة بن عامر، وعلى أهل الشام رجل -[يريد] [¬١] فضالة بن عبيد-، فخرج من المدينة صف عظيم من الروم، فصففنا لهم، فحمل رجل من المسلمين على الروم حتى دخل فيهم، ثم خرج إلينا، فصاح الناس إليه فقالوا: سبحان الله! ألقى بيده إلى التهلكة، فقال أبو أيوب: يا أيها الناس، إنكم لتتأولون هذه الآية على غير التأويل، وإنما نزلت فينا معشر الأنصار، وإنا لما أعز الله دينه وكثر ناصروه قلنا فيما بيننا: لو أقبلنا على أموالنا فأصلحناها، فأنزل الله هذه الآية.\nوقال أبو بكر بن عياش: عن أبي إسحاق السبيعي قال: قال رجل للبراء بن عازب: إن حملت على العدو وحدي فقتلوني أكنت ألقيت بيدي إلى التهلكة؟ قال: لا، قال الله لرسوله: ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إلا نَفْسَكَ﴾، [وإنما هذه] [¬٢] في النفقة.\nرواه ابن مردويه، وأخرجه [¬٣] الحاكم في مستدركه (^١٠٨٧) من حديث إسرائيل عن أبي إسحاق به وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.\nورواه الثوري وقيس بن الربيع عن أبي إسحاق عن البراء فذكره، وقال بعد قوله: ﴿لَا تُكَلَّفُ إلا نَفْسَكَ﴾: ولكن التهلكة أن يذنب الرجل الذنب، فيلقي بيده إلى التهلكة ولا\n_________\n(^١٠٨٦) رواه أبو داود في كتاب الجهاد، باب: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ برقم (٢٥١٢)، والترمذي في تفسير سورة البقرة برقم (٢٩٧٢)، والنسائي في الكبرى برقم (١١٠٢٩)، وتفسير الطبري ٣٧١٩، ٣٧٢٠ - (٣/ ٥٩٠)، وصحيح ابن حبان كما في الموارد رقم (١٦٦٧)، والمستدرك (٢/ ٢٧٥). ورواه أبو داود الطيالسي (٥٩٩). وابن أبي حاتم (١/ ٣٣٠ - ٣٣١) وذكره السيوطي في الدر المنثور وزاد نسبته إلى الطبراني والبيهقي في سننه.\n(^١٠٨٧) المستدرك (٢/ ٢٧٥).\n_________\n[¬١]- في ت: \"يزيد بن\" وهو تصحيف وتحريف.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز: \"إنما هذا\".\n[¬٣]- سقط س: ز.","vol":"2","page":221},{"text":"يتوب.\nوقال ابن أبي حاتم (^١٠٨٨): حدَّثنا أبي، حدثنا أبو صالح كاتب الليث [¬١]، [حدّثني الليث] [¬٢]، حدَّثنا عبد الرحمن بن خالد بن مسافر، عن ابن شهاب، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، أن عبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث أخبره أنهم حاصروا دمشق، فانطلق رجل من أزد شنوءة، فأسرع إلى العدو وحده ليستقبل [¬٣]، فعاب ذلك عليه المسلمون، ورفعوا حديثه إلى عمرو بن العاص، فأرسل إليه عمرو فرده، وقال عمرو: قال اللَّه: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾.\nوقال عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ قال [¬٤]: ليس ذلك في القتال، إنما هو في النفقة أن تمسك بيدك عن النفقة في سبيل الله، ولا تلق بيدك إلى التهلكة.\nوقال حماد بن سلمة، عن داود، عن الشعبي، عن الضحاك بن أبي جبيرة، قال: كانت الأنصار يتصدقون وينفقون من أموالهم، فأصابتهم سنة فأمسكوا عن النفقة في سبيل الله، فنزلت: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾.\nوقال الحسن البصري ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ قال: هو البخل.\nوقال سماك بن حرب، عن النعمان بن بشير في قوله: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ أن يذنب الرجل الذنب فيقول: لا يغفر لي! فأنزل الله: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾، رواه ابن مردويه.\nوقال ابن أبي حاتم: وروي عن عَبيدة السَّلماني والحسن وابن سيرين وأبي قلابة نحو ذلك، يعني نحو قول النعمان بن بشير، إنها في الرجل يذنب الذنب فيعتقد أنه لا يغفر له، فيلقي بيده إلى التهلكة، أي: يستكثر من الذنوب فيهلك، ولهذا روى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: التهلكة عذاب الله.\nوقال ابن أبي حاتم وابن جرير جميعًا (^١٠٨٩): حدثنا يونس، حدثنا ابن وهب، أخبرني\n_________\n(^١٠٨٨) - تفسير ابن أبي حاتم ١٧٤٧ - (١/ ٣٣٢).\n(^١٠٨٩) تفسير ابن أبي حاتم ١٧٤٦ - (١/ ٣٣١) وتفسير ابن جرير ٣١٥١ - (٣/ ٥٨٤).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"الكتب\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في تفسير ابن أبي حاتم: ليستقتل.\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.","vol":"2","page":222},{"text":"أبو صخر، عن القرظي [محمد بن كعب] [¬١] أنه كان يقول في هذه الآية: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ قال: كان القوم في سبيل الله فيتزود الرجل، فكان أفضل زادًا من الآخر، [أنفق البائس من زاده] [¬٢] حتى لا يبقى من زاده شيء، أحب أن يواسي صاحبه، فأنزل الله: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾.\nوبه قال ابن وهب أيضًا (^١٠٩٠): أخبرني عبد الله بن عياش [¬٣]، عن زيد بن أسلم في قول الله: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾، وذلك أن رجالًا كانوا بخرجون في بعوث بعثها رسول الله ﷺ بغير نفقة، فإمّا أن يقطع بهم، وإما كانوا عيالًا [¬٤]، فأمرهم الله أن يستنفقوا مما رزقهم الله، ولا يلقوا بأيديهم إلى التهلكة، والتهلكة أن يهلك رجال من الجوع والعطش أو من المشي. وقيل لمن بيده فضل: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾.\nومضمون الآية الأمر بالإنفاق في سبيل الله في سائر وجوه القربات ووجوه الطاعات، وخاصة صرف الأموال في قتال الأعداء وبذلها فيما يقوى به المسلمون على عدوّهم، والإخبار عن ترك فعل [¬٥] ذلك بأنه هلاك ودمار لمن [¬٦] لزمه واعتاده، ثم عطف بالأمر بالإحسان وهو أَعلى مقامات الطاعة فقال: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾.\n﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (١٩٦)﴾\nلما ذكر تعالى أحكام الصيام وعطف بذكر الجهاد شرع في بيان المناسك، فأمر بإتمام الحج والعمرة، وظاهر السياق إكمال أفعالهما بعد الشروع فيهما؛ ولهذا قال بعده: ﴿فَإِنْ\n_________\n(^١٠٩٠) - تفسير ابن أبي حاتم ١٧٤٥ - (١/ ٣٣١).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"أنفقوا الباقين\".\n[¬٣]- في خ: \"عباس\".\n[¬٤]- أي عالة يعتمدون على غيرهم في نفقاتهم.\n[¬٥]- سقط من: ز.\n[¬٦]- في ز: \"إن\".","vol":"2","page":223},{"text":"أُحْصِرْتُمْ﴾ أي: صددتم عن الوصول إلى البيت ومنعتم من إتمامهما؛ ولهذا اتفق العلماء على أن الشروع في الحج والعمرة ملزم سواء قيل بوجوب العمرة أو باستحبابها، كما هما قولان للعلماء، وقد ذكرناهما بدلائلهما في كتاب [¬١] الأحكام مستقصى، ولله الحمد والمنة.\nوقال شعبة: عن عمرو بن مرة، عن عبد الله بن سلمة [¬٢]، عن علي أنه قال في هذه الآية ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ﴾ قال: [أن تحرم] [¬٣] من دويرة أهلك.\nوكذا قال ابن عباس وسعيد بن جبير وطاوس.\nوعن سفيان الثوري أنه قال [في هذه الآية: إتمامهما] [¬٤] أن تحرم من أهلك لا تريد إلا الحج والعمرة، وتهل من الميقات ليس أن تخرج لتجارة ولا لحاجة، حتى إذا كنت قريبًا من مكة قلت: لو حججت أو اعتمرت، وذلك يجزئ، ولكن التمام أن تخرج له ولا تخرج لغيره.\nوقال مكحول: إتمامهما إنشاؤهما جميعًا من الميقات.\nوقال عبد الرزاق (^١٠٩١): أخبرنا معمر، عن الزهري، قال: بلغنا أن عمر قال في قول الله: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ﴾: من تمامهما [¬٥] أن تفرد [كل واحد] [¬٦] منهما من الآخر، وأن تعتمر [¬٧] في غير أشهر الحج، إن الله تعالى يقول: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾.\nوقال هشيم، عن ابن عون، قال [¬٨]: سمعت القاسم بن محمد يقول: أن العمرة في أشهر الحج ليست بتامّة، فقيل له [فالعمرة في المحرّم] [¬٩] قال: كانوا يرونها تامّة، وكذا روي عن قتادة بن دعامة رحمهما الله.\nوهذا القول فيه نظر، لأنه قد ثبت أن رسول الله ﷺ اعتمر أربع عمر كلها في ذي القعدة: [عمرة الحديبية في ذي القعدة سنة ست، وعمرة القضاء في ذي القعدة] [¬١٠] سنة سبع، وعمرة الجعرانة في ذي القعدة سنة ثمان، وعمرته التي مع حجته أحرم بهما معًا في\n_________\n(^١٠٩١) - رواه ابن أبي حاتم عن أحمد بن منصور الرمادي عن عبد الرراق به برقم ١٧٥٨ - (١/ ٣٣٤).\n_________\n[¬١]- في ت: \"كتابنا\".\n[¬٢]- في ز: \"مسلمة\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في خ: \"ائت الحرم\"، وفي ز: \"أن الحرم\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"تمامهما\".\n[¬٥]- في ز: \"تمامها\".\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين في خ: \"كلٌّ\".\n[¬٧]- في خ: \"يعتمر\".\n[¬٨]- سقط من: ت.\n[¬٩]- ما بين المعكوفتين في خ: \"العمرة في اليوم\"، وفي ز: \"العمرة في المحرّم\".\n[¬١٠]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.","vol":"2","page":224},{"text":"في القعدة سنة عشر، وما [¬١] اعتمر قط في غير ذلك بعد هجرته، ولكن قال لأمّ هانئ [¬٢]. \"عمرة في رمضان تعدل حجة معي\" (^١٠٩٢). وما ذاك إلا لأنها قد عزمت على الحج معه ﵇ فاعتاقت عن ذلك بسبب الظهر [¬٣]، كما هو مبسوط في الحديث عند البخاري، ونص سعيد بن جبير على أنه من خصائصها؛ والله أعلم.\nوقال السدي في قوله: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ للهِ﴾ أي: أقيموا الحج والعمرة.\nوقال علي بن أبي [¬٤] طلحة، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ للهِ﴾ يقول من أحرم [بحج أو بعمرة] [¬٥] فليس له أن يحل حتى يتمهما، تمام الحج يوم النحر إذا رمى جمرة العقبة [وطاف بالبيت] [¬٦] وبالصفا والمروة فقد حل.\nوقال قتادة: عن زرارة، عن ابن عباس أنه قال: الحج عرفة، والعمرة الطواف. وكذا روى الأعمش عن إبراهيم، عن علقمة في قوله: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ للهِ﴾ قال: هي قراءة عبد الله: (وأقيموا [¬٧] الحج والعمرة [¬٨] إلى البيت) لا تجاوز بالعمرة البيت. قال إبراهيم: فذكرت\n_________\n(^١٠٩٢) الحديث في صحيح البخاري، كتاب جزاء الصيد، باب: حج النساء برقم (١٨٦٣) من حديث ابن عباس -مرفوعًا- أنه قال لأم سنان الأنصارية -وليس عن أم هانئ-. . . فذكره.\nوقد أخرج هذا الحديث مبهمًا -بدون ذكر اسم الصحابية- مالك في الحج حديث ٦٦ - (١/ ٣٤٦) عن أبي بكر بن عبد الرحمن.\nوكذلك رواه البخاري برقم (١٨٦٢)، ومسلم ٢٢١ - (١٢٥٦) كلاهما من حديث ابن عباس.\nورواه البخاري كما ذكرنا، ومسلم في الحج ٢٢٢ - (١٢٥٦) وجاء عندهما أنها \"أم سنان\". ورواه ابن حبان (٦/ ٥ / رقم: ٣٦٩١). والطبراني (١١/ ١٤٨ / رقم: ١١٣٢٢). من وجه آخر، عن ابن عباس قال: جاءت أم سليم فقالت: حج أبو طلحة وابنه، وتركاني. فقال: \"يا أم سليم، =\n_________\n[¬١]- في خ: \"ولا\".\n[¬٢]- يبدو أن إيراد اسم أم هانئ بنت أبي طالب في هذه القصة سبق قلم من المصنف؛ لأن البخاري- لم يذكر \"أم هانئ\" في أي طريق من طرق هذا الحديث، والصواب أنها أم سنان الأنصارية. وانظر تخريج الحديث.\n[¬٣]-يعني الدابة التي تحج عليها، فإن في الحديث أن النبي ﷺ سألها عما منعها من الحج؟ فقالت: \"أبو فلان -تعني زوجها- حج على أحدهما، والآخر يسقي أرضًا لنا\".\n[¬٤]- سقط من: خ.\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين فِي خ \"بالحج والعمرة\"، وفي ش: \"بالحج أو العمرة\".\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين في خ \"وزار البيت\".\n[¬٧]- في خ. ر وأتموا والمثبت من تفسير الطبري (٤/ ٧).\n[¬٨]- في ر \"إلى العمرة\".","vol":"2","page":225},{"text":"ذلك لسعيد بن جبير، فقال: كذلك قال ابن عباس.\nوقال سفيان: عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة أنه قال: وأقيموا الحج والعمرة إلى البيت. [وكذا روى الثوري أيضًا عن إبراهيم، عن منصور، عن إبراهيم: أنه قرأ: (وأقيموا الحج والعمرة إلى البيت)] [¬١].\nوقرأ الشعبي: (وأتموا الحج والعمرةُ لله) برفع العمرة وقال: ليست بواجبة، وروي عنه خلاف ذلك.\nوقد وردت أحاديث كثيرة من طرق متعدّدة، عن أنس وجماعة من الصحابة؛ أن رسول الله ﷺ جمع في إحرامه بحج وعمرة، وثبت عنه في الصحيح أنه قال لأصحابه: \"من كان معه هدي فليهل بحج وعمرة\" (^١٠٩٣).\nوقال في الصحيح أيضًا: \"دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة\".\nوقد روى الإِمام أبو محمد بن أبي حاتم في سبب نزول هذه الآية حديثًا غريبًا فقال: حدثنا\n_________\n= عمرة تجزيك عن حجة\". فإن صح حمل على تعدد القصة، فقد رواه الطبراني (٢٢/ ٣٢٤ / رقم: ٨١٦). من حديث أبي طليق أن امرأته أم طليق قالت: يا نبي الله، ما يعدل الحج؟ قال: \"عمرة في رمضان\". ورواه أصحاب السنن- أبو داود: في كتاب المناسك، باب: العمرة (رقم: ١٩٨٨). والترمذي في كتاب الحج، باب: ما جاء في عُمرة رمضان (رقم: ٩٣٩). والنسائي في الكبرى: كتاب الحج، كتاب: فضل العمرة في رمضان (رقم: ٤٢٢٧). وابن ماجة: كتاب المناسك، باب: العمرة في رمضان (رقم: ٢٩٩٣)، والحاكم (١/ ٤٨٢). من حديث أم معقل وهي التي يقال لها: أم الهيثم\". وفي الباب عن جابر أخرجه ابن ماجة في كتاب المناسك، كتاب: العمرة في رمضان (رقم: ٢٩٩٥). وسنده صحيح، وعن يوسف بن عبد الله بن سلام قال: قال رسول الله ﷺ لرجل من الأنصار وامرأته: \"اعتمرا في رمضان، فإن عمرة فيه لكما كحجة\". أخرجه النسائي في الكبرى- كتاب الحج، باب: فضل العُمرة في رمضان (رقم: ٤٢٢٤)، وعن أبي معقل أنه جاء إلى رسول الله ﷺ فذكر نحوه، أخرجه النسائي في الكبرى -كتاب الحج، كتاب: فضل العُمرة في رمضان (رقم: ٤٢٢٨). أيضًا، وعن وهب بن خنبش، عن النبي ﷺ قال: \"عمرة في رمضان تعدل حجة\". أخرجه النسائي في الكبرى -كتاب الحج، باب: فضل العمرة في رمضان (رقم: ٤٢٢٥). وأخرجه ابن ماجة في كتاب المناسك، باب: العُمرة في رمضان (رقم: ٢٩٩١، ٢٩٩٢). من الوجه المذكور لكن سماه هرم بن خنبش، وعن علي مثله أخرجه البزار كما في البحر الزخار- المعروف بمسند البزار: (٢/ ٢٣٨ / رقم: ٦٣٦)، وعن أنس مثله أخرجه ابن عبد البر (في التمهيد ٢٢/ ٦٠). بإسناد ضعيف.\n(^١٠٩٣) صحيح مسلم برقم (١٢٣٦) من حديث أسماء ﵂.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من ر، خ.","vol":"2","page":226},{"text":"علي بن الحسين، حدثنا أبو عبد الله الهروي، حدثنا غسان الهروي، حدثنا إبراهيم بن طهمان، عن عطاء، عن صفوان بن أمية أنه قال: جاء رجل إلى النبي، ﷺ، متضمخ [¬١] بالزعفران عليه جبة فقال: كيف تأمرني يا رسول الله في عمرتي؟ قال: فأنزل الله (﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ﴾ فقال رسول الله ﷺ: \"أين السائل عن العمرة؟ \" فقال: ها أنا ذا. فقال له: \"ألق عنك ثيابك، ثم اغتسل، واستنشق ما استطعت، ثم ما كنت [صانعًا] في حجتك فاصنعه في عمرتك\" (^١٠٩٤).\nهذا حديث غريب وسياق عجيب، والذي ورد في الصحيحين عن يعلى بن أمية في قصة الرجل الذي سأل النبي ﷺ وهو بالجعرانة فقال: كيف ترى في رجل أحرم بالعمرة وعليه جبة وخلوق، فسكت رسول الله ﷺ ثم جاءه الوحي، ثم رفع رأسه فقال: \"أين السائل؟ \" فقال: ها أنا ذا، فقال: \"أما الجبة فانزعها، وأما الطيب الذي بك فاغسله، ثم ما كنت صانعًا في حجك فاصنعه في عمرتك\" (^١٠٩٥).\nولم يذكر فيه الغسل، والاستنشاق، ولا ذكر نزول هذه [¬٢] الآية، وهو عن يعلى بن أمية لا صفوان بن أمية، فالله أعلم.\nوقوله: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ ذكروا أن هذه الآية نزلت في سنة ست -أي عام الحديبية- حين حال المشركون بين رسول الله ﷺ وبين الوصول إلى البيت، وأنزل الله في ذلك سورة الفتح بكمالها، وأنزل لهم رخصة أن يذبحوا ما معهم من الهدي وكان سبعين بدنة، [وأن يحلقوا رءوسهم] [¬٣]، وأن يتحللوا من إحرامهم، فعند ذلك أمرهم، ﵇، بأن يحلقوا رءوسهم، وأن [¬٤] يتحللوا، فلم يفعلوا؛ انتظارًا للنسخ حتى [خرج، فحلق] [¬٥] رأسه ففعل الناس، وكان منهم من قصر رأسه ولم يحلقه، فلذلك قال رسول الله ﷺ: \"رحم الله المحلقين\"، قالوا: والمقصرين يا رسول الله، فقال في الثالثة: \"والمقصرين\" (^١٠٩٦)، وقد كانوا اشتركوا في\n_________\n(^١٠٩٤) صحيح مسلم برقم (١٢١٨) من حديث جابر ﵁.\n(^١٠٩٥) ورواه ابن عبد البر في التمهيد (٢/ ٢٥١) من طريق محمد بن سابق، عن إبراهيم بن طهمان، عن أبي الزبير، عن عطاء، عن صفوان بن أمية به.\n(^١٠٩٦) رواه مسلم في صحيحه برقم (١٣٠١) من حديث عبد الله بن عمر ﵁.\n_________\n[¬١]- التمضخ: التلطخ بالطيب وغيره والإكثار منه.\n[¬٢]- سقط من ر، خ\n[¬٣]- سقط من ر، خ.\n[¬٤]- سقط من ر، خ.\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين في ح \"خرج. بحلق\" وفي ر \"صرح بحلق\".","vol":"2","page":227},{"text":"هديهم ذلك كل سبعة في بدنة، وكانوا ألفا وأربعمائة، وكان منزلهم بالحديبية خارج الحرم، وقيل: بل كانوا على طرف الحرم، فالله أعلم.\nولهذا اختلف العلماء هل يختص الحصر بالعدو، فلا يتحلل إلا من حصره عدو لا مرض ولا غيره، على قولين: فقال ابن أبي حاتم: حدَّثنا محمد بن عبد الله بن يزيد المقري، حدَّثنا سفيان، عن [¬١] عمرو بن دينار، عن ابن عباس، وابن طاوس، عن أبيه عن ابن عباس، وابن أبي نجيح، عن ابن عباس أنه قال: لا حصر إلا حصر العدو، فأما من أصابه مرض، أو وجع، أو ضلال فليس عليه شيء، إنما قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ﴾ [فليس الأمن حصرًا] [¬٢].\nقال: وروي عن ابن عمر، وطاوس، والزهري، وزيد بن أسلم نحو ذلك.\nوالقول الثاني: أن الحصر أعم من أن يكون بعدو أو مرض أو ضلال وهو التوهان عن الطريق، أو نحو ذلك، قال [¬٣] الإِمام أحمد: حدَّثنا يحيى بن سعيد، حدَّثنا حجاج [] [¬٤] الصواف، عن يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة، عن الحجاج بن عمرو الأنصاري قال: سمعت رسول الله، ﷺ، يقول: \"من كسر، أو عرج فقد حل وعليه حجة أخرى\"، قال: فذكرت ذلك لابن عباس، وأبي هريرة فقالا: صدق.\nوأخرجه أصحاب الكتب الأربعة من حديث يحيى بن أبي كثير، به (^١٠٩٧)، وفي رواية لأبي داود وابن ماجة: \"من عرج، أو كسر، أو مرض\" فذكر معناه.\nورواه ابن أبي حاتم: عن الحسن بن عرفة، عن إسماعيل بن علية عن الحجاج بن أبي عثمان الصواف، به، ثم قال: وروي عن ابن مسعود، وابن الزبير، وعلقمة، وسعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، ومجاهد، والنخعي، وعطاء، ومقاتل بن حيان أنهم قالوا: الإحصار من عدو أو مرض أو كسر.\nوقال الثوري: الإحصار من كل شيء آذاه. وثبت في الصحيحين عن عائشة: أن رسول الله، ﷺ، دخل على ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب، فقالت: يا رسول\n_________\n(^١٠٩٧) المسند (٣/ ٤٥٠)، وسنن أبي داود برقم (١٨٦٢)، وسنن الترمذي برقم (٩٤٠)، وسنن النسائي (٥/ ١٩٨)، وسنن ابن ماجة برقم (٣٠٧٨).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"بن\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"فليست الأمن حصر\".\n[¬٣]- في خ: \"وقال\".\n[¬٤]- في ت: ابن.","vol":"2","page":228},{"text":"الله؛ إني أريد الحج وأنا شاكية، فقال: \"حجي واشترطي أن محلي حيث حبستني\" (^١٠٩٨).\nورواه مسلم عن ابن عباس بمثله (^١٠٩٩)، فذهب من ذهب من العلماء إلى صحة الاشتراط في الحج لهذا الحديث، وقد علق الإِمام محمد بن إدريس الشافعي القول بصحة هذا المذهب على صحة هذا الحديث، قال البيهقي وغيره من الحفاظ: وقد [¬١] صح، ولله الحمد.\nوقوله: ﴿فَمَا اسْتَيسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾، قال الإِمام مالك: عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي بن أبي طالب أنه كان يقول: ﴿فَمَا اسْتَيسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ شاة، وقال ابن عباس: الهدي من الأزواج الثمانية من الإبل، والبقر، والمعز، والضأن.\nوقال الثوري: عن حبيب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله: ﴿فَمَا اسْتَيسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ قال: شاة. وكذا قال عطاء، ومجاهد وطاوس، وأبو العالية، ومحمد بن علي بن الحسين، وعبد الرحمن بن القاسم، والشعبي، والنخعي، والحسن، وقتادة، والضحاك، ومقاتل بن حيان، وغيرهم مثل ذلك، وهو مذهب الأئمة الأربعة.\nوقال ابن أبي حاتم: حدَّثنا أبو سعيد الأشج، حدَّثنا أبو خالد الأحمر، عن يحيى بن سعيد، عن القاسم، عن عائشة، وابن عمر أنهما كان لا يريان ما استيسر من الهدي إلا من الإبل، والبقر.\nقال: وروي عن سالم، والقاسم، وعروة بن الزبير، وسعيد بن جبير نحو ذلك.\n(قلت): والظاهر أن مستند هؤلاء فيما ذهبوا إليه قضية الحديبية، فإنه [¬٢] لم ينقل عن أحد منهم أنه ذبح في تحلله ذلك [¬٣] شاة، وإنما ذبحوا الإبل، والبقر، [ففي الصحيحين (^١١٠٠) عن جابر قال: أمرنا رسول الله ﷺ أن نشترك في الإبل، والبقر] [¬٤] كل سبعة منا في بقرة.\nوقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس في قوله: ﴿فَمَا اسْتَيسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ قال: بقدر يسارته.\n_________\n(^١٠٩٨) صحيح البخاري برقم (٥٠٨٩)، وصحيح مسلم يرقم (١٢٠٧).\n(^١٠٩٩) صحيح مسلم برقم (١٢٠٨).\n(^١١٠٠) صحيح مسلم برقم (١٣١٨).\n_________\n[¬١]- في خ: \"فقد\".\n[¬٢]- في ر: \"فإنهم\"\n[¬٣]- في ر: \"ذاك\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من ر.","vol":"2","page":229},{"text":"وقال العوفي: عن ابن عباس إن [¬١] كان موسرًا فمن الإبل، وإلا فمن البقر وإلا فمن الغنم.\nوقال هشام بن عروة: عن أبيه ﴿فَمَا اسْتَيسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ قال: إنما ذلك فيما بين الرخص والغلاء.\nوالدليل على صحة قول الجمهور فيما ذهبوا إليه من إجزاء ذبح الشاة في الإحصار: أن الله أوجب ذبح ما استيسر من الهدي، أي: مهما تيسر مما يسمى هديًا، والهدي من بهيمة الأنعام وهي: الإبل، والبقر، والغنم، كما قاله الحبر البحر ترجمان القرآن، وابن عم رسول الله، ﷺ، وقد ثبت في الصحيحين عن عائشة أم المؤمنين ﵂ قالت (^١١٠١): أهدى النبي، ﷺ، مرة غنمًا.\nوقوله: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ معطوف على قوله: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ وليس معطوفًا على قوله: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ كما زعمه ابن جرير رحمه الله تعالى؛ لأن النبي ﷺ وأصحابه عام الحديبية لما حصرهم كفار قريق عن الدخول إلى الحرم حلقوا وذبحوا هديهم خارج الحرم، فأما في حال الأمن والوصول إلى الحرم فلا يجوز الحلق ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ ويفرغ الناسك من أفعال الحج والعمرة إن كان قارنًا، أو من فعل أحدهما أن كان مفردًا، أو متمتعًا كما ثبت في الصحيحين عن حفصة أنها قالت: يا رسول الله ما شأن الناس حلوا من العمرة ولم تحل أنت من عمرتك؟ فقال: \"إني لبدت رأسي، وقلدت هديي فلا أحل حتى أنحر\" (^١١٠٢).\nوقوله: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ قال البخاري: حدَّثنا آدم، حدَّثنا شعبة، عن عبد الرحمن بن الأصبهاني، سمعت عبد الله بن معقل قال: قعدت إلى كعب بن عجرة في هذا المسجد -يعني مسجد الكوفة- فسألته عن فدية من صيام فقال [¬٢]: حملت إلى النبي ﷺ والقمل يتناثر على وجهي فقال: \"ما كنت أرى أن الجهد بلغ بك هذا! أما تجد شاة؟ \"، قلت: لا، قال: \"صم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع من طعام واحلق رأسك\"، فنزلت فيَّ خاصة وهي لكم عامة (^١١٠٣).\n_________\n(^١١٠١) صحيح البخاري برقم (١٧٠١)، وصحيح مسلم برقم (١٣٢١).\n(^١١٠٢) صحيح البخاري برقم (١٧٢٥)، وصحيح مسلم برقم (١٢٢٩).\n(^١١٠٣) صحيح البخاري برقم (٤٥١٧).\n_________\n[¬١]- في خ: \"أنه\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"قال\".","vol":"2","page":230},{"text":"وقال الإمام أحمد (^١١٠٤): حدثنا إسماعيل، حدثنا أيوب، عن مجاهد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة قال: أتى علي النبي ﷺ وأنا أوقد تحت قدر والقمل يتناثر على وجهي أو قال حاجبي، فقال: \"يؤذيك هوام رأسك؟ \"، قلت: نعم. قال: \"فاحلقه وصم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين، أو انسك نسيكة\" قال أيوب: لا أدري بأيتهن بدأ.\nوقال أحمد أيضًا (^١١٠٥): حدثنا هشيم، حدثنا أبو بشر، على مجاهد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة قال: كنا مع رسول الله ﷺ بالحديبية، ونحن محرمون، وقد حصره المشركون، وكانت لي وفرة [¬١] فجعلت الهوام تساقط على وجهي، فمرّ بي رسول الله ﷺ فقال: \"أيؤذيك هوام رأسك؟ \"، فأمره أن يحلق، قال: ونزلت هذه الآية: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾.\nوكذا رواه عفان [¬٢] عن شعبة عن أبي بشر - وهو جعفر بن إياس - به (^١١٠٦)، وعن شعبة عن الحكم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى به، وعن شعبة، عن داود، عن الشعبي، عن كعب بن عجرة نحوه.\nورواه الإِمام مالك (^١١٠٧): عن [حميد بن] [¬٣] قيس، عن مجاهد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة، فذكر نحوه.\nوقال سعد بن إسحاق بن كعب بن عجرة: عن أبان بن صالح، عن الحسن البصري، أنَّه سمع كعب بن عجرة يقول: فذبحت شاة، رواه [¬٤] ابن مردويه، وروى أيضًا من حديث عمر بن قيس، سندل [¬٥]-وهو ضعيف- عن عطاء، عن ابن عباس قال: قال رسول الله - صلى\n_________\n(^١١٠٤) المسند (٤/ ٢٤١) حديث (١٨١٥٩).\n(^١١٠٥) المسند (٤/ ٢٤١) حديث (١٨١٥٣).\n(^١١٠٦) رواية عفان لم نجدها في المسند المطبوع، وهي في أطراف المسند لابن حجر (٥/ ٢١٩).\n(^١١٠٧) الموطأ (١/ ٤١٧).\n_________\n[¬١]- الوفرة: شعر الرأس إذا وصل إلى شحمة الأذن. النهاية (٥/ ٢١٠).\n[¬٢]- سقط من: خ، وفي ز: \"مهملة\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، وفي ز: \"بياض\".\n[¬٤]- في خ: \"ورواه\".\n[¬٥]- سقط من: خ.","vol":"2","page":231},{"text":"الله عليه وسلم -: \"النسك شاة، والصيام ثلاثة أيام، والطعام فرق بين ستة\" (^١١٠٨)، وكذا روي عن علي، ومحمد بن كعب، وعلقمة [¬١]، وإبراهيم، ومجاهد، وعطاء، والسدي، والربيع بن أنس.\nوقال ابن أبي حاتم (^١١٠٩): أخبرنا يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا عبد الله بن وهب، أن مالك بن أنس حدثه، عن عبد الكريم بن مالك الجزري، عن مجاهد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عُجرة أنَّه كان مع رسول الله ﷺ فآذاه القمل في رأسه، فأمره رسول الله ﷺ أن يحلق رأسه وقال: \"صم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين مُدّين مدّين لكل إنسان، أو انسك شاة، أيَّ ذلك فعلت أجزأ عنك\".\nوهكذا روى ليث بن أبي سليم، عن مجاهد، عن ابن عباس في قوله: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ قال: إذا كان [أو، أو] [¬٢] فأية أخذت أجزأ عنك.\nقال ابن أبي حاتم، ورُوي عن مجاهد، وعكرمة، وعطاء، وطاوس، والحسن، وحميد الأعرج، وإبراهيم النخعي، والضحاك نحو ذلك.\n(قلت): وهو مذهب الأئمة الأربعة، وعامة العلماء، أنَّه يخير في هذا المقام، إن شاء صام، وإن شاء تصدّق بفرق، وهو ثلاثة آصع لكل مسكين نصف صاع، وهو مدّان، وإن شاء ذبح شاة، وتصدّق بها على الفقراء، أيَّ ذلك فعل أجزأه، ولما كان لفظ القرآن في بيان الرخصة جاء بالأسهل فالأسهل ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾. ولما أمر النبي، ﷺ، كعب بن عجرة بذلك أرشده إلى الأفضل فالأفضل فقال: \"انسك شاة، أو أطعم ستة مساكين، أو صم ثلاثة أيام\" فكل حسن في مقامه، ولله الحمد والمنة.\nوقال ابن جرير (^١١١٠): حدثنا أبو كريب: حدثنا أبو بكر بن عياش قال: ذكر الأعمش قال: سأل إبراهيمُ سعيدَ بن جبير عن هذه الآية ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ فأجابه يقول: يحكم عليه طعام، فإن كان عنده اشترى شاة، وإن لم يكن قومت الشاة دراهم، وجُعل مكانها طعام، فتصدّق، وإلا صام لكل [¬٣] نصف صاع يومًا، قال إبراهيم:\n_________\n(^١١٠٨) ذكره السيوطي في الدر المنثور (١/ ٥١٥) وعزاه لابن مردويه والواحدي.\n(^١١٠٩) الحديث في الموطأ (١/ ٤١٧).\n(^١١١٠) تفسير ابن جرير (٤/ ٧٤).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"وعكرمة\".\n[¬٢]- في ز: \"أو\".\n[¬٣]- في ز: \"بكل\".","vol":"2","page":232},{"text":"كذلك سمعت علقمة يذكر قال: لما [قام] [¬١] قال لي سعيد بن جبير: من هذا؟ ما أظرفه [¬٢]! قال: قلت: هذا إبراهيم. فقال ما أظرفه [¬٣]! كان يجالسنا، قال: فذكرت ذلك لإِبراهيم. قال: فلما قلت يجالسنا انتفض منها.\nوقال ابن جرير أيضًا: حدثنا ابن أبي عمران، حدثنا عبيد [¬٤] الله بن معاذ، عن أبيه، عن أشعث، عن الحسن في قوله: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ قال: إذا كان بالمحرم أذى من رأسه حلق، وافتدى بأي هذه الثلاثة شاء، والصيام عشرة أيام، والصدقة على عشرة مساكين كل مسكين مكوكين [¬٥]، مكوكًا من تمر، ومكوكًا من بر، والنسك شاة.\nوقال قتادة: عن الحسن، وعكرمة في قوله: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ قال: إطعام عشرة مساكين.\nوهذان القولان من سعيد بن جبير، وعلقمة، والحسن، وعكرمة قولان غريبان فيهما نظر؛ لأنه قد ثبتت السّنة في حديث كعب بن عجرة بصيام [¬٦] ثلاثة أيام لا ستة، أو إطعام ستة مساكين، أو نسك شاة، وأن ذلك على التخيير كما دلّ عليه سياق القرآن، وأما هذا الترتيب، فإنما هو معروف في قتل الصيد كما هو نص القرآن، وعليه أجمع الفقهاء هناك بخلاف هذا والله أعلم.\nوقال هشيم: أخبرنا ليث، عن طاوس أنَّه كان يقول: ما كان من دم، أو طعام فبمكة، وما كان من صيام فحيث شاء، وكذا قال مجاهد، وعطاء، والحسن.\nوقال هشيم، أخبرنا حجاج، وعبد الملك وغيرهما، عن عطاء أنَّه كان قوله: ما كان من دم فبمكة؛ وما كان من طعام وصيام فحيث شاء، وقال هشيم: أخبرنا يحيى بن سعيد، عن يعقوب بن خالد، أخبرنا أبو أسماء مولى [¬٧] ابن جعفر قال: حج عثمان بن عفان، ومعه علي والحسين بن علي، فارتحل عثمان، قال أبو أسماء: وكنت مع ابن جعفر، فإذا نحن برجل نائم، وناقته عند رأسه، قال: فقلت أيها النائم [¬٨]! فاستيقظ، فإذا الحسين بن علي، قال فحمله ابن جعفر حتى أتينا به السقيا، قال: فأرسل إليَّ علي ومعه أسماء بنت عميس، قال: فمرّضناه [¬٩] نحوًا من عشرين ليلة، قال: قال علي للحسين ما الذي تجد؟ قال:\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من خ.\n[¬٢]- في ز، خ: \"أطرفه\".\n[¬٣]- في خ: \"أطرفه\".\n[¬٤]- في ز: \"عبد\".\n[¬٥]- المكوك: مكيال يختلف وزنه ومقداره باختلاف البلاد.\n[¬٦]- في خ: \"فصيام\".\n[¬٧]- غير واضحة في خ.\n[¬٨]- في ز، خ: \" النئوم\".\n[¬٩]- في خ: \"فمرضتاه\".","vol":"2","page":233},{"text":"فأومأ بيده إلى رأسه، قال: فأمر به علي فحلق رأسه، ثمَّ دعا ببدنة فنحرها، فإن كانت هذه الناقة عن الحلق ففيه أنَّه نحرها دون مكة. وإن كانت عن التحلل [¬١] فواضح.\nوقوله: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ أي: فإذا [¬٢] تمكنتم من أداء المناسك، فمن كان منكم متمتعًا بالعمرة إلى الحج، وهو يشمل من أحرم بهما، أو أحرم بالعمرة أولًا فلما فرغ منها أحرم بالحج، [وهذا هو التمتع] [¬٣] الخاص، وهو المعروف في كلام الفقهاء. والتمتع [¬٤] العام يشمل القسمين، كما دلت عليه الأحاديث الصحاح، فإن من الرواة من يقول: تمتع رسول الله، ﷺ. وآخر يقول قرن. ولا خلاف أنَّه ساق هديًا. وقال تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾. أي: فليذبح ما قدر عليه من الهدي. وأقله شاة وله أن يذبح البقر؛ لأنَّ رسول الله ﷺ ذبح عن نسائه البقر.\nوقال الأوزاعي: عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي مسلم، عن أبي هريرة: أن رسول الله، ﷺ، ذبح بقرة عن نسائه، وكن متمتعات. رواه أبو بكر بن مردويه (^١١١١).\nوفي هذا دليل على مشروعية [¬٥] التمتع كما جاء في الصحيحين عن عمران بن حصين (^١١١٢) قال: نزلت آية المتعة في كتاب الله وفعلناها مع رسول الله، ﷺ. ثمَّ لم ينزل قرآن يحرمها [¬٦]، ولم ينه عنها، حتى مات. قال رجل برأيه ما شاء، قال البخاري: يقال: إنه عمر، وهذا الذي قاله البخاري قد جاء مصرحًا به: أن عمر ﵁ كان ينهى الناس عن التمتع ويقول: إنْ نأخذ [¬٧] بكتاب الله فإن الله يأمر بالتمام يعني قوله: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ﴾، وفي نفس الأمر لم يكن عمر ﵁ ينهى عنها محرمًا لها، إنما كان ينهى عنها ليكثر [¬٨] قصد الناس للبيت حاجين ومعتمرين، كما قد صرح به، ﵁.\nوقوله: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾، يقول تعالى: فمن لم يجد هديًا، فليصم ثلاثة أيام في الحج، أي: في أيام المناسك. قال\n_________\n(^١١١١) ورواه أبو داود في السنن برقم (١٧٥١) من طريق الوليد عن الأوزاعي به.\n(^١١١٢) صحيح البخاري برقم (٤٥١٨)، وصحيح مسلم برقم (١٢٢٦).\n_________\n[¬١]- بياض في خ.\n[¬٢]- في ز، خ: \"إذا\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في خ: \"وهو غير التمتع\"، وفي ز: \"وهو غير المتمتع\".\n[¬٤]- في: \"والمتمتع\".\n[¬٥]- في ز، خ: \"شرعية\".\n[¬٦]- في ز، خ: \"يحرمه\".\n[¬٧]- في ز، خ: \"يأخذ\".\n[¬٨]- في: ز، خ. \"ليكن\".","vol":"2","page":234},{"text":"العلماء: والأولى أن يصومها قبل يوم عرفة في العشر، قاله عطاء. أو من حين يحرم، قاله ابن عباس وغيره، لقوله ﴿فِي الْحَجِّ﴾، ومنهم من يجوز صيامها من أول شوّال، قاله طاوس ومجاهد وغير واحد. وجوز الشعبي صيام يوم عرفة وقبله يومين، وكذا قال مجاهد، وسعيد بن جبير، والسدي، وعطاء، وطاوس، والحكم، والحسن، وحماد، وإبراهيم، وأبو جعفر الباقر، والربيع، ومقاتل بن حيان. وقال العوفي، عن ابن عباس: إذا لم يجد هديًا فعليه صيام ثلاثة أيام في الحج قبل يوم عرفة، فإذا [¬١] كان يوم عرفة الثالث، فقد تم صومه، وسبعة إذا رجع إلى أهله.\nوكذا روى أبو إسحاق عن وبرة [¬٢]، عن ابن عمر قال: يصوم يومًا قبل يوم [¬٣] التروية، ويوم التروية، ويوم عرفة. وكذا روي عن [¬٤] جعفر بن محمَّد، عن أبيه، عن علي أيضًا.\nفلو لم يصمها أو بعضها قبل العيد فهل يجوز أن يصومها في أيام التشريق؟ فيه قولان للعلماء، وهما للإمام الشافعي أيضًا، القديم منهما: أنَّه يجوز له صيامها لقول عائشة، وابن عمر في صحيح البخاري: لم يرخص في أيام التشريق أن يصمن إلا لمن لا يجد الهدي (^١١١٣).\nهكذا رواه مالك، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة. وعن سالم، عن ابن عمر، وقد روي من غير وجه عنهما (^١١١٤).\nورواه سفيان، عن جعفر بن محمَّد، عن أبيه، عن علي أنَّه كان يقول: من فاته صيام ثلاثة أيام في الحج صامهن أيام التشريق. وبهذا يقول عبيد بن عمير [¬٥] الليثي، وعكرمة، والحسن البصري، وعروة بن الزبير؛ وإنما قالوا ذلك لعموم قوله: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾.\nوالجديد من القولين: أنَّه لا يجوز صيامها أيام التشريق، لما رواه مسلم (^١١١٥): عن نُبَيشَةَ الهذلي ﵁ قال: قال رسول الله، ﷺ: \"أيام التشريق أيام أكل وشرب، وذكر الله ﷿\".\nوقوله: ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ فيه قولان: (أحدهما): إذا رجعتم [إلى رحالكم] في\n_________\n(^١١١٣) صحيح البخاري برقم (١٩٩٧).\n(^١١١٤) الموطأ: (١/ ٤٢٦).\n(^١١١٥) صحيح مسلم برقم (١١٤١).\n_________\n[¬١]- في ز: \"فإن\".\n[¬٢]- بياض في ز، خ.\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- زيادة من: ز، خ.\n[¬٥]- في خ: \"عمر\".","vol":"2","page":235},{"text":"الطريق؛ ولهذا قال مجاهد: هي رخصة إذا شاء صامها في الطريق. وكذا قال عطاء بن أبي رباح.\nوالقول (الثاني): إذا رجعتم إلى أوطانكم.\nقال عبد الرزاق (^١١١٦): أخبرنا الثوري، عن يحيى بن سعيد، عن سالم، سمعت ابن عمر قال: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ قال: إذا رجع إلى أهله.\nوكذا روي عن سعيد بن جبير، وأبي العالية، ومجاهد، وعطاء، وعكرمة، والحسن، وقتادة، والزهري، والربيع بن أنس. وحكى على ذلك أبو جعفر بن جرير الإِجماع.\nوقد قال البخاري (^١١١٧): حدثنا يحيى بن بُكَير، حدَّثنا الليث، عن عُقَيل، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله: أن ابن عمر قال: تمتع رسول الله ﷺ في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج، وأهدى فساق معه [¬١] الهدي من ذي الحليفة، وبدأ رسول الله، ﷺ، فأهلَّ بالعمرة، ثمَّ أهل بالحج، فتمتع الناس مع رسول الله ﷺ، بالعمرة إلى الحج، فكان من الناس من أهدى فساق الهدي، ومنهم من لم يهد. فلما قدم النبي، ﷺ، مكة قال للناس: \"من كان منكم أهدى فإنَّه لا يحل لشيء حرم منه حتى يقضي حجه، ومن لم يكن منكم [¬٢] أهدى فليطف بالبيت وبالصفا والمروة وليقصِّرْ وليحلل ثم ليهل بالحج، فمن لم يجد هديًا فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله\". وذكر تمام الحديث.\nقال الزهري: وأخبرني عروة، عن عائشة، بمثل ما أخبرني سالم عن أبيه، والحديث مخرج في الصحيحين (^١١١٨) من حديث الزهري به.\nوقوله: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ قيل: تأكيد، كما تقول العرب: رأيت بعيني، وسمعت بأذني، وكتبت بيدي. وقال الله تعالى: ﴿وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيهِ﴾، وقال: ﴿وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾، وقال: ﴿وَوَاعَدْنَا [¬٣] مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيلَةً﴾.\n_________\n(^١١١٦) تفسير عبد الرزاق (١/ ٩٣).\n(^١١١٧) صحيح البخاري برقم (١٦٩١).\n(^١١١٨) صحيح البخاري برقم (١٦٩٢)، وصحيح مسلم برقم (١٢٢٨).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٢]- سقط من: \"ز\".\n[¬٣]- في ز: \"وعدنا\".","vol":"2","page":236},{"text":"وقيل [¬١]: [معنى ﴿كَامِلَةٌ﴾ الأمر بإكمالها وإتمامها اختاره ابن جرير] [¬٢]، وقيل [¬٣]: معنى [¬٤] ﴿كَامِلَةٌ﴾ أي: مجزئة [¬٥] عن الهدي.\nقال [¬٦] هشيم: عن عباد بن راشد، عن الحسن البصري في قوله: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ قال: من الهدي.\nوقوله: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾، قال ابن جرير: واختلف أهل التأويل فيمن عني بقوله: ﴿لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ بعد إجماع جميعهم على أن أهل الحرم معنيون به، وأنه لا متعة لهم، فقال بعضهم: عنى بذلك أهل الحرم خاصة دون غيرهم.\nحدَّثنا ابن بشار، حدَّثنا عبد الرحمن، حدثنا سفيان -هو الثوري- قال: قال ابن عباس ومجاهد: هم أهل الحرم، وكذا روى ابن المبارك عن الثوري، وزاد الجماعة عليه.\nوقال قتادة: ذكر لنا أن ابن عباس كان يقول: يا أهل مكة؛ لا متعة لكم، أحلت لأهل الآفاق وحرمت عليكم، إنما يقطع أحدكم واديًا أو قال يجعل بينه وبين الحرم واديًا ثمَّ [¬٧] يهل بعمرة.\nوقال عبد الرزاق: حدَّثنا معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه قال: المتعة للناس لا لأهل مكة من لم يكن أهله من الحرم. وذلك [¬٨] قول الله ﷿: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾، قال: وبلغني عن ابن عباس مثل قول طاوس.\nوقال آخرون: هم أهل الحرم ومن بينه وبين المواقيت كما قال عبد الرزاق (^١١١٩):\nأخبرنا [معمر، عن] [¬٩] عطاء قال: من كان أهله دون المواقيت فهو كأهل مكة لا يتمتع.\nوقال عبد الله بن المبارك، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن [¬١٠] جابر، عن مكحول في قوله: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ قال: من كان دون الميقات.\n_________\n(^١١١٩) تفسير عبد الرزاق (١/ ٩٣).\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- في ز، خ: \"معناه\".\n[¬٥]- في خ: \"مخبر به\".\n[¬٦]- في ز، خ: \"قاله\".\n[¬٧]- سقط من: ز، خ.\n[¬٨]- في خ: \"وكذا\".\n[¬٩]- ما بين المعكوفتين مكرر في خ.\n[¬١٠]- في خ: \"بن\".","vol":"2","page":237},{"text":"وقال ابن جريج: عن عطاء ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ قال: عرفة ومرّ [¬١] وعُرنة [¬٢] وضَجْنان والرجيع.\nوقال عبد الرزاق: حدثنا معمر، سمعت الزهري، يقول: من كان أهله على يوم أو نحوه تمتع، وفي رواية عنه: اليوم واليومين، واختار ابن جرير في ذلك مذهب الشافعي أنهم أهل الحرم ومن كان منه على مسافة [لا يقصر] [¬٣] فيها الصلاة، لأنَّ من كان كذلك يعد حاضرًا لا مسافرًا، والله أعلم.\nوقوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ أي: فيما أمركم و[ما نهاكم] [¬٤] ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ أي: لمن خالف أمره وارتكب ما عنه زجره.\n﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَال فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ﴾\nاختلف أهل العربية في قوله: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ فقال بعضهم: تقديره الحج حج أشهر معلومات، فعلى هذا التقدير يكون الإِحرام بالحج فيها أكمل من الإِحرام [به] [¬٥] فيما عداها، وإن كان ذاك صحيحًا، والقول بصحة الإِحرام بالحج في جميع السنة مذهب مالك وأبي حنيفة وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه، وبه يقول إبراهيم النخعي والثوري والليث بن سعد، واحْتُجَّ لهم بقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ وبأنه أحد النسكين فصحَّ الإِحرام به في جميع السنة كالعمرة.\nوذهب الشافعي ﵀ إلى أنَّه لا يصح الإِحرام بالحج إلا في أشهره، فلو أحرم به قبلها لم ينعقد إحرامه به، وهل ينعقد عمرة؟ فيه قولان عنه، والقول بأنّه لا يصح الإِحرام بالحج إلا في أشهره مروي عن ابن عباس وجابر، وبه يقول عطاء وطاوس ومجاهد، ﵏، والدليل عليه قوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [وظاهره التقدير الآخر الذي ذهب إليه النحاة، وهو أن وقت الحج أشهر معلومات] [¬٦]، فخصصه بها من بين سائر شهور السنة، فدلّ على أنَّه لا يصح قبلها كميقات الصلاة.\n_________\n[¬١]- في ت: \"ومزدلفة\".\n[¬٢]- سقط من ت.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في ز: \"لا تقصر\".\n[¬٤]- في ز: \"وما نهاكم\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين زيادة من ز.\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"2","page":238},{"text":"وقال الشافعي ﵀: أخبرنا مسلم بن خالد، عن ابن جريج، أخبرني عمرو بن عطاء، عن عكرمة، عن ابن عباس؛ أنَّه قال: لا ينبغي لأحد أن يحرم بالحج إلا في شهور الحج من أجل قول الله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾.\nوكذا رواه ابن أبي حاتم، عن أحمد بن يحيى بن مالك السوسي [¬١]، عن حجاج بن محمَّد الأعور، عن ابن جريج به، ورواه ابن مردويه في تفسيره من طريقين، عن حجاج بن أرطاة، عن الحكم بن عتيبة [¬٢]، عن مقسم، عن ابن عباس؛ أنَّه قال: من السنة أن [¬٣] لا يحرم بالحج إلا في أشهر الحج.\nوقال ابن خزيمة في صحيحه (^١١٢٠): حدَّثنا أبو كريب، حدَّثنا [¬٤] أبو خالد الأحمر، عن شعبة، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس؛ قال: لا يحرم بالحج إلا في أشهر الحج، [فإن من سنة الحج أن يحرم بالحج في أشهر الحج] [¬٥]، وهذا إسناد صحيح، وقول الصحابي من السنة كذا في حكم المرفوع عند الأكثرين، ولا سيما قول ابن عباس تفسيرًا للقرآن وهو ترجمانه.\nوقد ورد فيه حديث مرفوع، قال ابن مردويه: حدثنا عبد الباقي بن قانع [¬٦]، حدَّثنا الحسن بن المثنى، حدثنا أبو حذيفة، حدثنا سفيان عن أبي الزبير عن جابر، عن النبي ﷺ؛ أنَّه قال: \"لا ينبغي لأحد أن يحرم بالحج إلا في أشهر الحج\".\nوإسناده لا بأس به، ولكن [¬٧] رواه الشافعي والبيهقيُّ (^١١٢١): من طرق، عن ابن جريج، عن أبي الزبير؛ أنَّه سمع جابر بن عبد الله يسأل: أيهل بالحج قبل أشهر الحج؟ فقال: لا.\nوهذا الموقوف أصح وأثبت من المرفوع، ويبقى حينئذٍ مذهب صحابي يتقوى بقول ابن عباس: من السنة أن لا يحرم بالحج إلا في أشهره، والله أعلم.\nوقوله: ﴿أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾، قال البخاري (^١١٢٢): قال ابن عمر: هي شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة، وهذا الذي علقه البخاري عنه [¬٨] بصيغة الجزم رواه ابن جرير (^١١٢٣)\n_________\n(^١١٢٠) صحيح ابن خزيمة برقم (٢٥٩٦).\n(^١١٢١) الأم للشافعي (٢/ ١٣٦)، والسنن الكبرى للبيهقي (٤/ ٣٤٣).\n(^١١٢٢) صحيح البخاري (٣/ ٤١٩) \"فتح\".\n(^١١٢٣) تفسير ابن جرير (٤/ ١١٦).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"السرسي\".\n[¬٢]- في خ: \"عيينة\".\n[¬٣]- سقط من: خ.\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- في خ: \"حدثنا نافع\".\n[¬٧]- وفي ز: \"لكن\".\n[¬٨]- سقط من: ت.","vol":"2","page":239},{"text":"موصولا [¬١]: حدَّثنا [¬٢] أحمد بن حازم بن أبي غرزة [¬٣]، حدثنا أبو نعيم، حدثنا ورقاء، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ قال: شوال وذو القعدة وعشر من [¬٤] ذي الحجة.\nإسناده [¬٥] صحيح، وقد رواه الحاكم أيضًا في مستدركه (^١١٢٤)؛ عن الأصم، عن الحسن بن علي بن عفان، عن عبد الله بن نمير، عن عبيد [¬٦] الله، عن نافع، عن ابن عمر، فذكره وقال: هو [¬٧] على شرط الشيخين.\n(قلت): وهو مروي عن عمر، وعلي، وابن مسعود، وعبد الله بن الزبير، وابن عباس، وعطاء، وطاوس، ومجاهد، وإبراهيم النخعي، والشعبي، والحسن، وابن سيرين، ومكحول، وقتادة، والضحاك بن مزاحم، والربيع بن أنس، ومقاتل بن حيان. وهو مذهب الشافعي، وأبي حنيفة، وأحمد بن حنبل، وأبي يوسف، وأبي ثور، ﵏. واختار هذا القول ابن جرير، قال: وصح إطلاق الجمع على شهرين وبعض الثالث للتغليب، كما تقول العرب: رأيته [¬٨] العام، ورأيته اليوم، وإنما وقع ذلك في بعض العام واليوم [قال الله تعالى] [¬٩]: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَينِ فَلَا إِثْمَ عَلَيهِ﴾ وإنما تعجل في يوم ونصف يوم [¬١٠].\nوقال الإمام مالك بن أنس [والشافعيُّ في القديم] [¬١١]: هي شوّال وذو القعدة وذو الحجة بكماله، وهو رواية عن ابن عمر أيضًا، قال ابن جرير:\nحدثنا أحمد بن إسحاق، حدثنا أبو أحمد، حدثنا شريك، عن إبراهيم بن أبي [¬١٢] مهاجر، عن مجاهد، عن ابن عمر؛ قال: شوال وذو القعدة وذو الحجة.\nوقال ابن أبي حاتم في تفسيره (^١١٢٥): حدثنا يونس بن عبد الأعلى، حدثنا ابن وهب،\n_________\n(^١١٢٤) المستدرك (٢/ ٢٧٦).\n(^١١٢٥) ورواه الطبراني في المعجم الأوسط برقم (١٦٩٣) \"مجمع البحرين\"من طريق محمَّد بن ثواب عن حصين بن مخارق به.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في خ: \"حدثني\".\n[¬٣]- في ت: \"زغرة\".\n[¬٤]- سقط من: ز.\n[¬٥]- في ز: \"إسناد\".\n[¬٦]- في خ: \"عبد\".\n[¬٧]- سقط من: ز، خ.\n[¬٨]- في ز، خ: \"زرته\".\n[¬٩]- ما بين المعكوفتين سقط من: ت.\n[¬١٠]- سقط من: ز، خ.\n[¬١١]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: مكانه بياض.\n[¬١٢]- في ز، خ: \"عن\".","vol":"2","page":240},{"text":"أخبرني ابن جريج؛ قال: قلت لنافع: أسمعت عبد الله بن عمر يسمي شهور الحج؟ قال: نعم، كان عبد الله يسمي [شوّالًا وذا القعدة وذا الحجة] [¬١]، قال ابن جريج: وقال ذلك ابن شهاب وعطاء وجابر بن عبد الله صاحب النبي ﷺ، وهذا إسناد صحيح إلى ابن جريج، وقد حكي هذا أيضًا عن طاوس ومجاهد، وعروة بن الزبير، والربيع بن أنس وقتادة، وجاء فيه حديث مرفوع لكنه موضوع، رواه الحافظ ابن مردويه، من طريق حصين بن مخارق -وهو متهم بالوضع- عن يونس بن عبيد، عن شهر بن حوشب، عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ: \"الحج أشهر معلومات شوّال وذو القعدة وذو الحجة\".\nوهذا كما رأيت لا يصح رفعه، والله أعلم.\nوفائدة مذهب مالك أنه إلى آخر ذي الحجة بمعنى أنه مختص بالحج، فيكره الاعتمار في بقية ذي الحجة، لا أنه يصح الحج بعد ليلة النحر.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن قيس ابن مسلم، عن طارق بن شهاب، قال: قال عبد الله: الحج أشهر معلومات، ليس فيها عمرة. وهذا إسناد صحيح.\nقال ابن جرير: وإنما أراد من ذهب إلى أن أشهر الحج شوال وذو القعدة وذو الحجة، أن هذه الأشهر ليست أشهر العمرة، إنما هي للحج، وإن كان عمل الحج قد انقضى بانقضاء أيام منى، كما قال محمد بن سيرين: ما أحد من أهل العلم يشك في أن عمرة في غير أشهر الحج أفضل من عمرة في أشهر الحج.\nوقال ابن عون: سألت القاسم بن محمد، عن العمرة في أشهر الحج .. فقال: كانوا لا يرونها تامّة.\n(قلت): وقد ثبت عن عمر وعثمان ﵄ أنهما كانا يحبان الاعتمار في غير أشهر الحج، وينهيان عن ذلك في أشهر الحج، والله أعلم.\nوقوله: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾ أي: أوجب بإحرامه حباب فيه دلالة على لزوم إلا حرام بالحج والمضي فيه. قال ابن جرير: أجمعوا على أن المراد من الفرض هاهنا الإيجاب والإلزام [¬٢].\nوقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾ يقول: من أحرم بحج\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"شوَّال وذو القعدة وذو الحجة\".\n[¬٢]- في ز: \"الالتزام\".","vol":"2","page":241},{"text":"أو عمرة، وقال عطاء: الفرض: الإِحرام، وكذا قال إبراهيم والضحاك وغيرهم.\nوقال ابن جريج: أخبرني [¬١] عمر بن عطاء، عن عكرمة، عن ابن عباس، أنه قال: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾ فلا ينبغي أن يلبي بالحج ثم يقيم بأرض.\nقال ابن أبي حاتم: وروي عن ابن مسعود وابن عباس، وابن الزبير ومجاهد، وعطاء وإبراهيم النخعي، وعكرمة والضحاك، وقتادة وسفيان الثوري، والزهري ومقاتل بن حيان نحو ذلك.\nوقال طاوس والقاسم بن محمد: هو التلبية.\nوقوله: ﴿فلا رفث﴾ أي: من أحرم بالحج أو العمرة، فليجتنب الرفث، وهو الجماع، كما قال تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ كذلك يحرم تعاطي دراعيه من المباشرة والتقبيل ونحو ذلك، وكذلك التكلم به بحضرة النساء.\nقال ابن جرير: حدثني يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرني يونس أن نافعًا أخبره أن عبد الله بن عمر كان يقول: الرفث إتيان النساء والتكلم بذلك للرجال [¬٢] والنساء إذا ذكروا ذلك بأفواههم.\nقال ابن وهب: وأخبرني أبو صخر، عن محمد بن كعب مثله.\nقال ابن جرير (^١١٢٦): وحدثنا محمد بن بشار، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن قتادة، عن رجل، عن أبي العالية الرياحي، عن ابن عباس؛ أنه كان يحدو وهو محرم وهو يقول:\nوَهُنَّ يمشِينَ بنا همِيسا … إِنْ يصدُقِ الطيرُ نَنَكْ لميسا\nقال أبو العالية: فقلت تكلم بالرفث وأنت محرم؟ قال: إنما الرفث ما قيل عند النساء.\nورواه الأعمش، عن زياد بن حصين، عن أبي العالية، عن ابن عباس فذكره.\nوقال ابن جرير أيضًا (^١١٢٧): حدثنا محمد بن بشار، حدثنا ابن أبي عدي، عن عوف، حدثني زياد بن حصين، حدثني أبي حصين بن قيس؛ قال: أصعدت مع ابن عباس في الحاجّ [¬٣] وكنت خليلًا له، فلما كان بعد إحرامنا قال ابن عباس: فأخذ بذنب بعيره فجعل يلويه [رهو يرتجز] [¬٤] ويقول:\n_________\n(^١١٢٦) \" تفسير ابن جرير (٤/ ١٢٦).\n(^١١٢٧) \" تفسير ابن جرير (٤/ ١٢٦).\n_________\n[¬١]- في خ: \"حدثني جبير بن\"، وفي ز: \"ثنا بن حر\".\n[¬٢]- في ز: \"الرجال\".\n[¬٣]- في خ: \"الحج\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين في خ: \"ويرتجز\".","vol":"2","page":242},{"text":"وهنّ يمشين بنا هميسا … إن تصدق [¬١] الطير ننك لميسا\nقال: فقلت أترفث وأنت محرم؟ فقال إنما الرفث ما قيل عند النساء.\nوقال عبد الله بن طاوس، عن أبيه، سألت ابن عباس عن قول الله ﷿: ﴿فلا رفث ولا فسوق﴾ قال: الرفث التعريض بذكر الجماع، وهي العَرَابة في كلام العرب، وهو أدنى الرفث.\nوقال عطاء بن أبي رباح: الرفث الجماع وما دونه من قول الفحش، وكذا قال عمرو بن دينار، وقال عطاء: كانوا يكرهون العَرَابة وهو التعريض [بذكر الجماع] [¬٢] وهو محرم.\nوقال طاوس: هو أن يقول [¬٣] للمرأة: إذا حللت أصبتك، وكذا قال أبو العالية.\nوقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: الرفث غشيان النساء والقبلة [¬٤] والغمز، وأن يعرض لها بالفحش من الكلام ونحو ذلك.\nوقال ابن عباس أيضًا وابن عمر: الرفث غشيان النساء، وكذا قال سعيد بن جبير، وعكرمة ومجاهد، وإبراهيم وأبو العالية، وعطاء ومكحول [وعطاء الخراساني] [¬٥] وعطاء بن يسار، وعطة وإبراهيم النخعي، والربيع والزهري، والسدي ومالك بن أنس ومقاتل بن حيان وعبد الكريم بن مالك، والحسن وقتادة والضحاك وغيرهم.\nوقوله: ﴿ولا فسوق﴾، قال مقسم وغير واحد عن ابن عباس: هي المعاصي، وكذا قال عطاء ومجاهد، وطاوس وعكرمة، وسعيد بن جبير، ومحمد بن كعب، والحسن وقتادة، وإبراهيم النخعي والزهري ومكحول والربيع بن أنس، وعطاء بن يسار، وعطء الخراساني، ومقاتل بن حيان.\nوقال محمد بن إسحاق: عن نافع، عن ابن عمر؛ قال: الفسوق [ما أصيب من معاصي الله صيدًا] [¬٦] أو غيره، وكذا روى ابن وهب: عن يونس، عن نافع، أن عبد الله بن عمر كان يقول: الفسوق إتيان معاصي الله في الحرم.\nوقال آخرون: الفسوق هاهنا السباب قاله ابن عباس وابن عمر، وابن الزبير ومجاهد،\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"يصدق\"\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ت.\n[¬٣]- في ز، خ: \"تقول\".\n[¬٤]- في ز: \"القبل\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين مكانه في ز، خ بياض، وبعده: \"ابن أبان\".\n[¬٦]- كذا في ز، خ، وفي ت: [ما أصيب من معاصي الله به صيدًا] وكلتا العبارتين يغلفهما الغموض واللبس.","vol":"2","page":243},{"text":"والسدي وإبراهيم النخعي [¬١] والحسن، وقد يتمسك لهولاءِ بما ثبت في الصحيح (^١١٢٨): \" سباب المسلم فسوق وقتاله [¬٢] كفر\".\n[ولهذا رواه هاهنا الحبر أبو محمد بن أبي حاتم من حديث سفيان الثوري عن زبيد عن أبي وائل عن عبد الله عن النبي ﷺ قال: \"سباب المسلم فسوق وقتاله كفر\"، وروي من حديث عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه (^١١٢٩)، ومن حديث أبي إسحاق عن محمد بن سعد عن أبيه (^١١٣٠)] [¬٣].\nوقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: الفسوق هاهنا الذبح للأصنام، قال الله تعالى: ﴿أو فسقًا أهل لغير الله به﴾، وقال الضحاك: الفسوق التنابز بالألقاب.\nوالذين قالوا: الفسوق هاهنا هو [¬٤] جميع المعاصي [معهم الصواب]، كما نهى تعالى عن الظلم في الأشهر الحرم، وإن كان في جميع السنة منهيًّا عنه، إلا أنه في الأشهر الحرم آكد- ولهذا قال: ﴿مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ - وقال في الحرم: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾.\nواختار ابن جرير أن الفسوق هاهنا هو ارتكاب ما نهي عنه في الإِحرام من قتل الصيد، وحلق الشعر، وقلم الأظفار، ونحو ذلك كما تقدم عن ابن عمر، وما ذكرناه أولى [¬٥]، والله أعلم. وقد ثبت في الصحيحين من حديث أبي حازم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله، ﷺ: \"من حج هذا البيت فلم يرفث، ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمّه\" (^١١٣١).\nوقوله: ﴿وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ فيه قولان:\nأحدهما: ولا مجادلة في وقت الحج، وفي مناسكه، وقد بينّه الله أتم كان، ووضحه أكمل إيضاح، كما قال وكيع: عن العلاء بن عبد الكريم: سمعت مجاهدًا يقول: ﴿وَلَا جِدَالَ فِي\n_________\n(^١١٢٨) ورواه البخاري في صحيحه برقم (٦٠٤٤)، ومسلم في صحيحه برقم (٦٣) من طريق منصور بن المعتمر عن أبي وائل به.\n(^١١٢٩) رواه الترمذي في السنن برقم (٢٦٣٤)، والنسائي في السنن (٧/ ١٢٢).\n(^١١٣٠) رواه ابن ماجة في السنن برقم (٣٩٤١).\n(^١١٣١) صحيح البخاري برقم (١٥٢١)، وصحيح مسلم برقم (١٣٥٠).\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في ز، خ: \"وقتله\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- في ز، خ: \"هي\"\n[¬٥]- في ز: \"أدنى\".","vol":"2","page":244},{"text":"الْحَجِّ﴾ قد بين الله أشهر الحج فليس فيه جدال بين الناس.\nوقال ابن أبي نجيح: عن مجاهد ﴿وَلَا جِدَال فِي الْحَجِّ﴾ [قال: لا شهر ينسأ ولا جدال في الحج] [¬١] قد تبين، ثم ذكر كيفية ما كان المشركون يصنعون في النسيء الذي ذمّهم الله به.\nوقال الثوري: عن عبد العزيز بن رفيع [¬٢]، عن مجاهد في قوله: ﴿وَلَا جِدَال فِي الْحَجِّ﴾ قال: قد استقام الحج فلا جدال فيه، وكذا قال السدي.\nوقال هشيم: أخبرنا حجاج، عن عطاء، عن ابن عباس ﴿وَلَا جِدَال فِي الْحَجِّ﴾ قال: المراء في الحج، وقال عبد الله بن وهب: قال مالك: قال الله تعالى: ﴿وَلَا جِدَال فِي الْحَجِّ﴾ فالجدال في الحج والله أعلم أن قريشًا كانت تقف عند المشعر الحرام بالمزدلفة، وكانت العرب وغيرهم يقفون بعرفة، وكانوا يتجادلون، يقول هؤلاءِ: نحن أصوب، وهول هؤلاءِ: نحن أصوب، فهذا فيما نرى والله أعلم.\nوقال ابن وهب: عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم كانوا يقفون مواقف مختلفة يتجادلون، كلهم يدعي أن موقفه موقف إبراهيم، [فقطعه الله حين] [¬٣] أعلم نبيه بالمناسك.\nوقال ابن وهب: عن أبي صخر، عن محمد بن كعب قال: كانت قريش إذا اجتمعت بمنى قال هؤلاء: حجنا أتم من حجكم، وقال هؤلاء: حجنا أتم من حجكم.\nوقال حماد بن سلمة [¬٤]: عن جبر [¬٥] بن حبيب عن القاسم بن محمد أنه قال: الجدال في الحج أن يقول بعضهم الحج غدًا، ويقول بعضهم: الحج [¬٦] اليوم.\nوقد اختار ابن جرير مضمون هذه الأقوال، وهو قطع التنازع في مناسك الحج [والله أعلم] [¬٧].\n(والقول الثاني): أن المراد بالجدال هاهنا الخاصمة.\nقال ابن جرير: حدَّثنا عبد الحميد بيان، حدَّثنا إسحاق، عن شريك، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله بن [¬٨] مسعود في قوله: ﴿وَلَا جِدَال فِي الْحَجِّ﴾ قال: أن تماري صاحبك حتى تغضبه.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٢]- في ز، خ: \"ربيع\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في ر: \"بقطعه أنه من\".\n[¬٤]- في ز: \"مسلمة\".\n[¬٥]- في ز: \"حر\".\n[¬٦]- سقط من: ز، خ.\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٨]- في ز، خ: \"هو ابن\".","vol":"2","page":245},{"text":"وبهذا الإِسناد إلى أبي إسحاق عن التميمي: سألت ابن عباس عن الجدال قال: المراء تماري صاحبك حتى تغضبه. وكذا [¬١] روى مقسم، والضحاك عن ابن عباس، وكذا قال أبو العالية، وعطاء، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وعكرمة، وجابر بن زيد، وعطاء الخراساني، ومكحول، والسدي، ومقاتل بن حيان وعمرو بن دينار والضحاك والربيع بن أنس وإبراهيم النخعي وعطاء بن يسار والحسن وقتادة والزهري.\nوقال علي بن أبي طلحة: عن ابن عباس ﴿وَلَا جِدَال فِي الْحَجِّ﴾ [قال: الجدال] [¬٢] المراء والملاحاة حتى تُغْضب [¬٣] أخاك وصاحبك، فنهى الله عن ذلك.\nوقال إبراهيم النخعي ﴿وَلَا جِدَال فِي الْحَجِّ﴾ قال: كانوا يكرهون الجدال، وقال محمد بن إسحاق: عن نافع، عن ابن عمر قال: الجدال [في الحج] [¬٤]: السباب والمنازعة، وكذا روى ابن وهب، عن يونس، عن نافع: أن ابن عمر كان يقول: الجدال في الحج: السباب والمراء والخصومات، وقال ابن أبي حاتم: وروي عن ابن [¬٥] الزبير، والحسن، وإبراهيم، وطاوس، ومحمد بن كعب قالوا: الجدال المراء.\nوقال عبد الله بن المبارك: عن يحيى بن بشير، عن عكرمة ﴿وَلَا جِدَال فِي الْحَجِّ﴾ والجدال: الغضب، أن تُغْضب [¬٦] عليك مسلمًا، إلا أن تستعتب [¬٧] مملوكًا، فتغضبه من غير أن تضربه فلا بأس عليك إن شاء الله.\n(قلت): ولو ضربه لكان جائزًا سائغًا، والدليل على ذلك ما رواه الإمام أحمد (^١١٣٢):\nحدثنا عبد الله بن إدريس، حدثنا محمد بن إسحاق، عن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، أن أسماء بنت أبي بكر قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ حجاجًا، حتى إذا كنا بالعرج نزل رسول الله ﵌ فجلست عائشة إلى جنب رسول الله، ﷺ، وجلست إلى جنب أبي، وكانت زمالة [¬٨] أبي بكر، وزمالة رسول الله، ﷺ واحدة مع غلام أبي بكر، فجلس أبو [¬٩] بكر ينتظره إلى أن\n_________\n(^١١٣٢) المسند (٦/ ٣٤٤) (٢٧٠٢٨)، وأخرجه أبو داود في كتاب المناسك، باب: المحرم يؤدب غلامه=\n_________\n[¬١]- في ز: \"وكذلك\"\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين زيادة من ز.\n[¬٣]- في ز، خ: \"يغضب\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٥]- سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- في خ: \"يغضب\".\n[¬٧]- في ز: \"تستغيب\".\n[¬٨]- أي مركوبهما وأداتُهما وما كان معهما في السفر. النهاية (٢/ ٣١٣).\n[¬٩]- في خ: \"أبي\".","vol":"2","page":246},{"text":"يطلع عليه، فأطلع وليس معه بعيره فقال: أين بعيرك؟ فقال: أضللته البارحة، فقال أبو بكر: بعير واحد تضله؟ فطفق يضربه ورسول الله ﷺ يتبسم ويقول: \"انظروا إلى هذا المحرم ما يصنع! \".\nوهكذا أخرجه أبو داود، وابن ماجة من حديث ابن إسحاق، ومن هذا الحديث حكى بعضهم عن بعض السلف أنه قال: من تمام الحج ضرب الجمال، ولكن يستفاد من قول النبي، ﷺ، عن أبي بكر ﵁: \"انظروا إلى هذا امحرم ما يصنع! \" كهيئة الإِنكار اللطيف أن الأولى ترك ذلك والله أعلم.\nوقد قال الإمام عبد بن حميد في مسنده (^١١٣٣): حدثنا عبيد الله بن موسى عن موسى بن عبيدة، عن أخيه عبد الله بن عبيدة، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله، ﷺ: \"من قضى نسكه، وسلم المسلمون من لسانه ويده غفر له ما تقدم من ذنبه\".\nوقوله: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ لما نهاهم عن إتيان الفبيح قولًا وفعلًا [¬١]، حثهم على فعل الجميل، وأخبرهم أنه عالم به، وسيجزيهم عليه أوفر الجزاء يوم القيامة.\nوقوله: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾، قال العوفي: عن ابن عباس: كان أناس يخرجون من أهليهم ليست معهم أزودة يقولون نحج بيت الله ولا يطعمنا؟ فقال الله: تزودوا ما يكف وجوهكم عن الناس.\nوقال ابن أبي حاتم: حدَّثنا محمد بن عبد الله بن يزيد المقري [¬٢]، حدَّثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة قال: أن ناسًا كانوا يحجون بغير زاد فأنزل الله: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾.\nوكذا رواه ابن جرير: عن عمرو -وهو الفلاس [¬٣]- عن ابن عيينة [به] [¬٤].\nقال ابن أبي حاتم: وقد روى هذا الحديث ورقاء، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: وما يرويه ابن عيينة أصح.\n_________\n= (٢/ ١٦٩ / رقم: ١٨١٨). وابن ماجة في كتاب المناسك، باب: التوقي في الإحرام. (٢/ ٩٧٨ / رقم ٢٩٣٣). كلاهما من طريق عبد الله بن إدريس به.\n(^١١٣٣) المنتخب لعبد بن حميد برقم (١١٤٨) وموسى بن عبيدة ضعيف.\n_________\n[¬١]- زيادة من: خ، وفي ز: \"وفعالًا\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"المصري\".\n[¬٣]- في ز: \"العالاس\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين زيادة من ز.","vol":"2","page":247},{"text":"(قلت): قد رواه النسائي (^١١٣٤): عن سعيد بن عبد الرحمن المخزومي، عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس: كان ناس يحجون بغير زاد فأنزل الله: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾.\nوأمّا حديث ورقاء فأخرجه [البخاري عن [¬١] يحيى بن بشر [¬٢]، عن [¬٣]، شبابة، وأخرجه] [¬٤] أبو داود: عن أبي [¬٥] مسعود أحمد بن الفرات الرازي، ومحمد بن عبد الله المُخرَّمي [¬٦]، عن شبابة، عن ورقاء، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: كان أهل اليمن يحجون ولا يتزودون، ويقولون: نحن المتوكلون؛ فأنزل الله ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ (^١١٣٥).\nورواه عبد بن حميد في تفسيره عن شبابة، ورواه ابن حبان في صحيحه من حديث شبابة به.\nوروى ابن جرير (^١١٣٦)، وابن مردويه: من حديث عمرو بن عبد الغفار، عن نافع، عن ابن عمر قال: كانوا إذا أحرموا ومعهم أزوادهم رموا بها واستأنفوا زادًا آخر فأنزل الله تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾، فنهوا عن ذلك، وأمروا أن يتزودوا الدقيق، والسويق، والكعك، وكذا قال ابن الزبير، وأبو العالية، ومجاهد، وعكرمة، والشعبي، والنخعي، وسالم بن عبد الله، وعطاء الخراساني، وقتادة، والربيع بن أنس، ومقاتل بن حيان.\nوقال سعيد بن جبير: فتزودوا [¬٧] الدقيق والسويق والكعك.\nوقال وكيع [بن الجراح] [¬٨] في تفسيره حدَّثنا سفيان، عن محمد بن سوقة، عن سعيد بن جبير ﴿وتزودوا﴾ قال: الخشكنانج والسويق، وقال وكيع أيضًا: حدَّثنا إبراهيم المكي، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عمر قال: إن من كرم الرجل طيب زاده في السفر، وزاد فيه حماد بن سلمة: عن أبي ريحانة أن ابن عمر كان يشترط على من صحبه الجودة [¬٩].\n_________\n(^١١٣٤) سنن النسائي الكبرى برقم (١١٠٣٣).\n(^١١٣٥) صحيح البخاري برقم (١٥٢٣)، وسنن أبي داود برقم (١٧٣٠).\n(^١١٣٦) تفسير ابن جرير (٤/ ١٥٦).\n_________\n[¬١]- في ز: \"ثنا\".\n[¬٢]- في ز: \"بشير\".\n[¬٣]- في ز: \"ثنا\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٥]- في خ: \"ابن\".\n[¬٦]- في خ: \"المخزومي\".\n[¬٧]- في خ: \"يتزودوا\".\n[¬٨]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٩]- في ز: \"الجوذة\".","vol":"2","page":248},{"text":"وقوله: ﴿فَإِنَّ خَيرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ لما أمرهم بالزاد للسفر في الدنيا، أرشدهم إلى زاد الآخرة وهو استصحاب التقوى إليها، كما قال: ﴿وريشًا ولباس التقوى ذلك خير﴾، لما ذكر اللباس الحسي، نبه مرشدًا إلى اللباس المعنوي، وهو الخشوع، والطاعة، والتقوى، وذكر أنه خير من هذا وأنفع.\nقال عطاء الخراساني في قوله: ﴿فَإِنَّ خَيرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾: يعني زاد الآخرة.\nوقال الحافظ أبو القاسم الطبراني (^١١٣٧): حدَّثنا عبدان، حدَّثنا هشام بن عمار، حدَّثنا مروان بن معاوية، عن إسماعيل، عن قيس عن [¬١] جرير بن عبد الله، عن النبي ﷺ قال: \"من يتزود في الدنيا ينفعه في الآخرة\".\nوقال مقاتل بن حيان: لما نزلت هذه الآية ﴿وَتَزَوَّدُوا﴾ قام رجل من فقراء المسلمين فقال [¬٢]: يا رسول الله ما نجد زادًا نتزوده، فقال رسول الله ﷺ: \"تزوذ مما تكفّ به وجهك عن الناس وخير ما تزودتم التقوى\"، رواه ابن أبي حاتم.\nوقوله: ﴿وَاتَّقُونِ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ﴾، يقول: واتقوا عقابي ونكالي وعذابي، لمن خالفني ولم يأتمر بأمري، يا ذوي العقول والأفهام.\n_________\n(^١١٣٧) المعجم الكبير (٢/ ٣٠٥)، وقال الهيثمي في المجمع (١٠/ ٣١١): \"رجاله رجال الصحيح\".\n_________\n[¬١]- في ت: \"بن\".\n[¬٢]- سقط من: ز.","vol":"2","page":249},{"text":"﴿لَيسَ عَلَيكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (١٩٨)﴾\nقال البخاري (^١١٣٨): حدثنا محمد، أخبرني ابن عيينة، عن عمرو [¬١]، عن ابن عباس قال: كانت عكاظ، ومَجَنَّة [¬٢]، وذر المجاز أسواقًا [¬٣] في الجاهلية، فتأثموا [¬٤] أن يتَّجررا في المواسم، فنزلت: ﴿لَيسَ عَلَيكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ في مواسم الحج.\nوهكذا رواه عبد الرزاق (^١١٣٩)، وسعيد بن منصور، وغير واحد: عن سفيان بن عيينة، به [¬٥].\nولبعضهم: فلما جاء الإسلام تأثموا أن يتجروا، فسألوا رسول الله، ﷺ، عن ذلك، فأنزل الله هذه الآية، وكذا [¬٦] رواه ابن جريج: عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس قال: كان متَّجر الناس في الجاهلية عكاظ، ومجنة وذو المجاز، فلما كان الإسلام كأنهم كرهوا ذلك حتى نزلت هذه الآية.\nوروى أبو داود رغيره (^١١٤٠): من حديث يزيد بن أبي زياد، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: كانوا يتقون البيوع والتجارة في الموسم والحج، يقولون: أيام ذكر فأنزل الله: ﴿لَيسَ عَلَيكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾.\n_________\n(^١١٣٨) - رواه البخاري في التفسير، باب: ﴿لَيسَ عَلَيكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ برقم (٤٥١٩) وأطرافه (١٧٧٠، ٢٠٥٠، ٢٠٩٨).\n(^١١٣٩) - تفسير عبد الرزاق، وسنن سعيد بن منصور برقم (٣٤٧).\n(^١١٤٠) - رواه أبو داود في المناسك، باب: التجارة في الحج برقم (١٧٣١). ولفظه: عن عبد الله بن عباس قال: قرأ هذه الآية ﴿لَيسَ عَلَيكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ قال: كانوا لا يتجرون بمنى فأمروا بالتجارة إذا أفاضوا من عرفات وقال المنذري: في إسناده يزيد بن أبي زياد وقد تكلم فيه جماعة من الأئمة وأخرج له مسلم في المتابعة.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"عمر\".\n[¬٢]- \"بلا نقط\" في خ.\n[¬٣]- في ز، خ: \"أسواق\".\n[¬٤]- في ز: \"فتأتموا\".\n[¬٥]- سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- في ز، خ: \"وكذلك\".","vol":"2","page":250},{"text":"وقال ابن جرير (^١١٤١): حدثني يعقوب بن إبراهيم، حدَّثنا هشيم، أخبرنا حجاج، عن عطاء، عن ابن عبَّاس أنَّه قال: (ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلًا من ربكم في مواسم الحج).\nوقال علي بن أبي طلحة (^١١٤٢): عن ابن عبَّاس في هذه الآية: لا حرج عليكم في الشراء، والبيع قبل الإحرام وبعده، وهكذا روى العوفي عن ابن عبَّاس.\nوقال وكيع (^١١٤٣): حدَّثنا طلحة بن عمرو الحضرمي، عن عطاء، عن ابن عبَّاس: أنَّه كان يقرأ (ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلًا من ربكم في مواسم الحج).\nورواه عبد بن حميد، عن محمد بن الفضل، عن حمَّاد بن زيد، عن عبيد الله بن أبي يزيد، سمعت ابن الزُّبَير يقرأ [﴿لَيسَ عَلَيكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ في مواسم الحج] [¬١] وهكذا فسرها مجاهد، وسعيد بن جبير، وعكرمة، ومنصور بن المعتمر، وقَتَادة، وإبراهيم النخعي، والربيع بن أنس، وغيرهم.\nوقال ابن جرير (^١١٤٤): حدَّثنا الحسن بن عرفة، حدَّثنا شبابة بن سوار، حدَّثنا شعبة، عن أبي أميمة قال: سمعت ابن عمر سئل عن الرجل بحج ومعه تجارة فقرأ ابن عمر ﴿لَيسَ عَلَيكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾.\nوهذا موقوف وهو قوي جيد، وقد روي مرفوعًا.\n_________\n(^١١٤١) - تفسير ابن جرير (٤/ ١٦٦) رقم (٣٧٧٢).\n(^١١٤٢) - تفسير الطبري (٤/ ١٦٢) رقم (٣٧٦١).\n(^١١٤٣) - تفسير الطبري (٤/ ١٦٥) رقم (٣٧٦٨). وطلحة بن عمرو بن عثمان الحضرمي المكي: قال عمرو بن علي: كان يحيى وعبد الرحمن لا يحدثان عنه. وقال أحمد: لا شي متروك الحديث. وقال ابن معين: ليس بشيء ضعيف. وقال الجوزجاني: غير مرضي في حديثه. وقال أبو حاتم: ليس بقوي بين عندهم. وقال البخاري: ليس بشيء، كان يحيى بن معين سيئ الرأي فيه. وقال أَبو داود: ضعيف. وقال النَّسائي: متروك الحديث. وقال أيضًا: ليس بثقة. وروى له ابن عدي أحاديث وقال روى عنه قوم ثقات وعامة ما يرويه لا يتابع عليه. وقال الدارقطني: ضعيف. وذكره الفسوي في باب من يرغب عن الرواية عنه. وقال ابن حبان: كان ممن يروي عن الثقات ما ليس من أحاديثهم لا يحل كتب حديثه ولا الرواية عنه إلا على جهة التعجب (التهذيب).\n(^١١٤٤) - تفسير الطبري (٤/ ١٦٥) رقم (٣٧٧٠).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"فذكر مثله سواء\".","vol":"2","page":251},{"text":"قال أحمد (^١١٤٥): حدَّثنا أسباط، حدَّثنا الحسن بن عمرو الفقيمي [¬١]، عن [أَبى] [¬٢] أمامة التيمي قال: قلت لابن عمر: أنا نكري فهل لنا من حج؟ قال: أليس تطوفون [¬٣] بالبيت، وتأتون المعروف [¬٤]، وترمون الجمار، وتحلقون رءوسكم؟ قال: قلنا: بلى. فقال ابن عمر: جاء رجل إلى [¬٥] النبي، صلى الله عليه رسلم، فسأله عن الذي سألتني فلم يجبه حتَّى نزل عليه جبريل بهذه الآية: ﴿لَيسَ عَلَيكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ فدعاه النبي ﷺ فقال: \"أنتم حجاج\".\nوقال عبد الرزاق (^١١٤٦): أخبرنا الثَّوري، عن العلاء بن المسيب، عن رجل من بني تميم قال: جاء رجل إلى عبد الله بن عمر فقال: يا أبا عبد الرحمن! إنا قوم نكري، ويزعمون أنَّه ليس لنا حج، قال: ألستم تحرمون كما يحرمون، وتطوفون كما يطوفون، وترمون كما يرمون، قال: بلى. قال: فأنت حاج، ثم قال ابن عمر: جاء رجل إلى النبي، ﷺ، فسأله عما سألت عنه فنزلت هذه الآية: ﴿لَيسَ عَلَيكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾.\nورواه عبد [بن حميد في تفسيره] [¬٦]: عن عبد الرزاق، به.\nوهكذا روى هذا الحديث ابن حذيفة: عن الثَّوري مرفوعًا، وهكذا روي من غير هذا الوجه مرفوعًا (^١١٤٧).\nفقال ابن أبي حاتم: حدَّثنا الحسن بن عرفة، حدَّثنا عباد بن العوام] [¬٧]، عن العلاء بن المسيب، عن أبي أمامة التيمي قال: قلت لابن عمر: أنا أناس نكري في هذا الوجه إلى\n_________\n(^١١٤٥) - أسباط: ثقة، ضُعِّف في الثَّوري. والحسن بن عمرو: ثقة ثبت. وأَبو أمامة: قال المنذري: لا يعرف اسمه، روى عنه العلاء بن المسيب والفقيمي، وقال أَبو زرعة: لا بأس به. وفي التقريب: مقبول -أي عند المتابعة- والحديث في السند (٢/ ١٥٥) (٦٤٣٤). ورواه أَبو داود في المناسك، باب: الكري برقم (١٧٣٣). من طريق العلاء بن المسيب عن أبي أمامة به. ورواه ابن خزيمة في صحيحه برقم (٣٠٥١) من طريق مروان بن معاوية عن العلاء بن المسيب، له. ورواه الطبري (٤/ ١٦٤) رقم (٣٧٦٥).\n(^١١٤٦) - رواه الطبري في تفسيره (٤/ ١٦٩) (٣٧٨٩) من طريق عبد الرزاق، به.\n(^١١٤٧) - سنن سعيد بن منصور برقم (٣٥٢).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"عمر التميمي\".\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في خ: \"تطوف\".\n[¬٤]- في ز، خ: \"المعرف\".\n[¬٥]- سقط من: ز.\n[¬٦]- في خ: \"الله\"، وسقط من: ز.\n[¬٧]- في ز: \"عوام\".","vol":"2","page":252},{"text":"مكة، وإن أناسًا [¬١] يزعمون: أنَّه لا حج لنا، فهل ترى لنا حجًّا؟ قال: ألستم تحرمون، وتطوفون بالبيت وتقضون المناسك؟ قال: قلت: بلى [¬٢]. قال: فأنتم حجاج، ثم قال: جاء رجل إلى النبي، ﷺ، فسأله عن الذي سألت فلم يدر ما يعود عليه [¬٣]، أو قال: فلم يرد عليه شيئًا حتَّى نزلت: ﴿لَيسَ عَلَيكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾، فدعا الرجل فتلاها عليه وقال: \"أنتم حجاج\".\nوكذا رواه مسعود [¬٤] بن سعد، وعبد الواحد بن زياد، وشريك القاضي: عن العلاءِ بن المسيب به مرفوعًا.\nوقال ابن جرير (^١١٤٨): حدثني طليق [¬٥] بن محمد الواسطي، حدَّثنا أسباط -هو ابن محمد- أخبرنا الحسن بن عمرو - وهو الفقيمي - عن أبي أمامة التيمي قال: قلت لابن عمر: إنا قوم نكري فهل لنا من حج؟ فقال: أليس تطوفون بالبيت، وتأتون المعروف [¬٦]، وترمون الجمار، وتحلقون رءوسكم؟ قلنا: بلى. قال: جاء رجل إلى النبي، ﷺ، فسأله عن الذي سألتني عنه فلم يدر ما يقول له حتَّى نزل جبريل ﵇ بهذه الآية: ﴿لَيسَ عَلَيكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ إلى آخر الآية. وقال النبي ﷺ: أنتم حجاج\".\nوقال ابن جرير (^١١٤٩): حدثني أحمد بن إسحاق، حدَّثنا أَبو [¬٧] أحمد، [حدَّثنا مندل] [¬٨]، عن عبد الرحمن بن المهاجر، عن أبي صالح مولى عمر قال: قلت: يا أمير المؤمنين! كنتم تتجرون في الحج؟ قال: وهل كانت معايشهم إلَّا في الحج؟\nوقوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾.\nإنما صرف عرفات -وإن كان علمًا على مؤنث- لأنه في الأصل جمع كمسلمات ومؤمنات، سُمِّيَ به بقعة معينة فروعي فيه الأصل فصرف، اختاره ابن جرير.\nوعرفة: موضع الوقوف [¬٩] في الحج، وهي عمدة أفعال الحج، ولهذا روى الإِمام أحمد،\n_________\n(^١١٤٨) - تفسير الطَّبري (٤/ ١٦٤) (٣٧٦٥).\n(^١١٤٩) - تفسير الطَّبري (٤/ ١٦٨) رقم (٣٧٨٨).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"ناسًا\".\n[¬٢]- سقط من: ر.\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- في خ \"ابن مسعود\".\n[¬٥]- مهملة بدون نقط في ز.\n[¬٦]- في ر، خ: \"المعرف\".\n[¬٧]- في خ: \"أَبوا\".\n[¬٨]- ما بين المعكوفتين سقط من خ\n[¬٩]- في ر: \"الموقف\".","vol":"2","page":253},{"text":"وأهل السنن بإسناد صحيح (^١١٥٠): عن الثَّوري، عن بكير، عن عطاء، عن عبد الرحمن بن يعمر الديلي قال: سمعت رسول الله، ﷺ، يقول: \"الحج عرفات - ثلاثًا - فمن أدرك عرفة قبل أن يطلع الفجر فقد أدرك، وأيام منى ثلاثة فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه، ومن تأخر فلا إثم عليه\".\nووقت الوقوف من الزوال يوم عرفة إلى طلوع الفجر الثاني من يوم النحر؛ لأن النبي، ﷺ، وقف في حجة الوداع بعد أن صلى الظهر إلى أن غربت الشمس وقال لنا [¬١]: \"لتأخذوا [¬٢] عني مناسككم (^١١٥١).\nوقال في هذا الحديث: \"فمن أدرك عرفة قبل أن يطلع الفجر فقد أدرك\"، وهذا مذهب مالك، وأبي حنيفة، والشَّافعي ﵏، وذهب الإِمام أحمد إلى أن وقت الوقوف من أول يوم عرفة، واحتج [¬٣] بحديث الشعبي، عن عروة بن مضرس بن حارثة بن لام الطائي قال: أتيت رسول الله، ﷺ، بالمزدلفة حين خرح إلى الصلاة، فقلت: يا رسول الله، إني جئت من [جبلي طيئ] [¬٤] أكللت راحلتي، وأتعبت نفسي، والله ما تركت من حَبْل (*) إلا وقفت عليه فهل لي [¬٥] من حج؟ فقال رسول الله، ﷺ: \"من شهد صلاتنا هذه فوقف معنا حتَّى ندفع، وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلًا أو نهارًا فقد تم حجه وقضى تفثه\".\n_________\n(^١١٥٠) - المسند (٤/ ٣٠٩ - ٣١٠، ٣٣٥) (١٨٨٢٨، ١٩٠٠٧)، ورواه أَبو داود في سننه في كتاب المناسك، باب: من لم يدرك عرفة (٢: ١٩٦ / ح ١٩٤٩). والنَّسائي في سننه في كتاب مناسك الحج، باب: في من لم يدرك الصبح مع الإمام بالمزدلفة (٥/ ٢٦٤). والتِّرمِذي في سننه في كتاب الحج، باب: ما جاء فيمن أدرك الإمام بجمع فقد أدرك الحج (٣/ ٢٣٧ / ح ٨٨٩، ٨٩٠). وابن ماجة في سننه في كتاب المناسك، باب: من أتى عرفة قبل الفجر ليلة جمع (٢/ ١٠٠٣ / ح ٣٠١٥) والبخاري - تعليقًا - في التاريخ الكبير (٥/ ٢٤٣). وابن خزيمة (٢٨٢٢)، والطحاوي (٢/ ٢٠٩، ٢١٠)، والدارقطني (٢/ ٢٤٠)، والحاكم (١/ ٤٦٤) (٢/ ٢٧٨) وصححه، ووافقه الذهبي، والدارمي (٢/ ٥٩)، والطيالسي (١٣٠٩، ١٣١٠)، والحميدي (٨٩٩)، والبغوي (٢٠٠١).\n(^١١٥١) - رواه مسلم في صحيحه برقم (١٢٩٧) من حديث جابر ﵁. والنَّسائي في المناسك (٣٠٦٢)، وأحمد (٣/ ٣١٨).\n_________\n[¬١]- زيادة من: خ.\n[¬٢]- في خ: \"خذوا\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"واحتجوا\".\n[¬٤]- في خ: \"جبل طئ\".\n(*) في ز، خ، ت: جبل. وهو تحريف، والحبل: المستطيل من الرمْل، وقيل. الضخم منه.\n[¬٥]- بياض، في ز، خ.","vol":"2","page":254},{"text":"رواه الإمام أحمد، وأهل السنن، وصححه التِّرمِذي (^١١٥٢).\nثم قيل: إنما سميت عرفات لما رواه عبد الرزاق (^١١٥٣): أخبرني ابن جريج قال: قال ابن المسيب: قال علي بن أبي طالب: بعث الله جبريل ﵇ إلى إبراهيم [ﷺ] [¬١] فحج به، حتَّى إذا أتى عرفة قال: عرفت، وكان قد أتاها مرة قبل ذلك، فلذلك سميت عرفة.\nوقال ابن المبارك (^١١٥٤): عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء قال: إنما سميت عرفة، لأن [¬٢] جبريل كان يري إبراهيم المناسك، فيقول: عرفت عرفت، فسميت [¬٣] عرفات.\nوروي نحوه عن ابن عبَّاس (^١١٥٥)، [وابن عمر] [¬٤] وأبي مجلز فالله أعلم.\nوتسمى عرفات: المشعر الحرام [¬٥]، والمشعر الأقصى، وإلال على وزن هلال، ويقال للجبل في وسطها: جبل الرحمة، قال أَبو طالب في قصيدته المشهورة:\nوبالمشعر الأقصى إذا قصدوا له … إلَّال إلى تلك [الشراج القوابل] [¬٦]\nوقال ابن أبي حاتم: حدَّثنا حمَّاد بن الحسن بن عنبسة، حدَّثنا أبو عامر، عن زمعة -هو\n_________\n(^١١٥٢) - المسند (٤/ ١٥) (١٦٢٥٦)، ورواه أَبو داود في كتاب المناسك (الحج)، باب: من لم يدرك إلا عرفة، من طريق مسدد، ثنا يحيى، عن إسماعيل، ثنا عامر، عن عروة به. (٢/ ١٩٦) حديث (١٩٥٠). والترمذي في كتاب الحج، باب: ما جاء فيمن أدرك الإمام بجمع، من طريق أبي بكر بن أبي شيبة، ثنا وكيع، ثنا إسماعيل بن أبي خالد، عن عامر به. (٣/ ٢٣٨) حديث (٨٩١). وقال أَبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. والنَّسائي في كتاب مناسك الحج، باب: فيمن لم يدرك صلاة الصبح .. من طريق سعيد بن عبد الرحمن، ثنا سفيان، عن إسماعيل وداود وزكريا به. (٥/ ٢٦٣ - ٢٦٤). وابن ماجة في كتاب المناسك، باب - من أتى عرفة قبل الفجر ليلة جمع، في سننه (٢/ ١٠٠٤) حديث (٣٠١٦). وابن حبان كما في الموارد (١٠١٠).: ابن الجارود في المنتقى (٤٦٧). والبيهقي في الكبرى (٦/ ١١٥). والطبراني في الكبير (١٧/ ١٤٩) حديث (٣٧٧) - (٣٩٤). والطحاوي في شرح المعاني (١/ ٤٠٨). وصححه الشيخ الألباني في الإرواء (١٠٦٦)، وصححه في صحاح السنن المذكورة.\n(^١١٥٣) - تفسير الطبري (٤/ ١٧٣) رقم (٣٧٩٤).\n(^١١٥٤) - تفسير الطبري (٤/ ١٧٤) رقم (٣٧٩٦).\n(^١١٥٥) - تفسير الطبري (٤/ ١٧٣) رقم (٣٧٩٥).\n_________\n[¬١]- في خ: \"﵇\".\n[¬٢]- في ز: \"أن\".\n[¬٣]- في خ: \"فسمي\".\n[¬٤]- في خ \"وأبي عمرو\".\n[¬٥]- في ر: \"الحالال\". في خ \"الحلال\".\n[¬٦]- في ر \"الشرج التوابل .. خ \"السرج التوابل\".","vol":"2","page":255},{"text":"ابن صالح - عن سلمة -هو ابن وَهْرام [¬١]- عن عكرمة على أبي عبَّاس قال: كان أهل الجاهلية يقفون بعرفة حتَّى إذا كانت الشمس على رءوس الجبال كأنها العمائم على رءوس الرجال دفعوا، فأخر رسول الله، ﷺ، الدفعة من عرفة حتَّى غربت الشمس.\nورواه ابن مردويه من حديث زمعة بن صالح وزاد: ثم وقف بالمزدلفة، وصلى الفجر بغلس حتَّى إذا أسفر كل شيء وكان في الوقت الآخر دفع، وهذا حسن [¬٢] الإِسناد.\nوقال ابن جريج: عن محمد بن قيس، عن المسور بن مخرمة قال: خطبنا رسول الله، ﷺ، وهو بعرفات فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: \"أما بعد\" - وكان إذا خطب خطبة قال: \"أما بعد - فإن هذا اليوم الحج الاكبر، ألا وإن أهل الشرك والأوثان كانوا يدفعون في هذا اليوم قبل أن تغيب الشمس إذا كانت الشمس في رءوس الجبال كأنها عمائم الرجال في وجوهها، [وإنا ندفع بعد أن تغيب الشمس، وكانوا يدفعون من المشعر الحرام بعد أن تطلع الشمس إذا كانت في رءوس الجبال كأنها عمائم الرجال في وجوهها] [¬٣] وإنا ندفع قبل أن تطلع الشمس مخالفًا هدينا هدي أهل الشرك\".\nهكذا رواه ابن مردويه وهذا لفظه، والحاكم في مستدركه (^١١٥٦)، كلاهما من حديث عبد الرحمن بن المبارك العيشي [¬٤]، عن عبد الوارث [¬٥] بن سعيد، عن ابن جريج به، وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، قال: وقد صح وثبت بما ذكرناه سماع المسور من رسول الله، ﷺ، لا كما يتوهمه بعض [¬٦] أصحابنا أنَّه ممن له رؤية بلا سماع.\nوقال وكيع: عن شعبة، عن إسماعيل بن رجاء الزبيدي [¬٧]، عن المعرور بن سويد قال: رأيت عمر ﵁ حين دفع من عرفة كأني أنظر إليه، رجلًا [¬٨] أصلع على بعير له يُوضِع (٥) وهو يقول: إنا وجدنا الإِفاضة هي الإِيضاع.\nوفي حديث جابر بن عبد الله (الطويل) الذي في صحيح مسلم (^١١٥٧) قال فيه: (فلم يزل\n_________\n(^١١٥٦) - المستدرك (٢/ ٢٧٧).\n(^١١٥٧) - صحيح مسلم، يب الحج، باب: حجة النبي ﷺ، الحديث (١٢١٨).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"وهدام\".\n[¬٢]- في خ: \"أحسن\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- في خ: \"المعيشي\".\n[¬٥]- في ز، خ: \"الرزاق\".\n[¬٦]- في ز، خ: \"رعاع\".\n[¬٧]- سقط من: ز، خ.\n[¬٨]- في ر: \"رجل\".\n(*) يقال:، ضع البعير يضع، وضعًا، وأوضعه راكبه إيضاعًا، إذا حمله على سرعة السَّير. النهاية [٥/ ١٩٦].","vol":"2","page":256},{"text":"واقفًا -يعني بعرفة- حتَّى غربت [¬١] الشمس وذهبت [¬٢] الصفرة قليلًا حتَّى غاب القرص وأردف أسامة خلفه ودفع رسول الله، ﷺ، وقد شنق [¬٣] للقصواء الزمام، حتَّى إن رأسها ليصيب مورك رحله، ويقول بيده اليمنى: \"أيها الناس! السكينة السكينة\" كلما أتى جبلًا من الجبال آرخى لها قليلًا حتَّى تصعد، حتَّى أتى المزدلفة فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين، ولم يسبح بينهما شيئًا ثم اضطجع، حتَّى طلع الفجر فصلى الفجر حين تبين له الصبح بأذان وإقامة، ثم ركب القصواء حتَّى أتى المشعر الحرام، فاستقبل القبلة فدعا الله وكبَّره وهلَّله ووحده فلم يزل واقفا حتَّى أسفر جدًّا فدفع قبل أن تطلع الشمس).\nوفي الصحيحين [¬٤] (^١١٥٨) عن أسامة بن زيد أنَّه سئل: كيف كان يسير [¬٥] رسول الله ﷺ حين دفع؟ قال: كان يسير العنق فإذا وجد فجوة نص، والعنق هو انبساط السير، والنص [¬٦] فوقه.\nوقال ابن أبي حاتم: أخبرنا أَبو محمد بن بنت الشَّافعي فيما كتب إليَّ، عن أبيه أو عمه [¬٧]، عن سفيان بن عيينة. قوله: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ وهي الصلاتين جميعًا.\nوقال أَبو إسحاق السبيعي، عن عمرو بن ميمون: سألت عبد الله بن عمرو عن المشعر الحرام فسكت، حتَّى إذا هبطت أيدي رواحلنا بالمزدلفة، قال: أين السائل عن المشعر الحرام؟ هذا المشعر الحرام.\nوقال عبد الرزاق (^١١٥٩): أخبرنا معمر، عن الزُّهْريّ، عن سالم؛ قال: قال ابن عمر: المشعر الحرام المزدلفة كلها.\n_________\n(^١١٥٨) - صحيح البخاري، كتاب الحج، باب: السير إذا دفع من عرفة، الحديث (١٦٦٦)، وفي الجهاد، باب: السرعة في السير، حديث (٢٩٩٩)، وفي المغازي، باب حجة الوداع، حديث (٤٤١٣)، ومسلم في الحج، باب: الإفاضة من عرفات إلى المزدلفة. . حديث (١٢٨٦).\n(^١١٥٩) - رواه الطبري في تفسيره (٤/ ١٧٧، ١٧٨) من طريق عبد الرزاق، به.\n_________\n[¬١]- في خ: \"عربت\".\n[¬٢]- في ز: \"وبدت\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"سبق\". وشنق؛ أي: ضمّغ وضيَّق.\n[¬٤]- في ز: \"الصحيح\".\n[¬٥]- سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- في ز، خ: \"والعنق\".\n[¬٧]- في ز: \"عمر\".","vol":"2","page":257},{"text":"وقال هُشَيم: عن حجاج، عن نافع، عن ابن عمر؛ أنَّه سئل عن قوله: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ قال: فقال: هو الجبل وما حوله.\nوقال عبد الرزاق (^١١٦٠): أخبرنا معمر، عن المغيرة، عن إبراهيم؛ قال: رآهم ابن عمر يزدحمون على قزح، فقال: علام يزدحم هؤلاء؟ كل ما هاهنا مشعر.\nوروي عن ابن عبَّاس، وسعيد بن جبير، وعكرمة، ومجاهد، والسدي، والربيع بن أنس والحسن، وقَتَادة؛ أنَّهم قالوا: هو ما بين الجبلين.\nوقال ابن جريج: قلت لعطاء: أين المزدلفة؟ قال: إذا أفضت [¬١] من مأزمي عرفة فذلك إلى محسر، قال: وليس المأزمان مأزمي [¬٢] عرفة من المزدلفة ولكن مفضاهما، قال: فقف بينهما إن شئت، قال: وأحب أن تقف دون قزح هلم إلينا من أجل طريق الناس.\n(قلت): والمشاعر هي المعالم الظاهرة، وإنَّما سميت المزدلفة المشعر الحرام، لأنها داخل الحرم، وهل الوقوف بها ركن في الحج لا يصح إلَّا به، كما ذهب إليه طائفة من السلف وبعض أصحاب الشَّافعي، منهم: القفال وابن خزيمة؛ لحديث عروة بن مضرس؟ أو واجب كما هو أحد قولي الشَّافعي يجبر بدم؟ أو مستحب لا يجب بتركه شيء كما هو القول الآخر؟\nفي ذلك ثلاثة أقوال للعلماء لبسطها موضع آخر غير هذا، والله أعلم.\nوقال عبد الله بن المبارك: عن سفيان الثَّوري، عن زيد بن أسلم، أن رسول الله، ﷺ، قال: \"عرفة كلها موقف وارفعوا عن عرنة [¬٣]، وجمع كلها موقف إلَّا محسرًا\". هذا حديث مرسل.\nوقد قال الإِمام أحمد (^١١٦١): حدَّثنا أبو المغيرة، حدَّثنا سعيد بن عبد العزيز، حدثني سليمان\n_________\n(^١١٦٠) - رواه الطبري في تفسيره (٤/ ١٧٧، ١٧٨) من طريق عبد الرزاق، به.\n(^١١٦١) - المسند (٤/ ٨٢) (١٨٨٠١، ١٨٨٠٢). والحديث أخرجه ابن حبان كما في الموارد (حديث ١٠٠٨). والطبراني (٢/ ١٨٣) حديث (١٥٨٣١). والبيهقي (٥/ ٢٣٩). وابن حزم في المحلى (٧/ ١٨٨). وسليمان بن موسى: صدوق، في حديثه بعض بين، وخلط قبل موته بقليل. قال الهيثمي في المجمع (٤/ ٢٨): رواه أحمد وروى الطبراني في الأوسط عنه: \"أيام التشريق كلها ذبح\" ورجال أحمد وغيره ثقات. ا هـ. وقال (٣/ ٢٥٤): ورواه أحمد والبزار والطبراني في الكبير؛ إلَّا أنه قال: \"وكل فجاج مكة منحر\". ورجاله موثقون. ا هـ.\n_________\n[¬١]- في خ. \"أفضيت\".\n[¬٢]- في خ: \"مأزما\".\n[¬٣]- في ز: \"عرجه\"، خ: \"عرفه\".","vol":"2","page":258},{"text":"ابن موسى، عن جبير بن مطعم، عن النبي، ﷺ، قال: \"كل عرفات موقف، وارفعوا عن عرفة [¬١]، وكل مزدلفة موقف، وارفعوا عن محسر، وكل فجاج مكة مَنْحَر، وكل أيام التشريق ذبح\".\nوهذا أيضًا منقطع، فإن سليمان بن موسى هذا - وهو الأشدق - لم يدرك جبير بن مطعم، ولكن رواه الوليد بن مسلم، وسويد بن عبد العزيز، عن سعيد بن عبد العزيز، عن سليمان، فقال الوليد -[ابن لجبير] [¬٢]- ابن مطعم، عن أبيه، [وقال سويد، عن نافع بن جبير بن مطعم، عن أبيه] [¬٣]، عن النبي، ﷺ، فذكره، والله أعلم.\nوقوله: \" ﴿وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ﴾ تنبيه لهم على ما أنعم الله [¬٤] به عليهم، من الهداية والبيان، والإِرشاد إلى مشاعر الحج، على ما كان عليه من الهداية لإِبراهيم الخليل، ﵇؛ ولهذا قال: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ﴾ قيل: من قبل هذا الهدي، وقيل: القرآن، وقيل: الرسول والكل متقارب ومتلازم وصحيح.\n﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٩٩)﴾\n﴿ثُمَّ﴾ هاهنا لعطف خبر على خبر وترتيبه عليه، كأنه تعالى أمر الواقف بعرفات أن يدفع إلى المزدلفة، ليذكر الله عند المشعر الحرام، وأمره أن يكون وقوفه مع جمهور الناس بعرفات، كما كان جمهور الناس يصنعون، يقفون بها إلا قريشًا، فإنهم لم يكونوا يخرجون من الحرم، فيقفون في طرف الحرم عند أدنى الحل، ويقولون: نحن أهل الله في بلدته، وقطان بيته.\nوقال البخاري (^١١٦٢): حدَّثنا علي بن عبد الله، حدَّثنا محمد بن حازم، حدَّثنا هشام، عن أبيه، عن عائشة؛ قالت: كانت [¬٥] قريش ومن دان دينها يقفون بالمزدلفة، وكانوا يسمون الحُمْس وكان سائر العرب يقفون بعرفات، فلما جاء الإِسلام أمر الله نبيه، ﷺ، أن يأتي عرفات، ثم يقف بها ثم يفيض منها، فذلك قوله: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾.\n_________\n(^١١٦٢) - صحيح البخاري في التفسير، باب: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ برقم (٤٥٢٠).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"عرفات\".\n[¬٢]- في خ: \"عن ابن جبير\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٤]- سقط من: خ.\n[¬٥]- في خ: \"كان\".","vol":"2","page":259},{"text":"وكذا قال ابن عبَّاس ومجاهد وعطاء قَتَادة والسدي وغيرهم. واختاره ابن جرير، وحكى عليه الإِجماع [﵏] [¬١].\nوقال الإمام أحمد (^١١٦٣): حدَّثنا سفيان، عن عمرو، عن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه قال: أضللت بعيرًا لي بعرفة، فذهبت أطلبه، فإذا النبي، ﷺ واقف، قلت: إنَّ هذا من الحُمْس ما شأنه هاهنا؟.\nأخرجاه في الصحيحين ثم رواه [¬٢] البخاري (^١١٦٤)، من حديث موسى بن عقبة، عن كريب، عن ابن عبَّاس ما يقتضي أن المراد بالإفاضة هاهنا هي الإفاضة من المزدلفة إلى منى لرمي الجمار، فالله أعلم. وحكاه ابن جرير عَن الضحاك بن مزَاحم فقط. قال: والمراد بالناس: إبراهيم ﵇. وفي رواية عنه: الإِمام [¬٣]. قال ابن جرير: ولولا إجماع الحجة على خلافه لكان هو الأرجح.\nوقوله: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ كثيرًا ما يأمر الله بذكره بعد قضاء العبادات، ولهذا ثبت في صحيح مسلم، أن رسول الله، ﷺ، كان إذا فرغ من الصلاة يستغفر الله [¬٤] ثلاثًا (^١١٦٥). وفي الصحيحين أنَّه ندب إلى التسبيح والتحميد والتكبير، ثلاثًا وثلاثين وثلاثًا وثلاثين (^١١٦٦).\nوقد روى ابن جرير (^١١٦٧) ها هنا حديث [العباس] [¬٥] بن مرداس السلمي في استغفاره ﷺ، لأمّته عشية عرفة، وقد أوردناه في جزء جمعناه في فضل يوم عرفة.\n_________\n(^١١٦٣) - المسند (٤/ ٨٠)، وصحيح البخاري، كتاب الحج، باب: الوقوف بعرفة برقم (١٦٦٤)، وصحيح مسلم، كتاب الحج، باب: في الوقوف، وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ برقم (١٢٢٠).\n(^١١٦٤) - صحيح البخاري، كتاب التفسير، باب: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ برقم (٤٥٢١).\n(^١١٦٥) - صحيح مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب استحباب الذكر بعد الصلاة، وبيان صفته حديث (٥٩١) من حديث ثوبان.\n(^١١٦٦) - ورد ذلك عن جمع من الصحابة من ذلك ما أخرجه البخاري في الأذان، باب الذكر بعد الصلاة حديث (٨٤٣)، ومسلم في المساجد ومواضع الصلاة، باب: استحباب الذكر بعد الصلاة وبيان صفته حديث (٥٩٥) من حديث أبي هريرة.\n(^١١٦٧) - تفسير الطبري (٤/ ١٩٢).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ت.\n[¬٢]- في خ: \"روى\".\n[¬٣]- سقط من: خ.\n[¬٤]- سقط من: خ.\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين في ز: \"ابن عبَّاس\".","vol":"2","page":260},{"text":"وأورد ابن مردويه هاهنا الحديث الذي رواه البخاري، عن شدّاد بن أوس، قال: قال رسول الله ﷺ: \"سيد الاستغفار أن يقول العبد: اللهم؛ أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك عليّ، وأبوء بذنبي، فاغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت. من قالها في ليلة فمات في ليلته دخل الجنة، ومن قالها في يومه فمات دخل الجنة\" (^١١٦٨).\nوفي الصحيحين (^١١٦٩) - عن عبد الله بن عمرو، أن أبا بكر قال: يا رسول الله علمني دعاء أدعو به في صلاتي؟ لقال [¬١]: \"قل: اللهم إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم\".\nوالأحاديث في الاستغفار كثيرة.\n﴿فَإِذَا قَضَيتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ (٢٠٠) وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (٢٠١) أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٢٠٢)﴾\nيأمر تعالى بذكره والإِكثار منه بعد قضاء المناسك وفراغها، وقوله: ﴿كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ﴾ اختلفوا في معناه، فقال ابن جريج، عن عطاء: هو كقول الصبي أبيه أمّه، يعني كما يلهج الصبي بذكر أبيه وأمّه، فكذلك أنتم فالهجوا بذكر الله بعد قضاء النسك. وكذا قال الضحاك والربيع بن أنس. وروى ابن جرير من طريق العوفي، عن ابن عباس نحوه.\nوقال سعيد بن جبير عن ابن عباس: كان أهل الجاهلية يقفون في الموسم، فيقول الرجل منهم: كان أبي يطعم، ويحمل الحمالات، ليس لهم ذكر غير فعال آبائهم. فأنزل الله\n_________\n(^١١٦٨) - صحيح البخاري كتاب الدعوات، باب أفضل الاستغفار حديث (٦٣٠٦). وطرفه حديث (٦٣٢٣).\n(^١١٦٩) - صحيح البخاري كتاب التوحيد، باب: ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ الحديث (٧٣٨٧) ٧٣٨٨)، ومسلم في الذكر والدعاء والتوبة، باب: استحباب خفض الصوت بالذكر حديث (٢٧٠٥).\n_________\n[¬١]- في ز: \"قال\".","vol":"2","page":261},{"text":"على محمد ﷺ: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾.\nقال ابن أبي حاتم: [وروي السدي، عن] [¬١] أنس بن مالك، وأبي وائل، وعطاء بن أبي رباح في أحد قوليه، وسعيد بن جبير، وعكرمة في إحدى روايتيه، ومجاهد والسدي، وعطاء الخراساني، والربيع بن أنس، والحسن وقتادة، ومحمد بن كعب، ومقاتل بن حيان نحو ذلك. وهكذا حكاه ابن جرير أيضًا [¬٢] عن جماعة، والله أعلم.\nوالمقصود منه الحث على كثرة الذكر لله، ﷿؛ ولهذا كان انتصاب قوله أو أشدّ ذكرًا على التمييز: تقديره كذكركم آباءكم أو أشد منه ذكرًا، و\"أو\"هاهنا لتحقيق المماثلة في الخبر، كقوله: ﴿فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾، وقوله: ﴿يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾، ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ [¬٣] إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾، ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَينِ أَوْ أَدْنَى﴾، فليست هاهنا للشك قطعًا، وإنما هي لتحقيق المخبر عنه كذلك أو أزيد منه. ثم إنه تعالى أرشد إلى دعائه بعد كثرة ذكره، فإنه مظنة الإِجابة، وذمّ من لا يسأله إلا في أمر دنياه وهو معرض عن أخراه، فقال: ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ أي: من نصيب ولا حظ، وتضمن هذا الذم والتنفير عن التشبه بمن هو كذلك. قال سعيد بن جبير: عن ابن عباس: كان قوم من الأعراب يجيئون إلى الموقف، فيقولون: اللهم اجعله عام غيث وعام خصب وعام ولاد حسن، لا يذكرون من أمر الآخرة شيئًا، فأنزل الله فيهم: [﴿فَمِنَ النَّاسِ﴾] [¬٤] مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾، وكان يجيء بعدهم آخرون [من المؤمنين] [¬٥] فيقولون: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾، فأنزل الله: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾، ولهذا مدح من يسأله للدنيا والآخرة [¬٦] فقال: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾، فجمعت هذه الدعوة كل خير في الدنيا، وصرفت كل شر، فإن [¬٧] الحسنة في الدنيا تشمل كل مطلوب دنيوي من عافية ودار رحبة، وزوجة حسنة، ورزق واسع، وعلم نافع، وعمل صالح، ومركب هنيء وثناء جميل، إلى غير ذلك مما اشتملت عليه عبارات المفسرين، ولا منافاة بينها، فإنها كلها مندرجة في الحسنة في الدنيا، وأمّا الحسنة في الآخرة فأعلى ذلك دخول الجنة وتوابعه من [¬٨] الأمن من الفزع الأكبر في العرصات، وتيسير\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"وروي عن\".\n[¬٢]- سقط من: ت.\n[¬٣]- في خ: \"فأرسلناه\".\n[¬٤]- في ز، خ: \"ومنهم\".\n[¬٥]- في ز: بياض، وسقط من: خ.\n[¬٦]- في ز: \"الأخرى\".\n[¬٧]- في خ: \"وإن\".\n[¬٨]- سقط من: خ.","vol":"2","page":262},{"text":"الحساب، وغير ذلك من أمور الآخرة الصالحة. وأما النجاة من النار فهو يقتضي تيسير أسبابه في الدنيا من اجتناب المحارم والآثام، وترك الشبهات والحرام.\nوقال القاسم أبو عبد الرحمن: من أُعْطِي قلبًا شاكرًا، ولسانا ذاكرًا، وجسدًا صابرًا، فقد أوتي في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، ووقي عذاب النار.\nولهذا وردت السنة بالترغيب في هذا الدعاء، فقال [¬١] البخاري: حدثنا أبو معمر، حدثنا عبد الوارث، عن عبد العزيز، عن أنس بن مالك، قال: كان النبي، ﷺ، يقول: \"اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار\" (^١١٧٠).\nوقال الإمام أحمد (^١١٧١): حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، حدثنا عبد العزيز بن صهيب [] [¬٢] [قال: سأل قتادة أنسًا: أي دعوة كان أكثر ما يدعوها النبي ﷺ؟ قال: يقول] [¬٣]: اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار\"، [وكان أنس إذا أراد أن يدعو بدعوة دعا بها، وإذا أراد أن يدعو بدعاء دعا بها فيه، و] [¬٤] رواه مسلم.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو نعيم، حدثنا عبد السهلام بن شداد -يعني أبا طالوت- قال: كنت عند أنس بن مالك، فقال له ثابت: إن إخوانك يحبون أن تدعو لهم، فقال: \"اللهم ربنا [¬٥]؛ آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار\" وتحدّثوا ساعة حتى إذا أرادوا القيام، قال: يا أبا حمزة، إنّ إخوانك يريدون القيام فادع الله لهم، فقال: أتريدون [¬٦] أن أشقق لكم [] [¬٧] الأمور إذا آتاكم الله في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، ووقاكم عذاب النار، فقد آتاكم الخير كله.\n_________\n(^١١٧٠) - صحيح البخاري كتاب التفسير، باب: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً …﴾ الحديث (٤٥٢٢)، وأخرجه في كتاب الدعوات، باب: قول النبي ﷺ: \"ربنا آتنا في الدنيا حسنة\" حديث (٦٣٨٩) عن مسدد عن عبد الوارث به.\n(^١١٧١) - المسند (٣/ ١٠١)، وأخرجه مسلم في الذكر والدعاء حديث (٢٦٩٠) وأبو داود في كتاب الصلاة، باب الاستغفار حديث (١٥١٩) من طريق إسماعيل بن علية به.\n_________\n[¬١]- في خ: \"وقال\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز: \"عن أنس\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"عن أنس قال: كان أكثر دعوة يدعو بها رسول الله ﷺ\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- سقط من: م.\n[¬٦]- في خ: \"تريدون\".\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين في ت: \"من\".","vol":"2","page":263},{"text":"وقال أحمد أيضًا (^١١٧٢): حدثنا محمد بن أبي عدي، عن حميد [عبد الله بن بكر السهمي حدثنا حميد] [¬١] عن ثابت، عن أنس، أن رسول الله ﷺ عاد رجلًا من المسلمين قد صار مثل الفرخ، فقال له رسول الله، ﷺ: \"هل تدعو الله بشيء أو تسأله إياه؟ \" قال: نعم كنت أقول: اللهم، ما كنت معاقبي به في الآخرة فعجله لي في الدنيا، فقال رسول الله ﷺ \"سبحان الله لا تطيقه أو لا تستطيعه [¬٢] فهلا قلت: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ \" قال: فدعا الله فشفاه.\nانفرد بإخراجه مسلم فرواه من حديث ابن أبي عدي، به.\nوقال الإِمام الشافعي: أخبرنا سعيد بن سالم القدّاح، عن ابن جريج، عن يحيى بن عبيد مولى السائب، عن أبيه، عن عبد الله [بن السائب] [¬٣]؛ أنه سمع النبي، ﷺ، يقول فيما بين الركن اليماني والركن الأسود: \" ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ (^١١٧٣). ورواه الثوري عن ابن جريج كذلك.\nوروى ابن ماجة (^١١٧٤)، عن أبي هريرة، عن النبي، ﷺ، نحو ذلك، [وفي سنده ضعف، والله أعلم] [¬٤].\nوقال ابن مردويه: حدثنا عبد الباقي، أخبرنا أحمد بن القاسم بن مساور، حدثنا سعيد بن سليمان، عن إبراهيم بن سليمان، عن عبد الله بن هرمز، عن مجاهد، عن ابن عباس؛ قال: قال رسول الله ﷺ: \"ما مررت على الركن إلا رأيت عليه ملكًا يقول آمين، فإذا مررتم عليه فقولوا: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾.\n_________\n(^١١٧٢) - المسند (٣/ ١٠٧)، وأخرجه مسلم في الذكر، والدعاء والتوبة حديث (٢٦٨٨)، والترمذي في الدعوات، باب ما جاء في عقد التسبيح باليد حديث (٣٤٨٧) والنسائي في عمل اليوم والليلة (١٠٥٣) من طريق حميد الطويل به.\n(^١١٧٣) - رواه البغوي في شرح السنة (٧/ ١٢٨) من طريق الشافعي به، ورواه ابن حبان في صحيحه برقم (١٠٠١) \"موارد\" من طريق يحيى القطان، عن ابن جريج به نحوه.\n(^١١٧٤) - سنن بن ماجة كتاب المناسك، باب: أفضل الطواف حدث (٢٩٥٧)، وابن عدي في الكامل، وفي إسناده حميد بن أبي سوية، ويقال: ابن أبي سويد، قال ابن عدي: \"حدث عنه إسماعيل بن عياش - منكر الحديث\". وحميد هذا مكي وابن عياش ضعيف في روايته عن غير الشاميين.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٢]- في خ: \"تستطيقه\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.","vol":"2","page":264},{"text":"وقال الحاكم في مستدركه (^١١٧٥): أخبرنا أبو زكريا العنبري، حدثنا محمد بن عبد السلام، حدثنا إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا جرير، عن الأعمش، عن مسلم [¬١] البطين، عن سعيد بن جبير؛ قال: جاء رجل إلى ابن عباس فقال: إني أجرت نفسي من قوم على أن يحملوني، ووضعت لهم من أجرتي على أن يدعوني أحج معهم، أفيجزي ذلك؟ فقال [¬٢]: أنت من الذين قال الله: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾، ثم قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.\n﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَينِ فَلَا إِثْمَ عَلَيهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيهِ تُحْشَرُونَ (٢٠٣)﴾\nقال ابن عباس: الأيام المعدودات أيام التشريق، والأيام المعلومات أيام العشر.\nوقال عكرمة: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ يعني: التكبير في [¬٣] أيام التشريق بعد الصلوات المكتوباب: الله أكبر الله أكبر.\nوقال الإمام أحمد (^١١٧٦): حدثنا وكيع، حدثنا موسى بن علي، عن أبيه قال: سمعت عقبة بن عامر، قال: قال رسول الله ﷺ: \"يوم عرفه ويوم النحر وأيام التشريق عيدنا أهل الإسلام، وهي [¬٤] أيام أكل وشرب [] [¬٥].\nوقال الإمام [¬٦] أحمد أيضًا (^١١٧٧): حدثنا هشيم، أخبرنا خالد، عن أبي المليح، عن نبيشة الهذلي، قال: قال رسول الله ﷺ: \"أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر الله\". ورواه [¬٧] مسلم أيضًا، وتقدّم حديث جبير بن مطعم: \"عرفة كلها موقف، وأيام\n_________\n(^١١٧٥) - المستدرك (٢/ ٢٧٧).\n(^١١٧٦) - المسند (٤/ ١٥٣) وأخرجه أبو داود في الصوم، باب صيام أيام التشريق حديث (٢٤١٩)، والترمذي، في الصوم، باب ما جاء في كراهية الصوم في أيام التشريق حديث (٧٧٣)، والنسائي في مناسك الحج، باب النهي عن صوم يوم عرفة (٥/ ٢٥٢) من طريق موسى بن علي به.\n(^١١٧٧) - المسند (٥/ ٧٥)، صحيح مسلم، كتاب الصيام برقم (١١٤١).\n_________\n[¬١]- في خ: \"سالم\".\n[¬٢]- في خ: \"قال\".\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- في خ: \"هي\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين في ت: \"وذكر الله\".\n[¬٦]- سقط من: ز، خ.\n[¬٧]- في ز، خ: \"رواه\".","vol":"2","page":265},{"text":"التشريق كلها ذبح\". وتقدم أيضًا [¬١] حديث عبد الرحمن بن يعمر الديلي: \"وأيام منى ثلاثة، فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه، ومن تأخر فلا إثم عليه\".\nوقال ابن جرير (^١١٧٨): حدثنا يعقوب بن إبراهيم، وخلاد بن أسلم؛ قالا: حدثنا هشيم، عن عمرو [¬٢] بن أبي سلمة، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن رسول الله، صلى الذ عليه رسلم، [قال: \"أيام التشريق أيام طعم وذكر الله\".\nوحدثنا خلّاد بن أسلم (^١١٧٩)، حدثنا روح، حدثنا صالح، حدثني ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة: أن رسول الله، صلى الله عليه رسلم،] [¬٣] بعث عبد الله بن حذافة يطوف في منى: \"لا تصوموا هذه الأيام، فإنها أيام أكل وشرب وذكر الله، ﷿\".\nوحدثنا يعقوب (^١١٨٠)، حدثنا هشيم، عن سفيان بن حسين، عن الزهري؛ قال: بعث رسول الله، صلى الله عليه رسلم عبد الله بن حذافة، فنادى في أيام التشريق، فقال: \"إن هذه الأيام [¬٤] أيام أكل وشرب وذكر الله، إلا من كان عليه صوم من هدي\".\nزيادة حسنة ولكن مرسلة. وبه قال هشيم (^١١٨١): عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن عمرو بن دينار، أن رسول الله، صلى الله عليه رسلم، بعث بشر بن سحيم، فنادى في أيام التشريق فقال: \"إن هذه أيام [¬٥] أكل وشرب وذكر الله\".\n_________\n(^١١٧٨) - تفسير الطبري (٤/ ٢١١) (٣٩١١)، وأخرجه أحمد في مسنده (٢/ ٢٢٩) عن هشيم به، وفي (٢/ ٣٨٧) عن عفان، عن أبي عوانة، عن عمرو بن أبي سلمة به، وابن ماجة في كتاب الصيام، باب: ما جاء في النهي عن صيام أيام التشريق حديث (١٧١٩) عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة به كلهم بلفظ: \"أيام منى أيام أكل وشرب\".\n(^١١٧٩) - تفسير الطبري (٤/ ٢١١) (٣٩١٢)، وأخرجه أحمد في المسند (٢/ ٥١٣، ٥٣٥) والنسائي في (الكبرى)، والطحاوي (١/ ٤٢٨) عن روح به.\n(^١١٨٠) - تفسير الطبري (٤/ ١٠١) (٣٤٧١)، (٤/ ٢١٣) (٣٩١٥) وهو مرسل وسفيان بن حسين ثقة لكن ضعفوه في الزهري.\n(^١١٨١) - أخرجه الطبري في تفسيره (٤/ ٢١٢) (٣٩١٤) عن يعقوب عن هشيم به. وهو مرسل. وقد وصله النسائي في الكبرى من طريق شعبة، عن عمرو بن دينار، عن نافع بن جبير، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ عن النبي ﷺ به.\nوأخرجه أحمد (٤/ ٣٣٥)، والنسائي في كتاب الإيمان وشرائعه، باب: تأويل قوله ﷿: ﴿قَالتْ =\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- سقط من: م.\n[¬٥]- في ز: \"الأيام\".","vol":"2","page":266},{"text":"وقال هشيم (^١١٨٢)، عن ابن أبي ليلى، عن عطاء، عن عائشة؛ قالت: نهى رسول الله، ﷺ، عن صوم أيام التشريق، قال: \"هي [¬١] أيام أكل وشرب وذكر الله\".\nوقال محمد بن إسحاق (^١١٨٣)، عن حكيم بن حكيم، عن مسعود بن الحكم الزرقي، عن أمه قالت: لكأني [¬٢] أنظر إلى عليّ على بغلة رسول الله، ﷺ، البيضاء حتى وقف على شعب الأنصار، وهو يقول: يا أيها الناس، إنها ليست بأيام صيام إنما هي أيام أكل وشرب وذكر الله [¬٣].\nوقال مقسم عن ابن عباس: الأيام المعدودات أيام التشريق أربعة أيام: يوم النحر، وثلاثة أيام [¬٤] بعده.\nوروي عن ابن عمر، وابن الزبير، وأبي موسى، وعطاء، ومجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير، وأبي مالك، وإبراهيم النخعي، [ويحيى بن أبي كثير] [¬٥] والحسن، وقتادة، والسدي، والزهري، والربيع بن أنس، والضحاك، مقاتل بن حيان، وعطاء الخراساني، ومالك بن أنس، وغيرهم مثل ذلك.\nوقال علي بن أبي طالب: هي ثلاثة: يوم النحر، ويومان بعده، اذبح في أيهن شئت، وأفضلها أولها. والقول الأوّل هو المشهور، وعليه دل ظاهر الآية الكريمة، حيث قال: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَينِ فَلَا إِثْمَ عَلَيهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيهِ﴾، فدل على ثلاثة بعد النحر.\n_________\n= الْأَعْرَابُ آمَنَّا. .﴾ (٨/ ١٠٤) وابن خزيمة (٢٩٦٠) من طريق عمرو بن دينار، عن نافع، عن بشر بن سحيم أن رسول الله ﷺ خطب أيام التشريق فقال: \"لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة، وإن هذه الأيام أيام أكل وشرب\" وأخرجه أحمد (٥/ ٤١٣)، (٤/ ٣٣٥) والنسائي في الكبرى، وابن ماجة في كتاب الصيام، باب: ما جاء في النهي عن صيام أيام التشريق حديث (١٧٢٠) من طريق حبيب بن أبي ثابت عن نافع بن بشر به.\n(^١١٨٢) - أخرجه الطبري في تفسيره (٤/ ٢١٢) (٣٩١٣)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٤٢٨) من طريق أبي المليح، عن عائشة به وصحح العلامة أحمد شاكر إسناده.\n(^١١٨٣) - رواه الطبري في تفسيره (٣/ ٢١٤) (٣٩١٦) من طريق ابن علية عن ابن إسحاق له. وأخرجه ابن خزيمة (٢١٤٧) والحاكم (١/ ٤٣٤، ٤٣٥) من طريق عبد الأعلى عن ابن إسحاق به. وأخرجه أحمد (١/ ٩٢) من طريق إبراهيم بن سعد، عن ابن إسحاق قال: حدثني عبد الله بن أبي سلمة عن مسعود بن الحكم به، وصحح إسناده العلامة أحمد شاكر في تعليقه على المسند.\n_________\n[¬١]- في خ: \"وهي\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"فكأني\".\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- سقط من: م.\n[¬٥]- سقط من: ز، خ.","vol":"2","page":267},{"text":"ويتعلق بقوله: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ ذكر الله على الأضاحي، وقد تقدم أن [¬١] الراجح في ذلك مذهب الشافعي ﵀، وهو أن وقت الأضحية من يوم النحر إلى آخر أيام التشريق، ويتعلق به أيضًا الذكر المؤقت خلف الصلوات والمطلق في سائر الأحوال، وفي وقته أقوال للعلماء؛ أشهرها الذي عليه العمل أنه من صلاة الصبح يوم عرفة إلى صلاة العصر من آخر أيام التشريق وهو آخر النفر الآخر، وقد جاء فيه حديث رواه الدارقطني (^١١٨٤) ولكن لا يصح مرفوعًا، والله أعلم. وقد ثبت أن عمر بن الخطاب ﵁ كان يكبر في قبته، فيكبر أهل السوق بتكبيره حتى ترتج منى تكبيرًا.\nويتعلق بذلك أيضًا التكبير وذكر الله عند رمي الجمرات كل يوم من أيام التشريق، وقد جاء في الحديث الذي رواه أبو داود وغيره (^١١٨٥): \" إنما جعل الطواف بالبيت، والسعي بين الصفا والمروة، ورمى الجمار، لإِقامة ذكر الله ﷿\". [ولما ذكر الله تعالى النفر الأوّل والثاني، وهو تفرق الناس من موسم الحج إلى سائر الأقاليم والآفاق بعد اجتماعهم في المشاعر والمواقف قال: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيهِ تُحْشَرُونَ﴾ كما قال: ﴿وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيهِ تُحْشَرُونَ﴾] [¬٢].\n﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (٢٠٤) وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ (٢٠٥) وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ (٢٠٦) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (٢٠٧)﴾\nقال السدي: نزلت في الأخنس بن شريق الثقفي، جاء إلى رسول الله، ﷺ، وأظهر الإسلام وفي باطنه خلاف ذلك، وعن ابن عباس: أنها نزلت في نفر من المنافقين تكلموا في خبيب وأصحابه- الذين قتلوا بالرجيع وعابوهم، فأنزل الله في [¬٣] ذم المنافقين ومدح خبيب [¬٤]\n_________\n(^١١٨٤) - سنن الدارقطني (٢/ ٤٩، ٥٠) من طرق عن جابر ﵁.\n(^١١٨٥) - سنن أبي داود كتاب المناسك، باب: في الرمل، حديث (١٨٨٨) عن عائشة، وأخرجه أحمد (٦/ ٦٤، ٧٥، ١٣٨)، والترمذي (٩٠٢)، وابن خزيمة (٢٧٣٨، ٢٨٨٢، ٢٩٧٠).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"وأن\".\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- في ز: \"خبيبًا\".","vol":"2","page":268},{"text":"وأصحابه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾.\n[وقيل: بل ذلك عام في المنافقين كلهم وفي المؤمنين كلهم، وهذا قول قتادة ومجاهد والربيع بن أنس وغير واحد، وهو الصحيح.\nوقال ابن جرير (^١١٨٦): حدّثني يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرني الليث بن سعد، عن خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن القرظي، عن نوف -وهو البكالي- وكان ممن يقرأ الكتب- قال: إني لأجد صفة ناس من هذه الأمة في كتاب الله المنزل: قوم يحتالون على الدنيا بالدين، ألسنتهم أحلى من العسل، وقلوبهم أمر من الصبر، يلبسون للناس مسوك الضأن، وقلوبهم قلوب الذئاب، يقول الله تعالى: فعليّ يجترئون ولي يغترون، حلفت بنفسي لأبعثن عليهم فتنة تترك الحليم فيها حيران، قال القرظي: تدبرتها في القرآن، فإذا هم المنافقون، فوجدتها ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ﴾ الآية.\nوحدّثني محمد بن أبي معشر (^١١٨٧)، أخبرني أبو معشر نجيح قال: سمعت سعيدًا المقبري يذاكر محمد بن كعب القرظي، فقال سعيد: إن في بعض الكتب: إن عبادًا ألسنتهم أحلى من العسل، وقلوبهم أمر من الصبر، لبسوا للناس مُسُوك الضأن من اللين، يجترُّون الدنيا بالدين، قال الله تعالى: عليّ تجترئون وبي تغترون؟ وعزتي لأبعثن عليهم فتنة تترك الحليم منهم حيران، فقال محمد بن كعب: هذا في كتاب الله، فقال سعيد: وأين هو من كتاب الله، قال: قول الله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ الآية، فقال سعيد: قد عرفت فيمن أنزلت هذه الآية، فقال محمد بن كعب: إن الآية تنزل في الرجل ثم تكون عامة بعد. وهذا الذي قاله القرظي حسن صحيح.\nوأما قوله: ﴿وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ﴾ فقرأه ابن محيصن (ويَشهد الله) بفتح الياء وضم الجلالة، ﴿عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ﴾ ومعناه أن هذا لان أظهر لكم الحيل، لكن الله يعلم من قلبه القبيح كقوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾.\nوقراءة الجمهور بضم الياء ونصب الجلالة ﴿وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ﴾ ومعناه أنه يظهر للناس الإسلام، ويبارز الله بما في قلبه من الكفر والنفاق كقوله تعالى: ﴿يَسْتَخْفُونَ] [¬١]\n_________\n(^١١٨٦) - تفسير الطبري (٤/ ٢٣٢) (٣٩٦٥).\n(^١١٨٧) - تفسير الطبري (٤/ ٢٣١) (٣٩٦٤).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ر، خ.","vol":"2","page":269},{"text":"مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ﴾ الآية، هذا معنى ما رواه ابن إسحاق (^١١٨٨)، عن محمد بن أبي محمد، عن عكرمة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس.\nوقيل: معناه أنه إذا أظهر للناس الإسلام حلف، وأشهد الله لهم أن الذي في قلبه موافق للسانه، وهذا المعنى صحيح، وقاله عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، واختاره ابن جرير وعزاه إلى ابن عباس وحكاه عن مجاهد، والله أعلم.\nوقوله: ﴿وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ الألد في اللغة: الأعوج. ﴿وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾ أي عوجا، وهكذا المنافق في حال خصومته يكذب ويزور عن الحق ولا يستقيم معه، بل يفتري ويفجر كما ثبت في الصحيح (^١١٨٩) عن رسول الله، ﷺ، أنه قال: \"آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر\".\nوقال البخاري (^١١٩٠): حدَّثنا قبيصة، حدَّثنا سفيان، عن ابنِ جريج، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة ترفعه، قال: \"إن أبغض الرجال إلى الله الألد الخصِم\".\nقال: وقال عبد الله بن يزيد: حدَّثنا سفيان، حدَّثنا ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة، عن النبي، ﷺ، قال: \"إن أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم\" (^١١٩١).\nوهكذا رواه عبد الرزاق عن معمر، في قوله: ﴿وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾، عن ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة، عن النبي ﷺ قال: \"إن أبغض الرجال إلى الله الألد الخَصِم\" (^١١٩٢).\nوقوله: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ أي: هو أعوج المقال، سيئ الفعال، فذلك قوله وهذا فعله، كلامه كذب] [¬١]\n_________\n(^١١٨٨) - أخرجه الطبري في تفسيره (٤/ ٢٣٠) (٣٩٦٢).\n(^١١٨٩) - تقدم في تفسير الآية ١٧٧.\n(^١١٩٠) - صحيح البخاري، كتاب التفسير، باب (وهو ألد الخصام) حديث (٤٥٢٣)، وفيه: \"أبغض الرجال. .. إلى آخر الحديث دون حرف التوكيد (إن) \". وأخرجه في كتاب المظالم، باب قول الله تعالى: ﴿وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾، حديث (٢٤٥٧)، وفي كتاب الأحكام، باب الألد الخصم حديث (٧١٨٨)، ومسلم في كتاب العلم، حديث (٢٦٦٨) من طريق ابن جريج به.\n(^١١٩١) - صحيح البخاري، كتاب التفسير، باب: ﴿هُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ عقب الحديث (٤٥٢٣).\n(^١١٩٢) - تفسير عبد الرزاق (١/ ٩٧).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"2","page":270},{"text":"[واعتقاده فاسد، وأفعاله قبيحة.\nوالسعي ها هنا هو القصد كما قال إخبارًا عن فرعون: ﴿ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى (٢٢) فَحَشَرَ فَنَادَى (٢٣) فَقَال أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (٢٤) فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَال الْآخِرَةِ وَالْأُولَى (٢٥) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾ وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ أي اقصدوا واعمدوا ناوين بذلك صلاة الجمعة، فإن السعي الحسي إلي الصلاة منهي عنه بالسنة النبوية: \"إذا أتيتم الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون، وأتوها وعليكم السكينة والوقار\".\nفهذا المنافق ليس له همة إلا الفساد في الأرض، وإهلاك الحرث، وهو محل نماء الزروع والثمار،] [¬١] والنسل، وهو نتاج الحيوانات اللذين لا قوام للناس إلا بهما.\nوقال مجاهد: إذا سعى في الأرض فسادًا [¬٢] منع الله القطر، فهلك الحرث والنسل ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ أي لا يحب من هذه صفته، ولا من يصدر منه ذلك.\nوقوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ﴾ أي: إذا وعظ هذا الفاجر في مقاله وفعاله، وقيل له: اتق الله، وانزع عن قولك وفعلك، وارجع إلى الحق- امتنع وأبى، وأخذته الحمية والغضب بالإثم، أي: بسبب ما اشتمل عليه من الآثام، وهذه الآية شبيهة بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ [¬٣] عَلَيهِمْ آيَاتِنَا قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾؛ ولهذا قال في هذه الآية: ﴿فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ أي هي كافيته عقوبة في ذلك.\nوقوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾، لما أخبر عن المنافقين بصفاتهم الذميمة ذكر صفات المؤمنين الحميدة فقال: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾.\nقال [¬٤] ابن عباس، وأنس، وسعيد بن المسيب، وأبو عثمان النهدي، وعكرمة، وجماعة: نزلت في صهيب بن سنان الرومي، وذلك أنه لما أسلم بمكة، وأراد الهجرة، منعه الناس أن يهاجر بماله، وإن أحب أن يتجرّد منه ويهاجر، فعل، فتخلص [¬٥] منهم وأعطاهم ماله، فأنزل الله فيه هذه الآية، فتلقاه عمر بن الخطاب وجماعة إلى طرف الحرة، فقالوا له: ربح البيع! فقال: وأنتم فلا أخسر الله تجارتكم، وما ذاك؟ فأخبروه أن الله أنزل فيه هذه\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في ت: \"إفسادًا\".\n[¬٣]- في خ: \"يتلى\".\n[¬٤]- في ز، خ: \"وقال\".\n[¬٥]- في ز: \"ويخلص\".","vol":"2","page":271},{"text":"الآية، ويروى أنّ رسول الله، ﷺ، قال له: \"ربح البيع صهيب! ربح البيع صهيب! \".\nقال ابن مردويه (^١١٩٣): حدَّثنا محمد بن إبراهيم، حدَّثنا محمد بن عبد الله [بن رسته،] [¬١] حدَّثنا سليمان بن داود، حدَّثنا جعفر بن سليمان الضبي، حدَّثنا عوف، عن أبي عثمان النهدي، عن صهيب، قال: لما أردت الهجرة من مكة إلي النبي، ﷺ، قالت لي قريش: يا صهيب، قدمت إلينا ولا مال لك، وتخرج أنت ومالك؟! والله لا يكون ذلك أبدًا، فقلت لهم: أرأيتم إن دفعت إليكم مالي، تخلون عني؟ قالو!: نعم، فدفعت إليهم مالي، فخلوا عني، فخرجت حتى قدمت المدينة، فبلغ ذلك النبي، ﷺ، فقال: \"ربح صهيب! ربح صهيب! \" مرتين.\nوقال حماد بن سلمة (^١١٩٤)، عن علي بن زيد، عن سعيد بن المسيب؛ قال: أقبل صهيب مهاجرًا نحو النبي، ﷺ، فاتبعه نفر من قريش، فنزل عن راحلته، وانتثل (*) [¬٢] ما في كنانته، ثم قال: يا معشر قريش؛ قد علمتم أني من أرماكم رجلًا، وأنتم والله لا تصلون إليّ حتى أرمي كل [¬٣] سهم في كنانتي، ثم أضرب بسيفي ما بقي في يدي منه شيء، ثم افعلوا ما شئتم، وإن شئتم دللتكم على مالي وقنيتي [¬٤] بمكة وخليتم سبيلي، قالوا: نعم، فلما قدم على النبي، ﷺ، قال: \"ربح البيع! ربح البيع! \"، قال: ونزلت: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾.\nوأمّا الأكثرون فحملوا ذلك على أنها نزلت في كل مجاهد في سبيل الله، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾، ولما حمل هشام بن عامر بين الصفين أنكر عليه بعض الناس، فرد عليهم عمر بن الخطاب وأبو هريرة وغيرهما، وتلوا هذه الآية: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾.\n_________\n(^١١٩٣) - ورواه ابن سعد في الطبقات (٢/ ٢٢٧) عن هوذة، عن عوف، عن أبي عثمان قال: بلغني أن صهيبًا … فذكر نحوه، ورواه ابن سعد في الطبقات (٢/ ٢٢٨)، وأبو نعيم في الحلية (١/ ١٥١) من طريق علي بن زيد عن سعيد بن المسيب، فذكر نحو القصة. وأخرج نحوه الحاكم في المستدرك (٣/ ٤٠٠)، والبيهقي في دلائل النبوة (٢/ ٥٢٢) من طريق سعيد بن المسيب عن صهيب نحوه.\n(^١١٩٤) - أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (٢/ ٣٦٨) (١٩٣٩) وأبو نعيم في الحلية (١/ ١٥١) من طريق حماد بن سلمة به.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٢]- في خ: \"وانتشل\".\n[¬٣]- في ت: \"بكل\".\n[¬٤]- في ز: \"وقينتى\"، خ: \"وفتيتي\". والقنية: ما يكتسب ويدخر.\n(*) أي: أخرج ما فيها من سهام.","vol":"2","page":272},{"text":"﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٠٨) فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٠٩)﴾\nيقول الله [¬١] تعالى آمرًا عباده المؤمنين به المصدقين برسوله، أن يأخذوا بجميع عرى الإسلام وشرائعه، والعمل بجميع أوامره، وترك جميع زواجره ما استطاعوا من ذلك.\nقال العوفي: عن ابن عباس ومجاه د، وطاوس والضحاك، وعكرمة وقتادة، والسدي وابن زيد في قوله: ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ﴾ يعني: الإِسلام.\nوقال الضحاك -عن ابن عباس- وأبو العالية والربيع بن أنس ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْم﴾ يعني: الطاعة، وقال قتادة أيضًا: الموادعة [¬٢].\nوقوله: (كافة) قال ابن عباس ومجاهد، وأبو العالية وعكرمة، والربيع [بن أنس] [¬٣]، والسدي ومقاتل بن حيان، وقتادة والضحاك: جميعًا، وقال مجاهد: اي: اعملوا بجميع الأعمال، ووجوه البر.\nوزعم عكرمة أنها نزلت في نفر [¬٤] ممن أسلم من اليهود وغيرهم، كعبد الله بن سلام وأسد بن عبيد وثعلبة وطائفة استأذنوا رسول الله، ﷺ، في أن يسبتوا، وأن يقوموا بالتوراة ليلًا، فأمرهم الله بإقامة شعائر الإِسلام، والاشتغال بها عما عداها، وفي ذكر عبد الله بن سلام مع هؤلاء نظر، [إذ يبعد] [¬٥] أن يستأذن في إقامة السبت، وهو مع تمام إيمانه بتحقق نسخه ورفعه وبطلانه والتعويض عنه بأعياد الإِسلام.\nومن المفسرين من يجعل قوله: ﴿كَافَّةً﴾ حالًا من الداخلين، أي: ادخلوا في الإسلام كلكم، والصحيح: الأول؛ وهو أنهم أمروا كلهم [¬٦] أن يعملوا بجميع شعب الإيمان وشرائع الإِسلام، وهي كثيرة جدًّا، ما استطاعوا منها، كما قال [¬٧] ابن أبي حاتم (^١١٩٥): أخبرنا علي بن الحسين، أخبرنا أحمد بن الصباح، أخبرني الهيثم بن يمان، حدثنا إسماعيل\n_________\n(^١١٩٥) - تفسير ابن أبي حاتم (٢/ ٣٦٩) (١٩٤٤).\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- بياض في: ز.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٤]- في ز: \"نفس\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين في خ: \"ويبعد\".\n[¬٦]- سقط من: ز، خ.\n[¬٧]- في ز: \"وقال\".","vol":"2","page":273},{"text":"ابن زكريا، حدثني محمد بن عون، عن عكرمة، عن ابن عباس ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ كذا قرأها بالنصب يعني مؤمني أهل الكتاب، فإنهم كانوا مع الإِيمان بالله مستمسكين [¬١] ببعض أمور [¬٢] التوراة والشرائع التي أنزلت فيهم، فقال الله: ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ يقول: ادخلوا في شرائع دين محمد، صلي الله عليه رسلم، ولا تدعوا منها شيئًا، وحسبكم الإِيمان [¬٣] بالتوراة وما فيها.\nوقوله: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيطَانِ﴾ أي: اعملوا الطاعات، واجتنبوا ما يأمركم به الشيطان فـ ﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾، و﴿إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾، ولهذا قال: ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾، قال مطرف: أغش [¬٤] عباد الله لعبيد الله الشيطان.\nوقوله: ﴿فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ أي: عدلتم عن الحق بعد ما قامت عليكم الحجج، فاعلموا أن الله عزيز [] [¬٥] في انتقامه، لا يفوته هارب، ولا يغلبه غالب، حكيم في أحكامه ونقضه وإبرامه؛ ولهذا قال أبو العالية وقتادة والربيع بن أنس: عزيز في نقمته، حكيم في أمره. وقال محمد بن إسحاق: العزيز في نصره ممن كفر به إذا شاء، الحكيم في عذره وحجته إلى عباده.\n﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٢١٠)﴾\nيقول تعالى مهددًا للكافرين بمحمد صلوات الله وسلامه عليه: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ﴾ يعني يوم القيام؛ لفصل القضاء بين الأوّلين والآخرين، فيجزي كل عامل بعمله، إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر، ولهذا قال تعالى: ﴿وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ كما قال: ﴿كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (٢١) وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢) وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى﴾، وقال: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾ الآية.\nوقد ذكر الإِمام أبو جعفر بن جرير -ها هنا- حديث الصور بطوله من أوله، عن أبي هريرة عن رسول الله، صلي الله عليه رسلم، وهو حديث مشهور ساقه غير واحد من أصحاب المسانيد\n_________\n[¬١]- في خ: \"متمسكين\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"أمر\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"بالإيمان\".\n[¬٤]- في خ: \"الغش\".\n[¬٥]- في ت: أي.","vol":"2","page":274},{"text":"وغيرهم، وفيه: أن الناس إذا اهتموا [¬١] لموقفهم في العرصات، تشفعوا [¬٢] إلي ربهم بالأنبياء واحدًا واحدًا من آدم فمن بعد [¬٣]، فكلهم يحيد عنها، حتى ينتهوا إلى محمد ﷺ فإذا جاءوا إليه قال: \"أنا لها، أنا لها\"، فيذهب فيسجد لله تحت العرش، ويشفع عند الله في أن يأتي لفصل [¬٤] القضاء بين العباد، فيشفعه الله، ويأتي في ظلل من الغمام بعد ما تنشقّ السماء الدنيا، وينزل من فيها من [¬٥] الملائكة، ثم الثانية ثم الثالثة إلي السابعة، وينزل حملة [¬٦] العرش والكروبيون. قال: وينزل الجبار ﷿ في ظلل من الغمام والملائكة، ولهم زجل من [¬٧] تسبيحهم يقولون: سبحان [ذي الملك والملكوت!] [¬٨] سبحان رب العرش والجبروت سبحان الحى الذي لا يموت سبحان الذي يميت الخلائق ولا يموت سبوح قدوس، رب الملائكة والروح، قدوس قدوس سبحان ربنا الأعلى، سبحان ذي السلطان والعظمة، سبحانه، أبدًا أبدًا (^١١٩٦).\nوقد أورد الحافظ أبو بكر بن مردويه -هاهنا- أحاديث فيها غرابة، والله أعلم، فمنها ما رواه: من حديث المنهال بن عمرو، عن أبي عبيدة بن عبد الله بن ميسرة [¬٩]، عن مسروق، عن ابن مسعود، عن النبي، ﷺ، قال: \"يجمع الله الأوّلين والآخرين لميقات يوم معلوم قيامًا، شاخصة أبصارهم إلي السماء، ينتظرون فصل القضاء، وينزل الله في ظلل من الغمام من العرش إلى الكرسي\" (^١١٩٧).\nوقال [¬١٠] ابن أبي حاتم (^١١٩٨): حدثنا أبو زرعة، حدَّثنا أبو بكر بن عطاء بن مقدم، حدثنا\n_________\n(^١١٩٦) - تفسير الطبري (٤/ ٢٦٦، ٢٦٨) (٤٩٣٩) قال: حدثنا أبو كريب، عن عبد الرحمن بن محمد المحاربي، عن إسماعيل بن رافع المديني، عن يزيد بن أبي زياد، من رجل من الأنصار، عن محمد بن كعب القرظي، عن أبي هريرة به مرفوعًا، وإسناده ضعيف جدًّا لضعف إسماعيل بن رافع، والراوي عن محمد بن كعب مبهم. وسيأتي الحديث مرة أخرى في تفسير الآية (٧٣) من سورة الأنعام. وانظر تعليق العلامة أحمد شاكر على تفسير الطبري (٤/ ٢٦٨).\n(^١١٩٧) - رواه الطبراني في المعجم الكبير (٩/ ٤١٦، ٤١٧) من طريقين عن المنهال بن عمرو به مطولًا.\n(^١١٩٨) - تفسير ابن أبي حاتم (٢/ ٣٧٢) (١٩٥٨).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"أقيموا\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"يشفعوا\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"بعدهم\".\n[¬٤]- في ز: \"بفصل\".\n[¬٥]- في ز: \"ما\".\n[¬٦]- في ز: \"عليه\"، خ: \"عليهم\".\n[¬٧]- في ز: \"في\".\n[¬٨]- ما بين المعكوفتين في ز: \"االملك ذي الملكوت\".\n[¬٩]- في ز، خ: \"مسعود\".\n[¬١٠]- في ز، خ: \"قال\".","vol":"2","page":275},{"text":"معتمر بن سليمان، سمعت عبد الجليل القيسي يحدّث عن عبد الله بن عمرو ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ الآية، قال: يهبط حين يهبط، وبينه وبين خلقه سبعون ألف حجاب منها النور والظلمة والماء، فيصوت الماء في تلك الظلمة صوتًا تنخلع له القلوب.\nقال (^١١٩٩): وحدّثنا أبي، حدثنا محمد بن الوزير الدمشقي، حدَّثنا الوليد قال: سألت زهير بن محمد عن قول الله ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ قال: ظلل من الغمام: منظوم [من الياقوت] [¬١] مكلل بالجوهر والزبرجد.\nوقال ابن أبي نجيح (^١٢٠٠): عن مجاهد ﴿فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ قال: هو غير السحاب، ولم يكن قط إلا لبني إسرائيل في تيههم حين تاهوا.\nوقال أبو جعفر الرازي (^١٢٠١): عن الربيع بن أنس عن أبي العالية: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ﴾ يقول: والملائكة يجيئون في ظلل من الغمام، والله تعالى يجيء فيما يشاء، وهي في بعض القراءات [¬٢]: (هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله والملائكة في ظلل من الغمام)، وهي كقوله: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾.\n﴿سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَينَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢١١) زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيرِ حِسَابٍ (٢١٢)﴾\nيقول تعالى مخبرًا عن بني إسرائيل: كم [¬٣] شاهدوا مع موسى من آية بينة، أي: حجة قاطعة بصدقه [¬٤] فيما جاءهم به، كـ: يده، وعصاه، وفلقه البحر، وضربة الحجر، وما كان من تظليل الغمام عليهم في شدّة الحر، ومن إنزال المنّ والسلوى، وغير ذلك من الآيات الدالات على وجود الفاعل المختار، وصدق من جرت هذه الخوارق على يديه، ومع هذا أعرض كثير\n_________\n(^١١٩٩) - تفسير ابن أبي حاتم (٢/ ٣٧٣) (١٩٦٢).\n(^١٢٠٠) - أخرجه ابن جرير (٤/ ٢٦٣) (٤٠٣٤)، وابن أبي حاتم (٢/ ٣٧٢) (١٩٦١) من طريق ابن أبي نجيج به.\n(^١٢٠١) - أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (٢/ ٣٧٣) (١٩٦٣) بسنده إلى أبي جعفر الرازي.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"بالياقوت\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"القراءة\".\n[¬٣]- في ز: \"قد\".\n[¬٤]- في ز: \"على صدقه\".","vol":"2","page":276},{"text":"منهم عنها، وبدلوا نعمة الله كفرًا [¬١] أي: استبدلوا بالإيمان بها الكفر بها [¬٢] والإِعراض عنها ﴿وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾، كما قال تَعالي إخبارًا عن كفار قريش: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ (٢٨) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ﴾.\nثم أخبر تعالى عن تزيينه الحياة الدنيا للكافرين الذين رضوا بها واطمأنوا إليها، وجمعوا الأموال، ومنعوها عن [¬٣] مصارفها التي أمروا بها مما يرضي الله عنهم، وسخروا من الذين آمنوا الذين أعرضوا عنها، وأنفقوا ما حصل لهم منها في طاعة ربهم، وبذلوه [¬٤] ابتغاء وجه الله، فلهذا فازوا بالمقام الأسعد، والحظ الأوفر يوم معادهم، فكانوا فوق أولئك في محشرهم، ومنشرهم، ومسيرهم ومأواهم، فاستقرّوا في الدرجات في أعلي عليين، وخلد اُولئك في الدركات في أسفل السافلين؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيرِ حِسَابٍ﴾ أي: يرزق من يشاء من خلقه ويعطيه عطاءً كثيرًا جزيلًا بلا حصر، ولا تعداد في الدنيا والآخرة، كما جاء في الحديث: \"ابن آدم أنفق، أنفق عليك\" (^١٢٠٢)، وقال النبي ﷺ: \"أنفق بلال [¬٥] ولا تخش من ذي العرش إقلالًا [¬٦] \" (^١٢٠٣)، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾، وفي الصحيح: \"أن ملكين [ينزلان من السماء صبيحة] [¬٧]، كل يوم يقول أحدهما: اللهم أعط منفقًا [¬٨] خلفًا، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكًا [¬٩]، تلفًا\"، وفي الصحيح (^١٢٠٤): \" يقول ابن آدم: مالي مالي،\n_________\n(^١٢٠٢) - أخرجه البخاري في كتاب التفسير، باب: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ حديث (٤٦٨٤)، وفي التوحيد باب: قول الله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ﴾. .. حديث (٩٦٧٤)، ومسلم في كتاب الزكاة حديث (٩٩٣) من حديث أبي هريرة.\n(^١٢٠٣) - رواه الطبراني في المعجم الكبير (١٠/ ١٩٢) من طريق يحيى بن وثاب، عن مسروق، عن عبد الله بن مسعود ﵁ مرفوعًا، وحسنه المنذري في الترغيب والترهيب (٢/ ٥١).\n(^١٢٠٤) - أخرجه مسلم في كتاب الزهد والرقائق حديث (٢٩٥٩) من حديث عبد الله بن الشخير.\nوأخرجه أحمد (٤/ ٢٤، ٢٦)، والترمذي في كتاب الزهد حديث (٢٣٤٢)، وفي كتاب تفسير القرآن، باب: ومن سورة التكاثر حديث (٣٣٥٤).\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- سقط من ت.\n[¬٣]- في خ: \"من\".\n[¬٤]- في ز: \"وبذلوا\".\n[¬٥]- في ز: \"بلالًا\".\n[¬٦]- في ت: \"إجلالًا\".\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٨]- في ز: \"منفق\".\n[¬٩]- في ز: \"ممسك\".","vol":"2","page":277},{"text":"[وهل لك من مالك] [¬١] إلا ما أكلت فأفنيت، وما لبست فأبليت، وما تصدّقت فأمضيت، وما سوى ذلك فذاهب وتاركه للناس\".\nوفي مسند الإِمام أحمد عن النبي، ﷺ، أنه قال: \"الدنيا دار من لا دار له، ومال من لا مال له، ولها يجمع من لا عقل له\" (^١٢٠٥).\n﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَينَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إلا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَينَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢١٣)﴾\nقال ابن جرير (^١٢٠٦): حدثنا محمد بن بشار، حدثنا أبو داود، أخبرنا همام، عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: كان بين نوح وآدم عشرة قرون، كلهم علي شريعة من الحق، فاختلفوا فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين، قال: وكذلك هي في قراءة عبد الله (كان الناس أمّة واحدة فاختلفوا).\nورواه الحاكم في مستدركه: من حديث بندار، [] [¬٢] محمد بن بشار ثم قال: صحيح الإِسناد [¬٣] ولم يخرجاه.\nوكذا روى أبو جعفر الرازي (^١٢٠٧): عن أبي العالية، عن أبي بن كعب أنه كان يقرؤها: (كان الناس أمّة واحدة فاختلفوا فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين).\n_________\n(^١٢٠٥) - المسند (٦/ ٧١) (٢٤٥٣٠) من حديث حسين بن محمد، قال: ثنا دويد، عن أبي إسحاق، عن عروة، عائشة ﵂. وعزاه الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٢٨٨) لأحمد وقال: \"رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح غير دويد وهو ثقة\".\n(^١٢٠٦) - تفسير الطبري (٤/ ٢٧٥) (٤٠٤٨)، وأخرجه الحاكم في المستدرك (٢/ ٥٤٦، ٥٤٧) عن أبي نصر الخفاف، عن أحمد بن سلمة، عن محمد بن بشار به.\n(^١٢٠٧) - أخرجه الطبري في تفسيره (٤/ ٢٧٧، ٢٧٨) (٤٠٥٤).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"وإن مالك من مالك\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في خ: \"عن\". وهي زيادة مقحمة.\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.","vol":"2","page":278},{"text":"وقال عبد الرزاق (^١٢٠٨): أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ قال: كانوا على الهدى جميعًا ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ فكان أوّل نبي بُعِثَ نوحًا، وهكذا قال مجاهد كما قال ابن عباس أولًا.\nوقال العوفي عن ابن عباس: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ يقول: كانوا كفارًا ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾، والقول الأوّل عن ابن عباس أصح سندًا ومعنى، لأن الناس كانوا على ملة آدم ﵇ حتى عبدوا الأصنام، فبعث الله إليهم نوحًا ﵇، فكان أوّل رسول بعثه الله إلى أهل الأرض.\nولهذا قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَينَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إلا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَينَهُمْ﴾ أي: من بعد ما قامت الحجج عليهم، وما حملهم على ذلك إلا البغي من بعضهم [¬١] على بعض ﴿فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.\nوقال عبد الرزاق (^١٢٠٩): حدثنا معمر، عن سليمان الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة [في قوله]: ﴿فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ﴾ الآية، قال: قال النبي، ﷺ: \"نحن الآخرون الأوّلون يوم القيامة، نحن أوّل الناس دخولًا الجنة، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، وأوتيناه من بعدهم، فهدانا الله لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه [¬٢]، فهذا اليوم الذي اختلفوا فيه فهدانا الله له، فالناس لنا فيه تبع، فغدًا لليهود وبعد غدٍ للنصارى\".\nثم رواه عبد الرزاق: عن معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن أبي هريرة.\nوقال ابن وهب (^١٢١٠): عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه في قوله: ﴿فَهَدَى اللَّهُ\n_________\n(^١٢٠٨) - تفسير عبد الرازق (١/ ٩٩) ومن طريقه الطبري في تفسيره (٤/ ٢٧٦) (٤٩٤٠)، وابن أبي حاتم (٢/ ٣٧٦) (١٩٨٥).\n(^١٢٠٩) - أخرجه أحمد في مسنده (٢/ ٢٧٤)، عن عبد الرزاق به. وأخرجه أحمد (٢/ ٢٤٩)، ومسلم في كتاب الجمعة حديث (٨٥٥) من طريق الأعمش به. وأخرجه أحمد (٢/ ٢٧٤) والنسائي في الكبرى من طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن أبي هريرة مرفوعًا.\nوأخرجه البخاري في الجمعة، باب: هل على من لم يشهد الجمعة الغسل. . الحديث (٨٩٦) وفي أحاديث الأنبياء باب: ٥٤ حديث (٣٤٨٦).\n(^١٢١٠) - أخرجه الطبري في تفسيره (٤/ ٢٨٤) (٤٠٦١) وابن أبي حاتم في تفسيره (٢/ ٣٧٨) =\n_________\n[¬١]- في ز: \"بعض\".\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.","vol":"2","page":279},{"text":"الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ﴾: فاختلفوا في يوم الجمعة، فاتخذ اليهود يوم السبت، والنصارى يوم الأحد، فهدى الله أمّة محمد، ﷺ، ليوم الجمعة، واختلفوا في القبلة، فاستقبلت النصارى المشرق واليهود بيت المقدس، فهدى الله أمة محمد للقبلة، واختلفوا في الصلاة، فمنهم من يركع ولا يسجد، ومنهم من يسجد ولا يركع، ومنهم من يصلي وهو يتكلم، ومنهم من يصلي وهو يمشي، فهدى الله أمّة محمد للحق من ذلك، واختلفوا في الصيام، فمنهم من يصوم بعض النهار، ومنهم من يصوم عن بعض الطعام، فهدى الله أمّة محمد للحق من ذلك، واختلفوا في إبراهيم ﵇، فقالت اليهود: كان يهوديًّا، وقالت النصارى: كان نصرانيًّا، وجعله الله حنيفًا مسلمًا [¬١]، فهدى الله أمّة محمد للحق من ذلك، واختلفوا في عيسى ﵇، فكذبت به اليهود وقالوا لأمه بهتانًا عظيمًا، وجعلته النصارى إلهًا وولدًا، وجعله الله روحه وكلمته، فهدى الله أمّة محمد، ﷺ، للحق من ذلك.\nوقال الربيع بن أنس في قوله: ﴿فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ﴾ أي: عند الاختلاف أنهم كانوا على ما جاءت به الرسل قبل الاختلاف، أقاموا على الإخلاص لله ﷿ وحده وعبادته لا شريك له وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، فأقاموا على الأمر الأوّل الذي كان قبل الاختلاف، واعتزلوا الاختلاف، وكانوا شهداء على الناس يوم القيامة، شهودًا على قوم نوح، وقوم هود، وقوم صالح، وقوم شعيب، وآل فرعون أن رسلهم قد بلغوهم، وأنهم قد كذبوا رسلهم.\nوفي قراءة أبي بن كعب: (وليكونوا شهداء على الناس يوم القيامة والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم)، وكان أبو العالية يقول: في هذه الآية المخرج من الشبهات والضلالات والفتن.\nوقوله: ﴿بِإِذْنِهِ﴾ أي: بعلمه بهم [وبما هداهم] [¬٢] له؛ قاله [¬٣] ابن جرير ﴿وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ أي: من خلقه ﴿إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أي: وله الحكمة [¬٤] والحجة البالغة، وفي صحيح البخاري ومسلم [¬٥] عن عائشة (^١٢١١): أن رسول الله، ﷺ، كان إذا قام من الليل يصلي يقول: \"اللهم رب جبريل، وميكائيل، وإسرافيل، فاطر السموات\n_________\n= (١٩٩٤) عن يونس بن عبد الأعلى، عن ابن وهب به.\n(^١٢١١) - صحيح مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها حديث (٧٧٠)، ولم أقف على هذا الحديث في صحيح البخاري.\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- في ز: \"بإهداهم\".\n[¬٣]- في خ: \"قال\".\n[¬٤]- في ز: \"الحكم\".\n[¬٥]- سقط من: ز، خ.","vol":"2","page":280},{"text":"والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم\"، وفي الدعاء المأثور: \"اللهم أرنا الحق حقًّا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلا ووفقنا لاجتنابه، ولا تجعله ملتبسًا علينا فنضل، واجعلنا للمتقين إمامًا\".\n﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (٢١٤)﴾\nيقول تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾ قبل أن تبتلوا، وتختبروا، وتمتحنوا كما فعل بالذين من قبلكم من الأمم، ولهذا قال: ﴿وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ﴾ وهي الأمراض، والأسقام، والآلام، والمصائب، والنوائب.\nقال ابن مسعود، وابن عباس، وأبو العالية، ومجاهد، وسعيد بن جبير، ومرّة الهَمداني [¬١]، والحسن [¬٢] وقتادة، والضحاك، والربيع، والسدي، ومقاتل بن حيان: ﴿الْبَأْسَاءُ﴾: الففر [] [¬٣] ﴿وَالضَّرَّاءُ﴾: السقم.\n﴿وَزُلْزِلُوا﴾ خوفًا من الأعداء زلزالًا شديدًا، وامتحنوا امتحانًا عظيما، كما جاء في الحديث الصحيح عن خباب بن الأرت (^١٢١٢) قال: قلنا: يا رسول الله، ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو الله لنا فقال: \"إن من كان قبلكم [كان أحدهم] [¬٤]، يوضع المنشار [¬٥] علي مفرق رأسه، فيخلص إلى قدميه، لا يصرفه ذلك عن دينه، [ويمشط بأمشاط] [¬٦]، الحديد ما بين لحمه وعظمه لا يصرفه ذلك عن دينه\"، ثم قال [¬٧]: \"والله، ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على\n_________\n(^١٢١٢) - أخرجه البخاري في كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام حديث (٣٦١٢)، وفي مناقب الأنصار باب: ما لقي النبي ﷺ وأصحابه من المشركين بمكة حديث (٣٨٥٢)، وفي كتاب الإكراه، باب: من اختار الضرب والقتل والهوان على الكفر حديث (٦٩٤٣) من حديث قيس عن خباب به.\n_________\n[¬١]- في ت: \"الهمذاني\".\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- في ز: \"قال ابن عباس\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- في ز: \"الميشار\".\n[¬٦]- في خ: \"ويوشر بميشار\".\n[¬٧]- سقط من: ز، خ.","vol":"2","page":281},{"text":"غنمه، ولكنكم قوم [¬١] تستعجلون\".\nوقال الله تعالى: ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾.\nوقد حصل من هذا جانب عطيم للصحابة، رضي الله تعالى عنهم، في يوم الأحزاب كما قال\nالله تعالى: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (١٠) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا (١١) وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إلا غُرُورًا﴾ الآيات.\nولما سأل هرقل أبا سفيان (^١٢١٣): هل قاتلتموه؟ قال: نعم، قال: فكيف كانت [¬٢] الحرب بينكم؟ قال: سجالًا، يدال علينا وندال عليه، قال: كذلك الرسل تبتلى، ثم تكون لها العاقبة [¬٣].\nوقوله: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ أي: سنتهم، كما قال تعالى: ﴿فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا وَمَضَى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ﴾.\nوقوله: ﴿وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾ أي: يستفتحون على أعدائهم، ويدعون بقرب الفرج، والمخرج عند ضيق الحال والشدّة. قال الله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾، كما قال: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾.\nوكما تكون الشدة ينزل من النصر مثلها، ولهذا قال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾، [وفي حديث أبي رزين: \"عجب ربك من قنوط عباده وقُرب غيثه، فينظر إليهم قنطين فيظل يضحك، يعلم أن فرجهم قريب\" (^١٢١٤) - الحديث] [¬٤].\n﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيرٍ فَلِلْوَالِدَينِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى\n_________\n(^١٢١٣) - حديث هرقل رواه البخاري في صحيحه، كتاب بدء الوحي برقم (٧) من حديث ابن عباس.\n(^١٢١٤) - رواه أحمد (٤/ ١١، ١٢) (١٦٢٣٥) (١٦٢٤٩) وأخرجه ابن ماجة في المقدمة، باب: فيما أنكرت الجهمية (١/ ٦٤) حديث (١٨١) من طريق أبي بكر بن أبي شيبة، ثنا يزيد به. وأخرجه الطبراني في الكبير (١٩/ ٢٠٧) حديث (٤٦٩). وقال البوصيري في الزوائد: هذا إسناد فيه مقال، وكيع ذكره ابن حبان في الثقات، وذكره الذهبي في الميزان، وباقي رجاله احتج بهم مسلم.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في ز: \"كان\".\n[¬٣]- في خ: \"العافية\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"2","page":282},{"text":"وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٢١٥)﴾\nقال مقاتل بن حيان: هذه الآية في نفقة التطوّع، وقال السدي: نسختها الزكاة وفيه نظر، ومعنى الآية: يسألونك كيف ينفقون؟ قاله ابن عباس، ومجاهد، فبين لهم تعالى ذلك فقال: ﴿قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيرٍ فَلِلْوَالِدَينِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ أي: اصرفوها في هذه الوجوه، كما جاء في [¬١] الحديث: \"أمّك، وأباك، [وأختك، وأخاك] [¬٢] ثم أدناك أدناك\" (^١٢١٥) وتلا ميمون بن مهران هذه الآية ثم قال: هذه مواضع النفقة ما ذكر فيها طبلًا ولا مزمارًا ولا تصاوير الخشب ولا كسوة الحيطان.\nثم قال تعالى: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ أي مهما صدر منكم من فعل معروف فإن الله يعلمه، وسيجزيكم على ذلك أوفر الجزاء، فإنه لا يظلم أحدًا [¬٣] مثقال ذرة.\n﴿كُتِبَ عَلَيكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيئًا وَهُوَ خَيرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٢١٦)﴾\nهذا إيجاب من الله تعالى للجهاد على المسلمين أن يكفوا شر الأعداء عن حوزة الإِسلام.\nوقال الزهري: الجهاد واجب [¬٤] علي كل أحد غزا أو قعد، فالقاعد عليه إذا استعين أن يعين، وإذا استغيث أن يغيث، وإذا استنفر أن ينفر، وإن لم يحتج إليه قعد.\n(قلت): ولهذا ثبت في الصحيح: \"من مات ولم يغز، ولم يحدث نفسه بالغزو - مات ميتة جاهلية\" (^١٢١٦)، وقال ﵇ يوم الفتح: \"لا هجرة [بعد الفتح] [¬٥]،\n_________\n(^١٢١٥) - جزء من حديث أخرجه أحمد في مسنده (٢/ ٢٢٦) من طريقين عن أبي رمثة التميمي.\nوجزء من حديث أخرجه أحمد (٤/ ٦٤)، (٥/ ٣٧٧) عن الأشعث بن سليم، عن أبيه، عن رجل من بني يربوع.\n(^١٢١٦) - أخرجه مسلم في الإمارة حددث (١٩١٠)، وأبو داود في كتاب الجهاد، باب: كراهية ترك الغزو، حديث (٢٥٠٢)، والنسائي في الجهاد، باب: التشديد في ترك الجهاد (٦/ ٨) من حديث أبي هريرة.\n_________\n[¬١]- زيادة من: ز، خ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- في ت: \"وجب\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"2","page":283},{"text":"ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا\" (^١٢١٧).\nوقوله: ﴿وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ أي شديد عليكم ومشقة، وهو كذلك؛ فإنه إما أن يقتل، أو يجرح، مع مشقة السفر، ومجالدة الأعداء.\nثم قال تعالى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيئًا وَهُوَ خَيرٌ لَكُمْ﴾ أي: لأن القتال يعقبه النصر والظفر على الأعداء، والاستيلاء على بلادهم، وأموالهم وذراريهم، وأولادهم.\n﴿وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ﴾ وهذا عام في الأمور كلها، قد يحب المرء شيئًا وليس له فيه خيرة ولا مصلحة، ومن ذلك القعود عن القتال، قد يعقبه استيلاءُ العدو علي البلاد والحكم.\nثم قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ أي هو أعلم بعواقب الأمور منكم وأخبر بما فيه صلاحكم في دنياكم وأخراكم، فاستجيبوا له وانقادوا لأمره لعلكم ترشدون.\n﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢١٧) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢١٨)﴾\nقال ابن أبي حاتم (^١٢١٨): حدَّثنا أبي، حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي، حدثنا المعتمر بن سليمان، عن أبيه، حدثني الحضرمي، عن أبي السوار، عن جندب بن عبد الله: أن رسول\n_________\n(^١٢١٧) - أخرجه البخاري في كتاب جزاء الصيد، باب: لا يحل القتال بمكة حديث (١٨٣٤)، وفي الجهاد والسير، باب: فضل الجهاد والسير حديث (٢٧٨٣)، وفي باب: وجوب النفير، وما يجب من الجهاد والنية، حديث (٢٨٢٥)، ومسلم في كتاب الحج، حديث (١٣٥٣) من حديث ابن عباس.\n(^١٢١٨) - تفسير ابن أبي حاتم (٢/ ٣٨٤) (٢٠٢٢)، وأخرجه الطبري في تفسيره (٤/ ٣٠٦، ٣٠٧) (٤٠٨٤)، والبيهقي في سننه (٩/ ١١، ١٢) من طريق المعتمر به.","vol":"2","page":284},{"text":"الله، ﷺ، بعث رهطًا، وبعث عليهم أبا عبيدة بن الجراح [¬١]، فلما ذهب ينطلق بكى صبابة إلى رسول الله، ﷺ، فجلس [فحبسه] [¬٢]، فبعث عليهم مكانه عبد الله بن جحش، وكتب له كتابًا وأمره ألا يقرأ الكتاب حتى يبلغ مكان كذا وكذا، وقال: \"لا تكرهن أحدًا على السير معك من أصحابك\"، فلما قرأ الكتاب استرجع وقال: سمعًا وطاعة لله ولرسوله، فخبرهم الخبر وقرأ عليهم الكتاب، فرجع رجلان وبقى بقيتهم، فلقوا ابن الحضرمي فقتلوه، ولم يدروا أنّ ذلك اليوم من رجب، أو من جمادى، فقال المشركون للمسلمين: قتلتم في الشهر الحرام! فأنزل الله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ الآية.\nوقال السدي: عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة، عن ابن مسعود ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ الآية. وذلك أن رسول الله، ﷺ، بعث سرية وكانوا سبعة نفر، عليهم عبد الله بن جحش الأسدي، وفيهم عمار بن ياسر وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة، وسعد بن أبي وقاص، وعتبة بن غزوان السلمي [¬٣] حليف لبني [¬٤] نوفل، وسهيل بن بيضاء، وعامر بن فهيرة، وواقد بن عبد الله اليربوعي حليف لعمر بن الخطاب، وكتب لابن جحش كتابًا وأمره ألا يقرأه حتى ينزل بطن ملل [¬٥]، فلما نزل بطن ملل [¬٦] فتح الكتاب، فإذا فيه: \"أن سر، حتى تنزل بطن نخله (*) \"، فقال لأصحابه: من كان يريد الموت فليمض وليوص، فإنني موص وماض لأمر رسول الله صلي الله عليه رسلم، فسار، فتخلف عنه سعد بن أبي وقاص وعتبة، أضلا راحلة لهما فأتيا بحران [¬٧] يطلبانها، وسار ابن جحش إلى بطن نخلة، فإذا هو بالحكم بن كيسان، والمغيرة بن عثمان [وعمرو بن الحضرمي] [¬٨] وعبد الله بن المغيرة، وانفلت المغيرة وقتل عمرو، قتله واقد بن عبد الله، فكانت أول غنيمة غنمها أصحاب [النبي] ﷺ.\nفلما رجعوا إلى المدينة بالأسيرين [¬٩] وما أصابوا من المال أراد [¬١٠] أهل مكة أن يفادرا الأسيرين [فقال النبي ﷺ: \"حتى ننظر ما فعل صاحبانا\" فلما رجع سعد وصاحبه فادى بالأسيرين، ففجر] [¬١١] عليه المشركون. وقالوا: إن محمدًا يزعم أنه يتبع طاعة الله،\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"الحارث\".\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في خ: \"السليمي\".\n[¬٤]- في ز، خ: \"أبي\".\n[¬٥]-[¬٦]- في ت: \"نخلة\". وملل: موضع بين مكة والمدينة، على بعد سبعة عشر ميلًا من المدينة.\n(*) بطن نخلة: قرية قريبة من المدينة على طريق البصرة. معجم البلدان [١/ ٥٥٣].\n[¬٧]- في ز: \"بحوبان\".\n[¬٨]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٩]- في ز: \"بأسيرين\".\n[¬١٠]- في خ: \"أرادوا\".\n[¬١١]- ما بين المعكوفتين بياض في ز، خ.","vol":"2","page":285},{"text":"وهو أول من استحل الشهر الحرام وقتل صاحبنا في رجب، فقال المسلمون: إنما قتلناه في جمادى وقيل: [¬١] في أول [ليلة من] [¬٢] رجب وآخر ليلة من جمادى -وغمد المسلمون سيوفهم حين دخل شهر رجب، فأنزل [¬٣] الله يعير اُهل مكة: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ لا يحل، وما صنعتم أنتم يا معشر المشركين أكبر من القتل في الشهر الحرام، حين كفرتم بالله وصددتم عن محمد، ﷺ، وأصحابه، وإخراج أهل المسجد الحرام منه حين أخرجوا محمدًا، ﷺ، وأصحابه [¬٤] أكبر من القتل عند الله.\nوقال العوفي: عن ابن عباس ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ وذلك أن المشركين صدّوا رسول الله، ﷺ، وردوه عن المسجد في شهر حرإم، قال [¬٥]: ففتح الله على نبيه في شهر حرام من العام المقبل، فعاب المشركون علي رسول الله، ﷺ القتال في شهر حرام، فقال الله: ﴿وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ من القتال فيه، وأن محمدًا، ﷺ وبعث سرية، فلقوا عمرو [¬٦] بن الحضرمي، وهو مقبل من الطائف في آخر ليلة من جمادى وأول ليلة من رجب، وإن أصحاب محمد، ﷺ، كانوا يظنون أن تلك الليلة من جمادى، وكانت أول رجب ولم يشعروا، فقتله رجل منهم، وأخذوا ما كان معه، وأن المشركين أرسلوا يعيرونه بذلك، فقال الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ﴾: إخراج أهل المسجد الحرام أكبر من الذي أصاب أصحاب محمد، ﷺ، والشرك أشد منه.\nوهكذا روى أبو سعيد البقال [¬٧]، عن عكرمة، عن ابن عباس: أنها نزلت في سرية عبد الله بن جحش وقتل عمرو بن الحضرمي. وقال محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن السائب الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس قال: نزل فيما كان من مصاب عمرو بن الحضرمي ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ إلي آخر الآية.\nوقال عبد الملك بن هشام -راوي السيرة- عن زياد بن عبد الله البكائي [¬٨]، عن محمد بن إسحاق بن يسار المدني ﵀ في كتاب السيرة له أنه قال: وبعث [¬٩] رسول الله، صلي الله\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"وقتل\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في خ: \"وأنزل\".\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- سقط من: ز، وبياض في خ.\n[¬٦]- في ز: \"عمر\".\n[¬٧]- في ز، خ: \"المنهال\".\n[¬٨]- سقط من: خ.\n[¬٩]- في ز: \"يعني\".","vol":"2","page":286},{"text":"عليه وسلم، عبد الله بين جحش بن رئاب الأسدي في رجب، مقفله من بدر الأولى، وبعث معه ثمانية [¬١] رهط من المهاجرين ليس فيهم من الأنصار أحد، وكتب له كتابًا وأمره ألا ينظر فيه حتى يسير يومين ثم ينظر فيه، فيمضي لما أمره به ولا يستكره من أصحابه أحدًا، وكان أصحاب عبد الله بن جحش [] [¬٢] من المهاجرين، ثم من بني عبد شمس بن عبد مناف أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف، ومن حلفائهم: عبد الله بن جحش وهو أمير القوم، وعكاشة بن محصن بن حُرْثان أحد بني أسد بن خزيمة حليف لهم، ومن بني نوفل بن عبد مناف عتبة بن غزوان بن جابر حليف لهم، ومن بني [¬٣] زهرة بن كلاب سعد بن أبي وقاص، ومن بني [كعب بن عدي بن] [¬٤]، عامر بن ربيعة حليف لهم من عنز [¬٥] ابن وائل، وواقد بن عبد الله بن عبد مناف بن عرين [¬٦] بن ثعلبة بن يربوع أحد بني تميم حليف لهم، وخالد بن البكير أحد بني سعد بن ليث حليف لهم، ومن بني الحارث بن فهر سهيل بن بيضاء.\nفلما سار عبد الله بن جحش يومين فتح الكتاب، فنظر فيه [¬٧] فإذا فيه: إذا نظرت في كتابي هذا فامض حتى تنزل نخلة بين مكة والطائف ترصد بها قريشًا، وتعلم لنا من أخبارهم، فلما نظر عبد الله بن جحش في الكتاب قال: سمعًا وطاعة، ثم قال لأصحابه: قد أمرني رسول الله ﷺ أن أمضي إلى نخلة أرصد بها قريشًا حتى آتيه منهم بخبر، وقد نهاني أن أستكره أحدًا منكم، فمن كان منكم يريد الشهادة ويرغب فيها فلينطلق، ومن كره ذلك فليرجع! فأما أنا فماض لأمر رسول الله ﷺ، فمضى ومضى معه أصحابه، لم يتخلف عنه منهم أحد، فسلك على الحجاز، حتى إذا كان بمعدن فوق الفرع يقال له: بحران، أضل سعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان بعيرًا لهما كانا يعتقبانه، فتخلفا عليه في طلبه، ومضى عبد الله بن جحش، وبقية أصحابه حتى نزل نخلة، فمرت به عير لقريش تحمل زبيبًا، وأدمًا وتجارة من تجارة قريش فيها عمرو بن الحضرمي [-واسم الحضرمي عبد الله بن عباد أحد الصَّدِف-] [¬٨]، وعثمان بن عبد الله بن المغيرة، وأخوه نوفل بن عبد الله المخزوميان، والحكم بن كيسان مولى هشام بن المغيرة.\nفلما رآهم القوم هابوهم، وقد نزلوا قريبًا منهم، فأشرف لهم عكاشة بن محصن، وكان قد\n_________\n[¬١]- في ز: \"ثماني\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"خمس.\"\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- في ز، خ: \"عدي بن كعب\".\n[¬٥]- في خ: \"غير\".\n[¬٦]- في خ: \"عزير\".\n[¬٧]- سقط من خ.\n[¬٨]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"2","page":287},{"text":"حلق رأسه، فلما رأوه أمِنوا وقالوا: عُمّار لا بأس عليكم منهم، وتشاور القوم فيهم وذلك في آخر يوم من رجب، فقال القوم: والله لئن تركتم القوم هذه الليلة ليدخلُنَّ الحرم فليمتنعُنَّ منكم به [¬١]، ولئن قتلتموهم لتقتلُنَّهُمْ في الشهر الحرام، فتردّد القوم وهابوا الإِقدام عليهم، ثم شجعوا أنفسهم عليهم، وأجمعوا على [¬٢] قتل من قدروا عليه منهم، وأخذ ما معهم، فرمى واقد بن عبد الله التميمي عمرو بن الحضرمي بسهم فقتله، واستأسر عثمان بن عبد الله، والحكم بن كيسان [وأفلت القوم نوفل بن عبد الله] فأعجزهم، وأقبل عبد الله بن جحش، وأصحابه بالعير، والأسيرين حتى قدموا على رسول الله، ﷺ، المدينة.\nقال ابن إسحاق: وقد ذكر بعض آل عبد الله بن جحش: أن عبد الله قال لأصحابه: إن لرسول الله، ﷺ، مما غنمنا الخمس، وذلك قبل أن يفرض الله [¬٣] الخمس من المغانم، فعزل لرسول الله، ﷺ، خمس العير، وقسم سائرها بين أصحابه.\nقال ابن إسحاق: فلما قدموا على رسول الله، ﷺ، قال: \"ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام\"، فوقف العير والأسيرين، وأبى أن يأخذ من ذلك شيئًا، فلما قال ذلك رسول الله، ﷺ، أسْقِط في أيدي القوم، وظنوا [¬٤] أنهم قد هلكوا، وعنفهم إخوانهم من المسلمين فيما صنعوا، وقالت قريش: قد استحل محمد وأصحابه الشهر الحرام، وسفكوا فيه الدم، وأخذوا فيه الأموال، وأسروا فيه الرجال، فقال من يرد عليهم من المسلمين ممن كان بمكة: إنما أصابوا ما أصابوا في شعبان، وقالت اليهود [¬٥]- تفاءلوا بذلك على رسول الله ﷺ: عمرو بن الحضرمي قتله واقد بن عبد الله، [عمرو عمرت الحرب، والحضرمي حضرت الحرب، وواقد بن عبد الله] [¬٦] وقدت الحرب، فجعل الله عليهم ذلك لا لهم، فلما أكثر الناس في ذلك أنزل الله علي رسول [¬٧] الله ﷺ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ أي: إن كنتم قتلتم في الشهر الحرام، فقد صدوكم عن سبيل الله مع الكفر به وعن المسجد الحرام، وإخراجكم منه وأنتم أهله ﴿أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ من قتل من قتلتم منهم ﴿وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ أي: قد كانوا يفتنون المسلم عن [¬٨] دينه حتى يردوه إلى الكفر بعد إيمانه، فذلك\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- في ز: \"فظنوا\".\n[¬٥]- في ز، خ: \"يهود\".\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٧]- في ز، خ: \"رسوله\".\n[¬٨]- في ت: \"في\".","vol":"2","page":288},{"text":"أكبر عند الله من القتل ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ أي: ثم هم مقيمون على أخبث ذلك وأعظمه غير تائبين ولا نازعين.\nقال ابن إسحاق: فلما نزل القرآن بهذا من الأمر، وفرج الله عن المسلمين ما كانوا فيه من الشدّة [¬١]، قبض رسول الله، ﷺ، [وآله وسلم] العير والأسيرين، وبعثت [¬٢] إليه قريش في فداء عثمان بن عبد الله، والحكم بن كيسان، فقال رسول الله، ﷺ: \"لا نفديكموهما حتى يقدم صاحبانا\" -يعني: سعد بن أبي وقاص، وعتبة بن غزوان- \"فإنا نخشاكم عليهما، فإن تقتلوهما نقتل صاحبيكم\"، فقدم سعد وعتبة، ففداهما [¬٣] رسول الله، ﷺ، منهم.\nفأما الحكم بن كيسان فأسلم وحسن إسلامه وأقام عند رسول الله، ﷺ حتى قتل يوم بئر معونة شهيدًا، وأما عثمان بن عبد الله فلحق بمكة فمات بها كافرًا.\nقال ابن إسحاق: فلما تجلى عن عبد الله بن جحش، وأصحابه ما كانوا [¬٤] [فيه حين] [¬٥] نزل القرآن طمعوا في الأجر، فقالوا: يا رسول الله، أنطمع أنّ تكون لنا غزوة نعطى فيها أجر المجاهدين؛ فأنزل الله ﷿: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، فوضعهم [¬٦] الله من ذلك على أعظم الرجاء، قال ابن إسحاق: والحديث في هذا عن الزهري، ويزيد بن رومان عن عروة.\nوقد روى يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق، عن يزيد بن رومان، عن عروة بن الزبير قريبًا من هذا السياق، وروى موسى بن عقبة عن الزهري نفسه نحو ذلك.\nوروى شعيب بن أبي حمزة عن الزهري، عن عروة بن الزبير نحوًا من هذا أيضًا، وفيه: فكان ابن الحضرمي أول قتيل قتل بين المسلمين والمشركين، فركب وفد من كفار قريش حتى قدموا على رسول الله، ﷺ، بالمدينة، فقالوا: أيحل القتال في الشهر الحرام؟ فأنزل الله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ الآية، وقد استقصى ذلك الحافظ أبو بكر البيهقي في كتاب دلائل النبوة (^١٢١٩).\nثم قال ابن هشام: عن زياد، عن ابن [¬٧] إسحاق، وقد ذكر عن بعض آل عبد الله أن الله\n_________\n(^١٢١٩) - أخرجه البيهقي في دلائل النبوة (٣/ ١٨، ١٩).\n_________\n[¬١]- في ز: \"الشفق\"، وسقط من: خ.\n[¬٢]- في ز: \"وبعث\".\n[¬٣]- في خ: \"وأفداهما\".\n[¬٤]- في ت: \"كان\".\n[¬٥]- بياض مكانها في ز، خ.\n[¬٦]- في ز، خ: \"فوضع\".\n[¬٧]- سقط من: ز، خ.","vol":"2","page":289},{"text":"قسم الفيء حين أحله، فجعل أربعة أخماسه [¬١] لمن أفاءه وخُمسًا إلى الله ورسوله، فوقع على ما كان عبد الله بن جحش صنع في تلك العير (^١٢٢٠).\nقال ابن هشام: وهي أول غنيمة غنمها المسلمون، وعمرو بن الحضرمي أول من قتل المسلمون، وعثمان بن عبد الله والحكم بن كيسان أول من أسر المسلمون (^١٢٢١).\nقال ابن إسحاق: فقال أبو بكر الصديق ﵁ في غزوة عبد الله بن جحش، ويقال بل عبد الله بن جحش قالها حين قالت قريش: قد أحل محمد وأصحابه الشهر الحرام، فسفكوا فيه الدم وأخذوا فيه المال وأسروا فيه الرجال، قال ابن هشام: هي لعبد الله بن جحش.\nتعدون [¬٢] قتلًا في الحرام عظيمة … وأعظم منه لو يرى الرشد راشد\nصدودكم عما يقول محمد … وكفر به والله راء وشاهد\nوإخراجكم من مسجد الله أهله … لئلا يرى لله في البيت ساجد\nفإنا وإن عيرتمونا بقتله … وأرجف بالإسلام باغ وحاسد\nسقينا من ابن الحضرمي رماحنا … بنخلة لما أوقد الحرب واقد\nدمًا وابن عبد الله عثمان بيننا … ينازعه غُلٌّ من القِدِّ [¬٣] عاند [¬٤]\n﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢١٩) فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٢٠)﴾\nقال الإِمام أحمد (^١٢٢٢): حدَّثنا خلف بن الوليد، حدَّثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي ميسرة، عن عمر أنه قال: لما نزل تحريم الخمر قال: اللهم، بين لنا في الخمر بيانًا شافيًا،\n_________\n(^١٢٢٠) - السيرة النبوية لابن هشام (١/ ٦٠٥).\n(^١٢٢١) - السيرة النبوية لابن هشام (١/ ٦٠٥).\n(^١٢٢٢) - المسند (١/ ٥٣) (٣٧٨)، وأخرجه أبو داود في الأشربة، باب: في تحريم الخمر=\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"أخماس\".\n[¬٢]- في خ: \"يمدون\".\n[¬٣]- في ت، خ: \"القيد\".\n[¬٤] في خ: \"عايد\".","vol":"2","page":290},{"text":"فنزلت هذه الآية التي في البقرة ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾، فدعي عمر، فقرئت عليه، فقال: اللهم، بين لنا في الخمر بيانًا شافيًا فنزلت الآية التي في النساء ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَي﴾، فكان منادي رسول الله، ﷺ، إذا أقام الصلاة نادي: أن لا يقربن الصلاة سكران، فدعي عمر، فقرئت عليه، فقال: اللهم، بين لنا في الخمر بيانًا شافيًا، فنزلت الآية التي في المائدة، فدعي عمر، فقرئت عليه، فلما بلغ: ﴿فهل أنتم منتهون﴾ قال عمر: انتهينا انتهينا.\nوهكذا رواه أبو داود والترمذي والنسائي من طرق عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، وكذا رواه ابن أبي حاتم، وابن مردويه من طريق الثوري، عن أبي إسحاق، عن أبي ميسرة -واسمه عمرو بن شرحبيل- الهمداني الكوفي، عن عمر وليس له عنه سواه، لكن [] [¬١]، قال أبو زرعة: لم يسمع منه، والله أعلم.\nوقال علي بن المديني: هذا إسناد [¬٢] صالح صحيح [¬٣]. وصححه الترمذي، وزاد ابن أبي حاتم بعد قوله: (انتهينا): إنها تذهب المال وتذهب العقل. وسيأتي هذا الحديث أيضًا مع ما رواه أحمد من طريق أبي هريرة أيضًا عند قوله في سورة المائدة: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠)﴾ الآيات.\nفقوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيسِرِ﴾ أما الخمر فكما قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁: إنه كل ما خامر العقل؛ كما سيأتي بيانه في سورة المائدة، وكذا الميسر وهو القمار.\nوقوله: ﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ أما إثمهما فهو في الدين، وأما المنافع فدنيوية من حيث أن فيها نفع البدن، وتهضيم المام، وإخراج الفضلات، وتشحيذ بعض الأذهان، ولذة الشدة المطربة التي فيها كما قال حسان بن ثابت في جاهليته:\nونشربُها فتتركنا ملوكًا … وأُسدًا لا ينهنهها [¬٤] اللقاء\nوكذا بيعها والانتفاع بثمنها، وما كانُ يقمِّشُه بعضُهم من الميسر فينفقه على نفسه، أو\n_________\n= حديث (٣٦٧٠)، والترمذي في تفسير القرآن، باب: ومن سورة المائدة حديث (٣٠٤٩)، والنسائي في كتاب الأشربة، باب تحريم الخمر (٨/ ٢٨٦) من طرق عن إسرائيل به. وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (٢/ ٣٨٨، ٣٨٩) (٢٠٤٤) من طريق سفيان عن أبي إسحاق به. والحديث صحح إسناده العلامة أحمد شاكر في تعليقه على المسند.\n_________\n[¬١]- في ت: \"قد\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"الإسناد\".\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- في ت: ينهنهنا.","vol":"2","page":291},{"text":"عياله، ولكن هذه المصالح لا توازي مضرته ومفسدته الراجحة؛ لتعلقها بالعقل والدين؛ ولهذا قال [الله تعال] [¬١]: ﴿وإثمهما أكبر من نفعهما﴾، ولهذا كانت هذه الآية ممهدة لتحريم الخمر على البتات، ولم تكن مصرحة بل معرضة، ولهذا قال عمر ﵁ لما قرئت عليه: اللهم بين لنا في الخمر بيانًا شافيًا، حتى نزل التصريح بتحريمها في سورة المائدة ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَينَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾، وسيأتي الكلام علي ذلك في سورة المائدة إن شاء الله تعالى وبه الثقة.\nقال ابن عمر والشعبي، ومجاهد، وقتادة، والربيع بن أنس، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم: إن [¬٢] هذه أول آية نزلت في الخمر ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ ثم نزلت الآية التي في سورة النساء، ثم [نزلت الآية] [¬٣] التي في [سورة] [¬٤] المائدة فحرمت الخمر.\nوقوله: ﴿[] [¬٥] يسألونك ماذا ينفقون قل العفو﴾ قرئ بالنصب وبالرفع وكلاهما حسن متجه قريب.\nقال ابن أبي حاتم (^١٢٢٣): حدثنا أبي، حدَّثنا موسى بن إسماعيل، حدَّثنا أبان، حدَّثنا يحيي: أنه بلغه أن معاذ بن جبل وثعلبة أتيا رسول الله، ﷺ، فقالا: يا رسول الله، إن لنا أرقاء وأهلين من أموالنا، فأنزل الله: ﴿ويسألونك ماذا ينفقون﴾.\nوقال الحكم [¬٦] عن مقسم، عن ابن عباس ﴿ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو﴾ قال: ما يفضل عن أهلك.\nوكذا روي عن ابن عمر، ومجاهد، وعطاء، وعكرمة، وسعيد بن جبير ومحمد بن كعب والحسن، وقتادة، والقاسم، وسالم، وعطاء الخراساني، والربيع بن أنس، وغير واحد أنهم قالوا في قوله: ﴿قل العفو﴾: يعني الفضل، وعن طاوس: اليسير من كل شيء، وعن الربيع أيضًا: أفضل مالك وأطيبه. والكل يرجع إلى الفضل.\n_________\n(^١٢٢٣) - تفسير ابن أبي حاتم (٢/ ٣٩٣) (٢٠٦٨). وإسناده منقطع، بين يحيي ومعاذ مفاوز.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين زيادة من: ز.\n[¬٥]- في خ: \"و\".\n[¬٦]- في ز: \"الحاكم\".","vol":"2","page":292},{"text":"وقال عبد بن حميد في تفسيره: حدَّثنا هوذة بن خلمِفة، عن عوف، عن الحسن، [في الآية] [¬١] ﴿ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو﴾ قال: ذلك ألا تجهد [¬٢] مالك ثم تقعد تسأل الناس.\nويدل علي ذلك ما رواه ابن جرير (^١٢٢٤): حدَّثنا علي بن مسلم، حدَّثنا أبو عاصم، عن ابن عجلان، عن المقبري، عن أبي هريرة قال: قال رجل: يا رسول الله، عندي دينار، قال: \"أنفقه علي نفسك\"، قال: عندي آخر، قال: \"أنفقه علي أهلك\"، قال: عندي آخر، قال: \"أنفقه علي ولدك\"، قال: عندي آخر، قال: \"فأنت أبصر\".\nوقد رواه مسلم في صحيحه.\nوأخرج [¬٣] مسلم أيضًا عن جابر (^١٢٢٥): أنّ رسول الله، ﷺ، قال لرجل: \"ابدأ بنفسك فتصدق عليها، فإن فضل شيء فلأهلك، فإن فضل شيء عن أهلك فلذي قرابتك، فإن فضل عن ذي قرابتك شيء فهكذا وهكذا\".\nوعنده عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"خير الصدقة ما كان عن ظهر غني، واليد العليا خير من اليد [¬٤] السفلي، وابدأ بمن تعول\" (^١٢٢٦).\nوفي الحديث أيضًا: \"ابن آدم، إنك إن تبذل الفضل خير لك، وإن تمسكه شر لك، ولا\n_________\n(^١٢٢٤) - تفسير الطبري (٤/ ٣٤٠) (٤١٧٠)، وأخرجه الحميدي (١١٧٦)، وأحمد (٢/ ٢٥١، ٤٧١)، والبخاري في الأدب المفرد (١٩٧)، وأبو داود في كتاب الزكاة، باب: في صلة الرحم حديث (١٦٩١)، والنسائي في كتاب الزكاة، (٥/ ٦٢)، من طرق عن ابن عجلان به.\nوقول المصنف: \"وقد رواه مسلم في صحيحه\". وهم، وكذا قال الشيخ أحمد شاكر في تعليقه علي تفسير الطبري، وانظر تحفة الأشراف (٩/ ١٣٠٤١).\n(^١٢٢٥) - صحيح مسلم، كتاب الزكاة حديث (٩٩٧)، وأخرجه أبو داود في كتاب العتق، باب في بيع المدبر حديث (٣٩٥٧) والنسائي في الزكاة، كتاب: أي الصدقة أفضل (٥/ ٦٩، ٧٠)، وفي البيوع، باب بيع المدبر (٧/ ٣٠٤) من حديث أبي الزبير عن جابر.\n(^١٢٢٦) - أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الزكاة، باب: لا صدقة إلَّا عن ظهر غنى الحديث (١٤٢٦) من حديث أبي هريرة، وأطرافه في (١٤٢٨، ٥٣٥٥، ٥٣٥٦)، وليس الحديث في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة، وإنما رواه مسلم في الزكاة (١٠٣٤) من حديث حكيم بن حزام.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢] في خ: \"يجهد\".\n[¬٣]- في ت: \"وأخرجه\".\n[¬٤]- سقط من: ز.","vol":"2","page":293},{"text":"تلام على كفاف\" (^١٢٢٧).\nثم قد قيل: إنها منسوخة بآية الزكاة كما رواه علي بن أبي طلحة، والعوفي عن ابن عباس، وقاله عطاء الخراساني، والسدي، وقيل: مبينة بآية الزكاة قاله مجاهد وغيره، وهو أوجه.\nوقوله: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢١٩) فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ أي: كما فصل لكم هذه الأحكام، وبينها، وأوضحها، كذلك يبين لكم سائر الآيات في أحكامه، ووعده ووعيده لعلكم تتفكرون في الدنيا والآخرة.\nقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس يعني: في زوال الدنيا، وفنائها، وإقبال الآخرة، وبقائها.\nوقال ابن أبي حاتم (^١٢٢٨): حدَّثنا أبي، حدَّثنا علي بن محمد الطنافسي، حدَّثنا أبو أسامة، عن الصعق التميمي قال: شهدت الحسن، وقرأ هذه الآية من البقرة ﴿لعلكم تتفكرون في الدنيا والآخرة﴾ قال: هي والله لمن تفكر فيها؛ ليعلم أن الدنيا دار بلاءٍ ثم دار فناء، وليعلم أن الآخرة دار جزاء ثم دار بقاء.\nوهكذا قال قتادة، وابن جريج وغيرهما.\nوقال عبد الرزاق (^١٢٢٩)، عن معمر، عن قتادة: لتعلموا [¬١] فضل الآخرة علي الدنيا. وفي رواية عن قتادة: فآثروا الآخرة على الأولى.\nوقوله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ﴾ الآية.\nقال ابن جرير (^١٢٣٠): حدَّثنا سفيان بن وكيع، حدَّثنا جرير، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: لما نزلت ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَال الْيَتِيمِ إلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ و﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَال الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (١٠)﴾ انطلق\n_________\n(^١٢٢٧) - أخرجه مسلم في كتاب الزكاة، حديث (١٠٣٦)، والترمذي في كتاب الزهد، باب: (٣٢) حديث (٢٣٤٣)، وأحمد (٥/ ٢٦٢)، من حديث أبي أمامة.\n(^١٢٢٨) - تفسير ابن أبي حاتم (٢/ ٣٩٤) (٢٠٧٦).\n(^١٢٢٩) - أخرجه الطبري في تفسيره (٤/ ٣٤٨) (٤١٧٩)، ابن أبي حاتم في تفسيره (٢/ ٣٩٤) (٢٠٧٧) من طريق عبد الرزاق به.\n(^١٢٣٠) - تفسير الطبري (٤/ ٣٥٠) (٤١٨٣)، وأخرجه أحمد (١/ ٣٢٥) (٣٠٠٢)، وأبو داود في =\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"ليعلموا\".","vol":"2","page":294},{"text":"من كان عنده يتيم، فعزل طعامه من طعامه، وشرابه من شرابه، فجعل يفضل له الشيء من طعامه فيحبس له حتى يأكله أو يفسد، فاشتد ذلك عليهم فذكروا ذلك لرسول الله، ﷺ، فأنزل الله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ فخلطوا طعامهم بطعامهم، وشرابهم بشرابهم.\nوهكذا رواه أبو داود، والنسائي، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والحاكم في مستدركه من طرق عن عطاء بن السائب، به.\nوكذا رواه علي بين أبي طلحة عن ابن عباس، وكذا رواه السدي عن أبي مالك، وعن أبي صالح عن ابن عباس، وعن مرّة عن ابن مسعود بمثله، وهكذا ذكر غير واحد في سبب نزول هذه الآية؛ كمجاهد، وعطاء، والشعبي، وابن أبي ليلى، وقتادة، وغير واحد من السلف والخلف.\nقال وكيع [بن الجراح] [¬١] (^١٢٣١): حدَّثنا هشام الدستوائي، عن حماد، عن إبراهيم قال: قالت عائشة ﵂: إني لأكره أن يكون مال اليتيم عندي عُرَّة (*) [¬٢] حتى أخلط طعامه بطعامي وشرابه بشرابي.\nفقوله: ﴿قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ﴾ أي: علي حدة ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ أي: وإن خلطتم طعامكم بطعامهم، وشرابكم بشرابهم فلا بأس عليكم؛ لأنهم إخوانكم في الدين؛ ولهذا قال: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ أي يعلم من قصده ونيته الإِفساد أو الإِصلاح.\nوقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ أي: ولو شاء الله [¬٣] لضيق عليكم وأحرجكم، ولكنه وسع عليكم، وخفف عنكم، وأباح لكم مخالطهم بالتي هي أحسن، [كما] [¬٤] قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾، بل قد جوّز الأكل منه للفقير بالمعروف؛ إما بشرط ضمان البدل لمن أيسر أو مجانًا كما سيأتي بيانه في\n_________\n= كتاب الوصايا، باب: مخالطة اليتيم في الطعام حديث (٢٨٧١)، والنسائي في كتاب الوصايا، باب: ما للوصي من مال اليتيم إذا قام عليه (٦/ ٢٥٦)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٢/ ٣٩٥) (٢٠٨١)، والحاكم (٢/ ٢٧٨)، والبيهقي (٥/ ٢٥٨، ٢٥٩)، (٦/ ٥) من طريق عطاء بن السائب به.\n(^١٢٣١) - أخرجه الطبري في تفسيره (٤/ ٣٥٥) (٤٢٠٠) عن أبي كريب، عن وكيع به.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n(*) قال في النهاية: \"هي القَذَر وعَذِرة الناس\" [٣/ ٢٠٥].\n[¬٢]- في ز: \"عدة\".\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- في ما بين المعكوفتين سقط من: ت.","vol":"2","page":295},{"text":"سورة النساء إن شاء الله وبه الثقة.\n﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٢١)﴾\nهذا تحريم من الله ﷿ علي المؤمنين أن يتزوجوا المشركات من عبدة الأوثان، ثم إن [¬١] كان عمومها مرادًا، وأنه يدخل فيها كل مشركة من كتابية ووثنية، فقد خص من ذلك نساء أهل الكتاب بقوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ [مُحْصِنِينَ غَيرَ مُسَافِحِينَ] [¬٢]﴾.\nقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾: استثني الله من ذلك نساء أهل الكتاب، وهكذا قال [¬٣] مجاهد، وعكرمة، وسعيد ابن جبير، ومكحول، والحسن، والضحاك، وزيد بن أسلم، والربيع بن أنس، وغيرهم.\nوقيل: بل المراد بذلك المشركون [¬٤] من عبدة الأوثان، ولم يرد أهل الكتاب بالكلية، والمعنى قريب من الأول، والله أعلم.\nفأمّا ما رواه ابن جرير (^١٢٣٢): حدّثني عبيد بن آدم بن أبي إياس العسقلاني، حدَّثنا أبي، حدثنا عبد الحميد بن بهرام الفزاري، حدَّثنا شهر بن حوشب قال: سمعت عبد الله بن عباس يقول: نهى رسول الله، ﷺ، عن أصناف النساء إلا ما كان من المؤمنات والمهاجرات، وحرّم كل ذات دين غير الإِسلام. قال الله ﷿: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾، وقد نكح طلحة بن عبيد الله يهودية، ونكح حذيفة بن اليمان نصرانية، فغضب عمر بن الخطاب غضبًا شديدًا حتى هم أن يسطو عليهما، فقالا: نحن نطلق يا أمير المؤمنين ولا تغضب، فقال: لئن حل طلاقهن لقد حل نكاحهن، لكني أنتزعهن منكم صَغَرة قَمَأة.\n_________\n(^١٢٣٢) - تفسير الطبري (٤/ ٣٦٤) (٤٢٢١)، وفي إسناده شهر بن حوشب وقد تكلم فيه.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"محصنات غير مسافحات\".\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- في ز: \"المشركين\".","vol":"2","page":296},{"text":"فهو حديث غريب جدًّا، وهذا الأثر [غريب عن عمر] [¬١] أيضًا.\nقال أبو جعفر بن جرير (^١٢٣٣) ﵀ بعد حكايته الإِجماع علي إباحة تزويج الكتابيات: وإنما كره عمر ذلك لئلا يزهد الناس في السلمات، أو لغير ذلك من المعاني، كما حدَّثنا أبو كريب، حدَّثنا ابن إدريس، حدَّثنا الصلت بن بهرام، عن شقيق قال: تزوج حذيفة يهودية، [فكتب إليه عمر: خل سبيلها، فكتب إليه: أتزعم أنها حرام فأخلي سبيلها؟] [¬٢] فقال: لا أزعم أنها حرام، ولكني أخاف أن تعاطوا المومسات [¬٣] منهن.\nوهذا إسناد صحيح، وروى الخلال عن محمد بن إسماعيل، عن وكيع، عن الصلت نحوه.\nوقال ابن جرير (^١٢٣٤): حدّثني موسى بن عبد الرحمن المسروقي [¬٤]، حدثنا محمد بن بشر، حدثنا سفيان [¬٥] بن سعيد، عن يزيد بن أبي زياد، عن زيد بن وهب [¬٦] قال: قال عمر بن الخطاب: المسلم يتزوج النصرانية، ولا يتزوج النصراني المسلمة.\nقال: وهذا أصح إسنادًا من الأول.\nثم قال (^١٢٣٥): وقد حدثنا تميم بن المنتصر، أخبرنا إسحاق الأزرقي [¬٧]، عن شريك، عن أشعث بن سوار، عن الحسن، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله، ﷺ: \"نتزوج نساء أهل الكتاب، ولا يتزوجون نساءنا\".\nثم قال: وهذا الخبر وإن كان في إسناده ما فيه، فالقول به لإجماع الجميع من الأمة [علي صحة القول] [¬٨] به، كذا قال ابن جرير ﵀.\n_________\n(^١٢٣٣) - تفسير الطبري (٤/ ٣٦٦) برقم (٤٢٢٣) وأخرجه البيهقي (٧/ ١٧٢) من طريق سفيان عن الصلت به.\n(^١٢٣٤) - تفسير الطبري (٤/ ٣٦٦) (٤٢٢٢)، وأخرجه البيهقي في (٧/ ١٧٢) من طريق سفيان به.\n(^١٢٣٥) - تفسير الطبري (٤/ ٣٦٧) (٤٢٢٤)، وإسناده فيه مقال؛ فإن الحسن مختلف في سماعه من جابر بن عبد الله، انظر جامع التحصيل ص (١٩٧). وتعليق الشيخ شاكر علي تفسير الطبري.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ز: \"عن عمر غريب\".\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- في ز، خ: \"المؤمنات\".\n[¬٤]- في ز: \"المروي\"، خ: \"المروزي\".\n[¬٥]- في ز: \"شقيق\".\n[¬٦]- في ز، خ: \"وهيب\".\n[¬٧]- في ز: \"الأزرق\".\n[¬٨]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"2","page":297},{"text":"وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن إسماعيل الأحمسي، حدثنا وكيع، عن جعفر ابن برقان، عن ميمون بن مهران، عن ابن عمر: أنه كره نكاح أهل الكتاب، وتأول ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾.\n[وقال البخاري (^١٢٣٦): وقال ابن عمر: لا أعلم شركًا أعظم من أن تقول: ربها عيسى] [¬١].\nوقال [أبو بكر] [¬٢] الخلال الحنبلي: حدَّثنا محمد بن [أبي] [¬٣] هارون، حدثنا إسحاق بن إبراهيم ح.\nوأخبرني محمد بن علي، حدثنا صالح بن أحمد: أنهما سألا أبا عبد الله أحمد بن حنبل عن قول الله: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ قال: مشركات العرب الذين يعبدون الأصنام [¬٤].\nوقوله: ﴿وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾ قال السدي: نزلت في عبد الله بن رواحة، كانت له أمة سوداء، فغضب عليها فلطمها، ثم فزع فأتى رسول الله، ﷺ، فأخبره خبرها [¬٥]، فقال له: \"ما هي؟ \"، قال: تصوم، وتصلي، وتحسن الوضوء، وتشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، فقال: \"يا [] [¬٦]، عبد الله، هذه مؤمنة\"، فقال: والذي بعثك بالحق لأعتقنها، ولأتزوجنها، ففعل، فطعن عليه ناس من المسلمين، وقالوا نكح أمته [¬٧]، وكانوا يريدون أن ينكحوا إلى المشركين، وينكحوهم رغبة في أحسابهم، فأنزل الله: ﴿وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ ﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾.\nوقال عبد بن حميد (^١٢٣٧): حدَّثنا جعفر بن عون، حدثنا عبد الرحمن بن زياد الإِفريقي، عن [عبد الله بن يزيد، عن عبد الله بن عمرو] [¬٨]، عن النبي ﷺ قال: \"لا\n_________\n(^١٢٣٦) - صحيح البخاري، كتاب الطلاق، باب قول الله نعالي: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ. . ..﴾ الحديث (٥٢٨٥).\n(^١٢٣٧) - المنتخب من مسند عبد بن حميد (٣٢٨)، وأخرجه ابن ماجة في كتاب النكاح، باب: تزويج ذات الدين حديث (١٨٥٩) من طريق عبد الرحمن المحاربي وجعفر بن عون، عن عبد الرحمن بن زياد =\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٤]- في ز: \"الأوثان\".\n[¬٥]- في ز، خ: \"خبرها\".\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين في خ: \"أبا\".\n[¬٧]- في ز: \"أمة\".\n[¬٨]- في ز: عبد الله بن عمرو.","vol":"2","page":298},{"text":"تنكحوا النساء لحسنهن فعسي حسنهن أن يرديهن ولا تنكحوهن على أموالهن؛ فعسي أموالهن أن تطغيهن [¬١]، وانكحوهن على الدين، فلأمة سوداء خرماء ذات دين أفضل\"، والإِفريقي ضعيف.\nوقد ثبت في الصحيحين (^١٢٣٨)، عن أبي هريرة، عن النبي، ﷺ، قال: \"تنكح المرأة لأربع: لمالها، [ولحسبها، ولجمالها] [¬٢]، ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك\" ولمسلم عن جابر مثله (^١٢٣٩)، وله عن [¬٣] ابن عمر: أنّ رسول الله، ﷺ، قال: \"الدنيا متاع، وخير متاع الدنيا المرأة الصالحة\" (^١٢٤٠).\nوقوله: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ أي: لا تزوجوا الرجال المشركين النساء المؤمنات كما قال تعالى: ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾.\nثم قال تعالى: ﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾ أي: ولرجل مؤمن -ولو كان عبدًا حبشيًّا- خير من مشرك [¬٤]، وإن كان رئيسًا سريًّا، ﴿أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ أي: معاشرتهم ومخالطهم تبعث عل حب الدنيا، واقتنائها، وإيثارها علي الدار الآخرة، وعاقبة ذلك وخيمة، ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ﴾ أي: بشوعه، وما أمر به، وما نهي عنه ﴿وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾.\n﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ\n_________\n= الأفريقي به. وإسناده ضعيف لضعف الأفريقي، وانظر زوائد ابن ماجة للبوصيري (٢/ ٧١).\n(^١٢٣٨) - أخرجه البخاري في كتاب النكاح، باب: الأكفاء في الدين، حديث (٥٠٩٠)، ومسلم في كتاب الرضاع، حديث (١٤٦٦) من حديث أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة به.\n(^١٢٣٩) - أخرجه مسلم في كتب الرضاع حديث (٧١٥) (٥٤)، وأخرجه أحمد (٣/ ٣٠٢)، والترمذي في كتاب النكاح، باب: ما جاء أن المرأة تنكح على ثلاث خصال حديث (١٠٨٦)، والنسائي في باي النكاح، باب: علي ما تنكح المرأة (٦/ ٦٥)، وابن ماجة في كتاب النكاح باب: تزويج الأبكار حديث (١٨٦٠) من حديث عطاء بن أبي رباح عن جابر به.\n(^١٢٤٠) - صحيح مسلم كتاب الرضاع حديث ٦٤ - (١٤٦٧) (١٠/ ٨٢) من حديث عبد الله بن عمرو.\n_________\n[¬١]- في ز: \"يطغيهن\".\n[¬٢]- في ز: \"وحسبها وجمالها\".\n[¬٣]- في ز: \"في\".\n[¬٤]- في ز: \"المشرك\".","vol":"2","page":299},{"text":"وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (٢٢٢) نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّي شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (٢٢٣)﴾\nقال الإِمام أحمد (^١٢٤١): حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس: أن اليهود كانوا [¬١] إذا حاضت المرأة منهم لم يؤاكلوها، ولم يجامعوها في البيوت، فسأل أصحاب النبي، ﷺ، النبي، ﷺ، فأنزل الله ﷿: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ حتى فرغ من الآية، فقال رسول الله، ﷺ: \"اصنعوا كل شيء إلا النكاح\"، فبلغ ذلك اليهود فقالوا: ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئًا إلا خالفنا فيه، فجاء أسيد بن حضير، وعباد بن بشر فقالا: يا رسول الله، إن اليهود قالت: كذا وكذا أفلا نجامعهن؟ فتغير وجه رسول الله، ﷺ، حتى ظننا أن قد وجد عليهما، فخرجا، فاستقبلتهما [¬٢] هدية من لبن إلى رسول الله، ﷺ، فأرسل في آثارهما، فسقاهما، فعرفا أن لم بجد عليهما.\nرواه مسلم من حديث حماد [] [¬٣] بن سلمة.\nفقوله: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾: يعني الفرج؛ لقوله: \"اصنعوا [¬٤] كل شيء إلا الجماع [¬٥] \"، ولهذا ذهب كثير من العلماء -أو أكثرهم- إلى أنه يجوز مباشرة الحائض فيما عدا الفرج.\nقال أبو داود (^١٢٤٢) [] [¬٦]: حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد، عن أيوب، عن عكرمة، عن بعض أزواج النبي ﷺ: أن النبي، ﷺ، كان إذا أراد من الحائض شيئًا، ألقي علي فرجها ثوبًا.\nوقال أبو داود (^١٢٤٣) أيضًا [¬٧]: حدثنا القعنبي، حدثنا عبد الله -يعني ابن عمر بن\n_________\n(^١٢٤١) - المسند (٣/ ١٣٢) وصحيح مسلم برقم (٣٠٢).\n(^١٢٤٢) - سنن أبي داود برقم (٢٧٢).\n(^١٢٤٣) - سنن أبي داود برقم (٢٧٠).\n_________\n[¬١]- في ز: \"كانت\"\n[¬٢]- في ز: \"فاستقبلهما\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في خ: ت: \"بن يزيد\". وهي زيادة مقحمة.\n[¬٤]- في خ: \"افعلوا\"\n[¬٥]- في خ: \"النكاح\".\n[¬٦]- في خ، ت: \"أيضًا\".\n[¬٧]- سقط من: ز.","vol":"2","page":300},{"text":"غانم [¬١]- عن عبد الرحمن -يعني: ابن زياد- عن عمارة بن غُرَاب، أن [عمة له] [¬٢] حدّثته: أنها سألت عاشة فقالت [¬٣]: إحدانا تحيض، وليس لها ولزوجها فراش إلا فراش واحد، قالت: أخبرك بما صنع رسول الله ﷺ: دخل فمضى إلى مسجده -قال أبو داود: تعني مسجد بيتها- فما انصرف حتى غلبتني عيني، وأوجعه البرد فقال: \"ادني مني\"، فقلت: إني حائض، فقال: \"اكشفي عن فخذيك\"، فكشفت فخذي، فوضع خده وصدره على فخذي، وحنيت عليه [حتى دفئ] [¬٤] ونام، ﷺ\nوقال أبو جعفر بن جرير (^١٢٤٤): حدثنا ابن بشار، حدثنا عبد الوهاب، حدثنا أيوب، عن كتاب أبي قلابة: أن مسروقًا ركب إلى عائشة، فقال: السلام على النبي وعلى أهله. فقالت عائشة: [مرحبًا مرحبًا] [¬٥]. فأذنوا له فدخل فقال: إني أريد أن أسألك عن شيء وأنا أستحي، فقالت: إنما أنا أمك، وأنت ابني، فقال: ما للرجل من امرأته وهي حائض؟ فقالت: له كل شيء إلا فرجها.\nورواه أيضًا (^١٢٤٥): عن حميد بن مسعدة، عن يزيد بن زريع، عن عيينة بن عبد الرحمن بن جوشن [¬٦]، عن مروان الأصفر، عن مسروق قال: قلت لعائشة: ما يحل للرجل من امرأته إذا كانت حائضًا؟ قالت: كل شيء إلا الجماع. وهذا قول ابن عباس، ومجاهد، والحسن، وعكرمة.\nوروى ابن جرير أيضًا (^١٢٤٦): عن أبي كريب، عن ابن أبي زائدة، عن حجاج، عن ميمون بن مهران، عن عائشة قالت: له ما فوق الإزار.\n(قلت) [¬٧]: ويحل [¬٨] مضاجعتها، ومؤاكلتها بلا خلاف.\nقالت عائشة (^١٢٤٧): كان رسول الله، ﷺ، يأمرني فأغسل رأسه، وأنا\n_________\n(^١٢٤٤) - تفسير الطبري (٤/ ٣٧٨) (٤٢٤٥).\n(^١٢٤٥) - تفسير الطبري (٤/ ٣٧٧) (٤٢٤٢).\n(^١٢٤٦) - تفسير الطبري (٤/ ٣٧٨) (٤٢٤٦).\n(^١٢٤٧) - أخرجه البخاري في كتاب الحيض، (٢٩٧). وطرفه في (٧٥٤٩). ومسلم في كتاب الحيض، (رقم: ٣٠١).\n_________\n[¬١]- بياض في ز، خ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين بياض في ز، خ.\n[¬٣]- في ز: \"قالت\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين في ز: \"بردتي\".\n[¬٥]- في ز: \"ابنَ عائشة\".\n[¬٦]- في ز، خ: \"حرس\".\n[¬٧]- سقط من: ز.\n[¬٨]- في ز: \"وتحل\".","vol":"2","page":301},{"text":"حائض، وكان يتكئ في حجري وأنا حائض، فيقرأ القرآن.\nوفي الصحيح (^١٢٤٨) عنها قالت: كنت أتعرق (٥) العِرْقَ، وأنا حائض، فأعطيه النبي، ﷺ، فيضع فمه في الموضع الذي وضعت فمي فيه، وأشرب الشراب، فأناوله، فيضع فمه في الموضع الذي كنت أشرب منه [¬١].\nوقال أبو داود (^١٢٤٩): حدثنا مسدد، حدثنا يحيى، عن جابر بن صبح، [] [¬٢] سمعت خلاسًا [¬٣] الهَجَري قال: سمعت عائشة تقول: كنت أنا ورسول الله ﷺ نبيت في الشعار (**) الواحد، وأنا [¬٤] حائض طامث، فإن أصابه مني شيء غسل مكانه لم يَعْدُه، وإن أصابه [¬٥]-يعني ثوبه- شيء [¬٦] غسل مكانه لم يَعْدُه، وصلى فيه.\nفأما ما رواه أبو داود (^١٢٥٠): حدثنا سعيد بن عبد الجبار، حدثنا عبد العزيز -يعني: ابن محمد- عن أبي اليمان، عن أم ذرة [¬٧]، عن عائشة أنها قالت: كنت إذا حضت نزلت عن المثال [¬٨] على الحصير، فلم نَقْرُبْ [¬٩] رسول الله، ﷺ، ولم نَدْنُ [¬١٠] منه حتى نطهر [¬١١]- فهو محمول على التنزه والاحتياط.\nوقال آخرون: إنما تحل له مباشرتها فيما عدا ما تحت الإزار، كما ثبت في الصحيحين، عن ميمونة بنت الحارث الهلالية قالت: كان النبي، ﷺ، إذا أراد أن يباشر امرأة من نسائه أمرها فاتزرت وهي حائض (^١٢٥١). وهذا لفظ البخاري، ولهما عن عائشة\n_________\n(^١٢٤٨) - صحيح مسلم برقم (٣٠٠).\n(*) العرق: العظم إذا أخذ عنه معظم اللحم. وتعرقت العظم وعرقته واعترقته: إذا أخذت عنه اللحم بأسنانك.\n(^١٢٤٩) - سنن أبي داود برقم (٢٦٩).\n(**) الاعار: ما ولي جسد الإنسان دون ما سواه من الثياب.\n(^١٢٥٠) - سنن أبي داود برقم (٢٧١).\n(^١٢٥١) - صحيح البخاري برقم (٣٠٣)، وصحيح مسلم برقم (٢٩٤).\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز: \"قال\".\n[¬٣]- في ز: \"خلاس\".\n[¬٤]- في ز: \"وإني\".\n[¬٥]- في ز: \"أصاب\".\n[¬٦]- في ز: \"شيئًا\".\n[¬٧]- في خ: \"درة\".\n[¬٨]- بياض في ز، خ.\n[¬٩]- في ز، خ: \"يقرب\".\n[¬١٠]- في ز، خ: \"يدن\".\n[¬١١]- في ز، خ: \"يطهر\".","vol":"2","page":302},{"text":"نحوه (^١٢٥٢).\nوروى الإِمام أحمد (^١٢٥٣)، وأبو داود والترمذي، وابن ماجة من حديث العلاء، عن حزام بن حكيم، عن عمه عبد الله بن سعد الأنصاري: أنه سأل رسول الله، ﷺ: ما يحل لي من امرأتي وهي حائض؟ قال: \" [] [¬١] ما فوق الإِزار\".\nولأبي داود أيضًا (^١٢٥٤) عن معاذ بن جبل، قال: سألت رسول الله، ﷺ، عما يحل لي من امرأتي وهي حائض. قال: \"ما فوق الإزار، والتعفف عن ذلك أفضل\"، وهو رواية عن عائشة كما تقدم، وابن عباس، وسعيد بن المسيب، وشريح.\nفهذه الأحاديث وما شابهها حجة من ذهب إلى أنه يحل [] [¬٢] ما فوق الإِزار منها، وهو أحد القولين في مذهب الشافعي ﵀، الذي رجحه كثير من العراقيين وغيرهم. ومأخذهم [¬٣]: أنه حريم الفرج، فهو حرام، لئلا يتوصل إلى تعاطي ما حرم الله ﷿ الذي أجمع العلماء على تحريمه، وهو المباشرة في الفرج، ثم من فعل ذلك فقد أثم، فيستغفر [¬٤] الله ويتوب إليه. وهل يلزمه مع ذلك كفارة أم لا؟ فيه قولان:\n(أحدهما): نعم، لما رواه الإِمام أحمد (^١٢٥٥)، وأهل السنن: عن ابن عباس، عن النبي، ﷺ، في الذي يأتي امرأته وهي حائض، يتصدق بدينار، أو نصف دينار. وفي لفظ الترمذي: \"إذا كان دمًا أحمر فدينار، وإذا [¬٥] كان دمًا أصفر فنصف دينار\".\nوللإمام أحمد أيضًا عنه: أن رسول الله، ﷺ، جعل في الحائض تصاب دينارًا، فإن [أصابها وقد] [¬٦] أدبر الدم [¬٧] عنها ولم تغتسل فنصف دينار.\n_________\n(^١٢٥٢) - صحيح البخاري حديث (٣٠٠)، وصحيح مسلم حديث (٢٩٣).\n(^١٢٥٣) - المسند (٤/ ٣٤٢)، وسنن أبي داود برقم (٢١٢)، سنن الترمذي برقم (١٣٣)، وسنن ابن ماجة حديث (٦٥١).\n(^١٢٥٤) - سنن أبي داود برقم (٢١٣).\n(^١٢٥٥) - المسند (١/ ٢٣٠)، وسنن أبي داود برقم (٢٦٦)، وسنن الترمذي برقم (١٣٦)، وسنن النسائي الكبرى برقم (٢٨٢).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ز: \"لك\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز: \"له\".\n[¬٣]- في ز \"ومأخذه\".\n[¬٤]- في ز: \"ويستغفر\".\n[¬٥]- في ز: \"وإن\".\n[¬٦]- في خ: \"العلاء بن الحارث\".\n[¬٧]- سقط من: ز، خ.","vol":"2","page":303},{"text":"(والقول الثاني): وهو الصحيح الجديد من مذهب الشافعي، وقول الجمهور: أنه لا شيء في ذلك، بل يستغفر الله ﷿؛ لأنه لم يصح عندهم رفع هذا الحديث؛ فإنه قد روي مرفوعًا، كما تقدم، وموقوفًا وهو الصحيح عند كثير من أئمة الحديث، فقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾: تفسير لقوله: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾، ونهي عن قربانهن بالجماع ما دام الحيض موجودًا، ومفهومه حله إذا انقطع.\n[] [¬١].\nوقوله: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ فيه ندب، وإرشاد إلى غشيانهن بعد الاغتسال، وذهب ابن حزم إلى وجوب الجماع بعد كل حيضة، لقوله: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾، وليس له في ذلك مستند؛ لأن هذا أمر بعد الحظر. وفيه أقوال لعلماء الأصول: منهم من يقول: إنه للوجوب كالمطلق، وهؤلاءِ يحتاجون إلى جواب ابن حزم، ومنهم من يقول: إنه للإِباحة، ويجعلون تقدم النهي عليه قرينة صارفة له عن الوجوب، وفيه نظر. والذي ينهض عليه الدليل أنه يرد الحكم إلى ما كان عليه الأمر قبل النهي، [فإذا كان] [¬٢] واجبًا فواجب كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾، أو مباحًا فمباح كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾، وعلى هذا القول تجتمع الأدلة، وقد حكاه الغزالي وغيره، واختاره بعض أئمة المتأخرين، وهو الصحيح، وقد اتفق العلماء على أن المرأة إذا انقطع حيضها لا تحل حتى تغتسل بالماء، أو تتيمم إن تعذر ذلك عليها بشرطه، إلا أن أبا حنيفة ﵀ يقول، فيما إذا انقطع دمها لأكثر الحيض -وهو عشرة أيام عنده-: إنها تحل بمجرّد الانقطاع، ولا تفتقر إلى غسل، والله أعلم.\nوقال ابن عباس: ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ أي: من الدم ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ أي: بالماء. وكذا قال مجاهد، وعكرمة، والحسن، ومقاتل بن حيان، والليث بن سعد، وغيرهم.\nوقوله: ﴿مِنْ حَيثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ قال ابن عباس، ومجاهد، وغير واحد: يعني الفرج، قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ يقول: في الفرج،\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين جاء في ز، في هذا الموضع ما نصه [قال الإِمام أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل فيما أملاه في الطاعة: وقوله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيثُ﴾ الآية، الطهر يدل على أن يقربها، فلما قالت ميمونة وعائشة: كانت إحدانا إذا حاضت اتزرت ودخلت مع رسول الله ﷺ في شعاره، دل ذلك على إنه إنما أراد الجماع].\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز: \"فإن\".","vol":"2","page":304},{"text":"ولا تعدوه [¬١] إلى غيره، فمن فعل شيئًا من ذلك هذا [¬٢] فقد اعتدى.\nوقال ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة: ﴿مِنْ حَيثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ أي: أن تعتزلوهن. وفيه دلالة حينئذ على تحريم الوطء في الدبر، كما سيأتي تقريره قريبًا [إن شاء الله تعالى] [¬٣].\nوقال أبو رَزين، وعكرمة، والضحاك، وغير واحد. ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ يعني: طاهرات غير حيض، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ﴾ أي: من الذنب، وإن تكرر غشيانه، ﴿وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ أي: المتنزهين عن الأقذار والأذى، وهو ما نهوا عنه من إتيان الحائض، أو في غير المأتى.\nوقوله: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ قال ابن عباس: الحرث موضع الولد ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ أي [¬٤]: [كيف شئتم] [¬٥] مقبلة، ومدبرة في صمام واحد، كما ثبتت بذلك الأحاديث.\nقال البخاري (^١٢٥٦): حدثنا أبو نعيم، حدثنا سفيان، عن ابن المنكدر [¬٦] قال: سمعت جابرًا قال: كانت اليهود تقول: إذا جامعها من ورائها جاء الولد أحول، فنزلت: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾، ورواه مسلم، وأبو داود من حديث سفيان الثوري به [¬٧].\nوقال ابن أبي حاتم (^١٢٥٧): حدثنا يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وهب، أخبرني مالك ابن أنس، وابن جريج، وسفيان بن سعيد الثوري: أنّ محمد بن المنكدر [¬٨] حدثهم: أن [¬٩] جابر بن عبد الله أخبره: أن اليهود قالوا للمسلمين: من أتى امرأة وهي مدبرة جاء الولد أحول، فأنزل الله ﷿: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾.\n_________\n(^١٢٥٦) - أخرجه البخاري في كتاب التفسير، باب: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ. .﴾، الحديث (٤٥٢٨)، وأخرجه مسلم في كتاب النكاح، الحديث (١٤٣٥) من طريق سفيان، عن محمد بن المنكدر به.\n(^١٢٥٧) - تفسير ابن أبي حاتم (٢/ ٤٠٤، ٤٠٥) (٢١٣٣)، وقد تقدم الحديث من طريق سفيان، وأخرجه الدارمي في كتاب النكاح، باب: النهي عن إتيان النساء في أدبارهن حديث (٢٢٢٠) من طريق مالك به. وأخرجه النسائي في الكبرى كما في تحفة الأشراف (٣٠٦٤) من حديث ابن جريج به.\n_________\n[¬١]- في ز: \"يعدوه\".\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- سقط من: ز.\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- في خ: \"المكندر\".\n[¬٧]- سقط من: ز.\n[¬٨]- في خ: \"المكندر\".\n[¬٩]- في ز، خ: \"عن\".","vol":"2","page":305},{"text":"قال ابن جريج في الحديث: فقال رسول الله ﷺ: \"مقبلة، ومدبرة إذا كان ذلك في الفرج\".\nوفي [¬١] حديث بهز بن حكيم بن معاوية بن حيدة القشيري، عن أبيه، عن جده أنه قال: يا رسول الله، نساؤنا ما نأتي منها وما نذر؟ قال: \"حرثك، ائت حرثك أنى شئت، غير ألا تضرب الوجه، ولا تقبح، ولا تهجر إلا في المبيت\"، الحديث (^١٢٥٨) رواه أحمد وأهل السنن.\nحديث آخر: قال ابن أبي حاتم (^١٢٥٩): حدثنا يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرني ابن لهيعة، عن يزيد ابن أبي حبيب، عن عامر بن يحيى، عن حنش [¬٢] بن عبد لله، عن عبد الله بن عباس قال: أتى ناس من حمير إلى رسول الله، ﷺ، فسألوه عن أشياء، فقال له رجل: إني أجب (*) النساء، فكيف ترى [في ذلك] [¬٣]؟ فأنزل الله: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ [فَأْتُوا حَرْثَكُمْ] [¬٤] [أَنَّى شِئْتُمْ﴾.\nورواه الإِمام أحمد (^١٢٦٠): حدثنا يحيى بن غيلان حدثنا، رشدين، حدثني الحسن بن ثوبان، عن عامر بن يحيى المعافري، عن حنش، عن ابن عباس قال: أنزلت هذه الآية ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ في أناس من الأنصار أتوا النبي، ﷺ، فسألوه، فقال النبي ﷺ: \"ائتها على كل حال إذا كان في الفرج\"] [¬٥].\n(حديث آخر): قال أبو جعفر الطحاوي في كتابه مشكل الحديث: حدثنا أحمد بن داود بن موسى، حدثنا يعقوب بن كاسب، حدثنا عبد الله بن نافع، عن هشام بن سعد، عن زيد\n_________\n(^١٢٥٨) - أخرجه أحمد في المسند (٥/ ٣، ٥)، وأبو داود في النكاح، باب: في حق المرأة على زوجها حديث (٢١٤٣)، والنسائي في الكبرى (٩١٦٠) من طريق بهز بن حكيم به. وأخرجه أحمد (٤/ ٤٤٧)، والنسائي في الكبرى كما في تحفة الأشراف (١١٣٩٥)، وابن ماجة (١٨٥٠) من طريق حكيم بن معاوية عن أبيه به، دون قوله: \"حرثك أئت حرثك أنَّى شئت\".\n(^١٢٥٩) - تفسير ابن أبي حاتم (٢/ ٤٠٤) (٢١٣٠)، ورواه الطبري في تفسيره (٤/ ٤١٣) (٤٣٤٨)، والطبراني في المعجم الكبير (١٢/ ٢٣٧) من طريق ابن لهيعة به.\n(*) التجبية: هي أن يأتي الرجل المرأة منكبة على وجهها.\n(^١٢٦٠) - مسند أحمد (١/ ٢٦٨) (٢٤١٤)، وإسناده ضعيف لضعف رشدين بن سعد.\n_________\n[¬١]- في ز: \"ففي \".\n[¬٢]- في خ: \"حس\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"2","page":306},{"text":"ابن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري: أنّ رجلًا أصاب امرأة في دبرها، فأنكر الناس عليه ذلك، فأنزل الله [¬١]: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ الآية، ورواه ابن جرير، عن [يونس و] [¬٢] عن يعقوب به (^١٢٦١).\n[ورواه الحافظ أبو يعلى الموصلي (^١٢٦٢) عن الحارث بن سريح، عن عبد الله بن نافع، به] [¬٣].\n(حديث آخر) قال الإِمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا وهيب، حدثنا عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن عبد الرحمن بن سابط قال: دخلت على حفصة بنت [¬٤] عبد الرحمن ابن أبي بكر فقلت: إني سائلك عن أمر، وإني أستحي أن أسألك، قالت: فلا تستح يا ابن أخي. قال: عن إتيان النساء في أدبارهن؟ قالت: حدثتني أم سلمة أن الأنصار كانوا يجبون النساء، وكانت اليهود تقول: إنه من جبَّى امرأته كان الولد أحول، فلما قدم المهاجرون المدينة نكحوا في نساء الأنصار فجبوهن، فأبت امرأة أن تطيع زوجها وقالت: لن تفعل ذلك حتى آتي رسول الله، ﷺ، فدخلت على أم سلمة فذكرت لها ذلك، فقالت: اجلسي حتى يأتي رسول الله، ﷺ، فلما جاء رسول الله، ﷺ، استحيت الأنصارية أن [تسأل رسول ﷺ] [¬٥]، فخرجت فحدثت أمّ سلمة رسول لله، ﷺ، فقال: \"ادعي الأنصارية\"، فدعتها [¬٦]، فتلا عليها هذه الآية ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ \"صمامًا واحدًا\".\nورواه الترمذي: عن بندار، عن ابن مهدي، عن سفيان، عن ابن خثيم، به (^١٢٦٣)، وقال: حسن.\n(قلت): وقد روي من طريق حماد بن أبي حنيفة، عن أبيه، عن ابن [¬٧] خثيم [¬٨]، عن\n_________\n(^١٢٦١) - مشكل الآثار برقم (٦١١٨).\n(^١٢٦٢) - مسند أبي يعلى (٢/ ٣٥٤)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ٣٢٢): رواه أبو يعلى عن شيخه الحارث بن سريج القفال، وهو ضعيف كذاب. قلت: تابعه يعقوب بن كاسب كما تقدم قريبًا.\n(^١٢٦٣) - المسند (٦/ ٣٠٥)، وأخرجه أحمد (٦/ ٣١٠، ٣١٨)، والدارمي في الطهارة، باب: إتيان النساء في أدبارهن حديث (١١٢٤)، والترمذي في تفسير القرآن، باب: ومن سورة البقرة =\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- بياض في خ.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- في ز، خ: \"بنة\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"تسأله\".\n[¬٦]- في ز، خ: \"فدعيت\".\n[¬٧]- في ز: \"أبي\".\n[¬٨]- في خ: \"أبي خثيم\".","vol":"2","page":307},{"text":"يوسف بن ماهك، عن حفصة أم المؤمنين: أن امرأة أتتها فقالت: إن زوجي يأتيني مجبية ومستقبلة، فكرهته. فبلغ ذلك [رسول الله] [¬١] ﷺ فقال: \"لا بأس إذا كان في صمام واحد\" (^١٢٦٤).\n(حديث آخر): قال الإِمام أحمد: حدثنا حسن، حدثنا يعقوب -يعني القُمِّي- عن جعفر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: جاء عمر بن الخطاب إلى رسول الله، ﷺ، فقال: يا رسول الله؛ هلكت، قال: \"ما الذي أهلكك؟ \" قال: حوّلت رحلي البارحة، قال [¬٢] فلم يردّ عليه شيئًا، [] [¬٣] فأوحى الله إلى رسول الله، ﷺ، هذه الآية: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾، \"أقبل وأدبر، واتق الدبر والحيضة\".\nو[¬٤] رواه الترمذي عن عبد بن حميد، عن حسن بن موسى الأشيب، به (^١٢٦٥). وقال: حسن غريب.\nوقال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن غيلان، حدثنا رشدين، حدثني الحسن، عن ثوبان، عن عامر بن يحيى المعافرى، عن حنش [¬٥]، عن ابن عباس قال: أنزلت هذه الآية: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ في أناس من الأنصار أتوا النبي، ﷺ، فسألوه، فقال النبي ﷺ: \"ائتها [¬٦] على كل حال إذا كان في الفرج\" (^١٢٦٦).\nوقال الحافظ أبو يعلى (^١٢٦٧): حدثنا الحارث بن سريح، حدثنا عبد الله بن نافع، حدثنا هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد قال: أثفر رجل امرأته\n_________\n= حديث (٢٩٧٩) من طريق عبد الله بن عثمان بن خيثم هـ.\n(^١٢٦٤) - مسند أبي حنيفة برقم (١٠٢)، وفي إسناده حماد بن أبي حنيفة ضعفه ابن عدي وغيره من قبل حفظه، ميزان الاعتدال (١/ ٥٩٠).\n(^١٢٦٥) - المسند (١/ ٢٩٧) (٢٧٠٣)، وأخرجه الترمذي في تفسير القرآن، باب: ومن سورة البقرة، حديث (٢٩٨٠) من طريق عبد بن حميد، عن الحسن به، والنسائي في الكبرى كما في تحفة الأشراف (٥٤٦٩) من طريق يونس بن محمد، عن يعقوب القمي به.\n(^١٢٦٦) - المسند (١/ ٢٦٨).\n(^١٢٦٧) - مسند أبي يعلى (٢/ ٣٥٤)، وقال الهيثمي في المجمع (٦/ ٣١٩): \"شيخه الحارث بن سريج، ضعيف كذاب\" ولكنه توبع، تابعه يعقوب بن حميد، فرواه عن عبد الله بن نافع، عن هشام، عن زيد =\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"النبي\".\n[¬٢]- زيادة من: ز، خ.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في ز: \"قال\".\n[¬٤]- سقط من: ز.\n[¬٥]- في خ: \"حس\".\n[¬٦]- في ز، خ: \"آتها\".","vol":"2","page":308},{"text":"على عهد رسول الله ﷺ، فقالوا: أثفر [¬١] فلان امرأته، فأنزل الله ﷿: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾.\nوقال أبو داود (^١٢٦٨): حدثنا عبد العزيز بن يحيى أبو الأصبغ، قال: حدثني محمد -يعني: ابن سلمة- عن محمد بن إسحاق، عن أبان بن صالح، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: إن ابن عمر -والله يغفر له- أوهم، إنما كان أهل [¬٢] هذا الحي من الأنصار، وهم أهل وثن مع هذا الحي من يهود، وهم أهل كتاب، وكانوا يرون لهم فضلًا عليهم في العلم، فكانوا يقتدون بكثيرًا [¬٣] من فعلهم، وكان من أمر أهل الكتاب لا يأتون النساء إلا على حرف، وذلك أستر ما تكون المرأة، فكان هذا الحي من الأنصار قد أخذوا بذلك من فعلهم، وكان هذا الحي من قريش يشرحون النساء شرحًا منكرًا، ويتلذذون بهنّ [¬٤] مقبلات ومدبرات ومستلقيات، فلما قدم المهاجرون المدينة تزوّج رجل منهم امرأة من الأنصار، فذهب يصنع بها ذلك، فأنكرته عليه وقالت: إنما كنا نؤتى على حرف فاصنع ذلك وإلا فاجتنبني، فسرى أمرهما، فبلغ ذلك [¬٥] [رسول الله] [¬٦]، ﷺ، فأنزل الله: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ أي: مقبلات ومدبرات ومستلقيات، يعني: بذلك موضع الولد.\nتفرّد به أبو داود، ويشهد له بالصحة ما تقدم [] [¬٧] من الأحاديث، ولا سيما رواية أمّ سلمة، فإنها مشابهة لهذا السياق.\nوقد روى هذا الحديث الحافظ أبو القاسم الطبراني (^١٢٦٩) من طريق [¬٨] محمد بن إسحاق،\n_________\n= ابن أسلم به، أخرجه الطحاوي في مشكل الآثار برقم (٦١١٨) وقد سبق.\n(^١٢٦٨) - سنن أبي داود، كتاب النكاح، باب: في جامع النكاح حديث (٢١٦٤)، وأخرجه الدارمي في الطهارة، حديث (١١٢٥)، والطبري في تفسيره (٤/ ٤٠٩) (٤٣٣٧)، (٤٣٣٨)، والحاكم في المستدرك (٢/ ١٩٠)، والبيهقي في السنن (٧/ ١٩٥) وصححه الحاكم على شرط مسلم.\n(^١٢٦٩) - المعجم الكبير (١١/ ٧٧).\n_________\n[¬١]- كذا في ز، خ، ت. وفي مسند أبي يعلى: أبعر وهو تحريف، ولعل الصواب (أثفر) بالثاء والفاء كما هاهنا، فقد جاء في القاموس المحيط (ص ٤٥٨): الثَّفر -ويضم- للسباع والمخالب: كالحياء للناقة أو مسلك القضيب منها، والاستثفار: أن يدخل إزاره بين فخذيه ملويًّا، وإدخال الكلب ذنبه بينه فخذيه ملويًّا، وإدخال الكلب ذنبه بين فخذيه حتى يلزقه ببطنه، وأثغرتُه بيعة سوء، أي: ألزقتها باسته\". ا هـ.\n[¬٢]- زيادة من: ز، خ.\n[¬٣]- في ت: \"كثيرًا\".\n[¬٤]- في خ: \"منهن\".\n[¬٥]- زيادة من: ز، خ.\n[¬٦]- في خ: \"الرسول\".\n[¬٧]- في ز، خ: \"له\".\n[¬٨]- في خ: \"حديث\".","vol":"2","page":309},{"text":"عن أبان بن صالح، عن مجاهد قال: عرضت المصحف على ابن عباس من فاتحته إلى خاتمته، أوقفه [] [¬١] عند كل آية منه، وأسأله عنها، حتى انتهيت إلى هذه الآية: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾، فقال ابن عباس: إن هذا الحي من قريش كانوا يشرحون النساء بمكة ويتلذذون بهنّ … فذكر القصة بتمام سياقها.\nوقول [¬٢] ابن عباس: إن ابن عمر -والله يغفر له- أوهم، كأنه [¬٣] يشير إلى ما رواه البخاري (^١٢٧٠): حدثنا إسحاق، حدثنا النضر بن شميل، أخبرنا ابن عون، عن نافع قال: كان ابن عمر إذا قرأ القرآن لم يتكلم حتى يفرغ منه [¬٤]، فأخذت عليه يومًا فقرأ سورة البقرة حتى انتهى إلى مكان قال: أتدري فيم أنزلت؟ قلت: لا، قال: أنزلت في كذا وكذا، ثم مضى.\nوعن عبد الصمد قال: حدثني أبي، حدثني أيوب، عن نافع، عن ابن عمر ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ قال: أن [¬٥] يأتيها في. [. …] [¬٦].\nهكذا رواه البخاري (^١٢٧١)، وقد تفرّد به من [هذا الوجه] [¬٧].\nوقال ابن جرير (^١٢٧٢): حدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن علية، حدثنا ابن عون، عن نافع قال: قرأت ذات يوم ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾، فقال ابن عمر: أتدري فيم نزلت؟ قلت: لا. قال: نزلت في إتيان النساء في أدبارهنّ.\nوحدثني أبو قلابة (^١٢٧٣)، حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، حدثني أبي، عن أيوب،\n_________\n(^١٢٧٠) - صحيح البخاري، كتاب التفسير، باب: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ. .﴾ حديث (٤٥٢٦).\n(^١٢٧١) - صحيح البخاري في التفسير، باب: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ. .﴾ حديث (٤٥٢٧)، وعزاه الحافظ في الفتح، لإسحاق في مسنده، وفي تفسيره بالإسناد المذكور.\n(^١٢٧٢) - تفسير الطبري (٤/ ٤٠٤) (٤٣٢٦)، وانظر فتح الباري (٨/ ١٩٠)، والتلخيص الحبير (٣/ ١٨٤).\n(^١٢٧٣) - تفسير الطبري (٤/ ٤٠٦) (٤٣٣١)، وأخرجه البخاري في التفسير، باب: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ =\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ز: \"عليه\".\n[¬٢]- في ت: \"وقال\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"وكأنه\".\n[¬٤]- في ز: \"عنه\".\n[¬٥]- سقط من: ز.\n[¬٦]- بياض في جميع النسخ، وفي فتح الباري (٨/ ١٣٠): \"كذا وقع في جميع النسخ، لم يُذكر ما بعد الظرف وهو المجرور، ووقع في الجمع بين الصحيحين للحميدي: يأتيها في الفرج. وهو من عنده بحسب ما فهمه\".\n[¬٧]- في خ: \"هذه الوجوه\".","vol":"2","page":310},{"text":"عن نافع، عن ابن عمر ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ قال: في الدبر.\nروي من حديث مالك، عن نافع، عن ابن عمر، ولا يصح (^١٢٧٤).\nوروى النسائي (^١٢٧٥): عن محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، عن أبي بكر بن أبي أويس [¬١]، عن سليمان بن بلال، عن زيد بن أسلم، عن ابن عمر: أن رجلًا أتى امرأته في دبرها، فوجد في نفسه من ذلك وجدًا شديدًا، فأنزل الله: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾.\nقال أبو حاتم الرازي (^١٢٧٦): لو كان هذا عند زيد بن أسلم، عن ابن عمر لما أولع الناس بنافع. وهذا تعليل منه لهذا الحديث.\nوقد رواه عبد الله بن نافع، [الصائغ] [¬٢] عن داود بن قيس، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن ابن عمر فذكره. وهذا الحديث [¬٣] محمول على ما تقدّم، وهو أنه يأتيها في قبلها من دبرها، لما رواه النسائي أيضًا، عن علي بن عثمان النفيلي عن سعيد بن عيسى، عن الفضل بن فضالة، عن عبد الله بن سليمان الطويل، عن كعب بن علقمة، عن أبي النضر: أنه أخبره أنه قال لنافع مولى ابن عمر: إنه قد أكثر عليك القول: إنك تقول عن ابن عمر: إنه أفتى أن تؤتى [¬٤] النساء في أدبارهنّ قال: كذبوا عليَّ، ولكن سأحدثك كيف كان الأمر: إن ابن عمر عرض المصحف يومًا وأنا عنده حتى بلغ: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾. فقال: يا نافع، هل تعلم [¬٥] من أمر هذه الآية؟ قلت: لا. قال: إنا كنا معشر قريش نجبي النساء، فلما دخلنا المدينة ونكحنا نساء الأنصار، أردنا منهنّ مثلما كنا نريد، فإذا هنَّ قد كرهن ذلك وأعظمنه، وكانت نساء الأنصار قد أخذن بحال اليهود، إنما يؤتين على جنوبهن، فأنزل الله: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ (^١٢٧٧).\n_________\n= لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ. .﴾ حديث (٤٥٢٧) عن إسحاق بن راهويه عن عبد الصمد به.\n(^١٢٧٤) - انظر فتح الباري (٨/ ١٩٠)، والتلخيص الحبير (٣/ ١٨٤).\n(^١٢٧٥) - سنن النسائي الكبرى برقم (٨٩٨١).\n(^١٢٧٦) - العلل لابن أبي حاتم (١/ ٤٠٨، ٤٠٩) (١٢٢٥).\n(^١٢٧٧) - سنن النسائي الكبرى برقم (٨٩٧٨).\n_________\n[¬١]- في ز: \"ابن أويس\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين بياض في ز، خ، وأكملناه من العلل [١/ ٤٠٩].\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- في ز، خ: \"يؤتى\".\n[¬٥]- سقط من: خ.","vol":"2","page":311},{"text":"وهذا إسناد صحيح، وقد رواه ابن مردويه: عن الطبراني، عن الحسين بن إسحاق، عن زكريا بن يحيى كاتب [¬١] العمري، عن مفضل بن فضالة، عن عبد الله بن عياش، عن كعب بن علقمة، فذكره.\nوقد روينا عن ابن عمر خلاف ذلك صريحًا، وأنه لا يباح ولا يحل كما سيأتي، وإن كان قد نسب هذا القول إلى طائفة من فقهاء المدينة وغيرهم، وعزاه بعضهم إلى الإِمام مالك في كتاب السر [¬٢]، وأكثر الناس ينكر أن يصح ذلك عن الإمام مالك ﵀. وقد وردت الأحاديث المروية من طرق متعددة بالزجر عن فعله وتعاطيه، فقال الحسن بن عرفة (^١٢٧٨):\nحدَّثنا إسماعيل بن عياش، عن سهيل [¬٣] بن أبي صالح، عن محمد بن المنكدر، عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ: \"استحيوا، إن الله لا يستحيي من الحق، لا يحل [أن تأتوا] [¬٤] النساء في حشوشهن\".\nقال الإِمام أحمد (^١٢٧٩): حدثنا عبد الرحمن، حدثنا سفيان، عن عبد الله بن شدّاد [¬٥]، عن خزيمة بن ثابت أنّ رسول الله، ﷺ، نهى أن يأتي الرجل امرأته في دبرها.\n(طريق أخرى): قال أحمد (^١٢٨٠): حدثنا يعقوب، سمعت أبي يحدث عن يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد، أن عبيد الله بن الحصين الوالبي حدثه، أن هرمي بن عبد الله الواقفي [¬٦] حدثه، أن خزيمة بن ثابت الخطمي حدثه، أن رسول الله، ﷺ، قال: \"لا يستحى الله من الحق، لا يستحيى الله من الحق -ثلاثًا- لا تأتوا\n_________\n(^١٢٧٨) - ورواه الدارقطني في السنن (٣/ ٢٨٨) من طريق الحسن بن عرفة به.\n(^١٢٧٩) - المسند (٥/ ٢١٣) (٢١٩٤٣)، وأطرافه (٢١٩٤٨، ٢١٩٤٨، ٢١٩٥١، ٢١٩٤٨، ٢١٩٦٧). وأخرجه النسائي في الكبرى: كتاب عشرة النساء باب ذكرا اختلاف الناقلين لخبر خزيمة بن ثابت في إتيان النساء في أعجازهن. (٥/ ٣١٦، ٣١٧ / رقم ٨٩٨٢ - ٨٩٨٨). وباب ذكر الاختلاف على عبد الله بن علي بن السائب (٥/ ٣١٨، ٣١٩ / رقم: ٨٩٩٨ - ٨٩٩٥). وابن ماجة: كتاب النكاح باب النهي عن إتيان النساء في أدبارهن (١/ ٦١٩ / رقم: ١٩٢٤). كلاهما من حديث خزيمة بن ثابت.\n(^١٢٨٠) - المسند (٥/ ٢١٥)، وأخرجه النسائي في الكبرى (٨٩٨٥، ٨٩٨٦)، وابن ماجة في النكاح =\n_________\n[¬١]- في ت: \"الكاتب\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"السير\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"سهل\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين في: ز \"مأتى\"، وفي خ: \"أن تأتى\".\n[¬٥]- في ز، خ: \"سداد\".\n[¬٦]-: \"الواقعي\".","vol":"2","page":312},{"text":"النساء في أعجازهن\"، ورواه النسائي، وابن ماجة من طرق عن خزيمة بن ثابت، وفي إسناده اختلاف كثير.\n(حديث آخر): قال أبو عيسى الترمذي والنسائي (^١٢٨١): حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو خالد الأحمر، عن الضحاك بن عثمان، عن مخرمة بن سليمان، عن كريب، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى. الله عليه وسلم: \"لا ينظر الله إلى رجل أتى رجلًا أو امرأة في الدبر\"، ثم قال الترمذي [¬١]: هذا حديث حسن غريب.\nوهكذا أخرجه ابن حبان في صحيحه وصححه ابن حزم أيضًا.\nولكن رواه النسائي (^١٢٨٢) أيضًا [¬٢]، عن هناد، عن وكيع، عن الضحاك به موقوفًا.\nوقال [] [¬٣]: أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه: أن رجلًا سأل ابن عباس عن إتيان المرأة في دبرها، فقال [¬٤]: تسألني عن الكفر؟!\n[إسناده صحيح] [¬٥]، وكذا رواه النسائي من طريق ابن المبارك، عن عكرمة به [¬٦] نحوه.\n[وقال عبد أيضًا في تفسيره: حدثنا إبراهيم بن الحاكم، عن أبيه، عن عكرمة قال: جاء رجل إلى ابن عباس وقال: كنت آتي أهلي في دبرها وسمعت قول الله: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ فظننت أن ذلك لي حلال، فقال: يا لُكَع، إنما قوله: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ قائمة وقاعدة ومقبلة ومدبرة في أقبالهن، لا تعدوا ذلك إلى غيره] [¬٧].\n_________\n= باب: النهي عن إتيان النساء في أدبارهم حديث (١٩٢٤) من طرق. عن خزيمة بن ثابت به، وانظر الاختلاف في إسناده في السنن الكبرى للنسائي (٥/ ٣١٦، ٣١٩) والتلخيص الحبير (٣/ ١٧٩، ١٨٠) (١٢٠)، وأخرجه الترمذي في كتاب الرضاع، باب: ما جاء في كراهية إتيان النساء في أدبارهن حديث (١١٦٥)، والنسائي في الكبرى -كما في تحفة الأشراف (٦٣٦٣) - وأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٣/ ٣٦٣)، وابن حبان في صحيحه -كما في موارد الظمآن (١٣٠٢، ١٣٠٣) - من طريق أبي خالد الأحمر به.\n(^١٢٨١) - سنن الترمذي برقم (١١٦٥)، وسنن النسائي الكبرى برقم (٩٠٠١، ٩٠٠٢). وابن حبان برقم (١٣٠٢) \"موارد\".\n(^١٢٨٢) - سنن النسائي الكبرى (٩٠٠٢)، وانظر تحفة الأشراف (٦٣٦٣).\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في خ: \"عبد الله\".\n[¬٤]- في خ: \"قال\".\n[¬٥]- سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- سقط من: ز، خ.\n[¬٧]- سقط من: ز، خ.","vol":"2","page":313},{"text":"(حديث آخر) قال الإِمام أحمد (^١٢٨٣): حدثنا عبد الصمد، حدثنا همام [¬١]، حدثنا قتادة، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن النبي، ﷺ، قال: \"الذي يأتي امرأته في دبرها هي اللوطية الصغرى\".\nوقال عبد الله بن أحمد (^١٢٨٤): حدثني هدبة، حدثنا همام قال: سئل قتادة عن الذي يأتي أمرأته في دبرها، فقال قتادة: حدثنا عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن النبي ﷺ قال: \"هي اللوطية الصغرى\".\nقال قتادة: وحدثني عقبة بن وَسَّاج، عن أبي الدرداء قال: وهل يفعل ذلك إلا كافر؟.\nوقد روى هذا الحديث (^١٢٨٥): يحيى بن سعيد القطان، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أبي [¬٢] أيوب، عن عبد الله بن عمرو بن العاص من [¬٣] قوله. وهذا أصح، والله أعلم.\nوكذلك رواه عبد بن حميد (^١٢٨٦)، عن [¬٤] يزيد بن هارون، عن حميد الأعرج، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو موقوفًا من قوله.\n(طريق أخرى): قال جعفر الفريابي [¬٥] (^١٢٨٧): حدثنا قتيبة، حدثنا ابن لهيعة، عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم، عن أبي عبد الرحمن الحُبُلي، عن عبد الله بن عَمْرو قال: قال رسول الله ﷺ: \"سبعة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة، ولا يزكيهم، ويقول: ادخلوا النار مع الداخلين: الفاعل، والمفعول به، والناكح يده، وناكح\n_________\n(^١٢٨٣) - في المسند (٢/ ٢١٠).\n(^١٢٨٤) - زوائد عبد الله على المسند (٢/ ٢١٠) (٦٩٦٧)، وأخرجه الطيالسي كما في الدر المنثور (١/ ٤٧٢) ومن طريقه البيهقي (٧/ ٩٨)، أحمد (٢/ ١٨٢، ٢١٠)، والنسائي في الكبرى -كما في تحفة الأشراف (٨٧٧٥) - من طريق همام به.\n(^١٢٨٥) - أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (٣/ ٣٦٣) عن عبد الأعلى عن قتادة به.\n(^١٢٨٦) - أخرجه النسائي في الكبرى -كما في تحفة الأشراف (٨٧٢٠) من طريق سفيان، عن حميد الأعرج به.\n(^١٢٨٧) - ورواه أبو الشيخ في مجلس من حديثه (٦٢/ ١، ٢)، وابن بشران في الأمالي (٨٦/ ١، ٢) من طرق عن عبد الرحمن بن زياد الأفريقي به. ا. هـ مستفادًا من إرواء الغليل للألباني (٨/ ٥٩).\n_________\n[¬١]- في خ: \"هشام\".\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- في ز: \"أنا\"، خ: \"أخبرنا\".\n[¬٥]- في خ: \"العرياني\".","vol":"2","page":314},{"text":"البهيمة، وناكح المرأة في دبرها، وجامع بين المرأة وابنتها، والزاني بحليلة جاره، والمؤذي [¬١] جاره حتى يلعنه\".\nابن لهيعة وشيخه ضعيفان.\n(حديث آخر) قال الإِمام أحمد (^١٢٨٨): حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا سفيان، عن عاصم، عن عيسى بن حطان [¬٢]، عن مسلم بن سلام، عن علي بن طلق، قال: نهى رسول الله، ﷺ، أن تؤتى النساء في أدبارهن، فإن الله لا يستحيي من الحق.\nوأخرجه أحمد أيضًا (^١٢٨٩)، عن أبي معاوية. وأبو عيسى الترمذي من طريق أبي معاوية أيضًا، عن عاصم الأحول، به. وفيه زيادة، وقال: هو حديث حسن.\nومن الناس من يورد هذا الحديث في مسند علي بن أبي طالب، كما وقع في مسند الإِمام أحمد بن حنبل (^١٢٩٠)، والصحيح أنه علي بن طلق.\n(حديث آخر): قال الإِمام أحمد (^١٢٩١): حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن سهيل [¬٣] بن أبي صالح، عن الحارث بن مُخَلَّد، [عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ] [¬٤]: \"إن الذي يأتي امرأته في دبرها لا ينظر الله إليه\".\n_________\n(^١٢٨٨) - هذا الحديث بهذا الإسناد ساقط من مطبوعة المسند الميمنية، وأورده الحافظ ابن كثير في جامع المسانيد، والحافظ ابن حجر في الأطراف (٤/ ٣٨٤).\n(^١٢٨٩) - هذا الحديث بهذا الإسناد ساقط من مطبوعة المسند الميمنية، وأورده الحافظ ابن كثير في جامع المسانيد، والحافظ ابن حجر في الأطراف (٤/ ٣٨٤). ورواه الترمذي حديث ١١٦٤. وقال الترمذي: حديث حسن. وقال: سمعت محمدًا -يعني البخاري- يقول: لا أعرف لعلي بن طلق عن النبي ﷺ غير هذا الحديث الواحد ولا أعرف هذا الحديث من حديث طلق بن علي السحيمي وكأنه رأى أن هذا رجل آخر من أصحاب النبي ﷺ. ورواه الدارمي حديث ١١٤١، من حديث عبد الواحد بن زياد عن عاصم، به- نحوه ..\n(^١٢٩٠) - المسند (١/ ٨٦).\n(^١٢٩١) - المسند (٢/ ٢٧٢)، وأخرجه في (٢/ ٣٤٤) عن عفان، عن وهيب، عن سهل به، وأخرجه ابن ماجة في كتاب النكاح، باب: النهي عن إتيان النساء في أدبارهن حديث (١٩٢٣) عن ابن أبي الشوارب عن عبد العزيز بن المختار، عن سهل بن أبي صالح به.\n_________\n[¬١]- في خ: \"ومؤذى\".\n[¬٢]- في ز: \"حطانى\".\n[¬٣]- في ز: \"سهل\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين في ز: \"عن النبي ﷺ قال].","vol":"2","page":315},{"text":"[وقال أحمد أيضًا] [¬١] (^١٢٩٢): حدثنا عفان، حدثنا وهيب، حدثنا سهيل، عن الحارث ابن [¬٢] مخلد، عن أبي هريرة ورفعه [¬٣] قال: قال رسول الله ﷺ \"لا ينظر الله إلى رجل جامع امرأته في دبرها\".\n[وكذا رواه ابن ماجة من طريق سهيل] [¬٤].\n[وقال أحمد أيضًا (^١٢٩٣)] [¬٥]: حدثنا وكيع، عن سهيل بن أبي صالح، عن الحارث بن مُخَلَّد، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"ملعون من أتى امرأته [¬٦] في دبرها\"] [¬٧].\nو[¬٨] هكذا رواه أبو داود والنسائي من طريق وكيع، به.\n\"طريق أخرى\": قال الحافظ أبو نعيم الأصبهاني [¬٩]: أخبرنا أحمد [بن القاسم] [¬١٠] بن الريان، حدثنا أبو عبد الرحمن النسائي، حدثنا هناد ومحمد بن إسماعيل واللفظ له، قالا: حدثنا وكيع، حدثنا سفيان، عن سهيل [¬١١] بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"ملعون من أتى امرأة في دبرها\".\nليس هذا الحديث هكذا في سنن النسائي، وإنما الذي فيه [عن سهيل] [¬١٢]، عن الحارث بن مخلد، كما تقدم.\nقال شيخنا الحافظ أبو عبد الله الذهبي: ورواية أحمد بن القاسم بن الريان هذا الحديث بهذا السند، وهم منه، وقد ضعفوه.\n_________\n(^١٢٩٢) - المسند (٢/ ٣٤٤).\n(^١٢٩٣) - المسند (٢/ ٤٤٤، ٤٧٩)، وأخرجه أبو داود في النكاح، باب: في جامع النكاح حديث (٢١٦٢)، والنسائي في الكبرى (٩٠١٥)، من طريق وكيع به، وانظر تحفة الأشراف (١٢٢٣٧).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٢]- في ز، خ: \"عن\".\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- في ز: \"سهل\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٦]- في ز: \"امرأة\".\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٨]- سقط من: ز.\n[¬٩]- في ز، خ: \"الأصفهاني\".\n[¬١٠]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬١١]- في ز، خ: \"سهل\".\n[¬١٢]- في ز، خ: \"سهل\".","vol":"2","page":316},{"text":"(طريق أخرى): رواها [¬١] مسلم بن خالد الزنجي، عن العلاءِ بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي، ﷺ، قال: \"ملعون من أتى النساء في أدبارهن\".\nومسلم بن خالد فيه كلام، والله أعلم.\n(طريق أخرى) رواها الإمام أحمد وأهل السنن (^١٢٩٤): من حديث حماد بن سلمة، عن حكيم الأثرم، عن أبي تميمة الهُجَيمي، عن أبي هريرة أن رسول الله، ﷺ، قال: \"من أتى حائضًا أو امرأة في دبرها، أو كاهنًا لصدقه، فقد كفر بما أنزل على محمد\".\nوقال الترمذي: ضعف البخاري هذا الحديث. والذي قاله البخاري في حديث [¬٢] الترمذي عن أبي تميمة: لا يتابع [¬٣] في حديثه (^١٢٩٥).\n(طريق أخرى): قال النسائي (^١٢٩٦): حدثنا عثمان بن عبد الله، حدثنا سليمان بن عبد الرحمن من كتابه، عن عبد الملك بن محمد الصنعاني، عن سعيد بن عبد العزيز، عن الزهري عن أبي سلمة ﵁ عن أبي هريرة، عن النبي، ﷺ، قال: \"استحيوا من الله حق الحياء، لا تأتوا النساء في أدبارهنّ\".\nتفرَّد به النسائي من هذا الوجه.\nقال حمزة بن محمد الكناني الحافظ: هذا حديث منكر باطل من حديث الزهري، ومن حديث أبي سلمة، ومن حديث سعيد، فإن كان عبد الملك سمعه من سعيد، فإنما سمعه بعد الاختلاط، وقد رواه الزهري عن أبي سلمة أنه كان ينهى عن ذلك، فأما عن أبي هريرة، عن النبي، ﷺ، فلا، انتهى كلامه (^١٢٩٧).\n_________\n(^١٢٩٤) - أخرجه أحمد في مسنده (٢/ ٤٠٨، ٤٧٦)، والدارمي في كتاب الطهارة، باب: من أتى امرأته في دبرها حديث (١١٤١)، وأبو داود في كتاب الطب، باب: في الكاهن، حديث (٣٩٠٤)، والترمذي في أبواب الطهارة، باب: ما جاء في كراهية إتيان الحائض حديث (١٣٥)، والنسائي في الكبرى الحديث (٩٠١٦)، وابن ماجة في الطهارة، باب: النهي عن إتيان الحائض، حديث (٦٣٩) من طرق عن حماد بن سلمة به.\n(^١٢٩٥) - التاريخ الكبير (٣/ ١٧).\n(^١٢٩٦) - سنن النسائي الكبرى برقم (٩٠١٠).\n(^١٢٩٧) - انظر تحفة الأشراف (١١/ ٢٥) (١٥١٣٩).\n_________\n[¬١]- في خ: \"ورواه\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"حكيم\".\n[¬٣]- في خ: \"تتابع\".","vol":"2","page":317},{"text":"وقد أجاد وأحسن الانتقاد، إلا أن عبد الملك [بن محمد] [¬١] الصنعاني لا يعرف أنه اختلط، ولم يذكر ذلك أحد غير حمزة الكناني وهو ثقة، ولكن تكلم فيه دحيم، وأبو حاتم، وابن حبان وقال: لا يجوز الاحتجاج به، والله [¬٢] أعلم. وقد تابعه زيد بن يحيى بن عبيد، عن سعيد بن عبد العزيز. وروي من طريقين آخرين، عن أبي سلمة، ولا يصح منهما شيء.\n(طريق أخرى): قال النسائي (^١٢٩٨): حدثنا إسحاق بن منصور، حدَّثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان الثوري، عن ليث بن أبي سليم، عن مجاهد، عن أبي هريرة قال: إتيان الرجال النساء في أدبارهنّ كفر.\nثم رواه عن بندار، عن عبد الرحمن، به، قال: من أتى امرأة [¬٣] في دبرها ملك كفره (^١٢٩٩).\nهكذا رواه النسائي (^١٣٠٠): من طريق الثوري، عن ليث، عن مجاهد، عن أبي هريرة موقوفًا.\nوكذا رواه من طريق علي بن بَذِيمة، عن مجاهد، عن أبي هريرة موقوفًا.\nورواه بكر بن خنيس، عن ليث، عن مجاهد، عن أبي هريرة، عن النبي، ﷺ، قال: \"من أتى شيئًا من الرجال والنساء في الأدبار فقد كفر\" (^١٣٠١).\nوالموقوف أصح، وبكر بن خنيس ضعفه غير واحد من الأئمة، وتركه آخرون.\n(حديث آخر): قال محمد بن أبان البلخي (^١٣٠٢): حدثنا وكيع، حدثنا زمعة بن صالح، عن ابن طاوس، عن أبيه وعن عمرو بن دينار، عن عبد الله بن يزيد بن الهاد قالا: قال عمر بن الخطاب: قال رسول الله ﷺ: \"إن الله لا يستحيي من الحق، لا تأتوا النساء\n_________\n(^١٢٩٨) - سنن النسائي الكبرى برقم (٩٠١٨)، وأخرجه ابن أبي شيبة (٣/ ٣٦٣) من طريق حفص عن ليث به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور (١/ ٤٧٢) إلى عبد الرزاق، وعبد بن حميد، والبيهقي.\n(^١٢٩٩) - سنن النسائي الكبرى يرقم (٩٠١٩).\n(^١٣٠٠) - سنن النسائي الكبرى برقم (٩٠٢١).\n(^١٣٠١) - رواه العقيلي في الضعفاء الكبير (١/ ١٤٩).\n(^١٣٠٢) - أخرجه وكيع، والبراز -كما في الدر المنثور (١/ ٤٧٢)، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد=\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في خ: \"فالله\".\n[¬٣]- في ز: \"امرأته\".","vol":"2","page":318},{"text":"في أدبارهن\".\nوقد رواه النسائي (^١٣٠٣): حدثنا سعيد بن يعقوب الطالقاني، عن عثمان بن اليمان، عن زمعة بن صالح، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن الهاد، عن عمر قال: لا تأتوا النساء في أدبارهنّ.\nوحدّثنا إسحاق بن إبراهيم (^١٣٠٤)، حدَّثنا يزيد بن أبي حكيم، عن زمعة بن صالح، عن عمرو بن دينار، عن طاوس، عن عبد الله بن الهاد الليثي، قال: قال عمر ﵁: استحيوا من الله، فإن الله لا يستحيي من الحق، لا تأتوا النساء في أدبارهن. و[¬١] الموقوف أصح.\n(حديث آخر): قال الإمام أحمد (^١٣٠٥): حدثنا غندر، ومعاذ بن معاذ قالا: حدثنا شعبة، عن عاصم الأحول، عن عيسى بن حطان، عن مسلم بن سلام، عن طلق بن يزيد، -أو: يزيد بن طلق-، عن النبي ﷺ قال: \"إن الله لا يستحيي من الحق، لا تأتوا النساء في أستاههنّ\".\nوكذا رواه غير واحد، عن شعبة. ورواه عبد الرزاق: عن معمر، عن عاصم الأحول، عن عيسى بن حطان، عن مسلم بن سلام، عن طلق بن علي، والأشبه أنه علي بن طلق كما تقدم، والله أعلم.\n(حديث آخر): قال أبو بكر الأثرم في سننه (^١٣٠٦): حدثنا أبو مسلم الحَرَمي، حدثنا أخي أنيس بن إبراهيم، أن أباه إبراهيم بن عبد الرحمن بن القعقاع أخبره، عن أبيه أبي القعقاع، عن ابن مسعود، ﵁، عن النبي، ﷺ، قال: \"محاش النساء حرام\".\nوقد رواه إسماعيل بن علية (^١٣٠٧)، وسفيان الثوري، وشعبة وغيرهم: عن أبي عبد الله\n_________\n= (٤/ ٣٠١، ٣٠٢) وعزاه إلى أبي يعلى، والطبراني في الكبير، والبراز ورجال أبي يعلى رجال الصحيح خلا يعلى بن اليمان وهو ثقة. وانظر الكلام على طرق الحديث العلل لأبي الحسن الدارقطني (٢/ ١٦٧).\n(^١٣٠٣) - سنن النسائي الكبرى برقم (٩٠٠٨).\n(^١٣٠٤) - سنن النسائي الكبرى برقم (٩٠٠٩).\n(^١٣٠٥) - ذكره الحافظ ابن حجر في أطراف السند (٤/ ٣٨٤) من طريق غندر في مسند علي بن طلق، ولا أدري كيف وقع هنا يزيد بن طلق، وقد بين الحافظ الصواب في ذلك، والله أعلم.\n(^١٣٠٦) - ورواه الدولابي في الكنى (٢/ ٨٥).\n(^١٣٠٧) - أخرجه ابن أبي شيبة (٣/ ٣٦٣)، والدارمي في الطهارة، باب: من أتى أمرأته في دبرها حديث=\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.","vol":"2","page":319},{"text":"الشقري -واسمه: سلمة بن تمام، ثقة- عن أبي القعقاع، عن ابن مسعود، موقوفًا، وهو أصح.\n(طريق أخرى): قال ابن عدي: حدثنا أبو عبد الله المحاملي، حدَّثنا سعيد بن يحيى الأموي، حدثنا محمد بن حمزة، عن يزيد [¬١] بن رفيع، عن أبي عبيدة، عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا تأتوا [¬٢] النساء في أعجازهن\" (^١٣٠٨).\nمحمد بن حمزة هو الجزري وشيخه فيهما مقال:\nوقد روي من حديث أبي بن كعب (^١٣٠٩)، والبراء بن عازب، وعقبة بن عامر (^١٣١٠)، وأبي ذر وغيرهم، وفي كل منها مقال لا يصح معه الحديث، والله أعلم.\nوقال الثوري: عن الصلت بن بهرام، عن أبي المعتمر، عن أبي جويرية قال: سأل رجل عليًّا عن إتيان المرأة في دبرها، فقال: سفلت سفل الله بك! ألم تسمع قول الله ﷿: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالمِينَ﴾.\nوقد تقدم قول ابن مسعود، وأبي الدرداء، وأبي هريرة، وابن عباس، وعبد الله بن عمرو في تحريم ذلك، وهو الثابت بلا شك عن عبد الله بن عمر، رضي الله تعالى عنهما [¬٣]، أنه يحرمه.\nقال أبو محمد (^١٣١١) [عبد الله بن عبد الرحمن] [¬٤] [الدارمي] [¬٥] في مسنده: حدثنا عبد الله بن صالح، حدَّثنا الليث، عن الحارث بن يعقوب، عن سعيد بن يسار أبي الحباب\n_________\n= (١١٤١)، والبيهقي في سننه (٧/ ١٩٩) من طريق أبي عبد الله الشقري به.\n(^١٣٠٨) - الكامل لابن عدي (٢٠٦١٣) وقال الحافظ في التلخيص (٣/ ١٨١): \"إسناد واهٍ\".\n(^١٣٠٩) - حديث أبي بن كعب رواه البيهقي في شعب الإيمان برقم (٥٤٥٧) من طريق أبي قلابة، عن زر بن حبيش، عن أبي بن كعب به.\n(^١٣١٠) - حديث عقبة بن عامر رواه ابن عدي في الكامل (٤/ ١٤٨) من طريق ابن لهيعة، عن مشرح بن هاعان، عن عقبة به.\n(^١٣١١) - سنن الدارمي، كتاب الطهارة، باب: من أتى امرأته في دبرها حديث (١١٤٨)، وانظر الدر المنثور (١/ ٤٧٤).\n_________\n[¬١]- في ز: \"زيد\".\n[¬٢]- في خ: \"تأتون\".\n[¬٣]- في خ: \"عنه\".\n[¬٤]- في ت: \"عبد الرحمن بن عبد الله\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين في خ: \"بن الدارمي\".","vol":"2","page":320},{"text":"قال: قلت لابن عمر: ما تقول في الجواري أنحمص [¬١] لهنّ؟ قال: وما التحميض [¬٢]؟ فذكر الدبر، فقال: وهل يفعل ذلك أحد من المسلمين؟!.\nوكذا رواه ابن وهب وقتيبة [¬٣]، عن الليث به، وهذا إسناد صحيح، ونص صريح منه بتحريم ذلك، فكل ما ورد عنه [¬٤] مما يحتمل ويحتمل فهو مردود إلى هذا المحكم [¬٥].\nوقال ابن جرير (^١٣١٢): حدثني عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم، حدثنا أبو زيد [أحمد ابن] [¬٦] عبد الرحمن بن أحمد بن أبي الغمر [¬٧]، حدثني عبد الرحمن بن القاسم، عن مالك بن أنس أنه قيل له: يا أبا عبد الله، إن الناس يروون عن سالم بن عبد الله أنه قال: كذب العبد أو العلج على أبي [عبد الله] [¬٨]، فقال مالك: أشهد على يزيد بن رومان أنه أخبرني، عن سالم بن عبد الله، عن ابن عمر مثل ما قال نافع. فقيل له: فإن الحارث بن يعقوب يروي عن أبي الحباب [¬٩] سعيد بن يسار: أنه سأل ابن عمر فقال له: يا أبا عبد الرحمن، أنا نشتري الجواري أفنحمض [¬١٠] لهنّ؟ فقال: وما التحميض [¬١١]؟ فذكر له الدبر، فقال ابن عمر: أف! أف! [وهل يفعل] [¬١٢] ذلك مؤمن -أو قال: مسلم-؟ فقال مالك: أشهد على ربيعة لأخبرني، عن أبي الحباب [¬١٣]، عن ابن عمر، مثل ما قال نافع.\nوروى النسائي (^١٣١٣): عن الربيع بن سليمان، عن أصبغ بن الفرج الفقيه، حدثنا عبد الرحمن بن القاسم قال [¬١٤]: قلت لمالك: إن عندنا بمصر الليث بن سعد يحدّث، عن الحارث بن يعقوب، عن سعيد بن يسار قال: قلت لابن عمر: إنا نشتري الجواري\n_________\n(^١٣١٢) - تفسير الطبري (٤/ ٤٠٥) (٤٣٢٩)، وقع هنا خطأ في إسناد هذا الحديث في اسم ابن أبي الغمر نبه عليه العلامة أحمد محمد شاكر في تعليقه على تفسير الطبري، والصواب أن اسمه عبد الرحمن بن أحمد بن أبي الغمر، وهو مترجم في تهذيب الكمال. ورواية الحارث بن يعقوب عن أبي الحباب أخرجها الطحاوي في (شرح معاني الآثار) (٣/ ٤١).\n(^١٣١٣) - سنن النسائي الكبرى برقم (٨٩٧٩).\n_________\n[¬١]- في خ: \"أنحمص\".\n[¬٢]- في خ: \"التحميص\".\n[¬٣]- في خ: \"قتيبية\".\n[¬٤]- سقط من: ز.\n[¬٥]- في ز، خ: \"الحكم\".\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين زيادة من: ز، خ.\n[¬٧]- في ز، \"المعمر\"، خ: \"معمر\".\n[¬٨]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٩]- في خ: \"الخباب\".\n[¬١٠]- في خ: \"أنحمض\".\n[¬١١]- في خ: \"التحميص\".\n[¬١٢]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"أيفعل\".\n[¬١٣]- في خ: \"الخباب\".\n[¬١٤]- سقط من: ز.","vol":"2","page":321},{"text":"فَنُحمِّض [¬١] لهن، قال: وما التحميض [¬٢]؟ قلت: نأتيهن في أدبارهن، فقال: أف! أف! أو يعمل هذا مسلم؟ فقال لي مالك: فأشهد على ربيعة لحدّثني [¬٣] عن سعيد بن يسار أنه سأل ابن عمر فقال: لا بأس به\nوروى النسائي أيضًا (^١٣١٤) من طريق يزيد بن رومان، عن عبيد الله بن عبد الله [بن عمر] [¬٤]: أن ابن عمر كان لا يرى بأسًا أن يأتي الرجل المرأة في دبرها.\nوروى معمر بن عيسى عن مالك: أن ذلك حرام.\nوقال أبو بكر بن زياد النيسابوري: حدّثني إسماعيل بن حصن، حدثني إسماعيل بن روح، سألت مالك بن أنس: ما تقول في إتيان النساء في أدبارهن؟ قال: ما أنتم إلا قوم عرب، هل يكون الحرث إلا موضع الزرع؟! لا تعدوا الفرج، قلت: يا أبا عبد الله، إنهم يقولون إنك تقول ذلك، قال: يكذبون علي، يكذبون علي.\nفهذا هو الثابت عنه، وهو قول أبي حنيفة، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وأصحابهم قاطبة. وهو قول سعيد بن المسيب، وأبي سلمة، وعكرمة، وطاوس، وعطاء، وسعيد بن جبير، وعروة بن الزبير، ومجاهد بن جبر، والحسن، وغيرهم من السلف أنهم أنكروا ذلك أشد الإنكار، ومنهم من يطلق على فاعله الكفر، وهو مذهب جمهور العلماء، وقد حكي في هذا شيء عن بعض فقهاء أهل المدينة حتى حكوه عن الإِمام مالك، وفي صحته عنه نظر.\nقال الطحاوي: روى أصبغ بن الفرج، عن عبد الرحمن بن القاسم قال: ما أدركت أحدًا أقتدي به في ديني يشك [في] [¬٥] أنه حلال، يعني وطء المرأة في دبرها، ثم قرأ: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ ثم قال: فأي شيء أبين من هذا؟ هذه حكاية الطحاوي، وقد روى الحاكم، والدارقطني، والخطيب البغدادي، عن الإِمام مالك من طرق ما يقتضي إباحة ذلك.\nولكن في الأسانيد ضعف شديد، وقد استقصاها شيخنا الحافظ أبو عبد الله الذهبي في جزء جمعه في ذلك، والله أعلم.\nوقال الطحاوي: حكى لنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم أنه سمع الشافعي يقول: ما صح عن النبي، ﷺ، في تحليله ولا تحريمه شيء. والقياس أنه حلال، وقد روى ذلك\n_________\n(^١٣١٤) - سنن النسائي الكبرى برقم (٨٩٨٠).\n_________\n[¬١]- في خ: فنحمص.\n[¬٢]- في خ: \"التحميص\".\n[¬٣]- في خ: \"حدثني\".\n[¬٤]- زيادة من: ز، خ.\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين زيادة من: ز.","vol":"2","page":322},{"text":"أبو بكر الخطيب عن أبي سعيد الصيرفي، عن أبي العباس الأصم، سمعت محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، سمعت الشافعي يقول، فذكره. قال أبو نصر بن الصباغ: كان الربيع يحلف بالله الذي لا إله إلا هو: لقد كذب -يعني: ابن عبد الحكم- على الشافعي في ذلك؟ لأن [¬١] الشافعي نص على تحريمه في ستة كتب من كتبه، والله أعلم.\nوقوله تعالى: ﴿وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ﴾ أي: من فعل الطاعات مع امتثال ما أنهاكم [¬٢] عنه من ترك المحرمات، ولهذا قال: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ﴾ أي: فيحاسبكم على أعمالكم جميعها [¬٣].\n﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: المطيعين لله فيما أمرهم، التاركين ما عنه زجرهم.\nوقال ابن جرير (^١٣١٥): حدَّثنا القاسم، حدثنا الحسين، حدّثني محمد بن كثير، عن عبد الله بن واقد [¬٤]، عن عطاء قال: أراه عن ابن عباسِ: ﴿وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ﴾ قال: تقول [¬٥] باسم الله، التسمية عند الجماع.\nوقد ثبت في صحيح البخاري (^١٣١٦)، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: \"لو أن أحدكم [¬٦] إذا أراد أن يأتي أهله قال: بسم الله اللهم جنبنا الشيطان، وجنب الشيطان ما رزقتنا، فإنه إن يقدر بينهما ولد في ذلك لم يضره الشيطان أبدًا\".\n﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَينَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٤) لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْو فِي أَيمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (٢٢٥)﴾\nيقول تعالى: لا تجعلوا أيمانكم بالله تعالى مانعة لكم من البر، وصلة الرحم إذا حلفتم على تركها؛ كقوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ\n_________\n(^١٣١٥) - تفسير الطبري (٤/ ٤١٧) (٤٣٥٠).\n(^١٣١٦) - صحيح البخاري، كتاب الوضوء، باب التسمية على كل حال، وعند الوقاع حديث (١٤١)، وأطرافه عند البخاري في (٣٢٧١، ٣٢٨٣، ٥١٦٥، ٦٣٨٨، ٧٣٩٦). وأخرجه مسلم في النكاح، حديث (١٤٣٤) من حديث ابن عباس.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"فإن\".\n[¬٢]- في ز: \"نهاكم\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"جميعًا\".\n[¬٤]- في خ: \"وافر\".\n[¬٥]- في ز: \"يقول\".\n[¬٦]- في ز: \"أحدهم\".","vol":"2","page":323},{"text":"وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ فالاستمرار على اليمين آثمُ لصاحبها من الخررج منها بالتكفير. كما قال البخاري:\nحدَّثنا إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن همام بن منبه قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة عن النبي ﷺ، قال: \"نحن الآخرون السابقون يوم القيامة\". وقال رسول الله ﷺ: \"والله، لأن يَلِجَّ أحدكم بيمينه في أهله آثمُ له عند الله من أن يعطي كفارته التي افترض الله عليه\".\nوهكذا رواه مسلم (^١٣١٧)، عن محمد بن رافع، عن عبد الرزاق، به، ورراه أحمد عنه، به.\nثم قال البخاري (^١٣١٨): حدثنا إسحاق بن منصور، حدثنا يحيى بن صالح، حدثنا معاوية -هو ابن سلام-، عن يحيى -وهو ابن أبي كثير- عن عكرمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه رسلم: \"من استلج في أهلة بيمين فهو أعظم إثما، ليس تغني [¬١] الكفارة\".\nوقال علي بن [أبي] [¬٢] طلحة، عن ابن عباس [¬٣] في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيمَانِكُمْ﴾ قال: لا تجعلن عرضة ليمينك ألا تصنع الخير. ولكن كفر عن يمينك واصنع [¬٤] الخير.\nوكذا [¬٥] قال مسروق، والشعبي، وإبراهيم النخعي، ومجاهد، وطاوس، وسعيد بن جبير، وعطاء، وعكرمة، ومكحول والزهري، والحسن، وقتادة، ومقاتل بن حيان، والربيع بن أنس، والضحاك، وعطاء الخراساني، والسدي [﵏] ويؤيد ما قاله\n_________\n(^١٣١٧) - صحيح البخاري في الأيمان، والنذور باب: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْو فِي أَيمَانِكُمْ. ..﴾، (٦٦٢٤، ٦٦٢٥)، وأخرجه مسلم في الأيمان حديث (١٦٥٥)، وأخرجه أحمد في المسند (٢/ ٢٧٨، ٣١٧) عن عبد الرزاق به. وأخرجه ابن ماجة في كتاب الكفارات، باب: النهي أن يستلج الرجل في يمينه ولا يكفر حديث (٢١١٤)، من طريق محمد بن حميد المعمري، عن معمر به.\n(^١٣١٨) - صحيح البخاري، كتاب الأيمان، والنذور، باب: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْو فِي أَيمَانِكُمْ. ..﴾ حديث (٦٦٢٦) وأخرجه ابن ماجة في الكفارات، باب: النهي أن يستلج الرجل في يمينه ولا يكفر حديث (٢١١٤) عن محمد بن يحيى، ثنا ابن صالح الوحاظي به.\n_________\n[¬١]- في خ: \"يعني\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- في ز: \"أو اصنع\".\n[¬٥]- في ز: \"وهكذا\".","vol":"2","page":324},{"text":"هؤلاء الجمهور ما ثبت في الصحيحين (^١٣١٩)، عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله وصلى الله عليه وسلم: \"إني والله إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرًا منها إلا أتيت الذي هو خير وتحللتها\"، وثبت فيهما أيضًا (^١٣٢٠): أن رسول الله، ﷺ، قال لعبد الرحمن بن سمرة: \"يا عبد الرحمن بن سمرة، لا تسأل الإِمارة، فإنك إن أعطيتها عن [¬١] غير مسألة أعنت عليها، وإن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها، وإذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرًا منها، فأتِ الذي هو خير، وكفر عن يمينك\".\nوروى مسلم عن أبي هريرة: أن رسول الله، ﷺ، قال: \"من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها، فليكفر عن يمنه، وليفعل الذي هو خير\" (^١٣٢١).\nوقال الإِمام أحمد: حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم، حدثنا خليفة بن خياط، حدثني عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن رسول الله، ﷺ، قال: \"من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها فَتَرْكُها كفارتها\" (^١٣٢٢).\nورواه أبو داود بن طريق عبيد [¬٢] الله بن الأخنس، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا نذر ولا يمين فيما لا يملك ابن آدم، ولا في معصية الله، ولا في قطيعة رحم، ومن حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها فليدعها، وليأت الذي هو خير، فإن تركها كفارتها\" (^١٣٢٣).\nثم قال أبو داود: والأحاديث عن النبي، ﷺ، كلها: \"فليكفر عن\n_________\n(^١٣١٩) - أخرجه البخاري، في كتاب فرض الخمس، باب: ومن الدليل على أن الخمس لنوائب المسلمين الحديث (٣١٣٣)، ومسلم في كتاب الأيمان حديث (١٦٤٩) من حديث زهدم الجرمي عن أبي موسى به.\n(^١٣٢٠) - أخرجه البخاري في الأيمان والنذور، باب: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْو فِي أَيمَانِكُمْ. ..﴾ حديث (٦٦٢٢)، وفي كتاب الأحكام، باب: من لم يسال الإمارة أعانه الله عليها حديث (٧١٤٦)، وباب: من سأل الإمارة وكل إليها حديث (٧١٤٧)، ومسلم في الأيمان حديث (١٦٥٢) من حديث الحسن عن عبد الرحمن بن سمرة.\n(^١٣٢١) - صحيح مسلم، كتاب الأيمان: حديث (١٦٥٠)، وأخرجه أحمد (٢/ ٣٦١)، والترمذي في كتاب النذور، باب: ما جاء في الكفارة قبل الحنث، حديث (١٥٣٠)، والنسائي في الكبرى كما في تحفة الأشراف (١٢٧٣٨) من حديث أبي صالح عن أبي هريرة.\n(^١٣٢٢) - المسند (٢/ ١٨٥).\n(^١٣٢٣) - سنن أبي داود، كتاب الأيمان والنذور، باب: فيمن حلف على طعام لا يأكله، حديث =\n_________\n[¬١]- في خ: \"من\".\n[¬٢]- في ز: \"عبد\".","vol":"2","page":325},{"text":"يمينه\"، وهي الصحاح.\nوقال ابن جرير (^١٣٢٤): حدثنا علي بن سعيد الكندي، حدثنا علي بن مسهر، عن حارثة بن محمد، عن عمرة، عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ: \"من حلف على يمين قَطِيعَة رحم أو معصية، فَبِرُّه أن يحنث فيها ويرجع عن [¬١] يمينه\".\nوهذا حديث ضعيف؛ لأن حارثة هذا [¬٢] هو ابن أبي الرجال محمد بن عبد الرحمن، متروك الحديث، ضعيف عند الجميع، ثم روى ابن جرير عن ابن جبير، وسعيد بن المسيب، ومسروق، والشعبي: أنهم قالوا: لا يمين في معصية، ولا كفارة عليها.\nوقوله: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْو فِي أَيمَانِكُمْ﴾ أي: لا يعاقبكم، ولا يلزمكم بما صدر منكم من الأيمان اللاغية، وهي التي لا يقصدها الحالف، بل تجري على لسانه عادة من غير تعقيد ولا تأكيد، كما ثبت في الصحيحين (^١٣٢٥) من حديث الزهري، عن حُمَيد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: \"من حلف فقال في حلفه: واللات والعزى، فليقل لا إله إلا الله\". فهذا قاله لقوم حديثي عهد [¬٣] بجاهلية، قد أسلموا، وألسنتهم قد ألفت ما كانت عليه من الحلف باللات من غير قصد، فأمروا أن يتلفظوا بكلمة الإِخلاص، كما تلفظوا بتلك الكلمة من غير قصد، لتكون هذه بهذه، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ الآية، وفي [¬٤] الآية الأخرى [في المائدة] [¬٥] ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيمَانَ﴾.\nقال أبو داود (^١٣٢٦): (باب لغو اليمين) حدثنا حميد بن مسعدة الشامي، حدثنا حسان -\n_________\n= (٣٢٧٤) عن المنذر بن الوليد، عن عبد الله بن بكلر، عن عبيد الله بن الأخنس به.\n(^١٣٢٤) - تفسير الطبري (٤/ ٤٤٢)، وأخرجه ابن ماجة في الكفارات، باب: من قال: كفارتها تركها حديث (٢١١٠) عن علي بن محمد، عن عبد الله بن نمير، عن حارثة بن أبي الرجال به.\n(^١٣٢٥) - صحيح البخاري، كتاب التفسير، باب: ﴿أَفَرَأَيتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩)﴾ [النجم: ١٩] حديث (٤٨٦٠)، وفي الأدب، باب: من لم ير إكفار من قال ذلك متأولًا أو جاهلًا حديث (٦١٠٧)، وفي كتاب الاستئذان، باب: كل لهو باطل إذا شغله عن طاعة الله … حديث (٦٣٠١)، وفي الأيمان والندور، باب: لا يحلف باللات والعزى ولا بالطواغيت، حديث (٦٦٥٠)، ومسلم في كتاب الأيمان، حديث (١٦٤٧) من طريق الزهري به.\n(^١٣٢٦) - سنن أبي داود كتاب الأيمان، والنذور، الحديث (٣٢٥٤).\n_________\n[¬١]- في خ: \"من\".\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في ز: \"أعهد\".\n[¬٤]- في ز: \"كما قال\".\n[¬٥]- زيادة من: ز، خ.","vol":"2","page":326},{"text":"يعني ابن إبراهيم -حدثنا إبراهيم -يعني الصائغ - عن عطاء: في [¬١] اللغو في اليمين، قال: قالت عائشة: إنّ رسول الله، ﷺ، قال: \" [] [¬٢] هو كلام الرجل في بيته: كلا والله، وبلى [¬٣] والله\".\nثم قال أبو داود: رواه داود بن أبي الفرات، عن إبراهيم الصائغ، عن عطاء، عن عائشة موقوفًا، ورواه الزهري، وعبد الملك، ومالك بن مغول كلهم، عن عطاء، عن عائشة موقوفًا، أيضًا\n(قلت): وكذا رواه ابن جريج، وابن أبي ليلى، عن عطاء، عن عائشة موقوفًا، ورواه ابن جرير (^١٣٢٧): عن هناد [¬٤]، عن وكيع، وعبدة، وأبي معاوية، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة في قوله: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْو فِي أَيمَانِكُمْ﴾ قالت [¬٥]: لا والله، وبلى [¬٦] والله.\nثم رواه: عن محمد بن حميد، عن سلمة، عن ابن إسحاق، عن هشام، عن أبيه، عنها. وبه، عن ابن إسحاق، عن الزهري، عن القاسم، عنها. وبه عن سلمة [¬٧]، عن ابن أبي نجيح، عن عطاء، عنها.\nوقال عبد الرزاق (^١٣٢٨): أخبرنا معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة في قوله: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْو فِي أَيمَانِكُمْ﴾ قالت [¬٨]: هم القوم يتدارءون في الأمر، فيقول هذا: لا والله، وبلى والله وكلا والله. يتدارءون في الأمر: لا تعقد عليه قلوبهم.\nوقد قال ابن أبي حاتم (^١٣٢٩): حدَّثنا هارون بن إسحاق الهمداني، حدَّثنا عبدة -يعني ابن\n_________\n(^١٣٢٧) - تفسير الطبري (٤/ ٤٢٨) (٤٣٧٧).\n(^١٣٢٨) - أخرجه الطبري في تفسيره (٤/ ٤٢٩) (٤٣٨٣) بسنده إلى عبد الرزاق وعزاه السيوطي في الدر المنثور (١/ ٤٨٠) إلى عبد الرزاق وعبد بن حميد، وابن المنذر.\nوأخرجه البخاري في صحيحه في التفسير، باب: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْو فِي أَيمَانِكُمْ﴾ حديث (٤٦١٣)، وفي الإيمان والنذور، باب: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْو فِي أَيمَانِكُمْ﴾ حديث (٦٦٦٣)، والنسائي في الكبرى كما في تحفة الأشراف (١٧٣١٦) من حديث هشام بن عروة عن أبيه كه بمعناه.\n(^١٣٢٩) - تفسير ابن أبي حاتم (٢/ ٤٠٨) (٢١٥٢).\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في ت: \"اللغو في اليمين\".\n[¬٣]- في خ: \"بلى\".\n[¬٤]- في ز: \"عباد\".\n[¬٥]- سقط من: ز.\n[¬٦]- في خ: \"بلى\".\n[¬٧]- في خ: \"إسحاق\".\n[¬٨]- في ز: \"قال\".","vol":"2","page":327},{"text":"سليمان - عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة في قول الله: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْو فِي أَيمَانِكُمْ﴾ قالت: هو قول الرجل: لا والله وبلى والله.\nوحدَّثنا أبي (^١٣٣٠)، حدثنا أبو صالح كاتب الليث، حدثني ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عروة قال: كانت عائشة تقول: إنما اللغو في المزاحة والهزل، وهو قول الرجل: لا والله، وبلى والله. فذاك لا كفارة فيه، إنما الكفارة فيما عقد عليه قلبه أن يفعله، ثم لا يفعله.\nثم قال ابن أبي حاتم: وروي عن ابن عمر، وابن عباس -في أحد أقواله- والشعبي، وعكرمة في أحد قوليه، وعطاء، والقاسم بن محمد، ومجاهد في أحد قوليه، وعروة بن الزبير، وأبي صالح، والضحاك في أحد قوليه، وأبي قلابة، والزهري، نحو ذلك.\n(الوجه الثاني): قُرئ على يونس بن عبد الأعلى (^١٣٣١)، أخبرنا ابن وهب، أخبرني الثفة، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة: أنها كانت تتأول هذه الآية يعني قوله: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْو فِي أَيمَانِكُمْ﴾ وتقول: هو [¬١] الشيء يحلف عليه أحدكم، لا يريد منه إلا الصدق، فيكون على غير ما حلف عليه.\nثم قال: وروي عن أبي هريرة، وابن عباس في أحد قوليه، وسليمان بن يسار، وسعيد بن جبير، ومجاهد في أحد قوليه، وإبراهيم النخعي في أحد قوليه، والحسن، وزرارة بن أوفى، وأبي مالك، وعطاء الخراساني، وبكر بن عبد الله، وأحد قولي عكرمة، وحبيب بن أبي ثابت، والسدي، ومكحول، ومقاتل، وطاوس، وقتادة، والربيع بن أنس. ويحيى بن سعيد، وربيعة، نحو ذلك.\nوقال ابن جرير (^١٣٣٢): حدثنا محمد بن موسى الحرَشي [¬٢]، حدثنا عبيد [¬٣] الله بن ميمون المرادي [¬٤]، حدثنا عوف الأعرابي، عن الحسن بن أبي الحسن، قال: مر رسول الله ﷺ بقوم ينتضلون [¬٥]-يعني يرمون- ومع النبي ﷺ رجل من أصحابه، فرمى [¬٦] رجل من القوم فقال: أصبت والله، وأخطأت والله! فقال الذي مع النبي، ﷺ، للنبي، ﷺ: حنث الرجل يا رسول الله. قال: \"كلا، أيمان\n_________\n(^١٣٣٠) - تفسير ابن أبي حاتم (٢/ ٤٠٨) (٢١٥٣).\n(^١٣٣١) - تفسير ابن أبي حاتم (٢/ ٤٠٨) (٢١٥٤).\n(^١٣٣٢) - تفسير الطبري (٤/ ٤٤٤) (٤٤٥٨)، وضعف إسناده الشيخ أحمد شاكر في تعليقه =\n_________\n[¬١]- في ز: \"هذا\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"الجرشي\".\n[¬٣]- في ز، خ: عبد.\n[¬٤]- في خ: \"المراي\".\n[¬٥]- في ز: \"يتنضلون\"، خ: \"ينتصلون\".\n[¬٦]- في ز: \"فعلى\".","vol":"2","page":328},{"text":"الرماة لغو لا كفارة فيها ولا عقوبة\". هذا مرسل حسن عن الحسن.\nوقال ابن أبي حاتم: وروي عن عائشة القولان جميعًا.\nحدثنا عصام بن رواد (^١٣٣٣)، أخبرنا آدم، حدثنا شيبان، عن جابر، عن عطاء بن أبي رباح، عن عائشة قالت: هو قوله: لا والله: بلى والله، وهو يرى أنه صادق، ولا يكون كذلك.\n(أقوال أخر): قال عبد الرزاق (^١٣٣٤): عن هُشَيم، عن مغيرة، عن إبراهيم: هو الرجل: يحلف على [¬١] الشيء ثم ينساه.\nوقال زيد بن أسلم: هو قول الرجل: أعمى الله [¬٢] بصري إن لم أفعل كذا وكذا، أخرجني الله من مالي [¬٣] إن لم آتك غدًا؛ فهو هذا.\nقال ابن أبي حاتم (^١٣٣٥): وحدثنا علي بن الحسين، حدثنا مسدد [] [¬٤]، حدثنا خالد، أخبرنا عطاء، عن طاوس، عن ابن عباس قال: لغو اليمين أن تحلف وأنت غضبان.\nوأخبرني أبي (^١٣٣٦)، أخبرنا أبو الجماهر حدثنا سعيد بن بشير، حدثني أبو بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: لغو اليمين أن تحرم ما أحل الله لك، فذلك ما ليس عليك فيه كفارة. وكذا روي عن سعيد بن جبير.\nوقال أبو داود (^١٣٣٧): (باب اليمين في الغضب) حدثنا محمد بن المنهال، أنبأنا يزيد بن زريع، حدثنا حبيب المعلم، عن عمرو بن شعيب، عن سعيد بن المسيب: أن أخوين من\n_________\n= على الطبري، والحديث لم يعزه السيوطي في الدر المنثور (١/ ٤٨١) لغير الطبري.\n(^١٣٣٣) - تفسير ابن أبي حاتم (٢/ ٤٠٩) (٢١٥٥).\n(^١٣٣٤) - تفسير عبد الرازق (١/ ١٠٥) ومن طريقه ابن أبي حاتم (٢/ ٤٠٩) (٢١٥٨)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور (١/ ٤٨١) إلى عبد بن حميد.\n(^١٣٣٥) - تفسير ابن أبي حاتم (٢/ ٤٠٩) (٢١٦١)، وأخرجه ابن جرير في تفسيره (٤/ ٤٣٨) (٤٤٣٤)، والبيهقي (١٠/ ٤٩) من طريق طاوس عن ابن عباس به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور (١/ ٤٨١) لسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن المنذر.\n(^١٣٣٦) - تفسير ابن أبي حاتم (٢/ ٤١٠) (٢١٦٣).\n(^١٣٣٧) - سنن أبي داود، كتاب الإيمان والنذور، باب: اليمين في قطيعة الرحم، حديث (٣٢٧٢).\nووقع فيه: \"باب اليمين في قطيعة الرحم\".\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"عن\".\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في خ: \"حالي\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين في ت: \"بن خالد\".","vol":"2","page":329},{"text":"الأنصار كان بينهما ميراث، فسأل أحدهما صاحبه القسمة، فقال [¬١]: إن عدت تسألني عن [¬٢] القسمة، فكل مالي في رتاج الكعبة، فقال [له عمر] [¬٣]: إن الكعبة غنية عن مالك، كفر عن يمينك وكلم أخاك، سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"لا يمين عليك، ولا نذر في معصية الرب ﷿ ولا في قطيعة الرحم، وفيما لا تملك\".\nوقوده: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ قال ابن عباس، ومجاهد، وغير واحد: هو أن يحلف على الشيء ومحو يعلم أنه كاذب. قال مجاهد وغيره: وهي كقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيمَانَ﴾ الآية.\n﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ أي غفوو لعباده حليم عليهم [¬٤].\n﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٧)﴾\nالإِيلاء: الحلف، فإذا حلف الرجل أن لا يجامع زوجته مدّة، فلا يخلو: إما أن تكون [¬٥] أقل من أربعة أشهر أو أكثر منها، فإن كانت أقل فله أن ينتظر انقضاء المدة ثم يجامع امرأته، وعليها أن تصبر وليس لها مطالبته بالفيئة في هذه المدة، وهذا كما ثبت في الصحيحين (^١٣٣٨) عن عائشة: أن رسول الله، ﷺ وآلي من نسائه شهرًا، فنزل لتسع وعشرين، وقال: \"الشهر [يكون] [¬٦] تسع وعشرون\"، ولهما (^١٣٣٩) عن عمر بن الخطاب نحوه.\nفأما إن زادت المدة على أربعة أشهر، فللزوجة مطالبة الزوج عند انقضاء أربعة أشهر. إما أن يفيء -أي: يجامع-، وإما أن يطلق، فيجبره الحاكم على هذا، أو هذا، لئلا يضر بها. ولهذا قال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ أي: يحلفون على ترك الجماع من نسائهم. فيه دلالة على أن الإِيلاءَ يختص بالزوجات دون الإِماء، كما هو مذهب الجمهور. ﴿تَرَبُّصُ\n_________\n(^١٣٣٨) - أخرجه مسلم في الصيام، حديث (١٠٨٣) من حديث الزهري عن عائشة، ولم أقف عليه في صحيح البخاري من حديث عائشة.\n(^١٣٣٩) - أخرجه البخاري في كتاب الظالم، حديث (٢٤٦٨)، وفي النكاح، باب: موعظة الرجل ابنته حال زواجها حديث (٥١٩١)، ومسلم في كتاب الطلاق حديث (١٤٧٩) من حديث ابن عباس عن عمر.\n_________\n[¬١]- في ز: \"قال\".\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- في ز، خ: \"ابن عمر\".\n[¬٤]- في خ: \"عنهم\".\n[¬٥]- في خ: \"يكون\".\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين زيادة من ز.","vol":"2","page":330},{"text":"أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ أي: ينتظر [¬١] الزوج أربعة أشهر من حين الحلف، ثم يوقف ويطالب بالفيئة [¬٢] أو الطلاق، ولهذا قال: ﴿فَإِنْ فَاءُوا﴾ أي: رجعوا إلى ما كانوا عليه، وهو كناية عن الجماع، قاله ابن عباس، ومسروق، والشعبي، وسعيد بن جبير، وغير واحد، ومنهم ابن جرير ﵀ ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أي: لما سلف من التقصير في حقهن بسبب اليمين. وقوله: ﴿فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فيه دلالة لأحد قولي العلماء -وهو القديم عن الشافعي- أن المولي إذا فاء بعد الأربعة الأشهر أنه لا كفارة عليه، ويعتضد بما تقدم في [الحديث عند] [¬٣] الآية التي قبلها، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أن رسول اللَّه، ﷺ، قال: \"من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها فتركها كفارتها\". كما رواه أحمد (^١٣٤٠)، وأبو داود، [] [¬٤] والذي عليه الجمهور وهو الجدبد من مذهب الشافعي-: أن عليه الكفارة؛ لعموم وجوب التكفير على كل حافط، كما تقدّم أيضًا في الأحاديث الصحاح. والله أعلم.\n[وقوله: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ﴾ فيه دلالة على [أن الطلاق لا يقع] [¬٥] بمجرد مضي الأربعة أشهر، كقول الجمهور [من المتأخرين] [¬٦]، وذهب آخرون إلى أنه يقع بمضي الأربعة [¬٧] أشهر تطليقة، وهو مروي بأسانيد صحيحة عن عمر، وعثمان، وعلي، وابن مسعود، وابن عباس، وابن عمر، وزيد بن ثابت، وبه يقول ابن سيرين، ومسروق [¬٨]، والقاسم، وسالم، والحسن، وأبو سلمة، وقتادة،: شريح القاضي، وقبيصة بن ذؤيب، وعطاء، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وسليمان بن طرخان التيمي، وإبراهيم النخعي، والربيع بن أنس، والسدي.\nثم قيل: إنها تطلق بمضي الأربعة أشهر طلقة رجعية، قاله سعيد بن المسيب، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، ومكحول، وربيعة، والزهري، ومروان [¬٩] بن الحكم. وقيل: إنها تطلق طلقة بائنة، روي عن علي، وابن مسعود، وعثمان، وابن عباس، وابن عمر، وزيد بن ثابت، وبه يقول عطاء، وجابر [¬١٠] بن زيد، ومسروق، وعكرمة، والحسن، وابن سيرين، ومحمد بن الحنفية، وإبراهيم، وقبيصة ابن ذؤيب، وأبو حنيفة،\n_________\n(^١٣٤٠) - المسند (٢/ ١٨٥)، وسنن أبي داود برقم (٣٢٧٤).\n_________\n[¬١]- في خ: \"ينظر\".\n[¬٢]- بياض في خ.\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين في ت: \"والترمذي\".\n[¬٥]- في ز: \"أنه لا يقع الطلاق\".\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٧]- في خ: \"أربعة\".\n[¬٨]- سقط من: ز.\n[¬٩]- في ز: \"ومسروق\".\n[¬١٠]- في ز: \"ومحمد\".","vol":"2","page":331},{"text":"والثوري، والحسن بن صالح، فكل [¬١] من قال: إنها تطلق بمضي الأربعة أشهر أوجب عليها العدّة، إلا ما روي عن ابن عباس، وأبي الشعثاء: إنها أن كانت حاضت ثلاث حيض فلا عدّة عليها وهو قول الشافعي. و[¬٢] الذي عليه الجمهور من [¬٣] المتأخرين [¬٤]: أنه يوقف فيطالب إمّا بهذا، وإمّا بهذا، ولا يقع عليها [¬٥] بمجرد مضيها طلاق.\nو[¬٦] روى مالك (^١٣٤١)، عن نافع، عن عبد اللَّه بن عمر أنه قال: إذا آلى الرجل من امرأته لم يقع عليها [¬٧] طلاق، وإن مضت أربعة أشهر، حتى يوقف، فإما أن يطلق، وإمّا أن يفيء. وأخرجه البخاري.\nوقال الشافعي ﵀ (^١٣٤٢): أخبرنا سفيان بن عيينة، عن يحيى بن سعيد، عن سليمان بن يسار [¬٨] قال: أدركت بضعة عشر من أصحاب النبي، ﷺ، كلهم يوقف المولي. قال الشافعي: وأقل ذلك ثلاثة عشر.\nورواه الشافعي عن علي ﵁ (^١٣٤٣): أنه يوقف المولي، ثم قال: وهكذا نقول، وهو موافق لما رويناه عن عمر، وابن عمر، وعائشة، وعثمان، وزيد بن ثابت، وبضعة عشر من أصحاب النبي، ﷺ. هكذا قال الشافعي، ﵀.\nقال ابن جرير: حدَّثنا ابن أبي مريم، حدَّثنا يحيى بن أيوب، عن عبيد اللَّه بن عمر، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه قال: سألت اثني عشر رجلًا من الصحابة عن الرجل يولي من امرأته، فكلهم يقول: ليس عليه شيء حتى تمضي الأربعة الأشهر فيوقف، فإن فاء وإلا طلق.\nورواه الدارقطني (^١٣٤٤) من طريق سهيل [¬٩].\n_________\n(^١٣٤١) - الموطأ (٢/ ٥٥٦)، ومن طريقه أخرجه البخاري في كتاب الطلاق، باب: قول اللَّه تعالى ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ﴾ حديث (٥٢٩١).\n(^١٣٤٢) - الأم (٥/ ٢٤٧) ومن طريقه البيهقي في السنن (٧/ ٣٧٦).\n(^١٣٤٣) - الأم (٥/ ٢٤٧) ومن طريقه البيهقي في السق (٧/ ٣٧٧) وانظر مصنف ابن أبي شيبة (٤/ ٩٧، ٩٨).\n(^١٣٤٤) - وأخرجه الدارقطني في سننه (٤/ ٦١)، ومن طريقه البيهقي (٧/ ٣٧٧).\n_________\n[¬١]- في ز: \"وكل\".\n[¬٢]- في ز: \"وبل\".\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- في ز: \"عليه\".\n[¬٦]- سقط من: ز.\n[¬٧]- في خ: \"عليه\".\n[¬٨]- في ز: \"بشار\".\n[¬٩]- في ز: \"سَهْل\".","vol":"2","page":332},{"text":"(قلت): وهو مروي عن عمر، وعثمان، وعلي، زألي الدرداء، وعائشة أم المؤمنين، وابن\nعمر وابن عباس، وبه يقول سعيد بن المسيب، وعمر بن عبد العزيز، ومجاهد، وطاوس،\nومحمد بي كعب والقاسم، وهو مذهب مالك، والشافي، وأحمد بن حنبل، وأصحابهم\n﵏. وهو اختيار ابن جرير أيضًا. وهو قول الليث، وإسحق بن راهويه، وأبي\nعبيد، وأبي ثور، وداود، وكل هؤلاء قالوا: إن لم يفئ ألزم بالصلاق، فإن لم يطلق طلق\nعليه الحاكم، والطقة تكون رجعية، له رجعتها في العدة.\n[وانفرد مالك بأن قال: لا يجوز له رجعتها حتى يجامعها في العدة] [¬١]، وهذا غريب\nجدًّا] [¬٢].\nوقد ذكر الفقهاء وغيرهم في مناسبة تأجيل المولي بأربعة أشهر الأثر الذي رواه الإمام مالك ابن\nأنس ﵀ في الموطأ، عن عمرو بن دينار قال: خرج عمر بن الخطاب من الليل فسمع\nامرأة تقول.\nتطاول هذا الليل واسود جانبه … وأرقني ألا خليل ألاعبه\nفو اللَّه، لولا الله أني أراقبه … لحرك من هذا السرير جوانبه\nفسأل عمر (^١٣٤٥) ابنته حفصة ﵂: كم أكثر ما تصبر المرأة عن\nزوجها؟ فقالت: ستة أشهر أو أربعة أشهر. فقال عمر: لا أحبس أحدًا من الجيوش أكثر\nمن ذلك.\nوقال محمد بن إسحاق، عن السائب بن جبير -مولى ابن عباس، وكان قد أدرك أصحاب\nالنبي، صلى اللَّه عليه وصلم، قال: ما زلت أسمع حديث عمر: أنه خرج ذات ليلة يطوف\nبالمدينة، وكان يفعل ذلك كثيرًا، إذ [¬٣] مر بامرأة من نساء العرب مغلقة بابها [وهي] [¬٤] تقول:\nتطاول هذا الليل وازورّ جانبُهْ … وأرَّقَنِي ألُّا ضجيعَ أُلاعِبُهْ\nأُلاعِبُه طورًا وطورًا كأنَّما … بدا [قمرًا في] [¬٥] ظلمة الليل حاجبُهْ\nيسز به من كان يلهو بقربه … لطيف الحشا لا يحتويه أقاربُهْ\nفواللَّه لولا اللَّه لا شيء غيره … لنتض من هذا السرير جوانبُهْ\n_________\n(^١٣٤٥) - ذكره الحافظ ابن كثير في مسند الفاروق (١/ ٤٢٢)، ونقله القرطبي في التفسير (٣/ ١٠٨).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٢]- مما بين المعكوفتين يأتي في المخطوط قبل الآيات البادية ب\"والمطلقات يتربصن. \".\n[¬٣]- في ز: \"و\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين زيادة من: ز.\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين في ز: \"الموالى\".","vol":"2","page":333},{"text":"ولكنني أخشى رقيبًا موكلًا … بأنفاسنا لا يَفْتُر الدهرَ كاتبُهْ\n[مخافةَ رَبِّي والحياءُ يصدُّني … وإكرام بعلي أن تُنَال مراكبُهْ] [¬١]\nثم ذكر بقية ذلك كما تقدم أو نحوه (^١٣٤٦). وقد روي هذا من طرق وهو من المشهورات [¬٢].\nوَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٢٨)\nهذا أمر من اللَّه ﷾ للمطلقات المدخول بهن من ذوات الأقراء، بأن يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء، أي: بأن تمكث إحداهن بعد طلاق زوجها لها ثلاثة قروء، ثم تتزوج إن شاءت. وقد أخرج الأئمة الأربعة من هذا العموم الأمة إذا طلقت، فإنها تعتد عندهم بقرءين؛ لأنها على النصف من الحرة، والقرء لا يتبعض، فكمل [¬٣] لها قرءان، ولما رواه ابن جرير، عن مظاهر بن أسلم المخزومي المدني، عن القاسم، عن عائشة: أن رسول اللَّه، ﷺ، قال: \"طلاق الأمة تطليقتان، وعدتها [¬٤] حيضتان\".\nرواه أبو داود، والترمذي، وابن ماجة (^١٣٤٧)، ولكن مظاهر هذا ضعيف بالكلية. وقال الحافظ الدارقطني وغيره: الصحيح [¬٥] أنه من قول القاسم بن محمد نفسه.\n_________\n(^١٣٤٦) - ذكره الحافظ ابن كثير في مسند الفاروق (١/ ٤٢٢).\n(^١٣٤٧) - أخرجه أبو داود في الطلاق، باب: في سنة طلاق العبد، حديث (٢١٨٩)، والترمذي في الطلاق، باب: ما جاء آية طلاق الأمة تطليقتان حديث (١١٨٢)، وابن ماجة في الطلاق، باب في طلاق الأمة وعدتها حديث (٢٠٨٠) والدارمي في الطلاق، باب: طلاق الأمة حديث (٢٢٩٩) والدارقطني (٤/ ٣٩)، والحاكم (٢/ ٢٠٠)، والبيهقي (٧/ ٣٦٩، ٣٧٠) من طريق مضاهر بن أسلم به.\nوقال أبو داود: حديث مجهول. وقال الترمذي: حديث غريب لا نعرف مرفوعًا ألا من حديث مظاهر بن أسلم. ومظاهر لا نعرف له في العلم غير هذا الحديث.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٢]-\n[¬٣]- في ز: \"فكلمت\"، خ: \"تكلمت\".\n[¬٤]- في ز، خ: \"وعليها\".\n[¬٥]- سقط من: خ.","vol":"2","page":334},{"text":"ورواه ابن ماجة من طريق عطية العوفي، عن ابن عمر مرفوعًا (^١٣٤٨). قال الدارقطني: والصحيح ما رواه سالم ونافع، عن ابن عمر قوله. وهكذا روي عن عمر بن الخطاب. قالوا: ولم يعرف بين الصحابة خلاف.\nوقال بعض السلف: بل عدتها كعدة الحرة؛ لعموم الآية، ولأن هذا أمر جبلي، فكان الحرائر والإماء في هذا سواء [والله أعلم] [¬١]. حكى هذا القول الشيخ أبو عمر بن عبد البر، عن محمد بن سيرين، وبعض أهل الظاهر، وضعفه.\nوقد قال ابن أبي حاتم (^١٣٤٩): حدَّثنا أبي، حدَّثنا أبو اليمان، حدثنا إسماعيل -يعني: ابن عياش- عن عمرو بن مهاجر، عن أبيه: أن أسماء بنت نريد بن السكن الأنصارية قالت: طلقت على عهد رسول اللَّه، ﷺ، ولم يكن للمطلقة عدة، فأنزل اللَّه ﷿، حين طلقت أسماء العدة للطلاق، فكانت أول من نزلت فيها العدة للطلاق، يعني: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾.\nوهذا حديث غريب من هذا الوجه. وقد اختلف السلف والحلف والأئمة في المراد بالأقراء ما هو؟ على قولين:.\n(أحدهما): أن المراد بها [¬٢] الأطهار، وقال مالك في الموطأ: عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة أنها قالت: انتقلت حفصة بنت عبد الرحمن بن أبي بكر، حين دخلت في الدم من الحيضة الثالثة، قال الزهري: فذكرت ذلك لعمرة بنت عبد الرحمن فقالت: صدق عروة. وقد جادلها في ذلك ناس فقالوا: إن اللَّه تعالى يقول في كتاب: ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ فقالت عائشة: صدقتم، وتدرون ما الأقراء؟ إنما الأقراء الأطهار (^١٣٥٠).\nوقال مالك: عن ابن شهاب، سمعت أبا بكر بن عبد الرحمن يقول: ما أدركت أحدًا من فقهائنا إلا وهو يقول ذلك- يريد قول عائشة. وقال مالك: عن نافع، عن عبد اللَّه بن عمر، أنه كان يقول: إذا طلق الرجل امرأته، فدخلت في الدم من الحيضة الثالثة، فقد برئت منه وبرئ\n_________\n(^١٣٤٨) - أخرجه ابن ماجة في الطلاق، باب: خيار الأمة إذا أعتقت حديث (٢٠٧٩)، والدارقطني (٤/ ٣٨)، والبيهقي (٧/ ٣٦٩) من طريق عمر بن شبيب. عن عطية العوفي به. قال الحافظ في التلخيص (٣/ ٢١٢، ٢١٣): في إسناده عمر بن شبيب وعطية العوفي وهما ضعيفان.\n(^١٣٤٩) - تفسير ابن أبي حاتم (٢/ ٤١٤) (٢١٨٦)، وأخرجه أبو داود في كتاب الطلاق، باب: في عدة المطلقة، حديث (٢٢٨١)، والبيهقي (٧/ ٤١٤) من طريق إسماعيل بن عياش به.\n(^١٣٥٠) - الموطأ (٢/ ٥٧٧).\n_________\n[¬١]- زيادة من: ز، خ.\n[¬٢]- في ز، خ: \"بهما\".","vol":"2","page":335},{"text":"منها. و[¬١] قال مالك: وهو الأمر عندنا. وروي مثله عن ابن عباس، وزيد بن ثابت، وسالم والقاسم، وعروة، وسليمان بن يسار، وأبي بكر بن عبد الرحمن، وأبان بن عثمان، وعطاء بن أبي رباح وقتادة، والزهري، وبقية الفقهاء السبعة، وهو مذهب مالك والشافعي [وغير واحد وداود وأبي ثور وهو رواية عن أحمد، واستدلوا عليه بقوله تعالى ﴿فطلقوهن لعدتهن﴾ أي في الأطهار. ولما كان الطهر الذي يطلق فيه محتسبًا دل على أنه أحد الأقراء الثلاثة المأمور بها، ولهذا قال هؤلاءِ: إن المعتدة تنقضي عدتها وتبين من زوجها بالطعن في الحيضة الثالثة، وأتل مدة تصدق فيها المرأة في انقضاء عدتها اثنان وثلاثون يومًا ولحظتان] [¬٢].\nواستشهد أبو عبيدة وغيره على ذلك بقول الشاعر وهو الأعشى:\nففي كل عام أنت جاشِمُ غزوة … تشد لأقصاها عَزِيمَ عزائكا\nمُوَرِّثة عدًّا وفي الحي رفعة … لما ضاع فيها من قروء نسائكا\nيمدح أميرًا من أمراء العرب آثر الغزو على المقام حتى ضاعت أيام الطهر من نسائه لم يواقعهن فيها.\n(والقول الثاني): أن المراد بالأقراء: الحيض فلا تنقضي العدة حتى تطهر من الحيضة الثالثة، زاد آخرون: تغتسل منها. وأقل وقت تصدق [¬٣] فيه المرأة [¬٤] في انقضاء عدتها ثلاثة وثلاثون يومًا ولحظة. قال الثوري: عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة قال: كنا عند عمر بن الخطاب ﵁ فجاءته امرأة فقالت: إن زوجي فارقني بواحدة أو اثنتين، فجاءني [وقد وضعت مائي] [¬٥] وقد نزعت ثيابي وأغلقت بابي. فقال عمر لعبد اللَّه يعني [¬٦]: بن مسعود-: [ما ترى؟ قال:] [¬٧] أراها امرأته، ما دون أن تحل لها الصلاة، قال عمر [¬٨]: وأنا أرى ذلك (^١٣٥١).\nوهكذا روي عن أبي بكر الصديق، وعمر، وعثمان، وعلي، وأبي الدرداء، وعبادة بن الصامت وأنس بن مالك، وابن مسعود، ومعاذ، وأبي بن كعب، وأبي موسى الأشعري،\n_________\n(^١٣٥١) - أخرجه الطبري في تفسيره (٤/ ٥٠٢، ٥٠٣) (٤٦٨٢) وابن أبي حاتم في تفسيره (٢/ ٤١٥) (٢١٨٨) بسنديهما إلى سفيان الثوري به. وأخرجه عبد الرزاق -كما في الدر النثور (١/ ٤٩٠) - ومن طريق البيهقي في سننه (٧/ ٤١٧) عن الثوري به. وأخرجه الطبري في تفسيره (٤٦٧٥، ٤٦٧٦، ٤٦٧٧) من طرق عن عمر به نحوه. وعزاه السيوطي في الدر المنثور إلى عبد بن حميد أيضًا.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في ز: \"يصدق\".\n[¬٤]- في ز: \"المراد\".\n[¬٥]- سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- زيادة من: ز، خ.\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٨]- سقط من: ز.","vol":"2","page":336},{"text":"وابن عباس، وسعيد بن المسيب، وعلقمة، والأسود، وإبراهيم، ومجاهد، وعطاء، وطاوس، وسعيد بن جبير، وعكرمة، ومحمد بن سيرين، والحسن، وقتادة، والشعبي، والربيع، ومقاتل بن حيان، والسدي، ومكحول والضحاك، وعطاء الخراساني، أنهم قالوا: الأقراء: الحيض.\nوهذا مذهب أبي حنيفة وأصحابه، وأصح الروايتين عن الإمام أحمد بن حنبل، وحكى عنه الأثرم أنه قال: الأكابر من أصحاب رسول اللَّه، ﷺ، يقولون: الأقراء: الحيض. وهو مذهب الثوري، والأوزاعي، وابن أبي ليلى، وابن شبرمة، والحسن بن صالح بن حَيّ [¬١] وأبي عبيد، وإسحاق بن راهويه.\nويؤيد هذا ما جاء في الحديث الذي رواه أبو داود والنسائي (^١٣٥٢): من طريق المنذر بن المغيرة [¬٢]، عن عروة بن الزبير، عن فاطمة بنت أبي حبيش، أن رسول اللَّه، ﷺ، قال لها: \"دعي الصلاة أيام أقرائك\". فهذا لو صح لكان صريحًا، في أن القرء هو الحيض، [ولكن المنذر هذا قال فيه أبو حاتم: مجهول ليس بمشهور. وذكره ابن حبان في الثقات].\nوقال ابن جرير (^١٣٥٣): أصل القرء في كلام العرب: الوقت، لمجيء الشيء المعتاد مجيئه في وقت معلوم، ولإدبار الشيء المعتاد إدباره لوقت معلوم. وهذه العبارة تقتضي أن يكون مشتركًا بين هذا وهذا، وقد ذهب إليه بعض الأصوليين، والله أعلم. وهذا قول الأصمعي: إن القرء هو الوقت. وقال أبو عمرو بن العلاءِ: العرب تسمى الحيض: قرءًا، وتسمي الطهر: قرءًا، وتسمي الطهر والحيض جميعًا قرءًا. وقال الشيخ أبو عمر بن عبد البر: لا يختلف أهل العلم بلسان العرب، والفقهاء أن القرء يراد به: الحيض، ويراد به: الطهر، وإنما اختلفوا في المراد من الآية ما هو؟ على قولين.\n_________\n(^١٣٥٢) - لم أقف عليه بهذا اللفظ عند أبي داود أو النسائي وأخرجه أبو داود في الطهارة، باب: في المرأة تستحاض، ومن قال: تدع الصلاة في عدة الأيام التي كانت تحيض حديث (٢٨٠)، والنسائي في الطهارة، باب: ذكر الأقراء (١/ ١٢١)، وفي الحيض، باب: ذكر الأقراء (١/ ١٨٣، ١٨٤)، وفي الطلاق، باب: الأقراء (٦/ ٢١١) وفي الكبرى (٢١٢) من طريق بكير بن عبد اللَّه الأشج عن المنذرين المغيرة، عن عروة بن الزبير: أن فاطمة بنت أبي حبيش حدثته أنها سألت رسول اللَّه ﷺ: فشكت إليه الدم، فقال لها رسول اللَّه ﷺ: \"إنما ذلك عرق، فانظري إذا أتى قرؤك فلا تصلي، فإذا مر قرؤك فتطهري ثم صلي ما بين القرء إلى القرء\". وقد ورد الحديث من طرق أخرى. ينظر تخريجها في التلخيص الحبير (١/ ٣٢٩ وما بعدها).\n(^١٣٥٣) - تفسير الطبري (٤/ ٥١١).\n_________\n[¬١]- في خ: \"حييّ\".\n[¬٢]- في خ: \"المعتبر\".","vol":"2","page":337},{"text":"وقوله: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ أي: من حبل، أو حيض. قاله ابن عباس، وابن عمر، ومجاهد، والشعبي، والحكم بن عُتَيبَة، والربيع بن أنس، والضحاك وغير واحد.\nوقوله: ﴿إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ تهديد لهن على قول خلاف الحق، ودل هذا على أن المرجع في هذا إليهن؛ لأنه أمر لا يعلم إلا من جهتهن، ويتعذر [¬١] إقامة البينة غالبًا على ذلك، فرد الأمر إليهن وتُوُعِّدْنَ فيه، لئلا تخبر [¬٢] بغير الحق، إما استعجالًا منها لانقضاء العدة، أو رغبة منها في تطويلها، لما لها في ذلك من المقاصد، فأمرت أن تخبر بالحق في ذلك من غير زيادة ولا نقصان.\nوقوله: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾ أي: و[¬٣] زوجها الذي طلقها أحق بردتها [¬٤] ما دامت في عدتها، إذا كان مراده بردتها [¬٥] الإِصلاح والخير. وهذا في الرجعيات، فأما المطلقات البوائن فلم يكن حال نزول هذه الآية مطقة بائن، وإنما صار ذلك لما حصروا في الطلقات الثلاث، فأما حال نزول هذه الآية فكان الرجل أحق برجعة امرأته وإن طلقها مائة مرة، فلما قصروا في الآية التي بعدها على ثلاث طلقات [¬٦]، صار للناس مطلقة بائن وغير بائن. وإذا تأملت هذا تبين لك ضعف [¬٧] ما سلكه بعض الأصوليين، من استشهادهم على مسألة عود الضمير هل يكون مخصصًا [¬٨] لما تقدمه من لفظ العموم أم لا؟ -: بهذه الآية الكريمة، فإن التمثيل بها غير مطابق [¬٩] لما ذكروه، واللَّه أعلم.\nوقوله: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي: ولهنّ على الرجال من الحق مثل ما للرجال عليهن، فليؤدِّ كل واحد منهما إلى الآخر ما يجب عليه بالمعروف، كما ثبت في صحيح مسلم (^١٣٥٤)، عن جابر، أن رسول اللَّه، ﷺ، قال في خطبته في حجة الوداع: \"فاتقوا اللَّه في النساء، فإنكم أخذتموهنّ بأمان [¬١٠] اللَّه، واستحللتم فروجهنّ بكلمة اللَّه، ولكم عليهنّ ألَّا يوطئن فرشكم أحدًا تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهنّ ضربًا غير مرح، ولهنّ رزقهنّ وكسوتهنّ بالمعروف\".\n_________\n(^١٣٥٤) - صحيح مسلم كتاب الحج، حديث (١٢١٨)، وهو جزء من حديث جابر الطويل في صفة حجة النبي ﷺ وقد تقدم.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"وتتعذر\".\n[¬٢]- في خ: \"تخبرن\".\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- في ت: \"بردها\".\n[¬٥]- في ت: \"بردها\".\n[¬٦]- في ت: \"تطليقات\".\n[¬٧]- سقط من: ز.\n[¬٨]- في خ: \"تخصيصًا\".\n[¬٩]- في ت: \"مطلق\".\n[¬١٠]- في ت: \"بأمانة\".","vol":"2","page":338},{"text":"وفي حديث بهز بن حكيم، بن [¬١] معاوية بن حيدة القشيري، عن أبيه، عن جده أنه قال: يا رسول اللَّه، ما حق زوجة أحدنا؟ قال: \"أن [¬٢] تطعهما إذا طعمت، وتكسوها إذا اكتسيت، ولا تضرب الوجه، ولا تقبح، ولا تهجر إلا في البيت\" (^١٣٥٥).\nوقال وكيع: عن بشير بن سليمان، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: إني لأحب أن أتزين للمرأة كما أحب أن تتزين لي المرأة؛ لأن اللَّه يقول: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾. رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم (^١٣٥٦).\nوقوله: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ أي: فما الفضيلة، وفي الخَلْق والخُلق، والمنزلة، وطاعة\nالأمر، والإنفاق، والقيام بالمصالح، والفضل في الدنيا والآخرة، كما قال تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾.\nوقوله: ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ أي عزيز في انتقامه ممن عصاه وخالف أمره، حكيم في أمره وشرعه وقدره.\nالطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيتُمُوهُنَّ شَيئًا إلا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٢٩) فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٢٣٠)\nهذه الآية الكريمة [¬٣] رافعة لما كان عليه الأمر في ابتداء الإسلام من أن الرجال كان أحق برجعة امرأته، وإن حلقها [مائة مرّة] [¬٤] ما دامت في العدّة، فلما كان هذا فيه ضرر على الزوجات\n_________\n(^١٣٥٥) - رواه أبو داود في السنن برقم (٢١٤٣).\n(^١٣٥٦) - أخرجه الطبري في تفسيره (٤/ ٥٣٢) (٤٧٦٨)، وابن أبي حاتم (٢/ ٤١٧) (٢١٩٦)، وعزاه السيوطي أيضًا في الدر المنثور (١/ ٣٩٣) إلى وكيع، وسفيان بن عيينة، وعبد بن حميد، وابن المنذر.\n_________\n[¬١]- في ت. \"عن\".\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.","vol":"2","page":339},{"text":"قصرهم اللَّه ﷿ إلى ثلاث طلقات [¬١]، وأباح الرجعة في المرة والثنتين، وأبانها بالكلية في الثالثة: فقال: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾.\nقال أبو داود ﵀ في سننه (^١٣٥٧): (باب: [] [¬٢] نسخ المراجعة بعد الطلقات الثلاث) حدثنا أحمد بن محمد المروزي، حدثني علي بن الحسين بن واقد، عن أبيه، عن يزيد النحوي، عن عكرمة، عن ابن عباس: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ الآية. وذلك أن الرجل كان إذا طلق امرأته فهو أحق برجعتها، وإن طلقها ثلاثًا، فنسخ ذلك فقال: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ الآية.\nورواه النسائي: عن زكريا بن يحيى، عن إسحاق بن إبراهيم، عن علي بن الحسين- به.\nوقال ابن أبي حاتم (^١٣٥٨): حدثنا هارون بن إسحاق، حدثنا عمدة -يعني: ابن سليمان-، عن هشام بن عروة، عن أبيه: أن رجلًا قال لامرأته: لا أطلقك أبدًا، ولا أؤويك [¬٣] أبدًا، قالت: وكيف ذلك؟ قال: أُطلقك حتى إذا دنا أجلك راجعتك، فأتت رسول اللَّه، ﷺ، فذكرت ذلك له، فأنزل اللَّه ﷿: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾. وهكذا رواه ابن جرير في تفسيره: من طريق جرير بن عبد الحميد وابن إدريس.\nورواه عبد بن حميد في تفسيره، عن جعفر بن عون، كلهم عن هشام، عن أبيه قال: كان الرجل أحق برجعة امرأته وإن طلقها ما شاء، ما دامت في العدة، وإن رجلًا من الأنصار تغضب [¬٤] على امرأته فقال: واللَّه لا أؤويك [¬٥] ولا أفارقك، قالت: وكيف ذلك؟ قال: أطلقك فإذا دنا أجلك راجعتك، ثم أطلقك فإذا دنا أجلك راجعتك. فذكرت ذلك لرسول اللَّه، ﷺ، فأنزل اللَّه ﷿: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾، قال: فاستقبل الناس الطلاق، من كان طلق ومن لم يكن طلق، وقد رواه أبو بكر بن مردويه من طريق محمد بن سليمان، [....] [¬٦] عن يعلى بن شبيب -مولى الزبير- عن هشام، عن أبيه، عن عائشة- فذكره بنحو ما تقدم.\n_________\n(^١٣٥٧) - سنن أبي داود، كتاب الطلاق، باب: نسخ المراجعة بعد التطليقات الثلاث حديث (٢١٩٥). وسنن النسائي (٦/ ٢١٢).\n(^١٣٥٨) - تفسير ابن أبي حاتم (٢/ ٤١٨) (٢٢٠٦)، وأخرجه الطبري في تفسيره (٤/ ٥٣٩، ٥٤٠) (٤٧٧٩، ٤٧٨٠)، والترمذي في الطلاق، باب: حديث (١١٩٢) من طريق عبد اللَّه بن إدريس عن هشام به. ورواه مالك في الموطأ (٢/ ٥٨٨) عن هشام بن عروة، عن أبيه، به مرسلًا.\n_________\n[¬١]- في خ: \"تطليقات\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في ت: \"في\".\n[¬٣]- في ز: \"أورثك\"، خ: \"أوريك\".\n[¬٤]- في ت: \"غضب\".\n[¬٥]- في ز: \"أورثك\"، خ: \"أوريك\".\n[¬٦]- بياض في خ.","vol":"2","page":340},{"text":"ورواه الترمذي: عن قتيبة، عن يعلى بن شبيب - به. ثم رواه عن أبي كريب، عن ابن إدريس، عن هشام، عن أبيه - مرسلًا. وقال: هذا أصح.\nورواه الحاكم في مستدركه (^١٣٥٩): من طريق يعقوب بن حميد بن كاسب [¬١]، عن يعلى بن شبيب به وقال: صحيح الإِسناد.\nثم قال ابن مردويه: [حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، حدثنا إسماعيل بن عبد الله] [¬٢]، حدثنا محمد بن حميد، حدثنا سلمة بن الفضل، عن محمد بن إسحاق، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: لم يكن للطلاق وقت، يطق الرجل امرأته ثم يراجعها ما لم تنقض العدة، وكان بين رجل من الأنصار وبين أهله بعض [¬٣] ما يكون بين الناس، فقال: والله لأتركنك لا أيمًا ولا ذات زوج، فجعل يطلقها حتى إذا كادت [¬٤] العدة أن تنقضي راجعها، ففعل ذلك مرارًا، فأنزل الله ﷿ فيه: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾، فوقَّت الطلاق ثلاثًا، لا رجعة فيه بعد الثالثة، حتى تنكح زوجًا غيره. وهكذا روي عن قتادة مرسلًا.\nوذكره السدي وابن زيد وابن جرير كذلك، واختار أن هذا تفسير هذه الآية [¬٥].\nوقوله: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ أي: إذا طلقتها واحدة أو اثنتين، فأنت مخير فيها ما دامت عدتها باقية، بين أن تردها إليك ناويًا الإِصلاح بها والإِحسان إليها، وبين أن تتركها حتى تنقضي عدتها، فتبين منك، وتطلق سراحها محسنًا إليها، لا تظلمها من حقها شيئًا، ولا تضارَّ بها.\nو[¬٦] قال علي بن أبي طلحة: عن ابن عباس قال: إذا طلق الرجل امرأته تطليقتين، فليتق الله [في ذلك أي] [¬٧] في الثالثة، فإمّا أن يمسكها بمعروف فيحسن صحابتها، أو يسرحها بإحسان، فلا يظلمها من حقها شيئًا.\nوقال ابن أبي حاتم (^١٣٦٠): أخبرنا يونس بن عبد الأعلى قراءة، أخبرنا ابن وهب، أخبرني سفيان الثوري، حدثني إسماعيل بن سميع قال: سمعت أبا رَزين يقول: جاء رجل إلى النبي،\n_________\n(^١٣٥٩) - المستدرك (٢/ ٢٧٩) وعنه البيهقي في السنن (٧/ ٣٣٣) وتعقب الذهبيُ الحاكمَ بأن يعقوب بن حميد ضعفه غير واحد.\n(^١٣٦٠) - تفسير ابن أبي حاتم (٢/ ٤١٩) (٢٢١٠) والحديث عزاه السيوطي في الدر المنثور (١/ ٤٩٥) =\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"حاسب\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفين سقط من: خ.\n[¬٣]- سقط من: خ.\n[¬٤]- في ز: \"كانت\".\n[¬٥]- في خ: \"الأقوال\".\n[¬٦]- سقط من: ز.\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"2","page":341},{"text":"ﷺ، فقال: يا رسول الله، أرأيت قول الله ﷿: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ أين الثالثة؟ قال: \"التسريح بإحسان\".\nورواه عبد بن حميد في تفسيره (^١٣٦١)، ولفظه: أخبرنا يزيد بن أبي حكيم، عن سفيان، عن إسماعيل بن سميع، أن [¬١] أبا رزين الأسدي يقول: قال رجل: يا رسول الله؛ أرأيت قول الله: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾، فأين الثالثة؟ قال: \"التسريح بإحسان الثالثة\".\nورواه الإمام أحمد أيضًا (^١٣٦٢)، وهكذا رواه سعيد بن منصور، عن خالد بن عبد الله، و[¬٢] [إسماعيل بن زكريا وأبي معاوية [¬٣] عن إسماعيل بن سميع، عن أبي رزين - به.\nوهكذا [¬٤] رواه [ابن مردويه أيضًا: من طريق] [¬٥] قيس بن الربيع، عن إسماعيل ابن سميع، عن أبي رزين - به مرسلًا.\nورواه ابن مردويه أيضًا [¬٦] (^١٣٦٣): من طريق عبد الواحد بن زياد، عن إسماعيل بن سميع، عن أنس بن مالك، عن النبي، ﷺ، فذكره.\nثم قال: حدَّثنا عبد الله بن أحمد بن عبد الرحيم، حدَّثنا أحمد بن يحيى، حدثنا عبيد الله بن جرير بن جبلة، حدثنا ابن [¬٧] عائشة، حدثنا حماد بن سلمة، عن قتادة، عن أنس بن مالك\n_________\n= إلى وكيع، وعبد الرزاق، وسعيد بن منصور وأحمد وعبد بن حميد، وأبو داود في ناسخه وابن جرير، وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس وابن مردويه، والبيهقي، وهو مرسل فإن أبا رزين تابعي لا صحبة له.\n(^١٣٦١) - ورواه الطبري في تفسيره (٤/ ٥٤٥) (٤٧٩٢، ٤٧٩٣) من طريق يحيى بن سعيد وابن مهدي، كلاهما عن سفيان. الثوري به.\n(^١٣٦٢) - عزاه المصنف هنا للمسند وكذا السيوطي في الدر لكن وهمه العلامة أحمد شاكر في تعليقه على تفسير الطبري (٤/ ٥٤٦) فقال: (ووهم الحافظ ابن كثير ﵀ وهمًا شديدًا، إذ نسب هذا الحديث المرسل لرواية المسند).\nورواه البيهقي في السنن الكبرى (٧/ ٣٤٠) من طريق سعيد بن منصور به، ورواه ابن أبي شيبة في المصنف (٥/ ٢٥٩) عن أبي معاوية به.\n(^١٣٦٣) - ورواه الدارقطني في السنن (٤/ ٤) من طريق ليث بن حماد، عن عبد الواحد بن زياد به، وقال: =\n_________\n[¬١]- في ز: \"سمعت\".\n[¬٢]- في ت: \"عن\". والصواب ما أثبتناه، لأن إسماعيل بن زكريا ومحمد بن خازم الضرير - أبا معاوية - من شيوخ سعيد بن منصور.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- في خ: \"كذا\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٦]- سقط من: ز.\n[¬٧]- في ز، خ: \"أبو\".","vol":"2","page":342},{"text":"قال: جاء رجل إلى النبي، ﷺ، فقال: يا رسول الله، ذكر الله الطلاق مرتين، فأين الثالثة؟ قال: ﴿إِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ \" (^١٣٦٤).\nوقوله: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيتُمُوهُنَّ شَيئًا﴾ أي: لا يحل لكم أن تضاجروهنّ وتضيقوا عليهن؛ ليفتدين منكم بما أعطيتموهن من الأصدقة أو ببعضه، كما قال تعالى ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيتُمُوهُنَّ إلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾.\nفأما إن وهبته المرأة شيئًا عن طيب نفس منها فقد قال تعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾، وأما إذا تشاقق الزوجان، ولم تقم المرأة بحقوق الرجل وأبغضته [¬١]، ولم تقدر على معاشرته - فلها أن تفتدي منه بما أعطاها، ولا حرج عليها في بذلها له [¬٢]، [ولا حرج] [¬٣] عليه في قبول ذلك منها، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيتُمُوهُنَّ شَيئًا إلا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ الآية.\nفأما إذا لم يكن لها عذر، وسألت الافتداء منه، فقد قال ابن جرير (^١٣٦٥):\nحدثنا ابن بشار، حدثنا عبد الوهاب ح [¬٤]. وحدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن علية قالا جميعًا: حدثنا أيوب، عن أبي قلابة، [عمن حدثه] [¬٥]، عن ثوبان: أن رسول الله ﷺ قال: \"أيما امرأة سألت زوجها طلاقها [في غير ما بأس] [¬٦]، فحرام عليها رائحة الجنة\".\nوهكذا رواه الترمذي (^١٣٦٦): عن بندار، عن عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي - به.\n_________\n= \"كذا قال عن أنس، والصواب عن إسماعيل بن سميع عن أبي رزين مرسل عن النبي ﷺ\".\n(^١٣٦٤) - ورواه الدارقطني في السنن (٤/ ٣، ٤) من طريق عبد الله بن جرير بن جبلة به، وصححه ابن القطان في بيان الوهم والإبهام، وانظر كلامه في تخريج أحاديث الكشاف للزيلعي (١/ ١٤٢).\n(^١٣٦٥) - تفسير الطبري (٤/ ٥٦٩) (٤٨٤٣)، وأخرجه الترمذي في الطلاق، باب: ما جاء في المختلعات حديث (١١٨٧)، عن بندار بالإِسناد الذي ذكره المصنف عقب هذا الحديث وأخرجه أحمد (٥/ ٢٧٧)، عن إسماعيل في أيوب به.\n(^١٣٦٦) - سنن الترمذي برقم (١١٨٧).\n_________\n[¬١]- في ز: \"أو بغضته\".\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- في ز: \"ولا\"، وسقط من: خ.\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- في خ: \"عن جدته\".\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين في ت: \"في غير ما بأس\".","vol":"2","page":343},{"text":"وقال: حسن. قال: ويروى عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي أسماء، عن ثوبان. ورواه بعضهم عن أيوب بهذا الإِسناد، ولم يرفعه.\nوقال الإِمام أحمد (^١٣٦٧): [حدثنا عبد الرحمن] [¬١] حدثنا حماد بن زيد، عن أبوب، عن أبي قلابة قال: وذكر أبا أسماء وذكر ثوبان قال: قال رسول الله ﷺ: \"أيما امرأة سألت زوجها الطلاق في غير [ما] [¬٢] بأس، فحرام عليها رائحة الجنة\".\nوهكذا رواه أبو داود، وابن ماجة، وابن جرير من حديث حماد بن زيد - به.\n(طريق أخرى): قال ابن جرير (^١٣٦٨): حدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا المعتمر بن سليمان، عن ليث، عن أبي إدريس، عن ثوبان مولى رسول الله، ﷺ، عن النبي، ﷺ، أنه قال: \"أيما امرأة سألت زوجها الطلاق في غير ما بأس، حرم الله عليها رائحة الجنة\". وقال: \"المختلعات هنّ المنافقات\".\nثم رواه ابن جرير والترمذي جميعًا (^١٣٦٩): عن أبي كريب، عن مزاحم بن ذَوّاد [¬٣] بن عُلْبَة، عن أبيه، عن ليث -[هو ابن أبي سليم] [¬٤]- عن أبي الخطاب، عن أبي زرعة، عن أبي إدريس، عن ثوبان قال: قال رسول الله ﷺ: \"المختلعات هنّ المنافقات\". ثم قال الترمذي: غريب من هذا الوجه، وليس إسناده بالقوي.\n(حديث آخر): قال ابن جرير (^١٣٧٠): حدثنا أبو كريب، حدثنا حفص بن بشر، حدثنا\n_________\n(^١٣٦٧) - المسند (٥/ ٢٨٣)، والدارمي في الطلاق، باب: النهي عن أن تسأل المرأة زوجها طلاقها حديث (٢٢٧٥)، وأبو داود في الطلاق، باب في الخلع حديث (٢٢٢٦)، وابن ماجة في الطلاق، باب: كراهية الخلع للمرأة حديث (٢٠٥٥)، والطبري في تفسيره (٤ /، ٥٧، ٥٧١) (٤٨٤٤) والحاكم (٢/ ٢٠٠)، والبيهقي (٧/ ٣١٦) من طريق حماد به، وأخرجه ابن أبي شيبة (٤/ ١٨٢) عن أبي أسامة عن أيوب به.\n(^١٣٦٨) - تفسير الطبري (٤/ ٥٦٨) (٤٨٤٠)، وهو عبارة عن حديثين: الأول تقدم من حديث أبي أسماء الرحبي عن ثوبان، والثاني يأتي بعد هذا.\n(^١٣٦٩) - أخرجه الترمذي في الطلاق، باب: ما جاء في المختلعات حديث (١١٨٦)، والطبري في تفسيره (٤/ ٥٦٨) (٤٨٤١) بالإسناد المذكور، قال الترمذي: \"هذا حديث غريب من هذا الوجه، وليس إسناده بالقوي\" قلت: زواد بن علبة، وليث ضعيفان، وأبو الخطاب، وأبو زرعة مجهولان.\n(^١٣٧٠) - تفسير الطبري (٤/ ٥٦٨، ٥٦٩) (٤٨٤٢)، وإسناده ضعيف، ذكره الهيثمي في مجمع =\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٢]- سقط هن: خ.\n[¬٣]- في خ: \"داود\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين في ز: عن \"ابن سليم\"، خ: \"ابن ابن أبي سليم\".","vol":"2","page":344},{"text":"قيس بن الربيع، عن أشعث بن سوار، عن الحسن، عن ثابت بن يزيد، عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن المختلعات المنتزعات هن المنافقات\". غريب من هذا الوجه ضعيف.\n[(حديث آخر): قال الإِمام أحمد (^١٣٧١): حدثنا عفان، حدثنا وهيب، حدثنا أيوب، عن الحسن، عن أبي هريرة، عن النبي، ﷺ، قال [¬١]: \"المختلعات والمنتزعات هن المنافقات\"] [¬٢].\n(حديث آخر): قال ابن ماجة (^١٣٧٢): حدثنا بكر بن خلف أبو بشر، حدثنا أبو عاصم، عن جعفر بن يحيى بن ثوبان، عن عمه عمارة بن ثوبان، عن عطاء، عن ابن عباس: أن رسول الله، ﷺ، قال: \"لا تسأل امرأة زوجها الطلاق في غير كنهه [¬٣] فتجد ريح الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عامًا\".\nثم قد [¬٤] قال طائفة كثيرة من السلف وأئمة الخلف: إنه لا يجوز الخلع إلا أن يكون الشقاق والنشوز من جانب المرأة، فيجوز للرجل حينئذ قبول الفدية، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيتُمُوهُنَّ شَيئًا إلا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾، قالوا: فلم يشرع الخلع [¬٥] إلا في هذه الحالة [¬٦]، فلا [يجوز في غيرها] [¬٧] إلا بدليل، والأصل عدمه، وممن ذهب إلى هذا ابن عباس، وطاوس، وإبراهيم، وعطاء، والحسن [¬٨] والجمهور حتى قال مالك والأوزاعي: لو أخذ منها شيئًا وهو مضارّ لها وجب رده إليها، وكان الطلاق رجعيًّا.\n_________\n= الزوائد (٨/ ٥) وقال: (رواه الطبري وفيه قيس بن الربيع وثقه الثوري وشعبة وفيه ضعف، وبقية رجاله رجال الصحيح). وانظر تعليق الشيخ أحمد شاكر على تفسير الطبري.\n(^١٣٧١) - المسند (٤/ ٤١٢)، وأخرجه النسائي في الطلاق، باب: ما جاء في الخلع (٦/ ١٦٨)، والبيهقي (٧/ ٣١٦) من طريق وهيب بن خالد به. وعند النسائي: قال الحسن: لم أسمعه من غير أبي هريرة، وقال النسائي الحسن لم أسمع من أبي هريرة شيئًا. وانظر ذلك في جامع التحصيل (ص ١٩٦ - ١٩٧).\n(^١٣٧٢) - سنن ابن ماجه، كتاب الطلاق، باب: كراهية الخلع للمرأة حديث (٢٠٥٤)، وضعف إسناده البوصيري في مصباح الزجاجة (٢/ ١٣٣).\n_________\n[¬١]- زيادة من: ز، خ.\n(*) أي: لا يمكن الاجتماع بيننا، والبد من أن تفترق.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز: موضعه بعد الفقرة التي تليها.\n[¬٣]- في خ: \"كهه\".\n[¬٤]- سقط من: خ.\n[¬٥]- في خ: \"الخلق\".\n[¬٦]- في خ: \"الآية\".\n[¬٧]- في في ز: \"يجوز في غيره\"، خ: \"تجور في غيره\".\n[¬٨]- سقط من: ز، خ.","vol":"2","page":345},{"text":"قال مالك: وهو الأمر الذي أدركت الناس عليه. وذهب الشافعي ﵀ إلى أنه يجوز الخلع في حال الشقاق، وعند الاتفاق بطريق الأولى والأحرى، وهذا قول جميع أصحابه قاطبة. وحكى الشيخ أبو عمر بن عبد البر في كتاب \"الاستذكار\" له، في بكر بن عبد الله المزني أنه ذهب إلى أن الخلع منسوخ بقوله: ﴿وَآتَيتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيئًا﴾.\nورواه ابن جرير عنه (^١٣٧٣). وهذا قول ضعيف ومأخذ مردود على قائله.\nوقد ذكر ابن جرير ﵀ أن هذه الآية نزلت في شأن ثابت بن قيس بن شماس [¬١] وامرأته حبيبة بنت عبد الله بن أبي بن سلول، ولنذكر طرق حديثها [¬٢] واختلاف ألفاظه.\nقال الإِمام مالك في موطئه (^١٣٧٤): عن يحيى بن سعيد، عن عمرة بنت عبد الرحمن بن سعد بن زرارة، أنها أخبرته عن حبيبة بنت سهل الأنصارية: أنها كانت تحت ثابت بن قيس بن شماس [¬٣]، وأنّ رسول الله، ﷺ، خرج إلى الصبح فوجد حبيبة بنت سهل عند بابه في الغَلَس، فقال رسول الله ﷺ: \"من هذه؟ \"، قالت: أنا حبيبة بنت سهل، فقال: \"ما شأنك؟ \" فقالت: لا أنا ولا ثابت بن قيس (*) - لزوجها - فلما جاء زوجها [¬٤] ثابت بنن قيس قال له رسول الله ﷺ: \"هذه حبيبة بنت سهل قد ذكرت ما شاء الله أن تذكر\"، فقالت حبيبة: يا رسول الله، كل ما أعطاني عندي، فقال رسول الله ﷺ: \"خذ منها\"، فأخذ منها، وجلست في أهلها.\nوهكذا رواه الإِمام أحمد، عن عبد الرحمن بن مهدي، عن مالك بإسناده مثله.\nورواه أبو داود (^١٣٧٥)، عن القعنبي، [عن مالك. والنسائي] [¬٥] عن محمد بن مسلمة، عن ابن القاسم، عن مالك - به.\n(حديث آخر): عن عائشة، قال أبو داود وابن جرير (^١٣٧٦). حدَّثنا محمد بن معمر،\n_________\n(^١٣٧٣) - تفسير الطبري (٤/ ٥٨٠) (٤٨٧٧، ٤٨٧٨).\n(^١٣٧٤) - الموطأ (٢/ ٥٦٤)، ومن طريق أخرجه أحمد في المسند (٦/ ٤٣٣)، وأبو داود في الطلاق، باب في الخلع حديث (٢٢٢٧) والنسائي في الطلاق، باب ما جاء في الخلع (٦/ ١٦٩)، وابن حبان (١٣٢٦ - موارد)، والبيهقي ٧/ ٣١٢ - ٣١٣.\n(^١٣٧٥) - سنن أبي داود برقم (٢٢٢٧)، وسنن النسائي (٦/ ١٦٩).\n(^١٣٧٦) - سنن أبي داود في الطلاق، باب: في الخلع حديث (٢٢٢٨) وتفسير الطبري =\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"الشماس\".\n[¬٢]- في خ: \"حديثهما\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"الشماس\".\n[¬٤]- سقط من: خ.\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.","vol":"2","page":346},{"text":"حدَّثنا أبو عامر، حدَّثنا أبو عمرو السدوسي، عن [عبد الله] [¬١] يعني: ابن أبي بكر - عن عمرة، عن عائشة: أن حبيبة بنت سهل كانت تحت ثابت بن قيس بن شماس، فضربها فكسر نُغْضَها (*) [¬٢]، فأتت [رسول الله] [¬٣] ﷺ بعد الصبح فاشتكته إليه، فدعا رسول الله، ﷺ، ثابتًا فقال: \"خذ بعض مالها وفارقها\". قال: ويصلح ذلك يا رسول الله؟ قال: \"نعم\"، قال: فإني [¬٤] أصدقتها حديقتين فهما بيدها، فقال النبي ﷺ: \"خذهما وفارقها\"، ففعل.\nوهذا لفظ ابن جرير. وأبو عمرو السدوسي -هو سعيد بن سلمة بن أبي الحسام-.\n(حديث آخر) فيه، عن ابن عباس ﵁.\nقال البخاري (^١٣٧٧): حدثنا أزهر بن جميل [¬٥]، حدثنا عبد الوهاب الثقفي، حدثنا خالد، عن عكرمة، عن ابن عباس: أن امرأة ثابت بن قيس بن شماس أتت النبي، ﷺ، فقالت: يا رسول الله، ما أعْتِبُ [¬٦] عليه في خلق ولا دين، ولكني [¬٧] أكره الكفر في الإِسلام. فقال [¬٨] رسول الله ﷺ: \"أتردين عليه حديقته؟ \" قالت: نعم. قال رسول الله ﷺ: \"اقبل الحديقة وطلقها تطليقة\".\nوكذا رواه النسائي (^١٣٧٨) عن أزهر بن جميل [¬٩] سناده مثله.\nورواه البخاري (^١٣٧٩) أيضًا به [¬١٠] عن إسحاق الواسطي، عن خالد -هو ابن عبد الله\n_________\n= (٤/ ٥٥٤) (٤٨٠٨)، وأخرجه البيهقي (٧/ ٣١٥) من طريق عبد الله بن رجاء عن أبي عمر والسدوس سعيد بن سلمة بن أبي الحسام به.\n(*) النُّغْض - ويفتح - والناغض: أعلى الكتف. وقيل: هو العظم الرقيق الذي على طرفه.\n(^١٣٧٧) - صحيح البخاري في الطلاق، باب الخلع، وكيف الطلاق فيه؟ حديث (٥٢٧)، وهو عند النسائي في الطلاق باب: ما جاء في الخلع (٦/ ١٦٩) عن أزهر بن جميل به.\nوأخرجه ابن ماجه في الطلاق، باب: المختلعة تأخذ ما أعطاها حديث (٢٠٥٦) من طريق عكرمة به.\n(^١٣٧٨) - سنن النسائي (٦/ ١٦٩).\n(^١٣٧٩) - صحيح البخاري برقم (٥٢٧٤).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"عبيد الله\".\n[¬٢]- في ز، خ وسنن أبي داود: \"بعضها\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في ت: \"الرسول\".\n[¬٤]- في ت: \"إني\".\n[¬٥]- في خ: \"جبل\".\n[¬٦]- في ز، خ: \"أعيب\".\n[¬٧]- في ز، خ: \"ولكن\".\n[¬٨]- في ز، خ: \"قال\".\n[¬٩]- في خ: \"جبل\".\n[¬١٠]- سقط من: ز، خ.","vol":"2","page":347},{"text":"الطحان - عن خالد -هو ابن مهران الحذاء - عن عكرمة، [عن ابن عباس] [¬١] به نحوه.\nوهكذا رواه البخاري أيضًا (^١٣٨٠) من طرق عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس، به، وفي بعضها أنها قالت: (لا أطيقه) تعني: بغضًا. وهذا الحديث من أفراد البخاري من هذا الوجه.\nثم قال (^١٣٨١): حدثنا سليمان بن [¬٢] حرب، حدثنا حماد بن زيد، حدثنا أيوب، عن عكرمة: أن جميلة ﵂ كذا قال - والمشهور أن اسمها حبيبة كما تقدم.\nقال الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسيره: حدثنا موسى بن هارون، حدثنا أزهر بن مروان الرقاشي، حدثنا عبد الأعلى، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن عكرمة عن ابن عباس: أن جميلة بنت سلول [¬٣] أتت النبي، ﷺ، فقالت: والله، ما أعتب على ثابت بن قيس بن شماس في دين ولا خلق، ولكنني [¬٤] أكره الكفر بعد الإسلام، ولا أطيقه بغضًا. فقال النبي ﷺ: \"تردين [¬٥] عليه حديقته؟ \" قالت: نعم، فأمره رسول الله ﷺ، أن يأخذ منها حديقته، ولا يزداد.\nوهكذا رواه ابن ماجة (^١٣٨٢) عن أزهر بن مروان بإسناده - مثله سواء، وهذا إسناد جيد مستقيم، ورواه أيضًا أبو القاسم البغوي، عن عبيد الله القواريري عن عبد الأعلى - مثله.\nلكن قال ابن جرير (^١٣٨٣): حدثنا ابن حميد، حدثنا يحيى بن واضح، حدثنا الحسين بن واقد، عن ثابت، عن عبد الله بن رباح، عن جميلة بنت [عبد الله بن] [¬٦] أبي ابن سلول: أنها كانت تحت ثابت بن قيس، فنشزت عليه، فأرسل إليها النبي، ﷺ فقال: \"يا جميلة، ما كرهت من ثابت؟ \"، قالت: والله ما كرهت منه دينًا ولا خلقًا إلا أني كرهت دمامته، فقال لها: \"أتردين عليه [¬٧] الحديقة؟ \"، قالت: نعم، فردت الحديقة،\n_________\n(^١٣٨٠) - صحيح البخاري برقم (٥٢٧٥، ٥٢٧٦).\n(^١٣٨١) - صحيح البخاري برقم (٥٢٧٧).\n(^١٣٨٢) - أخرجه ابن ماجه في الطلاق، باب: المختلعة تأخذ ما أعطاها حديث (٢٠٥٦) عن أزهر بن مروان به، وأخرجه البيهقي (٣١٣/ ٧) من طريق همام، عن قتادة ص ٢٣٦.\n(^١٣٨٣) - تفسير الطبري (٤/ ٥٥٦) (٤٨١٠).\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- سقط س: ز.\n[¬٣]- في ز: \"السلول\".\n[¬٤]- في ز: \"ولكنى\".\n[¬٥]- في ز، خ: \"تردى\".\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٧]- سقط من: ز، خ.","vol":"2","page":348},{"text":"وفرق بينهما.\nو[¬١] قال ابن جرير أيضًا (^١٣٨٤): حدثنا محمد بن عبد الأعلى، حدثنا المعتمر بن سليمان، قال قرأت على فضيل، عن أبي جرير: أنه سأل عكرمة: هل [¬٢] كان للخلع أصل؟ قال: كان ابن عباس يقول: إن أول خلع كان في الإِسلام في أخت عبد الله بن أبي، أنها أتت رسول الله، ﷺ، فقالت: يا رسول الله، لا يجمع رأسي ورأسه شيء أبدًا، إني رفعت جانب الخباء فرأيته قد [¬٣] أقبل في عدة، فإذا هو أشدهم سوادًا، وأقصرهم قامه، وأقبحهم وجهًا. فقال [¬٤] زوجها: يا رسول الله، إني قد [¬٥] أعطيتها أفضل مالي؛ حديقة لي، فإن ردت علي حديقتي، قال: \"ما تقولين؟ \" قالت: نعم، وإن شاء زدته، قال: ففرق بينهما.\n(حديث آخر): قال ابن ماجة (^١٣٨٥): حدثنا أبو كريب، حدثنا أبو خالد الأحمر، عن حجاج، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: كانت حبيبة بنت سهل تحت ثابت بن قيس بن شماس، وكان رجلًا دميمًا، فقالت: يا رسول الله، والله لولا مخافة الله إذا دخل علي بصقت [¬٦] في وجهه، فقال رسول الله ﷺ: \"أتردين عليه حديقته؟ \"، قالت: نعم، فردت عليه حديقته، قال: ففرق رسول الله، ﷺ، بينهما.\nوقد اختلف الأئمة ﵏ في أنه هل يجوز للرجل أن يفاديها بأكثر مما أعطاها؟ فذهب الجمهور إلى جواز ذلك، لعموم قوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾.\nوقال [¬٧] ابن جرير (^١٣٨٦): حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن علية، أخبرنا أيوب، عن كَثِير مولى سَمُرَةَ، أن عمر أتي بامرأة ناشز، فأمر بها إلى بيت كثير الزِّبل، ثم دعا بها فقال:\n_________\n(^١٣٨٤) - تفسير الطبري (٤/ ٥٥٢) (٤٨٠٧).\n(^١٣٨٥) - سنن ابن ماجة، باب المختلعة تأخذ ما أعطاها برقم (٢٠٥٧)، وقال البوصيري في الزوائد (٢/ ١٣٤): \"هذا إسناد ضعيف؛ لتدليس الحجاج وهو ابن أرطاة\".\n(^١٣٨٦) - تفسير الطبري (٥٧٦١٤) (٤٨٦٠)، وأخرجه عبد الرازق -كما في الدر المنثور ١/ ٥٠٢ - ومن طريقه ابن جرير - (٤٨٦١) عن معمر بالإسناد الذي ذكره المصنف عقب هذا، وأخرجه البيهقي في السنن (٧/ ٣١٥) من طريق سفيان عن أيوب به. وعزاه السيوطي أيضًا في الدر إلى عيد بن حميد.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- في ز: \"أنه\".\n[¬٣]- سقط من: خ.\n[¬٤]- في ز، خ: \"قال\".\n[¬٥]- سقط من: خ.\n[¬٦]- في ز: \"بسقت\".\n[¬٧]- في ز: \"قال\".","vol":"2","page":349},{"text":"كيف وجدت؟ فقالت: ما وجدت راحة منذ كنت عنده إلا هذه الليالي [¬١] التي كنت [¬٢] حبستني. فقال لزوجها: اخلعها ولو من قُرْطِها.\nورواه عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب، عن كثير [مولى سمرة] [¬٣] فذكر مثله، وزاد: فحبسها فيه [¬٤] ثلاثة أيام.\nوقال [¬٥] سعيد بن أبي عروبة (^١٣٨٧)، عن قتادة، عن حميد بن عبد الرحمن: إن امرأة أتت عمر بن الخطاب فشكت زوجها، فأباتها في بيت الزبل، فلما أصبحت قال لها: كيف [¬٦] وجدت مكانك؟ قالت: ما كنت عنده ليلة أقر لعيني من هذه الليلة، فقال: خذ ولو عِقَاصها.\nوقال البخاري (^١٣٨٨): وأجاز عثمان الخلع دون عقاص رأسها.\nوقال [¬٧] عبد الرزاق (^١٣٨٩): أخبرنا معمر، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، أن الرُّبَيِّع بنت معوذ بن عفراء حدّثته قالت: كان لي زوج يُقلّ [¬٨] [علي الخير] [¬٩] إذا حضرني، ويحرمني إذا غاب عني، قالت: فكانت مني زلة [¬١٠] يومًا، فقلت: أختلع منك بكل شيء أملكه؟ قال: نعم. قالت: ففعلت، قالت: فخاصم عمي معاذ بن عفراء إلى عثمان [بن عفان] [¬١١]، فأجاز الخلع، وأمره أن يأخذ عقاص رأسي فما دونه، أو قالت: ما دون عقاص الرأس.\nومعنى هذا أنه يجوز أن يأخذ منها كل ما بيدها من قليل وكثير، ولا يترك لها سوى عقاص شعرها. وبه يقول ابن عمر وابن عباس، ومجاهد وعكرمة، وإبراهيم النخعي، وقبيصة بن ذؤيب، والحسن بن صالح، وعثمان البتّيّ، وهذا مذهب مالك والليث والشافعي وأبي\n_________\n(^١٣٨٧) - أخرجه الطبري في تفسيره (٤/ ٥٧٦) عن ابن بشار ومحمد بن يحيى عن عبد الأعلى عن سعيد به.\n(^١٣٨٨) - صحيح البخاري في الطلاق، باب الخلع، وكيف الطلاق فيه (٩/ ٣٠٦ - الفتح).\n(^١٣٨٩) - تفسير الطبري (٤/ ٥٧٨) (٤٨٧٠) عن الحسن بن يحيى، عن عبد الرزاق به، وأخرجه البيهقي (٧/ ٣١٥) من طريق روح عن عبد الله بن محمد به بمعناه.\n_________\n[¬١]- في ت: \"الليلة\".\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في ر، خ: \"مولى ابن سمرة\".\n[¬٤]- سقط من: ز، خ: \"له\".\n[¬٥]- في ت: \"قال\".\n[¬٦]- في ت: \"وكيف\".\n[¬٧]- في خ: \"قال\".\n[¬٨]- غير واضحة بالأصل.\n[¬٩]- في ز: \"علمه الحر\".\n[¬١٠]- في ز، خ: \"وله\".\n[¬١١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.","vol":"2","page":350},{"text":"ثور، واختاره ابن جرير.\nوقال أصحاب أبي حنيفة ﵏: إن كان الإضرار من قبلها جاز أن يأخذ منها ما أعطاها، ولا يجوز الزيادة عليه، فإن ازداد جاز فى القضاء، وإن كان الإضرار من جهته لم يجز أن يأخذ منها شيئًا، فإن أخذ جاز في القضاء.\nوقال الإمام أحمد، وأبو عبيد، وإسحاق بن راهويه: لا يجوز أن يأخذ منها [¬١] أكثر مما أعطاها. وهذا قول سعيد بن المسيب وعطاء، وعمرو بن شعيب، والزهري وطاوس، والحسن والشعبي، وحماد بن أبي سليمان، والربيع بن أنس.\nوقال معمر والحكم: كان علي يقول: لا يأخذ من المختلعة فوق ما أعطاها. وقال الأوزاعي: القضاة لا يجيزون أن يأخذ منها أكثر مما ساق إليها.\n(قلت): ويستدل لهذا القول بما تقدّم من رواية قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس في قصة ثابت بن قيس، فأمره رسول الله، ﷺ أن يأخذ منها الحديقة ولا يزداد، وبما روى عبد بن حميد (^١٣٩٠) حيث قال: أخبرنا قبيصة، عن سفيان، عن ابن جريج، عن عطاء، أن النبي، ﷺ، كره أن يأخذ منها أكثر مما أعطاها -يعني: المختلعة- وحملوا معنى الآية على معنى ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ أي: من الذي أعطاها؛ لتقدم قوله: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ أي: من ذلك.\nوهكذا كان يقرؤها الربيع بن أنس: (فلا جناح عليهما فيما افتدت به منه) رواه ابن جرير (^١٣٩١)، ولهذا قال بعده: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾.\n(فصل)\nقال الشافعي: اختلف أصحابنا في الخلع، فأخبرنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن طاوس، عن ابن عباس فى رجل طلق امرأته تطليقتين، ثم اختلعت منه بعد، يتزوّجها إن\n_________\n(^١٣٩٠) - أخرجه البيهقي في السنن (٧/ ٣١٤) من طريق أبى نعيم، وقبيصة عن سفيان به. وأخرجه سعيد بن منصور (١٤٢٨) ومن طريقه البيهقي عن سفيان عن ابن جريج به. وأخرجه الطبري في تفسيره (٤/ ٥٧٤) (٤٨٤٨) من طريق مؤمن عن سفيان به.\n(^١٣٩١) - تفسير الطبري (٤/ ٥٧٣) (٤٨٤٥).\n_________\n[¬١]- سقط من: ت.","vol":"2","page":351},{"text":"شاء؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ قرأ إلى: ﴿أَنْ يَتَرَاجَعَا﴾. قال الشافعي، وأخبرنا سفيان، عن عمرو، عن عكرمة قال: كل شيء أجازه المال فليس بطلاق.\nوروى غير الشافعي (^١٣٩٢): عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن طاوس، عن ابن عباس؛ أن إبراهيم بن سعد بن أبى وقاص سأله فقال: رجل طلق امرأته تطليقتين، ثم اختلعت منه أيتزوّجها؟ قال: نعم، ليس الخلع بطلاق، ذكر الله الطلاق في أول الآية وآخرها، والخلع فيما بين ذلك، فليس الخلع بشيء، ثم قرأ، ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ وقرأ: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾.\nوهذا الذي ذهب إليه ابن عباس ﵄ [¬١] من [¬٢] أن الخلع ليس بطلاق، وإنما هو فسخ هو رواية عن أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ وابن عمر، وهو قول طاوس وعكرمة، وبه يقول أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وأبو ثور، وداود بن علي الظاهري، وهو مذهب الشافعي في القديم، وهو ظاهر الآية الكريمة.\nوالقول الثاني في الخلع أنه طلاق بائن إلا أن ينوي أكثر من ذلك. قال مالك (^١٣٩٣) عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن جُمْهان [¬٣] مولى الأسلميين، عن أم بكر الأسلمية أنها اختلعت من زوجها عبد الله بن خالد بن أسيد، فأتيا عثمان بن عفان فى ذلك فقال: تطليقة إلا أن تكون سميت شيئًا، فهو ما سميت. قال الشافعي: ولا أعرف جُمْهان [¬٤]. وكذا ضعف أحمد [ابن حنبل] [¬٥] هذا الأثر، والله أعلم.\nوقد روي نحوه [¬٦] عن عمر وعلي، وابن مسعود وابن عمر، وبه يقول سعيد بن المسيب والحسن، وعطاء وشريح، والشعبي، وإبراهيم، وجابر بن زيد، وإليه ذهب مالك، وأبو حنيفة وأصحابه، والثوري والأوزاعي، وعثمان البتي [¬٧]، والشافعي في الجديد، غير أن\n_________\n(^١٣٩٢) - أخرجه البيهقي في السنن (٧/ ٣١٦) بسنده إلى سفيان به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور (١/ ٥٠١) إلى عبد الرزاق في المصنف، وابن المنذر.\n(^١٣٩٣) - أخرجه الشافعي في الأم (٥/ ١٨١) ومن طريقه البيهقي في السنن (٧/ ٣١٦) عن مالك عن هشام به. وأخرجه ابن أبى شيبة في المصنف (٤/ ٨٤) عن وكيع عن هشام به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور (١/ ٥٠١) أيضًا لمالك وعبد الرزاق.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"عنه\".\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- في ز: \"جهان\".\n[¬٤]- في ز: \"جهان\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٦]- في ز: \"غيره\".\n[¬٧]- فى ز، خ: \"الليثي\".","vol":"2","page":352},{"text":"الحنفية عندهم أنه متى نوى الخالع بخلعه تطليقة أو اثنتين أو أطلق -فهو واحدة بائنة، وإن نوى ثلاثًا فثلاث. وللشافعي قول آخر في الخلع، وهو: أنه متى لم يكن بلفظ الطلاق، وعري عن النية- فليس هو بشيء بالكلية.\n[مسألة]\nوذهب [مالك] [¬١] وأبو حنيفة، والشافعي وأحمد، وإسحاق [بن راهويه] [¬٢] في رواية عنهما، وهي المشهورة إلى أن المختلعة عدّتها عدة المطلقة بثلاثة قروء، إن كانت ممن تحيض، وروي ذلك. عن عمر وعلي وابن عمر. وبه يقول سعد بن المسيب، وسليمان بن يسار، وعروة وسالم، وأبو سلمة، وعمر بن عبد العزيز، وابن شهاب، والحسن، والشعبي، وإبراهيم النخعي، وأبو عياض، وخِلَاس بن عمرو [¬٣]، وقتادة، وسفيان الثوري، والأوزاعي، والليث بن سعد، وأبو عبيد. قال الترمذي: وهو قول أكثر أهل العلم من الصحابة وغيرهم. ومأخذهم في هذا أن الخلع طلاق، فتعتدّ كسائر المطلقات.\nوالقول الثاني أنها تعتدّ بحيضة واحدة تستبرئ بها رحمها.\nقال ابن أبي شيبة (^١٣٩٤): حدثنا يحيى بن سعيد، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع؛ أن الرُّبَيِّع اختلعت من زوجها، فأتى عمُّها عثمانَ، ﵁؛ فقال: تعتد بحيضة [¬٤]، قال: وكان ابن عمر يقول: تعتد ثلاث حيض، حتى قال هذا عثمان، فكان ابن عمر يفتي به ويقول: عثمان خيرنا وأعلمنا.\nوحدثنا عبدة (^١٣٩٥)، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر؛ قال: عدّة المختلعة حيضة.\nوحدثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي [¬٥] (^١٣٩٦)، عن ليث، عن طاوس، عن ابن عباس؛ قال: عدّتها حيضة. وبه يقول عكرمة وأبان بن عثمان، وكل من تقدم ذكره ممن يقول: \"إن الخلع فسخ\" يلزمه القول بهذا، واحتجوا لذلك بما رواه أبو داود والترمذي (^١٣٩٧)؛ حيث قال\n_________\n(^١٣٩٤) - المصنف لابن أبى شيبة (٥/ ١١٤).\n(^١٣٩٥) - مصنف ابن أبي شيبة (٤/ ٨٧)، وأخرجه أبو داود في الطلاق، باب: في الخلع (٢٢٣٠) من طريق مالك عن نافع به.\n(^١٣٩٦) - مصنف ابن أبي شيبة (٤/ ٨٧).\n(^١٣٩٧) - سنن أبو داود في الطلاق، باب: ما جاء في الخلع، حديث (٢٢٢٩)، والترمذي في =\n_________\n[¬١]- فى خ: \"أبو مالك\".\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- فى خ: \"عمر\".\n[¬٤]- فى ز: \"حيضة\".\n[¬٥]- فى ز، خ: \"البخاري\".","vol":"2","page":353},{"text":"كل واحد منهما: حدثنا محمد بن عبد الرحيم البغدادي، حدثنا علي بن بحر، حدثنا هشام بن يوسف، عن معمر، عن عمرو بن مسلم، عن عكرمة، عن ابن عباس: أن امرأة ثابت بن قيس اختلعت من زوجها على عهد النبي، ﷺ، فأمرها النبي، ﷺ، أن تعتد بحيضة. ثم قال الترمذي [¬١]: حسن غريب.\nوقد رواه عبد الرزاق عن معمر، عن عمرو بن مسلم، عن عكرمة مرسلًا.\n(حديث آخر): قال الترمذي (^١٣٩٨): حدّثنا محمود بن غيلان، حدثنا الفضل بن موسى، عن سفيان، حدثنا محمد بن عبد الرحمن -وهو مولى آل طلحة- عن سليمان بن يسار، عن الربيع بنت معوذ بن عفراء؛ أنها اختلعت على عهد رسول الله ﷺ، فأمرها النبي، ﷺ أو أمرت- أن تعتد بحيضة. قال الترمذي: الصحيح أنها أمرت أن تعتد بحيضة.\n(طريق أخرى): قال ابن ماجة (^١٣٩٩): حدّثنا علي بن سلمة النيسابوري، حدثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد، حدثنا أبي، عن ابن إسحاق، أخبرني عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت، عن [] [¬٢]، عن الربيع بنت معوذ بن عفراء، قال: قلت لها: حدثيني حديثك. قالت: اختلعت من زوجي، ثم جئت فسألت [] [¬٣]: ماذا علي من العدة؟ فقال: لا عدة عليك إلا أن يكون [¬٤] حديث عهد بك، فتمكثين عنده حتى تحيضي [¬٥] حيضة. قالت: وإنما أتبع في ذلك قضاء رسول الله، ﷺ، في مريم\n_________\n= الطلاق باب ما جاء في الخلع حديث (١١٨٥ م). وأخرجه الحاكم في المستدرك (٢/ ٢٠٦) وعنه البيهقي فى السنن (٧/ ٤٥٠) من طريق على بن بحر به. لكن روى هذا الحديث عبد الرزاق عن معمر فأرسله أخرجه الحاكم وعنه البيهقي بسنده إلى عبد الرزاق.\n(^١٣٩٨) - سنن الترمذي في الطلاق، باب: ما جاء في الخلع حديث (١١٨٥). وأخرجه البيهقي (٧/ ٤٥٠) من طريق الفضل بن موسى به. ثم رواه البيهقي من طريق وكيع عن سفيان به فذكره وليس فيه من أمرها ولا أن ذلك كان على عهد النبي- ﷺ وقال البيهقي: وهذا أصح .... وقد روينا في كتاب الخلع أنها اختلعت من زوجها زمن عثمان بن عفان ﵁.\n(^١٣٩٩) - سنن ابن ماجه في كتاب الطلاق، باب عدة المختلعة حديث (٢٠٥٨) = وأخرجه النسائي في الطلاق، باب: عدة المختلعة (٦/ ١٨٦) من طريق يعقوب بن إبراهيم به.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين خ، سنن ابن ماجة: عن عبادة بن الصامت. وهو تحريف وزيادة مقدمة في السند. راجع تحفة الأشراف [١١/ ١٥٨٣٦].\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في ت: \"عثمان\".\n[¬٤]- سقط من: ز.\n[¬٥]- في خ: \"تحيضين\".","vol":"2","page":354},{"text":"المَغَاليَّة، وكانت تحت ثابت بن قيسٍ، فاختلعت منه.\nوقد روى ابن لَهِيعة، عن أبي الأسود، عن أبى سلمة. وعن [¬١] محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن الربيع [¬٢] بنت معوذ [¬٣]؛ قالت: سمعت رسول الله، ﷺ، يأمر امرأة ثابت بن قيس حين اختلعت منه أن تعتد بحيضة.\n[مسألة]\nوليس للمخالع أن يراجع المختلعة في العدة بغير رضاها عند الأئمة الأربعة وجمهور العلماء، لأنها قد ملكت نفسها بما بذلت له من العطاء. وروي عن عبد الله بن أبي أوفى، وماهان الحنفي، وسعيد بن المسيب والزهري؛ أنهم قالوا: إن ردّ إليها الذي أعطاها جاز له رجعتها في العدة بغير رضاها. وهو اختيار أبي [¬٤] ثور، ﵀. وقال سفيان الثوري: إن كان الخلع بغير لفظ الطلاق فهو فرقة، ولا سبيل له عليها، وإن كان سمَّى [¬٥] طلاقًا فهو أملك لرجعتها ما دامت في العدة. وبه يقول داود بن علي الظاهري، واتفق الجميع على أن للمختلع أن يتزوّجها في العدة، وحكى الشيخ أبو عمر بن عبد البر عن فِرْقَةٍ أنه لا يجوز له ذلك، كما لا يجوز لغيره، وهو قول شاذ مردود.\n[مسالة]\nوهل له أن يوقع عليها طلاقًا آخر في العدة؟ فيه ثلاثة أقوال للعلماء:\n(أحدها [¬٦] ليس له ذلك، لأنها قد ملكت نفسها وبانت منه. وبه يقول ابن عباس، وابن الزبير، وعكرمة، وجابر بن زيد، والحسن البصري، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وأبو ثور.\n(والثاني) قال مالك: إن أتبع الخلع طلاقًا [¬٧] من غير سكوت بينهما، وقع، وإن سكت بينهما لم يقع. قال ابن عبد البر: وهذا يشبه ما روي عن عثمان، ﵁.\n(والثالث) أنه يقع عليها الطلاق بكل حال ما دامت في العدة، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، والثوري والأوزاعى، وبه يقول سعيد بن المسيب، وشريح، وطاوس، وإبراهيم والزهري، والحكم، وحماد بن أبي سليمان، وروي ذلك عن ابن مسعود وأبي الدرداء،\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في ز: \"ربيع\".\n[¬٣]- في خ: \"مسعود\".\n[¬٤]- في ز: \"أبو\".\n[¬٥]- في ت: \"يسمى\".\n[¬٦]- سقط من: خ.\n[¬٧]- في خ: \"فطلاقًا\".","vol":"2","page":355},{"text":"قال ابن عبد البر: وليس ذلك بثابت عنهما.\nوقوله: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ أي: هذه الشرائع التي شرعها لكم هي حدوده، فلا تتجاوزوها. كما ثبت في الحديث الصحيح (^١٤٠٠): \" إن الله حدّ حدودًا فلا تعتدوها، وفرض فرائض فلا تضيعوها، وحرّم محارم فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمة لكم من [¬١] غير نسيان، فلا تسألوا عنها\".\nوقد يستدل بهذه الآية من ذهب إلى أن جمع [¬٢] الطلقات الثلاث بكلمة واحدة حرام، كما هو مذهب المالكية ومن وافقهم، وإنما السنة عندهم أن يطلق واحدة واحدة؛ لقوله: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾. ثم قال: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ ويقوون ذلك بحديث محمود بن لبيد الذي رواه النسائي في سننه (^١٤٠١)؛ حيث قال: حدثنا سليمان بن داود، أخبرنا ابن وهب، عن مخرمة بن [¬٣] بكير، عن أبيه، عن محمود بن لبيد، قال: أخبر رسول الله، ﷺ، عن رجل طلق امرأته ثلاث تطليقات جميعًا، فقام غضبان ثم قال: \"أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم؟! \" حتى قام رجل فقال: يا رسول الله، ألا أقتله؟ فيه انقطاع.\nوقوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ أي: إنه إذا طلق الرجل امرأته طلقة ثالثة بعد ما أرسل عليها الطلاق مرتين، فإنها تحرم عليه ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ أي: حتى يطأها زوج آخر في نكاح صحيح، فلو وطئها واطئ في غير نكاح، ولو في ملك اليمين [¬٤] لم تحل للأوّل، لأنه ليس بزوج، وهكذا لو تزوّجت، ولكن لم يدخل بها الزوج لم تحل للأوّل، واشتهر بين كثير من الفقهاء أن سعيد بن المسيب ﵀ أنه [¬٥] يقول: يحصل المقصود من تحليلها للأوّل بمجرّد العقد على الثاني. وفي صحته عنه نظر، على أن الشيخ أبا عمر بن عبد البر قد حكاه عنه في الاستذكار، فالله أعلم.\n_________\n(^١٤٠٠) - رواه الحاكم في المستدرك (٤/ ١١٥) ومن طريقه البيهقي في السنن (١٠/ ١٢) من طريق داود بن أبي هند، عن مكحول، عن أبي ثعلبة الخشني ﵁ به مرفوعًا، وتصحيح الحافظ له هنا متعقب، فإن الحديث فيه انقطاع واختلاف ذكرهما الحافظ ابن رجب في جامع العلوم والحكم (٢/ ١٥٠) ط. الرسالة.\n(^١٤٠١) - سنن النسائي في الطلاق، باب الثلاث المجموعة وما فيه من التغليظ (٦/ ١٤٢).\n_________\n[¬١]- سقط من: ت.\n[¬٢]- في ز، خ: \"جميع\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"عن\".\n[¬٤]- في ز: \"يمينى\".\n[¬٥]- في ز: \"بأنه\".","vol":"2","page":356},{"text":"وقد قال أبو جعفر بن جرير ﵀ (^١٤٠٢): حدثنا ابن بشار، حدثنا محمد بن جعفر، عن شعبة، عن علقمة بن مرثد، عن سالم بن رزين، عن سالم بن عبد الله، عن سعيد بن المسيب، عن ابن عمر، عن النبي، ﷺ، في الرجل يتزوّج المرأة فيطلقها قبل أن يدخل بها ألبتة، فيتزوّجها زوج آخر فيطلقها، قبل أن يدخل بها: أترجع إلى الأوّل؟ قال: \"لا، حتى تذوق عسيلته ويذوق عسيلتها\".\nهكذا وقع في رواية ابن جرير، وقد رواه الإمام أحمد (^١٤٠٣)؛ فقال:\nحدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن علقمة بن مرثد؛ قال [¬١]: سمعت سالم بن رزين يحدث، عن سالم بن عبد الله -يعني: ابن عمر- عن سعيد بن المسيب، عن ابن عمر، عن النبي، ﷺ، في الرجل تكون له المرأة فيطلقها [¬٢]، ثم يتزوّجها رجل فيطلقها قبل أن يدخل بها، فترجع إلى زوجها الأوّل، فقال رسول الله ﷺ: \"حتى تذوق [¬٣] العسيلة\".\nوهكذا رواه النسائى (^١٤٠٤) عن عمرو بن علي الفلاس، وابن ماجة عن محمد بن بشار بندار [¬٤]، كلاهما عن محمد [بن] [¬٥] جعفر غُنْدَر، عن شعبة، به كذلك. فهذا من رواية سعيد بن المسيب، عن ابن عمر مرفوعًا، على خلاف ما يحكى عنه، فبعيد أن يخالف ما رواه بغير مستند، والله أعلم.\nوقد روى أحمد أيضًا والنسائي وابن جرير [¬٦] هذا الحديث (^١٤٠٥) من طريق سفيان الثوري، عن علقمة بن مرثد، عن رزين بن سليمان الأحمري، عن ابن عمر؛ قال: سئل النبي، ﷺ، عن الرجل يطلق امرأته ثلاثًا فيتزوجها آخر، فيغلق الباب ويرخي الستر، ثم\n_________\n(^١٤٠٢) - تفسير الطبرى (٤/ ٥٩٦) (٤٩٠٢)، وهو بإسنادين آخرين عنده برقم (٤٩٠٣، ٤٩٠٤) وأسانيده كلها ضعيفة كما قال العلامة أحمد شاكر. وانظر التالي.\n(^١٤٠٣) - المسند (٢/ ٨٥) وأخرجه النسائي في الطلاق، باب: إحلال المطلقة ثلاثًا والنكاح الذى يحلها به (٦/ ١٤٨ - ١٤٩)، وابن ماجة فى النكاح، باب: الرجل يطلق امرأته ثلاثًا فتزوج … حديث (١٩٣٣)، من طريق محمد بن جعفر به. وانظر التالي.\n(^١٤٠٤) - سنن النسائي (٦/ ٤٨١)، وسنن ابن ماجة برقم (١٩٣٣).\n(^١٤٠٥) - أخرجه أحمد (٢/ ٢٥، ٦٢)، والنسائي، في الطلاق، باب إحلال المطلق ثلاثًا (٦/ ١٤٩)، وابن جرير في تفسيره (٤/ ٥٩٦) (٤٩٠٤).\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في ز: \"يطلقها\".\n[¬٣]- في ز: \"يذوق\".\n[¬٤]- سقط من: خ.\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٦]- في خ: \"ماجة\".","vol":"2","page":357},{"text":"يطلقها قبل أن يدخل بها: هل تحل للأوّل؟ قال: \"لا، حتى تذوق [¬١] العسيلة\".\nوهذا لفظ أحمد، وفي رواية لأحمد: سليمان بن رزين.\n(حديث آخر): قال الإمام أحمد (^١٤٠٦): حدثنا عفان، حدثنا محمد بن دينار، حدثنا يحيى بن يزيد الهنائي [¬٢]، عن أنس بن مالك: أن رسول الله، ﷺ، سئل عن رجل كانت تحته امرأة فطلقها ثلاثًا فتزوجت بعده رجلًا، فطلقها قبل أن يدخل بها: أتحل لزوجها الأول؟ فقال رسول الله ﷺ: \"لا، حتى يكون [¬٣] الآخر قد [¬٤] ذاق [من] [¬٥] عسيلتها وذاقت من عسيلته\".\nوهكذا [¬٦] رواه ابن جرير، عن محمد بن إبراهيم الأنماطي، عن هشام بن عبد الملك، حدّثنا محمد بن دينار، فذكره.\n(قلت): ومحمد بن دينار \"بن صندل\" أبو بكر الأزدي ثم الطاحي [¬٧] البصري، ويقال له ابن أبي الفرات: اختلفوا فيه فمنهم من ضعفه، ومنهم من قواه وقبله وحسن له. وذكر [¬٨] أبو داود أنه تغير قبل موته، فالله أعلم.\n(حديث آخر): قال ابن جرير (^١٤٠٧): حدّثنا عبيد بن آدم بن أبي إياس العسقلاني، حدثنا أبي، حدثنا شيبان، حدثنا يحيي بن أبي كثير، عن أبي الحارث الغفاري، عن أبي هريرة؛ قال: قال رسول الله، ﷺ، في المرأة يطلقها زوجها ثلاثًا، فتتزوج زوجًا غيره، فيطلقها قبل أن يدخل بها، فيريد الأول أن يراجعها، قال: \"لا حتى يذوق [] [¬٩] عسيلتها\".\nثم رواه من وجه آخر عن شيبان، وهو ابن عبد الرحمن، به. وأبو الحارث غير معروف.\n_________\n(^١٤٠٦) - المسند (٣/ ٢٨٤)، وأخرجه الطبري في تفسيره (٤/ ٥٩٤) (٥٩٠٠)، والطبراني في الأوسط (٢٣٧٢) والبيهقي (٧/ ٣٧٥ - ٣٧٦) من طريق محمد بن دينار به، وانظر مجمع الزوائد (٤/ ٣٤٣).\n(^١٤٠٧) - تفسير الطبري (٤/ ٥٩٣) (٤٨٩٩)، وأخرجه ابن أبي شيبة (٣/ ٣٧٨) عن الحسين بن موسى الأشيب، والطبري في تفسيره (٤/ ٥٩٣) (٤٨٩٨) من طريق سعد بن حفص الطلحي، كلاهما عن شيبان به.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"يذوق\".\n[¬٢]- في خ: \"الهمداني\".\n[¬٣]- فى خ: \"تكون\".\n[¬٤]- في ز، خ: \"حتى\".\n[¬٥]- سقط من: ت.\n[¬٦]- سقط من: ز، خ.\n[¬٧]- في خ: \"الطائي\".\n[¬٨]- في ز: \"وقال\".\n[¬٩]- ما بين المعكوفتين في ت: \"الآخر\".","vol":"2","page":358},{"text":"(حديث آخر): قال ابن جرير:\n[حدثنا ابن مثنى] [¬١] حدثنا يحيى، عن عبيد الله، حدثنا القاسم، عن عائشة، أن رجلًا طلق امرأته ثلاثًا، فتزوجت زوجًا فطلقها قبل أن يمسها، فسئل رسول الله، ﷺ: أتحل للأول؟ فقال: \"لا حتى يذوق من عسيلتها، كما ذاق الأول\".\nأخرجه البخاري ومسلم والنسائي (^١٤٠٨) من طرق عن عبيد الله بن عمر العمري، عن القاسم بن عبد الرحمن بن أبي بكر، عن عمته عائشة، به.\n(طريق أخرى): قال ابن جرير: حدثنا عبيد الله [¬٢] بن إسماعيل الهَبَّاري، وسفيان ابن وكيع، وأبو هشام الرفاعي، قالوا: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة، قالت: سئل النبي، ﷺ، عن رجل طلق امرأته، فتزوجت رجلًا غيره، فدخل بها، ثم طلقها قبل أن يواقعها، أتحل لزوجها الأول؟ فقال رسول الله ﷺ: \"لا تحل لزوجها الأول حتى يذوق الآخر عسيلتها وتذوق عسيلته\".\nوكذا رواه أبو داود، عن مسدد، والنسائي (^١٤٠٩)، عن أبي كريب، كلاهما عن أبي معاوية -وهو محمد بن خازم الضرير- به.\n(طريق أخرى): قال مسلم في صحيحه (^١٤١٠): حدثنا محمد بن العلاءِ الهمداني، حدثنا أبو أسامة، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة: أن رسول الله، ﷺ، سئل عن المرأة يتزوجها الرجل فيطلقها، فتتزوج رجلًا آخر [¬٣] فيطلقها قبل أن يدخل بها: أتحل لزوجها الأول؟ قال: \"لا حتى يذوق عسيلتها\".\n_________\n(^١٤٠٨) - تفسير الطبري (٤/ ٥٩٢) (٤٨٩٦)، وأخرجه النسائي في كتاب الطلاق، باب: إحلال المطلقة ثلاثًا (٦/ ١٤٨) عن محمد بن المثنى به، وأخرجه أحمد (٦/ ١٩٣)، والبخاري في الطلاق، باب: من جوز الطلاق الثلاث، حديث: (٥٢٦١)، ومسلم في النكاح، حديث (١٤٣٣) (١١٥) من طريق عبيد الله بن عمر به.\n(^١٤٠٩) - تفسير الطبري (٤/ ٥٨٩) (٤٨٨٨)، وأخرجه ابن أبي شيبة (٣/ ٣٧٧)، وأحمد (٦/ ٤٢)، وأبو داود في الطلاق، باب المبتوتة لا يرجع إليها زوجها حتى تنكح غيره حديث (٢٣٠٩)، والنسائي في الطلاق، كتاب: الطلاق للتي تنكح زوجًا ثم لا يدخل بها (٦/ ١٤٦) من طريق أبي معاوية به.\n(^١٤١٠) - صحيح مسلم في النكاح، برقم (١٤٣٣).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ت.\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- سقط من: خ.","vol":"2","page":359},{"text":"قال مسلم: وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا ابن [¬١] فضيل (ح [¬٢]. وحدثنا أبو كريب، حدثنا أبو معاوية، جميعًا عن هشام بهذا الإِسناد.\nوقد رواه البخاري (^١٤١١) من طريق أبي معاوية محمد بن خازم، عن هشام، به.\nوتفرد به مسلم من الوجهين الآخرين.\nوهكذا رواه ابن جرير (^١٤١٢) من طريق عبد الله بن المبارك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة مرفوعًا بنحوه، -أو مثله- وهذا إسناد جيد.\nوكذا رواه ابن جرير أيضًا، من طريق علي بن زيد بن جُدْعان، عن امرأة أبيه أمينة أم محمد، عن عائشة، عن النبي، صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، بمثله (^١٤١٣).\nوهذا السياق مختصر من الحديث الذي رواه البخاري: حدثنا عمرو بن علي، حدّثنا يحيى، عن هشام [بن عروة] [¬٣]، حدثني أبي، عن عائشة [] [¬٤] عن النبي، ﷺ.\nوحدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا عبدة، عن هشام بن [عروة] [¬٥]، عن أبيه، عن عائشة: أن رفاعة القرظي تزوج امرأة ثم طلقها، [فتزوجت آخر] [¬٦] فأتت النبي، ﷺ، فذكرت له [¬٧] أنه لا يأتيها، وأنه ليس معه إلا مثل هدبة الثوب، فقال: \"لا، حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك\" (^١٤١٤).\nتفرد به من هذين الوجهين [] [¬٨].\n_________\n(^١٤١١) - صحيح البخاري كتاب الطلاق، باب من قال لامرأته: أنت على حرام حديث (٥٢٦٥)، وأخرجه في باب: إذا طلقها ثلاثًا ثم تزوجت بعد العدة زوجًا غيره فلم يمسها حديث (٥٣١٧) من طريقين عن هشام به.\n(^١٤١٢) - تفسير الطبري (٤/ ٥٩٠) (٤٨٨٩).\n(^١٤١٣) - تفسير الطبري (٤/ ٥٩٢) (٤٨٩٧)، وأخرجه أحمد في المسند (٦/ ٩٦) من طريق حماد بن سلمة عن علي بن زيد به.\n(^١٤١٤) - صحيح البخاري برفم (٥٣١٧).\n_________\n[¬١]- فى ز: \"أبو\".\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين في ت: \"مرفوعًا\".\n[¬٥]- فى ز، خ: \"عبدة\".\n[¬٦]- سقط من: ز، خ.\n[¬٧]- سقط من: خ.\n[¬٨]- ما بين المعكوفتين في ت: \"هذا الوجه\".","vol":"2","page":360},{"text":"(طريق أخرى): قال الإمام أحمد (^١٤١٥): حدثنا عبد الأعلى، عن معمر، عن الزهريّ، عن عروة، عن عائشة قالت: دخلت امرأة رفاعة القرظي، وأنا وأبو بكر عند النبي، ﷺ، فقالت: إن رفاعة طلقني ألبتة، كان عبد الرحمن بن الزبير تزوجني، وإنما عنده مثل الهُدبَة، وأخَذَتْ هدبة من جلبابها، وخالد بن سعيد بن العاص بالباب لم يؤذن له، فقال: يا أبا بكر، ألا تنهى هذه عما تحهر به بين يدي [رسول الله ﷺ؟] [¬١]، فما زاد رسول الله، ﷺ، على التبسم، وقال [¬٢] رسول الله ﷺ: \"كأنك تريدين أن ترجعي إلى، رفاعة؟ لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك\".\nوهكذا رواه البخاري (^١٤١٦) من حديث عبد الله بن المبارك، ومسلم من حديث عبد الرزاق، والنسائي من حديث يزيد بن زريع، ثلاثتهم عن مَعْمَر، به.\nوفي حديث عبد الرزاق عند [¬٣] مسلم: أن رفاعة طلقها آخر ثلاث تطيقات.\nوقد رواه الجماعة (^١٤١٧) إلا أبا داود من طريق سفيان بن عيينة، والبخاري من طريق عقيل، ومسلم من طريق ورنس بن يزيد [وعنده: آخر ثلاث تطيقات، والنسائي من طريق أيوب بن موسى، ورواه صالح بن أبي الأخضر] [¬٤] كلهم [¬٥]، عن الزهريّ، عن عروة، عن عائشة، به.\n_________\n(^١٤١٥) - المسند (٦/ ٣٤)، وأخرجه الحميدي (٢٢٦)، وأحمد (٦/ ٣٧، ٢٢٦)، والدارمي في كتاب الطلاق، باب: ما يحل المرأة لزوجها الذي طلقها حديث (٢٢٧٢)، والبخاري في الشهادات، باب: شهادة المختبئ، حديث ٢٦٣٩)، وفي الطلاق، باب: من جوز الطلاق الثلاث حديث (٥٢٦٠)، وفي اللباس، باب الإزار المهدب حديث (٥٧٩٢)، وفي الأدب، باب؛ التبسم والضحك حديث (٦٥٨٤)، ومسلم في النكاح في حديث (١٤٣٣)، والترمذي في النكاح، باب: ما جاء فيمن يطلق امرأته ثلاثًا، حديث (١١١٨)، والنسائي في النكاح، باب: النكاح الذي تحل به المطلقة ثلاثًا لمطقها (٦/ ١٤٦)، وباب: إحلال المطلقة ثلاثًا (٦/ ١٤٨)، وابن ماجه في النكاح، باب: الرجل يطلق امرأته ثلاثًا حديث (١٩٣٢) من طرق عن الزهريّ به.\n(^١٤١٦) - صحيح البخاري برقم (٦٠٨٤)، وصحيح مسلم برقم (١٤٣٣)، وسنن النسائي (٦/ ١٤٦).\n(^١٤١٧) - صحيح البخاري برقم (٢٦٣٩)، وصحيح مسلم برقم (١٤٣٣)، سنن الترمذي برقم (١١١٨)، وسنن النسائي الكبرى برقم (٥٦٠٤)، وسنن ابن ماجة برقم (١٤٣٣) من طريق يونس بن يزيد.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٢]- في ت: \"فقال\".\n[¬٣]- في ز: \"عن\".\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- سقط من: خ.","vol":"2","page":361},{"text":"وقال مالك (^١٤١٨): عن المسِوَر بن رفاعة القرظي، عن الزبير بن عبد الرحمن بن الزبير: أن رفاعة بن سموال طلق امرأته تميمة بنت وهب في عهد رسول الله، ﷺ، ثلاثا، فنكحت عبد الرحمن بن الزبير، فاعترض [¬١] عنها، فلم يستطع أن يمسها، ففارقها، فأراد رفاعة [ابن سموال] [¬٢] أنْ ينكحها، وهو زوجها الأول الذي كان طلقها، فذكر ذلك لرسول الله، ﷺ، فنهاه عن تزويجها وقال: \"لا تحل لك حتى تذوق العسيلة\".\nهكذا [¬٣] رواه أصحاب الموطأ [¬٤]، عن مالك، وفيه انقطاع.\nوقد رواه إبراهيم بن طهمان، وعبد الله بن وهب، عن مالك، عن رفاعة، عن الزبير، ابن عبد الرحمن [بن الزبير] [¬٥]، عن أبيه فوصله.\n[فصل]\nوالمقصود من الزوج الثاني أن يكون راغبًا في المرأة، قاصدًا لدوام عشرتها، كما هو المشروع من التزويج، واشترط [¬٦] الإمام مالك مع ذلك أن يطأها الثاني وطئًا مباحًا، فلو وطئها وهي مُحْرمة أو صائمة، أو معتكَفة، أو حائض، أو نُفَساء، أو والزوج صائم، أو محرم، أو معتكف لم تحل للأول بهذا الوطء. وكذا لو كان الزوج الثاني ذميًّا لم تحل للمسلم بنكاحه، لأن أنكحة الكفار باطلة عنده، واشترط الحسن البصري -فيما حكاه عنه الشيخ أبو عمر بن عبد البر- أن يُنتزِلَ الزوجُ الثاني، وكأنه تمسك بما فهمه من قوله عليه الصلاة [¬٧] والسلام: \"حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك\"، ويلزم على هذا أن تنزل [¬٨] المرأة أيضًا. وليس المراد بالعسيلة المني، لما رواه الإمام أحمد والنسائي عن عائشة ﵂ أن رسول الله، ﷺ، قال [¬٩]: \"ألا إن العسيلة الجماع\" (^١٤١٩).\n_________\n(^١٤١٨) - الموطأ (١/ ٥٣١)، وعنه الشافعي في الأم (٥/ ٢٢٩) والبيهقي في السنن (٧/ ٣٧٥). وأخرجه البيهقي (٧/ ٣٧٥) بسنده إلى ابن وهب عن مالك عن المسور عن الزبير بن عبد الرحمن عن أبيه. وعزاه السيوطي في الدر المنثور (١/ ٥٠٦) من حديث عبد الرحمن بن الزبير إلى البزار، والطبراني. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٤/ ٣٤٣): رجاله ثقات.\n(^١٤١٩) - مسند أحمد (٦/ ٦٢) من حديث أبي عبد الملك المكي، عن ابن أبي مليكة عن عائشة، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٤/ ٣٤٤): وفيه أبو عبد الملك المكي، ولم أعرفه بغير هذا الحديث=\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"فأعرض\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في ز، خ: \"كذا\".\n[¬٤]- في خ: \"الموطات\".\n[¬٥]- سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- في ز، خ: \"واشترط\".\n[¬٧]- سقط من: خ.\n[¬٨]- في خ: \"ينزل\".\n[¬٩]- سقط من: خ.","vol":"2","page":362},{"text":"فأما إذا كان الثاني إنما قَصدُه أن يحلها للأول، فهذا هو المحلل الذي وردت الأحاديث بذمه ولعنه، ومتى صرح بمقصوده في العقد بطل النكاح عند جمهور الأئمة.\nذكر الأحاديث الواردة في ذلك\n(الحديث الأول) عن ابن مسعود ﵁، قال الإمام أحمد (^١٤٢٠): حدثنا الفضل بن دكين، حدثنا سفيان، عن أبي قيس، عن هزيل [¬١]، عن عبد الله قال: لعن رسول الله، ﷺ، الواشمة والمستوشمة، والواصلة والمستوصلة [¬٢]، والمحلل والمحلل له، وآكل الربا وموكله.\nثم رواه أحمد والترمذي، والنسائي من غير وجه (^١٤٢١)، عن سفيان -وهو الثوري- عن أبي قيس-واسمه عبد الرحمن بن ثروان الأودي [¬٣]- عن هزيل بن شرحبيل الأودى [¬٤]، عن عبد الله بن مسعود، عن النبي ﷺ به [¬٥]. ثم قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. قال: والعمل على هذا عند أهل العلم من الصحابة، منهم: عمر، وعثمان، وابن عمر، وهو قول الفقهاء من التابعين، ويروى ذلك عن علي، وابن مسعود، وابن عباس.\n(طريق أخرى): عن ابن مسعود، قال الإمام أحمد (^١٤٢٢): حدثنا زكريا بن عدي، حدثنا عبيد الله، عن عبد الكريم، عن أبي الواصل، عن ابن مسعود، عن رسول الله، ﷺ، قال: \"لعن الله المحلل والمحلل له\".\n(طريق أخرى): روى الإمام أحمد (^١٤٢٣)، والنسائي من حديث الأعمش، عن عبد الله ابن\n_________\n= وبقية رجاله رجال الصحيح). ولم أقف على الحديث عند النسائي.\n(^١٤٢٠) - المسند (١/ ٤٤٨).\n(*) الوشم: أن يغرز الجلد بإبرة ثم يحشى بكُحْل فيزرقّ أثره أو يخضرُ والمستوشمة: التي يفعل بها ذلك. وأما الواصلة: فهي التي تصل شعرها بشعر آخر زُورٍ والمستوصلة: التي تأمر من يفعل بها ذلك.\n(^١٤٢١) - أخرجه أحمد (١/ ٤٦٢) والدارمي (٢٢٦٣، ٢٥٣٨)، والترمذي في النكاح، باب: ما جاء في المحل والمحلل له (١١٢٠)، والنسائي في الطلاق، باب: إحلال المطلقة ثلاثًا وما فيه من التغليظ (٦/ ١٤٩) من طرق عن سفيان به.\n(^١٤٢٢) - المسند (١/ ٤٥٠).\n(^١٤٢٣) - أخرجه أحمد (١/ ٤٦٤)، والنسائي في سننه في الزينة، باب: المتوشمات وذكر الاختلاف=\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"الهذيل\".\n[¬٢]- في خ: \"الموصولة\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"الأزدي\".\n[¬٤]- في خ: \"الأزدي\".\n[¬٥]- سقط من: خ.","vol":"2","page":363},{"text":"مرة، عن الحارت الأعور، عن عبد الله بن مسعود قال: أكل الربا وموكله، وشاهداه، وكاتبه إذا علموا به، والواصلة والمستوصلة، ولاوي (٥) الصدقة والمتعدي [¬١] فيها، والمرتد على [¬٢] عقبيه إعراضًا [¬٣] بعد هجرته، والمحلل والمحلل له ملعونون على لسان محمد ﷺ يوم القيامة.\n(الحديث الثاني) عن علي ﵁ قال الإمام أحمد (^١٤٢٤):\nحدثنا عبد الرزاق، أخبرنا سفيان، عن جابر، عن الشعبي، عن الحارث، عن علي قال: لعن رسول الله، ﷺ، آكل الربا وموكله، وشاهديه وكاتبه، والواشمة والمستوشمة للحُسن، ومانع الصدقة، والمحلل [¬٤] والمحلل له، وكان ينهى عن النوح.\nوكذا رواه عن غُنْدَر، عن شعبة، عن جابر -وهو ابن يزيد الجعفي-، عن الشعبي، عن الحارث، عن علي، به. وكذا رواه من حديث إسماعيل بن أبي خالد، وحصين بن عبد الرحمن ومجالد بن سعيد، وابن عون، عن عامر الشعبي به.\nوقد رواه أبو داود، والترمذي، وابن ماجة من حديث الشعبي، به (^١٤٢٥).\nثم قال أحمد (^١٤٢٦): حدثنا محمد بن عبد الله، حدثنا [¬٥] إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي قال: لعن رسول الله، ﷺ، صاحب الربا، وآكله، وكاتبه، وشاهده، والمحلل، والمحلل له.\n(الحديث الثالث) عن جابر ﵁، قال الترمذي (^١٤٢٧):\n_________\n= على عبد الله بن مرة والشعبي في هذا (٨/ ١٤٧) وابن حبان (١١٤٥ - موارد) كان طريق الأعمش به.\n(*) اسم فاعل كان \"لواه\" بمعنى: صرفه. والمقصود: مانع الصدقة.\n(^١٤٢٤) - المسند (١/ ١٠٧) (٨٤٤)، وأخرجه أحمد (١/ ٨٣، ٨٧، ١٠٧، ١٢١، ١٥٠، ١٥٨)، وأبو داود في النكاح، باب: في التحليل حديث (٢٠٧٦، ٢٠٧٧)، والترمذي في النكاح، باب: ما جاء في المحلل والمحلل له، حدث (١١١٩)، والنسائي في الزينة، باب: المتوشمات، وذكر الاختلاف على عبد الله بن مرة عن الشعبي في هذا (٨/ ١٤٧)، وابن ماجه في النكاح، باب المحلل والمحلل له حديث (١٩٣٥) من طرق عن الشعبي به.\n(^١٤٢٥) - سنن أبي داود برقم (٢٠٧٦)، وسنن الترمذي (١١١٩) وسنن ابن ماجة برقم (١٩٣٥).\n(^١٤٢٦) - المسند (١/ ٨٨)، وأخرجه في (١/ ٩٣) عن خلف بن الوليد عن إسرائيل به.\n(^١٤٢٧) - سنن الترمذي، كتاب النكاح رقم (١١١٩).\n_________\n[¬١]- في خ: \"المعتدي\".\n[¬٢]- في ت: \"عن\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"إعراضًا\". وهو تصحيف\n[¬٤]- في ز: \"المحل\".\n[¬٥]- في خ: \"عن\".","vol":"2","page":364},{"text":"حدثنا أبو سعيد الأشج، أخبرنا أشعث بن عبد الرحمن بن زُبَيد اليَامِي [¬١]، حدثنا مجالد، عن الشعبي، عن جابر بن عبد الله، وعن الحارث، عن علي: أن رسول الله، ﷺ، لعن المحلل والمحلل له. ثم قال: وليس إسناده بالقائم. ومجالد ضعفه غير واحد من أهل العلم، منهم أحمد بن حنبل. قال: ورواه ابن نمير، عن مجالد [¬٢]، عن الشعبيّ، عن جابر بن عبد الله، عن علي، قال: وهذا وهم من ابن نمير، والحديث الأول أصح.\n(الحديث الرابع) عن عقبة بن عامر ﵁، قال أبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجة (^١٤٢٨):\nحدثنا يحيى بن عثمان بن صالح المصري، حدثنا أبي، سمعت الليث بن سعد يقول: قال أبو المصعب مشْرَح [¬٣]-هو ابن هاعان-: قال عقبة بن عامر: قال رسول الله ﷺ: \"ألا أخبركم بالتيس المستعار؟ \"، قالوا: بلى يا رسول الله، قال: \"هو المحلل [¬٤]، لعن الله المحلل [¬٥] والمحلل له\".\nتفرد به ابن ماجة، وكذا رواه إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني، عن عثمان بن صالح، عن الليث- به. ثم قال: كانوا ينكرون [¬٦] على عثمان في هذا الحديث إنكارًا شديدًا.\n(قلت): عثمان هذا أحد الثقات روى عنه البخاري في صحيحه، ثم قد تابعه غيره، فرواه جعفر الفريالي: عن العباس المعروف بابن فريق، عن أبي صالح عبد الله بن صالح، عن الليث [به، فبرئ من عهدته،] [¬٧] والله أعلم.\n(الحديث الخامس) عن ابن عباس ﵄، قال ابن ماجة (^١٤٢٩):\nحدثنا محمد بن بشار، حدثنا أبو عامر، عن زمعة به. صالح، عن سلمة بن وَهْرَام [¬٨]، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: لعن رسول الله، ﷺ، المحلل والمحلل له.\n_________\n(^١٤٢٨) - سنن ابن ماجه في النكاح، باب: المحلل والمحلل له حديث (١٩٣٦)، وأخرجه الحاكم (٢/ ١٩٩)، والبيهقي (٧/ ٢٠٨) من طريق الليث به، وقال البوصيري في الزوائد (٢/ ١٩٩): إِسناده مختلف فيه من أجل أبي مصعب.\n(^١٤٢٩) - سنن ابن ماجه في النكاح، باب: المحلل والمحلل له حديث (١٩٣٤)، وضعف البوصيري=\n_________\n[¬١]- في ز: \"الأيامى\"، خ: \"إلامامي\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"مجاهد\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"سرّح\".\n[¬٤]- في ز، خ: \"المحل\".\n[¬٥]- في ز، خ: \"المحل\".\n[¬٦]- في ز، خ: \"منكرون\".\n[¬٧]- مكانها بياض في ز، خ.\n[¬٨]- في و، خ: \"وهدام\".","vol":"2","page":365},{"text":"(طريق أخرى): قال الإمام الحافظ خطب دمشق أبو إسحاق إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني [¬١] السعدي: حدثنا ابن أبي مريم، حدثنا إبراهيم بن إسماعيل [بن أبي حبيبة] [¬٢]، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: سئل رسول الله، ﷺ، [عن نكاح المحلل] [¬٣]، قال: \"لا، إلا نكاح رغبة لا نكاح دُلْسَة ولا استهزاء بكتاب الله، ثم يذوق عسيلتها\" (^١٤٣٠).\nويتقوى هذان الإسنادان بما رواه أبو بكر بن أبي شيبة (^١٤٣١): عن حميد بن عبد الرحمن، عن موسى بن أبي الفرات، عن عمرو بن دينار، عن النبي، ﷺ، بنحو من هذا. فيتقوى كل من هذا المرسل، والذي قبله بالآخر، والله أعلم.\n(الحديث السادس) عن أبي هريرة ﵁، قال الإِمام أحمد (^١٤٣٢):\nحدَّثنا أبو عامر، حدَّثنا عبد الله -هو ابن جعفر- عن عثمان بن محمد عن المقبري، عن أبي هريرة قال: لعن رسول الله، ﷺ، المحلل [¬٤] والمحلل له.\nوهكذا رواه أبو بكر بن أبي شيبة والجوزجاني والبيهقي (^١٤٣٣) من طريق عبد الله بن جعفر القرشيّ وقد وثقه أحمد بن حنبل وعلي بن المديني، ويحيى بن معين وغيرهم، وأخرج له مسلم في صحيحه عن عثمان بن محمد الأخنسي وثقه ابن معين، عن سعيد المقبري، وهو متفق عليه.\n(الحديث السابع) عن ابن عمر ﵄، قال الحاكم في مستدركه (^١٤٣٤): حدَّثنا أبو العباس الأصم، حدَّثنا محمد بن إسحاق الصنعاني، حدَّثنا سعيد بن أبي مريم، حدَّثنا\n_________\n= إسناده في مصباح الزجاجة (٢/ ١٠٢) لضعف زمعة بن صالح ..\n(^١٤٣٠) - ورواه الطبراني في المعجم الكبير (١١/ ٢٢٦) من طريق إسحاق بن محمد الفروي، عن إبراهيم بن أبي حبيبة به.\n(^١٤٣١) - مصنف ابن أبي شيبة في النكاح، باب في الرجل يطلق امرأته فيتزوجها رجل ليحلها له. (٣/ ٣٩٢).\n(^١٤٣٢) - المسند (٢/ ٣٢٢)، وأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٣/ ٣٩٢)، والبيهقي (٧/ ٢٠٨) من طريق عبد الله بن جعفر به.\n(^١٤٣٣) - المصنف لابن أبي شيبة (٤/ ٢٩٦)، وسنن البيهقي الكبرى (٧/ ٢٠٨).\n(^١٤٣٤) - المستدرك (٢/ ١٩٩)، ومن طريقه البيهقي في السنن (٧/ ٢٠٨).\n_________\n[¬١]- في خ: \"الجورجاني\".\n[¬٢] ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"ابن أبي حنيفة\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- في ز، خ: \"المحل\".","vol":"2","page":366},{"text":"أبو غسان [¬١] محمد بن مطرف المدني، عن عمر بن نافع، عن أبيه أنه قال: جاء رجل إلى ابن عمر، فسأله عن رجل طلق امرأته ثلاثا، فتزوجها أخ له من غير مؤامرة منه، ليحلها لأخيه: هل تحل للأول؟ فقال: لا، إلا نكاح رغبة. كنا نعد هذا سفاحًا على عهد رسول الله، ﷺ. ثم قال: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه.\nوقد رواه الثوري: عن عبد الله بن نافع، عن أبيه، عن ابن عمر- به. وهذه الصيغة مشعرة بالرفع، وهكذا روى أبو بكر بن أبي شيبة والجوزجاني، وحرب الكرماني، وأبو بكر الأثرم، من حديث الأعمش، عن المسيب بن رافع، عن قبيصة بن جابر، عن عمر أنه قال: لا أوتى بمحلل [¬٢] ولا محلل له إلا رجمتهما (^١٤٣٥).\nوروى البيهقي من حديث ابن لَهِيعة، عن بُكَير بن الأشج، عن سليمان بن [¬٣] يسار [¬٤]: أن عثمان بن عفان رُفع إليه رجل تزوج امرأة ليحلها لزوجها، ففرق بينهما. وكذا روي عن علي وابن عباس، وغير واحد من الصحابة، ﵃.\nوقوله: ﴿فإن طلقها﴾ أي: الزوج الثاني بعد الدخول بها ﴿فلا جناح عليهما أن يتراجعا﴾ أي: المرأة والزوج الأول ﴿إن ظنا أن يقيما حدود الله﴾ أي: يتعاشرا بالمعروف. [قال مجاهد: إن ظنا أن نكاحهما على غير دلسة] [¬٥]. ﴿وتلك حدود الله﴾ أي شرائعه وأحكامه ﴿يبينها﴾ أي: يوضحها ﴿لقوم يعلمون﴾.\nوقد اختلف الأئمة، ﵏، فيما إذا طلق الرجل امرأته طلقة أو طلقتين، وتركها حتى انقضت عدتها، ثم تزوجت بآخر فدخل بها، ثم طلقها فانقضت عدتها، ثم تزوجها الأول: هل تعود إليه بما بقي من الثلاث كما هو مذهب مالك، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وهو قول طائفة من الصحابة ﵃؟ أو يكون الزوج الثاني قد هدم ما قبله من الطلاق، فإذا عادت إلى الأول تعود بمجموع الثلاث، كما هو مذهب أبي حنيفة وأصحابه ﵏؟ وحجتهم أن الزوج الثاني إذا هدم الثلاث فلأن يهدم ما دونها بطريق الأولى والأحرى، والله أعلم.\n﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ\n_________\n(^١٤٣٥) - أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٣/ ٣٩١)، والبيهقي (٧/ ٢٠٨) من طريق أبي معاوية عن الأعمش به، وعزاه السيوطي أيضًا في الدر المنثور (١/ ٥٠٧) إلى عبد الرزاق، وأبي بكر الأثرم.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"أبو يمان\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"بمحل\".\n[¬٣]- سقط من: ز، خ\n[¬٤]- سقط من: خ.\n[¬٥]- سقط من: ز، خ.","vol":"2","page":367},{"text":"هُزُوًا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمٌ (٢٣١)﴾\nهذا أمر من الله ﷿ للرجال إذا طلق أحدهم المرأة طلاقًا له عليها فيه رجعة، أن يحسن في أمرها إذا انقضت عدتها ولم يبق منها إلا مقدار ما يمكنه فيه رجعتها، فإما أن يمسكها، أي: يسرتجعها إلى عصمة نكاحه بمعروف، وهو أن يشهد على رجعتها، وينوي عشرتها بالمعروف، أو يسرحها، أي: يتركها حتى تنقضي عدتها، ويخرجها من منزله بالتي هي أحسن من غير شقاق [¬١]، ولا مخاصمة ولا تقابح، قال الله تعالى: ﴿ولا تمسكوهن ضرارًا لتعتدوا﴾ قال ابن عباس ومجاهد، ومسروق، والحسن، وقتادة، والضحاك، والربيع، ومقاتل بن حيان، وغير واحد: كان الرجل يطلق المرأة، فإذا قاربت انقضاء العدة راجعها ضرارًا لئلا تذهب إلى غيره، ثم يطلقها فتعتد، فإذا شارفت على انقضاء العدة طلق لتطول عليها العدة، فنهاهم الله عن ذلك وتوعدهم عليه فقال: ﴿ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه﴾ أي: بمخالفته أمر الله تعالى.\nوقوله تعالى: ﴿ولا تتخذوا آيات الله هزوًا﴾ قال ابن جرير عند هذه الآية (^١٤٣٦):\nأخبرنا أبو كريب، أخبرنا إسحاق بن منصور، عن عبد السلام بن حرب، عن يزيد بن عبد الرحمن، عن أبي العلاء الأودي [¬٢]، عن حميد بن عبد الرحمن، عن أبي موسى أنّ رسول الله، ﷺ، غضب على الأشعريين، فأتاه أبو موسى فقال: يا رسول الله، أغضبت على الأشعريين؟ فقال: \"يقول أحدكم (قد طلقت قد راجعت) ليس هذا طلاق المسلمين، طلقوا المرأة في قُبُل (*) عدتها\".\nثم رواه من وجه آخر، عن أبي خالد الدالاني [¬٣]- وهو-يزيد بن عبد الرحمن- وفيه كلام.\nوقال مسروق: هو الذي يطلق في غير كُنْهِه، ويضار امرأته بطلاقها وارتجاعها، لتطول عليها العدة.\nوقال الحسن، وقتادة، وعطاء الخراساني، والربيع، ومقاتل بن حيان: هو الرجل يطلق\n_________\n(^١٤٣٦) - تفسير الطبري (٥/ ١٤).\n(*) أي في أول عدتها حتى يمكنها الدخول في العدة والشروع فيها فتكون لها محسوبة. النهاية [٤/ ٩].\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"شنان\".\n[¬٢]- في خ: \"الأزدي\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"الدلال\".","vol":"2","page":368},{"text":"ويقول: كنت لاعبا، أو يعتق، أو ينكح ويقول: كنت لاعبًا. فأنزل الله: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾، فألزم الله بذلك.\nوقال ابن مردويه: حدَّثنا إبراهيم بن محمد، حدَّثنا أبو أحمد الصيرفي، حدّثني جعفر بن محمد السمسار، عن إسماعيل بن يحيى، عن سفيان، عن ليث، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: طلق رجل امرأته وهو يلعب، لا يريد الطلاق، فأنزل الله: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾. فألزمه رسول الله، ﷺ الطلاق.\nوقال ابن أبي حاتم (^١٤٣٧): حدَّثنا عصام بن رَوّاد، حدَّثنا آدم، حدثنا المبارك بن فضالة، عن الحسن، هو البصري، قال: كان الرجل يطلق ويقول: كنت لاعبًا، ويعتق ويقول: كنت لاعبًا. وينكح ويقول: كنت لاعبًا. فأنزل الله: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾، وقال رسول الله ﷺ: \"من طلق، أو أعتق، أو نكح أو أكح، جادا أو لاعبًا، فقد جاز عليه\".\nوكذا رواه ابن جرير: من طريق الزهريّ، عن سليمان بن أرقم، عن الحسن- مثله. وهذا مرسل.\nوقد رواه ابن مردويه، من طريق عمرو بن عبيد، عن الحسن، عن أبي الدرداء- موقوفًا عليه. وقال أيضًا (^١٤٣٨):\nحدثنا أحمد بن الحسن بن أيوب، حدثنا يعقوب بن أبي يعقوب، حدثنا يحيى بن عبد الحميد، حدثنا أبو معاوية، عن إسماعيل بن سلمة، عن الحسن، عن عبادة بن الصامت في قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾ قال: كان الرجل على عهد النبي ﷺ، يقول للرجل: زوّجتك بنتي، ثم يقول: كنت لاعبًا. ويقول: قد أعتقت، ويقول: كنت لاعبًا. فأنزل الله: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾، فقال رسول الله ﷺ: \"ثلاث من قالهن لاعبًا أو غير لاعب، فهن جائزات عليه: الطلاق، والعتاق، والنكاح\".\nوالمشهور في هذا الحديث الذي رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة (^١٤٣٩): من طريق عبد\n_________\n(^١٤٣٧) - تفسير ابن أبي حاتم (٢/ ٤٢٥) (٢٢٤٨)، والطبري (٥/ ١٤) ورواه ابن أبي شيبة في المصنف (٤/ ٨١) من طريق آخر، فرواه عن عيسى بن يونس، عن عمرو، عن الحسن، به.\n(^١٤٣٨) - ورواه الحارث بن أبي أسامة في مسنده برقم (٥٠١) \"زوائده\" من طريق آخر، فرواه من طريق ابن لهيعة، عن عبيد الله بن أبي جعفر، عن عبادة بن الصامت به مرفوعًا.\n(^١٤٣٩) - أخرجه أبو داود في الطلاق، باب في الطلاق على الهزل حديث (٢١٩٤)، والترمذي في =","vol":"2","page":369},{"text":"الرحمن بن حبيب بن أَرْدك [¬١]، عن عطاء، عن ابن ماهك، عن أبي هروة قال: قال رسول الله صلى الله عديه وسلم: \"ثلاث [¬٢]، جدّهن جد، وهزلهن جدّ: النكاح، والطلاق، والرجعة\". وقال الترمذي: حسن غريب.\nوقوله: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيكُمْ﴾ أي: في إرساله الرسول بالهدى والبينات إليكم ﴿وَمَا أَنْزَلَ عَلَيكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ﴾ أي السنة ﴿يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ أي: يأمركم وينهاكم ويتوعدكم على ارتكاب المحارم ﴿واتقوا الله﴾: فيما تأتون وفيما تذرون ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمٌ﴾ أي: فلا يخفى عليه شيء من أموركم السرية والجهرية، وسيجازيكم على ذلك.\n﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَينَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾\nقال علي بن أبي طلحة: عن ابن عباس (^١٤٤٠): نزلت هذه الآية في الرجل يطلق امرأته طلقة أو طلقتين، فتنقضي عدتها، ثم يبدو له [أن يتزوجها] [¬٣] وأن يراجعها، وتريد المرأة ذلك، فيمنعها أولياؤها من ذلك، فنهى الله أن يمنعوها.\nوكذا روى العوفي، عنه (^١٤٤١)، [أيضًا] [¬٤].\nوكذا قال مسروق، وإبراهيم النخعي، والزهري، والضحاك: إنها نزلت في ذلك (^١٤٤٢).\n_________\n= الطلاق باب: ما جاء في الجد والهزل في الطلاق حديث (١١٨٤)، وابن ماجه في الطلاق، باب من طلق أو نكح أو راجع لاهيًا حديث (٢٠٣٩)، والحاكم (٢/ ١٩٨)، والبيهقي (٧/ ٣٤٠ - ٣٤١) من طريق عبد الرحمن بن حبيب به.\n(^١٤٤٠) - رواه ابن جرير (٥/ ٢٢) رقم (٤٩٤٠)\n(^١٤٤١) - تفسير ابن جرير (٥/ ٢٢) (٤٩٤١)\n(^١٤٤٢) - تفسير الطبري (٤٩٤٢، ٤٩٤٣، ٤٩٤٤، ٤٩٤٥).\n_________\n[¬١]- في خ: \"أدرك\".\n[¬٢]- في خ: \"ثلاثة\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في خ: \"تزويجها\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"2","page":370},{"text":"وهذا الذي قالوه ظاهر من الآية، وفيها دلالة على أن المرأة لا تملك [أن تزوّج] [¬١] نفسها، وأنه لا بد في تزويجها من ولي، كما قاله الترمذي وابن جرير عند هذه الآية، كما جاء في الحديث: \"لا تزوّج المرأةُ المرأةَ، ولا تزوّج المرأة نفسها، فإن الزانية هي التي تزوج نفسها\" (^١٤٤٣).\nوفي الأثر الآخر (^١٤٤٤) \" لا نكاح إلَّا بولي مرشد وشاهدي عدل\".\nوفي هذه المسألة نزاع بين العلماء محرَّر في موضعه من كتب الفروع، وقد قررنا ذلك في كتاب \"الأحكام\"، ولله الحمد والمنة.\nوقد روي أن هذه الآية نزلت في معقل بن يسار المزني [¬٢] وأخته، فقال البخاري ﵀ في كتابه الصحيح عند [¬٣] تفسير هذه الآية (^١٤٤٥): حدَّثنا عبيد [¬٤] الله بن سعيد، حدَّثنا أَبو عامر العَقَدي [¬٥]، حدَّثنا عبَّاد بن راشد، حدَّثنا الحسن قال [¬٦]: حدثني مَعْقل بن يسار قال: كانت لي [¬٧] أخت تخطب إليَّ.\nقال البخاري: وقال إبراهيم، عن يونس، عن الحسن، حدثني [¬٨] معقل بن يسار (ح) [¬٩].\nوحدثنا أَبو معمر، حدَّثنا عبد الوارث، حدَّثنا يونس، عن الحسن: أن أخت معقل بن يسار طلقها زوجها، فتركها حتَّى انقضت عدتها، فخطبها، فأبى معقل، فنزلت: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾.\n_________\n(^١٤٤٣) - ورواه ابن ماجة في السنن برقم (١٨٨٢) من طريق محمد بن مروان عن هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة مرفوعًا به، وقال البوصيري في الزوائد (٢/ ٨٤): \"هذا إسناد مختلف فيه\".\n(^١٤٤٤) - الشافعي في الأم (٥/ ٢٢). والبيهقي في الكبرى (٧/ ١١٢، ١٢٤). من طريق ابن خثيم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبَّاس موقوفًا.\n(^١٤٤٥) - صحيح البخاري، كتاب التفسير حديث (٤٥٢٩). وسنن أبي داود، كتاب النكاح، باب: في العضل حديث (٢٠٨٧)، وسنن التِّرمِذي، كتاب التفسير، تفسير سورة البقرة حديث (٢٩٨١)، وتفسير الطبري (٥/ ١٧، ١٨) (٤٩٢٧، ٤٩٢٨، ٤٩٢٩، ٤٩٣٠، ٤٩٣١) ولم يعزه المزي في تحفة الأشراف لسنن ابن ماجة.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- في ز، خ: \"عن\".\n[¬٤]- في ز: \"عبد\".\n[¬٥]- في ز، خ: \"العبدي\".\n[¬٦]- سقط من: ز.\n[¬٧]- في خ: \"إلى\".\n[¬٨]- في خ: \"عن\".\n[¬٩]- سقط من: خ.","vol":"2","page":371},{"text":"وهكذا رواه أَبو داود، والتِّرمِذي، [وابن ماجة] وابن أبي حاتم، وابن جرير، وابن مردويه من طرق متعددة، عن الحسن، عن معقل بن يسار - به.\nوصححه التِّرمِذي أيضًا، ولفظه عن معقل بن يسار: أنَّه زوَّج أخته رجلًا من المسلمين على عهد رسول الله ﷺ، فكانت عنده ما كانت، ثم طلقها تطليقة لم يراجعها حتَّى انقضت العدة [¬١]، فهويها وهَوِيته ثم خطبها مع الخُطَّاب، فقال له: يا لُكَع [بن لكع] [¬٢]، أكرمتك بها، وزوَّجتكها، فطلقتها، والله لا ترجع إليك أبدًا آخر ما عليك، قال: فعلم الله حاجته إليها، وحاجتها إلى بعلها، فأنزل الله: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ إلى قوله: ﴿وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾، فلما سمعها معقل قال: سمع لربي وطاعة، ثم دعاه فقال: أزوِّجك وأُكرمك. زاد ابن مردويه: وكفرت عن يميني.\nوروى ابن جرير (^١٤٤٦)، عن ابن جريج قال: هي جُمْل بنت يسار، كانت [¬٣] تحت [¬٤] أبي البَدّاح.\nوقال سفيان الثَّوري (^١٤٤٧): عن أبي إسحاق السبيعي قال: هي فاطمة بنت يسار.\nوهكذا ذكر غير واحد من السلف: أن هذه الآية نزلت في معقل بن يسار وأخته.\nوقال السدي (^١٤٤٨): نزلت في جابر بن عبد الله وابنة عم له. والصحيح الأول، والله أعلم.\nوقوله: ﴿يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ أي: هذا الذي نهيناكم عنه مِن منْع الولايا أن يتزوّجن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف يأتمر به ويتعظ به وينفعل له ﴿مَنْ كَانَ مِنْكُمْ﴾ أي الناس ﴿يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾] [¬٥] أي: يؤمن بشرع الله ويخاف وعِيد الله وعذابه في الدار الآخرة، وما فيها من الجزاء ﴿ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ﴾ أي: اتباعكم شرع الله في ردّ الموليات إلى أزواجهن، وترك الحمية في ذلك أزكى لكم وأطهر لقلوبكم ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ﴾ أي: من المصالح فيما يأمر به وينهى عنه\n_________\n(^١٤٤٦) - تفسير ابن جرير (٢٠/ ٥) رقم (٤٩٣٣).\n(^١٤٤٧) - تفسير الطبري (٤٩٣٦).\n(^١٤٤٨) - تفسير الطبري (٥/ ٢١) رقم (٤٩٣٩).\n_________\n[¬١]- في ت: \"عدتها\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. وكذا سنن التِّرمِذي.\n[¬٣]- في خ: \"كاتب\".\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"2","page":372},{"text":"﴿وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ أي: الخيرة فيما تأتون، ولا فيما تذرون.\n﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَينِ كَامِلَينِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إلا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٣٣)﴾\nهذا إرشاد من الله تعالى للوالدات أن يرضعن أولادهن كمال الرضاعة، وهي سنتان، فلا اعتبار بالرضاعة بعد ذلك، ولهذا قال: ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ وذهب أكثر الأئمة إلى [¬١] أنَّه لا يحرم من الرضاعة إلَّا ما كان دون الحولين، فلو ارتضع المولود وعمره فوقهما [¬٢] لم يحرم.\nقال التِّرمِذي (^١٤٤٩): (باب ما جاء أن الرضاعة لا تحرم إلَّا في الصغر دون الحولين) حدَّثنا قتيبة، حدَّثنا أَبو عوانة، عن هشام بن عروة [¬٣]، عن فاطمة بنت المنذر، عن أم سلمة قالت: قال رسول الله ﷺ: \"لا يحرم من الرضاع إلَّا مما [¬٤] فتق الأمعاء في الثدي وكان قبل الفطام\".\nوقال [¬٥] هذا حديث حسن صحيح، والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب رسول الله ﷺ، وغيرهم: أن الرضاعة لا تحرم إلَّا ما [¬٦] كان دون الحولين، وما كان بعد الحولين الكاملين فإنه لا يحرم شيئًا. وفاطمة بنت المنذر [بن الزُّبَير] [¬٧] بن العوام، وهي امرأة هشام بن عروة.\n(قلت): تفرَّد التِّرمِذي برواية هذا الحديث، ورجاله على شرط الصحيحين، ومعنى قوله: \"إلَّا مما كان في الثدى\" أي: في محل [¬٨] الرضاعة قبل الحولين، كما جاء في الحديث الذي\n_________\n(^١٤٤٩) - سنن الترمذي، كتاب الرضاع برقم (١١٥٢).\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- في ز: \"فوقها\".\n[¬٣]- في بعض نسخ التِّرمِذي: \"عن أبيه\".\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- في خ: \"من\".\n[¬٧]- في خ: \"بن أبي الزبير\".\n[¬٨]- في ز: \"حال\".","vol":"2","page":373},{"text":"رواه أحمد (^١٤٥٠)، عن وكيع وغُنْدَر، عن شعبة، عن عدي بن ثابت، عن البراء بن عازب قال: لما مات إبراهيم ابن النبي ﷺ قال: \"إن له مرضعًا في الجنَّة\".\nوهكذا أخرجه البخاري من حديث شعبة.\nوإنما قال ﵇ ذلك، لأن ابنه إبراهيم [﵇] [¬١] مات وله [¬٢] سنة و[¬٣] عشرة أشهر، فقال: \"إن له مرضعًا في الجنَّة\" يعني [¬٤]: تكمل رضاعه.\nويؤيده ما رواه الدارقطني (^١٤٥١) من طريق الهيثم بن جميل، عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن ابن عبَّاس قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا يُحرّم من الرضاع إلَّا ما كان في الحولين\"، ثم قال: و[¬٥] لم يسنده عن ابن عيينة غير الهيثم بن جميل، وهو ثقة حافظ.\n(قلت): وقد رواه الإِمام مالك في الموطأ (^١٤٥٢)، عن ثور بن يزيد [¬٦]، عن ابن عبَّاس - مرفوعًا. ورواه الدراوردي، عن ثور، عن عكرمة، عن ابن [¬٧] عبَّاس [¬٨] و[¬٩] زاد: \"وما كان بعد الحولين فليس بشيء\"، وهذا أصح.\nوقال أَبو دواد الطالسي (^١٤٥٣)، عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا رضاع بعد فصال، ولا يُتْمَ بعد احتلام [¬١٠] \"، وتمام الدلالة من هذا الحديث في قوله تعالى: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَينِ أَنِ اشْكُرْ لِي﴾ وقال: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾. والقول بأن الرضاعة لا تحرم بعد الحولين مروى [¬١١] عن علي وابن عبَّاس، وابن مسعود، وجابر، وأبي هريرة [وابن عمر] [¬١٢] وأُمّ سلمة، وسعيد بن المسيب، وعطاء، والجمهور، وهو مذهب\n_________\n(^١٤٥٠) - المسند (٤/ ٣٠٠)، وصحيح البخاري، كتاب الجنائز برقم (١٣٨٢).\n(^١٤٥١) - سنن الدارقطني (٤/ ١٧٤).\n(^١٤٥٢) - الموطأ (٢/ ٦٠٢).\n(^١٤٥٣) - مسند الطيالسي حديث (١٧٦٧)\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- سقط من: خ.\n[¬٤]- سقط من: خ.\n[¬٥]- سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- في ز، خ: زيد.\n[¬٧]- سقط من: خ.\n[¬٨]- سقط من: ز، خ.\n[¬٩]- سقط من: خ.\n[¬١٠]- في ز، خ: \"أحلام\".\n[¬١١]- في ت: \"يروى\".\n[¬١٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"2","page":374},{"text":"الشَّافعي، وأحمد، وإسحاق، والثوري، وأبي يوسف، ومحمد، ومالك في رواية، و[¬١] عنه أن مدته سنتان وشهران، وفي رواية: وثلاثة أشهر.\nوقال أَبو حنيفة: سنتان وستة أشهر.\nوقال زُفَر بن الهُذَيل: ما دام يرضع فإلى ثلاث سنين، وهذا رواية عن الأوزاعي.\nقال مالك: ولو فطم الصبي دون الحولين فأرضعته امرأة بعد فصاله لم يحرم، لأنه قد صار بمنزلة الطعام، وهو رواية عن الأوزاعي، وقد روي عن عمر وعلي أنهما قالا: لا رضاع بعد فصال، فيحتمل أنهما أرادا الحولين كقول الجمهور، سواء فطم أو لم يفطم، ويحتمل أنهما أرادا الفعل، كقول مالك، والله أعلم.\nوقد روي في الصحيح [¬٢] عن عائشة (^١٤٥٤) ﵂: أنَّها كانت ترى رضاع الكبير يؤثر في التحريم، وهو قول عطاء بن أبي رباح والليث بن سعد، وكانت عائشة تأمر بمن تختار أن يدخل عليها من الرجال لبعض نسائها فترضعه، وتحتج في ذلك بحديث سالم مولى أبي حذيفة، حيث أمر النبي ﷺ امرأة أبي حذيفة أن ترضعه، وكان كبيرًا، فكان يدخل عليها بتلك الرضاعة، وأبي ذلك سائر أزواج النبي ﷺ، ورأين ذلك من الخصائص، وهو قول الجمهور.\nوحجة الجمهور - منهم الأئمة الأربعة، والفقهاء السبعة، والأكابر من الصحابة، وسائر أزواج [¬٣] رسول الله ﷺ سوى عائشة - ما ثبت في الصحيحين (^١٤٥٥)، عن عائشة أن رسول الله ﷺ قال: \"انظْرنَ من إخوانكن، فإنما الرضاعة من المجاعة\".\nوسيأتي الكلام على مسائل الرضاع وفيما يتعلق برضاع الكبير عند قوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾.\nوقوله: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي: وعلى والد الطفل نفقة الوالدات وكسوتهن بالمعروف، أي: بما جرت به عادة أمثالهن في بلدهن من غير إسراف، ولا إقتار، بحسب قدرته في يساره وتوسطه وإقتاره، كما قال تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ\n_________\n(^١٤٥٤) - صحيح مسلم حديث ٣٠ - (١٤٥٥).\n(^١٤٥٥) - صحيح البخاري، كتاب الشهادات، كتاب: الشهادة على الأنساب … حديث (٢٦٤٧)، صحيح مسلم، كتاب الرضاع حديث (١٤٥٥).\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- في ت: \"الصحيحين\".\n[¬٣]- في خ: \"أصحاب\".","vol":"2","page":375},{"text":"مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ قال الضحاك: إذا طلَّق زَوْجَته وله منها ولد، فأرضعت له ولده، وجب على الوالد نفقتها وكسوتها بالمعروف.\nوقوله: ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾ أي: لا تدفعه عنها لتضر أباه بتربيته، ولكن ليس لها دفعه إذا [¬١] ولدته حثى تسقيه اللَّبَأ الذي لا يعيش بدون تناوله غالبًا، ثم بعد هذا لها دفعه عنها إذا [¬٢] شاءت، ولكن إن كانت مضارة لأبيه فلا يحل لها ذلك، كما لا يحل له انتزاعه منها لمجرد الضرار لها؛ ولهذا قال: ﴿وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ﴾ بولده أي: بأن يريد أن ينتزع الولد منها إضرارًا بها، قاله مجاهد وقَتَادة والضحاك، والزهري، والسدي، والثوري، وابن زيد، وغيرهم.\nوقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ قيل: في عدم الضرار لقريبه [¬٣] قاله مجاهد والشعبي، والضحاك.\nوقيل: عليه مثل ما على والد الطفل من الإِنفاق على والدة الطفل، والقيام بحقوقها، وعدم الإِضرار بها، وهو قول الجمهور.\nوقد استقصى [¬٤] ذلك ابن جرير في تفسيره. وقد استدل بذلك من ذهب من الحنفية والحنبلية إلى وجوب نفقة الأقارب بعضهم على بعض، وهو مروي عن عمر بن الخطاب وجمهور السلف، ويُرَشَّح ذلك [¬٥] بحديث الحسن عن سَمُرة مرفوعًا: \"من ملك ذا رَحِم مَحْرَمٍ عتق عليه\" (^١٤٥٦).\nوقد ذكر أن الرضاعة بعد الحولين ربما ضرت الولد؛ إما في بدنه، أو عقله.\nو[¬٦] قال سفيان الثَّوري، عن الأعمش عن إبراهيم، عن علقمة: أنَّه رأى امرأة ترضع بعد\n_________\n(^١٤٥٦) - رواه أَبو داود في كتاب العتق، باب: فيمن ملك ذا رحمٍ محرم حديث (٣٩٤٩)، والتِّرمِذي في الأحكام، باب: فيمن ملك ذا رحم محرم حديث (١٣٦٥) من طريق عاصم الأحول عن الحسن به، ورواه النَّسائي في الكبرى (٣/ ١٧٣)، ورواه ابن ماجة في العتق، كتاب: من ملك ذا رحيم حديث (٢٥٢٤) وقال الترمذي: \"هذا حديث لا نعرفه مسندًا إلَّا من حديث حمَّاد بن سلمة، وقد روى بعضهم هذا الحديث عن قَتَادة عن الحسن، عن عمر شيئًا من هذا\". ولفظه عندهم: \"من ملك ذا رحم محرم فهو حر\".\n_________\n[¬١]- في خ: \"إن\".\n[¬٢]- في ز: \"إن\".\n[¬٣]- في خ: \"تقريبه\".\n[¬٤]- في ز: بياض، خ: \"روى\".\n[¬٥]- سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- في ز: \"وقد\".","vol":"2","page":376},{"text":"الحولين فقال: لا ترضعيه.\nوقوله: ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيهِمَا﴾ أي: فإن اتفق والدا [¬١] الطفل على فطامه قبل الحولين، ورأيا في ذلك مصلحة له، وتشاورا في ذلك واجتمعا [¬٢] عليه، فلا جناح عليهما في ذلك، فيؤخذ منه: أن انفراد أحدهما بذلك دون الآخر لا يكفي، ولا يجوز لواحد منهما أن يستبدَّ بذلك من غير مشاورة الآخر، قاله الثَّوري وغيره.\nوهذا فيه احتياط للطفل، والزام للنظر في أمره، وهو من رحمة الله بعباده، حيث حجر على الوالدين في تربية طفلهما، وأرشدهما إلى ما يصلحهما ويصلحه [¬٣]، كما قال في سورة الطلاق: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَينَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾.\nوقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيتُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي: إذا اتفقت الوالدة والوالد على أن يتسلم منها الولد؛ إما لعذر [¬٤] منها أو عذر [¬٥] له، فلا جناح عليهما في بذله، ولا عليه في قبوله منها إذا سلمها أجرتها الماضية بالتي هي أحسن، واسترضع لولده غيرها بالأجرة بالمعروف. قاله غير واحد.\nوقوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ أي: في جميع أحوالكم ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ أي: فلا يخفى عليه شيء من أحوالكم واقوالكم.\n﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٣٤)﴾\nهذا أمر من الله للنساء اللاتي يتوفى عنهن أزواجهن أن: يعتددن أربعة أشهر وعشر ليال، وهذا الحكم يشمل الزوجات المدخول بهن وغير المدخول بهن بالإِجماع، ومستنده في غير المدخول بها عموم الآية الكريمة، وهذا الحديث الذي رواه الإِمام أحمد وأهل السنن وصححه التِّرمِذي (^١٤٥٧): أن ابن مسعود سئل عن رجل تزوج امرأة فمات عنها، ولم يدخل بها ولم\n_________\n(^١٤٥٧) - المسند (٤/ ٢٨٠) (١٨٥١٢)، ورواه أَبو داود (٢/ ٢٣٧) حديث (٢١١٤) في كتاب النكاح =\n_________\n[¬١]- في خ: \"والد\".\n[¬٢]- في ت: \"وأجمعا\".\n[¬٣]- سقط من: خ.\n[¬٤]- في ز، خ: \"بعذر\".\n[¬٥]- في ت: \"لعذر\".","vol":"2","page":377},{"text":"يفرض لها؛ فترددوا إليه مرارًا [¬١] في ذلك، فقال: أقول فيها برأي، فإن يك [¬٢] صوابًا فمن الله، وإن يك [¬٣] خطأ فمني ومن الشيطان، [والله ورسوله بريئان منه] [¬٤]: لها الصداق كاملًا.\nوفي لفظ: لها صداق مثلها، لا وكس، ولا شَطَطَ (*)، وعليها العدّة، ولها الميراث، فقام معقل بن يسار الأشجعي فقال: سمعت رسول الله ﷺ قضى به في بَرْوَعَ بنت وَاشِق؛ ففرح عبد الله بذلك فرحًا شديدًا.\nوفي رواية: فقام رجال من أشجع فقالوا: نشهد أن رسول الله ﷺ قضى به في بَرْوَع بنت وَاشِق.\nولا يخرج من ذلك إلا المتوفَّى عنها زوجها وهي حامل، فإن عدتها بوضع الحمل، ولو لم تمكث بعده سوى لحظة العموم قوله: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾، وكان ابن عبَّاس يرى أن عليها أن تتربص بأبعد الأجلين من الوضع، أو أربعة أشهر وعشر للجمع بين الآيتين، وهذا مأخذ جيد ومسلك قوي، لولا ما ثبتت به السنة في حديث سُبَيعة الأسلمية المخرَّج في الصحيحين من غير وجه (^١٤٥٨): أنَّها [¬٥] توفي عنها زوجها سعد بن خولة، وهي حامل، فلم تنشب (**) أن وضعت حملها بعد وفاته. وفي رواية: فوضعت حملها بعده بليال، فلما تَعَلَّتْ (* * *) من نفاسها تجملت للخُطَّاب، فدخل عليها أَبو السنابل بن بَعْكَك\n_________\n= باب: فيمن تزوج ولم يسم طلاقًا حتَّى مات. والتِّرمِذي (٣/ ٤٥٠) حديث (١١٤٥) في كتاب النكاح، وباب: ما جاء في الرجل يزوج المرأة فيموت عنها قبل أن يطرص لها. والنَّسائي (٦/ ١٢١ - ١٢٢) في كتاب النكاح، باب: إباحة التزويج بغير طلاق. وابن ماجة (١/ ٦٠٩) حديث (١٨٩١) في كتاب النكاح، باب: الرجل يتزوج ولا يفرض لها فيموت على ذلك. والطبراني في الكبير (٢٠/ ٢٣١ - ٢٣٢) حديث (٥٤٢ - ٥٤٦). وصححه الشيخ الألباني انظر الإرواء (١٩٣٩).\n(*) الوكس: النقص. والشطط: الجور.\n(^١٤٥٨) - صحيح البخاري، كتاب الطلاق حديث (٥٣١٩)، وصحيح مسلم، كتاب الطلاق حديث (١٤٨٤).\n(**) أي: لم تلبث.\n(* * *) أي ارتفعت وطُهرت. ويجوز أن يكون من قولهم: تعلى الرجل من علته إذا برأ منها. أي خرجت من نفاسها وسلمت. (النهاية ٣/ ٢٩٣).\n_________\n[¬١]- في ز: \"شهرًا\".\n[¬٢]- في خ: \"يكن\".\n[¬٣]- في خ: \"يكن\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- في ز: \"أنَّه\".","vol":"2","page":378},{"text":"فقال لها: ما لي أراك متجملة؟ لعلك ترجين النكاح؟! والله ما أنت بناكح حتَّى يمر عليك أربعة أشهر وعشر. قالت سبيعة: فلما قال لي ذلك جمعتُ عليَّ ثيابِي حين أمسيت، فأتيت رسول الله ﷺ فسألته عن ذلك، فأفتاني بأني قد حَلَلتُ حين وضعتُ حملي [¬١]، وأمرني بالتزويج إن بدا لي.\nقال أَبو عمر بن عبد البر: وقد روي أن ابن عبَّاس رجع إلى حديث سُبَيعة، يعني: لما احْتُجَّ عليه به. قال: ويصحح ذلك عنه أن أصحابه أفتوا بحديث سبيعة، كما هو قول أهل العلم قاطبة.\nوكذلك يُستثنى من ذلك الزوجة إذا كانت أَمَةً، فإن عدتها على النصف من عدة الحرة، [شهران وخمس ليال، على قول الجمهور، لأنها لما كانت على النصف من الحرة] [¬٢] في الحد، فكذلك فلتكن على النصف منها [¬٣] في العدّة.\nومن العلماء - كمحمد بن سيرين وبعض الظاهرية - من يسوي بين الزوجات الحرائر والإِماء في هذا المقام؛ لعموم الآية، ولأن العدة من باب الأمور الجِبِلِّيَّة التي تستوي فيها الخليقة.\nوقد ذكر سعيد بن المسيب وأَبو العالية وغيرهما: أن الحكمة في جعل عدة الوفاة أربعة أشهر وعشرًا، لاحتمال اشتمال الرحم على حمل، فإذا انتظر به هذه المدة ظهر إن كان موجودًا، كما جاء في حديث ابن مسعود الذي في الصحيحين وغيرهما (^١٤٥٩): \" إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يومًا [¬٤]، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث إليه الملكُ فينفخ فيه الروح\"، فهذه ثلاث أربعينات بأربعة أشهر والاحتياط بعشر بعدها لما قد ينقص بعض الشهور، ثم لظهور الحركة بعد نفخ الروح فيه، والله أعلم.\nقال سعيد بن أبي عروبة، عن قَتَادة: سألت سعيد بن المسيب: ما بال العشرة؟ قال: فيه ينفخ الروح.\nوقال الربيع بن أَنس: قلت لأبي العالية: لم صارت هذه العشر مع الأشهر الأربعة؟ قال: لأنه ينفخ فيه الروح.\n_________\n(^١٤٥٩) - صحيح البخاري، كتاب بدء الخلق حديث (٣٢٠٨)، وأطرافه (٣٠٨٥، ٦١٠٥، ٦٩٠٠)، وصحيح مسلم، كتاب القدر حديث (٢٦٤٣). ورواه أَبو داود في القدر حديث (٤٧٨١)، والترمذي في القدر حديث (٢٠٦٣).\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٣]- في خ: \"من الحرة\".\n[¬٤]- في ت: نطفة.","vol":"2","page":379},{"text":"رواهما ابن جرير، ومن هاهنا ذهب الإِمام أحمد في رواية عنه إلى أن عدة أم الولد عدة الحرة هاهنا؛ لأي صارت فِراشا كالحرائر [¬١]، وللحديث الذي رواه الإِمام أحمد (^١٤٦٠)، عن زيد في هارون، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قَتَادة، عن رجاء بن حيوة، عن قبيصة بن ذؤيب، عن عمرو بن العاص أنَّه قال: لا تَلبِّسُوا (٥) علينا سنة نبيِّنا، عدة أم الولد إذا توفي عنها سيدها أربعة أشهر وعشر.\nورواه أَبو داود عن قتيبة [¬٢]، عن غندر، وعن ابن المثنى [¬٣]، عن عبد الأعلى، وابن ماجة عن عليِّ بن محمد، عن الربيع [¬٤]، ثلاثتهم، عن سعيد بن أبي عروبة، عن مطر الوراق، عن رجاء بن حيوة، عن قبيصة، عن عمرو بن العاص فذكره.\nوقد روي عن الإِمام أحمد أنَّه أنكر هذا الحديث، وقيل: إن قبيصة لم يسمع عمرًا، وقد ذهب إلى القول بهذا الحديث طائفة من السلف، منهم سعيد بن المسيب ومجاهد، وسعيد بن جبير، والحسن، وابن سيرين، وأَبو عياض، والزهري، وعمر بن عبد العزيز، وبه كان يأمر يزيد بن عبد الملك بن مروان، وهو أمير المؤمنين، وبه يقول الأوزاعي وإسحاق بن راهويه، وأحمد بن حنبل في رواية عنه، وقال طاوس وقَتَادة: عدة أم الولد إذا توفي عنها سيدها نصف عدة الحرة، شهران وخمس ليال.\n_________\n(^١٤٦٠) - المسند (٤/ ٢٠٣) (١٧٨٥٥). والحدث أخرجه أَبو داود (٢/ ٢٩٤) حديث (٢٣٠٨) في كتاب الطلاق، باب: في عدة أم الولد. وابن ماجة (١/ ٦٧٣) حديث (٢٠٨٣) في كتاب الطلاق، باب: عدة أم الولد. وابن حبان كما في موارد الظمآن (١٣٣٣). والحاكم (٢/ ٢٠٩) وقال: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي. والبيهقي (٧/ ٤٤٧)، باب: استبراء أم الولد. وقال البيهقي: ورواه سليمان عن موسى، عن رجاء بن حيوة، عن قبيصة، عن عمرو موقوفًا أيضًا، ورفعه قَتَادة ومطر، والموقوف أصح. وقبيصة لم يسمع من عمرو. ورواه الدارقطني حديث ٢٤٦ (٣/ ٣٠٩). وأَبو يعلى حديث ٧٣٤٩، و٧٣٣٨، ورواه ابن أبي شيبة في الطلاق (٥/ ١٦٢). وابن حزم في المحلى (١١/ ٣٠٤). وقال البيهقي: وأخبرنا أَبو بكر بن الحارث الفقيه قال: قال أبو الحسن الدارقطني الحافظ: قبيصة لم يسمع من عمرو، والصواب: لا تلبسوا علينا ديننا - موقوف -. والحديث ذكره عبد الله في العلل قال: حدثني أبي، قال: حدَّثنا الوليد، عن سعيد بن عبد العزيز، عن سليمان بن موسى، عن رجاء بن حيوة، عن قبيصة بن ذئيب، عن عمرو ابن العاص قال: عدة أم الولد عدة الحرة. قال عبد الله: قال أبي: قلت للوليد: من حدثكم؟ قال: سعيد. قال أبي: هذا حديث منكر. وروى البيهقي عن أحمد أنَّه قال: هذا حديث منكر.\n(*) اللبس: اختلاط الأمر.\n_________\n[¬١] في خ: \"للحرائر\".\n[¬٢] في ز، خ: \"مثنى\".\n[¬٣]- في خ: \"حذيفة\".\n[¬٤]- في ز، خ: \"وكيع\".","vol":"2","page":380},{"text":"وقال أبو حنيفة وأصحابه، والثوري والحسن بن صالح بن حيي: تعتد بثلاث حِيَض، وهو قول علي، وابن مسعود، وعطاء، وإبراهيم النخعي، وقال مالك والشافعي وأحمد في المشهور عنه: عدتها حيضة، وبه يقول ابن عمر والشعبي، ومكحول والليث، وأبو عبيد، وأبو ثور، والجمهور.\nقال الليث: ولو مات وهي حائض أجزأتها. وقال مالك: فلو كانت ممن لا تحيض فثلاثة أشهر. وقال الشافعي والجمهور: شهر، وثلاثةٌ أحبُّ إلي. والله أعلم.\nوقوله: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ يستفاد من هذا وجوب الإِحداد على المتوفى عنها زوجها مدة عدتها لما ثبت في الصحيحين من غير وجه (^١٤٦١) أعن أم حبيبة، وزينب بنت جحش، أمي المؤمنين] [¬١]، من رسول الله ﷺ قال: \"لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشرًا\". وفي الصحيحين أيضًا عن أم سلمة (^١٤٦٢)، أن امرأة قالت: يا رسول الله، إن ابنتي توفي عنها زوجها وقد اشتكت عينها، أفنكحلها؟ فقال: \"لا\"، كل ذلك يقول: \"لا\"، مرتين أو ثلاثا - ثم قال: \"إنما هي أربعة أشهر وعشر، وقد كانت إحداكن في الجاهلية يمكث سنة\"، قالت زينب بنت أم سلمة: كانت المرأة إذا توفي عنها زوجها دخلت حِفْشًا (*)، ولبست شر [¬٢] ثيابها، ولم تمس طيبًا ولا شيئًا حتى تمر بها سنة، ثم تخرج فتُعطى بعرة فترمي بها، ثم تؤتى بدابة حمار أو شاة أو طير فتفتض له، فقلما تفتض بشيء إلا مات.\nومن هاهنا ذهب كثيرون [¬٣] من العلماء إلى أن هذه الآية ناسخة للآية التي بعدها، وهي قوله: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيرَ إِخْرَاجٍ﴾ الآية، كما قاله ابن عباس وغيره، وفي هذا نظر كما سيأتي تقريره.\nوالغرض أن الإِحداد هو عبارة عن ترك الزينة من الطب، ولبس ما يدعوها إلى الأزواج، من\n_________\n(^١٤٦١) - صحيح البخاري، كتاب الطلاق، حديث (٥٣٣٧)، وصحيح مسلم، كتاب الطلاق حديث (١٤٨٦) من حديث زينب بنت جحش ﵂، وصحيح البخاري، كتاب الطلاق برقم (٥٣٣٤)، وصحيح مسلم برقم (١٤٨٦) من حديث أم حبيبة ﵂.\n(^١٤٦٢) - صحيح البخاري، كتاب الطلاق رقم (٥٣٣٦)، وصحيح مسلم، كتاب الطلاق رقم (١٤٨٨).\n(*) - أي بيتًا صغيرًا حقيرًا قريب السقف.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين زيادة من: خ.\n[¬٢]- مكانها في ز، خ: بياض.\n[¬٣]- في خ: \"كثير\".","vol":"2","page":381},{"text":"ثياب وحلي وغير ذلك، وهو واجب في عدة [¬١] الوفاة، قولًا واحدًا، ولا يجب [¬٢] في عدة الرجعية قولا واحدًا، وهل يجب في عدة البائن؟ فيه قولان:\nويجب الإحداد على جميع الزوجات المتوفى عنهن أزواجهن، سواء في ذلك الصغيرة والآيسة، والحرة، والأمَة، والمسلمة، والكافرة، لعموم الآية [¬٣].\nوقال الثوري وأبو حنيفة وأصحابه: لا إحداد [¬٤] على الكافرة. وبه يقول أشهب، وابن [¬٥] نافع من أصحاب مالك، وحجة قائل هذه المقالة قوله ﷺ: \"لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشرًا\". قالوا: فجعله تعبدًا، وألحق أبو حنيفة وأصحابه و[¬٦] الثوري الصغيرة بها لعدم التكليف، وألحق أبو حنيفة وأصحابه الأمَةَ المسلمة لنقصها، ومحل تقرير ذلك كله في كتب الأحكام والفروع، والله الموفق للصواب.\n[وقوله: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ أي: انقضت عدتهن، قاله الضحاك والربيع بن أنس ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيكُمْ﴾ قال الزهري: أي على أوليائها ﴿فِيمَا فَعَلْنَ﴾ يعني: النساء التي انقضت عدتهن، قال العوفي، عن ابن عباس: إذا طلقت المرأة أو مات عنها زوجها فإذا انقضت عدتها فلا جناح عليها أن تتزين وتتصنع وتتعرض للتزوبج، فذلك المعروف.\nوروي عن مقاتل بن حيان نحوه، وقال ابن جريج، عن مجاهد ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ قال: هو النكاح الحلال الطيب. وروي عن الحسن والزهري والسدى نحو ذلك] [¬٧].\n﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إلا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (٢٣٥)﴾\nيقول تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيكُمْ﴾ أن تعرضوا بخطبة النساء في عدتهن من وفاة أزواجهن\n_________\n[¬١]- في ز: \"هذه\".\n[¬٢]- في ز: \"تجب\".\n[¬٣]- مكانها في ز: بياض.\n[¬٤]- في ت: \"حداد\".\n[¬٥]- مكانها في ز: بياض.\n[¬٦]- سقط من: ز.\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"2","page":382},{"text":"من غير تصريح.\nقال الثوري وشعبة وجرير وغيرهم، عن منصور، عن مجاهد، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ قال: التعريض أن يقول [¬١]: إني أريد التزويج، وإني أحب امرأة، من أمرها، ومن [¬٢] أمرها، يعرض لها بالقول بالمعروف.\n[وفي رواية: وددت إن الله رزقني امرأة ونحو هذا، ولا] [¬٣] ينصب [¬٤] للخطبة [¬٥]. وفي رواية: إني لا أريد أن أتزوج غيرك أن شاء الله، ولوددت أني وجدت امرأة صالحة، ولا ينصب [¬٦] لها ما دامت في عدتها.\nورواه البخاري تعليقًا (^١٤٦٣) فقال: وقال لي طلق بن غنام، عن زائدة، عن منصور، عن مجاهد، عن ابن عباس ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ هو أن يقول: إني أريد التزويج، وإن النساء لَمِنْ حاجتي، ولوددت أن [¬٧] يُيَسَّرَ لي امرأة صالحة.\nوهكذا قال مجاهد وطاوس، وعكرمة، وسعيد بن جبير، وإبراهيم النخعي، والشعبي والحسن، وقتادة، والزهري، ويزيد بن قسيط، ومقاتل بن حيان، والقاسم بن محمد، وغير واحد من السلف والأئمة في التعريض: إنه يجوز للمتوفى عنها زوجها من غير تصريح لها [¬٨] بالخطبة، وهكذا حُكْمُ المطلقة المبتوتة يجوز التعريض لها، كما قال النبي ﷺ لفاطمة بنت قيس - حين طلقها زوجها أبو عمرو بن حفص آخر ثلاث تطليقات، فأمرها أن تعتد في بيت ابن أم مكتوم، وقال لها -: \"فإذا حللت فآذنيني\"، فلما حلت خطب عليها أسامة بن زيد مولاه فزوجها إياه (^١٤٦٤). فأمّا المطلقة الرجعية فلا خلاف في أنه لا يجوز لغير زوجها التصريح بخطبتها ولا [¬٩] التعريض لها، والله أعلم.\nوقوله: ﴿أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ أي: أضمرتم في أنفسكم من [¬١٠] خطبتهن، وهذا كقوله [¬١١]، تعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾، وكقوله: ﴿وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا [¬١٢] أَخْفَيتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ﴾، ولهذا قال: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ﴾ أي:\n_________\n(^١٤٦٣) - صحيح البخاري، كتاب النكاح رقم (٥١٢٤).\n(^١٤٦٤) - رواه مسلم في كتاب الطلاق حديث (١٤٨٠).\n_________\n[¬١]- في ز: \"تقول\".\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٤]- سقط من: خ. ونصب الشيء: أظهره.\n[¬٥]- سقط من: خ.\n[¬٦]- في ز، خ: \"ينصب\".\n[¬٧]- في ز: \"أنه\".\n[¬٨]- سقط من: ز.\n[¬٩]- سقط من خ.\n[¬١٠]- سقط من: ز.\n[¬١١]- في خ: \"قوله\".\n[¬١٢]- في ز: \"ما\".","vol":"2","page":383},{"text":"في أنفسكم، فرفع الحرج عنكم في ذلك، ثم قال: ﴿وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾ قال أبو مجلز وأبو الشعثاء -جابر بن زيد- والحسن البصري، وإبراهيم النخعي، وقتادة والضحاك، والربيع بن أنس، وسليمان التيمي، ومقاتل بن حيان والسدي: يعني الزنى، وهو معنى رواية العوفي عن ابن عباس، واختاره ابن جرير [¬١].\nوقال [¬٢] علي بن أبي طلحة عن ابن عباس (^١٤٦٥): ﴿وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾: لا تقل [¬٣] لها: إني عاشق، وعاهديني أن لا تتزوجي غيري، ونحو هذا.\nوهكذا رُوي عن سعيد بن جبير والشعبي، وعكرمة وأبي الضحى، والضحاك والزهري، ومجاهد والثوري: هو أن يأخذ ميثاقها أن لا تتزوج غيره، وعن مجاهد: هو قول الرجل للمرأة: لا تفوتيني بنفسك فإني ناكحك.\nوقال قتادة: هو أن يأخذ عهد المرأة وهي في عدتها أن لا تنكح غيره، فنهى الله عن ذلك، وقدم فيه وأحل الخطبة والقول بالمعروف.\nوقال ابن زيد: ﴿وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾: أن يتزوجها في العدة سرًّا [¬٤]، فإذا حلت أظهر ذلك.\nوقد يحتمل أن تكون الآية عامة في جميع ذلك، ولهذا قال ﴿إلا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ قال ابن عباس ومجاهد، وسعيد بن جبير، والسدى والثوري، وابن زيد: يعني به ما تقدم من إباحة التعريض، كقوله: إني فيك لراغب ونحو ذلك.\nوقال محمد بن سيرين: قلت لعبيدة: ما معنى قوله: ﴿إلا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ قال: يقول لوليها: لا تسبقني بها، يعني: لا تُزَوِّجْها حتى تُعْلِمَنِي. رواه ابن أبي حاتم.\nوقوله: ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ يعني: ولا تعقدوا العقد بالنكاح حتى تنقضي العدة.\nقال ابن عباس ومجاهد، والشعبي وقتادة، والربيع بن أنس، وأبو مالك، وزيد بن أسلم، ومقاتل بن حيان، والزهري وعطاء الخراساني، والسدي والثوري والضحاك: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ يعني: [ولا تعقدوا العقد بالنكاح] [¬٥] حتى تنقضي العدة.\n_________\n(^١٤٦٥) - تفسير الطبري (٥/ ١٠٧) (٥١٥٤).\n_________\n[¬١]- في ز: \"خزيمة\".\n[¬٢]- في ت: \"قاله\".\n[¬٣]- في ز: \"يقل\".\n[¬٤]- سقط من: ز.\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"2","page":384},{"text":"وقد أجمع العلماء على أنه لا يصح العقد في مدة العدة، واختلفوا فيمن تزوج امرأة في عدتها فدخل بها، فإنه يفرق بينهما، وهل تحرم [¬١] عليه أبدًا؟ على قولين: الجمهور [على] [¬٢] أنها لا تحرم عليه؛ بل له أن يخطبها إذا انقضت عدتها، وذهب الإمام مالك إلى أنها تحرم عليه علي التأبيد، واحتج في ذلك بما رواه عن ابن شهاب وسليمان بن يسار (^١٤٦٦): أن عمر ﵁ قال: أيما امرأة نكحت في عدتها؛ فإن كان [¬٣] زوجها الذي [تزوج بها] [¬٤] لم يدخل بها فرق [¬٥] بينهما، [ثم اعتدت بقية عدتها من زوجها الأول، ثم كان الآخر خاطبًا من الخطاب، وإن كان دخل بها فرق بينهما، ثم اعتدّت بقية عدتها من زوجها الأول] [¬٦]، ثم اعتدّت من الآخر ثم لم ينكحها أبدًا.\nوقالوا [¬٧]: ومأخذ هذا أن الزوج لما استعجل ما أَجَّلَ الله عُوقب بنقيض قصده فحرمت عليه على التأبيد، كالقاتل يحرم الميراث، وقد روى الشافعي هذا الأثر عن مالك. قال البيهقي: وذهب إليه في القديم، ورجع عنه في الجديد؛ لقول علي: إنها تحل له.\n(قلت): [] [¬٨]: ثم هو منقطع عن عمر. وقد روى الثوري، عن أشعث، عن الشعبي، عن مسروق؛ أن عمر رجع عن ذلك، وجعل لها مهرها، وجعلهما يجتمعان.\nوقوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ﴾ توعدهم على مما يقع في ضمائرهم من أمور النساء، وأرشدهم إلى إضمار الخير دون الشر، ثم لم يؤيسهم [¬٩] من رحمته، ولم يقنطهم من عائدته، فقال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾.\n﴿لَا جُنَاحَ عَلَيكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ (٢٣٦)﴾\nأباح ﵎ طلاق المرأة بعد العقد عليها وقبل الدخول بها. قال ابن عباس وطاوس، وإبراهيم والحسن البصري: المس: النكاح، بل ويجوز أن يطلقها قبل الدخول بها والفرض لها أن كانت مفوضة، وإن كان في هذا انكسار لقلبها، ولهذا أمر تعالى لإمتاعها، وهو تعويضها عما\n_________\n(^١٤٦٦) - الموطأ، كتاب النكاح، باب: جامع ما لا يجوز من النكاح (٢/ ٥٣٥) (١١٣٧).\n_________\n[¬١]- في خ: \"يحرم\".\n[¬٢]- سقط من خ.\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- في ز، خ: \"تزوجها\". وفي الموطأ: زوجها.\n[¬٥]- في ز: \"وفرق\".\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٧]- في ز، خ: \"قالوا\".\n[¬٨]- في ت: قال:\n[¬٩]- في خ: \"يوسيهم\".","vol":"2","page":385},{"text":"فاتها بشيء تعطاه من زوجها بحسب حاله على الموسع قدره وعلى المقتر قدره.\nوقال سفيان الثوري، عن إسماعيل بن أمية، عن عكرمة، عن ابن عباس (^١٤٦٧)؛ قال: متعة الطلاق أعلاه الخادم، ودون ذلك الورق، ودون ذلك الكسوة.\nوقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس (^١٤٦٨): إن كان موسرًا متعها بخادم أو شبه [¬١] ذلك، وإن كان معسرًا متَّعها [¬٢] بثلاثة أثواب.\n[وقال الشعبي: أوسط ذلك درع وخمار وملحفة وجلباب،] [¬٣] قال: وكان شريح يمتع بخمسمائة (^١٤٦٩).\nوقال عبد الرزاق (^١٤٧٠): أخبرنا معمر، [عن أيوب، عن ابن سيرين] [¬٤]؛ قال: كان يمتع بالخادم، أو بالنفقة، أو بالكسوة. قال: ومتع الحسن بن علي بعشرة آلاف، ويُروى أن المرأة قالت: متاعٌ قليلٌ من حبيبٍ مفارقٍ.\nوذهب أبو حنيفة ﵀ إلى أنه متى تنازع الزوجان في مقدار المتعة وجب لها عليه نصف مهر مثلها. وقال الشافعي في الجديد: لا يجبر الزوج على قدر معلوم إلا على [¬٥] أقل ما يقع عليه اسم المتعة، وَأحَبُّ ذلك إلى أن يكون أقله ما تجزئ فيه الصلاة، وقال في القديم: لا أعرف في المتعة قدرًا [¬٦] إلا أني أستحسن ثلاثين درهمًا، كما روي عن ابن عمر ﵄ [¬٧].\nوقد اختلف العلماء أيضًا: هل تجب المتعة لكل مطلقة، أو إنما تجب المتعة [¬٨] لغير المدخول بها التي لم يفرض لها؟ على أقوال:\nأحدها: أنها تجب المتعة لكل مطلقة؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا\n_________\n(^١٤٦٧) - ورواه الطبري في تفسيره (٥/ ١٢٣) (٥٢٠٢) من طريق عبد الرزاق له.\n(^١٤٦٨) - تفسير الطبري (٥/ ١٢١) (٥١٩٣).\n(^١٤٦٩) - تفسير الطبري (٥/ ١٢١) (٥١٩٦).\n(^١٤٧٠) - تفسير الطبري (٥/ ١٢١) (٥١٩٧).\n_________\n[¬١]- في ت: \"نحو\".\n[¬٢]- في ز: \"أمتعها\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- في ت، ز: \"عن أيوب بن سيرين\".\n[¬٥]- سقط من: ز.\n[¬٦]- في ز: \"وقتًا\".\n[¬٧]- في ز، خ: \"عنه\".\n[¬٨]- سقط من: ز، خ.","vol":"2","page":386},{"text":"عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ ولقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالينَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ [وقد كن مفروضًا لهن ومدخولًا بهن] [¬١]، وهذا قول سعيد بن جبير، وأبي العالية، والحسن البصري، وهو أحد قولي الشافعي، ومنهم من جعله الجديد الصحيح، والله ﷾ أعلم.\n(القول الثاني): أنها تجب للمطلقة إذا طلقت قبل المسيس، وإن كانت مفروضًا لها؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ قال شعبة وغيره، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب؛ قال: نسخت هذه الآيةُ التي في الأحزاب الآية التي في البقرة.\nوقد روى البخاري في صحيحه (^١٤٧١)، عن سهل بن سعد وأبي أسيد أنهما قالا: تزوج رسول الله ﷺ أميمة بنت شراحيل [¬٢]، فلما أدْخِلَتْ عليه بسط يده إليها، فكأنها كرهت ذلك، فأمر أبا أسيد أن يجهزها ويكسوها ثوبين رازقيين (*).\n(والقول الثالث): أن المتعة إنما تجب للمطلقة إذا لم يدخل بها ولم يفرض لها، فإن كان قد دخل بها وجب لها مهر مثلها إذا كانت مفوضة، وإن كان قد فرض لها وطلقها قبل الدخول وجب لها [¬٣] عليه شطره، فإن دخل بها استقر الجميع وكان ذلك عوضًا لها عن المتعة، وإنما المصابة التي لم يفرض لها ولم يدخل بها، فهذه التي دلت هذه الآية الكريمة على وجوب متعتها، وهذا قول ابن عمر ومجاهد، ومن العلماء من استحبها لكل مطلقة ممن عدا المفوضة المفارقة قبل الدخول، وهذا ليس بمنكور، وعليه تحمل آية التخيير في الأحزاب؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ [¬٤]﴾ ومن العلماء من يقول: أنها مستحبة مطلقًا.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا كثير بن شهاب القزويني، حدثنا محمد بن سعيد بن سابق، حدثنا عمرو -يعني: ابن أبي قيس- عن أبي إسحاق، عن الشعبي قال: ذكروا له المتعة: أيحبس [¬٥] فيها؟ فقرأ: ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ قال الشعبي: والله ما رأيت أحدًا حبس فيها، والله لو كانت واجبة لحبس فيها القضاة.\n_________\n(^١٤٧١) - صحيح البخاري، كتاب الطلاق حديث (٥٢٥٧).\n(*) - الرازقية: ثياب كتان بيض.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٢]- في ت: \"شرحبيل\".\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- في ز، خ: \"المحسنين\".","vol":"2","page":387},{"text":"﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إلا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَينَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٣٧)﴾\nوهذة الآية الكريمة [¬١]، مما يدل على اختصاص المتعة بما دلت عليه الآية الأولى، حيث إنما أوجب في هذه الآية نصف المهر المفروض، إذا [¬٢] طلق الزوج قبل الدخول، فإنه لو كان ثَمَّ واجب آخر من متعة لَبَيَّنَها، لا سيما وقد قرنها بما قبلها من إختصاص المتعة بتلك الآية [¬٣]، والله أعلم.\nوتشطير الصداق [¬٤]- والحالة هذه - أمر مجمع عليه بين العلماء، لا خلاف بينهم في ذلك، فإنه متى كان قد سمَّى لها صداقًا، ثم فارقها قبل دخوله بها، فإنه يجب لها نصف ما سمّى من الصداق، إلا أن عند الثلاثة: أنه يجب جميع الصداق إذا خلا بها الزوج، وإن لم يدخل بها، وهو مذهب الشافعي في القديم، وبه حكم الخلفاء الراشدون. لكن قال الشافعي: أخبرنا مسلم بن خالد، أخبرنا ابن جريج [¬٥]، عن ليث بن أبي سليم، عن طاوس، عن ابن عباس، أنه قال في الرجل يتزوج المرأة فيخلو بها ولا يمسها ثم يطلقها: ليس [لها] [¬٦] إلا نصف الصداق، لأن [¬٧] الله يقول: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ قال الشافعي: هذا أقوى، وهو ظاهر الكتاب.\nقال البيهقي: وليث بن أبي سليم وإن كان غير محتج به فقد رويناه [¬٨] من حديث ابن أبي طلحة عن ابن عباس؛ فهو يقوله.\nوقوله: ﴿إلا أَنْ يَعْفُونَ﴾ أي: النساء عما وجب لها على زوجها من النصف، فلا يجب لها عليه شيء.\nقال السدي، عن أبي صالح، عن ابن عباس في قوله: ﴿إلا أَنْ يَعْفُونَ﴾ قال: إلا أن تعفو الثيب فتدع حقها.\n_________\n[¬١]- في خ: \"الحبس\".\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- في ز، خ: \"الحالة\"\n[¬٤]- في ز: \"الطلاق\".\n[¬٥]- في ز، خ: \"جرير\".\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من خ.\n[¬٧]- في ز، خ: \"ولأن\".\n[¬٨]- في ز: \"روينا\".","vol":"2","page":388},{"text":"قال الإمام أبو محمد بن أبي حاتم ﵀: وروي عن شريح، وسعيد بن المسيب، وعكرمة ومجاهد، والشعبي والحسن، ونافع وقتادة، وجابر بن زيد، وعطاء الخراساني، والضحاك والزهري، ومقاتل بن حيان، وابن سيرين، والربيع بن أنس والسدي نحو ذلك، قال: وخالفهم محمد بن كعب القرظي، فقال: ﴿إلا أَنْ يَعْفُونَ﴾: الرجال، وهو قول شاذ، لم يتابع عليه. انتهى كلامه.\nوقوله: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ قال ابن أبي حاتم: ذُكر عن ابن لهيعة، حدثني عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﷺ قال [¬١]: \"ولي عقدة النكاح الزوج\".\nوهكذا أسنده ابن مردويه من حديث عبد الله بن لهيعة، به (^١٤٧٢).\n[وقد أسنده ابن جرير (^١٤٧٣)، عن ابن لهيعة، عن عمرو بن شعيب] [¬٢]؛ أن رسول الله ﷺ فذكره، ولم يقل: عن أبيه عن جده، فالله أعلم.\nثم قال ابن أبي حاتم ﵀ (^١٤٧٤): وحدثنا يونس بن حبيب، حدثنا أبو داود، حدثنا جرير [¬٣]-يعني: ابن أبي [¬٤] حازم- عن عيسى -يعني: ابن عاصم- قال: سمعت شريحًا يقول: سألني علي بن أبي طالب عن الذي بيده عقدة النكاح. فقلت له: هو ولي المرأة. فقال علي: لا؛ بل هو الزوج.\nثم قال: وفي إحدى الروايات عن ابن عباس، وجبير بن مطعم، وسعيد بن المسيب، وشريح في أحد قوليه، وسعيد بن جبير، ومجاهد والشعبي، وعكرمة ونافع، ومحمد بن سيرين، والضحاك ومحمد بن كعب القرظي، وجابر بن زيد، وأبي مجلز، والربيع بن أنس، وإياس بن معاوية، ومكحول ومقاتل بن حيان أنه الزوج.\n(قلت): وهذا هو الجديد من قول الشافعي، ومذهب أبي حنيفة وأصحابه والثوري وابن شبرمة والأوزاعي، واختاره ابن جرير، ومأخذ هذا القول أن الذي بيده عقدة النكاح حقيقةً\n_________\n(^١٤٧٢) - ورواه الدارقطني في السنن (٣/ ٢٧٩) من طريق قتيبة عن ابن لهيعة به، وذكر البيهقي في السنن الكبرى (٨/ ٢٥١) وقال: \"هذا غير محفوظ، وابن لهيعة غير محتج به، والله أعلم\".\n(^١٤٧٣) - تفسير الطبري (١٥٧١٥) (٥٣٥٥).\n(^١٤٧٤) - ورواه ابن جرير (٥/ ١٥١) (٥٣١٦، ٥٣١٩).\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٣]- في ت: \"جابر\".\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.","vol":"2","page":389},{"text":"الزوجُ، فإن بيده عقدها وإبرامها ونقضها وانهدامها، وكما أنه لا يجوز للولي أن يهب شيئًا من مال المولية للغير فكذلك في الصداق.\nقال: والوجه الثاني: حدثنا أبي، حدثنا ابن أبي مريم، حدثنا محمد بن مسلم، حدثنا عمرو بن دينار، عن ابن عباس ﵄ في الذي ذكر الله بيده عقدة النكاح- قال: ذلك أبوها، أو أخوها، أو من لا تُنكح إلا بإذنه.\nوروي عن علقمة والحسن، وعطاء وطاوس، والزهري وربيعة، وزيد بن أسلم، وإبراهيم النخعي، وعكرمة في أحد قوليه، ومحمد بن سيرين في أحد قوليه: أنه الولي، وهذا مذهب مالك، وقول الشافعي القديم، ومأخذه أن الولي هو الذي أكسبها اياه، فله التصرف فيه بخلاف سائر مالها.\nوقال ابن جرير (^١٤٧٥): حدَّثنا سعيد بن الرببع الرازي، حدَّثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة قال: أذن الله في العفو وأمر به، فأيُّ امرأةٍ عَفَتْ جاز عفوها، فإن شَحَّتْ وضنَّت عفا وليها، وجاز عفوه.\nوهذا يقتضي صحة عفو الولي وإن كانت رشيدة، وهو مروي عن شريح، لكن أنكر عليه الشعبي، فرجع عن ذلك، وصار إلى أنه الزوج، وكان يباهل عليه.\nوقوله: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ قال ابن جرير؛ قال بعضهم: خوطب به الرجال والنساء.\nحدثني يونس (^١٤٧٦)، أخبرنا ابن وهب، سمعت ابن جريج يحدّث، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ قال: أقربهما للتقوى الذي يعفو.\nوكذا روي عن الشعبي وغيره، وقال مجاهد والنخعي، والضحاك ومقاتل بن حيان، والربيع بن أنس والثوري: الفضل هاهنا أن تعفو المرأة عن شَطْرِها، أو إتمام الرجل الصداق لها، ولهذا قال: ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَينَكُمْ﴾ أي: الإحسان، قاله سعيد. وقال الضحاك وقتادة والسدي وأبو وائل: المعروف: يعني: لا تهملوه [بل استعملوه] [¬١] بينكم.\nوقد قال أبو بكر بن مودويه (^١٤٧٧): حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، حدثنا موسى بن إسحاق، حدثنا عقبة [¬٢] بن مكرم، حدثنا يونس بن بكير، حدثنا عبيد الله بن الوليد الرصافي،\n_________\n(^١٤٧٥) - تفسير الطبري (٥/ ١٥٠) (٥٣١٢).\n(^١٤٧٦) - تفسير الطبري (٥/ ١٦٢) (٥٣٦١).\n(^١٤٧٧) - وقد جاء من وجه آخر، رواه أحمد في المسند (١/ ١١٦)، وأبو داود في البيوع حديث (٣٣٨٢) من طريق أبي عامر المزني، عن شيخ من بني تميم، عن علي موقوفًا عليه بنحوه. وقال المنذري: فيه رجل مجهول.\n_________\n[¬١]- زيادة من ز ..\n[¬٢]- في خ: \"عتبة\".","vol":"2","page":390},{"text":"عن عبد اللَّه بن عبيد، عن علي بن أبي طالب: أن رسول اللَّه ﷺ قال: \"ليأتين على الناس زمان عضوض، يعض المؤمن [¬١] على ما في يده وينسى الفضل، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَينَكُمْ﴾، شرار يبايعون كل مضطر\" وقد نهى رسول اللَّه ﷺ عن بيع المضطر، وعن بيع الغَرر، فإن كان عندك خير فعد به على أخيك، ولا تزده هلاكًا إلى هلاكه؛ فإن المسلم أخو المسلم لا يحزنه ولا يحرمه.\nوقال سفيان عن أبي هارون؛ قال: رأيت عون بن عبد اللَّه في مجلس القرظي، فكان عون يحدثنا - ولحيته ترش من البكاء - ويقول: صحبت الأغنياء فكنت من أكرهم هَمًّا حين رأيتهم أحسن [¬٢] ثيابًا، وأطيب ريحًا، وأحسن مركبًا [¬٣]، وجالست الفقراء فاسترحت بهم، وقال: ﴿وَلَا [¬٤] تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَينَكُمْ﴾ إذا أتاه السائل وليس عنده شيء فَلْيَدْعُ له. رواه ابن أبي حاتم.\n﴿إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [أي: لا يخفى عليه شيء من أموركم وأحوالكم، وسيجزي كل عامل بعمله] [¬٥].\n﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (٢٣٨) فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (٢٣٩)﴾\nيأمر اللَّه [¬٦] تعالى بالمحافظة على الصلوات في أوقاتها، وحفظ حدودها وأدائها في أوقاتها، كما ثبت في الصحيحين عن ابن مسعود (^١٤٧٨) قال: سألت رسول اللَّه ﷺ: أي العمل أفضل؟ قال: \"الصلاة على وقتها\". قلت: ثم أي؟ قال: \"الجهاد في سبيل اللَّه\". قلت: ثم أي؟ قال: \"بر الوالدين\". قال: حدثني بهنَّ رسول اللَّه ﷺ\n_________\n(^١٤٧٨) - صحيح البخاري، كتاب الصلاة، باب: فضل الصلاة لوقتها حديث (٥٢٧، ٥٩٧٠)، وصحيح مسلم، كتاب الإيمان (٨٥).\n_________\n[¬١]- في ز: \"المؤمنين\".\n[¬٢]- في خ: \"أكثر\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"بركًا مني\".\n[¬٤]- في خ: \"لا\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٦]- سقط من: ز.","vol":"2","page":391},{"text":"وسلم، ولو استزدته لزادني.\nوقال الإِمام أحمد (^١٤٧٩): حدثنا يونس، حدثنا ليث، عن عبد اللَّه بن عمر بن حفص بن عاصم، عن القاسم بن غنام، عن جدَّته أم أبيه الدنيا [¬١]، عن جدّته أمّ فروة - وكانت [¬٢] ممن بايع رسول الله ﷺ\n-[أنها سمعت رسول اللَّه ﷺ] [¬٣] وذَكرَ الأعمال فقال: \"إن أحب الاعمال إلى اللَّه تعجيل الصلاة لأوّل وقتها\".\nوهكذا رواه أبو داود والترمذي وقال: لا نعرفه إلا من طريق العمري، وليس بالقوي عند أهل الحديث.\nوخص تعالى من بينها بمزيد التأكيد الصلاةَ الوسطى، وقد اختلف السلف والخلف فيها: أي صلاة هي؟ فقيل: إنها الصبح. حكاه مالك في الموطأ بلاغًا عن علي وابن عباس، وقال هشيم وابن علية وغندر وابن أبي عدي وعبد الوهاب وشريك وغيرهم، عن [¬٤] عوف الأعرابي، عن أبي رجاء العطاردي قال: صليت خلف ابن عباس الفجر فقنت فيها ورفع يديه، ثم قال: هذه الصلاة الوسطى التي أمرنا أن نقوم فيها قانتين. رواه ابن جرير (^١٤٨٠).\nورواه أيضًا (^١٤٨١) من حديث عوف، عن خلاس بن عمرو، عن ابن عباس مثله سواء. وقال ابن جرير (^١٤٨٢): حدثنا ابن بشار، حدثنا عبد الوهاب، حدثنا عوف، عن أبي المنهال، عن أبي العالية، عن ابن عباس؛ أنه صلى الغداة في مسجد البصرة، فقنت قبل الركوع وقال: هذه الصلاة الوسطى التي ذكرها اللَّه في كتابه، فقال: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾.\nوقال أيضًا (^١٤٨٣): حدثنا محمد بن عيسى الدامغاني، أخبرنا ابن المبارك، أخبرنا الربيع بن أنس، عن أبي العالية قال: صليت خلف عبد اللَّه بن قيس بالبصرة [¬٥] صلاة الغداة، فقلت لرجل من أصحاب وسول اللَّه ﷺ إلى جانبي: ما الصلاة الوسطى؟ قال: هذه الصلاة.\n_________\n(^١٤٧٩) - المسند (٦/ ٢٧٤)، وسنن أبي داود برقم (٤٢٦)، وسنن الترمذي برقم (١٧٠).\n(^١٤٨٠) - تفسير الطبري (٥/ ٢١٥، ٢١٦) (٥٤٨٤، ٥٤٨٥، ٥٤٨٦).\n(^١٤٨١) - تفسير الطبري (٥/ ٢١٨) (٥٤٨١).\n(^١٤٨٢) - تفسير الطبري (٥/ ٢١٦، ٢١٧) (٥٤٧٨).\n(^١٤٨٣) - تفسير الطبري (٥/ ٢١٧) (٥٤٨٠).\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- في خ: \"كانت\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٤]- في خ: \"من\".\n[¬٥]- في ز: \"بالمعرة\"، خ: \"بالمعدة\".","vol":"2","page":392},{"text":"وروى (^١٤٨٤) من طريق أخرى [¬١]، عن الربيع، عن أبي العالية أنه صلى مع أصحاب رسول اللَّه ﷺ صلاة الغداة، فلما أن فرغوا قال [¬٢] قلت لهم: أيتهنّ الصلاة الوسط؟ قالوا: التي صليتَها قبل.\nوقال أيضًا (^١٤٨٥): حدثنا ابن بشار، حدثنا ابن عثمة، عن سعيد بن بشير، عن قتادة، عن جابر بن عبد اللَّه قال: الصلاة الوسطى صلاة الصبح.\nوحكاه ابن أبي حاتم، عن ابن عمر، وأبي أمامة، وأنس، وأبي العالية، وعبيد بن عمير، وعطاء ومجاهد، وجابر بن زيد، وعكرمة، والربيع بن أنس، [. …] [¬٣] ورواه ابن جرير (^١٤٨٦) عن عبد اللَّه بن شداد بن الهاد أيضًا، وهو الذي نص عليه الشافعي ﵀ محتجًّا بقوله [تعالى]: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ والقنوت عنده في صلاة الصبح.\nومنهم من قال: هي وسطى باعتبار أنها لا تقصر، وهي [¬٤] بين صلاتين رباعيتين مقصورتين وترد [¬٥] المغرب. وقيل: لأنها بين صلاتي ليل [¬٦] جهريتين وصلاتي نهار سريتين.\nوقيل: إنها صلاة الظهر قال أبو داود الطيالسي في مسنده (^١٤٨٧): حدَّثنا ابن أبي ذئب، عن الزبرقان -يعني: ابن عمرو- عن زهرة -يعني: ابن معبد- قال: كنا جلوسًا عند زيد بن ثابت، فأرسلوا إلى أسامة فسألوه عن الصلاة الوسطى، فقال: هي الظهر، كان رسول اللَّه ﷺ يصليها بالهجير.\nوقال أحمد (^١٤٨٨): حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، حدثني عمرو بن أبي حكيم، سمعت الزبرقان يحدث، عن عروة بن الزبير، عن زيد بن ثابت قال: كان رسول اللَّه ﷺ يصلي الظهر بالهاجرة، ولم يكن يصلي صلاةً أشد على أصحاب رسول اللَّه - صلى الله\n_________\n(^١٤٨٤) - تفسير الطبري (٥/ ٢١٨) (٥٤٨٢).\n(^١٤٨٥) - تفسير الطبري (٥/ ٢١٨، ٢١٩) (٥٤٨٣).\n(^١٤٨٦) - تفسير ابن جرير (٥٤٨٨).\n(^١٤٨٧) - مسند الطيالسي (٦٢٨).\n(^١٤٨٨) - المسند (٥/ ١٨٣) (٢١٦٧٨) والحديث أخرجه أبو داود في كتاب الصلاة، باب: في وقت صلاة العصر (١/ ١١١ / رقم: ٤١١). والنسائي في الكبرى في كتاب الصلاة الأول، باب: تأويل قوله جل ثناؤه ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ (١/ ١٥٢ / رقم: ٣٥٧). كلاهما من طريق محمد بن المثنى به.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: مكانها بياض.\n[¬٢]- زيادة من: خ.\n[¬٣]- في خ: مكانها بياض.\n[¬٤]- سقط من: ز.\n[¬٥]- في خ: \"وتروى\".\n[¬٦]- في ز، خ: \"ليلتين\".","vol":"2","page":393},{"text":"عليه وسلم - منها فنزلت: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ وقال: إن قبلها صلاتين وبعدها صلاتين.\nورواه أبو داود في سننه من حديث شعبة به.\nوقال أحمد أيضًا (^١٤٨٩): حدثنا يزيد، حدثنا ابن أبي ذئب [¬١] عن الزبرقان: أن رهطًا من قريش مر بهم زيد بن ثابت وهم مجتمعون، فأرسلوا إليه غلامين لهم يسألانه عن الصلاة الوسطى، فقال: هي [] [¬٢] العصر، فقام إليه رجلان منهم فسألاه فقال: هي الظهر. ثم انصرفا إلى أسامة بن زيد فسألاه، فقال: هي الظهر، إن النبي ﷺ كان يصلي الظهر بالهجير فلا يكون وراءه إلا الصف والصفان، والناس في قائلتهم وفي تجارتهم؛ فأنزل اللَّه ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ قال: فقال رسول اللَّه ﷺ: \"لَينتهيَّن رجال أو لأحرِّقن بيوتهم\".\nو[¬٣] الزبرقان: هو ابن عمرو بن أمية الضمري، لم يدرك أحدًا من الصحابة، والصحيح ما تقدم من روايته عن زهرة بن معبد وعروة بن الزبير.\nوقال شعبة وهمام: عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، عن ابن عمر، عن زيد بن ثابت قال: الصلاة الوسطى صلاة الظهر.\nوقال أبو داود الطيالسي وغيره: عن شعبة، أخبرني عمر بن سليمان من ولد عمر بن الخطاب قال: سمعت عبد الرحمن بن أبان بن عثمان يحدث، عن أبيه، عن زيد بن ثابت قال: \"الصلاة الوسطى هي الظهر\".\nورواه ابن جرير عن زكريا بن يحيى بن أبي زائدة، عن عبد الصمد، عن شعبة، عن عمر بن سليمان به عن زيد بن ثابت في حديث رفعه قال: \"الصلاه الوسطى صلاة الظهر\".\nوممن رُوي عنه أنها الظهر: ابن عمر، وأبو سعيد، وعائشة على اختلاف عنهم، وهو قول عروة بن الزبير، وعبد اللَّه بن شداد بن الهاد، ورواية عن أبي حنيفة ﵏.\n_________\n(^١٤٨٩) - المسند (٦/ ٢٠٥) (٢١٨٨٣). وأخرجه النسائي في الكبرى في كتاب الصلاة الأول، باب: تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى. . . .﴾ (١/ ١٥١، ١٥٢ / رقم: ٣٥٦). وابن ماجة في كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب: التغليظ في التخلف من الجماعة (١/ ٢٦٠ / رقم:٧٩٥). كلاهما من طريق ابن أبي ذئب به.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"وهب\".\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- سقط من: ز.","vol":"2","page":394},{"text":"وقيل: إنها صلاة العصر، قال الترمذي والبغوي -رحمهما اللَّه-: وهو قول أكثر علماء الصحابة، وغيرهم، وقال القاضي الماوردي: هو قول جمهور التابعين. وقال الحافظ أبو عمر بن عبد البر: هو قول أكثر أهل الأثر. وقال أبو محمد بن عطية [في تفسيره] [¬١]: وهو قول جمهور الناس. وقال الحافظ أبو محمد عبد المؤمن بن خلف الدمياطي في كتابه المسمى بـ \"كشف المغطى في تبيين الصلاة الوسطى\": وقد نص فيه أنها العصر، وحكاه عن عمر، وعلي، وابن مسعود، وأبي أيوب، وعبد اللَّه بن عمرو، وسمرة بن جندب، وأبي هريرة، وأبي سعيد، وحفصة، وأمّ حبيبة، وأمّ سلمة، وعن ابن عمر، وابن عباس، وعائشة على الصحيح عنهم، وبه قال عبيدة، وإبراهيم النخعي، وزر بن حبيش وسعيد بن جبير، وابن سيرين، والحسن وقتادة والضحاك والكلبي ومقاتل وعبيد بن أبي [¬٢] مريم وغيرهم، وهو مذهب أحمد بن حنبل، قال القاضي الماوردي: والشافعي. قال ابن المنذر: وهو الصحيح عن [أبي حنيفة، و] [¬٣] أبي يوسف، ومحمد، واختاره ابن حبيب المالكي ﵏.\n(ذكر الدليل على ذلك)\nقال الإِمام أحمد (^١٤٩٠): حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش [عن مسلم، عن شتير بن شكل عن علي قال: قال رسول اللَّه ﷺ يوم الأحزاب: \"شغلونا عن الصلاة الوسطى؛ صلاة العصر، ملأ اللَّه قلوبهم وبيوتهم نارًا\"، ثم صلاها بين العشاءين المغرب والعشاء.\nوكذا رواه مسلم (^١٤٩١) من حديث أبي معاوية محمد بن خازم الضرير، والنسائي من طريق عيسى بن يونس كلاهما، عن الأعمش] [¬٤]، [عن مسلم] [¬٥] بن صبيح، [] [¬٦] أبي الضحى، عن شتير بن شكل بن حميد، عن علي بن أبي طالب، عن النبي ﷺ مثله.\n_________\n(^١٤٩٠) - المسند (١/ ٨١).\n(^١٤٩١) - صحيح مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة حديث (٦٢٧)، وسنن النسائي الكبرى برقم (١١٠٤٥).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٦]- في ت: عن ..","vol":"2","page":395},{"text":"وقد رواه مسلم أيضًا (^١٤٩٢) من طريق شعبة، عن الحكم بن عتيبة [¬١]، عن يحيى بن الجزار، عن علي [بن أبي طالب] [¬٢]، به.\nوأخرجه الشيخان (^١٤٩٣) وأبو داود والترمذي والنسائي وغير واحد من أصحاب المساند والسنن والصحاح من طرق [¬٣] يطول ذكرها عن عبيدة السلماني عن علي به.\nورواه الترمذي والنسائي (^١٤٩٤) من طريق الحسن البصري عن علي به، قال الترمذي: ولا يعرف سماعه منه.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، عن عاصم، عن [زر قال] [¬٤]: قلت لعبيدة: سل عليًّا عن الصلاة الوسطى. فسأله فقال: كنا نراها الفجر أو الصبح حتى سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول يوم الأحزاب: \"شغلونا عن الصلاة [¬٥] الوسطى، صلاة العصر، ملأ اللَّه قبورهم وأجوافهم و[¬٦] بيوتهم نارًا\". ورواه ابن جرير (^١٤٩٥)، عن بندار، عن ابن مهدي به.\nوحديث يوم الأحزاب وشغلُ المشركين رسولَ اللَّه ﷺ وأصحابَه عن أداء صلاة العصر يومئذ مروي عن جماعة من الصحابة يطول ذكرهم، وإنما المقصود رواية من نص منهم في روايته أن الصلاة الوسطى هي صلاة العصر. وقد رواه مسلم أيضًا (^١٤٩٦) من حديث ابن مسعود والبراء بن عازب ﵄.\n(حديث آخر): قال الإِمام أحمد (^١٤٩٧): حدثنا عفان، حدثنا همام، عن قتادة، عن\n_________\n(^١٤٩٢) - صحيح مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة حديث (٦٢٧).\n(^١٤٩٣) - صحيح البخاري كتاب الجهاد والسير حديث (٢٩٣١) وطرفه (٤١١١)، وصحيح مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة حدث (٦٢٧)، وسنن أبي داود، كتاب الصلاة حديث (٤٠٩)، وسنن الترمذي، كتاب التفسير حديث (٢٩٨٤)، وسنن النسائي (١/ ٢٣٦).\n(^١٤٩٤) - لم أقع على هذا الطريق ولم يذكره المزي في تحفة الأشراف.\n(^١٤٩٥) - تفسير الطبري (٥/ ١٨٤).\n(^١٤٩٦) - صحيح مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة حديث (٦٢٨) من حديث ابن مسعود ﵁، وحديث (٦٣٠) من حدث البراء ﵁.\n(^١٤٩٧) - المسند (٥/ ٢٢) (٢٠٣٠٤).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"عيينة\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٣]- في خ: \"طريق\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين في خ: \"زرقا\".\n[¬٥]- في ز: \"صلاة\".\n[¬٦]- في ت: \"أو\".","vol":"2","page":396},{"text":"الحسن، عن سمرة: أن رسول اللَّه ﷺ قال: \"صلاة [¬١] الوسطى صلاة العصر\".\nوحدثنا بهز وعفان (^١٤٩٨) قالا: حدثنا أبان، حدثنا قتادة، عن الحسن، عن سمرة: أن رسول اللَّه ﷺ قال: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ وسماها لنا: أنها هي صلاة العصر.\nوحدثنا محمد بن جعفر وروح (^١٤٩٩) قالا: حدثنا سعيد، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة بن جندب: أن رسول اللَّه ﷺ قال: \"هي العصر\". قال ابن جعفر: سُئل عن صلاة الوسطى.\nورواه الترمذي (^١٥٠٠) من حديث سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة. وقال: حسن صحيح. وقد سمع منه.\n[حديث آخر] [¬٢] وقال ابن جرير (^١٥٠١): حدثنا أحمد بن منيع، حدثنا عبد الوهاب بن عطاء، عن التيمي، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ وسلم: \"الصلاة الوسطى صلاة العصر\".\n(طريق أخرى بل حديث آخر): و[¬٣] قال ابن جرير (^١٥٠٢): حدثني المثنى، حدثنا سليمان بن أحمد الحَرَشي الواسطي، حدثنا الوليد بن مسلم، قال: أخبرني صدقة بن خالد، حدثني خالد بن دهقان، عن خالد بن سبلان، عن كهيل بن حرملة قال: سئل أبو هريرة عن الصلاة الوسطى فقال: اختلفنا فيها كما اختلفتم فيها؛ ونحن بفناء بيت رسول اللَّه ﷺ، وفينا الرجل الصالح أبو هاشم بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس، فقال: أنا أعلم لكم ذلك، فقام فاستأذن على رسول اللَّه ﷺ فدخل عليه، ثم خرج إلينا فقال: أخبرنا أنها صلاة العصر. غريب من هذا الوجه جدًّا.\n_________\n(^١٤٩٨) - المسند (٥/ ٨) (٢٠١٣٩).\n(^١٤٩٩) - المسند (٥/ ٧) (٢٠١٣٠).\n(^١٥٠٠) - سنن الترمذي، كتاب الصلاة، باب: ما جاء في صلاة الوسطى أنها العصر (١/ ٣٤٠ - ٣٤٢ / رقم: ١٨٢). وقال: حديث الحسن عن سمرة حديث صحيح. وفي كتاب تقسيم القرآن، باب: ومن سورة البقرة (٥/ ٢١٧ / رقم:٢٩٨٣). وقال: هذا حديث حسن صحيح من طريق سعيد عن قتادة عن الحسن به.\n(^١٥٠١) - تفسير الطبري (٥/ ١٨٩).\n(^١٥٠٢) - الطبري (٥/ ١٩١).\n_________\n[¬١]- في خ: \"الصلاة\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- سقط من: ز.","vol":"2","page":397},{"text":"(حديث آخر): قال ابن جرير (^١٥٠٣): حدثنا أحمد بن إسحاق، حدثنا أبو أحمد، حدثنا عبد السلام، عن سالم مولى أبي بصير، حدثني إبراهيم بن يزيد الدمشقي قال: كنت جالسًا عند عبد العزيز بن مروان فقال: يا فلان، اذهب إلى فلان فقل له: أي شيء سمعت من رسول اللَّه ﷺ في الصلاة الوسطى؟ فقال رجل جالس [¬١]: أرسلني أبو بكر وعمر، وأنا غلام صغير أسأله عن الصلاة الوسطى، فأخذ إصبعي الصغير فقال: \"هذه [] [¬٢]، الفجر\"، وقبض التي تليها فقال: \"هذه الظهر\"، ثم قبض الإبهام فقال: \"هذه المغرب\"، ثم قبض التي تليها فقال: \"هذه العشاء\"، ثم قال: \"أَيُّ أصابعك بقيتْ؟ \" فقلت: الوسطى فقال: \"أيَّ الصلاة بقيتْ؟ \" فقلت: العصر. [فقال: \"هي العصر\"] [¬٣]. غريب أيضًا جدًّا [¬٤].\n(حديث آخر): قال ابن جرير (^١٥٠٤): حدَّثني محمد بن عوف الطائي، حدثنا محمد بن إسماعيل بن عياش، حدثني أبي، حدثني ضمضم بن زرعة، عن شريح بن عبيد، عن أبي مالك الأشعري قال: قال رسول اللَّه ﷺ: \"الصلاة الوسطى صلاة العصر\" إسناده [¬٥] لا بأس به.\n(حديث آخر): قال أبو حاتم بن حبان في صحيحه (^١٥٠٥): حدثنا أحمد بن يحيى بن زهير، حدثنا الجراح بن مخلد، حدثنا عمرو بن عاصم، حدثنا همام بن مورق العجلي، عن أبي الأحوص، عن عبد اللَّه قال: قال رسول اللَّه ﷺ: \"صلاة الوسطى صلاة العصر\".\nوقد روى الترمذي (^١٥٠٦) من حديث محمد بن طلحة بن مصرف، [عن زبيد اليامي] [¬٦]، عن مرة الهمْداني، عن ابن مسعود قال: قال رسول اللَّه ﷺ: \"صلاة\n_________\n(^١٥٠٣) - تفسير الطبري (٥/ ١٩٦).\n(^١٥٠٤) - تفسير الطبري (٥/ ١٩٨) وقول الحافظ: إسناده لا بأس به، متعقب؛ فإن في إسناده ضعفًا وانقطاعًا.\n(^١٥٠٥) - صحيح ابن حبان (١٧٤٦) \"الإحسان\".\n(^١٥٠٦) - سنن الترمذي في أبواب الصلاة حديث (١٨١). وفي التفسير (٢٩٨٥).\n_________\n[¬١]- سقط من خ.\n[¬٢]- في ت: صلاة.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٤]- سقط من: ز.\n[¬٥]- في خ: \"إسناده\".\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.","vol":"2","page":398},{"text":"الوسطى صلاة العصر\"، ثم قال: حسن صحيح.\nوأخرجه مسلم في صحيحه (^١٥٠٧) من طريق محمد بن طلحة به، ولفظه: \"شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر\" الحديث.\nفهذه نصوص في المسألة لا تحتمل شيئًا، ويؤكد ذلك الأمر بالمحافظة عليها، وقوله ﷺ في الحديث الصحيح، من رواية الزهري، عن سالم، عن أبيه: أن رسول اللَّه ﷺ قال: \"من فاتته [¬١] صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله\" (^١٥٠٨).\nوفي الصحيح أيضًا (^١٥٠٩)، من حديث الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي قلابة، عن أبي المهاجر، عن بريدة بن الحصيب، عن النبي ﷺ قال: \"بكروا بالصلاة في يوم الغيم؛ فإنه من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله\".\nوقال الإِمام أحمد (^١٥١٠): حدثنا يحيى بن إسحاق، أخبرنا ابن لهيعة، عن عبد اللَّه بن هبيرة، عن أبي تميم، عن أبي نضرة الغفاري قال: صلى بنا رسول اللَّه ﷺ في واد من أوديتهم يقال له المخمص- صلاة العصر فقال: \"إن هذه الصلاة [صلاة العصر] [¬٢] عُرضت على الذين من قبلكم فضيعوها، ألا ومن صلاها ضُعِّفَ له أجره مرتين، أَلا ولا صلاة بعدها حتى تروا الشاهد\".\nثم قال: رواه عن يحيى بن إسحاق، عن الليث، عن خير [¬٣] بن نعيم، عن عبد اللَّه بن هبيرة به.\nوهكذا رواه مسلم والنسائي جميعًا، عن قتيبة، عن الليث.\n_________\n(^١٥٠٧) - صحيح مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة حديث (٦٢٨).\n(^١٥٠٨) - صحيح مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة حديث (٦٢٦)، والنسائي (١/ ٢٥٤ - ٢٥٥)، وابن ماجه (٦٨٥)، وأحمد (٢/ ٨٠، ١٣٤، ١٤٥).\n(^١٥٠٩) - ليس في شيء من الصحيحين، وإنما هو في سنن ابن ماجه، كتاب الصلاة، باب: ميقات الصلاة في الغيم حديث (٦٩٤). وأحمد (٥/ ٣٦١) وانظر تحفة الأشراف (٢/ ٩٥، ٤/ ٢٠) وجامع المسانيد (٢/ ١٥١، ٢٥٢). وأخرجه البخاري في مواقيت الصلاة، باب: من ترك العصر حديث (٥٥٣) وطرفه (٥٩٤) من طريق أبي قلابة عن أبي المليح قال: كنا مع بريدة في يوم ذي غيم فقال: بكروا بالصلاة فإن النبي ﷺ ققال: \"من ترك صلاة العصر حبط عمله\".\n(^١٥١٠) - المسند (٦/ ٣٩٧) (٦/ ٣٩٦ - ٣٩٧)، ومسلم في صلاة المسافرين وقصرها حديث (٨٣٠). والنسائي (١/ ٢٥٩).\n_________\n[¬١]- في و، خ: \"فاته\".\n[¬٢]- سقط من ت.\n[¬٣]- في ز، خ: \"جبير\".","vol":"2","page":399},{"text":"ورواه مسلم أيضًا من حديث محمد بن إسحاق، حدثني يريد بن أبي حبيب كلاهما، عن خير [¬١] بن نعيم الحضرمي، عن عبد اللَّه ابن هبيرة السبائي به.\nفأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد أيضًا (^١٥١١): حدثنا إسحاق، أخبرنا مالك، عن زيد بن أسلم، عن القعقاع بن حكيم، عن أبي يونس مولى عائشة قال: أمرتني عائشة أن أكتب لها مصحفًا قالت: إذا بلغت هذه الآية: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ فآذنِّي، فلما بلغتها آذنتُها فَأَمْلَتْ عليَّ: (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر وقوموا للَّه قانتين) قالت: سمعتها من رسول اللَّه ﷺ، وهكذا رواه مسلم عن يحيى بن يحيى عن مالك به.\nوقال ابن جرير (^١٥١٢): حدثني المثنى، حدثنا الحجاج، حدثنا حماد، عن هشام بن عروة، عن أبيه قال: كان في مصحف عائشة: (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وهي صلاة العصر)، وهكذا رواه من طريق الحسن البصري: أن رسول اللَّه ﷺ قرأها كذلك.\nوقد روى الإمام مالك أيضًا (^١٥١٣)، عن زيد بن أسلم، عن عمرو بن رافع قال: كنت أكتب مصحفًا لحفصة زوج النبي ﷺ فقالت: إذا بلغت هذه الآية فآذنِّي ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾، فلما بلغتها آذنتها فأملت علي: (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر وقوموا للَّه قانتين).\nوهكذا رواه محمد بن إسحاق بن يسار (^١٥١٤) فقال: حدثني أبو جعفر محمد بن علي، ونافع مولى ابن عمر، أن عمرو [¬٢] بن رافع قال … فذكر مثله، وزاد: كما حفطها من النبي ﷺ.\n(طريق أخرى عن حفصة): قال ابن جرير (^١٥١٥): حدثنا محمد بن بشار [¬٣]، حدثنا\n_________\n(^١٥١١) - المسند (٦/ ٧٣)، وهو في الموطأ (١/ ١٣٨) ومن طريق مالك رواه مسلم في المساجد ومواضع الصلاة حديث (٦٢٩).\n(^١٥١٢) - تفسير الطبري (٥/ ١٧٥) (٥٣٩٧).\n(^١٥١٣) - الموطأ (١/ ١٣٩) ومن طريقه البيهقي في السنن (١/ ٤٦٢).\n(^١٥١٤) - روراه أبو يعلى في مسنده (٧١٢٩) وعنه ابن حبان في صحيحه (١٧٢٢) موارد والبيهقي (١/ ٤٦٢، ٤٦٣).\n(^١٥١٥) - تفسير الطبري (٥/ ٢٠٨، ٢٠٩) (٥٤٦١).\n_________\n[¬١]- في خ: \"جبير\".\n[¬٢]- في ز: \"عمر\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"يسار\".","vol":"2","page":400},{"text":"محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن أبي بشر، عن عبد الله بن يزيد الأزدي، عن سالم بن عبد الله: أن حفصة أمرت [¬١] إنسانا أن يكتب لها مصحفا فقالت: إذا بلغت هذه الآية:\n﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ فآذني، فلما بلغ آذَنها فقالت: اكتب: (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطي وصلاة العصر).\n(طريق أخرى): قال ابن جرير (^١٥١٦): حدثني ابن المثني [¬٢]، حدثنا عبد الوهاب، حدثنا [عبيد الله] [¬٣]، عن نافع: أن حفصة أمرت مولى لها أن يكتب لها مصحفا فقالت: إذا بلغت هذه الآية: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ فلا تكتبها حتى أُمْلِيَها عليك، كما سمعت رسول الله ﷺ يقرؤها، فلما بلغها أمرته فكتبها: (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر وقوموا لله قانتين). قال نافع: فقرأتُ ذلك المصحف فرأيت فيه الواو.\nوكذا روى ابن جرير عن ابن عباس، [وعبيد بن عمير] [¬٤] أنهما قرآ كذلك.\nوقال ابن جرير (^١٥١٧): حدَّثنا أبو كريب، حدَّثنا عبدة، حدَّثنا محمد بن عمرو، [] [¬٥] حدّثني أبو سلمة، عن عمرو بن رافع مولى عمر قال: كان في مصحف حفصة: (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر وقوموا لله قانتين).\nوتقرير المعارضة: أنه عطف صلاة العصر على الصلاة الوسطى بواو العطف التي [¬٦] تقتضي [¬٧] المغايرة، فدل ذلك على أنها غيرها، وأجيب علي [¬٨] ذلك بوجوه؛\n(أحدها): أن هذا إنْ روي علي أنه خبر؛ فحديث عليٍّ أصح وأصرح منه، وهذا يحتمل أن تكون الواو زائدة، كما في قوله: ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ [¬٩] الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾.\n_________\n(^١٥١٦) - تفسير الطبري (٥/ ٢٠٩) (٥٤٦٢).\n(^١٥١٧) - تفسير الطبري (٥/ ٢١١) (٥٤٦٤).\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- في خ: \"مثني\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في ت: \"عبد الله\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين في ز: \"وعبيد الله بن عمر\"، خ: \"وعبد الله بن عمر\".\n[¬٥]- في ز، خ: \"و\"\n[¬٦]- سقط من: ز، خ.\n[¬٧]- في خ: \"يقتضي\".\n[¬٨]- في ز: \"عن\"، خ: \"تحت\".\n[¬٩]- في ز: \"نصرف\".","vol":"2","page":401},{"text":"أو تكون لعطف الصفات لا لعطف الذوات كقوله ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾، وكقوله: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَي (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّي (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَي (٣) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَي﴾، وأشباه ذلك كثيرة.\nوقال الشاعر:\nإلى الملك القَرْم وابن الهُمام … ولَيثُ الكتيبة في المزدحم\nوقال أبو دؤاد [¬١] الإيادي:\nسُلط الموتُ والمنونُ عليهم … فلهم في صَدى المقابر هام (^١٥١٨)\nوالموت هو المنون، و[¬٢] قال [عدي بن زيد العبادي] [¬٣]:\nفَقَدّمت الأديمَ لراهشَيْهِ … فألفى [¬٤] قولها كذبًا ومَيْنا (*) (^١٥١٩)\nوالكذب هو المين، وقد نص سيبويه شيخ النحاة علي جواز قول القائل: مررت بأخيك وصاحبك، ويكون الصاحب هو الأخ نفسه، والله أعلم.\nوأمّا إن روي على أنه قرآن فإنه لم يتواتر، فلا [¬٥] يثبت بمثل خبر الواحد قرآن؛ ولهذا لم يثبته أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ في المصحف، الإمام ولا قرأ بذلك أحد من القراء الذين تثبت الحجة بقراءتهم، لا من السبعة ولا من [¬٦] غيرهم. ثم قد روي ما يدل علي نسخ هذه التلاوة المذكورة في هذا الحديث.\nقال مسلم (^١٥٢٠): أخبرنا إسحاق بن راهويه، أخبرنا يحيى بن آدم، عن فضيل بن مرزوق، عن شقيق بن عقبة، عن البراء بن عازب قال: نزلت: (حافظوا على الصلوات وصلاة العصر) فقرأناها على رسول الله ﷺ ما شاء الله، ثم نسخها الله ﷿ فأنزل: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ فقال له زاهر -رجل كان مع شقيق-: أفهي العصر؟ قال: قد حدثتك كيف نزلت، وكيف نسخها الله ﷿؟\n_________\n(^١٥١٨) - البيت في اللسان، (٣/ ٤١٧) مادة \"منن\" (١٢/ ٦٢٥) (هوم) (١٤/ ٤٥٤) صدى.\n(^١٥١٩) - البيت لعدي بن ثابت، انظر لسان العرب لابن منظور، مادة \"مين\" (١٣/ ٤٢٥).\n(^١٥٢٠) - صحيح مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، حديث (٦٣٠).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"داود\"\n[¬٢]- زيادة من: خ.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في خ: \"زيد بن عدي العقادي\".\n[¬٤]- في خ: \"فألقى\".\n[¬٥]- في ت: \"فلم\".\n[¬٦]- سقط من: ز.","vol":"2","page":402},{"text":"قال مسلم: ورواه الأشجعي، عن الثوري، عن الأسود، عن شقيق.\n(قلت): وشقيق هذا لم يرو له مسلم سوى هذا الحديث الواحد، والله أعلم. فعلي هذا تكون هذه التلاوة -وهي تلاوة الجادة- ناسخة للفظ رواية عائشة وحفصة، ولمعناها إن كانت الواو دالة على المغايرة، وإلا فللفظها فقط، والله أعلم.\nوقيل: إن الصلاة الوسطى هي صلاة المغرب، رواه ابن أبي حاتم (^١٥٢١) عن ابن عباس، وفي إسناده نظر؛ فإنه رواه عن أبيه، عن أبي الجماهر [¬١]، عن سعيد بن بشير [¬٢]، عن قتادة، عن أبي الخليل، عن عمه، عن ابن عباس قال: صلاة الوسطى المغرب. وحكي هذا القول ابن جرير عن قبيصة بن ذؤيب، وحكي أيضًا عن قتادة على اختلاف عنه، ووجه هذا القول بعضهم بأنها وسطي في العدد بين الرباعية والثنائية، وبأنها وتر المفروضات، وبما جاء فيها من الفضيلة، والله أعلم.\nوقيل: إنها العشاء الأخيرة، اختاره علي بن أحمد الواحدي في تفسيره المشهور، وقيل: هي واحدة من الخمس لا بعينها، وأبهمت فيهن كما أبهمت ليلة القدر في الحول، أو الشهر أو العشر، ويحكي هذا القول عن سعيد بن المسيب، وشريح القاضي، ونافع مولى ابن عمر، والربيع بن خيثم، ونقل أيضًا عن زيد بن ثابت، واختاره إمام الحرمين الجويني في نهايته.\nوقيل: بل الصلاة الوسطى مجموع الصلوات الخمس. رواه ابن أبي حاتم عن ابن عمر (^١٥٢٢)، وفي صحته أيضًا نظر، والعجب أن هذا القول اختاره الشيخ أبو عمر بن عبد البر النمري إمام ما وراء البحر، وإنها لإِحدي الكبر؛ إذ اختار مع اطلاعه وحفظه ما لم يقم عليه دليل من كتاب، ولا سنة، ولا أثر.\nوقيل: إنها صلاة العشاء وصلاة الفجر. وقيل: بل هي صلاة الجماعة. وقيل: صلاة الجمعة. وقيل: صلاة الخوف. وقيل: بل صلاة عيد الفطر. ليقيل: بل صلاة عيد [¬٣] الأضحي. وقيل: الوتر. وقيل: الضحي. وتوقف فيها آخرون لَمَّا تعارضت عندهم الأدلة ولم يظهر لهم وجه الترجيح، ولم يقع الإِجماع علي قول واحد؛ بل لم يزل التنازع فيها موجودًا من زمان [¬٤] الصحابة وإلى الآن.\n_________\n(^١٥٢١) - تفسير ابن أبي حاتم (٢/ ٤٤٨) (٢٣٧٥).\n(^١٥٢٢) - تفسير ابن أبي حاتم (٢/ ٤٤٨).\n_________\n[¬١]- في خ: \"الجماهير\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"مسعر\".\n[¬٣]- زيادة من: خ.\n[¬٤]- في خ: \"زمن\".","vol":"2","page":403},{"text":"قال ابن جرير (^١٥٢٣): حدّثني محمد بن بشار [¬١] وابن المثنى [¬٢]، قالا: حدَّثنا محمد بن جعفر، حدَّثنا شعبة قال: سمعت قتادة يحدث عن سعيد بن المسيب قال: كان أصحاب رسول الله ﷺ، مختلفين في الصلاة الوسطى هكذا، وشبك بين أصابعه.\nوكل هذه الأقوال فيها ضعف بالنسبة إلى التي قبلها، وإنما المدار ومعترك النزاع في الصبح والعصر، وقد ثبتت السنة بأنها العصر فتعيَّن المصير إليها.\nوقد روى الإِمام [] [¬٣] أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي رحمهما الله في كتاب فضائل الشافعي ﵀ حدَّثنا أبي، حدثنا حرملة بن يحيى التُجيبي [¬٤] يقول: قال الشافعي: كل ما قلت فكان عن النبي ﷺ خلاف [¬٥] قولي مما يصح، فحديث النبي ﷺ، أولى ولا تقلدوني.\nوكذا روى الربيع، والزعفراني، وأحمد بن حنبل، عن الشافعي، وقال موسى أبو الوليد بن أبي الجارود، عن الشافعي: إذا صح الحديث وقلت قولا فأنا راجع عن قولي، وقائل بذلك. فهذا من سيادته وأمانته، وهذا نفس إخوانه من الأئمة، ﵏ ورضي الله عنهم أجمعين آمين، ومن هاهنا قطع القاضي الماوردي بأن مذهب الشافعي ﵀: أن صلاة الوسطى هي صلاة العصر، وإن كان قد نص في الجديد وغيره: أنها الصبح؛ لصحة الأحاديث أنها العصر، وقد وافقه على هذه الطريقة جماعة من محدثي المذهب، ولله الحمد والمنة.\nومن الفقهاء في المذهب من ينكر أن تكون هي العصر [مذهبًا للشافعي] [¬٦]، وصمموا علي أنها الصبح قولا واحدا. قال الماوردي: ومنهم من حكى في المسألة قولين، ولتقرير [¬٧] المعارضات والجوابات موضع آخر غير هذا وقد أفردناه على حدة، ولله الحمد والمنة.\nوقوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ أي: خاشعين ذليلين مستكينين [¬٨] بين يديه، وهذا الأمر مستلزم ترك الكلام في الصلاة لمنافاته إياها، ولهذا لما امتنع النبي ﷺ من [¬٩] الرد على ابن مسعود حين سلم عليه، وهو في الصلاة اعتذر إليه بذلك، وقال: \"إن في الصلاة\n_________\n(^١٥٢٣) - تفسير الطبري (٥/ ٢٢١) (٥٤٩٢).\n_________\n[¬١]- في خ: \"يسار\".\n[¬٢]- في خ: \"مثني\".\n[¬٣]- في خ: أحمد.\n[¬٤]- في ت: بخلاف.\n[¬٥]- في ت: \"اللخمي\".\n[¬٦]- في ت: \"مذهب الشافعي\".\n[¬٧]- في ز، خ: \"ولتقرر\".\n[¬٨]- في ز، خ: \"مستكنين\".\n[¬٩]- في ز: \"في\".","vol":"2","page":404},{"text":"لشغلا\".\nوفي صحيح مسلم (^١٥٢٤): أنه ﷺ قال لمعاوية بن الحكم السلمي [¬١] حين تكلم في الصلاة: \"إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هي التسبيح والتكبير وذكر الله\".\nوقال الإِمام أحمد [بن حنبل] [¬٢] (^١٥٢٥): حدَّثنا يحيى بن سعيد، عن إسماعيل، حدّثني الحارث بن شُبيل [¬٣]، عن أبي عمرو الشيباني، عن زيد بن أرقم قال: كان الرجل يكلم صاحبه في عهد النبي ﷺ، في الحاجة في الصلاة حتى نزلت هذه الآية: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ فأمرنا بالسكوت. رواه الجماعة سوى ابن ماجة به من طرق عن إسماعيل به.\nوقد أشكل هذا الحديث علي جماعة من العلماء، حيث ثبت عندهم أن تحريم الكلام في الصلاة كان بمكة قبل الهجرة إلي المدينة وبعد الهجرة إلي أرض الحبشة، كما دل علي ذلك حديث ابن مسعود الذي في الصحيح قال: كنا نسلم علي النبي ﷺ قبل أن [¬٤] نهاجر إلى الحبشة وهو في الصلاة فيرد علينا، قال: فلما قَدِمْنَا سلمت عليه فلم يرد عليَّ فأخذني ما قَرُبَ وما بَعُدَ، فلما سلَّم قال: \"إني لم أرد عليك إلا أني كنت في الصلاة، وإن الله يحدث من أمره ما يشاء، وإن مما أحدث ألا تكلموا في الصلاة\" (^١٥٢٦).\nوقد كان ابن مسعود ممن أسلم قديمًا وهاجر إلي الحبشة، ثم قدم منها إلي مكة مع من قدم\n_________\n(^١٥٢٤) - صحيح مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، حديث (٥٣٧).\n(^١٥٢٥) - المسند (٤/ ٣٦٨) (١٩٣٣٣)، ورواه البخاري في كتاب العمل في الصلاة، باب: \"ما يُنهي من الكلام في الصلاة\" (٣/ ٧٢). حديث ١٢٠٠، حديث ٤٥٣٤ ورواه أيضًا في كتاب التفسير باب: \"وقوموا لله قانتين\" (٨/ ١٩٨). ومسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة، وباب: \"تحريم الكلام في الصلاة ونسخ ما كان من إباحة\" (٥/ ٣٦) ٣٥ - ٥٣٩. والترمذي في كتاب السهو، باب: \"ما جاء في نسخ الكلام في الصلاة\" (٢/ ٢٥٦). ٤٠٥، ٢٩٨٦، ٢٩٨٦ م. وأبو داود في كتاب الصلاة، باب: \"النهي عن الكلام في الصلاة\" (١/ ٢٤٩) ٩٤٩. والنسائي في التفسير الكبرى كتاب التفسير باب (٤٣) قوله: جل ثناؤه ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ (٦/ ٣٠٤) (١١٠٤٧). ورواه ابن خزيمة حديث ٨٥٦، و٨٥٧.\n(^١٥٢٦) - صحيح البخاري، كتاب العمل في الصلاة حديث (١١٩٩، ٣٨٧٥)، وصحيح مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة حديث (٥٣٨).\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٣]- في خ: \"شبل\".\n[¬٤]- سقط من: ز.","vol":"2","page":405},{"text":"فهاجر إلى المدينة، وهذه الآية: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ مدنية بلا خلاف، فقال قائلون: إنما أراد زيد بن أرقم- بقوله [¬١]: كان الرجل يكلم أخاه في حاجته في الصلاة- الإِخبار عن [جنس الناس] [¬٢]، واستدل على تحريم ذلك بهذه الآية بحسب ما فهمه [¬٣] منها، والله أعلم.\nوقال [¬٤] آخرون: إنما أراد أن ذلك قد وقع بالمدينة بعد الهجرة إليها، ويكون ذلك قد أبيح مرتين وحرم مرتين، كما اختار ذلك قوم من أصحابنا وغيرهم، والأول أظهر، والله أعلم.\nوقال الحافظ أبو يعلى (^١٥٢٧): حدثنا بشر بن الوليد، حدثنا إسحاق [بن يحيى] [¬٥]، عن المسيب، عن ابن مسعود قال: كنا نسلم [¬٦] بعضنا علي بعض في الصلاة، فمررت برسول الله ﷺ فسلمت عليه فلم يرد علي، فوقع في نفسي أنه نزل فيَّ شيء، فلما قضي النبي ﷺ صلاته قال: \"وعليك السلام أيها المسلم ورحمة الله، إن الله ﷿ يحدث من [¬٧] أمره ما يشاء، فإذا كنتم في الصلاة فاقنتوا ولا تكلموا\".\nوقوله: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ لما أمر تعالى عباده بالمحافظة علي الصلوات، والقيام بحدودها، وشدد الأمر بتاكيدها ذكر الحال التي [¬٨] يشتغل الشخص فيها عن أدائها علي الوجه الأكمل، وهي حال القتال والتحام الحرب فقال: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ أي: فصلوا علي أي حال كان رجالا أو ركبانا، يعني: مستقبلي القبلة وغير مستقبلهما، كما قال مالك (^١٥٢٨): عن نافع: أن [¬٩] ابن عمر كان إذا سُئل عن صلاة الخوف وَصَفَهَا، ثم قال: فإن كان خوف أشد من ذلك صلوا رجالا علي أقدامهم، أو ركبانا؛ مستقبلي القبلة أو غير مستقبليها. قال نافع: لا أري ابن عمر ذكر ذلك إلا عن النبي ﷺ. ورواه البخاري، وهذا لفظه ومسلم. ورواه البخاري أيضًا [¬١٠] من وجه آخر، عن ابن جريج، عن موسى بن عقبة،\n_________\n(^١٥٢٧) - ورواه الطبراني في المعجم الكبير (١٠/ ١٣٧) من طريق عاصم عن المسيب عن ابن مسعود به نحوه.\n(^١٥٢٨) - الموطأ (١/ ١٨٤) ومن طريقه البخاري حديث (٤٥٣٥). وطرفه حديث (٩٤٣). ورواه مسلم حديث (٨٣٩).\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في ت: \"جنس الكلام\".\n[¬٣]- في خ: \"فهم\".\n[¬٤]- في خ: \"قال\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين في خ: \"ابن يحيى بن يحيى\".\n[¬٦]- في ت: \"يسلم\".\n[¬٧]- في خ: \"في\".\n[¬٨]- في ت: \"الذي\".\n[¬٩]- في ز: \"عن\".\n[¬١٠]- سقط من: خ.","vol":"2","page":406},{"text":"عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي، ﷺ نحوه، أو قريبًا منه. ولمسلم أيضًا عن ابن عمر قال: فإن كان خوف أشد من ذلك فَصَلِّ راكبًا، أو قائمًا تومئ إيماء.\nوفي حديث عبد الله بن أنيس الجهني لما بعثه النبي ﷺ إلي خالد بن سفيان الهذلي ليقتله وكان نحو عرنة [¬١] و[¬٢] عرفات، فلما واجهه حانت صلاة العصر قال: فخشيت أن تفوتني، فجعلت أصلي وأنا أومئ إيماء … الحديث بطوله، رواه أحمد وأبو داود بإسناد جيد (^١٥٢٩)، وهذا من رخص الله التي رخص لعباده، ووضعه الآصار (*) والأغلال عنهم.\nوقد روى ابن أبي حاتم (^١٥٣٠) من طريق شبيب بن بشر، عن عكرمة، عن ابن عباس قال في هذه الآية: يصلي الراكب على دابته، والراجل علي رجليه.\nقال: وروي عن الحسن ومجاهد ومكحول، والسدي، والحكم، ومالك، والأوزاعي، والثوري، والحسن بن صالح نحو ذلك، وزاد: ويوميء برأسه أينما توجه.\nثم قال (^١٥٣١): حدَّثنا أبي، حدثنا [¬٣] [أبو غسان] [¬٤]، حدثنا [ذَوَّاد -يعني: ابن عُلية-] [¬٥] عن مطرف، عن عطية، عن جابر بن عبد الله قال: إذا كانت المسايفة فليومئ برأسه إيماء حيث كان وجهه، فذلك قوله: ﴿فرجالا أو ركبانا﴾.\nوروي عن الحسن، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وعطاء، وعطية، والحكم، وحماد، وقتادة نحو ذلك. وقد ذهب الإِمام أحمد -فيما نص عليه- إلى أن صلاة الخوف تُفعل في بعض الأحيان ركعة واحدة إذا تلاحم الجيشان، وعلي ذلك يُنَزَّلُ الحديث الذي رواه مسلم، وأبو داود، والنسائي وابن ماجة، وابن جرير من حديث أبي عوانة الوضاح [¬٦] بن عبد الله اليشكري، زاد مسلم والنسائي وأيوب بن عائذ، كلاهما، عن بكير بن الأخنس\n_________\n(^١٥٢٩) - المسند (٣/ ٤٩٦) (١٦٠٩٥)، والحديث رواه أبو داود في كتاب الصلاة، باب: صلاة الطالب (٢/ ١٨) حديث (١٢٤٩). وابن خزيمة في صحيحه (٢/ ٩٢٩١) حديث ٩٨٢، ٩٨٣. وأبو يعلى في مسنده حديث ٩٠٥. البيهقي (٣/ ٢٢٢). والحديث ضعفه الشيخ الألباني في الإرواء (٥٨٩). وضعفه في ضعيف أبي داود حديث ٢٧١.\n(^١٥٣٠) - تفسير ابن أبي حاتم (٢/ ٤٥٠) (٢٣٨٢).\n(^١٥٣١) - تفسير ابن أبي حاتم (٢/ ٤٥٠) (٢٣٨٣).\n_________\n[¬١]- في خ: عرفة.\n[¬٢]- في خ: \"و\".\n[¬٣]- سقط من: خ.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين في ز: \"أبو نحسان\"، وسقط من: خ.\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين في ز: داود بن علية. وهو تحريف.\n[¬٦]- سقط من: خ.","vol":"2","page":407},{"text":"الكوفي، عن مجاهد، عن ابن عباس (^١٥٣٢) قال: فرض الله الصلاة علي لسان نبيكم ﷺ في الحَضَر أربعًا، وفي [¬١] السفر ركعتين، وفي [¬٢] الخوف ركعة، وبه قال الحسن البصري وقتادة والضحاك وغيرهم.\n[وقال ابن جرير (^١٥٣٣): حدثنا ابن بشار، حدثنا ابن مهدي، عن شعبة قال: سألت الحكم وحمادًا وقتادة عن صلاة المسايفة فقالوا: ركعة. وهكذا روي الثوري عنهم سواء] [¬٣].\nوقال ابن جرير أيضًا (^١٥٣٤): حدثني سعيد بن عمرو السكوني، حدثنا بقية بن الوليد، حدثنا المسعودي، حدثنا يزيد الفقير، عن جابر بن عبد الله قال: صلاة الخوف ركعة. واختار هذا القول ابن جرير.\nوقال البخاري (^١٥٣٥): باب الصلاة عند مناهضة الحصون ولقاء العدو، وقال الأوزاعي: إن كان تهيأ الفتح ولم يقدروا على الصلاة صلوا إيماء، كل امرئ لنفس، فإن لم يقدروا علي الإيماء أخروا الصلاة حتى ينكشف القتال، و[¬٤] يأمنوا فيصلوا ركعتين، فإن لم يقدروا صلوا ركعة وسجدتين، فإن لم يقدروا لا يجزيهم [¬٥] التكبير ويؤخرونها حتى يأمنوا. وبه قال مكحول وقال أنس مالك: حضرت مناهضة حصن تسْتر عند إضاءة الفجر، واشتدّ اشتعال القتال، فلم يقدروا على الصلاة، فلم نصل إلا بعد ارتفاع النهار، فصليناها ونحن مع أبي موسى فَفُتِحَ لنا. قال أنس: وما يسرني بتلك الصلاة الدنيا وما فيها.\nهذا لفظ البخاري. ثم استشهد على ذلك بحديث تأخيره ﷺ صلاة العصر يوم الخندق؛ لعذر [¬٦] المحاربة إلى غيبوبة الشمس، وبقوله ﷺ بعد ذلك لأصحابه لما جهزهم إلى بني قريظة: \"لا يصلين أحد منكم العصر إلا في بني\n_________\n(^١٥٣٢) - صحيح مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها حديث (٦٨٧)، وسنن أبي داود كتاب الصلاة (١٢٤٧)، وسنن النسائي، كتاب الصلاة (١/ ٢٢٦، ٣/ ١١٨، ١١٩، ١٦٩)، وسنن ابن ماجة برقم (١٠٦٨)، وتفسير الطبري (٥/ ٢٤٧).\n(^١٥٣٣) - تفسير الطبري (٥/ ٢٤٢) (٥٥٥٥).\n(^١٥٣٤) - تفسير الطبري (٥/ ٢٤٣) (٥٥٦٣).\n(^١٥٣٥) - صحيح البخاري (٢/ ٥٠٣) \"فتح\".\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢] سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- في خ: \"أو\".\n[¬٥]- في ز: \"يجزئهم\".\n[¬٦]- في ز، خ: \"بعذر\".","vol":"2","page":408},{"text":"قريظة\" (^١٥٣٦). فمنهم من أدركته الصلاة في الطريق فصلوا وقالوا: لم يُرِدْ منا رسول الله ﷺ إلا تعجيل السير، ومنهم من أدركته فلم يصلِّ إلى أن غربت الشمس في بني قريظة، فلم [¬١] يعنف واحدًا من الفريقين، وهذا يدل على اختيار البخاري لهذا القول، والجمهور على خلافه، ويعولون على أن صلاة الخوف على الصفة التي ورد بها القرآن في سورة النساء، ووردت بها الأحاديث لم تكن مشروعة في غزوة الخندق، وإنما شرعت بعد ذلك، وقد جاء مصرحا بهذا في حديث أبي سعيد وغيره، وأما مكحول والأوزاعي والبخاري فيجيبون بأن مشروعية صلاة الخوف بعد ذلك لا تنافي [¬٢] جواز ذلك؛ لأن هذا حال نادر خاص فيجوز فيه مثل ما قلنا؛ بدليل صنيع الصحابة زمن عمر في فتح تسْتر، وقد اشتهر ولم ينكر، والله أعلم.\nوقوله: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ أي: أقيموا صلاتكم كما أُمِرْتُم فأتموا [¬٣] ركوعها وسجودها، وقيامها، وقعودها، وخشوعها، وهجودها ﴿كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ أي: مثل ما أنعم عليكم، وهداكم للإيمان، وعلمكم ما ينفعكم في الدنيا والآخرة، فقابلوه بالشكر والذكر، كقوله بعد ذكر صلاة الخوف: ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ وستأتي الأحاديث الواردة في صلاة الخوف وصفاتها في سورة النساء عند قوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾ الآية.\n﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٤٠) وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (٢٤١) كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢٤٢)﴾\nقال الأكثرون: هذه الآية منسوخة بالتي قبلها، وهي قوله: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾.\nقال البخاري (^١٥٣٧): حدثنا أمية، حدثنا يزيد بن زريع، عن حبيب، عن ابن أبي مليكة،\n_________\n(^١٥٣٦) - صحيح البخاري، كتاب الخوف (٩٤٦)، وكتاب المغازي حديث (٤١١٩).\n(^١٥٣٧) - صحيح البخاري، كتاب التفسير حديث (٤٥٣٠).\n_________\n[¬١]- في خ: \"ولم\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"ينافي \".\n[¬٣]- في ز: \"وأتموا\".","vol":"2","page":409},{"text":"قال ابن الزبير: قلت لعثمان بن عفان ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ قد نسختها الآية الأخرى فَلِمَ تكتبها أو تَدَعُها؟ قال: يا بن أخي، لا أغير شيئًا منه من مكانه.\nومعني هذا الإِشكال الذي قاله ابن الزبير لعثمان: إذا كان حكمها قد نسخ بالأربعة الأشهر [¬١] فما الحكمة في إبقاء رسمها مع زوال حكمها، وبقاء رسمها بعد التي نسختها يوهم بقاء حكمها؟ فأجابه أمير المؤمنين بأن هذا أمر توقيفي، وأنا وجدتها مثبتة في المصحف كذلك بعدها؛ فأثبتها حيث وجدتها.\nقالي ابن أبي حاتم (^١٥٣٨): حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح، حدثنا حجاج بن محمد، عن ابن جريج، وعثمان بن عطاء، عن عطاء، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيرَ إِخْرَاجٍ﴾ فكان للمتوفى عنها زوجها نفقتها وسكناها في الدار سنة، فنسختها آية المواريث، فجعل لهن الثمن أو الربع مما ترك الزوج، ثم قال: وروي عن أبي موسى الأشعري وابن الزبير، ومجاهد وإبراهيم وعطاء [¬٢] والحسن وعكرمة، وقتادة والضحاك، وزيد بن أسلم والسدي، ومقاتل بن حيان، وعطاء الخراساني، والربيع بن أنس-: أنها منسوخة.\nوروي من طريق علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس؛ قال (^١٥٣٩): كان الرجل إذا مات وترك امرأته اعتدت سنة في بيته ينفق عليها من ماله، ثم أنزل الله بعد: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ فهذه عدة المتوفى عنها زوجها إلا أن تكون حاملًا؛ فعدتها أن تضع ما في بطها وقال: ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ﴾ فبين ميراث المرأة وترك الوصية والنفقة.\nقال: وروي عن مجاهد والحسن، وعكرمة وقتادة، والضحاك والربيع، ومقاتل بن حيان، قالوا: نسختها ﴿أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾.\nقال: وروي عن سعيد بن المسيب؛ قال: نسختها التي في الأحزاب: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ الآية، (قلت): وروي عن مقاتل [¬٣] و[¬٤] قتادة أنها منسوخة بآية الميراث.\n_________\n(^١٥٣٨) - تفسير ابن أبي حاتم (١/ ٤٥٢) (٢٣٩٠).\n(^١٥٣٩) - تفسير ابن أبي حاتم (٢/ ٤٥٢) (٢٣٩١). وتفسير الطبري (٥٥٧٤).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"أشهر\".\n[¬٢]- سقط من: ت.\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- سقط من: ز.","vol":"2","page":410},{"text":"وقال البُخاريّ (^١٥٤٠): حدَّثنا إسحاق بن منصور [¬١]، حدَّثنا روح، حدَّثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ قال: كانت هذه العدة تعتد عند أهل زوجها واجب، فأنزل الله: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ﴾ قال: جعل الله [لها] [¬٢] تمام السنة سبعة أشهر وعشرين ليلة وصية، إن شاءت سكنت في وصيتها، وإن شاءت خرجت، وهو قول الله: ﴿غَيرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيكُمْ﴾ فالعدة كما هي واجب عليها، زعم ذلك عن مجاهد ﵀، وقال عطاء: قال ابن عباس: [نسخت هذه الآية] [¬٣] عدتها عند أهلها، فتعتد حيث شاءت، وهو قول الله تعالى: ﴿غَيرَ إِخْرَاجٍ﴾ قال عطاء: إن شاءت اعتدت عند أهلها وسكنت في وصيتها، وإن شاءت خرجت؛ لقول الله: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ﴾ قال عطاء: ثم جاء الميراث فنسخ السكنى، فتعتد حيث شاءت ولا سكنى لها، ثم أسند البُخاريّ عن ابن عباس مثل ما تقدم عنه بهذا [¬٤] القول الذي عَوَّل عليه مجاهد وعطاء، من أن هذه الآية لم تدل على وجوب الاعتداد سنة -كما زعمه الجمهور- حتَّى يكون ذلك منسوخًا بالأربعة الأشهر وعشر، وإنَّما دلت على أن ذلك كان من باب الوصاة بالزوجات أن يمكن من السكنى في بيوت أزواجهن بعد وفاتهم حولًا كاملًا أن اخترن ذلك؛ ولهذا قال: ﴿وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ﴾ أي: يوصيكم الله بهن وصية، كقوله: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ الآية، وقوله [¬٥]: ﴿وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ﴾ وقيل: إنما انتصب على معنى: فلتوصوا [¬٦] بهن وصية، وقرأ آخرون بالرَّفع: ﴿وَصِيَّةً﴾ (*)، على معنى: كتب عليكم وصية، واختارها ابن جرير، ولا يمنعن من ذلك لقوله: ﴿غَيرَ إِخْرَاجٍ﴾ فأمَّا إذا انقضت عدتهن بالأربعة أشهر والعشر [¬٧] أو بوضع الحمل، واخترن الخروج والانتقال من ذلك المنزل، فإنهن لا يمنعن من ذلك؛ لقوله: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ وهذا القول له اتجاه وفي اللفظ مساعدة له، وقد اختاره جماعة منهم: الإمام أبو العباس بن تيمية، ورده آخرون منهم: الشَّيخ أبو عمر بن عبد البر.\nوقول عطاء ومن تابعه على أن ذلك منسوخ بآية الميراث، أن أرادوا ما زاد على الأربعة أشهر\n_________\n(^١٥٤٠) - صحيح البُخاريّ، كتاب التفسير حديث (٤٥٣١).\n_________\n[¬١]- مكانها بياض في: ز، خ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين زيادة من ز.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- في ز: \"فهذا\".\n[¬٥]- في ز: \"وقال\".\n[¬٦]- في ز، خ: \"فليتوصوا\".\n[¬٧]- في ت: \"عشر\".","vol":"2","page":411},{"text":"والعشر فَمُسَلم، وإن أرادوا أن سكنى الأربعة أشهر والعشر لا تجب في تركة الميت، فهذا محل خلاف بين الأئمة، وهما قولان للشافعي، ﵀.\nوقد استدلوا على وجوب السكنى في منزل الزوج بما رواه مالك في موطئه (^١٥٤١)، عن سعد بن إسحاق بن كعب بن عُجرة؛ عن عمته زينب بنت كعب بن عجرة: أن الفُرَيعَة بنت مالك بن سنان، وهي أخت أبي سعيد الخدري ﵄ أخبرتها أنَّها جاءت إليَّ رسول الله ﷺ تسأله [¬١] أن ترجع إلى أهلها في بني خدرة، فإن زوجها خرج في طلب أعْبُدٍ له أبقوا (*)، حتَّى إذا كان بطرف القدوم لحقهم فقتلوه قالت: فسألت رسول الله ﷺ أن أرجع إلى أهلي في بني خدرة؛ فإن زوجي لم يتركني في منزل [¬٢] يملكه ولا نفقة، قالت: فقال رسول الله ﷺ: \"نعم\". قالت: فانصرفت حتَّى إذا كنت في الحجرة ناداني رسول الله ﷺ -أو أمر بي- فنوديت له فقال: \"كيف قلت؟ \" فرددت عليه القصة التي ذكرت له من شأن زوجي، فقال: \"اسكني [¬٣] في بيتك حتَّى يبلغ الكتاب أجله\". قالت: فاعتددت فيه أربعة أشهر وعشرا، قالت: فلما كان عثمان بن عفَّان أرسل إليَّ فسألنِي عن ذلك فأخبرته فأتبعه وقضى به.\nوكذا رواه أبو داود والترمذي والنَّسائيُّ من حديث مالك به.\nورواه النَّسائيّ أيضًا وابن ماجة من طرق عن سعد بن إسحاق به، وقال التِّرمذيُّ: حسن صحيح.\nوقوله: ﴿[وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ] [¬٤] بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: لما نزل قوله تعالى: [﴿مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ قال رجل: إن شئتُ\n_________\n(^١٥٤١) - الموطأ (٢/ ٥٩١). أخرجه أبو داود في كتاب الطلاق، باب: في المتوفى عنها تنتقل. (٢/ ٣٠٠ / رقم: ٢٣٠٠). والترمذي في كتاب الطلاق، باب: ما جاء أين تعتد المتوفى عنها زوجها. (٣/ ٤٩٩ - ٥٠١ / رقم: ١٢٠٤). والنَّسائيُّ في كتاب الطلاق، باب: مقام المتوفى عنها زوجها في بيتها حتَّى تحل. (٦/ ١٩٩، ٢٠٠ / رقم: ٣٥٢٨ - ٣٥٤٠). وباب: عدة المتوفى عنها زوجها من يوم يأتيها الخبر. (٦/ ٢٠٠، ٢٠١ / رقم: ٣٥٣٢). وفي الكبرى في كتاب التفسير، باب: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾. (٦/ ٣٠٣ / رقم: ١١٠٤٤). وابن ماجة في كتاب الطلاق، باب: أين تعتد المتوفى عنها زوجها. (١/ ٦٥٤، ٦٥٥ / رقم: ٢٠٣١). ورواه أحمد (٦/ ٣٧٠، ٤٢٠).\n(*) أبق العبد. هرب.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"فسألته\".\n[¬٢]- في ت: \"مسكن\".\n[¬٣]- في ت: \"أمكني\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"متاعًا\".","vol":"2","page":412},{"text":"أحسنتُ ففعلتُ، وإن شئتُ لم أفعل؛ فأنزل الله هذه الآية] [¬١]: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ [¬٢]﴾، [] [¬٣] وقد أستدل بهذه الآية من ذهب من العلماء إلى وجوب المتعة لكل مطلقة، سواء كانت مفوضة، أو مفروضا لها، أو مطلقة [¬٤] قبل المسيّس، أو مدخولًا بها، وهو قول عن الشَّافعي رحمة الله، وإليه ذهب سعيد بن جبير وغيره من السلف، واختاره ابن جرير، ومن لم يوجبها مطلقًا يخصص من هذا العموم مفهوم قوله تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ وأجاب الأولون: بأن هذا من باب ذكر بعض أفراد العموم فلا تخصيص على المشهور المنصور [¬٥]، والله أعلم.\nوقوله: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ﴾ أي: في احلاله وتحريمه، وفروضه وحدوده، فيما أمركم به [¬٦]، ونهاكم عنه، وبينه [¬٧] ووضحه وفسره، ولم يتركه مجملًا في وقت احتياجكم إليه ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ أي: تفهمون وتتدبرون.\n﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَال لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (٢٤٣) وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٤٤) مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيهِ تُرْجَعُونَ (٢٤٥)\nروي عن ابن عباس أنهم كانوا أربعة آلاف، وعنه: كانوا ثمانية آلاف، وقال أبو صالح: تسعة آلاف، وعن ابن عباس: أربعون ألفًا. وقال وهب بن منبه وأبو مالك: كانوا بضعة وثلاثين ألفًا.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٢]- في ز: \"المحسنين\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في ز: \"قال رجل: إن شئت أحسنت ففعلت، وإن شئت لم أفعل فأنزل الله هذه الآية: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾.\n[¬٤]- في خ: \"مطلقًا\".\n[¬٥] في خ: \"المنصوص\".\n[¬٦]- سقط من: ز، خ.\n[¬٧]- في خ: \"بينه\".","vol":"2","page":413},{"text":"وروى ابن أبي حاتم عن ابن عباس؛ قال: كانوا أهل قرية يقال لها داوردان. وكذا قال السدي وأبو صالح وزاد: من قِبَلِ واسط، وقال سعيد بن عبد العزيز: كانوا من أهل أذرعات، وقال ابن جريج عن عطاء قال: هذا مَثَل، وقال علي بن عاصم: كانوا من أهل ذاوردان [¬١]؛ قرية على فرسخ من قبل [¬٢] واسط.\nوقال وكيع بن الجرَّاح في تفسيره: حدَّثنا سفيان، عن ميسرة بن حبيب النهدي، عن المنهال بن عمرو الأسدي، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ قال: كانوا أربعة آلاف، خرجوا فرارا من الطاعون، قالوا: نأتي أرضًا ليس بها موت، حتَّى إذا كانوا بموضع كذا وكذا قال الله لهم: ﴿مُوتُوا﴾ فماتوا، فمر عليهم نبي من الأنبياء فدعا ربه أن يحييهم فأحياهم، فذلك قوله ﷿: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ الآية.\nوذكر غير واحد من السلف أن هؤلاءِ القوم كانوا أهل بلدة في زمان بني إسرائيل، استوخموا أرضهم، وأصابهم بها [¬٣] وباء شديد، فخرجوا فرارا من الموت هاربين [¬٤] إلى البرية، فنزلوا وأديا أفيح، فملئوا ما بين عدوتيه، فأرسل الله إليهم ملكين؛ أحدهما من أسفل الوادي، والآخر من أعلاه، فصاحا بهم صيحة واحدة؛ فماتوا عن آخرهم موتة رجل واحد، فحيزوا إلى حظائر، وبُني عليهم جدران وفنوا [¬٥] وتمزقوا وتفرقوا، فلما كان بعد دهر مرَّ بهم نبي من أنبياء بني إسرائيل يقال له: حزقيل، فسأل الله أن يحييهم على يديه، فأجابه إلى ذلك، وأمره أن يقول: أيتها [¬٦] العظام البالية، إنّ الله يأمرك أن تجتمعي، فاجتمع عظام كل جسد بعضها إلى بعض، ثم أمره فنادى: أيتها [¬٧] العظام، أن الله يأمرك بأن تكتسي لحمًا وعصبًا وجلدًا، فكان ذلك وهو يشاهده، ثم أمره فنادى: أيتها الأرواح، أن الله يأمرك أن ترجع كل روح إلى الجسد الذي كانت تعمره، فقاموا أحياء ينظرون، قد أحياهم الله [¬٨] بعد رقدتهم الطويلة وهم يقولون: سبحانك لا إله إلَّا أنت.\nوكان في إحيائهم عبرة ودليل قاطع على وقوع المعاد الجسماني يوم القيامة؛ ولهذا قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ﴾ أي [¬٩]: فيما يريهم من الآيات الباهرة، والحجج القاطعة، والدلالات الدامغة [¬١٠]، ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾ أي: لا يقومون\n_________\n[¬١]- في خ: \"داوردان\".\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- في ز، خ: \"فيها\".\n[¬٤]- سقط من: ز، خ\n[¬٥]- في ز: \"وقبور\".\n[¬٦]- في ز: \"أيها\".\n[¬٧]- في ز: \"أيها\".\n[¬٨]- سقط من: خ.\n[¬٩]- سقط من: ز.\n[¬١٠]- في خ: \"الواضحة\".","vol":"2","page":414},{"text":"بشكر ما أنعم الله به عليهم في دينهم ودنياهم.\nوفي هذه القصة عبرة ودليل على أنَّه لن يغني حَذَرٌ من قَدر، وأنَّه لا ملجأ من الله إلَّا إليه، فإنّ هؤلاءِ خرجوا [¬١] فرارًا من الوباء طلبًا [¬٢] لطول الحياة، فَعُوملوا بنقيض قصدهم، وجاءهم الموت سريعًا في آنٍ واحدٍ.\nومن هذا القبيل الحديث الصَّحيح الذي رواه الإمام أحمد (^١٥٤٢): حدَّثنا إسحاق بن عيسى، أخبرنا مالك.\nوعبد الرَّزاق، أخبرنا معمر، كلاهما عن الزُّهريّ، عن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، [عن عبد الله بن الحارث بن نوفل] [¬٣]، عن عبد الله بن عباس؛ أنّ عمر بن الخطاب خرج إليَّ الشَّام، حتَّى إذا كان بسرغ [¬٤] (*) لقيه أمراء الأجناد؛ أبو عبيدة بن الجراح وأصحابه، فأخبروه أن الوباء قد وقع بالشام، فذكر الحديث، فجاءه عبد الرحمن بن عوف، وكان متغيبًا لبعض حاجته، فقال: أن عندي من هذا علمًا؛ سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"إن كان بأرض وأنتم بها [¬٥] فلا تخوجوا فرارًا منه، وإذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه\" فَحَمِدَ الله عمر ثم انصرف.\nوأخرجاه في الصحيحين من حديث الزُّهريّ، به.\nطريق أخرى لبعضه: قال أحمد (^١٥٤٣): حدَّثنا حجاج ويزيد العمي [¬٦]؛ قالا: أخبرنا ابن أبي ذئب، عن الزُّهريّ، عن سالم، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة أن عبد الرحمن بن عوف أخبر عمر وهو في الشَّام، عن النَّبيِّ ﷺ: \"أن هذا السقم عُذبَ به الأمم قبلكم، فإذا سمعتم به في أرض فلا تدخلوها، وإذا وقع بأرض وأنتم بها [¬٧] فلا تخرجوا فرارًا منه [¬٨] \". قال: فرجع عمر من الشَّام، وأخرجاه في الصحيحين من حديث مالك عن الزُّهريّ بنحوه [¬٩].\n_________\n(^١٥٤٢) - المسند (١/ ١٩٤) (١٦٨٣)، وصحيح البُخاريّ، كتاب الطب حديث (٥٧٢٩)، وصحيح مسلم، كتاب السَّلام حديث (٢٢١٩).\n(*) قرية بوادي تبوك.\n(^١٥٤٣) - المسند (١/ ١٩٣) (١٦٧٨)، وصحيح البُخاريّ، كتاب الطب، حديث (٥٧٣٠)، وصحيح مسلم، كتاب السَّلام، حديث (٢٢١٩).\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- في خ: \"وطلبًا\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٤]- في خ: \"بسوغ\".\n[¬٥]- في خ: \"فيها\".\n[¬٦]- في ز، خ: \"العني\".\n[¬٧]- في ز، خ: \"فيها\".\n[¬٨]- سقط من: ت.\n[¬٩]- في ز: \"نحوه\".","vol":"2","page":415},{"text":"وقوله: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ أي: كما أن الحذر لا يغني من القدر، كذلك الفرار من الجهاد وتجنبه لا يقرب أجلا ولا يباعده [¬١]؛ بل الأجل المحتوم والرزق المقسوم مقدّر مقنن لا يزاد فيه ولا ينقص منه، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالُوا لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾، وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَينَا الْقِتَال لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا * أَينَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾. وروينا عن أمير الجيوش ومقدم العساكر وحامي حوزة الإسلام وسيف الله المسلول على أعدائه أبي سليمان خالد بن الوليد ﵁ إنَّه قال وهو في سياق الموت (^١٥٤٤): لقد شهدت كذا وكذا موقفا، وما من عضو من أعضائي إلا وفيه رمية أو طعنة أو ضربة، وهأنذا [¬٢] أموت على فراشي كما يموت العير، فلا نامت أعين [¬٣] الجبناء. يعني: أنَّه يتألم لكونه [¬٤] ما مات قتيلًا في الحرب، ويتأسف على ذلك، ويتألم أن يموت على فراشه.\nوقوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ يحث تعالى عباده على الإنفاق في سبيل الله، وقد كرر تعالى هذه الآية في كتابه العزيز في غير موضع، وفي حديث النزولَ [¬٥]: \" [من يقرض] [¬٦] غير عديم ولا ظلوم؟ \".\nوقد قال ابن أبي حاتم (^١٥٤٥): حدَّثنا الحسن بن عرفة، حدَّثنا خلف بن خليفة، عن حميد الأعرج، عن عبد الله بن الحارث، عن عبد الله بن مسعود؛ قال: لما نزلت: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ﴾ قال [¬٧] أبوالدحداح الأنصاري: يا رسول الله؛ وإن الله ﷿ ليريد منا القرض؟ قال: \"نعم، يا أبا الدحداح\". قال: أرني يدك يا رسول الله. قال: فناوله يده. قال: فإنّي قد اقرضت ربي ﷿ حائطي. قال [¬٨]: وحائط له فيه ستمائة نخلة، وأمّ الدحداح فيه وعيالها، قال: فجاء أبو الدحداح\n_________\n(^١٥٤٤) - انظر: مختصر تاريخ دمشق لابن منظور (٨/ ٢٦).\n(^١٥٤٥) - جزء الحسن بن عرفة برقم (٨٧) ورواه سعيد بن منصور في السنن برقم (٤١٧) تحقيق الدكتور الحميد، ومن طريقه رواه الطبراني في المعجم الكبير (٢٢/ ٣٠١) عن خلف بن خليفة به نحوه، وحميد الأعرج ضعيف، لكم للحديث شواهد من حديث أنس وعمر ﵄.\n_________\n[¬١]- في خ: \"يبعده\".\n[¬٢]- في خ: \"وهذأنا\".\n[¬٣]- في ز: \"عين\".\n[¬٤]- في ز: \"الذي\".\n[¬٥]- مكانها في خ: بياض.\n[¬٦]- في خ: \"من تعرض\".\n[¬٧]- كررت في: ز، خ.\n[¬٨]- سقط من: ز، خ.","vol":"2","page":416},{"text":"فناداها: يا أمَّ الدحداح، قالت: لبيك. قال: اخرجى، فقد أقرضته ربي ﷿.\nوقد رواه ابن مردويه من حديث عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عمر ﵁ مرفوعًا بنحوه.\nوقوله: ﴿قَرْضًا حَسَنًا﴾ روي عن عمر وغيره من السلف: هو النفقة في سبيل الله.\nوقيل: هو النفقة على العيال. وقيل: هو التسبيح والتقديس.\nوقوله: ﴿فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾، كما قال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ الآية، وسيأتي الكلام عليها.\nوقال الإمام أحمد (^١٥٤٦): حدَّثنا يزيد، أخبرنا مبارك بن فضالة، عن علي بن زيد، عن أبي عثمان النهدي؛ قال: أتيت أبا هريرة ﵁ فقلت له: إنَّه بلغني أنك تقول: إن الحسنة تضاعف ألف ألف حسنة. فقال: وما أعجبك من ذلك؟ لقد سمعته من النَّبيِّ ﷺ يقول: \"إن الله يضاعف الحسنة ألفي ألف حسنة\".\nهذا حديث غريب، وعلي بن زيد بن جدعان عنده مناكير، لكن رواه ابن أبي حاتم من وجه آخر، فقال:\nحدَّثنا أبو خلاد سليمان بن خلاد المؤدّب، حدَّثنا يونس بن محمَّد المؤدب، حدَّثنا محمَّد بن عقبة الرباعي [¬١]، عن زِياد الجصاص، عن أبي عثمان النهدي، قال: لم يكن أحد أكثر\n_________\n(^١٥٤٦) - \" المسند\" (٢/ ٥٢١، ٥٢٢) وذكره الهيثمي في \"المجمع\" (١٠/ ١٤٨) وقال: \"رواه أحمد بإسنادين، والبزار بنحوه وأحد إسنادي أحمد جيد\" في الإسنادين على من زيد بن جدعان وهو ضعيف، واختلف عليه فيه فقال أبو الحسن الدارقطني في \"العلل\" (٨ / س ١٥٥٨): \"يرويه علي بن زيد بن جدعان، واختلف عنه فرواه سفيان بن حسين- عند البزار في مسنده (٢٤٢/ ٢٠١) مستفاد من هامش \"العلل\" -ومبارك بن فضالة- عند أحمد (٢/ ٢٩٦) وابن جرير (٥/ ٩٥١٠) - وسليمان بن المغيرة عن عليّ بن زيد عن أبي عثمان النهدي عن أبي هريرة ورفعوه إلى النَّبيِّ ﷺ ووقفه شعبة وغيره- كذا وابن أبي هند عند ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٨/ ١٨٧) - عن عليّ بن زيد عن أبي عثمان عن أبي هريرة قوله. ورواه زياد الجصاص- عند ابن أبي حاتم (٦/ ١٠٠٣٠) ومن أحد طرقه سيذكره المصنف عند آية رقم ٣٨ / سورة التوبة وزياد ضعيف- عن أبي عثمان، عن أبي هريرة عن النَّبيِّ ﷺ مرفوعًا وتابعه أبان بن أبي عياش عند عبد الرَّزاق في تفسيره (١/ ١٦٠) وأبان متروك- عن أبي عثمان عن أبي هريرة =\n_________\n[¬١]- كذا في ز، خ. وجاء في الجرح والتعديل (٨/ ٣٦): محمَّد بن عقبة روى عن زياد الجصاص، روى عنه يونس بن محمَّد المؤدب. حدَّثنا عبد الرحمن قال: سألت أبي عنه؟ فقال: شيخ. قلت: فإن يونس بن محمَّد يقول: الرفاعي، قال: ليس هو الرفاعي هو من قبيلة أخرى. ا هـ.","vol":"2","page":417},{"text":"مجالسة لأبي هريرة مني، فَقَدِمَ قبلي حاجًّا، قال: وقدمت بعده، فإذا أهل البصرة يأثرون عنه أنَّه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"إن الله يضاعف الحسنة ألف ألف حسنة\"، فقلت: ويحكم! والله ما كان أحد أكثر مجالسة لأبي هريرة مني، فما سمعت هذا الحديث، قال: فتحملت أُريد أن ألحقه فوجدته قد انطلق حاجًّا، فانطلقت إلى الحج أن ألقاه في هذا الحديث، فلقيته لهذا فقلت: يا أبا هريرة، ما حديث سمعت أهل البصرة يأثرون عنك؟ قال: ما هو؟ قلت: زعموا أنك تقول: أن الله يضاعف الحسنة ألف ألف حسنة. قال: يا أبا عثمان، وما تعجب من ذا؟ والله يقول: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ ويقوله: ﴿فَمَا [¬١] مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إلا قَلِيلٌ﴾ والذي نفسي بيده، لقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"إن الله يضاعف الحسنة ألفي ألف حسنة\".\nوفي معنى هذا الحديث ما رواه التِّرمذيُّ وغيره (^١٥٤٧) من طريق عمرو بن دينار، عن سالم، عن عبد الله بن عمر بن الخطاب: أن رسول الله ﷺ قال: \"من دخل سوقًا من الأسواق فقال: لا إله إلَّا الله، وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير- كتب الله له ألف ألف حسنة، ومحا عنه ألف ألف سيئة\" الحديث.\nوقال ابن أبي حاتم (^١٥٤٨): حدَّثنا أبو زرعة، حدَّثنا إسماعيل بن إبراهيم بن بسام، حدَّثنا أبو إسماعيل المؤدّب، عن عيسى بن المسيب، عن نافع، عن ابن عمر قال: لما نزلت: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ﴾ إلى آخرها، فقال رسول الله ﷺ: \"رَبِّ زِد أُمَّتي\"، فنزلت: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ قال: \"رَبِّ زِد أُمَّتي\"؛ فنزلت: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ\n_________\n= عن النَّبيِّ ﷺ مرفوعًا من رواية أبي سليم عبيد بن يحيى الكوفي وقع إلى الرقة -ثقة- عن أبي بكر بن عياش عن أبان وقال محمَّد بن إشكاب عن سعيد بن عامر عن أبان عن أبي عثمان عن أبي هريرة موقوفًا، وقيل: عن ثابت البناني عن أبي عثمان النهدي عن أبي ذر عن النَّبيِّ ﷺ\" والحديث ذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" (١/ ٥٥٤) (٢/ ٢٩١)، (٣/ ١٢١) وعزاه إلى أحمد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن جرير وابن مردويه.\n(^١٥٤٧) - سنن التِّرمذيِّ، كتاب الدعوات حديث (٣٤٢٩)، وابن ماجه (٢٢٣٥) وأحمد (١/ ٤٧) وقال التِّرمذيُّ: \"عمرو بن دينار شيخ بصري ليس بالقوي في الحديث، وقد تكلم فيه بعض أصحاب الحديث\".\n(^١٥٤٨) - ورواه ابن حبان في صحيحه برقم (١٦٤٨) \"موارد\" من طريق حفص المقرئ، عن أبي إسماعيل المؤدب به.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"وما\".","vol":"2","page":418},{"text":"أَجْرَهُمْ بِغَيرِ حِسَابٍ﴾.\nوروى ابن أبي حاتم أيضًا [¬١]، عن كعب الأحبار، أنَّه جاء رجل فقال: إني سمعت رجلًا يقول: من قرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ مرَّة واحدة بنى الله له عشرة آلاف ألف غرفة من در وياقوت في الجنَّة، أفأصدّق بذلك؟ قال: نعم، أوَعجبتَ من ذلك؟ قال: نعم (*). وعشرين ألف ألف، وثلاثين ألف ألف، وما لا [¬٢] يحصي ذلك إلَّا الله، ثم قرأ: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ فالكثير من الله لا يحصى.\nوقوله: ﴿وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ﴾ أي: أنفقوا ولا تبالوا فالله هو الرَّزاق يضيق على من يشاء [من عباده] [¬٣] في الرزق، ويوسعه على آخرين، و[¬٤] له الحكمة البالغة في ذلك ﴿وَإِلَيهِ تُرْجَعُونَ﴾ أي: يوم القيامة.\n﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَال هَلْ عَسَيتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إلا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٢٤٦)﴾\nقال عبد الرَّزاق: عن معمر، عن قتادة: هذا النَّبيُّ هو يوشع بن نون.\nقال ابن جرير: يعني: ابن أفراثيم بن يوسف بن يعقوب، وهنا القول بعيد؛ لأنَّ هذا كان بعد موسى بدهر طويل، وكان ذلك في زمان داود ﵇، كما هو مصرح به في القصة، وقد كان بين داود وموسى ما ينيف عن ألف سنة، والله أعلم.\nوقال السدي: هو شمعون. وقال مجاهد: هو شمويل ﵇، وكذا قال محمَّد بن إسحاق، عن وهب بن منبه: وهو شمويل بن بالي بن علقمة بن يرخام [¬٥]، ابن إليهو [¬٦] بن\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- زيادة من: ز، خ.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٤]- زيادة من: خ.\n[¬٥]- في ز، \"نزخام\" خ: \"ترخام\".\n[¬٦]- في ز، خ: \"اليهو\".","vol":"2","page":419},{"text":"تهو [¬١] بن [¬٢] صوف [¬٣]، بن [¬٤] علقمة بن ماحث [¬٥]، بن عموصا [¬٦] بن عزريا بن صفينيه [¬٧] بن علقمة من أبي يوسف [¬٨] بن قارون بن يصهر بن قاهث بن لاوي بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل ﵇.\nوقال وهب بن منبه وغيره: كان بنو إسرائيل بعد موسى ﵇ على طريق الاستقامة مدّة من الزمان، ثم أحدثوا الأحداث، وعبد بعضهم الأصنام، ولم يزل بين أظهرهم من الأنبياء من يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، ويقيمهم على منهج التوراة، إلى أن فعلوا ما فعلوا، فسلط الله عليهم أعدائهم، فقتلوا منهم مقتلة عظيمة، وأسروا خلفًا كثيرًا، وأخذوا منهم بلادًا كثيرة ولم يكن أحد يقاتلهم إلَّا غلبوه؛ وذلك أنهم كان عندهم حكم [¬٩] التوراة والتابوت الذي كان في قديم [¬١٠] الزمان، وكان ذلك موروثًا لخلفهم عن سلفهم ابن موسى الكليم ﵊، فلم يزل بهم تماديهم على الضلال حتَّى استلبه منهم بعض الملوك في بعض الحروب، وأخذ التوراة من أيديهم، ولم يبق من حفظها فيهم إلَّا القليل، وانقطعت النبوّة من أسباطهم، ولم يبق من سبط لاوي الذي يكون فيه الأنبياء إلَّا امرأة حامل من بعلها وقد قتل، فأخذوها فحبسوها في بيت، واحتفظوا بها، لعل الله يرزقها غلامًا كون نبيًّا لهم، ولم تنزل المرأة تدعو الله ﷿ أن يرزقها غلامًا؛ فسمع الله لها ووهبها غلامًا فسمته شمويل [أي: سمع الله] [¬١١] دعائي [¬١٢]، ومنهم من يقول: شمعون، وهو بمعناه، فشب ذلك الغلام، ونشأ فيهم، وأنبته الله نباتًا حسنًا، فلما بلغ سن الأنبياء أوحى الله إليه، وأمره بالدعوة إليه، وتوحيده، فدعا بني إسرائيل فطلبوا منه أن يقيم لهم ملكا يقاتلون معه أعداءهم، وكان الملك أيضًا قد باد فيهم، فقال لهم النَّبيُّ: فهل عسيتم أن أقام الله لكم ملكًا ألا [تقاتلوا و] [¬١٣] تفوا بما التزمتم من القتال معه؟! ﴿قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا﴾ أي: و[¬١٤] قد أخذت [¬١٥] منا البلاد، وسبيت الأولاد قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إلا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ\n_________\n[¬١] حتى ز، خ: \"بهرض\".\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- سقط من: خ.\n[¬٤]- سقط من: خ.\n[¬٥]- في ز: \"ماحب\"، خ. \"أحب\".\n[¬٦]- في ز، خ. \"عمرصا\".\n[¬٧]- في ز، خ: \"صفية\".\n[¬٨]-في ز، خ. \"ياشف\".\n[¬٩]- زيادة من: خ.\n[¬١٠]- في خ: \"فيه\".\n[¬١١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬١٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬١٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬١٤]- سقط من: خ.\n[¬١٥]- في ز، خ: \"أخذ\".","vol":"2","page":420},{"text":"بِالظَّالِمِينَ﴾ أي: ما وفوا بما وعدوا؛ بل نكل عن الجهاد أكثرهم والله عليم بهم.\n﴿وَقَال لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَينَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَال إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٢٤٧)﴾\nأي: لما طلبوا من نبيهم أن يعين لهم ملكا منهم، فعين لهم طالوت، وكان رجلًا من آحادهم [¬١]، ولم يكن من بيت الملك فيهم؛ لأن الملك [فيهم] [¬٢] كان في سبط يهوذا، ولم يكن هذا من ذلك السبط فلهذا قالوا: ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَينَا﴾ [أي: كيف يكون ملكًا علينا] [¬٣] ﴿وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ﴾ أي: ثم هو مع هذا فقير لا مال له يقوم كالملك. وقد ذكر بعضهم أنه كان سقاء. وقيل: دباغًا. وهذا اعتراض منهم علي نبيهم، وتعنت، وكان الأولى بهم طاعة وقول معروف، ثم قد أجابهم النبي قائلًا: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيكُمْ﴾ أي: اختاره لكم من بينكم، والله أعلم به منكم. يقول: لست أنا الذي عينته من تلقاء نفسي، بل الله أمرني به لما طلبتم مني ذلك، ﴿وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ أي: وهو مع هذا أعلم منكم، وأنبل، وأشكل منكم، وأشدّ قوةً وصبرًا في الحرب، ومعرفة بها، أي: أتم علمًا وقامة منكم، ومن هاهنا ينبغي أن يكون الملك ذا علم، وشكل حسن، وقوة شديدة في بدنه ونفسه. [ثم قال: ﴿وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ﴾ أي هو الحاكم الذي ما شاء فعل.\nولا يسأل عما يفعل وهم يسألون، لعلمه وحكمته، ورأفته بخلقه ولهذا قال: ﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ أي: هو واسع الفضل، ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ عليم بمن يستحق الملك ممن لا يستحقه].\n﴿وَقَال لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٤٨)﴾\n_________\n[¬١]- في خ: \"أجنادهم\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين زيادة من ز.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.","vol":"2","page":421},{"text":"يقول لهم نبيهم: إن علامة بركة ملك طالوت عليكم، أن يرد الله عليكم التابوت الذي كان أخذ منكم. ﴿فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ قيل: معناه: فيه وقار وجلالة.\nقال عبد الرزاق: عن معمر، عن قتادة: ﴿فِيهِ سَكِينَةٌ﴾ أي: وقار.\nوقال الربيع: رحمة. وكذا روى عن العوفي، عن ابن عباس. وقال ابن جريج: سألت عطاء عن قوله: ﴿فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ قال: ما تعرفون من آيات الله، فتسكنون إليه. [وكذا قال الحسن البصري] [¬١].\nوقيل: السكينة طست من ذهب كانت تغسل فيه قلوب الأنبياء، أعطاها الله موسى ﵇ فوضع فيها الألواح، [] [¬٢] رواه السدي، عن أبي مالك، عن ابن عباس. وقال سفيان الثوري: عن سلمة بن كهيل، عن أبي الأحوص، عن علي، قال: السكينة لها وجه كوجه الإنسان، ثم هي ريح [¬٣] هفافة.\nوقال ابن جرير (^١٥٤٩): حدثني [ابن] [¬٤] المثنى، حدثنا أبو داود، حدثنا شعبة، وحماد بن سلمة، وأبو الأحوص، كلهم عن سماك، عن خالد بن عرعرة، عن علي، قال: السكينة ريح خجوج (*)، ولها رأسان.\nوقال مجاهد: لها جناحان، وذَنَب. وقال محمد بن إسحاق: عن وهب بن منبه: السكينة رأس هرّة ميتة، إذا صرخت في التابوت بصراخ هرّ أيقنوا بالنصر، وجاءهم الفتح. وقال عبد الرزاق: أخبرنا بكار بن عبد الله، أنه سمع وهب بن منبه يقول: السكينة روح من الله تتكلم إذا اختلفوا في شيء تكلم فتخبرهم [¬٥] ببيان [¬٦] ما يريدون.\nوقوله: ﴿وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ﴾ قال ابن جرير (^١٥٥٠): أخبرنا ابن مثنى، حدثنا أبو الوليد، حدثنا حماد، عن داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس، في هذه الآية: ﴿وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ﴾ قال: عصاه ورضاض الألواح.\nوكذا قال قتادة، والسدي، والربيع أنس، وعكرمة، وزاد: والتوراة. وقال أبو صالح:\n_________\n(^١٥٤٩) - تفسير الطبري (٥/ ٣٢٧) حديث (٥٦٧١).\n(*) ريح خجوج: أي شديدة المرور في غير استواء. النهاية (٢/ ١١).\n(^١٥٥٠) - تفسير الطبري (٥/ ٣٣١) حديث (٥٦٨٥).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ\n[¬٢]- في ز: \"و\".\n[¬٣]- في ت: \"روح\".\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- في ز، خ: \"فأخبرهم\".\n[¬٦]- سقط من: خ.","vol":"2","page":422},{"text":"﴿وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى﴾ يعني: عصا موسى، وعصا هارون، ولوحين [¬١] [من التوراة، والمن. وقال عطية بن سعد: عصا موسى، وعصا هارون] [¬٢] وثياب موسى، وثياب هارون، ورضاض الألواح.\nوقال عبد الرزاق: سألت الثوري عن قوله: ﴿وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ﴾ فقال: منهم من يقول قفيز من منٍّ، ورضاض الألواح. ومنهم من يقول: العصا والنعلان.\nوقوله: ﴿تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ﴾ قال ابن جريج: قال ابن عباس: جاءت الملائكة تحمل التابوت بين السماء والأرض، حتى وضعته بين يدي طالوت، والناس ينظرون. وقال السدى: أصبح التابوت في دار طالوت فآمنوا بنبوة شمعون، وأطاعوا طالوت. وقال عبد الرزاق، عن الثوري عن بعض أشياخه: جاءت به الملائكة تسوقه على [¬٣] عجلة على بقرة. وقيل: على بقرتين.\nوذكر غيره: أن التابوت كان بأريحا، وكان المشركون لما أخذوه وضعوه في بيت آلهتهم تحت صنمهم الكبير، فأصبح التابوت على رأس الصنم، فأنزلوه فوضعوه تحته، فأصبح كذلك، فسمروه تحته، فأصبح الصنم مكسر القوائم، ملقى بعيدًا، فعلموا أن هذا أمر من الله لا قِبَلَ لهم به، فأخرجوا التابوت من بلدهم، فوضعوه في بعض القرى [¬٤] فأصاب أهلها داء في رقابهم، فأمرتهم جارية من سبي بني إسرائيل أن يردّوه إلى بني إسرائيل، حتى يخلصوا من هذا الداء، فحملوه على بقرتين فسارتا به، لا يقربه أحد إلا مات حتى اقتربتا من بلد بني إسرائيل، فكسرتا النيرين، ورجعتا، وجاء بنو إسرائيل فأخذوه، فقيل: إنه تسلمه داود ﵇، وأنه لما قام إليهما حَجَل (*) من فرحه بذلك. وقيل: شابان منهم. فالله أعلم.\nوقيل: كان التابوت بقرية من قرى فلسطين [يقال لها] [¬٥]: أزدرد.\nوقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَكُم﴾ أي: على صدقي فيما جئتكم به من النبوة، وفيما أمرتكم به من طاعة طالوت ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أي: بالله واليوم الآخر.\n﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَال إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إلا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا\n_________\n(*) - الحجل: أن يرفع رجلًا ويقف على الأخرى من الفرح.\n_________\n[¬١]- في ز: \"ولوحان\"، وسقط من: خ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- في ز، خ: \"القرايا\".\n[¬٥]- سقط من: خ.","vol":"2","page":423},{"text":"مِنْهُ إلا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَال الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (٢٤٩)﴾\nيقول تعالى مخبرًا عن طالوت ملك بني إسرائيل، حين خرج في جنوده، ومن أطاعه من ملإ بني إسرائيل، وكان جيشه يومئذ -فيما ذكره السدي- ثمانين ألفًا. فالله أعلم. أنه قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ﴾ أي: مختبركم بنهر. قال ابن عباس، وغيره: وهو نهر بين الأردن وفلسطين. يعني: نهر الشريعة المشهور.\n﴿فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيسَ مِنِّي﴾ أي: فلا يصحبني اليوم في هذا الوجه ﴿وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إلا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ﴾ أي: فلا بأس عليه قال الله تعالى: ﴿فَشَرِبُوا مِنْهُ إلا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾ قال ابن جريج: قال ابن عباس: من اغترف منه بيده رَويَ، ومن شرب منه لم هو وكذا رواه السدي، عن أبي مالك، عن ابن عباس. وكذا قال قتادة، وابن شوذب.\nوقال السدي: كان الجيش ثمانين ألفًا، فشرب منه [¬١] ستة وسبعون ألفًا، وتبقى معه أربعة آلاف. كذا قال:\nوقد روى ابن جرير (^١٥٥١) من طريق إسرائيل، وسفيان الثوري، ومسعر بن كدام، عن أبي إسحاق السبيعي، عن البراء بن عازب، قال: كنا نتحدّث أن أصحاب محمد ﷺ الذين كانوا يوم بدر ثلاثماثة وبضعة عشر، علي عدة أصحاب طالوت الذين جازوا معه النهر، وما جاز [¬٢] معه إلا مؤمن.\nورواه البخاري (^١٥٥٢) عن عبد الله بن رجاء، عن إسرائيل بن يونس بن [¬٣] أبي إسحاق، [عن جده]، عن البراء قال: كنا - أصحاب محمد ﷺ نتحدث أن عدة أصحاب بدر على عدة أصحاب طالوت، الذين جازوا معه النهر، ولم يجاوز معه إلا\n_________\n(^١٥٥١) - تفسير الطبري (٥/ ٣٢٧).\n(^١٥٥٢) - صحيح البخاري برقم (٣٩٥٨).\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في ت: \"جازه\".\n[¬٣]- في ت: \"عن\".","vol":"2","page":424},{"text":"مؤمن بضعة عشر وثلاثمائة\".\nثم رواه من حديث سفيان الثوري وزهير عن أبي إسحاق [] [¬١] عن البراء بنحوه (^١٥٥٣).\nولهذا قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ﴾ أي: استقلوا أنفسهم عن لقاء عدوّهم لكثرتهم فشجعهم علماؤهم العالمون [¬٢]؛ بأن وعد الله حق، فإن النصر من عند الله، ليس عن كثرة عَدد ولا عُدد. ولهذا قالوا: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾.\nوَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَينَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٢٥٠) فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالمِينَ (٢٥١) تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٢٥٢)﴾\nأي: لما واجه حزب الإيمان، وهم قليل من أصحاب طالوت، لعدوهم أصحاب جالوت، وهم عدد كثير ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَينَا صَبْرًا﴾ أي [¬٣]: [أنزل علينا صبرًا] [¬٤] من عندك ﴿وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا﴾ أي: في لقاء الأعداء، وجنبنا الفرار والعجز ﴿وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾.\nقال الله تعالى: ﴿فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ أي: غلبوهم وقهروهم بنصر الله لهم. ﴿وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ﴾ ذكروا في الإسرائيليات أنه قتله بمقلاع كان في يده، رماه به فأصابه فقتله، وكان طالوت قد وعده أن قتل جالوت أن يزوّجه ابنته، ويشاطره نعمته، ويشركه في أمره، فوفى له، ثم آل الملك إلى داود ﵇ مع ما منحه الله به من النبوّة العظيمة. ولهذا قال تعالى: ﴿وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ﴾ الذي كان بيد طالوت ﴿وَالْحِكْمَةَ﴾ أي: النبوة بعد شمويل\n_________\n(^١٥٥٣) - صحيح البخاري، كتاب المغازي حديث (٣٩٥٧) من حديث زهير ورقم (٣٩٥٩) من حديث سفيان.\n_________\n[¬١]- في ت: عن جده.\n[¬٢]- في ز، خ: \"العالمين\".\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.","vol":"2","page":425},{"text":"﴿وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ﴾ أي: مما يشاء الله من العلم الذي اختصه به ﷺ.\nثم قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾ أي: [لولا الله] [¬١] يدفع عن قوم بآخرين كما دفع عن بني إسرائيل بمقاتلة طالوت وشجاعة داود لهلكوا. كما قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا﴾. الآية.\nوقال ابن جرير (^١٥٥٤) ﵀ حدثني أبو [¬٢] حميد الحمصي -أحمد بن المغيرة- حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا حفص بن سليمان، عن محمد بن سوقة، عن وبرة بن عبد الرحمن، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن الله ليدفع بالمسلم الصالح عن مائة أهل بيت من جيرانه البلاء\". ثم قرأ ابن عمر: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾.\nوهذا إسناد ضعيف؛ فإن يحيى بن سعيد هذا [¬٣] هو أبو زكريا [¬٤] العطار الحمصي، وهو ضعيف جدًّا [¬٥].\nثم قال ابن جرير (^١٥٥٥): حدثنا أبو حميد الحمصي، حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا عثمان بن عبد الرحمن، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن الله ليصلح بصلاح الرجل المسلم ولده، وولد ولده، وأهل دويرته، ودويرات حوله، ولا يزالون في حفظ الله ﷿ ما دام فيهم\".\nوهذا أيضًا غريب ضعيف؛ لما تقدم أيضًا.\nوقال أبو بكر بن مردويه (^١٥٥٦): حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، أخبرنا علي بن إسماعيل بن حماد، أخبرنا أحمد بن محمد بن يحيى بن سعيد، أخبرنا زيد بن الحباب [¬٦]، حدثني حماد بن زيد، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي أسماء، عن ثوبان\n_________\n(^١٥٥٤) - تفسير الطبري (٥/ ٣٧٤) (٥٧٥٣). والعقيلي في الضعفاء (٤/ ٤٠٤)، وابن عدي (٣/ ٢٧٤).\n(^١٥٥٥) - تفسير الطبري (٥/ ٣٧٥) (٥٧٥٤).\n(^١٥٥٦) - ورواه عبد الرزاق في المصنف برقم (٢٠٤٥٧) عن معمر، عن أيوب عن أبي قلابة مرسلًا.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"لولاه\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"ابن\".\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- سقط من: خ.\n[¬٦]- في خ: \"الخباب\".","vol":"2","page":426},{"text":"-رفع الحديث- قال: \"لا يزال فيكم سبعة بهم تنصرون، وبهم تمطرون، وبهم ترزقون، حتى يأتي أمر الله\".\n[وقال ابن مردويه أيضًا (^١٥٥٧) [¬١] \": وحدثنا محمد بن أحمد، حدثنا محمد بن جرير بن يزيد، حدثنا أبو معاذ -[نهار بن] [¬٢] عثمان الليثي- أخبرنا زيد بن الحباب [¬٣]، أخبرني عمر البزار، عن عنبسة الخوّاص، عن قتادة، عن أي قلابة، عن أبي الأشعث الصنعاني، عن عبادة بن الصامت، قال: قال رسول الله ﷺ: \"الأبدال في أمتي ثلاثون: بهم تقوم الأرض، وبهم تمطرون [¬٤]، وبهم تنصرون [¬٥] \" قال قتادة: إني لأرجو أن يكون الحسن منهم.\nوقوله: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالمِينَ﴾ أي: مَنٍّ عليهم، ورحمةٍ بهم؛ يدفع عنهم ببعضهم بعضًا، وله الحكم والحكمة والحجة على خلقه في جميع أفعاله وأقواله. ثم قال تعالى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ أي: هذه آيات الله التي قصصناها عليك من أمر الذين ذكرناهم. ﴿بِالْحَقِّ﴾، أي: بالواقع الذي كان [الأمر عليه]، المطابق لما بأيدي أهل الكتاب من الحق الذي يعلمه علماء بني إسرائيل.\n﴿وَإِنَّكَ﴾ أي: يا محمد ﴿لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ وهذا توكيد وتوطئة للقسم.\nتِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَينَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا\n_________\n(^١٥٥٧) - ورواه الطبراني في المعجم الكبير من طريق محمد بن الفرج، عن زيد بن الحباب به، وقال الهيثمي في المجمع (١٠/ ٦٣): \"رواه الطبراني من طريق عمرو البزار، عن عنبسة الحواص، وكلاهما لم أعرفه، وبقية رجاله رجال الصحيح،. ورواه أحمد (٥/ ٣٢٢) من طريق الحسن بن ذكوان عن عبد الواحد بن قيس عن عبادة بنحوه. وقال الإمام أحمد: منكر.\nفائدة: قال الإمام ابن القيم في المنار المنيف (ص ١٣٦): \"أحاديث الأبدال والأقطاب، والأغواث، والنقباء، والنجباء، والأوتاد، كلها باطلة على رسول الله ﷺ، وأقرب ما فيها: \"لا تسبوا أهل الشام فإن فيهم البدلاء، كلما مات رجل منهم أبدل الله مكانه رجلًا آخر\" ذكره أحمد، ولا يصح أيضًا، فإن منقطع\". وانظر المقاصد الحسنة (٣٢ - ٣٤).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٣]- في خ: \"الخباب\".\n[¬٤]- في ز، خ: \"يمطرون\".\n[¬٥]- في ز، خ: \"ينصرون\".","vol":"2","page":427},{"text":"فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ (٢٥٣)﴾.\nيخبر تعالى أنه فضل بعض الرسل على بعض، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَينَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ وقال هاهنا: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ﴾ يعني: موسى، ومحمدًا صلي الله عليهما وسلم، وكذلك آدم، كما ورد به الحديث المروي في صحيح ابن حبان، عن أبي ذر ﵁.\n﴿وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ كما ثبت في حديث الإسراء، حين رأى النبي ﷺ الأنبياء في السماوات بحسب تفاوت منازلهم عند الله ﷿. (فإن قيل): فما الجمع بين هذه الآية وبين الحديث الثابت في الصحيحين (^١٥٥٨) عن أبي هريرة قال: استب رجل من المسلمين ورجل من اليهود، فقال اليهودي في قسم يقسمه: لا والذي اصطفي موسى علي العالمين. فرفع المسلم يده فلطم بها وجه اليهودي، فقال: أي: خبيث! وعلى محمد ﷺ. فجاء اليهودي إلي النبي ﷺ، فاشتكى على المسلم، فقال رسول الله ﷺ: \"لا تفضلوني على الأنبياء، فإن الناس يصعقون يوم القيامة، فأكون أول من يفيق، فأجد موسى باطشًا بقائمة العرش، فلا أدري أفاق قبلي أم جوزي بصعقة الطور\"؟ فقال [¬١]: \"فلا [¬٢] تفضلوني على الأنبياء\" وفي رواية: \"لا تفضلوا بين الأنبياء\". فالجواب من وجوه:\n(أحدها): أن هذا كان قبل أن يعلم بالتفضيل. وفي هذا نظر.\n(الثاني): أن هذا قاله من باب الهضم والتواضع.\n(الثالث): أن هذا نهي عن التفضيل في مثل هذه [¬٣] الحال التي تحاكموا فيها عند التخاصم والتشاجر.\n(الرابع) [¬٤]: لا تفضلوا بمجرد الآراء والعصبية.\n_________\n(^١٥٥٨) - صحيح البخاري، كتاب الخصومات حديث (٣٤٠٨)، وصحيح مسلم، كتاب الفضائل حديث (٢٣٧٣).\n_________\n[¬١]- زيادة من: ز، خ.\n[¬٢]- في ز: \"لا\".\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- في ز: \"والرابع\".","vol":"2","page":428},{"text":"(الخامس): ليس مقام التفضيل إليكم، وإنما هو إلي الله ﷿ وعليكم الانقياد والتسليم له والإيمان به.\nوقوله: ﴿وَآتَينَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ﴾ أي: الحجج والدلائل القاطعات علي صحة ما جاء بني إسرائيل به من أنه عبد الله ورسوله إليهم ﴿وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ يعني: أن الله أيده بجبريل ﵇.\nثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا﴾ أي: بل كل ذلك عن قضاء الله وقدره. ولهذا قال: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾.\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٥٤)﴾\nيأمر تعالى [عباد] [¬١] بالإنفاق مما رزقهم في سبيله -سبيل الخير- ليدخروا ثواب ذلك عند ربهم ومليكهم، وليبادروا إلى ذلك في هذه الحياة الدنيا ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ﴾ يعني: يوم القيامة ﴿لَا بَيعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ﴾ أي: لا يباع أحد من نفسه، ولا يفادى بمال لو بذله، ولو جاء بملء الأرض ذهبًا، ولا تنفعه خلة أحد -يعني صداقته- بل ولا نسابته، كما قال: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَينَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ ﴿وَلَا شَفَاعَةٌ﴾ أي: ولا تنفعهم شفاعة الشافعين. وقوله ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ مبتدأ محصور في خبره، أي: [ولا ظالم] [¬٢] أظلم ممن وافى اللهَ يومئذ كافرًا.\nوقد روى ابن أبي حاتم، عن عطاء بن دينار، أنه قال: الحمد لله الذي قال: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ ولم يقل: والظالمون هم الكافرون.\n﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَينَ أَيدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيءٍ مِنْ عِلْمِهِ إلا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ\n_________\n[¬١]- سقط من ت.\n[¬٢]- في ز، خ: \"والظالم\".","vol":"2","page":429},{"text":"وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٢٥٥)﴾.\nهذه آية الكرسي، ولها شأن عظيم، قد صح الحديث عن رسول الله ﷺ بأنها أفضل آية في كتاب الله.\n[] [¬١] قال الإِمام أحمد (^١٥٥٩): حدثنا عبد الرزاق، حدثنا سفيان، عن سعيد الجريري، عن أبي السليل، عن عبد الله بن رباح، عن أبي -هو ابن كعب- أن النبي، ﷺ سأله: \"أي آية في كتاب الله أعظم؟ \". قال: الله ورسوله أعلم. فرددها مرارًا، ثم قال أبي: آية الكرسي. قال: \"ليهنك العلم أبا المنذر، والذي نفسي بيده إن لها لسانًا وشفتين، تقدّس الملك عند ساق العرش\". وقد رواه مسلم، عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن عبد الأعلي بن عبد الأعلى، عن الجريري، به. وليس عنده زيادة: \"والذي نفسي بيده … \" إلخ.\n(حديث آخر عن أُبي أيضًا، في فضل آية الكرسي).\nقال الحافظ أبو يعلى الموصلي، حدَّثنا أحمد بن إبراهيم الدورقي، حدَّثنا مبشر، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن عبدة [¬٢] بن أبي لبابة، عن عبد الله بن أبي بن كعب، أنّ أباه أخبره، أنه كان له جرن فيه تمر، قال: فكان أبي يتعاهده، فوجده ينقص، قال: فحرسه ذات ليلة، فإذا هو بدابة شبيه الغلام المحتلم، قال: فسلمت عليه [¬٣]، فردّ السلام.\nقال [¬٤]: فقلت: ما أنت؟ جني أم إنسي؟ قال: جني. قال: قلت: ناولني يدك. قال: فناولني يده [¬٥]، فإذا يد كلب، وشعر كلب. فقلت: هكذا خلق الجنّ؟ قال: لقد علمت الجن ما فيهم أشدّ مني، قلت: فما حملك على ما صنعت؟ قال: بلغني أنك رجل تحب الصدقة، فأحببنا أن نصيب من طعامك. قال: فقال له أبي: فما الذي يجيرنا منكم؟ قال: هذه الآية آية الكرسي. ثم غدا إلى النبي ﷺ فأخبره، فقال النبي ﷺ: \"صدق الخبيث\".\nوهكذا رواه الحاكم في مستدركه (^١٥٦٠)، من حديث أبي داود الطيالسي، عن حرب بن\n_________\n(^١٥٥٩) - المسند (٥/ ١٤١)، وصحيح مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها حديث (٨١٠).\n(^١٥٦٠) - المستدرك (١/ ٥٦٢) وفيه انقطاع، وقد جاء من طريق آخر، فرواه ابن حبان في صحيحه برقم (١٧٢٤) \"موارد\" من طريق الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن ابنٍ لأبي بن كعب، عن أبيه كعب أنه أخبره … فذكر نحوه.\n_________\n[¬١]- في خ: \"و\" ..\n[¬٢]- في ت: \"عبيدة\".\n[¬٣]- سقط س: ز، خ.\n[¬٤]- سقط من: خ.\n[¬٥]- سقط من: ز.","vol":"2","page":430},{"text":"شدّاد، عن يحيى بن أبي كثير، عن الحضرمي بن لاحق، عن محمَّد بن عمرو بن أبي بن كعب، عن جدّه به. وقال الحاكم [¬١]: صحيح الإسناد ولم يخرجاه.\n(طريق أخرى) قال الإمام أحمد (^١٥٦١): حدثنا محمَّد بن جعفر، حدثنا عثمان بن غياث، قال: سمعت أبا السليل، قال: كان رجل من أصحاب النبي ﷺ يحدث الناس حتى يكثر [¬٢] عليه، فيصعد على سطح بيت فيحدث الناس، قال: قال رسول الله ﷺ: \"أي آية في القرآن أعظم؟، فقال رجل: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾. قال: فوضع يده بين كتفي، فوجدت يردها بين ثديي -أو قال: فوضع يده بين ثديي، فوجدت بردها بين كتفي- وقال: \"ليهنك العلم يا أبا المنذر\".\n(حديث آخر) عن الأسقع البكري، قال الحافظ أبو القاسم الطبراني (^١٥٦٢): حدثنا أبو يزيد القراطيسي، حدثنا يعقوب بن أبي عباد المكي، حدثنا مسلم بن خالد، عن ابن جريج، أخبرني عمر بن عطاء، أن مولى الشيخ الأسقع -رجل صدق- أخبره عن الأسقع البكري: أنه سمعه يقول: أن النبي ﷺ جاءهم في صفة المهاجر كان فسأله إنسان: أي آية في القرآن أعظم؟ فقال النبي ﷺ: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ حتى انقضت الآية.\n(حديث آخر) عن أنس، قال الإمام أحمد (^١٥٦٣): حدثنا عبد الله بن الحارث [¬٣]، حدثني سلمة بن وردان، أن أنس بن مالك حدثه، أن رسول الله ﷺ سأل رجلًا من صحابته فقال: \"أي فلان، هل تزوجت؟ \" قال: لا وليس عندي ما أتزوّج به. قال: \"أو ليس معك \" ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ [الإخلاص: ١]؟ \". قال: بلى. قال: \"ربع القرآن\". قال [¬٤]: \"أليس معك الله \" ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١)﴾ [الكافرون: ١]؟ \" قال: بلى. قال: \"ربع القرآن\". قال: \"أليس معك \" ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾ \"؟ \" قال: بلى. قال: \"ربع القرآن\". قال [¬٥]: \"أليس معك \" ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ﴾ \"؟ \". قال: بلى. قال: (ربع القرآن). قال [¬٦]: \"أليس معك \"آية الكرسي\n_________\n(^١٥٦١) - المسند (٥/ ٥٨).\n(^١٥٦٢) - المعجم الكبير (١/ ٣٣٤) وقال الهيثمي في المجمع (٦/ ٣٢١): \"فيه راوٍ لم يسم وقد وثق، وبقية رجاله ثقات\".\n(^١٥٦٣) - المسند (٣/ ٢٢١).\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في خ: \"يكثروا\".\n[¬٣]- في خ: \"الحريث\".\n[¬٤]- سقط من: خ.\n[¬٥]- سقط من: ز.\n[¬٦]- سقط من: ز.","vol":"2","page":431},{"text":"﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إلا هُوَ﴾؟ \" قال: بلى. قال: \"ربع القرآن\".\n(حديث آخر) عن أبي ذر -جندب بن جنادة- قال الإمام أحمد (^١٥٦٤): حدثنا وكيع بن الجراح، حدثنا المسعودي، أنبأني أبو عمر الدمشقي، عن عبيد بن الخشخاش [¬١]، بن أبي ذر، ﵁، قال: أتيت النبي ﷺ وهو في المسجد فجلست، فقال: \"يا أبا ذر هل صليت؟ \" قلت: لا. قال: \"قم فصل\". قال: فقمت فصليت، ثم جلست. فقال: \"يا أبا ذر، تعوذ بالله من شر شياطين الإنس والجن\". قال: قلت: يا رسول الله؛ أو [¬٢] للإنس شياطين؟! قال: \"نعم\". قال: قلت: يا رسول الله؛ الصلاة؟ قال: \"خير موضوع [¬٣] من شاء أقل ومن شاء أكثر\". قال: قلت: يا رسول الله فالصوم؟ قال: \"فرض مجزئ وعند الله مزيد\". قلت: يا رسول الله؛ فالصدقة؟ قال: \"أضعاف مضاعفة\". قلت: يا رسول الله؛ فأيها أفضل؟ قال: \"جهد من مقل أو سِر إلى فقير\". قلت: يا رسول الله، أي الأنبياء كان أوّل؟ قال: \"آدم\". قلت: يا رسول الله؛ ونبي كان؟ قال: \"نعم، نبي مكلم\". قال [¬٤] قلت: يا رسول الله، كم المرسلون؟ قال: ثلثمائة وبضعة عشر، جمًّا غفيرًا\" وقال مرة: \"وخمسة عشر\". قال [¬٥]: قلت: يا رسول الله؛ أيما أنزل عليك أعظم؟ قال: \"آية الكرسي ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ \" [ورواه النسائي] [¬٦] [] [¬٧].\n(حديث آخر) عن أبي أيوب -خالد بن زيد الأنصاري ﵁ وأرضاه، قال الإِمام أحمد (^١٥٦٥): [حدثنا أبو أحمد] [¬٨] حدثنا سفيان، عن ابن أبي ليلى، عن أخيه [عن] (*) عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أبي [¬٩] أيوب، أنه كان في سَهْوَة [¬١٠] (*) له، وكانت الغول تجيء فتأخذ، فشكاها إلى النبي ﷺ فقال: \"إذا [¬١١] رأيتَها فقل باسم الله أجيبي رسول الله\" قال: فجاءت فقال لها، [. ..] [¬١٢] فأخذها فقالت: إني لا أعود.\n_________\n(^١٥٦٤) - المسند (٥/ ١٧٨)، وسنن النسائي (٨/ ٢٧٥).\n(^١٥٦٥) - المسند (٥/ ٤٢٣)، وسنن الترمذي برقم (٢٨٨٠).\n(*) السهوة: بيت صغير منحدر في الأرض سبيه بالخزانة.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"الحسحاس\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"و\".\n[¬٣]- في ز: \"موضع\".\n[¬٤]- زيادة من: ز، خ.\n[¬٥]- سقط من ت.\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين في ز: \"عن\".\n[¬٨]- زيادة من المسند، والأطراف (٦/ ٥٥).\n[¬٩]- سقط من: خ.\n[¬١٠]- في ز، خ: \"سهرة\".\n[¬١١]- في ت: \"فإذا\".\n[¬١٢]- ما بين المعكوفتين بياض في خ.","vol":"2","page":432},{"text":"فأرسلها. فجاء، فقال له النبي ﷺ: \"ما فعل أسيرك؟ \" قال: أخذتها فقالت: إني لا أعود. فأرسلتها. فقال: \"إنها عائدة\" فأخذتها مرتين أو ثلاثًا، كل ذلك تقول [¬١]: لا أعود. وأجيء [¬٢] إلى النبي ﷺ فيقول: \"ما فعل أسيرك؟ \". فأقول [¬٣]: أخذتها فتقول: لا أعود. فيقول: \"إنها عائدة\". فأخذتها [¬٤]، فقالت: أرسلني وأعلمك شيئًا تقوله، فلا يقربك شيء: آية الكرسي. فأتى النبي ﷺ فأخبره فقال: \"صدقت وهي كذوب\".\nورواه الترمذي في فضائل القرآن عن بندار، عن أبي أحمد الزبيري، به. وقال: حسن غريب. [والغول في لغة العرب الجان إذا تبدى في الليل] [¬٥].\nوقد ذكر البخاري هذه القصة عن أبي هريرة (^١٥٦٦)، فقال في كتاب فضائل القرآن، وفي كتاب الوكالة، وفي صفة إبليس من صحيحه: قال عثمان بن الهيثم -أبو عمرو-: حدثنا عوف، عن محمَّد بن سيرين، عن أبي هريرة، قال: وكَّلني رسول الله ﷺ بحفظ زكاة رمضان، فأتاني آتٍ فجعل يحثو من الطعام، فأخذته وقلت: لأرفعنك إلى رسول الله ﷺ. قال: دعني [¬٦] فإني [¬٧] محتاج وعلي عيال، ولي حاجة شديدة. قال: فخليت عنه فأصبحت، فقال النبي ﷺ: \"يا أبا هريرة، مما فعل أسيرك البارحة؟ \" قال: قلت يا رسول الله، شكا حاجة شديدة وعيالًا [¬٨] فرحمته وخليت سبيله.\nقال: \"أما إنه قد كذبك وسيعود\". فعرفت أنه سيعود؛ لقول رسول الله ﷺ: \"إنه سيعود\"، فرصدته، فجاء يحثو من الطعام، فأخذته فقلت: لأرفعنَّك إلى رسول الله ﷺ، قال: دعني فإني محتاج وعليَّ عيال، لا أعود. فرحمته، وخليت سبيله، فأصبحت، فقال لي رسول الله ﷺ: \"يا أبا هريرة، ما فعل أسيرك البارح؟ \". قلت: يا رسول الله شكا حاجة وعيالًا فرحمته، فخليت سبيله. قال: \"أما إنه قد كذبك وسيعود\". فرصدته الثالثة، فجاء يحثو من الطعام، فأخذته، فقلت: لأرفعنَّك إلى رسول الله ﷺ، وهذا آخر ثلاث مرات، أنك تزعم أنك لا تعود، ثم تعود. فقال: دعني أعلمك كلمات ينفعك الله بها. قلت: [وما\n_________\n(^١٥٦٦) - صحيح البخاري برقم (٢٣١١، ٣٢٧٥، ٢٣١١).\n_________\n[¬١]- في خ: \"يقول\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"ويجيء\".\n[¬٣]- في ز: \"فيقول\".\n[¬٤]- في ز، خ: \"فأخذها\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- سقط من: ز، خ.\n[¬٧]- في خ: \"إني\".\n[¬٨]- في خ: \"وعياله\".","vol":"2","page":433},{"text":"هُنَّ] [¬١]؟ قال: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ حتى تختم الآية، فإنك لن يزال عليك من الله حافظ ولا يقربك شيطان حتى تصبح. فخليت سبيله. فأصبحت، فقال لي رسول الله ﷺ: \"ما فعل أسيرك البارحة؟ \" قلت: يا رسول الله؛ زعم أنّه يعلمني كلمات ينفعني الله بها، فخليت سبيله. قال: \"ما هي؟ \" قال: قال لي: إذا أويت ابن فراشك فاقرأ آية الكرسي من أولها حتى تختم الآية ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ وقال لي: لن يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربك شيطان حتى تصبح. وكانوا أحرص شيء على الخير. فقال النبي، ﷺ: \"أما إنه صدقك وهو كذوب، تعلم من تخاطب من ثلاث ليال بها أبا هريرة؟ \". قلت [¬٢]: لا. قال: \"ذاك شيطان\".\nكذا رواه البخاري معلقًا بصيغة الجزم.\nوقد رواه النسائي في اليوم والليلة (^١٥٦٧)، عن إبراهيم بن يعقوب، عن عثمان بن الهيثم … فذكره.\nوقد روي من وجه آخر عن أبي هريرة بسياق آخر قريب من هذا، فقال الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسيره: حدثنا محمَّد بن عبد الله بن عمرويه الصفار، حدثنا أحمد بن زهير بن حرب، أنبأنا مسلم بن إبراهيم، أنبأنا إسماعيل بن مسلم العبدي، أنبأنا أبو المتوكل الناجي، أن أبا هريرة كان معه مفتاح بيت الصدقة، وكان فيه تمر، فذهب يومًا ففتح الباب فوجد التمر قد أخذ منه ملء كف، ودخل يومًا آخر فإذا قد أخذ منه ملء كف، ثم دخل يومًا آخر ثالثًا فإذا قد أخذ منه مثل ذلك، فشكى ذلك أبو هريرة ابن النبي ﷺ فقال له النبي ﷺ: \"تحب أن تأخذ صاحبك هذا\". قال: نعم. قال: \"فإذا فتحت الباب فقل: سبحان من سخرك محمَّد! \". فذهب ففتح الباب، فقال: سبحان من سخرك محمَّد. فإذا هو قائم بين يديه. قال: يا عدو الله، أنت صاحب هذا؟ قال: نعم، دعني فإني لا أعود، ما كنت آخذا [¬٣] إلا لأهل بيت من الجن فقراء. فخلى عنه، ثم عاد الثانية، ثم عاد الثالثة، فقلت: أليس قد عاهدتني ألا تعود؟ لا أدعك اليوم حتى أذهب بك ابن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم. قال: لا تفعل، فإنك إن تدعني علمتك كلمات، إذا أنت قلتها لم يقربك أحد من الجن صغير ولا كبير، ذكر ولا أنثى. قال له: لتفعلن؟ قال: نعم. قال: ما هن؟ قال: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إلا هُوَ\n_________\n(^١٥٦٧) - سنن النسائي الكبرى برقم (١٠٧٩٥).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"ما هي\".\n[¬٢]- في خ: \"قال\".\n[¬٣]- في ز: \"آخذ\".","vol":"2","page":434},{"text":"الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ قرأ آية الكرسي حتى ختمها فتركه، فذهب، [فلم يعد] [¬١]. فذكر ذلك أبو هريرة للنبي ﷺ فقال له رسول الله ﷺ: \"أما علمت أن ذلك كذلك؟ \".\nوقد رواه النسائي (^١٥٦٨)، عن أحمد بن محمَّد بن عبيد الله، عن شعيب بن حرب، عن إسماعيل بن مسلم، عن أبي المتوكل، عن أبي هريرة، به.\nوقد تقدّم لأبي بن كعب كائنة مثل هذه [¬٢] أيضًا. فهذه ثلاث وقائع.\n(قصة أخرى) قال أبو عبيد في كتاب الغريب (^١٥٦٩): حدثنا أبو معاوية، عن أبي عاصم الثقفي، عن الشعبي، عن عبد الله بن مسعود قال: خرج رجل من الإِنس فلقيه رجل من الجن فقال: هل لك أن تصارعني، فإن صرعتني علمتك آية إذا قرأتها حين تدخل بيتك لم يدخله شيطان؟ فصارعه، فصرعه. فقال: إني أراك ضئيلًا شِخّيتًا كأن ذراعيك ذراعا كلب، أفهكذا أنتم أيها الجن كلكم، أم أنت من بينهم؟ فقال: إني بينهم لضليع، فعاودني، فصارعه، فصرعه الإنسي. فقال: تقرأ آية الكرسي، فإنه لا يقرأها أحد إذا دخل بيته إلا خرج الشيطان وله خَبَجٌ كخبج الحمار. فقيل لابن مسعود: أهو عمر؟ فقال: من عسى أن يكون إلا عمر.\nقال أبو عبيد: الشخّيت [¬٣] الضئيل النحيف الجسم، والخبج [¬٤] بالخاء المعجمة، ويقال بالحاء [¬٥] المهملة [¬٦]: الضراط.\n(حديث آخر) عن أبي هريرة؛ قال الحاكم أبو عبد الله في مستدركه (^١٥٧٠): حدثنا علي بن حمشاذ، حدثنا بشر بن موسى، حدثنا الحميدى، حدثنا سفيان، حدثني حكيم بن جبير الأسدي، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: \"سورة البقرة فيها آية سيد آي القرآن، لا تقرأ في بيت فيه شيطان إلا خرج منه: آية الكرسي\".\n_________\n(^١٥٦٨) - سنن النسائي الكبرى رقم (١٠٧٩٤).\n(^١٥٦٩) - غريب الحديث لأبي عبيد (٢/ ٦٣).\n(^١٥٧٠) - المستدرك (٢/ ٢٥٩).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"فأبعد\".\n[¬٢]- في ز: \"هذا\".\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- في ز: \"والخبج\".\n[¬٥]- سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- في ز: \"بالمهملة\".","vol":"2","page":435},{"text":"وكذا رواه من طريق آخر عن زائدة (^١٥٧١)، عن حكيم بن جبير، ثم قال: صحيح الإِسناد ولم يخرجاه. كذا قال: وقد رواه الترمذي من حديث زائدة، ولفظ: \"لكل شيء سنام، وسنام القرآن سورة البقرة، وفيها آية هي سيدة آي القرآن: آية الكرسي\". ثم قال: غريب لا نعرفه إلا من حديث حكيم بن جبير، وقد تكلم فيه شعبة، وضعفه.\n(قلت): وكذا ضعفه أحمد ويحيى بن معين، وغير واحد من الأئمة، وتركه ابن مهدي، وكذبه السعدي.\n(حديث آخر): قال ابن مردويه (^١٥٧٢): حدثنا عبد الباقي بن قانع [¬١]، أخبرنا عيسى بن محمَّد المروزي، أخبرنا عمر بن محمَّد البخاري، أخبرنا أبي، أخبرنا عيسى بن موسى -غنجار- عن عبد الله بن كيسان، حدثنا يحيى، أخبرنا يحيى بن عقيل، عن يحيى بن يعمر، عن ابن عمر، عن عمر بن الخطاب، أنه خرج ذات يوم إلى الناس وهم سماطات (*) فقال: أيكم يخبرني بأعظم آية في القرآن. فقال ابن مسعود: على الخبير سقطت، سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"أعظم آية في القرآن ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾.\n(حديث آخر): في اشتمالها على اسم الله الأعظم.\nقال الإمام أحمد (^١٥٧٣): حدثنا محمَّد بن بكر [¬٢]، أنبأنا عبيد الله بن أبي زداد، حدثنا شهر بن حوشب، عن أسماء بنت يزيد بن السكن، قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول في هاتين الآيتين ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ و﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾: \"إن فيهما اسم الله الأعظم\".\nوكذا رواه أبو داود عن مسدد، والترمذي عن علي بن خشرم، وابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة ثلاثتهم، عن عيسى بن يونس، عن عبيد الله بن أبي زياد، له.\nوقال الترمذي: حسن صحيح.\n_________\n(^١٥٧١) - المستدرك (٢/ ٢٥٩).\n(^١٥٧٢) - ورواه الجوزقاني في الأباطيل برقم (٧١٢) من طريق عيسى بن موسى غنجار به.\n(*) منه أي: جماعات.\n(^١٥٧٣) - المسند (٦/ ٤٦١). وسنن أبي داود برقم (١٤٩٦)، وسنن الترمذي يرفم (٣٤٧٨)، وسنن =\n_________\n[¬١]- في ز، خ: نافع.\n[¬٢]- في ت: \"بكير\".","vol":"2","page":436},{"text":"(حديث آخر) في معنى هذا عن أبي أمامة ﵁. قال ابن مردويه (^١٥٧٤): أخبرنا عبد الرحمن بن نمير، أخبرنا إسحاق بن إبراهيم بن إسماعيل، أخبرنا هشام بن عمار، أنبأنا الوليد بن مسلم، أخبرنا عبد الله بن العلاء بن زبر [¬١]، أنه سمع القاسم ابن [¬٢] عبد الرحمن يحدث عن أبي أمامة يرفعه قال: \"اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب في ثلاث: سورة البقرة، وآل عمران، وطه\". و[¬٣] قال هشام -وهو ابن عمار خطب دمشق-: أما البقرة، فـ ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾، وفي آل عمران: ﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ وفي طه: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ﴾.\n(حديث آخر) عن أبي أمامة في فضل قراءتها بعد الصلاة المكتوبة. قال أبو بكر بن مردويه: حدثنا محمَّد بن محرز بن مساور الأدمي، أخبرنا جعفر بن محمَّد بن الحسن، أخبرنا الحسين بن بشر -بطرسوس- أخبرنا محمَّد بن حمير، أخبرنا محمَّد بن زياد، عن أبي أمامة، قال: قال رسول الله ﷺ: \"من قرأ دبر كل صلاة مكتوبة آية الكرسي لم يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت\".\nوهكذا رواه النسائي في اليوم والليلة (^١٥٧٥)، عن الحسين بن بشر، به، وأخرجه ابن حبان في صحيحه من حديث محمَّد بن حمير -وهو الحمصي- من رجال البخاري أيضًا.\nفهو إسناد على شرط البخاري. وقد زعم أبو الفرج بن الجوزي: أنه حديث موضوع (^١٥٧٦)، والله أعلم.\nوقد روى ابن مردويه من حديث علي (^١٥٧٧)، والمغيرة بن شعبة (^١٥٧٨)، وجابر بن عبد الله، نحو هذا الحديث.\n_________\n= ابن ماجه برقم (٣٨٥٥).\n(^١٥٧٤) - ورواه الطبراني في المعجم الكبير (٨/ ٢٨٢)، والطحاوي في مشكل الآثار برقم (١٧٦) من طرق عن هشام بن عمار به نحوه.\n(^١٥٧٥) - سنن النسائي الكبرى برقم (٩٩٢٨).\n(^١٥٧٦) - الموضوعات (١/ ٢٤٤).\n(^١٥٧٧) - حديث علي رواه أيضًا البيهقي في شعب الإيمان برقم (٢٣٩٥ من طريق نهشل عن أبي إسحاق الهمداني عن حبَّة العرني عن علي ﵁.\n(^١٥٧٨) - حديث المغيرة رواه أبو نعيم في الحلية (٣/ ٢٢١) من طريق عمر بن إبراهيم، عن محمَّد =\n_________\n[¬١]- في ز، خ: زيد\n[¬٢]- في ز، خ: \"أبا\".\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.","vol":"2","page":437},{"text":"ولكن في إسناد كل منهما ضعف.\nوقال ابن مردويه أيضًا (^١٥٧٩): حدثنا محمَّد بن الحسن بن زياد المقري، أخبرنا يحيى بن درستويه المروزي، أخبرنا زياد بن إبراهيم، أخبرنا أبو حمزة السكري، عن المثنى، عن قتادة، عن الحسن، عن أبي موسى الأشعري، عن النبي ﷺ قال: \"أوحى الله إلى موسى بن عمران ﵇: أن اقرأ آية الكرسي في دبر كل صلاة مكوبة، فإنه من يقرأها في دبر كل صلاة مكتوبة أجعل له قلب الشاكرين، ولسان الذاكرين، وثواب النبيين [¬١] وأعمال الصدّيقين، ولا يواظب على ذلك إلا نبي، أو صديق، أو عبد امتحنت قنبه للإِيمان، أو أريد قتله في سبيل الله\".\nوهذا حديث منكر جدًّا.\n(حديث آخر) في [¬٢] أنها تحفظ من قرأها في أول النهار وأول الليل.\nقال أبو عيسى الترمذي (^١٥٨٠): حدثنا يحيى بن المغيرة -أبو سلمة المخزومي المديني- أخبرنا ابن أبي فديك، عن عبد الرحمن المُليكي، عن زُرارة بن مُصعب، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"من قرأ: حم، المؤمن إلى ﴿إِلَيهِ الْمَصِيرُ﴾، وآية الكرسي حين يصبح - حفظ بهما حتى يمسي، ومن قرأهما حين يمسي حفظ بهما حتى يصبح\". ثم قال: هذا حديث غريب، وقد تكلم بعض أهل العلم في عبد الرحمن بن أبي بكر بن أبي مُليكة المُليكي من قِبَلِ حفظه.\nوقد ورد في فضلها أحاديث أخر تركناها اختصارًا، لعدم صحتها وضعف أسانيدها: كحديث علي في قراءتها عند الحجامة أنها تقوم مقام حجامتين، وحديث أبي هريرة في [¬٣] كتابتها في اليد اليسرى بالزعفران سبع مرات، وتلحس للحفظ وعدم النسيان، أوردهما ابن مردوية وغير ذلك.\nوهذه الآية مشتملة على عشر جمل مستقلة\nفقوله: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إلا هُوَ﴾ إخبار بأنه المنفرد بالإِلهية لجميع الخلائق ﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾\n_________\n= ابن كعب، عن المغيرة بن شعبة ﵁.\n(^١٥٧٩) - وفيه محمَّد بن الحسن النقاش، قال البرقاني كل حديثه منكر. وقال الخطيب: حديثه مناكير.\nوروى نحوه من حديث جابر ﵁ لكنه ضعيف.\n(^١٥٨٠) - سنن الترمذي برقم (٢٨٧٩).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"المنيبين\".\n[¬٢]- في خ: \"وفي \".\n[¬٣]- بياض في خ.","vol":"2","page":438},{"text":"أي: الحي في نفسه الذي لا يموت أبدًا، القيم [¬١] لغيره. وكان عمر يقرأ: القيام. فجميع الموجودات مفتقرة إليه، وهو غني عنها، ولا قوام لها بدون أمره، كقوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ﴾.\nوقوله ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ أي: لا يعتريه نقص ولا غفلة ولا ذهول عن خلقه، بل هو قائم على كل نفس بما كسبت، شهيد على كل شيء، لا يغيب عنه شيء، ولا يخفى عليه خافية، ومن تمام القيومية أنه لا يعتريه سنة ولا نوم. فقوله ﴿لَا تَأْخُذُهُ﴾ أي: لا تغلبه سنة؛ وهي الوسن والنعاس، ولهذا قال: ﴿وَلَا نَوْمٌ﴾ لأنه أقوى من السِّنة.\nوفي الصحيح (^١٥٨١)، عن أبي موسى، قال: قام فينا رسول الله ﷺ بأربع كلمات فقال: \"إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل النهار قبل عمل الليل، وعمل الليل قبل عمل النهار، حجابه النور أو النار، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه\".\nوقال عبد الرزّاق: أخبرنا معمر، أخبرني الحكم بن أبان، عن عكرمة مولى ابن عباس في قوله: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ أن موسى ﵇ - سأل الملائكة: هل ينام الله ﷿؟ فأوحى الله تعالى إلى الملائكة وأمرهم أن يؤرقوه ثلاثًا، فلا يتركوه ينام، ففعلوا، ثم أعطوه قارورتين فأمسكهما، ثم تركوه وحذروه أن يكسرهما، قال: فجعل ينعس وهما في يده؛ في كل يد واحدة. قال: فجعل ينعس وينبه، وينعس وينبه، حتى نعس نعسة فضرب إحداهما بالأخرى، فكسرهما. قال معمر: إنما هو مثل ضَرَبَهُ الله ﷿. يقول: فكذلك السموات والأرض في يديه [¬٢].\nوهكذا رواه ابن جرير (^١٥٨٢)، عن الحسن بن يحيى، عن عبد الرزاق، فذكره. وهو من أخبار بني إسرائيل، وهو مما يعلم أن موسى ﵇ لا يخفى عليه مثل هذا من أمر الله ﷿ وأنه منزه عنه.\nوأغرب من هذا كله الحديث الذي رواه ابن جرير (^١٥٨٣):\n_________\n(^١٥٨١) - صحيح مسلم برقم (١٧٩).\n(^١٥٨٢) - تفسير الطبري (٥/ ٣٩٣).\n(^١٥٨٣) - تفسير الطبري (٥/ ٣٩٤) وقال الحافظ ابن حجر في ترجمة أمية بن شبل: \"له حديث منكر رواه عن الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن أبي هريرة مرفوعًا قال \"وقع في نفس موسى ﵇: هل =\n_________\n[¬١]- في خ: \"المقيم\".\n[¬٢]- في خ: \"يده\".","vol":"2","page":439},{"text":"حدثنا إسحاق بن أبي إسرائيل، حدثنا هشام بن يوسف، عن أمية بن شبل، عن الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن أبي عكرمة عن أبي هريرة، قال: سمعت رسول الله ﷺ يحكي عن موسى ﵇ على المنبر، قال: \"وقع في نفس موسى: هل ينام الله؟ فأرسل الله إليه ملكًا فأرقه ثلاثا، ثم أعطاه قارورتين في كل يد قارورة، وأمره أن يحتفظ بهما، قال: فجعل ينام، وكادت [¬١] يداه تلقيان [¬٢] فيستيقظ [¬٣] فيحبس إحداهما على الأخرى، حتى نام نومة فاصطفقت يداه فانكسرت القارورتان، قال: \"ضرب الله ﷿ له [¬٤] مثلًا، إن الله لو كان ينام لم تستمسك السماء والأرض\". وهذا حديث غريب جدًّا، والأظهر أنه إسرائيلي، لا مرفوع، والله أعلم.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن القاسم بن عطية، حدثنا أحمد بن عبد الرحمن الدشتكي، حدثني أبي، عن أبيه، حدثنا أشعث بن إسحاق، عن جعفر بن أبي المغيرة، [عن سعيد بن جبير] [¬٥]، عن ابن عباس، أن بني إسرائيل قالوا: يا موسى، هل ينام ربك؟ قال: اتقوا الله. فناداه ربه ﷿: يا موسى؛ سألوك: هل ينام ربك؟، فخذ زجاجتين في يديك، فقم الليل، ففعل موسى، فلما ذهب من الليل ثلث نعس فوقع [¬٦] لركبتيه، ثم انتعش فضبطهما، حتى إذا كان آخر الليل نعس، فسقطت [¬٧] الزجاجتان فانكسرتا، فقال: يا موسى؛ لو كنت أنام لسقطت السموات والأرض فهلكن [¬٨] كما هلكت الزجاجتان في يديك. فأنزل [¬٩] الله ﷿ على نبيه ﷺ آية الكرسي.\nوقوله: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ إخبار بأن الجميع عبيده، وفي [¬١٠] ملكه وتحت قهره وسلطانه، كقوله: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إلا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (٩٤) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ وقوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلا بِإِذْنِهِ﴾ كقوله: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيئًا إلا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى (٢٦)﴾ [النجم: ٢٦]. وكقوله: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إلا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ وهذا من عظمته وجلاله وكبريائه ﷿، أنه لا يتجاسر أحد على أن يشفع لأحد [¬١١] عنده إلا [أن يأذن] [¬١٢]\n_________\n= ينام الله؟ \" الحديث رواه هشام بن يوسف وخالفه معمر، عن الحكم، عن عكرمة فوقفه، وهذا أقرب، ولا يسوغ أن يكون هذا وقع في نفس موسى ﵇، وإنما روى أن بني إسرائيل سألوا موسى عن ذلك\".\n_________\n[¬١]- في ز: \"وكاد\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"يلتقيان\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"يستيقظ\".\n[¬٤]- سقط من: خ.\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- في ز: \"فرفع\".\n[¬٧]- في ز: \"فسقط\".\n[¬٨]- في ز: \"لهلكن\".\n[¬٩]- في خ: \"وأنزل\".\n[¬١٠]- سقط من: ز، خ.\n[¬١١]- سقط من: ز، خ.\n[¬١٢]- في خ: \"بأذنه\".","vol":"2","page":440},{"text":"له في الشفاعة، كما في حديث الشفاعة (^١٥٨٤): \" آتي تحت العرش فأخر ساجدًا، فيدعني ما شاء اللَّه أن [¬١] يدعي، ثم يقال: ارفع رأسك وقل تسمع [¬٢]، واشفع تشفع. (قال): فيحدَّ لي حدًّا فأدخلهم الجنة\".\nوقوله: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ دليل على إحاطة علمه بجميع الكائنات؛ ماضيها وحاضرها ومستقبلها، كقوله إخبارًا عن الملائكة: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ وقوله: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ أي: لا يطلع أحد من علم اللَّه على شيء إلا بما أعلمه اللَّه ﷿ وأطلعه عليه.\nويحتمل أن يكون المراد: لا يطلعون على شيء من علم ذاته وصفائه إلا بما أطلعهم اللَّه عليه، كقوله: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ وقوله: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا ابن إدريس، عن مطرف بن طريف، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، في قوله: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ قال: علمه.\nوكذا رواه ابن جرير من حديث عبد اللَّه بن إدريس، وهشيم؛ كلاهما عن مطرف بن طريف به. قال ابن أبي حاتم: وروي عن سعيد بن جبير مثله.\nثم قال ابن جرير: وقال آخرون: الكرسي موضع القدمين.\nثم رواه عن أبي موسى، والسدي، والضحاك، ومسلم البطين.\nوقال شجاع بن مخلد في تفسيره: أخبرنا أبو عاصم عن سفيان، عن عمار الدهني، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: سئل النبي، ﵌، عن قول اللَّه ﷿: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ قال: \"كرسيه: موضع قدميه، والعرش: لا يقدر قدره إلا اللَّه ﷿\".\nكذا أورد هذا الحديث الحافظ ألو بكر بن مردويه (^١٥٨٥) من طريق شجاع بن مخلد الفلاس\n_________\n(^١٥٨٤) - حديث الشفاعة مخرج في الصحيحين من حديث أنس ﵁ وسيأتي سياقه وذكر طرقه عند تفسير الآية: ٧٩ من سورة الإسراء.\n(^١٥٨٥) - ورواه الخطيب في تاريخ بغداد (٩/ ٢٥١) من طريق شجاع بن مخلد به.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- في ز، خ: \"كسمع\".","vol":"2","page":441},{"text":"فذكره؛ وهو غلط. وقد رواه وكيع في تفسيره: حدثنا سفيان، عن عمار الدهني، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: [] [¬١] الكرسي: موضع القدمين، والعرش: لا يقدر أحد قدره.\nوقد رواه [¬٢] الحاكم في مستدركه (^١٥٨٦)، عن أبي العباس محمد بن أحمد المحبوبي، عن محمد بن معاذ، عن أبي عاصم، عن سفيان -وهو الثوري- بإسناده عن ابن عباس، موقوفًا مثله. وقال: صحيح عن شرط الشيخين ولم يخرجاه.\nوقد رواه ابن مردويه، من طريق الحكم بن ظهير الفزاري الكوفي -وهو متروك- عن السدي، [عن أبيه] [¬٣] عن أبي هريرة، مرفوعًا. ولا يصح أيضًا.\nوقال السدي: عن أبي مالك: الكرسي تحت العرش. وقال السدي: السموات والأرض في جوف الكرسي، والكرسي بين يدي العرش.\nوقال الضحاك: عن ابن عباس: لو أن السموات السبع والأرضين السبع بسطن، ثم وصلن بعضهن إلى بعض، ما كن في سعة الكرسي إلا بمنزلة الحلقة في المفازة. ورواه ابن جرير، وابن أبي حاتم.\nوقال ابن جرير (^١٥٨٧): حدثني يونس، أخبرني ابن وهب، قال: قال ابن زيد: حدثني أبي، قال: قال رسول اللَّه ﷺ: \"ما السموات السبع في الكرسي إلا كدراهم سبعة ألقيت في ترس\".\nقال: وقال أبو ذر: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: \"ما الكرسي في العرش إلا كحلقة من حديد ألقيت بين ظهراني [¬٤] فلاة من الأرض\".\nوقال أبو بكر بن مردويه (^١٥٨٨): أخبرنا سليمان بن أحمد، أخبرنا عبد اللَّه بن وهب الغزَّى،\n_________\n(^١٥٨٦) - المستدرك (٢/ ٢٨٢) ورواه ابن أبي شيبة في صفة العرش يرقم (٦١) من طريق أبي عاصم عن سفيان به موقوفًا.\n(^١٥٨٧) - تفسير الطبري (٥/ ٣٩٩) وهو منقطع، وقد جاء موصولًا، فرواه ابن أبي شيبة في صفة العرش برقم (٥٨) من طريق المختار بن غسان، عن إسماعيل بن سلم، عن أبي إدريس الخولاني، عن أبي ذر الغفاري ﵁ مرفوعًا بنحوه. وسيأتي أيضًا موصولًا من طريق آخر وهو الذي يليه من رواية ابن مردويه.\n(^١٥٨٨) - وفي إسناده محمد بن أبي السري العسقلاني، ضعفه أبو حاتم ووثقه ابن معين، وقال ابن عدي: كثير الغلط.\n_________\n[¬١]- في خ: موضع.\n[¬٢]- في ز: \"روى\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين زيادة من: ز، خ.\n[¬٤]- في ت: \"ظهراني\".","vol":"2","page":442},{"text":"أخبرنا محمد بن أبي السَّرِيِّ العسقلانى، أخبرنا محمد بن [عبد اللَّه] [¬١] التميمي، عن القاسم بن محمد الثقفي، عن أبي إدريس الخولاني، عن أبي ذر الغفاري، أنه سأل النبي ﷺ عن الكرسي. فقال رسول اللَّه ﷺ: \"والذي نفسي بيده ما السموات السبع، والأرضون السبع عند الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة، وإن فضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على تلك الحلقة\".\nوقال الحافظ أبو يعلى الموصلي في مسنده (^١٥٨٩): حدثنا زهير، حدثنا ابن أبي بكير، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عبد اللَّه بن خليفة، عن عمر ﵁ قال: أتت امرأة إلى رسول اللَّه ﵌ فقالت: ادع اللَّه أن يدخلني الجنة.\nقال: فعظم الرب ﵎ وقال: \"إن كرسيه وسع السموات والأرض وإن له أطيطًا كأطيط الرحل الجديد [¬٢] من ثقله\".\nوقد رواه الحافظ البزار في مسنده المشهور (^١٥٩٠)، وعبد بن حميد، وابن جرير في تفسيريهما والطبراني، وابن أبي عاصم في كتابي السنة لهما، والحافظ الضياء في كتابه المختار، من حديث أبي إسحاق السبيعي، عن عبد اللَّه بن خليفة، وليس بذاك المشهور، وفي سماعه من عمر نظر. ثم منهم من هويه عنه عن عمر موقوفًا، ومنهم من هويه [عن عمر] [¬٣] مرسلًا (^١٥٩١)، ومنهم من يزيد في متنه زيادة غريبة، ومنهم من يحذفها.\nوأغرب [¬٤] من هذا حديث جبير بن مطعم في صفة العرش.\nكما رواه أبو داود في كتاب السنة من سننه (^١٥٩٢)، واللَّه أعلم.\nوقد روى ابن مردويه وخيره أحاديث عن بريدة، وجابر، وغيرهما، في وضع الكرسي يوم القيامة لفصل القضاء. والظاهر [أن ذلك] [¬٥] غير المذكور في هذه الآية.\nوقد زعم بعض المتكلمين على علم الهيئة من الإِسلاميين: أن الكرسي عندهم: هو الفلك\n_________\n(^١٥٨٩) - ورواه من طريقه الضياء المقدسي في المختارة برقم (١٥١).\n(^١٥٩٠) - مسند البزار برقم (٣٩) \"كشف الأستار\"، وتفسير الطبري (٥/ ٤٠٠)، والسنة لابن أبي عاصم برقم (٥٧٤) والمختارة للضياء المقدسي برقم (١٥١ - ١٥٤).\n(^١٥٩١) - الرواية المرسلة في تفسير الطبري (٥/ ٤٠٠).\n(^١٥٩٢) - سنن أبي داود برقم (٤٧٢٦).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"عبيد اللَّه\".\n[¬٢]- في خ: \"الحديد\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"عنه\".\n[¬٤]- في ز، خ: \"وأعرف\".\n[¬٥]- في ز، خ: \"أن ذاك\".","vol":"2","page":443},{"text":"الثامن، وهو فلك الثوابت، الذي فوقه الفلك التاسع وهو الفلك الأثير. ويقال له: الأطلس. وقد رد ذلك عليهم آخرون.\nوروى ابن جرير، من طريق جويبر، عن الحسن البصري، أنه كان يقول: الكرسي: هو العرش. والصحيح: أن الكرسي غير العرش، والعرش أكبر منه؛ كما دلت على ذلك الآثار والأخبار.\nوقد اعتمد ابن جرير على حديث عبد اللَّه بن خليفة، عن عمر في ذلك، وعندي في صحته نظر، والله أعلم.\nوقوله: ﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ أي: لا يثقله ولا يكرثه حفظ السموات والأرض ومن فيهما ومن بينهما، بل ذلك سهل عليه يسير لديه، وهو القائم على كل نفس بما كسبت، الرقيب على جميع الأشياء؛ فلا يعزب عنه شيء، ولا يغيب عنه شيء، والأشياء كلها حقيرة بين يديه، متواضعة ذليلة صغيرة بالنسبة إليه، محتاجة فقيرة، وهو الغني الحميد، الفعال لما يريد، الذي لا يسأل عما يفعل وهم يسألون، وهو القاهر لكل شيء، الحسيب على كل شيء، الرقيب العلي العظيم، لا إله غيره ولا رب سواه. فقوله: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ كقوله: ﴿وَهُوَ الْكَبيرُ الْمُتَعَال﴾.\nوهذه الآيات وما في معناها من الأحاديث الصحاح: الأجود فيها طريقة السلف الصالح؛ إمرارها كما جاءت من غير تكييف ولا تشبيه.\nلَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٥٦)\nيقول تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ أي: لا تكرهوا أحدًا على الدخول في دين الإِسلام فإنه [¬١] بين واضح جلي دلائله وبراهينه، لا حتاج إلى أن يكره أحد على الدخول فيه، بل من هداه اللَّه للإِسلام وشرح صدره، ونور بصيرته، دخل فيه على بينة، ومن أعمى اللَّه قلبه، وختم على سمعه وبصره، فإنه لا يفيده الدخول في الدين مكرهًا مقسورًا [¬٢]، وقد ذكروا أن [¬٣] سبب نزول هنه الآية في قوم من الأنصار، وإن كان حكمها عامًّا.\n_________\n[¬١]- سقط عن: ز.\n[¬٢]- في ز: \"متسورًا\".\n[¬٣]- سقط عن: ز، خ.","vol":"2","page":444},{"text":"فقال [¬١] ابن جرير: حدثنا ابن [¬٢] بشار [¬٣] حدثنا ابن أبي عدي، عن شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: كانت المرأة تكون مقلاتًا (*) فتجعل على نفسها إن عاش لها ولد أن تُهَوِّدَه، فلما أجليت بنو النضير كان فيهم من أبناء الأنصار، فقالوا: لا ندع أبناءنا فأنزل اللَّه ﷿: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾.\nوقد رواه أبو داود، والنسائي، جميعًا عن بندار به (^١٥٩٣). ومن وجوه أخر عن شعبة، به نحوه.\nوقد رواه ابن أبي حاتم (^١٥٩٤)، وابن حبان في صحيحه، من حديث شعبة به. وهكذا ذكر مجاهد، وسعيد بن جبير، والشعبي، والحسن البصري، رغيرهم: أنها نزلت في ذلك.\nوقال محمد بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد الحرشي [¬٤] مولى (*) زيد بن ثابت، عن عكرمة -أو عن سعيد- عن ابن عباس، قوله: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ قال: نزلت في رجل من الأنصار -من بني سالم بن عوف يقال له الحصين- كان له ابنان نصرانيان، وكان هو رجلًا مسلمًا، فقال للنبي ﷺ: إلا أستكرههما؛ فإنهما قد أبيا إلا النصرانية؟ فأنزل اللَّه فيه ذلك.\nرواه ابن جرير. وروى [¬٥] السدي نحو ذلك، وزاد: وكانا قد تنصرا على أيدي [¬٦] تجار قدموا من الشام يحملون زيتًا [¬٧]، فلما عزما على الذهاب معهم أراد أبوهما أن يستكرههما، وطلب من رسول اللَّه ﷺ أن يبعث في آثارهما. فنزلت هنه الآية.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عمرو بن عوف، أخبرنا شريك عن أبي هلال، عن أُسَقِ، قال: كنت [] [¬٨] مملوكًا نصرانيًّا لعمر في الخطاب، فكان يعرض على الإسلام، فآبى فيقول: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾. ويقول: يا أُسَقُ؛ لو أسلمت لاستعنا بك على بعض أمور المسلمين.\n_________\n(*) - المقلات من النساء التي لا يحيق لها ولد.\n(^١٥٩٣) - تفسير الطبري (٥/ ٤٠٧، ٤٠٨)، وسنن أبي داود برقم (٢٦٨٢)، وسنن النسائي الكبرى برقم (١١٠٤٨).\n(^١٥٩٤) - صحيح ابن حبان برقم (١٧٢٥) \"موارد\".\n(*) - في ز، خ: عن.\n_________\n[¬١]- في خ: \"وقال\".\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- في ز، خ: \"يسار\".\n[¬٤]- في ز، خ: \"الحرشي\".\n[¬٥]- في ز: \"وروي عن\".\n[¬٦]- في ز: \"يدي\".\n[¬٧]- في خ: \"زبيبًا\".\n[¬٨]- ما بين المعكوفتين في ت: في دينهم.","vol":"2","page":445},{"text":"وقد ذهب طائفة كبيرة [¬١] من العلماء، أن هذه محمولة على أهل الكتاب، ومن دخل في دينهم قل النسخ والتبديل؛ إذا بذلوا الجزية.\nوقال آخرون: بل هي منسوخة بآية القتال، فإنه يجب أن يدعى جميع الأمم إلى الدخول في الدين الحنيف -دين الإِسلام- فإن أبى أحد منهم الدخول فيه، ولم ينقد له، أو [¬٢] يبذل الجزية، قوتل حتى يقتل.\nوهنا معنى الإكراه. قال اللَّه تعالى: ﴿سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾. وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾. وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾.\nوفي الصحيح (^١٥٩٥): \" عجب ربك من قوم يقادون إلى الجنة في السلاسل\". يعني: الأسارى الذين يقدم بهم بلاد الإِسلام في الوثاق، والأغلال، والقيود، والأكبال، ثم بعد ذلك يسلمون، وتصلح أعمالهم وسرائرهم، فيكونون من أهل الجنة.\nفأما الحديث الذي رواه الإِمام أحمد (^١٥٩٦): حدثنا يحيى، عن حميد، عن أنس، أن رسول اللَّه ﷺ، قال لرجل: \"أسلِم\". قال: إني أجدني كارهًا. قال: \"وإن كنت كارهًا\".\nفإنه [¬٣] ثلاثي صحيح، ولكن ليس من هنا القبيل فإنه لم يكرهه النبي، ﷺ، على الإِسلام، بل دعاه إليه فأخبره أن نفسه ليست قابلة له، بل هي كارهة، فقال له [¬٤]: \"أسلم. وإن كنت كارهًا\" فإن اللَّه سيرزقك حسن النية والإِخلاص.\nوقوله: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ أي: من خلع الأنداد والأوثان وما يدعو إليه الشيطان، من عبادة كل ما يعبد من دون اللَّه، ووحد اللَّه، فعبده وحده، وشهد أنه [¬٥] لا إله إلا هو ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ أي: فقد ثبت في أمره، واستقام على الطريقة المثلى، والصراط المستقيم.\n_________\n(^١٥٩٥) - صحيح البخاري برقم (٣٠١٠) من حديث أبي هريرة ﵁.\n(^١٥٩٦) - المسند (٣/ ١٨١) (١٢٨٩١).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"كثيرة\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"و\".\n[¬٣]- في ز، \"فأتِهْ\".\n[¬٤]- سقط من: ز.\n[¬٥]- في خ: \"أن\".","vol":"2","page":446},{"text":"قال أبو القاسم البغوي: حدثنا أبو روح البلدي، حدثنا أبو الأحوص -سلام بن سليم- عن أبي إسحاق، عن حسان هو -ابن فائد العبسي- قال: قال عمر ﵁: إن الجبت السحر، والطاغوت الشيطان. وإن الشجاعة والجبن غرائز تكون في الرجال، يقاتل الشجاع عمَّن لا يعرف، ويفر الجبان عن [¬١] أمه، وإن كرم الرجلِ دينه، وحَسَبه خلقه، وإن كان فارسيًّا أو نَبَطيًّا.\nوهكذا رواه ابن جرير (^١٥٩٧)، وابن أبي حاتم، من حديث الثوري، عن أبي إسحاق، عن حسان بن فائد العبسي، عن عمر، فذكره.\nومعنى قوله في الطاغوت (إنه الشيطان). قوي جدًّا، فإنه يشمل كل شر كان عليه أهل الجاهلية، من عبادة الأوثان، والتحاكم إليها، والاستنصار بها.\nوقوله: ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا﴾ أي: فقد استمسك من الدين بأقوى سبب، وشبه ذلك بالعروة القوية التي لا تنفصم [¬٢] فهي [¬٣] في نفسها، محكمة مبرمة قوية، ربطها قوي شديد؛ ولهذا قال: ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. الآية.\nقال مجاهد: العروة [¬٤] الوثقى: يعني الإيمان. وقال السدّي: هو الإِسلام. وقال سعيد بن جبير، والضحاك: يعني لا إله إلا اللَّه. وعن أنس بن مالك: العروة الوثقى: القرآن. وعن سالم بن أبي الجعد، قال: هو الحب في اللَّه، والبغض في اللَّه.\nوكل هذه الأقوال صحيحة، ولا تنافي بينها.\nوقال معاذ بن جبل في قوله: ﴿لَا انْفِصَامَ لَهَا﴾: [أي] [¬٥] لا انقطاع لها دون دخول الجنة.\nوقال مجاهد، وسعيد بن جبير: ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا﴾. ثم قرأ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾.\nوقال الإمام أحمد (^١٥٩٨): أنبأنا إسحاق بن يوسف، حدثنا ابن عون، عن محمد عن\n_________\n(^١٥٩٧) - تفسير الطبري (٥/ ٤١٧).\n(^١٥٩٨) - المسند (٥/ ٤٥٢) (٢٣٨٩٤).\n_________\n[¬١]- في ت: \"من\".\n[¬٢]- في خ: \"تنقصم\".\n[¬٣]- في خ: \"هي\".\n[¬٤]- في ز: \"فقد استمسك بالعروة\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين زيادة من ز.","vol":"2","page":447},{"text":"قيس بن عُبَاد قال: كنت في المسجد، فجاء رجل في وجهه أثر من خشوع، فدخل [¬١] فصلى ركعتين أوجز فيهما فقال القوم: هذا رجل من أهل الجنة. فلما خرج اتبعته حتى دخل منزله، فدخلت معه، فحدثته، فلما استأنس قلت له: إن القوم لما دخلت قبل المسجد قالوا كذا وكذا. قال: سبحان اللَّه! ما ينبغي لأحد أن [¬٢] يقول ما لا يعلم، وسأحدّثك لِمَ: إني رأيت رؤيا على عهد رسول اللَّه ﷺ فقصصتها عليه؛ رأيت كأنني [¬٣] في روضة خضراء -قال ابن عون: فذكر من خضرتها وسعتها- وفي [¬٤] وسطها عمود حديد، أسفله في الأرض وأعلاه في السماء، في أعلاه عروة فقيل لي: اصعد عليه. فقلت: لا أستطع. فجاءني منصف -قال ابن عون هو الوصيف- فرفع ثيابي من خلفي، فقال: اصعد. فصعدت حتى أخذت بالعرلية، فقال: استمسك بالعروة. فاستيقظت، وإنها لفي يدي، فأتيت رسول اللَّه، ﷺ، فقصصتها عليه، فقال: \"أمّا الروضة لروضة الإسلام، وأما العمود فعمود الإسلام، وأمّا العروة فهي العروة الوثقى، أنت على الإِسلام حتى تموت\".\nقال: وهو عبد اللَّه بن سلام، أخرجاه في الصحيحين (^١٥٩٩)، من حديث عبد اللَّه بن عون، وأخرجه البخاري من وجه آخر، عن محمد بن سيرين به (^١٦٠٠).\n(طريق أخرى وسياق آخر) قال الإِمام أحمد (^١٦٠١): حدثنا حسن بن موسى، وعفان [¬٥]، قالا: حدثنا حماد بن سلمة، عن عاصم بن بهدلة، عن المسيب بن رافع، عن خرشة بن الحز، قال: قدمت المدينة، فجلست إلى مشيخة [¬٦] في مسجد النبي ﷺ، فجاء شيخ يتوكأ على عصًا له، فقال القوم: من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا. فقام خلف سارية فصلى ركعتين، فقمت إليه، فقلت له [¬٧]: قال بعض القوم كذا وكذا. فقال: الجنة لله يدخلها من يشاء، وإني رأيت على عهد رسول اللَّه صلى اللَّه عليه\n_________\n(^١٥٩٩) - أخرجه البخاري في كتاب مناقب الأنصار، كتاب: مناقب عن عبد اللَّه بن سلام ﵁ (١/ ١٦٧ / رقم: ٣٨١٣) وطرفاه في (٧٠١٠، ٧٠١٤). ومسلم في كتاب فضائل الصحابة، باب: من فضائل عبد اللَّه بن سلام ﵁ (٤/ ١٩٣٠، ١٩٣١ / رقم: ٢٤٨٤).\n(^١٦٠٠) - صحيح البخاري يرقم (٧٠١٠).\n(^١٦٠١) - المسند (٥/ ٤٥٢، ٤٥٣) (٢٣٨٩٧).\n_________\n[¬١]- سقط ش: ز، خ.\n[¬٢]- سقط ش: ز.\n[¬٣]- في ز، خ: \"كأني\".\n[¬٤]- سقط ش: ز.\n[¬٥]- في ز، خ: \"عثمان\".\n[¬٦]- في ز، خ: \"أشيخة\".\n[¬٧]- سقط عن: ز، خ.","vol":"2","page":448},{"text":"وسلم رؤيا؛ رأيت كأنّ رجلًا أتاني فقال: انطلق. فذهبت معه، فسلك بي منهجًا عظيمًا، فعرضت لي طريق [¬١] عن يساري، فأردت أن أسلكها، فقال: إنك لست من أهلها، ثم عرضت لي طريق عن يميني، فسلكتها حتى انتهيت إلى جبل زلق (*)، فأخذ بيدي، فزجل [¬٢] بي، فإذا أنا على ذروته فلم أتقار (*)، ولم أتماسك، فإذا عمود حديد في ذروته حلقة من ذهب، فأخذ بيدي فَزَجل (*) [¬٣] بي حتى أخذت بالعروة، فقال: استمسك. فقلت: نعم. فضرب العمود برجله. فاستمسكت بالعروة. فقصصتها على رسول اللَّه ﷺ فقال: \"رأيت خيرًا أمّا المنهج العظيم: فالمحشر، وأمّا الطريق التي عرضت عن يسارك: فطريق أهل النار، ولست من أهلها، وأمّا الطريق التي عرضت عن يمينك: فطريق أهل الجنة، وأمّا الجبل الزلق: فمنزل الشهداء، وأمّا العروة التي استمسكت بها: فعروة الإِسلام، فاستمسك بها حتى تموت\". قال: فأنا أرجو أن أكون من أهل الجنة. قال: وإذا هو عبد اللَّه بن سلام.\nوهكذا رواه النسائي (^١٦٠٢)، عن أحمد بن سليمان، عن عفان، وابن ماجة، عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن الحسن بن موسى الأشيب، كلاهما عن حماد بن سلمة به، نحوه.\nوأخرجه مسلم في صحيحه (^١٦٠٣) من حديث الأعمش، عن سليمان بن مسهر، عن خرشة بن الحرّ الفزاري، به.\nاللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٥٧)\n_________\n(*) أي: لا تثبت عليه قدم.\n(*) أي: لم أثبت.\n(*) زجل به: رفعه ورماه.\n(^١٦٠٢) - النسائي في الكبرى في كتاب التعبير، باب: صعود الجبل الزلق (/ ٤/ ٣٨٤، ٣٨٥ رقم: ٧٦٣٣). وابن ماجة في كتاب تعبير الرؤيا، باب: تعبير الرؤيا (٢/ ١٢٩١، ١٢٩٢ / رقم: ٣٩٢٠).\n(^١٦٠٣) - أخرجه مسلم في كتاب فضائل الصحابة، باب: من فضائل عن عبد اللَّه بن سلام ﵁ (٤/ ١٩٣١، ١٩٣٢ / رقم: ٢٤٨٤).\n_________\n[¬١]- في خ: \"طريقًا\".\n[¬٢]- في ز: \"فدحا\"، خ: \"فدحى\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"فدحى\".","vol":"2","page":449},{"text":"يخبر تعالى أنه يهدي من اتبع رضوانه سبل السلام، فيخرج عباده المؤمنين من ظلمات الكفر، والشك، والريب إلى نور الحق الواضح الجلي المبين السهل المنير، وأن الكافرين إنما أولياؤهم [¬١] الشياطين، تُزَيّنُ لهم ما هم فيه من الجهالات والضلالات، ويخرجونهم، ويحيدون بهم عن طرين الحق إلى الكفر والإفك ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ ولهذا وحد تعالى لفظ النور، وجمَع الظلمات؛ لأن الحق واحد، والكفر أجناس كثيرة، وكلها باطلة، كما [¬٢] قال: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. وقال تعالى: ﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾. وقال تعالى: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ﴾ إلى غير ذلك من الآيات التي في لفظها إشعار بتفرّد الحق، وانتشار الباطل، وتفرّده [¬٣]، وتشعبه.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا علي بن ميسرة، حدثنا عبد العزيز بن أبي عثمان، عن موسى بن عبيدة، عن أيوب بن خالد، قال: يبعث [¬٤] أهل الأهواء -أو [¬٥] قال: يبعث أهل الفتن- فمن كان هواه الإيمان كانت فتنته بيضاء مضيئة، ومن كان هواه الكفر كانت فتنته سوداء مظلمة. ثم قرأ هذه الآية: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.\n﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَال إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَال أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَال إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٢٥٨)\nهذا الذي حاج إبراهيم في ربه هو ملك بابل: نمروذ بن كنعان بن كوش بن سام بن نوح. ويقال: نمروذ بن فالخ بن عابد بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح. والأوّل قول مجاهد وغيره.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"وليهم\".\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في ز، \"وتفرقه\"، خ: \"وتفررقه\".\n[¬٤]- في خ: \"تبعث\".\n[¬٥]- في خ: \"و\".","vol":"2","page":450},{"text":"قال مجاهد: وملك الدنيا مشارقها، ومغاربها أربعة: مؤمنان وكافران، فالمؤمنان: سليمان بن داود، وذو القرنين. والكافران: نمروذ وبختنصر، والله أعلم.\nومعنى قوله ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ أي: بقلبك يا محمد ﴿إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ﴾ أي: وجود ربه. وذلك أنه أنكر أن يكون ثَمَّ إله غيره، كما قال بعده فرعون لملئه: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ﴾ وما حمله على هذا الطغيان والكفر الغليظ والمعاندة الشديدة إلا تجبرُهُ، وطول مدته في الملك، وذلك أنه يقال: إنه مكث أربعمائة سنة في ملكه، ولهذا قال: ﴿أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ﴾ وكأنه طلب من إبراهيم دليلًا على وجود الرب الذي يدعو إليه، فقال إبراهيم: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ أي: إنما [¬١] الدليل على وجوده حدوث هذه الأشياء المشاهدة بعد عدمها، وعدمها بعد وجودها، وهذا دليل على وجود الفاعل المختار ضرورة، لأنها لم تحدث بنفسها، فلا بد لها من موجد أوجدها، وهو الرب الذي أدعو إلى عبادته وحده لا شريك له. فعند ذلك قال المحاج -وهو النمروذ-: ﴿أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾.\nقال قتادة، ومحمد بن إسحاق، والسدي، وغير واحد: وذلك أني أوتى بالرجلين قد استحقا القتل، فآمر بقتل أحدهما فيقتل، وآمر [¬٢] بالعفو عن الآخر فلا يقتل. فذلك معنى الإِحياء والإِماتة.\nوالظاهر -والله أعلم- أنه ما أراد هذا، لأنه ليس جوابًا لما قال إبراهيم، ولا في معناه، لأنه غير [¬٣] مانع لوجود الصانع، وإنما أراد أن يدعي لنفسه هذا المقام، عنادًا ومكابرة، ويوهم أنه الفاعل لذلك، وأنه هو الذي يحيي ويميت، كما اقتدى به فرعون في قوله ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيرِي﴾، ولهذا قال له إبراهيم، لما ادعى هذه المكابرة: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾ أي: إذا كنت كما تدعي من أنك تحيي وتميت، فالذي يحيي ويميت هو الذي يتصرف في الوجود في خلق ذراته، وتسخير كواكبه وحركاته- فهذه الشمس تبدو كل يوم من المشرق، فإن كنت إلهًا كما تدعي [¬٤] فأت بها من المغرب؟ فلما علم عجزه وانقطاعه، وأنه لا يقدر على المكابرة في هذا المقام بهت، أي: أخرس فلا يتكلم، وقامت عليه الحجة. قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ أي: لا يلهمهم حجة ولا برهانًا، بل حجتهم داحضة عند ربهم، وعليهم غضب، ولهم عذاب شديد.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- في ز: \"ادعيت تحيي وتحيت\"، خ: \"دعيت\".","vol":"2","page":451},{"text":"وهذا التنزيل على هذا المعنى أحسن مما ذكره كثير من المنطقيين: أن عدول إبراهيم عن المقام الأوّل إلى المقام الثاني، انتقال من دليل إلى أوضح منه، ومنهم من قد يطلق عبارة رديَّة وليس كما قالوه، بل المقام الأوّل يكون كالمقدمة للثاني. ويبين [¬١] بطلان ما ادعاه نمروذ في الأوّل والثاني، ولله الحمد والمنة.\nوقد ذكر السدي، أن هذه المناظرة كانت بين إبراهيم ونمروذ بعد خروج إبراهيم من النار، ولم يكن اجتمع بالملك إلا في ذلك اليوم، فجرت بينهما هذه المناظرة.\nوروى عبد الرزاق، عن معمر، عن زيد بن أسلم: أن النمروذ كان عنده طعام، وكان الناس يغدون إليه للميرة، فوفد إبراهيم في جملة من وفد للميرة، فكان بينهما هذه المناظرة، ولم يعط إبراهيم من الطعام كما أعطى الناس، بل خرج وليس معه شيء من الطعام، فلما قرب من أهله عمد إلى كثيب من التراب فملأ منه عدليه، وقال: أشغل أهلي عني إذا قدمت إليهم [¬٢]، فلما قدم وضع رحاله وجاء فاتكأ فنام، فقامت امرأته سارة إلى العدلين فوجدتهما ملآنين طعامًا طيبًا، فعملت [منه] [¬٣] طعامًا، فلما استيقظ إبراهيم وجد الذي قد أصلحوه. فقال: أنى لكم هذا؟ قالت: من الذي جئت به. فعلم [¬٤] أنه رزق رزقهموه الله ﷿. قال [¬٥] زيد بن أسلم: وبعث الله إلى ذلك الملك الجبار مَلكًا يأمره بالإِيمان بالله، فأبى عليه، ثم دعاه الثانية فأبى، ثم الثالثة فأبى. وقال: اجمع جموعك، وأجمع جموعي. فجمع النمروذ جيشه وجنوده وقت طلوع الشمس، وأرسل الله عليهم بابا من البعوض بحيث لم يروا عين الشمس، وسلطها الله عليهم، فأكلت لحومهم ودماءهم، وتركتهم عظامًا بادية، ودخلت واحدة منها في منخري الملك، فمكثت في [منخريه] [¬٦] أربعمائة سنة، عذبه الله بها، فكان يضرب برأسه بالمرازب في هذه المدة كلها [¬٧] حتى أهلكه الله بها.\n﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاويَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَال أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَال كَمْ لَبِثْتَ قَال لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَال بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ\n_________\n[¬١]- في ز: \"وتبين\"، خ: \"ويتبين\".\n[¬٢]- في ز: \"عليهم\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفين زيادة من ز.\n[¬٤]- في ز: \"فعرف\".\n[¬٥]- بياض في ز، خ.\n[¬٦]- في ت: \"منخرى الملك\".\n[¬٧]- زيادة من: ز، خ.","vol":"2","page":452},{"text":"كَيفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَال أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ (٢٥٩)﴾\nتقدم قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ﴾ وهو في قوة [¬١] قوله: هل رأيت مثل الذي حاج إبراهيم في ربه. ولهذا عطف عليه بقوله: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاويَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ اختلفوا في هذا المار، من هو؟ فروى ابن أبي حاتم، عن عصام بن روَّاد، عن آدم بن أبي إياس، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن ناجية بن كعب، عن علي بن أبي طالب، أنه قال: هو عزيز.\nورواه ابن جرير، عن ناجية نفسه، وحكاه ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس، والحسن، وقتادة، والسدي، وسليمان بن بريدة. وهذا القول هو المشهور.\nوقال وهب بن منبه، وعبد الله بن عبيد بن عمير هو إرميا بن حلفيا. قال محمد بن إسحاق، عمن لا يتهم، عن وهب بن منبه، أنه قال: وهو اسم الخضر ﵇.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، قال: سمعت سليمان بن محمد اليسارى [¬٢] الجاري -من أهل الجار [¬٣] ابن عم مطرف- قال: سمعت رجلًا من أهل الشام يقول: إن الذي أماته الله مائة عام ثم بعثه اسمه حزقيل بن بورا.\nوقال مجاهد بن جبر: هو رجل من بني إسرائيل. وأما القرية فالمشهور أنها بيت المقدس، مر عليها بعد تخريب بختنصر لها، وقتل أهلها ﴿وَهِيَ خَاويَةٌ﴾ أي: ليس فيها أحد؛ من قولهم: خوت الدار تخوى خَواء وخُويًا.\nوقوله: ﴿عَلَى عُرُوشِهَا﴾ أي: ساقطة سقوفها، وجدرانها على عرصاتها. فوقف متفكرًا فيما آل أمرها إليه بعد العمارة العظيمة، وقال: ﴿أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ وذلك لما رأى من دثورها وشدة خرابها، وبعدها عن العود إلى ما كانت عليه، قال الله تعالى: ﴿فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ﴾ قال: وعمرت البلدة بعد مضي سبعين سنة من موته، وتكامل ساكنوها، وتراجع [¬٤] بنو إسرائيل إليها.\nفلما بعثه الله ﷿ بعد موته كان أول شيء أحيا الله فيه عينيه لينظر بهما إلى صنع\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- في خ: \"السيارى\".\n[¬٣]- في ز: \"الجاري\".\n[¬٤]- في ز: \"تراجعت\".","vol":"2","page":453},{"text":"الله فيه، كيف يحيي بدنه، فلما استقل سويًّا، قال الله له -أي: بواسطة الملك- ﴿كَمْ لَبِثْتَ قَال لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ قالوا؛ وذلك أنه مات أول النهار، ثم بعثه الله في [آخر النهار] [¬١]، فلما رأى الشمس باقية ظن أنها شمس ذلك اليوم فقال: ﴿أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَال بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ وذلك أنه كان معه فيما ذكر عنب، وتين، وعصير، فوجده كما فقده، لم يتغير منه شيء لا العصير استحال، ولا التين حمض ولا أنتن، ولا العنب تعفن ﴿وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ﴾ أي: كيف يحييه الله ﷿ وأنت تنظر. ﴿وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ﴾ أي: دليلًا على المعاد ﴿وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيفَ نُنْشِزُهَا﴾ أي: نرفعها، فتركب [¬٢] بعضها على بعض.\nوقد روى الحاكم في \"مستدركه\" (^١٦٠٤)، من حديث نافع بن أبي نعيم، عن إسماعيل بن أبي حكيم، عن خارجة بن زيد بن ثابت، عن أبيه، أن رسول الله صلى الله عليه رسلم قرأ ﴿كَيفَ نُنْشِزُهَا﴾ بالزاي. ثم قال: صحيح [الإِسناد ولم يخرجاه] [¬٣].\nوقرأ ﴿نُنْشِزُهَا﴾ أي: نحييها. قاله مجاهد. ﴿ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا﴾.\nوقال [¬٤] السدي وغيره: تفرقت عظام حماره حوله يمينًا ويسارًا، فنظر إليها وهي تلوح من بياضها، فبعث الله ريحًا فجمعتها من كل موضع من تلك المحلة، ثم ركب كل عظم في موضعه، حتى صار حمارًا قائمًا من عظام لا لحم عليها، ثم كساها الله لحمًا وعصبًا وعروقًا وجلدًا، وبعث الله [¬٥] ملكًا فنفخ في منخري الحمار فنهق إذن الله ﷿ وذلك كله بمرأى من العزيز، فعند ذلك لما تبين له هذا كله ﴿قَال أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ﴾ أي: أنا عالم بهذا، وقد رأيته [¬٦] عيانًا، فأنا أعلم أهل زماني بذلك. وقرأ آخرون: \"قال اعلم\" (* * *) على أنه أمر له بالعلم.\n_________\n(^١٦٠٤) - المستدرك (٢/ ٢٤٣) وتعقبه الذهبي بقوله: \"فيه إسماعيل بن قيس من ولد زيد بن ثابت وقد ضعفوه\".\n(*) وبها قرأ عاصم، وابن عامر، وحمزة، والكسائي.\n(**) وهي قراءة ابن كثير، ونافع، وأبي عمرو.\n(* * *) قرأ ابن كثير، ونافع، وعاصم، وأبو عمرو وابن عامر: \"أعلم\" بهمزة قطع، وضم الميم. وقرأ حمزة والكسائي: \"واعلم\" بهمزة وصل وإسكان الميم.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ز: \"آخرها\"، خ: \"آخر نهار\".\n[¬٢]- في خ: \"فيركب\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- مكانها بياض في ز، خ.\n[¬٥]- سقط من: خ.\n[¬٦]- في ز: \"رأيت\".","vol":"2","page":454},{"text":"﴿وَإِذْ قَال إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَال أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَال بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَال فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾\nذكروا لسؤال إبراهيم ﵇ أسبابًا، منها أنه لما قال لنمروذ: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ أحب أن يترقَّى من علم [¬١] اليقين [في ذلك] [¬٢] إلى عين اليقين، وأن يرى ذلك مشاهدة، فقال: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَال أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَال بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾.\nفأما الحديث الذي رواه البخاري (^١٦٠٥) عند هذه الآية: حدثنا أحمد بن صالح، حدثنا ابن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة وسعيد، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"نحن أحق بالشك من إبراهيم، إذ قال ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَال أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَال بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾. وكذا رواه مسلم عن حرملة بن يحيى عن ابن وهب، به. فليس المراد هاهنا بالشك ما قد يفهمه من لا علم عنده بلا خلاف. وقد أجيب عن هذا الحديث بأجوبة، أحدها: [… ... … ... …] [¬٣].\nوقوله: ﴿قَال فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيكَ﴾ اختلف المفسرون في هذه الأربعة، ما هي؟ وإن كان لا طائل تحت تعيينها؛ إذ لو كان في ذلك مهم [¬٤] لنص عليه القرآن. فروي عن ابن عباس، أنه قال: هي الغرنوق، والطاوس، والديك، والحمامة، وعنه أيضًا، أنه أخذ وزًّا ورألا -وهو فرخ النعام- وديكًا، وطاوسًا. وقال مجاهد وعكرمة: كانت حمامة، وديكًا، وطاوسًا، وغرابًا.\nوقوله: ﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيكَ﴾ أي: و[¬٥] قطعهنّ. قاله ابن عباس، وعكرمة، وسعيد بن جبير، وأبو مالك، وأبو الأسود الديلي، ووهب بن منبه، والحسن، والسدي، وغيرهم.\nوقال العوفي عن ابن عباس: ﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيكَ﴾ أوثقهن، فلما أوثقهن ذبحهن، ثم جعل على كل جبل منهن جزءًا، فذكروا أنه عمد إلى أربعة من الطير فذبحهن، ثم قطعهنّ، ونتف\n_________\n(^١٦٠٥) - صحيح البخاري برقم (٤٥٣٧)، وصحيح مسلم برقم (١٥١).\n_________\n[¬١]- في ز: \"عالم\".\n[¬٢]- في خ: \"بذلك\".\n[¬٣]- بياض في: ز، خ.\n[¬٤]- في ز: \"مهما\".\n[¬٥]- سقط من: ز.","vol":"2","page":455},{"text":"ريشهنّ، ومزقهنّ، وخلط بعضهنّ في بعض [¬١]، ثم جزأهنّ أجزاء، وجعل على كل جبل منهنّ جزءًا، قيل: أربعة أجبل. وقيل: سبعة. قال ابن عباس: وأخذ رءوسهنّ بيده، ثم أمره الله ﷿ أن يدعوهنّ، فدعاهن كما أمره الله ﷿ فجعل ينظر إلى الريش، يطير إلى الريش، والدم إلى الدم واللحم إلى اللحم والأجزاء من كل طائر يتصل بعضها إلى بعض، حتى قام كل طائر على حدته، وأتينه يمشين سعيًا، ليكون أبلغ له في الرؤية التي سألها، وجعل كل طائر يجيء ليأخذ رأسه الذي في يد إبراهيم ﵇ فإذا قدم له غير رأسه يأباه، فإذا قدّم له رأسه تركب مع بقية جثته [¬٢] بحول الله وقوته؛ ولهذا قال: ﴿وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ أي: عزيز، لا يغلبه شيء، ولا يمتنع منه شيء، وما شاء كان بلا مانع، لأنه [العظيم] [¬٣] القاهر لكل شيء، حكيم في أقواله وأفعاله، وشرعه وقدره.\nقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن أيوب، في قوله: ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ قال: قال ابن عباس: ما في القرآن آية أرجى عندي منها.\nوقال ابن جرير (^١٦٠٦): حدثني محمد بن المثنى، حدثنا محمد بن جعفر، حدَّثنا شعبة، سمعت زيد بن علي يحدث، عن رجل، عن سعيد بن المسيب، قال: اتَّعد [¬٤] عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمرو [بن العاص] [¬٥] أن يجتمعا قال: ونحن شَبَبَة، فقال أحدهما لصاحبه: أي آية في كتاب الله أرجى [] [¬٦] لهذه الأمة؟ فقال عبد الله بن عمرو: [قول الله تعالى: ﴿قُلْ] [¬٧] يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾. الآية. فقال ابن عباس: أما إن كنت تقول [إنها] [¬٨]: وإن أرجى منها لهذه الآمة قول إبراهيم: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَال أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَال بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾.\nوقال ابن أبي حاتم: أخبرنا أبي، حدثنا عبد الله بن صالح -كاتب الليث- حدثني ابن [¬٩] أبي سلمة عن محمد [¬١٠] بن المنكدر، أنه قال: التقى عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمرو بن\n_________\n(^١٦٠٦) - تفسير الطبري (٥/ ٤٨٩).\n_________\n[¬١]- في ت: \"بعض\".\n[¬٢]- في ت: \"جسده\".\n[¬٣]- زيادة من ز.\n[¬٤]- في ت، \"اتفق\"، خ: \"سحر\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين في خ: عندك.\n[¬٧]- سقط من ز، خ.\n[¬٨]- سقط من ز، خ، وأثبتناه من الطبري.\n[¬٩]- في خ: محمد بن، والصواب ما أثبتناه وابن أبي سلمة هو عبد العزيز الماجشون.\n[¬١٠]- في ز، خ: \"عمر\".","vol":"2","page":456},{"text":"العاص، فقال ابن عباس لابن عمرو بن العاص: أي آية في القرآن أرجى عندك؟ قال عبد الله بن عمرو: قول الله ﷿: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾. الآية. فقال ابن عباس: لكن أنا أقول: قول الله ﷿: ﴿وَإِذْ قَال إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَال أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَال بَلَى﴾ فرضي من إبراهيم قوله: ﴿بَلَى﴾. قال: فهذا لما يعترض في النفوس، ويوسوس به الشيطان.\nوهكذا رواه الحاكم في المستدرك (^١٦٠٧)، عن أبي عبد الله محمد بن يعقوب بن الأخرم، عن إبراهيم بن عبد الله السعدي، عن بشر بن عمر الزهراني، عن عبد العزيز بن أبي سلمة، بإسناده مثله. ثم قال: صحيح الإِسناد، ولم يخرجاه.\n﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦١)﴾.\nهذا مثلٌ ضربه الله تعالى لتضعيف الثواب لمن أنفق في سبيله، وابتغاء مرضاته، وأن الحسنة تضاعف بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، فقال: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾. قال سعيد بن جبير: يعني في طاعة الله. وقال مكحول: يعني به الإِنفاق في الجهاد، من رباط الخيل، وإعداد السلاح، وغير ذلك. وقال شبيب بن بشر عن عكرمة، عن ابن عباس: الجهاد، والحج، يضعف الدرهم فيهما إلى سبعمائة ضعف. ولهذا قال الله تعالى: ﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ﴾.\nوهذا المثل أبلغ في النفوس من ذكر عدد السبعمائة، فإن هذا فيه إشارة إلى أن الأعمال الصالحة ينميها الله ﷿ لأصحابها، كما ينمي الزرع لمن بذره في الأرض الطيبة. وقد وردت السنة لتضعيف الحسنة إلى سبعمائة ضعف.\nقال الإِمام أحمد (^١٦٠٨): حدثنا زياد بن الربيع أبو خَداش، حدثنا واصل مولى أبي عيينة، عن بشار بن أبي سيف الجرمي، عن عياض بن غُطَيف، قال: دخلنا على أبي عبيدة [بن الجراح] [¬١] نعوده من شكوى أصابه [¬٢] [] [¬٣] وامرأته تُحَيْفَةُ قاعدة عند رأسه، قلنا: كيف بات أبو عبيدة؟ قالت: والله لقد بات بأجر. قال أبو عبيدة: ما بت بأجر. وكان\n_________\n(^١٦٠٧) - المستدرك (١/ ٦٠) وتعقبه الذهبي بأن فيه انقطاعًا.\n(^١٦٠٨) - المسند (١/ ١٩٥).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٢]- في ت: \"أصابته\".\n[¬٣]- في ت: بجنبه.","vol":"2","page":457},{"text":"مقبلًا بوجهه على الحائط، فأقبل على القوم بوجهه، وقال: ألا تسألوني عما قلت؟ قالوا: ما أعجبنا ما قلت فنسألك عنه، قال: سمعت رسول الله، ﷺ، يقول: \"من أنفق نفقة فاضلة في سبيل الله فبسبعمائة، ومن أنفق على نفسه وأهله، أو عاد مريضًا، أو مَازَ [¬١] أذى، فالحسنة بعشر أمثالها، والصوم جنة ما لم يخرقها، ومن ابتلاه الله ﷿ ببلاء في جسده فهو له حِطَّةٌ\".\nوقد روى النسائي في الصوم بعضه (^١٦٠٩) من حديث واصل به، ومن [¬٢] وجه آخر موقوفًا.\n(حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن سليمان، سمعت أبا عمرو الشيباني، عن أبي [¬٣] مسعود، أن رجلًا تصدق بناقة مخطومة في سبيل الله، فقال رسول الله ﷺ: \"لتأتين يوم القيامة بسبعمائة ناقة مخطومة\".\nورواه مسلم، والنسائي (^١٦١٠)، من حديث سليمان بن مهران، عن الأعمش، به. ولفظ مسلم: جاء رجل بناقة مخطومة، فقال: يا رسول الله، هذه في سبيل الله. فقال: \"لك بها يوم القيامة سبعمائة ناقة\".\n(حديث آخر) قال أحمد (^١٦١١): حدثنا عمرو بن مُجَمَّع أبو المنذر الكندي، أخبرنا إبراهيم الهجري [¬٤]، عن أبي الأحوص، عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله، ﷺ: \"إن الله ﷿ جعل حسنة ابن آدم بعشر [¬٥] أمثالها، إلى سبعمائة ضعف، إلا الصوم، والصوم لي، وأنا أجزي به، وللصائم فرحتان: فرحة عند إفطاوه، وفرحة يوم القيامة، ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك\".\n(حديث آخر) قال أحمد (^١٦١٢): حدثنا وكيع، حدثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله، ﷺ: \"كل عمل ابن آدم يضاعف، الحسنة بعشر أمالها إلى سبعمائة ضعف، إلى ما شاء [¬٦] الله، يقول الله: إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به، يدع طعامه وشهوته من أجلي، وللصائم فرحتان: فرحة عند\n_________\n(^١٦٠٩) - سنن النسائي (٤/ ١٦٧، ١٦٨).\n(^١٦١٠) - صحيح مسلم برقم (١٨٩٢)، وسنن النسائي (٦/ ٤٩).\n(^١٦١١) - المسند (١/ ٤٤٦).\n(^١٦١٢) - المسند (٢/ ٤٤٣).\n_________\n[¬١]- في ت: \"مازه\".\n[¬٢]- في خ: \"من\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"ابن\".\n[¬٤]- في ز، خ: \"المهجري\".\n[¬٥]- في ز: \"عشر\".\n[¬٦]- في ز: \"يشاء\".","vol":"2","page":458},{"text":"فطره، وفرحة عند لقاء ربه، ولخلوف فيه الصائم [¬١] أطيب عند الله من ريح المسك، الصوم جنة، الصوم جنة\".\nوكذا رواه مسلم (^١٦١٣)، عن أبي بكر بن أبي شيبة، وأبي سعيد الأشج، كلاهما عن وكيع به.\n(حديث آخر) قال أحمد (^١٦١٤): حدثنا حسين بن علي، عن زائدة، عن الركين عن يُسَيرِ [¬٢] بن عميلة، عن خُريم بن فاتك [¬٣] قال: قال رسول الله ﷺ: \"من أنفق نفقة في سبيل الله تضاعف بسبعمائة [¬٤] ضعف\".\n(حديث آخر) قال أبو داود (^١٦١٥): حدثنا أحمد بن عمرو بن السرح، حدثنا ابن وهب، عن يحيى بن أيوب، وسعيد بن أبي أيوب، عن زبان [¬٥] بن فائد، عن سهل بن معاذ، عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن الصلاة والصيام والذكر، يضاعف على النفقة في سبيل الله سبعمائة [¬٦] ضعف\".\n(حديث آخر) قال ابن أبي حاتم (^١٦١٦): حدثنا أبي، حدثنا هارون بن عبد الله بن مروان، حدثنا ابن أبي فديك، عن الخليل بن عبد الله، عن الحسن، عن عمران بن حصين، عن رسول الله، صلى الله علية وآله وسلم، قال: \"من أرسل بنفقة في سبيل الله، وأقام في بيته فله بكل درهم [سبعمائة درهم يوم القيامة] [¬٧]، [ومن غزا في سبيل الله وأنفق في جهة ذلك، فله بكل درهم] [¬٨] [سبعمائة ألف درهم] [¬٩]. ثم تلا هذه الآية ﴿وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾. وهذا حديث غريب.\n_________\n(^١٦١٣) - صحيح مسلم برقم (١١٥١).\n(^١٦١٤) - المسند (٤/ ٣٤٥).\n(^١٦١٥) - سنن أبي داود برقم (٢٤٩٨).\n(^١٦١٦) - ورواه ابن ماجة في السنن برقم (٢٧٦١) عن هارون بن عبد الله به.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- في ز، خ: \"بشير\".\n[¬٣]- في خ: \"وائل\".\n[¬٤]- في خ: \"سبعمائة\".\n[¬٥]- في ز: \"زيان بن\"، خ: \"زريان\".\n[¬٦]- في خ: \"بسبعمائة\".\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين في ز: \"يوم القيامة سبعمائة ألف درهم\".\n[¬٨]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٩]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.","vol":"2","page":459},{"text":"وقد تقدم حديث أبي عثمان النهدي، عن أبي هريرة، في تضعيف الحسنة إلى ألفي ألف حسنة، عند قوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ الآية [¬١].\n(حديث آخر) قال ابن مردويه: حدثنا عبد الله بن عبيد الله بن العسكري البزاز، أخبرنا الحسن بن علي بن شبيب، أخبرنا محمود بن خالد الدمشقي، أخبرنا أبي، عن عيسى بن المسيب، عن نافع، عن ابن عمر قال: لما نزلت هذه الآية ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّه﴾ قال [النبي ﷺ] [¬٢]: \"رب زد أمّتي\". قال: فأنزل الله ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ قال: \"رب زد أمّتي\". قال: فأنزل الله ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيرِ حِسَابٍ﴾.\nوقد رواه أبو حاتم (^١٦١٧) بن [¬٣] حبان في \"صحيحه\"، عن حاجب بن أركين، عن أبي [¬٤] عمر، حفص بن عمر بن عبد العزيز المقري عن أبي إسماعيل المؤدّب، عن عيسى بن المسيب، عن نافع، عن ابن عمر، فذكره.\nوقوله هاهنا: ﴿وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ أي: بحسب إخلاصه في عمله ﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ أي: فضله واسع كثير، أكثر من خلقه، علهم بمن يستحق، ومن لا يستحق، [سبحانه وحمده] [¬٥].\n﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٦٢) قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ (٢٦٣) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ\n_________\n(^١٦١٧) - صحيح ابن حبان برقم (١٦٤٨) \"موارده\".\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في ت: \"وإن\".\n[¬٤]- سقط من: خ.\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"2","page":460},{"text":"الْكَافِرِينَ (٢٦٤)﴾.\nيمدح الله [تبارك و] [¬١] تعالى الذين ينفقون أموالهم في سبيله [¬٢] ثم لا يتبعون ما أنفقوا من الخيرات والصدقات منًّا على من أعطوه، فلا يمنون به على أحد، ولا يمنون به، لا بقول، ولا فعل [¬٣].\nوقوله: ﴿وَلَا أَذًى﴾ أي: ولا [¬٤] يفعلون مع من أحسنوا إليه مكروهًا يحبطون به [¬٥] ما سلف من الإحسان. ثم وعدهم الله [¬٦] تعالى الجزاء الجزيل على ذلك فقال: ﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ أي: ثوابهم على الله. لا على أحد سواه. ﴿وَلَا خَوْفٌ عَلَيهِمْ﴾ أي: فيما يستقبلونه من أهوال يوم [¬٧] القيامة. ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ أي: على ما خلفوه من الأولاد، و[¬٨] ما فاتهم من الحياة الدنيا وزهرتها، لا يأسفون عليها؛ لأنهم قد صاروا إلى ما هو خير لهم من ذلك.\nثم قال تعالى: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾ أي: من كلمة طيبة ودعاء لمسلم ﴿وَمَغْفِرَةٌ﴾ أي: [عفو، و] [¬٩] غفر عن ظلم قولي أو فعلي ﴿خَيرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى﴾.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا ابن نفيل، قال: قرأت على معقل بن عبيد [¬١٠] الله، عن [¬١١] عمرو بن دينار، قال: بلغنا أن رسول الله ﷺ قال: \"ما من صدقة أحب إلى الله من قول معروف [¬١٢] ألم تسمع إلى قوله: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ﴾ [أي] [¬١٣] عن خلقه ﴿حَلِيمٌ﴾ أي: يحلم، ويغفر، ويصفح، ويتجاوز عنهم.\nوقد وردت الأحاديث بالنهي عن المن في الصدقة؛ ففي \"صحيح مسلم\"، من حديث شعبة، عن الأعمش، عن سليمان بن مسهر، عن خرشة بن الحرّ، عن أبي ذر، قال: قال رسول الله ﷺ: \"ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم: المنان بما أعطى، والمسبل إزاره، والمنفق سلعته بالحلف\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٢]- في ز: \"سبيل الله\".\n[¬٣]- في ت: \"بفعل\".\n[¬٤]- في ت: \"لا\".\n[¬٥]- سقط من: ز.\n[¬٦]- سقط من: خ.\n[¬٧]- سقط من: ز.\n[¬٨]- في خ: \"ولا\".\n[¬٩]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬١٠]- في ز، خ: \"عبد\".\n[¬١١]- في ز، خ: \"بن\".\n[¬١٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬١٣]- ما بين المعكوفتين سقط من خ.","vol":"2","page":461},{"text":"الكاذب\" (^١٦١٨).\nوقال ابن مردويه: حدثنا أحمد بن عثمان بن يحيى، أخبرنا عثمان بن محمد الدوري، أخبرنا هشيم بن خارجة، أخبرنا سليمان بن عقبة، عن يونس بن ميسرة، عن أبي إدريس، عن أبي الدرداء، عن النبي ﷺ قال: \"لا يدخل الجنة عاق، ولا منان، ولا مدمن خمر، ولا مكذب بقدر\".\nوروى أحمد وابن ماجة من حديث يونس بن ميسرة، نحوه (^١٦١٩).\nثم روى ابن مردويه وابن حبان والحاكم في \"مستدركه\" والنسائي، من حديث عبد الله بن يسار الأعرج، عن سالم بن عبد الله بن [¬١] عمر، عن أبيه، قال: قال رسول الله، ﷺ: \"ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة: العاق لوالديه، ومدمن الخمر، والمنان بما أعطى\" (^١٦٢٠).\nوقد روى النسائي (^١٦٢١)، عن مالك بن سعد، عن عمه روح بن عبادة عن عتاب ابن بشير، عن خصيف الجزري، عن مجاهد، عن ابن عباس، عن النبي، ﷺ، قال: \"لا يدخل الجنة مدمن خمر، ولا عاق لوالديه، ولا منان\".\nوقد رواه ابن أبي حاتم، عن الحسن بن المنهال، عن محمد بن عبد الله بن عمار الموصلي، عن عتاب، عن خصيف، عن مجاهد، عن ابن عباس [قوله].\nورواه النسائي (^١٦٢٢)، من حديث عبد الكريم بن مالك الجزري [¬٢]، عن مجاهد، قوله. وقد روي عن مجاهد، عن أبي سعيد، وعن مجاهد عن أبي هريرة نحوه (^١٦٢٣).\nولهذا قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ فأخبر أنّ الصدقة تبطل بما يتبعها من المنّ والأذى، فما يفي ثواب الصدقة بخطيئة المنّ والأذى.\n_________\n(^١٦١٨) - صحيح مسلم برقم (١٠٦).\n(^١٦١٩) - المسند (٦/ ٤٤١)، وسنن ابن ماجة رقم (٣٣٧٦)، وقال البوصيري في الزوائد (٣/ ١٠٣): \"هذا إسناد حسن، سليمان بن عتبة مختلف فيه، وباقي رجال الإسناد ثقات\".\n(^١٦٢٠) - المستدرك (٤/ ١٤٦)، وسنن النسائي (٥/ ٨٠).\n(^١٦٢١) - سنن النسائي الكبرى برقم (٤٩٢١).\n(^١٦٢٢) - سنن النسائي الكبرى برقم (٤٩٢٠).\n(^١٦٢٣) - سنن النسائي الكبرى برقم (٤٩٢٢).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"عن\".\n[¬٢]- في ز: \"الحورى\".","vol":"2","page":462},{"text":"ثم قال تعالى: ﴿كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالهُ رِئَاءَ النَّاسِ﴾ أي: لا تبطلوا صدقاتكم بالمنّ والأذى، كما تبطل صدقة من راءى بها الناس، فأظهر لهم أنه يريد وجه الله، وإنما قصده مدحة [¬١] الناس له، أو شهرته بالصفات الجميلة؛ ليشكر بين الناس، أو يقال: إنه كريم، ونحو ذلك من المقاصد الدنيوية، مع قطع نظره عن معاملة الله تعالى، وابتغاء مرضاته، وجزيل ثوابه؛ ولهذا قال: ﴿وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾.\nثم ضرب تعالى مثل ذلك المرائي بإنفاقه -قال الضحاك: والذي يتبع نفقته منًّا أو أذى- فقال: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ﴾ وهو جمع صفوانة، فمنهم [¬٢] من يقول: الصفوان يستعمل مفردًا أيضًا، وهو الصفا، وهو الصخر الأملس ﴿عَلَيهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ﴾ وهو [¬٣]: المطر الشديد ﴿فَتَرَكَهُ صَلْدًا﴾ أي: فترك الوابلُ [¬٤] ذلك الصفوان صلدًا، أي: أملس يابسًا، أي: لا شيء عليه من ذلك التراب، بل قد ذهب كله، أي: وكذلك أعمال المرائين تذهب وتضمحل عند الله، وإن ظهر لهم أعمال فيما يرى الناس، كالتراب؛ ولهذا قال: ﴿لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾.\n﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَينِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٦٥)﴾\nوهذا مثل المؤمنين المنفقين أموالهم ابتغاء مرضات [¬٥] الله عنهم في ذلك ﴿وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ أي: وهم متحققون ومتثبتون [¬٦] أن الله سيجزيهم على ذلك أوفر الجزاء. ونظير هذا في المعنى قوله ﵇ في الحديث الصحيح [¬٧] المتفق على صحته: \"من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا … \" أي: يؤمن أن الله شرعه، ويحتسب عند الله ثوابه.\nقال الشعبي: ﴿وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ أي: تصديقًا ويقينًا [¬٨]. وكذا قال قتادة وأبو صالح وابن زيد، واختاره ابن جرير. وقال مجاهد، والحسن: أي يتثبتون أين يضعون صدقاتهم.\nوقوله: ﴿كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ﴾ أي: كمثل بستان بربوة. وهو عند الجمهور: المكان المرتفع\n_________\n[¬١]- في ت: \"مدح\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"ومنهم\".\n[¬٣]- في خ: \"هو\".\n[¬٤]- في ز: \"اليابل\"، في خ: \"البابل\".\n[¬٥]- في ز: \"مراضى\".\n[¬٦]- في ز، خ: \"مثبتون\".\n[¬٧]- سقط من: ز، خ.\n[¬٨]- في خ: \"تيقينًا\".","vol":"2","page":463},{"text":"المستوي من الأرض. وزاد ابن عباس، والضحاك: وتجري فيه الأنهار.\nقال ابن جرير ﵀: وفي الربوة ثلاث لغات، هنّ ثلاث قراءات؛ بضم الراء وبها قرأ عامة أهل المدينة والحجاز والعراق، وفتحها، وهي قراءة بعض أهل الشام والكوفة، ويقال: إنها لغة تميم، وكسر الراء، ويذكر أنها قراءة ابن عباس.\nوقوله: ﴿أَصَابَهَا وَابِلٌ﴾ وهو المطر الشديد. كما تقدم. ﴿فَآتَتْ أُكُلَهَا﴾ أي [¬١]: ثمرتها [¬٢] ﴿ضِعْفَينِ﴾ [¬٣] أي: بالنسبة إلى غيرها من الجنان. ﴿فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ﴾ قال الضحاك: هو الرذاذ، وهو اللين من المطر. أي: هذه الجنة بهذه الربوة لا تمحل أبدًا؛ لأنها إن لم يصبها وابل فطل، وأيامًا كان فهو كفايتها، وكذلك عمل المؤمن لا يبور أبدًا، بل يتقبله الله، ويكثره، وينميه، كل عامل بحسبه، ولهذا قال: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ أي: لا يخفى عليه من أعمال عباده شيءٌ.\nأَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢٦٦)\nقال البخاري عند تفسير هذه الآية (^١٦٢٤): حدثنا إبراهيم بن موسى، حدثنا هشام -هو ابن يوسف- عن ابن جريج، سمعت عبد [¬٤] الله بن أبي مليكة يحدّث عن ابن عباس -وسمعت أخاه أبا بكر بن أبي مليكة يحدث عن عبيد بن عمير [¬٥]- قال: قال عمر بن الخطاب يومًا لأصحاب النبي ﷺ: فيمن ترون هذه الآية نزلت؟ ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ﴾ قالوا: الله أعلم. فغضب عمر، فقال: قولوا: نعلم أو لا نعلم. فقال ابن عباس: في نفسي منها شيء يا أمير المؤمنين. فقال عمر: يا بن أخي؛ قل ولا تحقر نفسك. فقال [¬٦] ابن عباس ﵄: ضربت مثلًا لعمل [¬٧]\n_________\n(^١٦٢٤) - صحيح البخاري برقم (٤٥٣٨).\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- سقط من: خ.\n[¬٤]- في ز: \"عبيد\"، خ: \"عيد\".\n[¬٥]- في ز، خ: \"نمير\".\n[¬٦]- في ز. \"قال\".\n[¬٧]- في ز: \"بعمل\".","vol":"2","page":464},{"text":"قال عمر. أي عمل؟ قال ابن عباس [: لعمل] [¬١]. [قال عمر] [¬٢]: لرجل غني يعمل بطاعة الله، ثم بعث الله له الشيطان، فعمل بالمعاصي، حتى أغرق أعماله.\nثم رواه البخاري (^١٦٢٥) عن الحسن بن محمد الزعفراني، عن حجاج بن محمد الأعور، عن ابن جريج، فذكره وهو من أفراد البخاري ﵀.\nوفي [هذا] [¬٣] الحديث كفاية في تفسير هذه الآية، وتبيين ما فيها من المثل بعمل من أحسن العمل أولًا، ثم بعد ذلك انعكس سيره، فبدل الحسنات بالسيئات، عياذًا بالله من ذلك، فأَبطل بعمله الثاني ما أسلفه فيما تقدّم من الصالح، واحتاج إلى شيء من الأول في أضيق الأحوال، فلم يحصل له منه شيء، وخانه أحوج ما كان إليه؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ﴾ وهو الريح الشديد ﴿فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ﴾ أي: أحرق ثمارها، وأباد أشجارها. فأي حال يكون حاله؟.\nوقد روى [¬٤] ابن أبي حاتم من طريق العوفي، عن ابن عباس [¬٥]، قال: ضرب الله [له] [¬٦] مثلًا حسنًا، وكل أمثاله حسن قال: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ يقول: ضيعه في شبيبته [¬٧] ﴿وَأَصَابَهُ [¬٨] الْكِبَرُ﴾ وولده وذريته ضعاف عند آخر عمره، فجاءه ﴿إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ﴾ فأحرق [¬٩] بستانه، فلم يكن عنده قوّة أن يغرس مثله، ولم يكن عند نسله خير يعودون به عليه، وكذلك الكافر يكون [¬١٠] يوم القيامة إذا رد إلى الله ﷿ ليس له خير فيستعتب، كما ليس لهذا قوة فيغرس مثل بستانه، ولا يجده قدم لنفسه خيرًا يعود عليه، كما لم يغن عن هذا ولده، وحرم أجره عند أفقر ما كان إليه، كما حرم هذا جنة الله، عند [ما كان] [¬١١] أفقر ما كان إليها عند كبره وضعف ذريته.\nوهكذا روى الحاكم في \"مستدركه\" (^١٦٢٦)، أن رسول الله ﷺ كان يقول\n_________\n(^١٦٢٥) - لم أجده على هذا الطريق في صحيح البخاري، ولم يذكره المزي في تحفة الأشراف،\n(^١٦٢٦) - المستدرك (١/ ٥٤٢) من طريق سعيد بن سليمان، عن عيسى بن ميمون، عن القاسم، عن عائشة ﵂ مرفوعًا، وقال الحاكم: \"هذا حديث حسن الإسناد والمتن غريب في الدعاء=\n_________\n[¬١]- في خ: \"بعمل\".\n[¬٢]- سقط من ت.\n[¬٣]- زيادة من ز.\n[¬٤]- في ت: \"رواه\".\n[¬٥]- سقط من: خ\n[¬٦]- زيادة من ز.\n[¬٧]- في خ: \"شيبته\"\n[¬٨]- في ز: \"فأصابه\".\n[¬٩]- في ت. \"فاحترق\".\n[¬١٠]- سقط من: ر، خ.\n[¬١١]- ما بين المعكوفتين سقط ر.","vol":"2","page":465},{"text":"في دعائه: \"اللهم؛ اجعل أوسع رزقك علي عند [كبر سني] [¬١] وانقضاء عمري\". ولهذا قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ أي: تعتبرون، وتفهمون الأمثال والمعاني، وتنزلونها على المراد منها. كما قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إلا الْعَالِمُونَ﴾.\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إلا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (٢٦٧) الشَّيطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦٨) يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إلا أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٦٩)﴾\nيأمر تعالى عباده المؤمنين بالإنفاق -والمراد به الصدقة هاهنا. قاله ابن عباس- من طيبات ما رزقهم من الأموال التي اكتسبوها -قال مجاهد: يعني التجارة- بتيسيره إياها لهم.\nوقال علي والسدي: ﴿مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ يعني: الذهب والفضة ومن الثمار والزروع التي أنبتها لهم من الأرض. قال ابن عباس: أمرهم بالإنفاق من أطيب المال وأجوده وأنفسه ونهاهم عن التصدق برذالة المال ودنيه؛ وهو خبيثه فإن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا، ولهذا قال: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا﴾ أي: تقصدوا ﴿الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ﴾ أي: لو أعطيتموه ما أخذتموه، إلا أن تتغاضوا فيه، فالله أغنى عنه منكم، فلا تجعلوا لله ما تكرهون.\nوقيل معناه: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ أي: لا تعدلوا عن المال الحلال، وتقصدوا إلى الحرام، فتجعلوا نفقتكم منه.\nويذكر هاهنا الحديث الذي رواه الإِمام أحمد (^١٦٢٧): حدَّثنا محمد بن عبيد، حدَّثنا أبان بن\n_________\n= مستحب للمشايخ إلا أن عيسى بن ميمون لم يحتج له الشيخان\" قال الذهبي: قلت: \"عيسى متهم\".\n(^١٦٢٧) - المسند (١/ ٣٨٧).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ز: \"كبري\".","vol":"2","page":466},{"text":"إسحاق، عن الصباح بن محمد، عن مرة الهمداني، عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ: \"إنّ الله قسم بينكم أخلاقكم، كما قسم بينكم أرزاقكم، وإن الله يعطى الدنيا من يحب، ومن لا يحب، ولا يعطى الدين إلا لمن أحب، فمن أعطاه الله الدين فقد أحبه، والذي نفسي بيده لا يسلم عبد حتى يسلم قلبه ولسانه، ولا يؤمن حتى يأمن جاره بوائقه\". قالوا: وما بوائقه يا نبي الله؟ قال: \"غَشَمُه وظلمه، ولا يكسب عبد مالًا من حرام فينفق منه فيبارك له فيه، ولا يتصدق به فيقبل منه، ولا يتركه خلف ظهره إلا كان زاده إلى النار، إنّ الله لا يمحو السيئ ولكن يمحو السيئ بالحسن، إن الخبيث لا يمحو الخبيث\".\nوالصحيح القول الأول. قال ابن جرير (^١٦٢٨) ﵀: حدثني الحسين بن عمرو العَنْقَّزِي [¬١]، حدثني أبي، عن أسباط، عن السدي، عن عدي بن ثابت، عن البراء بن عازب ﵁ في قول الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾. الآية. قال: نزلت في الأنصار؛ كانت [¬٢] الأنصار إذا كان [¬٣] أيام جذاذ (*) النخل أخرجت من حيطانها أقناء (**) البُسر (* * *)، فعلقوه على حبل بين الأسطوانتين في مسجد رسول الله ﷺ فيأكل فقراء المهاجرين منه، فيعمد الرجل منهم إلى الحَشَف (* * **) فيدخله مع أقناء البسر، بظن أن ذلك جائز، فأنزل الله فيمن فعل ذلك ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾.\nثم رواه ابن جرير، وابن ماجة، وابن مردويه، والحاكم في مستدركه، من طريق السدي، عن عدي بن ثابت، عن البراء بنحوه. وقال الحاكم: صحيح على شرط البخاري [¬٤]، ومسلم ولم يخرجاه.\nوقال ابن أبي حاتم: حدَّثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا عبيد الله، عن إِسرائيل، عن السدي،\n_________\n(^١٦٢٨) - تفسير الطبري (٥/ ٥٥٩، ٥٦٠)، وسنن ابن ماجة برقم (١٨٢٢)، والمستدرك (٢/ ٢٨٥) وقال البوصيري في الزوائد ٢/ ٥٨): \"هذا إسناد صحيح رجاله ثقات، وله شاهد من حديث عوف بن مالك رواه أصحاب السنن الأربعة\".\n(*) - جذ النخل جذًّا وجذاذًا: قطع ثمره وجناه.\n(**) - الأقناء جمع قنو وهو العرجون بما فيه من الرطب.\n(* * *) - البُسر: ثمر النخل قبل أن يرطب.\n(* * **) - الحشف: أردأ التمر، وهو الذي يجف ويصلب ويتقبض قبل نضجه، فلا يكون له نوى ولا لحاء ولا حلاوة، ولا لحم.\n_________\n[¬١]- في خ: \"السري\".\n[¬٢]- في خ: \"كان\".\n[¬٣]- في ز: \"كانت\".\n[¬٤]- بياض في خ.","vol":"2","page":467},{"text":"عن أبي مالك، عن البراء ﵁: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إلا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ قال [¬١]: نزلت فينا، كنا أصحاب نخل، فكان الرجل يأتي [من نخله بقدر] [¬٢] كثرته وقلته، فيأتي الرجل بالقنو فيعلقه في المسجد، وكان أهل الصفة [¬٣] ليس لهم طعام، فكان أحدهم إذا جاع جاء فضربه بعصاه، [فيسقط منه] [¬٤] البسر والتمر فيأكل، وكان أناس ممن لا يرغبون في الخير يأتي بالقنو فيه [¬٥] الحشف والشيص، ويأتي [¬٦] بالقنو قد انكسر فيعلقه، فنزلت: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إلا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ قال: لو أن أحدكم أهدي له مثل ما أعطى ما أخذه إلا على إغماض وحياء، فكنا بعد ذلك يجيء الرجل منا [¬٧] بصالح ما عنده.\nوكذا رواه الترمذي (^١٦٢٩) عن عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، عن عبيد الله -هو ابن موسى العبسي، عن إسرائيل، عن السدي- وهو إسماعيل بن عبد الرحمن- عن أبي مالك الغفاري-واسمه غزوان- عن البراء، فذكر نحوه. ثم قال: وهذا حديث حسن غريب.\nوقال ابن أبي حاتم (^١٦٣٠): حدَّثنا أبي، حدَّثنا أبو الوليد، حدَّثنا سليمان بن كثير، عن الزهري، عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف، عن أبيه، أن رسول الله ﷺ نهي عن لونين من التمر: الجُعْرُور (*)، ولون الحبيق [¬٨]، وكان الناس يتيممون شرار ثمارهم، ثم يخرجونها في الصدقة، فنزلت ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾.\nورواه أبو داود (^١٦٣١)، من حديث سفيان بن حسين، عن الزهري. ثم قال: أسنده أبو الوليد، عن سليمان بن كثير، عن الزهري. ولفظه: نهى رسول الله ﷺ عن الجعرور، ولون الحبيق، أن يؤخذا في الصدقة.\nوقد روى النسائي هذا الحديث (^١٦٣٢)، من طريق عبد الجليل بن حميد اليحصبي، عن\n_________\n(^١٦٢٩) - سنن الترمذي برقم (٢٩٨٧).\n(^١٦٣٠) - ورواه الحاكم في المستدرك (٢/ ٤٠١)، والطبراني في المعجم الكبير (٦/ ٧٦) من طريق أبي الوليد الطيالسي به، وقال الحاكم: \"حديث صحيح على شرط البخاري\".\n(^١٦٣١) - سنن أبي داود برقم (١٦٠٧).\n(^١٦٣٢) - سنن النسائي (٥/ ٤٣).\n_________\n[¬١]- في خ: \"قالت\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٣]- في خ: \"الصدقة\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين في خ: \"فسقط في\".\n[¬٥]- سقط من: خ.\n[¬٦]- في ز: \"فيأتي\".\n[¬٧]- سقط من: خ.\n[¬٨]- في خ: \"الحبيرة\".","vol":"2","page":468},{"text":"الزهري، عن أبي أمامة. ولم يقل: عن أبيه. فذكر نحوه. وكذا رواه ابن وهب، عن عبد الجليل.\nوقال ابن أبي حاتم: حدَّثنا أبي، حدثنا يحيى بن المغيرة، حدثنا جرير، عن عطاء بن السائب، عن عبد الله بن مَعْقِل في هذه الآية ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ قال: كسب المسلم لا يكون خبيثًا، ولكن لا يصدق كالحشف، والدرهم الزيف، وما لا خير فيه.\nوقال الإمام أحمد (^١٦٣٣): حدثنا أبو سعيد، حدَّثنا حماد بن سلمة عن حماد -هو ابن سليمان- عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة، قالت: أتي رسول الله، ﷺ، بضب، فلم يأكله، ولم ينه عنه، قلت: يا رسول الله؛ نطعمه المساكين. قال: \"لا تطعموهم مما لا تأكلون\".\nثم رواه عن عفان، عن حماد بن سلمة، به. فقلت: يا رسول الله؛ ألا أطعمه المساكين؟ قال: \"لا تطعموهم مما [¬١] لا تأكلون\".\nوقال الثوري: عن السدى، عن أبي مالك، عن البراء: ﴿وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إلا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ يقول: لو كان لرجل على رجل فأعطاه ذلك لم يأخذه إلا أن يرى أنه قد نقصه من حقه. رواه ابن جرير.\nوقال علي بن أبي طلحة: عن ابن عباس: ﴿وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إلا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ يقول: لو كان لكم على أحد حق فجاءكم بحق دون حقكم لم تأخذوه بحساب الجيد حتى تنقصوه. قال: فذلك قوله: ﴿إلا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ فكيف ترضون لي ما لا ترضون لأنفسكم، وحقي عليكم من أطيب أموالكم وأنفسه؟.\nرواه ابن أبي حاتم وابن جرير، وزاد: وهو قوله: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ ثم روى من طريق العوفي وغيره عن ابن عباس، نحو ذلك، وكذا ذكر غير واحد.\nوقوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ أي: وإن أمركم بالصدقات، وبالطيب منها، فهو غني عنها، وما ذاك إلا ليساوي الغني الفقير. كقوله: ﴿لَنْ يَنَال اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ وهو غني عن جميع خلقه، وجميع خلقه فقراء إليه، وهو واسع الفضل، لا ينفد [¬٢] ما لديه، فمن تصدق بصدقة من كسب طيب فليعلم أن الله غني واسع العطاء، كريم\n_________\n(^١٦٣٣) - المسند (٦/ ١٠٥) (٢٤٨٤٨). ورواه الطبراني في الأوسط كما في مجمع البحرين (٣/ ٤٩، ٥٠ / رقم: ١٤٠٩) من طريق محمد بن هشام بن أبي الدميك، عن عفان بن مسلم، عن حماد بن سلمة، عن حماد بن أبي سليمان، عن إبراهيم، عن الأسود به. وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد=\n_________\n[¬١]- في خ: \"ما\".\n[¬٢]- في خ: \"ينذر\".","vol":"2","page":469},{"text":"جواد، [] [¬١] سيجزيه بها، ويضاعفها له أضعافًا كثيرة، من يقرض غير عديم ولا ظلوم، وهو الحميد أي: المحمود في جميع أفعاله وأقواله وشرعه وقدره، لا إله إلا هو، ولا رب سواه.\nوقوله: ﴿الشَّيطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾.\nقال ابن أبي حاتم: حدَّثنا أبو زرعة، حدَّثنا هناد بن السري، حدثنا أبو الأحوص، عن عطاء بن السائب، عن مرة الهمداني، عن عبد الله [بن مسعود] [¬٢] قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن للشيطان لَلَمَّة بابن آدم وللملك لمة، فأمّا لمة الشيطان فإيعاد بالشر وتكذيب بالحق، وأما لمة الملك فإيعاد بالخير وتصديق بالحق، فمن وجد ذلك فليعلم أنه من الله فليحمد الله، ومن وجد الأخرى فليتعوذ من الشيطان\". ثم قرأ ﴿الشَّيطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا﴾. الآية.\nوهكذا رواه الترمذي، والنسائي في كتابي التفسير من \"سُنَنَيهِما\" (^١٦٣٤) جميعًا عن هناد بن السري.\nوأخرجه ابن حبان في \"صحيحه\"، عن أبي يعلى الموصلي، عن هناد، به (^١٦٣٥).\nوقال الترمذي: حسن غريب، وهو حديث أبي الأحوص -يعني سلام بن سليم- لا نعرفه مرفوعًا إلا من حديثه. كذا قال.\nوقد رواه أبو بكر بن مردويه في تفسيره، عن محمد بن أحمد، عن محمد بن عبد الله بن رسته عن هارون الفروي [¬٣]، عن أبي ضمرة، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن مسعود، مرفوعًا نحوه.\nولكن رواه مسعر، عن عطاء بن السائب، عن أبي الأحوص -عوف بن مالك بن نضلة- عن ابن مسعود، فجعله من قوله، والله أعلم.\nومعنى قوله تعالى: ﴿الشَّيطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ﴾ أي: يخوفكم الفقر؛ لتمسكوا ما بأيديكم، فلا تنفقوه في مرضاة الله. ﴿وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ أي: مع نهيه إياكم عن\n_________\n= (٣/ ١١٣) وقال: \"رواه الطبراني في الأوسط ورجاله موثفون\".\n(^١٦٣٤) - سنن الترمذي برقم (٢٩٨٨)، وسنن النسائي الكبرى برقم (١١٠٥١).\n(^١٦٣٥) - صحيح ابن حبان برقم (٤٠) \"موارد\".\n_________\n[¬١]- في خ: \"و\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٣]- في خ: \"القروي\".","vol":"2","page":470},{"text":"الإِنفاق خشية الإِملاق، يأمركم بالمعاصي والمآثم والمحارم ومخالفة الخلاق.\nقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ﴾ أي: في مقابلة ما أمركم الشيطان بالفحشاء ﴿وَفَضْلًا﴾ أي [¬١]: في مقابلة ما خوّفكم الشيطان من الفقر ﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾.\nوقوله: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ﴾ قال علي بن أبي طلحة: عن ابن عبَّاس: يعني المعرفة بالقرآن؛ ناسخه ومنسوخه، ومحكمه ومتشابهه، ومقدّمه ومؤخره، وحلاله وحرامه وأمثاله.\nوروى جويبر، عن الضحاك، عن ابن عبَّاس، مرفوعًا: \"الحكمة القرآن\" (^١٦٣٦). يعني: تفسيره. قال ابن عبَّاس فإنه قد [¬٢] قرأه البر والفاجر. رواه ابن مَرْدُويه.\nوقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد: يعني بالحكمة: الإِصابة في القول.\nوقال ليث بن أبي سليم، عن مجاهد: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ﴾ ليست بالنبوَّة، ولكنه العلم، والفقة، والقرآن. وقال أَبو العالية: الحكمة خشية الله، فإن خشية الله رأس كل حكمة.\nوقد رواه [¬٣] ابن مردويه من طريق بقية عن عثمان بن زفر الجهني، عن أبي عمار الأسدي، عن ابن مسعود، مرفوعًا: \"رأس الحكمة مخافه الله\" (^١٦٣٧).\nوقال أبو العالية في رواية عنه: الحكمة الكتاب والفهم. وقال إبراهيم النخعي: الحكمة الفهم. وقال أبو مالك: الحكمة السنة. وقال ابن وَهْب عن مالك، قال زيد بن أسلم: الحكمة العقل. قال مالك: وإنه ليقع في قلبي أن الحكمة هو الفقة في دين الله، وأمر يدخله الله في القلوب من رحمته وفضله، ومما يبين ذلك أنك تجد الرجل عاقلًا في أمر الدنيا ذا نظر فيها، وتجد آخر ضعيفًا في أمر دنياه عالمًا بأمر دينه، بصيرًا به و[¬٤] يؤتيه الله إياه ويحرمه هذا، فالحكمة الفقة في دين الله. وقال السدي: الحكمة النبوة.\nوالصحيح أن الحكمة -كما قاله الجمهور- لا تختص بالنبوّة، بل هي أعم منها، وأعلاها النبوة، والرسالة أخص، ولكن لأتباع الأنبياء حظ من الخير على سبيل التبع، كما جاء في بعض\n_________\n(^١٦٣٦) - عزاه السيوطي في الدر المنثور (٢/ ٦٦) لابن مردويه في تفسيره وإسناده ضعيف جدًّا.\n(^١٦٣٧) - ورواه البيهقي وضعفه في شعب الإيمان برقم (٧٤٤) من طريق محمد بن مصفى، عن بقية، به، ورواه البيهقي أيضًا من وجه آخر موقوفًا على ابن مسعود.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في ز: \"روى\".\n[¬٤]- سقط من: ز.","vol":"2","page":471},{"text":"الأحاديث: \"من حفظ القرآن فقد أدرجت النبوة بين كتفيه، غير أنَّه لا يوحى إليه\" (^١٦٣٨). رواه وكيع بن الجراح في تفسيره، عن إسماعيل بن رافع، عن رجل لم يسمه، عن عبد الله بن عمرو [¬١]. قوله.\nوقال الإِمام أحمد (^١٦٣٩): حدَّثنا وكيع ويزيد قالا: حدَّثنا إسماعيل -يعني ابن أبي خالد عن قيس- وهو ابن أبي حازم - عن ابن مسعود قال: سمعت رسول الله، ﵌، يقول -: \"لا حسد إلَّا في اثتين: رجل آتاه الله مالًا فسلطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله حكمةً فهو يقضي بها ويعلمها\".\nوهكذا رواه البخاري ومسلم والنَّسائي وابن ماجة من طرق متعددة عن إسماعيل بن أبي خالد به (^١٦٤٠).\nوقوله: ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إلا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ أي: وما ينتفع بالموعظة والتذكار إلَّا من له لب وعقل، يعي [¬٢] به الخطاب ومعنى الكلام.\n﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (٢٧٠) إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٧١)﴾\nيخبر تعالى بأنه عالم بجميع ما يفعله العاملون من الخيرات، من النفقات والمنذورات، وتضمن ذلك مجازاته على ذلك أوفر الجزاء للعاملين لذلك ابتغاء وجهه، ورجاء موعوده، وتوعد من لا يعمل بطاعته بل خالف أمره، وكذب خبره، وعبد معه غيره، فقال: ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ أي: يوم القيامة ينقذونهم [¬٣] من عذاب الله ونقمته.\n_________\n(^١٦٣٨) - وفي إسناده إسماعيل بن رافع المدني ضعفه أحمد وابن معين والنَّسائي وقال ابن عدي: أحاديثه كلها مما فيه نظر.\n(^١٦٣٩) - المسند (١/ ٤٣٢).\n(^١٦٤٠) - صحيح البخاري برقم (٧٣)، وصحيح مسلم برقم (٨١٦)، وسنن النَّسائي الكبرى برقم (٥٨٤٠)، وسنن ابن ماجة برقم (٤٢٠٨).\n_________\n[¬١]- في خ: \"عمر\".\n[¬٢]- في ت: \"يعني\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"ينقذهم\".","vol":"2","page":472},{"text":"وقوله: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ﴾ أي: إن أظهرتموها فنعم شيء هي.\nوقوله: ﴿وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيرٌ لَكُمْ﴾ فيه دلالة على أن إسرار الصدقة أفضل من إظهارها، لأنه أبعد عن الرياء، إلَّا أن يترتب على الإظهار مصلحة راجحة، من اقتداء الناس به، فيكون أفضل من هذه الحيثية. وقال رسول الله ﷺ: \"الجاهر بالقرآن كالجاهر بالصدقة، والمسر بالقرآن كالمسر بالصدقة\" (^١٦٤١).\nوالأصل أن الإِسرار أفضل لهذه الآية، ولما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلَّا ظله؛ إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل قلبه معلق بالمسجد إذا خرج منه حتَّى يرجع إليه، [ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه] [¬١] ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه\" (^١٦٤٢).\nوقال الإِمام أحمد (^١٦٤٣): حدَّثنا يزيد بن هارون، أخبرنا العرام بن حوشب، عن سليمان بن أبي سليمان، عن أَنس بن مالك، عن النبي ﵌، قال: \"لما خلق الله الأرض جعلت تميد، فخلق الجبال فألقاها عليها فاستقرت، فتعجبت الملائكة من خلق الجبال، فقالت: يارب؛ هل [¬٢] في خلقك شيء أشد من الجبال؟ قالا: نعم الحديد. قالت: يارب، فهل من خلقك شيء أشد من الحديد؟ قال: نعم النار. قالت: يارب؛ فهل من خلقك شيء أشد من النار؟ قال: نعم الماء. قالت: يارب؛ فهل من خلقك شيء أشد من الماء؟ قال: نعم، الريح. قالت: يارب، فهل من خلقك شيء أشد من\n_________\n(^١٦٤١) - رواه أحمد في السند (٤/ ١٥١) (١٧٤١٧)، وأَبو داود في الصلاة حديث (١٣٣٣). والتِّرمِذي في فضائل القرآن: حديث (٢٩١٩). والنسائي في كتاب قيام الليل وتطوع والنهار، باب: فضل السر على الجهر (٣/ ١٢٥) (٥/ ٨٠). وأخرجه الطبراني في الكبير (١٧/ ٣٣٤) حديث (٩٢٣)، (٩٢٤). من حديث عقبة بن عامر ﵁ وقال الترمذي: \"هذا حديث حسن غريب\".\n(^١٦٤٢) - صحيح البخاري برقم (١٤٢٣، ٦٦٠)، وصحيح مسلم برقم (١٠٣١).\n(^١٦٤٣) - المسند (٣/ ١٢٤).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في ز: \"فهل\".","vol":"2","page":473},{"text":"الريح؟ قال: نعم ابن آدم يتصدق بيمينه فيخفيها من شماله\".\nوقد ذكرنا في فضل آية الكرسي، عن أبي ذر قال: قلت: يا رسول الله؛ [أي الصدقة أفضل؟] [¬١] قال: \"سر إلى فقير أو جهد من مقل\" (^١٦٤٤). رواه أحمد.\nورواه ابن أبي حاتم من طريق علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة، عن أبي ذر، فذكره، وزاد: ثم نَزَع [¬٢] بهذه الآية ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيرٌ لَكُمْ﴾ الآية. وفي الحديث المروي: \"صدقة السر تطفيء غضب الرب ﷿\" (^١٦٤٥).\nوقال ابن أبي حاتم (^١٦٤٦): حدَّثنا أبي، حدَّثنا الحسن بن زياد المحاربي مؤدّن محارب أخبرنا موسى بن عمير، عن عامر الشعبي، في قوله: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيرٌ لَكُمْ﴾ قال: أنزلت في أبي بكر وعمر ﵄ أمّا عمر فجاء بنصف ماله حتَّى دفعه إلى النبي ﷺ، فقال له النبي ﷺ: \"ما خلفت وراءك لأهلك يا عمر؟ \". قال: خلفت لهم نصف مالي. وأمّا أَبو بكر فجاء بماله كله يكاد أن يخفيه من نفسه حتَّى دفعه إلى النبي ﷺ، فقال له النبي ﷺ: \"ما خلفت وواءك لأهلك يا أبا بكر؟ \". فقال: عدة الله وعدة رسوله. فبكى عمر ﵁ وقال: بأبي أنت وأمّي [¬٣]، يا أبا بكر، والله ما استبقنا إلى باب خير قط إلا كنت سابقًا (^١٦٤٧).\nوهذا الحديث مروي [¬٤] من وجه آخر عن عمر (^١٦٤٨) ﵁ وإنَّما أوردناه ها هنا لقول الشعبي: إن الآية نزلت في ذلك. ثم إن الآية عامَّة في أن إخفاء الصدقة أفضل، سواء كانت مفروضة أو مندوبة.\n_________\n(^١٦٤٤) - المسند (٥/ ١٧٨) (٢١٦٢٩). وأخرجه أيضًا البزار كما في كشف الأستار (١/ ٩٣، ٩٤ / رقم: ١٦٠). والطبراني في الأوسط كما في مجمع البحر\" (١/ ٢٦٨ - ٢٦٩ / رقم: ٣١٣).\nوذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ١٥٩، ١٦٠) وقال (رواه أحمد والبزار والطبراني في الأوسط بنحوه، وعند النَّسائي طرف منه، وفيه المسعودي وهو ثقة، ولكنه اختلط، وفي طريق الطبراني زيادة تأتي في باب: التاريخ\".\n(^١٦٤٥) - ورواه الطبراني في المعجم الكبير (٨/ ٢٦٩) من طريق خالد بن أبي يزيد، عن علي بن يزيد به.\n(^١٦٤٦) - رواه التِّرمِذي في السنن حديث (٢٣٨٦) من حديث أَنس ﵁ وروى عن جماعة من الصحابة.\n(^١٦٤٧) - ورواه الألباني في الترغيب والترهيب حديث (١٦٤٣) من طريق محمد بن الصباح عن موسى بن عمير عن الشعبي به.\n(^١٦٤٨) - رواه أَبو داود في السنن حديث (١٦٧٨)، والترمذي في السنن حديث (٣٦٧٥) من طريق هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عمر بن الخطاب ﵁ وقال الترمذي: \"هذا حديث حسن صحيح\".\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٢]- في خ: \"شرع\".\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- في ت: \"روي\".","vol":"2","page":474},{"text":"لكن روى ابن جرير، من طريق علي بن أبي طلحة، عن ابن عبَّاس، في تفسير هذه الآية قال: جعل الله صدقة السر في التطوع تفضل علانيتها، يقال [¬١]: بسبعين ضعفًا، وجعل صدقة الفريضة علانيتها أفضل من سرها يقال [¬٢]: بخمسة وعشرين ضعفًا.\nوقوله ﴿وَيُكَفِّرُ [¬٣] عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ أي: بدل الصدقات، ولا سيما إذا كانت سرًّا، يحصل لكم الخير في رفع الدرجات، ويكفر عنكم السيئات. وقد قرئ: (ويكفر عنكم) بالضم، وقرئ: [(ونكفر)] [¬٤] بالجزم، عطفًا على جواب الشرط (*)، وهو قوله: (فنعما هي) كقوله: (فأصدّق وأكون)، (وأكن).\nوقوله ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ أي: لا يخفى عليه من ذلك شيء وسيجزيكم عليه.\n﴿لَيسَ عَلَيكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إلا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيرٍ يُوَفَّ إِلَيكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (٢٧٢) لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٢٧٣)﴾\n_________\n(*) قرأ ابن عامر وعاصم - في رواية حفص -: \"ويكفرُ\" بالياء وبالرفع. وقرأ ابن كثير، وأَبو عمرو وعاصم -في رواية أبي بكر-: \"ونكفرُ بالنون والرفع أيضًا وقرأ نافع وجمزة والكسائي: \"ونكفرْ\" بالنون وجزم الراء.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"فقال\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"فقال\".\n[¬٣]- في ز: \"ونكفر\"، خ: \"وتكفر\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"2","page":475},{"text":"قال أَبو عبد الرحمن النسائي (^١٦٤٩): أخبرنا محمد بن [عبد الله] [¬١] بن عبد الرحيم، أخبرنا الفريابي، حدَّثنا سفيان، عن الأعمَش، عن جعفر بن إياس، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبَّاس قال: كانوا يكرهون أن يرضخوا (*) لأنسبائهم من المشركين، فسألوا فرخص لهم، فنزلت هذه الآية ﴿لَيسَ عَلَيكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إلا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيرٍ يُوَفَّ إِلَيكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾.\nوكذا رواه أَبو حذيفة، وابن المبارك، وأَبو أحمد الزبيري، وأَبو داود الحفري [¬٢] عن سفيان - وهو الثَّوري - به.\nوقال ابن أبي حاتم (^١٦٥٠): أخبرنا أحمد بن القاسم بن عطية، حدثني أحمد بن عبد الرحمن -يعني الدشتكي- حدثني أبي، عن أبيه، حدَّثنا الأشعث بن إسحاق، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبَّاس، عن النبي، ﷺ، أنَّه كان يأمر بأن لا يتصدق إلَّا على أهل الإِسلام، حتَّى نزلت هذه الآية ﴿لَيسَ عَلَيكَ هُدَاهُمْ﴾ إلى آخرها، فأمر بالصدقة بعدها على كل من سألك من كل دين. وسيأتي عند قوله تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ﴾ الآية، حديث أسماء بنت الصديق في ذلك.\nوقوله: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ﴾ كقوله: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ﴾ ونظائرها في القرآن كثيرة.\nوقوله: ﴿وَمَا تُنْفِقُونَ إلا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ﴾ قال الحسن البصري: نفقة المؤمن لنفسه، ولا ينفق المؤمن إذا أنفق إلَّا ابتغاء وجه الله.\nوقال عطاء الخراساني: يعني إذا أعطيت لوجه الله فلا عليك ما كان عمله. وهذا معنى حسن، وحاصله أن المتصدق إذا تصدق ابتغاء وجه الله فقد وقع أجره على الله، ولا عليه في نفس الأمر لمن أصاب ألِبَرٍّ أو فاجرٍ، أو مستحق أو غيره، وهو مثاب على قصده. ومستند هذا تمام الآية ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيرٍ يُوَفَّ إِلَيكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾ والحديث المخرّج في الصحيحين (^١٦٥١) من طريق أَبي الزناد، عن الأعرج، عن أَبي هريرة قال: قال\n_________\n(^١٦٤٩) - سنن النسائي الكبرى حديث (١١٠٥٢).\n(*) - رضخ له من ماله: أعطاه القليل منه.\n(^١٦٥٠) - وعزاه السيوطي في الدر المنثور (٢/ ٨٦) لابن مردويه والضياء المقدسي.\n(^١٦٥١) - صحيح البخاري، كتاب الزكاة، باب: إذا تصدق على غني وهو لا يعلم، حديث (١٤٢١) =\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"عبد السلام\".\n[¬٢]- سقط من: خ.","vol":"2","page":476},{"text":"رسول الله، ﷺ: \"قال رجل: لأتصدقن الليلة [¬١] بصدقة. فخرج بصدقه، فوضعها في يد زانية، فأصبح الناس يتحدثون: تُصُدِّقَ على زانية! فقال: اللَّهم، لك الحمد على زانية، لأتصدقن الليلة بصدقة [فخرج بصدقته]. فوضعها في يد غني، فأصبحوا يتحدثون: تُصُدِّقَ الليلة على غني. فقال [¬٢]: اللَّهم، لك الحمد على غني، لأتصدقنّ الليلة بصدقة، فخرج بصدقته [¬٣] فوضعها في يد سارق، فأصبحوا يتحدثون: تصدّق الليلة على سارق، فقال: اللَّهم، لك الحمد على زانية وعلى غني وعلى سارق. فأُتي، فقيل له: أمّا صدقتك فقد قُبِلَتْ، وأما الزانية فلعلها أن تستعف بها عن زناها، ولعل الغني يعتبر فينفق مما أعطاه الله، ولعل السارق أن [¬٤] يستعف بها عن سرقته\".\nوقوله: (﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ يعني: المهاجرين الذين قد انقطعوا إلى الله وإلى رسوله وسكنوا المدينة، وليس لهم [¬٥] سبب يردون به على أنفسهم ما يغنيهم و﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ﴾ يعني: سفرًا للتسبب في طلب المعاش. والضرب في الأرض هو السفر. [قال الله تعالى] [¬٦]: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيسَ عَلَيكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ و] [¬٧] قال [¬٨] [] [¬٩] تعالى [¬١٠]: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآية.\nوقوله: ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾ أي: الجاهل بأمرهم وحالهم يحسبهم أغنياء من تعففهم في لباسهم وحالهم ومقالهم.\nوفي هذا المعنى الحديث المتفق على صحته عن أبي هريرة (^١٦٥٢) قال: قال رسول الله ﵌: \"ليس المسكين بهذا الطوَّاف الذي ترده التمرة والتمرتان، [واللقمة واللقمتان] [¬١١] والأكلة والأكلتان، ولكن المسكين الذي لا يجد غنًى يغنيه، ولا يفطن له فيتصدق عليه، ولا يسأل الناس شيئًا\". وقد رواه أحمد من حديث ابن مسعود أيضًا (^١٦٥٣).\n_________\n= وصحيح مسلم، كتاب الزكاة، حديث (١٠٢٢).\n(^١٦٥٢) - صحيح البخاري، كتاب تفسير القرآن (٤٥٣٩)، وصحيح مسلم، كتاب الزكاة (١٠٣٩).\n(^١٦٥٣) - المسند (١/ ٣٨٤) (٢٦٢٩، ٤٣٨٤).\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- سقط من خ.\n[¬٣]- سقط من ت.\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- سقط من: خ.\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٨]- سقط من: خ.\n[¬٩]- ما بين المعكوفتين في ز: \"الله\".\n[¬١٠]- سقط من: خ.\n[¬١١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.","vol":"2","page":477},{"text":"وقوله: ﴿تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾ أي: بما يظهر لذوي الألباب من صفاتهم، كما قال تعالى: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ﴾ وقال تعالى: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ وفي الحديث الذي في السنن (^١٦٥٤): \" اتقوا فراسة المؤمن؛ فإنه ينظر نور الله\" ثم قرأ: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾.\nوقوله: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ أي: لا يلحون في المسألة [¬١]، ويكلفون الناس ما لا بحتاجون إليه، فإن من سأل وله ما يغنيه عن السؤال [¬٢] فقد ألحف في المسألة. قال البخاري (^١٦٥٥): حدَّثنا ابن أبي مريم، حدَّثنا محمد بن جعفر، حدَّثنا شريك بن أبي نمر، أن عطاء بن يسار، وعبد الرحمن بن أبي عمرة الأنصاري قالا: سمعنا أبا هريرة بقول: قال رسول الله ﷺ: \"ليس المسكين الذي ترده التمرة والتمرتان، ولا اللقمة واللقمتان، إنما المسكين الذي يتعفف، اقرءوا إن شئتم -يعني قوله: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾.\nوقد رواه مسلم (^١٦٥٦)، من حديث إسماعيل بن جعفر المديني [¬٣] عن شريك بن عبد الله بن أبي نمر، عن عطاء بن يسار - وحده - عن أبي هريرة به.\nوقال أَبو عبد الرحمن النَّسائي (^١٦٥٧): أخبرنا علي بن حُجر، حدَّثنا إسماعيل، أخبرنا شريك - وهو ابن أبي نمر - عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: \"ليس المسكين الذي ترده التمرة والتمرتان، واللقمة واللقمتان، إنما [¬٤] المسكين المتعفف، اقرءوا إن شئتم ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾.\nوروى البخاري (^١٦٥٨) من حديث شعبة، عن محمد بن [] [¬٥] زياد، عن أبي هريرة، عن\n_________\n(^١٦٥٤) - رواه التِّرمِذي في كتاب تفسير القرآن، باب: ومن سورة الحجر، حديث (٣١٢٧) من طريق عمرو بن قيس، عن عطية، عن أبي سعيد ﵁ به مرفوعًا. وأخرجه البخاري في التاريخ، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن السني، وأَبو نعيم، وابن مردويه، والخطيب. وقال التِّرمِذي: \"هذا حديث غريب إنما نعرفه من هذا الوجه\". وإسناده ضعيف جدًّا لضعف عطية العوفي. وأخرجه الحكيم التِّرمِذي والطبراني وابن عدي، عن أبي أمامة. وأخرجه ابن جرير عن ابن عمر، وعن ثوبان.\n(^١٦٥٥) - صحيح البخاري، كتاب تفسير القرآن حديث (٤٥٣٩).\n(^١٦٥٦) - صحيح مسلم، كتاب الزكاة، حديث (١٠٣٩).\n(^١٦٥٧) - سنن النَّسائي الكبرى حديث (١١٠٥٣).\n(^١٦٥٨) - صحيح البخاري، كتاب الزكاة حديث (١٤٧٦).\n_________\n[¬١]- في ت: \"السؤال\".\n[¬٢]- في ت: \"المسألة\".\n[¬٣]- في ز: \"الذي\".\n[¬٤]- في ز: \"إن\".\n[¬٥]- في خ: \"أبي\" وهي زيادة مقحمة.","vol":"2","page":478},{"text":"النبي ﵌ نحوه.\nوقال ابن أبي حاتم: أخبرنا يونس بن [¬١] عبد الأعلى، أخبرنا ابن وَهْب، أخبرني ابن أبي ذئب، عن أبي الوليد، عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: \"ليس المسكين بالطواف عليكم فتطعمونه لقمة لقمة، إنما المسكين المتعفف الذي لا يسأل الناس إلحافًا\".\nوقال ابن جرير: حدثني معتمر، عن الحسن بن مالك [¬٢] عن صالح بن سويد، عن أبي هريرة قال: ليس المسكين بالطواف [¬٣] الذي ترده الأكلة والأكلتان، ولكن المسكين المتعفف في بيته، لا يسأل الناس شيئًا، تصيبه الحاجة، اقرءوا إن شئتم ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا [¬٤]﴾.\nوقال الإِمام أحمد أيضًا [¬٥] (^١٦٥٩): حدَّثنا أَبو بكر الحنفي، حدَّثنا عبد الحميد بن جعفر، عن أبيه، عن رجل من مزينة، أنَّه قالت له أمّه: ألا تنطقُ فتسألَ رسول الله ﷺ كما يسأله الناس؟ فانطلقت أسأله، فوجدته قائمًا يخطب وهو يقول: \"من استعف أعفه الله، ومن استغنى أغناه الله، ومن سأل [¬٦] الناس وله عدل خمس أواقٍ فقد سأل الناس إلحافًا\". فقلت بيني وبين نفسي: - لناقة [له] (*) لهي [¬٧] خير من خمس أواقٍ، ولغلامه ناقة أخرى فهي خير من خمس أواقٍ، فرجعت ولم أسأل.\nوقال الإِمام أحمد (^١٦٦٠): حدَّثنا قتيبة، حدَّثنا عبد الرحمن بن أبي الرجال، عن عمارة بن غَزِيَّة [¬٨]، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد، عن أبيه قال: سرحتني أمي [إلى رسول الله] [¬٩] ﷺ، أسأله، فأتيته فقعدت، قال: فاستقبلني فقال: \"من استغنى أغناه الله، [ومن استعف أعفه الله] [¬١٠]، ومن استكف كفاه الله، ومن سأل وله قيمة أوقية\n_________\n(^١٦٥٩) - المسند (٤/ ١٣٨) (١٧٢٨٦). أخرجه النَّسائي (٥/ ١٩٨). والدارقطني (٢/ ١١٨). والطحاوي في شرح معاني الآثار (١٦١٢)، (٤/ ٣٧٢). وصححه الشيخ الألباني في صحيح الجامع (٥٨٩٨). وعزاه لسلسلته الصحيحة (٢٣٤١).\n(^١٦٦٠) - المسند (٣/ ٩) (١١٠٧٤)، ورواه أحمد (١١٠٥٨) وعمارة بن غزية وثقة أحمد وأَبو زرعة والدارقطني والعجلي وابن سعد. وقال يحيى بن معين: صالح، وقال أبو حاتم: ما بحديثه بأس، كان صدوقًا. وقال النَّسائي: ليس به بأس [انظر تهذيب الكمال (٢١، ٢٥٨) ت (٤١٩٥). وقال =\n_________\n[¬١]- في ز: \"عن\".\n[¬٢]- في ز: \"ماتك\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"الطواف\".\n[¬٤]- في ز، خ: \"شيئًا\".\n[¬٥]- سقط من: ز.\n[¬٦]- في ت: \"يسأل\".\n[¬٧]- في خ: \"لي\".\n[¬٨]- في ز، خ: \"عرفة\".\n[¬٩]- سقط من: خ.\n[¬١٠]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"2","page":479},{"text":"فقد ألحف\". قال: فقلت: ناقتي الياقوتة خير من أوقية. فرجعت. ولم أسأله.\nوهكذا رواه أَبو داود والنَّسائي، كلاهما عن قتيبة - زاد أَبو داود: وهشام بن عمار - كلاهما عن عبد الرحمن بن أبي الرجال بإسناده نحوه.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدَّثنا أَبو الجماهر، حدثنا عبد الرحمن بن أبي الرجال، عن عمارة بن غزِيَّة [¬١]، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد، قال: [قال أَبو سعيد الخدري] [¬٢]: قال\n_________\n= الحافظ في التقريب التقريب ت (٤٨٥٨): لا بأس به. وأما عبد الرحمن بن أبي الرجال: فوثقه يحيى بن معين وأحمد بن حنبل، وقال أَبو حاتم: صالح، وقال أَبو داود: لا بأس له. وقال الحافظ في التقريب (٣٨٥٨): صدوق ربما أخطأ. والحديث أخرجه أَبو داود -كتاب الزكاة -باب مَن يعطى من الصدقة؟؟ وحد الغنى (١٦٢٨). والنَّسائي -كتاب الزكاة -باب \"من الملحف\" - (٥/ ٩٨).\nوابن خزيمة في صحيحه (٢٤٤٧) (٤/ ١٠٠). والبيهقي في \"السنن\" -كتاب الصدقات -باب لا وقت فيما يعطى الفقراء والمساكين - (٧/ ٢٤) وابن حبان في صحيحه (٣٣٩٠) (٨/ ١٨٤ - ١٨٥).\nويأتي أيضًا - (١١٠٧٤، ١١٠٧٥) - (٣/ ٩). كلهم من طريق عبد الرحمن بن أبي الرجال به مطولًا ومختصرًا.\nوللحديث شاهد.\nأخرجه مالك في الموطأ -كتاب الصدقة -باب ما جاء في التعفف عن المسألة ص ٧٦٣، ومن طريقه أَبو داود -كتاب الزكاة- باب من يعطى من الصدقة؟ وحد الغنى (١٦٢٧) (٢/ ١١٦)، والنَّسائي - كتاب الزكاة - إذا لم يكن له دراهم وكان له عدلها - (٥/ ٩٨ - ٩٩). من طريق زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن رجل من بني أسد -فذكر الحدكث وفيه قصة. وقال النبي ﷺ \"من سأل منكم وله أوقية أو عدلها فقد سأل إلحافًا\". وإسناده صحيح، وجهالة الصحابي لا تضر كما هو معلوم. وتابع مالكًا سفيانُ الثَّوري عند أحمد مختصرًا جدًّا (٤/ ٣٦، ٥/ ٤٣٠).\nوله طريق أخرى عند أحمد (٤/ ١٣٨) عن عبد الحميد بن جعفر عن أبيه عن رجل من مزينة فذكره وفيه: \"من سأل الناس وله عدل خمس أواق … قال الشيخ الألباني في الصحيحة (٤/ ٢٩٧): هذا إسناد صحيح على ضعف يسير في عبد الحميد ولعله أخطأ في قوله \"عدل خمس أواق\"، ويبدو أن هذا الرجل المزني هو أَبو سعيد الخدري. ا هـ\nوفي الباب أيضًا حديث عبد الله بن عمرو بإسناد حسن.\nعند النَّسائي (٥/ ٩٨)، وابن خزيمة في صحيحه (٢٤٤٨) (٤/ ١٠١) والبيهقي في الكبرى (٧/ ٢٤) وعزاه الحافظ في الفتح (٨/ ٢٠٣) إلى أحمد.\nوعند الطبراني في الكبير (١٦٣٠) (٢/ ١٥٠)، وأبي نعيم في الحلية (١/ ١٦١). من طريق محمد بن سيرين.\n\"بلغ الحارث رجل من الشام من قريش أن أبا ذر كان به عوز فبعث إليه ثلاث مائة دينار؛ فقال: ما وجد عبدًا لله هو أهون عليه مني، سمعت رسول الله ﷺ يقول فذكره وهذا إسناد جيد مرسل؛ لأن ابن سيرين لم يلق أبا ذر كما قال أَبو حاتم.\n_________\n[¬١]- في ز: \"غرنه\"، خ: \"عرفة\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.","vol":"2","page":480},{"text":"رسول الله، ﷺ: \"من سأل وله قيمة وقية فهو ملحف\".\nوالوقية أربعون درهمًا.\nوقال أحمد (^١٦٦١): حدثنا وكيع، حدثنا سفيان، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن رجل من بني أسد قال: قال رسول الله ﷺ: \"من سأل وله أوقية أو عدلها، فقد سأل إلحافًا\".\nوقال الإِمام أحمد (^١٦٦٢) أيضًا [¬١]: حدثنا وكيع، حدثنا سفيان، عن حكيم بن جبير، عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد، عن أبيه، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله، ﷺ: \"من سأل وله ما يغنيه جاءت مسألته يوم القيامة خدوشًا، أو كدوحًا في وجهه\". قالوا: يا رسول الله؛ وما غناه؟ قال: \"خمسون درهمًا أو حسابها من الذهب\".\nوقد رواه أهل السنن الأربعة من حديث حكيم بن جبير الأسدي الكوفي.\nوقد تركه شعبة بن الحجاج، وضعفه غير واحد من الأئمة من جراء [¬٢] هذا الحديث.\nوقال الحافظ أبو القاسم الطبراني (^١٦٦٣): حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي، حدثنا أبو حصين عبد الله بن أحمد بن يونس، حدثني أبي، حدثنا أبو بكر بن عياش، عن هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين قال: بلغ الحارث -رجلًا كان بالشام من قريش- أن أبا ذر كان به عَوز، فبعث إليه ثلاثمائة دينار، فقال: ما وجد عبدًا لله [] [¬٣] هو أهون عليه مني، سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"من سأل وله أربعون فقد ألحف\". ولآل أبي ذر أربعون درهمًا، وأربعون شاة، وماهنان. قال أبو بكر [بن عياش] [¬٤]: يعني خادمين.\nوقال ابن مردويه: حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، أخبرنا إبراهيم بن محمد، أنبأنا عبد الجبار، أخبرنا سفيان، عن داود بن سابور، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن\n_________\n(^١٦٦١) - المسند (٤/ ٣٦).\n(^١٦٦٢) - المسند (١/ ٣٨٨)، وسنن أبي داود حديث (١٦٢٦)، وسنن الترمذي حديث (٦٥٠)، وسنن النسائي (٥/ ٩٧)، وسنن ابن ماجة حديث (١٨٤٠).\n(^١٦٦٣) - المعجم الكبير (٢/ ١٥٠)، وقال الهيثمي في المجمع (٩/ ٣٣٩): \"رجاله رجال الصحيح غير عبد الله بن أحمد بن عبد الله بن يونس وهو ثقة\".\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- في خ: \"جري\".\n[¬٣]- في ز: رجلًا.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.","vol":"2","page":481},{"text":"النبي ﷺ قال: \"من سأل وله أربعون درهمًا فهو ملحف، وهو مثل سف الملة\". يعني: الرمل.\nورواه النسائي (^١٦٦٤)، عن أحمد بن سليمان، عن يحيى بن آدم، عن سفيان -وهو ابن عيينة- بإسناده نحوه.\nو[¬١] قوله: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ أي: لا يخفي عليه شيء منه، وسيجزي عليه أوفر الجزاء وأتمه يوم القيامة، أحوج ما يكونون إليه.\nوقوله: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالهُمْ بِاللَّيلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ هذا مدح منه تعالى للمنفقين في سبيله، وابتغاء مرضاته، في جميع الأوقات من ليل أو نهار، والأحوال من سرٍّ أو [¬٢] جهار، حتى إن النفقة على الأهل تدخل في ذلك أيضًا، كما ثبت في \"الصحيحين\" (^١٦٦٥) أَنَّ رسول الله ﷺ قال لسعد بن أبي وقاص حين عاده مريضًا عام الفتح -وفي رواية عام حجة الوداع-: \"وإنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا ازددت بها [¬٣] درجة ورفعة، حتى ما تجعل في فيّ امرأتك\".\nوقال الإِمام أحمد (^١٦٦٦): حدَّثنا محمد بن جعفر، وبهز، قالا: حدَّثنا شعبة، عن عدي بن ثابت، قال: سمعت عبد الله بن يزيد الأنصاري، يحدث عن أبي مسعود ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: \"إن المسلم إذا أنفق على أهله نفقة يحتسبها كانت له صدقة\". أخرجاه من [¬٤] حديث شعبة به.\nوقال ابن أبي حاتم (^١٦٦٧): حدَّثنا أبو زرعة، حدَّثنا سليمان بن عبد الرحمن، حدَّثنا محمد بن شعيب، قال: سمعت سعيد بن يسار، عن يزيد بن عبد الله بن عريب المليكي، عن أبيه، عن جدّه، عن النبي ﷺ قال: \"نزلت هذه الآية\n_________\n(^١٦٦٤) - سنن النسائي الكبرى حديث (٢٣٧٥). وفي الزكاة من الصغرى (٢٥٩٤).\n(^١٦٦٥) - صحيح البخاري، كتاب الإيمان (٥٦)، وفي الجنائز (١٣٩٦)، وفي المغازي، باب: حجة الوداع (٤٤٠٩)، وانظر (٣٩٣٦، ٥٣٥٤، ٦٣٧٣)، وصحيح مسلم، كتاب الوصية (١٦٢٨).\n(^١٦٦٦) - المسند (٤/ ١٢٢)، وصحيح البخاري، كتاب الإيمان (٥٥)، وصحيح مسلم، كتاب الزكاة حديث (١٠٠٢).\n(^١٦٦٧) - ورواه أبو الشيخ في العظمة حديث (١٢٨٣) من طريق سليمان بن عبد الرحمن به، وفي إسناده سعيد بن سنان متروك.\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- في ز: \"و\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"به\".\n[¬٤]- في ز: \"في\".","vol":"2","page":482},{"text":"﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالهُمْ بِاللَّيلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ في أصحاب الخيل\".\nوقال حنش [¬١] الصنعاني، عن ابن عباس في هذه الآية، قال: هم الذين يعلفون الخيل في سبيل الله.\nرواه ابن أبي حاتم ثم قال: وكذا روي عن أبي أمامة وسعيد بن المسيب ومكحول.\nوقال ابن أبي حاتم: حدَّثنا أبو سعيد الأشج، أخبرنا يحيى بن يمان، عن عبد الوهاب بن مجاهد بن جبر [¬٢]، عن أبيه، قال: كان لعلي أربعة دراهم، فأنفق درهمًا ليلًا، ودرهمًا نهارًا، ودرهمًا سرًّا، ودرهمًا علانية.\nفنزلت: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالهُمْ بِاللَّيلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً﴾.\nوكذا رواه ابن جرير من طريق عبد الوهاب بن مجاهد، وهو ضعيف، لكن رواه ابن مردويه من وجه آخر، عن ابن عباس، أنها نزلت في علي بن أبي طالب.\nوقوله: ﴿فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ أي: يوم القيامة، علي ما فعلوا من الإِنفاق في الطاعات ﴿وَلَا خَوْفٌ عَلَيهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ تقدم تفسيره.\n﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إلا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٧٥)﴾\nلما ذكر تعالى الأبرار المؤدّين النفقات، المخرجين الزكوات، المتفضلين بالبر والصلات [¬٣] لذوي الحاجات والقرابات، في جميع الأحوال والأنات [¬٤]، شرع في ذكر أكلة الربا، وأموال الناس بالباطل، وأنواع الشبهات، فأخبر عنهم يوم خروجهم من قبورهم، وقيامهم منها إلى بعثهم، ونشورهم، فقال: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إلا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ أي: لا يقومون من قبورهم يوم القيامة إلا كما يقوم المصروع حال صرعه، وتخبط\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"حبش\".\n[¬٢]- في خ: \"جبير\".\n[¬٣]- في ت: \"الصدقات\".\n[¬٤]- في ت: \"الآوقات\".","vol":"2","page":483},{"text":"الشيطان له، وذلك أنه يقوم قيامًا منكرًا، قال ابن عباس: آكل الربا يبعث يوم القيامة مجنونًا يخنق.\nرواه ابن أبي حاتم. قال: وروي عن عوف بن مالك، وسعيد بن جبير، والسدي، والربيع بن أنس، وقتادة [¬١]، ومقاتل بن حيان نحو ذلك.\nوحكي عن عبد الله بن عباس، وعكرمة، وسعيد بن جبير، والحسن، وقتادة، ومقاتل بن حيان أنهم قالوا في قوله: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إلا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ يعني: لا يقومون يوم القيامة. وكذا قال ابن أبي نجيح عن مجاهد والضحاك، وابن زيد.\nوروى ابن أبي حاتم من حديث أبي بكر بن أبي مريم عن ضمرة بن حنيف عن ابن عبد الله بن مسعود، عن أبيه، أنه كان يقرأ: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إلا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ يوم القيامة.\nوقال ابن جرير: حدّثني المثنى، حدَّثنا مسلم بن إبراهيم، حدَّثنا ربيعة بن كلثوم، حدَّثنا أبي، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: يقال يوم القيامة لآكل الربا: خذ سلاحك للحرب، وقرأ ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إلا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾.\nقال [¬٢]: وذلك حين يقوم من قبره.\nوفي حديث أبي سعيد في الإِسراء، كما هو مذكور في سورة \"سبحان\" أنه، ﵇، مر ليلتئذ بقوم لهم أجواف مثل البيوت، فسأل عنهم فقيل: هؤلاء أكلة الربا. رواه البيهقي مطولًا.\nوقال ابن ماجة (^١٦٦٨): حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا الحسن بن موسى، عن حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن أبي الصلت، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: \"أتيت ليلة أسري بي علي قوم بطونهم كالبيوت، فيها الحيات ترى من خارج بطونهم، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء أكلة الربا\".\n_________\n(^١٦٦٨) - سنن ابن ماجة حديث (٢٢٧٣)، والمسند (٢/ ٣٥٣). وإسناده ضعيف؛ علي بن زيد هو ابن جدعان: ضعفوه، وأبو الصلت: مجهول.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- سقط من: ز.","vol":"2","page":484},{"text":"ورواه الإِمام أحمد، عن حسن وعفان، كلاهما عن حماد بن سلمة له، و[¬١] في إسناده ضعف.\nوقد روي البخاري عن سمرة بن جندب (^١٦٦٩) - في حديث المنام الطويل-: \"فأتينا على نهر- حسبت أنه كان يقول: أحمر مثل الدم- وإذا في النهر رجل سابح يسبح، وإذا على شط النهر رجل قد جمع عنده حجارة كثيرة، وإذا ذلك السابح يسبح [ما يسبح] [¬٢] ثم يأتي ذلك الذي قد جمع الحجارة عنده، فيغفر له فاه، فليقمه [¬٣] حجرًا. وذكر في تفسيره أنه آكل الربا.\nوقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ أي: إنما جوزوا بذلك لاعتراضهم علي أحكام الله في شرعه. وليس [¬٤] هذا قياسًا [¬٥] منهم للربا على البيع، لأن المشركين [¬٦] لا يعترفون بمشروعية أصل البيع الذي شرعه الله في القرآن، ولو كان هذا من باب القياس لقالوا: إنما الربا مثل البيع. وإنما قالوا: ﴿إِنَّمَا الْبَيعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾ أي: هو نظيره، فلمَ حُرّم هذا وأبيح هذا؟ وهذا اعتراض منهم علي الشرع، أي: هذا مثل هذا، وقد أحل هذا وحرم هذا.\nو[قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾] [¬٧] يحتمل أن يكون من [تمام الكلام] [¬٨] ردا عليهم، أي: على ما قالوه [¬٩] من الاعتراض، مع علمهم بتفريق الله بين هذا وهذا حُكمًا، وهو العليم الحكيم، الذي لا معقب لحكمه، ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون، وهو العالم بحقائق الأمور ومصالحها، وما ينفع عباده فيبيحه لهم، وما يضرهم فينهاهم محنه، وهو أرحم بهم من الوالدة بولدها الطفل؛ ولهذا قال: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ أي: من بلغه نهي الله عن الربا، فانتهى حال وصول الشرع إليه، فله ما سلف من المعاملة؛ لقوله: ﴿عَفَا الله عَمَّا سَلَفَ﴾ وكما قال النبي ﷺ يوم فتح مكة: \"وكل ربا في الجاهلية موضوع تحت قدمي هاتين، وأول ربا أضع ربا العباس\" (^١٦٧٠). ولم يأمرهم برد الزيادات المأخوذة في حال\n_________\n(^١٦٦٩) - صحيح البخاري، كتاب التعبير، باب: تعبير الرؤيا بعد صلاة الصبح، حديث (٧٠٤٧).\n(^١٦٧٠) - رواه مسلم في الحج (١٢١٨)، وأبو داود في المناسك (١٩٠٥)، وابن ماجه (٣٠٧٤). =\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في ز: \"فألقمه\"، سقط من: خ.\n[¬٤]- في ز: \"ولبس\".\n[¬٥]- في خ: \"قياس\".\n[¬٦]- في خ: \"المشركون\".\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٨]- في ز وخ: \"كلام\".\n[¬٩]- في ز، خ: \"قالوا\".","vol":"2","page":485},{"text":"الجاهلية، بل عفا عما سلف، كما قال تعالى: ﴿فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَي اللَّهِ﴾.\nقال سعيد بن جبير والسدّي: (فله ما سلف) أي [¬١]: ما كان أكل من الربا قبل التحريم.\nوقال ابن أبي حاتم: قُرئ على محمد بن عبد الله بن عبد المحكم، أخبرنا ابن وهب، أخبرني جرير بن حازم، عن أبي إسحاق الهمداني، عن أم يونس -يعني امرأته العالية بنت أيفع: أن عائشة زوج النبي ﷺ قالت لها أم محبة -أم ولد لزيد بن أرقم-: يا أم المؤمنين، أتعرفين زيد بن أرقم؟ قالت: نعم. قالت: فإني بعته عبدًا إلي العطاء بثمانمائة، فاحتاج إلى ثمنه فاشتريته قبل محل الأجل بستمائة. فقالت: بئس ما شريت، وبئس ما اشتريت، أبلغي زيدًا أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله ﷺ إن لم يتب. قالت: فقلت: أرأيتِ إن تركتُ المائتين وأخذت الستمائة؟ قالت: نعم ﴿فَمَنْ [¬٢] جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَي فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾.\nوهذا الأثر مشهور، وهو دليل لمن حرم مسألة العِينة؛ مع ما جاء فيها من الأحاديث المذكورة [¬٣] المقرّرة في كتاب الأحكام، ولله الحمد والمنة.\nثم قال تعالى: ﴿وَمَنْ عَادَ﴾ أي: إلى الربا، ففعله بعد بلوغه نهي الله له [¬٤] عنه، فقد استوجب العقوبة، وقامت عليه الحجة؛ ولهذا قال: ﴿فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.\nوقد قال أبو داود (^١٦٧١): حدثنا يحيى بن معين، أخبرنا عبد الله بن رجاء المكي، عن عبد الله بن عثمان بن خُثَيم [¬٥]، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: لما نزلت ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إلا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ قال رسول الله ﷺ: \"من لم يذر [¬٦] المخابرة، فليؤذن بحرب من الله ورسوله\".\nورواه الحاكم في \"مستدركه\" (^١٦٧٢) من حديث ابن [¬٧] خُثَيم [¬٨]، وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه [¬٩].\n_________\n= وهو قطعة من حديث جابر الطويل في صفة حجة النبي ﷺ.\n(^١٦٧١) - سنن أبي داود، كتاب البيوع، باب: في المخابرة حديث (٣٤٠٦).\n(^١٦٧٢) - المستدرك (٢/ ٢٨٦).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"فله\".\n[¬٢]- في خ: \"من\".\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- سقط من: خ.\n[¬٥]- في خ: \"خيثم\".\n[¬٦]- في ز: \"يدري\"، خ: \"يذري\".\n[¬٧]- في خ: \"أبي\".\n[¬٨]- في خ: \"خيثم\".\n[¬٩]- في ز، خ: \"يخرجه\".","vol":"2","page":486},{"text":"وإنما حرمت المخابرة: وهي المزارعة ببعض [¬١] ما يخرج من الأرض، والمزابنة: وهي اشتراء الرطب في رءوس النخل بالتمر علي وجه الأرض؛ والمحاقلة: وهي اشتراء الحب في سنبله في الحقل، بالحب علي وجه الأرض- إنما حرمت هذه [¬٢] الأشياء وما شاكلها [حسمًا لمادة الربا] [¬٣]، لأنه لا يعلم التساوي بين الشيئين قبل الجفاف؛ ولهذا قال الفقهاء: الجهل بالمماثلة كحقيقة المفاضلة، ومن هذا حرّموا أشياء بما فهموه [¬٤] من تضييق المسالك المفضية إلى الربا، والوسائل الموصلة إليه، وتفاوت نظرهم بحسب ما وهب الله لكل منهم من العلم. وقد قال تعالى: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾.\nوباب الربا من أشكل الأبواب على كثير من أهل العلم. وقد قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁: ثلاث وددت أن رسول الله، ﷺ، عهد إلينا فيهن عهدًا ننتهي إليه: الجد [¬٥]، والكلالة، وأبواب من أبواب الربا (^١٦٧٣) - يعني بذلك بعض المسائل التي فيها شائبة الربا.\nوالشريعة شاهدة بأن كل حرام فالوسيلة إليه مثله؛ لأن ما أفضي إِلى الحرام حرام، كما أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.\nوقد ثبت في \"الصحيحين\" (^١٦٧٤) عن النعمان بن بشير قال: سمعت رسول الله، ﷺ، يفول: \"إن الحلال بين، وإن الحرام بين، وبين ذلك أمور مشتبهات، فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى، يوشك أن يرتع فيه\".\nوفي \"السنن\" (^١٦٧٥)، عن الحسن بن علي ﵄ قال: سمعت رسول الله، ﷺ، يقول: \"دع ما يريبك إلى ما لا يريبك\".\nوفي الحديث الآخر: \"الإِثم ما حاك في القلب، وتردّدت فيه النفس، وكرهت أن يطلع عليه الناس\" (^١٦٧٦). وفي رواية: \"استفت قلبك، وإن أفتاك الناس وأفتوك\".\n_________\n(^١٦٧٣) - رواه البخاري في كتاب الأشربة حديث (٥٥٨٨)، ومسلم في التفسير حديث (٣٠٣٢).\n(^١٦٧٤) - صحيح البخاري، كتاب الإيمان حديث (٥٢)، وصحيح مسلم، كتاب المساقاة حديث (١٥٩٩).\n(^١٦٧٥) - سنن الترمذي، كتاب صفة القيامة، حديث (٢٥١٨)، وسنن النسائي في الأشربة (٨/ ٣٢٧).\n(^١٦٧٦) - رواه أحمد في المسند (٤/ ٢٢٨) من طريق الزبير بن عبد السلام، عن أيوب، عن وابصة ﵁.\n_________\n[¬١]- مكررة في ز.\n[¬٢]- في خ: \"هذه الآية\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين بياض في ز، خ.\n[¬٤]- في ت: \"فهموا\".\n[¬٥]- في خ: \"الحد\".","vol":"2","page":487},{"text":"وقال الثوري، عن عاصم، عن الشعبي، عن ابن عباس قال: آخر ما نزل على رسول الله، ﷺ آية الربا. رواه البخاري [¬١]، عن قبيصة، عنه (^١٦٧٧).\nوقال أحمد (^١٦٧٨): حدثنا [¬٢] يحيى، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، أن عمر قال: من آخر ما نزل آية الربا، وإن رسول الله، ﷺ، قُبض قبل أن يفسرها لنا، فدعوا الربا والريبة.\nرواه [¬٣] ابن ماجة، وابن مردويه.\nوروى ابن مردويه من طريق هياج بن بسطام، عن داود بن أبي هند، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري، قال: خطبنا عمر بن الخطاب ﵁ فقال: إني لعلي أنهاكم عن أشياء تصلح لكم، وآمركم بأشياء لا تصلح لكم، وإن من [¬٤] آخر القرآن نزولًا آية الربا، وإنه قد مات رسول الله ﷺ ولم يبينه لنا، فدعوا ما يريبكم إلى ما لا يريبكم.\nوقد قال ابن ماجه (^١٦٧٩): حدَّثنا عمرو بن علي الصيرفي، حدَّثنا ابن أبي عدي، عن شعبة، عن زبيد [¬٥]، عن إبراهيم، عن مسروق، عن عبد الله -هو ابن مسعود- عن النبي، ﷺ، قال: \"الربا ثلاثة وسبعون بابًا\".\nورواه الحاكم في مستدركه (^١٦٨٠)، من حديث عمرو بن علي الفلاس، بإسناد مثله. وزاد: \"أيسرها أن ينكح الرجل أمه، وإن أربى الربا عرض الرجل المسلم\". وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.\n_________\n(^١٦٧٧) - صحيح البخاري، كتاب التفسير حديث (٤٥٤٤).\n(^١٦٧٨) - المسند (١/ ٣٦)، وسنن ابن ماجة، كتاب التجارات، باب: التغليظ في الربا، حديث (٢٢٧٦)، وقال البوصيري في الزوائد (٢/ ١٩٨): \"هذا إسناد صحيح ورجاله موثقون؛ إلا أن سعيدًا وهو ابن أبي عروبة اختلط بآخره\".\n(^١٦٧٩) - سنن ابن ماجة كتاب التجارات، باب: التغليظ في الربا (٢٢٧٥)، وقال البوصيري في الزوائد (٢/ ١٩٨): \"هذا إسناد صحيح، وابن أبي عدي: هو محمد بن إبراهيم، وهو ثقة، وقد انفرد برواية هذا الحديث عن شعبة\".\n(^١٦٨٠) - المستدرك (٢/ ٣٧).\n_________\n[¬١]- مكانها بياض في ز، خ.\n[¬٢] في ت: عن.\n[¬٣]- في ز، خ: وقال:\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- في خ: \"زيد\".","vol":"2","page":488},{"text":"وقال ابن ماجة (^١٦٨١): حدثنا عبد الله بن سعيد، حدَّثنا عبد الله بن إدريس، عن أبي معشر، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله، ﷺ: \"الربا سبعون حُوبًا [¬١]، أيسرها أن ينكح الرجل أمه\".\nوقال الإِمام أحمد (^١٦٨٢): حدَّثنا هشيم، عن عباد بن راشد، عن سعيد بن أبي خيرة، حدثنا الحسن -منذ نحوٍ من أربعين أو خمسين سنة- عن أبي هريرة، أن رسول الله، ﷺ، قال: \"يأتي على الناس زمان يأكلون فيه الربا\". قال: قيل له: الناس كلهم؟ قال: \"من لم يأكله منهم ناله من غباره [¬٢] \". وكدا رواه أبو داود، والنسائي وابن ماجة من غير وجه عن سعيد بن أبي خيرة، عن الحسن به.\nومن هذا القبيل: [وهو] [¬٣] تحريم [¬٤] الوسائل المفضية إلى المحرمات- الحديث الذي رواه الإِمام أحمد (^١٦٨٣)، حدَّثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن مسلم بن صبيح، عن مسروق، عن عائشة قالت: لما نزلت الآيات من آخر سورة [¬٥] البقرة في الربا خرج رسول الله ﷺ إلى المسجد فقرأهنّ، فحرم التجارة في الخمر.\nوقد أخرجه الجماعة -سوى الترمذي- من طرق، عن الأعمش به. [وهكذا لفظ رواية البخاري عند تفسير هذه الآية: فحرم التجارة] [¬٦].\nوفي لفظ له عن عائشة قالت: لما نزلت الآيات من آخر سورة البقرة في الربا قرأها رسول الله، ﷺ، علي الناس، ثم حرم التجارة في الخمر.\nقال بعض من تكلم على هذا الحديث من الأئمة: لما حرم الربا ووسائله؛ حرم الخمر وما\n_________\n(^١٦٨١) - سنن ابن ماجة، كتاب التجارات، باب: التغليظ في الربا حديث (٢٢٧٤)، وقال البوصيري في الزوائد (٢/ ١٩٧): \"هذا إسناد ضعيف، أبو معشر هو نجيح بن عبد الرحمن متفق على تضعيفه، والمتن ذكره ابن الجوزي في الموضوعات، من حديث أبي هريرة أيضًا، ورواه ابن أبي الدنيا عن عبد الله بن سعيد -وهو واهٍ- عن أبيه، عن أبي هريرة به\".\n(*) أي سبعون ضربًا من الإثم.\n(^١٦٨٢) - المسند (٢/ ٤٩٤)، وسنن أبي داود، كتاب البيوع حديث (٣٣٣١)، وسنن النسائي (٧/ ٢٤٣) (٤٤٥٥)، وسنن ابن ماجة، كتاب التجارات، باب: التغليظ في الربا حديث (٢٢٧٨).\n(^١٦٨٣) - المسند (٦/ ٤٦)، وصحيح البخاري، كتاب التفسير حديث (٤٥٤٠، ٤٥٤١)، وصحيح مسلم، كتاب المساقاة حديث (١٥٨٠)، وسنن أبي داود، كتاب البيوع حديث (٣٤٩٠)، وسنن النسائي الكبرى حديث (١١٠٥٥)، وسنن ابن ماجة، كتاب الأشربة حديث (٣٣٨٢).\n_________\n[¬١]- في ز: \"حرسا\"، خ: \"جزءًا\".\n[¬٢]- سقط ز، خ: \"عباده\".\n[¬٣]- سقط من خ.\n[¬٤]- في خ: \"وهو\".\n[¬٥]- سقط من: ز.\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"2","page":489},{"text":"يفضي إليه من تجارة ونحو ذلك، كما قال ﵇ في الحديث المتفق عليه (^١٦٨٤): \" لعن الله اليهود، حرمت عليهم الشحوم فجملوها [¬١] (*) فباعوها وأكلوا أثمانها\".\nوقد تقدم في حديث علي وابن مسعود وغيرهما [¬٢]، عند لعن المحلل في تفسير قوله [¬٣] ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيرَهُ﴾ - قوله ﷺ: \"لعن الله آكل الربا، وموكله، وشاهديه، وكاتبه\". قالوا: وما يشهد [¬٤] عليه ويكتب؛ إلا إذا أظهر في صورة عقد شرعي، ويكون داخله فاسدًا [¬٥]، فالاعتبار بمعناه لا بصورته؛ لأن الأعمال بالنيات. وفي الصحيح (^١٦٨٥): \" إن الله لا ينظر إلى صوركم، ولا إلى أموالكم؛ وإنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم\".\nوقد صنف الإِمام العلامة أبو العباس بن تيمية كتابًا في إبطال التحليل، تضمن النهي عن تعاطي الوسائل المفضية إلى كل باطل، وقد كفى في ذلك وشفي، [فرحمه الله ورضي عنه] [¬٦].\n﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ (٢٧٦) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٧)﴾\nيخبر الله تعالى أنه يمحق الربا، أي: يذهبه، إما بأن يذهبه [¬٧] بالكلية من يد صاحبه، أو يحرمه بركة ماله فلا ينتفع به، بل يعذبه به في الدنيا، ويعاقبه عليه يوم القيامة، كما قال تعالى:\n_________\n(*) جمَّلت الشحم، وأجملته: إذا أذبته واستخرجت دُهنه.\n(^١٦٨٤) - رواه البخاري في صحيحه حديث (٢٢٢٣، ٣٤٦٠)، ومسلم في صحيحه حديث (١٥٨٢) من حديث عمر بن الخطاب ﵁ وهو متفق عليه من حدث جابر، وأبي هريرة أيضًا.\n(^١٦٨٥) - صحيح مسلم، كتاب البر والصلة، والآداب (٢٥٦٤) من حديث أبي هريرة ﵁.\n_________\n[¬١]- في خ: \"فحملوها\".\n[¬٢]- في خ: \"وغيرهم\".\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- في خ: \"شهد\".\n[¬٥]- في خ: \"كاسدًا\".\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٧]- في خ: \"يذهب\".","vol":"2","page":490},{"text":"﴿قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ﴾. وقال تعالى: ﴿وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ﴾. وقال: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ﴾ الآية [¬١].\nوقال ابن جرير: في قوله: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا﴾ وهذا نظير الخبر الذي روي عن [¬٢] عبد اللَّه بن مسعود، [عن النبي ﷺ] [¬٣] أنه قال: \"الربا وإن كثر فإلى [¬٤] قل\".\nوهذا الحديث قد رواه الإمام أحمد في مسنده (^١٦٨٦) فقال: حدثنا حجاج، حدثنا شريك، عن الركين بن الربيع، عن أبيه، عن ابن مسعود، عن النبي ﷺ قال: \"إن الربا وإن كثر فإن عاقبته تصير [¬٥] إلى قل\".\nوقد [¬٦] رواه ابن ماجة (^١٦٨٧)، عن العباس بن جعفر، عن عمرو بن عون، عن يحيى بن أبي زائدة، عن إسرائيل، عن الركين بن الربيع بن عميلة الفزاري، عن أبيه، عن ابن مسعود، عن النبي ﷺ أنه قال: \"ما أحد أكثر من الربا إلا كان عاقبه أمره إلى قل\".\nوهذا من باب المعاملة بنقيض المقصود، كما قال الإِمام أحمد (^١٦٨٨): حدثنا أبو سعيد -مولى بني [¬٧] هاشم- حدثنا الهيثم بن نافع [¬٨] الطاطري، حدثني أبو يحيى -رجل من أهل مكة- عن فروخ مولى عثمان، أن عمر -وهو يومئذ أمير المؤمنين- خرج إلى [¬٩] المسجد فرأى طعامًا منثورًا فقال: ما هذا الطعام؟ فقالوا: طعام جلب إلينا قال: بارك اللَّه فيه، وفيمن جلبه. قيل: يا أمير المؤمنين؛ إنه قد احتكر. قال: ومن [¬١٠] احتكره؟ قالوا: فروخ مولى عثمان، وفلان مولى عمر، فأرسل إليهما فدعاهما [¬١١] فقال: ما حملكما على\n_________\n(^١٦٨٦) - المسند (١/ ٣٩٥).\n(^١٦٨٧) - سنن ابن ماجة، كتاب التجارات، كتاب: التغليظ في الربا، حديث (٢٢٨٩)، وقال البوصيري الزوائد (٢/ ١٩٩): \"هذا إسناد صحيح رجاله ثقات. ورواه الحاكم، وقال: صحيح الإسناد، ورواه أبو بكر بن أبي شيبة في مسنده، من طريق شريك، عن الركين بإسناده ومتنه سواء، وأبو يعلى … \".\n(^١٦٨٨) - المسند (١/ ٢١) (١٣٦)، وسنن ابن ماجة حديث (٢١٥٥). وقال البوصيري: \"هذا إسناد صحيح رجاله موثقون: أبو يحيى المكي وشيخه فروخ ذكرهما ابن حبان في الثقات. والهيثم بن رافع =\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- في خ: \"فإن عاقبته يصير إلى قل\".\n[¬٥]- في ز، خ: \"يصير\".\n[¬٦]- سقط من: خ.\n[¬٧]- في ز: \"ابن\".\n[¬٨]- في ت: \"راق\".\n[¬٩]- في خ: \"إلى\".\n[¬١٠]- في ت: \"من\".\n[¬١١]- سقط من: ز، خ.","vol":"2","page":491},{"text":"احتكار طعام المسلمين؟ قالا: يا أمير المؤمنين نشتري بأموالنا ونبيع. فقال عمر: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: \"من احتكر على المسلمين طعامهم ضربه اللَّه بالإفلاس أو بجذام\" فقال فروخ عند ذلك: أعاهد اللَّه، وأعاهدك أن لا أعود في طعام أبدًا. وَأما مولى عمر فقال: إنما نشتري بأموالنا ونبيع. قال أبو يحيى: فلقد رأيت مولى عمر مجذومًا.\nورواه ابن ماجة، من حديث الهيثم بن رافع به، ولفظه: \"من احتكر على المسلمين طعامهم، ضربه اللَّه بالإِفلاس والجذام\".\nوقوله ﴿وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ قرىُ بضم الياء والتخفيف (*)، من ربا الشيء يربو وأربا [¬١] يربيه، أي: كثره ونماه ينميه. وقريء (يُرَبِّي) بالضم والتشديد من التربية\".\nكما قال البخاري (^١٦٨٩): حدَّثنا عبد اللَّه بن منير، سمع أبا النضر، حدثنا عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن دينار، عن أبيه عن أبي صالح، عن أبي هرهة، قال: قال رسول اللَّه ﷺ: \"من تصدّق بعدل تمرة من كسب طيب، ولا يقبل اللَّه إلا الطيب، وإن اللَّه يعقبلها [¬٢] بيمينه ثم يربيها لصاحبه [¬٣] كما يربي أحدكم فَلُوَّه حتى تكون [¬٤] مثل الجبل\".\nكذا رواه في كتاب الزكاة، وقال في كتاب التوحيد: وقال خالد بن مخلد عن سليمان بن بلال، عن عبد اللَّه بن دينار، فذكر بإسناده نحوه.\nوقد رواه مسلم في كتاب [¬٥] الزكاة (^١٦٩٠)، عن أحمد بن عثمان بن حكيم، عن خالد بن مخلد، فذكره. قال البخاري: ورواه مسلم بن أبي مريم، وزيد بن أسلم، وسهيل، عن أبي صالح، عن أبي هرهة، عن النبي، ﷺ.\nقلت: أما رواية مسلم بن أبي مريم، فقد تفرد البخاري بذكرها، وأما طريق زيد بن أسلم\n_________\n= وثقه ابن معين وأبو داود. وأبو بكر الحنفي واسمه عبد الكبير بن عبد الحميد احتج به الشيخان، وشيخ ابن ماجه: يحيى بن حكيم؛ وثقه أبو داود والنسائي وغيرهما. ورواه ابن الجوزي في العلل المتناهية وضعفه لجهالة أبي يحيى وفيه نظر؛ فقد ذكره ابن حبان في الثقات كما تقدم. ورواه الطيالسي في مسنده عن الهيثم به. ورواه عبد بين حميد بزيادة\".\n(^١٦٨٩) = صحيح البخاري، كتاب الزكاة، باب: الزكاة من كسب طيب، حديث (١٤١٠) وطرفه (٧٤٣٠).\n(^١٦٩٠) - صحيح مسلم حديث (١٠١٤).\n_________\n[¬١]- في ز: \"رباه\"، خ: \"أرباه\".\n[¬٢]- في خ: \"ليتقبلها\".\n[¬٣]- في ز: \"لصاحبها\".\n[¬٤]- في خ: \"يكون\".\n[¬٥]- سقط من: خ.","vol":"2","page":492},{"text":"فرواها مسلم في صحيحه، عن أبي الطاهر بن السرح، عن ابن [¬١] وهب، عن هشام بن سعد [¬٢]، عن زيد بن أسلم به (^١٦٩١).\nوأما حديث سهيل فرواه مسلم (^١٦٩٢)، عن قتيبة [¬٣]، عن يعقوب بن عبد الرحمن، عن سهيل به، واللَّه أعلم.\nقال البخاري (^١٦٩٣): وقال ورقاء، عن ابن دينار، عن سعيد [¬٤] بن يسار، عن أبي هريرة، عن النبي، ﷺ.\nوقد أسند هذا الحديث من هذا الوجه الحافظ أبو بكر البيهقي، عن الحاكم وغيره، عن الأصم، عن العباس المروزي، عن أبي النضر [¬٥]- هاشم بن القاسم- عن ورقاء- وهو ابن عمر اليشكري- عن عبد اللَّه بن دكار، عن سعيد بن يسار، عن أبي هريرة، قال: قال النبي [¬٦]، ﷺ: \"من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب -ولا يصعد إلى اللَّه إلا الطيب- فإن اللَّه يقبلها بيمينه، فيربيها لصاحبها [¬٧] كما يربي أحدكم فلوه (*)، حتى تكون [¬٨] مثل أحد\" (^١٦٩٤).\nوهكذا روى هذا الحديث مسلم (^١٦٩٥) والترمذي والنسائي جميعًا عن قتيبة [¬٩]، عن الليث بن سعد، عن سعيد المقبري.\nوأخرجه النسائي من رواية مالك، عن يحيى بن سعيد الأنصاري. ومن طريق يحيى القطان، عن محمد بن عجلان، ثلاثتهم عن سعيد بن يسار أبي الحباب المدني، عن أبي هريرة، عن\n_________\n(^١٦٩١) - صحيح مسلم حديث (١٠١٤).\n(^١٦٩٢) - صحيح مسلم حديث (١٠١٤).\n(^١٦٩٣) - صحيح البخاري، كتاب الوحيد حديث (٧٤٣٠)، وكتاب الزكاة حديث (١٤١٠).\n(*) الفَلُو: المُهر الصغير، وقيل: هو الفطيم من أولاد ذوات الحوافر.\n(^١٦٩٤) - السنن الكبرى للبيهقي (٤/ ١٧٦).\n(^١٦٩٥) - صحيح مسلم، كتاب الزكاة حديث (١٠١٤)، وسنن الترمذي، كتاب الزكاة حديث (٦٦١)، وسنن النسائي الكبرى حديث (٧٧٣٥).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"أبي\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"سعيد\".\n[¬٣]- في خ: \"قبيصة\".\n[¬٤]- في خ: \"ابن سعيد\".\n[¬٥]- في ز: \"الزبا\"، خ: \"الزناد\".\n[¬٦]- في خ: \"رسول اللَّه\".\n[¬٧]- في ز، خ: \"لصاحبه\".\n[¬٨]- في خ: \"يكون\".\n[¬٩]- في خ: \"قبيصة\".","vol":"2","page":493},{"text":"النبي ﷺ فذكره.\nوقد روي عن أبي هريرة من وجه آخر، فقال ابن أبي حاتم: حدثنا عمرو بن عبد اللَّه الأودي [¬١]، حدثنا وكيع، عن عباد بن منصور، حدثنا القاسم بن محمد، قال: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول اللَّه، ﷺ: \"إن اللَّه ﷿ يقبل الصدقة ويأخذها بيمينه فيربيها لأحدكم كما يربي أحدكم مهره أو فلوه، حتى إن اللقمة لتصير مثل أحد\". وتصديق ذلك في كتاب اللَّه ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾.\nوكذا رواه أحمد (^١٦٩٦) عن وكيع -[وهو في تفسير وكيع] [¬٢]- ورواه الترمذي عن أبي كريب عن وكيع به، وقال: حسن صحيح. وكذا رواه الثوري، عن عباد بن منصور به.\nورواه أحمد (^١٦٩٧) أيضًا [¬٣]، عن خلف بن الوليد، عن المبارك [¬٤]، عن عبد الواحد بن ضمرة، وعباد بن منصور، كلاهما عن أبي نضرة [عن القاسم به] [¬٥].\nوقد رواه ابن جرس (^١٦٩٨)، عن محمد بن عبد الملك بن إسحاق [¬٦]، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب، عن القاسم بن محمد، عن أبي هروة، قال: قال رسول اللَّه، ﵌: \"إن العبد إذا تصدق من طيب، يقبلها اللَّه منه، فيأخذها بيمينه ويربيها كما يربي أحدكم مهره أو فصيله، وإن الرجل ليتصدّق باللقمة فتربو في يد اللَّه -أو قال في كف اللَّه- حتى تكون مثل أحد، فتصدّقوا\".\nوهكذا رواه أحمد (^١٦٩٩)، عن عبد الرزاق. وهذا طريق غريب صحيح الإِسناد، ولكن لفظه عجيب، والمحفوظ ما تقدم.\nوروي عن عائشة أم المؤمنين، فقال الإِمام أحمد (^١٧٠٠): حدثنا عبد الصمد، حدثنا حماد، عن ثابت، عن القاسم بن محمد، عن عائشة، أن رسول اللَّه، ﷺ، قال:\n_________\n(^١٦٩٦) - المسند (٢/ ٤٧١)، وسنن الترمذي، كتاب الزكاة حديث (٦٦٢).\n(^١٦٩٧) - المسند (٤/ ٤٠٢).\n(^١٦٩٨) - تفسير الطبري (٦/ ١٩) (٦٢٥٦).\n(^١٦٩٩) - المسند (٢/ ٢٦٨).\n(^١٧٠٠) - المسند (٦/ ٢٥١) (٢٦٢٤٥). وأخرجه البزار كما في كشف الأستار (١/ ٤٤١ / رقم: ٩٣١) =\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"الأزدي\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- سقط من: خ.\n[¬٤]- في ت: ابن المبارك.\n[¬٥]- سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- في ز، خ: \"إسحاق به\".","vol":"2","page":494},{"text":"\"إنّ اللَّه ليربي لأحدكم التمرة واللقمة، كما يربي أحدكم فلوه أو فصيله، حتى يكون مثل أحد\". تفرد به أحمد من هذا الوجه.\nوقال البزار (^١٧٠١): حدثنا يحيى بن المعلى بن منصور، حدثنا إسماعيل، حدثني أبي، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة، عن عائشة، عن النبي، ﷺ، وعن الضحاك بن عثمان، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: \"إن الرجل ليتصدق بالصدقة من الكسب الطيب، ولا يقبل اللَّه إلا الطيب، فيتلقاها [¬١] الرحمن بيده، فيربيها كما يربي أحدكم فلوه أو وصيفه -أو قال: فصيله-\". ثم قال: لا نعلم أحدًا [¬٢] رواه عن يحيى بن سعيد، عن عمرة إلا أبا [¬٣] أويس.\nوقوله: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ أي: لا يحب كفور القلب، أثيم القول والفعل. ولا بد من مناسبة في ختم هذه الآية بهذه الصفة، وهي أن المرابي لا يرضى بما قسم اللَّه له من الحلال، ولا يكتفي بما شرع له من التكسب [¬٤] المباح، فهو يسعى في أكل أموال الناس بالباطل، بأنواع المكاسب الخبيثة، فهو جحود لما عليه من النعمة، ظلوم آثم بأكل أموال الناس بالباطل.\nثم قال تعالى مادحًا للمؤمنين بربهم، المطيعين أمره، المؤدّين شكره، المحسنين إلى خلقه في إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، مخبرًا عما أعد لهم من الكرامة، وأنهم يوم القيامة من التبعات آمنون، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾.\nيَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ\n_________\n= والطبراني في الأوسط كما في مجمع البحرين (٣/ ٥١/ رقم /: ١٤١٢). وابن حبان في الإحسان (٨/ ١١١، ١١٢ / رقم: ٣٣١٧). كلهم من حديث عائشة ﵂. وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد في موضعين ولم يذكر فيهما أحمد الأول: في (٣/ ١١١) وقال: \"رواه الطبراني في الأوسط ورجاله رجال الصحيح، ولعائشة حديث يأتي بعد هذا\". والثاني: في (٣/ ١١٢) وقال: \"رواه البزار ورجاله ثقات\".\n(^١٧٠١) - مسند البزار حديث (٩٣١) \"كشف الأستار\" وقال الحافظ ابن حجر: \"أبو أويس ليِّن، وقد ذكر البزار أنه تفرد به\".\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"فيتلقاه\".\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في ز، خ: \"أبو\".\n[¬٤]- في ز، خ: \"التكسب\".","vol":"2","page":495},{"text":"أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ (٢٧٩) وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٨٠) وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٢٨١)\nيقول تعالى آمرًا عباده المؤمنين بتقواه، ناهيًا لهم عما يقربهم إلى سخطه، ويبعدهم عن رضاه، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾: خافوه وراقبوه فيما تفعلون ﴿وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ أي: اتركوا مالكم على الناس من الزيادة على رءوس الأموال بعد هذا الإِنذار ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أي: بما شرع اللَّه لكم من تحليل البيع وتحريم الربا وغير ذلك.\nوقد ذكر زيد بن أسلم، وابن جريج، ومقاتل بن حيان، والسدي؛ أن هذا السياق نزل في بني عمرو بن عمير بن [¬١] ثقيف، وبني المغيرة من بني مخزوم، كان بينهم ربا في الجاهلية، فلما جاء الإِسلام ودخلوا فيه طلبت ثقيف أن تأخذه منهم، فتشاوروا [¬٢]، وقالت بنو المغيرة: لا نؤدي الربا في الإِسلام. فكتب في ذلك عتاب بن أسيد نائب مكة إلى رسول اللَّه ﷺ، فنزلت هذه الآية، فكتب بها رسول اللَّه، ﷺ إليه ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ فقالوا: نتوب إلى اللَّه ونذر ما بقي من الربا. فتركوه كلهم.\nوهذا تهديد شديد ووعيد أكيد لمن استمر على تعاطي البربا بعد الإنذار. قال ابن جريج: قال ابن عباس: ﴿فأذنوا بحرب﴾ أي: استيقنوا بحرب من اللَّه ورسوله. وتقدم من رواية ربيعة بن كلثوم، عن أبيه، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس؛ قال: يقال [¬٣] يوم القيامة لآكل الربا: خذ سلاحك للحرب، ثم قرأ ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾.\nوقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ فمن كان مقيمًا على الربا لا ينزع عنه، [كان حقًّا] [¬٤] على إمام المسلمين أن يستتيبه، فإن نزع وإلا ضرب عنقه.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا محمد بن بشار [¬٥]، حدثنا عبد الأعلى،\n_________\n[¬١]- في ت: \"عن\".\n[¬٢]- في ز: \"فتشاروا\".\n[¬٣]- في خ: \"يقام\".\n[¬٤]- في ز، خ: \"يحق\".\n[¬٥]- في ز، خ: \"يسار\".","vol":"2","page":496},{"text":"حدثنا هشام بن حسان، عن الحسن، وابن سيرين، أنهما قالا: والله أن هؤلاء الصيارفة لأكلة الربا، وإنهم قد أذنوا بحرب من اللَّه ورسوله، ولو كان على الناس إمام عادل لاستتابهم، فإن تابوا وإلا وضع فيهم السلاح. وقال قتادة: أوعدهم اللَّه بالقتل كما تسمعون [¬١]، وجعلهم بهرجًا أينما أتوا، فإياكم وما خالط هذه البيوع من الربا، فإن اللَّه قد أوسع الحلال وأطابه، فلا تلجعنكم [¬٢] إلى معصيته فاقة. رواه ابن أبي حاتم.\nوقال الربيع بن أنس: أوعد [¬٣] اللَّه آكل الربا بالفتل. رواه ابن جرير.\nوقال السهيلي: ولهذا [¬٤] قالت عائشة لأم محبة مولاة زيد بن أرقم في مسألة العينة: أخبريه أن جهاده مع النبي ﷺ قد بطل [¬٥] إلا أن يتوب. فخصت الجهاد لأنه ضد قوله: ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ قال: وهذا المعنى ذكره كثير. قال: ولكن هذا إسناده إلى عائشة ضعيف.\nثم قال اللَّه تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ﴾ أي: بأخذ الزيادة ﴿وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ أي: بوضع رءوس الأموال أيضًا، بل لكم ما بذلتم من غير زيادة عليه، ولا نقص منه.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن الحسين بن إشكاب، حدثنا عبيد اللَّه بن موسى، عن شيبان عن شبيب بن غرقدة البارقي، عن سليمان بن الأحوص، عن أبيه قال: خطب رسول اللَّه، ﷺ في حجة الوداع، فقال: \"ألا إن كل ربا كان في الجاهلية موضوع عنكم كله، لكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون، وأوّل ربا موضوع ربا العباس بن عبد المطلب موضوع كله\". كذا وجدته: سليمان بن الأحوص.\nوقد قال ابن مردويه (^١٧٠٢): حدثنا الشافعي، حدثنا معاذ بن المثنى، أخبرنا مسدد، أخبرنا أبو الأحوص، حدثنا شبيب بن غرقدة، عن سليمان بن عمرو، عن أبيه قال: سمعت رسول اللَّه، ﷺ يقول: \"ألا إن كل ربا من ربا الجاهلية موضوع، فلكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون\".\nوكذا رواه من حديث حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن أبي حرة الرقاشي، عن عمرو -هو ابن خارجة- فذكره.\n_________\n(^١٧٠٢) - ورواه أبو داود في البيوع حديث (٣٣٣٤) عن مسدد به، والترمذي في التفسير (٣٠٨٧)، ورواه ابن ماجة في المناسك حديث (٣٠٥٥) من طريق أبي الأحوص به.\n_________\n[¬١]- في خ: \"يسمعون\".\n[¬٢]- في خ: \"يلجئنكم\".\n[¬٣]- في خ: \"وعد\".\n[¬٤]- في خ: \"لهذا\".\n[¬٥]- في خ: \"أبطل\".","vol":"2","page":497},{"text":"وقوله: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ يأمر تعالى بالصبر على المعسر الذي لا يجد وفاء فقال: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ أي [¬١]: لا كما كان أهل الجاهلية يقول أحدهم لمدينه إذا حل عليه الدين: إمّا أن تقضي وإمّا أن تربي.\nثم يندب إلى الوضع عنه، ويعد على ذلك الخير والثواب الجزيل فقال: ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي: وإن تتركوا رأس المال بالكلية وتضعوه عن المدين. وقد وردت الأحاديث من طرق متعدّدة عن النبي ﷺ بذلك.\n(فالحديث الأول) عن أبي أمامة أسعد بن زرارة، قال الطبراني (^١٧٠٣): حدثنا عبد اللَّه بن محمد بن شعيب الرّجاني [¬٢]، حدثنا يحيى بن حكيم المقوّم [¬٣]، حدثنا محمد بن بكر البرساني، حدثنا عبد اللَّه بن أبي زياد، حدثني عاصم بن عبيد اللَّه، عن أبي أمامة أسعد بن زرارة - قال: قال رسول اللَّه، ﷺ: \"من سره أن يظله اللَّه يوم لا ظل إلا ظله فلييسر على معسر أو ليضع عنه\".\n(حديث آخر) عن بريدة، قال الإمام أحمد (^١٧٠٤): حدثنا عفان، حدثنا عبد الوارث، حدثنا محمد بن جحادة، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه، قال: سمعت النبي، ﷺ، يقول: \"من أنظر معسرًا فله بكل يوم مثله صدقة\". قال: ثم سمعته يقول: \"من أنظر معسرًا فله بكل يوم مثلاه صدقة\". قلت: سمعتك يا رسول اللَّه، تقول: \"من أنظر معسرًا فله بكل يوم مثله [¬٤] صدقة\". ثم سمعتك تقول: \"من أنظر معسرًا فله بكل يوم مثلاه صدقة\". قال: \"له بكل يوم مثله صدقة قبل أن يحل الدين، فإذا حل الدين فأنظره فله بكل يوم مثلاه صدقة\".\n(حديث آخر) عن أبي قتادة الحارث بن ربعي الأنصاري، قال أحمد (^١٧٠٥): [حدثنا\n_________\n(^١٧٠٣) - المعجم الكبير (٤/ ٣٠١)، وقال الهيثمي في المجمع (٤/ ١٣٤): \"عاصم ضعيف ولم يدرك أسعد بن زرارة\".\n(^١٧٠٤) - المسند (٥/ ٣٦٠) (٢٣١٥٢) وطرفه (٢٣٠٧٦) وأخرجه ابن ماجة في كتاب الصدقات، باب: إنظار المعسر (٢/ ٨٠٨ / رقم: ٢٤١٨). من طريق أحمد الثاني. وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٤/ ١٣٥) وقال: \"روى ابن ماجة طرفًا منه، رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح\" ..\n(^١٧٠٥) - المسند (٥/ ٣٠٨) (٢٢٧٢٧) وطرفه (٢٢٦٦٢). وأخرجه مسلم بمعناه: كتاب المساقاة، باب: فضل إنظار المعسر (٣/ ١١٩٦ / رقم: ١٥٦٣). من طرق عن أيوب، عن يحيى بن أبي كثير=\n_________\n[¬١]- سقط من: ت.\n[¬٢]- في ز: \"المرجاني\".\n[¬٣]- في ز: \"الموم\".\n[¬٤]- في خ: \"مثلاه\".","vol":"2","page":498},{"text":"عفان] [¬١]، حدثنا حماد بن سلمة، أخبرنا أبو جعفر الخطمي، عن محمد بن كعب القرظي، أن أبا قتادة كان له دين على رجل، وكان يأتيه يتقاضاه، فيختبئ منه، فجاء ذات يوم فخرج صبي فسأله عنه فقال: نعم هو في البيت جمل خزهة. فناداه فقال [¬٢]: يا فلان؛ اخرج فقد أخبرت أنك هاهنا. فخرج إليه، فقال: ما يغيبك عني؟ فقال: إني معسر وليس عندي شيء [¬٣]. قال: آللَّه إنك معسر؟ قال: نعم. فبكى أبو قتادة ثم قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: \"من نفس عن غريمه -أو محا عنه- كان في ظل العرش يوم القيامة\". ورواه [¬٤] مسلم في صحيحه.\n(حديث آخر) عن حذيفة بن اليمان. قال الحافظ أبو يعلى الموصلي: حدثنا الأخنس -أحمد بن عمران- حدثنا محمد بن فضيل، حدثنا أبو مالك الأشجعي، عن ربعي بن حراش، عن حذيفة، قال: قال رسول اللَّه، ﷺ: \"أتي اللَّه بعبد من عبيده يوم القيامة، قال: ماذا عملت لي في الدنيا؟ فقال: ما عملت لك يا رب مثقال ذرّة في الدنيا أرجوك بها -قالها ثلاث مرات- قال العبد عند آخرها: يا رب؛ إنك كنت أعطيتني فضل مال، وكنت رجلًا أبايع الناس، وكان من خلقي الجواز؛ فكنت أيسر على الموسر وأنظر المعسر، قال: فيقول اللَّه ﷿: أنا أحق من ييسر، ادخل الجنة! \".\nوقد أخرجه البخاري ومسلم وابن ماجة من طرق (^١٧٠٦)، عن ربعي [بن حراشي] [¬٥]، عن حذيفة. زاد مسلم: وعقبة بن عامر، وأبي مسعود البدري، عن النبي ﷺ بنحوه. ولفظ البخاري: [حدثنا هشام بن عمار، حدثنا يحيى بن حمزة، حدثنا الزهري، عن عبد اللَّه بن عبد اللَّه أنه سمع أبا هريرة ﵁، عن النبي، ﷺ، قال \"كان تاجر يداين الناس، فإذا رأى معسرًا قال لفتيانه: تجاوزوا عنه لعل اللَّه أن يتجاوز عنا فتجاوز اللَّه عنه\"] [¬٦].\n(حديث آخر) عن سهل بن حنيف، قال الحاكم في مستدركه (^١٧٠٧): حدثنا أبو عبد اللَّه\n_________\n= عن عبد اللَّه بن أبي قتادة، عن أبيه.\n(^١٧٠٦) - صحيح البخاري، كتاب أحادث الأنبياء حديث (٣٤٥١)، وطرفاه (٢٣٩١، ٢٧٠٧)، وصحيح مسلم، كتاب المساقاة حديث (١٥٦٠). وابن ماجه في الأحكام (٢٤٢٠).\n(^١٧٠٧) - المستدرك (٢/ ٢١٧)، وتعقبه الذهبي في التلخيص فقال: قلت: \"بل فيه عمرو بن ثابت=\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- مكانها بياض في: ز، خ.\n[¬٤]- في خ: \"رواه\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- سقط من: ز، وبياض في: خ.","vol":"2","page":499},{"text":"محمد بين يعقوب، حدثنا يحيى بن محمد بن يحيى، حدثنا أبو الوليد هشام بن عبد الملك، حدثنا عمرو بن ثابت، حدثنا عبد اللَّه بن محمد بن عقيل، عن عبد اللَّه بن سهل بن حنيف، أن سهلًا حدثه؛ أن رسول اللَّه، ﷺ قال: \"من أعان مجاهدًا في سبيل اللَّه أو غازيًا أو غارمًا في عسرته أو مكاتبًا في رقبته، أظله اللَّه في ظله يوم لا ظل إلا ظله\". ثم قال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه.\n(حديث آخر) عن عبد اللَّه بن عمر [¬١]، قال الإمام أحمد (^١٧٠٨): حدثنا محمد بن عبيد، عن يوسف بن صهيب، عن زيد العمي، عن ابن عمر، قال: قال رسول اللَّه، ﷺ: \"من أراد أن تستجاب دعوته وأن تكشف كربته فليفرج عن معسر\". انفرد به أحمد.\n(حديث آخر) عن أبي مسعود عقبة [¬٢] بن عمرو، قال الإمام أحمد (^١٧٠٩): حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا أبو مالك، عن ربعي بن حراش [¬٣]، عن حذيفة: أن رجلًا أتي به اللَّه ﷿ فقال: \"ماذا عملت في الدنيا؟ فقال له الرجل: ما عملت مثقال ذرّة من خير [أرجوك بها] [¬٤]. فقال له ثلاثًا، وقال في الثالثة: [أي رب] [¬٥]؛ كنت أعطيتني فضلًا من المال في الدنيا، فكنت أبايع الناس، فكنت أيسر [¬٦] على الموسر وأنظر المعسر. فقال ﵎: نحن أولى بذلك منك، تجاوزوا عن عبدي، فغفر له\". قال أبو [¬٧] مسعود: هكذا سمعت من النبي ﷺ.\nوهكذا رواه مسلم من حديث أبي مالك سعد بن طارق به.\n(حديث آخر) عن عمران بن حصين، قال الإمام أحمد (^١٧١٠): حدثنا أسود بن عامر، أخبرنا أبو بكر، عن الأعمش، عن أبي داود، عن عمران بن حصين، قال: قال رسول اللَّه، ﷺ: \"من كان له على رجل حق فأخره [¬٨] كان له بكل يوم صدقة\".\n_________\n= وهو رافضي متروك\".\n(^١٧٠٨) - المسند (٢/ ٢٣).\n(^١٧٠٩) - المسند (٤/ ١١٨)، وصحيح مسلم حديث (١٥٦٠).\n(^١٧١٠) - المسند (٤/ ٤٤٣) (٢٠٠٣١). وهو حديث ضعيف لضعف أبي داود الأعمى؛ قال الحافظ=\n_________\n[¬١]- في خ: \"عمرو\".\n[¬٢]- في خ: \"وعقبة\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"خراش\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"إني\".\n[¬٦]- في ز: \"أتيسر\".\n[¬٧]- في ز، خ: \"ابن\".\n[¬٨]- في ز، خ: \"فمن آخره\".","vol":"2","page":500},{"text":"غريب من هذا الوجه. وقد تقدّم عن بريدة نحوه.\n(حديث آخر) عن أبي اليسر كعب بن عمرو، قال الإِمام أحمد (^١٧١١): حدثنا معاوية بن عمرو، حدثنا زائدة، عن عبد الملك بن عمير، عن ربعي، قال: حدثني أبو اليسر، أن رسول الله ﷺ قال: \"من أنظر معسرًا أو وضع عنه أظله الله ﷿ في ظله يوم لا ظل إلا ظله\".\nوقد أخرجه مسلم في صحيحه (^١٧١٢) من وجه آخر من حديث عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت؛ قال: خرجت أنا وأبي نطلب العلم في هذا الحي من الأنصار قبل أن يهلكوا، فكان أول من لقينا أبا اليسر صاحب رسول الله ﷺ، ومعه غلام له معه ضمامة (*) من صحف، وعلى أبي اليسر بردة ومعافري [¬١] (**) وعلى غلامه بردة ومعافري، فقال له أبي: يا عم؟ إني أرى في وجهك سفعة من غضب. قال: أجل، كان لي على فلان بن فلان الحرامي [¬٢] مال، فأتيت أهله فسلمت فقلت: أثم هو؟ قالوا: لا. فخرج عليَّ ابنٌ له جفر (* * *). فقلت: أين أبوك؟ فقال: سمع صوتك فدخل أريكة أمي. فقلت: اخرج إليَّ فقد علمت أين أنت. فخرج، فقلت: ما حملك علي أن اختبأت مني؟ قال: أنا والله أحدثك ثم لا أكذبك، خشيت والله أن أحدثك فأكذبك أو [¬٣] أعدك فأخلفك، وكنت صاحب رسول الله ﷺ، وكنت والله معسرًا. قال: قلت: الله؟\n_________\n= في ترجمته في التقريب برقم (٧١٨١) ص (٥٦٥): نفيع بن الحارث، أبو داود الأعمى، مشهور بكنيته، كوفي، ويقال له: نافع، متروك وقد كذبه ابن معين. ا هـ. والحديث أخرجه الطبراني في \"الكبير\" برقم (٦٠٣)، (١٨/ ٢٤٠)، بنحوه مطولًا. من طريق أبي بكر بن عياش عن الأعمش عن أبي داود عن عمران بن حصين، به. وذكره الهيثمي في \"المجمع\" (٤/ ١٣٨). عن عمران بن حصين قال: قال رسول الله ﷺ: \"إذا كان للرجل على رجل حق فأخره إلى أجله كان له صدقة فإن أخره بعد أجله كان له بكل يوم صدقة\" ا. هـ. ثم قال الهيثمي: رواه الطبراني في الكبير وفيه أبو داود الأعمى وهو كذاب ا هـ ولم ينسبه الهيثمي إلى أحمد في مسنده.\n(^١٧١١) - المسند (٣/ ٤٢٧) (١٥٥٦٣).\n(^١٧١٢) - صحيح مسلم حديث (٣٠١٤)، كتاب الزهد والرقائق. وانظر حديث (٣٠٠٦).\n(*) ضمامة: أي رزمة يضم بعضها إلى بغض.\n(**) نوع من الثياب يعمل بقرية تسمى معافر.\n(* * *) نسبة إلى بني حرام.\n(* * **) الجفر: هو الذي قارب البلوغ، وقيل: هو الذي قوي على الأكل.\n_________\n[¬١]- في خ: \"ومغافري\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"الرامي\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"وأن\".","vol":"2","page":501},{"text":"قال: الله. قلت: الله؟ قال: الله. قلت: الله؟ قال: الله. ثم [¬١] قال: فأتى بصحيفته [¬٢] فمحاها بيده، ثم قال: فإن وجدت قصاء فاقضني وإلا فأنت في حل، فأشهد بصر عيني هاتين -ووضع أصبعيه على عينيه- وسمع أذُنَيَّ هاتين ووعاه قلبي-وأشار إلي مناط قلبه- رسول الله ﷺ وهو يقول: \"من أنظر معسرًا أو وضع عنه أظله الله في ظله … \". وذكر تمام الحديث.\n(حديث آخر) عن أمير المؤمنين عثمان بن عفان، قال عبد الله بن الإِمام أحمد (^١٧١٣): حدثني أبو يحيى البزاز محمد بن عبد الرحيم، حدثنا الحسن بن بشر بن سلم [¬٣] الكوفي، حدثنا العباس بن الفضل الأنصاري، عن هشام بن زياد القرشي، عن أبيه، عن محجن مولى عثمان، عن عثمان، قال: سمعت رسول الله، ﷺ، يقول: \"أظل الله عينًا في ظله يوم لا ظل إلا ظله من [¬٤] أنظر معسرًا أو ترك لغارم\".\n(حديث آخر) عن ابن عباس، قال الإمام أحمد (^١٧١٤): حدثنا عبد الله بن يزيد، حدثنا نوح بن جعونة السلمي الخراساني [¬٥]، عن مقَاتل بن حيان، عن عطاء، عن ابن عباس؛ قال: خرج رسول الله، ﷺ، إلي المسجد وهو يقول بيده هكذا. وأومأ أبو عبد الرحمن بيده إلي الأرض: \"من أنظر معسرًا أو وضع عنه وقاه الله من فيح جهنم، ألا إن عمل الجنة حزن بربوة -ثلاثًا- ألا إن عمل النار سهل بسَهْوة [¬٦]، والسعيد من وُقي الفتن، وما من جرعة أحب إلى الله من جرعة غيظ يكظمها عبد ما كظمها عبد لله إلا ملأ الله جوفه إيمانًا\". تفرّد به أحمد.\n(طريق آخر) قال الطبراني (^١٧١٥): حدَّثنا أحمد بن محمد البوراني قاضي الحَدِيثَة من ديار ربيعة، حدَّثنا الحسين [¬٧] بن علي الصدائي، حدَّثنا الحكم بن الجارود، حدثنا ابن أبي المتئد، خال ابن عيينة، عن أبيه، عن عطاء، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ: \"من أنظر معسرًا إلى ميسرته أنظره الله بذنبه إلى توبته\".\n_________\n(^١٧١٣) - زوائد المسند (١/ ٧٣).\n(^١٧١٤) - المسند (١/ ٣٢٧).\n(^١٧١٥) - المعجم الكبير (١١/ ١٥١)، وقال الهيثمي في المجمع (٤/ ١٣٥): \"وفيه الحكم بن جارود ضعفه الأزدي، وشيخ الحكم وشيخ شيخه لم أعرفهما\".\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- في خ: \"بصحيفة\".\n[¬٣]- في خ: \"مسلم\".\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- في ز: \"خراساني\".\n[¬٦]- في ز، خ: \"بشهوة\".\n[¬٧]- في ت: \"الحسن\".","vol":"2","page":502},{"text":"ثم قال تعالى يعظ عباده ويذكرهم زوال الدنيا وفناء ما فيها من الأموال وغيرها، وإتيان الآخرة والرجوع إليه تعالى، ومحاسبته تعالى خلقه علي ما عملوا، ومجازاته إياهم بما كسبوا من خير وشر، ويحذرهم عقوبته، فقال: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ وقد روي أن هذه الآية آخر آية نزلت من القرآن العظيم.\nفقال ابن لهيعة: حدثني عطاء بن دينار، عن سعيد بن جبير، قال: آخر ما نزل من القرآن كله ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾. وعاش النبي ﷺ بعد نزول هذه الآية تسع ليال، ثم مات يوم الإثنين لليلتين خلتا من ربيع الأول. رواه ابن أبي حاتم.\nوقد رواه ابن مردويه من حديث المسعودي، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس؛ قال: آخر آية نزلت ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾.\nوقد رواه النسائي (^١٧١٦) من حديث يزيد النحوي، عن عكرمة، عن عبد الله بن عباس، قال: آخر شيء نزل من القرآن ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾.\nوكذا رواه الضحاك، والعوفي عن ابن عباس [وروى الثوري، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس] [¬١]، قال: آخر آية نزلت ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ فكان بين نزولها وموت النبي ﷺ واحد وثلاثون يومًا.\nوقال ابن جريج: قال ابن عباس: آخر آية نزلت ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾. الآية. قال ابن جريج: يقولون: إن النبي ﷺ عاش بعدها تسع ليال، وبدئ يوم السبت، ومات يوم الإثنين. رواه ابن جرير، ورواه عطية [¬٢]، عن أبي سعيد، قال: آخر آية نزلت ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾.\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَينٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَينَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ\n_________\n(^١٧١٦) - سنن النسائي الكبرى حديث (١١٠٥٧).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ت.\n[¬٢]- في ت: ابن عطية.","vol":"2","page":503},{"text":"فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَينِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَينِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَينَكُمْ فَلَيسَ عَلَيكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمٌ (٢٨٢)﴾\nهذه الآية الكريمة [أطول آية في القرآن العظيم] [¬١] وقد قال الإِمام أبو جعفر بن جرير (^١٧١٧):\nحدثنا يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب، قال: حدثني سعيد بن المسيب، أنه بلغه أن أحدث القرآن بالعرش آية الدين.\nوقال الإمام أحمد (^١٧١٨): حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس، أنه قال: لما نزلت آية الدين قال رسول الله ﷺ: \"إن أول من جحد آدم ﵇ أن الله لما خلق آدم مسح ظهره، فأخرج منه ما هو ذارئ [¬٢] إلى يوم القيامة، فجعل يعرض ذريته عليه، فرأى فيهم رجلًا يزهر [¬٣] (*)،\n_________\n(^١٧١٧) - التفسير (٦/ ٤١) (٦٣١٦). وهو حديث -له حكم الرفع- إلا أنه ضعيف لإرساله، إذ لم يذكر ابن المسيب من حدثه به.\n(^١٧١٨) - المسند (١/ ٢٥١، ٢٥٢).\n(*) أي: يضيء، والأزهر: الأبيض المستنير.\n_________\n[¬١]- في خ: \"أطول في القرآن آية العظيم\".\n[¬٢]- في ز: \"ذارٍ\".\n[¬٣]- في ت: \"يزهو\".","vol":"2","page":504},{"text":"فقال: أي رب، من هذا؟ قال: هو ابنك داود. قال: أي رب، كم عمره؟ قال: ستون عامًا. قال: رب، زد في عمره. قال: لا إلا أن أزيده من عمرك. وكان عمر آدم ألف سنة، فزاده أربعين عامًا، فكتب عليه بذلك كتابًا، وأشهد عليه الملائكة، فلما احتضر آدم وأتته الملائكة قال: إنه قد بقي من عمري أربعون عامًا. فقيل له: إنك قد وهبتها لابنك داود، قال: ما فعلت. فأبرز الله عليه الكتاب وأشهد عليه الملائكة\".\nوحدثنا أسود بن عامر، عن حماد بن سلمة، فذكره، وزاد فيه: \"فأتمها الله لداود مائة وأتمها [¬١] لآدم ألف سنة\".\nوكذا رواه ابن أبي حاتم، عن يوسف بن [أبي حبيب] [¬٢]، عن أبي داود الطيالسي، عن حماد بن سلمة.\nهذا حديث غريب جدًّا، وعلي بن زيد بن جدعان في أحاديثه نكارة، وقد رواه الحاكم في مستدركه (^١٧١٩)، بنحوه من حديث الحارث بن عبد الرحمن بن أبي ذباب [¬٣]، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، ومن رواية داود بن أبي هند، عن الشعبي، عن أبي هريرة. ومن طريق محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة. ومن حديث هشام [¬٤] بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، فذكره بنحوه.\nفقوله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَينٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ هذا إرشاد منه تعالى لعباده المؤمنين إذا تعاملوا بمعاملات مؤجلة أن يكتبوها؛ ليكون ذلك أحفظ لمقدارها وميقاتها، وأضبط للشاهد فيها. وقد نبه [على هذا في آخر الآية] حيث قال: ﴿ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا﴾.\nوقال سفيان الثوري، عن ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد، عن ابن عباس في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَينٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ قال: أنزلت في السلم إلي أجل معلوم.\nوقال قتادة، عن أبي حسّان الأعرج، عن ابن عباس، قال: أشهد أن السلف المضمون إلى أجل مسمى أن الله أحله وأذن فيه، ثم قرأ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَينٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾. رواه البخاري.\n_________\n(^١٧١٩) - المستدرك (١/ ٦٤، ٢/ ٥٨٦).\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- في ز، خ: \"أبي خبيب\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"وثاب\".\n[¬٤]- في ز، خ: \"تمام\".","vol":"2","page":505},{"text":"وثبت في الصحيحين (^١٧٢٠) من رواية سفيان بن عيينة، عن ابن أبي نَجِيح، عن عبد الله بن كثير، عن أبي المنهال، عن ابن عباس، قال: قدم النبي ﷺ المدينة وهم يسلفون في الثمار [السنة و] [¬١] السنتين والثلاث، فقال رسول الله ﷺ: \"من أسلف فليسلف في كيل معلوم، ووزن معلوم إلى أجل معلوم\".\nوقوله: ﴿فَاكْتُبُوهُ﴾ أمر منه تعالى بالكتابة للتوثقة والحفظ، فإن قيل فقد ثبت في الصحيحين عن عبد الله بن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ: \"إنَّا أمة أمة لا نكتب ولا نحسب\" (^١٧٢١). فما الجمع بينه وبين الأمر بالكتابة؟ فالجواب: أن الدين من حيث هو غير مفتقر إلى كتابة أصلًا، لأن كتاب الله قد سهل الله ويسر حفظَهُ علي الناس، والسنن أيضًا محفوظة عن رسول الله ﷺ، والذي أمر الله بكتابته إنما هو أشياء جزئية تقع بين الناس، فأمروا أمر إرشاد لا أمر إيجاب، كما ذهب إليه بعضهم.\nقال ابن جريج: من ادان فليكتب ومن ابتاع فليُشْهِد.\nوقال قتادة: ذكر لنا أن أبا سليمان المرعشي كان رجلًا صَحِبَ كعبًا، فقال ذات يوم لأصحابه: هل تعلمون مظلومًا دعا ربه فلم يستجب له؟ فقالوا: وكيف يكون ذلك؟ قال: رجل باع بيعًا إلى أجل فلم يشهد ولم يكتب، فلما حل ماله جحده صاحبه، فدعا ربه فلم يستجب له، لأنه قد [¬٢] عصى ربه.\nوقال أبو سعيد والشعبي، والربيع بن أنس، والحسن، وابن جريج، وابن زيد وغيرهم: كان ذلك واجبًا ثم نسخ بقوله: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ والدليل على ذلك أيضًا الحديث الذي حكي عن شرع من قبلنا مقررًا في شرعنا، ولم ينكر عدم الكتابة والإِشهاد.\nقال الإِمام أحمد (^١٧٢٢): حدثنا يونس بن محمد، حدثنا ليث، عن جعفر بن ربيعة، عن عبد الرحمن بن هرمز، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ أنه ذكر أن رجلًا من بني إسرائيل سأل بعض بني إسرائيل أن يسلفه ألف دينار، فقال: ائتني بشهداء\n_________\n(^١٧٢٠) - صحيح البخاري، كتاب السلم حديث (٢٢٤٠)، وصحيح مسلم، كتاب المساقاة (١٦٠٤).\n(^١٧٢١) - صحيح البخاري، كتاب الصوم حديث (١٩١٣)، وصحيح مسلم، كتاب الصيام (١٠٨٠).\n(^١٧٢٢) - المسند (٢/ ٣٤٨).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- سقط من: خ.","vol":"2","page":506},{"text":"أشهدهم. قال: كفى بالله شهيدًا. قال: ائتني بكفيل. قال: كفى بالله كفيلًا قال: صدقت! فدفعها إليه إلى أجل مسمى، فخرج في البحر فقضى حاجته، ثم التمس مركبًا يقدم عليه للأجل الذي أجله فلم يجد مركبًا، فأخذ خشبة فنقرها، فأدخل فيها ألف دينار وصحيفة معها إلى صاحبها ثم زجج موضعها، ثم أتى بها البحر ثم قال: اللَّهم، إنك قد علمت أني استسلفت فلانًا ألف دينار فسألني كفيلًا، فقلت: كفى بالله كفيلًا. فرضي بذلك. وسألني شهيدًا فقلت: كفى بالله شهيدًا. فرضي بذلك، وإني قد جهدت أن أجد مركبًا أبعث بها إليه بالذي أعطاني فلم أجد مركبًا وإني أستودعكها [¬١]، فرمى بها في البحر حتى ولجت فيه، ثم انصرف وهو في ذلك يطلب مركبًا إلى بلده، فخرج الرجل الذي كان أسلفه ينظر لعل مركبًا تجيئه بماله، فإذا بالخشبة التي فيها المال فأخذها لأهله حطبًا، فلما كسرها وجد المال والصحيفة، ثم قدم الرجل الذي كان تسلف منه فأتاه بألف دينار، وقال: والله ما زلت جاهدًا في طلب مركب لآتيك بمالك، فما وجدت مركبًا قبل الذي أتيت فيه. قال هل كنت بعثت إليَّ بشيء؟ قال: ألم أخبرك أني لم أجد مركبًا قبل هذا الذي جئت فيه؟ قال: فإن الله قد أدى عنك الذي بعثت به في الخشبة، فانصرف بألفك راشدًا.\nوهذا إسناد صحيح، وقد رواه البخاري في سبعة مواضع من طرق صحيحه معلقًا بصيغة الجزم (^١٧٢٣)، فقال: وقال الليث بن سعد … فذكره. ويقال: إنه رواه في بعضها عن عبد الله بن صالح كاتب الليث عنه.\nوقوله تعالى: ﴿وَلْيَكْتُبْ بَينَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ﴾ أي: بالقسط والحق، ولا يجر في كتابته على أحد، ولا يكتب إلا ما اتفقوا عليه من غير زيادة ولا نقصان.\nوقوله: ﴿وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ﴾ أي: ولا يمتنع من يعرف الكتابة إذا سئل أن يكتب للناس، ولا ضرورة عليه في ذلك، فكما علمه الله ما لم يكن يعلم فليتصدق على غيره ممن لا يحسن الكتابة، وليكتب كما جاء في الحديث: \"إن من الصدقة أن تعين صانعًا أو تصنع لأخرق\" (^١٧٢٤). وفي الحديث الآخر: \"من كتم علمًا يعلمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار\" (^١٧٢٥).\n_________\n(^١٧٢٣) - صحيح البخاري حديث (١٤٩٨، ٢٢٩١، ٢٤٠٤، ٢٤٣٠، ٢٧٤٤، ٦٢٦١، ٢٠٦٣).\n(^١٧٢٤) - رواه البخاري في العتق، حديث (٢٥١٨)، ومسلم في الإيمان (٨٤) من حديث أبي ذر ﵁.\n(^١٧٢٥) - رواه أحمد في المسند (٢/ ٣٠٤) من حديث أبي هريرة ﵁.\n_________\n[¬١]- في خ: \"أستودعتكها\".","vol":"2","page":507},{"text":"وقال مجاهد، وعطاء: واجب على الكاتب أن يكتب.\nوقوله: ﴿وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾ أي: وليملل المدين على الكاتب ما في ذمته من الدين، وليتق الله في ذلك. ﴿وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيئًا﴾ أي: لا يكتم منه شيئًا. ﴿فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيهِ الْحَقُّ سَفِيهًا﴾ محجورًا عليه بتبذير ونحوه ﴿أَوْ ضَعِيفًا﴾ أي: صغيرًا أو مجنونًا ﴿أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ﴾ إما لعي، أو جهل بموضع صواب ذلك [من خطئه] [¬١] ﴿فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾.\nوقوله: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَينِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ أمرٌ بالإِشهاد مع الكتابة لزيادة التوثقة ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَينِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ وهذا إنما يكون في الأموال وما يقصد به المال، وإنما أقيمت المرأتان مقام الرجل لنقصان عقل المرأة، كما قال مسلم في صحيحه (^١٧٢٦): حدثنا قتيبة، حدثنا إسماعيل بن جعفر، عن عمرو بن أبي عمرو، عن المقبري، عن أبي هريرة، عن النبي، ﷺ، أنه قال: \"يا معشر النساء؛ تصدقن وأكثرن الاستغفار، فإني رأيتكن أكثر أهل النار\". فقالت امرأة منهن جزلة: ومالنا يا رسول الله أكثر أهل النار؟ قال: \"تكثرن اللعن وتكفرن العشير، ما رأيت من ناقصات عقل ودين أغلب لذي لب منكن\".\nقالت [¬٢]: يا رسول الله، ما نقصان العقل والدين؟ قال: \"أما نقصان عقلها فشهادة امرأتين تعدل شهادة رجل، فهذا نقصان العقل، وتمكث الليالي لا تصلي، وتفطر في رمضان فهذا نقصان الدين\".\nوقوله: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ فيه دلالة علي اشتراط العدالة في الشهود، وهذا مقيد حكم به الشافعي على كل مطلق في القرآن من الأمر بالإشهاد من غير اشتراط. وقد استدل من رد المستور بهذه الآية الدالة [¬٣] علي أن يكون الشاهد عدَلًا مرضيًّا.\nوقوله: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا﴾ يعني المرأتين إذا نسيت الشهادة ﴿فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ أي: يحصل لها ذكر [¬٤] بما وقع به من [¬٥] الإِشهاد. ولهذا [¬٦] قرأ آخرون (فتذّكر) بالتشديد من التذكار. ومن قال: إن شهادتها معها تجعلها كشهادة ذكر. فقد أبعد والصحيح الأول، والله أعلم.\n_________\n(^١٧٢٦) - صحيح مسلم، كتاب الإيمان حديث (٨٠).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٢]- في خ: \"قلت\".\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- في خ: \"ذكرى\".\n[¬٥]- سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- في خ: \"بهذا\".","vol":"2","page":508},{"text":"وقوله: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ قيل: معناه إذا دعوا للتحمل فعليهم الإِجابة. وهو قول قتادة والربيع بن أنس. وهذا كقوله: ﴿وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ﴾ ومن هاهنا استفيد أن تحمل الشهادة فرض كفاية وقيل -وهو مذهب الجمهور-: المراد بقوله: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ للأداء، لحقيقة [¬١] قوله الشهداء والشاهد حقيقة فيمن تحمل فإذا دعي لأدائها فعليه الإجابة إذا تعينت، وإلا فهو فرض كفاية، والله أعلم.\nوقال مجاهد وأبو مجلز وغير واحد: إذا دعيت لتشهد فأنت بالخيار، وإذا شهدت فدعيت فأجب.\nوقد ثبت في صحيح مسلم (^١٧٢٧)، والسنن من طريق مالك، عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه عن عبد الله بن عمرو بن عثمان، عن عبد الرحمن بن أبي عمرة، عن زيد بن خالد، أن رسول الله ﷺ قال: \"ألا أخبركم بخير الشهداء؟ الذي يأتي بشهادته قبل أن يُسألها\".\nفأما الحديث الآخر في الصحيحين (^١٧٢٨): \" ألا أخبركم بشر الشهداء؟ الذين يشهدون قبل أن يستشهدوا [¬٢] \". وكذا قوله: \"ثم يأتي قوم تسبق أيمانهم شهادتهم، وتسبق شهادتهم أيمانهم\". وفي رواية: \"ثم يأتي قوم يشهدون ولا يستشهدون\". فهؤلاء شهود الزور. وقد روي عن ابن عباس والحسن البصىري أنها تعم الحالين: التحمل، والأداء.\nوقوله: ﴿وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ﴾ هذا من تمام الإِرشاد، وهو الأمر بكتابة الحق صغيرًا كان أو كبيرًا، فقال: ولا تسأموا. أي: لا تملوا أن تكتبوا الحق علي أي حال كان من القلة والكثرة إلى أجله.\nوقوله: ﴿ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا﴾ أي: هذا الذي أمرناكم به من الكتابة للحق إذا كان مؤجلًا هو أقسط عند الله أي: أعدل. وأقوم للشهادة، أي: أثبت للشاهد إذا وضع خطه ثم رآه تذكر به الشهادة، لاحتمال أنه لو لم\n_________\n(^١٧٢٧) - صحيح مسلم، كتاب الأقضية، حديث (١٧١٩)، وسنن أبي داود، كتاب الأقضية حديث (٣٥٩٦)، وسنن الترمذي، كتاب الشهادات حديث (٢٢٩٦، ٢٢٩٥)، وسنن النسائي الكبرى حديث (٦٠٥٩)، وسنن ابن ماجة، كتاب الأحكام حديث (٢٣٦٤).\n(^١٧٢٨) - صحيح البخاري، كتاب الرقاق حديث (٦٤٢٨)، وصحيح مسلم، كتاب فضائل الصحابة حديث (٢٥٣٥).\n_________\n[¬١]- في خ: \"حقيقة\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"يستشهدون\".","vol":"2","page":509},{"text":"يكتبه أن ينساه، كما هو الواقع غالبًا ﴿وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا﴾ وأقرب إلي عدم الريبة، بل ترجعون [¬١] عند التنازع إلي الكتاب الذي كتبتموه فيفصل بينكم بلا ريبة.\nوقوله: ﴿إلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَينَكُمْ فَلَيسَ عَلَيكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا﴾ أي: إذا كان البيع بالحاضر يدًا بيد فلا بأس بعدم الكتابة؛ لانتفاء المحذور في تركها.\nفأما الإِشهاد على البيع فقد قال تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثني يحيى بن عبد الله بن بكير، حدثني ابن لهيعة، حدّثني عطاء بن دينار، عن سعيد بن جبير، في قول الله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ يعني: أشهدوا على حقكم إذا كان فيه أجل، أو لم يكن [فيه أجل] [¬٢]، فأشهدوا على حقكم على كل حال. قال: وروي عن جابر بن زيد، ومجاهد، وعطاء، والضحاك نحو ذلك.\nوقال الشعبي، والحسن: هذا الأمر منسوخ بقوله: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾.\nوهذا الأمر محمول عند الجمهور علي الإِرشاد والندب لا على الوجوب، والدليل علي ذلك حديث خزيمة بن ثابت الأنصاري، وقد رواه الإمام أحمد (^١٧٢٩): حدَّثنا أبو اليمان، حدَّثنا شعيب عن الزهري، حدّثني عمارة بن خزيمة الأنصاري، أن عمه حدثه -وهو من أصحاب النبي- ﷺ أن النبي ﷺ ابتاع فرسًا من أعرابي فاستتبعه النبي ﷺ ليقضيه ثمن فرسه، فأسرع النبي ﷺ وأبطأ الأعرابي فطفق رجال يعترضون الأعرابي فيساومونه بالفرس، ولا يشعرون أن النبي ﷺ ابتاعه حتى زاد بعضهم الأعرابي في السوم على ثمن الفرس الذي ابتاعه النبي ﷺ فنادى الأعرابي النبي ﷺ فقال: إن كنت مبتاعًا هذا الفرس فابتعه وإلا بعته. فقام النبي ﷺ حين سمع نداء الأعرابي، قال: \"أو ليس قد ابعته منك؟ \" قال الأعرابي: لا والله ما بعتك. فقال النبي ﷺ: \"بل قد ابتعته منك\". فطفق الناس يلوذون بالنبي ﷺ والأعرابي وهما يتراجعان، فطفق الأعرابي يقول: هلم شهيدًا يشهد أني بايعتك. فمن جاء من المسلمين قال للأعرابي: ويلك! إن النبي ﷺ لم يكن يقول إلا حقًّا. حتى جاء خزيمة\n_________\n(^١٧٢٩) - المسند (٥/ ٢١٦)، وأخرجه أبو داود: كتاب الأقضية باب شهادة أهل الذمة في الوصية في السفر (٣/ ٣٠٦، ٣٠٧ / رقم: ٣٦٠٧). والنسائي: كتاب البيوع باب التسهيل في ترك الإشهار على البيع. (٧/ ٣٠١، ٣٠٢ / رقم: ٤٦٤٧). كلاهما من طريق الزهري به.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"يرجعون\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.","vol":"2","page":510},{"text":"فاستمع لمراجعة النبي ﷺ ومراجعة الأعرابي يقول: هلم شهيدًا يشهد أني بايعتك. قال خزيمة: أنا أشهد أنك [¬١] قد بايعته. فأقبل النبي ﷺ على خزيمة فقال: \"بمَ تشهد؟ \" فقال: بتصديقك يا رسول الله. فجعل رسول الله ﷺ شهادة خزيمة بشهادة رجلين.\nوهكذا رواه أبو داود من حديث شعيب، والنسائي من رواية محمد بن الوليد الزبيدي، كلاهما عن الزهري به نحوه.\nولكن الاحتياط هو الإِشهاد، لما رواه الإِمامان: الحافظ أبو بكر بن مردويه، والحاكم في مستدركه (^١٧٣٠)، من رواية معاذ بن معاذ العنبري، عن شعبة، عن فراس، عن الشعبي، عن أبي بردة، عن أبي موسى، عن النبي، ﵌، قال: \"ثلاثة يدعون الله فلا يستجاب لهم: رجل له امرأة سيئة الخلق فلم يطلقها، ورجل دفع مال يتيم قبل أن يبلغ، ورجل أقرض رجلًا مالًا فلم يُشْهِدْ\".\nثم قال الحاكم: صحيح الإِسناد على شرط الشيخين. قال: ولم يخرجاه لتوقيف أصحاب شعبة هذا الحديث على أبي موسى، وإنما أجمعوا على سند حديث شعبة بهذا الإِسناد: \"ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين\".\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾ قيل: معناه لا يضار الكاتب ولا الشاهد فيكتب هذا خلاف ما يملى، ويشهد هذا بخلاف مما سمع أو يكتمها بالكلية. وهو قول الحسن وقتادة وغيرهما.\nوقيل: معناه لا يضر بهما، كما قال ابن أبي حاتم: حدثنا أسيد بن عاصم، حدَّثنا الحسين -يعني ابن حفص- حدثنا سفيان، عن يزيد بن أبي زياد، عن مقسم، عن ابن عباس، في هذه الآية: ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾ قال: يأتي الرجل فيدعوهما إلى الكتاب والشهادة، فيقولان: إنا على حاجة. فيقول: إنكما قد أمرتما أن تجيبا. فليس له أن يضارهما.\nثم قال: وروي عن عكرمة، ومجاهد، وطاوس، وسعيد بن جبير، والضحاك، وعطية، ومقاتل بن حيان، والربيع بن أنس، والسدي نحو ذلك.\nوقوله: ﴿وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ﴾ أي: إن خالفتم ما أمرتم به أو فعلتم ما نهيتم عنه فإنه فسق كائن بكم، أي: لازم لكم لا تحيدون عنه ولا تنفكون عنه [¬٢].\n_________\n(^١٧٣٠) - المستدرك (٢/ ٣٠٢).\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- في ز، خ: \"منه\".","vol":"2","page":511},{"text":"وقوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ أي: خافوه وراقبوه، واتبعوا أمره واتركوا زجره. ﴿وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ كقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ كقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَينِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ﴾.\nوقوله: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمٌ﴾ أي: هو عالم بحقائق الأمور، ومصالحها، وعواقبها، فلا يخفى عليه شيء من الأشياء، بل علمه محيط بجميع الكائنات.\n* ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٢٨٣)﴾\nيقول تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ﴾ أي: مسافرين، وتداينتم إلى أجل مسمى ﴿وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا﴾ يكتب لكم. قال ابن عباس: أو وجدوه ولم يجدوا [¬١] قرطاسًا، أو دواة، أو قلمًا ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ أي: فليكن بدل الكتابة رهان مقبوضة، أي [¬٢]: في يد صاحب الحق.\nوقد استدل بقوله: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ على أن الرهن لا يلزم إلا بالقبض كما هو مذهب الشافعي، والجمهور. واستدل بها آخرون على أنه لابدّ أن [¬٣] يكون الرهن مقبوضًا في يد المرتهن، وهو رواية عن الإِمام أحمد، وذهب إليه طائفة.\nواستدل آخرون من السلف بهذه الآية على أنه لا يكون الرهن مشروعًا إلا في السفر، قاله مجاهد وغيره.\nوقد ثبت في الصحيحين عن أنس (^١٧٣١)، أن رسول الله ﷺ تُوفِّي ودرعه مرهونة عند يهودي على ثلاثين وسقًا من شعير رهنها قوتًا لأهله. وفي رواية: من يهود المدينة (^١٧٣٢). وفي رواية الشافعي: عند أبي الشحم اليهودي (^١٧٣٣). وتقرير هذه المسائل في كتاب الأحكام الكبير، ولله الحمد والمنة، وبه المستعان.\n_________\n(^١٧٣١) - صحيح البخاري، كتاب الرهن حديث (٢٥٠٨).\n(^١٧٣٢) - الرواية في سنن النسائي (٧/ ٢٨٨).\n(^١٧٣٣) - مسند الشافعي (ص ٢٥١).\n_________\n[¬١]- في ز: \"يجد\".\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- في ز، خ: \"وأن\".","vol":"2","page":512},{"text":"وقوله: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ روى ابن أبي حاتم بإسناد جيد عن أبي سعيد الخدري، أنه قال: هذه نَسَخَتْ ما قبلها.\nوقال الشعبي: إذا ائتمن بعضكم بعضًا فلا بأس أن لا تكتبوا أو لا تشهدوا.\nوقوله: ﴿وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾ يعني: المؤتمن، كما جاء في الحديث الذي رواه الإِمام أحمد (^١٧٣٤) وأهل السنن من رواية قتادة، عن الحسن، عن سمرة، أن رسول الله ﷺ قال: \"على اليد ما أخذت حتى تؤدّيه\".\nوقوله: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ﴾ أي: لا تخفوها وتغلوها ولا تظهروها. قال ابن عباس وغيره: شهادة الزور من أكبر الكبائر، وكتمانها كذلك. ولهذا قال: ﴿وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ قال السدي: يعني فاجر قلبه. وهذه كقوله تعالى: ﴿وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ﴾ وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَو الْوَالِدَينِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ وهكذا قال هاهنا: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾.\nلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ (٢٨٤)﴾\nيخبر تعالى أن له ملك السموات والأرض؛ وما فيهن وما بينهن، وأنه المطلع على ما فيهن، لا تخفى عليه الظواهر، ولا السرائر، والضمائر، وإن دقت وخفيت، وأخبر أنه سيحاسب عباده على ما فعلوه وما أخفوه في صدورهم، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ﴾ وقال: ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ والآيات في هذا [¬١] كثيرة جدًّا، وقد أخبر في هذه\n_________\n(^١٧٣٤) - المسند (٥/ ٨) (٢٠١٣٤)، و(٥/ ١٢) (٢٠١٧٩)، أخرجه أبو داود في كتاب البيوع، باب: في تضمين العارية (٣/ ٢٩٤ / رقم: ٣٥٦١). والترمذي في كتاب البيوع، باب: ما جاء في العارية مؤداة (٣/ ٥٥٧ / رقم: ١٢٦٦). وقال: هذا حديث حسن صحيح. والنسائي في الكبرى في كتاب العارية، باب: المنيحة (٣/ ٤١١ / رقم: ٥٧٨٣). وابن ماجة في كتاب الصدقات، باب: العارية (٢/ ٨٠٢ / رقم: ٢٤٠٠). كلهم من طريق سعيد بن أبي عروبة به.\n_________\n[¬١]- في ت: \"ذلك\".","vol":"2","page":513},{"text":"بمزيد على العلم وهو المحاسبة على ذلك؛ ولهذا لما نزلت هذه الآية اشتد ذلك على الصحابة ﵃ وخافوا منها ومن محاسبة الله لهم على جليل الأعمال وحقيرها، وهذا من شدة إيمانهم وإيقانهم.\nقال الإِمام أحمد (^١٧٣٥): حدثنا عفان، حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم، حدثني أبو عبد الرحمن -يعني العلاء- عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: لما نزلت على رسول الله، ﷺ ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ﴾ اشتد ذلك على أصحاب رسول الله، ﷺ، فأتوا رسول الله ﷺ ثم جثوا على الركب، وقالوا: يا رسول الله؛ كلفنا من الأعمال ما نطيق الصلاة، والصيام، والجهاد، والصدقة، وقد أنزلت [¬١] عليك هذه الآية ولا نطيقها فقال رسول الله ﷺ: \"أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم: سمعنا وعصينا؟ بل قولوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير\" فلما [أقرّ بها] [¬٢] القوم وذلت بها ألسنتهم أنزل الله في إثرها ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَينَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيكَ الْمَصِيرُ﴾. فلما فعلوا ذلك نسخها الله فأنزل الله [¬٣]: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ إلى آخره [¬٤].\nورواه مسلم [] [¬٥] متفردًا [¬٦] به (^١٧٣٦) من حديث يزيد بن زريع، عن روح بن القاسم، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة فذكر مثله، ولفظه: فلما [¬٧] فعلوا ذلك [¬٨] نسخها الله فأنزل ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ قال: نعم ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَينَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ قال: نعم ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ قال: نعم ﴿وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ قال: نعم.\n_________\n(^١٧٣٥) - المسند (٢/ ٤١٢).\n(^١٧٣٦) - صحيح مسلم، كتاب الإيمان حديث (١٢٥).\n_________\n[¬١]- في ز: \"أنزل\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في خ: \"افترأها\".\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- في ز: \"آخرها\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين في ز: \"به\".\n[¬٦]- في خ: \"منفردًا\".\n[¬٧]- في خ: \"ولما\".\n[¬٨]- سقط من: خ.","vol":"2","page":514},{"text":"(حديث ابن عباس في ذلك) قال الإِمام أحمد (^١٧٣٧): حدثنا وكيع، حدثنا سفيان عن آدم بن سليمان سمعت سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: لما نزلت هذه الآية ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ قال دخل قلوبهم منها شيء لم يدخل قلوبهم من شيء قال: فقال رسول الله ﷺ: \"قولوا سمعنا وأطعنا وسلمنا\" فألقى الله الإيمان في قلوبهم، فأنزل الله ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَينَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيكَ الْمَصِيرُ (٢٨٥) لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ إلى قوله ﴿فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾.\nوهكذا رواه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة وأبي كريب وإسحاق بن إبراهيم ثلاثتهم عن وكيع به وزاد: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ قال: قد فعلت ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَينَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ قال: قد فعلت ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ قال: قد فعلت ﴿وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ قال: قد فعلت.\n(طريق أخرى) عن ابن عباس قال الإِمام أحمد (^١٧٣٨): حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن حميد الأعرج عن مجاهد؛ قال: دخلت على ابن عباس، ففلت: يا أبا عباس؛ كنت عند ابن عمر فقرأ هذه الآية فبكى، قال: أيَّة آية؟ قلت: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ﴾ قال ابن عباس: إن هذه الآية حين [¬١] أنزلت غمت أصحاب رسول الله ﷺ غمًّا شديدًا، وغاظتهم غيظًا شديدًا، يعني وقالوا: يا رسول الله هلكنا! إنا كنا نؤاخذ بما تكلمنا وبما نعمل، فأما قلوبنا فليست بأيدينا، فقال لهم رسول الله ﷺ: \"قولوا: سمعنا وأطعنا\" فقالوا [¬٢]: سمعنا وأطعنا، قال فنسختها هذه الآية ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ إلى ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ فتجوز لهم عن حديث النفس وأخذوا بالأعمال.\n(طريق أخرى) عنه قال ابن جرير (^١٧٣٩): حدثني يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرني يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، عن سعيد بن مرجانة، سمعه يحدث أنه بينما هو جالس مع عبد الله\n_________\n(^١٧٣٧) - المسند (١/ ٢٣٣)، وصحيح مسلم، كتاب الإيمان حديث (١٢٦).\n(^١٧٣٨) - المسند (١/ ٣٣٢).\n(^١٧٣٩) - تفسير الطبري (٦/ ١٠٦) (٦٤٥٩).\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في ز، خ: \"قالوا\".","vol":"2","page":515},{"text":"ابن عمر تلا هذه الآية ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ [يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ] [¬١]﴾. الآية. فقال والله لئن واخذنا [¬٢] الله بهذا لنهلكن، ثم بكى ابن عمر حتى سمع [¬٣] نشيجه. قال ابن مرجانة: فقمت حتى أتيت ابن عباس، فذكرت له ما قال ابن عمر، وما فعل حين تلاها، فقال عبد الله بن عباس: يغفر الله لأبي عبد الرحمن؛ لعمري لقد وجد المسلمون منها حين أنزلت مثل ما وجد عبد الله ابن عمر، فأنزل الله بعدها ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَهَا﴾ إلى آخر السورة. قال ابن عباس: فكانت هذه للوسوسة [¬٤] مما لا طاقة للمسلمين بها، وصار الأمر إلى أن قضى الله ﷿ أن للنفس ما كسبت وعليها ما اكتسبت في القول والفعل.\n(طريق أخرى) قال ابن جرير (^١٧٤٠): حدّثني المثنى، حدثنا إسحاق، حدثنا يزيد بن هارون، عن سفيان بن حسين، عن الزهري، عن سالم، أن أباه قرأ: ﴿وَإِنْ [¬٥] تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ فدمعت عيناه، فبلغ صنيعه ابن عباس، فقال: يرحم الله أبا عبد الرحمن، لقد صنع كما صنع أصحاب رسول الله ﷺ حين أنزلت، فنسختها الآية التي بعدها ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَهَا﴾.\nفهذه طرق صحيحة عن ابن عباس (*). وقد ثبت عن ابن عمر، كما ثبت عن ابن عباس.\nقال البخاري (^١٧٤١): حدثنا إسحاق، حدثنا روح، حدثنا شعبة عن خالد الحذاء، عن مروان الأصفر، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ أحسبه ابن عمر ﴿وَإِنْ [¬٦] تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ﴾ قال: نسختها الآية التي بعدها.\nوهكذا روي عن علي وابن مسعود، وكعب الأحبار والشعبي، والنخعي ومحمد بن كعب القرظي، وعكرمة [¬٧] وسعيد بن جبير وقتادة: أنها منسوخة بالتي بعدها.\nوقد ثبت بما رواه الجماعة في كتبهم الستة (^١٧٤٢) من طريق قتادة، عن زرارة بن أوفى،\n_________\n(^١٧٤٠) - تفسير الطبري (٦/ ١٠٨) (٦٤٦٢).\n(*) قد تكلم أهل العلم في رواية سفيان بن حسين عن الزهري، وضعفوها.\n(^١٧٤١) - صحيح البخاري، كتاب تفسير القرآن حديث (٤٥٤٦).\n(^١٧٤٢) - صحيح البخاري، كتاب الطلاق حديث (٥٢٦٩)، وصحيح مسلم، كتاب الطلاق حديث =\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٢]- في خ: \"آخذنا\".\n[¬٣]- في ز: \"يسمع\".\n[¬٤]- في خ: \"الوسوسة\".\n[¬٥]- في ز، خ: \"إن\".\n[¬٦]- في ز، خ: \"إن\".\n[¬٧]- في خ: عن عكرمة\".","vol":"2","page":516},{"text":"عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: [\"إن الله تجاوز لي عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تكلم أو تعمل\".\nوفي الصحيحين (^١٧٤٣) من حديث سفيان بن عيينة، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ] [¬١]: \"قال الله: إذا هم عبدي [¬٢] بسيئة فلا تكتبوها عليه، فإن عملها فاكتبوها سيئة، وإذا هم بحسنة فلم يعملها فاكتبوها حسنة، فإن عملها فاكتبوها عشرًا\". لفظ مسلم.\nوهو في أفراده (^١٧٤٤) من طريق إسماعيل بن جعفر، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ قال: \"قال الله: إذا هم عبدي بحسنة ولم يعملها كتبتها له حسنة، فإن عملها كتبتها له [¬٣] عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف، وإذا هم بسيئة فلم يعملها لم أكتبها عليه، فإن عملها كتبتها سيئة واحدة\".\nوقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن همام بن منبه [¬٤]، قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة، عن محمد رسول الله ﷺ قال [] [¬٥]: \"قال الله: إذا تحدّث عبدي بأن يعمل حسنة فأنا أكتبها له حسنة ما لم يعمل، فإذا عملها فأنا أكتبها بعشر أمثالها، وإذا تحدّث بأن يعمل سيئة فأنا أغفرها له ما لم يعملها، فإذا [¬٦] عملها فأنا أكتبها له بمثلها\". وقال رسول الله ﷺ: \"قالت الملائكة: رب، ذاك [¬٧] عبدك يريد أن يعمل سيئة -وهو أبصر به- فقال: ارقبوه فإن عملها فاكتبوها له بمثلها، وإن تركها فاكتبوها له حسنة، وإنما [¬٨] تركها من جراي\".\nوقال رسول الله ﷺ (^١٧٤٥): \" إذا أحسن [¬٩] أحدكم إسلامه [¬١٠] فإن له\n_________\n= (١٢٧)، وسنن أبي داود كتاب الطلاق حديث (٢٢٠٩)، وسنن الترمذي، كتاب الطلاق واللعان حديث (١١٨٣)، وسنن النسائي كتاب الطلاق (٦/ ١٥٦)، وسنن ابن ماجة، كتاب الطلاق (٢٠٤٠).\n(^١٧٤٣) - صحيح مسلم حديث (١٢٨)، ورواه البخاري من حديث المغيرة بن عبد الرحمن عن أبي الزناد به نحوه.\n(^١٧٤٤) - صحيح مسلم، كتاب الإيمان حديث (١٢٨).\n(^١٧٤٥) - صحيح مسلم، كتاب الإيمان حديث (١٢٩).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في ز، خ: \"عبد\".\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- في ز: \"منيه\".\n[¬٥]- في ز: \"قال رسول الله ﷺ\".\n[¬٦]- في خ: \"فإن\".\n[¬٧]- في ز، خ: \"وإن\".\n[¬٨]- في ز، خ: \"إنما\".\n[¬٩]- في خ: \"أخر\".\n[¬١٠]- بياض في خ.","vol":"2","page":517},{"text":"بكل حسنة يعملها تكتب له [¬١] بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، وكل سيئة تكتب بمثلها حتى يلقى الله ﷿\".\nتفرّد به مسلم (١٧٤٦)، عن محمد بن رافع، عن عبد الرزاق، بهذا السياق واللفظ. وبعضه في صحيح البخاري.\nوقال مسلم أيضًا (١٧٤٧): حدثنا أبو كريب، حدثنا أبو خالد الأحمر، عن هشام، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: \"من همَّ بحسنةٍ فلم يعملها كتبت له حسنة، ومن هم بحسنةٍ فعملها كتبت له عشرًا [¬٢] إلى سبعمائة ضعف، ومن همَّ بسيئةٍ فلم يعملها لم تكتب، وإن عملها كتبت\". تفرد به مسلم دون غيره من أصحاب الكتب.\nو[قال مسلم أيضًا (١٧٤٨)] [¬٣]: حدثنا شيبان بن فروخ، حدثنا عبد الوارث، عن الجعد -أبي [¬٤] عثمان- حدثنا أبو رجاء العطاردي، عن ابن عباس، عن رسول الله ﷺ فيما يروي عن ربه تعالى، قال: \"إن الله كتب الحسنات والسيئات، ثم بين ذلك، فمن همَّ بحسنةٍ فلم يعملها كتبها الله له [¬٥] عنده حسنة كاملة، وإن همَّ بها فعملها كتبها الله عنده عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، وإن همَّ بسيئةٍ فلم يعملها [كتبها الله عنده حسنة كاملة] [¬٦]، فإن هم بها فعملها كتبها الله عنده [¬٧] سيئة واحدة\".\nثم رواه مسلم (١٧٤٩)، عن يحيى بن يحيى، عن جعفر بن سليمان، عن الجعد أبي عثمان، في هذا الإِسناد بمعنى حديث عبد الوارث [¬٨]، وزاد: \"ومحاهما الله، ولا يهلك على الله إلا هالك\".\nوفي حديث سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة (١٧٥٠)؛ قال: جاء ناس من أصحاب رسول\n_________\n(^١٧٤٦) - صحيح مسلم، كتاب الإيمان حديث (١٣٠).\n(^١٧٤٧) - صحيح مسلم، كتاب الإيمان حديث (١٣٠).\n(^١٧٤٨) - (^١٧٤٩) - صحيح مسلم، كتاب الإيمان حديث (١٣١).\n(^١٧٥٠) - صحيح مسلم، كتاب الإيمان حديث (١٣٢).\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- في خ: \"بن\".\n[¬٥]- سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- في خ: \"لم تكتب عليه\".\n[¬٧]- سقط من: ز، خ.\n[¬٨]- في ز، خ: \"الرَّزاق\".","vol":"2","page":518},{"text":"الله ﷺ فسألوه، فقالوا [¬١]: إنا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به. قال: \"وقد وجدتموه؟ \" قالوا: نعم. قال: \"ذاك صريح الإِيمان\". لفظ مسلم.\nوهو عند مسلم أيضًا من طريق الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ به.\nوروى مسلم (^١٧٥١) أيضًا [¬٢] من حديث مغيرة، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، قال: سئل رسول الله ﷺ عن الوسوسة. قال: \"تلك صريح الإِيمان\".\nوقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ فإنها لم تنسخ، ولكن الله إذا جمع الخلائق يوم القيامة يقول: إني أخبركم بما أخفيتم في أنفسكم مما لم يطلع عليه ملائكتي، فأمّا [¬٣] المؤمنون فيخبرهم ويغفر لهم ما حدثوا به أنفسهم وهو قوله: ﴿يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ يقول يخبركم، وأمّا أهل الشك والريب فيخبرهم بما أخفوا من التكذيب، وهو قوله: ﴿فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ وهو قوله: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ أي: من الشك والنفاق. وقد روى العوفي والضحاك عنه قريبًا من هذا.\nوروى ابن جرير عن مجاهد، والضحاك نحوه. وعن الحسن البصري أنه قال: هي محكمة [¬٤] لم تنسخ. واختار ابن جرير ذلك، واحتج على أنه لا يلزم من المحاسبة المعاقبة، وأنه تعالى قد يحاسب ويغفر، وقد يحاسب ويعاقب، بالحديث الذي رواه عند هذه الآية قائلًا [¬٥] (^١٧٥٢):\nحدثنا ابن بشار، حدثنا ابن أبي عدي، عن سعيد وهشام [¬٦]، (خ) وحدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن [¬٧] علية، حدثنا [] [¬٨] هشام، قالا جميعًا في حديثهما [¬٩]؛ عن قتادة، عن صفوان بن محرز [¬١٠]، قال: بينا نحن نطوف بالبيت مع عبد الله بن عمر وهو يطوف إذ\n_________\n(^١٧٥١) - صحيح مسلم، كتاب الإيمان حديث (١٣٣).\n(^١٧٥٢) - تفسير الطبري (٦/ ١١٩، ١٢٠) (٦٤٩٧).\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- سقط من: خ.\n[¬٤]- في ز: \"محمكة\".\n[¬٥]- في ز: \"قابالًا\".\n[¬٦]- في خ، ز: سعيد بن هشام، والمثبت من الطبري.\n[¬٧]- سقط من: خ.\n[¬٨]- في ز، خ: ابن.\n[¬٩]- في ز: \"حديثيهما\".\n[¬١٠]- في ز: \"مجوز\".","vol":"2","page":519},{"text":"عرض له رجل، فقال: يا بن عمر؛ ما سمعت رسول الله ﷺ يقول في النجوى؟ قال [¬١]: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"يدنو المؤمن من ربه ﷿ حتى يضع عليه كنفه فيقرره بذنوبه، فيقول له [¬٢]: هل تعرف كذا؟ فيقول: رب أعرف (*) -مرتين- حتى إذا بلغ به [¬٣] ما شاء الله أن يبلغ قال: فإني قد سترتها عليك في الدنيا، وأنا [¬٤] أغفرها لك اليوم. قال: فيعطى صحيفة حسناته -أو كتابه- بيمينه، وأما الكفار والمنافقون فينادى بهم على رءوس الأشهاد: ﴿هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾.\nوهذا الحديث مخرج في الصحيحين وغيرهما (^١٧٥٣) من طرق متعددة عن قتادة به.\nوقال ابن أبي حاتم (^١٧٥٤): حدَّثنا أبي، حدَّثنا سليمان بن حرب، حدَّثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن أمية، قالت: سألت عائشة عن هذه الآية ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ فقالت: ما سألني عنها أحد منذ سألت رسول الله ﷺ عنها، فقال: هذه مبايعة الله العبد وما يصيبه من الحمَّى والنكبة والبضاعة يضعها في يد كمه فيفتقدها [¬٥] فيفزع لها ثم يجدها في ضِبْنِه (**) [¬٦]، حتى إن المؤمن ليخرج من ذنوبه كما يخرج التبر الأحمر [من الكبِر] [¬٧].\nوكذا رواه الترمذي وابن جرير من طريق حماد بن سلمة، به (^١٧٥٥). وقال الترمذي: غريب [¬٨] لا نعرفه إلا من حديثه.\n(قلت): وشيخه علي بن زيد بن جُدْعان ضعيف يغرب في رواياته، وهو يروي هذا الحديث عن امرأة أبيه، أم محمد أمية بنت عبد الله، عن عائشة، وليس لها عنها في الكتب سواه.\n﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ\n_________\n(^١٧٥٣) - صحيح البخاري، كتاب تفسير القرآن حديث (٤٦٨٥)، وصحيح مسلم، كتاب التوبة حديث (٢٧٦٨).\n(^١٧٥٤) - زيادة من تفسير الطبري (٦/ ١١٧) (٦٤٩٥)، وإسناده ضعيف لضعف علي بن زيد.\n(^١٧٥٥) - سنن الترمذي، كتاب تفسير القرآن حديث (٢٩٩١).\n_________\n[¬١]- في خ: \"فقال\".\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- سقط من: ت.\n[¬٤]- في ت: \"وأين\".\n[¬٥]- في ت: \"فيفقدها\".\n[¬٦]- في ز: \"ضبنته\"، خ: \"صحيفته\".\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٨]- في خ: \"وقال غريب\".","vol":"2","page":520},{"text":"وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَينَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيكَ الْمَصِيرُ (٢٨٥) لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَينَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٢٨٦)﴾\n\n<span data-type='title' id=toc-79>ذكر الأحاديث الواردة في فضل هاتين الآيتين الكريمتين نفعنا الله بهما!</span>\n(الحديث الأوّل) قال البخاري (^١٧٥٦): حدثنا محمد بن كثير، أخبربا شعبة عن سليمان، عن إبراهيم، عن عبد الرحمن، عن أبي [¬١] مسعود، عن النبي ﷺ؛ قال: \"من قرأ بالآيتين\". وحدثنا أبو نعيم، حدثنا سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن أبي [¬٢] مسعود؛ قال: قال رسول الله ﷺ: \"من قرأ بالآيتين- من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه\".\nوقد أخرجه بقية الجماعة من طريق سليمان بن مهران الأعمش بإسناده مثله (^١٧٥٧).\nوهو في الصحيحين (^١٧٥٨) من طريق الثوري، عن منصور، عن إبراهيم، عن عبد الرحمن، عنه به.\n_________\n(^١٧٥٦) - صحيح البخاري، كتاب فضائل القرآن حديث (٥٠٠٨).\n(^١٧٥٧) - صحيح مسلم، كتاب صلاة المسافرين حديث (٨٠٨)، وسنن أبي داود، كتاب الصلاة حديث (١٣٩٧)، وسنن الترمذي، كتاب فضائل القرآن حديث (٢٨٨١)، وسنن النسائي الكبرى حديث (٨٠١٩)، وسنن ابن ماجة، باب إقامة الصلاة … حديث (١٣٦٨).\n(^١٧٥٨) - صحيح البخاري، كتاب فضائل القرآن حديث (٥٠٠٩)، وصحيح مسلم حديث (٨٠٧)؛ ولكنه فيه عن زهير، عن منصور به.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"ابن\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"ابن\".","vol":"2","page":521},{"text":"وهو في الصحيحين أيضًا (^١٧٥٩) عن عبد الرحمن، عن علقمة، عن أبي [¬١] مسعود، قال عبد الرحمن: ثم لقيت أبا مسعود فحدثني به.\nوهكذا رواه أحمد بن حنبل (^١٧٦٠): حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا شريك، عن عاصم، عن المسيب بن رافع، عن علقمة، عن أبي [¬٢] مسعود، عن النبي ﷺ؛ قال: \"من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة في ليلته [¬٣] كفتاه\".\n(الحديث الثاني) قال الإمام أحمد (^١٧٦١): حدثنا حسين، حدثنا شيبان، عن منصور، عن ربعي، عن خرشة بن الحرّ، عن المعرور بن سويد، عن أبي ذرٍّ، قال: قال رسول الله ﷺ: \"أعطيت خواتيم سورة البقرة من كنز تحت العرش، لم يعطهن نبي قبلي\".\nوقد رواه ابن مردويه، من حديث الأشجعي، عن الثوري، عن منصور، عن ربعي، عن زيد بن ظبيان، عن أبي ذرٍّ؛ قال: قال رسول الله ﷺ: \"أعطيت خواتيم سورة البقرة من كنز تحت العرش\" (^١٧٦٢).\n(الحديث الثالث) قال مسلم (^١٧٦٣): حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو أسامة، حدثنا مالك بن مغول (ح) وحدثنا ابن نمير، وزهير بن حرب، جميعًا عن عبد الله بن نمير، وألفاظهم متقاربة، قال ابن نمير: حدثنا أبي، حدثنا مالك بن مغول، عن الزبير بن عدي، عن طلحة، عن مرّة، عن عبد الله، قال: لما أسري برسول الله ﷺ انتهي به إلى سدرة المنتهى -وهي في السماء السادسة إليها ينتهي ما يعرج به من الأرض فيقبض منها، وإليها ينتهي ما يهبط [به] [¬٤]، من فوقها فيقبض منها- قال: ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى (١٦)﴾ قال: فراش من ذهب. قال: وأعطي رسول الله ﷺ ثلاثا: أعطي الصلوات الخمس، وأعطي خواتيم سورة البقرة، وغفر لمن لم يشرك بالله من أمته شيئًا المقحمات [¬٥].\n_________\n(^١٧٥٩) - صحيح البخاري، كتاب المغازي حديث (٤٠٠٨)، وصحيح مسلم حديث (٨٠٨).\n(^١٧٦٠) - المسند (٤/ ١١٨).\n(^١٧٦١) - المسند (٥/ ١٥١) (٢١٤٢٥) وأطرافه (٢١٤٢٣، ٢١٤٢٤). وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ٣١٢) وقال: \"رواه كله أحمد بأسانيد، ورجال أحدهما رجال الصحيح\".\n(^١٧٦٢) - ورواه البيهقي في شعب الإيمان حديث (٢٤٠٤) من طريق الأشجعي به.\n(^١٧٦٣) - صحيح مسلم، كتاب الإيمان حديث (١٧٣).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"ابن\".\n[¬٢]- في خ: \"ابن\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"ليلة\".\n[¬٤]- زيادة من ز ..\n[¬٥]- في ز: \"المقمحات\".","vol":"2","page":522},{"text":"(الحديث الرابع) قال أحمد (^١٧٦٤): حدثنا إسحاق بن إبراهيم الرازي، حدثنا سلمة بن الفضل، حدثني محمد بن إسحاق، عن يزيد بن أبي حبيب، عن [مرثد بن عبد الله اليزني] [¬١]، عن عقبة بن عامر الجهني، قال: قال لي رسول الله ﷺ: \"اقرأ الآيتين من آخر سورة البقرة، فإني أعطيتهما [¬٢]، من تحت العرش\" هذا إسناد حسن، ولم يخرجوه في كتبهم.\n(الحديث الخامس) قال ابن مردريه (^١٧٦٥): حدثنا أحمد بن كامل، حدثنا إبراهيم بن إسحاق الحربي، [أخبرنا مسدد، أخبرنا] [¬٣]، أبو [¬٤] عوانة، عن أبي مالك، عن ربعي، عن حذيفة، قال: قال رسول الله ﷺ: \"فضلنا على الناس بثلاث: أوتيت هؤلاء الآيات من آخر سورة البقرة من بيت كنز تحت العرش لم يعطها أحد قبلي ولا يعطاها أحد بعدي\".\nثم رواه من حديث نعيم بن أبي هند، عن ربعي، عن حذيفة بنحوه.\n(الحديث السادس) قال ابن مردويه (^١٧٦٦): حدثنا عبد الباقي بن قانع، أنبأنا إسماعيل بن الفضل، أخبرنا محمد بن حاتم بن بزيع [¬٥]، أخبرنا جعفر بن عون، عن مالك بن مغول، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي؛ قال: لا أرى أحدًا عقل الإسلام ينام حتى يقرأ [آية الكرسي و] [¬٦] خواتيم سورة البقوة؛ فإنها كنز أعطه نبيكم ﷺ من تحت العرش.\nورواه وكيع [في تفسيره] [¬٧]، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عمير بن عمرو الخارقي، عن علي، قال: ما أرى أحدًا يعقل بلغه الإسلامُ ينامُ حتى يقرأ آية الكرسي وخواتيمَ سورة البقرة، فإنها من كنز تحت العرش.\n(الحدث السابع) قال أبو عيسى الترمذي (^١٧٦٧): حدثنا بندار، حدثنا عبد الرحمن بن\n_________\n(^١٧٦٤) - المسند (٤/ ١٤٧).\n(^١٧٦٥) - ورواه النسائي في السنن الكبرى حديث (٨٠٢٢) من طريق آدم بن أبي إياس، عن أبي عوانى به.\n(^١٧٦٦) - ورواه ابن الضريس في فضائل القرآن حديث (١٦٩) من طريق أبي إسحاق، عن عمير بن سعيد به، قال النووي: \"صحيح على شرط البخاري ومسلم\".\n(^١٧٦٧) - سنن الترمذي، كتاب فضائل القرآن، حديث (٢٨٨٢)، والمستدرك (١/ ٥٦٢).\n_________\n[¬١] في خ: \"يزيد بن عبد الله المزني\".\n[¬٢]- في ز: \"أعطيتها\".\n[¬٣] في ز: \"أنا مسرور، أنا\".\n[¬٤]- في ز، خ: \"ابن\".\n[¬٥] في-: \"مريع\".\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط ست: ز، خ.\n[¬٧] ما بين المعكوفتين سقط من: ز.","vol":"2","page":523},{"text":"مهدي، حدثنا حماد بن سلمة، عن أشعث بن عبد الرحمن الجَرمي [¬١]، عن أبي قلابة، عن أبي الأشعث الصنعاني، عن النعمان بن بشير، عن النبي ﷺ؛ قال: \"إن الله كتب كتابًا قبل أن يخلق السموات والأرض بألفي عام، أنزل منه آيتين ختم بهما سورة البقرة، ولا [يقرآن] [¬٢] في دار ثلاث ليال فيقربها شيطان\". ثم قال: هذا حديث غريب [¬٣]. وهكذا رواه الحاكم في مستدركه من حديث حماد بن سلمة به وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه.\n(الحديث الثامن) قال السنن مردويه (^١٧٦٨): حدثنا عبد الرحمن بن محمد بن مدين [¬٤]، أخبرنا الحسن بن الجهم، أخبرنا إسماعيل بن عمرو، أخبرنا أبي أبي [¬٥] مريم، حدّثني يوسف بن أبي الحجاج، عن سعيد، عن ابن عباس، قال: كان رسول الله ﷺ إذا قرأ آخر سورة البقرة و[¬٦] آية الكرسي ضحك وقال: \"إنهما من كنز الرحمن تحت العرش\". وإذا قرأ: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ ﴿وَأَنْ لَيسَ لِلْإِنْسَانِ إلا مَا سَعَى (٣٩) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (٤٠) ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى﴾ استرجع واستكان.\n(الحديث التاسع) قال ابن مردويه (^١٧٦٩): حدثنا عبد الله بن محمد بن كوفي، حدثنا أحمد بن يحيى بن حمزة، حدَّثنا محمد بن بكر، حدثنا مكي بن إبراهيم، حدثنا عبيد [¬٧] الله بن أبي حميد، عن أبي مليح، عن معقل بن يسار، قال: قال رسول الله ﷺ: \"أعطيت فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة من تحت العرش، والمفصل نافلة\".\n(الحديث العاشر) قد تقدم في فضائل الفاتحة من رواية عبد الله بن عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: بينا رسول الله ﷺ [. .] [¬٨] وعنده جبريل إذ سمع نقيضًا فوقه فرفع جبريل بصره إلى السماء، فقال: هذا باب قد فتح من السماء ما فتح قط. قال: فنزل منه ملك فأتى النبي ﷺ فقال له [¬٩]: أبشر بنورين قد أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك: فاتحة الكتاب،\n_________\n(^١٧٦٨) - ذكره السيوطي في الدر المنثور (٢/ ٧) وعزاه لابن مردويه لابن مردويه، وفي إسناده مجاهيل.\n(^١٧٦٩) - ورواه الحاكم في المستدرك وصححه (١/ ٥٥٩) مي طريق عبيد الله بن أبي حميد به نحوه، وتعقبه الذهبي بقوله: \"فيه عبيد الله بن أبي حميد تركوه\".\n_________\n[¬١]- في خ: \"الحرامي\".\n[¬٢]- في ت: \"يقرأ بهن\".\n[¬٣]- في الترغيب والترهيب للمنذري: … وقال: حسن غريب.\n[¬٤]- في خ: \"مدني\".\n[¬٥]- سقط من: ز.\n[¬٦]- في ز: \"أو\"\n[¬٧]- في خ: \"عبد\".\n[¬٨]- ما بين المعكوفتين بياض في: خ.\n[¬٩]- سقط من: خ.","vol":"2","page":524},{"text":"وخواتيم سورة البقرة، لن تقرأ حرفًا منهما [¬١] إلا أوتيته. رواه مسلم والنسائي، وهذا لفظه (^١٧٧٠).\nفقوله تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيهِ مِنْ رَبِّهِ﴾ إخبار عن النبي ﷺ بذلك.\nقال ابن جرير (^١٧٧١): حدثنا بشر، حدثنا يزيد، حدثنا سعيد عن قتادة قال: ذكر لنا أنّ رسول الله ﷺ قال لما نزلت عليه [¬٢] هذه الآية: \"وحق لي أن يؤمن\".\nوقد روى الحاكم في مستدركه (^١٧٧٢)، حدثنا أبو النضر الفقيه، حدثنا معاذ بن نجدة القرشي [¬٣]، حدثنا خلاد بن يحيى، حدثنا أبو عقيل عن يحيى بن أبي كثير، عن أنس بن مالك، قال: لما نزلت هذه الآية على النبي ﷺ ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيهِ مِنْ رَبِّهِ﴾ قال النبي ﷺ: \"حق له أن يؤمن\" ثم قال الحاكم: صحيح الإِسناد ولم يخرجاه.\nوقوله: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ عطف على ﴿الرَّسُولُ﴾، ثم أخبر عن الجميع فقال: ﴿كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَينَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ فالمؤمنون يؤمنون بأنّ الله واحد أحد، فرد صمد، لا إله غيره، ولا رب سواه. ويصدقون بجميع الأنبياء والرسل والكتب المنزلة من السماء على عباد الله المرسلين والأنبياء، لا يفرقون بين أحد منهم فيؤمنون ببعض وكفرون ببعض، بل الجميع عندهم صادقون بارّون راشدون مهديون هادون إلى سُئل [¬٤] الخير، وإن كان بعضهم ينسخ شريعة بعض بإذن الله، حتى نسخ الجميع بشرع محمد ﷺ خاتم الأنبياء والمرسلين، الذي تقوم الساعة على شريعته، ولا تزال طائفة من أمته على الحق ظاهرين.\nوقول: ﴿وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ أي: سمعنا قولك يا ربنا وفهمناه، وقمنا به، وامتثلنا العمل بمقتضاه. ﴿غُفْرَانَكَ رَبَّنَا﴾ سؤال للمغفرة [¬٥] والرحمة واللطف.\n_________\n(^١٧٧٠) - صحيح مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها حديث (٨٠٦)، وسنن النسائي، كتاب الافتتاح (٢/ ١٣٨).\n(^١٧٧١) - تفسير الطبري (٦/ ١٢٤) (٦٤٩٩).\n(^١٧٧٢) - المستدرك (٢/ ٢٨٧) وتعقبه الذهبي، قلت: \"منقطع\"، وذلك لأن يحيى بن أبي كثير رأى أنسًا ولم يسمع منه.\n_________\n[¬١]- في ز: \"منها\".\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- سقط من خ.\n[¬٤]- في خ: \"سبيل\".\n[¬٥]- في خ: \"للغفر\".","vol":"2","page":525},{"text":"قال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن حرب الموصلي، حدثنا ابن فضيل، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قول الله: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ إلى قوله: ﴿غُفْرَانَكَ رَبَّنَا﴾ قال: قد غفرت لكم ﴿وَإِلَيكَ الْمَصِيرُ﴾ أي: إليك المرجع والمآب يوم [] [¬١] الحساب.\nقال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا جرير، عن [¬٢] بيان، عن حكيم، عن جابر، قال: لما نزلت على رسول الله ﷺ ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَينَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيكَ الْمَصِيرُ﴾ قال جبريل: إن الله قد أحسن الثناء عليك وعلى أمتك، فسل تعطه. فسأل ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَهَا﴾ إلى آخر الآية.\nوقوله: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَهَا﴾ أي: لا يكلف أحدًا فوق طاقته، وهذا من لطفه تعالى بخلقه، ورأفته بهم، وإحسانه إليهم، وهذه هي الناسخة الرافعة لما كان أشفق منه الصحابة في قوله: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ أي: وهو [¬٣]، وإن حاسب وسأل، لكن لا يعذب إلا بما يملك الشخص دفعه، فأما ما لا يملك دفعه من وسوسة النفس وحديثِها فهذا لا يكلف به الإنسان، وكراهية الوسوسة السيئة من الإِيمان.\nوقوله: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ﴾ أي: من خير ﴿وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ أي: من شر. وذلك في الأعمال التي تدخل تحت التكليف. ثم قال تعالى مرشدًا عباده إلى سؤاله، وقد تكفل لهم بالإجابة كما أرشدهم وعلمهم أن يقولوا: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ أي: إن [¬٤] تركنا فرضًا على جهة النسيان، أو فعلنا حرامًا كذلك، أو أخطأنا -أي- الصواب في العمل جهلًا منا بوجهه الشرعي. وقد تقدم في صحيح مسلم [من حديث] [¬٥] أبي هريرة [¬٦] []: \"قال الله: نعم\". ولحديث ابن عباس، قال الله: \"قد فعلت\".\nوروى ابن ماجة في سننه، وابن حبان في صحيحه (^١٧٧٣) من حديث أبي عمرو الأوزاعي،\n_________\n(^١٧٧٣) - سنن ابن ماجة: كتاب الطلاق، باب: طلاق المكره والناسي (١/ ٦٥٩/ رقم: ٢٠٤٥). صحيح ابن حبان: (١/ ١٧٨ / رقم: ١٤٣). والدارقطني: (٣/ ١٣٩). والمعجم الكبير للطبراني: (١١/ ٨٩ / رقم: ١١١٤١). والسنن الكبرى للبيهقي: (٨/ ٢٦٤). والحاكم: (١/ ٢٥٨)، (٢/ ٥٩).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ز: \"يقوم\".\n[¬٢]- في خ: \"ابن\".\n[¬٣]- في ز: \"هو\".\n[¬٤]- في ز، خ: \"بأن\".\n[¬٥]- في ز، خ: \"الحديث\".\n[¬٦]- في خ: قال.","vol":"2","page":526},{"text":"عن عطاء، قال ابن ماجة في روايته عن ابن عباس. وقال الطبراني وابن حبان: عن عطاء عن عبيد بن عمير عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن الله وضع عن أمتي الحطأ والنسيان وما استكرهوا عليه\". وقد روي من طرق أخر، وأعله [¬١] أحمد، وأبو حاتم (^١٧٧٤)، والله أعلم.\nوقال ابن أبي حاتم (^١٧٧٥): حدثنا أبي، حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا أبو بكر الهذلي، عن شهر، عن أم الدرداء، عن النبي ﷺ قال: \"إن الله تجاوز لأمتي [عن ثلاث] [¬٢] عن الخطأ والنسيان والاستكراه\". قال أبو بكر: فذكرت ذلك لحسن، فقال: أجل أما تقرأ [¬٣] بذلك قرآنًا ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾.\nوقوله: ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَينَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ أي: لا تكلفنا من الأعمال الشاقة وإن أطقناها، كما شرعته للأمم الماضية قبلنا من الأغلال، والآصار التي كانت عليهم، التي بعثت نبيك محمدًا ﷺ نبي الرحمة بوضعه في شرعه الذي أرسلته به من الدين الحنيف السهل السمح.\nوقد ثبت في صحيح مسلم، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ قال: \"قال الله: نعم\".\nوعن ابن عباس (^١٧٧٦) عن رسول الله ﷺ قال: \"قال الله: قد فعلت\". وجاء في [¬٤] الحديث من طرق عن رسول الله ﷺ أنه قال: \"بعثت بالحنيفية السمحة\".\nوقوله: ﴿وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ أي: من التكليف، والمصائب، والبلاء، لا\n_________\n(^١٧٧٤) - العلل لابن أبي حاتم (١/ ٤٣١)، والعلل للإمام أحمد (١/ ٢٢٧).\n(^١٧٧٥) - وروى ابن عدي في الكامل (٣/ ٣٢٥) من طريق أبي بكر الهذلي، عن شهر بن حوشب، عن أم الدراء، عن أبي الدراء مرفوعًا، وليس عنده قول أبي بكر للحسن.\n(^١٧٧٦) - رواه أحمد من حديث ابن عباس (١/ ٢٣٦)، وحسنه الحافظ ابن حجر في الفتح. ورواه أحمد (٢٢٣٩١) (٥/ ٢٦٦)، من حديث علي بن بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة مرفوعًا في حديث طويل، وأخرجه الطبراني في الكبير (٨/ ٢٥٧ رقم: ٧٨٦٨) من نفس طريق أحمد، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٥/ ٢٧٩) وعزاه لأحمد والطبراني في الكبير وقال: \"وفيه علي بن يزيد الألهاني، وهو ضعيف\". وأخرجه ابن سعد في الطبقات (١/ ١٩٢) من حديث حبيب بن أبي ثابت مرفوعًا- وهو مرسل، وفي إسناده برد الحريري لا يعرف. وقد روي عن عائشة، وجابر ﵃.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"وعللَّه\".\n[¬٢]- سقط من: ت.\n[¬٣]- في ز، خ: \"يقرأ\".\n[¬٤]- سقط من: خ.","vol":"2","page":527},{"text":"تبتلينا بما لا قبل لنا به.\nوقد قال مكحول في قوله: ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ قال: العُزْبة [¬١] والغلمة. رواه ابن أبي حاتم. قال الله: نعم. وفي الحديث الآخر قال الله: قد فعلت.\nوقوله: ﴿وَاعْفُ عَنَّا﴾: فيما بيننا وبينك، مما تعلمه من تقصيرنا وزللنا ﴿واغفر لنا﴾ أي: فيما بيننا وبين عبادك، فلا تظهرهم على مساوينا وأعمالنا القبيحة ﴿وارحمنا﴾ أي: فيما يستقبل، فلا توقعنا بتوفيقك في ذنب آخر، ولهذا قالوا: إن المذنب [¬٢] محتاج إلى ثلاثة أشياء: أن يعفو الله عنه فيما بينه وبينه، وأن يستره من [¬٣] عباده فلا يفضحه به بينهم، وأن يعصمه فلا يوقعه في نظيره. وقد تقدّم في الحديث أن الله قال: نعم. وفي الحديث الآخر قال الله: قد فعلت.\nوقوله ﴿أنت مولانا﴾ أي: أنت ولينا وناصرنا، وعليك توكلنا وأنت المستعان، وعليك التكلان، ولا حول [] ولا قوة لنا إلا بك ﴿فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾: الذين جحدوا دينك، وأنكروا وحدانيتك، [ورسالة نبيك] [¬٤] وعبدوا غيرك، وأشركوا معك من عبادك، فانصرنا عليهم واجعل لنا العاقبة عليهم في الدنيا والآخرة. قال الله: نعم. وفي الحديث الذي رواه مسلم، عن ابن عباس قال الله: قد فعلت.\nوقال ابن جرير (^١٧٧٧): حدّثني المثنى بن إبراهيم، حدَّثنا أبو نعيم، حدثنا سفيان، عن أبي إسحاق، أن معاذًا ﵁ كان إذا فرغ من هذه السورة ﴿فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ قال: آمين. ورواه وكيع، عن سفيان، [عن في إسحاق] [¬٥]، عن رجل، عن معاذ بن جبل، أنه كان إذا ختم البقرة قال: آمين.\n[آخر تفسير سورة البقرة ولله -تعالى- الحمد والمنة، وبه التوفيق والعصمة، وحسبنا الله ونعم الوكيل] [¬٦]، [ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله على سيدنا محمد] [¬٧].\n* * *\n_________\n(^١٧٧٧) - تفسير الطبري (٦/ ١٤٦) (٦٥٤٢).\n_________\n[¬١]- في خ: \"الغربة\".\n[¬٢]- في ز: \"الذنب\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"عن\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من ت.\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين زيادة من: خ.","vol":"2","page":528},{"text":"انتهى بحمد الله تعالى وتوفيقه المجلد الثاني ويليه إن شاء الله تعالى المجلد الثالث وأوله تفسير سورة آل عمران","vol":"2","page":531},{"text":"[بسم الله الرحمن الرحيم\nوما توفيقي إلَّا بالله] [¬١]\n\n<span data-type='title' id=toc-80>تفسير سورة آل عمران و[¬٢] هي مدنية</span>\nلأنَّ صدرها إلى ثلاث وثمانين آية منها نزلت في وفدِ نجران، وكان قدومهم في سنة تسع من الهجرة، كما سيأتي بيان ذلك عند تفسير آية المباهلة منها، إن شاء الله تعالى. وقد ذكرنا ما ورد في فضلها مع سورة البقرة في أول تفسير البقرة.\n﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢) نَزَّلَ عَلَيكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَينَ يَدَيهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣) مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (٤)﴾\n[قد] [¬٣] ذكرنا الحديث (^١) الوارد في أن اسم الله الأعظم في هاتين الآيتين ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ و﴿الم [اللَّهُ لَا إِلَهَ إلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ] [¬٤]﴾ عند تفسير آية الكرسي، وقد [¬٥] تقدم [] [¬٦] الكلام على قوله تعالى: ﴿الم﴾ في أول [¬٧] سورة البقرة بما أغنى عن إعادته، وقد تقدم أيضًا [¬٨] الكلام على قوله: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ في تفسير آية الكرسي.\nوقوله تعالى: ﴿نَزَّلَ عَلَيكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ يعني: نزل عليك القرآن يا محمَّد بالحق أي: لا شك فيه ولا ريب، بل هو مُنزل من عند [¬٩] الله ﷿، أنزله بعلمه والملائكة يشهدون، وكفى بالله شهيدًا.\nوقوله: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَينَ يَدَيهِ﴾ أي: من الكتب المنزلة قبله من السماء على عباد الله الأنبياء، فهي تُصدّقه بما أخبرت به، وبشرت في قديم الزمان، وهو يصدقها؛ لأنَّه طابق ما أخبرت به\n_________\n(^١) - سبق تخريجه في سورة البقرة آية (٢٥٥).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ت.\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- في ز، خ: \"وقد\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين زيادة من: ت.\n[¬٥]- سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- بين المعكوفتين في: ز \"أيضًا\".\n[¬٧]- سقط من: خ.\n[¬٨]- سقط من: ت.\n[¬٩]- سقط من ز.","vol":"3","page":5},{"text":"وبشرت من الوعد من الله؛ بإرسال محمَّد ﵌، وإنزال القرآن العظيم عليه. وقوله: ﴿وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ﴾ أي: على موسى بن عمران ﴿وَالْإِنْجِيلَ﴾ أي: على عيسى ابن مريم ﵉ ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ أي: من قبل هذا القرآنَ ﴿هُدًى لِلنَّاسِ﴾ أي: في زمانهما ﴿وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ﴾ وهو الفارق بين الهدى والضلال، والحقُّ والباطل، والغي والرشاد؛ بما يذكره [¬١] الله الله تعالى من الحجج والبينات، والدلائل الواضحات، والبراهين القاطعات، ويبينه ويوضحه، ويفسره ويقرره، ويرشد إليه، وينبه عليه من ذلك.\nوقال قتادة والربيع بن أنس: الفرقان ها هنا: القرآن. واختار ابن جرير (^٢) أنَّه مصدر ها هنا؛ لتقدّم ذكر القرآن في قوله: ﴿نَزَّلَ عَلَيكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَينَ يَدَيهِ﴾ وهو القرآن. وأمَّا ما رواه ابن أبي حاتم (^٣) عن أبي صالح، أن المراد ها هنا بالفرقان: التوراة، فضعيف أيضًا؛ لتقدم ذكرها، والله أعلم.\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ أي: جحدوا بها وأنكروها وردّوها بالباطل ﴿لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ أي: يوم القيامة ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ﴾ أي: منيع الجناب، عظيم السلطان ﴿ذُو انْتِقَامٍ﴾ أي: ممن كذب بآياته [¬٢]، وخالف رسله الكرام، وأنبياءه العظام.\n﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيهِ شَيءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ (٥) هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إلا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦)﴾\nيخبر الله تعالى أنَّه يعلم غيب السموات والأرض، لا يخفى عليه شيء من ذلك ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيفَ يَشَاءُ﴾ أي: يخلقكم [كما يشاء في الأرحام]؛ من ذكر وأنثى، حسن وقبيح، وشقي وسعيد ﴿لَا إِلَهَ إلا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ أي: هو الذي خلق، وهو المستحق للإِلهية وحده لا شريك له، وله العزة التي لا ترام، والحكمة والأحكام.\nوهذه الآية فيها تعريض، بل تصريح، بأن عيسى ابن مريم عبد مخلوق، كما خلق الله سائر البشر؛ لأنَّ الله صوره في الرحم، وخلقه كما [¬٣] يشاء، فكيف يكون إلهًا كما زعمته النصارى\n_________\n(^٢) - تفسير ابن جرير (٦/ ١٦٢ - ١٦٣ - شاكر).\n(^٣) - تفسير ابن أبي حاتم (٢/ ٣٧) رقم (٥١) من حديث علي بن الحسين، ثنا عثمان بن أبي شيبة، ثنا أبو معاوية، عن إسماعيل، عن أبي صالح، به. وعلي بن الحسين هو ابن الجنيد: ثقة، أو هو العامري: صدوق. وباقي رجال الإسناد ثقات.\n_________\n[¬١]- في خ: \"يذكر\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"آياته\".\n[¬٣]- في ت: \"كيف\".","vol":"3","page":6},{"text":"عليهم لعائن الله؟! وقد تقلب في الأحشاء، وتنقل من حال إلى حال، كما قال تعالى: ﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إلا هُوَ [¬١] فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾.\nهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْويلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْويلَهُ إلا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إلا أُولُو الْأَلْبَابِ (٧) رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨) رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (٩)\nيخبر تعالى أن في القرآن آياتٌ محكماتٌ، هن أم الكتاب، أي: بينات، واضحات الدلالة، لا التباس فيها على أحد من النَّاس، ومنه آيات آخر فيها اشتباه في الدلالة على كثير من النَّاس أو بعضهم، فمن ردّ ما اشتبه عليه إلى الواضح منه، وحكم محكمه على متشابهه عنده فقد اهتدى، ومن عكس انعكس، ولهذا قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ أي: أصله الذي يرجع إليه عند الاشتباه ﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ أي: تحتمل دلالتها موافقة المحكم، وقد تحتمل شيئًا [¬٢] آخر من حيث اللفظ والتركيب، لا من حيث المراد.\nوقد اختلفوا في المحكم والمتشابه؛ فرُوي عن السلف عبارات كثيرة، فقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس ﵄ [أنَّه قال] [¬٣]: المحكمات: ناسخه، وحلاله وحرامه، وأحكامه [¬٤] وحدوده وفرائضه، وما يؤمر به ويعمل به.\nوكذا رُوي عن عكرمة، ومجاهد، وقتادة، والضحاك، ومقاتل بن حيان، والربيع بن أنس والسُّدى، أنهم قالوا: المحكم الذي يعمل به.\n_________\n[¬١]- في خ: \"هو العزيز الحكيم\".\n[¬٢]- في خ: \"أشياء\".\n[¬٣]- سقط من خ.\n[¬٤]- سقط من: ز.","vol":"3","page":7},{"text":"وعن ابن عباس أيضًا [¬١] أنَّه قال: المحكمات: [] [¬٢] قوله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيكُمْ [أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيئًا] [¬٣]﴾ والآيتان بعدها، وقوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إلا إِيَّاهُ﴾ إلى ثلاث آيات بعدها.\nرواه [¬٤] ابن أبي حاتم (^٤)، وحكاه عن سعيد بن جبير، ثم [¬٥] قال (^٥): حدَّثنا أبي، حدَّثنا سليمان بن حرب، حدَّثنا حماد بن زيد، عن إسحاق بن سويد أن يَحْيَى بن يعمر وأبا فاختة تراجعا في هذه الآية: ﴿هُنَّ [¬٦] أُمُّ الْكِتَابِ [وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ] [¬٧]﴾ فقال أبو فاختة: فواتح السور. وقال يَحْيَى بن يعمر: الفرائض، والأمر والنهي، والحلال والحرام [¬٨].\nوقال ابن لهيعة (^٦)، عن عطاء بن دينار، عن سعيد بن جبير: ﴿هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ يقول: أصل الكتاب، وإنَّما سماهنّ أم الكتاب؛ لأنهنّ مكتوبات في جميع الكتب.\nوقال مقاتل بن حيان (^٧): لأنَّه ليس من أهل دين إلَّا يرضى بهنّ.\nوقيل في المتشابهات: إنهن المنسوخة، والمقدم منه والمؤخر، والأمثال فيه، والأقسام، وما يؤمن به ولا يعمل به. رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس.\nوقيل: هي الحروف المقطعة في أوائل السور. قاله مقاتل بن حيان. وعن مجاهد: المتشابهات يصدق [¬٩] بعضهن بعضًا (^٨).\n_________\n(^٤) - تفسير ابن أبي حاتم (٢/ ٥٣) رقم (٨٠). من حديث العوام بن حوشب، عمن حدثه، عن ابن عباس به. وسنده فيه جهالة.\n(^٥) - تفسير ابن أبي حاتم (٢/ ٥٥) رقم (٨٤). ورجال إسناده ثقات.\n(^٦) - تفسير ابن أبي حاتم (٢/ ٥٦) حديث (٨٥).\n(^٧) - تفسير ابن أبي حاتم (٢/ ٥٧) حديث (٨٦) وإسناده حسن.\n(^٨) - رواه البُخاريّ معلقًا عن مجاهد (٦/ ٤١)، وقال العيني: رواه عبد بن حميد، عن روح، عن شبل، عن ابن أبي نجيح عنه، به. ورواه ابن المنذر عن علي بن المبارك، عن زيد بن المبارك، عن محمَّد بن ثور، عن ابن جريج عنه (عمدة القارئ ١٨/ ١٣٨). ورواه ابن أبي حاتم معلقًا (٨٨). ورواه من طريق ابن جريج، عن مجاهد برقم (٩٢).\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في: ز \"في\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- في ت: ورواه.\n[¬٥]- في ت: \"به\".\n[¬٦]- في ز، خ: \"هي\".\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين سقط من ز.\n[¬٨]- سقط من: ز، خ.\n[¬٩]- في ز، خ: \"يصدقن\".","vol":"3","page":8},{"text":"وهذا إنَّما هو في تفسير قوله: ﴿كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾ هناك ذكروا أن المتشابه: هو الكلام الذي يكون في سياق واحد، والمثاني: هو الكلام في شيئين متقابلين، كصفة الجنَّة وصفة النَّار، وذكر حال الأبرار ثم [¬١] حال الفجار، ونحو ذلك.\nوأما [¬٢] ها هنا؛ فالمتشابه هو الذي يقابل المحكم، وأحسن ما قيل فيه: هو [¬٣] الذي قدمنا [¬٤]، وهو الذي نص عليه محمَّد بن إسحاق بن يسار، ﵀، حيث قال: منه آيات محكمات هنّ أم الكتاب، فيهن حجة الرب، وعصمة العباد، ودفع الخصوم والباطل، ليس لهن تصريف، ولا تحريف عما وضعن عليه.\nقال: والمتشابهات في الصدق لهن تصريف وتحريف وتأويل، ابتلى الله فيهن العباد، كما ابتلاهم في الحلال والحرام، ألا يُصْرَفْن إلى الباطل ولا [¬٥] يحرَّفْن عن الحق.\nولهذا قال الله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيغٌ﴾ أي: ضلال وخروج عن الحق إلى الباطل ﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ أي: إنَّما يأخذون منه بالمتشابه الذي يمكنهم أن يحرفوه إلى مقاصدهم الفاسد، وينزلوه عليها؛ لاحتمال لفظه لما يصرفونه، فأمَّا المحكم فلا نصيب لهم فيه؛ لأنَّه دامغ لهم وحجة عليهم، ولهذا قال الله تعالى: ﴿ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾ أي: الإضلال لأتباعهم، إيهامًا لهم أنهم يحتجون على بدعتهم بالقرآن، وهذا [¬٦] حجة عليهم لا لهم، كما لو احتج النصارى بأن القرآن قد نطق بأن عيسى هو روح الله، وكلمته ألقاها إلى مريم [وروح منه] [¬٧]، وتركوا الاحتجاج بقوله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إلا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيهِ﴾ وبقوله: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَال لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ وغير ذلك من الآيات المحكمة المصرحة بأنه خلق من مخلوقات الله، وعبد ورسول من رسل الله.\nوقوله تعالى: ﴿وَابْتِغَاءَ تَأْويلِهِ﴾ أي: تحريفه على ما يريدونه [¬٨]. وقال مقاتل والسدي: يبتغون أن يعلموا ما يكون، وما عواقب الأشياء من القرآن.\nوقد قال الإِمام أحمد (^٩): حدَّثنا إسماعيل، ثنا أيوب، عن عبد الله بن أبي مليكة، عن\n_________\n(^٩) - مسند أحمد (٦/ ٤٨). وسنن ابن ماجة (١/ ١٨ - ١٩)، المقدمة، باب: اجتناب البدع والجدل، حديث رقم (٤٧). وعبد الرَّزاق في تفسيره (١/ ١١٦). وابن حبان (١/ ٢٧٧ - الإحسان) حديث رقم (٧٦). والترمذي في سننه، كتاب: تفسير القرآن، باب: ومن سورة آل عمران، حديث رقم (٢٩٩٧) =\n_________\n[¬١]- في ت: \"ثم\".\n[¬٢]- في ز: \"فأما\".\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- في ز: \"قدمناه\".\n[¬٥]- في خ: \"و\".\n[¬٦]- في ت: \"وهو\".\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٨]- في خ: \"يريدون\".","vol":"3","page":9},{"text":"عائشة، ﵂، قالت: قرأ رسول الله، ﷺ ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ [] [¬١]﴾ إلي قوله: ﴿أُولُو [¬٢] الْأَلْبَابِ﴾ فقال [¬٣]: \"فإذا رأيتم الذين يجادلون فيه فهم الذين عنى الله فاحذروهم\".\nهكذا وقع هذا [¬٤] الحديث في مسند الإمام أحمد، ﵀، من رواية ابن أبي مليكة، عن عائشة، ﵂، ليس بينهما أحد.\nوهكذا رواه ابن ماجه من طريق إسماعيل بن علية، وعبد الوهاب الثَّقفيُّ، كلاهما عن أيوب، عن عبد الله بن عبيد الله بن أبي [¬٥] مليكة، عنها به [¬٦].\nورواه محمَّد بن يَحْيَى العبدي في مسنده، عن عبد الوهاب الثَّقفيُّ، عن أيوب، به.\nوكذا رواه عبد الرَّزاق، عن معمر، عن أيوب. وكذا رواه غير واحد عن أيوب. وقد رواه ابن حبان في صحيحه، من حديث أيوب، به.\nوتابع أيوبَ أبو عامرٍ الخزاز وغيره، عن ابن أبي مليكة، فرواه التِّرمذيُّ، عن بُندار، عن أبي داود الطيالسي، عن أبي عامر الخزاز فذكره. وهكذا رواه سعيد بن منصور في سننه، عن حماد بن يَحْيَى الأبح، عن عبد الله بن أبي مليكة، عن عائشة.\nورواه ابن جرير (^١٠) من حديث روح بن القاسم ونافع بن عمر الجمحي، كلاهما عن ابن أبي مليكة، عن عائشة، به [¬٧]. وقال نافع في روايته عن ابن أبي مليكة: حدثتني عائشة .... فذكره.\nوقد روى هذا الحديث البُخاريّ (^١١)، ﵀، عند تفسير [¬٨] هذه الآية، ومسلم في\n_________\n= وسعيد بن منصور في سننه برقم (٤٩٢).\n(^١٠) - رواه ابن جرير في تفسيره (٦/ ١٩٣ - ١٩٤ - شاكر) حديث رقم (٦٦١٢، ٦٦١٣، ٦٦١٤).\n(^١١) - رواه البُخاريّ في صحيحه، كتاب: التفسير، باب: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾، حديث (٤٥٤٧). ومسلم في كتاب العلم، باب: النَّهي عن أتباع متشابه القرآن، والتحذير من متبعيه والنهي عن الاختلاف في القرآن، حديث (٢٦٦٥). وأبو داود في كتاب السنة، باب: مجانبة أهل الأهواء، حديث رقم (٤٥٩٨). والترمذي في سننه، كتاب تفسير القرآن، باب: ومن سورة آل عمران، حديث رقم (٢٩٩٦ - ٢٩٩٧).\n_________\n[¬١]- في ز: \"فأمَّا الذين في قلوبهم زيغ\".\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- زيادة من: ز، خ.\n[¬٥]- سقط من: خ.\n[¬٦]- سقط من: ز.\n[¬٧]- زيادة من: ز، خ.\n[¬٨]- في خ: \"تفسيره\".","vol":"3","page":10},{"text":"كتاب القدر من صحيحه، وأبو داود في السنة من سننه؛ ثلاثتهم عن القعنبي، عن يزيد بن إبراهيم التستري، عن ابن أبي مليكة، عن القاسم بن محمَّد، عن عائشة ﵂ قالت: تلا رسول الله ﷺ[هذه الآية] [¬١]: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾ إلى قوله: ﴿[وَمَا يَذَّكَّرُ] [¬٢] إلا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ قالت: قال رسول الله، ﷺ: \"فإذا رأيتم [¬٣] الذين يتبعون ما تشابه منه؛ فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم\" لفظ البُخاريّ، وكذا رواه التِّرمذيُّ أيضًا، عن بندار، عن أبي داود الطيالسي، عن يزيد بن إبراهيم التستري به، وقال: حسن صحيح. وذكر أن يزيد بن إبراهيم التستري تفرد بذكر القاسم في هذا الإسناد. وقد رواه غير واحد، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة، ولم [¬٤] يذكروا القاسم، كذا قال.\nورواه [أبو بكر] [¬٥] بن المنذر في تفسيره من طريقين، عن أبي النُّعمان محمَّد بن الفضل السدوسي، ولقبه: عارم، حدَّثنا حماد بن زيد، حدَّثنا أيوب، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة، به [¬٦].\nوقد رواه ابن أبي حاتم (^١٢) فقال [¬٧]: حدَّثنا أبي، حدَّثنا أبو الوليد الطيالسي، حدَّثنا يزيد بن إبراهيم التستري، وحماد بن سلمة، عن ابن أبي مليكة، عن القاسم بن [] [¬٨] محمَّد، عن عائشة ﵂ قالت: سئل رسول الله ﷺ عن قول الله تعالى [¬٩]: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ فقال رسول الله ﷺ: \"إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه؛ فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم\".\nوقال ابن جرير (^١٣) ﵁: حدَّثنا [¬١٠] عليّ بن سهل، حدَّثنا الوليد بن مسلم [¬١١]، عن حماد بن سلمة، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة ﵂ قالت: نزع رسول الله، ﷺ، بهذه الآية ﴿يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾ فقال\n_________\n(^١٢) - ابن أبي حاتم في تفسيره (٢/ ٦٤) رقم (١٠٣).\n(^١٣) - رواه ابن جرير في تفسيره (٦/ ١٩٢ - ١٩٣ - شاكر) رقم (٦٦١١).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٣]- في ز، خ: \"رأيت\".\n[¬٤]- في ز: \"لم\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- زيادة من: خ.\n[¬٧]- سقط من: ز.\n[¬٨]- ما بين المعكوفتين في ز: \"أبي\".\n[¬٩]- في خ: \"﷿\".\n[¬١٠]- سقط من: خ.\n[¬١١]- في خ: \"سلم\".","vol":"3","page":11},{"text":"رسول الله ﷺ: \"قد حذركم الله فإذا رأيتموهم فاعرفوهم\".\nورواه ابن مردويه من طريق أخرى، عن القاسم، عن عائشة، به.\nوقال الإِمام أحمد (^١٤): حدثنا أبو كامل، حدثنا حماد، عن أبي غالب، قال: سمعت أبا أمامة يحدث عن النبي ﷺ في قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ قال: \"هم الخوارج\" وفي قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ قال: \"هم الخوارج\".\nوقد رواه ابن مردويه من غير وجه، عن أبي غالب، عن أبي أمامة مرفوعًا، فذكره.\nوهذا الحديث أقل أقسامه أن يكون موقوفًا من كلام الصحابي، ومعناه صحيح؛ فإن أوّل بدعة وقعت في الإسلام فتنة الخوارج، وكان مبدؤهم بسبب الدنيا حين قسم النبي ﷺ، غنائم حنين، فكأنَّهم رأوا في عقولهم الفاسدة أنه لم يعدل في القسمة، ففاجئوه بهذه المقالة، فقال قائلهم- وهو ذو الخويصرة، بقر الله خاصرته،: اعدل، فإنك لم تعدل. فقال له [¬١] رسول الله ﷺ: \"لقد خبْتُ وخَسِرتُ إن لم أكن أعدل، أيأمنني [¬٢] على أهل الأرض، ولا تأمنوني [¬٣] \". فلما قفَّى (^١٥) الرجل؛ استأذن عمر بن الخطاب -في [¬٤] رواية: خالد بن الوليد-[رسول الله] في قتله فقال: \"دعه، فإنه يخرج من ضئضيء هذا، أي: -من جنسه- قومٌ يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، وقراءته مع قراءته، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية (^١٦)، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قتلهم أجرًا لمن قتلهم\" (^١٧).\n_________\n(^١٤) - حسن، رواه أحمد في مسنده (٥/ ٢٦٢). ورواه البيهقي (٨/ ١٨٨) من طريق حماد بن زيد، عن أبي غالب، عن أبي أمامة. وأخرجه الطبراني (٨/ ٣٢٥) رقم (٤٨٤٦). من طريق حميد بن مهران، عن أبي غالب.\n(^١٥) - معنى قفَّى: ذهب موليًّا، وكأنه من القفا، أي: أعطاه ظهره وقفاه.\n(^١٦) - أي يجوزونه ويخرقونه ويتعدونه، كما يخرق السهم الشيء المرميَّ به، ويخرج منه.\n(^١٧) - أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المناقب، باب: علامات النبوة في الإسلام، حديث (٣٦١٠)، وطرفه (٦١٦٣). ومسلم في صحيحه، كتاب: الزكاة، باب: ذكر الخوارج وصفاتهم، حديث (١٠٦٣/ ١٤٨). وابن حبان في صحيحه (١٥/ ١٤٠ - الإحسان) رقم (٦٧٤١). والبيهقي في \"دلائل النبوة\" (٦/ ٤٢٧ - ٤٢٨)، كلهم من طريق أبي سعيد الخدري ﵁ فذكره.\n_________\n[¬١]- زيادة من: ز، خ.\n[¬٢]- في خ: \"إن أمنني\".\n[¬٣]- في ز: \"يأمنوني\".\n[¬٤]- في ز: \"وفي\".","vol":"3","page":12},{"text":"ثم كان ظهورهم أيام علي بن أبي طالب، ﵁، وقتلهم [¬١] بالنهروان، ثم تشعبت منهم شعوب وقبائل، وآراء وأهواء، ومقالات ونحل كثيرة منتشرة، ثم نبعت القدرية، ثم المعتزلة، ثم الجهمية، وغير ذلك من البدع التي أخبر عنها الصادق المصدوق، ﷺ، في قوله: \"وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة\". قالوا: من [¬٢] هم يا رسول الله؟ قال: \" [من كان على] [¬٣] ما أنا عليه وأصحابي\". أخرجه الحاكم في مستدركه (^١٨) بهذه الزيادة.\nوقال الحافظ أبو يعلى (^١٩): حدثنا أبو موسى، حدثنا عمرو بن عاصم، حدثنا المعتمر، عن أبيه، عن قتادة، عن الحسن، عن جندب بن عبد الله، أنه بلغه عن حذيفة أو سمعه منه يحدِّث عن رسول الله، ﷺ، أنه ذكر: \"إن في أمتي قومًا يقرءون القرآن ينثرونه نثر الدقل، يتأولونه على غير تأويله\" لم يخرجوه.\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْويلَهُ إلا اللَّهُ﴾ اختلف القراء في الوقف هاهنا، فقيل: على الجلالة، كما تقدم عن ابن عباس، ﵁، أنه قال: التفسير على أربعة أنحاء: فتفسير لا يعذر أحد في فهمه، وتفسير تعرفه العرب من لغاتها، وتفسير يعلمه الراسخون في العلم، وتفسير لا يعلمه إلا الله، ﷿، ويروى هذا القول عن عائشة، وعروة، وأبي الشعثاء، وأبي نهيك، وغيرهم.\nوقد قال الحافظ أبو القاسم في المعجم الكبير (^٢٠): حدثنا هاشم بن مرثد، حدثنا محمد بن إسماعيل بن عياش، حدثني أبي، حدثني ضمضم [¬٤] بن زرعة [¬٥]، عن شريح [¬٦] بن عبيد، عن أبي مالك الأشعري، أنه سمع رسول الله، ﷺ يقول: \"لا أخاف على أمّتي إلا ثلاث خلال: أنْ يكثر لهم المال فيتحاسدوا فيقتتلوا، وأنْ يفتح لهم الكتاب فيأخذه [¬٧] المؤمن\n_________\n(^١٨) - الحاكم (١/ ١٢٨)، وسيأتي تخريجه في سورة يونس آية (٩٣)، حديث (٩٧).\n(^١٩) - ذكره السيوطي في الدر النثور (٢/ ٩) ولم يعزه لغير أبي يعلى، وهو في المطالب العالية (٨/ ٣٨٨٤) وقال البوصيري في الإتحاف: إسناد رجاله ثقات.\n(^٢٠) - المعجم الكبير (٣/ ٣٣٢) رقم (٣٤٤٢)، وذكره الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (١/ ١٣٢ - ١٣٣)، وقال: فيه محمد بن إسماعيل بن عياش، عن أبيه، ولم يسمع من أبيه.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"فقتلهم\".\n[¬٢]- في ز: \"ومن\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- في ز: \"ضضم\".\n[¬٥]- في ز: \"ورعة\".\n[¬٦]- في ز: \"سريج\".\n[¬٧]- في ز: \"فيأخذ\".","vol":"3","page":13},{"text":"يبتغي تأويله ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْويلَهُ إلا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ الآية، وأنْ يزداد [¬١] علمهم فيضيعوه، ولا يبالون عليه\" غريب جدًّا.\nوقال الحافظ أبو بكر بن مردويه (^٢١): حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، أخبرنا أحمد بن عمرو، حدثنا هشام بن عمار، أخبرنا ابن أبي حازم [¬٢]، عن أبيه، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن ابن العاص، عن رسول الله، ﷺ، قال: \"إن القرآن لم ينزل ليكذب بعضه بعضًا، فما عرفتم منه فاعملوا به، وما تشابه منه [¬٣] فآمنوا به\".\nوقال عبد الرزاق (^٢٢): أنبأنا معمر، عن ابن طاووس، عن أبيه، قال: كان ابن عباس يقرأ: \"وما يعلم تأويله إلا الله ويقول الراسخون آمنا به\". وكذا روي ابن جرير (^٢٣)، عن عمر بن عبد العزيز، ومالك بن أنس: إنهم يؤمنون به، ولا يعلمون تأويله. وحكى ابن جرير أن في قراءة عبد الله بن مسعود: ﴿إن تأويله إلا عند الله والراسخون في العلم يقولون [آمنا به] [¬٤]﴾. وكذا عن أبي بن كعب، واختار ابن جرير هذا القول (^٢٤).\nومنهم من يقف على قوله ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾. وتبعهم كثير من المفسرين وأهل الأصول، وقالوا: الخطابُ بما لا يفهم بعيدٌ.\nوقد روى ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس أنه قال: أنا من الراسخين الذين يعلمون تأويله. وقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد: والراسخون في العلم يعلمون تأويله، ويقولون [¬٥]: آمنا به. وهكذا [¬٦] قال الربيع بن أنس.\nوقال محمد بن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْويلَهُ﴾ الذي أراد ما أراد (﴿إلا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ ثم ردوا تأويل المتشابهه على ما عرفوا من تأويل المحكمة، التي لا تأويل لأحد فيها إلا تأويل واحد، فاتسق بقولهم الكتاب، وصدّق بعضه بعضًا، فنفذت [¬٧] الحجة، وظهر به العذر، وزاح به الباطل، ودفع به الكفر. وفي الحديث أن\n_________\n(^٢١) - ذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" (٢/ ٩) وعزاه إلى ابن مردويه وابن سعد، وابن الضريس في فضائله (حديث ٣١٥) عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده.\n(^٢٢) - عبد الرزاق في تفسيره (١/ ١١٦).\n(^٢٣) - ابن جرير في تفسيره (٦/ ٢٠٣ - شاكر) رقم (٦٦٣٠، ٦٦٣١).\n(^٢٤) - تفسير ابن جرير (٦/ ٢٠٤ - شاكر).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"يروا ذا\".\n[¬٢]- في ت: \"حاتم\".\n[¬٣]- سقط من: خ.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- في ز: \"يقولون\".\n[¬٦]- في ز: \"كذا\".\n[¬٧]- في ز: \"فنفدت\".","vol":"3","page":14},{"text":"رسول الله، ﷺ، دعا لابن عباس فقال: \"اللَّهم فقهه فِي الدين وعلمه التأويل\" (^٢٥).\nومن العلماء من فصل في هذا المقام فقال: التأويل يطلق ويراد به في القرآن معنيان: أحدهما التأويل بمعنى حقيقة الشيء، وما يئول أمره إليه، ومنه قوله تعالى: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَال يَاأَبَتِ هَذَا تَأْويلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا﴾ وقوله: ﴿هَلْ\n_________\n(^٢٥) - أخرجه الإمام أحمد في \"مسنده\" (١/ ٣٢٨، ٣٣٥) (١/ ٢٦٦، ٣١٤)، وفي \"الفضائل\" (٢/ ٩٥٦) رقم (١٨٥٨)، و(٢/ ٩٥٥ - ٩٥٦) رقم (١٨٥٦)، و(٢/ ٩٦٣ - ٩٦٤) رقم (١٨٨٢)، والفسوي في \"المعرفة والتاريخ\" (١/ ٤٩٣ - ٤٩٤)، والطبراني في \"المعجم الكبير\" (١٠/ ٢٩٣) رقم (١٠٥٨٧)، (١٠/ ٣٢٠) رقم (١٠٦١٤)، وابن حبان في صحيحه (١٥/ ٥٣١ - الإحسان) رقم (٧٠٥٥) من طرق عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس فذكر الحديث، وقال الهيثمي في \"المجمع\" (٩/ ٢٧٩): ورجالهما رجال الصحيح. وقال قبل ذلك: قلت: هو في الصحيح غير قوله: \"وعلمه التأويل\".\nوأخرجه البخاري في صحيحه، كتاب: الوضوء، باب: وضع الماء عند الخلاء، حديث (١٤٣) عن ابن عباس أن النبي ﷺ دخل الخلاء فوضعت له وضوءًا قال: \"من وضع هذا؟! فأخبر، فقال: \"اللهم فقه في الدين\".\nوأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب: فضائل الصحابة، حديث (٢٤٧٧/ ١٣٨)، وأحمد في مسنده (١/ ٣٢٧) وفي \"الفضائل\" (٢/ ٩٥٦) رقم (١٨٥٩)، وابن حبان في صحيحه (١٥/ ٥٢٩ - الإحسان) رقم (٧٠٥٣) عن ابن عباس: أن النبي ﷺ أتى الخلاء فوضعت له وضوءًا فلما خرج قال: \"من وضع هذا؟ \" قالوا: ابن عباس، قال: \"اللهم فقهه\".\nوأخرجه الطبراني في \"المعجم الكبير\" (١١/ ١١٠) رقم (١١٢٠٤). عن محمد بن علي بن شعيب السمسار، عن أبيه، عن أبي النضر هاشم بن القاسم، عن ورقاء بن عمر، عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس قال: صببت لرسول الله ﷺ وضوءًا فقال: \"اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل\".\nوأخرجه البخاري في صحيحه، كتاب: العلم، باب: قول النبي ﷺ: \"اللَّهم علمه الكتاب\"، حديث (٧٥) وأطرافه في (١٤٣، ٣٧٥٦، ٧٢٧٠)، والترمذي في سننه، كتاب: المناقب، باب: مناقب عبد الله بن عباس ﵄ حديث (٣٨٢٤)، وابن ماجه في سننه، المقدمة فضل ابن عباس، حديث (١٦٦). وأحمد في \"مسنده\" (١/ ٢١٤، ٣٥٩)، وفي \"الفضائل\" (٢/ ٩٤٩) رقم (١٨٣٥)، (٢/ ٩٧٦) رقم (١٩٢٣)، وابن حبان في صحيحه: (١٥/ ٥٣٠ - الإحسان) رقم (٧٠٥٤)، والفسوي في \"المعرفة والتاريخ\" (١/ ٥١٨)، والطبراني في \"الكبير\" (١٠/ ٢٩٣) رقم (١٠٥٨٨) من طرق عن خالد الحذاء، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: ضمني رسول الله ﷺ وقال: \"اللَّهم علمه الكتاب\". وفي بعض الروايات: \"اللَّهم علمه الحكمة\" وفي بعضها كذلك: \"اللهم علمه الحكمة وتأويل الكتاب\".\nوأخرجه أحمد في \"الفضائل\" (٢/ ٩٥٦) رقم (١٨٥٧)، والفسوي في \"المعرفة والتاريخ\" (١/ ٥١٨، ٥١٩) من طريق عمرو بن دينار، عن كريب، عن ابن عباس ولفظه: \"أتيت رسول الله ﷺ فدعا الله لي أن يزيدني علمًا وفقهًا\".","vol":"3","page":15},{"text":"يَنْظُرُونَ إلا تَأْويلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْويلُهُ﴾ أي: حقيقة ما أخبروا به من أمر المعاد، فإن أريد بالتأويل هذا فالوقف في الجلالة؛ لأن حقائق الأمور وكنهها لا يعلمه على الجلية [¬١] إلا الله، ﷿، ويكون قوله: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ مبتدأ و﴿يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ خبره، وأما إن أريد بالتأويل المعنى الآخر، وهو التفسير [والبيان، والتعبير] عن الشيء، كقوله: ﴿نَبِّئْنَا بِتَأْويلِهِ﴾ أي: بتفسيره، فإن أريد به هذا المعنى فالوقف على ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ لأنهم يعلمون ويفهمون ما خوطبوا به بهذا الاعتبار، وإن لم يحيطوا علمًا بحقائق الأشياء على كنه ما هي عليه، وعلى هذا فيكون قوله ﴿يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ حال منهم، وساغ هذا، وهو أن يكون من المعطوف دون المعطوف عليه، كقوله: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ﴾ إلى قوله ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا﴾ الآية، وكقوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ أي: وجاءت الملائكة صَفوفًا صفوفًا.\nوقوله إخبارًا عنهم أنهم يقولون: ﴿آمَنَّا بِهِ﴾ أي: بالمتشابه، ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ أي: الجميع، من المحكم والمتشابه، حق وصدق، وكل واحد منهم يصدق الآخر ويشهد له، لأن الجميع من عند الله، وليس شيء من عند الله بمختلف ولا متضاد [¬٢] لقوله [¬٣]: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾. [ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إلا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ أي: إنما يفهم ويعقل ويتدبر المعاني على وجهها، أولو العقول السليمة والفهوم المستقيمة] [¬٤].\nوقد قال ابن أبي حاتم (^٢٦): حدثنا محمد بن عوف الحمصي، حدثنا نعيم بن حماد، حدثنا فياض الرقي، حدَّثنا عبد الله بن يزيد، وكان قد أدرك أصحاب النبي ﷺ: أنسًا، وأبا أمامة، وأبا الدرداء، ﵃، قال: حدثنا أبو الدرداء: أن رسول الله، ﷺ، سئل عن الراسخين في العلم، فقال: \"من برت يمينه، وصدق لسانه، واستقام قلبه، ومن أعف بطنه وفرجه، فذلك من الراسخين في العلم\".\n_________\n(^٢٦) - رواه ابن أبي حاتم في تفسيره (٢/ ٧٢) رقم (١٢٦)، وعبد الله بن يزيد، قال ابن أبي حاتم: روى عن أبي الدرداء، وأبي أمامة، وواثلة بن الأسقع حديث. . . . . ثم قال: لا أعرفه، وهذا حديث باطل. ونقل الذهبي عن أحمد: أحاديثه موضوعة، وقال الجوزجاني: أحاديثه منكرة. (الميزان ٢/ ٥٢٦). ورواه الطبري من حديث عبد الله بن يزيد، عن أبي الدرداء، وأبي أمامة (٦٦٣٧). ومن حديث أنس، وأبي أمامة، وأبي الدرداء (٦٦٣٨). وأخرجه الطبراني من حديث أبي الدرداء، وأبي أمامة، وواثلة وأنس. وقال الهيثمي: وعبد الله بن يزيد: ضعيف. مجمع الزوائد (٦/ ٣٢٤).\n_________\n[¬١]- في خ: \"الجليلة\".\n[¬٢]- في خ: بمتضاد.\n[¬٣]- في ت: \"كقوله\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.","vol":"3","page":16},{"text":"وقال الإمام أحمد (^٢٧): حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن الزهري، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: سمع رسول الله، ﷺ، قومًا يتدارءون فقال: \"إنما هلك من كان [¬١] قبلكم بهذا، ضربوا كتاب الله بعضه ببعض، وإنما نزل [¬٢] كتاب الله يصدق بعضه بعضًا، فلا تكذبوا بعضه ببعض فما علمتم منه فقولوا به [¬٣] وما جهلتم فكلوه إلى عالمه\".\nوتقدّم رواية ابن مردويه لهذا [¬٤] الحديث، من طريق هشام بن عمار، عن ابن أبي حازم [¬٥]، عن أبيه، عن عمرو بن شعيب، به.\nوقد قال الحافظ أبو يعلى أحمد بن علي بن المثنى الموصلي في مسنده (^٢٨): حدثنا زهير بن حرب، حدثنا أنس [¬٦] بن عياض، عن أبي حازم، عن أبي سلمة قال: لا أعلمه إلا عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: \"نزل القرآن على سبعة أحرف، والمراء في القرآن كفر -قالها [¬٧] ثلاثًا- ما عرفتم منه فاعملوا به وما جهلتم منه فردوه إلى عالمه ﷻ\". وهذا إسنادصحيح، ولكن فيه علة بسبب قول الراوي: لا أعلمه إلا عن أبي هريرة.\nوقال ابن المنذر في تفسيره: حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، حدثنا ابن وهب، أخبرني نافع بن يزيد قال: يقال: الراسخون في العلم المتواضعون لله، المتذللون [¬٨] لله في مرضاته، لا يتعاظمون [¬٩] من فوقهم، ولا يحقرون من دونهم، [ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إلا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ أي إنما يعقل ويفهم ويتدبر المعاني على وجهها أولو العقول السليمة والفهوم المستقيمة] [¬١٠]. ثم قال تعالى مخبرًا عنهم أنهم دعوا ربهم قائلين: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيتَنَا﴾ أي: لا تملها عن الهدى بعد إذ أقمتها عليه، ولا تجعلنا كالذين في قلوبهم زيغ، الذين يتبعون ما تشابه من القرآن، ولكن ثبتنا على صراطك\n_________\n(^٢٧) - رواه أحمد في مسنده (١٢/ ١٨٥) حديث ٦٧١٤، ورواه البخاري في خلق أفعال العباد (ص ٧٨). وأورده السيوطي في الدر المنثور، ولم يعزه لغير أحمد.\n(^٢٨) - رواه أبو يعلى في مسنده برقم (٦٠١٦). وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ١٥١) وقال: رواه أحمد بإسنادين، ورجال أحدهما رجال الصحيح، ورواه البزار بنحوه. ولم ينسبه لأبي يعلى.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- في ت: \"أنزل\".\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- في ز: \"كهذا\".\n[¬٥]- في ز: \"حاتم\".\n[¬٦]- سقط من: خ.\n[¬٧]- سقط من: ز، خ.\n[¬٨]- في خ: \"المتللذون\".\n[¬٩]- في ز، خ: \"يتعاطون\".\n[¬١٠]- ما بين المعكوفتين سقط من: ت.","vol":"3","page":17},{"text":"المستقيم، ودينك القويم ﴿وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً [¬١]﴾ [أي: من عندك رحمة] [¬٢] تثبت بها قلوبنا، وتجمع بها شملنا، وتزيدنا بها إيمانًا وإيقانًا ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾.\nقال ابن أبي حاتم (^٢٩): حدثنا عمرو بن عبد الله الأودي.\nوقال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، قالا جميعًا: حدثنا وكيع، عن عبد الحميد بن بهرام، عن شهر بن حوشب، عن أم سلمة، ﵂، أن النبي، ﷺ، كان يقول: \"يا مقلب القلوب، ثبت قلبي على دينك\" ثم قرأ ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾.\nورواه ابن مردويه من طريق محمد بن بكار، عن [عبد الحميد] [¬٣] بن بهرام، عن شهر بن حوشب، عن أم سلمة، (وهي أسماء بنت يزيد بن السكن) سمعها تحدث أن رسول الله، ﷺ، كان يكثر في دعائه: \"اللَّهم يا [¬٤] مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك\" قالت: قلت: يا رسول الله؛ وإن القلب ليتقلب؟ قال: \"نعم، ما خلق الله من بني آدم من بشر، إلا أن قلبه بين أصبعين من أصابع الله، ﷿، فإن شاء أقامه، وإن شاء أزاغه\". فنسأل الله ربنا، أن لا يزغ قلوبنا بعد إذ هدانا، ونسأله أن يهب لنا من لدنه رحمة، إنه هو الوهاب.\nوهكذا رواه ابن جرير (^٣٠) من حديث أسد بن موسى، عن عبد الحميد بن بهرام، به [¬٥] مثله.\n_________\n(^٢٩) - رواه ابن أبي حاتم في تفسيره (٢/ ٨٤) رقم (١٤٥). وابن جرير في تفسيره (٦/ ٢١٣ - شاكر) رقم (٦٦٥٠). ورواه ابن أبي شيبة (المصنف ١٠/ ٢٠٩ رقم ٩٢٤٦، والإيمان ص ١٧) وأحمد (٦/ ٣١٥)، والترمذي في الدعوات رقم ٣٥٢٢ وحسنه. وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" (٢/ ١٣) وزاد نسبته للطبراني.\nورواه أحمد (٦/ ٢٩٤)، ورواه ابن خزيمة في التوحيد ص ٨١. من طريق ابن أبي حسين -وهو عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين- ثقة- عن شهر بن حوشب به. وأخرجه الآجري من حديث مقاتل بن حيان، عن شهر، به. وأخرجه الآجري من حديث أم سلمة بنحوه. وكذلك الطبراني وابن مردويه روياه من حديث أم سلمة كما عزاه إليهما السيوطي في الدر المنثور. ورواه ابن أبي عاصم في \"السنة\" (١/ ١٠٠) رقم (٢٢٣) من حديث أم سلمة ﵂.\n(^٣٠) - رواه ابن جرير في تفسيره (٦/ ٢٢٠ - شاكر) رقم (٦٦٥٨).\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين زيادة من: ز، خ.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في خ: \"حميد\".\n[¬٤]- زيادة من: خ.\n[¬٥]- سقط من: ز، خ.","vol":"3","page":18},{"text":"ورواه أيضًا عن المثنى (^٣١)، عن الحجاج بن منهال، عن عبد الحميد بن بهرام، به مثله.\nوزاد: قالت [¬١]: قلت: يا رسول الله؛ ألا تعلمني دعوة أدعو بها لنفسي؟ قال: \"بلى قوله: اللَّهم رب النبي محمد، اغفر لي [¬٢] ذنبي، وأذهب غيظ قلبي، وأجرني من مضلات [¬٣] الفتن\".\nثم قال ابن مردويه (^٣٢): حدثنا سليمان بن أحمد، حدثنا محمد بن هارون بن بكار الدمشقي، حدثنا العباس بن الوليد الخلال، [أنا يزيد] [¬٤] بن يحيى بن عبيد الله [¬٥]، أنا سعيد بن بشير، عن قتادة، عن [أبي] [¬٦] حسان الأعرج، عن عائشة، ﵂، قالت: كان رسول الله، ﷺ، كثيرًا ما يدعو: \"يا مقلب القلوب، ثبت قلبي على دينك\" قلت: يا رسول الله، ما أكثر ما تدعو بهذا الدعاء. فقال: \"ليس من قلب إلا وهو بين أصبعين من أصابع الرحمن، إذا شاء أن يقيمه أقامه، وإذا شاء أن يزيغه أزاغه، أما تسمعين قوله ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ \".\nغريب من هذا الوجه، ولكن أصله ثابت في الصحيحين (^٣٣) وغيرهما من طرق كثيرة؛ بدون\n_________\n(^٣١) - رواه ابن جرير في تفسيره (٦/ ٢١٤ - شاكر) رقم (٦٦٥٢).\n(^٣٢) - وأخرجه أحمد (٦/ ٩١، ٢٥١) وابن أبي عاصم في السنة (١/ ١٠٠ - ١٠١) رقم (٢٢٤).\n(^٣٣) - أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب: القدر، حديث ١٧ - (٢٦٥٤). وأحمد في \"مسنده\" (٢/ ١٦٨)، والبيهقي في الأسماء والصفات ص (١٤٧)، وابن حبان في صحيح (٣/ ١٨٤ - الإحسان) رقم (٩٠٢)، وابن أبي عاصم في \"السنة\" (١/ ١٠٠) رقم (٢٢٢) من طرق، عن حيوة بن شريح، عن أبي هانئ الخولاني، عن عبد الرحمن الحبلي، عن عبد الله بن عمرو، فذكره بنحوه. وقال الحاكم (٢/ ٣١٧): وقد أخرج مسلم حديث عبد الله بن عمرو في قلوب بني آدم.\nوأخرجه أحمد (٢/ ١٧٣) من طريق عن رشدين، عن أبي هانئ الخولاني، عن عبد الرحمن الحبلي، عن عبد الله بن عمرو، فذكره. وأخرجه ابن ماجه في سننه، المقدمة، باب: فيما أنكرت الجهمية، حديث (١٩٩)، وأحمد في \"مسنده\": (٤/ ١٨٢). وابن حبان في صحيحه (٣/ ٢٢٢ - ٢٢٣ - الإحسان) رقم (٩٤٣)، والحاكم في المستدرك (١/ ٥٢٥)، (٢/ ٢٨٩)، والبيهقي في \"الأسماء والصفات\" (ص ١٤٨)، وابن أبي عاصم في \"السنة\" (٢١٩) (١/ ٩٨)، كلهم من طرق عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن بسر بن عبيد الله، عن أبي إدريس الخولاني، عن النواس بن سمعان فذكره. قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه ووافقه الذهبي. قال الحاكم: وله شاهد بإسناد صحيح عن أنس.\n_________\n[¬١]- زيادة من: ز، خ.\n[¬٢]- سقط من: ت.\n[¬٣]- في خ: \"عضلات\".\n[¬٤]- في ز: \"أبا زيد\".\n[¬٥]- سقط من: ز.\n[¬٦]- سقط من ت.","vol":"3","page":19},{"text":"زيادةِ ذكرِ هذه الآية الكريمة.\nوقد رواه [¬١] أبو داود، والنسائي، وابن مردويه، من حديث أبي عبد الرحمن المقري، زاد النسائي وابن حبان: وعبد الله بن وهب -كلاهما عن سعيد بن أبي أيوب، حدثني عبد الله بن الوليد التجيبي، عن سعيد بن المسيب، عن عائشة (^٣٤)، ﵂، أن رسول الله، ﷺ، كان إذا استيقظ من الليل قال: \"اللَّهم [¬٢] لا إله إلا أنت سبحانك، اللهم إني أستغفرك لذنبي، وأسألك رحمة، اللَّهم زدني علمًا، ولا تزغ قلبي بعد إذ هديتني، وهب لي من لدنك رحمة، إنك أنت الوهاب\" لفظ ابن مردويه.\nوقال عبد الرزاق (^٣٥)، عن مالك، عن أبي عبيد مولى سليمان بن عبد الملك، عن عبادة بن نسي، أنه أخبره أنه سمع قيس بن الحارث يقول: أخبرني أبو عبد الله الصنابحي، أنه صلى وراء أبي بكر الصديق، ﵁، المغرب، فقرأ أبو بكر في الركعتين الأوليين بأم القرآن، وسورتين من قصار المفصل، وقرأ في الركعة الثالثة قال: فدنوت منه حتى إن ثيابي لتكاد تمس ثيابه، فسمعته يقرأ بأم القرآن وهذه الآية ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيتَنَا﴾ الآية.\nقال أبو عبيد: وأخبرني عبادة بن نُسي، أنه كان عند عمر بن عبد العزيز في خلافته، فقال عمر لقيس: كيف أخبرتني عن أبي عبد الله؟ قال عمر: فما تركناها منذ سمعناها منه، وإن كنت قبل ذلك لعلى غير ذلك. فقال لي رجل: على أي شيء كان أمير المؤمنين قبل ذلك؟ قال: كنت أقرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾.\nوقد روى هذا الأثر الوليد بن مسلم، عن مالك والأوزاعي، كلاهما عن أبي عبيد به.\n[وروى هذا الأثر] [¬٣] الوليد أيضًا، عن ابن جابر، عن يحيى بن يحيى الغساني، عن محمود بن لبيد، عن [¬٤] الصنابحي أنه صلى خلف أبي بكر، ﵁، المغرب فقرأ\n_________\n(^٣٤) - أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الأدب، باب: ما يقال عند النوم، حديث (٥٠٦١)، والنسائي في \"عمل اليوم والليلة\" (ص ٤٩٥) رقم (٨٦٥)، وابن حبان في \"صحيحه\" (١٢/ ٣٤١ - الإحسان) برقم (٥٥٣١)، والحاكم في \"المستدرك\" (١/ ٥٤٠) وصححه، ووافقه الذهبي.\n(^٣٥) - رواه عبد الرزاق في مصنفه (٢/ ١٠٩ - ١١٠) رقم (٢٦٩٨)، (٢٦٩٩). وأخرجه مالك في \"الموطأ\" كتاب: الصلاة، باب: القراءة في المغرب والعشاء، حديث رقم (٢٥)، والشافعي في مسنده حديث (٢٣٣)، والبيهقي في سننه (٢/ ٦٤، ٣٩١). وإسناده صحيح، رجاله كلهم ثقات من رجال التهذيب.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"روى\".\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في ز: \"رواه\".\n[¬٤]- سقط من: ت.","vol":"3","page":20},{"text":"في الأوليين بفاتحة الكتاب وسورة [¬١] قصيرة يجهر بالقراءة فلما قام إلى الثالثة ابتدأ [¬٢] القراءة فدنوت منه حتى أن ثيابي لتمس ثيابه، فقرأ هذه الآية: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا﴾ الآية.\nوقوله ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ أي: يقولون في دعائهم: إنك يا ربنا ستجمع بين خلقك يوم معادهم، وتفصل بينهم وتحكم بينهم [¬٣] فيما اختلفوا فيه وتجزي كلًّا بعمله، وما كان عليه في الدنيا من خير وشر.\n﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيئًا وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ (١٠) كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ (١١)﴾\nيخبر تعالى عن الكفار بأنهم [¬٤] وقود النار ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ وليس ما أوتوه في الدنيا من الأموال والأولاد بنافع لهم عند الله، ولا بمنجيهم من عذابه وأليم عقابه، بل كما قال تعالى: ﴿وَلَا تُعْجِبْكَ [¬٥] أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (١٩٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ كما قال هاهنا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: بآيات الله وكذبوا رسله [] [¬٦]، وخالفوا كتابه، ولم ينتفعوا بوحيه إلى أنبيائه ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيئًا وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ﴾ أي: حطبها الذي تسجر [¬٧] به وتوقد به، كقوله: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ الآية.\nوقال ابن أبي حاتم (^٣٦): حدثنا أبي، حدثنا ابن أبي مريم، أخبرنا ابن لهيعة، أخبرني ابن الهاد، عن هند بنت الحارث، عن أم الفضل -أم عبد الله بن عباس- قالت: بينما نحن بمكة، قام رسول الله ﷺ من الليل فقال: \"اللهم هل بلغت، اللهم هل بلغت\". اللَّهم [¬٨]\n_________\n(^٣٦) - رواه ابن أبي حاتم في تفسيره (٢/ ٩٠) رقم (١٥٢)، وأخرجه الطبراني في \"المعجم الكبير\" (١٢/ ٢٥٠، ٢٥١) رقم (١٣٠١٩)، وذكره الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (١/ ١٩١) وقال: رجاله ثقات، إلا أن هند بنت الحارث الخثعمية التابعية لم أر من وثقها ولا من جرحها. وذكرها ابن حبان (٥/ ٥١٧).\n_________\n[¬١]- في ز: \"صورة\".\n[¬٢]- في ز: \"ابتداء\".\n[¬٣]- في ت: \"فيهم\".\n[¬٤]- في ز: \"أنهم\".\n[¬٥]- في ز: \"يعجبك\".\n[¬٦]- في ز: \"وخالفوا\".\n[¬٧]- في ز: \"تشجر\".\n[¬٨]- سقط من: ت.","vol":"3","page":21},{"text":"ثلاثًا، فقام عمر بن الخطاب، ﵁، فقال: نعم. ثم أصبح فقال رسول الله ﷺ: \"ليظهرنَّ الإسلام حتَّى يرد الكفر إلى مواطنه، وليخوضنَّ [رجال البحار] [¬١] بالإِسلام، وليأتين على الناس زمان يتعلمون القرآن ويقرءونه، ثم يقولون: قد قرأنا وعلمنا، فمَن هذا الذي هو خير هنا؟ فهل في أولئك من خير؟ \" قالوا: يا رسول الله، فمن أولئك؟ قال: \"أولئك منكم [فأولئك منهُم﴾ وأولئك هم وقود النار\" وكذا رأيته بهذا اللفظ.\nوقد رواه ابن مردويه من حديث يزيد بن عبد الله بن الهاد، عن هند بنت الحارث امرأةٌ عبد الله بن شداد - عن أم الفضل أن رسول الله ﷺ قام ليلة بمكة فقال: \"هل بلغت؟ \" يقولها ثلاثًا. فقام عمر بن الخطاب، وكان أوَّاهًا فقال: اللَّهم نعم، وحرصت وجهدت ونصحت، فاصبر، فقال النبي ﷺ: \"ليظهرن الإيمان حتى يرد الكفر إلى مواطنه، وليخوضنّ رجال البحار بالإِسلام، وليأتينَّ على الناسَ زمان يقرءون القرآن، فيقرءونه ويعلمونه، فيقولون: قد قرأنا وقد علمنا، فمن هذا الذي هو خير منا؟ فما في أولئك من خير\" قالوا: يا رسول الله\" فمن أولئك؟ قال: \"أولئك منكم أولئك هم وقود النار\".\nثم رواه من طريق موسى بن عبيد، عن محمد بن إبراهيم، عن بنت الهاد، عن العباس بن عبد المطلب، بنحوه.\nوقوله تعالى ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ قال الضحاك عن ابن عبَّاس: كصنيع آل فرعون، وكذا روي عن عكرمة، ومجاهد، وأبي مالك، والضحاك، وغير واحد، ومنهم من يقول: كسُنَّة آل فرعون، وكفعل آل فرعون، وكشبه آل فرعون. والألفاظ متقاربة، والدأب، بالتسكين والتحريك أيضًا، كنهر ونهر، هو الصنع والحال والشأن والأمر والعادة، كما يقال: لا يزال هذا دأبي ودأبك، وقال امرؤ القيس:\nوقوفا بها صحبي عليَّ مطيهم … يقولون لا تهلك [¬٢] أسًى وتحمل [¬٣]\nكدأبك من أم الحويرث قبلها … وجارتها أم الرباب بمأسل\nوالمعنى: كعادتك في أم الحويرث حين أهلكت نفسك في حبها، وبكيت دارها ورسمها.\nوالمعنى في الآية: أن الكافرين لا تغني عنهم [الأولاد ولا الأموال] بل يهلكون ويعذبون، كما جرى لآل فرعون، ومن قبلهم من [المكذبين للرسل فيما جاءوا] [¬٤] به من آيات الله وحججه. ﴿وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ أي: شديد الأخذ أليم العذاب، لا يمتنع منه أحد،\n_________\n[¬١]- في خ: \"النجار\".\n[¬٢]- في ز: \"تأسف\".\n[¬٣]- في ز: \"تحمل\".\n[¬٤]- في خ: \"الرسل وما جاءوهم\".","vol":"3","page":22},{"text":"ولا يفوته شيء، بل هو الفعال لما يريد، الذي قد [¬١] غلب كل شيء وذل له كل شيء لا إله غيره ولا رب سواه.\n﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (١٢) قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَينِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيهِمْ رَأْيَ الْعَينِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ (١٣)﴾\nيقول تعالى: قل يا محمد للكافرين: ستغلبون [أي: في الدنيا] [¬٢]، وتحشرون؛ أي: يوم القيامة إلى جهنم وبئس المهاد.\nوقد ذكر محمد بن إسحاق بن [¬٣] يسار، عن عاصم بن عمر بن قَتَادة أن رسول الله ﷺ، لما أصاب من أهل بدر ما أصاب، ورجع إلى المدينة، جمع اليهود في سوق بني قينقاع وقال: \"يا معشر يهود أسلموا قبل أن يصيبكم الله كما [¬٤] أصاب قريشًا\" فقالوا: يا محمد! لا يغرنك من نفسك أن قتلت نفرًا من قريش كانوا أغمارًا لا يعرفون القتال، إنك والله لو قاتلتنا لعرفت أنا نحن الناس، وأنك لم تلق مثلنا، فأنزل الله في [] [¬٥] ذلك من قولهم: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ إلى قوله ﴿لَعِبْرَةً [¬٦] لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ (^٣٧).\nوقد رواه محمد [¬٧] بن إسحاق أيضًا، عن محمد بن أبي محمد، عن سعيد، أو [¬٨] عكرمة، عن ابن عبَّاس فذكره (^٣٨)؛ ولهذا قال تعالى: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ﴾ أي: قد كان لكم أيها اليهود القائلون ما قلتم آية، أي: دلالة علن أن الله مُعِزُّ دينه، وناصر رسوله، ومظهر كلمته، ومُعْلٍ أمره ﴿فِي فِئَتَينِ﴾، أي: طائفتين، التقتا؛ أي: للقتال\n_________\n(^٣٧) - ابن هشام في \"السيرة\" (٢/ ٥٦١)، وعاصم بن عمر بن قَتَادة تابعي، فالحديث مرسل.\n(^٣٨) - أخرجه أَبو داود في سننه، كتاب: الخراج والإمارة والفيء، باب: كيف كان إخراج اليهود من المدينة، حديث (٣٠٠١)، وابن هشام في \"السيرة\" (٢/ ٥٦١)، والبيهقي في \"دلائل النبوة\": (٣/ ١٧٣)، وفيه محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت وهو مجهول.\n_________\n[¬١]-[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في ز، خ: \"عن\".\n[¬٤]- في ز: \"ما\".\n[¬٥]- بين المعكوفتين في ز: \"مثل\".\n[¬٦]- في ز: \"عبرة\".\n[¬٧]- سقط من: ز.\n[¬٨]- عند أبي داود [و].","vol":"3","page":23},{"text":"﴿فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وهم المسلمون ﴿وَأُخْرَى كَافِرَةٌ﴾ وهم مشركو قريش يوم بدر.\nوقوله: ﴿يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيهِمْ رَأْيَ الْعَينِ﴾ قال بعض العلماء فيما حكاه ابن جرير (^٣٩): يرى المشركون يوم بدر، أن المسلمين مثليهم في العدد رأي أعينهم أي: جعل الله ذلك فيما رأوه سببًا لنصرة الإِسلام عليهم، وهذا لا إشكال عليه إلَّا من جهة واحدة، وهي: أن المشركين بعثوا عمر بن سعد يومئدٍ قبل القتال يحزر [¬١] لهم المسلمين، فأخبرهم بأنَّهم ثلاثمائة يزيدون قليلًا، أو ينقصون قليلًا، وهكذا كان الأمر. كانوا ثلاثمائة وبضعة عشر رجلًا، ثم لما وقع القتال أمدهم الله بألف من خواص الملائكة وساداتهم.\n(والقول الثاني [¬٢] أن المعنى في قوله تعالى: ﴿يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيهِمْ رَأْيَ الْعَينِ﴾ أي: ترى [¬٣] الفئةُ المسلمة الفئةَ [¬٤] الكافرةَ مثليهم، أي: ضِعْفَيهِم في العدد، ومع هذا نصرهم الله عليهم، وهذا لا إشكال فيه على ما رواه العوفي عن ابن عبَّاس: أن المؤمنين كانوا يوم بدر ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلًا، والمشركين [¬٥] كانوا ستمائة وستة وعشرين رجلًا. وكأن هذا القول مأخوذ من ظاهر هذه الآية، ولكنه خلاف المشهور عند أهل التواريخ والسير وأيام الناس، وخلاف المعروف عند الجمهور، من أن المشركين كانوا مما بين التسعمائة إلى الألف، كما رواه محمد بن إسحاق، عن يزيد بن رومان، عن عروة بن الزُّبَير أن رسول الله ﷺ لما سأل ذلك العبد الأسود لبني الحجاج عن عدّة قريش قال: كثير، قال: \"كم ينحرون كل يوم؟ \" قال [¬٦]: ينحرون [¬٧] يومًا تسعًا ويومًا عشرًا، فقال النبي، ﷺ: \"القوم ما بين التسعمائة إلى الألف\" (^٤٠).\nوروى [¬٨] أَبو إسحاق السبيعي [¬٩] حارثة، عن علي، ﵁، قال: كانوا ألفًا.\n_________\n(^٣٩) - ذكره ابن جرير في تفسيره (٦/ ٢٣٣: ٢٣٥ - شاكر).\n(^٤٠) - أورده ابن هشام في \"السيرة\" (٢/ ٤٤٩)، والبيهقي في \"دلائل النبوة\" (٤٢١٣)، وابن جرير في تفسيره (٦/ ٢٣٦، ٢٣٧ - شاكر) رقم (٦٦٨٥)، وابن كثير في البداية والنهاية (٣٢٣١٣) عن ابن إسحاق عن يزيد بن رومان، عن عروة مرسلًا.\nوأخرجه مسلم في صحيحه، كئاب: الجهاد والسير، حديث (١٧٧٩/ ٨٣) من حديث أَنس بنحوه مختصرًا. وأخرجه أحمد في \"مسنده\" (١/ ١١٧)، وابن أبي شيبة في \"المصنف\": (٨/ ٤٧٢) من حديث علي بن أبي طالب ببعضه وسنده صحيح.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"يحرز\".\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- في ز: \"نري\".\n[¬٤]- في ز: \"للفئة\".\n[¬٥]- في ز: \"المشركون\".\n[¬٦]- في ز: \"قالوا\".\n[¬٧]- سقط من: ز، خ.\n[¬٨]- في ز: \"روى\".\n[¬٩]- في خ: \"البيهقي\".","vol":"3","page":24},{"text":"وكذا قال ابن مسعود.\nوالمشهور أنهم كانوا ما بين التسعمائة إلى الألف، وعلى كل تقدير فقد كانوا ثلاثة أمثال المسلمين، وعلى هذا فيشكل هذا القول، والله أعلم. لكن وجه ابن جرير (^٤١) هذا وجعله صحيحًا، كما تقول: عندي ألف وأنا محتاج إلى مثليها، وتكون محتاجًا إلى ثلاثة آلاف. كذا قال: وعلى هذا فلا إشكال.\nلكن بقي سؤال آخر وهو وارد على القولين، وهو أن يقال: ما الجمع بين هذه الآية، وبين قوله تعالى في قصة بدر: ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾ والجواب: أن هذا كان في حال، والآخر كان في حال [¬١]، أخرى، كما قال السدي، عن الطب، عن ابن مسعود في قوده تعالى: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَينِ الْتَقَتَا﴾ الآية. قال: هذا يوم بدر.\nقال عبد الله بن مسعود: وقد نظرنا إلى الشركين فرأيناهم يضعفون علينا، ثم نظرنا إليهم فما رأيناهم يزيدون علينا رجلًا واحدًا. وذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ﴾ الآية.\nوقال أَبو إسحاق، عن أبي عبيدة، عن عبد الله بن مسعود ﵁، قال: لقد قللوا في أعيننا حتَّى قلت لرجل إلى جانبي: تراهم سبعين؟ قال: أراهم مائة. قال: فأسرنا رجلًا منهم، فقلنا: كم كنتم؟ قال: ألفًا.\nفعندما عاين كل من الفريقين الآخر رأى المسلمون المشركين مثليهم أي: أكثر منهم بالضعف، ليتوكلوا ويتوجهوا ويطلبوا الإعانة من ربهم، ﷿، ورأى المشركون المؤمنين كذلك، ليحصل لهم الرعب والخوف والجزع والهلع؛ ثم لما حصل التصافُّ [¬٢] والتقى الفريقان، قلل الله هؤلاء في أعين هؤلاء، وهؤلاء في أعين هؤلاء، ليقدم كل منهما على الآخر ﴿لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾ أي: ليفرِّق بين الحق والباطل، فيظهر كلمة الإِيمان على الكفر والطغيان [¬٣]، ويعزّ المؤمنين ويذل الكافرين، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ وقال هاهنا: ﴿وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ أي: أن في ذلك لمعتبرًا لمن له بصيرة وفهم، يهتدي به إلى حكمة الله وأفعاله، وقدره الجاري بنصر عباده المؤمنين في هذه الحياة الدنيا، ويوم يقوم الأشهاد.\n_________\n(^٤١) - تفسير ابن جرير (٦/ ٢٣٨ - شاكر).\n_________\n[¬١]- في ز: \"حالة\".\n[¬٢]- في ز: \"المصافُّ\".\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.","vol":"3","page":25},{"text":"﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (١٤) قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (١٥)﴾\nيخبر تعالى عما زين للناس في هذه الحياة الدنيا من أنواع الملاذ، من النساء والبنين فبدأ بالنساء؛ لأن الفتنة بهن أشد، كما ثبت في الصحيح (^٤٢) أنَّه [ﷺ قال]: \"ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء\". فأما إذا كان القصد بهنّ الإِعفاف وكثرة الأولاد، فهذا مطوب مرغوب فيه مندوب إليه، كما وردت الأحاديث بالترغيب في التزويج والاستكثار منه، و\"إن خير هذه الأمة كان أكثرها نساء\" (^٤٣) وقوله ﷺ: \"الدنيا متاع، وخير متاعها المرأة الصالحة، إن نظر إليها سرته، [وإن أمرها أطاعته] [¬١] وإن غاب عنها حفظته في نفسها وماله\" (^٤٤). وقوله في الحديث الآخر \"حب إليَّ [الطيب\n_________\n(^٤٢) - أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب النكاح، باب: ما يتقى من شؤم المرأة، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ﴾ حديث (٥٠٩٦). ومسلم في صحيحه، كتاب: الرقاق، حديث ٩٦ - (٢٧٤٠) كلاهما من طريق سليمان التيمي، عن أبي عثمان النهدي، عن أسامة بن زيد فذكره.\n(^٤٣) - أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب النكاح، باب: كثرة النساء، حديث (٥٠٦٩) موقوفًا على ابن عبَّاس ﵄.\n(^٤٤) - أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الرضاع، حديث ٦٤ - (١٤٦٧)، والنَّسائي في سننه (٦/ ٦٩) كتاب النكاح، باب: المرأة الصالحة، وابن ماجة في السنن، كتاب النكاح، باب: أفضل النساء حديث (١٨٥٥)، وأحمد (٢/ ١٧٨) من حديث عبد الله بن عمرو: أن رسول الله ﷺ قال: \"الدنيا متاع، وخير متاع الدنيا المرأة الصالحة\" وفي رواية \"إنما الدنيا متاع، وليس من متاع الدنيا شيء أفضل من المرأة الصالحة\".\nوأخرجه النَّسائي في \"سننه\" (٦/ ٦٨)، كتاب النكاح، باب: أي النساء خير، والبيهقي في السنن (٧/ ٨٢) من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قيل لرسول الله ﷺ: أي النساء خير؟ قال: \"التي تسره إذا نظر وتطيعه إذا أمر، ولا تخالفه في نفسها ومالها بما يكره\".\nوأخرجه ابن ماجة في \"سننه\" كتاب النكاح، باب: أفضل النساء، حديث (١٨٥٧) من حديث أبي أمامة عن النبي ﷺ أنه كان يقول: \"ما استفاد المؤمن بعد تقوى اللَّه خيرًا له من زوجة صالحة إن أمرها أطاعته، وإن نظر إلها سرته، وإن أقسم عليها أبرته وإن غاب عنها نصحته في نفسها وماله\".\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.","vol":"3","page":26},{"text":"والنساء]، وجعلت قُرَّة عيني في الصلاة (^٤٥).\nوقالت عائشة ﵂: لم يكن شيء أحب إلى رسول الله ﷺ من النساء إلَّا الخيل.\nوفي رواية: \"من [¬١] الخيل إلَّا النساء\" (^٤٦).\nوحب البنين تارة يكون للتفاخر والزينة، فهو داخل في هذا، وتارة يكون لتكثير النسل وتكثير أمة محمد، ﷺ، ممن يعبد الله وحده لا شريك له، فهذا محمود ممدوح كما ثبت في الحديث: \"تزوجوا الودود الولود، فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة\" (^٤٧).\nوحب المال كذلك يكون تارة للفخر والخيلاء، والتكبر على الضعفاء، والتجبر على الفقراء، فهذا مذموم، وتارة يكون للنفقة في القربات، وصلة الأرحام والقرابات، ووجوه البر والطاعات، فهذا ممدوح محمود عليه شرعًا.\n_________\n(^٤٥) - أخرجه النَّسائي في \"سننه\" (٧/ ٦١) في كتاب عشرة النساء، باب: حب النساء، وأحمد في \"مسنده\" (٣/ ١٢٨)، والحاكم في \"المستدرك\" (٢/ ١٦٠) من حديث أَنس بن مالك ﵁ وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه.\n(^٤٦) - أخرجه النَّسائي في \"الكبرى\" (٤٤٠٤) (٣/ ٣٦) من طريق سعيد، عن قَتَادة، عن أَنس بن مالك ولفظه: \"لم يكن شيء أحب إلى رسول الله ﷺ بعد النساء من الخيل\". وأخرجه أحمد في مسنده ٢٠٣٦٤ - (٥/ ٢٧) من حديث معقل بن يسار ولفظه: \"لم يكن شيء أحب إلى رسول الله ﷺ من الخيل، ثم قال: اللهم غفرًا لا بل النساء\".\n(^٤٧) - أخرجه أَبو داود في \"سنه\" كتاب النكاح، باب: النهي عن تزويج من لم يلد من النساء، حديث (٢٠٥٠). والنَّسائي في \"سننه\" (٦/ ٦٥ - ٦٦) كتاب النكاح، باب: كراهية تزويج العقيم، وابن حبان في صحيحه (٩/ ٣٦٣ - ٣٦٤ - الإحسان) رقم (٤٠٥٦، ٤٠٥٧)، والحاكم في \"المستدرك\" (٢/ ١٦٢)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٧/ ٨١)، والطبراني في \"المعجم الكبير\" (٢٠/ ٢١٩) رقم (٥٠٨) من طريق المستلم بن سعيد، عن منصور بن زاذان، عن معاوية بن قرة، عن معقل بن يسار به مرفوعًا، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه بهذه السياقة، ووافقه الذهبي.\nوأخرجه أحمد في \"مسنده\" (٣/ ١٥٨) وابن حبان في \"صحيحه\" (٩/ ٣٣٨ - الإحسان) رقم (٤٠٢٨)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٧/ ٨١، ٨٢)، وسعيد بن منصور في \"سننه\" (٤٩٠)، من طريق خلف بن خليفة، عن حفص بن عمرو ابن أخي أَنس بن مالك، عن أَنس بن مالك فذكره. وذكره الهيثمي في \"المجمع\" (٤/ ١٦١) وزاد نسبته إلى الطبراني في \"الأوسط\" وحسن إسناده.\nوأخرجه أحمد في \"مسنده\" (٢/ ١٧١ - ١٧٢) من حديث عبد الله بن عمرو، بنحوه.\nوذكره الهيثمي في \"المجمع\" (٤/ ٢٦١) وقال: رواه أحمد، وفيه حيي بن عبد الله العافري، وقد وثق، وفيه ضعف.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.","vol":"3","page":27},{"text":"وقد اختلف المفسرون في مقدار القنطار على أقوال، وحاصلها أنَّه المال الجزيل، كما قال [¬١] الضحاك وغيره. وقيل: ألف دينار، وقيل: ألف ومائتا دينار. وقيل: اثنا [¬٢] عشر الفًا. وقيل: أربعون ألفًا. وقيل: ستون ألفًا. وقيل: سبعون ألفًا. وقيل: ثمانون ألفًا. وقيل غير ذلك.\nوقد قال الإِمام أحمد (^٤٨): حدَّثنا عبد الصمد، حدَّثنا حمَّاد، عن عاصم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ \"القنطار: اثنا [¬٣] عشر ألف أوقية، كل أوقية خير مما بين السماء والأرض\".\nوقد رواه ابن ماجة، عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن عبد الصمد بن عبد الوارث، عن حمَّاد بن سلمة به.\nوقد رواه ابن جرير، عن بندار، عن ابن مهدي، عن حمَّاد بن زيد، عن عاصم هو ابن بهدلة، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، موقوفًا وهذا أصح.\nوهكذا رواه ابن جرير (^٤٩)، عن معاذ بن جبل وابن عمر، وحكاه ابن أبي حاتم (^٥٠) عن أبي هريرة وأبي الدرداء أنهم قالوا: القنطار ألف ومائتا أوقية.\nثم قال ابن جرير (^٥١) ﵀: حدثني زكريا بن يحيى الضرير، حدَّثنا شبابة، حدَّثنا مخلد بن عبد الواحد، عن علي بن زيد، عن عطاء بن أبي ميمونة، عن زر بن حبيش، عن أبي بن كعب؛ [قال: قال رسول الله، ﷺ: \"القنطار ألف أوقية ومائتا أوقية\".\nوهذا حديث منكر أيضًا، والأقرب أن يكون موقوفًا على أبي بن كعب] [¬٤] كغيره من\n_________\n(^٤٨) - رواه أحمد في \"مسنده\" (٢/ ٣٦٣)، ورواه ابن ماجة في \"سننه\" كتاب الأدب، باب: بر الوالدين، حديث (٣٦٦٠)، والدارمي في \"سننه\" (٢/ ٤٦٧) كتاب فضائل القرآن، باب: كم يكون القنطار، وابن حبان في صحيحه (٦/ ٣١١، ٣١٢ - الإحسان) رقم (٢٥٧٣) من طريق عبد الصمد بهذا الإسناد، وتابع حمَّاد بن سلمة عند الدارمي أبان العطار. ورواه ابن جرير في تفسيره (٦/ ٢٤٤) رقم (٦٧٠٠)، والبيهقي (٧/ ٢٣٣) من طريق حمَّاد بن زيد، عن عاصم بن بهدلة، بنحوه.\n(^٤٩) - رواه ابن جرير في تفسيره (٦/ ٢٤٤) رقم (٦٦٩٦، ٦٦٩٧)، وابن أبي حاتم (٢/ ١٠٨) رقم ١٨٢. عن معاذ بن جبل، ورقم (٦٦٩٨) عن ابن عمر، والبيهقي في \"السنن\" (٧/ ٢٣٣).\n(^٥٠) - تفسير ابن أبي حاتم (٢/ ١١٠) رقم (١٨٣، ١٨٤). والبيهقي في \"السنن\" (٧/ ٢٣٣).\n(^٥١) - رواه ابن جرير في تفسيره (٦/ ٢٤٥) رقم (٦٧٠١).\n_________\n[¬١]- في ز: \"قاله\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"اثني\".\n[¬٣]- في خ: \"اثني\".\n[¬٤]- سقط من خ، ز.","vol":"3","page":28},{"text":"الصحابة.\nوقد روى ابن مردويه من طريق موسى بن عبيدة الربذي [¬١]، عن محمد بن إبراهيم، عن يحنَّش [¬٢] أبي موسى، عن أم الدرداء، عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ: \"من قرأ مائة آية لم يكتب من الغافلين، ومن قرأ مائة آية إلى ألف أصبح [له قنطار من الأجر] [¬٣] عند الله، القنطار منه مثل الجبل العظيم\" (^٥٢).\nورواه وكيع، عن موسى بن عبيدة بمعناه. وقال الحاكم في مستدركه (^٥٣): حدَّثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدَّثنا أحمد بن عيسى بن زيد اللخمي بتنِّيس [¬٤]، حدَّثنا [عمرو بن أبي سلمة] [¬٥]، حدَّثنا زهير بن محمد، حدَّثنا حميد الطويل، رجل آخر، عن أنس بن مالك؛ قال: سئل رسول الله ﷺ عن قول الله تعالى: ﴿وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ﴾ قال: \"القنطار: ألفا أوقية\". صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. هكذا رواه الحاكم.\nوقد رواه ابن أبي حاتم (^٥٤) بلفظ آخر فقال: أنبأنا أحمد بن عبد الرحمن الرقي، حدَّثنا عمرو بن أبي سلمة، حدَّثنا زهير، يعني: ابن محمد، أنبأنا حميد الطويل، ورجل آخر، قد سماه -يعني: يزيد الرقاشي- عن أَنس، عن رسول الله، ﵌، في قوله:\n_________\n(^٥٢) - موسى بن عبيدة: ضعيف، وأخرجه ابن أبي شيبة، وزاد في الإسناد \"راشد بن سعد أخ لأم الدرداء\" بين يحنس، وأم الدرداء، ورواه عبد بن حميد في مسنده ص (٩٨) رقم (٢٠٠). وقد رواه ابن أبي حاتم من حديث يحنس، عن أم الدرداء قالت: قال رسول ﷺ: \"من قرأ بخمسين آية في ليلة أصبح له قنطار من الأجر، والقنطار مثل التل العظيم\". لم يذكر في الإسناد أبا الدرداء، وكذلك رواه ابن أبي شيبة، وأَبو يعلى.\nورواه الدارمي (٢/ ٤٦٧) من حديث يحنس، عن سالم أخي أم الدرداء، عن أبي الدرداء: من قرأ ألف آية كتب له قنطار من الأجر، والقيراط منه مثل التل العظيم.\nوهكذا فإن الاضطراب ظاهر، فتارة يروى عن أم الدرداء، وتارة عن أبي الدرداء، وتارة يدخل راشد، وتارة يدخل سالم. وأما الاختلاف في المتن فظاهر، وهذا من صنيع موسى بن عبيدة، فمدار الحديث عليه.\n(^٥٣) - رواه الحاكم (٢/ ١٧٨) وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ووافقه الذهبي. وفي إسناده عمرو بن أبي سلمة ضعيف، خاصة إذا روى عن زهير، وقال أَبو حاتم: لا يحتج به، وقال الساجي: ضعيف، وضعفه أيضًا: يحيى بن معين، وقال العقيلي: في حديثه وهم. وانظر \"ميزان الاعتدال\" (٤/ ١٨٢) رقم (٦٣٧٩)، \"الجرح والتعديل\" (٦/ ٢٣٥، ٢٣٦) رقم (١٣٠٤)، \"التقريب\" للحافظ (ص ٤٢٢) رقم (٥٠٤٣).\n(^٥٤) - رواه ابن أبي حاتم في تفسيره (٢/ ١١١) رقم (١٨٦).\n_________\n[¬١]- في خ: \"الترمذي\".\n[¬٢]- غير واضحة في خ.\n[¬٣]- في خ: \"قنطارين أجر\".\n[¬٤]- في ز: \"تبتيس\".\n[¬٥]- في ز. محمد بن عمرو بن أبي سلمة.","vol":"3","page":29},{"text":"\"قنطار يعني: ألف دينار\".\nوهكذا رواه [¬١] ابن مردويه، عن [¬٢] الطبراني، عن عبد الله بن محمد بن أبي مريم، عن عمرو بن أبي سلمة، فذكر بإسناده مثله سواء.\nوروى ابن جرير (^٥٥)، عن الحسن البصري عنه مرسلًا أو [¬٣] موقوفًا عليه: القنطار ألف ومائتا [¬٤] دينار، [وكذا رواه العوفي عن ابن عبَّاس.\nوقال الضحاك: من العرب من يقول: القنطار ألف ومائتا دينار] [¬٥]، ومنهم من يقول: اثنا عشر ألفًا.\nوقال ابن أبي حاتم (^٥٦): حدَّثنا أبي، حدَّثنا عارم، عن حمَّاد، عن سعيد الجريري [¬٦]، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري، ﵁، قال: القنطار [¬٧] ملء مسك [¬٨] الثور ذهبًا.\nقال أبو محمد (^٥٧): ورواه محمد [بن موسى الحرشي] [¬٩]، عن حمَّاد بن زيد مرفوعًا، والموقوف أصح.\n(وحب الخيل على ثلاثة أقسام) تارة يكون ربطها أصحابها معدّة لسبيل الله تعالى متى احتاجوا إليها غزوا عليها، فهؤلاء يثابون، وتارة تربط فخرًا ونواءً لأهل الإسلام، فهذه على صاحبها وزر، وتارة للتعفف واقتناء رقابها ولم ينس حق الله في نسلها [¬١٠]، فهذه لصاحبها ستر، كما سيأتي الحديث (^٥٨) بذلك [إن شاء الله تعالى] [¬١١] عند قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا\n_________\n(^٥٥) - رواه ابن جرير في تفسيره (٦/ ٢٤٥) رقم (٦٧٠٢).\n(^٥٦) - رواه ابن أبي حاتم في تفسيره (٢/ ١١٥) رقم (١٩٠)، والبيهقي في \"السنن\" (٧/ ٢٣٣). ورواه الدارمي (٢/ ٤٦٧).\nورواه موقوفًا على أبي نضرة، كل من الدارمي (٢/ ٤٦٧) والطبري (٦٧٢٢).\n(^٥٧) - يعني ابن أبي حاتم.\n(^٥٨) - سيأتي تخريجه في سورة الأنفال آية (٦٠).\n_________\n[¬١]- سقط من: ت.\n[¬٢]- في ت: رواه.\n[¬٣]- في ز، خ: \"عنه و\".\n[¬٤]- سقط من: خ.\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٦]- في ز: \"الحرسي\".\n[¬٧]- سقط من: ز، خ.\n[¬٨]- المسك: الجلد.\n[¬٩]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬١٠]- في ز، خ: \"رقابها\".\n[¬١١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.","vol":"3","page":30},{"text":"لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ الآية وأما المسومة، فعن ابن عباس، ﵄: المسوَّمة: الراعية، والمطهمة: الحسان.\nوكذا روي عن مجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير، وعبد الرحمن بن عبد الله بن أبزى والسدِّي، والربيع بن أَنس، وأبي سنان وغيرهم.\nوقال مكحول: المسوَّمة: الغرة والتحجيل. وقيل غير ذلك.\nوقد قال الإِمام أحمد (^٥٩): حدَّثنا يحيى بن سعيد، عن عبد الحميد بن جعفر، عن يزيد بن أبي حبيب، عن سويد بن قيس، عن معاوية بن حُديج [¬١]، عن أبي ذر، ﵁، قال: قال رسول الله، ﷺ: \"ليس من فرس عربي إلَّا يؤذن له مع كل فجر، يدعو بدعوتين يقول: اللَّهم إنك خوّلتني [من خوّلتني] [¬٢] من بني آدم فاجعلني من أحب ماله وأهله إليه، أو أحب أهله وماله إليه\".\nوقوله تعالى: ﴿وَالأَنْعَامِ﴾ يعني: الإبل والبقر والغنم ﴿وَالْحَرْثِ﴾ يعني: الأرض المتخذة للغراس والزراعة.\nوقال [¬٣] الإِمام أحمد (^٦٠): حدَّثنا روح بن عبادة، حدَّثنا أَبو نعامة العدوي، عن مسلم بن بديل عن إياس بن زهير، عن سويد بن هبيرة، عن النبي، ﵌ قال: \"خير مال امرئ له مهرة مأمورة أو سكة مأَبورة\". المأمورة: الكثيرة النسل، والسكة [¬٤]: النخل المصطف، والمأبورة: الملقحة.\nثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ أي: إنما هذا زهرة الحياة الدنيا وزينتها الفانية الزائلة ﴿وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ أي: حسن المرجع والثواب.\nوقد قال ابن جرير (^٦١): حدَّثنا ابن حميد، حدَّثنا جرير، عن عطاء، عن أبي بكر بن حفص\n_________\n(^٥٩) - رواه أحمد في \"مسنده\" ٢١٥٧٨ - (٥/ ١٧٠)، ورواه أيضًا ٢١٥٢٣ - (٥/ ١٦٢)، والنَّسائي (٦/ ٢٢٣) كتاب الخيل، باب: دعوة الخيل، والحاكم في \"المستدرك\" (٢/ ١٤٤) من طريق يحيى بن سعيد به. وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.\n(^٦٠) - أخرجه أحمد في \"مسنده\" (٣/ ٤٦٨)، وسيأتي تخريجه في سورة الإسراء آية (١٦) رقم (١٦١).\n(^٦١) - في إسناده عطاء بن السائب، اختلط، ورواية جرير عنه بعد الاختلال، وأَبو بكر بن حفص لم يلق عمر، والأثر رواه ابن جرير في تفسيره (٦/ ٢٤٤) رقم (٦٦٩٥)، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٢/ ١٠١) رقم (١٧٥) من طريق جرير، به.\n_________\n[¬١]- في ز \"خديج\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من خ.\n[¬٣]- في ز \"قال\".\n[¬٤]- في خ: \"سكة\".","vol":"3","page":31},{"text":"ابن عمر بن سعد، قال: قال عمر بن الخطاب ﵁: لما أنزلت [¬١] ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ﴾ قلت: الآن يارب حين زينتها لنا، فنزلت: ﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ الآية.\nولهذا قال تعالى: ﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيرٍ مِنْ ذَلِكُمْ﴾ أي: قل يا محمد للناس: أأخبركم بخير مما زين للناس في هذه الحياة الدنيا من زهرتها ونعيمها الذي هو زائل لا محالة، ثم أخبر عن ذلك فقال: ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ أي: تنخرق بين جوانبها وأرجائها الأنهار، من أنواع الأشربة من العسل واللبن والخمر والماء وغير ذلك، مما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أي: ماكثين فيها أبد الآباد لا يبغون عنها حولًا، ﴿وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ أي: من الدنس والخبث والأذى والحيض والنفاس وغير ذلك، مما يعتري نساء الدنيا.\n﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللهِ﴾ أي: يحل عليهم رضوانه فلا يسخط عليهم بعده أبدًا. ولهذا قال تعالى في الآية الأخرى التي في براءة: ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللهِ أَكْبَرُ﴾ أي: أعظم مما أعطاهم من النعيم المقيم. ثم قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ أي: يعطي كلا بحسب ما يستحقه من العطاء.\n﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٦) الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ (١٧)﴾\nيصف [تبارك و] [¬٢] تعالى عباده المتقين الذين وعدهم الثواب الجزيل، فقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا﴾ أي: بك بكتابك وبرسلك [¬٣] ﴿فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾ أي: بإيماننا بك وبما شرعته لنا [فاغفر لنا ذنوبنا وتقصيرنا من أمرنا، بفضلك ورحمتك] [¬٤] ﴿وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾.\nثم قال تعالى: ﴿الصَّابِرِينَ﴾ أي: في قيامهم بالطاعات وتركهم المحرَّمات ﴿وَالصَّادِقِينَ﴾ فيما أخبروا به من إِيمانهم بما يلتزمونه من الأعمال الشاقة ﴿وَالْقَانِتِينَ﴾ والقنوت: الطاعة والخضوع، ﴿وَالْمُنْفِقِينَ﴾ أي: من أموالهم في جميع ما أمروا به من الطاعات، وصلة الأرحام والقرابات، وسد الخلات، ومواساة ذوي الحاجات ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾ دل على فضيلة الاستغفار وقت الأسحار.\n_________\n[¬١]- في ت: \"نزلت\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط سقط من: خ.\n[¬٣]- في ز: \"برسولك\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.","vol":"3","page":32},{"text":"وقد قيل: إن يعقوب ﵇ لما قال لبنيه ﴿قَال سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ﴾ أنَّه أخرهم إلى وقت السحر.\nوثبت في الصحيحين (^٦٢) وغيرهما من المسانيد والسنن من غير وجه، عن جماعة من الصحابة أن رسول الله، ﵌، قال: \"ينزل الله ﵎ في كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر [¬١] فيقول: هل من سائل فأعطيه؟ هل من داع فأستجيب له؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ \". الحديث. وقد أفرد الحافظ أَبو الحسن الدارقطني في ذلك جزءًا على حدة، فرواه من طرق متعدِّدة.\nوفي الصحيحين (^٦٣) عن عائشة، ﵂، قالت: من كل الليل قد أوتر رسول الله ﷺ من أوله وأوسطه وآخره، فانتهى وتره إلى السحر.\nوكان عبد الله بن عمر يصلي من الليل ثم يقول: يا نافع هل جاء السحر؟ فإذا قال: نعم.\nأقبل على الدعاء والاستغفار حتَّى يصبح. رواه ابن أبي حاتم (^٦٤).\nوقال ابن جرير (^٦٥): حدَّثنا ابن وكيع، حدَّثنا أبي، عن حريث بن أبي مطر، عن إبراهيم بن\n_________\n(^٦٢) - أخرجه البخاري في كتاب التهجد، باب: الدعاء والصلاة في آخر الليل، حديث (١١٤٥)، وأطرافه (٦٣٢١)، و(٧٤٩٤). ومسلم في \"صحيحه\" كتاب صلاة المسافرين، حديث (٧٥٨)، ومالك في \"الموطأ\" كتاب القرآن، باب: ما جاء في الدعاء، حديث (٣٠) وأَبو داود في \"سننه\" كتاب الصلاة، باب: أي الليل أفضل؟ حديث (١٣١٥). وأخرجه النَّسائي في \"عمل اليوم والليلة\" (٤٨٠) وابن ماجة، كتاب: الإقامة، باب: ما جاء في أي ساعات الليل أفضل حديث (١٣٦٦)، وأحمد في مسنده (٢/ ٤٨٧) (٢/ ٢٦٧)، وابن خزيمة في \"التوحيد\" ص (١٢٧ - ١٢٨)، وابن أبي عاصم في \"السنة\" (١/ ٢١٧) رقم (٤٩٢) والفسوي في \"المعرفة والتاريخ\" (١/ ٤١٤)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٢/ ٣)، وفي \"الأسماء والصفات\" (ص ٤٤٩). وابن حبان في صحيحه (٣/ ١٩٩ - ٢٠٠ - الإحسان) رقم (٩٢٠) كلهم من حديث أبي هريرة.\nوقد ورد عن جماعة من الصحابة كما ذكر المصنف.\n(^٦٣) - أخرجه البخاري في \"صحيحه\" كتاب الوتر، باب: ساعات الوتر، حديث (٩٩٦)، ومسلم في \"صحيحه\" كتاب صلاة المسافرين وقصرها، ١٣٦، ١٣٨ - (٧٤٥).\n(^٦٤) - رواه ابن أبي حاتم في تفسيره (٢/ ١٤٥) رقم (٢٤٥). وفي إسناده سليمان: بن موسى الأموي صدوق فقيه، في حديثه بعض لين. وأخرجه الطبري في تفسيره (٦/ ٢٦٦) رقم (٦٧٥٦).\n(^٦٥) - رواه ابن جرير في تفسيره (٦/ ٢٦٦) رقم (٦٧٥٥). وفيه \"حريث بن أبي مطر عمرو الفزاري، أَبو عمرو الحناط\"، ضعفه غير واحد - قال ابن معين: لا شيء، وقال عمرو بن علي: ضعيف الحديث. وقال أَبو حاتم: ضعيف الحديث، وقال النسائي: متروك الحديث، وقال البخاري: ليس بالقوي عندهم =\n_________\n[¬١]- في ت: \"الأخير\".","vol":"3","page":33},{"text":"حاطب، عن أبيه قال: سمعت رجلًا في السحر في ناحية المسجد وهو يقول: يا [¬١] رب أمرتني فأطعتك، وهذا السحر فاغفر لي. فنظرت فإذا هو ابن مسعود، ﵁.\nوروى ابن مردويه (^٦٦) عن أنس بن مالك قال: كنا نؤمر إذا صلينا من الليل أن نستغفر في آخر السحر سبعين مرة.\n﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إلا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إلا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨) إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إلا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَينَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (١٩) فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (٢٠)﴾\nشهد تعالى وكفى به شهيدًا، وهو أصدق الشاهدين وأعدلهم، وأصدق القائلين ﴿أَنَّهُ لَا إِلَهَ إلا هُوَ﴾ أي: المنفرد بالإلهية لجميع الخلائق، وأن الجميع عبيده وخلقه وفقراء [¬٢] إليه، وهو الغني عما سواه. كما قال تعالى: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾، الآية. ثم قرن شهادة ملائكته [وأولي العلم] [¬٣] بشهادته فقال: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إلا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْم﴾ وهذه خصوصية عظيمة للعلماء في هذا المقام.\n﴿قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ منصوب على الحال، وهو في جميع الأحوال كذلك ﴿لَا إِلَهَ إلا هُوَ\n_________\n= وقال مرة: فيه نظر. وانظر \"ميزان الاعتدال\" (١/ ٤٧٤) رقم (١٧٩٠)، والتهذيب (٢/ ٢٠٥ - ٢٠٦) رقم (٤٣٤).\nقال الشيخ أحمد شاكر: وأما إبراهيم بن حاطب فلم أجد له ولا لأبيه \"حاطب\" ترجمة، وأخشى أن كون في اسمه تحريف أو سقط، وأن يكون حاطب هذا هو حاطب بن أبي بلتعة صاحب رسول الله ﷺ.\n(^٦٦) - أخرجه الطبري في \"تفسيره\" (٦/ ٢٦٦) رقم (٦٧٥٧).\n_________\n[¬١]- سقط. من: ز.\n[¬٢]- في خ: \"الفقراء\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.","vol":"3","page":34},{"text":"هُوْ﴾ تأكيد لما سبق ﴿الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ العزيز الذي لا يرام جنابه عظمة وكبرياء، الحكيم في أقواله وأفعاله وشرعه وقدره.\nوقال الإِمام أحمد (^٦٧): حدَّثنا يزيد بن عبد ربه، حدَّثنا بقية بن الوليد، حدثني جبير بن عمرو القرشي، حدَّثنا أَبو سعيد الأنصاري، عن أبي يحيى مولى آل الزُّبَير بن العوام، عن الزبير بن العوام، قال: سمعت النبي ﷺ وهو بعرفة يقرأ هذه الآية ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إلا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إلا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ وأنا على ذلك من الشاهدين يارب.\nوقد رواه ابن أبي حاتم من وجه آخر (^٦٨)، فقال: حدَّثنا علي بن حسين، حدَّثنا محمد بن المتوكل العسقلاني، حدَّثنا عمر بن حفص بن ثابت - أبو سعيد الأنصاري - حدَّثنا عبد الملك بن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزُّبَير، عن أبيه، عن جدّه، عن الزُّبَير قال: سمعت رسول الله ﷺ حين قرأ هذه الآية ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إلا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ﴾ قال: \"وأنا أشهد أي رب\".\nوقال الحافظ أَبو القاسم الطبراني في المعجم الكبير (^٦٩): حدَّثنا عبدان بن أحمد، وعلي ابن\n_________\n(^٦٧) - جبير بن عمرو القرشي: لا يدرى من هو. وقال الحافظ في التعجيل (٦٧) وأحسب أن هذا غلط، نشأ عن تصحيف في اسمه، وتحريف في اسم أبيه. وإنَّما هو حبيب بن عمر الأنصاري\". وأَبو سعيد الأنصاري: أورده في التعجيل، ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا، غير أنَّه قال: الذي في المسند أَبو سعد بسكون العين، وكذا ذكر ضبطه شيخنا الحافظ العراقي. وأَبو يحيى مولى آل الزبير: ترجمه في التعجيل وأشار إلى هذا الحديث، ولم يذكر عنه شيئًا. والحديث أخرجه أحمد في \"مسنده\" (١/ ١٦٦). وذكره الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (٦/ ٣٢٨) وعزاه إلى أحمد وبنحوه للطبراني. وقال: وفي أسانيدهما مجاهيل.\n(^٦٨) - رواه ابن أبي حاتم في تفسيره (٢/ ١٤٦) رقم (٢٤٦).\n(^٦٩) - أخرجه الطبراني في \"المعجم الكبير\" (١٠/ ٢٤٥) رقم (١٠٤٥٣) وأَبو نعيم في \"الحلية\" (٦/ ١٨٧ - ١٨٨)، والعقيلي في \"الضعفاء\" (٣/ ٣٢٥) في ترجمة عمار بن عمر بن المختار، وابن عدي في \"الكامل\" (٥/ ١٦٩٣، ١٦٩٤) في ترجمة عمر بن المختار، والخطيب في \"تاريخ بغداد\" (٧/ ١٩٣ - ١٩٤) وفي المهروانيات ص (٢٠٢) رقم (١٦٦) في ترجمة جعفر بن محمد بن عبد الله القطان الهرواني. قال ابن عدي: روى الأباطيل، روى عنه ابنه عمار، وقال الذهبي في ترجمته - الميزان -: قال ابن خطاف: عمر بن المختار متهم بالوضع. وقال ابن عدي -أيضًا-: لا يحدث به غير عمر بن المختار .. ومقدار ما يرويه فيه نظر. قال البيهقي: \"عمار بن المختار، عن أبيه، ضعيفان، وهذا لم يأت به غيرهما والله أعلم\". وقال أَبو نعيم: \"غريب من حديث الأعمش، تفرد به عمر بن المختار عن غالب\" وقال العقيلي: لا يتابع على حديثه. وقال الخطيب البغدادي: هذا حديث غريب جدًّا من حديث أبي وائل شقيق، عن أبي عبد الرحمن عبد اللَّه بن مسعود، ومن حديث سليمان الأعمَش، عن أبي وائل، تفرد به غالب بن خطاف القطان البصري، عن الأعمَش، ولم يكتبه إلَّا من رواية عمار بن عمر بن المختار، =","vol":"3","page":35},{"text":"سعيد الرازي، قالا: حدَّثنا عمار بن عمر بن المختار، حدثني أبي، حدثني غالب القطان، قال: أتيت الكوفة في تجارة فنزلت قريبًا من الأعمش، فلما كانت ليلة أردت أن أنحدر، قام فتهجد من الليل فمرَّ بهذه الآية ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إلا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إلا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨) إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ ثم قال الأعمش: وأنا أشهد بما شهد الله به، وأستودع الله هذه الشهادة، وهي لي [¬١] عندَ الله وديعة، ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ قالها مرارًا، قلت: لقد سمع فيها شيئًا، فغدوت إليه فودعته، ثم قلت: يا أبا محمدَ، إني سمعتك تردّد هذه الآية، قال: أو ما بلغك ما فيها؟ قلت: أنا عندك منذ شهر لم تحدثني. قال: والله لا أحدّثك بها إلى سنة. فأقمت سنة، فكنت على بابه، فلما مضت السنة، قلت: يا أبا محمد، قد مضت السنة. قال: حدثني أَبو وائل، عن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ: \"يجاء بصاحبها يوم القيامة فيقول الله، ﷿،: عبدي عهد إلي وأنا أحق من وفى بالعهد، أدخلوا عبدي الجنَّة\".\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ إخبارٌ منه [¬٢] الله [¬٣] تعالى بأنه لا دين عنده يقبله من أحد سوى الإسلام، وهو اتباع الرسل فيما بعثهم الله به في كل حين، حتَّى [¬٤] ختموا بمحمد، ﷺ، الذي سد جميع الطرق إليه إلا من جهة محمد، ﷺ، فمن لقي الله بعد [بعثة محمد] [¬٥]ﷺ بدين على غير شريعته فليس بمتقبل، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ الآية. وقال في هذه الآية مخبرًا بانحصار الدين المتقبل منه [¬٦] عنده في الإِسلام: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾.\nوذكر [¬٧] ابن جرير (^٧٠)، أن ابن عبَّاس قرأ ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إلا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إلا هُوَ [¬٨] الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨) إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ بكسر ﴿إِنَّ﴾ [¬٩]- وفتح، ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ أي: يشهد هو والملائكة وأولو العلم\n_________\n= عن أبيه، عن غالب. انظر \"الكامل\" لابن عدي (٥/ ١٦٩٤)، و\"ميزان الاعتدال\" (٤/ ١٤٣) رقم (٦٢١٣)، و\"لسان الميزان\" (٤/ ٧٦٣) رقم (٦١٩٣)، وذكره الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (٦/ ٣٢٨، ٣٢٩)، وقال: رواه الطبراني وفيه عمر بن المختار وهو ضعيف. وضعفه والخطيب في تاريخه.\n(^٧٠) - تفسير ابن جرير (٦/ ٢٦٨).\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- في خ: \"من\".\n[¬٣]- سقط من: ت.\n[¬٤]- سقط من: خ.\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين في ز: \"بعثته محمدًا\".\n[¬٦]- سقط من: ز، خ.\n[¬٧]- في خ: \"قال\".\n[¬٨]- في ت: \"الله\".\n[¬٩]- سقط من: خ، وفي ز: \"أنَّه\".","vol":"3","page":36},{"text":"من البشر بأن الدين عند الله الإِسلام. والجمهور قرءوها بالكسر على الخبر، وكلا المعنيين صحيح، ولكن هذا على قول الجمهور أظهر، والله أعلم.\nثم أخبر تعالى بأن [¬١] الذين أوتوا الكتاب الأول إنما اختلفوا بعد ما قامت عليهم [¬٢] الحجة بإرسال الرسل إليهم، وإنزال الكتب عليهم، فقال: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إلا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَينَهُمْ﴾ أي: بغى بعضهم على بعض، فاختلفوا في الحق؛ لتحاسدهم وتباغضهم وتدابرهم، فحمل [بعضهم بغض] [¬٣] البعض [¬٤] الآخر على مخالفته في جميع أقواله وأفعاله، وإن كانت حقًّا، ثم قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [أي: من جحد [ما أنزل] [¬٥] الله في كتابه] ﴿فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ أي: فإن [¬٦] الله سيجازيه على ذلك، ويحاسبه على تكذيبه، ويعاقبه على مخالفته كتابه.\nثم قال تعالى: ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ﴾ أي: جادلوك في التوحيد ﴿فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾ أي: فقل أخلصت عبادتي لله وحده لا شريك له ولا ندّ له، ولا ولد له [¬٧] ولا صاحبة له ﴿وَمَنِ اتَّبَعَنِ [¬٨]﴾ أي: على ديني، يقول [¬٩] كمقالتي. كما قال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ الآية.\nثم قال تعالى آمرًا لعبده ورسوله محمد، ﷺ، أن يدعو إلى طريقته ودينه والدخول في شرعه، وما بعثه الله به، الكِتَابِيِّين من الملتين، والأمِّيِّين من المشركين، فقال تعالى: ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيكَ الْبَلَاغُ﴾ أي: والله عليه حسابهم، وإليه مرجعهم ومآبهم، وهو الذي يهدي من يشاء، ويضل من يشاء، وله الحكمة في ذلك، والحجة البالغة، ولهذا قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ أي: هو عليم بمن يستحق الهداية ممن يستحق الضلالة، وهو الذي ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ وما ذلك [¬١٠] إلَّا لحكمته ورحمته.\nوهذه الآية وأمثالها من أصرح الدلالات على عموم بعثته صلوات الله وسلامه عليه إلى جميع الخلق، كما هو معلوم من دينه ضرورة، وكما دل عليه الكتاب والسنة في غير ما آية وحديث،\n_________\n[¬١]- في خ: \"أن\".\n[¬٢]- سقط من: ت.\n[¬٣]- في ز، خ: \"بعضهم على بعض\".\n[¬٤]- في ز، خ: \"البغض\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين في ز: \"بما أنزله\".\n[¬٦]- في ز: \"في أن\".\n[¬٧]- سقط من: ت.\n[¬٨]- في ز: \"اتبعني\".\n[¬٩]- في ز: \"يقولون\".\n[¬١٠]- في خ: \"ذاك\".","vol":"3","page":37},{"text":"فمن ذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيكُمْ جَمِيعًا﴾ وقال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالمِينَ نَذِيرًا﴾.\nوفي الصحيحين وغيرهما (^٧١) مما ثبت تواتره بالوقائع المتعددة، أنَّه ﷺ بعث لَهُم به يدعو إلى الله ملوكَ الآفاق، وطوائف بني آدم، من عربهم وعجمهم، كتابيهم وأميهم؛ امتثالًا لأمر الله له [¬١] بذلك.\nوقد روى عبد الرزاق، عن معمر، عن همام، عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ أنه قال: \"والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني، ومات ولم يؤمن بالذي أرسلت به، إلَّا كان من أهل النار\" رواه مسلم (^٧٢).\n_________\n(^٧١) - أخرجه البخاري في \"صحيحه\" كتاب العلم، باب: ما يذكر في المناولة، و\"كتاب أهل العلم بالعلم إلى البلدان حديث (٦٥) وأطرافه في (٢٩٣٨، ٥٨٧٠، ٥٨٧٢، ٥٨٧٤، ٥٨٧٥، ٥٨٧٧، ٧١٦٢)، ومسلم في صحيحه، كتاب اللباس والزينة، حديث (٢٠٩٢)، وأَبو داود في \"سننه\" كتاب: الخاتم، باب: ما جاء في اتخاذ الخاتم، حديث (٤٢١٤)، والتِّرمِذي في \"سننه\" كتاب: الاستئذان والآداب، باب: ما جاء فِي ختم الكتاب، حديث (٢٧١٩)، والنسائي (١٧٤١٨) كتاب الزينة، باب: صفة خاتم النبي ﷺ، وأحمد في \"مسنده\" (٣/ ١٦٨، ١٦٩) كلهم من حديث أَنس بن مالك قال: كتب النبي ﷺ كتابًا أو أراد أن يكتب - فقيل له: إنهم لا يقرءون كتابًا إلَّا مختومًا، فاتخذ خاتمًا من فضه نقشه: محمد رسول الله، كأني أنظر إلى بياضه في يده.\nومن حديث ابن عبَّاس: أخرجه البخاري في \"صحيحه\" كتاب العلم، باب: ما يذكر في المناولة وكتاب أهل العلم بالعلم إلى البلدان حديث (٦٤)، وأطرافه حديث (٢٩٣٩)، و(٤٤٢٤)، و(٧٢٦٤) من طريق ابن شهاب قال: أخبرني عبيد الله بن عبد الله أن ابن عبَّاس أخبره: \"أن رسول الله ﷺ بعث بكتابه إلى كسرى مع عبد الله بن حذافة السهمي، فأمر أن يدفعه إلى عظيم البحرين، فدفعه عظيم البحرين إلى كسرى، فلما قرأه مزقه، فحسبت أن ابن المسيب قال: فدعا عليهم رسول الله ﷺ أن يمزقوا كل ممزق\".\nوأخرجه البخاري في \"صحيحه\": كتاب: بدء الوحي حديث (٧). ومسلم في \"صحيحه\" كتاب الجهاد والسير، حديث (٧٤/ ١٧٧٣). وأَبو داود في \"سننه\" كتاب: الأدب، باب: كيف يكتب إلى الذِّمِّيِّ؟ حديث (٥١٣٦)، والتِّرمِذي في \"سننه\" كتاب: الاستئذان والآداب، باب: ما جاء كيف يكتب لأهل الشرك، حديث (٢٧١٨)، والنسائي في (الكبرى\" (٦/ ٣٠٩: ٣١١) رقم (١١٠٦٤)، وأحمد في مسنده (٢٦٢١١) من طريق الزُّهْريّ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عبَّاس أن أبا سفيان أخبره - فذكر حديثًا طويلًا في ذكر كتاب النبي ﷺ إلى هرقل.\n(^٧٢) - ومن طريق عبد الرزاق رواه ابن منده في \"التوحيد\" (٤٤/ ١) كما في \"الصحيحة\" للألباني (رقم ١٥٧). وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان ح ٢٤٠ - (١٥٣)، وانظر ما يأتي [سورة الأعراف / آية ١٥٨ / ح ٢١٨، ٢١٩، ٢٢٠].\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.","vol":"3","page":38},{"text":"وقال ﷺ: \"بعثت إلى الأسود والأحمر\" (^٧٣). وقال: \"كان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة\" (^٧٤).\nوقال الإِمام أحمد (^٧٥): حدَّثنا مؤمل، حدَّثنا حمَّاد، حدَّثنا ثابت عن أَنس، ﵁: أن غلامًا يهوديًّا كان يضع [¬١] للنبي ﷺ وضوءه، ويناوله نعليه، فمرض، فأتاه النبي ﷺ فدخل عليه، وأَبوه قاعد عند رأسه، فقال له النبي ﷺ: \"يا فلان \"قل لا إله إلَّا الله\". فنظر إلى أبيه، فسكت أَبوه، فأعاد عليه النبي ﷺ فنظر إلى أبيه، فقال أبوه: أطع أبا القاسم. فقال الغلام: أشهد أن لا إله إلَّا الله، وأنك رسول الله. فخرج النبي، ﷺ، وهو يقول: \"الحمد لله الذي أخرجه بي من النار\" رواه [¬٢] \"البخاري في الصحيح، إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث.\n﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٢١) أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٢٢)﴾\nهذا ذم من الله تعالى لأهل الكتاب فيما ارتكبوه من المآثم والمحارم، في تكذيبهم بآيات الله قديمًا وحديثًا، التي بلغتهم إياها الرسل؛ استكبارًا عليهم، وعنادًا لهم، وتعاظمًا على الحق، واستنكافًا عن اتباعه، ومع هذا [قتلوا من] [¬٣] قتلوا من النبيين حين بلغوهم عن الله شرعه، بغير سبب ولا جريمة منهم إليهم، إلَّا لكونهم دعوهم إلى الحق ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ﴾ وهذا هو غاية الكبر، كما قال النبي ﷺ: \"الكبر بطر الحق وغمط الناس\" (^٧٦).\n_________\n(^٧٣) - تقدم تخريجه - في المقدمة.\n(^٧٤) - سيأتي تخريجه سورة النساء آية (٤٣).\n(^٧٥) - أخرجه أحمد في \"مسنده\" (٣/ ١٧٥)، والبخاري في \"صحيحه\" كتاب الجنائز، باب: إذا أسلم الصبي فمات هل يصلى عليه؟ حديث (١٣٥٦)، وطرفه حديث (٥٦٥٧). وأَبو داود في كتاب الجنائز، باب: في عيادة الذِّمِّيِّ، حديث (٣٠٩٥) كلهم من طريق حمَّاد بن زيد به.\n(^٧٦) - سبق تخريجه - سورة البقرة آية (٦١).\n_________\n[¬١]- في ز: \"يصنع\".\n[¬٢]- في ز: \"أخرجه\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من ز، خ.","vol":"3","page":39},{"text":"وقال [¬١] ابن أبي حاتم (^٧٧): حدَّثنا أَبو الزُّبَير الحسن بن علي بن مسلم النيسابوري نزيل مكة، حدثني أبو حفص عمر بن حفص، يعني ابن ثابت بن زرارة الأنصاري - حدَّثنا محمد بن حمزة، حدَّثنا أَبو الحسن -مولى لبني أسد - عن مكحول، عن قبيصة [¬٢] بن ذؤيب الخزاعي، عن أبي عبيدة بن الجراح ﵁ قال: قلت: يا رسول الله! أي: الناس أشد عذابًا يوم القيامة؟ قال: \"رجل قتل نبيًّا أو [من أمر بالمنكر أو نهى عن المعروف] \". ثم قرأ رسول الله ﷺ: ﴿إِنَّ [¬٣] الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ الآية، ثم قال رسول الله ﷺ: \"يا أبا عبيدة! قتلت بنو إسوائيل ثلاثة وأربعين نبيًّا، من أول النهار في ساعة واحدة، فقام مائة [¬٤]، وسبعون رجلا من بني إسرائيل فأمروا من قتلهم بالمعروف ونهوهم عن المنكر، فقتلوا جميعًا من آخر النهار من ذلك اليوم، فهم الذين ذكر الله ﷿\".\nوهكذا رواه ابن جرير (^٧٨)، عن أبي عبيدة الوصاي محمد بن حفص، عن ابن حمير، عن أبي الحسن مولى بني أسد، عن مكحول به.\nوعن [¬٥] عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قتلت بنو إسرائيل ثلاثمائة نبي [¬٦] من أول النهار، وأقاموا سوق بقتلهم من آخره. رواه ابن أبي حاتم (^٧٩).\nولهذا لما أن تكبروا عن الحق واستكبروا على الخلق قابلهم الله على ذلك بالذلة والصغار في الدنيا، والعذاب المهين في الآخرة فقال تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ أي: موجع مهين ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾.\n_________\n(^٧٧) - أَبو الحسن مولى بني أسد؛ قال ابن أبي حاتم: سألت أبي عنه؟ فقال: مجهول. وكذا قال الذهبي، ثم ابن حجر ﵀. والحديث رواه ابن أبي حاتم في تفسيره (٢/ ١٦١) (٢٦٧). وأخرجه ابن جرير في تفسيره (٦/ ٢٨٥ - ٢٨٦) رقم (٦٧٨٠) من طريق أَبي الحسن مولى ابن سعد، به.\n(^٧٨) - فيه محمد بن حفص الوصابي الحمصي أَبو عبيد، روى عن محمد بن حمير، قال ابن منده: ضعيف، وقال ابن أبي حاتم: أردت السماع منه فقيل لي: ليس يصدق، فتركته، وذكره ابن حبان في الثقات انظر الجرح والتعديل (٧/ ٢٣٧) رقم (١٢٩٨)، و\"ميزان الاعتدال\" (٤/ ٤٤٦) رقم (٧٤٣٣)، و\"لسان الميزان\" (٥/ ١٥٠) رقم (٧٣٣٣).\n(^٧٩) - أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (١/ ١٢٦) رقم (٦٣٢ ط: الباز).\n_________\n[¬١]- في ز: \"قال\".\n[¬٢]- في خ: \"أبي قبيصة\".\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- بين المعكوفتين في ز: \"رجل\".\n[¬٥]- سقط من: خ.\n[¬٦]- سقط من: ز.","vol":"3","page":40},{"text":"﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَينَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٣) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إلا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٢٤) فَكَيفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٢٥)﴾\nيقول تعالى منكرًا على اليهود والنصارى، المتمسكين فيما يزعمون بكتابيهم الذين بأيديهم، وهما التوراة والإنجيل، وإذا دعوا إلى التحاكم إلى ما فيهما من طاعة الله فيما أمرهم به فيهما من اتباع محمد ﷺ تولوا وهم معرضون عنهما، وهذا في غاية ما يكون من ذمهم، والتنويه بذكرهم بالمخالفة والعناد، ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إلا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ أي: إنما حملهم وجرأهم على مُخَالفَةُ الحق افتراؤهم على الله فيما ادّعوه لأنفسهم، أنهم إنما يعذبون في النار سبعة أيام، عن كل ألف سنة في الدنيا يومًا، وقد تقدَّم تفسير ذلك في سورة البقرة. ثم قال تعالى: \" ﴿وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ أي: ثبتهم على دينهم الباطل ما خدعوا به أنفسهم من زعمهم أن إشار لا تمسهم بذنوبهم إلَّا أيامًا معدودات، وهم الذين افتروا هذا من تلقاء أنفسهم، وافتعلوه ولم ينزل الله به سلطانا، قال الله تعالى متهدّدا لهم ومتوعدًا: ﴿فَكَيفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيبَ فِيهِ﴾ أي: كيف يكون حالهم وقد افتروا على الله وكذبوا رسله، وقتلوا أنبياءه، والعلماء من قومهم الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، والله تعالى سائلهم [¬١] عن ذلك كله، ومحاسبهم عليه ومجازيهم به، ولهذا قال تعالى: ﴿فَكَيفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيبَ فِيهِ﴾ أي [¬٢]: لا شك في وقوعه وكونه ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾.\n﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ (٢٦) تُولِجُ اللَّيلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيرِ حِسَابٍ (٢٧)﴾\nيقول ﵎: قل يا محمد معظمًا لربك، وشاكرًا له، ومفوضًا إليه، [ومتوكلًا\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"مقابلهم\".\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.","vol":"3","page":41},{"text":"عليه] ﴿اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ﴾ أي: لك الملك كله ﴿تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ﴾ أي: أنت المعطي، وأنت المانع، وأنت الذي ما شئت كان وما لم تشأ لم يكن.\nوفي هذه الآية [¬١] تنبيه وإرشاد إلى شكر نعمة الله تعالى على رسوله ﷺ وهذه الأمّة؛ لأن الله تعالى حول النبوة من بني إسرائيل إلى النبي العربي القرشي [الأمى المكي]، خاتم الأنبياء على الإِطلاق، ورسول الله إلى جميع الثقلين الإِنس والجن، الذي جمع الله فيه محاسن من كان قبله، وخصه بخصائص لم يعطها نبيًّا من الأنبياء ولا رسولًا من الرسل، في العلم بالله وشريعته وإطلاعه على الغيوب الماضية والآتية، وكشفه له [¬٢] عن حقائق الآخرة، ونشر أمته في الآفاق في مشارق الأرض ومغاربها، وإظهار دينه، وشرعه على سائر الأديان والشرائع، فصلوات الله وسلامه عليه دائمًا إلى يوم الدين، ما تعاقب الليل والنهار، ولهذا قال تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ﴾ الآية أي: أنت المتصرف في خلقك، الفعال لما تريد. كما رد ﵎ على من يحكم [¬٣] عليه في أمره حيث قال: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَينِ عَظِيمٍ﴾ قال الله تعالى ردًّا عليهم: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾، الآية أي [¬٤]: نحن نتصرف فيما [¬٥] خلقنا كما نريد بلا ممانع، ولا مدافع، ولنا الحكمة البالغة [¬٦] والحجة التامة [¬٧] في ذلك. وهكذا يعطي [¬٨] النبوة لمن يريد [¬٩]، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيثُ يَجْعَلُ رِسَالتَهُ [¬١٠]﴾ وقال تعالى: ﴿انْظُرْ كَيفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾، الآية.\nوقد روى الحافظ ابن عساكر (^٨٠) في ترجمة إسحاق بن أحمد من تاريخه، عن المأمون الخليفة، أنه رأى في قصر ببلاد الروم مكتوبًا بالحميرية، فعرب له، فإذا هو بسم الله ما اختلف الليل والنهار، ولا دارت نجوم السماء في الفلك، إلا بنقل النعيم عن مَلِكٍ قد زال سلطانه إلى ملك. وملك ذي العرش دائم أبدًا ليس بفان ولا بمشترك.\nوقوله تعالى: ﴿تُولِجُ [¬١١] اللَّيلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ [¬١٢] النَّهَارَ فِي اللَّيلِ﴾ أي: تأخذ [¬١٣]\n_________\n(^٨٠) - في \"تاريخ دمشق\": (٢/ ٧٠٦ - مخطوط).\n_________\n[¬١]- سقط من: خ\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في ز: \"يتحكم\".\n[¬٤]- سقط من: خ\n[¬٥]- في ز: \"في\".\n[¬٦]- سقط من: ز، خ.\n[¬٧]- سقط من: ز، خ.\n[¬٨]- في ز: \"نعطي\"\n[¬٩]- في ز: \"نريد\".\n[¬١٠]- في ز: \"رسالاته\".\n[¬١١]- في ز، خ: \"يولج\".\n[¬١٢]- في ز، خ: \"يولج\"\n[¬١٣]- في ز: \"نأخذ\".","vol":"3","page":42},{"text":"من طول هذا فتزيده في قصر هذا، فيعتدلان، ثم تأخذ من هذا في هذا فيتفاوتان ثم يعتدلان، وهكذا في فصول السنة ربيعًا، وصيفًا، وخريفًا، وشتاء. وقوله تعالى: ﴿وَتُخْرِجُ [¬١] الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ [¬٢] الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ أي: تخرج [¬٣] [الزرع من الحبة، والحبة من الزرع]، والنخلة من النواة، والنواة من النخلة، والمؤمن من الكافر، والكافر من المؤمن، والدجاجة من البيضة، والبيضة من الدجاجة، وما جرى هذا المجرى من جميع الأشياء ﴿وَتَرْزُقُ [¬٤] مَنْ تَشَاءُ [¬٥] بِغَيرِ حِسَابٍ﴾ أي: تعطي من شئت [¬٦] من المال ما لا يعده ولا يقدر على إحصائه، وتقتر على آخرين، لما لك في ذلك من الحكمة والإِرادة، والمشيئة، والعدل.\nقال الطبراني (^٨١): حدَّثنا محمد بن زكريا الغلابي [¬٧]، حدثنا جعفر بن جسر [¬٨] ابن فرقد حدثنا أبي، عن عمرو بن مالك، عن أبي الجوزاء، عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: \"اسم [¬٩] الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب في هذه الآية من آل عمران: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ﴾.\nلَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيءٍ إلا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ\n_________\n(^٨١) - أخرجه الطبراني في \"المعجم الكبير\" (١٢/ ١٧١ - ١٧٢) وفيه: محمد بن زكريا الغلابي وهو ضعيف، وقد ذكره ابن حبان في \"الثقات\": وقال: يعتبر بحديثه إذا روى عن ثقة، وقال ابن منده: تكلم فيه، وقال الدارقطني: يضع الحديث. انظر \"ميزان الاعتدال\" (٤/ ٤٧٠) رقم (٧٥٣٧)، و\"لسان الميزان\" (٥/ ١٧٣) رقم (٧٤١٩). وفي إسناده كذلك جعفر بن جسر بن فرقد. قال العقيلي في \"الضعفاء\" (١/ ١٨٧): بصري، وحفظه فيه اضطراب شديد، كان يذهب إلى القدر وحدث بمناكير. قال ابن عدي: ولجعفر مناكير سوى ما ذكرت، ولعل ذلك من قِبل أبيه؛ فإنه مضعف. وقال الساجي: حدث بمناكير، وكان يذهب إلى القدر، \"لسان الميزان\" (٢/ ١٤٠ - ١٤١) رقم (١٩٩١) وانظر \"ميزان الاعتدال\" (١/ ٤٠٣) رقم (١٤٩٣). وأما أبيه: جسر بن فرقد فهو ضعيف أيضًا، قال البخاري: ليس بذاك عندهم، وقال ابن معين: ليس بشيء، وقال النسائي: ضعيف، وقال ابن حبان: ضعيف، وقال أبو حاتم: كان رجلًا صالحًا وليس بالقوي، انظر \"الضعفاء والمتروكين\" (١/ ١٦٩)، و\"الجرح والتعديل\" (٢/ ٥٣٨)، و\"ميزان الاعتدال\" (١/ ٣٩٨) رقم (١٤٨١)، و\"لسان الميزان\" (٢/ ١٣٢ - ١٣٣) رقم (١٩٦٥).\n_________\n[¬١]-[¬٢]-[¬٣]- في خ: \"ويخرج\".\n[¬٤]- في ز، خ: \"ويرزق\".\n[¬٥]- في ز: \"يشاء\".\n[¬٦]- في خ: \"تشاء\".\n[¬٧]- في ز: \"العلاتي\".\n[¬٨]- في ز: \"حبر\".\n[¬٩]- هذه الكلمة مكررة في خ.","vol":"3","page":43},{"text":"الْمَصِيرُ (٢٨)﴾.\nنهى الله ﵎ عباده المؤمنين أن يوالوا الكافرين، وأن يتخذوهم أولياء يسرون إليهم بالمودة من دون المؤمنين، ثم توعد [¬١] على ذلك فقال: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيءٍ﴾ أي: ومن يرتكب نهي الله في هذا فقد برئ من الله، كما قال تعالى: [﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾، إلى أن قال، ﴿وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ وقال تعالى]: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾ وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ الآية. وقال [﷾] بعد ذكر موالاة المؤمنين للمؤمنين من المهاجرين والأنصار والأعراب ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إلا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾. و[قوله تعالى]: ﴿إلا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ أي: إلا من خاف في بعض البلدان والأوقات من شرهم. فله أن يتقيهم بظاهره لا بباطنه ونيته، كما\nحكاه البخاري (^٨٢)، عن أبي الدرداء أنه قال: إنا لنكشر في وجوه أقوام وقلوبنا تلعنهم.\nوقال الثوري: قال ابن عباس: ليس التقية بالعمل، إنما التقية باللسان. [وكذا رواه العوفي عن ابن عباس: إنما التقية باللسان] [¬٢]. وكذا قال أبو العالية وأبو الشعثاء والضحاك والربيع بن أنس. ويؤيد ما قالوه قول الله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ الآية. وقال البخاري (^٨٣): قال الحسن: التقية ثم [¬٣] إلى يوم القيامة. ثم قال تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ أي: يحذركم نقمته في [¬٤] مخالفته وسطوته في عذابه لمن والى أعداءه وعادى أولياءه. ثم قال تعالى: ﴿وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ أي: إليه المرجع والمنقلب فيجازي [¬٥] كل عامل بعمله.\nقال ابن أبي حاتم (^٨٤): حدثنا أبي، حدثنا سويد بن سعيد، حدثنا مسلم بن خالد، عن ابن\n_________\n(^٨٢) - في صحيحه كتاب الأدب (١٠/ ٥٢٧ / الفتح)\n(^٨٣) - فاتحة كتاب الإكراه (١٢/ ٣١١ / الفتح).\n(^٨٤) - رواه ابن أبي حاتم في تفسيره، وأبو داود في \"سننه\" كتاب الصلاة، باب: إذا أخر الإمام الصلاة عن الوقت، حديث (٤٣٢). وفيه: عمرو بن ميمون الأودي، وجاء في ز، خ: عمرو بن ميمون=\n_________\n[¬١]- في خ: \"توعدهم\".\n[¬٢]- زيادة من: خ، وسقط من ز.\n[¬٣]- زيادة من: خ.\n[¬٤]- في خ: \"أي\".\n[¬٥]- في خ: \"فيجازي\".","vol":"3","page":44},{"text":"أبي حسين، عن عبد الرحمن بن سابط، عن عمرو بن ميمون [] [¬١]، قال: قام فينا معاذ بن جبل فقال: يا بني أود أني رسول رسول الله إليكم، تعلمون أن المعاد إما [¬٢] إلى الجنة أو إلى النار.\n﴿قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ (٢٩) يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَينَهَا وَبَينَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (٣٠)﴾\nيخبر ﵎ عباده أنه يعلم السرائر والضمائر والظواهر، وأنه لا يخفى عليه منهم خافية، بل علمه محيط بهم في سائر الأحوال [والأزمان والأيام] [¬٣] واللحظات وجميع الأوقات، وبجميع ما في الأرض والسموات لا يغيب عنه مثقال ذرّة ولا أصغر من ذلك في جميع أقطار الأرض، والبحار، والجبال وهو ﴿وَاللَّهُ [¬٤] عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ﴾ أي: وقدرته نافذة في جميع ذلك [¬٥]، وهذا تنبيه منه [¬٦] لعباده على خوفه، وخشيته لئلا [¬٧] ورتكبوا ما نهى عنه وما يبغضه منهم، فإنه عالم بجميع أمورهم، وهو قادر على معاجلتهم بالعقوبة، وإن أنظر من أنظر منهم فإنه يمهل ثم يأخذ أخذ عزنر مقتدر، ولهذا قال بعد هذا: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَينَهَا وَبَينَهُ أَمَدًا بَعِيدًا﴾ الآية. يعني: يوم القيامة يحضر للعبد جميع أعماله من خير وشر،\n_________\n= ابن مهران، والصواب عمرو بن ميمون الأودي، فقد قال الحافظ في \"التهذيب\" (٨/ ٩٦ - ٩٧): عمرو بن ميمون الأودي معروف بالرواية عن معاذ، وبرواية عبد الرحمن بن سابط عنه. وفي \"التقريب\" (ص ٤٢٧) رقم (٥١٢٢) في ترجمة عمرو بن ميمون الأودي: مخضرم مشهور، ثقة عابد، نزل الكوفة، مات سنة أربع وسبعين، وانظر \"فتح الباري\" (٨/ ٦٥). وأما عمرو بن ميمون بن مهران فهو جزري من السادسة، مات سنة سبع وأربعين ومائه، ولم يدرك معاذًا، \"التهذيب\" (٨/ ٩٥، ٩٦)، وكون عمرو بن ميمون أوديًّا يتناسب مع متن الحديث وهو قوله: قام فينا معاذ، فقال: يا بني أود، فالخطاب موجه إلى بني أود، والضمير (نا) في قوله: فينا يعود إلى بني أود، فهو منهم، كما صرح أبو داود في سننه بأنه عمرو بن ميمون الأودي حديث (٤٣٢). والحديث حسن إسناده المنذري في مختصر سنن أبي داود.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: بن مهران.\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- في ر، خ: \"والأنات\".\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- سقط من: خ.\n[¬٦]- سقط من: ز، خ.\n[¬٧]- في ز، خ: \"وأن لا\".","vol":"3","page":45},{"text":"كما قال تعالى: ﴿يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾ فما رأى من أعماله حسنًا سره ذلك وأفرحه، وما رأى من قبيح ساءه وغاظه، وودّ لو أنه تبرأ منه، وأن يكون بينهما [أمد بعيد] [¬١]، كما يقول لشيطانه الذي كان مقترنًا به في الدنيا وهو الذي جزأه [¬٢] على فعل السوء ﴿يَاليتَ بَينِي وَبَينَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَينِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ﴾.\nثم قال تعالى مؤكدًا، ومهددًا [¬٣]، ومتوعدًا: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ أي: يخوّفكم عقابه. ثم قال ﷻ مرجيًا لعباده [لئلا ييئسوا] [¬٤] من رحمته ويقنطوا من لطفه: ﴿وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ قال الحسن البصري: من رأفته بهم حذرهم نفسه. وقال غيره: أي: رحيم بخلقه، يحب لهم أن يستقيموا على صراطه المستقيم ودينه القويم، وأن يتبعوا رسوله الكريم.\n﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣١) قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ (٣٢)﴾\nهذه الآية الكريمة حاكمة على كل من ادّعى محبة الله، وليس هو على الطريقة المحمدية، فإنه كاذب في دعواه في نفس الأمر، حتى يتبع الشرع المحمدي والدين النبوي في جميع أقواله وأفعاله، وأحواله [¬٥]، كما ثبت في الصحيح (^٨٥) عن رسول الله ﷺ أنه قال: \"من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو ردّ\"؛ ولهذا قال: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ أي: يحصل لكم فوق ما طلبتم من محبتكم إياه، وهو محبته إياكم، وهو أعظم من الأول، كما قال بعض [العلماء الحكماء]: ليس الشأن أن تُحِبَّ، إنما الشأن أن تُحَبَّ. وقال الحسن البصري وغيره من السلف: زعم قوم أنهم يحبون الله فابتلاهم الله بهذه الآية فقال: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾.\nوقد قال ابن أبي حاتم (^٨٦): حدثنا أبي، حدثنا علي بن محمد الطنافسي، حدثنا عبيد الله بن\n_________\n(^٨٥) - سبق تخريجه سورة البقرة آية (١١٢).\n(^٨٦) - أخرجه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٢/ ٢٠٢ - ٢٠٣) رقم ٣٧٦.) والحاكم في \"المستدرك\" (٢/ ٢٩١)، والعقيلي في \"الضعفاء\" (٣/ ٦٠ - ٦١) رقم (١٠٢٤). وصححه الحاكم، وتعقبه الذهبي بقوله: قلت: عبد الأعلى؛ قال الدارقطني: ليس بثقة. وعبد الأعلى بن أعين الكوفي مولى بني شيبان: ضعيف من السابعة كما في التقريب، وقد روى عن يحيى بن أبي كثير المناكير، وقال العقيلي:=\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في خ: \"أمدًا بعيدًا\".\n[¬٢]- في ز: \"حداه\".\n[¬٣]- في ز: \"متهددًا\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين في ز: \"لييئسوا\".\n[¬٥]- زيادة من: ز، خ.","vol":"3","page":46},{"text":"موسى، عن عبد الأعلي بن أعين [¬١] عن يحيى بن أبي كثير، عن عروة، عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: \"وهل الدين إلا الحب [والبغض] [¬٢] قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾. وقال [¬٣] أبو زرعة:\n[] [¬٤]، عبد الأعلى هذا منكر الحديث.\nثم قال تعالى: ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أي: باتباعكم للرسول ﷺ يحصل لكم هذا [من بركة] [¬٥] سفارته، ثم قال تعالى آمرًا لكل أحد من خاص وعام: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ أي: خالفوا عن أمره ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ فدل على أن مخالفته في الطريقة كفر، والله لا يحب من اتصف بذلك، وإن ادعى وزعم في نفسه أنه [محب لله] [¬٦] ويتقرّب إليه حتى يتابع الرسول النبي الأمي خاتم الرسل ورسول الله إلى جميع الثقلين الجن والإنس، الذي لو كان الأنبياء بل المرسلون بل أولو العزم منهم في زمانه ما [¬٧] وسمعهم إلا اتباعه والدخول في طاعته واتباع شريعته، كما سيأتي تقريره عند قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ﴾ الآية [إن شاء الله تعالى] [¬٨].\n﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالمِينَ (٣٣) ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٣٤)﴾\nيخبر تعالى أنه اختار هذه البيوت على سائر أهل الأرض، فاصطفى آدم ﵇؛ خلقه بيده، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، وعلمه أسماء كل شيء، وأسكنه الجنة، ثم أهبطه [¬٩] منها، لما له في ذلك من الحكمة، واصطفى نوحًا ﵇ وجعله أوّل رسولٍ بعثه [¬١٠] إلى أهل الأرض، لما عبد الناس الأوثان، وأشركوا بالله [¬١١] ما لم ينزل به سلطانًا،\n_________\n= جاء بأحاديث منكرة، ليس منها شيء يحفظ، وقال ابن حبان: لا يجوز الاحتجاج به، منكر. انظر \"الضعفاء\" للعقيلي (٣/ ٦٠، ٦١)، و\"التهذيب\" (٦/ ٨٥) رقم (١٩٦).\n_________\n[¬١]- في ز: \"اعه\".\n[¬٢]- في ت: في الله والبغض في الله.\n[¬٣]- في ز: \"قال\".\n[¬٤]- عند ابن أبي حاتم في التفسير: هذا حديث منكر.\n[¬٥]- في ز، خ: \"كلَّه ببركة\".\n[¬٦]- في ز، خ: \"يحب الله\".\n[¬٧]- في ز: \"لما\".\n[¬٨]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٩]- في خ: \"أهبط\".\n[¬١٠]- سقط من: ز، خ.\n[¬١١]- في ز، خ: \"في دين الله\".","vol":"3","page":47},{"text":"وانتقم له لما طالت مدّته بين ظهراني قومه، يدعوهم إلى الله ليلًا ونهارًا، سرًّا [¬١] وجهارًا، فلم يزدهم ذلك إلا فرارًا، فدعا عليهم فأغرقهم الله عن آخرهم، ولم ينج منهم إلا من اتبعه على دينه الذي بعثه الله به، واصطفى آل إبراهيم، ومنهم سيد البشر وخاتم الأنبياء على الإِطلاق محمد ﷺ، وآل عمران، والمراد بعمران هذا هو والد مريم بنت عمران أم عيسى بن مريم ﵈.\nقال محمد بن إسحاق بن يسار ﵀: هو عمران بن ياشم بن أمون بن ميشا بن حزقيا بن أحريق بن يونم بن عزاريا بن أمصيا بن ياوش بن [أجر يهو] بن يازم بن يهفاشاط بن إِنشا بن أبيان [¬٢] بن رخيعم بن سليمان بن داود ﵉. فعيسى ﵇ من ذرية إبراهيم، كما سيأتي بيانه في سورة الأنعام إن شاء الله تعالى وبه الثقة.\n﴿إِذْ قَالتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٥) فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيطَانِ الرَّجِيمِ (٣٦)﴾\nامرأة عمران هذه هي [¬٣] أمّ مريم [بنت عمران] [¬٤] ﵍ وهي حنة بنت فاقود. قال محمد بن إسحاق: وكانت امرأة لا تحمل، فرأت يوما طائرًا يزق فرخه، فاشتهت الولد، فدعت الله تعالى أن يهبها ولدًا، فاستجاب الله دعاءها، فواقعها زوجها فحملت منه، فلما تحققت الحمل نذرته أن يكون محررًا أي: خالصًا مفرغًا للعبادة و[¬٥] لخدمة بيت المقدس، فقالت: ﴿رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ أي: السميع لدعائي العليم بنيتى. ولم تكن تعلم ما في بطنها أذكرًا أم أنثى ﴿فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾ قرئ [¬٦] برفع التاء على أنها تاء المتكلم وأن ذلك من تمام قولها، وقرئ بتسكين التاء على أنه من قول الله ﷿ ﴿وَلَيسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى﴾ أي: في القوة والجلد في العبادة وخدمة المسجد الأقصى ﴿وَإِنِّي سَمَّيتُهَا مَرْيَمَ﴾ فيه دلالة [¬٧] على جواز التسمية يوم الولادة، كما هو الظاهر من\n_________\n[¬١]- في ز: \"وسرًا\".\n[¬٢]- في خ: \"أنان\".\n[¬٣]- زيادة من: ز، خ.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين زيادة من: ز، خ.\n[¬٥]- زيادة من: ز، خ.\n[¬٦]- في ز: \"قرئت\".\n[¬٧]- في ت: \"دليل\".","vol":"3","page":48},{"text":"السياق؛ لأنه شرع من قبلنا، وقد حكي مقررًا، وبذلك ثبتت السنة عن رسول الله ﷺ حيث قال: \"ولد لي الليلة ولد وسميته باسم أبي إبراهيم\" (^٨٧). أخرجاه.\nوكذلك ثبت فيهما أن أنس بن مالك ذهب بأخيه حين ولدته أمه إلى رسول الله، ﷺ، فحنكه وسماه عبد الله (^٨٨).\nوفي صحيح البخاري (^٨٩) أن رجلًا قال: يا رسول الله؛ ولد لي الليلة [¬١] ولد فما أسميه؟ قال [¬٢]: \"اسم ولدك عبد الرحمن\" وثبت في الصحيح أيضًا (^٩٠): أنه لما جاء [¬٣] أبو أسيد بابنه ليحنكه فذهل عنه، فأمر به أبوه فرده إلى منزلهم، فلما ذكر رسول الله، ﷺ في المجلس سماه المنذر. فأما حديث قتادة، عن الحسن البصري، عن سمرة بن جندب، أنّ رسول الله ﷺ قال: \"كل غلام رهينة [¬٤] بعقيقته، يذبح عنه يوم سابعه، ويسمى ويحلق رأسه\" (^٩١). فقد رواه أحمد وأهل السنن وصححة الترمذي بهذا اللفظ وروي [¬٥] \"ويدمَّى\". وهو أثبت وأحفظ والله أعلم.\nوكذا [¬٦] ما رواه الزبير بن بكار في كتاب النسب، أن رسول الله ﷺ عق عن ولده إبراهيم\n_________\n(^٨٧) - أخرجه مسلم في كتاب الفضائل، حديث ٦٢ - (٢٣١٥)، وأبو داود في \"سننه\" كتاب الجنائز، باب: في البكاء على الميت، حديث (٣١٢٦)، وأحمد في \"مسنده\" (٣/ ١٩٤)، والبيهقي في \"سننه\" (٤/ ٦٩) من طرق، عن سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن أنس به.\nوأخرجه البخاري بنحوه، كتاب الجنائز، باب: قول النبي ﷺ: \"إنا بك لمحزونون\" حديث (١٣٠٣)، والبغوي في \"شرح السنة\" (٥/ ٤٢٨ - ٤٢٩) برقم (١٥٢٨) من طريق الحسن بن عبد العزيز، عن يحيى بن حسان، عن قريش -هو ابن حبان- عن ثابت، عن أنس، به.\n(^٨٨) - أخرجه البخاري في \"صحيحه\" كتاب العقيقة، باب: تسمية المولود غداة يولد لمن لم يعق عنه وتحنيكه، حديث (٥٤٧٠). ومسلم في كتاب: الآداب، حديث (٢١٤٤) من حديث أنس بن مالك.\n(^٨٩) - أخرجه البخاري في \"صحيحه\" كتاب: الأدب، باب: أحب الأسماء إلى الله ﷿، حديث (٦١٨٦) من حديث جابر ﵁.\n(^٩٠) - أخرجه البخاري في \"صحيحه\" كتاب الأدب، باب: تحويل الاسم إلى اسم أحسن منه، حديث (٦١٩١)، ومسلم في \"صحيحه\" كتاب: الآداب، حديث (٢١٤٩) من حديث سهل بن سعد الساعدي.\n(^٩١) - أخرجه أحمد في \"مسنده\" (٥/ ١٢)، وأبو داود في \"سننه\" كتاب الأضاحي، باب: في العقيقة، رقم (٢٨٣٨) والترمذي في \"سننه\" كتاب الأضاحي، باب: ما جاء في العقيقة، حديث (١٥٢٢)، والنسائي في \"سننه\" (٧/ ١٦٦)، كتاب العقيقة، باب: متى يعق؟ وابن ماجه في=\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في ز، خ: \"فقال\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"جاءه\".\n[¬٤]- في ت: \"مرتهن\".\n[¬٥]- في ز، خ: \"ويروي\".\n[¬٦]- سقط من: خ.","vol":"3","page":49},{"text":"[وسماه إبراهيم يوم سابعه] [¬١] فإسناده لا [¬٢] يثبت، وهو مخالف لما في الصحيح ولو صح لحمل على أنه اشتهر [¬٣] اسمه بذلك يومئذ والله أعلم. وقوله إخبارًا عن أمّ مريم أنها قالت ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيطَانِ الرَّجِيمِ﴾ أي: عوذتها بالله ﷿ من شر الشيطان، وعوذت ذريتها وهو ولدها عيسى ﵇ فاستجاب الله لها ذلك، كما قال عبد الرزاق: أنبأنا معمر، عن الزهري، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة، [﵁] قال: قال رسول الله ﷺ: \"ما من مولود يولد إلا مسه الشيطان حين يولد، فيستهل صارخًا من مسه إياه، إلا مريم وابنها\". ثم يقول أبو هريرة: اقرءوا إن شئتم ﴿وَ[¬٤] إِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيطَانِ الرَّجِيمِ﴾. أخرجاه (^٩٢) من حديث عبد الرزاق.\nورواه ابن جرير (^٩٣)، عن أحمد بن الفرج، عن بقية، عن الزبيدي، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ بنحوه.\nوروي من حديث قيس، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"ما من مولود إلا [وقد عصره] [¬٥] الشيطان عصرة أو عصرتين، إلا عيسى ابن مريم ومريم\". ثم قرأ رسول الله ﷺ: ﴿و[¬٦] إِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيطَانِ\n_________\n= كتاب الذبائح، باب: العقيقة، حديث (٣١٦٥). والطيالسي في مسنده (ص ١٢٣) برقم (٩٠٩)، والدارمي في \"سننه\" (٢/ ٨١)، كتاب الأضاحي، باب: السنة في العقيقة، وابن الجارود في \"المنتقى\" (ص ٣٣٩) رقم (٩١٠)، والحاكم في المستدرك (٤/ ٢٣٧)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٩/ ٢٩٩)، وأبو نعيم في \"الحلية\" (٦/ ١٩١) كلهم من طرق عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة به. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وقال الحاكم: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي. وذكره الشيخ الألباني -حفظه الله- في \"الإرواء\" (٤/ ٣٨٥ - ٣٨٦) رقم: (١١٦٥). وقال: صحيح.\n(^٩٢) - أخرجه البخاري في \"صحيحه\" كتاب التفسير، باب: قوله تعالى: ﴿وإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيطَانِ الرَّجِيمِ﴾، حديث (٤٥٤٨)، ومسلم في \"صحيحه\": كتاب: الفضائل، حديث (٢٣٦٦)، وأحمد في مسنده (٢/ ٢٧٤ - ٢٧٥)، وابن جرير في تفسيره (٦/ ٣٣٩) رقم (٦٨٩١) وابن أبي حاتم في تفسيره (٢/ ٢٢١) رقم (٤٢٠) من طريق عبد الرزاق به.\n(^٩٣) - رواه ابن جرير في \"تفسيره\" (٦/ ٣٤٣) برقم (٦٨٩٩). وبقية هو ابن الوليد الحمصي مدلس ويسوي، ولم يصرح بالتحديث إلا من شيخه كما هو عند الطبري. والزُّبيدي: بضم الزاي: هو محمد بن الوليد بن عامر الحمصي، وهو ثقة -روى له الشيخان. وقد أشار الحافظ في \"فتح الباري\" إلى هذه الرواية (٦/ ٤٦٩) عند رواية الزهري، عن ابن المسيب، فقال: كذا قال أكثر أصحاب الزهري، وقال الزبيدي: عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة- أخرجه الطبري.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"يوم سابعه وسماه إبراهيم\".\n[¬٢]- في خ: \"لم\".\n[¬٣]- في ز: \"أشهر\".\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- في ز: \"وعصره\".\n[¬٦]- سقط من: ز، خ.","vol":"3","page":50},{"text":"الرَّجِيمِ﴾ (^٩٤).\nومن حديث العلاء، [عن أبيه] [¬١]، عن أبي هريرة.\nورواه مسلم (^٩٥)، عن أبي الطاهر، عن ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن أبي يونس، عن أبي هريرة.\nورواه ابن وهب أيضًا عن ابن [¬٢] أبي ذئب، عن عجلان مولى المشمعل، عن أبي هريرة (^٩٦).\nوراه محمد بن إسحاق، عن يزيد بن عبد الله بن قسيط، عن أبي هريرة، عن النبي ﵌ بأصل الحديث (^٩٧).\nوهكذا رواه الليث بن سعد، عن جعفر بن ربيعة، عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج قال: قال أبو هريرة: قال رسول الله، ﷺ: \"كل بني آدم يطعن الشيطان في جنبه حين تلده أمه، إلا عيسى ابن مريم، ذهب يطعن فطعن في الحجاب\" (^٩٨).\nفَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيهَا\n_________\n(^٩٤) - أخرجه الطبري في \"تفسيره\" (٦/ ٣٣٩) رقم (٦٨٩٢). وقيس هو: قيس بن الربيع الأسدي أبو محمد الكوفي، صدوق تغير لما كبر، وأدخل عليه ابنه ما ليس من حديثه فحدث به.\n(^٩٥) - أخرجه مسلم في \"صحيحه\" كتاب الفضائل، حديث (١٤٧/ ٢٣٦٦).\n(^٩٦) - أخرجه الطبري في \"تفسيره\" (٦/ ٣٣٨) برقم (٦٨٨٨) من طريق ابن وهب بهذا الإسناد. وأخرجه أحمد في \"مسنده\" (٢/ ٢٨٨) عن إسماعيل بن عمر، و(٢/ ٢٩٢) عن يزيد بن هارون، و(٢/ ٣١٩) عن هاشم بن القاسم -ثلاثتهم- عن ابن أبي ذئب بهذا الإسناد، وعجلان مولى المشمعل: تابعي ثقة.\n(^٩٧) - أخرجه الطبري في \"تفسيره\" (٦/ ٣٣٦، ٣٣٧) رقم (٦٨٨٤، ٦٨٨٥، ٦٨٨٦) من طريق محمد بن إسحاق، بهذا الإسناد، وأخرجه الحاكم في المستدرك (٢/ ٥٩٤) من طريق إسماعيل بن جعفر، عن يزيد بن عبد الله بن قسيط، عن أبي هريرة، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. قال الشيخ أحمد شاكر ﵀ (٦/ ٣٣٧): ووقع في المستدرك ومختصر الذهبي: يزيد بن عبد الله بن قسيط، عن أبيه، عن أبي هريرة، وزيادة \"عن أبيه\" في الإسناد خطأ صرف لا معنى لها، وأرجح أنه خطأ من ناسخي المستدرك، فإن والد يزيد هذا غير معروف بالرواية، ولم يذكره أحد في رواة الحديث.\n(^٩٨) - أخرجه الطبري في \"تفسيره\" (٦/ ٣٤٢) رقم (٦٨٩٧) من طريق الليث بن سعد بهذا الإسناد. وذكره السيوطي بنحوه في \"الدر المنثور\" (٢/ ٣٤) وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير، والحاكم، وصححه عن أبي هريرة به.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز\n[¬٢]- سقط من: خ.","vol":"3","page":51},{"text":"زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَال يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيرِ حِسَابٍ (٣٧)﴾\nيخبر ربنا - تعالى - أنه تقبلها من أمها نذيرة، وأنه [¬١] أنبتها نباتًا حسنًا، أي: جعلها شكلًا مليحًا ومنظرًا بهيجًا، ويسر لها أسباب القبول، وقرنها بالصالحين من عباده، تتعلم منهم [العلم و] [¬٢] الخير والدين، فلهذا [¬٣] قال: ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ (^٩٩) وفي قراءة ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ (^١٠٠) بتشديد الفاء، ونصب زكريا على المفعولية، أي: جعله كافلًا لها. قال ابن إسحاق: وما ذلك [¬٤] إلا أنها كانت يتيمة. وذكر غيره: أن بني إسرائيل أصابتهم سنة جدب، فكفل زكريا مريم [¬٥] لذلك ولا منافاة بين القولين والله أعلم.\nوإنما قدر الله كون زكريا كافلها لسعادتها، لتقتبس منه علمًا جمًّا نافعًا وعملًا صالحًا، ولأنه كان زوج خالتها على ما ذكره ابن إسحاق، وابن جرير وغيرهما [¬٦]. وقيل: زوج أختها. كما ورد في الصحيح (^١٠١): \" فإذا بيحيى [¬٧] وعيسى و[¬٨] هما ابنا الخالة\" وقد يطلق [¬٩] على ما ذكره ابن إسحاق ذلك أيضًا [¬١٠] توسعًا، فعلى هذا كانت في حضانة خالتها. وقد ثبت في الصحيحين [¬١١]: أنّ رسول الله ﷺ قضى في عمارة بنت حمزة، أن تكون [¬١٢] في حضانة خالتها امرأة جعفر بن أبي طالب، وقال: \"الخالة بمنزلة الأم\" (^١٠٢).\nثم أخبر تعالى عن سيادتها رجلالتها في محل عبادتها، فقال: ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا\n_________\n(^٩٩) - قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر: ﴿وَكَفَّلَهَا﴾ مفتوحة الفاء خفيفة.\n(^١٠٠) - وقرأ عاصم وحمزة والكسائي: ﴿وكفَّلها﴾ مشددة الفاء.\n(^١٠١) - سيأتي تخريجه - سورة الإسراء.\n(^١٠٢) - أخرجه البخاري في \"صحيحه\" كتاب الصلح، باب: كيف يكتب \"هذا ما صالح فلان بن فلان ابن فلان وإن لم ينسبه إلى قبيلته أو نسبه\" حديث (٢٦٩٩) مطولًا. ومسلم في \"صحيحه\" كتاب الجهاد والسير، حديث (١٧٨٣/ ١٩) مختصرًا وليس فيه لفظ \"الخالة بمنزلة الأم\"، وأحمد في \"مسنده\" (٤/ ٢٩٨) بلفظ مسلم من حديث البراء بن عازب.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- في ز وخ: \"ولهذا\".\n[¬٤]- في ز، خ: \"ذاك\".\n[¬٥]- في ز: \"لمريم\".\n[¬٦]- سقط من: ز، خ.\n[¬٧]- في خ: \"يحيى\".\n[¬٨]- سقط من: خ.\n[¬٩]- في ز، خ: \"نطق\".\n[¬١٠]- سقط من: ز، خ.\n[¬١١]- في ت: \"الصحيح\".\n[¬١٢]- في ز، خ: \"تكن\".","vol":"3","page":52},{"text":"الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا﴾. و[¬١] قال مجاهد وعكرمة، وسعيد بن جبير، وأبو الشعثاء، وإبراهيم النخعي، والضحاك، وقتادة، والربيع بن أنس، وعطة العوفي، والسُّدي: يعني [¬٢] [وجد عندها فاكهة الصيف في الشتاء، وفاكهة الشتاء في الصيف.\nوعن مجاهد] [¬٣]: ﴿وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا﴾ أي: علمًا. أو قال: صحفًا فيها علم.\nرواه ابن أبي حاتم (^١٠٣)، والأول أصح، وفيه دلالة على كرامات الأولياء.\nوفي السنة لهذا نظائر كثيرة، فإذا رأى زكريا هذا عندها ﴿قَالَ يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا﴾ أي: يقول من أين لك هذا؟ ﴿قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾.\nوقال الحافظ أبو يعلى (^١٠٤): [حدثنا سهيل بن زنجلة] [¬٤]، حدثنا عبد اللَّه بن صالح، حدثنا [¬٥] عبد الله بن لهيعة، عن محمد بن المنكدر، عن جابر؛ أن ريسول الله ﷺ أقام أيامًا لم يطعم طعامًا، حتى شق ذلك عليه، فطاف في منازل أزواجه، فلم يجد عند واحدة منهن شيئًا، فأتى فاطمة فقال: \"يا بنية؛ هل عندك شيء آكله فإني جائع؟ \" قالت [¬٦]: لا والله - بأبي أنت وأمي - فلما خرج من عندها بعثت إليها جارة لها برغيفين وقطعة لحم، فأخذته منها، فوضعته في جفنة لها، وقالت: والله لأوثرن بهذا رسول الله ﷺ على نفسي ومن عندي، وكانوا جميعا محتاجين إلى شبعة طعام، فبعثت حسنًا أو حسينًا إلى رسول الله ﷺ فرجع إليها فقالت له: بأبي أنت وأمي: قد أتى الله بشيء فخبأته لك قال: \"هلمي يا بنية\". قالت: فأتيته بالجفنة فكشفت عنها [¬٧]، فإذا هي مملوءة خبزًا ولحمًا، فلما نظرت إليها بهتت وعرفت أنها بركة من الله، فحمدت الله، وصلت على نبيه، وقدمته إلى رسول الله ﷺ، فلما رآه حمد الله، وقال: \"من أين لك هذا يا بنية \"؟ قالت: يا أبت ﴿هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ فحمد الله، وقال: \"الحمد لله الذي جعلك يا بنية شبيهة بسيدة نساء بني إسرائيل، فإنها كانت إذا رزقها الله شيئًا وسئلت [¬٨] عنه قالت: ﴿هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ فبعث رسول الله ﷺ إلى علي، ثم أكل رسول الله ﷺ وأكل [¬٩] علي\n_________\n(^١٠٣) - رواه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٢/ ٢٢٩) رقم (٤٤٥).\n(^١٠٤) - رواه أبو يعلى كما في \"المطالب العالية\" (٤/ ٧٣ - ٧٤).\n_________\n[¬١]- زياة من: خ.\n[¬٢]- غير واضحة في خ.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين زيادة من: ت.\n[¬٤]- في خ: \"ثنا سهيل بن مرحلة\".\n[¬٥]- في ز: \"حدثني\".\n[¬٦]- في ز: \"فقالت\".\n[¬٧]- في ز: \"عن الجفنة\".\n[¬٨]- في ز: \"فسئلت\".\n[¬٩]- سقط من: ز، خ.","vol":"3","page":53},{"text":"وفاطمة، وحسن وحسين، وجميع أزواج النبي ﷺ وأهل بيته [حتى شبعوا جميعًا]، قالت: وبقيت الجفنة كما هي. قالت [¬١]: فأوسعت ببقيتها [¬٢] على جميع الجيران، وجعل الله فيها بركة وخيرًا كثيرًا.\n﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَال رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ (٣٨) فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (٣٩) قَال رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَال كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (٤٠) قَال رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَال آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إلا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ (٤١)﴾\nلما رأى زكريا ﵇ أن الله تعالى يرزق مريم ﵍ فاكهة الشتاء في الصيف، وفاكهة الصيف في الشتاء؛ [طمع حينئذ] [¬٣] في الولد [وإن كان] [¬٤] شيخًا كبيرًا، قد [ضعف و] [¬٥] وهن منه العظم واشتعل الرأس [¬٦] شيبًا، [وإن كانت] [¬٧] امرأته مع ذلك كبيرة وعاقرًا، لكنه مع هذا كله سأل ربه وناداه نداء خفيًّا وقال: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ﴾ أي: من عندك، ذرية طيبة، أي: ولدًا صالحًا، إنك سميع الدعاء. قال الله تعالى: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ﴾ أي: خاطبته الملائكة شفاهًا، خطابًا أسمعته وهو قائم يصلي [¬٨] في محراب عبادته، ومحل خلوته، ومجلس مناجاته وصلاته.\nثم أخبر تعالى عما بشرته به الملائكة ﴿أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى﴾ أي: بولد يوجد لك من صلبك اسمه يحيى.\nقال [¬٩] قتادة وغيره: إنما سمي يحيى لأن الله تعالى أحياه بالإِيمان. وقوله: ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- في ز: \"بقيمتها\".\n[¬٣]- في خ: \"كمع ح\".\n[¬٤]- بين المعكوفين في ز، خ: \"وكان\".\n[¬٥]- سقط من ت.\n[¬٦]- في ز: \"رأسه\".\n[¬٧]- في خ: \"وكانت\".\n[¬٨]- سقط من: ز.\n[¬٩]- في خ: \"وقال\".","vol":"3","page":54},{"text":"مِنَ اللَّهِ﴾ روى العوفي وغيره عن ابن عباس، وقال الحسن وقتادة، وعكرمة ومجاهد، وأبو الشعثاء والسدّي، والربيع بن أنس والضحاك وغيرهم، في هذه الآية ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ أي: بعيسى بن مريم. وقال الربيع بن أنس: هو أول من صدق بعيسى بن مريم.\nوقال قتادة: وعلى سنته ومنهاجه.\nوقال ابن جريج: قال ابن عباس في قوله: ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ قال: كان يحيى وعيسى ابني خالة، وكانت أم يحيى تقول، لمريم: إني أجد الذي في بطني يسجد للذي في بطنك، فذلك تصديقه بعيسى؛ تصديقه له في بطن أمه، وهو أول من صدق عيسى، وكلمة الله عيسى، وهو. أكبر من [يحيى ﵉] [¬١] \" وهكذا قال السدي أيضًا.\nوقوله [¬٢] ﴿وسَيِّدًا﴾. قال أبو العالية والربيع بن أنس وقتادة وسعيد بن جبير وغيرهم: الحكيم. وقال قتادة: سيدًا في العلم والعبادة.\nوقال [¬٣] ابن عباس والثوري والضحاك: السيد: الحكيم التقي [¬٤]. وقال سعيد بن المسيب: هو الفقيه العالم.\nوقال عطية: السيد في خلقه ودينه. وقال عكرمة: هو الذي لا يغلبه الغضب. وقال ابن زيد: هو الشريف. وقال مجاهد وغيره: هو الكريم على [الله ﷿].\nوقوله: ﴿وحَصُورًا﴾ روي عن ابن مسعود، وابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير، وأبي الشعثاء، وعطية العوفي؛ أنهم قالوا: هو الذي لا يأتي النساء. وعن أبي العالية والربيع بن أنس: هو الذي لا يولد له. وقال الضحاك: هو الذي لا ولد له ولا ماء له.\nوقال ابن أبي حاتم (^١٠٥): حدَّثنا أبي، حدثنا يحيى بن المغيرة، أنبأنا جرير، عن قابوس، عن أبيه، عن ابن عباس في الحصور: الذي لا ينزل الماء.\nوقد روى ابن أبي حاتم (^١٠٦) في هذا حديثًا غريبًا جدًّا فقال: حدثنا أبو جعفر محمد بن غالب\n_________\n(^١٠٥) - رواه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٢/ ٢٤٦) رقم (٤٩٣)، وأخرجه الطبري في \"تفسيره\" (٦/ ٣٧٩) رقم (٦٩٩٧) من طريق ابن حميد، عن جرير به. وقابوس هذا: هو ابن أبي ظَبْيان، الجَنْبي، الكوفي فيه لين.\n(^١٠٦) - رواه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٢/ ٢٤١) برقم (٤٨٢)، وأخرجه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (١١/ ٥٦١) رقم (١١٩٥٦) عن أبي خالد، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، عن عبد الله=\n_________\n[¬١]- في ت: \"عيسى ﵇\".\n[¬٢]- في ز: \"قوله\".\n[¬٣]- زيادة في: ت.\n[¬٤]- في ز، خ: \"المتقي\".","vol":"3","page":55},{"text":"البغدادي، حدثني سعيد بن سليمان، حدثنا عباد، يعني ابن العوام، عن يحيى بن سعيد، عن [سعيد بن] [¬١] المسيب، عن ابن العاص - لا يدري عبد الله أو عمرو - عن النبي ﷺ في قوله: ﴿وَسَيِّدًا وَحَصُورًا﴾ قال: ثم تناول شيئًا من الأرض فقال: \"كان ذكره مثل هذا\".\nو[¬٢] قال ابن أبي حاتم (^١٠٧): حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا يحيى بن سعيد القطان، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، أنه سمح سعيد بن المسيب، عن عبد الله بن عمرو بن العاص؛ يقول: [ليس أحد من خلق الله لا يلقاه بذنب غير يحيى بن زكريا] [¬٣]، [¬٤] قرأ سعيد: ﴿وَسَيِّدًا وَحَصُورًا﴾ ثم [¬٥] أخذ شيئًا من الأرض فقال [¬٦]: الحصور من [¬٧] كان ذكره مثل ذي. وأشار يحيى بن سعيد القطان بطرف أصبعه السبابة.\nفهذا موقوف وهو أقوى إسنادًا من المرفوع، بل وفي صحة المرفوع نظر، والله ﷾ أعلم.\n[ورواه ابن المنذر في تفسيره: حدثنا أحمد بن داود السمناني، حدثنا سويد بن سعيد، حدثنا علي بن مسهر، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب قال: سمعت عبد الله ابن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله ﷺ: \"ما من عبد يلقى الله إلا ذا ذنب، إلا يحيى بن زكريا، فإنّ الله يقول: ﴿وَسَيِّدًا وَحَصُورًا﴾، قال،: وإنما ذكره مثل هدبة الثوب\". وأشار بأنملته.\nوقال ابن أبي حاتم (^١٠٨): حدثنا أبي، حدثنا عيسى بن حماد ومحمد بن سلمة المرادي قالا:\n_________\n= ابن عمرو، بنحوه. وفيه: أبو جعفر محمد بن غالب البغدادي ويعرف بتمتام. حافظ مكثر عن أصحاب شعبة ووثقه الدارقطني وقال: وهم في أحاديث، وكان إسماعيل القاضي يجل تمتامًا ويثني عليه، وقال ابن المناوي: كتب عنه الناس، ثم رغب أكثرهم عنه لخصال شنيعة في الحديث. وروى حمزة السهمي عن الدارقطني قال: ثقة مأمون، وقال الدارقطني مرة أخرى: تمتام مكثر مجود. وقال ابن أبي حاتم: سمعت منه ببغداد، وهو صدوق.\n(^١٠٧) - رواه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٢/ ٢٤٣) رقم (٤٨٣). ورواه الطبري مرفوعًا برقم (٦٦٨١) بنحوه.\n(^١٠٨) - رواه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٢/ ٢٤٨ - ٢٤٩) رقم (٤٩٨). وحجاج بن سليمان هو الرعيني منكر الحديث. ومحمد بن عجلان المدني\" قال الحافظ: صدوق إلا أنه أختلطت عليه أحاديث أبي هريرة.\n_________\n[¬١]- سقط من خ.\n[¬٢]- في ت: \"و\".\n[¬٣]- عند ابن أبي حاتم: ليس أحد يلقى الله إلا يلقاه بذنب غير يحيى بن زكريا.\n[¬٤]- سقط من: ز.\n[¬٥]- سقط من: ز.\n[¬٦]- في ز: \"قال\".\n[¬٧]- في خ: \"ما\".","vol":"3","page":56},{"text":"حدثنا حجاج بن سليمان المقري، عن الليث بن سعد، عن محمد بن عجلان عن القعقاع، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ قال: \"كل ابن آدم يلقى الله بذنب يعذبه عليه، إن شاء أو يرحمه، إلا يحيى بن زكريا، فإنه كان سيدًا وحصورًا ونبيًا من الصالحين\". ثم أهوى النبي ﷺ إلى قذاة من الأرض فأخذها وقال: \"وكان ذكره مثل هذه القذاة \" [¬١].\nوقد قال القاضي عياض في كتابه الشفاء: اعلم أن ثناء الله تعالى على يحيى أنه كان [¬٢] ﴿حَصُورًا﴾ ليس كما قاله بعضهم، إنه كان هيوبًا أولًا ذكر له، بل قد أنكر هذا حذاق المفسرين، ونقاد العلماء، وقالوا: هذه نقيصة وعيب، ولا يليق بالأنبياء ﵈. وإنما معناه أنه معصوم من الذنوب، أي: لا يأتيها، كأنه حصور عنها، وقيل: مانعًا نفسه من الشهوات. وقيل: ليست له شهوة في النساء.\nوقد بان لك من هذا أن عدم القدرة على النكاح نقص، وإنما الفضل في كونها موجودة، ثم يمنعها إمّا بمجاهدة كعيسى، أو بكفاية من الله ﷿ كيحيى ﵇، ثم هي في حق من قدر عليها وقام بالواجب فيها ولم تشغله عن ربه، درجة عليا، وهي درجة نبينا ﷺ الذي لم يشغله كثرتهن عن عبادة ربه، بل زاده ذلك عبادة بتحصينهنّ وقيامه عليهنّ، وإكسابه لهنّ، وهدايته إياهنّ، بل قد صرح أنها ليست من حظوظ دنياه هو، وإن كانت من حظوظ دنيا غيره، فقال: \"حبب إلي من دنياكم\" (^١٠٩) هذا لفظه.\nوالمقصود أنه مدح ليحيى بأنه حصور، ليس أنه لا يأتي النساء، بل معناه كما قاله هو وغيره: أنه حصور من الفواحش والقاذورات، ولا يمنع ذلك من تزويجه بالنساء الحلال، وغشيانهنّ وإيلادهنّ، بل قد يفهم وجود النسل له من دعاء زكريا المتقدم، حيث قال: ﴿هَبْ [¬٣] لِي مِنْ لدنك ذرّية طيبة﴾ كأنه [قال: ولدًا] [¬٤] له ذرية ونسل وعقب، والله ﷾ أعلم.\nوقوله: ﴿وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ هذه بشارة ثانية بنبوّة يحيى بعد البشارة بولادته، وهي أعلى من الأولى، كقوله تعالى لأمّ موسى: ﴿إنا رادُّوه إليك وجاعلوه من المرسلين﴾. فلما تحقق زكريا ﵇ هذه البشارة، وأخذ [¬٥] يتعجب من وجود الولد منه بعد الكبر ﴿قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ﴾ أي: الملك ﴿كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ أي: هكذا أمر الله عظيم، لا يعجزه شيء ولا يتعاظمه أمر ﴿قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً﴾\n_________\n(^١٠٩) - تقدم آية (١٤).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- زيادة في: ت.\n[¬٣]- في خ: \"فهب\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين في خ: \"ولد\".\n[¬٥]- في خ: \"أخذ\".","vol":"3","page":57},{"text":"أي: علامة أستدل بها على وجود الولد مني ﴿قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾ أي: إشارة لا تستطيع النطق مع أنك سوى صحيح. كما في قوله: ﴿ثَلاثَ لَيَالٍ سَويًّا﴾ ثم أمر بكثرة الذكر والشكر والتكبير [¬١] والتسبيح في هذه الحال، فقال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾. وسيأتي طرف آخر في بسط هذا المقام في أوّل سورة مريم إن شاء الله تعالى.\n﴿وَإِذْ قَالتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالمِينَ (٤٢) يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣) ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيبِ نُوحِيهِ إِلَيكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٤٤)﴾\nهذا إخبار من الله تعالى بما خاطبت به الملائكة مريم ﵍ عن أمر الله لهم بذلك؛ أن الله قد اصطفاها، أي: اختارها، لكثرة عبادتها، وزهادتها، وشرفها، وطهارتها [¬٢] من الأكدار والوساوس [¬٣]، واصطفاها ثانيًا مرة بعد مرة؛ لجلالتها على نساء العالمين.\nقال عبد الرزاق (^١١٠): أنبأنا معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾ قال: كان أبو هريرة يحدث عن رسول الله ﷺ: \"خير نساء ركبن الإبل نساء قريش؛ أحناه على ولد في صغره، وأرعاه على زوج في ذات يده، ولم تركب مريم بنت عمران بعيرًا قَطْ\".\n_________\n(^١١٠) - في \"مصنفه\" (١١/ ٣٠٣) رقم (٢٠٦٠٣). وأخرجه مسلم في \"صحيحه\" كتاب فضائل الصحابة، حديث ٢٠١ - (٢٥٢٧). وأحمد في \"مسنده\" (٢/ ٢٦٩، ٢٧٥)، وابن حبان في \"صحيحه\" (١٤/ ١٦٥ - الإحسان) برقم (٦٢٦٨) من طريق عبد الرزاق بهذا الإسناد. وأخرجه مسلم في \"صحيحه\" كتاب فضائل الصحابة، حديث (٢٥٢٧/ ٢٠١)، وابن حجر في \"تغليق التعليق\" (٤/ ٣٥)، وابن حبان في \"صحيحه\" (١٤/ ١٦٣ - الإحسان) برقم (٦٢٦٧) من طريق حرملة بن يحيى، عن ابن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، به. وعلقه البخاري في \"صحيحه\" كتاب الأنبياء، باب ﴿إذ قالت الملائكة يا مريم …﴾ حديث (٣٤٣٤). قال: وقال ابن وهب: أخبرني يونس بنفس الإسناد السابق. وقال يإثره: تابعه ابن أخي الزهري وإسحاق الكلبي عن الزهري.\nأما متابعة ابن أخي الزهري فوصلها ابن عدي في \"الكامل\" من طريق الدراوردي، حدثنا محمد بن =\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- في ز، خ: \"وطهرها\".\n[¬٣]- في ز: \"الوسواس\".","vol":"3","page":58},{"text":"[ولم يخرجه] [¬١] من هذا الوجه سوى مسلم، فإنه رواه عن محمد بن رافع، [وعبد بن حميد] [¬٢] كلاهما عن عبد الرزاق به.\nوقال هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد الله بن جعفر، عن علي بن أبي طالب، ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"خير نسائها مريم بنت عمران [¬٣]، وخير نسائها خديجة بنت خويلد\".\nأخرجاه في الصحيحين من حديث هشام به مثله (^١١١).\nوقال الترمذي (^١١٢): حدثنا أبو بكر بن زنجويه [¬٤]، حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن قتادة، عن أنس، أن رسول الله ﷺ قال: \"حسبك من نساء العالمين مريم بنت عمران، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد، وآسية امرأة فرعون\" تفرّد به الترمذي وصححه.\n_________\n= عبد الله بن مسلم بن أحمد الزهري، عن عمه، به. وأما متابعة إسحاق الكلبي فوصلها الزهري في الزهريات، عن يحيى بن صالح الوحاظي، حدثنا إسحاق، به. انظر \"الفتح\" (٦/ ٤٧٤) و\"التغليق\" (٤/ ٣٥ - ٣٦)، وأخرجه البخاري في كتاب النكاح، باب: إلى من ينكح، وأي النساء خير، حديث (٥٠٨٢)، وطرفه حديث (٥٣٦٥). ومسلم في \"صحيحه\" كتاب فضائل الصحابة، حديث (٢٥٢٧)، وأحمد في مسنده (٢/ ٢٦٩، ٣٩٣، ٤٤٩، ٥٠٢)، وعبد الرزاق في مصنفه (١١/ ٣٠٣ - ٣، ٤) رقم (٢٠٦٠٤)، والحميدي في مسنده (٢/ ٤٥١ - ٤٥٢) (١٠٤٧)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٧/ ٢٩٣)، والبغوي في \"شرح السنة\" (١٤/ ١٦٧) رقم (٣٩٦٥)، وابن أبي شيبة في مصنفه (٧/ ٥٤٧). وابن أبي عاصم في السنة (٢/ ٦٣٩) رقم (١٥٣٣) من طرق مختلفة عن أبي هريرة بنحوه.\n(^١١١) أخرجه البخاري في كتاب الأنبياء، باب: ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ …﴾ حديث (٣٤٣٢)، وطرفه (٣٨١٥)، ومسلم في كتاب: الفضائل، حديث (٢٤٣٠)، والترمذي في كتاب المناقب، باب: فضل خديجة ﵂ حديث (٣٨٨٧)، وأحمد في \"مسنده\" (١/ ٨٤، ١٣٢، ١٤٣) من طرق عن هشام بن عروة بهذا الإسناد. قال الطيبي: \"الضمير الأول يعود إلى الأمّة التي كانت فيها مريم، والثاني على هذه الأمة، ولهذا كرر الكلام تنبيهًا على أن حكم كل واحدة منهما غير حكم الأخرى\". ولكن جاء في رواية مسلم: \"وأشار وكيع إلى السماء والأرض\" فكأنه أراد أن يبين أن المراد نساء الدنيا، وأن الضميرين يرجعان إلى الدنيا. وقال الحافظ في \"لفتح\" (٧/ ١٣٥): \"والذي يظهر لي أن قوله: \"خير نسائها\" خبر مقدم، والضمير لمريم، فكأنه قال: خير نسائها أي زمانها، وكذا في خديجة.\n(^١١٢) - رواه الترمذي في \"سننه\" كتاب المناقب، باب: فضل خديجة ﵂ حديث (٣٨٨٨)، وعبد الرزاق في \"مصنفه\" (١١/ ٤٣٠) رقم (٢٠٩١٩) من طريق عبد الرزاق به، وقال الترمذي: هذا حديث صحيح. وابن أبي شيبة في مصنفه (٧/ ٥٣٠) من حديث الحسن، به.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"لم يخرجوه\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"وابن عبد الحميد\".\n[¬٣]- سقط من: خ.\n[¬٤]- في ز: \"رنجويه\".","vol":"3","page":59},{"text":"وقال عبد الله بن أبي جعفر الرازي، عن أبيه قال: كان ثابت البناني يحدث عن أنس بن مالك، أن رسول الله ﷺ قال: \"خير نساء العالمين أربع، مريم بنت عمران، وآسية امرأة فرعون، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت رسول الله\". رواه ابن مردويه (^١١٣).\nوروى ابن مردويه، من طريق شعبة، عن معاوية بن قرّة، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ: \"كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا ثلاث: مريم بنت عمران، وآسية امرأة فرعون، وخديجة بنت خويلد، وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام\".\nوقال ابن جرير (^١١٤): حدثني المثنى، حدثنا آدم العسقلاني، حدثنا شعبة، حدثنا عمرو بن مرّة، سمعت مرّة الهمداني، يحدث عن أبي موسى الأشعري؛ قال: قال رسول الله ﷺ: \"كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا مريم بنت عمران، وآسية امرأة فرعون\".\nوقد أخرجه الجماعة (^١١٥)؛ إلا أبا داود من طرق عن شعبة به، ولفظ البخاري: \"كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا آسية امرأة فرعون، ومريم بنت عمران، وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام\".\nوقد استقصيت طرق هذا الحديث وألفاظه في قصة [عيسى بن مريم] [¬١] ﵉ في كتابنا البداية والنهاية (^١١٦)، ولله الحمد والمنة.\nثم أخبر تعالى عن الملائكة، أنهم أمروها بكثرة العبادة والخشوع [والخضوع والسجود والركوع] والدأب [¬٢] في العمل [] [¬٣] لما يريد الله تعالى بها من الأمر الذي قدره\n_________\n(^١١٣) - وأخرجه ابن عدي في \"الكامل\" (٤/ ١٥٣٣). من طريق عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه قال: كان ثابت البناني … فذكره. وقال ابن عدي بعد ما ساق له هذا الحديث: ولعبد الله بن أبي جعفر غير ما ذكرت من الحديث، عن أبيه، وعن غيره، وبعض حديثه مما لا يتابع عليه.\n(^١١٤) - رواه ابن جرير في \"تفسيره\" (٦/ ٣٩٧ - ٣٩٨) رقم (٧٠٣١).\n(^١١٥) - أخرجه البخاري في كتاب أحاديث الأنبياء، باب قول الله تعالى: ﴿وضرب الله مثلًا للذين آمنوا امرأة فرعون …﴾ حديث (٣٤١١)، وطرفه حديث (٣٤٣٣)، (٣٧٦٩)، (٥٤١٨)، ومسلم في كتاب فضائل الصحابة، حديث (٢٤٣١)، والترمذي في كتاب الأطعمة، باب: ما جاء في فضل الثريد، حديث (١٨٣٥)، والنسائي في \"الكبرى\" (٥/ ٩٣) برقم (٨٣٥٦)، وابن ماجه في كتاب الأطعمة، باب: فضل الثريد على الطعام، حديث (٣٢٨٠) كلهم من حديث أبي موسى الأشعري به.\n(^١١٦) - \" البداية والنهاية\" (٢/ ٧٣)، (٣/ ١٥٩)، (٨/ ١٠٠).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"عيسى ومريم\".\n[¬٢]- في ز: \"والدوب\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في ز: \"لها\".","vol":"3","page":60},{"text":"وقضاه، مما فيه محنة لها ورفعة في الدارين، بما أظهر الله تعالى فيها من قدرته العظيمة؛ حيث خلق منها ولدًا من غير أب، فقال تعالى: ﴿يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ أمّا القنوت: فهو الطاعة في خشوع، كما قال تعالى: ﴿بل له ما [¬١] في السموات والأرض كل له قانتون﴾.\nوقد قال ابن أبي حاتم (^١١٧): حدثنا يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، أن دراجًا أبا السمح حدثه، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد، عن رسول الله ﷺ قال: \"كل حرف في القرآن يذكر فيه القنوت فهو الطاعة\".\nورواه ابن جرير من [حديث] [¬٢] ابن لهيعة، عن دراج به، وفيه نكارة.\nوقال مجاهد: كانت مريم، ﵍، تقوم حتى تتورم كعباها. والقنوت هو طول الركود في الصلاة، يعني امتثالًا [لقول الله] [¬٣] تعالى: ﴿يا مريم اقنتي لربك] [] [¬٤] قال الحسن: يعني اعبدي لربك. ﴿وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ أي: كوني منهم.\nوقال الأوزاعي: ركدت في محرابها راكعة وساجدة وقائمة حتى نزل ماء الأصفر في قدميها ﵂ [وأرضاها] [¬٥].\nوقد ذكر الحافظ ابن عساكر (^١١٨) في ترجمتها من طريق محمد بن يونس الكديمي [¬٦]، وفيه مقال: ثنا علي بن بحر بن بري، ثنا الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير في قوله: ﴿يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي﴾ قال: سجدت حتى نزل الماء الأصفر في عينيها [¬٧].\n_________\n(^١١٧) - رواه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٢/ ٢٦١) رقم (٥٣١)، وأبو نعيم في \"الحلية\" (٨/ ٣٢٥) من طريق ابن وهب، به. ثم قال: تفرد به عبد الله بن عمرو. في إسناده دراج أبو السمح في حديثه عن أبي الهيثم ضعف. وأخرجه الطبري في \"تفسيره\" (٦/ ٤٠٣) رقم (٧٠٥٠)، وأبو يعلى في \"مسنده\" (٢/ ٥٢٢) رقم (١٣٧٩)، وابن حبان في صحيحه (٢/ ٧) رقم (٣٠٩)، وأحمد في \"مسنده\" (٣/ ٧٥)، والطبراني في الأوسط (٥/ ٢٣٤) رقم (٥١٨١) من طريق ابن لهيعة به، وذكره الهيثمي في \"المجمع\" (٦/ ٣٢٣) وقال: رواه أحمد، وأبو يعلى، والطبراني في الأوسط، وفي إسناد أحمد وأبي يعلى بن لهيعة وهو ضعيف. ا هـ. وقال ابن كثير عند تفسيره لسورة البقرة آية (١١٦): في هذا الإسناد ضعيف لا يعتمد عليه، ورفع هذا الحديث منكر، وقد يكون من كلام الصحابي أو من دونه، وكثير ما يأتي بهذا الإسناد تفاسير فيها نكارة، فلا يغتر بها فإن السند ضعيف، والله أعلم.\n(^١١٨) - تاريخ دمشق (١٩/ ٥٣٥).\n_________\n[¬١]- في ت: \"من\".\n[¬٢]- في ت: طريق.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في ز: \"لقوله\".\n[¬٤]- بين المعكوفتين في ز: \"بل\".\n[¬٥]- زيادة في: ت.\n[¬٦]- في ز: \"اللديمي\".\n[¬٧]- في ز: \"عينها\".","vol":"3","page":61},{"text":"وذكر ابن أبي الدنيا: ثنا الحسن بن عبد العزيز، ثنا ضمرة، عن ابن [¬١] شَوْذَب؛ قال: كانت مريم ﵍ تغتسل في كل ليلة.\nثم قال تعالى لرسوله بعد ما أطلعه على جلية الأمر: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيبِ نُوحِيهِ إِلَيكَ﴾ أي: نقصه عديك ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ أي: ما كنت عندهم يا محمد [فتخبر عنهم] [¬٢] معاينة عما جرى، بل أطلعك الله على ذلك [كأنك حاضر وشاهد] [¬٣] لما كان من أمرهم، حين اقترعوا في شأن مريم أيهم يكفلها، وذلك لرغبتهم في الأجر.\nقال ابن جرير (^١١٩): حدثنا القاسم، حدثنا الحسين، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن القاسم بن أبي بزة [¬٤]، أنه أخبره عن عكرمة-[وأبي بكر، عن عكرمة] [¬٥]، - قال: ثم خرجت بها -يعني أم مريم بمريم [¬٦]-[في خرقها] [¬٧] إلى بني الكاهن بن هارون أخي موسى ﵉ قال: وهم يومئذ يلون في بيت المقدس ما تلي الحجبة من الكعبة، فقالت لهم: دونكم هذه النذيرة، فإني حررتها وهي ابنتي، ولا تدخل الكنيسة حائض، وأنا لا أردها إلى بيتي، فقالوا: هذه ابنة إمامنا وكان عمران يؤمهم في الصلاة، وصاحب قرباننا. فقال زكريا: ادفعوها إلي [¬٨] فإن خالتها تحتي. فقالوا: لا تطيب أنفسنا، هي [¬٩] ابنة إمامنا. فذلك حين اقترعوا [عليها بأقلامهم] [¬١٠] [] [¬١١] التي يكتبون بها التوراة، فقرعهم زكريا، فكفلها.\nوقد ذكر عكرمة أيضًا والسدي وقتادة والربيع بن أنس وغير واحد -دخل حديث بعضهم في بعض-: أنهم ذهبوا [¬١٢] إلى نهر الأردن واقترعوا هنالك على أن يلقوا أقلامهم فيه [¬١٣]، فأيهم يثبت [¬١٤] في جِرية (*) الماء [¬١٥] هو كافلها، فألقوا أقلامهم فاحتملها الماء إلا قلم زكريا فإنه ثبت.\n_________\n(^١١٩) - لم أجده في تفسير الطبري المطبوع. ولم يذكره السيوطي في \"الدر المنثور\".\n(*) - جرية الماء: حالة جريانه.\n_________\n[¬١]- في ز: \"أبي\".\n[¬٢]- في ت: \"فتخبرهم عن\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"كأنك كنت حاضر وشاهدٌ\".\n[¬٤]- في ز، خ: \"برة.\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- في ز: \"بريم\".\n[¬٧]- في خ: \"تحملها في خرقتها\".\n[¬٨]- في خ: \"لي\".\n[¬٩]- في ز: \"على\".\n[¬١٠]- في ز: \"بأقلامهم عليها\".\n[¬١١]- ما بين المعكوفتين في ز: \"بالأقلام\".\n[¬١٢]- في ز، خ: \"دخلوا\".\n[¬١٣]- زيادة من: ز، خ.\n[¬١٤]- في ز: \"ثبت\".\n[¬١٥]- في خ: \"النار\".","vol":"3","page":62},{"text":"ويقال: إنه ذهب صعدًا [¬١] يشق جرية الماء، وكان مع ذلك كبيرهم، وسيدهم وعالمهم وإمامهم ونبيهم، صلوات الله وسلامه عليه وعلى سائر النبيين.\n﴿إِذْ قَالتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٥) وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ (٤٦) قَالتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَال كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٧)﴾\nهذه بشارة من الملائكة لمريم ﵍، بأن سيوجد منها ولد عظيم، له شأن كبير؛ قال الله تعالى: ﴿إِذْ قَالتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ﴾ أي: بولد يكون وجوده بكلمة من الله، أي: بقوله [¬٢] له: كن؛ فيكون.\nوهذا تفسير قوله: ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ كما ذكره الجمهور على ما سبق بيانه ﴿اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ أي: يكون مشهورًا بهذا في الدنيا، يعرفه المؤمنون بذلك.\nوسمي المسيح قال بعض السلف: لكثرة سياحته. وقيل: لأنه [¬٣] كان مسيح القدمين لا أخمص لهم. وقيل: لأنه كان إذا مسح أحدًا من ذوي العاهات برئ بإذن الله تعالى.\nوقوله تعالى: ﴿عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ نسبة له [¬٤] إلى أمه، حيث لا أب له ﴿وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ أي: له وجاهة ومكانة عند الله في الدنيا بما يوحيه الله إليه من الشريعة، وينزله عليه من الكتاب، وغير ذلك مما منحه الله [¬٥] به.\nوفي الدار الآخرة يشفع عند الله فيمن يأذن له فيه، فيقبل منه أسوة بإخوانه [¬٦] من أولي العزم صلوات الله [وسلامه عليه وعليهم أجمعين] [¬٧].\nوقوله: ﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا﴾ أي: يدعو إلى عبادة الله وحده لا شريك له في حال صغره، معجزة وآية، [وفي حال] [¬٨] كهولته [¬٩] حين يوحي الله إليه بذلك ﴿وَمِنَ\n_________\n[¬١]- في خ: \"صاعدا\".\n[¬٢]- في خ: \"يقول\".\n[¬٣]- في ز: \"إنه\".\n[¬٤]- سقط من: ت.\n[¬٥]- سقط من: ز.\n[¬٦]- في ز، خ: \"إخوته\".\n[¬٧]- في ز، خ: \"عليهم\".\n[¬٨]- في ز، خ: \"وحال\".\n[¬٩]- في ز: \"كهوليته\".","vol":"3","page":63},{"text":"الصَّالِحِينَ﴾ أي: في قوله وعمله. له علم صحيح، وعمل صالح.\nقال محمد بن إسحاق (^١٢٠): عن يزيد [¬١] بن عبد الله بن قسيط، عن محمد بن شرحبيل، عن أبي هروة، قال: قال رسول الله ﷺ: \"ما تكلم مولود في صغره [¬٢] إلا عيسى وصاحب جريج [¬٣] \".\nوقال ابن أبي حاتم (^١٢١): حدثنا أبو الصقر [¬٤] يحيى بن محمد بن قزعة، حدثنا الحسين -يعني المروزي- حدثنا جرير، يعني ابن حازم، عن محمد، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: \"لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة؛ عيسى، وصبي كان في زمن جريج وصبي آخر\".\nفلما سمعت بشارة الملائكة لها بذلك عن الله، ﷿، قالت في مناجاتها: ﴿رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾، تقول: كيف يوجد هذا الولد مني، وأنا لست بذات زوج، ولا من عزمي أن أتزوج، ولست بغيًّا حاشا [¬٥] لله [¬٦]. فقال لها الملك عن الله ﷿ في جواب هذا السؤال: ﴿كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ أي: هكذا أمر الله عظيم، لا يعجزه شيء، وصرح هاهنا [¬٧] بقوله: ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ ولم يقل: يفعل كما في قصة زكريا. بل نص هاهنا على أنه يخلق؛ لئلا يبقى لمبطل شبهة، وأكد ذلك بقوله: ﴿إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ أي: فلا يتأخر شيئًا، بل يوجد عقيب الأمر بلا مهلة [¬٨]، كقوله تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إلا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ أي: إنما نأمر مرة واحدة [¬٩] لا مَثْنَوَية فيها، فيكون ذلك الشيء سريعًا، كلمح بالبصر.\n﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٤٨) وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ\n_________\n(^١٢٠) - فيه محمد بن إسحاق لم يصرح بالسماع. وأخرجه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٢/ ٢٧٢ - ٢٧٣) رقم (٥٦٤) من طريق محمد بن إسحاق، به.\n(^١٢١) - رواه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٢/ ٢٧٢) رقم (٥٦٣). وأخرجه البخاري في \"صحيحه\" كتاب الأنبياء، باب قوله تعالى ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا …﴾ حديث (٣٤٣٦)، ومسلم في \"صحيحه\" كتاب: البر والصلة، حدث ٨ - (٢٥٥٠)، وأحمد في \"مسنده\" (٧/ ٣٠٧ - ٣٠٨ و٣٠٨).\n_________\n[¬١]- في ز: \"زيد\".\n[¬٢]- في ز: \"صغيره\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"جرير\".\n[¬٤]- في ز: \"الصفر\".\n[¬٥]- في ز: \"حاش\".\n[¬٦]- في خ: \"الله\".\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين في ز: \"أنه\".\n[¬٨]- في ز: \"مهملة\".\n[¬٩]- زيادة من: خ.","vol":"3","page":64},{"text":"﴿أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيئَةِ الطَّيرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٤٩) وَمُصَدِّقًا لِمَا بَينَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (٥٠) إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٥١)﴾\nيقول الله تعالى مخبرًا [¬١] عن تمام بشارة الملائكة لمريم بابنها، عيسى ﵇،: إن الله يعلمه الكتاب والحكمة. الظاهر أن المراد بالكتاب هاهنا الكتابة، والحكمة تقدم [الكلام على] [¬٢] تفسيرها في سورة البقرة.\n﴿وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾: فالتوراة هو [¬٣] الكتاب الذي [أنزله الله] [¬٤] على موسى بن عمران، والإنجيل الذي [أنزله الله] [¬٥] على عيسى [ابن مريم] [¬٦] ﵉. وقد كان عيسى [¬٧] ﵇ يحفظ هذا وهذا، وقوله: ﴿وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ أي: يجعله رسولًا إلى بني إسرائيل قائلًا لهم ﴿أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيئَةِ الطَّيرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيرًا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾. وكذلك كان يفعل؛ يصور من الطين شكل طير، ثم ينفخ فيه؛ فيطر عيانًا بإذن الله، ﷿، الذي جعل هذا معجزة له تدل [¬٨] على [أن الله] [¬٩] أرسله.\n﴿وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ﴾ قيل: إنه [¬١٠] الذي يبصر نهارًا ولا يبصر ليلًا، وقيل بالعكس، وقيل: هو [¬١١] الأعشى. وقيل: الأعمش. وقيل: هو الذي يولد أعمى. وهو أشبه؛ لأنه أبلغ في المعجزة، وأقوى في التحدي ﴿وَالْأَبْرَصَ﴾ معروف.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين زيادة من: ز، خ.\n[¬٣]- زيادة من: ز، خ.\n[¬٤]- في ت: \"أنزل\".\n[¬٥]- في: \"أنزل\".\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٧]- سقط من: ز، خ.\n[¬٨]- في ز، خ: \"يدل\".\n[¬٩]- في ت: \"أنه\".\n[¬١٠]- في خ: \"هو\".\n[¬١١]- زيادة من: ز، خ.","vol":"3","page":65},{"text":"﴿وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ قال كثير من العلماء: بعث الله كل نبي من الأنبياء [بمعجزة تناسب] [¬١] أهل زمانه، فكان الغالب على زمان موسى ﵇ السحر وتعظيم السحرة، فبعثه الله بمعجزات [¬٢] بهرت الأبصار، وحيرت كل سحار، فلما استيقنوا أنها من عند العظيم الجبار، انقادوا للإسلام وصاروا من [عباد الله] [¬٣] الأبرار. وأما عيسى ﵇ فبعث في زمن الأطباء وأصحَاب علم الطبيعة، فجاءهم من الآيات بما لا سبيل لأحد إليه، إلا أن يكون مؤيدًا من الذي شرع الشريعة.\nفمن أين للطبيب قدرة على إحياء الجماد، أو على مداواة الأكمه والأبرص، وبعث من هو في قبره رهين إلى يوم التناد [¬٤]؟؟.\nوكذلك محمد ﷺ بعث [¬٥] في زمان [¬٦] الفصحاء والبلغاء ونحارير الشعراء، فأتاهم بكتاب من الله، ﷿، لو اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثله، أو بعشر سور من مثله، أو بسورة من مثله لم يستطعوا أبدًا، ولو كان بعضهم لبعض ظهيرًا، وما ذاك إلا لأن كلام الرب ﷿ لا يشبهه [¬٧] كلام الخلق أبدًا.\nوقوله: ﴿وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ﴾ أي: أخبركم بما أكل أحدكم الآن، وما هو مدخر [في بيته لغداه] [¬٨] ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ أي: في ذلك كله ﴿لآيَةً لَكُمْ﴾ أي: على صدقي فيما جئتكم به ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.\n﴿وَمُصَدِّقًا لِمَا بَينَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ﴾ أي: مقرًّا [¬٩] لها ومثبتًا [¬١٠]، ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيكُمْ﴾ فيه دلالة على أن عيسى ﵇ نسخ بعض شريعة التوراة، وهو الصحيح من القولين، ومن العلماء من قال: لم ينسخ منها شيئًا، وإنما أحل لهم بعض ما كانوا يتنازعون [¬١١] فيه فأخطئوا، فكشف [¬١٢] لهم عن المغطى في ذلك، كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾، والله أعلم.\nثم قال: ﴿وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ أي: بحجة ودلالة على صدقي فيما أقول لكم ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (٥٠) إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ﴾ أي: أنا وأنتم سواء في العبودية له،\n_________\n[¬١]- في ت: \"بما يناسب\".\n[¬٢]- في ز: \"بمعجزة\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- في ز: \"التناده\".\n[¬٥]- في ز: \"بعثه\".\n[¬٦]- في ز: \"زمن\".\n[¬٧]- في خ: \"يشبه\".\n[¬٨]- في ت: \"له في بيته لغد\".\n[¬٩]- في ز: \"مقرر\".\n[¬١٠]- في ز: \"مثبت\".\n[¬١١]- في ز: \"يتنازعوا\"\n[¬١٢]- في خ: \"وكشف\".","vol":"3","page":66},{"text":"والخضوع والاستكانة إليه ﴿هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾.\n* ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَال مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَال الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٥٢) رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٥٣) وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيرُ الْمَاكِرِينَ (٥٤)﴾\nيقول تعالى: ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى﴾ أي: استشعر منهم التصميم على الكفر والاستمرار على الضلال، قال: من أنصاري إلى الله؟ قال مجاهد: أي: من يتبعني إلى الله. وقال سفيان الثوري وغيره؟ أي [¬١]: من أنصاري مع الله. وقول مجاهد أقرب.\nوالظاهر أنه أراد: من أنصاري في الدعوة إلى الله؟ كما كان النبي ﷺ يقول في مواسم الحج قبل أن يهاجر: \"من رجل يؤويني [على أن] [¬٢] أبلغ كلام ربي؟ فإن قريشًا قد منعوني أن أبلغ كلام ربي\" (^١٢٢). حتى وجد الأنصار فآووه ونصروه، وهاجر إليهم فواسوه [¬٣] ومنعوه من الأسود والأحمر، [﵃ وأرضاهم]. وهكذا عيسى بن مريم، [﵇]، انتدب له طائفة من بني إسرائيل، فآمنوا به، وآزروه ونصروه، واتبعوا النور الذي أنزل معه، ولهذا قال تعالى مخبرًا عنهم: ﴿قَال الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا [¬٤] مُسْلِمُونَ (٥٢) رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾.\n_________\n(^١٢٢) - أخرجه أحمد في \"المسند\" (٣/ ٣٢٢، ٣٣٩)، والبزار (١٧٥٦)، وصححه ابن حبان (١٤/ ٦٢٧٤)، (١٢/ ٧٠١٥)، والحاكم في \"المستدرك\" (٢/ ٦٢٤)، ووافقه الذهبي، ورواه البيهقي في \"الدلائل\" (٢/ ٤٤٣)، وفي \"السنن\" (٨/ ١٤٦)، (٩/ ٩)، وقال ابن كثير في \"البداية\" (٣/ ١٩٥): \"إسناد جيد على شرط مسلم\"، وقال الحافظ في \"الفتح\" (٧/ ١٧٧): \"رواه أحمد بإسناد حسن، وصححه الحاكم، وابن حبان\". من طريق أبي الزبير عن جابر، به مطولًا. وأخرجه النسائي في \"الكبرى\" (٤/ ٤١١) رقم (٧٧٢٧)، وأبو داود في \"سننه\" كتاب: السنة، باب: في القرآن، حديث (٤٧٣٤). والترمذي في \"سننه\" كتاب: فضائل القرآن، باب (٢٤) حديث (٢٩٢٥)، وابن ماجه في المقدمة، باب: فيما أنكرت الجهمية حديث (٢٠١)، كلهم من طريق سالم بن أبي الجعد، عن جابر قال: كان رسول الله ﷺ يعرض نفسه على الناس في الموسم فيقول: \"ألا رجل يحملني إلى قومه، فإن قريشًا قد منعوني أن أبلغ كلام ربي\".\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في ت: حتى.\n[¬٣]- في ر: \"فآسوه\".\n[¬٤]- في خ: \"بأننا\".","vol":"3","page":67},{"text":"الحواريون قيل: كانوا قصارين، وقيل [¬١]: سموا بذلك لبياض ثيابهم. وقيل: صيادين. والصحيح أن الحواري الناصر. كما ثبت في الصحيحين (^١٢٣) أن رسول الله ﷺ لما ندب الناس يوم الأحزاب فانتدب الزبير، ثم ندبهم فانتدب الزبير ﵁، [ثم ندبهم فانتدب الزبير ﵁] [¬٢]، فقال النبي ﷺ: \"إن لكل نبي حواريًا وحواري الزبير\".\nوقال ابن أبي حاتم (^١٢٤): حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا وكيع، حدثنا إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄، في قوله: ﴿فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ قال [¬٣]: مع أمة محمد ﷺ. وهذا إسناد جيد.\nثم قال تعالى مخبرًا عن ملإ [¬٤] بني إسرائيل فيما هموا به من [الفتك بعيسى] [¬٥]، ﵇، وإرادته بالسوء والصلب، حين تمالئوا عليه، ووشوا به إلى ملك ذلك الزمان، وكان كافرًا، فأنهوا إليه أن هاهنا رجلًا يضل الناس، ويصدهم عن طاعة الملك، ويفسد [¬٦] الرعايا، ويفرق بين الأب وابنه، إلى غير ذلك مما تقلدوه في رقابهم، ورموه به من الكذب، وأنه ولد زانية حتى استثاروا غضب الملك، فبعث في طلبه من يأخذه ويصلبه وينكل به، فلما أحاطوا بمنزله، وظنوا أنهم قد ظفروا به، نجاه الله تعالى من بينهم، ورفعه من روزنة ذلك البيت إلى السماء، وألقى الله شبهه على رجل ممن [¬٧] كان عنده في المنزل، فلما دخل أولئك اعتقدوه في ظلمة الليل عيسى، ﵇، فأخذوه وأهانوه وصلبوه، ووضعوا على رأسه الشوك، وكان هذا من مكر الله بهم، فإنه نجى نبيه ورفعه من بين\n_________\n(^١٢٣) - أخرجه البخاري في كتاب الجهاد، باب: فضل الطليعة، حديث (٢٨٤٦)، وطرفه حديث (٤١١٣)، ومسلم في كتاب: فضائل الصحابة، حديث ٤٨ - (٢٤١٥) والترمذي في كتاب: المناقب، باب رقم (٢٥) حديث (٣٧٤٥)، والنسائي في \"الكبرى\" كتاب: المناقب (٥/ ٦٠) حديث (٨٢١١). وابن ماجه في المقدمة، باب: في فضائل أصحاب رسول الله ﷺ حديث (١٢٢)، والبيهقي في \"الدلائل\" (٣/ ٤٣١).\n(^١٢٤) - رواه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٢/ ٢٩٤) رقم (٦٣٤)، وأخرجه الطبراني في \"المعجم الكبير\" (١١/ ٣٧٩) من طريق محمد بن يوسف الفريابي، عن إسرائيل، به. وفيه سماك، صدوق، وروايته عن عكرمة خاصة مضطربة، وقد تغير بأخرة.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- سقط من ت.\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- في ز، خ: \"القتل لعيسى\".\n[¬٦]- في خ: \"ويفتد\"، وفي ز: \"ويفند\".\n[¬٧]- سقط من: ز، خ.","vol":"3","page":68},{"text":"أظهرهم، وتركهم في ضلالهم يعمهون؛ يعتقدون أنهم قد ظفروا بطلبتهم [¬١]، وأسكن الله في قلوبهم قسوة وعنادًا للحق ملازمًا لهم، وأورثهم ذلة لا تفارقهم إلى يوم التناد؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيرُ الْمَاكِرِينَ﴾.\n﴿إِذْ قَال اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَينَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٥٥) فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٥٦) وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (٥٧) ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ (٥٨)﴾\nاختلف المفسرون في قوله تعالى: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ فقال قتادة وغيره: هذا من المقدم والمؤخر، تقديره: إني رافعك إلي [¬٢] ﴿مُتَوَفِّيكَ﴾، يعني بعد ذلك.\nوقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: إني متوفيك أي: مميتك.\nوقال محمد بن إسحاق عمن لا يتهم [¬٣]، عن وهب بن منبه؛ قال: توفاه الله ثلاث ساعات من أول [¬٤] النهار حين رفعه الله إليه.\nقال [¬٥] ابن إسحاق: والنصارى يزعمون أن الله توفاه سبع ساعات ثم أحياه.\nوقال إسحاق بن بشر، عن إدريس، عن وهب: أماته الله ثلاثة أيام ثم بعثه ثم رفعه.\nوقال مطر الوراق: إني [¬٦] متوفيك من الدنيا، وليس بوفاة موت. وكذا قال ابن جريج: توفيه هو رفعه.\nوقال الأكثرون: المراد بالوفاة هاهنا النوم. كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾. وقال تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ\n_________\n[¬١]- في ز: \"بطلبهم\".\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- في خ: \"يتوهم\".\n[¬٤]- سقط من: ز.\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من ت.\n[¬٦]- زيادة من: ز، خ.","vol":"3","page":69},{"text":"فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾. وكان رسول الله ﷺ يقول إذا قام من النوم: \"الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا [وإليه النشور] [¬١] \". الحديث (^١٢٥). وقال الله تعالى: ﴿وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا (١٥٦) وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ [وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾] إلى قوله تعالى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (١٥٧) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٥٨) وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيهِمْ شَهِيدًا﴾ والضمير في قوله \"قبل موته\" عائد على عيسى ﵇ أي: وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن [¬٢] بعيسى [قبل موت عيسى] [¬٣] وذلك حين ينزل إلى الأرض قبل يوم القيامة، على ما سيأتي بيانه، فحينئذ يؤمن به أهل الكتاب كلهم؛ لأنه يضع الجزية، ولا يقبل إلا الإِسلام.\nوقال [¬٤] ابن أبي حاتم (^١٢٦): حدثنا أبي، حدثنا أحمد بن عبد الرحمن، [حدثنا عبد الله] [¬٥] بن أبي جعفر، عن أبيه، حدثنا الربيع بن أنس، عن الحسن، أنه قال في قوله تعالى ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾: يعني وفاة المنام [¬٦] رفعه الله في منامه. قال الحسن: قال رسول الله ﷺ لليهود: \"إن عيسى لم يمت وإنه راجع إليكم قبل يوم القيامة\".\nوقوله تعالى: ﴿وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: برفعي إياك إلى السماء ﴿وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ وهكذا وقع فإن المسيح ﵇ لما رفعه الله إلى السماء تفرقت أصحابه شيعًا بعده.\nفمنهم من آمن بما بعثه الله به على أنه عبد الله ورسوله وابن أمته، ومنهم من غلا فيه فجعله ابن الله، وآخرون قالوا: هو الله. وآخرون قالوا: هو ثالث ثلاثة. وقد حكى الله مقالتهم [¬٧] في القرآن ورد على كل فريق، [فاستمروا على ذلك] [¬٨] قريبًا من ثلاثمائة سنة، ثم نَبَعَ لهم ملك\n_________\n(^١٢٥) - رواه البخاري في كتاب الدعوات، باب: ما يقول إذا نام، حديث (٦٣٢١) من حديث حذيفة بن اليمان ﵁.\n(^١٢٦) - رواه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٢/ ٢٩٦) رقم (٦٤٢)، وأخرجه الطبري في \"تفسيره\" (٦/ ٤٥٥) رقم (٧١٣٣) من طريق عبد الله بن أبي جعفر به.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في ز، خ: \"فيؤمن\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٤]- في ز: \"قال\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- في ز: \"المقام\".\n[¬٧]- في ز: \"مقالاتهم\".\n[¬٨]- في ز، خ: \"فاستمر كذلك\".","vol":"3","page":70},{"text":"من ملوك اليونان يقال له قسطنطين، فدخل في دين النصرانية، قيل: حيلة ليفسده. فإنه كان فيلسوفًا. وقيل: جهلًا منه. إلا أنه بدل لهم دين المسيح وحرفه، وزاد فيه ونقص منه ووضعت له القوانين والأمانة الكبرى [¬١] التي هي الخيانة الحقيرة، وأحل في زمانه لحم الخنزير، وصلوا له [¬٢] إلى المشرق [¬٣]، وصوروا له الكنائس والمعابد والصوامع، [وزادوا] [¬٤] في صيامهم عشرة أيام من أجل ذنب ارتكبه فيما يزعمون، وصار دين المسيح دين قسطنطين [إلا أنه] [¬٥] بنى لهم من الكنائس والمعابد والصوامع والديارات ما يزيد على اثني عشر ألف معبد، وبني المدينة المنسوبة إليه، واتبعه الطائفة [¬٦] الملكية منهم، وهم في هذا كله قاهرون لليهود [أيدهم الله] [¬٧] عليهم لأنهم [¬٨] أقرب إلى الحق منهم، وإن كان الجميع كفارًا، عليهم لعائن الله.\nفلما بعث الله محمدًا ﷺ فكان من آمن به يؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله على الوجه الحق، فكانوا [¬٩] هم أتباع كل نبي على وجه الأرض؛ إذ قد صدقوا الرسول النبي الأمي العربي [¬١٠] خاتم الرسل وسيد ولد آدم [على الإِطلاق] [¬١١]، الذي دعاهم إلى التصديق بجميع الحق، فكانوا أولى بكل نبي من أمته الذين يزعمون أنهم على ملته وطريقته، مما [¬١٢] قد حرفوا وبدلوا، ثم لو لم يكن شيء من ذلك، لكان قد نسخ الله بشريعته شريعة [¬١٣] جميع الرسل بما بعث الله [¬١٤] به محمدًا، ﷺ، من الدين الحق، الذي لا يبدل ولا يغير إلى قيام الساعة، ولا يزال قائمًا منصورًا ظاهرًا على كل دين، فلهذا فتح الله لأصحابه مشارق الأرض ومغاربها، واحتازوا جميع الممالك، ودانت لهم جميع الدول، وكسروا كسرى، وقصروا [¬١٥] قيصر، وسلبوهما كنوزهما، وأنفقت في سبيل الله، كما أخبرهم بذلك نبيهم (^١٢٧) عن ربهم ﷿ في قوله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ [¬١٦] كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ [أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيئًا﴾] الآية. فلهذا [¬١٧] لما كانوا هم المؤمنين بالمسيح حقا سلبوا النصارى بلاد الشام، وأجلوهم إلى\n_________\n(^١٢٧) - انظر سورة النور آية (٥٥).\n_________\n[¬١]- في ز: \"الكبيرة\".\n[¬٢]- زيادة من: ز، خ.\n[¬٣]- في ز: \"الشرق\".\n[¬٤]- في ت: \"وزاد\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٦]- في ت: \"طائفة\".\n[¬٧]- في ت: \"أيده\".\n[¬٨]- في ت: \"لأنه\".\n[¬٩]- في ز: \"كانوا\".\n[¬١٠]- سقط من: ز، خ.\n[¬١١]- سقط من: ز.\n[¬١٢]- في ز، خ: \"مع ما\".\n[¬١٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬١٤]- سقط من: ز.\n[¬١٥]- سقط من: خ.\n[¬١٦]- سقط من: ز.\n[¬١٧]- في ز: \"ولهذا\".","vol":"3","page":71},{"text":"الروم، فلجئوا إلى مدينتهم القسطنطينية، ولا يزال الإسلام وأهله [¬١] فوقهم إلى يوم القيامة. وقد أخبر الصادق المصدوق ﷺ أمته بأن آخرهم سيفتحون القسطنطينية (^١٢٨) ويستفيئون ما فيها من الأموال، ويقتلون الروم مقتلة عظيمة جدًّا لم ير الناس مثلها، ولا يرون بعدها نظيرها، وقد جمعت في هذا جزءًا مفردًا. ولهذا قال تعالى: ﴿وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ﴾ [أي يوم القيامة] [¬٢] ﴿فَأَحْكُمُ بَينَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٥٥) فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ وكذلك فعل تعالى بمن كفر بالمسيح من اليهود أو غلا فيه [أو أطراه] [¬٣] من النصارى؛ عذبهم في الدنيا بالقتل والسبي [¬٤] وأخذ الأموال وإزالة الأيدي عن الممالك، وفي الدار الآخرة عذابهم أشد وأشق ﴿وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ﴾ ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ [¬٥] أُجُورَهُمْ﴾ أي: في الدنيا والآخرة؛ في الدنيا بالنصر والظفر، وفي الآخرة بالجنات العاليات ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾.\nثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ﴾ أي: هذا الذي قصصناه [¬٦] عليك يا محمد في أمر عيسى ومبدأ ميلاده وكيفية أمره هو مما قاله الله [¬٧] تعالى وأوحاه إليك وأنزله عليك من اللوح المحفوظ، فلا مرية فيه ولا شك، كما قال تعالى في سورة مريم: ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ (٣٤) مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ وهاهنا قال تعالى:\n﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَال لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٩) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (٦٠) فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ (٦١) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إلا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦٢) فَإِنْ تَوَلَّوْا\n_________\n(^١٢٨) - رواه أحمد (٢/ ١٧٦) من حديث عبد الله بن عمرو، وصححه الحاكم (٣/ ٤٢٢) (٤/ ٥٠٨) ووافقه الذهبي، وأقرهما الألباني في الصحيحة (٤/ ١).\n_________\n[¬١]- زيادة من: ت.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ت.\n[¬٣]- في ز، خ: \"وأطراه\".\n[¬٤]- في ز: \"السبا\".\n[¬٥]- في ز، خ: \"فنوفيهم\".\n[¬٦]- في ت: \"قصصنا\".\n[¬٧]- سقط من: ت.","vol":"3","page":72},{"text":"فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ (٦٣)﴾.\nيقول [جل وعلا] [¬١]: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ﴾ في قدرة الله تعالى حيث خلقه من غير أب ﴿كَمَثَلِ آدَمَ﴾ [فإن الله تعالى] [¬٢] خلقه من غير أب ولا أم، بل ﴿خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَال لَهُ: كُنْ فَيَكُونُ (٥٩) [الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ] [¬٣]﴾ فالذي [¬٤] خلق آدم [من غير أب] [¬٥] قادر على [أن يخلق] [¬٦] عيسى بالطريق الأولى والأحرى، وإن جاز ادّعاء البنوة [¬٧] في عيسى لكونه [¬٨] مخلوقًا من غير أب، فجواز ذلك في [¬٩] آدم بالطريق الأولى، ومعلوم بالاتفاق أن ذلك باطل، فدعواها [¬١٠] في عيسى أشدّ بطلانًا وأظهر فسادًا، ولكن الرب [ﷻ] [¬١١] أراد أن يظهر قدرته لخلقه حين خلق آدم، لا من ذكر ولا من أنثى، وخلق حوّاء [¬١٢] من ذكر بلا أنثى، وخلق عيسى من أنثى بلا ذكر، كما خلق بقية البرية من ذكر وأنثى، ولهذا قال تعالى في سورة مريم: ﴿وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ﴾ وقال هاهنا: (﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ [¬١٣] مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ أي: هذا [هو القول] [¬١٤] الحق في عيسى الذي لا محيد عنه ولا صحيح سواه، وماذا بعد الحق إلا الضلال.\nثم قال تعالى آمرًا رسوله ﷺ أن يباهل من عاند الحق في أمر عيسى بعد ظهور البيان ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا [¬١٥] جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ﴾ أي: نحضرهم في حال المباهلة ﴿ثُمَّ نَبْتَهِلْ﴾ أي: نلتعن ﴿فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ أي: منا أو [¬١٦] منكم.\nوكان سبب نزول [¬١٧] المباهلة وما قبلها من أول السورة إلى هنا في وفد نجران: [أن النصارى لما] [¬١٨] قدموا، فجعلوا يحاجون في عيسى، ويزعمون فيه ما يزعمون من البنوة والإلهية، فأنزل الله صدر هذه السورة [¬١٩] ردًّا عليهم، كما ذكره الإِمام محمد بن إسحاق بن يسار\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"تعالى\".\n[¬٢]- في ت: حيث.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ت.\n[¬٤]- في ز، خ: \"والذي\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"خلق\".\n[¬٧]- في ز: \"النبوة\".\n[¬٨]- في ز: \"بكونه\".\n[¬٩]- في خ: \"من\".\n[¬١٠]- في خ: \"فدعواه\".\n[¬١١]- في ز، خ: \"﷿\".\n[¬١٢]- في ز: \"حوى\".\n[¬١٣]- في خ: \"تكونن\".\n[¬١٤]- في ز: \"القول هو\".\n[¬١٥]- سقط من: ز.\n[¬١٦]- في ت: \"و\".\n[¬١٧]- في ز، خ: \"هذه\".\n[¬١٨]- في ز، خ: \"النصارى حين\".\n[¬١٩]- في ز: \"الصورة\".","vol":"3","page":73},{"text":"وغيره (^١٢٩).\nقال ابن إسحاق في سيرته المشهورة وغيره (^١٣٠): قدم على رسول الله، ﷺ، وفد نصارى نجران ستون راكبًا، فيهم أربعة عشر رجلًا من أشرافيم يئول [أمرهم إليهم] وهم: العاقب واسمه عبد المسيح، والسيد وهو الأيهم، وأبو حارثة بن علقمة أخو بكر بن وائل، وأوس بن الحارث، وزيد، وقيس ويزيد ونبيه وخويلد وعمرو [¬١] وخالد وعبد الله وَيُحنَّس [¬٢].\nوأمر هؤلاء يئول إلى ثلاثة منهم، وهم: العاقب، وكان أمير القوم، وذا رأيهم، وصاحب مشورتهم، والذي لا يصدرون إلا عن رأيه، والسيد، وكان عالمهم وصاحب رحلهم ومجتمعهم، وأبو حارثة ابن علقمة وكان أسقفهم وحبرهم وإمامهم وصاحب، مدارستهم، وكان رجلًا من العرب من بنى بكر بن وائل، ولكنه تنصر، فعظمته الروم وملوكها وشوفوه وبنوا له الكنائس وموّلوه [¬٣] واخدموه لما يعلمون [¬٤] من صلابته في دينهم، وقد كان يعرف أمر رسول الله ﷺ وصفته وشأنه بما [¬٥] علمه من الكتب المتقدّمة جيدًا [¬٦] ولكن احتمله جهله على الاستمرار في النصرانية لما يرى من تعظيمه فيها ووجاهته عند أهلها.\nقال ابن إسحاق (^١٣١): وحدثني محمد بن جعفر بن الزبير؛ قال: قدموا على رسول الله ﷺ المدينة، فدخلوا عليه مسجده حين صلى العصر عليهم ثياب الحبرات جُبَب [¬٧] وأردية في جمال رجال بني الحارث بن كعب، قال: يقول بعض من رآهم من أصحاب النبي ﷺ: ما رأينا بعدهم وفدًا مثلهم، وقد حانت صلاتهم فقاموا في مسجد رسول الله ﷺ يصلون [¬٨] فقال رسول الله ﷺ: \"دعوهم\". فصلوا إلى المشرق.\n_________\n(^١٢٩) - انظر \"السيرة\" لابن هشام (٢/ ٤١٢: ٤٢٢)، و\"الدلائل\" للبيهقي (٥/ ٣٨٢: ٣٩٣) و\"الطبقات\" لابن سعد (١/ ٢٦٨ - ٢٦٩) و\"الفتح\" (٨/ ٩٤ - ٩٥)، و\"زاد المعاد\" (٣/ ٦٢٩ - ٦٤٥)، وأخرجه الطبري في \"تفسيره\" (٦/ ١٥٤، رقم (٦٥٤٤). وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٢/ ٢٠ - ٢١) رقم (١٨).\n(^١٣٠) -\" السيرة\" لابن هشام (٢/ ٤١٢)، وأخرجه الطبري في تفسيره (٦/ ١٥١) رقم (٦٥٤٣)، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٢/ ٢١ - ٢٢) رقم (١٩)، والبيهقي في \"الدلائل\" (٥/ ٣٨٣) كلاهما من طريق محمد بن إسحاق، به.\n(^١٣١) - \" السيرة\" لابن هشام (٢/ ٤١٣ - ٤١٤)، وأخرجه الطبري في \"تفسيره\" (٦/ ١٥٢، ١٥٣) رقم (٦٥٤٣) و(٦/ ٤٦١) رقم (٧١٤٦) من طريق محمد بن إسحاق به.\n_________\n[¬١]- في ز: \"وعمر\".\n[¬٢]- في خ: \"وحسن\".\n[¬٣]- في خ: \"ودولوه\".\n[¬٤]- في ت: \"يعلمونه\".\n[¬٥]- في ت: \"مما\".\n[¬٦]- سقط من: ت.\n[¬٧]- في ت: \"جباب\".\n[¬٨]- سقط من: ز، خ.","vol":"3","page":74},{"text":"قال: فكلم رسول الله ﷺ منهم أبو حارثة بن علقمة، والعاقب عبد المسيح، و[¬١] السيد الأيهم، وهم من النصرانية على دين الملك مع اختلاف أمرهم؛ يقولون: هو الله. ويقولون: هو ولد الله. ويقولون: هو ثالث ثلاثة. تعالى الله [عن قولهم علوًّا كبيرًا] [¬٢] وكذلك قول [¬٣] النصرانية فهم يحتجون في قولهم هو الله بأنه كان يحيى الموتى ويبرئ الأكمه والأبرص و] [¬٤] الأسقام، ويخبر بالغيوب، ويخلق من الطين كهيئة الطير ثم ينفخ [¬٥] فيه فيكون طيرًا [¬٦]، وذلك كله بأمر الله، وليجعله الله [¬٧] آية للناس.\nويحتجون في قولهم بأنه ابن الله، يقولون: لم يكن له أب يعلم، وقد تكلم في المهد بشيء لم يصنعه أحد من بني آدم قبله.\nويحتجون على [¬٨] قولهم بأنه ثالث ثلاثة: بقول الله تعالى: فعلنا وأمرنا وخلقنا وقضينا فيقولون: لو كان واحدًا ما قال إلا فعلت وأمرت وقضيت وخلقت، ولكنه هو وعيسى ومريم-[تعالى الله وتقدّس وتنزه عما يقول الظالمون والجاحدون علوًّا كبيرا،] [¬٩] وفي كل ذلك من قولهم: [قد نزل] [¬١٠] القرآن.\nفلما كلمه الحبران قال لهما رسول الله ﷺ: \"أسلما\". قالا: قد أسلمنا. قال: \"إنكما لم تسلما فأسلما\". قالا: بلى قد أسلمنا قبلك. قال: \"كذبتما يمنعكما من الإسلام ادعاؤكما [¬١١] لله ولدا، وعبادتكما الصليب، وأكلكما الخنزير\". قالا: فمن أبوه يا محمد؟ فصمت رسول الله ﷺ عنهما [¬١٢] فلم يجبهما، فأنزل الله في ذلك من قولهم واختلاف أمرهم صدر سورة آل عمران إلى بضع وثمانين آية منها.\nثم تكلم ابن إسحاق على تفسيرها [¬١٣] إلى أن قال (^١٣٢): فلما أتى رسول الله ﷺ الخبر من الله والفصل من القضاء بينه وبينهم، وأمر بما أمر به من ملاعنتهم، أن ردّوا ذلك عليه، دعاهم إلى ذلك فقالوا: يا أبا القاسم؛ دعنا ننظر في أمرنا. ثم نأتيك بما نريد [¬١٤] أن نفعل [¬١٥] فيما دعوتنا\n_________\n(^١٣٢) -\" السيرة\" (٢/ ٤٢٢).\n_________\n[¬١]- في ز: \"أو\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٥]- في ت: \"فينفخ\".\n[¬٦]- في ز: \"طائرا\".\n[¬٧]- سقط من: ز.\n[¬٨]- في ز، خ: \"في\".\n[¬٩]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬١٠]- ما بين المعكوفتين كررت في: خ.\n[¬١١]- في ز: \"دعاؤكما\".\n[¬١٢]- سقط من: ت.\n[¬١٣]- في ز، خ: \"التفسير\".\n[¬١٤]- في ز: \"تريد\".\n[¬١٥]- في ز: \"تفعل\".","vol":"3","page":75},{"text":"إليه. [ثم انصرفوا] [¬١] عنه، ثم خلوا بالعاقب، وكان ذا رأيهم فقالوا: يا عبد المسيح؛ ماذا ترى؟ فقال: والله يا معشر النصارى لقد عرفتم أن محمدًا لنبي مرسل، ولقد جاءكم بالفصل من خبر صاحبكم، ولقد علمتم أنه ما لاعن قوم نبيًّا قط فبقي كبيرهم ولا نبت صغيرهم، وإنه الاستئصال منكم إن فعلتم، فإن كنتم قد [¬٢] أبيتم إلا إلف دينكم والإقامة على ما أنتم عليه من القول في صاحبكم فوادعوا الرجل، وانصرفوا إلى بلادكم.\nفأتوا النبي ﷺ، فقالوا: يا أبا القاسم؛ قد رأينا أن لا نلاعنك، ونتركك على دينك، ونرجع على ديننا، ولكن ابعث معنا رجلًا من أصحابك ترضاه لنا، يحكم بيننا في أشياء اختلفنا فيها من [¬٣] أموالنا، فإنكم عندنا رضا.\nقال محمد بن جعفر: فقال رسول الله ﷺ: \"ائتوني العشية أبعث معكم القوي الأمين\". فكان عمر بن الخطاب ﵁ يقول: ما أحببت الا مارة قط حبي إياها يومئذ، رجاء أن أكون صاحبها، فرحت إلى الظهر مهجرًا [¬٤]، فلما صلى رسول الله ﷺ الظهر سلم ثم نظر عن يمينه وشماله [¬٥]، فجعلت أتطاول له ليراني، فلم يزل يلتمس ببصره حتى رأى أبا عبيدة بن الجراح، فدعاه فقال: \"اخرج معهم فاقض بينهم بالحق فيما اختلفوا فيه\" قال عمر: فذهب بها [¬٦] أبو [¬٧] عبيدة، ﵁ (^١٣٣).\nوقد روى ابن مردويه (^١٣٤) من طريق محمد بن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن محمود بن لبيد، عن رافع بن خديج؛ أن وفد أهل نجران قدموا على رسول الله ﷺ فذكر فحوه، إلا أنه قال في الأشراف: كانوا اثني عشر، وذكر بقيته بأطول من هذا السياق وزيادات أخر.\nوقال البخاري (^١٣٥): [حدَّثنا عباس] بن الحسين، حدثنا يحيى بن آدم، عن إسرائيل عن أبي إسحاق، عن صلة بن زفر، عن حذيفة ﵁؛ قال: جاء العاقب والسيد صاحبا نجران إلى رسول الله ﷺ يريدان أن يلاعناه، قال: فقال أحدهما لصاحبه: لا تفعل، فوالله لئن [¬٨] كان نبيًّا فلاعناه لا نفلح نحن ولا عقبنا من بعدنا. قالا: إنا نعطك ما سألتنا، وابعث\n_________\n(^١٣٣) - انظر السابق.\n(^١٣٤) - انظر السابق.\n(^١٣٥) - رواه البخاري في كتاب: المغازي، باب: قصة أهل نجران حديث (٤٣٨٠).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"فانصرفوا\".\n[¬٢]- سقط من: ت.\n[¬٣]- في ز، خ: \"في\".\n[¬٤]- في خ: \"مهاجرًا\".\n[¬٥]- في ز: \"يساره\".\n[¬٦]- سقط من: ت.\n[¬٧]- في ز: \"أبا\".\n[¬٨]- في ز: \"إن\".","vol":"3","page":76},{"text":"معنا رجلًا أمينًا، ولا تبعث معنا إلا أمينًا. فقال [¬١]: \"لأبعثن [¬٢] معكم [¬٣] رجلًا أمينًا [¬٤] حق أمين\". فاستشرف لها أصحاب رسول الله ﷺ فقال [¬٥]: \"قم يا أبا عبيدة بن الجراح\".\nفلما قام قال رسول الله ﷺ: \"هذا أمين هذه الأمة\".\nرواه البخاري أيضًا ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة من طرق عن أبي إسحاق السبيعي عن صلة عن حذيفة بنحوه (^١٣٦).\nوقد رواه أحمد والنسائي وابن ماجة من حديث إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن صلة، عن ابن [¬٦] مسعود بنحوه (^١٣٧).\nوقال البخاري (^١٣٨): حدثنا أبو الوليد، حدثنا شعبة، عن خالد، عن أبي قلابة، عن أنس، عن رسول الله ﷺ قال: \"لكل أمة أمين، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح\".\nوقال الإمام أحمد (^١٣٩): حدثنا إسماعيل بن يزيد الرقي أبو يزيد، حدثنا فرات، عن عبد الكريم بن مالك الجزري، عن عكرمة، عن ابن عباس؛ قال: قال أبو جهل [قبحه الله] [¬٧]: إن رأيت محمدا [¬٨] يصلي عند الكعبة لآتينَّه حتى أطأ على رقبته [¬٩]، قال: فقال: لو فعل\n_________\n(^١٣٦) - أخرجه البخاري في كتاب فضائل الصحابة، باب: مناقب أبي عبيدة بن الجراح ﵁ حديث (٣٧٤٥). وطرفه حديث (٤٣٨١)، و(٧٢٥٤)، ومسلم في كتاب: فضائل الصحابة، حديث (٢٤٢٠)، والترمذي في \"سننه\" كتاب المناقب، باب: مناقب أبي عبيدة بن الجراح، حديث (٣٧٥٩)، والنسائي في \"السنن الكبرى\" (٥/ ٥٧) رقم (٨١٩٧)، وابن ماجه في \"سننه\" المقدمة، فضل أبي عبيدة بن الجراح، حديث (١٣٥).\n(^١٣٧) - أخرجه أحمد في \"المسند\" (١/ ٤١٤)، والنسائي في \"السنن الكبرى\" (٥/ ٥٧) برقم (٨١٩٦)، وابن ماجه في \"سننه\" المقدمة، فضل أبي عبيدة بن الجراح، حديث (١٣٦).\n(^١٣٨) - أخرجه البخاري في كتاب المغازي، باب: قصة أهل نجران، حديث (٤٣٨٢). وطرفه حديث (٣٧٤٤)، و(٧٢٥٥). ومسلم في \"صحيحه\" كتاب فضائل الصحابة، حديث ٥٣ - (٢٤١٩). من طرق عن خالد، عن أبي قلابة، عن أنس، به.\n(^١٣٩) - رواه أحمد في \"مسنده\" (١/ ٢٤٨). وأخرجه عبد الرزاق في \"تفسيره\" (١/ ١٢٣)، وابن جرير في \"تفسيره\" (٦/ ٤٨٢)، رقم (٧١٨٦) وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" رقم (٦٨٤) (٢/ ٣١٢ - ٣١٣) من حديث عبد الرزاق له، وانظر الحديث الآتي.\n_________\n[¬١]- في ز: \"قال\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"لا أبعث\".\n[¬٣]- في ز، خ: إلا\n[¬٤]- في ز، خ: \"حق أمين\".\n[¬٥]- في ز: \"قال\".\n[¬٦]- في خ: \"أبي\".\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٨]- في ز، خ: \"رسول الله\".\n[¬٩]- في ز، خ: \"عنقه\".","vol":"3","page":77},{"text":"لأخذته الملائكة عيانًا، ولو أن اليهود تمنوا الموت لماتوا، ولرأوا [¬١] مقاعدهم من النار، ولو خرج الذين يباهلون رسول الله ﷺ لرجعوا لا يجدون مالا ولا أهلًا\".\nوقد رواه البخاري والترمذي والنسائي من حديث عبد الرزاق، عن [¬٢] معمر، عن عبد الكريم به (^١٤٠). وقال الترمذي: حسن صحيح [وقال ابن مردويه:] [¬٣].\nوقد روى البيهقي في دلائل النبوة قصة وفد نجران مطولة جدًّا (^١٤١)، ولنذكره؛ فإن فيه فوائد كثيرة، [وفيه غرابة] [¬٤]، وفيه مناسبة لهذا المقام قال البيهقي (^١٤٢): حدثنا [¬٥] أبو عبد الله الحافظ وأبو سعيد، محمد [¬٦] بن موسى بن الفضل؛ قالا: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا أحمد بن عبد الجبار، حدثنا يونس بن بكير، عن سلمة بن عبد يسوع، عن أبيه، عن جده قال يونس- وكان نصرانيًّا فأسلم،: أن رسول الله ﷺ كتب إلى أهل نجران قبل أن ينزل عليه طس سليمان \"باسم إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب، من محمد النبي رسول الله إلى أسقف نجران وأهل نجران، أسلم أنتم [¬٧]، فإني أحمد إليكم إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب، أما بعد فإني أدعوكم إلى عبادة الله من عبادة العباد، وأدعوكم إلى ولاية الله من ولاية العباد، فإن أبيتم فالجزية، فإن أبيتم فقد آذنتكم بحرب. والسلام.\nفلما أتى الأسقف الكتاب وقرأه [¬٨] فظِعَ به، وذعره ذعرًا شديدًا، وبعث إلى رجل من أهل نجران يقال له شرحبيل بن وداعة، وكان من همدان، ولم يكن أحد يدعى [¬٩] إذا نزلت معضلة قبله، لا الأيهم، ولا السيد، ولا العاقب، فدفع الأسقف كتاب رسول الله ﷺ إلى شرحبيل فقرأه، فقال الأسقف: يا أبا مريم؛ ما رأيك؟ فقال شرحبيل: قد علمت ما\n_________\n(^١٤٠) - أخرجه البخاري في كتاب: التفسير، باب: قوله تعالى: ﴿كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ (١٥) نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾ حديث (٤٩٥٨) معلقًا، وقال البخاري: تابعه عمرو بن خالد، عن عبيد الله، عن عبد الكريم، قال الحافظ في \"الفتح\" (٨/ ٧٢٤): وصلها علي بن عبد العزيز البغوي في متنخب المسند له، عن عمرو بن خالد بهذا. وانظر \"تغليق التعليق\" (٤/ ٣٧٥). ورواه الترمذي في \"سننه\" كتاب تفسير القرآن، باب: ومن سورة ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾، حديث (٣٣٤٥)، والنسائي في \"الكبرى\" (٦/ ٥١٨) رقم (١١٦٨٥).\n(^١٤١) - \" دلائل النبوة\" للبيهقي (٥/ ٣٨٢: ٣٩٣).\n(^١٤٢) - \" الدلائل\" (٥/ ٣٨٥: ٣٩١).\n_________\n[¬١]- في خ: \"ورأوا\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"بن\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ت.\n[¬٤]- في خ: \"وغرائب\".\n[¬٥]- في ز: \"أنا\".\n[¬٦]- في خ: \"ومحمد\".\n[¬٧]- في دلائل النبوة: إن أسلمتم.\n[¬٨]- في ز: \"فقرأه\".\n[¬٩]- في ز: \"يدعا\".","vol":"3","page":78},{"text":"وعبد الله إبراهيم في ذرية إسماعيل من النبوة، فما يؤمن أن يكون هذا [¬١] هو ذاك الرجل، ليس لي في أمر [¬٢] النبوة رأي، ولو كان في [¬٣] أمر [¬٤] من أمور الدنيا لأشرت عليك فيه برأي [¬٥]، واجتهدت [¬٦] لك. فقال له الأسقف: تنح فاجلس. فتنحى شرحبيل فجلس ناحية، فبعث الأسقف إلى رجل من أهل نجران يقال له عبد الله بن شرحبيل، وهو من ذي أصبح من حمير، فأقرأه الكتاب، وسأله عن الرأي فيه، فقال له [¬٧] مثل قول شرحبيل. فقال له الأسقف: تنح [¬٨] فاجلس. فتنحى [عبد الله] [¬٩] فجلس ناحية، فبعث [¬١٠] الأسقف إلى رجل من أهل نجران يقال له جبار بن فيض من بني الحارث بن كعب، أحد بني الحماس، فأقرأه الكتاب وسأله عن الرأي: فيه، فقال له مثل قول شرحبيل وعبد الله، فأمره الأسقف فتنحى، فجلس ناحية.\nفلما اجتمع الرأي منهم على تلك المقالة جميعًا أمر الأسقف بالناقوس فضرب به، ورفعت النيران والمسوح في الصوامع، وكذلك كانوا يفعلون إذا فزعوا بالنهار، وإذا كان فزعهم ليلًا ضربوا بالناقوس، ورفعت النيران في الصوامع، فاجتمعوا [¬١١] حين ضرب بالناقوس ورفعت المسوح [¬١٢]، أهل الوادي أعلاه وأسفله، وطول الوادي مسيرة يوم للراكب [¬١٣] السريع، وفيه ثلاث وسبعون قرية، وعشرون ومائة ألف مقاتل، فقرأ عليهم كتاب رسول الله ﷺ، وسألهم عن الرأي فيه، فاجتمع رأي أهل الرأي منهم على [¬١٤] أن يبعثوا شرحبيل بن وداعة الهمداني، وعبد الله بن شرحبيل الأصبحي، وجبار بن فيض الحارثي [¬١٥]، فيأتونهم بخبر رسول الله ﷺ فانطلق الوفد، حتى إذا كانوا بالمدينة، وضعوا ثياب السفر عنهم ولبسوا حللا لهم يجرونها من حبرة وخواتيم الذهب، ثم انطلقوا حتى أتوا رسول الله ﷺ فسلموا عليه، فلم يرد عليهم، وتصدوا لكلامه نهارًا طويلًا فلم يكلمهم وعليهم تلك الحلل، وخواتيم الذهب فانطلقوا يتبعون عثمان بن عفان، وعبد الرحمن بن عوف، وكانا معرفة لهم، فوجدوهما في ناس من المهاجرين والأنصار في مجلس، فقالوا:\n_________\n[¬١]- سقط من: ت.\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- سقط من: خ.\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- في ز: \"برأى\".\n[¬٦]- في ز، خ: \"وجهدت\".\n[¬٧]- سقط من: ت.\n[¬٨]- سقط من: ز.\n[¬٩]- سقط من: ز، خ.\n[¬١٠]- في ز: \"وبعث\".\n[¬١١]- في ز: \"فاجتمع\".\n[¬١٢]- في ز: \"بالمسوح\".\n[¬١٣]- في ز: \"المجد\".\n[¬١٤]- سقط من: ت.\n[¬١٥]- في خ: \"الجباري\"، وفي ز: \"الحيارى\".","vol":"3","page":79},{"text":"يا عثمان، ويا عبد الرحمن إن نبيكم كتب إلينا كتابًا [¬١]، فأقبلنا مجيبين له فأتيناه فسلمنا عليه فلم يرد سلامنا، وتصدينا لكلامه نهارًا طويلًا فأعيانا أن يكلمنا، فما الرأي منكما أترون أن نرجع؟ فقالا لعلي بن أبي طالب وهو في القوم: ما ترى يا أبا الحسن في هؤلاء القوم؟ فقال علي لعثمان وعبد [¬٢] الرحمن: أرى أن يضعوا حللَّهم هذه وخواتيمهم، ويلبسوا ثياب سفرهم، ثم يعودوا إليه. ففعلوا فسلموا عليه [¬٣] فرد سلامهم ثم قال: \"والذي بعثني بالحق لقد أتوني المرة الأولى وإن إبليس لمعهم\". ثم ساءلهم وساءلوه، فلم تزل به وبهم المسأله حتى قالوا له [¬٤]: ما تقول في عيسى، فإنا نرجع إلى قومنا ونحن نصارى يسرنا إن كنت نبيًّا أن نسمع ما تقول فيه؟ فقال [¬٥] رسول الله ﷺ: \"ما عندي فيه شيء يومي هذا، فأقيموا حتى أخبركم بما يقول ربي [¬٦] لي في عيسى، فأصبح الغد وقد أنزل الله، ﷿، هذه الآية ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَال لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٩) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (٦٠) فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ فأبوا أن يقروا بذلك، فلما أصبح رسول الله ﷺ الغد بعد ما أخبرهم الخبر [¬٧] أقبل مشتملًا على الحسن والحسين في خميل [¬٨] له وفاطمة تمشى عند ظهره للملاعنة، وله يومئذ عدة نسوة، فقال شرحبيل لصاحبيه: لقد [¬٩] علمتما إن الوادي إذا اجتمع أعلاه وأسفله لم يردوا، ولم يصدروا إلا عن رأي [¬١٠]، وإني [¬١١] والله أرى [¬١٢] أمرًا ثقيلًا، والله لئن كان هذا الرجل ملكًا مبعوثًا فكنا أول العرب طعنًا [¬١٣] في عينيه [¬١٤] وردا [¬١٥] عليه أمره لا يذهب لنا من صدره ولا من صدور أصحابه حتى يصيبونا بجائحة، وإنا لأدنى العرب منهم جوارا، ولئن كان هذا الرجل نبيًّا مرسلًا فلاعناه لا يبقى [منا على وجه] [¬١٦] الأرض شعر ولا ظفر إلا هلك. فقال له [¬١٧] صاحباه: يا أبا مريم! فما الرأي؟ فقال: أرى أن أحكمه، فإني أرى رجلا لا [يحكم شططا أبدا] [¬١٨]. فقالا له: أنت\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"بكتاب\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"ولعبد\".\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- في خ: \"قال\".\n[¬٥]- في ز: \"قال\".\n[¬٦]- سقط من: ز، خ.\n[¬٧]- سقط من: ت.\n[¬٨]- في خ: \"حميل\".\n[¬٩]- في خ: \"قد\".\n[¬١٠]- في خ: \"رأي\".\n[¬١١]- في خ: \"وأنا\"، وفي ز: \"وإنا\".\n[¬١٢]- في ز: \"والله\".\n[¬١٣]- في ز، خ: \"طعن\".\n[¬١٤]- في ز، خ: \"عينه\".\n[¬١٥]- في ز: \"ورد\".\n[¬١٦]- في ز: \"على وجه منا\".\n[¬١٧]- سقط من: ت.\n[¬١٨]- في ز، خ: \"يحلكم شططا أبد\".","vol":"3","page":80},{"text":"وذاك قال [¬١]: فتلقى [¬٢] شرحبيل رسول الله، ﷺ فقال له [¬٣]: إني قد [¬٤] رأيت خيرًا من ملاعنتك فقال \"وما هو؟ \" فقال: حكمك اليوم إلى الليل وليلتك إلى الصباح، فمهما حكمت فينا فهو جائز. فقال رسول الله ﷺ: \"لعل وراءك أحدًا [¬٥] يثرب عليك\"؟ فقال شرحبيل: سل صاحبي. فسألهما، فقالا: ما يرد الوادي ولا يصدر إلا عن رأي: شرحبيل. فرجع رسول الله ﷺ فلم يلاعنهم حتى إذا كان من [¬٦] الغد أتوه فكتب لهم هذا الكتاب: \"بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما كتب [محمد النبي] رسول الله لنجران -إن كان عليهم حكمه- في كل ثمرة وكل صفراء وبيضاء وسوداء، ورقيق فاضل [¬٧] عليهم وترك ذلك كله لهم على ألفي حلة، في كل رجب ألف حلة، وفي كل صفر ألف حلة\" وذكر تمام الشروط وبقية السياق.\nوالغرض أن وفودهم كان في سنة تسع لأن الزهري قال: كان أهل نجران أول من أدى الجزية إلى رسول الله ﷺ، وآية الجزية إنما أنزلت بعد الفتح، وهي قوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ الآية.\nوقال أبو بكر بن مردويه (^١٤٣): حدثنا سليمان بن أحمد، حدثنا أحمد بن داود المكي، حدثنا بشر بن مهران، حدَّثنا [¬٨] محمد بن دينار، عن داود بن أبي هند، عن الشعبي، عن جابر قال: قدم على النبي ﷺ العاقب، والطيب، فدعاهما إلى الملاعنة فواعداه على أن يلاعناه [¬٩] الغداة قال: فعدا رسول الله ﷺ فأخذ بيد علي، وفاطمة، والحسن والحسين، ثم أرسل إليهما، فأبيا [¬١٠] أن يجيئا، وأقرّا [¬١١] له بالخراج، قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وآله [¬١٢] وسلم: \"والذي بعثني بالحق لو قالا: لا، لأمطر عليهم الوادي نارًا\". قال جابر. و[¬١٣] فيهم نزلت: ﴿تَعَالوْا [¬١٤] نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ [وَأَنْفُسَنَا\n_________\n(^١٤٣) - رواه الحاكم في المستدرك (٢/ ٥٩٣ - ٥٩٤)، وأخرجه أبو نعيم في \"دلائل النبوة\" ص (٢٩٧ - ٢٩٨) من طريق داود بن أبي هند، عن الشعبي، عن جابر به.\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- في ز، خ: \"فيلقى\".\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- في ز: \"أحد\".\n[¬٦]- سقط من: ز.\n[¬٧]- في ز، خ: \"فافضل\".\n[¬٨]- في ز: \"أنا\".\n[¬٩]- في ز، خ: \"يعاديه\".\n[¬١٠]- سقط من: ز، خ.\n[¬١١]- في خ: \"فأقرا\".\n[¬١٢]- سقط من: خ.\n[¬١٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬١٤]- سقط من: ز، خ.","vol":"3","page":81},{"text":"وَأَنْفُسَكُمْ] [¬١]﴾ قال جابر: ﴿وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ﴾ رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب ﴿أَبْنَاءَنَا﴾ الحسن والحسين ﴿وَنِسَاءَنَا﴾ فاطمة.\nوهكذا رواه الحاكم في مستدركه، عن علي بن عيسى، عن أحمد بن محمد الأزهري [¬٢]، عن علي بن حجر [¬٣]، عن علي بن مسهر [¬٤]، عن داود بن أبي هند به بمعناه، ثم قال: صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه.\nهكذا قال: وقد رواه أبو داود الطيالسي، عن شعبة، عن المغيرة، عن الشعبي مرسلًا (^١٤٤)، وهذا أصح. وقد روي عن [¬٥] ابن عباس والبراء نحو ذلك.\nثم قال الله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ﴾ أي: هذا الذي قصصناه عليك يا محمد في شأن عيسى هو الحق الذي لا معدل عنه ولا محيد ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إلا اللَّهُ وَإِنَّ [¬٦] اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦٢) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ﴾ أي: عن هذا إلى غيره ﴿فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ﴾ أي: من عدل عن الحق إلى الباطل، فهو المفسد، والله عليم به وسيجزيه على ذلك شر الجزاء، وهو القادر وهو [¬٧] الذي لا يفوته شيء، [سبحانه وبحمده، ونعوذ به من حلول نقمته] [¬٨].\n﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَينَنَا وَبَينَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إلا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٦٤)﴾\nهذا الخطاب يعم أهل الكتاب، من اليهود والنصارى، ومن جرى مجراهم ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالوْا إِلَى كَلِمَةٍ﴾ والكلمة تطلق على الجملة المفيدة، كما قال هاهنا، ثم وصفها بقوله: ﴿سَوَاءٍ بَينَنَا وَبَينَكُمْ﴾ أي: عدل ونَصفَ، نستوي نحن وأنتم فيها، ثم فسرها بقوله: ﴿أَلَّا نَعْبُدَ إلا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيئًا﴾ لا [وثنًا، ولا صليبًا، ولا صنمًا،\n_________\n(^١٤٤) - أخرجه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٢/ ٣١٠) رقم (٦٧٨) من طريق شعبة، عن المغيرة، عن الشعبي مرسلًا. وأخرجه الطبري في \"تفسيره\" (٦/ ٤٧٨) رقم (٧١٨٠) من طريق جرير، عن المغيرة، عن الشعبي مرسلًا. وأخرجه أبو نعيم في \"الدلائل\" (ص ٢٩٨، ٢٩٩) من طريق الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس بنحوه.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في ز، خ: \"ابن الأزهر\".\n[¬٣]- في خ: \"أبي حجر\".\n[¬٤]- في خ: \"مهز\"، وفي ز: \"مهر\".\n[¬٥]- سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- في خ: \"فإن\".\n[¬٧]- سقط من: ت.\n[¬٨]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"3","page":82},{"text":"ولا طاغوتًا، ولا نارًا، ولا شيئًا]، بل نفرد العبادة لله وحده لا شريك له، وهذه دعوة جميع الرسل.\nقال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إلا نُوحِي [¬١] إِلَيهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إلا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [وقال تعالى] [¬٢]: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ ثم قال تعالى: ﴿وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾. وقال ابن جريج: يعني يطيع بعضنا بعضًا في معصية الله. وقال عكرمة: يعني [¬٣] يسجد بعضنا لبعض.\n﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ أي: فإن تولوا عن هذا النصف وهذه الدعوة، فاشهدوا [¬٤] أنتم على استمراركم على الإسلام الذي شرعه الله لكم.\nوقد ذكرنا في شرح البخاري عند روايته من طريق الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن ابن عباس، عن أبي سفيان، في قصته حين دخل علي قيصر، فسأله [¬٥] عن نسب رسول الله ﷺ وعن صفته، ونعته، وما يدعو إليه، فأخبره بجميع ذلك على الجلية، مع أن أبا سفيان [إذ ذاك كان] [¬٦] مشركًا لم يسلم إلا [¬٧] بعد، وكان ذلك بعد صلح الحديبية، وقبل الفتح، كما هو مصرح به في الحديث (^١٤٥)، ولأنه لما [قال لما] [¬٨] سأله: هل يغدر؟ قال [¬٩]: فقلت: لا، ونحن منه في مدة لا ندري ما هو صانع فيها. قال: ولم يمكني كلمة أزيد فيها شيئًا سوى هذه. والغرض أنه قال: ثم جيء بكتاب رسول الله ﷺ فقرأه فإذا فيه:\nبسم الله الرحمن الرحيم: من محمد رسول الله، إلى هرقل عظيم الروم، سلام [¬١٠] على من اتبع الهدى، أما بعد فأسلم تسلم، وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن [¬١١] توليت فإنما [¬١٢] عليك إثم الأريسيين [¬١٣] و﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَينَنَا وَبَينَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إلا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾.\n_________\n(^١٤٥) - سبق تخريجه آية (٢٠).\n_________\n[¬١]- في ز \"يوحى\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٣]- سقط من: م، وهي في ز.\n[¬٤]- في خ، ز: \"فأشهدوهم\".\n[¬٥]- في خ، ز: \"فسألهم\".\n[¬٦]- في خ، ز: \"كان إذا ذاك مشركًا\".\n[¬٧]- سقط من: خ، ز.\n[¬٨]- سقط من: م، والمثبت من ز.\n[¬٩]- سقط من: خ، ز.\n[¬١٠]- في خ: \"السلام\".\n[¬١١]- في ز \"وإن\".\n[¬١٢]- في خ، ز: \"فإن\".\n[¬١٣]- في ز: \"اليريسيين\".","vol":"3","page":83},{"text":"وقد ذكر محمد بن إسحاق وغير واحد (^١٤٦)، أن صدر سورة آل عمران إلى بضع وثمانين آية منها نزلت في وفد نجران. وقال الزهري: هم أول من بذل الجزية. ولا خلاف أن آية الجزية نزلت بعد الفتح. فما الجمع بين كتابة هذه الآية قبل الفتح إلى هرقل في جملة الكتاب، وبين ما ذكره محمد بن إسحاق والزهري؟ والجواب من وجوه:\n(أحدها) يحتمل أن هذه الآية نزلت مرتين: مرة قبل الحديبية، ومرة بعد الفتح.\n(الثاني) يحتمل أن صدر سورة آل عمران نزل في وفد نجران إلى [¬١] هذه الآية، وتكون هذه الآية نزلت قبل ذلك، ويكون قول ابن إسحاق: \"إلى بضع وثمانين آية\" ليس بمحفوظ، لدلالة حديث أبي سفيان.\n(الثالث) يحتمل أن قدوم وفد نجران كان قبل الحديبية، وأن الذي بذلوه [¬٢] مصالحة عن المباهلة، لا على وجه الجزية، بل يكون من باب المهادنة والمصالحة، ووافق نزول آية [¬٣] الجزية بعد ذلك، علي وفق ذلك كما جاء فرض الخمس، والأربعة أخماس [¬٤] وفق ما فعله عبد الله بن جحش في تلك السرية قبل بدر. ثم نزلت فريضة القسم على وفق ذلك.\n(الرابع) يحتمل أن رسول الله ﷺ لما أمر بكتب هذا الكلام [¬٥] في كتابه إلي هرقل، [] [¬٦] لم يكن أنزل [¬٧] بعد، ثم نزل [¬٨] القرآن موافقة له ﷺ كما نزل بموافقة عمر بن الخطاب [﵁] في الحجاب وفي الأسارى، وفي عدم الصلاة على المنافقين، وفي قوله: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ وفي قوله: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيرًا مِنْكُنَّ﴾ الآية.\n﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إلا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٦٥) ﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٦٦) مَا كَانَ\n_________\n(^١٤٦) - ذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" (٢/ ٥) وقال: وقال ابن إسحاق: حدثني محمد بن سهل بن أبي أمامة قال: لما قدم أهل نجران على رسول الله ﷺ يسألونه عن عيسى ابن مريم. نزلت فيهم فاتحة آل عمران إلى رأس الثمانين منها، وأخرجه البيهقي في الدلائل.\n_________\n[¬١]- في ز: \"إلى عند\".\n[¬٢]- في ز: \"بدلوه\".\n[¬٣]- سقط من: خ، ز.\n[¬٤]- في خ، ز: \"الأخماس\".\n[¬٥]- سقط من: ت، والمثبت من ز.\n[¬٦]- في ز: وإن.\n[¬٧]- في ت: \"نزل\".\n[¬٨]- في ت: \"أنزل\".","vol":"3","page":84},{"text":"إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٦٧) إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ (٦٨)﴾.\nينكر [تبارك و] [¬١] تعالى علي اليهود والنصارى في محاجتهم في إبراهيم الخليل ﵇، ودعوى كل طائفة منهم أنه كان منهم، كما قال محمد بن إسحاق بن يسار (^١٤٧): حدثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، حدثني سعيد بن جبير أو عكرمة، عن ابن عباس [﵁] قال: اجتمعت نصارى نجران، وأحبار يهود عند رسول الله ﷺ فتنازعوا عنده فقالت الأحبار: ما كان إبراهيم إلا يهوديًّا، وقالت النصارى: ما كان إبراهيم إلا نصرانيًّا، فأنزل الله تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ [وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إلا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ]﴾. أي: كيف تدعون أيها اليهود أنه كان يهوديًّا. وقد كان زمنه قبل أن ينزل الله التوراة علي موسى، وكيف تدعون أيها النصارى أنه كان نصرانيًّا، وإنما حدثت النصرانية بعد زمنه بدهر؟ ولهذا قال تعالى: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [ثم قال تعالى] [¬٢]: ﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾.\nهذا إنكار علي من يحاج فيما لا علم له به، فإن اليهود والنصارى تحاجوا في إبراهيم بلا علم، ولو تحاجوا فيما بأيديهم منه علم مما يتعلق بأديانهم التي شرعت لهم إلي حين بعثة محمد ﷺ لكان أولي بهم، وإنما تكلموا فيما [لا يعلمون] [¬٣]، فأنكر الله عليهم ذلك وأمرهم برد ما لا علم لهم به إلي عالم الغيب والشهادة، الذي يعلم الأمور علي حقائقها وجلياتها [¬٤]، ولهذا قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾.\nثم قال تعالى: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾ أي: متحنفًا عن الشرك، قاصدًا [¬٥] إلي الإِيمان ﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾.\n_________\n(^١٤٧) - انظر \"السيرة\" لابن هشام (٢/ ٣٩٣ - ٣٩٤)، والحديث أخرجه البطبري في \"تفسيره\" (٦/ ٤٩٠) رقم (٧٢٠٢)، والبيهقي في \"الدلائل\" (٥/ ٣٨٤ - ٣٨٥).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٣]- في خ، ز: \"لم يعملوا\".\n[¬٤]- في ت: \"وجليتها\".\n[¬٥]- في ز: \"قصدًا\".","vol":"3","page":85},{"text":"وهذه الآية كالتي [¬١] تقدّمت في سورة البقرة: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا [قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ]﴾.\nثم قال تعالى: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ يقول تعالى: أحق الناس بمتابعة إبراهيم الخليل الذين اتبعوه علي دينه، وهذا النبي يعني محمدًا ﷺ والذين آمنوا من أصحابه المهاجرين والأنصار، ومن تبعهم [¬٢] بعدهم.\nقال سعيد بن منصور: حدَّثنا أبو الأحوص، عن سعيد بن مسروق، عن أبي الضحي، عن مسروق، عن ابن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \"إن [¬٣] لكل نبي ولاة من النبيين، وإن وليّي منهم أبي وخليل ربي ﷿، ثم قرأ: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ [وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ الآية.\nوقد رواه الترمذي (١٤٨)، والبزار من حديث أبي أحمد الزبيري، عن سفيان الثوري، عن أبيه به. [ثم قال البزار: ورواه غير أبي أحمد عن سفيان، عن أبيه، عن أبي الضحي، عن عبد الله ولم يذكر مسروقًا. وكذا رواه الترمذي من طريق وكيع عن سفيان] [¬٤] ثم قال: وهذا أصح.\nلكن رواه وكيع في تفسيره (^١٤٩) فقال: حدثنا سفيان، عن أبيه، عن أبي إسحاق، عن عبد\n_________\n١٤٨) - أخرجه الترمذي في كتاب: تفسير القرآن، باب: ومن سورة آل عمران، حديث (٢٩٩٨). والحاكم في \"المستدرك\" (٢/ ٢٩٢)، والطبري في \"تفسيره\" (٦/ ٤٩٨) رقم (٧٢١٦)، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٢/ ٣٢٦ - ٣٢٧) رقم (٧٣١). كلهم من طرق عن سفيان عن أبيه- سعيد بن مسروق - عن أبي الضحي- مسلم بن صبيح- عن مسروق -هو ابن الأجدع بن مالك الهمداني- عن ابن مسعود ﵁ متصلًا، وقد خولف هذا الطريق من طريق آخر، فلم يذكر فيه مسروق، أخرجه الترمذي في كتاب: تفسير القرآن، باب: ومن سورة آل عمران، حديث (٢٩٩٨)، وأحمد في (١/ ٤٢٩ - ٤٣٠) والطبري في (٦/ ٤٩٩) رقم (٧٢١٧) وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٢/ ٣٢٦ - ٣٢٧) رقم (٧٣١). كلهم من طرق عن سفيان، عن أبيه -سعيد بن مسروق- عن أبي الضحي، عن عبد الله بن مسعود، وليس فيه: عن مسروق، وهو بهذا منقطع. قال ابن أبي حاتم في \"العلل\" (٢/ ٦٣): سألت أبي وأبا زرعة، عن حديث رواه أبو أحمد الزبيري وروح بن عبادة فذكره، فقالا جميعًا: \"هذا خطأ\". رواه المتقنون من أصحاب الثوري عن الثوري، عن أبيه، عن أبي الضحى، عن النبي ﷺ بلا مسروق. ا هـ.\n(^١٤٩) - أخرجه أحمد في \"مسنده\" (١/ ٤٠١)، والترمذي في \"سننه\" كتاب تفسير القرآن، باب: ومن سورة آل عمران، حديث (٣٩٩٨). كلاهما من طريق وكيع، عن سفيان، عن أبيه، عن أبي الضحى، عن عبد الله مرفوعًا. قال الشيخ أحمد شاكر (٦/ ٤٩٩): ولكن نقله ابن كثير عن تفسير وكيع بهذا الإسناد وفيه \"عن أبي إسحاق\" بدل \"عن أبي الضحى\"، وأنا أرجح أن هذا خطأ من بعض ناسخي تفسير وكيع ترجيحًا لرواية أحمد عن وكيع والترمذي من طريق وكيع وفيهما: \"عن أبي الضحى\".\n_________\n[¬١]- سقط من: خ، ز.\n[¬٢]- سقط من: خ، ز.\n[¬٣]- سقط من: ت.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.","vol":"3","page":86},{"text":"الله بن مسعود، قال: قال رسول الله ﵌: [\"إن لكل نبي ولاية من النبيين، وإن ولي منهم أي وخليل الله ﷿ إبراهيم ﵇ \". ثم قرأ: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآية] [¬١]. وقوله: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: ولي جميع المؤمنين برسله.\n﴿وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إلا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (٦٩) يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (٧٠) يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٧١) وَقَالتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٧٢) وَلَا تُؤْمِنُوا إلا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٧٣) يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٧٤)﴾\nيخبر تعالى عن حسد اليهود للمؤمنين وبغيهم إياهم الإِضلال، وأخبر أن وبال ذلك إنما يعود على أنفسهم وهم لا يشعرون أنهم [¬٢] ممكور بهم.\nثم قال تعالى منكرًا [¬٣] عليهم: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ أي: تعلمون صدقها وتتحققون حقها ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي: تكتمون ما في كتبكم من صفة محمد ﷺ وأنتم تعوفون ذلك وتتحققونه.\n﴿وَقَالتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ هذه مكيدة أرادوها ليلبسوا على الضعفاء من الناس أمر دينهم، وهو [أنهم اشْتوَرُوا] [¬٤] بينهم أن يظهروا الإِيمان أوّل النهار ويصلوا مع المسلمين صلاة الصبح،\n_________\n[¬١]- سقط من: خ، ز، ومكانه كلمة \"فذكره\".\n[¬٢]- في خ، ز: \"فهم\".\n[¬٣]- في ز: \"ممكرًا\".\n[¬٤]- في خ، ز: \"واشتوروا\".","vol":"3","page":87},{"text":"فإذا جاء [¬١] آخر النهار ارتدوا إلى دينهم؛ ليقول الجهلة [من الناس إنما ردهم إلى دينهم اطلاعهم على نقيصة وعيب في دين المسلمين] [¬٢] ولهذا قالوا: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾.\nوقال ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله تعالى إخبارًا عن اليهود بهذه الآية: يعني يهودًا [¬٣] صلت مع النبي ﵌ صلاة الصبح [¬٤]، وكفروا آخر النهار مكرًا منهم، ليروا الناس أن قد بدت لهم منه الضلالة بعد أن كانوا اتبعوه.\nوقال العوفي عن ابن عباس: قالت طائفة من أهل الكتاب: إذا لقيتم أصحاب محمد أوّل النهار فآمنوا، وإذا كان آخره فصلوا صلاتكم، لعلهم يقولون: هؤلاء أهل الكتاب وهم أعلم منا.\n[وهكذا روي عن قتادة والسدي والربيع وأبي مالك] [¬٥].\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْمِنُوا إلا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ أي: لا [¬٦] تطمئنوا وتظهروا سركم [¬٧] وما عندكم إلا لمن تبع دينكم، ولا تظهروا ما بأيديكم إلي المسلمين، فيؤمنوا به ويحتجوا به عليكم. قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ﴾ أي: هو الذي يهدي قلوب المؤمنين إلى أتم الإيمان بما ينزله علي عبده ورسوله محمد ﷺ من الآيات البينات، والدلائل القاطعات، والحجج الواضحات، وإن كتمتم [¬٨] أيها اليهود ما بأيديكم من صفة محمد [النبي الأمّي] [¬٩] في كتبكم التي نقلتموها [¬١٠] عن الأنبياء الأقدمين.\nوقوله: ﴿أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ يقولون: لا تظهروا ما عندكم من العلم للمسلمين، فيتعلموه منكم ويساووكم [¬١١] فيه، ويمتازوا [¬١٢] به عليكم؛ لشدّة الإيمان به، أو [¬١٣] يحاجوكم به عند ربكم [¬١٤]، أي: يتخذوه حجة عليكم بما [في أيديكم] [¬١٥]، فتقوم به عليكم الدلالة [¬١٦]، وتتركب الحجة في الدنيا والآخرة.\n_________\n[¬١]- في خ، ز: \"كان\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٣]- في ز: \"يهود\".\n[¬٤]- في ز: \"الفجر\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٦]- سقط من: خ، ز.\n[¬٧]- في ت: \"سروركم\".\n[¬٨]- في ز: \"كنتم\".\n[¬٩]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬١٠]- في ز: \"نقلتوها\".\n[¬١١]- في خ، ز: \"ويساوونكم\".\n[¬١٢]- في خ، ز: \"ويمتارون\".\n[¬١٣]- في خ، ز: \"و\".\n[¬١٤]- في خ، ز: \"الله\".\n[¬١٥]- في خ، ز: \"بأيدكم\".\n[¬١٦]- في خ: \"الحجة\".","vol":"3","page":88},{"text":"قال الله تعالى: ﴿قُلْ: إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ أي: الأمور كلها تحت تصرفه [¬١]، وهو المعطي المانع، يمن علي من يشاء بالإيمان [¬٢]، والعلم، والتصرف [¬٣] التام، ويضل من يشاء، فيعمي [¬٤] بصره وبصيرته، ويختم على [قلبه وسمعه]، ويجعل على بصره غشاوة، وله [الحجة التامّة والحكمة البالغة] [¬٥].\n﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٧٣) يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ أي: اختصكم أيها المؤمنون من الفضل بما لا يحد ولا يوصف، بما شرف به نبيكم محمدًا [¬٦]ﷺ على سائر الأنبياء، وهداكم به [¬٧] إلى أكمل [¬٨] الشرائع.\n﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيكَ إلا مَا دُمْتَ عَلَيهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيسَ عَلَينَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٥) بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٧٦)﴾\nيخبر تعالى عن اليهود بأن منهم [¬٩] الخونة، ويحذر المؤمنين من الاغترار بهم، فإن منهم ﴿مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ﴾ أي: من المال ﴿يُؤَدِّهِ إِلَيكَ﴾ أي: وما دونه بطريق الأولى أن يؤده إليك ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيكَ إلا مَا دُمْتَ عَلَيهِ قَائِمًا﴾ أي: بالمطالبة والملازمة والإلحاح في استخلاص حقك، وإذا كان هذا صنيعه في الدينار [¬١٠]، فما فوقه أولى أن لا يؤدّه إليكَ [¬١١].\nوقد تقدم الكلام على القنطار في أوّل السورة، وأمّا الدينار فمعروف.\nوقد قال ابن أبي حاتم (^١٥٠): حدثنا سعيد بن عمرو السكوني، حدثنا بقية، عن زياد ابن\n_________\n(^١٥٠) - فيه بقية بن الوليد وهو من مدلسي من الرابعة، ولم يصرح بالسماع. والحديث أخرجه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٢/ ٣٤٦) رقم (٨٠٣).\n_________\n[¬١]- في ز: \"تصريفه\".\n[¬٢]- في خ: \"من بالإيمان\".\n[¬٣]- في ز: \"التصور\".\n[¬٤]- في خ، ز: \"ويعمى\".\n[¬٥]- في خ، ز: \"الحجة والحكمة\".\n[¬٦]- سقط من: خ، ز.\n[¬٧]- زيادة من: ز.\n[¬٨]- في ز: \"أحمد\".\n[¬٩]- في خ، ز: \"فيهم\".\n[¬١٠]- في خ، ز: \"الدنيا\".\n[¬١١]- سقط من خ، ز.","vol":"3","page":89},{"text":"الهيثم، حدثني مالك بن دينار، قال: إنما سمي الدينار لأنه دين ونار. وقيل [¬١]: معناه أنه [¬٢] من أخذه بحقه فهو دينه، ومن أخذه بغير حقه فله النار.\nومناسب أن يذكر [¬٣] هاهنا الحديث الذي علقه البخاري في غير موضع من [¬٤] صحيحه، ومن أحسنها سياقه في كتاب الكفالة، حيث قال: وقال الليث: حدثني جعفر بن ربيعة، عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه ذكر رجلًا من بني إسرائيل سأل بعض [¬٥] بني إسرائيل أن يسلفه ألف دينار فقال: ائتني بالشهداء أشهدهم. فقال: كفى بالله شهيدًا. فقال [¬٦]: ائتني بالكفيل. قال: كفي بالله كفيلا قال [¬٧]: صدقت. فدفعها إليه إلي أجل مسمى، فخرج في البحر فقضى حاجته، ثم التمس مركبًا يركبها [¬٨] [ليقدم عليه في الأجل] [¬٩] الذي أجله فلم يجد مركبًا، فأخذ خشبة فنقرها فأدخل فيها ألف دينار وصحيفة منه إلي صاحبه، ثم زجج [¬١٠] موضعها، ثم أتى بها إلي البحر، فقال: اللهم إنك تعلم أني استسلفت [¬١١] فلانًا ألف دينار فسألني شهيدًا، فقلت: كفي بالله شهيدًا، وسألني كفيلًا، فقلت: كفي بالله كفيلًا، فرضي بك، وإني جهدت أن أجد مركبًا أبعث إليه الذي له فلم أقدر، وإني استودعتكها [¬١٢]، فرمى بها في البحر حتى ولجت فيه، ثم انصرف وهو في ذلك يلتمس مركبًا يخرج إلي بلده، فخرج الرجل الذي كان [سلَّفه لينظر] [¬١٣] لعل مركبًا يجيئه بماله، فإذا بالخشبة التي فيها المال، فأخذها لأهله حطبًا، فلما كسرها وجد المال والصحيفة، ثم قدم الرجل الذي كان [¬١٤] تسلف منه، فأتاه بألف دينار، وقال [¬١٥]: والله ما زلت جاهدًا في طلب مركب لآتيك بمالك، فما وجدت مركبًا قبل الذي أتيت فيه. قال: هل كنت بعثت إلى بشيء؟ قال: ألم أخبرك أني لم أجد مركبًا قبل هذا. قال: فإن الله قد أدّى عنك الذي بعثت في الخشبة، فانصرف بألف دينار راشدًا\".\nهكذا رواه البخاري في موضعه معلقًا بصيغة الجزم، وأسنده في بعض المواضع من الصحيح عن عبد الله بن صالح كاتب الليث عنه (^١٥١).\n_________\n(^١٥١) - أخرجه البخاري في كتاب الزكاة، باب: ما يستخرج من البحر، حديث (١٤٩٨)، =\n_________\n[¬١]- في خ، ز: \"قال\".\n[¬٢]- سقط من: م.\n[¬٣]- في خ، ز: \"يكون\".\n[¬٤]- في خ، ز: \"في\".\n[¬٥]- سقط من: خ، ز.\n[¬٦]- في ز: \"قال\".\n[¬٧]- في ز: \"فقال\".\n[¬٨]- سقط من: خ، ز.\n[¬٩]- في خ، ز: \"يقدم عليه للأجل\".\n[¬١٠]- سقط من: خ.\n[¬١١]- في خ، ز: \"استلفت\".\n[¬١٢]- في خ: \"أستودعكها\".\n[¬١٣]- في خ،: \"أسلفه ينظر\".\n[¬١٤]- سقط من: خ، ز.\n[¬١٥]- سقط من: خ.","vol":"3","page":90},{"text":"ورواه [¬١] الإِمام أحمد في مسنده هكذا مطولًا، عن يونس بن محمد المؤدب، عن الليث به (^١٥٢).\nورواه البزار في مسنده (^١٥٣)، عن الحسن بن مدرك، عن يحيى بن حماد، عن أبي عوانة، عن عمر بن أبي سلمة، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ بنحوه، ثم قال: لا يروى عن النبي ﷺ إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد. كذا قال، وهو خطأ لما تقدم.\nوقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيسَ عَلَينَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ أي: إنما حملهم على جحود الحق أنهم يقولون: ليس علينا في ديننا حرج في أكل أموال الأمّيين، وهم العرب، فإن الله قد أحلها لنا. قال الله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أي: وقد اختلقوا هذه المقالة، وأتفكوا بهذه الضلالة، فإن الله حرم عليهم أكل الأموال إلا بحقها، وإنما هم قوم بهت.\nقال عبد الرزاق: أنبأنا معمر، عن أبي إسحاق الهمداني، عن أبي صعصعة بن يزيد، أن رجلًا سأل ابن عباس [فقال: إنا] [¬٢] نصيب في الغزو من أموال أهل الذمة الدجاجة والشاة؟ قال ابن عباس: فتقولون [¬٣] ماذا؟ قال: نقول: ليس علينا بذلك بأس. قال: هذا كما قال أهل الكتاب: ليس علينا في الأميين سبيل، إنهم إذا أدوا الجزية؛ لم تحل لكم أموالهم إلا بطب أنفسهم (^١٥٤).\n_________\n= وأطرافه (٢٠٦٣)، و(٢٢٩١)، و(٢٤٠٤)، و(٢٤٣٠)، و(٢٧٣٤)، وحديث (٦٢٦١) معلقًا- مختصرًا ومطولا. ووصله البخاري في \"صحيحه\" كتاب: البيوع، باب: التجارة في البحر، حديث (٢٠٦٣) قال: حدثني عبد الله بن صالح، حدثني الليث به، قال الحافظ في \"الفتح\" (٣/ ٣٦٣): هكذا أورده مختصرًا، وقد أورده ثم وصله في البيوع. ا هـ. وقال في \"الفتح\" أيضًا (٤/ ٣٠٠): قوله في آخره: \"حدثني عبد الله بن صالح، حدثنا الليث به\" فيه التصريح بوصل المعلق المذكور، ولم يقع ذلك في الصحيح.\n(^١٥٢) -\" المسند\" (٢/ ٣٤٨).\n(^١٥٣) - ذكره ابن كثير في \"البداية والنهاية\" (٢/ ١٦٦). وقال: والعجب من الحافظ أبي بكر البزار كيف رواه في مسنده، عن الحسن بن مدرك، عن يحيى بن حماد، عن أبي عوانة، عن عمر بن سلمة، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ بنحوه، ثم قال: لا يروى إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد.\n(^١٥٤) - الخبر في تفسير عبد الرزاق (١/ ١٢٣ - ١٢٤)، ومن طريقه أخرجه الطري في \"تفسيره\" (٦/ ٥٢٤) رقم (٧٢٧٤). وأخرجه الطبري في \"تفسيره\" (٦/ ٥٢٣) رقم (٧٢٧٣)، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٢/ ٣٤٨ - ٣٤٩) رقم (٨١١)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٩/ ١٩٨) من طرق عن أبي إسحاق، عن صعصعة بن يزيد، عن ابن عباس بنحوه. قال الشيخ أحمد شاكر (٦/ ٥٢٤): وخرجه =\n_________\n[¬١]- في خ: \"وقال\".\n[¬٢]- في خ، ز: \"قال\".\n[¬٣]- في ز: \"فيقولون\".","vol":"3","page":91},{"text":"وكذا رواه الثوري عن أبي إسحاق بنحوه (^١٥٥).\nوقال ابن أبي [¬١] حاتم (^١٥٦): حدَّثنا محمد بن يحيى، حدَّثنا أبو الربيع الزهراني، حدَّثنا يعقوب، حدثنا جعفر، عن سعيد بن جبير قال: لما قال أهل الكتاب: ليس علينا في الأميين سبيل، قال نبي الله ﷺ: \"كذب أعداء الله! ما من شيء كان في الجاهلية إلا وهو تحت قدمي هاتين، إلا الامانة؛ فإنها مؤداة إلى البر والفاجر\".\nثم قال تعالى: ﴿بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ [¬٢] وَاتَّقَى﴾ أي: لكن من أوفى بعهده، واتقى [¬٣] منكم يا أهل الكتاب، الذي عاهدكم الله عليه من الإيمان بمحمد ﷺ إذا بعث، كما أخذ العهد والميثاق على الأنبياء وأممهم بذلك، واتقى محارم الله تعالى، واتبع طاعته وشرعته التي بعث بها خاتم الرسل وسيد البشر، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾.\n﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٧)﴾\nيقول الله تعالى، إن الذين يعتاضون عما عاهدوا [¬٤] الله عليه، من اتباع محمد، ﷺ، وذكر صفته للناس، وبيان أمره، وعن أيمانهم الكاذبة الفاجرة الآثمة بالأثمان القليلة\n_________\n= ابن كثير في تفسيره من تفسير عبد الرزاق، وفيه: عن أبي صعصعة بن يزيد وهو خطأ، صوابه \"صعصعة\". انظر. ووقع في روايه البيهقي قلب وتصحيف فورد باسم: زيد بن صعصعة. وفي إسناد الحديث: \"أبي إسحاق\" وهو أبو إسحاق السبيعي مدلس من الثالثة، ولم يصرح بالسماع، فالإسناد ضعيف. انظر \"تهذيب التهذيب\" (٨/ ٥٦: ٥٩). وصعصعة بن يزيد، ذكره البخاري وابن أبي حاتم والخطيب البغدادي، وذكروا أنه روى عن ابن عباس وأن أبا إسحاق روى عنه، ولم يذكروا فيه جرحًا ولا تعديلًا ونص الخطيب على أنه تابعي. انظر \"التاريخ الكبير\" (٤/ ٣٢٠)، \"والجرح والتعديل\" (٤/ ٤٤٦)، و\"تاريخ بغداد\" (٩/ ٣٤١).\n(^١٥٥) - انظر السابق.\n(^١٥٦) - رواه ابن أبي حاتم في تفسيره (٢/ ٣٤٩) رقم (٨١٢)، وأخرجه الطبري في \"تفسيره\" (٦/ ٥٢٣) رقم (٧٢٧٠) من طريق يعقوب القمي له. وفي إسناده جعفر، وهو جعفر بن أبي المغيرة القمي، صدوق يهم.\n_________\n[¬١]- مكررة في خ.\n[¬٢]- في خ: \"بعهدة من الله\".\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- في خ، ز: \"عاهدهم\".","vol":"3","page":92},{"text":"الزهيدة، وهي عروض هذه الحياة [¬١] الدنيا الفانية الزائلة ﴿أُولَئِكَ [¬٢] لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾ أي: لا نصيب لهم فيها، ولا حظَّ لهم منها، ﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَة﴾ أي: برحمة منه لهم، [يعني لا يكلمهم الله كلام] [¬٣] لطف بهم، ولا ينظر إليهم بعين الرحمة، ﴿وَلَا يُزَكِّيهِمْ﴾ أي: من الذنوب والأدناس، بل يأمر بهم إلى النار، ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. وقد وردت أحاديث تتعلق بهذه الآية الكريمة فلنذكر ما تيسر منها.\n(الحديث الأوّل): قال الإمام أحمد (^١٥٧): حدثنا عفان، حدثنا شعبة، قال: علي بن مدرك أخبرني؟ قال: سمعت أبا زرعة، عن خرشة بن الحر، عن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ: \"ثلاثة لا يكلمهم الله، ولا ينظر إليهم يوم القيامة، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم\" فلت: يا رسول الله؛ من هم [¬٤]؟ [خسروا وخابوا] قال: وأعاده رسول الله ﷺ ثلاث مرات، قال \"المسبل، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب، والمنان\".\nورواه مسلم وأهل السنن، من حديث شعبة به (^١٥٨).\n(طريق أخرى) قال الإمام أحمد (^١٥٩): حدثنا إسماعيل، عن الجريري، عن أبي العلاء بن الشخير، عن ابن الأحمس قال: لقيت أبا ذر، فقلت له: بلغني عنك أنك تحدت حديثًا عن [¬٥] رسول الله ﷺ فقال: أما إنه لا تخالني أكذب على رسول الله ﷺ بعدما سمعته منه فما الذي بلغك عني؟ قلت بلغني أنك تقول: ثلاثة [¬٦] يحبهم الله، وثلاثة يشنؤهم الله ﷿، قال: قلته وسمعته؛ قلت: فمن هؤلاء الذين يحبهم الله؟ قال: \"الرجل يلقى العدوّ في فئة، فينصب لهم نحره حتى يقتل أو يفتح لأصحابه، والقوم يسافرون فيطول سراهم حتى يحنوا أن يمسوا الأرض، فينزلون فيتنحى أحدهم، فيصلي حتى يوقظهم لرحيلهم، والرجل يكون له الجار يؤذيه، فيصبر على أذاه، حتى يفرق بينهما موت أو ظعن\".\n_________\n(^١٥٧) - في \"مسنده\" (٥/ ١٤٨).\n(^١٥٨) - أخرجه مسلم في كتاب الإيمان، حديث ١٧١ - (١٠٦). وأبو داود في كتاب: اللباس، باب: ما جاء في إسبال الإزار، حديث (٤٠٨٧)، والترمذي في كتاب: البيوع، باب: ما جاء فيمن حلف على سلعة كاذبًا، حديث (١٢١١) والنسائي (٥/ ٨١) كتاب الزكاة، باب: المنان بما أعصى، وابن ماجه في كتاب التجارات، باب: ما جاء في كراهية الأيمان في الشراء والبيع، حديث (٢٢٠٨).\n(^١٥٩) - أخرجه أحمد في مسنده (٥/ ١٥١). ومن طرق أخرى عن أبي ذر (٥/ ١٥٣)، (٥/ ١٧٦).\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- في خ، ز: \"فأولئك\".\n[¬٣]- في ز: \"بمعنى لا يكلمهم كلام\".\n[¬٤]- في ز: \"منهم\".\n[¬٥]- مكانه في خ، ز: بياض.\n[¬٦]- كررت في: خ.","vol":"3","page":93},{"text":"قلت: ومن هؤلاء الذين [يشنؤهم الله] [¬١]؟ قال: \"التاجر الحلاف -أو قال [¬٢] البائع الحلاف- والفقير المختال، والبخيل المنان\".\nغريب من هذا الوجه.\n(الحديث الثاني): قال الإمام أحمد (^١٦٠): حدَّثنا يحيى بن سعيد، عن جرير بن حازم؛ قال [¬٣]: حدثنا عدي بن عدي، أخبرني رجاء بن حيوة، والعُرْس بن عَمِيرة، عن [أخيه] عَديّ -هو ابن عميرة الكندي- قال: خاصم رجل من كندة، يقال له: امرؤ القيس بن عابس [¬٤]، رجلًا من حضرموت إلى رسول الله ﷺ في أرض، فقضى على الحضرمي بالبينة، فلم يكن له بينة، فقضى على امرئ القيس باليمين، فقال الحضرمي: إن [¬٥] أمكنته من اليمين يا رسول الله؟ ذهبت ورب الكعبة أرضي، فقال النبي ﷺ: \"من حلف على يمين كاذبة ليقتطع بها مال أحد، لقي الله ﷿ وهو عليه غضبان\". قال رجاء: وتلا رسول الله ﷺ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ فقال امرؤ القيس: ماذا لمن تركها يا رسول الله؟ فقال: \"الجنة\". قال: فاشهد أني قد تركتها له كلها.\nورواه النسائي (^١٦١) من حديث عدي بن عدي به.\n(الحديث الثالث) قال أحمد (^١٦٢): حدَّثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش عن شقيق، عن عبد الله؟ قال: قال رسول الله ﷺ: \"من حلف على يمين، هو فيها فاجر؟ ليقتطع بها مال امرئ مسلم، لقي الله، ﷿، وهو عليه غضبان\". فقال الأشعث: في [¬٦] والله كان ذلك، كان بيني وبين رجل من اليهود أرض، فجحدني أرضي [¬٧]؛ فقدمته إلى رسول الله ﷺ فقال لي رسول الله ﷺ: \"ألك بينة\"؟ قلت: لا. فقال لليهودي: \"احلف\". فقلت: يا رسول الله، إذا يحلف؟ فيذهب مالي، فأنزل الله ﷿: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [إلى آخر] [¬٨] الآية.\n_________\n(^١٦٠) - أخرجه أحمد في \"مسنده\" (٤/ ١٩١ - ١٩٢)، والنسائي في \"الكبرى\" (٣/ ٤٨٦) رقم (٥٩٩٦) والطبراني في \"الكبير\" (١٧/ ١٠٨) رقم (٢٦٥)، والطبري في تفسيره ٦/ ٥٣٠) رقم (٧٢٨٠)، وذكره الهيثمي في المجمع (٤/ ١٨١) وقال: رواه أحمد، والطبراني في الكبير، ورجالهما ثقات.\n(^١٦١) - انظر السابق.\n(^١٦٢) - رواه أحمد في \"السند\" (٥/ ٢١١) وبنحوه أيضًا في \"المسند\" (٥/ ٢١١، ٢١١ - ٢١٢] ٢١٢). وأخرجه البخاري في كتاب الشرب والمساقاة، باب: الخصومة في البئر والقضاء فيها، حديث (٢٣٥٦، ٢٣٥٧). ومسلم في كتاب الأيمان، حديث (١٣٨)، وأبو داود في \"سننه\" كتاب: الأيمان والنذور، باب: فيمن حلف يمينًا ليقتطع بها مالًا لأحد، حديث (٣٢٤٣) والترمذي في \"سننه\"، كتاب: البيوع، باب: ما جاء في اليمين الفاجرة يقتطع بها مال السلم، حديث (١٢٦٩)، وكتاب: تفسير القرآن، باب: ومن سورة آل عمران، حديث (٢٩٩٩)، والنسائي في \"الكبرى\" (٣/ ٤٨٤ - ٤٨٥) رقم (٥٩٩١، ٥٩٩٢) و(٦/ ٣٠٨، ٣٠٩) رقم (١١٠٦٢) وابن ماجه في \"كتاب: الأحكام، باب: البينة على من ادعى واليمين على من أنكر، حديث (٢٣٢٢) كلهم من طريق أبي وائل به.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في خ، ز: \"يشنأ\"\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- سقط من: م، والمثبت من ز.\n[¬٤]- في خ، ز: \"عامر\".\n[¬٥]- سقط من: خ، ز\n[¬٦]- في ز: \"بي\".\n[¬٧]- سقط من: خ، ز.\n[¬٨]- سقط من: م، والمثبت من ز.","vol":"3","page":94},{"text":"أخرجاه من حديث الأعمش.\n(طريق أخرى) قال أحمد (^١٦٣): حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا أبو بكر بن عياش، عن عاصم بن أبي النجود، عن شقيق بن سلمة، حدثنا عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ: \"من اقتطع مال امرئ مسلم بغير حق، لقي الله، وهو عليه غضبان\". قال: فجاء الأشعث بن قيس، فقال: ما يحدثكم أبو عبد الرحمن؟ فحدثناه، فقال: فيّ كان هذا الحديث؛ خاصمت ابن عم لي إلى رسول الله ﷺ في بئر لي كانت في يده، فجحدني، فقال رسول الله ﷺ: \"بينتك أنها بئرك وإلا فيمينه\". قال: قلت: يا رسول الله ما لي بينة، وإن تجعلها بيمينه [¬١]؛ تذهب [¬٢] بئري؛ إن خصمي امرؤ فاجر. فقال رسول الله ﷺ: \"من اقتطع مال امرئ مسلم بغير حق لقي الله وهو عليه غضبان\". قال: وقرأ رسول الله ﷺ هذه الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا [أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ]﴾.\n(الحديث الرابع) قال الإمام أحمد (^١٦٤): حدثنا يحيى بن غيلان، قال: حدثنا رشدين، عن زبَّان عن سهل بن معاذ بن أنس، عن أبيه، أن [¬٣] رسول الله ﷺ قال [¬٤]: \"إن لله تعالى عبادًا، لا يكلمهم يوم القيامة، ولا يزكيهم، ولا ينظر إليهم\" قيل: ومن أولئك يا رسول الله؟ قال [¬٥]: \"متبرئ من والديه راغب عنهما، ومتبرئ من ولده، ورجل\n_________\n(^١٦٣) - في \"مسنده\" (٥/ ٢١٢)، وانظر السابق.\n(^١٦٤) - أخرجه أحمد في \"مسنده\" (٣/ ٤٤٠). والطبراني في \"الكبير\" (٢٠/ ١٩٥) رقم (٤٣٧)، وذكره الهيثمي في \"المجمع\" (٥/ ١٨ - ١٩) وقال: رواه أحمد والطبراني، وفيه زبان بن فائد، قد ضعفه أحمد وابن معين، وقال أبو حاتم: صالح، وذكره الشيخ الألباني- حفظه اللَّه في \"الضعيفة\" حديث (١٩٤١).\n_________\n[¬١]- في ز: \"يمينه\".\n[¬٢]- في خ، ز: \"يذهب\".\n[¬٣] في ر: \"عن\".\n[¬٤]- سقط من: خ، ز.\n[¬٥]- سقط من: خ، ر.","vol":"3","page":95},{"text":"أنعم عليه قوم، فكفر نعمتهم وتبرأ منهم\".\n(الحديث الخامس) قال ابن أبي حاتم (^١٦٥): حدثنا الحسن بن عرفة، حدثنا هشيم، أنبأنا العوام -يعني ابن حوشب- عن إبراهيم بن عبد الرحمن -يعني السكسكي- عن عبد الله بن أبي أوفى؛ أن رجلًا أقام سلعة له في السوق، فحلف بالله؛ لقد أعطي بها ما لم يعطه\" ليوقع فيها رجلًا من المسلمين؛ فنزلت هذه الآية ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [إلى آخر] [¬١] الآية.\nورواه البخاري، من غير وجه عن العوام.\n(الحديث السادس) قال الإمام أحمد (^١٦٦): حدثنا وكيع، حدثنا [¬٢] الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: \"ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم؛ رجل منع ابن السبيل فضل ماء عنده، ورجل حلف على سلعة بعد العصر، يعني كاذبا، ورجل بايع إمامًا؛ فإن أعطاه وفي [¬٣] له، وإن لم يعطه لم يف له\".\nورواه أبو داود والترمذي، من حديث وكيع. وقال الترمذي: حديث [¬٤] حسن صحيح.\n﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٨)﴾\n_________\n(^١٦٥) - أخرجه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٢/ ٣٥٥) رقم (٨٢٣)، وأخرجه البخاري في \"صحيحه\" كتاب التفسير، باب: قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾ الآية حديث (٤٥٥١) من طريق علي بن أبي هاشم أنه سمع هشيمًا، أخبرنا العوام بن حوشب. عن إبراهيم بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن أبي أوفى مرفوعًا بلفظه.\n(^١٦٦) - رواه أحمد في مسنده (٢/ ٤٨٠). وأخرجه أبو داود في \"سننه\" كتاب: البيوع، باب: في منع الماء، حديث (٣٤٧٤). والترمذي في \"سننه\"، كتاب السير، باب: ما جاء في نكث البيعة، حديث (١٥٩٥)، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٣٥٨/ ٢) رقم (٨٢٩) كلهم من طريق وكيع بهذا الإسناد. وأخرجه البخاري في \"صحيحه\" كتاب: الشهادات، باب: اليمين بعد العصر، حديث (٢٦٧٢)، وأطرافه في (٢٣٥٨، ٢٣٦٩، ٧٢١٢، ٧٤٤٦)، ومسلم في \"صحيحه\" كتاب الأيمان، باب: حديث (١٠٨) من طريق الأعمش بإسناده نحوه.\n_________\n[¬١]- سقط من: ت.\n[¬٢]- في ت: عن.\n[¬٣]- في ز: \"وفا\".\n[¬٤]- سقط من: خ، ز.","vol":"3","page":96},{"text":"يخبر تعالى عن اليهود، عليهم لعائن الله، أن منهم فريقًا يحرفون الكلم عن مواضعه، ويبدلون كلام الله، ويزيلونه عن المراد به، ليوهموا الجهلة أنه في كتاب الله كذلك، وينسبونه إلى [¬١] الله، وهو كذب على الله، وهم يعلمون من أنفسهم أنهم قد كذبوا وافتروا في ذلك كله، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ وقال [¬٢] مجاهد والشعبي،: الحسن وقتادة، والربيع بن أنس: ﴿يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ﴾ يحرفونه [¬٣]، وهكذا روى البخاري، عن ابن عباس، أنهم يحرفون، ويزيلون [¬٤]، وليس أحد من خلق الله يزيل لفظ كتاب من كتب الله، لكنهم يحرفونه ويتأولونه [¬٥] على غير تأويله.\nوقال وهب بن منبه: إن التوراة والإنجيل كما أنزلهما الله تعالى؛ لم يغير منهما حرف، ولكنهم يضلون بالتحريف والتأويل وكتب كانوا يكتبونها من عند أنفسهم.\n﴿وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾، فأما كتب الله فإنها محفوظة ولا تحول.\nرواه ابن أبي حاتم (^١٦٧)، فإن عنى وهب ما بأيديهم عن ذلك، فلا شك أنه قد دخلها التبديل والتحريف والزيادة والنقص. وأما تعريب ذلك المشاهد بالعربية، ففيه خطأ كبير، وزيادات كثيرة، ونقصان، ووهم فاحش، وهو من باب تفسير العرب المعبر، وفهم كثير منهم، بل أكثرهم، بل جميعهم فاسد. وأما إن عنى كتب الله التي هي كتبه من [¬٦] عنده، فتلك كما قال محفوظة، لم يدخلها شيء.\n﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩) وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (٨٠)﴾\n_________\n(^١٦٧) - رواه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٢/ ٣٦١ - ٣٦٢) رقم (٨٤٤).\n_________\n[¬١]- في ز: \"على\".\n[¬٢]- في ز: \"قال\".\n[¬٣]- في خ: \"ليحرفوه\".\n[¬٤]- في ت: \"ويزيدون\".\n[¬٥]- في ز: \"يتألونه\".\n[¬٦]- سقط من: خ، ز.","vol":"3","page":97},{"text":"قال محمد بن إسحاق (^١٦٨): حدثنا محمد بن أبي محمد، عن عكرمة، أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: قال أبي رافع القرظي؛ حين اجتمعت الأحبار من اليهود والنصارى من أهل نجران عند رسول الله ﷺ، ودعاهم إلى الإسلام: أتريد يا محمد أن نعبدك، كما تعبد النصارى عيسى بن مريم؟ فقال رجل من أهل نجران نصراني، يقال له الرئيس: أو ذاك تريد منا يا محمد وإليه تدعونا؟ أو كما قال: فقال رسول الله ﷺ: \"معاذ الله أن نعبد غير الله، أو أن نأمر بعبادة [غير الله] [¬١]، ما بذلك بعثني، ولا بذلك أمرني\"، أو كما قال ﷺ فأنزل الله [﷿] في ذلك من قولهما: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ﴾ الآية [¬٢] إلى قوله: ﴿أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ فقوله: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي: ما ينبغي لبشر آتاه الله الكتاب والحكم والنبوة، أن يقول للناس: اعبدوني من دون الله، أي: مع الله، فإذا [¬٣] كان هذا لا يصلح لنبي، ولا لمرسل، فلأن لا يصلح لأحد من الناس غيرهم بطريق الأولى والأحرى، ولهذا قال الحسن البصري: لا ينبغي هذا لمؤمن، أن يأمر الناس بعبادته، قال: وذالك أن القوم كان يعبد بعضهم بعضًا -يعني أهل الكتاب- كانوا [يتعبدون لأحبارهم] [¬٤] ورهبانهم، كما قال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ [وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إلا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إلا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ] [¬٥]﴾.\nوفي المسند والترمذي، كما سيأتي (^١٦٩)، أن عدي بن حاتم؛ قال: يا رسول الله؟ ما عبدوهم. قال: \"بلى إنهم أحلوا لهم الحرام، وحرموا عليهم الحلال، فاتبعوهم فذلك عبادتهم إياهم\".\nفالجهلة من الأحبار والرهبان، ومشايخ الضلال، يدخلون في هذا الذم والتوبيخ، بخلاف الرسل وأتباعهم من العلماء العاملين، [فإنهم إنما] [¬٦] يأمرون بما أمر [¬٧] الله به [¬٨]، وبلغتهم إياه\n_________\n(^١٦٨) - \" السيرة لابن هشام\" (٢/ ٣٩٥)، وأخرجه الطبري في \"تفسيره\" (٦/ ٥٣٩) رقم (١/ ٢٩٦، ٧٢٩٧)، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٢/ ٣٦٩ - ٣٧٠) رقم (٨٧٥). والبيهقي في \"دلائل النبوة\" (٥/ ٣٨٤)، من طريق محمد بن إسحاق بهذا الإسناد.\n(^١٦٩) - سيأتي تخريجه - في سورة الأنعام آية (١٢١).\n_________\n[¬١]- في خ، ز: \"غيره\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: م.\n[¬٣]- في ز: \"وإذا\".\n[¬٤]- في ت: \"يعبدون أحبارهم\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين زيادة من خ، ز: وفي م: الآية.\n[¬٦]- في خ، ز: \"فإنما\".\n[¬٧]- في ت: \"يأمر\".\n[¬٨]- سقط من: خ، ز.","vol":"3","page":98},{"text":"رسله الكرام، وإنما ينهونهم [¬١] عما نهاهم الله عنه، وبلغتهم إياه رسله الكرام. فالرسل [¬٢] صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، هم السفراء بين الله وبين خلقه، في أداء ما حملوه من الرسالة وإبلاغ الأمانة. فقاموا بذلك أتم القيام [¬٣]، ونصحوا الخلق، وبلغوهم الحق.\nوقوله: ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ أي: ولكن يقول الرسول للناس: كونوا ربانيين. قال ابن عباس، وأبو رزين، وغير واحد: أي: حكماء علماء حلماء، وقال الحسن وغير واحد: فقهاء، وكذا روي عن ابن عباس، وسعيد بن جبير، وقتادة، وعطاء الخراساني، وعطية العوفي، والربيع بن أنس. وعن الحسن أيضًا: يعني أهل عبادة، وأهل تقوى.\nوقال الضحاك في قوله: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ حق على من تعلم القرآن أن يكون فقيهًا، ﴿تُعَلَمُونَ﴾ أي: تفهمون معناه وقرئ ﴿تُعَلِّمُونَ﴾ بالتشديد (*)، من التعليم، ﴿وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ تحفظون ألفاظه.\nثم قال تعالى: ﴿وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا﴾ أي: ولا يأمركم بعبادة أحد غير الله، لا نبي مرسل، ولا ملك مقرب، ﴿أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ أي: لا يفعل [¬٤] ذلك إلا [¬٥] من دعا إلى عبادة غير الله، [ومن دعا إلي عبادة غير الله] [¬٦]، فقد دعا إلى الكفر، والأنبياء إنما يأمرون بالإيمان، وهو عبادة الله وحده لا شريك له، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إلا نُوحِي [¬٧] إِلَيهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إلا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾. وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾. الآية. وقال: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾. وقال تعالى إخبارًا عن اللائكة: ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾.\n﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَال أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ\n_________\n(*) وهي قراءة عاصم، وابن عامر، وحمزة، والكسائي. وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمر: ﴿تَعْلَمُونَ﴾ بإسكان العين، وفتح اللام والتاء تخفيفًا.\n_________\n[¬١]- في ز: \"ينهوهم\".\n[¬٢]- سقط من: خ، ز.\n[¬٣]- في خ: \"قيام\".\n[¬٤]- في خ، ز: \"تفعل\".\n[¬٥]- في ز: لأن.\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٧]- في ز: \"يوحى\".","vol":"3","page":99},{"text":"إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَال فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٨١) فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٨٢)﴾\nيخبر تعالى أنه أخذ ميثاق كل نبي بعثه من لدن آدم ﵇ إلى عيسى ﵇؛ لمهما آتى الله أحدهم من كتاب وحكمة، وبلغ أي مبلغ، ثم جاءء رسول من بعده، ليؤمنن به، ولينصرنه، ولا يمنعه ما هو فيه من العلم والنبوة، من اتباع من بعث بعده ونصرته، ولهذا قال تعالى وتقدّس: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ﴾ أي: لمهما أعطتكم [¬١] من كتاب وحكمة، ﴿ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَال أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي﴾.\nوقال ابن عباس، ومجاهد، والربيع [بن أنس] [¬٢] وقتادة والسدي: يعني عهدي.\nوقال محمد بن إسحاق: ﴿إِصْرِي﴾ أي: ثقل ما حملتم من عهدي، أي: ميثاقي الشديد المؤكد.\n﴿قَالُوا أَقْرَرْنَا قَال فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٨١) فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ﴾، أي: عن هذا العهد والميثاق ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾.\nقال علي بن أبي طالب [¬٣]، وابن عمه [عبد الله] [¬٤] بن عباس ﵄ ما بعث الله نبيًّا من الأنبياء؛ إلا أخذ عليه الميثاق، لئن بعث محمدٌ وهو حي؛ ليؤمنن به ولينصرنه، وأمره أن يأخذ الميثاق على أمته، لئن بعث محمد وهم أحياء ليؤمنن به ولينصرنه.\nوقال طاوس والحسن البصري [¬٥] وقتادة: أخذ الله ميثاق النبيين أن يصدق بعضهم بعضًا.\nوهذا لا يضاد ما قاله علي وابن عباس، ولا ينفيه، بل يستلزمه ويقتضيه، ولهذا روى [¬٦] عبد الرزاق عن معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، مثل قول علي وابن عباس.\nوقد قال الإمام أحمد (^١٧٠): حدثنا عبد الرزاق، أنبأنا سفيان، عن جابر، عن الشعبي، عن\n_________\n(^١٧٠) - رواه أحمد في \"مسنده\" (٤/ ٢٦٥ - ٢٦٦) ويأتي تخرجه بأبسط من ذلك في فاتحة سورة يوسف حديث (٨).\n_________\n[¬١]- في خ، ز: \"أعطيكم\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٣]- في ز: \"طلحة\".\n[¬٤]- سقط من: ت.\n[¬٥]- سقط من: خ، ز.\n[¬٦]- في خ، ز: \"رواه\".","vol":"3","page":100},{"text":"عبد الله بن ثابت، قال: جاء عمر إلى [رسول الله] ﵌، فقال: يا رسول الله، إني مررت بأخ [¬١] لي من قريظة، فكتب لي جوامع من التوراة، ألا أعرضها عليك؟ قال: فتغير وجه رسول الله ﷺ قال عبد الله بن ثابت: قلت له: ألا ترى ما بوجه رسول الله ﷺ؟ قال [¬٢] عمر: رضينا بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد رسولا، قال: فسري عن النبي ﷺ، وقال: \"والذي نفس محمد بيده، لو أصبح فيكم موسى، ﵇، ثم اتبعتموه وتركتموني لضللتم، إنكم حظي من الأمم، وأنا حظكم من النبيين\".\n(حديث آخر) قال الحافظ أبو بكر (^١٧١): حدثنا إسحاق، حدثنا حماد، عن مجالد، عن الشعبي، عن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء، فإنهم لن يهدوكم وقد ضلوا، وإنكم إما أن تصدقوا بباطل، وإما أن تكذبوا بحق، وإنه والله لو كان موسى حيًّا بين أظهركم، ما حل له إلا أن يتبعي\".\nوفي بعض الأحاديث: \"لو كان موسى وعيسى حيين؛ لما وسعهما إلا اتباعي\".\nفالرسول محمد خاتم الأنبياء صلوات الله وسلامه عليه دائمًا إلى يوم الدين، وهو الإمام الأعظم الذي لو وجد في أي عصر وجد؛ لكان [¬٣] هو الواجب الطاعة، المقدم على الأنبياء كلهم، ولهذا كان إمامهم ليلة الإسراء، لما [¬٤] اجتمعوا ببيت القدس، وكذلك هو الشفيع في المحشر [¬٥]، في إتيان الرب [ﷻ] لفصل القضاء [بين عباده] [¬٦]، وهو المقام المحمود الذي لا يليق إلا له، والذي يحيد عنه أولوا العزم من الأنبياء والمرسلين، حتى تنتهي النبوة إليه فيكون هو المخصوص به، [صلوات الله وسلامه عليه].\n﴿أَفَغَيرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيهِ يُرْجَعُونَ (٨٣) قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَينَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَينَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (٨٤) وَمَنْ\n_________\n(^١٧١) - أخرجه البزار كما في \"كشف الأستار\" (١/ ٧٨ - ٧٩) حديث (١٢٤). ويأتي تخريجه بأبسط من ذلك في فاتحة سورة يوسف (٧).\n_________\n[¬١]- في خ: \"برجل\".\n[¬٢]- في خ، ز: \"فقال\".\n[¬٣]- في ز: \"كان\".\n[¬٤]- في ت: \"يوم\".\n[¬٥]- في ز: \"يوم الحشر\".\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.","vol":"3","page":101},{"text":"يَبْتَغِ غَيرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٨٥)﴾.\nيقول تعالى، منكرًا على من أراد دينا سوى دين الله، الذي أنزل به كتبه، وأرسل به رسله، وهو [عبادة الله] [¬١] وحده لا شريك له، الذي له أسلم من في السموات والأرض، أي: استسلم له من فيهما طوعًا وكرهًا؛ كما قال تعالى: [﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ الآية. وقال تعالى] [¬٢]: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ (٤٨) وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٤٩) يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ [¬٣] فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾.\nفالمؤمن مستسلم بقلبه وقالبه للَّه، والكافر مستسلم لله كرفا، فإنه تحت التسخير والقهر والسلطان العظيم، الذي لا يخالف ولا يمانع. وقد ورد حديث في تفسير هذه الآية على معنى آخر فيه غرابة؛ فقال الحافظ أبو القاسم الطبراني (^١٧٢): حدثنا [¬٤] أحمد بن النضر العسكري، حدثنا سعيد بن حفص النفيلي، حدَّثنا محمد بن محصن العكاشي، حدثنا الأوزاعي، عن عطاء بن أبي رباح، [عن ابن عباس] [¬٥] عن النبي ﷺ: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ أمّا من في السموات فالملائكة، وأما من في الأرض، فمن ولد على الإِسلام، وأما كرهًا فمن أتى به من سبايا الأمم في السلاسل والأغلال، يقادون إلى الجنة وهم كارهون\".\nوقد ورد في الصحيح (^١٧٣): \" عجب ربك من قوم يقادون إلى الجنة في السلاسل\". وسيأتي له شاهد من وجه آخر، ولكن المعنى الأوّل للآية أقوى.\nوقد قال وكيع في تفسيره (^١٧٤): حدثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ\n_________\n(^١٧٢) - الحديث أخرجه الطبراني في \"المعجم الكبير\" (١١/ ١٩٤) رقم (١١٤٧٣). وهنا سقط اسم ابن عباس، فالإسناد عند الطبراني عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ. وذكره الهيثمي في \"المجمع\" (٦/ ٣٢٩) وقال: رواه الطبراني، وفيه محمد بن محصن العكاشي وهو متروك.\n(^١٧٣) - أخرجه البخاري في \"صحيحه\"، كتاب الجهاد، باب: الأسارى في السلاسل، حديث (٣٠١٠) وطرفه في (٤٥٥٧). والحديث سبق تخريجه في سورة البقرة آية (٢٥٦).\n(^١٧٤) - أخرجه الطبري في \"تفسيره\" (٦/ ٥٦٥)، حديث (٧٣٥٢)، من طريق وكيع به.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ز: عبادته.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٣]- كرر في خ.\n[¬٤]- سقط من: خ.\n[¬٥]- زيادة من الطبراني، ومجمع الزوائد، والدر المنثور.","vol":"3","page":102},{"text":"فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَ[¬١] كَرْهًا﴾ قال: هو كقوله: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾.\nوقال أيضًا (^١٧٥): حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ قال: حين أخذ الميثاق.\n﴿وَإِلَيهِ يُرْجَعُونَ﴾ أي: يوم المعاد، فيجازي كلًّا بعمله.\nثم قال الله تعالى: ﴿قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَينَا﴾ يعني القرآن، ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ أي: من الصحف والوحي ﴿وَالْأَسْبَاطِ﴾ وهم بطون بني إسرائيل المتشعبة من أولاد إسرائيل -وهو يعقوب- الاثني عشر: ﴿وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى﴾ يعني بذلك التوراة والإنجيل، ﴿وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ وهذا يعم جميع الأنبياء جملة، ﴿لَا نُفَرِّقُ بَينَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ يعني بل نؤمن بجميعهم، ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ فالمؤمنون من هذه الأمّة يؤمنون بكل نبي أرسل، وبكل كتاب انزل، لا يكفرون بشيء من ذلك، بل هم يصدقون بما أنزل [¬٢] من عند الله، وبكل نبي بعثه الله.\nثم قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾. الآية. أي: من سلك طريقًا سوى ما شرعه الله؛ فلن يقبل منه ﴿وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾، كما قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح: \"من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد\" (^١٧٦).\nوقال الإمام أحمد (^١٧٧): حدثنا أبو سعيد -مولى بني هاشم، حدثنا عباد بن راشد، حدثنا الحسن، حدثنا أبو هريرة إذ ذاك، ونحن بالمدينة، قال: قال رسول الله ﷺ: \"تجيء الأعمال يوم القيامة فتجيء الصلاة فتقول: يا رب؛ أنا الصلاة، فيقول: إنك على خير، وتجيء الصدقة فتقول: يا رب؛ أنا الصدقة، فيقول: إنك على خير، ثم يجيء الصيام فيقول: يا رب؛ أنا الصيام، فيقول: إنك على خير، ثم تجيء الأعمال، كل ذلك يقول الله: إنك على خير، ثم يجيء الإسلام فيقول: يا رب، إنك [¬٣] أنت السلام، وأنا الإسلام، فيقول الله تعالى: إنك على خير، بك اليوم آخذ وبك أعطي. قال الله في كتابه: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾.\n_________\n(^١٧٥) - أخرجه الطبري في \"تفسيره\" (٦/ ٥٦٥) رقم (٧٣٤٥)، من طريق وكيع بهذا الإسناد.\n(^١٧٦) - سبق تخريجه - سورة البقرة آية (١١٢).\n(^١٧٧) - رواه أحمد في \"مسنده\" (٢/ ٣٦٢)، وذكره الهيثمي في \"المجمع\" (١٠/ ٣٤٨). وقال: رواه =\n_________\n[¬١]- في ز: \"أو\".\n[¬٢]- في خ، ز: \"نزل\".\n[¬٣]- سقط من: خ، ز.","vol":"3","page":103},{"text":"تفرد به أحمد.\nقال أبو عبد الرحمن عبد الله ابن الإمام أحمد: عباد بن راشد ثقة، ولكن الحسن لم يسمع من أبي هريرة.\n﴿كَيفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٨٦) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (٨٧) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (٨٨) إلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٨٩)﴾\nقال ابن جرير (^١٧٨): حدثني محمد بن عبد الله بن بزيع البصري، حدثنا يزيد بن زُرَيع، حدثنا داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس؛ قال: كان رجل من الأنصار أسلم ثم ارتدّ ولحق بالشرك، ثم ندم فأرسل إلى قومه؛ أن سلوا لي رسول الله ﷺ هل لي من توبة؟ قال [¬١]: فنزلت: ﴿كَيفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾ إلى قوله ﴿[وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ ﴿إلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا] [¬٢] فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فأرسل إليه [¬٣] قومه فأسلم.\nوهكذا رواه النسائي والحاكم وابن حبان من طريق داود بن أبي هند به.\nوقال الحاكم: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه.\n_________\n= أحمد وأبو يعلى والطبراني في الأوسط. . . وفيه عباد بن راشد، وثقه أبو حاتم وغيره، وضعفه جماعة، وبقية رجال أحمد رجال الصحيح.\n(^١٧٨) - رواه ابن جرير في \"تفسيره\" (٦/ ٥٧٢ - ٥٧٣) رقم (٧٣٦٠) و(٧٣٦١، ٧٣٦٢). والنسائي في \"سننه\" (٧/ ١٠٧) كتاب تحريم الدم، باب: توبة المرتد، والحاكم في \"المستدرك\" (٤/ ٣٦٦)، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٢/ ٣٨٥ - ٣٨٦) رقم (٩٢٤). وابن حبان في \"صحيحه\" (١٠/ ٣٢٩ - الإحسان) برقم (٤٤٧٧). كلهم من طريق داود بن أبي هند به.\n_________\n[¬١]- سقط من: خ، ز.\n[¬٢]- سقط من: ت.\n[¬٣]- في خ: \"إلى\".","vol":"3","page":104},{"text":"وقال عبد الرزاق (^١٧٩): أنبأنا جعفر بن سليمان، حدثنا حميد الأعرج، عن مجاهد قال: جاء الحارث بن سويد، فأسلم مع النبي صلى الله عليه وآله [¬١] وسلم، ثم كفر الحارث، فرجع إلى قومه، فأنزل الله فيه القرآن [¬٢] ﴿كَيفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾ [﴿إلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ] غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ قال: فحملها إليه رجل من قومه، فقرأ [¬٣] عليه، فقال الحارث: إنك -والله ما علمت- لصدوق، وإن رسول الله ﷺ لأصدق منك، وإن الله لأصدق الثلاثة، قال: فرجع الحارث، فأسلم فحسن إسلامه.\nفقوله تعالى: ﴿كَيفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ [وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ]﴾، أي: قامت عليهم الحجج والبراهين، على صدق مما جاءهم به الرسول، ووضح لهم الأمر، ثم ارتدوا إلى ظلمة الشرك، فكيف يستحق هؤلاء الهداية بعد ما تلبسوا به من العماية؟ ولهذا قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾. ثم قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾. أي: يلعنهم الله، ويلعنهم خلقه ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أي: في اللعنة، ﴿لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ أي: لا يفتر عنهم العذاب، ولا يخفف عنهم ساعة واحدة.\nثم قال تعالى: ﴿إلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وهذا من لطفه وبِرّه، ورأفته ورحمته، وعائدته على خلقه، أن من تاب إليه تاب عليه.\n﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ (٩٠) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَو افْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٩١)﴾\nيقول تعالى متوعدًا ومهددًا [¬٤] لمن كفر من [¬٥] بعد إيمانه، ثم ازداد [¬٦] كفرًا، أي استمر عليه إلى الممات، ومخبرًا [بأنهم لن تقبل لهم] [¬٧] توبة عند الممات [¬٨]، كما قال تعالى: ﴿وَلَيسَتِ\n_________\n(^١٧٩) - أخرجه عبد الرزاق في \"تفسيره\" (١/ ١٢٥)، ومن طريقه ابن جرير الطبري في \"تفسيره\" (٦/ ٥٧٣) رقم (٧٣٦٣).\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- سقط من: ت.\n[¬٣]- في ز: \"فقرأها\".\n[¬٤]- في ز: \"ومتهددًا\".\n[¬٥]- سقط من خ.\n[¬٦]- في خ: \"ازدادوا\".\n[¬٧]- في خ، ز: \"بأنه لا يقبل منهم\".\n[¬٨]- في خ، ز: \"مماتهم\".","vol":"3","page":105},{"text":"التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ [قَال إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا]﴾.\n[ولهذا قال هاهنا: ﴿لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ] [¬١] وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ﴾ أي: الخارجون عن المنهج [¬٢] الحق إلى طريق الغي.\nقال الحافظ أبو بكر البزار (^١٨٠): حدثنا محمد بن عبد الله بن بزيع، حدثنا يزيد بن زريع، حدثنا داود بن أبي [هند، عن] [¬٣] عكرمة، عن ابن عباس، أن قومًا أسلموا، ثم ارتدوا، ثم أسلموا ثم ارتدوا فأرسلوا إلى قومهم يسألون لهم، فذكروا ذلك لرسول الله ﷺ، فنزلت هذه الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾ هكذا رواه وإسناده جيد.\nثم قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَو افْتَدَى بِهِ﴾ أي: من مات على الكفر، فلن يقبل منه خير [¬٤] أبدًا، ولو كان قد أنفق ملء الأرض ذهبًا [ولو افتدى به] [¬٥] فيما يراه قُرْبة، كما سئل النبي ﷺ عن عبد الله بن جُدعان - وكان يقري الضيف، ويفك العاني، ويطعم الطعام: هل ينفعه ذلك؟ فقال: \"لا، إنه لم يقل يومًا من الدهر: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين\" (^١٨١).\nوكذلك لو افتدى بملء الأرض أيضًا ذهبًا، ما قبل منه، كما قال تعالى: ﴿وَلَا [¬٦] يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ﴾ وقال: ﴿لَا بَيعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ﴾، وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ولهذا قال تعالى هاهنا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَو افْتَدَى بِهِ﴾ فعطف ولو افتدى به على الأوّل؛ فدل على أنه غيره، وما ذكرناه أحسن من أن يقال: إن الواو زائدة، والله أعلم.\n_________\n(^١٨٠) - ذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" (٢/ ٨٨) وعزاه إلى البزار عن ابن عباس. وقال: هذا خطأ من البزار.\n(^١٨١) - أخرجه مسلم في كتاب الإيمان، حديث (٢١٤) من حديث عائشة ﵂ قالت: قلت: يا رسول الله! ابن جدعان كان في الجاهلية يصل الرحم، ويطعم المسكين فهل ذلك نافعه؟ قال: \"لا ينفعه، إنه لم يقل يومًا: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين\". وسيأتي الحديث في سورة النساء آية (٣٧).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٢]- في خ: \"منهج\".\n[¬٣]- سقط من: خ، ز.\n[¬٤]- في ز: \"خيرًا\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين زيادة من: خ.\n[¬٦]- سقط من: ز.","vol":"3","page":106},{"text":"ويقتضي ذلك أن لا ينقذه من عذاب الله شيء، ولو كان قد أنفق مثل الأرض ذهبًا، ولو افتدى نفسه من الله بملء الأرض ذهبًا بوزن جبالها وتلالها وترابها ورمالها وسهلها ووعرها وبرها وبحرها.\nوقال الإمام أحمد (^١٨٢): حدثنا حجاج، حدثني شعبة، عن أبي عمران الجوني، عن أنس بن مالك، عن النبي ﷺ، قال: \"يقال للرجل من هل النار [¬١] يوم القيامة: أرأيت لو كان لك ما على الأرض من شيء أكنت مفتديًا به؟ قال: فيقول: نعم، [قال: فيقول الله: قد] [¬٢] أردت منك أهون من ذلك، قد أخذت عليك في ظهر أبيك آدم؛ أن لا تشرك بي شيئًا، فأبيت إلا أن تشرك\". وهكذا أخرجه البخاري ومسلم.\n(طريق أخرى) وقال الإمام أحمد (^١٨٣): حدثنا روح، حدثنا حماد، عن ثابت، عن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ: \"يؤتى بالرجل من أهل الجنة، فيقول له: يا ابن آدم؛ كيف وجدت منزلك؟ فيقول: أي رب خير منزل، فيقول: سل وتمن [¬٣]، فيقول: ما أسأل وما [¬٤] أتمنى إلا أن تردني إلى الدنيا، فأقتل في سبيلك عشر مرار، لما يرى من فضل الشهادة. ويؤتى بالرجل من أهل النار، فيقول له يا بن آدم؛ كيف وجدت منزلك؟ فيقول: يا رب؛ شر منزل. فيقول له [¬٥]: أتفتدي [¬٦] مني بطلائع [¬٧] الأرض ذهبًا؟ فيقول: أي رب؛ نعم. فيقول: كذبت، قد سألتك أقل من ذلك وأيسر، فلم تفعل، فيرد إلى النار\".\n_________\n(^١٨٢) - رواه أحمد في \"مسنده\" (٣/ ١٢٧)، وأخرجه البخاري في كتاب الأنبياء، باب: خلق آدم وذريته، حديث (٣٣٣٤)، وحديث (٦٥٥٧). ومسلم في كتاب صفات المنافقين وأحكامهم حديث ٥١ - (٢٨٠٥)، وأحمد في \"مسنده\" (٣/ ١٢٩). كلهم من طريق شعبة، عن أبي عمران الجوني، عن أنس به.\nوقد ورد من حديث قتادة، عن أنس: أخرجه البخاري في كتاب الرقاق، باب: من نوقش الحساب عُذِّب، حديث (٦٥٣٨)، ومسلم في كتاب صفات المنافقين وأحكامهم، حديث ٥٢، ٥٣ - (٢٨٠٥)، وأحمد في مسنده (٣/ ٢١٨، ٢٩١) من طرق، عن قتادة، عن أنس به.\n(^١٨٣) - رواه أحمد في \"مسنده\" (٣/ ٢٠٧، ٢٠٨). وأخرجه مسلم في كتاب صفات المنافقين وأحكامهم، حديث ٥٥ - (٢٨٠٧). والنسائي في \"سننه\" (٦/ ٣٦)، كتاب الجهاد، باب: ما يتمنى أهل الجنة، وأحمد في \"مسنده\" (٣/ ١٣١ - ١٣٢) من طريق حماد بن سلمة، عن ثابت البناني، عن أنس بنحوه.\n_________\n[¬١]- في ز: \"اليسار\".\n[¬٢]- في ز: \"فيقول: قد\"\n[¬٣]- في ز: \"وتمنى\".\n[¬٤]- سقط من: خ، ز.\n[¬٥]- سقط من: خ.\n[¬٦]- في خ، ز: \"تفتدي\".\n[¬٧]- في خ، ز: \"بطلاع\".","vol":"3","page":107},{"text":"ولهذا قال: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ أي: وما لهم من أحد ينقذهم من عذاب الله، ولا يجيرهم من أليم عقابه.\n﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٩٢)﴾.\n[روى وكيع في تفسيره (^١٨٤) عن شريك، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ﴾ قال: الجنة] [¬١].\nقال الإمام أحمد (^١٨٥): حدثنا روح، حدثنا مالك، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، سمع أنس بن مالك يقول: كان أبو طلحة أكثر أنصاري [¬٢] بالمدينة مالا، وكان أحب أمواله إليه بيرحاء، وكانت مستقبلة المسجد، وكان النبي ﷺ يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب، قال أنس: فلما نزلت ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ قال أبو طلحة: يا رسول الله، إن الله يقول: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾، وإن أحب أموالي إلى بيرحاء، وإنها صدقة لله؛ أرجو بها [¬٣] برها وذخرها عند الله تعالى، فضعها يا رسول الله، حيث أراك الله فقال النبي ﷺ: \" [بخٍ بخٍ] [¬٤]، ذاك مال رابح، ذاك [¬٥] مال رابح، وقد سمعت وأنا أرى أن تجعلها في الأقربين\"، فقال أبو طلحة: أفعل يا رسول الله، فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه. أخرجاه.\n_________\n(^١٨٤) - أخرجه الطبري في \"تفسيره\" (٦/ ٥٨٧) رقم (٧٣٨٦) من طريق وكيع به. وأخرجه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٢/ ٣٩١) رقم (٩٤٣) عن عمرو بن ميمون به.\n(^١٨٥) - رواه أحمد في \"مسنده\" (٣/ ١٤١). وأخرجه البخاري في كتاب الزكاة، باب: الزكاة على الأقارب، حديث (١٤٦١)، وأطرافه حديث (٢٣١٨)، و(٢٧٥٢)، و(٢٧٥٨)، و(٢٧٦٩)، و(٤٥٥٤)، و(٥٦١١). ومسلم في كتاب الزكاة، حديث (٩٩٨). ومالك في \"الموطأ\" (ص ٧٦٠) كتاب الصدقة، باب: الترغيب في الصدقة، حديث (٢)، والترمذي في كتاب تفسير القرآن، باب: ومن سورة آل عمران، حديث (٣٠٠٠)، والنسائي في \"الكبرى\" (٦/ ٣١١) رقم (١١٠٦٦)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٦/ ١٦٤ - ١٦٥) و(٦/ ٣٧٥)، والبغوي (٦/ ١٨٩) رقم (١٦٨٣) والطحاوي (٣/ ٢٨٩)، وأبو نعيم في \"الحلية\" (٦/ ٣٣٨)، وابن خزيمة في \"صحيحه\" (٤/ ١٠٣) حديث (٢٤٥٥)، وابن حبان في صحيحه (٨/ ١٢٩، ١٣٠ - الإحسان) رقم (٣٣٤٠) وابن جرير الطبري في \"تفسيره\" (٦/ ٥٨٩، ٥٩٠) رقم (٧٣٩٤، ٧٣٩٥)، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٢/ ٣٩٢، ٣٩٣) رقم (٩٤٧).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز\n[¬٢]- في ت: \"الأنصار\".\n[¬٣]- سقط من: ز\n[¬٤]- في خ، ز: \"بخ\".\n[¬٥]- في ت: \"ذلك\".","vol":"3","page":108},{"text":"وفي الصحيحين أن عمر قال: يا رسول الله؛ لم أصب مالًا قط، هو أنفي عندي من سهمي الذي هو بخيبر، فما تأمرني به؟ قال [¬١]: \"حبس الأصل وسبل [¬٢] الثمرة\" (^١٨٦).\nوقال الحافظ أبو بكر البزار (^١٨٧): حدثنا أبو الخطاب زياد بن يحيى الحساني، حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا محمد بن عمرو، عن أبي عمرو بن حماس، عن حمزة بن عبد الله بن عمر قال: قال عبد الله: حضرتني هذه الآية: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ فذكرت ما أعطاني الله، فلم أجد شيئًا أحب إليّ من جارية لي رومية، فقلت: هي حرّة لوجه الله، فلو أني أعود في شيء جعلته لله؛ لنكحتها، يعني تزوجتها.\n_________\n(^١٨٦) - لا يوجد بهذا اللفظ \"حبس الأصل وسبل الثمرة\" في الصحيحين، وبهذا اللفظ: \"حبس الأصل وسبل الثمرة\" أخرجه النسائي في \"سننه\" (٦/ ٢٣٢) كتاب الأحباس، باب: حبس المشاع، وابن ماجه في \"سننه\" كتاب الصدقات، باب: من وقف، حديث (٢٣٩٧)، والشافعي (٢/ ٢٨٥، ٢٨٦) حديث (٤٥٨، ٤٥٩، ٤٦٠) والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٦/ ١٦٢)، والدارقطني في \"سننه\" (٤/ ١٩٣). كلهم من طرق، عن سفيان بن عيينة، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال عمر بن الخطاب للنبي ﷺ: إن المائة سهم التي لي بخيبر لم أصب مالًا قط أعجب إليّ منها، وقد أردت أن أتصدق بها، فقال النبي ﷺ: \"احبس أصلها وسبل ثمرتها\". وأخرجه أحمد في \"مسنده\" (٢/ ١٥٦ - ١٥٧) من طريق عبد الله، عن نافع به مختصرًا. بلفظ: أول صدقة كانت في الإسلام صدقة عمر، فقال له رسول الله ﷺ: \"احبس أصولها وسبل ثمرتها\". وقد صححه الشيخ الألباني -حفظه الله- في \"إرواء الغليل\" (٦/ ٣١) رقم (١٥٨٣). وقال: وهذا سند صحيح على شرط الشيخين.\nوقد أخرجه البخاري في كتاب الشروط، باب: الشروط في الوقف، حديث (٢٧٣٧)، وطرفه (٢٧٧٢)، و(٢٧٧٣). ومسلم في \"صحيحه\" كتاب الوصية، حديث (١٦٣٢)، وأبو داود في \"سننه\" كتاب: الوصايا، باب: ما جاء في الرجل يوقف الوقف، حديث (٢٨٧٨)، والترمذي في \"سننه\" كتاب: الأحكام، باب: في الوقف، حديث (١٣٧٥)، والنسائي في \"سننه\" (٦/ ٢٣٠) كتاب الأحباس، باب: كيف يكتب الحبس، وذكر الاختلاف على ابن عون في خبر ابن عمر فيه، وابن ماجه في \"سننه\" كتاب الصدقات، باب: من وقف، حديث (٢٣٩٦) والطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (٤/ ٩٥)، والبيهقي في \"السنن\" (٦/ ١٥٨ - ١٥٩)، وأحمد في مسنده (٢/ ١٢ - ١٣، ٥٥، ١٢٥). من طرق عن ابن عون، عن نافع، عن ابن عمر قال: أصاب عمر أرضًا بخيبر فأتى النبي ﷺ يستأمره فيها، فقال: يا رسول الله! إني أصبت مالًا لخيبر لم أصب مالًا أنفس عندي منه، فما تأمرني فيه؟ فقال: \"إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها، غير أنه لا يباع أصلها ولا يوهب ولا يورث\". قال: فتصدق بها عمر في الفقراء، وفي القربى، وفي سبيل الله وابن السبيل، والضعيف، لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف أو يطعم صديقًا غير متمول فيه\". وفي لفظ \"غير متأثل\".\n(^١٨٧) - \" كشف الأستار\" رقم (٢٩١٤). وذكره الهيثمي في \"المجمع\" (٦/ ٣٢٩) وقال: ورواه البزار، وفيه من لم أعرفه.\n_________\n[¬١]- في ز: \"فقال\".\n[¬٢]- في خ: \"وسبيل\".","vol":"3","page":109},{"text":"﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إلا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٩٣) فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٩٤) قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٩٥)﴾\nقال الإمام أحمد (^١٨٨): حدثنا هاشم بن القاسم، حدثنا عبد الحميد، حدثنا شهر قال: قال ابن عباس: حضرت عصابة من اليهود نبي الله ﷺ، فقالوا: حدثنا عن خلال نسألك عنهن، لا يعلمهن إلا نبي، قال: \"سلوني عما شئتم، ولكن اجعلوا لي ذمة الله، وما أخذ يعقوب علي بنيه؛ لئن أنا حدثتكم شيئًا فعرفتموه، لتتابعني على الإسلام\". قالوا: فذلك لك. [قال: فسلوني عما شئتم] [¬١]. قالوا: أخبرنا عن [¬٢] أربع خلال، أخبرنا أي الطعام حرم إسرائيل على نفسه؟ وكيف ماء المرأة وماء الرجل؟ وكيف [يكون الذكر منه والأنثى؟ وأخبرنا كيف] [¬٣] هذا النبي الأمي في النوم، ومن وليُّه من الملائكة؟ فأخذ عليهم العهد لئن أخبرهم ليتابعنه، فقال [¬٤]: \"أنشدكم بالذي أنزل التوراة على موسى، هل تعلمون أن إسرائيل مرض مرضًا شديدًا، وطال سقمه، فنذر لله [¬٥] نذرًا، لئن شفاه الله من\n_________\n(^١٨٨) - رواه أحمد في \"مسنده\" (١/ ٢٧٨). وأخرجه الطبري في \"تفسيره\" (٧/ ١٥، ١٦) رقم (٧٤٢٠). وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٢/ ٣٩٥، ٣٩٦) رقم (٩٥١). والطبراني في \"المعجم الكبير\" (١٢/ ٢٤٦) رقم (١٣٠١٢). وذكره الهيثمي في \"المجمع\" (٦/ ٣١٧، ٣١٨) و(٨/ ٢٤٤، ٢٤٥). وقال: رواه أحمد والطبراني، ورجالهما ثقات، وقال في موضع آخر: رواه الطبراني عن شيخه عبد الله بن محمد بن سعيد بن أبي مريم، وهو ضعيف. وأخرجه أحمد في \"مسنده\" (١/ ٢٧٤)، والبخاري في \"التاريخ الكبير\" (٢/ ١١٤) رقم (١٨٧٨)، والترمذي في \"سننه\" كتاب: تفسير القرآن، باب: ومن سورة الرعد، حديث (٣١١٦)، وأبو نعيم في \"الحلية\" (٤/ ٣٠٤، ٣٠٥)، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٢/ ٣٩٦) رقم (٩٥٢). كلهم من طريق عبد الله بن الوليد العجلي، عن بكير بن شهاب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس بنحوه. وأخرجه الطبري في \"تفسيره\" (٧/ ١٤) رقم (٧٤١٧). وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٢/ ٣٩٧) رقم (٩٥٣). وعبد الرزاق في \"تفسيره\" (١/ ١٢٦). والحاكم في \"المستدرك\" (٢/ ٢٩٢) كلهم من طريق سفيان الثوري، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس بنحوه مختصرًا.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٢]- في م: \"على\"، والمثبت من خ، ز.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٤]- في ز: \"وقال\".\n[¬٥]- في خ: \"بعد\".","vol":"3","page":110},{"text":"سقمه، ليحرمنّ [أحب الطعام والشراب إليه] [¬١]، وكان أحب الطعام إليه لحم [¬٢] الإبل، وأحب الشراب إليه ألبانها\". فقالوا: اللَّهم نعم، فقال [¬٣]: \"اللَّهم اشهد عليهم\". وقال: \"أنشدكم بالله، الذي لا إله إلا هو، الذي أنزل التوراة على موسى، هل تعلمون أن ماء الرجل أبيض غليظ، وماء المرأة أصفر رقيق، فأيهما علا كان له الولد والشبه بإذن الله؛ إن علا ماء الرجل [¬٤] ماء المرأة كان ذكرًا بإذن الله، وإن علا ماء المرأة ماء الرجل كان أنثى بإذن الله\". قالوا: نعم، قال: \"اللهم اشهد عليهم\". وقال: \"أنشدكم بالذي أنزل التوراة على موسى، هل تعلمون أن هذا النبي الأمي تنام عيناه ولا ينام قلبه؟ \". قالوا: اللهم نعم. قال \"اللَّهم اشهد\". [قالوا: وأنت الآ محدثنا عن وليك من الملائكة؟ فعندها نجامعك أو نفارقك] [¬٥]. قال: \"إن وليي جبريل، ولم يبعث الله نبيًّا قط إلا وهو وليه\". قالوا: [فعند ذلك] [¬٦] نفارقك، لو كان وليك غيره لتابعناك، فعند ذلك قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾ الآية.\nورواه أحمد أيضًا عن حسين بن محمد، عن عبد الحميد به.\n(طريق أخرى) قال أحمد (^١٨٩): حدثنا أبو أحمد [] [¬٧] الزبيري، حدثنا عبد الله بن الوليد العجلي، عن بكير [¬٨] بن شهاب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: أقبلت يهود على رسول الله ﷺ، فقالوا: يا أبا القاسم، إنا [¬٩] نسألك عن خمسة أشياء، فإن أنبأتنا بهن عرفنا أنك نبي واتبعناك، فأخذ عليهم ما أخذ إسرائيل على بنيه، إذ قال: ﴿وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ قال: \"هاتوا\" قالوا: أخبرنا عن علامة النبي؟ قال: \"تنام عيناه ولا ينام قلبه\". قالوا: أخبرنا كيف تؤنث المرأة وكيف تذكر؟ قال: \"يلتقي الماءان فإن [¬١٠] علا ماء الرجل ماء المرأة أَذْكَرَتْ، وإن [¬١١] علا ماء المرأة أنثت\". قالوا: أخبرنا ما حرم إسرائيل على نفسه؟ قال: \"كان يشتكي عرق النسا فلم يجد شيئًا يلائمه إلا ألبان كذا وكذا -قال أحمد: قال بعضهم: يعني الإبل- فحرم لحومها قالوا: صدقت، قالوا: أخبرنا ما هذا الرعد؟ قال: \"ملك من ملائكة الله [﷿] موكل بالسحاب\n_________\n(^١٨٩) - رواه أحمد في \"مسنده\" (١/ ٢٧٤)، والنسائي في الكبرى (٥/ ٣٣٦ - ٣٣٧) برقم (٩٠٧٢).\nوانظر الحديث السابق.\n_________\n[¬١] ما بين المعكوفتين في خ، ز: \"أحب الشراب إليه، وأحب الطعام إليه\".\n[¬٢]- في ز: \"لحمان\".\n[¬٣]- في ز: \"قال\".\n[¬٤]- في خ، ز: \"على\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين في خ: \"وعندها\"، وفي ز: \"فعندها\".\n[¬٧]- في ز، خ: عن.\n[¬٨]- في خ: \"بكر\".\n[¬٩]- سقط من: خ، ز\n[¬١٠]- في خ، ز: \"فإذا\".\n[¬١١]- في خ: \"فإذا\"، وفي ز: \"وإذا\".","vol":"3","page":111},{"text":"بيده [¬١]-أو في يديه [¬٢]- مخراق من نار يزجر به السحاب، يسوقه حيث أمره الله ﷿\". قالوا: فما هذا الصوت الذي يسمع؟ قال: \"صوته\". قالوا: صدقت، إنما بقيت واحدة، وهي التي نتابعك إن [أخبرتنا بها: إنه ليس من نبي] [¬٣] إلا له ملك يأتيه بالخبر، فأخبرنا من صاحبك؟ قال: \"جبريل ﵇ \"قالوا: جبريل ذاك ينزل بالحرب والقتال والعذاب عدونا، لو قلت: ميكائيل، أي [¬٤]: الذي ينزل بالرحمة والنبات والقطر لكان، فأنزل الله تعالى [¬٥]: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ [فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَينَ يَدَيهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ]﴾. [والآية بعدها] [¬٦].\nوقد رواه الترمذي والنسائي من حديث عبد الله بن الوليد العجلي به نحوه، وقال الترمذي: حسن غريب.\nوقال ابن جريج والعوفي (^١٩٠) عن ابن عباس: كان إسرائيل ﵇ - وهو يعقوب يعتريه عرق النسا بالليل، وكان يقلقه ويزعجه عن النوم. ويقلع الوجع عنه بالنهار؛ فنذر لله لئن عافاه الله لا يأكل عرقًا، ولا يأكل [ولد ما] [¬٧] له عرق، وهكذا قال الضحاك والسدي، كذا رواه وحكاه ابن جرير في تفسيره، قال: فأتبعه [¬٨] بنوه في تحريم ذلك، استنانًا به، واقتداءً بطريقته. قال: وقوله ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ﴾ أي: حرّم ذلك على نفسه من قبل أن تنزل التوراة. قلت: ولهذ السياق بعد ما تقدم مناسبتان: (إحداهما) [¬٩] أن إسرائيل ﵇، حرم أحب الأشياء إليه [¬١٠] وتركها لله، وكان هذا سائغًا في شريعتهم فله مناسبة بعد قوله: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ فإذا هو المشروع عندنا، وهو الإِنفاق في طاعة الله مما يحبه العبد ويشتهيه، كما قال تعالى: ﴿وَآتَى الْمَال عَلَى حُبِّهِ﴾، وقال تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ﴾ الآية.\n(المناسبة الثانية) لما تقدم بيان [¬١١] الرد على النصارى، واعتقادهم الباطل في المسيح، وتبين\n_________\n(^١٩٠) - ابن جريج لم يلق ابن عباس، والعوفي: ضعيف. والطريق الأول عند ابن جرير في \"تفسيره\" (٧/ ١٠) رقم (٧٤٠٢). والطريق الثاني عند ابن جرير في \"تفسيره\" (٧/ ١٠) رقم (٧٤٠١)، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٢/ ٣٩٨، ٣٩٩) رقم (٩٥٧).\n_________\n[¬١]- في ز: \"يديه\".\n[¬٢]- في ز: \"يده\".\n[¬٣]- في ز: \"أخبرتنا إنه ليس نبي\".\n[¬٤]- سقط من: خ، ز.\n[¬٥]- في خ: \"﷿\".\n[¬٦]- في خ، ز: \"إلى آخر الآية\".\n[¬٧]- في خ، ز: \"ولدًا\".\n[¬٨]- في خ: \"فاتبعته\".\n[¬٩]- في خ: \"أحديهما\".\n[¬١٠]- سقط من: ز.\n[¬١١]- سقط من: خ.","vol":"3","page":112},{"text":"زيف ما ذهبوا إليه، وظهر [¬١] الحق واليقين في أمر [¬٢] عيسى وأمه، وكيف خلقه الله بقدرته ومشيئته، وبعثه إلى بني إسرائيل يدعو إلى عبادة ربه ﵎، شرع في الرد على اليهود قبحهم الله تعالى، وبيان أن النسخ الذي أنكروا وقوعه وجوازه قد وقع، فإن الله تعالى [¬٣] قد نص في كتابهم التوراة، أن نوحًا ﵇ لما خرج من السفينة، أباح الله له جميع دواب الأرض، يأكل منها، ثم بعد هذا حرم إسرائيل على نفسه زيادة لحمان [¬٤] الإبل وألبانها، فأتبعه بنوه في ذلك، وجاءت التوراة بتحريم ذلك، وأشياء أخر زيادة على ذلك، وكان الله ﷿ قد أذن لآدم في تزويج بناته من بنيه، وقد حرم ذلك بعد ذلك، وكان التسري على الزوجة مباحًا في شريعة إبراهيم ﵇ وقد فعله الخليل [¬٥] في هاجر لما تسرى بها على سارة، وقد حرم مثل هذا في التوراة عليهم، وكذلك كان [¬٦] الجمع بين الأختين سائغًا [¬٧]، وقد فعله يعقوب ﵇ جمع بين الأختين، ثم حرم ذلك عليهم في التوراة، وهذا كله منصوص عليه في التوراة عندهم، وهذا [¬٨] هو النسخ بعينه. فكذلك فليكن ما شرعه الله للمسيح، ﵇، في إحلاله بعض ما حرم في التوراة، فما بالهم لم يتبعوه، بل كذبوه وخالفوه؟ وكذلك ما بعث الله به محمدًا ﷺ، من الدين القويم والصراط المستقيم، وملة أبيه إبراهيم، فما بالهم لا يؤمنون؟ ولهذا قال الله تعالى: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إلا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ﴾ أي: كان حلًّا لهم جميع الأطعمة، قبل نزول التوراة، إلا ما حرمه إسرائيل، ثم قال تعالى: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ أي [¬٩]: فإنها ناطقة بما قلناه. ﴿فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾، أي: فمن كذب على الله، وادعى أنه شرع لهم السبت، والتمسك بالتوراة دائمًا، وأنه لم يبعث نبيًّا آخر يدعو إلى الله تعالى بالبراهين والحجج، بعد هذا الذي بيَّنَّاه من وقوع النسخ وظهور ما ذكرناه ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾.\nثم قال تعالى: ﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ﴾ أي: قل يا محمَّد: صدق الله [¬١٠] فيما أخبر به، وفيما شرعه في القرآن ﴿فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ أي: اتبعوا ملة إبراهيم التي شرعها الله [¬١١] في القرآن، على لسان محمد ﷺ فإنه الحق الذي لا شك فيه، ولا مرية،\n_________\n[¬١]- في خ: \"السياق في\"، وفي ز \"في\".\n[¬٢]- سقط من: ت.\n[¬٣]- في خ: \"﷿\".\n[¬٤]- في ت: \"لحوم\".\n[¬٥]- في ت \"إبراهيم\".\n[¬٦]- سقط من: خ، ز.\n[¬٧]- في ز: \"شائعًا\".\n[¬٨]- في ز: \"فهذا\".\n[¬٩]- سقط من: ت.\n[¬١٠]- سقط من: خ، ز.\n[¬١١]- سقط من: ز.","vol":"3","page":113},{"text":"وهي الطريقة التي لم يأت نبي بأكمل منها، ولا أبين ولا أوضح ولا أتم، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٦١)﴾ [الأنعام: ١٦١].\nوقال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَينَا إِلَيكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٣)﴾ [النحل: ١٢٣].\n﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالمِينَ (٩٦) فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالمِينَ (٩٧)﴾\nيخبر الله تعالى أن أول بيت وضع للناس، أي: لعموم الناس، لعبادتهم ونسكهم، يطوفون به، ويصلون إليه، ويعتكفون عنده ﴿لَلَّذِي بِبَكَّةَ﴾ يعني: الكعبة التي بناها إبراهيم الخليل ﵇، الذي يزعم كل بن طائفتي اليهود والنصارى أنهم على دينه ومنهجه، ولا يحجون إن البيت الذي بناه عن أمر الله له في ذلك، ونادى الناس إن حجه، ولهذا قال الله تعالى: ﴿مُبَارَكًا﴾ أي وضع مباركًا، ﴿وَهُدًى لِلْعَالمِينَ﴾.\nوقد قال الإِمام أحمد (^١٩١): حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن إبراهيم التيمي، عن أبيه، عن أبي ذر ﵁ قال: قلت: يا رسول الله، أي مسجد وجمع [في الأرض] [¬١] أول؟ قال: \"المسجد الحرام\". قلت: ثم أي؟ قال: \"المسجد الأقصى\" قلت: كم بينهما؟ قال: \"أربعون سنة\". قلت: ثم أي؟ قال: \"ثم [¬٢] حيث أدركتك الصلاة فصل فكلها مسجد\".\nوأخرجه البخاري ومسلم من حديث الأعمش به.\nوقال ابن أبي حاتم (^١٩٢): حدثنا الحسن بن محمَّد بن الصباح، حدثنا سعيد بن سليمان، حدثنا شريك، عن مجالد، عن الشعبي، عن علي ﵁ في قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ\n_________\n(^١٩١) - رواه أحمد في \"مسنده\" (٥/ ١٥٠). ورواه أحمد أيضًا (٥/ ١٥٦، ١٥٧، ١٦٠، ١٦٧) والبخاري في \"صحيحه\" كتاب الأنبياء، باب (١٠)، حديث (٣٣٦٦)، وحديث (٣٤٢٥)، ومسلم في \"صحيحه\"، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، حديث (٥٢٠)، والنسائي في \"سننه\" (٢/ ٣٢)، كتاب الأذان، باب: ذكر أي مسجد وضع أولًا، وابن ماجه في \"سننه\"، كتاب المساجد والجماعات، باب: أي مسجد وضع أولًا، حديث (٧٥٣)، كلهم من طرق عن الأعمش به.\n(^١٩٢) - أخرجه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٢/ ٤٠٢) رقم (٩٦٢) وإسناده ضعيف لضعف مجالد بن سعيد.\n_________\n[¬١]-\n[¬٢]- سقط من: خ، ز.","vol":"3","page":114},{"text":"بَيتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا﴾، قال: كانت البيوت قبله، ولكنه كان أول بيت وضع لعبادة الله.\nوحدثنا أبي (^١٩٣)، حدثنا الحسن بن الربيع، حدثنا أبو الأحوص، عن سماك، عن خالد بن عَرْعَرة؛ قال: قام رجل إلى علي ﵁ فقال: ألا تحدثني عن البيت؛ أهو أول بيت وضع في الأرض؟ قال: لا، ولكنه أول بيت وضع فيه البركة، مقام إبراهيم، ومن [¬١] دخله كان آمنًا، وذكر تمام الخبر في كيفية بناء إبراهيم البيت، وقد ذكرنا ذلك مستقصى في أول [¬٢] سورة البقرة؛ فأغنى عن إعادته هنا [¬٣].\nوزعم السدي، أنه أول بيت وضع على وجه الأرض مطلقًا، والصحيح قول علي ﵁. فأما الحديث الذي رواه البيهقي (^١٩٤) في بناء الكعبة، في كتابه \"دلائل النبوة\" من طريق ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير، عن عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعًا: \"بعث إلَّا جبريل إلى آدم وحواء فأمرهما ببناء الكعبة، فبناه آدم ثم أمر بالطواف به، وقيل له: أنت أول الناس، وهذا أول بيت وضع للناس\". فإنه كما ترى من مفردات ابن لهيعة وهو ضعيف، والأشبه -والله أعلم- أن يكون هذا موقوفًا على عبد الله بن عمرو، ويكون من الزاملتين اللتين أصابهما يوم اليرموك من كلام أهل الكتاب.\nوقوله تعالى: ﴿لَلَّذِي بِبَكَّةَ﴾ بكة من أسماء مكة على المشهور، قيل: سميت بذلك لأنها تبك أعناق الطمة والجبابرة، بمعنى [أنهم يذلون] [¬٤] بها، ويخضعون عندها. وقيل: لأن الناس يتباكون فيها، أي: يزدحمون.\nقال [¬٥] قتادة: إن الله بكَّ به الناس جميعًا، فيصلي النساء أمام الرجال، ولا يفعل ذلك ببلد غيرها. وكذا روي عن مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير [وعمرو بن شعيب ومقاتل بن حيان.\n_________\n(^١٩٣) - أخرجه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٢/ ٤٠٣) رقم (٩٦٤)، والطبري (٧/ ١٩) رقم (٧٤٢٢)، والحاكم في \"المستدرك\" (٢/ ٢٩٣) من طريق سماك بن حرب، عن خالد بن عرعرة، عن علي بنحوه وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وأخرجه إسحاق بن راهويه، من طريق خالد بن عرعرة، بنحوه، كما في \"المطالب العالية\" (٣/ ٣١٣) رقم (٣٥٦٥). وخالد بن عرعرة هو السهمي الكوفي ذكره ابن أبي حاتم في \"الجرح والتعديل\" (٣/ ٣٤٣) برقم (١٥٤٧)، وصرح بأنه روى عن علي، وأن سماكًا روى عنه.\n(^١٩٤) - أخرجه البيهقي في \"دلائل النبوة\" (٢/ ٤٥) وقال البيهقي: \"تفرد به ابن لهيعة هكذا مرفوعًا\". وذكره ابن كثير في \"البداية والنهاية\" (٢/ ٣٦٥، ٣٦٦) وقال: وهو ضعيف، ووقفه على عبد الله بن عمرو أقوى وأثبت، والله أعلم.\n_________\n[¬١]- في خ: \"من\".\n[¬٢]- سقط من: خ، ز.\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- في خ، ز: \"يبكون\".\n[¬٥]- في خ: \"وقال\".","vol":"3","page":115},{"text":"وذكر حماد بن سلمة، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير] [¬١]، عن ابن عباس ﵁ قال: مكة من الفج إلى التنعيم، وبكة من البيت إلى البطحاء. وقال شعبة، عن المغيرة، عن إبراهيم: بكة البيت والمسجد، وكذا قال الزهريّ. وقال عكرمة في رواية ميمون بن مهران: البيت وما حوله بكة، وما وراء ذلك مكة.\nوقال [أبو مالك و] [¬٢] أبو صالح، وإبراهيم النخعي، وعطية العوفي [¬٣] ومقاتل بن حيان: بكة: موضع البيت، وما سوى ذلك مكة.\nوقد ذكروا لمكة أسماء كثيرة: مكة، وبكة، والبيت العتيق، والبيت الحرام، البلد الأمين، والمأمون، وأم رحم [¬٤]، وأم القرى، وصلاح، والعرش على وزن بدر، والقادس لأنها تطهر من الذنوب، والمقدسة، والناسة بالنون وبالباء أيضا، والنسَّاسة، والحاطمة، والرأس، وكوثاء، والبلدة، والبنية، والكعبة.\nوقوله تعالى: ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ﴾ أي: دلالات ظاهرة أنه من بناء إبراهيم، وأن الله تعالى عظَّمه وشرفه.\nثم قال تعالى: ﴿مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾ يعني الذي لما ارتفع البناء، استعان به على رفع القواعد منه والجدران، حيث كان يقف عليه، ويناوله ولده إِسماعيل، وقد كان ملتصقًا بجدار البيت، حتى آخره عمر بن الخطاب ﵁ في إمارته إِلى ناحية الشرق، بحيث يتمكن الطواف منه [¬٥]، ولا يشوشون [¬٦] على المصلين عنده بعد الطواف؛ لأن الله تعالى قد أمرنا بالصلاة عنده، حيث قال: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ وقد قدمنا الأحاديث في ذلك (^١٩٥)؛ فأغنى عن إعادتها هاهنا، ولله الحمد والمنة. وقال العوفي، عن ابن عباس في قوله: ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾ أي: فيهن [¬٧] مقام إبراهيم والمشعر. وقال مجاهد: أثر قدميه في المقام آية بينة، وكذا روي عن عمر بن عبد العزيز، والحسن، وقتادة، والسدي، ومقاتل بن حيان، وغيرهم. وقال أبو طالب في قصيدته [اللامية المشهورة] [¬٨]:\nوموْطئ إبراهيم في الصخر رطبة … على قدميه حافيًا غيرَ ناعلِ\n_________\n(^١٩٥) - تقدم تخرجها- سورة البقرة آية (١٢٥).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٣]- سقط من: خ، ز.\n[¬٤]- في خ، ز: \"جم\".\n[¬٥]- سقط من: ز.\n[¬٦]- في خ: \"يشوش\".\n[¬٧]- في ت: \"فمنهن\".\n[¬٨]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.","vol":"3","page":116},{"text":"وقال ابن أبي حاتم (^١٩٦): حدثنا أبو سعيد وعمرو الأودي؛ قالا: حدثنا وكيع، حدثنا سفيان، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾ قال: الحرم كله مقام إبراهيم، ولفظ عمرو: الحجر كله مقام إبراهيم. وروي عن سعيد بن جبير، أنه قال: الحج مقام إبراهيم، هكذا رأيته [¬١] في النسخة؛ ولعله الحَجَر كله مقام إبراهيم هكذا [¬٢]. وقد صرح [بذلك مجاهد] [¬٣].\nوقوله تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾، يعني: حرم مكة، إذا دخله الخائف يأمن من كل سوء، وكذلك كان الأمر في حال الجاهلية، كما قال الحسن البصري وغيره: كان الرجل يقتل فيضع [في عنقه] [¬٤] صوفة، ويدخل الحرم فيلقاه ابن المقتول، فلا يهيجه [¬٥] [حتى يخرج] [¬٦].\nوقال ابن أبي حاتم (^١٩٧): حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو يحيى التيمي، عن عطاء، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ قال: من عاذ بالبيت أعاذه البيت، ولكن لا يؤوى ولا يطعم ولا يسقى؛ فإذا خرج أخذ بذنبه.\nوقال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ [¬٧] يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ الآية. وقال تعالى: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيتِ (٣) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾. وحتى إنه من جملة تحريمها حرمة اصطاد صيدها، وتنفيره [¬٨] عن أوكاره، وحرمة قطع شجرها وقلع حشيشها، كما ثبتت الأحاديث والآثار في ذلك عن جماعة من الصحابة مرفوعًا وموقوفًا. ففي الصحيحين، واللفظ لمسلم، عن ابن عباس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ يوم فتح مكة: \"لا هجرة ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا\" (^١٩٨).\n_________\n(^١٩٦) - رواه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٤/ ٤١٢) رقم (١٠٠١).\n(^١٩٧) - أخرجه ابن أبي حاتم (٢/ ٤١٤ - ٤١٥) رقم (١٠٠٤) وفي إسناده أبو يحيى التيمي، وهو إسماعيل بن إبراهيم الأحول الكوفي، ضعيف كما في \"التقريب\". وفي إسناده أيضًا عطاء بن السائب صدوق اختلط، ولكنهما توبعا، وباقي رجاله ثقات، وبالمتابعات يرتقي إلى الحسن لغيره.\n(^١٩٨) - سبق تخريجه - سورة البقرة آية (٢١٦).\n_________\n[¬١]- في ز: \"رأيت\".\n[¬٢]- سقط من: ت.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٥]- في ز: \"تهيجه\".\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٧]- في خ، ز: \"أو لم\".\n[¬٨]- في خ: \"تنفيرها\".","vol":"3","page":117},{"text":"وقال يوم فتح مكة: \"إن هذا البلد حرّمه الله يوم خلق السموات والأرض، فهو حرام بحرمة [¬١] الله إلى يوم القيامة، وإنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي، ولم يحل لي إلا في ساعة من نهار، فهو حرام بحرمة الله إن يوم القيامة لا يعضد شوكه، ولا ينفر صيده، ولا تلتقط لقطته إلا من عرفها، ولا يختلى خلاها [¬٢]. فقال العباس: يا رسول الله؛ إلا الإِذخر، فإنه لقينهم ولبيوتهم [¬٣] فقال: \"إلا الإِذخر\" (^١٩٩).\nولهما عن أبي هريرة مثله أو نحوه (^٢٠٠).\nولهما [¬٤] (^٢٠١) واللفظ لمسلم أيضًا عن أبي شريح [¬٥] العدوي، أنه قال لعمرو بن سعيد، وهو يبعث البعوث إلى مكة، ائذن لي أيها الأمير، أن أحدثك قولًا قام به رسول الله ﷺ الغد من يوم الفتح، سمعته أُذناي ووعاه قلبي، وأبصرته عيناي حين تكلم به أنه حمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: \"إن مكة حرمها الله، ولم يحرمها الناس؛ فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دمًا، ولا يعضد بها شجرة، فإن أحد ترخص بقتال رسول الله ﷺ فيها فقولوا: إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم، وإنما أذن لي فيها ساعة من نهار، وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس، فليبلغ الشاهد الغائب\".\nفقيل لأبي شريح: ما قال لك عمرو [¬٦] قال: أنا أعلم بذلك منك يا أبا شريح، إن الحرم لا يعيذ عاصيًا، ولا فارًّا بدم، ولا فارًّا بخزية [¬٧].\nوعن جابر (^٢٠٢) ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"لا يحل لأحد [¬٨] أن يحمل [السلاح بمكة] [¬٩] \". رواه مسلم.\nوعن عبد الله بن عدي بن [¬١٠] الحمراء الزهري؛ أنه سمع رسول الله ﷺ واقفًا [¬١١]\n_________\n(^١٩٩) - سبق تخريجه - سورة البقرة آية (١٢٦).\n(^٢٠٠) - سبق تخريجه - سورة البقرة آية (١٢٦).\n(^٢٠١) - سبق تخريجه - سورة البقرة آية (١٢٦).\n(^٢٠٢) - سبق تخريجه - سورة البقرة آية (١٢٦).\n_________\n[¬١]- في ز: \"لحرمة\".\n[¬٢]- في ز: \"خلالها\".\n[¬٣]- سقط من: خ، ز.\n[¬٤]- سقط من: خ، ز.\n[¬٥]- في ز: \"سريج\".\n[¬٦]- سقط من: خ، ز.\n[¬٧]- في خ: \"بجزية\".\n[¬٨]- في خ: \"لأحدكم\".\n[¬٩]- ما بين المعكوفتين في خ: \"بمكة\".\n[¬١٠]- سقط من: خ.\n[¬١١]- في خ، ز: \"يقول وهو واقف\".","vol":"3","page":118},{"text":"بالحزورة، بسوق [¬١] مكة، يقول [¬٢]: \"والله إنك لخير أرض الله، وأحب أرض الله إلى الله، ولولا أني أُخرجت منك ما خرجت\".\nرواه الإمام أحمد (^٢٠٣)، وهذا لفظه، والترمذي والنسائي وابن ماجه، وقال الترمذي: حسن صحيح، وكذا صحح من حديث ابن عباس ونحوه (^٢٠٤)، وروى أحمد عن أبي هريرة نحوه (^٢٠٥).\nوقال ابن أبي حاتم (^٢٠٦): حدثنا أبي، حدثنا بشر بن آدم ابن بنت أزهر السمان [¬٣]، حدثنا أبو عاصم، عن زريق بن مسلم الأعمى، مولى بني مخزوم، حدثني زياد بن أبي عياش، عن يحيى بن جعدة بن هبيرة، في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ قال: آمنًا من النار.\nوفي معنى هذا القول الحديث الذي رواه البيهقي (^٢٠٧): أخبرنا أبو الحسن علي بن أحمد بن عبدان، حدثنا أحمد بن عبيد، حدثنا محمَّد بن سليمان الواسطي، حدثنا سعيد بن\n_________\n(^٢٠٣) - صحيح، رواه أحمد في \"مسنده\" (٤/ ٣٠٥). والترمذي في \"سننه\" كتاب المناقب، باب: ما جاء في فضل مكة، حديث (٣٩٢١)، والنسائي في \"السنن الكبرى\" (٢/ ٤٧٩ - ٤٨٠) برقم (٤٢٥٢، ٤٢٥٣)، وابن ماجه في \"سننه\" كتاب: المناسك، باب: فضل مكة، حديث (٣١٠٨)، والدارمي في \"سننه\" (٢/ ٢٣٩)، كتاب: السير، باب: إخراج النبي ﷺ من مكة، وعبد بن حميد (ص ١٧٧، ١٧٨) رقم (٤٩١)، وابن حبان في \"صحيحه\" (٩/ ٢٢ - الإحسان) رقم (٣٧٠٨)، والحاكم في \"المستدرك\" (٣/ ٤٣١) وصححه ووافقه الذهبي.\n(^٢٠٤) - أخرجه الترمذي في \"سننه\" كتاب: المناقب، باب: ما جاء في فضل مكة، حديث (٣٩٢٢) وقال: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه.\n(^٢٠٥) - صحيح، رواه أحمد في \"مسنده\" (٤/ ٣٠٥)، والنسائي في \"الكبرى\" (٢/ ٤٨٠) رقم (٤٢٥٤) والبزار (٢/ ٤٠) \"كشف الأستار\" رقم (١١٥٦).\n(^٢٠٦) - إسناده ضعيف، أخرجه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٢/ ٤١٨) رقم (١٠١٣). وأخرجه الطبري في \"تفسيره\" (٧/ ٣٣) رقم (٧٤٧٢) من طريق علي بن مسلم، عن أبي عاصم به. وفي إسناده: بشر بن آدم ابن بنت الأزهر السمان، أبو عبد الرحمن، صدوق فيه لين. وزريق بن مسلم، وزياد بن أبي عياش لم أقف لهما بنت ترجمة. وإن كان زريق من رجال المسند؛ إلا أن الحافظ لم يذكره في التعجيل، فليستدرك.\n(^٢٠٧) - ضعيف - لضعف عبد الله بن المؤمل، رواه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٥/ ١٥٨). وأخرجه الطبراني في \"المعجم الكبير\" (١١/ ٢٠١) برقم (١١٤٩٠)، ومختصرًا في (١١/ ١٧٧) رقم (١١٤١٤). والبزار في \"مسنده\" (٢/ ٤٣ - كشف الأستار) برقم (١١٦١) من طريق عبد الله بن المؤمل به. =\n_________\n[¬١]- في ز: \"في سوق\".\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- في ز: \"السماك\".","vol":"3","page":119},{"text":"سليمان، حدثنا ابن المؤمل، عن ابن محيصن، عن عطاء، عن عبد الله بن عباس؛ قال: قال رسول الله ﷺ: \"من دخل البيت دخل في حسنة، وخرج من سيئة، وخرج مغفورًا له\". ثم قال: تفرد به عبد الله بن المؤمل، وليس بالقوي.\nوقوله: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيهِ سَبِيلًا﴾ هذه آية وجوب الحج عند الجمهور. وقيل: بل هي قوله: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ والأول أظهر.\nوقد وردت الأحاديث المتعددة بأنه أحد أركان الإِسلام ودعائمه وقواعده، وأجمع المسلمون على ذلك إجماعًا ضروريًّا، وإنما يجب على المكلف في العمر مرة واحدة بالنصِّ والإِجماع.\nقال الإِمام أحمد (^٢٠٨) ﵀: حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا الربيع بن مسلم القرشي، عن محمَّد بن زياد، عن أبي هريرة؛ قال: خطنا رسول الله ﷺ فقال: \"أيها الناس، قد فرض عليكم الحج فحجوا\" فقال رجل: أكل [¬١] عام يا رسول الله، فسكت حتى قالها ثلاثًا، فقال رسول الله ﷺ: \"لو قلت: ثم، لوجبت، ولما استطعتم\". ثم قال: \"ذروني ما تركتكم، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، وإذا أمرتكم بشيء، فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه\".\nورواه مسلم، عن زهير بن حرب، عن يزيد بن هارون به نحوه.\nوقد روى سفيان بن حسين، وسليمان بن كثير، وعبد الجليل بن حميد، ومحمد بن أبي حفصة، عن الزهريّ، عن أبي سنان الدؤلي، واسمه يزيد بن أمية، عن ابن عباس [﵁] قال: خطبنا رسول الله ﷺ، فقال [¬٢] \"يا أيها الناس، إن الله كتب عليكم الحج\". فقام الأقرع بن حابس، فقال: يا رسول الله، أفي كل عام؟ فقال [¬٣]: \"لو قلتها لوجبت، ولو وجبت لم تعملوا بها، ولن تستطيعوا أن تعملوا بها، الحج مرة فمن زاد فهو تطوع\".\n_________\n= وذكره الهيثمي في \"المجمع\" (٣/ ٢٩٦) وقال: رواه الطبراني في الكبير، والبزار بنحوه، وفيه عبد الله بن المؤمل وثقه ابن سعد وغيره، وفيه ضعف.\n(^٢٠٨) - صحيح، رواه أحمد في \"مسنده\" (٢/ ٥٠٨). وأخرجه مسلم في \"صحيحه\"، كتاب: الحج، حديث (١٣٣٧).\n_________\n[¬١]- في خ، ز: \"لكل\".\n[¬٢]- في ز: \"قال\".\n[¬٣]- في ز: \"قال\".","vol":"3","page":120},{"text":"ورواه أحمد، وأبو داود، والنسائي وابن ماجه، والحاكم من حديث الزهريّ به (^٢٠٩).\nورواه شريك، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس بنحوه (^٢١٠). وروي من حديث أسامة بن زيد [¬١].\nوقال الإِمام أحمد (^٢١١): حدثنا منصور بن وردان، عن [علي بن عبد الأعلى] [¬٢] عن أبيه، عن أَبِي البختري، عن علي [﵁] قال: لما نزلت: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيهِ سَبِيلًا﴾ قالوا: يا رسول الله، أفي [¬٣] كل عام؟ فسكت قالوا: يا رسول الله، أفي [¬٤] كل عام؟ قال: \"لا، ولو قلت نعم لوجبت\". فأنزل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾.\nوكذا [¬٥] رواه الترمذي، وابن ماجه، والحاكم، من حديث منصور بن وردان به. ثم قال الترمذي: حسن غريب. وفيما قال نظر؛ لأن البخاري قال: لم يسمع أبو البختري من علي.\n_________\n(^٢٠٩) - أخرجه أحمد في \"مسنده\" (١/ ٢٩٠ - ٢٩١)، وبنحوه في (١/ ٣٧١، ٣٧١ - ٣٧٢)، وأبو داود في \"سننه\" كتاب المناسك، باب: فرض الحج، حديث (١٧٢١). والنسائي في \"سننه\" (٥/ ١١١)، كتاب: المناسك، باب: وجوب الحج. وابن ماجه في \"سننه\" كتاب: المناسك، باب: فرض الحج، حديث (٢٨٨٦). والحاكم في \"المستدرك\" (١/ ٤٧٠) (٢/ ٢٩٣)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٤/ ٣٢٦)، والدارقطني في \"سننه\" (٢/ ٢٧٩، ٢٨٠)، والدارمي في \"سننه\" (٢/ ٢٩) كتاب: مناسك الحج، باب: كيف وجوب الحج؟ كلهم من طرق عن الزهري به.\n(^٢١٠) - أخرجه أحمد في \"مسنده\" (١/ ٢٩٢، ٣٠١، ٣٢٣، ٣٢٥)، والدارمي في \"سننه\" (٢/ ٢٩) كتاب مناسك الحج، باب: كيف وجوب الحج؟ من طريق شريك، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس أن رجلًا قال: يا رسول الله، الحج كل عام؟ فقال: \"بل حجة على كل إنسان، ولو قلت: نعم كل عام، لكان كل عام\". وأخرجه الدارقطني في \"سننه\" (٢/ ٢١٨، ٢٨١) من طريق سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس بنحوه.\n(^٢١١) - رواه أحمد في \"مسنده\" (١/ ١١٣). والترمذي في \"سننه\" كتاب الحج، باب: ما جاء كم فرض الحج؟ حديث (٨١٤)، وكتاب: تفسير القرآن، باب: ومن سورة المائدة، حديث (٣٠٥٧)، وابن ماجه في \"سننه\"، كتاب المناسك، باب: فرض الحج، حديث (٢٨٨٤)، والحاكم في \"المستدرك\" (٢/ ٢٩٤)، والدارقطني في \"سننه\" (٢/ ٢٨٠)، كلهم من طريق منصور بن وردان الأسدي.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: يزيد.\n[¬٢]- خ: \"عبد الأعلى بن عبد الله الأعلى\"، وفي ز: \"عبد الأعلى بن عبد الأعلى\".\n[¬٣]-[¬٤]- في خ، ز: \"في\".\n[¬٥]- في خ: \"وقد\".","vol":"3","page":121},{"text":"وقال ابن ماجة (^٢١٢): حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير، حدثنا محمد بن أبي عبيدة، عن أبيه، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن أنس بن مالك؛ قال: قالوا: يا رسول الله، الحج في كل عام؟ قال: \"لو قلت نعم [¬١] لوجبت، ولو وجبت لم تقوموا [¬٢] بها، ولو لم تقوموا بها لعذبتم\".\nوفي [¬٣] الصحيحين (^٢١٣) من حديث ابن جريج، عن عطاء، عن جابر، عن سراقة بن مالك، قال: يا رسول الله، متعتنا هذه لعامنا [¬٤] هذا [¬٥] أم للأبد؟ قال: \"لا، بل للأبد\" وفي رواية: \"بل لأبد الأبد\".\nوفي مسند الإِمام أحمد وسنن أبي داود (^٢١٤)، من حديث واقد [¬٦] بن أبي واقد [¬٧] الليثي، عن أبيه: أن رسول الله ﷺ، قال لنسائه في حجته هذه: \"ثم [ظهور الحصر] [¬٨]-يعني ثم الزمن [ظهور الحصر] [¬٩]- ولا تخرجن من البيوت\".\nوأما الاستطاعة فأقسام: تارة يكون الشخص مستطيعًا بنفسه، وتارة بغيره، كما هو مقرر في كتب الأحكام.\nقال أبو عيسى الترمذي (^٢١٥): حدثنا عبد [¬١٠] بن حميد، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا\n_________\n(^٢١٢) - صحيح. رواه في \"سننه\" كتاب المناسك، باب: فرض الحج، حديث (٢٨٨٥). وقال البوصيري في الزوائد (٣/ ٤): هذا إسناد صحيح؛ لأن محمد بن أبي عبيدة بن معن بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود ثقة وأبوه مثله. وذكره الشيخ الألباني في \"الإرواء\" (٤/ ١٥١)، وفي صحيح سنن ابن ماجه برقم (٢٣٣٢).\n(^٢١٣) - أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب: من أهلَّ في زمن النبي ﷺ كإهلال النبي ﷺ حديث (١٥٥٧)، وطرفه (٢٥٠٥، ٢٥٠٦)، و(٤٣٥٢)، و(٧٣٦٧). ومسلم في \"صحيحه\"، كتاب: الحج، حديث (١٢١٦).\n(^٢١٤) - صحيح، أخرجه أحمد في \"مسنده\" (٥/ ٢١٩)، وأبو داود في \"سننه\" كتاب المناسك، باب: فرض الحج، حديث (١٧٢٢). والحديث في \"صحيح سنن أبي داود\" للشيخ الألباني - حفظه الله - (١/ ٣٢٤) رقم (١٥١٥).\n(^٢١٥) - ضعيف جدًّا، رواه الترمذي في \"سننه\" كتاب تفسير القرآن، باب ومن سورة آل عمران، حديث (٣٠٠١)، ومختصرًا في كتاب الحج، باب: ما جاء في إيجاب الحج بالزاد والراحلة =\n_________\n[¬١]- سقط من: خ، ز.\n[¬٢]- في ز: \"يقوموا\".\n[¬٣]- في خ: \"وقد\".\n[¬٤]- في خ، ز: \"لعامتنا\".\n[¬٥]- سقط من: خ.\n[¬٦]- في خ: \"وافد\".\n[¬٧]- في خ: \"وافد\".\n[¬٨]- في خ، ز: \"الخضر\".\n[¬٩]- ما بين المعكوفتين في خ، ز: \"الخضر\".\n[¬١٠]- في خ: \"عبيد\".","vol":"3","page":122},{"text":"إبراهيم بن يزيد، قال [¬١]: سمعت محمد بن عبَّادٍ بن جعفر، يحدّث عن ابن عمر [﵄] قال: قام رجل إلى [رسول الله]ﷺ فقال: من الحاجّ يا رسول الله؟ قال: \"الشَّعَثُ التفِلُ\". فقام آخر فقال: أي الحج أفضل يا [رسول الله]؟ قال: \"العَجُّ والثَّجُّ\". فقام آخر فقال: ما السبيل يا رسول الله؟ قال: \"الزاد والراحلة\".\nوهكذا [¬٢] رواه ابن ماجة من حديث إبراهيم بن يزيد، وهو الخوزي. قال الترمذي: ولا نعرفه [¬٣] إلا من حديثه، وقد تكلم فيه بعض أهل العلم من قبل حفظه، كذا قال هاهنا، وقال في كتاب الحج: هذا حديث حسن. لا يشك [¬٤] أن هذا الإسناد رجاله كلهم ثقات، سوى الخوزي هذا، وقد تكلموا فيه من أجل هذا الحديث، لكن قد تابعه غيره، فقال ابن أبي حاتم (^٢١٦): حدثنا أبي، حدثنا عبد العزير بن عبد الله العامري، حدثنا محمد بن عبد الله بن عبيد بن عمير الليثي، عن محمد بن عباد بن جعفر قال: جلست\n_________\n= حديث (٨١٣). وابن ماجه في \"سننه\" كتاب المناسك، باب: ما يوجب الحج، حديث (٢٨٩٦)، والطبري في \"تفسيره\" (٧/ ٣٩، ٤٠) رقم (٧٤٨٤، ٧٤٨٥)، والشافعي في \"مسنده\" (١/ ٤٨٧) رقم (٧٤٤) وابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (٤/ ٥٣٥)، والدارقطني في \"سننه\" (٢/ ٢١٧)، والبيهقي في \"سننه\" (٤/ ٣٣٠). كلهم من طريق إبراهيم بن يزيد الخوزي، عن محمد بن عباد بن جعفر، عن ابن عمر ﵄ به. وإبراهيم بن يزيد: ضعيف؛ قال البيهقي: \"ضعفه أهل العلم بالحديث، وقد تابعه محمد بن عبد الله بن عبيد بن عمير عن محمد بن عباد، إلا أنه أضعف، من إبراهيم بن يزيد، ورواه أيضًا محمد بن الحجاج، عن جرير بن حازم، عن محمد بن عباد، ومحمد بن الحجاج متروك\". ا هـ. ومدار الحديث على إبراهيم بن يزيد الخوزي، وهو متروك الحديث، وقال البخاري: منكر الحديث، وقال النسائي: متروك- انظر: \"تهذيب التهذيب (١/ ١٥٧) رقم (٣٢٧)، و\"الضعفاء\" (١/ ٧٠) رقم (٧٢) وأشار إليه ابن عدي في \"الكامل\" (٦/ ٢٢٢٦). وأعله بمحمد بن عبد الله الليثي، وأسند تضعيفه عن النسائي وابن معين ثم قال: والحديث معروف من طريق إبراهيم بن يزيد … وهو من هذا الطريق غريب.\nوله طريق أخرى عن ابن عمر فقد قال ابن أبي حاتم في العلل (١/ ٢٩٧): \"سألت علي بن الحسين بن الجنيد، عن حديث رواه سعيد بن سلام العطار، عن عبد الله بن عمر العمري، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ في قوله: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيهِ سَبِيلًا﴾ قال: \"الزاد والراحلة\" قال: هذا حديث باطل. وذكره الشيخ الألباني - حفظه الله - في \"إرواء الغليل\" (٤/ ١٦٠: ١٦٧) وضعفه.\n(^٢١٦) - حسن لغيره. في إسناده محمد بن عبد الله بن عمير الليثي، روى ابن أبي حاتم عن ابن معين: أن حديثه ليس بشيء، وعن أبيه: ليس بذاك الثقة ضعيف الحديث، وعن أبي زرعة: لين الحديث، ومرة أخرى: ليس بقوي. انظر: \"الجرح والتعديل\" (٧/ ٣٠٠) رقم (١٦٢٧) ولكنه توبع، وله شواهد أيضًا فيكون الإسناد حسنًا لغيره. والحديث أخرجه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٢/ ٤٢٢) رقم (١٠١٧) =\n_________\n[¬١]- سقط من: خ، ز.\n[¬٢]- في خ: \"هكذا\".\n[¬٣]- في خ: \"يرفعه\".\n[¬٤]- في ز: \"يوشك\".","vol":"3","page":123},{"text":"إلى عبد الله بن عمر قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال له: ما السبيل؟ قال: \"الزاد والراحلة\". وهكذا [¬١] رواه ابن مردويه، من رواية محمد بن عبد الله بن عبيد بن عمير [¬٢] به.\nثم قال ابن أبي حاتم (^٢١٧): وقد روي عن ابن عباس وأنس، والحسن ومجاهد، وعطاء وسعيد بن جبير، والربيع بن أنس وقتادة نحو ذلك.\nوقد روي هذا الحديث من طرق أخرى [¬٣]، من حديث أنس (^٢١٨) وعبد الله بن عباس (^٢١٩).\n_________\n= وانظر الحديث السابق.\n(^٢١٧) - انظر ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٢/ ٤٢٣: ٤٢٥) برقم (١٠١٨: ١٠٢٥).\n(^٢١٨) - ضعيف. أخرجه الدارقطني في \"سننه\" (٢/ ٢١٦) والحاكم في \"المستدرك\" (١/ ٤٤٢) من طريق علي بن العباس، ثنا علي بن سعيد بن مسروق الكندي، ثنا ابن أبي زائدة، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس، به، وقال الحاكم: \"صحيح على شرط الشيخين، وقد تابع حماد بن سلمة سعيدًا على روايته عن قتادة\". ثم ساقه الحاكم من طريق أبي قتادة الحراني، عن حماد بن سلمة، عن قتادة به، ثم قال: \"هذا صحيح على شرط مسلم\" ووافقه الذهبي في كل ذلك.\nولكن خالف البيهقي الحاكمَ في ذلك فقال في \"سننه الكبرى\" (٤/ ٣٣٠) بعد أن علقه من طريق سعيد بن أبي عروبة به: \"ولا أراه إلا وهمًا، فقد أخبرنا … \". ثم ساق البيهقي إسناده إلى جعفر بن عون: أنبأ سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن قال: … فذكره مرفوعًا مرسلًا، وقال: \"هذا هو المحفوظ عن قتادة، عن الحسن، عن النبي ﷺ مرسلًا، وكذلك رواه يونس بن عبيد، عن الحسن\". وقد رواه الدارقطني في \"سننه\" (٢/ ١٨) من طريق يونس بن عبيد، عن الحسن مرسلًا.\n(^٢١٩) - ضعيف. أخرجه ابن ماجه في \"سننه\" كتاب المناسك، باب: ما يوجب الحج، حديث (٢٨٩٧). قال: حدثنا سويد بن سعيد، ثنا هشام بن سليمان القرشي، عن ابن جريج قال: وأخبرنيه أيضًا عن ابن عطاء، عن عكرمة عنه وفيه ابن عطاء، وهو عمر بن عطاء بن وراز، قال ابن معين: عمر بن عطاء الذي يروي عنه ابن جريج يحدث عن عكرمة ليس بشيء، وهو ابن وراز وهم يضعفونه، وقال النسائي: \"ضعيف\". وذكره ابن عدي في \"الكامل\" (٥/ ١٦٨٢) ثم قال: \"وهو قليل الحديث، ولا أعلم يروي عنه غير ابن جريج\". وانظر: \"تهذيب التهذيب\" (٧/ ٤٢٥) رقم (٨٠٤)، و\"التقريب\" (ص ٤١٦) رقم (٤٩٤٩). وفيه أيضًا - هشام بن سليمان القرشي وجده عكرمة بن خالد بن العاص المخزومي. قال ابن أبي حاتم في \"الجرح والتعديل\" (٩/ ٦٢) رقم (٢٤٤) عن أبيه: \"مضطرب الحديث ومحله الصدق، ما أرى به بأسًا\". وفيه أيضًا - سويد بن سعيد هو الحدثاني قال الحافظ: \"صدوق في نفسه، إلا أنه عمي فصار يتلقن ما ليس من حديثه وأفحش فيه ابن معين القول\" انظر \"تهذيب التهذيب\" (٤/ ٢٣٩) رقم (٤٨١). وأخرجه الدارقطني في \"سننه\" (٢/ ٢١٨) والبيهقي (٤/ ٣٣١) من طريق هشام بن سليمان وعبد المجيد، عن ابن جريج قال: أخبرني عمر بن عطاء، عن عكرمة، عن ابن عباس مثل =\n_________\n[¬١]- في ز: \"كذا\".\n[¬٢]- في خ: \"عمر\".\n[¬٣]- في خ: \"أخر\".","vol":"3","page":124},{"text":"وابن مسعود (^٢٢٠)، وعائشة (^٢٢١)، كلها [¬١] مرفوعة، ولكن في أسانيدها مقال، كما هو مقرر في كتاب الأحكام، والله أعلم.\nوقد اعتنى الحافظ أبو بكر بن مردويه بجمع طرق هذا الحديث، ورواه الحاكم (^٢٢٢) من حديث أبي [¬٢] قتادة، عن حماد بن سلمة، عن قتادة، عن أنس أن رسول الله ﷺ سئل [¬٣] عن قول الله ﷿: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيهِ سَبِيلًا﴾ فقيل: ما السبيل؟ قال: \"الزاد والراحلة\". ثم قال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه.\nوقال ابن جرير (^٢٢٣): حدثني يعقوب، حدثنا ابن علية، عن يونس، عن الحسن قال: قرأ رسول الله ﷺ: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيهِ سَبِيلًا﴾ قالوا: يا رسول الله، وما [¬٤] السبيل؟ قال: \"الزاد والراحلة\".\nورواه وكيع في تفسيره، عن سفيان، عن يونس به (^٢٢٤).\nوقال الإمام أحمد (^٢٢٥): حدثنا عبد الرزاق، أنبأنا الثوري، عن إسماعيل -وهو\n_________\n= قول عمر بن الخطاب ﵁: \"السبيل: الزاد والراحلة\" موقوفًا على ابن عباس.\n(^٢٢٠) - ضعيف. أخرجه الدارقطني في \"سننه\" (٢/ ٢١٦) من طريق بهلول بن عبيد، عن حماد بن أبي سليمان، عن إبراهيم بن علقمة، عن عبد الله عن النبي ﷺ في قوله: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيهِ سَبِيلًا﴾ قال: قيل: يا رسول الله ما السبيل؟ قال: \"الزاد والراحلة\". وفيه بهلول بن عبيد قال أبو حاتم: \"ضعيف الحديث ذاهب\" وقال ابن حبان: \"يسرق الحديث\" وقال الحاكم: \"روى أحاديث موضوعة\" انظر \"لسان الميزان\" (٢/ ٧٨) رقم (١٧٩٢) و\"الميزان\" (١/ ٣٥٥) رقم (١٣٣٠).\n(^٢٢١) - ضعيف. أخرجه العقيلي في \"الضعفاء\" (٣/ ٣٣٢) رقم (١٣٥٣). والدارقطني في \"سننه\" (٢/ ٢١٧)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٤/ ٣٣٠) من طريق عتاب بن أعين، عن سفيان الثوري، عن يونس بن عبيد، عن الحسن، عن أمه عن عائشة، به. وقال العقيلي: \"عتاب في حديثه وهم\". وانظر \"الجرح والتعديل\" (٧/ ١٢) رقم (١٢) و\"لسان الميزان\" (٤/ ١٥٠) رقم (٥٥٣٣). و\"الميزان\" (٣/ ٤٢٤) رقم (٥٤٦٥).\n(^٢٢٢) - في \"المستدرك\" (١/ ٤٤٢).\n(^٢٢٣) - رواه ابن جرير في \"تفسيره\" (٧/ ٤٠) رقم (٧٤٨٦). وأخرجه الدارقطني في \"سننه\" (٢/ ١٨)، والبيهقي في \"سننه\" (٤/ ٣٢٧، ٣٣٠) وابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (٤/ ٥٣٦) من طرق عن الحسن، به. وذكره السيوطي في \"الدر\" (٢/ ٩٩) وزاد عزوه إلى سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن المنذر. ولم ينسبه إلى وكيع في تفسيره.\n(^٢٢٤) - انظر السابق.\n(^٢٢٥) - ضعيف. أخرجه أحمد في \"مسنده\" (١/ ٣١٣، ٣١٤). وأخرجه ابن ماجه في \"سننه\" كتاب المناسك، باب: الخروج إلى الحج، حديث (٢٨٨٣). والبيهقي في \"سننه\" (٤/ ٣٤٠) والطبراني في \"الكبير\" (١٨/ ٢٨٧ - ٢٨٨) رقم (٧٣٧). من طريق أبي إسرائيل الملائي، عن فضيل بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن الفضل بن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: \"من أراد الحج فليتعجل، فإنه قد يمرض المريض وتضل الضالة وتعرض الحاجة\".\nوأخرجه الطبراني في \"الكبير\" (١٨/ ٢٩٦) رقم (٧٦٠) من طريق أبي إسرائيل عن فضيل بن عمرو عن سعيد بن جبير عن الفضل بن عباس، به. وفيه أبو إسرائيل الملائي وهو: إسماعيل بن خليفة العبسي معروف بكنيته، وقيل: اسمه عبد العزيز، صدوق سيئ الحفظ نُسب إلى الغلو في التشيع. \"التقريب\".\n_________\n[¬١]- في ت: \"وكلها\".\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- سقط من: خ، ز.\n[¬٤]- في خ، ز: \"ما\".","vol":"3","page":125},{"text":"أبو إسرائيل الملائي - عن فضيل -يعني ابن عمرو - عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: \"تعجلوا إلى الحج -يعني الفريضة فإن أحدكم لا يدري ما يعرض له\".\nوقال أحمد أيضًا (^٢٢٦): حدثنا أبو معاوية، حدثنا الحسن بن عمرو الفقيمي، عن مهران بن أبي صفوان عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: \"من أراد الحج فليتعجل\".\nورواه [¬١] أبو داود، عن مسدد، عن أبي معاوية الضرير به.\nوقد روى [وكيع و] [¬٢] ابن جرير عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيهِ سَبِيلًا﴾ قال: من ملك ثلاثمائة درهم فقد استطاع إليه سبيلًا (^٢٢٧).\nوعن عكرمة مولاه أنه قال: السبيل الصحة.\nوروى وكيع بن الجراح، عن أبي جناب -يعني الكلبي- عن الضحاك بن مزاحم، عن ابن عباس قال: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيهِ سَبِيلًا﴾ قال: قال: الزاد والبعير.\nوقوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالمِينَ﴾ قال ابن عباس ومجاهد وغير واحد: أي: من [¬٣] جحد فريضة الحج فقد كفر، والله غني عنه.\nوقال سعيد بن منصور عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن عكرمة قال: لما نزلت: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ قالت اليهود: فنحن مسلمون. قال الله عز\n_________\n(^٢٢٦) - رواه أحمد في \"مسنده\" (١/ ٢٢٥). وأخرجه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٤/ ٣٣٩ - ٣٤٠) من طريق أبي معاوية بهذا الإسناد. وأخرجه أبو داود في \"سننه\" كتاب: المناسك حديث (١٧٣٢).\n(^٢٢٧) - أخرجه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (٤/ ٥٣٦).\n_________\n[¬١]- في خ: \"وقال\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٣]- في خ: \"ومن\".","vol":"3","page":126},{"text":"وجل: فأخصمهم فحُجَّهم [¬١]، يعني قال [¬٢] لهم النبي ﷺ: \"إن الله فرض على الناس [¬٣] حج البيت من استطاع إليه سبيلًا\". فقالوا: لم يكتب علينا، وأبوا أن يحجوا، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالمِينَ﴾ (^٢٢٨).\nوروى [¬٤] ابن أبي نجيح عن مجاهد نحوه (^٢٢٩).\nوقال أبو بكر بن مردويه: حدثنا عبد الله بن جعفر، حدثنا إسماعيل بن عبد الله بن مسعود، حدثنا مسلم بن إبراهيم وشاذ بن فياض قالا: حدثنا هلال أبو هاشم الخراساني، حدثنا أبو إسحاق الهمداني، عن الحارث، عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"من ملك زادًا وراحلة ولم يحج بيت الله، فلا يضره مات يهوديًّا أو نصرانيًّا، وذلك [¬٥] بأن الله قال: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالمِينَ﴾ (^٢٣٠). ورواه ابن جرير، من حديث مسلم بن إبراهيم به.\nوهكذا رواه ابن أبي حاتم، عن أبي زرعة، الرازي، حدثنا هلال بن الفياض، حدثنا\n_________\n(^٢٢٨) - أخرجه الطبري في \"تفسيره\" (٦/ ٥٧١) رقم (٧٣٥٦، ٧٣٥٧، ٧٣٥٨) و(٧/ ٥٠) برقم (٧٥١٨). من طرق عن ابن أبي نجيح عن عكرمة، به.\n(^٢٢٩) - ذكره السيوطي \"الدر\" (٢/ ١٠١) وعزاه إلى عبد بن حميد والبيهقي في \"سننه\" عن مجاهد به.\n(^٢٣٠) - ضعيف جدًّا. في إسناده شاذ بن فياض هو أبو عبيدة اليشكري البصري كان اسمه هلالًا وعزاه السيوطي إلى سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، والبيهقي في سننه عن عكرمة. فغلب عليه شاذ، صدوق له أوهام كما في \"التقريب\". في إسناده أيضًا: هلال بن عبد الله أبو هاشم الخراساني مولى ربيعة بن مسلم الباهلي البصري، متروك من السابعة \"التقريب\" وفي إسناده الحارث وهو الأعور: ضعيف. وأبو إسحاق هو السبيعي لم يصرح بالسماع. والحديث أخرجه الترمذي في \"سننه\" كتاب: الحج، باب: ما جاء في التغليظ في ترك الحج رقم (٨١٢). وابن جرير الطبري في \"تفسيره\" (٧/ ٤١ - ٤٢) رقم (٧٤٨٧، ٧٤٨٩)، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٢/ ٤٢١) رقم (١٠١٦) كلهم من طرق عن هلال أبي هاشم الخراساني به.\nوأورده الذهبي من طريق مسلم بن إبراهيم، عن هلال بن عبد الله الباهلي، به، ثم قال: \"وقد جاء بإسناد آخر أصلح من هذا\" \"ميزان الاعتدال\" (٥/ ٤٤٠) رقم (٩٢٧٢). وذكره ابن الجوزي في \"الموضوعات\" (٢/ ٢٠٩) وعقب عليه بقوله: أما حديث علي فقال الترمذي: هلال بن عبد الله مجهول، وأما الحارث فقد كذبه الشعبي وغيره. وذكره الزيلعي في \"نصب الراية\" (٤/ ٤١٠ - ٤١١) من حديث علي، وأبي أمامة الباهلي، وابن مسعود، وأبي هريرة لكن لم يصح منها شيء.\n_________\n[¬١]- يعني: حاججهم، وخاصمهم.\n[¬٢]- في خ: \"فقال\".\n[¬٣]- في خ: \"المسلمين\".\n[¬٤]- في خ: \"وقال\".\n[¬٥]- في خ: \"ذلك\".","vol":"3","page":127},{"text":"هلال أبو هاشم الخراساني … فذكره بإسناده [¬١] مثله.\nورواه الترمذي عن محمد بن يحيى القطعي، عن مسلم بن إبراهيم، عن هلال بن عبد الله -مولى ربيعة بن عمرو بن مسلم الباهلي به، وقال: هذا [¬٢] حديث غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وفي إسناده مقال، وهلال مجهول، والحارث يضعف في الحديث.\nوقال البخاري: هلال هذا منكر الحديث. وقال ابن عدي: هذا الحديث ليس بمحفوظ.\nوقد روى أبو بكر الإسماعيلي الحافظ، من حديث أبي [¬٣] عمرو الأوزاعي، حدثني إسماعيل بن عبيد [¬٤] الله بن أبي المهاجر، حدثني عبد الرحمن بن غنم [¬٥]، أنه [¬٦] سمع عمر بن الخطاب ﵁ يقول: من أطاق الحج فلم يحج، فسواء عليه [مات يهوديًّا] [¬٧] أو نصرانيًّا (^٢٣١).\nوهذا إسناد صحيح إلى عمر ﵁: روى سعيد [¬٨] بن منصور في سننه [¬٩]، عن [¬١٠] الحسن البصري قال: قال عمر بن الخطاب ﵁: لقد هممت أن أبعث رجالًا إلى هذه الأمصار، فينظروا إلى [¬١١] كل من كان عنده [¬١٢] جدة [¬١٣] ولم يحج، فيضربوا عليهم الجزية، ما هم بمسلمين، ما هم بمسلمين (^٢٣٢).\n﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ (٩٨) قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنْتُمْ\n_________\n(^٢٣١) - ذكره السيوطي في \"الدر\" (٢/ ١٠٠) وعزاه إلى سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، عن عمر بن الخطاب قال: من مات وهو موسر لم يحج فليمت إن شاء يهوديًّا، وإن شاء نصرانيًّا.\n(^٢٣٢) - ذكره السيوطي في \"الدر\" (٢/ ١٠٠) وعزاه إلى سعيد بن منصور بسند صحيح عن عمر بن الخطاب.\n_________\n[¬١]- في خ: \"بإسناد\".\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- سقط من: خ.\n[¬٤]- في خ، ز: \"عبد\".\n[¬٥]- في خ، ز: \"غنيم\".\n[¬٦]- سقط من: خ.\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين في خ: \"يهوديًّا مات\".\n[¬٨]- في ز: \"سعد\".\n[¬٩]- في خ: \"سنده\".\n[¬١٠]- في خ، ز: \"عن … عن\".\n[¬١١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬١٢]- في خ، ز: \"له\".\n[¬١٣]- الجدة: الاستطاعة.","vol":"3","page":128},{"text":"شُهَدَاءُ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٩٩)﴾.\nهذا تعنيف من الله تعالى للكفرة [¬١]-أهل الكتاب-؛ على عنادهم للحق وكفرهم بآيات الله، وصدهم عن سبيله [¬٢] من أراده من أهل الإيمان؛ بجهدهم وطاقتهم مع علمهم بأن ما جاء به الرسول حق من الله، بما عندهم من العلم عن الأنبياء الأقدمين، والسادة المرسلين، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وما بشروا به ونوّهوا به [¬٣] من ذكر النبي الأمي الهاشمي العربي المكي، سيد ولد آدم، وخاتم الأنبياء، ورسول رب الأرض والسماء، وقد توعدهم الله تعالى على ذلك، وأخبرهم [¬٤] بأنه شهيد على صنيعهم ذلك، بما خالفوا ما بأيديهم عن الأنبياء، ومقاتلتهم الرسول المبشر به [¬٥] بالتكذيب والجحود والعناد، فأخبر [¬٦] تعالى أنه ليس بغافل عما يعملون، أي: سيجزيهم [¬٧] على ذلك ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ [¬٨] مَالٌ وَلَا بَنُونَ﴾.\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ (١٠٠) وَكَيفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٠١)﴾\nيحذر ﵎ عباده المؤمنين، من [¬٩] أن يطيعوا طائفة من أهل [¬١٠] الكتاب، الذين يحسدون المؤمنين على ما آتاهم الله من فضله، وما منحهم من إرسال رسوله، كما قال تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ [¬١١] مِنْ [¬١٢] بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾ الآية [¬١٣]. وهكذا قال هاهنا: ﴿إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ﴾، ثم قال تعالى: ﴿وَكَيفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ﴾ يعني: أن الكفر بعيد منكم، وحاشاكم منه، فإن آيات الله تنزل على رسوله ليلًا ونهارًا، وهو يتلوها عليكم ويبلغها إليكم، [وهذا كقوله\n_________\n[¬١]- في خ: \"لكفرة\".\n[¬٢]- في ت: \"سبيل الله\".\n[¬٣]- سقط من: خ، ز.\n[¬٤]- سقط من: خ، ز.\n[¬٥]- سقط من: خ، ز.\n[¬٦]- في خ، ز: \"وأخبر\".\n[¬٧]- في خ، ز: \"وسيجزيهم\".\n[¬٨]- في خ، ز: \"ينفعهم\".\n[¬٩]- في خ: \"عن\".\n[¬١٠]- في خ، ز: \"الذين أوتوا\".\n[¬١١]- في خ: \"يردوكم\".\n[¬١٢]- سقط من: خ.\n[¬١٣]- سقط من: خ، ز.","vol":"3","page":129},{"text":"تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ الآية بعدها. و] [¬١] كما جاء في هذا [¬٢] الحديث أن النبي [¬٣] ﵌ قال [لأصحابه يومًا] [¬٤]: \"أي المؤمنين أعجب إليكم إيمانًا\". قالوا: الملائكة. قال: [\"وكيف لا يؤمنون [وهم عند ربهم؟! \". وذكروا الأنبياء قال:] [¬٥] \"وكيف لا يؤمنون] [¬٦] والوحي ينزل عليهم\". قالوا: نحن [¬٧]. قال: \"وكيف لا تؤمنون، وأنا بين أظهركم\". قالوا: فأي الناس أعجب إيمانًا؟ قال: \"قوم يجيئون من بعدكم، يجدون صحفًا يؤمنون بما فيها\" (^٢٣٣).\nوقد ذكرت سند هذا الحديث، والكلام عليه في أول شرح البخاري، ولله الحمد.\nثم قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أي: ومع هذا فالاعتصام بالله والتوكل عليه هو العمدة في الهداية، والعدّة في مباعدة الغواية، والوسيلة إلى الرشاد، وطريق السداد، وحصول المراد.\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢) وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَينَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠٣)﴾\nقال ابن أبي حاتم (^٢٣٤): حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا عبد الرحمن، عن سفيان، وشعبة، عن زبيد اليامي، عن مرَّة، عن عبد الله -هو ابن مسعود -: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ قال: أن يطاع فلا يعصى، وأن يذكر فلا ينسى، وأن يشكر فلا يكفر، وهذا إسناد صحيح موقوف.\n_________\n(^٢٣٣) - سبق تخريجه في سورة البقرة آية رقم (٣).\n(^٢٣٤) - إسناده صحيح. أخرجه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٢/ ٤٤٦) رقم (١٠٧٩). وأخرجه عبد الرزاق في \"تفسيره\" (١/ ١٢٩) والطبري في \"تفسيره\" (٧/ ٦٥) برقم (٧٥٣٦، ٧٥٣٧)، والطبراني في \"المعجم الكبير\" (٩/ ٩٣) رقم (٨٥٠١)، والحاكم في \"المستدرك\" (٢/ ٢٩٤). من طريق زبيد اليامي عن مرة، عن عبد الله بن مسعود.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٢]- سقط من: خ، ز.\n[¬٣]- سقط من: خ.\n[¬٤]- في خ، ز: \"يومًا لأصحابه\".\n[¬٥]- من بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٧]- في خ، ز: \"فنحن\".","vol":"3","page":130},{"text":"[وقد تابع مرة عليه عمرو بن ميمون، عن ابن مسعود] [¬١]، وقد رواه ابن مردويه من حديث يونس بن عبد الأعلى، عن ابن وهب، عن سفيان الثوري، عن زبيد، عن مرّة، عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ أن يطاع فلا يعصى، ويشكر فلا يكفر، ويذكر فلا ينسى.\nوكذا [¬٢] رواه الحاكم في مستدركه، من حديث مسعر، عن زبيد، عن مرة، عن ابن مسعود مرفوعًا … فذكره، ثم قال: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه. كذا قال: والأظهر أنه موقوف، والله أعلم.\nثم قال ابن أبي حاتم (^٢٣٥): وروي نحوه عن مرة الهمداني والربيع بن خثيم، وعمرو بن ميمون وإبراهيم [النخعي، وطاوس والحسن، وقتادة وأبي سنان والسدي نحو ذلك.\n[وروي عن أنس أنه قال: لا يتقي الله العبدُ حق تقاته، حتى يخزن لسانه.] [¬٣] وقد ذهب سعيد بن جبير] [¬٤] وأبو [¬٥] العالية، والربيع بن أنس وقتادة، ومقاتل بن حيان وزيد بن أسلم، والسدي وغيرهم إلى أن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾.\nوقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ قال: لم تنسخ، ولكن: ﴿حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ أن يجاهدوا [¬٦] في سبيله حق جهاده، ولا تأخذهم في الله لومةُ لائم، ويقوموا بالقسط ولو على أنفسهم وآبائهم وأبنائهم.\nوقوله: ﴿وَلَا تَمُوتُنَّ إلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ أي: حافظوا على الإِسلام في حال صحتكم وسلامتكم لتموتوا عليه؛ فإن الكريم قد أجرى عادته بكرمه، أنه من عاش على شيء مات عليه ومن مات على شيء بعث عليه، فعياذًا [¬٧] بالله من خلاف ذلك.\nوقال الإِمام أحمد (^٢٣٦): حدثنا روح، حدثنا شعبة، قال: سمعت سليمان، عن\n_________\n(^٢٣٥) - رواه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٢/ ٤٤٦ - ٤٤٧) برقم (١٠٨٠: ١٠٨٨).\n(^٢٣٦) - إسناده صحيح، أخرجه أحمد في \"مسنده\" (١/ ٣٠١) وبنحوه في (١/ ٣٣٨) وأخرجه الترمذي في \"سننه\" كتاب صفة جهنم، باب: ما جاء في صفة شراب أهل النار، رقم (٢٥٨٨)، والنسائي في التفسير \"السنن الكبرى\" (٦/ ٣١٣) برقم (١١٠٧٠). وابن ماجه في \"سننه\" كتاب: الزهد =\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٢]- في خ: \"وقد\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٥]- في ز، خ: \"وأبي\".\n[¬٦]- في خ، ز: \"يجاهد\".\n[¬٧]- في ز: \"فعياذ\".","vol":"3","page":131},{"text":"مجاهد، أن الناس كانوا يطوفون بالبيت، وإن [¬١] ابن عباس جالس معه محجن (*)، فقال: قال رسول الله ﷺ: \"يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، ولو أن قطرة من الزقوم قطرت [في دار الدنيا] [¬٢]؛ لأفسدت [¬٣] على أهل الدنيا [¬٤] معايشهم [¬٥] فكيف بمن ليس له طعام إلا من [¬٦] الزقوم\".\nوكذا [¬٧] رواه الترمذي، والنسائي، وابن ماجة، وابن حبان في صحيحه، والحاكم في مستدركه، من طرق عن شعبة به، وقال الترمذي: حسن صحيح. وقال الحاكم: على شرط الشيخين، ولم يخرجاه.\nوقال الإمام أحمد (^٢٣٧): حدثنا وكيع، حدثنا الأعمش، عن زيد بن وهب، عن عبد الرحمن ابن عبد رب الكعبة، عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ: \"من أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة، فلتدركه منيته وهو يؤمن [¬٨] بالله واليوم الآخر، ويأتي إلى الناس ما يحب أن يؤتى إليه\".\nوقال الإِمام أحمد أيضًا [¬٩] (^٢٣٨): حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن أبي سفيان،\n_________\n= باب: صفة النار، حديث (٤٣٢٥)، وابن حبان في صحيحه (١٦/ ٥١١ - الإحسان) برقم (٧٤٧٠) والطبراني في \"الكبير\" (١١/ ٦٨) رقم (١١٠٦٨)، و\"الصغير\" (٢/ ٥١)، والحاكم في \"المستدرك\" (٢/ ٢٩٤). وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٢/ ٤٥٠ - ٤٥١) رقم (١٠٩٨) والبغوي في \"شرح السنة\" (١٥/ ٢٤٦) رقم (٤٤٠٨)، والطيالسي في \"مسنده\" ص (٣٤٤) رقم (٢٦٤٣)، والبيهقي في \"البعث\" (ص ٣٠٢) برقم (٥٤٣) كلهم من طرق عن شعبة، به.\n(*) - المحجن: العصا المعوجة. \"القاموس خ ج ن\".\n(^٢٣٧) - إسناده صحيح. أخرجه أحمد في \"مسنده\" (٢/ ١٩٢). وبنحوه في (٢/ ١٦١). وأخرجه مسلم في \"صحيحه\" كتاب: الإمارة، حديث (١٨٤٤/ ٤٦) من طرق عن الأعمش به.\nوأخرجه مسلم في \"صحيحه\" كتاب: الإمارة، حديث ٤٧ - (١٨٤٤) من طريق عبد الله بن أبي السفر، عن عامر، عن عبد الرحمن بن عبد رب الكعبة، عن ابن عمرو.\n(^٢٣٨) - إسناده صحيح. أخرجه أحمد في \"مسنده\" (٣/ ٢٩٣) عن يحيى بن آدم و(٢/ ٣٣٠) عن عبد الرزاق -كلاهما- عن سفيان الثوري، عن الأعمش، به. وأخرجه مسلم في \"صحيحه\" كتاب: الجنة وصفة نعيمها حديث ٨١ - (٢٨٧٧) من طريق يحيى بن يحيى عن يحيى بن زكريا عن الأعمش به.\n_________\n[¬١]- سقط من \"ز\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٣]- في ز: \"لأمرت\"\n[¬٤]- في خ، ز: \"الأرض\".\n[¬٥]- في خ: \"عيشهم\"، في ز: \"معيشتهم\".\n[¬٦]- سقط من: خ، ز.\n[¬٧]- في خ: \"وهكذا\".\n[¬٨]- في ز: \"مؤمن\".\n[¬٩]- سقط من: خ.","vol":"3","page":132},{"text":"عن جابر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول قبل موته بثلاث: \"لا يموتن أحدكم [¬١] إلا وهو يحسن الظن بالله ﷿\". ورواه مسلم من طريق الأعمش به.\nوقال الإمام أحمد (^٢٣٩): حدثنا حسن بن موسى، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا أبو [¬٢] يونس، عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ أنه قال: \"إن الله قال: أنا عند ظن عبدي بي، فإن ظن بي خيرًا فله، وإن ظن شرًّا فله\".\nوأصل هذا الحديث ثابت في الصحيحين (^٢٤٠) من وجه آخر، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"يقول الله: أنا عند ظن عبدي بي\".\nوقال الحافظ أبو بكر البزار، حدَّثنا محمد بن عبد الملك القرشي، حدَّثنا جعفر بن سليمان، عن ثابت -وأحسبه عن أنس- قال: كان رجل من الأنصار مريضًا، فجاءه النبي ﷺ يعوده، فوافقه في السوق فسلم عليه، فقال له: \"كيف أنت يا فلان\"؟ قال: بخير يا رسول الله، أرجو الله وأخاف ذنوبي، فقال رسول الله ﷺ: \"لا يجتمعان في قلب عبد في هذا الموطن، إلا أعطاه الله ما يرجو، وآمنه مما يخاف\" (^٢٤١).\nثم قال: لا نعلم رواه عن ثابت غير جعفر بن سليمان، وهكذا رواه الترمذي، والنسائي وابن ماجة من حديثه، ثم قال الترمذي: غريب، وقد [¬٣] رواه بعضهم عن ثابت مرسلًا.\nفأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد (^٢٤٢): حدَّثنا محمد بن جعفر، حدَّثنا شعبة، عن\n_________\n(^٢٣٩) - رواه أحمد في \"مسنده\" (٢/ ٣٩١).\n(^٢٤٠) - أخرجه البخاري في كتاب: التوحيد، باب: قول الله تعالى: ﴿يريدون أن يبدلوا كلام الله﴾ حديث (٧٥٠٥). ومسلم في كتاب: التوبة، باب: في الحض على التوبة والفرح بها، حديث (٢٦٧٥) من طرق عن أبي هريرة، به.\n(^٢٤١) - حديث حسن. أخرجه الترمذي في \"سننه\" كتاب: الجنائز، باب (١١)، حديث (٩٨٣)، والنسائي في \"عمل اليوم والليلة\" \"السنن الكبرى\" (٦/ ٢٦٢) رقم (١٠٩٠١). وابن ماجه في \"سننه\" كتاب: الزهد، باب: ذكر الموت والاستعداد له، حديث (٤٢٦١)، والبيهقي في \"شعب الإيمان\" (٢/ ٤، ٥) رقم (١٠٠١، ١٠٠٢) كلهم من طريق جعفر بن سليمان، عن ثابت، عن أنس، به.\nوأما المرسل: فأخرجه البيهقي في \"شعب الإيمان\" (٢/ ٥) رقم (١٠٠٢) من طريق حماد، عن ثابت، عن عبيد بن عمير مرسلًا. والحديث حسنه الألباني في \"صحيح الترمذي\" برقم (٧٨٥) (١/ ٢٨٩).\n(^٢٤٢) - صحيح. أخرجه أحمد في \"مسنده\" (٣/ ٤٠٢)، وأخرجه النسائي في \"سننه\" (٢/ ٢٠٥) كتاب الافتتاح، باب: كيف يخر للسجود؟\n_________\n[¬١]- في ز: \"أحد منكم\".\n[¬٢]- سقط من: خ، ز.\n[¬٣]- في خ: \"كذا\".","vol":"3","page":133},{"text":"أبي بشر، عن يوسف بن ماهك، عن حكيم بن حزام قال: بايعت رسول الله ﷺ على [¬١] أن لا أخر إلا قائمًا، ورواه النسائي في سننه، عن إسماعيل بن مسعود، عن خالد بن الحارث، عن شعبة به، وترجم عليه فقال: (باب كيف يخر للسجود) ثم ساقه مثله، فقيل: معناه [] [¬٢] أن لا أموت إلا مسلمًا، وقيل: معناه أن لا أقتل إلا مقبلا غير مدبر، وهو يرجع إلى الأوّل.\nوقوله تعالى: ﴿واعتصموا [بحبل الله] [¬٣]، جميعًا ولا تفرقوا﴾ قيل: ﴿بحبل الله﴾ أي بعهد الله، كما قال في الآية بعدها: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ﴾ أي: بعهد وذمة [¬٤]، وقيل: ﴿بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ﴾ يعني القرآن، كما في حديث الحارث الأعور، عن علي مرفوعًا في صفة القرآن: \"هو حبل الله المتين وصراطه المستقيم\" (^٢٤٣).\nوقد وَرَد في ذلك حديث خاص بهذا المعنى، فقال الإِمام الحافظ أبو جعفر الطبري (^٢٤٤): حدثنا سعيد بن يحيى الأموي، حدَّثنا أسباط بن محمد، عن عبد الملك بن أبي سليمان العرزمي، عن عطية، عن أبي [¬٥] سعيد قال: قال رسول الله ﷺ: \"كتاب الله هو حبل الله الممدود من السماء إلى الأرض\".\n_________\n(^٢٤٣) - ضعيف جدًّا. أخرجه الترمذي في كتاب: فضائل القرآن، باب: ما جاء في فضل القرآن، حديث (٢٩٠٨). والدارمي (٢/ ٤٣٥) كتاب فضائل القرآن، باب: فصل من قرأ القرآن. وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٢/ ٤٥٢) رقم (١١٠٠)، وابن أبي شيبة في مصنفه (١٠/ ٤٨٢) رقم (١٠٠٥٦) كلهم من طريق حمزة الزيات، عن سعد الطائي، عن ابن أخي الحارث الأعور، عن الحارث، عن علي. قال الترمذي: هذا حديث لا نعرفه إلا من هذا الوجه وإسناده مجهول، وفي الحارث مقال.\n(^٢٤٤) - إسناده ضعيف- لضعف عطية العوفي. والحديث أخرجه الطبري في \"تفسيره\" (٧/ ٧٢) رقم (٧٥٧٢). وأخرجه الترمذي في \"سننه\" كتاب: المناقب، باب: مناقب أهل بيت النبي ﷺ حديث (٣٧٩٠)، وأحمد في \"مسنده\" (٣/ ١٤، ١٧، ٢٦، ٥٩). وابن أبي عاصم في \"السنة\" (٢/ ٦٤٣ - ٦٤٤، ٦٤٤) برقم (١٥٥٣، ١٥٥٤)، وأبو يعلى في \"مسنده\" (٢/ ٢٩٧، ٢٩٨) برقم (١٠٢١) و(٢/ ٣٧٦) برقم (١١٤٠). والطبراني في الأوسط (٣/ ٣٧٤) برقم (٣٤٣٩) و(٣٣١٤) برقم (٣٥٤٢). من طرق، عن عطية العوفي، به نحوه.\nوذكره الهيثمي في \"المجمع\" (٩/ ١٦٦) وقال: رواه الطبراني في \"الأوسط\"، وفي إسناده رجال مختلف فيهم. ولم ينسبه الهيثمي لأحمد، وهو مروي فيه أربع مرات!!.\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- في ز، خ: على.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في ز: \"بالله\".\n[¬٤]- في خ: \"ذمة\".\n[¬٥]- سقط من: خ، ز.","vol":"3","page":134},{"text":"وروى ابن مردويه، من طريق إبراهيم بن مسلم الهجري، عن أبي الأحوص، عن عبد الله ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: \"إنّ هذا القرآن هو حبل الله المتين، وهو النور المبين، وهو الشفاء النافع، عصمة لن تمسك به، ونجاة لمن اتبعه\" (^٢٤٥).\nوروي من حديث حذيفة (^٢٤٦)، وزيد بن أرقم (^٢٤٧) نحو [¬١] ذلك.\n[وقال وكيع (^٢٤٨): حدَّثنا الأعمش، عن أبي وائل قال: إنّ هذا الصراط محتضر يحضره الشياطين: يا عبد الله، هذا الطريق، هلم إلى الطريق، فاعتصموا بحبل الله، فإن حبل الله القرآن] [¬٢].\nوقوله: ﴿ولا تفرقوا﴾ أمرهم بالجماعة، ونهاهم عن التفرقة. وقد وردت الأحاديث المتعددة بالنهي عن التفرق، والأمر بالاجتماع والائتلاف، كما في صحيح مسلم (^٢٤٩)، من حديث سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة: أنّ رسول الله ﷺ قال: \"إنّ الله يرضى لكم ثلاثًا، ويسخط لكم ثلاثًا، رضي لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من ولَّاه الله أمركم، ويسخط لكم ثلاثًا [¬٣]: قيل وقال، وكثرة السؤال وإضاعة المال\".\n_________\n(^٢٤٥) - إسناده ضعيف- لضعف إبراهيم بن مسلم الهجري، والحديث أخرجه الدارمي في \"سننه\" (٢/ ٤٣١) كتاب فضائل القرآن، باب: فضل من قرأ القرآن، موقوفًا على ابن مسعود، وأخرجه الحاكم في المستدرك (١/ ٥٥٥)، وابن أبي شيبة في \"المصنف\" (١٠/ ٤٨٢، ٤٨٣) رقم (١٠٠٥٧) وعبد الرزاق في \"مصنفه\" (٣/ ٣٧٥) رقم (٦٠١٧)، وابن حبان في \"المجروحين\" (١/ ١٠٩)، والطبراني في \"الكبير\" (٩/ ١٣٩) رقم (٨٦٤٦)، وابن الجوزي في \"العلل المتناهية\" (١/ ١٠٩) رقم (١٤٥) مرفوعًا وقال: وهذا حديث لا يصح عن رسول الله ﷺ ويشبه أن يكون من كلام ابن مسعود. قال ابن معين: إبراهيم الهجري ليس حديثه بشيء. ا هـ. وقال الحاكم: صحيح الإسناد- ورده الذهبي بقوله: إبراهيم ضعيف. وذكره الهيثمي في \"المجمع\" (٧/ ١٦٧) وقال: رواه الطبراني، وفيه مسلم بن إبراهيم الهجري وهو متروك. وذكره الذهبي في \"الميزان\" (١/ ٦٦) في ترجمة مسلم بن إبراهيم الهجري.\n(^٢٤٦) - لم أعثر عليه من حديث حذيفة.\n(^٢٤٧) - أخرجه مسلم في \"صحيحه\" كتاب: فضائل الصحابة، باب: من فضائل علي بن أبي طالب ﵁، حديث (٢٤٠٨/ ٣٦).\n(^٢٤٨) - أخرجه الطبري في \"تفسيره\" (٧/ ٧٢) رقم (٧٥٧٠) من طريق وكيع به.\n(^٢٤٩) - مسلم في \"صحيحه\"، كتاب الأقضية، حديث (١٧١٥).\n_________\n[¬١]- في خ: \"مثل\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٣]- سقط من: خ، ز.","vol":"3","page":135},{"text":"وقد ضمنت لهم العصمة عند اتفاقهم من الخطأ، كما وردت بذلك الأحاديث المتعددة أيضًا. وخيف عليهم الافتراق والاختلاف، فقد [¬١] وقع ذلك في هذه الأمة فافترقوا على ثلاث [¬٢] وسبعين فرقة، منها فرقة [¬٣] ناجية إلى الجنة، ومسلمة من عذاب [¬٤] النار؛ وهم الذين على ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه.\nوقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَينَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا [وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا]﴾، وهذا السياق في شأن الأوس والخزرج، فإنه [قد كان] [¬٥] بينهم حروب كثيرة في الجاهلية، وعداوة شديدة، وضغائن وإحن [وذحول، طال بسببها] [¬٦] قتالهم والوقائع بينهم، فلما جاء الله بالإسلام فدخل فيه من دخل منهم، صاروا إخوانا متحابين بجلال الله، متواصلين في ذات الله؛ متعاونين على البر والتقوى، قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ وَأَلَّفَ بَينَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَينَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَينَهُمْ﴾ [إلى آخر الآية]، وكانوا على شفا حفرة من النار [¬٧] بسبب [¬٨] كفرهم، فأنقذهم [¬٩] الله منها؛ أن هداهم للإِيمان.\nوقد امتن عليهم بذلك [¬١٠] رسول الله ﷺ يوم قسم غنائم حنين، فعتب من عتب منهم بما [¬١١] فضل عليهم في القسمة، بما أراه الله، فخطبهم فقال: \"يا معشر الأنصار، ألم أجدكم ضلالًا فهداكم الله بي؛ وكنتم متفرقين فألفكم الله بي؛ وعالة فأغناكم الله بي؟ \" (^٢٥٠). فكلما [¬١٢] قال شيئًا قالوا: الله ورسوله أمن.\nوقد [¬١٣] ذكر محمد بن إسحاق بن يسار وغيره (^٢٥١): أن هذه الآية نزلت في شأن\n_________\n(^٢٥٠) - أخرجه ابن هشام في \"السيرة\" (٤/ ٩٣٤، ٩٣٥)، وأحمد في \"مسنده\" (٣/ ٦٧، ٧٦، ٧٧) مختصرًا ومطولًا من طريق محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن محمود بن لبيد، عن أبي سعيد الخدري به. وذكره الهيثمي في \"المجمع\" (١٠/ ٣٢ - ٣٣) مطولًا بروايتين وقال: \"رواها أحمد كلها وأبو يعلى … ورجال الرواية الأولى لأحمد رجال الصحيح غير ابن إسحاق وقد صرح بالسماع\".\n(^٢٥١) - إسناده منقطع. أخرجه ابن هشام في \"السيرة\" (٢/ ٥٨٨، ٥٨٩)، والطبري في \"تفسيره\" =\n_________\n[¬١]- في خ، ز: \"وقد\"\n[¬٢]- في خ: \"ثلاثة\".\n[¬٣]- في خ: \"فرق\"\n[¬٤]- في خ: \"العذاب\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين في خ: \"كانت\".\n[¬٦]- في خ، ز: \"ودخول حال سببها\".\n[¬٧]- سقط من: خ.\n[¬٨]- في ز: \"سبب\".\n[¬٩]- في خ، ز: \"فأبعدهم\".\n[¬١٠]- سقط من: خ، ز.\n[¬١١]- في خ، ز: \"لما\".\n[¬١٢]- في خ، ز: \"كلما\".\n[¬١٣]- في خ: \"قال\".","vol":"3","page":136},{"text":"الأوس والخزرج: وذلك أن رجلًا من اليهود مرّ بملإ من الأوس والخزرج، فساءه ما هم عليه من الاتفاق والألفة، فبعث رجلًا معه، وأمره أن يجلس بينهم، ويذكر لهم ما كان من حروبهم يوم بعاث وتلك الحروب، ففعل، فلم يزل ذلك دأبه، حتى حميت نفوس القوم، وغضب بعضهم على بعض، وتثاوروا، ونادوا بشعارهم، وطلبوا أسلحتهم وتواعدوا إلى الحرة، فبلغ ذلك النبي ﵌ فأتاهم، فجعل يسكنهم، ويقول: \"أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم؟ \". وتلا عليهم هذه [¬١] الآية، فندموا على ما كان منهم، واصطلحوا وتعانقوا وألقوا السلاح ﵃.\nوذكر عكرمة: أن ذلك نزل فيهم حين تثاوروا في قضية الإفك، والله أعلم.\n﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٥) يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (١٠٦) وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١٠٧) تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالمِينَ (١٠٨) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (١٠٩)﴾\nيقول تعالى: ولتكن منكم أمة منتصبة للقيام بأمر الله، في الدعوة إلى الخير، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأولئك هم المفلحون. قال الضحاك: هم خاصة الصحابة، وخاصة الرواة، يعني: المجاهدين والعلماء.\nوقال أبو جعفر الباقر: قرأ رسول الله ﷺ: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيرِ﴾ ثم قال: \"الخير اتباع القرآن وسنتي\". رواه ابن مردويه.\n_________\n= (٧/ ٥٥ - ٥٦) رقم (٧٥٢٤)، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٢/ ٤٣٢) رقم (١٠٤٧) كلهم من طريق محمد بن إسحاق، قال: حدثني الثقة، عن زيد بن أسلم به. وفي إسناده ابن إسحاق لم يصرح باسم شيخه، وأيضًا فإن زيد بن أسلم أرسله.\n_________\n[¬١]- سقط من: ت.","vol":"3","page":137},{"text":"والمقصود من هذه الآية، أن تكون فرقة [¬١] من هذه [¬٢] الأمة متصدية لهذا الشأن، وإن كان ذلك واجبًا على كل فرد من الأمة بحسبه، كما ثبت في صحيح مسلم (^٢٥٢)، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان\". وفي رواية: \"وليس وراء ذلك من الإِيمان حبة خردل\".\nوقال الإمام أحمد (^٢٥٣): حدثنا سليمان الهاشمي، أنبأنا إسماعيل بن جعفر، أخبرني عمرو بن أبي عمرو، عن عبد الله بن عبد الرحمن الأشهلى، عن حذيفة بن اليمان [¬٣]، أن النبي ﷺ قال: \"والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابًا من عنده، ثم لتدعنه فلا يستجيب لكم\".\nورواه الترمذي، وابن ماجة من حديث عمرو بن أبي عمرو به، وقال الترمذي: حسن.\nوالأحاديث في هذا الباب كثيرة، مع الآيات الكريمة، كما سيأتي تفسيرها في أماكنها.\nثم قال تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ [وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ]﴾. ينهى [﵎] هذه الأمة، أن يكونوا [¬٤] كالأمم الماضين [¬٥]؛ في افتراقهم [¬٦] واختلافهم، وتركهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مع قيام الحجة عليهم.\n_________\n(^٢٥٢) - لم نقف عليه من حديث أبي هريرة ﵁، وقد أخرجه مسلم في \"صحيحه\" كتاب الإيمان، حديث (٤٩)، وأبو داود في كتاب: الصلاة، باب: الخطبة يوم العيد، حديث (١١٤٠)، والترمذي في \"سننه\" كتاب الفتن، باب: ما جاء في تغيير المنكر باليد، حديث (٢١٧٣)، والنسائي في \"سننه\" (٨/ ١١١) كتاب الإيمان، باب: تفاضل أهل الإيمان، وأحمد في \"مسنده\" (٣/ ٤٩، ٥٤). كلهم من حديث أبي سعيد الخدري.\nوقال الشيخ أحمد شاكر في \"عمدة التفسير\" (٣/ ١٧): وهم الحافظ ابن كثير هنا وهمًا شديدًا فحديث: \"من رأى منكم منكرًا … \" إلخ -هو من حديث أبي سعيد الخدري كما أثبتنا ولكن الذي قاله ابن كثير هنا: \"عن أبي هريرة\" وهو خطأ على اليقين.\n(^٢٥٣) - أخرجه أحمد في \"مسنده\" (٥/ ٣٨٨). وبنحوه في (٥/ ٣٩٠، ٣٩١) من طريق أبي الرقاد، عن حذيفة، وأخرجه الترمذي في \"سننه\" كتاب الفتن، باب: ما جاء في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حديث (٢١٧٠). من طرق عن عمرو بن أبي عمرو به.\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- في خ: \"اليماني\".\n[¬٤]- في خ: \"تكون\".\n[¬٥]- في خ: \"الماضيين\".\n[¬٦]- في خ، ز: \"تفرقهم\".","vol":"3","page":138},{"text":"قال الإمام أحمد (^٢٥٤): حدثنا أبو المغيرة، حدثنا صفوان، حدثني أزهر بن [¬١] عبد الله الهوزني [¬٢]، عن أبي عامر عبد الله بن لُحي، قال: حججنا مع معاوية بن أبي سفيان، فلما قدمنا مكة، قام حين صلى صلاة [¬٣] الظهر، فقال: إن رسول الله ﷺ قال: \"إن أهل الكتابين افترقوا في دينهم على ثنتين وسبعين ملة، وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين ملة -يعني الأهواء- كلها في النار إلا واحدة -وهي الجماعة- إنه سيخرج في أمتي أقوام تتجارى بهم تلك [¬٤] الأهواء، كما يتجارى الكَلَب (*) لصاحبه، لا يبقى منه عرق ولا مفصل إلا دخله\". والله -يا معشر العرب- لئن [¬٥] لم تقوموا بما جاء به نبيكم ﷺ؛ لغيرُكم من الناس أحرى أن لا يقوم به\".\nوهكذا رواه أبو داود عن أحمد بن حنبل ومحمد بن يحيى [¬٦] كلاهما عن أبي المغيرة، واسمه عبد القدوس بن الحجاج الشامي به، وقد [¬٧] ورد [¬٨] هذا الحديث من طرق.\nوقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ يعني: يوم القيامة، يوم [¬٩] تبيض وجوه أهل السنة والجماعة، وتسود وجوه أهل البدعة والفرقة، قاله ابن عباس ﵄ ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ قال الحسن البصري: وهم المنافقون، ﴿فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾، وهذا [¬١٠] الوصف يعم كل كافر. ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ يعني: الجنة ماكثون فيها أبدًا، لا يبغون عنها حولًا.\n_________\n(^٢٥٤) - أخرجه أحمد في \"مسنده\" (٤/ ١٠٢). وأبو داود في \"سننه\" كتاب: السنة، باب: شرح السنة، حديث (٤٥٩٧). والحاكم في \"المستدرك\" (١/ ٢١٨) من طريق صفوان بن عمرو، عن الأزهر بن عبد الله به. وقال الحاكم: هذه أسانيد تقام بها الحجة في تصحيح هذا الحديث، وقد روى هذا الحديث عن عبد الله بن عمرو بن العاص، وعمرو بن عوف المزني بإسنادين تفرد بأحدهما عبد الرحمن بن زياد الأفريقي، والآخر كثير بن عبد الله المزني ولا تقوم بهما الحجة، ثم رواهما الحاكم في \"المستدرك\" (١/ ٢١٨ - ٢١٩).\n(*) الكَلَب: داء يعرض للإنسان من عضِّ الكلب الكلِب، فيصيبه شبه الجنون وتعرض له أعراض رديئة، ويمتنع من شرب الماء حتى يموت عطشًا.\n_________\n[¬١]- في خ: \"عن\".\n[¬٢]- في خ: \"الثوري\".\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- سقط من: م.\n[¬٥]- في خ: \"إن\".\n[¬٦]- في خ: \"لحي\".\n[¬٧]- في خ: \"وهكذا\".\n[¬٨]- في خ، ز: \"روي\".\n[¬٩]- في خ: \"حين\".\n[¬١٠]- في م: \"هذا\". والمثبت من: ز.","vol":"3","page":139},{"text":"وقد قال أبو عيسى الترمذي عند [¬١] تفسير هذه الآية: حدثنا أبو كريب، حدثنا وكيع عن الربيع [¬٢]- وهو ابن صبيح [¬٣]- وحماد بن سلمة، عن أبي غالب قال: رأى أبو أمامة رءوسًا منصوبة على درج مسجد [¬٤] دمشق، فقال أبو أمامة: كلاب النار شر قتلى تحت أديم السماء، خير قتلى من قتلوه، ثم قرأ: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ إلى آخر الآية. قلت لأبي أمامة: أنت سمعته من رسول الله ﷺ قال: لو لم أسمعه إلا مرة أو مرتين أو ثلاثًا أو أربعًا -حتى عد سبعًا- ما حدثتكموه (^٢٥٥).\nثم قال: هذا حديث حسن. وقد رواه ابن ماجة من حديث سفيان بن عيينة، عن أبي غالب، وأخرجه أحمد في مسنده عن عبد الرزاق، عن معمر، عن أبي غالب بنحوه.\nوقد روى ابن مردويه عند تفسير هذه الآية، عن أبي ذر، حديثًا مطولًا غريبًا عجيبًا جدًّا.\nثم قال تعالى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ]﴾ أي: هذه آيات الله وحججه وبيناته، نتلوها عليك يا محمد ﴿بِالْحَقِّ﴾، أي: نكشف ما الأمر عليه في الدنيا والآخرة. ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالمِينَ﴾ أي: ليس بظالم لهم، بل هو الحكم العدل الذي لا يجور، لأنه القادر على كل شيء، العالم بكل شيء، فلا يحتاج مع ذلك إلى أن يظلم أحدًا من خلقه، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ أي:\n_________\n(^٢٥٥) - حسن. أخرجه الترمذي في \"سننه\" كتاب: تفسير القرآن، ومن سورة آل عمران، حديث (٣٠٠٠). وابن ماجه في \"سننه\" المقدمة، باب: في ذكر الخوارج، حديث (١٧٦)، والحميدي في \"مسنده\" (٢/ ٤٠٤) رقم (٩٠٨) من طريق سفيان بن عيينة، عن أبي غالب، عن أبي أمامة به. وأخرجه عبد الرزاق في \"مصنفه\" برقم (١٨٦٦٣) وأحمد في \"مسنده\" (٥/ ٢٥٣)، والطبراني في \"الكبير\" (٨/ ٣١٩) رقم (٨٠٣٣). كلهم من طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن أبي غالب به.\nوأخرجه أحمد في \"مسنده\" (٥/ ٢٥٠، ٢٥٦، ٢٦٢)، والطبراني في \"الكبير\" (٨/ ٣٢٤) رقم (٨٠٤٤)، و(٨/ ٣٢٦) رقم (٨٠٤٩) و(٨/ ٣٢٧) رقم (٨٠٥١) و(٨/ ٣٢٨ - ٣٢٩) رقم (٨٠٥٥، ٨٠٥٦). من طرق عن أبي غالب به بنحوه مختصرًا ومطولًا. وذكره الحافظ في \"المطالب العالية\" (٣/ ٨٦ - ٨٧) مطولًا وقال: رواه الترمذي، وأحمد، وابن ماجه باختصار. وذكره الهيثمي في \"المجمع\" (٦/ ٢٣٦، ٢٣٧) وقال: رواه ابن ماجه، والترمذي باختصار- رواه الطبراني ورجاله ثقات.\nوحسنه الشيخ الألباني- حفظه الله -كما في \"المشكاة\" برقم (٣٥٥٤)، وصحيح سنن ابن ماجه برقم (١٤٦). وللحديث طريق آخر عند أحمد. وأخرجه في \"مسنده\" (٣/ ٢٦٩) من طريق صفوان بن سليم، عن أبي أمامة به بنحوه.\n_________\n[¬١]- في خ، ز: \"عن\".\n[¬٢]- في ز: \"ربيع\".\n[¬٣]- في خ، ز: \"صبح\".\n[¬٤]- سقط من: خ.","vol":"3","page":140},{"text":"الجميع ملك [¬١] له وعبيد له، ﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ أي: هو الحاكم [¬٢] المتصرف في الدنيا والآخرة [¬٣].\n﴿كُنْتُمْ خَيرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (١١٠) لَنْ يَضُرُّوكُمْ إلا أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ (١١١) ضُرِبَتْ عَلَيهِمُ الذِّلَّةُ أَينَ مَا ثُقِفُوا إلا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (١١٢)﴾\nيخبر تعالى عن هذه الأمة المحمدية بأنهم خير الأمم؛ فقال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾.\nقال البخاري (^٢٥٦): حدثنا محمد بن يوسف، عن سفيان، عن ميسرة، عن أبي حازم، عن أبي هريرة ﵁: ﴿كُنْتُمْ خَيرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ قال [¬٤]: خير الناس للناس؛ تأتون [¬٥] بهم في السلاسل في أعناقهم؛ حتى يدخلوا في الإسلام.\nوهكذا قال ابن عباس ومجاهد وعكرمة وعطاء والربيع بن أنس وعطية العوفي، ﴿كُنْتُمْ خَيرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ يعني: خير الناس للناس.\nوالمعنى أنهم خير الأمم وأنفع الناس للناس، ولهذا قال: ﴿تَأْمُرُونَ [¬٦] بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ [¬٧] عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ [¬٨] بِاللَّهِ﴾.\n_________\n(^٢٥٦) - أخرجه البخاري في \"صحيحه\" كتاب: التفسير، باب: ﴿كُنْتُمْ خَيرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ حديث (٤٥٥٧).\n_________\n[¬١]- في خ: \"ملكة\".\n[¬٢]- سقط من: خ، ز.\n[¬٣]- في خ: \"والآخرة الحاكم\".\n[¬٤]- سقط من: خ.\n[¬٥]- في خ، ز: \"يأتون\".\n[¬٦]- في خ، ز: \"يأمرون\".\n[¬٧]- في خ، ز: \"وينهون\".\n[¬٨]- في خ، ز: \"ويؤمنون\".","vol":"3","page":141},{"text":"قال الإِمام أحمد (^٢٥٧): حدثنا أحمد بن عبد الملك، حدثنا شريك، عن سماك، عن عبد الله بن عميرة، عن [¬١] زوج درة بنت أبي لهب [عن درة بنت أبي لهب] [¬٢] قالت [¬٣]: قام رجل إلى النبي ﷺ وهو على المنبر، فقال يا رسول الله، أي: الناس خير؟ فقال [¬٤]: \"خير الناس أقرؤهم وأتقاهم لله وآمرهم بالمعروف وأنهاهم عن المنكر، وأوصلهم للرحم\".\nورواه أحمد في مسنده، والنسائي في سننه، والحاكم في مستدركه، من حديث سماك، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ قال: هم الذين هاجروا مع رسول الله ﷺ من مكة إلى المدينة (^٢٥٨).\nوالصحيح أن هذه الآية عامة في جميع الأمة كل قرن بحسبه، وخير قرونهم الذين [¬٥] بعث فيهم رسول الله ﷺ ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ أي: خيارًا [¬٦] ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ [وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيكُمْ شَهِيدًا]﴾.\nوفي مسند الإِمام أحمد وجامع الترمذي وسنن ابن ماجة ومستدرك الحاكم من رواية حكيم بن معاوية بن حيدة، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ: \"أنتم توفون سبعين أمّة\n_________\n(^٢٥٧) - إسناده ضعيف، عبد الله بن عميرة: قال الذهبي: فيه جهالة، وشريك، وهو القاضي: ساء حفظه لما ولي القضاء، وزوج درة: مبهم. والحديث رواه أحمد في \"مسنده\" (٦/ ٤٣١، ٤٣٢)، والطبراني في \"الكبير\" (٢٤/ ٢٥٧، ٢٥٨) رقم (٦٥٧) من طريق شريك به، وذكره الهيثمي في \"المجمع\" (٧/ ٢٦٦) وقال: رواه أحمد وهذا لفظه، والطبراني … ورجالهما ثقات. وقال في موضع آخر (٩/ ٢٦١) بعد أن نسبه لأحمد فقط: ورجاله ثقات.\n(^٢٥٨) - إسناده حسن، أخرجه أحمد في \"مسنده\" (١/ ٢٧٢، ٢٧٣، ٣١٩، ٣٢٤، ٣٥٤)، والنسائي في التفسير من \"الكبرى\" (٦/ ٣١٣) رقم (١١٠٧٢)، والحاكم في \"المستدرك\" (٢/ ٢٩٤)، وعبد الرزاق في \"تفسيره\" (١/ ١٣٠)، والطبري في \"تفسيره\" (٧/ ١٠١) رقم (٧٦١١)، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٢/ ٤٧٠) برقم (١١٥٧)، والطبراني في \"المعجم الكبير\" (١٢/ ٦) رقم (١٢٣٠٣). كلهم من طرق، عن سماك، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس به.\nوذكر الحافظ في \"الفتح\" (٨/ ٢٢٥) رواية عبد الرزاق، وأحمد والنسائي، والحاكم، وقال: إسناد جيد.\nوقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. وذكره الهيثمي في \"المجمع\" (٦/ ٣٣٠) وقال: رواه أحمد والطبراني، ورجال أحمد رجال الصحيح.\n_________\n[¬١]- سقط من: خ، ز.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٣]- في خ، ز: \"قال\".\n[¬٤]- في ت: \"قال\".\n[¬٥]- في خ: \"الذين\".\n[¬٦]- في خ: \"خيرًا\".","vol":"3","page":142},{"text":"أنتم خيرها وأكرمها [¬١] على الله ﷿\" (^٢٥٩) وهو حديث مشهور، وقد حسنه الترمذي. ويروى من حديث معاذ بن جبل وأبي سعيد نحوه [¬٢] (^٢٦٠).\nوإنما حازت هذه الأمّة قصب [¬٣] السبق إلى الخيرات بنبيها محمد صلوات الله وسلامه عليه، فإنه أشرف خلق الله وأكرم الرسل على الله، وبعثه الله بشرع كامل عظيم لم يعطه نبيًّا قبله ولا رسولًا من الرسل. فالعمل على [منهاجه، وسبيله يقوم القليل منه ما لا يقوم العمل الكثير من أعمال] [¬٤] غيرهم مقامه، كما قال الإِمام أحمد (^٢٦١): حدثنا عبد الرحمن، حدثنا ابن زهير، عن عبد الله -يعني: ابن محمد بن عقيل- عن محمد بن علي وهو ابن الحنفية، أنه سمع علي ابن أبي طالب ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ: [أعطيت ما لم يعط أحدٌ من الأنبياء\" فقلنا يا رسول الله، ما هو؟ قال: \"نصرت بالرعب، وأعطيت مفاتيح الأرض، وسميت أحمد وجعل التراب لي طهورًا،\n_________\n(^٢٥٩) - حديث حسن. أخرجه أحمد في \"مسنده\" (٤/ ٤٤٧)، (٥/ ٣، ٤) والترمذي في \"سننه\" كتاب: تفسير القرآن، باب: ومن سورة آل عمران، حديث (٣٠٠١)، وابن ماجه في \"سننه\" كتاب الزهد، باب: صفة أمة محمد ﷺ حديث (٤٢٨٧، ٤٢٨٨)، والحاكم في \"المستدرك\" (٤/ ٨٤)، وعبد الرزاق في \"تفسيره\" (١/ ١٣٠)، والطبري في \"تفسيره\" (٤/ ١٠٧) برقم (٧٦٢١، ٧٦٢٢) وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٢/ ٤٦٩) برقم (١١٥٦). والطبراني في \"المعجم الكبير\" (١٩/ ٤٢٢: ٤٢٦) برقم (١٠٢٣، ١٠٢٤، ١٠٢٥، ١٠٣٠، ١٠٣٦، ١٠٣٧)، كلهم من حديث معاوية بن حيدة به.\nوذكره الحافظ في \"الفتح\" (٨/ ٢٢٥) مشيرًا إلى رواية الطبري ثم قال: \"وهو حديث حسن صحيح. أخرجه الترمذي وحسنه، وابن ماجه، والحاكم وصححه. وله شاهد مرسل عن قتادة عند الطبري رجاله ثقات، وفي حديث علي عند أحمد بإسناد حسن أن النبي ﷺ قال: \"جعلت أمتي خير الأمم\".\n(^٢٦٠) - حديث أبي سعيد: أخرجه أحمد في \"مسنده\" (٣/ ٦١) من طريق علي بن زيد بن جدعان، عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري قال: خطبنا رسول الله ﷺ خطبة بعد العصر … إلى أن قال النبي ﷺ: \"وإنكم تتمون سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها على الله\". وإسناده ضعيف لضعف علي بن زيد بن جدعان، وقد صحت بعض فقراته مطولًا.\n(^٢٦١) - أخرجه أحمد في \"مسنده\" (١/ ٩٨). وذكره الهيثمي في \"المجمع\" (١/ ٢٦٥ - ٢٦٦) وقال: رواه أحمد، وفيه عبد الله بن محمد بن عقيل، وهو سيئ الحفظ. قال الترمذي: صدوق، وقد تكلم فيه بعض أهل العلم من قبل حفظه، وسمعت محمد بن إسماعيل -يعني البخاري- يقول: كان أحمد بن حنبل وإسحاق بن إبراهيم والحميدي يحتجون بحديث ابن عقيل. قلت: فالحديث حسن، والله أعلم. ا هـ. وحسنه الحافظ في \"الفتح\" (٨/ ٢٢٥) فقال: \"وفي حديث علي عند أحمد بإسناد حسن أن النبي ﷺ قال: \"وجعلت أمتي خير الأم\" وقال الشيخ أحمد شاكر ﵀ في \"عمدة التفسير\" (٣/ ٢١): وعندي أن إسناده صحيح.\n_________\n[¬١]- في خ، ز: \"وأنتم أكرم\".\n[¬٢]- سقط من: خ، ز.\n[¬٣]- في خ، ز: \"نصيب\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.","vol":"3","page":143},{"text":"وجعلت أمّتي خير الأمم\". تفرد به أحمد من هذا الوجه، وإسناده حسن.\nوقال الإمام أحمد أيضًا (^٢٦٢): حدثنا أبو العلاء الحسن بن سوار، حدثنا ليث، عن معاوية، عن أبي حَلْبس يزيد بن ميسرة قال: سمعت أم الدرداء ﵂ تقول [سمعت أبا الدرداء يقول] [¬١]: سمعت أبا القاسم ﷺ وما سمعته يكنيه قبلها ولا بعدها يقول: [إن الله تعالى يقول: يا عيسى إني باعث بعدك أمّة؛ إن أصابهم ما يحبون حمدوا وشكروا، وإن أصابهم ما يكرهون احتسبوا وصبروا، ولا حلم ولا علم قال: يا رب كيف هذا لهم ولا حلم ولا علم؟ قال: أعطيهم من حلمي وعلمي\".\nوقد وردت أحاديث يناسب ذكرها هاهنا.\nقال الإِمام أحمد (^٢٦٣): حدثنا هاشم بن القاسم، حدثنا المسعودي، حدثنا بكير بن الأخنس، عن رجل، عن أبي بكر الصديق ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"أعطيت سبعين ألفًا يدخلون الجنة بغير حساب، وجوههم كالقمر ليلة البدر، قلوبهم على قلب رجل واحد، فاستزدت ربي ﷿ فزادني مع كل واحد سبعين [¬٢] ألفًا\" فقال أبو بكر ﵁: فرأيت أن ذلك آت على أهل القرى، ومصيب من حافات البوادي.\n(حديث آخر) قال الإِمام أحمد (^٢٦٤): حدثنا عبد الله بن بكر السهمي، حدثنا هشام بن حسان عن القاسم بن مهران، عن موسى بن عبيد، عن ميمون بن مهران عن عبد الرحمن بن أبي بكر، أن رسول الله ﷺ قال: \"إن ربي أعطاني سبعين ألفًا يدخلون الجنة\n_________\n(^٢٦٢) - أخرجه أحمد في \"مسنده\" (٦/ ٤٥٠) وذكره الهيثمي في \"المجمع\" (١٠/ ٧٠ - ٧١) وقال: رواه أحمد، والبزار، والطبراني في الكبير والأوسط، ورجال أحمد رجال الصحيح غير الحسن بن سوار وأبي حلبس يزيد بن ميسرة، وهما ثقتان.\n(^٢٦٣) - إسناده ضعيف، رواه أحمد في \"مسنده\" (١/ ٦). وذكره الهيثمي في \"المجمع\" (١٠/ ٤١٣) وقال: رواه أحمد، وأبو يعلى، وفيهما المسعودي وقد اختلط، وتابعيه لم يسم، وبقية رجال أحمد رجال الصحيح.\n(^٢٦٤) - رواه أحمد في \"مسنده\" (١/ ١٩٧). وذكره الهيثمي في \"المجمع\" (١٠/ ٤١٣ - ٤١٤) وقال: رواه أحمد والبزار بنحوه والطبراني بنحوه وفي أسانيدهم القاسم بن مهران، عن موسى بن عبيد، وموسى بن عبيد هذا هو مولى خالد بن عبد الله بن أسيد، ذكره ابن حبان في الثقات، والقاسم بن مهران ذكره الذهبي في الميزان، وأنه لم يرو عنه إلا سليم بن عمرو النخعي، وليس كذلك، فقد روى عنه هذا الحديث هشام بن حسان، وباقي رجال إسناده محتج بهم في الصحيح.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٢]- في خ: \"سبعون\".","vol":"3","page":144},{"text":"بغير حساب\" فقال عمر: يا رسول الله، فهلا استزدته، [فقال: استزدته فأعطاني مع كل ألف سبعين ألفًا \" قال عمر: فهلا استزدته،] [¬١] قال: \"استزدته فأعطاني مع كل رجل سبعين ألفًا\" قال عمر: فهلا استزدته، قال [¬٢]: \"قد [¬٣] استزدته فأعطاني هكذا\" وفرج عبد الرحمن [¬٤] بن أبي بكر بين يديه، وقال عبد الله وبسط باعيه، وحثا [¬٥] عبد الله وقال هشام: وهذا من الله لا يدرى ما عدده.\n(حديث آخر) قال الإِمام أحمد (^٢٦٥): حدثنا أبو اليمان، حدثنا إسماعيل بن عياش، عن ضمضم بن زرعة قال: قال شريح [بن عبيد] [¬٦]: مرض ثوبان بحمص، وعليها عبد الله بن قرط الأزدي فلم يعده، فدخل على ثوبان رجل من الكلاعيين عائدًا له [¬٧]، فقال له ثوبان: أتكتب؟ قال: نعم. قال: اكتب، فكتب للأمير عبد الله بن قرط: من ثوبان مولى رسول الله ﷺ أما بعد: فإنه لو كان لموسى وعيسى ﵉ بحضرتك خادم لعدته، ثم طوى الكتاب، وقال له: أتبلغه إياه؟ قال [¬٨]: نعم، فانطلق الرجل بكتابه فدفعه إلى ابن قرط، فلما رآه قام فزعًا، فقال الناس: ما شأنه أحدث أمر؟ فأتى ثوبان فدخل [¬٩] عليه فعاد [¬١٠]، وجلس عنده ساعة، ثم قام فأخذ ثوبان بردائه، وقال: اجلس حتى أحدّثك حديثًا سمعته من رسول الله ﷺ سمعته، يقول: \"ليدخلن الجنة من أمّتي سبعون ألفًا لا حساب عليهم ولا عذاب مع كل ألف سبعون ألفًا\".\nتفرد به أحمد من هذا الوجه، وإسناد رجاله كلهم ثقات، شاميون، حمصيون، فهو حديث صحيح، ولله الحمد والمنة [¬١١].\n(طريق أخرى)، قال الطبراني (^٢٦٦): حدثنا عمرو بن إسحاق بن زبريق الحمصي، حدثنا محمد بن إسماعيل، يعني: ابن عياش، حدثنا أبي، عن ضمضم ابن زرعة، عن شريح بن عبيد، عن أبي أسماء الرحبي، عن ثوبان ﵁ قال: سمعت رسول الله\n_________\n(^٢٦٥) - أخرجه أحمد في \"مسنده\" (٥/ ٢٨٠، ٢٨١). وذكره الهيثمي في \"المجمع\" (١٠/ ٤١١) وقال: رواه أحمد، والطبراني باختصار. ا. هـ\n(^٢٦٦) - أخرجه الطبراني في \"المعجم الكبير\" (٢/ ٩٢) رقم (١٤١٣).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من \"ز\".\n[¬٢]- في ز: \"فقال\".\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- في ز: \"عبد الله\".\n[¬٥]- في خ، ز: \"وحي\".\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٧]- سقط من: خ، ز.\n[¬٨]- في خ، ز: \"فقال\".\n[¬٩]- في خ، ز: \"حتى دخل\".\n[¬١٠]- سقط س: ز.\n[¬١١]- سقط من: خ، ز.","vol":"3","page":145},{"text":"ﷺ يقول: \"إن ربي ﷿ وعدني من أمّتي سبعين ألفًا لا يحاسبون، مع كل ألف سبعون ألفًا\".\nهذا لعله هو المحفوظ بزيادة أبي أسماء الرحبي، بين شريح وبين ثوبان، والله أعلم.\n(حديث آخر) قال الإِمام أحمد (^٢٦٧): حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن قتادة، عن الحسن، عن عمران بن حصين، عن ابن مسعود ﵁ قال: أكثرنا الحديث عند رسول الله ﷺ ذات ليلة، ثم غدونا إليه، فقال: \"عُرِضَتْ عليّ الأنبياء الليلة بأممها، فجعل النبي يمر ومعه الثلاثة، والنبي ومعه العصابة، والنبي ومعه النفر، والنبي وليس معه أحد، حتى مر عليّ موسى ﵇ ومعه كبكبة من بني إسرائيل، فأعجبوني، فقلت: من هؤلاء؟ قيل [¬١]: هذا أخوك موسى، ومعه [¬٢] بنو إسرائيل، فقلت [¬٣]: فأين أمّتي؟ فقيل: انظر عن [¬٤] يمينك، فنظرت، فإذا الظراب [¬٥] قد سدّ بوجوه الرجال، [ثم يقول [¬٦] لي: [انظر عن يسارك فنظرت فإذا الأفق قد سد بوجوه الرجال] [¬٧] فقيل لي [¬٨]: أرضيت [¬٩]؟ فقلت: رضيت يا رب رضيت يا رب- قال: فقيل لي: إن مع هؤلاء سبعين ألفًا يدخلون الجنة بغير حساب\"، فقال النبي ﷺ الله عليه وسلم: \"فداكم أبي وأمي إن استطعتم أن تكونوا من السبعين ألفًا فافعلوا، فإن قصرتم؛\n_________\n(^٢٦٧) - إسناده صحيح، أخرجه أحمد في \"مسنده\" (١/ ٤٠١). وبنحوه في (١/ ٤٢٠) عن عبد الصمد عن هشام عن قتادة بهذا الإسناد. وبنحوه في (١/ ٤٢٠، ٤٢١)، والحاكم في \"المستدرك\" (٤/ ٥٧٧ - ٥٧٨) والبزار في \"مسنده\" (٤/ ٢٧٠: ٢٧٢) برقم (١٤٤٠، ١٤٤١)، وأبو يعلى (٩/ ٢٣١: ٢٣٣) رقم (٥٣٣٩)، وعبد الرزاق في \"مصنفه\" (١٠/ ٤٠٨ - ٤٠٩) برقم (١٩٥١٩)، والطبراني في \"الكبير\" (١٠/ ٥: ٨) برقم (٩٧٦٥ - ٩٧٧٠). وابن حبان في \"صحيحه\" (١٤/ ٣٤١: ٣٤٣ - الإحسان) برقم (٦٤٣١)، و(١٦/ ٣٤١، ٣٤٢) برقم (٧٣٤٦). كلهم من طرق عن قتادة بهذا الإسناد. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه بهذه السياقة. وذكره الهيثمي في \"المجمع\": (١٠/ ٤٠٨، ٤٠٩) وقال: رواه أحمد بأسانيد، والبزار أتم منه والطبراني، وأبو يعلى باختصار كثير وأحد أسانيد أحمد والبزار رجاله رجال الصحيح. وأشار إليه الحافظ في \"الفتح\" (١١/ ٤٠٧) عند أحمد والبزار بسند صحيح.\nالكبكبة: بضم الكافين وفتحهما: الجماعة المتضامة من الناس.\nالظِراب: بكسر الظاء المعجمة وتخفيف الراء الجبال الصغار.\n_________\n[¬١]- في ز: \"فقيل\".\n[¬٢]- في خ، ز: \"معه\".\n[¬٣]- في ز: \"قال: فقلت:\".\n[¬٤]- في ت: \"على\".\n[¬٥]- في خ: \"الضراب\".\n[¬٦]- في ز: \"فقيل\".\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٨]- ما بين المعكوفتين سقط من \"ز\".\n[¬٩]- في خ، ز: \"قد رضيت؟ \".","vol":"3","page":146},{"text":"فكونوا من أهل الظراب [¬١]، فإن قصرتم؛ فكونوا من أهل الأفق، فإني قد رأيت ثم أناسا يتهاوشون\" فقام عكاشة بن محصن فقال: يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني منهم [¬٢].\n[أي: من السبعين،] [¬٣] فدعا له، فقام رجل آخر فقال: ادع الله يا رسول الله أن يجعلني منهم فقال: \"قد سبقك بها عكاشة\"، قال: ثم تحدثنا فقلنا: من ترون هؤلاء السبعين الألف؟، قوم ولدوا في الإِسلام ولم يشركوا بالله شيئًا حتى ماتوا؟ فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: \"هم الذين لا يسترقون، ولا يكتوون ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون\".\nهكذا رواه أحمد بهذا السند وهذا السياق، ورواه أيضًا عن عبد الصمد، عن هشام، عن قتادة بإسناده مثله، وزاد بعد قوله: \"رضيت يا رب، رضيت يا رب. قال رضيت؟ قلت: نعم. قيل: انظر عن يسارك. قال: فنظرت فإذا الأفق قد سد بوجوه الرجال، فقال: رضيت؟ قلت: رضيت؟.\nوهذا إسناد صحيح من هذا الوجه، تفرد به أحمد ولم يخرجوه.\n(حديث آخر) قال [الإِمام أحمد (^٢٦٨): حدثنا] [¬٤] أحمد بن منيع، حدثنا عبد الملك بن عبد العزيز، حدثنا حماد، عن عاصم، عن زر، عن ابن مسعود ﵁ قال: قال النبي ﷺ: \"عرضت على الأمم بالموسم، فراثت [¬٥] عليَّ أمتي، ثم رأيتهم فأعجبني كثرتهم وهيئتهم، قد ملئوا السهل والجبل، فقال: أرضيت يا محمد؟ فقلت: نعم. قال: فإن مع هؤلاء سبعين [¬٦] ألفًا يدخلون الجنة بغير حساب، وهم الذين لا يسترقون ولا يتطيرون [¬٧]، وعلى ربهم يتوكلون\"، فقام عكاشة بن محصن فقال: يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني منهم، فقال: \"أنت منهم\" فقام رجل آخر [فقال:\n_________\n(^٢٦٨) - إسناده حسن، أخرجه أحمد في \"مسنده\" (١/ ٤٠٣، ٤٥٤)، وأبو يعلى في \"مسنده\" (٩/ ٢٣٣) رقم (٥٣٤٠)، وابن حبان في \"صحيحه\" (١٣/ ٤٤٨ - الإحسان) برقم (٦٠٨٤)، من طرق عن حماد بن سلمة بهذا الإسناد. وأخرجه أحمد في \"مسنده\" (١/ ٤١٨) وأبو يعلى (٩/ ٢١٨) رقم (٥٣١٨) مختصرًا عن عبد الصمد عن همام عن عاصم به. وذكره الهيثمي في \"المجمع\" (٩/ ٣٠٧، ٣٠٨) وقال: رواه أحمد مطولًا ومختصرًا، ورواه أبو يعلى، ورجالهما في المطول رجال الصحيح.\n_________\n[¬١]- في خ: \"الضراب\".\n[¬٢]- في ز: \"من السبعين\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سيقط من: ز.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٥]- في خ، ز: \"فرأيت\".\n[¬٦]- في خ: \"سبعون\".\n[¬٧]- في خ، ز: \"ولا يكتوون\".","vol":"3","page":147},{"text":"ادع الله أن يجعلني منهم] [¬١]، فقال: \"سبقك بها عكاشة\". رواه الحافظ الضياء المقدسي وقال، هذا عندي على شرط مسلم.\n(حديث آخر) قال الطبراني (^٢٦٩): حدثنا محمد بن محمد الجذوعي القاضي [¬٢]، حدثنا عقبة بن مكرم، حدثنا محمد بن أبي عدي، عن هشام [¬٣] بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن عمران [¬٤] بن حصين قال: قال رسول الله ﷺ: \"يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفا بغير حساب ولا عذاب\" قيل: من هم؟ قال: \"هم الذين لا يسترقون، ولا يكتوون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون\". ورواه مسلم من طريق هشام بن حسان، وعنده ذكر عكاشة.\n(حديث آخر) ثبت في \"الصحيحين (^٢٧٠) من رواية الزهري، عن سعيد بن المسيب، أن أبا هريرة حدثه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"يدخل الجنة من أمتي زمرة، وهم سبعون ألفًا، تضيء وجوههم إضاءة القمر ليلة البدر\". قال [¬٥] أبو هريرة: فقام عكاشة بن محصن الأسدي يرفع نمرة عليه، فقال: يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم، فقال رسول الله ﷺ: \"اللهم اجعله منهم\"، ثم قام رجل من الأنصار فقال مثله [¬٦] فقال: \"سبقك بها [¬٧] عكاشة\".\n(حديث آخر) قال أبو القاسم الطبراني (^٢٧١): حدثنا يحيى بن عثمان، حدثنا سعيد\n_________\n(^٢٦٩) - حديث صحيح، أخرجه الطبراني في \"الكبير\" (١٨/ ١٨٣) رقم (٤٢٧) (١٨/ ١٨٢) رقم (٤٢٥). وأخرجه مسلم في \"صحيحه\" كتاب الإيمان، باب: الدليل على دخول طوائف من المسلمين الجنة بغير حساب ولا عذاب، حديث (٢١٨)،. من طريق هشام بن حسان به.\n(^٢٧٠) - أخرجه البخاري في \"صحيحه\" كتاب اللباس، باب: البرود والحبر والشملة، حديث (٥٨١١)، وطرفه (٦٥٤٢)، ومسلم في \"صحيح\" كتاب الإيمان، باب الدليل على دخول طوائف من المسلمين الجنة بغير حساب ولا عذاب، حديث (٢١٦/ ٣٦٩) من طريق الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة.\n(^٢٧١) - أخرجه الطبراني في \"الكبير\" (٦/ ١٤٢) رقم (٥٧٨٢). وأخرجه البخاري في كتاب الرقاق، باب: يدخل الجنة سبعون الفًا بغير حساب، حديث (٦٥٤٣) من طريق سعيد بن أبي مريم به. وطرفه (٦٥٥٤)، ومسلم في في كتاب الإيمان، حديث ٣٧٣ - (٢١٩) من طريق قتيبة، عن عبد العزيز بن أبي حازم، عن أبيه، عن سهل به.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٢]- في ز: \"العاصي\".\n[¬٣]- في خ: \"هاشم\".\n[¬٤]- في خ، ز: \"عثمان\".\n[¬٥]- في خ، ز: \"فقال\".\n[¬٦]- في خ، ز: \"يا رسول الله؛ ادع الله أن يجعلني منهم\".\n[¬٧]- سقط من: خ، ز.","vol":"3","page":148},{"text":"ابن أبي مريم، حدثنا أبو غسان، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد [¬١] أن النبي ﷺ قال: \"ليدخلن الجنة من أمتي سبعون ألفًا -أو سبعمائة ألف- آخذ بعضهم ببعض حتى يدخل أولهم وآخرهم الجنة، وجوههم [¬٢] على صورة القمر ليلة البدر\".\nأخرجه البخاري ومسلم جميعًا، عن قتيبة، عن عبد العزيز بن أبي حازم، عن [¬٣] أبيه، عن سهل به.\n(حديث آخر) قال مسلم بن الحجاج في صحيحه (^٢٧٢): حدثنا سعيد بن منصور، حدثنا هشيم، أنبأنا حصين بن عبد الرحمن، قال: كنت عند سعيد بن جبير فقال: أيكم رأى الكوكب الذي انقض البارحة؟ قلت: أنا، ثم قلت: أما إني لم أكن في صلاة، ولكني لدغت، قال: فما صنعت؟ قلت: استرقيت. قال: فما حملك على ذلك؟ قلت: حديث حدثناه الشعبي، قال: وما حدثكم الشعبي. [قلت: حدثنا] [¬٤] عن بريدة بن الحصيب الأسلمي أنه قال: \"لا رقة إلا من عين أو حمة\". قال [¬٥]: قد أحسن من انتهى إلى ما سمع، ولكن حدثنا ابن عباس عن النبي ﷺ أنه [¬٦] قال: \"عرضت علي الأمم فرأيت النبي ومعه الرهط، والنبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي وليس معه أحد، إذ رفع لي سواد عظيم فظننت أنهم أمتي، فقيل لي هذا موسى وقومه، ولكن انظر إلى الأفق، فنظرت فإذا سواد عظيم. فقيل لي: انظر الأفق الآخر، فإذا سواد عظيم، فقيل لي: هذه أمتك، ومعهم سبعون ألفًا، يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب\"، ثم نهض فدخل منزله، فخاض الناس في أولئك الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، فقال بعضهم: فلعلهم الذين صحبوا رسول الله ﷺ وقال بعضهم: فلعلهم الذين ولدوا في الإسلام، فلم يشركوا بالله شيئًا، وذكروا أشياء، فخرج عليهم [¬٧] رسول الله ﷺ فقال: \"ما الذي [¬٨] تخوضون فيه\"؟ فأخبروه، فقال: \"هم الذين لا يرقون ولا يسترقون [] [¬٩] ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون فقام عكاشة بن محصن، فقال:\n_________\n(^٢٧٢) - أخرجه مسلم في \"صحيحه\" كتاب الإيمان، حديث ٣٧٤ - (٢٢٠).\nوأخرجه البخاري في \"صحيحه\": كتاب الرقاق: باب يدخل الجنة سبعون ألفًا بغير حساب، حديث (٦٥٤١) من طريق أسيد بن زيد، عن هشيم به.\n_________\n[¬١]- في خ: \"سعيد\".\n[¬٢]- في خ: \"ووجوههم\".\n[¬٣]- سقط من: خ.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين في خ: \"ثنا\".\n[¬٥]- في خ: \"فقال\".\n[¬٦]- سقط من: ز.\n[¬٧]- سقط من: خ، ز.\n[¬٨]- في خ: \"الذين\".\n[¬٩]- في ت: ولا يكتوون.","vol":"3","page":149},{"text":"ادع الله أن يجعلني منهم، قال: \"أنت منهم\" ثم قام رجل [¬١] آخر فقال: أدع الله أن يجعلني منهم، قال: \"سبقك بها عكاشة\".\nوأخرجه البخاري، عن أسيد بن زيد، عن هشيم، وليس عنده: لا [¬٢] يرقون.\n(حديث آخر) قال أحمد (^٢٧٣): حدثنا روح بن عبادة، حدثنا ابن جريج، أخبرني أبو الزبير، أنه سمع جابر بن عبد الله قال: سمعت رسول الله ﷺ، فذكر حديثًا، وفيه: \"فتنجو أول زمرة، وجوههم كالقمر ليلة البدر سبعون ألفًا، لا يحاسبون، ثم الذين يلونهم كأضوأ نجم في السماء\" ثم كذلك، وذكر بقيته، رواه مسلم من حديث روح غير أنه لم يذكر النبي ﷺ.\n(حديث آخر) قال الحافظ أبو بكر بن أبي عاصم، في كتاب \"السنن\" له: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا إسماعيل بن عياش، عن محمد بن زياد، سمعت أبا أمامة الباهلي يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول \"وعدني ربي أن يدخل الجنة من أمتي سبعين ألفا، مع كل ألف سبعون ألفًا، لا حساب عليهم ولا عذاب، وثلاث حثيات من حثيات ربي ﷿\" (^٢٧٤).\nوكذا رواه الطبراني من طريق هشام بن عمار، عن إسماعيل بن عياش به، وهذا إسناد جيد.\n(طريق [¬٣] أخرى) عن أبي أمامة. قال ابن أبي عاصم: حدثنا دحيم، حدثنا الوليد بن مسلم، ثنا [¬٤] صفوان بن عمرو، عن سليم بن عامر، عن أبي اليمان الهوزني -واسمه عامر\n_________\n(^٢٧٣) - أخرجه أحمد في \"مسنده\" (٣/ ٢٨٣). وأخرجه مسلم في \"صحيحه\" كتاب الإيمان، حديث ٣١٦ - (١٩١) من طريق روح، عن أبي الزبير أنه سمع جابرًا يسأل عن الورد فذكره موقوفًا.\n(^٢٧٤) - إسناده صحيح، أخرجه ابن أبي عاصم في \"السنة\" (١/ ٢٦١) برقم (٥٨٩). وأخرجه الطبراني في \"الكبير\" (٨/ ١٢٩) برقم (٧٥٢٠) من طريق هشام بن عمار، عن إسماعيل بن عياش به. وأخرجه أحمد في \"مسنده\" (٥/ ٢٦٨)، والترمذي في \"سننه\" كتاب: صفة القيامة، باب: منه، رقم (١٢)، رقم (٢٤٣٧)، وابن ماجه في \"سننه\" كتاب الزهد، باب: صفة أمة محمد ﷺ حديث (٤٢٨٦)، كلهم من طريق إسماعيل بن عياش بهذا الإسناد. وذكره الهيثمي في \"المجمع\" (١٠/ ٣٦٥، ٣٦٦) وقال: \"عند الترمذي وابن ماجه بعضه، رواه أحمد والطبراني، ورجال أحمد وبعض أسانيد الطبراني رجال الصحيح … \". وصحح إسناده الشيخ الألباني- حفظه الله- في \"ظلال الجنة في تخريج السنة\" (١/ ٢٦٢) رقم (٥٨٩).\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- سقط من: خ، ز.\n[¬٣]- في خ: \"طريقة\".\n[¬٤]- في ت: \"عن\".","vol":"3","page":150},{"text":"ابن عبد الله بن لحُي- عن أبي أمامة، عن رسول الله ﷺ قال: \"إن الله وعدني أن يدخل الجنة من أمّتي سبعين ألفًا بغير حساب\" فقال [¬١] يزيد بن الأخنس: والله ما أولئك في أمّتك يا رسول الله، إلا مثل الذباب الأصهب في الذباب، قال رسول الله ﷺ: \"فإن الله وعدني سبعين ألفًا، مع كل ألف سبعون [¬٢] ألفًا، وزادني ثلاث حثيات (^٢٧٥) \" وهذا أيضًا إسناد حسن.\n(حديث آخر) قال أبو القاسم الطبراني (^٢٧٦): حدثنا أحمد بن خليد، حدثنا أبو توبة [¬٣] حدثنا معاوية بن سلام، عن زيد بن سلام، أنه سمع أبا سلام يقول: حدثني عامر بن زيد البكالي، أنه سمع عتبة بن عبد السلمي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن ربي [﷿ وعدني] [¬٤] أن يدخل الجنة من أمتي سبعين ألفًا بغير حساب، ثم يشفع كل ألف لسبعين ألفًا، ثم يحثي ربي ﷿ بكفيه ثلاث حثيات\" فكبر عمر وقال: إن السبعين الأول يشفعهم الله في آبائهم وأبنائهم وعشائرهم [¬٥]، وأرجو أن يجعلني الله في إحدى الحثيات الأواخر.\nقال الحافظ الضياء [أبو عبد الله] [¬٦] المقدسي في كتابه \"صفة الجنة\": لا أعلم لهذا الإِسناد علة، والله أعلم.\n_________\n(^٢٧٥) - إسناده صحيح، أخرجه ابن أبي عاصم في \"السنة\" (١/ ٢٦٠ - ٢٦١) رقم (٥٨٨). وأخرجه الطبراني في \"الكبير\" (٨/ ١٨٧) رقم (٧٦٧٢) من طريق: دحيم، عن الوليد بن مسلم، عن صفوان بن عمرو، عن سليم بن عامر وأبي اليمان الهوزني، عن أبي أمامة به.\nوأخرجه أحمد في \"مسنده\" (٥/ ٢٥٠) من طريق عصام بن خالد، عن صفوان بن عمرو، عن سليم بن عامر الخبائري وأبي اليمان، عن أبي أمامة به. وأخرجه ابن حبان في \"صحيحه\" (١٦/ ٢٣٠) رقم (٧٢٤٦)، والطبراني (٨/ ١٨١، ١٨٢) رقم (٧٦٦٥) من طريق سليم بن عامر، عن أبي أمامة به. وصحح إسناده الشيخ الألباني- حفظه الله في \"ظلال الجنة في تخريج السنة\" (١/ ٢٦١) رقم (٥٨٨). وقال تعليقًا على رواية الإمام أحمد: \"كذا قال: \"وأبي اليمان\" وقال المصنف [يقصد: ابن أبي عاصم،: \"عن أبي اليمامة\" ولعل الصواب الأول، فإنهم لم يذكروا لصفوان رواية عن أبي اليمامة، وإنما ذكروا له كأبي اليمان رواية عن أبي أمامة مباشرة\". وانظر الحديث السابق.\n(^٢٧٦) - صحيح، أخرجه الطبراني في \"الكبير\" (١٧/ ١٢٦ - ١٢٧) رقم (٣١٢). ورواه أيضًا في \"الأوسط\" (١/ ١٢٦). وسيأتي تخريجه في سورة الرعد حديث رقم (١١١).\n_________\n[¬١]- في خ: \"قال\".\n[¬٢]- في ز: \"سبعين\".\n[¬٣]- في خ، ز: \"ثويبة\".\n[¬٤]- في خ، ز: \"وعدني ﷿\".\n[¬٥]- في ت: \"وعشيرتهم\".\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.","vol":"3","page":151},{"text":"(حديث آخر) قال الإِمام أحمد (^٢٧٧): حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا هشام [¬١]- يعني: الدستوائي- حدثنا يحيى بن أبي كثير، عن هلال بن أبي ميمونة، حدثنا عطاء ابن يسار، أن رفاعة الجهني حدثه، قال: أقبلنا مع رسول الله ﷺ حتى إذا كنا بالكديد -أو قال: بقديد- فذكر حديثًا، وفيه: ثم قال: \"وعدني ربي ﷿ أن يدخل الجنة من أمَّتي سبعين ألفًا بغير حساب، وإني لأرجو أن لا يدخلوها حتى تبوءوا [¬٢] أنتم، ومن صلح من أزواجكم وذرياتكم مساكن في الجنة\" قال الضياء: وهذا عندي على شرط مسلم.\n(حديث آخر) قال عبد الرزاق (^٢٧٨)، أنبأنا معمر، عن قتادة، عن النضر بن أنس، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن الله وعدني أن يدخل الجنة من أمتي أربعمائة ألف\" قال أبو بكر ﵁: زدنا يا رسول الله قال: \"والله وهكذا [¬٣] \" فقال [¬٤] عمر: حسبك يا أبا بكر، فقال أبو بكر: دعني وما عليك أن يدخلنا الله الجنة كلنا. فقال [¬٥] عمر: \"إن الله إن شاء أدخل] [¬٦] خلقه الجنة بكف واحد. فقال النبي ﷺ: \"صدق عمر\".\nهذا الحديث بهذا الإسناد تفرّد [¬٧] به عبد الرزاق. قال الضياء: وقد رواه الحافظ أبو نعيم الأصبهاني، قال [¬٨]: حدثنا محمَّد بن أحمد بن مخلد، حدثنا إبراهيم بن الهيثم\n_________\n(^٢٧٧) - أخرجه أحمد في \"مسنده\" (٤/ ١٦). وابن ماجه في \"سننه\" كتاب الزهد، باب: صفة أمة محمَّد ﷺ حديث (٤٢٨٥) من طريق الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن هلال بن ميمونة، به نحوه. وذكره الهيثمي في \"المجمع\": (١٠/ ٤١١) وقال: \"قلت: عند ابن ماجه طرف منه يسير، رواه الطبراني والبزار بأسانيد ورجال بعضها عند الطبراني والبزار رجال الصحيح.\n(^٢٧٨) - أخرجه عبد الرزاق في \"مصنفه\" (١١/ ٢٨٦) رقم (٢٠٥٥٦). ومن طريقه أحمد في \"مسنده\" (٣/ ١٦٥) وابن أبي عاصم في \"السنة\" (١/ ٢٦٢) رقم (٥٩٠)، والطبراني في \"الأوسط\" (٣/ ٣٥٩) رقم (٣٤٠٠). وقال الطبراني: هكذا رواه معمر، عن قتادة، عن النضر بن أنس. ورواه معاذ بن هشام، عن أبيه، عن قتادة، عن أبي بكر بن أنس، عن أبي بكر بن عمير، عن أبيه. وذكره الهيثمي في \"المجمع\" (١٠/ ٤٠٧) وقال: رواه أحمد والطبراني في \"الأوسط\" وإسناده حسن. وذكر طريقًا آخر وقال: رواه أحمد والطبراني في الأوسط ورجالهما رجال الصحيح. وصحح إسناده الشيخ الألباني -حفظه الله -كما في \"ظلال الجنة في تخريج السنة\" (١/ ٢٨٢) رقم (٥٩٠).\n_________\n[¬١]- في خ، ز: \"هاشم\".\n[¬٢]- في خ: \"يبوأ\".\n[¬٣]- في ت: \"هكذا\".\n[¬٤]- في خ: \"قال\".\n[¬٥]- في خ: \"قال\".\n[¬٦]- في: خ، ز: \"إن شاء الله أدخل\".\n[¬٧]- في خ: \"انفرد\".\n[¬٨]- سقط من: خ، ز.","vol":"3","page":152},{"text":"البلدي [¬١]، حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا أبو هلال، عن قتادة، عن أنس عن النبي ﷺ قال: \"وعدني ربي أن يدخل الجنة من أمتي مائة ألف\" فقال أبو بكر يا رسول الله، زدنا. قال: \"وهكذا\" وأشار سليمان بن حرب بيده كذلك، قلت: يا رسول الله، زدنا. فقال عمر: إن الله قادر على [¬٢] أن يدخل الناس الجنة بحفنة واحدة، فقال رسول الله ﷺ: \"صدق عمر\" (^٢٧٩).\nهذا حديث غريب من هذا الوجه، وأبو هلال اسمه [¬٣] محمَّد بن سليم الراسبي بصري.\n(طريق أخرى) عن أنس. قال الحافظ أبو يعلى (^٢٨٠)، حدثنا محمَّد بن أبي بكر، حدثنا عبد القاهر بن السري السلمي، حدثنا حميد، عن أنس، عن النبي ﷺ: قال \"يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفا\" قالوا: زدنا يا رسول الله [قال: \"لكل رجل سبعون ألفا\" قالوا: زدنا وكان على كثيب،] [¬٤] فقال: \"هكذا\" وحثا بيده [¬٥]، قالوا: يا رسول الله، أبعد اللهُ مَن دَخل النار بعد هذا! وهذا إسناد جيد، رجاله كلهم [¬٦] ثقات، ما عدا عبد القاهر بن السري، وقد سئل عنه ابن معين، فقال: صالح.\n([حديث آخر) روى الطبراني (^٢٨١) من حديث قتادة، عن أبي بكر بن أنس، عن أبي بكر بن عمير، عن أبيه أن النبي ﷺ قال: \"إن الله وعدني أن يدخل من أمتي ثلثمائة ألف الجنة [بغير حساب] [¬٧] \" فقال عمير: يا رسول الله، زدنا. فقال: \"وهكذا\" بيده، فقال عمير: يا رسول الله، زدنا. فقال عمر: حسبك، إن الله إن شاء أدخل الناس الجنة بحفنة، أو بحثية واحدة، فقال النبي ﷺ: \"صدق عمر] [¬٨] \".\n_________\n(^٢٧٩) - أخرجه أبو نعيم في \"الحلية\" (٢/ ٣٤٤، ٣٤٥). ورواه أحمد في \"مسنده\" (٣/ ١٩٣) من طريق أبي هلال، عن قتادة، عن أنس ﵁ به. وذكره الهيثمي في \"المجمع\" (١٠/ ٤١٢) وقال: رواه البزار، ورجاله ثقات، على ضعف في أبي هلال الراسبي. وقال أبو نعيم: تفرد به أبو هلال واسمه محمَّد بن سليم الراسبي، ثقة، بصري.\n(^٢٨٠) - أخرجه أبو يعلى في \"مسنده\" (٦/ ٤١٧) رقم (٣٧٨٣). وذكره الهيثمي في \"المجمع\" (١٠/ ٤٠٧) وقال: \"رواه أبو يعلى\" وسكت عنه -كما ذكره الحافظ ابن حجر في \"المطالب العالية\" (٤/ ٤٠٩) رقم ٤٦٩٩١) وعزاه إلى أبي يعلى\".\n(^٢٨١) - أخرجه الطبراني في \"المعجم الكبير\" (١٧/ ٦٤) رقم (١٢٣). وذكره الهيثمي في \"المجمع\"، وقال: رواه الطبراني وأبو بكر بن عمير لم أعرفه، وبقية رجاله رجال الصحيح.\n_________\n[¬١]- في خ، ز: \"الباري\".\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- في خ: \"واسمه\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٥]- في ت: \"بيديه\".\n[¬٦]- سقط من: خ، ز.\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين سقط من \"ز\".\n[¬٨]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.","vol":"3","page":153},{"text":"(حديث [¬١] آخر) قال [¬٢] الطبراني (^٢٨٢): حدثنا أحمد بن خليد، حدثنا أبو توبة، حدثنا معاوية بن سلام، عن زيد [¬٣] [أنه سمع أبا سلام] [¬٤] يقول: حدثني عبد الله بن عامر، أن قيسًا الكندي حدث، أن أبا سعيد الأنماري، حدثه: أن رسول الله ﷺ قال: \"إن ربي وعدني أن يدخل الجنة من أمتي سبعين ألفًا بغير حساب، ويشفع [كل ألف لسبعين] [¬٥] ألفًا، لم يحثي ربي ثلاث حثيات بكفيه\" [¬٦] قال قيس: فقلت لأبي سعيد: أنت سمعت هذا من رسول الله؟ ﷺ قال: نعم بأذني، ووعاه قلبي. قال أبو سعيد: فقال يعني: رسول الله ﷺ \"وذلك إن شاء الله ﷿ يستوعب مهاجري [¬٧] أمتي، ويوفي الله بقيته من أعرابنا [¬٨] \" وقد روى هذا الحديث محمَّد بن سهل بن عسكر، عن أبي توبة الربيع بن نافع بإسناده مثله، وزاد: قال أبو سعيد: فحسب ذلك عند رسول الله ﷺ فبلغ أربعمائة ألف ألف وتسعين ألفًا.\n_________\n(^٢٨٢) - أخرجه الطبراني في \"الأوسط\" (١/ ١٢٨، ١٢٩) رقم (٤٠٤)، وفي \"الكبير\" (٢٢/ ٣٠٤، ٣٠٥) رقم (٧٧١). إلا أنه قال في \"الكبير\": أبو سعد الأنصاري. وقال الطبراني في \"الأوسط\": لا يُروى هذا الحديث عن أبي سعد الأنماري إلا بهذا الإسناد، تفرد به معاوية بن سلام. وأخرجه الطبراني في \"الكبير\" (٢٢/ ٣٠٥) رقم (٧٧٢) من طريق الزبيدي عن عبد الله بن عامر اليحصبي عن قيس بن الحارث عن أبي سعد الخير الأنصاري به بنحوه مختصرًا. وذكره الهيثمي في \"المجمع\" (١٠/ ٤١٢، ٤١٣) وقال: رواه الطبراني في \"الأوسط والكبير\" إلا أنه قال في \"الأوسط\" أبو سعيد الأنماري، ورجاله ثقات.\nوأورده الحافظ ابن حجر في \"الإصابة\" في ترجمة أبي سعيد الأنماري (٤/ ٨٨ - ٨٩) رقم (٥٣٣) من طريق مروان بن محمَّد عن معاوية بن سلام أخي زيد بن سلام أنه سمع جده أبا سلام الخشني قال: حدثني عبد الله بن عامر اليحصبي سمعت قيس بن حجر يحدث عن عبد الملك بن مروان قال: حدثني أبو سعيد الأنماري أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: \"إن الله وعدني .... \" الحديث ثم قال الحافظ: سنده صحيح وكلهم من رجال الصحيح إلا قيس بن حجر وهو شامي ثقة.\nثم قال الحافظ: ولكن أخرجه الحاكم أبو أحمد أيضًا من طريق أبي توبة عن معاوية بن سلام فقال: إن قيس بن حجر الكندي حدث الوليد بن عبد الملك أن أبا سعيد الخير حدثه …، وأخرجه الطبراني من طريق أبي توبة عن معاوية فقال: إن أبا سعيد الأنماري وقيل: قيس بن الحارث أن أبا سعيد الخير الأنصاري حدثه فذكر طرفًا منه. ثم قال الحافظ: فمن هذا الاختلاف يتوقف في الجزم بصحة هذا السند. ا. هـ.\n_________\n[¬١]- في خ: \"طريق\".\n[¬٢]- في خ: \"روى\".\n[¬٣]- في خ: \"يزيد\".\n[¬٤]- سقط من خ.\n[¬٥]- في خ، ز: \"لكل ألف سبعين\".\n[¬٦]- بعده في ز: كذا.\n[¬٧]- في ز: \"لمهاجري\".\n[¬٨]- في خ: \"أعرانا\".","vol":"3","page":154},{"text":"(حديث آخر) قال أبو القاسم الطبراني (^٢٨٣): حدثنا هشيم بن مرثد الطبراني، حدثنا محمَّد بن إسماعيل بن عياش، حدّثني أبي، حدثني ضمضم [¬١] بن زرعة، عن شريح بن عبيد، عن أبي مالك قال: قال رسول الله ﷺ: \"أما والذي نفس محمَّد بيده، ليبعثن منكم يوم القيامة إلى الجنة مثل الليل الأسود، زمرة جميعها يخبطون الأرض، يقول [¬٢] الملائكة: لم جاء مع محمَّد أكثر مما جاء مع الأنبياء؟! \" وهذا إسناد حسن.\n(نوع [¬٣] آخر) من الأحاديث الدالة على فضيلة هذه الأمّة وشرفها وكرامتها [¬٤] على الله، ﷿، وأنها خير الأمم في الدنيا والآخرة.\nقال الإِمام أحمد (^٢٨٤) حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا ابن جريج، أخبرني أبو الزبير عن جابر، أنه سمع النبي ﷺ يقول: \"إني لأرجو أن يكون من يتبعني من أمّتي يوم القيامة، ربع أهل [¬٥] الجنة\" قال [¬٦]: فكبرنا، ثم قال: \"إني أرجو أن تكونوا [¬٧] ثلث الناس\" قال: فكبرنا، ثم قال: \"أرجو أن تكونوا [¬٨] الشطر\" وهكذا رواه عن روح، عن ابن جريج به، وهو على شرط مسلم.\nوثبت في الصحيحين (^٢٨٥) من حديث أبي إسحاق السبيعي، عن عمرو بن ميمون، عن عبد الله بن مسعود قال: قال لنا رسول الله ﷺ: \"أما ترضون أن تكونوا ربع أهل الجنة؟ \" فكبرنا، ثم قال: \"أما ترضون أن تكونوا ثلث أهل الجنة؟ \" فكبرنا، ثم قال: \"إني لأرجو أن تكونوا شطر أهل الجنة\".\n_________\n(^٢٨٣) - إسناده ضعيف، أخرجه الطبراني في \"الكبير\" (٣/ ٣٣٧) رقم (٣٤٥٥). وذكره الهيثمي في \"مجمع الزوائد\": (١٠/ ٤٠٧)، وقال: رواه الطبراني وفيه محمَّد بن إسماعيل بن عياش، هو ضعيف.\n(^٢٨٤) - أخرجه أحمد في \"مسنده\" (٣/ ٣٤٦) قال: حدثنا موسى بن داود قال: حدثنا ابن لهيعة. وفي (٣/ ٣٨٣) قال: حدثنا روح، قال: حدثنا ابن جريج كلاهما (ابن لهيعة وابن جريج) عن أبي الزبير، فذكره. وذكره الهيثمي في \"المجمع\" (١٠/ ٤٠٥ - ٤٠٦) وقال: رواه أحمد والبزار والطبراني في الأوسط، ورجال البزار رجال الصحيح وكذلك أحد وإسنادي أحمد.\n(^٢٨٥) - أخرجه البخاري في كتاب الرقاق، باب: كيف الحشر، حديث (٦٥٢٨)، وكتاب: الأيمان والنذور، حديث (٦٦٤٢). ومسلم في \"صحيحه\" كتاب: الإيمان، حديث ٣٧٦ - ٣٨٨ - (٢٢١). من حديث أبي إسحاق السبيعي، عن عمرو بن ميمون الأودي، عن عبد الله بن مسعود به.\n_________\n[¬١]- في خ: \"ضمضمة\".\n[¬٢]- في خ: \"يقول\".\n[¬٣]- في خ: \"حديث\".\n[¬٤]- في خ: \"بكرامتها\".\n[¬٥]- سقط من: ز.\n[¬٦]- سقط من ز.\n[¬٧]- في ت: \"يكونوا\".\n[¬٨]- في ت: \"يكونوا\".","vol":"3","page":155},{"text":"(طريق أخرى) عن ابن مسعود. قال الطبراني (^٢٨٦): حدثنا أحمد بن القاسم بن مساور، حدثنا عفان بن مسلم، حدثنا عبد الواحد بن زياد، حدثني الحارث بن حصيرة [¬١]، حدثني القاسم بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ: \"كيف أنتم وربع الجنة لكم، ولسائر الناس ثلاثة أرباعها\" قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: \"كيف أنتم وثلثها\" قالوا: ذاك أكثر، قال: \"كيف أتم والشطر لكم\"، قالوا: ذاك [¬٢] أكثر، فقال رسول الله ﷺ: \"أهل الجنة عشرون ومائة صف؛ لكم منها ثمانون صفا\".\nقال الطبراني: تفرّد به الحارث بن حصيرة [¬٣].\n(حديث آخر) قال الإمام أحمد (^٢٨٧): حدثنا عبد الصمد، حدثنا عبد العزيز بن مسلم، حدثنا ضرار بن مرة أبو سنان الشيباني، عن محارب بن دثار، عن ابن بريدة، عن أبيه، أن [¬٤] النبي ﷺ قال: \"أهل الجنة عشرون ومائة صف، هذه الأمة من ذلك\n_________\n(^٢٨٦) - أخرجه الطبراني في \"الكبير\" (١٠/ ٢٠٨، ٢٠٩) رقم (١٠٣٥٠)، و\"الأوسط\" (١/ ١٧٢) رقم (٥٣٩) و\"الصغير\" (١/ ٣٤). وأخرجه أحمد في \"مسنده\" (١/ ٤٥٣)، والبزار في \"مسنده\" (٥/ ٣٦٨ - ٣٦٩) رقم (١٩٩٩) وأبو يعلى في \"مسنده\" (٩/ ٢٤١) رقم (٥٣٥٨) والحاكم في \"المستدرك\" (١/ ٨٢) من طريق الحارث بن حصيرة به. وذكره الهيثمي في \"المجمع\": (١٠/ ٤٠٦) وقال: \"قلت: -هو في الصحيح باختصار- رواه أحمد وأبو يعلى والبزار والطبراني في الثلاثة، ورجالهم رجال الصحيح غير الحارث بن حصيرة وقد وثق. وقال الطبراني في الأوسط: لم يرو هذا الحديث عن القاسم بن عبد الرحمن إلا الحارث، تفرد به: عبد الواحد بن زياد. وقال البزار: لا نعلمهما يرويان عن عبد الله بن مسعود إلا بهذا الإسناد. وقال الحاكم: عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود لم يسمع من أبيه في أكثر الأقاويل.\n(^٢٨٧) - إسناده صحيح على شرط مسلم، رجاله ثقات رجال الشيخين غير ضرار بن مرة، وابن بريدة -وهو سليمان- فكلاهما من رجال مسلم. وأخرجه أحمد في \"مسنده\" (٥/ ٣٥٥) من طريق عبد الصمد. وأخرجه أيضًا في \"مسنده\" (٥/ ٣٤٧) من طريق عفان، عن عبد العزيز به. وأخرجه الترمذي في \"سننه\" كتاب صفة الجنة، باب: ما جاء في وصف أهل الجنة، حديث (٢٥٤٦)، من طريق أبي سنان به وحسنه. وأخرجه ابن ماجه في \"سننه\" كتاب: الزهد، لها باب: صفة أمة محمَّد ﷺ حديث (٤٢٨٩) والدارمي في \"سننه\" (٢/ ٣٣٧)، كتاب: الرقائق، باب: في صفوف أهل الجنة، والحاكم في \"المستدرك\" (١/ ٨٢)، وابن حبان في \"صحيحه\" (١٦/ ٤٩٩ - ٥٠٠ - الإحسان) برقم (٧٤٦٠). كلهم من طريق سفيان الثوري، عن علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه به. وأخرجه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (١١/ ٤٧٠، ٤٧١)، والحاكم في \"المستدرك\" (١/ ٨١، ٨٢)، وابن حبان في \"صحيحه\" (١٦/ ٤٩٨ - الإحسان) برقم (٧٤٥٩).\n_________\n[¬١]- في خ، ز: \"حصين\".\n[¬٢]- في خ: \"ذلك\".\n[¬٣]- في خ، ز: \"حصين\".\n[¬٤]- في ت: \"عن\".","vol":"3","page":156},{"text":"ثمانون صفًّا\".\nوكذا [¬١] رواه عن عفان عن عبد العزيز به، وأخرجه الترمذي من حديث أبي سنان به وقال: هذا حديث حسن، ورواه ابن ماجه من حديث سفيان الثوري، عن علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه به.\n(حديث آخر) روى الطبراني (^٢٨٨) من حديث سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي، حدثنا خالد بن يزيد البجلي، حدثنا سليمان بن علي بن عبد الله بن عباس، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﵌، قال: \"أهل الجنة عشرون ومائة صف، ثمانون منها من أمتي\" تفرد به خالد بن يزيد البجلي، وقد تكلم فيه ابن عدي.\n(حديث آخر) قال الطبراني (^٢٨٩): حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثنا موسى بن غيلان، حدثنا هاشم بن مخلد، حدثنا عبد الله بن المبارك، عن سفيان، عن أبي عمرو، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: لما نزلت: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾ قال رسول الله، ﷺ: \"أنتم ربع أهل الجنة، أنتم ثلث أهل الجنة، أنتم نصف أهل الجنة، أنتم ثلثا أهل الجنة\".\nوقال عبد الرزاق: أنبأنا معمر، عن ابن [¬٢] طاوس، عن أبيه عن أبي هريرة، ﵁، عن النبي ﷺ قال: \"نحن الآخرون الأولون يوم القيامة، نحن أول الناس دخولًا الجنة، بَيدَ أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، وأوتيناه من بعدهم، فهدانا الله لما اختلفوا فيه\n_________\n= كلهم من طريق محمَّد بن فضيل بن غزوان، عن ضرار بن مرة، عن محارب بن دثار، عن ابن بريدة به. وأخرجه ابن عدي في \"الكامل\" (٤/ ١٤٢٠) من طريق عبد الله بن معاوية، عن عبد العزيز بن مسلم، عن ضرار بن عمرو، عن محارب بن دثار به، ذكره ابن عدي في ترجمة ضرار بن عمرو الملطي، وقال: منكر الحديث. وتعقبه الحافظ ابن حجر في \"لسان الميزان\" (٣/ ٢٣٩) رقم (٤٣٢٢) فقال: \"وحديث بريدة ليس هو من منكراته كما هنا، فقد رواه ضرار بن مرة الثقة المثبت، عن محارب بن دثار، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه به\".\n(^٢٨٨) - إسناده ضعيف، أخرجه الطبراني في \"المعجم الكبير\" (١٠/ ٣٤٨) رقم (١٠٦٨٢). وأخرجه ابن عدي في \"الكامل\" (٣/ ٨٨٥) من طريق خالد بن يزيد العجلي له. وقال عنه: \"أحاديثه كلها لا يتابع عليها لا إسنادًا ولا متنًا، ولم أر للمتقدمين فيه قولًا، بل غفلوا عنه وهو عندي ضعيف\". وذكره الهيثمي في \"المجمع\" (١٠/ ٤٠٦) وقال: رواه الطبراني وفيه خالد بن يزيد الدمشقي وهو ضعيف وقد وثق.\n(^٢٨٩) - أخرجه أبو نعيم في \"الحلية\" (٧/ ١٠١) من طريق الطبراني، ونقل عنه قوله: \"تفرد برفعه ابن المبارك عن الثوري، وأبو عمرو اسمه محمَّد والد أسباط بن محمد الكوفي القرشي\".\n_________\n[¬١]- في خ: \"وكذلك\".\n[¬٢]- سقط من ز.","vol":"3","page":157},{"text":"من الحق، فهذا اليوم الذي اختلفوا فيه، الناس لنا فيه تبع، غدًا لليهود، وللنصارى بعد غد\" (^٢٩٠).\nرواه البخاري، ومسلم من حديث عبد الله بن طاوس عن أبيه، عن أبي هريرة، ﵁، عن النبي ﷺ مرفوعًا بنحوه، ورواه مسلم أيضًا من طريق الأعمش، عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵌: \"نحن الآخرون الأوَّلون يوم القيامة، ونحن أوّل من يدخل الجنة\" وذكر تمام الحديث.\n(حديث آخر) روى الدارقطني في الأفراد، من حديث عبد الله بن محمَّد بن عقيل، عن الزهريّ، عن سعيد بن المسيب، عن عمر بن الخطاب ﵁ أنّ النبي، ﷺ، قال: \"إنّ الجنة حرمت على الأنبياء كلهم حتى أدخلها، وحرّمت على الأمم حتى تدخلها أمّتي\" (^٢٩١).\nثم قال: تفرد [¬١] به ابن عقيل، عن الزهريّ، ولم يرو عنه سواه، وتفرد به زهير بن محمَّد، عن ابن عقيل، وتفرّد به عمرو بن أبي سلمة عن زهير.\nوقد [رواه أبو أحمد بن عدي [¬٢] الحافظ فقال: حدثنا أحمد بن الحسين بن إسحاق، حدثنا أبو بكر الأعين محمَّد بن أبي عتَّاب [¬٣]، حدثنا أبو حفص التنيسي، [يعني عمرو بن أبي سلمة] [¬٤] حدثنا صدقة الدمشقي، عن زهير بن محمَّد، عن عبد الله بن محمَّد بن عقيل، عن الزهريّ به [¬٥]] [¬٦].\n_________\n(^٢٩٠) - أخرجه البخاري في كتاب: الأيمان والنذور، باب: قول الله تعالى ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْو فِي أَيمَانِكُمْ …﴾ حديث (٦٦٢٤)، وكتاب التعبير، باب: النفخ في المنام، حديث (٧٠٣٦)، ومسلم في كتاب الجمعة، حديث (٨٥٥) من طرق عن ابن طاوس، عن أبيه طاوس، عن أبي هريرة به.\n(^٢٩١) - أخرجه ابن عدي في \"الكامل\" (٤/ ١٤٤٨) في ترجمة عبد الله بن محمَّد بن عقيل. ونقل ابن أبي حاتم في \"العلل\" (٢/ ٢٧٧) عن أبي رزعة: \"هذا الحديث منكر لا أدري كيف هو\". وذكره الذهبي في الميزان (٣/ ١٩٨) في ترجمة عبد الله بن محمَّد بن عقيل.\nوعبد الله بن محمَّد بن عقيل: روى جماعة عن ابن معين تضحيفه، وقال ابن المديني: لم يدخل مالك في كتبه ابن عقيل، واحتج به أحمد وإسحاق، وقال أبو حاتم وغيره: لين الحديث، وقال ابن خزيمة: لا أحتج به.\n_________\n[¬١]- في ت: \"انفرد\".\n[¬٢]- في خ، ز: \"علي\".\n[¬٣]- في خ، ز: \"غياث\".\n[¬٤]- سقط من ت.\n[¬٥]- سقط من ت.\n[¬٦]- هذه الفقرة متأخرة في: خ، ز عن الفقرة التي تليها.","vol":"3","page":158},{"text":"ورواه الثعلبي، حدثنا أبو عباس الخلدي، أنبأنا أبو نعيم عبد الملك بن محمَّد، أنبأنا أحمد بن عيسى التنيسي، حدثنا عمرو بن أبي سلمة، حدثنا صدقة بن عبد الله، عن زهير بن محمَّد بن عقيل به.\nفهذه الأحاديث في معنى قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ فمن اتصف من هذه [¬١] الأمّة بهذه الصفات، دخل معهم في هذا [الثناء عليهم المدح لهم] [¬٢]، كما قال قتادة: بلغنا أنَّ عمر بن الخطاب ﵁ في حجة حجها رأى من الناس سرعة، فقرأ هذه الآية: ﴿كُنْتُمْ خَيرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾، ثم [¬٣] قال: من سره أن يكون من تلك [¬٤] الأمّة؛ فليؤدّ شرط الله فيها، رواه ابن جرير (^٢٩٢).\nومن لم يتصف بذلك أشبه أهل الكتاب الذين ذمّهم الله تعالى بقوله: ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾، ولهذا لما مدح تعالى هذه الأمّة على هذه الصفات شرع في ذم أهل الكتاب وتأنيبهم، فقال تعالى: ﴿وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ﴾، أي: بما أنزل على محمَّد ﴿لَكَانَ خَيرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ أي: قليل منهم من يؤمن بالله، وما أنزل إليكم، وما أنزل إليهم، وأكثرهم على الضلالة، والكفر، والفسق، والعصيان.\nثم قال تعالى مخبرًا عباده المؤمنين، ومبشرًا لهم: أن النصر والظفر لهم على أهل الكتاب الكفرة الملحدين؛ فقال تعالى: ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إلا أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ (١١١)﴾ [آل عمران: ١١١] وهكذا وقع؛ فإنهم يوم خيبر أذلهم الله، وأرغم آنافهم [¬٥]، وكذلك من قبلهم من يهود المدينة، بني قينقاع، وبني [¬٦] النضير، وبني [¬٧] قريظة، كلهم أذلهم الله، وكذلك النصارى بالشام، كسرهم الصحابة في غير [ما موطن] [¬٨]، وسلبوهم ملك الشام أبد الآبدين ودهر الداهرين، ولا تزال عصابة الإِسلام قائمة بالشام، حتى ينزل عيسى بن مريم وهم [¬٩] كذلك، ويحكم [﵇] [¬١٠]، وبشرع [¬١١] محمَّد عليه أفضل الصلاة\n_________\n(^٢٩٢) - أخرجه ابن جرير في \"تفسيره\" (٧/ ١٠٢) رقم (٧٦١٢) وذكره السيوطي في \"الدر\" (٢/ ١١٣) وعزاه إلى ابن جرير.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- في ت: \"المدح\".\n[¬٣]- سقط من: خ، ز.\n[¬٤]- في ت: \"هذه\".\n[¬٥]- في ت: \"أنوفهم\".\n[¬٦]- في ز: \"بنو\".\n[¬٧]- في ز: \"بنو\".\n[¬٨]- ما بين المعكوفتين في خ: \"مواطن\".\n[¬٩]- في خ: \"وهو\".\n[¬١٠]- في ت: بملة الإِسلام.\n[¬١١]- في ت: \"وشرع\".","vol":"3","page":159},{"text":"والسلام، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ولا يقبل إلا الإِسلام.\nثم قال تعالى: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيهِمُ الذِّلَّةُ أَينَ مَا ثُقِفُوا إلا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ﴾ أي ألزمهم الله الذلة والصغار أينما كانوا، فلا يأمنون ﴿إلا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ﴾ أي: بذمّة من الله، وهو عقد الذمّة لهم، وضرب الجزية عليهم، وإلزامهم أحكام المسألة [¬١] ﴿[وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ﴾ [أي: أمان منهم لهم، كما في المهادن والمعاهد، والأسير إذا أمنه واحد من المسلمين ولو امرأة: وكذا عبد على أحد قوله العلماء.\nقال ابن عباس: ﴿إلا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ] [¬٢] وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ﴾] [¬٣] أي: بعهد من الله، وعهد من الناس، وكذا قال مجاهد، وعكرمة، وعطاء، والضحاك، والحسن، وقتادة، والسدّي، والربيع بن أنس.\nوقوله ﴿وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ أي: ألزموا. فالتزموا بغضب من الله وهم يستحقونه: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيهِمُ الْمَسْكَنَةُ﴾] [¬٤] أي: ألزموها [¬٥] قدرًا وشرعًا، ولهذا قال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيرِ حَقٍّ﴾ أي [¬٦]: إنما حملهم على ذلك الكبر، والبغي والحسد، فأعقبهم ذلك الذلة، والصغار، والمسكنة أبدًا متصلًا بذلة الآخرة. ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ أي: إنما حملهم على الكفر بآيات الله وقتل رسل الله، وقيضوا لذلك أنهم كانوا يكثرون العصيان لأوامر الله ﷿ والغشيان لمعاصي الله، والاعتداء في شرع الله، فعياذًا بالله من ذلك، وبالله المستعان.\nقال ابن أبي حاتم (^٢٩٣): حدثنا يونس بن [¬٧] حبيب، حدثنا أبو داود الطيالسي، حدثنا شعبة، عن سليمان الأعمش، عن إبراهيم، عن أبي معمر الأزدي، عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: كانت بنو إسرائيل تقتل في اليوم ثلاثمائة نبي، ثم يقوم سوق [بقلهم في] [¬٨] آخر النهار.\n_________\n(^٢٩٣) - إسناده صحيح، وعدم تصريح الأعمش بالتحديث لا يضر؛ لأن الراوي عنه شعبة، أخرجه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٢/ ٤٨٣) رقم (١٢١٥). وذكره السيوطي في \"الدر\" (١/ ١٤٢) وزاد عزوه إلى الطيالسي.\n_________\n[¬١]- في ز: \"الملة\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من \"ز\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٥]- في ز: \"ألزموا بها\".\n[¬٦]- في خ، ز: \"و\".\n[¬٧]- في ز: \"عن\".\n[¬٨]- ما بين المعكوفتين في ز: \"تقبلهم\".","vol":"3","page":160},{"text":"﴿لَيسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (١١٣) يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٤) وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (١١٥) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيئًا وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١١٦) مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١١٧)﴾\nقال ابن أبي نجيح: زعم الحسن بن أبي يريد العجلي [¬١]، عن ابن مسعود في قوله تعالى: ﴿لَيسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾ قال [¬٢]: لا يستوي أهل الكتاب وأمّة محمَّد، ﷺ (^٢٩٤).\nوهكذا قال السدي. ويؤيد هذا القول الحديث الذي رواه الإِمام أحمد بن حنبل في مسنده: حدثنا أبو النضر، وحسن بن موسى قالا [¬٣]: حدثنا شيبان، عن عاصم، عن زر، عن ابن مسعود قال: أخر رسول الله ﷺ صلاة العشاء ثم خرج إلى المسجد؛ فإذا الناس ينتظرون الصلاة، فقال: \"أما إنه ليس من أهل هذه الأديان أحد يذكر الله هذه\n_________\n(^٢٩٤) - أخرجه الطبري في \"تفسيره\" (٧/ ١٢٢) رقم (٧٦٤٨)، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٢/ ٤٨٤) رقم (١٢١٧) كلاهما عن ابن أبي نجيح به. وذكره السيوطي في \"الدر\" (٢/ ١١٦). وزاد عزوه إلى الفريابي والبخاري في تاريخه، وعبد بن حميد وابن المنذر.\nوالحسن بن أبي يزيد العجلي -هكذا في الأصل- وهو خطأ، والصواب: الحسن بن يزيد العجلي، فإنه معروف بالرواية عن ابن مسعود، وبرواية ابن أبي نجيح عنه، كما أن الطبري وكذلك ابن أبي حاتم ذكر في تفسيريهما \"الحسن بن في يد العجلي\". وكذا ذكره البخاري في \"تاريخه\" (٢/ ٣٠٨) رقم (٢٥٧٦) وابن أبي حاتم في \"الجرح والتعديل\" (٢/ ٤٢) رقم (١٨٠) وسكتا عنه. وقال الحافظ في \"التقريب\": مقبول.\n_________\n[¬١]- في خ، ز: \"النخعي\".\n[¬٢]- في ز: \"يقول\".\n[¬٣]- سقط من: خ.","vol":"3","page":161},{"text":"الساعة غيركم\" قال: فنزلت [¬١] هذه الآيات: ﴿لَيسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ [أُمَّةٌ قَائِمَةٌ] [¬٢]﴾ [إلى قوله] [¬٣] ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ﴾ (^٢٩٥).\nوالمشهور عند [¬٤] كثير من المفسرين كما ذكره محمد بن إسحاق وغيره، ورواه العوفي عن ابن عباس: أن هذه الآيات نزلت فيمن آمن من أحبار أهل الكتاب؛ كعبد اللَّه بن سلام، وأسد بن عبيد، وثعلبة بن سعية [¬٥]، وأسيد بن سعية [¬٦] وغيرهم (^٢٩٦). أي: لا يستوى من تقدّم ذكرهم بالذم من أهل الكتاب، [وهؤلاء الذين أسلموا؛ ولهذا قال تعالى: ﴿لَيسُوا سَوَاءً﴾ أي: ليسوا كلهم على حد سواء، بل منهم المؤمن ومنهم المجرم، ولهذا قال تعالى [¬٧]: ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾ أي: قائمة بأمر اللَّه، مطيعة لشرع اللَّه، متبعة نبي اللَّه، فهي [¬٨] قائمة يعني [¬٩] مستقيمة ﴿يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ أي: يقيمون [¬١٠] الليل، ويكثرون التهجد، ويتلون القرآن في صلواتهم ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ\n_________\n(^٢٩٥) - إسناده حسن، أخرجه أحمد في \"مسنده\" (١/ ٣٩٦). والنسائي في التفسير من \"الكبرى\" (٦/ ٣١٣) رقم (١١٠٧٣)، والبزار في \"مسنده\" (١/ ١٩٠ - ١٩١ كشف الأستار) رقم (٣٧٥). وابن حبان في \"صحيحه\" (٤/ ٣٩٧، / ٣٩٨ الإحسان) برقم (١٥٣٠). وأبو نعيم في الحلية (٤/ ١٨٧)، والطبري في \"تفسيره\" (٧/ ١٢٨) رقم (٧٦٦٢)، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٢/ ٤٨٦ - ٤٨٧) رقم (١٢٢٦)، كلهم من طرق، عن عاصم بن أبي النجود، عن زر بن حبيش، عن عبد اللَّه بن مسعود به.\nوأخرجه الطبري في \"تفسيره\" (٧/ ١٢٧) رقم (٧٦٦١)، والطبراني في \"الكبير\" (١٠/ ١٦٢) رقم (١٠٢٠٩) وأبو نعيم في \"الحلية\" (٤/ ١٨٧)، من طريق سليمان الاعمش، عن زر بن حبيش، عن عبد اللَّه بن مسعود به. وذكره الهيثمي في \"المجمع\" (١/ ٣١٧) وقال: رواه أحمد وأبو يعلى والبزار والطبراني في الكبير، وقال: ورجال أحمد ثقات، ليس فيهم غير عاصم بن أبي النجود، وهو مختلف في الاحتجاج به، وفي إسناد الطبراني عبيد اللَّه بن زحر، وهو ضعيف.\n(^٢٩٦) - أخرجه الطبري في \"تفسيره\" (٧/ ١٢٠ - ١٢١) رقم (٧٦٤٤)، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٢/ ٤٨٥) رقم (١٢٢٠) من طريق محمد بن إسحاق قال: حدثني محمد بن أبي محمد عن عكرمة أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس فذكره. وذكره السيوطي في \"الدر\" (٢/ ١١٥) وزاد عزوه إلى ابن المنذر والطبراني والبيهقي في الدلائل وابن عساكر.\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز: \"حتى بلغ\".\n[¬٣]- في خ: \"وأنزلت\".\n[¬٤]- في ز: \"عن\".\n[¬٥]- في خ، ز: \"شعبة\".\n[¬٦]- في خ، ز: \"شعبة\".\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. ز.\n[¬٨]- سقط من: خ، ز.\n[¬٩]- في ز: \"بمعنى\".\n[¬١٠]- في ز: \"يقومون\".","vol":"3","page":162},{"text":"الصَّالِحِينَ﴾ وهؤلاء هم المذكورون في آخر السورة ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ [لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ]﴾، ولهذا [¬١] قال تعالى هاهنا: ﴿وَمَا يَفْعَلُوا [¬٢] مِنْ خَيرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ [¬٣]﴾ أي: لا يضيع عند اللَّه، بل يجزيهم [¬٤] به أوفر الجزاء ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ﴾ أي: لا يخفى عليه عمل عامل، ولا يضيع لديه أجر من أحسن عملًا.\nثم قال تعالى مخبرًا عن الكفرة المشركين بأنه: ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيئًا﴾ أي: لا [¬٥] تردّ [¬٦] عنهم بأس اللَّه ولا عذابه إذا أراده [¬٧] بهم، ﴿وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.\nثم ضرب مثلًا لا ينفقه الكفار في هذه الدار -قاله مجاهد، والحسن، والسدي- فقال تعالى: ﴿مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ﴾ أي: برد شديد، قال ابن عباس، وعكرمة، وسعيد بن جبير، والحسن، وقتادة والضحاك، والربيع بن أنس وغيرهم. وقال عطاء: برد وجليد، وعن ابن عباس أيضًا ومجاهد ﴿فِيهَا صِرٌّ﴾ أي: نار، وهو يرجع إلى الأول، فإن البرد الشديد، ولا [¬٨] سيما الجليد [¬٩] يحرق الزروع والثمار، كما يحرق الشيء بالنار، ﴿أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ﴾ أي: وأحرقته [¬١٠]، يعني بذلك السفعة [¬١١]، إذا نزلت على حرث قد آن جداده [¬١٢] أو حصاده فدمّرته، وأعدمت ما فيه من ثمر أو زرع، فذهبت به وأفسدته؛ فعدمه صاحبه أحوج ما كان إليه. فكذلك الكفار، يمحق اللَّه ثواب أعمالهم في هذه الدنيا وثمرها [¬١٣]، كما يذهب [¬١٤] ثمرة هذا [¬١٥] الحرث بذنوب صاحبه. وكذلك هؤلاء بنوها على غير أصل، وعلى غير أساس، ﴿وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾.\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَاعَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ\n_________\n[¬١]- في ز: \"وهكذا\".\n[¬٢]- في خ، ز: \"تفعلوا\".\n[¬٣]- في خ، ز: \"تكفروه\".\n[¬٤]- في خ، ز: \"يجزيكم\".\n[¬٥]- سقط من: خ.\n[¬٦]- في ز: \"يرد\".\n[¬٧]- في خ: \"أراد\".\n[¬٨]- سقط من: خ، ز.\n[¬٩]- في ز: \"والجليد\".\n[¬١٠]- في ت: \"فأحرقته\".\n[¬١١]- في ز: \"سقعة\".\n[¬١٢]- في ت، خ: \"جذاذه\".\n[¬١٣]- في خ: \"وثمرتها\".\n[¬١٤]- في خ، ز: \"أذهب\".\n[¬١٥]- في ز: \"هذه\".","vol":"3","page":163},{"text":"الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (١١٨) هَاأَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١١٩) إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيدُهُمْ شَيئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾\nيقول ﵎، ناهيًا عباده المؤمنين عن اتخاذ المنافقين ﴿بِطَانَةً﴾ أي: يطلعونهم على سرائرهم، وما يضمرونه لأعدائهم، والمنافقون بجهدهم وطاقتهم [¬١] لا يألون المؤمنين خبالًا؛ أي: يسعون في مخالفتهم، وما يضرهم بكل ممكن، وبما يستطيعونه من المكر والخديعة، ويودّون ما يعنت المؤمنين ويحرجهم ويشق عليهم.\nوقول تعالى: ﴿لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾ أي: من غيركم من أهل الأديان.\nوبطانة الرجل هم خاصة أهله؛ الذين يطلعون على داخلة [¬٢] أمره.\nوقد روى البخاري، والنسائي، وغيرهما من حديث جماعة، منهم يونس، ويحيى بن سعيد، وموسى بن عقبة، وابن أبي عتيق، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي سعيد، أن رسول اللَّه، ﷺ، قال: \"ما بعث اللَّه من نبي، ولا استخلف من خليفة، إلا كانت له بطانتان، بطانة تأمره بالخير وتحضه عليه، وبطانة تأمره بالسوء وتحضه عليه، والمعصوم من عصَمَ اللَّه (^٢٩٧).\n_________\n(^٢٩٧) - أخرجه البخاري في كتاب القدر، باب المعصوم من عصم اللَّه، حديث (٦٦١١)، وكتاب: الأحكام، باب: بطانة الإمام وأهل مشورته، حديث (٧١٩٨)، والنسائي في \"سننه\" (٧/ ١٥٨) كتاب: البيعة، باب: بطانة الإمام، وأحمد في \"مسنده\": (٣/ ٣٩، ٨٨)، والبيهقي في \"الكبرى\" (١٠/ ١١١) وأبو يعلى في \"مسنده\" (٢/ ٤٢٨) رقم (١٢٢٨)، وابن حبان في \"صحيحه\" (١٤/ ٧٢ - الإحسان) رقم (٦١٩٢) من طرق عن الزهري عن أبي سلمة، عن أبي سعيد الخدري.\nوأخرجه أحمد في \"مسنده\" \" ٢/ ٢٣٧)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (١٠/ ١١١)، وأبو يعلى في \"مسنده\" (١٠/ ٣٠٧، ٣٠٨) رقم (٥٩٠١)، وابن حبان في \"صحيحه\" (١٤/ ٧٠، ٧١ / الإحسان) رقم (٦١٩١). كلهم من طرق عن الأوزاعي، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، به بنحوه. وعلق البخاري بإثر الحديث (٧١٩٨) فقال: \"وقال الأوزاعي ومعاوية بن سلام حدثني الزهري، حدثني أبو سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ وقال ابن أبي حسين وسعيد بن زياد عن أبي سلمة عن =\n_________\n[¬١]- في خ، ز: \"بطانتهم\".\n[¬٢]- في خ، ت: \"داخل\".","vol":"3","page":164},{"text":"وقد رواه الأوزاعي ومعاوية بن سلام، عن الزهري، عن أبي سلمة [عن أبي هريرة مرفوعًا بنحوه، فيحتمل أنه عند الزهري، عن أبي سلمة] [¬١] عنهما وأخرجه النسائي عن الزهري أيضًا، وعلقه البخاري في صحيحه، فقال: وقال عبيد اللَّه بن أبي جعفر، عن صفوان بن سليم، عن أبي سلمة، عن أبي أيوب الأنصاري مرفوعًا فذكره. فيحتمل أنه عند أبي سلمة، عن ثلاثة من الصحابة، واللَّه أعلم.\nوقال ابن أبي حاتم، حدثنا أبي [¬٢]، [حدثنا أبو أيوب محمد بن الوزان، حدثنا عيسى بن يونس، عن أبي حيان التيمي، عن أبي] [¬٣] الزنباع، عن ابن أبي الدهقانة قال: قيل لعمر بن الخطاب ﵁: إن هاهنا غلامًا من أهل الحيرة، حافظ كاتب [¬٤]، لو [¬٥] اتخذته كاتبًا؟ فقال: قد اتخذت إذا بطانة من دون المؤمنين (^٢٩٨).\n_________\n= أبي سعيد قوله. وقال عبد اللَّه بن أبي جعفر: ثني صفوان، عن أبي سلمة، عن أبي أيوب قال: سمعت النبي ﷺ.\nوأخرجه أحمد في \"مسنده\" (٢/ ٢٨٩)، والنسائي في \"سننه\" (٧/ ١٥٨)، وكتاب البيعة، باب: بطانة الإمام، وفي التفسير من \"الكبرى\" (٥/ ٢٣٠) رقم (٨٧٥٥)، (٨٧٥٦). من طرق عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة به.\nوأخرجه أبو يعلى في \"مسنده\" (١٠/ ٣٩٧) رقم (٦٠٠٠)، (١٠/ ٤١٥) رقم (٦٠٢٣). من طريقين عن أبي سلمة عن أبي هريرة به.\nوأخرجه النسائي في \"سننه\" (٧/ ١٥٨) كتاب البيعة، باب: بطانة الإمام، وفي التفسير من \"الكبرى\" (٥/ ٢٣٠) رقم (٨٧٥٧) من طريق عبد اللَّه بن أبي جعفر عن صفوان عن أبي سلمة عن أبي أيوب الأنصاري.\nوأخرجه ضمن حديث مطول البخاري في \"الأدب المفرد\" رقم (٢٥٦)، والترمذي في \"سننه\": كتاب الزهد، باب: ما جاء في معيشة أصحاب النبي ﷺ حديث (٢٣٦٩)، وفي الشمائل (١٣٤)، والحاكم في \"المستدرك\" (٤/ ١٣١). كلهم من طرق عن عبد الملك بن عمير عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة به. وقال الترمذي: حديث حسن صحيح غريب. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد على شرط الشيخين ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي. وقال الشيخ الألباني- حفظه اللَّه في \"صحيح الأدب المفرد\": \"صحيح\" وانظر \"السلسلة الصحيحة\" حديث (١٦٤١).\n(^٢٩٨) - أخرجه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٢/ ٥٠٠) رقم (١٢٧٤). وأخرجه ابن أبي شيبة عن علي بن مسهر عن أبي حيان التيمي بنفس الإسناد بنحو المصنف (٨/ ٤٧٠) رقم (٥٩٢٣). وذكره السيوطي في \"الدر\" (٢/ ١١٨) وزاد عزوه إلى عبد بن حميد.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٢]- في خ: \"ابن\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٤]- في خ: \"كتاب\".\n[¬٥]- في خ: \"فلو\".","vol":"3","page":165},{"text":"ففي هذا الأثر مع هذه الآية دليل [¬١] على أن أهل الذمّة لا يجوز استعمالهم في الكتابة التي فيها استطالة على المسلمين، واطلاع على دواخل أمورهم، التي يخشى أن يفشوها إلى الأعداء من أهل الحرب، ولهذا قال تعالى: ﴿لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَاعَنِتُّمْ﴾.\nوقال الحافظ: أبو يعلى: حدثنا إسحاق بن إسرائيل، حدثنا هشيم، حدثنا العوّام، عن الأزهر بن راشد قال: كانوا يأتون أنسًا؛ فإذا حدّثهم بحديث لا يدرون ما هو، أتوا الحسن -يعني البصري- فيفسره لهم، قال: فحدّث ذات يوم عن النبي ﷺ أنه قال: \"لا تستضيئوا بنار المشركين ولا تنقشوا في خواتيمكم عربيًّا\" فلم يدروا ما هو، فأتوا الحسن فقالوا له: إن أنسًا حدثنا، أن رسول اللَّه ﷺ قال: \"لا تستضيئوا بنار المشركين، ولا تنقشوا في خواتيمكم [¬٢] عربيًّا\". فقال الحسن: أما قوله: \"لا تنقشوا في [¬٣] خواتيمكم عربيًّا\" محمد ﷺ، وأما قوله: \"لا تستضيئوا بنار المشركين\"؛ يقول: لا تستشيروا المشركين في أموركم. ثم قال الحسن: تصديق ذلك في كتاب اللَّه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾ (^٢٩٩).\n_________\n(^٢٩٩) - الأزهر بن راشد البصري: ثقة. ترجم له البخاري في الكبير (١/ ٤٥٥) رقم (١٤٥٩) وابن أبي حاتم (١/ ٣١٣) رقم (١١٧٨) فلم يذكر فيه جرحًا.\nقال الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على تفسير الطبري (٧/ ١٤٢): وهناك راو آخر اسمه \"الأزهر بن راشد الكاهلي\" وهو كوفي، وهو غير البصري، ومتأخر عنه، وترجم له البخاري وابن أبي حاتم أيضًا - فإن البصري يروي عنه \"العوام بن حوشب\" المتوفى سنة ١٤٨، والكوفي الكاهلي يروى عنه \"مروان بن معاوية الفزاري المتوفى سنة ١٩٣، ومروان بن معاوية من شيوخ أحمد، والعوام بن حوشب من شيوخ شيوخه، فشتان هذا وهذا، ومع هذا الفرق الواضح أخطأ الحافظ المزي، فذكر في التهذيب الكبير أن أبا حاتم قال في البصري: \"مجهول\". وتبعه الحافظ في \"تهذيب التهذيب\"، والذهبي في \"الميزان\" وزاد الأمر تخليطا، فذكر أنه ضعفه ابن معين!! وابن معين وأبو حاتم إنما قالا ذلك في الكاهلي الكوفي، فروى ابن أبي حاتم في ترجمة \"الكاهلي\" (١/ ٣١٣) رقم (١١٨٠) عن ابن معين قال: \"أزهر بن راشد الذي روى عنه مروان بن معاوية: ضعيف\". ثم قال: سألت أبي عن أزهر بن راشد؟ فقال: هو مجهول. ولم يحقق الحافظ ابن حجر، واشتبه عليه الكلام في الترجمتين، فقال في ترجمة \"الكاهلى\" بعد ترجمة \"البصري\": \"أخشى أن يكونا واحذا! لكن فرق بينهما ابن معين\". والفرق بينهما كالشمس انتهى كلام الشيخ أحمد شاكر ﵀. وانظر ترجمة \"أزهر بن راشد البصري\" في \"التاريخ الكبير\" (١/ ٤٥٥) رقم (١٤٥٩)، و\"تهذيب الكمال\" (١/ ٣٢١، ٣٢٢) رقم (٣٠٤)، و\"تهذيب التهذيب\" (١/ ١٧٦) رقم (٣٧٩)، و\"ميزان الاعتدال\" (١/ ١٧١) رقم (٦٩٣)، و\"الجرح والتعديل\" (/ ٣١١) رقم (١١٧٨) وترجمة \"أزهر بن راشد الكوفي الكاهلي\" في: \"التاريخ الكبير\" (١/ ٤٥٥، ٤٥٦) رقم (١٤٦٠)، و\"تهذيب الكمال\" (٢/ ٣٢٢) رقم (٣٠٥)، و\"تهذيب التهذيب\" (١/ ١٧٦)، =\n_________\n[¬١]- في خ: \"دلالة\".\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- سقط من: خ.","vol":"3","page":166},{"text":"هكذا رواه الحافظ أبو يعلى -رحمه اللَّه تعالى- وقد رواه النسائي عن مجاهد بن موسى، عن هشيم، ورواه الإِمام، أحمد عن هشيم بإسناده مثله، من غير ذكر تفسير الحسن البصري.\nوهذا التفسير فيه نظر، ومعناه ظاهر: \"لا تنقشوا في خواتيمكم عربيًّا\" أي: بخط عربي لئلا يشابه نقش خاتم النبي ﷺ، فإنه كان نقشه محمد رسول اللَّه، ولهذا جاء في الحديث الصحيح أنه نهى أن ينقش أحد على نقشه. وأما الاستضاءة [¬١] بنار المشركين، فمعناه لا تقاربوهم في المنازل؛ بحيث تكونون معهم في بلادهم، بل تباعدوا منهم وهاجروا من بلادهم، ولهذا روى أبو داود: \"لا تتراءى ناراهما\" (^٣٠٠). وفي الحديث الآخر:\n_________\n= و\"ميزان الاعتدال\": (١/ ١٧١)، و\"الجرح والتعديل (١/ ٣١٣). والحديث أخرجه الطبري في \"تفسيره\" (٢/ ١٤٧) رقم (٧٦٨٥)، والبيهقي في \"شعب الإيمان\" (٧/ ٤٠) رقم (٩٣٧٥) من طريق هشيم بسياق أبي يعلى به.\nوأخرجه أحمد في \"مسنده\" (٣/ ٩٩)، والنسائي في \"سننه\" (٨/ ١٧٦) كتاب الزينة، باب: قول النبي ﷺ: \"لا تنقشوا على خواتيكم عربيًّا، والبخاري في \"الكبير\" (١/ ٤٥٥)، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٢/ ٤٩٨ - ٤٩٩) رقم (١٢٧٢) من طريق هشيم به، دون ذكر كلام الحسن البصري. وذكره السيوطي في \"الدر\" (٢/ ١١٨) وزاد عزوه إلى عبد بن حميد وابن المنذر والبيهقي في الشعب.\n(^٣٠٠) - حديث صحيح، أخرجه أبو داود في \"سننه\" كتاب الجهاد، باب: النهي عن قتل من اعتصم بالسجود، حديث (٢٦٤٥)، والترمذي في \"سننه\" كتاب: السير، باب: ما جاء في كراهية المقام بين أظهر المشركين حديث (٢٦٠٤). من حديث أبي معاوية، عن إسماعيل بن خالد، عن قيس بن أبي حازم عن جرير قال: قال النبي ﷺ: \"أنا بريء من كل مسلم مقيم بين أظهر المشركين لا تتراءى داراهما\" وذكره البغوي في \"شرح السنة\" (١٠/ ٣٧٣). وصححه الشيخ الألباني -حفظه اللَّه- كما في صحيح \"سنن أبي داود\" (٢/ ٥٠١، ٥٠٢) رقم (٢٦٤٥). وقال: \"صحيح\" دون جملة العقل.\nوأخرجه النسائي في \"سننه\" (٨/ ٣٦) كتاب: القسامة، باب: القود بغير حديدة. مرسلًا عن قيس أن رسول اللَّه ﷺ فذكره.\nوله شاهد يقويه من حديث معاوية بن حيدة: أخرجه النسائي في \"سننه\" (٥/ ٨٢، ٨٣)، كتاب الزكاة، باب: من سأل بوجه اللَّه ﷿، وابن ماجه في \"سننه\" كتاب الحدود، باب: المرتد عن دينه، حديث (٢٥٣٦)، وأحمد في \"مسنده\" (٥، ٤/ ٥) من حديث بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده أن رسول اللَّه ﷺ قال: \"لا يقبل اللَّه ﷿ من مشرك بعد ما أسلم عملًا أو يفارق المشركين إلى المسلمين\". وإسناده حسن.\nوله شاهد أيضًا من حديث جرير بن عبد اللَّه: أخرجه أحمد في \"مسنده\" (٤/ ٣٦٥)، والنسائي في \"سننه\" (٧/ ١٤٨): كتاب البيعة، باب: البيعة على فراق المشرك، عن أبي نخيلة البجلي قال: قال جرير: \"أتيت النبي ﷺ وهو يبايع فقلت: يا رسول اللَّه ابسط يدك حتى أبايعك واشترط علي فأنت أعلم. قال: \"أبايعك على أن تعبد اللَّه وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة وتناصح المسلمين وتفارق المشركين\".\n_________\n[¬١]- في خ: \"الإضاءة\".","vol":"3","page":167},{"text":"\"من جامع المشرك أو سكن معة فهو مثله\" (^٣٠١). فحملُ الحديث على ما قاله الحسن ﵀، والاستشهاد عليه بالآية فيه نظر، واللَّه أعلم.\nثم قال تعالى: ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ أي: قد لاح على صفحات وجوههم، وفلتات ألسنتهم من العداوة مع [¬١] ما هم مشتملون عليه في صدورهم، من البغضاء للإِسلام وأهله؛ ما لا يخفى مثله على لبيب عاقل [¬٢] ولهذا قال تعالى: ﴿قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾.\nوقوله تعالى: ﴿هَاأَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ﴾ أي: أنتم أيها المؤمنون تحبون المنافقين بما يظهرون لكم الإيمان، فتحبونهم على ذلك، وهم لا يحبونكم لا باطنًا ولا ظاهرًا ﴿وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ﴾ أي: ليس عندكم في شيء منه شك ولا ريب، وهم عندهم الشك والريب والحيرة.\nوقال محمد بن إسحاق: حدّثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة، أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﴿وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ﴾ أي: بكتابكم وكتابهم وبما مضى من الكتب قبل ذلك، وهم يكفرون بكتابكم، فأنتم أحق بالبغضاء لهم منهم لكم. رواه ابن جرير (^٣٠٢).\n﴿وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيظِ﴾، والأنامل أطراف الأصابع، قاله قتادة.\nوقال الشاعر:\nأوُدُّكما [¬٣] ما بَلَّ حَلْقِي رِيقَتي … وما حملت كفاي أنملي العشرا\nوقال ابن مسعود والسدي والربيع بن أنس: الأنامل الأصابع. وهذا شأن المنافقين يظهرون للمؤمنين الإِيمان والمودّة، وهم في الباطن بخلاف ذلك من كل وجه، كما قال\n_________\n(^٣٠١) - حديث صحيح، أخرجه أبو داود في \"سننه\" كتاب: الجهاد، باب: في الإقامة بأرض الشرك، حديث (٢٧٨٧) من طريق سليمان بن موسى أبي داود، عن جعفر بن سعد بن سمرة بن جندب، عن خبيب بن سليمان، عن أبيه سليمان بن سمرة، عن سمرة به جندب: أما بعد قال رسول الله ﷺ: \"من جامع المشرك ومسكن معه فإنه مثله\". وذكره البغوي في \"شرح السنة\" (١٠/ ٣٧٤). وصححه الشيخ الألباني -حفظه اللَّه- كما في \"صحيح سنن أبي داود\" (٢/ ٥٣٦) رقم (٢٤٢٠).\n(^٣٠٢) - أخرجه ابن جرير في تفسيره\" (٧/ ١٤٩) رقم (٧٦٩٥). وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" (٢/ ١١٩) وعزاه إلى ابن إسحاق وابن جرير وابن المنذر.\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- في خ: \"أوديكها\".","vol":"3","page":168},{"text":"تعالى: ﴿وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيظِ﴾ وذلك أشد الغيظ والحنق، قال اللَّه تعالى: ﴿قُلْ مُوتُوا بِغَيظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ أي: مهما كنتم تحسدون عليه المؤمنين ويغيظم ذلك منهم، فاعلموا أن اللَّه متم نعمته على عباده المؤمنين ومكمل دينه، ومعل كلمته، ومظهر دينه، فموتوا أنتم بغيظكم ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ أي: هو عليم بما تنطوي عليه ضمائركم، وتكنه سرائركم من البغضاء والحسد والغل للمؤمنين، وهو مجازيكم عليه في الدنيا بأن يريكم خلاف ما تأملون، وفي الآخرة بالعذاب الشديد في النار التي أنتم خالدون فيها، [لا محيد لكم عنها] [¬١]، ولا [¬٢] خروج لكم منها. ثم قال تعالى ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا﴾ وهذه الحال دالة على شدة العداوة منهم للمؤمنين، وهو أنه إذا أصاب المؤمنين خصب ونصر وتأييد وكثروا وعز أنصارهم ساء ذلك المنافقين، وإن أصاب المسلمين [¬٣] سنة أي [¬٤]: جدب، أو أديل عليهم الأعداء [¬٥]، لما للَّه تعالى في ذلك بن الحكمة، كما جرى يوم أحد - فرح [¬٦] المنافقون بذلك، قال اللَّه تعالى مخاطبا عباده المؤمنين: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيدُهُمْ شَيئًا﴾ الآية، يرشدهم تعالى إلى السلامة من شر الأشرار، وكيد الفجار باستعمال الصبر والتقوى والتوكل على اللَّه الذي هو محيط بأعدئهم، فلا حول ولا قوّة لهم إلا به، وهو الذي ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، ولا يقع في الوجود شيء إلا بتقديره ومشيئته. ومن توكل عليه كفاه.\nثم شرع تعالى في ذكر قصة أحد، وما كان فيها من الاختبار [¬٧] لعباده المؤمنين، والتمييز بين المؤمنين والمنافقين، وبيان صبر [¬٨] الصابرين فقال تعالى:\n﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٢١) إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٢٢) وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢٣)﴾\nالمراد بهذه الواقعة يوم أحد عند الجمهور، قاله ابن عباس، والحسن، وقتادة، والسدي،\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٢]- في خ: \"فلا\".\n[¬٣] في خ: \"المؤمنين\".\n[¬٤]- في خ: \"أما\".\n[¬٥]- سقط من: ت.\n[¬٦]- في خ: \"فخرج\".\n[¬٧]- في خ: \"الإحسان\".\n[¬٨]- سقط من: ت.","vol":"3","page":169},{"text":"وغير واحد. وعن الحسن البصري المراد بذلك يوم الأحزاب. ورواه ابن جرير (^٣٠٣)، وهو غريب لا يعوّل عليه.\nوكانت وقعة أحد يوم السبت من شوّال سنة ثلاث من الهجرة، قال قتادة [¬١]: لإِحدى عشرة ليلة خلت من شوّال، وقال عكرمة: يوم السبت للنصف من شوّال، واللَّه أعلم.\nوكان سببها أن المشركين حين قتل من قتل من أشرافهم يوم بدر، وسلمت العير بما فيها من التجارة التي كانت مع أبي سفيان، فلما رجع قَفَلُهم إلى مكة قال أبناء من قتل، ورؤساء من بقي لأبي سفيان: أرصد هذه الأموال لقتال محمد. فأنفقوها في ذلك، فجمعوا [¬٢] الجموع والأحابيش، وأقبلوا في قريب من ثلاثة الآف، حتى نزلوا قريبًا من أحد، تلقاء المدينة. فصلى رسول اللَّه ﷺ يوم الجمعة، فلما فرغ منها، صلى على رجل من بني النجار يقال له مالك بن عمرو، واستشار رسول اللَّه ﷺ الناسَ: أيخرج إليهم أم يمكث بالمدينة؟ فأشار عبد اللَّه بن أبَيّ بالمقام بالمدينة، فإن أقاموا أقاموا بشر محبس، وإن دخلوها قاتلهم الرجال في وجوههم، ورماهم النساء والصبيان بالحجارة من فوقهم، وإن رجعوا رجعوا خائبين. وأشار آخرون من الصحابة ممن لم يشهد بدرًا بالخروج إليهم، فدخل رسول اللَّه ﷺ فلبس لأمته وخرج عليهم؛ وقد ندم بعضهم، وقالوا [¬٣]: لعلنا استكرهنا رسول اللَّه ﷺ فقالوا: يا رسول اللَّه؛ إن شئت أن نمكث، فقال رسول اللَّه ﷺ \"ما ينبغي لنبي إذا لبس لأمته أن يرجع حتى يحكم اللَّه له\" (^٣٠٤) فسار ﷺ في ألف من\n_________\n(^٣٠٣) - إسناده حسن، أخرجه ابن جرير الطبري في \"تفسيره\" (٧/ ١٦٠، ١٦١) رقم (٧٧١٤)، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٢/ ٥١١) رقم (١٣٨٧) كلاهما عن أبي بكر الحنفي، ثنا عباد بن منصور قال: سألت الحسن عن قوله: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قال: يعني محمد ﷺ يبوئ المؤمنين مقاعد للقتال يوم الأحزاب\".\n(^٣٠٤) - روى هذا من حديث: جابر بن عبد اللَّه، ومن حديث ابن عباس.\nأما حديث جابر بن عبد اللَّه: فقد أخرجه النسائي في \"التعبير\" من الكبرى (٤/ ٣٨٩) رقم (٧٦٤٧)، والدارمي في \"سننه\" (٢/ ٥٥) كتاب الرؤيا، باب: في القميص والبئر واللبن والعسل والسمن والتمر وغير ذلك في النوم، حديث (٢١٦٥) وأحمد في \"مسنده\" (٣/ ٣٥١)، وابن الجاورد في \"المنتقى\" ص (٣٩١) باب: ما جاء في لبس الدرع، والبيهقي في \"السنن (٧/ ٤١) من طريق حماد عن أبي الزبير عن جابر بن عبد اللَّه به. وفيه: \"ما كان لنبي أن يلبس لأمته ثم يخلعها حتى يقاتل\".\nوأما حديث ابن عباس: فقد أخرجه أحمد في \"مسنده\" (١/ ٢٧١)، والحاكم في \"المستدرك\" (٢/ ١٢٨، ١٢٩). من طريق ابن أبي الزناد عن أبيه عن عبد الله بن عبد اللَّه بن عتبة عن ابن عباس. وفيه: \"ما ينبغي لنبي أن يضع أداته بعد أن لبسها حتى يحكم اللَّه بينه وبين عدوه\". وقال الحاكم:=\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- في خ: \"وأجمعوا\".\n[¬٣]- في خ: \"وقال\".","vol":"3","page":170},{"text":"أصحابه فلما كانوا [¬١] بالشوط رجع عبد اللَّه بن أبي [بثلث الجيش] [¬٢] مغضبًا، لكونه لم يرجع إلى قوله.\nوقال هو وأصحابه: لو نعلم اليوم قتالًا لاتبعناكم، ولكنا لا نراكم تقاتلون اليوم، واستمر رسول اللَّه ﷺ سائرًا حتى نزل الشعب من أحد في عدوة الوادي: وجعل ظهره وعسكره إلى أحد وقال: \"لا يقاتلن أحد حتى نأمره بالقتال\".\nوتهيأ رسول اللَّه ﷺ، للقتال وهو في سبعمائة من أصحابه. وأمر على الرماة عبد اللَّه بن جبير أخا بني عمرو بن عوف. والرماة يومئذ خمسون رجلًا، فقال لهم: \"انضحوا الخيل عنا ولا نؤتين من قبلكم، والزموا مكانكم إن كانت النوبة لنا أو علينا، وإن رأيتمونا تخطفنا الطير فلا تبرحوا مكانكم\" (^٣٠٥).\nوظاهر رسول اللَّه ﷺ بين درعين. وأعطى اللواء مصعب بن عمير أخا بني عبد الدار. وأجاز رسول اللَّه ﷺ بعض الغلمان يومئذ. وأرجأ آخرين حتى أمضاهم يوم الخندق بعد هذا اليوم بقريب من سنتين.\n_________\n= حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه\". وعلقه البخاري في \"صحيحه\" (١٣/ ٣٣٩) باب: قول اللَّه تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَينَهُمْ﴾ قبل حديث (٧٣٦٩).\nوقد وصلها الحافظ في \"تغليق التعليق\" (٥/ ٣٣٠، ٣٣١) وقال: أما قصة المشاورة هم أحد فرويناها من طريق ابن عباس ومن طريق جابر. وقال في \"الفتح\" (١٣/ ٣٤١):\nوقد وصلها الطبراني وصححها الحاكم من رواية عبد اللَّه بن وهب، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة، عن ابن عباس فذكره. وقال: وهذا سند حسن.\nوقال -أيضًا- في \"هدي الساري\" ص (٧٠) وصله أحمد والحاكم والطبراني بتمامه، والنسائي وابن ماجه مختصرًا من حديث ابن عباس. ورواه أحمد بن حنبل بتمامه عن سريج بن النعمان عن ابن أبي الزناد.\n(^٣٠٥) - أخرجه أحمد في \"مسنده\" (١/ ٢٨٧، ٢٨٨)، والطبراني في \"المعجم الكبير\" (١٠/ ٣٦٥) رقم (١٠٧٣١)، والبيهقي في \"الدلائل (٣/ ٢٦٩)، والحاكم في المستدرك (٢/ ٢٩٦، ٢٩٧) من حديث ابن عباس مطولا. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي. وإسناده حسن لكلام في أحد رجال إسناده وفيه: \"احموا ظهورنا، فإن رأيتمونما نقتل فلا تنصرونا، وإن رأيتمونا قد غنمنا فلا تشركونا\".\nوأخرجه البخاري في \"صحيحه\" كتاب الجهاد، باب: ما يكره من التنازع والاختلاف في الحرب، حديث (٣٠٣٩) وأطرافه في (٤٠٤٣، ٤٠٦٧، ٤٥٦١)، وأبو داود في \"سننه\" كتاب: الجهاد، باب: في الكمناء، حديث (٢٦٦٢)، وأحمد في \"\"مسنده\" (٤/ ٢٩٣) من حديث البراء بن عازب به. وفيه: \"إن رأيتمونا تخطفنا الطير فلا تبرحوا مكانكم هذا حتى أرسل إليكم، وإن رأيتمونا هزمنا القوم ووطأناهم فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم\".\n_________\n[¬١]- في خ: \"كان\".\n[¬٢]- في خ: \"ثلث القوم\".","vol":"3","page":171},{"text":"وتهيأت [¬١] قريش وهم ثلاثة الآف. ومعهم مائتا فرس قد جنبوها. فجعلوا على ميمنة الخيل خالد بن الوليد وعلى الميسرة عكرمة بن أبي جهل. ودفعوا اللواء إلى بني عبد الدار، ثم كان بين الفريقين ما سيأتي تفصيله في مواضعه [عند هذه الآيات] [¬٢] إن شاء الله تعالى.\nولهذا قال تعالى: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾ أي: تنزلهم منازلهم، وتحعلهم ميمنة وميسرة، وحيث أمرتهم ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ أي: سميع لما تقولون، عليم بضمائركم.\nوقد أورد ابن جرير هاهنا سؤالًا حاصله: كيف تقولون: إن النبي ﷺ خرج [¬٣] إلى أحد يوم الجمعة بعد الصلاة، وقد قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾ الآية؟ ثم كان جوابه عنه: أن غدوه ليبوأهم مقاعد إنما كان يوم السبت أول النهار.\nوقوله تعالى: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا﴾ الآية، قال البخاري: حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا سفيان قال: قال عمرو: سمعت جابر بن عبد الله يقول: فينا نزلت: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا﴾ الآية قال: نحن الطائفتان: بنو حارثة وبنو سلمة وما نحب -وقال سفيان مرة- وما يسرني أنها لم تنزل، لقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾ (^٣٠٦).\nوكذا رواه مسلم من حديث سفيان بن عيينة به، وكذا قال غير واحد من السلف: إنهم بنو حارثة وبنو سلمة.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ أي [¬٤]: في [¬٥] بدر، وكان يوم جمعة وافق السابع عشر من شهر رمضان، من سنة اثنتين من الهجرة، وهو يوم الفرقان الذي أعز الله فيه الإسلام وأهله، ودمغ فيه الشرك وخرب\n_________\n(^٣٠٦) - أخرجه البخاري في \"صحيحه\" كتاب المغازي، باب: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ حديث (٤٠٥١)، وكثاب التفسير، باب: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا﴾ حديث (٤٥٥٨)، ومسلم في \"صحيحه\" كتاب: فضائل الصحابة، حديث ١٧١ - (٢٥٠٥) كلاهما من حديث سفيان بن عيينة عن عَمْرو عن جابر به.\n_________\n[¬١]- في خ: \"وتعبأت\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ت.\n[¬٣]- في خ: \"سار\".\n[¬٤]- سقط من: خ.\n[¬٥]- في ز: \"يوم\".","vol":"3","page":172},{"text":"محله [وحزبه، هذا] [¬١] مع قلة عدد المسلمين يومئذ، فإنهم كانوا ثلثمائة وثلاثة عشر رجلًا، فيهم فرسان وسبعون بعيرًا، والباقون مشاة ليس معهم من العُدَد جميع ما يحتاجون إليه. وكان العدو يومئذ ما بين التسعمائة إلى الألف، في سوابغ الحديد والبيض والعدة الكاملة والخيول المسومة والحلي الزائد، فأعز الله رسوله وأطهر وحيه وتنزيله، وبيض وجه النبي وقبيله وأخزى الشيطان وجيله، ولهذا قال تعالى ممتنًّا على عباده المؤمنين وحزبه المتقين: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ أي: قليل عددكم، لتعلموا أن النصر إنما هو من عند اللَّه، لا بكثرة العَدد والعُدد، ولهذا قال تعالى في الآية الأخرى: ﴿وَيَوْمَ حُنَينٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيئًا﴾ إلى ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.\nوقال الإمام أحمد (^٣٠٧): حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن سماك، قال [¬٢]: سمعت عياضًا الأشعري قال: شهدت اليرموك وعلينا خمسة أمراء: أبو عبيدة، ويزيد بن أبي سفيان، وابن حسنة، وخالد بن الوليد، وعياض -وليس عياض هذا الذي حدث سماكًا- قال: وقال عمر ﵁: إذا كان قتالا فعليكم أبو عبيدة. قال [¬٣]: فكتبنا إليه أنه: قد جاش إلينا الموت. واستمددناه، فكتب إلينا: إنه قد جاءني كتابكم تستمدونني، وإني أدلكم على من هو أعز نصرًا، وأحصن جندًا، الله ﷿ فاستنصروه، بأن محمدًا ﷺ قد نصر في [¬٤] يوم بدر، في أقل من عدتكم، فإذا جاءكم كتابي هذا [¬٥] فقاتلوهم ولا تراجعوني. قال: فقاتلناهم فهزمناهم أربعة فراسخ. قال: وأصبنا أموالًا فتشاورنا، فأشار علينا عياض أن نعطي عن كل ذي رأس عشرة، قال: وقال أبو عبيدة: من يراهنني؟ فقال شاب: أنا إن لم تغضب. قال: فسبقه، فرأيت عقيصتي أبي عبيدة تنقزان [¬٦] وهو خلفه على فرس عُزي [¬٧].\nهذا إسناد صحيح، وقد أخرجه ابن حبان في صحيحه، من حديث بندار، عن غندر بنحوه، واختاره الحافظ الضياء المقدسي في كتابه.\n_________\n(^٣٠٧) - إسناده حسن، أخرجه أحمد في \"مسنده\" (١/ ٤٩). وأخرجه ابن حبان في \"صحيحه\" (١١/ ٨٣: ٨٥ / الإحسان) رقم (٤٧٦٦) من طريق محمد بن بشار، عن محمد جعفر، عن شعبة، عن سماك بن حرب، عن عياض الأشعري به. وذكره الهيثمي في \"المجمع\" (٦/ ٢١٦) وقال: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- سقط من: ت.\n[¬٤]- سقط من: خ.\n[¬٥]- سقط من: خ.\n[¬٦]- في خ: \"سعران\".\n[¬٧]- في خ: \"عدي\". وفرس عري: بلا سرج.","vol":"3","page":173},{"text":"وبدر محلة بين مكة والمدينة، تعرف ببئرها [¬١] منسوبة إلى رجل حفرها، يقال له: بدر بن النارين، قال الشعبي. بدر بئر لرجل يسمى بدرًا.\nوقوله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ أي: تقومون بطاعته.\n﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ (١٢٤) بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ (١٢٥) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إلا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إلا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١٢٦) لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ (١٢٧) لَيسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ (١٢٨) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾\nاختلف المفسررن في هذا [¬٢] الوعد: هل كان يوم بدر أو يوم أحد؟ على قولين: (أحدهما): أن قوله: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ متعلق بقوله: ﴿وَلَقَدْ [¬٣] نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ﴾، وروي هذا عن الحسن البصري، وعامر الشعبي، والربيع بن أنس وغيرهم، واختاره ابن جرير.\nقال عباد بن منصور عن الحسن في قوله: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ﴾ قال: هذا يوم بدر، رواه ابن أبي حاتم (^٣٠٨).\nثم قال: حدثنا أبي، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا رهيب، حدَّثنا [¬٤] دارد، عن عامر -يعني الشعبي- أن المسلمين بلغهم يوم بدر أن كرز بن جابر يمد المشركين، فشق ذلك عليهم، فأنزل الله تعالى: ﴿أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ﴾ إلى قوله ﴿مُسَوِّمِينَ﴾ قال: فبلغت كرزًا الهزيمة، فلم يمد المشركين، ولم\n_________\n(^٣٠٨) - أخرجه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٢/ ٥١٩) رقم (١٣٤٧). وأخرجه الطبري في \"تفسيره\" (٧/ ١٧٤) رقم (٧٧٤٥) من طريق محمد بن سنان، عن أبي بكر الحنفي، عن عباد بن منصور به.\n_________\n[¬١]- في ت: \"ببئر\".\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- في خ: \"لقد\".\n[¬٤]- في خ: \"عن\".","vol":"3","page":174},{"text":"يمد الله [¬١] المسلمين بالخمسة (^٣٠٩).\nوقال الربيع بن أنس: أمد الله المسلمين بألف ثم صاروا ثلاثة آلاف، ثم صاروا خمسة آلاف.\nفإن قيل: فما الجمع بين هذه الآية على هذا القول، وبين قوله في قصة بدر: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ إلى قوله ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾؟ فالجواب: أن التنصيص على الألف هاهنا لا ينافي الثلاثة الآلاف فما فوقها؟ لقوله: ﴿مُرْدِفِينَ﴾ بمعنى يردفهم غيرهم، ويتبعهم ألوف أخر مثلهم. وهذا السياق شبيه بهذا السياق في سورة آل عمران، فالظاهر أن ذلك كان يوم بدر، كما هو المعروف من أن [¬٢] قتال الملائكة إنما كان يوم بدر والله أعلم. وقال سعيد بن أبي عروبة عن قتادة: أمد الله المسلمين [¬٣] يوم بدر بخمسة آلاف.\n(القول الثاني): أن هذا الوعد متعلق بقوله: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾ وذلك يوم أحد، وهو قول مجاهد وعكرمة والضحاك والزهري وموسى بن عقبة وغيرهم. لكن قالوا: لم يحصل الإمداد بالخمسة الآلاف، لأن المسلمين فروا يومئذ، زاد عكرمة: ولا بالثلاثة الآلاف، لقوله تعالى: ﴿بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا﴾ فلم يصبروا، بل فروا، فلم يمدوا بملك واحد.\nوقول تعالى: ﴿بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا﴾ يعني تصبروا على مصابرة عدوكم، وتتقوني وتطيعوا أمري.\nوقوله تعالى: ﴿وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا﴾، قال الحسن وقتادة والربيع والسدّي: أي من وجههم هذا.\nوقال مجاهد وعكرمة وأبو صالح: أي من غضبهم هذا. وقال الضحاك: من غضبهم ووجههم. وقال العوفي عن ابن عباس: من سفرهم هذا، ويقال من غضبهم هذا.\nوقوله تعالى: ﴿يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ أي: معلمين بالسيما.\n_________\n(^٣٠٩) - إسناده صحيح، أخرجه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\": (٢/ ٥٢٠) رقم (١٣٥٠). وأخرجه الطبري في \"تفسيره\" (٧/ ١٧٤) رقم (٧٧٤٦) من طريق يعقوب، عن ابن علية، عن داود بإسناده نحوه. وعزاه السيوطي أيضًا في \"الدر\" (٢/ ١٢٣) إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر.\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- في خ: \"المؤمنين\".","vol":"3","page":175},{"text":"وقال أبو إسحاق السبيعي: عن حارثة بن مضرب، عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: كان سيما الملائكة يوم بدر الصوف الأبيض؛ وكان سيماهم أيضًا في نواصي خيولهم (^٣١٠).\nرواه ابن أبي حاتم. ثم قال: حدثنا أبو زرعة، حدَّثنا هدبة بن خالد، حدَّثنا حماد بن سلمة، عن محمد بن عمرو بن علقمة، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، ﵁، في هذه الآية: ﴿مُسَوِّمِينَ﴾ قال: بالعهن الأحمر (^٣١١).\nوقال مجاهد: ﴿مُسَوِّمِينَ﴾ أي: محدقة [¬١] أعرافها، معلمة نواصيها بالصوف الأبيض في أذناب الخيل.\nوقال العوفي عن ابن عباس، ﵁ قال: أتت الملائكة محمدًا ﷺ مسوّمين بالصوف فسوّم محمد وأصحابه أنفسهم وخيلهم على سيماهم بالصوف (^٣١٢).\nوقال قتادة وعكرمة: ﴿مُسَوِّمِينَ﴾ أي: بسيما القتال. وقال مكحول: مسوّمين بالعمائم.\nوروى [¬٢] ابن مردويه، من حديث عبد القدوس بن حبيب، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ في قوله: ﴿مُسَوِّمِينَ﴾ قال: \"معلمين. وكان سيما الملائكة يوم بدر عمائم سود، ويوم حنين عمائم حمر\" (^٣١٣).\nوروي من حديث حصين بن مخارق، عن سعيد، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن\n_________\n(^٣١٠) - أخرجه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٢/ ٥٢٥) رقم (١٣٦٨). وعزاه السيوطي أيضًا في \"الدر\" (٢/ ١٢٥) إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر.\n(^٣١١) - إسناده ضعيف، في إسناده محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي المدني، صدوق له أوهام من السادسة روى له الجماعة. \"التقريب\". وأخرجه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٢/ ٥٢٥ - ٥٢٦) رقم (١٣٦٩). وعزاه السيوطي أيضًا في \"الدر\" (٢/ ١٢٥) إلى ابن المنذر.\n(^٣١٢) - إسناده ضعيف، أخرجه ابن جرير الطبري في \"تفسيره\" (٧/ ١٨٨) رقم (٧٧٨٦)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٢/ ٥٢٧) رقم (١٣٧٣).\n(^٣١٣) - إسناده ضعيف، لضعف عبد القدوس بن حبيب وهو متروك. أخرجه الطبراني في \"المعجم الكبير\" (١١/ ١٩٣) رقم (١١٤٦٩) من طريق عبد القدوس بن حبيب، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس به. وذكره الهيثمي في \"المجمع\" (٦/ ٣٣٠) وقال: رواه الطبراني وفيه عبد القدوس بن حبيب وهو متروك.\n_________\n[¬١]- في خ: \"محذفة\".\n[¬٢]- في خ: \"وقال\".","vol":"3","page":176},{"text":"عباس قال: لم تقاتل الملائكة إلا يوم بدر (^٣١٤).\nوقال ابن [¬١] إسحاق: حدثني من لا أتهم عن مقسم عن ابن عباس قال: كان سيما الملائكة يوم بدر عمائم بيض، قد أرسلوها في ظهورهم، ويوم حنين عمائم حمر. ولم تضرب الملائكة في يوم سوى يوم بدر، وحسانوا يكونون [فيما سواه من الأيام] [¬٢] عددًا ومددًا لا يضربون (^٣١٥).\nثم رواه عن الحسن بن عمارة، عن الحكم، عن [¬٣] مقسم، عن ابن عباس، فذكر نحوه (^٣١٦).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا الأحمسي، حدثنا وكيع، حدثنا هشام بن عروة، عن يحيى بن عباد: أن الزبير ﵁، كان عليه يوم بدر عمامة صفراء معْتجرًا بها، فنزلت الملائكة عليهم عمائم صفر (^٣١٧).\n_________\n(^٣١٤) - أخرجه ابن جرير الطبري في \"تفسيره\" (٧/ ١٧٥) رقم (٧٧٥٠) من طريق الحكم بن عتيبة، عن مقسم مولى عبد الله بن الحارث، عن عبد الله بن عباس، به نحوه. وأخرجه الطبراني في \"المعجم الكبير\" (١١/ ٦٥١ - ١٦٦) رقم (١١٣٧٧) من طريق عبد العزيز بن عمران، عن أيوب بن ثابت، عن عطاء، عن ابن عباس به نحوه.\n(^٣١٥) - أخرجه الطبراني في \"المعجم الكبير\" (١١/ ٣٨٩) رقم (١٢٠٨٥) من طريق الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس به.\n(^٣١٦) - أخرجه الطبري في \"تفسيره\" (٥/ ١٢٧) رقم (٧٧٥٠).\n(^٣١٧) - إسناده صحيح، أخرجه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٢/ ٥٢٨) رقم (١٣٧٤). وأخرجه الطبري في \"تفسيره\" (٧/ ١٨٨) رقم (٧٧٨٩) بإسناد حسن، من طريق الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر، عن هشام بن عروة قال: نزلت الملائكة يوم بدر على خيل بلق، عليهم عمائم صفر وكان على الزبير يومئذ عمامة صفراء. وأخرجه الحاكم في \"المستدرك\" (٣/ ٣٦١) قال: حدثنا أبو بكر محمد بن أحمد بن بالويه، ثنا محمد بن أحمد بن النضر الأزدي، ثنا معاويه بن عمرو، عن أبي إسحاق الفزاري، عن هشام بن عروة، عن عباد بن عبد الله بن الزبير قال: كانت على الزبير يوم بدر عمامة صفراء معتجرًا بها فنزلت الملائكة عليهم عمائم صفر.\nوأخرجه الطبراني في \"الكبير\" (١/ ١٩٥) رقم (٥١٨) قال: حدثنا عبدان بن أحمد، ثنا أبو كامل الجحدري، ثنا يوسف بن خالد السمتي، ثنا الصلت بن دينار، عن أبي المليح، عن أبيه نحوه. وقال الهيثمي في \"المجمع\" (٦/ ٨٧): وهو مرسل صحيح الإسناد. وعزاه السيوطي أيضًا في \"الدر\" (٢/ ١٢٥) إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر.\n_________\n[¬١]- سقط من: ت.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٣]- في خ: \"ابن\".","vol":"3","page":177},{"text":"رواه ابن مردويه، من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد الله بن الزبير فذكره.\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إلا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ﴾ أي: وما أنزل الله الملائكة، وأعلمكم بإنزالهم [¬١]، إلا بشارة لكم، وتطييبًا لقلوبكم، وتطمينًا، وإلا فإنما النصر من عند الله، الذي لو شاء لانتصر من أعدائه بدونكم، ومن غير احتياج إلى قتالكم لهم، كما قال تعالى بعد أمره المؤمنين بالقتال: ﴿ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالهُمْ (٤) سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالهُمْ (٥) وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾. ولهذا قال هاهنا: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إلا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إلا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ أي: هو ذو العزة التي لا ترام، والحكمة في قدره والإحكام.\nثم قال تعالى: ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [أي: أمركم بالجهاد لما له في ذلك من الحكمة، في كل تقدير، ولهذا ذكر جميع الأقسام الممكنة في الكفار المجاهدين، فقال: ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا﴾ أي: ليهلك أمة، من الذين كفروا] [¬٢] ﴿أَوْ يَكْبِتَهُمْ﴾ أي: يخزيهم ويردهم بغيظهم لما لم ينالوا منكم ما أرادوا ولهذا قال: ﴿أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا﴾ أي: يرجعوا، ﴿خَائِبِينَ﴾ أي: لم يحصلوا على ما أمّلوا.\nثم اعترض بجملة دلت على أن الحكم [¬٣] في الدنيا والآخرة له وحده لا شريك له، فقال تعالى: ﴿لَيسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيءٌ﴾ أي: بل الأمر كله إليَّ كما قال تعالى: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيكَ الْبَلَاغُ وَعَلَينَا الْحِسَابُ﴾. وقال: ﴿لَيسَ عَلَيكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [وقال: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ] [¬٤]﴾.\nوقال محمد بن إسحاق: في قوله: ﴿لَيسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيءٌ﴾ أي: ليس لك من الحكم شيء في عبادي؟ إلا ما أمرتك به فيهم (^٣١٨).\nثم ذكر تعالى بقية الأقسام فقال: ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيهِمْ﴾ أي: مما هم فيه من الكفر، فيهديهم بعد الضلالة، ﴿أَوْ يُعَذِّبَهُمْ﴾ أي: في الدنيا والآخرة على كفرهم وذنوبهم، ولهذا قال: ﴿فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ أي: يستحقون ذلك.\n_________\n(^٣١٨) - سيرة ابن هشام (٣/ ٦٢٢). وأخرجه الطبري في \"تفسيره\" (٧/ ١٩٥) رقم (٧٨٠٤)، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٢/ ٥٣٥) رقم (١٣٩١، ١٣٩٣، ١٣٩٤) عن ابن إسحاق.\n_________\n[¬١]- في خ: \"بإنزالها\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٣]- في ز: \"الحكمة\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.","vol":"3","page":178},{"text":"وقال البخاري (^٣١٩): حدثنا حبان بن موسى، أخبرنا عبد الله، أخبرنا معمر، عن الزهري، حدّثني سالم، عن أبيه، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول إذا رفع رأسه من الركوع، في الركعة الثانية من الفجر، يقول [¬١]: \"اللهم العن فلانًا وفلانًا\" بعد ما يقول: \"سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد\". فأنزل الله تعالى: ﴿لَيسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيءٌ﴾ الآية. وهكذا رواه النسائي من حديث عبد الله بن المبارك، وعبد الرزاق كلاهما عن معمر به.\nوقال الإمام أحمد (^٣٢٠): حدثنا أبو النضر، حدثنا أبو عقيل- قال أحمد: وهو عبد الله بن عقيل، صالح الحديث، ثقة قال [¬٢]: حدثنا عمر بن حمزة، عن سالم، عن أبيه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"اللَّهم العن فلانًا وفلانًا [¬٣]، اللهم العن الحارث بن\n_________\n(^٣١٩) - أخرجه البخاري في كتاب: التفسير، باب: ﴿لَيسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيءٌ﴾ حديث (٤٥٥٩) وأطرافه (٤٠٦٩، ٧٣٤٦).\nوالنسائي في التفسير من \"الكبرى\" (٤/ ٣١٦) رقم (١١٠٧٥) من طريق عبد الرزاق، و(١١٠٧٦) من طريق ابن المبارك، كلاهما عن معمر، عن الزهري، عن سالم، عن الله به.\n(^٣٢٠) - أخرجه أحمد في \"مسنده\" (٢/ ٩٣). وأخرجه الترمذي في \"سننه\" كتاب تفسير القرآن، باب: ومن سورة آل عمران، حديث (٣٠٠٤)، والطبري في \"تفسيره\" (٧/ ٢٠٠) رقم (٧٨١٩) كلاهما من طريق عمر بن حمزة، عن سالم، عن ابن عمر، به.\nوقال الترمذي: \"هذا حديث حسن غريب، يستغرب من حديث عمر بن حمزة، عن سالم. وكذا رواه الزهري، عن سالم، عن أبيه\".\nورواية الزهري عن سالم -التي أشار إليها الترمذي- هي الحديث السابق فانظر إليه.\n_________\n[¬١]- سقط من: ت.\n[¬٢]- سقط من: ت.\n[¬٣]- سقط من: خ.","vol":"3","page":179},{"text":"هشام، اللَّهم العن سهيل بن عمرو، اللَّهم العن صفوان بن أمية\" فنزلت هذه الآية: ﴿لَيسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ فتيب عليهم كلهم.\nوقال أحمد (^٣٢١): حدثنا أبو معاوية الغلابي، حدثنا خالد بن الحارث، حدثنا محمد بن عجلان، عن نافع، عن عبد الله، أن رسول الله ﷺ كان يدعو على أربعة قال: فأنزل الله: ﴿لَيسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيءٌ﴾ إلي آخر الآية. قال: وهداهم الله للإِسلام.\n[قال البخاري] [¬١]: قال محمد بن عجلان، عن نافع، عن ابن عمر، ﵄، قال: كان رسول الله ﵌ يدعو على رجال من الشركين، يسميهم بأسمائهم، حتى أنزل الله تعالى: ﴿لَيسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيءٌ﴾ الآية.\nوقال البخاري أيضًا (^٣٢٢): حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ كان إذا أراد أن يدعو على أحد، أو يدعو لأحد، قنت بعد الركوع، وربما قال إذا قال [¬٢]: \"سمع الله لمن حمده، ربنا لك الحمد: اللهم أنج الوليد بن الوليد، وسلمة بن هشام [¬٣]، وعياش بن أبي [¬٤] ربيعة، والمستضعفين من المؤمنين. اللهم اشدد وطأتك على مضر، واجعلها عليهم سنين كسني يوسف\" يجهر بذلك. وكان يقول في بعض صلاته في صلاة الفجر: \"اللهم العن فلانًا وفلانًا\" الأحياء من أحياء العرب، حتى أنزل الله ﷿: ﴿لَيسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيءٌ﴾ الآية.\nوقال البخاري: قال حميد وثابت، عن أنس بن مالك، شج النبي ﷺ يوم أحد فقال: \"كيف يفلح قوم شجوا نبيهم؟ \" فنزلت: ﴿لَيسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيءٌ﴾ (^٣٢٣).\n_________\n(^٣٢١) - أخرجه أحمد في \"مسنده\" (٢/ ١٠٤). وأخرجه الترمذي في \"سننه\" كتاب تفسير القرآن، باب: ومن سورة آل عمران، حديث (٣٠٠٥)، والطبري في \"تفسيره\" (٧/ ١٩٩) رقم (٧٨١٨) من طريق يحيى بن حبيب بن عربي البصري، عن خالد بن الحارث، عن محمد بن عجلان به.\nقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب صحيح يستغرب من هذا الوجه من حديث نافع، عن ابن عمر، ورواه يحيى بن أيوب، عن ابن عجلان.\nوأخرجه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٢/ ٥٣٥ - ٥٣٦) رقم (١٣٩٢) من طريق عبد الله بن عبد الوهاب الحجبي، عن خالد بن الحارث، عن محمد بن الحارث، عن محمد بن عجلان به.\nوأخرجه أحمد في \"مسنده\" (٢/ ١١٨) بنحوه عن هارون بن معروف المروزي، عن ابن وهب، عن أسامة بن زيد، عن نافع، عن ابن عمر به.\n(^٣٢٢) - أخرجه البخاري في كتاب: المغازي، باب: ﴿لَيسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيءٌ﴾، حديث (٤٥٦٠).\n(^٣٢٣) - أخرجه البخاري تعليقًا في \"صحيحه\" (٧/) كتاب المغازي، باب: ﴿لَيسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ قبل حديث (٤٠٦٩).\nوحديث حميد وثابت عن أنس وصله الأئمة؛ أما حديث حميد عن أنس: فقد أخرجه الترمذي في كتاب التفسير، حديث (٣٠٠٢، ٣٠٠٣)، والنسائي في التفسير من \"السنن الكبرى\" (٦/ ٣١٤) رقم (١١٥٧٧)، وابن ماجه في كتاب الفتن، حديث (٤٠٢٧)، وأحمد (٣/ ٩٩، ٢٠٦)، والطبري في \"تفسيره\" (٧/ ١٨٥، ١٨٦) رقم (٧٨٠٥ - ٧٨٠٨)، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٢/ ٥٣٢) رقم (١٣٨٨) والبغوي في \"شرح السنة\" (١٣/ ٣٣٣ - ٣٣٤) رقم (٣٧٤٨)، وابن حبان في \"صحيحه\": (١٤/ ٥٣٦ - الإحسان) رقم (٦٥٧٤)، كلهم من طرق عن حميد الطويل عن أنس مرفوعًا. =\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في خ: \"و\".\n[¬٢]- سقط من: ت.\n[¬٣]- في خ: \"هاشم\".\n[¬٤]- سقط من: ت.","vol":"3","page":180},{"text":"وقد أسند هذا الحديث الذي علقه البخاري في صحيحه.\nوقال البخاري في غزوة أحد (^٣٢٤): حدثنا يحيى بن عبد الله السلمي، أخبرنا عبد الله، أخبرنا معمر، عن الزهري، حدّثني سالم بن عبد الله، عن أبيه أنه سمع رسول الله ﷺ يقول، إذا رفع رأسه من الركوع، في الركعة الأخيرة من الفجر: \"اللهم العن فلانًا وفلانًا وفلانًا\"، بعدما يقول: \"سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد\" فأنزل الله: ﴿لَيسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيءٌ﴾ الآية.\nوعن حنظلة بن أبي سفيان قال [¬١]: سمعت سالم بن عبد الله قال: كان رسول الله ﷺ يدعو على صفوان بن أمية، وسهيل بن عمرو، والحارث بن هشام؛ فنزلت: ﴿لَيسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾.\nهكذا ذكر هذه الزيادة البخاري معلقة مرسلة، وقد تقدمت مسندة متصلة في مسند أحمد [¬٢] آنفًا.\nوقال الإمام أحمد (^٣٢٥): حدثنا هشيم، حدَّثنا حميد، عن أنس ﵁، أنّ النبي ﷺ كسرت رباعيته يوم أحد، وشج في جبهته [¬٣]، حتى سال الدم على وجهه، فقال: \"كيف يفلح قوم فعلوا هذا بنبيهم، وهو يدعوهم إلى ربهم عز\n_________\n= وأما حديث ثابت عن أنس. فقد أخرجه مسلم في \"صحيحه\" كتاب الجهاد، باب: غزوة أحد، حديث (١٧٩١)، وأحمد في \"مسنده\" (٣/ ٢٥٣، ٢٨٨)، والبيهقي في \"دلائل النبوة\" (٣/ ٢٦٢)، وابن حبان في صحيحه (١٤/ ٥٣٧ - الإحسان) رقم (٦٥٧٥). كلهم من طريق حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس مرفوعًا بنحوه.\nوفي جميع الروايات نزول آية ﴿لَيسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيءٌ﴾ وقد وجه الحافظ ابن حجر الجمع بين هذه الروايات بقوله في \"الفتح\" (٨/ ٢٢٧): وطريقة \"الجمع بينه -أي حديث أنس- وبين حديث ابن عمر أنه ﷺ دعا على المذكورين بعد ذلك في صلاته فنزلت الآية في الأمرين معًا\" فيما وقع له من الأمر المذكور، وفيما نشأ عنه من الدعاء عليهم، وذلك كله في أحد، وبخلاف قصة رعل وذكوان فإنها أجنبية. ويحتمل أن يقال: إن قصتهم كانت عقب ذلك وتأخر نزول الآية، والله أعلم\". ا هـ.\n(^٣٢٤) - أخرجه البخاري في كتاب المغازي، باب ﴿لَيسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾، حديث (٤٠٦٩).\n(^٣٢٥) - إسناده صحيح، أخرجه أحمد في \"مسنده\" (٣/ ٩٩). وأخرجه مسلم في كتاب: الجهاد، باب: غزوة أحد، حديث (١٧٩١) من طريق القعنبي، عن حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس فذكره.\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- بعده في ز، خ: متصلة.\n[¬٣]- في خ: \"وجهه\".","vol":"3","page":181},{"text":"وجل؟ \". فأنزل الله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ انفرد به مسلم، فرواه عن [¬١] القعنبي، عن حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس فذكره.\nوقال ابن جرير (^٣٢٦): حدّثنا ابن حميد، حدّثنا يحيى بن واضح، حدّثنا الحسين بن واقد، عن مطر، عن قتادة قال: أصيب النبي ﷺ يوم أحد، وكسرت رباعيته، وفرق حاجبه، فوقع وعليه درعان، والدم يسيل، فمر به سالم مولى أبي حذيفة، فأجلسه، ومسح على [¬٢] وجهه، فأفاق، وهو يقول: \"كيف بقوم فعلوا هذا بنبيهم، وهو يدعوهم إلى الله ﷿؟ \" فأنزل الله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ الآية. وكذا رواه عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة بنحوه، ولم يقل: فأفاق.\nثمَّ قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ الآية، أي: الجميع ملك له، وأهلهما عبيد بين يديه، ﴿يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ أي: هو المتصرف فلا معقب لحكمه ولا يسأل عما يفعل، وهم يسألون، والله غفور رحيم.\n﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٣٠) وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (١٣١) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٣٢) وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤) وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٣٥) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾\n_________\n(^٣٢٦) - أخرجه ابن جرير في \"تفسيره\" (٧/ ١٩٧) رقم (٧٨١٢). وأخرجه عبد الرزاق (١/ ١٣١) عن معمر، عن قتادة نحوه. ومن طريق عبد الرزاق أخرجه الطبري في \"تفسيره\" (٧/ ١٩٨) رقم (٧٨١٥).\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- في خ: \"عن\".","vol":"3","page":182},{"text":"يقول الله تعالى ناهيًا عباده المؤمنين عن تعاطي الربا وأكله أضعافا مضاعفة، كما كانوا [في الجاهلية يقولون] إذا حل أجل الدين: إما أن تقضي [¬١]، وإما أن تربي [¬٢]. فإن قضاه؛ وإلا زاده في المدة، زاده الآخر في القدر، وهكذا كل عام، فربما تضاعف القليل حتى يصير كثيرًا مضاعفًا، وأمر تعالى عباده بالتقوى، لعلهم يفلحون في الأولى و[في] [¬٣] الآخرة؛ ثمَّ توعدهم بالنار، وحذرهم منها، فقال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (١٣١) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾. ثمَّ ندبهم إلى المبادرة إلى فعل الخيرات والمسارعة إلى نيل القربات؛ فقال تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣]. أي كما أعدت النار للكافرين. وقد قيل: إن معنى قوله: ﴿عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾؛ تنبيه [¬٤] على اتساع طولها، كما قال في صفة فرش [¬٥] الجنة: ﴿بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾ أي: فما ظنك بالظهائر، وقيل: بل عرضها كطولها؛ لأنها قبة تحت العرش، والشيء المقبَّب والمستدير عرضه كطوله، وقد دلّ على ذلك ما ثبت في الصحيح: \"إذا سألتم الله الجنة، فاسألوه الفردوس، فإنَّه أعلى الجنة، وأوسط الجنة، ومنه تفجر أنهار الجنة، وسقفها عرش الرحمن\" (^٣٢٧).\nوهذه الآية كقوله تعالى في سورة الحديد: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ الآية.\nوقد روينا في مسند الإِمام أحمد (^٣٢٨): أن هرقل كتب إلى النبي ﷺ؛ إنك دعوتني إلى جنة عرضها السموات والأرض فأين النار؟ فقال النبي ﷺ: \" [سبحان الله] [¬٦]؛ فأين الليل إذا جاء النهار\".\n_________\n(^٣٢٧) - أخرجه البخاري في \"صحيحه\"، كتاب الجهاد، باب: درجات المجاهدين، حديث (٢٧٩٠)، وكتاب التوحيد، حديث (٧٤٢٣).\n(^٣٢٨) - أخرجه أحمد في \"مسنده\" (٣/ ٤٤١، ٤٤٢) من طريق إسحاق بن عيسى، قال\" حدثني يس بن سليم، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن سعيد بن أبي راشد قال: لقيت التنوخي رسول هرقل إلى رسول الله ﷺ. . . فذكره مطولًا. وأخرجه البيهقي في \"دلائل النبوة\" مختصرا (١/ ٢٦٦)، وذكره الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (٨/ ٢٣٧: ٢٣٩) وقال: رواه عبد الله بن أحمد وأبو يعلى، ورجال أبي يعلى ثقات، وكذلك رجال عبد الله بن أحمد.\nوالحديث أخرجه عبد الله بن أحمد في \"زوائده على المسند\" (٤/ ٧٤، ٧٥)، وذكره ابن كثير في =\n_________\n[¬١]- في خ: \"يقضى\".\n[¬٢]- في خ: \"يربى\".\n[¬٣]- سقط من خ.\n[¬٤]- في خ: \"تنبيهًا\".\n[¬٥]- سقط من: ت.\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.","vol":"3","page":183},{"text":"وقد رواه ابن جرير (^٣٢٩)، فقال: حدثني يونس، قال أنبأنا ابن وهب، أخبرني مسلم بن خالد -[عم أبي] [¬١] خثيم - عن سعيد بن أبي راشد، عن يعلي بن أبي [¬٢] مرة، قال: لقيت التنوخي - رسول هرقل إلى رسول الله ﷺ بحمص شيخًا كبيرًا قد فند، فقال [¬٣]: قدت على رسول الله ﷺ بكتاب هرقل، فتناول الصحيفة رجل عن يساره قال: قلت: من صاحبكم الذي يقرأ؟ قالوا: معاوية، فإذا كتاب صاحبي: إنك كتبت تدعوني إلى جنة عرضها السموات والأرض [أعدت للمتقين] [¬٤]، فأين النار؟ قال: فقال رسول الله ﷺ: \"سبحان الله! فأين الليل إذا جاء النهار؟! \".\nوقال الأعمش وسفيان الثوري وشعبة عن قيس بن مسلم [¬٥] عن طارق بن شهاب [¬٦]: أن أناسًا [¬٧] من اليهود، سألوا عمر بن الخطّاب عن جنة عرضها السموات والأرض فأين النار؟ فقال لهم [¬٨] عمر: أرأيتم إذا جاء [النهار أين الليل؛ وإذا جاء] [¬٩] الليل أين النهار، فقالوا [¬١٠]: لقد نزعت مثلها من التوراة (^٣٣٠).\nورواه ابن جرير من ثلاث [¬١١] طرق. ثمَّ قال: حدثنا أحمد بن حازم، حدثنا أبو نعيم، حدثنا جعفر بن برقان، أنبأنا يزيد بن الأصم: أن رجلًا من أهل الكتاب قال: يقولون: ﴿جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ فأين النار؟ فقال ابن عباس ﵁: أين يكون الليل إذا جاء النهار، وأين يكون [¬١٢] النهار إذا جاء الليل (^٣٣١)؟\n_________\n= \" البداية والنهاية\" (٥/ ١٩: ٢١) وقال: هذا حديث غريب، وإسناده لا بأس به، تفرد به الإمام أحمد.\n(^٣٢٩) - أخرجه ابن جرير في \"تفسيره\" (٧/ ٢٠٩) رقم (٧٨٣١).\n(^٣٣٠) - أخرجه ابن جرير في \"تفسيره\" (٧/ ٢١٠ - ٢١١) رقم (٧٨٣٢، ٧٨٣٣، ٧٨٣٤، ٧٨٣٥) من ثلاث طرق عن عمر بن الخطّاب به. وذكره السيوطي في \"الدر\" (٢/ ١٢٩) وزاد نسبته لعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣٣١) - أخرجه ابن جرير في \"تفسيره\" (٧/ ٢١٢) رقم (٧٨٣٦). وذكره السيوطي في \"الدر\" (٢/ ١٢٩) وعزاه لعبد بن حميد.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في خ: \"عن ابن\".\n[¬٢]- سقط من: ت.\n[¬٣]- في خ: \"قال\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ت.\n[¬٥]- في خ: \"سلم\".\n[¬٦]- في خ: \"هشام\".\n[¬٧]- في خ: \"ناسًا\".\n[¬٨]- سقط من: خ.\n[¬٩]- ما بين المعكوفتين سقط من خ.\n[¬١٠]- في خ: \" فقال\".\n[¬١١]- في خ: \"ثلاثة\".\n[¬١٢]- سقط من: خ.","vol":"3","page":184},{"text":"وقد روي هذا مرفوعًا. فقال البزار: حدثنا محمَّد بن معمر، حدثنا المغيرة بن سلمة -أبو هشام [¬١]- حدثنا عبد الواحد بن زياد، عن عبيد الله بن عبد الله بن الأصم، عن عمه -يزيد بن الأصم- عن أبي هريرة قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: أرأيت قوله تعالى: ﴿جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ فأين النار؟ قال: \"أرأيت الليل إذا جاء لبس كل شيء فأين النهار\"؟ قال: حيث شاء الله. قال: \"وكذلك [النار تكون] [¬٢] حيث شاء الله ﷿\" (^٣٣٢).\nوهذا يحتمل معنيين: (أحدهما): أن يكون المعنى في ذلك أنَّه لا يلزم من عدم مشاهدتنا الليل إذا جاء النهار، أن لا يكون في مكان؛ وإن كنا لا نعلمه: وكذلك [تكون النار] [¬٣] حيث شاء الله ﷿، وهذا أظهر، كما تقدم في حديث أبي هريرة، عن البزار.\n(الثاني): أن يكون المعنى أن النهار إذا تغشى وجه العالم من هذا الجانب، فإن الليل يكون من الجانب الآخر، فكذلك الجنة في أعلى عليين فوق السموات تحت العرش، وعرضها كما قال الله ﷿: ﴿كَعَرْضِ السَّمَاءِ [¬٤] وَالْأَرْضِ﴾ والنار في أسفل سافلين، فلا تنافي بين كونها كعرض السموات والأرض، وبين وجود النار، والله أعلم.\nثمَّ ذكر تعالى وصف [¬٥] أهل الجنة فقال: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ أي: في الشدة والرخاء، والمنشط والمكره، والصحة والمرض، وفي جميع الأحوال [¬٦]. كما قال: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً﴾ والمعنى أنهم لا يشغلهم أمر عن طاعة الله تعالى، والإِنفاق في مراضيه، والإِحسان إلى خلقه من قراباتهم وغيرهم بأنواع البر.\nوقوله تعالى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ أي: إذا ثار بهم الغيظ\n_________\n(^٣٣٢) - إسناده صحيح، أخرجه البزار كما في كشف الأستار (٢١٩٦). وأخرجه ابن حبَّان في \"صحيحه\" (١/ ٣٠٦، ٣٠٧ - الإحسان) رقم (١٠٣)، والحاكم في \"المستدرك\" (١/ ٣٦) من طريق عبد الواحد بن زياد به. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولا أعلم له علة، ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي. وذكره الهيثمي في \"المجمع\" (٦/ ٣٣٠) وقال: رواه البزار ورجاله رجال الصحيح.\n_________\n[¬١]- في خ: \"هاشم\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في خ: النار تكون.\n[¬٤]- في خ: \"السماوات\".\n[¬٥]- في خ: \"صفة\".\n[¬٦]- سقط من: خ.","vol":"3","page":185},{"text":"كظموه، بمعنى كتموه فلم يعملوه، وعفوا [¬١] مع ذلك عمن أساء إليهم. وقد ورد في بعض الآثار يقول الله تعالى: \"يا [¬٢] بن آدم؛ اذكرني إذا غضبت، أذكرك إذا غضبت فلا أهلكك فيمن أهلك\". رواه ابن أبي حاتم.\nوقد [¬٣] قال أبو يعلى في مسنده: حدثنا أبو موسى الزمن، حدثنا عيسى بن شعيب الضرير -أبو الفضل- حدثني الربيع بن سليمان الجيزي [¬٤]، عن أبي عمرو بن أنس بن مالك عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ: \"من كف غضبه كف الله عنه عذابه، ومن خزن لسانه ستر الله عورته، ومن اعتذر إلى الله قبل الله عذره\" (^٣٣٣). وهذا [¬٥] حديث غريب وفي إسناده نظر.\nوقال الإِمام أحمد (^٣٣٤): حدثنا عبد الرحمن، حدثنا مالك، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: \"ليس الشديد بالصُّرَعَة،\n_________\n(^٣٣٣) - إسناده ضعيف جدًّا. أبو عمرو مولى أنس بن مالك مجهول. والربيع بن سليم الأزدي، قال الأزدي: \"منكر الحديث\" -في الأصل: الربيع بن سليمان- وقد جاء عند البخاري في \"التاريخ الكبير\" (٨/ ٥٥) وابن أبي حاتم في \"الجرح والتعديل\" (٩/ ٤١٠): \"والحديث أخرجه أبو يعلى في \"مسنده\" (٧/ ٣٠٢) رقم (٤٣٣٨) قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا زيد بن الحباب قال: حدثني الربيع بن سليم؛ قال: حدثني أبو عمرو مولى أنس بن مالك أنَّه سمع أنس بن مالك يقول:. . . فذكره. وذكره الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (١٠/ ٣٠١) وقال: رواه أبو يعلى وفيه الربيع بن سليمان الأزدي وهو ضعيف. وذكره الحافظ ابن حجر في \"المطالب العالية\" (٣/ ١٥٢) برقم (٣١٢٥) وعزاه إلى أبي بكر وأبي يعلى. وذكره المنذري في \"الترغيب والترهيب\" (٣/ ٥٢٥) وعزاه إلى الطبراني في \"الأوسط\" وأبو يعلى، ثمَّ قال: ورواه البيهقي مرفوعًا، وموقوفًا ولعله الصواب. وأخرجه الطبراني في \"المعجم الصغير\" (٢/ ٧٢) من طريق زهير بن عباد، حدثنا داود بن هلال، عن هشام بن حسان، عن محمَّد بن سيرين، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا يبلغ عبد حقيقة الإيمان حى يخزن لسانه\". وهذا إسناد فيه داود بن هلال أبو سليمان النصيبي لم يرو عنه غير زهير بن عباد، ولم يوثقه أحد فهو مجهول. وقال الطبراني: \"لم يروه عن هشام بن حسان إلا داود بن هلال. تفرد به زهير بن عباد\". وأخرجه ابن سعد في الطبقات (٧/ ١٦) من طريق يحيى بن خليق، حدثنا ابن عون، عن عطاء الواسطي عن أنس بلفظ: \"لا يتقى الله عبد حتى يخزن لسانه\". ويحيى بن خليق منكر الحديث.\n(^٣٣٤) - صحيح، أخرجه أحمد في \"مسنده\" (٢/ ٢٣٦). وأخرجه مالك في الموطأ (٢/ ٦٩١) كتاب: حسن الخلق، باب: ما جاء في الغضب، ومن طريقه أخرجه البخاري في \"صحيحه\" كتاب: الأدب، باب: الحذر من الغضب، حديث (٦١١٤)، ومسلم في \"صحيحه\" كتاب: البر، حديث (٢٦٠٩) كلهم من طريق مالك، عن الزهري، عن سعيد بن المسيّب، عن أبي هريرة به.\n_________\n[¬١]- في خ: \"وعفا\".\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- سقط من: خ.\n[¬٤]- في خ: \"الخميري\".\n[¬٥]- في ت: \"هذا\".","vol":"3","page":186},{"text":"ولكن الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب\". وقد رواه الشيخان من حديث مالك.\nوقال الإِمام أحمد أيضًا (^٣٣٥): حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن إبراهيم التيمي، عن الحارث بن سويد، عن عبد الله هو ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"أيكم مال وارثه أحب إليه من ماله\"؟ [قالوا: يا رسول الله، ما منا من أحد إلا ماله أحب إليه من مال وارثه، قال: \"اعلموا أنَّه ليس منكم أحد إلا مال وارثه أحب إليه من ماله] [¬١]. مالك من مالِك إلا ما قدمت، ومال وارثك ما [¬٢] أخرت\". قال: وقال رسول الله ﷺ: \"ما تَعُدُّون [الصرعة فيكم] [¬٣]؟ \" [قلنا: الذي لا تصرعه الرجال، قال: \"لا، ولكن الذي يملك نفسه عند الغضب\". قال: وقال رسول الله ﷺ: ما تَعُدُّون فيكم الرقوب؟ \". قال:] [¬٤] قلنا: الذي لا ولد له. قال: \"لا، ولكن الرقوب الذي لا [¬٥] يقدم من ولده شيئًا\". أخرج البخاري الفصل الأوّل منه، وأخرج مسلم أصل هذا الحديث من رواية الأعمش به.\n(حديث آخر) قال الإمام أحمد (^٣٣٦): حدثنا محمَّد بن جعفر، حدثنا شعبة، سمعت عروة بن عبد الله الجعفي، يحدث عن أبي حصبة، أو ابن حصبة، عن رجل شهد النبي ﷺ يخطب فقال: \"أتدرون [¬٦] ما الرقوب؟ \". قالوا: الذي لا ولد له. قال:\n_________\n(^٣٣٥) - أخرجه أحمد في \"مسنده\" (١/ ٣٨٢ - ٣٨٣). والبخاري في \"صحيحه\" كتاب: الرقاق، باب: ما قدَّم من ماله فهو له، حديث (٦٤٤٢) من طريق الأعمش، عن إبراهيم التيمي، عن الحارث بن سويد، عن عبد الله قال: قال النبي ﷺ: \"أيكم مال وارثه أحب إليه من ماله؟ \" قالوا: يا رسول الله ما منا أحد إلا ماله أحب إليه، قال: \"فإن ماله ما قدم، ومال وارثه ما أخر\".\nوأخرجه مسلم في \"صحيحه\" كتاب: البر والصلة والآداب، حديث (٢٦٠٨) من طريق الأعمش، عن إيراهيم التيمي، عن الحارث بن سويد، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: \"ما تعدون الرقوب فيكم؟ \" قال: قلنا: الذي لا يولد له، قال: \"ليس ذاك بالرقوب ولكنه الرجل الذي لم يقدم من ولده شيئًا\" قال: \"فما تعدون الصرعة فيكم؟ \" قال: قلنا: الذي لا يصرعه الرجال، قال: \"ليس بذلك ولكنه الذي يملك نفسه عند الغضب\".\n(^٣٣٦) - قال الحافظ ابن حجر في \"تعجيل المنفعة\" ص (٤٧٦) رقم (١٢٥٧) أبو حصبة أو ابن حصبة: مجهول، وضبطه الحسيني بمهملتين وموحدة، ورأيته في ترتيب المسند لابن المحب كذلك لكن بنون وتصغير، ولم يذكره الحاكم أبو أحمد لا هنا ولا هنا، وهو من أفراد الحاكم.\nوالحديث أخرجه أحمد في \"مسنده\" (٥/ ٣٦٧)، وذكره الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (٣/ ١٤) وقال: رواه أحمد وفيه أبو حصنة أو ابن حصنة قال الحسيني: مجهول وبقية ورجاله ثقات. =\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٢]- في خ: \"إلا\".\n[¬٣]- في خ: \"فيكم الصرعة\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٥]- سقط من: خ.\n[¬٦]- في خ: \"تدرون\".","vol":"3","page":187},{"text":"الرقوب كل الرقوب الدي له ولد فمات ولم يقدم منهم شيئًا\". قال: \" أتدرون ما الصعلوك\"؟ قالوا: الذي ليس له مال، قال النبي ﷺ: \"الصعلوك كل الصعلوك، الذي له مال فمات، ولم يقدم منه شيئًا\". قال: ثمَّ قال النبي ﷺ: \"ما الصرعة؟ \" قالوا: الصريع [الذي لا تصرعه الرجال] [¬١]، فقال النبي [¬٢]ﷺ: \"الصرعة [كل الصرعة] [¬٣]، الذي يغضب فيشتد غضبه، ويحمر وجهه، ويقشعر شعره؛ فيصرع غضبه\".\n(حديث آخر). قال الإِمام أحمد (^٣٣٧): حدثنا ابن نمير، حدثنا هشام -هو ابن عروة- عن أبيه، عن الأحنف بن قيس، عن عم له يقال له جارية [¬٤] بن قدامة السعدي، أنَّه سأل رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله؛ قل لي قولًا ينفعني، وأقلل عليّ لعلي أعيه. فقال رسول الله ﷺ: \"لا تغضب\". فأعاد عليه، حتى أعاد عليه مرارًا، كل ذلك يقول: \"لا تغضب\".\nوهكذا رواه عن أبي معاوية، عن هشام به. ورواه أيضًا [¬٥] عن يحيى بن سعيد القطان، عن هشام به: أن رجلًا قال: يا رسول الله قل لي قولًا، وأقلل علي لعلي أعقله، فقال: \"لا تغضب\". الحديث انفرد به أحمد.\n(حديث آخر): قال أحمد (^٣٣٨): حدثنا عبد الرزاق، أنبأنا معمر، عن الزهري، عن\n_________\n= وذكره كذلك في \"المجمع\" (٣/ ٧٢) وقال: رواه أحمد وفيه أبو حصبة أو ابن حصبة ولم أعرفه وبقية رجاله ثقات.\n(^٣٣٧) - إسناده صحيح، أخرجه أحمد في \"مسنده\" (٥/ ٣٤). والطبراني في \"المعجم الكبير\" (٢/ ٢٦١، ٢٦٢) رقم (٢٠٩٣ - ٣٠٩٨) وفي \"الأوسط\" (٧/ ٢٧٧) رقم (٧٤٩١)، وأبو يعلى في \"مسنده\" (١٢/ ٢٢٦) رقم (٦٨٣٨).\nوذكره الهيثمي في \"المجمع\" (٨/ ٧١) وقال: رواه أحمد والطبراني في الأوسط: إلا أنَّه قال: عن الأحنف بن قيس، عن عمه -وعمه جارية بن قدامة- أنَّه قال: يا رسول الله! قل لي قولًا ينفعني الله به، فذكر نحوه.\nورواه في الكبير كذلك، وفي رواية عنده: عن جارية بن قدامة؛ أن عمه أتى النبي ﷺ فذكره نحوه، وفي رواية: عن جارية بن قدامة عن ابن عم له قال: قلت: يا رسول الله. . .، ورجال أحمد رجال الصحيح، ورواه أبو يعلى إلا أنَّه قال: عن جارية بن قدامة، أخبرني عم أبي أنَّه قال النبي ﷺ. . . فذكر نحوه، ورجاله رجال الصحيح.\n(^٣٣٨) - أخرجه أحمد في \"مسنده\" (٥/ ٣٧٣). وذكره الهيثمي في \"المجمع\" (٨/ ٧١) وقال: =\n_________\n[¬١]- في خ: \"قال\".\n[¬٢]- زيادة من: خ.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٤]- في خ: \"حارثة\".\n[¬٥]- سقط من: خ.","vol":"3","page":188},{"text":"حميد بن عبد الرحمن، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ قال: قال رجل: يا رسول الله؛ أوصني. قال: \"لا تغضب\" قال الرجل: ففكرت حين قال النبي ﷺ ما قال؛ فإذا الغضب يجمع الشر كله. انفرد به أحمد.\n(حديث آخر) قال الإِمام أحمد: حدثنا أبو معاوية، حدثنا داود بن أبي هند، عن أبي [¬١] حرب بن أبي الأسود، عن أبي الأسود، عن أبي ذر ﵁ قال: كان يسقي على حوض له، فجاء قوم فقالوا: أيكم يورد على أبي ذر، ويحتسب [¬٢] شعرات من رأسه؟ فقال رجل: أنا؛ فجاء الرجل، فأورد عليه [¬٣] الحوض، فدقه، وكان أبو ذر قائمًا، فجلس، ثمَّ اضطجع، فقيل له: يا أبا ذر، لما جلست ثمَّ اضطجعت؟ فقال: إن رسول الله ﷺ قال لنا: \"إذا غضب أحدكم وهو قائم فليجلس، فإن ذهب عنه الغضب وإلا فليضطجع\" (^٣٣٩).\nورواه أبو داود، عن أحمد بن حنبل بإسناده، إلا أنَّه وقع في روايته: عن أبي حرب، عن أبي ذر. والصحيح أبي حرب، عن أبيه، عن أبي ذر، كما رواه عبد الله بن أحمد، عن أبيه.\n(حديث آخر) قال الإِمام أحمد (^٣٤٠): حدثنا إبراهيم بن خالد، حدثنا أبو وائل الصنعاني، قال: كنّا جلوسًا عند عروة بن محمَّد؛ إذ دخل عليه رجل، فكلمه بكلام أغضبه، فلما أغضبه قام ثمَّ عاد إلينا، وقد توضأ فقال: حدثني أبي، عن جدي عطية -هو ابن سعد السعدي، وقد كانت له صحبة- قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن الغضب من الشيطان، وإن الشيطان خلق من النار، وإنما تطفأ النار بالماء، فإذا غضب أحدكم\n_________\n= رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح.\n(^٣٣٩) - حديث صحيح، أخرجه أحمد في \"مسنده\" (٥/ ١٥٢). ومن طريقه أبو داود في كتاب: الأدب، باب: ما يقال عند الغضب، حديث (٤٧٨٢). وحديث (٤٧٨٣) من طريق وهب بن بقية، عن خالد، عن داود، عن بكر أن النبي ﷺ بعث أبا ذر بهذا الحديث، قال أبو داود: وهذا أصح الحديثين.\nوصححه الشيخ الألباني - حفظه الله - كما في صحيح أبي داود (٣/ ٩٠٨) رقم (٤٠٠٠، ٤٠٠١) وانظر المشكاة (٥١١٤).\n(^٣٤٠) - إسناده ضعيف، أخرجه أحمد في \"مسنده\" (٤/ ٢٢٦). وأبو داود في كتاب: الأدب، باب: ما يقال عند الغضب، حديث (٤٧٨٤)، من طريق إبراهيم بن خالد الصنعاني، عن أبي وائل القاص به.\nومن طريق أحمد رواه الطبراني في \"الكبير\" (١٧/ ١٦٧) حديث (٤٤٣). وضعفه الشيخ الألباني في \"السلسلة الضعيفة\" (٢/ ٥١) حديث (٥٨٢).\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- في خ: \"ويحسب\".\n[¬٣]- في ت: \"على\".","vol":"3","page":189},{"text":"فليتوضأ\".\nوهكذا رواه أبو داود، من حديث إبراهيم بن خالد الصنعاني، عن أبي وائل القاص المرادي الصنعاني. قال أبو داود: أراه عبد الله بن بحير.\n(حديث آخر) قال الإِمام أحمد (^٣٤١): حدثنا عبد الله بن يزيد، حدثنا نوح بن جعونة السلمي، عن مقاتل بن حيان، عن عطاء، عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: \"من أنظر معسرًا أو وضع له وقاه الله من فيح جهنم ألا إن عمل الجنة حزن بربوة\" ثلاثًا، \"ألا إن عمل النار سهل بسهوة [¬١]، والسعيد من وقى الفتن، وما من جرعة أحب إلى الله من جرعة غيظ يكظمها عبد، ما كظمها [¬٢] عبد لله إلا ملأ الله جوفه إيمانًا\". انفرد به أحمد، وإسناده حسن، ليس فيه مجروح، ومتنه حسن.\n(حديث آخر في معناه): قال أبو داود (^٣٤٢): حدثنا عقبة بن مكرم، حدثنا عبد الرحمن -يعني ابن مهدي- عن بشر -يعني ابن منصور- عن محمَّد بن عجلان، عن سويد بن وهب، عن رجل من أبناء أصحاب النبي ﷺ عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ: \"من كظم غيظًا؛ وهو يقدر [¬٣] على أن ينفذه؛ ملأ [¬٤] الله جوفه [¬٥] أمنًا وإيمانًا، ومن ترك لبس ثوب جمال وهو قادر [¬٦] عليه -قال بشر: أحسبه قال: تواضعًا- كساه الله [حلة الكرامة، ومن روج لله كساه الله] [¬٧] تاج الملك\".\n(حديث آخر) قال الإِمام أحمد (^٣٤٣): حدثنا عبد الله بن يزيد، قال [¬٨]: حدثنا سعيد، حدثني أبو مرحوم، عن سهل بن معاذ بن أنس، عن أبيه؛ أن رسول الله\n_________\n(^٣٤١) - أخرجه أحمد في \"مسنده\" (١/ ٣٢٧).\n(^٣٤٢) - ضعيف، أخرجه أبو داود في كتاب: الأدب، باب: من كظم غيظًا، حديث (٤٧٧٨) وضعفه الشيخ الألباني كما في ضعيف سنن أبي داود (١٠٢٣)، وانظر المشكاة (٥٠٨٩).\n(^٣٤٣) - صحيح - إسناده حسن، أخرجه أحمد في \"مسنده\" (٣/ ٤٤٠). وأبو داود في كتاب: الأدب، باب: من كظم غيظًا، حديث (٤٧٧٧)، والترمذي في كتاب: البر والصلة، حديث (٢٠٢١)، وكتاب: صفة القيامة، باب (٤٨)، حديث (٢٤٩٣)، وابن ماجة في كتاب: الزهد، باب: الحلم، حديث (٤١٨٦)، كلهم من طريق سعيد بن أبي أيوب به. وصححه الشيخ الألباني كما في صحيح سنن أبي داود (٣/ ٩٠٧، ٩٠٨) رقم (٣٩٩٧) والمشكاة (٥٠٨٨).\n_________\n[¬١]- في خ: \"بشهوة\".\n[¬٢]- في خ: \"كظم\".\n[¬٣]- في خ: \"قادر\".\n[¬٤]- في خ: \"ملأه\".\n[¬٥]- سقط من: خ.\n[¬٦]- في خ: \"يقدر\".\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٨]- سقط من: خ.","vol":"3","page":190},{"text":"ﷺ قال: \"من كظم غيظًا، وهو قادر على أن ينفذه، دعاه الله على رءوس الحلائق حتى يخيره من أي الحور شاء\".\nورواه أبو داود [والترمذي وابن ماجة من حديث سعيد بن أبي أيوب به] [¬١]، وقال الترمذي: حسن غريب.\n(حديث آخر) قال عبد الرزاق (^٣٤٤): أنبأنا داود بن قيس، عن زيد بن أسلم، عن رجل من أهل الشام، يقال له عبد الجليل، عن عم له، عن أبي هريرة ﵁ في قوله تعالى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾، أن النبي ﷺ قال: \"من كظم غيظًا وهو يقدر على إنفاذه؛ ملأ [¬٢] الله جوفه [¬٣] أمنًا وإيمانًا\". رواه ابن جرير.\n(حديث آخر) قال ابن مَرْدُويه: حدثنا أحمد بن محمَّد بن زياد، أنبأنا يحيى بن أبي طالب، أنبأنا علي بن عاصم، أخبرني يونس بن عبيد، عن الحسن، عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: \"ما تجرع عبد من جرعة أفضل أجرًا من جرعة غيظ كظمها ابتغاء وجه الله\" (^٣٤٥). [رواه ابن جرير] [¬٤].\nوكذا رواه ابن ماجة، عن بشر بن عمر، عن حماد بن سلمة، عن يونس بن عبيد به.\nفقوله تعالى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ أي: لا يعملون [¬٥] غضبهم في الناس، بل يكفون عنهم شرهم، ويحتسبون ذلك عند الله ﷿.\nثمَّ قال تعالى: ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ أي: مع كف الشر، يعفون عمن ظلمهم في\n_________\n(^٣٤٤) - إسناده ضعيف لجهالة اثنين من رواته وهما: عبد الجليل وعمه.\nوالحديث أخرجه الطبري في \"تفسيره\" (٧/ ٢١٦) رقم (٧٨٤٢)، والبخاري في \"التاريخ\" (٦/ ١٢٣) رقم (١٩٠٩) والعقيلي في \"الضعفاء\" (٣/ ١٠٢ - ١٠٣) رقم (١٠٧٦). من طريق عبد الرزاق، عن داود بن قيس، عن زيد بن أسلم، عن رجل يقال له: عبد الجليل، عن عم له، عن أبي هريرة به. وضعفه الشيخ الألباني - كما في \"السلسلة الضعيفة\" (٤/ ٣٨٥) رقم (١٩١٢).\n(^٣٤٥) - صحيح، أخرجه ابن ماجه في \"سننه\" كتاب: الزهد، باب: الحلم، حديث (٤١٨٩) من طريق بشر بن عمر، عن حماد بن سلمة، وأخرجه أحمد في \"مسنده\" (٢/ ١٢٨) من طريق علي بن عاصم -كلاهما- عن يونس بن عبيد، عن الحسن، عن ابن عمر به. وصححه الشيخ الألباني كما في صحيح سنن ابن ماجه (٢/ ٤٠٧) رقم (٣٣٧٧).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٢]- في خ: \"ملأه\".\n[¬٣]- سقط من: خ.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٥]- في خ: \"يعلمون\".","vol":"3","page":191},{"text":"أنفسهم، فلا يبقى في أنفسهم موجدة على أحد، وهذا أكمل الأحوال؛ ولهذا قال: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ فهذا من مقامات الإِحسان.\nوفي الحديث: \"ثلاث أقسم عليهن: ما نقص مال من صدقة، وما زاد الله عبدًا بعفو إلا عزًّا، ومن تواضع لله رفعه الله\" (^٣٤٦).\nوروى الحاكم في مستدركه من حديث موسى بن عقبة، عن إسحاق بن يحيى بن طلحة القرشي، عن عبادة بن الصامت، عن أبي بن كعب، أن رسول الله ﷺ قال: \"من سرَّهُ أن يشرف له البنيان، وترفع له الدرجات؛ فليعف عمن ظلمه، ويعط من حرمه، ويصل من قطعه\" (^٣٤٧). ثم قال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.\nوقد أورده ابن مرْدُويه من حديث علي وكعب بن عجرة، وأبي هريرة وأم سلمة ﵃ بنحو ذلك، وروي من طريق الضحاك، عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: \"إذا كان يوم القيامة نادى مناد يقول: أين العافون عن الناس؛ هلموا إلى ربكم، وخذوا أجوركم، وحق على كل امرئ مسلم إذا عفا أن يدخل الجنة\".\nوقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ أي: إذا صدر منهم ذنب أتبعوه بالتوبة والاستغفار.\nوقال الإِمام أحمد: حدثنا يزيد، حدثنا همام بن يحيى، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن عبد الرحمن بن أبي عمرة، عن أبي هريرة ﵁ عن النبي\n_________\n(^٣٤٦) - أخرجه مسلم في \"صحيحه\" كتاب البر والصلة، حديث (٢٥٨٨).\n(^٣٤٧) - إسناده ضعيف- لضعف أبي أمية بن يعلى الثقفي، ضعفه الدارقطني، وقال ابن حبان: لا تحل الرواية عنه إلا للخواص، روى عن هشام بن عروة وأبي الزناد، وعنه الصلت بن مسعود وغيره.\nوانظر ترجمته في: \"الميزان\" (٦/ ١٦٧) رقم (٩٩٧٣)، و\"لسان الميزان\" (٧/ ١٣) رقم (٧٣)، و\"المغني في الضعفاء\" (٢/ ٧٧١) رقم (٧٣١١).\nوالحديث أخرجه الحاكم في \"المستدرك\": (٢/ ٢٩٥) من طريق أبي أمية بن يعلى الثقفي، عن موسى بن عقبة به.\nومن هذا الطريق أيضًا: أخرجه الطبراني في \"الكبير\" (١/ ١٩٩) رقم (٥٣٤) وفي \"الأوسط\" (٣/ ٨٨) رقم (٢٥٧٩). قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وتعقبه الذهبي فقال: أبو أمية ضعفه الدارقطني وإسحاق لم يدرك عبادة. وذكره الهيثمي في \"المجمع\" (٨/ ١٩٢) وقال: رواه الطبراني في الكبير والأوسط، وفيه أبو أمية بن يعلى وهو ضعيف.","vol":"3","page":192},{"text":"ﷺ قال: \"إن رجلًا أذنب ذنبًا، فقال: رب؛ إني أذنبت ذنبًا فاغفره لي [¬١]، فقال [الله ﷿] [¬٢]: عبدي عمل ذنبًا، فعلم أن له ربًّا يغفر الذنب، ويأخذ به، قد غفرت لعبدي. ثم عمل ذنبًا آخر، فقال: رب، إني عملت ذنبًا فاغفره لي [¬٣]، فقال ﵎: علم عبدي أن له ربًّا يغفر الذنب، ويأخذ به، قد غفرت لعبدي. ثم عمل ذنبًا آخر فقال: رب؛ إني عملت ذنبًا فاغفره لي، فقال ﷿: علم عبدي أن له ربًّا يغفر الذنب، ويأخذ به، قد غفرت لعبدي. ثم عمل ذنبًا آخر، فقال: رب؛ إني عملت ذنبًا فاغفره. فقال ﷿: عبدي علم أن له ربًّا يغفر الذنب ويأخذ به، أشهدكم أني قد غفرت لعبدي؛ فليعمل ما شاء\" (^٣٤٨). أخرجاه في الصحيح من حديث إسحاق بن أبي طلحة بنحوه.\n(حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا أبو النضر وأبو عامر قالا: حدثنا زهير، حدثنا سعد الطائي، حدثنا أبو المدله -مولى أم المؤمنين- سمع أبا هريرة قلنا: يا رسول الله؛ إذا رأيناك رقَّتْ قلُوبنا، وكنَّا من أهل الآخرة، وإذا فارقناك أعجَبتْنا الدنيا وشممنا النساءَ والأولاد. فقال: \"لو أنكم تكونون على كل حال، على الحال التي أنتم عليها عندي؛ لصافحتكم الملائكة بأكفِّهم، ولزارتكم في بيوتكم، ولو لم تذنبوا لجاء الله بقوم يذنبون؛ كي يغفر لهم\". قلنا: يا رسول الله؛ حدثنا عن الجنة؛ ما بناؤها؟ قال: \"لبنة ذهب ولبنة فضة، وملاطها المسك الأذفر، وحصباؤها اللؤلؤ والياقوت، وترابها الزعفران، من يدخلها ينعم ولا [¬٤] يبأس، ويخلد لا يموت، لا تبلى ثيابه، ولا يفنى شبابه، ثلاثة لا ترد دعوتهم: الإِمام العادل، والصائم حتى يفطر، ودعوة المظلوم تحمل على الغمام، وتفتح لها أبواب السماء، ويقول الرب: وعزتي لأنصرنك؛ ولو بعد حين\" (^٣٤٩).\nورواه الترمذي وابن ماجة من وجه آخر، [من حديث] [¬٥] سعد به.\nويتأكد الوضوء، وصلاة ركعتين عند التوبة؛ لما رواه الإِمام أحمد بن حنبل: حدثنا\n_________\n(^٣٤٨) - أخرجه أحمد في \"مسنده\" (٢/ ٢٩٦). وأخرجه في البخاري في \"صحيحه\" كتاب: التوحيد، باب: قول الله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ﴾، حديث (٧٥٠٧)، ومسلم في \"صحيحه\" كتاب: التوبة، حديث (٢٧٥٨) من طرق عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة به.\n(^٣٤٩) - أخرجه أحمد في \"مسنده\" (٢/ ٣٠٤، ٣٠٥). وأخرجه الترمذي في \"سننه\" كتاب: الدعوات، باب: في العفو والعافية، حديث (٣٥٩٨)، وابن ماجه في \"سننه\" كتاب: الصيام، باب: في الصائم لا ترد دعوته، حديث (١٧٥٢) من طريق سعدان الجهني، عن سعد به. وقال الترمذي: هذا حديث حسن.\n_________\n[¬١]- في خ: \"وقال\".\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- في خ: \"﵎\".\n[¬٤]- في خ: \"لا\".\n[¬٥]- في خ: \"عن\".","vol":"3","page":193},{"text":"وكيع، حدثنا مسعر، وسفيان هو [¬١] الثوري، عن عثمان بن المغيرة الثقفي، عن علي بن ربيعة، عن أسماء بن الحكم الفزاري، عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: كنت إذا سمعت من رسول الله ﷺ حديثًا؛ نفعني الله بما شاء منه. وإذا حدثني [عنه غيره استحلفته؛ فإذا حلف لي صدّقته، وإن أبا بكر ﵁ حدثني] [¬٢]، وصدق أبو بكر: أنه سمع رسول الله ﷺ قال: \"ما من رجل يذنب ذنبًا فيتوضأ فيحسن الوضوء - قال مسعر: فيصلي. وقال سفيان: ثم- يصلي ركعتين، فيستغفر الله ﷿ إلا غفر له\" (^٣٥٠).\nوهكذا [¬٣] رواه علي بن المديني والحميدي، وأبو بكر بن أبي شيبة، وأهل السنن، وابن حبان في صحيحه، والبزار، والدارقطني من طرق، عن عثمان بن المغيرة به. وقال الترمذي: هو حديث حسن. وقد ذكرنا طرقه، والكلام عليه مستقصى في مسند أبي بكر الصديق ﵁ وبالجملة فهو حديث حسن، وهو من رواية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عن خليفة النبي ﷺ أبي بكر الصديق ﵄ ومما يشهد بصحة الحديث، ما رواه مسلم في صحيحه، عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ عن النبي ﷺ قال: \"ما منكم من أحد يتوضأ فيبلغ -أو فيسبغ- الوضوء، ثم يقول:\n_________\n(^٣٥٠) - إسناده حسن، أخرجه أحمد في \"مسنده\" (١/ ٢ و٩، ٨)، وأبو داود في كتاب الصلاة، باب: في الاستغفار، حديث (١٥٢١)، والترمذي في كتاب: الصلاة، باب: ما جاء في الصلاة عند التوبة، حديث (٤٠٦)، وفي التفسير، باب: ومن سورة آل عمران، حديث (٣٠٠٦)، والنسائي في التفسير من \"الكبرى\" (٦/ ٣١٥) رقم (١١٠٧٨) وعمل اليوم والليلة ص (٣١٥: ٣١٧)، وابن ماجه في كتاب: الإقامة، باب: ما جاء في أن الصلاة كفارة، حديث (١٣٩٥)، والطيالسي في \"مسنده\" (ص ١) حديث (١، ٢)، والبغوي في \"شرح السنة\" (٤/ ١٥١، ١٥٢) رقم (١٠١٥)، والحميدي في \"مسنده\" (١/ ٢، ٤)، والطبري في \"تفسيره\" (٧/ ٢٢٠، ٢٢١) رقم (٧٨٥٣) و(٧٨٥٤)، وابن حبان في \"صحيحه\" (٢/ ٣٨٩، ٣٩٠ - الإحسان) رقم (٦٢٣)، وابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (٢/ ٣٨٧)، والبزار برقم (٨)، والعلل للدارقطني برقم (٨)، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٢/ ٥٥٣) رقم (١٤٥٥). كلهم من طرق عن عثمان بن المغيرة بهذا الإسناد.\nقال الترمذي: حديث علي حديث حسن، لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث عثمان بن المغيرة.\nوروى عنه شعبة وغير واحد فرفعوه مثل حديث أبي عوانة، ورواه سفيان الثوري ومسعر فأوقفاه ولم يرفعاه إلى النبي ﷺ.\nوقد روى عن مسعر هذا الحديث مرفوعًا أيضًا، ولا نعرف لأسماء بن الحكم حديثًا مرفوعًا إلا هذا.\nوأخرجه الحميدي في \"مسنده\" (١/ ٤، ٥) رقم (٥)، والطبري في \"تفسيره\" (٧/ ٢٢٢) رقم (٧٨٥٥).\n_________\n[¬١]- سقط من: ت.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٣]- في خ: \"وكذا\".","vol":"3","page":194},{"text":"أشهد ألّا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله؛ إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية؛ يدخل من أيها شاء\" (^٣٥١).\nوفي الصحيحين عن أمير المؤمنين عثمان بن عفان، ﵁، أنه توضأ لهم وضوء النبي ﷺ، ثم قال: سمعت النبي ﷺ يقول: \"من توضأ نحو وضوئي هذا، ثم صلى ركعتين، لا يحدِّث فيهما نفسه، غفر له ما تقدم من ذنبه\" (^٣٥٢).\nفقد ثبت هذا الحديث، من رواية الأئمة الأربعة الخلفاء الراشدين، عن سيد الأولين [¬١] والآخرين، [ورسول رب العالمين] [¬٢]، كما دل عليه الكتاب المبين، من أن الاستغفار من الذنب ينفع العاصين.\nو[¬٣] قال عبد الرزاق: أنبأنا جعفر بن سليمان، عن ثابت، عن أنس بن مالك ﵁ قال: بلغني أن إبليس حين نزلت [هذه الآية] [¬٤]: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾. الآية - بكى (^٣٥٣).\nوقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا محرز بن عون، حدثنا عثمان بن مطر، حدثنا عبد الغفور، عن أبي نُصيرة [¬٥]، عن أبي رجاء، عن أبي بكر ﵁ عن النبي ﷺ قال: \"عليكم بلا إله إلا الله، والاستغفار، فأكثروا منهما؛ فإن إبليس قال: أهلكت الناس بالذنوب، وأهلكوني بلا إله إلا الله والاستغفار، فلما رأيت ذلك، أهلكتهم بالأهواء، فهم يحسبون أنهم مهتدون\" (^٣٥٤). عثمان بن مطر وشيخه ضعيفان.\n_________\n(^٣٥١) - أخرجه مسلم في كتاب: الطهارة، حديث (٢٣٤) من حديث عقبة بن عامر الجهني.\n(^٣٥٢) - أخرجه البخاري في كتاب: الوضوء، باب: الوضوء ثلاثًا ثلاثًا، حديث (١٥٩) (١٦٠)، وأطرافه: حديث (١٦٤)، و(١٩٣٤)، و(٦٤٣٣)، ومسلم في \"صحيحه\" كتاب: الطهارة، حديث (٢٢٦)، وحديث (٢٣٢) من حديث عثمان بن عفان.\n(^٣٥٣) - أخرجه عبد الرزاق في \"تفسيره\" (١/ ١٣٧) ومن طريقه أخرجه ابن جرير الطبري في \"تفسيره\" (٧/ ٢٢٠) رقم (٧٨٥٢). وذكره السيوطي في \"الدر\" (٢/ ١٣٧) وعزاه إلى عبد بن حميد.\n(^٣٥٤) - إسناده ضعيف- لضعف عثمان بن مطر، وشيخه عبد الغفور بن عبد العزيز الواسطي؛ قال يحيى بن معين: ليس حديثه بشيء، وقال ابن حبان: كان ممن يضع الحديث، وقال البخاري: تركوه، وقال ابن عدي: ضعيف منكر الحديث. وأبو نُصيرة هو الواسطي واسمه مسلم بن عبيد. وأبو رجاء مولى لأبي بكر، قال الحافظ: مجهول.\nوالحديث أخرجه أبو يعلى في \"مسنده\" (١/ ١٢٣، ١٢٤) رقم (١٣٦) وذكره الهيثمي في =\n_________\n[¬١]- في خ: \"المرسلين\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٣]- في خ: \"وقد\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٥]- في خ: \"نضرة\".","vol":"3","page":195},{"text":"وروى الإِمام أحمد في مسنده من طريق عمرو بن أبي عمرو، وأبي الهيثم العتواري، عن أبي سعيد، عن النبي ﷺ قال: \"قال إبليس: يا رب؛ وعزتك لا أزال [أغوي عبادك] [¬١]، ما دامت أرواحهم في أجسادهم. فقال الله تعالى [¬٢]: وعزتي وجلالي؛ لا أزال أغفر لهم ما استغفروني\" (^٣٥٥).\nوقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا عمر بن أبي [¬٣] خليفة، سمعت أبا بدر يحدث عن ثابت، عن أنس، قال: جاء رجل فقال: يا رسول الله إني أذنبت ذنبًا، فقال رسول الله ﷺ: \"إذا أذنبت فاستغفر ربك\". [قال: فإني أستغفر ثم أعود فأذنب. قال: \"فإذا أذنبت فعد فاستغفر ربك\"] [¬٤] فقالها في الرابعة، فقال: \"استغفر ربك حتى يكون الشيطان هو المحسور\" (^٣٥٦). وهذا حديث غريب من هذا الوجه.\nوقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلا اللَّهُ﴾ أي: لا يغفرها أحد سواه. كما قال الإِمام أحمد: حدثنا محمد بن مصعب، حدثنا سلام بن مسكين، والمبارك عن [الحسن، عن] [¬٥] الأسود بن سريع، أن النبي ﷺ أُتي بأسير فقال: اللَّهم؛ إني أتوب إليك، ولا\n_________\n= \"مجمع الزوائد (١٠/ ٢١٠) وقال: رواه أبو يعلى وفيه عثمان بن مطر وهو ضعيف.\n(^٣٥٥) - إسناده ضعيف، أخرجه أحمد في \"مسنده\" (٣/ ٢٩، ٧٦)، وأبو يعلى (٢/ ٥٣٠) رقم (١٣٩٩)، وعبد بن حميد في \"المنتخب\" ص (٢٩٠) رقم (٩٣٢)، والبغوي في شرح السنة (٥/ ٧٦، ٧٧) رقم (١٢٩٣)، والبيهقي في الأسماء والصفات ص (١٣٣ - ١٣٤)، والحاكم في \"المستدرك\" (٤/ ٢٦١). من طرق عن دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري.\nوأخرجه أحمد في \"مسنده\" (٣/ ٢٩، ٤١)، وأبو يعلى (٢/ ٤٥٨) رقم (١٢٧٣)، والطبراني في \"الأوسط\" (٨/ ٣٣٣) رقم (٨٧٨٨) من طريق الليث بن سعد، عن يزيد بن الهاد، عن عمرو بن أبي عمرو، عن أبي سعيد به نحوه.\nقال الشيخ الألباني -حفظه الله- في \"السلسلة الصحيحة\" (١/ ١٦٤) رقم (١٠٤): \"هذا إسناد رجاله ثقات رجال الشيخين لكنه منقطع بين عمرو - وهو ابن أبي عمرو مولى المطلب - وبين أبي سعيد الخدري؛ فإنهم لم يذكروا لعمرو رواية عن أحد من الصحابة غير أنس بن مالك. والحديث ذكره الهيثمي في \"المجمع\" (١٠/ ٢١٠) وقال: رواه أحمد وأبو يعلى بنحوه، والطبراني في الأوسط وأحد إسنادي أحمد رجاله رجال الصحيح، وكذلك أحد إسنادي أبي يعلى.\n(^٣٥٦) - أخرجه البزار كما في كشف الأستار رقم (٣٢٤٩). وأخرجه البيهقي في \"شعب الإيمان\" (٥/ ٤٠٦، ٤٠٧) برقم (٧٠٩٠) من طريق عمر بن أبي خليفة به. وذكره الهيثمي في \"المجمع\" (١٠/ ٢٠٤) وقال: رواه البزار، وفيه بشارة بن الحكم الضبي ضعفه غير واحد، وقال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به، وبقية رجاله وثقوا.\n_________\n[¬١] في خ: \"أغويهم\".\n[¬٢] سقط من: خ.\n[¬٣] سقط من: م.\n[¬٤] ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٥] ما بين المعكوفتين سقط من: خ.","vol":"3","page":196},{"text":"أتوب إلى محمد. فقال النبي ﷺ: \"عرف الحق لأهله\" (^٣٥٧).\nوقوله: ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أي: تابوا من ذنوبهم، ورجعوا إلى الله عن قريب، ولم يستمرّوا على المعصية ويصروا عليها غير مقلعين عنها، ولو تكرر منهم الذنب تابوا منه. كما قال الحافظ أبو يعلى الموصلي ﵀ في مسنده: حدثنا إسحاق بن أبي إسرائيل وغيره، قالوا: حدثنا أبو يحيى عبد الحميد الحماني، عن عثمان بن واقد، عن أبي نصيرة [¬١]، عن مولى لأبي بكر، عن أبي بكر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"ما أصر من استغفر وإن عاد في اليوم سبعين مرة\" (^٣٥٨).\nورواه أبو داود والترمذي والبزار في مسنده من حديث عثمان بن واقد -وقد وثقه يحيى ابن معين- به وشيخه أبو نصيرة الواسطي، واسمه مسلم [¬٢] بن عبيد، وثقه الإِمام أحمد\n_________\n(^٣٥٧) - إسناده ضعيف. المبارك بن فضالة: ضعفه أحمد والنسائي، وقال الدارقطني: لين كثير الخطأ، وثقه ابن معين مرة، ومرة قال: ضعيف الحديث. ووثقه جماعة، وكان يدلس ويسوى ولم يصرح بالسماع هنا وكذلك الحسن فهو مدلس، وقد عنعن هنا، ولم يصرح بالسماع، وقد نقل العلائي عن علي بن المديني: أنه لم يسمع من الأسود بن سريع. وعليه فيكون الحديث فيه انقطاع بين الحسن والأسود. ومحمد بن مصعب فيه ضعف.\nوالحديث أخرجه أحمد في \"مسنده\" (٣/ ٤٣٥)، والحاكم في \"المستدرك\" (٤/ ٢٥٥)، والبيهقي في \"شعب الإيمان\" (٤/ ١٠٣) رقم (٤٤٢٥)، والطبراني في \"الكبير\" (١/ ٢٨٦) رقم (٨٣٩، ٨٤٠)، والضياء في \"المختارة\" رقم (١٤٥٨، ١٤٦٠). كلهم من طريق محمد بن مصعب بهذا الإسناد. قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وتعقبه الذهبي بأن فيه محمد بن مصعب وهو ضعيف.\nوذكره الهيثمي في \"المجمع\" (١٠/ ٢٠٢) وقال: رواه أحمد والطبراني وفيه محمد بن مصعب وثقه أحمد وضعفه غيره، وبقية رجاله رجال الصحيح. وذكره الشيخ الألباني - حفظه الله- في ضعيف الجامع (٣٧٠٧) وقال: ضعيف.\n(^٣٥٨) - إسناده ضعيف لجهالة مولى أبي بكر.\nأخرجه أبو يعلى في \"مسنده\" (١/ ١٢٤) رقم (١٣٧، ١٣٨) و(١/ ١٢٤، ١٢٥) رقم (١٣٩) من طريق عبد الغفار بن عبد الله بن الزبير حدثنا عفيف بن سالم، عن عثمان بن واقد، حدثنا أبو نصيرة، عن مولى لأبي بكر عن أبي بكر به.\nوأخرجه أبو داود كتاب الصلاة، باب: في الاستغفار، حديث (١٥١٤)، والترمذي في كتاب: الدعوات، باب: ما أصرَّ من استغفر، حديث (٣٥٥٩)، والبزار في \"مسنده\" برقم (٩٣) وابن جرير الطبري في \"تفسيره\" (٧/ ٢٢٥) رقم (٧٨٦٣) وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٢/ ٥٥٤، ٥٥٥) رقم (١٤٥٩) كلهم من طريق عثمان بن واقد بهذا الإسناد. وقال الترمذي: هذا حديث غريب إنما نعرفه من حديث أبي نصيرة وليس إسناده بالقوي. وقال البزار: فرأيت في هذا الإسناد رجلين مجهولين فتركت ذكر هذا الحديث. والحديث ضعفه الشيخ الألباني -كما في ضعيف سنن أبي داود برقم (٣٢٦) وغيره.\n_________\n[¬١]- في خ: \"نضرة\".\n[¬٢]- في خ: \"سلم\".","vol":"3","page":197},{"text":"وابن حبان، وقول علي بن المديني والترمذي: ليس إسناد هذا الحديث بذاك. فالظاهر [أنما هو] [¬١] لأجل جهالة مولى أبي بكر، ولكن جهالة مثله لا تضر؛ لأنه تابعي كبير، ويكفيه نسبته إلى أبي بكر الصديق، فهو حديث حسن، والله أعلم.\nوقوله: ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾، قال مجاهد وعبد الله بن عبيد بن عمير: ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أنه من تاب؛ تاب الله عليه، وهذا كقوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾، وكقوله: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾، ونظائر هذا كثيرة جدًّا.\nوقال الإِمام أحمد: حدثنا يزيد، أنبأنا جرير، حدثنا حبان -هو ابن زيد الشرعبي، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ أنه قال، وهو على المنبر: \"ارحموا ترحموا واغفروا يغفر لكم، ويل لأقماع (*) القول، ويل للمصرين، الذين يصرون على ما فعلوا وهم يعلمون\" (^٣٥٩). تفرّد به أحمد ﵀!\nثم قال الله [¬٢] تعالى بعد وصفهم بما وصفهم به: ﴿أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ [¬٣]﴾، أي: جزاؤهم على هذه الصفات، ﴿مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ [¬٤] وَجَنَّاتٌ تَجْرِي\n_________\n(*) - (الأقماع) بفتح الهمزة جمع (قِمَع) بكسر القاف وفتح الميم وتسكن: الإناء الذي يجعل في رأس الطرف ليملأ بالمائع. شبه استماع الذين يستمعون القول ولا يعونه ولا يعملون به بالأقماع التي لا تعى شيئًا مما يفرغ فيها، فكأنه يمر عليها مجتازًا كما يمر الشراب في القمع كذلك قال الزمخشري: من المجاز \"ويل لأقماع القول\" وهم الذين يستمعون ولا يعون\".\n(^٣٥٩) - إسناده صحيح، أخرجه أحمد في \"مسنده\" (٢/ ١٦٥). وعبد بن حميد في \"المنتخب\" ص (١٣١) رقم (٣٢٠) بهذا الإسناد.\nوأخرجه أيضًا - أحمد (٢/ ٢١٩)، والبخاري في الأدب المفرد برقم (٣٨٠)، والبيهقي في \"شعب الإيمان\" (٥/ ٤٤٩) رقم (٧٢٣٦) و(٧/ ٤٧٦ - ٤٧٧) رقم (١١٠٥٢). كلهم من طرق عن جرير، عن حبان بن زيد، عن ابن عمرو به.\nوذكره الهيثمي في \"المجمع\" (١٠/ ١٩٤) وقال: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح غير حبان بن يزيد الشرعي ووثقه ابن حبان، ورواه الطبراني كذلك.\nوذكره السيوطي في \"الدر\" (٢/ ١٣٩) وعزاه لابن مردويه، وذكره المنذري في \"الترغيب والترهيب\" (٣/ ١٥٥) وقال: رواه أحمد بإسناد جيد. وذكره الشيخ الألباني -حفظه الله- في \"السلسلة الصحيحة\" برقم (٤٨٢) وقال: وهذا إسناد صحيح رجاله كلهم ثقات. وكذلك في \"صحيح الأدب المفرد\" برقم (٢٩٣) وقال: صحيح.\n_________\n[¬١]- في ت: \"أنه\".\n[¬٢]- سقط من: ت.\n[¬٣]- سقط من: ت.\n[¬٤]- في خ: \"الله\".","vol":"3","page":198},{"text":"مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾، أي: من [¬١] أنواع المشروبات: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾، أي: ماكثين فيها [¬٢]، ﴿وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ يمدح الله [¬٣] تعالى الجنة.\n﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (١٣٧) هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٨) وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩) إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاولُهَا بَينَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (١٤٠) وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ (١٤١) أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ (١٤٢) وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (١٤٣)﴾\nيقول تعالى مخاطبًا عباده المؤمنين لما [¬٤] أصيبوا يوم أحد، وقتل منهم سبعون: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ﴾ أي: قد جرى نحو هذا على الأمم الذين كانوا من قبلكم من أتباع الأنبياء، ثم كانت العاقبة لهم، والدائرة على الكافرين، ولهذا قال تعالى: ﴿فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾.\nثم قال تعالى: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى [¬٥]﴾ يعني القرآن: فيه بيان الأمور على جليتها، وكيف كان الأم الأقدمون مع أعدائهم، ﴿وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ﴾ يعني القرآن: فيه خبر من قبلكم، وهدى لقلوبكم، ﴿وَمَوْعِظَةٌ﴾ أي زاجر عن المحارم والمآثم.\nثم قال تعالى مسلِّيًا للمؤمنين: ﴿وَلَا تَهِنُوا﴾ أي: لا تضعُفوا بسبب ما جرى، ﴿وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، أي العاقبة والنصر [¬٦] لكم، أيها المؤمنون.\n﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾ أي: أن كنتم قد أصابتكم جراح،\n_________\n[¬١]- في خ: \"منهم\".\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- سقط من: ت.\n[¬٤]- في خ: \"الذين\".\n[¬٥]- سقط من: ت.\n[¬٦]- في خ: \"والنصرة\".","vol":"3","page":199},{"text":"وقتل منكم طائفة، فقد أصاب أعداءكم قريب من ذلك من قتل وجراح ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاولُهَا بَينَ النَّاسِ﴾ أي: نديل عليكم الأعداء تارة، وإن كانت لكم العاقبة لما لنا في ذلك من الحكمة [¬١]، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ قال ابن عباس: في مثل هذا لنرى من [¬٢] يصبر على مناجزة الأعداء، ﴿وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ﴾ يعني: يقتلون في سبيله، ويبذلون مهجهم في مرضاته [¬٣]، ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (١٤٠) وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي: يكفر عنهم من ذنوبهم إن كانت [¬٤] لهم ذنوب، وإلا رفع لهم [¬٥] في درجاتهم بحسب ما أصيبوا به. وقوله: ﴿وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾ أي: فإنهم إذا ظفروا؛ بغوا وبطروا؛ فيكون ذلك سبب دمارِهم وهلاكِهم ومحقِهم وفنائِهم.\nثم قال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ أي: أحسبتم أن تدخلوا الجنة ولم تبتلوا بالقتال والشدائد. كما قال تعالى في سورة البقرة: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا﴾. الآية. وقال تعالى: ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾. الآية؛ ولهذا قال هاهنا: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ أي: لا يحصل لكم دخول الجنة حتى تبتلوا، ويرى الله منكم المجاهدين في سبيله، والصابرين على مقاومة [¬٦] الأعداء.\nوقوله: ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ أي: قد كنتم أيها المؤمنون، قبل هذا اليوم تتمنون لقاء العدّو، وتتحرقون عليه، وتودّون مناجزتهم ومصابرتهم، فها قد حصل لكم الذي تمنيتموه وطلبتموه؛ فدونكم فقاتلوا وصابروا.\nوقد [¬٧] ثبت في الصحيحين أن رسول الله ﷺ؛ قال: \"لا تتمنوا لقاء العدّو، وسلوا الله العافية، فإذا لقيتموههم فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف\" (^٣٦٠).\nولهذا قال تعالى: ﴿فَقَدْ رَأَيتُمُوهُ﴾ يعني الموت، شاهدتموه في لمعان السيوف، وحد الأسنة، واشتباك الرماح، وصفوف الرجال للقتال.\n_________\n(^٣٦٠) - أخرجه البخاري في \"صحيحه\" كتاب: الجهاد، باب: الجنة تحت بارقة السيوف، حديث (٢٨١٨)، وأطرافه حديث (٢٨٣٣)، و(٢٩٦٦)، و(٣٠٢٤) (٣٠٢٥)، و(٧٢٣٧). ومسلم في \"صحيحه\" كتاب: الجهاد والسير، حديث (١٧٤٢) من حديث عبد الله بن أبي أوفى.\n_________\n[¬١]- في خ: \"الحكم\".\n[¬٢]- في خ: \"أي: من\".\n[¬٣]- في خ: \"مرضات الله\".\n[¬٤]- في خ: \"كان\".\n[¬٥]- سقط من: خ.\n[¬٦]- في خ: \"مقارنة\".\n[¬٧]- مكانها بياض في خ.","vol":"3","page":200},{"text":"والمتكلمون يعبرون عن هذا بالتخييل، وهو مشاهدة ما ليس بمحسوس، كالمحسوس [¬١] كما تتخيل الشاة صداقة الكبش، وعداوة الذئب.\n﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (١٤٤) وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إلا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ (١٤٥) وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (١٤٦) وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إلا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (١٤٧) فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٤٨)﴾\nلما انهزم من [¬٢] انهزم من المسلمين يوم أُحد، وقتل منهم من قتل، نادى الشيطان: ألا إن محمدًا قد قتل، ورجع ابن قميئة إلى المشركين، فقال لهم: قتلت محمدًا! وإنما كان قد ضرب رسول الله فشجه في رأسه، فوقع ذلك في قلوب كثير من الناس، واعتقدوا أن رسول الله ﷺ قد قُتل، وجوّزوا عليه ذلك، كما قد قص الله عن كثير من الأنبياء ﵈، فحصل ضعف ووهن وتأخر عن القتال، ففي ذلك أنزل الله تعالى على رسوله ﷺ: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ أي: له أسوة بهم في الرسالة، وفي جواز القتل عليه.\nقال ابن أبي نجيح: عن أبيه: إن رجلًا من المهاجرين مَرَّ على رجل من الأنصار، وهو يتشحط في دمه، فقال له: يا فلان؛ أشعرت أن محمدًا ﷺ قد قتل، فقال الأنصاري: إن كان محمد قد قتل؛ فقد بلغ، فقاتلوا عن دينكم، فنزل: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ (^٣٦١).\n_________\n(^٣٦١) - أخرجه البيهقي في \"دلائل النبوة\" (٣/ ٢٤٨، ٢٤٩) من طريق آدم بن أبي إياس عن ورقاء =\n_________\n[¬١]- في خ: \"من المحسوس\".\n[¬٢]- في خ: \"ما\".","vol":"3","page":201},{"text":"رواه [الحافظ أبو بكر] [¬١] البيهقي في دلائل النبوة.\nثم قال تعالى، منكرًا على من حصل له ضعف: ﴿أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ أي: رجعتم القهقرى، ﴿وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ أي: الذين قاموا [¬٢] بطاعته، وقاتلوا عن دينه، واتبعوا رسوله حيًّا وميتًّا.\nوكذلك ثبت في الصحاح والمساند والسنن وغيرها من كتب الإِسلام، من طرق متعدّدة تفيد القطع، وقد ذكرت ذلك في مسندي الشيخين أبي بكر وعمر ﵄ أن الصديق ﵁ تلا هذه الآية، لما مات رسول اللَّه، ﷺ (^٣٦٢).\nوقال البخاري: حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، أخبرني أبو سلمة، أن عائشة ﵂ أخبرته أن أبا بكر ﵁ أقبل على فرس من مسكنه بالسنح حتى نزل فدخل المسجد، فلم يكلم الناس حتى دخل على عائشة، فتيمم رسول اللَّه ﷺ وهو مُغَشَّى بثوب حبرة، فكشف عن وجهه، ثم أكب عليه، وقبله، وبكى ثم قال: بأبي أنت وأمي؛ والله لا يجمع اللَّه عليك موتتين. أمّا الموتة التي كتبت عليك فقد متها (^٣٦٣).\nوقال الزهري: وحدثني أبو سلمة، عن ابن عباس، أن أبا بكر خرج، وعمر يكلم] [¬٣]\nالناس، وقال: اجلس يا عمر [فأبى عمر أن يجلس، فأقبل الناس إليه وتركوا عمر] [¬٤].\nفقال أبو بكر: أما بعد، فمن [¬٥] كان يعبد محمّدًا فإن محمَّدًا قد مات، ومن كان يعبد اللَّه فإن اللَّه حي لا يموت. قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ إلى قوله ﴿[وَسَيَجْزِي اللَّهُ] [¬٦] الشَّاكِرِينَ﴾ قال: فو اللَّه، لكأن الناس لم\n_________\n= عن ابن أبي نجيح به. وأخرجه الطبري في \"تفسيره\" (٧/ ٢٥٦) رقم (٧٩٤٥) من طريق عيسى وشبل- كلاهما عن ابن أبي نجيح به.\n(^٣٦٢) - انظر \"البداية والنهاية\" للمصنف (٥/ ٢٦٢: ٢٦٤) و\"دلائل النبوة\" للبيهقي (٧/ ٢١٤: ٢١٨) وانظر الأحاديث الآتية.\n(^٣٦٣) - أخرجه البخاري في \"صحيحه\" كتاب: المغازي، باب مرض النبي ﷺ ووفاته، حديث (٤٤٥٢، ٤٤٥٣).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٢]- في خ: \"ماتوا\".\n[¬٣]- في خ: \"يحدث\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٥]- في خ: \"من\".\n[¬٦]- سقط من: خ.","vol":"3","page":202},{"text":"يعلموا أن اللَّه أنزل هذه الآية، حتى تلاها أبو بكر، [فتلقّاها منه الناس] [¬١] كلهم، فما سمعها بشر من الناس إلا تلاها.\nوأخبرني سعيد بن المسيب أن عمر قال: والله ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها، فعقرت [¬٢] حتى ما تقلني [¬٣] رجلاي، وحتى هويت إلى الأرض (^٣٦٤).\nوقال أبو القاسم الطبراني: حدثنا علي بن عبد العزيز، حدثنا عمرو بن حماد بن طلحة القناد، حدَّثنا أسباط بن نصر، عن سماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عباس: أن عليًّا كان يقول في حياة رسول اللَّه ﷺ: ﴿أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾: والله لا ننقلب على أعقابنا بعد إذ هدانا اللَّه، واللَّه لئن مات أو قتل؛ لأقاتلن على ما قاتل عليه حتى أموت، واللَّه إني لأخوه، ووليه، وابن عمه، ووارثه فمن أحق به منّي (^٣٦٥).\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا﴾ أي: لا يموت أحد إلا بقدر اللَّه، وحتى يستوفي المدّة التي ضربها اللَّه له، ولهذا قال: ﴿كِتَابًا مُؤَجَّلًا﴾ كقوله: ﴿وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب﴾ وكقوله: ﴿هو الذي خلقكم من طين ثم قضى أجلًا وأجل مسمًّى عنده﴾.\nوهذه الآية فيها تشجيع للجبناء، وترغيب لهم في القتال، فإن الإِقدام والإحجام لا ينقص من العمر ولا يزيد فيه، كما قال ابن أبي حاتم: حدثنا العباس بن يزيد العبدي، قال: سمعت أبا معاوية. عن الأعمش، عن حبيب بن صهبان، قال: قال رجل من المسلمين -وهو حجر بن عدي-: ما يمنعكم أن تعبروا [¬٤] إلى هؤلاء العدّو هذه النطفة -يعني دجلة- ﴿و[¬٥] مَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا﴾ ثم أقحم فرس دجلة، فلما أقحم أقحم الناس، فلما رآهم العدّو، قالوا: ديوان! فهربوا (^٣٦٦).\n_________\n(^٣٦٤) - أخرجه البخاري في \"صحيحه\" كتاب: المغازي، باب: مرض النبي ﷺ ووفاته، حديث (٤٤٥٤).\n(^٣٦٥) - إسناده ضعيف، فيه سماك بن حرب يروى عن عكرمة وروايته عن عكرمة فيها اضطراب.\nوالحديث أخرجه الطبراني في \"المعجم الكبير\" (١/ ١٠٧) رقم (١٧٦). وأخرجه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٢/ ٥٨١) رقم (١٥٥٣). والحاكم في \"المستدرك\" (٣/ ١٢٦) من طريق عمرو بن حماد بن طلحة به. وذكره الهيثمي في \"المجمع\" (٩/ ١٣٧) وقال: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح.\n(^٣٦٦) - إسناده حسن، أخرجه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٢/ ٥٨٤) رقم (١٥٦٢).\n_________\n[¬١]- في خ: \"فتلاها الناس من\".\n[¬٢]- في خ: \"فعرفت\".\n[¬٣]- في خ: \"أبلغني\".\n[¬٤]- في خ: \"تعبوا\".\n[¬٥]- سقط من: خ.","vol":"3","page":203},{"text":"وقوله: ﴿وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾ أي: من كان عمله للدنيا فقط، ناله [¬١] منها ما قدره اللَّه له، ولم يكن له في الآخرة من [¬٢] نصيب، ومن قصد بعمله الدار الآخرة أعطاه الله منها، مع ما قسم له في الدنيا. كما قال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾، وقال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا (١٨) وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾؛ ولهذا [¬٣] قال هاهنا: ﴿وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ﴾ أي: سنعطهم من فضلنا، ورحمتنا في الدنيا والآخرة بحسب شكرهم وعملهم [¬٤].\nثم قال تعالى، مسليًا للمؤمنين عما كان [¬٥] وقع في نفوسهم يوم أحد: ﴿وكأين من نبي قُتِلَ [¬٦] معه ربيون كثير﴾ قيل: معناه كم من نبي قتل، وقتل معه ربيون من أصحابه كثير﴾ وهذا القول هو اختيار ابن جرير فإنه قال: وأما الذين قرءوا ﴿قتل معه ربيون كثير﴾ فإنهم قالوا: إنما عني بالقتل النبي وبعض من معه من الربيين [¬٧] دون جميعهم، وإنما نفي الوهن والضعف عمن بقي من الربيين ممن لم يقتل.\nقال: ومن قرأ ﴿قاتل﴾ فإنه اختار ذلك؛ لأنه [¬٨] قال: لو قتلوا لم يكن [لقول اللَّه] [¬٩]: ﴿فما وهنوا﴾ وجه معروف، لأنه يستحيل أن يوصفوا بأنهم لم يهنوا، ولم يضعفوا بعدما قتلوا.\nثم اختار قراءة من قرأ ﴿قتل معه ربيون كثير﴾؛ لأن اللَّه تعالى عاتب بهذه الآيات والتي قبلها من انهزم ورم أحد، وتركوا القتال لما [¬١٠] سمعوا الصائح يصيح: إن [¬١١] محمّدًا قد قتل! فعذلهم اللَّه على فرارهم وتركهم القتال، فقال لهم: ﴿أفإن مات أو قتل﴾ أيها [¬١٢] المؤمنون ارتددتم عن دينكم، و﴿انقلبتم على أعقابكم﴾. وقيل: وكم من نبي قتل بين يديه من أصحابه ربيون كثير.\n_________\n[¬١]- في خ: \"نال\".\n[¬٢]- سقط عن: خ.\n[¬٣]- في خ: \"وهكذا\".\n[¬٤]- في خ: \"وعلمهم\".\n[¬٥]- سقط من: خ.\n[¬٦]- في خ: \"قاتل\".\n[¬٧]- في خ: \"الربيون\".\n[¬٨]- في خ: \"فإنه\".\n[¬٩]- في خ: \"لقوله\".\n[¬١٠]- في خ: \"أو\".\n[¬١١]- في خ: \"بأن\".\n[¬١٢]- في خ: \"يا أيها\".","vol":"3","page":204},{"text":"وكلام ابن إسحاق في السيرة يقتضي قولًا آخر، قال: أي: وكأين من نبي أصابه القتل، ومعه ربيون أي: جماعات، فما وهنوا بعد نبيهم، وما ضعفوا عن عدديهم، وما استكانوا لا أصابهم في الجهاد عن اللَّه وعن دينهم، وذلك الصبر ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ (^٣٦٧).\nفجعل قوله: ﴿مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ حالًا، وقد نصر هذا القول السهيلي وبالغ فيه، وله اتجاه لقوله: ﴿فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ﴾ الآية. وقدا [¬١] حكاه الأموي في مغازيه عن كتاب محمد بن إبراهيم ولم يحك [¬٢] غيره.\nوقرأ بعضهم ﴿قاتل معه ربيون كثير﴾ قال سفيان الثوري، عن عاصم، عن زر، عن ابن مسعود ﴿ربيون كثير﴾ أي: ألوف (^٣٦٨).\nوقال ابن عباس، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وعكرمة، والحسن، وقتادة، والسدي، والربيع، وعطاء الخراساني: الربيون الجموع الكثيرة (^٣٦٩).\nوقال عبد الرزاق عن معمر عن الحسن ﴿ربيون كثير﴾ أي: علماء كثير (^٣٧٠)، وعنه أيضًا: علماء صُبر أي [¬٣]: أبرار أتقياء (^٣٧١).\nوحكى ابن جرير عن بعض نحاة البصرة أن الربيين هم الذين يعبدون الرب ﷿،\n_________\n(^٣٦٧) - إسناده حسن، أخرجه ابن جرير الطبري في \"تفسيره\": (٧/ ٢٦٨) رقم (٧٩٧٨)، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٢/ ٥٨٦) رقم (١٥٦٩) من طريق سلمة عن محمد بن إسحاق به.\n(^٣٦٨) - أخرجه الطبري في \"تفسيره\" (٧/ ٢٦٦) رقم (٧٩٥٧، ٧٩٥٨، ٧٩٥٩)، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٢/ ٥٨٦) رقم (١٥٧٠) والطبراني في \"المعجم الكبير\" (٩/ ٢٥٧) رقم (٩٠٩٦). كلهم من طرق عن سفيان عن عاصم عن زر عن عبد اللَّه به. وذكره الهيثمي في \"المجمع\" (٦/ ٣٣٠) وقال: رواه الطبراني وفيه عاصم بن بهدلة وثقه النسائي وغيره، وضعفه جماعة.\n(^٣٦٩) - أخرج هذه الآثار ابن جرير الطبري في تفسيره (٧/ ٢٦٧، ٢٦٨) بأرقام (٧٩٦٦ - ٧٩٧٩). وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٢/ ٥٨٧، ٥٨٨) بأرقام (١٥٧٢ - ١٥٧٩).\n(^٣٧٠) - إسناده صحيح، أخرجه عبد الرزاق في \"تفسيره\"، ومن طريقه الطبري في \"تفسيره\" (٧/ ٢٦٧) رقم (٧٩٦٨) وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٢/ ٥٨٨) رقم (١٥٨٠). وذكره السيوطي في \"الدر\" (٢/ ١٤٧) وعزاه إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣٧١) - أخرجه الطبري في \"تفسيره\" (٧/ ٢٦٨) رقم (٧٩٧٥)، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٢/ ٥٨٩) رقم (١٥٨٢). من طريق المبارك عن الحسن به.\n_________\n[¬١]- في ت: \"وكذا\".\n[¬٢]- في خ: \"يقل\".\n[¬٣]- سقط من: خ.","vol":"3","page":205},{"text":"قال: ورد بعضهم عليه فقال: لو كان كذلك لقيل الربيون [¬١] بفتح الراء (^٣٧٢).\nوقال ابن زيد: الربيون الأتباع والرعية\" والربايون\": الولاة (^٣٧٣) ﴿فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا﴾ قال [¬٢] قتادة والربيع بن أنس: ﴿وما ضعفوا﴾ بقتل نبيهم ﴿وما استكانوا﴾ يقول: فما ارتدوا عن نصرتهم، ولا عن دينهم أن قاتلوا على ما قاتل عليه نبي اللَّه حتى لحقوا بالله.\nوقال ابن عباس: ﴿وما استكانوا﴾ تخشعوا [¬٣] (^٣٧٤)، وقال السدي وابن زيد: وما ذلوا لعدوهم (^٣٧٥).\nوقال محمد بن إسحاق (^٣٧٦)، والسدي (^٣٧٧)، وقتادة (^٣٧٨): أي: ما أصابهم ذاك حين قتل نبيهم.\n﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (١٤٦) وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ أي: لم يكن لهم هجَّيرى [¬٤] إلا ذلك ﴿فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا﴾ أي: النصر، والظفر، والعاقبة ﴿وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ﴾ أي: جمع لهم ذلك مع هذا ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾.\nيَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى\n_________\n(^٣٧٢) - انظر تفسير الطبري (٧/ ٢٦٥).\n(^٣٧٣) - أخرجه ابن جرير الطبري في \"تفسيره (٧/ ٢٦٩) رقم (٧٩٨٠).\n(^٣٧٤) - أخرجه ابن جرير الطبري في \"تفسيره\" (٢٧١١٧) رقم (٧٩٨٥) وابن أبي حاتم في \"تفسيره \" (٢/ ٥٩٢) رقم (١٥٩٦) عن ابن عباس.\n(^٣٧٥) - أخرجه الطبري في \"تفسيره\" (٧/ ٢٧١) رقم (٧٩٨٦)، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٢/ ٥٩١) رقم (١٥٩٤).\n(^٣٧٦) - أخرجه الطبري في \"تفسيره\" (٧/ ٢٧١) رقم (٧٩٨)، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٢/ ٥٩٠) رقم (١٥٨٧) عن محمد بن إسحاق به.\n(^٣٧٧) - أخرجه الطبري في \"تفسيره\" (٧/ ٢٧٠) رقم (٧٩٨٣)، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٢/ ٥٩٠، ٥٩١) رقم (١٥٨٦، ١٥٨٩).\n(^٣٧٨) - أخرجه الطبري في \"تفسيره\" (٧/ ٢٧٠) رقم (٧٩٨١) وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (١/ ٥٩٢) رقم ٠١٥٩٠) عن قتادة به.\n_________\n[¬١]- في خ: \"ربيون\".\n[¬٢]- في خ: \"وقال\".\n[¬٣]- في خ: \"ضعفوا\".\n[¬٤]- في خ: \"هجر\".","vol":"3","page":206},{"text":"أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (١٤٩) بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيرُ النَّاصِرِينَ (١٥٠) سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ (١٥١) وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (١٥٢) إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٥٣)\nيحذر تعالى عباده المؤمنين عن طاعة الكافرين والمنافقين، فإن طاعتهم تورث الردى في الدنيا والآخرة، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾.\nثم أمرهم بطاعته، وموالاته، والاستعانة به، والتوكل عليه، فقال تعالى: ﴿بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ﴾.\nثم بشرهم بأنه سيلقى في قلوب أعدائهم الخوف منهم، والذلة لهم بسبب كفرهم، وشركهم مع ما ادّخره لهم في الدار [¬١] الآجرة من العذاب والنكال، فقال: ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ﴾.\nوقد ثبت في الصحيحين عن جابر بن عبد اللَّه قال: قال رسول اللَّه ﷺ: \"أعطيت خمسًا، لم يُعْطَهن أحد من الأنبياء قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.","vol":"3","page":207},{"text":"الأرض مسجدًا وطهورًا، وأحلت لي الغنائم، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة [¬١]، وبعثت إلى الناس عامة\" (^٣٧٩).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن أبي عدي، عن سليمان التيمي عن سيار، عن أبي أمامة: أن رسول اللَّه ﷺ قال: [\"فضلني ربي] [¬٢] على الأنبياء -أو قال: على الأمم- بأربع: قال [¬٣] أرسلت إلى الناس كافة، وجعلت لي الأرض كلها ولأمتي مسجدًا وطهورًا، فأينما أدركت رجلًا من أمتي الصلاة، فعنده مسجده وطهوره، ونصرت بالرعب مسيرة شهر يقذف [¬٤] في قلوب أعدائي؛ وأحلت [¬٥] لي الغنائم (^٣٨٠).\nورواه [¬٦] الترمذي، من حديث سليمان التيمي، عن سيار القرشي الأموي مولاهم الدمشقي -سكن البصرة- عن أبي أمامة صدي [¬٧] بن عجلان ﵁ به، وقال: حسن صحيح.\nوقال سعيد بن منصور: أنبأنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، أن أبا يونس حدثه عن أبي هريرة: أن رسول اللَّه ﷺ، قال: \"نصرت بالرعب على العدو\" (^٣٨١). ورواه مسلم من حديث ابن [¬٨] وهب.\n_________\n(^٣٧٩) - أخرجه البخاري في \"صحيحه\" كتاب: التيمم، باب (١) حديث (٣٣٥)، وكتاب: الصلاة، باب: قول النبي ﷺ: \"جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا\" حديث (٤٣٨)، وكتاب: الجهاد، باب: قول النبي ﷺ: \"أحلت لكم الغنائم\" حديث (٣١٢٢). ومسلم في \"صحيحه\" كتاب: المساجد ومواضع الصلاة، حديث (٥٢١).\nمن طرق عن هشيم بن بشير عن سيار عن يزيد الفقير عن جابر به.\n(^٣٨٠) - أخرجه أحمد (٥/ ٢٤٨). والترمذي في كتاب السير، باب: ما جاء في الغنيمة، حديث (١٥٥٣) من طريق محمد بن عبيد المحاربي، عن أسباط بن محمد، عن سليمان التيمي، به- مختصرًا على الغنائم- وقال أبو عيسى الترمذي: حسن صحيح.\nوأخرجه أيضًا الطبراني في الكبير (٨/ ٣٠٨) رقم (٨٠٠١، ٨٠٠٢) من طرق عن سليمان التيمي، به. وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٢٦٢١٨) وقال: \"روى الترمذي طرفًا منه- رواه أحمد والطبراني بنحوه؛ إلا أنه قال: \"بُعثت إلى كل أبيض وأسود\" ورجال أحمد ثقات.\n(^٣٨١) - رواه مسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة برقم ٧ - (٥٢٣)، والبيهقي في دلائل النبوة (٥/ ٤٧١ - ٤٧٢).\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- في خ: \"فضيلتي\".\n[¬٣]- سقط من: خ.\n[¬٤]- في خ: \"يقذفه\".\n[¬٥]- في خ: \"وأحل\".\n[¬٦]- في خ: \"رواه\".\n[¬٧]- في خ: \"صبي\".\n[¬٨]- سقط من: خ.","vol":"3","page":208},{"text":"وقال [¬١] الإِمام أحمد: حدثنا حسين بن محمد، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي بردة عن أبيه أبي موسى قال: قال رسول اللَّه ﷺ: \"أعطيت خمسًا: بعثت إلى الأحمر والأسود، وجعلت لي الأرض طهورًا ومسجدًا، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لمن كان قبلي، ونصرت بالرعب مسيرة [¬٢] شهر، وأعطيت الشفاعة، وليس من نبي إلا وقد سأل شفاعته، وإني قد [¬٣] اختبأت شفاعتي ثم جعلتها لمن مات [¬٤] لا يشرك باللَّه شيئًا\" (^٣٨٢) تفرد به أحمد.\nوروى العوفي، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾. قال: قذف اللَّه في قلب أبي سفيان الرعب، فرجع إلى مكة، فقال النبي ﷺ: \"إن أبا سفيان قد أصاب منكم طرفًا، وقد رجع وقذف اللَّه في قلبه الرعب\" (^٣٨٣) رواه ابن أبي حاتم. وقوله تعالى ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾ قال ابن عباس: وعدهم اللَّه النصر. وقد يستدل بهذه الآية على أحد القولين المتقدّمين في قوله تعالى: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ (١٢٤) بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ أنّ ذلك كان يوم أحد، لأن عدوهم كان ثلاثة آلاف مقاتل، فلما واجهوهم كان الظفر والنصر أوّل النهار للإِسلام، فلما حصل ما حصل من عصيان الرماة وفشل بعض المقاتلة. [تأخر الوعد] الذي كان مشروطًا بالثبات والطاعة، ولهذا قال: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ أي: أوّل النهار، ﴿إذ تحسونهم﴾ أي: تقتلونهم، ﴿بإذنه﴾ أي: بتسليطه إياكم عليهم، ﴿حتى إذا فشلتم﴾ وقال ابن جريج: قال ابن عباس: الفشل الجبن ﴿وتنازعتم في الأمر وعصيتم﴾ كما وقع للرماة: ﴿من بعد ما أراكم ما تحبون﴾ وهو الظفر بهم، ﴿منكم من يريد الدنيا﴾ وهم الذين رغبوا في المغنم، حين رأوا الهزيمة ﴿ومنكم من يريد الآخرة ثم صرفكم عنهم ليبتليكم﴾ ثم أدالهم عليكم ليختبركم ويمتحنكم، ﴿ولقد عفا عنكم﴾ أي: غفر لكم ذلك الصنيع، وذلك واللَّه أعلم لكثرة عدد العدّو\n_________\n(^٣٨٢) - رواه أحمد (٤/ ٤١٦). وذكره الهيثمي في المجمع (٨/ ٢٦١) وقال: رواه أحمد متصلًا ومرسلًا والطبراني، ورجاله رجال الصحيح.\n(^٣٨٣) - رواه ابن أبي حاتم في تفسيره (٢/ ٥٩٧ - ٥٩٨) رقم (١٦١٩).\n_________\n[¬١]- في خ: \"وروى\".\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- سقط من: خ.\n[¬٤]- سقط من: خ.","vol":"3","page":209},{"text":"وعددهم، وقلة عدد المسلمين [¬١] وعددهم.\nقال [¬٢] ابن جريج: قوله: ﴿ولقد عفا عنكم﴾، قال: لم يستأصلكم (^٣٨٤). وكذا قال محمد بن إسحاق (^٣٨٥)، رواهما ابن جرير ﴿والله ذو فضل على المؤمنين﴾.\nوقال الإِمام أحمد: حدثنا سليمان بن داود، حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، عن [¬٣] عبيد اللَّه، عن ابن عباس أنه قال: ما نصر اللَّه [النبي ﷺ] [¬٤] في موطن؛ كما نصره [¬٥] يوم أحد. قال: فأنكرنا ذلك فقال ابن عباس: بيني وبين من أنكر ذلك كتاب اللَّه؛ إن اللَّه يقول في يوم أحد: ﴿ولقد صدقكم اللَّه وعده إذ تحسونهم بإذنه﴾ يقول ابن عباس: [والحس القتل] [¬٦].\n﴿حتى إذا فشلتم [وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة﴾ إلى قوله: ﴿ولقد عفا عنكم والله ذو فضل على المؤمنين﴾، وإنما عني بهذا الرماة، وذلك أن النبي ﷺ أقامهم في موضع، وقال: \"احموا ظهورنا؛ فإن رأيتمونا نقتل فلا تنصرونا، وإن رأيتمونا قد غنمنا فلا تشركونا [¬٧] \".\nفلما غنم النبي ﷺ، وأباحوا [¬٨] عسكر المشركين، أكب [¬٩] الرماة جميعًا فدخلوا [¬١٠] في المعسكر ينهبون، ولقد التقت صفوف أصحاب رسول اللَّه ﷺ فهم [¬١١] هكذا -وشبك بين يديه- وانتشبوا، فلما أخل الرماة تلك الخلة التي كانوا فيها؛ دخلت الخيل من ذلك الموضع على أصحاب رسول اللَّه ﷺ، فضيب بعضهم بعضًا والتبسوا، وقتل من المسلمين ناس كثير، وقد كان النصر [¬١٢] لرسول اللَّه ﷺ وأصحابه أول النهار، حتى قتل من أصحاب لواء المشركين سبعة أو تسعة، رجال المسلمون جولة نحو الجبل، ولم يبلغوا- حيث يقول الناس الغار، إنما كان تحت المهراس، وصاح الشيطان: قتل محمد. فلم يُشَك فيه أنه حق، [فلا زلنا] [¬١٣] كذلك ما نشك أنه حق، حتى طلع رسول اللَّه ﷺ بين\n_________\n(^٣٨٤) - رواه ابن جرير (٧/ ٢٩٨).\n(^٣٨٥) - رواه ابن جرير (٧/ ٢٩٩).\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- في خ: \"وقال\".\n[¬٣]- في خ: \"عن أبي\".\n[¬٤]- سقط من: خ.\n[¬٥]- في خ: \"نصر\".\n[¬٦]- في خ: \"والحسن الفشل\".\n[¬٧]- في خ: \"تشاركونا\".\n[¬٨]- في خ: \"وإذا خبا\".\n[¬٩]- في خ: \"أكبت\".\n[¬١٠]- سقط من: خ.\n[¬١١]- في خ: \"فيهم\".\n[¬١٢]- سقط من: خ.\n[¬١٣]- في خ: \"فما زلنا\".","vol":"3","page":210},{"text":"السعدين نعرفه بتكفُّئه [إذا مشى] [¬١] قال: ففرحنا حتى كأنه لم يصبنا ما أصابنا قال: فرقي نحونا، وهو يقول: \"اشتدّ [¬٢] غضب اللَّه على قوم أدموا [¬٣] وجه رسول اللَّه\"، ويقول مرة أخرى: \"اللهم إنه ليس لهم أن يعلونا\" حتى انتهى إلينا فمكث ساعة، فإذا أبو سفيان يصيح في أسفل الجبل: اعل هبل مرتين -يعني آلهته- أين ابن أبي كبشة؟ أين ابن أبي قحافة؟ أين ابن الخطاب؟ فقال عمر ﵁: يا رسول اللَّه؟ ألا أجيبه؟ قال: \"بلى\". فلما قال: اعل هبل، قال عمر: اللَّه أعلى أجَلُّ، فقال أبو سفيان: قد أنعمت [عينها فعاد عنها أو: فعال] [¬٤]، فقال: أين ابن أبي كبشة؟ أين ابن أبي قحافة؟ أين ابن الخطاب؟ فقال عمر: هذا رسول اللَّه ﷺ، وهذا أبو بكر، وهانذا عمر، قال: فقال أبو سفيان: يوم بيوم بدر، الأيام دول، وإن الحرب سجال، قال: فقال عمر: لا سواء قتلانا في الجنة، وقتلاكم في النار، قال: إنكم تزعمون ذلك فقد خبنا [¬٥] وخسرنا إذن. ثم قال [¬٦] أبو سفيان: إنكم ستجدون في قتلاكم مثلة [¬٧]، ولم يكن ذلك عن رأي سراتنا. قال: ثم أدركَنْه حمية الجاهلية، فقال: أما إنه إن كان ذلك لم نكرهه (^٣٨٦). هذا حديث غريب، وسياق عجيب، وهو من مرسلات ابن عباس، فإنه لم يشهد أحدًا ولا أبوه.\nوقد خرجه [¬٨] الحاكم في مستدركه، عن أبي النضر الفقيه، عن عثمان بن سعيد، عن سليمان بن داود بن علي بن عبد اللَّه بن عباس به. وهكذا رواه ابن أبي حاتم، والبيهقي في دلائل النبوّة من حديث سليمان بن داود الهاشمي به؛ ولبعضه شواهد في الصحاح وغيرها - فقال الإِمام أحمد:\n[ثنا عفان] [¬٩] حدثنا حماد، حدثنا عطاء بن السائب، عن الشعبي، عن ابن مسعود؛ قال: إن النساء كنّ يوم أحد خلف المسلمين؛ يجهزن [¬١٠] على جرحى [¬١١] المشركين، فلو\n_________\n(^٣٨٦) - رواه أحمد (١/ ٢٨٧ - ٢٨٨)، والحاكم في المستدرك (٢/ ٢٩٦ - ٢٩٧) والطبراني في الكبير (١/ ٣٦٥٠ - ٣٦٦)، وابن أبي حاتم (٢/ ٦٠٢ - ٦٠٤)، والبيهقي في الدلائل (٣/ ٢٦٩ - ٢٧٠).\nقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وذكره الهيثمي في المجمع (٦/ ١١٣ - ١١٤) وقال: رواه أحمد، وفيه عبد الرحمن بن أبي الزناد، وقد وثق على ضعفه.\n_________\n[¬١]- في خ: \"إذا يمشي\".\n[¬٢]- في خ: \"شد\".\n[¬٣]- في خ: \"رموا\".\n[¬٤]- في خ: \"فقال عنها\".\n[¬٥]- في خ: \"خلبنا\".\n[¬٦] في ت: \"فقال\".\n[¬٧] في خ: \"مثلًا\".\n[¬٨]- في خ: \"أخرجه\".\n[¬٩] ما بين المعكوفتين سقط من: ت.\n[¬١٠]- في خ: \"يجهزون\".\n[¬١١]- في خ: \"جروح\".","vol":"3","page":211},{"text":"حلفت [¬١] يومئذ رجوت أن أبرّ إنه ليس منا أحد يريد الدنيا حتى أنزل الله [﷿]: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ﴾ فلما خالف أصحاب [رسول الله]ﷺ وعصوا ما أمروا به، أفرد رسول الله ﷺ في تسعة، سبعة من الأنصار؛ ورجلين من قريش، وهو عاشرهم ﷺ؛ فلما رهقوه قال: \"رحم الله رجلًا ردّهم عنّا! \" قال: فقام رجل من الأنصار فقاتل ساعة حتى قتل؛ فلما رهقوه أيضًا قال: \"رحم الله رجلًا ردّهم عنا:\" فلم يزل يقول ذلك [¬٢] حتى قتل السبعة، فقال رسول الله ﷺ لصاحبيه: \"ما أنصفْنَا أصحابنا\". فجاء أبو سفيان فقال: اعل هبل؛ فقال رسول الله ﷺ: \"قولوا: الله أعلى وأجلّ\". فقالوا: الله أعلى وأجل، فقال أبو سفيان: لنا العزَّى ولا عزَّى لكم، فقال رسول الله ﷺ: \"قولوا: الله مولانا [ولا مولى لكم] [¬٣] والكافرون لا مولى لهم\" فقال [¬٤] أبو سفيان: يوم بيوم بدر.\n[فيوم علينا ويوم لنا] [¬٥] … ويومٌ نُسَاءُ ويومٌ نُسَرُّ\nحنظلة بحنظلة وفلان بفلان، [وفلان بفلان] [¬٦]. فقال رسول الله ﷺ: \"لا سواء؛ أما قتلانا فأحياء يرزقون؛ [وأما قتلاكم] [¬٧] ففي النار يعذبون\". فقال أبو سفيان: لقد كان في القوم مَثُلَةٌ، وإن كانت لعن غير ملأ منا، ما أمرت ولا نهيت، ولا أحببت ولا كرهت، ولا ساءني ولا سرني، قال: فنظر فإذا حمزة قد بقر بطنُه، وأخذت هند كبده فلاكتها، فلم تستطع أن تأكلها، فقال رسول الله ﷺ: \"أكلت شيئًا؟ \" قالوا: لا. قال: \"ما كان الله ليدخل شيئًا من حمزة في النار\".\nقال [¬٨]: فوضع رسول الله ﷺ حمزة، فصلّى عليه، وجيء برجل من الأنصار، فوضع إلى جنبه فصلى عليه، فرفع الأنصاري وترك حمزة، حتى جيء بآخر فوضع إلى جنب حمزة فصلى عليه [¬٩]، ثم رفع وترك حمزة، حتى صلى عليه يومئذ سبعين صلاة (^٣٨٧).\nتفرد به أحمد أيضًا [¬١٠].\nوقال البخاري: حدثنا عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء، قال: لقينا المشركين يومئذ، وأجلس النبي ﷺ جيشًا من الرماة، وأمَّر عليهم عبد\n_________\n(^٣٨٧) - رواه أحمد (١/ ٤٦٣).\n_________\n[¬١]- في خ: \"خلف\".\n[¬٢]- في خ: \"ذا\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: م.\n[¬٤]- في خ: \"ثم قال\".\n[¬٥]- في خ: \"فيوم لنا ويوم علينا\".\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٧]- في خ: \"وقتلاكم\".\n[¬٨]- مكانه بياض في: خ.\n[¬٩]- سقط من: خ.\n[¬١٠]- سقط من: خ.","vol":"3","page":212},{"text":"الله يعني بن جبير، وقال: \"لا تبرحوا؛ إن رأيتمونا ظهرنا عليهم فلا تبرحوا، وإن رأيتموهم ظهروا علينا فلا تعينونا\". فلما لقيناهم هربوا، حتى رأينا النساء يشتددن في الجبل، رفعن عن سوقهن؛ قد بدت خلاخلهن، فأخذوا يقولون: الغنيمة الغنيمة فقال عبد الله [بن جبير] [¬١]: عهد إليّ [¬٢] النبي ﷺ أن لا تبرحوا فأبوا؛ فلما أبوا صُرف وجوههم (^٣٨٨)، فأصيب سبعون قتيلًا، فأشرف أبو سفيان فقال: أفي القوم محمد؟ فقال: \"لا تجيبوه\" فقال: أفي القوم ابن أبي قحافة؟ فقال: \"لا تجيبوه\". فقال: أفي القوم ابن الخطاب؟ فقال: إن هؤلاء قد قتلوا، فلوا كانوا أحياء لأجابوا، فلم يملك عمر نفسه، فقال له [¬٣]: كذبت يا عدّو الله، قد [¬٤] أبقى الله لك ما يحزنك [¬٥]؛ قال [¬٦] أبو سفيان: اعل هبل. فقال النبي ﷺ: \"أجيبوه\". قالوا: ما نقول؟ قال: \"قولوا: الله أعلى وأجل\". قال أبو سفيان: لنا العزى ولا عزى لكم، فقال النبي ﷺ: \"أجيبوه\". قالوا: ما نقول؟ قال \"قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم\". قال أبو سفيان: يوم ييوم بدر؛ والحرب سجال؛ وستجدون مثلة، لم آمر بها ولم تسؤني.\nتفرد به البخاري من هذا الوجه (^٣٨٩)، ثم رواه عن عمرو بن خالد، عن زهير بن معاوية، عن أبي إسحاق، عن البراء بنحوه (^٣٩٠)؛ وسيأتي بأبسط من هذا.\nوقال البخاري أيضًا: حدثنا عبيد الله بن سعيد، حدثنا أبو أسامة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂ قالت: لما كان يوم أحد هزم المشركون فصرخ إبليس: أي: عباد الله أخراكم فرجعت أولاهم فاجتلدت هي وأخراهم فبصر حذيفة فإذا هو بأبيه اليمان، فقال: أي عباد الله، أبي أبي. قال [¬٧]: قالت: فوالله ما احتجزوا حتى قتلوه، فقال حذيفة: يغفر الله لكم. قال عروة: فو الله ما زالت في حذيفة بقية خير حتى لقي الله ﷿. (^٣٩١)\nوقال محمد بن إسحاق: حدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، عن\n_________\n(^٣٨٨) - يعني تحيروا فلم يدروا أين يتوجهون \"الفتح (١/ ٣٥٧) \".\n(^٣٨٩) - رواه البخاري في كتاب المغازي، حديث (٤٠٤٣).\n(^٣٩٠) - رواه البخاري في كتاب الجهاد، حديث (٣٠٣٩).\n(^٣٩١) - رواه البخاري في المغازي حديث (٤٠٦٥).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- سقط من: خ.\n[¬٤]- سقط من: ت.\n[¬٥]- في خ: \"يخزيك\".\n[¬٦]- في خ: \"فقال\".\n[¬٧]- سقط من: خ.","vol":"3","page":213},{"text":"جدّه؛ أن الزبير بن العوام؛ قال: والله، لقد رأيتني أنظر إلى خدم هند [¬١] وصواحباتها مشمرات هوارب ما دون أخذهن كثير ولا قليل، ومالت الرماة إلى العسكر حين كشفنا القوم عنه يريدون النهب، وخلوا ظهورنا للخيل، فأوتينا من أدبارنا، وصرخ صارخ: ألا إن محمدًا قد قتل؛ فانكفأنا وانكفأ علينا القوم، بعد أن أصبنا أصحاب اللواء حتى ما يدنو منه أحد من القوم (^٣٩٢).\nقال محمد بن إسحاق: فلم يزل لواء المشركين صريعًا حتى أخذته عمرة بنت علقمة الحارثية، فرفعته لقريش فلاثوا به [¬٢] (^٣٩٣). وقال السدي، [عن عبد خير، قال: قال] [¬٣] عبد الله بن مسعود، قال: ما كنت أرى أن أحدًا من أصحاب رسول الله ﷺ يريد الدنيا، حتى نزل [¬٤] فينا ما نزل يوم أحد: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ (^٣٩٤). وقد روي من غير وجه، عن ابن مسعود. وكذا روي عن عبد الرحمن بن عوف وأبي طلحة؛ رواهنّ ابن مَرْدُوَيه في تفسيره.\nوقوله تعالى: ﴿ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ﴾ قال ابن إسحاق: حدثني القاسم بن عبد الرحمن بن رافع، أحد بني عدي بن النجار، قال: انتهى أنس بن النضر عم أنس بن مالك إلى عمر بن الخطاب، وطلحة بن عبيد الله في رجال من المهاجرين والأنصار قد ألقوا ما [¬٥] بأيديهم فقال: ما تجليكم؟ فقالوا: قتل رسول الله ﷺ قال: فما تصنعون بالحياة بعده؟ قوموا فموتوا على ما مات عليه؛ ثم استقبل القوم فقاتل حتى قتل ﵁ (^٣٩٥).\nوقال البخاري: حدثنا حسان بن حسان، حدثنا محمد بن طلحة، حدثنا حميد عن أنس بن مالك؛ أن عمه -يعني أنس بن النضر- غاب عن بدر، فقال: غبت عن أول\n_________\n(^٣٩٢) - رواه ابن هشام (٣/ ٥٩٦).\n(^٣٩٣) - السيرة (٣/ ٥٩٦).\n(^٣٩٤) - رواه الطبري (٧/ ٢٩٥)، وابن أبي حاتم (٢/ ٦٠٥ - ٦٠٦)، والطبراني في الأوسط (٢/ ١٠٦) عن طرق عن السدي، به. ورواه أحمد (١/ ٤٦٣)، وذكره الحافظ في المطالب العالية (٣/ ٣١٤) وعزاه لأبي بكر بن أبي شيبة. وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ٣٣٠ - ٣٣١) وقال: رواه الطبراني في الأوسط، وأحمد في حديث طويل ورجال الطبراني ثقات.\n(^٣٩٥) - أخرجه ابن هشام في \"السيرة\" (٣/ ٦٠٠).\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- في خ: \"بها\".\n[¬٣]- في خ: \"جواب\".\n[¬٤]- في خ: \"نزلت\".\n[¬٥]- سقط من: خ.","vol":"3","page":214},{"text":"قتال النبي ﷺ، لئن أشهدني الله مع رسول الله ﷺ ليرين [¬١] الله ما أجد، فلقي يوم أحد، فهزم الناس، فقال: اللَّهم؛ إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء -يعني المسلمين- وأبرأ إليك مما جاء به المشركون؛ فتقدم بسيفه، فلقي سعد بن معاذ فقال: أين يا سعد، إني أجد ريح الجنة دون أحد، فمضى فقتل، فما عرف حتى عرفته أخته ببنانه [¬٢] أو بشامة، وبه بضع وثمانون من طعنة وضربة ورمية بسهم (^٣٩٦).\nهذا لفظ البخاري؛ وأخرجه مسلم من حديث ثابت عن أنس بنحوه (^٣٩٧) - وقال البخاري أيضًا [¬٣]: حدثنا عبدان، أخبرنا أبو حمزة، عن [¬٤] عثمان بن موهب [¬٥]؛ قال: جاء رجل حج البيت، فرأى قومًا جلوسًا، فقال: من هؤلاء القعود؟ قالوا: هؤلاء [¬٦] قريش. قال: من الشيخ؟ قالوا: ابن عمر، فأتاه، فقال: إني سائلك عن شيء فحدّثني [قال: سل] [¬٧]. قال: أنشدك بحرمة هذا البيت، أتعلم أن عثمان بن عفان فرّ يوم أحد؟ قال: نعم. قال: فتعلمه تغيّب عن بدر فلم يشهدها؟ قال: نعم. قال: فتعلم أنه تخلف عن بيعه الرضوان فلم يشهدها؟ قال: نعم. قال [¬٨] فكبر؛ فقال [¬٩] ابن عمر: تعال لأخبرك ولأبين لك عما سألتني عنه: أما فراره يوم أحد فأشهد أن الله عفا عنه؛ وأما تغيبه عن بدر؛ فإنه كان تحته بنت [رسول الله]ﷺ، وكانت مريضة؛ فقال له رسول الله ﷺ: \"إن لك أجر رجل ممن شهد بدرًا وسهمه\". وأما تغيبه عن بيعة الرضوان؛ فلو كان أحد أعز ببطن مكة من عثمان لبعثه مكانه، فبعث عثمان، فكانت بيعة الرضوان بعد ما ذهب عثمان إلى مكة. فقال النبي ﷺ بيده اليمنى \"هذه يد عثمان\" فضرب بها على يده فقال: \"هذه يد عثمان اذهب بها الآن معك\" (^٣٩٨).\nثم رواه البخاري من وجه آخر عن أبي [¬١٠] عوانة، عن عثمان بن عبد الله بن موهب (^٣٩٩).\n_________\n(^٣٩٦) - أخرجه البخاري في كتاب المغازي، باب: غزة أحد، حديث (٤٠٤٨).\n(^٣٩٧) - أخرجه مسلم في كتاب الإمارة، باب: ثبوت الجنة للشهيد، حديث (١٩٠٣).\n(^٣٩٨) - أخرجه البخاري في كتاب المغازي، باب: قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾، حديث (٤٠٦٦).\n(^٣٩٩) - أخرجه البخاري في: كتاب فضائل الصحابة، باب: مناقب عثمان بن عفان أبي عمرو القرشي ﵁ حديث (٣٦٩٨).\n_________\n[¬١]- في خ: \"ليرني\".\n[¬٢]- في خ: \"بثيابه\".\n[¬٣]- سقط من: خ.\n[¬٤]- سقط من: خ.\n[¬٥]- في خ: \"وهب\".\n[¬٦]- سقط من: ت.\n[¬٧] ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٨] سقط من: خ.\n[¬٩]- في خ: \"قال\".\n[¬١٠]- سقط من: خ.","vol":"3","page":215},{"text":"وقوله تعالى: ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ﴾ أي: صرفكم عنهم ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ﴾ أي: في الجبل هاربين من أعدائكم.\nوقرأ الحسن وقتادة: ﴿إِذْ تَصْعِدُونَ﴾ أي: في الجبل، ﴿وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ﴾ أي: وأنتم لا تلوون على أحد من الدهش والخوف والرعب، ﴿وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ﴾ أي: وهو قد خلفتموه وراء طهوركم، يدعوكم إلى ترك الفرار من الأعداء، وإلى الرجعة والعودة والكرّة.\nقال السدي: لما شدّ المشركون على المسلمين بأحد فهزموهم، دخل بعضهم المدينة، وانطلق بعضهم إلى الجبل فوق الصخرة، فقاموا عليها. فجعل [¬١] الرسول ﷺ يدعو الناس: \"إليّ عباد الله! إلى عبادَ الله! \". فذكر الله صعودهم على الجبل، ثم ذكر دعاء النبي ﷺ إياهم فقال: ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ﴾ (^٤٠٠).\nوكذا قال ابن عباس (^٤٠١) وقتادة (^٤٠٢) والربيع (^٤٠٣) وابن زيد (^٤٠٤).\nوقد [¬٢] قال عبد الله بن الزبعرى: يذكر هزيمة المسلمين يوم أحد في قصيدته وهو مشرك بعد لم يسلم التي يقول في أولها:\nيَا غُرَابَ الْبَيِنْ أسْمَعْتَ فَقُلْ … إنَّما [تَنْطِقُ شَيئًا قَدْ] [¬٣] فُعِلْ\nإن للخيرِ وللشرِّ مدى … وكلا ذلَك وجه وقَبَل\nإلى أن قال:\nليت أشياخي ببدر شهدوا [¬٤] … جَزَعَ الخزرج من وَقِعِ الأَسَل\n_________\n(^٤٠٠) - أخرجه ابن جرير الطبري في \"تفسيره\": (٧/ ٣٠١) رقم (٨٠٥٠).\n(^٤٠١) - أخرجه ابن جرير الطبري في \"تفسيره\": (٣٠٢/ ٧ - ٣٠٣) رقم (٨٠٥٣ و٨٠٥٤).\n(^٤٠٢) - أخرجه الطبري في \"تفسيره\": (٧/ ٣٠١) رقم (٨٠٤٩) و(٧/ ٣٠٣) رقم (٨٠٥٥).\n(^٤٠٣) - أخرجه الطبري في \"تفسيره\": (٧/ ٣٠٦) رقم (٨٠٦٣) بنحوه.\n(^٤٠٤) - أخرجه ابن جرير الطبري في \"تفسيره\": (٧/ ٣٠٣) رقم (٨٠٥٨).\n_________\n[¬١]- في خ: \"وجعل\".\n[¬٢]- في خ: \"وقال\".\n[¬٣]- في خ: \"ينطق شيئًا\".\n[¬٤]- في خ: \"يسهدوا\".","vol":"3","page":216},{"text":"حين حكَّت [¬١] بقباءٍ بَرْكَهَا … واستحرَّ القتلُ في عبدَ الأَشَل\nثم خَفُّوا [¬٢] عِندَ ذاكم رُقَّصا … رَقَصَ الحفانِ [¬٣] يعلو في الجَبَل\nفقتلنا الضعف من أشرافِهم … وعَدَلْنا ميلَ بدرٍ فاعتدل\nالحفان [¬٤]: صغار النعم.\nوقد كان النبي ﵌ قد أفرد في اثني عشر رجلًا من أصحابه، كما قال الإِمام أحمد: حدثنا حسن بن موسى، حدثنا زهير، حدثنا أبو إسحاق، أن البراء بن عازب ﵁ قال: جعل رسول الله ﷺ على الرماة يوم أحد - وكانوا خمسين رجلًا - عبد الله بن جبير قال: ووضعهم موضعًا، وقال: \"إن رأيتمونا تخطفنا الطير؛ فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم، [وإن رأيتمونا ظهرنا على العدو وأوطأناهم فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم\"] [¬٥] قال فهزموهم، قال: فأنا [¬٦] والله، رأيت النساء يشتددن على الجبل، وقد بدت [¬٧] أسْوقُهنّ وخَلاخلهُنّ، رافعات ثيابهنّ. فقال أصحاب عبد الله: الغنيمة أي قوم الغنيمة، ظهر أصحابكم فما تنتظرون؟ قال عبد الله [بن جبير] [¬٨]: أنسيتم ما قال لكم رسول الله ﷺ؟ فقالوا: إنا والله لنأتين [¬٩] الناس، فلنصيبن [¬١٠] من الغنيمة، فلما أتوهم صرفت وجوههم، فأقبلوا منهزمين، فذلك الذي يدعوهم الرسول في أخراهم، فلم يبق مع رسول الله صلى الله عليه: سلم إلا اثنا عشر رجلًا فأصابوا منا سبعين، وكان رسول الله ﷺ وأصحابه أصابوا من المشركين يوم بدر أربعين ومائة: سبعين أسيرًا وسبعين قتيلًا.\nقال أبو سفيان: أفي القوم محمد؟ أفي القوم محمد؟ أفي القوم محمد؟ ثلاثًا - قال: فنهاهم رسول الله ﷺ أن يجيبوه، ثم قال: أفي القوم ابن أبي قحافة؟ أفي القوم ابن أبي قحافة؟ أفي القوم ابن الخطاب أفي القوم ابن الخطاب؟ ثم أقبل على أصحابه فقال: أمّا هؤلاء فقد قتلوا وقد كُفِيتُموهم، فما ملك عمر نفسه أن قال: كذبت والله يا عدو الله، إن الذين عددت لأحياء كلهم، وقد [أبقى اللَّه] [¬١١] لك ما يسوؤك، فقال: يوم بيوم بدر، والحرب سجال، إنكم ستجدون في القوم مثلة لم آمر بها ولم تسؤني. ثم أخذ يرتجز\n_________\n[¬١]- في خ: \"جلت\".\n[¬٢]- في خ: \"حفوا\".\n[¬٣]- في خ: \"المعان\".\n[¬٤]- في خ: \"الجفان\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٦]- في ت: فلقد.\n[¬٧]- سقط من: خ.\n[¬٨]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٩]- في خ: \"لناس\".\n[¬١٠]- \"ولنصيبن\".\n[¬١١]- في خ: \"بقي\".","vol":"3","page":217},{"text":": اعل هبل اعل هبل. فقال رسول الله ﷺ: \"ألا تجيبونه [¬١] \". قالوا: يا رسول الله، ما نقول؟ قال: \"قولوا: الله أعلى وأجلّ\" قال: لنا العزَّى ولا عزَّى لكم. قال رسول الله ﷺ: \"ألا تجيبونه [¬٢]؟ \" قالوا: يا رسول الله، وما نقول؟ قال: \"قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم\" (^٤٠٥).\nوقد رواه البخاري من حديث زهير بن معاوية مختصرًا (^٤٠٦)، ورواه من حديث إسرائيل عن أبي إسحاق بأبسط [من هذا] [¬٣] كما تقدم (^٤٠٧)، والله أعلم.\nوروى البيهقي في دلائل النبوة، من حديث عمارة بن غزيَّة، عن أبي الزبير، عن جابر قال: انهزم الناس في رسول الله ﷺ يوم أحد، وبقي معه أحد عشر رجلًا من الأنصار، وطلحة بن عبيد الله، وهو يصعد في الجبل، فلحقهم المشركون فقال: \"ألا أحد لهؤلاء؟ \" فقال: طلحة أنا يا رسول الله؛ فقال: \"كما أنت يا طلحة\". فقال رجل من الأنصار: فأنا يا رسول الله؛ فقاتل عنه، وصعد رسول الله ﷺ ومن بقي معه ثم قتل الأنصاري، فلحقوه، فقال: \"ألا رجل لهؤلاء؟ \" فقال طلحة مثل قوله، فقال رسول الله ﵌ مثل قوله، فقال رجل من الأنصار: فأنا يا رسول الله، [فقاتل عنه] [¬٤]، وأصحابه يصعدون، ثم قتل، فلحقوه، فلم يزل يقول مثل قوله الأول، فيقول طلحة: فأنا [¬٥] يا رسول الله، فيحبسه، فيستأذنه رجل من الأنصار للقتال، فيأذن له، فيقاتل مثل من كان قبله، حتى لم يبق معه إلا طلحة فَغَشَوْهُمَا، فقال رسول الله ﷺ: \"من لهؤلاء؟ \". فقال طلحة: أنا، فقاتل مثل قتال جميع من كان قبله، وأصيبت أنامله، فقال حسِّ [¬٦]! فقال [رسول الله ﷺ] [¬٧]: \"لو قلت بسم الله، أو ذكرت اسم الله لرفعتك الملائكة، والناس [¬٨] ينظرون إليك، حتى تلج بك [¬٩] في جو السماء\". ثم صعد رسول الله، ﷺ إلى أصحابه وهم مجتمعون. (^٤٠٨)\n_________\n(^٤٠٥) - أخرجه أحمد في \"مسنده\": (٤/ ٢٩٣) والحديث تقدم تخريجه برقم (٤٣٥).\n(^٤٠٦) - تقدم تخريجه.\n(^٤٠٧) - تقدم تخريجه.\n(^٤٠٨) - أخرجه البيهقي في \"دلائل النبوة\": (٣/ ٢٣٦، ٢٣٧) وأخرجه النسائي في \"سننه\": (٦/ ٢٩ - ٣٠)، كتاب الجهاد، باب ما يقول من يطعنه العدو من حديث عمارة بن غزية به.\n_________\n[¬١]- في ت: \"تجيبوه\".\n[¬٢]- في ت: \"تجيبوه\".\n[¬٣]- سقط من: خ.\n[¬٤]- سقط من: خ.\n[¬٥]-في خ: \"أنا\".\n[¬٦]- في خ: \"فحس\".\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٨]- في خ: \"حتى والناس\".\n[¬٩]- سقط من: خ.","vol":"3","page":218},{"text":"وقد روى البخاري، عن [أبي بكر] [¬١] بن أبي شيبة، عن وكيع، عن إسماعيل، عن قيس بن أبي حازم قال: رأيت يد طلحة شلَّاء، وقى بها النبي، ﷺ، يعني يوم أحد (^٤٠٩).\nوفي الصحيحين من حديث معتمر بن سليمان، عن أبيه، عن أبي عثمان النهدي قال: لم يبق مع رسول الله ﷺ في بعض تلك الأيام التي قاتل فيهنّ رسول الله ﵌، غير [¬٢] طلحة بن عبيد الله، وسعد عن حديثهما (^٤١٠).\n[وقال الحسن بن عرفة: حدثنا مروان بن معاوية، عن هاشم [¬٣] بن هاشم [¬٤] الزهري، قال: سمعت سعيد بن المسيب يقول: سمعت سعد بن أبي وقاص ﵁ يقول: نَثَل لي رسول الله، ﵌ كنانته يوم احد، وقال: \"ارم فداك أبي وأمي\" (^٤١١). وأخرجه البخاري عن عبد الله بن محمد، عن مروان بن معاوية (^٤١٢).\nوقال محمد بن إسحاق [¬٥]: حدثني صالح بن كيسان، عن بعض آل سعد، عن سعد بن أبي وقاص، أنه رمى يوم أحد دون رسول الله ﵌ قال سعد: فلقد رأيت رسول الله ﵌ يناولني النَّبل، ويقول \"ارم فداك أبي وأمي\". حتى إنه ليناولني السهم ليس له نصل فأرمي به (^٤١٣).\n_________\n(^٤٠٩) - أخرجه البخاري في \"صحيحه\" كتاب المغازي، باب: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ حديث (٤٠٦٣)، وطرفه حديث (٣٧٢٤) من طريق مسدد عن خالد عن ابن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم به بنحوه.\n(^٤١٠) - أخرجه البخاري في \"صحيحه\" كتاب فضائل الصحابة، باب: ذكر طلحة بن عبيد الله، حديث (٣٧٢٣، ٣٧٢٢) وكتاب المغازي، باب: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾ حديث (٤٠٦١، ٤٠٦٠). ومسلم في \"صحيحه\" كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل طلحة والزبير ﵄ حديث (٢٤١٤/ ٤٧) من طريق معتمر بن سليمان عن أبيه عن أبي عثمان النهدي به. من حديثهما: يعني أنهما حدثا بذلك.\n(^٤١١) - أخرجه البيهقي في \"الدلائل\": (٣/ ٢٣٩) من طريق الحسن بن عرفة به.\n(^٤١٢) - أخرجه البخاري في \"صحيحه\": كتاب المغازي، باب: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾ حديث (٤٠٥٥) من طريق عبد الله بن محمد عن مروان بن معاوية به.\n(^٤١٣) - أخرجه ابن هشام في السيرة (٣/ ٦٠٠).\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- في ت: \"إلا\".\n[¬٣]- في خ: \"هشام\".\n[¬٤]- في خ: \"هشام\".\n[¬٥]- في خ: \"سعيد\".","vol":"3","page":219},{"text":"وثبت في الصحيحين من حديث إبراهيم بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه جده [¬١] قال: رأيت يوم أحد عن يمين النبي ﷺ وعن يساره رجلين، عليهما ثياب بيض، يقاتلان عنه أشد القتال، ما رأيتهما قبل ذلك اليوم ولا بعده، يعني جبريل وميكائيل ﵉] [¬٢] (^٤١٤).\nوقال حماد بن سلمة: عن علي بن زيد وثابت عن أنس بن مالك: أن رسول الله، ﷺ، أفرد يوم أحد في سبعة من الأنصار ورجلين من قريش، فلما رهقوه قال: \"من يردهم عنّا وله الجنة -أو هو [¬٣] رفيقي في الجنة\". فتقدم رجل من الأنصار، فقاتل حتى قتل، [ثم أرهقوه أيضًا، فقال: \"من رودهم عنا وله الجنة؟ \". فتقدم رجل من الأنصار، فقاتل حتى قتل] [¬٤]. فلم يزل كذلك حتى قتل السبعة. فقال رسول الله ﷺ لصاحبيه: \"ما أنصفنا أصحابنا\" (^٤١٥). رواه مسلم، عن هدية بن خالد عن حماد بن سلمة به نحوه (^٤١٦).\nوقال أبو الأسود عن عروة بن الزبير قال: كان أبي بن خلف أخو بني جُمَح قد حلف وهو بمكة ليقتلن رسول الله ﷺ، فلما بلغت رسول الله ﷺ حَلفَتُهُ قال: \"بل أنا أقتله إن شاء الله\". فلما كان يوم أحد أقبل أُبَيُّ في الحديد مقنعًا وهو يقول: لا نجوت إن نجا محمد، فحمل على رسول الله ﷺ يريد قتله، فاستقبله مصعب بن عمير أخو بني عبد الدار يقي رسول الله ﷺ بنفسه، فقتل مصعب بن عمير، وأبصر رسول الله ﷺ ترقوة أبي بن خلف من فرجة بين سابغة الدرع والبيضة، وطعنه فيها بحربته، فوقع إلى الأرض عن فرسه، ولم يخرج من طعنته دم، فأتاه أصحابه فاحتملوه وهو يخور خوار الثور، فقالوا له: ما أجزعك! إنما هو [¬٥] خدش؟ فذكر لهم قول رسول الله، ﷺ: \"بل [¬٦] أنا أقتل أُبيًّا\"،\n_________\n(^٤١٤) - أخرجه البخاري في \"صحيحه\": كتاب المغازي، باب: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ حديث (٤٠٥٤)، وطرفه حديث (٥٨٢٦)، ومسلم في \"صحيحه\" كتاب الفضائل، باب: في قتال جبريل وميكائيل عن النبي ﷺ يوم أحد، حديث (٢٣٠٦/ ٤٦، ٤٧)، والبيهقي في \"الدلائل\": (٣/ ٢٥٤).\n(^٤١٥) - أخرجه البيهقي في \"الدلائل\": (٣/ ٢٣٤ - ٢٣٥) من طريق علي بن عثمان، وهُدْبة بن خالد عن حماد بن سلمة به.\n(^٤١٦) - أخرجه مسلم في \"صحيحه\" كتاب الجهاد والسير، باب غزوة أحد، حديث (١٧٨٩/ ١٠٠) من طريق هُدبة بن خالد، عن حماد بن سلمة به \"ما أنصفنا أصحابنا\": معناه ما أنصفت قريش الأنصار لكون القرشيين لم يخرجا للقتال، بل خرجت الأنصار واحدًا بعد واحد، وذكر القاضي عياض وغيره أن بعضهم رواه: \"ما أنصفنا بفتح الفاء والمراد على هذا: الذين فروا من القتال فإنهم لم ينصفوا لفرارهم.\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٣]- في خ: \"وهو\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٥]- سقط من: خ.\n[¬٦]- سقط من: خ.","vol":"3","page":220},{"text":"ثم قال: والذي نفسي بيده لو كان هذا الذي بي بأهل ذي المجاز لماتوا أجمعون، فمات إلى النار ﴿فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ (^٤١٧). وقد رواه موسى [¬١] بن عقبة [] [¬٢] في مغازيه، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب بنحوه (^٤١٨).\nوذكر محمد بن إسحاق قال: لما أسند رسول الله ﷺ في الشعب، أدركه أبي بن خلف، وهو يقول: لا نجوت إن نجوت، فقال القوم: يا رسول الله؛ يعطف عليه رجل منا فقال رسول الله ﷺ: \"دعوه\". فلما دنا منه تناول رسول الله، ﷺ، الحربة من الحارث بن الصِّمَّة، فقال بعض القوم كما [¬٣] ذكر لي: فلما أخذها رسول الله ﷺ منه انتفض بها انتفاضة تطايرنا عنه تطاير الشعْر عن ظهر البعير إذا انتفض، ثم استقبله رسول الله ﷺ فطعنه في عنقه طعنة؛ تدأدأ منها عن فرسه مرارًا. (^٤١٩).\nوذكر الواقدي: عن يونس بن بكير، عن محمد [¬٤] بن إسحاق، عن عاصم بن عمرو [¬٥] ابن قتادة، عن عبد الله بن كعب بن مالك، عن أبيه نحو ذلك (^٤٢٠).\nوقال الواقدي: وكان ابن عمر يقول: مات أبي بن خلف ببطن رابغ، فإني لأسير ببطن رابغ بعد هوي من الليل، فإذا أنا بنار تتأجج فهبتيا، وإذا [¬٦] رجل يخرج منها في سلسلة يجتذبها، يهيج به العطش، وإذا رجل يقول: لا تسقه، فإن هذا قتيل رسول الله ﷺ، هذا أبي بن خلف (^٤٢١).\nوثبت في الصحيحين من رواية عبد الرزاق، عن معمر، عن همام بن منبه، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"اشتدَّ غضبُ الله على قومٍ فعلوا\n_________\n(^٤١٧) - سيرة ابن هشام (٣/ ٦٠١)، وأخرجه البيهقي في \"الدلائل\": (٢٥٨١٣). وأورده ابن كثير في \"البداية\" (٤/ ٣٦) عن عروة بن الزبير مرسلًا، وفي إسناده ضعف أيضًا، وأخرجه البيهقي أيضًا (٣/ ٢١١ - ٢١٢) عن سعيد بن المسيب مرسلًا.\n(^٤١٨) - أخرجه البيهقي في \"الدلائل\" (٣/ ٢١١ - ٢١٣) وانظر السابق.\n(^٤١٩) - أخرجه ابن هشام في \"السيرة\" (١/ ٦٠١)، والبيهقي في \"الدلائل\": (٣/ ٢٣٧ - ٢٣٨).\n(*) - تدأدأ: تقلب عن فرسه وتدحرج قاله ابن هشام في السيرة.\n(^٤٢٠) - ذكره البيهقي في \"الدلائل\" (٣/ ٢٥٩) وانظر سيرة ابن هشام في \"السيرة\": (٣/ ٦٠١)، والبيهقي في \"الدلائل\" (٣/ ٢٣٧ - ٢٣٨).\n(^٤٢١) - ذكره البيهقي في \"الدلائل\": (٣/ ٢٥٩)، عن الواقدي به.\n_________\n[¬١]- في خ: \"أبو موسى\".\n[¬٢]- في خ: وذكره.\n[¬٣]- في خ: \"ما\".\n[¬٤]- في خ: \"يونس\".\n[¬٥]- في خ: \"عمر\".\n[¬٦]- في خ: \"فإذا\".","vol":"3","page":221},{"text":"برسول الله ﷺ وهو حينئذ يشير إلى رباعيته -واشتدَّ غضبُ الله على رجلٍ يقتله رسولُ الله، ﷺ في سبيل الله\" (^٤٢٢).\nوأخرجه [¬١] البخاري أيضًا من حديث ابن جريج، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس: قال \"اشتد غضبُ الله على من قتله رسول الله [ﷺ] بيده في سبيل الله، واشتد غضبُ الله على قومٍ أدمَوا وجهَ رسولِ الله، ﷺ\" (^٤٢٣).\nوقال محمد بن إسحاق: أصيبت رباعية رسول الله ﷺ، وشج في وجنته، وكُلِمَتْ شِفَتُه، وكان الذي أصابه عتبة بن أبي وقاص (^٤٢٤).\n[فحدثني صالح بن كيسان، عمَّن حدثه، عن سعد بن أبي وقاص قال: ما حرصت على قتل أحد قطُّ، ما حرصت على قتل عتبة بن أبي وقاص] [¬٢]، وإن كان ما علمته لسييء الخلق مبغضًا في قومه، ولقد كفاني فيه قول رسول الله ﷺ: \"اشتد غضب الله على من أدمى وجه رسول الله ﷺ\" (^٤٢٥).\nوقال عبد الرزاق: أنبأنا معمر، عن الزهري، عن عثمان الجَزَري، عن مقسم، أن رسول، الله [¬٣]ﷺ، دعا على عتبة بن أبي وقاص يوم أحد حين كسر رباعيته وأدمى وجهه، فقال: \"اللهم، لا تحل عليه الحول حتى يموت كافرًا\". فما حال عليه الحول حتى مات كافرًا إلى النار (^٤٢٦).\nوذكر [¬٤] الواقدي عن ابن أبي سبرة، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة عن أبي الحويرث، عن نافع بن جبير قال: سمعت رجلًا من المهاجرين يقول: شهدت أحدًا،\n_________\n(^٤٢٢) أخرجه البخاري في كتاب المغازي، باب: ما أصاب النبي ﷺ من الجراح يوم أحد، حديث (٤٠٧٣)، ومسلم في \"صحيحه\" كتاب الجهاد والسير، باب: اشتداد غضب الله على من قتله رسول الله ﷺ حديث (١٧٩٣/ ١٠٦).\n(^٤٢٣) أخرجه البخاري في كتاب المغازي، باب: ما أصاب النبي ﷺ من الجراح يوم أحد، حديث ٤٠٧٤، ٤٠٧٦)، والبيهقي في \"الدلائل\" (٣/ ٢٦٢).\n(^٤٢٤) أخرجه ابن هشام في \"السيرة\" (٣/ ٥٩٧ - ٥٩٨)، والبيهقي في \"الدلائل\": (٣/ ٢٦٥).\n(^٤٢٥) أخرجه ابن هشام في \"السيرة\" (٣/ ٦٠٣)، والبيهقي في \"الدلائل\" (٣/ ٢٦٥).\n(^٤٢٦) أخرجه البيهقي في \"الدلائل\" (٣/ ٢٦٥) عن عبد الرزاق به.\n_________\n[¬١]- في خ: \"وقال\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٣]- سقط من: خ.\n[¬٤]- في خ: \"وقال\".","vol":"3","page":222},{"text":"فنظرت إلى النبل يأتي من كل ناحية، ورسول الله ﷺ في [¬١] وسطها كل ذلك يصرف عنه، ولقد رأيت عبد الله بن شهاب الزهري يومئذ يقول: دلوني على محمد لا نجوت إن نجا، ورسول الله ﷺ إلى جنبه ليس معه أحد. ثم جاوزه فعاتبه في ذلك صفوان فقال: والله ما رأيته، أحلف بالله إنه منا ممنوع؛ خرجنا أربعة فتعاهدنا وتعاقدنا على قتله فلم نخلص [¬٢] إلى ذلك (^٤٢٧).\nقال الواقدي: [والذي ثبت] [¬٣] عندنا أن الذي أدمى [¬٤] وجنتي رسول الله ﷺ ابن قميئة، والذي دمى [¬٥] شفته وأصاب رباعيته عتبة بن أبي وقاص.\nوقال أبو داود الطيالسي: حدثنا ابن المبارك عن إسحاق بن [¬٦] يحيى بن طلحة بن عبيد الله، أخبرني عيسى بن طلحة، عن أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت: كان أبو بكر ﵁ إذا ذكر يوم أحد قال: ذاك يوم كله لطلحة، ثم أنشأ يحدث قال: كنت أول من فاء يوم أحد، فرأيت رجلًا يقاتل مع رسول الله ﷺ دونه وأراه قال: حمية، فقال: فقلت: كن طلحة، حيث فاتني ما فاتني، فقلت: يكون رجلًا من قومي أحب إلي، وبيني وبين المشركين رجل لا أعرفه، وأنا أقرب إلى رسول الله ﷺ منه، وهو يخطف المشي خطفًا، لا أعرفه [¬٧]، فإذا هو أبو عبيدة بن الجراح، فانتهينا إلى رسول الله ﷺ وقد كسرت رباعيته\" وشج في وجهه؛ وقد دخل في وجنته حلقتان من حلق المغفر، فقال رسول الله، ﷺ: \"عليكما صاحبكما يريد طلحة\" وقد نزف فلم نلتفت إلى قوله، قال: وذهبت لأنزع [¬٨] ذلك من: جهه، فقال أبو عبيدة: أقسمت عليك بحقي لما تركتني فتركته، فكره أن يتناولها بيده، فيؤذى رسول الله ﷺ، فأزم عليها بفيه، فاستخرج إحدى الحلقتين، ووقعت ثنيته مع الحلقة، وذهبت لأصنع ما صنع، فقال: أقسمت عليك بحقي لما تركتني، قال: ففعل مثل ما فعل في المرة الأولى، ووقعت ثنيته الأخرى مع الحلقة، فكان أبو عبيدة ﵁ من أحسن الناس هتمًا، فأصلحنا من شأن رسول الله ﷺ ثم أتينا طلحة في بعض تلك الجفار، فإذا به بضع وسبعون أو أقل أو أكثر من طعنة ورمية وضربة، وإذا قد قطعت أصبعه، فأصلحنا من شأنه (^٤٢٨).\n_________\n(^٤٢٧) - ذكره البيهقي في \"الدلائل\" (٢٦٤١٣) عن الواقدي به.\n(^٤٢٨) - أخرجه الطيالسي في \"مسنده\" ص (٣)، والبيهقي في \"دلائل النبوة\": (٣/ ٢٦٣ - ٢٦٤)، والحاكم في \"المستدرك\": (٣/ ٢٦٦) من طريق ابن المبارك به، وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه- وسكت عنه الذهبي.\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- في خ: \"يخلص\".\n[¬٣]- في خ: \"والثبت\".\n[¬٤]- في خ: \"رمى في\".\n[¬٥]- في خ: \"رمى\".\n[¬٦]- في خ: \"أن\".\n[¬٧]- في خ: \"أحفظه\".\n[¬٨]- في خ: \"الآن أنزع\".","vol":"3","page":223},{"text":"ورواه الهيثم بن كليب، والطبراني من حديث إسحاق بن يحيى به. وعند الهيثم فقال [¬١] أبو عبيدة: أنشدك يا أبا بكر إلا تركتني؟ فأخذ أبو عبيدة السهم بفيه، فجعل ينضنضه (*) كراهية أن يؤذي رسول الله ﷺ، ثم استل السهم بفيه فندرت (**) ثنية أبي عبيدة (^٤٢٩).\nوذكر تمامه؛ واختاره الحافظ الضياء المقدسي في كتابه؛ وقد ضعف علي بن المديني هذا الحديث؛ من جهة إسحاق بن يحيى هذا، فإنه تكلم فيه يحيى بن سعيد القطان وأحمد، ويحيى بن معين والبخاري، وأبو زرعة، وأبو حاتم، ومحمد بن سعد، والنسائي وغيرهم.\nوقال ابن وهب: أخبرني عمرو بن الحارث، أن عمر بن السائب، حدّثه أنه بلغه أن مالكًا أبا أبي [¬٢] سعيد الخدري لما جُرح [¬٣] النبي ﷺ يوم أحد، مص الجرح حتى أنقاه ولاح أبيض، فقيل له مجه، فقال: لا والله، لا أمجه أبدًا، ثم أدبر يقاتل، فقال النبي، ﷺ: \"من أراد أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة، فلينظر إلى هذا\" فاستشهد (^٤٣٠).\nوقد ثبت في الصحيحين من طريق عبد العزيز بن أبي حازم [¬٤]، عن أبيه، عن سهل بن سعد، أنه سئل عن جرح رسول الله ﷺ فقال: جرح وجه رسول الله ﷺ وكسرت رباعيته، وهشمت البيضة على رأسه ﷺ فكانت فاطمة بنت رسول الله ﷺ تغسل الدم، وكان عليٌّ يسكب عليه الماء بالمجن، فلما رأت فاطمة أن الماء لا يزيد الدم إلا كثرة، أخذت قطعة من حصير، فأحرقتها حتى صارت رمادًا ألصقته بالجرح فاستمسك الدم (^٤٣١).\n_________\n(^٤٢٩) - إسناده ضعيف- لضعف إسحاق بن طلحة، أخرجه الضياء المقدسي في \"المختارة\" (١/ ١٣٦ و١٣٧) رقم (٤٩) من طريق الهيثم بن كليب مطولًا. وأخرجه البزار في \"مسنده\": (١/ ١٣٢ - ١٣٣) رقم (٦٣)، وابن حبان في \"صحيحه\" (١٥/ ٤٣٧ - ٤٣٨ - الإحسان) برقم (٦٩٨٠) من طريق إسحاق بن يحيى به. وذكره الهيثمي في \"المجمع\": (٦/ ١١٥) وقال: رواه البزار، وفيه إسحاق بن يحيى بن طلحة وهو متروك.\n(^٤٣٠) - أخرجه البيهقي في \"الدلائل\": (٣/ ٢٦٦) من طريق ابن وهب به.\n(^٤٣١) - أخرجه البخاري في \"صحيحه\" كتاب الجهاد، باب: لبس البيضة، حديث (٢٩١١)، وطرفه (٤٠٧٥)، ومسلم في \"صحيحه\" كتاب الجهاد والسير، حديث (١٧٩٠).\n_________\n[¬١]- في ت: \"قال\".\n(*) أي يحركه.\n(**) أي سقطت.\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- في خ: \"خرج\".\n[¬٤]- في خ: \"حاتم\".","vol":"3","page":224},{"text":"وقوله تعالى: ﴿فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ﴾ أي: فجزاكم غمًّا على غم، كما تقول العرب: نزلت ببني فلان، ونزلت على بني فلان. وقال ابن جرير: وكذا قوله: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ أي: على جذوع النخل.\nقال ابن عباس: الغم الأوّل بسبب الهزيمة، وحين قيل: قتل محمد ﷺ والثاني حين علاهم المشركون فوق الجبل، وقال النبي ﷺ: \"اللَّهم، ليس لهم أن يعلونا\" (^٤٣٢).\nوعن عبد الرحمن بن عوف: الغم الأوّل بسبب الهزيمة، والثاني حين قيل: قتل محمد ﷺ كان ذلك عندهم أشد [¬١] وأعظم من الهزيمة.\nرواهما ابن مَرْدُويه. وروي عن عمر بن الخطاب نحو ذلك، وذكر ابن أبي حاتم (^٤٣٣): عن قتادة نحو ذلك أيضًا.\nوقال السدي: الغم الأوّل: بسبب ما فاتهم من الغنيمة والفتح، والثاني بإشراف العدو عليهم.\nوقال محمد بن إسحاق: ﴿فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ﴾ أي: كربًا بعد كرب؛ قتل من قتل من إخوانكم؛ وعُلُوُّ عدوكم عليكم، وما وقع في أنفسكم [من قول من قال: قتل نبيكم] [¬٢]، فكان ذلك [ممَّا تتايع] [¬٣] عليكم غمًّا بغمٍ.\nوقال مجاهد وقتادة: الغم الأوّل سماعهم قتل محمد، والثاني ما أصابهم من القتل والجراح. وعن قتادة، والربيع بن أنس عكسه. وعن السدي: الأول ما فاتهم من الظفر والغنيمة والثاني إشراف العدو عليهم. وقد. تقدم هذا القول عن السدي.\nوقال ابن جرير: وأولى هذه الأقوال بالصواب قول من قال: ﴿فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ﴾\n_________\n(^٤٣٢) - جزء من حديث طويل أخرجه أحمد (١/ ٢٨٧ - ٢٨٨)، والطبراني في \"الكبير\": (١٠/ ١٠٧٣١)، والبيهقي في \"الدلائل\" (٣/ ٢٦٩) وصححه الحاكم (٢/ ٢٩٦، ٢٩٧) ووافقه الذهبي.\n(^٤٣٣) - تفسير ابن أبي حاتم (٢ / رقم ١٦٨٤) وأخرجه ابن جرير (٧/ ٨٠٨٣) ثنا ابن بشار، ثنا عبد الرحمن، ثنا سفيان به، والطبراني في \"المعجم الكبير\" (٩/ ٩٤٥٢) من طريق عبد الرزاق، عن الثوري به، وهذا إسناد حسن؛ لكلام في عاصم وهو ابن أبي النجود، وأبو رزين هو مسعود بن مالك، ورواه الطبراني (٩/ ٩٤٥١) من طريق قيس بن الربيع، عن عاصم، عن زر، عن عبد الله به، وقيس بن الربيع سيئ الحفظ، وذكره الهيثمي في \"المجمع\" (٦/ ٣٣١) وقال: \"رواه الطبراني، وفيه قيس بن الربيع وثقه شعبة وغيره، وضعفه جماعة\" ولم يشر الهيثمي لطريق الثوري المتقدم.\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- في خ: \"قيل بينكم\".\n[¬٣]- في ت: \"متتابعًا\".","vol":"3","page":225},{"text":"فأثابكم بغمكم أيها المؤمنون، بحرمان الله إياكم غنيمة المشركين، والظفر بهم، والنصر عليهم، وما أصابكم من القتل، والجراح يومئذ، بعد الذي كان قد أراكم في كل ذلك ما تحبون بمعصيتكم أمر [¬١] ربكم، وخلافكم أمر نبيكم ﷺ، غم ظنكم أن نبيكم قد قتل، وميل العدو عليكم بعد فلولكم منهم.\nوقوله تعالى: ﴿لِكَيلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ﴾ أي: على ما فاتكم من الغنيمة والظفر بعدوكم، ﴿وَلَا مَا أَصَابَكُم﴾ من [الجراح والقتل]، قاله ابن عباس، وعبد الرحمن بن عوف والحسن، وقتادة، والسدي ﴿وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [سبحانه وبحمده لا إله إلا هو جلَّ وعلا] [¬٢].\n﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١٥٤) إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (١٥٥)﴾\nيقول تعالى ممتنًّا على عباده فيما أنزل عليهم من السكينة والأمنة، وهو النعاس الذي غشيهم، وهم مستلئمو السلاح في حال همهم وغمهم، والنعاس في مثل تلك الحال دليل على الأمان [¬٣]، كما قال تعالى في سورة الأنفال في قصة بدر ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ [¬٤] النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ﴾. الآية.\nوقال الإمام أبو محمد عبدُ الرحمن بن أبي حاتم: حدَّثنا أبو سعيد الأشج، حدَّثنا أبو نعيم ووكيع، عن سفيان، عن عاصم، عن أبي رزين، عن عبد الله بن مسعود،\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٣]- في خ: \"الإيمان\".\n[¬٤]- في خ: \"يغشاكم\".","vol":"3","page":226},{"text":"قال: النعاس في القتال من الله، وفي الصلاة من الشيطان.\nوقال البخاري (^٤٣٤): وقال [¬١] لي خليفة: حدَّثنا يزيد بن زريع، حدَّثنا سعيد، عن قتادة، عن أنس، عن أبي طلحة ﵁ قال: كنت فيمن تغشاه [¬٢] النعاس يوم أحد؛ حتى سقط سيفي من يدي مرارًا، يسقط [¬٣] وآخذه ويسقط وآخذه.\nوهكذا رواه في المغازي معلقًا، ورواه في كتاب التفسير مسندًا، عن شيبان، عن قتادة، عن أنس، عن أبي طلحة، قال: غشينا النعاس ونحن في مصافنا يوم أحد، قال: فجعل سيفي يسقط من يدي وآخذه، ويسقط وآخذه.\nوقد رواه الترمذي [والنسائي، والحاكم (^٤٣٥) من حديث حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس، عن أبي طلحة، قال: رفعت رأسي يوم أحد، وجعلت أنظر، وما منهم يومئذ أحد إلا يميد تحت حجفته من النعاس. لفظ الترمذي وقال: حسن صحيح.\n[ورواه النسائي] [¬٤] أيضًا (^٤٣٦) عن محمد بن المثنى، عن [¬٥] خالد بن الحارث، عن قتيبة [¬٦]، عن ابن أبي عدي، كلاهما عن حميد، عن أنس، قال: قال أبو طلحة: كنت فيمن ألقى عليه النعاس … الحديث. وقد [¬٧] رواه عن الزبير (^٤٣٧) وعن [¬٨] عبد الرحمن بن عوف (^٤٣٨) ﵁.\n_________\n(^٤٣٤) - صحيح البخاري، كتاب المغازي، باب: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا …﴾ (٤٠٦٨) وأخرجه أيضًا (٤٥٦٢).\n(^٤٣٥) - أخرجه الترمذي (٣٠٠٧)، والنسائي كما في \"التحفة\" (٣/ ٣٧٧١)، والحاكم في \"المستدرك\" (٢/ ٢٩٧) وصححه على شرط مسلم، ووافقه الذهبي،: وقال الترمذي: \"حديث حسن صحيح\".\n(^٤٣٦) - أخرجه النسائي في \"الكبرى\" كما في \"التحفة\" (٣/ ٣٧٧١) وكذا أخرجه ابن جرير (٧/ ٨٠٧٤) ثنا ابن بشار قال: حدثنا ابن أبي عدي عن حميد به.\n(^٤٣٧) - أخرجه عبد بن حميد -كما في \"الدر المنثور\" (٢/ ١٥٥)، وعنه الترمذي (٣٠٠٧) حدثنا روح بن عبادة، عن حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن أبيه: عن الزبير مثل حديث أنس السابق، وقال الترمذي: \"حديث حسن صحيح\" وكذا أخرجه ابن جرير (٧/ ٨٠٨٦) من طريقين عن حماد بن سلمة به، والبيهقي في \"الدلائل\" (٣/ ٢٧٣).\n(^٤٣٨) - أخرجه ابن جرير (٧/ ٨٠٧٩)، والطبراني في \"المعجم الكبير\" (١ / رقم ٢٨٥) وفي =\n_________\n[¬١]- في خ: \"قال\".\n[¬٢]- في خ: \"يغشاه\".\n[¬٣]- في خ: \"فيسقط\".\n[¬٤]- في خ: \"والنسائي\".\n[¬٥]- في خ: \"والنسائي عن\".\n[¬٦]- في ت: أبي قتيبة.\n[¬٧]- في ت: \"هكذا\".\n[¬٨]- سقط من: م.","vol":"3","page":227},{"text":"وقال البيهقي (^٤٣٩): أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني أبو الحسين محمد بن يعقوب، أخبونا محمد بن إسحاق الثقفي، حدثنا محمد بن عبد الله بن المبارك المخزوميُّ، حدثنا يونس بن محمد، حدثنا شيبان، عن قتادة، حدثنا أنس بن ما مالك؛ أن أبا طلحة قال: غشينا النعاس ونحن في مصافنا يوم أحد، فجعل سيفي يسقط من يدي وآخذه، ويسقط وآخذه. قال: والطائفة الأخرى المنافقون ليس لهم هم إلا أنفسهم أجبن قوم وأرعنه وأخذله للحق، ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ كذَبَه، أهل شك وريب في الله ﷿ (^٤٤٠).\nهكذا رواه بهذه الزيادة، وكأنها من كلام قتادة ﵀ وهو كما قال؛ فإن الله ﷿ يقول: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ﴾. يعني أهل الإِيمان واليقين والثبات والتوكل الصادق، وهم الجازمون بأن الله ﷿ سينصر وصوله؛ وينجز له مأموله؛ ولهذا قال: ﴿وطائفة قد أهمتهم أنفسهم﴾ يعني لا يغشاهم النعاس من القلق والجزع والخوف، ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾، كما قال في الآية الأخرى: ﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا﴾ إلى آخر الآية، وهكذا هؤلاء اعتقدوا أن المشركين لما ظهروا تلك الساعة أنها الفيصلة، وأن الإِسلام قد باد وأهله، وهذا شأن أهل الريب والشك؛ إذا حصل أمر من الأمور الفظيعة تحصل لهم هذه الظنون الشنيعة.\nثم أخبر تعالى عنهم أنهم: ﴿يَقُولُونَ﴾ في تلك الحال: ﴿هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ\n_________\n= \"الأوسط\" (٤/ ٤١٧٢)، والبيهقي في \"الدلائل\" (٤/ ٤١٧٢) من طريق أبي نعيم ضرار بن صرد، ثنا عبد العزيز بن محمد، عن محمد بن عبد العزيز، عن ابن شهاب، عن عبد الرحمن بن المسور، عن أبيه، عن عبد الرحمن بن عوف ﵁ في قوله ﷿: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا﴾ قال: ألقى علينا النوم يوم أحد، وقال الطبراني: \"لم يرد هذا الحديث عن الزهري إلا محمد بن عبد العزيز وعزاه الهيثمي في \"المجمع\" (٦/ ١٢٠، ٣٣١) إلى الطبراني وقال: \"فيه ضرار بن صرد وهو ضعيف\" وأخرجه ابن أبي حاتم (٢/ ١٦٨٢) من طريق يحيى بن عبد الحميد، ثنا عبد الله بن جعفر المخرمي، عن أبي عون، عن المسور بن مخرمة به، وأبو عون هذا سئل عنه أبو زرعة فقال: \"مديني لا نعرفه\" الجرح والتعديل (٩/ ٤١٤) والخبر زاد نسبته السيوطي (٢/ ١٥٥) إلى ابن المنذر.\n(^٤٣٩) - \" دلائل النبوة\" للبيهقي (٣/ ٢٧٣، ٢٧٤)، وأخرجه ابن حبان في \"صحيحه\" (١٦ / رقم ٧١٨٠) أخبرنا محمد بن إسحاق الثقفي، حدثنا محمد بن عبيد الله بن المنادي، ثنا يونس بن محمد به. وتقدم (رقم ٤٧٩) من طريق شيبان، عن قتادة به دون قوله: \"والطائفة الأخرى … \".\n(^٤٤٠) - تفسير ابن أبي حاتم (٢/ ١٦٩٧) ومن طريق ابن إسحاق أخرجه ابن جرير (٨٠٩٤/ ٧، ٨٠٩٥) وأبو نعيم والبيهقي في \"دلائل النبوة\" (ص ٤٢١) (٣/ ٢٧٣). وزاد نسبته السيوطي في \"الدر المنثور\" (٢/ ١٥٦) إلى إسحاق بن راهوية وعبد بن حميد وابن المنذر.","vol":"3","page":228},{"text":"شَيءٍ؟﴾ فقال [¬١] تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ﴾ ثم فسر ما أخفوه في أنفسهم بقوله: ﴿يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾ أي: يسرون هذه المقالة عن رسول الله ﷺ.\nقال محمد بي يسار بن إسحاق: فحدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، عن عبد الله بن الزبير؛ قال: قال الزبير: لقد رأيتني مع رسول الله ﷺ حين اشتدّ الخوف علينا، أرسل الله علينا النوم، فما منَّا من رجل إلا ذقنه في صدره، قال: فوالله إني لأسمع قول معَتِّب بن قشير ما أسمعه إلا كالحلم يقول [¬٢]: ﴿لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾ فحفطها منه، وفي ذلك أنزل الله: ﴿يَقُولُونَ [¬٣] لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾ لقول معَتِّب. رواه ابن أبي حاتم.\nقال الله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾، أي: هذا قدر قدّره [¬٤] الله ﷿ وحكم حتم لازم [¬٥] لا محيد [¬٦] عنه ولا مناص منه.\nوقوله: ﴿وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ﴾ أي: يختبركم بما جرى عليكم، ليميز [¬٧] الخبيث من الطيب، ويظهر أمر المؤمن والمنافق للناس في الأقوال والأفعال ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾، أي: بما يختلج في الصدور من السرائر والضمائر.\nثم قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا﴾، أي ببعض ذنوبهم السالفة، كما قال بعض السلف: إن من ثواب الحسنة الحسنة بعدها، وإن من جزاء السيئة السيئةَ بعدها.\nثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ أي: عما كان منهم من الفرار، ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ أي: يغفر الذنب، ويَحْلُمُ عن خلقه، ويتجاوز عنهم، وقد تقدم حديث ابن عمر في شأن عثمان ﵁ وتوليه يوم أحد، وأن الله قد عفا عنه مع من عفا عنهم عند قوله: ﴿وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ﴾ ومناسب ذكره هاهنا.\n_________\n[¬١]- في خ: \"قال الله\".\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- سقط من: خ.\n[¬٤]- في خ: \"مقدّر\".\n[¬٥]- سقط من: ت.\n[¬٦]- في خ: \"محاد\".\n[¬٧]- في خ: \"وليميز\".","vol":"3","page":229},{"text":"قال [¬١] الإِمام أحمد (^٤٤١): حدثنا معاوية بن عمرو، حدثنا زائدة [¬٢]، عن عاصم، عن شقيق، قال: لقي عبد الرحمن بن عوف الوليد بن عقبة، فقال له الوليد: ما لي أراك جفوت أمير المؤمنين عثمان، فقال له عبد الرحمن: أبلغه أني لم أفر يوم عينين [¬٣]، قال عاصم: يقول يوم أحد، ولم أتخلف عن بدر، ولم أترك سنة عمر. قال: فانطلق، فأخبر بذلك عثمان. قال: فقال عثمان: أمّا قوله: إني لم أفرّ يوم عينين؛ فكيف يعيرني بذنب [¬٤]، وقد [¬٥] عفا الله عنه فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ [¬٦] عَنْهُمْ﴾ وأما قوله: إني تخلفت يوم بدر، فإني كنت أمرض رقية بنتَ رسول الله ﷺ حتى ماتت، وقد ضرب لي رسول الله ﷺ بسهم، ومن ضرب له رسول الله ﷺ بسهم فقد شهد، وأما قوله: إني تركت سنة عمر، فإني لا أطيقها ولا هو، فأته [¬٧] فحدثه بذلك.\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١٥٦) وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (١٥٧) وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ\n_________\n(^٤٤١) - \" المسند\" (١/ ٦٨) (رقم ٤٩٠) وأخرجه عبد الله بن أحمد في \"زوائد المسند\" (١/ ٧٥) حدثني أبي وأبو خيثمة، قالا: ثنا معاوية بن عمرو، به، وصحح إسناده الشيخ أحمد شاكر، والحديث عند البزار في \"مسنده\" (٢ / رقم ٣٨٠) من طريق سلام أبي المنذر، عن علي بن زيد، عن سعيد بن المسيب قال: رفع عثمان صوته على عبد الرحمن بن عوف فقال: … فذكر الحديث بنحوه، وقال البزار: وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن سعيد بن المسيب عن عثمان إلا من هذا الوجه، ولا رواه عن علي بن زيد إلا سلام أبو المنذر. وعاصم هو ابن بهدلة حسن الحديث، والحديث ذكره الهيثمي في \"المجمع\" (٧/ ٢٢٩) و(٩/ ٨٦، ٨٧) وقال: \"رواه أحمد وأبو يعلى والطبراني باختصار، والبزار بطوله بنحوه، وفيه عاصم بن أبي النجود، وهو حسن الحديث، وبقية رجاله ثقات\".\nوعلي بن زيد هو ابن جدعان سيئ الحفظ جدًّا، والخبر اكتفى السيوطي (٢/ ١٥٧) بعزوه إلى أحمد وابن المنذر!!.\n_________\n[¬١]- في خ: \"وقال\".\n[¬٢]- في خ: \"زيادة\"\n[¬٣]- في خ: \"عنين\".\n[¬٤]- في خ: \"بذلك\".\n[¬٥] في ت: \"ولقد\".\n[¬٦]- سقط من: خ.\n[¬٧]- في ت: \"فأتاه\".","vol":"3","page":230},{"text":"قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ (١٥٨)﴾.\nينهى تعالى عبادَهُ المؤمنين عن مشابهة الكفار في اعتقادهم الفاسد، الدال عليه قولهم عن [¬١] إخوانهم الذين ماتوا في الأسفار والحروب: لو كانوا تركوا ذلك لما أصابهم ما أصابهم؛ فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لإِخْوَانِهِمْ﴾ أي: عن إخوانهم، ﴿إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ﴾، أي: سافروا للتجارة ونحوها ﴿أَوْ كَانُوا غُزًّى﴾، أي: كانوا [¬٢] في الغزو: ﴿لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا﴾ أي: في البلد، ﴿مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا﴾ أي: ما ماتوا في السفر، وما قتلوا في الغزو.\nوقوله تعالى: ﴿لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ﴾ أي: خلق هذا الاعتقاد في نفوسهم؛ ليزدادوا حسرة على [موتاهم وقتلاهم] [¬٣]. ثم قال تعالى ردًّا عليهم: ﴿وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ أي: بيده الخلق، وإليه يرجع الأمر، ولا يحيا أحد ولا يموت أحد إلا بمشيئته وقدره، ولا يزاد في عمر أحد ولا ينقص منه شيء [¬٤] إلا بقضائه وقدره: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾، أي: علمه وبصره نافذ في جميع خلقه؛ لا يخفى عليه من أمورهم شيء.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ تضمن هذا أن القتل في سبيل الله والموت أيضًا وسيلة إلى نيل رحمة الله وعفوه ورضوانه، وذلك خير من البقاء في الدنيا، وجميع حطامها الفاني.\nثم أخبر تعالى بأن كل من مات أو قتل، فمصيره ومرجعه إلى الله ﷿ فيجزيه بعمله: إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر. فقال تعالى: ﴿وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ﴾.\n﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاورْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩) إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٦٠) وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ\n_________\n[¬١]- في ت: \"على\".\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- في خ: \"موتهم وقتلهم\".\n[¬٤]- سقط من: خ.","vol":"3","page":231},{"text":"أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١٦١) أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦٢) هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (١٦٣) لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (١٦٤)﴾\nيقول تعالى مخاطبًا رسوله ﷺ ممتنًّا عليه وعلى المؤمنين فيما ألان به قلبه على أمته المتبعين لأمره، التاركين لزجره، وأطاب لهم لفظه، ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾، أي: أي شيء جعلك الله لهم لَيِّنًا لولا رحمةُ الله بك وبهم.\nوقال قتادة: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ يقول: فبرحمة من الله لنت لهم، \"وما\" صلة، والعرب تصلها بالمعرفة كقوله: ﴿فبما نقضهم ميثاقهم﴾، وبالنكرة كقوله: ﴿عما قليل﴾، وهكذا هاهنا قال [¬١]: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ أي: برحمة من الله.\nوقال الحسن البصري: هذا خلق محمد ﷺ بعثه الله به.\nوهذه الآية الكريمة شبيهة بقوله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾.\nوقال الإمام أحمد (^٤٤٢): حدَّثنا حَيوَة، حدثنا [بقية، حدثنا] [¬٢] محمد بن زياد،\n_________\n(^٤٤٢) - \" المسند\" (٥/ ٢٦٧) وهذا إسناد صحيح، وبقية -وهو ابن الوليد- إنما يخشى من عنعنته، وهو هنا صرح بالتحديث، وقد أخرجه ابن عدي في \"الكامل\" (٢/ ٥٠٤، ٥٠٩) من طريق أبي مسهر عبد الأعلى بن مسهر، ثنا بقية، به، غير أنه قال \"يلين له قلبي\" مكان \"يلين لي قلبه\" وقال ابن عدي: \"وهذا الحديث لا أعرفه إلا ببقية\" وهو ثقة إذا صرح بالتحديث، وروى عن مشايخ له معروفين، وعبد الأعلى بن مسهر ثقة حافظ، وقد رواه عن بقية بلفظ عبد الأعلى، المُعلى بن الوليد القعقاعي عند الطبراني في \"المعجم الكبير\" (٨/ ٧٤٩٩)، وأحمد بن الفرج عند ابن عساكر في \"تاريخ دمشق\" (١٩/ ٢٣/ ٢) - كما في \"الصحيحة\" للألباني (٣/ ١٠٩٥) - وأعل الألباني هذا اللفظ لضعف أحمد بن الفرج، وهو =\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.","vol":"3","page":232},{"text":"حدثني أبو راشد الحُبراني [¬١]؛ قال: أخذ بيدي أبو أمامة الباهلي، وقال: أخذ رسول الله ﷺ بيدي فقال: \"يا أبا أمامة، إن من المؤمنين من يلين [لي قلبه] [¬٢] \". تفرد [¬٣] به أحمد.\nثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ والفظ: الغليظ، والمراد [¬٤] به هاهنا غليظ الكلام؛ لقوله بعد ذلك: ﴿غليظ القلب [¬٥]﴾ أي: لو كنت سيئ الخُلق [¬٦] قاسي القلب عليهم؛ لانفضوا عنك وتركوك، ولكن الله جمعهم عليك، وألان جانبك لهم تأليفًا لقلوبهم. كما قال عبد الله بن عمرو (^٤٤٣): إنه رأى صفة رسول الله ﷺ في الكتب المتقدمة أنه ليس بفظ، ولا غليظ، ولا سخاب في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح.\nوروى أبو إسماعيل محمد بن إسماعيل الترمذي (^٤٤٤): أنبأنا بشر بن عبيد الداري [¬٧]، حدثنا عمار بن عبد الرحمن، عن المسعودي، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: \"إن الله أمرني بمداراة الناس كما أمرني بإقامة الفرائض\". حديث غريب.\n_________\n= متابع عليه كما رأيت. وأخرجه ابن عساكر أيضًا (٨/ ٢٩٧ / مخطوط) من طريق مسيب بن واضح نا بقية، عن محمد بن دينار، عن أبي راشد به، بلفظ عبد الأعلى، لكن المسيب بن واضح هذا تركه العقيلي والدارقطني، وكان النسائي حسن الرأي فيه، وقال أبو حاتم: \"صدوق يخطئ كثيرًا\" ولا شك أنه أخطأ هنا في إسناده لمخالفته الثقات والله أعلم، والحديث ذكره الهيثمي في موضعين من \"المجمع\" (١/ ٦٨) وقال فيه: \"رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح\" (١٠/ ٢٧٩) وقال: \"رواه الطبراني ورجاله وثقوا\".\n(^٤٤٣) - يأتي تخريجه سورة الأعراف / آية ١٥٧.\n(^٤٤٤) - وكذا رواه ابن عدي في \"الكامل\" (٢/ ٤٤٧) وابن مردويه في \"ثلاثة مجالس من الأمالي\" (١/ ١٩٢)، وأبو مطيع المصري في \"الأمالي\" أيضًا (٢/ ٢٣ / ١) والديلمي (١/ ٢ / ٣٢٠) -كما في \"الضعيفة\" للألباني (٢/ ٨١٠) - كلهم من طريق بشر بن عبيد له، وعزاه السيوطي في \"الدر المنثور\" (٢/ ١٥٩) إلى الحكيم الترمذي وابن عدي بسند فيه متروك وهو يعني بذلك بشر بن عبيد هذا، فقد قال فيه ابن عدي: \"منكر الحديث عن الأئمة، … هو بين الضعف أيضًا، ولم أجد للمتقدمين فيه كلامًا، وهو إذا روى إنما يروى عن ضعيف مثله أو مجهول أو محتمل أو يروى عمن يرويه أمثالهم\" وكذبه الأزدي، وساق له الذهبي في \"الميزان\" أحاديث هذا منها ثم عقبها بقوله: \"وهذه الأحاديث غير صحيحة، والله المستعان\" ومع هذا فقد ذكره ابن حبان في \"الثقات\" (٨/ ١٤١)!!.\n_________\n[¬١]- في خ: \"الحراني\".\n[¬٢]- في خ: \"له قلبي\".\n[¬٣]- في خ: \"انفرد\".\n[¬٤]- في ت: \"المراد\".\n[¬٥]- سقط من: خ.\n[¬٦]- في ت: \"الكلام\".\n[¬٧] سقط من: ت.","vol":"3","page":233},{"text":"ولهذا قال تعالى: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاورْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ ولذلك كان رسول الله ﷺ يشاور أصحابه في الأمر إذا حدث، تطييبًا لقلوبهم [ليكون أنشط لهم فيما يفعلونه] [¬١]، كما [¬٢] شاورهم يوم بدر في الذهاب إلى العير فقالوا: يا رسول الله؛ لو استعرضت بنا عُرضَ البحر لقطعناه معك، ولو سرت بنا إلى برْكِ العمَاد (*)؛ لسرنا [¬٣] معك، ولا نقول لك كما قال قوم موسى لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا، إنا هاهنا قاعدون، ولكن نقول [¬٤]: اذهب فنحن معك، وبين يديك، وعن يمينك، وعن [¬٥] شمالك مقاتلون [¬٦] (^٤٤٥). وشاوَرَهم أيضًا أين يكون المنزل؟ حتى أشار المنذر بن عمرو المعنق ليموت [¬٧] بالتقدم [¬٨] أمام القوم. وشاورهم في أحد: في [¬٩] أن يقعد في المدينة، أو يخرج [إلى العدو] [¬١٠]، فأشار جمهورهم بالخروج إليهم، فخرج إليهم (^٤٤٦). وشاورهم يوم الخندق في مصالحة الأحزاب بثلث ثمار المدينة عامئذ، فأبى ذلك عليه السعدان: سعد بن معاذ، وسعد بن عبادة، فترك ذلك. وشاورهم يوم الحديبية في أن يميل على ذراري المشركين؟ فقال له الصديق: أنا لم نجيء لقتال أحد [¬١١]، وإنما جئنا معتمرين، فأجابه إلى ما قال.\nوقال ﷺ في قصة الإفك (^٤٤٧): \" أشيروا علي معشر المسلمين في قوم أبنوا (*) أهلي ورموهم، [وايم الله ما علمت على أهلي من سوء، وأبنوهم] [¬١٢] بمن؟ والله ما علمت عليه إلا خيرًا\". واستشار عليًّا وأسامة في فراق عائشة ﵂.\nفكان ﷺ يشاورهم في الحروب ونحوها، وقد اختلف الفقهاء: هل كان ذلك [¬١٣] واجبًا عليه، أو من باب الندب تطييبا لقلوبهم؟ على قولين.\n_________\n(^٤٤٥) - قائل ذلك هو المقداد بن عمرو أخرج ذلك البخاري (٣٩٥٢) والنسائي في \"التفسير\" من \"الكبرى\" (٦/ ١١٤٠)، وأحمد (١/ ٣٩٠، ٤٢٨) من حديث عبد الله بن مسعود.\n(^٤٤٦) - انظر ما تقدم عند آية رقم (١٢١).\n(^٤٤٧) - يأتي تخريج قصة الإفك في سورة النور.\n_________\n[¬١]- في خ: \"ليكونوا ما يفعلونه أنشط لهم\".\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- في خ: \"لسرناه\".\n[¬٤]- سقط من: خ.\n[¬٥]- سقط من: خ.\n[¬٦]- سقط من: خ.\n[¬٧]- في خ: \"للموت\".\n[¬٨]- في خ: \"بالتقدم إلى\".\n[¬٩]- سقط من ت.\n[¬١٠]- في خ: \"إليهم\".\n[¬١١]- سقط من ت.\n[¬١٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬١٣]- سقط من ت.","vol":"3","page":234},{"text":"وقد قال الحاكم في مستدركه (^٤٤٨): حدثنا أبو جعفر محمد بن محمد البغدادي، حدثنا يحيى بن أيوب العلاف بمصر، حدثنا سعيد بن أبي مريم، أنبأنا سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وشاورهم في الأمر﴾ قال: أبو بكر وعمر ﵄ ثم قال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.\nوكذا [¬١] رواه الكلبي، عن أبي صالح عن ابن عباس قال: نزلت في أبي بكر وعمر، وكانا حواريَّي رسول الله ﷺ ووزيريه [¬٢] وأبوي المسلمين.\nوقد روى الإمام أحمد (^٤٤٩): حدثنا وكيع، حدثنا عبد الحميد، عن شهر بن حوشب، عن عبد الرحمن بن غنم [¬٣]، أن رسول الله ﷺ قال لأبي بكر وعمر ﵄: \"لو اجتمعتما في مشورة ما خالفتكما\".\nوروى ابن مردُويه (^٤٥٠)، عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: سُئل رسول الله ﷺ عن العزم؟ فقال [¬٤]: \"مشاورة أهل الرأي ثم اتباعهم\".\nوقد [¬٥] قال ابن ماجة (^٤٥١): حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا يحيى بن أبي بكير [¬٦]، عن\n_________\n(^٤٤٨) - \" المستدرك\" (٣/ ٧٠) وقال: \"حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه\" ووافقه الذهبي وهو كما قال.\n(^٤٤٩) - \" المسند\" (٤/ ٢٢٧) وذكره الهيثمي في \"المجمع\" (٩/ ٥٦) وقال: \"رواه أحمد ورجاله ثقات إلا أن ابن غنم لم يسمع من النبي ﷺ\"، قال العلائي في \"جامع التحصيل\" (ص ٢٢٥): \"عبد الرحمن بن غنم الأشعري، قال أحمد بن حنبل: أدرك النبي ﷺ ولم يسمع منه. قلت -الحافظ العلائي-: ولا رؤية له أيضًا بل كان مسلمًا باليمين في حياة النبي ﷺ ولم يفد عليه ولزم معاذ بن جبل. وهو من كبار التابعين فحديثه مرسل، وقد قيل: إن له صحبة، وذلك ضعيف والله أعلم\" والحديث لم يعزه السيوطي في \"الدر المنثور\" (٢/ ١٦٠) لغير أحمد.\n(^٤٥٠) - ذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" (٢/ ١٦٠) ولم يعزه لغير ابن مردويه!!.\n(^٤٥١) - سنن ابن ماجه، كتاب الأدب، باب المستشار مؤتمن (٣٧٤٥)، وأخرجه أبو داود، كتاب الأدب، باب في المشورة (٥١٢٨)، والترمذي كتاب الزهد، باب ما جاء في معيشة أصحاب النبي ﷺ (٢٣٦٩) مطولا، وكتاب الأدب، باب: إن المستشار مؤتمن (٢٨٢٢) مختصرًا، من طريق شيبان به.\nوأخرجه النسائي في \"التفسير\" من \"الكبرى\" (٦/ ١١٦٩٧) من طريق أبي حمزة، عن عبد الملك بن عمير به مختصرًا، وقال الترمذي عقب الموضع الأول: \"حديث حسن صحيح غريب\" وقال =\n_________\n[¬١]- بياض في خ.\n[¬٢]- في خ: \"وزيره\".\n[¬٣]- في خ: \"عنيم\".\n[¬٤]- في خ: \"قال\".\n[¬٥]- في خ: بياض.\n[¬٦]- في خ: \"بكر\".","vol":"3","page":235},{"text":"شيبان [¬١]، [عن عبد الملك بن عمير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: \"المستشار مؤتمن\".\nورواه أبو داود والترمذي، وحَسَّنه النسائي من حديث عبد الملك] [¬٢] بأبسط [من هذا] [¬٣].\nثم قال ابن ماجة (^٤٥٢): حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أسود بن عامر، عن شريك، عن الأعمش، عن أبي عمرو [¬٤] الشيباني، عن أبي مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: \"المستشار مؤتمن\". [تفرد به] [¬٥].\nو[قال أيضًا] [¬٦] (^٤٥٣): حدثنا أبو بكر، حدثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، وعلي [¬٧] بن هاشم، عن ابن أبي ليلى، عن أبي الزبير عن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ: \"إذا استشار أحدكم أخاه فليشر عليه\". تفرد به أيضًا.\n_________\n= عقب الثاني: \"حديث حسن\"، وصححه الحاكم (٤/ ١٣١) على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، وأصل الحديث عند مسلم، كتاب الأشربة، حديث ١٤٠ - (٢٠٣٨).\n(^٤٥٢) - سنن ابن ماجه كتاب الأدب، باب المستشار مؤتمن (٣٧٤٦)، وأخرجه ابن حبان (٦/ ١٩٩١ / موارد)، والطبراني في \"المعجم الكبير\" (١٧ / رقم ٦٣٨) من طريق أبي بكر بن أبي شيبة به، وأخرجه أحمد (٥/ ٢٧٤) وعبد بن حميد في \"المنتخب\" (٢٣٥)، والدارمي في \"السنن\" (٢/ ٢٤٥٢) والحاكم في \"المستدرك\" كما في زوائد البوصيري (٣/ ١٨٢) ومن طريقه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (١٠/ ١١٢) من طريق الأسود بن عامر به، وأخرجه الطبراني أيضًا من طريق عبد الحميد بن بحر، وطلق بن غنام، ثنا شريك به، وقال البوصيري: \"إسناده صحيح، رجاله ثقات، وأبو عمرو الشيبانيّ اسمه سعد بن إياس .. كذا قال!! وشريك هو ابن عبد الله القاضي، سيئ الحفظ جدًّا، وقد أعل الحديث به أبو حاتم في \"العلل\" (٢/ ٢٤٧) (رقم ٢٣١٩)، فقال ابنه: \"سألت أبي عن حديث رواه الأسود بن عامر عن شريك، عن الأعمش، عن أبي عمرو الشيبانيّ، عن أبي مسعود -تحرف إلى ابن مسعود- عن النبي ﷺ قال: \"المستشار مؤتمن\" قال أبي: هذا خطأ، إنما أراد \"الدال على الخير كفاعله\" قلت: الخطأ ممن هو؟ قال: من شريك\" وقال أيضًا: \"العلل\" (٢/ ٣٢٢) (رقم ٢٤٨٥): \"سألت أبي عن حديث رواه سهل بن عثمان، عن غالب، عن شريك، عن الأعمش … الحديث: \"قال أبي: وهم فيه غالب إنما هو عن أبي مسعود عن النبي ﷺ \"الدال على الخير كفاعله\".\n(^٤٥٣) - سنن ابن ماجه، كتاب الأدب، باب المستشار مؤتمن (٣٧٤٧) وهذا إسناد ضعيف وله =\n_________\n[¬١]- في خ: \"سفيان\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٣]- في خ: \"منه\".\n[¬٤]- في خ: \"عمر\".\n[¬٥]- في خ: \"تفرد به أحمد\".\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٧]- في خ: \"عن\".","vol":"3","page":236},{"text":"وقوله تعالى: ﴿فإذا عزمت فتوكل على الله﴾ أي إذا شاورتهم في الأمر، وعزمت عليه فتوكل على الله فيه ﴿إن الله يحب المتوكلين﴾.\nوقوله تعالى: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ﴾ وهذه الآية كما تقدم من قوله: ﴿وَمَا النَّصْرُ إلا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾. ثم أمرهم بالتوكل عليه، فقال: ﴿وعلى الله فليتوكل المؤمنون﴾.\nوقوله تعالى: ﴿وما كان لنبي أن يغُل﴾ قال ابن عباس، ومجاهد، والحسن، وغير واحد: ما ينبغي لنبي أن يخون.\nوقال ابن أبي حاتم (^٤٥٤): حدثنا أبي، حدثنا المسيب بن واضح، حدثنا أبو إسحاق الفزاري، عن [سفيان، عن] [¬١] خصيف، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: فقدوا قطفة يوم بدر فقالوا: لعل رسول الله ﷺ أخذها، فأنزل الله: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ [أي: يخون] [¬٢].\nوقال ابن جرير (^٤٥٥): حدثنا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب: حدثنا عبد الواحد بن زياد، حدثنا خصيف، حدثنا مقسم، حدثني ابن عباس، أن هذه الآية: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ نزلت [¬٣] في قطفة حمراء فُقِدَتْ يوم بدر، فقال بعض الناس: [لعل رسول الله] [¬٤] أخذها، فأكثروا في ذلك، فأنزل الله: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾. وكذا رواه أبو داود رحمه الله تعالى والترمذي جميعًا، عن قتيبة، عن عبد الواحد بن زياد به وقال الترمذي: حسن غريب. ورواه [¬٥] بعضهم عن خصيف عن مقسم يعني\n_________\n= علتان، الأولى: عنعنة أبي الزبير، فإنه كان مدلسًا، والأخرى: ضعف ابن أبي ليلى، وهو محمد بن عبد الرحمن القاضي.\n(^٤٥٤) - تفسير ابن أبي حاتم (٢/ ١٧٦٠).\n(^٤٥٥) - تفسير ابن جرير (٧/ ٨١٣٦) وأخرجه أبو داود، فاتحة كتاب الحروف والقراءات (٣٩٧١)، والترمذي، كتاب تفسير القرآن، باب: ومن سورة آل عمران (٣٠٠٩) كلاهما (أبو داود والترمذي) ثنا قتيبة بن سعيد به، وأخرجه ابن جرير أيضًا (٧/ ٨١٣٨) من طريق عتاب بن بشير، عن خصيف به، وقال الترمذي: \"هذا حديث حسن غريب، وقد روى عبد السلام بن حرب عن خصيف نحو هذا، وروى بعضهم هذا الحديث عن خصيف عن مقسم، ولم يذكر فيه ابن عباس\".\n_________\n[¬١]- في خ: \"شقيق\".\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- مكانها في خ: قبل الآية.\n[¬٤]- زيادة من: خ.\n[¬٥]- في خ: \"رواه\".","vol":"3","page":237},{"text":"مرسلًا.\nورواه ابن مردُويه من طريق أبي عمرو بن العلاء، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: إنّهم المنافقون رسول الله ﷺ بشيء فُقِدَ، فأنزل الله تعالى [¬١]: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾.\nوقد روي من غير وجه (^٤٥٦)، عن ابن عباس نحو ما تقدّم، وهذا [تنزيه و] [¬٢] تبرئة له، صلوات الله وسلامه عليه، عن [¬٣] جميع وجوه الخيانة في أداء الأمانة وقسم الغنيمة وغير ذلك.\nوروى [¬٤] العوفي عن ابن عباس: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ أي: بأن يقسم لبعض السرايا ويترك بعضًا. وكذا قال الضحاك.\nوقال محمد بن إسحاق: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ بأن يترك بعض ما أنزل عليه [¬٥] فلا يبلغه لأمّته [¬٦].\nوقرأ الحسن البصري، وطاووس، ومجاهد، والضحاك: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ [بضم الياء] [¬٧] أي: يخان.\nوقال قتادة، والربيع بن أنس: نزلت هذه الآية يوم بدر، وقد غل بعض أصحابه، رواه ابن جرير عنهما (^٤٥٧)، ثم حكى عن [¬٨] بعضهم أنه فسر [¬٩] هذه القراءة بمعنى يتهم بالخيانة.\nثم قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ وهذا تهديد شديد، ووعيد أكيد، وقد وردت السنة بالنهي عن ذلك أيضًا في أحاديث متعدّدة.\nقال الإمام أحمد (^٤٥٨): حدثنا عبد الملك، حدثنا زهير -يعني ابن محمد- عن عبد الله\n_________\n(^٤٥٦) - أخرجه ابن جرير (٧/ ٨١٣٩) والطبراني في \"المعجم الكبير\" (١١/ ١٢٠٢٨، ١٢٠٢٩) من طرق عن خصيف، عن عكرمة، عن ابن عباس به.\n(^٤٥٧) - تفسير ابن جرير (٧/ ٨١٥٢، ٨١٥٣، ٨١٥٤).\n(^٤٥٨) - \" المسند\" (٤/ ١٤٠)، (٥/ ٣٤١) وأخرجه الطبراني في \"المعجم الكبير\" (٣ / رقم ٣٤٦٣) =\n_________\n[¬١]- في خ: \"﷿\".\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- في ت: \"من\".\n[¬٤]- في ت: \"وقال\".\n[¬٥]- في ت: \"إليه\".\n[¬٦]- في ت: \"أمته\".\n[¬٧]- سقط من: خ.\n[¬٨]- سقط من: ت.\n[¬٩]- في خ: \"قرأ\".","vol":"3","page":238},{"text":"ابن محمد بن عقيل، عن عطاء بن يسار، عن أبي مالك الأشجعي، عن النبي، ﷺ، قال [¬١]: \"أعظم الغلول عند الله ذراع من أرض [¬٢]، تجدون [¬٣] الرجلين جارين في الأرض -أو في الدار- فيقطع أحدهما من حظ صاحبه ذراعًا، فإذا اقتطعه طوقه من سبع أرضين [إلى يوم القيامة] [¬٤] \".\n(حديث آخر) قال الإمام أحمد (^٤٥٩): حدثنا موسى بن داود [¬٥]، حدثنا ابن لهيعة، عن ابن هبيرة والحارث بن يزيد، عن عبد الرحمن بن جبير، قال: سمعت المستورد [¬٦] بن شدّاد يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"من ولي لنا عملًا وليس له منزل فليتخذ منزلًا، أو ليست له زوجة فليتزوج، أو ليس له [¬٧] خادم فليتخذ له خادمًا، أو ليس [¬٨] له دابة فليتخذ دابة، و[¬٩] من أصاب شيئًا سوى ذلك فهو غال\".\nهكذا رواه الإمام أحمد، وقد رواه أبو داود بسند آخر وسياق آخر فقال (^٤٦٠): حدثنا موسى بن مروان الرقي، حدثنا المعافى، حدثنا الأوزاعي، عن الحارث بن يزيد، عن جبير بن نفير، عن المستورد بن شدّاد قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"من كان لنا عاملًا فليكتسب زوجة؛\n_________\n= ثنا حفص الرقي، ثنا أبو حنيفة، ثنا زهير به، غير أنه سمى صحابيه \"أبو مالك الأشعري\". وأخرجه ابن أبي شيبة -كما في \"المطالب العالية المسندة\" (٤ / رقم ١٥٧٤)، وأحمد (٥/ ٣٤٤)، والطبراني من طرق عن شريك عن عبد الله بن محمد بن عقيل به. وحسن إسناده الحافظ ابن حجر في \"الفتح\" (٥/ ١٠٥) ومن قبله شيخه الهيثمي في \"المجمع\" (٤/ ١٧٨) وكذا حسنه المنذري في \"الترغيب والترهيب\" (٣/ ١٦).\n(^٤٥٩) - \" المسند\" (٤/ ٢٢٩) وأخرجه أيضًا: ثنا يحيى بن إسحاق، قال: حدثنا ابن لهيعة به، وأخرجه أيضًا ثنا حسن بن موسى، والطبراني في \"المعجم الكبير\" (٢٠ / رقم ٧٢٥) من طريق القعنبي كلاهما (حسن والقعنبي) ثنا ابن لهيعة به ليس فيه ابن هبيرة، أخرجه أحمد أيضًا (٤/ ٢٢٩) ثنا حسن، والطبراني (٢٠/ ٧٢٦) من طريق أسد بن موسى كلاهما (حسن وأسد) ثنا ابن لهيعة به وليس فيه الحارث بن يزيد وانظر ما بعده.\n(^٤٦٠) - سنن أبي داود كتاب الخراج والإمارة والفئ باب في أرزاق العمال (٢٩٤٥) ومن طريقه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٦/ ٣٥٥) وأخرجه الطبراني في \"المعجم الكبير\" (٢٠/ ٧٢٧) ثنا جعفر بن =\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- في ت: \"الأرض\".\n[¬٣] في خ: \"يجدون\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٥] سقط من: ت.\n[¬٦]- في خ: \"المستور\".\n[¬٧] سقط من: خ.\n[¬٨]- في خ: \"ليست\".\n[¬٩] سقط من: خ.","vol":"3","page":239},{"text":"فإن لم يكن له خادم فليكتسب خادمًا، فإن لم يكن له مسكن فليكتسب مسكنًا\". قال: قال أبو بكر: أخبرت أن النبي ﷺ قال: \"من اتخذ غير ذلك فهو غالٍ أو سارق\".\nقال شيخنا الحافظ المزي ﵀: رواه أبو [¬١] جعفر بن محمد الفريابي، عن موسى بن مروان فقال: عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير، وهو أشبه بالصواب.\n(حديث آخر) قال ابن جرير (^٤٦١): حدثنا أبو كريب، حدثنا حفص بن بشر، حدثنا يعقوب القمي، حدثنا حفص بن حميد، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ \"لا أعرفن أحدكم يأتي يوم القيامة يحمل شاة لها ثغاء (*)، ينادي [¬٢]: يا محمد، يا محمد، فأقول: لا أملك لك من الله شيئًا، قد بلغتك. ولا أعرفن أحدكم يأتي يوم القيامة\n_________\n= محمد الفريابي، ثنا موسى بن مرزوق -كذا وصوابه مروان كما هنا- الرقى، ثنا المعافى به غير أنه قال: \" عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن المستورد بن شداد\" وأخرجه ابن خزيمة في صحيحه (٤/ ٢٣٧٠) ثنا يحيى بن مخلد، والحاكم في \"المستدرك\" (٤٠٦١١) -وعنه البيهقي- وأبو نعيم في \"الحلية\" (٨/ ٢٩١) من طريق محمد بن عبد الله بن عمار، كلاهما (يحيى ومحمد) ثنا المعافى بن عمران عن الأوزاعي حدثني الحارث بن يزيد عن عبد الرحمن بن جبير به، وقال أبو نعيم: \"تفرد به الحارث عن عبد الرحمن، كذا قال، وتابعه ابن هبيرة كما في السابق. وقال الحاكم: \"حديث صحيح على شرط البخاري\" ووافقه الذهبي، لكن أعله أبو حاتم الرازي -كما في \"العلل\" (١ / رقم ٦٣٦ - ١٢٣١) لابنه قال: \"سألت أبي عن حديث رواه ابن وهب عن ابن لهيعة عن الحارث بن يزيد عن عبد الرحمن بن جبير … الحديث\". قال: \"قال أبي: هذا خطأ إنما هو على ما رواه الليث عن الحارث بن يزيد عن رجل عن المستورد عن النبي ﷺ فقلت لأبي: للمستورد صحبة، قال: نعم\" وقد مال البغوي إلى تضعيفه، فعلقه بصيغة التمريض في \"شرح السنة\" (١٠/ ٨٦)، وقول المزي المنقول هنا هو \"تحفة الأشراف\" (٨/ ٣٧٧، ٣٧٨)، وقال الحافظ ابن حجر في \"النكت الظراف\"، رواه أحمد من طريق ابن لهيعة، عن ابن هبيرة والحارث بن يزيد، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير، فيحتمل أن يكون في أصل أبي داود عن \"ابن جبير بن نفير\" فسقطت \"ابن\" ثم وجدت الحديث في \"تاريخ ابن يونس\" أخرجه عن النسائي، عن يحيى بن مخلد، عن موسى بن مروان بسند أبي داود، لكن قال فيه \"عن عبد الرحمن بن جبير\" حسب، كذلك ساقه النسائي في \"كتاب الجهاد\" (٤) من رواية ابن الأحمر، وهو مما أغفله المزى فيستدرك كنظائره، وعلى هذا فذكر \"نفير\" في هذا الإسناد غلط ممن ذكره، فإن الذي جده نفير شامي، وصاحب هذا الحديث مصري، والمستورد أيضًا مصري\".\n(^٤٦١) - تفسير ابن جرير (٧/ ٨١٥٨) ورجاله كلهم من رجال \"التهذيب\" غير حفص بن بشر، لم يترجم له إلا ابن أبي حاتم في \"الجرح والتعديل\" (٣/ ١٧٠) ولم يزد علي قوله: \"روى عن يعقوب القمي، روى عنه أبو كريب\".\n(*) الثغاء: صياح الشاة.\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- في خ: \"فينادى\".","vol":"3","page":240},{"text":"يحمل جملًا له رغاء (*)، يقول [¬١]: يا محمد، يا محمد، فأقول: لا أملك لك من الله شيئًا، قد بلغتك. ولا أعرفن أحدكم يأتي يوم القيامة يحمل فرسًا له حمحمة (**)، ينادي: يا محمد، يا محمد، فأقول: لا أملك لك من الله شيئًا، قد بلغتك، و[¬٢]، لا أعرفن أحدكم يأتي يوم القيامة يحمل قشعًا [¬٣] (* * *) من أدم، ينادي: يا محمد؛ يا محمد؛ فأقول: لا أملك لك من الله شيئًا، قد بلغتك\". لم يروه أحد من أصحاب [¬٤] الكتب الستة.\n(حديث آخر) قال الإمام أحمد (^٤٦٢): حدثنا سفان، عن الزهريّ سمع [¬٥] عروة يقول: أخبرنا أبو حميد الساعدي، قال: استعمل رسول الله ﷺ رجلًا من الأزد، يقال له: ابن اللتبية، على الصدقة، فجاء [¬٦] فقال: هذا لكم، وهذا أهدي لي، فقام رسول الله، ﷺ، [على المنبر] [¬٧] فقال: \"ما بال العامل نبعثه فيجيء [¬٨] يقول: هذا لكم، وهذا أهدي لي، أفلا جلس في بيت أبيه وأمه فينظر أيهدى إليه أم لا؟ والذي نفسُ محمد بيده لا يأتي أحدكم منكم [¬٩] منها بشيء إلا جاء به [¬١٠] يوم القيامة على رقبته، إن كان بعيرًا له رغاء، أو بقرة لها خوار، أو شاة تَيْعرُ (* * *)، ثم رفع يديه حتى رأينا عفرة إبطيه: ثم قال: \"اللهم، هل بلغت\". ثلاثًا. وزاد هشام بن عروة، فقال أبو حميد: بصر عيني، وسمع أذني، واسألوا زيد بن ثابت.\n_________\n(*) - الرغاء: صوت الإبل.\n(**) - حمم الفرس: صات صوتًا دون العالي.\n(* * *) - القشع: الفرو الخلق.\n(^٤٦٢) - \" المسند\" (٥/ ٤٢٣) وأخرجه البخاري كتاب الهبة، باب: من لم يقبل الهدية لعلَّة (٢٥٩٧) وكتاب الأحكام، باب: هدايا العمال (٧١٧٤)، ومسلم كتاب الإمارة باب تحريم هدايا العمال (٢٦) (١٨٣٢)، وأبو داود كتاب الخراج والإمارة والفئ، باب في هدايا العمال (٢٩٤٦) من طرق عن سفيان وهو ابن عيينة به، وأخرجه البخاري في كتاب الزكاة، باب: قول الله تعالى ﴿والعاملين عليها﴾ (١٥٠٠) وانظر أطرافه رقم (٩٢٥)، ومسلم (٢٧، ٢٨) (١٨٣٢) من طرق عن هشام بن عروة عن أبيه به.\n(* * **) أي تصيح. واليعار: صوت الشاة. شرح مسلم (١٣/ ٣٠٣).\n_________\n[¬١]- في خ: \"ويقول\".\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- في خ: وقال\".\n[¬٤]- في ت: \"أهل\".\n[¬٥]- في ت: سمع عن\".\n[¬٦]- في ت: \"فجاءه\".\n[¬٧]- سقط من: خ.\n[¬٨]- سقط من: خ.\n[¬٩]- سقط من: ت.\n[¬١٠]- سقط من: خ.","vol":"3","page":241},{"text":"أخرجاه من حديث سفيان بن عيينة؛ وعند البخاري: وسلوا زيد بن ثابت، ومن غير وجه عن الزهري؛ ومن طرق عن هشام بن عروة؛ كلاهما عن عروة به.\n(حديث آخر) قال الإِمام أحمد (^٤٦٣): حدثنا إسحاق بن عيسى، حدثنا إسماعيل بن عياش، عن يحيى بن سعيد، عن عروة بن الزبير، عن أبي حميد أن رسول الله، ﷺ، قال: \"هدايا العمال غلول\".\nوهذا الحديث من أفراد أحمد، وهو ضعيف الإِسناد وكأنه مختصر من الذي قبله والله أعلم.\n(حديث آخر) قال أبو عيسى الترمذي في كتاب الأحكام (^٤٦٤): حدثنا أبو كريب، حدثنا أبو أسامة، عن داود بن يزيد الأودي، عن المغيرة بن شبل، عن قيس بن أبي حازم، عن معاذ بن جبل قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن، فلما سرت، أرسل في أثري فرددت، فقال: \"أتدري لما بعثت إليك؟ لا تصيبن شيئًا بغير إذني فإنه غلول، ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ لهذا دعوتك، فامض لعملك\".\nهذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه؛ وفي الباب عن عدي بن عميرة وبريدة، والمستورد بن شداد، وأبي حميد، وابن عمر.\n(حديث آخر) قال الإِمام أحمد (^٤٦٥): حدثنا إسماعيل بن علية، حدثنا أبو حيان يحيى\n_________\n(^٤٦٣) - \" المسند\" (٥/ ٤٢٤) وأخرجه البزار في \"مسنده\" (٩/ ٣٧٢٣) وابن عدي في \"الكامل\" (١/ ٢٩٥) ومن طريقه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (١٠/ ١٣٨) من طرق عن إسماعيل بن عياش به، وقال البزار: \"وهذا الحديث رواه إسماعيل بن عياش واختصره وأخطأ فيه، وإنما هو عن الزهري عن عروة عن أبي حميد أن النبي ﷺ بعث رجلًا على الصدقة يعني السابق- وقال ابن عدي: \"ولا يحدث هذا الحديث عن يحيى غير ابن عياش\" وهو ثقة في روايته عن الشاميين، ضعيف في غيرهم، وهذا منها فإن يحيى بن سعيد حجازي مدني، وبذلك أعله الهيثمي في \"المجمع\" (٤/ ١٥٤، ٢٠٣)، (٥/ ٢٥٢) وكذا ضعف إسناده الحافظ ابن حجر في \"الفتح\" (٥/ ٢٢١) وفي \"تلخيص الحبير\" (٤/ ٢٠٨) وللحديث طرق أخرى يحتمل معها التحسين، انظر \"إرواء الغليل\" للألباني (٨/ ٢٦٢٢).\n(^٤٦٤) - جامع الترمذي، كتاب الأحكام، باب ما جاء في هدايا الأمراء (١٣٣٥)، وقال: \"حديث معاذٍ، حديث غريب. لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث أبي أسامة عن داود الأودى\" قلت: وداود وهو ابن يزيد بن عبد الرحمن الأودي، ضعفه أحمد وابن معين وأبو داود، وقال النسائي: \"ليس بثقة\" وقال أبو حاتم: \"ليس بقوى، يتكلمون فيه، واستنكر له ابن عدي في \"الكامل\" (٢/ ٩٤٨) هذا الحديث بعينه. والحديث ذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" (٢/ ١٦٣) ولم يعزه لغير الترمذي.\n(^٤٦٥) - \" المسند\" (٢/ ٤٢٦) وأخرجه البخاري، كتاب الجهاد، باب الغُلول (٣٠٧٣)، ومسلم، كتاب الإمارة، باب غلظ تحريم الغلول (٢٤) (١٨٣١) من طريق أبي حيان به. وتابعه عمارة بن القعقاع عن أبي زرعة به أخرجه من هذه الطريق مسلم.","vol":"3","page":242},{"text":"ابن سعيد التيمي، عن أبي زرعة بن عمر بن جرير، عن أبي هريرة قال: قام فينا رسول الله، ﷺ يومًا فذكر الغلول فعظمه وعظم أمره، ثم قال: \"لا أُلْفِين أحدكم يجئ يوم القيامة على رقبته بعير له رُغاء، فيقول: يا رسول الله، أغثني، فأقول: لا أملك لك من الله شيئًا، قد أبلغتك، لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة علي رقبته فرس لها حمحمة فيقول: يا رسول الله، أغثني. فأقول: لا أملك لك من الله شيئًا، فقد أبلغتك. لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على [¬١] رقبته رقاع تخفق [¬٢] فيقول: يا رسول الله، أغثني فأقول: لا أملك لك من الله شيئًا، فقد [¬٣] أبلغتك، [لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته صامت (*)، فيقول: يا رسول الله، أغثني، فأقول: لا أملك لك من الله شيئًا قد أبلغتك\"] [¬٤]. أخرجاه من حديث أبي حيان به.\n(حديث آخر) قال الإِمام أحمد (^٤٦٦): حدثنا يحيى بن سعيد، عن إسماعيل بن أبي خالد، حدثني قيس، عن عدي بن عميرة الكندي، قال: قال رسول الله ﷺ: \"يا أيها الناس، من عمل لنا منكم [¬٥] عملًا فكتمنا منه مخيطًا فما فوقه فهو غل يأتي به يوم القيامة\". قال: فقام [¬٦] رجل من الأنصار أسود - قال مجالد: هو سعد [¬٧] بن عبادة، كأني أنظر إليه - فقال: يا رسول الله، اقبل [¬٨] عني عملك، قال: \"وما ذاك\"؟ قال [¬٩]: سمعتك تقول كذا وكذا، قال: \"وأنا أقول ذاك الآن، من استعملناه على عمل فليجيء بقليله وكثيره، فما أوتي منه أخذه، وما نهي عنه انتهى\". وكذا رواه مسلم، وأبو داود من طرق عن إسماعيل بن أبي خالد به.\n(حديث آخر) قال الإِمام أحمد (^٤٦٧): حدثنا أبو معاوية، [ثنا أبو] [¬١٠] إسحاق\n_________\n(*) -يعني الذهب، والفضة، خلاف الناطق، وهو الحيوان. النهاية (٣/ ٥٢).\n(^٤٦٦) - \" المسند\" (٤/ ١٩٢) وأخرجه أيضًا مسلم، كتاب، الإمارة، باب تحريم هدايا العمال (٣٠) (١٨٣٣) وأبو داود، كتاب الأقضية باب في هدايا العمال، من طرق عن إسماعيل بن أبي خالد به.\n(^٤٦٧) - \" المسند\" (٦/ ٣٩٢) وأخرجه الطبراني في \"المعجم الكبير\" (١ / رقم ٩٦٢) ومن طريقه المزى في \"تهذيب الكمال\" (٢٣/ ٢٣٤، ٢٣٥) أنا الفضل بن عبيد الله بن أبي رافع ثنا محمد بن النضر=\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- في خ: \"يخفق\".\n[¬٣]- في خ: \"قد\".\n[¬٤]- ما بين المعقوفتين سقط من: خ.\n[¬٥]- سقط من: خ.\n[¬٦]- في ت: \"فقال\".\n[¬٧]- في ت: \"سعيد\".\n[¬٨]- في خ: \"قتل\".\n[¬٩]- سقط من: خ.\n[¬١٠]- في ت: \"عن أبي\".","vol":"3","page":243},{"text":"الفزاري، عن ابن جريج، حدثني منبوذ -رجل من آل أبي رافع- عن الفضل بن عبيد [¬١] الله بن أبي رافع، عن أبي رافع قال: كان رسول الله ﷺ إذا صلّى العصر ربما ذهب إلى بني عبد الأشهل فيتحدّث معهم حتى ينحدر للمغرب [¬٢]، قال أبو رافع: فبينا [¬٣] رسول الله ﷺ مسرعًا إلى المغرب إذ مرّ بالبقيع، فقال: \"أفٍّ لك! أفٍّ لك! \". مرتين [فكبر في ذرعي (*)] [¬٤]، وتأخرت، فظننت [¬٥]، أنه يريدني، فقال: \"ما لك\" قال قلت: [أحدثت حدثًا يا رسول الله] [¬٦]؛ قال: \"وما ذاك\"؟ قلت: [أففت بي] [¬٧]، قال: \"لا، ولكن هذا قبر فلان بعثته [¬٨] ساعيًا على آل فلان فغل نمرة، فدرع الآن مثلها من نار\".\n(حديث آخر) قال عبد الله ابن الإمام أحمد (^٤٦٨): حدثنا عبد الله بن سالم الكوفي المفلوج -وكان بمكة- حدثنا عبيدة بن الأَسود، عن القاسم بن الوليد، عن أبي صادق، عن ربيعة بن ناجد [¬٩]، عن عبادة بن الصامت، [قال: كان رسول الله] [¬١٠] ﷺ يأخذ الوبرة من جنب البعير من المغنم، ثم يقول: \"ما لي فيه إلا مثل ما لأحدكم، إياكم والغلول! فإن الغلول خزي على صاحبه يوم القيامة، أدّوا الخيط والمخيط وما فوق\n_________\n= الأزدي، ثنا معاوية بن عمرو به. وأخرجه النسائي، كتاب الإمامة، باب: الإسراع إلى الصلاة من غير سعى (٢/ ١١٥، ١١٦) أخبرنا هارون بن عبد الله، قال: حدثنا معاوية بن عمرو به. وأخرجه أحمد (٦/ ٣٩٢) والنسائي (٢/ ١١٥) وابن خزيمة في صحيحه (٤/ ٢٣٣٧) من طريق ابن وهب عن ابن جريج به ومنبوذ المُزنيُّ، والفضل بن عبيد الله لم يوثقهما غير ابن حبان!!\n(*) أي: عظم وقعه وجلَّ عندي النهاية (٢/ ١٥٢).\n(^٤٦٨) - \" زوائد المسند\" (٥/ ٣٣٠) ومن طريقه وطرق أخرى اختاره الضياء في \"المختارة\" (٨/ ٣٤٣: ٣٤٥) وكذا أخرجه من طريق عبد الله المزى في \"تهذيب الكمال\" (٩/ ١٤٧) وأخرجه ابن ماجه، كتاب الحدود، باب في إقامة الحدود (٢٥٤٠) حدثنا عبد الله بن سالم به من قوله \"أقيموا حدود الله … \" قال البوصيري في \"الزوائد\" (٢/ ٣٠٢)، \"إسناده صحيح على شرط ابن حبان، فقد ذكر جميع رواته في ثقاته، لكنه متساهلٌ في التوثيق إلا أن الإمام أحمد رواه في \"المسند\" (٥/ ٣١٦، ٣٢٦) من طريق المقدام بن معدى كرب: أنا عبادة بن الصامت به، وفي إسناده حسن إن كان محفوظًا\" وقد صححه الألباني بمجموع طرقه هذه مع شاهد عبد الله بن عمرو الآتي فكان في نصيب \"الصحيحة\" (٢ / رقم ٦٧٠) و(٤ / رقم ١٩٤٢، ١٩٧٢) وبالله التوفيق.\n_________\n[¬١]- في خ: \"عبد\".\n[¬٢]- في خ: \"للمغرب\".\n[¬٣]- في خ: \"وبينما\".\n[¬٤]- بياض في خ.\n[¬٥]- سقط من: خ.\n[¬٦]- في خ: \"أحديث حدث برسول الله\".\n[¬٧]- في خ: \"ماجد\".\n[¬٨]- في خ: \"بعثه\".\n[¬٩]- في خ: \"بلى\".\n[¬١٠] في خ: \"أن النبي\".","vol":"3","page":244},{"text":"ذلك، وجاهدوا في سبيل الله القريب والبعيد، في الحفر والحفر، فإن الجهاد باب من أبواب الجنة، إنه لينجي الله به من الهم والغم، وأقيموا حدود الله في القريب والبعيد، ولا تأخذكم في الله لومةُ لائم\". وقد روى ابن ماجة بعضه عن المفلوج به.\n(حديث آخر) عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه؛ قال: قال رسول الله ﷺ: \"ردّوا الخياط والمخيط، فإن الغلول عار ونار وشنار على أهله يوم القيامة\" (^٤٦٩).\n(حديث آخر) قال أبو داود (^٤٧٠): حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا جرير، عن [¬١] مطرّف، عن أبي الجهم، عن أبي مسعود الأنصاري؛ قال: بعثني رسول الله ﷺ ساعيًا ثم قال: \"انطلق أبا مسعود، لا ألفينك يوم القيامة تجيء على ظهرك بعير من إبل الصدقة له رغاء قد غللته\". قال: إذن لا أنطلق. قال: \"إذن لا أكرهك\". تفرد به أبو داود.\n(حديث آخر) قال أبو بكر بن مردويه (^٤٧١): أنبأنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، أنبأنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة، أنبأنا عبد الحميد بن صالح، أنبأنا أحمد بن أبان، عن علقمة بن مرثد، عن ابن [¬٢] بريدة، عن أبيه، عن النبي ﷺ؛ قال: \"إن الحجر ليرمى به في جهنم\n_________\n(^٤٦٩) - جزء من حديث طويل أخرجه ابن إسحاق في \"السيرة\" كما في \"سيرة ابن هشام\" (٤/ ٩٢٦: ٩٢٩) حدثني عمرو بن شعيب به، ومن طريق ابن إسحاق أخرجه أحمد في \"المسند\" (٢/ ١٨٤) والبيهقي في \"دلائل النبوة\" (٥/ ١٩٤: ١٩٦) وإسناده حسن للخلاف المعروف في رواية \"عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده\" وابن إسحاق صرح بالتحديث هنا، ولله الحمد.\n(^٤٧٠) - سنن أبي داود، كتاب الخراج والإمارة والفيء باب في غلول الصدقة (٢٩٤٧) وأخرجه الطبراني في \"المعجم الكبير\" (١٧ / رقم ٦٨٩) ثنا الحسين بن إسحاق التستري، ثنا عثمان بن أبي شيبة به (١٧/ ٦٨٨) من طريق وهب بن بقية أنا خالد عن مطرف به، وذكره الهيثمي في \"المجمع\" (٣/ ٨٩) وقال: \"رواه الطبراني في \"الكبير\" ورجاله رجال الصحيح\" كذا قال، وأبو الجهم واسمه سليمان بن الجهم لم يرو له البخاري ولا مسلم، لكن وثقه ابن حبان والعجلي وابن عمير، وقال ابن المديني: \"لا أعلم روى عنه غير مطرف\" وقد فات الهيثمي أن الحديث في سنن أبي داود وإلا لما أورده في \"المجمع\".\n(^٤٧١) - وعزاه لابن مردويه السيوطي في \"الدر المنثور\" (٢/ ١٦٤) وأخرجه الطبراني في \"المعجم الكبير\" (٢/ ١١٥٨) ثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة به، دون موضع الشاهد هنا، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (٢ / رقم ١٧٧١) والبيهقي في \"شعب الإيمان\" (٤/ ٤٣٣٤) من طريق إسماعيل بن أبان الوراق، حدثني محمد بن أبان به، والبزار (٢/ ٢٢٤٢) زوائد ابن حجر، ثنا عمر بن محمد بن الحسن الأسدي الكوفي، ثنا أبي، ثنا محمد بن أبان به مختصرًا وقال البزار: \"لا نعلم رواه إلا محمد بن أبان، ولا عنه إلا محمد بن الحسن\" كذا ومحمد بن الحسن متابع عليه، ومحمد بن أبان ضعيف، وبه أعله الهيثمي، وابن حجر كما في \"زوائد البزار\".\n_________\n[¬١]- في خ: \"بن\".\n[¬٢]- في خ: \"أبي\".","vol":"3","page":245},{"text":"فيهوي سبعين خريفًا، ما يبلغ قعرها، ويؤتى بالغلول فيقذف معه، ثم يقال لمن غل به [¬١]: ائت به، فذلك قوله: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ \".\n(حديث آخر) قال الإمام أحمد (^٤٧٢): حدثنا هاشم بن القاسم، حدثنا عكرمة بن عمار، حدثنا سماك الحنفي أبو زُمَيل، حدثني عبد الله بن عباس، حدثني عمر بن الخطاب قال: لما كان يوم خيبر أقبل نفر من أصحاب رسول الله ﷺ فقالوا: فلان شهيد وفلان شهيد، حتى أتوا على رجل فقالوا: فلان شهيد فقال رسول الله ﷺ: \"كلا إني رأيته في النار في بردة غلها - أو عباءة\". ثم قال رسول الله ﷺ: \" [يا ابن الخطاب] [¬٢]، اذهب فناد في الناس أنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون\". قال: فخرجت فناديت: إنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون.\nوكذا رواه مسلم والترمذي من حديث عكرمة بن عمار به. وقال الترمذي: حسن صحيح.\n(حديث آخر عن عمر ﵁) قال ابن جرير (^٤٧٣): حدثني أحمد بن عبد الرحمن بن وهب، حدثنا عبد الله بن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، أن موسى بن جبير حدثه، أن عبد الله بن عبد الرحمن بن الحباب الأنصاري حدثه، أن عبد الله بن أنيس حدثه، أنه تذاكر هو وعمر بن الخطاب يومًا الصدقة، فقال: ألم تسمع قول رسول الله ﷺ حين ذكر غلول الصدقة: \"من غل منها بعيرًا أو شاة فإنه يحملها يوم القيامة\"؟ قال عبد الله بن أنيس: بلى.\nورواه ابن ماجة، عن عمرو بن سواد، عن عبد الله بن وهب به. ورواه الأموي عن معاوية عن أبي إسحاق، عن يونس بن عبيد، عن الحسن؛ قال: عقوبة الغال أن يخرج رحله، ويحرق\n_________\n(^٤٧٢) - \" المسند\" (١/ ٣٠ / رقم ٢٠٣ / شاكر) وأخرجه مسلم كتاب الإيمان باب غلظ تحريم الغلول وأنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون (١٨٢) (١١٤) حدثني زهير بن حرب، حدثنا هاشم بن القاسم به، والترمذي، كتاب السير، باب ما جاء في الغُلُول (١٥٧٤) حدثنا الحسن بن علي، حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث حدثنا عكرمة بن عمار به مختصرًا.\n(^٤٧٣) - تفسير ابن جرير (٧/ ٨١٦٢) وأخرجه أحمد وابنه عبد الله في \"المسند\" (٣/ ٤٩٨) ثنا هارون بن معروف، ثنا ابن وهب به، ومن طريقهما المزى في \"تهذيب الكمال\" (١٥/ ٢٠٢، ٢٠٣) ت / عبد الله بن عبد الرحمن بن الحُباب، وأخرجه ابن ماجه، كتاب الزكاة، باب ما جاء في عمال الصدقة (١٨١٠)، والضياء في \"المختارة\" (١ / رقم ١٤٨) من طريقين عن ابن وهب به، وقال البوصيري في \"الزوائد\" (٢/ ٥٦) \"إسناده فيه مقال، موسى بن جبير، قال فيه ابن حبان في \"الثقات\" (٧/ ٤٥١) \"يخطئ ويخالف\" وقال الذهبي في \"الكاشف\" ثقة. ولم أر لغيرهما فيه كلامًا، وعبد الله بن عبد الرحمن ذكره ابن حبان في \"الثقات\" وباقي رجال الإسناد ثقات\".\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.","vol":"3","page":246},{"text":"على مافيه.\nثم روي عن معاوية، عن أبي إسحاق، عن عثمان بن عطاء، عن أبيه، عن علي ﵁ قال: الغال يجمع [¬١] رحله فيحرق، ويجلد دون حدٍّ.\n(حديث آخر) قال ابن جرير (^٤٧٤): حدثنا سعيد بن يحيى الأموي، حدثنا أبي، حدثنا يحيى بن سعيد، عن نافع، عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ بعث سعد بن عبادة مصدقًا، فقال: [\"يا سعد؛ إياك] [¬٢] أن تجيء يوم القيامة ببعير تحمله له رغاء\". قال: لا آخذه ولا أجيء به، فأعفاه. ثم رواه من طريق عبيد الله عن نافع به نحوه (^٤٧٥).\n(حديث آخر) قال الإمام أحمد (^٤٧٦): حدثنا أبو سعيد، حدثنا عبد العزيز بن محمد، حدثنا صالح بن محمد بن زائدة، عن سالم بن عبد الله، أنه كان مع مسلمة بن عبد الملك في أرض الروم، فوجد في متاع رجل غلولًا، قال: فسأل سالم بن عبد الله، فقال: حدثني أبي\n_________\n(^٤٧٤) - تفسير ابن جرير (٧/ ٨١٦٣)، وأخرجه البزار (١/ ٨٩٨ / كشف الأستار) وأبو يعلى في \"معجم الشيوخ\" (١٨٩) وعنه ابن حبان في صحيحه (٨/ ٣٢٧٠) والحاكم في \"المستدرك\" (١/ ٣٩٩) شاهدًا وابن عساكر في \"تاريخ دمشق\" (٧/ ١٢٢ / مخطوط) من طريق سعيد بن يحيى الأموي به وقال البزار: \" لا نعلم رواه هكذا إلا يحيى الأموي\" وهو صدوق له غرائب، كما في \"التقريب\" وقال الحاكم: \"على شرط الشيخين\" ووافقه الذهبي، وذكره الهيثمي في \"المجمع\" (٣/ ٨٩) وقال: \"رواه البزار ورجاله رجال الصحيح\" وانظر ما بعده.\n(^٤٧٥) - تفسير ابن جرير (٧/ ٨١٦٤) ثنا أحمد بن المغيرة الحمصي أبو حميد، قال: حدثنا الربيع بن روح، قال: حدثنا ابن عياش، قال: حدثني عبيد الله بن عمر بن حفص به، ورجاله ثقات غير شيخ ابن جرير فلم أهتد لترجمته، وأخرجه أحمد (٥/ ٢٨٥)، والطبراني في \"الكبير\" (٦ / رقم ٥٣٦٣) والبزار في \"مسنده\" (٩/ ٣٧٣٧) من طريق سليمان بن المغيرة قال: نا حميد بن هلال عن سعيد بن المسيب، عن سعد بن عبادة فذكر الحديث بنحوه، وقال البزار \"هذا الحديث لا نعلمه يروى عن سعد بن عبادة إلا من هذا الوجه بهذا اللفظ وإسناده حسن\" كذا قال: وذكره الهيثمي في \"المجمع\" (٣/ ٨٨): \"رواه أحمد والبزار والطبراني في \"الكبير\" ورجاله ثقات إلا أن سعيد بن المسيب لم ير سعد بن عبادة\" لكن هذا الإسناد المنقطع مع الطريقين السابقين يتقوى بهم الحديث ولله الحمد.\n(^٤٧٦) - \" المسند\" (١/ ٢٢ / رقم ١٤٤ / شاكر) ومن طريق أحمد ابن الجوزي في \"العلل المتناهية\" (٢ / رقم ٩٦٠) وأخرجه سعيد بن منصور في \"سننه\" (٢/ ٢٧٢٩) وعنه الدارمي (٢/ ٢٤٩٣) وأبو داود كتاب الجهاد، باب في عقوبة الغال (١٧١٣)، والترمذي، كتاب الحدود، باب: ما جاء في الغال ما يُصْنَعُ به (١٤٦١) وغيرهم من طرق عن عبد العزيز بن محمد به، وقال الترمذي: \"هذا الحديث غريب =\n_________\n[¬١]- في خ: \"يخرج\".\n[¬٢] ما بين المعكوفتين في خ: \"إياك يا سعد\".","vol":"3","page":247},{"text":"عبد الله، عن عمر بن الخطاب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \"من وجدتم في متاعه غلولًا فأحرقوه\". قال: وأحسبه قال: \"واضربوه\" قال: فأخرج متاعه في السوق، فوجد فيه مصحفًا فسأل سالمًا؟ فقال: بعه وتصدق بثمنه.\nوكذا [¬١] رواه علي بن المديني وأبو داود والترمذي من حديث عبد العزيز بن محمد الدراوردي، زاد أبو داود وأبو إسحاق الفزاري كلاهما عن أبي واقد الليثي الصغير صالح بن محمد بن زائدة به.\nوقال علي بن المديني ﵀ والبخاري وغيرهما: هذا حديث منكر من رواية أبي واقد هذا. وقال الدارقطني: الصحيح أنه من فتوى سالم فقط، وقد ذهب إلى القول بمقتضى هذا الحديث الإِمام أحمد بن حنبل ﵀ ومن تابعه من أصحابه-[وقد رواه الأموي- عن معاوية، عن أبي إسحاق، عن يونس بن عبيد، عن الحسن قال: عقوبة الغال أن يخرج رحله فيحرق على ما فيه: ثم روي عن معاوية عن أبي إسحاق، عن عثمان بن عطاء، عن أبيه، عن علي قال: الغال يجمع رحله فيحرق، ويجلد دون حد الملوك ويحرم نصيبه] [¬٢] (^٤٧٧) - وخالفه أبو حنيفة ومالك والشافعي والجمهور فقالوا: لا يحرق متاع الغال، بل يعزر تعزير مثله. [وقد قال] [¬٣] البخاري: وقد امتنع رسول الله ﷺ من الصلاة على الغال، ولم يحرق متاعه،\n_________\n= لا نعرفه إلا من هذا الوجه، والعمل على هذا عند بعض أهل العلم، وهو قول الأوزاعي وأحمد وإسحاق، قال: وسألت محمدًا -يعني البخاري- عن هذا الحديث، فقال: إنما روى هذا صالح بن محمد بن زائدة وهو أبو واقد الليثي، وهو منكر الحديث، قال محمد: وقد رُوِيَ في غير حديث عن النبي ﷺ في الغالِّ فلم يأمر فيه بحرق متاعه\" واستنكر ابن عدي في \"الكامل\" (١/ ١٣٤٤، ١٣٧٧) هذا الحديث لصالح بن محمد أبي واقد الليثي هذا وكذا ضعفه به الدارقطني، فقال في \"العلل\" (٢ / س ١٠٣) \" … وأبو واقد هذا ضعيف، والمحفوظ أن سالمًا أمر بهذا ولم يرفعه إلى النبي ﷺ ولا ذكره عن أبيه ولا عن عمر\" ومع هذا فقد صحح هذا المرفوع الحاكم (٢/ ١٢٧، ١٢٨) ووافقه الذهبي. وقد صحح هذا الموقوف أيضًا أبو داود فقال عقب المرفوع هذا (٢٧١٤) حدثنا أبو صالح محبوب بن موسى الأنطاكي، قال: أخبرنا أبو إسحاق عن صالح بن محمد، قال: غزونا مع الوليد بن هشام ومعنا سالم بن عبد الله بن عمر وعمر بن عبد العزيز فغَلَّ رجل متاعًا، فأمر الوليد بمتاعه فأحرق، وطِيفَ به، ولم يُعْطِهِ سهمه، قال أبو داود: وهذا أصح الحديثين، رواه غير واحد أن الوليد بن هشام حرق رحل زياد بن سعد، وكان قد غل وضربه\".\n(^٤٧٧) - أخرجه سعيد بن منصور (٢/ ٢٧٣٠) نا خالد بن عبد الله، وابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٦/ ٥٤٠)، (٧/ ٧١٣) ثنا عبد الأعلى، كلاهما (خالد وعبد الأعلى) عن يونس عن الحسن في الغلول =\n_________\n[¬١]- في خ: \"وقد\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ت.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في خ: \"وقال\".","vol":"3","page":248},{"text":"والله أعلم.\nوقد قال الإمام أحمد (^٤٧٨): حدثنا أسود بن عامر، أنبأنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن جبير بن مالك؛ قال: أمر بالمصاحف أن تغير، قال: فقال ابن مسعود: من استطاع منكم أن يغل مصحفه [¬١] فليغله؛ فإنه من غل شيئًا جاء به يوم القيامة، قال [¬٢]: ثم قال: قرأت من فم رسول الله ﷺ سبعين سورة، أفأترك ما أخذت من في رسول الله ﷺ.\nوروى وكيع (^٤٧٩) [في تفسيره] [¬٣] عن شريك، عن إبراهيم بن مهاجر، عن إبراهيم؛ قال: لا أمر بتحريق [¬٤] المصاحف، قال عبد الله [بن مسعود ﵁] [¬٥]-: يا أيها الناس؛ غلوا المصاحف؛ فإنه من غل يأت بما غل يوم القيامة، ونعم الغل المصحف [¬٦]، يأتي به أحدكم يوم القيامة.\nوقال أبو [¬٧] داود (^٤٨٠)، عن سمرة بن جندب؛ قال: كان رسول الله إذا غنم غنيمة أمر\n_________\n= إذا وجد عند رجل: يحرق رحله.\n(^٤٧٨) - \" المسند\" (٤/ ٤١١ / رقم ٣٩٢٩) وصحح إسناده الشيخ أحمد شاكر، وأخرجه ابن أبي داود في \"المصاحف\" (ص ١٥) من طريق ابن أبي رجاء، قال: أخبرنا إسرائيل به، وتصحف فيه \"خُمير\" إلى \"حميد\" وأخرجه ابن أبي داود أيضًا من طريق أبي داود الطيالسي ثنا عمرو بن ثابت عن أبي إسحاق به.\n(^٤٧٩) - ومن طريق وكيع أخرجه ابن أبي داود في \"المصاحف\" (ص ١٥)، قال الشيخ أبو الأشبال أحمد شاكر في حاشية \"المسند\" (٦/ ١٥ / ح ٣٩٢٩) \"كان هذا من ابن مسعود حين أمر عثمان ﵁ بجمع الناس على المصحف الإمام، خشية اختلافهم، فغضب ابن مسعود. وهذا رأيه، ولكنه ﵀ أخطأ خطأ شديدًا في تأويل الآية على ما أول، فإن الغلول هو الخيانة، والآية واضحة المعنى في الوعيد لمن خان أو اختلس من المغانم\".\n(^٤٨٠) - كذا جعله المصنف من مسند \"سمرة بن جندب\" وقد وقع في مثل ذلك أيضًا أبو عبد الله القرطبي في تفسيره (٤/ ٢٥٧) والصواب أنه من مسند \"عبد الله بن عمرو بن العاص\" كما في \"تحفة الأشراف\" للحافظ المزي (٦/ ٨٨٣٨) وكذا أسنده المصنف نفسه في \"جامع المسانيد والسنن\" (٢٦/ ٢٤٧) إلى \"عبد الله بن عمرو\" وهو على الصواب في جميع مصادر التخريج الآتية.\nفقد أخرجه أبو داود، كتاب الجهاد، باب في الغلول إذا كان يسيرًا يتركه الإمام ولا يحرق رحله (٢٧١٢) ومن طريقه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٦/ ٢٩٣) وابن حبان في صحيحه (١١/ ٤٨٠٩ و٥٨٥٨) والحاكم في \"المستدرك\" (٢/ ١٢٧) وعنه البيهقي أيضًا (٦/ ٣٢٤)، (٩/ ١٠٢) كلهم من =\n_________\n[¬١]- في ت: \"مصحفًا\".\n[¬٢]- سقط من: ت.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٤]- في خ: \"بتمزيق\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٦]- في ت: \"المصاحف\".\n[¬٧]- سقط من: ت.","vol":"3","page":249},{"text":"بلالًا فينادي في الناس، فيجيئون بغنائمهم فيخمسه ويقسمه، فجاء رجل يومًا بعد النداء بزمام من شعر، فقال: يا رسول الله، هذا كان مما أصبناه من الغنيمة، فقال: \"أسمعت بلالًا ينادي ثلاثًا؟ \". قال: نعم. قال: \"فما منعك أن تجيء به؟ \" فاعتذر إليه، فقال: \"كلا، أنت تجيء به يوم القيامة فلن أقبله منك\".\nوقوله تعالى: ﴿أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ أي لا يستوي من اتبع رضوان الله فيما شرعه، فاستحق رضوان الله وجزيل ثوابه، وأجير من وبيل عقابه، ومن استحق غضب الله، وألزم به، فلا محيد له عنه، ومأواه يوم القيامة جهنم وبئس المصير.\n[وهذه الآية لها نظائر كثيرة في القرآن] [¬١]، كقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى﴾ وقوله [¬٢]: ﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. الآية.\nثم قال تعالى ﴿هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ﴾ قال [¬٣] الحسن البصري ومحمد بن إسحاق: يعني أهل الخير وأهل الشر درجات، وقال أبو عبيدة والكسائي: منازل يعني متفاوتون في منازلهم، ودرجاتهم في الجنة ودركاتهم في النار، كقوله [¬٤] تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾. الآية، ولهذا قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ أي: وسيوفيهم إياها، لا يظلمهم خيرًا ولا يزيدهم شرًّا، بل يجازي [كل عامل] [¬٥] بعمله.\nوقوله تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ أي: من جنسهم، ليتمكنوا من مخاطبته وسؤاله ومجالسته والانتفاع به، كما قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ [¬٦] لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيهَا﴾ أي: من جنسكم، وقال تعالى: ﴿قُلْ\n_________\n= طريق أبي إسحاق الفزاري عن عبد الله بن شوذب، حدثني عامر بن عبد الواحد عن عبد الله بن بريدة عن عبد الله بن عمرو. فذكر الحديث وأخرجه أحمد (٢/ ٢١٣ / ٦٩٩٦) ثنا عتاب بن زياد حدثنا عبد الله -يعني ابن المبارك- أخبرنا عبد الله بن شوذب به، وصحح إسناده الحاكم، ووافقه الذهبي، وإسناده حسن لكلام في عامر بن عبد الواحد، والحديث قصر السيوطي في عزوه جدًّا، حيث عزاه إلى الحاكم فحسب، وتحرف عنده\" عبد الله بن عمرو\" إلى \"عبد الله بن عمر\" \"الدر المنثور\" (٢/ ١٦٢).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في خ: \"فهذه لها نظائر، في القرآن كثيرة\".\n[¬٢]- في خ: \"وكقوله\".\n[¬٣]- في خ: \"وقال\".\n[¬٤]- في خ: \"كما قال\".\n[¬٥]- في خ: \"كلا\".\n[¬٦]- في خ: \"جعل\".","vol":"3","page":250},{"text":"إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾. الآية. وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إلا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ] [¬١]﴾، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ [¬٢] قَبْلِكَ إلا رِجَالًا نُوحِي إِلَيهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ وقال تعالى: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ فهذا أبلغ في الامتنان أن يكون الرسول إليهم منهم بحيث يمكنهم مخاطبتُه ومراجعتُه في فهم الكلام عنه [¬٣]، ولهذا قال تعالى: ﴿يَتْلُو عَلَيهِمْ آيَاتِهِ﴾ يعني القرآن ﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾ أي: يأمرهم بالمعروف، وينهاهم عن المنكر، لتزكو [¬٤] نفوسهم، وتطهر من الدنس والخبث الذي كانوا متلبسين به في حال شركهم وجاهليتهم ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ يعني القرآن والسنة، ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ﴾ أي: من قبل هذا الرسول ﴿لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ أي: لفي غي وجهل ظاهر جلي بين لكل أحد.\n﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ (١٦٥) وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ (١٦٦) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَو ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ (١٦٧) الَّذِينَ قَالُوا لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٦٨)﴾.\nيقول تعالى: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ﴾ [وهي ما أصيب منهم يوم أحد من قتلى السبعين منهم] [¬٥] ﴿قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيهَا﴾ يعني يوم بدر؛ فإنهم قتلوا من المشركين سبعين قتيلًا، وأسروا سبعين أسيرًا، ﴿قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا﴾ أي: من أين جرى علينا هذا؟ ﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾.\nقال ابن أبي حاتم (^٤٨١): حدثنا [¬٦] أبي، أنبأنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا قراد أبو نوح،\n_________\n(^٤٨١) - وأخرجه أحمد في \"المسند\" (١/ ٣٠ - ٣١) (رقم ٢٠٨) حدثنا أبو نوح قُراد به ويأتي =\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- سقط من: خ.\n[¬٤]- في خ: \"ليزكوا\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٦]- في خ: \"ذكره\".","vol":"3","page":251},{"text":"حدثنا عكرمة بن عمار، حدثنا سماك الحنفي أبو زُمَيل، حدثني ابن عباس، حدثني عمر بن الخطاب؛ قال: لما كان يوم أحد من العام المقبل عوقبوا بما صنعوا يوم بدر من أخذهم الفداء، فقتل منهم سبعون، وفر أصحاب رسول الله ﷺ عنه، وكسرت رباعيته، وهشمت البيضة على رأسه، وسال الدم على وجهه، فأنزل الله ﷿: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ بأخذكم الفداء.\nوهكذا رواه الإِمام أحمد، عن عبد الرحمن بن غزوان -وهو قراد أبو نوح- بإسناد [¬١]، ولكن بأطول منه، وهكذا [¬٢] قال الحسن البصري.\nوقال ابن جرير (^٤٨٢): حدثنا القاسم، حدثنا الحسين، حدثنا إسماعيل بن علية، عن ابن [¬٣] عون عن محمد عن عبيدة (ح) قال سنيد [¬٤]-وهو حسين-: وحدثني حجاج، عن جريج، عن محمد، عن عبيدة، عن علي ﵁ قال: جاء جبريل ﵇ إلي النبي ﷺ فقال: يا محمد، إن الله قد كره ما صنع قومك في أخذ [¬٥] الأسارى، وقد أمرك أن تخيرهم بين أمرين: إما أن يقدموا فتضرب أعناقهم، وبين أن يأخذوا الفداء على أن يقتل منهم عدتهم؛ قال: فدعا رسول الله ﷺ الناس، فذكر لهم ذلك، فقالوا: يا رسول الله، عشائرنا وإخواننا، ألا نأخذ فداءهم فنتقوى به على قتال عدونا، ويستشهد منا عدتهم، فليس في ذلك ما نكره؟ قال: فقتل منهم يوم أحد سبعون رجلًا، عدة أسارى أهل [¬٦] بدر.\n_________\n= تخريجه بأبسط مما هنا في سورة الأنفال / آية ٩.\n(^٤٨٢) - تفسير ابن جرير (٧/ ٨١٩١) وأخرجه الترمذي، كتاب السير، باب ما جاء في كل الأسارى والفداء (١٥٦٧) والنسائي في \"الكبرى\" (٥/ ٨٦٦٢)، وابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٨/ ٤٧٥)، من طريق أبي داود الحفري به وقال الترمذي: \"حديث حسن غريب من حديث الثوري، لا نعرفه إلا من حديث ابن أبي زائدة\" وهذا لا يضره، فإن يحيى بن زكريا بن أبي زائدة ثقة روى له الجماعة ثم إنه لم ينفرد به، فقد تابعه أزهر بن سعد السمان -وهو ثقة- عن ابن عون عن محمد به وزاد في آخره: \"فكان آخر السبعين ثابت بن قيس قتل يوم اليمامة، أخرجه البيهقي (٩/ ٦٨)، والحاكم (٣/ ١٤٠) وقال: \"صحيح على شرط الشيخين\" ووافقه الذهبي وقد صحح إسناد الحديث الألباني في \"الإرواء\" (٤٩١٥) فراجعه، وأخرج المرسل الذي أشار إليه الترمذي، ابن أبي شيبة ثنا عبد الرحيم بن سليمان عن أشعث عن ابن سيرين عن عبيدة السلماني قال: أسر يوم بدر من المشركين- فذكر الحديث ومن طريق أشعث بن سوار أخرجه ابن جرير في تفسيره (٧/ ٨١٨٩) وأخرجه أيضًا (٧/ ٨١٩٠) من طريق إسماعيل بن علية ثنا ابن عون عن ابن سيرين به مرسلًا.\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- في خ: \"وكذا\".\n[¬٣]- سقط من: خ.\n[¬٤]- في خ: \"سند\".\n[¬٥]- في خ: \"أخذهم\".\n[¬٦]- في خ: \"يوم\".","vol":"3","page":252},{"text":"وهكذا رواه الترمذي والنسائي من حديث أبي داود الحفري، عن يحيى بن زكريا بن [¬١] أبي زائدة، عن سفيان بن سعيد، عن هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين به [¬٢]. ثم قال الترمذي: حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث ابن أبي زائدة، وروى أبو أسامة عن هشام [¬٣] نحوه. وروي عن ابن سيرين، عن عبيدة، عن النبي ﷺ مرسلًا.\nوقال محمد بن إسحاق وابن جريج، والربيع بن أنس والسدي: ﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾، أي: بسبب عصيانكم لرسول [¬٤] الله ﷺ حين أمركم أن لا تبرحوا من مكانكم؛ فعصيتم، يعني بذلك الرماة ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ﴾ أي: يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، لا معقب لحكمه.\nثم قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾ أي: فراركم بين يدي [¬٥] عدوكم، وقتلهم لجماعة منكم، وجراحتهم لآخرين؛ كان بقضاء الله وقدره، وله الحكمة في ذلك [¬٦]: ﴿وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: الذين صبروا وثبتوا ولم يتزلزلوا ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَو ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ﴾ يعني بذلك [¬٧] أصحاب عبد الله بن أبي ابن سلول؛ الذين رجعوا معه في أثناء الطريق، فاتبعهم رجال من المؤمنين يحرضونهم على الإياب [¬٨] والقتال والساعدة؛ ولهذا قال: ﴿أَو ادْفَعُوا﴾ قال ابن عباس وعكرمة، وسعيد بن جبير والضحاك، وأبو صالح: الحسن والسدي: يعني كثّروا سواد المسلمين، وقال الحسن بن صالح: ادفعوا بالدعاء؛ وقال غيره: رابطوا؛ فتعللوا [¬٩]؛ قائلين: ﴿لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ﴾ قال مجاهد: يعنون لو نعلم أنكم تلقون حربًا لجئناكم؛ ولكن لا تلقون قتالًا.\nقال محمد بن إسحاق (^٤٨٣): حدثني محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، و[¬١٠] محمد بن\n_________\n(^٤٨٣) - أخرجه ابن هشام في \"السيرة\" (٣/ ٥٨٤، ٥٨٥) وابن جرير في تفسيره (٧/ ٨١٩٣) وابن المنذر كما في \"الدر المنثور\" (٢/ ١٦٧) عن ابن إسحاق به.\n_________\n[¬١]- في ت: \"عن\".\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- في خ: \"هاشم\".\n[¬٤]- في خ: \"رسول\".\n[¬٥]- سقط من: خ.\n[¬٦]- سقط من: ت.\n[¬٧] سقط من: خ.\n[¬٨]- في خ: \"الإتيان\".\n[¬٩] في خ: \"فتعالوا\".\n[¬١٠]- في خ: \"وعن\".","vol":"3","page":253},{"text":"يحيى بن حبان، وعاصم بن عمر بن قتادة، والحصين بن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ، وغيرهم من علمائنا، كلهم قد حدّث، قال: خرج علينا رسول الله ﷺ، يعني: حين خرج إلى أحد في ألف رجل من أصحابه، حتى إذا كان بالشوط بين أحد والمدينة، انحاز عنه عبد الله بن أبي بن سلول بثلث الناس، وقال: أطاعهم فخرج [¬١]، وعصاني، ووالله ما ندري علامَ نقتل أنفسنا هاهنا أيها الناس؟ فرجع [¬٢] بمن اتبعه من الناس من قومه من أهل النفاق، وأهل الريب، واتبعهم عبد الله بن عمرو بن حرام [¬٣] أخو بني سلمة يقول: يا قوم، أذكركم الله ألا تخذلوا نبيكم وقومكم عندما حضر من عدوكم، قالوا: لو نعلم أنكم تقاتلون ما أسلمناكم، ولكنا [¬٤] لا نرى أن يكون قتال، فلما استعصوا عليه، وأبوا إلا الانصراف عنهم، قال: أبعدكم الله أعداء الله فسيغني [¬٥] الله عنكم، ومضى رسول الله، ﷺ.\nقال الله ﷿: ﴿هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ﴾ استدلوا به على أن الشخص قد تتقلب [¬٦] به الأحوال، فيكون في حال أقرب إلى الكفرَ، وفي حال أقرب إلى الإيمان لقوله: ﴿هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ﴾ ثم قال تعالى: ﴿يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ يعني أنهم يقولون القول، ولا يعتقدون صحته، ومنه قولهم هذا: ﴿لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ﴾ فإنهم يتحققون أن جندًا من المشركين قد جاءوا من بلاد بعيدة؛ يتحرّقون على المسلمين بسبب ما أصيب من أشرافهم يوم بدر؛ وهم أضعاف المسلمين أنه كائن بينهم قتال لا محالة؛ ولهذا قال الله [¬٧] تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ﴾ [ثم قال تعالى] [¬٨]: ﴿الَّذِينَ قَالُوا لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾ أي: لو سمعوا من مشورتنا عليهم في القعود وعدم الخروج، ما قتلوا مع من قتل، قال اللَّه تعالى: ﴿قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ أي: إن كان [القعود يسلم] [¬٩] به الشخص من القتل والموت، فينبغي أنكم لا تموتون: والموت لا بد آت إليكم، ولو كنتم في بروج مشيّدة، فادفعوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين.\nقال مجاهد عن جابر بن عبد الله: نزلت هذه الآية في عبد الله بن أبي بن سلول\n_________\n[¬١]- في خ: \"وخرج\".\n[¬٢]- في خ \"فرح\".\n[¬٣]- في خ: \"حازم\".\n[¬٤]- سقط من: خ.\n[¬٥]- في ت: \"ولكن\".\n[¬٦]- في ت: \"فيستغني\".\n[¬٧]- في خ: \"ينقلب\".\n[¬٨]- في خ: \"وقوله\".\n[¬٩]- سقط من: خ.","vol":"3","page":254},{"text":"وأصحابه [¬١] (^٤٨٤).\n﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٧٠) يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ (١٧١) الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٧٢) الَّذِينَ قَال لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (١٧٤) إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧٥)﴾\nيخبر تعالى عن الشهداء بأنهم وإن قتلوا في هذه الدار؛ فإن أرواحهم حية مرزوقة في دار القرار.\nقال محمد [¬٢] بن جرير (^٤٨٥): حدثنا محمد بن مرزوق، حدثنا عمر بن يونس، عن عكرمة، حدثنا إسحاق [¬٣] بن أبي طلحة، حدثني أنس بن مالك في أصحاب رسول الله ﷺ الذين أرسلهم نبي الله إلى أهل بئر معونة، قال: لا أدري أربعين أو سبعين؛ وعلى ذلك الماء عامر بن الطفيل الجعفري، فخرج أولئك النفر من أصحاب رسول الله ﷺ، حتى أتوا غارًا مشرفًا على\n_________\n(^٤٨٤) - أخرجه ابن جرير (٧/ ٨٢٠٢) من طريق ابن جريج عن مجاهد به، قال أبو الحجاج يوسف المزى: \"أحاديث مجاهد عن جابر ليس لها ضوء، إنما هي من حديث ابن إسحاق عن أبان بن صالح عن مجاهد، ومن حديث ليث بن أبي سليم عنه\" \"جامع التحصيل\" للعلائى (ص ٢٧٤).\n(^٤٨٥) - تفسير ابن جرير (٧/ ٨٢٢٤) وحديث بئر معونة، أخرجه أحمد (٣/ ٢١٠) والبخاري، كتاب الجهاد باب: من يُنْكب في سبيل الله (٢٨٠١) من طريق همام بن يحيى، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة به، وأخرجه مسلم كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب استحباب القنوت (٢٩٧) (٦٧٧) من طريق مالك عن إسحاق به وانظر ما يأتي هنا برقم (٥٤٨).\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- في ت: ابن إسحاق.","vol":"3","page":255},{"text":"الماء فقعدوا فيه؛ ثم قال بعضهم لبعض: أيكم يبلغ رسالة رسول الله ﷺ[أهل هذا الماء؟ فقال -أراه ابن ملحان الأنصاري-: أنا أبلغ رسالة رسول الله ﷺ] [¬١] فخرج حتى أتى [حيًّا منهم] [¬٢]، فاختبأ أمام البيوت، ثم قال: يا أهل بئر معونة، إني رسولُ رسولِ الله إليكم؛ إني أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله، فآمنوا بالله ورسوله، فخرج إليه رجل من كسر (*) البيت برمح؛ فضربه [¬٣] في جنبه حتى خرج من الشق الآخر، فقال: الله أكبر، فزت وربِّ الكعبة، فاتبعوا أثره؛ حتى أتوا أصحابه في الغار، فقتلهم أجمعين عامر بن الطفيل. وقال إسحاق [¬٤]: حدثني أنس بن مالك: أن الله أنزل فيهم قرآنا (بلغوا عنا قومنا أنا قد لقينا ربنا، فرضي عنا ورضينا عنه) ثم نسخت فرفعت بعد ما قرأناه زمنًا، وأنزل الله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾. [فقال: أما إِنا قد سألنا عن ذلك فقال: \"أرواحهم في جوف طير خضر لها قناديل تحت العرش\"] [¬٥].\nوقد قال الإمام أبو الحسين مسلم بن الحجاح القشيري في صحيحه (^٤٨٦): حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير، حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن عبد الله بن مرة، عن مسروق قال: سألنا [¬٦] عبد الله عن هذه الآية: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ فقال: أما إنا قد سألنا عن ذلك رسول الله [ﷺ] فقال: \"أرواحهم في جوف طير خضر، لها قناديل [معلقة بالعرش] [¬٧]، تسرح من الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى تلك القناديل، فاطلع إليهم ربهم اطّلاعة، ثم قال [¬٨]: هل تشتهون شيئًا؟ فقالوا: أي شيء نشتهي؛ ونحن نسرح من الجنة حيث شئنا؟ ففعل ذلك بهم ثلاث مرات، فلما رأوا أنهم لن يتركوا من أن يسألوا، قالوا: يارب، نريد أن ترد أرواحنا في أجسادنا حتى نقتل في سبيلك مرة أخرى، فلما رأى أن ليس لهم حاجة تُركوا\". وقد روي نحوه [من حديث] [¬٩]\n_________\n(*) -أي جانبه، ولكل بيت كسران، عن يمين وشمال. النهاية (٤/ ١٧٢).\n(^٤٨٦) - صحيح مسلم، كتاب الإمارة، باب بيان أن أرواح الشهداء في الجنة (١٢١) ١٨٨٧١)، وأخرجه الترمذي كتاب تفسير القرآن، باب \"ومن سورة آل عمران\" (٣٠١١)، وابن ماجه كتاب الجهاد، باب فضل الشهادة في سبيل الله (٢٨٠١) من طريق سليمان الأعمش به.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٢]- في خ: \"منهم\".\n[¬٣]- في خ: \"فضرب به\".\n[¬٤]- في خ: \"ابن إسحاق\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من ت.\n[¬٦]- في ت: إنا سألنا.\n[¬٧]- في خ: \"تحت العرش\".\n[¬٨]- في خ: \"فقال\".\n[¬٩]- في خ: \"عن\".","vol":"3","page":256},{"text":"أنس (^٤٨٧) وأبي سعيد.\n(حديث آخر) قال الإمام أحمد (^٤٨٨): حدثنا عبد الصمد، حدثنا حماد، حدثنا ثابت عن أنس، أن رسول الله ﷺ قال: \"ما من نفس تموت لها عند الله خير، يسرها أن ترجع إلى الدنيا إلا الشهيد، فإنه يسره أن يرجع إلي الدنيا فيقتل مرة أخرى، لما يرى من فضل الشهادة\". تفرد [¬١] به مسلم من طريق حماد.\n(حديث آخر) قال الإمام أحمد (^٤٨٩): حدثنا علي بن عبد الله المديني، حدثنا سفيان عن [¬٢] محمد بن علي بن ربيعة السلمي عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر قال: قال لي رسول الله، ﷺ: \" [أما علمت] [¬٣] أن الله أحيا أباك فقال له: تمن عليَّ [¬٤]، فقال: أردّ إلى الدنيا: فأقتل فيك [¬٥] مرة أخرى، قال [¬٦]: إني قضيت الحكم أنهم إليها لا يرجعون\". تفرد [¬٧] به أحمد من هذا الوجه. وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما، أن أبا جابر. وهو عبد الله\n_________\n(^٤٨٧) - حديث أنس هو الآتي.\n(^٤٨٨) -\" المسند\" (٣/ ١٢٦) وأخرجه أيضًا (٣/ ١٥٣، ٢٨٤) من طريقين عن حماد بن سلمة به وأخرجه البخاري كتاب الجهاد، باب الحور العين وصفتهن (٢٧٩٥) وباب: تمني المجاهد أن يرجع إلى الدنيا (٢٨١٧)، ومسلم، كتاب الإمارة، باب فضل الشهادة في سبيل الله تعالى (١٠٨، ١٠٩) (١٨٧٧)، والترمذي، كتاب فضائل الجهاد، باب ما جاء في ثواب الشهداء (١٦٤٣) باب في ثواب الشهيد (١٦٦١، ١٦٦٢) من طريق حميد وقتادة عن أنس به نحوه.\n(^٤٨٩) - \" المسند\" (٣/ ٣٦١). وأخرجه الحميدي (١٢٦٥) (٢/ ٥٣٢)، وعبد بن حميد (١٠٣٩)، وأبو يعلى (٢٠٠٢) (٤/ ٦). من طريق سفيان بن عيينة، به.\nوهذا إسناد حسن من أجل عبد الله بن محمد بن عقيل، ومحمد بن علي بن ربيعة هو ابن عم منصور بن المعتمر، وثقه ابن معين، وقال أبو حاتم: شيعي صدوق \"لا بأس به، صالح الحديث \"تعجيل المنفعة\" (٩٦٢).\nوأخرجه الحاكم (٢/ ١١٩ - ١٢٠) من طريق أبي إسحاق الفزاري عن أبي حماد الحنفي عن ابن عقيل، قال: سمعت جابر بن عبد الله، فذكره في جزء من حديث طويل. وقال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، فقال الذهبي متعقبًا: أبو حماد هو الفضل بن صدقة، قال النسائي: متروك. وأخرجه الطبري في تفسيره (٤/ ١٧٢) ثنا ابن حميد ثنا سلمة، قال: قال محمد بن إسحاق وحدثني بعض أصحابي عن عبد الله بن محمد بن عقيل، به.\n_________\n[¬١]- في خ: \"انفرد\".\n[¬٢]- في خ: \"ثنا\".\n[¬٣]- في خ: أعلمت\".\n[¬٤]- سقط من: خ.\n[¬٥]- سقط من: خ.\n[¬٦]- في خ: \"فقال\".\n[¬٧]- في خ: \"انفرد\".","vol":"3","page":257},{"text":"ابن عمرو بن حرام الأنصاري ﵁ قتل يوم أحد شهيًدا.\nقال البخاري (^٤٩٠): قال أبو الوليد، عن شعبة، عن ابن المنكدر، [قال [¬١]] سمعت جابرًا قال: لما قتل، أبي، جعلت أبكي وأكشف الثوب عن وجهه، فجعل أصحاب رسول الله، ﷺ، ينهونني، والنبي ﷺ لم ينه، وقال النبي ﷺ: \"لا تبكه [¬٢]-أو ما تبكيه- ما [¬٣] زالت الملائكة تظله بأجنحتها حتى رفع\". وقد أسنده هو، ومسلم، والنسائي من طريق آخر، عن شعبة، عن محمد بن المنكدر، عن جابر قال: لما قتل أبي يوم أحد، جعلت أكشف الثوب عن وجهه وأبكي … وذكر تمامه بنحوه.\n(حديث آخر) قال الإِمام أحمد (^٤٩١): حدثنا يعقوب، حدثنا أبي، عن ابن إسحاق،\n_________\n= وهذا إسناد ضعيف لجهالة أصحاب ابن إسحاق. وأخرجه الترمذي في كتاب تفسير القرآن، باب: ومن سورة آل عمران (٣٠١٣). وابن ماجه في المقدمة، باب: فيما أنكرت الجهمية (١٩٠)، وكتاب الجهاد، باب: فضل الشهادة في سبيل الله (٢٨٠٠)، وابن حبان في صحيحه (٧٠٢٢) (١٥/ ٤٩٠)، والحاكم (٣/ ٢٠٣، ٢٠٤)، وابن أبي عاصم في السنة (٦٠٢) (١/ ٢٦٧). والبيهقي في \"دلائل النبوة\" (٣/ ٢٩٨)، والواحدي في أسباب النزول (ص ٨٦) من طرق ثلاثة عن موسى بن إبراهيم بن كثير الأنصاري؛ قال: سمعت طلحة بن خراش قال: سمعت جابر بن عبد الله- فذكر الحديث بأتم مما هنا.\nوقال الترمذي: حسن غريب من هذا الوجه. وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.\nوأخرجه ابن أبي عاصم (٦٠٣) (٢/ ٢٦٨) من طريق صدقة أبي معاوية عن عياض بن عبد الله عن جابر، به مختصرًا. وصدقة هو ابن عبد الله السمين أبو معاوية ضعيف لكن يشهد له ما تقدم. وعزاه الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (٩/ ٣٢٠) إلى الطبراني وقال: وفيه حماد بن عمرو وهو كذاب.\nوزاد السيوطي نسبته في الدر المنثور (٢/ ١٦٨) إلى ابن خزيمة وابن مردويه، وفي الباب عن عائشة عند الحاكم (٣/ ٢٠٣)، والبيهقي في دلائل النبوة (٣/ ٢٥٨)، والبزار (٢٧٠٦).\n(^٤٩٠) - صحيح البخاري، كتاب المغازي، باب من قتل من المسلمين يوم أحد (٤٠٨٠)، وأخرجه أيضًا، كتاب الجنائز، باب الدخول على الميت بعد الموت إذا أدرج في أكفانه (١٢٤٤) ثنا محمد بن بشار، ثنا غندر، ومسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل عبد الله بن عمرو بن حرام (١٣٠) (٢٤٧١) ثنا محمد بن المثنى، حدثنا وهب بن جرير، والنسائي، كتاب الجنائز، باب في البكاء على الميت (٤/ ١٣) أخبرنا عمرو بن يزيد، قال: حدثنا بهز بن أسد وأحمد (٣/ ٢٩٨) ثنا محمد بن جعفر وحجاج، أربعتهم (غندر محمد بن جعفر، وهب، وبهز وحجاج) عن شعبة به وأخرجه البخاري أيضًا، كتاب الجنائز (١٢٩٣)، وكتاب الجهاد (٢٨١٦)، ومسلم والنسائي (٤/ ١١) وأحمد (٣/ ٣٠٧) من طرق عن ابن المنكدر به.\n(^٤٩١) - \" المسند\" (١/ ٢٦٥، ٢٦٦) (رقم ٢٣٨٨) وأخرجه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" =\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- في خ: \"تبكيه\".\n[¬٣]- في خ: \"لا\".","vol":"3","page":258},{"text":"حدثنا إسماعيل بن أمية بن عمر: بن سعيد، عن أبي الزبير المكي، عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله، ﷺ: \"لما أصيب إخوانكم بأحد، جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر ترد أنهار الجنة، وتأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديل من ذهب في ظل العرش، فلما وجدوا طيب مشربهم ومأكلهم، وحسن منقلبهم؛ قالوا: يا ليت إخواننا يعلمون ما صنع اللَّه لنا؛ لئلا يزهدوا في الجهاد، ولا ينكلوا عن الحرب، فقال الله ﷿: أنا أبلغهم عنكم فأنزل الله ﷿ هؤلاء الآيات ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ وما بعدها\".\nوهكذا رواه أحمد، ورواه [¬١] ابن جرير، عن يونس، عن ابن وهب، عن إسماعيل بن عياش، عن محمد بن إسحاق به. ورواه أبو داود، والحاكم في مستدركه (^٤٩٢) من حديث عبد الله بن إدريس، عن محمد بن إسحاق، عن إسماعيل بن أمية، عن أبي الزبير، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄ فذكره، وهذا أثبت. وكذا رواه سفيان الثوري عن سالم الأفطس عن سعيد بن جبير عن ابن عباس.\n_________\n= (٤/ ٥٦٥) وعنه ابن أبي عاصم في \"الجهاد\" (٢ / رقم ١٩٤) وهناد في \"الزهد\" (١ / رقم ١٥٥) عن محمد بن فضيل، وابن أبي عاصم أيضًا (١٩٥) وابن جرير (٧/ ٨٢٠٥) من طريق إسماعيل بن عياش، وأخرجه ابن جرير أيضًا من طريق سلمة وعبد الله بن المبارك في كتابه \"الجهاد\" (٦٢) وأبو الشيخ بن حيان في \"جزء فيه أحاديث أبي الزبير\" (رقم ١٤) من طريق زفر، وعبد بن حميد في \"المنتخب\" (٦٧٩) من طريق عبد الله بن إدريس سبعتهم (إبراهيم بن سعد -والد يعقوب- ومحمد بن فضيل وإسماعيل بن عياش وسلمة بن الفضل الرازي، وعبد الله بن المبارك وزفر وعبد الله بن إدريس) عن ابن إسحاق به وأبو الزبير مدلس وقد عنعنه، ثم إنه لم يسمع من ابن عباس صرح به أبو حاتم كما في \"المراسيل\" (ص ١٩٣) وانظر ما بعده.\n(^٤٩٢) - أخرجه أبو داود، كتاب الجهاد، باب في فضل الشهادة (٢٥٢٠) وعنه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٩/ ١٦٣)، والحاكم في \"المستدرك\" (٢/ ٨٨، ٢٩٧، ٢٩٨) ومن طريقه وطريق آخر البيهقي في \"دلائل النبوة\" (٣/ ٣٠٤) وفي \"شعب الإيمان\" (٤/ ٤٢٤٠) وفي \"الأسماء والصفات\" (٢ / رقم ٧٧٥) وفي \"البعث\" (٢٠١) وأخرجه أحمد (١/ ٢٦٦) (٢٣٨٩) وبقي بن مخلد -كما في \"التمهيد\" لابن عبد البر (١١/ ٦١) - وابن أبي عاصم في \"الجهاد\" (رقم ٥٢، ١٩٣) وأبو يعلى في \"مسنده\" (٤/ ٢٣٣١) ومن طريقه وطريق آخر اختاره الضياء في \"المختارة\" (١٠/ ٣٧٥، ٣٧٦) والآجري في \"الشريعة\" (٢/ ٩٨١) وأبو الشيخ بن حيان في \"جزء فيه أحاديث أبي الزبير\" (٨٣) والواحدى في \"أسباب النزول\" (ص ١٢٤) كلهم من طريق عثمان بن أبي شيبة، حدثنا عبد الله بن إدريس به، وتابع عثمان أبو كريب -محمد بن العلاء الهمداني- عن عبد الله بن إدريس به، أخرجه الواحدي (ص ١٢٣ - ١٢٤) وصححه الحاكم على شرط مسلم ووافقه الذهبي، وأفاد المنذري -كما في \"مختصر سنن أبي داود\" (٣/ ٣٧٤) - أن أبا الحسن الدارقطني ذكر \"أن عبد الله بن إدريس تفرد به عن محمد بن =\n_________\n[¬١]- في خ: \"وقد\".","vol":"3","page":259},{"text":"وروى الحاكم في مستدركه (^٤٩٣)، من حديث أبي إسحاق الفزاري، عن [¬١] سفيان عن [¬٢] إسماعيل بن أبي خالد، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية في حمزة وأصحابه: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ ثم قال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.\nوكذا قال قتادة، والربيع، والضحاك: إنها نزلت في قتلى أحد.\n(حديث آخر) قال أبو بكر بن مردُويه (^٤٩٤): حدثنا عبد الله بن جعفر، حدثنا هارون بن سليمان، أنبأنا علي بن محمد الله المديني، أنبأنا موسى بن إبراهيم بن كثير بن بشير [¬٣] بن الفاكه الأنصاري سمعت طلحة بن خراش بن عبد الرحمن بن خراش بن الصِّمة [¬٤] الأنصاري قال: سمعت جابر بن عبد الله قال: نظر إلي رسول الله ﷺ ذات يوم؛ فقال: \"يا جابر؛ ما لي أراك\n_________\n= إسحاق، وغيره يرويه عن ابن إسحاق لا يذكر فيه- سعيد بن جبير\" وقوى المصنف الإسناد المثبت فيه\" سعيد بن جبير\" مع أن عبد الله بن إدريس خالف رواية الجماعة، ثم إنه قد اختلف عليه فيه أيضًا- فرواه الجماعة عنه بإثبات \"سعيد بن جبير\" ورواه يوسف بن بهلول عنه دون إثبات \"سعيد بن جبير\" أخرجها عبد بن حميد في \"المنتخب\" (٦٧٩) ويوسف ثقة كما في \"التقريب\" وطريق سفيان الثوري، الذي أشار إليه المصنف، لم أهتد إليه، والله تعالى أعلم.\n(^٤٩٣) -\" المستدرك\" (٢/ ٣٨٧) وقال الحاكم: \"حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه\" ووافقه الذهبي.\n(^٤٩٤) - وعزاه لابن مردويه السيوطي في \"الدر المنثور\" (٢/ ١٦٨) وأخرجه الواحدى في \"أسباب النزول\" (ص ٨٦) والبيهقي في \"دلائل النبوة\" (٣/ ٢٩٨) من طريق علي بن عبد الله المديني به.\nوأخرجه الترمذي، كتاب تفسير القرآن، باب ومن سورة آل عمران (٣٠١٠) ثنا يحيى بن حبيب بن عربي، وابن ماجه في المقدمة، باب فيما أنكرت الجهمية (١٩٠)، كتاب الجهاد، باب: فضل الشهادة في سبيل الله (٢٨٠٠) من طريق إبراهيم بن المنذر الحزامى ويحيى بن حبيب بن عربي، وابن أبي عاصم في \"السنة\" (٢/ ٦٠١) ثنا إبراهيم بن المنذر، وابن خزيمة في \"صحيحه\" (٢/ ٥٩٩) - ومن طريقه الحاكم في \"المستدرك\" (٣/ ٢٠٣، ٢٠٤): ثنا عبدة بن عبد الله الخزاعي ويحيى بن حبيب، وابن حبان في صحيحه (١٥/ ٧٠٢٢) من طريق يحيى بن حبيب، أربعتهم (على المديني، ويحيى وإبراهيم وعبدة) ثنا موسى بن إبراهيم به. وصحح إسناده الحاكم وسكت عنه الذهبي في \"\"التلخيص\"، وقال الترمذي: \"حديث حسن غريب من هذا الوجه، وقد روى عبد الله بن محمد بن عقيل عن جاير- انظر ما تقدم هنا برقم (٥٣٨) شيئًا من هذا، ولا نعرفه إلا من حديث موسى بن إبراهيم، ورواه علي بن عبد الله بن المديني وغير واحدٍ من كبار أهل الحديث، هكذا عن موسى بن إبراهيم،: موسى بن إبراهيم هذا ذكره =\n_________\n[¬١]- في خ: \"عن أبي\".\n[¬٢]- في ت: \"بن\".\n[¬٣]- في خ: \"شهير\".\n[¬٤] في خ: \"الصمت\".","vol":"3","page":260},{"text":"مهتمًّا؟ \" قال: قلت: يا رسول الله، استشهد أبي وترك دينًا وعيالًا قال: فقال: \"ألا أخبرك ما كلم الله أحد قط إلا من رواء حجاب، وإنه كلم أباك كفاحًا\"- قال علي: و[¬١] الكفاح المواجهة- \"قال: سلني أعطك [¬٢]، قال: أسألك أن أرد إلى الدنيا، فأقتل فيك ثانية. فقال الرب ﷿: إنه قد [¬٣] سبق مني القول [¬٤] أنهم إليها لا يرجعون، قال: أي رب، فأبلغ من روائي، فأنزل الله: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا﴾ [حتى أنفد] [¬٥] الآية\". ثم رواه من طريق أخرى، عن محمد بن سليمان بن سليط الأنصاري، [عن أبيه] [¬٦] عن جابر به نحوه، وكذا رواه البيهقي في دلائل النبوة، من طريق علي بن المديني به.\nوقد رواه البيهقي أيضًا (^٤٩٥)، من حديث أبي عبادة الأنصاري، وهو عيسى بن عبد الرحمن، إن شاء الله، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة ﵂ قالت: قال النبي ﷺ لجابر: \"يا جابر؛ ألا أبشرك؟ \" قال: بلي، بشرك الله بالخير، قال: \"شعرت بأن الله أحيا أباك فقال، تمن علي عبدي ما شئت أعطكه [¬٧]؛ قال: يارب؛ ما عبدتك حق عادتك أتمنى عليك أن تردني إلى الدنيا، فأقاتل مع نبيك، وأقتل فيك مرة أخرى، قال:\n_________\n= ابن حبان في \"الثقات\" (٧/ ٤٤٩) وقال: \"كان ممن يخطئ\" وفي \"التقريب\" \"صدوق يخطئ\" لكن صحح حديثه هذا -كما رأيت- ابن خزيمة وابن حبان والحاكم وحسنه الترمذي والحديث زاد نسبته السيوطي إلى الطبراني.\n(^٤٩٥) -\" دلائل النبوة\" للبيهقي (٣/ ٢٩٨) أخبرنا أبو عبد الله الحافظ- وهو في \"المستدرك\" (٣/ ٢٠٣) - وأبو بكر أحمد بن الحسن القاضي، قالا: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، قال: حدثنا محمد بن إسحاق، قال: حدثنا فيض بن وثيق بصرى، قال: حدثنا أبو عبادة الأنصاري به وقال الحاكم: \"حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه\" فتعقبه الذهبي بأن \"فيض بن وثيق كذاب\" قلت: وشيخه أبو عبادة الأنصاري- تحرف في \"المستدرك\" إلى \"أبو عمارة-واسمه عيسى بن عبد الرحمن بن فروة تركه النسائي، وقال البخاري وأبو حاتم: \"منكر الحديث\" زاد أبو حاتم: \"ضعيف الحديث، شبيه بالمتروك، لا أعلمه روى عن الزهري حديثًا صحيحًا\"، وقال ابن عدي: \"يروى عن الزهري مناكير\" والحديث ذكره الهيثمي في \"المجمع\" (٩/ ٣٢٠) وقال: \"رواه الطبراني والبزار من طريق الفيض بن وثق عن أبي عبادة الزرقي وكلاهما ضعيف\" وقصر في عزوه السيوطي في \"الدر المنثور\" (٢/ ١٦٨) فعزاه إلى الحاكم فحسب.\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- في خ: \"أعطيك\".\n[¬٣]- سقط من: خ.\n[¬٤]- سقط من: خ.\n[¬٥]- سقط من ت.\n[¬٦]- سقط من: خ.\n[¬٧]- خ: \"أعطيكه\".","vol":"3","page":261},{"text":"إنه سلف مني أنه إليها لا يرجع\".\n(حديث آخر) قال الإمام أحمد (^٤٩٦): حدثنا يعقوب، حدثنا أبي، عن ابن إسحاق، حدثنا الحارث بن فضيل الأَنصاري، عن محمود بن لبيد [¬١]، عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله، ﷺ: \"الشهداء على بارق نهر بباب الجنة، في قبة خضراء، يخرج عليهم رزقهم من الجنة بكرة وعشية\".\nتفرد به أحمد، وقد رواه ابن جرير [¬٢]، عن أبي كريب، حدثنا عبد الرحيم بن سليمان، وعَبَدة [¬٣]، عن محمد بن إسحاق، به. وهو إسناد جيد.\nوكأن الشهدء أقسام منهم من تسرح أرواحهم في الجنة، ومنهم من يكون على هذا النهر بباب الجنة، وقد يحتمل أن يكون منتهى سيرهم التي هذا النهر، فيجتمعون هنالك، ويُغدى عليهم برزقهم هناك ويراح، والله أعلم.\nوقد روينا في مسند الإِمام أحمد: حديثا فيه البشارة لكل أحد [¬٤] مؤمن بأن روحه تكون في الجنة تسرح أيضًا فيها وتأكل من ثمارها، وترى ما فيها من النضرة والسرور، وتشاهد ما أعده [¬٥] الله لها من الكرامة، وهو بإسناد صحيح عزيز عظيم اجتمع فيه ثلاثة من الأئمة الأربعة أصحاب المذاهب المتبعة؛ فإن الإِمام أحمد (^٤٩٧) ﵀ رواه عن محمد بن إدريس الشافعي\n_________\n(^٤٩٦) - \" المسند\" (١/ ٢٦٦) (رقم ٢٣٩٠) وأخرجه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٤/ ٥٦٣) وابن جرير (٧/ ٣٨٧، ٣٨٨) وابن أبي حاتم (٣/ ٤٤٩٤) والطبراني في \"المعجم الكبير\" (١٠/ ١٠٨٢٥) وفي \"الأوسط\" (١ / رقم ١٢٣) من طرق عن ابن إسحاق به وقال الطبراني: \"لا يُرْوَى هذا الحديث عن ابن عباس إلا بهذا الإسناد، تفرَّد به محمد بن إسحاق\" قلت: وهو صدوق مدلس وقد صرح بالتحديث هنا ولذا جود إسناده المصنف وصححه من طريقه ابن حبان (١٠/ ٤٦٥٨) والحاكم (٢/ ٧٤) على شرط مسلم ووافقه الذهبي، ومحمد بن إسحاق إنما أخرج له مسلم مقرونًا بغيره!! وذكره الهيثمي في موضعين من \"المجمع\" (٥/ ٢٩٧، ٣٠١) قال في الأول: \"رواه أحمد وإسناده رجاله ثقات ورواه الطبراني في \"الكبير\" و\"الأوسط\" وقال في الثاني: \"رواه أحمد والطبراني ورجال أحمد ثقات\" والحديث زاد نسبته السيوطي في \"الدر المنثور\" (٢/ ١٧١) إلى عبد بن حميد وابن المنذر والبيهقي في \"البعث\".\n(^٤٩٧) - \" المسند\" (٣/ ٤٥٥) - والحديث في موطأ مالك، كتاب الجنائز، باب جامع الجنائز (١/ ٢٠٦) - ومن طريق أحمد أخرجه أبو نعيم في \"الحلية\" (٩/ ١٥٦) والبيهقي في \"البعث والنشور\" (رقم ٢٠٣)، وأخرجه النسائي (٤/ ١٠٨) وابن ماجه (٤٢٧١) والطبراني في \"المعجم الكبير\" =\n_________\n[¬١]- في خ: \"أسد\"\n[¬٢]- في ت-: \"جريج\".\n[¬٣]- في خ: عبيدة\".\n[¬٤]- زيادة من: خ.\n[¬٥]- في ت: \"أعد\".","vol":"3","page":262},{"text":"﵀ عن مالك بن أنس الأصبحي ﵀، عن الزهري، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن أبيه ﵁ قال: قال رسول االله ﵌: \"نسمة المؤمن طائر يعلق في شجر الجنة، حتى يرجعه الله إلى جسده يوم يبعثه\". قوله: \"يعلق [¬١] \" أي: يأكل [¬٢].\nوفي هذا الحديث (^٤٩٨): \" إن روح المؤمن تكون على شكل طائر في الجنة\". وأما أرواح الشهداء فكما تقدم في حواصل طير خضر، فهي كالكوالب بالنسبة إلى أرواح عموم المؤمنين فإنها تطير بنفسها، فنسأل الله الكريم المنان أن يميتنا [¬٣] على الإِيمان.\n[قوله تعالى] [¬٤]: ﴿فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ أي: الشهداء الذين قتلوا في سبيل الله أحياء عند ربهم [¬٥]، وهم فرحون [¬٦] بما هم فيه من النعمة والغبضة، ومستبشرون بإخوانهم الذين يقتلون بعدهم في سبيل الله أنهم يَقْدمُون عليهم، وأنهم لا يخافون مما أمامهم، ولا يحزنون علي ما تركوه وراءهم.\n_________\n= (١٩ / رقم ١٢٠)، والآجري في \"الشريعة\" (٢/ ٩٨٠) من طرق عن مالك بن أنس به، وأخرجه أحمد (٣/ ٤٥٥، ٤٥٦) (٦/ ٣٨٦) والترمذي (١٦٤١) وابن حبان (١٠/ ٤٦٥٧) والطبراني (١٩/ ١١٩، ١٢١، ١٢٣، ١٢٤) والبيهقي (٢٠٢) من طرق عن الزهري به وقال الترمذي: \"حديث حسن صحيح\" غير أن لفظ الرواية عنده \"إن أرواح الشهداء في طير خضر تَعْلُقُ من ثمرة الجنة، أو شجر الجنة\" وقد تفرد بهذه الرواية سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن الزهري به، والثقات من الرواة إنما رووه بلفظ \"المسلم\" أو \"المؤمن\" وقد حكم على رواية سفيان بالشذوذ الألباني في \"الصحيحة\" (٢/ ٩٩٥) ورواه الحميدى في \"مسنده\" (٨٧٣) عن سفيان عن عمرو بن دينار بلفظ الجادة \"إن نسمة المؤمن … \"!!.\n(^٤٩٨) - لم أهتد له. وأقرب لفظ لما أورده المصنف، ما أخرجه الطبراني في \"المعجم الكبير\" (١٩/ ١٢٣) ثنا جعفر بن محمد الفريابي، ثنا سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي، ثنا شعيب بن إسحاق، ثنا الأوزاعي، حدثني الزهري حدثني عبد الرحمن بن كعب عن كعب قال: لما حضرت الوفاة، أتته أم مبشر، فقالت: اقرأ على ابني السلام، فقال لها: أوما سمعت رسول الله ﷺ: \"روح المؤمن طائر تعلق في شجر الجنة حتى يبعث يوم القيامة؟ \" قالت: بلى ولكن وهلت. قال الهيثمي في \"المجمع\" (٢/ ٣٣٢): \"رجاله رجال الصحيح\" قلت: وسنده متصل وقد رواه محمد بن إسحاق عن الحارث بن فضيل عن الزهري بهذا الإسناد: لكنه أخطأ في لفظه فانظر \"الصحيحة\" للألباني (٢ / رقم ٩٩٥).\n_________\n[¬١]- في خ: \"تعلق\".\n[¬٢]- في خ: \"تأكل\".\n[¬٣]- في خ: \"يثبتنا\".\n[¬٤]- في خ: \"وقوله\".\n[¬٥]- في خ: \"الله\".\n[¬٦]- في خ: \"فرحين\".","vol":"3","page":263},{"text":"[نسأل الله الجنة] [¬١]. وقال محمد بن إسحاق ﴿وَيَسْتَبْشِرُونَ﴾ أي: ويسرون بلحوق من خلفهم من إخوانهم على ما مضوا عليه من جهادهم، ليشركوهم فيما هم فيه من ثواب الله الذي أعطاهم.\nقال [¬٢] السدي: يؤتى الشهيد بكتاب فيه: يقدم عليك فلان، يوم كذا وكذا، ويقدم عليك فلان، يوم كذا وكذا؛ فيسر بذلك كما يسر أهل الدنيا بغائبهم بقدوم غيابهم.\nقال سعيد بن جبير: لما دخلوا الجنة، ورأوا ما فيها من الكرامة للشهداء قالوا: يا ليت إخواننا الذين في الدنيا يعلمون ما عرفناه من الكرامة؛ فإذا شهدوا القتال باشروها بأنفسهم حتى يستشهدوا فيصيبوا ما أصبنا من الخير؛ فأخبر رسول الله ﷺ بأمرهم وما هم فيه من الكرامة؛ وأخبرهم أي: [ربهم أني] [¬٣] قد أنزلت على نبيكم وأخبرته بأمركم وما أنتم فيه فاستبشروا بذلك؛ فذلك قوله: ﴿وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ﴾. الآية.\nوقد ثبت في الصحيحين (^٤٩٩) عن أنس ﵁ في قصة أصحاب بئر معونة السبعين من الأنصار الذين قتلوا في غداة واحدة؛ وقنت رسول الله ﷺ على الذين قتلوهم يدعوا عليهم ويلعنهم؛ قال أنس: ونزل فيهم قرآن قرأناه حتى رفع: \"أن بلغوا عنا قومنا أنا قد [¬٤] لقينا ربنا، فرضى عنا وأرضانا\".\nثم قال تعالى: ﴿يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قال [¬٥] محمد بن إسحاق: استبشروا وسروا لما عاينوا من وفاء الموعود وجزيل الثواب.\nوقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: هذه الآيات جمعت المؤمنين كلهم سواء الشهداء وغيرهم، وقلما ذكر الله فضلًا [ذكر به] [¬٦] الأنبياء وثوابًا أعطاهم الله إياه، إلا ذكر ما أعطى الله [¬٧] المؤمنين من بعدهم. وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ\n_________\n(^٤٩٩) - أخرجه البخاري، كتاب المغازي، باب: غزوة الرجيع ورعل وذكوان وبئر معونة (٤٠٨٨) وانظر أطرافه عند رقم (١٠٠١) ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة (٢٩٧: ٣٠٤) (٦٧٧) من طرق عن أنس، وانظر ما تقدم برقم (٥٣٤).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفين سقط من: خ.\n[¬٢]- في خ: \"وقال\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٤]- سقط من: خ.\n[¬٥]- في خ: \"وقال\".\n[¬٦]- في خ: \"ذكرته\".\n[¬٧]- سقط من: ت.","vol":"3","page":264},{"text":"الْقَرْحُ﴾ هذا كان يوم حمراء الأسد، وذلك أن المشركين لما أصابوا [ما أصابوا] [¬١] من المسلمين كروا راجعين إلى بلادهم، فلما استمروا في سيرهم ندموا لم لاتمموا على أهل المدينة وجعلوها الفيصلة، فلما بلغ ذلك رسول الله ﷺ ندب المسلمين [¬٢] إلى الذهاب وراءهم ليرعبهم وليريهم [¬٣] أن بهم قوة وجلدًا، ولم يأذن لأحد سوى من حضر الوقعة يوم أحد سوى جابر بن عبد الله ﵁ لما سنذكره، فانتدب المسلمون علي ما بهم من الجراح والإِثخان طاعة لله ولرسوله ﷺ.\nقال [¬٤] ابن أبي حاتم (^٥٠٠): حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد، حدثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو، عن عكرمة؛ قال: لما رجع المشركون عن أحد قالوا: لا محمدًا قتلتم، ولا الكواعب أردفتم؛ بئس ما صنعتم؛ ارجعوا، فسمع رسول الله ﷺ بذلك، فندب المسلمين فانتدبوا حتى بلغوا [¬٥] حمراء الأسد -أو بئر أبي عيينة- الشك من سفيان- فقال المشركون: نرجع من قابل، فرجع رسول الله ﷺ، فكانت تعد غزوة، فأنزل الله تعالى [¬٦]: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ وروى [¬٧] ابن مردُويه (^٥٠١) من حديث محمد بن منصور عن سفيان عن عيينة، عن عمرو، عن عكرمة، عن ابن عباس … فذكره.\n_________\n(^٥٠٠) - تفسير ابن أبي حاتم (٣/ ٤٥١٠) هكذا مرسلًا ورجاله ثقات رجال الشيخين غير محمد بن عبد الله بن يزيد، فروى له النسائي -ووثقه- وابن ماجه، وقال ابن أبي حاتم: \"هو صدوق ثقة\"، وقال الخليلي: \"ثقة متفق عليه\" لكن خالفه غيره، فوصل أحد الحديث- انظر الآتي.\n(^٥٠١) - وعزاه لابن مردويه الحافظ ابن حجر في \"الفتح\" (٨/ ٢٢٨) وأخرجه النسائي في \"التفسير\" من \"الكبرى\" (٨٣/ ١١٠٦) والطبراني في \"المعجم الكبير\" (١١/ ١١٦٣٢) من طريق محمد بن منصور به موصولًا. وذكره الهيثمي في \"المجمع\" (٦/ ١٢٤) وقال: \"رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح غير محمد بن منصور الجواز وهو ثقة\" وصحح إسناده السيوطي في \"الدر المنثور\" (٢/ ١٧٨) غير أن الحافظ أعله فقال في \"الفتح\" (٨/ ٢٢٨، ٢٢٩) \"المحفوظ إرساله عن عكرمة، ليس فيه ابن عباس، ومن الطريق المرسلة أخرجه ابن أبي عاصم وغيره\" ومِنْ هذا الغير عبد الرزاق، فرواه في تفسيره (١/ ١٤٠) أنا ابن عيينة عن عمرو عن عكرمة مرسلًا بنحره، وهذه متابعة قوية لـ \"محمد بن عبد الله بن يزيد\" لكن تبين من رواية الطبراني أن سفيان بن عيينة هو الذي حدَّث به موصولًا ومرسلًا، والله أعلم.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٢]- في خ: \"المسلمون\".\n[¬٣]- في خ: \"ويريهم\".\n[¬٤]- في خ: \"وقال\".\n[¬٥]- في خ: \"بلغ\".\n[¬٦]- في خ: \"﷿\".\n[¬٧]- في خ: \"وقال\".","vol":"3","page":265},{"text":"وقال محمد بن إسحاق (^٥٠٢): كان يومُ أحد يوم السبت للنصف من شوّال، فلما كان الغد من يوم الأحد لستّ عشرة ليلةً مضت من شوال أذَّن مؤذن رسولِ الله ﷺ في الناس بطلب العدو، وأذن مؤذنه: أن لا يخرجن [¬١] معنا أحد إلا من [¬٢] حضر يومنا بالأمس، فكلمه جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام، فقال: يا رسول الله، إن أبي كان خلفني على أخوات لي سبع، وقال: يا بُني إنه لا ينبغي لي ولا لك أن نترك هؤلاء النسوة لا رجل فيهن؛ ولست بالذي أوثرك بالجهاد مع رسول الله ﷺ علي نفسي، فتخلف على أخواتك، فتخلفت عليهن؛ فأذن له رسول الله ﷺ فخرج معه؛ وإنما خرج رسول الله ﷺ مرهبًا للعدو وليبلغهم أنه خرج في طلبهم ليظنوا به قوة؛ وأن الذي أصابهم لم يوهنهم عن عدوّهم.\n[قال محمد] [¬٣] بن إسحاق (^٥٠٣): فحدثني عبد الله بن خارجة بن زيد بن ثابت، عن أبي السائب مولى عائشة بنت عثمان، أن رجلًا من أصحاب رسول الله ﷺ من بني عبد الأشهل، كان قد [¬٤] شهد أحدًا، قال: شهدنا أحدًا مع رسول الله ﷺ أنا وأخي فرجعنا جريحين؛ فلما أذن مؤذن رسول الله ﷺ بالخروج في طلب العدو قلت، لأخي -أو قال لي-: أتفوتنا غزوة مع رسول الله ﷺ؟ والله ما لنا من دابة نركبها؛ وما منا إلا جريح ثقيل، فخرجنا مع رسول الله ﷺ، وكنت أيسر جراحًا منه: فكان إذا غلب حملته عقبة؛ ومشى عقبة حتى انتهينا إلى ما انتهى إليه المسلمون.\n_________\n(^٥٠٢) - وكذا هو في \"السيرة\" لابن هشام (٣/ ٦١٥) وفي \"فتح الباري\" (٧/ ٣٧٣، ٣٧٤) من كلام ابن إسحاق، لكن أسنده ابن جرير في تفسيره (٧/ ٨٢٣٣) ثنا ابن حميد، ثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، قال: حدثني حسين بن عبد الله عن عكرمة فذكره وحسين بن عبد، الله، ضعيف كما في \"التقريب\" وقد رواه البيهقي في \"دلائل النبوة\" (٣/ ٣١٤) من طريق يونس بن بكير عن ابن إسحاق عن شيوخه فذكره وعزاه الحافظ في \"الفتح\" إلى عبد بن حميد.\n(^٥٠٣) - \" السيرة\" لابن هشام (٣/ ٦١٥، ٦١٦) ومن طريق ابن إسحاق أخرجه ابن جرير في تفسيره (٧/ ٨٢٣٤) والبيهقي في \"دلائل النبوة\" (٤/ ٣١٣) به وعبد الله بن خارجة لم يوثقه غير ابن حبان \"الثقات\" (٧/ ٣٢) وشيخه لم أهتد لترجمته. وقد أشار لهذا الإسناد البخاري في \"التاريخ الكبير\" (٥/ ٧٩) وقال: \"عبد الله بن خارجة بن زيد بن ثابت الأنصاري، سمع عروة بن الزبير وأباه، روى عنه الزهري وبكير بن الأشج، وقال ابن إسحاق: حدثني عبد الله بن خارجة بن زيد، عن أبي السائب مولى عائشة بنت عثمان، هو أخو سليمان\" يعني عبد الله. وسليمان هذا مترجم في \"التهذيب\" والخبر زاد نسبته السيوطي في \"الدر المنثور\" (٢/ ١٧٩) إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n_________\n[¬١]- في خ: \"يخرج\".\n[¬٢]- في خ: \"أحد\".\n[¬٣]- في خ: \"وقال\".\n[¬٤]- سقط من: خ.","vol":"3","page":266},{"text":"وقال البخاري (^٥٠٤): حدثنا محمد بن سلام، حدثنا أبو معاوية عن هشام، عن أبيه، عن عائشة ﵂: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾. الآية. قالت لعروة: يا بن أختي، كان أبواك منهم الزبير، وأبو بكر ﵄ لما أصاب نبي الله ﷺ ما أصابه يوم أحد، وانصرف عنه المشركون، خاف أن يرجعوا، فقال: \"من يرجع في أثرهم؟ \" فانتدب منهم سبعون رجلًا، فيهم أبو بكر والزبير، ﵄.\nهكذا رواه البخاري منفردًا بهذا السياق، وهكذا: رواه الحاكم في مستدركه (^٥٠٥)، عن الأصم، عن عباس الدوري، عن أبي النضر، عن أبي سعيد المؤدب، عن هشام بن عروة به. ثم قال صحيح الإِسناد [¬١] ولم يخرجاه. كذا [¬٢] قال: [وقد رواه الحاكم] [¬٣] أيضًا (^٥٠٦) من حديث إسماعيل بن أبي خالد، عن البهي [¬٤]، عن عروة، وقال: قالت لي عائشة: [يا بني] [¬٥] إن أباك من الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح. ثم قال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.\nورواه ابن ماجة (^٥٠٧)، عن هشام بن عمار وهدية بن عبد الوهاب، عن سفيان بن عيينة، عن هشام بن عروة به، وهكذا رواه سعيد بن منصور وأبو بكر الحميدي في مسنده عن سفيان\n_________\n(^٥٠٤) - صحيح البخاري، كتاب المغازي، باب ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ (٤٠٧٧)، وأخرجه البيهقي في \"دلائل النبوة\" (٣/ ٣١٢، ٣١٣) من طريق أبي معاوية به نحوه وانظر ما بعده.\n(^٥٠٥) - \" المستدرك\" (٢/ ٢٩٨) غير أنه فيه أن عائشة قالت ذلك لعبد الله بن الزبير وليس لعروة، ولعل هذا علة استدراكه على الشيخين، لا سيما وقد وافقه الذهبي في هذا ولم يتعقبه. وقد أخرجه ابن جرير (٧/ ٨٢٣٩) حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا هاشم بن القاسم -أبو النضر- به وانظر ما بعده.\n(^٥٠٦) - \" المستدرك\" (٣/ ٣٦٣) أخبرنا الحسن بن يعقوب العدل، ثنا محمد بن عبد الوهاب العبدي، أنا جعفر بن عون، أنا إسماعيل بن أبي خالد به وقال: \"حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه\" واستدركه الذهبي فحذفه من \"التلخيص\" حيث أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل طلحة والزبير (٥٢) (٢٤١٨) حدثنا أبو كريب محمد العلاء، ثنا وكيع، حدثنا إسماعيل به، وأخرجه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٧/ ٥١٠) ثنا وكيع عن إسماعيل به.\n(^٥٠٧) - سنن ابن ماجه، المقدمة، باب فضل الزبير ﵁ (١٢٤) وأخرجه سعيد بن منصور كما في \"الدر المنثور\" (٢/ ١٧٩) - والحميدي في \"مسنده\" (١ / رقم ٢٦٣) وابن جرير (٧/ ٨٢٤١) من طريق سفيان به، وأخرجه مسلم (٥١) (٢٤١٨) من طرق عن هشام بن عروة به.\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- في خ: \"وكذا\".\n[¬٣]- في خ: \"ورواه\".\n[¬٤]- في خ: \"الهني\".\n[¬٥]- سقط من: خ.","vol":"3","page":267},{"text":"به.\nوقال [¬١] أبو بكر بن مردويه (^٥٠٨): حدثنا عبد الله بن جعفر، من أصل كتابه، أنبأنا سمويه [¬٢]، أنبأنا عبد الله بن الزبير، أنبأنا سفيان، أنبأنا هشام، عن أبيه، عن عائشة ﵂ قالت: قال لي رسول الله ﷺ: \"إن كان أبواك لمن الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح: أبو بكر والزبير، ﵄\".\nورفع هذا الحديث خطأ محض من جهة إسناده، لمخالفته رواية الثقات، من وقفه علي عائشة ﵂ كما قدمناه؛ ومن جهة معناه: فإن الزبير ليس هو من آباء عائشة، وإنما قالت ذلك عائشة لعروة بن الزبير لأنه ابن أختها أسماء بنت أبي بكر الصديق ﵃.\nوقال ابن جرير (^٥٠٩): حدثني محمد بن سعد، حدثني أبي، [حدثني عمي] [¬٣]، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ﵄ قال: إن الله قذف في قلب أبي سفيان الرعب يوم أحد بعدما [¬٤] كان منه ما كان، فرجع إلى مكة، فقال النبي ﷺ: \"إن أبا سفيان قد أصاب منكم طرفًا، وقد رجع وقد قذف الله في قلبه الرعب\". وكانت وقعة أحد في شوال، وكان التجار يقدمون المدينة في ذي القعدة، فينزلون ببدر الصغرى في كل سنة مرة، وإنهم قدموا بعد وقعة أحد، وكان أصاب المؤمنين القرح، واشتكوا ذلك إلى النبي ﷺ، واشتد عليهم الذي أصابهم، وأن رسول الله ﷺ ندب [¬٥] الناس لينطلقوا معه، ويتبعوا ما كانوا متبعين، وقال: \"إنما يرتحلون الآن فيأتون [¬٦] الحج ولا يقدرون على مثلها حتى عام مقبل\". فجاء الشيطان يخوف [¬٧] أولياءه فقال: إن الناس قد جمعوا لكم، فأبى عليه الناس أن يتبعوه، وقال: \"إني ذاهب وإن لم يَتْبَعْني أحد؛ لأحضض الناس\". فانتدب [¬٨] معه الصديق وعمر وعثمان، وعلي\n_________\n(^٥٠٨) - لم أهتد إليه في غير هذا الموضع ولا أعرف من المتهم برفعه، فإن رجاله كلهم ثقات أثبات، وعبد الله بن الزبير هو الحميدي وسفيان هو ابن عيينة وسَمُّويه هو الإمام الثقة أبو بشر إسماعيل بن عبد الله بن مسعود وعبد الله بن جعفر هو ابن أحمد بن فارس مترجمان في \"السير\" للذهبي (١٣/ ١٠)، (١٥/ ٥٥٣).\n(^٥٠٩) - تفسير ابن جرير (٧/ ٨٢٣٨) وإسناده مسلسل بالضعفاء أولهم راويه عن ابن عباس وهو عطية العوفي.\n_________\n[¬١]- في خ: \"قال\".\n[¬٢]- في خ: \"ميمونة\".\n[¬٣]- في خ: \"عمر\".\n[¬٤]- في خ: \"الذي.\n[¬٥]- في خ: \"انتدب\".\n[¬٦]- في خ: \"فتأتون\".\n[¬٧]- في خ: \"فخوف\".\n[¬٨]- سقط من: خ.","vol":"3","page":268},{"text":"والزبير، وسعد وطلحة، وعبد الرحمن بن عوف، وعبد الله بن مسعود، وحذيفة بن اليمان، وأبو عبيدة بن الجراح في سبعين رجلًا، فساروا في طلب أبي سفيان فطلبوه، حتى بلغوا الصفراء، فأنزل الله تعالى: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ﴾. الآية. ثم قال ابن إسحاق (^٥١٠): فخرج رسول الله ﷺ حتى انتهى إلى حمراء الأسد، وهي من المدينة على ثمانية أميال.\nقال ابن هشام: واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم، فأقام بها الإثنين والثلاثاء والأربعاء ثم رجع إلى المدينة، وقد مر به كما حدثني عبد الله بن أبي بكر معبد بن أبي معبد الخزاعي، وكانت خزاعة مسلمهم ومشركهم عيبة نصح لرسول الله ﷺ بتهامة صفقتهم معه لا يخفون عنه شيئًا كان بها، ومعبد يومئذ كان مشركًا، فقال: يا محمد؛ أما والله لقد عز علينا ما أصابَك في أصحابِك، ولوددنا أن الله عافاك فيهم، ثم خرج ورسول الله ﷺ بحمراء الأسد، حتى لقي أبا سفيان بن حرب ومن معه بالروحاء، وقد أجمعوا الرجعة إلى رسول الله ﷺ وأصحابه، وقالوا: أصبنا [محمدًا و] [¬١] أصحابه وقادتهم وأشرافهم، ثم نرجع قبل أن نستأصلهم؟ لنكرّنّ على بقيتهم، [ثم لنفرغنّ] [¬٢] منهم، فلما رأى أبو سفيان معبدًا قال: ما وراءك يا معبد؟ قال: محمد قد خرج [في أصحابه] [¬٣] يطلبكم في جمع لم أر مثله قط، يتحرقون عليكم تحرقًا، قد اجتمع معه من كان تخلف عنه في يومكم، وندموا على ما صنعوا فيهم من الحنق عليكم شيء لم أو مثله قط، قال: ويلك ما تقول؟ قال: والله، ما أرى أن ترتحل حتى ترى نواصي الخيل، قال: فوالله لقد أجمعنا الكرة عليهم لنستأصل بقيتهم، قال: فإني أنهاك عن ذلك، ووالله لقد حملني ما رأيت علي أن قلت فيهم أبياتًا من شعر، قال: وما قلت؟ قال قلت:\nكَادَتْ تُهَدّ مِنَ الأصْواتِ رَاحِلَتِي … إِذ سَالتِ الأرْضُ بالجُردِ الأَبابيلِ\nترْدى بأسدٍ كرامٍ لا تنابلة … عند اللقاءِ ولا ميل معازيل\nفَظلْتُ عدوًا أظنُّ الأرضَ مائلةً … لما سموا برئيسٍ غيرِ مخذولِ\nفقلتُ ويل ابن حرب من لقائِكمُ … إِذا تغطمطتِ البطحاءُ بالجيلِ\nإني نذيرٌ لِأَهلِ البَسْلِ ضاحيةً … لكلِّ ذي إربةٍ منهم ومعقولِ\nمن جيش أحمد لا وخش تنابلة … وليس يوصف ما أنذرت بالقيل\nقال: فثنى ذلك أبا سفيان ومن معه.\n_________\n(^٥١٠) - \" السيرة\" لابن هشام (٣/ ٦١٦، ٦١٧).\n_________\n[¬١]- في خ: \"حد\".\n[¬٢]- في خ: \"فلنفرغنَّ\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.","vol":"3","page":269},{"text":"ومرّ به ركب من بني عبد القيس، فقال: أين تريدون؟ قالوا: نريد المدينة، قال: ولم؟ قالوا: نريد الميرة؟ قال: فهل أنتم مبلغون عني محمدًا رسالة أرسلكم بها إليه، وأحمل لكم هذه غدا زبيبًا بعكاظ إذا وافيتمونا؟ قالوا: نعم، قال: فإذا وافيتموه فأخبروه أنا قد أجمعنا المسير إليه وإلى أصحابه، لنستأصل بقيتهم، فمر الركب برسول الله ﷺ وهو بحمراء الأسد، فأخبروه بالذي قال أبو سفيان وأصحابه، فقالوا [¬١]: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ وذكر [¬٢] ابن هشام عن أبي عبيدة قال: قال رسول الله ﷺ حين بلغه رجوعهم: \"والذي نفسي يده، لقد سومت لهم حجارة لو صبحوا بها لكانوا كأمس الذاهب\".\nوقال الحسن البصري (^٥١١) في قوله: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ﴾: إن أبا سفيان وأصحابه أصابوا من المسلمين ما أصابوا، ورجعوا، فقال رسول الله ﷺ: \"إن أبا سفيان قد رجع وقد قذف الله في قلبه الرعب [¬٣]، فمن ينتدب في طلبه؟ \" فقام النبي ﷺ وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي وناس من أصحاب رسول الله ﷺ، فتبعوهم، فبلغ أبا سفيان أن النبي ﷺ يطلبه، فلقي عيرًا من التجار، فقال: ردوا محمدًا ولكم من الجعل كذا وكذا، وأخبروهم أني قد جمعت لهم [¬٤] جموعًا، وأني [¬٥] راجع إليهم، فجاء التجار، فأخبروا رسول الله ﷺ بذلك، فقال النبي ﷺ: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ فأنزل الله هذه الآية، وهكذا قال عكرمة وقتادة وغير واحد: إن هذا السياق نزل في شأن غزو [¬٦] حمراء الأسد. وقيل: نزلت في بدر الموعد، والصحيح الأول، وقوله تعالى ﴿الَّذِينَ قَال لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا﴾. الآية. أي: الذين توعدهم الناس بالجموع [¬٧]، وخوفوهم بكثرة الأعداء، فما اكترثوا لذلك، بل توكلوا على الله، واستعانوا به، ﴿وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾.\nوقال البخاري (^٥١٢): حدثنا أحمد بن يونس-[أراه قال] [¬٨]:- حدثنا أبو بكر، عن أبي\n_________\n(^٥١١) - أخرجه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٣/ ٤٥١٢) ثنا أبي، ثنا موسى بن إسماعيل، ثنا مبارك عن الحسن به مرسلًا.\n(^٥١٢) - صحيح البخاري، كتاب التفسير، باب ﴿الَّذِينَ قَال لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ الآية (٤٥٦٣) وأخرجه الحاكم في \"المستدرك\" (٢/ ٢٩٨) ومن طريقه- من غير طريق \"المستدرك\" =\n_________\n[¬١]- في خ: \"فقال\".\n[¬٢]- في خ: \"وقال\".\n[¬٣]- سقط من: خ.\n[¬٤]- سقط من: ت.\n[¬٥]- في خ: \"وأنني\".\n[¬٦]- سقط من: خ.\n[¬٧]- سقط من: ت.\n[¬٨]- في خ: \"قال أراه\".","vol":"3","page":270},{"text":"حصين، عن أبي الضحى، عن ابن عباس، ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾، قالها إبراهيم [﵇] حين ألقي في النار، وقالها محمد ﷺ حين ﴿[قَال لَهُمُ النَّاسُ] [¬١]: إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾.\nوقد رواه النسائي (^٥١٣) عن محمد بن إسماعيل بن إبراهيم، وهارون بن عبد الله، كلاهما عن يحيى بن أبي بكير، عن أبي بكر- وهو ابن عيَّاش به. والعجب أن الحاكم [أبا عبد الله] [¬٢] رواه من حديث أحمد بن يونس به، ثم قال: صحيح الإسناد [¬٣] على شرط الشيخين، ولم يخرجاه. ثم رواه البخاري (^٥١٤) عن أبي غسان مالك بن إسماعيل، عن إسرائيل، عن أبي حصين، عن أبي الضحى، عن ابن عباس: قال: كان آخر قول إبراهيم- ﵇ - حين ألقي في النار ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾.\nوقال عبد الرزاق (^٥١٥): قال ابن عيينة، وأخبرني زكريا، عن الشعبي، عن عبد الله بن عمرو، وقال [¬٤]: هي كلمة إبراهيم ﵇ حين ألقي في النار [¬٥]. رواه ابن جرير.\nوقال أبو بكر بن مردُويه (^٥١٦): حدثنا محمد بن معمر، حدثنا إبراهيم بن موسى الثوري،\n_________\n=- البيهقي في \"دلائل النبوة\" (٣/ ٣١٧) من طريق أحمد بن يونس به وقال الحاكم: \"صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه\" ووافقه الذهبي فوهما، فالحديث كما ترى عند البخاري، وأشار لوهمه هذا غير المصنف الحافظ ابن حجر في \"الفتح\" (٨/ ٢٢٩).\n(^٥١٣) - تفسير النسائي من \"السنن الكبرى\" (٦/ ١١٠٨١) وأخرجه في \"عمل اليوم والليلة\" (٦/ ١٠٤٣٩) أخبرنا هارون بن عبد الله قال: حدثنا يحيى بن بكير به، والبيهقي في \"الأسماء والصفات\" (١ / رقم ١٤٦) من طريق محمد بن إسحاق ثنا يحيى بن بكير به. وأخرجه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٣/ ٤٥٢١) من طريق أبي داود الطيالسي، ثنا قيس عن أبي حصين به.\n(^٥١٤) - صحيح البخاري، كتاب التفسير، باب ﴿الَّذِينَ قَال لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ (٤٥٦٤).\n(^٥١٥) - تفسير عبد الرزاق (١/ ١٤٠، ١٤١) ومن طريق عبد الرزاق أخرجه ابن جرير في \"تفسيره\" (٧/ ٨٢٥٠) وأخرجه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٧/ ٤٤٩) ثنا الفضل بن دكين، عن سفيان، عن فراس، عن الشعبي به ورجاله ثقات رجال الشيخين، لكن نفى ابن معين سماع الشعبي من عمرو بن العاص، والأثر زاد نسبته السيوطي في \"الدر المنثور\" (٢/ ١٨١) إلى ابن المنذر.\n(^٥١٦) - وعزاه لابن مردويه السيوطي في \"الدر المنثور\" (٢/ ١٨٠). وأشار إلى رواية ابن مردويه أيضًا الحافظ ابن حجر في \"الفتح\" (٨/ ٢٢٩) ورجاله ثقات إلا أن فيه عنعنة حميد الطويل، وأخرجه =\n_________\n[¬١]- في خ: \"قالوا\".\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- سقط من: خ.\n[¬٤]- في خ: \"قال\".\n[¬٥]- في خ: \"البنيان\".","vol":"3","page":271},{"text":"أخبرنا عبد الرحيم بن محمد بن زياد السكري، أنبأنا أبو بكر بن عياش، عن حميد الطويل، عن أنس بن مالك، عن النبي ﷺ أنه قيل له يوم أحد: إن الناس قد جمعوا لكم، فاخشوهم، فأنزل الله هذه الآية وروى [¬١] أيضًا بسنده (^٥١٧)، عن محمد بن عبيد الله الرافعي، عن أبيه، عن جده أبي رافع، أن النبي ﷺ: وجه عليّا في نفر معه، في طلب أبي [¬٢] سفيان، فلقيهم أعرابي من خزاعة، فقال: إن القوم قد جمعوا لكم، فقالوا [¬٣]: حسبنا الله ونعم الوكيل، فنزلت فيهم هذه الآية.\nثم قال ابن مردويه (^٥١٨)، حدثنا دعلج بن أحمد، أخبرنا الحسن بن سفيان، أنبأنا أبو خيثمة ابن [¬٤] مصعب بن سعيد، أنبأنا موسى بن أعين، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"إذا وقعتم في الأمر العظيم فقولوا: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ \".\nهذا حديث غريب من هذا الوجه. وقد قال الإِمام أحمد (^٥١٩): حدثنا حيوة بن شريح،\n_________\n= الخطيب البغدادي في \"تاريخ بغداد\" (١١/ ٨٦) أخبرنا الحسن بن الحسين النعالى، أخبرنا عبد الله بن العباس الشطوى، ثنا إبراهيم بن موسى به، وأخرجه أبو نعيم في \"الحلية\" (١/ ١٩) ثنا القاضي عبد الله بن محمد بن عمر ثنا عبد الله بن العباس الطيالسي، ثنا عبد الرحيم بن محمد به، والحديث لم يعزه السيوطي لغير ابن مردويه والخطيب.\n(^٥١٧) - وعزاه لابن مردويه السيوطي في \"الدر المنثور\" (٢/ ١٨٠). ومحمد بن عبيد الله الرافعي هذا ضعفه أبو حاتم وقال ابن معين: \"ليس بشيء\" وقال البخاري: \"منكر الحديث\" وأما أبوه عبيد الله وهو ابن أبي رافع مولى النبي ﷺ فوثقه أبو حاتم والخطب وابن سعد وغيرهم وروى له الجماعة.\n(^٥١٨) - وعزاه لابن مردويه السيوطي في \"الدر المنثور\" (٢/ ١٨١). وأبو خيثمة مصعب بن سعيد هذا قال ابن عدي في \"الكامل\" (٦/ ٢٣٦٢): \"يحدث عن الثقات بالمناكير ويصحف عليهم، والضعف على حديثه بَيِّن\" وقال صالح جزرة: \"شيخ ضرير، لا يدرى ما يقول\" ومع هذا فقد ذكره ابن حبان في \"الثقات\" (٩/ ١٧٥) قال: \"ربما أخطأ، يعتبر حديثه، إذا روى عن الثقات، وبين السماع في خبره لأنه كان مدلسًا، وقد كف في آخر عمره\".\n(^٥١٩) - \" المسند\" (٦/ ٢٤) وأخرجه أبو داود، كتاب الأقضية باب الرجل يحلف على حقه (٣٦٢٧) - ومن طريقه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (١٠/ ١٨١) والنسائي في عمل اليوم والليلة من \"الكبرى\" (٦/ ١٠٤٦٢) والبزار في \"مسنده\" (٧/ ٢٧٤٩) والطبراني في \"المعجم الكبير\" (١٨ / رقم ٩٧، ١٣٩) والمزى في \"تهذيب الكمال\" (١٢/ ٣٣٨) من طرق عن بقية وفي إسناده سيف الشامي وثقه ابن حبان والعجلي، لكن قال النسائي: \"لا أعرفه\"، وقال الذهبي: \"لا يعرف\" واكتفى ابن حجر=\n_________\n[¬١]- في خ: \"وقال\".\n[¬٢]- في خ: \"أبا\".\n[¬٣]- في خ: \"قالوا\".\n[¬٤]- سقط من: خ.","vol":"3","page":272},{"text":"وإبراهيم بن أبي العباس، قالا: حدثنا بقية [¬١]، حدثنا بحير بن سعد [¬٢]، عن خالد بن معدان، عن سيف، عن عوف بن مالك، أنه حدثهم: أن النبي ﷺ قضى بين رجلين؛ فقال المقضي عليه لما أدبر: حسبي الله ونعم الوكيل، فقال النبي [¬٣]، ﷺ: \"ردّوا عليّ الرجل\". فقال: \"ما قلت؟ \" قال: قلت: حسبي الله ونعم الوكيل، فقال النبي ﷺ: \"إن الله يلوم على العجز، ولكن عليك بالكيس، فإذا غلبك أمر فقل: حسبي الله ونعم الوكيل\".\nوكذا رواه أبو داود، والنسائي من حديث بقية، عن بحير عن خالد، عن سيف وهو الشامي ولم ينسب عن عوف بن مالك، عن النبي ﷺ بنحوه.\nوقال الإمام أحمد (^٥٢٠): حدثنا أسباط، حدثنا مطرف، عن عطية، عن ابن عباس [في قوله: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾] [¬٤] قال: قال رسول الله ﷺ: \"كيف أنعم وصاحب القرن، قد التقم القرن وحنى جبهته يستمع [¬٥] متى يؤمر فينفخ\". فقال أصحاب [رسول الله] [¬٦] ﷺ فما نقول؟ قال: \"قولوا: حسبنا الله ونعم الوكيل، على الله توكلنا\".\nوقد روي هذا من غير وجه، وهو حديث جيد، [وقد روينا] [¬٧] عن أم المؤمنين عائشة، وزينب [بنت جحش] [¬٨] ﵄ أنهما تفاخرتا [¬٩]، فقالت زينب: زوجني الله،\n_________\n= في \"التهذيب\" بنقل توثيق العجلي له، وذِكْر ابن حبان له في \"الثقات\"!!.\n(^٥٢٠) - \" المسند\" (١/ ٣٢٦) وأخرجه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٧/ ٩٦) - ومن طريق الطبراني في \"الكبير\" (١٢/ ١٢٦٧١) وابن جرير في تفسيره (٢٩/ ١٥٠ - ١٥١) وابن أبي حاتم -كما يأتي عند المصنف (سورة المدثر آية ٨) - وابن أبي الدنيا في \"الأهوال\" (رقم ٥٣) من طريق أسباط بن محمد- مقرونا به محمد بن فضيل عند ابن جرير - عن مطرف به. وأخرجه الطبراني أيضًا (١٢/ ١٢٦٧٠) والحاكم في \"المستدرك\" (٤/ ٥٥٩) من طريق مطرف به. وأخرجه الطبراني في \"الأوسط\" (٤/ ٣٦٦٣) من طريق إدريس الأودى عن عطية به، وعطية هو ابن سعد العوفي ضعفه أحمد والنسائي وابن عدي وغيرهم. وبه أعل الحديث الهيثمي في \"المجمع\" (٧/ ١٣٤)، (١٠/ ٣٣٤) وكذا الذهبي في \"تلخيص المستدرك\" وقد اضطرب في سنده عطية هذا فرواه عن ابن عباس -كما هنا - ورواه عن أبي سعيد الخدري كما يأتي تخريجه سورة الكهف آية ٩٩.\n_________\n[¬١]- في خ: \"قتيبة\".\n[¬٢]- في خ: \"سعيد\".\n[¬٣]- في خ: \"رسول الله\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٥]- في خ: \"يسمع\".\n[¬٦]- في خ: \"محمد\".\n[¬٧]- في خ: \"وروي\".\n[¬٨]- سقط من ت.\n[¬٩]- في خ: \"تفاخرا\".","vol":"3","page":273},{"text":"وزوجكن أهاليكن، وقالت: عائشة: نزلت براءتي من السماء في القرآن؛ فسلمت لها زينب، ثم قالت: كيف قلت حين ركبت راحلة صفوان بن المعطل، قالت: قلت: حسبي الله ونعم الوكيل، قالت [¬١] زينب: قلت كلمة المؤمنين (^٥٢١).\nولهذا قال تعالى: ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ﴾ أي: لما توكلوا على الله كفاهم ما أهمهم، ورد عنهم بأس من أراد كيدهم، فرجعوا إلى بلدهم، ﴿بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ﴾ مما أضمر لهم عدوهم، ﴿وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾.\nوقال البيهقي (^٥٢٢): أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا [¬٢] أبو بكر بن داود الزاهد، حدثنا محمد بن نعيم، حدثنا بشر بن الحكم، حدثنا مبشر بن عبد الله بن رزين، حدثنا سفيان بن حسين، عن يعلى بن مسلم، عن عكرمة، عن ابن عباس في قول الله تعالى: ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ﴾، قال: النعمة أنهم سلموا، والفضل أنّ عيرًا مرت وكان في أيام الموسم، فاشتراها رسول الله ﷺ، فربح فيها مالًا، فقسمه بين أصحابه.\nوقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد في [قول الله تعالى] [¬٣]: ﴿الَّذِينَ قَال لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾ قال: هذا [¬٤] أبو سفيان، قال لمحمد ﷺ: موعدكم بدر حيث قتلتم أصحابنا، فقال محمد ﷺ: \"عسى\"، فانطق رسول الله ﷺ، لموعده حتى نزل بدرًا، فوافقوا السوق فيها وابتاعوا، فذلك قول الله ﷿: ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ﴾ الآية، قال: وهي غزوة بدر الصغرى.\nرواه ابن جرير (^٥٢٣)، وروى أيضًا عن القاسم (^٥٢٤)، عن الحسين، عن حجاج، عن ابن جريج، قال: لما عمد [¬٥] رسول الله ﷺ لموعد أبي سفيان، فجعلوا يلقون [¬٦] المشركين\n_________\n(^٥٢١) - يأتي تخريجه سورة النور / آية ١١.\n(^٥٢٢) - \" دلائل النبوة\" للبيهقي (٣/ ٣١٨) وإسناده صحيح.\n(^٥٢٣) - تفسير ابن جرير (٧/ ٨٢٤٨).\n(^٥٢٤) - تفسير ابن جرير (٧/ ٨٢٤٩).\n_________\n[¬١]- في خ: \"فقالت\".\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- في خ: \"قوله\".\n[¬٤]- سقط من: خ.\n[¬٥]- في خ: \"عمر\".\n[¬٦]- في خ: \"يقولون\".","vol":"3","page":274},{"text":"فيسألونهم عن قريش؛ فيقولون: قد جمعوا لكم. يكيدونهم بذلك، يريدون أن يرهبوهم [¬١]، فيقول المؤمنون: حسبنا الله ونعم الوكيل، حتى قدموا بدرًا، فوجدوا أسواقها عافية، لم ينازعهم فيها أحد، قال: فقدم [¬٢] رجل من المشركين، فأخبر أهل مكة بخيل محمد، وقال في ذلك:\nنفرت قلوصي من خيول محمد … وعجوةٍ منثورة كالعنجد\nواتخذت ماء قديد موعدي\nثم قال ابن جرير: هكذا أنشدنا القاسم، وهو خطأ، وإنما هو:\nقد نفرت من رفقتي محمد … وعجوة من يثرب كالعنجد\nتهوي على دين أبيها الأتلد … قد جعلتْ ماء قديد موعدي\nوماء ضجنان لها ضحى الغد\nثم قال تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾ [أي: يخوفكم أولياءه] [¬٣]، ويوهمكم أنهم ذوو [¬٤] بأس وذوو [¬٥] شدة، قال الله تعالى: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أي: إذا سول لكم، وأوهمكم [¬٦] فتوكلوا عليّ والجئوا إليّ؛ فإني كافيكم وناصركم عليهم، كما قال تعالى: ﴿أَلَيسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾، إلى قوله: ﴿قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾. وقال تعالى: ﴿فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيطَانِ إِنَّ كَيدَ الشَّيطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾. وقال تعالى: ﴿أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾. وقال تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَويٌّ عَزِيزٌ﴾. وقال تعالى: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ﴾. وقال: تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾ الآية. وقال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (٥١) يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾.\n﴿وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيئًا يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٧٦) إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيئًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٧٧) وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا\n_________\n[¬١]- في ت: \"يرعبوهم\".\n[¬٢]- في خ: \"وقدم\".\n[¬٣]- سقط من ت.\n[¬٤]- في خ: \"فهو\".\n[¬٥]- في خ: \"ذو\".\n[¬٦]- في خ: \"فأوهمكم\".","vol":"3","page":275},{"text":"نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٧٨) مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٧٩) وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١٨٠)﴾\nيقول تعالى لنبيه ﷺ: ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ وذلك من شدة حرصه على الناس، كان يحزنه مبادرة الكفار إلى المخالفة، والعناد، والشقاق، فقال تعالى، لا يحزنك ذلك ﴿إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيئًا يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ﴾ أي: حكمته فيهم أي يريد بمشيئته وقدرته، أن لا يجعل لهم نصيبا في الآخرة ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾.\nثم قال تعالى، مخبرًا عن ذلك إخبارًا مقررًا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ﴾، أي: استبدلوا هذا بهذا ﴿لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيئًا﴾، أي: ولكن يضرون أنفسهم، ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.\nثم قال تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ [¬١] الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيرٌ [¬٢] لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾، كقوله: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ﴾، وكقوله: ﴿فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾ وكقوله ﴿وَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ [¬٣] وَأَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ [أَنْ يُعَذِّبَهُمْ] [¬٤] بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ﴾.\nثم قال تعالى: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ أي: لا بد أن يعقد سببًا من المحنة، يظهر فيه وليّه، ويفتضح فيه عدوه، يعرف به المؤمن الصابر، والمنافق الفاجر، يعني بذلك يوم أحد الذي امتحن الله به المؤمنين، فظهر به إيمانهم، وصبرهم، وجلدهم، وثباتهم [¬٥] وطاعتهم لله ورسوله [¬٦]ﷺ وهتك به أستار [¬٧] المنافقين، فظهر\n_________\n[¬١]- في خ: \"تحسبن\".\n[¬٢]- في خ: \"خيرًا\".\n[¬٣]- في خ: \"ولا\".\n[¬٤]- في خ: \"ليعذبهم\".\n[¬٥]- سقط من: خ.\n[¬٦]- في خ: \"ولرسوله\".\n[¬٧]- في خ: \"ستر\".","vol":"3","page":276},{"text":"مخالفتهم [¬١]، ونكولهم عن الجهاد، وخيانتهم لله: ولرسوله ﷺ. ولهذا قال تعالى: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾.\nقال مجاهد: ميز بينهم يوم أحد، وقال قتادة: ميز بينهم بالجهاد والهجرة، وقال [¬٢] السدي: قالوا: إن كان محمد صادقًا فليخبرنا عمن يؤمن به منا، ومن يكفر به [¬٣] فأنزل الله تعالى: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيهِ [حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ أي] [¬٤]: حتى يخرج المؤمن من الكافر.\nروى ذلك كله ابن جرير (^٥٢٥). ثم [¬٥] قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيبِ﴾ أي: أنتم لا تعلمون غيب الله في خلقه، حتى يميز لكم المؤمن من المنافق، لولا ما يعقده من الأسباب الكاشفة عن ذلك.\nثم قال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾، كقوله تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيبِهِ أَحَدًا (٢٦) إلا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَينِ يَدَيهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا﴾ الآية.\nثم قال تعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾، أي: أطيعوا الله، ورسوله، واتبعوه فيما شرع لكم، ﴿وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ﴾ أي: لا يحسبن البخيل أن جمعه المال ينفعه، بل هو مضرة عليه في دينه، وربما كان في [¬٦] دنياه.\nثم أخبر بمآل أمر ماله [¬٧] يوم القيامة، فقال: ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ وقال البخاري (^٥٢٦): حدَّثنا عبد الله بن منير [¬٨]، سمع أبا النضر، حدَّثنا عبد الرحمن هو -ابن\n_________\n(^٥٢٥) - راجع ما أخرجه من آثار في تفسيره (٧/ ٤٢٤، ٤٢٥).\n(^٥٢٦) - صحيح البخاري، كتاب التفسير، باب ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (٤٥٦٥) وأخرجه أيضًا، كتاب الزكاة، باب إثم مانع الزكاة (١٤٠٣)، والنسائي، كتاب الزكاة: باب مانع زكاة ماله (٥/ ٣٩) من طريقين عن عبد الرحمن بن عبد الله به، وأخرجه العقيلي في \"الضعفاء\" =\n_________\n[¬١]- في خ: \"مخالفهم\".\n[¬٢]- في خ: \"قاله\".\n[¬٣]- سقط من: خ.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٥]- سقط من: خ.\n[¬٦]- في خ: \"وفي\".\n[¬٧]- في خ: \"المال\".\n[¬٨]- في خ: \"نمير\".","vol":"3","page":277},{"text":"عبد الله بن دينار عن أبيه، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"من آتاه الله مالًا فلم يؤد زكاته مثل له شجاعًا أقرع له زبيبتان يطوقه يوم القيامة، يأخذ بلِهْزمَتَيهْ [¬١]-يعني بشدقيه- يقول: أنا مالك، أنا كنزك\"، ثم تلا هذه الآية ﴿[وَلَا يَحْسَبَنَّ] [¬٢] الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ [مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ﴾ إلى آخر] [¬٣] الآية.\nتفرد به البخاري دون مسلم من هذا الوجه، وقد رواه ابن حبان في صحيحه (^٥٢٧)، من طريق الليث بن سعد، عن محمد بن عجلان، عن القعقاع بن حكيم، عن أبي صالح به.\n(حديث آخر) قال الإِمام أحمد (^٥٢٨): حدثنا حجين بن المثني، حدثنا عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر [¬٤]، عن النبي ﷺ، قال: \"إن الذي لا يؤدي زكاة ماله يمثل الله له ماله يوم القيامة، شجاعًا أقرع، له زبيبتان ثم يلزمه يطوقه [¬٥] يقول: أنا كنزك، أنا كنزك\" وهكذا رواه النسائي، عن الفضل [¬٦] بن سهل، عن أبي [النضر هاشم] [¬٧] بن القاسم، عن عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة به، ثم قال النسائي: ورواية عبد العزيز، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر- أثبت من رواية عبد الرحمن [¬٨]، عن أبيه [عبد الله] [¬٩] بن دينار، عن أبي صالح، عن أبي هريرة.\n_________\n= (٢/ ٢٤٨) من طريق القعنبي، عن مالك عن عبد الله بن دينار به وانظر رقم (٥٧٧).\n(^٥٢٧) - صحيح ابن حبان (٨ / رقم ٣٢٥٨) أخبرنا إسماعيل بن داود بن وَرْدَان، حدثنا عيسى بن حماد، قال: أخبرنا الليث به، وأخرجه أحمد في \"المسند\" (٢/ ٣٧٩) والنسائي في \"التفسير\" من \"الكبرى\" (٦/ ١١٢١٧) ثنا قتيبة بن سعيد، أنا الليث به، و\"الحاكم في \"المستدرك\" (١/ ٣٨٩) شاهدًا من طريق أبي صالح وابن بكير قالا: ثنا الليث به، وأخرجه أحمد أيضًا (٢/ ٢٧٩) ثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر عن عاصم عن أبي صالح به.\n(^٥٢٨) - \" المسند\" (٢/ ٩٨) (٢/ ١٣٧، ١٥٦) والنسائي، كتاب الزكاة، باب مانع زكاة ماله (٥/ ٣٨، ٣٩) وابن خزيمة في \"صحيحه\" (٤/ ٢٢٥٧) من طرق عن عبد العزيز بن عبد الله به. ونقله المنذري في \"الترغيب والترهيب\" (١/ ٥٤٠) من طريق النسائي وصحح إسناده. وقول النسائي المنقول هنا غير موجود في \"السنن\" وقد خالف العقيلي النسائي، فأخرج حديث ابن عمر من طريق موسى بن داود، حدثنا عبد العزيز بن أبي سلمة به، وحديث أبي هريرة من طريق القعنبي، عن مالك، عن عبد الله بن دينار، عن أبي صالح عنه به، ثم قال: \"حديث مالك أولى\" وجمع المصنف أولى من القولين والله أعلم.\n_________\n[¬١]- في خ: \"بهزمته\".\n[¬٢]- في خ: \"لا تحسبن\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٤]- في خ: \"عمير\".\n[¬٥]- في خ: \"بطوقه\".\n[¬٦]- في خ: \"الفضيل\".\n[¬٧]- في خ: \"النضر عن هاشم\".\n[¬٨]- في خ: \"الله\".\n[¬٩]- في خ: عن أبيه.","vol":"3","page":278},{"text":"(قلت): ولا منافاة [بين الروايتين] [¬١]، فقد يكون عند عبد الله بن دينار من [¬٢] الوجهين، والله أعلم، وقد ساقه الحافظ أبو بكر بن مردويه من غير وجه، عن أبي صالح، عن أبي هريرة. ومن حديث محمد بن أبي حميد، عن زياد الخطمي، عن أبي هريرة- به.\n(حديث آخر) قال الإمام أحمد (^٥٢٩): حدثنا سفيان، عن جامع، عن أبي وائل، عن عبد الله عن النبي ﷺ؛ قال: \"ما من عبد لا يؤدي زكاة ماله؛ إلا جعل له شجاع أقرع، يتبعه يفر منه، وهو يتّبعه فيقول: أنا كنزك\"، ثم قرأ عبد الله مصداقه من كتاب الله: ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾.\nوهكذا رواه الترمذي والنسائي وابن ماجة من حديث سفيان بن عيينة، عن جامع بن أبي راشد، زاد الترمذي: وعبد الملك بن أعين [¬٣] كلاهما، عن أبي وائل شقيق بن سلمة [¬٤]، عن عبد الله بن مسعود به، وقال [¬٥] الترمذي: حسن صحيح. وقد رواه الحاكم في مستدركه (^٥٣٠)، من حديث أبي بكر بن عياش وسفيان الثوري، كلاهما عن أبي إسحاق السبيعي، عن أبي وائل، عن ابن مسعود به، ورواه ابن جرير من غير وجه عن ابن مسعود موقوفًا.\n_________\n(^٥٢٩) - \" المسند\" (١/ ٣٧٧) وأخرجه النسائي، كتاب الزكاة: باب التغليظ في حبس الزكاة (٥/ ١٢، ١١) وفي التفسير من الكبرى (٦/ ١١٠٨٤) أخبرنا مجاهد بن موسى وابن خزيمة في صحيحه (٤/ ٢٢٥٦) ثنا عبد الجبار بن العلاء كلاهما (مجاهد وعبد الجبار) عن سفيان به، وأخرجه الحميدي في مسنده (٩٣) ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره (٣/ ٤٥٧٨) والترمذي كتاب تفسير القرآن باب ومن سورة آل عمران (٣٠١٢)، وابن ماجه، كتاب الزكاة باب ما جاء في منع الزكاة (١٧٨٤)، والبزار في مسنده (٥/ ١٧٤٤) وابن جرير في تفسيره (٧/ ٨٢٨٩) معلقًا، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٤/ ٨١) من طرق عن سفيان بن عيينة عن عبد الملك بن أعين وجامع بن أبي راشد عن شقيق أبي وائل به وقال البزار: \"هذا الحديث لا نعلم رواه عن جامع بن أبي راشد ولا عن عبد الملك إلا سفيان بن عيينة\" وهو ثقة حافظ، وقد قال الترمذي: \"حديث حسن صحيح\".\n(^٥٣٠) - \" المستدرك\" للحاكم (٢/ ٢٩٨، ٢٩٩) بالإسناد الذي ذكره المصنف، لكن موقوفًا على ابن مسعود، وأخرجه ابن جرير (٧/ ٨٢٨٥، ٨٢٨٨)، وابن أبي حاتم (٣/ ٤٥٧٩) من طريق سفيان الثوري وأخرجه ابن جرير (٧/ ٨٢٨٦، ٨٢٨٧) وابن أبي حاتم (٣/ ٤٥٨٠) من طريق شعبة كلاهما (الثوري وشعبة) عن أبي إسحاق السبيعي به موقوفًا مختصرًا.\n_________\n[¬١]- في خ: \"بينهما\".\n[¬٢]- في خ: \"عن\".\n[¬٣]- في خ: \"أعيا\".\n[¬٤]- في خ: \"مسلمة\".\n[¬٥]- في خ: \"ثم قال\".","vol":"3","page":279},{"text":"(حديث آخر) قال الحافظ أبو يعلى (^٥٣١): حدثنا أمية بن بسطام، حدثنا يزيد بن زريع، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن سالم بن أبي الجعد، عن معدان بن أبي طلحة، عن ثوبان، عن النبي ﷺ قال: \"من ترك بعده كنزًا مثل له شجاعًا أقرع يوم القيامة، له زبيبتان يتبعه، فيقول [¬١]: من أنت؟ ويلك- فيقول: أنا كنزك الذي خلّفت بعدك؛ فلا يزال يتبعة حتى يلقمه يده فيقضمها ثم يتبع سائر جسده\"، إسناده جيد قوي ولم يخرجوه.\nوقد رواه الطبراني (^٥٣٢) عن جرير بن عبد الله البجلي، ورواه ابن جرير وابن مردويه (^٥٣٣) من حديث بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده عن النبي ﷺ؛ قال: \"لا يأتي الرجل مولاه\n_________\n(^٥٣١) - ذكره المصنف كما هنا في \"جامع المسانيد والسنن\" (٢/ ٤٦٣، ٤٦٤) وعزاه أيضًا لأبي يعلى وذكره الحافظ ابن حجر في \"المطالب العالية\" (١ / رقم ٨٧١) وزاد عزوه إلى البزار والحسن بن سفيان، ومن طريق الحسن بن سفيان، أخرجه ابن حبان في صحيحه (٨/ ٣٢٥٧) وأبو نعيم في \"الحلية\" (١/ ١٨١)، ثنا أمية ابن بسطام به وأخرجه البزار (١ / رقم ٨٨٢) والروياني (١ / رقم ٦١٠) وابن خزيمة في صحيحه (٤/ ٢٢٥٥) والطبراني في \"المعجم الكبير\" (٢/ ١٤٠٨) والحاكم في \"المستدرك\" (١/ ٣٨٨، ٣٨٩) من طريق يزيد بن زريع ثنا سعيد به، وأخرجه الحاكم أيضًا من طريق عبد الوهاب بن عطاء، أنبأ سعيد بن أبي عروبة به، وقال المصنف: \"إسناده جيد قوي ولم يخرجوه\" وقال الحاكم: \"حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه\" وقال الذهبي في تلخيصه: \"على شرطهما\" وكلام الحاكم أوجه، فإن ثوبان مولى رسول الله ﷺ وكذا معدان بن أبي طلحة، لم يخرج لهما البخاري في \"الصحيح\" وقال البزار: \"قد روى نحوه بلفظه من غير هذا الوجه، ولا نعلم له طريقًا إلا هذا الطريق، وإسناده حسن\" والحديث ذكره الهيثمي في \"المجمع\" (٣/ ٦٧) وقال: \"رواه البزار وقال: إسناده حسن، قلت- الهيثمي - ورجاله ثقاث، ورواه الطبراني في \"الكبير\".\n(^٥٣٢) - \" المعجم الكبير\" (٢/ ٢٣٤٣) ثنا عبيد العجلي والحضرمي، وفي \"المعجم الأوسط\" (٥/ ٥٥٩٣) ثنا محمد بن عبد الله الحضرمي، كلاهما (العجلي والحضرمي) قالا: ثنا عبد الله بن الحاكم بن أبي زياد القطواني، قال: ثنا إسحاق بن الربيع العصفري، عن داود بن أبي هند عن الشعبي عن جرير بن عبد الله قال: \"ما من ذي رحم يأتي ذا رحمه، يسأله فضلًا أعطاه الله إياه، فيبخل عليه، إلا أخرج الله له يوم القيامة من جهنم حية يقال لها: شجاع، يتلمظ، فيوطوق به\" وقال الطبراني: \"لم يرو هذا الحديث عن داود بن أبي هند، إلا إسحاق بن الربيع العصفري\" وهو شيخ بصرى يُغْرب كما قال أبو حاتم بن حبان في \"الثقات\" (٨/ ١٠٧) وذكره ابن حاتم في \"الجرح والتعديل\" (٢/ ٢٢٠) دون جرح أو تعديل: وقد أورده ابن عدي في \"الكامل\" (١/ ٣٣٤) وساق له حديثين من غرائبه، وقال الذهبي في \"الميزان\": \"صدوق إن شاء الله\" وجوَّد له هذا الحديث المنذري في \"الترغيب والترهيب\" (٢/ ٣٩) والهيثمي في \"المجمع\" (٨/ ١٥٧) وهذا بعيد والحديث لم ينسبه السيوطي في \"الدر المنثور\" (٢/ ١٨٥) لغير الطبراني.\n(^٥٣٣) - تفسير ابن جرير (٧/ ٨٢٨٤) واقتصار المصنف في عزوه إلى ابن جرير وابن مردويه تقصير، فقد أخرج الحديث عبد الرزاق في \"المصنف\" (٤/ ٦٨٦٤) ومن طريقه أحمد (٥/ ٢) والطبراني في \"المعجم الكبير\" (١٩/ ٩٧٨) عن معمر عن بهز بن حكيم به نحوه وكذا أخرجه أحمد (٥/ ٣، ٥) وأبو داود =\n_________\n[¬١]- في خ: \"ويقول\".","vol":"3","page":280},{"text":"فيسأله من فضل ماله عنده، فيمنعه إياه، إلا دعي له يوم القيامة شجاعًا، يتلمظ فضله الذي منع\" لفظ ابن جرير.\nوقال ابن جرير (^٥٣٤): حدثنا ابن المثني، حدثنا [¬١] عبد الأعلى، حدثنا داود، عن أبي قزعة [¬٢]، عن رجل، عن النبي ﷺ، قال: \"ما من ذي رحم يأتي ذا رحمه فيسأله من فضل، جعله الله عنده، فيبخل به عليه [¬٣]، إلا أخرج له من جهنم شجاع يتلمظ حتى يطوّقه\".\nثم رواه من طريق أخرى، عن أبي قزعة واسمه حجير [¬٤] بن بيان عن أبي مالك العبدي موقوفًا، ورواه من وجه آخر عن أبي قزعة مرسلًا.\n_________\n= كتاب الأدب، باب في بر الوالدين (٥١٣٩)، والنسائي: كتاب الزكاة، باب من يسأل ولا يعطى (٥/ ٨٢)، والطبراني (١٩/ ٩٧٩، ٩٨٣)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٤/ ١٧٩) وفي \"الشعب\" (٣/ ٣٣٩٠) والبغوي في \"شرح السنة\" (١٣/ ٣٤١٧) من طرق عن بهز بن حكيم به مطولًا ومختصرًا وهذا إسناد حسن مشهور والحديث ذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" (٢/ ١٨٥) وزاد نسبته إلى عبد بن حميد والترمذي، وكذا عزاه المنذري في \"الترغيب والترهيب\" (٢/ ٣٨) إلى الترمذي، والذي في الترمذي (١٨٩٧، ٢٣١٥، ٢٧٩٤) بهذا الإسناد، بغير هذا اللفظ.\n(^٥٣٤) - تفسير ابن جرير (٧/ ٨٢٨٢) وأخرجه أيضًا (٧/ ٨٢٨٣) حدثنا ابن المثنى، قال: حدثنا أبو معاوية محمد بن خازم، قال: حدثنا داود، عن أبي قزعة حجر بن بيان قال: قال رسول الله ﷺ فذكر الحديث كذا وقع هذا الإسناد هكذا في تفسير ابن جرير، قال محققه في \"الحاشية\"، \"وهو خطأ من وجهين فأولًا: \"حجر\" صوابه \"حجير\" بالتصغير، وقد وقع هذا الخطأ في \"الإصابة\" أيضًا في ترجمة \"أبي مالك العبدي\"، \"عن أبي قزعة سويد بن حجر\" وهو خطأ ناسخ أو طابع، لا شك في ذلك، لأن الحافظ ترجم لأبي قزعة في \"التهذيب\" وغيره على الصواب \"سويد بن حجير\" وثانيًا: سقط هنا بين الكنية والاسم كلمة \"بن\" لأن حجير بن بيان -هو والد أبي قزعة وليس اسمه، وأبوه \"حجير بن بيان\" مذكور في الصحابة، وقد أخرجه ابن أبي شيبة في \"تفسيره\" (٢ / رقم ٥٩٣) نا أبو معاوية عن داود عن أبي قزعة عن حجير بن بيان قال: قال النبي ﷺ الحديث: هذا إسناد صحيح. وقد عزاه الحافظ ابن حجر في \"الإصابة\" (ترجمة حُجير بن بيان) إلى تقى بن مخلد في مسنده من طريق داود بن أبي هند به وأخرجه ابن جرير أيضًا (٧/ ٨٢٨١) حدثني الحسن بن قزعة، قال: حدثنا مسلمة بن علقمة قال: حدثنا داود، عن أبي قزعة، عن أبي مالك العبدي قال: فذكره موقوفًا وأبو مالك العبدي ترجم له الحافظ ابن حجر في \"الإصابة\" وبنى ترجمته على هذا الحديث فأشار إلى هذه الرواية ورواية \"أبي قزعة سويد بن حجر كذا ونبهنا أنه خطأ عن رجل\" ورواية أبي قزعة المرسلة ثم قال: \"وأخرجه الثعلبي- لكن قال \"عن رجل من قيس\" وأبو قزعة تابعي بصرى مشهور لكنه كان يرسل عن الصحابة فهو على الاحتمال\" يعني أن أبا مالك العبدي قد يكون صحابيًّا، لأن أبا قزعة يروى عن الصحابة ويرسل الرواية عنهم.\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- في خ: \"فرع\".\n[¬٣]- في خ: \"عنه\".\n[¬٤]- في خ: \"حجر\".","vol":"3","page":281},{"text":"وقال [¬١] العوفي عن ابن عباس: نزلت في أهل الكتاب الذين بخلوا بما في أيديهم من الكتب المنزلة أن يبينوها، رواه ابن جرير (^٥٣٥)، والصحيح الأول، وإن دخل هذا في معناه، وقد يقال: إن هذا [¬٢] أولى بالدخول، والله [﷾] أعلم. وقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، أي: فأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه، فإن الأمور كلها مرجعها إلى الله ﷿. فقدموا لكم [¬٣] من أموالكم ما ينفعكم يوم معادكم ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ أي: بنياتكم وضمائركم.\n﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (١٨١) ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (١٨٢) الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَينَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٨٣) فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ (١٨٤)﴾\nقال سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: لما نزل قوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ قالت اليهود: يا محمد، افتقر ربك فسأل عباده القرض؟ فأنزل الله: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ﴾ الآية، رواه ابن مردويه وابن أبي حاتم (^٥٣٦).\nوقال محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة، أنه حدثه عن ابن عباس ﵄ قال: دخل أبو بكر الصديق ﵁ بيت المدارس [¬٤]، فوجد من\n_________\n(^٥٣٥) - تفسير ابن جرير (٧/ ٨٢٩٧).\n(^٥٣٦) - تفسير ابن أبي حاتم (٣/ ٤٥٨٨) ولم ينسبه السيوطي في \"الدر المنثور\" (٢/ ١٨٦) لغير ابن أبي حاتم.\n_________\n[¬١]- في خ: \"وروى\".\n[¬٢]- في خ: \"هنا\".\n[¬٣]- سقط من: ت.\n[¬٤]- في خ: \"المدارس\".","vol":"3","page":282},{"text":"يهود ناسًا [¬١] كثيرة قد اجتمعوا إلى رجل منهم يقال له: فنحاص، وكان من علمائهم وأحبارهم، ومعه حبر يقال له [¬٢]: أشيع، فقال له أبو بكر: ويحك يا فنحاص؛ اتق الله وأسلم، فوالله إنك لتعلم أن محمدًا رسول [من عند] [¬٣] الله، قد جاءكم بالحق من عنده، تجدونه مكتوبًا عندكم في التوراة والإِنجيل. فقال فنحاص: والله يا أبا بكر، ما بنا إلى الله من حاجة من فقر، وإنه إلينا لفقير، ما نتضرع إليه كما يتضرع إلينا، وإنا عنه لأغنياء، ولو كان عنا غنيًّا ما استقرض منا كما يزعم صاحبكم، ينهاكم عن الربا [ويُعطناه، ولو كان غنيًّا ما أعطانا الربا] [¬٤]، فغضب أبو بكر ﵁ فضرب وجه فنحاص ضربًا شديدًا؛ وقال: والذي نفسي بيده، لولا الذي بيننا وبينك من العهد لضربت عنقك يا عدوّ الله، فأكذبونا ما استطعتم إن كنتم صادقين. فذهب فنحاص إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فقال: يا محمد، أبصر ما صنع بي صاحبك، فقال، رسول الله ﷺ: \"مما حملك على ما صنعت يا أبا بكر\" فقال: يا رسول الله؛ إن عدوّ الله قد [¬٥] قال قولًا عظيمًا؛ يزعم [¬٦] أن الله فقير وأنهم عنه أغنياء، فلما قال ذلك غضبت لله مما قال فضربت: جهه، فجحد ذلك فنحاص وقال: ما قلت ذلك، فأنزل الله فيما قال فنحاص ردًّا عليه [¬٧] وتصديقًا لأبي بكر: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ الآية. رواه ابن أبي حاتم (^٥٣٧).\nوقوله: ﴿سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا﴾ تهديد ووعيد، ولهذا قرنه تعالى بقوله: ﴿وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾، أي: هذا قولهم في الله؛ وهذه معاملتهم لرسل الله، وسيجزيهم الله على ذلك شر الجزاء؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (١٨١) ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ أي: يقال لهم ذلك تقريعًا وتوبيخًا وتحقيرًا وتصغيرًا.\nوقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ﴾ يقول تعالى [تكذيبًا لهؤلاء] [¬٨] الذين زعموا أن الله عهد إليهم في كتبهم أن لا يؤمنوا\n_________\n(^٥٣٧) - تفسير ابن أبي حاتم (٣/ ٤٥٨٩) والحديث في \"السيرة\" لابن هشام (٢/ ٥٩٢، ٥٩٣) وكذا أخرجه ابن جرير في تفسيره (٧/ ٨٣٠٠) من طريق محمد بن إسحاق به، وزاد نسبته السيوطي في \"الدر المنثور\" (٢/ ١٨٦) إلى ابن المنذر. ومحمد بن أبي محمد وهو الأنصاري مولى زيد بن ثابت، ذكره ابن حبان في \"الثقات\" (٧/ ٣٩٢) وقال الذهبي في \"الميزان\": لا يُعْرف.\n_________\n[¬١]- في خ: \"أناسًا\".\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٥]- سقط من: ت.\n[¬٦]- في خ: \"زعم\".\n[¬٧]- سقط من: خ.\n[¬٨]- في خ: \"تكذيبًا أيضًا لهؤلاء\".","vol":"3","page":283},{"text":"لرسول [¬١]؛ حتى يكون من معجزاته أن من تصدق بصدقة من أمته، فتقبلت [¬٢] منه، أن تنزل نار من السماء تأكلها؛ قاله ابن عباس والحسن وغيرهما. قال الله [﷿] [¬٣]: ﴿قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ﴾، أي: بالحجج والبراهين، ﴿وبالذي قلتم﴾، أي: وبنار تأكل القرابين المتقبلة، ﴿فلم قتلتموهم﴾، أي: فلم قابلتموهم [¬٤] بالتكذيب والمخالفة والمعاندة وقتلتموهم ﴿إن كنتم صادقين﴾ أنكم تتبعون الحق، وتنقادون للرسل.\nثم قال تعالى مسليًا لنبيه ﷺ: ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ﴾ [أي: لا يوهنك] [¬٥] تكذيب هؤلاء لك، فلك أسوة بمن قبلك من الرسل الذين كُذبوا مع ما جاءوا به من البينات، وهي الحُجج والبراهين القاطعة ﴿والزبر﴾، وهي الكتب المتلقاة من السماء، كالصحف المنزلة على المرسلين ﴿والكتاب المنير﴾ أي: البين الواضح الجلي.\n﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إلا مَتَاعُ الْغُرُورِ (١٨٥) لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (١٨٦)﴾\nيخبر تعالى إخبارًا عامًّا يعم جميع الخليقة، بأن كل نفس ذائقة الموت، كقوله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيهَا فَانٍ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ فهو تعالى وحده هو الحي الذي لا يموت، والجن والإنس يموتون، وكذلك الملائكة. وحملة العرش، وينفرد الواحد الأحد القهار بالديمومة والبقاء، فيكون آخرًا كما كان أولًا، وهذه الآية فيها تعزية لجميع الناس؛ فإنه لا يبقى أحد على وجه الأرض حتى يموت، فإذا انقضت المدّة، [وفرغت النطفة] التي قدّر الله وجودها من صلب آدم، وانتهت البرية، أقام الله القيامة، وجازى الخلائق بأعمالها جليلها [وحقيرها، قليلها وكثيرها، كبيرها وصغيرها،] [¬٦] فلا يظلم أحدًا مثقال ذرّة؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وإنما\n_________\n[¬١]- في خ: \"برسول\".\n[¬٢]- في خ: \"فقبلت\".\n[¬٣]- في خ: \"تعالى\".\n[¬٤]- في خ: \"قاتلتموهم\".\n[¬٥]- في خ: \"يهدنك\".\n[¬٦]- في خ: \"وقليلها وكثيرها وحقيرها\".","vol":"3","page":284},{"text":"تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾.\nقال [¬١] ابن أبي حاتم (^٥٣٨): حدثنا أبي، حدثنا عبد العزيز الأويسي، حدثنا [علي بن أبي علي اللهبي، عن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين، عن أبيه، عن] [¬٢] علي بن أبي طالب ﵁ قال: لما تُوفي النبي ﷺ: وجاءت التعزية، جاءهم آت يسمعون حسه ولا يرون شخصه، فقال: \"السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله وبركاته، ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾، إن في الله عزاءً من كل مصيبة، وخلفًا من كل هالك، ودركًا من كل فائت، فبالله فثقوا، وإياه فارجوا؛ فإن المصاب [¬٣] من حرم الثواب، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته\". قال جعفر بن محمد: فأخبرني أبي، أن علي بن أبي طالب قال: أتدرون [¬٤] من هذا؟ هذا الخضر ﵇.\nوقوله: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾، [أي: من جنب النار، ونجا منها وأدخل الجنة، فقد فاز] [¬٥] كل الفوز.\n_________\n(^٥٣٨) - تفسير ابن أبي حاتم (٣/ ٤٦٠٩) وعزاه الحافظ ابن حجر في \"لسان الميزان\" (٤/ ٢٨٥) ترجمة علي بن أبي علي اللهبي إلى أبي حاتم بن حبان في كتاب \"الثقات\" ولم أهتد إليه في الكتاب المشار إليه. وعلي بن أبي على هذا تركه أبو حاتم والنسائي والعقيلي وقال البخاري: \"منكر الحديث\"، وقال ابن معين: \"ليس بشيء\" وضعفه أبو زرعة وابن الجارود والخطيب وغيرهم، وقال ابن عدي: \"الكامل\" (٥/ ١٨٣١): \"أحاديثه كلها غير محفوظة\" وأخرجه البيهقي في \"دلائل النبوة\" (٧/ ٢٦٧، ٢٦٨) من طريق المزني ثنا الشافعي عن القاسم بن عبد الله بن عمر بن حفص عن جعفر بن محمد عن أبيه أن رجالًا من قريش دخلوا على أبيه علي بن الحسين فذكر حديثًا طويلًا وفيه اللفظ الذي هنا وقد ذكره بطوله المصنف في \"البداية والنهاية\" (٥/ ٢٩٧، ٢٩٨) وقال: \"وهذا الحديث مرسلًا وفي إسناده ضعف بحال القاسم العمرى هذا؛ فإنه قد ضعفه غير واحد من الأئمة، وتركه بالكلية الآخرون\" ثم رواه البيهقي (٧/ ٢٦٧) من طريق الشافعي أخبرنا القاسم بن عبد الله بن عمر، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده فذكر منه قصة التعزية فقط موصولًا والقاسم العمرى المذكور متروك من طريق أبي الوليد المخزومي- وهو متروك- عن أنس بن عياض عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر بن عبد الله فذكره بنحوه، وليس فيهما أن قائل ذلك هو الحضر وقال البيهقي: \"هذان الإسنادان وإن كانا ضعيفين، فأحدهما يتأكد بالآخر، ويدلك على أن له أصلًا من حديث جعفر والله أعلم\" ثم أخرجه من طريق عباد بن عبد الصمد عن أنس بن مالك فذكره بنحوه وفيه هذا القول منسوبًا إلى الخضر، لكن قال البيهقي: \"عباد بن عبد الصمد ضعيف\" وهذا منكر بمرَّة\".\n_________\n[¬١]- في خ: \"وقال\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٣]- في خ: \"المصائب\".\n[¬٤]- في خ: \"تدرون\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.","vol":"3","page":285},{"text":"قال ابن أبي حاتم (^٥٣٩): حدثنا أبي، حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري، حدثنا محمد بن عمرو بن علقمة، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة [﵁] قال: قال رسول الله ﷺ: \"موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها؛ اقرءوا إن شئتم ﴿فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز﴾.\nهذا حديث ثابت في الصحيحين (^٥٤٠) من غير هذا الوجه بدون هذه الزيادة. وقد [رواه بهذه] [¬١] الزيادة أبو حاتم ابن حبان في صحيحه، والحاكم في مستدركه من حديث محمد بن عمرو.\nهذا ورواه [¬٢] ابن مردويه من وجه آخر (^٥٤١) فقال: حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، حدثنا محمد بن يحيى، أنبأنا حميد بن مسعدة، أنبأنا عمرو بن علي، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد، قال: قال رسول الله ﷺ: \"لموضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما\n_________\n(^٥٣٩) - تفسير ابن أبي حاتم (٣/ ٤٦١٠) وأخرجه أحمد (٢/ ٤٣٨) والترمذي، كتاب تفسير القرآن، باب ومن سورة آل عمران (٣٠١٣)، وباب ومن سورة الواقعة (٣٢٩٢)، والنسائي في \"التفسير\" من \"الكبرى\" (٦/ ١١٠٨٥) وابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٨/ ٧٠) وهناد في \"الزهد\" (١ / رقم ١١٣)، والدارمي في سننه (٢٨٢٣) وابن جرير (٧/ ٨٣١٥) وأبو نعيم في \"صفة الجنة\" (١ / رقم ٥٣) والبيهقي في \"البعث\" (٣٨٩) من طرق عن محمد بن عمرو به، وقال الترمذي: \"حديث حسن صحيح\" وصححه الحاكم (٢/ ٢٩٩) على شرط مسلم ووافقه الذهبي، وكذا صححه ابن حبان (١٦/ ٧٤١٧) والبغوي في شرح السنة (١٥/ ٤٣٧٢).\n(^٥٤٠) - كذا عزا اللفظ للصحيحين، وإنما أخرجه البخاري، كتاب الجهاد، باب فضل رباط يوم في سبيل الله (٢٨٩٢) من طريق عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار عن أبي حازم عن سهل بن سعد الساعدى- ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \"رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها وموضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما عليها، والروحة يروحها العبد في سبيل الله أو الغدوة خير من الدنيا وما عليها\" وقد أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإمارة باب فضل الغدوة والروحة في سبيل الله (١١٣) (١٨٨١) من طريق (عبد العزيز بن أبي حازم وسفيان الثوري) عن أبي حازم عن سهل بن سعد مرفوعًا مقتصرًا على الجزء الثالث من الحديث.\n(^٥٤١) - وعزاه لابن مردويه السيوطي في \"الدر المنثور\" (٢/ ١٨٨) وفي إسناده عمر بن علي وهو المقُدَّمي أثنى عليه أحمد، غير أنه قال: \"كان يدلس\" وكذا قال يحيى بن معين، وقال ابن سعد: \"كان ثقة، وكان يدلس تدليسًا شديدًا\"، وقال أبو حاتم: \"محله الصدق، ولولا تدليسه لحكمنا له إذا جاء بزيادة، غير أنا نخاف أن يكون أخذه عن غير ثقة\" وهو هنا لم يصرح بالسماع على أنه قد رواه أحمد وابنه عبد الله في \"المسند\" (٣/ ٤٣٣) من طريق أبي كامل الجحدري وفضيل بن الحسن والليث بن خالد وأبي بشر عاصم بن عمر) عنه عن أبي حازم به وليس فيه ذكر الآية وانظر السابق والآتي هنا برقم (٦٤٤).\n_________\n[¬١]- في ت: \"رواه بدون بهذه\".\n[¬٢]- في خ: \"وقال\".","vol":"3","page":286},{"text":"فيها\" ثم تلا هذه الآية: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾.\nوتقدّم عند قوله تعالى: ﴿وَلَا تَمُوتُنَّ إلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ما رواه الإمام أحمد (^٥٤٢) عن وكيع [بن الجراح في تفسيره] [¬١]، عن الأعمش، عن زيد بن وهب، عن عبد الرحمن بن عبد رب الكعبة، عن عبد الله بن عمرو بن العاص؛ قال: قال رسول الله ﷺ: \"من أحب أن يزحزح عن النار وأن [¬٢] يدخل الجنة فلتدركه منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وليأت إلى الناس ما يحب أن يؤتى إليه\".\n[وقد رواه الإمام أحمد في مسنده عن وكيع به، وقوله تعالى] [¬٣]: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ تصغير لشأن الدنيا، وتحقير لأمرها، وأنها دنيئة فانية قليلة زائلة، كما قال تعالى: ﴿بل تؤثرون الحياة الدنيا والآخرة خير وأبقى﴾، وقال تعالى: ﴿وما [¬٤] أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا وزينتها، وما عند الله خير وأبقى﴾، وفي الحديث (^٥٤٣): \" والله ما الدنيا في الآخرة إلا كما يغمس أحدكم أصبعه في اليم فلينظر بما [¬٥] ترجع إليه\".\nوقال قتادة في قوله تعالى: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ قال [¬٦]: [هي متاع] [¬٧] متروكة، أوشكت والله الذي لا إله إلا هو أن تضمحل عن أهلها، فخذوا من هذا المتاع طاعة الله إن استطعتم، ولا قوّة إلا بالله.\nوقوله تعالى: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾، كقوله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ﴾ إلى آخر الآيتين. أي: لا بد أن يبتلى المؤمن في شيء من ماله أو نفسه أو ولده أو أهله، ويبتلى المؤمن [¬٨] على قدر دينه؛ فإن كان في دينه صلابة زيد في البلاء، ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا﴾ يقول تعالى للمؤمنين عند مقدمهم المدينة قبل وقعة بدر، مسليًّا لهم عما ينالهم [¬٩]\n_________\n(^٥٤٢) - \" المسند\" (٢/ ١٩١) وقد تقدم تخريجه هناك برقم (٢٧٤).\n(^٥٤٣) - أخرجه مسلم، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأصلها، باب فناء الدنيا (٥٥) (٢٨٥٨)، ويأتي تخريجه بأوسع مما هنا في سورة الرعد / آية ٢٦.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٢]- في ت: \"ويدخل\".\n[¬٣]- في خ: \"وقوله\".\n[¬٤]- في خ: \"فما\".\n[¬٥]- في خ: \"بم\".\n[¬٦]- سقط من: خ.\n[¬٧]- تكررت في: ت.\n[¬٨]- في خ: \"المرء\".\n[¬٩]- في خ: \"نالهم\".","vol":"3","page":287},{"text":"من الأذى من أهل الكتاب والمشركين، وآمرًا لهم بالصفح والصبر والعفو حتى يفرج الله، فقال تعالى: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾.\nقال [¬١] ابن أبي حاتم (^٥٤٤): حدثنا أبي، حدثنا أبو اليمان، حدثنا شعيب بن أبي حمزة، عن الزهري، أخبرني عروة بن الزبير؛ أن أسامة بن زيد أخبره؛ قال: كان النبي ﷺ وأصحابه يعفون عن المشركين وأهل الكتاب، كما أمرهم الله، ويصبرون على الأذى، قال الله تعالى: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا﴾ قال: وكان رسول الله ﷺ يتأول في العفو ما أمره الله به، حتى أذن الله فيهم.\nهكذا ذكره [¬٢] مختصرًا. وقد ذكره [¬٣] البخاري (^٥٤٥) عند تفسير هذه الآية مطولًا، فقال: حدثنا أبو اليمان، أنبأنا شعيب، عن الزهري، أخبرني عروة بن الزبير، أن أسامة بن زيد حدّثه [¬٤] أن رسول الله ﷺ ركب على حمار عليه قطفة فدكية، وأردف أسامة بن زيد وراءه، يعود سعد بن عبادة ببني [¬٥] الحارث بن الخزرج قبل وقعة بدر، قال [¬٦]: حتى مر [على مجلس] [¬٧] فيه عبد الله بن أبي بن سلول، وذلك قبل أن يسلم [عبد الله] [¬٨] بن أبي، وإذا في المجلس أخلاط من المسلمين والمشركين عبدة الأوثان و[أهل الكتاب] [¬٩] اليهود والمسلمين، وفي المجلس عبد الله بن رواحة، فلما غشيت المجلس عجاجة الدابة، خمر عبد الله بن أبي أنفه بردائه، وقال: لا تغبروا علينا، فسلم رسول الله ﷺ، ثم وقف، فنزل ودعاهم [¬١٠] إلى الله ﷿ وقرأ عليهم القرآن، فقال عبد الله بن أبي: أيها المرء إنه لا أحسن مما تقول، إن كان حقًّا، فلا تؤذنا به في مجالسنا، ارجع إلى رحلك، فمن جاءك فاقصص عليه، فقال عبد الله بن\n_________\n(^٥٤٤) - تفسير ابن أبي حاتم (٣/ ٤٦١٨) وانظر ما بعده.\n(^٥٤٥) - صحيح البخاري كتاب التفسير، باب ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا﴾ (٤٥٦٦) وأخرجه أحمد (٥/ ٢٠٣) ثنا أبو اليمان به، وأخرجه البخاري، كتاب الجهاد، باب الرّدف على الحمار (٢٩٨٧) وانظر أطرافه الأخرى عند هذا الموضع ومسلم، كتاب الجهاد والسير، باب في دعاء النبي ﷺ وصبره على أذى المنافقين (١١٦) (١٧٩٨) والترمذي، كتاب الاستئذان، باب ما جاء في السلام على مجلس فيه المسلمون وغيرهم (٢٧٠٢) والنسائي في \"الكبرى\" كما في \"التحفة\" (١ / رقم ١٠٥) وأحمد (٥/ ٢٠٣) من طرق عن الزهري به مطولًا ومختصرًا.\n_________\n[¬١]- في خ: \"وقال\".\n[¬٢]- في خ: \"رواه\".\n[¬٣]- في خ: \"ذكر\".\n[¬٤]- في خ: \"أخبره\".\n[¬٥]- في خ: \"في بني\".\n[¬٦]- سقط من: ت.\n[¬٧]- في خ: \"بمجلس\".\n[¬٨]- ما بين المعكوفتين سقط من: ت.\n[¬٩]- ما بين المعكوفين سقط من: خ.\n[¬١٠]- في خ: \"فدعاهم\".","vol":"3","page":288},{"text":"رواحة ﵁ بلى يا رسول الله فاغشنا به في مجالسنا فإنا نحب ذلك، فاستب المسلمون والمشركون واليهود حتى كادوا يتثاورون، فلم يزل النبي ﷺ يخفضهم حتى سكتوا، ثم ركب النبي ﷺ دابته فسار حتى دخل على سعد بن عبادة، فقال له النبي ﷺ: \"يا سعد، ألم تسمع إلى ما قال أبو حباب\" يريد عبد الله بن أبي، قال كذا وكذا، فقال سعد: يا رسول الله؛ اعف عنه واصفح [¬١]، فوالذي أنزل عليك الكتاب، لقد جاءك [¬٢] الله بالحق الذي نزل [¬٣] عليك، ولقد اصطلح أهل هذه البحيرة على أن يتوجوه فيعصبوه [¬٤] بالعصابة، فلما أبي الله ذلك بالحق الذي أعطاك الله شرق بذلك، فذاك الذي فعل به ما رأيت، فعفا عنه رسول الله ﷺ، وكان رسول الله ﷺ وأصحابه يعفون عن المشركين وأهل الكتاب كما أمرهم الله ويصبرون على الأذى، قال الله تعالى: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا﴾ الآية. وقال تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ [مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ] [¬٥]﴾ الآية وكان النبي ﷺ يتأوّل في العفو ما أمره الله به حتى أذن الله له [¬٦] فيهم، فلما غزا رسول الله ﷺ بدرًا فقتل الله به [¬٧] صناديد كفار قريش، قال عبد الله بن أبي بن سلول ومن معه من المشركين وعبدة الأوثان: هذا أمر قد توجه، فبايعوا الرسول [¬٨]ﷺ على الإسلام، فبايعوا وأسلموا. فكل [¬٩] من قام بحق، أو أمر بمعروف، أو نهى عن منكر، فلابدّ أن يؤذى، فما له دواء إلا الصبر في الله، والاستعانة بالله، والرجوع إلى الله، ﷿.\n﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ (١٨٧) لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٨٨) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ (١٨٩)﴾\n_________\n[¬١]- في خ: \"واصح عنه\".\n[¬٢]- في خ: \"جاء\".\n[¬٣]- في خ: \"أنزل\".\n[¬٤]- في خ: \"ويعصبوه\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٦]- سقط من: خ.\n[¬٧]- سقط من: خ.\n[¬٨]- في خ: \"رسول الله\".\n[¬٩]- في خ: \"فكان\".","vol":"3","page":289},{"text":"هذا توبيخ من الله، وتهديد لأهل الكتاب الذين أخذ الله عليهم العهد على ألسنة الأنبياء أن يؤمنوا بمحمد ﷺ، وأن ينوهوا بذكره في الناس، فيكونوا على أهبة من أمره، فإذا أرسله الله تابعوه، فكتموا ذلك وتعوضوا [¬١] عما وعدوا عليه من الخير في الدنيا والآخرة بالدون الطفيف، والحظ الدنيوي السخيف [¬٢]، فبئست الصفقة صفقتهم، وبئست البيعة بيعتهم.\nوفي هذا تحذير للعلماء أن يسلكوا [¬٣] مسلكهم فيصيبهم ما أصابهم، ويسلك بهم مسلكهم.\nفعلى العلماء أن يبذلوا ما بأيديهم من العلم النافع، الدال على العمل الصالح، ولا يكتموا [¬٤] منه شيئًا، فقد ورد في الحديث المروي من طرق متعددة عن النبي ﷺ أنه قال: \"من سئل عن علم فكتمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار\" (^٥٤٦).\nوقوله تعالى: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ [¬٥] الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا﴾ الآية، يعني بذلك المرائين المتكثرين بما لم يعطوا، كما جاء في الصحيح (^٥٤٧) عن النبي ﷺ: \"من ادعى دعوى كاذبة ليتكثر بها؛ لم يزده الله إلا قلة\"، وفي [الصحيحين (^٥٤٨) [أيضًا] [¬٦]: \"المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور\".\nوقال الإِمام أحمد (^٥٤٩): حدثنا حجاج، عن ابن جريج، أخبرني ابن أبي مليكة، أن حميد\n_________\n(^٥٤٦) - تقدم تخريجه في \"المقدمة\" وسورة البقرة / آية ١٥٩.\n(^٥٤٧) - هو جزء من حديث أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب غلظ تحريم قتل الإنسان نفسه (١٧٦) (١١٠) من حديث ثابت بن الضحاك، وأصل هذا الحديث عند البخاري كتاب الجنائز، باب ما جاء في قاتل النَّفْس (١٣٦٣) دون هذه اللفظة، وقد أفاد الحافظ ابن حجر في \"الفتح\" (١١/ ٥٣٨) أنها من زيادات مسلم.\n(^٥٤٨) - أخرجه البخاري، كتاب النكاح، باب المتشبع بما لم يَنَل، وما يُنهى من افتخار الضرَّة (٥٢١٩) ومسلم، كتاب اللباس والزينة، باب النهي عن التزوير في اللباس وغيره، والتشبع بما لم يعط (١٢٦) (٢١٢٩) وكذا أخرجه أحمد (٦/ ٣٤٥، ٣٤٦، ٣٥٣) وأبو داود، كتاب الأدب، باب في المتشبع بما لم يعط (٤٩٩٧)، والنسائي في \"الكبرى\" كتاب عشرة النساء، باب المتشبعة بغير ما أعطيت (٥/ ٨٩٢١، ٨٩٢٢) من حديث أسماء بنت أبي بكر، أخرجه مسلم (١٢٦) (٢١٢٩)، والنسائي (٥/ ٨٩٢٠) من حديث عائشة لكن أعل هذه الرواية النسائي ومن بعده أبو الحسن الدارقطني في \"التتبع\" وأجاب عن ذلك الحافظ ابن حجر، فراجع \"فتح الباري\" (٩/ ٣١٨، ٣١٩).\n(^٥٤٩) - \" المسند\" (١/ ٢٩٨) وأخرجه البخاري، كتاب التفسير، باب ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ =\n_________\n[¬١]- في خ: \"وتعرضوا وتعوضوا\".\n[¬٢]- في خ: \"الخسيف\".\n[¬٣]- في خ: \"تسلكوا\".\n[¬٤]- في خ: \"ولا يكتمون\".\n[¬٥]- في خ: \"ولا يحسبن\".\n[¬٦]- سقط من ت.","vol":"3","page":290},{"text":"ابن عبد الرحمن بن عوف أخبره أن مروان قال: اذهب يا رافع -لبوابه- إلى ابن عباس، ﵁ فقل: لئن كان كل امرئ منا فرح بما أتي، وأحب أن يحمد بما لم يفعل معذبًا؛ لنعذبن أجمعون [¬١]. فقال ابن عباس: ما لكم وهذه؟ إنما نزلت هذه في أهل الكتاب، ثم تلا ابن عباس: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ (١٨٧)﴾ [ثم تلا] [¬٢] ابن عباس: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ [¬٣] الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا﴾ الآية. وقال ابن عباس: سألهم النبي ﷺ عن شيء فكتموه إياه، وأخبروه بغيره، فخرجوا قد [¬٤] أروه أن قد أخبروه بما سألهم عنه، واستحمدوا بذلك إليه، وفرحوا بما [أتوا من كتمانهم إيَّاه ما سألهم عنه] [¬٥].\nوهكذا رواه البخاري في التفسير ومسلم، والترمذي والنسائي في تفسيريهما [¬٦]، وابن أبي حاتم، وابن جرير، والحاكم في مستدركه وابن مردويه، كلهم من حديث عبد الملك بن جريج بنحوه. ورواه البخاري (^٥٥٠) أيضًا [¬٧] من حديث ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن علقمة بن وقاص؛ أن مروان قال لبوابه: اذهب يا رافع إلى ابن عباس، فذكره.\nوقال البخاري (^٥٥١): حدثنا سعيد بن أبي مريم، أنبأنا محمد بن جعفر، حدثني زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رجالًا من المنافقين [على\n_________\n= بما أتوا﴾ (٤٥٦٨) ومسلم، فاتحة كتاب صفات المنافقين وأحكامهم (٨) (٢٧٧٨)، والترمذي، كتاب تفسير القرآن، باب ومن سورة آل عمران (٣٠١٤) والنسائي في \"التفسير\" من \"الكبرى\" (٦/ ١١٠٨٦) وابن أبي حاتم (٣/ ٤٦٤٧) وابن جرير (٧/ ٨٣٤٩) والطبراني في \"المعجم الكبير\" (١٠/ ١٠٧٣٠) من طرق عن حجاج بن محمد به، ومع أنه متفق عليه فقد استدركه الحاكم (٢/ ٢٩٩) من طريق محمد بن عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج عن أبيه به، وصحح إسناده ووافقه الذهبي ومحمد بن عبد الملك لم يوثقه غير ابن حبان \"الثقات\" (٩/ ٥٦) وقال الذهبي نفسه في \"الميزان\": \"لا يعرف\".\n(^٥٥٠) - أخرجه البخاري (٤٥٦٨) حدثني إبرهيم بن موسى أخبرنا هشام أن ابن جريج أخبرهم عن ابن أبي مليكة به، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره (١/ ١٤١، ١٤٢) ومن طريقه ابن جرير (٧/ ٨٣٤٨) أخبرنا ابن جريج به.\n(^٥٥١) - صحيح البخاري، كتاب التفسير، باب ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا﴾ (٤٥٦٧)، ومسلم فاتحة كتاب صفات المنافقين وأحكامهم (٧) (٢٧٧٧).\n_________\n[¬١]- في خ: \"أجمعين\".\n[¬٢]- في خ: \"وتلا\".\n[¬٣]- في خ: \"ولا تحسبن\".\n[¬٤]- سقط من: خ.\n[¬٥]- في خ: \"أوتوا من كتابهم ما يسألهم عنه\".\n[¬٦]- في خ: \"تفسيرهما\".\n[¬٧]- سقط من: ت.","vol":"3","page":291},{"text":"عهد رسول الله ﷺ] [¬١] كان إذا خرج رسول الله ﷺ إلى الغزو تخلفوا عنه، وفرحوا بمقعدهم خلاف رسول الله ﷺ، فإذا قدم رسول الله ﷺ من الغزو اعتذروا إليه وحلفوا، وأحبوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا، فنزلت: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا﴾ الآية.\nوكذا رواه مسلم من حديث ابن أبي مريم بنحوه، وقد رواه ابن مردويه (^٥٥٢) في تفسيره من حديث الليث بن سعد عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم؛ قال: كان [¬٢] أبو سعيد ورافع بن خديج [¬٣] وزيد بن ثابت عند مروان فقال: يا أبا سعيد، أرأيت [¬٤] قوله [¬٥] تعالى: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا﴾ ونحن نفرح بما أتينا [¬٦]، نحب أن نحمد بما لم نفعل؟ فقال أبو سعيد: إن هذا ليس من ذاك، إنما [¬٧] ذلك أن ناسًا من المنافقين كانوا يتخلفون إذا بعث رسول الله ﷺ، فإن كان فيهم نكبة فرحوا بتخلفهم، وإن كان لهم نصر [من الله وفتح] [¬٨] حلفوا لهم ليرضوهم ويحمدوهم على سرورهم بالنصر والفتح، فقال مروان: أين هذا من هذا؟ فقال أبو سعيد: وهذا يعلم هذا؟ [فقال مروان:] [¬٩] أكذلك يا زيد؟ قال: نعم، صدق أبو سعيد. ثم قال أبو سعيد؟ وهذا يعلم ذاك -يعني رافع بن خديج [¬١٠]- ولكنه يخشى إن أخبرك أن تنزع قلائصه في الصدقة، فلما خرجوا قال زيد لأبي سعيد الخدري: ألا تحمدني على [ما شهدت] [¬١١] لك؟ فقال له أبو سعيد: شهدت الحق، فقال زيد: أو لا تحمدني على ما شهدت الحق؟\nثم رواه من حديث مالك، عن زيد بن أسلم، عن رافع بن خديج [¬١٢]، أنه كان هو وزيد بن ثابت عند مروان بن الحكم، وهو أمير على [¬١٣] المدينة، فقال مروان: يا رافع، في أي شيء نزلت هذه الآية؛ فذكره كما تقدم عن أبي سعيد ﵃، وكان مروان يبعث بعد\n_________\n(^٥٥٢) - وعزاه لابن مردويه أيضًا الحافظ ابن حجر في \"الفتح\" (٨/ ٢٣٤).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٢]- في ت: \"قال\".\n[¬٣]- في خ: \"جُريج\".\n[¬٤]- في خ: \"رأيت\".\n[¬٥]- في خ: \"قول الله\".\n[¬٦]- في خ: \"أوتينا\".\n[¬٧]- في ت: \"إن\".\n[¬٨]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٩]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬١٠]- في خ: \"جريج\".\n[¬١١]- في خ: \"شهادة\".\n[¬١٢]- في خ: \"جريج\".\n[¬١٣]- سقط من: خ.","vol":"3","page":292},{"text":"ذلك يسأل ابن عباس كما تقدم؟ فقال له ما ذكرناه. ولا منافاة بين ما ذكره ابن عباس وما قاله هؤلاء لأن الآية عامة في جميع ما ذكر، والله أعلم.\nوقد روى ابن مردويه (^٥٥٣) أيضًا [¬١] من حديث محمد بن أبي [¬٢] عتيق وموسى بن عقبة عن الزهري، عن محمد بن ثابت الأنصاري، أن ثابت بن قيس الأنصاري، قال: يا رسول الله، والله لقد خشيت أن أكون هلكت، قال: \"لم؟ \" قال: نهى الله المرء أن يحب أن يحمد بما لم يفعل، وأجدني أحب الحمد، ونهى الله عن الخيلاء، وأجدني أحب الجمال، ونهى الله أن نرفع أصواتنا فوق صوتك، وأنا امرؤ جهير [¬٣] الصوت، فقال رسول الله ﷺ: \"أما ترضى أن تعيش حميدًا [¬٤] وتقتل شهيدًا، وتدخل الجنة\" فقال [¬٥]: بلى يا رسول الله، فعاش [¬٦] حميدًا، وقتل شهيدًا يوم مسيلمة الكذاب.\nوقوله تعالى: ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [يقرأ بالتاء] [¬٧] على مخاطبة المفرد، وبالياء علن الإخبار عنهم أي: لا تحسب [¬٨] أنهم ناجون من العذاب؛ بل لا بد لهم منه، ولهذا\n_________\n(^٥٥٣) - وأخرجه الطبراني في \"المعجم الكبير\" (٢/ ١٣١٠، ١٣١١، ١٣١٣) من طريق صالح بن أبي الأخضر والأوزاعي ومعاوية بن يحيى، وفي \"الأوسط\" (١ / رقم ٤٢) من طريق الأوزاعي، ثلاثتهم (صالح ومعاوية والأوزاعي) عن الزهري به، وهذا إسناد رجاله ثقات إلا أن ابن حجر قال في \"التهذيب\" ترجمة محمد بن ثابت بن قيس: \"الظاهر أن رواية محمد عن أبيه وعن سالم -مولى أبي حذيفة- مرسلة، لأنهما قُتلا يوم اليمامة وهو صغير، إلا أن يكون حفظ عن أبيه وهو طفل، وقد أورده في الصحابة على قاعدتهم، ولا تصح له صحبة، ولا يصح سماع الزهري منه أيضًا\" وقد رواه عنه الزهري أيضًا لكن بواسطة ابنه إسماعيل، واختلف فيه على الزهري فرواه إبراهيم بن سعد عنه، قال: أخبرني إسماعيل بن محمد بن ثابت الأنصاري عن أبيه أن ثابت بن قيس قال … فذكره، أخرجه بهذا الوجه الحاكم في \"المستدرك\" (٣/ ٢٣٤) وعنه البيهقي في \"دلائل النبوة\" (٦/ ٣٥٥) وقال الحاكم \"صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه بهذه السياقة\" ووافقه الذهبي، كذا قالا مع أن إسماعيل وأباه لم يخرجا لهما ولا لأحدهما ثم إن إسماعيل هذا ترجم له البخاري في \"التاريخ الكبير\" (٣٧١١) وقال: \"روى عنه الزهري، مرسل\" ورواه مالك، ويونس، وعبيد الله بن عمر، عن ابن شهاب الزهري، عن إسماعيل بن ثابت: أن ثابت بن قيس قال: .... الحديث وقال الحافظ في \"تعجيل المنفعة\" \"إسماعيل بن ثابت يروى عن ثابت بن قيس وعنه الزهري، نسب إسماعيل إلى جده، ولم يدرك إسماعيل جده، فإنه قتل يوم اليمامة أخرجه على هذا الوجه أبو حاتم بن حبان في صحيحه (١٦/ ٧١٦٧) من طريق يونس فحسب والطبراني في \"الكبير\" (٢/ ١٣١٢، ١٣١٤، ١٣١٥) من الطرق الثلاثة وأبو نعيم في \"الدلائل\" (٥٢٠) من طريق مالك وللحديث طرق أخرى غير متصلة انظر سورة الحجرات.\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- سقط من: ت.\n[¬٣]- في خ: \"جهري\".\n[¬٤]- في خ: \"حميد\".\n[¬٥]- في خ: \"قال\".\n[¬٦]- في خ: \"قال فعاش\".\n[¬٧]- في خ: \"بقراءة التاء\".\n[¬٨]- في خ: \"يحسب\".","vol":"3","page":293},{"text":"قال تعالى: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.\nثم قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ﴾ أي: هو مالك كل شيء، والقادر على كل شيء، فلا يعجزه شيء، فهالوه ولا تخالفوه، واحذروا غضبه ونقمته، فإنه العظيم الذي لا أعظم منه، القدير الذي لا أقدر منه.\n﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٩١) رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (١٩٢) رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ (١٩٣) رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ (١٩٤)﴾\nقال الطبراني (^٥٥٤): حدثنا الحسين بن إسحاق التستري، حدَّثنا يحيى الحماني، حدَّثنا يعقوب القمي، عن جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: أتت قريش اليهود فقالوا: بم جاءكم موسى؟ قالوا: عصاه ويده بيضاء للناظرين. وأتوا النصارى، فقالوا: كيف كان عيسى؟ قالوا: كان يبرئ الأكمه والأبرص، ويحيي الموتى فأتوا النبي ﷺ فقالوا: ادع [الله أن] [¬١] يجعل لنا الصفا ذهبًا، فدعا ربه فنزلت هذه الآية: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ فليتفكروا فيها.\n_________\n(^٥٥٤) - \" المعجم الكبير\" (١٢/ ١٢٣٢٢) وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (٣/ ٤٦٥٥) ثنا أبي، ثنا يحيى بن عبد الحميد به، وذكره الهيثمي في \"المجمع\" (٦/ ٣٣٢) وقال: \"رواه الطبراني وفيه يحيى الحماني وهو ضعيف\" ويعيده المصنف هنا من رواية ابن مردويه (رقم ٦١٤) وذكره الحافظ ابن حجر في \"الفتح\" (٨/ ٢٣٥) وقال: \"رجاله ثقات، إلا الحِمَّاني فإنه متكلم فيه؛ وقد خالفه الحسن بن موسى فرواه عن يعقوب عن جعفر عن سعيد مرسلًا وهو أشبه، وعلى تقدير سكونه محفوظًا وصله ففيه إشكال من جهة أن هذه السورة مدنية وقريش من أهل مكة، ويحتمل أن يكون سؤالهم لذلك بعد أن هاجر النبي ﷺ إلى المدينة ولا سيما في زمن الهدنة\". والخبر زاد نسبته السيوطي في \"الدر المنثور\" (٢/ ١٩٣) إلى ابن المنذر وابن مردويه.\n_________\n[¬١]- في خ: \"لنا ربك\".","vol":"3","page":294},{"text":"وهذا مشكل، فإن هذه الآية مدنية، وسؤالهم أن يكون الصفا ذهبًا كان بمكة، والله أعلم. ومعنى الآية [أن الله تعالى يقول] [¬١]: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: هذه في ارتفاعها واتساعها، وهذه في انخفاضها، وكثافتها واتضاعها، وما فيهما [¬٢] من الآيات المشاهدة العظيمة [كواكب سيارات] [¬٣]، وثوابت، وبحار، وجبال، وقفار، وأشجار، ونبات، وزروع، وثمار، وحيوان، ومعادن، ومنافع مختلفة الألوان، والطعوم، والروائح، والخواص ﴿وَاخْتِلَافِ اللَّيلِ وَالنَّهَارِ﴾ أي: تعاقبهما، وتقارضهما [¬٤] الطول والقصر. فتارة يطول هذا ويقصر هذا، ثم يعتدلان، ثم يأخذ هذا من هذا فيطول الذي كان قصيرًا، ويقصر الذي كان طويلًا، وكل ذلك تقدير العزيز الحكيم، ولهذا قال تعالى: ﴿لآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ أي: العقول التامة الزكية، التي تدرك الأشياء بحقائقها على جلياتها [¬٥]. وليسوا كالصم البكم الذين لا يعقلون، الذين قال الله فيهم: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ (١٠٥) وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إلا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾.\nثم وصف تعالى أولي الألباب فقال: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾، كما ثبت في [صحيح البخاري] [¬٦] عن عمران بن حصين (^٥٥٥) ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \"صل قائمًا فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنبك\". أي لا يقطعون ذكره في جميع أحوالهم، بسرائرهم، وضمائرهم، وألسنتهم، ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: يفهمون ما فيهما من الحكم الدالة على عظمة الخالق، وقدرته وعلمه، وحكمته، واختياره، ورحمته.\nوقال الشيخ أبو سليمان الداراني: إني لأخرج من منزلي، فما يقع بصري على شيء، إلا رأيت لله علي فيه نعمة، ولي فيه عبرة. رواه ابن أبي الدنيا في كتاب التوكل والاعتبار.\nوعن [¬٧] الحسن البصري أنه قال: تفكر ساعةٍ خير من قيام ليلة. وقال الفضيل: قال الحسن:\n_________\n(^٥٥٥) - أخرجه البخاري، كتاب تقصير الصلاة، باب إذا لم يُطِقْ قاعدًا صلى على جنب (١١٧) وانظره بأطرافه عند رقم (١١٥) وأخرجه أيضًا أحمد (٤/ ٤٢٦) وأبو داود (٩٥٢) والترمذي (٣٧٢) وابن ماجه (١٢٢٣).\n_________\n[¬١]- في خ: \"أنه يقول- تعالى\".\n[¬٢]- في خ: \"فيها\".\n[¬٣]- في خ: \"من كواكب سيارة\".\n[¬٤]- في خ: \"تعارضهما\".\n[¬٥]- في خ: \"جليتها\".\n[¬٦]- في ت: \"الصحيحين\".\n[¬٧]- في خ: \"عنه\" قال\".","vol":"3","page":295},{"text":"الفكرة مرآة تريك حسناتك وسيئاتك. وقال سفيان بن عيينة: الفكرة نور يدخل قلبك، وربما تمثل بهذا البيت:\nإذا المرء كانت له فكرة … ففي كل شيء له عبرة\nوعن عيسى ﵇ أنه قال: طوبى لمن كان قيلُه تذكرًا، وصمته تفكرًا، ونظره عبرًا.\nو[¬١] قال لقمان الحكيم: إن طول الموحدة ألهم للفكرة، وطول الفكرة دليل على طرق باب الجنة.\nوقال وهب بن منبه: ما طالت فكرة امرئ قطٌّ إلا فهم، وما [¬٢] فهم امرؤ قطٌّ إلا علم، وما علم امرؤ قطٌّ إلا عمل.\nوقال عمر بن عبد العزير: الكلام بذكر الله ﷿ حسن، والفكرة في نعم الله أفضل العبادة.\nوقال مغيث الأسود: زوروا القبور كل يوم تفكركم؛ وشاهدوا الموقف بقلوبكم وانظروا إلى المنصرف كالفريقين: إلى الجنة أو النار، وأشعروا قلوبكم وأبدانكم ذكر النار ومقامعها وأطباقها.\nوكان يبكي عند ذلك حتى يرفع صريعًا من بين أصحابه، قد ذهب عقله.\nوقال عبد الله بن المبارك: مر رجل براهب عند مقبرة ومزبلة، فناداه فقال: يا راهب؛ أن عندك كنزين من كنوز الدنيا، لك فيهما معتبر: كنزَ الرجال وكنزَ الأموال.\nوعن ابن عمر: أنه كان إذا أراد أن يتعاهد قلبه يأتي الخربة، فيقف على بابها فينادي بصوت حزين فيقول: أين أهلك؟ ثم يرجع إلى نفسه فيقول: ﴿كُلُّ شَيءٍ هَالِكٌ إلا وَجْهَهُ﴾.\nوعن [¬٣] ابن عباس أنه قال: ركعتان مقتصدتان في تفكر، خير من قيام ليلة، والقلب ساهٍ.\nوقال الحسن البصري: في بن آدم كل في ثلث بطنك؛ واشرب في ثلثه؛ ودع ثلثه الآخر تتنفس للفكرة.\nوقال بعض الحكماء: من نظر إلى الدنيا بغير العبرة؛ انطمس من بصر قلبه بقدر تلك الغفلة.\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- في خ: \"ولا\".\n[¬٣]- في خ: \"قال\".","vol":"3","page":296},{"text":"وقال بشر بن الحارث الحافي: لو تفكر الناس في عظمة الله تعالى لما عصوه، وقال الحسن، عن عامر بن عبد قيس قال: سمعت غير واحد ولا اثنين ولا ثلاثة من أصحاب النبي، ﷺ يقولون: إن ضياء الإِيمان، أو نور الإِيمان التفكر.\nوعن [¬١] عيسى ﵇ أنه قال: يا بن آدم الضعيف اتق الله حيثما كنت، وكن في الدنيا ضيفًا، واتخذ الساجد بيتًا، وعلم عينيك البكاء، وجسدك الصبر، وقلبك الفكر، ولا تهتم برزق غد.\nوعن أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز ﵁: أنه بكى يومًا بين أصحابه، فسئل عن ذلك؟ فقال: فكرت في الدنيا ولذاتها، وشهواتها فاعتبرت منها بها، ما تكاد شهواتها تنقضي حتى تكدرها مرارتها، ولئن لم يكن فيها عبرة لمن اعتبر، إن فيها مواعظ لمن ادّكر.\nوقال ابن أبي الدنيا: أنشدني الحسين بن عبد الرحمن:\nنزهة المؤمن الفِكَرُ … لذةُ المؤمن العِبَر\nنحمد الله وحدَهُ … نحن كلٌّ على خطر\nرُبَّ [¬٢] لاهٍ وعمره … قد تقضَّى وما شعر\nربَّ عيشٍ قد كان فَوْ … قَ المنُى مونق الزهر\nفي خريرٍ من العيو … ن وظلٍ من الشجر\nوسرور من النبا … تِ وطيب من الثمر\nغيرته وأهلَه … سرعة الدهر بالغير\nنحمد الله وحده … إن في ذا لمعتبر\n[إن في ذا لعبرةً] [¬٣] … للبيب إن اعتبر\nوقد ذم الله تعالى من لا يعتبر بمخلوقاته الدالة على [ذاته و] [¬٤] صفاته، وشرعه، وقدره، وآياته، فقال: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ (١٠٥) وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إلا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ ومدح عباده المؤمنين: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، قائلين: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾، أي: ما خلقت هذا الخلق عبثًا، بل بالحق لتجزي [¬٥] الذين أساءوا بما عملوا،\n_________\n[¬١]- بياض في خ.\n[¬٢]- في خ: \"ربما\".\n[¬٣]- في خ: \"إن في ذا المعتبر\".\n[¬٤]- سقط من ت.\n[¬٥]- في خ: \"ليجزي\".","vol":"3","page":297},{"text":"وتجزي [¬١] الذين أحسنوا بالحسنى، ثم نزهوه عن العبث وخلق الباطل، فقالوا: ﴿سُبْحَانَكَ﴾، أي: عن أن تخلق شيئًا باطلًا، ﴿فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾، أي: يا من خلق الخلق بالحق والعدل، يا من هو منزه عن النقائص، والعيب، والعبث، قنا من عذاب النار بحولك وقوتك، و[¬٢] قيضنا لأعمال ترضى بها عنا، ووفقنا لعمل صالح تهدينا به إلى جنات النعيم، وتجبرنا به من عذابك الأليم.\nثم قالوا: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيتَهُ﴾، أي: أهنته وأظهرت خزيه لأهل الجمع، ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ أي؛ يوم القيامة، لا مجير منك، ولا محيد لهم عما أردت بهم، ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ﴾ أي: داعيا يدعو إلى الإيمان، وهو الرسول ﷺ ﴿أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا﴾، أي يقول: آمنوا بربكم فآمنا، أي: فاستجبنا له، واتبعناه، ﴿رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾، أي: بإيماننا واتباعنا نبيك فاغفر لنا ذنوبنا، أي: استرها، ﴿وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا﴾ أي [¬٣]: فيما بيننا وبينك، ﴿وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾، أي: ألحقنا بالصالحين، ﴿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ﴾، [قيل: معناه على الإيمان برسلك: وقيل: معناه على ألسنة رسلك] [¬٤]، وهذا أظهر.\nوقد قال الإمام أحمد (^٥٥٦): حدثنا أبو اليمان، حدثنا إسماعيل بن عياش، عن عمر [¬٥] بن محمد، عن أبي عقال، عن أنس بن مالك [﵁] [¬٦] قال: قال رسول الله ﷺ: \"عسقلان أحد العروسين يبعث الله منها يوم القيامة سبعين ألفًا لا حساب عليهم، ويبعث منها خمسين ألفًا [شهداء وفودًا] [¬٧] إلى الله، وبها صفوف الشهداء، رءوسهم مقطعة في أيديهم، تثج أوداجهم دمًا يقولون: ﴿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ فيقول الله [¬٨]: صدق عبيدي، اغسلوهم بنهر البيضة،\n_________\n(^٥٥٦) - \" المسند\" (٣/ ٢٢٥) ومن طريق أحمد وطريق أخرى أخرجه ابن الجوزي في \"الموضوعات\" (٢/ ٥٣) وأخرجه ابن عدي في \"الكامل\" (٧/ ٢٥٧٧) من طريق الوليد بن مسلم، ثنا عمر بن محمد بن زيد وعبد الله بن واقد وأبو صدقة صخر بن صدقة التُّمامي قالوا: ثنا أبو عقال به، وأخرجه ابن أبي حاتم (٣/ ٤٦٦٦) من طريق عبد الله بن وهب حدثني عمر بن محمد به. وقال ابن الجوزي: \"هذا حديث لا يصح عن رسول الله ﷺ … وحديث أنس جميع طرقه تدور على أبي عقال واسمه هلال بن زيد بن يسار، وقال ابن حبان \"المجروحين\" (٣/ ٨٧) يروى عن أنس أشياء موضوعة ما حدّث بها قط لا =\n_________\n[¬١]- في خ: \"وجزى\".\n[¬٢]- في خ: \"يا رب\".\n[¬٣]- سقط من ت.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٥]- في ت: \"عن عمرو\".\n[¬٦]- زيادة من: خ.\n[¬٧]- في خ: \"سهير وفود\".\n[¬٨]- سقط من: خ.","vol":"3","page":298},{"text":"فيخرجون منه نقاء بيضًا، فيسرحون في الجنة حيث شاءوا\"، وهذا الحديث يعد من غرائب المسند، ومنهم من يجعله موضوعًا، والله أعلم.\n﴿وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ أي: على رءوس الخلائق، ﴿إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾، أي: لا بد من الميعاد الذي أخبرت عنه رسلك، وهو القيام يوم القيامة بين يديك.\nوقد قال الحافظ أبو يعلى (^٥٥٧): حدثنا [الحافظ أبو سُريج] [¬١]، حدثنا المعتمر، حدثنا الفضل بن عيسى، حدثنا محمد بن المنكدر، أن جابر بن عبد الله حدثه: أن رسول الله ﷺ قال: \"العار والتخزية تبلغ [¬٢] من ابن آدم في القيامة، في المقام بين يدي الله ﷿، ما يتمنى العبد أن يؤمر به إلى النار\"، حديث غريب.\nوقد ثبت أن رسول الله ﷺ كان يقرأ هذه الآيات العشر من آخر آل عمران، إذا قام من الليل لتهجده، فقال البخاري ﵀ (^٥٥٨): حدَّثنا سعيد بن أبي مريم، حدَّثنا محمد بن جعفر،\n_________\n= يجوز الاحتجاج به بحال. وقال البخاري: \"في حديثه مناكير\" وقال أبو حاتم والنسائي: منكر الحديث، زاد النسائي ليس بثقة، وذكر له ابن عدي أحاديث غير هذا ثم قال: \"وهذه الأحاديث غير محفوظة\" وبه أعل الحديث الهيثمي في \"المجمع\" (١٠/ ٦٤) وتعقب الحافظ ابن حجر ابن الجوزي لإيراده هذا الحديث في كتاب الموضوعات، فقال في \"القول المسدد\" (ص ٢٧): \"ليس فيه ما يحيله الشرع ولا العقل، فالحكم عليه بالبطلان بمجرد كونه من رواية أبي عقال لا يتجه، وطريقة الإمام أحمد معروفة في التسامح في رواية أحاديث الفضائل دون أحاديث الأحكام … \" ثم شرع في ذكر شواهد لهذا الحديث يستبعد بها أن يحكم على هذا الحديث بالوضع وانظر غير مأمور \"اللالئ المصنوعة\" للسيوطي (١/ ٤٢١: ٤٢٣) و\"تنزيه الشريعة\" للكنانى (٢/ ٤٩).\n(^٥٥٧) - مسند أبي يعلى (٣ / رقم ١٧٧٦) وأخرجه ابن عدي في \"الكامل\" (٦/ ٢٠٣٩) ثنا أحمد بن الحسين الصوفي، ثنا الحارث بن سريج أبو سريج به. وأخرجه الحاكم في \"المستدرك\" (٤/ ٥٧٧) من طريق عبد الوهاب بن عطاء، أنبأ الفضل بن عيسى به وقال: \"حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه\" فتعقبه الذهبي في \"التلخيص\" بأن \"الفضل واهٍ\" وبه أعله الهيثمي، فقال في \"المجمع\" (١٠/ ٣٥٣): \"رواه أبو يعلى وفيه الفضل بن عيسى الرقاشى وهو مجمع على ضعفه\" والحديث لم يعزه السيوطي في \"الدر المنثور\" (٢/ ١٩٧) لغير أبي يعلى!!.\n(^٥٥٨) - صحيح البخاري كتاب التفسير، باب ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ الآية-٤٥٦٩)، وكاب الأدب، باب رفع البصر إلى السماء (٦٢١٥) وكتاب التوحيد: باب ما جاء في تخليق السموات والأرض … (٧٤٥٢) وأخرجه مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب الدعاء في صلاة الليل وقيامه (١٩٠) (٧٦٣) وحدثني أبو بكر بن إسحاق أخبرنا ابن أبي مريم به.\n_________\n[¬١]- في خ: \"الحارث بن شريح\".\n[¬٢]- في خ: \"يبلغ\".","vol":"3","page":299},{"text":"أخبرني شريك بن عبد الله بن أبي نمر [¬١]، عن كريب، عن ابن عباس ﵄ قال: بتُّ عند خالتي ميمونة، فتحدّث رسول الله ﷺ[مع أهله] [¬٢] ساعة ثم رقد، فلما كان ثلث الليل الآخر، قعد فنظر إلى السماء فقال: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ الآيات [¬٣]، [ثم قام فتوضأ واستن، ثم صلى] [¬٤] إحدى عشرة ركعة، ثم أذن بلال فصلى ركعتين، ثم خرج فصلى بالناس الصبح.\nوهكذا رواه مسلم عن أبي بكر بن إسحاق الصنعاني، عن ابن [¬٥] أبي مريم به، ثم قال: [¬٦] رواه البخاري من طرق (^٥٥٩): عن مالك، عن مخرمة بن سليمان، عن كريب، أن [¬٧] ابن عباس أخبره [¬٨] أنه بات عند ميمونة زوج النبي ﷺ وهي خالته قال: فاضطجعت في عرض الوسادة، واضطجع رسول الله ﷺ وأهله في طولها، فنام رسول الله ﷺ حتى إذا انتصف الليل، أو قبله بقليل، أو بعده بقليل استيقظ رسول الله ﷺ من منامه، فجعل يمسح النوم عن وجهه بيده، ثم قرأ العشر آيات الخواتيم من سورة آل عمران، ثم قام إلى شنٍّ (٨) معلقة فتوضأ منها فأحسن وضوءه، ثم قام يصلي، قال ابن عباس [﵄: فقمت] [¬٩] فصنعت مثل ما صنع، ثم ذهبت فقمت إلى جنبه، فوضع رسول الله ﷺ، يده اليمنى على رأسي، وأخذ بأذني اليمنى [¬١٠] يفتلها [¬١١]، فصلى ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، [ثم ركعتين] [¬١٢] ثم أوتر، ثم اضطجع حتى جاءه المؤذن، فقام فصلى ركعتين خفيفتين، ثم خرج فصلى الصبح.\n_________\n(^٥٥٩) - أخرجه البخاري، كتاب الوضوء، باب قراءة القرآن بعد الحدث وغيره .. (١٨٣) حدثنا إسماعيل، وكتاب الوتر، باب ما جاء في الوتر (٩٩٢) حدثنا عبد الله بن مسلمة، وكتاب العمل في الصلاة، باب استعانة اليد في الصلاة إذا كان من أمر الصلاة (١١٩٨) حدثنا عبد الله بن يوسف، وكتاب التفسير، باب ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا …﴾ (٤٥٧٠) وباب ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيتَهُ …﴾ (٤٥٧١) وباب ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ﴾ (٤٥٧٢) من طريق عبد الرحمن بن مهدي ومعن بن عيسى وقتيبة بن سعيد ستتهم (إسماعيل وعبد الله وعبد الرحمن ومعن وقتيبة) عن مالك به.\n(*) -أي قربة. النهاية (٢/ ٥٠٦).\n_________\n[¬١]- في خ: \"نمير\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٣]- سقط من: خ.\n[¬٤]- في خ: \"فصلى\".\n[¬٥]- سقط من: خ.\n[¬٦]- زيادة من: خ.\n[¬٧]- في خ: \"عن\".\n[¬٨]- سقط من: خ.\n[¬٩]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬١٠]- سقط من: خ.\n[¬١١]- في خ: \"فقتلها\".\n[¬١٢]- زيادة من: خ.","vol":"3","page":300},{"text":"وهكذا أخرجه بقية الجماعة (^٥٦٠) من طرق عن مالك به. ورواه مسلم أيضًا، وأبو داود من وجوه أُخر، عن مخرمة بن سليمان به.\n(طريق أخرى) لهذا الحديث عن ابن عباس ﵄: قال أبو بكر بن مردويه (^٥٦١)، حدَّثنا محمد بن أحمد بن محمد بن علي، حدثنا أبو يحيى بن أبي ميسرة أنبأنا خلاد بن يحيى، أنبأنا يونس بن [¬١] أبي إسحاق، عن المنهال بن عمرو، عن علي بن عبد الله بن عباس، عن عبد الله بن عباس قال: أمرني العباس أن أبيت بآل رسول الله ﷺ وأحفظ صلاته، قال: فصلى رسول الله ﷺ بالناس صلاة العشاء الآخرة، حتى إذا لم يبق في المسجد أحد غيري، قام فمر بي، فقال: من هذا؟ عبد الله؟ قلت [¬٢]: نعم؛ قال: فمه؟ قلت: أمرني العباس أن أبيت بكم الليلة، قال: \"فالحق الحق\"، فلما أن [¬٣] دخل قال: افرشن عبد الله؟ قال [¬٤]: فأتى بوسادة من مسوح، قال: فنام رسول الله ﷺ عليها حتى سمعت غطيطه (٤)، ثم استوى على فراشه قاعدًا، قال: فرفع رأسه إلى السماء، فقال [¬٥]: \"سبحان الملك القدوس\" ثلاث مرات، ثم تلا هذه الآيات من آخر سورة آل عمران حتى ختمها.\nوقد روى مسلم، وأبو داود، والنسائي من حديث علي بن عبد الله بن عباس، [عن\n_________\n(^٥٦٠) - أخرجه مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب الدعاء في صلاة الليل وقيامه (١٨٢) (٧٦٣)، وأبو داود، كتاب الصلاة، باب في صلاة الليل (١٣٦٧)، والنسائي، كتاب قيام الليل وتطوع النهار، باب ذكر ما يستفتح به القيام (٣/ ٢١٠، ٢١١)، وابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب: ما جاء في كم يصلى بالليل (١٣٦٣) بينما أخرجه الترمذي في \"الشمائل\" (٢٦٥) كلهم من طرق عن مالك به، وأخرجه مسلم (١٨٣، ١٨٤، ١٨٥) (٧٦٣) وأبو داود (١٣٦٤) والنسائي (٢/ ٣٠) من طرق عن مخرمة بن سليمان به.\n(^٥٦١) - وأخرجه الطبراني في الكبير (١٠/ ١٠٦٤٨)، وفي كتاب الدعاء (٢ / رقم ٧٥٩)، والحاكم في المستدرك (٣/ ٥٣٥، ٥٣٦) وفي إسناده سقط - من طريق يونس بن أبي إسحاق به، وقال الحاكم: حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه\" ووافقه الذهبي، وإسناده حسن لكلام في المنهال بن عمرو، ثم إن مسلمًا لم يخرج له شيئًا، والبخاري لم يخرج لعلي بن عبد الله بن عباس في الصحيح فتنبه!! وقد أشار إلى هذه الروية الحافظ ابن حجر في الفتح (١١/ ١١٧).\n(*) - الغطيط: الصوت الذي يخرج مع نفس النائم، وهو ترديده حيث لا يجد مساغًا. النهاية (٣/ ٣٧٢).\n_________\n[¬١]- في ت: \"عن\".\n[¬٢]- في خ: \"فقلت\".\n[¬٣]- زيادة من: خ.\n[¬٤]- سقط من: خ.\n[¬٥]- سقط من: خ.","vol":"3","page":301},{"text":"أبيه] [¬١] حديثًا في ذلك أيضًا (^٥٦٢).\n(طريق [¬٢] أخرى) رواها ابن مردويه (^٥٦٣)، من حديث عاصم بن بهدلة، عن بعض أصحابه، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبَّاس، أن رسول الله ﷺ خرج ذات ليلة بعدما مضى ليل، فنظر إلى السماء، وتلا هذه الآية: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [إلى آخر السورة] [¬٣]. ثم قال: \"اللَّهم؛ اجعل في قلبي نورًا، وفي سمعي نورًا، وفي بصري نورًا، وعن [¬٤] يميني نورًا، وعن شمالي نورًا، ومن بين يدي نورًا، ومن خلفي نورًا، ومن فوقي نورًا، ومن تحتى نورًا، وأعظم لي نورًا يوم القيامة\".\nوهذا الدعاء ثابت في بعض طرق الصحيح (^٥٦٤) من رواية كريب، عن ابن عبَّاس ﵁. ثم روى ابن مردويه وابن أبي حاتم (^٥٦٥)، من حديث جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبَّاس، قال: أتت قريش اليهود، فقالوا: بم جاءكم موسى من الآيات؟ قالوا: عصاه ويده البيضاء للناطرين، وأتوا النصارى فقالوا: كيف كان عيسى فيكم؟ فقالوا [¬٥]: كان يبرئ الأكمه والأبرص، ويحيي الموتى، فأتوا النبي ﷺ من فقالوا: ادع لنا [¬٦] ربك أن [¬٧] يجعل\n_________\n(^٥٦٢) - أخرجه مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب الدعاء في صلاة الليل وقيامه (١٩١) (٧٦٣)، وأَبو داود، كتاب الطهارة، باب السواك لمن قام من الليل (٥٨)، وكتاب الصلاة، باب في صلاة الليل، (١٣٥٣، ١٣٥٤) والنسائي، كتاب قيام الليل وتطوع النهار (٣/ ٢٣٧) وكذا أخرجه أحمد في \"المسند\" (١/ ٣٥٠، ٣٧٣).\n(^٥٦٣) - شيخ عاصم بن بهدلة مجهول، وعاصم نفسه متكلم فيه، وأخرجه الطبراني في \"المعجم الكبير\" (١٢/ ١٢٣٤٩) ثنا زكريا بن حمدويه البغدادي ثنا عبيد بن إسحاق العطار ثنا كامل أَبو العلاء عن حبيب بن أبي ثابت عن سعيد بن جبير به فذكره في قصة نومه عند خالته ميمونة غير أن الهيثمي قال في \"المجمع\" (٢/ ٢٧٨): \"فيه عبيد بن إسحاق العطار ضعفه ابن معين وغيره وأما أَبو حاتم فرضيه\" وقد أخرج البخاري، كتاب اللباس باب الذوائب (٥٩١٩) وغيره طريق سعيد بن جبير عن ابن عبَّاس مختصرًا.\n(^٥٦٤) - أخرجه البخاري، كتاب الدعوات، باب الدعاء إذا انتبه من الليل (٦٣١٦)، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب الدعاء في صلاة الليل وقيامه (١٨١) (٧٦٣).\n(^٥٦٥) - تقدم تخريجه رقم (٦٠٣).\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- في خ: \"طريقة\".\n[¬٣]- سقط من: خ.\n[¬٤]- في خ: \"في\".\n[¬٥]- في خ: \"قالوا\".\n[¬٦]- سقط من: ت.\n[¬٧]- سقط من: خ.","vol":"3","page":302},{"text":"لنا الصفا ذهبًا، فدعا ربه ﷿، فنزلت: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾، قال: فليتفكروا فيها.\nلفظ ابن مردويه. وقد تقدم [هذا الحديث من رواية الطبراني] [¬١] في أول الآية، وهذا يقتضي أن تكون هذه الآيال مكية، والمشهور أنَّها مدنية، ودليله الحديث [¬٢] الآخر، قال ابن مردويه (^٥٦٦): حدَّثنا إسماعيل بن علي بن إسماعيل، حدَّثنا أحمد بن علي الحراني، حدَّثنا شجاع بن أشرس، حدَّثنا حشرج بن نباتة الواسطي، أَبو مكرم، عن الكلبي - وهو [¬٣] أَبو جناب الكلبي [¬٤]- عن عطاء، قال: انطلقت أنا وابن عمر وعبيد بن عمير إلى عائشة ﵂ فدخلنا عليها وبيننا وبينها حجاب، فقالت يا عبيد؛ ما يمنعك من زيارتنا؟ قال [¬٥]: قول الشاعر:\n* زر غُبًّا تزددْ حبًّا *\nفقال ابن عمر: ذرنا [¬٦] أخبرينا بأعجب [ما رأيتيه] [¬٧] من رسول الله ﷺ، فبكت، وقالت: كل أمره كان عجبًا، أتاني في ليلتي حتَّى مس جلده جلدي، ثم قال: \"ذريني أتعبد لربي ﷿\" قالت: فقلت: والله إني لأحب قربك، وإني أحب أن تعبد ربك، فقام إلى القربة فتوضأ، ولم يكثر صب الماء، ثم قام [¬٨] يصلى فبكى حتَّى بل لحيته، ثم سجد فبكى حتَّى بل الأرض، ثم اضطجع على جنبه فبكى حتَّى إذا أتى بلال يؤذنه بصلاة الصبح، قالت: فقال يا رسول الله، ما يبكيك؛ وقد غفر الله لك [ما تقدم من ذنبك وما تأخر] [¬٩]؟ فقال: \"ويحك يا بلال، وما [¬١٠] يمنعني أن أبكي، وقد أنزل الله علي في هذه الليلة: ﴿إِنَّ فِي\n_________\n(^٥٦٦) - وعزاه لابن مردويه السيوطي في \"الدر المنثور\" (٢/ ١٩٥) ومن طريق ابن مردويه أخرجه الأصبهاني في \"الترغيب والترهيب\" (٦٦٦). وأَبو خباب الكلبي -واسمه يحيى بن أبي حيَّة- ضعفه الجمهور لكثرة تدليسه غير أنَّه صرح هنا بالتحديث فانتفت شبهة تدليسه. وأخرجه ابن حبان في صحيحه (٢ / رقم ٦٢٠) وأَبو الشيخ في \"أخلاق النبيّ\" (ص ١٨٦) وابن أبي حاتم كما قال المصنف ولم أجده في تفسيره المطبوع - فأودعه في \"الصحيحة\" (١ / رقم ٦٨) والحديث زاد نسبته السيوطي في \"الدر المنثور\" (٢/ ١٩٥) إلى عبد بن حميد وابن أبي الدنيا في \"التفكر\" وابن المنذر وابن عساكر.\n_________\n[¬١]- في خ: \"سياق الطبراني لهذا الحديث\".\n[¬٢]- في خ: \"حديث\".\n[¬٣]- في خ: \"هو\".\n[¬٤]- سقط من: ت.\n[¬٥]- في خ: \"فقال\".\n[¬٦]- في ت: \"ذرينا\".\n[¬٧]- في خ: \"شيء رأيته\".\n[¬٨]- في خ: \"قال\".\n[¬٩]- في خ: \"ذنبك، تقدم وما تأخر\".\n[¬١٠]- في ت: \"ما\".","vol":"3","page":303},{"text":"خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ قال: \"ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها\".\nوقد رواه عبد بن حميد [في تفسيره] [¬١]، عن جعفر بن عون، عن أبي جناب الكلبي، عن عطاء [قال: دخلت أنا وعبد الله بن عمر وعبيد بن عمير على أم المؤمنين عائشة ﵂ وهي في خدرها، فسلمنا عليها، فقالت: من هؤلاء؟ قال: فقلنا هذا عبد الله بن عمر وعبيد بن عمير، قالت: يا عبيد بن عمير؛ ما يمنعك من زيارتنا؟ قال: ما قال الأول: \"زر غبًّا تزدد حبًّا\" قالت: إنا لنحب زيارتك وغشيانك، قال عبد الله بن عمر: دعينا من بطالتكما هذه، أخبرينا بأعجب ما رأيت من رسول الله ﷺ قال: فبكت، ثم قالت: كل أمره كان عجبًا، أتاني في ليلتي حتَّى دخل معي فراشي حتَّى لصق جلده بجلدي، ثم قال: \"يا عائشة، ائذني لي أتعبد لربي\" قالت: إني لأحب قربك وأحب هواك، قالت: \"فقام إلى قربة في البيت، فما أكثر صب الماء، ثم قام فقرأ القرآن، ثم بكى، حتَّى رأيت أن دموعه قد بلغت حقويه (*)، قالت: ثم جلس فحمد الله وأثنى عليه، ثم بكى، حتَّى رأيت دموعه قد بلغت حجره، قالت: ثم اتكأ على جنبه الأيمن، ووضع يده تحت خده، قالت: ثم بكى حتَّى رأيت دموعه قد بلغت الأرض، فدخل عليه بلال فآذنه بصلاة الفجر، ثم قال: الصلاة يا رسول الله؛ فلما رآه بلال يبكي، قال: يا رسول الله؛ تبكي وقد غفر الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال: \"يا بلال أفلا أكون عبدًا شكورًا؟ وما لي لا أبكي وقد نزل علي الليلة: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾، إلى قوله: ﴿سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ \" ثم قال: \"ويل لمن قرأ هذه الآيات ثم لم يتفكر فيها] \" [¬٢].\nوهكذا رواه [أبو حاتم بن حبان] [¬٣] في صحيحه عن عمران بن موسى، عن عثمان بن أبي شيبة، عن يحيى بن زكريا، عن إبراهيم بن سويد النخعي، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء، قال: دخلت أنا وعبيد بن عمير على عائشة، فذكر نحوه.\nوهكذا رواه عبد الله بن محمد بن أبي الدنيا في كتاب التفكر والاعتبار (^٥٦٧)، عن شجاع بن\n_________\n(*): الحقو: معقد الإزار.\n(^٥٦٧) - ولم يعزه السيوطي في \"الدر المنثور\" (٢/ ١٩٥) لغير ابن أبي الدنيا وهو منقطع.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٢]- في خ: \"بأطول من هذا وأتم سياقًا\".\n[¬٣]- في ت: ابن أبي حاتم وابن حبان.","vol":"3","page":304},{"text":"أشرس به، ثم قال: حدثني الحسن بن عبد العزيز، سمعت سنيدًا يذكر عن سفيان -هو الثَّوري- رفعه قال: \"من قرأ آخر \"آل عمران\" فلم يتفكر فيها ويله\" يعدّ بأصابعه عشرًا. قال الحسن بن عبد العزيز: فأخبرني عبيد بن السائب قال: قيل للأوزاعي: ما غاية التفكر فيهنّ؟ قال: يقرأهن [وهو يعقلهن] [¬١].\nقال ابن أبي الدنيا: وحدثني قاسم بن هاشم، حدَّثنا علي بن عياش، حدَّثنا عبد الرحمن بن سليمان، قال: سألت الأوزاعي عن أدنى ما يتعلق به المتعلق من الفكر فيهن، وما ينجيه من هذا الويل؟ فأطرق هنيهة [¬٢] ثم قال، يقرؤهن وهو [يعقلهن].\n(حديث آخر) فيه غرابة. قال أَبو بكر بن مردويه (^٥٦٨): حدَّثنا عبد الرحمن بن بشير بن نمير، حدَّثنا إسحاق بن إبراهيم البستي، (ح) قال: وحدثنا إسحاق بن إبراهيم بن زيد، حدَّثنا أحمد بن عمرو، وقال: أنبأنا هشام بن عمار، أنبأنا سليمان بن موسى الزهري، أنبأنا مظاهر بن أسلم المخزومي، أنبأنا سعيد بن أبي سعيد القبري، عن أبي هريرة قال: كان رسول الله ﷺ يقرأ عشر آيات من آخر سورة آل عمران كل ليلة. مظاهر بن أسلم ضعيف] [¬٣].\n﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ (١٩٥)﴾\n_________\n(^٥٦٨) - وعزاه لابن مردويه السيوطي في \"الدر المنثور\" (٤/ ٢٠٢) وأخرجه ابن السني في \"عمل اليوم والليلة\"، والطبراني في \"الأوسط\" (٧/ ٦٧٧٧) وابن عدي في \"الكامل\" (٦/ ٢٤٤٢) وأَبو نعيم في \"أخبار أصبهان\" (٢/ ١٢٠) وابن عساكر في \"تاريخ دمشق\" (٧/ ٦٥٠ مخطوط). من طرق عن هشام بن عمار به. وقال الطبراني \"لم يرو هذا الحديث عن سعيد المقبري إلَّا مظاهر بن أسلم، ولا عن مظاهر إلَّا سليمان بن موسى، تفرد به هشام بن عمار\" ومضاهر بن أسلم ضعفه أبو عاصم النبيل وأبو حاتم والنسائي، زاد أَبو حاتم \"منكر الحديث لما وقال ابن معين: \"ليس بشيء\" وبه أعل الحديث الهيثمي في \"المجمع\" (٢/ ٢٧٧) فقال: \"رواه الطبراني في \"الأوسط\": فيه مظاهر بن أسلم وثقه ابن حبان وضعفه ابن معين وجماعة والحديث زاد نسبته أبو عبد الله القرطبي في \"الجامع لأحكام القرآن\" (٤/ ٣١٠) إلى أبي نصر السجستاني في كتاب \"الإنابة\".\n_________\n[¬١]- في خ: \"ويعقلهنَّ\".\n[¬٢]- في خ: \"هنية\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.","vol":"3","page":305},{"text":"يقول تعالى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ﴾ أي: فأجابهم ربهم، كما قال الشاعر:\nوداعٍ دعا: يا من يجيب إلى الندا … فلم يستجبه عند ذاك مجيبُ\nقال سعيد بن منصور (^٥٦٩): حدَّثنا سفيان عن عمرو بن دينار، عن سلمة [¬١]- رجل من آل أمّ سلمة - قال: قالت أمّ سلمة: يا رسول الله، لا نسمع الله ذكر النساء في الهجرة بشيء. فأنزل الله تعالى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾ إلى آخر الآية: وقالت الأنصار: هي أوّل ظعينة قدمت علينا.\nوقد رواه الحاكم في مستدركه من حديث سفيان بن عيينة. ثم قال: صحيح على شرط البخاري، ولم يخرجاه.\nوقد روى ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن أمّ سلمة، قالت: آخر آية نزلت [¬٢] هذه الآية. ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ إلى آخرها. رواه ابن مردويه (^٥٧٠).\nومعنى الآية أن المؤمنين ذوي الألباب لما سألوا ما سألوا - مما تقدَّم ذكره - فاستجاب لهم ربهم\n_________\n(^٥٦٩) - وعزاه إلى سعيد بن منصور السيوطي في \"الدر المنثور\" (٢/ ١٩٧) وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره (١/ ١٤٤) ومن طريقه وطريق أسد بن موسى أخرجه ابن جرير (٧/ ٨٣٦٨، ٨٣٦٩) والحميدى في مسنده (١ / رقم ٣٠١) والترمذي (٣٠٢٣) ثنا ابن أبي عمر، والطبراني في \"المعجم الكبير\" (٢٣/ ٦٥١) ثنا الحسين بن إسحاق، ثنا يحيى الحماني، خمستهم (عبد الرزاق، أسد بن موسى، ابن أبي عمر، الحميدي، الحماني) عن سفيان بن عيينة به، غير أن الثلاثة الأول قالوا \"عن رجلِ من ولد أم سلمة) ولم يسموه، ورواه الحاكم في مستدركه (٢/ ٣٠٠) من طريق يعقوب بن حميد، ثنا سفيان بن عيينة به غير أنَّه قال: \"عن سلمة بن أبي سلمة رجل من ولد أم سلمة\" وقال الحاكم: \"حديث صحيح على شرط البخاري، ولم يخرجاه، سمعت أبا أحمد الحافظ. وذكر في بحثين في كتاب البخاري يعقوب عن سفيان، ويعقوب عن الدراوردى وقال أَبو أحمد: هو يعقوب بن حميد والله أعلم، ووافق الذهبي الحاكم على أنَّه على شرط البخاري، ويعقوب بن حميد وثقه جماعة وضعفه آخرون راجع \"التهذيب\" وتابع \"يعقوب بن حميد\" على تسميته هكذا، قتيبة بن سعيد عن سفيان به كما في \"التهذيب\" ترجمة سلمة بن عبد الله بن عمر بن إلى سلمة وسلمة هنا نسب إلى جده، وقد روى عنه أكثر من واحد، ووثقه ابن حبان في \"الثقات\" فالخبر يحتمل التحسين وانظر ما يأتي سورة الأحزاب / آية ٣٥.\n(^٥٧٠) - وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" (٢/ ١٩٨) ولم يعزه لغير ابن مردويه وانظر ما يأتي سورة النساء / آية ٣٢ (ح ٣٤٦: ٣٤٩).\n_________\n[¬١]- في ت: \"مسلمة\".\n[¬٢]- في خ: \"أنزلت\".","vol":"3","page":306},{"text":"عقب [¬١] ذلك بفاء التعقيب، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾.\nوقوله تعالى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾ هذا تفسير للإِجابة، أي: قال لهم مخبرًا [¬٢] أنَّه لا يضيع عمل عامل منكم لديه، بل يوفى كل عامل بقسط عمله من ذكر أو أنثى.\nوقوله: ﴿بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ أي: جميعكم في ثوابي سواء ﴿فَالَّذِينَ هَاجَرُوا﴾ أي: تركوا دار الشرك، وأتوا إلى دار الإيمان، وفارقوا الأحباب والإخوان والخلان والجيران، ﴿وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ أي: ضايقهم المشركون بالأذى، حتَّى أَلجئوهم إلى الخروج من بين أظهرهم، ولهذا قال: ﴿وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي﴾، أي: إنما كان ذنبهم إلى الناس؛ أنهم آمنوا بالله وحده، كما قال تعالى: ﴿يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ﴾ وقال تعالى: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إلا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾.\nوقوله تعالى: ﴿وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا﴾ وهذا أعلى المقامات أن يقاتل في سبيل الله، فيُعقر جوَاده، ويعفرَّ وجهه بدمه وترابه، وقد ثبت في الصحيحين (^٥٧١) أن رجلًا قال: يا رسول الله: أرأيت إن قتلت في سبيل الله صابرًا محتسبًا مقبلًا غير مدبر، أيكفر الله عني خطاياي؟ قال: \"نعم\" ثم قال: \"كيف قلت؟ \"، فأعاد عليه ما قال: فقال: \"نعم، إلَّا الدين [¬٣] قاله لي جبريل آنفًا\".\nولهذا قال تعالى: ﴿لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾، أي: تجري في خلالها الأنهار من أنواع المشارب من لبن وعسل وخمر وماء غير آسن وغير ذلك مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.\nوقوله: ﴿ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ أضافه إليه، ونسبه إليه ليدل على أنَّه عظيم، لأن العظيم الكريم لا يعطي إلَّا جزيلًا كثيرًا [¬٤]، كما قال الشاعر:\n_________\n(^٥٧١) - أخرجه مسلم، كتاب الإمارة، باب من قتل في سبيل الله كفرت خطاياه إلَّا الدين (١١٧، ١١٨) (١٨٨٥) وكذا أخرجه أحمد (٥/ ٢٩٧، ٣٠٣، ٣٠٨) والترمذي، كتاب الجهاد، باب ما جاء فيمن يستشهد وعليه دين (١٧١٢) والنسائي، كتاب الجهاد، باب من قاتل في سبيل الله تعالى وعليه دين (٦/ ٣٤، ٣٥) من حديث أَبي قَتَادة الأنصاري.\n_________\n[¬١]- في خ: \"عقيب\".\n[¬٢]- في خ: \"مجيئًا لهم\".\n[¬٣]- في ت: \"الذي\".\n[¬٤]- سقط من: خ.","vol":"3","page":307},{"text":"إن يعذب يكن غرامًا [وإن يعـ … ـــط جزيلًا فإنه لا يبالي] [¬١]\nوقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ﴾، أي: عنده حسن الجزاء لمن عمل صالحًا.\nقال ابن [أبي حاتم] [¬٢] (^٥٧٢): ذكر عن دحيم [¬٣] بن إبراهيم، حدَّثنا الوليد بن مسلم: أخبرني حريز [¬٤] بن عثمان، أن شدَّاد بن أوس، كان يقول: يا أيها الناس، لا تتهموا الله في قضائه، فالله لا يبغي على مؤمن، فإذا نزل بأحدكم شيء مما يحب فليحمد الله، وإذا نزل به شيءٌ مما يكره فليصبر وليحتسب، فإن الله عنده حسن الثواب.\n﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (١٩٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (١٩٧) لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيرٌ لِلْأَبْرَارِ (١٩٨)﴾\nيقول تعالى لا تنظر إلى [ما هؤلاء] [¬٥] الكفار مترفون فيه من النعمة والغبطة: السرور، فعما قليل يزول هذا كله عنهم، ويصبحون مرتهنين بأعمالهم السيئة. فإنما نمد لهم فيما هم فيه استدراجًا، وجميع ما هم فيه: ﴿مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾.\nوهذه الآية كقوله تعالى: ﴿مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إلا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ﴾، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (٦٩) مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَينَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾، وقال تعالى: ﴿فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيدًا﴾ أي: قليلًا، وقال تعالى: ﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾، وهكذا لما ذكر حال الكفار في الدنيا، وذكر أن [¬٦] مآلهم النار، قال بعده: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا﴾ [أي: ضيافة من عند الله] [¬٧] ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيرٌ لِلْأَبْرَارِ﴾.\n_________\n(^٥٧٢) - تفسير ابن أبي حاتم (٣/ ٤٦٧١) ولم يعزه السيوطي في \"الدر المنثور\" (٢/ ١٩٩) إلى غيره.\n_________\n[¬١]- سقط من خ.\n[¬٢]- في خ: \"أبي ليلى حاتم\".\n[¬٣]- في خ: \"رحيم\".\n[¬٤]- في خ: \"جرير\".\n[¬٥]- في خ: \"هؤلاء\".\n[¬٦]- سقط من: خ.\n[¬٧]- في خ: \"من عند الله\".","vol":"3","page":308},{"text":"وقال ابن مردويه (^٥٧٣): حدَّثنا أحمد بن نصر، حدَّثنا أَبو طاهر سهل بن عبد الله، أنبأنا هشام بن عمار، أنبأنا سعيد بن [¬١] يحيى، أنبأنا عبد الله بن الوليد الوصافي [¬٢]، عن محارب بن دثار [¬٣]، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، عن النبي ﷺ قال: \"إنما سموا الأبرار لأنهم بروا الآباء والأبناء، كما أن لوالديك عيك حقًّا، كذا [¬٤] لولدك عيك حق\".\nكذا رواه ابن مردويه، عن عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعًا، وقال ابن أبي حاتم (^٥٧٤): حدَّثنا أبي، حدَّثنا أحمد بن جناب [¬٥]، حدَّثنا عيسى بن يونس، عن عبيد الله بن الوليد الوصافي [¬٦]، عن محارب بن دثار، عن ابني عمر، قال: إنما سماهم الله الأبرار [¬٧]، لأنهم بروا الآباء والأبناء، كما أن لوالديك عليك حقًّا، كذلك لوالدك عليك حق، وهذا أشبه، والله أعلم.\nثم قال ابن أبي حاتم (^٥٧٥): حدَّثنا أبي، حدَّثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا هشام الدستوائي، عن رجل، عن الحسن، قال: الأبرار الذين لا يؤذون الذر.\nوقال ابن أبي حاتم أيضًا (^٥٧٦): حدَّثنا أحمد بن سنان، حدَّثنا أَبو معاوية، عن الأعمَش،\n_________\n(^٥٧٣) - كذا وقع نسبة هذا الحديث هنا إلى عبد الله بن عمرو بن العاص، وأخشى أن يكون سهوًا من الناسخ، فقد عزاه لابن مردويه السيوطي في \"الدر المنثور\" (٢/ ١٩٩) من حديث عبد الله بن عمر، وأخرجه ابن عدي في \"الكامل\" (٤/ ١٦٣٠) ثنا محمد بن خريم، ثنا هشام بن عمار به في مسند ابن عمر، وكذا رواه ابن عساكر في \"تاريخ دمشق\" (١٧/ ٤٠٠ مخطوط) ويذكر المصنف من طريقه في سورة الأنفطار / آية ١٣ - وعبيد الله الوصافي هذا ضعفه ابن معين وأَبو حاتم، وأَبو زرعة وغيرهم، وقال ابن عدي - وذكر أحادث منها هذا -: \"هذه الأحاديث للوصافى عن محارب عن ابن عمر هو الذي يرويها ولا يتابع عليها\" وقد اضطرب فيه فرواه موقوفًا وهو الآتي.\n(^٥٧٤) - تفسير ابن أبي حاتم (٣/ ٤٦٨٠) وأخرجه البخاري في \"الأدب المفرد\" (٩٤) من طريق الوصافي أيضًا، وصحح هنا الموقوف السيوطي - وزاد عزوه إلى عبد بن حميد - في \"الدر المنثور\" (٢/ ١٩٩) مع أن الوصافي ضعيف كما تقدم.\n(^٥٧٥) - تفسير ابن أبي حاتم (٣/ ٤٦٨١) ولم يعزه السيوطي في \"الدر المنثور\" (٢/ ١٩٩) إلى غيره.\n(^٥٧٦) - تفسير ابن أبي حاتم (٣/ ٤٦٧٩) ورواه عبد الرزاق في تفسيره (١/ ١٤٢) أنا الثوري عن الأعمَش به.\n_________\n[¬١] في خ: \"وأنا\".\n[¬٢] في خ: \"الرصافى\".\n[¬٣] في خ: \"ديار\".\n[¬٤] في خ: \"كذلك\".\n[¬٥] في خ: \"حباب\".\n[¬٦] في خ: \"الرصافى\".\n[¬٧] في خ: \"أبرارًا\".","vol":"3","page":309},{"text":"عن خيثمة، عن الأسود؛ قال [¬١]: قال عبد الله -يعني ابن مسعود-: ما من نفس برة ولا فاجرة إلَّا الموت خير لها، لئن كان برًّا، لقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيرٌ لِلْأَبْرَارِ﴾.\nوكذا رواه عبد الرزاق، عن الأعمش عن الثَّوري به، وقرأ ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾.\nوقال [¬٢] ابن جرير (^٥٧٧): حدثني المثنى، حدَّثنا إسحاق، حدَّثنا [¬٣] ابن أبي جعفر، عن فرج [¬٤] بن فضالة، عن لقمان، عن أبي الدرداء، أنَّه كان يقول: ما من مؤمن إلا والموت خير له، وما من كافر إلا والموت خير له، ومن لم يصدقني، فإن الله يقول: ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيرٌ لِلْأَبْرَارِ﴾، ويقول ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾.\n﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (١٩٩) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٢٠٠)﴾\nيخبر تعالى عن طائفة من أهل الكتاب أنهم يؤمنون بالله حق الإيمان، ويؤمنون [¬٥] بما أنزل على محمد، مع ما هم مؤمنون به من الكتب المتقدمة، أنهم خاشعون لله، أي مطيعون له، خاضعون متذللون بين يديه، ﴿لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ أي: لا يكتمون ما بأيديهم من البشارة [¬٦] بمحمد ﷺ، وذكر صفته ونعته ومبعثه وصفة أمّته، وهؤلاء هم خيرة أهل الكتاب وصفوتهم سواء كانوا هودًا أو نصارى. وقد قال تعالى في سورة القصص ﴿الَّذِينَ آتَينَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (٥٢) وَإِذَا يُتْلَى عَلَيهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ\n_________\n(^٥٧٧) - تفسير ابن جرير (٧/ ٨٣٧٥) ولقمان هو ابن عامر الوصَّابي، قال أَبو حاتم الرازي: روايته عن أبي الدرداء مرسلة، وهو مترجم في \"التهذيب\". والخبر زاد نسبته السيوطي في \"الدر المنثور\" (٢/ ١٨٣) إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر.\n_________\n[¬١]- سقط من: ت.\n[¬٢]- في خ: \"قال\".\n[¬٣]- سقط من: خ.\n[¬٤]- في خ: \"نوح\".\n[¬٥]- سقط من: خ.\n[¬٦]- في خ: \"البشارات\".","vol":"3","page":310},{"text":"مُسْلِمِينَ (٥٣) أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَينِ بِمَا صَبَرُوا﴾ الآية. وقد قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَينَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ الآية. [وقد قال تعالى] [¬١]: ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿لَيسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾: وقال تعالى: ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (١٠٧) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (١٠٨) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ] [¬٢] يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾. وهذه الصفات توجد في اليهود، ولكن قليلا، كما وجد في عبد الله بن سلام وأمثاله ممن آمن من أحبار اليهود، ولم يبلغوا عشرة أنفس، وأما النصارى فكثير منهم يهتدون [¬٣]، وينقادون للحق، كما قال تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾، إلى قوله تعالى: ﴿فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ الآية. هكذا [¬٤] قال ها هنا: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ الآية.\nوقد ثبت في الحديث (^٥٧٨) أن جعفر بن أبي طالب ﵁ لما قرأ سورة \"كهيعص\" بحضرة النجاشي ملك الحبشة، وعنده البطاركة والقساوسة بكى وبكوا معه؛ حتَّى أخضبوا لحاهم.\nوثبت في الصحيحين (^٥٧٩) أن النجاشي لما مات، نعاه النبي ﷺ إلى أصحابه، وقال: \"إنَّ\n_________\n(^٥٧٨) - جزء من حديث أخرجه ابن هشام في \"السيرة\" (١/ ٢٢٢، ٢٢٥) وأحمد في \"المسند\" (١/ ٢٠٢) (٥/ ٢٩٠) عن محمد بن إسحاق، حدثني حمد بن مسلم الزهري، عن أَبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي عن أم سلمة زوج النبيِّ ﷺ وهذا إسناد حسن، وابن إسحاق قد صرح بالتحديث، والحديث أورده الهيثمي في \"المجمع\" (٦/ ٢٧: ٣٠) وعزاه إلى أحمد وقال: \"ورجاله رجال الصحيح غير ابن إسحاق وقد صرح بالسماع\".\n(^٥٧٩) - أخرجه مسلم، كتاب لجنائز، باب في التكبير على الجنازة (٦٤: ٦٦) (٩٥٢) (٦٧) (٩٥٣) من حديث جابر بن عبد الله وعمران بن حصين، وحديث جابر أصله في صحيح البخاري، كتاب الجنائز، باب: من صف صفين أو ثلاثة على الجنازة خلف الإمام (١٣١٧) دون اللفظ المرفوع، وفي الباب عن غير واحد من الصحابة راجع \"الإرواء\" للألباني (٣ / رقم ٧٢٧).\n_________\n[¬١]- في خ: \"وقال\".\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- في خ: \"مهتدون\".\n[¬٤]- في خ: \"وهكذا\".","vol":"3","page":311},{"text":"أخًا لكم بالحبشة قد مات، فصلوا عليه\"، فخرج إلى الصحراء فصفهم، وصلى عليه.\nوروى ابن أبي حاتم والحافظ أبو بكر بن مردويه (^٥٨٠) من حديث حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس بن مالك بن قال: لما توفي النجاشي، قال رسول الله ﷺ: \"استغفروا لأخيكم [¬١] \"، فقال بعض الناس: يأمرنا أن نستغفر لعلج مات بأرض الحبشة، فنزلت: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ﴾ الآية.\nورواه عبد بن حميد وابن أبي حاتم من طريق أخرى (^٥٨١)، [عن حماد بن سلمة، عن ثابت، عن الحسن، عن النبي ﷺ، ثم رواه ابن مردويه (^٥٨٢) من طرق: عن حميد [¬٢]، عن أنس بن مالك نحو [¬٣] ما تقدم.\nورواه أيضًا ابن جرير (^٥٨٣) من حديث أبي بكر الهذلي، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، عن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ حين مات النجاشي: \"إن أخاكم أصحمة قد مات! \"، فخرج رسول الله ﷺ فصلى كما يصلي على الجنائز فكبر عليه أربعًا، فقال المنافقون: يصلى\n_________\n(^٥٨٠) - أخرجه ابن أبي حاتم (٣/ ٤٦٨٢) ثنا أبي، ثنا أحمد بن محمد بن عبد الله، والطبراني في \" الأوسط\" (٣/ ٢٦٦٧) ثنا إبراهيم -وهو ابن أحمد بن عمر الوكيعي- نا أبي، كلاهما (الأحمدان) ثنا مؤمل بن إسماعيل، ثنا حماد به، وقال الطبراني: \"لم يرو هذا الحديث عن حمادٍ إلا مُؤَمَّلٌ\" وهو صدوق سيئ الحفظ فمثله لا يحتمل، والحديث ذكره الهيثمي في \"المجمع\" (٩/ ٤٢٢، ٤٤٣) وقال: \"رواه الطبراني في \"الأوسط\" بإسنادين أحدهما قال فيه \"صلوا عليه\" تأتي هذه الرواية (٦٣١) ورجالهما ثقات، وفي هذه من لم أعرفه\" قلت: كلهم معروفون وشيخ الطبراني أحسن عبد الله بن أحمد القول فيه، ووثقه أبو الحسن الدارقطني \"تاريخ بغداد\" (٥/ ٦، ٦) وأبوه ثقة مترجم في \"التهذيب\" وباقي رجاله من رجال \"التهذيب\".\n(^٥٨١) - أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (٣/ ٤٦٨٣) واقتصر السيوطي في \"الدر المنثور\" (٢٠٠/ ٢) على عزوه إلى عبد بن حميد، ورواه النسائي في \"التفسير\" من \"السنن الكبرى\" (٦/ ١١٠٨٩) أنا عمرو بن منصور، نا يزيد بن مهران أبو خالد الخباز، أنا أبو بكر بن عياش عن حميد عن الحسن مرسلًا.\n(^٥٨٢) - وعزاه لابن مردويه السيوطي في \"الدر المنثور\" (٢٠٠/ ٢) وأخرجه النسائي في \"التفسير\" من \"الكبرى\" (٦/ ١١٠٨٨) والطبراني في \"الأوسط\" (٥/ ٥١٤٧) من طريق يزيد بن مهران قال: نا أبو بكر بن عياش، وأخرجه البزار (١ / رقم ٨٣٢) وابن شاهين والدارقطني في \"الأفراد\" كما في \"الإصابة\" (١/ ١٧٧) والواحدي في \"أسباب النزول\" (ص ١٠٥) من طريق معتمر، كلاهما (أبو بكر بن عياش ومعتمر) عن حميد عن أنس قال: لما جاء نَعيُ النجاشي قال رسول الله ﷺ \"صلوا عليه، قالوا: يا رسول الله نصلى على عبد حبشي؟! فأنزل الله ﷿ ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ …﴾ وقال الطبراني: \"لم يرو هذا الحديث عن حميد إلا أبو بكر بن عياش، ومعتمر بن سليمان\" كذا قال، ورواه البزار (٨٣٢ / كشف) من طريق عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان عن حميد به، والحديث ذكره الهيثمي في \"المجمع\" (٣/ ٤١) وقال: \"رواه البزار والطبراني في \"الأوسط\" ورجال الطبراني ثقات إلا أن حميد بن أبي حميد مدلس وقد عنعن لكنه، هنا يروى عن أنس وفي \"جامع التحصيل\" للعلائي (ص ١٦٨) قال مؤمل بن إسماعيل: عامة ما يرويه حميد عن أنس سمعه من ثايت يعني البناني عنه، وقال أبو عبيدة الحداد عن شعبة لم يسمع حميد من أنس إلا أربعة وعشرين حديثًا والباقي سمعها من ثابت أو ثبته فيها ثابت، قلت العلائي- فعلى تقدير أن يكون مراسيل قد تبين الواسطة فيها، وهو ثقة محتج به\" والحديث زاد نسبته السيوطي إلى ابن المنذر.\n(^٥٨٣) - تفسير ابن جرير (٧/ ٨٣٧٦) ثنا عصام بن رواد بن الجراح قال: حدثنا أبي قال حدثنا أبو بكر الهذلي له، وفي روايته خلاف لما نقله المصنف هنا، وقال ابن جرير: \"في إسناده نظر\" وعلته أبو بكر الهذلي هذا فإنه \"أخباري، متروك\" والحديث لم ينسبه السيوطي في \"الدر المنثور\" (٢/ ٢٠٠) لغير ابن جرير.\n_________\n[¬١]- في خ: \"لإخوانكم\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٣]- في خ: \"بنحو\".","vol":"3","page":312},{"text":"على علج مات بأرض الحبشة، فأنزل الله: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ الآية.\nوقد روى الحافظ أبو عبد الله الحاكم في مستدركه (^٥٨٤)، أنبأنا أبو العباس السياري بمرو، حدثنا عبد الله بن علي الغزال، حدثنا علي بن الحسين [¬١] بن شقيق، حدثنا ابن المبارك، حدثنا مصعب بن ثابت، عن عامر بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، قال: نزل بالنجاشي عدو من أرضهم، فجاعه المهاجرون، فقالوا: إنا نحب أن تخرج إليهم حتى نقاتل معك، وترى جرأتنا ونجزيك بما صنعت بنا، فقال: لا، دواء [¬٢] بنصرة [¬٣] الله ﷿، خير من دواء بنصرة الناس. قال: وفيه نزلت: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيهِمْ خَاشِعِينَ [¬٤] لِلَّهِ﴾ الآية. ثم قال: هذا حديث صحيح الإِسناد ولم يخرجاه.\nوقال أبو داود (^٥٨٥): حدثنا محمد بن عمرو الرازي، حدثنا سلمة بن الفضل، عن محمد بن إسحاق، حدثني يزيد بن رومان، عن عروة، عن عائشة ﵂ قالت: لما مات النجاشي، كنا نحدث أنه لا يزال يرى على قبره نور.\n_________\n(^٥٨٤) - \" المستدرك\" (٢/ ٣٠٠) وقال: \"حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه\" ووافقه الذهبي مع أنه قد ترجم لمصعب بن ثابت في \"الميزان\" وقال: \"ضعفه يحيى بن معين وأحمد، وقال أبو حاتم: لا يحتج به، وقال النسائي: ليس بالقوي\".\n(^٥٨٥) - سنن أبي داود، كتاب الجهاد، باب في النور يرى عند قبر الشهيد (٢٥٢٣) والحديث في \"السيرة\" لابن إسحاق كما في سيرة ابن هشام (١/ ٣٥٣) وإسناده حسن لكلام في ابن إسحاق.\n_________\n[¬١]- في ت: \"الحسن\".\n[¬٢]- في خ: \"أدواء\".\n[¬٣]- في ت: \"بنصر\".\n[¬٤] في خ: \"إلى خاشعين لله\".","vol":"3","page":313},{"text":"وقال [¬١] ابن أبي نجيح عن مجاهد: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ يعني مسلمة أهل الكتاب.\nوقال عباد بن منصور: سألت الحسن البصري عن [قول الله] [¬٢]: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ الآية، قال: هم أهل الكتاب الذين كانوا [¬٣] قبل محمد، ﷺ، فاتبعوه، وعرفوا الإسلام، فأعطاهم الله تعالى أجر [¬٤] اثنين، للذي [¬٥] كانوا عليه من الإِيمان [¬٦] قبل محمد، ﷺ، واتباعهم [¬٧] محمدًا ﷺ، رواه [¬٨] ابن أبي حاتم (^٥٨٦).\nوقد ثبت في الصحيحين (^٥٨٧) عن أبي موسى قال: قال رسول الله ﷺ: \"ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين\" فذكر منهم: \"ورجل [¬٩] من أهل الكتاب آمن بنبيه وآمن بي\".\nوقوله تعالى: ﴿لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ أي: لا يكتمون ما بأيديهم من العلم، كما فعله الطائفة المرذولة منهم، بل يبذلون ذلك منهم [¬١٠] مجانًا، ولهذا قال [تعالى: ﴿أُولَئِكَ] [¬١١] لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾.\nقال مجاهد: سريع الحساب يعني سريع الإِحصاء، رواه ابن أبي حاتم وغيره (^٥٨٨).\nوقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا﴾، قال الحسن البصري، ﵀: أمروا أن يصبروا على دينهم الذي ارتضاه الله لهم، وهو الإِسلام، فلا يدعوه لسراء ولا لضراء، ولا لشدّة ولا لرخاء، حتى يموتوا مسلمين، وأن يصابروا الأعداء الذين يكتمون دينهم، وكذلك [¬١٢] قال غير واحد من علماء السلف.\nوأما المرابطة فهي المداومة في مكان العبادة والثبات، وقيل: انتظار الصلاة بعد الصلاة، قاله\n_________\n(^٥٨٦) - تفسير ابن أبي حاتم (٣/ ٤٦٨٥) ثنا الحسن بن أحمد، ثنا موسى بن محكم، ثنا أبو بكر الحنفي، ثنا عباد بن منصور.\n(^٥٨٧) - تقدم تخريجه سورة البقرة / آية ٤، ٢٨٢.\n(^٥٨٨) - تفسير ابن أبي حاتم (٣/ ٤٦٨٨) وكذا أخرجه ابن جرير في تفسيره (٦/ ٦٧٧١، ٦٧٧٢).\n_________\n[¬١]- في خ: \"وروى\".\n[¬٢]- في خ: \"وقوله تعالى\".\n[¬٣]- سقط من: خ.\n[¬٤]- في خ: \"إحدى\".\n[¬٥]- في خ: \"للذين\".\n[¬٦]- في خ: \"الإسلام\".\n[¬٧]- في خ: \"وبالذي اتبعوا\".\n[¬٨]- في خ: \"رواهما\".\n[¬٩]- في ت: \"رجلًا\".\n[¬١٠]- زيادة من: خ.\n[¬١١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬١٢]- في خ: \"وكذا\".","vol":"3","page":314},{"text":"ابن عباس، وسهل بن حنيف، ومحمد بن كعب القرظي وغيرهم.\nوروى ابن أبي حاتم (^٥٨٩) هاهنا الحديث الذي رواه مسلم، والنسائي من حديث مالك بن أنس، عن العلاء بن عبد الرحمن بن [¬١] يعقوب -مولى الحرقة-[عن أبيه] [¬٢]، عن أبي هريرة، [﵁] عن النبي ﷺ قال: \"ألا أخبركم بما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات، إسباغ الوضوء على المكاره؛ وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة؛ فذلكم الرباط، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط\".\nوقال ابن مردويه (^٥٩٠): حدثنا محمد بن أحمد، حدثنا موسى بن إسحاق، [حدثنا أبو] [¬٣] جحيفة علي بن يزيد الكوفي، أنبأنا ابن أبي كريمة، عن محمد بن يزيد، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: أقبل علي أبو هريرة يومًا فقال: أتدري يا بن أخي، فيم نزلت هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا﴾؟ قلت: لا. قال: أما إنه لم يكن في زمان النبي، ﷺ، غزو يرابطون فيه، ولكنها نزلت في قوم يعمرون المساجد، و[¬٤] يصلون الصلاة في مواقيتها، ثم يذكرون الله فيها، فعليهم أنزلت: ﴿اصْبِرُوا﴾ أي: على الصلوات الخمس، ﴿وَصَابِرُوا﴾ أنفسكم وهواكم، ﴿وَرَابِطُوا﴾ في مساجدكم، ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾\n_________\n(^٥٨٩) - تفسير ابن أبي حاتم (٣/ ٤٧٠٣) وأخرجه مسلم، كتاب الطهارة، باب فضل إسباغ الوضوء على المكاره (٤١) (٢٥١) والنسائي، كتاب الطهارة: باب الفضل في إسباغ الوضوء (١/ ٨٩ - ٩٠) وكذا أخرجه أحمد (٢/ ٢٧٧، ٣٠٣) من طرق عن مالك به، وأخرجه مسلم وأحمد (٢/ ٢٧٧، ٣٠٣) من طرق عن مالك به، وأخرجه مسلم وأحمد (٢/ ٢٣٥، ٣٠١، ٤٣٨) والترمذي، كتاب الطهارة، باب ما جاء في إسباغ الوضوء (٥١، ٥٢) من طرق عن العلاء بن عبد الرحمن به.\n(^٥٩٠) - وعزاه لابن مردويه السيوطي في \"الدر المنثور\" (٢/ ٢٠١) وأخرجه ابن المبارك -كما في \"الدر المنثور\" - ومن طريقه ابن جرير في تفسيره (٧/ ٨٣٩٤) حدثني المثنى، قال: حدثنا سويد، والحاكم في \"المستدرك\" (٢/ ٣٠) وعنه البيهقي في \"الشعب\" (٣/ ٢٨٩٨) من طريق أحمد بن نجدة القرشي، ثنا سعيد بن منصور، والبيهقي أيضًا (٢٨٩٧) من طريق أبي عمران موسى بن إسماعيل، ثلاثتهم (سويد وسعيد وموسى) عن ابن المبارك به، وقال الحاكم: \"حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه\" ووافقه الذهبي، مع أن في إسناده \"مصعب بن ثابت\" وهو ضعيف -كما تقدم ذكره عند رقم (٦٣٣) وأشار إلى هذا الخبر الحافظ ابن حجر في \"الفتح\" (٦/ ٨٦) وقال: \"وما احتج به أبو سلمة لا حجة فيه ولا سيما مع ثبوت حديث الباب- يعني الحديث الآتي هنا برقم (٦٤٤) - فعلى تقدير تسليم أنه لم يكن في عهد رسول الله ﷺ رباط فلا يمنع ذلك من الأمر به والترغيب فيه، ويحتمل أن يكون المراد كلا الأمرين - رباط المجاهد وانتظار الصلاة -أو ما هو أعم من ذلك\". والخبر زاد نسبته السيوطي إلى ابن المنذر.\n_________\n[¬١]- في خ: \"عن\".\n[¬٢]- مكررة في خ.\n[¬٣]- في خ: \"أنا ابن\".\n[¬٤]- سقط من: خ.","vol":"3","page":315},{"text":"فيما عليكم، ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾.\nوهكذا رواه الحاكم في مستدركه من طريق سعيد [¬١] بن منصور [عن ابن المبارك] [¬٢]، عن مصعب بن ثابت، عن داود بن صالح، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة بنحوه.\nوقال ابن جرير (^٥٩١): حدثني أبو السائب، حدثني ابن فضيل [¬٣]، عن عبد الله بن سعيد المقبري، عن جدّه، عن شرحبيل، عن علي ﵁ قال: قال رسول الله، ﷺ: \"ألا أدلكم على ما يكفر الذنوب والخطايا؟ إسباغ الوضوء على المكاره، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط\".\nوقال ابن جرير أيضًا (^٥٩٢): حدثني موسى بن سهل الرملي، حدثنا يحيى بن واضح، حدثنا محمد بن مهاجر، حدثني يحيى بن يزيد، عن زيد بن أبي أنيسة، عن شرحبيل، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: \"ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا، ويكفر به الذنوب؟ قلنا: بلى يا رسول الله، قال: \"إسباغ الوضوء في أماكنها، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط\".\n_________\n(^٥٩١) - تفسير ابن جرير (٧/ ٨٣٩٥) وهذا إسناد ضعيف بمرَّةٍ شرحبيل بن سعد ضعفه الجمهور، وعبد الله بن سعيد هذا تركه أحمد وعبد الرحمن بن مهدي ويحيى بن سعيد وضعفه غيرهم وقد أخطأ عبد الله بن سعيد في هذا الإسناد فقد رواه غيره عن زيد بن أبي أنيسة عن شرحبيل بن سعد عن جابر بن عبد الله وهو الآتي؛ إلا أن الحديث قد ورد من طريق آخر ياسناد حسن أخرجه البزار في مسنده (٢ / رقم ٥٢٨) وأبو يعلى (١ / رقم ٤٨٨) وصححه الحاكم على شرط مسلم (١/ ١٣٢) ووافقه الذهبي.\n(^٥٩٢) - تفسير ابن جرير (٧/ ٨٣٩٦) وأخرجه البزار (١ / رقم ١٤٤٩ كشف) وابن حبان (٣/ ١٠٣٩) من طريق محمد بن سلمة عن أبي عبد الرحيم بن أبي يزيد الحراني عن زيد بن أبي أنيسة به، وقال البزار: \"لا نعلم يروى هذا عن جابر إلا بهذا الإسناد\" ثم أخرجه البزار أيضًا (٤٥٠) من طريق محمد بن عمر عن عبد الحميد بن عبد الرحمن الحماني عن يوسف الصباغ، عن عامر الشعبي عن جابر … فذكر نحوه غير أنه قال: \"فتلك رياض الجنة\" بدل \"فذلكم الرباط\" وذكره الهيثمي في \"المجمع\" (٢/ ٤٠) وقال: \"رواه البزار وله رواية بنحو هذا إلا أنه قال .... وإسناد الأول فيه شرحبيل بن سعد وهو ضعيف عند الجمهور، وذكره ابن حبان في \"الثقات\" (٤/ ٣٦٥) وأخرج له في صحيحه هذا الحديث، وإسناد الثاني فيه يوسف بن ميمون الصباغ ضعفه جماعة ووثقه ابن حبان وأبو أحمد بن عدي وقال البزار: \"صالح الحديث\".\n_________\n[¬١]- في خ: \"سعر\".\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- في خ: \"فضل\".","vol":"3","page":316},{"text":"وقال ابن مردويه (^٥٩٣): حدثنا محمد بن علي، أنبأنا محمد بن عبد الله بن سلام البيروتي، أنبأنا محمد بن غالب الأنطاكي، أنبأنا عثمان بن عبد الرحمن، أنبأنا الوازع بن نافع، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي أيوب ﵁ قال: وقد [¬١] علينا رسول الله ﷺ، فقال: \"هل لكم إلى ما يمحو الله به الذنوب، ويعظم به الأجر\"؟ قلنا: نعم يا رسول الله، وما هو؟ قال: \"إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة\"، قال: \"وهو قول الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ فذلك هو الرباط في المساجد\". وهذا حديث غريب من هذا الوجه جدًّا.\nوقال عبد الله بن المبارك، عن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير، حدثني داود بن صالح قال: قال لي أبو سلمة بن عبد الرحمن: يا ابن أخي، هل تدري في أي شيء نزلت هذه الآية: ﴿اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا﴾ قال: [قلت: لا. قال] [¬٢]: إنه لم يكن يا ابن أخي في زمان رسول الله ﷺ غزو يرابط فيه، ولكنه انتظار الصلاة بعد الصلاة.\nرواه ابن جرير (^٥٩٤)، وقد تقدم سياق ابن مردويه له، وإنه من كلام أبي هريرة ﵁ والله أعلم.\nوقيل المراد بالمرابطة هاهنا، مرابطة الغزو في نحو العدوّ، وحفظ ثغور الإِسلام، وصيانتها عن دخول الأعداء إلى حوزة بلاد المسلمين، وقد وردت الأخبار بالترغيب في ذلك، وذكر كثرة الثواب فيه، فروى البخاري في صحيحه (^٥٩٥) عن سهل بن سعد الساعدي ﵁، أن رسول الله، ﷺ، قال: \"رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها\".\n(حديث آخر) روى مسلم (^٥٩٦)، عن سلمان الفارسي، عن رسول الله، ﷺ، أنه قال:\n_________\n(^٥٩٣) - والحديث لم يعزه السيوطي في \"الدر المنثور\" (٢/ ٢٠١) لغير ابن مردويه، والوازع بن نافع قال يحيى بن معين: ليس بثقة. وقال البخاري: \"منكر الحديث\" وتركه النسائي وأبو حاتم وغيرهما، وقال ابن عدي: \"عامة ما يرويه الوازع غير محفوظ\" راجع \"لسان الميزان\" لابن حجر (٦/ ٩٠٥٦).\n(^٥٩٤) - تفسير ابن جرير (٧/ ٨٣٩٤) وتقدم هنا برقم (٦٣٩).\n(^٥٩٥) - تقدم تخريجه هنا برقم (٥٨١).\n(^٥٩٦) - صحيح مسلم، كتاب الإمارة، باب فضل الرباط في سبيل الله ﷿ (١٦٣) (١٩١٣) وأخرجه أيضًا أحمد (٥/ ٤٤١) والنسائي، كتاب الجهاد، باب فضل الرباط (٦/ ٣٩) ويعيده المصنف هنا من طريق آخر انظر رقم (٦٥٣).\n_________\n[¬١]- في خ: \"وقف\".\n[¬٢]- في خ: \"قليلًا\".","vol":"3","page":317},{"text":"\"رباط يوم وليلة، خير من صيام شهر وقيامه، وإن مات جرى عليه الذي كان يعمله، وأجرى عليه رزقه، وأمن الفتان\".\n(حديث آخر) قال [¬١] الإمام أحمد (^٥٩٧): حدثنا إسحاق بن إبراهيم، حدثنا ابن المبارك، عن حيوة بن شريح، أخبرني أَبو هانئ الخولاني، أن عمرو بن مالك الجنبي أخبره أنه سمع فضالة بن عبيد يقول: سمعت رسول الله، ﵌ يقول: \"كل ميت يختم على عمله، إلا الذي مات مرابطًا في سبيل الله، فإنه ينمو له عمله إلى يوم القيامة، ويأمن فتنة القبر\".\nوهكذا رواه أبو داود، والترمذي من حديث أبي هانئ الخولاني، وقال الترمذي: [هذا حديث، حسن صحيح، وأخرجه ابن حبان في صحيحه أيضًا.\n(حديث آخر) [قال الإمام أحمد (^٥٩٨)] [¬٢]: حدثنا [¬٣] يحيى بن إسحاق، [و] [¬٤] حسن\n_________\n(^٥٩٧) - \" المسند\" (٦/ ٢٠) وأخرجه أيضًا (٦/ ٢٢) والترمذي، كتاب فضائل الجهاد، باب ما جاء في فضل من مات مرابطًا (١٦٢١) وابن حبان في صحيحه (١٠/ ٤٦٢٤) والطبراني في \"المعجم الكبير\" (١٨ / رقم ٨٠٢) والحاكم في \"المستدرك\" (٢/ ١٤٤) من طرق عن عبد الله بن المبارك به، وأخرجه سعيد بن منصور في سننه (٢ / رقم ٢٤١٤) ومن طريقه أبو داود، كتاب الجهاد، باب في فضل الرباط (٢٥٠٠) والحاكم (٢/ ٧٩) وعنه البيهقي في \"الشعب\" (٤/ ٤٢٨٧) والطبراني (١٨/ ٨٠٣) من طريق أحمد بن صالح كلاهما (سعيد وأحمد) ثنا عبد الله بن وهب حدثني أبو هانئ به وقال الترمذي: \"حديث حسن صحيح\" وصححه الحاكم في الموضع الأول عنده على شرط مسلم وفي الثاني على شرط الشيخين مع أن عمرو بن مالك لم يرو له؛ إلا أصحاب السنن والبخاري في \"الأدب\" ووثقه ابن معين وابن حبان والعجلى والدارقطني.\n(^٥٩٨) - \" المسند\" (٤/ ١٥٧) وليس في هذا الطريق لفظة \"ويأمن من الفتان\" وإنما رواه أحمد أيضًا (٤/ ١٥٠) ثنا قتيبة، ثنا ابن لهيعة به وفيه هذه اللفظة، ورواه أيضًا (٤/ ١٥٠، ١٥٧) ثنا عبد الله بن يزيد، وحسن بن موسى به مفرقًا، وأخرجه الدارمي (٢ / رقم ٢٤٣٠) والحارث بن أبي أسامة (٦٢٧ / البغية) ثنا عبد الله بن يزيد أبو عبد الرحمن المقرئ به والروياني في مسنده (١ / رقم ٢١٩) نا أحمد بن عبد الرحمن، نا عمى عبد الله بن وهب- نا ابن لهيعة به، وابن لهيعة ضعف إلا أن رواية العبادلة عنه مستقيمة غير أنه قد اختلف عليه فيه ومِشْرَح بن هاعان وثقه ابن معين وقال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به، وقال ابن حبان في \"الثقات\": يخطئ ويخالف. وقال في \"الضعفاء\": روى عن عقبة مناكير لا يتابع عليها، فالصواب ترك ما انفرد به، فرواه السابق ذكرهم عنه هكذا ورواه (يحيى بن إسحاق أيضًا، وسعيد بن عفير وسعيد بن يحيى) ثنا ابن لهيعة عن أبي عشانة عن عقبة به، وأبو عشانة واسمه حي بن يُؤمن وثقه أحمد ويحيى ويعقوب بن سفيان وقال أبو حاتم: \"صالح الحديث\". والحديث ذكره الهيثمي في =\n_________\n[¬١]- في خ: \"وقال\".\n[¬٢]- في خ: \"وروى الإمام أحمد أيضًا\".\n[¬٣]- في خ: \"عن\".\n[¬٤]- في ت: \"حدثنا\".","vol":"3","page":318},{"text":"ابن موسى، وأبو [¬١] سعيد [عبد الله بن يزيد، كلهم عن عبد الله بن لهيعة، حدثنا مشرح بن هاعان، سمعت] [¬٢] عقبة بن عامر يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"كل ميت يختم له على عمله، إلا المرابط في سبيل الله، يجري عليه عمله حتى يبعث، ويأمن [¬٣] من الفتان\".\nرواه الحارث بن محمد بن أبي أسامة في مسنده، عن المقبري، وهو عبد الله بن يزيد به، إلى قوله: \"حتى يبعث\"، دون ذكر \"الفتان\"، وابن لهيعة إذا صرح بالتحديث فهو حسن، ولا سيما مع ما تقدم من الشواهد.\n(حديث آخر) قال أبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجة في سننه (^٥٩٩): حدثنا يونس بن عبد الأعلى، حدثنا عبد الله بن وهب، أخبرني الليث، عن زهرة بن معبد [¬٤]، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ قال: \"من مات مرابطًا في سبيل الله، أجري عليه أجر عمله الصالح الذي كان يعمل [¬٥]، وأجري عليه رزقه، وأمن [من الفتان] [¬٦]، وبعثه الله يوم القيامة آمنًا من الفزع [¬٧] \".\n(طريق [¬٨] أخرى) قال الإمام أحمد (^٦٠٠): حدثنا موسى، أنبأنا ابن لهيعة، عن موسى بن وردان، عن أبي هريرة [﵁]، عن [¬٩] رسول الله ﷺ قال [¬١٠]: \"من مات مرابطًا\n_________\n= \"المجمع\" (٥/ ٢٩٢) وقال: \"رواه أحمد والطبراني وفيه ابن لهيعة وحديثه حسن\".\n(^٥٩٩) - سنن ابن ماجه، كتاب الجهاد، باب فضل الرباط في سبيل الله (٢٧٦٧) ورجاله ثقات غير معبد وهو ابن عبد الله بن هشام، لم يوثقه غير ابن حبان \"الثقات\" (٥/ ٤٣٣) وقال الذهبي في \"الميزان\" تفرد عنه ابنه، وقال ابن حجر في \"التقريب\" مقبول. ومع هذا فقد صحح إسناده السيوطي في \"الدر المنثور\" (٢/ ٢٠٢) وكذا البوصيري في \"الزوائد\" (٢/ ٣٩١) قال: \"إسناده صحيح، رجاله ثقات ورواه البزار في مسنده عن أحمد بن منصور بن يسار عن عبد الله بن صالح عن الليث عن زهرة بن معبد عن أبي صالح -مولى عثمان- عن عثمان وأبي هريرة به … \".\n(^٦٠٠) - \" المسند\" (٢/ ٤٠٤) وابن لهيعة ضعيف في غير رواية العبادلة عنه، وهذه ليست منها، وموسى بن وردان متكلم فيه، ورواه الطبراني في \"الأوسط\" (٥/ ٥٣١٢) من طريق هانئ بن المتوكل الإسكندراني قال: نا عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة مرفوعًا بنحوه. وقال: \"لم يرو هذا الحديث عن زيد بن أسلم إلا ابنه عبد الرحمن تفرَّد به هانئ بن المتوكل\" وهو ضعيف وشيخه مثله.\n_________\n[¬١]- في خ: \"وأبي\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٣]- في خ: \"ويؤمن\".\n[¬٤]- في خ: \"سعيد\".\n[¬٥]- في ت: \"يعمله\".\n[¬٦]- في خ: \"الفتن\".\n[¬٧]- في ت: الفزع الأكبر.\n[¬٨]- في خ: \"طريقة\".\n[¬٩]- في خ: \"قال: قال\".\n[¬١٠]- سقط من: خ.","vol":"3","page":319},{"text":"وقي فتنة القبر، وأمن من الفزع الأكبر، وغدي عليه وريح برزقه من الجنة، وكتب له أجر المرابط إلى يوم القيامة\".\n(حديث آخر) قال الإِمام أحمد (^٦٠١): حدثنا إسحاق بن عيسى، حدثنا إسماعيل بن عياش، عن محمد بن عمرو بن حلحلة الديلي [¬١]، عن إسحاق بن عبد الله، عن أم الدرداء ترفع الحديث، قالت: \"من رابط في شيء من سواحل المسلمين ثلاثة أيام؛ أجزأت عنه رباط سنة\".\n(حديث آخر) قال الإِمام أحمد (^٦٠٢): حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا كهمس، حدثنا مصعب بن [¬٢] ثابت بن عبد الله بن الزبير قال: قال عثمان ﵁ وهو يخطب على منبره: إني محدثكم حديثًا سمعته من رسول الله ﷺ، لم يكن يمنعني أن أحدثكم به إلا الظن بكم؛ سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"حرس ليلة في سبيل الله أفضل من ألف ليلة، يقام ليلها ويصام نهارها\".\n_________\n(^٦٠١) - \" المسند\" (٦/ ٢٦٢) وأخرجه ابن أبي عاصم في \"الجهاد\" (٢ / رقم ٣٠٧) والطبراني في \"المعجم الكبير\" (٢٤ / رقم ٦٤٨) من طريق علي بن عياش الحمصي، ثنا إسماعيل بن عياش به، والبخاري في \"التاريخ الكبير\" (١/ ٣٩٤) من طريق سليمان بن عبد الرحمن عن إسماعيل بن عياش به وذكره الهيثمي في \"المجمع\" (٥/ ٢٩٢) وقال: \"رواه أحمد والطبراني من رواية إسماعيل بن عياش عن المدنيين وبقية رجاله ثقات\" قلت: رواية إسماعيل بن عياش عن غير الشاميين ضعيفة، ومع هذا فجوَّد إسناده السيوطي في \"الدر المنثور\" (٢/ ٢٠٢) ولم يعزه لغير أحمد.\n(^٦٠٢) - \" المسند\" (١/ ٦٣، ٦٥) وأخرجه أيضًا (١/ ٦١) ثنا رَوْح حدثنا كهمس به ومصعب بن ثابت ضعيف- انظر الحديث المتقدم برقم (٦٣٣) - ثم إنه لم يلق عثمان بن عفان، فالإسناد منقطع، لكن أخرجه الطبراني في \"المعجم الكبير\" (١ / رقم ١٤٥) وأبو نعيم في \"الحلية\" (٦/ ٢١٤، ٢١٥) من طريق بشر بن موسى، والحاكم في \"المستدرك\" (٢/ ٨١) وعنه البيهقي في \"الشعب\" (٤/ ٤٢٣٤) من طريق يحيى بن أبي ميسرة، كلاهما (بشر ويحيى) ثنا عبد الله بن يزيد المقرئ، ثنا كهمس بن الحسن، ثنا مصعب بن ثابت عن عبد الله بن الزبير ﵁ قال: قال عثمان … فذكر الحديث، وصحح إسناده الحاكم ووافقه الذهبي مع أن علتيه ما زالتا قائمتين وهما ضعف مصعب وانقطاعه فإن مصعبًا هذا لم يلق جدَّه أيضًا راجع \"التهذيب\" ورواه ابن ماجه في سننه (٢٧٦٦) ثنا هشام بن عمار، حدثنا عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن الله عن مصعب بن ثابت عن عبد الله بن الزبير به وقال البوصيري في \"الزوائد\" (٢/ ٣٩٠) \"هذا إسناد ضعيف عبد الرحمن بن زيد ضعفه أحمد وابن معين وابن المديني والنسائي، وقال الحاكم: روى عن الله أحاديثه موضوعة، وقال ابن عبد البر: أجمعوا على ضعفه. والأولى إعلاله بمن هو فوقه كما سبق بيانه لكن الحديث ثابت عن عثمان بلفظ آخر وهو الآتي.\n_________\n[¬١]- في خ: \"الدولي\".\n[¬٢]- في خ: \"أن\".","vol":"3","page":320},{"text":"وهكذا رواه أحمد أيضًا [¬١] عن روح، عن كهمس، عن مصعب بن ثابت، عن عثمان، وقد رواه ابن ماجة، عن هشام بن عمار، عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن مصعب بن ثابت، عن عبد الله بن الزبير قال: خطب عثمان بن عفان الناس، فقال: يا [¬٢] أيها الناس سمعت حديثًا من رسول الله ﷺ، لم يمنعني أن أحدثكم به إلا الظن بكم وبصحابتكم، فليختر مختار لنفسه، أو ليدع، سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"من رابط ليلة في سبيل الله كانت كألف ليلة [قيامها وصيامها] \".\n(طريق [¬٣] أخرى) عن عثمان ﵁، قال الترمذي (^٦٠٣): حدثنا الحسن بن علي الخلال، حدثنا هشام بن عبد الملك، حدثنا الليث بن سعد، حدثنا أبو عقيل -زهرة بن معبد- عن أبي صالح مولى عثمان بن عفان، قال: سمعت عثمان وهو على المنبر، يقول: إني كتمتكم حديثًا سمعته من رسول الله ﷺ كراهية تفرقكم عني، ثم بدا لي أن أحدثكموه [¬٤] ليختار امرؤ لنفسه ما بدا له، سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"رباط يوم في سبيل الله خير من ألف يوم فيما سواه من المنازل\".\nثم قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه، قال محمد -يعني البخاري-: أبو صالح مولى عثمان -اسمه بركان-، وذكر غير الترمذي، أن اسمه الحارث والله [¬٥] أعلم. وهكذا رواه الإمام أحمد من حديث الليث بن سعد، وعبد الله بن لهيعة، وعنده زيادة في\n_________\n(^٦٠٣) - \" الجامع للترمذى\" كتاب فضائل الجهاد، باب ما جاء في فضل المرابط (١٦٦٧) وأخرجه الدارمي (٢٤٢٩) والبزار في مسنده (٢ / رقم ٤٦) والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٩/ ٣٩) من طريق أبي الوليد هشام بن عبد الملك به، وأخرجه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٤/ ٥٨٤) وأحمد (١/ ٦٥، ٧٥) والنسائي (٦/ ٣٩، ٤٠) والحاكم في \"المستدرك\" (٢/ ١٤٣ - ١٤٤) وصحح إسناده ووافقه الذهبي، والمزي في \"تهذيب الكمال\" (٣٣/ ٤٢١) من طرق عن الليث بن سعد به وأخرجه أحمد (١/ ٦٢) من طريق ابن لهيعة ثنا زهرة بن معبد به وأخرجه عبد الله بن أحمد في زوائده على المسند (١/ ٦٦) ومن طريقه المزي (٣٣/ ٤٢٢) ثنا سويد بن سعيد ثنا رشدين بن سعد عن زهرة به وأخرجه الطيالسي في مسنده (ص ١٥) والنسائي (٦/ ٤٠) وابن حبان (١٠/ ٤٦٠٩) والحاكم (٢/ ٦٨) والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٩/ ١٦١) وفي \"الشعب\" (٤/ ٤٢٣٣) من طريق عبد الله بن المبارك أخبرنا أبو معن، حدثني أبو عقيل به- وسقط \"أبو عقيل\" من مسند الطيالسي فليستدرك - وصححه الحاكم من هذا الوجه على شرط البخاري ووافقه الذهبي مع أن أبا صالح مولى عثمان لم يرو له البخاري لكن وثقه ابن حبان \"الثقات\" (٤/ ١٣٦) والعجلي والهيثمي في \"المجمع\" (١/ ٢٩٧) وحسن حديثه هذا الترمذي وفي بعض النسخ صححه وقد جزم الدارقطني، والرامهرمزي وابن حبان بأن اسمه الحارث، والله أعلم.\n_________\n[¬١]- سقط من ت.\n[¬٢]- سقط من ت.\n[¬٣]- في خ: \"طريقة\".\n[¬٤]- في خ: \"أحدثكم\".\n[¬٥]- في خ: \"فالله\".","vol":"3","page":321},{"text":"آخره، فقال: -يعني عثمان-: \"فليرابط امرؤ كيف شاء\" هل بلغت؟ قالوا: نعم. قال: اللهم اشهد.\n(حديث آخر) قال أبو عيسى الترمذي (^٦٠٤): حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيان، حدثنا محمد بن المنكدر، قال: مر سلمان الفارسي بشرحبيل بن السمط وهو في مرابطة له، وقد شق عليه وعلى أصحابه فقال: ألا أحدثك يا ابن السمط بحديث سمعته من رسول الله ﷺ؟ قال: بلى. قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"رباط يوم في سبيل الله أفضل -أو قال خير- من صيام شهر وقيامه، ومن مات فيه وُقي فتنة القبر، ونمي له عمله إلى يوم القيامة\".\nتفرد به الترمذي من هذا الوجه، وقال: هذا حديث حسن. وفي بعض النسخ زيادة: وليس إسناده بمتصل، وابن المنكدر لم يدرك سلمان.\n(قلت) الظاهر أن محمد بن المنكدر سمعه من شرحبيل بن السمط، [وقد رواه مسلم، والنسائي من حديث مكحول وأبي عبيدة بن عقبة، كلاهما عن شرحبيل بن السمط] [¬١] وله صحبة عن سلمان الفارسي، عن رسول الله ﷺ أنه قال: \"رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه، وإن مات جرى عليه عمله الذي كان يعمله، وأجري عليه رزقة، وأمن الفتان\". وقد تقدم سياق مسلم بمفرده.\n(حديث آخر) قال ابن ماجة (^٦٠٥): حدثنا محمد بن إسماعيل بن سمرة، حدثنا محمد بن يعلى السلمي، حدثنا عمرو بن صبيح [¬٢]، عن عبد الرحمن بن عمرو، عن مكحول، عن أبي\n_________\n(^٦٠٤) - \" الجامع\" للترمذي، كتاب فضائل الجهاد، باب ما جاء في فضل المرابط (١٦٦٥) وقال الترمذي: \"هذا حديث حسن\" يعني بذلك متنه وإن كان وإلا فقد قال بعد ذلك: \"حديث سلمان إسناده ليس بمتصل، محمد بن المنكدر لم يدرك سلمان الفارسي، وقد رُوِيَ هذا الحديث عن أيوب بن موسى عن مكحول عن شرحبيل بن السِّمْط عن سلمان عن النبي ﷺ \" وهذه الطريق عند مسلم وقد تقدم تخريجه هنا برقم (٦٤٥).\n(^٦٠٥) - سنن ابن ماجه، كتاب الجهاد، باب فضل الرباط في سبيل الله (٢٨٦٨) وقال البوصيري في \"الزوائد\" (٢/ ٣٩٢، ٣٩٣): \"هذا إسناد ضعيف لضعف محمد بن يعلى وشيخه عمر بن صبيح ومكحول لم يدرك أبي بن كعب، ومع ذلك فهو مدلس وقد عنعنه\" وقال عبد العظيم المنذري في \"كتاب الترغيب والترهيب\" (٢/ ٢٤٥، ٢٤٦) - في باب الرباط: \"وآثار الوضع عليه ظاهر\" قال المنذري ولا عجب فرواية عمر بن صبيح الخراساني، ولولا أنه في الأصول لما ذكرته، وقال المصنف في \"جامع المسانيد والسنن\" (١/ ١٥٠) \"اخلق بهذا الحديث أن يكون موضوعًا، لما فيه من المجارفة، ولأنه =\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٢]- في خ: \"أصبح\".","vol":"3","page":322},{"text":"ابن كعب، قال: قال رسول الله ﷺ: \"لرباط يوم في سبيل الله من [¬١] وراء عورة المسلمين محتسبًا من غير شهر ومضان أعظم أجرًا من عبادة مائة سنة صيامها وقيامها، ورباط يوم في سبيل الله من وراء عورة المسلمين محتسبًا من [¬٢] شهر رمضان أفضل عند الله وأعظم أجرًا - أراه قال-: من عبادة ألف سنة صيامها وقيامها؛ فإن رده الله تعالى إلى أهله سالمًا لم يكتب عليه سيئة ألف سنة، وتكتب [¬٣] له الحسنات، ويجري له [¬٤] أجر الرباط إلى يوم القيامة\".\nهذا حديث غريب [من هذا الوجه، بل منكر] [¬٥]، وعمر بن صبيح متهم.\n(حديث آخر) قال ابن ماجة (^٦٠٦): حدثنا عيسى بن يونس الرملي، حدثنا محمد بن شعيب بن شابور، عن سعيد بن خالد بن أبي طويل، سمعت أنس بن مالك يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"حرس [¬٦] ليلة في سبيل الله أفضل [¬٧] من صيام رجل وقيامه في أهله ألف سنة، السنة ثلثمائة [وستون يومًا] [¬٨]، واليوم كألف سنة\".\nوهذا حديث غريب أيضًا، وسعيد بن خالد هذا ضعفه أبو زرعة وغير واحد من الأئمة، وقال\n_________\n= من رواية عمر بن صبح أبي نعيم، أحدُ الكذابين المعروفين بوضع الحديث\" ووهى إسناده الحافظ جلال الدين السيوطي في \"الدر المنثور (٢/ ٢٠٣) ولم يعزه لغير ابن ماجه.\n(^٦٠٦) - سنن ابن ماجه، كتاب الجهاد، باب فضل الحرس والتكبير في سبيل الله (٢٧٧٠) وأخرجه ابن أبي عاصم في \"الجهاد\" (٢ / رقم ٣٠٥) وأبو يعلى في مسنده (٧/ ٣٩٧٤، ٤٢٨٣) ومن طريقه وطريقه آخر الحافظ أبو القاسم بن عساكر في \"تاريخ دمشق\" (٧/ ٢٢٣ - مخطوط) وأبو حاتم بن حبان في \"الضعفاء\" (١/ ٣١٣) ومن طريقه ابن الجوزي في \"العلل المتناهية\" (٢ / رقم ٩٥٦) من طرق عن محمد بن شعيب به، بزيادة \"من رابط -وفي رواية حرس- ليلة على ساحل البحر … \" وقال ابن الجوزي: \"هذا حديث لا يصح، قال ابن حبان: سعيد منكر الرواية لا يحل الاحتجاج به؛ إلا فيما وافق فيه الثقات\" وقال البخاري: \"فيه نظر\" وقال أبو حاتم الرازي: \"لا أعلم روى عنه غير محمد بن شعيب بن شابور، ولا يشبه حديثه حديث أهل الصدق، منكر الحديث، وأحاديثه عن أنس\" وقال أبو زرعة: \"ضعيف الحديث، حدث عن أنس مناكير\" وبه أعل الحديث الهيثمي في \"المجمع\" (٥/ ٢٩٢) وقال المنذري في \"الترغيب والترهيب\" (٢/ ٣٤٩) \"يشبه أن يكون موضوعًا\" وجزم بوضعه الألباني في \"الضعيفة\" (٣/ ١٢٣٤) وقصر به البوصيري في \"الزوائد\" (٢/ ٣٩٥) فاكتفى بتضعيف إسناده.\n_________\n[¬١]- زيادة من: خ.\n[¬٢]- في خ: \"من غير\".\n[¬٣]- في خ: \"ويكتب\".\n[¬٤]- في ت: \"عليه\".\n[¬٥]- في خ: \"بل منكر من هذا الوجه\".\n[¬٦]- في خ: \"جلوس\".\n[¬٧]- في ت: \"خير\".\n[¬٨]- في خ: \"يوم\".","vol":"3","page":323},{"text":"العقيلي: لا يتابع على حديثه. وقال ابن حبان: لا يجوز الاحتجاج به. وقال الحاكم: روى عن أنس أحاديث موضوعة.\n(حديث آخر) قال ابن ماجة (^٦٠٧): حدَّثنا محمد بن الصباح، أنبأنا عبد العزيز بن محمد، عن صالح بن محمد بن زائدة، [عن عمر بن عبد العزيز] [¬١] عن عقبة بن عامر الجهني قال: قال رسول الله ﷺ رحم الله حارس الحرس\".\nفيه انقطاع بين عمر بن عبد العزيز، وعقبة بن عامر، فإنه لم يدركه والله أعلم.\n(حديث آخر) قال أبو داود (^٦٠٨): حدَّثنا أبو توبة، حدثنا معاوية -يعني ابن سلام عن زيد -يعني ابن سلام-[أنه سمع أبا سلام قال] [¬٢]: حدثني السلولي، أنه حدثه سهل بن الحنظلية، أنهم ساروا مع رسول الله ﷺ يوم حنين [فأطنبوا السير] [¬٣]، حتى كانت [¬٤] عشية، فحضرت الصلاة مع رسول الله ﷺ، فجاء رجل فارس فقال: يا رسول الله، إني\n_________\n(^٦٠٧) - سنن ابن ماجه، كتاب الجهاد، باب فضل الحرس والتكبير في سبيل الله (٢٧٦٩) وأخرجه الدارمي (٢٤٠٦) وسعيد بن منصور في سننه (٢٤١٦) ومن طريقه الروياني في مسنده (١ / رقم ٢٧٢) والبزار كما في مصباح الزجاجة للبوصيري (٢/ ٣٩٤) وأبو يعلى في مسنده (٣/ ١٧٥٠) والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٩/ ١٤٩، ١٥٠) من طرق عن عبد العزيز بن محمد به، وقال البوصيري: \"هذا إسناد ضعيف، صالح بن محمد ضعفه ابن معين وأبو زرعة وأبو حاتم والبخاري وأبو داود والنسائي وابن عدي وغيرهم\" وهو معل قبل ذلك بالانقطاع بن عمر بن عبد العزيز وعقبة بن عامر فقد قال أبو محمد الدارمي عقبه \"عمر بن عبد العزيز لم يلق عقبة بن عامر\" وبهذا أعله المصنف لكن وصله الحاكم في مستدركه (٢/ ٨٦) من طريق عبد العزيز بن عبد الله الأويسى، حدثني محمد بن صالح بن قيس الأزرق عن صالح بن محمد بن زائدة عن عمر بن عبد العزيز عن أبيه عن عقبة به، وصحح إسناده الحاكم ووافقه الذهبي ومحمد بن صالح ذكره ابن حبان في \"المجروحين\" (٢/ ٢٦٠) وقال: \"روى المناكير عن المشاهير لا يجوز الاحتجاج به إذا انفرد\" ومع هذا فقد أورده في ثقاته (٧/ ٣٨٥)!! قال أبو حاتم: \"شيخ\" وفي \"التقريب\" مقبول، وعلى اعتبار وصله ففيه أيضًا صالح بن محمد وهو ضعيف ولعل هذا الاضطراب منه فقد رواه البيهقي أيضًا (٩/ ١٤٩) من طريق سعيد بن أبي مريم ثنا سعيد بن عبد الرحمن بن جميل الجمحي ثنا صالح بن محمد به غير أنه جعل صحابيه \"قيس بن الحارث\".\n(^٦٠٨) - سنن أبي داود، كتاب الجهاد، باب في فضل الحرس في سبيل الله تعالى (٢٥٠١) وأخرجه أيضًا، كتاب الصلاة، باب الرخصة في النظر في الصلاة (٩١٦) ومن طريقه البيهقي في \"دلائل النبوة\" (٥/ ١٢٥، ١٢٦) وأخرجه النسائي في كتاب السير من \"السنن الكبرى\" (٥/ ٨٨٧٠) والبخاري في \"التاريخ الكبير\" (٢/ ٣٠) وابن أبي عاصم في \"كتاب الجهاد\" (٢/ ١٤٩) وابن خزيمة في صحيحه =\n_________\n[¬١]- في خ: \"عمرو بن عبد الرحمن\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٤]- في خ: \"كان\".","vol":"3","page":324},{"text":"انطلقت بين أيديكم حتى طلعت جبل كذا وكذا، فإذا أنا بهوازن على بكرة أبيهم، بظعنهم ونعمهم وشائهم [¬١]، اجتمعوا إلى حنين، فتبسم النبي ﷺ وقال: \"تلك غنيمة المسلمين غدًا إن شاء الله\". ثم قال: \"من يحرسنا الليلة\"؟ قال أنس بن أبي مرثد: أنا يا رسول الله. قال [¬٢]: \"فاركب\" فركب فرسًا له، فجاء إلى رسول الله، ﷺ، فقال له رسول الله ﷺ: \"استقبل هذا الشعب، حتى تكون في أعلاه، ولا يُغَزَّنَّ [¬٣] من قبلك الليلة\". فلما أصبحنا خرج رسول الله ﷺ إلى مصلاه، فركع ركعتين ثم قال: \"هل أحسستم فارسكم\"؟ فقال [¬٤] رجل: يا رسول الله، ما أحسسناه، فثوب بالصلاة، فجعل النبي ﷺ وهو يصلي يلتفت إلى الشعب، حتى إذا قضى صلاته قال: \"أبشروا، فقد جاءكم فارسكم\". فجعلنا ننظر في خلال الشجر في الشعب، فإذا هو [¬٥] قد جاء حتى وقف على النبي [¬٦]ﷺ فقال: إني انطلقت حتى كنت في أعلى هذا الشعب حيث أمرتني [¬٧]، فلما أصبحت طلعت الشعبين كليهما، فنظرت فلم أر أحدًا، فقال له رسول الله ﷺ: \"هل [نزلت الليلة] [¬٨]؟ \" قال: لا إلا مصليًا أو قاضي حاجة. فقال له: \"أوجبت فلا عليك أن لا تعمل بعدها\". ورواه النسائي، عن محمد بن يحيى بن محمد بن كثير الحراني، عن أبي توبة، وهو الربيع بن نافع به.\n(حديث آخر) قال الإمام أحمد (^٦٠٩): حدثنا زيد بن الحباب، حدثنا عبد الرحمن بن شريح، سمعت محمد بن شمير [¬٩] الرعيني يقول: سمعت أبا عامر التجيبي. قال الإِمام أحمد:\n_________\n= (١ / رقم ٤٨٧) والطبراني في \"المعجم الكبير\" (٩/ ٥٦١٦) وفي \"الأوسط\" (١ / رقم ٤٠٧) والحاكم في \"المستدرك\" (١/ ٢٣٧) من طريق عن أبي توبة بن الربيع بن نافع به، وأخرجه ابن خزيمة أيضًا من طريق معمر بن يعمر نا معاوية بن سلام به، وصحح إسناده الحاكم ووافقه الذهبي، وحسنه الحافظ ابن حجر في \"الفتح\" (٨/ ٢٧)، وأخرجه الحاكم أيضًا (٢/ ٨٣، ٨٤) ومن طريقه وطريق آخر البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٩/ ١٤٩) من طريقين عن معاوية بن سلام أخبرني زيد بن سلام حدثني أبو كبشة السلولى به هكذا دون ذكر أبي سلام، وقال الحاكم: \"صحيح على شرط الشيخين غير أنهما لم يخرجا مسانيد سهل بن الحنظلية لقلة رواية التابعين عنه وهو من كبار الصحابة\" ووافقه الذهبي مع أن زيد بن سلام إنما أخرج له البخاري في \"الأدب المفرد\" ولم يخرج له في \"الصحيح\" وأبو كبشة السلولى أخرج له البخاري دون مسلم والله أعلم.\n(^٦٠٩) - \" المسند\" (٤/ ١٣٤) ومن طريق أحمد ابن عساكر في \"تاريخ دمشق\" =\n_________\n[¬١]- في خ: \"وشياههم\".\n[¬٢]- في خ: \"فقال\".\n[¬٣]- في خ: \"يعرف\".\n[¬٤]- في خ: \"قال\".\n[¬٥]- سقط من: خ.\n[¬٦]- في خ: \"رسول الله\".\n[¬٧]- في خ: \"أمرني رسول الله ﷺ\".\n[¬٨]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٩]- في خ: \"سمير\".","vol":"3","page":325},{"text":"وقال غير زيد: أنا علي الجنبي [¬١] يقول: سمعت أبا ريحانة يقول: كنا مع رسول الله، ﷺ، في غزوة، فأتينا ذات ليلة إلى شرف، فبتنا عليه فأصابنا برد شديد، حتى رأيت من يحفر في الأرض حفرة [¬٢] يدخل فيها ويلقي عليه الجحفة -يعني الترس-، فلما رأى: ذلك رسول الله ﷺ، من الناس نادى: \"من يحرسنا في هذه الليلة، فأدعو له بدعاء يكون له فيه فضل\"؟ فقال رجل من الأنصار: أنا يا رسول الله. [قال: \"ادن\"] [¬٣]. فدنا منه [¬٤]، فقال: \"من أنت؟ \" فتسمى له الأنصاري، ففتح رسول الله ﷺ بالدعاء فأكثر منه، قال [¬٥] أبو ريحانة. فلما سمعت ما دعا به رسول الله ﷺ قلت [¬٦]: أنا رجل آخر. فقال: \"ادن [¬٧] \". فدنوت، فقال: \"من أنت؟ \" قال: فقلت: أنا أبو ريحانة. فدعا بدعاء هو [¬٨] دون ما دعا به للأنصاري، ثم قال: \"حرمت النار على عين دمعت -أو بكت- من خشية الله، وحرمت النار على عين سهرت في سبيل الله\".\nوروى النسائي منه: \"حرمت النار\" إلى آخره عن عصمة بن الفضل، عن زيد بن الحباب به، وعن الحارث بن مسكين، عن ابن وهب، عن عبد الرحمن بن شريح به، وأتم، وقال في\n_________\n= (٨/ ١٢٦ / مخطوط) وأخرجه ابن أبي شيبة في مسنده (٢/ ٧٣٣) وفي \"المصنف\" كتاب الجهاد، باب ما ذكر في فضل الجهاد والحث عليه (٤/ ٥٩٨) وعنه ابن أبي عاصم في \"الآحاد والمثاني\" (٤ / رقم ٢٣٢٥) وفي \"كتاب الجهاد\" (٢/ ١٤٥) - والنسائي في \"الصغرى\" (٦/ ١٥) وفي \"الكبرى\" (٣/ ٤٣٢٥) وابن عساكر من طريق زيد بن الحباب به مطولًا ومختصرًا، وأخرجه البخاري في \"التاريخ الكبير\" (٤/ ٢٦٤) وابن أبي عاصم في \"الآحاد والمثاني\" (٤/ ٢٣٢٦) وفي \"الجهاد\" (٢/ ١٤٤) والدارمي (٢/ ٢٤٠٥) والنسائي في \"الكبرى\" (٥/ ٨٨٦٩) والطبراني في \"الأوسط\" (٨/ ٨٧٤١) وعنه أبو نعيم في \"الحلية\" (٢/ ٢٨) ومن طريق أبي نعيم المزى في \"تهذيب الكمال\" (١٢/ ٥٦٦) والدارقطني في \"المؤتلف والمختلف\" (٣/ ١٢٥٤، ١٣٢٣) والحاكم في \"المستدرك\" (٢/ ٨٣) وعنه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٩/ ١٤٩) وابن عساكر من طرق عن أبي شريح عبد الرحمن بن شريح به، وقال الطبراني: \"لا يروى هذا الحديث عن أبي ريحانة إلا بهذا الإسناد، تفرد به أبو شريح\" وذكره الهيثمي في \"المجمع\" (٥/ ٢٩٠) وقال: \"روى النسائي طرفًا منه، رواه أحمد والطبراني في \"الكبير\" و\"الأوسط\" ورجال أحمد ثقاث وصحح إسناده الحاكم ووافقه الذهبي، مع أن الذهبي جهل محمد بن شُمَير في \"الديوان\" وقال في \"الميزان\" لم هو عنه سوى عبد الرحمن بن شريح على أبي على … \" وذكر هذا الحديث وقال عنه الحافظ في \"التقريب\": \"مقبول\" لكن يشهد لقوله \"حرمت على النار على عين … \" الحديث الآتي.\n_________\n[¬١]- في خ: \"الحنفي\".\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- في خ: \"فقال: ادنوا\".\n[¬٤]- سقط من: خ.\n[¬٥]- في خ: \"فقال\".\n[¬٦]- في خ: \"فقلت\".\n[¬٧]- في خ: \"أدنه\".\n[¬٨]- زيادة من: خ.","vol":"3","page":326},{"text":"الروايتين: عن أبي علي الجنبي.\n(حديث آخر) قال الترمذي (^٦١٠): حدثنا نصر بن علي الجهضمي، حدثنا بشر بن عمر، حدثنا [¬١] شعيب بن رزيق -أبو شيبة- عن [¬٢] عطاء الخراساني، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول [¬٣]: \"عينان لا تمسهما النار، عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله\".\nثم قال: حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث شعيب بن رزيق. قال: وفي الباب عن عثمان وأبي ريحانة. (قلت): وقد تقدما، ولله الحمد والمنة [¬٤].\n(حديث آخر) قال الإِمام أحمد (^٦١١): حدثنا يحيى بن غيلان، حدثنا رشدين، عن زبَّان [¬٥]، عن سهل بن معاذ، عن أبيه - معاذ بن أنس ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: \"من حرس من وراء المسلمين في سبيل الله متطوعًا لا بأجرة سلطان، لم ير النار بعينه إلا تحلة القسم، فإن الله يقول: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إلا وَارِدُهَا﴾. تفرد به أحمد ﵀.\n_________\n(^٦١٠) - \" الجامع\" للترمذي، كتاب فضائل الجهاد، باب ما جاء في فضل الحرس في سبيل الله (١٦٣٩) وأخرجه ابن أبي عاصم في \"كتاب الجهاد\" (٢ / رقم ١٤٦) وأبو نعيم في \"الحلية\" (٩/ ٢٠٥) ومن طريقه المزي في \"تهذيب الكمال\" (١٢/ ٥٢٥) والبيهقي في \"الشعب\" (١ / رقم ٧٩٦) من طريق بشر بن عمر به وقال الترمذي \"حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث شعيب بن رُزَيق\" وهو مختلف فيه فوثقه الدارقطني في رواية وضعفه في أخرى وقال دحيم: \"لا بأس به\" وضعفه ابن حزم ولينه الأزدي وذكره ابن حبان في \"الثقات\" (٨/ ٣٠٨) وقال: \"يعتبر حديثه من غير روايته عن عطاء الخراساني\" وهذه منها وقد أعل هذه الرواية أبو نعيم فقال عقبه: \"رواه عثمان بن عطاء عن أبيه، وقال عن ابن عباس\" يعني أن عثمان بن عطاء وهو الخراساني خالف شعيبًا فأسقط عطاء بن أبي رباح، فهو بهذا منقطع لأن عطاء الخراساني لم يسمع من ابن عباس قاله أحمد -كما في \"جامع التحصيل\" للعلائي (ص ٢٣٨) إلا أن عثمان بن عطاء هذا ضعفه غير واحد وتركه آخرون فهو أسوأ حالًا من شعيب بن رُزيق، وعليه فالقول قول شعيب والله أعلم.\n(^٦١١) - \" المسند\" (٣/ ٤٣٧، ٤٣٨) وأخرجه أبو يعلى في مسنده (٣/ ١٤٩٠) وعنه ابن عدي في \"الكامل\" (٣/ ١٠١٢) ثنا محرز بن عون، والطبراني في \"المعجم الكبير\" (٢٠ / رقم ٤٠٣) من طريق محمد بن أبي السري، كلاهما (محرز ومحمد) ثنا رشدين بن سعد به، وأخرجه أحمد أيضًا ثنا حسن والطبراني (٢٠ / رقم ٤٠٢) من طريق أسد بن موسى كلاهما (حسن وأسد) ثنا ابن لهيعة عن زبان =\n_________\n[¬١]- في ت: وحدثنا.\n[¬٢]- في خ: \"ثنا\".\n[¬٣]- سقط من: خ.\n[¬٤]- سقط من: خ.\n[¬٥]- في خ: \"رنان\".","vol":"3","page":327},{"text":"(حديث آخر) روى البخاري في صحيحه (^٦١٢)، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"تعس عبد الدينار، وعبد الدرهم، وعبد الخميصة، إن أعطي رضي، وإن لم يعط سخط، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش، طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه في سبيل الله، أشعث رأسه، مغبرة قدماه، إن كان في الحراسة كان في الحراسة، وإن كان في الساقة كان في الساقة، إن استأذن لم يؤذن له، وإن شفع لم يشفع\".\nفهذا آخر ما تيسر إيراده من الأحاديث المتعلقة بهذا المقام، ولله الحمد على جزيل الإنعام، على تعاقب الأعوام والأيام.\nوقال ابن جرير (^٦١٣): حدثني المثنى، حدثنا مطرف بن عبد الله المدني، حدثنا مالك، عن زيد بن أسلم، قال: كتب أبو عبيدة ﵁ إلى عمر بن الخطاب، ﵁، يذكر له جموعًا من الروم،: ما يتخوف منهم، فكتب إليه عمر: أما بعد، فإنه مهما ينزل بعبد مؤمن من منزلة شدة يجعل الله له بعدها فرجًا، وإنه لن يغلب عسر يسرين، وإن الله تعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾.\nوقد روى الحافظ ابن عساكر (^٦١٤) في ترجمة عبد الله بن المبارك، من طريق محمد بن إبراهيم بن أبي سكينة، قال: أملى علي عبد الله بن المبارك هذه الأبيات بطرسوس، وودعته\n_________\n= به، والحديث ذكره المنذري في \"الترغيب والترهيب\" (٢/ ٢٣٨) وقال: \"لا بأس بإسناده في المتابعات\" وكذا ذكره الهيثمي في \"المجمع\" (٥/ ٢٩٠) وقال: \"رواه أحمد وأبو يعلى والطبراني وفي أحد إسنادي أحمد بن لهيعة وهو أحسن حالًا من رشدين\".\n(^٦١٢) - صحيح البخاري، كتاب الجهاد، باب الحراسة في الغزوفي سبيل الله (٢٨٨٧) وكذا أخرجه ابن ماجه كتاب الزهد باب في المكثرين (٤١٣٥، ٤١٣٦) من حديث أبي هريرة.\n(^٦١٣) - تفسير ابن جرير (٧/ ٨٣٩٣) والحديث عند مالك في الموطأ، كتاب الجهاد، باب الترغيب في الجهاد (٢/ ٣٥٧) وهو هكذا منقطع فإن زيد بن أسلم لم يلق أبا عبيدة، لكن وصله أبو عبد الله الحاكم في \"المستدرك\" (٢/ ٣٠٠، ٣٠١) من طريق عبد الله بن المبارك، أنبأ هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر بن الخطاب- فذكر الخبر بنحو ما هنا وصححه الحاكم على شرط مسلم، ووافقه الذهبي والخبر زاد نسبته السيوطي في \"الدر المنثور\" (٢/ ٢٠٢) إلى ابن أبي شيبة وابن أبي الدنيا والبيهقي في \"الشعب\" ولم أجده في مظانه في \"الشعب\" والله أعلم.\n(^٦١٤) - \" مختصر تاريخ دمشق\" لابن منظور (١٤/ ٢٢) والقصة أوردها كذلك الذهبي في \"سير أعلام النبلاء\" (٨/ ٤١٢) دون ذكر الحديث، ومحمد بن إبراهيم بن أبي سُكينة ذكره ابن حبان في \"الثقات\" (٩/ ١٠) وقال: \"ربما أخطأ\" وترجم له ابن ماكولا في \"الإكمال\" (٤/ ٣١٧) ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا. والحديث أخرجه البخاري، كتاب الجهاد، باب فضل الجهاد والسير (٢٧٨٥) ثنا إسحاق أخبرنا عفان ثنا همام ثنا محمد بن جحادة، قال أخبرني أبو حصين أن ذكوان حدثه أن أبا هريرة ﵁ =","vol":"3","page":328},{"text":"للخروج، وأنشدها معي إلى الفضيل بن عياض في سنة سبعين ومائة، وفي رواية سنة سبع وسبعين ومائة:\nيا عابد الحرمين لو أبصرتنا … لعلمت أنك في العبادة تلعب\nمن كان يخضب خدّه بدموعه … فنحورنا بدمائنا تتخضب\nأو كان يتعب خيله في باطل … فخيولنا يوم الصبيحة تتعب\nريح العبير لكم ونحن عبيرنا … وهج السنابك والغبار الأطيب\nولقد أتانا من مقال نبينا … قول صحيح صادق لا يكذب\nلا يستوي وغبار خيل الله في … أنف امريء ودخان نار تلهب\nهذا كتاب الله ينطق بيننا … ليس الشهيد بميت لا يكذب\nقال فلقيت الفضيل بن عياض بكتابه في المسجد الحرام، فلما قرأه ذرفت عيناه وقال: صدق أبو عبد الرحمن ونصحني. ثم قال: أنت ممن يكتب الحديث؟ قال: قلت: نعم، قال: فاكتب هذا الحديث، كراء حملك كتاب أبي عبد الرحمن إلينا، وأملى علي الفضيل بن عياض: حدثنا منصور بن المعتمر، عن أبي صالح، عن أبي هريرة: أن رجلًا قال: يا رسول الله؛ علمنى عملًا أنال به ثواب المجاهدين في سبيل الله. فقال: \"هل تستطيع أن تصلي فلا تفتر، وتصوم فلا تفطر؟ \" فقال: يا رسول الله أنا أضعف من أن أستطيع ذلك. ثم قال النبي ﷺ: \" فوالذي نفسي بيده، لو طوّقت ذلك ما بلغت المجاهدين في سبيل الله، أوما علمت أن فرس المجاهد ليستن في طوله فيكتب له بذلك الحسنات\"؟.\nوقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ أي: في جميع أموركم وأحوالكم، كما قال النبي ﷺ لمعاذ، حين بعثه إلى اليمن: \"اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن\" (^٦١٥).\n﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ أي: في الدنيا والآخرة- وقال ابن جرير (^٦١٦)؛ حدثني يونس، أنبأنا\n_________\n= حدثه قال: \"جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: دُلَّنى على عملٍ يعدل الجهاد. قال: لا أجده. قال: هل تستطع إذا خرج المجاهد أن تدخل مسجدك فتقوم ولا تفتر، وتصوم ولا تفطر؟ قال: ومن يستطيع ذلك؟ قال أبو هريرة: إن فرس المجاهد ليستنُّ في طوله، فيكتب له حسناتٍ وقد أخرجه النسائي في \"الكبرى\" (٣/ ٤٣٣٦) وأحمد في مسنده (٢/ ٣٤٤) وابن أبي عاصم في \"الجهاد\" (١ / رقم ٢٧) وتمام في فوائده (٣/ ٨٤١) وغيرهم من طرق عن عفان بن مسلم به، ولم أجد هذا الحديث من طريق الفضيل بن عياض في غير هذا الموضع، والله أعلم.\n(^٦١٥) - يأتي تخريجه سورة هود / آية ١١٤.\n(^٦١٦) - تفسير ابن جرير (٧/ ٨٣٩٩) وأبو صخر هو حميد بن زياد بن أبي المخارق ضعفه ابن معين=","vol":"3","page":329},{"text":"ابن وهب، أنبأنا أبو صخر، عن محمد بن كعب القرظي، أنه كان يقول- في قول الله ﷿: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ يقول: اتقوني فيما بيني وبينكم، لعلكم تفلحون يقول: غدًا إذا لقيتموني.\nآخر تفسير سورة آل عمران، ولله الحمد والمنة، نسأله الموت على الكتاب والسنة، آمين.\n_________\n= والنسائي وفي رواية عن ابن معين قال: ليس به بأس. وكذا قال أحمد، ووثقه الدارقطني وابن حبان وفي \"التقريب\": \"صدوق يهم\" والله الموفق.","vol":"3","page":330},{"text":"<span data-type='title' id=toc-81>تفسير سورة النساء</span>\nوهي مدنية\nقال العوفي عن ابن عباس: نزلت سورة النساء بالمدينة. وكذا روى ابن مردويه عن عبد الله بن الزبير وزيد بن ثابت. ورُويَ من طريق عبد الله بن لهيعة، عن أخيه عيسى: عن عكرمة، عن ابن عباس قال: لا نزلت سورة النساء قال رسول الله ﷺ: \"لا حبس\" (^١) (*).\nوقال الحاكم في مستدركه (^٢): حَدَّثَنَا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا أبو البحتري عبد الله بن محمد بن شاكر، ثنا محمد بن بشر العبدي، ثنا مسعر بن كدام، عن معن بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود [عن أبيه، عن عبد الله بن مسعود ﵁] [¬١] قال: إن في سورة النساء لخمس آيات ما يسرني أن لي بها الدنيا وما فيها: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَال ذَرَّةٍ﴾ الآية، و﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ الآية، و﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [و] [¬٢] ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ﴾ الآية و[﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾] [¬٣] ثم قال: هذا إسناد صحيح، إن كان\n_________\n(^١) - أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار (٤/ ٩٦ - ٩٧)، والعقيلي في الضعفاء الكبير (٣/ ٣٩٧)، والطبراني في المعجم الكبير (١١/ ٣٦٥)، والدارقطني في السنن (٤/ ٦٨)، والبيهقي في السنن الكبرى (٦/ ١٦٢) من طريق عبد الله بن لهيعة، عن أخيه عيسى بن لهيعة، عن عكرمة، عن ابن عباس مرفوعًا. كذا رواه عن ابن لهيعة عندهم: يحيى بن بكير وعمرو بن خالد وكامل بن طلحة وأسد بن موسى وسعيد بن أبي مريم وعبد الله بن يوسف الدمشقي. وقد خالفهم يحيى بن يحيى، فرواه عن ابن لهيعة، عمن سمع عكرمة يحدث عن ابن عباس به مرفوعًا. قال الإمام أحمد بن صالح المصري: هذا حديث صحيح، وبه أقول. ورمز السيوطي في الجامع الصغير إلى أنه حَسَنٌ. ولكن كثيرًا من الأئمة على غير هذا. فقد قال العقيلي عن الحديث في ترجمة عيسى بن لهيعة: لا يتابع عليه ولا يعرف إلا به. وقال الدارقطني: لم يسنده غير ابن لهيعة عن أخيه، وهما ضعيفان. وقال البيهقي: وهذا اللفظ إنما يُعرف من قول شريح القاضي.\n(*) قوله (لا حَبْس) -بفتح الحاء المهملة ويجوز ضمُّها-: أراد أنه لا يوقف مال ولا يُزوى عن وارثه، وكأنه إشارة إلى ما كانوا يفعلونه في الجاهلية من حبس مال الميت ونسائه. كذا في النهاية لابن الأثير (١/ ٣٢٩).\n(^٢) الحاكم في المستدرك (٢/ ٣٠٥).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.","vol":"3","page":331},{"text":"عبد الرحمن سمع من أبيه، فقد اختلف في ذلك.\nوقال عبد الرزاق: أنا معمر، عن رجل، عن ابن مسعود قال في خمس آيات من النساء: لهن أحب إليَّ من الدنيا جميعًا: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ وقوله: ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا﴾ وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ وقوله: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [وقوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَينَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾] [¬١] رواه ابن جرير (^٣).\nثم روى من طريق صالح المري، عن قتادة، عن ابن عباس قال: ثماني آيات نزلت في سورة النساء هي [¬٢] خير لهذه الأمة مما طلعت عليه الشمس وغربت، أولهن [¬٣] ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ والثانية: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيلًا عَظِيمًا﴾ والثالثة: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾.\nثم ذكر قول ابن مسعود سواء -يعني في الخمسة الباقية (^٤) -.\nوروى الحاكم) (^٥) من طريق أبي نعيم، عن سفيان بن عيينة، عن عبيد الله بن أبي يزيد، عن ابن أبي مليكة: سمعت ابن عباس يقول: سلوني [¬٤] عن سورة النساء، فإني قرأت القرآن وأنا صغير.\nثم قال: [هذا حديث] [¬٥] صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه.\n_________\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (١/ ١٥٥)، ومن طريقه أخرجه ابن جرير في تفسيره (٨/ ٢٥٦) (٩٢٣٣).\n(^٤) تفسير ابن جرير (٨/ ٢٥٧) (٩٢٣٤)، وفي آخره: وزاد فيه: ثم أقبل يفسرها في آخر الآية: وكان الله للذين عملوا الذنوب غفورًا رحيمًا.\n(^٥) الحاكم في المستدرك (٢/ ٣٠١).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفين سقط من: خ.\n[¬٢]- سقط من: ت.\n[¬٣]- في ت: \"أولاهن\".\n[¬٤]- سقط من: خ.\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.","vol":"3","page":332},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١)\n﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيكُمْ رَقِيبًا (١)﴾\nيقول تعالى آمرًا خلقه بتقواه، وهي عبادته وحده لا شريك له، ومنبهًا لهم على قدرته التي خلقهم بها من نفس واحدة، وهي آدم ﵇: ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ وهي حوّاء ﵍، خلقت من ضلعه الأيسر [¬١]، من خلفه وهو نائم، فاستيقظ فرآها، فأعجبته، فأنس إليها، وأنست إليه.\nقال ابن أبي حاتم (^٦): ثنا أبي، حَدَّثَنَا محمد بن مقاتل، حَدَّثَنَا وكيع، عن أبي هلال، عن قتادة، عن ابن عباس، قال: خلقت المرأة من الرجل، فجعلت نهمتها في الرجل، وخلق الرجل من الأرض، فجعلت نهمته في الأرض، فاحبسوا نساءكم.\nوفي الحديث الصحيح (^٧): \" إن المرأة خلقت من ضلع، وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه كسرته، وإن استمتعت بها استمتعت بها وفيها عوج\".\nوقوله: ﴿وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ أي: وذرأ منهما، أي: من آدم وحوّاء رجالًا كثيرًا ونساء، ونشرهم في أقطار العالم، على اختلاف أصنافهم وصفاتهم وألوانهم ولغاتهم، ثم إليه بعد ذلك المعاد [¬٢] والمحشر.\nثم قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ أي: واتقوا الله بطاعتكم إياه.\nقال إبراهيم ومجاهد والحسن: ﴿الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ﴾ أي: كما يقال: أسألك بالله وبالرحم.\n_________\n(^٦) تفسير ابن أبي حاتم (٣/ ٨٥٢) (٤٧١٨)، وفيه: مقاتل بن محمد، وهو تحريف.\n(^٧) أخرجه البخاري (٣٣٣١) في أحاديث الأنبياء، باب خلق آدم وذريته وأطرافه (٥١٨٤) و(٥١٨٦)، ومسلم (١٤٨٦) كتاب الرضاع، والترمذي (١١٨٨) في كتاب الطلاق، باب باب ما جاء في مداراة النساء.- من طرق عن أبي هريرة ﵁ به.\n_________\n[¬١]- في خ: \"الأقصر\".\n[¬٢]- سقط من: خ.","vol":"3","page":333},{"text":"وقال الضحاك: واتقوا الله الذي تعاقدون [وتعاهدون به] [¬١]، واتقوا الأرحام أن تقطعوها، ولكن بروها وصلوها. قاله ابن عباس وعكرمة ومجاهد والحسن والضحاك والربيع وغير واحد.\nوقرأ بعضهم (^٨): ﴿وَالْأَرْحَامِ﴾ بالحفض، على العطف على الضمير في \"به\"، أي: تساءلون بالله وبالأرحام، كما قال مجاهد وغيره (^٩).\nوقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيكُمْ رَقِيبًا﴾ أي: هو مراقب لجميع أحوالكم وأعمالكم، كما قال: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ شَهِيدٌ﴾.\nوفي الحديث الصحيح (^١٠): \" اعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك\".\nوهذا إرشاد وأمر بمراقبة الرقيب.\nولهذا ذكر تعالى أن أصل الخلق من أب واحد وأم واحدة؛ ليعطف بعضهم على بعض، ويحننهم على ضعفائهم.\n_________\n(^٨) هذه قراءة إبراهيم النخعي وقتادة والأعمش وحمزة، وقد تكلم بعض النحاة في هذه القراءة حتى عدّها بعضهم لحنًا. قال الإمام أبو نصر القشيري: ومثل هذا الكلام مردود عند أئمة الدين، لأن القراءات التي قرأ بها أئمة القراء ثبتت عن النبي ﷺ تواترًا يعرفه أهل الصنعة. وإذا ثبت شيء عن النبي ﷺ فمن رد ذلك فقد رد على النبي ﷺ واستقبح ما قرأ به، وهذا مقام محذور، ولا يُقلَّدُ فيه أئمة اللغة والنحو، فإن العربية تُتلقَّى من النبي ﷺ ولا يشك أحد في فصاحته. اهـ. انظر: تفسير القرطبي (٥/ ٤٠٢).\n(^٩) وكذا قال النخعي والحسن. انظر: تفسير ابن جرير (٧/ ٥١٨ - ٥١٩).\n(^١٠) رواه مسلم (٨) في كتاب الإيمان، وأبو داود (٤٦٩٥) (٤٦٩٧) في كتاب السنة، باب في القدر، والترمذي (٢٦١٠) في كتاب الإيمان، باب ما جاء في وصف جبريل للنبي الإسلام والإيمان، والنسائي (٨/ ٩٧) في كتاب الإيمان، وابن ماجة (٦٣) في المقدمة، باب في الإيمان من حديث عمر بن الخطاب ﵁، وفيه أنه فسر الإحسان بقوله \"أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك\".\n- ورواه البخاري (٥٠) في كتاب الإيمان، باب سؤال جبريل النبي ﷺ عن الإيمان والإسلام و(٤٧٧٧)، ومسلم (٩) في كتاب الإيمان، والنسائي (٨/ ١٠١)، وابن ماجة (٦٤) في المقدمة، باب في الإيمان- من حديث أبي هريرة ﵁، بمثل لفظه في حديث عمر.\n- وأما اللفظ الذي أورده ابن كثير: فقد رواه الطبراني في الكبير من حديث أبي الدرداء، وفيه رجل مُبهَم. كذا في الترغيب للمنذري (٣٤٤١١) (٥٩٢)، ومجمع الزوائد (٢/ ٤٠).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في خ: \"به وتعاهدون\".","vol":"3","page":334},{"text":"وقد ثبت في صحيح مسلم (^١١) من حديث جرير بن عبد الله البجلي أن رسول الله ﷺ حين قدم عليه أولئك النفر من مضر -وهم مجتابو النمار -أي: من عريهم وفقرهم- قام، فخطب الناس بعد صلاة الظهر، فقال في خطبته: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ حتى ختم الآية. ثم قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾. ثم حضهم على الصدقة فقال: \"تصدّق رجل من ديناره، من درهمه، من صاع بره، من صاع تمره\" وذكر تمام الحديث.\nوهكذا [روى الإمام] [¬١] أحمد وأهل السنن (^١٢)، عن ابن مسعود في خطبة الحاجة، وفيها: ثم يقرأ ثلاث آيات، هذه منها ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ الآية.\n_________\n(^١١) رواه مسلم (١٠١٧) في كتاب الزكاة، والترمذي (٢٦٧٥) كتاب العلم، باب ما جاء فيمن دعا إلى هدى فاتبع، أو إلى ضلالة -وقال: حديث حسن صحيح-، والنسائي (٥/ ٧٥) كتاب الزكاة، باب التحريض على الصدقة، وابن ماجة (٢٠٣) في المقدمة، باب من سَنَّ سُنَّة حسنة أو سيئة.\n(^١٢) رواه أحمد في السند (٣٧٢٠) (٣٧٢١) (٤١١٥) (٤١١٦) (٥/ ٢٧١ - ٦، ٢٧٢/ ٨١)، وأبو داود (٢١١٨) في كتاب النكاح، باب في خطبة النكاح، والترمذي (١١٠٥) في كتاب النكاح، باب ما جاء في خطبة النكاح، والنسائي (٦/ ٨٩) كتاب النكاح، باب ما يستحب من الكلام عند النكاح، وابن ماجة (١٨٩٢) كتاب النكاح باب خطبة النكاح- من طرقين عن عبد الله بن مسعود ﵁ به مرفوعًا.\nقال الترمذي: حديث عبد الله حديث حسن رواه الأعمش، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله، عن النبي ﷺ.\nورواه شعبة، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة، عن عبد الله، عن النبي ﷺ.\nوكلا الحديثين صحيح؛ لأن إسرائيل جمعهما فقال: عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص وأبي عبيدة، عن عبد الله بن مسعود، عن اننبي ﷺ. ا هـ.\nوقد جمعهما شعبة أيضًا، من رواية عفان عنه، كما في مسند الإمام أحمد.\n(*) والآيتان الأخريان هما: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢] وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: آية ٧٠ - ٧١].\n_________\n[¬١]- في ت: \"رواه\".","vol":"3","page":335},{"text":"وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا (٢) وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا (٣) وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾.\nيأمر تعالى بدفع أموال اليتامى إليهم إذا بلغوا الحلم كاملة موفرة، وينهى عن أكلها وضمها إلى أموالهم، ولهذا قال: ﴿وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾ قال سفيان الثوري، عن أبي صالح: لا تعجل بالرزق الحرام قبل أن يأتيك الرزق الحلال الذي قدر لك.\nوقال سعيد بن جبير: لا تتبدّلوا [¬١] الحرام، عن أموال الناس بالحلال من أموالكم. يقول: لا تبذروا [¬٢] أموالكم الحلال وتأكلوا أموالهم الحرام.\nوقال سعيد بن المسيب والزهري: ولا تعط مهزولًا وتأخذ سمينًا.\nوقال إبراهيم النخعي والضحاك: لا تعط زائفًا وتأخذ جيدًا.\nوقال السدي: كان أحدهم يأخذ الشاة السمينة من غنم اليتيم، ويجعل فيها [¬٣] مكانها الشاة المهزولة، يقول [¬٤]: شاة بشاة. ويأخذ الدرهم الجيد، ويطرح مكانه الزيف، يقول [¬٥]: درهم بدرهم.\nوقوله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ قال مجاهد وسعيد بن جبير [وابن سيرين] [¬٦] ومقاتل بن حيان والسدي وسفيان بن [¬٧] حسين: أي: لا تخلطوها فتأكلوها جميعًا.\n_________\n[¬١]- في خ: \"تبدل\"\n[¬٢]- في خ: \"تبدلوا\".\n[¬٣]- سقط من: ت.\n[¬٤]- في ت: \"ويقول\".\n[¬٥]- في ت: \"ويقول\".\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٧]- بعده في خ: \"ابن إسماعيل، أنا أحمد بن علي الحراني، ثنا شجاع بن أشرس، أنا حشرج بن نباتة الواسطي أبو مكرم، عن الكلبي هو أبو حباب الكلبي، عن عطاء قال: انطلقت أنا وابن عمر وعبيد بن عمير إلى عائشة ﵂، فدخلنا عليها وبيننا وبينها حجاب، فقالت: يا عبيد، ما يمنعك من زيارتنا؟ فقال: قول الشاعر: *زر غبًّا تزدد حبًّا* فقال ابن عمر: صرنا أخبرينا بأعجب شيء رأيته من رسول الله صلى =","vol":"3","page":336},{"text":"وقوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾ قال ابن عباس: أي: إثمًا كبيرًا عظيمًا.\nوهكذا رُوِيَ عن مجاهد،: عكرمة، وسعيد بن جبير، والحسن، وابن سيرين، وقتادة، والضحاك، ومقاتل بن حيان، وأبي مالك، وزيد بن أسلم، وأبي سنان، مثل قول ابن عباس.\nوقد رواه ابن مردويه، عن أبي هريرة، قال: سئل رسول الله ﷺ عن قوله: ﴿حُوبًا كَبِيرًا﴾. قال: \"إثما كبيرًا\" ولكن في إسناده محمد بن يونس الكُدَيمي، وهو ضعيف. (^١٣) وفي الحديث المروي في سنن أبي داود (^١٤): \" اغفر لنا حوبنا وخطايانا\".\n_________\n(^١٣) وقال ابن حاتم: سمعت أبي -وعُرِضَ عليه شيء عن حديثه- فقال: ليس هذا حديث أهل الصدق. وقال ابن حبان: كان يضع على الثقات الحديث وضعًا، ولعله قد وضع أكثر من ألف حديث.\nوقال ابن عدي: اتهم بوضع الحديث وسرقته، وادعى رؤية قوم لم يرهم ورواية عن قوم لا يعرفونه، وترك عامة مشايخنا الرواية عنه.\nوقال الدارقطني: كان يُتهم بوضع الحديث، وما أحسن فيه القولَ إلا من لم يختبر حاله.\n(^١٤) هذا الحديث رواه الليث بن سعد، عن زيادة بن محمد الأنصاري، واختلف عليه فيه:\n- فرواه يزيد بن خالد بن موهب، وسعيد بن أبي مريم، ويحيى بن بكير، وخالد بن قاسم: عن الليث، عن زيادة، عن محمد بن كعب القرظي، عن فضالة بن عبيد، عن أبي الدرداء مرفوعًا. (كذا رواه أبو داود في كتاب الطب، باب كيف الرقى (٣٨٩٢)، والنسائي في عمل اليوم والليلة (١٠٣٨)، وابن عدي في الكامل (٣/ ١٠٥٤)، والحاكم في المستدرك (١/ ٣٤٤، ٤/ ٢١٨).\n- خالفهم عبد الله بن وهب، فرواه عن الليث وابن لهيعة، عن زيادة، عن القرظي عن أبي الدرداء به مرفوعًا، فأسقط فضالة بن عبيد (كذا رواه النسائي في عمل اليوم والليلة (١٠٣٧)، وابن عدي في الكامل (٣/ ١٠٥٤).\nقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وقال في موضع آخر: قد احتج الشيخان بجميع رواة هذا الحديث، غير زيادة بن محمد، وهو شيخ من أهل مصر قليل الحديث.\nغير أن زيادة بن محمد الأنصاري هذا قال فيه البخاري والنسائي وأبو حاتم: منكر الحديث. وقال ابن حبان: منكر الحديث جدًّا، يروي المناكير عن المشاهير فاستحق الترك. وقال ابن عدي: لا أعلم له إلا حديثين أو ثلاثة، ومقدار ما له لا يتابع عليه.\n- وقد رواه الإمام أحمد في مسنده (٢٤٠٦٦) (٦/ ٢١) من طريق أبي بكر بن أبي مريم، عن =\n_________\n= الله عليه وسلم. فبكت وقالت: كان أمره كان عجبها، أتاني في ليلتى حتى مس جلده جلدي، ثم قال: \"ذريني أتعبد لربي\". قالت: فقلت: والله إني لأحب قربك\". وكان فيها سفيان بن علي، وكتب الناسخ فوق على: خطأ. وكتب بعد نهاية هذه الفقرة: إلى هنا.","vol":"3","page":337},{"text":"وروى ابن مردويه، بإسناده، إلى واصل مولى أبي عيينة، عن محمد [¬١] بن سيرين، عن ابن عباس: أن أبا أيوب طلق امرأته، فقال له النبي ﷺ: \"يا أبا أيوب! إن طلاق أم أيوب كان حوبًا\" (^١٥). قال ابن سيرين: الحوب: الإِثم.\nثم قال ابن مردويه: حَدَّثَنَا عبد الباقي، حَدَّثَنَا بشر بن موسى، حَدَّثَنَا هوذة بن خليفة، حَدَّثَنَا عوف، عن أنس: أن أبا أيوب أراد طلاق أمّ أيوب، فاستأذن النبي ﷺ فقال: \"إن طلاق أم أيوب لحوب\". فأمسكها (^١٦)\nثم رواه ابن مردويه والحاكم (^١٧) في مستدركه من حديث علي بن عاصم، عن حميد الطويل، سمعت أنس بن مالك أيضًا يقول: أراد أبو طلحة أن يطلق أم سُليم امرأته [¬٢]،\n_________\n= الأشياخ، عن فضالة بن عبيد الأنصاري، عن النبي ﷺ.\n- ورواه النسائي في عمل اليوم والليلة (١٠٣٥) (١٠٣٦) من وجهين عن طلق بن حبيب، واختلف عليه فيهما:\nفرواه منصور بن المعتمر، عن طلق، عن أبيه، عن رجل من الصحابة عن النبي ﷺ.\nورواهُ شعبة، عن يونس بن خَبَّاب، عن طلق، عن رجل من أهل الشام، عن أبيه أن رجلا أتى النبي ﷺ، فذكره.\nقال عبدان: وهو أصح. الإصابة (٢/ ٢٠٩).\nويونس بن خباب الأُسَيْدي مولاهم: قال ابن معين: رجل سوء وكان يشتم عثمان. وقال مرة أخرى: لا شيء. وقال البخاري: منكر الحديث. وقال النسائي: ليس بالقوي، مختلف فيه.\nلكن قال أبو داود: رأيت أحاديث شعبة عنه مستقيمة.\nوهذا الحديث من رواية شعبة عنه.\n(^١٥) وأخرجه الطبراني في المعجم الكبير (٢/ ١٩٥ - ١٩٦) عن محمد بن عثمان بن أبي شيبة، عن يحيى الحماني، عن حماد بن زيد، عن واصل مولى أبي عيينة به.\n(^١٦) هذا الحديث من رواية هوذة بن خليفة عن عوف بن أبي جميلة الأعرابي، وقد قال ابن معين في رواية ابن أبي خيثمة: هوذة عن عوف ضعيف، وقال في رواية ابن مُحرز: هوذة لم يكن بالمحمود، قيل له: لم؟ قال: لم يأت أحد بهذه الأحاديث عن عوف كما جاء بها: وكان أطروشًا أيضًا. مع أن ابن سعد ذكر أنه ذهبت كتبه ولم يبق عنده إلا كتاب عوف، وهذا يقتضي أن يكون حديثه عن عوف مستقيمًا. وقد رضيه أحمد، والنسائي، وصدقه أبو حاتم ووثقه ابن حبان.\n(^١٧) وأخرجه ابن عدي في الكامل (٥/ ١٨٣٨)، والحاكم في المستدرك (٢/ ٣٠٢) - وعنه البيهقي =\n_________\n[¬١]- سقط س: ت.\n[¬٢]- سقط من: خ.","vol":"3","page":338},{"text":"فقال النبي ﷺ: \"إن طلاق أم سُليم لحوبٌ\" فكف.\nوالمعنى: إن أكلكم أموالهم مع أموالكم إثم عظيم: خطأ كبير، فاجتنبوه.\nوقوله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى﴾ أي: إذا كان تحت حجر أحدكم يتيمة، وخاف أن لا يعطيها مهر مثلها، فليعدل [¬١] إلى ما سواها من النساء، فإنهنّ كثير، واسم يضيق الله [¬٢] عليه.\nوقال البخاري (^١٨): حَدَّثَنَا إبراهيم بن موسى، حَدَّثَنَا هشام، عن ابن جريج، أخبرني هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: أن رجلًا كانت له يتيمة فنكحها، وكان لها عذق، وكان يمسكها عليه، ولم يكن لها من نفسه شيء، فنزلت فيه: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا﴾. أحسبه قال: كانت شريكته في ذلك العذق وفي ماله.\nثم قال البخاري: حَدَّثَنَا عبد العزيز بن عبد الله، حَدَّثَنَا إبراهيم بن سعد، عن صالح بن كيسان، عن ابن شهاب قال: أخبرني عروة بن الزبير، أنه سأل عائشة عن قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ قالت: يا ابن أختي! هذه اليتيمة تكون في حجر وليها تشركه في ماله، ويعجبه مالها وجمالها، فيريد وليها أن يتزوجها بغير أن يقسط في صداقها فيعطيها مثل ما يعطيها غيره، فنهوا أن ينكحوهنّ إلا أن يقسطوا لهن، ويبلغوا بهنّ أعلى سنتهنّ في الصداق، وأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهُنَّ.\nقال عروة: قالت عائشة: وإن الناس استفتوا رسول الله ﷺ بعد هذه الآية، فأنزل الله: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ﴾.\nقالت عائشة: وقول الله في الآية الأخرى ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ رغبة أحدكم [¬٣] عن\n_________\n= في السنن الكبرى (٧/ ٣٢٣).\nمن طريقين عن علي بن عاصم به.\nقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.\nوتعقبه الذهبي بقوله: لا والله، عليٌّ واهٍ.\nوقد ذكر ابن عدي هذا الحديث في مناكير علي بن عاصم، ثم قال: والضعفَ بيِّنٌ على حديثه.\n(^١٨) صحيح البخاري، كتاب التفسير، باب ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ (٤٥٧٣) (٤٥٧٤).\n_________\n[¬١]- في خ: \"فليعد\".\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- سقط من: خ.","vol":"3","page":339},{"text":"يتيمته إذا كانت قليلة المال والجمال، فنهوا أن ينكحوا من رغبوا في [مالها وجمالها من يتامى] [¬١] النساء إلا بالقسط من أجل رغبتهم عنهن إذا كن قليلات المال والجمال.\nوقوله: ﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ أي: انكحوا ما [¬٢] شئتم من النساء سواهنّ [¬٣]، إن شاء أحدكم ثنتين، وإن شاء ثلاثًا، وإن شاء أربعًا [¬٤]، كما قال الله [¬٥] تعالى: ﴿جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ أي: منهم من له جناحان، ومنهم من له ثلاثة، ومنهم من له أربعة، ولا ينفي ما عدا ذلك في الملائكة لدلالة الدليل عليه، بخلاف قصر الرجال على [أربع، فمِن] [¬٦] هذه الآية، كما قاله ابن عباس وجمهور العلماء، لأن المقام مقام امتنان وإباحة، فلو كان يجوز الجمع بين أكثر من أربع لذكره.\nقال الشافعي: وقد دلت سنة رسول الله ﵌ المبينة عن الله [¬٧]، أنه لا يجوز لأحد غير رسول الله ﷺ أن يجمع بين أكثر من أربع نسوة (^١٩).\nوهذا الذي قاله الشافعي ﵀ مجمع عليه بين العلماء، إلا ما حكي عن طائفة من الشيعة، أنه يجوز الجمع بين أكثر من أربع إلى تسع. وقال بعضهم: بلا حصر.\nوقد يتمسك بعضهم بفعل رسول الله ﷺ في جمعه بين أكثر من أربع إلى تسع، كما ثبت في الصحيحين (^٢٠)، وإما إحدى عشرة، كما جاء في بعض ألفاظ البخاري.\nوقد علَّقه [¬٨] البخاري (^٢١).\n_________\n(^١٩) انظر: معرفة السنن والآثار للبيهقي (٥/ ٢٦٨).\n(^٢٠) صحيح البخاري، كتاب النكاح، باب كثرة النساء (٥٠٦٧)، ومسلم في كتاب الرضاع (١٤٦٥) كلاهما من حديث ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس.\n(^٢١) هذه رواية معاذ بن هشام، عن أبيه، عن قتادة، عن أنس.\nوهي عند البخاري موصولة في كتاب الغسل، باب إذا جامع ثم عاد ومن دار على نسائه في غسل واحد (٢٦٨)، والنسائي في الكبرى في كتاب عشرة النساء، باب طواف الرجل على نسائه في الليلة الواحدة (٥/ ٣٢٨) (٩٠٣٣). =\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في خ: \"ماله وجماله من باقي\".\n[¬٢]- في ت: \"من\".\n[¬٣]- سقط من: خ.\n[¬٤]- سقط من: خ.\n[¬٥]- سقط من: خ.\n[¬٦]- في خ: \"أربعة من\".\n[¬٧]- في خ: \"رسول الله ﷺ\".\n[¬٨]- في خ: \"علله\".","vol":"3","page":340},{"text":"وقد روينا عن أنس (^٢٢): أن رسول الله ﷺ تزوج بخمس عشرة امرأة، ودخل منهن بثلاث عشرة، واجتمع عنده إحدى عشرة، ومات عن تسع.\nوهذا عند العلماء من [خصائص رسول الله ﷺ] [¬١] دون غيره من الأمة؛ لما سنذكره من الأحاديث الدالة على الحصر في أربع.\n[ولنذكر] [¬٢] الأحاديث في ذلك.\nقال الإمام أحمد (^٢٣): حَدَّثَنَا إسماعيل، ومحمد بن جعفر قالا: حَدَّثَنَا معمر، عن الزهري -قال ابن جعفر في حديثه- أنبأنا ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه، أن غيلان بن سلمة الثقفي أسلم وتحته عشر نسوة، فقال [له النبي ﷺ] [¬٣]: \"اختر منهن أربعًا\". فلما كان في عهد عمر طلق نساءه، وقسم ماله بين بنيه، فبلغ ذلك عمر فقال: إني لأظن الشيطان فيما يسترق من السمع سمع بموتك فقذفه في نفسك [¬٤]، ولعلك لا تمكث إلا قليلًا، وايم الله لتراجعن نساءك،\n_________\n= وقد خولف معاذ بن هشام عن أبيه في ذلك:\nفرواه سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، وقال فيه: \"تسع نسوة\" كما هو عند البخاري برقم (٢٨٤) (٥٠٦٨) (٥٢١٥)، والنسائي في الكبرى برقم (٩٠٣٤): وقد علق البخاري رواية سعيد إثر رواية معاذ عن أبيه معللًا لرواية معاذ، وهذا هو الذي فهمه ابن كثير من صنيع البخاري هنا.\nوقال ابن خزيمة: تفرد بذلك معاذ بن هشام عن أبيه، ورواه سعيد بن أبي عروبة وغيره عن قتادة فقالوا: \"تسع نسوة\".\nوقد وجه ابن كثير في البداية والنهاية هذه الرواية بقوله: المراد بالإحدى عشرة اللاتي كان يطوف عليهن: التسع المذكورات والجاريتان مارية وريحانة (٥/ ٣١٣).\n(^٢٢) رواه ابن عدي في الكامل من طريق بحر بن كُنَيْز، عن قتادة عن أنس - في مناكير بَحْرٍ هذا (٢/ ٤٨٤). وقد خالفه سعيد بن أبي عروبة، فرواه عن قتادة من قوله، كما رواه البيهقي في دلائل النبوة (٧/ ٢٨٩) من طريق عبد الوهاب بن عطاء الخفاف عن سعيد. وقد رواه سيف بن عمر عن سعيد، فخالف عبد الوهاب وأسنده عن أنس.\nوالصحيح من ذلك: رواية الخفاف عن سعيد عن قتادة من قوله، كما رجحه ابن كثير في البداية والنهاية (٥/ ٣١٣).\n(^٢٣) المسند (٢/ ١٤) (٤٦٣١)، وقد رواه مختصرًا أيضًا (٢/ ١٣) (٤٦٠٩) من طريق إسماعيل بن علية و(٢/ ٤٤) (٥٠٢٧) من طريق غندر وعبد الأعلى بن الأعلى و(٢/ ٨٣) (٨٥٥٥) من طريق سعيد بن أبي عروبة.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ت: \"خصائصه\".\n[¬٢]- ما بين المكوفتين في ت: \"ذكر\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٤]- في خ: \"نيتك\".","vol":"3","page":341},{"text":"[ولترجعن في] [¬١] مالك، [أو لأورثهن منك] [¬٢]، ولآمرنّ بقبرك فيرجم، كما رجم قبر أبي رغال.\nوهكذا رواه الشافعي (^٢٤) والترمذي (^٢٥) وابن ماجه (^٢٦) والدارقطني (^٢٧) والبيهقي (^٢٨) وغيرهم (^٢٩) من طرق، عن إسماعيل بن علية، وغندر، ويزيد بن زريع، وسعيد بن أبي عروبة، وسفيان الثوري، وعيسى ابن يونس، وعبد الرحمن بن محمَّد المحاربي، والفضل بن موسى، وغيرهم من الحفاظ (^٣٠)، عن معمر بإسناده مثله إلى قوله: \"اختر مهن أربعًا\".\nوباقي الحديث في قصة عمر من أفراد أحمد؛ وهي زيادة حسنة، وهي مضعفة لما علل به البخاري هذا الحديث فيما حكاه عنه الترمذي، حيث قال بعد روايته له: سمعت البخاري\n_________\n(^٢٤) شفاء العي (٢/ ٢٩) (٤٣): أخبرنا الثقة -أحسبه إسماعيل بن إبراهيم- عن معمر، ومن طرقه رواه البيهقي في السنن الكبرى (٧/ ١٨١) وصرح بأن القائل: (أحسبه إسماعيل بن إبراهيم) هو الربيع بن سليمان الراوي عن الشافعي.\n(^٢٥) جامع الترمذي، كتاب النكاح، باب ما جاء في الرجل يسلم وعنده عشر نسوة (١١٢٨) - من طريق سعيد بن أبي عروبة عن معمر.\n(^٢٦) سنن ابن ماجه، كتاب النكاح، باب الرجل يسلم وعنده أكثر من أربع نسوة (١٩٥٣) - من طريق محمَّد بن جعفر غندر عن معمر.\n(^٢٧) سنن الدارقطني (٣/ ٢٦٩ - ٢٧٠) - من طرق مروان بن معاوية الفزاري وسعيد بن أبي عروبة عن معمر. وفي آخره: قال الرمادي: هكذا يقول أهل البصرة.\n(^٢٨) السنن الكبرى للبيهقي (٧/ ١٨١ - ١٨٢) - من طرق عن إسماعيل بن عليه وغندر وسعيد بن أبي عروبة ويزيد بن زريع وسفيان الثوري، عن معمر.\n(^٢٩) كابن أبي شيبة في المصنف، كتاب النكاح، ما قالوا فيما إذا أسلم وعنده عشر نسوة (٣/ ٤٠٥) - عن إسماعيل بن عليه ومروان بن معاوية الفزاري، وأبي يعلى في مسنده (٩/ ٣٢٥) (٥٤٣٧) - من طريق إسماعيل بن علية، ورواه ابن حبان عن أبي يعلى ثم رواه أيضًا من طريق الفضل بن موسى وعيسى بن يونس: الإحسان (٩/ ٤٦٣ - ٤٦٦) (٤١٥٦) (٤١٥٧) (٤١٥٨)، والحاكم في المستدرك (٢/ ١٩٢ - ١٩٣) من طريق سعيد بن أبي عروبة وعبد الرحمن بن محمَّد المحاربي وعيسى بن يونس ويحيى بن أبي كثير والفضل بن موسى، - كل هؤلاء رووه عن معمر، عن الزهريّ، عن سالم، عن أبيه عبد الله بن عمر به موصولًا.\n(^٣٠) كمروان بن معاوية الفزاري عند ابن أبي شيبة والدارقطني، وعبد الأعلى بن عبد الأعلى السامي عند أحمد، ويحيى بن أبي كثير عند الحاكم في المستدرك.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في خ: \"ولتجرعن\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في خ: \"أولانهن\".","vol":"3","page":342},{"text":"يقول: هذا الحديث غير محفوظ، والصحيح ما روى شعيب وغيره عن الزهريّ، حُدّثت عن محمَّد بن سويد الثقفي، أن غيلان بن سلمة … فذكره.\nقال البخاري: وإنما حديث الزهريّ، عن سالم، عن أبيه، أن رجلًا من ثقيف طلق نساءه فقال له عمر: لتراجعن نساءك أو لأرجمنّ قبرك كما رجم قبر أبي رغال.\nوهذا التعليل فيه نظر (^٣١)، والله أعلم.\nوقد رواه [عبد الرزاق] [¬١]، عن معمر، عن الزهريّ، مرسلًا (^٣٢)، وهكذا رواه مالك عن\n_________\n(^٣١) لم ينفرد الإِمام البخاري بتعليله؛ بل المتقدمون من أئمة الحديث كالمجمعين على ذلك، وهاك بعض كلامهم في تصحيح إرساله وتعليل وصله:\n- قال الإمام عبد الرزاق بن همام الصنعاني: لم يسند لنا معمر حديث غيلان بن سلمة أنه أسلم وعنده عشر نسوة.\n- وقال الإمام أحمد بن حنبل -في رواية الأثرم عنه-: هذا الحديث ليس بصحيح، والعمل عليه به.\nوأعله بتفرد معمر بوصله وتحديثه به في غير بلده هكذا.\n- وقال أبو زرعة: المرسل أصح.\n- وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن حديث رواه يزيد بن زريع ومروان بن معاوية وابن عليه وعيسى بن يونس، عن عمر، عن الزهريّ، عن سالم، عن أبيه، عن النبي ﷺ في قصة غيلان بن سلمة حين أسلم وتحته عشر نسوة، فأمره أنُ يمسك أربعًا. وذكر الحديث.\nقال أبي: هو وهم؛ إنما هو الزهريّ عن ابن أبي سويد قال: بلغنا أن النبي ﷺ.\n- وقال الإِمام مسلم: أهل اليمن أعرف بحديث معمر من غيرهم؛ فإنه حدث بهذا الحديث عن الزهريّ، عن سالم، عن أنس بالبصرة، وقد تفرد بروايته عنه البصريون، فإن حدث به ثقة من غير أهل البصرة صار الحديث حديثًا، وإلا فالإرسال أولى.\n- وقال الإِمام أبو بكر أحمد بن منصور الرمادي -بعد أن روى حديث معمر موصولًا من طريق سعيد بن أبي عروبة-: هكذا يقول أهل البصرة. ثم رواه مرسلًا على الصواب.\n- وقال الإمام البزار: جوده معمر بالبصرة، وأفسده باليمن فأرسله.\n- وقال الإمام أبو عمر بن عبد البر: وصله معمر؛ فرواه عن ابن شهاب عن سالم عن ابن عمر.\nويقولون: إنه من خطأ عمر ومما حدّث له بالعراق من حفظه، وصحيحُ حديثه: ما حدث له باليمن من كتبه. وقال أيضًا: طرق هذا الحديث كلها معلولة.\n* وقد خالف ذلك ابن حبانُ والحاكمُ والبيهقي ومن تبعهم قلت جاء بعدهم، فأخرجه من طرق عن معمر من حديث أهل الكوفة وأهل خرامان وأهل اليمامة عنه: = قال ابن حبان: ذكر الخبر المدحض قول من زعم أن هذا الخبر حدث به معمر بالبصرة، ثم ساقه من طريق الفضل بن موسى وهو مروزي خراساني.\n- وقال الحاكم: هكذا رواه المتقدمون من أصحاب معمر، كسعيد بن أبي عروبة ويزيد بن زريع وإسماعيل بن علية وغندر وغيرهم والأئمة الحفاظ من أهل البصرة، وقد حكم الإِمام مسلم بن الحجاج أن هذا الحديث مما وهم فيه معمر بالبصرة، فإنه رواه عنه ثقة خارج البصريين حكمنا بالصحة:\nفوجدت سفيان الثوري، وعبد الرحمن بن محمَّد المحاربي، وعيسى بن يونس -وثلاثتهم كوفيون- حدثوا عن معمر عن الزهريّ عن سالم عن أبيه. ثم خرج رواياتهم. ثم قال: وهكذا وجدت الحديث عند أهل اليمامة عن معمر؛ ثم خرجه من طريق يحيى بن أبي كثير عن معمر.\nثم قال: وهكذا وجدت الحديث عند الأئمة الخراسانيين عن معمر؛ ثم خرجه من طريق الفضل بن موسى السفياني عن معمر. ثم قال: والذي يؤدى إليه اجتهادي: أن معمر بن راشد حدث به على الوجهين؛ أرسله مرة ووصله مرة، والدليل عليه: أن الذين وصلوه عنه من أهل البصرة قد وصلوه أيضًا، والوصل أولى من الإرسال؛ فإن الزيادة من الثقة مقبولة، والله أعلم. وبنحوه قال البيهقي ﵀. قال الحافظ ابن حجر ﵀ معقبًا على ذلك: ولا يفيد ذلك شيئًا، فإن هؤلاء كلهم إنما سمعوا منه بالبصرة، وإن كانوا من غير أهلها. وعلى تقدير تسليم أنهم سمعوا منه بغيرها، فحديثه الذي حدث به في غير بلده مضطرب، لأنه كان يحدث في بلده من كتبه على الصحة، وأما إذا رحل فحدث من حفظه بأشياء وهم فيها، اتفق على ذلك أهل العلم به كابن المدينيّ والبخاري وأبي حاتم ويعقوب بن شيبة وغيرهم. ا هـ.\nومما يقوي ذلك: أن ابن أبي حاتم ذكر لأبيه رواية عيسى بن يونس عن معمر في جملة من رواه عنه موصولًا وليس عيسى من أهل البصرة، وقد أعل أبو حاتم -مع ذلك- الحديث، وصحح إرساله.\nقال ابن حجر: والموقوف على عمر هو الذي حكم البخاري بصحته عن الزهريّ عن سالم عن أبيه، بخلاف أول القصة. ا هـ. انظر: العلل (١/ ٤٠٠ - ٤٠١)، تلخيص الحبير (٣/ ١٩٢ - ١٩٤).\n(^٣٢) المصنف لعبد الرزاق (٧/ ١٦٢) (١٢٦٢١).\n_________\n[¬١]- في خ: \"عبد الرحمن\".","vol":"3","page":343},{"text":"الزهري مرسلًا (^٣٣)، وقال أبو زرعة: هو أصح (^٣٤).\nقال البيهقي: ورواه عقيل، عن الزهريّ: بلغنا عن عثمان بن محمَّد بن أبي سويد (^٣٥).\nقال أبو حاتم: وهذا وهم، إنما هو الزهريّ، عن [¬١] محمَّد بن أبي سويد، بلغنا أن رسول الله ﷺ، فذكره.\n_________\n(^٣٣) الموطأ للإمام مالك، كتاب الطلاق، باب جامع الطلاق.\n(^٣٤) العلل لابن أبي حاتم (١/ ٤٠١).\n(^٣٥) رواه البيهقي في السنن الكبرى (٧/ ١٨٢).\n_________\n[¬١]- بعده في خ: \"عثمان بن\". وهو خطأ.","vol":"3","page":344},{"text":"قال البيهقي: ورواه يونس وابن عيينة (^٣٦) عن الزهريّ عن محمَّد بن أبي سويد.\nوهذا كما علَّله البخاري.\nوهذا [¬١] الإِسناد الذي قدّمناه من مسند الإِمام أحمد رجاله ثقات على شرط الشيخين.\nثم رُوي من غير طريق معمر بل والزهري.\n[وقال الحافظ أبو بكر] [¬٢] البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حَدَّثَنَا أبو علي الحافظ، حَدَّثَنَا أبو عبد الرحمن النسائي، حَدَّثَنَا أبو بُريد عمرو [¬٣] بن يزيد الجرمي، أخبرنا سيف بن عبيد الله، حَدَّثَنَا سرَّار بن مُجشِّر، عن أيوب، عن نافع وسالم، عن ابن عمر: أن غيلان بن سلمة كان عنده عشر نسوة، فأسلم وأسلمن معه، فأمره النبي ﷺ أن يختار منهنّ أربعًا.\nهكذا أخرجه النسائي في سننه (^٣٧).\nقال أبو علي بن السكن: تفرد به سرار بن مجشر وهو ثقة (^٣٨). وكذا وثقه ابن معين (^٣٩).\nقال أبو علي: وكذلك رواه السَّميدعُ بن واهب [¬٤]، عن سرار.\nقال البيهقي: وروينا من حديث [قيس بن الحارث، أو الحارث بن قيس] [¬٥]، وعروة بن مسعود الثقفي، وصفوان بن أمية -يعني حديث غيلان بن سلمة-.\nفوجه الدلالة أنه لو كان يجوز الجمع بين أكثر من أربعٍ لسوّغ له رسول الله ﷺ سائرهنّ في\n_________\n(^٣٦) الذي ذكره البيهقي أن رواية ابن عيينة كرواية مالك عن الزهري أن رسول الله ﷺ. بخلاف رواية يونس بن يزيد فإنها عن الزهريّ عن محمَّد بن أبي سويد أن رسول الله ﷺ.\n(^٣٧) السنن الكبرى للبيهقي (٧/ ١٨٣)، ورواه الطبراني في الأوسط (٢/ ١٩٠) (١٦٨٠)، والدارقطني في سننه (٣/ ٢٧١ - ٢٧٢) - كلاهما من طريق سيف بن عبيد الله الجرمي به.\n(^٣٨) وكذا قال أبو علي النيسابوري، فيما أسند عنه البيهقي.\nوقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن أيوب إلا سَرَّارٌ، تفرد به سيف. ا هـ. وقد توبع سيف كما ذكر ابن السكن.\n(^٣٩) وكذا وثقه أبو داود والنسائي والدارقطني وابن حبان وقال: ربما خالف.\n_________\n[¬١]- في ت: \"و\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في ت: \"قال\".\n[¬٣]- في خ: \"عمر\".\n[¬٤]- في خ: \"وهب\".\n[¬٥]- في خ: \"قيس بن الحارث بن قيس\".","vol":"3","page":345},{"text":"بقاء العشرة، وقد أسلمن، فلما أمره بإمساك أربع، وفراق سائرهنّ، دل على أنه لا يجوز الجمع بين أكثر من أربع بحال، فإذا كان هذا في الدوام، ففي الاستئناف بطريق الأولين والأحرى، والله ﷾ أعلم بالصواب.\n(حديث آخر في ذلك) روى أبو داود وابن ماجه في سننهما، من طريق محمَّد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن حُميضة بن الشمردل -وعند ابن ماجه بنت الشمردل، وحكى أبو داود أن منهم من يقول: الشمرذل بالذال المعجمة -عن قيس بن الحارث- وعند أبي داود في رواية: الحارث بن قيس بن عميرة الأسدي قال: أسلمت وعندي ثمان نسوة، فذكرتُ للنبي ﷺ فقال: \"اختر منهنّ أربعًا\" (^٤٠).\nوهذا الإِسناد حسن. ومجرد [¬١] هذا الاختلاف لا يضر مثله، لما للحديث من الشواهد.\n(حديث آخر في ذلك) قال [الإِمام محمَّد بن إدريس الشافعي ﵀، في مسنده: أخبرني من سمع ابن أبي الزناد، يقول: أخبرني عبد المجيد بن سهيل بن عبد الرحمن، عن عوف بن الحارث، عن نوفل بن معاوية الديلي ﵁ قال: أسلمت وعندي خمس نسوة، فقال لي رسول الله ﷺ: \"اختر أربعًا أيتهن شئت، وفارق الأخرى\". فعمدت إلى أقدمهنّ صحبة، عجوز عاقر معي منذ ستين سنة فطلقتها (^٤١).\nفهذه كلها شواهد [بصحة ما تقدم من حديث] [¬٢] غيلان كما قاله [الحافظ أبو بكر البيهقي ﵀].\nوقوله: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيمَانُكُمْ﴾ أي: فإن خشيتم [¬٣] من تعداد النساء أن لا تعدلوا بينهن، كما قال تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَينَ النِّسَاءِ وَلَوْ\n_________\n(^٤٠) سنن أبي داود، كتاب الطلاق، باب في من أسلم وعنده نساء أكثر من أربع (٢٢٤١) (٢٢٤٢)، وسنن ابن ماجه، كتاب النكاح، باب الرجل يسلم عنده أكثر من أربع نسوة (١٩٥٢)، ورواه سعيد بن منصور في سننه، باب ما جاء في الرجال يسلم وعنده أكثر من أربع نسوة أو أختان (١٨٦٣)، والطبراني في المعجم الكبير (١٨/ ٣٥٩) (٩٢٢)، والعقيلي في الضعفاء (١/ ٢٩٩) - من طريق ابن أبي ليلى عن حميضة بن الشمردل، قال البخاري: لم يصح إسناده، وقال في موضع آخر: فيه نظر. وضعف أبو علي بن السكن حديثه. وذكره العقيلي وابن الجارود وابن عدي في الضعفاء.\n(^٤١) شفاء العي (٢/ ٣١) (٤٤)، ومن طريقه البيهقي في السنن الكبرى (٧/ ١٨٤) والبغوي في شرح السنة (٢٢٨٩).\n_________\n[¬١]- في ت: \"و\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في ت: \"لحديث\".\n[¬٣]- في ت: \"خفتم\".","vol":"3","page":346},{"text":"حَرَصْتُمْ﴾ فمن خاف من ذلك فليقتصر على واحدة، أو على الجواري السراري، فإنه لا يجب قسم بينهن، ولكن يستحب، فمن فعل فحسن، ومن لا فلا حرج.\nوقوله: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ قال بعضهم: أدنى أن لا تكثر عائلتكم [¬١]. قاله زيد بن أسلم، وسفيان بن عيينة، والشافعي ﵏ وهو مأخوذ من قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيلَةً﴾ أي: فقرًا ﴿فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ﴾.\nوقال الشاعر (^٤٢):\nفما يدري الفقير متى غناه … وما يدري الغني متى يعيل\nوتقول العرب: عال الرجل، يعيل عيلة: إذا افتقر.\nولكن في هذا التفسير هاهنا نظر، فإنه كما يخشى كثرة العائلة من تعداد الحرائر، كذلك يخشى من تعداد السراري أيضًا، والصحيح قول الجمهور. ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ أي: لا تجوروا.\nيقال: عال في الحكم إذا قسط [¬٢] وظلم وجار\nوقال أبو طالب في قصيدته المشهورة:\nبميزان قسط لا يخيس شعيرة … له شاهد من نفسه غير عائل\nوقال هشيم، عن أبي إسحاق [¬٣]: كتب عثمان بن عفان إلى أهل الكوفة في شيء عاتبوه فيه: إني لست بميزان لا أعول. رواه ابن جرير (^٤٣).\nوقد روى ابن أبي حاتم (^٤٤)، وابن مردويه، [وأبو حاتم] [¬٤]، بن حبان في صحيحه (^٤٥)، من طريق عبد الرحمن بن إبراهيم دحيم [¬٥]، حَدَّثَنَا محمد بن شعيب، عن عمر بن محمَّد بن زيد ابن [¬٦] عبد الله بن عمر، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، عن النبي ﷺ ﴿ذَلِكَ\n_________\n(^٤٢) هو أحيحة بن الجلاح الأوسي. انظر تفسير الطبري (٧/ ٥٤٩).\n(^٤٣) في تفسيره (٧/ ٥٥١).\n(^٤٤) في تفسيره (٣/ ٨٦٠) (٤٧٦١).\n(^٤٥) الإحسان (٩/ ٣٣٨ - ٣٣٩) (٤٠٢٩)، وفي كلا الكتابين (أَلَّا تجوروا).\n_________\n[¬١]- في ت: \"عيائلتكم\".\n[¬٢]- في خ: \"سقط\".\n[¬٣]- سقط من ت.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين في ت: \"و\".\n[¬٥]- في خ: \"وخثيم\".\n[¬٦]- في ت: \"عن\". وهو خطأ.","vol":"3","page":347},{"text":"أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ قال: \"لا تجوروا\".\nقال ابن أبي حاتم: قال أبي: هذا حديث خطأ، والصحيح عن عائشة موقوف.\nو[¬١] قال ابن أبي حاتم: وروي عن ابن عباس، وعائشة، ومجاهد، وعكرمة، والحسن، وأبي مالك، وأبي رزين، والنخعي، والشعبي، والضحاك، وعطاء الخراساني، وقتادة، والسدي، ومقاتل بن حيان، أنهم قالوا: لا تميلوا (^٤٦).\nوقد استشهد عكرمة [﵀] ببيت أبي طالب الذي قدّمناه، ولكن ما أنشده كما هو المروي في السيرة (^٤٧).\nوقد رواه ابن جرير ثم أنشده جيدًا واختار ذلك (^٤٨).\nوقوله تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: [يعني بالنحلة] [¬٢]: المهر.\nوقال محمَّد بن إسحاق، عن الزهريّ، عن عروة، عن عائشة: نحلة: فريضة (^٤٩).\n[وقال مقاتل وقتادة وابن جريج: نحلة أي، فريضة] [¬٣]. زاد ابن جريج [¬٤]: مسماة.\nوقال ابن زيد: النحلة في كلام العرب: الواجب. يقول: لا تنكحها إلا بشيء واجب لها [¬٥]، وليس ينبغي لأحد بعد النبي ﷺ أن ينكح امرأة إلا بصداق واجب، و[¬٦] لا ينبغي أن يكون تسمية الصداق كذبًا بغير حق.\n_________\n(^٤٦) تفسير ابن أبي حاتم (٣/ ٨٦٠).\n(^٤٧) فإنه قال فيه:\nبميزانٍ قِسْطٍ لا يُخِسُّ شَعِيرةً … ووازِنِ صِدْقٍ وَزنُه غَيرُ عائِلِ\n(^٤٨) رواية ابن جرير للبيت.\nبميزان صِدْقٍ لا يُغَلُّ شَعِيرةً … له شاهدٌ من نفسه غيرُ عائلِ\nانظر تفسيره (٧/ ٥٥٠)\n(^٤٩) الذي في تفسير ابن أبي حاتم أنها قالت: واجبة. (٣/ ٨٦١).\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في ت: \"النحلة\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٤]- في خ: \"جرير\".\n[¬٥]- سقط من: خ.\n[¬٦]- سقط من: خ.","vol":"3","page":348},{"text":"ومضمون كلامهم: أن الرجل يجب عليه دفع الصداق إلى المرأة حتمًا، وأن يكون طيب النفس بذلك، كما يمنح المنيحة ويعطي النحلة طيبًا بها، كذلك يجب أن يعطي المرأة صداقها طيبًا بذلك، فإن طابت هي له به بعد تسميته، أو عن شيء منه، فليأكله حلالًا طيبًا، ولهذا قال تعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾.\nوقال ابن أبي حاتم (^٥٠): حَدَّثَنَا أحمد بن سنان، حَدَّثَنَا عبد الرحمن بن مهدي، [عن سفيان] [¬١]، عن السدي، عن يعقوب بن المغيرة بن شعبة، عن علي قال: إذا اشتكى أحدكم شيئًا فليسأل امرأته ثلاثة دراهمٍ أو نحو ذلك، فليبتع بها [¬٢] عسلًا، ثم ليأخذ ماء السماء، فيجتمع هنيئًا مريئًا شفاءً مباركًا.\nوقال هشيم، عن سيّار، عن أبي صالح قال: كان الرجل إذا زوج ابنته أخذ صداقها دونها، فنهاهم الله عن ذلك، ونزل: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾. رواه ابن أبي حاتم (^٥١) وابن جرير (^٥٢).\nوقال ابن أبي حاتم (^٥٣): حَدَّثَنَا محمَّد بن إسماعيل الأحمسي، حَدَّثَنَا وكيع، عن سفيان عن عمير الخثعمي، عن [عبد الملك] [¬٣] بن المغيرة الطائفي، عن عبد الرحمن بي البَيلَماني قال: قال رسول الله ﷺ: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾. قالوا: يا رسول الله، فما العلائق بينهم. قال: \"ما تراضى [¬٤] عليه أهلوهم\".\n_________\n(^٥٠) تفسير ابن أبي حاتم (٣/ ٨٦٢).\n(^٥١) المصدر السابق (٣/ ٨٦٢).\n(^٥٢) في تفسيره (٧/ ٥٥٣).\n(^٥٣) في تفسيره (٣/ ٨٦١).\nوهذا الحديث قد اختلف فيه على عبد الرحمن بن البيلماني: - فرواه عبد الملك بن المغيرة، عن عبد الرحمن مرسلًا كذا رواه عمير الخثعمي: أبي داود في المراسيل (٢١٥) وابن أبي حاتم في تفسيره والبيهقي في السنن الكبرى (٧/ ٢٣٩).\nوكذا رواه أيضًا حجاج بن أرطأة - من رواية حفص بن غياث وأبي معاوية وهشيم وأبي شهاب عند سعيد بن منصور في سننه (٦١٩)، وابن أبي شيبة في مصنفه، كتاب الرد على أبي حنيفة، مسألة المهر (٨/ ٣٨٢) والبيهقي في السنن الكبرى (٧/ ٢٣٩)، وقد خالفهما.\n-أعني حفصًا وأبا معاوية- هارونُ بن المغيرة عن حجاج؛ فرواه عنه، عن عبد الملك، عن =\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في خ: \"عبد الله\".\n[¬٤]- في خ: \"ترضى\".","vol":"3","page":349},{"text":"وقد روى ابن مردويه (^٥٤)، من طريق حجاج بن أرطاة، عن عبد الملك بن المغيرة، عن عبد الرحمن بن البيلماني، عن عمر بن الخطاب قال: خطبنا [¬١] رسول الله ﷺ فقال: \"أنكحوا الأيامى\" -ثلاثًا- فقام إليه رجل، فقال: يا رسول الله! فما العلائق بينهم؟ قال: \"ما تراضى [¬٢] عليه أهلوهم\". ابن البيلماني ضعيف، ثم فيه انقطاع أيضًا.\n﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٥) وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيهِمْ أَمْوَالهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيهِمْ أَمْوَالهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (٦)﴾\nينهى [سبحانه و] [¬٣] تعالى عن تمكين السفهاء من التصرف في الأموال التي جعلها الله للناس قيامًا، أي: تقوم بها معايشهم من التجارات وغيرها.\nومن هاهنا يؤخذ الحجر على السفهاء، وهم أقسام: فتارة يكون الحجر للصغر، فإن الصغير مسلوب العبارة، وتارة يكون الحجر للجنون، وتارة لسوء التصرف؛ لنقص العقل أو الدين،\n_________\n= ابن البيلماني، عن عمر، عن النبي ﷺ: عند ابن مردويه -كما سيذكره ابن كثير - والبيهقي (٧/ ٢٣٩) وقال: وليس بمحفوظ).\n- ورواه محمَّد بن عبد الرحمن بن البيلماني عن أبيه، واختلف عنه: فرواه صالح بن عبد الجبار عنه عن أبيه عن ابن عباس مرفوعًا (كما عند ابن عدي في الكامل (٦/ ٢١٨٩) والدارقطني في السنن (٣/ ٢٤٤) والبيهقي في السنن الكبرى (٧/ ٢٣٩).\nورواه محمَّد بن الحارث البصري عنه عن أبيه عن ابن عمر مرفوعًا (كما عند ابن عدي في الكامل (٦/ ٢١٨٨) والبيهقي (٧/ ٢٣٩). قال ابن عدي: وهذه الأحاديث مع غيرها التي يرويها ابن البيلماني عن أبيه عن ابن عمر وابن عباس وكل ما روي عن ابن البيلماني: فالبلاء فيه من ابن البيلماني. وإذا روى عن ابن البيلماني محمَّد بن الحارث هذا فجميعًا ضعيفان، والضعف على حديثهما بيِّنٌ.\nوقال ابن حجر: إسناده ضعيفٌ جدًّا. وحكى عبد الحق أن المرسل أصح.\n(^٥٤) انظر الحديث السابق.\n_________\n[¬١]- في خ: \"خطب\".\n[¬٢]- في خ: \"تراضيا\".\n[¬٣]- سقط من: خ.","vol":"3","page":350},{"text":"[وتارة للفلس، وهو ما إذا أحاطت الديون برجل وضاق ما له عن وفائها] [¬١] فإذا سأل الغرماء الحاكم الحَجْرَ عليه، حجر عليه.\nوقد [¬٢] قال الضحاك، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالكُمُ﴾ قال: هم بَنُوكَ والنساء، وكذا قال ابن مسعود والحكم بن عتيبة، والحسن [¬٣] والضحاك: هم النساء والصبيان.\nو[¬٤] قال سعيد بن جبير: هم [¬٥] اليتامى.\nوقال مجاهد وعكرمة وقتادة: هم النساء.\nوقال ابن أبي حاتم (^٥٥): حَدَّثَنَا أبي، حَدَّثَنَا هشام بن عمار، حَدَّثَنَا صدقة بن خالد، حَدَّثَنَا عثمان بن أبي العاتكة، عن علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة، قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن النساء سفهاء، إلا التي أطاعت قيِّمها\".\nورواه ابن مردُويه مطولًا.\nوقال ابن أبي حاتم: ذكر عن مسلم بن إبراهيم، حَدَّثَنَا حرب بن سُرَيج، عن معاوية بن قرة، عن أبي هريرة: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالكُمُ﴾ قال: هم [¬٦] الخدم، وهم شياطين الإِنس وهم الخدم.\nوقوله: ﴿وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس يقول: لا تعمد إلى مالك وما خولك الله وجعله لك معيشة فتعطيه امرأتك أو بنيك، ثم تنظر إلى ما في أيديهم، ولكن أمسك مالك وأصلحه، وكن أنت الذي تنفق عليهم من كسوتهم ومؤنتهم ورزقهم.\n_________\n(^٥٥) في تفسيره (٣/ ٨٦٢) وفيه (هُنَّ السفهاءُ). وعثمان بن أبي العاتكة القاصُّ مقرئ أهل دمشق، قال ابن معين: ليس بشيء. وقد ذكر ابن عدي أن هشام بن عمار حدّث عن صدقة بن خالد عن عثمان هذا عن علي بن يزيد عن القاسم عن أبي أمامة ثلاثين حديثًا عامتها ليست بمستقيمة.\nوقد نسبه دحيم للصدق، إلا أنه أنكر حديثه عن علي بن يزيد. وبنحو ذلك قال أبو حاتم.\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- في خ: \"و\".\n[¬٣]- سقط من: خ.\n[¬٤]- سقط من: خ.\n[¬٥]- سقط من: خ.\n[¬٦]- سقط من خ.","vol":"3","page":351},{"text":"وقال ابن جرير (^٥٦): حَدَّثَنَا ابن المثنى، حَدَّثَنَا محمد بن جعفر، حَدَّثَنَا شعبة، عن فراس، عن الشعبي، عن أبي بردة، عن أبي موسى قال: ثلاثة يدعون الله فلا يستجيب لهم، رجل كانت له امرأة سيئة الحلق فلم يطلقها، ورجل أعطى ماله سفيهًا، وقد قال: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالكُمُ﴾. ورجل كان له على رجل دين فلم يُشهد عليه.\nوقال مجاهد: ﴿وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ يعني في البر والصلة.\nوهذه الآية الكريمة انتظمت الإحسان إلى العائلة [¬١]، ومن تحت الحَجْر بالفعل، من الإِنفاق في الكساوى والكلام الطيب وتحسين الأخلاق.\nوقوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾ قال ابن عباس ومجاهد والحسن والسدي ومقاتل [بن حيان] [¬٢]: أي: اختبروهم. ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾ قال مجاهد يعني: الحلم. قال الجمهور من العلماء: البلوغ في الغلام تارة يكون بالحلم، وهو أن يرى في منامه ما ينزل به الماء الدافق الذي يكون منه الولد.\nوقد روى أبو داود (^٥٧) في سننه، عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ قال: حفظت من رسول الله ﷺ: \"لا يُتْم بعد احتلام، ولا صمات يوم إلى الليل\".\n_________\n(^٥٦) في تفسيره (٧/ ٥٦٤).\nوهذا الحديث رواه الحاكم في مستدركه (٢/ ٢٠٣) من طريق أبي المثنى معاذ بن معاذ العنبري، ثنا أبي، ثنا شعبة سقط يبين من رواية البيهقي عن الحاكم في السنن الكبرى (١٠/ ١٤٦) فساق إسناده لكنه رفعه إلى النبي ﷺ مخالفًا في ذلك أصحاب شعبة.\nقال الحاكم: لم يخرجاه لتوقيف أصحاب شعبة هذا الحديث على أبي موسى.\n(^٥٧) سنن أبي داود، كتاب الوصايا، باب متى ينقطع اليتم (٢٨٧٣). ورواه أيضًا العقيلي في الضعفاء (٤/ ٤٢٨ - ٤٢٩). والطبراني في الأوسط (١/ ٩٥) (٢٩٠) - من طريق أحمد بن صالح، عن يحيى بن محمد المديني الجاري، عن عبد الله بن خالد بن سعيد بن أبي مريم، عن أبيه، عن سعيد بن عبد الرحمن بن رُقَيْش، أنه سمع شيوخا من بني عمرو بن عوف، ومن خالد عبد الله بن أبي أحمد بن جحش قال: قال علي. فذكره مرفوعًا. قال العقيلي: وهذا الحدث لا يتابَعُ عليه يحيى، وهذا يرويه معمر عن جويبر عن الضحاك عن النزال بن سبرة عن علي مرفوعًا، ورواه الثوري وغيره عن جويبر موقوفًا. وهو الصواب. وقال الطبراني: لا يروي هذا الحديث عن عبد الله بن أبي أحمد إلا بهذا الإسناد، تفرد به أحمد بن صالح.\n_________\n[¬١]- في خ: \"الغالبة\"\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين زيادة من: خ.","vol":"3","page":352},{"text":"وفي الحديث الآخر عن عائشة (^٥٨) وغيرها (^٥٩) من الصحابة ﵃، عن النبي ﷺ قال: \"رفع القلم عن ثلاثة؛ عن [¬١] الصبي حتى يحتلم، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق\" أو يستكمل خمس عشرة سنة. وأخذوا ذلك من الحديث الثابت في الصحيحين عن [عبد الله بن] [¬٢] عمر، قال: عرضت على النبي ﷺ يوم أحد، وأنا ابن أربع عشرة فلم يجزني، وعرضت عليه يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة [سنة] [¬٣] فأجازني. فقال أمير المؤمنين عمر بن عبد العزير لما بلغه هذا الحديث: إن هذا الفرق بين الصغير والكبير (^٦٠).\nواختلفوا في إنبات الشعر الخشن حول الفرج، وهي الشعرة، هل تدل على بلوغ أم لا؟ على ثلاثة أقوال. يفرق في الثالث بين صبيان المسلمين، فلا يدل على ذلك؛ لاحتمال المعالجة، وبين صبيان أهل الذمة، فيكون بلوغًا في حقهم؛ لأنه [¬٤] لا يتعجل بها إلّا ضرب الجزية عليه [¬٥]، فلا يعالجها.\nوالصحيح أنها بلوغ في حق الجميع [¬٦]؛ لأن هذا أمر جبلي يستوي فيه الناس، واحتمال المعالجة بعيد، ثم قد دلت السنة على ذلك، في الحديث الذي رواه الإِمام أحمد (^٦١)، عن\n_________\n(^٥٨) أخرجه أحمد في المسند (٦/ ١٠٠، ١٠١، ١٤٤) (٢٤٨٠٦) (٢٤٨١٤) (٢٥٢٢٥)، وأبو داود في كتاب الحدود، باب في المجنون يسرق أو يصيب أحدًا (٤٣٥٨)، والنسائي في كتاب الطلاق، باب من لا يقع طلاقه من الأزواج (٦/ ١٥٦)، وابن ماجة في كتاب الطلاق، باب طلاق المعتوه والصغير والنائم (٢٠٤١)، والدارمي في سننه (١٧١/ ٢)، وابن حبان في صحيحه (١/ ٣٥٥) (١٤٢)، وابن الجارود في المنتقى (١٤٨)، والحاكم في المستدرك (٢/ ٥٩). كلهم من طريق حماد بن سلمة، عن حماد بن أبي سليمان، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة ﵂ مرفوعًا.\nقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم وله يخرجاه.\n(^٥٩) كابن عباس، وأبي هريرة، وأبي قتادة وغيرهم. وانظر في ذلك: نصب الراية (٤/ ١٦١ - ١٦٥).\n(^٦٠) صحيح البخاري، كتاب الشهادات، باب ما يكره عن الإطناب في المدح وَلْيَقُلْ ما يعليل (٢٦٦٤)، وصحيح مسلم، كتاب الإمارة (١٨٦٨)، وفي آخره قوت عمر بن عبد العزيز: إن هذا لحَدٌّ بين الصغير والكبير.\n(^٦١) المسند (٤/ ٣١٠، ٥/ ٣١١ - ٣١٢) (١٨٨٣٠) (٢٢٧٦٢) (٢٢٧٦٣)، من طرق عن عبد الملك بن عمير، عن عطية القرظي به.\n_________\n[¬١]- سقط من: ت.\n[¬٢]- في ت: \"ابن\"\n[¬٣]- سقط من ت.\n[¬٤]- سقط من: خ.\n[¬٥]- سقط من: خ.\n[¬٦]- في خ: \"الكل\".","vol":"3","page":353},{"text":"عطية القرظي ﵁، قال: عرضنا على النبي ﷺ يوم قريظة، [] [¬١] فكان من أنبت قتل، ومن لم ينبت خُلي سبيله، فكنت فيمن لم ينبت، فخُلي سبيلي.\nوقد أخرجه أهل السنن الأربعة (^٦٢) بنحوه، وقال الترمذي: حسن صحيح، وإنما كان كذلك؛ لأن سعد بن معاذ ﵁ كان قد حكم فيهم بقتل المقاتلة وسبي الذرية.\nوقال الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب الغريب (^٦٣): حَدَّثَنَا ابن علية، عن إسماعيل بن أمية، في محمد بن يحيى بن حبان، عن عمر، أن غلامًا ابتهر جارية في شعره، فقال: عمر ﵁ انظروا إليه. فلم يوجد أنبت، فدرأ عنه الحد. قال أبو عبيد: ابتهرها، أي: قذفها. والابتهار أن يقول: فعلتُ بها. وهو كاذب. فإن كان صادقا فهو الابتيار، قال الكميت في شعره:\nقبيح بمثلي نعت الفتاة … إما ابتهارًا واما ابتيارًا\nوقوله ﷿: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيهِمْ أَمْوَالهُمْ﴾ قال سعيد بن جبير: يعني صلاحًا في دينهم، وحفظا لأموالهم.\nوكذا روي عن ابن عباس والحسن البصري وغير واحد من الأئمة، وهكذا قال الفقهاء: متى [¬٢] بلغ الغلام مصلحًا لدينه وماله انفك الحجر عنه، فيسلم إليه ماله الذي تحت يد وليه بطريقه [¬٣].\nوقوله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا﴾ ينهى تعالى عن أكل أموال اليتامى من غير حاجة ضرورية ﴿إِسْرَافًا وَبِدَارًا﴾ أي: إسرافًا مبادرة قبل بلوغهم.\nثم قال تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ أي: [من كان في غنية عن مال اليتيم] [¬٤]\n_________\n(^٦٢) سنن أبي داود، كتاب الحدود، باب في الغلام يصيب الحد (٤٤٠٤) (٤٤٠٥)، والترمذي في كتاب السير، باب ما جاء في النزول على الحاكم (١٥٨٤)، والنسائي في كتاب الطلاق، باب متى يقع طلاق الصبي، وابن ماجة في كتاب الحدود، باب من لا يجب عليه الحد (٢٥٤١) (٢٥٤٢)، والحاكم في المستدرك (٢/ ١٢٣، ٤/ ٣٨٩).- من طُرُق عن عبد الملك بن عمير، عن عطية القرظي به. قال الحاكم: هذا حديث غريب صحيح ولم يخرجاه.\n(^٦٣) غريب الحديث لأبي عبيد (٣/ ٢٨٩).\n_________\n[¬١]- في خ: [فأمر من ينظروا].\n[¬٢]- في ت: \"إذا\".\n[¬٣]- سقط من: ت.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.","vol":"3","page":354},{"text":"فليستعفف عنه، ولا يأكل منه شيئًا. وقال الشعبي: هو عليه كالميتة والدم.\n﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ قال ابن أبي حاتم (^٦٤): حَدَّثَنَا الأشج، حَدَّثَنَا عبد الله بن سليمان، حَدَّثَنَا هشام، عن أبيه، عن عائشة: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ نزلت في مال اليتيم.\nوحَدَّثَنَا الأشج، وهارون بن إسحاق قالا: حَدْثَنَا عبدة بن سليمان، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة: ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ قالت [¬١]: نزلت في والي اليتيم الذي يقوم عليه ويصلحه، إذا كان محتاجًا أن يأكل منه (^٦٥).\nوحَدَّثَنَا أبي، حَدَّثَنَا محمد بن سعيد الأصبهاني، حَدَّثَنَا علي بن مسهر، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة قالت: أنزلت هذه الآية في والي اليتيم ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ بقدر قيامه عليه (^٦٦).\nورواه [¬٢] البخاري عن إسحاق عن [¬٣] [عبد الله] [¬٤] بن نمير، عن هشام به (^٦٧).\nفقال الفقهاء: له أن يأكل أقل الأمرين، أجرة مثله، أو قدر حاجته.\nواختلفوا هل يرد إذا أيسر؟ على قولين: (أحدهما) لا [¬٥]؛ لأنه أكل بأجرة عمله وكان فقيرًا. وهذا هو الصحيح عند أصحاب الشافعي، لأن الآية أباحت الأكل من غير بدل.\n[وقال الإمام] [¬٦] أحمد (^٦٨): حَدَّثَنَا عبد الوهاب، حَدَّثَنَا حسين، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن رجلا سأل رسول الله ﷺ فقال: ليس لي مال ولي يتيم؟ فقال: \"كل من مال يتيمك غير مسرف ولا مبذر، ولا متأثل مالًا، ومن غير أن تقي مالك، أو قال -تفدي\n_________\n(^٦٤) في تفسيره (٣/ ٨٦٧).\n(^٦٥) المصدر السابق (٣/ ٨٦٨).\n(^٦٦) المصدر السابق (٣/ ٨٦٩).\n(^٦٧) صحيح البخاري (٤٥٧٥) في كتاب التفسير، باب \" ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ \".\n(^٦٨) المسند (٢/ ١٨٦، ٢١٥ - ٢١٦) (٦٧٤٧) (٧٠٢٢).\n_________\n[¬١]- في خ: \"قال\".\n[¬٢]- في خ: \"وروى\".\n[¬٣]- في ت: \"بن\". خطأ.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين في خ: \"عبد الرحمن\".\n[¬٥]- سقط من: خ.\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين في ت: \"قال\".","vol":"3","page":355},{"text":"مالك- بماله\". شك حسين.\nوقال ابن أبي حاتم (^٦٩): حَدَّثَنَا أبو سعيد الأشج، حَدَّثَنَا أبو خالد الأحمر، حَدَّثَنَا حسين المكتب، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: إن عندي يتيمًا عنده مال وليس عندي شيء، فما آكل من ماله؟ قال: \"كل بالمعروف غير مسرف\".\nورواه [¬١] أبو داود (^٧٠) والنسائي (^٧١) وابن ماجة (^٧٢) من حديث حسين المعلم به.\nوروى [¬٢] أبو حاتم بن حبان في صحيحه (^٧٣) وابن مردويه في تفسيره، [من حديث] [¬٣] يعلى بن مهدي، عن جعفر بن سليمان، عن أبي عامر الخزاز، عن عمرو بن دينار، عن جابر، أن رجلًا قال: يا رسول الله، فيم أضرب يتيمي؟ قال: \"مما كنت ضاربا منه ولدك، غير واق مالك بماله، ولا متأثل منه مالا\".\n_________\n(^٦٩) في تفسيره (٣/ ٨٦٨).\n(^٧٠) في سننه، كتاب الوصايا، باب ما لولي اليتيم أن ينال من مال اليتيم (٢٨٧٢).\n(^٧١) سنن النسائي، كتاب الوصايا، باب ما للوصي من مال اليتيم إذا قام عليه (٦/ ٢٥٦).\n(^٧٢) سنن ابن ماجة، كتاب الوصايا، باب قوله: \"ومن كان فقيرًا فليأكل بالمعروف\" (٢٧١٨).\n(^٧٣) الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان (١٠/ ٥٤ - ٥٥) (٤٢٤٤) وكان فيه: يعلى بن مهدي، وصوبها مصححه من التقاسيم إلى مُعَلَّى بن مهدي.\nوأخرجه الطبراني في المعجم الصغير (١/ ٨٩) وابن عدي في الكامل (٤/ ١٣٩٠) ومن طريقه البيهقي في السنن الكبرى (٦/ ٤) - كلهم من طريق إبراهيم بن علي العمري، عن مُعلي بن مهدي به.\nقال الطبراني: لم يروه عن عمرو بن دينار عن جابر إلا أبو عامر الخزاز، ولا عنه إلا جعفر بن سليمان. تفرد به معلى بن مهدي.\nوقال ابن عدي -بعد أن ذكر الحديث في مناكير صالح بن رستم أبي عامر الخزاز-: لا أعرفه إلا من هذا الطريق، وهو غريب، ولا أعلم هويه عن أبي عامر غير جعفر بن سليمان. ا هـ.\n- وقد خولف أبو عامر في روايته عن عمرو بن دينار؛ فقد رواه حماد بن زيد وسفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار، عن الحسن بن عبد الله العُرَني به مرسلًا. كذا رواه البيهقي (٦/ ٢٤) قال البيهقي: وهو المحفوظ.\nلكن قال ابن المغربي: وإن لم يثبت مُسَنَدًا فليس يجد أحدٌ عنه مُلْتَحَدًا.\nتفسير القرطبي (٥/ ٤٥).\n_________\n[¬١]- في خ: \"وقال\".\n[¬٢]- في خ: \"وقال\".\n[¬٣]- سقط من: خ.","vol":"3","page":356},{"text":"وقال ابن جرير (^٧٤): حَدَّثَنَا الحسن [¬١] بن يحيى، أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا الثوري، عن يحيى بن سعيد، عن القاسم بن محمد، قال: جاء أعرابي إلى ابن عباس، فقال: إن في حجري أيتامًا، وإن لهم إبلا، ولي إبل، وأنا أمنح في إبلي وأفقر، فماذا يحل لي من ألبانها؟ فقال: \"إن كنت تبغي ضالتها، وتهنأ جرباها، وتلوط حوضها، وتسقي عطشها [¬٢]، فاشرب غير مضر بنسل، ولا نَاهِك [¬٣] في الحلب\".\nورواه مالك (^٧٥) في موطئه، عن يحيى بن سعيد، به.\nوبهذا القول، وهو عدم أداء البدل يقول عطاء بن أبي رباح وعكرمة وإبراهيم النخعي وعطية العوفي والحسن البصري.\n(والثاني) نعم؛ لأن مال اليتيم على الحظر، وإنما أبيح للحاجة، فيردّ بدله، كأكل مال الغير للمضطر عند الحاجة.\nوقد قال [أبو بكر] [¬٤] ابن أبي الدنيا: حَدَّثَنَا ابن (^٧٦) خيثمة، حَدَّثَنَا وكيع، عن سفيان، وإسرائيل، عن أبي إسحاق، عن حارثة بن مضرب قال: قال عمر ﵁: إني أنزلت نفسي من هذا المال بمنزلة والي اليتيم، إن استغنيت استعففت، وإن احتجت استقرضت، فإذا أيسرت قضيت.\n(طريق أخرى): قال سعيد بن منصور: حَدَّثَنَا أبو الأحوص، عن أبي إسحاق عن البراء قال: قال لي عمر ﵁: إني أنزلت نفسي من مال الله بمنزلة والى اليتيم، إن احتجت أخذت منه، فإذا أيسرت رددته، وإن استغنيت استعففت (^٧٧). إسناد صحيح.\nوروى [¬٥] البيهقي عن ابن عباس نحو ذلك (^٧٨): هكذا رواه ابن أبي حاتم، من طريق علي\n_________\n(^٧٤) في تفسيره (٧/ ٥٨٨ - ٥٨٩)،\n(^٧٥) الموطأ، كتاب صفة النبي ﷺ، باب جامع ما جاء في الطعام والشراب.\n(^٧٦) كذا في الأصل، والمعروف أن ابن أبي الدنيا يروي عن أبي خيثمة زهير بن حرب.\n(^٧٧) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (٦/ ٤ - ٥) من طريق سعيد بن منصور به.\n(^٧٨) المصدر السابق (٦/ ٥).\n_________\n[¬١]- في خ: \"الحسين\".\n[¬٢]- في ت: \"عليها\".\n[¬٣]- في ت: \"ولا ناهك\".\n[¬٤]- سقط من ت.\n[¬٥]- في خ: \"وقال\".","vol":"3","page":357},{"text":"ابن أبي طلحة، عن ابن عباس، في قوله: ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ يعني القرض.\nقال: وروي عن عبيدة وأبي العالية وأبي وائل وسعيد بن جبير في إحدى الروايات ومجاهد والضحاك والسدي نحو ذلك (^٧٩).\nوروى من طريق السدي عن عكرمة عن ابن عباس في قوله: ﴿فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ قال: يأكل بثلاث أصابع.\nثم قال (^٨٠): حَدَّثَنَا أحمد بن سنان، حَدَّثَنَا ابن مهدي، حَدَّثَنَا سفيان، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس: ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ قال: يأكل من ماله، يقوت على يتيمه، حتى لا يحتاج إلى مال اليتيم.\nقال: وروي عن مجاهد وميمون بن مهران في إحدى الروايات والحكم [¬١] نحو ذلك.\nوقال عامر الشعبي: لا يأكل منه إلا أن يضطر إليه كما يضطر إلى الميتة، فإن أكل منه قضاه. رواه ابن أبي حاتم (^٨١).\nوقال ابن وهب: حَدَّثَنَا نافع بن أبي نعيم القارئ، قال: سألت يحيى بن سعيد الأنصاري، وربيعة، عن قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾؟ الآية. فقالا: ذلك في اليتيم، إن كان فقيرًا أنفق عليه بقدر فقره، ولم يكن للولي منه شيء (^٨٢).\nوهذا بعيد من السياق لأنه قال: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ يعني: من الأولياء ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا﴾ أي: منهم. ﴿فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي: بالتي هي أحسن. كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَال الْيَتِيمِ إلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ أي: لا تقربوه إلا مصلحين له، فإن احتجتم إليه أكلتم منه بالمعروف.\nوقوله: ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيهِمْ أَمْوَالهُمْ﴾ يعني: بعد بلوغهم الحلم وإيناس الرشد منهم [¬٢]،\n_________\n(^٧٩) تفسير ابن أبي حاتم (٣/ ٨٦٩).\n(^٨٠) المصدر السابق.\n(^٨١) المصدر السابق (٣/ ٨٧٠).\n(^٨٢) المصدر السابق (٣/ ٨٧١).\n_________\n[¬١]- في خ: \"والحاكم\".\n[¬٢]- سقط من: خ.","vol":"3","page":358},{"text":"فحينئذ سلموهم أموالهم، فإذا دفعتم إليهم أموالهم ﴿فَأَشْهِدُوا عَلَيهِمْ﴾ وهذا أمر من [¬١] الله تعالى للأولياء أن يشهدوا [¬٢] على الأيتام إذا بلغوا الحلم وسلموا إليهم أموالهم؛ لئلا يقع من بعضهم جحود وإنكار لما قبضه وتسلمه.\nثم قال: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ أي: وكفى بالله محاسئا وشهيدًا ورقيبًا على الأولياء في حال نظرهم للأيتام، وحال تسليمهم لأموالهم [¬٣]، هل هي كاملة موفورة [¬٤]، أو منقوصة مبخوسة، مدخلة مروج حسابها، مدلس أمورها؟ الله عالم بذلك كله.\nولهذا ثبت في صحيح مسلم، أن رسول الله ﷺ قال: \"يا أبا ذر، إني أراك ضعيفًا، وإني أحب لك ما أحب لنفسي، لا تأمرن على اثنين، ولا تلين مال يتيم\" (^٨٣).\n﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (٧) وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٨) وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٩) إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَال الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (١٠)﴾\nقال سعيد بن جبير وقتادة: كان المشركون يجعلون المال للرجال الكبار، ولا يورثون النساء ولا الأطفال شيئًا، فأنزل الله: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ الآية [¬٥] أي: الجميع فيه سواء في حكم الله تعالى، يستوون في أصل الوراثة، وإن تفاوتوا بحسب ما فرض الله لكل منهم بما يدلى به إلى الميت من قرابة، أو زوجية [¬٦]، أو ولاء، فإنه لُحمة كلُحمة النسب.\nوروى ابن مردويه من طريق ابن هراسة، عن سفيان الثوري، عن عبد الله بن محمد بن\n_________\n(^٨٣) صحيح مسلم، باب الإمارة (١٨٢٦).\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- في خ: \"للأموال\".\n[¬٤]- في خ: \"موفرة\".\n[¬٥]- الآية كاملة في: خ.\n[¬٦]- في خ: \"زوجة\".","vol":"3","page":359},{"text":"عقيل، عن جابر قال: جاءت أم كُجَّة إلى رسول الله ﷺ، فقالت: يا رسول الله! إن لي ابنتين وقد مات أبوهما، وليس لهما شيء. فأنزل الله تعالى: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ الآية (^٨٤).\nوسيأتي هذا الحديث عند آيتي الميراث بسياق آخر، والله أعلم.\nوقوله: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ﴾ الآية. قيل: المراد إذا حضر قسمة الميراث ذَوُو القربى، ممن ليس بوارث واليتامى والمساكين فليرضخ لهم من التركة نصيب، وأن ذلك كان واجبًا في ابتداء الإِسلام، وقيل: مستحب. واختلفوا: هل هو منسوخ أم لا؟ على قولين.\nفقال البخاري (^٨٥): حَدَّثَنَا أحمد بن حميد، أخبرنا عبيد الله الأشجعي، عن سفيان، عن الشيباني، عن عكرمة، عن ابن عباس: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ﴾ قال: هي محكمة، وليست بمنسوخة. تابعه سعيد، عن ابن عباس.\nوقال ابن جرير (^٨٦): حَدَّثَنَا القاسم، حَدَّثَنَا الحسين، حَدَّثَنَا عباد بن العوام، عن الحجاج، عن [¬١] الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس، قال: هي قائمة يعمل بها.\nوقال الثوري، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في هذه الآية، قال: هي واجبة على أهل الميراث ما طابت به أنفسهم.\nوهكذا روي [¬٢] عن ابن مسعود وأبي موسى وعبد الرحمن بن أبي بكر وأبي العالية والشعبي\n_________\n(^٨٤) وأخرجه أبو نعيم في معرفة الصحابة، ومن طريقه أبو موسى المديني (كما في الإصابة ٣/ ٢٧٢) من طريق إبراهيم بن هَرَاسةَ، عن سفيان الثوري به.\nوإبراهيم بن هَرَاسة أبو إسحاق الشيباني الكوفي: قال البخاري، والنسائي: متروك الحديث، وكذبه أبو عبيد والعجلي.\nوقال ابن عدي: يغرب عن الثوري بأحاديث صالحة.\n- وقد خولف ابنُ هَرَاسة في سياقة هذا الحديث عن الثوري عن ابن عقيل، وسيأتي ذلك. انظر هامش (١١٣).\n(^٨٥) صحيح البخاري، كتاب التفسير، باب ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ﴾ (٤٥٧٦).\n(^٨٦) في تفسيره (٨/ ٨) (٨٦٦٩).\n_________\n[¬١]- في خ: \"بن\".\n[¬٢]- في خ: \"رواه\".","vol":"3","page":360},{"text":"والحسن.\nوقال [¬١] ابن سيرين وسعيد بن جبير ومكحول وإبراهيم النخعي وعطاء بن أبي رباح والزهري ويحيى بن يعمر: إنها واجبة.\nوروى ابن أبي حاتم (^٨٧)، عن أبي سعيد الأشج، عن إسماعيل بن علية، عن يونس بن عبيد، عن محمد بن سيرين، قال: ولي عبيدة وصية، فأمر بشاة فذبحت، فأطعم أصحاب هذه الآية، وقال: لولا هذه الآية لكان هذا من مالي.\nوقال مالك فيما يروى عنه في التفسير في جزء مجموع عن الزهري: أن عروة أعطى من مال مصعب حين قسم ماله.\nوقال الزهري: وهي محكمة.\nوقال مالك، عن عبد الكريم، عن مجاهد، قال: هي حق واجب ما طابت به الأنفس.\n(ذكر من ذهب إلى أن ذلك أمر بالوصية لهم)\nقال عبد الرزاق (^٨٨): أخبرنا ابن جريج، أخبرني ابن أبي مليكة، أن أسماء بنت عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق والقاسم بن محمد أخبراه، أن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر قسم ميراث أبيه عبد الرحمن، وعائشة حية، قالا: فلم يدع في الدار مسكينًا ولا ذا قرابة إلا أعطاه من ميراث أبيه، قالا: وتلا ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى﴾ قال القاسم: فذكرت ذلك لابن عباس، فقال: ما أصاب، ليس ذلك له، إنما ذلك إلى الوصية، وإنما هذه الآية في الوصية. يريد الميت [أن] يوصي لهم.\nرواه ابن أبي حاتم (^٨٩).\n_________\n(^٨٧) في تفسيره (٣/ ٨٧٤).\n(^٨٨) في تفسيره (١/ ١٤٩ - ١٥٠).\n(^٨٩) في تفسيره (٣/ ٨٧٥).\n_________\n[¬١]- في خ: \"و\".","vol":"3","page":361},{"text":"(ذكر من قال إن هذه الآية منسوخة بالكلية)\nقال سفيان الثوري، عن محمد بن السائب الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما -: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ﴾ قال: منسوخة.\nقال إسماعيل بن مسلم المكي، عن قتادة، عن عكرمه، عن ابن عباس، قال -في هذه الآية- ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى﴾: نسختها الآية التي بعدها. ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾.\nوروى العوفي، عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - في هذه الآية- ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى﴾: كان ذلك من قبل أن تنزل الفرائض، فأنزل الله بعد ذلك الفرائض، فأعطى كل ذي حق حقه، فجعلت الصدقة فيما سمى المتوفى.\nرواهن ابن مردويه.\nوقال ابن أبي حاتم (^٩٠): حَدَّثَنَا الحسن بن محمد بن الصباح، حَدَّثَنَا حجاج، عن ابن جريج، وعثمان بن عطاء، عن عطاء، عن ابن عباس، في قوله: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ﴾: نسختها آية الميراث فجعل لكل إنسان نصيبه مما ترك الوالدان والأقربون، مما قل منه أو كثر.\nوحَدَّثَنَا أسيد بن عاصم، حَدَّثَنَا سعيد بن عامر، عن همام، حَدَّثَنَا قتادة، عن سعيد بن المسيب، أنه قال: إنها منسوخة، كانت قبل الفرائض، كان ما ترك الرجل من مال أعطى منه اليتيم والفقير والمسكين وذوو القربى إذا حضروا القسمة، ثم [نُسخ بعد ذلك] [¬١] نسختها المواريث، فألحق الله بكل ذي حق حقه، وصارت الوصية من [¬٢] ماله، يوصي بها لذوي قرابته حيث شاء.\nوقال مالك، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب: هي منسوخة، نسختها المواريث والوصية.\nوهكذا روي عن عكرمة وأبي الشعثاء والقاسم بن محمد، وأبي صالح، وأبي مالك وزيد بن أسلم والضحاك وعطاء الخراساني ومقاتل بن حيان وربيعة بن أبي عبد الرحمن، أنهم قالوا: إنها\n_________\n(^٩٠) المصدر السابق.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٢]- في خ: \"مما\".","vol":"3","page":362},{"text":"منسوخة.\nوهذا مذهب جمهور الفقهاء والأئمة الأربعة وأصحابهم.\nوقد اختار ابن جرير هاهنا قولًا غريبًا جدًّا، وحاصله أن معنى الآية عنده، وإذا حضر القسمة -أي: وإذا حضر قسمة مال الوصية أولوا قرابة الميت فارزقوهم منه، وقولوا لليتامى والمساكين إذا حضروا قولًا معروفًا. هذا معنى ما حاوله بعد طول العبارة والتكرار (^٩١)، وفيه نظر، والله أعلم.\nوقال [¬١]: العوفي عن ابن عباس: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ﴾ هي قسمة اليراث. وهكذا قال غير واحد. والمعنى على هذا، لا على ما سلكه [أبو جعفر] [¬٢] ابن جرير ﵀ بل المعنى أنه إذا حضر هؤلاء الفقراء من القرابة الذين لا يرثون واليتامى والمساكين قسمة مال جزيل فإن أنفسهم تتوق إلى شيء منه إذا رأوا، هذا يأخذ، وهذا يأخذ، وهم يائسون لا شيء يعطونه [¬٣]، فأمر الله تعالى -وهو الرءوف الرحيم- أن يرضخ لهم شيء من الوسط يكون برًّا بهم، وصدقة عليهم، وإحسانًا إليهم، وجبرًا لكسرهم. كما قال تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ وذم الذين ينقلون [¬٤] المال خفية خشية أن يطلع عليهم المحاويج وذوو الفاقة، كما أخبر عن أصحاب الجنة ﴿إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ﴾ أي: بليل. وقال: ﴿فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ (٢٣) أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيكُمْ مِسْكِينٌ﴾ فـ ﴿دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا﴾ فمن جحد حق الله عليه عاقبه الله في أعز ما يملكه، ولهذا جاء في الحديث: \"ما خالطت الصدقة مالا إلا أفسدته\" (^٩٢).\nأي: منعها يكون سبب محاق [¬٥] ذلك المال بالكلية.\nوقوله تعالى: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ﴾ الآية. قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: هذا في الرجل يحضره الموت، فيسمعه الرجل يوصي بوصية تضر بورثته، فأمر الله تعالى الذي يسمعه أن يتقي الله ويوفقه، ويسدّده للصواب، ولينظر [¬٦] لورثته كما كان يحب أن يصنع بورثته إذا خشى عليهم الضيعة.\n_________\n(^٩١) انظر: تفسير الطبري (٨/ ١٢).\n(^٩٢) رواه الإمام الشافعي في مسنده (شفاء العي (١/ ٤٠٥) (٦٠٧) وعنه البيهقي في السنن الكبرى (٤/ ١٥٩) والبغوي في شرح السنة (١٥٦٣)، ورواه الحميدي في مسنده (٢٣٧)، وابن عدي في الكامل (٦/ ٢٢١٤) وعنه البيهقي (٤/ ١٥٩).\n- كلهم من طريق محمد بن عثمان بن صفوان بن أمية القرشي الجمحي، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂ به مرفوعًا.\nومحمد بن عثمان هذا، قال أبو حاتم: منكر الحديث، وقال الدارقطني: ليس بالقوي، ووثقه ابن حبان.\nقال ابن عدي: ومحمد بن عثمان بن صفوان يُعرف بهذا الحديث، ولا أعلم أنه رواه عن هشام بن عروة غيرُه.\n_________\n[¬١]- في خ: قال، وقال.\n[¬٢]- سقط من ت.\n[¬٣]- في خ: \"يعطون\".\n[¬٤]- في خ: \"يستقلون\".\n[¬٥]- في ت: \"محق\".\n[¬٦]- في ت: \"فينظر\".","vol":"3","page":363},{"text":"وهكذا قال مجاهد وغير واحد، وثبت [¬١] في الصحيحين (^٩٣) أن رسول الله ﷺ، لما دخل على سعد بن أبي وقاص يعوده قال: يا رسول الله، إني ذو مال، ولا يرثني إلا ابنة، أفأتصدق بثلثي مالي؟ قال: \"لا\". قال: فالشطر. قال: \"لا\". قال: فالثلث. قال: \"الثلث، والثلث كثير\". ثم قال رسول الله ﷺ: \"إنك أن تذر ورثتك أغنياء، خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس\".\nوفي الصحيح (^٩٤)، عن ابن عباس، قال: لو أن الناس غضوا من الثلث إلى الربع؛ فإن رسول الله ﵌ قال: \"الثلث، والثلث كثير\".\nقال الفقهاء: إن كان ورثة الميت أغنياء، استحب للميت أن يستوفى الثلث في وصيته، وإن كانوا فقراء استحب أن ينقص الثلث. وقيل: المراد بقوله: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ﴾ أي [¬٢] في مباشرة أموال اليتامى. ﴿وَلَا\n_________\n(*) قال الحافظ المنذري: وهذا الحديث يحتمل معنيين:\nأحدهما: أن الصدقة ما تُركَتْ في مال ولم تُخْرَجْ منه إلا أهلكته.\nوالثاني: أن الرجل يأخذ الزكاة وهو غني عنها، فيضعُها مع ماله فتهلكه، وبهذا فسره الإمام أحمد.\nالترغيب والترهيب (١/ ٥٤٣).\n(^٩٣) صحيح البخاري، كتاب الوصايا، باب أن يترك ورثته أغنياء خير من أن يتكففوا الناس (٢٧٤٢)، وصحيح مسلم، كتاب الوصية (١٦٢٨).\n(^٩٤) صحيح البخاري، كتاب الوصايا، باب الوصية بالثلث (٢٧٤٣)، وصحيح مسلم، كتاب الوصية (١٦٢٩).\n_________\n[¬١]- في خ: \"وورد\".\n[¬٢]- سقط من: ت.","vol":"3","page":364},{"text":"تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا [أَنْ يَكْبَرُوا] [¬١]﴾.\nحكاه ابن جرير من طريق العوفي، عن ابن عباس (^٩٥)، وهو قول حسن، يتأيد بما بعده من التهديد في أكل أموال اليتامى ظلما [ولا ترعبهم] [¬٢]، أي كما تحب أن تعامل ذرّيتك من بعدك، فعامل الناس في ذرّياتهم إذا وليتهم، ثم أعلمهم أن من أكل أموال اليتامى ظلمًا، فإنما يأكل في بطنه نارًا، ولهذا قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَال الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ أي: إذا أكلوا أموال اليتامى بلا سبب، فإنما يأكلون نارًا تتأجج في بطونهم يوم القيامة. وروي [¬٣] في الصحيحين (^٩٦)، من حديث سليمان بن بلال، عن ثور بن يزيد، عن سالم أبي الغيث، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: \"اجتنبوا السبع الموبقات\"- قيل: يا رسول الله؛ وما هنّ؟ قال: \"الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات\".\nو[¬٤] قال ابن أبي حاتم (^٩٧): حَدَّثَنَا أبي، حَدَّثَنَا عبيدة، أخبرنا أبو عبد الصمد عبد العزيز بن عبد الصمد العمي، حَدَّثَنَا أبو هارون العبدي، عن أبي سعيد الخدري قال: قلنا: يا رسول الله، ما رأيت ليلة أسري بك؟ قال: \"انطلق بي إلى خلق من خلق الله كثير، رجال كل رجل منهم له مشفران كمشفر البعير، وهو موكل بهم رجال يفكون [¬٥] لحي [¬٦] أحدهم، ثم يجاء بصخرة من نار فتقذف في في أحدهم، حتى تخرج من أسفله، وله [¬٧] خوار وصراخ، قلت: يا جبريل؛ من هؤلاء؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون أموال اليتامى ظلمًا، إنما يأكلون في بطونهم نارًا وسيصلون سعيرًا\".\n_________\n(^٩٥) تفسير ابن جرير (٨/ ٢٣).\n(^٩٦) صحيح البخاري، كتاب الوصايا، باب قول الله تعالى: \"إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلمًا إنما يأكلون في بطونهم نارًا وسيصلون سعيرًا\" (٢٧٦٦) (٥٧٦٤) (٦٨٥٧) وصحيح مسلم، كتاب الإيمان (٨٩).\n(^٩٧) في تفسيره (٣/ ٨٧٩). وهو جزء من حديث المعراج الذي رواه أبو هارون العبدي، عن أبي سعيد. وسيأتي بطوله في سورة الإسراء.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ت.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ت.\n[¬٣]- في ت: \"و\".\n[¬٤]- سقط من: ت.\n[¬٥]- في خ: \"يكفون\".\n[¬٦]- في ت: \"لحاء\".\n[¬٧]- في ت: \"لهم\".","vol":"3","page":365},{"text":"وقال السدي: يبعث آكل مال اليتيم يوم القيامة، ولهب النار يخرج من فيه، ومن مسامعه، وأنفه، وعينيه، يعرفه كل من رآه بآكل مال اليتيم.\nوقال أبو بكر بن مردويه: حَدَّثَنَا إسحاق بن إبراهيم بن زيد، حَدَّثَنَا أحمد بن عمرو، حَدَّثَنَا عقبة بن مكرم، حَدَّثَنَا يونس بن بكير، حدثنا زياد بن المنذر، عن نافع بن الحارث، [عن أبي برزة] [¬١]، أن رسول الله ﷺ قال: [\"يبعث يوم القيامة القوم من قبورهم، تأجج أفواههم نارًا\". قيل: يا رسول الله، من هم؟ قال] [¬٢]: \"ألم تر أن الله قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَال الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ الآية.\nرواه [¬٣] ابن أبي حاتم (^٩٨)، عن أبي زرعة، عن عقبة بن مكرم، وأخرجه أبو حاتم بن حبان في صحيحه (^٩٩)، عن أحمد بن علي بن المثنى (^١٠٠)، عن عقبة بن مكرم.\nوقال ابن مردويه: حَدَّثَنَا عبد الله بن جعفر، حَدَّثَنَا أحمد بن عصام، حَدَّثَنَا أبو عامر العبدي (^١٠١)، حَدَّثَنَا عبد الله بن جعفر الزهري، عن عثمان بن محمد، عن المقبري، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"أحرج مال الضعيفين المرأة واليتيم\" (^١٠٢) أي:\n_________\n(^٩٨) في تفسيره (٣/ ٨٧٩).\n(^٩٩) الإحسان (١٢/ ٣٧٧) (٥٥٦٦).\n(^١٠٠) هو أبو يعلى الموصلي، والحديث في مسنده (١٣/ ٤٣٤) (٧٤٤٠). وقد رواه عنه أيضًا أبو أحمد بن عدي في الكامل (٣/ ١٠٤٧)، وقد ذكر ابن عدي هذا الحديث في مناكير زياد بن المنذر، ثم قال: وعامة أحاديثه غير محفوظة.\nوزياد بن المنذر هذا كذبه ابن معين، وقال أحمد والنسائي وغيرهما: متروك الحديث.\n(^١٠١) كذا في الأصل، والأظهر أنه أبو عامر العَقدي: عبد الملك بن عمرو القيسي. فهو يروي عن عبد الله بن جعفر الزهري المخرمي، وروى عنه أحمد بن عصام الأنصاري. انظر: الجرح والتعديل (٢/ ٦٦)، وتهذيب التهذيب.\n(^١٠٢) أخرجه أحمد (٢/ ٤٣٩) (٩٦٦٤)، والنسائي في الكبرى في كتاب عشرة النساء، باب حق المرأة على زوجها (٩١٤٩)، وابن ماجة في كتاب الأدب، باب حق اليتيم (٣٦٧٨)، وابن حبان (الإحسان ١٢/ ٣٧٦) والحاكم في المستدرك (١/ ٦٣، ١٢٨) والبيهقي في السنن الكبرى (١٠/ ١٣٤).\n- كلهم من طريق محمد بن عجلان، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة: ﵁ به مرفوعًا. قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم.\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- سقط من: ت.","vol":"3","page":366},{"text":"أوصيكم باجتناب مالهما.\nوتقدم في سورة البقرة من طريق عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄ قال: لما أنزل الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَال الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ الآية انطلق من كان عنده يتيم فعزل طعامه من طعامه، وشرابه من شرابه، فجعل يفضل الشيء، فيحبس له، حتى يأكله أو يفسد، فاشتدّ ذلك عليهم، فذكروا ذلك لرسول الله ﷺ، فأنزل الله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ الآية، فخلطوا طعامهم بطعامهم، وشرابهه بشرابهم (^١٠٣).\n﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَينِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَينِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَينٍ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (١١)﴾\nهذه الآية الكريمة والتي بعدها والآية التي هي خاتمة هذه السورة، هن آيات علم الفرائض، وهو مستنبط من هذه الآيات الثلاث، ومن الأحاديث الواردة في ذلك، مما هي كالتفسير لذلك. ولنذكر منها ما هو متعلق بتفسير ذلك. وأما تقرير المسائل ونصب الخلاف والأدلة والحجاج بين الأئمة، فموضعه كتب الأحكام، والله المستعان.\nوقد ررد الترغيب في تعلم الفرائض، وهذه الفرائض الخاصة من أهم ذلك، وقد روى أبو داود (^١٠٤) وابن ماجة (^١٠٥) من حديث عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الإِفريقي، عن\n_________\n(^١٠٣) تقدم تخريجه في سورة البقرة، آية رقم ٢٢٠.\n(^١٠٤) سنن أبي داود، كتاب الفرائض، باب ما جاء في تعليم الفرائض (٢٨٨٥).\n(^١٠٥) سنن ابن ماجه، المقدمة، من اجتناب الرأي والقياس (٥٤). ورواه أيضًا: الدارقطني في سننه (٤/ ٦٨)، والحاكم في مستدركه (٤/ ٢٣٢)، والبيهقي في السنن الكبرى (٨/ ٢٠٦)، وابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله (١/ ٧٥١) (١٣٨٤)، والبغوي في شرح السنة (١/ ٢٩١).\n- كلهم من طرق عن عبد الرحمن بن زياد بن أَنْعُم الإِفريقي به مرفوعًا.\n- وعبد الرحمن بن زياد: ضعفه أحمد وابن معين والترمذي والنسائي وابن خزيمة وغيرهم، وقال =","vol":"3","page":367},{"text":"عبد الرحمن بن رافع التنوخي، عن عبد الله بن عمرو [﵄ أن رسول الله ﷺ قال:] [¬١] \"العلم ثلاثة، وما سوى ذلك فهو فضل، آية محكمة، أو سنة قائمة، أو فريضة عادلة\".\nوعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"يا أبا هريرة، تعلموا الفرائض، وعلموه الناس [¬٢]، فإنه نصف العلم، وهو ينسى، وهو أول شيء ينتزع من أمتي\".\nرواه ابن ماجة (^١٠٦)، وفي إسناده ضعف. وقد روي من حديث عبد الله بن مسعود (^١٠٧)\n_________\n= ابن عدي: عامة حديثه لا يتابع عليه. وقد وثقه أحمد بن صالح، وقوى البخاري أمره وقال: هو مقارب الحديث.- وشيخه عبد الرحمن بن رافع التنوخي: قال البخاري: في حديثه مناكير، وقال أبو حاتم: حديثه منكر. وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: لا يحتج بخبره إذا كان من رواية ابن أَنْعُم، وإنما وقع المناكير في حديثه من أجله.\n(^١٠٦) في سننه، كتاب الفرائض، باب الحث على تعليم الفرائض (٢٧١٩). ورواه العقيلي في الضعفاء (١/ ٢٧١)، والطبراني في الأوسط (٥/ ٢٧٢) (٥٢٩٣)، وابن عدي في الكامل (٧٩١/ ٢)، والدارقطني في السنن (٤/ ٦٧)، والحاكم في المستدرك (٤/ ٣٣٢)، والبيهقي في السنن الكبرى (٦/ ٢٠٨)، والخطيب في تاريخ بغداد (١٢/ ٩٠).\n- كلهم من طريق حفص بن عمر بن أبي العَطَّاف، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁ به مرفوعًا.\nوحفص بن عمر بن أبي العَطَّاف المدني: وقال أبو حاتم: منكر الحديث، وقال النسائي: ضعيف، وقال ابن حبان: لا يجوز الاحتجاج به بحال. قال البخاري: منكر الحديث، روى عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي ﷺ في تعليم الفرائض. وقال مرة: عن أبي الزناد عن المقبري عن أبي هريرة. ولا يصح. وقال العقيلي: لا يُتابَع عليه ولا يعرف إلا به. وقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن أبي الزناد إلا حفص بن عمر بن أبي العَطّاف. وقال ابن عدي بعد أن روى له هذا الحديث وآخر في مناكيره:\nوهذان الحديثان عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة. لا يرويهما عنه - مع تَلَوُّنِ حفص بن عمر في إسناديهما - غير حفص بن عمر بن أبي العَطاف. قال: وحديثه -كما قال البخاري- منكر الحديث. وقال البيهقي: تفرد به حفص بن عمر، وليس بالقوي.\n(^١٠٧) حديث ابن مسعود يرويه عوف ابن أبي جميلة عن الأعرابي عن سليمان بن جابر، عن ابن مسعود. وقد اختلف فيه على عوف:\n- فرواه عبد الله بن المبارك (عند النسائي في الكبرى، كتاب الفرائض، باب الأمر بتعليم الفرائض (٤/ ٦٣ - ٦٤) (٦٣٠٦)، وأبو أسامة حماد بن أسامة (عند الترمذي، كتاب الفرائض، باب ما جاء =\n_________\n[¬١]- في ت: \"مرفوعًا\".\n[¬٢]- سقط من: خ.","vol":"3","page":368},{"text":"وأبي سعيد (^١٠٨)، وفي كل منهما نظر. قال ابن عيينة: إنما سمى الفرائض نصف العلم، لأنه يبتلى الناس كلهم.\nوقال البخاري (^١٠٩)، عند تفسير هذه الآية: حَدَّثَنَا إبراهيم بن موسى، حَدَّثَنَا هشام، أن ابن جريج أخبرهم، قال: أخبرني ابن المنكدر، عن جابر بن عبد الله، قال: عادني رسول الله ﷺ وأبو بكر في بني سلمة ماشيين، فوجدني النبي ﷺ لا أعقل شيئًا، فدعا بماء فتوضأ منه، ثم رش علي، فأفقت، فقلت: ما تأمرني أن أصنع في مالي يا رسول الله؟ فنزلت: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَينِ﴾.\nوكذا رواه مسلم (^١١٠) والنسائي (^١١١) من حديث حجاج بن محمد الأعور، عن ابن جريج\n_________\n= في تعليم الفرائض (٢٠٩٢)، والبيهقي في السنن الكبرى (٨/ ٢٠٨).\nوهَوْذة بن خليفة (عند الحاكم في المستدرك (٤/ ٣٣٣».\nثلاثتهم (عبد الله وأبو أسامة وهوذة) عن عوف، عمن حدثه عن سليمان بن جابر، عن ابن مسعود.\n- ورواه شريك بن عبد الله (عند النسائي في الكبرى، كتاب الفرائض، باب الأمر بتعليم الفرائض (٤/ ٦٣) (٦٣٠٥).\nوعثمان بن الهيثم (عند الدارمي في سننه (١/ ٧٢ - ٧٣».\nوعمرو بن حمران البصري (عند الدارقطني في سننه (٤/ ٨١ - ٨٢».\nوالنضر بن شميل (عند الحاكم في المستدرك (٤/ ٣٣٣» أربعتهم (شريك وعثمان وعمرو والنضر) عن عوف، عن سليمان بن جابر، عن ابن مسعود مرفوعًا متصلًا.\n- ورواه المثنى بن بكر العبدي عن عوف، عن سليمان بن جابر، عن أبي الأحوص، عن ابن مسعود (عند البيهقي في السنن الكبرى (٦/ ٢٠٨».\n- ورواه الفضل بن دلهم القصاب عن عوف، عن شهر بن حوشب، عن أبي هريرة (عند الترمذي في السنن، كتاب الفرائض، باب ما جاء في تعليم الفرائض (٢٠٩٢).\n(*) قال الإمام أبو الحسن الدارقطني ﵁: والقولُ قولُ ابن المبارك ومن تابعه. العلل (٥/ ٧٨ - ٧٩) (٧٢٦).\n(^١٠٨) حديث أبي سعيد الخدري رواه الدارقطني في سننه (٤/ ٨٢)، قال الحافظ في الفتح (٥/ ١٢): أخرجه الدارقطني من طريق عطية، وهو ضعيف: (وقع في إسناد المطبوع من الدارقطني: زكريا بن عطية؛ وهو تصحيف، وإنما هو: زكريا، عن عطية).\n(^١٠٩) صحيح البخاري، كتاب التفسير، باب \"يوصيكم الله في أولادكم\" (٤٥٧٧).\n(^١١٠) صحيح مسلم، كتاب الفرائض (١٦١٦).\n(^١١١) سنن النسائي الكبرى، كتاب الفرائض، باب ذكر الكلالة (٦٣٢٣).","vol":"3","page":369},{"text":"به. ورواه الجماعة كلهم من حديث سفيان بن عيينة، عن محمد بن المنكدر، عن جابر (^١١٢).\n(حديث آخر عن جابر في سبب نزول الآية). قال الإمام أحمد (^١١٣): حَدَّثَنَا زكريا بن عدي، حَدَّثَنَا عبيد الله -هو ابن عمرو الرقي- عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر قال: جاءت امرأة سعد بن الربيع إلى [¬١] رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله، هاتان ابنتا سعد بن الربيع، قتل أبوهما معك في يوم أحد شهيدًا، وإن عمهما أخذ مالهما، فلم يدع لهما مالا، ولا ينكحان إلا ولهما مال. قال: فقال: \"يقضي الله في ذلك\". قال فنزلت آية الميراث، فأرسل رسول الله ﷺ إلى عمهما فقال: \"أعط ابنتي سعد الثلثين، وأمهما الثمن، وما بقى فهو لك\".\nوقد رواه أبو داود (^١١٤) والترمذي (^١١٥) وابن ماجة (^١١٦) من طرق عن عبد الله بن محمد بن عقيل، به. قال الترمذي: ولا يعرف إلا من حديثه.\nوالظاهر أن حديث جابر الأول إنما نزل بسببه الآية الأخيرة من هذه السورة، كما سيأتي، فإنه إنما كان له إذ ذاك أخوات، ولم يكن له بنات، وإنما كان يورث كلالة، ولكن ذكرنا الحديث هاهنا، تبعًا للبخاري ﵀؛ فإنه ذكره هاهنا، والحديث الثاني عن جابر أشبه بنزول هذه الآية، والله أعلم.\nفقوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَينِ﴾ أي: يأمركم بالعدل\n_________\n(^١١٢) البخاري في صحيحه، كتاب المرضى، باب عيادة المغمى عليه (٥٦٥١)، ومسلم في كتاب الفرائض (١٦١٦)، وأبو داود في كتاب الفرائض، باب في الكلالة (٢٨٨٦)، والترمذي في كتاب الفرائض، باب ميراث البنين مع البنات (٢٠٩٧)، والنسائي في سننه، كتاب الطهارة، باب الانتفاع بفضل الوضوء (١/ ٨٧)، وابن ماجة في كتاب الفرائض، باب الكلالة (٢٧٢٨).\n(^١١٣) في مسنده (٣/ ٣٥٢) (١٤٨٤١).\n(^١١٤) سنن أبي داود، كتاب الفرائض، باب ما جاء في ميراث الصلب (٢٨٩١) (٢٨٩٢). وجاء في الرواية الأولى عنده من طريق بشر بن المفضل عن ابن عقيل: (هاتان بنت ثابت بن قيس). قال أبو داود: أخطأ بشر فيه؛ إنما هما ابنة سعد بن الربيع، وثابت بن قيس قتل دوم اليمامة.\n(^١١٥) جامع الترمذي، كتاب الفرائض، باب ميراث البنات (٢٠٩٣)، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح لا نعرفه إلا من حديث عبد الله بن محمد بن عقيل.\n(^١١٦) سنن ابن ماجه، كتاب الفرائض، باب فرائض الصلب (٢٧٢٠).\n_________\n[¬١]- سقط من: ت.","vol":"3","page":370},{"text":"فيهم، فإن أهل الجاهلية كانوا يجعلون جميع الميراث المذكور دون الإِناث، فأمر الله تعالى بالتسوية بينهم في أصل الميراث، وفاوت [¬١] بين الصنفين [¬٢]، فجعل للذكر مثل حظ الأنثيين، وذلك لاحتياج الرجل إلى مؤنة النفقة والكلفة، ومعاناة التجارة، والتكسب، وتحمل المشاق [¬٣]، فناسب أن يعطى ضعفي ما تأخذه الأنثى.\nوقد استنبط بعض الأذكياء من قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَينِ﴾ أنه تعالى أرحم بخلقه من الوالدة بولدها، حيث وصَّى [¬٤] الوالدين بأولادهم، فعلم أنه أرحم بهم منهم، كما جاء في الحديث الصحيح، وقد رأى امرأة من السبي [فرّق بينها وبين ولدها، فجعلت] [¬٥] تدور على ولدها، فلما وجدته [من السبي] [¬٦] أخذته فألصقته بصدرها وأرضعته، فقال رسول الله ﵌ لأصحابه: \"أترون هذه طارحة ولدها في النار وهي تقدر على ذلك؟! \" قالوا: لا يا رسول الله. فقال: \"فوالله، لله أرحم بعباده من هذه بولدها\" (^١١٧).\nوقال البخاري هاهنا (^١١٨): حَدَّثَنَا محمد بن يوسف، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن عطاء، عن ابن عباس، قال: كان المال للولد، وكانت الوصية للوالدين، فنسخ الله من ذلك ما أحب، فجعل للذكر مثل حظ الأنثيين، وجعل للأبوين لكل واحد منهما السدس والثلث، وجعل للزوجة الثمن والربع، وللزوج الشطر والربع.\nوروى [¬٧] العوفي عن ابن عباس قوله [¬٨]: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَينِ﴾: وذلك أنه لما نزلت الفرائض التي فرض الله فيها ما فرض للولد الذكر والأنثى والأبوين، كرهها الناس أو بعضهم، وقالوا: تعطى المرأة الربع أو الثمن، وتعطى البنت النصف، ويعطى الغلام الصغير، وليس من هؤلاء أحد يقاتل القوم، ولا يحوز الغنيمة! اسكتوا عن هذا الحديث لعل رسول الله ﷺ ينساه، أو نقول له فيغير،\n_________\n(^١١٧) صحيح البخاري، كتاب الأدب، (٥٩٩٩)، ومسلم في كتاب التوبة (٢٧٥٤) - كلاهما من حديث زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عمر بن الخطاب ﵁ مرفوعًا.\n(^١١٨) صحيح البخاري، كتاب التفسير، باب \"ولكم نصف ما ترك أزواجكم\" (٤٥٧٨).\n_________\n[¬١]- في خ: \"وفوت\".\n[¬٢]- في خ: \"الصفتين\".\n[¬٣]- في خ: \"المشقة\".\n[¬٤]- في ت: \"أوصى\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين من: خ.\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين من: خ.\n[¬٧]- في ت: \"وقال\".\n[¬٨]- سقط من: ت.","vol":"3","page":371},{"text":"فقال [¬١] بعضهم: يا رسول الله، تعطى الجارية نصف ما ترك أبوها، وليست تركب الفرس ولا تقاتل القوم، ويعطى الصبي الميراث وليس يغني شيئًا. وكانوا يفعلون ذلك في الجاهلية، لا يعطون الميراث إلا من قاتل القوم، ويعطونه الأكبر فالأكبر.\nرواه ابن أبي حاتم وابن جرير أيضًا (^١١٩).\nوقوله: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَينِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾ قال بعض الناس: قوله فوق، زائدة، وتقديره: فإن كن نساء اثنتين، كما في قوله: ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ﴾ وهذا غير مسلم لا هنا ولا هناك، فإنه ليس في القرآن شيء زائد لا فائدة فيه، وهذا ممتنع. ثم قوله: ﴿فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾ لو كان المراد ما قالوه لقال: فلهما ثلثا ما ترك، وإنما استفيد كون الثلثين للبنتين من حكم الأختين في الآية الأخيرة، فإنه تعالى حكم فيها للأختين بالثلثين، وإذا ورث الأختان الثلثين، فلأن ورث البنتان الثلثين بطريق الأولى والأحرى [¬٢] وقد تقدم في حديث جابر، أن النبي ﷺ حكم لابنتي سعد بن الربيع بالثلثين، فدل الكتاب والسنة على ذلك، وأيضًا فإنه قال: ﴿وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْف﴾ فلو كان للبنتين النصف لنص عليه أيضًا، فلما حكم به للواحدة على انفرادها، دل على أن البنتين في حكم الثلاث، والله أعلم.\nوقوله تعالى: ﴿وَلِأَبَوَيهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ إلى آخره، الأبوان لهما في الميراث [¬٣] أحوال (أحدهما): أن يجتمعا مع الأولاد فيفرض لكل واحد منهما السدس، فإن لم يكن للميت إلا بنت واحدة، فرض [¬٤] لها النصف، وللأبوين لكل واحد منهما السدس، وأخذ الأب السدس الآخر بالتعصيب، فيجمع [¬٥] له والحالة هذه بين الفرض والتعصيب.\n(الحال الثاني): أن ينفرد الأبوان بالميراث، فيفرض للأم الثلث والحالة هذه، ويأخذ الأب الباقي بالتعصيب المحض، فيكون قد أخذ ضعفي ما [¬٦] للأم وهو الثلثان، فلو كان معهما -والحالة هذه- زوج أو زوجة أخذ الزوج النصف، والزوجة الربع. ثم اختلف العلماء، [ما\n_________\n(^١١٩) تفسير ابن أبي حاتم (٣/ ٨٨٢)، وتفسير الطبري (٨/ ٣٢).\n_________\n[¬١]- في خ: \"فقالوا\".\n[¬٢]- سقط من: ت.\n[¬٣]- في ت: \"الإرث\".\n[¬٤]- سقط من: خ.\n[¬٥]- في خ: \"فيجتمع\".\n[¬٦]- في ت: \"ما حصل\".","vol":"3","page":372},{"text":"تأخذ الأم بعد فرض الزوج أو الزوجة] [¬١] على ثلاثة أقوال: (أحدها): أنها تأخذ ثلث الباقي في المسألتين؛ لأن الباقي كأنه جميع الميراث بالنسبة إليهما، وقد جعل الله لها نصف ما جعل للأب، فتأخذ ثلث الباقي، ويأخذ الأب الباقي ثلثيه، وهو [¬٢] قول عمر وعثمان، وأصح الروايتين عن علي، وبه يقول ابن مسعود وزيد بن ثابت، وهو قول الفقهاء السبعة والأئمة الأربعة وجمهور العلماء ﵏.\n(والقول الثاني): أنها تأخذ ثلث جميع المال لعموم قوله: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ فإن الآية أعم من أن يكون معها زوج أو زوجة أو لا، وهو قول ابن عباس. وروي عن علي ومعاذ بن جبل نحوه. وبه يقول شريح وداود الظاهرى. واختاره [¬٣] أبو الحسين محمد بن عبد الله بن اللبان البصري (^١٢٠) في كتابه \"الإِيجاز في علم الفرائض\".\nوهذا فيه نظر، بل هو ضعيف؛ لأن ظاهر الآية إنما هو إذا استبد بجميع التركة، [فأما في هذه المسألة [¬٤] فيأخذ الزوج أو الزوجة الفرض، ويبقى الباقي كأنه جميع التركة، فتأخذ ثلثه كما تقدم.\n(والقول الثالث) أنها تأخذ ثلث جميع المال في مسألة الزوجة خاصة، فإنها تأخذ الربع وهو ثلاثة من اثني عشر، وتأخذ الأم الثلث وهو أربعة، فيبقى خمسة للأب. وأما في مسألة الزوج، فتأخذ ثلث الباقي؛ لئلا تأخذ أكثر من الأب لو أخذت ثلث المال، فتكون المسألة من ستة: للزوج النصف ثلاثة، وللأم ثلث الباقي [بعد ذلك] [¬٥] وهو سهم، وللأب الباقي [بعد ذلك] [¬٦] وهو سهمان. ويحكى هذا عن محمد بن سيرين ﵀، وهو قول مركب من القولين الأولين وهو [¬٧] موافق [لكل منهما] [¬٨] في صورة وهو ضعيف أيضًا، والصحيح الأول، والله أعلم.\n_________\n(^١٢٠) هو إمام الفرضيين في الآفاق، محمد بن عبد الله بن الحسن أبو الحسين البصري الفرضي الشافعي. قال أبو إسحاق الشيرازي: كان ابن اللبان إمامًا في الفقه والفرائض، صنف فيها كتبًا ليس لأحد مثلها. وقال الخطيب البغدادي: انتهى إليه علم الفرائض. توفي سنة ٤٠٢ هـ. انظر: سير أعلام النبلاء (١٧/ ٢١٧).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ت: \"ماذا تأخذ الأم بعد ذلك\".\n[¬٢]- في ت: \"وهذا\".\n[¬٣]- سقط من: ت.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين في ت: \"وأما هنا\".\n[¬٥]- سقط من: خ.\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين في خ: \"بعد الباقي\".\n[¬٧]- سقط من: خ.\n[¬٨]- ما بين المعكوفتين في خ: \"كلاهما\".","vol":"3","page":373},{"text":"(الحال الثالث من أحوال الأبوين) وهو اجتماعهما مع الأخوة، وسواء كانوا من الأبوين، أو من الأب، أو من الأم، فإنهم لا يرثون مع الأب شيئًا، ولكنهم مع ذلك يحجبون الأم عن الثلث إلى السدس، فيفرض لها مع وجودهم السدس، فإن لم يكن وارث سواها وسوى الأب أخذ الأب الباقي.\nوحكم الأخوين فيما ذكرناه كحكم الإخوة عند الجمهور. وقد ررى البيهقي (^١٢١) من طريق شعبة مولى ابن عباس، عن ابن عباس، أَنه دخل على عثمان فقال: إن الأخوين لا يردان الأم عن الثلث، قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾ فالأخوان ليسا بلسان قومك إخوة. فقال عثمان: لا أستطع تغيير [¬١] ما كان قبلي، ومضى في الأمصار وتوارث به الناس. وفي صحة هذا الأثر نظر، فإن شعبة هذا تكلم فيه مالك بن أنس، ولو كان هذا صحيحًا عن ابن عباس، لذهب إليه أصحابه الأخصاء به، والمنقول عنهم خلافه (^١٢٢).\nوقد روى عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن خارجة بن زيد، عن أبيه، أنه قال: الأخوان تسمى إخوة. وقد أفردت لهذه المسألة جزءًا على حدة.\nوقال ابن أبي حاتم (^١٢٣): حَدَّثَنَا أبي، حَدْثَنَا عبد العزيز بن المغيرة، حَدَّثَنَا يزيد بن زريع، عن سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ أضروا بالأم ولا يرثون، ولا يحجبها الأخ الواحد عن [¬٢] الثلث، ويحجبها ما فوق ذلك، وكان أهل العلم يرون أنهم إنما حجبوا أمهم عن [¬٣] الثلث أن أباهم يلي إنكاحهم، ونفقته عليهم دون أمهم.\n_________\n(^١٢١) السنن الكبرى للبيهقي (٦/ ٢٢٧). وشعبة هو ابن دينار الهاشمي مولى ابن عباس، قال عنه مالك: ليس بثقة. وقال ابن معين في رواية: لا يكتب حديثه. وقال أبو حاتم والجوزجاني والنسائي: ليس بالقوي، وقال أبو زرعة بن الساجي: ضعيف، وقال البخاري: يتكلم فيه مالك ويُحتملُ منه.\nقال ابن القطان الفاسي: قوله: (ويُتَحمَّل منه): يعني من شعبة، وليس هو ممن يُترك حديثه. قال: ومالك لم يضعفه، وإنما شح عليه بلفظة ثقة.\nقال ابن حجر: قلت: هذا التأويل غير سائغ، بل لفظة (ليس بثقة) في الاصطلاح توجب الضعف الشديد. وقد قال ابن حبان: روى عن ابن عباس ما لا أصل له حتى كأنه ابن عباس آخر.\n(^١٢٢) ومن ذلك: ما رواه ابن أبي حاتم في تفسيره عن سعيد بن جبير أنه قال في قوله: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾: أخوان فصاعدًا، أو أختان، أو أخ وأخت. (٣/ ٨٨٣).\n(^١٢٣) في تفسيره (٣/ ٨٨٣).\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- في خ \"من\".\n[¬٣]- في خ: \"من\".","vol":"3","page":374},{"text":"وهذا كلام حسن. لكن روي عن ابن عباس، بإسناد صحيح، أنه كان يرى أن السدس الذي حجبوه عن أمهم يكون لهم. وهذا قول شاذ. رواه ابن جرير في تفسيره (^١٢٤)، فقال: حَدَّثَنَا الحسن بن يحيى، حَدَّثَنَا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن ابن طاووس، عن أبيه، عن ابن عباس قال: السدس [¬١] الذي حجبته الإخوة الأم لهم، إنما حجبوا أمهم عنه ليكون لهم دون أبيهم.\nثم قال ابن جرير: وهذا قول مخالف لجميع الأمّة، وقد حدّثني يونس، [أخبرنا سفيان] [¬٢]، أخبرنا عمرو، عن الحسن بن محمد، عن ابن عباس أنه قال: الكلالة من لا ولد له ولا والد.\nوقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَينٍ﴾ أجمع العلماء [من السلف والخلف] [¬٣]، على أن الدين مقدم على الوصية، وذلك عند إمعان النظر يفهم من فحوى الآية الكريمة. [وقد روى الإمام] [¬٤] أحمد (^١٢٥) والترمذي (^١٢٦) وابن ماجة (^١٢٧) وأصحاب التفاسير (^١٢٨) من حديث أبي إسحاق عن الحارث بن عبد الله الأعور، عن علي بن أبي طالب قال: إنكم تقرءون ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَينٍ﴾ وإن رسول الله ﷺ قضى بالدين قبل الوصية، وإن أعيان بني الأم يتوارثون دون بني العلات، يرث الرجل أخاه لأبيه وأمه دون أخيه لأبيه. ثم قال الترمذي: لا نعرفه إلا من حديث الحارث الأعور، وقد تكلم فيه بعض أهل العلم.\n_________\n(^١٢٤) (٨/ ٤٥) وفيه: ليكون لهم دون أمهم.\n(^١٢٥) في مسنده (١/ ٧٩، ١٣١، ١٤٤) (٥٩٥) (١٠٩١) (١٢٢١).\n(^١٢٦) جامع الترمذي، كتاب الفرائض، كتاب مما جماء في ميراث الإخوة من الأب والأم (٢٠٩٥) (٢٠٩٦) وأيضًا (٢١٢٢٣).\nقال الترمذي: هذا حديث لا نعرفه إلا من حديث أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي. وقد تكلم بعض أهل العلم في الحارث. والحمل على هذا الحديث عند عامة أهل العلم.\n(^١٢٧) سنن ابن ماجة، كتاب الوصايا، باب الدين قبل الوصية (٢٧١٥)، وكتاب الفرائض، باب ميراث العصبة (٢٧٣٩).\n(^١٢٨) كابن جرير في تفسيره (٨/ ٤٦ - ٤٧)، وابن أبي حاتم في تفسيره ص ٣/ ٨٨٣).\n_________\n[¬١]- في خ: \"السدي\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في خ: \"سلفا وخلفا\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين في ت: \"وروى\".","vol":"3","page":375},{"text":"(قلت): لكن كان حافظًا للفرائض، معتنيًا [¬١] بها وبالحساب (^١٢٩)، فالله أعلم.\nوقوله: ﴿آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا﴾ أي: إنما فرضنا للآباء وللأبناء، وساوينا بين الكل في أصل الميراث على خلاف ما كان عليه الأمر في الجاهلية، وعلى خلاف ما كان عليه الأمر في ابتداء الإسلام، من كون المال للولد وللأبوين الوصية كما تقدم عن ابن عباس، إنما نسخ الله ذلك إلى هذا، ففرض لهؤلاء ولهؤلاء بحسبهم، لأن الإِنسان قد يأتيه النفع الدنيوي أو الأخروي أو هما من أبيه ما لا يأتيه من ابنه، وقد يكون بالعكس، فلذا قال: ﴿آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا﴾ أي: [كما أن] [¬٢] النفع متوقع ومرجو من هذا، كما هو متوقع ومرجو من الآخر، فلهذا فرضنا لهذا ولهذا، وساوينا بين القسمين في أصل الميراث، والله أعلم.\nوقوله: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾ أي [¬٣]: هذا الذي ذكرناه من تفصيل الميراث، وإعطاء بعض الورثة أكثر من بعض، هو فرض من الله، حكم به وقضاه ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ الذي يضع الأشياء في محالها، ويعطي كلا ما يستحقه بحسبه، ولهذا قال ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾.\n* ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَينٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَينٍ وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالةً أَو امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَينٍ غَيرَ\n_________\n(^١٢٩) ومن ذلك: قال مجالد: قيل للشعبي: كنت تختلف إلى الحارث؟ قال: نعم؛ أختلف إليه أتعلم منه الحساب، كان أحسب الناس. وقال أبو بكر بن أبي داود: كان الحارث أفقه الناس: وأحسب الناس، وأفرض الناس؛ تعلم الفرائض من علي.\n_________\n[¬١]- في خ: \"متعينًا\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في ت: \"كأن\".\n[¬٣]- في خ: أي من.","vol":"3","page":376},{"text":"مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ (١٢)﴾\nيقول تعالى: ولكم أيها الرجال نصف ما ترك أزواجكم إذا مُتْن عن غير ولد، فإن كان لهنّ ولد فلكم الربع مما تركن من بعد [وصية يوصين بها أو دين] [¬١]. وقد تقدم أن الدين مقدم على الوصية، وبعده الوصية، ثم الميراث، وهذا أمر مجمع عليه بين العلماء، وحكم أولاد البنين وإن سفلوا حكم أولاد الصلب.\nثم قال: ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ﴾ إلى آخره، وسواء في الربع أو الثمن الزوجة والزوجتان الاثنتان [¬٢] والثلاث والأربع، يشتركن فيه.\nوقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ﴾ إلخ الكلام عليه كما تقدم.\nوقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالةً﴾ الكلالة [¬٣] مشتقة من الإِكليل، وهو [¬٤] الذي يحيط بالرأس من جوانبه، والمراد هنا من يرثه من حواشيه، [لا أصل ولا فرعه] [¬٥]، كما روى الشعبي، عن أبي بكر الصديق، أنه سئل عن الكلالة؟ فقال: أقول فيها برأيي، فإن يكن [¬٦] صوابًا فمن الله، وإن يكن [¬٧] خطأ فمني ومن الشيطان، والله ورسوله بريئان منه [¬٨]: الكلالة من لا ولد له ولا والد. فلما ولي عمر قال: إني لأستحيي أن أخالف أبا بكر في رأي رآه.\nكذا [¬٩] رواه ابن جرير (^١٣٠) وغيره، وقال ابن أبي حاتم في تفسيره (^١٣١): حَدَّثَنَا محمد بن عبد الله بن يزيد [¬١٠]، حَدَّثَنَا سفيان، عن سليمان الأحول، عن طاوس، قال: سمعت [عبد الله] [¬١١] بن عباس يقول: كنت آخر الناس عهدًا بعمر، فسمعته يقول: القول ما قلت، وما قلت، وما قلت، قال: الكلالة من لا ولد له ولا والد.\n_________\n(^١٣٠) في تفسيره (٨/ ٥٣ - ٥٤).\n(^١٣١) (٣/ ٨٨٧).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ت: \"الوصية أو الدين\".\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- سقط من: خ.\n[¬٤]- سقط من: خ.\n[¬٥]- في ت: \"لا أصوله ولا فروعه\".\n[¬٦]- في خ: \"كان\".\n[¬٧]- في خ: \"كان\".\n[¬٨]- سقط من: خ.\n[¬٩]- سقط من: خ.\n[¬١٠]- في خ: \"زيد\".\n[¬١١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ت.","vol":"3","page":377},{"text":"وهكذا قال علي بن أبي طالب وابن مسعود، وصح من غير وجه، عن [عبد الله] [¬١] بن عباس وزيد بن ثابت، وبه يقول الشعبي والنخعي والحسن [البصري] [¬٢] وقتادة وجابر بن زيد والحكم، وبه يقول أهل [¬٣] المدينة وأهل الكوفة والبصرة، وهو قول الفقهاء السبعة، والأئمة الأربعة، وجمهور السلف والخلف، بل جميعهم، وقد حكى الإجماع [على ذلك] [¬٤] غير واحد، وورد فيه حديث مرفوع (^١٣٢)، قال أبو الحسين بن اللبان: وقد روي عن ابن عباس ما يخالف ذلك، وهو أنه من لا ولد له. والصحيح عنه الأوّل، ولعل الراوي ما فهم عنه ما أراد.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ﴾ أي: من أم. كما هو في قراءة بعض السلف، منهم سعد بن أبي وقاص وكذا فسرها أبو بكر الصديق فيما رواه قتادة عنه ﴿فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾.\nوإخوة الأم يخالفون بقية الورثة من وجوه؛ أحدها: أنهم يرثون مع من أدلوا به وهي الأم.\n(والثاني): أن ذكورهم وإناثهم في الميراث [¬٥] سواء.\n(والثالث): [أنهم لا يرثون إلا إن كان ميتهم يورث كلالة، فلا يرثون مع أب ولا جد ولا ولد ولا] [¬٦] ولد ابن.\n(الرابع): أنهم لا يزادون على الثلث، وإن كثر ذكورهم وإناثهم.\nوقال ابن أبي حاتم (^١٣٣): حَدَّثَنَا يونس، حَدَّثَنَا ابن وهب، أخبرنا يونس، عن الزهري قال: قضى عمر بن الخطاب ﵁ أن ميراث الأخوة من الأم بينهم الذكر مثل حظ [¬٧] الأنثى، قال محمد بن شهاب الزهري: ولا أرى [¬٨] عمر قضى بذلك حتى علم\n_________\n(^١٣٢) أخرجه الحاكم في المستدرك (٤/ ٣٣٦)، من حديث أبي هريرة.\n(^١٣٣) في تفسيره (٣/ ٨٨٨).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ت.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ت.\n[¬٣]- سقط من: خ.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين في ت: \"عليه\".\n[¬٥]- سقط من: خ.\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٧]- سقط من: خ.\n[¬٨]- في خ: \"أدرى\".","vol":"3","page":378},{"text":"ذلك من رسول الله ﷺ. ولهذه الآية التي قال الله تعالى فيها: ﴿فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾.\nواختلف العلماء في المسألة المثشركة وهي زوج وأم أو جدة، واثنان من ولد الأم، وواحد أو أكثر من ولد الأبوين، فعلى قول الجمهور: للزوج النصف، وللأم أو الجدة السدس، ولولد الأم الثلث، ويشاركهم فيه ولد الأب والأم بما بينهم من القدر المثشرك وهو إخوة الأم.\nوقد وقعت هذه المسألة في زمن [¬١] أمير المؤمنين عمر بن الخطاب فأعطى الزوج النصف والأم السدس، وجعل الثلث لأولاد الأم، فقال له أولاد الأبوين: يا أمير المؤمنين؛ هب أن أبانا كان حمارًا ألسنا من أم واحدة؟ فشرك بينهم.\nوصح التشريك عنه وعن [¬٢] أمير المؤمنين عثمان، وهو إحدى الروايتين عن ابن مسعود وزيد بن ثابت وابن عباس ﵃، وبه يقول سعيد بن المسيب وشريح القاضي ومسروق وطاووس ومحمد بن سيرين وإبراهيم النخعي وعمر بن عبد العزيز والثوري وشريك، وهو مذهب مالك والشافعي وإسحاق بن راهويه.\nوكان علي بن أبي طالب لا يشرك بينهم، بل يجعل الثلث لأولاد الأم، ولا شيء لأولاد الأبوين، والحالة هذه لأنهم عصبة. وقال وكيع بن الجراح: لم يختلف عنه في ذلك. وهذا قول أبي بن كعب وأبي موسى الأشعري، وهو المشهور عن ابن عباس، وهو مذهب الشعبي وابن أبي ليلى وأبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد بن الحسن والحسن بن زياد وزفر بن الهذيل والإِمام أحمد [بن حنبل] [¬٣] ويحيى بن آدم ونعيم بن حماد وأبي ثور وداود بن علي الظاهري، واختاره أبو الحسين بن اللبان الفرضي ﵀ في كتابه \"الإِيجاز\".\nوقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَينٍ غَيرَ مُضَارٍّ﴾ ي: لتكن [¬٤] وصيته على العدل، لا على الإضرار والجور والحيف، بأن يحرم بعض الورثة أو ينقصه، أو يزيده على ما فرض [¬٥] الله له من الفريضة، فمتى سعى في ذلك كان كمن ضاد الله في [حكمته وقسمته] [¬٦]. ولهذا قال ابن أبي حاتم (^١٣٤): حَدَّثَنَا أبي، حَدَّثَنَا أبو النضر الدمشقي الفراديسي، حَدَّثَنَا عمر بن المغيرة، عن داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس،\n_________\n(^١٣٤) المصدر السابق.\n_________\n[¬١]- في ت: \"زمان\".\n[¬٢]- في خ: \"وقال\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ت.\n[¬٤]- في خ: \"لتكون\".\n[¬٥]- في خ: \"قدر\".\n[¬٦]- في ت: \"حكمه وشرعه\".","vol":"3","page":379},{"text":"عن النبي ﷺ قال: \"الإِصرار في الوصية من الكبائر\".\nوكذا رواه ابن جرير (^١٣٥) من طريق عمر بن المغيرة هذا، وهو أبو حفص بصري سكن المصيصة، وقال [أبو القاسم] [¬١] بن عساكر: ويعرف بمفتى المساكين، وروى عنه غير واحد من الأئمة، وقال فيه أبو حاتم الرازي: شيخ [¬٢]. وقال علي بن المديني: هو مجهول لا أعرفه (^١٣٦). ولكن رواه النسائي في سننه (^١٣٧) عن علي بن حجر، عن علي بن مسهر، عن داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس، موقوفًا \"الإضرار في الوصية من الكبائر\". وكذا رواه ابن أبي حاتم (^١٣٨)، عن أبي سعيد الأشج، عن عائذ بن حبيب، عن داود بن أبي هند، ورواه ابن جرير (^١٣٩) من حديث جماعة من الحفاظ، عن داود، عن عكرمة، عن ابن عباس، موقوفًا، وفي بعضها ويقرأ ابن عباس ﴿غَيرَ مُضَارٍّ﴾.\n_________\n(^١٣٥) في تفسيره (٨/ ٦٦)، ورواه أيضًا العقيلي في الضعفاء (٣/ ١٨٩)، والدارقطني في السنن (٤/ ١٥١)، والبيهقي في السنن الكبرى (٦/ ٢٧١) من طريق عبد الله بن يوسف التنيسيي عن عمر بن المغيرة عن داود به.\n(^١٣٦) وقال البخاري: عمر بن المغيرة منكر الحديث مجهول.\n(^١٣٧) سنن النسائي الكبرى، كتاب التفسير، باب: قوله تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ (٦/ ٣٢٠) (١١٠٩٢).\n(^١٣٨) في تفسيره (٣/ ٨٨٩).\n(^١٣٩) تفسير الطبري (٨/ ٦٥) من حديث عبيدة بن حميد، وابن علية ويزيد بن زريع وبشر بن المفضل وعبد الوهاب بن عبد المجيد وابن أبي عدي وعبد الأعلى بن عبد الأعلى -كلهم عن داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس موقوفًا.\nوكذا رواه سعيد بن منصور في سننه (٣٤٢) -وسقط من إسناده ابن عباس- وعنه البيهقي في السنن الكبرى على الصواب (٦/ ٢٧١) عن هشيم بن بشير. ورواه أيضًا عن خالد بن عبد الله وسفيان بن عيينة، ورواه أبو بكر بن أبي شيبة في مصنفه عن أبي خالد الأحمر، ورواه عبد الرزاق في مصنفه (٩/ ٨٨) (١٦٤٥٦) عن الثوري- كلهم (خالد وابن عيينة وهشيم وأبو خالد والثوري) عن داود عن عكرمة عن ابن عباس موقوفًا.\nقال العقيلي: هذا رواه الناس عن داود موقوفًا، لا نعلم رفعه غير عمر بن المغيرة.\nوقال البيهقي: هذا هو الصحيح موقوف، وكذلك رواه ابن عيينة وغيره عن داود موقوفًا، وروى من وجه آخر مرفوعًا، ورفعه ضعيف.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفين سقط من: ت.\n[¬٢]- في خ: هو شيخ.","vol":"3","page":380},{"text":"قال ابن جريج (^١٤٠): والصحيح الموقوف.\nولهذا اختلف الأئمة في الإقرار للوارث هل هو صحيح أم لا؟ على قولين؛ (أحدهما): لا يصح؛ لأنه مظنة التهمة أن يكون قد أوصى له بصيغة الإقرار. وقد ثبت في الحديث الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: \"إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث\" (^١٤١). وهذا مذهب مالك وأحمد بن حنبل وأبي حنيفة، والقول القديم للشافعي ﵏، وذهب في الجديد إلى أنه يصح الإِقرار. وهو مذهب طاوس وعطاء والحسن وعمر بن عبد العزيز، وهو اختيار أبي عبد الله البخاري في صحيحه (^١٤٢)، واحتج بأن رافع بن خديج أوصى أن لا تكشف الفزارية\n_________\n(^١٤٠) كذا في الأصل، ولعله ابن جرير؛ فإن ابن جريج لا يذكر عنه كلام في العلل، ثم هو من أقران ابن أبي هند. والكلام ليس في تفسير ابن جرير.\n(^١٤١) أخرجه أبو داود، كتاب الوصايا، باب ما جاء في الوصية للوارث (٢٨٧٠). والترمذي في كتاب الوصايا، باب ما جاء لا وصية لوارث (٢١٢٠) وقال: حديث حسن صحيح. وابن ماجة في كتاب الوصايا، باب لا وصية لوارث، والإمام أحمد في مسنده (٥/ ٢٦٧) (٢٢٣٩٤).\n- كلهم من طريق إسماعيل بن عياش، عن شرحبيل بن مسلم الخولاني، عن أبي أمامة الباهلي ﵁ به.\n(*) وأخرجه من حديث عمرو بن خارجة:\nالترمذي في كتاب الوصايا، باب ما جاء لا وصية لوارث (٢١٢١).\nوقال: حديث حسن صحيح.\nوالنسائي في كتاب الوصايا، باب إبطال الوصية للوارث (٦/ ٢٤٧)، وابن ماجة في كتاب الوصايا، باب لا وصية لوارث (٢٧١٢)، وأبو داود الطيالسي في مسنده (١٣١٧).\n- كلهم من طريق قتادة عن شهر بن حوشب، عن عبد الرحمن بن غنم، عن عمرو بن خارجة ﵁ به مرفوعًا.\nوأما حديث أبي أمامة ففيه إسماعيل بن عياش، وهو مستقيم الرواية إذا روى عن الشاميين، كما ذكر غير واحد من الحفاظ، وقد روي عن شامي هنا، ولذلك صححه الترمذي.\nوأما حديث عمرو بن خارجة: فقد اختلف فيه على قتادة؛ فرواه جماعة عن قتادة كما سبق، رواه همام والحجاج بن أرطأة وعبد الرحمن المسعودي والحسن بن دينار، عن قتادة، فلم يذكروا فيه ابن غنم، وكذلك رواه ليث بن أبي سليم، وأبو بكر الهذلي ومطر، عن شهر بن حوشب.\nقال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: وروى بعض الشاميين حديثًا ليس مما يثبته أهل الحديث؛ فإن بعض رجاله مجهولون، فرويناه عن النبي ﷺ منقطعًا. واعتمدنا على حديث أهل المغازي عامة أن النبي ﷺ قال عام الفتح: \"لا وصية لوارث\" وإجماع العامة على القول به. السنن الكبرى للبيهقي (٦/ ٢٦٥).\n(^١٤٢) - صحيح البخاري، كتاب الوصايا، باب: قول الله ﷿: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَينٍ﴾.","vol":"3","page":381},{"text":"عما أغلق عليه بابها. قال: وقال بعض الناس: لا يجوز إقراره لسوء الظن به للورثة. وقد قال النبي ﷺ \"إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث\". وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ فلم يخص وارثا ولا غيره. انتهى ما ذكره.\nفمتى كان الإقرار صحيحًا مطابقًا لما في نفس الأمر، جرى فيه هذا الخلاف، ومتى كان حيلة ووسيلة إلى زيادة بعض الورثة ونقصان بعضهم فهو حرام بالإجماع، وبنص هذه الآية الكريمة ﴿غَيرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾.\n﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٣) وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٤)﴾\nأي: هذه الفرائض والمقادير التي جعلها الله للورثة بحسب قربهم من الميت واحتياجهم إليه وفقدهم له عند عدمه، هي حدود الله، فلا تعتدوها، ولا تجاوزوها. ولهذا قال: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ أي: فيها فلم يزد بعض الورثة، [ولم ينقص بعضها] [¬١] بحيلة ووسيلة، بل تركهم علي حكم الله وفريضته وقسمته ﴿يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٣) وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ أي: لكونه غيَّر ما حكم الله به، وضاد الله في حكمه، وهذا إنما يصدر عن عدم الرضا بما قسم الله وحكم به، ولهذا يجازيه بالإِهانة في العذاب الأليم المقيم.\nقال الإمام أحمد (^١٤٣): حَدَّثَنَا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، [عن أيوب] [¬٢] عن أشعث بن عبد الله، عن شهر بن حوشب، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة [¬٣] سبعين سنة، فإذا أوصى وحاف في وصيته فيختم له بشر\n_________\n(^١٤٣) - المسند (٢/ ٢٧٨) (٧٧٢٨) من طريق عبد الرزاق، وهو في مصنفه (٩/ ٨٨) (١٦٤٥٥).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في خ: \"ولا ينقص بعضًا\".\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- في ت: \"الخير\".","vol":"3","page":382},{"text":"عمله، فيدخل النار، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الشر سبعين سنة فيعدل في وصيته فيختم له بخير عمله، فيدخل الجنة\". قال: ثم يقول أبو هريرة: اقرءوا إن شئتم ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿عَذَابٌ مُهِينٌ﴾.\nقال أبو داود، في باب الإضرار في الوصية من سننه (^١٤٤): حَدَّثَنَا عَبدَةُ [¬١] بن عبد الله، أخبرنا عبد الصمد، حدثنا نصر بن علي الحُداني، حَدَّثَنَا الأشعث [بن عبد الله] [¬٢] بن جابر الحدّاني، حدثني شهر بن حوشب، أن أبا هريرة حدثه، أن رسول الله ﷺ قال: \"إن الرجل ليعمل -أو المرأة- بطاعة الله ستين سنة ثم يحضرهما الموت فيضارّان في الوصية فتجب لهما النار\". وقال: قرأ علي أبو هريرة من هاهنا ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَينٍ غَيرَ مُضَارٍّ﴾ حتى بلغ ﴿وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾.\nوهكذا رواه الترمذي (^١٤٥) وابن ماجة (^١٤٦) من حديث أشعث [¬٣] ابن عبد الله بن جابر الحُدّاني به، وقال الترمذي: حسن غريب (^١٤٧). وسياق الإِمام أحمد أتم وأكمل.\n﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا\n_________\n(^١٤٤) - سنن أبي داود، كتاب الوصايا، باب: ما جاء في كراهية الإضرار بالوصية (٢٨٦٧)، ومن طريقه البيهقي في السنن الكبرى (٦/ ٢٧١).\n(^١٤٥) - جامع الترمذي، كتاب الوصايا، باب: ما جاء في الضرار بالوصية (٢١١٨).\n(^١٤٦) - سنن ابن ماجة، كتاب الوصايا، باب: الحيف في الوصية (٢٧٠٤) من طريق عبد الرزاق. ورواه أيضًا من طريق عبد الرزاق: الطبراني في الأوسط (٣/ ٢٢٩) (٣٠٠٢)، والخطيب البغدادي في \"موضح أوهام الجمع والتفريق\" (٢/ ٢٣٠) - عن الأشعث بن عبد الله، عن شهر بن حوشب، عن أبي هريرة ﵁ به.\nقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن شهر بن حوشب إلا أشعث بن عبد الله، ولا يروى عن النبي ﷺ إلا من حديث أشعث بن عبد الله، وأشعث بن عبد الله بن جابر الحُدّاني: وثقه ابن معين والنسائي وابن حبان، وقال أحمد والبزار: ليس به بأس، وقال أبو حاتم: شيخ، وقال الدارقطني: يعتبر به، وذكر العقيلي أن في حديثه وهمًا.\nأما شهر بن حوشب فهو مختلف فيه؛ فقد ضعفه غير واحد من الأئمة، ووثقه غير واحد أيضًا.\n(^١٤٧) - في المطبوع من الترمذي زيادة \"صحيح\" وهي خطأ، فإن ما نقله المزي والمنذري وابن كثير وغيرهم عن الترمذي هو التحسين فقط.\n_________\n[¬١]- في خ: \"عبيدة\".\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- سقط من: ت.","vol":"3","page":383},{"text":"فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (١٥) وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا (١٦)﴾\nكان الحكم في ابتداء الإِسلام، أن المرأة إذا زنت فثبت زناها بالبينة العادلة، حبست في بيت، فلا تمكن من الخررج منه إلى أن تموت، ولهذا قال: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ﴾ يعني: الزنا. ﴿مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ فالسبيل الذي جعله الله هو الناسخ لذلك.\nقال ابن عباس ﵁: كان الحكم كذلك حتى أنزل الله سورة النور، فنسخها بالجلد أو الرجم.\nوكذا روي عن عكرمة وسعيد بن جبير والحسن وعطاء الخراساني وأبي صالح وقتادة وزيد بن أسلم والضحاك أنها منسوخة، وهو أمر متفق عليه.\nوقال الإِمام أحمد (^١٤٨): حَدَّثَنَا محمد بن جعفر، حَدَّثَنَا سعيد، عن قتادة، عن الحسن، عن حطان بن عبد الله الرقاشي، عن عبادة بن الصامت، قال: كان رسول الله ﷺ إذا نزل عليه الوحي أثر عليه وكرب لذلك وتربَّد [¬١] وجهه، فأنزل الله -عز رجل- عليه ذات يوم، فلما سرى عنه قال: \"خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلا، الثيب بالثيب، والبكر بالبكر؛ الثيب جلد مائة ورجم بالحجارة، والبكر جلد مائة ثم نفي سنة\".\nوقد رواه مسلم (^١٤٩) وأصحاب السنن (^١٥٠) من طرق، عن قتادة، [عن الحسن] [¬٢]، عن\n_________\n(^١٤٨) - في مسنده (٥/ ٣١٨، ٣٢٠، ٣٢١) (٢٢٨١٨، ٢٢٨٠٦، ٢٢٨٣٤، ٢٢٨٣٥، ٢٢٨٣٩).\n(^١٤٩) - في صحيحه، كتاب الحدود (١٦٩٠) وكتاب الفضائل (٢٣٣٤) (٢٤٤٥).\n(^١٥٠) - سنن أبي داود، كتاب الحدود، باب: في الرجم (٤٤١٥) والنسائي في الكبرى، كتاب الرجم، باب: عقوبة الزاني الثيب (٤/ ٢٧٠) (٧١٤٣)، وابن ماجة في كتاب الحدود، باب: حد الزنا (٢٥٥٠) - من طرق عن قتادة به. وقد جاء عند ابن ماجة \"يونس بن جبير\" بدل الحسن، قال=\n_________\n[¬١]- في خ: \"وتزايد\".\n[¬٢]- سقط من: خ.","vol":"3","page":384},{"text":"حطَّان، عن عبادة بن الصامت، عن النبي ﷺ، ولفظه: \"خذوا عني، خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلا، البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم\".\nقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.\nوهكذا رواه \"أبو داود الطيالسي\" [¬١] (^١٥١)، عن مبارك بن فضالة، عن الحسن، عن حطان بن عبد الله الرقاشي، عن عبادة، أن رسول الله ﷺ كان إذا نزل [¬٢] عليه الوحي عرف ذلك في وجهه، فلما أنزلت ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ فلما ارتفع الوحي قال رسول الله ﷺ \"خذوا عني [¬٣] خذوا، قد جعل الله لهن سبيلا، البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة، والثيب بالثيب جلد مائة ورجم [¬٤]، بالحجارة\".\nوقد روى الإمام أحمد أيضًا هذا الحديث، عن وكيع بن الجراح، [] [¬٥]، حَدَّثَنَا الفضل بن\n_________\n= المزى: وهو وهم -والله أعلم- فإن المحفوظ بهذا الإسناد حديث حطان، عن أبي موسى في التشهد.\n(^١٥١) - في مسنده برقم (٥٨٤)، غير أنه علقه عنه، فقال: وذكره ابن فضالة، عن الحسن، عن حطان. ورواه أيضًا أحمد في مسنده (٥/ ٣١٣) (٢٢٧٦٩)، ومسلم في صحيحه (١٦٩٠)، وأبو داود (٤٤١٦)، والترمذي (١٤٣٤)، والنسائي في الكبرى (٤/ ٢٧٠) (٧١٤٤)، وابن حبان في صحيحه \"الإحسان\" (١٠/ ٢٧١ - ٢٧٢) (٤٤٢٥، ٤٤٢٦) - من طريق منصور بن زاذان، ورواه أحمد في المسند (٥/ ٣١٧) (٢٢٨٠٦) من طريق حميد بن أبي حميد الطويل. ورواه النسائي في الكبرى (٤/ ٢٧٠) (٧١٤٢) من طريق يونس بن عبيد- خمستهم (قتادة، والمبارك، ومنصور، وحميد، ويونس) عن الحسن، عن حطان، عن عبادة بن الصامت ﵁ به.\nوقد رواه غير واحد عن الحسن عن عبادة مرسلًا؛ فرواه الإمام الشافعي في مسنده، عن عبد الوهاب عن يونس عن الحسن عن عبادة، ثم قال: وقد حدثني الثقة أن الحسن كان يدخل بينه وبين عبادة: حطان الرقاشي، ولا أدرى أدخله عبد الوهاب بينهما فترك من كتابي حين حولته وهو في الأصل أو لا؟ والأصل يوم كتبت هذا الكتاب غائب عني. شفاء العي (٢/ ١٥٣) (٢٥٢).\nورواه أحمد في مسنده (٥/ ٣٢٧) من طريق جرير بن حازم، ورواه الطبري في تفسيره (٨/ ٨٩) من طريق إسماعيل بن مسلم البصري عن الحسن عن عبادة، وثَمَّ اختلافٌ آخرُ فيه على الحسن يُذكر في الحديث التالي.\n_________\n[¬١]- في خ: \"أبو داود والطيالسي\".\n[¬٢]- في خ: \"أنزل\".\n[¬٣]- سقط من: ت.\n[¬٤]- في خ: \"ورمى\".\n[¬٥]- في خ: عن الحسن.","vol":"3","page":385},{"text":"دلهم، عن الحسن، عن قبيصة بن حريث، عن سلمة بن المحبق، قال: قال رسول الله ﷺ: \"خذوا عني، خذوا عني، قد جعل اللَّه لهن سبيلا، البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم\" (^١٥٢).\nوكذا رواه أبو داود مطولًا (^١٥٣) من حديث الفضل بن دلهم، ثم قال: وليس هو بالحافظ، كان قصابا بواسط.\n(حديث آخر): قال أبو بكر بن مردويه: حدَّثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، حَدَّثَنَا عباس بن حمدان، حَدَّثَنَا أحمد بن داود [¬١]، حَدَّثَنَا عمرو بن عبد الغفار، حَدَّثَنَا إسماعيل بن [أبي خالد] [¬٢]، عن الشعبي، عن مسروق، عن أبي بن كعب، قال: قال رسول الله ﷺ: \"البكران يجلدان وينفيان، والثيبان يجلدان ويرجمان، والشيخان \"يرجمان\" (^١٥٤).\n_________\n(^١٥٢) - السند (٣/ ٤٧٦) (١٥٩٥٥).\n(^١٥٣) - سنن أبي داود في كتاب الحدود، باب: في الرجم (٤٤١٧) ورواه الطحاوي في شرح معاني الآثار (٣/ ١٣٤) من طريق الفضل بن دلهم، عن الحسن، عن قبيصة بن حريث، عن سلمة بن المحبق، عن النبي ﷺ.\nقال أبو داود: إنما هذا إسناد حديث ابن المحبق: أن رجلًا وقع على جارية امرأته، والفضل بن دلهم ليس بالحافظ، كان قصّابا بواسط.\nوقال أبو حاتم: هذا خطأ؛ إنما أراه الحسن، عن حطان، عن عبادة بن الصامت، عن النبي ﷺ العلل (١/ ٤٥٦). وقال البزار، بعد أن ذكر حديث الفضل هذا: والفضل بن دلهم لم يكن بالحافظ. والحديث: حديث قتادة.\n(^١٥٤) - فيه عمرو بن عبد الغفار الفُقَيْمى، قال أبو حاتم: متروك الحديث، وقال العقيلي: منكر الحديث، وقال ابن عدي: اتهم بوضع الحديث.\nوقد خولف عمرو هذا في رفع الحديث عن إسماعيل عن الشعبي: فرواه حفص بن غياث، عن إسماعيل، عن الشعبي، عن أبي بن كعب قوله، رواه ابن أبي شيبة عن حفص: المصنف، كتاب الحدود، في البكر والثيب ما يصنع بهما إذا فجرا (٦/ ٥٥٥).\nوكذا رواه فراس بن يحيى، عن الشعبي، عن مسروق، عن أبي بن كعب موقوفًا، رواه ابن أبي شيبة (٦/ ٥٥٥) عن شريك عن فراس، ورواه البيهقي في السنن الكبرى (٨/ ٢٢٣) عن أبي عوانة عن فراس. وكذا رواه عبيد بن نضلة، عن مسروق، عن أبي بن كعب موقوفًا، رواه النسائي في الكبرى، كتاب الرجم، باب: نسخ الجلد عن الثيب (٤/ ٢٧١) (٧١٤٩) بنحوه.\n_________\n[¬١]- في خ: \"يزداد\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في خ: \"خليد\".","vol":"3","page":386},{"text":"هذا حديث غريب من هذا الوجه. وروى الطبراني (^١٥٥) من طريق [¬١] ابن لهيعة، عن أخيه عيسى بن لهيعة، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: لما نزلت سورة النساء قال رسول الله ﵌: \"لا حبس بعد سورة النساء\".\nوقد ذهب الإمام أحمد بن حنبل إلى القول بمقتضى هذا الحديث، وهو الجمع بين الجلد والرجم في حق الثيب الزاني. وذهب الجمهور إلى أن الثيب الزاني إنما يرجم فقط من غير جلد، قالوا: لأن النبي ﷺ رجم ماعزًا والغامدية واليهوديين، ولم يجلدهم قبل ذلك فدل على أن الجلد [¬٢] ليس بحتم، بل هو منسوخ على قولهم، والله أعلم.\nوقوله تعالى: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا﴾ أي: واللذان يفعلان [¬٣] الفاحشة فآذوهما، قال ابن عباس ﵄ وسعيد بن جبيبر وغيرهما: أي: بالشتم والتعيير [¬٤] والضرب بالنعال. وكان الحكم كذلك حتى نسخه الله بالجلد أو الرجم.\nوقال عكرمة وعطاء والحسن وعبد الله بن كثير: نزلت في الرجل والمرأة إذا زنيا.\nوقال السدي: نزلت في [الفتيان من] [¬٥] قبل أن يتزوجوا.\nوقال مجاهد: نزلت في الرجلين إذا فعلا -لا يكنى- وكأنه يريد اللواط [¬٦] والله أعلم.\nوقد روى أهل السنن من حديث عمرو بن [أبي عمرو، عن] [¬٧] عكرمة، عن ابن عباس، مرفوعًا قال: قال رسول الله ﷺ: \"من رأيتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به\" (^١٥٦).\n_________\n(^١٥٥) - في معجمه الكبير (١١/ ٣٦٥)، وقد سبق تخريجه والكلام عليه في أول السورة حاشية (١).\n(^١٥٦) - سنن أبي داود، كتاب الحدود، باب: فيمن عَمِلَ عَمَلَ قوم لوط (٤٤٦٢)، والترمذي، كتاب الحدود، باب: ما جاء في حد اللوطي (١٤٥٦)، وابن ماجة، كتاب الحدود، باب: من عمل عمل قوم لوط (٢٥٦١)، والنسائي في الكبرى، كتاب الرجم، باب: من عمل عمل قوم لوط (٤/ ٣٢٢) (٧٣٣٧) ولكن بلفظ: \"لعن الله من عمل عمل قوم لوط ثلاثًا\". ورواه أحمد في المسند (١/ ٣٠٠) (٢٧٣٢)، وابن الجارود في المنتقى (٨٢٠)، وابن عدي في الكامل (٥/ ١٧٦٨)، والدارقطني في السنن (٣/ ١٢٤)، والحاكم في المستدرك (٤/ ٣٥٥)، والبيهقي في السنن الكبرى (٨/ ٢٣٢) -=\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- في خ: \"الرجم\".\n[¬٣]- في خ: \"يأتيان\".\n[¬٤]- في خ: \"والتعزيز\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين في خ: \"النساء\".\n[¬٦]- في خ: \"اللياط\".\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. وفي ت: \"عمرو بن أبي عمر\".","vol":"3","page":387},{"text":"وقوله: ﴿فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا﴾ أي: أقلعا ونزعا عما كانا عليه وصلحت أعمالهما [¬١] وحسنت ﴿فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا﴾ أي: لا تعنفوهما بكلام قبيح بعد ذلك، لأن التائب من الذنب كمن لا ذنب له ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ وقد ثبت في الصحيحين (^١٥٧): \" إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها الحد، ولا يثرب عليها\". أي: ثم لا يعيرها بما صنعت بعد الحد الذي هو كفارة لما صنعت.\n﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٧) وَلَيسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَال إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٨)﴾\nيقول ﷾: إنما يتقبل اللَّه التوبة ممن عمل السوء بجهالة ثم يتوب، ولو قبل\n_________\n= كلهم من طريق عمرو بن أبي عمرو مولى المطلب بن عبد الله بن حنطب المخزومي المدني، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ به مرفوعًا. وعمرو بن أبي عمرو: ضعفه ابن معين والدارمي والنسائي وأبو داود وغيرهم، وقال ابن حبان: ربما أخطأ. وهو -وإن وثقه ابن معين في رواية وأبو زرعة والعجلي وابن حبان ومشّاه غير واحد- إلا أن أئمة الحديث كالمجمعين على أن هذا الحديث من مناكيره.\nقال ابن معين في رواية ابن أبي مريم: عمرو بن أبي عمرو مولى المطلب ثقة ينكر عليه حديث عكرمة عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: \"اقتلوا الفاعل والمفعول به\".\nوقال البخاري: روى عن عكرمة في قصة البهيمة، فلا أدري: سمع أم لا؟ ا هـ.\nوحديث البهيمة وعمل قوم لوط حديث واحد جمعه بعض الرواة وفرقه آخرون.\nوقال أبو داود: ليس هو بذاك. ثم استنكر له هذا الحديث وضعفه. وقال الترمذي: إنما يعرف هذا الحديث عن ابن عباس عن النبي ﷺ من هذا الوجه.\nولما روى النسائي هذا الحديث في سننه الكبرى استنكره وقال: عمرو بن أبي عمرو ليس بالقوي.\nوقال العجلي: ثقة ينكر عليه حديث البهيمة.\n(^١٥٧) - صحيح البخاري، كتاب الحدود، باب: لا يثرب على الأمة إذا زنت ولا تنفى (٦٨٣٩)، ومسلم في كتاب الحدود (١٧٠٣) من حديث الليث بن سعد، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا.\n_________\n[¬١]- في ت: \"أعمالهم\".","vol":"3","page":388},{"text":"[معاينته الملك لقبض] [¬١] روحه قبل الغرغرة. قال مجاهد وغير واحد: كل من عصى اللَّه خطأ أو عمدًا فهو جاهل حتى ينزع عن الذنب.\nوقال قتادة، عن أبي العالية، أنه كان يحدّث أن أصحاب رسول الله ﷺ كانوا يقولون: كل [¬٢] ذنب أصابه عبد فهو بجهالة. رواه ابن جرير (^١٥٨).\nوقال عبد الرزاق (^١٥٩): أخبرنا معمر، عن قتادة، قال: اجتمع أصحاب رسول الله ﷺ فرأوا أن كل شيء عصي الله [¬٣] به فهو جهالة، عمدًا كان أو غيره.\nوقال ابن جريج: أخبرني عبد الله بن كثير، عن مجاهد، قال: كل عامل بمعصية الله فهو جاهل حين عملها. قال ابن جرير: وقال لي عطاء بن أبي رباح نحوه.\nوقال أبو صالح، [عن ابن عباس] [¬٤]: من جهالته عمل السوء.\nوقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ثم يتوبون من قريب، قال: ما بينه وبين أن ينظر إلى ملك الموت. وقال الضحاك: ما كان دون الموت فهو قريب. وقال قتادة والسدي: ما دام في صحته. وهو مروي عن ابن عباس. وقال الحسن البصري: ثم يتوبون من قريب، ما لم يغرغر. وقال عكرمة: الدنيا كلها قريب.\n_________\n(^١٥٨) - في تفسيره (٨/ ٨٩).\n(^١٥٩) - تفسير عبد الرزاق (١/ ١٥١)، وعنه الطبري في تفسيره (٨/ ٨٩).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ت: \"معاينة الملك يقبض\".\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- سقط من خ.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.","vol":"3","page":389},{"text":"(ذكر الأحاديث في ذلك)\nقال الإمام أحمد (^١٦٠): حَدَّثَنَا علي بن عياش [¬١]، وعصام بن خالد [¬٢]، قالا: حَدَّثَنَا ابن ثوبان، عن أبيه، عن مكحول، عن جبير بن نفير، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: \"إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر\".\nرواه [¬٣] الترمذي وابن ماجة (^١٦١) من حديث عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان به. وقال الترمذي: حسن غريب. ووقع في سنن ابن ماجة: عن عبد الله بن عمرو. وهو وهم، إنما هو عبد الله بن عمر بن الخطاب.\n(حديث آخر عن ابن عمر) قال أبو بكر ابن مردُويه: حَدَّثَنَا محمد بن معمر، حَدَّثَنَا عبد الله بن الحسن الخراساني، حَدَّثَنَا يحيى بن عبد الله [البابلتي، حَدَّثنَا أيوب بن نهيك الحلبي، سمعت عطاء بن أبي رباح قال: سمعت عبد الله] [¬٤] بن عمر، سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"ما من عبد مؤمن يتوب قبل الموت بشهر إلا قبل الله منه وأدنى من ذلك، وقبل موته بيوم وساعة يعلم الله منه التوبة والإِخلاص إليه إلا قبل منه\" (^١٦٢).\n_________\n(^١٦٠) - في مسند (٢/ ١٣٢، ١٥٣) (٦١٦٠) (٦٤٠٨).\n(^١٦١) - جامع الترمذي، كتاب الدعوات، باب: باب التوبة مفتوح قبل الغرغرة (٣٥٣١)، وتن ابن ماجة) كتاب الزهد، باب: ذكر التوبة (٤٢٥٣).\nوأخرجه أيضًا: أبو القاسم البغوي في الجعديات (٢/ ١١٧٣) (٣٥٢٩)، وأبو يعلى في مسنده (٩/ ٤٦٢) (٥٦٠٩)، وابن حبان في صحيحه (٢/ ٣٩٤ - ٣٩٥) (٦٢٨)، وابن عدي في الكامل (٤/ ١٥٩٢)، والحاكم في المستدرك (٤/ ٢٥٧)، وأبو نعيم في الحلية (٥/ ١٩٠)، والبيهقي في شعب الإيمان (٥/ ٣٩٥ - ٣٩٦) - كلهم من طريق عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان، عن أبيه، عن مكحول، عن جبير بن نفير، عن ابن عمر ﵄ به مرفوعًا. وقد صححه ابن حبان والحاكم. ولكن في الحديث عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان العنْسي، قال أحمد: أحاديثه مناكير. وضعفه ابن معين والنسائي وغيرهما، ووثقه أبو حاتم ودُحَيْم وابن حبان، ومشاه غير واحد، إلا أنهم -مع ذلك- أنكروا عليه بعض حديثه؛ قال صالح جزرة: شامي صدوق، إلا أن مذهبه القدر، وأنكروا عليه أحاديث يرويها عن أبيه عن مكحول. وقد استغرب الترمذي هذا الحديث، وذكره ابن عدي في مناكير عبد الرحمن، وكذا الذهبي في الميزان، وخرجه أبو نعيم في الحلية في غرائب حديث مكحول.\n(^١٦٢) - ورواه أبو نعيم في الحلية (٣/ ٣٢٠) من طريق يحيى بن عبد الله، عن أيوب بن نهيك به.\nقال أبو نعيم: هذا حديث غريب من حديث عطاء، تفرد به أيوب بن نهيك. =\n_________\n[¬١]- في خ: \"عباس\".\n[¬٢]- في خ: \"خليد\".\n[¬٣]- في خ: \"وروى\".\n[¬٤]- سقط من: خ.","vol":"3","page":390},{"text":"(حديث آخر) قال أبو داود الطالسي (^١٦٣): حدثنا شعبة، أخبرنا إبراهيم بن ميمون، وأخبرني رجل من بلحارث (*) -يقال له: أيوب- قال: سمعت عبد الله بن عمر يقول: \"من تاب قبل موته بعام تيب عليه، ومن تاب قبل موته بشهر تيب عليه، ومن تاب قبل موته بجمعة تيب عليه، ومن تاب قبل موته بيوم تيب عليه، ومن تاب قبل موته بساعة تيب عليه\". فقلت له: إنما قال الله: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾ فقال: إنما أحدثك ما سمعته من رسول الله ﷺ.\nوهكذا رواه أبو داود الطيالسي، وأبو عمر الحوضي (^١٦٤)، وأبو عامر العقدي، عن شعبة (^١٦٥).\n(حديث آخر) قال الإِمام أحمد (^١٦٦): حدَّثنا حسين بن محمد، حَدَّثَنَا محمد بن\n_________\n= وأيوب بن نهيك ضعفه أبو حاتم، وقال أبو زرعة: منكر الحديث. وذكره ابن حبان في ثقاته، وقال: يخطئ. والراوى عنه: يحيى بن عبد الله البابلتي، ضعفه غير واحد، وقال ابن حبان: يأتي عن الثقات بأشياء معضلة يهم فيها، فهو ساقط الاحتجاج فيما انفرد به.\n(^١٦٣) - في مسنده برقم (٢٢٨٤)، ومن طريقه رواه ابن أبي حاتم في تفسيره (٣/ ٨٩٩)، وقد وقع سقط في المطبوع من مسند الطيالسي وتفسير ابن أبي حاتم، فإن تمام الإسناد: أخبرني رجل من بلحارث \"أنه سمع رجلًا منا\" يقال له: أيوب. وكان في الأصل عند ابن كثير: عبد الله بن عمر، وإنما هو عبد الله بن عمرو، كما هو في مسند الطيالسي وغيره.\n(*) - في ز، خ، ث: ملحان.\n(^١٦٤) - وعنه البخاري في تاريخه الكبير (١/ ٤٢٧) (١٣٧٤).\n(^١٦٥) - ورواه أيضًا عن شعبة: محمد بن جعفر غندر، عند ابن جرير في تفسيره (٨/ ٩٩) (٨٨٦٣)، وعفان بن مسلم: عند أحمد في مسنده (٢/ ٢٠٦) (٦٩٢٠)، ووهب بن جرير: عند ابن أبي حاتم في تفسيره (٣/ ٩٠٠)، والبيهقي في شعب الإيمان (٥/ ٣٩٧) (٧٠٦٧) - كلهم عن شعبة، عن إبراهيم بن ميمون، عن رجل من بني الحارث، قال: حدثني رجل منا يقال له: أيوب … فذكره.\n(^١٦٦) - في مسنده (٣/ ٤٢٥) (١٥٥٤١). ورواه الحاكم- في المستدرك (٤/ ٢٥٧ - ٢٥٨)، وعنه البيهقي في شعب الإيمان (٥/ ٣٩٧ - ٣٩٨) من طريق هشام بن سعد، وعبد العزيز بن محمد الدراوردي، كلاهما عن زيد بن أسلم، عن عبد الرحمن بن البيلماني، عن رجل من أصحاب رسول الله ﷺ … فذكره.\nثم أخرجه الحاكم من طريق سفيان الثوري قال: كتبت إلى عبد الرحمن بن البيلماني (لعله: إلى ابن عبد الرحمن) أسأله عن حديث يحدث به عن أبيه، فكتب إليّ: أن أباه حدثه: أنه جلس إلى نفر من أصحاب النبي ﷺ … فذكره.\nثم قال: سفيان بن سعيد ﵁ وإن كان أحفظ من الدراوردي وهشام بن سعد- فإنه =","vol":"3","page":391},{"text":"مطرف، عن زيد بن أسلم، عن عبد الرحمن بن البيلماني قال: اجتمع أربعة من أصحاب رسول الله ﷺ، فقال أحدهم: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"إن الله يقبل توبة العبد قبل أن يموت بيوم\". فقال الآخر: أنت سمعت هذا من رسول الله ﷺ؟ قال: نعم. قال: وأنا سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"إن الله يقبل توبة العبد قبل أن يموت بنصف يوم\". فقال الثالث: أنت سمعت هذا من رسول الله ﷺ؟ قال: نعم. قال: وأنا سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"إن الله يقبل توبة العبد في أن يموت بضحوة\". قال الرابع: أنت سمعت هذا من رسول الله ﷺ؟ قال: نعم. قال: وأنا سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر بنفسه\". وقد رواه سعيد بن منصور، عن الدراوردي، عن زيد بن أسلم، عن عبد الرحمن بن البيلماني، فذكر قريبًا منه.\n(حديث آخر)؛ قال أبو بكر بن مردُويه: حَدَّثَنَا إسحاق بن إبراهيم بن زيد، حَدَّثَنَا عمران بن عبد الرحيم، حَدَّثَنَا عثمان بن الهيثم، حَدَّثَنَا عوف، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن الله يقبل توبة عبده ما لم يغرغر\" (^١٦٧).\n_________\n= لم يذكر سماعه في هذا الحديث من ابن البيلماني ولا زيد بن أسلم، إنما ذكر إجازة ومكاتبة، فالقول فيه قول من قال: عن زيد بن أسلم، عن ابن البيلماني، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ. وقد شفى عبد الله بن نافع المدني؛ فبين في روايته عن هشام بن سعد أن الصحابي: عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، ثم أخرجه من طريق ابن نافع على الوجه الذي ذكره.\n(^١٦٧) - في إسناده: عمران بن عبد الرحيم بن أبي الورد الأصبهاني، قال السليماني: فيه نظر، هو الذي وضع حديث أبي حنيفة عن مالك. وقال أبو الشيخ: كان يرمي بالرفض. حدث عن عمر بن حفص بعجائب. وشيخه: عثمان بن الهيثم البصري، من رجال البخاري، قال أبو حاتم: كان صدوقًا، غير أنه بآخِره كان يتلقن ما يُلَقَّنُ. ووثقه ابن حبان، وقال الساجي: صدوق، ذكر عند أحمد بن حنبل فأومأ إلى أنه ليس بثبت، وهو من الأصاغر الذين حدثوا عن ابن جريج وعوف، ولم يحدث عنه. وقال الدارقطني: صدوق كثير الخطأ.\nوقد روى الثقات هذا الحديث عن عوف الأعرابي، عن الحسن مرسلًا ولم يسندوه (انظر الحديث التالي) وهو الأوْلى.","vol":"3","page":392},{"text":"(أحاديث في ذلك مرسلة)\nقال ابن جرير (^١٦٨): حَدَّثَنَا محمد بن بشار، حَدَّثَنَا ابن أبي عدي، عن عوف، عن الحسن، قال: بلغني أن رسول الله ﷺ قال: \"إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر\".\nهذا مرسل حسن عن الحسن البصري رحمه الله تعالى.\nوقد قال ابن جربر أيضًا (^١٦٩) ﵀: حَدَّثَنَا ابن بشار، حَدَّثَنَا معاذ بن هشام، حدثني أبي، عن قتادة، عن العلاء بن زياد، عن أبي أيوب بشير بن كعب، أن نبي الله ﷺ قال: \"إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر\".\nوحَدَّثَنَا ابن بشار، حَدَّثَنَا عبد الأعلى، عن سعيد، عن قتادة، عن عبادة بن الصامت، أن رسول الله ﷺ قال: … فذكر مثله (^١٧٠).\n(أثر [¬١] آخر) قال ابن جرير (^١٧١): حَدَّثَنَا ابن بشار، حَدَّثَنَا أبو داود، حَدَّثَنَا عمران، عن قتادة، قال: كنا عند أنس بن مالك وثم أبي قلابة، فحدث أبو قلابة، فقال: إن الله تعالى لما لعن [¬٢] إبليس سأله [¬٣] النظرة، فقال: وعزتك وجلالك لا أخرج من قلب ابن آدم ما دام فيه الروح. فقال الله ﷿: وعزتي لا أمنعه التوبة ما دام فيه الروح.\nوقد ورد هذا في [¬٤] حديث مرفوع، رواه الإمام أحمد في مسنده، من طريق عمرو بن أبي عمرو، وأبي الهيثم العتواري، كلاهما عن أبي سعيد، عن النبي ﷺ، قال: \"قال إبليس: يا رب وعزتك لا أزال أغويهم ما دامت أرواحهم في أجسادهم. فقال الله ﷿:\n_________\n(^١٦٨) - في تفسيره (٨/ ٩٦) (٨٨٥٩)، وكذا رواه ابن أبي شيبة في مصنفه (٨/ ٢٣٩) كتاب الزهد، باب: في كثرة الاستغفار والتوبة، عن أبي خالد الأحمر، عن عوف، عن الحسن مرسلًا.\n(^١٦٩) - في تفسيره (٨/ ٩٦) (٨٨٥٧)، وهذا حديث مرسل، فإن بُشَيرًا تابعي يروى عن أبي الدرداء وأبي ذر وأبي هريرة.\n(^١٧٠) - المصدر السابق، برقم (٨٨٥٨)، وقد قال الحاكم في علوم الحدث: لم يسمع قتادة من صحابي غير أنس.\n(^١٧١) - المصدر السابق (٨/ ٩٥) (٨٨٥٤)، ورواه أيضًا من طرق هشام الدستوائي، عن قتادة، عن أبي قلابة (٨٨٥٣)، ومن طريق أيوب السختياني، عن أبي قلابة.\n_________\n[¬١]- في خ: \"حديث\".\n[¬٢]- في خ: \"أمر\".\n[¬٣]- في خ: \"فسأله\".\n[¬٤]- في خ: \"من\".","vol":"3","page":393},{"text":"وعزتي وجلالي ولا أزال أغفر لهم ما استغفروني\" (^١٧٢).\nفقد دلت هذه الأحاديث على أن من تاب إلى اللَّه ﷿ وهو يرجو الحياة فإن توبته مقبولة، ولهذا قال تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ وأمّا متى وقع الإِياس من الحياة، وعاين الملك، وحشرجت الروح في الحلق، وضاق بها الصدر، وبلغت الحلقوم، وغرغرت النفس صاعدة في الغلاصم، فلا توبة مقبولة [¬١] حينئذ، ولات حين مناص؛\n_________\n(^١٧٢) - أما حديث عمرو بن أبي عمرو عن أبي سعيد: فهو عند أحمد في المسند (٣/ ٢٩، ٤١) (١١٢٦٠) (١١٣٨٣)، ورواه أبو يعلى في مسنده (٢/ ٤٥٨) (١٢٧٣)، والطبراني في الأوسط (٨/ ٣٣٣) (٨٧٨٨)، وعنه أبو نعيم في الحلية (٨/ ٣٣٢) - كلهم من طريق الليث بن سعد، عن يزيد بن عبد الله بن الهاد، عن عمرو بن أبي عمرو، عن أبي سعيد الخدري ﵁ مرفوعًا.\nقال الطبراني: لا يُروى هذا الحديث عن أبي سعيد إلا بهذا الإسناد، تفرد به الليث.\nوعمرو بن أبي عمرو مولى المطلب بن حنطب المخزومي: سبق ذكر كلام الأئمة فيه. انظر حاشية (١٥٦)، وسماعه من أبي سعيد الخدري بعيد.\nوأما حديث أبي الهيثم، عن أبي سعيد: فهو عند أحمد في المسند (٣/ ٢٩، ٧٦) (١١٢٥٣) (١١٧٤٦). ورواه عبد بن حميد في المنتخب (٩٣٢)، وأبو يعلى في مسنده (٢/ ٢٣٠) (١٣٩٩)، والبيهقي في الأسماء والصفات (١/ ٣٣٥) (٢٦٥)، والبغوي في شرح السنة (٥/ ٧٦) (١٢٩٣) - كلهم من طريق عبد الله بن لهيعة. وأخرجه الحاكم في المستدرك (٤/ ٢٦١) من طريق عمرو بن الحارث - كلاهما (أعني ابن لهيعة وعَمْرًا) عن أبي السمح دَرّاج بن سمعان عن أبي الهيثم سليمان بن عمرو العُتْواري المصري عن أبي سعيد الخدري ﵁ مرفوعًا. قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.\nودَراجٌ أبو السمح: وثقه ابن معين وابن حبان وابن شاهين، وقال أحمد والنسائي: منكر الحديث، وقال أبو حاتم: في حديثه ضعف، وضعفه الدارقطني وغيره.\nوأحاديثه التي يرويها عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد فيها بعض مناكير، وعامتُها لا بأس بها، قال أحمد بن حنبل: أحاديث دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد: فيها ضعف. وقال أبو داود: أحاديثه مستقيمة إلا ما كان عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد. بينما قال ابن معين: ما كان هكذا بهذا الإسناد فليس به بأس. وبمثل ذلك قال ابن شاهين في الثقات، وقد أدخله ابن حبان والحاكم في صحيحيهما. وهذا كله يوضحه ما رواه عباس الدوري عن ابن معين، فإنه قال -بعد أن ذكر مقالته السالفة-: فقلت له: إن درَّاجًا حدث عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد، عن النبي ﷺ \"أصدق الرؤيا بالأسحار\" ويروى أيضًا: \"اذكر الله حتى يقولوا مجنون\"؟ قال: هما ثقة درَّاج وأبو الهيثم، وقد روى بعض هذه الأحاديث عمرو بن الحارث. =\n_________\n[¬١]- في خ: \"متقبلة\".","vol":"3","page":394},{"text":"ولهذا قال: ﴿وَلَيسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَال إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ وهذا كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (٨٤) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ الآية. وكما حكم تعالى بعدم توبة أهل الأرض إذا عاينوا الشمس طالعة من مغربها في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيرًا﴾. الآية. وقوله ﴿وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ يعني: أن الكافر إذا مات على كفره وشركه لا ينفعه ندمه ولا توبته، ولا يقبل منه [¬١] فدية ولو بملء الأرض.\nقال ابن عباس، وأبو العالية، والربيع بن أنس: ﴿وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾، قالوا: نزلت في أهل الشرك. وقال الإمام أحمد (^١٧٣): حَدَّثَنَا سليمان بن داود، قال: حَدَّثَنَا عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان، حدثني أبي، عن مكحول، أن عمر بن نعيم حدثه، عن [أسامة بن سلمان] [¬٢] \"أن أبا ذر حدثهم، أن رسول الله ﷺ قال: \"إن الله يقبل توبة\n_________\n= ولذلك قال ابن عدي -بعد أن ذكر ذلك وشيئًا من مناكير درّاج-: وسائر أخبار درّاج غير ما ذكرتُ من هذه الأحاديث يتابعه الناس عليها، وأرجو -إذا أخرجتُ درّاجًا وبَرَّأتُه من هذه الأحاديث التي أنكرتْ عليه- أن سائر أحاديثه لا بأس بها، وتَقْرُبُ صورَتُه مما قال فيه يحيى بن معين. ا هـ. الكامل (٣/ ٩٨٢) ويشهد لذلك: أن ابن حبان نقل في صحيحه عن الإمام أحمد أنه قال لِمَوْهَب بن يزيدَ: أيش كتبت بالشام؟ فذكر له حديث دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد مرفوعًا: \"لا حليم إلا ذو عثرة\". فقال أحمد: لو لم تسمع إلا هذا لم تذهب رحلتُك. الإحسان (١/ ٤٢٢). مع أنه هو الذي قال عنها: فيها ضعف. فهو يريد إذن: ما أنكر فيها من الأحاديث.\nوعلى ذلك: فهذا الحديث لا بأس به؛ إذ ليس هو من مناكير درَّاج. أضِف إلى ذلك: أن ابن معين قد استشهد برواية عمرو بن الحارث لبعض أحاديث درّاج عن أبي الهيثم على صحتها، وهذا الحديث قد رواه عمرو بن الحارث عن درّاج (كما عند الحاكم فيما مر). والله أعلم.\n(^١٧٣) - في مسنده (٥/ ١٧٤) (٢١٦٠٥) عن أبي داود الطيالسي، وأخرجه أيضًا عن زيد بن الحباب: (٢١٦٠٦)، وعلي بن عياش وعصام بن خالد (٢١٦٠٧) - أربعتهم عن عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان عن أبيه به.\nوأخرجه أيضًا: البخاري في التاريخ الكبير (٢/ ٢١) (١٥٥٦) عن عاصم بن علي، والبزار في مسنده (البحر الزخار (٩/ ٤٤٤) من طريق أبي داود الطيالسي والهيثم بن جميل (٤٠٥٥، ٤٠٥٦) عن ابن ثوبان عن أبيه به. وفي إسناده سقط.\nقال البزار: وهذا الكلام لا نعلمه يُروى عن أبي ذر إلا بهذا الإسناد. وقد تقدم الكلام على عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان، وقول جزرة في أنهم أنكروا عليه أحاديث يرويها عن أبيه عن مكحول. انظر حاشية (١٦١).\n_________\n[¬١]- في خ: \"منها\".\n[¬٢]- سقط من: خ.","vol":"3","page":395},{"text":"عبده، أو يغفر لعبده، ما لم يقع الحجاب\". قيل: وما وقوع الحجاب؟ قال: \"أن تخرج النفس وهي مشركة\"؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ أي: موجعًا شديدًا مقيمًا.\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيتُمُوهُنَّ إلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيرًا كَثِيرًا (١٩) وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَال زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٢٠) وَكَيفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (٢١) وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إلا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا (٢٢)﴾\nقال البخاري (^١٧٤): حَدَّثَنَا محمد بن مقاتل، حَدَّثَنَا أسباط بن محمد، حَدَّثَنَا الشيباني، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال الشيباني: وذكره أبو الحسن السوائي، ولا أظنه ذكره إلا عن ابن عباس ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ قال: كانوا إذا مات الرجل كان أولياؤه أحق بامرأته، أن شاء بعضهم تزوجها، وإن شاءوا زوجوها، [وإن شاءوا لم يزوجوها] [¬١] فهم أحق بها من أهلها، فنزلت هذه الآية في ذلك.\nهكذا رواه [¬٢] البخاري وأبو داود والنسائي وابن مردُويه وابن أبي حاتم (^١٧٥) من حديث أبي\n_________\n(^١٧٤) - في صحيحه، كتاب التفسير، باب: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا …﴾ (٤٥٧٩) وطرفه في (٦٩٤٨).\n(^١٧٥) - سنن أبي داود، كتاب النكاح، باب: قوله تعالى: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ (٢٠٨٩)، والنسائي في السنن الكبرى، كتاب التفسير، باب: قوله تعالى: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ (٦/ ٣٢١) (١١٠٩٤)، وتفسير ابن أبي حاتم (٣/ ٩٠٢) (٥٠٢٩) - كلهم من طريق أسباط بن محمد، عن الشيباني، عن عكرمة، عن ابن عباس به.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفين من: خ.\n[¬٢]- في ت: \"ذكره\".","vol":"3","page":396},{"text":"إسحاق الشيباني واسمه سليمان بن أبي سليمان، عن عكرمة، وعن أبي الحسن السوائي، واسمه عطاء -كوفي أعمى- كلاهما عن ابن عباس بما تقدم.\nوقال أبو داود (^١٧٦): حَدَّثَنَا أحمد بن محمد بن ثابت المروزي، حدثني علي بن حسين، عن أبيه، عن يزيد النحوي، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيتُمُوهُنَّ إلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ وذلك أن الرجل كان يرث امرأة ذي قرابته فيعضلها حتى تموت أو ترد إليه صداقها، فأحكم الله تعالى عن ذلك، أي: نهى عن ذلك.\nتفرد به أبو داود، وقد رواه غير واحد، عن ابن عباس بنحو ذلك. فقال وكيع، عن سفيان، عن علي بن بذيمة، عن مقسم، عن ابن عباس: كانت المرأة في الجاهلية إذا توفي عنها زوجها فجاء رجل فألقى عليها ثوبًا كان أحق بها فنزلت: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾.\nوروى علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، في قوله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ قال: كان الرجل إذا مات وترك جارية ألقى عليها حَميُّه [¬١] ثوبه، فمنعها من الناس، فإن كانت جميلة تزوجها، وإن كانت دميمة حبسها حتى تموت فيرثها.\nوروى العوفي، عنه، كان الرجل من أهل المدينة إذا مات حميم أحدهم ألقى ثوبه على امرأته، فورث نكاحها ولم ينكحها أحد غيره، وحبسها عنده [¬٢] حتى تفتدي منه بفدية. فأنزل الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾.\nوقال زيد بن أسلم في قوله: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ كان أهل يثرب، إذا مات الرجل منهم في الجاهلية ورث امرأته من ورث ماله، وكان يعضلها حتى يرثها، أو يزوجها من أراد، وكان أهل تهامة يسيء الرجل صحبة المرأة حتى يطلقها، ويشترط عليها أن لا تنكح إلا من أراد، حتى تفتدي منه ببعض ما أعطاها، فنهى الله المؤمنين عن ذلك. رواه ابن أبي حاتم (^١٧٧).\n_________\n(^١٧٦) - في سننه، كتاب النكاح: باب: قوله تعالى: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ (٢٠٩٠).\n(^١٧٧) - في تفسيره (٣/ ٩٠٣) (٥٠٣٣).\n_________\n[¬١]- في ت: \"حميمه\".\n[¬٢]- سقط من: خ.","vol":"3","page":397},{"text":"وقال أبو بكر بن مردُويه: حَدَّثَنَا محمد [¬١] بن أحمد بن إبراهيم، حَدَّثَنَا موسى بن إسحاق، حَدَّثَنَا علي بن المنذر، حَدَّثَنَا محمد بن فضيل، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن أبي أمامة بن سهل بن حنيف، عن أبيه قال: لما توفي أبو قيس بن الأسلت أراد ابنه أن يتزوج امرأته، وكان لهم ذلك في الجاهلية، فأنزل الله: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾.\nورواه ابن جرير (^١٧٨) من حديث محمد بن فضيل به. ثم روى من طريق ابن جريج قال: أخبرني عطاء، أن أهل الجاهلية كانوا إذا هلك الرجل وترك امرأة حبسها أهله [¬٢] على الصبي يكون فيهم، فنزلت: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ الآية.\nوقال ابن جريج: قال مجاهد: كان الرجل إذا توفي كان ابنه أحق بامرأته، ينكحها إن شاء إذا لم يكن ابنها، أو ينكحها من شاء أخاه، أو ابن اخيه.\nوقال ابن جريج: قال عكرمة: نزلت في كبيشة بنت معن بن عاصم من [¬٣] الأوس، توفي عنها أبو قيس بن الأسلت، فجنح عليها ابنه، فجاءت رسول الله ﷺ، فقالت: يا رسول الله، لا أنا ورثت زوجي، ولا أنا تركت فأنكح، فأنزل الله [¬٤] هذه الآية.\nوقال السدي، عن أبي مالك: كانت المرأة في الجاهلية إذا مات زوجها جاء وليه فألقى عليها ثوبًا، فإن كان له ابن صغير، أو أخ حبسها حتى يشب أو تموت فيرثها، فإن هي انفلتت فأتت أهلها ولم يلق عليها ثوبًا نجت، فأنزل الله: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾.\nوقال مجاهد في قوله: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ قال: كان الرجل يكون في حجره اليتيمة هو يلي أمرها، فيحبسها رجاء أن تموت امرأته فيتزوجها، أو يزوجها ابنه. رواه ابن أبي حاتم (^١٧٩)، ثم قال: وروي عن الشعبي وعطاء بن أبي رباح، وأبي مجلز، والضحاك، والزهري، وعطاء الخراساني، ومقاتل بن حيان نحو ذلك.\nقلت: فالآية تعم ما كان يفعله أهل الجاهلية، وما ذكره مجاهد ومن وافقه، فكل ما كان فيه نوع من ذلك. والله أعلم.\n_________\n(^١٧٨) - في تفسيره (٨/ ١٠٥) (٨٨٧٠)، وكذا رواه النسائي في الكبرى (٦/ ٣٢١) (١١٠٩٥) عن علي بن المنذر، عن ابن فضيل، وكذا ابن أبي حاتم في تفسيره (٣/ ٩٠٢) عن ابن فضيل به.\n(^١٧٩) - في تفسيره (٢/ ٩٠٢ - ٩٠٣) (٥٠٣٢).\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- في خ: \"أهلها\".\n[¬٣]- في خ: \"ابن\".\n[¬٤]- في خ: \"فنزلت\".","vol":"3","page":398},{"text":"وقوله: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيتُمُوهُنَّ﴾ أي: لا تضاروهن في العشرة لتترك لك ما أصدقتها أو بعضه، أو حقًّا من حقوقها عليك، أو شيئًا من ذلك على وجه القهر لها والاضطهاد.\nوقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، في قوله: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ يقول: ولا تقهروهن ﴿لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيتُمُوهُنَّ﴾ يعني: الرجل تكون له المرأة وهو كاره لصحبتها، ولها عليه مهر، فيضرها لتفتدي به [¬١]\nوكذا قال الضحاك وقتادة [وغير واحد] [¬٢]، واختاره ابن جرير (^١٨٠).\nوقال ابن المبارك وعبد الرزاق (^١٨١): أخبرنا معمر، أخبرني سماك بن الفضل، عن ابن البيلماني قال: نزلت هاتان الآيتان إحداهما في أمر الجاهلية، والأخرى في أمر الإسلام.\nقال عبد الله بن المبارك: يعني قوله: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ في الجاهلية ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ في الإِسلام.\nوقوله: ﴿إلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ قال ابن مسعود، وابن عباس، وسعيد بن المسيب، والشعبي، والحسن البصري، ومحمد بن سيرين، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وعكرمة، وعطاء الخراساني، والضحاك، وأبو قلابة، وأبو صالح، والسدي، وزيد بن أسلم، وسعيد بن أبي هلال: يعني بذلك الزنا -يعني إذا زنت فلك أن تسترجع منها الصداق الذي أعطيتها وتضاجرها حتى تتركه لك وتخالعها، كما قال تعالى في سورة البقرة: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيتُمُوهُنَّ شَيئًا إلا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾.\nوقال ابن عباس وعكرمة والضحاك: الفاحشة المبينة: النشوز والعصيان. واختار ابن جرير أنه يعم ذلك كله؛ الزنا، والعصيان، والنشوز، وبذاء اللسان، وغير ذلك (^١٨٢).\nيعني أن هذا كله يبيح مضاجرتها حتى تبرئه من حقها أو بعضه ويفارقها، وهذا جيد، والله\n_________\n(^١٨٠) - انظر: تفسير ابن جرير (٨/ ١١٣).\n(^١٨١) - تفسير عبد الرزاق (١/ ١٥٢) وعنه ابن جرير في تفسيره (١/ ١١٨) (٨٨٨٥).\n(^١٨٢) - انظر: تفسير ابن جرير (٨/ ١١٨).\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- سقط من: خ.","vol":"3","page":399},{"text":"أعلم. وقد تقدم فيما رواه أبو داود، منفردًا من طريق يزيد النحوي، عن عكرمة، عن ابن عباس، في قوله: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيتُمُوهُنَّ إلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ قال: وذلك أن الرجل كان يرث امرأة ذي قرابته، فيعضلها حتى تموت أو ترد إليه صداقها، فأحكم الله عن ذلك، أي: نهى عن ذلك.\nقال عكرمة، والحسن البصري: وهذا يقتضي أن يكون السياق كله كان في أمر الجاهلية، ولكن نُهِيَ المسلمون عن فعله في الإِسلام.\nوقال عبد الرحمن بن زيد: كان العضل في قريش بمكة، ينكح الرجل المرأة الشريفة، فلعلها لا توافقه فيفارقها على أن لا تتزوج إلا بإذنه، فيأتي بالشهود، فيكتب ذلك عليها ويشهد، فإذا خطبها الخاطب، فإن أعطته وأرضته [¬١] أذن لها، وإلا عضلها. قال: فهذا قوله: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيتُمُوهُنَّ﴾. الآية.\nوقال مجاهد في قوله: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيتُمُوهُنَّ﴾: هو كالعضل في سورة البقرة.\nوقوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي: طيبوا أقوالكم لهن، وحسنوا أفعالكم وهيئاتكم، بحسب قدرتكم، كما تحب ذلك منها فافعل أنت بها مثله، كما قال تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾. وقال رسول الله ﷺ: \"خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهله\" (^١٨٣).\n_________\n(^١٨٣) - أخرجه الترمذي في كتاب المناقب، باب: في فضل أزواج النبي ﷺ (٣٨٩٢)، والدارمي في سننه (٢/ ١٥٩)، وابن حبان في صحيحه: الإحسان (٩/ ٤٨٤) (٤١٧٧)، وأبو نعيم في الحلية (٧/ ١٣٨)، والبيهقي في السنن الكبرى (٧/ ٤٦٨) - كلهم من طريق محمد بن يوسف الفريابي، عن سفيان الثوري، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂ مرفوعًا.\nقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب صحيح من حديث الثوري، ما أقَلَّ من رواه عن الثوري! وروى هذا، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن النبي ﷺ مرسل. وقال أبو نعيم: تفرد به عن الثوريِّ الفريابيّ. ومحمد بن يوسف الفريابي: إمام من أصحاب الثوري، وثقه الأئمة، ولكن نقل العجلي عن بعض البغداديين قوله: أخطأ محمد بن يوسف في مائة وخمسين حديثًا من حديث سفيان.\nوقال ابن عدي: له إفرادات عن الثوري، وله حديث كثير عن الثوري، وقد تقدم الفريابي في الثوري على جماعة مثل عبد الرزاق ونظرائه، وقالوا: الفريابي أعلم بالثوري منهم ا هـ. وللحديث طرق أخرى لا نطيل بذكرها.\n_________\n[¬١]- بعده في خ: \"فإن\".","vol":"3","page":400},{"text":"وكان من أخلاقه ﷺ أنه جميل العشرة، دائم البشر، يداعب أهله، ويتلطف بهم، ويوسعهم نفقته، ويضاحك نساءه، حتى إنه كان يسابق عائشة أمّ المؤمنين ﵂ يتودّد إليها بذلك. قالت: سابقني رسول الله ﷺ فسبقته، وذلك قبل أن أحمل اللحم، ثم سابقته بعد ما حملت اللحم فسبقني، فقال: \"هذه بتلك\" (^١٨٤). ويجتمع [¬١] نساؤه كل ليلة في بيت التي يبيت عندها رسول الله ﷺ فيأكل معهن العشاء في بعض الأحيان، ثم تنصرف كل واحدة إلى منزلها، وكان ينام مع المرأة من نسائه في شعار واحد يضع عن كتفيه الرداء وينام بالإزار، وكان إذا صلى العشاء يدخل منزله يسمر مع أهله قليلًا قبل أن ينام، يؤانسهم بذلك ﷺ. وقد قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾.\nوأحكام عشرة النساء وما يتعلق بتفصيل ذلك موضعه كتاب [¬٢] الأحكام، ولله الحمد.\nوقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيرًا كَثِيرًا﴾ أي: فعسى أن يكون صبركم [مع إمساككم لهن مع كراهتهن] [¬٣] فيه خير كثير لكم في الدنيا والآخرة. كما قال ابن عباس في هذه الآية: هو أن يعطف عليها فيرزق منها ولدًا، ويكون في ذلك الولدِ خيرٌ كثير. وفي الحديث الصحيح: \"لا يفرك مؤمن مؤمنة، إن سخط منها خُلقًا رضي منها آخر\" (^١٨٥).\nوقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَال زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ أي: إذا اراد أحدكم أن يفارق امرأة ويستبدل مكانها غيرها، فلا يأخذن مما كان أصدق الأولى شيئًا، ولو كان قنطارًا من المال.\n_________\n(^١٨٤) - رواه أحمد في مسنده (٦/ ٣٩) (٢٤١٦٤)، والنسائي في الكبرى، كتاب عشرة النساء، باب: مسابقة الرجل زوجته (٥/ ٣٠٣) (٨٩٤٢)، وابن ماجة في كتاب النكاح، باب: حسن معاشرة النساء (١٩٧٩)، والحميدي في مسنده (٢٦١) من طريق سفيان بن عيينة. ورواه أبو داود في كتاب الجهاد، باب: في السبق على الرجل (٢٥٧٨)، والنسائي في السنن الكبرى (٥/ ٣٠٤) (٨٩٤٤) من طريق أبي إسحاق الفزاري- كلاهما (ابن عيينة وأبو إسحاق) عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة.\n(^١٨٥) - رواه مسلم في صحيحه، كتاب الرضاع (١٤٦٩)، وأحمد في مسنده (٢/ ٣٢٩) (٨٣٤٥) من طريق عبد الحميد بن جعفر، عن عمران بن أبي أنس، عن عمر بن الحكم، عن أبي هريرة مرفوعًا.\n_________\n[¬١]- في ت: \"ويجمع\".\n[¬٢]- في ت: \"كتب\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في ت: \"في إمساكهن مع الكراهة\".","vol":"3","page":401},{"text":"وقد قدمنا في سورة آل عمران الكلام على القنطار بما فيه كفاية عن إعادته هاهنا.\nوفي هذه الآية دلالة على جواز الإصداق بالمال الجزيل، وقد كان عمر بن الخطاب نهى عن كثرة الإِصداق، ثم رجع عن ذلك. كما قال الإمام أحمد (^١٨٦): حَدَّثَنَا إسماعيل، حَدَّثَنَا سلمة بن علقمة، عن محمد بن سيرين، قال: نبئت عن أبي العجفاء السلمي قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: ألا لا تغلوا في صداق النساء، فإنها لو كانت مكرمة في الدنيا، أو تقوى عند الله، كان أولاكم بها النبي ﷺ، ما أصدق رسول الله ﷺ في امرأة من نسائه، ولا أصدقت امرأة من بناته أكثر من اثنتي عشرة أوقية، وإن كان الرجل ليبتلى بصدقة امرأته حتى يكون لها عداوة في نفسه، وحتى يقول: كلفت إليك علق القربة (*). ثم رواه الإِمام أحمد وأهل السنن (^١٨٧) من طرق، عن محمد بن سيرين، عن أبي\n_________\n(^١٨٦) - في مسنده (١/ ٤٠ - ٤١) (٢٨٥).\n(*) - أي تحملت لأجلك كل شيء حتى علق القربة. وهو حبلها الذي تُعلَّق به. النهاية (٣/ ٢٩٠).\n(^١٨٧) - المسند (١/ ٤١) (٢٨٧) وفيه: قال إسماعيل: وذكر أيوب وهشام وابن عون، عن محمد، عن أبي العجفاء، عن عمر نحوًا من حديث سلمة، إلا أنهم قالوا: لم يقل محمد: نبئت عن أبي العجفاء. ورواه أبو داود في كتاب النكاح، باب: الصداق (٢١٠٥)، والترمذي في كتاب النكاح (١١١٤)، والنسائي في كتاب النكاح، باب: القسط في الأصدقة (٦/ ١١٧)، وابن ماجة في كتاب النكاح، باب: صداق النساء (١٨٨٧) - كلهم عن محمد بن سيرين، عن أبي العجفاء السلمي موصولًا.\n- قال الإمام أبو الحسن الدارقطني ﵁: هو حديث رواه محمد بن سيرين، واختلف على ابن سيرين فيه: فرواه أيوب السختياني، وابن عون، وهشام بن حسان، ومنصور بن زاذان، وأشعث بن سوّار، ومطر الوراق، والصلت بن دينار، ومحمد بن عمرو الأنصاري، وعوف الأعرابي، وإسماعيل بن مسلم، ومُجَّاعة بن الزبير، وعَبيدة بن حسان، وعقبة بن خالد الشني، ويحيى بن عتيق، وأبو حرة، وأخوه- عن محمد بن سيرين، عن أبي العجفاء.\nفاتفق ابن عيينة، وحماد بن زيد، وابن علية، والحارث بن عمير، وعبد الوهاب الثقفي، ومعمر، وحماد بن سلمة، عن أيوب. وخالفهم عمرو بن أبي قيس، فرواه عن أيوب، عن ابن سيرين، عن ابن أبي العجفاء، عن أبيه.\nورواه سلمة بن علقمة، عن ابن سيرين قال: نبئتُ عن أبي العجفاء، ففي رواية سلمة بن علقمة تقوية لرواية عمرو بن أبي قيس عن أيوب. ورواه عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان، عن أبيه، عن ابن سيرين مرسلًا، عن عمر.\nوتابعه جرير بن حازم عن ابن سيرين وقال معاذ بن معاذ: عن ابن عون، عن ابن سيرين، عن أبي العجفاء -أو ابن أبي العجفاء- عن عمر. وقال منصور بن زاذان: عن ابن سيرين: ثنا أبو العجفاء.\nقال الشيخ أبو الحسن: كأنَّ عمرَو بن أبي قيس حفظه عن أيوب، فيُشبه أن يكون ابنُ سيرين سمعه من أبي العجفاء، وحفظه عن ابن أبي العجفاء عن أبيه. والله أعلم. العلل (٢/ ٢٣٣ - ٢٣٧).","vol":"3","page":402},{"text":"العجفاء -واسمه هرم بن مسيب البصري- وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.\n(طريق [¬١] أخرى عن عمر) قال الحافظ أبو يعلى (^١٨٨): حَدَّثَنَا أبو خيثمة، حَدَّثَنَا يعقوب بن إبراهيم، حَدَّثَنَا أبي، عن ابن إسحاق، حدثني محمد بن عبد الرحمن، عن المجالد بن سعيد، عن الشعبي، عن مسروق، قال: ركب عمر بن الخطاب منبر رسول الله ﷺ ثم قال: أيها الناس، ما إكثاركم [¬٢] في صُدُق النساء؟ قد كان رسول الله ﷺ وأصحابه وإنما الصدقات فيما بينهم أربعمائة درهم، فما دون ذلك، ولو كان الإكثار في ذلك تقوى عند الله أو كرامة لم تسبقوهم إليها، فلا أعرفن ما زاد رجل في صَداق امرأة على أربعمائة درهم، قال: ثم نزل، فاعترضته امرأة من قريش، فقالت: يا أمير المؤمنين، نهيت الناس أن يزيدوا في النساء صداقهن [¬٣] على أربعمائة درهم؟ قال: نعم. قالت: أما سمعت ما أنزل الله في القرآن؟ قال: وأي ذلك؟ فقالت: أما سمعت الله يقول: ﴿وَآتَيتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾. الآية. قال: فقال: الَّلهم غفرًا، كل الناس أفقه من عمر. ثم رجع فركب المنبر فقال: [أيها الناس] [¬٤]، إني كنت نهيتكم أن تزيدوا النساء في صداقهنّ على أربعمائة درهم، فمن شاء أن يعطي من ماله ما أحب. قال أبو يعلى: وأظنه قال: فمن طابت نفسه فليفعل. إسناده جيد قوي.\n_________\n(^١٨٨) - أخرجه أبو يعلى، (كما في المطالب العالية (٤/ ١٩١) (١٦٧٤)، والبزار في مسنده البحر الزخار (١/ ٤٥٢) (٣٢٠)، والدارقطني في العلل (٢/ ٢٣٩).\n- كلهم من طريق يعقوب بن إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن محمد بن إسحاق، حدثني محمد بن عبد الرحمن، عن مجالد بن سعيد، عن الشعبي عن مسروق عن عمر ﵁ به. وقع عند البزار بين ابن إسحاق ومجالد: محمد بن سعيد، وجاء عند الدارقطني: محمد بن عبد الله بن سعيد. وقد رواه البزار (١/ ٤٥٢) (٣٢٠) والدارقطني في العلل (٢/ ٢٣٩) عن يعقوب بن إبراهيم أيضًا، لكنْ لم يُدخل بين ابن إسحاق ومجالد أحدًا. وقد خالف محمد بن إسحاق في ذلك عن مجالد؛ فرواه هشيم عن مجالد عن الشعبي عن عمر، ولم يذكر مسروقًا رواه عن هشيم سعيدُ بن منصور في سننه (٥٩٨) وعنه البيهقي في السنن الكبرى (٧/ ٢٣٣). قال البيهقي: هذا منقطع. وعلى كلٍّ، فإن مجالدًا قد زاد في الحديث ألفاظًا لم يأت بها غيرُه، وذلك في ذكره اعتراض المرأة على عمر، وفي حديث مجالد عن الشعبي شيءٌ. انظر: علل الدارقطني (٢/ ٢٣٨) قال البزار: هذا الحديث قد روى عن عمر من غير وجه، ولا يعلم يروى عن مسروق عن عمر إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد.\nوقال الدارقطني: ولا يصح هذا الحديث إلا عن أبي العجفاء.\n_________\n[¬١]- في خ: \"طريقة\".\n[¬٢]- في خ: \"ما أكثركم\".\n[¬٣]- في ت: \"صداقهم\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.","vol":"3","page":403},{"text":"(طريق [¬١] أخرى) قال ابن المنذر: حَدَّثَنَا إسحاق بن إبراهيم، عن عبد الرزاق (^١٨٩)، عن قيس بن ربيع، عن أبي حصين، عن أبي عبد الرحمن السلمي، قال: قال عمر بن الخطاب: لا تغالوا في مهور النساء. فقالت امرأة: ليس ذلك لك يا عمر، إن الله تعالى يقول: (وآتيتم إحداهن قنطارًا من ذهب) - قال: وكذلك هي في قراءة عبد الله بن مسعود- ﴿فلا يحل لكم أن تأخذوا منه شيئًا﴾. فقال عمر: إن امرأة خاصمت عمر فخصمته.\n(طريق [¬٢] أخرى عن عمر فيها انقطاع) قال الزبير بن بكار: حدثني عمي مصعب بن عبد الله، عن جدي (^١٩٠) قال: قال عمر بن الخطاب: لا تزيدوا في مهور النساء وإن كانت بنت ذي القصة [¬٣]-يعني يزيد بن الحصين الحارثي (^١٩١) - فمن زاد ألقيت الزيادة في بيت المال. فقالت امرأة من صفة النساء طويلة، في أنفها فطس: ما ذاك لك. قال: ولم؟ قالت: لأن الله قال: ﴿وَآتَيتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾. الآية. فقال عمر: امرأة أصابت ورجل أخطأ.\nولهذا قال منكرًا: ﴿وَكَيفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ أي: وكيف تأخذون الصداق من المرأة وقد أفضيت إليها وأفضت إليك.\nقال ابن عباس ومجاهد والسدي وغير واحد: يعني بذلك الجماع.\nوقد ثبت في الصحيحين (^١٩٢)، أن رسول الله ﷺ قال للمتلاعنين بعد فراغهما من\n_________\n(^١٨٩) - مصنف عبد الرزاق (٦/ ١٨٠) (١٠٤٢٠) وقيس بن الربيع ضعفه غير واحد، ورضيه شعبة، وروى عنه شيئًا من حديثه عن أبي حصين، وقال: ذاكرت قيس بن الربيع حديث أبي حصين، فلَوَدِدتُ أن البيت وقع عليَّ وعليه حتى يموت، من كثرة ما كان يُغْرِبُ عليَّ ا هـ. وقد ذكر ابن معين أن أبا عبد الرحمن السلمي لم يسمع من عمر.\n(^١٩٠) - الراوي عن عُمَرَ هو: عبد الله بن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير، بينه وبين عمر مفاوز تنقطع فيها أعناق المطى، فإن وفاته كانت سنة ١٨٤ هـ. وقد ضعفه ابن معين وغير واحد.\n(^١٩١) - كذا في الأصل، وفي الإصابة (١/ ٣٤٠): حصين بن يزيد بن شداد الحارثي، ذو الغَصَّة -بفتح المعجمة وتشديد المهملة- قال الدارقطني في المؤتلف: وفد على النبي ﷺ. وكذا ذكره ابن الكلبي وقال: إنه لُقِّبَ بذلك لأنه كان في حلقه شبه الحوصلة. ويقال: إنه رأسَ بني الحارث بن كعب مائة سنة ا هـ.\n(^١٩٢) - صحيح البخاري، كتاب الطلاق، باب: قول الإمام للمتلاعنين: إن أحدكما كاذب، =\n_________\n[¬١]- في خ: \"طريقة\".\n[¬٢]- في خ: \"طريقة\".\n[¬٣]- في ت: \"الغصة\".","vol":"3","page":404},{"text":"تلاعنهما: \"الله يعلم أن أحدكما كاذب، فهل منكما تائب\". قالها [¬١] ثلاثًا. فقال الرجل: يا رسول الله؛ ما لي. -يعني ما أصدقها- قال: \"لا مال لك، إن كنت صدقت عليها [¬٢]، فهو بما استحللت من فرجها، وإن كنت كذبت عليها، فهو أبعد لك منها\".\nوفي سنن أبي داود وغيره (^١٩٣) عن [بصرة بن أكثم] [¬٣]، أنه تزوّج امرأة بكرًا في خدرها، فإذا هي حامل من الزنا، فأتى رسول الله ﷺ، فذكر ذلك له، فقضى لها بالصداق، وفرق بينهما، وأمر بجلدها، وقال: \"الولد عبد لك، والصداق في مقابلة البضع\"؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَكَيفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾.\nوقوله تعالى: ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ روي عن ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير، أن المراد بذلك العقد.\nوقال سفيان الثوري، عن حبيب بن أبي ثابت، عن ابن عباس، في قوله: ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ قال: قوله: إمساك بمعروف، أو تسريح بإحسان [¬٤].\n_________\n= فهل منكما من تائب؟ (٥٣١٢)، وصحيح مسلم، كتاب اللعان (١٤٩٣) - من طريق سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن سعيد بن جبير، عن ابن عمر ﵄ به مرفوعًا.\n(^١٩٣) - رواه أبو داود في سننه، كتاب النكاح، باب: في الرجل يتزوج المرأة فيجدها حبلى (٢١٣١)، والدارقطني في سننه (٣/ ٢٥٠)، والحاكم في المستدرك (٢/ ١٩٩ - ٢٠٠)، والبيهقي في السنن الكبرى (٧/ ١٥٧) - كلهم من طريق عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن صفوان بن سليم، عن سعيد بن المسيب، عن رجل من الأنصار يقال له بصرة. وهو عند عبد الرزاق في مصنفه (٦/ ٢٥٠) (١٠٧٠٥) عن ابن جريج، قال: حُدِّثْتُ عن صفوان بن سليم فذكره.\nوقد رواه عبد الرزاق (٦/ ٢٤٩ - ٢٥٠) (١٠٧٠٤) وإسحاق بن إدريس: الدارقطني (٣/ ٢٥١) وبسطام بن جعفر: البيهقي في سننه الكبرى (٧/ ١٥٧) - ثلاثتهم عن إبراهيم بن أبي يحيى الأسلمي، عن صفوان بن سليم، عن سعيد بن المسيب، عن بصرة به. قال عبد الرزاق: حديث ابن جريج عن صفوان بن سليم هو: ابن جريج عن إبراهيم بن أبي يحيى، عن صفوان بن سليم ا هـ.\nوقال أبو حاتم في العلل: وما رواه ابن جريج عن صفوان بن سليم، عن ابن المسيب، عن بصرة بن أكثم: ليس هو من حديث صفوان بن سليم. ويحتمل أن يكون من حديث ابن جريج، عن إبراهيم بن أبي يحيى، عن صفوان بن سليم؛ لأن ابن جريج يدلس عن ابن أبي يحيى عن صفوان بن سليم غير شيء، وهو لا يحتمل أن يكون منه (١/ ٤١٨ - ٤١٩) (١٢٥٩).\nوقال البيهقي: فهذا الحديث إنما أخذه ابن جريج عن إبراهيم بن أبي يحيى عن صفوان بن سليم؛ وإبراهيم مختلف في عدالته وقد خولف إبراهيم في وصله: =\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- في خ، ز: \"بصرة بن أبي بصرة\".\n[¬٤]- سقط من: خ.","vol":"3","page":405},{"text":"قال ابن أبي حاتم (^١٩٤): وروي عن عكرمة ومجاهد، وأبي العالية والحسن، وقتادة ويحيى بن أبي كثير [¬١]، والضحاك والسدي نحو ذلك.\nوقال أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، قوله: ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾: هو قوله \"أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله\". فإن كلمة الله هي التشهد في الخطبة قال: وكان فيما أعطي النبي ﷺ ليلة أسري به، قال له: \"وجعلت أمتك لا تجوز لهم خطبة حتى يشهدوا أنك عبدي ورسولي\". رواه ابن أبي حاتم (^١٩٥).\nوفي صحيح مسلم (^١٩٦)، عن جابر، في خطبة حجة الوداع، أن رسول الله ﷺ قال فيها: \"واستوصوا بالنساء خيرًا، فإنكم أخذتموهن بأمان الله [¬٢]، واستحللتم فروجوهن بكلمة الله\".\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إلا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا﴾. يحرم الله تعالى زوجات الآباء تكرمة لهم، وإعظامًا واحترامًا أن توطأ من بعده، حتى إنها لتحرم على الابن بمجرد العقد عليها، وهذا أمر مجمع عليه.\nقال ابن أبي حاتم (^١٩٧): حَدَّثَنَا أبي، حَدَّثَنَا مالك بن إسماعيل، حَدَّثَنَا قيس بن الربيع،\n_________\n= قال أبو داود: روى هذا الحديث قتادة، عن سعيد بن يزيد، عن ابن المسيب. ورواه يحيى بن أبي كثير، عن يزيد بن نعيم، عن سعيد بن المسيب. وعطاء الخراساني، عن سعيد بن المسيب: أرسلوه كلُّهم.\nوقال أبو حاتم: هذا حديث مرسل ليس بمتصل، وكذا قال البيهقي.\nوقال الخطابي: هذا الحديث لا أعلم أحدًا من الفقهاء قال به، وهو مرسل. ولا أعلم أحدًا من العلماء اختلف في أن ولد الزنا حر إذا كان من حرةٍ، فكيف يستعبده؟ ويشبه أن يكون معناه -إن ثبت الخبر- أنه أوصاه به خيرًا، أو أمره باصطناعه وتربيته واقتنائه لينتفع بخدمته إذا بلغ، فيكون كالعبد له في الطاعة، مكافأة له على إحسانه وجزاءً لمعروفه. قال: ويحتمل أن يكون الحديث -إن كان له أصل- منسوخًا، والله أعلم ا هـ.\n(^١٩٤) - في تفسيره (٢/ ٩٠٩).\n(^١٩٥) - المصدر السابق، نفس الصفحة (٥٠٧٠).\n(^١٩٦) - صحيح مسلم، كتاب الحج (١٢١٨) من حديث جعفر بن محمد بن علي بن الحسين، عن أبيه، عن جابر ﵁ به مرفوعًا.\n(^١٩٧) - في تفسيره (٣/ ٩٠٩) (٥٠٧٣) وقد أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (٢٢/ ٣٩٣ - ٣٩٤) =\n_________\n[¬١]- في خ: \"بكر\".\n[¬٢]- سقط من: خ.","vol":"3","page":406},{"text":"حَدَّثَنَا أشعث بن سوار، عن عدي بن ثابت، عن رجل من الأنصار، قال: لما توفي أبو قيس -يعني ابن الأسلت- وكان من صالحي الأنصار، فخطب ابنه قيس امرأته فقالت: إنما أعدك ولدًا وأنت من صالحي قومك، [ولكن آت] [¬١] رسول الله ﷺ فأستأمره، فأتت رسول الله صلى الله عليه [¬٢] وسلم فقالت: إن أبا قيس توفي فقال: \"خيرًا\". ثم قالت: إن ابنه قيسًا خطبني، وهو من صالحي قومه، وإنما كنت أعده ولدًا، فما ترى؟ فقال لها: \"ارجعي إلى بيتك\". قال: فنزلت: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ [إلا مَا قَدْ سَلَفَ]﴾ الآية.\nوقال ابن جرير (^١٩٨): حَدَّثَنَا القاسم، حَدَّثَنَا حسين، حَدَّثَنَا حجاج، عن ابن جريج، عن عكرمة، في قوله: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إلا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ قال: نزلت في أبي قيس بن الأسلت، خلف على [أم عبيد بنت صخر] [¬٣]، وكانت تحت الأسلت أبيه، وفي الأسود بن خلف، وكان خلف على ابنة [¬٤] أبي طلحة بن عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار، وكانت عند أبيه خلف، وفي فاختة ابنة الأسود بن المطب بن أسد، كانت عند أمية بن خلف، فخلف عليها صفوان بن أمية.\nوقد زعم السهيلي أن نكاح نساء الآباء كان معمولًا به في الجاهلية، ولهذا قال: ﴿إلا مَا قَدْ سَلَفَ﴾. كما قال: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَينَ الْأُخْتَينِ إلا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ قال: وقد فعل ذلك كنانة بن خزيمة، تزوج بامرأة أبيه، فأولدها ابنه النضر بن كنانة. قال: وقد قال ﷺ: \"ولدت من نكاح لا من سفاح\" (^١٩٩) قال: فدل على أنه كان سائغًا لهم ذلك، [فإن أراد أن ذلك كان\n_________\n= كلاهما من طريق قيس بن الربيع، عن أشعث بن سَوَّار، عن عدي بن ثابت، عن رجل من الأنصار، فذكره، وقيس بن الربيع: ضعفه غير واحد من أهل العلم.\nوقد خولف قيس في وصله عن أشعث، فرواه هشيم، عن أشعث، عن عدي بن ثابت مرسلًا. كذا رواه سُنَيد بن داود في تفسيره -كما في الاستيعاب (٤/ ١٦٠) والبيهقي في السنن الكبرى (٧/ ١٦١)، وهذا أولى قال البيهقي: هذا مرسل.\n(^١٩٨) - في تفسيره (٨/ ١٣٣) (٨٩٤٠).\n(^١٩٩) - رواه الطبراني في المعجم الكبير (١٠/ ٣٩٩) (١٠٨١٢)، والبيهقي في السنن الكبرى (٧/ ١٩٠) من طريق أبي الحويرث عن ابن عباس. وسنده ضعيف. ورواه الحارث بن أبي أسامة، ومحمد بن سعد في الطبقات الكبرى (١/ ٥١) من طريق عائشة، وفيه الواقدي، ورواه عبد الرزاق في المصنف=\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ت: \"ولكني آتى\".\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في خ: \"أم عبيد الله صخرة\". وفي ت: \"أم عبيد الله بنت صخر\". والمثبت من مصادر التخريج.\n[¬٤]- في خ: \"أبيه\".","vol":"3","page":407},{"text":"عندهم] [¬١] يعدونه نكاحًا فيما بينهم. فقد قال ابن جرير (^٢٠٠): حَدَّثَنَا محمد بن عبد الله المخرمي [¬٢]، حَدَّثَنَا قُراد، حَدَّثَنَا ابن عيينة، عن عمرو، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: كان أهل الجاهلية يحرمون ما حرم الله إلا امرأة الأب، والجمع بين الأختين، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَينَ الْأُخْتَينِ﴾. وهكذا قال عطاء وقتادة، ولكن فيما نقله السهيلي من قصة كنانة نظر (^٢٠١)، والله أعلم.\nوعلى كل تقدير فهو حرام في هذه الأمة، مبشَّع غاية التبشع، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ ولهذا قال: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ وقال: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ فزاد هاهنا: ﴿وَمَقْتًا﴾ أي: بغضًا، أي: هو أمر كبير في نفسه، ويؤدى إلى مقت الابن أباه بعد أن يتزوج بامرأته، فإن الغالب أن من يتزوج بامرأة يبغض من كان زوجها قبله، ولهذا حرّمت أمهات المؤمنين على الأمة، لأنهن أمهات، لكونهن [¬٣] زوجات النبي ﷺ وهو كالأب، بل حقه أعظم من حق الآباء بالإجماع، بل حبه مقدم على حب النفوس صلوات الله وسلامه عليه. وقال عطاء بن أبي رباح في قوله ﴿وَمَقْتًا﴾، أي: يمقت الله عليه. ﴿وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ أي: وبئس طريقًا لمن سلكه من الناس، فمن تعاطاه بعد هذا فقد ارتد عن دينه، فيقتل [¬٤]،\n_________\n= وابن سعد في الطبقات (١/ ٥٠) عن جعفر بن محمد، عن أبيه مرسلًا. ووصله ابن عدي والطبراني في الأوسط من حديث علي بن أبي طالب، وفي إسناده نظر. ورواه البيهقي من حديث أنس، وإسناده ضعيف. انظر: التلخيص الحبير (٣/ ٢٠٠ - ٢٠١).\n(^٢٠٠) - في تفسيره (٨/ ١٣٢ - ١٣٣) (٨٩٣٨).\n(^٢٠١) - قال الحافظ ابن حجر في التلخيص: ذكر الزبير بن بكار وغيره: أن كنانة بن خزيمة بن مدركة خَلَف على زوجة أبيه خزيمة بعد موته، فولدت له أبنه النضر -واسمها: برة بنت أن بن طابخة- فحكى السهيلي عن ابن العربي: أن هذا كان جائزًا قبل الإسلام، وهو نكاح المَقْتِ كنكاح الأختين معًا. انتهى.\nوليس هذا برافع للإشكال على الحديث السابق. وادَّعى الجاحِظُ أن برة لم تلد لكنانة ذكرًا ولا أنثى، وأن ابْنَهُ النضرَ: من بَرَّةَ بنت مر بن أد بن طابخة، وهي بنت أخي برة بنت أد. قال: ومن ثم اشتبه على الناس ذلك، قلت: فإن صح ما ذكره أزال إلاشكال ا هـ من التلخيص (٣/ ٢٠١) وقد قال محمد بن السائب الكلبي: كتبتُ للنبي -عليه الصلاه والسلام- خمسمائة أم، فما وجدت فيهن سفاحًا ولا شيئًا مما كان من أمر الجاهلية. الطبقات الكبرى لابن سعد (١/ ٥٠).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ت: \"فأراد أنهم كانوا\".\n[¬٢]- في خ: \"المخزومي\".\n[¬٣]- في خ: \"لكنهن\".\n[¬٤]- في خ: \"يقتل\".","vol":"3","page":408},{"text":"ويصير ماله فيئًا لبيت المال. كما رواه الإمام أحمد وأهل السنن من طرق (^٢٠٢)، عن البراء بن عازب، عن خاله أبي بردة -وفي رواية ابن عمرو- وفي رواية عن عمه- أنه بعثه رسول الله ﷺ إلى رجل تزوج امرأة أبيه من بعده، أن يقتله ويأخذ ماله.\n_________\n(^٢٠٢) - رواه أحمد (٤/ ٢٩٠) (١٨٦٠٩)، والنسائي في كتاب النكاح، باب: نكاح ما نكح الآباء (٦/ ١٠٩)، ورواه ابن أبي شيبة في المصنف (٦/ ٥٦٦)، وابن حبان في صحيحه: الإحسان (٩/ ٤٢٣) (٤١١٢)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (٣/ ١٤٨)، والحاكم في المستدرك (٢/ ١٩١) - كلهم من طريق الحسن بن صالح، عن السدي، عن عدي بن ثابت، عن البراء بن عازب قال: لقيت خالي ومعه الراية … فذكره.\nقال الحاكم: حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي.\nورواه أحمد (٤/ ٢٩٢، ٢٩٧) (١٨٦٣٣) (١٨٦٨٠)، الترمذي في كتاب الأحكام، باب: فيمن تزوج امرأة أبيه (١٣٦٢)، وابن ماجة في كتاب الحدود، باب: من تزوج امرأة أبيه من بعده (٢٦٠٧)، ورواه عبد الرزاق في مصنفه (١٠٨٠٤)، وسعيد بن منصور في سننه (٩٤٢)، وابن أبي شيبة في مصنفه (٦/ ٥٦٦)، وأبو يعلى في مسنده (١٦٦٦، ١٦٦٧)، والدارقطني في سننه (٣/ ١٩٦)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (٣/ ١٤٨)، والبيهقي في السنن الكبرى (٨/ ٢٣٧) - كلهم من طريق أشعث بن سوَّار، عن عدي بن ثابت، عن البراء بن عازب، عن خاله: أن رجلًا تزوج امرأة أبيه.\nورواه أبو داود في سننه، كتاب الحدود، باب: في الرجل يزني بحريمه (٤٤٥٧)، والنسائي (٦/ ١٠٩ - ١١٠)، والدارمي (٢/ ٧٦)، وابن الجارود (٦٨١)، والحاكم (٤/ ٣٥٧)، والبيهقي (٧/ ١٦٢) - كلهم من طريق زيد بن أبي أنيسة، عن عدي بن ثابت، عن يزيد بن البراء، عن أبيه قال: لقيت عمي ومعه الراية.\nورواه أحمد (٢/ ٢٩٢) (١٨٦٣٢)، والحاكم (٢/ ١٩١ - ١٩٢) -من طريق شعبة- عن الربيع بن ركين، عن عدي بن ثابت، عن البراء بن عازب.\nورواه أحمد (٤/ ٢٩٠، ٢٩٧) (١٨٦٦٢، ١٨٦٧٤)،، أبو داود (٤٤٥٦)، والطحاوي (٣/ ١٤٩) - كلهم من طريق مطرف، عن أبي الجهم، عن البراء. قال الترمذي: حديث البراء حديث حسن غريب.\nوقد روى محمد بن إسحاق هذا الحديث عن عدي بن ثابت، عن عبد الله بن يزيد، عن البراء. وقد رُوِيَ هذا الحديث عن أشعث، عن عدي، عن يزيد بن البراء، عن أبيه. وروى عن أشعث، عن عدى، عن يزيد بن البراء، عن خاله، عن النبي ﷺ ا هـ. وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن حديث رواه أبو خالد الأحمر، عن أشعث بن سوار، عن عدي بن ثابت، عن يزيد بن البراء، عن خاله … وحفص، عن أشعث، عن عدي، عن البراء قال: مر بي خالي …؟ فقال أبي: وهما جميعًا؛ إنما هو كما رواه زيد بن أبي أنيسة، عن عدي، عن يزيد بن البراء، عن البراء، عن خاله أبي بردة، ومنهم من يقول: عن عمه أبي بردة. ا هـ العلل (١/ ٤٠٣) (١٢٠٧).\nوقال المنذري: وقد اختلف في هذا اختلافًا كثيرًا؛ فروى عن البراء كما تقدم، وروى عنه عن عمه =","vol":"3","page":409},{"text":"وقال الإِمام أحمد (^٢٠٣): حَدَّثَنَا هشيم، حَدَّثَنَا أشعث، عن عدي بن ثابت، عن البراء بن عازب، قال: مر بي عمي الحارث بن عمرو ومعه لواء قد عقده له النبي ﷺ فقلت له: أي عم، أين بعثك النبي ﷺ؟ قال: بعثني إلى رجل تزوج امرأة أبيه، فأمرني أن أضرب عنقه.\n(مسألة)\nوقد أجمع العلماء على تحريم من وطأها الأب بتزويج أو ملك أو بشبهة أيضًا، واختلفوا فيمن باشرها بشهوة دون الجماع، أو نظر إلى ما لا يحل له النظر إليه منها لو كانت أجنبية. فعن الإِمام أحمد ﵀ أنها تحرم أيضًا بذلك. وقد روى الحافظ [¬١] ابن عساكر (^٢٠٤) في ترجمة حُديج الحصني [¬٢] مولى معاوية فاشترى [¬٣] لمعاوية جارية بيضاء جميلة، فأدخلها عليه مجردة، وبيده قضيب، فجعل يهوي به إلى متاعها، ويقول: نعم [¬٤] المتاع لو كان له متاع، اذهب بها إلى يزيد بن معاوية، ثم قال: لا، ادع لي ربيعة بن عمرو الجرشي، وكان فقيهًا، فلما دخل عليه، قال: إن هذه أتيت بها مجردة، فرأيت منها ذاك وذاك، وإني أردت أن أبعث بها إلى يزيد. فقال: لا تفعل يا أمير المؤمنين؛ فإنها لا تصلح له. ثم قال: نعم ما رأيت. ثم قال: ادع لي عبد الله بن مسعدة الفزاري. فدعوته، وكان آدم شديد الأدمة. فقال: دونك هذه، بيض بها ولدك. قال: وكان عبد الله بن مسعدة هذا وهبه رسول الله ﷺ لابنته فاطمة، فربته، ثم أعتقته، ثم كان بعد ذلك مع معاوية من الناس على علي ﵁.\n_________\n= كما ذكرنا أيضًا، وروى عنه قال: مر لي خالي أبو بردة بن نيار ومعه لواء، وهذا لفظ الترمذي فيه، وروى عنه عن خاله وسماه هشيم في حديثه: الحارث بن عمرو، وهذا لفظ ابن ماجة فيه، وروى عنه قال: مر بنا ناس ينطلقون، وروى عنه: إني لأطوف على إبل ضلت في تلك الأحياء في عهد النبي ﷺ إذ جاءهم رهط معهم لواء. وهذا لفظ النسائي ا هـ.\nقال ابن القيم ﵀ -بعد أن ساق كلام المنذري-: وهذا كله يدل على أن الحديث محفوظ، ولا يوجب هذا تركه بوجه؛ فإن البراء بن عازب حدث به عن أبي بردة بن نيار -واسمه الحارث بن عمرو- وأبو بردة كنيته، وهو عمه وخاله، وهذا واقع في النسب، وكان معه رهط، فاقتصر على ذكر الرهط مرة، وعَيَّن من بينهم أبا بردة بن نيار باسمه مرة، وبكنيته أخرى، وبالعمومة تارة، وبالخئولة أخرى، فأي علة في هذا توجب ترك الحديث، والله الموفق للصواب. ا هـ.\n(^٢٠٣) - في مسنده (٤/ ٢٩٢) (١٨٦٣٣).\n(^٢٠٤) - تاريخ دمشق (٤/ ٢٧٨).\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- في ت: \"الحمصنى\".\n[¬٣]- في ت: \"قال: اشترى\".\n[¬٤]- في خ: \"هذا\".","vol":"3","page":410},{"text":"حُرِّمَتْ عَلَيكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَينَ الْأُخْتَينِ إلا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٢٣) وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إلا مَا مَلَكَتْ أَيمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيكُمْ فِيمَا تَرَاضَيتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (٢٤)﴾\nهذه الآية الكريمة هي آية تحريم المحارم من النسب،: ما يتبعه من الرضاع، المحارم بالصهر، كما قال ابن أبي حاتم (^٢٠٥): حَدَّثَنَا أحمد بن سنان، حَدَّثَنَا عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان بن حبيب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: حرمت عليكم سبع نسبًا، وسبع صهرًا، وقرأ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ﴾. الآية. وحَدَّثَنَا أبو سعيد بن يحيى بن سعيد، حَدَّثَنَا أبو أحمد، حَدَّثَنَا سفيان، عن الأعمش، عن إسماعيل بن رجاء، عن عمير مولى ابن عباس، عن ابن عباس، قال: يحرم من النسب سبع ومن الصهر سبع، ثم قرأ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ﴾ فهن النسب.\nوقد استدل جمهور العلماء على تحريم المخلوقة من ماء الزاني [¬١] عليه، بعموم قوله تعالى: ﴿وَبَنَاتُكُمْ﴾ فإنها بنت، فتدخل في العموم، كما هو مذهب أبي حنيفة ومالك وأحمد بن حنبل، وقد حكي عن الشافعي شيء في إباحتها، لأنها ليست بنتًا شرعية، فكما [¬٢] لم\n_________\n(^٢٠٥) - في تفسيره (٣/ ٩١١) (٥٠٨٢، ٥٠٨١).\n_________\n[¬١]- في خ: \"الزنا\".\n[¬٢]- في خ: \"فكأنما\".","vol":"3","page":411},{"text":"تدخل في قوله: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَينِ﴾ فإنها لا ترث بالإِجماع، فكذلك لا تدخل في هذه الآية، والله أعلم.\nوقوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ أي: كما يحرم عليك أمّك التي ولدتك، كذلك يحرم عليك أمّك التي أرضعتك، ولهذا ثبت [¬١] في الصحيحين (^٢٠٦)، من حديث مالك بن أنس، عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن عمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة أم المؤمنين، أن رسول الله ﷺ قال: \"إن الرضاعة تحرّم ما تحرِّم الولادة\". وفي لفظ لمسلم [¬٢]: \"يحرم من الرضاعة [¬٣] ما يحرم من النسب\".\nوقد قال بعض الفقهاء: كل ما يحرم من النسب يحرم [بالرضاع إلَّا في] [¬٤] أربع صور، وقال بعضهم: \"ست صور، هي مذكورة في كتب الفروع. والتحقيق أنَّه لا يستثنى شيء من ذلك؛ لأنه يوجد مثل بعضها في النسب، وبعضها إنما يحرم من جهة الصهر، فلا يرد على الحديث شيء أصلًا ألبتة، ولله الحمد وبه الثقة [¬٥].\nثم اختلف الأئمة في عدد الرضعات المحرّمة، فذهب ذاهبون إلى أنَّه يحرم مجرَّد الرضاع؛ لعموم هذه الآية، وهذا قول مالك، ويروى [¬٦] عن ابن عمر، وإليه ذهب سعيد بن المسيب، وعروة ابن الزُّبَير، والزهري.\nوقال آخرون: لا يحرم أقل من ثلاث رضعات؛ لما ثبت في صحيح مسلم (^٢٠٧)، من طريق هشام [¬٧] بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، أن رسول الله ﷺ قال: \"لا تحرم المصة\n_________\n(^٢٠٦) - صحيح البخاري، كتاب فرض الخمس، باب: ما جاء في بيوت أزواج النبيّ ﷺ وما نسب من البيوت إليهن (٣١٠٥)، وصحيح مسلم، كتاب الرضاع (١٤٤٤).\n(^٢٠٧) - الحديث في صحيح مسلم، كتاب الرضاع (١٤٥٠) من طريق أيوب، عن عبد الله بن أبي مليكة، عن عبد الله بن الزبير، عن عائشة ﵂ به، وكذا حديث أم الفضل وليس هو عند مسلم من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة.\nقال الترمذي: حديث عائشة حديث حسن صحيح، وروى غير واحد هذا الحديث عن هشام، عن أبيه، عن ابن الزبير، عن النبي ﷺ. وروى محمد بن دينار، عن هشام، عن أبيه، عن =\n_________\n[¬١]- في خ: \"روى البخاري ومسلم\".\n[¬٢]- في ت: \"مسلم\".\n[¬٣]- في خ: \"الرضاع\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين في ت: \"من الرضاعة إلَّا\".\n[¬٥]- في خ: \"والله أعلم\".\n[¬٦]- في ت: \"ويروى\".\n[¬٧]- في خ: \"هاشم\".","vol":"3","page":412},{"text":"والمصتان\". وقال قَتَادة، عن أبي الخليل، عن عبد الله بن الحارث، عن أم الفضل، قالت: قال رسول الله ﷺ: \"لا تحرم الرضعة ولا الرضعتان، والمصة ولا المصتان\".\nوفي لفظ آخر: \"لا تحرم الإِملاجة ولا الإِملاجتان\". رواه مسلم.\nوممن ذهب إلى هذا القول الإمام أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وأَبو عبيد، وأبو ثور، وهو مروي عن علي، وعائشة، وأم الفضل، وابن الزُّبَير، وسليمان بن يسار، وسعيد بن جبير ﵏.\nوقال آخرون: لا يحرم أقل من خمس رضعات، لما ثبت في صحيح مسلم (^٢٠٨) من طريق مالك، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عمرة [¬١] عن عائشة ﵂، قالت: كان فيما أنزل من القرآن: عشر رضعات معلومات يحرمن ثم نسخن بخمس معلومات، فتوفي النبي ﷺ وهن فيما يقرأ من القرآن.\nوروى عبد الرزاق (^٢٠٩)، عن معمر، عن الزُّهْريّ، عن عروة، عن عائشة، نحو ذلك.\nوفي حديث سهلة بنت سهيل (^٢١٠)، أن رسول الله ﷺ أمرها أن ترضع سالمًا مولى أبي حذيفة خمس رضعات، وكانت عائشة تأمر من يريد أن يدخل عليها أن يرضع خمس رضعات، وبهذا قال الشَّافعي ﵀ وأصحابه، ثم ليعلم أنَّه لا بد أن تكون الرضاعة في سن الصغر دون الحولين على قول الجمهور. وقد قدَّمنا الكلام على هذه المسألة في سورة\n_________\n= ابن الزبير، عن الزبير، وهو غير محفوظ. والصحيح عند أهل الحديث: حديث ابن أبي مليكة، عن عبد الله بن الزبير، عن عائشة، عن النبيّ ﷺ. وسألت محمدًا عن هذا فقال: الصحيح: عن ابن الزبير، عن عائشة ا هـ جامع الترمذي (١١٥٠).\nوعلى هذا؛ فإن ذكر هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة مرفوعًا في هذا الحديث - ليس في شيء من طرق هذا الحديث، وليس وجهًا من أوجه الاختلاف في سنده، إلَّا ما رواه النسائي في الكبرى (٥٤٥٨) من طريق أبي معاوية، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة وابن الزبير موقوفًا لا مرفوعًا، فالظاهر أنَّه سَبق قلم.\n(^٢٠٨) - صحيح مسلم، كتاب الرضاع (١٤٥٢).\n(^٢٠٩) - المصنف (٧/ ٤٦٦) (١٣٩١٢)، وقد سقط من إسناده ذكْرُ عروة، وقد رواه البيهقي في السن الكبرى (٧/ ٤٥٦) من طريق عبد الرزاق على الصواب.\n(^٢١٠) - رواه البخاري في كتاب المغازي، باب: (١٢) (٤٠٠٠) وطرفه في (٥٠٨٨)، وصحيح مسلم، كتاب الرضاع (١٤٥٣) من حديث عائشة.\n_________\n[¬١]- في خ: \"عروة\".","vol":"3","page":413},{"text":"البقرة، عند قوله: ﴿يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَينِ كَامِلَينِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾.\nثم اختلفوا هل يحرم لبن الفحل، كما هو قول جمهور الأئمة الأربعة وغيرهم، أو إنما يختص الرضاع بالأم فقط، ولا ينتشر إلى ناحية الأب، كما هو قول لبعض السلف؟ على قولين. تحرير هذا كله في كتاب \"الأحكام الكبير\".\nوقوله: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيكُمْ﴾ أمَّا أم المرأة فإنها تحرم بمجرَّد العقد على ابنتها، سواء دخل بها أو لم يدخل بها. وأما الربيبة، وهي بنت المرأة، فلا تحرم [بمجرد العقد على ابنتها] [¬١] حتَّى يدخل بأمِّها [¬٢]، فإن طلق الأم قبل الدخول بها جاز له أن يتزوَّج بنتها، ولهذا قال: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيكُمْ﴾ في تزويجهن، فهذا خاص بالربائب وحدهن.\nوقد فهم بعضهم عود الضمير إلى الأمّهات والربائب فقال: لا تحرم واحدة من الأم ولا البنت بمجرَّد العقد على الأخرى، حتَّى يدخل بها، لقوله: ﴿فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيكُمْ﴾.\nوقال ابن جرير (^٢١١): حَدْثَنَا ابن بشار، حَدْثَنَا ابن أبي عدي، وعبد الأعلى، عن سعيد، عن قَتَادة، عن خلاس بن عمرو، عن علي - رضي الله تعالى عنه - في رجل تزوَّج امرأة فطلقها قبل أن يدخل بها، أيتزوَّج أمها؟ قال: هي بمنزلة الربيبة.\nوحَدَّثَنَا ابن بشار، حَدَّثَنَا يحيى بن سعيد، عن قَتَادة، عن سعيد بن المسيب، عن زيد بن ثابت قال: إذا طلق الرجل امرأته قبل أن يدخل بها فلا بأس أن يتزوّج أمّها.\nوفي رواية عن قَتَادة، عن سعيد، عن زيد بن ثابت، أنَّه كان يقول: إذا ماتت عنده فأخذ ميراثها كره أن يخلف على أمّها، فإذا طلقها قبل أن يدخل بها، فإن شاء فعل.\nوقال ابن المنذر: حدَّثنا إسحاق، عن عبد الرزاق (^٢١٢)، عن ابن جريج، قال: أخبرني أَبو\n_________\n(^٢١١) - في تفسيره (٨/ ١٤٤ - ١٤٥).\n(^٢١٢) - مصنف عبد الرزاق (٦/ ٢٧٥) (١٠٨١٩).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ت.\n[¬٢]- في خ: \"بها\".","vol":"3","page":414},{"text":"بكر بن حفص، عن مسلم بن عويمر الأجدع من [¬١] بكر [¬٢] بن كنانة أخبره أن أباه أنكحه امرأة بالطائف قال: فلم أجامعها حتَّى توفي عمي عن أمها، وأمها ذات مال كثير، فقال أبي: هل لك في أمها؟ قال: فسألت ابن عبَّاس وأخبرته؟ فقال: انكح أمها. قال: وسألت ابن عمر فقال: لا تنكحها. فأخبرت أبي بما قال ابن عبَّاس وما قال ابن عمر [¬٣]، فكتب إلى معاوية فأخبره [في كتابه] [¬٤] بما قال ابن عبَّاس وابن عمر [¬٥]، فكتب معاوية: إني لا أحل ما حرم الله، ولا أحرّم ما أحل الله، وأنت وذاك، والنساء سواها كثير، فلم ينه ولم يأذن لي، فانصرف أبي عن أمِّها فلم ينكحها.\nوقال عبد الرزاق (^٢١٣): أخبرنا معمر، عن سماك بن الفضل، عن رجل، عن عبد الله بن الزُّبَير قال: الربيبة والأم سواء، لا بأس بها إذا لم يدخل بالمرأة.\nوفي إسناده رجل مبهم [¬٦] لم يسم.\nوقال ابن جريج: أخبرني عكرمة بن خالد، أن مجاهدًا قال: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ أراد بهما الدخول جميعًا، فهذا القول مروي كما ترى عن علي وزيد بن ثابت وعبد الله بن الزُّبَير ومجاهد وسعيد بن جبير وابن عبَّاس، وقد توقف فيه معاوية، وذهب إليه من الشَّافعية أَبو الحسن أحمد بن محمد بن [¬٧] الصابوني فيما نقله الرافعي عن العبادي [¬٨].\n[وقد روي عن ابن مسعود مثله ثم رجع عنه. قال الطبراني: حدَّثنا إسحاق بن إبراهيم الدبري، حدَّثنا عبد الرزاق (^٢١٤)، عن الثَّوري، عن أبي فروة، عن أبي عمرو الشيباني، عن ابن مسعود، أن رجلًا من بني شمخ من فزارة تزوج امرأة فرأى أمها فأعجبته، فاستفتى ابن مسعود، فأمره أن يفارقها، ثم يتزوج أمها، فتزوجها وولدت له أولادًا، ثم أتى ابن مسعود المدينة، فسأل عن ذلك فأُخبِر أنَّها لا تحل له، فلما رجع إلى الكوفة قال للرجل:\n_________\n(^٢١٣) - في مصنفه (٦/ ٢٧٨) (١٠٨٣٣)، وقد سقط الرجل المبهم من إسناده، ورواه ابن حزم في المحلى (٩/ ٥٢٨) من طريق عبد الرزاق من غير ذكر للرجل المبهم.\n(^٢١٤) - مصنف عبد الرزاق (٦/ ٢٧٣) (١٠٨١١)\n_________\n[¬١]- في ت: أن.\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- في ت: \"قالا\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ت.\n[¬٥]- في خ: \"قالا\".\n[¬٦]- سقط من: خ.\n[¬٧]- سقط من ت.\n[¬٨]- بعده في خ: \"وقد خالفه جمهور العلماء من السلف والخلف فرأو أن الربيبة لا تحرم بمجرد العقد على الربيبة\".","vol":"3","page":415},{"text":"إنها عليك حرام ففارقها.\nوجمهور العلماء على أن الربيبة لا تحرم بالعقد على الأم، بخلاف الأم، فإنها تحرم بمجرد العقد] [¬١].\nقال ابن أبي حاتم (^٢١٥): حَدَّثَنَا جعفر بن محمد بن هارون بن عَزرة، حَدَّثَنَا عبد الوهاب، عن سعيد، عن قَتَادة، عن عكرمة، عن ابن عبَّاس، أنَّه كان يقول: إذا طلق الرجل المرأة قبل أن يدخل بها أو ماتت لم تحل له أمها. (وروى) أنَّه قال: إنها مبهمة فكرهها.\nثم قال: وروي عن ابن مسعود وعمران بن حصين ومسروق وطاووس وعكرمة وعطاء والحسن ومكحول وابن سيرين وقَتَادة والزهري نحو ذالك. وهذا مذهب الأئمة الأربعة والفقهاء السبعة، وجمهور الفقهاء قديمًا وحديثًا، ولله الحمد والمنة.\nقال ابن جرير [¬٢] (^٢١٦): والصواب قول من قال: الأم من الأمهات [¬٣]، لأن الله لم يشرط معهن الدخول كما [شرط ذلك] [¬٤] مع أمهات الربائب، مع أن ذلك أيضًا إجماع من الحجة التي لا يجوز خلافها فيما جاءت به متفقة عليه. وقد روي بذلك أيضًا عن النبي ﷺ خبر غير أن في إسناده نظرًا، وهو ما حدثني به ابن المثنى، حدَّثنا حبان بن موسى، حدَّثنا ابن المبارك، أخبرنا المثنى [¬٥] بن الصباح، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﷺ قال: \"إذا نكح الرجل المرأة فلا يحل له أن يتزوّج أمها، دخل بالبنت أو لم يدخل، فإذا تزوج بالأم فلم يدخل بها ثم طلقها، فإن شاء تزوج الابنة\" (^٢١٧).\n_________\n(^٢١٥) - في تفسيره (٣/ ٩١١) (٥٠٨٦).\n(^٢١٦) - تفسير الطبري (٨/ ١٤٥ - ١٤٦).\n(^٢١٧) - ورواه عبد الرزاق في مصنفه (٦/ ٢٧٦) (١٠٨٢١)، والبيهقي في السنن الكبرى (٧/ ١٦٠) - من طريق المثنى بن الصباح به. قال البيهقي: مثنى بن الصباح غير قوى. ورواه الترمذي في جامعه في كتاب النكاح، كتاب: ما جاء فيمن يتزوج المرأة ثم يطلقها قبل أن يدخل بها، هل يتزوج ابنتها أم لا؟ (١١١٧)، وابن عدي في الكامل (٤/ ١٤٦٩)، والبيهقي في السنن الكبرى (٧/ ١٦٠).\n- من طريق عبد الله بن لهيعة، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال الترمذي: هذا حديث لا يصح من قِبَل إسناده، وإنما رواه ابن لهيعة والمثنى بن الصباح عن عمرو بن شعيب، والمثنى بن الصباح =\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٢]- في خ: \"ابن جريج\".\n[¬٣]- في ت: \"المبهمات\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين في ت: \"اشترطه\".\n[¬٥]- في خ: \"ابن المثنى\".","vol":"3","page":416},{"text":"ثم قال: وهذا الخبر -وإن كان في إسناده ما فيه- فإن في إجماع الحجة على صحة القول به مستغنًى عن الاستشهاد على صحته بغيره.\nوأمّا قوله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ فجمهور الأمة [¬١] على أن الربيبة حرام، سواء كانت في حجر الرجل أو لم تكن في حجره. قالوا: وهذا الخطاب خرج مخرج الغالب، فلا مفهوم له، لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾.\nوفي الصحيحين (^٢١٨) أن أم حبيبة قال: يا رسول الله؛ انكح أختي بنت أبي سفيان. وفي لفظ لمسلم: عزة بنت أَبى سفيان، قال: \"أو تحبين ذلك؟ \" قالت: نعم. لست لك بمخلية، وأحب من شاركني في خير أختي. قال: \"فإن ذلك لا يحل لي\". قالت: فإنا نحدث أنك تريد أن تنكح بنت أبي سلمة. قال: \"بنت أم سلمة\". قالت: نعم. قال: \"إنها لو لم تكن ربيبتي في حجري ما حلت لي، إنها لبنت أخي من الرضاعة، أرضعتني وأبا سلمة ثويبة، فلا تعرضن علي بناتكن ولا أخواتكن\". وفي رواية للبخاري (^٢١٩): \" إني لو لم أتزوج أم سلمة مما حلت لي\". فجعل المناط في التحريم مجرَّد تزوجه أم سلمة، وحكم بالتحريم لذلك، وهذا هو مذهب الأئمة الأربعة، والفقهاء السبعة، وجمهور الخلف والسلف. وقد قيل بأنه لا تحرم الربيبة إلا إذا كانت في حجر الرجل، فإذا لم يكن كذلك فلا تحرم.\nوقال ابن أبي حاتم (^٢٢٠): حَدَّثَنَا أَبو زرعة، حدَّثنا إبراهيم بن موسى، أنبأنا هشام -يعني ابن يوسف- عن ابن جريج، حدَّثني إبراهيم بن عبيد بن رفاعة، أخبرني مالك بن أوس بن الحدثان قال: كانت عندي امرأة فتوفيت، وقد ولدت لي، فوجدت عليها، فلقيني علي بن أبي\n_________\n= وابن لهيعة يُضَعَّفان في الحديث.\nوقال غيره: يشبه أن يكون ابن لهيعة أخذه عن المثنى ثم أسقطه؛ فإن أبا حاتم قد قال: لم يسمع ابن لهيعة من عمرو بن شعيب. التلخيص الحبير (٣/ ١٩٠).\n(^٢١٨) - صحيح البخاري، كتاب النكاح، باب: لا يتزوج أكثر من أربع (٥١٠١) وأطرافه في (٥١٠٦، ٥١٠٧، ٥١٢٣، ٥٣٧٢)، وصحيح مسلم، كتاب الرضاع (١٤٤٩) - من طريق عروة بن الزبير، عن زينب بنت أم سلمة، عن أم حبيبة بنت أبي سفيان به.\n(^٢١٩) - صحيح البخاري (٥١٢٣).\n(^٢٢٠) - في تفسيره (٢/ ٩١٣) (٥٠٨٧)، وهو عند عبد الرزاق في المصنف (٦/ ٢٧٨) (١٠٨٣٤).\n_________\n[¬١]- في ت: \"الأئمة\".","vol":"3","page":417},{"text":"طالب، فقال: ما لك؟ فقلت: توفيت المرأة. فقال علي: لها ابنة؟ قلت: نعم، وهي بالطائف. قال: كانت في حجرك؟ قلت: لا. هي بالطائف. قال: فانكحها. قلت: فأين قول الله: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾؟ قال: إنها لم تكن في حجرك، إنما ذلك إذا كانت في حجرك.\nهذا إسناد قوي ثابت إلى علي بن أبي طالب على شرط مسلم، وهو قول غريب جدًّا، وإلى هذا ذهب داود بن علي الظاهري وأصحابه، وحيه أبو القاسم الرافعي عن مالك ﵀، واختاره ابن حزم، وحكى لي شيخنا الحافظ أَبو عبد الله الذهبي أنَّه عرض هذا على الشيخ الإِمام تقي الدين بن تيمية ﵀ فاستشكله وتوقف في ذلك، والله أعلم.\nوقال ابن المنذر: حدَّثنا علي بن عبد العزيز، حدَّثنا الأثرم، عن أبي عبيدة، قوله: ﴿اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ قال: في بيوتكم.\nوأمّا الربيبة في ملك اليمين، فقد قال الإمام مالك بن أنس، عن ابن شهاب، أن عمر بن الخطاب سئل عن المرأة وبنتها من ملك اليمين توطأ إحداهما بعد الأخرى؛ فقال عمر: ما أحب أن أخْبُرَهُما جميعًا. ويريد أن أطأهما جميعًا بملك يميني. وهذا منقطع [¬١].\nوقال سنيد بن داود في تفسيره: حدَّثنا أبو الأحوص، [] [¬٢]، عن طارق بن عبد الرحمن، عن قيس، قال: قلت لابن عبَّاس: أيقع الرجل على امرأة وابنتها مملوكين له؟ فقال: أحلتهما آية وحرمتهما آية، ولم أكن لأفعله.\nوقال الشيخ أبو عمر بن عبد البر ﵀: لا خلاف بين العلماء أنَّه لا يحل لأحد أن يطأ امرأة وبنتها من ملك اليمين، لأن الله حرّم ذلك في النكاح قال ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ﴾ وملك اليمين عندهم تبع للنكاح، إلَّا ما روي عن ابن عمر وابن عبَّاس، وليس على ذلك أحد من أئمة الفتوى ولا من تبعهم. وروى هشام [¬٣]، عن قَتَادة: بنت الربيبة وبنت ابنتها لا تصلح وإن كانت أسفل ببطون كثيرة. وكذا قال قَتَادة عن أبي العالية.\nومعنى قوله تعالى: ﴿اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ أي: نكحتموهن، قاله ابن عبَّاس وغير واحد.\nوقال ابن جريج عن عطاء: هو أن تهدى إليه فيكشف ويفتش ويجلس بين رجليها. قلت:\n_________\n[¬١]- بعده في خ: \"جميعًا\".\n[¬٢]- بعده في ت: \"عن طاووس\". وهو خطأ.\n[¬٣]- في خ: \"ابن هشام\".","vol":"3","page":418},{"text":"أرأيت إن فعل ذلك في بيت أهلها؟ قال: هو سواء. وحسبه قد حرم ذلك عليه ابنتها.\nوقال ابن جرير [¬١] (^٢٢١): وفي إجماع الجميع على أن خلوة الرجل بامرأة لا تحرم ابنتها عليه إذا طلقها قبل مسيسها ومباشرتها، أو قبل النظر إلى فرجها بشهوة؛ ما يدل على أن معنى ذلك هو الوصول إليها بالجماع.\nوقوله تعالى: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ أي: وحرمت عليكم زوجات أبنائكم الذين ولدتموهم من أصلابكم يحترز بذلك عن الأدعياء، الذين كانوا يتبنونهم في الجاهلية، كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَي لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا﴾ الآية.\nوقال ابن جريج: سألت عطاء عن قوله: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ قال: كنا نحدّث والله أعلم أن النبي ﷺ لما نكح امرأة زيد فقال المشركون بمكة في ذلك، فأنزل الله ﷿: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ ونزلت: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾ ونزلت: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾.\nوقال ابن أبي حاتم (^٢٢٢): حَدَّثَنَا أَبو زرعة، حَدَّثَنَا محمد بن أبي بكر المقدمي، حَدَّثَنَا خالد [¬٢] بن الحارث، عن الأشعث، عن الحسن بن محمد، أن هؤلاء الآيات مبهمات: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ﴾ ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾. ثم قال: وروي عن طاووس وإبراهيم والزهري ومكحول نحو ذلك.\n(قلت): معنى مبهمات: أي عامّة في المدخول بها وغير المدخول، فتحرم بمجرَّد العقد عليها، وهذا متفق عليه.\nفإن قيل: فمن أين تحرم امرأة ابنه من الرضاعة كما هو قول الجمهور، ومن الناس من يحكيه إجماعًا وليس من صلبه؟ فالجواب من قوله ﷺ \"يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب\" (^٢٢٣).\nوقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَينَ الْأُخْتَينِ إلا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ الآية. أي: وحرَّم عليكم الجمع\n_________\n(^٢٢١) - في تفسيره (٨/ ١٤٨).\n(^٢٢٢) - في تفسيره (٣/ ٩١٣) (٥٠٩٥).\n(^٢٢٣) - سبق تخريجه؛ انظر حاشية (٢٠٦).\n_________\n[¬١]- في خ: \"جريج\".\n[¬٢]- في ت: \"الجرح\".","vol":"3","page":419},{"text":"بين الأختين معًا في التزويج، وكذا في ملك اليمين، إلَّا ما كان منكم في جاهليتكم، فقد عفونا [عن ذلك] [¬١] وغفرناه. فدل على أنه لا مثنوية فيما يستقبل؛ ولا استثناء فيما سلف، كما يل: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إلا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾ فدل على أنهم لا يذوقون فيها الموت أبدًا، وقد أجمع العلماء من الصحابة والتابعين والأئمة قديمًا وحديثًا على أنَّه يحرم الجمع بين الأختين في النكاح، ومن أسلم وتحته أختان، خير فيمسك إحداهما ويطلق الأخرى لا محالة. وقال الإِمام أحمد بن حنبل (^٢٢٤): حَدْثَنَا موسى بن داود، حَدَّثَنَا ابن لهيعة، عن أَبي وَهْب الجيشاني، عن الضحاك بن فيروز، عن أبيه، قال: أسلمت وعندي امرأتان أختان، فأمرني النبي ﷺ أن أطلق إحداهما.\nثم رواه أحمد والتِّرمِذي وابن ماجة من حديث ابن لهيعة (^٢٢٥)، وأخرجه أَبو داود والتِّرمِذي أيضًا من حديث يزيد بن أبي حبيب (^٢٢٦)، كلاهما عن أبي وَهْب الجيشاني، قال التِّرمِذي: واسمه ديلم [¬٢] بن الهوشع. عن الضحاك بن فيروز الديلمي، عن أبيه به. وفي لفظ للترمذي: فقال النبي ﷺ: \"اختر أيتهما شئت\". ثم قال التِّرمِذي: هذا حديث حسن.\n_________\n(^٢٢٤) - في مسنده (٤/ ٢٣٢) (١٨٠٩٦).\n(^٢٢٥) - المسند (٤/ ٢٣٢) (١٨٠٩٥)، والترمذي في كتاب النكاح، باب: ما جاء في الرجل يسلم وعنده أختان (١١٢٩)، وابن ماجة في كتاب النكاح، باب: الرجل يسلم وعنده أختان (١٩٥١)، والطبراني في معجمه الكبير (١٨/ ٣٢٨) (٨٤٣)، والدارقطني في سننه (٣/ ٢٧٤)، والبيهقي في الكبرى (٧/ ١٨٤) - كلهم من طريق عبد الله بن لهيعة، عن أبي وَهْب الجَيشاني، عن الضحاك بن فيروز، عن أبيه به.\n(^٢٢٦) - سنن أبي داود، كتاب الطلاق، باب: فيمن أسلم وعنده نساء أكثر من أربع أو أختان (٢٢٤٣)، والترمذي في كتاب النكاح، باب: ما جاء في الرجل يسلم وعنده أختان (١١٣٠)، والبخاري في التاريخ الكبير (٣/ ٢٤٨) (٨٥٦)، والعقيلي في الضعفاء (٢/ ٤٤) وابن حبان في صحيحه: الإحسان (٩/ ٤٦٢) (٤١٥٥)، والطبراني في الكبير (١٨/ ٣٢٩) (٨٤٥)، والدارقطني في السنن (٣/ ٢٧٣)، والبيهقي في السنن الكبرى (٧/ ١٨٤) - كلهم من طريق جرير بن حازم، عن يحيى بن أيوب، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي وَهْب الجيشاني، عن الضحاك بن فيروز، عن أبيه به.\n- قال المزي في التحفة: رواه الوليد بن مسلم وموسى بن داود ويحيى بن إسحاق ويحيى بن يحيى، عن ابن لهيعة كما قال قتيبة (يعني: عن أبي وَهْب، عن الضحاك، عن أبيه) وكذلك رواه أَبو همام الوليد بن شجاع، عن ابن وَهْب (يعني: عن ابن لهيعة).\nورواه أَبو سعيد عبد الرحمن بن أحمد بن يونس بن عبد الأعلى، عن أبيه، عن جده، عن ابن وَهْب، عن ابن لهيعة، عن يزيد بن أَبي حبيب، عن أَبي وَهْب الجيشاني. وهو وهم. والله أعلم. وقال ابن عساكر: هذا عندي وهم من ابن يونس أو من أبيه. ويحتمل أن يكون ابن لهيعة سمعه من =\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ت: \"عنه\".\n[¬٢]- في خ: \"دلهم\".","vol":"3","page":420},{"text":"وقد رواه ابن ماجة أيضًا بإسناد آخر، فقال (^٢٢٧): حَدَّثَنَا أَبو بكر بن أبي شيبة، حَدَّثَنَا عبد السلام بن حرب، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة، عن أبي وَهْب الجيشاني، عن أبي خراش الرعيني [عن الديلمي] [¬١]، قال: قدمت على رسول الله ﷺ وعندي أختان تزوّجتهما في الجاهلية، فقال: \"إذا رجعت فطلق إحداهما\".\nقلت: فيحتمل أن أبا خراش هذا هو الضحاك بن فيروز، ويحتمل أن يكون غيره، فيكون أَبو وَهْب قد رواه عن اثنين، عن فيروز الديلمي، والله أعلم.\nوقال ابن مردويه: حدَّثَنَا عبد الله بن يحيى بن محمد بن يحيى، حَدْثَنَا أحمد بن يحيى الخولاني، حَدَّثَنَا هيثم بن خارجة، حَدَّثَنَا يحيى بن إسحاق، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة، عن رُزيق [¬٢] بن حُكيم، عن كثير بن مرة، عن الديلمي، قال: قلت: يا رسول الله، إن تحتي أختين. قال: \"طلق أيهما شئت\" (^٢٢٨).\n_________\n= يزيد عن أبي وَهْب ثم سمعه من أبي وَهْب أو دلسه عنه.\nوالحديث قال عنه البخاري: في إسناده نظر.\nوقال العقيلي: لا يحفظ إلا عنه (يعني أبا وَهْب الجيشاني).\nوالحديث قد احتج به الأوزاعي وغيره، انظر سنن الدارقطني (٣/ ٢٧٤).\n(^٢٢٧) - مصنف ابن إلى شيبة، كتاب النكاح، باب: ما قالوا في الرجل يسلم وعنده أختان (٣/ ٤٠٥) وعن ابن ماجة في سننه، كتاب النكاح، باب: الرجل يسلم وعنده أختان (١٩٥٠)، ورواه الطبراني في الكبير (١٨/ ٣٢٨ - ٣٢٩) من طريق أبي بكر بن أبي شيبة به.\nوقد رواه الإمام الشافعي في مسنده - شفاء العي (٢/ ٣١) (٤٥) - وعنه الدارقطني في سننه (٣/ ٢٧٣)، والبيهقي في سننه الكبرى (٧/ ١٨٤ - ١٨٥) عن ابن أبي يحيى، عن ابن أبي فروة، عن أبي وَهْب الجيشاني، عن أبي خراش، عن الديلمي -أو عن ابن الديلمي- به.\nقال البيهقي: زاد إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة في إسناده أبا خراش، وإسحاق لا يحتج به، ورواية يزيد بن أبي حبيب أصح، والله أعلم.\nوقال الحافظ ابن حجر ﵀ في زوائده على تحفة الأشراف -معقبًا على رواية ابن ماجة عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن عبد السلام بن حرب -: تابعه الحسين بن سنان الخزاز، عن عبد السلام بن حرب. ورواه أَبو نعيم، عن عبد السلام بن حرب؛ فجعله من مسند أبي خراش نفسه؛ أخرجه ابن منده في المعرفة.\nوأخرجه الشافعي عن إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى، عن إسحاق بن أبي فروة؛ فوافق الأول. وهو الصواب.\n(^٢٢٨) - ورواه الطبراني في الكبير (١٨/ ٣٣٠ - ٣٣١) (٨٥٠) من طريق الهيثم بن خارجة، عن =\n_________\n[¬١]- سقط من ز، خ، ت. والصواب إثباته.\n[¬٢]- في خ: \"زر\". وفي ت: \"زريق\".","vol":"3","page":421},{"text":"فالديلمي المذكور أوّلا هو الضحاك بن فيروز الديلمي، [قال أبو زرعة الدمشقي: كان يصحب عبد الملك بن مروان. والثاني هو أبو فيروز الديلمي] [¬١]﵁ وكان من جملة الأمراء باليمن الذين ولوا قتل الأسود العنسي المتنبيء لعنه الله.\nوأما الجمع بين الأختين في ملك اليمين فحرام أيضًا، لعموم الآية.\nوقال ابن أبي حاتم (^٢٢٩): حَدَّثَنَا أبو زرعة، حَدَّثَنَا موسى بن إسماعيل، حَدَّثَنَا حماد بن سلمة، عن قتادة، عن عبد الله بن أبي عنبة -أو عتبة- عن ابن مسعود، أنه سئل عن الرجل يجمع بين الأختين، فكرهه. فقال له -يعني السائل- يقول الله تعالى: ﴿إلا مَا مَلَكَتْ أَيمَانُكُمْ﴾ فقال له ابن مسعود - رضي الله تعالى عنه -: وبعيرك مما ملكت يمينك.\nوهذا هو المشمهور عن الجمهور والأئمة الأربعة وغيرهم، وإن كان بعض السلف قد توقف في ذلك. وقال الإِمام مالك (^٢٣٠)، عن ابن شهاب، عن قبيصة بن ذؤيب، أن رجلا سأل عثمان بن عفان عن الأختين في ملك اليمين، هل يجمع بينهما؟ فقال عثمان: أحلتهما آية وحرّمتهما آية، وما كنت لأصنع ذلك. فخرج من عنده فلقي رجلا من أصحاب النبي ﷺ فسأله عن ذلك فقال: لو كان لي من الأمر شيء، ثم وجدت أحدًا فعل ذلك لجعلته [¬٢] نكالا. وقال مالك: قال ابن شهاب: أراه علي بن أبي طالب. قال: وبلغني عن الزبير بن العوّام عل ذلك.\nقال الشيخ أبو عمر بن عبد البر النمري ﵀ في كتابه الاستذكار (^٢٣١): إنما كنى قبيصة بن ذؤيب عن علي بن أبي طالب، لصحبته عبد الملك بن مروان، وكانوا يستثقلون [¬٣] ذكر علي بن أبي طالب ﵁.\nثم قال أبو عمر: حدثني خلف بن أحمد ﵀ قراءة عليه - أن خلف بن مطرف حدّثهم، حَدَّثَنَا أيوب بن سليمان، وسعيد بن سليمان، ومحمد بن عمر بن لبابة، قالوا: حَدَّثَنَا أبو زيد عبد الرحمن بن إبراهيم، حَدَّثَنَا أبو عبد الرحمن المقري، عن موسى بن أيوب\n_________\n= يحيى بن حمزة (وعند ابن كثير: ابن إسحاق) عن ابن أبي فروة به.\n(^٢٢٩) - في تفسيره (٣/ ٩١٤) (٥٠٩٩)، وفيه: عن عبد الله بن أبي عتبة، عن ابن مسعود، من غير شك.\n(^٢٣٠) - في الموطأ، كتاب النكاح، باب: ما جاء في كراهية إصابة الأختين بملك اليمين: ﷺ ٤٢٥.\n(^٢٣١) - الاستذكار لابن عبد البر (١٦/ ٢٥٢).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين من: خ.\n[¬٢]- في خ: \"لوجدته\".\n[¬٣]- في خ: \"يستقلون\".","vol":"3","page":422},{"text":"الغافقي، حدثني عمي إياس بن عامر، قال: سألت علي بن أبي طالب، فقلت: إنّ لي أختين مما ملكت يميني، اتخذت إحداهما سُرِّيَّة، فولدت لي أولادًا، ثم رغبت في الأخرى، فما أصنع؟ فقال علي ﵁: تعتق التي كنت تطأ، ثم تطأ الأخرى. قلت: فإنّ ناسًا يقولون: بل تزوّجها، ثم تطأ الأخرى. فقال علي: أرأيت إن طلقها زوجها أو مات عنها، أليس ترجع إليك؟ لأن تعتقها أسلم لك. ثم أخذ علي بيدي، فقال لي: إنه يحرم عليك مما ملكت يمينك ما يحرم عليك في كتاب الله ﷿ من الحرائر إلا العدد -أو قال: إلا الأربع- ويحرم عليك من الرضاع ما يحرم عليك في كتاب الله من النسب.\nثم قال أبو عمر: هذا الحديث رحلة [¬١]، لو لم يصب رجل من أقصى المغرب والمشرق إلى مكة غيره لما خابت رحلته.\nقلت: وقد روي عن علي نحو ما تقدم عن عثمان. قال أبو بكر بن مردويه: حَدَّثَنَا محمد بن أحمد بن إبراهيم، حَدَّثَنَا محمد بن العباس، حدثني محمد بن عبد الله بن المبارك المخرمي، حَدَّثَنَا عبد الرحمن بن غزوان، حَدَّثَنَا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: قال لي علي بن أبي طالب: حرّمتهما آية وأحلتهما آية -يعني الأختين- قال ابن عباس: تحرمهن على قرابتي منهن، ولا تحرمهن على قرابة بعضهن من بعض -يعني الإِماء- وكانت الجاهلية يحرّمون ما تحرّمون، إلا امرأة الأب والجمع بين الأختين، فلما جاء الإِسلام أنزل الله: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إلا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَينَ الْأُخْتَينِ إلا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ يعني: في النكاح.\nثم قال أبو عمر: وروى الا مام أ حمد بن حنبل، حَدَّثَنَا محمد بن سلمة، عن هشام، عن ابن سيرين، عن ابن مسعود، قال: يحرم من الإِماء ما يحرم من الحرائر إلا العدد. وعن ابن سيرين والشعبي نحو [¬٢] ذلك.\nقال أبو عمر: ﵀ وقد روي مثل قول عثمان عن طائفة من السلف، منهم ابن عباس، ولكن اختلف عليهم، ولم يلتفت إلى ذلك أحد من فقهاء الأمصار والحجاز والعراق ولا ما وراءهما من المشرق ولا بالشام والمغرب، إلا من شذ عن جماعتهم باتباع الظاهر ونفي القياس، وقد ترك من يعمل ذلك ظاهرًا [] [¬٣] ما اجتمعنا عليه، وجماعة الفقهاء متفقون على أنه لا يحل الجمع بين الأختين بملك اليمين في الوطء، كما لا يحل ذلك في النكاح،\n_________\n[¬١]- في خ: \"رجل\".\n[¬٢]- في خ: \"مثل\".\n[¬٣]- بعده في ت: \"ظاهرًا\".","vol":"3","page":423},{"text":"وقد أجمع المسلمون على أن معنى قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ﴾ إلى آخر الآية، أن النكاح وملك [¬١] اليمين في هؤلاء كلهن سواء، فكذلك يجب أن يكون نظرًا وقياسًا الجمع بين الأختين، وأمهات النساء والربائب، وكذلك هو عند جمهورهم، وهم الحجة المحجوج بها من خالفها وشذ عنها. والله المحمود.\nوقوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إلا مَا مَلَكَتْ أَيمَانُكُمْ﴾ [أي: وحرم عليكم من الأجنبيات المحصنات، وهنّ المزوجات ﴿إلا مَا مَلَكَتْ أَيمَانُكُمْ﴾]، يعني: إلا ما ملكتموهن بالسبي فإنه يحل لكم وطؤهن إذا استبرأتموهن، فإن الآية نزلت في ذلك.\nوقال الإِمام أحمد (^٢٣٢): حَدَّثَنَا عبد الرزاق، أخبرنا سفيان -هو الثوري- عن عثمان البتي، عن أبي الخليل، عن أبي سعيد الخدري، قال: أصبنا نساء [¬٢] من سبي أوطاس، ولهن أزواج، فكرهنا أن نقع عليهن ولهن أ زواج، فسألنا النبي ﵌، فنزلت هذه الآية: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إلا مَا مَلَكَتْ أَيمَانُكُمْ﴾ فاستحللنا بها [¬٣]، فروجهن.\nوهكذا رواه الترمذي، عن أحمد بن منيع، عن هشيم، ورواه النسائي من حديث سفيان الثوري، وشعبة بن الحجاج، ثلاثتهم عن عثمان البتي، ورواه ابن جرير من حديث أشعث بن سوار [¬٤] عن عثمان البتي، ورواه مسلم في صحيحه (^٢٣٣)، من حديث شعبة، عن قتادة، كلاهما عن أبي الخليل صالح بن أبي مريم، عن أبي سعيد الخدري فذكره، وهكذا رواه عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، عن أبي الخليل، عن أبي سعيد الخدري به (^٢٣٤).\n_________\n(^٢٣٢) - في مسنده (٣/ ٧٢) (١١٧٠٨).\n(^٢٣٣) - رواه الترمذي في كتاب النكاح، باب: ما جاء في الرجل يسبى الأمة ولها زوج، هل يحل له أن يطأها (١١٣٢)، وفي كتاب التفسر، باب: ومن سورة النساء (٣٠٢٠)، والنسائي في السنن الكبرى، كتاب النكاح، باب: قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إلا مَا مَلَكَتْ أَيمَانُكُمْ﴾ (٦/ ٣٢١) (١١٠٩٧)، وابن جرير في تفسيره (٨/ ١٥٣) (٨٩٦٩)، وأبو يعلى في مسنده (٢/ ٣٨١، ٤٢٩) (١١٤٨) (١٢٣١) - كلهم من طريق عثمان بن مسلم البَتِّي، عن أبي الخليل صالح بن أبي مريم، عن أبي سعيد الخدري ﵁ به.\n(^٢٣٤) - رواه مسلم في صحيحه، كتاب الرضاع (١٤٥٦) من طريق خالد بن الحارث، عن سعيد وشعبة، عن قتادة، عن أبي الخليل، عن أبي سعيد الخدري به وقد خولف خالد عن سعيد في ذلك =\n_________\n[¬١]- في خ: \"بملك\".\n[¬٢]- في خ: \"سبيا\".\n[¬٣]- سقط من: خ.\n[¬٤]- في ت: \"سواري\".","vol":"3","page":424},{"text":"وقد روي من وجه آخر، عن أبي الخليل، عن أبي علقمة الهاشمي، عن أبي سعيد الخدري، [قال الإمام أحمد (^٢٣٥): حَدَّثَنَا ابن أبي عدي، عن سعيد، عن قتادة، عي أبي الخليل، عن أبي علقمَة، عن أبي سعيد الخدري] [¬١]، أن [¬٢] أصحاب رسول الله ﵌ أصابوا سبايا [¬٣] يوم أوطاس، لهن أزواج من أهل الشرك، فكأن أناسًا من أصحاب رسول الله ﷺ كفوا وتأثموا من غشيانهن، قال: فنزلت هذه الآية في ذلك: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إلا مَا مَلَكَتْ أَيمَانُكُمْ﴾.\nوهكذا رواه مسلم وأبو داود والنسائي من حديث سعيد بن أبي عروبة، زاد مسلم: وشعبة. ورواه الترمذي من حديث همام بن يحيى، ثلاثتهم عن قتادة بإسناده نحوه (^٢٣٦)، وقال الترمذي: هذا حديث حسن، ولا أعلم أن أحدًا ذكر أبا علقمة في هذا الحديث إلا ما ذكر همام عن قتادة. كذا قال، وقد تابعه سعيد وشعبة، والله أعلم.\nوقد روى الطبراني من طريق [¬٤] الضحاك، عن [ابن عباس] [¬٥] (^٢٣٧)، أنها نزلت في سبايا\n_________\n= كما سيأتي، ورواه عبد الرزاق في التفسير (١/ ١٥٣ - ١٥٤) عن معمر، عن قتادة، عن أبي الخليل أو غيره أو عن أبي سعيد الخدري به.\n(^٢٣٥) - في مسنده (٣/ ٨٤) (١١٨١٣) وأيضًا (١١٨١٤) عن همام، عن قتادة.\n(^٢٣٦) - رواه مسلم في صحيحه في كتاب الرضاع (١٤٥٦)، وأبو داود في سننه، كتاب النكاح، باب: في وطء السبايا (٢١٥٥)، والنسائي في سننه، كتاب النكاح، باب: تأويل قول الله ﷿: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ (١١٠/ ٦)، وفي الكبرى في كتاب التفسير، باب: قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ (٦/ ٣٢١) (١١٠٩٦)، والترمذي في كتاب النكاح، باب: ما جاء في الرجل يسبى الأمة ولها زوج، هل يحل له أن يطأها (١١٣٢)، وفي كتاب التفسير، باب: ومن سورة النساء (٣٠٢٠)، وأبو يعلى (٢/ ٤٨٦) (١٣١٨) - من طريق سعيد وشعبة وهمام. ورواه أبو داود الطيالسي (٢٢٣٩) عن هشام الدستوائي - أربعتهم (سعيد وشعبة وهمام وهشام) عن قتادة، عن أبي الخليل، عن أبي علقمة الهاشمي، عن أبي سعيد الخدري به. وهذا أولى من رواية خالد بن الحارث عند مسلم بإسقاط أبي علقمة الهاشمي.\nقال الإمام أبو الحسن الدارقطني في العلل (١١/ ٣٥٢): يرويه قتادة، عن أبي الخليل صالح بن أبي مريم، عن أبي علقمة، عن أبي سعيد. وخالفه عثمان البتي؛ فرواه عن أبي الخليل، عن أبي سعيد. ولم يذكر أبا علقمة. وقول قتادة أصح ا هـ.\n(^٢٣٧) - المعجم الكبير للطبراني (١٢/ ١١٥ - ١١٦) (١٢٦٣٧)، والمعجم الأوسط =\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- في خ: \"كان\".\n[¬٣]- في ت: \"سبيا\".\n[¬٤]- في ت: \"حديث\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين في ت: \"أنس\".","vol":"3","page":425},{"text":"خيبر. وذكر مثل حديث أبي سعيد، وقد ذهب جماعة من السلف إلى أن بيع الأمة يكون طلاقا لها من زوجها أخذًا بعموم هذه الآية، وقال ابن جرير (^٢٣٨): حَدَّثَنَا ابن مثنى، حَدَّثَنَا محمد بن جعفر، عن شعبة، عن مغيرة، عن إبراهيم: أنه سئل عن الأمة تباع ولها زوج؟ قال: كان عبد الله يقول: بيعها طلاقها. ويتلو هذه الآية ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إلا مَا مَلَكَتْ أَيمَانُكُمْ﴾.\nوكذا رواه سفيان، عن منصور، ومغيرة والأعمش، عن إبراهيم، عن ابن مسعود، قال: بيعها طلاقها. وهو منقطع. ورواه [¬١] سفيان الثوري، عن خالد، عن أبي قلابة، عن ابن مسعود، قال: إذا بيعت الأمة ولها زوج فسيدها أحق ببضعها.\nورواه سعيد عن قتادة، قال: إن أبي بن كعب وجابر بن عبد الله وابن عباس قالوا: بيعها طلاقها.\nوقال ابن جرير (^٢٣٩): حدثني يعقوب، حَدَّثَنَا ابن علية، عن خالد، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: طلاق الأمة ست: بيعها طلاقها، وعتقها طلاقها، وهبتها طلاقها، وبراءتها، طلاقها، وطلاق زوجها طلاقها.\nوقال عبد الرزاق (^٢٤٠): أخبرنا معمر، عن الزهري، عن ابن المسيب، قوله ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ قال: هنّ [¬٢] ذوات الأزواج، حرم الله نكاحهن إلا ما ملكت يمينك، فبيعها طلاقها. قال معمر: وقال الحسن مثل ذلك.\nوهكذا رواه سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن في قوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إلا مَا مَلَكَتْ أَيمَانُكُمْ﴾ قال: إذا كان لها زوج فبيعها طلاقها. وروى عوف عن الحسن: بيع الأمة طلاقها، وبيعه طلاقها.\n_________\n= (٤/ ٢٩٧ - ٢٩٨) (٤٢٥١) من طريق أحمد بن صالح، عن يحيى بن حسان، عن محمد بن مسلم بن أبي الوضاح، عن سالم الأفطس، عن رزين الجرجاني، عن الضحاك، عن ابن عباس به.\nقال الطبراني: لم يروه عن سالم الأفطس إلا محمد بن مسلم بن أبي الوضاح.\n(^٢٣٨) - في تفسيره (٥/ ١٥٨) (٨٩٧٣).\n(^٢٣٩) - المصدر السابق (٨/ ١٥٧) (٨٩٨٣)، وقد قال: طلاق الأمة ست، ولم يذكر منها إلا خمسًا، وانظر التعليق على ذلك في تفسير ابن جرير.\n(^٢٤٠) - في تفسيره (١/ ١٥٣).\n_________\n[¬١]- في ت: \"وقال\".\n[¬٢]- في خ: \"هذه\".","vol":"3","page":426},{"text":"فهذا قول هؤلاء من السلف، وقد خالفهم الجمهور قديمًا وحديثًا، فرأوا أن بيع الأمة ليس طلاقًا لها؛ لأن المشتري نائب عن البائع، والبائع كان قد أخرج عن ملكه هذه المنفعة وباعها مسلوبة عنها، واعتمدوا في ذلك على حديث برهة الخرج في الصحيحين وغيرهما (^٢٤١)، فإن عائشة أم المؤمنين اشترتها ونجَّزت عتقها، ولم ينفسخ نكاحها من زوجها مغيث، بل خيرها رسول الله ﷺ بين الفسخ والبقاء؛ فاختارت الفسخ: قصتها مشهورة. فلو كان بيع الأمة طلاقها، كما قال هؤلاء، ما خيرها النبي ﷺ؛ فلما خيرها دل على بقاء النكاح، وأن المراد من الآية المسبيات فقط، والله أعلم.\nوقد قيل: المراد بقوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ يعني، العفائف حرام عليكم حتى تملكوا عصمتهن بنكاح وشهود ومهور وولي، واحدة، أو اثنتين، أو ثلاثًا، أو أربعًا. حكاه ابن جرير (^٢٤٢) عن أبي العالية وطاووس وغيرهما. وقال عمر وعبيدة: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ ما عدا الأربع حرام عليكم إلا ما ملكت أيمانكم.\nوقوله تعالى: ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيكُمْ﴾ أي: هذا التحريم كتاب كتبه الله عليكم، [يعني الأربع] [¬١] فالزموا كتابه، ولا تخرجوا [¬٢] عن حدوده، والزموا شرعه وما فرضه.\nو[¬٣] قال عبيدة وعطاء والسدي في قوله: ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيكُمْ﴾ يعني: الأربع.\nوقال إبراهيم: ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيكُمْ﴾ يعني ما حرم عليكم.\nوقوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ أي: ما عدا من ذكرن من المحارم هن لكم حلال، قاله عطاء وغيره. وقال عبيدة والسدي: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ ما دون الأربع. وهذا بعيد. والصحيح قول عطاء كما تقدم. وقال قتادة: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ يعني ما ملكت أيمانكم، وهذه الآية هي [¬٤] التي احتج بها من احتج على تحليل الجمع بين الأختين، وقول من قال: أحلتهما آية وحرمتهما آية. وقوله تعالى: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيرَ مُسَافِحِينَ﴾ أي: تحصلوا بأموالكم من الزوجات إلى أربع، أو السراري ما شئتم بالطريق الشرعي، ولهذا قال: ﴿مُحْصِنِينَ غَيرَ مُسَافِحِينَ﴾.\n_________\n(^٢٤١) - صحيح البخاري، كتاب الشروط، باب: الشروط في البيوع (٢٧١٧)، ومسلم في كتاب العتق (١٥٠٤) - من طريق الزهري، عن عروة، عن عائشة ﵂.\n(^٢٤٢) - في تفسيره (٨/ ١٥٩).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٢]- في خ: \"ولا تخرجوه\".\n[¬٣]- في خ: \"وقد قال\".\n[¬٤]- سقط من: خ.","vol":"3","page":427},{"text":"وقوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ أي: كما تستمتعون بهن فآتوهن مهورهن في مقابلة ذلك، [كما قال تعالى] [¬١]: ﴿وَكَيفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾. وكقوله تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾. وكقوله: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيتُمُوهُنَّ شَيئًا﴾ وقد استدل بعموم هذه الآية على نكاح المتعة، ولا شك أنه كان مشروعًا في ابتداء الإسلام، ثم نسخ بعد ذلك. وقد ذهب الشافعي وطائفة من العلماء إلى أنه أبيح ثم نسخ، ثم أبيح ثم نسح [مرتين. وقال] [¬٢] آخرون: أكثر من ذلك. وقال آخرون: إنما أبيح مرة، ثم نسخ ولم يبح بعد ذلك.\nوقد روي عن ابن عباس وطائفة من الصحابة القول بإباحتها للضرورة، وهو رواية عن الإِمام أحمد بن حنبل [رحمهم الله تعالى] [¬٣] وكان ابن عباس، وأبي بن كعب، وسعيد بن جبير والسدي يقرءون ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾.\nوقال مجاهد: نزلت في نكاح المتعة. ولكن الجمهور على خلاف ذلك.\nوالعمدة ما ثبت في الصحيحين (^٢٤٣)، عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، قال: نهى رسول الله ﷺ عن نكاح التعة، وعن لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر. ولهذا الحديث ألفاظ مقررة هي في كتاب \"الأحكام\".\nوفي صحيح مسلم (^٢٤٤)، عن الربيع بن سبرة بن معبد الجهني، عن أبيه، أنه غزا مع رسول الله ﷺ يوم [¬٤] فتح مكة، فقال: \"يا أيها الناس، إني كنت أذنت لكم في الاستمتاع من النساء، وإن الله قد حرم ذلك إلى يوم القيامة، فمن كان عنده منهن شيء فليخل سبيله، ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئًا\". وفي رواية لمسلم: في حجة الوداع. وله ألفاظ موضعها \"كتاب الأحكام\".\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيكُمْ فِيمَا تَرَاضَيتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ﴾ من حمل هذه الآية\n_________\n(^٢٤٣) - صحيح البخاري، كتاب المغازي، باب: غزوة خيبر (٤٢١٦) وأطرافه في (٥١١٥) (٥٥٢٣) (٦٩٦١)، وصحيح مسلم، كتاب النكاح (١٤٠٧). من طريق الزهري، عن عبد الله والحسن ابنى محمد بن علي، عن أبيهما، عن علي بن أبي طالب ﵁.\n(^٢٤٤) - صحيح مسلم، كتاب النكاح (١٤٠٦).\n_________\n[¬١]- في خ: \"كقوله\".\n[¬٢]- مكانه في خ بياض.\n[¬٣]- ما بين المعقوفتين سقط من: ت.\n[¬٤]- سقط من: خ.","vol":"3","page":428},{"text":"على نكاح المتعة إلى أجل مسمى. قال [¬١]: فلا جناح عليكم إذا انقضى الأجل أن تتراضوا [¬٢] على زيادة به، وزيادة للجعل.\nقال [¬٣] السدي: [إن شاء أرضاها] [¬٤] من بعد الفريضة الأولى، يعني الأجر الذي أعطاها على تمتعه بها قبل انقضاء الأجل بينهما، فقال: أتمتع منك أيضًا بكذا وكذا. فإن زاد قبل أن يستبرئ رحمها يوم تنقضي المدة، وهو قوله تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيكُمْ فِيمَا تَرَاضَيتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ﴾.\nقال السدي: فإذا [¬٥] انقضت المدة فليس له عليها سبيل، وهي منه بريئة، وعليها أن تستبرئ ما في رحمها، وليس بينهما ميراث. فلا يرث واحد منهما صاحبه.\nومن قال [بهذا القول] [¬٦] الأول جعل معناه كقوله: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ الآية، أي: إذا فرضت لها صداقًا فأبرأتك منه، أو عن شيء منه، فلا جناح عليك [¬٧] ولا عليها في ذلك.\nوقال ابن جرير (^٢٤٥): حدثنا محمد بن عبد الأعلى، حدثنا المعتمر بن سليمان، عن أبيه، قال: زعم الحضرمي أن رجالًا كانوا يفرضون المهر ثم عسى أن يدرك أحدهم العسرة، فقال: ولا جناح عليكم أيها الناس فيما تراضيتم به من بعد الفريضة، يعني: إن وضعت لك منه شيئًا فهو لك سائغ. واختار هذا القول ابن جرير. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيكُمْ فِيمَا تَرَاضَيتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ﴾ والتراضي أن يوفيها صداقها ثم يخيرها يعني في المقام أو الفراق.\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ فناسب [¬٨] ذكر هذين الوصفين بعد شرع هذه المحرمات.\n_________\n(^٢٤٥) - في تفسيره (٨/ ١٨٠) (٩٠٤٥).\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- في خ: \"تراضو\".\n[¬٣]- في خ: \"وقال\".\n[¬٤]- في خ: \"شاء الله أرضاها\".\n[¬٥]- في ت: \"إذا\".\n[¬٦]- في خ: \"بالقول\".\n[¬٧]- في خ: \"عليكم\".\n[¬٨]- في ت: \"مناسب\".","vol":"3","page":429},{"text":"﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَينَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٥)﴾\nيقول تعالى: [﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا﴾] [¬١] أي: سعة وقدرة ﴿أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [¬٢] أي: الحرائر العفائف [¬٣].\nوقال ابن وهب: أخبرني عبد الجبار، عن ربيعة: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ قال ربيعة: الطول الهوى. يعني ينكح الأمة إذا كان هواه فيها. رواه ابن أبي حاتم وابن جرير (^٢٤٦). ثم شرع [¬٤] يشنع على هذا القول ويردّه.\n﴿فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ أي: فتزوجوا من الإِماء المؤمنات اللاتي يملكهن المؤمنون ولهذا قال: ﴿مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ قال ابن عباس وغيره: فلينكح من إماء المؤمنين، وكذا قال السدي ومقاتل بن حيان.\nثم اعترض [¬٥] بقوله: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ أي: هو العالم بحقائق الأمور وسرائرها، وإنّما لكم أيها الناس الظاهر من الأمور.\nثم قال: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾ فدل على أن السيد هو [¬٦] ولي أمته، لا تزوج إلا بإذنه، وكذلك هو ولي عبده، ليس له أن يتزوج [بغير] [¬٧] إذنه، كما جاء في الحديث:\n_________\n(^٢٤٦) - تفسير ابن جرير (٨/ ١٨٣) (٩٠٥٧)، وتفسير ابن أبي حاتم (٣/ ٩٢٠) (٥١٤٠).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفين في خ: \"ومن لم يجد طولًا\".\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- سقط من: خ.\n[¬٤]- في ت: \"أخذ\".\n[¬٥]- في خ: \"أعرض\".\n[¬٦]- سقط من: خ.\n[¬٧]- في خ: \"إلا بإذنه\".","vol":"3","page":430},{"text":"\"أيما عبد تزوج بغير إذن مواليه فهو عاهر\" (^٢٤٧). أي: زان. فإن كان مالك الأمة امرأة [¬١]، زوجها من يزوج المرأة بإذنها، لما جاء في الحديث: \"لا تزوّج [المرأة المرأة، ولا] [¬٢] المرأة نفسها فإن الزانية هي التي تزوّج نفسها\" (^٢٤٨).\n_________\n(^٢٤٧) - رواه أبو داود في سننه، كتاب النكاح، باب: في نكاح العبد بغير إذن سيده (٢٠٧٨)، وأحمد في مسنده (٣/ ٣٠١) (١٤٢٥٣)، وابن أبي شيبة في مصنفه، كتاب النكاح، باب: من كره للعبد أن يتزوج بغير إذن سيده (٣/ ٣٦٩)، والدارمي في سننه (٢/ ١٥٢)، وابن الجارود في المنتقى (٦٨٦)، وابن عدي في الكامل (٢/ ٧٢٧)، وأبو نعيم في الحلية (٧/ ٣٣٣)، والبيهقي في السنن الكبرى (٧/ ١٢٧) - من طرق عن الحسن بن صالح.\nورواه الترمذي، في كتاب النكاح، باب: ما جاء في نكاح العبد بغير إذن سيده (١١١٢)، وأحمد في المسند (٣/ ٣٧٧) (١٥٠٧٤)، وابن عدي في الكامل (٣/ ٩٢٥) - عن ابن جريج.\nورواه ابن أبي شيبة في المصنف (٣/ ٣٦٩)، وأحمد في المسند (٣/ ٣٨٢) (١٥١٣٥)، والحاكم في المستدرك (٢/ ١٩٤)، والبيهقي في السنن الكبرى (٧/ ١٢٧) من طريق القاسم بن عبد الواحد. ورواه الترمذي في كتاب النكاح (١١١١) من طريق زهير بن محمد - أربعتهم (أعني: الحسن، وابن جريج، والقاسم، وزهيرًا) عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر بن عبد الله ﵄ به مرفوعًا.\nقال الترمذي: هذا حديث حسن. كذا نقل المنذري والمزى ابن حجر، ونقل عنه الزيلعى في نصب الراية (٣/ ٢٠٣) أنه صححه أيضًا، وكذلك هو في المطبوع.\nوقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وقال أبو نعيم -بعد أن خرج الحديث من رواية الحسن بن صالح، عن ابن عقيل-: غريب من حديث الحسن، لم نكتبه إلا من حديث إسماعيل ا هـ. ولكنه رواه عن الحسن جماعة منهم: وكيع، وأبو نعيم الفضل بن دُكَين، وابن رجاء، ومخلد بن يزيد، كما في مصادر التخريج السابقة.\n(تنبيه) روى هذا الحديث ابنُ ماجة في سننه، في كتاب النكاح، باب: تزويج العبد بغير إذن سيده (١٩٥٩) فقال: حدثنا أزهر بن مروان، ثنا عبد الوارث بن سعيد، ثنا القاسم بن عبد الواحد، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن ابن عمر، فذكره مرفوعًا. قال الحافظ ابن حجر في زوائده على التحفة: هكذا عنده من رواية عبد الوارث بن سعيد، عن القاسم. وخالفه همام، عن القاسم؛ فقال: عنه، عن ابن عقيل، عن جابر ا هـ.\nوالظاهر أن المخالفة ليست من عبد الوارث؛ إذ إنّ ابنه عبد الصمد روى عنه هذا الحديث على الصواب كرواية همام (كما في رواية الحاكم) فالمخالفة إذن مِمَّن هو دون عبد الوارث، والله أعلم.\nقال الترمذي: وروى بعضهم هذا الحديث عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ ولا يصح. والصحيح: عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر.\n(^٢٤٨) - رواه ابن ماجة في كتاب النكاح، باب: لا نكاح إلا بولي (١٨٨٢)، وابن عدي في الكامل (٦/ ٢٢٦٧)، والدارقطني في سننه (٣/ ٢٢٧)، والبيهقي في السنن الكبرى (٧/ ١١٠) من طريق =\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.","vol":"3","page":431},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي: وادفعوا مهورهن بالمعروف، أي: عن طيب نفس منكم، ولا تبخسوا منه شيئًا استهانة بهن لكونهن إماء مملوكات.\nوقوله تعالى: ﴿محصنات﴾ أي: عفائف [¬١]، عن الزنا، لا يتعاطينه. ولهذا قال: ﴿غير مسافحات﴾ وهن الزواني اللاتي لا يمتنعن من أحد أرادهن بالفاحشة.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾ قال ابن عباس: ﴿المسافحات﴾ هن الزواني المعلنات، يعني الزواني اللاتي لا يمنعن أحدًا أرادهن بالفاحشة. وقال ابن عباس: ومتخذات أخدان يعني أخلاء.\nوكذا روي عن أبي هريرة ومجاهد والشعبي والضحاك وعطاء الخراساني ويحيى بن أبي كثير ومقاتل بن حبّان والسدي قالوا: أخلاء. وقال الحسن البصري: يعني الصديق. وقال الضحاك أيضًا: ﴿وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾ ذات الخليل الواحد المقرة به. نهى الله عن ذلك، يعني تزويجها ما دامت كذلك.\nوقوله تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَينَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ اختلف القراء في (أحصنّ) فقرأه بعضهم بضم الهمزة وكسر الصاد مبني لما لم يسم فاعله، وقرئ بفتح الهمزة والصاد فعل لازم، ثم قيل: معنى القراءتين واحد. واختلفوا فيه على قولين؛ (أحدهما): أن المراد بالإحصان هاهنا الإسلام، روي ذلك عن عبد الله بن مسعود وابن عمر وأنس والأسود بن يزيد وزر بن حبيش وسعيد بن جبير وعطاء وإبراهيم النخعي والشعبي والسدي، وروى نحوه الزهري عن عمر بن الخطاب، وهو\n_________\n= السدى الصغير محمد بن مروان، ورواه الدارقطني (٣/ ٢٢٧ - ٢٢٨)، والبيهقي (٧/ ١١٠) من طريق عبد السلام بن حرب ومخلد بن الحسين- ثلاثتهم (السدى وعبد السلام ومخلد) عن هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا، إلا أن عبد السلام بن حرب رفع أول الحديث، وجعل قوله: \"فإن الزانية هي التي تُنكِحُ نفسها\" من كلام أبي هريرة.\nقال البزار: وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن النبي ﵇ إلا من هذا الوجه عن أبي هريرة، ولا نعلم أسنده عن هشام إلا محمد بن مروان رعبد السلام بن حرب. ا هـ مسند البزار (٢/ ٢٧٧).\nوقال ابن عدي: وهذا يرويه محمد بن مروان، ومخلد بن حسين، وعبد الأعلى، والفضل بن موسى - عن هشام (يعني: مرفوعًا).\nقال البيهقي: وعبد السلام بن حرب قد ميز المسند من الموقوف، فيشبه أن يكون قد حفظه، والله تعالى أعلم.\n_________\n[¬١]- في خ: \"غافلات\".","vol":"3","page":432},{"text":"منقطع، وهذا هو القول الذي نص عليه الشافعي ﵀ في [رواية الربيع] [¬١]، قال: وإنما قلنا ذلك استدلالا بالسنة وإجماع اُكثر أهل العلم.\nوقد روى ابن أبي حاتم في ذلك حديثًا مرفوعًا قال (^٢٤٩): حَدَّثَنَا علي بن الحسين بن الجنيد، حَدَّثَنَا أحمد بن عبد الرحمن بن عبد الله، حَدَّثَنَا أبي، عن أبيه، عن أبي حمزة، عن جابر، عن رجل، عن أبي عبد الرحمن، عن علي بن أبي طالب، قال: قال رسول الله ﷺ ﴿فإذا أحصنّ﴾ قال: \"إحصانها: إسلامها [وعفافها\" وقال: المراد به هاهنا التزويج. قال: وقال علي: اجلدوهن] [¬٢].\nثم [¬٣] قال ابن أبي حاتم: وهو حديث منكر.\n(قلت): وفي إسناده ضعف، وفيه [¬٤] من لم يسم، ومثله [¬٥] لا تقوم به حجة.\nوقال القاسم وسالم: إحصانها إسلامها وعفافها. وقيل: المراد به هاهنا التزويج. وهو قول ابن عباس ومجاهد وعكرمة وطاووس وسعيد بن جبير والحسن وقتادة وغيرهم. ونقله أبو علي الطبري (^٢٥٠) في كتابه الإيضاح عن الشافعي فيما رواه أبو الحكم بن عبد الحكم عنه. وقد [رواه\n_________\n= وقد خولف هؤلاء في رفعهم الحديث عن هشام بن حسان؛ فقد رواه عبد الرزاق في مصنفه (٦/ ٢٠٠) (١٠٤٩٤)، وحفص بن غياث والنضر بن شميل: (عند الدارقطني في سننه (٣/ ٢٢٧)، وسفيان بن عيينة: ذكره البيهقي في السنن الكبرى (٧/ ١١٠) - أربعتهم عن هشام بن حسان، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة ﵁ موقوفًا عليه من قوله.\n- وكذلك رواه أيوب السختياني: عند عبد الرزاق في المصنف (٦/ ٢٠٠) (١٠٤٩٣)، والأوزاعي: عند البيهقي في الكبرى (٧/ ١١٠)، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة موقوفًا.\nقال ابن عبد الهادي: وهو أشبه. يعني الموقوف.\n(^٢٤٩) - في تفسيره (٣/ ٩٢٣) (٥١٥٧)، وأبو حمزة: هو محمد بن ميمون المروزي السُّكري، وثقه الدوري والنسائي وابن حبان، وقال ابن عبد البر: ليس بقوى، وقال النسائي: لا بأس بأس حمزة إلا أنه كان قد ذهب بصره في آخر عمره، فمن كتب عنه قبل ذلك فحديثه جيد.\nوجابر: هو ابن يزيد الجعفي، ضعفه كثير من أهل الحديث، ووثقه بعضهم.\n(^٢٥٠) - انظر: معرفة السنن والآثار (٦/ ٣٦٥)، وأبو علي الطبري هو الإمام الحسن بن القاسم شيخ الشافعية، أخذ الفقه عن أبي علي بن أبي هريرة، وهو من أصحاب الوجوه في مذهب الشافعي، صنف \"المحرر في النظر\" وهو أول كتاب صُنِّف في الخلاف المجرد، و\"الإفصاح\" في المذهب، وألف في الجدل. توفي سنة، ٣٥٠ هـ.\n_________\n[¬١]- ما بين المكوفتين ساقط من تفسير ابن أبي حاتم والدر المنثور، وكأنها زيادة مقحمة.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٣]- سقط من: خ.\n[¬٤]- في خ: \"ومنهم\".\n[¬٥]- سقط من: خ.","vol":"3","page":433},{"text":"الليث] [¬١] بن أبي سليم، عن مجاهد أنه قال: إحصان الأمة أن ينكحها الحر، وإحصان العبد أن ينكح الحرة. وكذا روى ابن أبي طلحة عن ابن عباس رواهما ابن [¬٢] جرير في تفسيره. وذكره ابن أبي حاتم، عن الشعبي والنخعي (^٢٥١).\n[وقيل: معنى القراءتين متباين] [¬٣]. فمن قرأ ﴿أُحْصِنَّ﴾ بضم الهمزة فمراده التزويج، ومن قرأ (أحْصَن) [¬٤] بفتحها فمراده الإسلام، اختاره الإمام [¬٥] أبو جعفر بن جرير في تفسيره وقرره ونصره.\nوالأظهر -والله أعلم- أن المراد بالإحصان هاهنا التزويج، لأن سياق الآية يدل عليه، حيث يقول ﷾: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ والله أعلم. والآية الكريمة سياقها كلها في الفتيات المؤمنات، فتعين أن المراد بقوله: ﴿فإذا أحصنّ﴾ أي: تزوّجن، كما فسره ابن عباس [ومن تبعه] [¬٦].\nوعلى كل من القولين إشكال على مذهب الجمهور، وذلك أنهم يقولون: إن الأمة إذا زنت فعليها خمسون جلدة، سواء كانت مسلمة أو كافرة، مزوجة أو بكرا، مع أن مفهوم الآية يقتضي أنه لا حدّ على غير المحصنة ممن زنا من الإماء. وقد اختلفت أجوبتهم عن ذلك، فأما الجمهور فقالوا: لا شك أن المنطوق مقدم على المفهوم. وقد وردت أحاديث عامة في إقامة الحد على الإِماء، فقدمناها على مفهوم الآية. فمن ذلك ما رواه مسلم في صحيحه (^٢٥٢)، عن علي ﵁، أنه خطب فقال: يا أيها الناس أقيموا الحد على أرقائكم من أحصن منهم ومن لم يحصن، فإن أمة لرسول الله ﷺ زنت فأمرني أن أجلدها، فإذا هي حديث [¬٧] عهد بنفاس، فخشيت أن جلدتها أن أقتلها، فذكرت ذلك للنبي ﷺ فقال: \"أحسنت، اتركها حتى تتماثل\"، وعند عبد الله بن أحمد عن غير أبيه: \"فإذا تعالت (*) من نفاسها فاجلدها [¬٨] خمسين\" (^٢٥٣).\n_________\n(^٢٥١) - تفسير ابن جرير (٨/ ٢٠١، ٢٠٢) (٩١٠٠) (٩١٠٣)، وتفسير ابن أبي حاتم (٣/ ٩٢٣).\n(^٢٥٢) - صحيح مسلم، كتاب الحدود (١٧٠٥).\n(*) - أي ارتفعت وطهرت. النهاية (٣/ ٢٩٣).\n(^٢٥٣) - المسند (١/ ١٣٦) (١١٤٢) من زيادات عبد الله بن أحمد على المسند عن محمد بن بكار =\n_________\n[¬١]- في ت: \"روى ليث\".\n[¬٢]- في خ: \"ابن أبي\".\n[¬٣]- في خ: \"بل معنى القراءتين سيان\".\n[¬٤]- سقط من: ت.\n[¬٥]- سقط من: ت.\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين في ت: \"وغيره\".\n[¬٧]- في ت: \"حديثه\".\n[¬٨]- في خ: \"حدها\".","vol":"3","page":434},{"text":"وعن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"إذا زنت أمة أحدكم فتبين زناها فليجلدها الحد ولا يثرب عليها، ثم إن زنت الثانية فليجلدها الحد ولا يثرب (*) عليها، ثم إن زنت الثالثة فتبين زناها فليبعها ولو بحبل من شعر\".\nولمسلم: \"إذا زنت ثلاثًا فليبعها في الرابعة\" (^٢٥٤).\nوروى مالك (^٢٥٥) عن يحيى بن سعيد، عن سليمان بن يسار، عن عبد الله بن [عياش بن أبي ربيعة] [¬١] المخزومي قال: أمرني عمر بن الخطاب في فتية من قريش فجلدنا [ولائد من ولائد الإمارة] [¬٢] خمسين خمسين في الزنا.\n(الجواب الثاني): جواب من ذهب إلى أن الأمة إذا زنت ولم تحصن فلا حدّ عليها، وإنما تضرب تأديبًا، وهو المحكى عن عبد الله بن عباس ﵄، وإليه ذهب طاووس وسعيد بن جبير وأبو عبيد القاسم بن سلام وداود بن علي الظاهري في رواية عنه، وعمدتهم مفهوم الآية، وهو من مفاهيم الشرط، وهو حجة عند أكثرهم، فقدم على العموم عندهم. وحديث أبي هريرة وزيد بن خالد ﵄: أن رسول الله ﷺ سئل عن الأمة إذا زنت ولم تحصن؟ قال: \"إن زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فاجلدوها، ثم بيعوها ولو بضفير [¬٣] \". وقال ابن شهاب: لا أدري بعد الثالثة أو الرابعة. أخرجاه في الصحيحين (^٢٥٦). وعند مسلم قال ابن شهاب: الضفير [¬٤] الحبل.\n_________\n= وأبي الربيع الزهراني، عن الجرّاح أبي وكيع، عن عبد الأعلى، عن أبي جميلة، عن علي.\n(*) - أي لا يوبخها ولا يقرعها بالزنا بعد الضرب. وقيل: أراد لا يقنع في عقوبتها بالتثريب، بل يضربها الحدّ، فإن زنا الإماء لم يكن عند العرب مكروهًا ولا منكرًا، فأمرهم بعد الإماء كما أمرهم بعد الحرائر. النهاية (١/ ٢٠٩).\n(^٢٥٤) - صحيح البخاري، كتاب الحدود، باب: لا يثرَبُ على الأمة إذا زنت ولا تُنفى (٦٨٣٩)، وصحيح مسلم، كتاب الحدود (١٧٠٣) - من طريق الليث بن سعد، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة به مرفوعًا.\n(^٢٥٥) - الموطَّأ، كتاب الحدود، باب: جامع ما جاء في حد الزنا (ص ٦٣١).\n(^٢٥٦) - صحيح البخاري، كتاب الحدود، باب: إذا زنت الأمة (٦٨٣٧) (٦٨٣٨)، ومسلم، كتاب الحدود (١٧٠٣، ١٧٠٤). من طريق مالك، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن أبي هريرة.\n_________\n[¬١]- في خ: \"عباس أن أبا رستم\".\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- في خ: \"بظفر\".\n[¬٤]- في خ: \"الظفر\".","vol":"3","page":435},{"text":"قالوا: فلم يوقت فيه عدد كما وقت في المحصنة، وكما وقت في القرآن بنصف ما على المحصنات من العذاب، فوجب الجمع بين الآية والحديث بذلك. والله أعلم.\nوأصرح من ذلك ما رواه سعيد بن منصور، عن سفيان، عن مسعر، عن عمرو بن مرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: \"ليس على أمة حد حتى تحصن -أو يعني [¬١] تزوج- فإذا أحصنت بزوج فعليها نصف ما على المحصنات\" (^٢٥٧).\nوقد رواه ابن خزيمة، عن عبد الله [بن عمران العابدي] [¬٢]، عن سفيان، به مرفوعًا، وقال: رفعه خطأ، إنما هو من قول ابن عباس. وكذا رواه البيهقي من حديث عبد الله بن عمران. وقال مثل ما قاله ابن خزيمة.\nقالوا: وحديث علي وعمر قضايا أعيان، وحديث أبي هريرة عنه أجوبة:\n(أحدها): أن ذلك محمول على الأمة المزوجة، جمعًا بينه وبين هذا الحديث.\n(الثاني): أن لفظة الحد في قوله: \"فليجلدها [¬٣] عليها الحد\"، مقحمة [¬٤]، من بعض الرواة بدليل الجواب (الثالث)، وهو أن هذا من حديث صحابيين وذلك من رواية أبي هريرة فقط، وما كان عن اثنين فهو أولى بالتقديم [¬٥] من رواية واحد، وأيضًا فقد رواه النسائي\n_________\n(^٢٥٧) - هذا الحديث رواه سعيد بن منصور موقوفًا لا مرفوعًا، وقد نص على ذلك الإمام البيهقي في تهذيب السنن والآثار.\n- وقد رواه ابن خزيمة، وعنه البيهقي في معرفة السنن والآثار (٦/ ٣٦٤) (٥١٠٠)، والطبراني في معجمه الأوسط (١/ ١٥٣، ٤/ ١٤٧) (٤٧٨) (٣٨٣٤). وابن شاهين في ناسخ الحديث ومنسوخه (٦٧٣) وعنه ابن الجوزي في العلل المتناهية (٢/ ٧٩٤) (١٣٢٧)، والبيهقي في تهذيب السنن والآثار (٦/ ٣٦٣) (٥٠٩٩).\n- كلهم من طريق عبد الله بن عمران العابدي، عن سفيان بن عيينة، عن مِسْعَر، عن عمرو بن مرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ مرفوعًا.\nوعبد الله بن عمران العابدي، قال أبو حاتم: صدوق. وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: يخطئ ويخالف\".\n- قال ابن خزيمة: هذا خطأ؛ ليس هذا من قول النبي ﷺ، إنما هو من قول ابن عباس. ا هـ ووافقه البيهقي. =\n_________\n[¬١]- في ت: \"أو حتى\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في خ: \"بن عمر الغامدي\".\n[¬٣]- سقط من: خ.\n[¬٤]- في خ: \"لفظ بمعجمة\".\n[¬٥]- في خ: \"بالتقدم\".","vol":"3","page":436},{"text":"بإسناد على شرط مسلم من حديث عباد [¬١] بن تميم، عن عمه، وكان قد شهد بدرًا، أن رسول الله ﷺ قال: \"إذا زنت الأمة فاجلدوها، ثم إذا زنت فاجلدوها، ثم إذا زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فبيعوها ولو بضفير [¬٢] \" (^٢٥٨).\n(الرابع): أنه لا يبعد أن بعض الرواة أطلق لفظ الحد [في الحديث على الجلد، لأنه لما كان الجلد اعتقد أنه حد، أو أنه أطلق لفظة الحد] [¬٣] على التأديب، كما أطلق الحد على ضرب [من زنى من المرضى بعثكال نخل فيه مائة شمراخ، وعلى جلد] [¬٤] من زنا بأمة امرأته إذا أذنت له فيها مائة، وإنما ذلك تعزر وتأديب عند من يراه، [كالإمام أحمد] [¬٥] وغيره من السلف. وإنما\n_________\n= وقال الطبراني: لم يرفع هذا الحديثَ عن سفيان إلا عبدُ الله بن عمران العابدي ا هـ.\n- وقال ابن شاهين: وحديث مِسعر قد عُلِّلَ؛ وقيل: إنه موقوف على ابن عباس، ولم أعلم أحدًا أسنده وجوَّده إلا عبد الله بن عمران العابدى. والله أعلم.\n- وقال ابن حجر في الفتح: اختلف في رفعه ووقفه، والأرجح وقفه. قال البيهقي: وقد رواه سعيد بن منصور وغيره عن سفيان موقوفًا ا هـ.\nوقد رواه سعيد بن منصور ومن طريقه البيهقي في السنن الكبرى (٨/ ٢٤٣)، وأبو بكر بن أبي شيبة في مصنفه (٦/ ٤٨٨). عن سفيان بن عيينة، عن عمرو، عن مجاهد، عن ابن عباس موقوفًا.\nورواه عبد الرزاق في مصنفه (٧/ ٣٩٧) (١٣٦١٩) عن ابن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس وعن معمر، عن أيوب، عن مجاهد، عن ابن عباس، وعن ابن جريح، عن عطاء، عن ابن عباس: موقوفًا عليه من قوله.\nورواه ابن أبي شيبة في المصنف (٦/ ٤٨٨) عن وكيع، عن سفيان، عن حبيب، عن ابن عباس موقوفًا.\n(^٢٥٨) - الحديث أخرجه النسائي في سننه الكبرى، كتاب الرجم، باب: حد الزانى البكر (٤/ ٢٩٨) (٧٢٣٨).\nورواه ابن أبي شيبة في المصنف، كتاب الرد على أبي حنيفة، إقامة الحدود على ملك اليمين (٨/ ٣٧٠) وعنه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٤/ ٥٠) (١٩٩٤)، ورواه الدارقطني في سننه (٣/ ١٩٧). كلهم من طريق معلى بن منصور، عن أبي أوَيس، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عباد بن تميم، عن عمه عبد الله بن زيد به مرفوعًا.\nوأبو أويس: هو عبد الله بن عبد الله بن أويس المدني، ابن عم الإمام مالك بن أنس. قال ابن المدينيّ: كان عند أصحابنا ضعيفًا. وقال ابن عدي: في أحاديثه ما يصح ويوافقه الثقات عليه، وفيها ما لا يوافقه عليه أحد.\n- وقد روى النسائي هذا الحديث، ثم أنكره على أبي أويس قائلًا: أبو أويس ضعيف.\n_________\n[¬١]- في خ: \"جبارة\".\n[¬٢]- في خ: \"بظفر\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين في ت: \"كأحمد\".","vol":"3","page":437},{"text":"[يعني في رواية تقرير] [¬١] الحد الحقيقي هو جلد البكر مائة، ورجم الثيب أو اللائط. والله أعلم.\n[وقد روى ابن جرير] [¬٢] في تفسيره (^٢٥٩): حَدَّثَنَا ابن المثنى، حَدَّثَنَا محمد بن جعفر، حَدَّثَنَا شعبة، عن عمرو [¬٣] بن مرة، أنه سمع سعيد بن جبير يقول: لا تضرب الأمة إذا زنت ما لم تتزوج.\nوهذا إسناد صحيح عنه، ومذهب غريب إن كان أراد أنها لا تضرب الأمة أصلًا لا حدًّا، وكأنه أخذ بمفهوم الآية ولم يبلغه الحديث، وإن أراد أنها لا تضرب حدًّا ولا ينفي ضربها تأديبًا، فهو كقول ابن عباس ﵁ ومن تبعه في ذلك. والله أعلم.\n(الجواب الثالث): أن الآية دلت على أن الأمة المحصنة تحد نصف حدّ الحرة، فأما قبل الإحصان فعمومات الكتاب والسنة شاملة لها في جلدها مائة، كقوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ ولحديث عبادة بن الصامت: \"خذوا عني، خذوا عني، قد جعل الله لهنّ سبيلا، البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب [¬٤] جلد مائة ورجمها بالحجارة\". والحديث في صحيح مسلم (^٢٦٠)، وغير ذلك من الأحاديث.\nوهذا القول هو المشهور عن داود بن علي الظاهري، وهو في غاية الضعف؛ لأن الله تعالى إذا كان أمر بجلد المحصنة من الإماء بنصف ما على الحرة من العذاب وهو خمسون جلدة، فكيف يكون حكمها قبل الإحصان أشد منه بعد الإحصان، وقاعدة الشريعة في ذلك عكس ما قال، وهذا الشارع ﵇ سألة أصحابه عن الأمة إذا زنت ولم تحصن، فقال: \"اجلدوها\"، [ولم يقل مائة] [¬٥]، فلو كان حكمها كما زعم [¬٦] داود لوجب بيان ذلك لهم، لأنهم إنما سألوا عن ذلك لعدم بيان حكم جلد المائة بعد الإحصان في الإماء وإلا [فما الفائدة] [¬٧] في قولهم. ولم تحصن لعدم الفرق بينهما لو لم تكن الآية نزلت، لَكن لما علموا\n_________\n(^٢٥٩) - تفسير ابن جرير (٨/ ٢٠٢) (٩١٠٤).\n(^٢٦٠) - صحيح مسلم، كتاب الحدود (١٦٩٠)، وقد سبق تخريجه: انظر: حاشية (١٤٨) وما بعدها.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقَط من: ت.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في خ: \"وقد روى ابن ماجه وجرير\".\n[¬٣]- في خ: \"عمر\".\n[¬٤]- سقط من: ت.\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين من: خ.\n[¬٦]- في خ: \"قال\".\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين. في خ: \"الفائد\".","vol":"3","page":438},{"text":"أحد الحكمين سألوا عن الآخر فبينه لهم، كما في الصحيحين (^٢٦١). أنهم لما سألوه عن الصلاة عليه [¬١] فذكرها لهم ثم قال: \"والسلام ما قد علمتم\".\nوفي لفظ: لما أنزل الله قوله ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ قالوا: هذا السلام عليك قد عرفناه، فكيف الصلاة عليك؟ وذكر الحديث. وهكذا هذا السؤال.\n(الجواب الرابع عن مفهوم الآية) جواب أبي ثور فإن من مذهبه ما هو أغرب من قول داود من وجوه، وذلك أنه يقول: فإذا أحصن فإن عليهن نصف ما على المحصنات المزوجات وهو الرجم وهو لا يتناصف فيجب أن ترجم الأمة المحصنة إذا زنت، وأما قبل الإحصان فيجب جلدها خمسين. فأخطأ في فهم الآية، وخالف الجمهور في الحكم، بل قد قال أبو عبد الله الشافعي ﵀: ولم يختلف المسلمون في أن لا رجم على مملوك في الزنا (^٢٦٢)؛ وذلك لأن الآية دلت على أن عليهن نصف ما على المحصنات من العذاب، والألف واللام في المحصنات للعهد، وهنّ [¬٢] المحصنات المذكورات في أول الآية: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ [¬٣]﴾ والمراد بهن الحرائر فقط من غير تعرض لتزويج غيره. وقوله: ﴿نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ يدل على أن المراد من العذاب الذي يمكن تنصيفه وهو الجلد لا الرجم. والله أعلم.\nوقد روى الإمام أحمد [حديثًا في رد مذهب أبي ثور] [¬٤] من رواية الحسن بن سعد، عن أبيه، أن صفية كانت قد زنت برجل من الخمس فولدت غلامًا، فادعاه الزاني، فاختصما إلى عثمان، فرفعهما إلى علي بن أبي طالب، فقال علي: أقضي فيهما بقضاء رسول الله ﷺ: \"الولد للفراش، وللعاهر الحجر\". وجلدها [¬٥] خمسين خمسين (^٢٦٣).\n_________\n(^٢٦١) - أخرجه مسلم في كتاب الصلاة (٤٠٥) من حديث نُعَيْم المُجْمِر، عن محمد بن عبد الله بن زيد، عن أبي مسعود الأنصاري ﵁ مرفوعًا. من هذا اللفظ قد انفرد به مسلم عن البخاري.\n(^٢٦٢) - معرفة السنن والآثار (٦/ ٣٦٢).\n(^٢٦٣) - أخرجه أحمد في مسنده (٤/ ١٠٤) (٨٢٠): عن عفان، عن حماد بن سلمة، عن حجاج بن أرطاة، عن الحسن بن سعد بن معبد عن أبيه، عن علي بن أبي طالب ﵁ مرفوعًا، وابن أرطاة -كما قال ابن علي- إنما عاب الناس عليه تدليسه عن الزهري وغيره، وربما أخطأ في بعض الروايات، فأما أن يتعمد الكذب فلا ا هـ. =\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- في خ: \"وهي\".\n[¬٣]- سقط من: خ.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين في خ: \"قال لنا نصًّا في مذهب أبي ثور\".\n[¬٥]- في ت: \"وجلدهما\".","vol":"3","page":439},{"text":"وقيل: بل المراد من المفهوم [التنبيه بالأعلى على الأدنى، أي] [¬١]: أن الإماء على النصف من الحرائر في الحدّ وإن كن محصنات، وليس عليهن رجم أصلا لا قبل النكَاح ولا بعده، وإنما عليهن الجلد في الحالتين بالسنة. قال ذلك صاحب الإفصاح. [وذكر هذا] [¬٢] عن الإمام [¬٣] الشافعي فيما رواه ابن عبد الحكم. وقد ذكره البيهقي في كتاب السنن والآثار عنه (^٢٦٤)، وهو بعيد من لفظ الآية؛ لأنا إنما استفدنا تنصيف الحد من الآية لا من سواه، فكيف يفهم منها التنصيف فيما عداها، وقال: بل أريد بأنها في حال الإحصان لا يقيم الحد عليها إلا الإمام ولا يجوز لسيدها إقامة الحد عليها والحالة هذه. وهو قول في مذهب الإمام [¬٤] أحمد\n_________\n= وقد خولف الحجّاج في ذلك:\n- فرواه مهدي بن ميمون وجرير بن حازم، عن محمد بن عبد الله بن أبي يعقوب، عن الحسن بن سعد عن رباح، عن عثمان بن عفان ﵁؛ فأسندا الحدث عن عثمان بن عفان عن النبي ﷺ. كذا رواه الإمام أحمد في المسند (١/ ٥٩) (٤١٦، ٤١٧) عن بَهْز بن أسد وشيبان، ورواه ابن أبي شيبة في المصنف، كتاب النكاح، من قال: الولد للفراش (٣/ ٤٦٥)، وأحمد أيضًا (١/ ٦٩) (٥٠٢) عن يزيد بن هارون، ورواه أبو داود في سننه، كتاب الطلاق، باب: الولد للفراش (٢٢٧٥) عن موسى بن إسماعيل، ورواه الطحاوي في شرح، معاني الآثار (٣/ ١٠٤) عن أسد بن موسى وحَبَّان بن هلال، والبيهقي في السنن الكبرى (٧/ ٤٠٢) عن عبد الله بن محمد بن أسماء- سبعتهم عن مهدي بن ميمون به.\nوخالفهم أبو داود الطيالسي في مسنده (٨٦) ﷺ ١٥) وعفان بن مسلم- وعنه أحمد في المسند (١/ ٦٥) (٤٦٧) - فروياه عن مهدي بن ميمون، عن ابن أبي يعقوب، عن رباح، عن عثمان، ولم يذكرا الحسن بن سعد. وقول الجماعة أولى.\n- وأما رواية جرير بن حازم: فقد رواه ابنه وهب بن جرير عنه، كرواية مهدي بن ميمون -مسند البزار (٢/ ٦٥) (٤٠٨) - وخالفه أبو داود الطيالسي (٨٦)؛ فرواه عن جرير بن حازم، عن ابن أبي يعقوب، عن رباح، عن عثمان. ولم يذكر الحسن بن سعد، وقد أشار المزي إلى ذلك في التحفة.\n- قال البزار: وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن عثمان إلا من هذا الوجه.\n- ورواية مهدي وجرير أصح من رواية الحجاج بن أرطاة، كما رجحه الإمام أبو الحسن الدارقطني رحمه الله تعالى في كتاب العلل (٣/ ٣١) ويفهم ذلك من صنيع الإمام الترمذي في جامعه (١١٥٧) حيث قال عند ذكره لحديث: \"الولد للفراش وللعاهر الحجر\" -: وفي الباب: عن عمر وعثمان وعائشة … ولم يذكر حديث علي، فكأنه -عنده- وهم. والله أعلم.\n(^٢٦٤) - سبق هذا النقل. انظر هامش (٢٥٠).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٣]- سقط من: ت.\n[¬٤]- سقط من: ت.","vol":"3","page":440},{"text":"﵀، فأما قبل الإحصان فله ذلك، والحد في كلا الموضعين نصف حد الحرة، وهذا أيضًا بعيد؛ لأنه ليس في الآية ما يدل عليه.\nولولا هذه لم ندر ما حكم الإماء في التنصيف، ولوجب دخولهنّ في عموم الآية في تكميل الحد مائة أو رجمهن، كما ثبت في الدليل عليه، وقد تقدم عن علي أنه قال: أيها الناس أقيموا الحد على أرقائكم، من أحصن منهم ومن لم يحصن (^٢٦٥). وعموم الأحاديث المتقدمة ليس فيها تفصيل بين المزوجة وغيرها لحديث أبي هريرة الذي احتج به الجمهور: \"إذا زنت أمة أحدكم فتبين زناها فليجلدها الحد ولا يثرب عليها\" (^٢٦٦).\nملخص الآية أنها إذا زنت أقوال. أحدها: تجلد خمسين قبل الإحصان وبعده، وهل تنفى؟ فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنها تنفى عنه. والثاني: لا تنفى عنه مطلقًا. والثالث: أنها تنفى نصف سنة وهو نصف نفي الحرّة. وهذا الخلاف في مذهب الشافعي، وأما أبو حنيفة فعنده أن النفي تعزير ليس من تمام الحدّ، وإنما هو رأي الإمام إن شاء فعله، وإن شاء تركه في حق الرجال والنساء. وعند مالك: أن النفي إنما هو على الرجال، وأما النساء فلا، لأن ذلك مضاد لصيانتهنّ. وما ورد شيء من النفي في الرجال ولا في النساء. نعم حديث عبادة وحديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قضى فيمن زنى ولم يحصن بنفي عام وبإقامة الحدّ عليه، رواه البخاري (^٢٦٧). وذلك مخصوص بالمعنى، وهو أن المقصود من النفي الصون وذلك مفقود في نفي النساء، والله أعلم.\nوالثاني: أن الأمة إذا زنت تجلد خمسين بعد الإحصان وتضرب تأديبًا غير محدود بعدد محصور. وقد تقدم ما رواه ابن جرير، عن سعيد بن جبير: أنها لا تضرب قبل الإحصان، وإن أراد نفيه فيكون مذهبًا بالتأويل. وإلا فهو كالقول الثاني. القول الآخر: أنها تجلد قبل الإحصان مائة وبعده خمسين، كما هو المشهور عن داود، وهو [¬١] أضعف الأقوال، أنها تجلد قبل الإِحصان خمسين وترجم بعده وهو قول أبي ثور، وهو ضعيف أيضًا،\n_________\n(^٢٦٥) - سبق تخريجه. انظر هامش (٢٥٢).\n(^٢٦٦) - سبق تخريجه. انظر هامش (٢٥٤).\n(^٢٦٧) - في صحيحه، كتاب الحدود، باب: البكران يجلدان وينفيان (٦٨٣٣) من حديث أبي هريرة. وأيضًا (٦٨٣١) من حديث زيد بن خالد الجهني ﵄.\nورواه مسلم في كتاب الحدود (١٦٩٠) من حديث عبادة بن الصامت ﵁.\n_________\n[¬١]- في ت: \"و\".","vol":"3","page":441},{"text":"والله ﷾ أعلم بالصواب.\nوقوله تعالى: ﴿ذلك لمن خشي العنت منكم﴾ أي: إنما يباح نكاح الإِماء بالشروط المتقدّمة لمن خاف على نفسه الوقوع في الزنا وشق عليه الصبر عن الجماع، وعنت بسبب ذلك كله فله حينئذ أن يتزوّج بالأمة، وإن ترك [تزوج الأمة] [¬١] وجاهد نفسه في الكف عن الزنا فهو خير له؛ لأنه إذا تزوّجها جاء أولاده [أرقاء لسيدها، إلا أن يكون الزوج عربيًا، فلا تكون أولاده منها] [¬٢] أرقاء في قول قديم للشافعي، ولهذا قال: ﴿وأن تصبروا خير لكم والله غفور رحيم﴾.\nومن هذه الآية الكريمة استدل جمهور العلماء في جواز نكاح الإماء على أنه لابد من عدم الطول لنكاح الحرائر، ومن خوف العنت؛ لما في نكاحهن من مفسدة رق الأولاد، ولما فيهن من الدناءة في العدول عن الحرائر إليهن. وخالف الجمهور أبو حنيفة وأصحابه في اشتراط الأمرين، فقالوا: متى لم يكن الرجل مزوّجا بحرّة جاز له [نكاح الأمة المؤمنة والكتابية أيضًا] [¬٣]، سواء كان واجدا الطول لحرّة أم لا، وسواء خاف العنت أم لا. وعمدتهم فيما ذهبوا إليه قوله تعالى: ﴿والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم﴾ أي: العفائف، وهو يعم الحرائر والإِماء وهذه الآية عامّة، وهذه أيضًا ظاهرة في الدلالة في ما قاله الجمهور، والله أعلم.\n﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٦) وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا (٢٧) يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا (٢٨)﴾\nيخبر تعالى أنه يريد أن يبين لكم أيها المؤمنون ما [¬٤] أحل لكم وحرم عليكم، مما تقدم ذكره في هذه السورة وغيرها ﴿ويهديكم سنن الذين من قبلكم﴾ يعني: طرائقهم الحميدة، واتباع شرائعه التي يحبها ويرضاها ﴿ويتوب عليكم﴾ [أي: من الإثم والمحارم] [¬٥] [﴿والله عليم حكيم﴾ أي: في شرعه وقدره وأفعاله وأقواله، وقوله] [¬٦]: ﴿ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما﴾ أي: يريد\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ت: \"تزوجها\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين من: خ.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين جاءت هذه الفقرة في: خ. بعد قوله: \"لحرة أم لا\".\n[¬٤]- في خ: \"فيما\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.","vol":"3","page":442},{"text":"أتباع الشياطين من اليهود والنصارى والزناة أن تميلوا عن الحق إلى الباطل ميلا عظيما. ﴿يريد الله أن يخفف عنكم﴾ أي: في شرائعه وأوامره ونواهيه [وما يقدّره لكم] [¬١]، ولهذا أباح الإماء بشروط، كما قال مجاهد وغيره ﴿وخلق الإنسان ضعيفا﴾ فناسبه التخفيف لضعفه في نفسه وضعف عزمه وهمته.\nقال ابن أبي حاتم (^٢٦٨): حَدَّثَنَا محمد بن إسماعيل [الأحمسي] [¬٢]، حَدَّثَنَا وكيع، عن سفيان، عن ابن طاوس، عن أبيه ﴿وخلق الإنسان ضعيفا﴾ أي: في أمر النساء. وقال وكيع: يذهب عقله عندهنّ.\nوقال موسى الكليم -عليه [الصلاة و] السلام- لنبينا محمد ﷺ ليلة الإسراء حين مر عليه راجعًا من عند سدرة المنتهي، فقال له: ماذا فرض عليكم؟ فقال: أمرني بخمسين [صلاة في كل] [¬٣] يوم وليلة. فقال له: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، فإن أمّتك لا تطيق ذلك، فإني قد بلوت الناس قبلك على ما هو أقل من ذلك فعجزوا، وإن أمّتك أضعف أسماعًا وأبصارًا وقلوبًا. فرجع فوضع عشرًا، ثم رجع إلى موسى، فلم يزل كذلك حتى بقيت خمسًا. الحديث (^٢٦٩).\n﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٢٩) وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (٣٠) إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا (٣١)﴾\n_________\n(^٢٦٨) - في تفسيره (٣/ ٩٢٦) (٥١٧٧).\n(^٢٦٩) - أخرجه البخارى في كتاب بدء الخلق، باب: ذكر الملائكة (٣٢٠٧)، ومسلم في كتاب الإيمان (١٦٤) من حديث أنس بن مالك، عن مالك بن صعصعة ﵄. وروياه أيضًا من أحاديث أخر.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من خ.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.","vol":"3","page":443},{"text":"ينهى الله ﵎ عباده المؤمنين عن أن يأكلوا أموال بعضهم بعضا بالباطل، أي: بأنواع المكاسب التي هي غير شرعية كأنواع الربا والقمار، وما جرى مجرى ذلك من سائر صنوف الحيل، وإن ظهرت في غالب الحكم الشرعي مما يعلم الله أن متعاطيها إنما يريد الحيلة على الربا، حتى قال ابن جرير (^٢٧٠): حدثني ابن المثنى، حَدَّثَنَا عبد الوهاب، حَدَّثَنَا داود، عن عكرمة، عن ابن عباس، في الرجل يشتري من الرجل الثوب فيقول: إن رضيته أخذته وإلا رددته ورددت معه درهما. قال: هو الذي قال الله- ﷿ فيه: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾.\nوقال ابن أبي حاتم (^٢٧١): حَدَّثَنَا علي بن حرب الموصلي، حدَّثنا ابن فضيل، عن داود الأودي، عن عامر، عن علقمة، عن عبد الله، في الآية قال: إنها محكمة، ما نسخت، ولا تنسخ إلى يوم القيامة.\nوقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس لما أنزل الله ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تأكوا أموالكم بينكم بالباطل﴾ قال المسلمون: إن الله قد نهانا أن نأكل أموالنا بيننا بالباطل، والطعام هو أفضل أموالنا، فلا يحل لأحد منا أن يأكل عند أحد، فكيف للناس؟ فأنزل الله بعد ذلك: ﴿ليس على الأعمى حرج﴾ الآية.\n[وكذا قال قتادة] [¬١]. وقوله تعالى: ﴿إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم﴾ قرئ تجارة بالرفع وبالنصب وهو استثناء منقطع، كأنه يقول لا تتعاطوا الأسباب المحرمة في اكتساب الأموال، لكن المتاجر المشروعة التي تكون عن تراض من البائع والمشتري فافعلوها وتسببوا بها في تحصيل الأموال، كما قال تعالى: ﴿ولا تقتلوا النفس التى حرم الله إلا بالحق﴾ وكقوله: ﴿لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى﴾.\nومن هذه الآية الكريمة احتج الشافعي على أنه لا يصح البيع إلا بالقبول؛ لأنه يدل على التراضي نصًّا، بخلاف المعاطاة فإنها قد لا تدل على الرضا ولابد. وخالف الجمهور في ذلك مالك وأبو حنيفة وأحمد وأصحابهم [¬٢] فرأوا أن الأقوال كما تدل على التراضي، وكذلك الأفعال تدل في بعض المحال قطعًا، فصححوا بيع المعاطاة [مطلقًا، ومنهم من قال:\n_________\n(^٢٧٠) - في تفسيره (٨/ ٢١٧) (٩١٤٢).\n(^٢٧١) - في تفسيره (٣/ ٩٢٦) (٥١٧٨).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٢]- سقط من: خ.","vol":"3","page":444},{"text":"يصح] [¬١] في المحقرات وفيما يعده الناس بيعًا، وهو احتياط نظر من محققي المذهب والله أعلم.\nوقال مجاهد: ﴿إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم﴾ بيعًا [¬٢] أو عطاء يعطه أحد أحدًا. ورواه ابن جرير، ثم قال (^٢٧٢): وحَدّثَنَا ابن وكيع، حَدثَنَا أبي، عن القاسم، عن سليمان الجعفي [¬٣]، عن أبيه، عن ميمون بن مهران قال: قال رسول الله ﷺ: \"البيع عن تراض، والخيار بعد الصفقة، ولا يحل لمسلم أن يغش [¬٤] مسلمًا\". هذا حديث مرسل.\nومن تمام التراضي إثبات خيار المجلس، كما ثبت في الصحيحين (^٢٧٣)، أن رسول الله ﷺ قال: \"البيعان بالخيار، ما لم يتفرقا\". وفي لفظ البخاري: \"إذا تبايع الرجلان فكل واحد منهما بالخيار، ما لم يتفرقا\". وذهب إلى القول بمقتضى هذا الحديث أحمد والشافعي وأصحابهما وجمهور السلف والخلف. ومن ذلك مشروعية خيار الشرط بعد العقد إلى ثلاثة أيام، بحسب ما يتبين فيه مال البيع، ولو إلى سنة في القرية. ونحوها، كما هو المشهور عن مالك ﵀، وصححوا بيع المعاطاة مطلقا، وهو قول في مذهب الشافعي، ومنهم من قال: يصح بيع المعاطاة في المحقرات فيما يعده الناس بيعا، وهو اختيار طائفة من الأصحاب [كما هو متفق عليه] [¬٥].\nوقوله: ﴿ولا تقتلوا أنفسكم﴾ أى: بارتكاب محارم الله، وتعاطي معاصيه، وأكل أموالكم بينكم [¬٦] بالباطل ﴿إن الله كان بكم رحيما﴾ أي: فيما أمركم به ونهاكم عنه.\nوقال الإِمام أحمد (^٢٧٤): حَدَّثَنَا حسن بن موسى، حَدَّثَنَا ابن لهيعة، حَدَّثَنَا يزيد بن أبي حبيب، عن عمران بن أبي أنس، عن عبد الرحمن بن جبير، عن عمرو بن العاص رضي الله\n_________\n(^٢٧٢) - في تفسيره (٨/ ٢٢١) (٩١٤٧) وأخرجه ابن أبى شيبة في مصنفه، كتاب البيوع، باب: من قال: لا يتفرق بيعان إلا عن تراضٍ (٥/ ٢٨٩) عن وكيع به؛ غير أن فيه: عن القاسم الجعفى، عن أبيه، عن ميمون مرسلًا.\n(^٢٧٣) - صحيح البخارى، كتاب البيوع، باب: كم يجوز الخيار (٢١٠٧) وأطرافه في (٢١٠٩) (٢١١١، ٢١١٢، ٢١١٣، ٢١١٦)، ومسلم في كتاب البيوع (١٥٣١) - من حديث ابن عمر ﵄.\n(^٢٧٤) - \" المسند\" (٤/ ٢٠٣، ٢٠٤) وابن أبي حاتم في \"التفسير\" (٣/ ٥١٨٧) من طريق=\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- سقط من: خ.\n[¬٤]- في خ: \"يضر\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٦]- سقط من: خ.","vol":"3","page":445},{"text":"عنه أنه، قال، لما بعثه النبي ﷺ عام ذات السلاسل قال: احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، فتيممت، ثم صليت بأصحابي صلاة الصبح، قال [¬١]: فلما قدمت على رسول الله ﷺ ذكرت ذلك له فقال: \"يا عمرو صليت بأصحابك وأنت جنب\"؟ قال: قلت يا رسول الله؛ إني احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، فذكرت قول الله ﷿: ﴿ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيمًا﴾ فتيممت ثم صليت. فضحك رسول الله ﷺ ولم يقل شيئا.\nوهكذا رواه أبو داود من حديث يحيى بن أيوب، عن يزيد بن أبي حبيب به، ورواه أيضا عن [محمد بن أبي سلمة] (*)، عن ابن وهب، عن ابن لهيعة، وعمر (*) بن الحارث، كلاهما عن يزيد بن أبي حبيب، عن عمران بن أبى أنس، عن عبد الرحمن بن جبير المصري، عن أبي قيس مولى عمرو بن العاص، عنه فذكره [¬٢] نحوه. وهذا والله أعلم أشبه بالصواب.\nوقال أبو بكر بن مردويه (^٢٧٥): حدّثنا عبد الرحمن بن محمد بن حامد البلخي، حدَّثنا محمد بن صالح بن سهل البلخي، حَدَّثَنَا عبيد [¬٣] الله بن عمر القواريري، حَدثَنَا يوسف ابن خالد، حَدَّثنا زياد بن سعد، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن عمرو بن العاص صلى بالناس وهو جنب، فلما قدموا على رسول الله ذكروا ذلك له، فدعاه فسأله عن ذلك، فقال: يا رسول الله؛ خفت أن يقتلني البرد، وقد قال الله تعالى: ﴿ولا تقتلوا\n_________\n= معاذ بن فضالة ثنا ابن لهيعة به مختصرًا. وأخرجه أبو داود، كتاب: الطهارة، باب: إذا خاف الجنب البرد أيتيمم (٣٣٤) ومن طريقه البيهقى في \"دلائل النبوة\" (٤/ ٤٠٢، ٤٠٣) والدارقطني في سننه (١/ ١٧٨) ومن طريقه ابن حجر في \"تغليق التعليق\" (٢/ ١٨٩) والحاكم في \"المستدرك\" (١/ ١٧٧، ١٧٨) وعنه البيهقى في \"السنن الكبرى\" (١/ ٢٢٥) وفى \"الخلافيات\" (٢ / رقم ٨٢٤) كلهم من طريق وهب بن جرير بن حازم حدثنا أبي قال: سمعت يحيى بن أيوب يحدث عن يزيد بن أبي حبيب به. وقال البيهقى في \"الخلافيات\": \"هذا مرسل، لم يسمعه عبد الرحمن بن جبير من عمرو بن العاص، والذى روى عن عمرو بن العاص في هذه القصة متصل، ليس فيه ذكر التيمم\" ثم أخرج هذا المتصل (٨٢٥) وفى \"الكبرى\" (١/ ٢٢٦).\n(*) كذا، وصوابه محمد بن سلمة.\n(*) كذا، وصوابه عمرو.\n(^٢٧٥) - وأخرجه الطبراني في الكبير (١١/ ١١٥٩٣).\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- في ت: \"فذكر\".\n[¬٣]- في خ: \"عبد\".","vol":"3","page":446},{"text":"أنفسكم﴾ … الآية. قال: فسكت عنه رسول الله ﷺ، ثم أورد ابن مردويه (^٢٧٦) عند هذه الآية الكريمة من حديث الأعمش عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: \"من قتل نفسه بحديدة، فحديدته في يده يَجَأ [¬١] بها بطنه يوم القيامة في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدًا، ومن قتل [¬٢] نفسه بسم تردّى به فسمه في يده يتحسّاه في نار جهنم خالدا مخلدًا فيها أبدًا\" [ومن تردّى من جبل فقتل نفسه فهو مترد في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدًا] [¬٣].\nوهذا الحديث ثابت في الصحيحين، وكذلك رواه أبو الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ بنحوه (^٢٧٧)، وعن أبي قلابة، عن ثابت بن الضحاك- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"من قتل نفسه بشيء عذب به يوم القيامة\". وقد أخرجه الجماعة في كتبهم من طريق أبي قلابة (^٢٧٨). وفي الصحيحين (^٢٧٩) من حديث الحسن، عن [¬٤] جندب بن [¬٥]\n_________\n(^٢٧٦) - وأخرجه أحمد (٤/ ٢٥٢، ٤٧٨، ٤٨٨)، والبخاري في الطب (٥٧٧٨)، ومسلم في الإيمان ١٧٥ - (١٠٩)، وأبو داود في الطب (٣٨٧٢)، والترمذي في الطب (٢٠٤٣، ٢٠٤٤)، والنسائى، كتاب الجنائز، باب: ترك الصلاة على من قتل نفسه (٤/ ٦٦، ٦٧)، وابن ماجة، كتاب الطب، باب: النهى عن الدواء الخبيث (٣٤٦٠) من طرق عن الأعمش به مطولًا ومختصرًا.\n(^٢٧٧) - ومن هذا الوجه أخرجه البخارى، كتاب الجنائز، باب: ما جاء في قاتل النفس (١٣٦٥) ثنا أبو اليمان أخبرنا شعيب، وأحمد (٢/ ٤٣٥)، وابن حبان في صحيحه (١٣/ ٥٩٨٧) من طريق ابن عجلان، كلاهما (شعيب وابن عجلان) عن أبي الزناد به، ولفظ البخارى: \"الذى يخنق نفسه يخنقها في النار، والذى يطعنها يطعنها في النار\".\n(^٢٧٨) - أخرجه البخارى، كتاب الجنائز، باب: ما جاء في قاتل النفس (١٣٦٣)، ومسلم، كتاب الإيمان، باب: غلظ تحريم قتل الإنسان نفسه (١٧٦، ١٧٧) (١١٠)، وأبو داود، كتاب الأيمان والنذور، باب المعاريض في اليمين (٣٢٥٧)، والترمذى كتاب الأيمان والنذور، باب: ما جاء لا نذر فيما لا يملك ابن آدم (١٥٢٧)، باب: ما جاء في كراهية الحلف بغير ملة الإسلام (١٥٤٣)، والنسائى، كتاب الأيمان والنذور، باب: الحلف بملة سوى الإسلام (٧/ ٥، ٦)، باب: النذر فيما لا يملك (٧/ ١٩)، وابن ماجة، كتاب الكفارات، باب: من حلف بملة غير الإسلام (٢٠٩٨)، وكذا أحمد (٤/ ٣٣، ٣٤) من طريق أبي قلابة به.\n(^٢٧٩) - أخرجه البخارى، كتاب الجنائز، باب: ما جاء في قاتل النفس (١٣٦٤)، ومسلم، كتاب الإيمان، باب: غلظ تحريم قتل الإنسان نفسه (١٨٠، ١٨١) (١١٣) وكذا أحمد في \"المسند\" =\n_________\n[¬١]- في خ: \"يجنأ\".\n[¬٢]- سقط من: ت.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٤]- في خ: \"بن\".\n[¬٥]- في خ: \"عن\".","vol":"3","page":447},{"text":"عبد الله بن البجلي قال: قال رسول الله ﷺ: \"كان رجل ممن كان قبلكم، وكان به جرح، فأخذ سكينا نحر بها يده، فما رقأ الدم حتى مات، قال الله- ﷿: عبدي بادرني بنفسه، حرمت عليه الجنة\".\nولهذا قال تعالى: ﴿ومن يفعل ذلك عدوانا وظلما﴾ أي: ومن يتعاطى ما نهاه الله عنه متعديا فيه ظالما في تعاطيه، أي: عالما بتحريمه متجاسرًا على انتهاكه ﴿فسوف نصليه نارًا﴾ الآية. وهذا تهديد شديد، ووعيد أكيد، فليحذر منه كل عاقل لبيب ممن ألقى السمع وهو شهيد.\nقوله تعالى: ﴿إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم﴾ الآية. أي: إذا اجتنبتم كبائر الآثام انتي نهيتم عنها [كفرنا عنكم صغائر الذنوب] [¬١] وأدخلناكم الجنة، ولهذا قال: ﴿وندخلكم مدخلا كريما﴾ وقال الحافظ أبو بكر البزار (^٢٨٠): حَدَّثنَا مؤمل بن هشام، حَدثَنَا إسماعيل بن إبراهيم، حدثنا [خالد] (*) بن أيوب، عن معاوية بن قرة، عن أنس [رفعه قال: \"لم نر مثل] [¬٢] الذي بلغنا عن ربنا ﷿، ثم لم نخرج له عن كل أهل ومال أن تجاوز لنا عما دون الكبائر، يقول الله: ﴿إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم﴾ الآية.\nوقد وردت أحاديث متعلقة بهذه الآية الكريمة فلنذكر منها ما تيسر، قال الإِمام أحمد (^٢٨١):\n_________\n= (٤/ ٣١٢) من طرق عن الحسن به.\n(^٢٨٠) - أخرجه البزار (٢ / رقم ١٤٥٦/ مختصر الزوائد لابن حجر) وأخرجه ابن أبى شيبة في \"المصنف\" (٨/ ١٩٤) ثنا عفان بن مسلم، ثنا سليمان بن كثير ثنا الجلد بن أيوب به، وذكره الهيثمى في \"المجمع\" (٧/ ٦، ٧) وقال: \"رواه البزار وفيه الجلد بن أيوب وهو ضعيف\" لكن تابعه زياد بن مخراق فأخرجه ابن جرير في تفسيره (٨/ ٩٢٣١) - ومن طريقه سيذكره المصنف هنا برقم (٣٢٧) - حدثنى يعقوب، قال: حدثنا ابن علية، قال: حدثنا زياد بن مخراق عن معاوية بن قرة به، وهذا إسناد صحيح رجاله كلهم ثقات من رجال \"التهذيب\". والخبر زاد نسبته السيوطى في \"الدر المنثور\" (٢/ ٢٦٠) إلى عبد بن حميد، ولم يعزه إلى البزار!!.\n(*) كذا، وصوابه: الجلد.\n(^٢٨١) - \" المسند\" (٥/ ٤٣٩) وأخرجه أبو بكر المروزى في \"كتاب الجمعة وفضلها\" (رقم ٤٩) من طريق خالد الواسطى عن مغيرة به، وأخرجه الطبراني في \"المعجم الكبير\" (٦/ ٦٠٩٢) من طريق الأعمش عن إبراهيم به مختصرًا، وقال الهيثمى في \"المجمع\" (٢/ ١٧٧): رجاله ثقات إلا أنه =\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في خ: \"ابن فعنه\".","vol":"3","page":448},{"text":"حَدَّثَنَا هشيم، عن مغيرة، عن أبي معشر، عن إبراهيم، عن قرثع الضبي، عن سلمان الفارسي، قال: قال لي النبي ﷺ: \"أتدري ما يوم الجمعة\" قلت: هو اليوم الذي جمع الله فيه أباكم. قال: لكن أدري ما يوم الجمعة، لا يتطهر الرجل فيحسن طهوره، ثم يأتي الجمعة فينصت حتى يقضي الإمام صلاته إلا كان كفارة له ما بينه وبين الجمعة المقبلة، ما اجتنبت المقتلة\". وقد روى البخاري (^٢٨٢) من وجه آخر عن سلمان نحوه.\nوقال أبو جعفر بن جرير (^٢٨٣): حدثني المثنى [بن براهيم] [¬١]، حَدَّثَنَا أبو صالح، حدثني\n_________\n= منقطع بين إبراهيم -وهو ابن يزيد النخعى- وقرثع الضبى، وقد وصله غير واحد. فأخرجه النسائى في \"السنن الكبرى\" (١/ رقم ١٦٦٥) والبزار في مسنده (٦/ ٢٥٢٥) والمروزى (رقم ٥٠) والطبراني في \"المعجم الكبير\" (٦/ ٦٠٨٩) - وزاد في آخره \"وذلك الدهر كله\" والفسوى في كتاب \"المعرفة والتاريخ\" (١/ ٣٢٠، ٣٢١) من طرق عن أبي عوانة عن مغيرة عن أبي معشر عن إبراهيم عن علقمة عن قرثع به، وهو هكذا إسناد موصول حسن رجاله كلهم ثقات غير قرثع الضبى وهو صدوق مخضرم كما في \"التقريب\" وحسن إسناده الهيثمى في \"المجمع\" (٢/ ١٧٧) ومن قبله حسنه أيضًا المنذرى في \"الترغيب\" (١/ ٤٨٧) وتابع أبا عوانة في هذا الإسناد أبو كدينة - وهو يحيى بن الهلب - عند الطبرانى (٦/ ٦٠٩٠) - وأبو الأحوص- سلام بن سليم- عند الخطيب في \"تاريخ بغداد\" (١١/ ٤٣١) لكن سقط من إسناد الأخير \"قرثع الضبى\" وأخرجه النسائى في \"الصغرى\" (٣/ ١٠٤) وفى \"الكبرى\" (١/ رقم ١٦٦٤) والبزار (٦/ ٢٥٢٦) وابن خزيمة في صحيحه (٣/ ١٧٣٢) والطبراني (٦/ ٦٠٩١) والحاكم (١/ ٢٧٧) من طريق جرير عن منصور عن أبي معشر له بالإسناد المتصل، وقال الحاكم: \"هذا حديث صحيح الإسناد، واحتج الشيخان بجميع رواته غير قرثع، سمعت أبا على القارى يقول: \"أردت أن أجمع مسانيد قرثع الضبى، فإنه من زهاد التابعين، فلم يسند تمام العشرة\" غير أن ابن أبي حاتم قال في \"العلل\" (١/ رقم ٦٠٣): \"سألت أبي عن حديث رواه محمد بن عيسى بن الطباع عن جرير عن منصور عن أبي معشر عن إبراهيم عن علقمة عن القرثع عن سلمان عن النبى ﷺ: \"تدرى ما يوم الجمعة … \" فذكر الحديث … فقال أبي: رواه جرير بالرى عن مغيرة ويشبه أن يكون حدَّث بالعراق من حفظه هكذا، والحديث معروف من حديث مغيرة، قلت: فأيهما أشبه؟ قال: المغيرة\".\n(^٢٨٢) - صحيح البخارى: كتاب الجمعة، باب: الدهنِ للجمعة (٨٨٣).\n(^٢٨٣) - تفسير ابن جرير (٨/ ٩١٨٥) وأخرجه النسائى، كتاب الزكاة، باب: وجوب الزكاة (٥/ ٨)، والبخارى في \"التاريخ الكبير\" (٤/ ٣١٦)، والحاكم في \"المستدرك\" (٢/ ٢٤٠) والمزى في \"تهذيب الكمال\" (١٣/ ٢٤٥) من طرق عن الليث به. وأخرجه ابن خزيمة في صحيحه (١/ رقم ٣١٥) وابن حبان (٥/ ١٧٤٨ / إحسان) والحاكم أيضًا (٢/ ٢٠٠، ٢٠١) وعنه البيهقى في \"السنن الكبرى\" (١٠/ ١٨٧) من طريق عبد الله بن وهب أخبرنى عمرو بن الحارث أن ابن أبي هلال حدثه به، وصححه الحاكم في الموضع الأول على شرط الشيخين، ثم استدرك في الموضع الثانى فصحح إسناده=\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ت.","vol":"3","page":449},{"text":"الليث، حدثني خالد، عن سعيد بن أبي هلال، عن نعيم المجمر، أخبرني صهيب مولى العُتواري [¬١]، أنه سمع أبا هروة وأبا سعيد يقولان: خطنا رسول الله ﷺ يوما فقال: \"والذي نفسي بيده\" - ثلاث مرات ثم أكب فأكب كل رجل منا يبكي لا ندري على ماذا حلف عليه، ثم رفع رأسه وفي وجهه البشرى [¬٢]، فكان أحب إلينا من حمر النعم فقال: \"ما من عبد يصلي الصلوات الخمس، ويصوم رمضان، ويخرج الزكاة، ويجتنب الكبائر السبع إلا فتحت له أبواب الجنة، ثم قيل له ادخل بسلام\".\nوهكذا رواه النسائي والحاكم في مستدركه من حديث الليث بن سعد به، ورواه الحاكم أيضا وابن حبان في صحيحه من حديث عبد الله بن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن سعيد بن أبي هلال به، ثم قال الحاكم: صحيح على شرط الصحيحين ولم يخرجاه.\n\n<span data-type='title' id=toc-82>(تفسير هذه السبع)</span>\nوذلك بما ثبت في الصحيحين (^٢٨٤)، من حديث سليمان بن بلال، عن ثور بن زيد، عن سالم أبي الغيث، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: \"اجتنبوا السبع الموبقات\" قيل: يا رسول الله؛ وما هن؟ قال: \"الشرك بالله، وقتل النفس [التي حرم الله إلا بالحق] [¬٣]، والسحر، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات\".\n_________\n= فحسب، ووافقه الذهبى على تصحيح إسناده، مع أن صهيبًا مولى العُتواري لم يخرج له سوى النسائى من الجمعة، وقد ترجم له الذهبى نفسه في \"الميزان\" وقال: \"لا يكاد يعرف\" وقال ابن حجر في \"التقريب\": تفرد نعيم المُجْمِر بالرواية عنه، ووهم من قال غير ذلك، مقبول\" والحديث عزاه المنذرى في \"الترغيب والترهيب\" (١/ ٥١٥) والسيوطى في \"الدر المنثور\" (٢/ ٢٦٠) إلى ابن ماجة ولم أجده في \"السنن\" ولم يعزه المزى في \"تحفة الأشراف\" (٣/ ٤٧٩) له، فلعله في تفسيره والله أعلم. كما زاد نسبته الحافظ ابن حجر في \"الفتح\" (١٢/ ١٨٢) إلى الطبراني وبالله التوفيق.\n(*) - كذا، والصواب: عمر.\n(^٢٨٤) - أخرجه البخارى، كتاب الوصايا، باب: قول الله تعالى: ﴿إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلمًا إنما يأكلون في بطونهم نارًا﴾ (٢٧٦٦)، ومسلم، كتاب الإيمان، باب: بيان الكبائر وأكبرها (١٤٥) (٨٩)، وكذا أخرجه أبو داود، كتاب الوصايا، باب: ما جاء في التشديد في أكل مال اليتيم (٢٨٧٤)، والنسائى، كتاب الوصايا، باب: اجتناب أكل مال اليتيم (٦/ ٢٥٧).\n_________\n[¬١]- في خ: \"الصواري\".\n[¬٢]- في ت: \"البشر\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.","vol":"3","page":450},{"text":"(طريق [¬١] أخرى عنه) قال ابن أبي حاتم (^٢٨٥): حَدَّثنا أبي، حَدثَنَا فهد بن عوف، حَدثَنَا أبو عوانة، عن [عمرو] (*) بن أبي سلمة، عن أبيه عن أبي هريرة، مرفوعًا [¬٢] أن رسول الله ﷺ قال: \"الكبائر سبع، أولها الإشراك بالله، ثم قتل النفس بغير حقها، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم إلى أن يكبر، والفرار من الزحف، ورمي المحصنات، والانقلاب إلى الأعراب بعد الهجرة\".\nفالنص على هذه السبع بأنهن كبائر لا ينفي ما عداهن إلا عند من يقول بمفهوم اللقب، وهو ضعيف عند عدم القرينة، ولا سيما عند قيام الدليل بالمنطوق على عدم المفهوم، كما سنورده من الأحاديث المتضمنة من الكبائر غير هذه السبع، فمن ذلك مما رواه الحاكم في مستدركه حيث قال (^٢٨٦): حَدَّثَنَا أحمد بن كامل القاضي إملاءً، حدَّثنا أبو قلابة عبد الملك بن محمد، حَدَّثَنَا معاذ بن هانئ، حدَّثنا حرب بن شداد، حدَّثنا يحيى بن أبي كثير، عن عبد الحميد بن سنان،\n_________\n(^٢٨٥) - تفسير ابن أبي حاتم (٣/ ٥٢٠٢)، وأخرجه البزار (١/ رقم ٥٤ / مختصر الزوائد لابن حجر) ثنا خالد بن يوسف بن خالد، ثنا أبو عوانة به، وذكره الهيثمى في \"المجمع\" (١/ ١٠٨) وقال: \"رواه البزار وفيه عمر بن أبي سلمة، ضعفه شعبة وغيره ووثقه أبو حاتم وابن حبان وغيرهما\" لكنه إلى الضعف أقرب، وأبو حاتم إنما فال فيه: \"هو عندى صالح صدوق في الأصل، ليس بذاك القوى يكتب حديثه، ولا يحتج به، يخالف في بعض الشئ\" وراجع ترجمته في \"التهذيب\". والحديث زاد نسبته السيوطى في \"الدر المنثور\" (٢/ ٢٦٢) - ومن قبله شيخه ابن حجر في \"الفتح\" (١٢/ ١٨٢) - إلى ابن المنذر.\n(^٢٨٦) - \" المستدرك\" (١/ ٥٩) وأخرجه أبو داود، كتاب الوصايا، باب: ما جاء في التشديد في أكل مال اليتيم (٢٨٧٥)، والنسائى، كتاب تحريم الدم، باب: ذكر الكبائر (٧/ ٨٩)، والعقيلى في \"الضعفاء\" (٣/ ٤٥)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٣/ ٥٢٠٠)، والمزى في \"تهذيب الكمال\" (١٦/ ٤٣٨) من طرق عن معاذ بن هانئ به مطولًا ومختصرًا. وأخرجه الطبراني في \"المعجم الكبير\" (١٧/ رقم ١٠١) - ومن طريقه المزى (١٦/ ٤٣٩، ٤٤٠) - والعقيلى (٣/ ٤٥) - وفيه سقط في إسناده يستدرك - والبيهقى في \"السنن الكبرى\" (١٠/ ١٨٦) من طريق العباس بن الفضل الأزرق، والحاكم (٤/ ٢٥٩، ٢٦٠) من طريق عبد الله بن رجاء، كلاهما (العباس وعبد الله) ثنا حرب بن شداد به نحوه، وصحح إسناده الحاكم وقال: \"قد احتجا برواة هذا الحديث غير عبد الحميد بن سنان … \" وهو مجهول ولم يوثقه غير ابن حبان \"الثقات\" (٧/ ١٢٢) قاله الذهبى عقب قول الحاكم، وقال في \"الميزان\": \"لا يعرف\" وذكر العقيلى هذا الحديث في ترجمته وقال: \"قال البخارى: في حديثه نظر\" وبه أعل الحديث المصنف، وهذا الأولى في إعلاله من قول الحافظ ابن حجر في \"التلخيص الحبير\" (٤/ ٧٠): \"في إسناده العباس بن الفضل الأزرق وهو ضعيف\" ومن مجازفة المنذرى=\n_________\n[¬١]- في خ: \"طريقة\".\n[¬٢]- سقط من: خ.","vol":"3","page":451},{"text":"عن عبيد بن عمير، عن أبيه يعني عمير بن قتادة ﵁ أنَّه حدثه - وكانت له صحبة - أن رسول الله ﷺ قال في حجة الوداع: \"ألا إن أولياء الله المصلون، من يقيم الصلوات الخمس التي [كتب الله] [¬١] عليه، ويصوم رمضان، ويحتسب صومه، يرى أنَّه عليه حق، ويعطي زكاة ماله يحتسبها، ويجتنب الكبائر التي نهى الله عنها\"، ثمَّ إن رجلًا سأله فقال: يا رسول الله، ما الكبائر؟ فقال: \"تسع: الشرك بالله، وقتل نفس مؤمن بغير حق، وفرار يوم الزحف، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا، وقذف المحصنة، وعقوق الوالدين المسلمين، واستحلال البيت الحرام قبلتكم أحياء وأمواتًا، [ثمَّ قال] [¬٢]: لا يموت رجل لا يعمل هؤلاء الكبائر. ويقيم الصلاة ويؤتي الزكاة، إلا كان مع النبي ﷺ في دار [أبوابها مصاريع] [¬٣] من ذهب\".\nهكذا رواه الحاكم [¬٤] مطولًا، وقد أخرجه أبو داود والترمذي (*) مختصرًا من حديث معاذ بن هانئ به، وكذا رواه ابن أبي حاتم من حديثه مبسوطا، ثمَّ قال الحاكم: رجاله كلهم محتج [¬٥] بهم في الصحيحين، إلا عبد الحميد بن سنان.\n(قلت): وهو حجازي لا يعرف إلا بهذا الحديث، وقد ذكره ابن حبَّان في كتاب الثقات. وقال البخاري: في حديثه نظر.\nوقد [¬٦] رواه ابن جرير (٢٨٧) عن سليمان بن ثابت الجحدري، عن سلم [¬٧] بن سلام، عن\n_________\n= في \"الترغيب والترهيب\" (١/ ٥٣٥) والهيثمى في \"المجمع\" (١/ ٥٣) حيث قالا: \"رواه الطبرانى في \"الكبير\" ورجاله موثقون\" وانظر ما بعده.\n(*) - كذا، وهو خطأ أو سبق قلم، والذي رواه مع أبي داود هو النسائي. كما في تحفة الأشراف وغيره. (٢٨٧) - تفسير ابن جرير (٨/ ٩١٨٩) وأخرجه الطبرانى في \"المعجم الكبير\" (١٧/ رقم ١٠٢) من طريق عيسى بن خالد اليمامى ثنا أيوب بن عتبة به، وأيوب بن عتبة هذا ضعفه غير واحد، وقال أحمد: \"ثقة إلا أنَّه لا يقيم حديث يحيى بن أبي كثير\" وهذا من روايته عنه ولم يضبطه؛ حيث أسقط \"عبد الحميد ابن سنان\" من الإسناد، ولم يتابعه على ذلك أحدٌ. وقال الزيلعى في \"نصب الراية\" (٢/ ٢٥٢): \"مداره على أيوب بن عتبة قاضى اليمامة وهو ضعيف، ومشاه ابن عدي وقال: إنه مع ضعفه يكتب حديثه\" والله أعلم.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في خ: \"كتبت\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في خ: \"مصانعها\".\n[¬٤]- في ت: ابن الحاكم.\n[¬٥]- في ت: \"يحتج\".\n[¬٦]- سقط من: ت.\n[¬٧]- في خ: \"سالم\".","vol":"3","page":452},{"text":"أيوب بن عتبة، عن يحيى بن أبي كثير، عن عبيد بن عمير، عن أبيه فذكره، ولم يذكر في الإِسناد عبد الحميد بن سنان، فالله اعلم.\n(حديث آخر في معنى ما تقدم) قال ابن مردويه (^٢٨٨): حَدَّثَنَا عبد الله بن جعفر، حَدَّثَنَا أحمد بن يونس، حَدَّثَنَا يحيى بن عبد الحميد، حَدَّثَنَا عبد العزيز بن مسلم بن الوليد، عن المطلب بن [¬١] عبد الله بن حنطب، عن عبد الله بن عمرو قال: صعد النبي ﷺ المنبر فقال: \"لا أقسم لا أقسم\" ثمَّ نزل فقال \"أبشروا أبشروا، من صلى الصلوات الخمس، واجتنب الكبائر السبع نودي من أبواب الجنة: ادخل\" قال عبد العزيز: لا أعلمه إلا قال: \"بسلام\" وقال المطلب: سمعت من سأل عبد الله بن عمرو: أسمعت رسول الله ﷺ يذكرهن؟ قال: نعم \"عقوق الوالدين، وإشراك بالله، وقتل النفس؛ وقذف المحصنات، وأكل مال اليتيم، والفرار من الزحف، وأكل الربا\".\n(حديث آخر في معناه) قال أبو جعفر بن جرير في التفسير (^٢٨٩): حَدَّثَنَا يعقوب، حَدَّثَنَا ابن [¬٢] علية، أخبرنا زياد بن مخراق عن طيسلة [¬٣] بن مياس قال: كنت مع [¬٤] النجدات، فأصبت ذنوبا لا أراها إلا من الكبائر، فلقيت ابن عمر، فقلت له [¬٥]: إني أصبت ذنوبا لا\n_________\n(^٢٨٨) - وعزاه لابن مردويه الحافظ ابن حجر في \"التلخيص الحبير\" (٤/ ٧٠) والسيوطي في \"الدر المنثور\" (٢/ ٢٦٢)، وعبد العزيز بن مسلم بن الوليد له أجد له ذكرًا في كتب الرجال، وأخشى أن يكون محرَّفًا؛ فقد ذكر الحديث المنذرى في \"الترغيب والترهيب\" (١/ ٣٠٣) وقال: \"رواه الطبرانى، وفي إسناده مسلم بن الوليد بن العباس لا يحضرنى فيه جرح ولا عدالة\" وكذا ذكره الهيثمي في \"المجمع\" (١/ ١٠٨، ١٠٩) وقال: \"رواه الطبرانى في \"الكبير\" وفيه مسلم بن الوليد بن العباس ولم أر من ذكره\" ثمَّ إن الحافظ المزى ذكر في \"تهذيب الكمال\" (٢٨/ ٨٣) من الرواة عن \"المطلب بن عبد الله بن حنطب\": \"مسلم بن الوليد بن رباح\" فلعله هو ويؤيده ذكر ابن أبي حاتم له في \"الجرح والتعديل\" (٨/ ١٩٧) وقوله: \"روى عن المطلب بن عبد الله بن حنطب. . .\" وقد ذكر المزى أيضًا فيمن روى عن \"المطلب\" ابنه \"عبد العزيز بن المطلب\" فيحتمل أن قوله هنا في الإسناد \"عبد العزيز بن مسلم بن الوليد\" تصحف من \"عبد العزيز ومسلم بن الوليد\" والله أعلم. وعلى كل فإن رواية \"المطلب بن عبد الله\" عن الصحابة مرسلة كما قال أبو حاتم وغيره. والحديث عزاه ابن حجر في \"الفتح\" (١٢/ ١٨٢) إلى إسماعيل القاضى في \"أحكام القرآن\" وزاد السيوطي عزوه إلى ابن المنذر.\n(^٢٨٩) - تفسير ابن جرير (٨/ ٩١٨٧) وأخرجه البخاري فى \"الأدب المفرد\" (٨) وفي \"التاريخ الكبير\" =\n_________\n[¬١]- في خ: \"عن\".\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- في خ: \"طيلسة\".\n[¬٤]- سقط من: خ.\n[¬٥]- سقط من: خ.","vol":"3","page":453},{"text":"أراها إلا من الكبائر قال: ما هي؟ قلت: أصبت كذا وكذا. قال: ليس من الكبائر. قلت: وأصبت كذا وكذا قال: ليس من الكبائر قال: بشيء لم يسمه طيسلة [¬١]؟ قال: هي تسع وسأعدّهن عليك: الإِشراك بالله، وقتل النفس بغير حقها، والفرار من الزحف، وقذف المحصنة، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم ظلما. وإلحاد في المسجد الحرام، والذي [¬٢] يستحسر، وبكاء الوالدين من العقوق. قال زياد: وقال طيسلة [¬٣]: لما رأي ابن عمر فرقي قال: أتخاف النار أن تدخلها؟ قلت: نعم. قال: وتحب أن تدخل الجنة؟ قلت: نعم. قال: أحيٌّ والداك؟ قلت: عندي أمي. قال: فو الله لئن أنت ألنت لها الكلام، وأطعمتها الطعام لتدخلن الجنة ما اجتنبت الموجبات.\n(طريق [¬٤] أخرى) قال ابن جرير (^٢٩٠): حَدَّثَنَا سليمان بن ثابت الجحدري الواسطي، حَدَّثَنَا سلم [¬٥] بن سلام حَدَّثَنَا أيوب بن عتبة، عن طيسلة [¬٦] بن علي النهدي قال: أتيت ابن عمر وهو في ظل أراك يوم عرفة، وهو يصب الماء على رأسه ووجهه قلت: أخبرني عن الكبائر؟ قال: هي تسع. قلت: ما هي؟ قال: \"الإِشراك بالله، وقذف المحصنة\" قال: قلت: [قبل قتل] [¬٧] النفس قال: نعم ورغما \"وقتل النفس المؤمنة، والفرار من الزحف، والسحر، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، وعقوق الوالدين المسلمين، وإلحاد بالبيت\n_________\n= (٤/ ٣٦٧) ثنا مسدد عن إسماعيل بن إبراهيم - وهو ابن علية - به، وهذا إسناد صحيح رجاله كلهم ثقات من رجال \"التهذيب\". وطيسلة بن ميَّاس ويقال: \"طيسلة بن علي النهدى\" وثقه ابن معين وروى عنه أكثر من واحد والخبر حسن إسناده السيوطى في \"الدر المنثور\" (٢/ ٢٦٢) وزاد نسبته إلى ابن راهويه وعبد بن حميد وابن المنذر والقاضى إسماعيل في \"أحكام القرآن\" وابن المنذر. ورواه أبو داود مختصرًا في \"مسائل الإمام أحمد\" (ص ١١٨) ثنا أحمد ثنا وكيع عن عكرمة، عن طيسلة بن علي: \"أن ابن عمر نزل الأراك يوم عرفة\" وأشار إلى هذه الطريق البخاري في \"التاريخ\" فقال: \"وقال النضر ابن محمَّد: نا عكرمة بن عمار حدثني طيسلة بن علي البهدلى سمع ابن عمر، وقال وكيع عن عكرمة: طيسلة بن علي النهدى أن ابن عمر كان ينزل الأراك يوم عرفة، وبهدلة من بني سعد، والنهدى لا يصح\" وانظر ما بعده.\n(^٢٩٠) - تفسير ابن جرير (٨/ ٩١٨٨) قال الحافظ ابن حجر فى \"التلخيص الحبير\" (٢/ ١٠٨): \"مداره على أيوب بن عتبة وهو ضعيف، وقد اختلف عليه فيه؛ فرواه سلم بن سلام عنه به موقوفًا كما هنا، ورواه علي بن الجعد كما فى \"الجعديات\" (٢/ رقم ٣٤٢٦) ومن طريق علي بن الجعد ابن عبد البر في \"التمهيد\" (٥/ ٦٩)، والحسين بن محمَّد المروزى؛ كما عند الخرائطى في \"مساوئ الأخلاق\" =\n_________\n[¬١]- في خ: \"طيلسة\".\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- في خ: \"طيلسة\".\n[¬٤]- في خ: \"طريقة\".\n[¬٥]- في خ: \"مسلم\".\n[¬٦]- في خ: \"طيلسة\".\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين في خ: \"قتلى\".","vol":"3","page":454},{"text":"الحرام قبلتكم أحياء وأمواتا\".\nهكذا رواه من هذين الطريقين موقوفًا، وقد رواه علي بن الجعد، عن أيوب بن عتبة، عن [طيسلة بن علي] [¬١] قال: أتيت ابن عمر عشية عرفة، وهو تحت ظل أراكة، وهو يصب الماء على رأسه فسألته عن الكبائر؟ فقال سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"هن سبع\" قال: قلت: وما هن؟ قال: \"الإِشراك بالله، وقذف المحصنة\". قال: قلت: قبل الدم. قال: نعم، ورغما. \"وقتل النفس المؤمنة، والفرار من الزحف، والسحر، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، وعقوق الوالدين، وإلحاد بالبيت الحرام قبلتكم أحياء وأمواتا\".\nوهكذا رواه الحسن بن موسى الأشيب، عن أيوب بن عتبة اليماني، وفيه ضعف، والله أعلم.\n(حديث آخر) قال الإِمام أحمد (^٢٩١): حَدَّثَنَا زكريا بن عديّ، حَدَّثَنَا بقية، عن [بحير بن\n_________\n= (رقم ٧٤٧) والبيهقيُّ في \"السنن الكبرى\" (٣/ ٤٠٩) - وحسن بن موسى الأشيب ذكره المصنف هنا ولم أهتد لهذا الوجه - ثلاثتهم (علي بن الجعد والحسين بن محمَّد وحسن بن موسى) ثنا أيوب بن عتبة به، لكنه صرح برفع الكبائر التسع إلى النبي ﷺ، وأيوب بن عتبة ضعيف، وانظر ما قبله.\n(^٢٩١) - \" المسند\" (٥/ ٤١٣) وأخرجه أيضًا، ثنا المقرئ، ثنا حيوة بن شريح، ومن طريق حيوة بن شريح أخرجه الطبرانى في \"المعجم الكبير\" (٤/ ٣٨٨٥)، والنسائيُّ في \"الصغرى\" (٧/ ٨٨) أخبرنا إسحاق ابن إبراهيم، وفي \"الكبرى\" (٥/ رقم ٨٦٥٥) أخبرنى عمرو بن عثمان بن سعيد بن كثير، والطبراني من طريق عيسى بن المنذر، أربعتهم (حيوة وإسحاق وعمرو وعيسى) ثنا بقية به، وفيه تصريح بقية. ثمَّ إن روايته هذه عن الشاميين وقد قال ابن عدي في \"الكامل\" (٢/ ٥١٢): \"صفته في روايات الحديث كإسماعيل بن عياش إذا روى عن الشاميين فهو ثبت، وإذا روى عن المجهولين فالعهدة منهم لا منه، وإذا روى عن غير الشاميين فربما وهم عليهم، وربما كان الوهم من الراوى عنه، وبقية صاحب حديث. . .\" ومما يقوى إسناده أن شعبة بن الحجاج كان يقول له: \"بَحّر لنا، بحر لنا\" يعني حدثنا عن \"بحير بن سعد\" وكان شعبة يكثر أن يقول له: \"تمسك بحديث بحير\" وهذا من روايته عن بحير. وأخرجه ابن جرير (٨/ ٩٢٢٥) وابن حبَّان (٨/ ٣٢٤٧) والحاكم (١/ ٢٣) من طريق موسى بن عقبة ثنا عبد الله - عند الحاكم \"عبيد الله\" - بن سلمان الأغر عن أبيه عن أبي أيوب به نحوه. وهذا إسناد صحيح رجاله كلهم ثقات من رجال \"التهذيب\" و\"عبد الله بن سلمان الأغر\" هكذا وقع \"عبد الله\" بالتكبير عند ابن جرير وابن حبَّان وهو ثقة يروى عن أبيه لكن رجح الشيخ شاكر أن يكون صوابه \"عبيد الله\" بالتصغير حيث لم يذكروا رواية لموسى بن عقبة عن \"عبد الله\" وإنما عرف بالرواية عن أخيه \"عبيد الله\" وهو ثقة معروف. وقال الحاكم: \"صحيح على شرط الشيخين، ولا أعرف له علة، ولم يخرجاه\" وتعقبه الذهبي بقوله: \"عبيد الله عن أبيه سلمان الأغر، خرج له البخاري فقط\" وله =\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في خ: \"طيلسة\".","vol":"3","page":455},{"text":"سعد] [¬١]، عن خالد بن معدان، أن أبا رهم السمعي حدثهم عن أبي أيوب قال: قال رسول الله ﷺ: \"من عبد الله لا يشرك به شيئًا، وأقام الصلاة، وآتى الذكاة، وصام رمضان، واجتنب الكبائر فله الجنة - أو دخل الجنة\" فسأله رجل ما الكبائر؟ فقال: \"الشرك بالله، وقتل نفس مسلمة، والفرار يوم الزحف\".\nورواه أحمد أيضًا، والنسائيُّ من غير وجه عن بقية.\n(حديث آخر) روى [ابن مردويه في تفسيره (^٢٩٢) من طريق سليمان بن داود اليماني - وهو ضعيف - عن الزهري، عن] [¬٢] الحافظ أبي بكر بن محمَّد [بن عمرو] [¬٣] بن حزم، عن أبيه، عن جده قال: كتب رسول الله ﷺ إلى أهل اليمن كتابًا فيه الفرائض والسنن والديات، وبعث به مع عمرو بن حزم قال: وكان في الكتاب: \"إن أكبر الكبائر عند الله يرم القيامة: إشراك بالله، وقتل النفس المؤمنة بغير حق، والفرار في سبيل الله يوم الزحف، وعقوق الوالدين، ورمي المحصنة، وتعلم السحر، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم\".\n(حديث آخر فيه ذكر شهادة الزور) قال الإِمام أحمد (^٢٩٣): حَدَّثَنَا محمَّد بن جعفر، حَدَّثَنَا شعبة، حدثني [عبيد الله] [¬٤] بن أبي بكر، قال: سمعت أنس بن مالك قال: ذكر رسول الله ﷺ الكبائر - أو سئل عن الكبائر - فقال: \"الشرك بالله [¬٥]، وقتل النفس، وعقوق الوالدين\" - وقال: \"ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قال [¬٦]: قول الزور - أو شهادة الزور\" [قال شعبة: أ كبر ظني أنَّه قال: شهادة الزور] [¬٧]\n_________\n= طريق آخر بإسناد ضعيف عند الطبرانى (٤/ ٣٨٨٦) وبالله التوفيق.\n(^٢٩٢) - انظر تخريج هذا الحديث في كتاب التحقيق لابن الجوزي، وبهامشه تنقيح التحقيق للذهبي بتحقيقنا، فقد استوفينا الكلام عليه هناك حديث رقم (٢٤٦).\n(^٢٩٣) - \" المسند\" (٣/ ١٣١) وأخرجه أيضًا (٣/ ١٣٤)، والبخاري، كتاب الشهادات، باب: ما قيل في شهادة الزور (٢٦٥٣)، ومسلم، كتاب الإيمان، باب: بيان الكبائر وأكبرها (١٤٤) (٨٨)، والترمذي، كتاب البيوع، باب: ما جاء في التغليظ في الكذب والزور ونحوه (١٢٠٧)، وكتاب التفسير، باب: ومن سورة النساء (٣٠١٨)، والنسائيُّ، كتاب تحريم الدم، باب: ذكر الكبائر (٧/ ٨٨، ٨٩) وكتاب القسامة (٨/ ٦٣) من طرق عن شعبة به.\n_________\n[¬١]- في خ: \"يحيى بن سعيد\".\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- سقط من: خ.\n[¬٤]- في خ: \"محمَّد\".\n[¬٥]- سقط من: خ.\n[¬٦]- سقط من: خ.\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.","vol":"3","page":456},{"text":"أخرجاه من حديث شعبة به، وقد رواه ابن مردويه من طريقين آخرين غريبين عن أنس بنحوه.\n(حديث آخر) أخرجه الشيخان (^٢٩٤) أيضًا [¬١] من حديث عبد الرحمن بن أبي بكرة [¬٢]، عن أبيه قال: قال النبي ﷺ \"ألا أنبئكم بأكبر الكبائر\"؟ قلنا: بلى يا رسول الله. قال: \"الإِشرك بالله، وعقوق الوالدين - وكان متكئا فجلس، فقال - ألا وشهادة الزور، ألا وقول الزور\". فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت.\n(حديث آخر) فيه ذكر قتل الولد، وهو ثابت في الصحيحين (^٢٩٥)، عن عبد الله بن مسعود قال: قلت: يا رسول الله؛ أي: الذنب أعظم؟، وفي رواية أكبر قال: \"أن تجعل لله ندًّا وهو خلقك\". قلت: ثمَّ أي؟ قال: \"أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك\". قلت: ثمَّ أي؟ قال: \"أن تزاني حليلة جارك\". ثمَّ قرأ ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ إلى قوله ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ﴾.\n(حديث آخر) فيه ذكر شرب الخمر. قال ابن أبي حاتم (^٢٩٦): أخبرنا يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وهب، حدثني أبو صخر، أن رجلًا حدثه، عن عمارة بن حزم، أنَّه سمع عبد الله بن عمرو بن العاص [وهو بالحجر] [¬٣] بمكة، [وسأله رجل] [¬٤] على الخمر فقال: والله إن عظيما عند الله الشيخ مثلي يكذب في هذا المقام على رسول الله ﷺ\n_________\n(^٢٩٤) - أخرجه البخاري، كتاب الشهادات، باب: ما قيل في شهادة الزور (٢٦٥٤)، ومسلم، كتاب الإيمان، باب: بيان الكبائر وأكبرها (١٤٣) (٨٧) وكذا أخرجه أحمد (٥/ ٣٦، ٣٨)، والترمذي، كتاب البر والصلة، باب: ما جاء في عقوق الوالوإن (١٩٠١)، وكتاب الشهادات، باب: ما جاء في شهادة الزور (٢٣٠١)، كتاب تفسير القرآن، باب: ومن سورة النساء (٣٠١٩) من طرق عن سعيد الجريرى ثنا عبد الرحمن بن أبي بكرة به.\n(^٢٩٥) - تقدم تخريجه [سورة البقرة/ آية ٢٢].\n(^٢٩٦) - تفسير ابن أبي حاتم (٣/ ٥١٩٧) إسناده ضعيف لجهالة شيخ أبي صخر وهو حميد بن زياد الخرَّاط، ورواه الطبرانى في \"المعجم الكبير\" كما في \"مجمع الزوائد\" (٥/ ٧١) - من طريق عتاب ابن عامر قال: كنت عند عبد الله بن عمرو في الحجر بمكة. . . فذكر الحديث، وقال الهيثمي - ما نصّه -: \"عتاب لم أعرفه وابن لهيعة حديثه حسن وفيه ضعف\" والحديث لم يعزه السيوطي في \"الدر المنثور\" (٢/ ٢٦٣) لغير ابن أبي حاتم، وله شاهد بنصه دون قوله: \"ترك الصلاة\" عند الطبرانى في \"الكبير\" (١١/ ١١٣٧٢، ١١٤٩٨) وفي \"الأوسط\" (٣/ ٣١٣٤) وإسناده ضعيف أيضًا، لكن حسنه الألباني بمجموع الطريقين، فكان من نصيب \"الصحيحة\" (٤/ ١٨٥٣).\n_________\n[¬١]- سقط من: ت.\n[¬٢]- في خ: \"بكسر\".\n[¬٣]- سقط من: خ.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين في خ: \"وسئل\".","vol":"3","page":457},{"text":"فذهب فسأله ثمَّ رجع فقال: سألته عن الخمر فقال: \"هي أكبر الكبائر، وأمّ الفواحش، من شرب الخمر ترك الصلاة، ووقع على أمه وخالته وعمته\".\nغريب من هذا الوجه.\n(طريق [¬١] أخرى) رواها الحافظ أبو بكر بن مردويه (^٢٩٧) من حديث عبد العزيز بن محمَّد الدراوردي، عن داود بن صالح، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه، أن أبا بكر الصدّيق ﵁ وعمر بن الخطّاب، وأناسًا من أصحاب رسول الله ﷺ ﵃ أجمعين جلسوا بعد وفاة رسول الله ﷺ فذكروا أعظم الكبائر، فلم يكن عندهم مما ينتهون إليه، فأرسلونى إلى عبد الله بن عمرو بن العاص أسأله عن ذلك، فأخبرني أن أعظم الكبائر شرب الخمر، فأتيتهم فأخبرتهم، فأنكروا ذلك، فوثبوا إليه حتى أتوه في داره فأخبرهم أنهم تحدّثوا عند رسول الله ﷺ أن ملكا من بني إسرائيل أخذ رجلًا فخيره بين أن يشرب خمرًا، أو يقتل نفسًا، أو يزاني، أو يأكل لحم خنزير أو يقتله، فاختار شرب الخمر. وإنه لما شربها لم يمتنع من شيء أراده منه، وإن رسول الله ﵌ قال لنا مجيبًا: \"ما من أحد يشرب خمرًا [¬٢] إلا لم تقبل له صلاة أربعين ليلة، ولا يموت أحد في مثانته منها شيء إلا حرّم الله عليه الجنة، فإن مات في أربعين ليلة مات ميتة جاهلية\".\nهذا حديث غريب من هذا الوجه جدًّا، وداود بن صالح هذا هو التمار المدني مولى الأنصار، قال الإِمام أحمد: لا أرى به بأسًا. وذكره ابن حبَّان في الثقات، ولم أر أحدًا جرحه.\n_________\n(^٢٩٧) - وأخرجه الطبرانى في \"الأوسط\" (١/ رقم ٣٦٣) والحاكم في \"المستدرك\" (٤/ ١٤٧) من طريق الدراوردى به، وقال الطبرانى: \"لا يروى هذا الحديث عن عبد الله بن عمر، عن عبد الله بن عمرو إلا بهذا الإسناد، تفرد به الدراودى\" وكأن لهذا استغربه المصنف جدًّا، وعبد العزيز الدراوردى صدوق روى له الجماعة، غير أن حديثه عن عبيد الله بن العمرى منكر وهذا في روايته عن غير عبيد الله العمرى، وقال الحاكم: \"حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه\" وصحح إسناد الطبرانى المنذرى في \"الترغيب والترهيب\" (٣/ ٢٨٥) وذكر الحديث الهيثمي في \"المجمع\" (٥/ ٧٠، ٧١) وقال: \"رواه الطبرانى في \"الأوسط\" ورجاله رجال الصحيح، خلا صالح بن داود والتمار - كذا وهو خطأ صوابه داود بن صالح - وهو ثقة\" وثقه ابن حبَّان \"الثقات\" (٦/ ٢٨٠) وقال أحمد: \"لا أعلم به بأسًا\" وقال الحافظان الذهبي وابن حجر: \"صدوق\" غير أنَّه لم يرو له سوى أبي داود وابن ماجة!! الحديث قصَّر السيوطي في عزوه جدًّا، فلم يعزه لغير ابن المنذر \"الدر المنثور\" (٢/ ٣٦٤).\n_________\n[¬١]- في خ: \"طريقة\".\n[¬٢]- سقط من: خ.","vol":"3","page":458},{"text":"(حديث آخر) عن عبد الله بن عمرو فيه ذكر اليمين الغموس. قال الإمام أحمد (^٢٩٨) حَدَّثَنَا محمَّد بن جعفر، حَدَّثَنَا شعبة، عن فراس، عن الشعبي، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ أنَّه قال: \"أكبر [¬١] الكبائر الإِشراك بالله، وعقوق الوالدين، أو قتل النفس [¬٢]- شعبة [¬٣] الشاك - واليمين الغموس\".\nورواه البخاري والترمذي والنسائيُّ من حديث شعبة، وزاد البخاري وشيبان كلاهما عن فراس به. (حديث آخر في اليمين الغموس) قال ابن أبي حاتم (^٢٩٩): حَدَّثَنَا أبي، حَدَّثَنَا أبو صالح كاتب الليث، حَدَّثَنَا الليث بن سعد، حَدَّثَنَا هشام بن سعد [¬٤]، عن محمَّد بن زيد بن مهاجر ابن قنفذ التيمي، عن أبي أمامة الأنصاري، عن عبد الله بن أنيس الجهني، عن رسول الله ﷺ قال: \"من [¬٥] أكبر الكبائر الشرك بالله، وعقوق الوالدين، واليمين الغموس، وما حلف حالف بالله يمين صبر فأدخل فيها مثل جناح البعوضة، إلا كانت وكتة في قلبه إلى يوم القيامة\". وهكذا رواه الإمام [¬٦] أحمد في مسنده وعبد بن حميد في تفسيره، [كلاهما عن يونس بن محمَّد المؤدب، عن الليث بن سعد به، وأخرجه الترمذي] [¬٧] عن عبد بن حميد به. ثمَّ [¬٨] قال: وهذا حديث حسن غريب، وأبو أمامة الأنصاري هذا هو ابن ثعلبة ولا يعرف\n_________\n(^٢٩٨) - \" المسند\" (٢/ ٢٠١)، وأخرجه البخاري، كتاب الأيمان والنذور، باب: اليمين الغَمُوس (٦٦٧٥) وكتاب الديات، باب: قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا. . .﴾ (٦٨٧٠) والترمذي، كتاب تفسير القرآن، باب: ومن سورة النساء (٣٠٢١)، والنسائى، كتاب تحريم الدم، باب: ذكر الكبائر (٧/ ٨٩)، كتاب القسامة (٨/ ٦٣) من طرى شعبة به. وأخرجه البخاري، كتاب استتابة المرتدين والمعانيد وقتالهم، باب: إثم من أشرك بالله وعقوبته في الدنيا والآخرة (٦٩٢٠) حدثني محمَّد ابن الحسين بن إبراهيم، أخبرنا عبيد الله بن موسى أخبرنا شيبان عن فراس به نحوه.\n(^٢٩٩) - تفسير ابن أبي حاتم (٣/ ٥١٩٩) وأخرجه عبد بن حميد - كما قال المصنف، وكذا عزاه له السيوطي في \"الدر المنثور\" (٢/ ٢٦٣) ومن طريقه رواه الترمذى، كتاب تفسير القرآن، باب: ومن سورة النساء (٣٠٢٠) وابن أبي شيبة في مسنده (٢/ ٨٥٠) وعنه ابن أبي عاصم في \"الآحاد والمثانى\" (٤/ ٢٠٣٦)، وأحمد في \"المسند\" (٣/ ٤٩٥) ومن طريقه المزى في \"تهذيب الكمال\" (٣٣/ ٥١، ٥٢) والطبراني في \"الأوسط\" (٣/ ٣٢٣٧) - وعنه أبو نعيم في \"الحلية\" (٧/ ٣٢٧) والحاكم في\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- في خ: \"عقبة\".\n[¬٤]- في خ: \"سعيد\".\n[¬٥]- سقط من: ت.\n[¬٦]- سقط من: ت.\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين من: خ.\n[¬٨]- في ت: \"و\".","vol":"3","page":459},{"text":"اسمه. وقد روى عن أصحاب النبي ﷺ أحاديث.\nقال شيخنا الحافظ أبو الحجاج المزي (^٣٠٠): وقد رواه عبد الرحمن بن إسحاق المدني، عن محمَّد بن زيد، عن عبد الله بن أبي أمامة، عن أبيه، عن عبد الله بن أنيس [¬١]، فزاد عبد الله ابن أبي أمامة.\n(قلت): هكذا وقع في تفسير ابن مردويه، وصحيح ابن حبَّان، من طريق عبد الرحمن بن إسحاق [¬٢] كما ذكره شيخنا فسح الله في أجله.\n_________\n=\"المستدرك\" (٤/ ٢٩٦) والبيهقيُّ فى \"شعب الإيمان\" (٤/ ٤٨٤٣) من طرق عن الليث بن سعد به.\nوأخرجه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" كتاب البيوع، باب: الرجال يحلف على اليمين الفاجرة (٥/ ٢٥٣) والخرائطى في \"مساوئ الأخلاق\" (رقم ١٢٤) من طريق يونس بن محمَّد ثنا ليث بن سعد به مختصرًا: \"ما حلف. . .\" وقال الحاكم: \"حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه\" ووافقه الذهبي، وقال الترمذي: \"حديث حسن غريب\" وكذا حسنه ابن حجر في \"الفتح\" (١٠/ ٤١١) وهو أشبه لكلام في هشام بن سعد. والحديث أورده الهيثمي في \"المجمع\" (١/ ١١٠) - وهو على غير شرطه - وقال: \"رواه الطبراني في \"الأوسط\" وهو بتمامه في الأيمان والنذور - ولم أجده في هذا الموضع المحال عليه - ورجاله موثقون\" وأما قول الطبراني في \"الأوسط\" عقبه: \"لا يروى هذا الحديث عن عبد الله ابن أنيس إلا بهذا الإسناد، تفرد به الليث\" - فهو منتقد لما يأتى بعد هذا وأضبط منه قول تلميذه أبي نعيم: \"غريب من حديث الليث وهشام، وما رواه عن النبي ﷺ بهذا اللفظ إلا أنيس\".\n(^٣٠٠) - فى كتابه القيم \"تحفة الأشراف\" (٤/ رقم ٥١٤٧) وذكر المصنف أن الطريق الذي أشار إليه شيخه المزى رواه ابن مردويه وابن حبَّان، والإسناد الذي في صحيح ابن حبَّان المطبوع (١٢/ ٥٥٦٣) هكذا: أخبرنا أحمد بن علي بن المثنى - أبو يعلى الموصلي - قال: حدثنا وهب بن بقية، قال: حدثنا خالد بن عبد الله، عن عبد الرحمن بن إسحاق عن محمَّد بن زيد عن عبد الله بن أبي أمامة عن عبد الله بن أنيس به، هكذا دون ذكر واسطة بين \"عبد الله بن أبي أمامة\" و\"عبد الله بن أنيس\" وقد أخرجه ابن الأثير في \"أسد الغابة\" (٣/ ١٨٠) من طريق أبى يعلى الموصلي به، وأخرجه ابن أبي عاصم في \"الآحاد والمثانى\" (٤/ ٢٠٣٥)، (٥/ ٢٥٥٦) من طريق وهب بن بقية به دون ذكر لوالد \"عبد الله بن أبي أمامة\" في الإسناد، وعبد الله بن أبى أمامة هذا وثقه ابن حبَّان (٧/ ١٨) وقال الذهبي وابن حجر: \"صدوق\" غير أنهم لم يذكروا أنَّه روى عن \"عبد الله بن أنيس\" مباشرة، وقد ترجم أبو حاتم بن حبَّان في \"الثقات\" (٥/ ٣٤) لعبد الله بن أبي أمامة آخر وقال: \"يروى عن عبد الله بن أنيس، روى عنه محمَّد بن زيد، ويشبه أن يكون ابن أبى أمامة بن سهل بن حنيف\" لكن الأسانيد السابقة مع قول الحافظ المزى المذكور هنا تقوى أنه \"عبد الله بن أبى أمامة البلوى المدني\" وعليه فيكون هذا الإسناد فيه انقطاع، لكن وصله هشام بن سعد من رواية الليث بن سعد عنه، كما تقدم في السابق.\n_________\n[¬١]- في خ: \"أنس\".\n[¬٢]- في خ: \"إسماعيل\".","vol":"3","page":460},{"text":"(حديث آخر) عن عبد الله بن عمرو في التسبب إلى شتم الوالدين. قال ابن أبي حاتم (^٣٠١): حَدَّثَنَا عمرو بن عبد الله الأودي، حَدَّثَنَا وكيع، عن مسعر وسفيان، عن سعد بن إبراهيم، عن حميد بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن عمرو، رفعه سفيان إلى النبي ﷺ ووقفه مسعر على عبد الله بن عمرو قال: \"من الكبائر أن يشتم الرجل والديه\" قالوا: وكيف يشتم الرجل والديه؟ قال: \"يسب الرجل أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه\".\nوقد [أخرج هذا الحديث] البخاري (^٣٠٢) عن أحمد بن يونس، عن إبراهيم بن سعد وبن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبيه، عن عمه حميد بن عبد الرحمن بن عوف، عن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه\". قالوا: وكيف يلعن الرجل والديه؟ قال: \"يسب الرجل أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه\".\nوهكذا رواه مسلم من حديث سفيان وشعبة ويزيد بن الهاد ثلاثتهم عن سعد بن إبراهيم به مرفوعًا بنحوه، وقال الترمذي: صحيح. وثبت في الصحيح أن [¬١] رسول الله ﷺ قال: \"سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر\".\n(حديث آخر في ذلك) قال ابن أبي حاتم (^٣٠٣): حَدَّثَنَا عبد الرحمن بن إبراهيم، دُحيَم،\n_________\n(^٣٠١) - تفسير ابن أبي حاتم (٣/ ٥١٩٦)، وأخرجه أحمد في \"المسند\" (٢/ ١٦٤) ثنا وكيع به سواء، ولا يضره أن وقفه مسعر على \"عبد الله بن عمرو\" حيث رفعه جمع من الثقات - كما يأتى - بل إنه قد اختلف على مسعر نفسه فيه؛ فرواه وكيع عنه موقوفًا كما هنا، ورواه يحيى بن زكريا بن أبي زائدة عنه مرفوعًا، صححه من هذا الوجه أبو حاتم بن حبَّان (٢/ رقم ٤١١)، وأخرجه مسلم، كتاب الإيمان، (١٤٦) (٩٠)، والبخاري في \"الأدب المفرد\" (٢٧) من طريق سفيان به وانظر ما بعده.\n(^٣٠٢) - صحيح البخاري، كتاب الأدب، باب: لا يَسُبُّ الرجلُ والديه (٥٩٧٣) وكذا أخرجه أحمد (٢/ ٢١٦)، وأبو داود، كتاب الأدب، باب: في بر الوالدين (٥١٤١) من طريق إبراهيم بن سعد به، وأخرجه مسلم (١٤٦) (٩٠) وأحمد (٢/ ١٩٥) من طريق شعبة، ومسلم أيضًا والترمذي، كتاب البر والصلة والآداب، باب: ما جاء في عقوق الوالدين (١٩٠٢) من طريق يزيد بن الهاد، كلاهما (شعبة ويزيد) عن سعد بن إبراهيم به، وقال الترمذى: \"حديث حسن صحيح\".\n(^٣٠٣) - تفسير ابن أبي حاتم (٣/ ٥٢٠٥) وأخرجه أبو داود، كتاب الأدب، باب: في الغيبة (٤٨٧٧) ثنا جعفر بن مسافر، وابن أبي الدنيا في \"كتاب الصمت وآداب اللسان\" (٧٣٢) ثنا الحسن بن عبد العزيز، كلاهما (جعفر والحسن) ثنا عمرو بن أبي سلمة به، وعمرو هذا ضعفه ابن معين، وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به. وقال العقيلي: في حديثه وهم. وقال أحمد: \"روى عن =\n_________\n[¬١]- في خ: \"عن\".","vol":"3","page":461},{"text":"حَدَّثَنَا عمرو بن أبى سلمة، حَدَّثَنَا زهير بن محمد، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: \"من أكبر الكبائر [استطالة المرء في] عرض الرجل المسلم، والسبَّتان والسبَّة\".\nهكذا روي هذا الحديث، وقد أخرجه أبو داود في كتاب الأدب من سننه عن جعفر بن مسافر، عن عمرو بن أبي سلمة، عن زهير بن محمد، عن العلاء، عن أبيه، عن أبى هريرة، عن النبي ﷺ قال: \"من أكبر الكبائر استطالة الرجل [¬١] في عرض رجل مسلم بغير حق، ومن الكبائر السبتان بالسبة\".\nوكذا رواه ابن مردويه من طريق عبد الله بن العلاء بن زبر [¬٢]، عن العلاء، عن أببه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ فذَكر مثله.\n(حديث آخر في ذكر [¬٣] الجمع بين الصلاتين من غير عذر) قال ابن أبي حاتم (^٣٠٤): حَدَّثَنَا أبي، حَدَّثَنَا نعيم بن حماد، حَدَّثَنَا معتمر بن سليمان، عن أبيه، عن حنش، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: \"من جمع بين صلاتين من غير عذر فقد أتى بابا من أبواب الكبائر\". وهكذا رواه أبو عيسى الترمذي، عن أبي سلمة يحيى بن خلف، عن المعتمر بن\n_________\n= زهير أحاديث بواطيل، كأنه سمعها من صَدقة بن عبد الله - وهو ضعيف - فغلط، فقلبها عن زهير\" ومع هذا فقد حسن إسناده الحافظ ابن حجر في \"الفتح\" (١٠/ ٤١١) ولم يعزه لغير ابن أبي حاتم، واستنكره ابن عدي في \"الكامل\" (٣/ ١٠٧٦) لزهير بن محمد، فرواه من طريق عبدان الأهوازي، ثنا هشام بن عمار، ثنا عبد الملك الصنعاني، ثنا زهير بن محمد به بلفظ: \"السبتان بالسبة ربا\" والحديث عزاه السيوطي في \"الدر المنثور\" (٢/ ٢٦٣) إلى أبي داود وابن أبي حاتم وابن مردويه، وقد صح في هذا الباب: \"إن أربى الربا استطالة الرجل في عرض أخيه\" راجع \"الصحيحة\" لأبي عبد الرحمن الألباني (٣/ ١٤٣٣).\n(^٣٠٤) - تفسير ابن أبي حاتم (٣/ ٥٢٠٧) وأخرجه الترمذي، كتاب الصلاة، باب: ما جاء في الجمع بين الصلاتين في الحضر (١٨٨)، وابن حبان في \"المجروحين\" (١/ ٢٤٣)، والطبراني في \"المعجم الكبير\" (١١/ ١١٥٤٠)، والدارقطني في \"السنن\" (١/ ٣٩٥)، والحاكم في \"المستدرك\" (١/ ٢٧٥)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٣/ ١٦٩) من طرق عن المعتمر بن سليمان به، وابن الجوزي في \"الموضوعات\" (٢/ ١٠١) من طريق عبد الحكيم بن منصور عن حسين بن قيس - حنش - به.\nوقال الترمذي: \"حنش هذا هو: \"أبو علي الرَّحَبي\" وهو \"حسين بن قيس\" وهو ضعيف عند أهل الحديث، ضعفه أحمد وغيره\" وقال الدارقطني: \"حنش هذا أبو علي الرحبي متروك\" والحديث =\n_________\n[¬١]- في خ: \"المرء\".\n[¬٢]- في ت: \"ذبر\".\n[¬٣]- سقط من: ت.","vol":"3","page":462},{"text":"سليمان، به، ثم قال: حنش: هو أبو علي الرحبي، وهو حسين بن قيس، وهو ضعيف عند أهل الحديث، ضعفه أحمد وغيره.\nوقد روى ابن أبي حاتم (^٣٠٥) حَدَّثَنَا الحسن بن محمد بن [¬١] الصباح، حَدَّثَنَا إسماعيل بن علية، عن خالد الحذاء، عن حميد بن هلال، عن أبي قتادة يعني [¬٢] العدوي قال: قرئ علينا كتاب عمر: من الكبائر جمع بين الصلاتين -يعني من غير عذر- والفرار من الزحف، والنهبة.\nوهذا إسناد صحيح. والغرض أنه إذا كان الوعيد فيمن جمع بين الصلاتين كالظهر والعصر، تقديمًا أو تأخيرًا، وكذا المغرب والعشاء هما من شأنه أن يجمع بسبب من الأسباب الشرعية فإذا\n_________\n= علقه العقيلى فى \"الضعفاء\" (١/ ٢٤٨) وقال: \"لا يتابع عليه، ولا يعرف إلا به ولا أصل له … \". وقال البيهقى: \"فى إسناده من لا يحتج به، تفرد به حسين بن قيس أبو على الرحبى المعروف بحنش، وهو ضعيف عند أهل النقل لا يحتج بخبره\" وقال ابن الجوزى: \"حسين بن قيس كذبه أحمد بن حنبل، قال مرة: متروك الحديث. وكذلك النسائى وقال يحيى: ليس بشئ\" ومع هذا فقد جازف الحاكم وقال عقبه: \"حنش بن قيس الرحبى يقال له: أبو على، من أهل اليمن سكن الكوفة ثقة، وقد احتج البخارى بعكرمة وهنا الحديث قاعدة فى الزجر عن الجمع بلا عذر ولم يخرجاه\" لكن تعقبه الذهبى بقوله: \"حنش بن قيس، ضعفوه\" وبه أعله الزيلعى فى \"نصب الراية\" (٢/ ١٩٣، ١٩٤) وقد أخرجه البزار (٢/ ٣٥٦ / كشف الأستار) وأبو يعلى فى مسنده (٥/ ٢٧٥١) من طريق معتمر بن سليمان به، غير أنهما زادا فيه -لفظ البزار-: \"ومن شهد شهادة فاجتاح بها مال امرئ مسلم، فقد تبوأ مقعده من النار\" وزاد البزار وحده: \"ومن شرب شرابًا حتى يذهب عقله الذى رزقه الله فقد أتى بابًا من أبواب الكبائر\" وقال البزار: \"لا نعلمه عن النبى ﷺ إلا بهذا الإسناد، وحنش هو ابن قيس الرحبى روى عنه التيمى وخالد بن عبد الله وغيرهما، وليس بالقوى، وإنما يكتب من حديثه ما يرويه غيره\" وكذا أعله به ابن عبد البر فى \"التمهيد\" (٥/ ٧٧) غير أنه قال: \"معناه صحيح من وجوه\" هو كما قال، انظر ما تقدم وما يأتى وبالله التوفيق.\n(^٣٠٥) - (٣/ ٥٢٠٨) وأخرجه البيهقى (٣/ ١٦٩) من طريق يحيى بن سعيد عن يحيى بن صبيح قال: حدثنى حميد بن هلال به، وقال البيهقى: \"أبو قتادة العدوى أدرك عمر- ﵁ فإن كان شهده كتب فهو موصول، وإلا فهو إذا انضم إلى الأول صار قويًّا\" ويعنى بـ \"الأول\" هنا ما أخرجه من طريق قتادة عن أبى العالية عن عمر ﵁ قال: \"جمع الصلاتين من غير عذر من الكبائر\" قال البيهقى: \"وهو مرسل؛ أبو العالية لم يسمع من عمر ﵁\" لكن تعقبه ابن التركمانى فى \"الجوهر النقى\" فقال: \" أبو العالية أسلم بعد موت النبى ﷺ بسنتين ودخل على أبى بكر وصلى خلف عمر وقد قدمنا غير مرة أن مسلمًا حكى الإجماع على أنه يكفى لاتصال السند=\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- سقط من: ت.","vol":"3","page":463},{"text":"تعاطاه أحد بغير شيء من تلك الأسباب يكون مرتكبًا كبيرة، فما ظنك [بمن يترك] [¬١] الصلاة بالكلية، ولهذا روى مسلم في صحيحه (^٣٠٦) عن رسول الله ﷺ أنه قال: \"بين العبد وبين الشرك ترك الصلاة\". وفي السنن مرفوعًا [¬٢] عنه ﵊ أنه قال (^٣٠٧) \" العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر\". وقال (^٣٠٨): \" من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله\". وقال (^٣٠٩): \" من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله\".\n(حديث آخر) فيه اليأس من روح الله [¬٣]، والأمن من مكر الله. قال ابن أبي حاتم (^٣١٠): حَدَّثَنَا أحمد بن عمرو بن أبي عاصم النبيل، حَدَّثَنَا أبي [حَدَّثَنَا أبي] [¬٤] حَدَّثَنَا شبيب بن بشر،\n_________\n= المعنعن ثبوت كون الشخصين فى عصر واحد، وكذا الكلام فى رواية أبى قتادة العدوى عن عمر، فإنه أدركه كما ذكره البيهقى بعد، فلا يحتاج فى اتصاله إلى أن يشهده\".\n(^٣٠٦) - صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب: بيان إطلاق اسم الكفر على من ترك الصلاة (١٣٤) (٨٢) وكذا أخرجه أحمد (٣/ ٣٨٩)، وأبو داود (٤٦٧٨)، والترمذى (٢٦٢٠)، والنسائى (١/ ٢٣٢/ هامش)، وابن ماجة (١٠٧٨) من حديث جابر بن عبد الله.\n(^٣٠٧) - أخرجه الترمذى، كتاب الإيمان، باب: ما جاء فى ترك الصلاة (٢٦٢١)، والنسائى، كتاب الصلاة، باب: الحكم فى تارك الصلاة (١/ ٢٣١، ٢٣٢)، وابن ماجة، كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب: ما جاء فيمن ترك الصلاة (١٠٧٩)، وأحمد (٥/ ٣٤٦، ٣٥٥) وغيرهم من حديث بريدة ابن الحُصَيْب، وقال الترمذى: \"حديث حسن صحيح غريب\" وصححه ابن حبان (٤/ ١٤٥٤) وكذا الحاكم فى \"المستدرك\" (١/ ٧٢٦) فقال: \"حديث صحيح الإسناد لا تعرف له علة بوجه من الوجوه … \" ووافقه الذهبى.\n(^٣٠٨) - أخرجه البخارى، كتاب مواقيت الصلاة، باب: من ترك العصر (٥٥٣) وكذا أخرجه النسائى، كتاب الصلاة، باب: من ترك صلاة العصر (١/ ٢٣٦)، وأحمد (٥/ ٣٤٩ - وفى مواضع آخر) من حديث بريدة بن الحُصيب.\n(^٣٠٩) - أخرجه بهذا اللفظ النسائى (١/ ٢٣٨) من حديث نوفل بن معاوية وعبد الله بن عمر، وإسناده صحيح. وهو عند مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب: التغليظ فى تفويت صلاة العصر (٢٠١) (٦٢٦) من حديث عبد الله بن عمر مرفوعًا بلفظ: \" من فاتته العصر فكأنما وتر أهله وماله\" وأخرجه أيضًا البخارى، كتاب مواقيت الصلاة، باب: إثم من فاتته العصر (٥٥٢) وغيرهما من حديث ابن عمر أيضًا بلفظ: \"الذى تفوته صلاة العصر، كأنما وتر أهله وماله\".\n(^٣١٠) - تفسير ابن أبى حاتم (٣/ ٥٢٠١) وقد أخرجه البزار (١/ رقم ١٠٦ / كشف الأستار) (١/ رقم ٥٥ / زوائد ابن حجر) ثنا عبد الله بن إسحاق العطار ثنا الضحاك بن مخلد أبو عاصم به، وعلقه ابن عبد البر فى \"التمهيد\" (٥/ ٧٧) وحسن إسناده السيوطى فى \"الدر المنثور\" (٢/ ٢٦٤) وعزاه إلى=\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ت: \"بترك\".\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- سقط من: خ.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ت.","vol":"3","page":464},{"text":"عن عكرمة، عن ابن عباس، أن رسول الله ﷺ كان متكئا فدخل عليه رجل فقال: ما الكبائر؟ فقال: \"الشرك بالله، واليأس من روح الله، [والقنوط من رحمة الله ﷿] [¬١]، والأمن من مكر الله، وهذا أكبر الكبائر\".\nوقد رواه البزار عن عبد الله بن إسحاق العطار، عن أبي عاصم النبيل، عن شبيب بن بشر، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن رجلا قال: يارسول الله؛ ما الكبائر؟ قال: \"الإشراك بالله، واليأس من روح الله، والقنوط من رحمة الله ﷿\".\nوفي إسناده، نظر والأشبه أن يكون موقوفًا؛ فقد روي عن ابن مسعود نحو ذلك. وقال ابن جرير (^٣١١): حدثني يعقوب بن ابراهيم، حَدَّثَنَا هشيم، أخبرنا مطرف، عن وبرة بن عبد الرحمن، عن أبي الطفيل، قال: قال ابن مسعود: أكبر الكبائر الإشراك بالله، والإياس من روح الله، والقنوط من رحمة الله، والأمن من مكر الله.\nوكذا رواه من حديث الأعمش وأبي اسحاق، عن وبرة، عن أبي الطفيل، عن [ابن\n_________\n= الطبرانى فى \"الأوسط\" - ولم أجده فى المطبوع والله أعلم - وذكره الهيثمى فى \"المجمع\" (١/ ١٠٩) وقال: \"رواه البزار والطبرانى ورجاله موثقون\" ولم أعثر عليه فى المطبوع من \"المعجم الكبير\" أيضًا.\nقال المصنف: \"فى إسناده نظر والأشبه أن يكون موقوفًا\" وهذا أشبه؛ فإن شبيب بن بشر وإن وثقه ابن معين فقد قال أبو حاتم: \"ليِّن الحديث، حديثه حديث الشيوخ\" وذكره ابن حبان فى \"الثقات\" (٤/ ٣٥٩) وقال: \"يخطئ كثيرًا\" فلا يبعد أن يكون رفعُ هذا الحديث من أخطائه لا سيما وقد رواه الثقات موقوفًا على ابن مسعود وهو الآتى.\n(^٣١١) - تفسير ابن جرير (٨/ ٩١٩١) وأخرجه أيضًا (٩١٩٣) من طريق عبد الله بن إدريس سمعت مطرفًا به، وهذا إسناد صحيح ومُطرف هو ابن طريف الحارثى، وأبو الطفيل هو عامر بن واثلة آخر الصحابة موتًا. وأخرجه ابن أبى الدنيا فى كتاب \"التوبة\" (رقم ٣١) من طريق أبى معاوية محمد بن خازم، وابن جرير (٩١٩٤) من طريق شيبان، كلاهما (أبو معاوية وشيبان) عن الأعمش عن وبرة به، وهذا إسناد صحيح أيضًا، ولا يخشى من عنعنة الأعمش هنا حيث توبع، وله إسناد آخر صحيح رواه ابن جرير أيضًا (٩١٩٥) من طريق إسرائيل، وعبد الرزاق فى \"المصنف\" (١٠/ رقم ١٩٧٠١) وفى \"التفسير\" (١/ ١٥٥) ومن طريقه الطبرانى فى \"المعجم الكبير\" (٩/ ٨٧٨٤) من طريق معمر، كلاهما (إسرائيل ومعمر) عن أبى إسحاق عن وبرة به، وللحديث طرق أخرى صحيحة وحسنة انظرها عند ابن جرير (٨/ ٢٤٢، ٢٤٤)، والطبرانى (٩/ ٨٧٨٣، ٨٧٨٥) وجزم بصحته المصنف، وصحح إسناده أيضًا الهيثمى فى \"المجمع\" (١/ ١٠٩) وذكره الحافظ ابن حجر فى \"الفتح\" (١٢/ ١٨٣) وعزاه إلى عبد الرزاق والطبرانى، وزاد نسبته السيوطى فى \"الدر المنثور\" (٢/ ٢٦٤) إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.","vol":"3","page":465},{"text":"مسعود] [¬١] به [¬٢]، ثم رواه من طرق عدة عن أبي الطفيل، عن ابن مسعود، وهو صحيح إليه بلا شك.\n[(حديث آخر) فيه سوء الظن بالله. قال ابن مردويه (^٣١٢): حَدَّثَنَا محمد بن إبراهيم بن بندار حَدَّثَنَا أبو حاتم بكر بن عبدان، حَدَّثَنَا محمد بن مهاجر، حَدَّثَنَا أبو حذيفة البخاري، عن محمد بن عجلان، عن نافع، عن ابن عمر أنه قال: أكبر الكبائر سوء الظن بالله ﷿. حديث غريب جدًّا] [¬٣]\n(حديث آخر) فيه التعرب بعد الهجرة. قد تقدم في رواية عمرو بن أبي سلمة (^٣١٣)، عن أبيه، عن أبي هريرة مرفوعًا قال [أبو بكر] [¬٤] ابن مردويه (^٣١٤): حَدَّثَنَا سليمان [بن أحمد، حدثنا] [¬٥] أحمد بن رشدين، حَدَّثَنَا عمرو بن خالد الحراني، حَدَّثَنَا ابن لهيعة، عن يزيد ابن أبي حبيب، عن محمد بن سهل [¬٦] بن أبي حثمة [¬٧]، عن أبيه قال: سمعت النبي ﷺ يقول: \"الكبائر سبع، ألا تسألوني عنهن؟ الشرك بالله، وقتل النفس، والفرار من [¬٨] الزحف، وأكل\n_________\n(^٣١٢) - هكذا فى جميع النسخ بهذا الإسناد يشبه أن يكون موقوفًا، وصنيع المؤلف يدل على أنه مرفوع، وقد صرح برفعه ابن حجر فى \"الفتح\" (١٠/ ٤١١) (١٨٣١٢) فعزاه لابن مردويه بسند ضعيف، وكذا ذكره العجلونى فى \"كشف الخفاء\" (١/ ١٥٩) وقال: \"رواه الديلمى وابن مردويه بسند ضعيف\" قلت: وحقه أن يكون ضعيفًا جدًا إن لم يكن موضوعًا، فإن أبا حذيفة البخارى هذا واسمه إسحاق بن بشر صاحب \"كتاب المبتدأ\" كذبه على بن المدينى وابن أبى شيبة والدارقطنى وغيرهم حتى قال ابن الجوزى: \"أجمعوا على أنه كذاب\" مترجم فى \"الميزان\" للذهبى و\"اللسان\" لابن حجر وقال ابن عدى \"الكامل\" (١/ ٣٣١): \"أحاديثه كلها غير محفوظة ومنكرة إما إسنادًا أو متنًا، لا يتابعه أحد عليها\".\n(^٣١٣) - تقدم هنا برقم (٢٨٥).\n(^٣١٤) - والحديث عند الطبرانى سليمان بن أحمد فى \"المعجم الكبير\" (٦/ ٥٦٣٦) وذكره الهيثمى فى \"المجمع\" (١/ ١٠٨) غير أنه قال: \"عن سهل بن أبى حثمة عن أبيه\" وهو مخالف لما فى \"المعجم\" وغيره، فالحديث حديث \"سهل بن أبى حثمة\" ولعله سهو، أو خطأ من الناسخ فبدلًا من أن يكتبه \"محمد بن سهل بن أبي حثمة عن أبيه\" كتبه هكذا بالخطأ. وقال الهيثمى: \"رواه الطبرانى فى \"الكبير\" وفيه ابن لهيعة\" وهو ضعيف فى غير رواية العبادلة عنه، ولذلك قال المصنف: \"فى إسناده نظر، ورفعه غلط فاحش والصواب ما رواه ابن جرير … \" وهو الآتى.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ت: \"عبد الله\".\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ت.\n[¬٥]- ما بين المكوفتين سقط من: ت.\n[¬٦]- في خ: \"سعد\".\n[¬٧]- في خ: \"خيثمة\".\n[¬٨]- في ت: \"يوم\".","vol":"3","page":466},{"text":"مال اليتيم، وأكل الربا، وقذف المحصنة، والتعرب بعد الهجرة\".\nوفي إسناده نظر، ورفعه غلط فاحش، والصواب ما رواه ابن جرير (^٣١٥): حَدَّثَنَا تميم بن المنتصر أخبرنا يزيد، أخبرنا محمد بن إسحاق، عن محمد بن سهل [¬١] بن أبي حثمة [¬٢]، عن أبيه قال: إني لفي هذا المسجد مسجد الكوفة، وعلي ﵁ يخطب الناس على المنبر، فقال: يا أيها الناس إن [¬٣] الكبائر سبع، فأصاخ الناس، فأعادها ثلاث مرات، ثم قال: لم لا تسألوني عنها؟ قالوا: يا أمير المؤمنين ما هي؟ قال: الإِشراك بالله، وقتل النفس التي حرم الله، وقذف المحصنة، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا؛ والفرار يوم الزحف؛ والتعرب بعد الهجرة. فقلت لأبى: يا أبت ما التعرب بعد الهجرة؟ كيف لحق هاهنا؟. قال: يا بني، وما أعظم من أن يهاجر الرجل حتى إذا وقع سهمه في الفيء ووجب عليه الجهاد [خلع ذلك من عنقه] [¬٤] فرجع أعرابيًّا كما كان.\n(حديث آخر) قال الإمام أحمد (^٣١٦): حَدَّثَنَا هاشم، حَدَّثَنَا أبو معاوية يعني شيبان، عن منصور، عن هلال بن يسَاف، عن سلمة بن قيس الأشجعي قال: قال رسول الله ﷺ في حجة الوداع: \"ألا إنما هن أربع، أن لا تشركوا بالله شيئًا، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق، ولا تزنوا، ولا تسرفوا\". قال: فما أنا بأشح عليهن مني إذ سمعتهن من\n_________\n(^٣١٥) - تفسير ابن جرير (٨/ ٩١٧٩) وأخرجه البخاري فى \"التاريخ الكبير\" (١/ ١٠٧/ ترجمة محمد بن سهل) قال لنا إسحاق عن عبدة: سمع ابن إسحاق، به مختصرًا، ومحمد بن سهل بن أبى حثمة لم يوثقه غير ابن حبان \"الثقات\" (٧/ ٣٩٨).\nتنبيه: أشار ابن حجر إلى هذا الحديث فى \"الفتح\" (١٢/ ١٨٢) فقال: \"وللطبرانى من حديث سهل ابن أبى حثمة -تحرفت إلى خيثمة- عن على رفعه … \" هكذا والمرفوع المذكور قبل هذا ليس فيه ذكر لعلى\" وحديث على صوابه موقوف، كما قال المصنف والله أعلم.\n(^٣١٦) - \" المسند\" (٤/ ٣٣٩، ٣٤٠) وأخرجه أيضًا (٤/ ٣٣٩)، والنسائى فى \"التفسير\" من \"الكبرى\" (٦/ ١١٣٧٣) ومن طريقه سيورده المصنف فى سورة الفرقان/ آية ٦٨، وابن أبى شيبة فى مسنده (٢ /رقم ٧٠٩) وعنه ابن أبى عاصم فى \"السنة\" (٢/ ٩٧٠) وفى \"الآحاد والمثانى\" (٣/ ١٣٠٢) والطبرانى فى \"المعجم الكبير\" (٧/ ٦٣١٦، ٦٣١٧) والحاكم فى \"المستدرك\" (٤/ ٣٥١)، من طرق عن منصور به، وإسناده صحيح، وقال الحاكم: \"صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه\" ووافقه الذهبى، وهلال بن يساف إنما أخرج له البخارى تعليقًا كما فى \"التقريب\" وقصر فى عزوه الهيثمى فقال فى \"المجمع\" (١/ ١٠٩) \"رواه الطبرانى فى \"الكبير\" ورجاله ثقات\".\n_________\n[¬١]- في ت: \"سهيل\".\n[¬٢]- في خ: \"خيثمة\".\n[¬٣]- سقط من: ت.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.","vol":"3","page":467},{"text":"رسول الله ﷺ.\nثم رواه أحمد أيضا والنسائي وابن مردويه من حديث منصور بإسناده مثله.\n(حديث آخر) تقدم من رواية عمر بن المغيرة (^٣١٧)، عن داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ أنه قال: \" الإِضرار في الوصية من الكبائر\" والصحيح ما رواه غيره، عن داود، عن عكرمة، عن ابن عباس قوله [¬١]. قال ابن أبي حاتم: وهو الصحيح [عن ابن عباس من قوله] [¬٢].\n(حديث آخر في ذلك) قال ابن جرير (^٣١٨): حَدَّثَنَا أبو كريب، حَدَّثَنَا أحمد بن عبد الرحمن، حَدَّثَنَا عباد بن عباد، عن جعفر بن الزبير، عن القاسم، عن أبي أمامة، أن ناسا [¬٣] من أصحاب النبي ﵌ ذكروا الكبائر وهو متكئ فقالوا: الشرك بالله، وأكل مال اليتيم، والفرار من الزحف، وقذف المحصنة، وعقوق الوالدين، وقول الزور، والغلول [¬٤]، والسحر، وأكل الربا. فقال رسول الله ﷺ: \"فأين تجعلون ﴿يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ إلى آخر الآية \".\nوفى إسناده ضعف، وهو حسن.\n\n<span data-type='title' id=toc-83>(ذكر [¬٥] أقوال السلف في ذلك)</span>\nقد تقدم ما روي عن أمير المؤمنين عمر وعلي ﵄ في ضمن الأحاديث المذكورة، وقال ابن جرير (^٣١٩): حدثني يعقوب بن إبراهيم، حَدَّثَنَا ابن علية، عن ابن\n_________\n(^٣١٧) - تقدم تخريجه آية ١٢/ رقم ١٣٥، ١٤٠.\n(^٣١٨) - تفسير ابن جرير (٨/ ٩٢٢٦) وعزاه السيوطى فى \"الدر المنثور\" (٢/ ٢٦٤) إلى \"ابن جرير بسند حسن\" وقال المصنف هنا: \"فى إسناده ضعف، وهو حسن\" وهو أضبط من كلام السيوطى؛ فإن متنه له شواهد يصحح بها فضلًا عن التحسين، أما إسناده فإنه ضعيف جدًّا وعلته \"جعفر بن الزبير\" هذا فقد تركه أبو حاتم والنسائى والدارقطنى وغيرهم وقال ابن معين: \"ليس بثقة\" وقال البخارى: \"تركوه\" ونقل ابن الجوزى الإجماع على أنه \"متروك\" وقال ابن عدى: \"عامة أحاديثه لا يتابع عليها، والضعف على حديثه بيّن\".\n(^٣١٩) - تفسير ابن جرر (٨/ ٩٢٣٠) وعزاه السيوطى فى \"الدر المنثور\" (٢/ ٢٦١) إلى \"ابن جرير بسند حسن\" وفيه انقطاع بين الحسن وعمر، كما قال المصنف إلا \"أن مثل هذا اشتهر فتكفى شهرته\".\n_________\n[¬١]- سقط من: ت.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٣]- في ت: \" أناسًا\".\n[¬٤]- في خ: \"والغول\".\n[¬٥]- في خ: \"ولتذكر\".","vol":"3","page":468},{"text":"عون، عن الحسن، أن ناسًا سألوا عبد الله بن عمرو بمصر، فقالوا: نرى أشياء من كتاب الله ﷿ أمر أن يعمل بها، لا يعمل بها فأردنا أن نلقى أمير المؤمنين في ذلك، فقدم وقدموا معه، فلقيه عمر ﵁، فقال: متى قدمت؟ فقال: منذ كذا وكذا. قال: أبإذن قدمت؟ قال: فلا أدري كيف رد عليه. فقال: يا أمير المؤمنين؛ إن ناسًا لقوني بمصر، فقالوا: إنا نرى أشياء في [¬١] كتاب الله أمر أن يعمل بها فلا يعمل بها، فأحبوا أن يلقوك في ذلك. فقال: اجمعهم لي. [فجمعهم] [¬٢] له. قال: ابن عون: أظنه قال: في بهو. فأخذ أدناهم رجلا، فقال: نشدتك بالله وبحق الإِسلام عليك، أقرأت القرآن كله؟ قال: نعم. قال. فهل أحصيته في نفسك؟ فقال: اللَّهم لا. قال: ولو قال نعم لخصمه. قال: فهل أحصيته في بصرك؟ فهل أحصيته في لفظك؟ هل أحصيته في أثرك؟ ثم تتبعهم حتى أتى على آخرهم، قال: فثكلت عمر أمه أتكلفونه أن يقيم الناس على كتاب الله [¬٣]، قد علم ربنا أنه ستكون لنا سيئات. قال: وتلا ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ الآية. ثم قال: هل علم أهل المدينة؟ أو قال: هل علم أحد بما قدمتم؟ قالوا: لا. قال: لو علموا لوعظت بكم.\nإسناد حسن ومن حسن، وإن كان من رواية الحسن عن عمر، وفيها انقطاع إلا أن مثل هذا اشتهر فتكفي شهرته. وقال ابن أبي حاتم (^٣٢٠): حَدَّثَنَا أحمد بن سنان، حَدَّثَنَا أبو أحمد -يعني الزبيري-، حَدَّثَنَا علي بن صالح، عن عثمان بن المغيرة، عن مالك بن جوين، عن علي ﵁ قال: الكبائر: الإشراك بالله، وقتل النفس، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنة، والفرار من الزحف، والتعرب بعد الهجرة، والسحر، وعقوق الوالدين، وأكل الربا، وفراق الجماعة، ونكث الصفقة.\nوتقدم عن ابن مسعود أنه قال: أكبر الكبائر الإِشراك بالله، واليأس [¬٤] من روح الله، والقنوط من رحمة الله، والأمن من مكر الله ﷿.\n_________\n(^٣٢٠) - تفسير ابن أبى حاتم (٣/ ٥٢١٢) ورجاله ثقات من رجال \"التهذيب\" غير \"مالك بن جوين\" ويقال: \"مالك بن الجون\" وثقه ابن حبان -\"الثقات\" (٥/ ٣٨٥) - وذكره البخارى فى \"التاريخ الكبير\" (٧/ ٣٠٦)، وابن أبى حاتم فى \"الجرح والتعديل\" (٨/ ٢٠٧) ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا.\n_________\n[¬١]- في خ: \"من\".\n[¬٢]- في ت: \"قال: فجمعتهم\".\n[¬٣]- سقط من: خ.\n[¬٤]- في خ: \"والإياس\".","vol":"3","page":469},{"text":"وروى ابن جرير (^٣٢١) من حديث الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق والأعمش، عن إبراهيم عن علقمة، كلاهما عن ابن مسعود، قال: الكبائر من أول سورة النساء إلى ثلاثين آية منها. ومن حديث سفيان الثوري وشعبة عن عاصم بن أبي النجود، عن زر بن حبيش، عن ابن مسعود، قال: الكبائر من أول سورة النساء إلى ثلاثين آية منها، ثم تلا ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ الآية.\nقال ابن أبي حاتم (^٣٢٢): حَدَّثَنَا المنذر بن شاذان، حَدَّثَنَا يعلى بن عبيد [¬١] حَدَّثَنَا صالح بن حيان، عن ابن بريدة، عن أبيه قال: أكبر الكبائر الشرك بالله وعقوق الوالدين ومنع فضول الماء بعد الري، ومنع طروق الفحل إلا بجعل.\nوفى الصحيحين (^٣٢٣) عن النبي ﷺ أنه قال: \"لا يمنع فضل [¬٢] الماء ليمنع به الكلأ\".\n_________\n(^٣٢١) - أخرج هذه الطرق وغيرها ابن جرير فى تفسيره (٨/ ٩١٦٨، ٩١٧٨) حاشا طريق سفيان الثورى عن عاصم بن أبى النجود -فلم أجده عنده- وإنما رواه أيضًا مع شعبة مسعر بن كدام عن عاصم به، ومن طريق مسعر رواه أيضًا الطبرانى فى \"المعجم الكبير\" (٩/ ٨٥٠٤) وكذا رواه البزار فى مسنده (٤/ ١٥٣٢) (١/ ٥٩) (٢/ ١٤٥٧) (مختصر زوائد البزار لابن حجر) وابن أبى حاتم فى تفسيره (٤/ ٥٢١٣) من طريقين عن الأعمش عن إبراهيم به، وذكره الهيثمى فى \"المجمع\" (٧/ ٧) وقال: \"رواه البزار ورجاله رجال الصحيح\" ولم ينسبه إلى الطبرانى، وزاد نسبته السيوطى فى \"الدر المنثور\" (٢/ ٢٦٥) إلى عبد بن حميد.\n(^٣٢٢) - تفسير ابن أبى حاتم (٣/ ٥٢١٣) وصالح بن حيَّان -وهو القرشى ويقال: الفِرَاسيُّ الكوفيُّ- ضعفه ابن معين وأبو داود، وقال أبو حاتم: \"شيخ ليس بالقوى\"، وقال النسائى والدولابي: \"ليس بثقة\" وقال البخارى: \"فيه نظر\" وقال أبو حاتم بن حبان: \"يروى عن الثقات أشياء لا تشبه حديث الأثبات، لا يُعْجبنى الاحتجاج به إذا انفرد\" مترجم فى \"التهذيب\" واستنكر له ابن عدى أحاديث فى \"الكامل\" (٤/ ١٣٧٣) وقال: \"عامة ما يرويه غير محفوظ\" وقد اضطرب فرواه عنه يعلى بن عبيد وكذا موقوفًا، ورواه عنه عمر بن على المقَدَّمِى به مرفوعًا دون قوله: \"إلا بجعل\" أخرجه من هذا الوجه البزار (١/ رقم ١٠٧/ كشف الأستار) (١/ ٥٦ / مختصر الزوائد لابن حجر) وقال البزار:\"لا نعلم رفعه إلا بريدة، ولا رواه عن صالح إلا عمر\" وعمر ثقة من رجال الشيخين فالعلة إذن فى صالح نفسه. وقد ذكر الحديث الهيثمى فى \"المجمع\" (١/ ١١٠)، \"رواه البزار وفيه صالح بن حيان وهو ضعيف ولم يوثقه أحد\" وضعف إسناده السيوطى فى \"الدر المنثور\" (٢/ ٢٦٤) وزاد نسبته إلى ابن المنذر.\n(^٣٢٣) - أخرجه البخارى، كتاب الحرث والمزارعة، باب: من قال إن صاحبَ الماء أحقُّ بالماء حتى يَرْوَى … (٢٣٥٣)، ومسلم، كتاب المساقاة، باب: تحريم بيع فضل الماء (٣٦، ٣٧) (١٥٦٦) وكذا أخرجه أحمد (٢/ ٢٤٤، وفى غير موضع) وأبو داود (٣٤٧٣) والترمذى (١٢٧٢) =\n_________\n[¬١]- في ت: \"عبيدة\".\n[¬٢]- في خ: \"فضول\".","vol":"3","page":470},{"text":"وفيهما (^٣٢٤) عن النبى ﷺ أنه قال: \"ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة، ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم؛ رجل على فضل ماء بالفلاة يمنعه ابن السبيل\". وذكر [الحديث بتمامه] [¬١].\nوفي مسند الإِمام أحمد (^٣٢٥) من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، مرفوعًا: \"من منع فضل الماء وفضل الكلأ منعه الله فضله يوم القيامة\".\nوقال ابن أبي حاتم (^٣٢٦): حَدَّثَنَا الحسين بن محمد بن شيبة [¬٢] الواسطي، حَدَّثَنَا أبو أحمد، عن سفيان، عن الأعمش، عن مسلم، عن مسروق، عن عائشة قالت: ما أخذ على النساء من الكبائر. قال ابن أبي حاتم: يعني قوله تعالى: ﴿عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ﴾ الآية.\nوقال ابن جرير (^٣٢٧): حدثني يعقوب بن إبراهيم، حَدَّثَنَا ابن علية، حَدَّثَنَا زياد بن مخراق، عن معاوية بن قرة، قال أتينا [¬٣] أنس بن مالك، فكان فيما حَدَّثَنَا قال: لم أر مثل الذي بلغنا عن\n_________\n= وابن ماجة (٢٤٧٨) من حديث أبى هريرة ﵁.\n(^٣٢٤) - أخرجه البخارى، كتاب المساقاة، باب: إثم من منع ابن السبيل من الماء (٢٣٥٨)، ومسلم، كتاب الإيمان باب: بيان غلظ تحريم إسبال الإزار (١٧٣، ١٧٤) (١٠٨) وكذا أخرجه أبو داود (٣٤٧٤، ٣٤٧٥)، والترمذى (١٥٩٥)، والنسائى (٧/ ٢٤٦)، وابن ماجة (٢٢٠٧، ٢٨٧٠) وأحمد (٢/ ٢٥٣ وفى غير موضع) من حديث أبى هريرة ﵁.\n(^٣٢٥) - \" المسند\" (٢/ ١٧٩) ثنا إسماعيل وفى (٢/ ٢٢١) ثنا عفان، قال: ثنا حماد بن سلمة، كلاهما (إسماعيل وحماد) عن ليث بن أبى سليم عن عمرو بن شعيب به، وليث ضعيف لاختلاطه لكن تابعه الأعمش؛ قال ابن حجر فى \"التلخيص الكبير\" (٣/ ٧٦): \"رواه الطبرانى فى \"الصغير\" من حديث الأعمش عن عمرو بن شعيب، وقال: لم يرو الأعمش عن عمرو غيره\" وله طريق آخر أخرجه أحمد (٢/ ١٨٣) ثنا أبو النضر، ثنا محمد - يعنى ابن راشد - عن سليمان بن موسى أن عبد الله بن عمرو كتب إلى عامل له … فذكر الحديث، وذكره من هذه الطريق الهيثمى فى \"المجمع\" (٤/ ١٢٧) وقال: \"رواه أحمد وفيه محمد بن راشد الخزاعى وهو ثقة وقد ضعفه بعضهم\" ثم إنه منقطع بين سليمان بن موسى وابن عمرو، لكن حسنه الألبانى بمجموع الطريقين وذكر له شاهدًا من حديث أبى هريرة، فراجع \"الصحيحة\" (٣/ ١٤٢٢).\n(^٣٢٦) - تفسير ابن أبى حاتم (٣/ ٥٢١٨) وإسناده صحيح لولا عنعنة الأعمش، وذكره السيوطى فى \"الدر المنثور\" (٣/ ٢٦٤) وزاد نسبته إلى ابن مردويه.\n(^٣٢٧) - تفسير ابن جرير (٨/ ٩٢٣١) وقد تقدم تخريجه هنا برقم (٢٨٠).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ت: \"تمام الحديث\".\n[¬٢]- في ت: \"شنبة\".\n[¬٣]- في ت: \"أتيت\".","vol":"3","page":471},{"text":"ربنا تعالى ثم لم تخرج له عن كل أهل ومال. ثم سكت هنيهة ثم قال: والله [لما كلفنا] [¬١] ربنا أهون من ذلك لقد [¬٢] تجاوز لنا عما دون الكبائر [فما لنا ولها] [¬٣]. وتلا ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ الآية.\n\n<span data-type='title' id=toc-84>(أقوال ابن عباس في ذلك)</span>\nروى ابن جرير (^٣٢٨) من حديث المعتمر بن سليمان، عن أبيه، عن طاوس، قال: ذكروا عند ابن عباس الكبائر، فقالوا: هي سبع. فقال: هى [¬٤] أكثر من سبع وسبع قال: سليمان فلا [¬٥] أدري كم قالها من مرة.\nوقال ابن أبي حاتم (^٣٢٩): حَدَّثَنَا أبي، حَدَّثَنَا قبيصة، حَدَّثَنَا سفيان، عن ليث، عن طاوس، قال: قلت لابن عباس ما السبع الكبائر؟ قال: هي إلى السبعين أقرب منها إلى السبع.\n[ورواه ابن جرير، عن ابن حميد، عن جرير عن ليث، عن طاوس، قال: جاء رجل إلى ابن عباس، فقال: أرأيت الكبائر السبع التي ذكرهنّ الله ما هنّ؟ قال: هن إلى السبعين أدنى منهن إلى سبع] [¬٦].\nوقال عبد الرزاق (^٣٣٠): أنا معمر، عن ابن [¬٧] طاوس، عن أبيه، قال: قيل لابن عباس: الكبائر سبع؟ قال: هن إلى السبعين أقرب. وكذلك [¬٨] قال: أبو العالية الرياحي ﵀ ..\nوقال ابن جرير (^٣٣١): حدّثنا المثنى حَدَّثَنَا أبو حذيفة، حَدَّثَنَا شبل، عن قيس بن سعد، عن\n_________\n(^٣٢٨) - تفسير ابن جرير (٨/ ٩٢٠٣) حدثنى محمد بن عبد الأعلى فال: حدثنا معتمر به، وأخرجه أيضًا (٨/ ٩٢٠٤) حدثنى يعقوب بن إبراهيم قال: حدثنا ابن علية عن سليمان التيمى به نحوه.\n(^٣٢٩) - تفسير ابن أبى حاتم (٣/ ٥٢١٦) ورواه ابن جرير (٨/ ٩٢٠٨) ثنا ابن حميد، قال: حدثنا جرير عن ليث به، وليث هو ابن أبى سليم ضعف لاختلاطه، لكنه متابع كما تقدم ويأتى.\n(^٣٣٠) - تفسير عبد الرزاق (١/ ١٥٥) ومن طريقه ابن جرير (٨/ ٩٢٠٩) والبيهقى فى \"الشعب\" (١/ رقم ٢٩٤).\n(^٣٣١) - تفسير ابن جرير (٨/ ٩٢٠٧) وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره (٣/ ٥٢١٧) من طريق زيد بن أبى الزرقاء ثنا شبل به، وإسناده صحيح رجاله كلهم ثقات من رجال \"التهذيب\".\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في خ: \"ما خلقنا\".\n[¬٢]- في ت: \"إنه\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين من: ت.\n[¬٤]- سقط من: ت.\n[¬٥]- في خ: \"فما\".\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٧]- سقط من: ت.\n[¬٨]- في ت: \"وكذا\".","vol":"3","page":472},{"text":"سعيد بن جبير: أن رجلًا قال: لابن عباس: كم الكبائر؟ سبع؟ قال: هي إلى سبعمائة أقرب منها إلى سبع، غير أنه لا كبيرة مع استغفار، ولا صغيرة مع إصرار. وهكذا [¬١] رراه ابن أبي حاتم من حديث شبل به.\nوقال علي بن أبي طلحة، عنٍ ابن عباس، في قوله: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ قال: الكبائر كل ذنب ختمه الله بنار أو غضب أو لعنة أو عذاب. رواه ابن جرير (^٣٣٢).\nوقال ابن أبي حاتم (^٣٣٣): حَدَّثَنَا علي [¬٢] بن حرب الموصلي، حَدَّثَنَا ابن فضيل، حَدَّثَنَا شبيب [¬٣]، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: الكبائر [¬٤]: كل ما وعد الله عليه النار كبيرة، وكذا قال سعيد بن جبير والحسن البصري.\nوقال ابن جرير (^٣٣٤): حدثني يعقوب، حَدَّثَنَا ابن علية، أخبرنا أيوب، عن محمد بن سيرين، قال: نبئت [¬٥] أن ابن عباس كان يقول: كل ما نهى الله عنه كبيرة. وقد ذكرت الطرفة، قال: هي النظرة.\nوقال أيضًا (^٣٣٥): حَدَّثَنَا أحمد بن حازم، أخبرنا أبو نعيم، حَدَّثَنَا عبد الله بن معدان، عن أبي الوليد قال: سألت ابن عباس عن الكبائر، قال: كل شيء عصي الله فيه فهو كبيرة.\n_________\n(^٣٣٢) - تفسير ابن جرير (٢/ ٩٢١٨) ومن طريق على بن أبى طلحة أخرجه أيضًا البيهقى فى \"الشعب\" (١/ ٢٩٠).\n(^٣٣٣) - تفسير ابن أبى حاتم (٥/ ٥٢١٣).\n(^٣٣٤) - تفسير ابن جرير (٢/ ٩٢٠٨) وأخرجه أيضًا (٩٢٠١) حدثنا أبو كريب ثنا هشيم عن منصور عن ابن سيرين به نحوه، وأخرجه البيهقى فى \"الشعب\" (١/ ٢٩٢) و(٥/ ٧١٥٠) من طرق عن محمد بن سيرين به.\n(^٣٣٥) - تفسير ابن جرير (٨/ ٩٢١٠) ووقع فيه \"عبد الله بن سعدان\" قال الشيخ شاكر فى \"الحاشية\": \"عبد الله بن سعدان\" لم أعرفه ولم أجده. و\"أبو الوليد\" كذلك لم أجده. وأخشى أن يكون فيهما تحريف أو سقط، وأما ابن كثير فقد كتب \"عبد الله بن معدان\" ولم أجده أيضًا\". قلت: فى الرواة عن ابن عباس اثنان كلاهما يكنى بأبي الوليد هما \"بركة المُجَاشِعى\" و\"عبد الله بن الحارث الأنصارى\" وكلاهما ثقة من رجال \"التهذيب\" غير أنهم لم يذكروا فى الرواة عنهما من اسمه \"عبد الله بن معدان أو سعدان\" والله أعلم. والخبر ذكره السيوطى فى \"الدر المنثور\" (٢/ ٢٦١) وعزاه إلى ابن جرير عن أبى الوليد به.\n_________\n[¬١]- في ت: \"وكذا\".\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- في تفسير ابن أبي حاتم: أشعث.\n[¬٤]- سقط من: خ.\n[¬٥]- في ت: \"نبئنا\".","vol":"3","page":473},{"text":"<span data-type='title' id=toc-85>(أقوال التابعين)</span>\nقال ابن جرير (^٣٣٦): حدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثني ابن علية، عن ابن عون، عن محمد، قال: سألت عبيدة عن الكبائر فقال: الإِشراك بالله، وقتل النفس التي حرم الله بغير حقها، والفرار يوم الزحف، وأكل مال اليتيم بغير حقه، وأكل الربا، والبهتان. قال: ويقولون أعرابية بعد هجرة. قال ابن عون: فقلت لمحمد: فالسحر؟ قال: إن البهتان يجمع شرًّا كثيرًا.\nوقال ابن جرير (^٣٣٧): حدثني محمد بن عبيد المحاربي، حَدَّثَنَا أبو الأحوص سلام بن سليم، عن أبى إسحاق، عن عبيد بن عمير، قال: الكبائِر سبع، ليس منهن كبيرة إلا وفيها آية من كتاب الله، الإِشراك بالله منهن ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ﴾ الآية. و﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ الآية. و﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾. ﴿الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾. والفرار من الزحف ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا﴾ الآية، والتعرب بعد الهجرة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى﴾. وقتل المؤمن ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ الآية.\nوكذا رواه ابن أبي حاتم من [¬١] حديث أبي إسحاق عن عبيد [بن عمير] [¬٢] بنحوه.\n_________\n(^٣٣٦) - تفسير ابن جرير (٨/ ٩١٨٢) ومحمد هو ابن سيرين وعَبيدة هو السَّلْمَانى، وأخرجه ابن جرير أيضًا (٩١٨٣) من طريقين عن ابن سيرين به نحوه.\n(^٣٣٧) - تفسير ابن جرير (٨/ ٩١٨٠) وأخرجه أيضًا (٩١٨١) ثنا ابن حميد، قال: حدثنا جرير، عن منصور عن ابن إسحاق به. كذا وقع فى تفسير ابن جرير فى الموضعين \"ابن إسحاق\" وجزم الشيخ شاكر فى \"الحاشية\" بأنه \"محمد بن إسحاق\" والذى هنا وفى جميع النسخ وكذا فى تفسير ابن أبى حاتم حيث أخرجه (٣/ ٥٢٠٣، ٥٢٠٤) من طريق (مطرف وإسرائيل) كلاهما عن أبى إسحاق به، ولم يذكر المزى وغيره \"عبيد بن عمير\" فى شيوخ أيّ من \"ابن إسحاق أو أبى إسحاق\" غير أن أبا إسحاق لهان كان مدلسًا يخشى من عنعنته فهو الصواب، ففضلًا عن أن عنعنته هنا لا تضر -حيث رواه عنه حفيده إسرائيل وهو من أثبت الناس فيه- فإن عبيد بن عمير توفى قبل ابن عمر، وابن إسحاق لم ير غير أنس من الصحابة، وقد توفى ابن إسحاق سنة مئة وخمسين من الهجرة، بينما أبو إسحاق قد سمع من عدد من الصحابة، وتوفى سنة مئة وتسع وعشرين والله أعلم.\n_________\n[¬١]- في ت: \"أيضا في\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.","vol":"3","page":474},{"text":"وقال ابن جرير (^٣٣٨): حَدَّثَنَا المثنى، حَدَّثَنَا أبو حذيفة، حَدَّثَنَا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن عطاء يعني ابن أبي رباح، قال: الكبائر سبع: قتل النفس، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا، ورمي المحصنة، وشهادة الزور، وعقوق الوالدين، والفرار من الزحف.\nوقال ابن أبي حاتم (^٣٣٩): حَدَّثَنَا أبو زرعة، حَدَّثَنَا عثمان بن أبي شيبة، حَدَّثَنَا جرير، عن مغيرة، قال: كان يقال: شتم أبى بكر وعمر ﵄ من الكبائر.\nقلت: وقد ذهب طائفة من العلماء إلى تكفير من سب الصحابة، وهو رواية عن مالك بن أنس ﵀. وقال محمد بن سيرين: ما أظن أحدًا يبغض [¬١] أبا بكر، و[¬٢] عمر وهو يحب رسول الله ﷺ. رواه الترمذي (^٣٤٠).\nوقال ابن أبي حاتم أيضًا (^٣٤١): حَدَّثَنَا يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرني عبد الله بن عياش، قال قال زيد بن أسلم في قول الله ﷿: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾. من الكبائر: الشرك بالله والكفر بآيات الله ورسله، والسحر، وقتل الأولاد، ومن دعا لله ولدًا أو صاحبة، ومثل ذلك من الأعمال، والقول الذي لا يصلح معه عمل. وأما كل ذنب يصلح معه دين، ويقبل معه عمل فإن الله يغفر السيئات بالحسنات.\nقال ابن جرير (^٣٤٢): حَدَّثَنَا بشر بن معاذ، حدّثنا يزيد، حَدَّثَنَا سعيد، عن قتادة ﴿إِنْ\n_________\n(^٣٣٨) - تفسير ابن جرير (٨/ ٩١٨٦).\n(^٣٣٩) - تفسير ابن أبى حاتم (٣/ ٥٢٠٦) ومغيرة هو ابن حكيم الصنعانى \"ثقة\" رجال \"التهذيب\".\n(^٣٤٠) - \" الجامع\" للترمذى، كتاب المناقب، باب: فى مناقب عمر بن الخطاب ﵁ (٣٦٨٥) وقال الترمذى: \"حديث حَسَنٌ غَرِيبٌ\" وفى إسناده عبد الله بن داود الواسطيُّ أبو محمد التَّمَّار.\nضعفه النسائى والدارقطنى، وقال البخارى: \"فيه نظر\" وقال أبو حاتم: ليس بقوى، فى حديثه مناكير. وقال الحاكم أبو أحمد: ليس بالمتين عندهم. وقال ابن عدى: وهو ممن لا بأس به إن شاء الله تعالى. وقال محمد بن المثنى: \"كان ما علمته صاحب سنة\" وقال ابن حبان: \"منكر الحديث جدًّا يروى المناكير عن المشاهير لا يجوز الاحتجاج بروايته\".\n(^٣٤١) - تفسير ابن أبى حاتم (٣/ ٥٢١٩) وعبد الله بن عياش هو أبو حفص المِصْرِيُّ ضعفه أبو داود والنسائى وقال أبو حاتم: \"ليس بالمتين، صدوق يكتب حديثه وهو قريب من ابن لهيعة\" وقال ابن يونس: \"منكر الحديث\" وذكره ابن حبان فى \"الثقات\" راجع \"التهذيب\".\n(^٣٤٢) - تفسير ابن جرير (٨/ ٩٢٣٢) وإسناده صحيح إلى قتادة غير أن المرفوع منه مرسل كما هو =\n_________\n[¬١]- في ت: \"ينتقص\".\n[¬٢]- سقط من: ت.","vol":"3","page":475},{"text":"تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ الآية: إنما وعد الله المغفرة لمن اجتنب الكبائر، وذكر لنا أن [نبي الله]ﷺ قال: \"اجتنبوا الكبائر، وسددوا، وأبشروا\" وقد روى ابن مردويه (^٣٤٣) من طرق، عن أنس، وعن جابر مرفوعًا: \"شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي\". ولكن في إسناده من جميع طرقه ضعف، إلا ما رواه عبد الرزاق (^٣٤٤)، أخبرنا معمر، عن ثابت، عن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ \"شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي\" فإنه إسناد صحيح على شرط الشيخين، وقد رواه أبو عيسى الترمذي منفردًا به من هذا الوجه عن [عباس] [¬١] العنبري عن عبد الرزاق، ثم قال: هذا حديث حسن صحيح.\n_________\n= بَيّن، وقد وصله أحمد فى \"المسند\" (٣/ ٣٩٤) ثنا حسن، ثنا ابن لهيعة، ثنا أبو الزبير عن جابر مرفوعًا، به، وذكره الهيثمى فى \"المجمع\" (١/ ١٠٧، ١٠٨) وقال: \"رواه أحمد وفيه ابن لهيعة\" وهو سيئ الحفظ غير أن الحديث مُعَلٌّ قبله بعنعنة أبى الزبير وحسنه الألبانى بمرسل قتادة هذا فسوَّد به الحديث رقم (٨٨٥) من \"الصحيحة\".\n(^٣٤٣) - حديث أنس يأتى تخريجه عقب هذا. وأما حديث جابر فأخرجه الترمذى، كتاب صفة القيامة، باب: رقم (١١) (ح ٢٤٣٦) وابن خزيمة فى \"التوحيد\" (٢/ ٣٩٥) والآجرى فى \"الشريعة\" (٢/ ٨٣٠، ٨٣١) والحاكم فى \"المستدرك\" (١/ ٦٩) شاهدًا وأبو نعيم فى \"الحلية\" (٣/ ٢٠٠، ٢٠١) من طرق عن أبى داود الطيالسى -وهو فى مسنده- عن محمد بن ثابت البنانى عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر مرفوعًا به، وقال الترمذى: \"هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه يستغرب من حديث جعفر بن محمد\" وقال أبو نعيم: \"هذا حديث غريب من حديث جعفر ومحمد بن ثابت لم يروه عنه إلا أبو داود … \" وهو ثقة حافظ غير أن شيخه البنانى ضعيف، كما فى \"التقريب\" لكنه توبع؛ فأخرجه ابن ماجة، كتاب الزهد، باب: ذكر الشفاعة (٤٣١٠)، والبيهقى فى \"البعث والنشور\" (رقم ١) وفى \"الشعب\" (١/ ٣١٢) من طريق الوليد بن مسلم، وابن خزيمة (٢/ ٣٩٦) وابن حبان (١٤/ ٦٤٦٧)، والحاكم (١/ ٦٩)، مصححا له على شرط مسلم، والبيهقى فى \"الشعب\" (١/ ٣١١) من طريق عمرو بن أبى سلمة كلاهما (الوليد وعمرو) عن زهير بن محمد عن جعفر بن محمد به، وزهير ثقة روى له الجماعة غير أن رواية أهل الشام عنه غير مستقيمة وهذه منها لكنه متابع كما تقدم، وله شاهد من حديث أنس وهو الآتى وآخر من حديث ابن عباس يأتى سورة فاطر/ آية ٣٢.\n(^٣٤٤) - ومن طريق عبد الرزاق رواه الترمذى (٢٤٣٥) وابن خزيمة فى \"التوحيد\" (٣٩٢) وابن حبان فى \"صحيحه\" (١٤/ ٦٤٦٨)، والحاكم فى \"المستدرك\" (١/ ٦٩) ومن طريقه وطرق أخرى البيهقى فى \"الشعب\" (١/ رقم ٣١٠) وفى \"السنن الكبرى\" (٨/ ١٧) وقال الترمذى: \"حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه\" وقال الحاكم: \"حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه بهذا اللفظ … \" ووافقه الذهبى، وكذا صحح إسناده البيهقى كما فى \"كشف الخفاء\" للعجلونى (٢/ ١٠) وقال المصنف: \"إسناده صحيح على شرط الشيخين\" لكن ردَّ ذلك الشيخ الوادعى فى =\n_________\n[¬١]- في ت: ابن.","vol":"3","page":476},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= كتابه \"الشفاعة\" (ص ٨٦) بناءً على قول ابن معين: \"معمر عن ثابت ضعيف\" وقوله أيضًا: \"معمر عن ثابت وعاصم بن أبى النجود وهشام بن عروة وهذا الضرب كثير الأوهام\"، وقول الحافظ ابن حجر فى مقدمة الفتح (ص ٤٤٤): \"أخرج البخاري من روايته عن الزهري وابن طاوس … ولم يخرج من روايته عن قتادة ولا ثابت البنانى إلا تعليقًا … \" ولكن له طرق أخرى يصح بها:\n١ - فأخرجه الطيالسى فى مسنده (٢٠٢٦) ومن طريقه ابن خزيمة (٣٩٧) والبزار (٤/ ٣٤٦٩) واللالكائى فى \"أصول الاعتقاد\" (٦/ ٢٠٦٤) ثنا الحكم أبو عثمان ونسب ابن خزيمة الحكم فقال: \"ابن خزرج\" -وتحرف إلى \"الجراح بن عثمان\" عند البزار- عن ثابت به، وهذا إسناد صحيح أيضًا، والحكم وهو ابن خزرج السعدى أبو عثمان وثقه ابن معين \"الجرح والتعديل\" (٣/ ١١٦) وقد ذكر الحديث بهذه الرواية الهيثمى فى \"المجمع\" (١٠/ ٣٨١) وقال: \"رواه البزار والطبرانى فى \"الصغير\" و\"الأوسط\" -والأخير من طريق غير هذا يأتى- وفيه الخزرج بن عثمان وثقه ابن حبان \"الثقات\" (٦/ ٢٧٧) - وضعفه غير واحد، وبقية رجال البزار رجال الصحيح\". كذا أسماه الهيثمى \"الخزرج بن عثمان\" وكذا هو فى \"أصول الاعتقاد\" والصواب المثبت أعلاه، قارن بين ترجمة الاثنين من \"التهذيب\" و\"الجرح والتعديل\". وأخرجه أبو يعلى فى مسنده (٦/ ٣٢٨٤) ثنا محمد بن أبى بكر المقدمى ثنا محمد بن ثابت بن عبيد الله العصري ثنا ثابت به، ومحمد بن ثابت قال أبو زرعة وأبو حاتم: \"ليس بالقوى\" \"الجرح والتعديل\" (٧/ ٢١٧) ورواه ابن أبى عاصم في \"السنة\" (٢/ ٨٣٢) ثنا المقدمى ثنا محمد بن عبيد الله القطان ثنا ثابت به، ومحمه بن عبيد الله هذا لم أهتد لترجمته ولم يعرفه الألبانى، وأخشى أن يكون هو نفسه الأول. والله أعلم. وعلى كل فهو متابع ولله الحمد.\n٢ - وأخرجه أحمد (٣/ ٢١٣) وأبو داود (٤٧٣٩) وابن خزيمة (٢/ ٣٩٣)، والآجرى فى \"الشريعة\" (٨٣٣) والقضاعى فى \"مسند الشهاب\" (١/ ٢٣٦)، والحاكم (١/ ٦٩) وعنه البيهقى فى \"السنن الكبرى\" (١٠/ ١٩٠) كلهم من طريق سليمان بن حرب، ثنا بسطام بن حريث الصوفى عن أشعث الحدانى عن أنس به، وهذا إسناد حسن لكلام فى \"أشعث الحُدانى\" وباقى رجاله ثقات.\n٣ - وأخرجه الطبرانى فى \"المعجم الكبير\" (١ / رقم ٧٤٩) وفى \"الصغير\" (١/ ١٦٠) ومن طريقه ابن عساكر فى \"تاريخ دمشق\" (٥/ ٧٠٢ /مخطوط) من طريق عروة بي مروان العِرْقى -وفى \"الصغير\": الرقى، وكلاهما صواب راجع \"لسان الميزان\"- ثنا عبد الله بن المبارك عن عاصم الأحول عن أنس به. وقال الطبرانى: \"لم يروه عن عاصم إلا ابن المبارك تفرد به عروة بن مروان الرقى\" وكان من العابدين \"إلا أن الدارقطنى قال: \"كان أمينًا، ليس بالقوي فى الحديث\" وقال ابن أبى حاتم فى \"العلل\" (٢/ ٢١٥٥): سألت أبى عن حديث حدثنا به -ومن طريق ابن أبى حاتم أخرجه اللالكائى فى \"أصول الاعتقاد\" (٦/ ٢٠٦٦) - يونس بن عبد الأعلى عن العرقى -وتصحف فى النسخة المطبوعة تصحفًا فاحشًا- عن ابن المبارك عن عاصم عن أنس … الحديث؟ قال: \"فسمعت أبى وأبا زرعة يقولان: هذا حديث منكر بهذا الإسناد، وقال أبى: هذا خطأ إنما هو عاصم عن أنس: \"من كذب بالشفاعة أو بالحوض لم تنله\".\n٤ - وأخرجه ابن خزيمة (٢/ ٣٩٤) والحاكم (١/ ٦٩) شاهدًا من طريق عمر بن سعيد الأبح عن سعيد بن أبى عروبة عن قتادة عن أنس به، وعمر بن سعيد قال البخارى: \"منكر الحديث\" \"الميزان\" \"للذهبى،=","vol":"3","page":477},{"text":"وفي الصحيح (^٣٤٥) شاهد لمعناه وهو قوله ﷺ: بعد ذكر الشفاعة \" أترونها للمؤمنين المتقين؟ لا ولكنها للخاطئين المتلوّثين\".\n_________\n= ورواه أبو نعيم فى \"الحلية\" (٧/ ٢٦١) من طريق خلاد بن يحيى ثنا مسعر عن قتادة به، وفى إسناده دون خلاد من لم أهتد لترجمته والله أعلم.\n٥ - وأخرجه أبو يعلى (٧/ ٤١٠٥، ٤١١٥) وعنه ابن عدى فى \"الكامل\" (٤/ ٣٧٩) و(٣/ ١٠٠٣) والآجرى فى \"الشريعة\" (٢/ ٨٣٤، ٨٣٦) وابن عدى أيضًا (١/ ٣٤٢، ٤٢٢) من طرق عن يزيد الرقاشى عن أنس به، ويزيد الرقاشى ضعيف.\n٦ - وأخرجه أبو يعلى (٧/ ٤٣٠٤) ومن طريقه وطريق آخر ابن عدى (٣/ ١٠٤٤، ١٠٤٥) والقضاعى (١/ ٣٧) بإسناد مسلسل باليمين، وراويه عن أنس زياد النميرى وهو ضعيف.\n٧ - وأخرجه الطبرانى فى \"الأوسط\" (٩/ ٩١٧٧) وفى \"الصغير\" (٩/ ١١٢) من طريق الحسن بن عيسى الحربى، ثنا روح بن المسيب عن فى يد الرِّشْك عن أنس به، وقال: \"لم يرو هذا الحديث عن يزيد الرشك إلا روح بن المسيب، تفرد به الحسن بن عيسى\" ولم أهتد لترجمته، وشيخه قال عنه ابن عدى: \"أحاديثه غير محفوظة\" وقال ابن معين: صويلح، وقال ابن حبان: \"يروى الموضوعات عن الثقات؛ لا تحل الرواية عنه\".\n٨ - وأخرجه ابن أبى عاصم (٢/ ٨٣١) وابن عدى (٢/ ٥١٢) من طريقين عن حميد عن أنس به، وإسناده فيه جهالة أو ضعف.\n٩ - وله طريق آخر فقال ابن أبى حاتم فى \"العلل\" (٢/ ١٧٢٩): \"سألت أبى عن حديث رواه عبد الله بن أبى بكر المقدم عن جعفر بن سليمان -تصحفت إلى سليم- الضبعى عن مالك بن دينار عن أنس بن مالك، فذكر الحديث وزاد فيه: \"ثم قرأ: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾. سمعت أبى يقول: \"هذا حديث منكر\" قلت: والمتهم به عبد الله بن أبي بكر هذا، فقد ضعفه ابن عدى \"الكامل\" ونقل عن شيخه أبى يعلى الموصلى أنه كان كلما ذكره يضعفه، وقد ترجم له الذهبى فى \"الميزان\" ونقل هذا الحديث وكلام أبى حاتم عليه. وقال أبو زرعة الرازى: \"عبد الله بن أبى بكر المقدمى ليس بشئ، أدركته ولم أكتب عنه\" الجرح والتعديل (٥/ ١٩) وراجع \"اللسان\" لابن حجر.\n(^٣٤٥) - كذا عزاه للصحيح، ولم أجده فى أىٍّ من الصحيحين، وقد رواه ابن ماجة، كتاب الزهد، باب: ذكر الشفاعة (٤٣١١) والدارقطنى فى \"الأفراد\" (٢٨٣/ ١) - مستفاد من حاشية \"العلل\" للدارقطنى (٧/ ٢٢٧) - واللالكائى فى \"شرح أصول الاعتقاد\" (٦/ رقم ٢٠٧٥) من طريق إسماعيل بن أبى الحارث ثنا أبو بدر، ثنا زياد بن خيثمة عن نعيم بن أبى هندٍ عن ربعيِّ بن خراش عن أبى موسى الأشعرى مرفوعًا: \"خُيِّرْتُ بين الشفاعة وبين أن يدخل نصفُ أمتى الجنة، فاخترت الشفاعة لأنها أعمُّ وأكفى، أترونها للمتقين؟ لا ولكنها للمذنبين، الخطائين المتلوِّثين\". وقال البوصيرى فى \"الزوائد\" (٣/ ٣٢٠): \"إسناده صحيح … \" وقال الدارقطنى فى \"الأفراد\": \"غريب من حديث ربعى عنه، وغريب من حديث نعيم بن أبي هند، تفرد به زياد بن خيثمة عن نعيم، وتفرد به أبو بدر عن زياد،=","vol":"3","page":478},{"text":"وقد اختلف علماء الأصول والفروع في حد الكبيرة، فمن قائل: هي ما عليه حد في الشرع، ومنهم من قال هي ما عليه وعيد مخصوص [¬١] من الكتاب والسنة. وقيل غير ذلك.\n_________\n= وتفرد به إسماعيل بن أبى الحارث عن أبى بدر، وغيره يرسله ولا يذكر فيه أبا موسى\" ورواه أحمد فى \"المسند\" (٢/ ٧٥) وابن أبى عاصم فى \"كتاب السنة\" (٢/ ٧٩١) من طريق مُعَمَّر بن سليمان الرقى أبو عبد الله، ثنا زياد بن خيثمة عن على بن النعمان لن قُراد عن رجلٍ عن عبد الله بن عمر مرفوعًا به، نحوه، ورواه الحسن بن عرفة -ومن طريقه اللالكائى (٦/ ٢٠٧٣، ٢٠٧٤) - أنا عبد السلام بن حرب الملائى عن زياد بن خيثمة عن النعمان بن قراد عن ابن عمر به، وعزاه المنذرى فى \"الترغيب والترهيب\" (٤/ ٤٤٨) إلى أحمد والطبرانى وجوَّد إسناده، وذكره الهيثمى فى \"المجمع\" (١٠/ ٣٨١) - وتحرف فيه عبد الله بن عمر إلى عبد الله بن عمرو- وقال: \"رواه أحمد والطبرانى … ورجال الطبرانى رجال الصحيح، غير النعمان بن قراد وهو ثقة\" قلت: له يوثقه غير ابن حبان (٥/ ٤٧٤) وهو معروف بتساهله، ثم إن الحديث مُعَلٌّ بالاضطراب فى إسناده على زياد بن خيثمة، فقد قال أبو الحسن الدارقطنى فى \"العلل\" (٧/ ٢٢٦، ٢٢٧): \"يرويه زياد بن خيثمة، واختلف عنه فرواه أبو بدر شجاع بن الوليد عن زياد بن خيثمة عن نعيم بن أبى هند قال: أحسبه عن أبى موسى، قال ذلك إسماعيل بن أبي الحارث عن أبى بدر، وغيره يرويه عن أبى بدر مرسلًا، لا يذكر فيه أبا موسى. ورواه عبد السلام بن حرب عن زياد بن خيثمة عن نعمان بن قراد عن ابن عمر عن النبى ﷺ وقال ابن الأصبهانى: عن عبد السلام عن زياد عن نعمان بن قراد عن نافع عن ابن عمر. ورواه معمر بن سليمان عن زياد بن خيثمة عن على بن النعمان بن قراد عن رجل عن ابن عمر. وليس فيها شئ صحيح\" ولهذا كان من نصيب \"العلل المتناهية\" لابن الجوزى (٢/ ١٥٣٧، ١٥٣٨) ومع هذا فقد اجتهد الشيخ شاكر فى تصحيحه فقال فى حاشية \"المسند\" (٧/ ٢٢٦، ٢٢٧) (رقم ٥٤٥٢): \"وأنا أرجح من كل هذا أن الرواية الصحيحة عن زياد بن خيثمة عن النعمان بن قراد عن ابن عمر\" وأن إسناده صحيح، أما الرواية التى هنا -رواية أحمد السابقة- فهى بين أن تكون خطأ من معمر بن سليمان الرقى شيخ الإمام أحمد، وبين أن يكون زياد بن خيثمة سمع الحديث من النعمان بن قراد عن ابن عمر ومن ابنه \"على بن النعمان بن قراد\" عن رجل مبهم عن ابن عمر، ولعل هذا المبهم هو أبوه \"النعمان\" وأنا أكاد أرجح هذا الرأى الأخير: أن زيادًا سمعه من النعمان ومن ابنه على الوجهين، فرواه مرة هكذا، ومرة هكذا اهـ. أو على فرض صحة هذا الاجتهاد القوى، فإن \"النعمان بن قراد\" لم يوثقه غير ابن حبان وذكره البخارى فى \"التاريخ الكبير\" (٨/ ٧٨) وقال: \"نعمان بن قراد عن ابن عمر روى عنه زياد بن خيثمة، وقال بعضهم: على بن نعمان ابن قراد\" وبنحو ذلك قال ابن أبى حاتم فى \"الجرح والتعديل\" (٨/ ٤٤٦، ٤٤٧) وأما \"قراد\" أبو النعمان فلم أر له ذكرًا فى كتب الرجال. والله أعلم.\n_________\n[¬١]- في خ: \"مخصوصة\".","vol":"3","page":479},{"text":"قال أبو القاسم عبد الكريم بن محمد الرافعي في كتابه الشرح الكبير الشهير في كتاب الشهادات منه: ثم اختلف الصحابة ﵃ فمن بعدهم في الكبائر وفي الفرق بينها وبين الصغائر، ولبعض الأصحاب في تفسير الكبيرة وجوه:\n(أحدها): أنها المعصية الموجبة للحد.\n(والثاني): أنها المعصية التي يلحق صاحبها الوعيد الشديد بنص كتاب أو سنة. وهذا أكثر ما يوجد لهم، وهو وإلى الأول أميل، ولكن الثاني أوفق لما ذكروه عند تفسير الكبائر.\n(والثالث): قال إمام الحرمين في الإرشاد وغيره: كل جريمة تنبئ بقلة اكتراث مرتكبها بالدين ورقة الديانة فهي مبطلة للعدالة.\n(والرابع): ذكر القاضي أبو سعيد الهروي: أن الكبيرة: كل فعل نص الكتاب على تحريمه، وكل معصية توجب في جنسها حدًّا من قتل أو غيره، وترك كل فريضة مأمور بها على الفور، والكذب في الشهادة والرواية واليمين.\nهذا ما ذكره [¬١] على سبيل الضبط.\nثم قال: وفصل القاضي الروياني فقال: الكبائر سبع: قتل النفس بغير الحق، والزنا، واللواط، وشرب الخمر، والسرقة، وأخذ المال غصبًا، والقذف. زاد في \"الشامل\" على السبع المذكورة. شهادة الزور. وأضاف إليها صاحب \"العدة\": أكل الربا، والإِفطار في رمضان بلا عذر، واليمين الفاجرة، وقطع الرحم، وعقوق الوالدين، والفرار من الزحف، وأكل مال اليتيم، والخيانة في الكيل والوزن، وتقديم الصلاة على وقتها، وتأخيرها عن وقتها بلا عذر، وضرب المسلم بلا حق، والكذب على النبي ﷺ عمدًا، وسب أصحابه وكتمان الشهادة بلا عذر، وأخذ الرشوة، والقيادة بين الرجال والنساء، والسعاية عند السلطان، ومنع الزكاة، وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع القدرة، ونسيان القرآن بعد تعلمه، وإحراق الحيوان بالنار، وامتناع المرأة من زوجها بلا سبب، واليأس من رحمة الله، والأمن من مكر الله، ويقال: الوقيعة في أهل العلم وحملة القرآن. ومما يعد من الكبائر -الظهار، وأكل لحم الخنزير والميتة إلا عن ضرورة.\nثم قال الرافعي: وللتوقف مجال في بعض هذه الخصال.\n_________\n[¬١]- في خ: \"ذكروه\".","vol":"3","page":480},{"text":"قلت: وقد صنف الناس في الكبائر مصنفات، منها ما جمعه شيخنا الحافظ أبو عبد الله الذهبي الذي بلغ نحوًا من سبعين كبيرة، وإذا قيل: إن الكبيرة، ما توعد عليها الشارع بالنار بخصوصها كما قال ابن عباي وغيره - وتتبع ذلك اجتمع منه شيء كثير، وإذا قيل: كل ما نهى الله عنه فكثير جدًّا، والله أعلم.\n\nانتهى بحمد الله وتوفيقه الجزء الثالث\nويليه إن شاء الله تعالى الجزء الرابع وأوله تفسير قوله تعالى:\n﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٣٢)﴾","vol":"3","page":481},{"text":"﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٣٢)﴾\nقال الإمام أحمد (^٣٤٦): حدّثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: قالت أم سلمة: يا رسول الله، يغزو الرجال ولا نغزو ولنا نصف الميراث، فأنزل الله: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾.\nورواه التِّرمذيُّ (^٣٤٧) عن ابن أبي عمر، عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن أم سلمة، أنَّها قالت: قلت: يا رسول الله، فذكره. وقال: غريب (¬*).\nورواه بعضهم (^٣٤٨) عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: أن أم سلمة قالت: [يا رسول الله.\n_________\n(^٣٤٦) - \" المسند\" (٦/ ٣٢٢) وسفيان هو ابن عيينة، وعنه أيضًا أخرجه عبد الرَّزاق في تفسيره (١/ ١٥٦) ومن طريق عبد الرَّزاق ابن جرير في تفسيره (٨/ ٩٢٤١)، وأخرجه ابن جرير أيضًا (٩٢٣٦) من طريق مؤمل، والطبراني في \"المعجم الكبير\" (٢٣/ ٦٠٩) من طريق ابن كثير كلاهما عن سفيان -ويحتمل أن يكون ابن عيينة أو الثوري- به، وأخرجه ابن جرير أيضًا (٩٢٣٧) من طريق معاوية بن هشام، وابن أبي حاتم في تفسيره (٣/ ٥٢٢٤) من طريق يعلى بن عبيد كلاهما عن سفيان الثوري به. وظاهر هذه الرواية الإرسال؛ لأنَّ معناها أن مجاهدًا يحكي من قبل نفسه ما قالته أم سلمة للنَّبيِّ ﷺ فيكون مرسلًا لأنَّه لم يدرك ذلك، وجاء برواية أخرى تحتمل الاتصال وهي الآتية.\n(^٣٤٧) - \" الجامع\" للترمذي، كتاب تفسير القرآن، باب: ومن سورة النساء (٣٠٢٢) وأخرجه الحاكم في \"المستدرك\" (٢/ ٣٠٥، ٣٠٦) من طريق قبيصة، ثنا سفيان به، وقال: \"حديثٌ صحيحٌ الإسناد على شرط الشيخين إن كان سمع مجاهد عن أم سلمة\" ثم جزم بعد ذلك بسماع مجاهد عن أم سلمة فأخرجه (٢/ ٤١٦) من طريق الحسين بن حفص، ثنا سفيان بن سعيد به، وقال الحاكم: \"حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه\" ووافقه الذَّهبيُّ، لكن قال الترمذي: \"هذا حديث مرسل\"، وتعقبه الشَّيخ شاكر في حاشية تفسير ابن جرير (٨/ ٢٦٣) - بأنه \"جَزْمٌ بلا دليل، ومجاهد أدرك أم سلمة يقينًا وعاصرها، فإنَّه ولد سنة ٢١، وأم سلمة ماتت بعد سنة ٦٠ على اليقين، والمعاصرة -من الراوي الثقة- تحمل على الاتصال إلَّا أن يكون الراوى مدلسًا، ولم يزعم أحدٌ أن مجاهدًا مدلس، إلَّا كلمة قالها القطب الحلبي في شرح البُخاريّ، حكاها عنه الحافظ في \"التهذيب\" ثم عقب عليها بقوله: \"ولم أر من نسبه إلى التدليس\" فثبت عندنا اتصال الحديث وصحته والحمد لله\" والخبر زاد نسبته السيوطي في \"الدر المنثور\" (٢/ ٢٦٦) إلى عبد بن حميد، وسعيد بن منصور، وابن المنذر.\n(^٣٤٨) - أخرجه من هذا الوجه إسحاق بن راهوية في مسنده (٤/ رقم ١٨٧٠) أخبرنا سفيان -وهو ابن عيينة- عن ابن أبي نجيح به.","vol":"4","page":5},{"text":"فذكره] [¬١].\nورواه ابن أبي حاتم (^٣٤٩)، وابن جرير، وابن مردويه والحاكم في مستدركه من حديث الثوري وعن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: قالت أم سلمة: يا رسول الله، لا نقاتل فتستشهد، ولا نقطع الميراث؟ فنزلت: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ﴾، ثم [أنزل الله] [¬٢]: ﴿أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾ الآية.\nثم قال ابن أبي حاتم (^٣٥٠): وكذا روى سفيان بن عيينة، يعني عن ابن أبي نجيح [بهذا اللفظ، وروى يَحْيَى القطان، ووكيع بن الجراح، عن الثوري، عن ابن أبي نجيح] [¬٣]، عن مجاهد، عن أم سلمة، قالت [¬٤]: قلت: يا رسول الله وروي عن مقاتل بن حيان وخصيف نحو ذلك.\nوروى ابن جرير (^٣٥١) من حديث ابن جريج، عن عكرمة، ومجاهد أنَّهما قالا: أنزلت [¬٥] في أم سلمة.\nوقال عبد الرَّزاق (^٣٥٢): أخبرنا معمر، عن شيخ من أهل مكّة، قال [¬٦]: نزلت هذه الآية في قول النساء: ليتنا الرجال، فنجاهد كما يجاهدون، ونغزو في سبيل الله ﷿!\nوقال ابن أبي حاتم أيضًا (^٣٥٣): حدّثنا [¬٧] أحمد بن القاسم بن عطية، حدثني أحمد بن\n_________\n(^٣٤٩) - تفسير ابن أبي حاتم (٣/ ٥٢٢٤) وهذا لفظه. وكذا أخرجه ابن جرير (٨/ ٩٢٣٧) من طريق معاوية ابن هشام عن سفيان الثوري بهذا الإسناد. وأخرجه الحاكم (٢/ ٣٠٦، ٤١٦) من طريق (قبيصة والحسين ابن حفص) عن سفيان الثوري به غير أنَّه قال: \"عن مجاهد عن أم سلمة\".\n(^٣٥٠) - تفسير ابن أبي حاتم (٣/ ٥٢٢٤، ٥٢٢٥).\n(^٣٥١) - تفسير ابن جرير (٨/ ٩٢٤٤) وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" (٢/ ٢٦٧) ولم ينسبه لغير ابن جرير.\n(^٣٥٢) - تفسير عبد الرَّزاق (١/ ١٥٦).\n(^٣٥٣) - تفسير ابن أبي حاتم (٣/ ٥٢٢٣) وجعفر بن أبي المغيرة وثقه أحمد، وابن حبان، وقال ابن منده: \"ليس بالقوى في سعيد بن جبير\" وفي \"التقريب\": \"صدوق يهم\".\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز: \"نزلت\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- في ز، خ: \"نزلت\".\n[¬٦]- في ز: \"قالت\".\n[¬٧]- في خ: \"قال\".","vol":"4","page":6},{"text":"عبد الرحمن، [حدثني أبي] [¬١]، حدّثنا الأشعث بن إسحاق، عن جعفر يعني ابن أبي المغيرة، عن سعيد ابن جبير، عن ابن عباس في الآية [¬٢] ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ﴾، قال: أتت امرأة إلى [¬٣] النَّبيُّ ﷺ فقالت: يا رسول الله للذكر مثل حظ الأنثيين، وشهادة امرأتين برجل، أفنحن في العمل هكذا، إن عملت [¬٤] امرأة حسنة كتبت لها نصف حسنة؟ فأنزل الله هذه الآية: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا﴾ الآية فإنَّه عدل مني وأنا صنعته.\nوقال السدي قوله: [¬٥] ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾: [إن رجالًا [¬٦] قالوا: إنا نريد أن يكون لنا من الأجر الضعف مثل أجر النساء، كما لنا في السهام [¬٧] سهمان. وقالت النساء: إنا نريد أن يكون لنا أ جر مثل أجر الرجال الشهداء؛ فإنا لا نستطع أن نقاتل، ولو كتب علينا القتال لقاتلنا، فأبى الله ذلك، ولكن قال لهم: سلوني من فضلي، قال: ليس بعرض الدُّنيا.\nوقد روي عن قتادة نحو ذلك، وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ قال [¬٨]: ولا يتمنى الرجل فيقول: ليت لو أن لي مال فلان وأهله، فنهى الله عن ذلك ولكن ليسأل الله من فضله.\nوكذا [¬٩] قال [الحسن و] محمَّد بن سيرين [وعطاء، والضَّحَّاك] نحو هذا [¬١٠]، وهو الظاهر من الآية، ولا يرد على هذا ما ثبت [¬١١] في الصَّحيح (^٣٥٤): \" لا حسد إلَّا في اثنتين؛ رجل آتاه الله مالًا فسلطه على هلكته في الحق، فيقول رجل: لو أن لي مثل ما لفلان لعملت مثله، فهما في الأجر سواء\". فإن هذا شيء غير ما نهت [عنه الآية]، وذلك أن الحديث حض [¬١٢] على تمني مثل نعمة هذا، والآية نهت عن تمني عين نعمة هذا،\n_________\n(^٣٥٤) - تقدم تخريجه سورة البقرة/ آية ٢٦٩.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين مكرر في ز.\n[¬٢]- في ز: \"قوله\".\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- في ت: \"فعلت\".\n[¬٥]- في ت: \"في الآية\".\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين في ز: \"فإن الرجال\".\n[¬٧]- سقط من: خ.\n[¬٨]- في ز: \"يقول\".\n[¬٩]- سقط من: ت.\n[¬١٠]- في خ: \"ذلك\".\n[¬١١]- سقط من: خ.\n[¬١٢]- في ز: \"خط\".","vol":"4","page":7},{"text":"يقول: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ أي: في الأمور الدنيوية، وكذا الدينية، أيضًا [¬١] لحديث أم سلمة وابن عباس، وهكذا قال عطاء بن أبي رباح: نزلت في النَّهي عن تمني ما لفلان، وفي تمني النساء أن يكن رجالًا فيغزون.\nرواه ابن جرير (^٣٥٥).\nثم قال: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ﴾ أي: كل له جزاء [¬٢] على عمله بحسبه، إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر وهو [¬٣] قول ابن جرير.\nوقيل: المراد بذلك في الميراث، أي: كل يرث بحسبه. رواه التِّرمذيُّ عن ابن عباس.\nثم أرشدهم إلى ما يصلحهم فقال: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ لا تتمنوا ما [فضل الله] [¬٤] به بعضكم على بعض، فإن هذا أمر محتوم، أي: إن التمني لا يجدي شيئًا، ولكن سلوني من فضلي أعطكم، فإنّي كريم وهاب.\nوقد روى التِّرمذيُّ وابن مردويه (^٣٥٦) من حديث حماد بن واقد، سمعت إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: \"سلوا الله من فضله، فإن الله يحب أن يسأل، وإن أفضل العبادة انتظار الفرج\".\nثم قال التِّرمذيُّ: كذا رواه حماد بن واقد، وليس بالحافظ. ورواه أبو [¬٥] نعيم، عن\n_________\n(^٣٥٥) - تفسير ابن جرير (٨/ ٩٢٤٥).\n(^٣٥٦) - \" الجامع\" للترمذي، كتاب الدعوات، باب: في انتظار الفرج وغير ذلك (٣٥٧١)، وأخرجه أيضًا الطّبرانيّ في \"المعجم الكبير\" (١٠/ ١٠٠٨٨) وفى \"الأوسط\" (٥/ ٥١٦٩) وفى \"كتاب الدعاء\" (٢/ رقم ٢٢) - ومن طريق الطّبرانيّ المزي في \"تهذيب الكمال\" (٧/ ٢٩١، ٢٩٢) - وابن عدي في \"الكامل\" (٢/ ٦٦٥) ومن طريقه البيهقي في \"الشعب\" (٢/ ١١٢٤) - وابن أبي الدُّنيا في \"القناعة والتعفف\" (ج ورقة ١٠٦/ ١ من مجموع الظاهرية ٩٠) وعبد الغني المقدسي في \"الترغيب في الدعاء\" (٨٩/ ٢) - المصدران الأخيران من \"الضعيفة\" للألبانى (١/ رقم ٤٩٢) - كلهم من طريق حماد من واقد الصفار به. وقال الطّبرانيّ: \"لم يرو هذا الحديث عن أبي إسحاق إلَّا إسرائيل، تفرَّد به. =\n_________\n[¬١]- سقط من: ت.\n[¬٢]- سقط من: ت.\n[¬٣] في ت: \"هذا\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين في ت: \"فضلنا\".\n[¬٥]- في ز، خ: \"ابن\".","vol":"4","page":8},{"text":"إسرائيل، عن حكيم بن جبير، [عن رجل] عن النَّبيِّ ﷺ وحديث أبي نعيم أشبه أن يكون أصح.\nوكذا رواه ابن مردويه من حديث وكيع، عن إسرائيل، ثم رواه من حديث قيس بن الرَّبيع، عن حكيم بن جبير] [¬١]، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: \"سلوا الله [من فضله] [¬٢]، [فإن الله] [¬٣] يحب أن يسأل، وإن أحب [عباد الله إلى الله] [¬٤] الذي يحب الفرج\".\nثم قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ أي: هو عليم بمن يستحق الدُّنيا، فيعطيه منها، وبمن يستحق الفقر، فيفقره، وعليم بمن يستحق الآخرة فيقيضه [¬٥] لأعمالها، وبمن يستحق الخذلان فيخذله عن تعاطي الخير وأسبابه، ولهذا قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾.\n﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا (٣٣)﴾\n_________\n= حماد بن واقد، ولا يُروى عن ابن مسعود إلَّا بهذا الإسناد\" وقال ابن عدي: \"وهذا الحديث لا أعلم يرويه بهذا الإسناد غير حماد بن واقد عن إسرائيل عن أبي إسحاق\" والحديث نقله العجلوني في \"كشف الخفاء\" (١/ ٤٠٧) وقال: \"رواه التِّرمذيُّ، وقال العراقي: ضعيف وحسنه الحافظ ابن حجر، وحماد ابن واقد هذا ضعفه ابن معين وقال البُخاريّ: \"منكر الحديث، وقال أبو زرعة: \"لين الحديث\" وقال ابن عدي: \"عامة ما يرويه مما لا يتابعه الثقات عليه\" وقد خالفه أبو نعيم وهو الفضل بن دكين -ووكيع كما ذكره المصنف هنا- ومن طريق وكيع أخرجه ابن جرير في تفسيره (٨/ ٩٢٥٧) فرواه عن إسرائيل عن حكيم بن جبير عن رجل عن النَّبيُّ ﷺ قال التِّرمذيُّ: \"حديث أبي نعيم أشبه أن يكون أصح\" لكن حكيم بن جبير أشدُّ ضعفًا من ابن واقد -راجع ترجمته في \"التهذيب\"- ثم إنَّه اختلف عليه فيه كما بينه المصنف -انظر أعلاه. ولشطره الأخير شاهد من حديث أنس عند البزار (٤/ ٣١٣٨/ كشف الأستار)، وابن علي في \"الكامل\" (٢/ ٥٠٨)، (٣/ ١١٤١) والقضاعي في \"مسند الشهاب\" (٢/ ١٢٨٣) وغيرهم. وفى إسناده سليمان بن سلمة الخَبَائِري، قال أبو حاتم: \"متروك الحديث لا يشتغل به\" وقال ابن الجنيد: \"كان يكذب\"، \"الجرح والتعديل\" (٤/ ١٢١، ١٢٢).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في ز: \"فإنّه\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين في ز: \"عباده إليه\".\n[¬٥]- في ز: \"فيقضه\".","vol":"4","page":9},{"text":"قال ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وأبو صالح وقتادة يزيد بن أسلم والسدي والضَّحَّاك ومقاتل بن حيان وغيرهم في قوله: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾ أي: ورثة. وعن ابن عباس في رواية: أي: عصبة. قال ابن جرير: والعرب تسمي ابن العم مولى، كما قال الفضل بن عباس:\nمهلا بني [عمنا مهلا] [¬١] موالينا … لا تظهرن لنا ما كان مدفونا\nقال: ويعني بقوله ﴿مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ من تركة والديه وأقربيه من الميراث، فتأويل الكلام: ولكلكم أيها النَّاس جعلنا عصبة يرثونه مما ترك والداه وأقربوه من ميراثهم له.\nوقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ أي: والذين تحالفتم بالأيمان المؤكدة أنتم وهم، قآتوهم نصيبهم من الميراث، كما وعدتموهم في الإيمان المغلظة، إن الله شاهد بينكم في تلك العهود والمعاقدات، وقد كان هذا في ابتداء الإِسلام، ثم نسخ بعد ذلك، وأمروا أن يوفوا لمن عاقدوا ولا ينشئوا بعد نزول هذه الآية معاقدة.\nقال البُخاريّ (^٣٥٧): حدّثنا الصلت بن محمَّد، حدّثنا أبو إسامة، عن إدريس، عن طلحة ابن مصرف، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾ قال: ورثة. ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ كان المهاجرون لما قدموا المدينة يرث المهاجري الأنصاري دون ذوي رحمه للأخوّة التي آخى النَّبيُّ ﷺ بينهم، فلما نزلت: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾ نسخت ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ من النصر والرفادة والنصيحة وقد ذهب الميراث، ويوصي له.\nثم قال البُخاريّ: سمع أبو أسامة إدريس، وسمع إدريس من [¬٢] طلحة.\nوقال ابن أبي حاتم (^٣٥٨): حدّثنا أبو سعيد الأشج، حدّثنا أبو أسامة، حدّثنا إدريس\n_________\n(^٣٥٧) - صحيح البُخاريّ، كتاب التفسير، باب: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ (٤٥٨٠) وكتاب الكفالة (٢٢٩٢) وأخرجه أيضًا، كتاب الفرائض، باب: ذوي الأرحام (٦٧٤٧) حدثني إسحاق بن إبراهيم وأبو داود، كتاب الفرائض، باب: نسخ ميراث العقد بميراث الرحم (٢٩٢٢) والنَّسائيُّ في \"التفسير\" من \"الكبرى\" (٦/ ١١٠٣) - ومن طريقه النحاس في \"الناسخ والمنسوخ\" (ص ٣٣١) - ثنا هارون بن عبد الله، كلاهما (إسحاق وهارون) نا أبو أسامة به نحوه وانظر ما بعده.\n(^٣٥٨) - تفسير ابن أبي حاتم (٣/ ٥٢٣٦) وأخرجه ابن جرير (٨/ ٩٢٧٥، ٩٢٧٧) ثنا أبو كريب، والحاكم في \"المستدرك\" (٢/ ٣٠٦) من طريق أبي جعفر أحمد بن عبد الحميد الحارثي، والبيهقيّ في =\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ز: \"عم سهلًا\".\n[¬٢]- في ت: \"عن\".","vol":"4","page":10},{"text":"الأودي، أخبرنا طلحة بن مصرف، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبَّاس، فى قوله؛ ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ قال: كان المهاجرون حين قدموا المدينة يرث المهاجري الأنصاري دون ذوي رحمه بالأخوة التي آخى رسول الله ﷺ بينهم فلما نزلت [هذه الآية] [¬١]: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ نسخت [¬٢]، ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾.\nوحدثنا الحسن بن محمد بن الصباح (^٣٥٩)، حدَّثنا حجاج، عن ابن جريج وعثمان بن عطاء، [عن عطاء] [¬٣]، عن ابن عبَّاس، قال: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ فكان الرجل قبل الإِسلام يعاقد الرجل، ويقول [¬٤]: ترثني وأرثك، وكان الأحياء يتحالفون، فقال رسول الله صلى الله عديه وسلم: \"كل حلف كان في الجاهلية أو عقد أدركه الإسلام فلا يزيده الإسلام إلَّا شدة، ولا عقد ولا حلف في الإِسلام\". فنسختها هذه الآية ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾.\nثم قال: وروي عن سعيد بن جبير [¬٥]، ومجاهد، عطاء، والحسن، و[ابن المسيب] [¬٦] وأبي صالح، وسليمان بن يسار، والشعبي، وعكرمة، والسدي، والضحاك، وقَتَادة، ومقاتل ابن حيان أنهم قالوا: هم الحلفاء.\nوقال الإمام أحمد (^٣٦٠): حدَّثنا عفان، حدَّثنا شريك، [عن سماك عن عكرمة عن ابن عبَّاس\n_________\n= \"السنن الكبرى\" (١٠/ ٢٩٦) من طريق عثمان بن أبي شيبة، ثلاثتهم (أَبو كريب وأَبو جعفر وعثمان) ثنا أَبو أسامة به. وقال الحاكم: \"حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه\" ووافقه الذهبي، ووهما فى استدراكه فقد أخرجه البخاري كما تقدم آنفًا وانظر الآتي برقم (٣٧٤).\n(^٣٥٩) - تفسير ابن أبي حاتم (٣/ ٥٢٣٧) وعطاء هو ابن أبي مسلم الخراساني لم يسمع من ابن عبَّاس قاله الدارقطني وغيره، وأخرجه ابن جرير (٨/ ٩٢٦٨) والنحاس فى \"الناسخ والمنسوخ\" (ص ٣٣٣) من طريق معاوية بن صالح عن على بن أبي طلحة عن ابن عباس به نحوه، وهذا إسناد حسن، وعلى بن أبي طلحة إن لم يكن سمع من ابن عبَّاس، فمعروف الواسطة بينهما وهما \"القاسم بن محمد ومجاهد\" كما قال أَبو حاتم انظر \"جامع التحصيل\" للعلائي (ص ٢٤١ ص) - وله طريق آخر عن ابن عبَّاس عند ابن جرير (٨/ ٩٢٧٤) لكنه مسلسل بالضعفاء أولهم \"عطية العوفي\" والمرفوع من الخبر يأتى من طرق أخرى،\n(^٣٦٠) - \" المسند\" (١/ ٣٢٩) وأخرجه أيضًا (١/ ٣١٧) ثنا حجاج، والدارمى فى سننه =\n_________\n[¬١]- ما يين المعكوفتين سقط من: ت.\n[¬٢]- في ز: \"فنسخت\".\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- في ز: ويقول.\n[¬٥]- في ز: \"المسيب\".\n[¬٦]- في ز: \"سعيد بن جبير\".","vol":"4","page":11},{"text":"ورفعه قال: \"ما كان من حلف في الجاهلية لم يزده الإسلام إلَّا حدة وشدة] [¬١] \".\nوقال ابن جرير (^٣٦١): حدَّثنا أَبو كريب، حدَّثنا وكيع، عن شريك، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عبَّاس، قال: قال رسول الله ﷺ. وحدثنا أَبو كريب، حدَّثنا مصعب بن المقدام، عن اسرائيل بن [¬٢] يونس، عن محمد بن عبد الرحمن مولى آل طلحة، عن عكرمة، عن ابن عبَّاس، قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا حلف في الإسلام، وكل حلف كان في الجاهلية فلم يزده الإسلام إلَّا شدة، وما يسرنى أن لي حمر النعم وأنى نقضت الحلف الذي كان في دار الندوةَ\". هذا [¬٣] لفظ ابن جرير.\nوقال ابن جرير أيضًا [¬٤] (^٣٦٢): وحدثني يعقوب بن إبراهيم، حدَّثنا ابن علية، [عن عبد\n_________\n=ت (٢/ رقم ٢٥٢٩) والطبراني فى \"المعجم الكبير\" (١١/ ١١٧٤٠) من طريق أبي نعيم، وأَبو يعلى فى مسنده (٤/ ٢٣٣٦) - وعنه ابن حبان فى صحيحه (١٠/ ٤٣٧) - ثنا جعفر بن حميد الكوفي، وابن جرير في تفسيره (٨/ ٩٢٨٩) من طريق وكيع، أربعتهم (حجاج وأَبو نعيم وجعفر ووكيع) عن شريك به وعند الجميع - خلا أحمد - زيادة \"لا حلف فى الإسلام\" وذكره الهيثمى فى \"المجمع\" (٨/ ١٧٦) - بهذه الزِّيادة وقال: \"رواه أَبو يعلى وأحمد باختصار، ورجالهما رجال الصحيح\" وهو كما قال إلَّا أن هذا لا يعنى تصحيحه، لأن شريكًا ضعف لسوء حفظه، ورواية سماك عن عكرمة مضطربة، لكنه صح من طريق آخر وهو الآتى، وقصر فى عزوه السيوطى جدًّا فلم يعزه فى \"الدر المنثور\" (٢/ ٢٧٠) لغير عبد بن حميد، وزاد نسبته ابن حجر ﵀ فى \"الفتح\" (٤/ ٤٧٣) إلى عمرو بن شبة فى \"كتاب مكة\".\n(^٣٦١) - تفسير ابن جرير (٨/ ٩٢٩٠) والإسناد الأول منه ضعيف وقد تقدم بيانه فى السابق، وأما الإسناد الثاني فإسناد صحيح رجاله كلهم ثقات من رجال \"التهذيب\"، وأخرج الطبراني في \"المعجم الكبير\" (١١/ ١١٧٧٨) - الجزء الأخير منه \"ما يسرنى\" من طريق عبدان بن أحمد ثنا مسروق بن المرزبان ثنا ابن أبي رائدة عن سماك عن عكرمة عن ابن عبَّاس به، وهو إسناد ضعيف أيضًا لضعف رواية سماك عن عكرمة وتحرف \"مسروق بن المرزبان\" وهو صدوق له أوهام كما في \"التقريب\" إلى مرزوق بن المرزبان\" عند الهيثمى فى \"المجمع\" (٨/ ١٧٥) فقال: \"رواه الطبراني وفيه مرزوق بن المرزبان ولم أعرفه، وبقية رجاله رجال الصحيح\".\n(^٣٦٢) - تفسير ابن جرير (٨/ ٩٢٩٦) وإسناده حسن رجاله كلهم ثقات غير عبد الرحمن بن إسحاق فمتكلم فيه وهو \"صدوق\" كما فى \"التقريب\"، وانفرد يعقوب بن إبراهيم عن ابن علية بزيادة مرسل الزهرى ومعناه صحيح يشهد له ما سبق وما يأتي، والحديث أخرجه أحمد (١/ ١٩٣) ومن طريقه الخطيب فى \"تاريخ بغداد\" (٤/ ١٩٦، ١٩٧) والبخاري فى \"الأدب المفرد\" (٥٦٧) من طريق عبد الله بن محمد بن إبراهيم، وأَبو يعلى فى مسنده (٢/ ٨٤٦) من طريق أبي خيثمة، وابن حبان فى صحيحه\". (١٠/ ٤٣٧٣) من طريق أبي بكر بن أبي شيبة، وابن عدي فى \"الكامل\" (٤/ ١٦١٠) =\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في ز، خ: \"عن\".\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- سقط من: ز.","vol":"4","page":12},{"text":"الرحمن بن إسحاق، عن الزهرى، عن محمد بن جبير، بن مطعم، عن أبيه] [¬١]، عن عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله صلى الله ﷺ وسلم قال: \"شهدت حلف المطيبين وأنا غلام مع عمومتي، فما أحب أن لي حمر النعم وأني أنكثه\" قال الزُّهْريّ: قال رسول الله ﷺ: \"لم يصب الإسلام حلفًا إلَّا زاده شدة\". قال: \"ولا حلف في الإِسلام\". وقد ألف النبي ﷺ بين قريش والأنصار.\nوهكذا رواه الإِمام أحمد (^٣٦٣) عن بشر بن المفضل، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن الزُّهْريّ بتمامه.\n_________\n= ومن طريق البيهقي فى \"دلائل النبوة\" (٢/ ٣٧، ٣٨) من طريق من أبي عبد الرحمن الأذرمي، والحاكم فى \"المستدرك\" (٢/ ٢١٩، ٢٢٠) من طريق مسدد، والبيهقي فى \"السنن الكبرى\" (٦/ ٣٦٦) من طريق مؤمل بن هشام سبعتهم (أحمد وعبد الله وأَبو خيثمة وأَبو بكر وأَبو عبد الرحمن ومسدد ومؤمل) عن إسماعيل بن علية به دون ذكر مرسل الزُّهْريّ فى رواياتهم وقال الحاكم: \"صحيح الإسناد ولم يخرجاه\" ووافقه الذهبي وذكره الهيثمي فى \"المجمع\" (٨/ ١٧٥) وقال: \"رواه أحمد وأَبو يعلى والبزار ورجال حديث عبد الرحمن بن عوف رجال الصحيح وكذلك مرسل الزُّهْريّ، وانظر ما بعده.\n(^٣٦٣) - \" المسند\" (١/ ١٩٠) وفيه مرسل الزهرى ومن طريق أحمد ابن عدى فى \"الكامل\" (٤/ ١٦١٠) وأخرجه البزار فى مسنده (٣/ ١٠٠٠ /البحر الزخار) وأَبو يعلى (٢/ ٨٤٥) والبيهقي فى \"السنن الكبرى\" (٦/ ٣٦٦) من طريق بشر بن المفضل به دون ذكر مرسل الزهرى، وقال البزار: \"هذا الحديث لا نعلم رواه إلَّا عبد الرحمن بن عوف وقد روي عن عبد الرحمن بن عوف من غير وجه، وهذا الإسناد أحسن إسنادًا يروى فى ذلك عن عبد الرحمن بن عوف، ولا روى جبير عن عبد الرحمن إلَّا هذا الحديث ويتعقب كلام البزار ربما رواه ابن حبان فى صحيحه (١٠/ ٤٣٧٤) والبيهقى فى \"السنن الكبرى\" (٦/ ٣٦٦) من حديث أبي هريرة - بإسناد لا بأس به فى الشواهد - بلفظ حديث عبد الرحمن ابن عوف سواءً.\nوهذا الحديث رواه أَبو يعلى أيضًا (٢/ ٨٤٤) وابن عدى (٤/ ١٦١٠) من طريق وَهْب بن بقية ثنا خالد الواسطى عن عبد الرحمن بن إسحاق به ولم يقل فيه: \"عن أبيه\" وسئُل عن هذا الحدث أَبو الحسن الدارقطني كما فى كتابه \"العلل\" (٤/ ٢٦١) فقال: \"يرويه عبد الرحمن بن إسحاق عن الزهرى عن محمد بن جبير عن أبيه حدث به عنه بشر بن المفضل، وإسماعيل بن علية وإبراهيم بن طهمان وخارجة ابن مصعب وخالد الواسطى واختلف عنه فقيل: عنه عن محمد بن جبير عن عبد الرحمن ولم يذكر فيه أباه جبيرًا.\nقال أَبو حاتم بن حبان عقب حديثى عبد الرحمن بن عوف وأبي هريرة: \"أضمر فى هذنى الخبرين \"مِن\" يُريد به: شهدت من حلف المطيَّبين لأنه ﷺ لم يشهد حلف المطيبين لأن حلف المطيبين =\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"4","page":13},{"text":"حدثني [¬١] يعقوب بن إبراهيم (^٣٦٤)، حدَّثنا هشيم، أخبرنا مغيرة، عن أبيه، عن شعبة بن التوأم، عن قيس بن عاصم، أنَّه سأل النبي ﷺ عن الحلف قال: فقال: \"ما كان من حلف في الجاهلية فتمسكوا به، ولا حلف في الإِسلام\". وهكذا [¬٢] رواه أحمد، عن هُشَيم،\nوحدثنا أبو كريب (^٣٦٥)، حدَّثنا وكيع، عن داود بن أبي عبد الله، عن ابن جدعان، عن\n_________\n= كان قبل مولد رسول الله ﷺ وإنَّما شهد رسول الله ﷺ حلف الفضول وهم من المطيبين.\n(^٣٦٤) - تفسير ابن جرير (٨/ ٩٢٩٢)، وأخرجه أحمد (٥/ ٦١) - ومن طريقه الطبراني فى \"المعجم الكبير\" (١٨/ ٨٦٤) ثنا هُشَيم به، وأخرجه الطيالسي فى مسنده (١٠٨٤) والحميدي (٢/ ١٢٠٦)، والبزار (٢/ ١٩١٥) كشف الأستار، وابن جرير أيضًا (٨/ ٩٢٩١) والطحاوي فى \"مشكل الآثار (٢/ ٢٣٩) وابن حبان فى صحيحه (١٠/ ٤٣٦٩) والطبراني (١٨/ ٨٦٤) من طريق عن جرير بن عبد الحميد، وعبد الله بن أحمد فى زوائده على \"المسند\" (٥/ ٦١)، والطبراني (١٨/ ٨٦٥) والقضاعي فى \"مسند الشهاب\" (٢/ ٨٤١) من طريق شعبة، كلاهما (جرير وشعبة) ثنا مغيرة به، وقال البزار: \"لا نعلمه يروى عن قيس متصلًا إلَّا بهذا الإسناد، وربما أرسله شعبة، أن قيس بن عاصم سأل\" واكتفى الهيثمي فى \"المجمع\" (٨/ ١٧٦) يعزوه لأحمد فحسب، وسود به الألباني حديث رقم (٢٢٦٢) من \"الصحيحة\" وقال: \"إسناده جيد، رجاله ثقات رجال البخاري\" غير شعبة بن التوأم، وقد روى عنه جمع من الثقات، وذكره ابن حبان فى \"الثقات\" .. ومغيرة هو ابن مقسم بن بُجرة\" وهذا الأخير سبق قلم من الشيخ، فلا يعرف فى الرواة من اسمه \"مغيرة بن مقسم بن بُجرة، وإنَّما هو \"المغيرة بن مقسم الضبي\" وليس فى ترجمة \"مقسم بن بجرة\" ابن يروى عنه أبيه المغيرة - ثم إن مقسم بن بجرة في طبقة أعلى من الذي هنا - بينما فى ترجمة \"المغيرة الضبي\" أنَّه يروى عن أبيه \"مقسم الضبي\" وقد ترجم الحافظ فى \"تعجيل المنفعة\" مقسم الضبي وقال: \"روى عن النعمان بن بشير، روى عنه ابنه المغيرة، ذكره ابن حبان فى \"الثقات\" …، وعليه فتجويد الشيخ لإسناده مع قوله: \"رجاله ثقات رجال البخاري … \" فليس بجيد إذ إن \"مقسم الضبي\" مجهول الحال، لكن الحديث صحيح بشواهده السابقة والآتية، والحديث عزاه الحافظ ابن حجر فى \"الفتح\" (٤/ ٤٧٣) لأحمد وعمر بن شبة.\n(^٣٦٥) - تفسير ابن جرير (٨/ ٩٢٩٣) وأخرجه أَبو يعلى فى مسنده (١٢/ ٦٩٠٢)، ثنا أَبو بكر - وهو ابن أبي شيبة - والطبراني فى \"المعجم الكبير\" (٢٣/ ٨٨٨) من طريق عثمان بن أبي شيبة، الأخوان (أَبو بكر وعثمان) ثنا وكيع به، وإسناده يحتمل التحسين، فإن داود بن أبي عبد الله هذا وثقه ابن حبان \"الثقات\" - وروى عنه أكثر من واحد، وقال البخارى حينما سأله التِّرمِذي عنه: \"هو مقارب الحديث\" وشيخه ابن جُدعان هنا ليس هو \"علي بن زيد بن جُدعان\" المشهور بذلك عند أهل الشأن، وإنَّما هو \"عبد الرحمن بن محمد بن زيد بن جدعان\" وثقه النَّسائي وابن حبان وهو مترجم =\n_________\n[¬١]- في ز: \"وحدثني\".\n[¬٢]- في ز: \"وكذا\".","vol":"4","page":14},{"text":"جدته، عن أم سلمة، أن رسول الله ﷺ قال: \"لا حلف في الإسلام، وما كان من حلف في الجاهلية لم يزده الإِسلام إِلا شدة\".\n[وحدثنا أَبو كريب (^٣٦٦)، حدَّثنا يونس بن بكير، حدَّثنا محمد بن إسحاق، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أن رسول الله ﷺ قال: لا حلف في الإسلام، وما كان من حلف في الجاهلية لم يزده الإسلام إلَّا شدة] [¬١].\nوحدثنا أبو كريب (^٣٦٧)، حدَّثنا يونس بن بكير، حدَّثنا محمد بن إسحاق، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: لما كان رسول الله ﷺ بمكة عام الفتح قام\n_________\n= فى \"التهذيب\" وأما جدته فهي مجهولة ولا يعرف له اسم، غير أن الشيخ أبا الأشبال فى حاشيته على ابن جرير ذهب إلى أن جهالتها لا تضر فالغالب أنها صحابية؛ لأن عبد الرحمن بن محمد تابعي، روى عن عائشة، وعن ابن عمر، فجدته يكاد العارف أن يوقن أنَّها صحابية أو مخضرمة على الأقل، والنساء فى تلك العصور، لم يعرفن باصطناع الروايات، ولذلك قال الذهبي فى \"الميزان\": فصل فى النسوة المجهولات، وما علمت فى النساء من اتهمت، ولا من تركوها\" اهـ.\nوالحديث ذكره الهيثمي فى \"المجمع\" (٨/ ١٧٦) وقال: \"رواه أَبو يعلى والطبراني، وفيه جدة ابن أبي مليكة ولم أعرفها، وبقية رجاله ثقات\" كذا قاله: \"جدة بن أبي مليكة\" وتسرع بعض المحققين فظن أن هذا خطأ مطبعي أو تحريف من النساخ، لكن أفاد الشيخ أَبو الأشبال أن: \"جدة ابن أبي مليكة\" هي \"جدة ابن جدعان\"، لأن ابن جدعان هنا هو \"عبد الرحمن بن محمد بن زيد بن جدعان\" فهو ابن أخي \"علي بن زيد بن جدعان\" وقد نسبوا إلى جدهم الأعلى، إذ \"علي بن زيد\": هو \"علي بن زيد بن عبد الله بن أبي مليكة زهير بن عبد الله بن جدعان\" وإنَّما الذي اشتهر عند المحدثين باسم \"ابن أبي مليكة\" فهو \"عبد الله بن عبيد الله بن عبد الله بن أبي مليكة زهير … \" وهو ابن عم \"علي بن زيد\".\n(^٣٦٦) - تفسير ابن جرير (٨/ ٩٢٩٨) وإسناده حسن لولا عنعنة ابن إسحاق وانظر ما بعده.\n(^٣٦٧) - كذا نقله المصنف وهو نفس الإسناد السابق، والذي فى تفسير ابن جرير (٨/ ٩٢٩٧) باللفظ الذي نقله المصنف: ثنا تميم بن المنتصر، قال: حدثنا يزيد، قال: حدَّثنا محمد بن إسحاق به، وأخرجه أحمد فى \"المسند\" (٢/ ١٨٠) ثنا يزيد به مطولًا وأخرجه ابن خزيمة فى صحيحه (٤/ ٢٢٨٠) من طريق عبد الأعلى، والبيهقي فى \"دلائل النبوة\" (٥/ ٨٦) من طريق إبراهيم بن سعد، كلاهما (عبد الأعلى وإبراهيم) عن ابن إسحاق به مطولًا وليس فيه تصريح ابن إسحاق بالتحديث، لكنه صرح فى رواية عند أحمد (٢/ ٢١٦) بسماعه من عمرو بن شعيب لكن ليس فيها اللفظ المراد هنا، وقد رواه ابن جرير أيضًا (٨/ ٩٢٩٤) من طريق حسين المعلم، ثنا أبي - هكذا فى \"التفسير\" ونبه الشيخ شاكر على أنَّها زيادة خطأ من الناسخ والصواب إسقاطها وما هنا يؤيده وكذا رواية التِّرمِذي الآتية - عن عمرو بن شعيب =\n_________\n[¬١]- مما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"4","page":15},{"text":"خطيبًا في الناس فقال: \"يا أيها الناس، ما كان من حلف في الجاهلية لم يزده الإسلام إلَّا شدة، ولا حلف في الإِسلام\". ثم رواه من حديث حسين المعلم وعبد الرحمن بن الحارث عن عمرو بن شعيب به.\nوقال الإِمام أحمد (^٣٦٨): حدَّثنا عبد الله بن محمد، حدَّثنا ابن نمير، وأَبو أسامة، عنٍ زكريا، عن سعد بن إبراهيم، عن أبيه، عن جبير بن مطعم قال: قال رسول الله ﵌: \"لا حلف في الإسلام، وأيما حلف كان في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة\" وهكذا رواه مسلم، عنَ عبد الله بن محمد - وهو أَبو بكر بن أبي شيبة - بإسناده مثله. ورواه أبو داود عن عثمان بن محمد بن أبي شيبة عن محمد بن بشر وابن نمير وأبي أسامة ثلاثتهم، عن زكريا - وهو ابن أبي زائدة - بإسناده مثله.\nورواه ابن جرير من حديث محمد بن بشر به.\n_________\n= به، وكذا رواه الترمذى فى \"الجامع\" (١٥٨٥) ثنا حميد بن مسعدة، ثي وريد بن زريع، حدَّثنا حسين المعلم عن عمرو بن شعيب له ولفظه: \"أوفوا بحلف الجاهلية فإنه لا يزيده - يعنى الإسلام - إلَّا شدة ولا تحدثوا حلفًا فى الإسلام\" وقال التِّرمِذي: حديث حسن صحيح، وفى الباب: عن عبد الرحمن بن عوف وأم سلمة وجبير بن مطعم، وأبي هريرة وابن عبَّاس، وقيس بن عاصم\". وأخرجه ابن جرير أيضًا (٨/ ٩٢٩٩) والبخاري فى الأدب المفرد (٥٧٠) من طريق خالد بن مخلد، ثنا سليمان بن بلال، وأحمد (٥/ ٢٠٥) ثنا موسى بن داود ثنا ابن أبي الزناد، كلاهما (سليمان وابن أبي الزناد) عن عبد الرحمن بن الحارث عن عمرو بن شعيب به، وعبد الرحمن بن الحارث ضعفه ابن المدينى وتركه أحمد، وقال النسائى: ليس بالقوي لكن وثقه ابن سعد والعجلي وابن حبان وقال ابن معين: \"صالح\" وفى روايه: \"ليس به بأس\" وفى التقريب: \"صدوق له أوهام\" وعلى كل فهو متابع كما تقدم، قصر السيوطي فى عزوه فلم يعزه فى \"الدر المنثور\" لغير ابن جرير وعبد بن حميد.\nتنبيه: هدا الحديث عند أبي داود والتِّرمِذي - من وجه غير السابق - وابن ماجة من حديث عمرو بن شعيب، وليس فيه اللفظ المراد هنا، وقد ذكره ابن حجر ﵀ فى \"الفتح\" (٤/ ٤٧٣) وقال: \"أخرجه عمر ابن شبة وأصله فى السنن\"، وبالله التوفيق.\n(^٣٦٨) - \" المسند\" (٤/ ٨٣) وأخرجه مسلم، كتاب فضل الصحابة، باب: مؤاخاة النبي ﷺ بين أصحابه ﵃ (٢٠٦) (٢٥٣٠)، وأَبو داود، كتاب الفرائض، باب: فى الحلف (٢٩٢٥)، وابن جرير فى تفسيره (٨/ ٩٢٩٥) وكذا أخرجه البيهقي فى \"السنن الكبرى\" (٦/ ٢٦٢) من طريق أبي داود، وأخرجه ابن حبان فى صحيحه (١٠/ ٤٣٧١) من طريق مسروق بن المرزبان، ثنا ابن أَبى زائدة به، والطبرانى فى \"المعجم الكبير\" (٢/ ١٥٩٧) من طريق عثمان بن أبي شيبة بإسناد أبي داود أيضًا وانظر ما بعده.","vol":"4","page":16},{"text":"ورواه النَّسائي (^٣٦٩) من حديث إسحاق بن يوسف الأزرق، عن زكريا، عن سعد بن إبراهيم، عن نافع بن جبير بن مطعم، عن أبيه به.\nوقال الإِمام أحمد (^٣٧٠): حدَّثنا هُشَيم، قال: أخبرنا [¬١] مغيرة، [] [¬٢] عن أبيه، عن شعبة ابن التوأم، عن قيس بن عاصم، أنَّه سأل النبي ﷺ عن الحلف فقال: \"ما كان من حلف في الجاهلية فتمسكوا [¬٣] به، ولا حلف في الإسلام\".\nوكذا رواه شعبة، عن مغيرة - وهو ابن مقسم عن أبيه به.\nوقال محمد بن إسحاق، عن داود بن الحصين، قال: كنت أقرأ على أم سعد بنت سعد [¬٤] ابن [¬٥] الربيع مع ابن ابنها موسى بن سعد، وكانت يتيمة في حجر أبي بكر، فقرأت عليها: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ فقالت: لا ولكن ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ قالت: إنما نزلت في أبي بكر، وابنه عبد الرحمن، حين أَبى أن يسلم، فحلف أَبو بكر أن لا يورثه، فلما أسلم حين حمل على الإِسلام بالسيف أمر الله أن يؤتيه نصيبه.\nرواه ابن أبي حاتم (^٣٧١)، وهذا قول غريب، والصحيح الأول، وأن هذا كان في ابتداء\n_________\n(^٣٦٩) - \" السنن الكبرى\" للنسائي، كتاب الفرائض، باب: الأخوة والحلف (٤/ ٦٤١٨) أخبرنا عبد الرحمن بن محمد بن سلام الطرسوسي قال: ثنا إسحاق به، وأخرجه أَبو يعلى فى مسنده (١٣/ ٧٤٠٦) - وعنه ابن حبان فى صحيحه (٤٣٧٢) - من طريق أبي خيثمة زهير بن حرب، والطبراني فى \"المعجم الكبير\" (٢/ ١٥٨٠) من طريق إسماعيل بن سالم الصائغ، والبيهقي فى \"السنن الكبرى\" (٦/ ٢٦٢) من طريق محمد بن عبيد الله بن المنادي. ثلاثتهم (أَبو خيثمة وإسماعيل ومحمد) ثنا إسحاق الأزرق به، وتابع إسحاق الأزرق عليه بهذا الإسناد عبيد الله بن موسى، ثنا زكريا بن أبي زائدة به أخرجه الحاكم (٢١/ ٢٢٠) وقال: \"صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه\" ووافقه الذهبي، وقال أَبو حاتم ابن حبان: \"سمع هذا الخبر سعد بن إبراهيم عن أبيه عن جبير، وسمعه من نافع بن جبير عن أبيه، فالإسنادان محفوظان\".\n(^٣٧٠) - \" المسند\" (٥/ ٦١) وتقدم تخريجه قري برقم (٣٦٥).\n(^٣٧١) - تفسير ابن أبي حاتم (٣/ ٥٢٣٨) ثنا أبي، ثنا أَبو الأصبغ الحراني، ثنا محمد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق به، وأخرجه أَبو داود، كتاب الفرائض، باب: نسخ ميراث العقد بميراث الرحم (٢٩٢٣) ثنا أحمد بن حنبل، وعبد العزيز بن يحيى ثنا محمد بن سلمة به، ومحمد بن إسحاق =\n_________\n[¬١] سقط من: ز.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز: \"أخبرني\".\n[¬٣]- في ز: \"تمسكوا\".\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- سقط من: ز.","vol":"4","page":17},{"text":"الإِسلام يتوارثون بالحلف، ثم نسخ وبقي تأثير الحلف بعد ذلك، وإن كانوا قد أمروا أن يوفوا [بالعهود والعقود] والحلف الذي كانوا قد تعاقدوه قبل ذلك، وتقدم في حديث جبير بن مطعم وغيره من الصحابة: \"لا حلف في الإِسلام، وأيما حلف كان في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة\".\nوهذا نص في الزد على من ذهب إلى التوارث بالحلف اليوم، كما هو مذهب أبي حنيفة وأصحابه، ورواية عن أحمد بن حنبل [﵀].\nوالصحيح قول الجمهور ومالك والشَّافعى وأحمد في المشهور عنه، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ أي: ورثة [¬١] من قراباته [¬٢]: من أَبويه وأقربيه. وهم يرثونه دون سائر الناس، كما ثبت في الصحيحين (^٣٧٢) عن ابن عبَّاس أن رسول الله ﷺ قال: \"ألحقوا الفرائض بأهلها، [فما بقي] [¬٣] فهو لأولى رجل ذكر\".\nأي: اقسموا الميراث على أصحاب الفروض [¬٤]، الذين ذكرهم الله في آيتي الفرائض، فما بقي بعد ذلك فأعطوه للعصبة [¬٥]. وقوله: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ [¬٦] أَيْمَانُكُمْ﴾ أي: قبل نزول هذه الآية ﴿فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾: أي من الميراث: فأما حلف عقد بعد ذلك فلا تأثير له.\n_________\n= مدلس ولم يصرح بالتحديث، وأم سعد بنت سعد بن الربيع صحابية صغيرة أوصى بها أَبوها إلى أبي بكر الصديق، فكانت فى حجره، ويقال إن: اسمها جميلة، والخبر لم يعزه السيوطي فى \"الدر المنثور\" (٢/ ٢٦٩) لغير أبي داود وابن أبي حاتم.\n(^٣٧٢) - أخرجه البخارى، كتاب الفرائض، باب: ميراث الولد من أبيه وأمه (٦٧٣٢)، ومسلم، كتاب - الفرائض، باب: ألحقوا الفرائض لأهلها (١٦١٥)، وكذا أخرجه أحمد (١/ ٢٩٢، ٣١٣، ٣٢٥) وأَبو داود، كتاب الفرائض، باب: فى ميراث العصبة (٢٨٩٨) والتِّرمِذي، كتاب الفرائض، باب: فى ميراث العصبة (٢٠٩٨)، والنسائي فى \"الكبرى\" (٤/ ٦٣٣١)، وابن ماجة (٢٧٤٠) كلهم من حديث ابن عبَّاس مرفوعًا. وأعله النَّسائي بالإرسال لكنه مردودٌ حيث وصله جمع من الثقات راجع \"الفتح\" (١١/ ١٢).\n_________\n[¬١]- في ز: \"وثته\".\n[¬٢]- في ز: \"أقربائه\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين من: خ.\n[¬٤]- في ت: \"الفرائض\".\n[¬٥]- في ز: \"العصبة\".\n[¬٦]- في ز: \"عاقدت\".","vol":"4","page":18},{"text":"وقد قيل: إن هذه الآية نسخت الحلف في المستقبل، وحكم الحلف [¬١] الماضي أيضًا، فلا توارث به. كما قال ابن أبي حاتم (^٣٧٣): حدَّثنا أبو سعيد الأشج، حدَّثنا أَبو أسامة، حدَّثنا إدريس الأودي، أخبرني طلحة بن مصرف، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبَّاس: ﴿فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾، قال: من النصرة والنصيحة والرفادة، و[¬٢] يوصى له، وقد ذهب الميراث.\nورواه ابن جرير، عن أبي كريب، عن أبي أسامة، وكذا يروي عن مجاهد وأبي مالك نحو ذلك.\nوقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عبَّاس، قوله: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ [¬٣] أَيْمَانُكُمْ﴾ قال: كان الرجل يعاقد الرجل أيهما مات ورثه الآخر، فأنزل الله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا﴾. يقول: إلَّا أن توصوا [¬٤] [لأوليائهم الذين عاقدوا وصية فهو] [¬٥] لهم جائز [¬٦] من ثلث المال.\nوهذا [¬٧] هو المعروف.\nوهكذا [¬٨] نص غير واحد من السلف: أنَّها منسوخة بقوله: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا﴾.\nوقال سعيد بن جبير: ﴿فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾، أي: من الميراث. قال: وعاقد أبو بكر مولى فورثه. رواه ابن جرير (^٣٧٤).\nوقال الزُّهْريّ عن [سعيد] [¬٩] ابن المسيب: نزلت [¬١٠] هذه الآية في الذين كانوا يتبنون رجالًا غير أبنائهم، ويورثونهم، فأنزل الله فيهم، فجعل لهم نصيبًا في الوصية، وردّ الميراث إلى\n_________\n(^٣٧٣) - تفسير ابن أبي حاتم (٣/ ٥٢٣٩)، وابن جرير (٨/ ٩٢٧٧) وقد تقدم مطولًا (٣٥٨، ٣٥٩).\n(^٣٧٤) - تفسير ابن جرير (٨/ ٩٢٦٧) بإسناد صحيح على شرط الشيخين.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣] في ز: \"عاقدت\".\n[¬٤]- فى خ: \"يوصوا\".\n[¬٥] فى ت: \"لهم بوصية فهى\".\n[¬٦]- في ت: \"جائزة\".\n[¬٧] في ز: \"وذلك\".\n[¬٨]- فى ز: \"وهذا\".\n[¬٩] سقط من خ.\n[¬١٠]- في ز: \"أنزلت\".\n\n.","vol":"4","page":19},{"text":"الموالي، في ذي الرحم والعَصَبَة، وأبى الله [أن يكون] [¬١] للمدَّعين ميراثًا ممن ادعاهم وتبناهم، ولكن جعل لهم نصيبًا من الوصية. رواه ابن جرير (^٣٧٥).\nوقد اختار ابن جرير أن المراد بقوله: قآتوهم نصيبهم، أي: من النصرة والنصيحة والمعونة، لا أن المراد فآتوهم نصيبهم من الميراث حتَّى تكون الآية منسوخة، ولا أن ذلك كان حكما ثم نسخ، بل إنما دلت الآية على الوفاء بالحلف المعقود على النصرة والنصيحة فقط، فهي محكمة لا منسوخة. وهذا الذي قاله فيه نظر؛ فإن من الحلف ما كان على المناصرة والمعاونة، ومنه ما كان على الإِرث، كما حكاه غير واحد من السلف، وكما قال ابن عبَّاس (^٣٧٦): كان المهاجري يرث الأنصاري دون قراباته وذوي رحمه، حتَّى نسخ ذلك. فكيف يقول: إن هذه الآية محكمة غير منسوخة؟ والله أعلم.\n﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا (٣٤)﴾\nيقول تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ أي: الرجل قيم على المرأة، أي: هو رئيسها وكبيرها والحاكم عليها ومؤدِّبها إذا اعوجت ﴿بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ أي: لأن الرجال أفضل من النساء، والرجل خير من المرأة؛ ولهذا كانت النبوة مختصة بالرجال، وكذلك الملك الأعظم؛ لقوله ﷺ: \"لن يفلح قوم ولوا أمرهُم امرأة\". رواه البخاري (^٣٧٧) من حديث عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه. وكذا منصب القضاء، وغير ذلك.\n_________\n(^٣٧٥) - تفسير ابن جرير (٨/ ٩٢٨٨) بإسناده صحيح.\n(^٣٧٦) - تقلم تخريجه (٣٤٨، ٣٥٩).\n(^٣٧٧) - كذا عزاه المصنف للبخاري من هذه الطَّرِيقِ، وهو سهوٌ، فإن البخاري إنما أخرجه كتاب المغازي، باب: كتاب النبي ﷺ إلى كسرى وقيصر (٤٤٢٥)، كتاب الفتن (٧٠٩٩) من طريق =\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.","vol":"4","page":20},{"text":"﴿وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ أي: من المهور والنفقات والكلف التي أوجبها اللُّه عليهم لهنّ في كتابه وسنة نبيه ﷺ، فالرجل أفضل من المرأة في نفسه، وله الفضل عليها والإفضال، فناسب أن يكون قيما عليها، كما قال الله تعالى: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ الآيةَ.\nوقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عبَّاس: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ يعني أمراء، عليها [¬١] أن تطيعه فيما أمرها الله به من طاعته، وطاعته: أن تكون محسنة لأهله حافظة لماله. وكذا قال مقاتل والسدي والضحاك.\nوقال الحسن البصري: جاءت امرأة إلى النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم [تستعديه على] [¬٢] زوجها أنَّه [¬٣] لطمها، فقال رسول الله ﵌: \"القصاص\". فأنزل الله ﷿: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾. فرجعت بغير قصاص.\nرواه ابن جرير وابن أبي حاتم من طرق عنه، وكذلك أرسل هذا الخبر قَتَادة وابن جريج والسدي. أورد ذلك كله ابن جرير (^٣٧٨)، وقد أسنده ابن مردويه من وجه آخر، فقال (^٣٧٩): حدَّثنا أحمد بن علي النَّسائي، حدَّثنا محمد بن عبد الله الهاشمي، حدَّثنا محمد بن محمد بن الأشعث، حدَّثنا موسى بن اٍ سماعيل بن موسى بن جعفر بن محمد، قال [¬٤]: حدثني أبي، عن جدي، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي، قال: أتى رسول الله ﷺ رجل من الأنصار بامرأة له، فقالت: يا رسول الله إن\n_________\n= عوف الأعرابي عن الحسن - وهو البصري - عن أبي بكرة به، وكذا أخرجه أحمد (٥/ ٤٣، ٤٧، ٥١) والترمذي، كتاب الفتن، باب: (رقم ٧٥) (ح ٢٢٦٢) والنسائى، كتاب آداب القضاة، باب: النهى عن استعمال النساء فى الحكم (٨/ ٢٢٧) وغيرهم من طرق عن الحسن به، ولم يذكره المصنف فى كتابه \"جامع المسانيد والسنن\" (١٣/ ٩٨٣) ومن قبله شيخه أَبو الحجاج المزي فى كتابه \"تحفة الأشراف\" (٩/ ٤٤) من رواية عبد الرحمن بن أَبى بكرة عن أبيه فتنبه!!.\n(^٣٧٨) - تفسير ابن جرير (٨/ ٩٣٠٤، ٩٣٠٩)، ومرسل الحسن أخرجه أيضًا ابن أبي حاتم (٣/ ٥٢٤٦)، وعزاه السيوطى فى \"الدر المنثور\" (٢/ ٢٧٠، ٢٧١) إلى ابن أبي حاتم وابن جرير وعبد بن حميد والفريابي وابن المنذر، وابن مردويه من طرق عن الحسن به.\n(^٣٧٩) - ولم يعزه السيوطي فى \"الدر المنثور\" (٢/ ٢٧١) لغير ابن مردويه وفى إسناده محمد بن محمد بن الأشعث أَبو الحسن الكوفى، قال ابن عدى فى \"الكامل\" (٦/ ٢٣٠٣): \"كان مقيمًا بمصر كتبت =\n_________\n[¬١]- فى خ: \"عليهن\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين فى ت: \"تشكو أن\".\n[¬٣]- سقط من: ت.\n[¬٤]- سقط من: ز.","vol":"4","page":21},{"text":"زوجها فلان بن فلان الأنصاري، وإنه ضربها فأثر في وجهها. فقال رسول الله ﷺ: [\"ليس ذلك له\". فأنزل الله: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ أي: قوامون على النساء في الأدب. فقال رسول الله ﷺ] [¬١]: \"أردت أمرًا، وأراد الله غيره\".\n[وكذلك أرسل هذا الخبر قَتَادة وابن جريج والسدي. أورد ذلك كله ابن جرير] [¬٢].\nوقال الشعبي في هذه الآية: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ قال: الصداق الذي أعطاها، ألا ترى أنَّه لو قذفها لاعنها، ولو قذفته جلدت.\nوقوله تعالى: ﴿فَالصَّالِحَاتُ﴾ أي: من النساء ﴿قَانِتَاتٌ﴾ قال ابن عبَّاس وغير واحد: يعني: مطيعات لأزواجهن.\n﴿حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ﴾ قال السدي وغيره: أي: تحفظ زوجها في غيبته في نفسها وماله.\nوقوله: ﴿بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾ أي: المحفوظ من حفظه الله [¬٣].\nقال ابن جرير (^٣٨٠): حدثني المثنى، حدَّثنا أَبو صالح، حدَّثنا أَبو معشر، حدَّثنا سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: \"خير النساء\n_________\n= عنه بها حَمَلَه شدَّة ميله إلى التشيُّع أن أخرج لنا نسخة قريبًا من ألف حديث عن موسى بن إسماعيل بن موسى ابن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده إلى أن ينتهي إلى علي والنبي ﷺ كتاب يخرجه إلينا بخط طري على كاغد جديد فيها مقاطيع وعامتها مسندة مناكير كلها أو عامتها فذكرنا روايته هذه الأحاديث عن موسى هذا لأبي عبد الله الحسين بن علي بن الحسن بن علي … ينتهي نسبه إلى علي بن أبي طالب وكان شيخًا من أهل البيت بمصر وهو أخ الناصر وكان أكبر منه فقال لنا: كان موسى هذا جاري بالدينة أربعين سنة ما ذكر قط أن عنده شيئًا من الرواية لا عن أبيه ولا عن غيره … \"، وقال الدارقطني: \"وضع ذاك الكتاب\" يعني العلويات راجع \"اللسان\" لابن حجر ﵀.\n(^٣٨٠) - تفسير ابن جرير (٨/ ٩٣٢٨) وأخرجه الطيالسي فى مسنده (٢٣٢٥) ثنا أَبو معشر به، وأَبو معشر هو نجيح بن عبد الرحمن السِّنْدي، ضعفه ابن معين وأَبو داود والنَّسائي وغيرهم وقال البخاري: \"منكر الحديث\" وقال أحمد: \"حديثه عندي مضطرب، لا يقيم الإسناد، ولكن أكتب حديثه أعتبر به\" وقال ابن المديني: \"كان ضعيفًا، وكان يُحَدِّث عن محمد بن قيس، وعن محمد بن كعب بأحاديث صالحة، وكان يحدث عن نافع وعن القبري بأحاديث منكرة\" وخالفه غير واحد من =\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- سقط من: ز.","vol":"4","page":22},{"text":"امرأة إذا نظرت إليها سرتك، وإذا أمرتها أطاعتك، وإذا غبت عنها حفظتك في [نفسها ومالك] [¬١] \". ثم قرأ رسول الله ﷺ هذه الآية ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ إلى آخرها.\nورواه ابن أبي حاتم (^٣٨١)، عن يونس بن حبيب، عن أبي داود الطيالسي، عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب، عن سعيد المقبري -به مثله سواء.\nوقال الإمام أحمد (^٣٨٢): حدَّثنا يحيى بن إسحاق حدَّثنا ابن لهيعة، عن عبيد [¬٢] الله بن أبي جعفر، أنَّ ابن قارظ أخبره: أن عبد الرحمن بن عوف قال: قال رسول الله ﷺ: \"إذا صلت المرأة خمسها، وصامت شهرها، وحفظت فرجها، وأطاعت زوجها، قيل لها: ادخلي الجنَّةَ من أي [¬٣] أَبواب الجنَّةَ شئت\".\nتفرد به أحمد من طريق عبد الله بن قارظ، عن عبد الرحمن بن عوف.\nوقوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾ أي: والنساء اللائي تتخوفون أن ينشزن\n_________\n= الثقات، فرواه أحمد فى \"المسند\" (٢/ ٢٥١، ٤٣٢) والنَّسائي فى \"السنن الكبرى\" (٥/ ٨٩٦١)، والحاكم فى \"المستدرك\" (٢/ ١٦١، ١٦٢) من طريق يحيى بن سعيد، والنسائى فى \"السنن الصغرى\" (٦/ ٦٨) وفى \"الكبرى\" (٣/ ٥٣٤٣)، والحاكم من طريق اللَّيث بن سعد، والحاكم أيضًا وعنه البيهقي فى \"السنن الكبرى\" (٧/ ٨٢) من طريق أبي عاصم الضحاك بن مخلد، ثلاثتهم (يحيى والليث وأَبو عاصم) عن ابن عجلان عن سعيد بن أبي سعيد المقبري به دون ذكر الآية، وقال الحاكم: \"حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه\" ووافقه الذهبي، وإسناده حسن للخلاف المشهور فى محمد بن عجلان، ثم إن مسلمًا إنما خرج لابن عجلان متابعة، وأخرجه أحمد أيضًا (٢/ ٤٣٨) ثنا يحيى، ثنا ابن عجلان عن عجلان عن أبي هريرة به، دون ذكر الآية وعجلان وثقه ابن حبان وقال النسائى: \"لا بأس به\" وانظر ما بعده.\n(^٣٨١) - تفسير ابن أبي حاتم (٣/ ٥٢٥٥) كذا وقع إسناده فى تفسير ابن أبي حاتم هكذا، وتقدم فى السابق أن أبا داود الطيالسى رواه فى مسنده (٢٣٢٥) ثنا أَبو معشر عن سعيد عن أبي هريرة به، ولعل ذلك سهو من ابن أبي حاتم، فإن الآثار التي قبل ذلك فى مسند الطيالسي رواه هن طريق ابن أبي ذئب عن سعيد به، والله أعلم.\n(^٣٨٢) - \" المسند\" (١/ ١٩١) (رقم ١٦٦١/ شاكر)، وأخرجه الطبراني فى \"الأوسط\" (٨/ ٨٨٠٥) ثنا مطلب بن شعيب، نا عبد الله بن صالح، نا ابن لهيمة عن جعفر بن ربيعة بن شرحبيل بن حسنة، عن ابن قارظ به، فال الشيخ شاكر: \"إسناده منقطع فيما أرى، فإن ابن قارظ هنا أرجح أنَّه إبراهيم =\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ز: \"مالك ونفسها\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"عبد\".\n[¬٣]- سقط من: ت.","vol":"4","page":23},{"text":"على [¬١] أزواجهن، والنشوز: هو الارتفاع، فالمرأة الناشز هي المرتفعة على زوجها، التاركة لأمره، المعرضة عنه، المبغضة له، فمتى ظهر له منها أمارات النشوز فليعظها وليخوفها عقاب الله في عصيانه، فإن الله قد أوجب حق الزوج عليها وطاعته، وحرم عليها معصيته؛ لما له عليها من الفضل والإفضال.\nوقد قال رسول الله ﷺ: \"لو كنت آمرًا أحدًا أن يسجد لأحد، لأمرت\n_________\n= ابن عبد الله بن قارظ، لا أَبوه عبد الله؛ لأن عبيد الله بن أبي جعفر متأخر عن أن يدرك عبد الله بن قارظ …، ولكن جزم المصنف هنا بأنه \"عبد الله بن قارظ\" غير أن \"عبد الله بن قارظ\" لم أهتد لترجمته؛ لأنه اختلط على المترجمين بابنه إبراهيم ففي \"التهذيب\" فى ترجمة \"إبراهيم\": \"روى عن جابر بن عبد الله وأبي هريرة، ومعاوية بن أبي سفيان، والسائب بن يزيد، وغيرهم، ورأى عمر وعليًّا، روى عنه أبو عبد الله الأغر، وأَبو صالح السمان وعمر بن عبد العزيز ويحيى بن أبي كثير، وأَبو سلمة بن عبد الرحمن وغيرهم، ثم قال: \"وجعل ابن أبي حاتم إبراهيم بن عبد الله بن قارظ وعبد الله بن إبراهيم ابن قارظ ترجمتين، والحق أنهما واحدٌ، والاختلاف فيه على الزُّهْريّ وغيره، وقال ابن معين: كان الزُّهْريّ يغلط فيه، وتعقب العلامة أبو الأشبال بكلام جيِّد قوي الحافظ ابن حجر ﵀ فى الجزم بصواب عدم التفرقة بينهما فقال فى حاشية \"المسند\" (٣/ ١٢٥، ١٢٦) وهذا شيء بعيد - يعني عدم التفرقة - أبو سلمة بن عبد الرحمن مات سنة ٩٤، وعمر بن عبد العزيز مات سنة ١٠١، ويحيى بن أبي كثير مات سنة ١٣٢ فمن العجيب جدًا أن يرووا جميعًا عن شيخ واحدٍ، ثم من هذا الشيخ؟ رجل أدرك عمر وعليًّا، بل سمع من عمر وعلى كما جزم البخاري فى \"الكبير\" فقد عمر أكثر من مائة سنة حتَّى يدركه يحيى بن أبي كثير!! \" ثم قال الشيخ: \"وأرجح أن إبراهيم بن عبد الله بن قارظ\" هو غير \"عبد الله بن إبراهيم بن قارظ\" كما جزم أبو حاتم، وأنَّه ابنه، أو لعل الرواة اختلف عليهم اسم الأب واسم ابنه، فتارة يسمون هذا \"عبد الله\" وذاك \"إبراهيم\" وتارة يعكسون والذي لا أشك فيه أن أحدهما ابن للآخر، وأن يحيى بن أبي كثير وطبقته يروون عن الابن، وعمر بن عبد العزيز وأَبو سلمة بن عبد الرحمن وطبقتهما يروون عن الأب، وأن الأب هو الذى سمع عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعبد الرحمن بن عوف … \" وهذا تحقيق جيِّد قوي، وبناءً عليه حكم الشيخ على هذا الإسناد بالانقطاع، وقد نأى الهيثمي \"المجمع\" (٤/ ٣٠٩) ومن قبله المنذري \"الترغيب والترهيب\" (٣/ ٥٢) عن هذا الاختلاف كله وقالا: \"رواه أحمد والطبراني فى \"الأوسط\" وفيه ابن لهيعة وحديثه حسن، وبقية رجاله رجال الصحيح\" وله شاهد من حديث الي هريرة صححه ابن حبان (٩/ ٤١٦٣) وآخر من حديث أَنس عند البزار (٢/ ١٤٦٣/ كشف)، وابن عدي (٣/ ٩٩٣، ١٠٣٧)، وأبي نعيم فى \"الحلية\" (٦/ ٣٠٨) وسنده ضعيف، وثالث من حديث عبد الرحمن بن حسنة قال الهيثمي: \"المجمع\" (٤/ ٣٠٩): \"رواه الطبراني وفيه ابن لهيعة\" وحديثه حسن، وسعيد بن عفير لم أعرفه، وبقية رجاله رجال الصحيح\".\n_________\n[¬١]- في خ: \"عن\".","vol":"4","page":24},{"text":"المرأة أن تسجد لزوجها؛ من عظم حقة عليها\" (^٣٨٣). وروى البخاري (^٣٨٤) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﵌: \"إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فأبت عليه لعنتها الملائكة حتَّى تصبح\".\nورواه مسلم (^٣٨٥)، ولفظه: \"إذا باتت المرأة هاجرة [¬١] فراش زوجها، لعنتها الملائكة حتَّى تصبح\". ولهذا قال تعالى: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ﴾.\nوقوله: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾ قال على بن أبي طلحة، عن ابن عبَّاس: الهجران [هو أن] [¬٢] لا يجامعها ويضاجعها على فراشها، ويوليها ظهره. وكذا قال غير واحد، وزاد آخرون، منهم السدي والضحاك وعكرمة وابن عبَّاس في رواية، ولا يكلمها مع ذلك ولا يحدثها.\nوقال على بن الي طلحة أيضًا، عن ابن عبَّاس: يعظها، فإن هي قبلت، وإلَّا هجرها في المضجع، ولا يكلمها من غير أن يذر [¬٣] نكاحها، وذلك عليها شديد.\nوقال مجاهد والشعبي دابراهيم ومحمد بن كعب ومقسم وقَتَادة: الهجر هو أن لا\n_________\n(^٣٨٣) - ورد من حديث جماعة من الصحابة، منها حديث قيس بن سعد عند أبي داود (٢١٤٠)، وصححه الحاكم (٢/ ١٨٧)، ووافقه الذهبي، وسنده حسن فى الشواهد، ومنها حديث أبي هريرة عند الترمذي (١١٥٩) وقال: \"حديث حسن غريب\" وصححه أَبو حاتم بن حبان (٤/ ١٢٩١/ موارد) ومنها حديث عائشة عند أحمد (٦/ ٧٦)، وابن ماجة (١٨٥٢)، وفى سنده على بن زيد بن جدعان، وهو ضعيف، وعن أَنس بن مالك عند أحمد (٣/ ١٥٨) والنَّسائي فى عشرة النساء من \"الكبرى\" (٥/ ٩١٤٧) وجود إسناده المنذرى فى \"الترغيب والترهيب\" (٣/ ٧٥) وعن عبد الله بن أبي أوفى عند أحمد (٤/ ٣٨١) وابن ماجة (١٨٥٣)، وصححه أَبو حاتم بن حبان (٤/ ١٢٩٠) وإسناده حسن، وفى الباب: عن عدد آخر راجع \"الإرواء\" للألباني (٧/ ١٩٩٨).\n(^٣٨٤) - أخرجه البخاري، كتاب بدء الخلق، باب: إذا قال أحدكم \"آمين … \" (٣٢٣٧)، ومسلم، كتاب النكاح، باب: تحريم امتناعها من فراش زوجها (١٢٢) (١٤٣٦). وكذا أخرجه أحمد (٢/ ٤٣٩، ٤٨٠)، وأَبو داود (٢١٤١) من طريق أبي حازم بن دينار عن أبي هريرة به.\n(^٣٨٥) - صحيح مسلم، كتاب النكاح، باب: تحريم امتناعها من فراش زوجها (١٢٠) (١٤٣٦)، وكذا أخرجه البخارى، كتاب النكاح، باب: إذا باتت المرأة مهاجرة فراش زوجها (٥١٩٤)، وأحمد (٢/ ٢٥٥ وفى مواضع أخر)، والنسائى فى \"الكبرى\" (٥/ ٨٩٧٠) من طريق قَتَادة عن زرارة بن أوفى، عن أبي هريرة به.\n_________\n[¬١]- في ز: \"مهاجرة\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٣]- في خ: \"يرد\".","vol":"4","page":25},{"text":"يضاجعها.\nوقد قال أَبو داود (^٣٨٦): حدَّثنا موسى بن إسماعيل، حدَّثنا حمَّاد، عن على بن زيد، عن أبي حُرّة الرقاشي، عن عمه، أن النبي صلى الله عليه وصلم قال: \"فإن خفتم نشوزهن فاهجروهن في المضاجع\". قال حمَّاد: يعني: النكاح.\nوفي السنن والمسند (^٣٨٧) عن معاوية بن حيدة القشيري أنَّه قال: يا رسول الله؛ ما حق امرأة أحدنا عليه [¬١]؟ قال: \"أن تطعمها [¬٢] إذا طعمت وتكسوها إذا اكتسيت، ولا تضرب الوجه، ولا تقبح، ولا تهجر إلَّا في البيت\".\nوقوله: ﴿وَاضْرِبُوهُنَّ [¬٣]﴾ أي: إذا لم يرتدعن بالموعظة ولا بالهجران، فلكم أن تضربوهن ضربًا غير مبرح، كما ثبت في صحيح مسلم، عن جابر (^٣٨٨)، عن النبي صلى الله عليه رسلم أنَّه قال في حجة الوداع: \"واتقوا الله في النساء، فإنهن عندكم عوان، ولكم عليهن أن لا يوطئن فُرُشكم أحدًا تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربًا غير مبرح، ولهن عليكم [¬٤] رزقهن وكسوتهن بالمعروف\".\n_________\n(^٣٨٦) - سنن أبي داود، كتاب النكاح، باب: فى ضرب النساء (٢١٤٥)، وأخرجه أحمد فى \"المسند\" (٥/ ٧٣) مطولًا جدًّا من طرى عفان ثنا حمَّاد به، وروى أجزاء من هذا المطول الدارمي فى سننه (٢/ ٢٥٣٧)، وابن أبي شيبة فى \"المصنف\" (٨/ ٣٥٦)، وأَبو يعلى فى مسنده (٣/ ١٥٦٩، ١٥٧٠) والدارقطني فى سننه (٣/ ٢٦)، والبيهقى فى \"السنن الكبرى\" (٦/ ١٠٠) (٨/ ١٨٢) وفى \"شعب الإيمان\" (٤/ ٥٤٩٢) من طرق عن حمَّاد، وهو ابن سلمة به، وذكره الهيثمي فى \"المجمع\" (٣/ ٢٦٩) برواية أحمد، وقال: \"روى أَبو داود منه ضرب النساء فقط، وهذا رواه أحمد، وأَبو حرة الرقاشي وثقه أَبو داود، وضعفه ابن معين، وفيه على بن زيد وفيه كلام\" وذكره فى (٤/ ١٧٥) برواية أبي يعلى، وقال: \"رواه أَبو يعلى وأَبو حرة وثقه أَبو داود، وضعفه ابن معين\" واعتمد الحافظ ابن حجر ﵀ الأول فوثقه فى \"التقريب\" لكن علته على بن زيد وهو \"ضعيف\".\n(^٣٨٧) - أخرجه أَبو داود، كتاب النكاح، باب: فى حق المرأة على زوجها (٢١٤٢: ٢١٤٤)، والنسائى فى \"الكبرى\"، كتاب عشرة النساء (٥/ ٩١٦٠) وابن ماجة، كتاب النكاح (١٨٥٠)، وأحمد (٤/ ٤٤٧) (٥/ ٣، ٥) وصححه ابن حبان (٤/ ١٢٨٦/ موارد) والدارقطني كما فى \"العلل\" (٧/ س ١٢٣٣)، والحاكم (٢/ ١٨٧، ١٨٨)، ووافقه الذهبي وعلقه البخاري فى صحيحه، كتاب النكاح، باب: هجرة النبي ﷺ نساءه فى غير بيوتهن (٥٢٠٢).\n(^٣٨٨) - صحيح مسلم، كتاب الحج، باب: حجة النبي ﷺ (١٤٧) (١٢١٨).\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- في ز: \"يطعمها\".\n[¬٣]- في ز: \"فاضربوهن\".\n[¬٤]- سفط من: ز، خ.","vol":"4","page":26},{"text":"وكذا قال ابن عبَّاس وغير واحد ة ضربًا غير مبرح. قال الحسن البصري: يعني: غير مؤثر. وقال الفقهاء: هو أن لا يكسر فيها عضوًا، ولا يؤثر فيها [¬١] شيئًا.\nو[¬٢] قال على بن أبي طلحة، عن ابن عبَّاس: يهجرها في المضجع، فإن أقبلت وإلا فقد أذن الله لك أن تضربها ضربًا غير مبرح، ولا تكسر لها عظمًا، فإن أقبلت وإلا فقد [أحل الله] [¬٣] لك [¬٤] منها الفدية.\nوقال سفيان بن عيينة (^٣٨٩)، عن الزُّهْريّ، على عبد الله بن عبد الله بن عمر، عن إياس بن عبد الله بن أبي ذباب [¬٥]، قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا تضربوا إماء الله\". فجاء عمر ﵁ إلى رسول الله ﷺ فقال: ذئرت [¬٦] النساء على أزواجهن. فرخص [رسول الله] [¬٧] في ضربهن، فأطاف بآل رسول الله صلى\n_________\n(^٣٨٩) - أخرجه أبو داود، كتاب النكاح، باب: فى ضرب النساء (٢١٤٦) ثنا محمد - سقطت من المطبوع والتصويب فى \"التحفة\" (٢/ ١٧٤٦) وكتب الرجال - بن أحمد بن أَبى خلف، وابن ماجة، كتاب النكاج، كاب: ضرب النساء (١٩٨٥) ثنا محمد بن الصباح والبخاري فى \"التاريخ الكبير\" (١/ ٤٤٠) حدثني عبد الله بن محمد، والطبراني فى \"المعجم الكبير\" (١/ رقم ٧٨٥) من طريق القعنبي وإبراهيم بن بشار الرمادي، والبيهقي فى \"السنن الكبرى\" (٧/ ٣٠٥) من طريق يحيى بن الربيع، سنتهم (ابن أبي خلف، وابن الصباح، وعبد الله، والقعنبي، والرمادي، ويحيى) عن سفيان بن عيينة بهنا الإسناد، وأخرجه الحميدي (٢/ ٨٧٦)، ومن طريقه الطبراني (١/ ٧٨) غير أنَّه وقع عنده من هذه الطريق \"عبد الله\" مكبرًا، والحاكم فى \"المستدرك\" (٢/ ١٨٨)، والشَّافعي فى مسنده (٢/ ٨٨) \"شفاء العي\" ومن طريق الشَّافعي البغوي فى \"شرح السنة\" (٩/ ٢٣٤٦) - والدارمي فى سننه (٢/ ٢٢٢٥) أخبرنا محمد بن أحمد بن أبي خلف، وأَبو داود (٢١٤٦)، ثنا أحمد بن عمرو بن السرح، والنَّسائي فى \"السنن الكبرى\" - كما فى \"التحفة\" (٢/ ١٧٤٦) عن قتيبة، وابن أبي عاصم فى \"الآحاد والمثاني\" (٥/ ٢٦٨٧) ثنا يعقوب بن حميد، ستتهم (الحميدي، والشافعي، وابن أبي خلف، وابن السرح، وقتيبة، ويعقوب) ثنا سفيان بن عيينة به، غير أنهم قالوا: \"عبيد الله بن عبد الله \"هكذا مصغرًا وهو ثقة، بينما المكبر ضعيف، وليست بقلة رواية الاثنين للحديث، ومن طريق المكبر أخرجه عبد الرزاق فى \"المصنف\" (٩/ ١٧٩٤٥) ومن طريق عبد الرزاق أبو حاتم بن حبان فى صحيحه (٩/ ٤١٨٩)، والطبراني (٧٨٤)، والبيهقي (٧/ ٣٠٤)، والبخارى فى \"التاريخ الكبير\" معلقًا - أخبرنا معمر عن الزهرى عن عبد الله به، وأخرجه الطبراني (٧٨٦) أيضًا من طريق ابن المبارك، ثنا محمد=\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- في ز: \"حل\" خ: \"حل لك\".\n[¬٤]- سقط من: خ.\n[¬٥]- في ز: \"ذياب\".\n[¬٦]- أي: نشزت، واجترأن.\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"4","page":27},{"text":"الله عليه وسلم نساء كثير يشكون أزواجهن، فقال رسول الله ﷺ: \"لقد أطاف بآل محمد نساء كثير يشكون أزواجهن، ليس أولئك بخياركم\". رواه أبو داود والنَّسائي، وابن ماجة.\nوقال الإِمام أحمد (^٣٩٠): حدَّثنا سليمان بن داود - يعني أبا داود الطيالسي - حدَّثنا أَبو عوانة، عن داود الأودي، عن عبد الرحمن المسلى [¬١]، عن الأشعث بن قيس، قال:\n_________\n= ابن أبي حفصة، عن الزُّهْريّ عن عبيد الله به، وقال الحاكم: \"حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه\" ووافقه الذهبي، وكذا صحح إسناده الحافظ ابن حجر ﵀ فى \"الإصابة\" (١/ ١٤٥) وذلك ترجيحًا منه بأن إياس بن عبد الله بن أبي ذباب: له صحبة، متبعًا فى ذلك أبا حاتم، وأبا زرعة كما فى \"الجرح والتعديل\" (٢/ ٢٨٠)، بينما جزم أحمد بن حنبل والبخاري وابن حبان بأن لا صحبة له. راجع \"التهذيب\" فالله أعلم، وللحديث شاهد من حديث ابن عبَّاس صححه ابن حبان (٩/ ٤١٨٦)، وهو عند ابن ماجة (١٩٧٧)، والحاكم (٤/ ١٧٣) مصححًا له مختصرًا وفى إسناده عمارة بن ثوبان أعل الحديث به البوصيري فى \"الزوائد\" فقال: أ إسناده ضعيف؛ لأن عمارة بن ثوبان ذكره ابن حبان فى \"الثقات\" (٧/ ٢٦٢)، وقال عبد الحق: ليس بالقوى. وقال ابن القطان: مجهول الحال\" وشاهد آخر مرسل عن أم كلثوم بنت أبي بكر عند ابن سعد فى \"الطبقات\" (٨/ ١٦٥)، والبيهقي فى \"السن الكبرى\" (٧/ ٣٠٤)، وبالله التوفيق.\n(^٣٩٠) - \" المسند\" (١/ ٢٠)، ومن طريق أحمد المزي فى \"تهذيب الكمال\" (١٨/ ٣٠، ٣١) وهو فى مسند الطيالسي (ص ١٠)، ومن طريقه أخرجه أيضًا محمد بن نصر المروزي فى \"كتاب صلاة الوتر\" (رقم ٦١) ثنا هارون بن عبد الله ثنا أَبو داود مقرونًا بأبي داود يحيى بن حمَّاد - به، والبيهقي فى \"السنن الكبرى\" (٧/ ٣٠٥) من طريق يونس بن حبيب نا أَبو داود به، وفيه (عن عبد الله بن أبي عبد الرحمن المسلي)، وقال البيهقي: وقال غيره: عن أبي داود فى هذا الإسناد عن \"عبد الرحمن المسلى\" وهو الصواب فقد رواه عبد بن حميد فى \"المنتخب\" (٣٧) حدثني يحيى بن عبد الحميد، وأَبو داود، كتاب النكاح، باب: فى ضرب النساء (٢١٤٧)، والنَّسائي فى \"السنن الكبرى\" (٥/ ٩١٦٨) وابن ماجة، كتاب النكاح، باب: فى ضرب النساء (١٩٨٦) من طريق عبد الرحمن بن مهدي، وابن ماجة أيضًا والبزار (١/ ٢٣٩ / البحر الزخار) من طريق من يحيى بن حمَّاد، ثلاثتهم (يحيى وابن مهدي وابن حمَّاد) عن أبي عوانة به، وأخرجه الحاكم فى \"المستدرك\" (٤/ ١٧٥) من طريق سليمان بن حرب، ثنا أَبو عوانة به - وتحرف \"المسلي\" إلى الملي - وقد ذكر فيه الثالثة التى نسيها وهي: \"ولا تسأله عمن يعتمد من إخوانه ولا يعتمدهم\" وقال الحاكم: \"حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه\" ووافقه الذهبي مع أنَّه ترجم لعبد الرحمن المسلي فى \"الميزان\" وقال: \"لا يعرف إلَّا فى حديثه عن الأشعث، تفرد عنه داود بن عبد الله الأودي\" وقال البزار: \"وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن رسول الله ﷺ إلَّا من هذا الوجه، وعبد الرحمن المسلي هو عندي أَبو وبرة وعبد الرحمن وابنه قد حدث بأحاديث، =\n_________\n[¬١]- في ز: \"المبتلى\".","vol":"4","page":28},{"text":"ضفت عمر ﵁، فتناول امرأته فضربها، وقال: يا أشعث، احفظ عني ثلاثا، حفطتهن عن رسول الله ﷺ: لا تسأل الرجل فيما ضرب امرأته، ولا تنم إلا على وتر، ونسى [¬١] الثالثة.\nوكذا رواه أبو داود والنَّسائي وابن ماجة من حديث عبد الرحمن بن مهدي، عن أَبى عوانة، عن داود الأودي - به. وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾ أي: إذا أطاعت المرأة زوجها في جميع ما يريده منها مما أباحه الله له منها فلا سبيل له عليها بعد ذلك، وليس له ضربها ولا هجرانها.\nوقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾ تهديدًا للرجال إذا بغوا على النساء من غير سبب، فإن الله العلي الكبير وليهن، وهو منتقم [¬٢] ممن ظلمهن وبغى عليهن.\n﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا (٣٥)﴾\nذكر [¬٣] الحال الأول، وهو إذا كان النفور والنشوز من الزوجة. ثم ذكر الحال الثاني وهو إذا كان النفور من الزوجين، فقال تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾.\nوقال الفقهاء: إذا وقع الشقاق بين الزوجين، أسكنهما الحاكم إلى جنب ثقة، ينظر في أمرهما، ويمنع الظالم منهما من الظلم، فإن تفاقم أمرهما، وطالت خصومتهما، بعث الحاكم ثقة من أهل المرأة وثقة من قوم الرجل ليجتمعا، وينظرا في أمرهما، ويفعلا ما فيه المصلحة مما [¬٤] يريانه [¬٥] من [التفريق أو التوفيق] وتشوف الشارع إلى التوفيق. ولهذا قال\n_________\n= وعبد الرحمن لا نعلم حدث بغير هذا الحديث\".\nوالخبر ذكره المصنف فى \"مسند الفاروق\" (١/ ١٨٢) وقال: \"رواه الإمام على بن المديني عن أبي مهدى، عن أبي عوانة، عن داود الأودي به، ثم قال: وهذا إسناد مجهول، وداود بن عبد الله الأودي لا أعلم أحدًا روى عنه إلَّا زهير وأَبو عوانة - وهذا غريب جدًّا، فقد روى عنه جمع، راجع: \"تهذيب الكمال\" قال: وعبد الرحمن المسلي، ويكني بأبي وبرة، لا أعلم روى عنه غير هذا\".\n_________\n[¬١]- في المسند: نسيت.\n[¬٢]- في ز: \"ينتقم\".\n[¬٣] في خ: \"ذلك\".\n[¬٤]- في ز: \"فيما\".\n[¬٥]- في ز: \"يرانه\".","vol":"4","page":29},{"text":"تعالى: ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾.\nوقال على بن أبي طلحة، عن ابن عبَّاس: أمر الله ﷿ أن يبعثوا رجلًا صالحًا من أهل الرجل ورجلًا مثله من أهل المرأة، فينظران أيهما المسيء، فإن كان الرجل هو المسيء حجبوا عنه امرأته وقصروه على النفقة، وإن كانت المرأة هي المسيئة قصروها على زوجها ومنعوها النفقة، فإن اجتمع رأيهما على أن يفرقا أو يجمعا فأمرهما جائز، فإن رأيا أن يجمعا فرضي أحد الزوجين وكره [ذلك] [¬١] الآخر، ثم مات أحدهما فإن الذي رضي يرث الذي كره، ولا يرث الكاره الراضي. رواه ابن أبي حاتم وابن جرير (^٣٩١).\nوقال عبد الرزاق (^٣٩٢): أخبرنا معمر، عن ابن طاوس، عن عكرمة بن خالد، عن ابن عبَّاس، قال: بعثت أنا ومعاوية حكمين. قال معمر: بلغنى [¬٢] أن عثمان بعثهما، وقال لهما: إن رأيتما أن تجمعا جمعتما وإن رأيتما أن تفرقا فرقتما [¬٣].\nوقال (^٣٩٣): أنبأنا ابن جريج، حدثني ابن أبي مليكة، أن عقيل بن أبي طالب تزوج فاطمة بنت عتبة بن ربيعة، فقالت: تصير [¬٤] إلي [¬٥] وأنفق عليك، فكان إذا دخل عليها، قالت: أين عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة؟ فقال: على يسارك في النار إذا دخلت. فشدت عليها ثيابها، فجاءت عثمان، فذكرت [له ذلك] فضحك، وأرسل ابن عبَّاس ومعاوية، فقال ابن عبَّاس: لأفرقن بينهما. فقال معاوية: ما كنت لأفرق بين شيخين من بني عبد مناف.\n_________\n(^٣٩١) - أخرجه ابن جرير (٨/ ٩٤١٨)، وابن أبي حاتم (٣/ ٥٢٨٣)، وأخرجه أيضًا البيهقي فى \"السنن الكبرى\" (٧/ ٣٠٦) مختصرًا، وذكره السيوطي فى \"الدر المنثور\" (٢/ ٢٧٩) وزاد نسبته إلى ابن المنذر.\n(^٣٩٢) - تفسير عبد الرزاق (١/ ١٥٩) وفى مصنفه (٦/ ١١٨٨٥)، ومن طريقه أخرجه ابن جرير (٨/ ٩٤٢٦)، وعلقه البيهقي فى \"السنن الكبرى\" (٧/ ٣٠٦) عن عكرمة بن خالد به، وزاد نسبته السيوطي فى \"الدر المنثور\" (٢/ ٢٨٠) إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣٩٣) - \" المصنف\" لعبد الرزاق (٦/ ١١٨٨٧)، وأخرجه الشَّافعي فى \"الأم\" (٥/ ١٧٧، ١٧٨) - ومن طريقه البيهقى فى \"السنن الكبرى\" (٧/ ٣٠٦) - أنا مسلم بن خالد، وابن جرير (٨/ ٩٤٢٧) من طريق من روح بن عبادة، كلاهما (مسلم وروح) ثنا ابن جريج به نحوه.\n_________\n[¬١]- سقط من خ.\n[¬٢]- في ز: \"لمعني\".\n[¬٣]- في ز: \"ففرقا\".\n[¬٤]- في خ: \"تصبر\".\n[¬٥]- فى ز، خ: \"لي\".","vol":"4","page":30},{"text":"فأتياهما فوجداهما قد أغلقا عليهما أبوابهما فرجعا.\nقال عبد الرزاق (^٣٩٤): أخبرنا معمر، عن أيوب، عن محمد بن سيرين، عن عبيدة، قال: شهدت عليًّا وجاءته امرأة وزوجها، مع كل واحد منهما فئام من الناس، فأخرج هؤلاء حكمًا، وهؤلاء حكمًا، فقال على للحكمين: أتدريان ما عليكما؟ إن عليكما إن رأيتما أن تجمعا جمعتما. فقالت المرأة: رضيت بكتاب [¬١]- الله لي وعلي. وقال الزوج: أمّا الفرقة فلا. فقال علي: كذبت والله، لا تبرح حتى ترضي بكتاب الله ﷿ لك وعليك.\nرواه ابن أبي حاتم، ورواه ابن جرير، عن يعقوب، عن ابن علية، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن عبيدة، عن علي -مثله، ورواه من وجه آخر، عن ابن سيرين، عن عبيدة، عن علي، به.\nوهذا مذهب جمهور العلماء على أن الحكمين إليهما الجمع والتفرقة، حتى قال إبراهيم النخعي: إن شاء الحكمان أن يفرقا بينهما بطلقة أو بطلقتين أو ثلاثًا فعلا. وهو رواية عن مالك.\nوقال الحسن البصري: الحكمان يحكمان في الجمع [ولا يحكمان في] [¬٢] التفرقة [¬٣]. وكذا قال قتادة وزيد ابن أسلم، وبه قال أحمد بن حنبل وأبو ثور وداود. ومأخذهم قوله تعالى: ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾. ولم يذكر التفريق.\nوأما إذا كانا وكيلين من جهة الزوجين، فإنه ينفذ حكمهما [¬٤] في الجمع والتفرقة بلا خلاف. وقد اختلف الأئمة في الحكمين: هل هما منصوبان من جهة [¬٥] الحاكم، فيحكمان وإن لم يرض الزوجان، أو هما وكيلان من جهة الزوجين، على قولين. والجمهور على الأول؛ لقوله تعالى: ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ فسماهما حكمين، ومن شأن الحكم أن يحكم بغير رضا المحكوم عليه، وهذا ظاهر الآية، والجديد من مذهب الشافعي، وهو قول أبي حنيفة\n_________\n(^٣٩٤) - أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (١/ ١٥٨، ١٥٩) وفي \"المصنف\" (٦/ ١١٨٨٣) ومن طريقه أخرجه ابن أبي حاتم (٣/ ٥٢٨٢) وأخرجه ابن جرير (٨/ ٩٤٠٩) حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن علية عن أيوب به ورواه ابن جرير أيضًا (٨/ ٩٤٠٨، ٩٤٠٩) من طرق عن ابن سيرين به وأخرجه \"الأم\" (٥/ ١٧٧) ومن طريقه وطرق أخرى البيهقي في \"السنن الكبري\" (٧/ ٣٠٥، ٣٠٦) عن أيوب به وقال الشافعي: \"حديث على ثابت عندنا\".\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في ت: \"لافي\".\n[¬٣]- في ز: \"التفريق\".\n[¬٤]- في ز: \"حكماهما\".\n[¬٥]- في ز، خ: \"عند\".","vol":"4","page":31},{"text":"وأصحابها الثاني منهما لقول [¬١]، علي ﵁ للزوج حين قال: أما الفرقة فلا. فقال: كذبت حتى تقر بما أقرت به.\nقالوا: فلو كانا حاكمين لما افتفر إلى إقرار الزوج، والله أعلم.\nقال الشيخ أبو عمر بن عبد البر: وأجمع العلماء على أن الحكمين إذا اختلف قولهما، فلا عبرة بقول الآخر، وأجمعوا على أن قولهما نافذ في الجمع وإن لم يوكلهما الزوجان، واختلفوا هل ينفذ قولهما في التفرقة؟ ثم حكي عن الجمهور أنه ينفذ قولهما فيها [¬٢] أيضًا [من غير توكيل] [¬٣].\n* ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا (٣٦)﴾\nيأمر ﵎ بعبادته وحده لا شريك له؛ فإنه هو [¬٤] الخالق الرازق المنعم المتفضل على خلقه في جميع الآيات [¬٥] والحالات، فهو المستحق منهم أن يوحدوه ولا يشركوا [به شيئًا] [¬٦] من مخلوقاته، كما قال النبي ﷺ (^٣٩٥) لمعاذ [بن جبل] [¬٧]: \"أتدري ما حق الله على العباد؟ \" قال: الله ورسوله أعلم. قال: \"أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا\" ثم قال: أتدري ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك؟ أن لا يعذبهم\".\nثم أوصي بالإِحسان إلى الوالدين، فإن الله سبحانه جعلهما سببًا لخروجك من العدم إلى الوجود، وكثيرًا ما يقرن الله سبحانه بين عبادته والإحسان إلى الوالدين، كقوله: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾. وكقوله: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾.\n_________\n(^٣٩٥) - تقدم تخريجه [البقرة/ آية ٢٢] وانظر أيضًا [سورة الأنعام/ آية ٥٤/ رقم ٧٣، ٧٤].\n_________\n[¬١]- في ز: \"بقول\".\n[¬٢]- في خ: \"فيه\".\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- سقط من: خ.\n[¬٥]- في ز: \"الآيات\".\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.","vol":"4","page":32},{"text":"ثم عطف على الإِحسان [إلى الوالدين] [¬١] الإِحسان إلى القرابات من الرجال والنساء، كما جاء في الحديث: \"الصدقة على المسكين صدقة، وعلى ذي الرحم صدقة وصلة\" (^٣٩٦).\nثم قال تعالى: ﴿واليتامي﴾ وذلك لأنهم قد فقدوا من يقوم بمصالحهم، ومن ينفق عليهم، فأمر الله بالإِحسان اليهم، والحنوّ عليهم.\nثم قال: ﴿والمساكين﴾ وهم المحاويج من ذوي الحاجات الذين لا يجدون من يضوم بكفايتهم، فأمر الله سبحانه بمساعدتهم بما تتم به كفايتهم وتزول به ضرورتهم، وسيأتي الكلام على الفقير والمسكين في سورة براءة.\nوقوله: ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾ قال على بن أبي طلحة، عن ابن عباس: والجار ذي القربى، يعني: الذي بينك وبينه قرابة، والجار الجنب: الذي ليس بينك وبينه قرابة. وكذا روي عن عكرمة ومجاهد، وميمون بن مهران والضحاك، وزيد بن أسلم ومقاتل بن حيان وقتادة.\nوقال أبو إسحاق عن نوف البكالي، في قوله: ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى﴾ يعني: الجار [¬٢] المسلم، ﴿وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾ يعني: اليهودي والنصراني. رواه ابن جرير وابن أبي حاتم (^٣٩٧).\nوقال جابر الجعفي (^٣٩٨)، عن الشعبي، عن علي، وابن مسعود: (والجار ذي القربى)\n_________\n(^٣٩٦) - أخرجه أحمد (٤/ ١٧، ١٨) والترمذي، كتاب الزكاة، باب: ما جاء في الصدقة على ذي القرابة، (٦٥٨)، والنسائي، كتاب: الزكاة، باب: الصدقة على الأقارب ٥/ ٩٢)، وابن ماجه. كتاب: الزكاة، باب: فضل الصدقة (١٨٤٤) وغيرهم من حديث سلمان بن عامر الضبي مرفوعًا به وقال الترمذي: \"حديث حسن\" وصححه ابن خزيمة (٣/ ٢٠٦٧) وأبو حاتم بن حبان (٨/ ٣٣٤٤) والحاكم (١/ ٤٠٧) ووافقه الذهبي مع أن في إسناده أم الرائح بنت صليع واسمها الرباب، لم يوثقها غير ابن حبان \"الثقات\" (٤/ ٢٤٤) وليس لها إلا هذا الحديث، وما روي عنها سوي حفصة بنت سيرين -راجع \"التهذيب\" لكن يشهد له حديث زينب الثقفية امرأة عبد الله بن مسعود- عند البخاري (١٤٦٦)، ومسلم (١٠٠٠) (٤٥) في خبر طويل وفيه: \"لها أجران: أجر القرابة، وأجر الصدقة\".\n(^٣٩٧) - أخرجه ابن جرير (٨/ ٩٤٥٦)، وابن أبي حاتم (٣/ ٥٣٠١) ولم يعزه السيوطي في \"الدر المنثور\" (٢/ ٢٨٢) لغيرهما.\n(^٣٩٨) - أخرجه ابن أبي حاتم (٣/ ٥٣٠٢) ثنا أبو سعيد الأشج، ثنا وكيع، عن إسرائيل، عن جابر =\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ت: \"إليهما\".\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.","vol":"4","page":33},{"text":"يعني: المرأة وقال مجاهد أيضًا في قوله: (والجار الجنب) يعني: الرفيق في السفر.\nوقد وردت الأحاديث بالوصايا بالجار، فلنذكر منها ما تيسر، وبالله المستعان.\n(الحديث الأول) قال الإِمام أحمد (^٣٩٩): حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن عمر ابلأ محمد بن زيد، أنه سمع أباه [¬١] محمدًا يحدث عن عبد الله بن عمر، أن رسول الله صلى الله عليه رسلم قال: \"ما زال جبريل يوصيني بالجار، حتى ظننت أنه سيورثه\". [أخرجاه في الصحيحين [¬٢] من حديث عمر بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر، به.\n(الحديث الثاني) قال الإِمام أحمد (^٤٠٠): حدثنا سفيان، عن داود بن شابور، عن مجاهد، عن عبد الله بن عمرو [¬٣]، قال: قال رسول الله صلى الله عليه رسلم \"مازال جبريل يوصيني بالجار، حتى ظننت أنه سيورّثه\"] [¬٤].\n_________\n= به، وأخرجه ابن جرير (٨/ ٩٤٧١) ثنا ابن وكيع، حدثنا أبي، عن سفيان عن جابر عن عامر- الشعبي - أو القاسم به وزاد نسبته السيوطي في \"الدر المنثور\" (٢/ ٢٨٤) إلى عبد بن حميد وابن المنذر والفريابي ومن طريق الفريابي سفيان عن جابر عن القاسم أو الشعبي عن ابن مسعود -دون ذكر علي- به وذكره الهيثمي في \"المجمع\" (٧/ ٧) وقال: \"رواه الطبراني عن شيخه عبد الله بن محمد بن سعيد بن أبي مريم وهو ضعيف\" وهو مُعَلٍّ قبل ذلك بضعف الجعفي.\n(^٣٩٩) - \" المسند\" (٢/ ٨٥)، وأخرجه البخاري، كتاب: الأدب. باب: الوَصاةِ بالجار (٦٠١٥) ثنا محمد بن منهال ومسلم. كتاب: البر والصلة والآداب (١٤١) (٢٦٢٥) ثنا عبيد الله بن عمر القواريري، كلاهما (محمد وعبيد الله) ثنا يزيد بن زريع عن عمر بن محمد به.\n(^٤٠٠) - \" المسند\" (٢/ ١٦٠) [رقم (٦٤٩٦) (٩/ ٢٠٦) شاكر] ومن طريق أحمد وأبو نعيم في \"الحلية\" (٣/ ٣٠٦) مقرونًا بـ \"داود بن شابور\" \"بشير أبي إسماعيل\" وأخرجه من الطريقين البخاري في \"الأدب المفرد\" (١٠٥) ثنا محمد بن سلام، والترمذي. كتاب: البر والصلة، باب: ما جاء في حق الجرار (١٩٤٣) ثنا محمد بن عبد الأعلى كلاهما (ابن سلام وابن عبد الأعلى) عن سفيان بن عيينة به.\nوأخرجه الحميدي (٢/ ٥٩٣) وأبو داود، كتاب: الأدب، باب: في حق الجرار (٥١٥٢) من طريق سفيان والبخاري (رقم ١٢٨) وابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٦/ ١٠١) والطبراني في \"مكارم الأخلاق\" رقم ١٩٩) من طريق أبي نعيم الفضل بن دكين -والدارقطني في \"العلل\" (٨/ ٢٣٢) ثنا أبو قتيبة وأبو أحمد، وأخرجه الطحاوي في \"مشكل الآثار\" (٤/ ٢٦، ٢٧) من طريق إسماعيل بن عمر الواسطي والخرائطي في \"مكارم الأخلاق\" (ص ٣٦) من طريق عثمان بن عمر بن فارس كلاهم (سفيان والفضل وأبو قتيبة وأبو أحمد وإسماعيل وعثمان) عن بشير بن سليمان -ويقال سلمان- وحده =\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- في ز: \"الصحيح\".\n[¬٣]- في ز: \"عمر\"\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.","vol":"4","page":34},{"text":"وروي أبو داود والترمذي نحوه، من حديث سفيان بن عيينة، عن بشير أبي إسماعيل، زاد الترمذي، وداود بن شابور، كلاهما عن مجاهد به، ثم قال الترمذي: حسن غريب من هذا الوجه، وقد روي عن مجاهد و[¬١] عائشة (^٤٠١) وأبي هريرة (^٤٠٢) عن النبي ﷺ\n_________\n= عن مجاهد به.\nوأخرجه الطبراني أيضًا (٢٠٠) من طريق إبراهيم بن بشار الرمادي ثنا سفيان عن داود بن شابور عن مجاهد به وقال الترمذي: \"حسن غريب من هذا الوجه\" ورجاله ثقات من رجال \"التهذيب\" غير أنه قد أعل من هذا الوجه -كما يأتي- وله طريق آخر أخرجه الطبراني (٢٠١) عن عثمان بن عطاء الخراساني عن أبيه عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده به غير أن عثمان بن عطاء \"ضعيف\" وانظر ما بعره.\n(^٤٠١) - أخرجه أحمد (٦/ ٩١، ١٢٥) وابن راهويه في مسنده (٣/ ١٧٤٥) وأبو القاسم البغوي في \"مسند ابن الجعد\" (٢٨٠١) وابن عدي في \"الكامل\" (٦/ ٢٢٤١) والخرائطي في \"المكارم\" (ص ٣٦) والطبراني في \"المكارم\" (٢٠٣) وتمام في فوائده (٤/ ١٢٦٨) والخطيب في \"تاريخ بغداد\" (٤/ ١٨٧) من طريق محمد في طلحة بن مصرف، أخرجه أحمد (٦/ ١٨٧) وإسحاق بن راهويه في مسنده (٣/ ١١٩٦) والخرائطي والطبراني (٢٠٢) والدارقطني في \"العلل\" (٨/ س ١٥٣٨) وأبو نعيم في \"الحلية\" (٣/ ٣٠٧) من طريق سفيان الثوري، كلاهما (محمد وسفيان) عن زبيد عن مجاهد عن عائشة به وزاد الطبراني في رواية محمد بن طلحة -بين مجاهد وعائشة \"عن جابر\".\nوقال الدارقطني: \"اختلف فيه على مجاهد فرواه يونس بن أبي إسحاق عن مجاهد عن أبي هريرة وهو الآتي بعد هذا -وخالفه بشير بن سليمان فرواه عن مجاهد عن عبد الله بن عمرو وخالفهما زبيد فرواه عن مجاهد عن عائشة، وقول زبيد أشبهها\" وقال ابن أبي حاتم في \"العلل\" (٢/ رقم ٢٢٢١): \"سألت أبي وأبا زرعة عن حديث مجاهد في قول النبي ﷺ أوصاني جبريل … الحديث -واختلاف الرواة عن مجاهد فقال بشير بن سلمان عن مجاهد عن عبد الله بن عمرو وقال يونس بن أبي إسحاق عن مجاهد عن أبي هريرة وقال زبيد عن مجاهد عن عائشة، قال أبي حديث زبيد أشبه لأنه أحفظهم ولا أبعد أن يكون روى مجاهد عن كلاهم، قال أبي وقد روى عن عبد الله بن عمرو من غير هذا الطريق قال أبو زرعة: سمعت أبا حفص الصيرفي يقول: سمعت يحيي بن سعيد يقول: الصحيح حديث زبيد وقال أبو زرعة: الصحيح حديث زبيد قلت له: فتعرف خلافًا سوى ما ذكرنا قال: لا\".\nوحديث عائشة أخرجه البخاري (٦٠١٤) ومسلم (٢٦٢٤) من طريق أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن عمرة عن عائشة به.\n(^٤٠٢) - أخرجه أحمد (٢/ ٣٠٥، ٤٤٥) وابن ماجه. كتاب: الأدب، باب: حق الجوار (٣٦٧٤) والخرائطي في \"مكارم الأخلاق\" ص ٣٦) والطبراني في \"المكارم\" أيضًا (١٩٨) وأبو نعيم في \"الحلية\" (٣/ ٣٠٦) والدارقطني في \"العلل\" (٨/ س ١٥٣٨) من طرق عن يونس في أبي إسحاق =\n_________\n[¬١]- في ت: \"عن\".","vol":"4","page":35},{"text":"(الحديث الثالث [] [¬١] قال أحمد أيضًا (٤٠٣): وحدثنا عبد الله بن يزيد، أخبرنا حيوة، أخبرنا شرحبيل بن شريك، أنه [¬٢] سمع أبا عبد الرحمن الحُبُلي يحدث عن عبد الله بن عمرو بن العاص، عن النبي ﷺ أنه قال: \"خير الأصحاب عند الله خيرهم لصاحبه، وخير الجيران عند الله خيرهم لجاره\".\nورواه الترمذي، عن أحمد بن محمد، عن عبد الله بن المبارك، عن حيوة بن شريح -به، وقال: حسن غريب.\n(الحديث الرابع) قال الإِمام أحمد (^٤٠٤): حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا سفيان، عن أبيه، عن عباية بن رفاعة، عن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا يشبع الرجل دون جاره\". تفرّد به أحمد.\n_________\n= عن مجاهد عن أبي هريرة به. وقال البوصيري: \"إسناد صحيح رجاله ثقات … \" غير أن جماعة قالوا الصحيح فيه \"مجاهد عن عائشة\" انظر السابق، لكن ورد حديث أبي هريرة من طريق آخر فأخرجه أحمد (٢/ ٢٥٩، ٤٥٨، ٥١٤)، وابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٦/ ١٠١) والبزار (١٨٩٨) وغيرهم من طريق شعبة عن داود بن فراهيج عن أبي هريرة به وصححه ابن حبان (٢/ رقم ٥١٢) وداود بن فراهيج مختلف فيه فوثقه ابن حبان \"الثقات\" (٤/ ٢١٦) وقال أبو حاتم \"الجرح والتعديل\" (٣/ ٤٢٢) \"صدوق\" وقال النسائي: \"ليس بالقوي\" -راجع \"لسان الميزان\"- وجزم الذهبي في \"الميزان\" بأنه ضعيف وأورد الهيثمي الحديث في \"المجمع\" (٨/ ١٦٨) وقال: \"رواه البزار وفيه داود بن فراهيج وهو ثقة وفيه ضعف، وبقية رجاله ثقات\".\n٤٠٣) - \"المسند\" (٢/ ١٦٧، ١٦٨) مقرونًا بـ \"حيوة\" ابنُ لهيعة، ومن الطريقين أخرجه الدارمي (٢٤٤٢) وأخرجه الترمذي، كتاب البر والصلة، باب: ما جاء في حق الجوار (١٩٤٤)، والبخاري في \"الأدب المفرد\" (١١٥) وعبد بن حميد في \"المنتخب\" (٣٤٢) وغيرهم من طريق حيوة -وحده- به، وقال الترمذي: \"حديث حسن غريب\" وصححه ابن خزيمة (٤/ ٢٥٣٩) وابن حبان (٢/ ٥١٨، ٥١٩)، والحاكم (١/ ٤٤٣) على شرط الشيخين ووافقه الذهبي، وشرحبيل بن شريك إنما احتج به مسلم دون البخاري وهو \"ثقة\" وقد استدرك الحاكم ذلك فاكتفي بتصحيح إسناده فقط في (٢/ ١٠١) غير أنه وقع في هذا مرة ثانية في (٤/ ١٦٤) وتصحف في هذا الموضع الأخير \"شرحبيل بن شريك\" إلى \"شرحبيل بن مسلم\" وسقط من الإسناد \"أبو عبد الرحمن الحبلى\" فليصحح من هنا وبالله التوفيق.\n(^٤٠٤) - \" المسند\" (١/ ٥٤) وفيه قصة طويلة، وأخرجه أيضًا في \"الزهد\" (ص ١٤٧) ثنا القواريري عن عبد الرحمن بن مهدي به، ومن طريق أحمد في \"المسند\" أخرجه الحاكم في \"المستدرك\" (٤/ ١٦٧) شاهدًا، وأخرجه أبو يعلى في مسنده. عزاه له الهيثمي في \"المجمع\" (٨/ ١٧٠) - ومن طريقه اختاره الضياء المقدسي في \"المختارة\" (١/ ٢٤٣) - ثنا القواريري عبيد الله بن عمر، ثنا ابن مهدي =\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ز: \"عنه\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"أو\".","vol":"4","page":36},{"text":"(الحديث الخامس) قال الإِمام أحمد (^٤٠٥): حدثنا على بن عبد الله، حدثنا محمد بن فضيل بن غزوان، حدثنا محمد بن سعد الأنصاري، سمعت أبا ظبية [¬١] الكلاعي، سمعت\n_________\n= به، وهو في \"الزهد\" لابن المبارك (٥١٥) من طريق يعقوب بن إبراهيم، ثنا عبد الرحمن بن مهدي به، وجوَّد إسناده الذهبي في \"تلخيص المستدرك\" مع أنه ضعفه في كتابه \"حق الجار\" (رقم ٥٤) والأخير أشبه فإن فيه انقطاعًا بين عباية وعمر، وبذلك أعله الهيثمي فقال: \"رواه أحمد وأبو يعلى ببعضه ورجاله رجال الصحيح إلا أن عباية بن رفاعة لم يسمع من عمر\" وذكره المصنف في \"مسند الفاروق\" (١/ ٢٦٥) كما هنا وقال: \"إسناد صحيح إلا أن عباية بن رفاعة بين خديج الأنصاري لم يدرك عمر بن الخطاب، قاله أبو زرعة الرازي والدارقطني\" وذكر الأخير الحديث في كتابه \"العلل\" (٢/ س ١٥٤) وقال: \"يرويه سعيد بن مسروق عن عباية بن رفاعة، واختلف عنه فرواه سفيان الثوري وأخوه عمر بن سعيد، عن أبيهما، عن عباية بن رفاعة مرسلًا عن عمر مرفوعًا إلى النبي ﷺ ورواه قيس بن الربيع عن سعيد بن مسروق، عن عباية، عن جده رافع بن خديج، عن عمر، عن النبي ﷺ متصلًا، وتابعه على ابن أحمد بن بسطام عن الجوَّاز عن ابن عيينة عن عمر بن سعيد بن مسروق، عن أبيه، عن عباية بن رفاعة، عن رافع عن عمر، ورواه غيره عن الجوَّاز، فلم يذكر فيه رافع بن خديج وكذلك رواه ابن المبارك -راجع \"الزهد\" (٥١٣، ٥١٨) و\"مسند الشهاب\" (٢/ ٦٧) - عن ابن عيينة عن عمر بن سعيد عن أبيه عن عباية بن رفاعة عن رافع، عن عمر، ولعل ما قاله ابن بسطام عن الجوَّاز وهم منه، أو ممن روى عنه أراد أن يقول: عباية بن رفاعة بن رافع، عن عمر، فقال: عن رافع عن عمر، وروى أبو حيان التيمي الحديث بطوله وفيه قصة سعد ومحمد بن مسلمة -وانظر \"الحلية\" لأبي نعيم (٩/ ٢٧) وتحرف فيه \"عباية\" إلى \"عبادة\" فليصحح - حين بعث به عمر ليحرق باب دار سعد بن أبي وقاص بالكوفة، رواه عن عباية بين رفاعة بن رافع بن خديج عن عمر، ولم يسند فيه عن النبي ﷺ شيئًا والصواب رواية الثوري وأخيه عمر بن سعيد وبالله التوفيق.\n(^٤٠٥) - \" المسند\" (٦/ ٨) وسيذكره المصنف كما هنا في سورة الفرقان/ آية ٦٨، وأخرجه البخاري في \"الأدب المفرد\" (١٠٣) وفي \"التاريخ الكبير\" (٨/ ٥٤) والبزار في مسنده (٦/ ٢١١٥) \"البحر الزخار\" والطبراني في \"المعجم الكبير\" (٢٠/ رقم ٦٠٥) وفي \"الأوسط\" (٦/ ٦٣٣٣)، والبيهقي في \"الشعب\" (٧/ ٩٥٥٢) والمزي في \"تهذيب الكمال\" (٢٥/ ٢٦١) ترجمة محمد بين سعد الأنصاري - من طرق عن محمد بن فضيل به وقال الطبراني: \"لا يروي هذا الحديث عن المقداد إلا بهذا الإسناد، تفرد به محمد بين فضيل\" وهو صدوق روي له الجماعة غير أن أبا طيبة -ويقال أبا ظبية- الكلاعي قال الحافظ في التقريب: مقبول، وبناءً على ذلك ذكر الحديث في \"الفتح\" (٨/ ٤٩٤)، (١٠/ ٤٤٢) وسكت عنه، لكن جوَّد إسناده الألباني في \"الصحيحة\" (١/ رقم ٦٥) وتعقب الحافظ فقال: \"قول الحافظ في الكلاعي هذا \"مقبول\" يعني عند المتابعة فقط -ليس بمقبول، فقد وثقه ابن معين، وقال الدارقطني: \"ليس به بأس\" وذكره ابن حبان في \"الثقات\" (١/ ٢٧٠) فهو حجة\" وقال المنذري في: \"الترغيب والترهيب\" (٣/ ٢٧٩، ٣٥٢) والهيثمي في \"المجمع\" (٨/ ١٧١) \"رواه أحمد والطبراني في \"الكبير\" و\"الأوسط\" ورجاله ثقات\" وقد وهم فيه الذهبي في كتاب \"حق =\n_________\n[¬١]- في ز: \"ضبية\".","vol":"4","page":37},{"text":"المقداد بن الأسود يقول، قال رسول الله ﷺ لأصحابه: [\"ما تقولون في الزنا\"؟ قالوا] [¬١]: [حرام حرّمه الله ورسوله، فهو حرام إلى يوم القيامة. فقال رسول الله ﷺ:] [¬٢] \"لأن يزني الرجل بعشرة نسوة أيسر عليه من أن يزني بامرأة جاره\". قال: \"ما تقولون في السرقة\"؟ قالوا: حرّمها الله ورسوله، فهي حرام. قال: \"لأن يسرق الرجل من عشرة أبيات أيسر عليه من أن يسرق من جاره\". تفرّد به أحمد، وله شاهد في الصحيحين من حديث ابن مسعود (^٤٠٦)، قلت: يا رسول الله، أي الذنب أعظم؟ قال: \"أن تجعل لله ندًّا وهو خلقك\". قلت: ثم أي؟ قال \"أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك\". قلت: ثم أي؟ قال \"أن تزاني حليلة جارك\".\n(الحديث السادس) قال الإِمام أحمد (^٤٠٧): حدثنا يزيد، أخبرنا هشام، عن حفصة، عن أبي العالية، عن رجل من الأنصار، قال: خرجت من أهلي أريد النبي ﷺ فإذا به قائم ورجل معه مقبل [¬٣] عليه، فظنت أن لهما حاجة، قال الأنصاري: لقد قام رسول الله ﷺ حتى جعلت أرثي لرسول الله ﷺ من طول القيام، فلما انصرف قلت: يا رسول الله لقد قام بك هذا الرجل حتى جعلت أرثى لك من طول القيام. قال: \"ولقد رأيته\"؟ قلت: نعم. قال: \"أتدري من هو؟ \" قلت: لا. قال: \"ذاك جبريل ما زال يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه\" ثم [¬٤] قال: \"أما إنك لو سلمت عليه [¬٥]، لرّد [¬٦] عليك السلام\".\n_________\n= الجار\" (رقم ٢٥) وهمًا فاحشًا حيث ذكره من طريق ابن فضيل عن محمد بن سعيد -كذا- عن أبي طيبة به وقال: \"محمد بن سعيد هو المصلوب متهم\" كذا قال والذي في هذا الحديث إنما هو الأنصاري -كما في مصادر التخريج- دون المصلوب راجع \"التهذيب\".\n(^٤٠٦) - تقدم تخريجه سورة البقرة/ آية ٢٢، ١٦٥.\n(^٤٠٧) - \" المسند\" (٥/ ٣٢، ٣٦٥) مقرونًا بـ \"يزيد\" محمد بن جعفر ثنا هشام به، غير أنه قال: \"عن الأنصاري\" وأخرجه الطحاوي في \"مشكل الآثار\" (٤/ ٢٧) والخرائطي في \"مكارم الأخلاق\" (ص ٣٥، ٣٦) من طريق هشام به، ولم يعزه السيوطي في \"الدر المنثور\" (٢/ ٢٨٣) لغير أحمد، وذكره الهيثمي في \"المجمع\" (٨/ ١٦٧) وقال: \"رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح\" وصحيح إسناده الألباني في \"الإرواء\" (٣/ ٨٩١/ ص ٤٠٣).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في خ: \"يقبل\".\n[¬٤]- سقط من: خ.\n[¬٥]- سقط من: ز.\n[¬٦]- في ز: \"ردّ\".","vol":"4","page":38},{"text":"(الحديث السابع) قال عبد بن حميد في مسنده (^٤٠٨): حدثنا يعلي بن عبيد، حدثنا أبو بكر -يعني: المدني- عن جابر بن عبد الله، قال: جاء رجل من العوالي ورسول الله ﷺ وجبريل ﵇ يصليان حيث يصلى على الجنائز فلما انصرف قال الرجل: يا رسول الله، من هذا الرجل الذي رأيت يصلي [¬١] معك؟ قال: \"وقد رأيته؟ \". قال: نعم. قال: \"لقد رأيت خيرًا كثيرًا، هذا جبريل، ما زال يوصيني بالجار حتى رأيت [¬٢] أنه سيورثه\". تفرّد به من هذا الوجه، وهو شاهد للذي قبله.\n(الحديث الثامن) قال أبو بكر البزار (^٤٠٩): حدثنا عبيد الله [¬٣] بن محمد أبو الربيع الحارثي، حدثنا محمد بن إسماعيل بن أبي فديك، أخبرني عبد الرحمن بن الفضيل [¬٤]، عن عطاء الخراساني، عن الحسن، عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله صلى الله عليه\n_________\n(^٤٠٨) - \" المنتخب من المسند\" لعبد بن حميد (رقم ١١٢٩) وأشار إليه الحافظ ابن حجر في \"الفتح\" (١٠/ ٤٤٢) ونسبه لعبد بن حميد فحسب، وأخرجه البخاري في \"الأدب المفرد\" (١٢٦) ثنا مخلد بن مالك قال: ثنا أبو زهير عبد الرحمن بن مغراء، والبزار (/ ٢/ ١٨٩٧ كشف الأستار) ثنا محمد بن موسى، ثنا زياد بن عبد الله، كلاهما (عبد الرحمن وزياد) عن أبي بكر الفضل بن مبشر به، وهذا إسناد ضعيف وعلته أبو بكر المديني الفضل بن مبشر فقد ضعفه ابن معين والنسائي ولينه أبو زرعة، وقال أبو حاتم: \"ليس بالقوي، يكتب حديثه\" \"التهذيب\" وقال أبو أحمد بن عدي \"الكامل\" (٦/ ٢٠٤٣): \"له عن جابر أحاديث دون العشرة، وعامتها مما لا يتابع عليه\" والحديث ذكره الهيثمي في \"المجمع\" (٨/ ١٦٨) وقال: \"رواه البزار وفيه الفضل بن مبشر وثقه ابن حبان وضعفه غيره، وبقية رجاله ثقات\".\n(^٤٠٩) - هو في \"كشف الأستار\" (٢/ رقم ١٨٩٦) وفي \"مختصر الزوائد\" لابن حجر (٤/ ١٨٠٢) وقال البزار: \"لا نعلمه عن النبي ﷺ إلا بهذا الإسناد\" وذكره الهيثمي في \"المجمع\" (٨/ ١٦٧) وقال: \"رواه البزار عن شيخه عبد الله بن محمد الحارثي وهو وضاع\" وله أعله ابن حجر فقال: \"الحارثي متهم\" لكن الحارثي هذا تابعه الحسين بن عيسى البسطامي ثنا محمد بن أبي فديك له؛ أخرجه أبو نعيم في \"الحلية\" (٥/ ٢٠٧) والحسين بن عيسى ثقة من رجال \"التهذيب\"، وقال أبو نعيم: \"غريب من حديث عطاء عن الحسن لم نكتبه إلا من حديث ابن أبي فديك\" وهو صدوق روى له الجماعة كما في \"التقريب\" -غير أن شيخه لم أهتد لترجمته، وعطاء الخراساني: \"صدوق يهم كثيرًا ويرسل ويدلس\" وكذا شيخه الحسن البصري معروف بالتدليس ولم يصرح بالسماع بل نفي على بن المديني سماعه من جابر. والحديث ذكره الحافظ ابن حجر في \"الفتح\" (١٠/ ٤٤٢) وعزاه للطبراني ولم أهتد له في معاجمه الثلاثة وعلقه القرطبي في \"الجامع لأحكام القرآن\" (٥/ ١٨٤) بصيغة التمريض وضعفه الحافظ زين الدين العراقي -كما في \"تخريج أحاديث الإحياء (٣/ ١٨٣٧) المستخرج\"- ورمز لضعفه السيوطي في \"الجامع\" وكذا ضعفه العجلوني في \"كشف الخفاء\" (١/ ٢٩٤) وزادا نسبته =\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- في ز: \"روت\".\n[¬٣]- في الكشف عبد الله.\n[¬٤]- في ت: \"الفضل\".","vol":"4","page":39},{"text":"وسلم: \"الجيران ثلاثة؛ جار له حق واحد، وهو أدني الجيران حقًّا، وجار له حقان، وجار له ثلاثة حقوق، وهو أفضل الجيران حقًّا؛ فأمّا الجار [¬١]، الذي له حق واحد فجار مشرك لا رحم له، له حق الجوار، وأما الجار [¬٢] الذي له حقّان: فجار مسلم له حق الإسلام وحق الجوار، وأما الذي له ثلاثة حقوق: فجار مسلم ذو رحم، له حق الجوار وحق الإِسلام وحق الوحم\".\nقال البزار [¬٣]: لا نعلم أحدًا روي عن عبد الرحمن بن الفضيل إلا ابن أبي فديك.\n(الحديث التاسع) قال الإمام أحمد (^٤١٠): حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن أبي عمران، عن طلحة بن عبد [¬٤] الله، عن عائشة، أنها سألت رسول الله ﷺ فقالت: إن لي جارين فإلى أيهما أهدي؟ قال: \"إلى أقربهما منك بابا\".\nورواه البخاري من حديث شعبة به.\n[(الحديث العاشر) روي الطبراني (^٤١١)، وأبو نعيم، عن عبد الرحمن [بن أبي قراد]، قال: إن رسول الله ﷺ توضأ، فجعل الناس يتمسحون\n_________\n= إلى أبي الشيخ في \"الثواب\" وقال المناوي في \"فيض القدير\" (٣/ ٣٦٧): \"وقال بعضهم، طرق متصلة ومرسلة وكلها لا تخلو من مقال ورواه الطبراني عن شيخه عبد الله بن محمد الحازمي قال الهيثمي وهو وضاع\" وفي الباب: عن عبد الله بن عمرو عند ابن عدي في \"الكامل\" (٥/ ١٨١٨) ومن طريقه البيهقي في \"الشعب\" (٧/ ٩٥٦٠) من طريق سويد بن عبد العزنر عن عثمان عن عطاء الخراساني عن أبيه عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعًا بحديث طويل، قال البيهقي: \"سويد بن عبد العزيز وعثمان بن عطاء وأبوه ضعفاء غير أنهم غير متهمين بالوضع وقد روي بعض هذه الألفاظ من وجه آخر ضعيف\" وأعل أبو حاتم الرازي حديث عبد الله بن عمرو هذا فانظر \"العلل\" (رقم ٦٣٩، ٢٣٥٧).\n(^٤١٠) - \" المسند\" (٦/ ١٧٥) وأخرجه أيضًا (٦/ ١٨٧، ١٩٣، ٢٣٩) والبخاري، كتاب الشفاعة، باب: أيُّ الجوار أقرب (٢٢٥٩) -وانظر أطرافه ثمة- من طرق عن شعبة به، وأخرجه أبو داود كتاب الأدب، باب: في حق الجوار (٥١٥٥) من طريق الحارث بن عبيد عن أبي عمران به.\n(^٤١١) - أخرجه أبو نعيم في \"المعرفة\" (٢/ ورقة ٥/ مخطوط) ثنا عبد الله بن جعفر ثنا إسماعيل بن عبد الله، ثنا مسلم بن إبراهيم، ثنا الحسن بن أبي جعفر عن أبي جعفر الأنصاري عن الحارث بن فضيل عن عبد الرحمن بن أبي قراد أن النبي ﷺ توضأ يومًا فجعل الناس يتمسحون بوضوئه قال النبي ﷺ: \"ما حملكم على ذلك؟ \" قالوا: حب الله ورسوله قال: \"من سره أن يحبه الله ورسوله فليصدق في حديثه إذا حدَّث وليؤد أمانته إذا ائتمن، وليحسن جوار من جاوره\" وأخرجه البيهقي في =\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- سقط من: ز، خ. ١\n[¬٣]- في ز: \"البزاز\".\n[¬٤]- في ز، خ: \"عبيد\".","vol":"4","page":40},{"text":"بوضوئه، فقال: \"ما يحملكم على ذلك\" قالوا: حب الله ورسوله. قال: \"من سرَّه أن [يحبه] الله ووسوله، فليصدق الحديث إذا حدث، وليؤدّ الأمانة إذا ائتمن\"\n(الحديث الحادي عشر) قال أحمد (^٤١٢): حدثنا قتيبة، حدثنا ابن لهيعة، [عن أبي عشانة عن\n_________\n= \"الشعب\" (٢/ ١٥٣٣)، والذهبى فى \"كتاب حق الجار\" (رقم ٦٢) معلقًا من طريق مسلم بن إبراهيم به، وابن منده فى \"المعرفة\" (٢/ ٢١/ ١) - كما فى \"الصحيحة\" للألبانى (٦/ ٢٩٩٨) - من طريق الحسن بن أبى جعفر به وقال الذهبى عقبه: \"إسناده جويد\" مع أنه ترجم للحسن بن أبى جعفر فى \"الميزان\" وذكر تضعيف الأئمة له واعتمد هو نفسه ذلك فى \"المغنى\" فقال: \"ضعفوه\" وبه أعله الحافظ ابن حجر فى \"الإصابة\" (٢/ ٤١٩) فقال بعد أن عزاه لابن منده: \"فى إسناده الحسن -تصحفت إلى الحارث- ابن أبى جعفر وهو ضعيف وقد خالفه فيه ضعيف آخر\" وهو عبيد بن واقد القيسى فأخرجه ابن أبى عاصم فى \"الآحاد والمثانى\" (٣/ ١٣٩٧) - ومن طريقه ابن الأثير فى \"أسد الغابة\" (٦/ ٢٥٣) - ثنا محمد بن المثنى، والطبرانى فى \"الأوسط\" (٦/ ٦٥١٧) ثنا محمد بن زُريق، ثنا محمد بن هشام السدوسى -ومن هذا الوجه أخرجه فى \"المعجم الكبير\" أيضًا (ق ٤٧/ ١ - مجموع ٦) وعنه ابن منده فى \"المعرفة\" (٢/ ٢٥٩/ ٢) كما فى \"الصحيحة\" -وأبو نعيم أيضًا ثنا سليمان بن أحمد، ثنا حفص بن عمر الرقى، ثنا مسلم بن إبراهيم ثلاثتهم (محمد بن المثنى، محمد ابن هشام، ومسلم بن إبراهيم) نا عبيد بن واقد القيسى، ثنا يحيى بن أبى عطاء، عن عمير بن يزيد -وهو أبو جعفر الأنصارى- عن عبد الرحمن بن الحارث عن أبى قراد السلمى قال: كنا عند رسول الله ﷺ فدعا بطهور فذكر الحديث بنحوه وقال الطبرانى: \"لا يُروى هذا الحديث عن أبى قراد إلا بهذا الإسناد، تفرد به: عبيد بن واقد\" وهو أضعف من الحسن بن أبى جعفر ولذلك قال الحافظ فى \"الإصابة\" (٤/ ١٦٠): \"مداره على عبيد بن قيس وهو ضعيف، وقد خالفه ضعيف آخر وهو الحسن بأن أبى جعفر فرواه … فأحد الطريقين وهم وأخلق أن تكون هذه أولى\" ومن قبله أعله به شيخه الهيثمى فى \"المجمع\" (٤/ ١٤٨) فقال: \"رواه الطبرانى فى \"الأوسط\" وفيه عبيد بن واقد القيسى وهو ضعيف\" وذكره أيضًا (٨/ ٢٧٤) غير أنه وقع فيه: \"عن عبد الرحمن بن الحارث بن أبى مرداس السلمى قال: كنا عند النبى ﷺ الحديث\" ووقع قبل ذلك فى \"الترغيب والترهيب\" (٣/ ٥٨٩): \"عن عبد الرحمن بن الحارث بن أبى قراد السلمى … \" ولا شك أن كليهما مصحف وصوابه: \"عبد الرحمن بن الحارث عن أبى قراد السلمى … \" وقال المنذرى: \"رواه الطبرانى\" زاد الهيثمى: \"وفيه عبيد بن واقد القيسى وهو ضعيف\"، لكن للحديث شاهدين من رواية أنس بن مالك ورجل من الأنصار، وبهما وبهذا صحح الألبانى هذا الحديث فأودعه فى \"الصحيحة\" والله الموفق.\n(^٤١٢) - \" المسند\" (٤/ ١٥١) وأخرجه الطبرانى فى \"المعجم الكبير\" (١٧/ رقم ٨٥٢) ثنا جعفر بن محمد الفريابي، ثنا قتيبة به، والرويانى فى مسنده (١/ رقم ٢٣٤) نا ابن إسحاق، أنا عثمان، نا ابن لهيعة به. وذكره الهيثمى فى \"المجمع\" (١٠/ ٣٥٢) وقال: \"رواه أحمد بإسناد حسن\" وابن لهيعة ضعيف الحفظ، ولذا ضعف إسناده العراقي -كما فى \"فيض القدير\" للمُناوى (٣/ ٨٥) - غير أن الطبرانى أخرجه (٨٣٦) من طريق آخر قال: ثنا أبو الزنباع روح بن الفرج، ثنا يحيى بن سليمان الجعفى، ثنا ابن وهب أخبرنى عمرو بن الحارث عن أبى عشانة به. وجوَّد هذا الإسناد المنذرى=","vol":"4","page":41},{"text":"عقبة بت عامر] قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن أوّل خصمين يوم القيامة جاران\". الحديث] [¬١].\nوقوله تعالى: ﴿وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ﴾ قال الثوري، عن جابر الجعفي، عن الشعبي، عن على وابن مسعود: قالا: هي المرأة (^٤١٣).\nوقال ابن أبي حاتم: وروي عن عبد الرحمن بن أبي ليلى وإبراهيم النخعي والحسن وسعيد بن جبير -في إحدى الروايات- نحو ذلك.\nوقال ابن عباس ومجاهد وعكرمة وقتادة: هو الرفيق في السفر. وقال سعيد بن جبير: هو الرفيق الصالح. وقال زيد بن أسلم هو: جليسك في الحضر، ورفيقك في السفر.\nوأما ﴿ابْنِ السَّبِيلِ﴾ فعن ابن عباس وجماعة: هو الضيف.\nوقال مجاهد وأبو جعفر الباقر، والحسن والضحاك ومقاتل: هو الذي يمر عليك مجتازًا في السفر. وهذا أظهر، وإن كان مراد القائل بالضيف: المار في الطريق؛ فهما سواء، وسيأتي الكلام على أبناء السبيل في سورة براءة، وبالله الثقة وعليه التكلان.\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ وصية بالأرقاء؛ لأن الرقيق ضعيف الجنبة [¬٢]، أسير في أيدي الناس، ولهذا ثبت أن رسول الله ﷺ جعل يوصي أمّته في مرض الموت، يقول: \"الصلاة الصلاة، وما ملكت أيمانكم\" (^٤١٤). فجعل يردّدها حتى ما يفيض بها لسانه.\n_________\n= فى \"الترغيب والترهيب\" (٥/ ٣٥٣) وذكره الهيثمى أيضًا (٤/ ١٧٣) وقال: \"رواه أحمد والطبرانى بنحوه وأحد إسنادى الطبراني رجاله رجال الصحيح غير أبى عشانة وهو ثقة\" ورمز لحسنه السيوطى فى \"الجامع الكبير\"، وأقره الألبانى فكان من نصيب \"صحيح الجامع\" (٢/ ٢٥٦٠).\n(^٤١٣) - تقدم تخريجه برقم (٣٩٩) وكلام ابن أبى حاتم الذى عقبه فى تفسيره (٣/ ٥٣٠٢).\n(^٤١٤) - أخرجه ابن ماجة (٢٦٩٧) والنسائى فى \"الكبرى\" (٤/ ٢٥٨) وأحمد (٣/ ١١٧) وأبو يعلى (٥/ ٢٩٣٣) وصححه ابن حبان (١٤/ ٦٦٠٥) وحسن إسناده البوصيرى فى \"الزوائد\" (١/ ٣٦٢) من حديث أنس بن مالك، وفى الباب: عن علي عند أبى داود (٥١٥٦) وابن ماجة (٢٦٩٨) وأحمد (١/ ٧٨) وإسناده حسن، وعن أم سلمة عند ابن ماجة (١٦٢٥)، وأحمد (٦/ ٣١١) وقال البوصيرى (١/ ٥٤٠): \"إسناده صحيح على شرط الشيخين\".\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في ت: \"الحيلة\".","vol":"4","page":42},{"text":"وقال الإِمام أحمد (^٤١٥): حدثنا إبراهيم بن أبي العباس، حدثنا بقية، حدثنا بحير [¬١] بن سعد، عن خالد بن معدان، عن المقدام بن معد يكرب، قال: قال رسول الله ﷺ: \"ما أطعمت نفسك فهو لك صدقة، [وما أطعمت ولدك فهو لك صدقة] [¬٢]، وما أطعمت زوجتك [¬٣] فهو لك صدقة، وما أطعمت خادمك فهو لك صدقة\".\nورواه النسائي من حديث بقية، وإسناده صحيح، ولله الحمد.\nوعن عبد الله بن عمرو، أنه قال لقهرمان له: هل أعطيت الرقيق قوتهم؟ قال: لا. قال: فانطق فأعطهم، فإن رسول الله ﷺ قال: \"كفى بالمرء إثمًا أن يحبس عمن يملك قوتهم\". رواه مسلم (^٤١٦).\nوعن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: \"للمملوك طعامه وكسوته، ولا يكلف من العمل إلا ما يطيق\". رواه مسلم أيضًا (^٤١٧). وعنه عن النبي صلى الله عليه\n_________\n(^٤١٥) - \" المسند\" (١/ ١٣١) وهذا إسناد شامى صحيح، ولا يخشى من عنعنة بقية فإنه ثبت فى روايته عن الشاميين، كما قال ابن عدى فى \"الكامل\" (٢/ ٥١٢) - ومن طريق بقية أخرجه النسائى فى \"السنن الكبرى\" (٤/ ٩٢٠٥) والبخارى فى \"الأدب المفرد\" (٨٢، ١٩٥) والطبرانى فى \"المعجم الكبير\" (٢٠/ ٦٣٤) وفى \"مسند الشاميين\" (١١٢٤) ومن طريقه أبو نعيم فى \"الحلية\" (٩/ ٣٠٩) - ولوين فى \"جزء من حديثه\" (رقم ١٠٧) ومن طريقه وطريق آخر أبو نعيم أيضًا فى \"أخبار أصبهان\" (٢/ ٧٦) وابن عساكر فى \"تاريخ دمشق\" (٥/ ٥١٧) - وابن أبى الدنيا فى \"كتاب العيال\" (١٦، ٣٣) والبيهقى فى \"السنن الكبرى\" (٤/ ١٧٩) ورواه أحمد أيضًا (٤/ ١٣٢) من طريق إسماعيل بن عياش عن بحير به وإسماعيل ثبت أيضًا فى روايته عن الشاميين. والحديث أورده المنذرى فى \"الترغيب والترهيب\" (٣/ ٦٢) وقال: \"رواه أحمد بإسناد جيّد\" وقال الهيثمى فى \"المجمع\" (٣/ ١٢٢): \"رواه أحمد ورجاله ثقات\" وغفل عن عزوه إلى الطبرانى!! ورمز لحسنه السيوطى فى \"الجامع الكبير\" فتعقبه المناوى فى \"فيض القدير\" -بعد إيراد كلام المنذرى والهيثمى- قال: \"وبه يعرف أن رمز المؤلف لحسنه تقصير، وأنه كان الأولى الرمز لصحته\" ولذلك كان من نصيب صحيحة الألبانى (١/ ٤٥٢).\n(^٤١٦) - أخرجه مسلم، كتاب الزكاة (٤٠) (٩٩٦).\n(^٤١٧) - أخرجه مسلم، كتاب الأيمان (٤١) (١٦٦٢).\n_________\n[¬١]- في ز: \"بجير\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في ز: \"زوجك\".","vol":"4","page":43},{"text":"وسلم قال: \"إذا أتى أحدكم خادمه بطعامه، فإن لم يجلسة [¬١] معه فليناوله لقمة أو لقمتين، أو أكلة أو أكلتين، فإنه ولي حره وعلاجه\".\nأخرجاه (^٤١٨)، ولفظه للبخاري، ولمسلم: \"فليقعده معه، فليأكل، فإن كان الطعام مشفوهًا قليلًا، فليضع في يده أكلة أو أكلتين\".\nوعن أبي ذر ﵁ عن النبي ﷺ قال: \"هم إخوانكم خولكم، جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده، فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم فأعينوهم\". أخرجاه (^٤١٩).\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾ أي: مختالًا في نفسه، معجبًا متكبرًا فخورًا على الناس، يرى أنه خير منهم، فهو في نفسه كبير، وهو عند الله حقير، وعند الناس بغيض.\nقال مجاهد، في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا﴾: يعني متكبرًا. ﴿فَخُورًا﴾ يعني: يعد ما أعطي، وهو لا يشكر الله تعالى، يعنى: يفخر على الناس بما أعطاه الله من نعمه، وهو قليل الشكر لله على ذلك.\nوقال ابن جرير (^٤٢٠): حدثني القاسم، حدّثنا الحسين، حدثنا محمد بن كثير، عن عبد الله ابن واقد [] [¬٢] أبي رجاء الهروي، قال: لا تجد سيئ الملكة إلا وجدته مختالًا فخورًا، وتلا:\n_________\n(^٤١٨) - أخرجه البخارى، كتاب العتق، باب: إذا أتى أحدكم خادمُهُ بطعامه (٢٥٥٧)، كتاب الأطعمة، باب: الأكل مع الخادم (٥٤٦٠) من طريق شعبة عن محمد بن زياد عن أبى هريرة به. ومسلم، كتاب الأيمان، باب: إطعام المملوك مما يأكل (٤٢) (١٦٦٣)، وأبو داود، كتاب الأطعمة، باب: فى الخادم يأكل مع المولى (٣٨٤٦) من طريق داود بن قيس عن موسى بن يسار عن أبى هريرة به.\n(^٤١٩) - أخرجه البخارى، كتاب الإيمان، باب: المعاصى من أمر الجاهلية (٣٠)، ومسلم، كتاب الأيمان، باب: إطعام المملوك مما يأكل، وإلباسه مما يلبس (٣٨، ٤٠) (١٦٦٢)، وأبو داود، كتاب الأدب، باب: فى حق المملوك (٥١٥٧، ٥١٥٨)، والترمذى، كتاب البر والصلة، باب: ما جاء فى الإحسان إلى الخدم (١٩٤٥)، وابن ماجة، كتاب الأدب، باب: الإحسان إلى المملوك (٣٦٩٠) وكذا أحمد (٥/ ١٥٨، ١٦١) من طريقين عن المعرور بن سويد عن أبى ذر له وفيه قصة.\n(^٤٢٠) - تفسير ابن جرير (٨/ ٩٤٩٢) ومحمد بن كثير هو المصيصى \"ضعيف\" ورواه ابن أبى حاتم فى تفسيره (٣/ ٥٣١٥) بنحوه عن العوام بن حوشب.\n_________\n[¬١]- في خ: \"يجلس\".\n[¬٢]- بعده في خ: \"عن\" خطأ.","vol":"4","page":44},{"text":"﴿وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾. ولا عاقًّا إلا وجدته جبارًا شقيًّا، وتلا: ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا﴾.\nوروى ابن أبي حاتم، عن العوام بن حوشب، مثله في المختال الفخور، وقال (^٤٢١): حدثنا أبى، حدثنا أبو نعيم، حدثنا الأسود بن شيبان، حدثنا يزيد بن عبد الله بن الشخير، قال: قال مطرف: كان يبلغني عن أبي ذر حديث، كنت أشتهي لقاءه، فلقيته، فقلت: با أبا ذر، بلغني أنك تزعم أن رسول الله ﷺ حدثكم: \"إن الله يحب ثلاثة ويبغض ثلاثة\"، قال: أجل. فلا إخالني [¬١]، أكذب على خليلي، ثلاثًا [¬٢]، قلت: من الثلاثة الذين يبغض الله؟ قال: المختال الفخور، أو ليس تجدونه عندكم في كتاب الله المنزل، ثم قرأ الآية ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾.\n_________\n(^٤٢١) - تفسير ابن أبى حاتم (٣/ ٥٣١٣) وأخرجه الطيالسى فى مسنده (٤٦٨) ومن طريقه ابن أبى عاصم فى \"الجهاد\" (١/ رقم ١٢٨) والبيهقى فى \"السنن الكبرى\" (٩/ ١٦٠) والذهبى فى \"حق الجار\" (٥٦) معلقًا وأخرجه أحمد فى \"المسند\" (٥/ ١٧٦) ثنا يزيد -وهو ابن هارون- والبزار فى مسنده (٩/ رقم ٣٩٠٨) البحر الزخار\" من طريق روح بن عبادة، والطبرانى فى \"العجم الكبير\" (٢/ ١٦٣٧) والحاكم فى \"المستدرك\" (٢/ ٨٨، ٨٩) وعنه البيهقى فى \"شعب الإيمان\" (٧/ ٩٥٤٩) من طريق مسلم بن إبراهيم أربعتهم (أبو داود ويزيد وروح ومسلم) نا الأسود بن شيبان به مطولًا وبيانه: \" أن رسول الله قال: إن الله يحب ثلاثة، ويبغض ثلاثة … قلت -مطرف بن عبد الله-: فمن الثلاثة الذين يحبهم الله؟ قال: رجل لقى العدو فقاتل وإنكم لتجدون ذلك فى الكتاب عندكم: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا﴾ قلت: ومن؟ قال: رجل له جار سوء فهو يؤذيه ويصبر على أذاه فيكفيه الله بحياة أو موت، قال: ومن؟ قال: رجل كان مع قوم فى سفر فنزلوا فعرسوا قد شق عليهم الكرى والنعاس ووضعوا رءوسهم فناموا وقام فتوضأ وصلَّى رهبة لله ورغبة إليه، قلت: فمن الثلاثة الذين يبغضهم الله؟ قال: البخيل المنان والمختال الفخور وإنكم لتجدون فى كتاب الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ قال: فمن الثالث؟ قال: التاجر الحلَّاف أو البائع الحلَّاف\" وصححه الحاكم على ضروو مسلم، ووافقه الذهبى، وقال البزار: \"وهذا الكلام قد روى بعضه عن أبى ذر من غير وجه -انظر ما تقدم (سورة آل عمران/ آية ٧٧) -ولا نعلمه- روى عنه بهذا اللفظ إلا من هذا الوجه، ولا روى مطرف عن أبى ذر إلا هنا الحديث\" ومطرف ثقة فاضل ومن دونه ثقات أثبات، فالإسناد صحيح وقد ذكر الحديث المنذرى فى \"الترغيب والترهيب\" (٣/ ٣٦٠) وقال: \"رواه أحمد والطبرانى واللفظ له وأحد إسنادى أحمد رجالهما محتج بهم فى الصحيح، ورواه الحاكم وغيره بنحوه وقال: صحيح على شرط مسلم \" وكذا ذكره الهيثمى فى \"المجمع\" (٧/ ١٧٣، ١٧٤) وقال: \"رواه النسائى وغيره -تقدم (آل عمران/٢٢) غير ذكر الجار- رواه أحمد والطبرانى وإسناد الطبرانى وأحد إسنادى أحمد رجاله رجال الصحيح\".\n_________\n[¬١]- فى ز: \"إخالك\".\n[¬٢]- فى ز: \"ثلاث\".","vol":"4","page":45},{"text":"وحدثنا أبي (^٤٢٢)، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا وهيب بن [¬١] خالد، عن أبي تميمة، عن رجل من بني [¬٢] بَلْهُجَيم، قال: قلت يا رسول الله؛ أوصني؛ قال: \"إياك وإسبال الإِزار، فإن إسبال الإِزار من المخيلة، وإن الله لا يحب المخيلة\".\n﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (٣٧) وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا (٣٨) وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا (٣٩)﴾\nيقول تعالى ذامًّا الذين [¬٣] يبخلون بأموالهم أن ينفقوها فيما أمرهم الله به -من بر الوالدين، والإِحسان إلى الأقارب واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ملكت أيمانكم من الأرقاء- ولا يدفعون حق الله فيها، ويأمرون الناس بالبخل أيضًا، وقد قال رسول الله ﷺ: \"وأي داء أدوأ من\n_________\nتنبيه: أخرج الحديث ابن أبى الدنيا فى \"مكارم الأخلاق\" (رقم ٣٢٦) والخطيب فى \"تاريخ بغداد\" (١٣٣/ ١٠) ومن طريقه ابن الجوزى فى \"العلل المتناهية\" (٢ /رقم ١٢١٧) من طريق بقية بن الوليد نا عيسى بن إبراهيم نا الأسود بن شيبان به بلفظ: \"إن الله يحب الرجل له الجار السوء يؤذيه فيصبر على أذاه ويحتسبه حتى يكفيه الله بحياة أو بموت\" قال ابن الجوزى: \"هذا لا يصح، قال يحيى: عيسى ابن إبراهيم ليس بشئ، وبقية كان مدلسًا سمع من المتروكين والمجهولين ويدلس\" وهذا مردود بمتابعة غير واحد من الثقات لبقية وعيسى -كما ذكرنا أعلاه- ولذلك رمز لتصحيحه السيوطى فى \"الجامع الصغير\"غير أن المناوى فى \"فيض القدير\" (٢/ ٢٩٢) تعقبه بذكر كلام ابن الجوزى السابق، وتبعه الألبانى فأودعه فى \"ضعيف الجامع\" (٢/ ١١٣) فيحتمل أنه لم يقف على الطريق السابق فليحول إلى الصحيح وبالله التوفيق.\n(^٤٢٢) - تفسير ابن أبى حاتم (٣/ ٥٣١٤) وهو جزء من حديث طويل أخرجه مطولًا ومختصرًا أحمد (٥/ ٦٣) وأبو داود (٤٠٧٥، ٤٠٨٤، ٥٢٠٩)، والترمذى (٢٧٢١، ٢٧٢٢)، والنسائى فى \"الكبرى\" (٥/ ٤٨٦، ٤٨٧) (٦/ ٨٧، ٨٨) وغيرهم والصحابي المبهم هو \"جابر بن سُلَيم أبو جُرَيٍّ الهجيميُّ\" وقال الترمذى: \"حديث حسن صحيح\" وصححه ابن حبان (٢/ ٥٢١، ٥٢٢).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"عن\".\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- في ز: \"للذين\".","vol":"4","page":46},{"text":"البخل\" (^٤٢٣). وقال: \"إياكم والشح؛ فإنه أهلك من كان قبلكم، أمرهم بالقطيعة فقطعوا، وأمرهم بالفجور ففجروا\" (^٤٢٤).\nوقوله تعالى: ﴿وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ فالبخيل جحود لنعمة الله عليه لا تظهر عليه، ولا تبين، لا في مأكله [¬١]، ولا في ملبسه، ولا في إعطائه وبذله، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (٦) وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ﴾ أي: بحاله وشمائله ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ وقال هاهنا: ﴿وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ ولهذا توعدهم بقوله: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ والكفر: هو الستر والتغطية، فالبخيل يستر نعمة الله عليه ويكتمها ويجحدها، فهو كافر لنعم الله عليه.\nوفي الحديث (^٤٢٥): \" إن الله إذا أنعم نعمة على عبد أحب أن يظهر أثرها علية\". وفي\n_________\n(^٤٢٣) - ورد من حديث كعب بن مالك فأخرجه الطبرانى فى \"المعجم الكبير\" (١٩/ رقم ١٦٣) - وعنه أبو نعيم فى \"المعرفة\" (٣/ ١١٤٨) - ثنا جعفر بن سليمان النوفلى، ثنا عبد العزيز بن عبد الله الأويسى، ثنا إبراهيم بن سعد عن الزهري عن ابن كعب بن مالك عن أبيه أن النبى ﷺ قال: \"من سيدكم يا بنى سلمة؟ \" قالوا: الجد بن قيس على أنا نزنه ببخل، فقال: \"وأى داء أدوأ من البخل؟ \" قالوا: فمن سيدنا يا رسول الله؟ قال: \"بشر بن البراء بن معرور\" وأخرجه ابن حجر فى \"تغليق التعليق\" (٣/ ٣٤٧) من طريق ابن منده، أنا عبد الله بن جعفر القارئ ثنا يعقوب بن سفيان، ثنا عبد العزيز الأويسى ثنا إبراهيم بن سعد عن صالح بن كيسان عن ابن شهاب به. وقد علق البخاري فى صحيحه قوله: \"من سيدكم\" قال ابن حجر فى \"الفتح\" (٥/ ١٨٧، ١٧٩): \"روى ابن منده وأبو الشيخ فى \"الأمثال\" والوليد بن أبان فى \"كتاب الجود\" له من حديث كعب بن مالك … ورجال هذا الإسناد ثقات إلا أنه اختلف فى وصله وإرساله على الزهرى\" ويبدو أنه رجح الوصل فجزم بصحة إسناده فى \"التغليق\" وجاء أيضًا من حديث جابر بن عبد الله عند البخارى فى \"الأدب المفرد\" (٢٩٦) وغيره غير أنه قال فيه: \"سيدكم عمرو بن الجموح\" بدل \"البراء بن معرور\" وإسناد البخارى جيّد وصححه الألبانى فأودعه فى \"صحيح الأدب المفرد\" (٢٢٧) ورواه أيضًا من حديث أبى هريرة صححه الحاكم على شرط مسلم (٣/ ٢١٩)، (٤/ ١٦٣) ولكن أعله الدارقطنى فى \"العلل\" (٨/ س ١٣٩٩) بالإرسال (وانظر سورة التوبة/ آية ٤٩).\n(^٤٢٤) - يأتى تخريجه سورة الإسراء/ آية ٢٩.\n(^٤٢٥) - أخرجه أحمد (٣/ ٤٧٣)، والطبرانى فى \"المعجم الكبير\" (١٩/ رقم ٦٢٣) من حديث مالك بن نضلة الجشمى وإسناده صحيح على شرط مسلم وصححه ابن حبان (١٢/ ٥٤١٧) وانظر ما يأتى سورة يونس/ آية ٥٩ - وفى الباب: عن عبد الله بن عمرو عند الترمذي (٢٨١٩) وقال: \"حديث حسن\" وانظر \"الصحيحة\" للألبانى (٣/ ١٢٩٠، ١٣٢٠).\n_________\n[¬١]- في ز: \"أكله\".","vol":"4","page":47},{"text":"الدعاء النبوي: \"واجعلنا شاكرين لنعمتك، مثنين بها عليك [¬١] قابليها -[ويروى: قائليها] [¬٢] وأتممها علينا\" (^٤٢٦).\nوقد حمل بعض السلف هذه الآية على بخل اليهود، بإظهار العلم الذي عندهم من صفة محمد ﷺ وكتمانهم ذلك، ولهذا قال تعالى: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾. رواه ابن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس، وقاله مجاهد وغير واحد.\nولا شك أن الآية محتملة لذلك، والظاهر أن السياق في البخل بالمال، وإن كان البخل بالعلم داخلا [¬٣] في ذلك بطريق الأولى، فإن سياق الكلام في الإِنفاق على الأقارب والضعفاء، وكذلك [¬٤] الآية التي بعدها، وهي قوله: ﴿وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ﴾ فإنه ذكر الممسكين المذمومين وهم البخلاء، ثم ذكر الباذلين المرائين، الذين يقصدون بإعطائهم\n_________\n(^٤٢٦) - أخرجه أبو داود، كتاب الصلاة، باب: من ذكر التورك فى الرابعة (٩٦٩) والحاكم فى \"المستدرك\" (١/ ٢٦٥) من طريق إسحاق بن يوسف، والبزار فى مسنده \"البحر الزخار\" (٥/ ١٧٤٥) والطبرانى فى \"المعجم الكبير\" (١٠/ ١٠٤٢٦) - ومن طريقه وطرق أخرى أبو نعيم فى \"الحلية\" (٤/ ١١٠) - من طريق على بن حكيم الأودى وابن حبان فى صحيحه (٣/ ٩٩٦) من طريق يعقوب بن إبراهيم، ثلاثتهم (إسحاق وعلى ويعقوب) ثنا شريك عن جامع بن أبى راشد -تحرف عند أبى داود وابن حبان إلى \"جامع بن شداد\" وأثبته على الصواب محقق \"موارد الظمآن\" (٨/ رقم ٢٤٢٩) وانظر \"تحفة الأشراف\" (٧/ ٩٢٣٩) - عن أبى وائل عن عبد الله مرفوعًا به ضمن حديث طويل وقال أبو نعيم: \"غريب من حديث جامع، تفرد به على عن شريك\" وهذا مردود فإن عليًّا متابع كما ترى وأضبط منه قول البزار عقبه: \"وهذا الحديث بهذا اللفظ، لا نعلم رواه إلا جامع بن أبى راشد عن أبى وائل عن عبد الله\" وجامع وأبو وائل ثقات أثبات ولذا صححه الحاكم على شرط مسلم ووافقه الذهبى وذكره الهيثمى فى \"المجمع\" (١٠/ ١٨٢) -وهو على غير شرطه- وقال: \"رواه الطبرانى فى \"الكبير\" و\"الأوسط\" وإسناد الكبير جيد\" غير أن شريك بن عبد الله سيئ الحفظ لكنه توبع فأخرجه الحاكم أيضًا من طريق محمد بن جرير الطبرى ثنا عثمان بن يحيى القوفسانى، ثنا عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبى رواد ثنا ابن جريج عن جامع به، وإسناده حسن لولا عنعنة ابن جريج، وأخرجه الطبرانى فى \"الأوسط\" (٦/ ٥٧٦٩) من طريق الوليد بن القاسم، نا داود بن يزيد الأودى، عن شقيق بن سلمة أبى وائل به نحوه، وقال: \"لم يرو هذا الحديث عن داود الأودى إلا الوليد بن القاسم\" وهو صدوق يخطئ \"كما فى التقريب\" لكن شيخه ضعيف، فالمعتمد الإسناد الأول وبالله التوفيق.\nتنبيه: أورد السيوطى هذا الحديث فى \"الجامع الصغير\" ورمز لحسنه بمد أن عزاه إلى الطبرانى والحاكم،\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٣]- في ز: \"داخل\".\n[¬٤]- في ز: \"وكذا\".","vol":"4","page":48},{"text":"السمعة وأن يمدحوا بالكرم، ولا يريدون بذلك وجه الله، وفي [الحديث الذي فيه] [¬١] الثلاثة الذين هم أول من تسجر بهم النار، وهم العالم والغازي والمنفق المراءون بأعمالهم، يقول صاحب المال: ما تركت من شئ تحب أن ينفق فيه إلا أنفقت في سبيلك. فيقول الله: كذبت؛ إنما أردت أن يقال: جواد [¬٢] فقد قيل. أي: فقد أخذت جزاءك في الدنيا، وهو الذي أردت بفعلك (^٤٢٧).\nوفي الحديث أن رسول الله ﷺ قال لعدي [بن حاتم] [¬٣]: \"إن أباك رام [¬٤] أمرًا فبلغه\" (^٤٢٨).\nوفي حديث آخر أن رسول الله ﷺ سئل عن عبد الله بن جدعان، هل ينفعه إنفاقه وإعتاقه؟ فقال: \"لا، إنه لم يقل يومًا من الدهر: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين\" (^٤٢٩).\n_________\n= ومن قبله اكتفى الهيثمى بعزوه إلى الطبرانى وبناءً على ذلك فقد تعقب الألبانى فى \"تمام المنة\" (ص ٢٢٥) مصنف كتاب \"فقه السنة\" فى عزوه هذا الحديث لأبي داود وزعم أن \"عزوه لأبي داود خطأ\" وحق هذا التعقيب أن يتعقب فالحديث فى أبى داود كما تقدم بيانه والله المستعان.\n(^٤٢٧) - أخرجه مسلم، كتاب الإمارة، باب: من قاتل للرياء والسمعة استحق النار (١٥٢) (١٩٠٥) وكذا أحمد (٢/ ٣٢١، ٣٢٢)، والنسائى (٦/ ٢٣) من حديث أبى هريرة.\n(^٤٢٨) - أخرجه أحمد (٤/ ٢٥٨، ٣٧٧، ٣٧٩) والطيالسى فى مسنده (١٠٣٤) وابن حبان فى صحيحه (٢/ رقم ٣٣٢) والطبرانى فى \"المعجم الكبير\" (١٧/ رقم ٢٥٠) والبيهقى فى \"السنن الكبرى\" (٧/ ٢٧٩) وفى \"الشعب\" (٥/ ٦٨٤١) من طريق سماك بن حرب عن مُرَى بن قطرى عن عدى بن حاتم قال: قلت: يا رسول الله إن أبى كان يصل الرحم ويفعل كذا وكذا فقال … فذكر الحديث قال الهيثمى فى \"المجمع\" (١/ ١٢٤): \"رواه أحمد ورجاله ثقات، والطبرانى في الكبير\" وصحح الحاكم (٤/ ٢٤٠) هذا الإسناد على شرط مسلم، وسكت عنه الذهبى وذلك بناء على قوله فى \"الميزان\": \"مُرَى بن قَطَرى عن عدى بن حاتم، لا يعرف، تفرد عنه سماك بن حرب، كوفى\" وقال الحافظ فى \"التقريب\": \"مقبول\" وقد فاتهما توثيق ابن معين له فى رواية عثمان بن سعيد الدارمى (رقم ٧٦٦) وكذا وثقه ابن حبان \"الثقات\" (٥/ ٤٥٩) وله شاهدان بإسناد ضعيف فى مسند سهل بن سعد وابن عمر انظر \"المجمع\" (١/ ١٢٤).\n(^٤٢٩) - أخرجه أحمد (٦/ ٩٣، ١٢٠)، ومسلم، كتاب الإيمان، باب: الدليل على أن من مات على الكفر لا ينفعه عمل (٣٦٥) (٢١٤) من حديث عائشة.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ت: \"الحديث\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"كريم\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- في ت: \"أراد\".","vol":"4","page":49},{"text":"ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا﴾. أي: إنما حملهم على صنيعهم هذا القبيح وعدولهم عن فعل الطاعة على وجهها الشيطانُ، فإنه سوّل لهم وأملى لهم، وقارنهم وحسن [¬١] لهم القبائح، [ولهذا قال تعالى] [¬٢]: ﴿وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا﴾ ولهذا قال الشاعر:\nعن المرء لا تسأل وسل عن قرينه … فكل قرين بالمقارن يقْتدي\nثم قال تعالى: ﴿وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا﴾ أي: وأي شيء يضرهم [¬٣] [لو آمنوا بالله] [¬٤]، وسلكوا الطريق [¬٥] الحميدة، وعدلوا عن الرياء إلى الإِخلاص والإِيمان بالله، رجاء موعوده في الدار الآخرة لمن يحسن عمله، وأنفقوا مما رزقهم الله في الوجوه التي يحبها الله ويرضاها.\nوقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا﴾ أي: وهو عليم بنياتهم الصالحة والفاسدة، وعليم بمن يستحق التوفيق منهم فيوفقه، ويلهمه رشده، ويقيضه لعمل صالح يرضى به عنه، وبمن يستحق الخذلان والطرد عن الجناب [¬٦] الأعظم الإِلهي الذي من طرد عن بابه فقد خاب وخسر في الدنيا والآخرة، عياذًا بالله من ذلك.\n﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (٤٠) فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (٤١) يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا (٤٢)﴾\n[يقول تعالى مخبرًا] [¬٧] أنه لا يظلم أحدًا [¬٨] من خلقه [¬٩] يوم القيامة مثقال حبة خردل\n_________\n[¬١]- في ز: \"فحسن\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٣]- في ز: \"يكرثهم\"، خ: \"يكربهم\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- في ز: \"الطرائق\".\n[¬٦]- فى ت: \"جنابه\".\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"يخبر تعالى\".\n[¬٨]- فى خ: \"عبدا\".\n[¬٩]- في ز، خ: \"عباده\".","vol":"4","page":50},{"text":"ولا مثقال ذرة، بل يوفيها له ويضاعفها له إن كانت حسنة، كما قال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (٤٧)﴾. وقال تعالى مخبرًا عن لقمان أنه قال: ﴿يَابُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (١٦)﴾. وقال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ (٦) فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾.\nوفي الصحيحين (^٤٣٠)، من حديث زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري، عن رسول اللَّه ﷺ في حديث الشفاعة الطويل وفيه: فيقول اللَّه ﷿: \"ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مقال [حبة خردل] [¬١] من إيمان فأخرجوه من النار\" وفي لفظ: \"أدنى أدنى أدنى معقال ذرة من إيمان فأخرجوه من النار. فيخرجون خلقا كثيرا\". ثم يقول أبو سعيد: اقرءوا إن شئتم ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (٤٠)﴾.\nوقال ابن أبي حاتم (^٤٣١): حدّثنا أبو سعيد الأشج، حدّثنا عيسى بن يونس، عن هارون بن عنترة، عن عبد اللَّه بن السائب، عن زاذان، قال: قال عبد اللَّه بن مسعود: يؤتى بالعبد أو [¬٢] الأمة يوم القيامة، فينادي مناد على رءوس الأوّلين والآخرين: هذا فلان بن فلان، من كان له حق فليأت إلى حقه. فتفرح المرأة أن يكون لها الحق على أبيها أو [¬٣] أمها [¬٤] أو أخيها أو زوجها [ثم قرأ] [¬٥]: ﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ (١٠١)﴾ فيغفر اللَّه من حقه ما يشاء، ولا\n_________\n(^٤٣٠) - أخرجه البخارى، كتاب التوحيد، باب: قول اللَّه تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ (٧٤٣٩)، ومسلم، كتاب الإيمان، باب: معرفة طريق الرؤية (٣٠٢) (١٨٣) وكذا أخرجه أحمد (٣/ ١٦، ٩٤) والترمذى (٢٥٩٨)، والنسائى (٨/ ١١٢، ١١٣)، وابن ماجة (٦٠) كلهم من حديث أبىى سعيد بالرواية الأولى، وبالرواية الثانية إنما أخرجه البخارى، كتاب التوحيد، باب: كلام الربُّ ﷿ يوم القيامة مع الأنبياء وغيرهم (٧٥١٠)، ومسلم، كتاب الإيمان، باب: أدنى أهل الجنة منزلة فيها (٣٢٦) (١٩٣) من حديث أنس بن مالك.\n(^٤٣١) - تفسير ابن أبى حاتم (٣/ ٥٣٣٥) وهذا إسناد صحيح رجاله ثقات من رجال \"التهذيب\" وعلقه ابن جرير فى تفسيره (٨/ ٩٥٠٩): وحدثت عن محمد بن عبيد، عن هارون بن عنترة به. وكان وصله قبل ذلك (٨/ ٩٥٠٨): حدثنى المثنى، ثنا مسلم بن إبراهيم، ثنا صدقة بن أبى سهل، ثنا أبو عمرو=\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"ذرة\".\n[¬٢]- في ز: \"و\".\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"4","page":51},{"text":"يغفر من حقوق الناس شيئا، فينصب للناس، فينادى: هذا فلان بن فلان، من كان له حق فليأت إلى حقه. فيقول: يا [¬١] رب فنيت الدنيا، من أين أوتيهم حقوقهم قال: خذوا الناس [¬٢] من أعماله الصالحة، فأعطوا كل ذي حق حقه [¬٣] بقدر مظلمته [¬٤]، فإن كان وليًّا للَّه ففضل له مثقال ذرّة ضاعفها اللَّه له حتى يدخله بها [¬٥] الجنة ثم قرأ علينا ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا﴾ قال: ادخل الجنة، وإن كان عبدًا شقيا، قال الملك: رب فنيت حسناته وبقي طالبون كثير؟. فيقول [¬٦]: خذوا من سيئاتهم فأضيفوها [¬٧] إلى سيئاته، ثم صكوا له صكا إلى النار.\nورواه ابن جرير من وجه [¬٨] آخر عن زاذان به نحوه، ولبعض هذا الأثر شاهد في الحديث الصحيح.\nوقال ابن أبي حاتم (^٤٣٢) حدّثنا أبي، حدثنا أبو نعيم، حدثنا فضيل -يعني ابن مرزوق- عن عطية العوفي، حدثني عبد اللَّه بن عمر، قال: نزلت هذه الآية في الأعراب ﴿مَنْ جَاءَ\n_________\n= عن راذان به. وقال الشيخ أبو الأشبال فى حاسية ابن جرير: \"أبو عمرو لم أعرف من هو؟ ففى هذه الكنية كثرة\" قلت: ترجم ابن حجر فى \"التهذيب\" لـ \"هارون بن عنترة\" وكناه أبا عبد الرحمن غير أنه نقل عن أبى حاتم بن حبان أنه كناه \"أبا عمرو\" ثم قال: \"وممن كناه أبا عمرو يحيى بن سعيد، وابن الدينى، والبخارى، والنسائى، وأبو أحمد الحاكم وغيرهم، وهو الصحيح\" فيحتمل اُن يكون هو، غير أنهم لم يذكروا فى الرواة عن عنترة من اسمه \"صدقة بن أبى سهل\" وقد ترجم ابن أبى حاتم الرازى لرجل اسمه \"أبو عمرو الجملى\" فقال -\"الجرح والتعديل\" (٩/ ٤١٠) -: \"أبو عمرو الجملى، روى عن زاذان، روى عنه صدقة أبو سهل، سمعت أبى يقول: هو مجهولًا فالله أعلم. والأثر زاد نسبته السيوطى فى \"الدر المنثور\" (٢/ ٢٩٠) إلى عبد بن حميد!! ومن شواهد هذا الأثر حديث المفلس ووم القيامة وهو عند مسلم (٥٩) (٢٥٨١) من حديث أبى هريرة، وانظر ما يأتى تحت آية ١٠١ من سورة \"المؤمنون\".\n(^٤٣٢) - تفسير ابن أبى حاتم (٣/ ٥٣٣٨) وإسناده ضعيف لضعف عطية العوفى، وقد رواه ابن جرير فى تفسيره (٨/ ٩٥١١) من طريق يحيى بن أبى بكير، ثنا فضيل بن مرزوق به، غير أنه تصحف عنده \"عبد اللَّه بن عمر\" إلى \"عبد اللَّه بن عمير\" وزاد نسبته السيوطى فى \"الدر المنثور\" (٢/ ٢٩٠) إلى سعيد بن منصور وابن المنذر والطبرانى، وقد ذكره الهيثمى فى \"المجمع\" (٧/ ٢٦) وقال: \"=\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- في ز، خ: \"طلبته\".\n[¬٥]- سقط من: ز.\n[¬٦]- في ز: \"قال\".\n[¬٧]- في ز: \"فأضعفوها\".\n[¬٨]- في خ: \"وجوه\".","vol":"4","page":52},{"text":"بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ فال رجل: فما للمهاجونى يا أبا عبد الرحمن؟ قال: ما هو أفضل من ذلك [¬١] ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (٤٠)﴾.\nوحدثنا أبو زرعة (^٤٣٣)، حدثنا يحيى بن عبد اللَّه بن بكير، حدثني عبد اللَّه بن لهيعة، حدثني عطاء بن دينار، عن سعيد بن جبير، في قوله: ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا﴾ فأما المشرك فيخفف عنه العذاب يوم القيامة، ولا يخرج من النار أبدًا. وقد يستدل [¬٢] له بالحديث الصحيح (^٤٣٤)، أن العباس قال: يا رسول اللَّه [¬٣]؛ إن عمك [¬٤] أبا طالب كان يحوطك وينصرك فهل نفعته بشيء؟ قال \"نعم هو في ضحضاح من نار، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار\".\nوقد يكون هذا خاصًّا بأبي طالب من دون الكفار، بدليل ما رواه أبو داود الطيالسي في مسنده (^٤٣٥)، حدثنا عمران، حدثنا قتادة، عن أنس، أن رسول اللَّه ﷺ قال: \"إن اللَّه لا يظلم المؤمن حسنة، يثاب عليها الرزق في الدنيا، ويجزى بها في الآخرة، وأما الكافر فيطعم بها في الدنيا، فإذا كان يوم القيامة لم يكن له حسنة\".\nوقال أبو هريرة وعكرمة وسعيد بن جبير والحسن وقتادة والضحاك في قوله: ﴿وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ يعني: الجنة. [نسأل اللَّه الجنة] [¬٥].\n_________\n= رواه الطبرانى وفيه عطية وهو ضعيف\".\n(^٤٣٣) - تفسير ابن أبى حاتم (٣/ ٥٣٣٦) وابن لهيعة ضعيف والخبر لم يعزه السيوطى فى \"الدر المنثور\" (٢/ ٢٩١) لغير ابن أبى حاتم.\n(^٤٣٤) - أخرجه البخارى، كتاب مناقب الأنصار، قصة أبى طالب (٣٨٨٣)، ومسلم، كتاب الإيمان، باب: شفاعة النبى ﷺ لأبى طالب والتخفيف عنه بسببه (٣٥٧: ٣٥٩) (٢٠٩)، وأحمد (١/ ٢٠٦، ٢٠٧، ٢١٠) من حديث العباس بن عبد المطلب.\n(^٤٣٥) - مسند الطيالسى (رقم ٢٠١١) وهدا تقصير من المصنف فى عزو الحديث، استدركه هو نفسه فى تفسير سورة النحل/ آية ٩٧ فعزاه إلى أحمد ومسلم، وهو فى \"المسند\" (٣/ ١٢٣، ٢٨٣)، وعند مسلم، كتاب صفات المنافقين وأحكامهم، باب: جزاء المؤمن بحسناته فى الدنيا والآخرة (٥٦، ٥٧) (٢٨٠٨) من طرق عن قتادة به.\n_________\n[¬١]- في ز: \"ذاك\".\n[¬٢]- في ز: \"استدل\".\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"4","page":53},{"text":"وقال الإِمام أحمد (^٤٣٦): حدثنا عبد الصمد، حدثنا سليمان -يعني ابن المغيرة- عن علي ابن زيد، عن أبي عثمان، قال: بلغني عن أبى هريرة، أنه قال: بلغني أن اللَّه تعالى يعطي العبد [¬١] المؤمن [¬٢] بالحسنة الواحدة ألف ألف حسنة. قال: فقضي أني انطلقت حاجا أو معتمرًا فلقيته، فقلت: بلغني عنك حديث أنك تقول: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: [﴿إن اللَّه -عز رجل-[يعطي العبد بالحسنة ألف ألف حسنة\". قال: أبو هريرة: لا بل سمعت رسول اللَّه ﷺ] [¬٣] يقول [¬٤]: \"إن اللَّه ﷿ يعطيه ألفي ألف حسنة. ثم تلا: ﴿يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ فمن يقدر قدره؟.\nورواه الإمام [¬٥] أحمد [أيضًا فقال] [¬٦]: حدثنا يزيد، حدثنا مبارك بن فضالة، عن علي بن زيد، عن أبي عثمان النهدي [¬٧]، قال: أتيت أبا هريرة، فقلت له: بلغني أنك تقول إن الحسنة تضاعف ألف ألف حسنة. قال: وما أعجبك من ذلك، فواللَّه لقد سمعت -يعني- النبي\n_________\n(^٤٣٦) - \" المسند\" (٢/ ٥٢١، ٥٢٢) وذكره الهيثمى فى \"المجمع\" (١٠/ ١٤٨) وقال: \"رواه أحمد بإسنادين، والبزار بنحوه وأحد إسنادى أحمد جيد\" فى الإسنادين على بين زيد بن جدعان وهو ضعيف، واختلف عليه فيه فقال أبو الحسن الدارقطنى فى \"العلل\" (٨ / س ١٥٥٨): \"يرويه على بن زيد بن جدعان، واختلف عنه فرواه سفيان بن حسين -عند البزار فى مسنده (٢٠١/ ٢٤٢) مستفاد من هامش \"العلل\" -ومبارك بن فضالة- عند أحمد (٢/ ٢٩٦) وابن جرير (٥/ ٩٥١٠) - وسليمان بن المغيرة عن علي بن زيد عن أى عثمان النهدى عن أبى هريرة ورفعوه إلى النبى ﷺ ووقفه شعبة وغيره -كذا وابن أبى هند عند ابن أبى شيبة فى \"المصنف\" (٨/ ١٨٧) - عن علي بن زيد عن أبى عثمان عن أبى هريرة قوله. ورواه زياد الجصاص -عند ابن أبى حاتم (٦/ ١٠٠٣٠) ومن أحد طرقه سيذكره المصنف عند آية رقم ٣٨/ سورة التوبة وزياد ضعيف -عن أبى عثمان، عن أبى هريرة عن النبى ﷺ مرفوعًا وتابعه أبان بن أبى عياش عند عبد الرزاق فى تفسيره (١/ ١٦٠) وأبان متروك -عن أبى عثمان عن أبى هريرة عن النبى ﷺ مرفوعًا من رواية أبى سليم عبيد بن يحيى الكوفى وقع إلى الرقة -ثقة- عن أبى بكر بن عياش عن أبان وقال محمد بن إشكاب عن سعيد بن عامر عن أبان عن أبى عثمان عن أبى هريرة موقوفًا، وقيل: عن ثابت البنانى عن أبى عثمان النهدى عن أبى ذر عن النبى ﷺ \" والحديث ذكره السيوطى فى \"الدر المنثور\" (١/ ٥٥٤) (٢/ ٢٩١)، (٣/ ١٢١) وعزاه إلى أحمد وابن المنذر وابن أبى حاتم وابن جرير وابن مردويه.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"عبده\".\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- ما يين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- سقط من: ز.\n[¬٥]- سقط من: ت.\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٧]- سقط من: ز.","vol":"4","page":54},{"text":"ﷺ -كذا قال أبى- يقول: \"إن اللَّه ليضاعف الحسنة ألفي ألف حسنة\" على بن زيد في أحاديثه نكارة، فالله أعلم.\n[ورواه ابن أبي حاتم من وجه آخر، فقال: حدثنا أبو خلاد سليمان بن خلاد المؤدب، حدثنا محمد الرفاعي، عن زياد بن الجصاص، عن أبي عثمان النهدي، قال: لم يكن أحدٌ أكثر مجالسة مني لأبي هريرة، فقدم قبلي حاجا، وقدمت بعده، فإذا أهل البصرة يأثرون عنه أنه قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: \"إن اللَّه يضاعف الحسنة ألف ألف حسنة\" فقلت: ويحكم، ما كان أحد أكثر مجالسة مني لأبي هريرة، وما سمعت منه هذا الحديث، فهممت أن ألحقه فوجدته قد انطلق حاجا، فانطقت إلى الحج أن ألقاه -في هذا الحديث- ورواه ابن أبي حاتم من طريق أخرى فقال: حدثنا بشر بن مسلم، حدثنا الربيع بن روح، حدثنا محمد بن خالد الوهبي عن زياد بن الجصاص عن أبى عثمان قال: قلت: يا أبا هريرة، سمعت إخواني بالبصرة يزعمون أنك تقول: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: \"إنّ اللَّه يجزي بالحسنة ألف ألف حسنة\". ففال أبو هريرة: بلى واللَّه سمعت نبي اللَّه ﷺ يقول: \"إن اللَّه يجزي بالحسنة ألفي ألف حسنة\". ثم تلا هذه الآية: ﴿فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [¬١].\nوقوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (٤١)﴾ يقول تعالى مخبرًا عن هول يوم القيامة وشدَّة أمره وشأنه، فكيف يكون الأمر والحال يوم القيامة، حين [¬٢] يجيء من كل أمّة بشهيد يعني الأنبياء ﵈، كما قال تعالى: ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ﴾ الآية. وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ الآية.\nو[¬٣] قال البخاري (^٤٣٧): حدثنا محمد بن يوسف، حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن\n_________\n(^٤٣٧) - صحيح البخارى، كتاب فضائل القرآن، باب: قول المقرئ للقارئ حسبك (٥٠٥٠)، وأخرجه كتاب التفسير، باب: \"فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدًا\" (٤٥٨٢) وانظر أطرافه عند هذا الموضع. ومسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب: فضل استماع القرآن (٢٤٧) (٨٠٠)، وأحمد (١/ ٣٨٠، ٤٣٢)، وأبو داود، كتاب العلم، باب: فى القصص (٣٦٦٨)، والترمذى، كتاب تفسير القرآن، باب: ومن سورة النساء (٣٠٢٥)، والنسائى فى \"الكبرى\" (٥/ ٢٨، ٢٩) من طرق عن سليمان الأعمش به، وانظر ما بعده.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٢]- في ز: \"وحين\".\n[¬٣]- سقط من: ز.","vol":"4","page":55},{"text":"إبراهيم، عن عبيدة، عن عبد اللَّه بن مسعود، قال: قال لى رسول اللَّه ﷺ: \"اقرأ علي\". فقلت [¬١]: يا رسول اللَّه، أقرأ عليك وعليك أنزل. قال: \"نعم، إني أحب أن أسمعه من غيري\". فقرأت سورة النساء حتى أتيت إلى هذه الآية: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (٤١)﴾ فقال [¬٢]: \"حسبك الآن\". فإذا عيناه تذرفان.\nورواه هو ومسلم أيضا من حديث الأعمش به. وقد روي من طرق متعدّدة عن ابن مسعود، فهو مقطوع به عنه.\nورواه أحمد (^٤٣٨) من طريق أبي حيان وأبي رزين عنه. وقال ابن أبي حاتم (^٤٣٩): حدثنا أبو بكر بن أبي الدنيا، حدثنا الصلت ابن مسعود الجحدري، حدثنا فضيل بن سليمان، حدثنا يونس بن محمد بن فضالة الأنصاري، عن أبيه، قال: -وكان أبي ممن صحب النبي ﷺ أن النبي ﷺ أتاهم في بني ظفر، فجلس على الصخرة التي في بني ظفر اليوم، ومعه ابن مسعود، ومعاذ بن جبل، وناس من أصحابه، فأمر النبي ﷺ قارئًا فقرأ حتى أتى [¬٣] على هذه الآية ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (٤١)﴾ فبكى رسول اللَّه ﷺ حتى اضطرب لحياه وجنباه، فقال: \"يا رب هذا شهدت على من أنا بين ظهريه، فكيف بمن لم أره\".\n_________\n(^٤٣٨) - \" المسند\" (١/ ٣٧٤) وأخرجه الطبرانى فى \"المعجم الكبير\" (٩/ ٨٤٦٦) من طريق أبى رزين عن ابن مسعود به، وذكر طرقه أبو الحسن الدارقطنى فى \"العلل\" (٥/ س ٨٠٦) ثم قال: \"أصحها حديث الأعمش عن إبراهيم عن عبيدة عن عبد اللَّه\".\n(^٤٣٩) - تفسير ابن أبى حاتم (٣/ ٥٣٤٤) وأخرجه الطبرانى فى \"المعجم الكبير\" (١٩/ رقم ٥٤٦) ثنا محمد بن عبد اللَّه الحضرمى وإبراهيم بن نائلة الأصبهانى قالا: ثنا الصلت بن مسعود به. وعلقه البخارى فى \"التاريخ الكبير\" (١/ ١٦) وقال فضيل أبو كامل حدثنا فضيل بن سليمان بهذا الإسناد، ومن هذه الطريق وصله البغوى فى معجمه -كما فى \"الدر المنثور\" (٢/ ٢٩١) - ومن طريقه الطبرانى أيضا، وابن شاهين -كما فى الإصابة لابن حجر (٩/ ١٠٥) - قال البغوى: ثنا أبو كامل الجحدرى فضيل بن حسين ثنا فضيل بن سليمان به، وعلقه أبو عبد اللَّه القرطبى فى \"الجامع لأحكام القرآن\" (٥/ ١٩٧) من طريق أبى الليث السمرقندى: حدثنا الخليل بن أحمد ثنا ابن منيع ثنا أبو كاهل به. وذكره الهيثمى فى \"المجمع\" (٧/ ٧) وقال: \"رواه الطبرانى، ورجاله ثقات\" وحسن إسناده السيوطى!! مع أن فضيل بن سليمان وهو النُّميرى أبو سليمان البصرى ذكره ابن عدى وابن الجوزى والذهبى فى جملة الضعفاء، وقال ابن معين: ليس بثقة، وقال أبو زرعة: لين الحديث، وقال أبو حاتم والنسائى:=\n_________\n[¬١]- في ز: \"قلت\".\n[¬٢]- في ز: \"قال\".\n[¬٣]- في ز: \"فأتى\".","vol":"4","page":56},{"text":"وقال ابن جرير (^٤٤٠): حدثني أعبد اللَّه بن محمد] [¬١] الزهري. حدثنا سفيان، عن المسعودى، عن جعفر بن عمرو بن حريث [¬٢]، [عن أبيه] [¬٣]، عن عبد اللَّه -هو ابن مسعود-[في هذه الآية] [¬٤] قال: قال رسول اللَّه ﷺ: \"شهيد عليهم ما دمت فيهم فإذا توفيتنى كنت أنت الرقيب عليهم\".\nوأما ما ذكره أبو عبد اللَّه القرطبي في التذكرة حيث قال: باب ما جاء في شهادة النبي ﷺ على أمته، قال: أخبرنا [¬٥] ابن المبارك، أخبرنا رجل من الأنصار، عن المنهال بن عمرو، حدثه أنه سمع سعيد بن المسيب، يقول: ليس من يوم إلا يعرض فيه [¬٦] على النبي ﷺ أمته غدوة وعشية، فيعرفهم بأسمائهم وأعمالهم، فلذلك يشهد عليهم يقول اللَّه تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (٤١)﴾. فإنه أثر، وفيه انقطاع؛ فإن فيه رجلا مبهما لم يسم، وهو من كلام سعيد بن المسيب، لم يرفعه، وقد قبله القرطبي، فقال بعد إيراده: [قد تقدّم] [¬٧] أن الأعمال تعرض على اللَّه كل يوم اثنين وخميس، [فإنها تعرض على] [¬٨] الأنبياء والآباء والأمّهات يوم الجمعة. قال: ولا تعارض [¬٩]، فإنه يحتمل أن يخص نبينا بما يعرض عليه كل يوم، وسرم الجمعة مع الأنبياء [عليه و] [¬١٠] عليهم [أفضل\n_________\n= \"ليس بالقوى\" زاد أبو حاتم: \"يكتب حديثه\" وفى \"التقريب\": \"صدوق له خطأ كثير\" وشيخه يونس بن محمد لم يوثقه غير إلى حبان \"الثقات\" (٧/ ٦٤٧) وله شاهد بإسناد فيه جهالة، انظر \"المجمع\" (٧/ ٧، ٨).\n(^٤٤٠) - تفسير ابن جرير (٨/ ٩٥١٨) وإسناده صحيح، رجاله ثقات من رجال \"التهذيب\" وصحح الحاكم فى \"المستدرك\" (٣/ ٣١٩) حديثا بهذا الإسناد ووافقه الذهبى، وسفيان هو الثورى، والمسعودى هو معن بن عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن مسعود، والخبر لم يعزه السيوطى فى \"الدر المنثور\" (٢/ ٢٩٢) لغير ابن جرير، وأخرج الطبرانى فى \"المعجم الكبير\" (١٠/ ٩٧٨١) من طريق عثمان بن أبى ثيبة ثنا أبو أسامة ثنا مسعر حدثنى معن عن جعفر بن عمرو بن حريث عن أبيه، عن ابن مسعود قال: قال النبى ﷺ: \"كنت عليهم شهيدًا ما دمت فيهم\" وقال الهيثمى فى \"المجمع\" (٧/ ٢٢): \"رجاله رجال الصحيح\".\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"محمد بن عبد اللَّه\".\n[¬٢]- في ز: \"خريث\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين في ز: \"فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد\".\n[¬٥]- بياض في: ز، سقط من: خ.\n[¬٦]- سقط من: ز.\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٨]- ما بين المعكوفتين في ت: \"على\".\n[¬٩]- في ز: \"يعارض\".\n[¬١٠]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.","vol":"4","page":57},{"text":"الصلاة و] [¬١] السلام.\nوقوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ﴾ أي: لو انشقت وبلعتهم، مما يرون من أهوال الموقف، وما يحل بهم من الخزي والفضيحة والتوبيخ لقوله: ﴿يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾ الآية.\nوقوله: ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ إخبار [¬٢] عنهم بأنهم يعترفون بجميع ما فعلوه، ولا يكتمون منه شيئًا.\nو[¬٣] قال ابن جرير (^٤٤١): [حدثنا ابن حميد] [¬٤]، حدثنا حكام [¬٥]، حدثنا عمرو، عن مطرف، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير قال: أتى رجل إلى [¬٦] ابن عباس فقال له [¬٧] سمعت اللَّه ﷿ يقول -يعني إخبارًا عن المشركين يوم القيامة- إنهم قالوا: ﴿واللَّه ربنا ما كنا مشركين﴾. وقال في الآية الأخرى: ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ فقال ابن عباس: أما قوله: ﴿واللَّه ربنا ما كنا مشركين﴾ فإنهم لما رأوا أنه لا يدخل الجنة إلا أهل الإسلام، قالوا: تعالوا فلنجحد. فقالوا: ﴿واللَّه ربنا ما كنا مشركين﴾ فختم اللَّه على أفواههم وتكلمت أيديهم وأرجلهم ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾.\nوقال عبد الرزاق (^٤٤٢): أخبرنا معمر، عن رجل، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، قال: جاء رجل إلى ابن عباس فقال: أشياء تختلف عليَّ في القرآن. قال: ما هو أشك [¬٨] في القرآن؟ قال: ليس هو بالشك ولكن اختلاف. قال: فهات ما اختلف عليك من ذلك. قال: أسمع الله يقول: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣)﴾ وقال [¬٩]: ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ فقد كتموا [فقد كتموا] [¬١٠]. فقال ابن عباس: أما قوله ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣)﴾ فإنهم\n_________\n(^٤٤١) - تفسير ابن جرير (٨/ ٩٥٢٠) ويأتى تخريجه مُوسعًا فى سورة الأنعام/ آية ٢٣.\n(^٤٤٢) - تفسير عبد الرزاق (١/ ١٦٠، ١٦١) وانظر السابق.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٢]- في ز: \"أخبر\".\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- في خ: \"حاكم\".\n[¬٦]- سقط من: ز.\n[¬٧]- سقط من: ز، خ.\n[¬٨]- في ز: \"أشكل\".\n[¬٩]- في ز: \"قال\".\n[¬١٠]- ما بين المعكوفتين سقط من: ت.","vol":"4","page":58},{"text":"لما رأوا يوم القيامة أن اللَّه لا يغفر إلا لأهل الإِسلام [¬١]، ولا يتعاظمه ذنب أن يغفره، ويغفر الذنوب ولا يغفر شركا، جحد المشركون، فقالوا: ﴿واللَّه ربنا ما كنا مشركين﴾ رجاء أن يغفر لهم، فختم اللَّه على أفواههم وتكلمت أيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون، فعند ذلك ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا (٤٢)﴾.\nوقال جوبير، عن الضحاك: إن نافع بن الأزرق أتى ابن عباس، فقال: يا ابن عباس قول اللَّه تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا (٤٢)﴾ وقوله: ﴿واللَّه ربنا ما كنا مشركين﴾ فقال له ابن عباس: إني أحسبك قمت من عند أصحابك، فقلت ألقي على ابن عباس متشابه القرآن، فإذا رجعت إليهم فأخبرهم أن اللَّه تعالى يجمع [¬٢] الناس يوم القيامة في بقيع واحد، فيقول المشركون: إن اللَّه لا يقبل من أحد شيئًا إلا ممن وحده. فيقولون: تعالوا نقل. فيسألهم، فيقولون: ﴿واللَّه ربنا ما كنا مشركين﴾ قال: فيختم اللَّه [¬٣] على أفواههم ويستنطق [¬٤] جوارحهم، فتشهد عليهم جوارحهم أنهم كانوا مشركين. فعند ذلك يتمنون [¬٥] لو أن الأرض سويت بهم ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ رواه ابن جرير (^٤٤٣) [¬٦].\nيَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا (٤٣)\nينهى ﵎ عباده المؤمنين عن فعل الصلاة في حال السكر الذي لا يدري معه المصلي ما يقول، وعن قربان [محالها التي] [¬٧] هي المساجد للجنب، إلا أن يكون مجتازًا من باب إلى\n_________\n(^٤٤٣) - تفسير ابن جرير (٨/ ٩٥٢٢) وانظر السابق.\n_________\n[¬١]- في ز: \"السلام\".\n[¬٢]- في ز: \"جامع\".\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- في ز: \"وتستنطق\".\n[¬٥]- في ز: \"تمنوا\".\n[¬٦]- في ز، خ: \"جبير\".\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين في ز: \"محلها و\".","vol":"4","page":59},{"text":"باب، من غير مكث، وقد كان هذا قبل تحريم الخمر، كما دل عليه [¬١] الحديث الذي ذكرناه في سورة البقرة عند قوله تعالى ﴿يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير﴾ الآية. فإن رسول اللَّه ﷺ تلاها على عمر فقال: اللهم بين لنا فى الخمر بيانًا شافيًا. فلما نزلت هذه الآية تلاها عليه فقال: اللهم بين لنا فى الخمر بيانًا شافيًا. فكانوا لا يشربون الخمر فى أوقات الصلوات، حتى [¬٢] نزلت [] [¬٣]: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠)﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فهل أنتم منتهون﴾ فقال عمر: انتهينا انتهينا.\nوفى رواية إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عمرو [هو ابن] [¬٤] شرحبيل، عن عمر بن الخطاب، في قصة تحريم الخمر فذكر الحديث، وفيه: فنزلت الآية التى في النساء: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ فكان منادي رسول اللَّه ﷺ إذا قامت الصلاة ينادي أن لا يقربن الصلاة سكران، لفظ أبي داود (^٤٤٤).\n[وذكر ابن أبي شيبة] [¬٥] في سبب نزول هذه الآية ما رواه ابن أبي حاتم (^٤٤٥)، حدّثنا يونس ابن حبيب، حدّثنا أبو داود، حدثنا شعبة، أخبرني سماك بن حرب قال: سمعت مصعب بن سعد يحدث عن سعد قال: نزلت في أربع آيات: صنع رجل من الأنصار طعامًا فدعا أناسًا من المهاجرين وأناسًا من الأنصار، فأكلنا وشربنا حتى سكرنا، ثم افتخرنا، فرفع رجل [¬٦] لحي بعير ففزر بها أنف سعد، فكان سعد مفزور الأنف، وذلك قبل تحريم [¬٧] الخمر، فنزلت: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ الآية.\n_________\n(^٤٤٤) - سنن أبى داود، كتاب الأشربة، باب: فى تحريم الخمر (٣٦٧٠) وتقدم تخريجه موسَّعًا فى سورة البقرة/ آية ٢٢٠.\n(^٤٤٥) - تفسير ابن أبى حاتم (٣/ ٥٣٥٣)، والحديث فى مسند الطيالسى (رقم ٢٠٨)، وأخرجه مسلم فى صحيحه، كتاب فضائل الصحابة، باب: فى فضل سعد بن أبى وقاص ﵁ (٤٣، ٤٤) (١٧٤٨) من طريق زهير بن معاوية وشعبة به مطولًا، وكناب الجهاد والسير، باب: الأنفال ٣٣١، ٣٤) (١٧٤٨) من طريق أبى عوانة وشعبة عن سماك به مختصرًا، وانظر ما بعده.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- في ز: \"فلما\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في ز: \"قوله\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين في ت: \"بن\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين في ز: \"وذكروا\".\n[¬٦]- سقط من: ز.\n[¬٧]- فى ز: \"أن تحرم\".","vol":"4","page":60},{"text":"والحديث بطوله عند مسلم من رواية شعبة ورواه أهل السنن إلا ابن ماجه من طرق عن سماك به (^٤٤٦). (سبب آخر): قال ابن أبي حاتم (^٤٤٧): حدّثنا محمَّد بن عمار، حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله الدشتكي، حدثنا أبو جعفر، عن عطاء بن السائب، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن علي بن أبي طالب قال: صنع لنا عبد الرحمن بن عوف طعامًا، فدعانا وسقانا من الخمر، فأخذت الخمر منا، وحضرت الصلاة فقدموا فلانا قال فقرأ: قل يا أيها الكافرون ما أعبد ما تعبدون ونحن نعبد ما تعبدون. فأنزل الله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾.\nهكذا رواه ابن أبي حاتم، وكذا رواه الترمذي، عن عبد [¬١] بن حميد، عن عبد الرحمن الدشتكي -به، وقال: حسن صحيح.\nوقد رواه ابن جرير (^٤٤٨)، عن محمَّد بن بشار، عن عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان الثوري، عن عطاء بن السائب، عن أبي عبد الرحمن، عن علي أنه كان هو وعبد الرحمن ورجل آخر شربوا الخمر، فصلى بهم عبد الرحمن فقرأ: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١)﴾ [الكافرون: ١] فخلط فيها، فنزلت: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾.\n_________\n(^٤٤٦) - كذا عزاه المصنف لهم من طريق سماك، والذي أخرجه من هذه الطريق هو الترمذي فحسب فأخرجه كتاب تفسير القرآن، باب: ومن سورة العنكبوت (٣١٨٩) من طريق شعبة عنه مختصرًا. بينما أخرجه أبو داود، كتاب الجهاد، باب: في النفل (٢٧٤٠)، والنسائي في \"التفسير\" من \"الكبرى\" (٦/ ١١١٩٦) وكذا الترمذي، باب: ومن سورة الأنفال (٣٠٧٩) من طرق عن أبي بكر بن عياش، عن عاصم بن أبي النجود، عن مصعب بن سعد به بقصة النفل، وقد استدرك المصنف هذا الخطأ عند فاتحة سورة الأنفال، وانظر أيضًا \"تحفة الأشراف\" لأبي الحجاج المزى (٣/ ٣٩٣٠) \".\n(^٤٤٧) - تفسير ابن أبي حاتم (٣/ ٥٣٥٢) وأخرجه عبد بن حميد في \"المنتخب\" (٨٢) - وعنه الترمذي، كتاب تفسير القرآن، باب: ومن سورة النساء (٣٠٢٦) والضياء المقدسي في \"المختارة\" (٢/ ٥٦٦) - والبزار في مسنده \"البحر الزخار\" (٢/ رقم ٥٩٨) ثنا أحمد بن محمَّد بن سعيد الأنماطى، كلاهما (عبد بن حميد والأنماطى) نا عبد الرحمن بن عبد الله به.\nوقال البزار: \"هذا الحديث لا نعلمه يروى عن علي ﵁ متصل الإسناد إلا من حديث عطاء بن السائب عن أبي عبد الرحمن … \" وعطاء بن السائب مختلط، ورواية أبي جعفر عنه بعد الاختلاط غير أن سفيان الثورى رواه عنه وهو الآتى، والجمهور على أن سفيان روى عنه قبل الاختلاط، ولذلك قال أبو عيسى الترمذي عقبه: \"حديث حسن صحيح غريب\" ومع هذا فقد حاول إعلاله المنذرى فى \"مختصر سنن أبي داود\" (٥/ ٢٥٩)!!.\n(^٤٤٨) - تفسير ابن جرير (٨/ ٩٥٢٤)، وأخرجه أبو داود، كتاب الأشربة، باب: في تحريم الخمر (٣٦٧١) - ومن طريقه وطريق آخر الضياء في \"المختارة\" (٢/ ٥٦٧، ٥٦٨)، والنسائي في \"التفسير\" من \"الكبرى\" - كما في \"التحفة\" (٧/ ١٠١٧٥)، والنحاس في \"الناسخ والمنسوخ\" (ص ٣٣٨) والحاكم في \"المستدرك\" (٢/ ٣٠٧) وصححه ووافقه الذهبي من طريق سفيان الثورى عن عطاء بن السائب به، وقال الحاكم: \"في هذا الحديث فائدة كثيرة وهي أن الخوارج تنسب هذا السكر وهذا القراءة إلى أمير المؤمنين على بن أبي طالب دون غيره، وقد برأه الله منها، فإنه راوى هذا الحديث\".\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"عبيد\".","vol":"4","page":61},{"text":"وهكذا رواه أبو داود والنسائي من حديث الثوري -به.\nورواه ابن جرير أيضًا (^٤٤٩) عن ابن حميد، عن جرير، عن عطاء، عن أبي عبد الرحمن السلمي، قال: كان على في نفر من أصحاب النبي ﷺ في بيت عبد الرحمن ابن عوف، فطعموا، فأتاهم بخمر فشربوا منها، وذلك قبل أن يحرم الخمر، فحضرت الصلاة، فقوموا عليًّا فقرأ بهم ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١)﴾ [الكافرون: ١] فلم يقرأها كما ينبغى فأنزل الله ﷿ ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾.\nثم قال (^٤٥٠): حدثني المثني، حدثنا الحجاج بن المنهال، حدثنا حماد، عن عطاء بن السائب، عن عبد الله بن حبيب، وهو أبو عبد الرحمن السلمي، أن عبد الرحمن بن عوف منع طعامًا وشرابًا، فدعا نفرًا من أصحابي النبي ﷺ فصلى بهم المغرب، فقرأ قل يا أيها الكافرون أعبد ما تعبدون، وأنتم عابدون ما أعبد، وأنا عابد ما عبدتم، لكم دينكم ولي دين. فأنزل الله [] [¬١]: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾.\n[وقال العوفي عن ابن عباس في الآية [¬٢]: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾: وذلك أن رجالًا كانوا يأتون الصلاة وهم سكارى، قبل أن تحرم الخمر، فقال الله: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ الآية. رواه ابن\n_________\n(^٤٤٩) - هذا الإسناد غير موجود هكذا في تفسير ابن جرير، وأخشى أن يكون نظر المصنف تحول إلى إسناد آخر، فعقب الخبر الآتى (٨/ ٩٥٢٧): ثنا ابن حميد، قال، حدثنا جرير، عن مغيرة، عن أبي رزين. فذكر كلامًا موقوفًا على أبي رزين.\n(^٤٥٠) - تفسير ابن جرير (٨/ ٩٥٢٥) غير أن فيه الذي صلى بهم المغرب هو \"على بن أبي طالب\".\n_________\n[¬١]- بين المعكوفتين في ز: \"هذه الآية\"، وفي خ: \"﷿\".\n[¬٢]- في ز: \"قوله\".","vol":"4","page":62},{"text":"جرير (^٤٥١)] [¬١] قال [¬٢] وكذا قال أبو رزين ومجاهد.\nوقال عبد الرزاق (^٤٥٢)، عن معمر، عن قتادة: كانوا يجتنبون السكر عند حضور الصلوات، ثم نسخ بتحريم الخمر.\nوقال الضحاك في الآية [¬٣]: لم يعن بها سكر الخمر. وإنما عني بها سكر النوم. رواه ابن جرير وابن أبي حاتم (^٤٥٣).\nثم قال ابن جرير: والصواب أن المراد سكر الشراب. قال: ولم يتوجه النهي إلى السكران الذي لا يفهم الخطاب؛ لأن ذاك في حكم المجنون، وإنما خوطب بالنهي الثمل الذي يفهم التكليف و[¬٤] هذا حاصل ما قاله. وقد ذكره غير واحد من الأصوليين، وهو أن الخطاب يتوجه [¬٥] إلى من يفهم الكلام دون السكران الذي لا يدري ما يقال له فإن الفهم شرط التكليف، وقد يحتمل أن يكون المراد التعريض بالنهي عن السكر بالكلية، لكونهم مأمورين بالصلاة في الخمسة الأوقات من الليل والنهار، فلا يتمكن شارب الخمر من أداء الصلاة في أوقاتها دائمًا، والله أعلم. وعلى هذا فيكون كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)﴾ [آل عمران: ١٠٢] وهو الأمر لهم بالتأهب للموت على الإِسلام، والمداومة على الطاعة لأجل ذلك.\nوقوله: ﴿حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ هذا أحسن ما يقال في حد السكران، أنه الذي لا يدري ما يقول؛ فإن الخمور فيه تخليط في القراءة وعدم تدبره [¬٦] وخشوعه فيها. وقد قال الإِمام أحمد (^٤٥٤): حدثنا عبد الصمد، حدثنا أبي، حدثنا أيوب، عن أبي قلابة عن\n_________\n(^٤٥١) - تفسير ابن جرير (٨/ ٩٥٢٦)، والعوفى ضعيف، والخبر لم يعزه السيوطي في \"الدر المنثور\" (٢/ ٢٩٤) لغير ابن جرير.\n(^٤٥٢) - تفسير عبد الرزاق (١/ ١٦٣) ومن طريقه ابن جرير (٨/ ٩٥٣١).\n(^٤٥٣) - أخرجه ابن جرير (٨/ ٩٥٣٣) وابن أبي حاتم (٣/ ٥٣٥٦) بإسناد صحيح عنه، وزاد نسبته السيوطي فى \"الدر المنثور\" (٢/ ٢٩٤) إلى الفريابى وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٤٥٤) - \" المسند\" (٣/ ١٥٠) وأخرجه أيضا (٣/ ١٠٠) والبخاري، كتاب الوضوء، باب: الوضوء =\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في ز: \"قوله: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ \".\n[¬٤]- سقط من: ز.\n[¬٥]- في ز: \"توجه\".\n[¬٦]- في ز: \"تدبيره له\".","vol":"4","page":63},{"text":"أنس، قال: قال رسول الله ﷺ: \"إذا نعس أحدكم وهو يصلي، فلينصرف فلينم، حتى يعلم ما يقول\". انفرد بإخراجه [البخاري دون] [¬١] مسلم، فرواه هو والنسائي من حديث أيوب، به، وفي بعض ألفاظ الحديث (^٤٥٥): \" فلعله يذهب يستغفر فيسب نفسه\".\nوقوله: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ قال ابن أبي حاتم (^٤٥٦): حدثنا محمَّد ابن عمار، حدثنا عبد الرحمن الدشتكي، أخبرنا أبو جعفر الرازي، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ قال: لا تدخلوا المسجد وأنتم جنب، إلا عابري سبيل. قال: تمر به مرًّا، ولا تجلس. ثم قال: وروي عن عبد الله بن مسعود وأنس وأبي عبيدة وسعيد بن المسيب وأبى الضحى وعطاء ومجاهد ومسروق وإبراهيم النخعي وزيد بن أسلم وأبي مالك وعمرو بن دينار والحكم ابن عتيبة [¬٢] وعكرمة والحسن البصري ويحيى بن سعيد الأنصاري وابن شهاب وقتادة - نحو ذلك.\nوقال ابن جرير (^٤٥٧): حدثنا المثنى، حدثنا أبو صالح، حدثني الليث، حدثنا يزيد بن أبي حبيب، عن قول الله ﷿: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ أن رجالًا من الأنصار كانت أبوابهم في المسجد، فكانت تصيبهم الجنابة [¬٣] ولا ماء عندهم فيريدون الماء، ولا يجدون ممرًّا إلا في المسجد، فأنزل الله: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾.\n_________\n= من النوم، ومن لم من النَّعْسَة والنَّعْستين أو الخَفْقَة وُضوءًا (٢١٣)، والنسائى، كتاب الطهارة، باب: في الأمر بالوضوء من النوم (١/ ٢١٥، ٢١٦) من طريق أيوب به.\n(^٤٥٥) - صح هذا اللفظ من حديث عائشة عند البخاري (٢١٢)، ومسلم (٢٢٢) (٧٨٦)، وأحمد (٦/ ٥٦، ومواضع أخر) وأى داود (١٣١٠) والترمذي (٣٥٥) والنسائي (١/ ٩٩)، وابن ماجه (١٣٧٠).\n(^٤٥٦) - تفسير ابن أبي حاتم (٣/ ٥٣٦١) وأخرجه ابن جرير (٨/ ٩٥٥٣) من طريق عبيد الله بن موسى، والبيهقى فى \"السنن الكبرى\" (٢/ ٤٤٣) من طريق يحيى بن أبي بكير، كلاهما (عبيد الله ويحيى) عن أبي جعفر الرازى به، وعلقه البيهقي من طريق \"أبي نعيم عن أبي جعفر به\" وزاد نسبته السيوطى في \"الدر المنثور\" (٢/ ٢٩٥) إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٤٥٧) - تفسير ابن جرير (٨/ ٩٥٦٧) وإسناده حسن إلى يزيد، ولم يعزه السيوطي فى \"الدر المنثور\" (٢/ ٢٩٥) لغير ابن جرير.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في ز: \"عتبة\".\n[¬٣]- في ز: \"جنابة\".","vol":"4","page":64},{"text":"ويشهد لصحة ما قاله يزيد بن أبي حبيب ﵀ ما [¬١] ثبت في صحيح البخاري (^٤٥٨)، أن رسول الله ﷺ قال: \"سدوا كل خوخه في المسجد إلا خوخة أبي بكر\".\nوهذا قاله في آخر حياته ﷺ علمًا منه أن أبا بكر ﵁ سيلي الأمر بعده، ويحتاج إلى الدخول في المسجد كثيرًا للأمور المهمة فيما يصلح للمسلمين، فأمر بسد الأبواب الشارعة إلى المسجد إلا بابه ﵁، ومن روى إلا باب على (^٤٥٩)، كما وقع في بعض السنن، فهو خطأ، والصواب [¬٢] ما ثبت في الصحيح. ومن هذه الآية احتج كثير من الأئمة على أنه يحرم على الجنب اللبث [¬٣] في المسجد، ويجوز له المرور، وكذا الحائض والنفساء أيضا في معناه، إلا أن بعضهم قال: يحرم [¬٤] مرورهما [¬٥]؛ لاحتمال التلويث. ومنهم\n_________\n(^٤٥٨) - صحيح البخاري، كتاب الصلاة، باب: الخَوْخَة والمَمَرِّ في المسجد (٤٦٧) من حديث ابن عباس وبنحوه (رقم ٤٦٦) من حديث أبي سعيد الخدرى.\n(^٤٥٩) - كذا خطَّأ المصنف هذه الرواية هنا مع أنه أورده فى كتابه \"البداية والنهاية\" (٧/ ٣٧٩) من حديث زيد بن أرقم والبراء بن عازب وابن عباس وسعد بن أبي وقاص برواية \"إلا باب على\" ثم قال: \"وهذا لا ينافى ما ثبت في صحيح البخاري من أمره ﵇ في مرض الموت بسد الأبواب الشارعة إلى المسجد إلا باب أبي بكر الصديق؛ لأن نفى هذا في حق علىّ كان في حال حياته لاحتياج فاطمة إلى المرور من بيتها إلى بيت أبيها، فجعل هذا رفقًا بها، وأما بعد وفاته فزالت هذه الملة فاحتيج إلى فتح باب الصديق لأجل خروجه إلى المسجد ليصلى بالناس إذ كان الخليفة عليهم بعد موته ﵇، وفيه إشارة إلى خلافته … \" وقد ذكر ابن حجر الحديث في \"الفتح\" (٧/ ١٤، ١٥) من مسند المذكورين آنفًا حاشا البراء، غير أنه زاده من رواية جابر بن سمرة وابن عمر، ثم قال: \"وهذه الأحاديث يقوى بعضها بعضًا وكل طريق منها صالح للاحتجاج فضلًا عن مجموعها\" وقد أورد ابن الجوزى هذا الحديث في \"الموضوعات\" (١/ ٣٦٣ - ٣٦٧) أخرجه من حديث سعد بن أبي وقاص وزيد بن أرقم وابن عمر مقتصرًا على بعض طرقه عنهم، وأعله ببعض من تكلم فيه من رواته، وليس ذلك بقادح لما ذكرت من كثرة الطرق، وأعله أيضًا بأنه \"مخالف للأحاديث الصحيحة الثابتة في باب أبي بكر، وزعم أنه من وضع الرافضة قابلوا به الحديث الصحيح في باب أبي بكر\" وأخطأ في ذلك خطأ شنيعًا فإنه سلك في ذلك رد الأحاديث الصحيحة بتوهمه المعارضة، مع أن الجمع بين القصتين ممكن، وقد أشار إلى ذلك البزار في مسنده فقال: ورد من روايات أهل الكوفة بأسانيد حسان في قصة على، وورد من روايات أهل المدينة في قصة أبي بكر، فإن ثبتت روايات أهل الكوفة فالجمع بينهما بما دل عليه حديث أبي سعيد الخدرى -يأتى هنا برقم (٤٦٦) - … والمعنى أن باب على كان إلى جهة المسجد ولم يكن لبيته =\n_________\n[¬١]- في ز: \"وما\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"والصحيح\".\n[¬٣]- في ت: \"المكث\".\n[¬٤]- في ز، خ: \"يمنع\".\n[¬٥]- في ز: \"مرورها\".","vol":"4","page":65},{"text":"من قال: إن أمنت كل واحدة منهما التلويث في حال المرور جاز لهما المرور، وإلا فلا.\nوقد ثبت في صحيح مسلم (^٤٦٠)، عن عائشة ﵂ قالت: قال لي رسول الله ﷺ: \"ناوليني الخمرة من المسجد\"، فقلت: إني حائض فقال: \"إن حيضتك ليست في يدك\" وله عن أبي هريرة مثله (^٤٦١)، وفيه [¬١] دلالة على جواز مرور الحائض في المسجد، والنفساء في معناها، والله أعلم.\nوروى أبو داود (^٤٦٢) من حديث أفلت بن خليفة العامري عن جسرة [¬٢] بنت دجاجة، عن عائشة، قالت: قال رسول الله ﵌ \"إني لا أحل المسجد لحائض ولا\n_________\n= باب غيره فلذلك لم يؤمر بسده؛ ويؤيد ذلك ما أخرجه إسماعيل القاضى في \"أحكام القرآن\" من طريق المطلب بن عبد الله بن حنطب \"أن النبي ﷺ لم يأذن لأحد أن يمر في المسجد وهو جنب إلا لعلي بن أبي طالب لأن بيته كان في المسجد\" ومحصل الجمع أن الأمر بسد الأبواب وقع مرتين، ففي الأولى استثنى عليًّا لِمَا ذكره، وفي الأخرى استثنى أبا بكر، ولكن لا يتم ذلك إلا بأن يحمل ما في قصة عليّ على الباب الحقيقي، وما في قصة أبي بكر على الباب المجازى، والمراد به الخوخة كما صرح به في بعض طرقه، وكأنهم لما أمروا بسد الأبواب سدوها وأحدثوا خوخا يستقربون الدخول إلى المسجد منها فأمروا بعد ذلك بسدها، فهذه طريقة لا بأس بها في الجمع بين الحديثين، وبها جمع بين الحديثين أبو جعفر الطحاوي في \"مشكل الآثار\" وأبو بكر الكُلاَّباذي في \"معاني الأخبار\" وصرح بأن بيت أبي بكر كان له باب من خارج المسجد وخوخة إلى داخل المسجد، وبيت علي لم يكن له باب إلا من داخل المسجد، والله أعلم وبنحو هذا الكلام قاله فى \"القول المسدد\" (ص ١٩،١٦) اهـ.\n(^٤٦٠) - صحيح مسلم، كتاب الحيض، باب: جواز غسل الحائض رأس زوجها وترجيله (١١، ١٣) (٢٩٨)، وأخرجه أيضًا أحمد (٦/ ٤٥ ومواضع أخر) وأبو داود (٢٦١)، والترمذي (١٣٤)، والنسائي (١/ ١٤٦، ١٩٢) من طرق عن ثابت بن عبيد، عن القاسم بن محمَّد عنها به.\n(^٤٦١) - صحيح مسلم، كتاب الحيض، باب: جواز غسل الحائض رأس زوجها وترجيله (١٣) (٢٩٩)، وكذا أخرجه أحمد (٢/ ٤٢٨)، والنسائي (١/ ١٤٦، ١٩٢) من طريق يحيى بن سعيد عن يزيد بن كيسان عن أبي حازم عنه به نحو السابق.\n(^٤٦٢) - سنن أبي داود، كتاب الطهارة، باب: في الجنب يدخل المسجد (٢٣٢) - ومن طريقه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٢/ ٤٤٢) - ثنا مسدد، وابن خزيمة في صحيحه (٢/ رقم ١٣٢٧) من طريق مُعلي بن أسد، والبخاري في \"التاريخ الكبير\" (٢/ ٦٧) -ومن طريقه البيهقي- قال لنا موسى بن إسماعيل، وإسحاق بن راهويه في مسنده (٣/ رقم ١٧٨٣) أخبرنا أبو هشام المخزومى، وأورده السيوطي في \"اللآلئ المصنوعة\" (١/ ٣٢٣، ٣٢٤) من طريق كثير بن يحيى، خمستهم (مسدد، معلى، موسى، أبو هشام، وكثير) نا عبد الواحد بن زياد، ثنا الأفلت بن خليفة، قال: حدثتني جسرة =\n_________\n[¬١]- في ز: \"ففيه\".\n[¬٢]- في ز: \"جسيرة\".","vol":"4","page":66},{"text":"جنب\". قال أبو مسلم [¬١] الخطابي: ضعف هذا الحديث جماعة، وقالوا: أفلت مجهول. لكن رواه ابن ماجه (^٤٦٣) من حديث أبي الخطاب الهجري، عن محدوج الذهلي، عن جسرة [¬٢]، عن أمِّ سلمة، عن النبي ﷺ به، قال أبو زرعة الرازي:\n_________\n= بنت دجاجة به، وفيه قصة، وفي رواية موسى وأبي هشام وكثير: \"لا أحل المسجد … إلا لمُحمَّدٍ وآل مُحمَّدٍ\" وأعله جماعة بـ \"أفلت العامرى\" فقال أبو سليمان الخطابي-: \"مختصر سنن أبي داود\" للمنذرى (١/ ١٥٨) -: \"ضعفوا هذا الحديث وقالوا: أفلت مجهول، لا يصح الاحتجاج بحديثه\" وقال أبو محمَّد بن حزم في \"المحلَّى\" (٢/ ١٨٦): \"أفلت غير مشهور، ولا معروف بالثقة\" وقال أبو محمَّد البغوي في \"شرح السنة\" (٢/ ٤٦): \"ضَعَّف أحمد الحديث؛ لأن راويه هو أفلت بن خليفة مجهول\" قال المنذرى: (وفيما حُكى أنه مجهول نظر، فإنه أفلت بن خليفة، وقال: فُلَيْت به خليفة العامرى، وقال: الذهلي، وكنيته: أبو حسان، حديثه في الكوفيين، وروى عنه سفيان الثورى وعبد الواحد بن زياد، وقال الإمام أحمد بن حنبل: ما أرى به بأسًا، وسئل عنه أبو حاتم الرازى؟ فقال: شيخ، وحكى البخاري أنه سمع من جسرة بنت دجاجة … \" قلت: ووثقه ابن حبان \"الثقات\" وقال أبو الحسن الدارقطني: \"صالح\"، وقال الذهبي في \"الكاشف\": \"صدوق\" وكذا قال ابن حجر في \"التقريب\" وقال في \"تلخيص الحبير\": \"وأما قول ابن الرفعة في أواخر شروط الصلاة من \"المطلب\" بأنه متروك، فمردود لأنه لم يقله أحد من أئمة الحديث\" لا سيما وقد صحح حديثه هذا ابن خزيمة -كما تقدم، وحسنه ابن القطان كما في \"التلخيص الحبير\"، لكن أعله البخاري بـ \"جسرة بنت دجاجة\" فقال عقبه: \"عند جسرة عجائب\" وأقر ذلك البيهقي وقال: \"وإن صح هذا فمحمول في الجنب على المكث فيه دون العبور بدليل الكتاب\" ونقل عن البخاري في (٧/ ٦٥، ٦٦): أفلت عن جسرة عن عائشة عن النبي ﷺ لا يصح هذا عن النبي ﷺ، وقد نقل النووى في \"المجموع\" عن البيهقى قال: \"ليس بقوي\" وقال عبد الحق في \"الأحكام الوسطى\" (١/ ٢٠٧): \"لا يثبت من قبل إسناده\" وانظر ما بعده.\n(^٤٦٣) - سنن ابن ماجه، كتاب الطهارة وسننها، باب: ما جاء في اجتناب الحائض المسجد (٦٤٥)، ثنا أبو بكر بن أبي شيبة ومحمد بن يحيى، قالا: ثنا أبو نعيم، ثنا ابن أبي غنيَّة عن أبي الخطاب الهجرى به، ومن طريق ابن أبي شيبة أورده ابن حجر في \"المطالب العالية المسندة\" (٢/ رقم ٢١٧) والسيوطي في \"اللآلئ المصنوعة\" (١/ ٣٢٣) ولفظه: \"ألا إن هذا المسجد لا يحل لجنب ولا حائض، إلا النبي ﷺ وأزواجه وعلي وفاطمة، ألا هل بينت لكم الأسماء أن تضلوا\" ورواه ابن أبي حاتم فى \"العلل\" (١/ رقم ٢٦٩) ثنا أبو زرعة والطبراني في \"المعجم الكبير\" (٢٣/ رقم ٨٨٣) ثنا على بن عبد العزيز، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٧/ ٦٥) من طريق محمَّد بن يونس، وأبو الحجاج المزى في \"تهذيب الكمال\" (٢٧/ ٢٧١، ٢٧٢) من طريق عبد الله بن محمَّد بن خلاد، أربعتهم (أبو زرعة وعلى ومحمد وعبد الله) ثنا أبو نعيم الفضل بن دكين به، قال ابن حزم فى \"المحلى\" (٢/ ١٨٦): \"محدوج ساقط، يروى المعضلات عن جسرة، وأبو الخطاب الهجري مجهول\" وقال البوصيرى في =\n_________\n[¬١]- كذا في كل النسخ. والصواب: \"أبو سليمان\".\n[¬٢]- في ز: \"جسيرة\".","vol":"4","page":67},{"text":"يقول: جسرة [¬١] عن أم سلمة، والصحيح جسرة [¬٢] عن عائشة.\nفأما ما رواه أبو عيسى الترمذي (^٤٦٤) من حديث سالم بن أبي حفصة، عن عطية، عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله ﷺ: \"يا علي، لا يحل لأحدٍ أن [¬٣] يجنب في هذا المسجد غيري وغيرك\" فإنه حديث: ضعيف، لا يثبت، فإن [سالمًا هذا] [¬٤] متروك، وشيخه عطية ضعيف، والله أعلم.\n_________\n= \"الزوائد\" (١/ ٢٣٠): \"هذا إسناد ضعيف، محدوج لم يوثق، وأبو الخطاب مجهول\" وقال ابن على فى \"الكامل\" (٦/ ٢٤٣٦): \"سمعت ابن حماد يقول: قال البخاري: محدوج الذُّهْلى عن جَسْرَة قال ابن أبي غنية عن أبي الخطاب: فيه نظر، قال ابن عدى: وهذا الذي قال حديث مقطوع\" يعني بين جسرة ومحدوج، ونقل البيهقي كلام ابن عدى هذا ثم قال: \"قد روى هذا من وجه آخر عن جسرة وفيه ضعف\" ثم أخرجه من طريق عطاء بن مسلم يذكر عن إسماعيل بن أمية عن جسرة عن أم سلمة به نحوه، وعلقه ابن حزم في \"المحلى\" من طريق عطاء الخفاف عن ابن أبي غنية عن إسماعيل به وقال: \"أما عطاء الخفاف فهو عطاء بن مسلم منكر الحديث، وإسماعيل مجهول\" وقد أعل أبو زرعة الرازى حديث أم سلمة أيضًا فقال -\"العلل\" لابن أبي حاتم-: \"يقولون: عن جسرة عن أم سلمة، والصحيح عن عائشة\".\n(^٤٦٤) - \" الجامع\" للترمذى، كتاب المناقب، باب: مناقب على بن أبي طالب (٣٧٢٧) ثنا على بن المنذر، ثنا محمَّد بن فضيل عن سالم بن أبي حفصة به، وفيه: قال على بن المنذر: \"قلت لضرار بن صُرد: ما معنى هذا الحديث؟ قال: لا يحل لأحد يستطرقه جنبًا غيرى وغيرك\"، وأخرجه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٧/ ٦٦) من طريق محمَّد بن إسحاق بن خزيمة نا على بن المنذر به، وقال الترمذي: \"حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وسمع مني محمَّد بن إسماعيل هذا الحديث فاستغربه\" حيث فيه سالم بن أبي حفصة، صدوق لكنه غالٍ في التشيع -كما في \"التقريب\"- وشيخه العوفى ضعيف وموصوف بتدليس الشيوخ، يقول: عن أبي سعيد -وهو محمَّد بن السائب الكلبي- ويوهم به أنه الخدرى. وبه أعله البيهقي فقال: \"وروى من وجه آخر عن عطية، وعطية هو ابن سعد العوفى غير محتج به\" والوجه الآخر هو ما أخرجه أبو بكر بن مردويه في تفسيره ومن طريقه ابن الجوزى فى \"الموضوعات\" (١/ ٣٦٧، ٣٦٨) وكذا السيوطي في \"اللآلئ المصنوعة\" (١/ ٣٢٢، ٣٢٣) معلقًا - عن كثير النَّواء عن عطية العوفى به، وقال ابن الجوزى: \"هذا حديث لا صحة له، وإنما هو مبنى على سد الأبواب غير بابه، وفيه آفات، أما عطية فاجتمعوا على تضعيفه، وقال ابن حبان: كان يجالس الكلبي فيقول: قال رسول الله ﷺ فيروى ذلك عنه ويكنيه أبا سعيد فيظن أنه أراد الخدريَّ، لا يحل كتب حديثه إلا على التعجب. وأما كثير النواء فضعفه الرازى والنسائي، وقال السعدى: زائغ، وقال ابن عدى: كان غاليًا في التشيع مفرطا فيه\" وله شاهد من حديث سعد بن أبي وقاص عند البزار فى مسنده \"البحر الزخار\" (٤/ ١١٩٧) من طريق الحسن بن زيد عن خارجة بن سعد عن أبيه =\n_________\n[¬١]-[¬٢]- في ز: \"جسيرة\".\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين في ز: \"هذا سالمًا\".","vol":"4","page":68},{"text":"(قول [¬١] آخر) في معنى الآية: قال ابن أبي حاتم (^٤٦٥): حدّثنا المنذر بن شاذان، حدثنا عبيد الله بن موسى، أخبرني ابن [¬٢] أبي ليلى، عن المنهال، عن زر بن حبيش، عن علي ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ قال: لا يقرب الصلاة إلا أن يكون مسافرًا تصيبه الجنابة فلا يجد الماء، فيصلي حتى يجد الماء.\nثم رواه من وجه آخر، عن المنهال بن عمرو، عن زر، عن علي بن أبي طالب، فذكره، قال: وروي عن ابن عباس في إحدى الروايات وسعيد بن جبير والضحاك نحو ذلك.\nوقد روى ابن جرير (^٤٦٦) من حديث وكيع، عن ابن أبي ليلى، [عن المنهال] [¬٣]، عن عباد بن\n_________\n= به مرفوعًا بلفظ حديث أبي سعيد، وقال البزار: \"وهذا الكلام لا نعلمه روى عن سعد إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد، وقد روى خارجة بن سعد حديثًا آخر بهذا الإسناد ولا نعلم روى عن خارجة بن سعد إلا الحسن بن زيد هذا\" وذكره الهيثمي في \"المجمع\" (٩/ ١١٨) وقال: \"رواه البزار، وخارجة لم أعرفه، وبقية رجاله ثقات\".\nوله شاهد آخر مرسل ذكره الحافظ ابن حجر في \"القول المسدد\" (ص ١٨، ١٩) قال: \"قال القاضى إسماعيل بن إسحاق المالكي في \"كتاب أحكام القرآن\" له: ثنا إبراهيم بن حمزة، ثنا سفيان بن حمزة عن كثير بن زيد عن المطلب هو ابن عبد الله بن حنطب أن النبي ﷺ لم يكن أذن لأحد أن يمر في المسجد ولا يجلس فيه وهو جنب إلا علي بن أبي طالب لأن بيته كان في المسجد\" قال ابن حجر: \"وهذا مرسل قوى، يشهد له ما أخرجه الترمذي من حديث أبي سعيد … \" وانظر -غير مأمور- \"اللآلئ المصنوعة\" للسيوطي (١/ ٣٢٢، ٣٢٣) و\"تنزيه الشريعة\" لأبي الحسن الكنانى (١/ ٣٨٤، ٣٨٥).\n(^٤٦٥) - تفسير ابن أبي حاتم (٣/ ٥٣٦٠) وأخرجه ابن المنذر في \"الأوسط\" (٨/ ١٠٢) ثنا زكريا، ثنا محمَّد بن يحيى، ثنا عبيد الله بن موسى به، وابن أبي ليلى هو محمَّد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، سيئ الحفظ، لكن أخرجه ابن أبي حاتم أيضًا (٣/ ٣٥٩٥) ثنا أحمد بن يحيى بن مالك السوسى، ثنا أبو بدر شجاع بن الوليد، حدثني عبد الرحمن بن عبد الله -قال أبو بدر: وليس هو المسعودى- عن المنهال بن عمرو به بلفظ: \"نزلت هذه الآية في المسافر: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ قال: إذا أجنب فلم يجد الماء تيمم وصلى، حتى يدرك الماء، فإذا أدرك الماء اغتسل وصَلَّى\" وأخرجه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (١/ ٢١٦) من طريق مالك بن يحيى ثنا أبو بدر به، وانظر ما بعده.\n(^٤٦٦) - تفسير ابن جرير (٨/ ٩٥٣٧) وانظر باقى الآثار المشار إليها (٨/ ص ٣٧٩، ٣٨١) وقد أخرج هذا الخبر ابن جرير أيضًا (٨/ ٩٥٤٠) من طريق عنبسة، وابن أبي شيبة في \"المصنف\" كتاب التيمم، باب: الرجل يجنب وليس يقدر على الماء (١/ ١٨٣) من طريق علي بن هاشم، كلاهما (عنبسة =\n_________\n[¬١]- في خ: \"حديث\".\n[¬٢]- في ت: \"إسحاق بن\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"4","page":69},{"text":"عبد الله أو عن زر بن حبيش، عن علي فذكره. ورواه من طريق العوفي وأبي مجلز [¬١]، عن ابن عباس، فذكره، ورواه عن سعيد بن جبير، وعن مجاهد والحسن بن مسلم والحكم بن عتيبة [¬٢] وزيد بن أسلم وابنه عبد الرحمن مثل ذلك.\nوروي من طريق ابن جريج عن عبد الله بن كثير، قال: كنا نسمع أنه في السفر.\nويستشهد لهذا القول بالحديث الذي رواه الإِمام [¬٣] أحمد وأهل السنن (^٤٦٧) من حديث أبي قلابة، عن عمرو بن [¬٤] بجدان، عن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ: \"الصعيد الطيب طهور المسلم، وإن لم تجد الماء عشر حجج، فإذا وجدت الماء فأمسسه بشرتك، فإن ذلك خير\".\nثم قال ابن جرير بعد حكايته القولين: والأولى قول من قال: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ أي [¬٥]: إلا مجتازي طريق فيه، وذلك أنه قد بين حكم المسافر إذا عدم الماء وهو جنب في قوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾، فكان معلوهًا بذلك أن قوله: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ [لو كان] [¬٦]، معنيا به المسافر لم يكن لإعادة ذكره في قوله ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَر﴾ معنى مفهوم، وقد مضى ذكر حكمه قبل ذلك، فإذا كان ذلك كذلك، فتأويل الآية يا أيها الذين آمنوا لا تقوبوا المساجد للصلاة مصلين فيها وأنتم سكارى، حتى تعلموا ما تقولون، ولا تقربوها أيضًا جنبًا حتى تغتسلوا، إلا عابري سبيل، قال: والعابر السبيل: المجتاز مرًّا وقطعًا، يقال: منه عبرت هذا الطريق، فأنا أعبره عبرًا، وعبورًا، ومنه قيل [¬٧]: عبر فلان النهر إذا قطعه وجاوزه، ومنه قيل. للناقة القوية على الأسفار: هي عَبر أسفار؛ لقوتها على قطع الأسفار.\n_________\n= وعلى) عن ابن أبي ليلى به، وعباد بن عبد الله هو الأسدي الكوفي، قال البخاري: \"فيه نظر\" وقال ابن المديني: \"ضعيف الحديث\" غير أنه متابع كما ترى، وانظر ما قبله.\n(^٤٦٧) - انظر تخريجه في \"التحقيق\" (ح رقم ٣٧١) كذا عزاه المصنف لأهل السنن وهو خطأ حيث لم يخرجه من بينهم ابن ماجه وقد استدرك ذلك المصنف نفسه فيما يأتى هنا برقم (٤٩٥).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"مخلد\".\n[¬٢]- في ز: \"عتبة\".\n[¬٣]- سقط من: ت.\n[¬٤]- سقط من: ز.\n[¬٥]- سقط من: ز.\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٧]- في ت: \"يقال\".","vol":"4","page":70},{"text":"وهذا الذي نصره هو قول الجمهور، وهو الظاهر من الآية، وكأنه تعالى نهى عن تعاطي الصلاة على هيئة ناقصة تناقض مقصودها، وعن الدخول إلى محلها على هيئة ناقصة وهي الجنابة المباعدة للصلاة و[¬١] لمحلها أيضًا، والله أعلم.\nوقوله: ﴿حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ دليل لما ذهب إليه الأئمة الثلاثة أبو حنيفة ومالك والشافعي، أنه يحرم على الجنب المكث في المسجد حتى يغتسل، أو يتيمم إن عدم الماء أو لم يقدر على استعماله بطريقة، وذهب الإمام أحمد إلى أنه متى توضأ الجنب جاز له المكث في المسجد، لما روى هو وسعيد بن منصور في سننه بسند صحيح: أن الصحابة كانوا يفعلون ذلك.\n[قال سعيد بن منصور] [¬٢] [في سننه] [¬٣]: حدّثنا عبد العزيز بن محمد -هو الدراوردي- عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، قال: رأيت رجالًا [¬٤] من أصحاب رسول الله ﷺ يجلسون في المسجد وهم مجنبون إذا توضئوا وضوء الصلاة. وهذا إسناد صحيح [¬٥] على شرط مسلم، فالله أعلم.\nوقوله: ﴿وَإِنْ [¬٦] كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ أما المرض المبيح للتيمم، فهو الذي يخاف معه من استعمال الماء فوات عضو، أو [¬٧] شينه [¬٨]، أو تطويل البرء، ومن العلماء من جوز التيمم بمجرد المرض؛ لعموم الآية، وقال ابن أبي حاتم (^٤٦٨): حدثنا أبي، حدثنا أبو غسان مالك ابن إسماعيل، حدثنا قيس، عن خصيف، عن مجاهد، في قوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾ قال: نزلت في رجل من الأنصار كان مريضًا فلم يستطع أن يقوم فيتوضأ؛ ولم يكن له خادم فيناوله، فأتى النبي ﷺ فذكر ذلك له، فأنزل الله هذه الآية.\nهذا مرسل، والسفر معروف، ولا فرق فيه بين الطويل والقصير.\n_________\n(^٤٦٨) - تفسير ابن أبي حاتم (٣/ ٥٣٦٥) وهو مرسل وفى إسناده ضعف، فإن خصيفًا وهو ابن عبد الرحمن الجزرى تركه جماعة وحدث عنه آخرون، وفى\"التقريب\": \"صدوق سئ الحفظ خَلَطَ بآخره .. \" والخبر زاد نسبته السيوطى فى \"الدر المنثور\" (٢/ ٢٩٦) إلى ابن المنذر.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- فى خ: \"رجلا\".\n[¬٥]- سقط من: خ.\n[¬٦]- في ز: \"فإن\".\n[¬٧]- في ز: \"و\".\n[¬٨]- في ز: \"شيبه\".","vol":"4","page":71},{"text":"وقوله [¬١]: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ الغائط: هو المكان المطمئن من الأرض، كنى بذلك عن التغوط، وهو الحدث الأصغر.\n- وأما قوله: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ فقرئ لمستم ولامستم، واختلف المفسرون والأئمة في معنى ذلك على قولين: (أحدهما): أن ذلك كناية عن الجماع؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾. وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾.\nقال ابن أبى حاتم (^٤٦٩): حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا وكيع، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ قال: الجماع. وروي عن علي وأبيّ بن كعب ومجاهد وطاوس والحسن وعبيد بن عمير وسعيد ابن جبير والشعبي وقتادة ومقاتل بن حيان -نحو ذلك.\nوقال ابن جرير (^٤٧٠): حدثني حميد بن مسعدة، و[¬٢] حدثنا يزيد بن زريع، حدثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، قال: ذكروا اللمس، فقال ناس من الموالي: ليس بالجماع. وقال ناس من العرب: اللمس: الجماع. قال: فأتيت ابن عباس، فقلت له: إن ناسًا من الموالي والعرب اختلفوا في اللمس، فقالت الموالي: ليس بالجماع. وقالت العرب: الجماع. قال: فمن [¬٣] أي الفريقين كنت؟ قلت: كنت من الموالي. قال: غُلب فريقُ الموالي، إن [اللمس والمس] [¬٤] والمباشرة: الجماع، ولكن الله يكني ما شاء بما شاء.\nثم رواه عن ابن بشار، عن غندر، عن شعبة به نحوه، ثم رواه من غير وجه عن سعيد بن جبير -نحوه. ومثله.\n_________\n(^٤٦٩) - تفسير ابن أبي حاتم (٣/ ٥٣٦٧) وإسناده صحيح وله طرق كثيرة عن ابن عباس، انظر تفسير ابن جرير (٨/ ٣٨٩، ٣٩٣) وانظر الآتى بعد هذا.\n(^٤٧٠) - تفسير ابن جرير (٨/ ٩٥٨١) وإسناده صحيح على شرط الشيخين، وأخرجه البيهقى فى\"السنن الكبرى\" (١/ ١٢٥) من طريق وهب بن جرير عن شعبة به، وعزاه السيوطى فى\"الدر المنثور\" (٢/ ٢٩٧) إلى عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر، وراجع تفسير ابن جرير (٨/ ص ٣٨٩: ٣٩١).\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- في ز: \"من\".\n[¬٤]- في ز: \"المس واللمس\".","vol":"4","page":72},{"text":"قال (^٤٧١): حدثني يعقوب، حدثنا هشيم، قال حدثنا [¬١] أبو بشر: أخبرنا سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: اللمس والمس والمباشرة: الجماع. ولكن الله يكني بما يشاء.\nحدثنا عبد الحميد بن بيان، أنبأنا إسحاق الأزرق، عن سفيان، عن عاصم الأحول، عن بكر بن عبد الله، عن ابن عباس، [قال: الملامسة الجماع، ولكن الله كريم، يكني بما يشاء.\nوقد صح من غير وجه عن عبد الله بن عباس] [¬٢] أنه قال ذلك، ثم رواه ابن جرير عن بعض من حكاه ابن أبي حاتم عنهم، ثم قال ابن جرير: وقال آخرون: عنى الله تعالى بذلك كل من [¬٣] لمس، بيد كان أو بغيرها من أعضاء الإنسان، وواجب [¬٤] الوضوء على كل من مس بشيء من جسده شيئًا من جسدها مفضيًا إليه.\nثم قال (^٤٧٢): حدثنا ابن بشار، حدثنا عبد الرحمن، حدثنا سفيان، عن مخارق، عن طارق، عن عبد الله بن مسعود قال: اللمس ما دون الجماع.\nرقد روي [¬٥] من طرق متعددة عن ابن مسعود بمثله، وروى (^٤٧٣) من حديث الأعمش، عن إبراهيم، عن أبي عبيدة، عن عبد الله بن مسعود، قال: القبلة من المس، وفيها الوضوء.\n[روى الطبراني بإسناده عن عبد الله بن مسعود، قال: يتوضأ الرجل من المباشرة، ومن اللمس بيده، ومن القبلة. وكان يقول في هذه الآية: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ قال: هو\n_________\n(^٤٧١) - تفسير ابن جرير (٨/ ٩٥٩٠) وإسناده صحيح، وأخرج الذى بعده (٨/ ٩٥٩١) وإسناده حسن.\n(^٤٧٢) - تفسير ابن جرير (٨/ ٩٦٠٨) وإسناده صحيح، ويأتى من طريق شعبة عن مخارق به (رقم ٤٧٨).\n(^٤٧٣) - أخرجه عبد الرزاق فى \"المصنف\" (١/ ٤٩٩، ٥٠٠) ومن طريقه ابن المنذر فى \"الأوسط\" (١/ ١١٧، ١١٨) والطبرانى فى \"المعجم الكبير\" (٩/ ٩٢٢٦، ٩٢٢٧) - وابن جرير (٨/ ص ٣٩٣) والدارقطنى فى \"السنن\" (١/ ١٤٥) والبيهقى فى \"السنن الكبرى\" (١/ ١٢٤) من طرق عن الأعمش به، وذكره الهيثمى فى \"المجمع\" (١/ ٢٥٢) وقال: \"رواه الطبرانى فى \"الكبير\" وأبو عبيدة لم يسمع من أبيه\" لكن صححه الدارقطنى.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- سقط من: ت.\n[¬٤]- في ز: \"أوجب\".\n[¬٥]- في ز، خ: \"رواه\".","vol":"4","page":73},{"text":"الغمز] [¬١]. وقال [¬٢] [ابن جرير (^٤٧٤)] [¬٣]، حدثني يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرني عبيد [¬٤] الله بن عمر، عن نافع، أن ابن عمر كان يتوضأ من قبلة المرأة. ويرى فيها الوضوء، ويقول: هي من اللماس.\nوروى ابن أبي حاتم، وابن جرير أيضًا (^٤٧٥) من طريق شعبة، عن مخارق، عن طارق، عن عبد الله قال: اللمس ما دون الجماع.\nثم قال ابن أبي حاتم: ورُوي عن ابن عمر وعبيدة وأبي عثمان النهدي وأبي عبيدة، يعني ابن عبد الله بن مسعود، وعامر الشعبي وثابت بن الحجاج وإبراهيم النخعي وزيد بن أسلم نحو ذلك.\n(قلت): وروى مالك (^٤٧٦)، عن الزهري، عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، أنه كان يقول: قبلة الرجل امرأته، وجسه بيده من الملامسة، فمن قبل امرأته، أو جسها بيده فعليه الوضوء.\n_________\n(^٤٧٤) - تفسير ابن جرير (٨/ ٩٦١٧) ومن طريق عبيد الله أخرجه الدارقطنى (١/ ١٤٥) وإسناده صحيح، وأخرجه عبد الرزاق فى \"المصنف\" (١/ رقم ٤٩٧) والدارقطنى عن عبد الله بن عمر عن نافع به، وعبد الله بن عمر هو العمرى أخو عبيد الله، والمكبر ضعيف بينما المصغر ثقة. والخبر عزاه السيوطى فى \"الدر المنثور\" (٢/ ٢٩٧) إلى ابن أبي شيبة وابن جرير.\n(^٤٧٥) - تفسير ابن أبي حاتم (٣/ ٥٣٦٨)، وابن جرير (٨/ ٩٦٠٦)، وابن المنذر فى \"الأوسط\" (١/ ١١٨) والبيهقى فى \"السنن الكبرى\" (١/ ١٢٤) كلهم من طريق شعبة به، وإسناده صحيح، وانظر ما تقدم هنا برقم (٤٧٥).\n(^٤٧٦) - فى \"الموطأ\" كتاب الطهارة، باب: الوضوء من قبلة الرجل امرأته (رقم ٦٤) ومن طريق مالك أخرجه الشافعى فى \"الأم\" (١/ ١٥) ومن طريقه ابن المنذر فى \"الأوسط\" (١/ ١١٧) والبيهقى فى \"السنن الكبرى\" (١/ ١٢٤) وفى \"الخلافيات\" (٢/ ٤٢٨) وأخرجه البيهقى أيضًا فى \"السنن\" من طريق يحيى بن بكير، والدارقطنى فى \"السنن\" (١/ ١٤٤ /رقم ٣٨) من طريق إسماعيل المدنى، ثلاثتهم (الشافعى ويحيي وإسماعيل) عن مالك به، وقال أبو الحسن الدارقطنى عقبه: \"صحيح\" وقال البيهقى: \"ولا شك فى صحته أحدٌ\" وأخرجه عبد الرزاق فى \"المصنف\" (١/ ٤٩٦) ومن طريقه الدارقطنى (١/ ١٤٤) عن معمر عن الزهرى به، ولفظه: \"من قبل امرأته وهو على وضوء أعاد الوضوء\" وصححه الدارقطنى أيضًا.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]-سقط من: خ.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- في ز، خ: \"عبد\".","vol":"4","page":74},{"text":"وروى الحافظ أبو الحسن الدارقطني [في سننه (^٤٧٧)] [¬١]، عن [أمير المؤمنين] [¬٢] عمر بن الخطاب نحو ذلك، ولكن روينا عنه من وجه آخر (^٤٧٨)، أنه كان يقبل امرأته ثم يصلي ولا يتوضأ، فالرواية عنه مختلفة، فيحمل ما قاله في الوضوء إن صح عنه على الاستحباب، والله أعلم.\nوالقول بوجوب الوضوء من المس هو قول الشافعي وأصحابه، ومالك، والمشهور عن أحمد ابن حنبل. قال ناصرو [¬٣] هذه المقالة: قد قرئ في هذه الآية لامستم، ولمستم، واللمس يطلق في الشرع على الجس باليد، قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ\n_________\n(^٤٧٧) - سنن الدارقطنى (١/ ٤٤ /رقم ٣٧) ثنا القاضى الحسين بن إسماعيل نا عبد الله بن شبيب نا يحيى ابن إبراهيم بن أبي قتيلة، حدثنى عبد العزيز بن محمد، عن محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان عن الزهرى، عن سالم، عن ابن عمر أن عمر بن الخطاب قال: \"إن القبلة من اللمس، فتوضئوا منها\" وقال عقبه: \"صحيح\" ونقله المصنف فى \"مسند الفاروق\" (١/ ١١٧) بهذا الإسناد وقال: \"وهذا بهذا الإسناد لا يثبت لأن عبد الله بن شبيب ضعفه الحافظ أبو أحمد الحاكم وابن حبان وابن عدى … قال الرازى: \"يحل ضرب عنقه\" لكنه متابع فقد رواه الحاكم فى \"المستدرك\" (١/ ١٣٥) - وعنه البيهقى فى \"السنن الكبرى\" (١/ ١٢٤) وفى \"الخلافيات\" (٢/ رقم ٤٢٧) - أخبرنى إسماعيل بن محمد بن الفضل بن محمد ثنا جدى ثنا إبراهيم بن حمزة، ثنا عبد العزيز بن محمد بالإسناد السابق، وأخرجه البيهقى أيضًا فى \"معرفة السنن والآثار\" (١/ ٢١٤، ٢١٥) من طريق أبي مصعب ثنا عبد العزيز الدراوردى به، غير أن أبا مصعب قال: \"عن محمد بن عمرو أظنه عن الزهرى\" قال البيهقى عقبه: \"محمد بن عمرو هذا هو محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان رواه إبراهيم بن حمزة عن الدراوردى عنه عن الزهرى من غير شك وصححه البيهقى أيضًا، غير أن ابن عبد البر أعله، فقال فى \"التمهيد\" (٢١/ ١٧٦): \"رواه الدراوردى عن ابن أخى ابن شهاب، عن ابن شهاب، عن سالم عن أبيه عن عمر … وهذا عندهم خطأ، وإنما هو عن ابن عمر صحيح لا عن عمر\" وكذا أعله المصنف، فقال فى \"مسند الفاروق\": \"رواه الإمام مالك وعبيد الله بن عمر العمرى، وعبد الرزاق عن معمر كلهم (مالك، عبيد الله، معمر) عن الزهرى، عن سالم، عن ابن عمر فذكره، وهذا أصح\".\n(^٤٧٨) - ذكر إسناده فى \"مسند الفاروق\" (١/ ١١٥، ١١٦) فقال: \"قال عبد الرزاق -\"المصنف\" (١/ رقم ٥١٢) - عن ابن عيينة، عن يحيى بن سعيد، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن عبد الله بن عبد الله بن عمر، أن عاتكة ابنة زيد، قبلت عمر بن الخطاب وهو صائم فلم ينهها، قال: وهو يريد إلى الصلاة ثم مضى، فصلَّى ولم يتوضأ\" صححه أبو عمر بن عبد البر فى \"الاستذكار\" ....\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٢]- سقط من: ت.\n[¬٣]- في ز، خ: \"ناصر\".","vol":"4","page":75},{"text":"بِأَيْدِيهِمْ﴾ أي: جسوه [¬١]. وقال [] [¬٢] ﷺ لماعز حين أقر بالزنا، يعرض له بالرجوع عن الإقرار: \"لعلك قبلت أو لمست\" (^٤٧٩). وفي الحديث الصحيح (^٤٨٠): \" واليد زناها [¬٣] اللمس\". وقالت عائشة ﵂: قل يوم إلا ورسول الله ﷺ يطوف علينا، فيقبل ويلمس (^٤٨١).\n_________\n(^٤٧٩) - أخرجه أحمد (١/ ٢٣٨) وعبد بن حميد فى \"المنتخب\" (٥٧١) وأبو الحسن الدارقطنى فى \"السنن\" (٣/ ١٢١، ١٢٢)، والإسماعيلى -كما فى \"فتح البارى\" لابن حجر (١٢/ ١٣٥) - من طريق يزيد بن هارون، والطبرانى فى \"المعجم الكبير\" (١١/ ١١٩٣٦) والبيهقى فى \"السنن الكبرى\" (٨/ ٢٢٦) وفى \"الخلافيات\" (٢/ ٤٢٣) من طريق سليمان بن حرب، كلاهما (يزيد وسليمان) ثنا جرير بن حازم عن يعلى بن حكيم عن عكرمة عن ابن عباس، أن رسول الله ﷺ قال لماعز بن مالك، حين أتاه فأقر عنده بالزنا: \"لعلك قبَّلْتَ أو لمست\"؟ قال: لا، قال: \"فنكتها\"؟ قال: نعم. لفظ يزيد. ورواه البخارى فى صحيحه، كتاب الحدود، باب: هل يقول الإمامُ للمُقرِّ: لعللك لَمَسْتَ أو غمزت؟ (٦٨٢٤) حدثنى عبد الله بن محمد الجعفى، وأبو داود (٤٤٢٧) من طريق زهير بن حرب وعقبة بن مكرم، والنسائى فى \"السنن الكبرى\" (٤/ ٧١٦٩) من طريق عمرو بن علي وعبد الله بن الهيثم بن عثمان، خمستهم (الجعفى وزهير وعقبة وعمرو وعبد الله) عن وهب بن جرير ثنا أبي قال: سمعت يعلى بالإسناد السابق ولم يقل فيه: \"لمست\" وإنما قال: \"غمزت أو نظرت\"كذا رواه الجماعة عن وهب. ورواه الحاكم فى \"المستدرك\" (٤/ ٣٦١) من طريق إبراهيم بن عبد الله، ثنا وهب ابن جرير به، غير أنه قال فيه: \"لمست\" وإبراهيم هذا هو ابن عبد الله بن عمر أبو إسحاق الخيبرى الكوفى حدث عنه جمع من الثقات، انظر \"الإكمال\" لابن ماكولا (٢/ ٢٥٥) ووصفه الذهبى فى \"تذكرة الحفاظ\" (٢/ ٦٣٥) بأنه \"المسند، خاتمة أصحاب وكيع\" وقد قال الحاكم: \"حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه .. \" وتعقبه الذهبى فقال: \"ذا فى البخارى\" وهذا متعقب لما بينا أن زيادة \"لمست\" ليست فى البخارى، فتنبه!! وقد أخرجه أحمد أيضًا (١/ ٢٥٥، ٢٨٩، ٢٣٥) والنسائى (٤/ ٧١٦٨) من طرق عن ابن المبارك عن معمر عن يحيى بن أبي كثير عن عكرمة به، وفى بعض روايات أحمد ذكر هذه اللفظة.\n(^٤٨٠) - أخرجه أحمد (٢/ ٣٤٩، ٣٥٠) ثنا حسن، ثنا ابن لهيعة عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج عن أبي هريرة مرفوعًا به، وابن لهيعة \"سيئ الحفظ\" لكن تابعه جعفر بن ربيعة -وهو ثقة- عن عبد الرحمن به، صححه من هذه الطريق ابن خزيمة (١/ رقم ٣٠) وأبو حاتم بن حبان (١٠/ ٤٤٢٢)، وأصل الحديث عند البخارى ومسلم، يأتى تخريجه فى سورة النور/ آية رقم ٣٠.\n(^٤٨١) - أخرجه الحاكم فى \"المستدرك\" (١/ ١٣٥) والبيهقى فى \"الخلافيات\" (٢/ رقم ٤٢٦) من طريقين عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، ثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: فذكرته … وفيه: \"ويلمس ما دون الوقاع، فإذا جاء إلى التى هى يومها ثبت عندها\" وصححه الحاكم=\n_________\n[¬١]- في ز: \"مسوه\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز: \"رسول الله\".\n[¬٣]- في ز: \"زنا\".","vol":"4","page":76},{"text":"ومنه ما ثبت في الصحيحين (^٤٨٢)، [أن رسول الله] [¬١] ﷺ نهى عن بيع الملامسة، وهو ورجع إلى الجس باليد على كلا التفسيرين قالوا: ويطلق في اللغة [] [¬٢] على الجس باليد كما يطلق على الجماع، قال الشاعر*\nوألمست كفي كفه أطلب الغني*\nواستأنسوا أيضا بالحديث الذي رواه [] [¬٣] أحمد (^٤٨٣)، حدثنا [عبد الرحمن] [¬٤] بن مهدي\n_________\n= ووافقه الذهبى وعبد الرحمن بن أبي الزناد مختلف فيه فوثقه جماعة وضعفه آخرون، لكن قال ابن معين: \"أثبت الناس فى هشام بن عروة عبدُ الرحمن بن أبي الزناد\" والحديث ذكره ابن حجر فى \"تلخيص الحبير\" (١/ ١٤١) وعزاه إلى الحاكم.\n(^٤٨٢) - أخرجه البخارى (٢١٤٤)، ومسلم (٣) (١٥١٢)، وأبو داود (٣٣٧٩)، والنسائى (٧/ ٢٦٠، ٢٦١)، وابن ماجة (٢١٧٠)، وأحمد (٣/ ٦، ٩٥) من حديث أبي سعيد الخدرى.\n(^٤٨٣) - الحديث فى \"المسند\" (٥/ ٢٤٤) وأخرجه عبد بن حميد فى \"المنتخب\" (١١٠) وعنه الترمذى، كتاب التفسير، باب: ومن سورة هود (٣١١٣) وابن جرير فى تفسيره (١٥/ ١٨٦٧٨) والطبرانى فى \"المعجم الكبير\" (٢٠/ ٢٧٧)، والمروزى فى \"تعظيم قدر الصلاة\" (١/ رقم ٧٨) من طرق عن زائدة به، وأخرجه ابن جرير (١٥/ ١٨٦٨٢)، والطبرانى (٢٠/ ٢٧٨)، والدارقطنى فى \"السنن\" (١/ ٣٤/ رقم ٤) ومن طريقه ابن الجوزى في \"التحقيق\" (١/ رقم) والمروزى (١/ ٧٧) والحاكم فى \"المستدرك\" (١/ ١٣٥) - وعنه البيهقى فى \"السنن الكبرى\" (١/ ١٢٥) وفى \"الخلافيات\" (٢/ رقم ٤٣٤) من طرق عن جرير عن عبد الملك بن عمير به، وصححه الدارقطنى والحاكم وسكت عنه الذهبى فأجاد حيث أعل الحديث بالانقطاع، فقال الترمذى: \"هذا حديث ليس إسناده بمتصل؛ عبد الرحمن بن أبي ليلى لم يسمع من معاذ بن جبل، ومعاذ بن جبل مات فى خلافة عمر، وقتل عمر وعبد الرحمن بن أبي ليلى غلام صغير ابن ست سنين، وقد روى عن عمر ورآه، وروى شعبة هذا الحديث عن عبد الملك بن عمير عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن النبى ﷺ مرسلًا\" قلت: طريق شعبة المرسلة أخرجها ابن جرير (١٥/ ١٨٦٧٩، ١٨٦٨٠) وقد أخرجها أيضًا النسائى فى \"السنن الكبرى\" (٤/ ٧٣٢٨) بلفظ مختصر، لكنه وقع فى المطبوع: مسندًا غير مرسل، وهو خطأ فقد أفاد المصنف هنا أن رواية النسائى مرسلة، ومن قبله قال ذلك شيخه أبو الحجاج المزى كما فى \"تحفة الأشراف\" (٨/ رقم ١١٣٤٣) وانظر أيضًا \"العلل\" لأبي الحسن الدارقطنى (٦/ س ٩٧٧) وقد أعل الحديث بالانقطاع أيضًا البيهقى فقال: \"وهكذا رواه زائدة بن قدامة وأبو عوانة -ولم أهتد لطريقه- عن عبد الملك، وفيه إرسال عن عبد الرحمن لن أبي ليلى، فإنه لم يدرك معاذ بن جبل\" وقد أعله بذلك أيضًا ابن حجر فى \"الدراية\" (١/ ٤٣) والألبانى فى \"الضعيفة\" (٢/ ١٠٠٠) وقال الزيلعى فى \"نصب الراية\" (١/ ٧٠): \"وهذا الحديث مع ضعفه وانقطاعه ليس فيه حجة؛ لأنه إنما أمره بالوضوء=\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ز: \"أنه\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز: \"أيضًا\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في ز: \"الإمام\".\n[¬٤]- في خ، ت: \"عبد الله\". خطأ.","vol":"4","page":77},{"text":"وأبو سعيد، قالا: حدثنا زائدة، عن عبد الملك بن عمير -قال أبو سعيد: حدثنا عبد الملك بن عمير- عن عبد الرحمن بن أبى ليلي، عن معاذ، قال: أتى رسول الله ﷺ رجل فقال: يا رسول الله؛ ما تقول في رجل لقي امرأة لا يعرفها، فليس يأتي الرجل من امرأته شيئًا إلا قد [¬١] أتاه منها، غير أنه لم يجامعها؟. قال: فأنزل الله ﷿ هذه الآية: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ قال: فقال له رسول الله ﷺ: \"توضأ [¬٢] ثم صل\" قال معاذ: فقلت: يا رسول الله، أله خاصة أم للمؤمنين عامة؟ فقال [¬٣]: \"بل للمؤمنين عامة\".\nورواه الترمذي من حديث زائدة [¬٤] به، وقال: ليس بمتصل. وأخرجه النسائي من حديث شعبة، عن عبد الملك بن عمير، عن عبد الرحمن بن أبي ليلي مرسلًا.\nقالوا: فأمره بالوضوء؛ لأنه لمس المرأة ولم يجامعها. وأجيب بأنه منقطع بين ابن أبي ليلى ومعاذ؛ فإنه لم يلقه، ثم يحتمل أنه إنما أمره بالوضوء والصلاة للتوبة، كما تقدم في حديث الصديق (^٤٨٤): \" ما من عبد يذنب ذنبًا فيتوضأ ويصلي ركعتين إلا غفر الله له\". الحديث وهو مذكور في سورة آل عمران عند قوله: ﴿فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ﴾ الآية.\nثم قال ابن جرير (^٤٨٥): وأولي القولين في ذلك بالصواب، قول من قال: عنى الله بقوله: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ الجماع دون غيره من معاني اللمس؛ لصحة الخبر عن رسول الله ﷺ أنه قبل بعض نسائه ثم صلى ولم يتوضأ، ثم قال: حدثنى بذلك إسماعيل ابن موسى السدي، قال [¬٥]: أخبرنا أبو بكر بن عياش، عن الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن عروة، عن عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ يتوضأ، ثم\n_________\n= للتبرك وإزالة الخطيئة لا للحدث ولذلك قال له: \"توضأ وضوءًا حسنًا … \" وأصل هذه القصة صحيح دون ذكر الوضوء والصلاة وقد وردت عن جماعة من الصحابة، فانظر (سورة هود/ آية ١١٤) وبالله التوفيق.\n(^٤٨٤) - تقدم تخريجه (سورة آل عمران/ آية رقم ١٣٥/ ح ٣٩٦).\n(^٤٨٥) - تفسير ابن جرير (٨/ ص ٣٩٦/ والحديث رقم ٩٦٢٩) وانظر تخريج الحديث في \"كتاب التحقيق\" حديث رقم ٢٥٥.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- في ز: \"توضه\".\n[¬٣]- في ز: \"قال\".\n[¬٤]- في ز، خ: \"زيادة\".\n[¬٥]- سقط من: ز.","vol":"4","page":78},{"text":"يقبل، ثم يصلي، ولا يتوضأ.\nثم قال: حدثنا أبو كريب، حدثنا وكيع، عن الأعمش، عن حبيب، عن عروة، عن عائشة، أن رسول الله ﷺ قبل بعض نسائه ثم خرج إلى الصلاة ولم يتوضأ. قلت: من هي إلا أنت؟ فضحكت.\nوهكذا رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة عن جماعة من مشايخهم عن وكيع -به.\nثم قال أبو داود: روي عن الثوري أنه قال: ما حدثنا حبيب إلا عن عروة المزني. وقال يحيى القطان لرجل: احك [¬١] عني أن هذا الحديث شبه لا شيء.\nوقال الترمذي: سمعت البخاري يضعف هذا الحديث، وقال: حبيب بن أبي ثابت لم يسمع من عروة.\nوقد وقع في رواية ابن ماجة، عن أبي بكر بن أبي شيبة وعلي بن محمد الطنافسي، عن وكيع، عن الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن عروة بن الزبير، عن عائشة.\nوأبلغ من ذلك ما رواه الإِمام أَحمد في مسنده من حديث هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، وهذا نص في كونه عروة بن الزبير ويشهد له قوله: من هي إلا أنت، فضحكت.\nو[¬٢] لكن روى أبو داود، عن إبراهيم بن مخلد الطالقاني، عن عبد الرحمن بن مغراء، عن الأعمش، قال: حدثنا أصحاب لنا عن عروة المزني [¬٣]، [عن عائشة] [¬٤] فذكره، [والله أعلم] [¬٥].\nوقال ابن جرير أيضًا (^٤٨٦): حدثنا أبو زيد [] [¬٦] عمر بن شبَّة [¬٧]، عن سهاد بن عباد،\n_________\n(^٤٨٦) - تفسير ابن جرير (٦/ ١٠٤/ ط دار الفكر) والطريق الأولى فيها ليث وهو ابن أبي سليم (اختلط، ولم يتميز حديثه فترك\" ومندل بن علي \"ضعيف\" وأخرجه الدارقطنى فى \"السنن\" (١/ ١٣٧) (رقم ١٢) - ومن طريقه ابن الجوزى فى \"التحقيق\" (١/ رقم) - من طريق عبيد الله بن عمرو، عن غالب عن عطاء به، وقال الدارقطنى عقبه: \"غالب هو ابن عبيد الله متروك\" وبه أعل هذه الطريق البيهقى فى \"المعرفة\" (١/ ٢١٨) وقال: \"وروى من أوجه أخر عن عطاء، وكل ذلك ضعيف\" فمنها ما=\n_________\n[¬١]- في ز: \"اخل\".\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- بعده في خ: \"عن عروة\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين في ز: \"عن\".\n[¬٧]- في ز: \"شيبة\".","vol":"4","page":79},{"text":"حدثنا [¬١] مندل بن علي [¬٢]، عن ليث، عن عطاء، عن عائشة، وعن أبي روق، عن إبراهيم التيمي [¬٣]، عن عائشة ﵂ أن [¬٤] رسول الله ﷺ كان [¬٥] ينال مني القبلة بعد الوضوء ثم لا يعيد الوضوء.\nوقال الإمام أحمد (^٤٨٧): حدثنا وكيع، حدثنا سفيان، عن أبي روق الهمداني، عن إبراهيم التيمى [¬٦]، عن عائشة ﵂، أن رسول الله ﷺ قبل ثم صلى [¬٧] ولم يتوضأ.\nورواه أبو داود والنسائي من حديث يحيى القطان زاد أبو داود وابن مهدي كلاهما عن سفيان الثوري به.\n_________\n=أخرجه الدارقطنى أيضًا (١/ ١٤٢) (رقم ٢٨) من طريق أبي بدر عن أبي سلمة الجهنى عن عبد الله بن غالب عن عطاء به، وقال: \"قوله: \"عبد الله بن غالب\" وهم، وإنما أراد \"غالب بن عبيد الله\" وهو متروك، وأبو سلمة الجهنى هو خالد بن سلمة ضعيف، وليس بالذى يروى عنه زكريا بن أبي زائدة\". قلت: الذى هوى عنه زكريا وغيره يقال له المخزومى وهو \"ثقة\" له ترجمة فى \"التهذيب\" (وانظر تحقيقنا لهذا الحديث فى كتاب التحقيق حديث رقم ٢٥٩) وانظر ما بعده.\n(^٤٨٧) - \" المسند\" (٦/ ٢١٠) وأخرجه ابن أبي شيبة فى \"المصنف\" كتاب الطهارات، باب: من قال ليس فى القبلة وضوء (١/ ٦١) والدارقطنى فى \"السنن\" (١/ ١٣٩، ١٤٠) (رقم ٢٠) من طريق وكيع به، وأخرجه عبد الرزاق فى \"المصنف\" (١/ ٥١١) - ومن طريقه الدارقطنى (١/ ١٤١) (رقم ٢١) والبيهفى فى \"الكبرى\" (١/ ١٢٦/ ١٢٧) - وأبو داود، كتاب الطهارة، باب: الوضوء من القبلة (١٧٨) من طريق يحيى بن سعيد وعبد الرحمن بن مهدى، والنسائى، كتاب الطهارة، باب: الوضوء من القبلة (١/ ١٠٤) وفى \"الكبرى\" (١/ رقم ١٥٥) من طريق يحيى. والدارقطنى أيضًا (١/ ١٣٩ - ١٤١) (٢٠، ٢٢)، والبيهقى فى \"الخلافيات\" (٢/ ٤٣٩، ٤٤٠) وأبو نعيم فى \"الحلية\" (٤/ ٢١٩) من طريق أبي عاصم وقبيصة، وتقدم فى السابق طريق مندل بن علي، كلهم (وكيع وعبد الرزاق ويحيى وعبد الرحمن وأبو عاصم وقبيصة ومندل) عن سفيان به، وعلقه الترمذى فى \"الجامع\" (رقم ٨٦) من طريق إبراهيم التيمى عن عائشة به.\nقلت: وإسناده حسن لولا أنهم أعلوه بالانقطاع (وانظر تحقيقنا لكتاب التحقيق حديث رقم ٢٥٨).\n_________\n[¬١]- في ز: \"عن\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"عدي\".\n[¬٣]- في ز: \"التميمي\".\n[¬٤]- في ز: \"قالت: كان\".\n[¬٥]- سقط من: ز.\n[¬٦]- في ز: \"التميمي\".\n[¬٧]- سقط من: خ.","vol":"4","page":80},{"text":"ثم قال أبو داود والنسائي: لم يسمع إبراهيم التيمي [¬١] من [¬٢] عائشة.\nثم [¬٣] قال ابن جرير أيضًا (^٤٨٨): حدثنا سعيد بن يحيى الأموي، حدثني أبي، حدثنا يزيد ابن سنان، عن عبد الرحمن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أمً سلمة، أن رسول الله ﷺ كان يقبلها وهو صائم ثم لا يفطر، ولا يحدث وضوءًا.\nوقال أيضًا: حدثنا أبو كريب، حدثنا حفص بن غياث، عن حجاج، عن عمرو بن شعيب [¬٤]، عن زينب السهمية، عن النبي ﷺ، أنه كان يقبل صلي ولا يتوضأ.\nوقد رواه الإِمام أحمد (^٤٨٩)، عن محمد بن فضيل، عن حجاج بن أرطأة، عن عمرو بن شعيب، عن زينب السهمية، عن عائشة، عن النبى ﷺ به.\nوقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ استنبط كثير من الفقهاء من هذه الآية أنه لا يجوز التيمم لعادم الماء إلا بعد [طلب الماء] [¬٥]، فمتى طلبه فلم يجده جاز له حينئذ التيمم، وقد ذكروا كيفية الطلب في كتب الفروع، كما هو مقرر في موضعه، كما هو [¬٦] في الصحيحين (^٤٩٠) من حديث عمران بن حصين، أن رسول اللَّه ﵌ رأى رجلًا معتزلًا لم يصل مع [¬٧] القوم، فقال: \"يا فلان؛ ما منعك أن تصلي مع القوم، ألست\n_________\n(^٤٨٨) - تفسير ابن جرير (٦/ ١٠٤/ ط دار الفكر) وأخرجه الطبرانى فى \"الأوسط\" (٥/ ٣٨٠٤) من طريق سعيد بن يحيى بن سعيد الأموى به، ونقله الزيلعى فى \"نصب الراية\" (١/ ٧٥) من طريق الطبرانى بإسناده، لكن جعله من مسند أبى هريرة وهو خطأ، وتبعه فيه ابن حجر فى \"الدراية\" (١/ ٤٥)، مع أن شيخه نور الدين الهيثمى ذكره فى \"المجمع\" (١/ ٢٥٢) من حديث أم سلمة وقال: \"رواه الطبرانى فى \"الأوسط\" وفيه يزيد بن سنان الرهاوى ضعفه أحمد ويحيى وابن المدينى ووثقه البخارى وأبو حاتم وثبته مروان بن معاوية وبقية رجاله موثقون\" ولم يذكر لأبى هريرة رواية فى هذا الباب، واللَّه تعالى أعلم.\n(^٤٨٩) - انظر تخريجه في كتاب التحقيق رقم ٢٥٦، ٢٥٧.\n(^٤٩٠) - أخرجه البخارى، كتاب التيمم، باب: الصعيد الطيب وضوء المسلم يكفيه من الماء (٣٤٤)، ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب: قضاء الفائتة واستحباب تعجيل قضائها =\n_________\n[¬١]- في ز: \"التميمي\".\n[¬٢]- في ت: \"عن\".\n[¬٣]- في ز: \"و\".\n[¬٤]- في ز، خ: \"شعبة\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"تطلبه\".\n[¬٦]- سقط من: ت.\n[¬٧]- في ز: \"في\".","vol":"4","page":81},{"text":"برجل مسلم؟ \" قال: بلى يا رسول اللَّه، ولكن أصابتني جنابة، ولا ماء. قال: \"عليك بالصعيد فإنه يكفيك\".\nولهذا قال تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ فالتيمم [في اللغة] [¬١] هو القصد، تقول [¬٢] العرب: تيممك [¬٣] اللَّه بحفظه أي: قصدك. ومنه قول امرئ القيس شعرًا [¬٤]\nولما رأت أن المنية وردها … وأن الحصى من تحت أقدامها دام\nتيممت العين التي عند ضارج … يفيء عليها الفيء عرمضها طام\nوالصعيد، قيل: هو كل ما صعد على وجه الأرض، فيدخل فيه التراب والرمل، [¬٥] والشجر والحجر والنبات، وهو قول مالك. وقيل: ما كان من جنس التراب] [¬٦]؛ [فيختص التراب [¬٧] والرمل] [¬٨] والزرنيخ والنورة. وهذا مذهب أبي حنيفة. وقيل: هو التراب فقط. وهو مذهب الشافعي وأحمد بن حنبل وأصحابهما، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ أي: ترابًا أملس طيبًا، وبما ثبت في صحيح مسلم (^٤٩١)، عن حذيفة بن اليمان، قال: قال رسول\n_________\n= (٣١٢) (٦٨٢) مطولًا، وكذا أخرجه أحمد (٤/ ٤٣٤)، والنسائى، كتاب الطهارة، باب: التيمم بالصعيد (١/ ١٧١).\n(^٤٩١) - صحيح مسلم، فاتحة كتاب المساجد ومواضع الصلاة (٤) (٥٢٢)، وكذا أخرجه أحمد (٥/ ٣٨٣)، والنسائى فى فضائل القرآن من \"الكبرى\" (٥/ ٨٠٢٢) وغيرهم من طرق عن أبى مالك الأشجعى عن ربعى عن حذيفة به باللفظ الأول. وأما اللفظ الثانى فقد قال الرافعى فى \"الشرح الكبير\": \"لم أره فى شئ من طرق حديث حذيفة بلفظ: \"جعل ترابها\" وإنما عند جميع من أخرجه: \"تربتها\" وتعقبه الحافظ ابن حجر فى \"التلخيص الحبير\" (١/ ١٥٨) فقال: \"رواه أبو داود الطيالسى فى مسنده - (رقم ٤١٨) - عن أبى عوانة عن أبى مالك بلفظ: \"وترابها طهورًا\" وكذا أخرجه أبو عوانة فى صحيحه (١/ ٣٠٣) والدارقطى- (١/ ١٧٦) (رقم ٢) لكن الذى فيه \"تربتها\" ومن طريقه أخرجه ابن الجوزى فى \"التحقيق\" (٣٧٩/ بتحقيقى) بلفظ: \"ترابها\" من طريق سعيد بن مسلمة عن أبى مالك والبيهقى -فى \"السنن الكبرى\" (١/ ٢١٣) - من طريق عفان وأبى كامل، كلاهما عن أبى عوانة كذلك، وهذا اللفظ ثابت أيضًا من رواية على أخرجه أحمد (١/ ٩٨) - والبيهقى (١/ ٢١٣،٢١٤) - وحسنه فى الفتح (١/ ٤٣٨) ولفظه عندهما \"أعطيت ما لم يعط أحدٌ من الأنبياء\" فقلنا: ما هو يا رسول اللَّه؟ قال: نُصرت بالرعب، وأعطيت مفاتيح الأرض، وسميت أحمد، وجعل لى التراب طهررًا، وجعلت أمتى خير الأمم\".\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- في ز: \"بقول\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"نواك\".\n[¬٤]- سقط من: ز.\n[¬٥]- سقط من: ز.\n[¬٦]- مال بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٧]- في ز: \"بالتراب \".\n[¬٨]- مال بين المعكوفتين سقط من: خ.","vol":"4","page":82},{"text":"اللَّه ﵌: \"فضلنا على الناس بثلاث، جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة، وجعلت لنا الأرض كلها مسجدًا، وجعلت تربتها لنا طهورًا إذا لم نجد الماء\". وفي لفظ: \"وجعل ترابها لنا طهورًا إذا لم نجد الماء\". قالوا. فخصص الطهورية بالتراب في مقام الامتنان، فلو كان غيره يقوم مقامه لذكره معه.\nوالطيب هاهنا قيل: الحلال، وقيل: الذي ليس بنجس. كما رواه الإِمام أحمد وأهل السنن إلا ابن ماجة من حديث أبي قلابة، عن عمرو بن بجدان، عن أبي ذر قال: قال رسول اللَّه ﵌: \"الصعيد الطيب طهور المسلم وإن لم يجد الماء عشر حجج، [فإن وجده] [¬١] فليمسه بشرته فإن ذلك خير له [¬٢] \" (^٤٩٢).\nوقال الترمذي: حسن صحيح. وصححه ابن حبان أيضًا، ورراه الحافظ أبو بكر البزار [¬٣] في مسنده (^٤٩٣)، عن أبي هريرة، وصححه الحافظ أبو الحسن القطان. و[¬٤] قال ابن عباس: أطيب\n_________\n(^٤٩٢) - تقدم هنا برقم (٤٦٩).\n(^٤٩٣) -\" كشف الأستار\" (١/ رقم ٣١٠) و\"مختصر الزوائد\" لابن حجر (١/ رقم ١٩٣) حدثنا مُقَدِّمُ ابن محمد بن علي بن مقدم المقدمى، حدثنى عمى القاسم بن محمد بن يحيى ابن عطاء بن مقدم، ثنا هشام بن حسان عن محمد بن سيرين عن أبى هريرة مرفوعًا بنحو حديث أبى ذر السابق، ورواه الطبرانى فى \"الأوسط\" (٢/ ١٣٣٣) ثنا أحمد بن محمد بن صدقة، قال: نا مقدم به، وساق فيه قصة أبى ذر وقال: \"لم يرو هذا الحديث عن محمد إلا هشام، ولا عن هشام إلا القاسم، تفرد به مقدم\" ونحو ذلك قاله من قبله البزار وزاد: \"ومقدم ثقة، معروف النسب\" وذكره الهيثمى فى \"المجمع\" ١/ ٢٦٦) برواية البزار والطبرانى وقال: \"رجاله رجال الصحيح\" وصحح إسناده ابن القطان وقال: \"وهو غريب من حديث أبى هريرة، وله علة، والمشهور حديث أبى ذر الذى صححه الترمذى وغيره\" وقال: \"والقاسم بن يحيى بن عطاء بن مقدم أبو محمد الهلالى الواسطى يروى عن عبيد اللَّه بن عمر، وعبد اللَّه بن عثمان بن خثيم، وروى عنه ابن أخيه مقدم بن يحيى الواسطى، وأحمد بن حنبل، وأخرج البخارى فى التفسير والتوحيد وغيرهما من \"صحيحه\" معتمدًا ما يرويه\" نقلا من \"نصب الراية\" للزيلعى (١/ ١٥٠) وانظر أيضًا \"التلخيص الحبير\" لابن حجر (١/ ١٦٢، ١٦٣) - والعلة المشار إليها هنا هى إرساله فقد قال أبو الحسن الدارقطنى فى \"العلل\" (٨/ س ١٤٢٣): \"يرويه هشام بن حسان، واختلف عنه فرواه القاسم بن يحيى بن عطاء المقدمى عن هشام عن ابن سيرين عن أبى هريرة، وخالفه ثابت بن يزيد أبو زيد وزائدة روياه عن هشام عن ابن سيرين مرسلًا، وكذلك رواه أيوب السختيانى وابن عوف وأشعث بن سوار عن ابن سيرين مرسلًا وهو الصواب\".\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ز: \"فإذا وجد الماء\".\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- في ز: \"البزاز\".\n[¬٤]- سقط من: ز.","vol":"4","page":83},{"text":"الصعيد تراب الحرث. رواه ابن أبي حاتم (^٤٩٤)، ورفعه ابن مردويه في تفسيره.\nوقوله: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾ التيمم بدل عن الوضوء في التطهر به، [لا أنه] [¬١] بدل منه في جميع أعضائه، بل يكفي مسح الوجه واليدين فقط بالإِجماع، ولكن اختلف الأئمة في كيفية التيمم على أقوال؛ أحدها وهو مذهب الشافعي في الجديد، أنه يجب أن يمسح الوجه واليدين إلى المرفقين بضربتين؛ لأن لفظ اليدين يصدق [¬٢] إطلاقهما على مايبلغ المنكبين، وعلى ما يبلغ المرفقين، كما في آية الوضوء، ويطلق ويراد بهما [ما يبلغ] [¬٣] الكفين، كما في آية السرقة ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ قالوا: وحَمْل ما أطلق هاهنا على ما قيد في آية الوضوء أولى لجامع الطهورية. وذكر بعضهم ما رواه الدارقطني (^٤٩٥)، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: \"التيمم ضربتان، ضربه للوجه، وضربه لليدين إلى المرفقين\". ولكن لا يصح؛ لأن في إسناده [¬٤] ضعفاء لا يثبت\n_________\n(^٤٩٤) - تفسير ابن أبى حاتم (٣/ ٥٣٧٤) ثنا أبو سعيد الأشج، ثنا ابن إدريس، ثنا قابوس بن أبى ظبيان عن أبيه عن ابن عباس به، وأخرجه البيهقى فى \"السنن الكبرى\" (١/ ٢١٤) من طريق ابن إدريس به، وابن أبى شيبة فى \"المصنف\"، كتاب الطهارات، باب: ما يجزئ الرجل فى تيممه (١/ ١٨٧) والبيهقى أيضًا من طريق جرير عن قابوس به، ورجاله ثقات رجال \"التهذيب\" حاشا قابوس \"ففيه لين\" كما فى \"التقريب\" وقد أشار الحافظ ابن حجر فى \"التلخيص\" (١/ ١٥٧) إلى رواية ابن مردويه المرفوعة ولم أهتد لإسنادها، وقد عزا هذه الرواية المرفوعة السيوطى فى \"الدر المنثور\" (١/ ٢٩٨) إلى الشيرازى فى \"الألقاب\" وزاد نسبة الموقوفة إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٤٩٥) \" السنن\" للدارقطنى (١/ ١٨٠) (رقم ١٦) من طريق عبد الرحيم بن مطرف ثنا على بن ظبيان عن عبيد اللَّه بن عمر، عن نافع عن ابن عمر به، ومن طريق الدارقطني أخرجه ابن الجوزى فى \"التحقيق\" (١/ رقم ٢٧٧) ورواه ابن عدى فى \"الكامل\" (٥/ ١٨٣٣) من طريق إسماعيل بن عبد اللَّه، والحاكم فى \"المستدرك\" (١/ ١٧٩) من طريق محمد بن يحيى كلاهما (إسماعيل ومحمد) عن على بن ظبيان به، وقال الدارقطنى: \"كذا رواه على بن ظبيان مرفوعًا، ووقفه يحيى القطان وهشيم وغيرهما، وهو الصواب، ثم أخرجه من طريق يحيى وهشيم (١/ ١٨٠) (رقم ١٧). ومن هذه الطريق الموقوفة أخرجه البيهقى فى \"السنن الكبرى\" (١/ ٢٠٧) وقال: \"رواه على ين ظبيان عن عبيد اللَّه بن عمر فرفعه وهو خطأ، والصواب بهذا اللفظ عن ابن عمر موقوف\" وقد ضعف إسناده ابن حجر فى \"الفتح\" (١/ ٤٤١) واستنكر ابن عدى هذا مع حديث \"المدَّبر من الثلث\" لعلى بن ظبيان وقال: \"هذان الحديثان … يرفعهما على بن ظبيان ويوقفهما غيره، وحديث التيمم رواه يحيى القطان والثورى وغيرهما موقوفًا، وإنما يذكر على بن ظبيان بهذين الحديثين لما رفعهما فأُبطل فى رفعهما، والثقات قد أوقفوهما\" ومع هذا فقد مال أبو عبد اللَّه الحاكم إلى ثبوته فقال: \"لا أعلم أحدًا أسنده عن =\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ز: \"لأنه\".\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٤]- فى ز، خ: \"أسانيده\".","vol":"4","page":84},{"text":"الحديث بهم، وروى أبو داود (^٤٩٦) عن ابن عمر في حديث، أن رسول اللَّه ﷺ ضرب بيديه [¬١] على الحائط ومسح بهما وجهه، ثم ضرب ضربة أخرى فمسح بها [¬٢] ذراعيه.\n_________\n= عبيد اللَّه غير علي بن ظبيان وهو صدوق، وقد وقفه يحيى بن سعيد وهشيم بن بشير وغيرهما … \" وتعقب الذهبى وسمه عليا بـ \"الصدق\" فقال: \"بل واهٍ، قال ابن معين: ليس بشئ، وقال النسائى: ليس بثقة … \"والحديث ذكره الهيثمى فى \"المجمع\" (١/ ٢٦٧) وقال: \"رواه الطبرانى فى \"الكبير\" وفيه على بن ظبيان ضعفه يحيى بن معين - فقال: كذاب خبيث - وجماعة، وقال أبو على النيسابورى: لا بأس به\". وللحديث طريقان آخران عند الدارقطني (١/ ١٨١) والحاكم (١/ ١٨٠) والبيهقى (١/ ٢٠٧) والبزار كما فى \"المجمع\" (١/ ٢٦٧، ٢٦٨) - لكن من رواية سليمان بن أبى داود الحرانى وسليمان بن أرقم وهما متروكان، وقال أبو زرعة - كما فى \"العلل\" لابن أبى حاتم (١/ س ١٣٧) -: \"هذا حديث باطل\" وانظر \"نصب الراية\" (١/ ١٥٠) و\"التلخيص الحبير\" (١/ ١٦٠، ١٦١) والحديث الآتى.\n(^٤٩٦) - سنن أبى داود، كتاب الطهارة، باب: التيمم فى الحضر (٣٣٠) ثنا أحمد بن إبراهيم الموصلى أبو على، أخبرنا محمد بن ثابت العبدى، أخبرنا نافع، قال: انطلقت مع ابن عمر فى حاجة … فذكره ضمن حديث طويل، وقال أبو داود عقبه: \"سمعت أحمد بن حنبل يقول: روى محمد بن ثابت حديثًا منكرًا فى التيمم\"، قال أبو داود: \"ولم يتابع محمد بن ثابت فى هذه القصة على ضربتين عن النبى ﷺ ورووه فعل ابن عمر\" ومن طريق أبى داود أخرجه البيهقى فى \"معرفة السنن والآثار\" (١/ ٢٨٤، ٢٨٥) والبغوى فى \"شرح السنة\" (٢/ رقم ٣١١)، ورواه الطيالسى فى مسنده (١٨٥١) - ومن طريقه البيهقى فى \"السنن الكبرى\" (١/ ٢١٥) وأحمد بن عبيد الصفار فى مسنده - كما فى \"التلخيص الحبير\" (١/ ١٦٠) ومن طريقه البيهقى فى \"الكبرى\" (١/ ٢٠٦) وفى \"المعرفة\" (١/ ٢٨٤) من طريق مسلم بن إبراهيم، والبيهقى أيضًا فى \"السنن\" (١/ ٢١٥) من طريق يحيى بن يحيى، والطحاوى فى \"شرح معانى الآثار\" (١/ ٨٥) من طريق يحيى بن حسان، وأبو حاتم بن حبان فى \"المجروحين\" (٢/ ٢٥١) وابن عدى فى \"الكامل\" (٦/ ٢١٤٥) من طريق عمر بن يزيد السيارى، والدارقطنى فى \"السنن\" (١/ ١٧٧) من طريق أبى الربيع الزهرانى، والخطيب فى \"تاريخ بغداد\" (١٣/ ١٣٥، ١٣٦) من طريق الحجبى، وقال البيهقى فى \"المعرفة\": \"رواه جماعة من الأئمة عن محمد ابن ثابت منهم يحيى بن يحيى، ومُعلى بن منصور وسعيد بن منصور وغيرهم\"-: كلهم (أحمد والطيالسى ومسلم واليحييان وعمر وأبو الربيع والحجبى ومعلى وسعيد) عن محمد بن ثابت به، غير أن رواية مسلم \"فمسح ذراعيه إلى المرفقين\" ورواية عمر \"فمسح يديه وذراعيه\" قال الحافظ فى \"التلخيص\": \"مداره على محمد بن ثابت، وقد ضعفه ابن معين وأبو حاتم والبخارى وأحمد، وقال أحمد والبخارى: ينكر عليه حديث التيمم، وزاد البخارى - انظر \"التاريخ الكبير\" (١/ ٥٠) و\"الصغير\" (ص ١٠٢) -: خالفه أيوب وعبيد اللَّه والناس، فقالوا: عن نافع عن ابن عمر فعله، وقال أبو داود: وقال الخطابى - \"مختصر سنن أبى داود\" (١/ ٢٠٥) -: لا يصح لأن =\n_________\n[¬١]- في ز: \"بيده\".\n[¬٢]- سقط من: ز.","vol":"4","page":85},{"text":"ولكن في إسناده محمد بن ثابت العبدي، وقد ضعفه بعض الحفاظ، ورواه غيره من الثقات، فوقفوه على فعل ابن عمر، قال البخاري وأبو زرعة وابن عدي: [هو الصحيح] [¬١]، وهو الصواب. وقال البيهقي: رفع هذا الحديث [] (*) منكر، واحتج الشافعي (^٤٩٧) بما رواه عن إبراهيم بن محمد عن أبي [¬٢] الحويرث [] [¬٣] عبد الرحمن بن معاوية، عن الأعرج عن ابن\n_________\n= محمد بن ثابت ضعيف جدًّا. وانظر أيضًا \"الفتح\" (١/ ٤٤٢)، وقد أعله بالوقف أيضًا أبو زرعة الرازى - كما فى \"العلل\" لابن أبى حاتم (١/ رقم ١٣٦) - وابن حبان وابن عدى، ومع هذا فقد قال البيهقى فى \"المعرفة\": \"رفعه غير منكر\" فقد روى الضحاك لن عثمان - روايته عند مسلم وأصحاب السنن - عن نافع عن ابن عمر، قصة السلام مرفوعة، إلا أنه قصر بها فلم يذكر التيمم. لكن لفظه عند الطحاوى (١/ ٨٥) من رواية الضحاك: \"فلم يرد عليه حتى أتى حائطًا فتيمم\" رواه يزيد بن عبد اللَّه بن أسامة ابن الهاد - عند أبى داود (٣٣١) - فذكر قصة السلام، وذكر قصة التيمم إلا أنه قال: ثم مسح وجهه ويديه، كما رواه يحيى بن بكير عن الليث فى حديث ابن الصمة -وهو الآتى- وإنما ينفرد محمد بن ثابت من هذا الحديث بذكر الذراعين فيه دون غيره، وتيمم عبد اللَّه بن عمر على الوجه والذراعين وفتواه بذلك تؤكد رواية محمد بن ثابت وتشهد له بالصحة، فقد صار بهذه الشواهد معلومًا أنه روى قصة السلام والتيمم عن النبى ﷺ وهو لا يخالف النبى ﷺ فيما هوى عنه، فتيمُّمُهُ على الوجه والذراعين إلى المرفقين يدل على أنه حفظه من النبى ﷺ وأن محمد بن ثابت حفظه من نافع\" وبنحو ذلك قال فى \"السنن الكبرى\" وقد تعقبه هناك ابن التركمانى ونقله عنه الزيلعى - فى \"نصب الراية\" (١/ ١٥٢) - بما ملخصه أن الذى أنكر على محمد بن ثابت فى هذا الحديث إنما هو \"رفع المسح إلى المرفقين لا أصل القصة وقد صرح البيهقى بذلك فى كتاب \"المعرفة\" فقال: \"وإنما ينفرد محمد بن ثابت من هذا الحديث بذكر الذراعين فيه دون غيره\" وإذا كان المنكر عليه هذا لا ينفعه كون أصل القصة مشهورًا بل قد عده خصومه سببًا للتضعيف فإن الذى فى الصحيح فى قصة أبى الجهيم \"ويديه\" وليس فيه \"وذراعيه\". قلت: والعمل بما صح عنه ﷺ أولى من العمل بما صح عن الصحابى وباللَّه التوفيق.\n(*) في معرفة السنن (١/ ٢٨٥): غير. وهو مفهوم كلامه في الكبرى (١/ ٢٠٩).\n(^٤٩٧) - \" مسند الشافعى\" (١/ رقم ١٣٠: ١٣٢) ومن طريقه البيهقى فى \"السنن الكبري\" (١/ ٢٠٥) وفى \"معرفة السنن\" (١/ ٢٨٣) وقال البيهقى: \"هذا منقطع، عبد الرحمن بن هرمز الأعرج لم يسمعه من ابن الصمة، إنما سمعه من عمير مولى ابن عباس عن ابن الصمة، وإبراهيم بن محمد بن أبى يحيى الأسلمى، وأبو الحويرث عبد الرحمن بن معاوية قد اختلف الحفاظ فى عدالتهما إلا أن لروايتهما بذكر الذراعين فيه شاهد من حديث ابن عمر وهو السابق وتقدم أن الصواب وقفه على ابن عمر، وأما هذا الإسناد ففوق ها فيه من الانقطاع فإن إبراهيم بن أبى يحيى \"متروك\" وأبو الحويرث عبد الرحمن بن معاوية \"صدوق، سيئ الحفظ\" وقد رواه البخارى فى صحيحه، كتاب التيمم، باب: التيمم فى الحضر إذا لم يجد الماء (٣٣٧) حدثنا يحيى بن بكير، وأبو داود (٣٢٩)، والنسائى =\n_________\n[¬١]- ما بين المكوفتين سقط من: ز.\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- ما بين المكوفتين في ز: \"عن\".","vol":"4","page":86},{"text":"الصمة، أن رسول اللَّه ﷺ تيمم، فمسح وجهه وذراعيه.\nوقال ابن جرير (^٤٩٨): حدثني موسى بن سهل الرملي، حدثنا نعيم بن حماد، حدثنا خارجة ابن [¬١] مصعب، عن عبد اللَّه بن عطاء، عن موسى بن عقبة، عن الأعرج، عن أبي جهيم [¬٢] قال: رأيت رسول اللَّه ﷺ يبول، فسلمت عليه، فلم يرد على السلام [¬٣] حتى فرغ [¬٤]، ثم قام إلى الحائط [¬٥]، فضرب بيديه عليه، فمسح بهما وجهه، ثم ضرب بيدده على\n_________\n= (١/ ١٦٥) من طريق شعيب بن الليث كلاهما (يحيى وشعيب) ثنا الليث عن جعفر بن ربيعة عن الأعرج قال: سمعت عميرًا مولى الن عباس قال: أقبلت أنا وعبد اللَّه بن يسار مولى ميمونة زوج النبى ﷺ حتى دخلنا على أبى جهيم بن الحارث بن الصمة الأنصارى فقال أبو الجهيم: \"أقبل النبى ﷺ من نحو بئر جمل فلقيه رجلٌ فسلم عليه فلم يرد عليه النبى ﷺ حتى أقبل على الجدار فمسح بوجهه ويديه ثم رد عليه¬ السلام\" وعلقه مسلم فى صحيحه (١١٤) (٣٦٩) عن الليث بن سعد به، ووقع تسمية مولى ميمونة عنده \"عبد الرحمن بن يسار\" قال النووى -شرح صحيح مسلم\" (٤/ ٨٥) -: \"وهو خطأ صريح صوابه عبد اللَّه بن يسار .. \" وكذا سمى الصحابى \"أبو جهم\" وقد نبه الحافظ فى \"الفتح\" على وهمه فى الموضعين، وقد رواه أبو الحسن الدارقطنى فى \"السنن\" (١/ ١٧٦) (رقم ٣) ومن طريقه البيهقى فى \"الكبرى\" (١/ ٢٠٥) وفى \"المعرفة\" (١/ ٢٨٤) من طريق محمد بن إسحاق نا أبو صالح حدثنى الليث به غير أنه قال: \"فمسح بوجهه وذراعيه\" وأشار الحافظ ابن حجر لهذه الرواية فى \"الفتح\" (١/ ٤٤٢، ٤٤٣) ثم قال: \"والثابت فى حديث أبى جهيم لفظ \"يديه\" لا ذراعيه فإنها رواية شاذة مع ما فى أبى الحويرث وأبى صالح من الضعف\" ثم وجدت أبا صالح رواه كالجادة، أخرجه ابن أبي عاصم في \"الآحاد والمثاني\" (٤/ ٢١٧٥) ثنا محمد بن عوف وأبو أحمد الحاكم فى \"الأسامى والكنى\" (٣/ ١٨٦) من طريق الفضل بن محمد، كلاهما (محمد والفضل) نا أبو صالح به.\n(^٤٩٨) - تفسير ابن جرير (٨/ ٩٦٦٨) وقال أبو الأشبال فى \"الحاشية\": \"خارجة بن مصعب بن خارجة الخراسانى، مختلف فيه جدًّا، والأكثر على تضعيفه ولكن أعدل كلمة فيه كلمة الحاكم فى \"المستدرك\" (١/ ٤٩٩)، قال: \"خارجة لم ينقم عليه إلا روايته عن المجهولين وإذا روى عن الثقات الأثبات فروايته مقبولة\" وعبد اللَّه بن عطاء، إن لم يكن الطائفى المكى فلا أدرى من هو؟ وأخشى أن يكون من المجهولين الذين يروى عنهم نعيم بن حماد كذا بالأصل ولعله سبق قلم وصوابه: خارجة بن مصعب\" اهـ ورواه الدارقطنى فى \"السنن\" من طريق أبى معاذ نا أبو عصمة عن موسى بن عقبة به .. وقال أبو معاذ: وحدثنى خارجة عن عبد اللَّه بن عطاء به، وذكره الزيلعى فى \"نصب الراية\" (١/ ١٥٤) من طريق الدارقطنى وقال: \"وأبو عصمة إن كان هو نوح بن أبى مريم فهو متروك\" قلت: والحديث مُعَلَّ قبل ذلك بالانقطاع بين الأعرج وأبى الجهيم. انظر السابق.\n_________\n[¬١]- فى ز: \"عن\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"جهيمة\".\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- سقط من: خ.\n[¬٥]- في ز: \"حائط\".","vol":"4","page":87},{"text":"الحائط فمسح بهما يديه إلى المرفقين، ثم ردّ علي السلام.\nوالقول الثاني: أنه يجب مسح الوجه واليدين إلى الكفين بضربتين، وهو قول [الشافعي في القديم] [¬١].\nوالثالث: أنه يكفي مسح الوجه والكفين بضربة واحدة.\nوقال الإِمام أحمد (^٤٩٩): حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن الحكم، عن ذرّ [¬٢]، عن ابن [¬٣] عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، أن رجلًا أتى عمر، فقال: إنى أجنبت [¬٤] فلم أجد ماء، فقال عمر: لا تصلِّ. قال عمار: أما تذكر يا أمير المؤمنين إذ أنا وأنت في سرية، فأجنبنا فلم نجد ماء، فأمّا أنت فلم تصلِّ، وأما أنا فتمعكت في التراب فصليت، فلما أتينا النبي ﷺ ذكرت [له ذلك] [¬٥]، فقال: \"إنما كان يكفيك وضرب النبي ﷺ بيده الأرض، ثم نفخ فيها، ومسح بها وجهه وكفيه\".\nقال [¬٦] أحمد أيضًا (^٥٠٠): حدثنا عفان، حدَّثنا أبان، حدثنا قتادة، عن عزرة (*)، عن سعيد ابن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، عن عمار: أن رسول اللَّه ﷺ قال في التيمم: \"ضربة للوجه والكفين\".\n_________\n(^٤٩٩) - \" المسند\" (٤/ ٢٦٥) والحكم هو ابن عتيبة، الفقيه الكوفى، و\"ذر\" بالمعجمة هو ابن عبد اللَّه الموهبى، والحديث أخرجه البخارى، كتاب التيمم (رقم ٣٣٨) - وانظر أطرافه ثمة - ومسلم، كتاب الحيض، باب: التيمم (١١٢) (٣٦٨) وأبو داود، كتاب الطهارة، باب: التيمم (٣٢٦)، والنسائى (١/ ١٦٩)، وابن ماجة (٥٦٩) من طرق عن شعبة به، وفيه التصريح باسم \"ابن عبد الرحمن بن أبى أبزى\" وهو \"سعيد\".\n(^٥٠٠) - \" المسند\" (٤/ ٢٦٣) مقرونًا بـ\"عفان\" يونس، وأخرجه الدارمى (٧٥١) وابن الجارود فى \"المنتقى\" (١٢٦) والدارقطنى فى \"السنن\" (١/ ١٨٢، ١٨٣) من طريق عفان بن مسلم به وإسناده صحيح، وعَزْرة هو ابن عبد الرحمن بن زرارة الخزاعى، والحديث أخرجه أبو داود (٣٢٧)، والترمذى (١٤٤)، والنسائى فى \"الكبرى\" (١/ رقم ٣٠٦) وغيرهم من طرق عن قتادة به، وقال الدارمى: \"صح سنده\" وقال الترمذى: \"حديث حسن صحيح\" وصححه ابن خزيمة (٢٦٧)، وأبو حاتم بن حبان (٤/ ١٣٠٣، ١٣٠٨).\n(*) - في الأصول: عروة.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ز: \"قديم للشافعي\".\n[¬٢]- في ز: \"زر\".\n[¬٣]- في خ: \"أيي\".\n[¬٤]- في ز: \"اجتنبت\".\n[¬٥]- بين المعكوفتين في ز: \"ذلك له\".\n[¬٦]- في ز: \"وقال\".","vol":"4","page":88},{"text":"(طريق [¬١] أخرى) قال أحمد (^٥٠١): حدثنا عفان، حدثنا عبد الواحد، حدثنا سليمان الأعمش، حدثنا شقيق قال: كنت قاعدًا مع عبد اللَّه وأبي موسى، [فقال أبو موسى] [¬٢] لعبد اللَّه: لو أن رجلًا لم يجد الماء لم يصلِّ؟ فقال عبد اللَّه: لا؛ فقال أبو موسى: ألا [¬٣] تذكر ما [¬٤] قال عمار لعمر: ألا تذكر إذ بعثني رسول اللَّه ﷺ وإياك في إبل فأصابتني جنابة فتمرّغت في التراب، فلما رجعت إلى رسول اللَّه ﷺ أخبرته، فضحك [رسول اللَّه ﷺ] [¬٥] وقال: \"إنما كان يكفيك أن تقول هكذا، وضرب بكفيه [¬٦] إلى الأرض، ثم مسح كفيه جميعًا، ومسح وجهه مسحة واحدة بضربة واحدة\". فقال عبد اللَّه: لا جرم ما رأيت عمر قنع بذلك [¬٧]. قال [¬٨]: فقال له أبو موسى: فكيف بهذه الآية في سورة النساء ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ قال: فما درى عبد اللَّه ما يقول، وقال: لو رخصنا لهم في التيمم؛ لأوشك [¬٩] أحدهم إذا برد الماء على جلده أن يتيمم، وقال تعالى في آية المائدة: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [¬١٠] استدل بذلك الشافعي ﵀ على أنه لابد في التيمم أن يكون بتراب طاهر له غبار يعلق بالوجه واليدين منه شيء، كما رواه الشافعي (^٥٠٢) بإسناده المتقدّم عن ابن الصمة، أنه مر بالنبي ﷺ وهو يبول، فسلم عليه فلم يردّ عليه، حتى قام إلى جدار، فحته بعصًا كانت معه، فضرب بيده عليه، [فمسح بها] [¬١١] وجهه وذراعيه.\nوقوله: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾ أي: في الدين الذي شرعه لكم ﴿وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَةِرَكُمْ﴾ فلهذا أباح لكم إن [¬١٢] لم تجدوا [¬١٣] الماء أن تعدلوا [¬١٤] إلى التيمم بالصعيد،\n_________\n(^٥٠١) -\" المسند\" (٤/ ٢٦٥) وأخرجه أيضًا (٤/ ٢٦٤، ٣٩٦)، والبخارى، كتاب التيمم (٣٤٥، ٣٤٦، ٣٤٧)، ومسلم (١١٠، ١١١) (٣٦٨)، وأبو داود (٣٢١)، والنسائى (٧/ ١٠١) من طرق عن الأعمش به ومُناظر أبى موسى هو عبد اللَّه بن مسعود.\n(^٥٠٢) - تقدم تخريجه (رقم ٥٠٠).\n_________\n[¬١]- في خ: \"طريقة\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في ز: \"أما\".\n[¬٤]- في ز: \"إذ\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٦]- في ز: \"بكفه\".\n[¬٧]- في ز: \"بذاك\".\n[¬٨]- سقط من: ز.\n[¬٩]- في ز: \"لوشك\".\n[¬١٠]- سقط من: ز.\n[¬١١]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"ثم مسح\".\n[¬١٢]- في ز: \"إذا\".\n[¬١٣]- في ز: \"يجدوا\".\n[¬١٤]- في ز: \"يعدلوا\".","vol":"4","page":89},{"text":"﴿وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.\nولهذا كانت هذه الأمة مخصوصة [¬١] بمشروعية [¬٢] التيمم دون سائر الأمم، كما ثبت في الصحيحين (^٥٠٣)، عن جابر بن عبد اللَّه ﵄، قال: قال رسول اللَّه ﷺ: \"أعطيت خمسًا لم يعطهنَّ أحد قبلي؛ نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل\". وفي لفظ: \"فعنده [مسجده وطهوره] [¬٣]، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه وبعثت إلى الناس عامة\".\nوتقدّم (^٥٠٤) في حديث حذيفة عند [¬٤] مسلم: \"فضلنا على الناس بثلاث؛ جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة، وجعلت لنا الأرض مسجدًا وتربتها طهورًا إذا لم نجد الماء\".\nوقال تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا﴾ أي: ومن عفوه عنكم وغفرانه [¬٥] لكم، أن شرع لكم [¬٦] التيمم، وأباح لكم فعل الصلاة به إذا فقدتم الماء؛ توسعة عليكم، ورخصة لكم. وذلك أن هذه الآية الكريمة فيها تنزيه الصلاة أن تفعل على هيئة ناقصة من سكر حتى يصحو المكلف ويعقل ما يقول، أو جنابة حتى يغتسل، أو حدث حتى يتوضأ، إلا أن يكون مريضًا أو عادمًا للماء، فإن اللَّه ﷿ قد أرخص في التيمم والحالة هذه؛ رحمة بعباده [¬٧] ورأفة بهم، وتوسعة عليهم، وللَّه [¬٨] الحمد والمنة.\n_________\n(^٥٠٣) - أخرجه البخارى، كتاب التيمم (٣٣٥)، ومسلم، فاتحة كتاب المساجد ومواضع الصلاة (٣) (٥٢١)، والنسائى، كتاب الغسل، باب: التيمم بالصعيد (١/ ٢٠٩: ٢١١)، وكتاب المساجد (٢/ ٥٦)، وأحمد فى \"المسند\" (٣/ ٣٠٤).\n(^٥٠٤) - تقدم تخريجه رقم (٤٩٤).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"مختصة\".\n[¬٢]- في ز: \"بشرعية\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في ز: \"طهوره ومسجده\".\n[¬٤]- في خ: \"عن\".\n[¬٥]- في ز، خ: \"وكفره\".\n[¬٦]- سقط من: ز.\n[¬٧]- في ز: \"لعباده\".\n[¬٨]- في ز: \"له\".","vol":"4","page":90},{"text":"<span data-type='title' id=toc-86>(ذكر [¬١] سبب نزول مشروعية التيمم)</span>\nوإنما ذكرنا ذلك هاهنا؛ لأن هذه الآية التي في النساء متقدمة النزول على [¬٢] آية المائدة، وبيانه أن هذه نزلت قبل تحتم تحريم الخمر، والخمر إنما حرم بعد أحد بيسير [¬٣]. يقال: في محاصرة النبي ﷺ لبني النضير [بعد أحد بيسير] [¬٤]، وأما المائدة! فإنها من أواخر [¬٥] ما نزل، ولا سيما صدرها، فناسب أن يذكر السبب هاهنا، وبالله الثقة.\nوقال الإمام أحمد (^٥٠٥): حدّثنا ابن نمير، حدثنا هشام، عن أبيه، عن عائشة، أنها استعارت من أسماء قلادة، فهلكت، فبعث رسول الله ﷺ رجالًا في طلبها فوجدوها، فأدركتهم الصلاة وليس معهم ماء، فصلوها [¬٦] بغير وضوء، فشكوا ذلك إلى النبي ﷺ، فأنزل الله آية التيمم. فقال أسيد بن الحضير لعائشة: جزاك الله خيرًا، فوالله ما نزل بك أمر تكرهينه إلا جعل الله لك [¬٧] وللمسلمين فيه خيرًا.\n(طريق [¬٨] أخرى): قال البخاري (^٥٠٦): حدثنا عبد الله بن يوسف، أنبأنا مالك، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة، قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره حتى إذا كنا بالبيداء [¬٩] أو بذات الجيش انقطع عقد لي، فأقام رسول الله ﷺ على التماسه، وأقام الناس معه، وليسوا على ماء، وليس معهم ماء، فأتى الناس إلى أبي بكر، فقالوا: ألا ترى ما صنعت عائشة، أقامت برسول الله ﷺ وبالناس، وليسوا على ماء، وليس معهم ماء، فجاء أبو بكر ورسول الله ﷺ\n_________\n(^٥٠٥) -) \" المسند\" (٦/ ٥٧) وأخرجه البخارى، كتاب التيمم، باب: إذا لم يجد ماء ولا ترابًا (٣٣٦) وانظر أطرافه عند رقم (٣٣٤) - ومسلم، كتاب الحيض، باب: التيمم (١٠٩) (٣٦٧)، وأبو داود (٣١٧)، والنسائي (١/ ١٧٢)، وابن ماجة (٥٦٨) من طرق عن هشام بن عروة به، وانظر ما بعده.\n(^٥٠٦) - صحيح البخارى، فاتحة كتاب التيمم (٣٣٤) مختصرًا، كتاب النكاح، باب: قول الرجل لصاحبه: هل أعرستم الليلة … (٥٢٥٠)، وأخرجه، كتاب فضائل الصحابة (٣٦٧٢) ثنا قتيبة بن سعيد، كتاب التفسير (٤٦٠٧) حدثنا إسماعيل، كلاهما (قتيبة وإسماعيل) حدثنى مالك به، ورواه مسلم (١٠٨) (٣٦٧) حدثنا يحيى بن يحيى قال: قرأت على مالك به.\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- في ت: \"عن\".\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ت.\n[¬٥]- في ت: \"آخر\".\n[¬٦]- في ز، خ: \"فصلوا\".\n[¬٧]- مكانها بياض فى: ز.\n[¬٨]- في خ: \"طريقة\".\n[¬٩]- في ز: \"في البيداء\".","vol":"4","page":91},{"text":"واضع رأسه على فخذي، قد نام، فقال: حبست رسول الله ﷺ والناس، وليسوا على ماء، وليس معهم ماء، قالت عائشة [¬١]: فعاتبني أبو بكر، وقال ما شاء الله أن يقول، وجعل يطعن بيده في خاصرتي، ولا يمنعني بن [¬٢] التحرك إلا مكان رأس [¬٣] رسول الله ﷺ على فخذي، فقام رسول الله ﷺ [على غير ماء حين أصبح] [¬٤]، فأنزل الله آية التيمم، فتيمموا، فقال أسيد بن الحضير: ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر. قالت: فبعثنا البعير الذي كنت عليه، فوجدنا العقد تحته.\nوقد رواه البخاري أيضًا عن قتيبة، وإسماعيل، ورواه مسلم [¬٥]، عن [¬٦] يحيى بن [¬٧] يحيى، عن مالك.\n(حديث آخر) قال الإمام أحمد (^٥٠٧): حدثنا يعقوب، حدثنا أبي، عن صالح، قال: قال ابن شهاب: حدثني عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، عن عمار بن ياسر، أن رسول الله ﷺ عرس بأولات الجيش [¬٨] ومعه [زوجته عائشة] [¬٩]، فانقطع عقد لها من جزع ظفار، فحبس الناس ابتغاء عقدها ذلك حتى أضاء الفجر وليس مع الناس ماء، فأنزل الله على رسول الله ﷺ رخصة التطهر بالصعيد الطيب، فقام المسلمون مع رسول الله ﷺ فضربوا بأيديهم إلى [¬١٠] الأرض، ثم رفعوا أيديهم ولم يقبضوا [¬١١] من التراب شيئًا، فمسحوا بها وجوههم وأيديهم إلى المناكب، ومن بطون أيديهم إلى الآباط.\n_________\n(^٥٠٧) - \" المسند\" (٤/ ٢٦٣، ٢٦٤) - ومن طريقه البيهقى فى \"السنن الكبرى\" (١/ ٢٠٨، ٢٠٩) وابن الجوزى فى \"التحقيق\" (١/ ٢٧٣) وأخرجه أيضًا أبو داود، كتاب الطهارة، باب: التيمم (٣٢٠)، والنسائى، كتاب الطهارة، باب: التيمم فى السفر (١/ ١٦٧) وأبو يعلى فى مسنده (٣/ ١٦٢٩) من طريق يعقوب بن إبراهيم، حدثنا أبى به، وإسناده صحيح رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين، وأخرجه والطحاوى فى \"شرح معانى الآثار\" (١/ ١١٠، ١١١) حدثنا عبد العزيز بن عبد الله الأويسى، ثنا إبراهيم بن سعد به، وأخرجه الطحاوى وأبو يعلى (٣/ ١٦٣٠) من طريق محمد ابن إسحاق عن الزهرى به.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- في ز: \"حين أصبح على غير ماء\".\n[¬٥]- سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- سقط من: ز.\n[¬٧]- في ز، خ: \"عن\".\n[¬٨]- سقط من: خ.\n[¬٩]- في ز: \"عائشة زوجته\".\n[¬١٠]- سقط من: ت.\n[¬١١]- فى ز، خ: \"ينفضوا\".","vol":"4","page":92},{"text":"وقد رواه ابن جرير (^٥٠٨): حدثنا أبو كريب، حدثنا الصيفي، عن ابن أبي ذئب [عن الزهري] [¬١] عن عبيد الله بن عبد الله عن [] [¬٢] أبى اليقظان، قال: كنا مع رسول الله ﷺ، فهلك عقد لعائشة، فأقام رسول الله ﷺ حتى أضاء الفجر [¬٣]، فتغيظ أبو بكر على عائشة، فنزلت عليه [رخصة المسح] [¬٤] بالصعيد الطيب، فدخل أبو بكر فقال لها: إنك لمباركة، نزلت [¬٥] فيك رخصة. فضربنا بأيدينا ضربة لوجوهنا، وضربة لأيدينا إلى المناكب والآباط.\n_________\n(^٥٠٨) - تفسير ابن جرير (٨/ ٩٦٧٠) أبو اليقظان هو عمار بن ياسر، وصيفى هو ابن ربعى، \"صدوق يهم\" كما فى \"التقريب\" وباقى رجاله ثقات غير أن عبيد الله بن عبد الله لم يسمع من أبى اليقظان، وقد أخرجه أحمد فى \"المسند\" (٤/، ٣٢) ثنا حجاج، والطيالسى فى مسنده (٦٣٧) - ومن طريقه البيهقى فى \"الكبرى\" (١/ ٢٠٨) - والطحاوى فى \"شرح معانى الآثار\" (١/ ١١١) وأبو يعلى (١٦٣٣) من طريق يزيد بن هارون، ثلاثتهم (حجاج والطيالسى ويزيد) عن ابن أبى ذئب به، وأخرجه أحمد أيضًا (٤/ ٣٢٠، ٣٢١) من طريق معمر ويونس بن يزيد، وأبو يعلى (١٦٣٢) من طريق معمر، وأبو داود (٣١٨، ٣١٩) وابن ماجة (٥٧١) من طريق يونس وحده، وابن ماجة أيضًا (٥٦٥) من طريق الليث بن سعد به ثلاثتهم (معمر ويونس والليث) عن الزهرى به، وقال البيهقى: \"رواه معمر بن راشد ويونس بن يزيد الأيلى والليث بن سعد وابن أخى الزهرى وجعفر بن برقان عن الزهرى عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن عمار … \" وهو هكذا منقطع وقد وصله صالح بن كيسان ومحمد بن إسحاق كما فى السابق، ووصله أيضًا مالك وسفيان بن عيينة وعمرو بن دينار عن الزهرى عن عبيد الله ابن عبد الله عن أبيه عن عمار به، أخرجه من طريق مالك النسائى (١/ ١٦٨)، والطحاوى (١/ ١١٠)، وابن حبان (٤/ ١٣١٠)، والبيهقى (١/ ٢٠٨) وقال الأخير: \"وكذلك رواه أبو أويس المدنى عن الزهرى -عند أبى يعلى (١٦٣١) - وأما سفيان بن عيينة فإنه شك فى ذكر أبيه فى إسناده، رواه مرة عن ابن دينار عن الزهرى -عند ابن ماجة (٥٦٦) - ومرة عن الزهرى نفسه، عند الحميدى (١٤٣) \" قال أبو الأشبال فى \"حاشية ابن جرير\" (٨/ ٤١٩): \"وأيا ما كان، فالحديث صحيح، ولسنا نرى هذا اضطرابًا، بل هى طرق متعددة ثابتة، لا تكون واحدة منها علة لغيرها\" غير أن ابن أبى حاتم قال فى \"العلل\" (١/ رقم ٦١): \"سألت أبى وأبا زرعة عن حديث رواه صالح بن كيسان وعبد الرحمن بن إسحاق -كذا فى \"العلل\" والذى فى هذا الطريق إنما هو محمد بن إسحاق- عن الزهرى عن عبيد الله ابن عبد الله عن ابن عباس، عن عمار عن النبى ﷺ فى التيمم، فقالا: هذا خطأ رواه مالك وابن عيينة عن الزهرى عن عبيد الله بن عبد الله عن أبيه عن عمار وهو الصحيح وهما أحفظ. قلت: قد=\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز: \"ابن\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"الصبح\".\n[¬٤]- في ز: \"الرخصة المسيح\".\n[¬٥]- في ز: \"نزل\".","vol":"4","page":93},{"text":"(حديث آخر): قال الحافظ أبو بكر بن مردويه (^٥٠٩): حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، حدثنا الحسن بن أحمد بن الليث، حدثنا محمد بن مرزوق، حدثنا العلاء (*) بن أبي سوية، حدثني الهيثم بن رزيق المالكي من بني مالك بن كعب بن سعد -وعاش مائة وسبعة عشر سنة- عن أبيه، عن الأسلع بن شريك، قال: كنت أرحل ناقة رسول الله ﷺ، فأصابتني جنابة في ليلة باردة، وأراد رسول الله ﷺ الرحلة، فكرهت أن أرحل [ناقة رسول الله ﷺ] [¬١] وأنا جنب، وخشيت أن أغتسل بالماء البارد؛ فأموت أو أمرض، فأمرت رجلًا من الأنصار فرحلها، ثم رضفت أحجارًا فأسخنت بها ماء فاغتسلت، ثم لحقت رسول الله ﷺ وأصحابه، فقال: \"يا أسلع، مالي أرى رحلتك قد [¬٢] تغيرت\". قلت: يا رسول الله لم أرحلها، رحلها رجل من الأنصار. قال: \"ولم؟ \" قلت: إني أصابتني جنابة، فخشيت القرّ على نفسي، فأمرته أن يرحلها، ورضفت أحجارًا، فأسخنت بها ماء، فاغتسلت به. فأنزل الله تعالى: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾.\nوقد روي من وجه آخر عنه (^٥١٠).\n_________\n= رواه يونس وعقيل وابن أبى ذئب عن الزهرى عن عبيد الله بن عبد الله عن عمار عن النبى ﷺ وهم أصحاب الكتب، فقالا: مالك صاحب كتاب وصاحب حفظ، وعليه فقد صح الحديث من هذه الطريق ولله الحمد، لكن قال أبو حاتم بن حبان فى صحيحه: \"كان هذا حيث نزل أنه التيمم قبل تعليم النبىِّ ﷺ عمارًا كيفية التيمم، ثم علمه ضربة واحدةً للوجه والكفين لما سأل عمار النبيَّ ﷺ عن التيمم \" وفى \"نصب الراية\" (١/ ١٥٦) عن الأثرم قال: \"إنما حكى فيه فعلهم دون النبى ﷺ كما حكى فى الآخر أنه أجنب، فعلمه ﵇ \".\n(^٥٠٩) - وعزاه لابن مردويه السيوطى فى \"الدر المنثور\" (٢/ ٢٩٥) وقد أخرجه الطبرانى فى \"المعجم الكبير\" (١/ رقم ٨٧٧) حدثنا سهل بن موسى شيران الرامهرمزى، وأبو نعيم فى \"المعرفة\" (٣/ رقم ١٠٧١) ثنا أبو عمرو بن حمدان، ثنا الحسن بن سفيان، كلاهما (سهل والحسن) ثنا محمد بن مرزوق به، وذكره الهيثمى فى \"المجمع\" (١/ ٢٦٦، ٢٦٧) من هذا الوجه وقال: (رواه الطبرانى فى \"الكبير\" وفيه الهيثم بن رزيق قال بعضهم: لا يتابع على حديثه\" والعلاء بن أبى سوية \"ضعيف\" كما فى \"التقريب\" وعلقه ابن الأثير فى \"أسد الغابة\" (١/ ٩١) وقال: \"فيه نظر\" وانظر ما بعده.\n(*) في الأصول: العباس، وهو تحريف.\n(^٥١٠) - أخرجه ابن سعد فى \"الطبقات\" (٧/ ٤٦)، وابن جرير فى \"التفسير\" (٨/ ٩٦٣٧، ٩٦٣٨)، والطحاوى فى \"شرح معانى الآثار\" (١/ ١١٣)، والطبرانى فى \"المعجم الكبير\" =\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ز: \"ناقته\".\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.","vol":"4","page":94},{"text":"﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ (٤٤) وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا (٤٥) مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (٤٦)﴾\nيخبر تعالى عن اليهود عليهم لعائن الله المتتابعة [¬١] إلى يوم القيامة أنهم يشترون الضلالة بالهدى، ويعرضون عما أنزل الله على رسوله، ويتركون ما بأيديهم من العلم عن الأنبياء الأوّلين [¬٢] في صفة محمد ﷺ، ليشتروا به ثمنا قليلا من حطام الدنيا ﴿وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ﴾ أي: -يودّون لو تكفرون بما أنزل عليكم أيها المؤمنون، وتتركون ما أنتم عليه من الهدى والعلم النافع ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ﴾ أي: هو أعلم [¬٣] بهم، ويحذركم منهم ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾ أي: كفى به وليًّا لمن لجأ إليه، ونصيرًا لمن استنصره.\n_________\n= (١/ رقم ٨٧٥، ٨٧٦) - ومن طريقه وطرق أخرى أبو نعيم فى \"المعرفة\" (٣/ ١٠٦٩، ١٠٧٠) - والدارقطنى فى \"السنن\" (١/ ١٧٩) - ومن طريقه ابن الجوزى فى \"التحقيق\" (١/ رقم ٢٧٩) - والبيهقى فى \"السنن الكبرى\" (١/ ٢٠٨) من طرق عن الربيع بن بدر قال: حدثنى أبى عن جدى عن رجل يقال له الأسلع قال … فذكر الحديث بنحو اللفظ السابق، لكن فيه أن النبى ﷺ \"أراه التيمم ضربتين ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين\" وفى إسناده الربيع بن بدر، قال أبو حاتم الرازى: لا يشتغل به، وقال النسائى والدارقطنى: متروك الحديث -وضعفه البخارى وأبو داود وابن معين وغيرهم- وبه أعله ابن الجوزى والهيثمى فى \"المجمع\" (١/ ٢٦٧) والزيلعى فى \"نصب الراية\" (١/ ١٥٣) وابن حجر فى \"التلخيص\" (١/ ١٦١) وراجع \"الإصابة\" أيضًا (١/ ٥٤) بينما قال البيهقى: \"الربيع بن بدر ضعيف، إلا أنه لم ينفرد به\" قال ابن التركمانى فى \"الجوهر النقى\" متعقبًا: \"لم يذكر من وافقه على ذلك ولا يكفى فى الاحتجاج أنه غير منفرد حتى ينظر مرتبته ومرتبة مشاركه، فليس كل من وافقه غيره يقوى ويحتج به\" وانظر ما قبله، والحديث زاد نسبته السيوطى فى \"الدر المنثور\" إلى الباودى فى \"الصحابة\" والقاضى إسماعيل فى \"الأحكام\" والضياء فى \"المختارة\" وعبد بن حميد.\n_________\n[¬١]- في ز: \"التابعة\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"الأقدمين\".\n[¬٣]- في ز: \"يعلم\".","vol":"4","page":95},{"text":"ثم قال تعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا﴾ \"من\" [في هذا] [¬١] لبيان الجنس، كقوله: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾.\nوقوله: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ أي: [يتأولون الكلام] [¬٢] على غير تأويله، ويفسرونه بغير مراد الله ﷿؛ قصدًا منهم وافتراء ﴿وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾ أي: يقولون: سمعنا ما قلته يا محمد، ولا نطيعك فيه. هكذا فسره مجاهد وابن زيد، وهو المراد، وهذا أبلغ في [كفرهم وعنادهم] [¬٣]، و[¬٤] أنهم يتولون عن كتاب الله بعد ما عقلوه، وهم يعلمون ما عليهم في ذلك من الإثم والعقوبة.\nوقولهم: ﴿وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾ أي: اسمع ما نقول لا سمعت. رواه الضحاك عن ابن عباس (^٥١١).\nوقال مجاهد والحسن: واسمع غير مقبول منك.\nقال ابن جرير: والأوّل أصح. وهو كما قال. وهذا استهزاء منهم واستهتار عليهم لعنة الله.\n﴿وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ﴾ أي: يوهمون أنهم يقولون: راعنا سمعك بقولهم: راعنا وإنما يريدون الرعونة [بسبهم النبي] [¬٥]، وقد تقدم الكلام في هذا عند قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾.\nولهذا قال تعالى عن هؤلاء اليهود الذين يريدون بكلامهم خلاف ما يظهرونه ليًّا بألسنتهم وطعنا في الدين، يعني بسبهم النبي ﷺ.\nثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ أي: قلوبهم مطرودة عن الخير، مبعدة منه، فلا يدخلها من الإِيمان شيء نافع لهم. [وقد تقدم الكلام على] [¬٦] قوله تعالى: ﴿فَقَلِيلًا مَا\n_________\n(^٥١١) - أخرجه ابن جرير (٨/ ٩٦٩٨) وابن أبى حاتم (٣/ ٥٣٩٣) وزاد نسبته السيوطى فى \"الدر المنثور\" (٢/ ٣٠٠) إلى الطبرانى.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ز: \"هذه\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في ت: \"يتأولونه\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في ز: \"عنادهم وكفرهم\".\n[¬٤]- سقط من: ز.\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"4","page":96},{"text":"يُؤْمِنُونَ﴾ والمقصود أنهم لا يؤمنون إيمانًا نافعًا.\n﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا (٤٧) إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا (٤٨)﴾\nيقول تعالى آمرًا أهل الكتاب بالإِيمان بما [أنزل الله] [¬١] على عبده ورسوله محمد ﷺ من الكتاب العظيم، الذي فيه تصديق الأخبار التي بأيديهم من البشارات، ومتهددًا لهم إن لم [¬٢] يفعلوا بقوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾ قال بعضهم: معناه من قبل أن نطمس وجوهًا، فطمسها [¬٣] هو ردّها إلى [¬٤] الأدبار، وجعل أبصارهم من ورائهم. ويحتمل أن يكون المراد من قبل أن نطمس وجوهًا، فلا [يبقى لها سمع ولا بصر ولا أثر] [¬٥]، [ومع ذلك نردها] [¬٦] إلى ناحية الأدبار.\nوقال العوفي عن ابن عباس ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا﴾ وطمسها: أن تعمى ﴿فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾ يقول: نجعل وجوههم من قبل أقفيتهم، فيمشون القهقرى، ونجعل لأحدهم عينين من قفاه.\nوكذا قال قتادة وعطية العوفي، وهذا أبلغ في العقوبة والنكال، وهذا [¬٧] مثل ضربه الله لهم في صرفهم عن الحق وردهم إلى الباطل ورجوعهم عن المحجة البيضاء إلى سبل الضلالة، يهرعون ويمشون القهقرى على أدبارهم، وهذا كما قال بعضهم في قوله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ (٨) وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾: إن هذا مثل سوء [¬٨] ضربه الله لهم في ضلالهم ومنعهم عن الهدى.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ز: \"نزل\".\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- في ز: \"وطمسها\".\n[¬٤]- سقط من: ز.\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين فى ت: \"نبقى لهم سمعا ولا بصرا ولا أنفا\".\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين في ز: \"ونردها مع ذلك\".\n[¬٧]- في ز: \"وهو\".\n[¬٨]- سقط من: ز.","vol":"4","page":97},{"text":"قال مجاهد: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا﴾ يقول: عن صراط الحق، فنردها على أدبارها أي: في الضلالة.\nقال ابن أبي حاتم: وروي عن ابن عباس والحسن نحو هذا.\nقال السدي: ﴿فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾ فنمنعها عن الحق. قال: نرجعها كفارا ونردهم قردة.\n[قال ابن] [¬١] زيد: نردهم إلى بلاد الشام من أرض الحجاز.\nوقد ذكر أن كعب الأحبار أسلم حين سمع هذه الآية.\nقال [¬٢] ابن جرير (^٥١٢): حدثنا أبو كريب، حدثنا جابر بن نوح، عن عيسى بن المغيرة، قال: تذاكرنا عند إبراهيم إسلام كعب، فقال: أسلم كعب زمان عمر، أقبل وهو يريد بيت المقدس، فمر على المدينة فخرج إليه عمر، فقال: يا كعب أسلم، فقال [¬٣]: ألستم تقولون [¬٤] في كتابكم: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ وأنا قد حملت التوراة. قال: فتركه عمر، ثم خرج حتى انتهى إلى حمص، فسمع رجلًا من أهلها حزينًا وهو يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾ الآية قال كعب: يا رب [آمنت يارب] [¬٥]، أسلمت؛ مخافة أن تصيبه هذه الآية، ثم رجع فأتى أهله في اليمن، ثم جاء بهم مسلمين.\nوقد [¬٦] رواه ابن أبي حاتم [بلفظ آخر من وجه آخر] [¬٧] فقال (^٥١٣): حدثنا أبي، حدثنا ابن\n_________\n(^٥١٢) - تفسير ابن جرير (٨/ ٩٧٢٥) والخبر ذكره السيوطى فى \"الدر المنثور\" (٢/ ٣٠١) ولم يعزه لغير ابن جرير، وإسناده ضعيف، فإن عيسى بن المغيرة لم يوثقه غير ابن حبان \"الثقات\" (٧/ ٢٣٢) وقال الذهبى فى \"الميزان\": \"ما علمت روى عنه سوى الثورى\" وهنا زيادة راوٍ آخر عنه، وفى \"التقريب\": \"مقبول\" وشيخه هو إبراهيم التيمى. وجابر بن نوح ضعفه ابن معين وغيره وقال النسائى: \"ليس بالقوى\".\n(^٥١٣) - تفسير ابن أبى حاتم (٣/ ٥٤١٣)، ولم يعزه السيوطى فى \"الدر المنثور\" (٢/ ٣٠١) لغير ابن أبى حاتم، وفى إسناده عمرو بن واقد الدمشقى وهو \"متروك\" كما فى \"التقريب\".\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ز: \"وقال أبو\".\n[¬٢]- في ز: \"فقال\".\n[¬٣]- في ز: \"قال\".\n[¬٤]- في ز: \"تقرءون\"، خ: \"تقرأون\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- في ت: \"وكذا\".\n[¬٧]- في ز: \"من وجه آخر بلفظ آخر\".","vol":"4","page":98},{"text":"نفيل، حدثنا عمرو بن [¬١] واقد، عن يونس بن حَلْبَس [¬٢]، عن أبي إدريس عائذ الله الخولاني، قال: كان أبو مسلم الجليلي معلم كعب، وكان يلومه في إبطائه عن رسول الله ﷺ، قال: فبعثه إليه ينظر [¬٣] أهو هو. قال كعب: فركبت [¬٤] حتى أتيت المدينة، فإذا تال [¬٥] يقرأ القرآن يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾ فبادرت الماء فاغتسلت، وإني لأمسح وجهي مخافة أن أطمس، ثم أسلمت.\nوقول: ﴿أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ﴾ يعني: الذين اعتدوا في سبتهم بالحيلة على الاصطياد، وقد مسخوا قردة وخنازير، وسيأتي بسط قصتهم في سورة الأعراف.\nوقوله: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ أي: إذا أمر بأمر فإنه لا يخالف ولا يمانع.\nثم أخبر تعالى أنه: ﴿لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ أي: لا يغفر لعبد لقيه وهو مشرك به ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ﴾ أي: من الذنوب ﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾، أي: من عباده.\nوقد وردت أحاديث متعلقة بهذه الآية الكريمة، فلنذكر منها ما تيسر:\n(الحديث الأول): قال الإِمام أحمد (^٥١٤): حدثنا يزيد [بن هارون] [¬٦]، حدثنا [¬٧] صدقة\n_________\n(^٥١٤) - الحديث فى \"المسند\" (٦/ ٢٤٠) وأخرجه الحاكم فى \"المستدرك\" (٤/ ٥٧٥، ٥٧٦) من طريق يزيد بن هارون به، وأخرجه أبو نعيم فى \"أخبار أصبهان\" (٢/ ٢) من طريق زيد بن الحباب والبيهقى فى \"شعب الإيمان\" (٦/ ٧٤٧٣، ٧٤٧٤) من طريق سليمان بن حرب وعبد الصمد بن عبد الوارث، ثلاثتهم (زيد وسليمان وعبد الصمد) نا صدقة بن موسى به، وقال الحاكم: \"حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه\" وقال الهيثمى فى \"المجمع\" (١٠/ ٣٥١): \"رواه أحمد وفيه صدقة بن موسى وقد ضعفه الجمهور … وبقية رجاله ثقات\" وقول الهيثمى الأخير بعيد وكذا قول الذهبى متعقبًا الحاكم: \"صدقة ضعفوه وابن بابنوس فيه جهالة\" فابن بابَنُوس لم يوثقه غير ابن حبان \"الثقات\" (٥/ ٥٤٨) - وقال الدارقطنى: \"لا بأس به\" وقال أبو أحمد بن عدى: \"أحاديثه مشاهير وروى له النسائى مع تعنته، غير أن ابن الجوزى نقل فى \"الضعفاء\" أن أبا حاتم قال فيه: \"مجهول\" لكن تعقبه الحافظ المنذرى بأنه لم يجد قول أبي حاتم هذا وهو كما قال، راجع \"تهذيب الكمال\" مع حاشيته (٣٢/ ت ٦٩٦٨) وقد قال فيه الحافظ فى \"التقريب\": مقبول. وعلى كل فالحديث معل بصدقة بن موسى =\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- في ز: \"حليس\".\n[¬٣]- في ز: \"لينظر\".\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- في ز: \"تالي\".\n[¬٦]- في ز: \"أنا\"، وسقط من: خ.\n[¬٧]- سقط من: ز.","vol":"4","page":99},{"text":"ابن موسى، حدثنا أبو عمران الجوني، عن يزيد بن بابنوس، عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسدم: \"الدواوين عند الله ثلاثة؛ ديوان لا يعبأ الله به شيئًا، وديوان لا يترك الله منه شيئًا، وديوان لا يغفره الله، فأما الديوان الذي لا يغفره الله فالشرك بالله، قال الله ﷿: [﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ الآية. وقال: ﴿إِنَّهُ] [¬١] مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ﴾، وأما الديوان الذي لا يعبأ الله به شيئًا، فظلم العبد نفسه [فيما بينه وبين ربه من صوم يومٍ تركه أو صلاة تركها، فإن الله يغفر ذلك ويتجاوز إن شاء] [¬٢]، وأما الديوان الذي لا يترك الله منه شيئًا، فظلم العباد بعضهم بعضًا، القصاص لا محالة\".\nتفرد به أحمد.\n(الحديث الثاني): قال الحافظ أبو بكر البزار في مسنده (^٥١٥): حدثنا أحمد بن مالك، حدثنا زائدة بن أبي الرقاد، عن زياد النميري، عن أنس بن مالك، عن النبي ﷺ قال: \"الظلم ثلاثة؛ فظلم لا يغفره الله، وظلم يغفره الله، وظلم [لا يترك الله منه شيئًا] [¬٣]: فأما الظلم الذي لا يغفره الله، فالشرك، وقال: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾، وأما الظلم الذي يغفره الله؛ فظلم العباد لأنفسهم فيما بينهم وبين ربهم، وأما الظلم الذي لا يتركه؛ فظلم العباد بعضهم بعضًا حتى يدين لبعضهم من بعض\".\n_________\n= وبه، أعله العراقى فى \"تخريج أحاديث الأحياء\" (٥/ ٣٢٩٥ /المستخرج) وزاد نسبة الحديث السيوطى فى \"الدر المنثور\" (٢/ ٣٠٣) إلى ابن المنذر وابن مردويه وابن أبى حاتم.\n(^٥١٥) - كما فى \"كشف الأستار\" (٤/ رقم ٣٤٣٩) وذكره الهيثمى فى \"المجمع\" (١٠/ ٣٥١) وقال: \"رواه البزار عن شيخه أحمد بن مالك القشيرى ولم أعرفه، وبقية رجاله قد وثقوا على ضعفهم\" والراجح فيهم الضعف؛ فإن زائدة بن أبى الرقاد قال البخارى والنسائى: \"منكر الحديث\" وقال أبو حاتم الرازى: \"يُحَدِّثُ عن زياد النُّميرى عن أنس أحاديث مرفوعة منكرة، ولا ندرى منه أو من زياد … \" وشيخه زياد النميرى ضعفه ابن معين وأبو داود، وقال أبو حاتم: \"يكتب حديثه ولا يحتج به\" وقال ابن حبان فى \"الضعفاء\": \"منكر الحديث، يروى عن أنس أشياء لا تشبه حديث الثقات\" لكن للحديث إسناد آخر فأخرجه الطيالسى فى مسنده (٢١٠٩) - ومن طريقه أبو نعيم فى \"الحلية\" (٦/ ٣٠٩) - ثنا الربيع عن يزيد عن أنس به، وهو إسناد ضعيف أيضًا لضعف يزيد وهو الرُّقاشى، والراوى عنه هو الربيع بن صبيح السعدى \"صدوق سيئ الحفظ\" كما فى \"التقريب\" لكن الحديث حسنه الألبانى بشاهد حديث عائشة السابق، فانظر \"الصحيحة\" (٤/ ١٩٢٧).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"لا يتركه الله\".","vol":"4","page":100},{"text":"(الحديث الثالث): قال الإِمام أحمد (^٥١٦): حدَّثنا صفوان بن عيسى، حدَّثنا ثور بن يزيد، عن أبي عون، عن أبي إدريس، قال: سمعت معاوية يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"كل ذنب عسى الله أن [¬١] يغفره إلَّا الرجل يموت كافرًا، أو [¬٢] الرجل يقتل مؤمنًا متعمدًا\".\nو[¬٣] رواه النَّسائي عن محمد بن مثنى عن صفوان بن عيسى، به.\n(الحديث الرابع) قال الإِمام أحمد (^٥١٧): حدَّثنا هاشم بن القاسم، حدَّثنا عبد الحميد، حدَّثنا شهر، حدَّثنا [ابن غنم] [¬٤]: أن أبا ذر حدثه عن رسول الله ﷺ قال \"إن الله يقول: يا عبدي ما عبدتني ورجوتني فإني غافر لك على ما كان فيك، يا عبدي إنك [¬٥] إن لقيتني بقراب الأرض خطيئة، [ثم لقيتني] [¬٦] لا [¬٧] تشرك بي شيئًا [¬٨] لقيتك بقرابها مغفرة\" تفرد به أحمد من هذا الوجه.\n(الحديث الخامس) قال الإِمام أحمد (^٥١٨): حدَّثنا عبد الصمد، حدَّثنا أبي، حدَّثنا حسين\n_________\n(^٥١٦) - \" المسند\" (٤/ ٩٩) - ومن طريقه المزى فى \"تهذيب الكمال\" (٣٤/ ت ٧٥٥١) - وأخرجه النسائى (٧/ ٨١) ثنا محمد بن المثنى، والحاكم فى \"المستدرك\" (٤/ ٣٥١) من طريق بكار بن قتيبة، كلاهما (ابن المثنى وابن قتيبة) ثنا صفوان بن عيسى به، ورواه الطبرانى فى \"المعجم الكبير\" (١٩/ ٨٥٨) من طريقين عن ثور بن يزيد به، و(١٩/ ٨٥٦، ٨٥٧) من طريقين عن أبي عون به، وقال الحاكم: (حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه\" ووافقه الذهبى مع أن أبا عون وهو الأنصارى لم يوثقه غير ابن حبان والعجلى، وقال ابن حجر ﵀ فى \"التقريب\": \"مقبول\" يعنى إذا توبع، وقد تابعه راشد ابن سعد عن أبي إدريس به، رواه من هذا الوجه أَبو نعيم فى \"الحلية\" (٦/ ٩٩) من طريق طلحة بن زيد عن الأوزاعى عن ثور عن راشد به، وقال أَبو نعيم: \"لم نكتبه إلَّا من حديث طلحة من حديث الأوزاعى عن ثور\" وطلحة بن زيد هذا هو القرشى \"متروك\" وقال أحمد وعلى وأَبو داود: \"كان يضع\" كذا فى \"التقريب\" وعليه فهذا الحديث بهذا الإسناد لا يثبت، والله أعلم.\n(^٥١٧) - \" المسند\" (٥/ ١٥٤) وشهر بن حوشب مختلف فيه وفى \"التقريب\": صدوق كثير الإرسال والأوهام، والحديث ذكره السيوطى فى \"الدر النثور\" (٢/ ٣٠٣) وعزاه إلى أحمد وابن مردويه.\n(^٥١٨) - \" المسند\" (٥/ ١٦٦) وأخرجه البخارى، كتاب اللباس، باب: الثياب البيض (٥٨٢٧) =\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- في ز: \"و\".\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"تميم\".\n[¬٥]- سقط من: ز.\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"ما لم\".\n[¬٧]- سقط من: ز.\n[¬٨]- سقط من: ز، خ.","vol":"4","page":101},{"text":"عن ابن بريدة: أن يحيى بن يعمر حدثه، أن أبا الأسود الدّيلي حدثه، أن أبا ذر حدثه قال: أتيت رسول الله ﷺ فقال: \"ما من عبد قال لا إله إلَّا الله، ثم مات على ذلك إلَّا دخل الجنَّةَ\". قلت وإن زنى وإن سرق، قال: \"وإن زنى وإن سرق\"، قلت: وإن زنى وإن سرق، قال: \"وإن زنى وإن سرق\" ثلًاثا، ثم قال في الرابعة: \"على رغم أنف أبي ذر\" قال: فخرخ أَبو ذرٍّ وهو يجر إزاره وهو يقول: وإن رغم أنف أبي ذر، وكان أَبو ذرٍّ يحدث بهذا بعد ويقول: وإن رغم أنف أبي ذر. أخرجاه من حديث حسين، به\n(طريق [¬١] أخرى [لحديث أبي ذر] [¬٢] قال أحمد (^٥١٩): حدَّثنا أَبو معاوية، حدَّثنا الأعمَش، عن زيد ابن وَهْب، عن أبى ذر قال: كنت أمشي مع النبي ﷺ في حرة المدينة عشاء ونحن ننظر إلى أحد فقال: \"يا أبا ذر\". قلت [¬٣]: لَبَّيكَ يا رسول الله، قال [¬٤]: \"ما أحب أن لي أحدًا ذاك عندي ذهبًا أمسى ثالثة وعندي منه دينارًا إلَّا دينارًا [¬٥] أرصده - يعني لدين إلَّا أن أقول به في عباد الله هكذا وهكذا [¬٦] فحثا [¬٧] عن يمينه [وعن يساره وبين يديه] [¬٨] \". قال: ثم مشينا. فقال: \"يا أبا ذر إن الأكثرين هم الأقلون يوم القيامة إلَّا من قال هكذا وهكذا فحثا عن يمينه ومن بين يديه وعن يساره\" قال: ثم مشينا. فقال: \"يا أبا ذر، كما أنت حتَّى آتيك\". قال: فانطلق حتَّى توارى عني، قال: فسمعت لغطًا، فقلت: لعل رسول الله ﷺ عرض له. قال: فهممت أن أتبعه، [قال: فذكرت] [¬٩] قوله: \"لا برح حتى آتيك\" فانتظرته حتَّى\n_________\n= ثنا أَبو معمر ثنا عبد الوارث به، ومسلم، كتاب الإيمان، باب: من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنَّةَ (١٥٤) (٩٤) حدثنى زهير بن حرب وأحمد بن خراش قالا: حدَّثنا عبد الصمد بن عبد الوارث به.\n(^٥١٩) - \" المسند\" (٥/ ١٥٢) وأخرجه مسلم، كتاب الزكاة، باب: الترغيب فى الصدقة (٣٢) (٩٤) من طرق عن أبي معاوية به. وأخرجه أحمد أيضًا (٥/ ١٦١) والبخارى، كتاب الاستقراض، باب: أداء الديون (٢٣٨٨) وكتاب الاستئذان، باب: من أجاب بـ \"لَبَّيكَ وسعديك\" (٦٢٦٨) وكتاب الرقاق، باب: قول النبيّ ﷺ: \"ما يسرنى أن عندى مثل أحُدٍ هذا ذهبًا\" (٦٤٤٤) وانظر باقى أطرافه عند رقم (١٢٣٧)، والنسائى فى \"عمل اليوم والليلة\" (١١١٩) من طرق عن الأعمَش به.\n_________\n[¬١]- في خ: \"طريقة\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز: \"عنه\".\n[¬٣]- في ز: \"فقلت\".\n[¬٤]- سقط من: ز.\n[¬٥]- في ز: \"دينار\".\n[¬٦]- سقط من: ز، خ.\n[¬٧]- في ز: \"وحثا\".\n[¬٨]- ما بين المعكوفتين فى ز: \"وبين يديه وعن يساره\".\n[¬٩]- ما بين المعكوفتين في ز: \"ثم ذكرت\".","vol":"4","page":102},{"text":"جاء، فذكرت له الذي سمعت. فقال: \"ذاك جبريل أتانى فقال: من مات من أمّتك لا يشرك باللَّه شيئًا دخل الجنة\". قلت: وإن زنى وإن سرق، قال: \"وإن زنى وإن سرق\".\nأخرجاه في الصحيحين من حديث الأعمَش به: قد رواه البخاري ومسلم (^٥٢٠) أيضًا كلاهما عن قتيبة، عن جرير بن عبد الحميد، عن عبد العزيز بن رفيع، عن زيد بن وَهْب، عن أبي ذر قال: خرجت ليلة من الليالي؛ فإذا رسول الله ﷺ يمشي وحده و[¬١] ليس معه إنسان. قال: فظننت أنَّه يكره أن يمشي معه أحد، قال: فجعلت أمشي في ظل القمر، فالتفت فرآني فقال: \"من هذا\"؟ فقلت: أبو ذر جعلني الله فداك. قال: \"يا أبا ذر، تعال [¬٢] \" قال: فمشيت معه ساعة فقال لي [¬٣]: \"إن المكثرين هم المقلون وم القيامة إلَّا من أعطاه الله خيرًا، فنفخ [¬٤] فيه عن [¬٥] يمينه وشماله وبين يديه ووراءه وعمل فيه خيرًا\" قال: فمشيت معه [¬٦] ساعة فقال لي: \"اجلس هاهنا\" [] [¬٧] فأجلسني في قاع حوله حجارة فقال لي: \"اجلس هاهنا حتَّى أرجع إليك\". قال: فانطلق في الحرة حتَّى لا أراه، فلبث عني فأطال اللبث، حتَّى [¬٨] إني سمعته وهو مقبل، وهو يقول: \"وإن سرق وإن زنى\" قال: فلما جاء لم أصبر حتَّى قلت: يا نبي الله جعلني الله فداءك من تكلمه [¬٩] في جانب الحرة؛ [ما سمعت أحدًا يرجع إليك شيئا؟ قال: ذلك جبريل عرض لي من جانب الحرة] [¬١٠] فقال: \"بشر أمّتك [] [¬١١] من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنَّةَ، قلت: يا جبريل: وإن سرق وإن زنى؟ قال: نعم، قلت: وإن سرق وإن زنى. قال: نعم. قلت: وإن سرق وإن زنى. قال: نعم وإن شرب الخمر\".\n(الحديث السادس) فال عبد بن حميد في مسنده (^٥٢١): أخبرنا عبيد الله بن موسى، عن\n_________\n(^٥٢٠) - أخرجه البخارى، كتاب الرقاق، باب: المكثرون هم المُقِلُّون (٦٤٤٣)، ومسلم، كتاب الزكاة، باب: الترغيب فى الصدقة (٢٣) (٩٤) كلاهما حدَّثنا قتيبة بن سعيد به.\n(^٥٢١) - \" المنتخب\" من مسنده (رقم ١٠٦٠) وأخرجه أحمد فى \"المسند\" (٣/ ٣٩١، ٣٩٢) ثنا =\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- في ز: \"تعاله\".\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- في ز: \"فنفح\".\n[¬٥]- سقط من: ز.\n[¬٦]- سقط من: ز.\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين في ز: \"قال\".\n[¬٨]- في ت: \"ثم\".\n[¬٩]- في ز: \"تكلم\".\n[¬١٠]- ما بين المعكوفتين سقط عن: ز، خ.\n[¬١١]- ما بين المعكوفتين فى ز: \"أنه\".","vol":"4","page":103},{"text":"ابن أبي ليلى، عن أبي الزُّبَير، عن جابر قال: جاء رجل إِلى رسُول الله ﷺ فقال: يا رسول الله ما الموجبتان؟ قال: \" من مات لا يشرك باللِّه شيئًا وجبت له الجنَّةَ، ومن مات يشرك بالله شيئًا وجبت له النار\": [تفرد به من هذا الوجه، وذكر تمام الحديث] [¬١].\n(طريق [¬٢] أخرى) قال ابن أبي حاتم (^٥٢٢): حدَّثنا أبي، حدَّثنا [الحسن بن] [¬٣] عمرو بن خلاد الحراني، حدَّثنا منصور بن إسماعيل القرشي، حدَّثنا موشى بن عبيدة الربذي [¬٤]، أخبرني عبد الله بن عبيدة، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: \"ما من نفس تموت لا تشرك بالله شيئا إلَّا حلت لها المغفرة إن شاء اللَّه عذبها، وإن شاء غفر لها، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ \".\nورواه الحافظ أَبو يعلى في مسنده (^٥٢٣) من حديث موسى بن عبيدة، عن أخيه عبد الله بن عبيدة، [عن جابر] [¬٥]: أن النبي ﷺ قال: \"لا تزال المغفرة على العبد ما لم يقع الحجاب\". قيل: يا نبي الله وما الحجاب؟ قال: \"الإشراك بالله. قال: ما من نفس تلقى الله لا تشرك به شيئًا إلَّا حلت لها [¬٦] المغفرة من الله تعالى إن يشأ أن يعذبها، وإن يشاء أن يغفر لها [غفر لها] [¬٧] \"، ثم قرأ نبي الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾.\n_________\n= النضر ابن إسماعيل أَبو المغيرة، ثنا ابن أبي ليلى به، وإسناده ضعيف لعنعنة أبي الزبير وضعف ابن أبي ليلى وهو محمد بن عبد الرحمن، لكن أخرجه أحمد (٣/ ٣٩١)، ومسلم، كتاب الإيمان، باب: من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنَّةَ (١٥١) من طريق الأعمَش عن إبى سفيان عن جابر به نحوه.\n(^٥٢٢) - تفسير ابن أبي حاتم (٣/ ٥٤٢٥) وموسى بن عُبيدة الربذى \"ضعيف\" وأخوه عبد الله مختلف فيه، فوثقه يعقوب بن شيبة والدارقطنى، وقال النسائى: ليس به به بأس، وروى له البخارى فى \"الصحيح\" لكن ضعفه أحمد وابن معين وابن عدى، وقال ابن معين: \"لم يسمع من جابر شيئًا\" وانظر ما بعده.\n(^٥٢٣) - وعزاه إِلى أبى يعلى السيوطى فى \"الدر المنثور\" (٢/ ٣٠٣) ولم أهتد له فى مسنده المطبوع وكذا لم أجده فى \"مجمع الزوائد\" للهيثمى، فلعله فى مسند أبي يعلى \"الكبير\" والله أعلم. ورواه ابن أبي الدنيا فى \"حسن الظن بالله\" (رقم ٥٦) عن موسى بن عبيدة به، والحديث استنكره ابن عدى لموسى ابن عبيدة فأورده فى ترجمته من \"الكامل\" (٦/ ٢٣٣٤) مع أحاديث أخر: قال: \"وهذه الأحاديث =\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ز: \"ذكر تمام الحديث وتفرد به من هذا الوجه\".\n[¬٢] في خ: \"طريقة\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين فى ت: \"ابن\".\n[¬٤] في خ: \"التِّرمِذي\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط عن: ز، خ.\n[¬٦]- في ز: \"له\".\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.","vol":"4","page":104},{"text":"(الحديث السابع) قال الإِمام أحمد (^٥٢٤): حدثت أبو نعيم، حدثنا زكريا، عن عطية، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه: سلم: \"من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنَّةَ\". تفرد به من هذا الوجه.\n(الحديث الثامن) قال الإِمام أحمد (^٥٢٥): حدثنا حسن بن موسى، حدَّثنا ابن لهيعة، حدَّثنا أَبو قبيل، عن [عبد الله بن ناشر] (*) من بني سريع قال: سمعت أبا رهم قاص أهل الشام يقول: سمعت أبا أيوب الأنصاري يقول: إن رسول الله ﷺ خرج ذات يوم إليهم، فقال لهم: \"إن ربكم ﷿ خيرني بين سبعين ألفًا يدخلون الجنَّةَ عفوًا [¬١]، بغير حساب، وبين الخبيئة [¬٢] عنده لأمتي\". فقال له بعض أصحابه: يا رسول الله أيخبأ ذلك ربك؟ فدخل رسول الله ﷺ [ثم خرج] [¬٣] وهو يكبر فقال: \"إن ربي زادني مع كل ألف سبعين ألفًا والخبيئة عنده\". قال أُبو رهم: يا أبا أيوب، وما تظن خبيئة رسول الله صلى الله عليه: سلم؟ فأكله الناس بأفواههم. فقالوا: وما أنت وخبيئة رسول الله ﷺ. فقال أبو أيوب: دعوا الرجل عنكم، أخبركم عن خبيئة رسول الله ﷺ كما أظن، بل كالمستيقن إن خبيئة رسول الله ﷺ أن يقول: \"من شهد أن لا إله إلَّا اللَّه وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله مصدقًا لسانه قلبه أدخله [¬٤] الجنَّةَ\".\n_________\n= التى ذكرتها لموسى بن عبيدة بأسانيدها مختلفة عامتها مما ينفرد بها عمن يرويها عنه وعامتها متونها غير محفوظة وله غير ما ذكرت من الحديث، والضعف على رواياته بين\".\n(^٥٢٤) - \" المسند\" (٣/ ٧٩) وأخرجه عبد بن حميد فى \"المنتخب\" (٨٩٠) ثنا أَبو نعيم به، وأخرجه أَبو يعلى (٢/ رقم ١٠٢٦)، والبزار (١/ رقم ٦) \"كشف الأستار\" من طريقين عن زكريا بن أبي زائدة به، وقال البزار: \"لا نعلم رواه عن عطية أثبت من زكريا، غير أن عطية العوفى مجمع على ضعفه كما قال الذهبى فى \"الميزان\" ولم يرو له أى من الشيخين، مع هذا فقد قال الهيثمى فى \"المجمع\" (١/ ٢٢، ٢٣): \"رواه أحمد والبزار ورجاله رجال الصحيح\"!! والحديث لم يعزه السيوطى فى \"الدر المنثور\" (٢/ ٣٠٣) لغير أحمد.\n(*) كذا في المسند وأطراف ابن حجر، والذي في المجمع والحلية والكبير للطبراني \"عباد بن ناشرة\"\n(^٥٢٥) - \" المسند\" (٥/ ٤١٣) وأخرجه الطبرانى فى \"المعجم الكبير\" (٤/ رقم ٣٨٨٢) وعنه أَبو نعيم فى \"الحلية\" (١/ ٣٦٢، ٣٦٣) ثنا أحمد بن حمَّاد بن زغبة ثنا سعيد بن أبي مريم ثنا ابن لهيعة به، غير أنَّه سمى شيخ أبي قبيل \"عباد بن ناشرة\" وقال أَبو نعيم: \"هذا حديث غريب تفرد به أَبو قبيل عن عباد: حدَّث به الكبائر عن سعيد بن أبي مريم مثل محمد: سهل بن عسكر وأشكاله\" وذكره الهيثمى =\n_________\n[¬١]- في ز: \"غفرًا\".\n[¬٢]- فى ز: \"الخبيئة\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"فخرج\".\n[¬٤]- في ز، خ: \"فأدخل\".","vol":"4","page":105},{"text":"(الحديث التاسع) قال ابن أبي حاتم (^٥٢٦): حدَّثنا أبي، [حدَّثنا المؤمل بن الفضل الحراني، حدَّثنا] [¬١] عيسى بن يونس (ح) وأخبرنا هاشم بن القاسم الحراني - فيما كتب إليَّ - قال: حدَّثنا عيسى بن يونس نفسه، عن واصل بن السائب الرقاشي، عن أبي سورة ابن [أخي أبي] [¬٢] أيوب الأنصاري [¬٣]، عن أبي أيوب [] [¬٤] قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: إن لي ابن أخ لا ينتهي عن الحرام. قال \"وما دينه\"؟ قال: يصلي ويوحد اللَّه تعالى. قال \"استوهب منه دينه، فإن أَبى فابتعه منه\" فطلب الرجل ذاك [¬٥] منه فأبى عليه، فأتى النبي ﷺ فأخبره. فقال: \"وجدته شحيحًا في دينه\" قال: فنزلت ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾.\n(الحديث العاشر) قال الحافظ أبو يعلى (^٥٢٧): حدَّثنا عمرو بن الضحاك، حدَّثنا أبي، حدَّثنا مستور أَبو همام الهنائي، حدَّثنا ثابت، عن أَنس قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله ما تركت حاجة ولا داجة [¬٦] إلَّا قد أتيت، قال: \"أليس تشهد أن لا إله إلَّا الله، وأن محمدًا رسول اللَّه؟ \" ثلاث مرات قال نعم، قال \"فإن ذلك يأتي على ذلك كله \".\n(الحديث الحادي عشر) قال الإِمام أحمد (^٥٢٨): حدَّثنا أبو عامر، حدَّثنا عكرمة بن عمار،\n_________\n= فى \"المجمع\" (١٠/ ٧٨٣) وقال: \"رواه أحمد والطبرانى وفيه عباد بن ناشرة من بنى سريع ولم أعرفه وابن لهيعة ضعفه الجمهور\" وذكره أيضا فى (١٠/ ٤٠٩) وقال: \"رواه أحمد والطبرانى وفى إسنادهما ضعف\".\n(^٥٢٦) - تفسير ابن أبي حاتم (٣/ ٥٤٢٤): وأخرجه الطبرانى فى \"المعجم الكبير\" (٤ / رقم ٤٠٦٣) ثنا عبد الله ابن أحمد بن حنبل ثنا أحمد بن جناب المصيصى ثنا عيسى بن يونس به، وذكره الهيثمى فى \"المجمع\" (٧/ ٨) وقال: \"رواه الطبراني: فيه واصل بن السائب وهو ضعيف، وهو مُعَلٍّ قبل بشيخه أبي سورة فقد ضعفه ابن معين والترمذى والدراقطني وقال البخارى: \"منكر الحديث\" يروى عن أبي أيوب مناكير، لا يتابع عليه\" والحديث له يعزه السيوطى فى \"الدر المنثور\" (٢/ ٣٠٢) لغير ابن أبي حاتم والطبراني.\n(^٥٢٧) - مسند أبي يعلى (٦ / رقم ٣٤٣٣) إسناده صحيح وتصحف فى \"المسند\" \"مستور\" إلى \"مستورد\" وعمرو بن الضحاك هو ابن مخلد الشيبانى، ويأتى تخريج الحديث بأوسع مما هنا فى سورة هود / آية ١١٤.\n(^٥٢٨) - \" المسند\" (٢/ ٢٣٣) وأخرجه أيضًا (٢/ ٣٦٢)، وأبو داود، كتاب الأدب، باب: فى =\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ت.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز: \"أبي أخي\".\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين في ز: \"الأنصاري\".\n[¬٥]- في ز: \"ذلك\".\n[¬٦]- في ت: \"ذا حاجة\".","vol":"4","page":106},{"text":"عن ضمضم بن جوش اليمامي [¬١] قال: قال لي أَبو هريرة: يا يمامي [¬٢] لا تقولنَّ لرجل والله [¬٣] لا يغفر الله لك، أو [¬٤] لا يدخلك الجنَّةَ أبدًا. قلت: [يا أبا هريرة] [¬٥] إن هذه كلمة يقولها أحدنا لأخيه وصاحبه إذا غضب، قال: لا تقلها؛ فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول [¬٦]: \"كان في بني إِسرائيل رجلان أحدهما مجتهد في العبادة، وكان الآخر مسرفًا على نفسه وكانا متآخيين، وكان المجتهد لا يزال يرى الآخر على الذنب [¬٧] فيقول: يا هذا أقصر، فيقول: خلني وربي أبعثت عليَّ رقيبًا قال [¬٨]: إلى أن رآه يومًا على ذنب استعظمه، فقال له [¬٩]: ويحك أقصر، قال [¬١٠]: خلني وربي أبعثت على رَقيبًا، فقال: والله لا يغفر الله [¬١١] لك أو لا يدخلك الله الجنَّةَ أبدًا، قال: فبعث الله إليهما ملكًا فقبض أرواحهما واجتمعا عنده. فقال للمذنب: اذهب فادخل الجنَّةَ برحمتي، وقال للآخر أكنت بي [¬١٢] عالمًا، أكنت على ما في يدي قادرًا اذهبوا به إلى النار، قال: فو الذي نفس أبي القاسم بيده إنه [¬١٣] لتكلم بكلمة أوبقت دنياه وآخرته\".\nو[¬١٤] رواه أَبو داود من حديث عكرمة بن عمار حدثني ضمضم بن جوش، به.\n(الحديث الثاني عشر) قال الطبراني (^٥٢٩): حدَّثنا أَبو الشيخ [¬١٥]، [محمد بن الحسين] (*)\n_________\n= النهى عن البغى (٤٩٠١) وابن المبارك فى \"الزهد\" (رقم ٩٠٠) ومن طريقه البغوى فى \"شرح السنة\" (١٤/ ٤١٨٧) والمزى فى \"تهذيب الكمال\" (١٣/ ٣٢٦/ ت ضمضم بن جوس) عن عكرمة به، وإسناده حسن للخلاف فى عكرمة بن عمار، وهو \"صدوق فى غير روايته عن يحيى بن أبي كثير\".\n(^٥٢٩) - \" المعجم الكبير\" للطبراني (١١/ ١١٦١٥) وأخرجه عبد بن حميد فى \"المنتخب\" (رقم ٦٠٢)، والبيهقى فى \"الأسماء والصفات\" (٢/ رقم ٢٤٧)، والبغوى فى \"شرح السنة\" (١٤/ ٣٨٨) من طريق إبراهيم ابن الحكم له، وإبراهيم ضعيف كما فى \"التقريب\" وتابعه حفص بن عمر العدنى، ثنا الحكم به، أخرجه الحاكم فى \"المستدرك\" (٤/ ٢٦٢) وقال: \"حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه\" وتعقبه الذهبى بأن حفص بن عمر العدنى واه. والحديث ذكره السيوطى فى \"الدر المنثور\" (٢/ ٣٠٣) وعزاه إلى الطبراني والبيهقى.\n(*) في الأصول: عن محمد بن الحسن.\n_________\n[¬١]- في ز: \"الهماني\"، خ: \"عن الهلالي\".\n[¬٢]- في ز: \"يماني\".\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- في ز: \"و\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين في ز: \"يا رسول الله\"، وسقط من: خ.\n[¬٦]- سقط من: ز، خ.\n[¬٧]- في ز: \"ذنب\".\n[¬٨]- سقط من: ت.\n[¬٩]- سقط من: خ.\n[¬١٠]- في ز: \"فيقول\".\n[¬١١]- سقط من: ت.\n[¬١٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬١٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬١٤]- سقط من: ز.\n[¬١٥]- في ز: \"شيخ\".","vol":"4","page":107},{"text":"ابن عجلان الأصبهانى، حدَّثنا سلمة بن شبيب حدَّثنا إبراهيم بن الحكم بن أبان، عن أبيه، عن عكرمة، عن ابن عبَّاس عن رسول الله ﷺ قال [¬١] \"قال الله ﷿: من علم أني ذو قدرة على مغفرة الذنوب [¬٢] غفرت له ولا أبالي ما لم يشرك بي شيئًا\".\n(الحديث الثالث عشر) قال الحافظ أَبو بكر البزار والحافظ أَبو يعلى (^٥٣٠): حدَّثنا هدبة - هو ابن خالد - حدَّثنا سهيل [¬٣] بن أبي حازم [¬٤]، عن ثابت، عن أَنس قال: قال رسول الله ﷺ: \"من وعده الله على عمل ثوابًا فهو منجزه له، ومن توعده [¬٥] على عمل عقابًا فهو فيه بالخيار\" تفردا به.\nوقال ابن أبي حاتم (^٥٣١): حدَّثنا بحر بن نصر الخولاني، حدَّثنا خالد - يعني ابن عبد الرحمن الخراساني - حدَّثنا الهيثم بن جماز عن سلام بن أبي مطيع، عن بكر بن عبد الله المزني، عن ابن عمر قال: كنا أصحاب النبيّ ﷺ لا نشك في قاتل النفس؛ وآكل مال اليتيم وقاذف [¬٦] المحصنات؛ وشاهد [¬٧] الزور حتَّى نزلت هذه الآية ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءً﴾ فأمسك أصحاب النبي ﷺ عن الشهادة، ورواه ابن جرير من حديث الهيثم بن جمَّازٍ [¬٨]، به. وقال ابن\n_________\n(^٥٣٠) - أخرجه البزار (٢/ رقم ٢٢٠٤) مختصر الزوائد لابن حجر ﵀، وأَبو يعلى فى مسنده (٦/ ٣٣١٦) ثنا هدبة به، وأخرجه ابن عدى فى \"الكامل\" (٣/ ١٢٨٨) - من طريق أبي يعلى وغيره - وابن أبي عاصم فى \"السنة\" (٢/ ٩٦٠) والطبرانى فى \"الأوسط\" (٨/ ٨٥١٦)، والبيهقى فى \"البعث والنشور\" (رقم ٤٥) وغيرهم - راجع \"الصحيحة\" للألبانى (٥/ ٢٤٦٣) - كلهم من طريق هدبة بن خالد به، وقال الطبرانى: \"لم يرو هذين الحديثين إلا سهيل بن أبي حزم، تفرَّد بهما هُدبة\" قال البزار: \"سهيل لا يتابع على حديثه\" وقال البيهقى: \"تفرد به سهيل وليس بالقوى\" وبه أعله الألبانى فقال: \"إسناده ضعيف، رجاله كلهم ثقات، غير سهيل هذا فهو ضعيف كما فى \"التقريب\" وقد ضعفه الجمهور\" ثم قال: \"والحديث مع ضعف إسناده فهو ثابت المتن\". يعنى لشواهده فراجعها ثمة وبالله التوفيق.\n(^٥٣١) - تفسير ابن أبي حاتم (٣/ ٥٤٢٦)، وأخرجه ابن جرير (٨/ ٩٧٣٢) حدثنى محمد بن خلف العسقلاني، حدَّثنا آدم، حدَّثنا الهيثم بن جمَّاز به، وإسناده ضعيف لضعف الهيثم هذا فقد ضعفه أحمد وابن معين والنسائى وغيرهم، وهو مترجم فى \"لسان الميزان\" (٦/ ت ٩٠٣٣) وانظر ما بعده.\n_________\n[¬١]- في ز: \"فقال\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"الذنب\".\n[¬٣]- في ت: \"سهل\".\n[¬٤]- في ز: \"حزم\".\n[¬٥]- في ز، خ: \"وعده\".\n[¬٦]- في ز: \"وقذف\".\n[¬٧]- في ز: \"وشهادة\".\n[¬٨]- في ت: \"حماد\".","vol":"4","page":108},{"text":"أبي حاتم أيضًا (^٥٣٢): حدَّثنا عبد الملك بن أبي عبد الرحمن المقري حدَّثنا [عبد الله بن عاصم، حدَّثنا صالح - يعني المرى أَبو بشر] [¬١] عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر قال: كنا لا نشك فيمن أوجب الله له النار في الكتاب حتَّى نزلت علينا هذه الآية ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ قال: فلما سمعناها كففنا عن الشهادة وأرجينا الأمور إلى الله - عَزَّوَجّلَ -.\nوقال البزار حدَّثنا (^٥٣٣): محمد بن عبد الرحيم، حدَّثنا شيبان بن أبي شيبة، حدَّثنا حرب بن سُريج، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر قال: كنا نمسك عن الاستغفار لأهل الكبائر حتَّى سمعنا نبينا ﷺ يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ وقال: \"أخرت شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي يوم القيامة\" وقال أَبو جعفر الرازي، عن الربيع، أخبرني مُجَبَّر [¬٢]، عن عبد الله بن عمر: أنَّه قال: لما نزلت ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ قام رجل فقال: والشرك بالله [¬٣]، يا نبي الله؟ فكره ذلك رسول الله صلى الله\n_________\n(^٥٣٢) - تفسير ابن أبي حاتم (٣/ ٥٤٢١) ولم يعزه السيوطى فى \"الدر المنثور\" (٢/ ٣٠٢) من هذه الطَّرِيقِ لغير ابن أبي حاتم، وصالح بن بشير المرى أَبو بشر ضعيف كما فى \"التقريب\" لكن تابعه حرب بن سريج عن أيوب به نحوه، وهو الآتى.\n(^٥٣٣) - كما فى \"مختصر زوائد البزار\" لابن حجر ﵀ (٢ / رقم ٢٢١٩) وأخرجه ابن أَبى عاصم فى \"السنة\" (٢/ رقم ٨٣٠)، وأَبو يعلى فى مسنده (١٠/ ٥٨١٣) - ومن طريقه وطريق غيره ابن عدى فى \"الكامل\" (٢/ ٨٢٥) - والطبراني فى \"الأوسط\" (٦/ ٥٩٤٢) كلهم من طريق شيبان به، وقال ابن عدى: \"هذا لا يرويه عن أيوب بهذا الإسناد غير حرب بين سريج\" وقال الطبرانى: \"لم يرو هذا الحديث عن أيوب السختيانى إلَّا حربُ بن سُرَيج، تفرد به شيبان\" وهو صدوق غير أن شيخه حرب بن سُريج مختلف فيه فقال أَبو الوليد الطيالسي وأحمد وابن عدى: \"ليس له بأسًا ووثقه ابن معين، وقال الدارقطني: صالح، لكن قال البخارى: \"فيه نظر\" وقال أَبو حاتم: \"ينكر عن الثقات، ليس بقوى\" وقال ابن حبان: \"يخطئ كثيرًا حتَّى خرج عن حد الاحتجاج إذا انفرد\" وفى \"التقريب\": صدوق يخطئ ومع هذا فقد أطلق توثيقه الهيثمى فى \"المجمع\" (٧/ ٨) فذكر هذا الحديث وقال: \"رواه أَبو يعلى ورجاله رجال الصحيح غير حرب بن سريج وهو ثقة\" ثم ضبطه فى موضع آخر فقال -: (١٠/ ٢١٣، ٢١٤): رواه البزار وإسناده جيد. ولم يجزم به في موضع ثالث (١٠/ ٣٨١) فقال: \"رواه الطبرانى فى \"الأوسط\" وفيه حرب بن سريج وقد وثقه غير واحد وفيه ضعف، وبقية رجاله رجال الصحيح\" غير أن الحديث وقع فى هذا الموضع من مسند ابن عبَّاس وهو خطأ لأن الذى فى \"الأوسط\" هو حديث ابن عمر، وعلى الرغم من الخلاف فى \"حرف بن سريج\" فقد صحح الإسناد السيوطى =\n_________\n[¬١]- في ت: \"عبد الله بن عاصم يعني المرى أَبو بشر حدَّثنا صالح\".\n[¬٢]- في خ: \"مخبر\".\n[¬٣]- سقط من: ز.","vol":"4","page":109},{"text":"تعالى عليه وعلى آله وسلم فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ رواه ابن جرير (^٥٣٤)، وقد رواه ابن مردويه من طرق عن ابن عمر.\nوهذه الآية التي في سورة \"تنزيل\" مشروطة بالتوبة، فمن تاب من أي ذنب وإن تكرر منه تاب الله عليه، ولهذا ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ أي: بشرط التوبة، ولو لم يكن كذلك لدخل الشرك فيه، ولا يصح ذلك؛ لأنه تعالى قد حكم [¬١] هاهنا بأنه لا يغفر الشرك، وحكم بأنه يغفر ما عداه لمن يشاء، أي: وإن لم يتب صاحبه فهذه أرجى من تلك من هذا الوجه والله أعلم.\nوقوله ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ كقوله ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ وثبت في الصحيحين (^٥٣٥) عن ابن مسعود أنَّه قال: قلت: يا رسول الله أي الذنب أعظم؟ قال: \"أن تجعل لله ندًّا وهو خلقك\" وذكر تمام الحديث. وقال ابن مردويه (^٥٣٦): حدَّثنا إسحاق ابن إبراهيم بن زيد، حدَّثنا أحمد بن عمرو، حدَّثنا إبراهيم بن المنذر، حدَّثنا معن، حدَّثنا سعيد ابن بشير، حدَّثنا قتادة، عن الحسن، عن عمران بن حصين: أن رسول الله ﷺ قال:\n_________\n= فى \"الدر المنثور\" (٢/ ٣٠٢) وزاد عزوه إلى ابن الضريس وابن المنذر!!.\n(^٥٣٤) - تفسير ابن جرير (٨/ ٩٨٣٠) حدثنى المثنى قال: حدَّثنا إسحاق قال: حدَّثنا ابن أبي جعفر عن أبيه به، وأخرجه ابن أبي حاتم (٣/ ٥٤٢٢) حدَّثنا أبي ثنا أحمد بن عبد الرحمن، ثنا عبد الله بن أبي جعفر به. ومُجَبَّر لقب واسمه \"عبد الرحمن بن عبد الرحمن الأصغر بن عمر بن الخطاب\" وهو ابن أخى عبد الله بن عمر ترجم له الشيخ أَبو الأشبال فى الحاشية ترجمة وافية ثم خلص إلى أنَّه \"تابعى عرف شخصه، ولم يذكر بجرح، فأقل حالاته أن يكون حديثه حسنًا\" غير أن عبد الله بن أبي جعفر وأباه متكلم فيهما؛ وسم الحافظ الأول بأنه \"صدوق يخطئ\" والثانى \"صدوق سيئ الحفظ\" والخبر لم يعزه السيوطى فى \"الدر المنثور\" (٢/ ٣٠٢) لغير ابن جرير وابن أبي حاتم.\n(^٥٣٥) - تقدم تخريجه في سورة البقرة / آية ٢٢.\n(^٥٣٦) - وأخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره (٣/ ٥٤٢٩) من طريق محمد بن بكار، والطبرانى فى \"المعجم الكبير\" (١٨/ ٢٩٣) من طريق أبي الجماهر محمد بن عثمان التنوخى، والحارث بن أبي أسامة فى مسنده كما فى \"زوائد الهيثمى\" (رقم ٢٤) والبيهقى فى \"السنن الكبرى\" (٨/ ٢٠٩) من طريق عمر ابن سعيد الدمشقى، ثلاثتهم (ابن بكار وأَبو الجماهر والدمشقى) ثنا سعيد بن بشير به، وسعيد بن بشير ضعيف، وتابعه من هو مثله؛ فأخرجه البخارى فى \"الأدب المفرد\" (رقم ٣٠) والرويانى فى مسنده (١/ رقم ٨٦) من طريق الحسن بن بشر، نا الحكم بن عبد الملك عن قَتَادة به، والحديث مُعَلٌّ قبل ذلك بعنعنة الحسن وقتادة، قال الهيثمى فى \"المجمع\" (١/ ١٠٨): \"رواه الطبرانى فى \"الكبير\" =\n_________\n[¬١]- في ز: \"حتم\".","vol":"4","page":110},{"text":"\"أخبركم بأكبر الكبائر: الشرك بالله، ثم قرأ ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾، وعقوق الوالدين، ثم قرأ ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ \".\n﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٤٩) انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا (٥٠) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا (٥١) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا (٥٢)﴾\nقال الحسن وقتادة: نزلت هذه الآية، وهي قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ في اليهود والنصارى، حين قالوا: نحن أبناء الله وأحباؤه.\n[وقال ابن زيد: نزلت في قولهم: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [¬١] وفي قولهم: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾.\nوقال مجاهد: كانوا يقدمون الصبيان أمامهم في الدعاء والصلاة يؤمونهم، ويزعمون أنهم لا ذنب لهم.\nوكذا قال عكرمة وأبو مالك، وروى ذلك ابن جرير (^٥٣٧).\nوقال العوفي عن ابن عباس في قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ﴾: وذلك أن اليهود قالوا: إن أبناءنا توفوا وهم لنا قربة، وسيشفعون [¬٢] لنا [¬٣]، ويزكوننا، فأنزل الله على محمد: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ\n_________\n= ورجاله ثقات إلا أن الحسن مدلس وعنعنه\" وأعله البيهقى بعلة أخرى فقال: \"تفرد به عمر بن سعيد الدمشقى -وهو متابع كما تقدم- وهو منكر الحديث، إنما يعرف من حديث النعمان بن مرة مرسلًا\" ثم أخرجه من طريق الشافعى -[وهو فى مسنده (١/ ٢٩٣)،- عن مالك [وهو فى الموطأ (١/ ١٥٣)] عن يحيى بن سعيد عن النعمان بن مرة بالزيادة الأولى المشار إليها هنا.\n(^٥٣٧) - انظر تفسير ابن جرير (٨/ ص ٤٥٢، ٤٥٣).\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- في ت: \"ويشفعون\".\n[¬٣]- سقط من: ز.","vol":"4","page":111},{"text":"فَتِيلًا﴾. و[¬١] رواه ابن جرير (^٥٣٨).\nوقال ابن أبي حاتم (^٥٣٩): حدثنا أبي، حدثنا محمد بن مصفي، حدثنا ابن حمير، عن ابن لهيعة، عن بشير [¬٢] بن أبي عمرو [¬٣]، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: كان [¬٤] اليهود يقدمون صبيانهم يصلون بهم، ويقربون قربانهم، ويزعمون أنهم لا خطايا لهم ولا ذنوب، وكذبوا، قال الله: إني لا أطهر ذا ذنب بآخر لا ذنب له، وأنزل الله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ﴾.\nثم قال: وروي عن مجاهد وأبي مالك والسدي وعكرمة والضحاك نحو ذلك.\nوقال الضحاك: قالوا: ليس لنا ذنوب، كما ليس لأبنائنا ذنوب. فأنزل الله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ فيهم] [¬٥].\nوقيل: نزلت في ذم التمادح [¬٦] والتزكية [¬٧].\n[وقد جاء في الحديث الصحيح] [¬٨] عند [¬٩] مسلم (^٥٤٠)، عن المقداد بن الأسود قال: أمرنا رسول الله ﷺ ان نحثوَ في وجوه المداحين [¬١٠] التراب.\nوفي [الحديث الآخر المخرج في] [¬١١] الصحيحين (^٥٤١)، من طريق خالد الحذاء، عن\n_________\n(^٥٣٨) - أخرجه ابن جرير فى تفسيره (٨/ ٩٧٤٣) بإسناد مسلسل بالضعفاء أولهم العوفى.\n(^٥٣٩) - تفسير ابن أبي حاتم (٣/ ٥٤٣٠) ورجاله ثقات حاشا ابن لهيعة؛ فإنه سيئ الحفظ. وقد تصحف فى تفسير ابن أبى حاتم ونسخة \"ز\" فى تفسير ابن كثير \"بشير بن أبى عمرو\" إلى \"بشير بن أبى عمرة\" وانظر \"التهذيب\" (٦/ ٢٣٥/ الرسالة).\n(^٥٤٠) - صحيح مسلم، كتاب الزهد والرقائق، باب: النهى عن المدح إذا كان فيه إفراط (٦٨، ٦٩) (٣٠٠٢) وكذا أخرجه أحمد (٦/ ٥)، وأبو داود (٤٨٠٤)، والترمذى (٢٣٩٣)، وابن ماجة (٣٧٤٢).\n(^٥٤١) - صحيح البخارى، كتاب الشهادات، باب: إذا زكى رجلًا رجلًا كفاه (٢٦٦٢)، ومسلم =\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- في ت: \"بشر\".\n[¬٣]- في ز: \"عمرة\".\n[¬٤]- في ز: \"كانت\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين في ز: \"ذلك فيهم\".\n[¬٦]- في ز، خ: \"المتمادح\".\n[¬٧]- في خ: \"والزكية\".\n[¬٨]- ما بين المعكوفتين في ت: \"وفي صحيح\".\n[¬٩]- زيادة من: خ.\n[¬١٠]- في ز، خ: \"المادحين\".\n[¬١١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ت.","vol":"4","page":112},{"text":"عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه: أن رسول الله ﷺ سمع رجلًا يثني على رجل، فقال: \"ويحك! قطعت عنق صاحبك\". ثم قال: \" إن كان أحدكم مادحًا صاحبه لا محالة، فليقل: أحسبه كذا [¬١]، ولا يزكي على الله أحدًا\".\nو[¬٢] قال الإِمام أحمد (^٥٤٢): حدثنا معتمر، عن أبيه، عن نعيم بن أبي هند قال: قال عمر ابن الخطاب: من قال: أنا مؤمن فهو كافر، ومن قال هو عالم فهو جاهل، ومن قال: هو في الجنة فهو في النار.\nورواه ابن مردويه من طريق موسى بن عبيدة، عن صلحة بن عبيد الله بن كريز [¬٣]، عن عمر أنه قال: إن أخوف ما أخاف عليكم إعجاب المرء برأيه، فمن قال: إنه مؤمن فهو [¬٤] كافر [¬٥]، [ومن قال] [¬٦]: [إنه عالم] [¬٧] [فهو جاهل] [¬٨]: من قال هو [¬٩] في الجنة فهو في النار.\nوقال الإمام أحمد (^٥٤٣): حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة وحجاج، أنبأنا شعبة، عن\n_________\n= كتاب الزهد والرقائق، باب: النهى عن المدح إذا كان فيه إفراط (٦٥، ٦٦) (٣٠٠٠) وكذا أخرجه أحمد (٥/ ٤١، ٤٥، ٤٧)، وأبو داود (٤٨٠٥)، وابن ماجة (٣٧٤٤) من طرق عن خالد الحذاء به.\n(^٥٤٢) - لم أجده فى المسند، وقد أورده المصنف فى \"مسند الفاروق\" (٢/ ٥٧٤) من طريق حنبل بن إسحاق ثنا أحمد بن حنبل له، ورواه اللالكائى فى \"شرح أصول الاعتقاد\" (٥/ رقم ١٧٧٧) من طريق عثمان بن أحمد قال: نا حنبل به، ورجاله ثقات، غير أنه منقطع بين نعيم وعمر، ورواه ابن مردويه [أورده كذلك المصنف فى \"مسند الفاروق\" (٢/ ٥٧٣، ٥٧٤) ثنا محمد بن عبد الله بن إبراهيم، ثنا معاذ بن المثنى، ثنا مسدد، ثنا عبد الله بن داود عن موسى بن عبيدة عن طلحة بن عبيد الله بن كَريز عن عمر، باللفظ المذكور أعلاه، وموسى بن عبيدة هو الربذى ضعيف، وطلحة بن عبيد الله لم يذكروا له سماعًا من عمر غير أن المصنف عضد أحد الطريقين بالآخر.\n(^٥٤٣) - \" المسند\" (٤/ ٩٣) وأخرجه الطبرانى فى \"المعجم الكبير\" (١٩/ رقم ٨١٥) من طريق حجاج بن منهال به، وأخرجه أحمد أيضًا (٤/ ٩٢) ثنا عفان، ثنا شعبة به، وأخرجه أيضًا (٤/ ٩٨)، والبيهقى فى \"الشعب\" (٤/ ٤٨٧٠) من طريق يزيد بن هارون، وأحمد (٤/ ٩٩) من طريق يعقوب بن إبراهيم، والطبرانى (١٩/ رقم ٨١٦، ٨١٧) من طريق إبراهيم بن حمزة ومنصور بن أبى مزاحم، أربعتهم (يزيد ويعقوب وإبراهيم ومنصور) نا إبراهيم بن سعد عن أبيه سعد بن إبراهيم به مفرقا. وأخرجه ابن =\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- في ز: \"كزير\".\n[¬٤]- سقط من: خ.\n[¬٥]- في ز: \"جاهل\"، وسقط من: خ.\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٨]- مما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٩]- في ز، خ: \"إنه\".","vol":"4","page":113},{"text":"سعد بن إبراهيم، عن معبد الجهني قال: كان معاوية قلما يحدث عن النبي ﵌، قال: وكان قلما يكاد أن يدع يوم الجمعة هؤلاء الكلمات أن يحدث بهن عن النبي ﷺ يقول: \"من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين، وإن هذا المال حلو خضر، فمن يأخذه بحقه يبارك له فيه، وإياكم والتمادح فإنه الذبح\".\nوروى ابن ماجة منه: \"إياكم والتمادح فإنه الذبح\" عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن غندر، عن شعبة به، ومعبد هذا هو ابن عبد الله بن عُليم [¬١] البصري القدري.\nوقال ابن جرير (^٥٤٤): حدثنا ابن [¬٢] يحيى بن إبراهيم المسعودي، حدثني أبي، عن أبيه، عن جده، عن الأعمش، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب، قال: قال عبد الله بن مسعود: إن الرجل ليغدو بدينه ثم يرجع وما معه منه شيء، يلقى الرجل ليس يملك له نفعًا ولا ضرًّا فيقول له [¬٣]: إنك [كنت والله] [¬٤] [كيت وكيت] [¬٥]، فلعله أن يرجع ولم يحظ [¬٦] من حاجته بشيء وقد أسخط الله. ثم قرأ ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ الآية.\nوسيأتي الكلام على ذلك مطولًا عند قوله تعالى: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾. ولهذا قال تعالى: ﴿بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ﴾ أي: المرجع في ذلك إنى الله ﷿؛ لأنه عالم بحقائق الأمور وغوامضها.\n_________\n= أبى شيبة فى \"المصنف\" (٦/ ٢٠٦) وعنه ابن ماجة، كتاب الأدب، باب: المدح (٣٧٤٣) ثنا غندر محمد بن جعفر عن شعبة به مقتصرًا على قوله: \"إياكم والتمادح … \" وقال البوصيرى فى \"الزوائد\" (٣/ ١٨١): \"إسناده حسن، معبد مختلف فيه، وباقى رجال الإسناد ثقات\" وأقره الألبانى فأودعه فى \"الصحيحة\" (٣/ رقم ١٢٨٤).\n(^٥٤٤) - تفسير ابن جرير (٨/ ٩٧٤٤) ويحيى بن إبراهيم هو ابن محمد بن أبى عُبيدة بن معن بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود المسعودى، قال النسائى: \"صدوق\" وذكره ابن حبان فى \"الثقات\" مترجم فى \"التهذيب\" غير أن أباه وجدَّه لم أجد لهما ترجمة، وجدُّ هو أبو عبيدة عبد الملك بن معن، ثقة كما فى \"التقريب\". والخبر لم يعزه السيوطى فى \"الدر المنثور\" (٢/ ٣٠٥) لغير ابن جرير.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"عوين\". وفي ت: \"عويم\". خطأ.\n[¬٢]- سقط من: ت.\n[¬٣]- في ز: \"والله\"، وسقط من: ح.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط س: ر.\n[¬٥]- في ز، خ: \"لديت وديت\".\n[¬٦]- في ز، خ: \"يحل\".","vol":"4","page":114},{"text":"ثم قال تعالى: ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ أي: ولا يترك لأحد من الأجر ما يوازن مقدار الفتيل.\nقال ابن عباس ومجاهد وعكرمة وعطاء والحسن وقتادة وغير واحد من السلف: هو ما يكون في شق النواة.\nوعن ابن عباس أيضًا: هو ما فتلت بين أصابعك. وكلا القولين متقارب.\nوقوله: ﴿انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ أي: في تزكيتهم أنفسهم، ودعواهم أنهم أبناء الله وأحباؤه، وقولهم: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ وقولهم: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ واتكالهم على أعمال آبائهم الصالحة، وقد حكم الله أن أعمال [¬١] الآباء لا تجزي [¬٢] عن الأبناء شيئًا، في قوله: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.\nثم قال: ﴿وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا﴾ أي: وكفى بصنيعهم [¬٣] هذا كذبًا وافتراء ظاهرًا.\nوقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ أما \"الجبت\"، فقال [محمد بن إسحاق] (^٥٤٥)، عن حسان بن فائد، عن عمر بن الخطاب، أنه قال: \"الجبت\" السحر، و\"الطاغوت\" الشيطان.\nوهكذا روي عن ابن عباس وأبي العالية ومجاهد: عطاء وعكرمة وسعيد بن جبير والشعبي والحسن والضحاك والسدي.\n_________\n(^٥٤٥) - كذا وقع هنا \"محمد بن إسحاق\" وهو وهم أو خطأ من الناسخ، فالحبر معروف من رواية أبى إسحاق وقد ذكره المصنف بالصواب فيما تقدم سورة البقرة/ آية ٢٥٦. وأخرجه أيضًا ابن جرير (٥/ ٥٨٣٤. ٥٨٣٥)، (٨/ ٩٧٦٦، ٩٧٦٧)، وابن أبى حاتم (٣/ ٥٤٤٣، ٥٤٤٩) وابن حجر فى \"تغليق التعليق\" (٤/ ١٩٦) من طرق عن أبى إسحاق به. وعلقه البخارى فى صحيحه، كتاب التفسير، سورة النساء، باب: رقم (١٠) عن عمر قال … فذكره. قال الحافظ فى \"الفتح\" (٨/ ٢٥٢): \"وصله عبد بن حميد فى تفسيره، ومسدد فى مسنده، وعبد الرحمن بن رُسْتَه فى \"كتاب الإيمان\" كلهم من طريق أبى إسحاق عن حسان بن قائد عن عمر مثله، وإسناده قوى، وقد وقع التصريح بسماع أبى إسحاق له من حسان، وسماع حسان من عمر فى رواية رسته، وحسان بن فائد بالفاء عبسى بالموحدة، قال أبو حاتم: شيخ وذكره ابن حبان فى \"الثقات\".\n_________\n[¬١]- في ز: \"عمل\".\n[¬٢]- في ز: \"يجزى\".\n[¬٣]- في ز: \"بصنعهم\".","vol":"4","page":115},{"text":"وعن ابن عباس وأبي العالية ومجاهد وعطاء وعكرمة وسعيد بن جبير، والشعبي، والحسن، وعطية: \"الجبت\" الشيطان. و[¬١] زاد ابن عباس: بالحبشية. وعن ابن عباس أيضًا: الجبت: الشرك. وعنه: \"الجبت\" الأصنام. وعن الشعبي: \"الجبت\" الكاهن. وعن ابن عباس: \"الجبت\" حيي بن أخطب. وعن مجاهد: \"الجبت\" كعب بن الأشرف.\nوقال العلامة أبو نصر بن [¬٢] إسماعيل بن حماد الجوهري في كتابه \"الصحاح\": \"الجبت\" كلمة تقع على الصنم والكاهن [¬٣] والساحر ونحو ذلك. وفي الحديث: \"الطيرة والعيافة والطرق من الجبت\". قال: وليس هذا من محض العربية؛ لاجتماع الجيم والتاء في [كلمة واحدة من غير حرف] [¬٤] ذَوْلَقِيّ [¬٥]. وهذا الحديث الذي ذكره رواه الإمام أحمد في مسنده فقال (^٥٤٦): حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا عوف، عن [¬٦] حيان أبي العلاء، حدثنا قطن بن قبيصة، عن أبيه- وهو قبيصة بن مخارق- أنه سمع النبي ﷺ قال: \"إن العيافة والطرق والطيرة من الجبت\".\nو[¬٧] قال عوف: \"العيافة\" زجر الطير. \"والطرق\" الخط يخط في الأرض، \"والجبت\" - قال الحسن- إنه [¬٨] الشيطان.\nوهكذا رواه أبو داود في سننه والنسائي، وابن أبي حاتم في تفسيرهما [¬٩] من حديث عوف الأعرابي به.\nوقد تقدم الكلام على \"الطاغوت\" في سورة البقرة بما [¬١٠] أغنى عن إعادته هاهنا.\n_________\n(^٥٤٦) -\" المسند\" (٥/ ٦٠) وأخرجه أيضًا (٣/ ٤٧٧)، أبو داود (٣٩٠٧، ٣٩٠٨)، والنسائى فى \"التفسير\" من \"الكبرى\" (٦/ ١١١٠٨)، وابن أبى حاتم فى تفسيره (٣/ ٥٤٤٣) وغيرهم من طرق عن عوف الأعرابى به، وصححه ابن حبان (١٣/ ٦١٣١) وحسن إسناده النووى [كما فى \"فيض القدر\" للمناوى (٤/ ٣٩٦)، ورمز لصحته السيوطى فى \"الجامع الصغير\" مع أن الرواة اختلفوا فى إسناده عن عوف وهو ابن أبى جميلة الأعرابى، فقال بعضهم: حيان، لم ينسبه، وقال بعضهم: حيان أبى العلاء، وقال آخرون: حيان بن عمير، وقال آخر: حبان بن مخارق. وضعفه الألبانى لهذا الاضطراب فقال فى \"غاية المرام\" (ص ١٨٤): \"وهذا اضطراب شديد يدل على أن الراوى لم يحفظ ولم يضبط، فكان دليلًا على ضعف الحديث، على أن بعض هذه الوجوه من الاضطراب يمكن=\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- في ز، خ: \"والكافر\".\n[¬٤]- في ز، خ: \"حرف واحد\".\n[¬٥]- في ز، خ: \"لولقى\".\n[¬٦]- في ز: \"بن\".\n[¬٧]- سقط من: ز.\n[¬٨]- في ز: \"رنة\".\n[¬٩]- فى ر: \"تفسيريهما\".\n[¬١٠]- في ر: \"له\".","vol":"4","page":116},{"text":"وقال ابن أبي حاتم (^٥٤٧): حدثنا أبي، حدثنا إسحاق بن الضيف، حدثنا حجاج، عن ابن جريج، أخبرني أبو الزبير: أنه سمع جابر بن عبد الله، أنه سئل عن الطواغيت فقال [¬١]: هم كهان تنزل عليهم الشياطين.\nوقال مجاهد: الطاغوت: الشيطان في سورة إنسان [¬٢]، يتحاكمون إليه، وهو صاحب أمرهم.\nوقال الإمام مالك: [] [¬٣] هو كل ما يعبد من دون الله ﷿.\nوقوله: ﴿وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ أي: يفضلون الكفار على المسلمين بجهلهم، وقلة دينهم، وكفرهم بكتاب الله الذي بأيديهم.\nوقد روى ابن أبي حاتم (^٥٤٨)، حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد المقرى، حدثنا سفيان، عن عمرو، عن عكرمة قال [¬٤]: جاء حيي بن أخطب، وكعب بن الأشرف إلى أهل مكة، فقالوا لهم: أنتم أهل الكتاب وأهل العلم فأخبرونا عنا وعن محمد. فقالوا: ما أنتم وما محمد. فقالوا: نحن نصل الأرحام، وننحر الكوماء، ونسقي الماء على اللبن، ونفك العناة، ونسقي الحجيج، ومحمد صنبور قطع أرحامنا واتبعه سراق الحجيج بنو غفار، فنحن خير أم\n_________\n= إرجاعه إلى وجه واحد، فحيان أبو العلاء هو حيان فى عمير أبو العلاء البصرى القيسى، وهو ثقة كما قال النسائى وابن حبان، لكن قال إسحاق منصور عن أحمد: يحيى: ليس هو ابن عمير [يعنى راوى هذا الحديث] والآخرون لا يعرفون، والله أعلم\".\n(^٥٤٧) - تفسير ابن أبى حاتم (٣/ ٥٤٥٢) ورجاله ثقات رجال مسلم، غير أن شيخ أبى حاتم وسمه الحافظ فى \"التقريب\" بأنه \"صدوق يخطئ\" ولم يرو له سوى أبى داود.\n(^٥٤٨) - تفسير ابن أبى حاتم (٣/ ٥٤٤١) ورواه الواحدى فى \"أسباب النزول\" (رقم ٣٢٠) من طريق عبد الجبار بن العلاء ثنا سفيان به، ورجاله ثقات رجال الشيخين غير أنه مرسل، وقد ورد موصولًا من هذه الطريق؛ فأخرجه الطبرانى فى \"المعجم الكبير\" (١١/ ١١٦٤٥) ثنا المنتصر بن محمد بن المنتصر البغدادى ثنا يونس بن سليمان الحمال ثنا سفيان فى عيينة بن عمرو بن دينار عن عكرمة عن ابن عباس بنحوه، هكذا وقع بهذا الإسناد فى \"المعجم\" وفيه تصحيف قديم فى شيخ شيخ الطبرانى؛ ولذلك لم يعرفه الهيثمى فقال فى \"المجمع\" (٩/ ٧): \"رواه الطبرانى فيه يونس بن سليمان الجمال ولم أعرفه، وبقية رجاله رجال الصحيح\" وصوابه: \"محمد بن يونس الجمال\" فقد أخرجه البيهقى فى \"الدلائل\" (٣/ ١٩٣) من طريق أحمد بن علي الخزار أخبرنا محمد بن يونس بالإسناد السابق، ومحمد بن يونس هذا قال ابن عدى فى \"الكامل\" (٦/ ٢٢٨٢): \"هو ممن يسرق حديث الناس\" وفى =\n_________\n[¬١]- في ز: \"قال\".\n[¬٢]- في ز: \"الإنسان\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في ز: \"الطاغوت\".\n[¬٤]- سقط من: ز.","vol":"4","page":117},{"text":"هو؟ فقالوا: أنتم خير وأهدى سبيلًا. فأنزل الله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾.\nوقد روي هذا من غير وجه عن ابن عباس وجماعة من السلف.\nوقال الإِمام أحمد (^٥٤٩): حدثنا محمد بن أبي عدي، عن داود، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: لما قدم كعب بن الأشرف مكة، قالت قريش: ألا ترى هذا الصنبور [¬١] المنبتر من قومه، يزعم أنه خير منا، ونحن أهل الحجيج وأهل السدانة وأهل السقاية. قال: أنتم يخر. قال: فنزلت فيهم: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ ونزل: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾ إلى ﴿نَصِيرًا﴾.\nو[¬٢] قال ابن إسحاق (^٥٥٠): حدثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة، أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: كان الذين حزبوا الأحزاب من قريش وغطفان وبني قريظة حيي بن أخطب وسلام بن أبي الحقيق وأبو رافع والربيع [بن الربيع] [¬٣] بن أبي الحقيق، وأبو عمار [¬٤] ووحوح بن عمار [¬٥] وهوذة [¬٦] بن قيس. فأما وحوح، وأبو عمار [¬٧] وهوذة [¬٨] فمن بني وائل، وكان سائرهم من بني النضير، فلما قدموا على قريش قالوا [¬٩]: هؤلاء أحبار يهود وأهل العلم بالكتب الأول، فسلوهم أدينكم خير أم دين محمد؟ فسألوهم، فقالوا: بل دينكم خير من دينه،\n_________\n= \"التقريب\" ضعيف ولم يثبت أن مسلمًا روى عنه\" لكن صح الحديث من طريق آخر عن ابن عباس، وهو الآتى.\n(^٥٤٩) - لم أجده فى \"المسند\" وقد عزاه له أيضًا السيوطى فى \"الدر المنثور\" (٢/ ٣٠٦)، لكن لم يذكره الحافظ ابن حجر فى كتابه \"أطراف المسند\" وكذا الهيثمى فى \"المجمع\" وقد أخرجه ابن جرير (٨/ ٩٧٨٦) و(٣٠/ ٣٣٠) وابن أبى حاتم (٣/ ٥٤٤٠) والبزار كما سيذكره المصنف عند تفسير سورة الكوثر/ آية رقم ٣، وصحح إسناده، وكذا صححه أبو حاتم بن حبان (١٤/ ٦٥٧٢) كلهم من طريق محمد بن أبى عدى له.\n(^٥٥٠) - ومن طريقه رواه ابن هشام فى \"السيرة\" (٣/ ١٠٢٤)، وابن جرير فى تفسيره (٨/ ٩٧٩٢)، ومحمد بن أبى محمد وهو الأنصارى \"مولى زيد بن ثابت، مدنى، مجهول، تفرد عنه ابن إسحاق\" كذا فى \"التقريب\".\n_________\n[¬١]- في ز: \"الصنبر\".\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٤]- في ز: \"عامر\".\n[¬٥]- في ز: \"عامر\".\n[¬٦]- في ز: \"وهودة\".\n[¬٧]- في ز: \"عامر\".\n[¬٨]- في ز: \"وهودة\".\n[¬٩]- في ز: \"فقالوا\".","vol":"4","page":118},{"text":"وأنتم أهدى منه وممن اتبعه. فأنزل الله ﷿: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا (٥١) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾ إلى قوله ﷿: ﴿وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا﴾.\nوهذا لعن [¬١] لهم، وإخبار [¬٢] بأنهم لا ناصر لهم في الدنيا ولا في الآخرة؛ لأنهم إنما ذهبوا يستنصرون بالمشركين، وإنما قالوا لهم ذلك ليستميلوهم إلى نصرتهم، وقد أجابوهم وجاءوا معهم يوم الأحزاب، حتى حفر النبي صلى الله عليه: سلم وأصحابه حول المدينة الخندق، فكفى الله شرهم ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾.\n﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا (٥٣) أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا (٥٤) فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا (٥٥)﴾\nيقول تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ﴾ وهذا استفهام إنكار، أي: ليس لهم نصيب من الملك، ثم وصفهم بالبخل، فقال: ﴿فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا﴾ أي؛ لأنهم لو كان لهم نصيب في الملك والتصرف لا أعطوا أحدًا من الناس، ولا سيما محمدًا ﷺ شيئًا ولا ما يملأ النقير، وهو النقطة التي في النواة، في قول ابن عباس والأكثرين.\nوهذه الآية كقوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي [¬٣] إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ﴾ أي: خوف [¬٤] أن يذهب ما بأيديكم، مع أنه لا يتصور نفاذه، وإنما هو من بخلكم وشحكم. ولهذا قال تعالى: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا﴾ أي: بخيلًا.\nثم قال: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ يعني: بذلك حسدهم النبي ﷺ على ما رزقه الله من النبوة العظيمة، ومنعهم من تصديقهم إياه حسدهم له؛ لكونه من العرب وليس من بني إسرائيل.\n_________\n[¬١]- في ز: \"لعنًا\".\n[¬٢]- في ز: \"وإخبارًا\".\n[¬٣]- في ز: \"ربك\".\n[¬٤]- في ز: \"خوفا\".","vol":"4","page":119},{"text":"و[¬١] قال الطبراني (^٥٥١): حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمى، حدثنا يحيى الحماني، حدثنا قيس بن الربيع، عن السدي، عن عطاء، عن ابن عباس فى [¬٢] قوله: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾. قال ابن عباس: نحن الناس دون الناس، قال الله تعالى: ﴿فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا﴾ أي: فقد جعلنا في أسباط بني إسرائيل الذين هم من ذرية إبراهيم النبوة، وأنزلنا عليهم الكتاب، وحكموا فيهم بالسنن، وهى الحكمة، وجعلنا منهم [¬٣] الملوك، ومع هذا ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ﴾ أي: بهذا الإِيتاء وهذا [¬٤] الإنعام، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ﴾ أي: كفر به، وأعرض عنه، وسعى في صد الناس عنه، وهو منهم ومن جنسهم أي [¬٥]: من بني إسرائيل، فقد اختلفوا عليهم، فكيف بك يا محمد، ولست من بني إسرائيل؟\nوقال مجاهد: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ﴾ أي: بمحمد ﷺ، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ﴾، فالكفرة منهم أشد تكذيبًا لك، وأبعد عما جئتهم به من الهدى، والحق المبين.\nولهذا قال متوعدًا لهم: ﴿وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا﴾ أي: وكفى بالنار عقوبة لهم على كفرهم وعنادهم ومخالفتهم كتب الله ورسله.\n﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا (٥٦) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا (٥٧)﴾\nيخبر تعالى عما يعاقب به في نار جهنم من كفر بآياته، وصد عن رسله، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ\n_________\n(^٥٥١) - \" المعجم الكبير\" للطبرانى (١١/ ١١٣١٣) وذكره الهيثمى فى \"المجمع\" (٧/ ٩) وقال: \"رواه الطبرانى، وفيه يحيى الحمانى وهو ضعيف\" وقيس بن الربيع \"صدوق تغير لما كبر\" وزاد عزوه السيوطى فى \"الدر المنثور\" (٢/ ٣٠٩) إلى ابن المنذر.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في ز، خ: \"فيهم\".\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- سقط من: ز، خ.","vol":"4","page":120},{"text":"كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا﴾، أي: ندخلهم فيها دخولًا يحيط بجميع أجرامهم وأجزائهم. ثم أخبر عن دوام عقوبتهم ونكالهم فقال: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [قال الأعمش، عن ثوير، عن ابن عمر] [¬١]: إذا احترقت [¬٢] جلودهم بدلوا جلودًا غيرها [¬٣] بيضاء أمثال القراطيس. رواه ابن أبي حاتم (^٥٥٢).\nوقال يحيى بن يزيد الحضرمي، أنه بلغه في قول الله: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ الآية: قال يجعل للكافر مائة جلد بين كل جلدين لون من العذاب. رواه ابن أبي حاتم (^٥٥٣).\nوقال ابن أبي حاتم (^٥٥٤): حدثنا أبي، حدثنا على بن محمد الطنافسي، حدثنا حسين الجعفي، عن زائدة، عن هشام، عن الحسن، قوله: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ قال: تنضجهم [¬٤] في اليوم سبعين ألف مرة. قال حسين: وزاد فيه فضيل، عن هشام، عن الحسن: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ﴾ [¬٥] قيل لهم: عودوا، فعادوا.\nوقال أيضًا (^٥٥٥): ذكر عن هشام بن عمار، حدثنا سعيد بن يحيى (يعني سعدان)، حدثنا\nyyy\n_________\n(^٥٥٢) -  تفسير ابن أبى حاتم (٣/ ٥٤٩٢، ٥٤٩٤) ثنا على بن الحسين ثنا عثمان بن أبى شيبة ثنا جرير عن الأعمش به، ورواه ابن جرير فى تفسيره (٨/ ٩٨٣٣) ثنا ابن حميد، ثنا جرير به، ولم يعزه السيوطى فى \"الدر المنثور\" (٢/ ٣١٠) لغيرهما. وثوير هو ابن فاختة \"ضعيف رُمى بالرَّفض\".\n(^٥٥٣) - تفسير ابن أبى حاتم (٣/ ٥٤٩٧) ولم يعزه السيوطى فى \"الدر المنثور\" (١/ ٣١٢) لغيره.\n(^٥٥٤) - تفسير ابن أبى حاتم (٣/ ٥٤٩٦) ورواه ابن أبي شيبة فى \"المصنف\" (٨/ ٩٧) ثنا يزيد بن هارون، وابن جرير (٨/ ٩٨٣٧) من طريق أبى عبيدة الحداد، وابن أبى الدنيا فى \"صفة النار\" (رقم ١١٦، ١١٧، ٢٤٥، ٢٦٢) من طريق فضيل بن عياض وإسحاق بن يوسف، ورواه عبد الله بن اْحمد فى \"زوائد الزهد\" (ص ٣٢٩) من طريق فضيل بن عياض، أربعتهم (يزيد وأبو عبيدة وفضيل وإسحاق) عن هشام به، وزاد فضيل الزيادة المشار إليها أعلاه، ورواه نعيم بن حماد فى \"زوائد زهد ابن المبارك\" (رقم ٣٢٩) أنا رجل عن الحسن به، وزاد عزوه السيوطى فى \"الدر المنثور\" (٢/ ٣١١) إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٥٥٥) - تفسير ابن أبى حاتم (٣/ ٥٤٩٣) وأخرجه ابن عدى فى \"الكامل\" (٤/ ٢٥١٧) ثنا ابن حريم، والطبراني فى \"الأوسط\" (٥/ ٤٥١٧) وابن مردويه -كما قال المصنف- من طريق عبدان بن محمد المروزى، كلاهما (ابن حريم والمروزى) عن هشام بن عمار به، وقال الطبرانى: \"لا يُروى هذا =\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في ز، خ: \"أحرقت\".\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- في ز: \"ينضجهم\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين في ز: \"كلما أنضجتهم فأكلت لحومهم\"، خ: \"كلما نضجت لهم فأكلت لحومهم\".","vol":"4","page":121},{"text":"نافع مولى يوسف السلمي البصري، عن نافع، عن ابن عمر قال: قرأ رجل عند عمر هذه الآية ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ فقال عمر: أعدها على. فأعادها، فقال معاذ بن جبل: عندي تفسيرها: تبدل في ساعة مائة مرة. فقال عمر: هكذا سمعت رسول الله ﷺ.\nوقد رواه ابن مردويه، عن محمد بن أحمد بن إبراهيم، عن عبدان بن محمد المروزي، عن هشام بن عمار - به.\nورواه من وجه آخر بلفظ آخر فقال (^٥٥٦): حدثنا محمد بن إسحاق، عن عمران، حدثنا إبراهيم بن محمد بن الحارث، حدثنا شيبان بن فروخ، حدثنا نافع أبو هرمز، حدثنا نافع، عن ابن عمر قال: تلا رجل عند عمر هذه الآية: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾. الآية: قال: فقال عمر: أعدها [¬١] على. وثَمَّ كعب، فقال: يا أمير المؤمنين أنا عندي تفسير هذه الآية، قرأتها قبل الإسلام. قال: فقال: هاتها يا كعب، فإن جئت بها كما سمعت من رسول الله ﷺ صدقناك وإلا لم ننظر إليها. فقال: إنى قرأتها قبل الإِسلام: كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودًا غيرها في الساعة الواحدة عشرين ومائة مرة. ففال عمر: هكذا سمعت من رسول الله ﷺ.\nوقال الربيع بن أنس: مكتوب في الكتاب الأوّل: أن جلد أحدهم أربعون ذراعًا وسنه تسعون ذراعًا، وبطه لو وضع فيه جبل لوسعه، فإذا أكلت النار جلودهم بدلوا جلودًا غيرها.\n_________\n= الحديث عن عمر إلا بهذا الإسناد، تفرَّد به هشام بن عمار\" وهو صدوق فى حديثه القديم، غير أن نافعًا مولى يوسف السلمى هذا ضعفه أحمد وجماعة، وكذبه ابن معين فى رواية، وقال أبو حاتم: متروك. وقال النسائى: ليس بثقة. مترجم فى \"لسان الميزان\" واستنكر له ابن عدى هذا الحديث مع عدة أحاديث أخر وقال: \"ولنافع أبو هرمز غير ما ذكرت، وعامة ما رويه غير محفوظ والضعف على روايته بيِّنٌ\" وبه أعله الهيثمى فقال فى \"المجمع\" (٧/ ٩): \"رواه الطبرانى فى \"الأوسط\" وفيه نافع مولى يوسف السلمى وهو متروك\" وذكره المصنف فى \"مسند الفاروق\" (٢/ ٥٧٤) من طريق ابن أبى حاتم وفال: \"حديث غريب من هذا الوجه\" وعزاه السيوطى فى \"الدر المنثور\" (٢/ ٣١٠) إلى \"الطبرانى فى \"الأوسط\" وابن أبى حاتم وابن مردويه بسند ضعيف. وانظر ما بعده.\n(^٥٥٦) - وعزاه لابن مردويه السيوطى فى \"الدر المنثور\" (٢/ ٣١١) ورواه أبو نعيم فى \"الحلية\" (٥/ ٣٧٤، ٣٧٥) ثنا عبد الله بن محمد بن جعفر ثنا ابرإهيم بن محمد بن الحارث به، وفيه نفس علة السابق؛ وهى ضعف \"نافع أبي هرمز\" ولاحظ اضطرابه فى اسم مفسرها فى مجلس عمر.\n_________\n[¬١]- في ز: \"أعده\".","vol":"4","page":122},{"text":"وقد ورد في الحديث ما هو أبلغ من هذا، فقال الإِمام أحمد (^٥٥٧)، حدثنا وكيع، حدثنا أبو يحيى الطويل، عن أبي يحيى القتات، عن مجاهد، عن ابن عمر، عن النبى ﷺ قال: \"يعظم أهل النار في النار حتى إن بين شحمة أذن أحدهم إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام، وإن غلظ جلده سبعون ذراعًا، وإن ضرسه مثل أحد\".\nتفرد به أحمد من هذا الوجه.\nوقيل: المراد بقوله: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ﴾ أي: سرابيلهم. حكاه ابن جرير، وهو ضعيف؛ لأنه خلاف الظاهر.\nوقوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ هذا إخبار عن مآل السعداء في جنات عدن التى [تجري فيها] [¬١] الأنهار في جميع فجاجها، ومحالها [¬٢] وأرجائها حيث شاءوا، وأين أرادوا، وهم خالدون فيها أبدًا، لا يحولون ولا يزولون، ولا يبغون عنها حولًا.\nوقوله: ﴿لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ أي: من الحيض والنفاس والأذى [والأخلاق الرذيلة، والصفات الناقصة. كما قال ابن عباس: مطهرة من الأقذار والأذى] [¬٣]. وكذا قال عطاء والحسن والضحاك والنخعي وأبو صالح وعطية والسدي.\n_________\n(^٥٥٧) - \" المسند\" (٢/ ٢٦) (رقم ٤٨٠٠/ شاكر) ورواه ابن أبى شيبة فى \"المصنف\" (٨/ ٩٧) ثنا وكيع له، والطبرانى فى \"المعجم الكبير\" (١٢/ ١٣٤٨٢) وفى \"الأوسط\" (٣/ ٢٤١٠) من طرق عن عمران ابن زيد التغلبى أبى يحيى الطويل به، وقال: \"لم يرو هذا الحديث عن أبى يحيى إلا عمران\" وهو وشيخه \"لين الحديث\" كما فى \"التقريب\" وأعل الهيثمى الحديث بالأول؛ فقال فى \"المجمع\" (١٠/ ٣٩٤): \"رواه أحمد والطبرانى فى \"الكبير\" و\"الأوسط\" وفى أسانيدهم أبو يحيى القتات، وهو ضعيف وفيه خلاف، وبقية رجاله أوثق منه\" ومع هذا فقد رمز لحسنه السيوطى فى \"الجامع الصغير\" ولم يعزه لغير الطبرانى فى \"الأوسط\" وقصر أيضًا فى عزوه فى \"الدر المنثور\" (٢/ ٣١١) فلم يعزه لغير ابن أبى شيية. قال المناوى فى \"فيض القدير\" (٢/ ٤٣٨): \"كأنه أغفل عزوه لأحمد ذهولًا، لا لقولهم: إن الحديث إذا كان فى مسند أحمد لم يعزه لغيره، وغفل المنذرى فى \"الترغيب والترهيب\" (٤/ ٤٨٤) فجعله من مسند عبد الله بن عمرو وقال: \"رواه أحمد والطبرانى فى \"الكبير\" و\"الأوسط\" وإسناده قريب من الحسن\"!! ولبعضه شاهد من حديث أبى سعيد وأبى هريرة، قد خرجتهما فى \"مسند أحمد\" الجزء الأول من الثالث حديث رقم ١١٢٤٨) وبالله التوفيق.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"تخترقها\".\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"4","page":123},{"text":"وقال مجاهد: [مطهرة من البول والحيض والنخام والبزاق والمني والولد.\nوقال قتادة] [¬١]: مطهرة من الأذى والمآثم، ثم لا حيض ولا كلف.\nوقوله: ﴿وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا﴾ أي: ظلًا عميقًا كثيرًا غزيرًا طيبًا أنيقًا.\nقال ابن جرير (^٥٥٨): حدثنا ابن بشار، حدثنا عبد الرحمن، وحدثنا ابن المثنى [¬٢]، حدثنا ابن جعفر، قالا: حدثنا شعبة قال: سمعت أبا الضحاك يحدث عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: \"إن في الجنة لشجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها، شجرة الخلد\".\n﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (٥٨)﴾\nيخبر تعالى أنه يأمر بأداء الأمانات إلى أهلها، وفي حديث الحسن، عن سمرة أن رسول الله ﷺ قال: \"أدّ الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك\". رواه الإمام أحمد وأهل السنن (^٥٥٩)، وهو [¬٣] يعم جميع الأمانات الواجبة على الإِنسان؛ من حقوق الله -عز\n_________\n(^٥٥٨) - تفسير ابن جرير (٨/ ٩٨٣٨) وأبو الضحاك تابعى، لم يعرف إلا بهذا الحديث، ولم يرو عنه أحد غير شعبة، قال الذهبى فى \"الميزان\": \"حدث عنه شعبة، لا يعرف، لكن شيوخ شعبة جِيَاد\" والحديث يأتى تخرجه موسعًا فى سورة الرعد/ آية: ٢٩، وأصله ثابت عن أبي هريرة فى الصحيحين وغيرهما دون زيادة \"شجرة الخلد\" وانظر أيضًا الآتى فى سورة طه/ آية ١٢٠، والواقعة/ ٣٠.\n(^٥٥٩) - كذا جعله المصنف من حديث سمرة، ولم أجد لسمرة رواية فى هذا الباب، وإنما أخرجه ابن جرير (٨/ ٩٨٥٠) بإسناد صحيح عن الحسن مرسلا، وأخرجه أحمد (٤/ ٤١٣)، وأبو داود (٣٥٣٤) [ومن طريقه البيهقى فى \"السنن الكبرى\" (١٠/ ٢٧٠)، من طريق يوسف بن ماهك المكى عن رجل عن أبيه أنه سمع رسول الله ﷺ … قال البيهقى راجع الروض البسام رقم (٧٠٧) فسوف ينقل منه تخريج الحديث مباشرة.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في ز: \"مثنى\".\n[¬٣]- في ز: \"وهذا\".","vol":"4","page":124},{"text":"وجل- على عباده، من [الصلاة، والزكاة] [¬١]، والصيام [¬٢]، والكفارات، والنذور، وغير ذلك مما هو مؤتمن عليه لا يطع عليه العباد، ومن حقوق العباد بعضهم على بعض، كالودائع وغير ذلك، مما يأتمنون به بعضهم على بعض من غير اطلاع بنية [¬٣] على ذلك، فأمر الله ﷿ بأدائها، فمن لم يفعل ذلك في الدنيا أخذ منه ذلك يوم القيامة، كما ثبت في الحديث الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: \"لتؤدّن الحقوق إلى أهلها، حتى يقتص للشاة الجماء من القرناء\" (^٥٦٠).\nوقال ابن أبي حاتم (^٥٦١): حدثنا محمد بن إسماعيل الأحمسي [¬٤]، حدثنا وكيع، عن سفيان، عن عبد الله بن السائب، عن زاذان [¬٥]، عن عبد الله بن مسعود قال: إن الشهادة تكفر كل ذنب إلا الأمانة، يؤتى بالرجل يوم القيامة، وإن كان قد قتل في سبيل الله، فيقال: أدِّ أمانتك. فيقول: وأنَّى أؤديها وقد ذهبت الدنيا؟ فتمثل له الأمانة في قعر جهنم فيهوي إليها، فيحملها على عاتقه، قال: فتنزل عن عاتقه، فيهوي [¬٦] على أثرها أبد الآبدين. قال زاذان [¬٧]: فأتيت البراء، فحدّثته، فقال: صدق أخي ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾.\n_________\n(^٥٦٠) - أخرجه مسلم فى صحيحه، كتاب البر والصلة والآداب، باب: تحريم الظلم (٦٠) (٢٥٨٢) وكذا أحمد (٢/ ٢٣٥) وفى مواضع أخر) والترمذى (٢٤٢٠) من حديث أبى هريرة وانظر ما يأتى سورة الأنعام/ آية ٣٨.\n(^٥٦١) - تفسير ابن أبى حاتم (٣/ ٥٥١٢) ورواه أيضًا (٣/ ٥٥١٣) ثنا على بن الحسين، ثنا تميم بن المنتصر، ثنا إسحاق الأزرق، عن شريك عن الأعمش عن عبد الله بن السائب به مرفوعًا، وفيه أيضًا: \"قال شريك: ثنا عياش العامرى عن زاذان عن عبد الله عن النبى ﷺ نحو ذلك، ولم يذكر فيه الأمانة فى الصلاة، والأمانة فى كل شئ\" ورواه الطبرانى فى \"المعجم الكبير\" (١٠/ ١٠٥٢٧). وعنه أبو نعيم فى \"الحلية\" (٤/ ٢٠١)، وابن جرير فى تفسيره (٢٢/ ٥٦) وينقله من طريقه المصنف فى سورة الأحزاب/ آية ٧٢ - من طريق تميم بن المنتصر به، وذكره الهيثمى فى \"المجمع\" (٥/ ٢٩٦) وقال: \"رواه الطبرانى ورجاله ثقات\" كذا قال، وشريك سيئ الحفظ، وقد خالفه من هو أوثق منه فوقفه على ابن مسعود، فرواه البيهقى فى \"الشعب\" (٤/ ٥٢٦٦) من طريق عبد الله بن بشر عن الأعمش به موقوفًا، بل إنه قد اختلف فيه على شريك نفسه؛ فرفعه إسحاق الأزرق كما تقدم، ووقفه منجاب بن الحارث كما عند أبى نعيم، وإسحاق ومنجاب ثقتان؛ فالاضطراب فيه من شريك نفسه، ومع هذا فقد جود المصنف إسناده فى سورة الأحزاب!!. والخبر زاد نسبته السيوطى فى \"الدر المنثور\" (٢/ ٣١٣) إلى عبد الرزاق وابن أبى شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.\n_________\n[¬١]- في ز: \"الصلوات والزكوات\".\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- في ت: \"بينة\".\n[¬٤]- في ز: \"الأخمسي\".\n[¬٥] في ز: \"زادان\".\n[¬٦]- في ز: \"فتهوى\".\n[¬٧]- في ز: \"زادان\".","vol":"4","page":125},{"text":"وقال سفيان الثوري، عن ابن أبي ليلى، عن رجل، عن ابن عباس قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ قال: هي مبهمة للبر والفاجر. وقال محمد بن الحنفية: هي مُسْجَلَةٌ للبر والفاجر. وقال أبو العالية: الأمانة ما أمروا به ونهوا عنه.\nوقال ابن أبي حاتم (^٥٦٢): حدثنا أبو سعيد، حدثنا حفص بن غياث، عن الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق قال: قال أبي بن كعب: من الأمانة أن المرأة ائتمنت على فرجها.\nوقال الربيع بن أنس\": هي من الأمانات فيما بينك وبين الناس.\nوقال على بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ قال: يدخل فيه وعظ السلطان النساء -يعني يوم العيد-.\nوقد ذكر كثير من المفسرين أن هذه الآية نزلت في شأن عثمان بن أبي طلحة، واسم أبي طلحة عبد الله بن عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار بن قصي بن كلاب القرشي العبدرى حاجب الكعبة المعظمة، وهو ابن عم شيبة بن عثمان بن أبي طلحة الذي صارت الحجابة في نسله إلى اليوم، أسلم عثمان هذا في الهدنة بين صلح الحديبية وفتح مكة هو وخالد بن الوليد وعمرو بن العاص، وأما عمه عثمان [بن طلحة] [¬١] بن أبي طلحة فكان معه لواء المشركين هم أحد، وقتل يومئذ كافرًا، وإنما نبهنا على هذا النسب لأن كثيرًا من المفسرين قد يشتبه عليه [¬٢] هذا بهذا، وسبب نزولها فيه، لما أخذ منه رسول الله ﷺ مفتاح الكعبة ووم الفتح ثم رده عليه.\nوقال محمد بن إسحاق في غزوة الفتح (^٥٦٣): حدثني محمد بن جعفر بن الزبير، عن عبيد الله [] [¬٣] ابن أبي ثور، عن صفية بنت شيبة، أن رسول الله ﷺ لما نزل بمكة واطمان الناس خرج حتى جاء إلى [¬٤] البيت، فطاف به سبعًا على راحلته يستلم الركن بمحجن في كده، فلما قضى طوافه دعا عثمان بن [] [¬٥] طلحة، فأخذ منه مفتاح الكعبة، ففتحه [¬٦] له،\n_________\n(^٥٦٢) - تفسير ابن أبي حاتم (٣/ ٥٥١٧) وإسناده صحيح.\n(^٥٦٣) - كما فى \"السيرة\" لابن هشام (٤/ ١٢٥٣، ١٢٥٤) وإسناده حسن غير أن صفية بنت شيبة نفى سماعها من النبى ﷺ ابن حبان والدراقطنى، بينما أثبته البخارى وهو مقدم على غيره.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٢]- في ز: \"عليهم\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في ز: \"بن عبد الله\".\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين في ز: \"أبي\".\n[¬٦]- في ت: \"ففتحت\".","vol":"4","page":126},{"text":"فدخلها، فوجد فيها حمامة من عيدان، فكسرها بيده، ثم طرحها، ثم وقف على باب الكعبة وقد استكف [¬١] له الناس في المسجد.\nقال ابن إسحاق (^٥٦٤): فحدثني بعض أهل العلم أن رسول الله ﷺ قام على باب الكعبة، فقال: \"لا إله إلا الله وحده لا شريك له، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، ألا كل مأثرة، أو دم، أو مال يدعى فهو تحت قدمي هاتين إلا سدانة البيت، وسقاية الحاج\". وذكم بقية الحديث في خطة النبي ﷺ يومئذ، إلى أن قال: ثم جلس رسول الله ﷺ في المسجد، فقام إليه على بن أبي طالب ومفتاح الكعبة في يده فقال: يا رسول الله اجمع لنا الحجابة مع السقاية صلى الله عليك. فقال رسول الله ﷺ: \"أين عثمان بن طلحة؟ \". فدعي له، فقال له: \"هاك مفتاحك يا عثمان، اليوم يوم وفاء وبر\".\nقال ابن جرير (^٥٦٥): حدثني القاسم، حدثنا الحسين، عن [¬٢] حجاج، عن ابن جريج [في الآية] [¬٣]، قال نزلت في عثمان بن طلحة قبض منه رسول الله ﷺ مفتاح الكعبة، فدخل في [¬٤] البيت سوم الفتح فخرج وهو يتلو هذه الآية ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ الآية، فدعا عثمان إليه فدفع [¬٥] إليه المفتاح. قال: وقال عمر بن الخطاب لما خرج رسول الله ﷺ من الكعبة وهو يتلو هذه الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ فداه أبي وأمي، ما سمعته يتلوها قبل ذلك.\nحدثنا القاسم، حدثنا الحسين، حدثنا الزنجي بن خالد، عن الزهري، قال دفعه إليه وقال: \"أعينوه [¬٦] \" (^٥٦٦).\n_________\n(^٥٦٤) - كما فى \"السيرة\" لابن هشام (٤/ ١٢٥٤) وهو هكذا منقطع، وروى الطبرانى فى \"الكبير\" (١١/ ١١٢٣٤) وفى \"الأوسط\" (١/ رقم ٤٨٨) من طريق عبد الله بن المؤمل عن ابن أبى مليكة عن ابن عباس مرفوعًا: \"خذوها يا بنى طلحة خالدة تالدة لا ينزعها منكم إلا ظالم\" يعنى حجابة الكعبة، لكن قال الهيثمى فى \"المجمع\" (٣/ ٢٨٨): \"فيه عبد الله بن المؤمل وثقه ابن حبان وقال: يخطئ، ووثقه ابن معين فى رواية وضعفه جماعة\" وله شواهد انظرها فى فتح البارى (٨/ ١٩) وانظر ما بعده.\n(^٥٦٥) - تفسير ابن جرير (٨/ ٩٨٤٦، ٩٨٤٧) والإسناد الأول معضل والثانى مرسل، وخبر ابن جريج زاد نسبته السيوطى فى \"الدر المنثور\" (٢/ ٣١٢) إلى ابن المنذر.\n(^٥٦٦) - أخرجه ابن ماجه، كتاب الأحكام، باب: التغليظ فى الحيف والرشوة (٢٣١٢) ثنا أحمد بن\n_________\n[¬١]- في ز: \"استلف\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"بن\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في ز: \"قوله\".\n[¬٤]- في ز: \"به\".\n[¬٥]- مكانها في ز: بياض.\n[¬٦]- في ز: \"غيبوه\".","vol":"4","page":127},{"text":"وروى ابن مردويه من طريق الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، في قوله ﷿: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ قال: لما فتح رسول الله ﷺ مكة دعا عثمان بن طلحة بن أبى طلحة فلما أتاه قال: \"أرني المفتاح\". فأتاه به، فلما بسط يده إليه، قام إليه [¬١] العباس، فقال: يا رسول الله بأبي أنت وأمي اجمعه لى مع السقاية، فكف عثمان يده، فقال رسول الله ﷺ \"أرني المفتاح يا عثمان\". فبسط يده يعطه، فقال العباس مثل كلمته الأولى، فكف عثمان يده، ثم قال رسول الله ﷺ: \"يا عثمان إن كنت تؤمن بالله واليوم الآخر [فهاتني المفتاح] [¬٢] \" فقال: هاك بأمانة الله. قال: فقام رسول الله ﷺ ففتح باب الكعبة، فوجد في الكعبة تمثال إبراهيم ﵊ معه قداج يستقسم بها، ففال رسول الله ﷺ: \"ما للمشركين قاتلهم الله، وما شأن إبراهيم وشأن القداح، ثم دعا بجفنة\n_________\n=سنان، والبزار فى مسنده (٨/ ٣٣٣٥، ٣٣٣٧) أخبرنا محمد بن مؤمل والحسن بن يحيى الأرزى، وابن عدى فى \"الكامل\" (٦/ ٢١٤٥) [ومن طريقه البيهقى فى \"السنن الكبرى\" (١٠/ ٨٨)، ثنا ابن صاعد أنبا أحمد بن سنان، والمزى فى \"تهذيب الكمال\" (٦/ ٤٥٨) عن الطبرانى من طريق محمد بن عبد الله بن نمير وعلى بن نصر -كلهم (أحمد بن سنان وابن مؤمل والحسن وابن نمير وعلى) ثنا محمد ابن بلال ثنا عمران القطان عن حسين بن عمران عن أبى إسحاق الشيبانى عن عبد الله بن أبى أوفى مرفوعًا به. وفى إسناد ابن عدى \"حسين المعلم عن أبى إسحاق\" وعند البزار \"حسين بن عبد الله\" والظاهر أنه تحريف؛ ولذلك قال البزار: \"وهذا الحدث لا نعلم رواه عن الشيبانى إلا عمران فأدخل محمد بن بلال بين عمار والشيبانى: حسين بن عبد الله\" ولا نعلم مَنْ حسين بن عبد الله هذا! \" واستنكر ابن عدى هذا الحدث لـ \"محمد بن بلال\" وقال: \" قال ابن صاعد: رواه عمرو بن عاصم عن عمران القطان، فلم يذكر فى إسناده حسينًا، ومحمد بن بلال هذا له غير ما ذكرت من الحديث وهو يغرب عن عمران القطان، له عن غير عمران أحاديث غرائب، وليس حديثه بالكثير، وأرجو أنه لا بأس به\" غير أن العقيلى ذكره فى \"الضعفاء\" وقال: \"يهم فى حديثه كثيرًا\" وقال الذهبى: \"غَلِط فى حديثه كما يغلط الناس\". ورواه: عمرو بن عاصم المشار إليها أخرجها الترمذى (١٣٣٠) والبزار (٨/ ٣٣٣٦) وأبو حاتم بن حبان فى صحيحه (١١/ ٥٠٦٢)، والحاكم (٤/ ٩٣)، والبيهقى (١٠/ ٨٨، ١٣٤) من طرق عن عمرو بن عاصم ثنا عمران القطان عن أبى إسحاق الشيبانى به، ليس فيه \"حسين\"، ولفظ ابن حبان والبزار مختصر، ولفظ الترمذى: \"إن الله مع القاضى ما لم يجر، فإذا جار تخلى عنه ولزمه الشيطان\" وعند الحاكم: \"فإذا جار تبرأ الله ﷿ منه\" وقال الترمذى: \"حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث عمران القطان\" وقال الحاكم: \"إسناده صحيح، ولم يخرجاه\" ووافقه الذهبى، وتحسينه؛ أشبه فإن عمرو بن عاصم وشيخه فى حفظهما شيء، وله شواهد بأسانيد ضعيفة من حديث معقل بن يسار وابن مسعود وزيد بن أرقم. راجع \"المجمع\" (٤/ ١٩٦، ١٩٧).\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في ت: \"فهاته\".","vol":"4","page":128},{"text":"فيها ماء، فأخذ ماء فغمسه فيه، ثم غمس به تلك التماثيل، وأخرج مقام إبراهيم، وكان في الكعبة [فألزقه في حائط الكعبة] [¬١]، ثم قال: \"يا [¬٢] أيها الناس هذه القبلة\". قال: ثم خرج رسول الله ﷺ فطاف بالبيت شوطا أو شوطين، ثم نزل عليه جبريل فيما ذكر لنا برد المفتاح، [ثم قال] [¬٣] رسول الله ﷺ ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ حتى فرغ من الآية\".\nوهذا من المشهورات أن هذه الآية نزلت في ذلك، وسواء كانت نزلت في ذلك أولا، فحكمها عام، ولهذا قال ابن عباس ومحمد بن الحنفية: هي [¬٤] للبر والفاجر، أي: هي أمر لكل أحد.\nوقوله: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ أمر منه تعالى بالحكم بالعدل بين الناس، ولهذا قال محمد بن كعب وزيد بن ًا سلم وشهر بن حوشب: [إن هذه الآية] [¬٥] إنما نزلت في الأمراء، يعني: الحكام بين الناس.\nوفي الحديث: \"إن الله مع الحاكم مما لم يجر، فإذا جار وكله الله إلى نفسه\" وفي الأثر: \"عدل يوم كعبادة أربعين سنة\".\nوقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ أي: يأمركم به من أداء الأمانات، والحكم بالعدل بين الناس وغير ذلك من أوامره وشرائعه الكاملة العظيمة الشاملة.\nوقولى تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ أي: سميعًا لأقوالكم، بصيرًا بأفعالكم. كما قال [¬٦] ابن أبي حاتم (^٥٦٧): حدثنا أبو زرعة، حدثني يحيى بن عبد الله بن بكير، حدثنا عبد الله بن لهيعة، عن يزيد بن أبى حبيب، عن أبي الخير، عن عقبة بن عامر قال: رأيت رسول الله ﷺ وهو يقرأ هذه الآية ﴿سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ يقول: \"بكل شيء بصير\".\nوقد قال ابن أبي حاتم (^٥٦٨): أخبرنا يحيى بن عبدك القزويني، أنبأنا المقري -يعني أبا\n_________\n(^٥٦٧) - تفسير ابن أبى حاتم (٣/ ٥٥٢٦) وإسناده رجاله ثقات رجال الشيخين، غير ابن لهيعة وهو ضعيف لسوء حفظه. ولم يعزه السيوطى فى \"الدر المنثور\" (٢/ ٣١٤) لغير ابن أبى حاتم.\n(^٥٦٨) - تفسير ابن أبى حاتم (٣/ ٥٥٢٤) وتصحف فيه \"أبو يونس\" إلى \"أبو سليمان\"، =\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- في ز، خ: \"فدعا\".\n[¬٤]- سقط من: ز.\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٦]- في ز: \"قالا\".","vol":"4","page":129},{"text":"عبد الرحمن عبد الله بن يزيد -حدثنا حرملة- يعني ابن عمران التجيبي المصري- حدثني أبو يونس، سمعت أبا هريرة: يقرأ هذه الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا] ويضع إبهامه على أذنه والتي تليها على عينه، ويقول: هكذا سمعت رسول الله ﷺ يقرأها ويضع إصبعيه [¬١]. وقال أبو زكريا: وصفه لنا المقري، ووضع أبو زكريا إبهامه اليمنى على عينه اليمنى، والتي تليها على الأذن اليمنى، وأرانا فقال: هكذا وهكذا [¬٢].\nرواه أبو داود وابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه، وابن مردويه في تفسيره من حديث أبي عبد الرحمن المقري بإسناده نحوه. وأبو يونس هذا مولى أبي هريرة، واسمه سليم بن جبير.\n﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)﴾\nقال البخاري (^٥٦٩): حدثنا صدقة بن الفضل، حدثنا حجاج بن محمد [¬٣] الأعور، عن ابن جريج، عن يعلى بن مسلم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا\n_________\n=وإسناده صحيح رجاله كلهم ثقات. ورواه أبو داود، كتاب السنة، باب: فى الجهمية (٤٧٢٨) [ومن طريقه البيهقى فى \"الأسماء والصفات\" (١/رقم ٣٩٠)] وابن خزيمة فى \"التوحيد\" (١/ رقم ٤٦، ٤٧) [وعنه ابن حبان فى صحيحه (١/ رقم ٢٦٥)، والحاكم فى \"المستدرك\" (١/ ٢٤) وعنه البيهقى أيضًا] واللالكائى فى \"شرح أصول الاعتقاد\" (٦٨٨١٣) من طرق عن عبد الله بن يزيد به. وقال الحاكم: \"حديث صحيح ولم يخرجاه، وقد احتج مسلم بحرملة بن عمران وأبى يونس، والباقون متفق عليهم\" ووافقه الذهبى وقال اللالكائى: \"هو إسناد صحيح على شرط مسلم يلزمه إخراجه\" وذكره الحافظ ابن حجر فى: \"الفتح\" (١٣/ ٣٧٣): وقال: \"سنده قوى على شرط مسلم\" وأفاد أن البيهقى أخرج له شاهدًا من حديث عقبة بن عامر: سمعت رسول الله ﷺ يقول على المنبر: \"إن ربنا سميع بصير\" وأشار إلى عينيه. وسنده حسن. وله أجد هذا الشاهد عند البيهقى فى \"الأسماء والصفات\" وأخشى أن يكون هو حديث عقبة بن عامر السابق، فإن كان هو فالإسناد ضعيف كما بينا. والله أعلم.\n(^٥٦٩) - صحيح البخارى، كتاب التفسير، باب: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ ذوى الأمر (٤٥٨٤)، ومسلم، كتاب الإمارة: باب: وجوب طاعة الأمراء فى غير معصية وتحريمها =\n_________\n[¬١]- في ت: \"إصبعين\".\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.","vol":"4","page":130},{"text":"الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ قال: نزلت في عبد الله بن حذافة بن قيس بن عدي، إذ بعثه النبي ﷺ في سرية.\nوهكذا أخرجه بقية الجماعة إلا ابن ماجة من حديث رواية [¬١] حجاج بن محمد الأعور، به، وقال الترمذي: حديث [¬٢] حسن غريب، و[¬٣] لا نعرفه إلا من حديث ابن جريج.\nوقال الإِمام أحمد [] [¬٤] (^٥٧٠): حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن سعد بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن علي، قال: بعث رسول الله ﷺ سرية واستعمل عليهم رجلا من الأنصار، فلما خرجوا وجد عليهم في شيء، قال: فقال لهم: أليس قد أمركم رسول الله ﷺ أن تطيعوني؟ قالوا: بلى. قال: فاجمعوا [¬٥] حطبًا. ثم دعا بنار فأضرمها فيه، ثم قال: عزمت عليكم لتدخلنها. قال [¬٦]: [فَهَمَّ القوم أن يدخلوها] [¬٧]. قال [¬٨]: فقال لهم شاب منهم: إنما فررتم إلى رسول الله ﷺ من النار، فلا تعجلوا حتى تلقوا رسول الله ﷺ، فإن أمركم أن تدخلوها فادخلوها. قال: فرجعوا إلى رسول الله ﷺ فأخبروه. فقال لهم: \"لو دخلتموها ما خرجتم منها أبدًا، إنما الطاعة في المعروف\". أخرجاه في الصحيحين من حديث الأعمش به.\n_________\n= فى المعصية (٣١) (١٨٣٤)، وأحمد (١/ ٣٣٧)، وأبو داود، كتاب الجهاد، باب: الطاعة (٢٦٢٤)، والترمذى، كتاب الجهاد، باب: ما جاء فى الرجل يعث وحده سَرِيَّة (١٦٧٢)، والنسائى، كتاب الجهاد، باب: قوله تعالى: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (٧/ ١٥٤، ١٥٥) من طرق عن حجاج بن محمد به.\n(^٥٧٠) - \" المسند\" (١/ ٨٢) وأخرجه أيضًا (١/ ١٢٤)، والبخارى، كتاب المغازى، باب: سرية عبد الله بن حذافة (٤٣٤٠)، وكتاب الأحكام، باب: السمع والطاعة للإمام (٧١٤٥)، ومسلم، كتاب الإمارة، باب: وجوب طاعة الأمراء فى غير معصية (٤٠) (١٨٤٠) من طرق عن الأعمش به، وأخرجه أحمد (١/ ٩٤، ١٢٩)، والبخارى، كتاب أخبار الآحاد، باب: ما جاء فى إجازة خبر الواحد الصدوق (٧٢٥٧)، ومسلم (٣٩) (١٨٤٠)، وأبو داود، كتاب الجهاد، باب: فى الطاعة (٢٦٢٥)، والنسائى، كتاب البيعة، باب: جزاء من أمر بمعصية فأطاع (٧/ ١٥٩، ١٦٠) من طريق شعبة عن زبيد الإيامى عن سعد بن عبيدة به.\n_________\n[¬١]- سقط من: ت.\n[¬٢]-سقط من: ز.\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين في ز: \"بن حنبل\".\n[¬٥]- في ز: \"اجمعوا لي\".\n[¬٦]- سقط من: خ.\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٨]- سقط من: ز.","vol":"4","page":131},{"text":"وقال أبو داود (^٥٧١): حدثنا مسدد، حدثنا يحيى، عن عبيد الله، حدثني نافع، عن عبد الله ابن عمر، عن رسول الله ﷺ قال: \"السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب وكره، ما لم يؤمر بمعصية، فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة\".\nوأخرجاه من حديث يحيى القطان.\nوعن عبادة بن الصامت قال: بايعنا رسول الله ﷺ على السمع والطاعة، في منشطنا ومكرهنا، وعسرنا ويسرنا، وأثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله قال: \"إلا أن تروا كفرًا بواحًا [] [¬١] عندكم فيه من الله برهان\". أخرجاه (^٥٧٢).\nوفي الحديث الآخر عن أنس، أن رسول اللَّه ﷺ قال: \"اسمعوا وأطيعوا، وان أمر عليكم [عبد حبشي] [¬٢] كأن رأسه زبيبة\". رواه البخاري (^٥٧٣).\nوعن أبي هريرة (^٥٧٤) ﵁ قال: أوصاني خليلي أن أسمع وأطيع وإن كان عبدًا حبشيًّا مُجَدّع [¬٣] الأطراف. رواه مسلم.\nوعن أُم الحصين، أنها سمعت رسول الله ﷺ يخطب في حجة الوداع\n_________\n(^٥٧١) - سنن أبى داود، كتاب الجهاد، باب: فى الطاعة (٢٦٢٦)، والبخارى، كتاب الجهاد، باب: السمع والطاعة للإمام (٢٩٥٥)، ومسلم، كتاب الإمارة، باب: وجوب طاعة الأمراء فى غير معصية. (١٨٣٩)، وأحمد (٢/ ١٧) من طريق يحيى القطان به، واْخرجه البخارى ومسلم أيضًا والترمذى (١٧٠٧)، وابن ماجه (٢٨٦٤) من طرق عن عبيد الله بن عمر به، وأخرجه النسائى فى \"الصغرى\" (٧/ ١٦٠) نا قتيبة ثنا الليث عن عبيد الله بن أبى جعفر عن نافع به.\n(^٥٧٢) - أخرجه البخارى، كتاب الفتن، باب: قول النبى ﷺ: سترون بعدى أمورًا تنكرونها\" (٧٠٥٥، ٧٠٥٦)، ومسلم، كتاب الإمارة، باب: وجوب طاعة الأمراء فى غير معصية (٤١، ٤٢) (١٧٠٩)، وكذا أخرجه أحمد (٣/ ٤٤١) (٥/ ٣١٦، ٣٢١)، والنسائى (٧/ ١٣٧: ١٣٩)، وابن ماجة (٢٨٦٦).\n(^٥٧٣) - صحيح البخارى، كتاب الأذان، باب: إمامة العبد والمولى (٦٩٣)، وكذأ أخرجه أحمد (٣/ ١١٤)، وابن ماجة، كتاب الجهاد، باب: طاعة الإمام (٢٨٦٠).\n(^٥٧٤) - كذا عزاه المصنف لمسلم من حديث أبى هريرة وإنما أخرجه في كتاب الإمارة، باب: وجوب طاعة الأمراء فى غير معصية (٣٦) (١٨٣٧) من حديث أبى ذر، وكذا أخرجه أحمد (٥/ ١٦١) وابن ماجة (٢٨٦٢)، والبخارى فى\"الأدب المفرد\" (١١٣) من حديث أبى ذر.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"فيه\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز: \"عبدًا حبشيًا\".\n[¬٣]- في ز: \"مجذوع\".","vol":"4","page":132},{"text":"يقول: \"ولو استعمل عليكم عبد يقودكم بكتاب الله فاسمعوا له وأطيعوا\". رواه مسلم (^٥٧٥)، وفي لفظ له: \"عبدًا حبشيًّا مجذوعًا\".\nوقال ابن جرير (^٥٧٦): حدثنى على بن مسلم الطوسي، حدثنا ابن أبي فديك، حدثني عبد الله بن محمد بن عروة، عن هشام بن عروة، عن أبي صالح السمان، عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ [قال: \"سيليكم] [¬١] بعدىِ ولاة، فيليكم البر ببره ويليكم الفاجر بفجوره، فاسمعوا لهم وأطيعوا في كل ما وافق الحق [¬٢]، وصلوا وراءهم، فإن أحسنوا فلكم ولهم، وإن أساءوا فلكم وعليهم\".\n_________\n(^٥٧٥) - صحيح مسلم، كتاب الحج، باب: استحباب رمى جمرة العقبة يوم النحر راكبًا (٣١١) (١٢٩٨)، كتاب الإمارة، باب: وجوب طاعة الأمراء فى غير معصية (٣٧) (١٨٣٨) وكذا أخرجه أحمد (٤/ ٦٩) (٥/ ٣٨١) (٦/ ٤٠٢، ٤٠٣)، والنسائى (٧/ ١٥٤)، وابن ماجة (٢٨٦١) من طريق يحيى بن حصين قال: سمعت جَدَّتى تُحدِّثُ أنها سمعت النبى ﷺ يخطب فى حجة الوداع وهو يقول … الحديث. وأخرجه أحمد (٦/ ٤٠٢، ٤٠٣)، والترمذى (١٧٠٦) من طريق العيزار بن حُريث عن أم الحصين به نحوه. وقصر فى عزوه السيوطى جدا فلم يعزه فى \"الدر المنثور\" (٢/ ٣١٧) لغير ابن أبى شيبة والترمذى!!.\n(^٥٧٦) - تفسير ابن جرير (٨/ ٩٨٧٦) وأخرجه الدارقطنى فى: \"السنن\" (٢/ ٥٥) [ومن طريقه ابن الجوزى فى \"العلل المتناهية\" (١/ رقم ٧١٧)، نا أبو حامد محمد بن هارون الحضرمى قال: نا على بن مسلم. به. وأخرجه الطبرانى فى \"الأوسط\" (٦/ ٦٣١٠) حدثنا محمد بن علي، ثنا إبراهيم بن المنذر ثنا عبد الله ابن محمد به. وقال الطبرانى: \"لم يرو هذا الحديث عن هشام بن عروة إلا عبد الله بن محمد بن عروة، تفرد به إبراهيم بن المنذر، ولم يُسند هشام بن عروة عن أبى صالح حديثا غير هذا، وإبراهيم بن المنذر لم ينفرد به، بل تابعه ابن أبى فديك كما ترى. والحديث ذكره الهيثمى فى \"المجمع\" (٥/ ٢٢١) وقال: \"رواه الطبرانى في \"الأوسط\" وفيه عبد الله بن محمد بن يحيى بن عروة وهو ضعيف جدًّا\" كذا قال أبو حاتم الرازى وزاد: \"هو متروك الحديث\" وقال العقيلى: \"لا يتابع على كثير من حديثه\" وقال ابن حبان: \"يروى الموضوعات عن الثقات\" واستنكر له ابن عدى في \"الكامل\" (٤/ ١٥٠١) اْحاديثه وقال: \"أحاديث عامتها مما لا يتابعه عليه الثقات\" وهو مترجم فى \"اللسان\"، وقد أعله الحافظ ابن حجر فى \"التلخيص الحبير\" (٢/ ٣٦) به وعزاه إلى ابن حبان فى \"الضعفاء\" ولم أجده فى ترجمة عبد الله بن محمد فى \"الضعفاء\" فلعله فى موضع آخر والله أعلم. وقصر السيوطى فى عزوه فلم يعزه فى \"الدر المنثور\" (٢/ ٣١٦) لغير ابن جرير وبالله التوفيق.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٢]- سقط من: خ.","vol":"4","page":133},{"text":"وعن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: \"كانت بنو إسرائل تسوسهم الأنبياء، كلما هلك نبي خلفه نبي، وإنه لا نبي بعدي، وسيكون خلفاء فيكثرون\" قالوا: يا رسول الله فما تأمرنا؟ قال: \"أوفوا ببيعة الأول فالأول وأعطوهم حقهم، فإن الله سائلهم عما استرعاهم\". أخرجاه (^٥٧٧).\nوعن ابن عباس-﵄ قال: قال رسول اللَّه ﷺ: \"من رأى من أميره شيئًا فكرهه فليصبر، فإنه ليس أحد يفارق الجماعة شبرًا فيموت إلا مات ميتة جاهلية\". أخرجاه (^٥٧٨).\nوعن ابن عمر أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: \"من خلع يدًا من طاعة لقي اللَّه يوم القيامة لا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية\". رواه مسلم (^٥٧٩).\nوروى مسلم أيضًا (^٥٨٠) عن عبد الرحمن بن عبد رب الكعبة قال: دخلت المسجد فإذا عبد الله بن عمرو بن العاص جالس في ظل الكعبة والناس [] [¬١] مجتمعون عليه، فأتيتهم فجلست إليه فقال: كنا مع رسول الله ﷺ في سفر فنزلنا منزلا، فمنا مز يصلح خباءه، ومنا من ينتضل، ومنا من هو في جشره، إذ نادى منادي رسول الله ﷺ: [الصلاة جامعة. فاجتمعنا إلى رسول الله ﷺ] [¬٢] فقال: \"إنه لم يكن\n_________\n(^٥٧٧) - أخرجه البخارى، كتاب الأنبياء، باب: ما ذكر عن بنى إسرائيل (٣٤٥٥)، ومسلم، كتاب الإمارة، باب: وجوب الوفاء ببيعة الخلفاء الأول فالأول (٤٤) (١٨٤٢) وكذا أخرجه أحمد (٢/ ٢٩٧)، وابن ماجة (٢٨٧١).\n(^٥٧٨) - أخرجه البخارى، كتاب الفتن، باب: قول النبى ﷺ: \"سترون بعدى أمورًا تنكرونها\" (٧٠٥٣، ٧٠٥٤)، ومسلم، كتاب الإمارة، باب: وجوب ملازمة جماعة المسلمين عند ظهور الفتن (٥٥، ٥٦) (١٨٤٩).\n(^٥٧٩) - صحيح مسلم، كتاب الإمارة، باب: وجوب ملازمة جماعة المسلمين عند ظهور الفتن (٥٨) (١٨٥١).\n(^٥٨٠) - صحيح مسلم، كتاب الإمارة، باب: وجوب الوفاء ببيعة الخلفاء الأول فالأول (٤٦) (١٨٤٤) وكذا أخرجه أحمد (٢/ ١٦١ ومواضع أخر) وأبو داود (٤٢٤٨)، والنسائى (٧/ ١٥٢)، وابن ماجة (٣٩٥٦) مطولًا ومختصرًا.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ز: \"حوله\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"4","page":134},{"text":"نبي من [¬١] قبلي إلا كان حقًّا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم، [وينذرهم شر ما يعلمه لهم] [¬٢]، وان أمتكم هذه جعلت [¬٣] عافيتها في أولها، وسيصيب [¬٤] آخرها بلاء، وأمور تنكرونها، وتجيء فتن يرفق بعضها بعضًا، وتجيء الفتنة فيقول المؤمن: [هذه مهلكتي، ثم تنكشف، وتجيء الفتنة فيقول المؤمن] [¬٥]: هذه هذه. فمن أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وليأت إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه، ومن بايع إماما فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه فليطعه إن استطاع، فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر\" قال: فدنوت منه فقلت: أنشدك الله أأنت سمعت هذا من رسول الله ﷺ؟ فأهوى إلى أذنيه وقلبه بيديه وقال [¬٦]: سمعته أذناي؛ ووعاه قلبي. فقلت له: هذا ابن عمك معاوية يأمرنا أن نأكل أموالنا بيننا بالباطل، ونقتل أنفسنا والله تعالى يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ قال [¬٧]: فسكت ساعة ثم قال: أطعه في طاعة الله؛ واعصه في معصية الله.\nوالأحاديث في هذا كثيرة.\nوقال ابن جرير (^٥٨١): حدثنا محمد بن الحسين، حدثنا أحمد بن الفضل، حدثنا أسباط، عن السدي [في قوله] [¬٨]: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ قال: بعث رسول الله صلي الله تعالى عليه وآله وسلم سرية عليها [¬٩] خالد بن الوليد، وفيها عمار بن ياسر، فساروا قبل القوم الذين يريدون، فلما بلغوا قريبًا منهم عرسوا، وأتاهم ذو العيينتين فأخبرهم،\n_________\n(^٥٨١) - تفسير ابن جرير (٨/ ٩٨٦١)، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره (٣/ ٥٥٣١) ثنا أحمد بن عثمان ابن حكيم، ثنا أحمد بن مفضل به. وهو مرسل وأفاد المصنف أن ابن مردويه وصله من طريق \"الحكم ابن ظهير عن السدى عن أبى صالح عن ابن عباس\" لكن الحكم بن ظهير متفق على تضعيفه، وأصل القصة ورد موصولًا من حديث خالد بن الوليد عند أحمد (٤/ ٨٩، ٩٠)، والطبراني (٤/ ٣٨٣٠: ٣٨٣٤) من طرق عن الأشتر مالك بن الحارث عن خالد بن الوليد … فذكر الحديث، وقال الهيثمى عن أحد طرقه: \"رجاله رجال الصحيح\" \"المجمع\" (٩/ ٢٩٦، ٢٩٧) وصححه الحاكم ووافقه الذهبى. انظر \"المستدرك\" (٣/ ٣٩٠، ٣٩١).\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٣]- في ز: \"جعل\".\n[¬٤]- في ر: \"ونصيب\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- في ز: \"فقال\".\n[¬٧]- سقط من: ز، خ.\n[¬٨]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٩]- في ز: \"فيها\".","vol":"4","page":135},{"text":"فأصبحوا وقد هربوا، غير رجل أمر [¬١] أهله فجمعوا [¬٢] متاعهم، ثم أقبل يمشي في ظلمة الليل، حتى أتى عسكر خالد، فسأل عن عمار بن ياسر، فأتاه فقال: ياأبا اليقظان، إني قد أسلمت وشهدت أن لا إله إلا اللَّه، وأن محمدًا عبده ورسوله، وإن قومي لما سمعوا بكم هربوا، وإني بقيت، فهل إسلامي نافعي غدًا وإلا هربت؟ قال عمار: بل هو ينفعك، فأقم. فأقام، فلما أصبحوا أغار خالد فلم يجد أحدًا غير الرجل فأخذه وأخذ ماله، فبلغ عمارًا الخبر، فأتى خالدًا فقال: خل عن الرجل، فإنه قد أسلم، وإنه في أمان مني. فقال خالد: وفيم أنت تجير؟ فاستبَّا وارتفعا إلى النبي ﷺ فأجاز أمان عمار، ونهاه أن يجير الثانية على أمير، فاستبَّا عند رسول الله ﷺ، فقال خالد: يا رسول الله، أتترك هذا العبد الأجدع يسبني. فقال رسول الله ﷺ: \"يا خالد، لا تسب عمارًا، فإنه من سب عمارًا يسبه الله؛ ومن [يبغض عمارًا] [¬٣] يبغضه الله [¬٤]؛ ومن يلعن عمارًا يلعنه [¬٥] اللَّه\". فغضب عمار فقام، فتبعه خالد حتى أخذ بثوبه فاعتذر إليه، فرضي عنه، فأنزل الله ﷿ قوله: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾.\nوهكذا رواه ابن أبي حاتم من طريق عن السدي مرسلا، ورواه ابن مردويه من رواية الحكم بن ظهير، عن السدي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، فذكره بنحوه، والله أعلم.\nوقال على بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ يعني: أهل الفقه والدين. وكذا قال مجاهد وعطاء والحسن البصري وأبو العالية ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ يعني: العلماء. والظاهر والله أعلم أنها [¬٦] عامة في [¬٧] كل أولي الأمر من الأمراء والعلماء كما تقدم. وقد قال تعالى: ﴿لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ﴾ وقال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ وَفي الحديث الصحيح المتفق [على صحته] [¬٨] عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ أنه قال: \"من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى اللَّه، ومن أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصى أميري فقد عصانى\" (^٥٨٢).\n_________\n(^٥٨٢) - يأتى تخريجه هنا برقم (٦٣٢).\n_________\n[¬١]- في ز: \"فأمر\".\n[¬٢]- في ت: \"فأحرقوا\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"يبغضه\".\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- في ز، خ: \"لعنه\".\n[¬٦]- في ز: \"أن الآية\".\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"جميع\".\n[¬٨]- ما بين المعكوفتين في ز: \"عليه\".","vol":"4","page":136},{"text":"فهذه أوامر بطاعة العلماء والأمراء، ولهذا قال تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ﴾ أي: اتبعوا كتابه ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ أي: خذوا بسنته ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ أي: فيما أمروكم به من طاعة الله لا في معصية الله؛ فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الله، كما تقدم في الحديث الصحيح (^٥٨٣): \" إنما الطاعة في المعروف\". وقال الإِمام أحمد (^٥٨٤): حدثنا عبد الرحمن، حدثنا همام، حدثنا قتادة، عن أبى مراية، عن [] [¬١] عمران بن حصين، عن النبي ﷺ قال: \"لا طاعة في معصية الله\".\nوقوله: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ قال مجاهد وغير واحد من السلف: أي إلى كتاب الله وسنة رسوله.\nوهذا أمر من الله- ﷿ بأن كل شيء تنازع الناس فيه من أصول الدين وفروعه أن يرد التنازع في ذلك إلى الكتاب والسنة، كما قال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ فما حكم به كتاب الله وسنة رسوله وشهدا [¬٢] له بالصحة فهو الحق، وماذا بعد الحق إلا الضلال؟ ولهذا قال تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ أي: ردوا الخصومات والجهالات إلى كتاب الله وسنة رسوله فتحاكموا إليهما فيما شجر بينكم ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ فدل على أن من لم [¬٣] يتحاكم في مجال النزاع إلى الكتاب والسنة ولا يرجع إليهما في ذلك فليس مؤمنًا بالله ولا باليوم الآخر. وقوله: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ أي: التحاكم إلى كتاب الله وسنة رسوله، والرجوع في فصل النزاع إليهما ﴿خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ أي: وأحسن عاقبة ومآلا، كما قاله السدي وغير واحد. وقال مجاهد: و[¬٤] أحسن جزاء. وهو قريب.\n﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا\n_________\n(^٥٨٣) - تقدم تخريجه هنا برقم (٥٧٤).\n(^٥٨٤) -\" المسند\" (٤/ ٤٢٦) وأخرجه الطبرانى فى \"الكبير\" (١٨/ ٧٥١) من طريق هدبة بن خالد ثنا همام به. وأخرجه أحمد أيضًا (٤/ ٤٢٧، ٤٣٦)، والطيالسى فى مسنده (٨٥٠) [ومن طريقه وطريق آخر البزار فى مسنده (٩/ ٣٥٩٩) \"البحر الزخار\"، والطبرانى (١٨/ ٥٧٠)، من طريق شعبة عن قتادة به. ورجاله ثقات رجال الشيخين غير أبى مراية هذا ذكره ابن حبان فى \"الثقات\" (٥/ ٣١) والحديث قد صح من طريق آخر وله شواهد، فراجع \"الصحيحة\" للألبانى (١/ ١٧٩: ١٨١).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين فى ز: \"عمران عن\".\n[¬٢]- في ز: \"وشهد\".\n[¬٣]- في ز: \"لا\".\n[¬٤]- سقط من: ز.","vol":"4","page":137},{"text":"بَعِيدًا (٦٠) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا (٦١) فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا (٦٢) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا (٦٣)﴾\nهذا إنكار من الله -عز رجل- على من يدعي الإيمان بما أنزل الله على رسوله وعلى الأنبياء الأقدمين، وهو مع ذلك يريد [أن يتحاكم] [¬١] في فصل الخصومات [¬٢] إلى غير كتاب الله وسنة رسوله، كما ذكر فى سبب نزول هذه الآية أنها فى رجل من الأنصار، ورجل من اليهود تخاصما فجعل اليهودي يقول بيني وبينك محمد. وذاك يقول: بيني وبينك كعب بن الأشرف. وقيل: في جماعة من المنافقين ممن أظهروا الإسلام، أرادوا أن يتحاكموا إلى حكام الجاهلية. وقيل غير ذلك. والآية أعم من ذلك كله؛ فإنها ذامّه لمن عدل عن الكتاب والسنة، وتحاكموا إلى ما [¬٣] سواهما من الباطل، وهو المراد بالطاغوت هاهنا ولهذا قال: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (٦٠) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ﴾.\n[وقوله: ﴿و] [¬٤] يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ أي: يعرضون عنك إعراضًا كالمستكبرين عن ذلك، كما قال تعالى عن المشركين: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا [¬٥] عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ [وهؤلاء] [¬٦] بخلاف المؤمنين الذين قال اللَّه فيهم: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾.\nثم قال تعالى في ذم المنافقين: ﴿فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ أي:\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ز: \"التحاكم\".\n[¬٢]- في ز: \"الحكومات\".\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٥]- في ز: \"ألفينا\".\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين تكررت في ز.","vol":"4","page":138},{"text":"فكيف بهم إذا ساقتهم المقادير إليك في مصائب تطرفهم بسبب ذنوبهم، واحتاجوا إليك في ذلك ﴿ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾ أي: يعتذرون إليك ويحلفون: ما أردنا بذهابنا إلى غيرك، وتحاكمنا إلى أعدائك [¬١] إلا الإِحسان والتوفيق، أي: المداراة والمصانعة، لا اعتقادًا منا صحة تلك الحكومة، كما أخبرَ تعالى عنهم في قوله: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ﴾ [إلى قوله] [¬٢]: ﴿فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾.\nوقد قال الطبراني (^٥٨٥): حدثنا أبو زيد أحمد بن يزيد الحوطي، حدثنا أبو اليمان، حدثنا صفوان بن عمرو [¬٣]، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: كان أبو برزة الأسلمي كاهنا يقضي بين اليهود فيما يتنافرون فيه، فتنافر إليه ناس من المسلمين فأنزل الله ﷿: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ إلى قوله: ﴿إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾.\nثم قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [هذا الضرب من الناس هم المنافقون، والله يعلم ما في قلوبهم] [¬٤]، وسيجزيهم على ذلك؛ فإنه لا تخفى عليه خافية، فاكتف به يا محمد فيهم، فإنه عالم بظواهرهم وبواطنهم. ولهذا قال له: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ أي: لا تعنفهم على ما في قلوبهم ﴿وَعِظْهُمْ﴾ اي: وانههم عما في قلوبهم من النفاق وسرائر الشر ﴿وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ أي: وانصحهم فيما بينك وبينهم بكلام بليغ رادع لهم.\n﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا (٦٤) فَلَا\n_________\n(^٥٨٥) -\" المعجم الكبير\" للطبرانى (١١/ ١٢٠٤٥) وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره (٣/ ٥٥٤٧) ثنا محمد بن عوف الحمصى، ثنا أبو اليمان يه. وذكره الهيثمى فى \"المجمع\" (٧/ ٩) وقال: \"رواه الطبرانى ورجاله رجال الصحيح\" وصحح إسناده السيوطى فى \"الدر المنثور\" (٢/ ٣١٩) ولم يعزه لغير ابن أبى حاتم والطبرانى.\n_________\n[¬١]- في ت: \"عداك\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٣]- في ت: \"عمر\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.","vol":"4","page":139},{"text":"وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾\nيقول تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ﴾ أي: فرضت طاعته على من أرسله اليهم. وقوله: ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ قال مجاهد: أي: لا يطيع أحد الا بإذني، يعني: لا يطيعهم الا من وفقته لذلك. كقوله: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾ أي: عن أمره وقدره ومشيئته وتسليطه إياكم عليهم.\nوقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ الآية [¬١] يرشد تعالى العصاة والمذنبين إذا وقعٍ منهم الخطأ والعصيان أن يأتوا إلى الرسول ﷺ فيستغفروا اللَّه عنده ويسألوه أن يستغفر لهم، فإنهم إذا فعلوا ذلك تاب اللَّه عليهم ورحمهم وغفر لهم، ولهذا قال: ﴿لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾. وقد ذكر جماعة منهم الشيخ أبو نصر بن الصباغ في كتابه \"الشامل\" الحكاية المشهورة عن العتبي قال: كنت جالسًا عند قبر النبي ﷺ، فجاء أعرابي فقال: السلام عليك يا رسول الله، سمعت الله يقول: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ وقد جئتك مستغفرًا لذنبي مستشفعًا بك إلى ربي. ثم أنشأ يقول:\nيا خير من دفنت بالقاع أعظمه … فطاب من طيبهنّ القاع والأكم\nنفسي الفداء لقبر أنت ساكنه … فيه العفاف وفيه الجود والكرم\nثم انصرف الأعرابي، فغلبتني عيني، فرأيت النبي ﵌ فى النوم فقال: \"يا عُتَبِى الحق الأعرابي فبشره أن الله قد غفر له\".\nوقوله: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ يقسم تعالى بنفسه الكريمة المقدسة أنه لا يؤمن أحد حتى يحكم الرسول ﷺ فى جميع الأمور، فما حكم به فهو الحق الذي يجب الانقياد له [باطنا وظاهر] [¬٢]. ولهذا قال: ﴿ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ أي: إذا حكموك يطعونك في بواطنهم، فلا يجدون [¬٣] في أنفسهم حرجا مما حكمت به، وينقادون [¬٤] له في الظاهر\n_________\n[¬١]- بعده فى خ: \"وقد ذكر جماعة\".\n[¬٢]- في ز: \"ظاهرا وباطنا\".\n[¬٣]- في ز: \"يجدوا\".\n[¬٤]- في ز: \"ينقادوا\".","vol":"4","page":140},{"text":"والباطن [¬١]، فيسلمون [¬٢] لذلك تسليمًا كليًّا من غير ممانعة ولا مدافعة ولا منازعة، كما ورد في الحديث (^٥٨٦): \" والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به\".\nوقال البخاري (^٥٨٧): حدثنا على بن عبد الله، حدثنا محمد بن جعفر، أخبرنا معمر، عن الزهري، عن عروة قال: خاصم الزبير رجلًا في شريج من الحرة، فقال النبي ﷺ: \"اسق يا زبير ثم أرسل الماء إلى جارك\". فقال الأنصاري: يا رسول الله، أن كان ابن عمتك؟ فتلون وجه رسول الله صلى الله عليه زسلم ثم قال: \"اسق يا زبير، ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر، ثم أرسل الماء إلى جارك\". فاستوعى [¬٣] النبي ﷺ للزبير حقه في صريح الحكم حين أحفظه الأنصاري، وكان أشار عليهما ﷺ بأمر لهما فيه سعة، قال الزبير: فما أحسب هذه الآية [¬٤] إلا نزلت في ذلك ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ الآية [¬٥].\n_________\n(^٥٨٦) - أخرجه ابن أبى عاصم فى \"السنة\" (١/ رقم ١٥)، والبغوى فى \"شرح السنة\" (١/ رقم ١٠٤) وابن بطة العُكبرى فى \"الإبانة\" (١/ رقم ٢٧٩)، والخطيب البغدادى فى \"تاريخ بغداد\" (٤/ ٣٦٩) وزاد عزوه الألبانى فى \"حاشية السنة\" إلى الحسن بن سفيان فى \"الأربعين\" له (ق ١/ ٦٥) وعنه السلفى فى \"الأربعين البلدانية\" (ق ٢/ ٣٢) وفى \"معجم السفر\" (ق / ١٩٢/ ١) والهروى فى \"ذم الكلام\" (٢/ ٢/٤٠) والقاسم بن عساكر فى \"طرق الأربعين\" (ق/ ٥٩/ ٢) - كلهم من طريق نعيم بن حماد ثنا عبد الوهاب الثقفى ثنا هشام بن حسان عن محمد بن سيرين عن عقبة بن أوس عن عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعًا به، قال الألبانى: \"إسناده ضعيف، رجاله ثقات، غير نعيم بن حماد ضعيف لكثرة خطه وقد اتهمه بعضهم\" ومع هذا فقد قال النووى: \"حديث حسن صحيح\" رويناه فى كتاب \"الحجة\" ياسناد \"صحيح\" وتعقبه الحافظ ابن رجب بأن \"تصحيح هذا الحديث بعيدٌ من وجوه … \" ثم شرع فى ذكر هذه الوجوه فراجع \"جامع العلوم والحكم\" (٢/ ٤٣١: ٤٣٤) وسها الحافظ ابن حجر فى \"الفتح\" (١٣/ ٢٨٩) فجعله من مسند أبى هريرة وقال: \"أخرجه الحسن بن سفيان وغيره، ورجاله ثقات، وقد صجحه النووى فى آخر \"الأربعين\"!!.\n(^٥٨٧) - صحيح البخارى، كتاب التفسير، باب: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ (٤٥٨٥) ورواه فى كتاب: المساقاة، باب: شرب الأعلى قبل الأسفل\" (٢٣٦١)، والبيهقى فى \"السنن الكبرى\" (٦/ ١٥٣، ١٥٤) (١٠/ ١٠٦) من طريق عبد الله بن المبارك أخبرنا معمر به، وأخرجه البخارى أيضًا (٢٣٦٢) ثنا محمد بن سلام أخبرنا مخلد بن يزيد الحرَّانى قال: أخبرنى ابن جريج قال: حدثنى ابن شهاب الزهرى به. وانظر ما بعده.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في ز: \"فيسلموا\".\n[¬٣]- في ز: \"واستوعى\".\n[¬٤]- في ز: \"الآيات\".\n[¬٥]- سقط من: ز.","vol":"4","page":141},{"text":"وهكذا رواه البخاري هاهنا، أعني في كتاب \"التفسير\" من [¬١] صحيحه من حديث معمر، و[¬٢] في كتاب \"الشرب\" من حديث ابن جريج ومعمر أيضا، وفي كتاب \"الصلح\" من حديث شعيب بن أبي حمزة ثلاثتهم عن الزهري، عن عروة فذكره، وصورته صورة الإرسال، وهو متصل في المعنى، وقد رواه الإِمام أحمد (^٥٨٨) من هذا الوجه فصرح بالإرسال فقال: حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، عن الزهري، أخبرني عروة بن الزبير، أنَّ الزبير كان يحدث أنه كان يخاصم رجلًا من الأنصار فد شهد بدرًا إلى النبي ﷺ في شراج الحرة، كانا يسقيان بها كلاهما فقال النبي ﷺ للزبير: \"اسق ثم أرسل إلى جارك\". فغضب الأنصاري وقال: يا رسول الله أن كان ابن عمتك؟ فتلون وجه رسول الله ﷺ ثم قال: \"اسق يا زبير، ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر\". فاستوعى النبي ﷺ للزبير حقه، وكان النبي ﷺ قبل ذلك أشار على الزبير برأي أراد فيه سعة له وللأنصاري، فلما أحفظ [¬٣] الأنصاري رسول الله ﷺ استوعى النبي ﷺ للزبير حقه في صريح الحكم. [ثم قال] [¬٤]: قال عروة: فقال الزبير: والله ما أحسب هذه الآية نزلت إلا في ذلك: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا\n_________\n(^٥٨٨) - \" المسند\" (١/ ١٦٥، ١٦٦)، وأخرجه البخارى، كتاب الصلح، باب: إذا أشارَ الإمام بالصلح فأبى حكم عليه بالحكم البَين (٢٧٠٨) [ومن طريقه البغوى فى \"شرح السنة\" (٨/ ٢١٩٤)] والواحدى فى \"أسباب النزول\" (٣٣٣) من طريق أبى اليمان به. وقول المصنف: \"هو منقطع بين عروة وبين أبيه الزبير، فإنه لم يسمع منه، والذى يقطع به أنه سمعه من أخيه عبد الله … \" تعقبه الشيخ أبو الأشبال فى حاشية \"المسند\" (٣/ ١٤/ رقم ١٤١٩) فقال: \"الحديث حديث الزبير، ولا يبعد أن يكون سمعه منه ابناه عبد الله وعروة، وأن يكون عروة سمعه أيضًا من أخيه عبد الله، أو ثبته عبد الله في، وأما ادعاء أن عروة لم يسمع من أبيه فالأدلة تنقضه فإنه كان مراهقًا أو بالغًا عند مقتل أبيه، كانت سنه ثلاث عشرة سنة، وفى \"التهذيب\": قال مسلم بن الحجاج فى كتاب \"التمييز\": حج عروة مع عثمان، وحفظ عن أييه فمن دونهما من الصحابة\" ونقل ذلك أيضًا فى حاشية تفسير ابن جرير (٨/ ٥٢١) وزاد هناك بـ \"أن البخارى صرح في ترجمة \"عروة\" فى \"التاريخ الكبير\" (٤/ ١/ ٣١) بسماعه من أبيه فقال: \"سمع أباه وعائشة وعبد الله بن عمر، وأن الإمام أحمد روى حديثًا آخر قبله (١٤١٨) من طريق هشام بن عروة، عن عروة، قال: أخبرنى أبى الزبيرُ وإسناده صحيح، وفيه التصريح بسماع عروة من أبيه، وأن الحافظ فى \"الفتح\" (٥/ ٣٥)، قال: \"وإنما صححه البخارى -مع هذا الاختلاف- اعتمادًا على صحة سماع عروة من أبيه وعلى صحة سماع عبد الله بن الزبير من النبى ﷺ فكيفما دار فهو على ثقة\" اهـ.\n_________\n[¬١]- في ت: \"في\".\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- في ز: \"أخفظ\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"4","page":142},{"text":"يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.\nهكذا رواه الإِمام أحمد، وهو منقطع بين عروة وبين أبيه الزبير؛ فإنه لم بسمع منه، والذي يقطع به أنه سمعه من أخيه عبد الله، فإن أبا محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم رواه كذلك في تفسيره، فقال (^٥٨٩): حدثنا يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وهب، حدثنا الليث ويونس، عن ابن شهاب، أن عروة بن الزبير حدثه، أن عبد الله بن الزبير حدثه، عن الزبير بن العوام، أنه خاصم رجلًا من الأنصار قد شهد بدرا مع النبي ﷺ إلى رسول الله ﷺ في شراج في الحرة كانا يسقيان به كلاهما النخل، فقال الأنصاري: سرح الماء يمر. فأبى عليه الزبير [¬١]، فقال رسول الله ﷺ: \"اسق يا زبير، ثم أرسل إلى جارك\". فغضب الأنصاري، وقال: يا رسول الله أن كان ابن عمتك؟ فتلون وجه رسول الله ﷺ ثم قال: \"اسق يا زبير ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر\". واستوعى رسول الله ﷺ للزبير حقه، وكان رسول الله ﷺ قبل ذلك أشار على الزبير برأي أراد فيه السعة له وللأنصاري فلما أحفظ الأنصاري رسول الله ﷺ استوعى للزبير حقه في صريح الحكم، فقال الزبير: ما أحسب هذه الآية إلا في ذلك ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.\nوهكذا رواه النسائي من حديث ابن وهب، به. ورواه أحمد والجماعة كلهم من حديث الليث به (^٥٩٠)، وجعله أصحاب الأطراف في مسند عبد الله بن الزبير، وكذا ساقه الإِمام\n_________\n(^٥٨٩) - تفسير ابن أبى حاتم (٣/ ٥٥٥٨)، وأخرجه النسائى فى \"السنن\" (٨/ ٢٣٨) أخبرنا -يونس بن عبد الأعلى والحارث بن مسكين، وابن الجارود فى \"المنتقى\" (١٠٢١) أخبرنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، وابن جرير فى تفسيره (٨/ ٩٩١٢) حدثنى يونس بن عبد الأعلى ثلاثتهم- (يونس والحارث ومحمد) أخبرنا ابن وهب به. ورواه الإسماعيلى أيضًا -كما فى \"الفتح\" (٥/ ٣٥) - من طريق ابن وهب به، قال ابن حجر: \"كأن ابن وهب حمل رواية الليث على رواية يونس، وإلا فرواية الليث ليس فيها ذكر الزبير والله أعلم\" وخطأ هذه الرواية أبو حاتم، فقال ابنه فى \"العلل\" (١/ ١١٨٥): \"سمعت أبى وذكر حديثًا رواه ابن وهب عن يونس يزيد والليث بن سعد عن الزهرى عن عروة بن الزبير عن عبد الله بن الزبير عن الزبير بن العوام … الحديث قال: سمعت أبى يقول: أخطأ ابن وهب فى هذا الحديث؛ الليث لا يقول: عن الزبير، قال أبو محمد -ابن أبى حاتم-: إنما يقول الليث: عن الزهرى عن عروة أن عبد الله بن الزبير حدثه أن رجلًا .. الحديث\" قلت: وقد رواه جماعة عن الليث هكذا دون ذكر \"الزبير\" في وهو الآتى.\n(^٥٩٠) - أخرجه أحمد (٤/ ٤، ٥) ثنا هاشم بن القاسم، والبخارى، كتاب المساقاة: باب: سكر =\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.","vol":"4","page":143},{"text":"أحمد في مسند عبد الله بن الزبير. والله أعلم. والعجب كل العجب من الحاكم أبي عبد الله النيسابوري؛ فإنه روى هذا الحديث (^٥٩١) من طريق ابن أخي ابن شهاب، عن عمه، عن عروة، عن عبد الله بن الزبير، عن الزبير، فذكره ثم قال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. فإني لا أعلم أحدًا أقام بهذا الإِسناد عن الزهري بذكر عبد الله بن الزبير غير ابن أخيه، وهو عنه ضعيف.\nوقال [] [¬١] أبو بكر بن مردويه (^٥٩٢): حدثنا محمد بن علي أبو دحيم، حدثنا أحمد بن\n_________\n=الأنهار (٢٣٥٩، ٢٣٦٠) حدثنا عبد الله بن يوسف، ومسلم كتاب الفضائل، باب: وجوب اتباعه ﷺ (١٢٩) (٢٣٥٧) ثنا قتيبة بن سعيد ومحمد بن رمح، والترمذى (١٣٦٣، ٣٠٢٧)، والنسائى ومن طريقه ابن بشكوال فى \"الغوامض والمبهمات\" (٢/ ٥٧١) (٨/ ٢٤٥) عن قتيبة، وابن ماجة (١٥، ٢٤٨٠) ثنا محمد بن رمح، وأبو داود (٣٦٣٧) وعبد بن حميد فى \"المنتخب\" (٥١٩)، والبزار فى مسنده \"البحر الزخار\" (٣/ ٩٦٩) من طريق أبى الوليد الطيالسى - خمستهم (هاشم وعبد الله وقتيبة ومحمد وأبو الوليد) أخبرنا الليث عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير، أن عبد الله بن الزبير حدثه أن رجلًا من الأنصار … وقال البخارى عقبه: \"ليس أحد يذكر عُروة عن عبد الله إلا الليث فقط\" قال ابن حجر فى \"الفتح\" (٥/ ٣٨): \"هو مصرح بتفرد الليث بذكر عبد الله بن الزبير فى إسناده: فإن أراد مطلقًا ورد عليه ما أخرجه النسائى وغيره من طريق ابن وهب عن الليث ويونس جميعًا عن الزهرى. وإن أراد بقيد أنه لم يقل فيه \"عن أبيه\" بل جعله من مسند عبد الله بن الزبير فمسلَّم؛ فإن رواية ابن وهب فيها عن عبد الله عن أبيه … وقد نقل الترمذى عن البخارى أن ابن وهب روى عن الليث ويونس نحو رواية كعيبة عن الليث\".\n(^٥٩١) - \" المستدرك\" (٣/ ٣٦٤) من طريق أبى نعيم ضرار بن صرد، ثنا عبد العزيز بن محمد الدراوردى، ثنا محمد بن عبد الله بن مسلم الزهرى عن عمه عن عروة به، قال أبو الحسن الدارقطنى فى \"العلل\" (٤/س ٥٢٦): \"هو حديث يرويه الزهرى، واختلف عنه؛ فرواه ابن أخى الزهرى عن الزهرى عن عروة عن عبد الله بن الزبير، قال ذلك ضرار بن صرد عن الدراوردى عن ابن أخى الزهرى، وكذلك قال ابن وهب عن يونس بن يزيد والليث بن سعد عن الزهرى عن عروة عن ابن الزبير عن الزبير، وقال غيره: عن الليث بن سعد عن الزهرى عن عروة عن ابن الزبير أن رجلًا خاصم الزبير عند النبى ﷺ جعلوه من مسند عبد الله بن الزبير عن النبى ﷺ ورواه شعيب بن أبى حمزة ومحمد بن أبى عتيق وابن جريج ومعمر وعمر بن سعيد عن الزهرى عن عروة عن الزبير، ولم يذكروا فيه عبد الله بن الزبير، وكذلك قال شيب بن سعيد عن يونس، وتابعه أحمد بن صالح وحرملة عن ابن وهب عن يونس، وهو المحفوظ عن الزهرى والله أعلم\".\n(^٥٩٢) - سلمة هو ابن عبد الله بن عمر بن أبى سلمة ذكره ابن حبان فى ثقات أتباع التابعين وروى عنه أكثر من واحد، وفى \"التقريب\": \"مقبول\"، وباقى رجاله ثقات غير أحمد بن حازم فقد ترجم له =\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ز: \"الحافظ\".","vol":"4","page":144},{"text":"حازم، حدثنا الفضل بن دكين، حدثنا ابن عيينة، عن عمر: بن دينار، عن سلمة- رجل من آل أبي سلمة- قال: خاصم الزبير رجلًا إلى النبي ﷺ، فقضى للزبير، فقال الرجل له [¬١]: إنما قضى له لأنه ابن عمته. فنزلت: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ﴾ الآية.\nوقال ابن أبي حاتم (^٥٩٣): حدثنا أبي، حدثنا عمرو بن عثمان، حدثنا أبو حيوة، حدثنا سعيد بن عبد العزيز، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، في قوله: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [] [¬٢] قال: نزلت [¬٣] فى الزبير بن العوام وحاطب بن أبي بلتعة، اختصما في ماء فقضى النبي ﷺ أن يسقي الأعلى ثم الأسفل. هذا مرسل، ولكن فيه فائدة تسمية الأنصاري.\n\n<span data-type='title' id=toc-87>ذكر سبب آخر غريب جدًّا</span>\nقال ابن أبي حاتم (^٥٩٤): حدثنا يونس بن عبد الأعلى. قراءة، أخبرنا ابن وهب، أخبرني عبد الله بن لهيعة، عن أبي الأسود قال: اختصم رجلان إلى رسول الله ﷺ فقضى\n_________\n= ابن ماكولا فى \"الإكمال\" (٦/ ٢٠٢، ٢٠٣) ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا، لكنه أفاد أن له مسندًا، ومع هذا فالحديث هكذا مرسلٌ، لكن وصله الحميدى فى مسنده (١/ رقم ٣٠٠) [ومن طريقه ابن جرير فى تفسيره (٨/ ٩٩١٤)، والطبرانى فى \"المعجم الكبير\" (٢٣/ ٦٥٢) من طريق يعقوب بن حميد والواحدى فى \"أسباب النزول\" (٣٣٤) من طريق حامد بن يحيى بن مكى -ثلاثتهم (الحميدى، ويعقوب، وحامد) ثنا سفيان عن عمرو بن دينار عن سلمة عن أم سلمة به، وذكره الهيثمى فى \"المجمع\" (٩/ ٧) وقال: \"رواه الطبرانى وفيه يعقوب بن حميد، وثقه ابن حبان وضعفه غيره\" ولا يضره هنا؛ لأنه متابع من إمامين ثقتين. والخبر أشار له الحافظ ابن حجر فى \"الفتح\" (٥/ ٣٥) فقال: \"وقد جاءت هذه القصة من وجه آخر أخرجها الطبرى والطبرانى من حديث أم سلمة\" وزاد نسبته السيوطى فى \"الدر المنثور\" (٢/ ٣٢٢) إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٥٩٣) - تفسير ابن أبى حاتم (٣/ ٥٥٥٩) ورجاله ثقات من رجال \"التهذيب\" غير أنه مرسل، لكن مراسيل سعيد بن المسيب من أصح المراسيل، وقال الحافظ ابن حجر فى \"الفتح\" (٥/ ٣٥، ٣٦): \"إسناده قوى مع إرساله، فإن كان سعيد بن المسيب سمعه ست الزبير فيكون موصولًا، وقد اختلف فى الرجل المذكور فى القصة مع الزببر بن العوام فراجع إن شئت \"الفتح \".\n(^٥٩٤) - تفسير ابن أبى حاتم (٣/ ٥٥٦٠) ورواه ابن مردويه فى تفسيره [كما أفاده المصنف وكذا عزاه له السيوطى فى \"الدر المنثور\" (٢/ ٣٢٢) ولم يعزه لغيرهما] عن طريق ابن لهيعة عن أبى الأسود به، =\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز: \"الآية\".\n[¬٣]- في ز: \"أنزلت\".","vol":"4","page":145},{"text":"بينهما، [فقال الذي قضى عليه] [¬١]: ردنا إلى عمر بن الخطاب، فقال رسول الله ﷺ: \"نعم [¬٢]، انطلقا إليه\" فلما أتيا اليه قال الرجل: يا ابن الخطاب قضى لي رسول الله ﷺ على هذا، فقال: ردنا إلى عمر بن الخطاب. فردنا إليك، فقال: أكذاك؟ قال [¬٣]: نعم. فقال عمر: مكانكما حتى أخرج إليكما فأقضي بينكما. فخرج إليهما مشتملا على سيفه فضرب الذي قال ردنا إلى عمر فقتله، وأدبر الآخر، فارًّا إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله قتل عمر والله [¬٤] صاحبي ولولا [¬٥] أني أعجزته لقتلني، فقال رسول الله ﷺ: \"ما كنت أظن أن يجترئ عمر على قتل مؤمن\". فأنزل الله ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. فهدر دم ذلك الرجل وبرئ عمر من قتله، فكره الله أن يسن ذلك بعد، فأنزل [¬٦]: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ الآية.\nوكذا رواه ابن مردويه من طربق ابن لهيعة، عن أبي الأسود به.\nوهو أثر غريب وهو [¬٧] مرسل، وابن لهيعة ضعيف والله أعلم.\n(طريق أخرى): قال الحافظ أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الرحمن بن إبراهيم بن دحيم في تفسيره (^٥٩٥): حدثنا شعيب بن شعيب، حدثنا أبو المغيرة، حدثنا عتبة بن ضمرة، حدثني أبي، أن رجلين اختصما [إلى النبي] [¬٨] ﷺ فقضى للمحق على المبطل،\n_________\n= وأبو الأسود هو محمد بن عبد الرحمن بن نوفل وهو لم يسمع من الصحابة إلا بواسطة فهو هكذا منقطع، وقد أعله المصنف فقال: \"وهو أثر غريب مرسل وابن لهيعة ضعيف\" لكن أورده المصنف فى \"مسند الفاروق\" (٢/ ٥٧٥): \"قال ابن دحيم: حدثنا الجوزجانى، حدثنا أبو الأسود به\" وأخشى أن يكون الإسناد فيه سقط؛ فإنى لم أهتد من اسمه \"الجوزجانى\" فى هذه الطبقة والله تعالى أعلم، وانظر ما بعده.\n(^٥٩٥) - وذكره المصنف فى \"مسند الفاروق\" كما هنا (٢/ ٥٧٥) وإسناده حسن غير أنه مرسل، لكن عضده المصنف بالسابق فى المصدر المذكور آنفا، وهذا الخبر ذكره السيوطى فى \"الدر المنثور\" (٢/ ٣٢٢) ولم يعزه لغير دحيم.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ت: \"قال المقضى عليه\".\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- في ز: \"فقال\".\n[¬٤]- سقط من: خ.\n[¬٥]- في ز: \"ولوما\".\n[¬٦]- في ز، خ: \"فقال\".\n[¬٧]- سقط من: ت.\n[¬٨]- في ز: \"للنبي\".","vol":"4","page":146},{"text":"فقال المقضي عليه: لا أرضى فقال صاحبه: فما تريد؟ قال: أن نذهب إلى أبي بكر الصديق. فذهبا اليه، فقال الذي قضى له: قد اختصمنا إلى النبي ﷺ فقضى لي. فقال أبو بكر: أنتما [¬١] على ما قضى به رسول الله ﷺ. فأبى صاحبه أن يرضى، فقال: نأتي عمر بن الخطاب، فأتياه. فقال المقضي له [¬٢]: قد اختصمنا إلى النبي ﷺ فقضى لي عليه، فأبى أن يرضى، فسأله عمر بن الخطاب فقال: كذلك، فدخل عمر منزله وخرج والسيف في يده قد سله فضرب به رأس الذى أبى أن يرضى فقتله، فأنزل الله: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ الآية.\n﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (٦٦) وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا (٦٧) وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٦٨) وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩) ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا (٧٠)﴾\nيخبر تعالى عن أكثر الناس أنهم لو أمروا بما هم مرتكبونه من المناهي لما فعلوه؛ لأن طباعهم الرديئة مجبولة على مخالفة الأمر، وهذا من علمه ﵎ بما لم يكن أو كان فكيف كان يكون، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾.\nقال ابن جرير [¬٣] (^٥٩٦): حدثني المثنى، حدثنى إسحاق حدثنا أبو زهير [¬٤]، عن إسماعيل، عن أبي إسحاق السبيعي، قال: لما نزلت ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ الآية؛ قال رجل: لو أمرنا لفعلنا والحمد لله الذي عافانا، فبلغ ذلك النبي ﷺ، فقال: \"إن من أمتي لرجالًا الإِيمان أثبت في قلوبهم من\n_________\n(^٥٩٦) - تفسير ابن جرير (٨/ ٩٩٢١) ولم يعزه السيوطى فى \"الدر المنثور\" (٢/ ٣٢٤) لغيره، وهو مرسل.\n_________\n[¬١]- في ز: \"فأنتما\".\n[¬٢]- فى ز: \"عليه\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"جريج\".\n[¬٤]- في ز وخ: \"الأزهر\".","vol":"4","page":147},{"text":"الجبال الرواسي\".\nوقال ابن أبي حاتم (^٥٩٧): حدثنا جعفر بن منير، حدثنا روح، حدثنا هشام، عن الحسن، قال: لما [¬١] نزلت [] [¬٢]: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ الآية، قال أناس من أصحاب النبي ﷺ: لو فعل ربنا لفعلنا. فبلغ النبي ﷺ فقال: \"للإِيمان أثبت في قلوب أهله من الجبال الرواسي\".\nوقال السدي: افتخر ثابت بن قيس بن شماس ورجل من اليهود، فقال اليهودي: والله لقد كتب الله علينا القتل فقتلنا أنفسنا، فقال ثابت: والله لو كتب علينا ﴿أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ لفعلنا [¬٣]. فأنزل الله هذه الآية. رواه ابن أبي حاتم (^٥٩٨).\nوقال ابن أبي حاتم (^٥٩٩): حدثنا أبي، حدثنا محمود بن غيلان، حدثنا بشر بن السري، حدثنا مصعب بن ثابت، عن عمه عامر بن عبد الله بن الزبير، فال: لما نزلت ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾ قال: قال رسول الله ﷺ: \"لو نزلت لكن [¬٤] ابن أم عبد منهم\".\nوحدثنا أبي (^٦٠٠)، حدثنا أبو اليمان، حدثنا إسماعيل بن عياش، عن صفوان بن عمرو، عن\n_________\n(^٥٩٧) - تفسير ابن أبى حاتم (٣/ ٥٥٦٥) ولم يعزه السيوطى فى \"الدر المنثور\" (٢/ ٣٢٤) لغيره، وهو مرسل أيضًا، وقال السيوطى: \"وأخرج ابن المنذر من طريق إسرائيل عن أبى إسحاق عن زيد بن الحسن قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ قال ناس من الأنصار: والله لو كتبه الله علينا لقبلنا، الحمد لله الذى عافانا، ثم الحمد لله الذى عافانا، فقال رسول الله ﷺ: \"الإيمان أثبت فى قلوب رجل من الأنصار من الجبال الرواسى\" ورجاله ثقات أثبات غير أنه مرسل أيضًا.\n(^٥٩٨) - تفسير ابن أبى حاتم (٣/ ٥٥٦٨) وكذا رواه ابن جرير (٨/ ٩٩٢٠).\n(^٥٩٩) - تفسير ابن أبى حاتم (٣/ ٥٥٦٦) غير أن متنه بخلاف ما أورده المصنف هنا، فالذى فيه: \"عن عامر بن عبد الله بن الزبير قال: لما نزلت: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ قال أبو بكر: يا رسول الله، والله لو أمرتنى أن أقتل نفسى لفعلت. قال: \"صدقت يا أبا بكر\" وكذا أورده السيوطى فى \"الدر المنثور\" (٢/ ٣٢٤) وعزاه لابن أبى حاتم، ولم أر ذكرًا لعبد الله بن مسعود عند هذه الآية فالله أعلم، وعلى كل فإن هذا الإسناد مرسل، ومصعب بن ثابت \"لين الحديث\" كما فى \"التقريب\".\n(^٦٠٠) - تفسير ابن أبى حاتم (٣/ ٥٥٦٤) ولم يعزه السيوطى فى \"الدر المنثور\" (٣٢٤١٢) لغيره، وهو مرسل.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين فى ز: \"هذه الآية\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"لقتلنا\".\n[¬٤]- في ز: \"كان\".","vol":"4","page":148},{"text":"شريح بن عبيد، قال: لما تلا رسول الله ﷺ هذه الآية: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ الآية [¬١]، أشار رسول الله ﷺ بيده إلى عبد الله بن رواحة [فقال: \"لو أن الله كتب ذلك لكان هذا من أولئك القليل\" يعني ابن رواحة] [¬٢].\nولهذا قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ﴾ أي: ولو أنهم فعلوا ما يؤمرون به، وتركوا ما ينهون عنه ﴿لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ أي: من مخالفة الأمر وارتكاب النهي. ﴿وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ قال السدي. أي: وأشد تصديقًا ﴿وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا﴾ أي: من عندنا] [¬٣] ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾ يعني: الجنة ﴿وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ أي: في الدنيا والآخرة.\nثم قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ أي: من عمل بما أمره الله به [¬٤] ورسوله، وترك ما نهاه الله عنه ورسوله، فإن الله ﷿ يسكنه دار كرامته، ويجعله مرافقًا للأنبياء، ثم من بعدهم في الرتبة وهم الصديقون، ثم الشهداء، ثم عموم المؤمنين وهم الصالحون الذين صلحت سرائرهم وعلانيتهم.\nثم أثنى عليهم تعالى، فقال: ﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾.\nو[¬٥] قال البخاري (^٦٠١): حدثنا محمد بن عبد الله بن حوشب، حدثنا إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن عروة، عن عائشة، قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"ما من نبي يمرض إلا خير بين الدنيا والآخرة\". وكان في شكواه الذي قبض فيه أخذته [¬٦] بحة شديدة، فسمعته يقول: ﴿مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ فعلمت أنه خُيِّر.\nوكذا رواه مسلم من حديث شعبة عن سعد بن إبراهيم - به.\n_________\n(^٦٠١) - صحيح البخارى: كتاب: التفسير، باب: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ﴾ (٤٥٨٦) وكذا رواه فى كتاب المغازى، باب: مرض النبى ﷺ ووفاته (٤٤٣٥) [وانظر أطرافه ثمة] ومسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب: فى فضل عائشة ﵂ (٨٦) (٢٤٤٤)، وأحمد (٦/ ١٧٦، ٢٠٥، ٢٦٩) والنسائى فى \"عمل اليوم والليلة\" (١٠٩٤)، وابن ماجة (١٦٢٠) من طريق شعبهْ عن سعد بن إبراهيم به.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- سقط من: ز.\n[¬٦]- في ز: \"فأخذته\".","vol":"4","page":149},{"text":"وهذا معنى قوله ﷺ في الحديث الآخر (^٦٠٢): \" اللهم في الرفيق الأعلى\". ثلاثًا، ثم قضى. عليه أفضل الصلاة والتسليم.\n\n<span data-type='title' id=toc-88>(ذكر سبب نزول هذه الآية الكريمة)</span>\nقال ابن جرير [¬١] (^٦٠٣): حدثنا ابن حميد، حدثنا يعقوب القمي، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير، قال جاء رجل من الأنصار إلى رسول الله ﷺ وهو محزون، فقال له النبي ﷺ: \"يا فلان؛ ما لي أراك محزونًا\". فقال: يا نبي الله؛ شيء فكرت فيه. فقال: \"ما هو؟ \" قال: نحن نغدو عليك ونروح ننظر إلى وجهك ونجالسك، و[¬٢] غدا ترفع مع النبيين فلا نصل إليك. فلم يردّ عليه [¬٣] النبي ﷺ شيئًا، فأتاه جبريل بهذه الآية ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾. فبعث النبي ﷺ فبشره.\nوقد روي هذا الأثر مرسلًا عن مسروق وعن [¬٤] عكرمة وعامر الشعبي وقتادة وعن الربيع ابن أنس، وهو من أحسنها سندًا [¬٥].\nقال [¬٦] ابن جرير (^٦٠٤): حدّثنا المثنى، [ثنا إسحاق] (*) ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قوله: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ الآية، قال: إن أصحاب النبي ﷺ قالوا: قد علمنا أن النبي ﷺ له فضل على من آمن به في درجات\n_________\n(^٦٠٢) - أخرجه البخارى، كتاب المغازى، باب: مرض النبي ﷺ ووفاته (٤٤٣٧) وانظر أطرافه عند رقم (٨٩٠) ومسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب: فضل عائشة ﵂ (٨٧) (٢٤٤٤) وغيرهما، من حديث عائشة.\n(^٦٠٣) - تفسير ابن جرير (٨/ ٩٩٢٤) وإسناده يحتمل التحسين غير أنه مرسل، ولم يعزه السيوطى فى \"الدر المنثور\" (٢/ ٣٢٥) لغير ابن جرير، وراجع باقى الآثار المشار إليها فى تفسير ابن جرير وابن أبى حاتم و\"الدر المنثور\".\n(^٦٠٤) - تفسير ابن جرير (٨/ ٩٩٢٨) وهو مرسل أيضًا، ولم يعزه السيوطى فى \"الدر المنثور\" (٢/ ٣٢٥) لغير ابن جرير.\n(*) زيادة من الطبري.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"جريج\".\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- سقط من: ز.\n[¬٥]- في ز: \"شيا\"، خ: \"شيئًا\".\n[¬٦]- في ز: \"وقال\".","vol":"4","page":150},{"text":"الجنة ممن اتبعه وصدّقه، وكيف لهم إذا اجتمعوا في الجنة أن يرى بعضهم بعضًا؟ فأنزل الله في ذلك يعني هذه الآية، فقال -يعني رسول الله ﷺ: \"إن الأعلين ينحدرون إلى من هو أسفل منهم، فيجتمعون في رياضها [¬١]، فيذكرون ما أنعم الله عليهم، ويثنون عليه، [وينزل لهم] [¬٢] أهل الدرجات فيسعون عليهم بما يشتهون وما يدعون به، فهم في روضة يحبرون ويتنعمون فيه\".\nوقد روي مرفوعًا من وجه آخر، فقال أبو بكر بن مردويه (^٦٠٥): حدثنا عبد الرحيم بن محمد ابن مسلم، حدثنا إسماعيل بن أحمد بن أسيد، حدثنا عبد الله بن عمران، حدثنا فضيل بن عياض، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة، قالت: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله؟ إنك لأحب إلى من نفسي، وأحب إلي من أهلى، وأحب إلي من ولدي، وإني لأكون في البيت فأذكرك فما أصبر حتى آتيك فأنظر إليك، وإذا ذكرت موتي وموتك عرفت أنك إذا فى خلت الجنة رفعت مع النبيين، وإن دخلت الجنة خشيت أن لا أراك. فلم ود عليه النبي ﷺ حتى نزلت عليه: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾.\nوهكذا رواه الحافظ أبو عبد الله المقدسي في كتابه \"صفة الجنة\" من طريق الطبراني، عن أحمد بن عمرو بن مسلم الخلال، عن عبد الله بن عمران العابدي، به، ثم قال: لا أرى بإسناده بأسًا. والله أعلم.\nوقال ابن مردويه أيضًا (^٦٠٦): حدثنا سليمان بن أحمد، حدثنا العباس بن الفضل الأسفاطي،\n_________\n(^٦٠٥) - عزاه لابن مردويه السيوطى فى \"الدر المنثور\" (٢/ ٣٢٤) وأخرجه الطبرانى فى \"المعجم الأوسط\" (١/ رقم ٤٧٧) وفى \"الصغير\" (ص ٢٦) [وعنه أبو نعيم فى \"الحلية\" (١٨/ ١٢٥) وعن أبي نعيم الواحدى فى \"أسباب النزول\" (٣٣٧) ومن طريق الطبرانى رواه أيضًا الضياء المقدسى كما قال المصنف والسيوطى ونقل تحسينه عنه] من طريق أحمد بن عمرو الخلال ثنا عبد الله بن عمران العابدى به، وقال الطبرانى: \"لم يروه عن منصور عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة إلا فضيل، تفرد به عبد الله ابن عمران\" وهو صدوق مُعمّر كما فى \"التقريب\" وباقى رجاله ثقات من رجال الشيخين، غير أن أبا نعيم قال: \"غريب من حديث فضيل ومنصور متصلًا، تفرد به فيما قاله سليمان الطبرانى\" وذكره الهيثمى فى \"المجمع\" (٧/ ١٠) وقال: \"رواه الطبرانى فى \"الصغير\" و\"الأوسط\" ورجاله رجال الصحيح غير عبد الله بن عمران العابدى وهو ثقة\".\n(^٦٠٦) - وعزاء لابن مردويه السيوطى فى \"الدر المنثور\" (٢/ ٣٢٥) والحديث فى \"المعجم=\n_________\n[¬١]- في خ: \"رياض\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز: \"ينزلهم\".","vol":"4","page":151},{"text":"حدثنا [أبو بكر بن ثابت بن عباس البصري]، حدثنا خالد بن عبد الله، عن عطاء بن السائب، عن عامر الشعبي، عن ابن عباس، أن رجلًا أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله؛ إني لأحبك، حتى إني لأذكرك في المنزل فيشق ذلك على، وأحب أن أكون معك في الدرجة. فلم ورد عليه النبي ﷺ شيئًا؛ فأنزل الله- ﷿[هذه الآية] [¬١].\nوقد رواه ابن جرير (^٦٠٧)، عن ابن حميد، عن جرير، عن عطاء، عن الشعبي مرسلًا. وثبت في صحيح مسلم (^٦٠٨) من حديث هقل بن زياد، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن ربيعة بن كعب الأسلمي، أنه قال: كنت أبيت عند النبي ﷺ فأتيته بوضوئه [¬٢] وحاجته. فقال لي: \"سل\". فقلت: يا رسول الله؛ أسألك مرافقتك في الجنة. فقال: \"أو غير ذلك\". قلت: هو ذاك. قال: \"فأعني على نفسك بكثرة السجود\".\nوقال الإِمام أحمد (^٦٠٩): حدثنا يحيى بن إسحاق، أخبرنا ابن لهيعة، عن عبيد [¬٣] الله بن أبي جعفر، عن عيسى بن طلحة، عن عمرو بن مرة الجهني، قال: جاء رجل إلى النبي صلي\n_________\n= الكبير\" للطبرانى (١٢/ ١٢٥٥٩) وذكره الهيثمى فى \"المجمع\" (٧/ ٩، ١٠) وقال: \"رواه الطبرانى وفيه عطاء ابن السائب وفد اختلط\" وروى عنه خالد بن عبد الله بعد الاختلاط كما فى \"الكواكب النيرات\" لابن الكيَّال (ص ٣٢٢) ورواه غيره عن عطاء عن عامر الشعبى مرسلًا وهو الآتى.\n(^٦٠٧) - لم أهتد له فى مظانه عند ابن جرير، وذكره السيوطى فى \"الدر المنثور\" (٢/ ٣٢٥) وعزاه إلى سعيد بن منصور وابن المنذر فحسب.\n(^٦٠٨) - صحيح مسلم، كتاب الصلاة، باب: فضل السجود والحث عليه (٢٢٦) (٤٨٩) ثنا الحكم بن موسى أبو صالح، حدثنا مقل بن زياد به، ورواه أبو داود (١٣٢٠)، والنسائى (٢/ ٢٢٧، ٢٢٨) من طريق هشام بن عمار عن مقل به.\n(^٦٠٩) - وهو ساقط من \"المسند\" وقد استدركه فى طبعة/ مؤسسة قرطبة (١/ رقم ٢٧٨٥١) وقد أورده المصنف -كما هنا- فى \"جامع المسانيد والسنن\" (١٠/ ٧٧)، وعزاه إلى أحمد أيضًا الهيثمى فى \"المجمع\" (٨/ ١٥٠) فقال: \"رواه أحمد والطبرانى بإسنادين ورجال أحد إسنادى الطبرانى رجال الصحيح\" وكذا عزاه له أيضًا ابن حجر فى \"الأطراف\" (٥/ ١٥٤) والسيوطى فى\"الدر المنثور\"=\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ز: \" ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾.\n_________\n[¬٢]- في ز: \"بوضوء\".\n[¬٣]- في خ: \"عبد\".","vol":"4","page":152},{"text":"الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله؛ شهدت أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، وصليت الخمس، وأديت زكاة مالي، وصمت شهر رمضان. فقال رسول الله ﷺ: \"من مات على ذلك [¬١]، كان مع النبيين والصديقين والشهداء يوم القيامة هكذا -ونصب أصبعيه- ما لم يعق والديه\". تفرد به أحمد.\nقال [¬٢] الإمام أحمد أيضًا [¬٣] (^٦١٠): حدثنا أبو سعيد مولي أبي هاشم، حدثنا ابنٍ لهيعة، عن زبان [¬٤] بن فَائد، عن سهل بن معاذ بن أنس، عن أبيه، أن رسول الله ﷺ قال: \"من قرأ ألف آية في سبيل الله كتِب يوم القيامة مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا، إن شاء الله\".\n_________\n= (٢/ ٣٢٦) وهذا الإسناد فيه ابن لهيعة وهو سيء الحفظ، وقد خالفه من هو أوثق منه؛ فرواه البزار [كما فى \"مختصر الزوائد\" لابن حجر (١/ رقم ١٥)] ثنا محمد بن رزقٍ الكَلْوَذانى وعمر بن الخطاب السجستانى قالا: ثنا أبو اليمان الحكم بن نافع، ثنا شعيب بن أبي حمزة حدثنى عبد الله بن أبى حسين حدثنى عيسى بن طلحة به، إلى قوله: \"والشهداء\" وقال البزار: \"وهذا لا نعلمه مرفوعًا إلا بهذا الإسناد عن عمرو بن مرة\" قال الهيثمى: \"المجمع\" (١/ ٥١) -: \"رواه البزار ورجاله رجال الصحيح خلا شيخى البزار، وأرجو إسناده أنه إسناد حسن أو صحيح، قال ابن حجر: \"بل هو صحيح قطعًا، فشيخا البزار ثقتان\" قلت: وقد توبعا فأخرجه البخارى فى \"التاريخ الكبير\" (٦/ ٣٠٨) ويعقوب بن سفيان الفسوى فى \"المعرفة والتاريخ\" (١/ ٣٣٣) ثنا أبو يوسف، وابن أبى عاصم فى \"الآحاد والمثانى\" (٥/ ٢٥٥٨) ثنا أبو مسعود الرازى، وابن حبان فى صحيحه (٨/ ٣٤٣٨)، وابن عساكر فى \"تاريخ دمشق\" (١٣/ ٦٠٤، ٦٠٥/ مخطوط) من طريق يحيى بن معين، وابن منده -كما فى \"كنز العمال\" (١/ رقم ٣٤٢) و\"الإصابة\" لابن حجر (٣/ ١٦ /ط دار الفكر) - ومن طريقه ابن عساكر من طريق الحسن بن معروف، والطبرانى فى \"الكبير، -كما فى \"المجمع\" (٨/ ١٥٠) - ومن طريقه ابن عساكر أيضًا من طريق أحمد بن عبد الوهاب، كلهم البخارى وأبو يوسف وأبو مسعود وابن معين والحسن وأحمد) ثنا أبو اليمان الحكم بن نافع به، بلفظ حديث البزار، وزاد عزوه المنذرى فى \"الترغيب والترهيب\" (١/ ٢٣٦، ٥٣٣، ٥٣٤) إلى ابن خزيمة فى صحيحه، والهندى فى \"الكنز\" (١/ ٣٤٢، ١٤٤٥) إلى محمد بن نصر، والطبرانى فى \"الأوسط\"، ولم أجده فيه وعزاه الهيثمى له فى \"الكبير\" دون \"الأوسط\" -والبيهقى فى \"الشعب\"، وابن الجارود. وبالله التوفيق.\n(^٦١٠) - \" المسند\" (٣/ ٤٣٧) لكن إسناد الحديث فيه هكذا: \"ثنا حسن، ثنا ابن لهيعة (ح) قال: ثنا يحيى بن غيلان قال حدثنى رشدين بن سعد -كلاهما- عن زبان … \"وكذا هو فى \"أطراف المسند\" لابن حجر (٥/ ٢٨٤) فيحتمل أن نظر المصنف وقع على إسناد قبل هذا، والله أعلم. والحديث رواه الطبرانى فى \"المعجم الكبير\" (٢٠/ رقم ٣٩٩) من طريق أسد بن موسى ثنا ابن لهيعة به،=\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"هذا\".\n[¬٢]- في ز: \"وقال\".\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- في ز: \"ريان\".","vol":"4","page":153},{"text":"وروى الترمذي (^٦١١) من طريق سفيان الثوري، عن أبي حمزة، عن الحسن البصري، عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله ﷺ: \"التاجر الصدوق الأمين مع النبيين والصديقين والشهداء\".\nثم قال: هذا حديث حسن، لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وأبو حمزة اسمه عبد الله بن\n_________\n= وذكره الهيثمى فى \"المجمع\" (٢/ ٢٧٢) وقال: \"رواه أبو يعلى والطبرانى فى \"الكبير\" وفيه ابن لهيعة عن زبان وفيهما كلام\" قلت: الأول متابع، تابعه رشدين بن سعد كما هنا، ومن طريق رشدين أخرجه أيضًا أبو يعلى فى مسنده (٣/ ١٤٨٩) والطبرانى (٢٠/ ٤٠٠) وتابعهما يحيى بن أيوب عن زبان به، أخرجه الحاكم (٢/ ٨٧، ٨٨) وعنه البيهقى فى \"السنن\" (٩/ ١٧٢) ولذا استدرك هذا الهيثمى فأعله بزبان وحده؛ حيث قال -\"المجمع\" (٧/ ١٦٥) -: \"رواه أحمد وفيه زبان بن فائد وهو ضعيف\" لا سيما فى روايته عن سهل، ومع هذا فقد صحح إسناده ووافقه الذهبى!! وقد رواه الطبرانى (٢٠/ ٤٠١) من طريق نافع بن يزيد عن يحيى بن أبي أسيد عن سهل بن معاذ به، غير أن \"يحيى بن أبي أسيد\" لم يوثقه غير ابن حبان -\"الثقات\" (٩/ ٢٥١) - وذكره البخارى فى \"التاريخ الكبير\" (٨/ ٢٦١) وابن أبي حاتم فى \"الجرح والتعديل\" (٩/ ١٢٩) ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا.\n(^٦١١) -\" الجامع\" للترمذى، كتاب البيوع، باب: ما جاء فى التُّجَّار (١٢٠٩) ثنا هناد، ثنا قبيصة ح وحدثنا سويد بن نصر، أخبرنا عبد الله بن المبارك، كلاهما (قبيصة وعبد الله) عن سفيان به، وأخرجه الدارمى (٢٥٤٢) وعبد بن حميد فى \"المنتخب\" (٩٦٦) والدارقطنى فى \"السنن\" (٧/ ٣) والحاكم فى \"المستدرك\" (٢/ ٦) شاهدًا، والبغوى فى \"شرح السنة\" (٨/ ٢٠٢٥) كلهم من طريق سفيان به، وقال الترمذى: \"حديث حسن، لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث الثورى عن أبي حمزة، وأبو حمزة اسمه عبد الله بن جابر وهو شيخ بصرى، غير أن الدارمى قال: \"أبو حمزة هذا هو صاحب إبراهيم وهو ميمون الأعور\" وكلاهما روى عنه الثورى، والأول وثقه أبن حبان وابن معين فى رواية، وقال البزار: \"لا بأس به\" بينما قال العقيلى فى \"الضعفاء\" (): \"بصرى مجهول ينقل الحديث يخالف فى حديثه\"، وقال أبو حاتم: \"هو أحب إلى من الحجاج بن أرطأة\" نقل هذا الحافظ فى \"التهذيب\" -خلا قول العقيلي- ومع هذا فقد قال فى \"التقريب\": \"مقبول\"!!. بينما الثانى اتفق الجمهور على تضعيفه. وعلى كل فالحديث أعله الدارمى والحاكم بالانقطاع بين الحسن وأبى سعيد، وقد جزم بعدم سماعه منه أيضًا على بن المدينى لكن للحديث شاهد من حديث ابن عمر عند ابن ماجه (٢١٣٩) وابن حبان فى \"المجروحين\" (٢/ ٢٣٠) والدارقطنى (٣/ ٧) والحاكم (٦/ ٢) والبيهقى فى \"السنن الكبرى\" (٥/ ٢٦٦) وفى \"شعب الإيمان\" (٢/ ١٢٣٠) (٤/ ٤٨٥٥) وفى إسناده كلثوم بن جوشن ضعفه أبو حاتم الرازى، وبه أعل الحديث كما فى \"العلل\" لابنه (١/ ١١٥٦) وأبو داود وابن حبان، لكن وثقه البخارى وقال ابن معين: \"ليس به بأس\" واعتمد ضعفه ابن حجر فى \"التقريب\" ولم يذكر الذهبى فى \"الكاشف\" و\"الديوان\" إلا قول من ضعفه واستدرك على الحاكم فى \"تلخيص المستدرك\" ناقلًا عن أبي حاتم تضعيفه، مع أنه ذكر هذا الحديث فى ترجمته فى \"الميزان\" وقال: \"حديث جيَّدُ الإسناد، صحيح المعنى، ولا يلزم من المعية أن يكون فى درجتهم، ومنه قوله تعالى:","vol":"4","page":154},{"text":"جابر، شيخ بصري.\nواُعظم من هذا كله بشارة ما ثبت في الصحاح [¬١] والمسانيد وغيرهما من طرق متواترة (^٦١٢) عن جماعة من الصحابة أن رسول الله ﷺ سئل عن الرجل يحب القوم ولما يلحق بهم فقال: \"المرء مع من أحب\". قال أنس: فما فرح المسلمون فرحهم بهذا الحديث.\nوفي رواية (^٦١٣) عن أنس أنه قال: إنى لأحب [¬٢] رسول الله ﷺ وأحب [¬٣] أبا بكر وعمر ﵄، وارجو أُن يبعثني الله معهم، وإن لم أعمل كعملهم.\nقال [¬٤] الإِمام مالك بن أنس (^٦١٤)، عن صفوان بن سليم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري، [قال: قال] [¬٥] رسول الله ﷺ [] [¬٦]: \"إن أهل الجنة ليتراءون أهل الغرف من فوقهم [¬٧]، كما تتراءون [¬٨] الكوكب الدري الغابر من الأفق من المشرق أو المغرب، لتفاضل ما بينهم\". قالوا: يا رسول الله، تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم. قال: \"بلي، والذي نفسى بيده رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين\".\nأخرجاه في الصحيحين من حديث مالك واللفظ [¬٩] لمسلم.\nقال [¬١٠] الإِمام أحمد [ابن حنبل] (^٦١٥): حدثنا فزارة، أخبرني فليح، عن هلال -يعني ابن\n_________\n= ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ …﴾ الآية، ومن هذا تعلم أن تحسين الترمذي للحديث متجه، والله أعلم.\n(^٦١٢) - يأتى تخريجه سورة الأعراف/ آية ١٨٧.\n(^٦١٣) - أخرجها البخاري، كتاب فضائل الصحابة، باب: مناقب عمر بن الخطاب (٣٦٨٨) ومسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب: المرء مع من أحب (١٦٣) (٢٦٣٩).\n(^٦١٤) - أخرجه البخارى، كتاب بدء الخلق، باب: ما جاء فى صفة الجنة وأنها مخلوقة (٣٢٥٦)، ومسلم، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب: إحلال الرضوان على أهل الجنة (١١) (٢٨٣١).\n(^٦١٥) - \" المسند\" (٢/ ٣٣٩) وأخرجه أيضًا (٢/ ٣٣٥) والترمذى، كتاب صفة الجنة، باب: ما جاء فى تَرائى أهل الجنة فى الغُرَفِ (٢٢٥٦) من طريق فليح به وقال الترمذى: \"حديث صحيح\".\n_________\n[¬١]- فى خ: \"الصحيح\".\n[¬٢]- في ز: \"أحب\".\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]-في ز: \"وقال\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين في ز: \"أن\".\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين في ز: \"قال\".\n[¬٧]- في ز: \"قولهم\".\n[¬٨]- في ز: \" تراءون\".\n[¬٩]- في ز، خ: \"ولفظه\".\n[¬١٠]- في ت: \"ورواه\".","vol":"4","page":155},{"text":"علي- عن عطاء، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: \"إن أهل الجنة ليتراءون في الجنة كما تراءون -أو ترون- الكوكب الدري الغارب في الأفق و[¬١] الطالع في تفاضل الدرجات\". قالوا: يا رسول الله! أولئك النبيون. قال: \"بلي، والذي نفسي بيده، وأقوام آمنوا بالله وصدقوا المرسلين\".\nقال الحافظ الضياء المقدسي: هذا الحديث على شرط البخاري، والله أعلم.\nوقال الحافظ أبو القاسم الطبراني في معجمه الكبير (^٦١٦): حدثنا على بن عبد العزيز، حدثنا محمد بن عمار الموصلي، حدَّثنا [¬٢] [على بن عفيف بن سالم] [¬٣]، عن أيوب بن [¬٤] عتبة، عن عطاء، عن ابن عمر قال: أتى رجل من الحبشة إلى رسول الله ﷺ يسأله، فقال له رسول الله ﷺ: \"سل واستفهم\". فقال: يا رسول الله؟ فضلتم علينا بالصور والألوان والنبوة. [ثم قال] [¬٥]، أفرأيت إن آمنت بمثل ما آمنت به، وعملت بما [¬٦] عملت به، إني لكائن معك في الجنة؟ قال [رسول الله ﷺ] [¬٧] \"نعم، [والذي نفسي بيده أنه ليضيء بياض الأسود في الجنة من مسيرة ألف عام\"] [¬٨]. قال: ثم قال رسول الله ﷺ: \"من قال لا إله إلا الله كان له بها عهد عند\n_________\n(^٦١٦) - وسيعيده المصنف سورة الإنسان/ آية ١٣ وقال: \"غريب جدًّا\" والحديث فى \"المعجم الكبير\" (١٢/ ١٣٥٩٥) وعنه أبو نعيم فى \"الحلية\" (٣/ ٣١٩) ومن طريق أبي نعيم ابن الجوزى فى \"الموضوعات\" (٢/ ٢٣١) وأخرجه ابن حبان فى \"المجروحين\" (١/ ١٦٩، ١٧٠) ومن طريقه أورده السيوطى فى \"اللآلئ المصنوعة\" (١/ ٤٠٨، ٤٠٩) ثنا الحسن بن سفيان ثنا محمد بن عبد الله بن عمار به -وتصحف عند ابن حبان \"ابن عمر\" إلى \"ابن عباس\" وجاء على الصواب عند السيوطى- وقال أبو نعيم عقبه: \"حديث غريب من حديث عطاء، تفرد به عفيف عن أيوب بن عتبة اليمامى، وكان عفيف أحد العباد والزهاد من أهل الموصل، كان الثورى يسميه الياقوتة\" وهو صدوق كما فى \"التقريب\" لكن شيخه أيوب بن عتبة ضعفه الجمهور لاسيما إذا روى عنه أهل العراق، وعفيف بن مسلم سالم موصلى وبه أعل الحديث ابن حبان فأورده فى ترجمته ونقل ابن الجوزى والسيوطى عنه قال: \"باطل لا أصل له، وأيوب فاحش الخطأ، وقال المنذرى فى \"الترغيب والترهيب\" (٢/ ٤٢١): \"رواه الطبرانى بإسناد فيه نظر\" وأعله الهيثمى أيضًا به فقال فى \"المجمع\" (١٠/ ٤٢٣): \"رواه الطبرانى، وفيه أيوب بن عتبة وهو ضعيف\" لكن أفاد السيوطى أنه متابع حيث أخرجه ابن عساكر من طريق أبي عبد الله البحرانى عن الحسن بن ذكوان عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عمر به، والحسن بن ذكوان=\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- في ت: علي بن عفيف بن سالم.\n[¬٤]- في الأصول: عن، وهو تحريف.\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٦]- في ز: \"مثل ما\".\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٨]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"4","page":156},{"text":"الله، ومن قال سبحان الله وبحمده كتب له بها [¬١] مائة ألف حسنة وأربعة وعشرون ألف حسنة\" فقال رجل: كيف نهلك بعدها يا رسول الله؟ فقال رسول الله ﷺ: \"إن الرجل ليأتي يوم القيامة بالعمل لو وضع على جبل لأثقله، فتقوم النعمة من نعم الله فتكاد أن تستنفد ذلك كله، إلا أن يتغمده [¬٢]، الله برحمته\". ونزلت هذه السورة [¬٣]: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ إلى قوله: ﴿نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا﴾ فقال الحَبشي: وإن عيني لتريان ما ترى عيناك في الجنة؟ فقال رسول الله ﷺ: \"نعم\". فاستبكي حتى فاضت نفسه. قال ابن عمر: فلقد [¬٤] رأيت رسول الله ﷺ يدليه في حفرته بيديه. فيه غرابة ونكارة، وسنده ضعيف.\nولهذا قال تعالى: ﴿ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ﴾ أي: من عند الله برحمته و[¬٥] هو الذي أهلهم لذلك، لا بأعمالهم ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا﴾ أي: هو عليم بمن يستحق الهداية والتوفيق.\n﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا (٧١) وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا (٧٢) وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَالَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧٣) فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا﴾\n_________\n=\"صدوق يخطئ ويدلس\" لكن قال ابن حبان: \"وقد روى نحو هذا المتن أيضًا عن عامر بن يساف عن النضر بن عبيد عن الحسين بن ذكوان عن عطاء\" كذا وقع فيه: \"الحسين بن ذكوان وهو ثقة -غير أنه مصحف حيث وجدت هذه الرواية عند الطبرانى (١٢/ ١٣٥٩٧) من طريق عامر بن يساف به فسماه الحسن بن ذكوان مقتصرًا على قوله: \"من قال لا إله إلا الله … \" وذكره الهيثمى فى \"المجمع\" (١٠/ ٩٠) وقال: \"رواه الطبرانى وفيه النضر بن عبيد ولم أعرفه، وبقية رجاله وثقوا\" قلت: والحسن بن ذكوان متكلم فيه وهو مدلس وقد عنعن، ولا يحتمل حاله أن يصحح له مثل هذا المتن، راجع ترجمته فى \"التهذيب\".\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في ز، خ: \"يتطاول\".\n[¬٣]- في ت: \"الآيات\".\n[¬٤]- في ر: \"لقد\".\n[¬٥]- سقط من: ز.","vol":"4","page":157},{"text":"عَظِيمًا (٧٤)﴾.\nيأمر تعالى عباده المؤمنين بأخذ الحذر من عدوهم، وهذا يستلزم التأهب لهم بإعداد الأسلحة والعدد، وتكثير العدد بالنفير في [سبيل الله] [¬١].\n﴿ثُبَاتٍ﴾ أي: جماعة بعد جماعة، وفرقة بعد فرقة، وسرية بعد سرية، والثبات جمع ثبة، وقد تجمع الثبة على ثبين.\nقال على بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: ﴿فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ﴾ أي: عصبا، يعني سرايا متفرقين. ﴿أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ يعني كلكم.\nوكذا روي عن مجاهد: عكرمة والسدي وقتادة والضحاك وعطاء الخراساني ومقاتل بن حيان وخصيف الجزري.\nوقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ﴾ قال مجاهد وغير واحد: نزلت في المنافقين.\nو[¬٢] قال مقاتل بن حيان: ﴿لَيُبَطِّئَنّ﴾ أي: ليتخلفن عن الجهاد.\nويحتمل أن يكون المراد أنه يتباطأ هو فى نفسه ويبطئ غيره عن الجهاد، كما كان عبد الله ابن أبي ابن سلول قبحه الله يفعل، يتأخر عن الجهاد، ويثبط الناس عن الخروج فيه، وهذا قول ابن جريج وابن جرير، ولهذا قال تعالى إخبارا عن المنافق: إنه يقول إذ تأخر عن الجهاد: ﴿فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ﴾ أي: قتل وشهادة وغلب العدو لكم لما لله في ذلك من الحكمة ﴿قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا﴾ أي: إذ لم أحضر معهم وقعة القتال، يعد ذلك من نعم الله عليه، [ولم يدر] [¬٣] ما فاته من الأجر في الصبر أو الشهادة إن قتل.\n﴿وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ﴾ أي: نصر وظفر وغنيمة ﴿لَيَقُولَنَّ [¬٤] كَأَنْ لَمْ تَكُنْ [¬٥] بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ﴾ أي: كأنه ليس من أهل دينكم ﴿يَالَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ أي: بأن يضرب لي بسهم معهم فأحصل عليه، وهو أكبر قصده وغاية مراده.\nثم قال تعالى: ﴿فَلْيُقَاتِلْ﴾ أي: المؤمن النافر ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا\n_________\n\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"سبيله\".\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"وما يدري\".\n[¬٤]- في ز: \"قال\".\n[¬٥]- في: \"يكن\".","vol":"4","page":158},{"text":"بِالْآخِرَةِ﴾ أي: يبيعون دينهم بعرض قليل من الدنيا، وما ذلك [¬١] إلا لكفرهم وعدم إيمانهم. ثم قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [أي: كل من قاتل فى سبيل الله سواء] [¬٢] قتل أو غلب [] [¬٣] فله عند الله مثوبة عطمة وأجر جزيل، كما ثبت في الصحيحين (^٦١٧). وتكفل الله للمجاهد فى سبيله إن توفاه أن يدخله الجنة، أو يرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه [نائلًا ما] [¬٤] نال من أجر أو غنيمة.\n﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا (٧٥)﴾\nيحرض تعالى عباده المؤمنين على الجهاد في سبيله وعلي السعي فى استنقاذ [¬٥] المستضعفين بمكة من الرجال والنساء والصبيان المتبرمين [من المقام] [¬٦] بها، ولهذا قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ﴾ يعني: مكة، كقوله [¬٧] تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ﴾.\nثم وصفها بقوله: ﴿الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾ أي سخر لنا من عندك وليًّا وناصرًا.\nقال البخاري (^٦١٨): حدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا سفيان، عن [¬٨] عبيد الله، قال: سمعت ابن عباس قال: كنت أنا وأمي من المستضعفين.\n_________\n(^٦١٧) - صحيح البخارى، كتاب: فرض الخمس، باب: قول النبى ﷺ: \"أُحِلَّتْ لكم الغنائم\" (٣١٢٣) ومسلم، كتاب الإمارة، باب: فضل الجهاد والخروج فى سبيل اللَّه (١٠٤) (١٨٧٦) وكذا أخرجه أحمد (٢/ ٣٩٨)، والنسائى (٦/ ١٦) كلهم عن أبى هريرة.\n(^٦١٨) - صحيح البخارى، كتاب التفسير، باب: قوله: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (٤٥٨٧، ٤٥٨٨).\n_________\n[¬١]- في ز: \"ذاك\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في ز: \"وسلب\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين في ت: \"بما\".\n[¬٥]- في ز: \"استنقاد\".\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين في ز: \"بالمقام\".\n[¬٧]- في ز: \"لقوله\".\n[¬٨]- في ز، خ: \"بن\".","vol":"4","page":159},{"text":"حدثنا سليمان [بن حرب] [¬١]، حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن ابن أبي مليكة، أن ابن العباس [¬٢] تلا: ﴿إلاّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ﴾ قال: كنت أنا وأمي ممن عذر الله -عز رجل-.\nثم قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ﴾ أي: المؤمنون يقاتلون فى طاعة الله ورضوانه، والكافررن يقاتلون فى طاعة الشيطان.\nثم هيج تعالى المؤمنين على قتال أعدائه بقوله: ﴿فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في ز: \"عباس\".","vol":"4","page":160},{"text":"﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا (٧٦) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٧٧) أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا (٧٨) مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (٧٩)﴾\nكان المؤمنون في ابتداء الإسلام وهم بمكة مأمورين [¬١] بالصلاة والزكاة، وإن لم تكن ذات النصب، لكن كانوا مأمورين بمواساة الفقراء منهم، وكانوا مأمورين بالصفح والعفو عن المشركين، والصبر إلى حين، وكانوا يتحرقون ويودون لو أمروا بالقتال؛ ليشتفوا من أعدائهم، ولم يكن الحال إذ ذاك مناسبًا لأسباب كثيرة؛ منها قلة عددهم بالنسبة إلى كثرة عدد عدوهم، ومنها كونهم كانوا في بلدهم وهو بلد حرام وأشرف بقاع الأرض، فلم يكن الأمر بالقتال فيه ابتداء لائقًا [¬٢] [] [¬٣] فلهذا لم يؤمر بالجهاد إلَّا بالمدينة لما صارت لهم دار ومنعة وأنصار، ومع هذا لما أمروا بما كانوا يودونه جزع بعضهم منه وخافوا من مواجهة النَّاس خوفًا شديدًا ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ أي: [لو ما] [¬٤] أخرت فريضته [¬٥] إلى مدة أخرى، فإن فيه سفك الدماء، ويُتْمَ الأبناء [¬٦]، وتأَيّمَ النساء. وهذه الآية [في معنى] [¬٧] قوله [¬٨] تعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ\n_________\n[¬١]- في ز: \"مأمورون\".\n[¬٢]- خ: \"لا\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفين في خ: يقال.\n[¬٤]- في خ: \"لولا\".\n[¬٥]- في خ: \"فرضه\".\n[¬٦]- في ت: \"الأولاد\".\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين في ت: \"كقوله\".\n[¬٨]- زيادة من: خ.","vol":"4","page":161},{"text":"فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ﴾ الآيات.\nقال ابن أبي حاتم (^٦٢٠): حدّثنا على بن الحسين، حدّثنا محمَّد بن عبد العزيز بن [¬١] أبي رزمة وعلى بن زنجة؛ قالا: حدّثنا على بن الحسن، عن الحسين بن واقد [¬٢]، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن عبد الرحمن بن عوف وأصحابًا له أتوا النَّبيُّ ﷺ بمكة فقالوا: يا نبي الله، كُنَّا في عز [¬٣] ونحن مشركون، فلما آمنا صرنا أذلة قال: \"إنِّي أمرت بالعفو، فلا تقاتلوا القوم\". فلما حوله الله إلى المدينة أمره بالقتال، فكفوا، فأنزل الله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ﴾ الآية.\nورواه النَّسائيّ والحاكم وابن مردويه من حديث على بن الحسن بن شقيق، به.\nوقال أسباط، عن السدي: لم يكن عليهم إلَّا الصَّلاة والزكاة، فسألوا الله أن يفرض عليهم القتال، فلما كتب [¬٤] عليهم القتال ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ وهو الموت. قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى﴾.\nوعن مجاهد: أن هذه الآيات نزلت في اليهود. رواه ابن جرير (^٦٢١).\nوقوله: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى﴾ أي: آخرة المتقي خير من دنياه.\n﴿وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ أي: من أعمالكم، بل توفونها أتم الجزاء. وهذه تسلية لهم عن الدُّنيا، وترغيب لهم في الآخرة، وتحريض لهم على الجهاد.\nوقال ابن أبي حاتم (^٦٢٢): حدّثنا أبي، حدّثنا يعقوب بن إبراهيم الدورقي، حدّثنا\n_________\n(^٦٢٠) - تفسير ابن أبي حاتم (٣/ ٥٦٣٠) ورواه النسائى في فاتحة كتاب الجهاد من \"السنن الصغرى\" (٦/ ٢، ٣) وفي \"التفسير\" عن \"الكبرى\" (٦/) وابن جرير (٨/ ٩٩٥١) والحاكم (٢/ ٦٦ - ٦٧، ٣٠٧) - وعنه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٩/ ١١) - والواحدى في \"أسباب النزول\" (٣٣٩) كلهم من طريق عليّ بن الحسن به، وقال الحاكم: \"صحيح على شرط البُخاريّ\" ووافقه الذَّهبيّ، والحسين بن واقد إنما أخرج له البُخاريّ تعليقًا وهو ثقة.\n(^٦٢١) - تفسير ابن جرير (٨/ ٩٩٥٥).\n(^٦٢٢) - تفسير ابن أبي حاتم (٣/ ٥٦٣٥) وإسناده صحيح، وزاد نسبته السيوطي في \"الدر المنثور\" (٢/ ٣٢٩) إلى ابن المنذر وأبى الشَّيخ.\n_________\n[¬١]- في ت: \"عن\".\n[¬٢]- في ز: \"وافد\".\n[¬٣]- في خ: \"عزة\".\n[¬٤]- في ت: \"فرض\".","vol":"4","page":162},{"text":"عبد الرحمن [¬١] ابن مهدي، حدّثنا حماد بن زيد، عن هشام قال: قرأ الحسن ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾ قال: رحم الله عبدًا صحبها على حسب ذلك، وما الدُّنيا كلها أودها وآخرها إلا كرجل نام نومة [¬٢] فرأى في منامه بعض ما يحب ثم انتبه.\nوقال ابن معين: كان أبو مُشهر ينشد:\nولا خيرَ في الدُّنيا لمن لم يكن له … منَ الله في دار المقام نصيبُ\nفإنْ تُعجِبِ الدُّنيا رجالًا فإنها … متاعٌ قليل والزَّوال قريب\nوقوله تعالى: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ [¬٣] الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ أي: أنتم صائرون إليَّ الموت لا محالة، ولا ينجو منه أحد منكم، كما قال تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾، وقال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ وقال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ﴾ والمقصود، أن كل أحد صائر إلى الموت لا محالة، ولا ينجيه من ذلك شيء، [وسواء عليه] [¬٤] جاهد أو لم يجاهد؛ فإن له أجلًا محتومًا، وأمدًا [¬٥] مقسومًا، كما قال خالد بن الوليد حين جاءه الموت على فراشه: لقد شهدت كذا وكذا موقفًا، وما من عضو من أعضائي إلا وفيه جرح من طعنة أو رمية، وها أنا أموت على فراشي، فلا نامت أعين الجبناء.\nوقوله: ﴿وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ أي: حصينة منيعة عالية رفيعة. وقيل: هي بروج في السماء. قاله السدي، وهو ضعيف، والصحيح أنها المنيعة، أي: لا يغني حذر وتحصن من الموت، كما قال [زهير بن أبي سلمى] [¬٦]:\nومَنْ هاب [¬٧] أسبابَ المنية يَلْقَها … ولو رام أسبابَ السماء بسُلَّمِ\nثم قيل [¬٨]: المشيدة هي المشيدة، كما قال ﴿وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ وقيل: بل بينهما فرق، وهو أن المشيدة بالتشديد هي المطوّلة، وبالتخفيف هي المزينة بالشيد، وهو الجص.\nوقد ذكر ابن جرير وابن أبي حاتم (^٦٢٣) ها هنا حكاية مطوّلة عن مجاهد أنَّه ذكر أن امرأة فيمن\n_________\n(^٦٢٣) - تفسير ابن جرير (٨/ ٩٩٥٨) - ومن طريقه أبو نعيم في \"الحلية\" (٣/ ٢٨٨، ٢٨٩) - حدثني =\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- في ز: \"يدركم\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين في ت: \"سواء\".\n[¬٥]- في خ: \"وأمرا\".\n[¬٦]- في ز، خ: \"طرفة بن العبد\".\n[¬٧]- في ز: \"خاف\"، خ: \"خاب\".\n[¬٨]- في ت: \"قال\".","vol":"4","page":163},{"text":"كان قبلنا أخذها الطلق، فأمرت أجيرها أن يأتيها بنار، فخرج فإذا هو برجل واقف على الباب، فقال: ما ولدت المرأة؟ فقال: جارية. فقال: أما إنَّها [¬١] ستزني بمائة رجل ثم يتزوّجها أجيرها ويكون موتها بالعنكبوت. قال فكرّ راجعًا فبعج بطن [¬٢] الجارية بسكين [] [¬٣] فشقه، ثم ذهب هاربًا وظنّ أنَّها قد ماتت، فخاطت أمّها بطنها فبرئت وشبت وترعرعت ونشأت أحسن امرأة ببلدتها، فذهب ذاك الأجير [¬٤] ما ذهب ودخل البحور فاقتنى أموالًا جزيلة، ثم رجع إلى بلده وأراد التزويج فقال لعجوز: أريد أن أتزوّج بأحسن امرأة بهذه البلدة. فقالت له [¬٥]: ليس ها هنا [¬٦] أحسن من فلانة. فقال: اخطبيها على. فذهبت إليها، فأجابت فدخل بها، فأعجبته إعجابا شديدًا، فسألته من أمره ومن أين مقدمه فأخبرها خبره وما كان من أمره في هربه [¬٧]، فقالت: أنا هي. وأرته مكان السكين. فتحقق ذلك، فقال: لئن كنت إياها فلقد أخبرتني [¬٨] باثنتين لابد منهما؛ إحداهما أنك قد زنيت بمائة رجل. فقالت: لقد كان شيء من ذلك ولكن لا أدري ما عددهم. فقال: هم مائة، والثانية [¬٩] أنك تموتين بالعنكبوت. فاتخذ لها قصرًا منيعًا شاهقًا ليحرزها من ذلك، فبينما هم يومًا إذا [¬١٠] بالعنكبوت في السقف، فأراها إياها، فقالت: أهذه التى تحذرها على، والله لا يقتلها إلَّا أنا. فأنزلوها من السقف فعمدت إليها فوطئتها [¬١١] بإبهام رجلها فقتلتها [¬١٢]، فطار [¬١٣] من سمها شيء فوقع بن ظفرها ولحمها فاسودّت [¬١٤] رجلها، وكان [¬١٥] في ذلك أجلها فماتت [¬١٦].\n_________\n= على بن سهل قال: حدّثنا مؤمل بن إسماعيل، وابن أبي حاتم في تفسيره (٣/ ٥٦٤٠) ثنا أبو سعيد بن يحيى بن سعيد القطان، كلاهما (مؤمل، وأبو سعيد) ثنا عيسى بن حميد الراسبي أبو همام - تصحفت كنيته في \"الحلية\" إلى أبي حازم - ثنا كثير أبو الفضل الكوفيِّ عن مجاهد به، وكثير مترجم في \"التهذيب\" ولم يذكروا فيه جرحًا ولا تعديلًا، غير أنَّه روى عنه جمع من الثقات، وعيسى بن حميد ترجمه ابن أبي حاتم في \"الجرح والتعديل\" (٦/ ٢٧٤) ولم ينقل فيه جرحًا ولا تعديلًا.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- في ز: \"في بطنها\".\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- سقط من: ت.\n[¬٦]- في ز: هنا.\n[¬٧]- في ت: \"الجارية\".\n[¬٨]- في ز: \"أخبرتيني\".\n[¬٩]- في خ: \"والثَّاني\".\n[¬١٠]- في خ: \"فإذا\".\n[¬١١]- في ز: \"فأوطيتها\".\n[¬١٢]- في ز: \"فقتلها\".\n[¬١٣] في ز: \"وطار\".\n[¬١٤]- في خ: \"واسودت\".\n[¬١٥]- في خ: \"فكان\".\n[¬١٦]- سقط من: ز.","vol":"4","page":164},{"text":"ونذكر [¬١] ها هنا قصَّة صاحب الحضر وهو الساطرون لما احتال عليه سابور حتَّى حصره [¬٢] فيه [¬٣] وقتل من فيه بعد محاصرة سنتين، وقالت العرب في ذلك أشعارًا منها:\nوأخو الحضر إذ بناه وإذ دجـ … لة تجبى إليه والخابورُ\nشاده مرمرًا وجد له كلـ … سا فللطير في ذراه وُكورُ\nلم تهبه أيدي المنون فباد إلـ … ملكُ عنه فبابُه مهجورُ\nولما دخل على عثمان جعل يقول: اللَّهم اجمع أمّة محمَّد. ثم تمثل بقول الشَّاعر:\nأرى الموت لا يبقي عزيزًا ولم يدع … لعاد ملاذًا في البلاد ومربعا\nيبيِّت أهل الحصن والحصن مغلق … ويأتي الجبال في شماريخها معًا [¬٤]\n[قال ابن هشام: وكان كسرى سابور ذو الأكتاف قتل الساطرون ملك الحضر، وقال ابن هشام: إن الذي قتل صاحب الحضر سابور بن أردشير بن بابك أوّل ملوك بني ساسان، وأذل ملوك الطوائف، وردّ الملك إلى الأكاسرة، فأمَّا سابور ذو الأكتاف فهو من بعد ذلك بزمن طويل، والله أعلم. ذكره السهيلي.\nقال ابن هشام: فحصره سنتين، وذلك لأنَّه كان أغار على بلاد سابور في غيبته وهو في العراق، وأشرفت بنت الساطرون وكان اسمها النضيرة، فنظرت إلى سابور، وعليه ثياب ديباج، وعلى رأسه تاج من ذهب مكلل بالزبرجد والياقوت واللؤلؤ فدست إليه أن تتزوّجني إن فتحت لك باب الحصن. فقال: نعم. فلما أمسى ساطرون شرب حتَّى سكر وكان لا يبيت إلَّا سكران، فأخذت مفاتيح باب الحصن من تحت رأسه فبعثت بها مع مولى لها ففتح الباب، ويقال دلتهم على طلسم كان في الحصن، لا يفتح حتَّى تؤخذ حمامة ورقاء، فتخضب رجلاها بحيض جارية بكر زرقاء، ثم ترسل فإذا وقعت على سور الحصن سقط ذلك ففتح الباب، ففعل ذلك فدخل سابور فقتل ساطرون واستباح الحصن وخرّبه، وسار بها معه وتزوّجها، فبينما هي نائمة على فراشها إذ جعلت تتململ لا تنام، فدعا لها بالشمع ففتش فراشها فوجد فيه ورقة آس، فقال لها سابور: هذا الذي أسهرك فما كان أبوك يصنع بك؟ قالت: كان يفرش لي الديباج ويلبسني الحرير، ويطعمني المخ، ويسقيني الخمر.\nقال الطبري: كان يطعمني المخ والزبد، وشهد أبكار النحل، وصفو الخمر. وذكر أنَّه كان\n_________\n[¬١]- في ز: \"ويذكر\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"حصنه\".\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- في ز، خ: \"العلا\".","vol":"4","page":165},{"text":"يرى مخ ساقها. قال: فكان جزاء أبيك ما صنعت به، أنت إلى بهذا أسرع. ثم أمر بها فربطت قرون رأسها بذنب فرس فركض الفرس حتَّى قتلها، وفيه يقول عدي بن زيد العبادي أبياته المشهورة السائرة:\nأيها الشامت المعير بالدهـ … ر أأنت المبرأ الموفور\nأم لديك العهد الوثيق من الأيَّـ … ام بل أنت جاهل مغرور\nمن رأيت المنون خلد أم من … ذا عليه من أن يضام خفير\nأين كسرى كسرى الملوك أنوشر … وإن أم أين قبله سابور\nوبنو الأصفر الكرام ملوك إلـ … روم لم يبق منهم مذكور\nوأخو الحضر إذ بناه وإذ دجـ … لة تحبى إليه والخابور\nشاده مرمرًا وجد له كلـ … سًا فللطير في ذراه وكور\nلم تهبه أيدي المنون فباد إلـ … ملك عنه فبابه مهجور\nوتذكر رب الخورنق إذ أشر … ف يومًا وللهدى تفكير\nسره ماله وكثرة ما يمـ … لك والبحر معرضًا والسدير\nفارعوى قلبه وقال فما غبـ … طة حي إليَّ الممات يصير\nثم أضحوا كأنهم ورق جف … فألوت به الصبا والدبور\nثم بعد الفلاح والملك والأمـ … ة وارتهم هناك القبور] [¬١]\nوقوله: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ﴾ أي: خصب ورزق، من ثمار وزروع وأولاد وغير [¬٢] ذلك، هذا معنى قول ابن عباس وأبي العالية والسدي ﴿يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾ أي: قحط وجدب ونقص في الثمار والزروع، أو موت أولاد أو نتاج، أو غير ذلك؛ كما يقول أبو العالية والسدي، ﴿يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ﴾ أي: من قبلك، وبسبب اتباعنا لك، واقتدائنا بدينك، كما قال تعالى عن قوم فرعون: ﴿فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ﴾، وكما قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾ الآية، وهكذا قال هؤلاء المنافقون الذين دخلوا في الإِسلام ظاهرًا وهم كارهون له في نفسه، الأمر، ولهذا إذا أصابهم شر إنَّما يسندونه إلى اتباعهم للنبي، ﷺ. وقال السدّي: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ﴾ قال: والحسنة الخصب، تنتج مواشيهم وِخيولهم وأنعامهم، ويحسن حالهم، وتلد نساؤهم الغلمان، قالوا: ﴿هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾، والسيئة: الجدب والضرر في\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في ت: \"ونحو\".","vol":"4","page":166},{"text":"أموالهم - تشاءموا بمحمد ﷺ، وقالوا: ﴿هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ﴾، يقولون: بتركنا ديننا واتباعنا محمدًا أصابنا هذا البلاء، فأنزل الله ﷿: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [] [¬١] أي: الجميع بقضاء الله وقدره، وهو نافذ في البر والفاجر والمؤمن والكافر.\nقال على بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ أي: الحسنة والسيئة وكذا قال الحسن البصري.\nثم قال تعالى منكرًا على هؤلاء القائلين هذه المقالة الصادرة عن شك وريب، وقلة فهم وعلم، وكثرة جهل وظلم: ﴿فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾.\nذكر حديث غريب يتعلق بقوله تعالى: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾.\nقال الحافظ أبو بكر البزار (^٦٢٤): حدّثنا السكن بن سعيد، حدّثنا عمر بن يونس، حدّثنا إسماعيل بن حماد، عن مقاتل بن حيان، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده؛ قال: كُنَّا جلوسًا عند رسول الله، ﷺ، فأقبل [¬٢] أبو بكر وعمر في قبيلتين من النَّاس، وقد ارتفعت أصواتهما، فجلس أبو بكر قربها من النَّبيُّ، ﷺ، وجلس عمر قريبًا [عن أبي بكر] [¬٣]، فقال رسول الله، ﷺ: \"لم ارتفعت أصواتكما؟ \"، فقال رجل: يا رسول (١) الله، قال أبو بكر [] [¬٤]: الحسنات من الله، والسيئات من أنفسنا، فقال رسول الله ﷺ: \"فما قلت يا\n_________\n(^٦٢٤) - \" كشف الأستار\" (٣/ ٢١٥٣) و\"مختصر الزوائد\" لابن حجر (٢/ ١٥٩٧) وقال ابن حجر عقبه: \"هذا خبر مُنكرٌ، وفى الإسناد ضعف\" وأبانه شيخه الهيثمى فقال في \"المجمع\" (٧/ ١٩٥): \"شيخ البزار السكن بن سعيد لم أعرفه، وبقية رجال البزار ثقات، وفى بعضهم كلام لا يضر\" لا سيما وأن لهم متابعًا فقد أودع الألبانى هذا الحديث في \"الصحيحة\" (٤/ ١٦٤٢) بلفظ: \"لو أراد الله ألا يعصى ما خلق إبليس\" ونقل كلام ابن كثير الذي هنا وقال: \"إسماعيل بن حماد إن كان الأشعرى مولاهم فهو صدوق، وإن كان حفيد الإمام أبي حنيفة فقد تكلموا فيه، وأيهما كان فلم يتفرد به، فقد أخرجه البيهقي [في \"الأسماء والصفات\" (١/ ٣٢٩) وكذا في \"شعب الإيمان\" كما في اللآلئ المصنوعة (١/ ٢٣٤) و\"الاعتقاد\" (ص ١٥٩) وابن عدي في \"الكامل\" (٥/ ١٧٦٧)] من طريق عباد بن عباد عن عمر بن ذر قال: سمعت عمر بن عبد العزيز يقول: لو أراد الله ألا يُعصى ما خلق إبليس. وحدثنى مقاتل بن حيان عن عمرو بن شعيب به مرفوعًا، وهذا إسناد رجاله كلهم ثقات على الخلاف المعروف في عمرو بن شعيب، فالإسناد حسن، وعباد بن عباد هو ابن علقمة المازنى =\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ز: \"فقوله: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ \".\n[¬٢]- في خ: \"فقال\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- في ز، خ: \"يا رسول الله\".","vol":"4","page":167},{"text":"عمر؟ \" فقال: قلت: الحسنات والسيئات من الله تعالى [¬١]، فقال رسول الله ﷺ: \"إن أول من تكلم فيه جبريل ومكائيل، فقال ميكائيل مقالتك يا أبا بكر، وقال جبريل مقالتك يا عمر\"، فقال: \"فيختلف أهل السماء، وإن يختلف أهل السماء يختلف أهل الأرض، فتحاكما إلى إسرافيل فقضى بينهما: إن الحسنات والسيئات من الله\". ثم أقبل على أبي بكر وعمر، فقال: \"احفظا قضائي بينكما، لو أراد الله أن لا يعصى [لم يخلق] [¬٢] إبليس\".\nقال شيخ الإسلام تقي الدين أبو العباس بن تيمية: هذا حديث موضوع مختلق باتفاق أهل المعرفة.\nثم قال تعالى مخاطبًا لرسوله، ﷺ والمراد جنسٍ الإِنسان ليحصل الجواب -: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ أي: من فضل الله ونِّه [¬٣] ولطفه ورحمته، ﴿أي: فمن قِبَلِكَ، ومن عملك أنت [¬٤]، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾.\nقال السدي والحسن البصري وابن جريج وابن زيد: ﴿فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ أي: بذنبك، قال قتادة (^٦٢٥) [في الآية] [¬٥]: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ\n_________\n= البصري، ومقاتل بن حيان ثقة من رجال مسلم، وهو غير مقاتل بن سليمان المفسر المتهم، ولعل شيخ الإسلام توهم أنَّه هو راوي هذا الحديث، وإلا فلا وجه للحكم عليه بالوضع من حيث إسناده؛ فإنَّه ليس فيه متهم، ولا من حيث متنه؛ فإنَّه غير مستنكرٍ، فقد اتفق أهل السنة على أن كل شئ من الطاعات والمعاصى فبإرادة الله ﵎، لا يقع شئ من ذلك رغمًا عنه ﷾، لكنَّه يحب الطاعات ويكره المعاصى. وقد أخرج الحديث الطبراني في \"المعجم الأوسط\" (٣/ ٢٦٤٨) من طريق عمر بن الصبح عن مقاتل بن حيان به، وعمر بن الصبح ضعيف جدًا؛ كما قال الهيثمى. وقد ورد الحديث من طريق آخر عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده به، لكن في سنده جهالة، وشاهد من حديث ابن عمر، وفى إسناده بقية بن الوليد، وهو مدلس وعنعنه عن شيخ له مجهول، راجع \"الصحيحة\" وشاهد آخر - لم يورده الألبانى - أخرجه الآجرى في \"الشريعة\" (١/ ٤٥٤) وييبى بنت عبد الصَّمد في \"جزئها\" (ح ١٠٥ وابن بطة في \"الإبانة\" (خ ١٥٥٩) وفى إسناده يَحْيَى بن سابق أبو زكريا وهو متروك كما قال الدارقطني وغيره، ولذا كان من نصيب موضوعات ابن الجوزي (١/ ٢٧٣).\n(^٦٢٥) - تفسير ابن جرير (٨/ ٩٩٦٩) ثنا بشر بن معاذ، ثنا يزيد، ثنا سعيد عن قتادة به، وإسناده =\n_________\n[¬١]- سقط من: ت.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في ت: \"لما خلق\".\n[¬٣]- في ت: \"ومنبته\".\n[¬٤]- في ز: \"أتيت\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.","vol":"4","page":168},{"text":"نَفْسِكَ﴾ عقوبة لك [¬١] يا ابن آدم بذنبك.\nقال: وذكر لنا أن النَّبيَّ، ﷺ [كان يقول] [¬٢]: \"لا يصيب رجلًا خدش عود، ولا عثرة قدم، ولا اختلاج عرق، إلَّا بذنب، وما يعفو الله أكثر\".\nوهذا الذي أرسله قتادة، قد روي متصلًا في الصَّحيح (٦٢٦): \"والذي نفسي بيده، لا يصيب المؤمن هم ولا حزن، ولا نصب حتَّى الشوكة يشاكها، إلَّا كفر الله عنه بها من [¬٣] خطاياه\".\nوقال أبو صالح: ﴿وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ] أي: بذنبك، وأنا الذي قدرتها عليك، رواه ابن جرير (^٦٢٧).\nوقال ابن أبي حاتم (^٦٢٨): حدّثنا محمَّد بن عمار، حدّثنا سهل - يعني [¬٤] بن بكار - حدّثنا الأسود بن شيبان، حدثني عقبة بن واصل ابن أخي مطرف، عن مطرف بن عبد الله قال: ما تريدون منى القدر، أما تكفيكم [¬٥] الآية التي في سورة النساء: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ﴾ أي: من نفسك، والله ما وكلوا إليَّ القدر، وقد أمروا وإليه يصيرون.\nوهذا كلام متين [¬٦] قوي في الرد على القدرية والجبرية أيضًا، ولبسطه موضع آخر.\n_________\n= صحيح غير أنَّه مرسل، وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" (٢/ ٣٣١) وزاد نسبته إلى عبد بن حميد. (٦٢٦) - أخرجه البُخاريّ، كتاب المرضى، باب: ما جاء في كفارة المرض (٥٦٤١، ٥٦٤٢)، ومسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب: في ثواب المؤمن فيما يصيبه من مرض (٥٢) (٢٥٧٣)، والترمذي، كتاب الجنائز، باب: ما جاء في ثواب المريض (٩٦٦)، وأحمد (٣/ ٤، ١٨/ ومواضع آخر) من حديث أبي هريرة وأبي سعيد، وعند أحمد في الموضع الأوَّل من حديث أبي سعيد فحسب.\n(^٦٢٧) - تفسير ابن جرير (٨/ ٩٩٧٦، ٩٩٧٨) وإسناده صحيح إلى أبي صالح.\n(^٦٢٨) - تفسير ابن أبي حاتم (٣/ ٥٦٤٨) ورجاله ثقات غير عقبة بن واصل، فقد ذكره البُخاريّ في \"التاريخ الكبير\" (٦/ ٤٣٩) وابن أبي حاتم في \"الجرح والتعديل\" (٦/ ٣١٨) ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا، وأودعه ابن حبان في \"الثقات\" (٧/ ٢٤٥).\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- في خ: \"قال\".\n[¬٣]- سقط من: خ.\n[¬٤]- سقط من: ت.\n[¬٥]- في ز: \"يكفيكم\".\n[¬٦]- في ز: \"مبين\".","vol":"4","page":169},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا﴾ أي: تبلغهم شرائع الله، وبما [¬١] يحبه الله وورضاه، وبما [¬٢] يكرهه ويأباه.\n﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ أي: على أنَّه أرسلك، وهو شهيد أيضًا بينك وبينهم، وعالم بما تبلغهم إيَّاه، وبما يردّون عليك من الحق كفرًا أو عنادًا.\n﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا (٨٠) وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (٨١)﴾\nيخبر تعالى عن عبده ورسوله محمَّد، ﷺ، بأن من أطاعه فقد أطاع الله، ومن عصاه فقد عصى الله، وما ذاك إلا لأنه ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، [إِنْ هُوَ] [¬٣] إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾.\nقال ابن أبي حاتم (^٦٢٩): حدّثنا أحمد بن سنان، حدّثنا أبو معاوية، حدّثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبيِ هريرة، قال: قال رسول الله صلَّى الله تعالى عليه وعلى الله وسلم: \"من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقده عصى الله، ومن أطاع الأمير فقد أطاعني، ومن عصى الأمير فقد عصاني\".\nوهذا الحديث ثابت في الصحيحين عن الأعمش، به.\n_________\n(^٦٢٩) - تفسير ابن أبي حاتم (٣/ ٥٦٦٤)، وأخرجه أحمد (٢/ ٢٥٢، ٤٧١) وابن أبي شيبة في \"المصنف\" فاتحةكتاب الجهاد (٧/ ٥٦٦) وعنه وعن غيره ابن ماجة في \"السنن\" (٣/ ٢٨٥٩) والبغوي في \"شرح السنة\" (١٠/ ٢٤٥٠) من طريق (أبي معاوية ووكيع) عن الأعمش به، ليس هو عند الشيخين من هذه الطَّريق، وإنما أخرجه البُخاريّ (٢٩٥٧)، ومسلم (٣٢) (١٨٣٥) من طريق أبي الزناد عن الأعرج عن أبى هريرة، وأخرجاه أيضًا: البُخاريّ (٧١٣٧)، ومسلم (٣٣) (١٨٣٥) وكذا النسائى (٧/ ١٥٤) من طريق الزُّهريّ عن أبي سلمة عن أبي هريرة به، وأخرجه مسلم أيضًا من طريق (أبي علقمة وهمام بن منبه وأبي يونس) عن أبي هريرة به.\n_________\n[¬١]- في ت: \"وما\".\n[¬٢]- في ت: \"وما\".\n[¬٣]- ما بين المكوفتين سقط من: ز.","vol":"4","page":170},{"text":"وقوله: ﴿وَمَنْ [¬١] تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ أي: لا [¬٢] عليك منه، إن عليك إلا البلاغ، فمن اتبعك سعد ونجا، وكان لك من الأجر نضير ما حصل له، ومن تولى عنك خاب وخسر، وليس عليك من أمره شيء، كما جاء في الحديث (^٦٣٠): \" من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فإنه لا يضر إلا نفسه\".\nوقوله: ﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ﴾ يخبر تعالى عن المنافقين بأنهم يظهرون الموافقة والطاعة، ﴿فَإِذَا بَرَزُوا [مِنْ عِنْدِكَ] [¬٣]﴾ أي: خرجوا [من عندك] [¬٤]، وتواروا عنك، ﴿بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ﴾ أي: استسروا ليلًا فيما بينهم بغير ما ظهروه لك [¬٥]، فقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ﴾ أي: يعلمه ويكتبه عليهم بما يأمر به حفظه الكاتبين، الذين هم موكلون بالعباد، يعلمون ما يفعلون، والمعنى في هذا التهديد: أنه [¬٦] تعالى يخبر بأنه عالم بما يضمرونه ويسرونه فيما بينهم، وما يتفقون عليه ليلًا من مخالفة الرسول، ﵌، وعصيانه، وإن كانوا قد أظهروا له الطاعة والموافقة، وسيجزيهم على ذلك، كما قال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا﴾ الآية.\nوقوله: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ أي: اصفح عنهم واحلم عليهم [¬٧] ولا تؤاخذهم، ولا تكشف أمورهم للناس، ولا تخف منهم أيضًا، ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ أي: كفى به وليًّا وناصرًا ومعينًا لمن توكل عليه وأناب إليه.\n﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢) وَإِذَا\n_________\n(^٦٣٠) - أخرجه أبو داود، كتاب النكاح، باب: فى خطبة النكاح (٢١١٩)، والبيهقى فى \"السنن الكبرى\" (٣/ ٢١٥)، والطبرانى فى \" المعجم الكبير\" (١٠/ ١٠٤٩٩) - ومن طريقه المزى فى \"تهذيب الكمال\" (١٦/ ت ٣٧٤٥) - من طريق عمران القطان عن قتادة عن عبد ربه عن أبى عياض عن عبد الله بن مسعود به، فى حديث خطبة الحاجة، وعبد ربه وأبو عياض مجهولان، ومع هذا فقد صحح إسناده النووى فى \"شرح صحيح مسلم\" (٦/ ٢٢٧) وانظر ما يأتى سورة الأعراف/ آية ١٧٨، وقد صح الحديث بلفظ: \" … ومن يعص الله ورسوله فقد عوى\" أخرجه مسلم، كتاب الجمعة، باب: تخفيف الصلاة والخطبة (٤٨) (٨٧٠)، وأحمد (٤/ ٢٥٦، ٣٧٩) وأدو داود (١٠٩٩، ٤٩٨١)، والنسائى (٦/ ٩٠) من حديث عدى بن حاتم.\n_________\n[¬١]- في ز: \"فمن\".\n[¬٢]- في ت: \"ما\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٤]- سقط من خ.\n[¬٥]- سقط من: خ.\n[¬٦]- سقط ز: \"فإنه\".\n[¬٧]- في خ: \"عنهم\".","vol":"4","page":171},{"text":"جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا (٨٣)﴾\nيقول تعالى آمرًا عباده [¬١] بتدبر القرآن، وناهيًا [لهم] [¬٢] عن الإِعراض عنه، وعن تفهم معانيه المحكمة وألفاظه البليغة [¬٣]، ومخبرًا لهم أنه لا اختلاف فيه ولا اضطراب، [ولا تضاد] [¬٤]، ولا تعارض؛ لأنه تنزيل من حكيم حميد، فهو حقٌّ من حقٍّ، ولهذا قال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ ثم قال: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ﴾ أي: لو كان مفتعلًا مختلقًا كما يقوله من يقوله من جهلة المشركين والمنافقين في بواطنهم؛ ﴿لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾، أي: اضطرابًا وتضادًّا كثيرًا، أي: وهذا سالم من الاختلاف، فهو من عند الله، كما قال تعالى مخبرًا عن الراسخين في العلم، حيث قالوا: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ أي: محكمه ومتشابهه حق، فلهذا ردّوا المتشابه إلى المحكم فاهتدوا، والذين في قلوبهم زيغ ردّوا المحكم إلى المتشابه فغووا، ولهذا مدح تعالى الراسخين وذم الزائغين.\nقال الإِمام أحمد (^٦٣١): حدثنا أنس بن عياض، حدثنا أبو حازم، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: لقد جلست أنا وأخي مجلسًا ما أحب أن لي به حُمر النَّعَم، أقبلت أنا وأخي، وإذا مشيخة من صحابة رسول الله، ﷺ، على باب من أبوابه، فكرهنا\n_________\n(^٦٣١) - \" المسند\" (٢/ ١٨١) ورواه عبد الرزاق فى \"المصنف\" (١١/ ٢٠٣٦٧) ومن طريقه أحمد (٢/ ١٨٥)، والبخارى فى \"خلق أفعال العباد\" (رقم ٢١٨) والآجرى فى \"الشريعة\" (١/ رقم ١٥٠)، والبيهقى فى \"المدخل\" (٧٩٠)، والبغوى فى \"شرح السنة\" (١/ رقم ١٢١) - أنا معمر عن الزهرى، والحارث بن أبى أسامة كما فى \"البغية\" (٧٣٤) من طريق ليث بن أبى سليم، ثلاثتهم (أبو حازم سلمة ابن دينار والزهرى وليث) عن عمرو بن شعيب به، وإسناده حسن للخلاف المشهور فى صحيفة عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. وكذا رواه أبو حازم سلمة بن دينار والزهرى وليث، بأن تنازعهم كان فى القرآن، ورواه داود بن أبى هند أن ذلك كان فى القدر، انظر الآتى.\n_________\n[¬١]- فى ت: \"لهم\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من خ.\n[¬٣]- فى خ: \"الغربية\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.","vol":"4","page":172},{"text":"أن نفرق بينهم فجلسنا حَجْرَةً [¬١]، إذ ذكروا آية من القرآن، فتماروا فيها حتى ارتفعت أصواتهم، فخرج رسول الله، ﷺ، مُغْضَبًا حتى احمر وجهه، يرميهم بالتراب، ويقول: \"مهلًا يا قوم! بهذا أهلكت الأمم من قبلكم باختلافهم على أنبيائهم، وضربهم الكتب بعضها ببعض، إن القرآن لم ينزل يكذب بعضه بعضًا، [بل] [¬٢]، يصدّق بعضه بعضًا، فما عرفتم منه فاعملوا به، وما جهلتم منه فردّوه إلى عالمه\"، وهكذا رواه أيضًا (^٦٣٢) عن أبي معاوية، عن داود بن أبي هند، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: [¬٣] خرج رسول الله، ﷺ، ذات يوم، والناس يتكلمون في القدر، فكأنما يفقأ في وجهه حب الرمّان من الغضب، فقال لهم: \"ما لكم تضربون كتاب الله بعضه ببعض؟! بهذا هلك من كان قبلكم\"، قال: فما غبطت نفسي بمجلس فيه رسول الله ﷺ ولم أشهده، ما غبطت نفسي بذلك المجلس أني لم أشهده.\nورواه ابن ماجة، من حديث داود بن أبى هند، به نحوه.\nوقال أحمد (^٦٣٣): حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا حماد بن زيد، عن أبي عمران الجوني، قال: كتب إلي عبد اللَّه بن رباح، يحدّث عن عبد الله بن عمرو قال: هَجَّرت إلى رسول الله، ﷺ، يومًا، فإنا لجلوس؛ إذ اختلف اثنان في آية، فارتفعت أصواتهما، فقال: \"إنما هلكت الأمم قبلكم باختلافهم في الكتاب\". ورواه مسلم والنسائى من حديث حماد بن زيد، به.\n_________\n(^٦٣٢) - \" المسند\" (٢/ ١٧٨) وأخرجه ابن ماجة فى المقدمة، باب: فى القدر (٨٥) ثنا على بن محمد ثنا أبو معاوية به، ورواه أحمد أيضًا (٢/ ١٩٥ - ١٩٦) ثنا إسماعيل - وهو ابن علية - عن داود به، ورواه أيضًا (١٩٦/ ٢) ثنا يونس ثنا حماد بن سلمة عن حميد ومطر الورَّاق وداود بن أبى هند عن عمرو به، وقال البوصيرى فى \"الزوائد\" (١/ ٥٨): \"إسناده صحيح، رجاله ثقات\" وهو حسن كما بينا فى السابق وبالله التوفيق.\n(^٦٣٣) - \" المسند\" (٢/ ١٩٢) وأخرجه مسلم، كتاب العلم، باب: النهى عن اتباع متشابه القرآن (٢) (٢٦٦٦)، والنسائى فى \"فضائل القرآن\" من \"الكبرى\" (٥/ ٨٠٩٥) من طريقين عن حماد بن زيد به.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"حجزة\". وجلسنا حجرة، أي: ناحية منفردين.\n[¬٢]- ما بين العكوفين في خ: \"بل نزل، وفي ت: إنما نزل\".\n[¬٣]- مكررة في ز، خ.","vol":"4","page":173},{"text":"وقوله: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ﴾ إنكار على من يبادر إلى الأمور قبل تحققها، فيخبر بها ويفشيها وينشرها، وقد لا يكون لها صحة.\nوقد قال مسلم في مقدّمة صحيحه (^٦٣٤): حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا على بن حفص، حدثنا شعبة، عن خبيب [¬١] بن عبد الرحمن، عن حفص بن عاصم، عن أبي هريرة عن النبي، ﷺ، قال: \"كفى بالمرء كذبًا أن يحدث بكل ما سمع\".\nوكذا رواه أبو داود في كتاب الأدب من سننه، عن محمد بن الحسين بن إشكاب، عن علي ابن حفص، عن شعبة مسندًا، ورواه مسلم أيضًا (^٦٣٥) من حديث معاذ بن هشام العنبري، وعبد الرحمن بن مهدي، وأخرجه أبو داود أيضًا من حديث حفص بن عمر النَّمَري [¬٢]،\n_________\n(^٦٣٤) - مقدمة مسلم لصحيحه، باب: النهى عن الحديث بكل ما سمع (٥/ ٥) ورواه أبو داود، كتاب الأدب، باب: التشديد فى الكذب (٤٩٩٢) وابن حبان فى صحيحه (١/ رقم ٣٠) والدارقطنى فى \"العلل\" (١٠/ ٢٧٦ / ص ٢٠٠٨) من طريق محمد بن الحسين بن إشكاب، والحاكم فى \"المستدرك\" (١/ ١١٢) من طريق محمد بن رافع، كلاهما (ابن إشكاب، وابن رافع) عن علي بن حفص - تحرف فى المستدرك إلى جعفر - به، ورجاله ثقات غير أن أبي داود قال: \"لم يسنده إلا هذا الشيخ، يعنى على ابن حفص المدائنى\" وهو وان وثقه ابن معين وابن المدينى وأبو داود وقال النسائى: ليس به بأس، فقد قال أبو حاتم: صالح الحديث، يكتب حديثه ولا يحتج به وذكره ابن حبان فى \"الثقات\" وقال: \"ربما أخطأ\" ووسمه فى \"التقريب\" بأنه: \"صدوق\" وعليه فإن القلب لا يطمئن لزيادة هذه لا سيما. وقال الدارقطني: \"تفرد به على بن حفص عن شعبة متصلًا، وخالفه أصحاب شعبة؛ رووه عن شعبة عن خبيب عن حفص بن عاصم مرسلًا عن النبى ﷺ كذلك قال غندر والنضر بن شميل وسليمان ابن حرب وغيرهم والقول قولهم\" غير أن ابن أبي شيبة رواه في \"المصنف\" (٦/ ١٢٥) ثنا أسامة عن شعبة به متصلًا، وأخشى أن يكون وصله خطأ من الناسخ واللهُ أعلم. وانظر ما بعده.\n(^٦٣٥) - وفى النسخ التى بين أيدينا من صحيحه وقعت رواية معاذ بن هشام العنبرى وعبد الرحمن بن مهدى متصلة الإسناد، قال المنذرى فى \"مختصر سنن أبى داود\" (٧/ ٢٨١)، أخرجه مسلم فى المقدمة مسندًا ومرسلًا، وعند بعض رواة مسلم كلاهما مسند، وقال الدارقطني: والصواب مرسل. وقد أرسله أيضًا عن شعبة، حفص بن عمر [عند أبى داود] ومحمد بن جعفر [عند القضاعى فى \"مسند الشهاب\" (٢/ ١٤١٦)] وآدم بن أبى إياس وسليمان بن حرب وكذا حفص بن عمر [عند الحاكم (١/ ١١٢)] وغيرهم كما قال الدارقطني، وأعله بالإرسال ومن قبله أبو داود، ولكن صححه الحاكم ووافقه الذهبى استنادًا إلى أنها زيادة ثقة فهى مقبولة، وكذا صححه الألبانى فأودعه \"الصحيحة\" =\n_________\n(*) هجَّر إلى الشيء: بكَّر وبادر إليه.\n[¬١]- فى ز: \"حبيب\".\n[¬٢]- فى ز: \"التمري\".","vol":"4","page":174},{"text":"ثلاثتهم عن شعبة، عن خُبيب، عن حفص بن عاصم، به مرسلًا.\nوفي الصحيحين (^٦٣٦) عن المغيرة بن شعبة، أن رسول الله، ﷺ، نهى عن قيل وقال. أي: الذي يكثر من الحديث عما يقول الناس من غير تثبت، [ولا تدبر] [¬١]، ولا تبين.\nوفى سنن أبي داود (^٦٣٧): أن رسول الله، ﷺ، قال [¬٢]: \"بئس مطية\n_________\n= (٢٥/ ٢٠٥) لكن كأنه لم يقف على الخلاف فى وصل رواية معاذ وابن مهدى وإرسالهما عند مسلم، فأجاب على قول أبى داود بأنهما تابعا عليَّ بن حفص على وصله، ولم يشر لهذا الخلاف، وجزم المصنف وغير واحد بأن أصحاب شعبة رووه مرسلًا غير على بن حفص يقوى إرسال هذه الرواية.\nوالحديث أخرجه ابن المبارك فى \"الزهد\" (٧٣٥) عن يحيى بن عبيد الله بن موهب القرشى عن أبيه عن أبى هريرة به، ويحيى ضعفه غير واحد واستنكر له ابن عدى هذا الحديث فأودعه \"الكامل\" (٧/ ٢٦٦٠) وله شاهد بإسناد ضعيف من حديث أبى أمامة عند القضاعى (١٤١٥) والحاكم (٢/ ٢٠، ٢١) وصححه وفيه علل، راجع \"الضعيفة\" (٥/ ٢٢٣٤).\n(^٦٣٦) - صحيح البخارى، كتاب الزكاة، باب: قول الله تعالى ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ (١٤٧٧)، ومسلم، كتاب الأقضية، باب: النهى عن عرة المسائل من غير حاجة (١٢) (٥٩٣) مكرر \"شرح النووى\" (١٧/ ١٢/ ط قرطبة)، وهو فى \"المسند\" (٤/ ٢٤٦ /ومواضع أخر).\n(^٦٣٧) - سنن أبى داود، كتاب الأدب، باب: قول الرجل: \"زعموا\" (٤٩٧٢) ثنا أبو بكر بن أبى شيبة [وهو فى \"المصنف\" (٦/ ١٤٥)] ثنا وكيع، عن الأوزاعى عن يحيى، عن أبى قلابة، قال: قال أبو مسعود لأبى عبد الله، أو: قال أبو عبد الله لأبى مسعود: ما سمعت رسول الله ﷺ يقول فى \"زعموا\"؟ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول … فذكره، وقال أبو داود: \"أبو عبد الله هذا حذيفة\" وكأن أحمد رجح هذا، فرواه فى مسند حذيفة \"المسند\" (٥/ ٤٠١)، ورواه البخارى فى \"الأدب المفرد\" (٧٦٢) والطحاوى فى \"مشكل الآثار\" رقم ١٣٨) والقضاعى فى \"مسند الشهاب\" (٢/ ١٣٣٤) من طريق أبى عاصم الضحاك بن مخلد عن الأوزاعى به، ورواه ابن المبارك فى \"الزهد\" (٣٧٧) [ومن طريقه أحمد (٩/ ١١٤) والقضاعى (٢/ ١٣٣٦) والبغوى فى \"شرح السنة\" (١٢/ ٨٨٩٢)] عن الأوزاعى به ليس فيه ذكر لأبى عبد الله الصحابي، ورجال هذه الأسانيد ثقات من رجال \"التهذيب\" غير أن أبا قلابة - واسمه عبد اللَّه بن زيد - ذكر الحافظ أبو القاسم الدمشقى فى \"الأطراف\" أنه لم يسمع منهما - يعنى حذيفة وأبا مسعود ﵄؛ قاله المنذرى فى \"مختصر السنن\" (٧/ ٢٦٧) وكذا مال العلائى فى \"جامع التحصيل\" (ص ٢١١) إلى عدم سماعه من حذيفة ومع هذا فقد صححه من هذا الوجه الألبانى فى \"الصحيحة\" (٢/ ٨٦٦)، وقد أشار إلى هذا الحديث البخارى فى صحيحه - كتاب الأدب (٣٤)، \"الفتح\" (١٠/ ٥٥١) - فقال: =\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- سقط من: ر.","vol":"4","page":175},{"text":"الرجل زعموا\". وفي الصحيح (^٦٣٨): \" من حدث بحديث، وهو يرى أنه كذب؛ فهو أحد الكاذبين\".\n_________\n= باب: ما جاء فى \"زعموا\" قال ابن حجر: كأنه يشير إلى حديث أبى قلابة قال: \"قيل لأبى مسعود … \" الحديث، أخرجه أحمد وأبو داود ورجاله ثقات، إلا أن فيه انقطاعًا، وكان البخارى أشار إلى ضعف هذا الحديث بإخراجه حديث أم هانئ وفيه قولها: \"زعم ابن أمى\" فإن أم هانئ أطلقت ذلك فى حق على، ولم ينكر عليها النبى ﷺ والأصل فى \"زعم\" أنها تقال فى الأمر الذى لا يوقف على حقيقته … ومع جزم ابن حجر هنا بالانقطاع إلا أنه صحح إسناده من طريق آخر، فقال فى \"الإصابة\" (٤/ ١٢٦/ ط دار الفكر): (أبو عبد الله غير منسوب روى حديثه الحسن بن سفيان فى مسنده من طريق الوليد بن مسلم حدثنا الأوزاعى، حدثنا يحيى بن أبى كثير حدثنى أبو قلابة حدثنى أبو عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ … الحديث، وسنده صحيح متصل أمن فيه من تدليس الوليد وتسويته، وقد أخرجه أبو داود في \"السنن\" من طريق وكيع عِن الأوزاعى فقال فيه: عن أبى قلابة قال: قال أبو مسعود لأبى عبد الله … قال أبو داود: أبو عبد الله هذا هو حذيفة بن اليمان، كذا قال، وفيه نظر لأن أبا قلابة لم يدرك حذيفة، وقد صرح فى رواية الوليد بأن أبا عبد الله حدثه، والوليد أعرف بحديث الأوزاعى من وكيع، وقال ابن منده: \"أبو عبد الله هذا هو الذى روى عنه أبو نضرة وهو محتمل\" اهـ وقد مال ابن أبى عاصم إلى أن أبا عبد الله الصحابي ليس هو حذيفة، حيث رواه فى كتابه \"الآحاد والمثانى\" (٥/ ٢٧٩٨) تحت ترجمته \"أبو عبد الله\" صحابى غير منسوب فقال: \"حدثنا عمرو بن عثمان نا الوليد بن مسلم به\" وفي طريق الوليد أخرجه أيضًا الطحاوى (١/ ١٣٧)، ومن طريقة القضاعى (٢/ ١٣٣٥) ثنا محمد بن عبد الله بن ميمون البغدادى أبو بكر، ثنا الوليد بن مسلم به، ورواه البيهقى فى \"السنن الكبرى\" (١٠/ ٢٤٧) من طريق العباس بن الوليد بن مزيد أنبأ أبى قال: سمعت الأوزاعى قال: فذكره بنحو رواية أبى داود، وغيره، غير أنه نسب أبا عبد الله فقال: \"أبو عبد الله الجرمى\" ورواه الخرائطى فى \"مساوئ الأخلاق\" (رقم ٦٨٨) من طريق يحيى بن عبد العزيز عن يحيى - ابن أبى كثير - عن أبى قلابة عن أبى مهلب أن عبد الله بن عامر قال: يا أبا مسعود ما سمعت من رسول الله ﷺ يقول فى \"زعموا\"؟ … فذكر الحديث ورجاله ثقات غير يحيى بن عبد العزيز هذا فقد وسمه الحافظ فى \"التقريب\" بأنه \"مقبول\" يعنى عند المتابعة وإلا فهو لين عند التفرد كما هو اصطلاحه، فكيف وفد خولف ولذلك قال الألبانى: \"رواية شاذة، بل منكرة\" فالعجب إذن من العجلونى حيث قطع إسناده من عند يحيى هذا فقال فى: \"كشف الخفاء\" (١/ ٢٦٢): \"رواه الخرائطى فى \"المساوئ عن أبى قلابة … ورجاله موثقون فثبت اتصاله، وتأكد الجزم بأنه عن أبى مسعود\"!!.\n(^٦٣٨) - صحيح رواه مسلم فى مقدمة صحيحه، باب: وجوب الرواية عن الثقات وترك الكذابين (١/ ٩٧/ شرح النووى ط قرطبة) من حديث سمرة بن جندب والمغيرة بن شعبة، وحديث سمرة رواه أحمد (٥/ ١٤، ٢٠) وابن ماجه (٣٩) والطيالسى فى مسنده (١/ ٣٨) وابن عدى فى \"الكامل\" (١/ ٣٩) وابن حبان فى \"المجروحين\" (١/ ٧) وفى صحيحه (١/ح ٢٩) والطبرانى فى \"طرق حديث من كذب على متعمدًا\" (١/ ح ١٣٣) وإسناده صحيح، وحديث المغيرة - بهذا اللفظ - رواه أيضًا أحمد (٥/ ٢٥٠، ٢٥٢، ٢٥٥)، والترمذى (٢٦٦٢) وابن ماجه (٤١) وابن عدى وابن حبان والطبرانى (١/ ح ١٣٠ - ١٣٢) والحاكم فى \"المدخل\" ص ١٠٣) وإسناده صحيح أيضًا.","vol":"4","page":176},{"text":"ولنذكر هاهنا حديث عمر بن الخطاب المتفق [عليه] (^٦٣٩) [¬١]، حين بلغه أن رسول الله، ﷺ، طلق نساءه، فجاء من منزله حتى دخل المسجد، فوجد الناس يقولون ذلك، فلم يصبر حتى استأذن على النبي، ﷺ، فاستفهمه: أطلقت نساءك؟ فقال: \"لا\"، فقلت: الله أكبر، وذكر الحديث بطوله.\nوعند مسلم فقلت: أطلقتهن؟ فقال: \"لا\"، فقمت على باب المسجد فناديت بأعلى صوتي: لم يطق [رسول الله، ﷺ،] [¬٢] نساءه، ونزلت هذه الآية: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾، فكنت أنا استنبطت ذلك الأمر.\nومعنى قوله: ﴿يَسْتَنْبِطُونَهُ﴾ أي: يستخرجونه ويستعملونه من معادنه، يقال: استنبط [¬٣] الرجل العين، إذا حفرها واستخرجها من قعورها [¬٤].\nوقوله: ﴿لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ قال على بن أبي طلحة، عن ابن عباس، يعني: المؤمنين (^٦٤٠).\nوقال عبد الرزاق (^٦٤١)، عن معمر، عن قتادة: ﴿لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ يعني:\n_________\n(^٦٣٩) - رواه البخارى، كتاب: العلم، باب: التناوب فى العلم (٨٩) - وانظر أطرافه ثمة - ومسلم، كتاب: الطلاق، باب: فى الإيلاء واعتزال النساء تخييرهن (٣٠: ٣٥) (١٤٧٩) والترمذى (٢٤٦١، ٣٣١٨)، والنسائى (٤/ ١٣٧) من طريق عبد الله بن عبد الله بن أبى ثور، ورواه البخارى ومسلم من طريق عبيد بن حنين، ورواه مسلم والترمذى (٢٦٩١) من طريق سماك الحنفى أبى زميل، وأبو داود (٥٢٠١) من طريق سعيد بن جبير - مختصر جدًا - أربعتهم (عبيد الله وعبيد وأبو زميل وسعيد) عن ابن عباس عن عمر به مطولًا ومختصرًا، ورواية أبى زميل عند مسلم هى التى فيها نزول هذه الآية ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ …﴾.\n(^٦٤٠) - رواه ابن جرير (٨/ ١٠٠١١)، وابن أبى حاتم (٣/ ٥٧٠٢) وعلى بن أبى طلحة لم يسمع من ابن عباس، والأثر ذكره فى \"الدر المنثور\" (٢/ ٣٣٤) وزاد نسبته إلى ابن المنذر.\n(^٦٤١) - تفسير عبد الرزاق (١/ ١٦٦) - ومن طريقه ابن جرير (٨/ ١٠٠٠٨) وابن أبى حاتم (٣/ ٥٧٠٢) وإسناده صحيح ورواه ابن جرير أيضًا (٨/ ١٠٠٠٩) من طريق سويد بن نصر، أخبرنا ابن المبارك قراءة، عن سعيد به وإسناده صحيح أيضًا، وذكره السيوطى فى \"الدر المنثور\" (٢/ ٣٣٤) وزاد نسبته إلى ابن المنذر.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في خ: \"على صحته\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٣]- في ز: \"استبط\".\n[¬٤]- في ز، خ: \"قعارها\".","vol":"4","page":177},{"text":"كلكم، واستشهد من نصر هذا القول بقول الطِّرِمَّاح بن حكيم، في مدح يزيد بن المهلب:\nأشم [كثير يُدِيَّ] [¬١] النوال … قليل المثالب والقادحهْ\nيعني: لا مثالب له ولا قادحة فيه.\n﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا (٨٤) مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا (٨٥) وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا (٨٦) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا (٨٧)﴾\nيأمر تعالى عبده ورسوله محمدًا، ﷺ، بأن يباشر القتال بنفسه ومن نكل عنه [¬٢] فلا عليه منه ولهذا قال ﴿لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ﴾.\nوقال ابن أبي حاتم (^٦٤٢): حدثنا أبي، حدثنا محمد بن عمرو بن [زُنَيْج] (*)، حدثنا حكام، حدثنا الجرّاح الكندي، عن أبي إسحاق قال: سألت البراء بن عازب، عن الرجل يلقى مائة [¬٣] من العدوّ، فيقاتل، أيكون ممن قال الله فيه: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ قال: قد قال الله تعالى [لنبيه، ﷺ] [¬٤]: ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ\n_________\n(^٦٤٢) - تفسير ابن أبى حاتم (٣/ ٥٧٠٤) وإسناده حسن لكلام فى الجراح - وهو ابن الضحاك ابن قيس الكندى - فقد وسمه الحافظ ابن حجر فى \"التقريب\" بأنه \"صدوق\"، لكنه متابع فقد رواه أحمد (٤/ ٢٨١) وابن مردويه من طريق أبى بكر بن عياش. مقرونًا به على بن صالح عند ابن مردويه - كلت أبى إسحاق به.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ز: \"ندي كثير النوادي\" وفي خ: كثير النوادي.\n[¬٢]- في ز، خ: \"عليه\".\n(*) في ز، خ: بن نبيح. بدون نقط الاسم الأخير. وهو تحريف. والصواب ما أثبته. وانظر ترجمته في الجرح والتعديل [٨/ ٣٤]، تهذيب الكمال [٢٦/ ١٩٩].\n[¬٣]- في خ: \"المائة\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ت.","vol":"4","page":178},{"text":"وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ﴾.\nورواه الإِمام أحمد، عن سليمان بن داود، عن أبي بكر بن عياش، عن أبي إسحاق قال: قلت للبراء: الرجل يحمل على المشركين؛ أهو ممن ألقى بيده إلى التهلكة؟ قال: لا؛ لأن الله بعث رسوله، ﷺ، وقال: ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ﴾، إنما ذلك فى النفقة.\nوكذا رواه ابن مردويه من طريق أبي بكر بن عياش: على بن صالح، عن أبي إسحاق، عن البراء، به.\nثم قال ابن مردويه (^٦٤٣): حدثنا سليمان بن أحمد، حدثنا أحمد بن النضر العسكري، حدّثنا مسلم بن عبد الرحمن الجرمي، حدثنا محمد بني حمير، حدثنا سفيان الثوري، عن أبي إسحاق، عن البراء، قال: لما نزلت على النبي، ﷺ: ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، قال لأصحابه: \"قد أمرني ربي بالقتال فقالوا\". حديث غريب.\nوقوله: ﴿وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ [] [¬١]﴾ أي: على القتال، ورغبهم فيه وشجعهم [¬٢] عنده، كما قال لهم، ﷺ، يوم بدر، وهو يسوّي الصفوف: \"قوموا إلى جنة عرضها السموات والأرض\" (^٦٤٤).\nوقد وردت أحاديث كثيرة في الترغيب في ذلك، فمن ذلك ما رواه البخاري (^٦٤٥)، عن أبي\n_________\n(^٦٤٣) - وعزاه إلى ابن مردويه السيوطى فى \"الدر المنثور\" (٢/ ٣٣٥) ولم أهتد له فى المعاجم الثلاثة لسليمان بن أحمد الطبرانى، كما أن شيخ الطبرانى وشيخ شيخه لم أجد لهما ترجمة، وكأن لهذا استغربه المصنف - وباقى الإسناد رجاله رجال \"التهذيب\".\n(^٦٤٤) - جزء من حديث طويل رواه مسلم، كتاب: الإمارة، باب: ثبوت الجنة للشهيد (١٤٥) (١٩٠١)، وأحمد (٣/ ١٣٦، ١٣٧) من حديث أنس بن مالك، وهو عند أبى داود (٢٦١٨) مختصرًا.\n(^٦٤٥) - رواه البخارى، كتاب: الجهاد، باب: درجات المجاهدين فى سبيل الله (٢٧٩٠)، وكتاب: التوحيد، باب: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ (٧٤٢٣) من طريق فليح بن سليمان حدثنى هلالٌ عن عطاء بن يسار عن أبى هريرة مرفوعًا به دون لفظة، \"وآتى الزكاة\". وكان المصنف أورده عند تفسير (آية: ٧٢/ سورة التوبة) كالجادة - دون هذه اللفظة - غير أنه عزاه إلى =\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ز: على القتال. وهو خطأ.\n[¬٢]- سقط من: ز.","vol":"4","page":179},{"text":"هريرة؛ قال: قال رسول الله، ﷺ: \"من آمن بالله ورسوله، وأقام الصلاة، وآتى الزكاة، وصام رمضان، كان حقًّا على الله أن يدخله الجنة، هاجر في سبيل الله، أو جلس في أرضه التي ولد فيها\"، قالوا: يا رسول الله، أفلا نبشر الناس بذلك؟ فقال: \"إن في الجنة مائة درجة أعدّها الله للمجاهدين في سبيل الله، بين كل درجتين كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله [¬١] فاسألوه الفردوس، فإنه أوسط الجنة، [وأعلى الجنة] [¬٢]، وفوقه عرش الرحمن، ومنه تفجر أنهار الجنة\".\nوروي من حديث عبادة (^٦٤٦) ومعاذ (^٦٤٧)\n_________\n= الصحيحين!!، وإنما انفرد به البخارى، وأغرب من ذلك أن يستدركه الحاكم على الشيخين ويوافقه الذهبى \"المستدرك\" (١/ ٨٠)!!\nقال ابن حجر فى \"الفتح\" (٦/ ١٢): \"قال ابن بطال: لم يذكر الزكاة والحج لكونه لم يكن فرض - قلت - ابن حجر: بل سقط ذكره على أحد الرواة، فقد ثبت الحج فى الترمذى فى حديث معاذ بن جبل - يأتى تخرجه (٦٥٠) - وقال فيه: \"لا أدرى أذكر الزكاة أم لا\"، وأيضًا فإن الحديث لم يذكر لبيان الأركان فكان الاقتصار على ما ذكر إن كان محفوظًا لأنه هو المتكرر غالبًا، وأما الزكاة فلا تجب إلا على من له مال بشرطه، والحج فلا يجب إلا مرة على التراخى\".\n(^٦٤٦) - رواه أحمد (٥/ ٣١٦، ٣٢١) وابن أبى شيبة فى \"المصنف\" (٨/ ٨٥/ ط: دار الفكر: عبد ابن حميد فى \"المنتخب\" (١٨٢)، والترمذى فى \"الجامع\" (٢٥٣١)، وابن أبى الدنيا فى \"صفة الجنة\" (رقم ١٨)، وابن جرير فى تفسيره (٣٧١١٦) وابن خزيمة فى \"التوحيد\" (رقم: ١٥٣)، والحاكم فى \"المستدرك\" (١/ ٨٠) والبيهقى فى \"البعث والنشور\" (رقم ٢٢٦) وأبو نعيم فى \"صفة الجنة\" (٢ / رقم ٢٢٥). كلهم من طريق همام ابن يحيى ثنا زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار عن عبادة بن الصامت مرفوعًا بلفظ: \"الجنة مائة درجة، بين كل درجتين كما بين السماء والأرض - وفى رواية ما بين كل درجتين مسيرة مائة عام - ومن فوقها يكون العرش، وإن الفردوس من أعلاها درجة، ومنها تفجر أنهار الجنة الأربعة، فسلوه الفردوس\". وصحح إسناده الحاكم، ووافقه الذهبى، وأقرهما أبو عبد الرحمن الألبانى فسود به حديث رقم (٩٢٢) من \"الصحيحة\" لكن أعله أبو عيسى الترمذى بالمخالفة، فانظر الآتى.\n(^٦٤٧) - رواه أبو عيسى الترمذى فى \"الجامع\" (٢٥٣٠) وأحمد فى \"المسند\" (٥/ ٢٤٠)، والبزار - كما فى \"كشف الأستار\" (١/ رقم ٢٦) - وابن جرير فى \"تفسيره\" (١٦/ ٣٧، ٣٨)، والدارمى فى \"الرد على الجهمية\" (ص ١٥)، وأبو نعيم فى \"صفة الجنة\" (٢ / رقم ٢٢٧) من طريق عبد العزيز بن محمد الدراوردى - مقرونًا به محمد بن جعفر عند ابن جرير - ورواه ابن ماجه (٤٣٣١) وأبو نعيم - معلقا - من طريق حفص بن ميسرة، وأحمد (٥/ ٢٣٢) من طريق زهير بن محمد، والبيهقى فى \"البعث والنشور\" (٢٢٧) من طريق هشام بن سعد، خمستهم (الدراوردى، وابن جعفر، =\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"4","page":180},{"text":"وأبي الدرداء (^٦٤٨) نحو ذلك.\nوعن أبي سعيد الخدري (^٦٤٩)، أن رسول الله، ﷺ، قال: \"يا أبا سعيد، من رضي بالله ربًّا وبالإسلام دينًا، وبمحمد رسولًا و[¬١] نبيًّا وجبت له الجنَّةَ \". قال: فعجب لها أَبو سعيد، فقال: أَعدها عليَّ يا رسول الله؛ ففعل، ثم قال رسول الله، ﷺ: \"وأخرى يرفع الله بها العبد مائة درجة؛ في الجنة، ما بين كل درجتين كما بين السماء إلى [¬٢] والأرض\"، قال: وما هي يا رسول الله؟ قال: الجهاد في سبيل الله\". رواه مسلم.\nوقوله: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: بتحريضك إياهم على القتال؛ تنبعث هممهم على مناجزة الأعداء، ومدافعتهم عن حوزة الإِسلام وأهله، ومقاومتهم ومصابرتهم.\n_________\n= وابن ميسرة وزهير وهشام) عن زيد ابن أسلم عن عطاء بن يسار عن معاذ بن جبل … الحديث.\nقال أَبو عيسى: \"هكذا رُوِيَ هذا الحديث عن هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن معاذ بن جبل، وهذا عندى أصح من حديث همام عن هشام بن أسلم عن عطاء بن يسار عن عبادة بن الصامت - وهو السابق - وعطاء لم يُدْرك معاذ بن جبل: ومعاذ قديم الموت، مات فى خلافة عمر\" وأعله بالانقطاع أيضًا البزار فقال عقبة: \"لا نعلمه بهذا اللفظ إلا عن معاذ، ولا نعلم لعطاء منه سماعًا\"، وذكره الهيثمى فى \"المجمع \" (١/ ٥١، ٥٢): قال: \"رواه البزار، وهو من رواية عطاء بن يسار عن معاذ، ولم يسمع منه\" وبهذا أعله أيضًا الحافظ ابن حجر ﵀ فى \"الفتح\" (٦/ ١٢) وأبو عبد الرحمن الألبانى - كما فى \"الصحيحة\" (٤/ ١٩١٣) - لكنه أجاب عن العلة الأولى التى أشار إليها الترمذى بأن: \"همام بن يحيى ثقة محتج به فى الصحيحين، فيمكن أن يكون لعطاء فيه إسنادان: أحدهما عن عبادة، حفظه هو، والآخر: عن معاذ حفظه الجماعة، فلا تعارض. ومما يؤيد هذا أن البخارى أخرجه - تقدم (٦٤٨) - من طريق هلال بن علي عن عطاء بن يسار عن أَبى هريرة مرفوعًا به. فهذا إسناد ثالث لعطاء، فالجمع أولى من تخطئة ثقتين، وقد أشار الحافظ ابن حجر ﵀ إلى هذا الجمع، كما فى نقل المباركفورى عنه، والله أعلم\" راجع \"الصحيحة\" (١/ ح ٩٢٢).\n(^٦٤٨) - رواه النسائى فى \"سننه\" (٦/ ٢٠) وفى \"عمل اليوم والليلة\" (١١٢٧)، وإسناده حسن وأشار له الحافظ ابن حجر ﵀ فى \"الفتح\" (٦/ ١٢) وزاد عزوه إلى الطبرانى.\n(^٦٤٩) - رواه مسلم فى \"صحيحه\"، كتاب: الإمارة، باب: بيان ما أعده الله تعالى للمجاهد فى الجنَّةَ ١١٦ - (١٨٨٤) وأَبو داود، كتاب: الصلاة، باب: فى الاستغفار (١٥٢٩)، والنسائى، كتاب: الجهاد، باب: درجة المجاهد فى سبيل الله ﷿ (٦/ ١٩) وفى \"عمل اليوم والليلة\" (٩٨٣٣، ٩٨٣٤) وأحمد فى \"المسند\" (٣/ ١٤).\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- في ت: \"و\".","vol":"4","page":181},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا﴾ أي: هو قادر عليهم في الدنيا والآخرة، كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ الآية.\nوقوله: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا﴾ أي: من سعى [¬١] في أمر، فترتَّب عليه خير، كان له نصيب من ذلك، ﴿وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا﴾ أي: يكون عليه وزر من ذلك الأمر الذي ترتب على سعيه ونيته، كما ثبت في الصحيح (^٦٥٠) أن [¬٢] النبي، ﷺ، [قال] [¬٣]: \"اشفعوا تؤجروا [¬٤] \"، ويقضي الله على لسان نبيه ما شاء\".\nوقال مجاهد بن جَبْر [¬٥]: نزلت هذه الآية في شفاعات الناس بعضهم لبعض.\nوقال الحسن البصري: قال الله تعالى: ﴿مَنْ يَشْفَعْ﴾ ولم يقل: من يشفع.\nوقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا﴾ قال ابن عبَّاس وعطاء وعطية وقَتَادة ومطر الوراق: ﴿مقيتًا﴾ أي: حفيظًا، وقال مجاهد: شهيدًا، وفى رواية عنه: حسيبًا. وقال سعيد [¬٦] بن جبير والسدي وابن زيد: قديرًا، وقال عبد الله بن كثير: المقيت: الواصب [¬٧]، وقال الضحاك: المقيت: الرزاق.\nوقال ابن أبي حاتم (^٦٥١): حدَّثنا أبي، حدَّثنا عبد الرحيم بن مطرف، حدَّثنا عيسى بن\n_________\n(^٦٥٠) - رواه البخارى، كتاب: الزكاة، باب: التحريض على الصدقة والشفاعة فيها (١٤٣٢)، ومسلم، كتاب: البر والصلة والآداب، باب: استحباب الشفاعة فيما ليس بحرام ١٤٥ (٢٦٢٧)، وأَبو داود، كتاب: الأدب، باب: فى الشفاعة (٥١٣١)، والترمذى، كتاب: العلم، باب: ما جاء الدال على الخير كفاعله (٢٦٧٢)، والنسائى، كتاب: الزكاة، باب: الشفاعة فى الصدقة (٥/ ٧٧، ٧٨)، وأحمد (٤/ ٤٠٠) من حديث أبي موسى الأشعرى.\n(^٦٥١) - تفسير ابن أبي حاتم (٣/ ٥٧٢٠) ورواه ابن المنذر () كما فى \"الدر المنثور\" (٢/ ٣٦٣) ولم يعزه لغيرهما - من طريق عيسى بن يونس به وإسناده فيه جهالة، وإسماعيل يحتمل أن يكون \"ابن عياش\".\n_________\n[¬١]- في خ: \"يسعى\".\n[¬٢]- في خ: \"عن\".\n[¬٣]- في خ: أنَّه قال.\n[¬٤]- في ز، خ: \" فلتؤجروا\".\n[¬٥]- في ز: \"جبير\".\n[¬٦]- سقط من: ت.\n[¬٧]- في ز: \"المواضب\" وهو تحريف صوبناه عن تفسير الطبري. والواصب: هو من يحسن تدبير الأمور والقيام عليها.","vol":"4","page":182},{"text":"يونس، عن إسماعيل، عن رجل، عن عبد الله بن رواحة، وسأله رجل عن قول الله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا﴾ قال: يقيت كل [¬١] إنسان بقدر [¬٢] عمله.\nوقوله: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ أي: إذا سلم عليكم السلم، فردوا عليه أفضل مما سلم، أو ردوا عليه بمثل مما سلم [¬٣] فالزِّيادة مندوبة، والمماثلة مفروضة.\nقال ابن جرير (^٦٥٢): حدَّثنا موسى بن سهل الرملي، حدَّثنا عبد الله بن السري الأنطاكي، حدَّثنا هشام بن لاحق، عن عاصم الأحول، عن أبي عثمان النهدي، عن سلمان الفارسي، قال: جاء رجل إلى النبي، ﷺ، فقال: السلام عليك يا رسول الله، فقال: \"وعليك [¬٤] السلام ورحمة الله\". ثم أتى آخر، فقال: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله، فقال [له] [¬٥]، رسول الله، ﷺ: \" وعليك السلام ورحمة اللَّه وبركاته\"، ثم جاء آخر فقال: السلام عليك [يا رسول الله] [¬٦] ورحمة الله وبركاته،\n_________\n(^٦٥٢) - تفسير ابن جرير (٨/ ١٠٠٤٤) وعلقه ابن أبي حاتم فى تفسيره (٣/ ٥٧٢٦) من طريق عبد الله بن السرى به، ورواه أحمد فى \"الزهد\" كما فى \"الدر المنثور\" للسيوطى (٢/ ٣٣٦) ولم أجده فى \"كتاب الزهد\" المطبوع، ومن طريقه الطبرانى فى \"المعجم الكبير\" (٦/ ٦١١٤) والدارقطني، ومن طريق الدارقطني ابن الجوزي فى \"العلل المتناهية\" (٢/ ١١٦٩) ابن مردويه كما ذكره المصنف - ثنا هشام بن لاحق به، وحسن إسناده السيوطى: مع أن هشام بن لاحق لا يحتمل تفرده بمثل هذا المتن، فقد قال الهيثمى فى \"المجمع\" (٨/ ٣٦): \"رواه الطبرانى، وفيه هشام بن لاحق، قواه النسائى، وترك أحمد حديثه، وبقية رجاله رجال الصحيح\"، وقال ابن الجوزى: \"هذا حديث لا يصح، قال أحمد: تركت حديث هشام بن لاحق، قال ابن حبان: لا يجوز الاحتجاج به\" لا سيما فى روايته عن عاصم (فقد ذكره العقيلى فى \"الضعفاء\" (٤/ ٣٣٧)، ونقل عن أحمد قال: حدَّثنا هشام ابن لاحق أَبو عثمان المَدَائنى، حدَّثنا عاصم، فذكر حديثًا ثم قال: كتبت عنه أحاديث عن عاصم رفعها لا يرفعها الناس، وقال العقيلى والساجى: قال البخاري: هو مضطرب الحديث، عنده مناكير، أنكر شبابة أحاديثه، قال الساجى: وهو لا يتابع، وقال ابن عدى: \"أحاديثه حسان، وأرجو أنَّه لا بأس به\"، وذكره ابن حبان أيضًا فى \"الثقات\"، فقال: \"يروى عن عاصم - وعنه أحمد بن هشام بن بهرام نسخة فى القلب من بعضها\") راجع \"اللسان\" لابن حجر ﵀ (٦/ ٩٠١٢).\nفائدة: أشار ابن حجر ﵀ فى \"الفتح\" (١١/ ٤٦) إلى هذا الحديث، وعزاه إلى الطبرانى فى \"الأوسط\"!! ولم أجده فيه، ولم يعزه الهيثمى، والسيوطى إلَّا \"للمعجم الكبير\" والله أعلم.\n_________\n[¬١]- في ت: \"لكل\".\n[¬٢]- في خ: \"على قدر\".\n[¬٣]- في خ: \"به\".\n[¬٤]- في ت: \"وعليكم\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من خ.\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.","vol":"4","page":183},{"text":"فقال له: \"وعليك\" فقال له الرجل: يا نبي الله؛ بأبي أنت وأمي، أتاك فلان وفلان فسلما عليك، فرددت عليهما أكثر مما رددت عليَّ، فقال: \"إنك لم تدع لنا شيئًا. قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ فرددناها عليك\".\nوهكذا رواه ابن أبي حاتم معلقًا، فقال: ذكر عن أحمد بن الحسن التِّرمِذي، حدَّثنا عبد الله بن السري - أَبو محمد الأنطاكي - قال أَبو الحسن - وكان رجلًا صالحا -: حدَّثنا هشام بن لاحق … فذكر بإسناده مثله.\nورواه أَبو بكر بن مردويه: حدَّثنا عبد الباقي بن قانع، حدَّثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدَّثنا أبي، حدَّثنا هشام بن لاحق - أبو عثمان - فذكره مثله، ولم أره في المسند، والله أعلم.\nوفي هذا الحديث دلالة على أنَّه لا زيادة في السلام على هذه الصفة: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، إذ لو شرع أكثر من ذلك لزاده رسول الله، ﷺ.\nوقال الإِمام أحمد (^٦٥٣): حدَّثنا محمد بن كثير - أخي [¬١] سليمان بن كثير - حدَّثنا جعفر ابن سليمان، عن عوف، عن أبي رجاء العطاردي، عن عمران بن حصين، أن رجلًا جاء إلى رسول الله ﷺ فقال: السلام عليكم، فرد عليه، ثم جلس فقال: \"عشر\"، ثم جاء آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله، فرد عليه، ثم جلس فقال [¬٢]: [\"عشرون\"، ثم جاء آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فرد عليه¬ السلام، ثم جلس] [¬٣]\n_________\n(^٦٥٣) - \" المسند\" (٤/ ٤٣٩، ٤٤٠) وعنه النسائى فى \"عمل اليوم والليلة\" (٣٣٧) ومن \"الكبرى\" (٦/ ١٠١٦٩) - ورواه أَبو داود، كتاب: الأدب، باب: كيف السلام (٥١٩٥) والدارمى فى \"سننه\" (٢/ح ٢٦٤٣) - ومن طريقه وطريق غيره الترمذى فى \"الجامع\" كتاب: الاستئذان، باب: ما ذكر فى فضل السلام (٢٦٨٩) - والبزار فى \"مسنده\" (٩/ ٣٥٨٨ /البحر الزخار)، والطبرانى فى \"المعجم الكبير\" (١٨/ ح ٢٨٠)، والبيهقى فى \"الشعب\" (٦/ ٨٨٧٠)، كلهم من طريق محمد بن كثير وهو أَبو عبد الله العبدى ثقة، ووهم ابن الجوزى فظنه أبا إسحاق القرشى الكوفى فأعل الحديث به!! ومن طريقه ابن الجوزى فى \"العلل المتناهية\" (٢/ ١١٩٤) به.\nورواه ابن أبي الدنيا - ومن طريقه البيهقى - ثنا إبراهيم بن محمد بن عرعرة نا جعفر بن سليمان قال البزار: \"وهنا الحديث قد روى نحو كلامه عن النبيّ - صلى الىَه عليه وسلم - من وجوه، وأحسن إسناد يروى فى ذلك عن النبى ﷺ هذا الإسناد، وإن كان قد رواه من هو =\n_________\n[¬١]- كذا.\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"4","page":184},{"text":"فقال [¬١]: \"ثلاثون\".\nوكذا رواه أَبو داود، عن محمد بن كثير، وأخرجه التِّرمِذي والنَّسائي والبزار من حديثه، ثم قال التِّرمِذي: حسن غريب من هذا الوجه، وفي الباب عن أبي سعيد، وعلى (^٦٥٤)، وسهل بن حنيف (^٦٥٥).\nوقال البزار: قد روي هذا عن النبي، ﷺ، من وجوه هذا أحسنها إسنادًا. وقال ابن أبي حاتم (^٦٥٦): حدَّثنا على بن حرب الموصلي، حدَّثنا حميد بن عبد الرحمن الرؤاسي، عن الحسن بن صالح، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عبَّاس فال: من سلم عليك من خلق الله فاردد عليه، وإن كان مجوسيًّا، ذلك بأن الله يقول: ﴿فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾.\nوقال قتادة: ﴿فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا﴾ يعني للمسلمين [¬٢]، ﴿أَوْ رُدُّوهَا﴾ يعني لأهل الذمة.\nوهذا التنزيل فيه نظر، كما تقدم في الحديث، من أن المراد أن يرد بأحسن مما حياه به، فإن\n_________\n= أجل من عمران فإسناد عمران حسن\". وقال أبو عيسى: \"حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه … \" وقوى إسناده ابن حجر ﵀ فى \"الفتح\" (١١/ ٦) وحسن إسناده من هذا الوجه البيهقى أيضًا وذلك لكلام فى جعفر بن سليمان، ففى \"التقريب\": صدوق زاهد، لكنه كان يتشيع … \".\n(^٦٥٤) - ذكره الهيثمى فى \"المجمع\" (٨/ ٣٣، ٣٤) وقال: \"رواه البزار، وفيه مختار بن نافع التيمى، وهو ضعيف، وفيه عبيد بن إسحاق العطار، وهو متروك\" وذكره ابن حجر ﵀ فى \"الفتح\" (١١/ ٦) وعزاه إلى أبى نعيم فى \"عمل اليوم والليلة\".\n(^٦٥٥) - رواه الطبرانى فى \"المعجم الكبير\" (٦ / ح ٥٥٦٣)، والبيهقى فى \"الشعب\" (٦/ ٨٨٧٥) وأشار إليه الحافظ ابن حجر ﵀ فى \"الفتح\" (١١/ ٦) وضعف إسناده إذ إنه من رواية موسى بن عبيدة الربذى: وهو ضعيف، وبه أعله الهيثمى فى \"المجمع\" (٨/ ٣٤): ولم يعزه السيوطى فى \"الدر المنثور\" (٢/ ٣٣٧) لغير البيهقى.\nوفى الباب عن أبي هريرة عند البخارى فى \"الأدب المفرد\" (٩٨٦) وصححه أبو حاتم بن حبان (١/ ٤٩٣/ إحسان)، وعن ابن عمر ومالك بن التيهان وفى إسنادهما مقال انظر \"المجمع\" (٨/ ٣٤) و\"الفتح\".\n(^٦٥٦) - تفسير ابن أبي حاتم (٣/ ٥٧٢٩) ولم يعزه السيوطى فى \"الدر المنثور\" (٢/ ٣٣٧، ٣٣٨) لغيره، ورواية سماك عن عكرمة مضطربة كما قال ابن المدينى وغيره، ومع هذا فقد جزم بنسبته إلى ابن عبَّاس الحافظ فى \"الفتح\" (١١/ ٤٢).\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- في ز: \"المسلمين\".","vol":"4","page":185},{"text":"بلغ المسلم غاية ما شرع في السلام، رد عليه مثل ما قال، فأما أهل الذمة فلا يبدءون بالسلام، ولا يزادون، بل يرد عليهم بما ثبت في الصحيحين (^٦٥٧)، عن ابن عمر أن رسول الله، ﷺ، قال: \"إذا سلم عليكم اليهود، فإنما يقول أحدهم السام عليك فقل: وعليك [¬١] \".\nوفي صحيح مسلم (^٦٥٨) عن أبي هريرة أن رسول الله، ﷺ، قال: \"لا تبدءوا اليهود والنصارى بالسلام، وإذا لقيتموهم في طريق فاضطروهم إلى أضيقه\".\nوقال سفيان الثَّوري (^٦٥٩): عن رجل، عن الحسن البصري قال: السلام تطوّع، والرد فريضة.\nوهذا الذي قاله هو قول العلماء قاطبة: إن الرد واجب على من سلم عليه؛ فيأثم إن لم يفعل لأنه خالف أمر الله في قوله ﴿فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ وقد جاء في الحديث الذي رواه [¬٢] [أبو داود بسنده (^٦٦٠) إلى أبي هريرة، قال: قال رسول الله، ﷺ: \"والذي نفسي بيده، لا تدخلوا الجنَّةَ حتَّى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتَّى تحابوا، أفلا أدلكم على أمر إذا فعلتموه تحاببتم؛ افشوا السلام بينكم] [¬٣] \".\n_________\n(^٦٥٧) - رواه البخارى، كتاب: الاستئذان، باب: كيف الردُّ، على أهل الذِّمة بالسلام (٦٢٥٧)، ومسلم، كتاب: السلام، باب: النهى عن ابتداء أهل الكتاب بالسلام … ٨، ٩ - (٢١٦٤)، وأَبو داود، كتاب: الأدب، باب: فى السلام على أهل الذمة (٥٢٠٦)، والترمذى، كتاب: السير، باب: ما جاء فى التسليم على أهل الكتاب (١٦٠٣)، والنسائى فى \"عمل اليوم والليلة\" (٣٧٨ - ٣٨٠) من طرق عن عبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر به. وفى لفظه الرد على اليهود بـ \"عليك\" أو \"عليكم\" تحرير انظره فى \"الفتح\" لابن حجر ﵀ (١١/ ٤٣، ٤٤).\n(^٦٥٨) - صحيح مسلم، كتاب: السلام، باب: النهى عن ابتداء أهل الكتاب بالسلام (١٣ - ٢١٦٧) وكذا رواه أحمد (٢/ ٢٦٣ / ومواضع أخر) وأَبو داود (٥٢٠٥) والترمذى (١٦٠٢، ٢٧٠٠).\n(^٦٥٩) - رواه ابن جرير (٨/ ١٠٠٤٦) وفى إسناده جهالة، لكن رواه البخارى فى \"الأدب المفرد، (١٠٤٠) بإسناد صحيح، ولم يعزه السيوطى فى \"الدر المنثور\" (٢/ ٣٣٨) لغيرهما.\n(^٦٦٠) - رواه أَبو داود، كتاب: الأدب، باب: فى إفشاء السلام (٥١٩٣) واقتصار المصنف على عزوه لأبى داود تقصير!! فقد رواه مسلم فى صحيحه، كتاب: الإيمان، باب: بيان أنَّه لا يدخل الجنَّةَ =\n_________\n[¬١]- قال الإمام الخطابي عند شرحه لقوله ﷺ: \"فقولوا: وعليكم\": \"هكذا يرويه عامة المحدثين \"وعليكم\" بالواو، وكان سفيان بن عيينة يرويه: \"عليكم\" بحذف الواو، وهو الصواب. وذلك: أنَّه إذا حذف الواو صار قولهم الذي قالوه بعينه مردودًا عليهم، وبإدخال الواو يقع الاشتراك معهم والدخول فيما قالوه؛ لأن الواو حرف للعطف والجمع بين الشيئين. معالم السنن [٨/ ٧٥].\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- مكانها بياض في ز، وسقط من: خ.","vol":"4","page":186},{"text":"وقول [¬١] ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ إخبار بتوحيده، تفرده بالإلهية لجميع المخلوقات، وتضمن قسمًا لقوله: ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ وهذه اللام موطئة للقسم، فقوله: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ خبر وقسم أنَّه سيجمع الأولين: الآخرين في صعيد واحد؛ فيجازي كل عامل بعمله.\nوقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ أي: لا أحد أصدق منه في حديثه وخبره ووعده ووعيده، فلا إله إلَّا هو، ولا رب سواه.\n﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا (٨٨) وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (٨٩) إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا (٩٠) سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا (٩١)﴾\nيقول تعالى منكرًا على المؤمنين، في اختلافهم في المنافقين على قولين: واختلف في سبب ذلك، فقال الإِمام أحمد (^٦٦١): حدَّثنا بهز، حدثا شعبة، قال عدي بن ثابت: أخبرني\n_________\n= إلَّا المؤمنون (٩٣، ٩٤) (٥٤)، والترمذى، كتاب: الاستئذان، باب: ما جاء فى إفشاء السلام (٢٦٦٨)، وابن ماجة فى المقدمة، باب: فى الإيمان (٦٨)، وفى الأدب، باب: فى إفشاء السلام (٣٦٩٢)، وأحمد (٢/ ٣٩١، ٤٤٢، ٤٧٧، ٤٩٥، ٥١٢).\n(^٦٦١) - \" المسند\" (٥/ ١٨٤، ١٨٧)، ورواه أيضًا (٥/ ١٨٨، ٢٨٧)، والبخارى، كتاب: =\n_________\n[¬١]- مكانها بياض في ز.","vol":"4","page":187},{"text":"[] [¬١] عبد الله بن يزيد عن زيد بن ثابت، أن رسول الله، ﷺ، خرج إلى أحد، فرجع ناس خرجوا معه، فكان أصحاب رسول الله، ﷺ، فيهم فرقتين: فرقة تقول: نقتلهم، وفرقة تقول: لا [هم المؤمنون] [¬٢]، فأنزل الله: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾، فقال رسول الله، ﷺ: \"إنها طيبة، وإنها تنفي الخبث، كما تنفي النار خبث الفضة\".\nأخرجاه في الصحيحين، من حديث شعبة.\nوقد ذكر محمد بن إسحاق بن يسار فى وقعة أحد: أن عبد الله بن أبي ابن سلول رجع يومئذ بثلث الجيش، رجع بثلاثمائة، وبقي النبي، ﷺ، في سبعمائة.\nوقال العوفي، عن ابن عبَّاس: نزلت فى قوم كانوا بمكة، قد تكلموا بالإسلام، وكانوا يظاهرون المشركين، فخرجوا من مكة يطبون حاجة لهم، فقالوا: إن لقينا أصَحاب محمد فليس علينا منهم بأس، وإن المؤمنين لما أخبروا أنهم قد خرجوا من مكة، قالت فئة من المؤمنين: اركبوا إلى الجبناء فاقتلوهم بم فإنهم يظاهرون عليكم عدوكم. وقالت فئة أخرى من المؤمنين: سبحان الله! أو كما قالوا، أتقتلون قومًا قد تكلموا بمثل ما تكلمتم به؟، أمن أجل أنهم لم يهاجروا ولم يتركوا ديارهم، نستحل دماءهم وأموالهم، فكانوا كذلك فئتين، والرسول عندهم لا ينهى واحدًا [¬٣] من الفريقين عن شيء، فأنزل الله [¬٤]: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾.\nرواه ابن أبي حاتم (^٦٦٢)، وقد روي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، وعكرمة، ومجاهد، والضحاك، وغيرهم: قريب من هذا.\n_________\n= فضائل المدينة (١٨٨٤) - وانظر أطرافه ثمة - ومسلم، كتاب: الحج، باب: المدينة تنفى شرارها (٤٩٠) (١٣٨٤)، كتاب: صفات المنافقين وأحكامهم (٦) (٢٧٧٦)، والترمذى: \"كتاب: تفسير القرآن، باب: ومن سورة النساء (٢٨، ٣)، والنسائى فى التفسير من \"الكبرى\" (٦/ ١١١٣)، من طرق عن شعبة، وفى بعض ألفاظه خلاف تجده محررًا فى \"الفتح\" (٤/ ٩٧).\n(^٦٦٢) - تفسير ابن أبي حاتم (٣/ ٥٧٤١) وكذا رواه ابن جرير (٩/ ١٠٠٥٤) بإسناد مسلسل بالضعفاء أولهم عطية العوفى راوية عن ابن عبَّاس.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين فى ز: \"عن\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- بعده في خ: \"منهم\".\n[¬٤]- في خ: \"فنزلت\".","vol":"4","page":188},{"text":"وقال زيد بن أسلم (^٦٦٣)، عن ابنٍ سعد بن معاذ: إنها نزلت في تقاول الأوس والخزرج في شأن عبد الله بن أبي، حين استعذر منه رسول الله، ﷺ، على المنبر في قضية الإِفك.\nوهذا غريب، وقيل غير ذلك.\nوقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ﴾ أي: ردهم وأوقعهم في الخطأ.\nقال ابن عباس (^٦٦٤): ﴿أَرْكَسَهُمْ﴾ أي: أوقعهم. وقال حمَّادة: أهلكهم، وقال السدي: أضلهم.\nوقوله: ﴿بِمَا كَسَبُوا﴾ أي: بسبب عصيانهم ومخالفتهم الرسول، واتباعهم الباطل.\n﴿أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ أي: لا طريق له إلى الهدى، ولا مخلص له إليه.\n[ثم قال] [¬١]: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ أي: هم يودون لكم الضلالة لتستووا أنتم وإياهم فيها، وما ذاك إلَّا لشدة عداوتهم وبغضهم لكم، ولهذا قال: ﴿فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ أي: تركوا الهجرة، قاله العوفي، عن [¬٢] ابن عبَّاس. وقال السدي: أظهروا كفرهم ﴿فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ أي: لا توالوهم، ولا تستنصروا بهم على [أعداء الله] [¬٣] ما داموا كذلك.\n- ثم استثنى له [¬٤] سبحانه من هؤلاء، فقال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ أي: إلَّا الذين لجئوا وتحيزوا إلى قوم بينكم وبينهم مهادنة، أو عقد ذمة،\n_________\n(^٦٦٣) - رواه ابن أبي حاتم فى تفسيره (٣/ ٥٧٤٠) وزاد نسبته السيوطى فى \"الدر المنثور\" (٢/ ٣٤٠) إلى سعيد بن منصور وابن المنذر. ورواه ابن جرير (٩/ ١٠٠٥٩، ١٠٠٦٠) من كلام زيد بن أسلم.\n(^٦٦٤) - رواه ابن جرير (٩/ ١٠٠٦٢) وابن أبي حاتم (٣/ ٥٧٤٥) من طريق على بن أبي طلحة عنه به، ورواه عطاء الخراسانى عنه بلفظ: \"ردَّهم\"، ورواه ابن جرير (٩/ ١٠٠٦١) وعلى وعطاء لم يسمعا من ابن عباس.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ت: \"وقوله\".\n[¬٢]- في خ: \"و\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في ز: \"الأعداء\".\n[¬٤]- في خ: \"الله\".","vol":"4","page":189},{"text":"فاجعلوا [¬١] حكمهم كحكمهم، وهذا قول السدي وابن زيد وابن جرير.\nوقد روى ابن أبي حاتم (^٦٦٥): حدَّثنا أبي، حدَّثنا أبو سلمة، حدَّثنا حمَّاد بن سلمة، عن على بن زيد بن جدعان، عن الحسن، أن سراقة بن مالك المدلجي حدثهم، قال: لما ظهر النبي، ﷺ، على أهل بدر وأحد، وأسلم من حولهم، قال سراقة: بلغني أنَّه يريد أن يبعث خالد ابن الوليد إلى قومي بني مدلج، فأتيته، فقلت: أنشدك النعمة، فقالوا: صه. فقال النبي، ﷺ: \"دعوه، مما تريد؟ \" قال: بلغني أنك تريد أن تبعث إلى قومي، وأنا أريد أن توادعهم؛ فإن أسلم قومك أسلموا ودخلوا في الإِسلام، وإن لم يسلموا لم تخشن [¬٢] قلوب [¬٣] قومك عليهم. فأخذ رسول الله، ﷺ، بيد خالد بن الوليد، فقال: \"اذهب معه فافعل ما يريد\". فصالحهم خالد على أن لا يعينوا على رسول الله، ﷺ، وإن أسلمت قريش أسلموا معهم، فأنزل الله: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ﴾.\nورواه ابن مردويه من طريق حمَّاد بن سلمة، وقال: فأنزل الله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾. فكان من وصل إليهم كانوا معهم على عهدهم، وهذا أنسب لسياق الكلام.\nوفى صحيح البخاري (^٦٦٦)، فى قصة صلح الحديبية، فكان من أحب أن يدخل في صلح قريش وعهدهم، ومن أحب أن يدخل في صلح محمد، ﷺ، وأصحابه وعهدهم.\n_________\n(^٦٦٥) - تفسير ابن أبي حاتم (٣/ ٥٧٥٠)، ورواه ابن أبي شيبة فى \"المصنف\" (٨/ ٤٥٨) ثنا أسود بن عامر ثنا حمَّاد بن سلمة به ورواه ابن مردويه - كما قال المصنف هنا - من حديث حمَّاد بن سلمة به، وأشار إلى هذه الرواية الحافظ فى \"الفتح\" (٧/ ٢٤٢)، وزاد عزوه السيوطى فى \"الدر المنثور\" (٢/ ٣٤٢) إلى أبي نعيم فى \"الدلائل\" ولم أجده من هذا الوجه عنده. والخبر إسناده ضعيف، لضعف ابن جدعان، وعنعنة الحسن، وفى \"جامع التحصيل\" للعلائى (ص ١٦٣): \"قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: مثل أبي سمع الحسن من سراقة؟ قال: لا، هذا على بن زيد - هو ابن جدعان يعنى يرويه - كأنه لم يقنع به. وقال ابن المدينى: هو إسناد ينبو عنه القلب أن يكون الحسن سمع من سراقة، إلا إن عنى حدثهم حدث الناس فهذا أشبه\".\n(^٦٦٦) - صحيح البخارى، كتاب: الشروط، باب: الشروط فى الجهاد (٢٧٣١، ٢٧٣٢).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"فافعلوا\".\n[¬٢]- في ز: \"تحسن\"، خ: \"تخش\".\n[¬٣]- في خ: \"بقلوب\".","vol":"4","page":190},{"text":"وقد روي عن ابن عباس (^٦٦٧) أنه قال: نسخها قوله: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ الآية.\nوقوله: ﴿أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ﴾ الآية، هؤلاء قوم آخرون من المستثنين من [¬١] الأمر بقتالهم، وهم الذين يجيئون إلى المصاف، وهم حصرة صدورهم أي: ضيقة صدورهم، مبغضين أن يقاتلوكم، ولا يهون عليهم أيضًا أن يقاتلوا قومهم معكم، بل هم لا لكم ولا عليكم. ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ﴾ أي: من لطفه بكم أن كفهم عنكم، ﴿فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ﴾، أي: المسالمة؛ ﴿فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾ أي: فليس لكم أن تقاتلوهم [¬٢] ما دامت حالهم كذلك وهؤلاء كالجماعة الذين خرجوا يوم بدر من بني هاشم مع المشركين، فحضروا القتال وهم كارهون، كالعباس ونحوه، ولهذا نهى النبي، ﷺ، يومئذ عن قتل العباس، وأمر بأسره (^٦٦٨).\nوقوله: ﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا﴾، هؤلاء في الصورة الظاهرة كمن [¬٣] تقدمهم، ولكن نية هؤلاء غير نية أولئك؛ فإن هؤلاء توم [¬٤] منافقون، يظهرون للنبي، ﷺ، ولأصحابه الإسلام ليأمنوا بذلك عندهم على دمائهم وأموالهم وذراريهم، ويصانعون الكفار في الباطن، فيعبدون معهم ما يعبدون، ليأمنوا بذلك عندهم، وهم في الباطن مع أولئك، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾، وقال هاهنا: ﴿كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا﴾ أي: انهمكوا فيها.\nوقال السدي: الفتنة هاهنا الشك [¬٥]. وحكى ابن جرير، عن مجاهد، أنها نزلت في قوم من أهل مكة، كانوا يأتون النبي، ﷺ، فيسلمون رياءً، ثم يرجعون إلى قريش، فيرتكسون في الأوثان، يبتغون بذلك أن يأمنوا هاهنا وهاهنا، فأمر بقتلهم [¬٦] إن لم يعتزلوا ويصلحوا، ولهذا قال تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ﴾،\n_________\n(^٦٦٧) - رواه ابن أبى حاتم (٣/ ٥٧٥٦) بإسناد فيه ضعف وانقطاع.\n(^٦٦٨) - انظر تخريجه في الرحيق المختوم بتحقيقنا.\n_________\n[¬١]- في ز: \"عن\".\n[¬٢]- في خ: \"تقتلوهم\".\n[¬٣]- في ز: \"لمن\".\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- في الطبري: \"الشرك\".\n[¬٦]- في ز: \"باتقائهم\".","vol":"4","page":191},{"text":"[المهادنة والصلح] [¬١]، ﴿وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ﴾ أي: عن القتال ﴿فَخُذُوهُمْ﴾ أسراء، ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ أي: أين لقيتموهم ﴿وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾، أي: بينا واضحًا.\n﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (٩٢) وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (٩٣)﴾\nيقول تعالى، ليس لمؤمن أن يقتل أخاه المؤمن بوجه من الوجوه، كما ثبت في الصحيحين (^٦٦٩) عن ابن مسعود، أن رسول الله، ﷺ، قال: \"لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والتارك لدينه المفارق للجماعة\".\nثم إذا وقع شيء من هذه الثلاث، فليس لأحد من آحاد الرعية أن يقتله، وإنما ذلك إلى الإِمام أو نائبه.\n_________\n(^٦٦٩) - رواه البخارى، كتاب: الديات، باب: قول الله تعالى: ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ …﴾ (٦٨٧٨)، ومسلم، كتاب: القسامة والمحاربين …، باب: ما يباح به دم المسلم (٢٥، ٢٦) (١٦٧٦)، وأبو داود، كتاب: الحدود، باب: الحكم فيمن ارتد (٤٣٥٢)، والترمذى: كتاب: الديات، باب: ما جاء لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث (١٤٠٢)، والنسائى، كتاب: تحريم الدم، باب: ما يحل به دم المسلم (٧/ ٩٠)، وابن ماجة، كتاب: الحدود، باب: لا يحل دم امرئ مسلم إلا فى ثلاث (٢٥٣٤)، وأحمد (١/ ٣٨٢ ومواضع أخر).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"4","page":192},{"text":"وقوله: ﴿إِلَّا خَطَأً﴾ قالوا: هو استثناء منقطع، كقول الشاعر:\nمن البيض لم تظعن [¬١] بعيدًا ولم تطأ … على الأرض إلا رَيْط بُرْدٍ مُرَحَّل [¬٢] ولهذا شواهد كثيرة. واختلف في سبب نزول هذه، فقال مجاهد وغير واحد (^٦٧٠): نزلت في عياش بن أبي ربيعة - أخي أبي جهل لأمه - وهى أسماء بنت مُخَرِّبة، وذلك أنه قتل رجلًا كان [¬٣] يعذبه مع أخيه على الإِسلام، وهو الحارث بن يزيد العامري، فأضمر له عياش السوء، فأسلم ذلك الرجل وهاجر، وعياش لا يشعر، فلما كان يوم الفتح رآه فظن أنه على دينه؛ فحمل عليه فقتله فأنزل الله هذه الآية.\nقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم (^٦٧١): نزلت فى أبي الدرداء؛ لأنه قتل رجلًا، وقد قال كلمة الإسلام [¬٤] حين رفع عليه [¬٥] السيف، فأهوى به إليه، فقال كلمته، فلما ذكر ذلك للنبي، ﷺ، قال: إنما قالها متعوذًا، فقال له: \"هلا شققت عن قلبه؟! \".\nوهذه القصة في الصحيح (^٦٧٢) لغير أبي الدرداء.\nوقوله: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ هذان واجبان [¬٦] في قتل الخطأ: أحدهما الكفارة لما ارتكبه من الذنب العظيم وإن كان خطأ، ومن شرطها أن تكون عتق رقبة مؤمنة، فلا تجزئ الكافرة.\nوحكى ابن جرير، عن ابن عباس والشعبي، وإبراهيم النخعي والحسن البصري أنهم قالوا: لا يجزئ الصغير، حتى يكون قاصدًا للإِيمان. وروى (^٦٧٣) من طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن\n_________\n(^٦٧٠) - كعكرمة وسعيد بن جبير والقاسم بن محمد والسدى، انظر هذه الآثار عند ابن جرير (٩/ ٣٢، ٣٣)، وابن أبى حاتم (٣/ ص ١٠٣١) و\"الدر المنثور\" للسيوطى (٢/ ٣٤٤، ٣٤٥).\n(^٦٧١) - رواه ابن جرير (٩٣/ ١٠٠٩) حدثنى يونس أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد فذكره، وهذا مرسل، وذكره السيوطى فى \"الدر المنثور\" (٢/ ٣٤٥) ولم يعزه لغير ابن جرير.\n(^٦٧٢) - أخرجه البخارى، كتاب: المغازى، باب: بعث النبى ﷺ أسامة بن زيد إلى الحُرقان من جهينة (٤٢٦٩)، ومسلم: كتاب: الإيمان، باب: تحريم قتل الكافر بعد أن قال: لا إله إلا الله (١٥٨، ١٥٩) (٩٦)، وصاحب القصة: هو أسامة بن زيد ﵄.\n(^٦٧٣) - لم أجده فى تفسير عبد الرزاق، ومن طريقه رواه ابن جرير (٩/ ١٠١٠١) وإسناده صحيح إلى قتادة. وذكره السيوطى فى \"الدر المنثور\" (٢/ ٣٤٥): عزاه إلى عبد الرزاق وعبد ابن حميد.\n_________\n[¬١]- في ز: \"يضعن\"، خ: \"تضعن\".\n[¬٢]- فى ز: \"مرجل\".\n[¬٣]- سقط من: خ.\n[¬٤]- في ت: \"الإيمان\".\n[¬٥]- سقط من: ز.\n[¬٦]- في ز: \"واحدان\".","vol":"4","page":193},{"text":"قتادة قال: فى حرف أي ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾، لا يجزئ فيها صبي.\nواختار ابن جرير: أنه إن كان مولودًا بين أبوين مسلمين أجزأ، وإلا فلا، والذي عليه الجمهور أنه متى كان مسلمًا صح عتقه عن الكفارة سواء كان صغيرًا أو كبيرًا.\nقال الإِمام أحمد (^٦٧٤): حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزهري، عن عُبيد [¬١] الله بن عبد الله عن رجل من الأنصار، أنه جاء بأمة سوداء، فقال: يا رسول الله، إنّ على عتق [¬٢] رقبة مؤمنة؛ فإن كنت ترى هذه مؤمنة أعتقتها، فقال لها رسول الله، ﷺ: \"أتشهدين أن لا إله إلا الله؟ \" قالت: نعم، قال: \"أتشهدين أني رسول الله؟ \" قالت: نعم، قال: \"أتؤمين بالبعث بعد الموت\"، قالت: نعم، قال: \"أعتقها\".\nوهذا إسناد صحيح، وجهالة الصحابي لا تضره [¬٣].\nوفي موطأ مالك ومسندي [¬٤] الشافعي وأحمد، وصحيح مسلم، وسنن أبي داود\n_________\n(^٦٧٤) - \" المسند\" (٣/ ٤٥١، ٤٥٢) والحديث فى \"المصنف\" لعبد الرزاق (٩/ ١٦٨١٤)، ومن طريقه أيضًا انتقاه ابن الجارود، \"المنتقى\" (٩٣١).\nورواه مالك فى \"الموطأ\"، كتاب: العتق والولاء، باب: ما يجوز من العتق فى الرقاب (٢/ ٥٩٥) - ومن طريقه البيهقى فى \"السنن الكبرى\" (٧/ ٣٨٨) - ورواه البيهقى أيضًا (١٠/ ٥٧) من طريق يونس ابن يزيد، كلاهما (مالك ويونس) عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة أن رجلًا من الأنصار أتى النبى ﷺ بوليدة سوداء … قال البيهقى: \"وهذا مرسل\"، وقال أبو عمر بن عبد البر فى \"التمهيد\" (٩/ ١١٤، ١١٥)، \"وهذا الحديث، وإن كان ظاهره الانقطاع فى رواية مالك - ويونس - فإنه محمول على الاتصال للقاء عبيد الله جماعة من الصحابة\".\nوتعقبه الزرقانى فى شرحه على \"الموطأ\" (٤/ ٨٥) فقال: \"فيه نظر، إذ لو كان كذلك ما وجد مرسل قط، إذ المرسل ما رفعه التابعى - وهو من لقى الصحابى - قال: ومثل هذا لا يخفى على أبى عمر، فلعله أراد لقاء عبيد الله جماعة من الصحابة الذين رووا هذا الحديث\" ويؤيد ذلك رواية \"معمر\" فظاهرها الاتصال حيث قال فيها: \"عن رجل من الأنصار\". وصحح إسناده من هذا الوجه المصنف، حيث إن جهالة الصحابى لا تضر، وذكره الهيثمى فى \"المجمع\" (١/ ٢٨) وقال: \"رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح\"، وأشار له الحافظ ابن حجر فى \"التلخيص الحبير\" (٣/ ٢٥٠) وقال: \"وهذه الرواية تدل على استحباب امتحان الكافر عند إسلامه بالإقرار بالبعث كما قال الشافعى\".\nوذكره السيوطى فى \"الدر المنثور\" (٢/ ٣٤٥) وعزاه إلى عبد الرزاق وأحمد وعبد بن حميد.\n_________\n[¬١]- في خ: \"عبد\".\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في ز: \"تضر\".\n[¬٤]- في خ: \"مسند\".","vol":"4","page":194},{"text":"والنسائي (^٦٧٥) من طريق هلال بن أبي ميمونة، عن عطاء بن يسار، عن معاوية بن الحكم: أنه لما جاء بتلك الجارية السوداء، قال لها رسول الله، ﷺ: \"أين الله؟ \" قالت: في السماء، قال: \"من أنا\"؟ قالت: أنت رسول الله، ﷺ، قال: \"أعتقها فإنها مؤمنة\".\nوقوله: ﴿وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ هو الواجب الثاني [¬١] فيما بين القاتل وأهل القتيل، عوضًا [لهم] [¬٢] عما فاتهم من قريبهم.\nوهذه الدية [¬٣] إنما تجب أخماسًا [¬٤]، كما رواه الإِمام أحمد وأهل السنن (^٦٧٦)، من حديث الحجاج بن أرطاة، عن زيد بن جبير، عن خِشْف بن مالك، عن ابن مسعود قال: قضى رسول\n_________\n(^٦٧٥) - رواه مالك فى \"الموطأ\"، كتاب: العتق والولاء، باب: ما يجوز من العتق فى الرقاب الواجبة (٢/ ٥٩٥) - ومن طريقه الشافعى فى \"الرسالة\" (٢٤٢) والنسائى فى \"التفسير\" (٢/ح ٤٨٥)، والبيهقى فى \"السنن الكبرى\" (١٠/ ٥٧) - عن هلال بن أبى أسامة عن عمر بن الحكم به - كذا سمى مالك صحابى الحديث \"عمر بن الحكم\" وهو وهم منه، نبه عليه الحافظ أبو الحجاج المزى فى \"تهذيب الكمال\" و\"تحفة الأشراف\" وكذا الحافظ أبو الفضل بن حجر فى \"التهذيب\" و\"تقريبه\"، وقال ابن عبد البر فى \"تجريد التمهيد\" (ص ١٨٧): \"هكذا يقول مالك فى هذا الحديث: عمر بن الحكم، ولم يتابع عليه، وهو مما عُدَّ من وهمه، وسائر الناس يقولون فيه: معاوية بن الحكم، وليس فى الصحابة عمر بن الحكم … \".\nوالحديث رواه على الجادة، أحمد (٥/ ٤٤٧، ٤٤٨)،: مسلم، كتاب: الساجد ومواضع الصلاة، باب: تحريم الكلام فى الصلاة (٣٣) (٥٣٧)، وأبو داود (٩٣٠، ٣٢٨٢، ٣٩٠٩)، والنسائى (٣/ ١٤) من طرق عن يحيى بن أبى كثير، عن هلال بن أبى ميمونة، عن عطاء بن يسار عن معاوية بن الحكم به مطولًا ومختصرًا.\n(^٦٧٦) - رواه أحمد (١/ ٤٥٠)، والترمذى، فاتحة كتاب الديات (١٣٨٦)، والنسائى، كتاب: الديات، باب: ذكر أسنان دية الخطأ (٨/ ٤٣، ٤٤) كلاهما (الترمذى والنسائى) ثنا على بن سعيد الكندى. وعلقه الدارقطنى فى \"السنن (٣/ ١٧٦) من طريق سريج بن يونس. ثلاثتهم (أحمد والكندى وسريج) ثنا يحيى بن زكريا بن أبى زائدة، ورواه أبو داود، كتاب: الديات، باب: الدية كم هى؟ (٤٥٤٥) - ومن طريقه البيهقى فى \"السنن\" (٨/ ٧٥) - من طريق عبد الواحد بن زياد، وابن ماجه، كتاب: الديات، باب: دية الخطأ (٢٦٣١) من طريق الصباح بن مُحارب، وأبو الحسن الدارقطنى (٣/ ١٧٣) من طريق عبد الرحيم بن سليمان أربعتهم (يحيى، عبد الواحد، الصباح، عبد الرحيم) ثنا الحجاج بن أرطاة به. ورواه أحمد (١/ ٣٨٤) - ومن طريقه المزى فى \"تهذب الكمال\"=\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من خ.\n[¬٣]- سقط من: خ.\n[¬٤]- سقط من: خ.","vol":"4","page":195},{"text":"الله، صلى الله عليه وآله ومسلم، في [¬١] دية الخطأ عشرين بنت مخاض، وعشرين بني مخاض ذكورًا، وعشرين بنت لبون، وعشرين جَذَعَة، وعشرين حِقَّةً [¬٢]. لفظ النسائي.\nرقال الترمذي: لا نعرفه مرفوعًا إلا من هذا الوجه، وقد روي عن عبد الله موقوفًا [¬٣]، كذا [¬٤]\n_________\n= (٨/ ٢٥٠) - والدارمى (٢٢٧٢) أخبرنا عبد الله بن سعيد، والبزار فى \"مسنده\" (٥/ ١٩٢٢/ البحر الزخار) ثنا طليق بن محمد الواسطى، والدارقطنى فى \"السنن\" (٣/ ١٧٥) والبيهقى (٨/ ٧٥) من طريق سعدان بن نصر، أربعتهم (أحمد وعبد الله وطليق وسعدان) ثنا أبو معاوية محمد بن خازم عن الحجاج عن زيد بن جبير عن خشف بن مالك عن عبد الله بن مسعود أن رسول الله ﷺ جعل الدية فى الخطأ أخماسًا - لم يزد على هذا - وتابع أبا معاوية على هذه الرواية: \"حفص بن غياث، وعمرو بن هاشم أبو مالك الجنبى، وأبو خالد الأحمر\" عن الحجاج عن زيد به، ورواه كذلك أيضًا يحيى بن زكريا من رواية أبى هشام الرفاعى عنه عن زيد به رواه من هذا الوجه أبو عيسى الترمذى، وابن جرير (٩/ ١٠١٣٨) وانظر \"السنن\" لأبى الحسن الدارقطنى (٣/ ١٧٥، ١٧٦) ورواه أبو بكر بن أبى شيبة فى \"المصنف\" (٦/ ٢٧٣) ثنا أبو خالد الأحمر وأبو معاوية عن حجاج به لكن بلفظ: \"دية الخطأ أخماسًا، عشرون حِقَّة، وعشرون جذعة، وعشرون بنات لبون، وعشرون بنو لبون، وعشرون بنات مخاض\" فجعل مكان بنى المخاض الذكور، بنى لبون.\nورواه الدارقطنى (٣/ ١٧٥) من طريق يحيى بن سعيد الأموى - وهو من الثقات - عن الحجاج به غير أنه جعل مكان الحقاق: بنى لبون.\nكما رواه إسماعيل بن عياش عن الحجاج به غير أنه جعل مكان بنى الخاض: بنى لبون - أى مثل رواية ابن أبى شيبة عن أبى خالد الأحمر وأبى معاوية عن الحجاج به. علق الدارقطنى رواية إسماعيل في السنن (٣/ ١٧٥)، وقد رواه الدارقطني أيضًا (٣/ ١٧٢) من طريقين عن أبى مجلز عن أبى عبيدة عن ابن مسعود موقوفًا قال: \"دية الخطأ خمسة أخماس، عشرون حقة، وعشرون جذعة، وعشرون بنات مخاض، وعشرون بنات لبون، وعشرون بنو لبون ذكر\" قال الدارقطنى: \"وهذا إسناد حسن ورواته ثقات، وقد روى عن علقمة عن عبد الله نحوه\" ثم أسنده من طريق وكيع عن سفيان عن أبى إسحاق عن علقمة به، وكذا أسنده (٣/ ١٧٣، ١٧٤) من طريق وكيع عن سفيان عن منصور عن إبراهيم النخعى عن عبد الله قال: دية الخطأ أخماسًا، ثم فسرها كما فسرها أبو عبيدة، وعلقمة عنه سواء. وقال: \"فهذه الرواية، وإن كان فيها إرسال، فإبراهيم النخعى هو أعلم الناس بعبد الله وبرأيه وبفتياه، قد أخذ عن أخواله علقمة والأسود، وعبد الرحمن ابنى يزيد وغيرهم من كبراء أصحاب عبد الله، وهو القائل: إذا قلت لكم: قال عبد الله بن مسعود - فهو عن جماعة من أصحابه عنه، وإذا سمعته من رجل واحدٍ سميته لكم\".=\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- بنت المخاض: هي التي أتى عليها الحول، وبنت اللبون: التي أتى عليها حولان، والحقة: هي التي دخلت في السنة الرابعة.\n[¬٣]- في ز، خ: \"مرفوعًا\" وهو تحريف.\n[¬٤]- في ت: \"وكما\".","vol":"4","page":196},{"text":"روي عن علي (^٦٧٧) [¬١] و[¬٢] طائفة. وقيل: تجب أرباعًا، وهذه الدية إنما تجب على عاقلة القاتل لا في ماله، وقال الشافعي ﵀: لم أعلم مخالفًا أن رسول الله، ﷺ، قضى بالدية على العاقلة، وهو أكثر من حديث الخاصة.\nوهذا الذي أشار إليه، ﵀، قد ثبت في غير ما حديث، فمن ذلك ما ثبت في الصحيحين (^٦٧٨) عن أبي هريرة قال: اقتتلت امرأتان من هذيل، فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها، فاختصموا إلى رسول الله، ﷺ، فقضى أن دية جنينها غرّة عبد أو أمة، وقضى بدية المرأة على عاقلتها.\nوهذا يقتضي أن حكم عمد الخطأ حكم الخطأ المحض في وجوب الدية، لكن هذا تجب فيه\n_________\n= وقد رواه البيهقى فى \"السنن\" (٨/ ٧٤، ٧٥) من طريق أبى عبيدة وعلقمة عن ابن مسعود به موقوفًا، غير أنه جعل مكان بنى لبون، بنى مخاض. وقال البيهقى: \"هذا هو المعروف عن عبد الله بن مسعود، وقد روى بعض حفاظنا وهو الشيخ أبو الحسن الدارقطنى هذه الأسانيد عن عبد الله وجعل مكان بنى المخاض بنى اللبون وهو غلط منه، وقد رأيته أيضًا فى كتاب محمد بن إسحاق بن خزيمة وهو إمام من رواية وكيع عن سفيان بإسناديه كذلك بنى لبون … \".\nقال ابن حجر فى \"التلخيص\" (٤/ ٢٦): \"قول البيهقى: وقد رأيته فى كتاب ابن خزيمة … بنى لبون كما قال الدارقطنى ينفى أن يكون الدارقطنى غيره فلعل الخلاف فيه من فوق\". وعلى كل حال فالصواب فى هذا الحديث الوقف كما أشار أبو داود عقبه وقال البيهقى: \"لا يصح رفعه\" وبين أبو الحسن الدارقطنى علل المرفوع بيانًا شافيًا، فانظر \"السنن\" (٣/ ١٧٢ - ١٧٦)، و\"العلل\" (٥/ ٦٩٤).\n(^٦٧٧) - رواه ابن أبى شيبة فى \"المصنف\" (٦/ ٢٧٣)، وأبو داود فى \"السنن\" (٤٥٥٣) - ومن طريقه البيهقى فى \"الكبرى\" (٨/ ٧٤) - وأبو الحسن الدارقطنى فى \"السنن\" (٣/ ١٧٧) - ومن طريقه البيهقى أيضًا - من طريق سفيان عن أبى إسحاق عن عاصم بن ضمرة، قال: قال على ﵁. - فى الخطأ أرباعًا: خمس وعشرون حقة، وخمس وعشرون جذعة، وخمس وعشرون بنات لبون، وخمس وعشرون بنات مخاض\" وهذا إسناد حسن ولا تضر عنعنة أبى إسحاق لأن سفيان - وهو الثورى - ثبت فيه، وللحديث طريقان آخران عن علي عند ابن أبى شيبة والدارقطنى، والأول منقطع والثانى فيه الحارث الأعور وهو ضعيف، وكذبه الشعبى، فالتعويل على الإسناد الأول والله الموفق.\n(^٦٧٨) - رواه البخارى، كثاب: الطب، باب: الكهانة (٥٧٥٨)، ومسلم: كتاب: القسامة والمحاربين …، باب: دية الجنين (٣٤ - ٣٦) (١٦٨١) وكذا رواه أحمد (٢/ ٢٣٦، ٤٣٨، ٥٣٥)، وأبو داود (٤٥٧٦، ٤٥٧٩)، والترمذى (١٤١٠)، والنسائى (٨/ ٤٨)، وابن ماجه (٢٦٣٩).\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- سقط من: ز.","vol":"4","page":197},{"text":"الدية أثلاثًا [لشبهة العمد] [¬١].\nوفي صحيح البخاري (^٦٧٩) عن عبد الله بن عمر؛ قال: بعث رسول الله، ﷺ، خالد بن الوليد إلى بني خزيمة، فدعاهم إلى الإِسلام، فلم يحسنوا أن [¬٢] يقولوا: أسلمنا، فجعلوا يقولون: صبأنا صبأنا، فجعل خالد يقتلهم، فبلغ ذلك رسول اللَّه، ﷺ، فرفع يديه، وقال: \"اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد\"، وبعث عليًّا فودى قتلاهم، وما أتلف من أموالهم، حتى ميلغة [¬٣] الكلب.\nوهذا الحديث [¬٤] يؤخذ منه أن خطأ الإِمام أو نائبه يكون في بيت المال.\nوقوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ أي: فتجب فيه الدية مسلمة إلى أهله إلا أن يتصدّقوا بها، فلا تحب.\nوقوله: ﴿فَإِنْ [¬٥] كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ أي: إذا كان القتيل مؤمنًا ولكن أولياؤه من الكفار أهل حرب، فلا دية لهم، وعلى القاتل [¬٦] تحرير رقبة مؤمنة لا غير.\nوقوله: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾، أي:\n_________\n(^٦٧٩) - رواه البخارى، كتاب: المغازى، باب: بعث النبى ﷺ خالدَ بن الوليد إلى بنى خزيمة (٤٣٣٩)، وكذا رواه أحمد (٢/ ١٥٠، ١٥١)، والنسائى (٨/ ٢٣٦، ٢٣٧)، وليس عندهم جميعًا قوله الأخير: \"وبعث عليًّا … \" وهذا أشار له الحافظ فى \"الفتح\" (٥٨/ ٨) فقال: \"وزاد الباقر فى روايته\" ثم دعا رسول الله ﷺ عليًّا، فقال: اخرج إلى هؤلاء القوم واجعل أمر الجاهلية تحت قدميك، فخرج حتى جاءهم ومعه مال فلم يبق لهم أحد إلا وداه\" وهذا رواه ابن إسحاق فى \"السيرة\" - كما فى \"السيرة\" لابن هشام (٤/ ٤٣، ٤٤) - ومن طريقه البيهقى فى \"دلائل النبوة\" (٥/ ١١٤، ١١٥) - المصنف فى \"البداية والنهاية\" (٤/ ٣٥٨) معلقًا - ثنا حكيم بن حكيم بن عباد بن حنيف عن أبى جعفر - الباقر - محمد بن علي قال: لما فتح رسول الله ﷺ مكة بعث خالد بن الوليد. فذكر حديثًا طويلًا وهذا مرسل.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"لا العمد لشبهه به\".\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- ميلغة الكلب: هي الإناء الذي يلغ فيه أي يشرب فيه الكلب. يعنى: أعطاهم قيمة كل ما ذهب لهم، حتى قيمة الميلغة.\n[¬٤]- سقط من: ز.\n[¬٥]- في ز: \"وإن\".\n[¬٦]- في خ: \"قاتله\".","vol":"4","page":198},{"text":"فإن كان القتيل أولياؤه أهل ذمة أو هدنة فلهم دية قتيلهم، فإن كان مؤمنًا فدية كاملة، وكذا إن كان كافرًا أيضًا عند طائفة من العلماء. وقيل: يجب في الكافر نصف دية المسلم، وقيل: ثلثها [¬١] كما هو مفصل [في كتاب الأحكام] [¬٢]. ويجب أيضًا على القاتل تحرير رقبة مؤمنة.\n﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ أي: لا إفطار بينهما، بل يسرد صومهما إلى آخرهما؛ فإن أفطر من غير عذر من مرض أو حيض أو نفاس استأنف، واختلفوا في السفر: هل يقطع أم لا؟ على قولين.\nوقوله: ﴿تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ أي: هذه توبة القاتل خطأ إذا لم يجد العتق صام شهرين متتابعين.\nواختلفوا فيمن لا يستطع الصيام؛ هل يجب عليه إطعام ستين مسكينًا، كما في كفارة الظهار؟ على قولين: أحدهما: نعم، كما هو منصوص عليه في كفارة الظهار، وإنما لم يذكر هاهنا؛ لأن هذا مقام تهديد وتخويف وتحذير، فلا يناسب أن يذكر فيه [¬٣] الإِطعام لما فيه من التسهيل والترخيص. والقول الثاني: لا يعدل إلى الإطعام؛ لأنه لو كان واجبًا لما أخر بيانه عن وقت الحاجة.\n﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ قد تقدّم تفسيره غير مرّة.\nثم لما بين تعالى حكم القتل الخطأ، شرع في بيان حكم القتل العمد فقال: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ الآية. وهذا تهديد شديد ووعيد أكيد لمن تعاطى هذا الذنب العظيم، الذي هو مقرون بالشرك بالله في غير ما آية في [¬٤] كتاب الله، حيث يقول سبحانه في سورة الفرقان: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ﴾ إلى أن قال: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾، والآيات والأحاديث فى تحريم القتل كثيرة جدًا؛ فمن ذلك ما ثبت في الصحيحين (^٦٨٠) عن ابن مسعود؛ قال: قال\n_________\n(^٦٨٠) - رواه البخارى، كتاب: الرقاق، باب: القصاص يوم القيامة (٦٥٣٣)، ومسلم، كتاب: القسامة والمحاربين ..، باب: المجازاة بالدماء فى الآخرة (٢٨) - (١٦٧٨)، وكذا رواه أحمد (١/ ٣٨٨، ٤٤٠، ٤٤٢)، والترمذى (١٣٩٦)، والنسائى (٧/ ٨٣)، وابن ماجه (٢٦١٥).\n_________\n[¬١]- في ز: \"ثلث دية المسلم\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- في خ: \"من\".","vol":"4","page":199},{"text":"رسول الله، صلى الله عديه وسلم: \"أوّل ما يقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء\". وفي الحديث الآخر الذي رواه أبو داود (^٦٨١) من رواية عمرو بن الوليد بن عبدة المصري، عن عبادة بن الصامت، قال: قال رسول الله، ﷺ: \"لا يزال المؤمن مستعفًى [¬١] صالحًا،\n_________\n(^٦٨١) - وكذا عزاه لأبى داود من هذا الوجه المزى فى \"تحفة الأشراف\" (٤/ ح ٥١٠٥) وفى \"تهذيب الكمال\" (٢٢ / ت ٤٤٧٠) وابن حجر فى \"التهذيب\" (٣/ ٣١٢ / ط الرسالة) وهو ليس موجودًا فى المطبوع من \"السنن\" من هذا الوجه، وقد أشار لذلك المزى فقال: \"أغفله أبو القاسم، وهو فى السماع\".\nوعمرو بن الوليد هذا جهله ابن حجر، وقال الذهبى فى \"الميزان\" (٤ / ت ٦٤٦٨): \"عمرو بن الوليد نكرة. عن عبادة بن الصامت، وعنه هانئ بن كلثوم فقط\". لكن توبع عمرو عليه، فرواه أبو داود فى \"السنن\" كتاب: الفتن واللاحم، باب: فى تعظيم قتل المؤمن (٤٢٧٠) - ومن طريقه البيهقى فى \"الكبرى\" (٨/ ٢٢) - ثنا مؤمل بن الفضل الحرانى، ثنا محمد بن شعيب، عن خالد بن دهقان قال: كنا فى غزوة القسططنية بِذُلقية، فأقبل رجل من أهل فلسطين من أشرافهم وخيارهم، يعرفون ذلك له، يقال له هانئ بن كلثوم بن شريك الكنانى، فسلم على عبد الله بن أبى زكريا، وكان يعرف له حقه، قال لنا خالد: فحدثنا عبد الله بن أبي زكريا قال: سمعت أم الدرداء تقول: سمعت أبا الدرداء يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"كل ذنب عسى الله أن يغفره إلا من مات مشركًا، أو مؤمن قتل مؤمنًا متعمدًا\" فقال هانئ بن كلثوم: سمعت محمود بن الربيع يحدث عن عبادة ابن الصامت، أنه سمعه يحدث عن رسول الله ﷺ أنه قال: \"من قتل مؤمنًا فاغتبط بقتله لم يقبل الله منه صرفًا ولا عدلا\" قال لنا خالد: ثم حدثنى ابن أبى زكريا، عن أم الدرداء، عن أبى الدرداء، أن رسول الله ﷺ قال: \"لا يزال المؤمن معنقًا صالحًا ما لم يصب دمًا حرامًا، فإذا أصاب دمًا حرامًا بلَّح\" وحدث هانئ بن كلثوم، عن محمود بن الربيع، عن عبادة بن الصامت، عن رسول الله ﷺ مثله سواء.\nورواه البيهقى (٨/ ٢١) من طريق محمد بن مبارك ثنا صدقة ثنا خالد بن دهقان به مطولًا، وقد رواه مختصرًا مفرقًا البخارى فى \"التاريخ الكبير\" (٨/ ٢٣٠، ٢٣١)، والبزار فى \"مسنده\" (٧/ ٢٧٢٩، ٢٧٣٠) / البحر الزخار) وابن حبان فى صحيحه (١٣/ ٥٩٨٠ / إحسان)، والطبرانى فى \"المعجم الصغير\" (٢/ ١٢١) - ومن طريقه وطريق غيره أبو نعيم فى \"الحلية\" (٥/ ١٥٣)، (٦/ ١١٩) - ومن طريق أبى نعيم وغيره اختاره الضياء فى \"المختارة\" (٨/ ٤١٥، ٤١٩) وابن عساكر فى \"تاريخ دمشق\" (٥/ ٤١٩ / مخطوط) من طريق صدقة بن خالد ومحمد بن شعيب قالا: ثنا خالد بن دهقان به. ووقع عند أبى نعيم وابن عساكر: \"محمود بن ربيعة عن عبادة\" وصوابه \"محمود بن ربيع\" وهو صحابى صغير. قال الطبرانى: \"لا يروى عن أبى الدرداء إلا بهذا الإسناد، تفرد به خالد بن دهقان\". يعنى بحديث أبى الدرداء وكذلك بحديث عبادة بن الصامت - وهو ثقة وثقه ابن معين وأبو مُشهِر ودحيم، وأبو زرعة الدمشقى، وابن حبان، وروى عنه غير واحد، ولم يتكلم فيه أحدٌ، ومع هذا فقد =\n_________\n[¬١]- في ت: \"معنقا\" وكذا فى سنن أبي داود [٤/ ١٠٤].","vol":"4","page":200},{"text":"ما لم يصب دمًا حرامًا؛ فإذا أصاب دمًا حرامًا بَلَّح [¬١] \". وفي حديث آخر (^٦٨٢): \" لزوال الدنيا\n_________\n= قال فيه الحافظ في \"التقريب\": \"مقبول\"!! ومن فوقه في الإسنادين ثقات فالإسنادان صحيحان وقد صححه أبو عبد الله الحاكم (٤/ ٣٥١) ووافقه الذهبى والحديث قصر في عزوه جدًّا السيوطى فلم يعزه في \"الدر المنثور\" لغير أبي نعيم الأصبهانى!!. ولبعض فقرات هذا الحديث شاهد من حديث معاوية بن أبي سفيان تقدم هنا برقم (٥١٩).\n(^٦٨٢) - رواه الترمذى، كتاب: الديات، باب: ما جاء في تشديد قتل المؤمن (١٣٩٥)، والنسائى، كتاب: تحريم الدم، باب: تعظيم الدم (٧/ ٨٢) والنحاس في \"ناسخه\" (ص ٣٤٧) من طريق ابن أبي عدى، عن شعبة، عن يعلى بن عطاء عن أبيه عن عبد الله بن عمرو مرفوعًا به.\nورواه أبو نعيم في \"الحلية\" (٧/ ٢٧٠)، والبيهقى في \"السنن الكبرى\" (٨/ ٢٢، ٢٣)، والخطيب في \"تاريخ بغداد\" (٥/ ٢٩٦، ٢٩٧) من طريقين عن أبي أسامة ثنا مسعر وسفيان - مقرونًا بهما شعبة عند البيهقى - عن يعلى بن عطاء به ولفظه عند الخطيب - \"لزوال الدنيا أيسر - أهون - عند (على) الله من قتل المؤمن\".\nوقال أبو نعيم: \"تفرد به أبو أسامة عنه\" يعنى هكذا بهذا الإسناد مرفوعًا، وأبو أسامة ثقة غير أنه لا يعرف سماع لمسعر من يعلى، وسفيان اختلف عليه في وقفه ورفعه وكذلك شعبة، وأكثر الرواة رووه عنهما موقوفًا. فقد رواه البيهقى (٨/ ٢٢) من طريق محمد بن يوسف الفريابي ثنا سفيان عن يعلى بن عطاء به موقوفًا وقال البيهقى: \"هذا هو المحفوظ موقوف … ورواه أيضًا ابن أبي عدى عن شعبة مرفوعًا، ورواه غندر وغيره عن شعبة موقوفًا، والموقوف أصح\".\nوطريق محمد بن جعفر - غندر - الموقوف رواه الترمذى والنسائي، ورواه النسائى أيضًا (٧/ ٨٢، ٨٣) من طريق مخلد بن يزيد عن سفيان عن منصور عن يعلى به موقوفًا بلفظ: \"قتل المؤمن أعظم عند الله من زوال الدنيا\".\nقال أبو عيسى الترمذى: \"حديث عبد الله بن عمرو هكذا، رواه ابن أبى عدى عن شعبة عن يعلى بن عطاء عن أبيه عن عبد الله بن عمرو عن النبى ﷺ وروى محمد بن جعفر وغير واحدٍ عن شعبة عن يعلى بن عطاء فلم يرفعه، وهكذا روى سفيان الثورى عن يعلى بن عطاء موقوفًا، وهذا أصح من الحديث المرفوع\"، لكن للحديث طريق آخر رواه النسائى أيضًا (٧/ ٨٢) والبيهقى في \"الشعب\" (٤/ ٥٣٤١) من طريق إبراهيم بن مهاجر عن إسماعيل مولى عبد الله بن عمرو عن عبد الله به مرفوعًا بنحوه، غير أن النسائى أعله فقال عقبه: \"إبراهيم بن المهاجر ليس بالقوى\". والحديث أورده المنذرى في \"الترغيب والترهيب\" (٣/ ٢٩٣) وعزاه لمسلم!! فوهم. نبه على ذلك أبو عبد الرحمن الألبانى في \"غاية المرام\" (ح ٤٣٩/ ص ٢٥٤) وأخرج له النسائى شاهدًا من حديث بريدة بإسناد حسنه الألبانى مع أنه فيه بشير بن مهاجر الغنوى وهو \"صدوق فيه لين\" كما في \"التقريب\" وقد =\n_________\n[¬١]- بَلَّح الرجل: إذا انقطع من الإعياء فلم يقدر أن يتحرك وقد أبلحه السير فانقطع به، يريد وقوعه في الهلاك بإصابة الدم الحرام.","vol":"4","page":201},{"text":"أهون عند الله من قتل رجل مسلم\". وفي الحديث الآخر (^٦٨٣): \" لو اجتمع أهل السموات والأرض على قتل رجل مسلم لأكبهم الله في النار\". وفي الحديث الآخر (^٦٨٤): \" من أعان\n_________\n= استنكر له ابن عدى في \"الكامل\" (٢/ ٤٥٤) هذا الحديث بعينه!! ومن طريق ابن عدى رواه البيهقى في \"الشعب\" (٥٣٤٣، ٥٣٤٥)، وله شاهد آخر من حديث البراء بن عازب رواه ابن ماجه (٢٦١٩) وابن عدى في \"الكامل\" (٣/ ١٠٠٤) بإسنادين إلى البراء بن عازب، وفيهما الوليد بن مسلم، يدلس تدليس التسوية، وقد عنعنه. لكن الحديث بمجموع ما ذكرنا حسن والله الموفق.\n(^٦٨٣) - ورد هذا من حديث أبي سعيد الخدرى وأبي هريرة وابن عباس وأبي بكرة: أما حديث أبي سعيد وأبي هريرة: فقد رواه الترمذي (١٣٩٨) من طريق الحسين بن واقد عن يزيد الرقاشى ثنا أبو الحكم البجلى قال: \"سمعت أبا سعيد الخدري، وأبا هريرة، يذكران عن رسول الله ﷺ … وقال أبو عيسى: \"هذا حديث غريب، وأبو الحكم البجلى هو عبد الرحمن بن أبي نعم الكوفى\" وهو \"صدوق عابد\" - كما في \"التقريب\" - لكن الراوي عنه - يزيد بن أبان الرقاشى - ضعيف ومع هذا فقد صححه أبو عبد الرحمن الألبانى من هذا الوجه فأورده في \"صحيح الجامع الصغير\" (٥/ ٥١٢٣) وبشواهده الآتية يحتمل التحسين. ورواه الطبراني في \"المعجم الأوسط\" (٢/ ١٤٢١)، (٩/ ٩٢٤٢) من طريق أبي حمزة الأعور، عن أبي الحكم البجلى عن أبى هريرة - وحده مرفوعًا به، قال الهيثمى في \"المجمع\" (٧/ ٣٠٠): \"فيه أبو حمزة الأعور وهو متروك، وقال أبو حاتم: يكتب حديثه، وبقية رجاله رجال الصحيح\".\nورواه البزار - كما في \"كشف الأستار\" (٣/ ٣٣٤٨) و\"مختصر الزوائد\" (٢/ ١٦٤٦) - من طريق داود بن عبد الحميد ثنا عمرو بن قيس عن عطية عن أبي سعيد ضمن حديث طويل وقال البزار: \"أحاديث داود، عن عمرو لا نعلم أحدًا تابعه عليها\" وداود هذا ضعيف، وعطية مثله، وقال الهيثمى في \"المجمع\" (٧/ ٢٩٩): \"فيه داود بن عبد الحميد وغيره من الضعفاء\".\nوأما حديث ابن عباس: فرواه الطبراني في \"المعجم الكبير\" (١٢/ ١٢٦٨١)، وابن عدى في \"الكامل\" (٥/ ٢٠٠٤) ومن طريقه وطريق غيره البيهقى في \"السنن الكبرى\" (٨/ ٢٢) - والخطيب في \"تاريخ بغداد\" (٣/ ٣٣٤) من طريق عطاء بن مسلم الخفاف عن العلاء بن المسيب عن حبيب بن أبي ثابت عن ابن عباس به مرفوعًا نحوه وفى إسناد الخطيب ذكر \"سعيد بن جبير\" بين حبيب وابن عباس.\nوعطاء بن مسلم، ضعيف، وبه أعل الحديث الهيثمى فقال (٧/ ٣٠٠): \"رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح غير عطاء بن مسلم - تحرف إلى أبي مسلم - وثقه ابن حبان، وضعفه جماعة\" وأما حديث أبي بكرة: فرواه الطبراني في \"المعجم الصغير\" (١/ ٢٠٥) والخطيب (١١/ ٣٧٧) من طريق جسر بن فَرقَد عن الحسن عن أبي بكرة به مرفوعًا، وقال الطبراني: \"لم يرو عن الحسن إلا جسر\" وهو ضعيف، وبه أعله الهيثمى في \"المجمع\" (٧/ ٣٠٠).\n(^٦٨٤) - رواه ابن ماجه (٢٦٢٠) وغيره من طريق يزيد بن زياد عن الزهرى عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة مرفوعًا. وفى \"الزوائد\": \"في إسناده يزيد بن زياد، بالغوا في تضعيفه، حتى قيل: كأنه حديث موضوع\" ولذلك رقم به أبو عبد الرحمن الألبانى (ح ٥٠٣) من \"الضعيفة\" فانظر تخريجه ثمة.","vol":"4","page":202},{"text":"على قتل مسلم، ولو بشطر كلمة، جاء يوم القيامة مكتوبًا بين عينيه آيس من رحمة الله\".\nوقد كان ابن عباس يرى أنه لا توبة لقاتل المؤمن عمدًا.\nوقال البخاري (^٦٨٥): حدثنا آدم، حدثنا شعبة، حدثنا المغيرة بن النعمان، قال: سمعت ابن جبير قال: اختلف فيها أهل الكوفة، فرحلت إلى ابن عباس، فسألته عنها [¬١]، فقال: نزلت هذه الآية ﴿ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا فجزاؤه جهنم﴾ هي آخر ما نزل [¬٢]، وما نسخها شيء.\nوهكذا رواه هو أيضًا ومسلم والنسائي من طرق عن شعبة، به. ورواه أبو داود (^٦٨٦) عن أحمد بن حنبل، عن ابن مهدي، عن سفيان الثوري، عن مغيرة بن النعمان، عن سعيد ابن جبير، عن ابن عباس في [¬٣] قوله: ﴿ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا فجزاؤه جهنم﴾ فقال: لم ينسخها شيء.\n[وقال ابن جرير (^٦٨٧): حدثنا ابن بشار، حدثنا ابن عون، حدثنا شعبة، عن سعيد بن جبير، قال: قال عبد الرحمن بن أبزى: سئل ابن عباس عن قوله: ﴿ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا﴾ الآية. قال: لم ينسخها شيء] [¬٤]. وقال في هذه الآية: ﴿والذين لا يدعون مع الله إلهًا آخر﴾ إلى آخرها، قال: نزلت في أهل الشرك.\nوقال ابن جرس أيضًا (^٦٨٨) [¬٥]: حدثنا ابن حميد، حدثنا جرير، عن منصور، حدثني سعيد\n_________\n(^٦٨٥) - رواه البخارى، كتاب: التفسير، باب: ﴿ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا فجزاؤه جهنم﴾ (٤٥٩٠) وكذا رواه، كتاب: التفسير، باب: ﴿والذين لا يدعون مع الله إلهًا آخر …﴾ (٤٧٦٣) وانظر أطرافه عند رقم (٣٨٥٥) - ومسلم، كتاب التفسير (١٦، ١٧) (٣٠٢٣)، والنسائى (٧/ ٨٥) من طرق عن شعبة به، وانظر ما بعده.\n(^٦٨٦) - رواه أبو داود، كتاب: الفتن والملاحم، باب: في تعظيم قتل المؤمن (٤٢٧٥) وإسناده صحيح، والحديث لم أجده عند أحمد في \"المسند\".\n(^٦٨٧) - تفسير ابن جرير (٩/ ١٠١٩٢) وإسناده صحيح، وقد رواه البخارى (٤٧٦٦) من طريق عثمان والد عبدان، ومسلم (١٨) (٣٠٢٣)، والنسائى (٧/ ٨٦) من طريق محمد بن جعفر، كلاهما (عثمان ومحمد) ثنا شعبة عن منصور عن سعيد بن جبير به.\n(^٦٨٨) - تفسير ابن جرير (٩/ ١٠١٨٧)، ورواه البخارى (٣٨٥٥) حدثنى عثمان بن أبي شيبة =\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- في خ: \"نزلت\".\n[¬٣]- في ز: \"عن\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- سقط من: ز، خ.","vol":"4","page":203},{"text":"ابن جبير - أو حدثني الحكم، عن سعيد بن جبير - قال: سألت ابن عباس عن قوله: ﴿ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا فجزاؤه جهنم﴾ قال: إن الرجل إذا عرف الإسلام، وشرائع الإسلام، ثم قتل مؤمنًا متعمدًا، فجزاؤه جهنم، ولا توبة له. فذكرت ذلك لمجاهد، فقال: إلا من ندم.\nحدثنا ابن حميد وابن [¬١] وكيع؛ قالا (^٦٨٩): حدثنا جرير، عن يحيى الجابر، عن سالم بن أبي الجعد؛ قال: كنا عند ابن عباس، بعدما كف بصره، فأتاه رجل، فناداه: يا عبد الله بن عباس، ما ترى في رجل قتل مؤمنًا متعمدًا؟ فقال: ﴿فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (٩٣)﴾. قال: أفرأيت إن تاب وعمل صالحًا ثم اهتدى؟ قال ابن عباس: ثكلته أمّه! وأنى له التوبة والهدى؟ والذي نفسي بيده، لقد سمعت نبيكم، ﵌، يقول: \"ثكلته أمه! قاتل مؤمن متعمدًا [¬٢]، جاء يوم القيامة [¬٣] أخذه بيمينه أو بشماله، تشخب أوداجه دمًا [¬٤] في قبُل عرش الرحمن، يلزم قاتله بشماله، و[¬٥] بيده الأخرى رأسه [¬٦]، ويقول: يارب [¬٧] سل هذا فيم قتلني\"، وايم الذي نفس عبد الله بيده، لقد أنزلت هذه الآية، فما نسختها من آية، حتى قبض نبيكم، ﵌، وما نزل بعدها من برهان.\n_________\n= ورواه إسحاق بن إبراهيم في تفسيره، كما في \"الفتح\" (٨/ ٤٩٥) ومن طريقه الحاكم في \"المستدرك\" (٢/ ٤٠٣) كلاهما (عثمان وإسحاق) أنبا جرير به، وهذا إسناده صحيح أيضًا. قال ابن حجر (٨/ ٤٩٦): \"وحاصل ما في هذه الروايات أن ابن عباس كان تارة يجعل الآيتين في محل واحدٍ، فلذلك يجزم بنسخ إحداهما، وتارة يجعل محلهما مختلفًا، ويمكن الجمع بين كلاميه بأن عموم التى في الفرقان خص منها مباشرة المؤمن القاتل متعمدًا، وكثير من السلف يطلقون النسخ على التخصيص، وهذا أولى من حمل كلامه على التناقض، وأولى من دعوى أنه قال بالنسخ ثم رجع عنه، وقول ابن عباس بأن المؤمن إذا قتل مؤمنًا متعمدًا لا توبة له مشهور عنه … \" وقد جاء ذلك صريحًا عنه، فانظر الآتى.\n(^٦٨٩) - تفسير ابن جرير (٩/ ١٠١٨٨)، وهذا إسناد فيه لين لكلام في يحيى الجابر - وهو يحيى بن عبد الله الحارث الجابر، ويقال المجبِّر التيمى - فقد ضعفه ابن معين، وأبو حاتم، والنسائى، وقال ابن حبان: \"منكر الحديث، يروى المناكير الكثيرة لا تشبه حديث الأئمة، حتى ربما سبق إلى القلب أنه كان يتعمد لذلك، لا يجوز الاحتجاج به بحال\". بينما قال أحمد وابن عدى: \"ليس به بأس\" وروى عنه شعبة، وشيوخ شعبة جياد كما قال غير واحد، واعتمد ضعفه ابن حجر فلينه - راجع \"تهذيب الكمال\" (٣١/ ٦٨٥٩) وعلى كل فقد توبع، فانظر الآتى.\n_________\n[¬١]- سقط من: ت.\n[¬٢]- في ز: \"متعمدٍ\".\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- سقط من: ز.\n[¬٥]- سقط من: ز.\n[¬٦]- سقط من: ز، خ.\n[¬٧]- سقط من: ز، خ.","vol":"4","page":204},{"text":"وقال الإمام أحمد (^٦٩٠): حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، سمعت يحيى بن المجبر [¬١] يحدث عن سالم بن أبي الجعد، عن ابن عباس: أن رجلًا أتاه، فقال: أرأيت رجلًا قتل رجلًا متعمدًا؟ فقال: ﴿جزاؤه جهنم خالدًا فيها﴾ الآية. قال. لقد نزلت في آخر ما نزل، ما نسخها شيء، حتى قبض رسول الله، ﵌، وما نزل وحي بعد رسول الله ﷺ. قال: أرأيت إن تاب وآمن وعمل صالحًا ثم اهتدى؟ قال: وأنى له بالتوبة، وقد سمعت رسول الله، ﷺ، يقول: \"ثكلته أمّه! رجل قتل رجلًا متعمدًا، يجيء يوم القيامة آخذًا قاتله بيمينه أو بيساره، وآخذًا رأسه بيمينه أو بشماله، تشخب أوداجه دمًا في [¬٢] قبل العرش، يقول: يارب: سل عبدك فيم قتلني\".\nوقد رواه النسائي، عن قتيبة، وابن ماجة عن محمد بن الصباح، عن سفيان بن عيينة، عن عمار الدهني [¬٣] ويحيى الجابر [¬٤] وثابت الثمالي، عن سالم بن أبي الجعد، عن ابن عباس فذكره. وقد روي هذا عن ابن عباس من طرق كثيرة (^٦٩١).\n_________\n(^٦٩٠) - \" المسند\" (١/ ٢٤٠ / رقم ٢١٤٢/ شاكر) ومن طريقه الضياء في \"المختارة\" (١٠/ رقم ٤٠) - ورواه أحمد أيضًا (١/ ٢٩٤، ٣٦٤) والحميدى (١/ ٤٨٨) وعبد بن حميد في \"المنتخب\" (٦٨٠) وابن جرير (٩/ ١٠١٨٩) من طرق عن يحيى الجابر به.\nورواه الحميدى (١/ ٤٨٨)، وأحمد (١/ ٢٢٢)، والنسائى (٧/ ٨٥)، (٨/ ٦٣) وابن ماجه (٢٦٢١) وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٣/ ٥٨١٣) وسعيد بن منصور وابن مردويه - كما في \"الدر المنثور\" (٢/ ٣٥٠) - ومن طريقهما الضياء (١٠/ رقم ٤١، ٤٢) - كلهم من طريق سفيان بن عيينة عن عمار الدهنى - مقرونًا به يحيى الجابر، وثابت الثمالى عند الضياء - ورواه ابن جرير (٩/ ١٠١٩١) من طريق عمار بن رزيق، عن عمار الدهنى.\nوالطبراني في \"المعجم الكبير\" (١٢/ ١٢٥٩٧) من طريق ليث بن أبي سليم أربعتهم (عمار ويحيى وثابت وليث) عن سالم بن أبي الجعد به. وهذا إسناده حسن عمار الدهنى، \"صدوق\" ومتابعوه متكلم فيهم ولا يضره وانظر الآتى.\n(^٦٩١) - منها ما رواه أبو عيسى الترمذى في \"الجامع\" (٣٠٢٩)، والنسائى (٧/ ٨٧) من طريقين عن شبابة بن سوَّار ثنا ورقاء بن عمر عن عمرو بن دينار عن ابن عباس عن النبى ﷺ قال: \"يجئ المقتول بالقاتل يوم القيامة … \" وقال أبو عيسى: \"حديث حسن غريب، وقد روى بعضهم هذا الحديث عن عمرو بن دينار عن ابن عباس نحوه، ولم رفعه\" وكأن ورقاء هو المتهم برفعه حيث استنكره له ابن عدى في \"الكامل\" (٧/ ٢٥٥٣): على كل فلا يضر ذلك الحديث لأنه قد صح وصله من وجه آخر - كما في السابق - ورواه الطبراني في \"المعجم الكبير\" (١٠/ ١٠٧٤٢) من وجه آخر مرفوعًا لكن في إسناده ضعف، فالمعتمد على الأول قد صححه أبو عبد الرحمن الألباني =\n_________\n[¬١]- في ز: \"المجير\".\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- في ز: \"الذهبي\".\n[¬٤]- في ت: \"الجابري\".","vol":"4","page":205},{"text":"وممن ذهب إلى أنه لا توبة له من السلف: زيد بن ثابت، وأبو هريرة، وعبد الله بن عمر، وأبو سلمة [بن عبد الرحمن] [¬١]، وعبيد بن عمير، والحسن، وقتادة، والضحاك بن مزاحم، نقله ابن أبي حاتم (^٦٩٢).\nوفي الباب أحاديث كثيرة، فمن ذلك ما رواه أبو بكر بن مردويه الحافظ في تفسيره (^٦٩٣): حدثنا دعلج بن أحمد، حدثنا محمد بن إبراهيم بن سعيد البوشنجي (ح). وحدثنا عبد الله بن جعفر، حدثنا إبراهيم بن فهد، قالا: حدثنا عبيد بن عبيدة، حدثنا معتمر بن سليمان، عن أبيه، عن الأعمش، عن أبي عمرو بن شرحبيل، عن عبد الله بن مسعود، عن النبي، ﷺ، قال: \"يجيء المقتول متعلقًا بقاتله يوم القيامة، آخذًا رأسه بيده الأخرى، فيقول: يا رب، سل هذا فيم قتلني؟ [قال: فيقول: قتلته لتكون العزة] [¬٢] لك [¬٣]، [فيقول: فإنها لي، قال: ويجئ آخر متعلقًا بقاتله فيقول: رب سل هذا فيما قتلني] [¬٤]؟ [قال: فيقول: قتلته لتكون العزة لفلان] [¬٥]، قال: فإنها ليست له بؤ بإثمه، قال: فيهوي في النار سبعين خريفًا\".\nوقد رواه النسائي عن إبراهيم بن المستمر العُروقي، عن عمرو بن عاصم، عن معتمر بن سليمان، به.\n(حديث آخر) قال الإِمام أحمد (^٦٩٤): حدثنا صفوان بن عيسى، حدّثنا ثور بن يزيد، عن\n_________\n= وأودعه في \"الصحيحة\" (٦/ ٢٦٩٧) وقد صح ولله الحمد.\n(^٦٩٢) - تفسير ابن أبي حاتم (٣/ ٥٨١٥).\n(^٦٩٣) - ورواه الطبراني في \"المعجم الكبير\" (١٠/ ١٠٠٧٥) وأبو نعيم في \"الحلية\" (٤/ ١٤٧)، والبيهقى في \"السنن الكبرى\" (٨/ ١٩١) وفي \"شعب الإيمان\" (٤/ ٥٣٢٨)، من طريق عبيد بن عبيدة به - وفي إسناد أبي نعيم تحريف يصحح من هنا - ورواه النسائى في \"السنن الصغرى\" (٧/ ٨٤) وأبو نعيم، من طريق عمرو بن عاصم عن معتمر به.\nوقال أبو نعيم: \"غريب من حديث سليمان التيمى، عن الأعمش لم يروه عنه إلا ابنه معتمر … \": هو ثقة، ومن فوته ثقات من رجال الشيخين فالإسناد صحيح على شرط الشيخين، ولذلك رقم به أبو عبد الرحمن الألبانى (ح ٢٦٩٨) من \"الصحيحة\".\n(^٦٩٤) - تقدم تخريجه (٥١٦). [(تعليق الشاملة): في المطبوع: ٥١٩، وهو خطأ طباعي]\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٣]- في ز: \"لفلان\"، وسقط من: خ.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.","vol":"4","page":206},{"text":"أبي عون، عن أبي إدريس، قال: سمعت معاوية، ﵁، يقول: سمعت رسول الله، ﷺ، يقول: \"كل ذنب عسى الله أن يغفره، إلا الرجل يموت كافرًا، أو الرجل يقتل مؤمنًا متعمدًا\".\nوكذا رواه النسائي عن محمد بن المثنى، عن صفوان بن عيسى، به.\nوقال ابن مردويه (^٦٩٥): حدثنا عبد الله بن جعفر، حدثنا سمويه، حدثنا عبد الأعلى بن مسهر، حدثنا صدقة بن خالد، حدثنا خالد بن دهقان، حدثنا ابن أبي زكريا قال: سمعت أمِّ الدرداء تقول: سمعت أبا الدرداء يقول: سمعت رسول الله، ﷺ، يقول: \"كل ذنب عسى الله أن يغفره، إلا من مات مشركًا، أو من قتل مؤمنًا متعمدًا\".\nوهذا حديث غريب جدًّا من هذا الوجه. والمحفوظ حديث معاوية المتقدم، فالله أعلم.\nثم روى ابن مردويه (^٦٩٦) من طريق بقية بن الوليد، عن نافع بن يزيد، حدثني ابن جبير الأنصاري، عن داود بن الحصين، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: \"من قتل مؤمنًا متعمدًا فقد كفر بالله ﷿\".\nوهذا حديث منكر أيضًا، وإسناده [¬١] [مظلم] [¬٢] جدًّا.\nوقال الإِمام أحمد (^٦٩٧): حدثنا النضر، حدثنا سليمان بن المغيرة، حدثنا حميد قال: أتاني\n_________\n(^٦٩٥) - تقدم تخريجه (٦٨٥).\n(^٦٩٦) - ورواه أيضًا ابن عدى في \"الكامل\" (٣/ ١٠٥٩) مستنكره لـ \"زيد بن جبيرة الأنصاري\"، وقال: \"عامة ما يرويه عن من روى عنهم، لا يتابعه عليه أحد\" وقد تركه البخارى، وفى رواية عنه فال: \"منكر الحديث\"، وقال ابن معين: \"لا شيء\"، وقال النسائى: \"ليس بثقة\" وقال أبو حاتم: \"ضعيف الحديث، منكر الحديث جدًّا، متروك الحديث، لا يكتب حديثه\"، وقال الساجى: حدَّث عن داود بن الحصين بحدث منكر جدًّا - يعنى: حديث النهى عن الصلاة في سبعة مواطن … وقال الفسوى: ضعيف، منكر الحديث، قال ابن حبان: يروى المناكير عن المشاهير فاستحق التنكب عن روايته، وقال الحاكم: روى عن أبيه، وداود بن الحصين وغيرهما المناكير، وضعفه الدارقطني، وقال ابن عبد البر: \"أجمعوا على أنه ضعيف\" \"التهذيب\" (١/ ٦٦٠، ٦٦١/ ط الرسالة).\n(^٦٩٧) - \" المسند\" (٥/ ٢٨٨، ٢٨٩) مقرونًا بأبي النضر \"بهز\"، ورواه أيضًا (٤/ ١١٠) =\n_________\n[¬١]- في خ: \"فإسناده\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في خ: \"متكلم فيه\".","vol":"4","page":207},{"text":"أبو العالية أنا وصاحب لي، فقال لنا: هلما، فأنتما أشب شيئًا مني؛ وأوعى للحديث مني، فانطلق بنا إلى بشر بن عاصم، فقال له أبو العالية: حدث هؤلاء حديثك فقال: حدثنا عقبة بن مالك الليثي قال: بعث النبي، ﷺ، سرية فأغارت على قوم، فشدّ من القوم رجل، فاتبعه رجل من السرية شاهرًا سيفه [¬١]، فقال الشاد من القوم: إني مسلم، فلم ينظر فيما قال، فضربه فقتله. فنمى الحديث إلى رسول الله، ﷺ، فقال فيه قولًا شديدًا، فبلغ القاتل، فبينا رسول الله، ﵌، يخطب، إذ قال القاتل: والله ما قال الذي قال إلا تعوذًا من القتل، قال: فأعرض رسول الله، ﵌، عنه [وعمَّن] [¬٢] قبله من الناس، وأخذ في خطبته، ثم قال أيضًا: يا رسول الله، ما قال الذي قال إلا تعوذًا من القتل، فأعرض عنه وعمَّن قبله من الناس، وأخذ في خطبته، ثم لم يصبر [فقال] [¬٣] الثالثة: والله يا رسول الله، ما قال [الذي قال] [¬٤] إلا تعوذًا من القتل، فأقبل عليه رسول الله، ﷺ، تعرف المساءة في وجهه، فقال: \"إن الله أبى عليَّ من قتل مؤمنًا ثلاثًا\". ورواه النسائي من حديث سليمان بن المغيرة.\n_________\n= وأبو نعيم في \"معرفة الصحابة\" (ح/ ١٩٩/ مخطوط) من طريق أبي النضر هاشم بن القاسم، والنسائى في \"الكبرى\" (٥/ ٨٥٩٣)، والطبراني في \"المعجم الكبير\" (١٧/ رقم ٩٨٠) وأبو نعيم من طريق أبي نعيم الفضل بن دكين، وابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٧/ ٦٥٣) وفى \"المسند\" (٢/ رقم ٦٥٣) ثنا شبابة بن سوار، وأبو يعلى (١٢/ ٦٨٢٩) وابن أبي عاصم في \"الآحاد والمثانى\" (٢/ ٩٤٢) ثنا شيبان بن فروخ، والروياني في \"مسنده\" (٢/ ح ١٤٩٤) من طريق عبيد الله بن عبد المجيد، والطبراني أيضًا، من طرق هدبة بن خالد والقعنبى، وأسد بن موسى كلهم (أبو النضر وأبو نعيم وشبابة وشيبان وعبيد الله وهدبة والقعنبى وأسد) ثنا سليمان بن المغيرة به وكلهم قالوا: \"بشر بن عاصم الليثى\" بينما رواه ابن سعد في \"الطبقات\" (٧/ ٣٤)، والفسوى في \"المعرفة والتاريخ\" (١/ ٣٤٥) - ومن طريقه البيهقى في \"السنن الكبرى\" (٨/ ٢٢) - ثنا عمرو بن عاصم ثنا سليمان بن المغيرة به غير أنه قال: \"نصر بن عاصم الليثى\" وقد رواه أبو عبد الرحمن المقرئ - عبد الله بن يزيد - ثنا سليمان بن المغيرة به، ورراه من طريقه الطبراني، وأبو نعيم، والحاكم في \"المستدرك\" (١/ ١٨، ١٩) - ومن طريقه البيهقى (٩/ ١١٦) - من طريق بشر بن موسى وأبي يحيى المكى ثنا عبد الله بن يزيد به غير أن الحاكم سمى شيخ \"أبى العالية وحميد\": \"نصر بن عاصم\" وعند الطبراني وأبى نعيم \"بشر بن عاصم\".\nوقال الحاكم: \"هذا حديث مُخرج مئله في المسند الصحيح لمسلم، فقد احتج بنصر بن عاصم الليثى … \" وقد وثقه النسائى، وابن حبان، واعتمد ذلك ابن حجر في \"التقريب\". غير أنهم لم يذكروا في ترجمته أنه هو الراوى عن \"عقبة بن مالك\"، وإنما ذكروا أن الراوي عن \"عقبة\" إنما هو \"بشر\" وبشر هذا نقل عن النسائى توثيقه - ورد ذلك ابن القطان، وأفاد أن الذى وثقه النسائي إنما هو =\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في ت: \"ولمن\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في خ: \"حتى قال\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.","vol":"4","page":208},{"text":"والذي عليه الجمهور من سلف الأمّة وخلفها، أن القاتل له توبة فيما بينه وبين الله، ﷿، فإن تاب وأناب، وخشع وخضع، وعمل عملًا صالحا بدّل الله سيئاته حسنات، وعوّض المقتول من ظلامته، وأرضاه عن طلابته، قال الله تعالى: ﴿والذين لا يدعون مع الله إلهًا آخر﴾ إلى قوله: ﴿إلا من تاب وآمن وعمل عملًا صالحًا﴾ الآية. وهذا خبر لا يجوز نسخه، وحمله على المشركين وحمل هذه الآية على المؤمنين خلاف الظاهر، ويحتاج حمله [¬١] إلى دليل، والله أعلم.\nوقال تعالى: ﴿قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله﴾ الآية. وهذا عام في جميع الذنوب من كفر وشرك، وشك ونفاق، وقتل وفسق وغير ذلك، كل من تاب من أي ذلك، تاب الله عليه.\nوقال الله تعالى: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ فهذه الآية عامّة في جميع الذنوب، ما عدا الشركَ، وهي مذكورة في هذه السورة الكريمة، بعد هذه الآية وقبلها؛ لتقوية الرجاء. والله أعلم.\n_________\n= \"بشر بن عاصم الطائفى\" - ووثقه أيضًا ابن حبان - فصحح له حديث (١١/ ٤٧٤٠/ إحسان) - وقال الذهبى في \"الكاشف\": \"وثق\"، وقال ابن حجر في \"التقريب\": \"صدوق يخطئ\" وقد أفاد المزى أنه: \"أخو نصر بن عاصم\" راجع حاشية \"تهذيب الكمال\" (٤/ ت ٩٦٥).\nومما يؤكد أنه حديث \"بشر\" وليس حديث \"نصر\" أن الجمع رووه عن \"بشر\" وأما رواية \"عمرو بن عاصم\" فهو: \"صدوق في حفظه شيء\" فيخشى أن يكون وهم في التسمية، وأما رواية أبى عبد الرحمن المقرئ - والتى اعتمد عليها الحاكم فصحح الحديث بها - فإنه قد تبين أنه اختلف عليه فيها وترجيح الرواية الموافقة للجماعة أولى، ومما يؤكد صحة رواية الجماعة أنه قد رواه أحمد (٤/ ١١٠) والطبراني (١٧/ ٩٨١) وأبو نعيم من طريق حماد بن سلمة عن يونس بن عبيد عن حميد بن هلال به وسماه \"بشر بن عاصم\" وتابع حماد يزيد ابن زريع عند أبي نعيم، بينما رواه الحاكم (٢/ ١٩) من طريق حماد بن سلمة، فقال فيه: \"نصر بن عاصم\"!! وعلى كُل حالٍ، فإن \"بشرًا\" مما يحسن حديثه، لا سيما وأن له شاهدًا من حديث أنس بن مالك سود به أبو عبد الرحمن الألبانى حديث رقم (٦٨٩) من \" الصحيحة\".\nوقد ذكر حديث عقبة الهيثمى في \"المجمع\" (١/ ٣١، ٣٢) وقال: \"رواه الطبراني في الكبير وأحمد وأبو يعلى إلا أنه قال: عقبة بن خالد بدل عقبة بن مالك - وكأنه خطأ قديم من أحد النساخ، أو وهم من أبي يعلى، ومع هذا فقد صوبه محقق مسند أبي يعلى في المتن!! - ورجاله ثقات كلهم\".\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.","vol":"4","page":209},{"text":"وثبت في الصحيحين (^٦٩٨) خبر الإسرائيلي الذي قتل مائة نفس، ثم سأل عالمًا: هل لي من توبة؟ فقال: ومن يحول بينك وبين التوبة؟ ثم أرشده إلى بلد يعبد الله فيه، فهاجر إليه، فمات في الطريق، فقبضته ملائكة الرحمة كما ذكرناه غير مرة، وإن كان هذا في بني إسرائيل، فلأن يكون في هذه الأمّة التوبة مقبولة بطريق الأولى والأحرى؛ لأنَّا [¬١] وُضع عنا الآصار والأغلال التي كانت عليهم، وبعث نبينا بالحنيفية السمحة. فأما الآية الكريمة، وهي قوله تعالى: ﴿ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا فجزاؤه جهنم خالدًا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابًا عظيمًا﴾؛ فقد قال أبو هريرة وجماعة من السلف: هذا جزاؤه إن جازاه، وقد رواه ابن مردويه بإسناده [¬٢] مرفوعًا، من طريق محمد بن جامع العطار، عن العلاء بن ميمون العنبري، عن حجاج الأسود، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة مرفوعًا (^٦٩٩)، ولكن لا يصح، ومعنى هذه الصيغة: أن هذا جزاؤه إن جوزي عليه، وكذا كل وعيد على ذنب، لكن قد يكون ذلك [¬٣] معارضًا من أعمال صالحة، تمنع وصول ذلك الجزاء إليه، على قولي أصحاب الموازنة أو الإحباط، وهذا أحسن ما يسلك [¬٤] في باب الوعيد، والله أعلم بالصواب، وبتقدير دخول القاتل في [¬٥] النار، إما على قول ابن عباس ومن وافقه أنه لا توبة له، أو على قول الجمهور حيث لا عمل له صالحًا ينجو به، فليس يخلد فيها أبدًا، بل الخلود هو المكث الطويل، وقد تواردت الأحاديث عن رسول الله، ﷺ (^٧٠٠): \" أنه يخرج من النار من كان في قلبه أدنى مثقال [¬٦] ذرة من إيمان\". وأما\n_________\n(^٦٩٨) - أخرجه البخارى، كتاب: الأنبياء (٣٤٧٠)، ومسلم: كتاب: التوبة، باب: قبول توبة القاتل وإن كثر قتله (٤٨٤٦) (٢٧٦٦).\n(^٦٩٩) - ورواه ابن أبي حاتم في تفسيره (٣/ ٥٨١٩)، والعقيلى في \"الضعفاء\" (٣/ ٣٤٦)، والطبراني في \"المعجم الأوسط\" (٨/ ٨٦٠٦)، وأبو نعيم في \"الحلية\" (٢/ ٢٨٠، ٢٨١) وفى إسناده تصحيف يصحح - كلهم من طريق محمد بن جامع به. وقال الطبرانى: \"لم يرو هذا الحديث عن محمد بن سيرين إلا حجاج بن الأسود، ولا رواه عن الحجاج إلا العلاء بن ميمون، تفرَّد به محمد بن جامع\" وهو ضعيف، ضعفه أبو يعلى وأبو حاتم وابن عدى، وقال: \"لا يتابع على أحاديثه\"، وتركه ابن عبد البر - راجع \"لسان الميزان\" (٥ / ت ٧١٨٦) - وبه أعله الهيثمى في \"المجمع\" (٧/ ١١) وشيخه - العلاء بن ميمون - استنكر له العقيلى هذا الحديث، وقال: \"لا يتابع على حديثه، ولا يعرف إلا به\"، وضعف إسناده السيوطى في \"الدر المنثور\" (٢/ ٣٥٢) وعزاه إلى ابن أبي حاتم، والطبراني، وأبي القاسم ابن بشران.\n(^٧٠٠) - انظر ما تقدم تخرجه (رقم: ٤٣١).\n_________\n[¬١]- في ت: \"لأن الله\".\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- في ز: \"كذلك\".\n[¬٤]- في خ: \"سلك\".\n[¬٥]- في ز، خ: \"إلى\".\n[¬٦]- سقط من: ز، خ.","vol":"4","page":210},{"text":"حديث معاوية (^٧٠١): \" كل ذنب عسى الله أن يغفره إلَّا الرجل يموت كافرًا، أو الرجل يقتل مؤمنًا متعمدًا\" فعسى للترجي، فإذا انتفى الترجي في هاتين الصورتين، لا ينتفي [¬١] وقوع ذلك في أحدهما، وهو القتل، لما ذكرنا من الأدلة. وأما من مات كافرًا، فالنص [أنَّه] [¬٢] لا يغفر له البتة، وأما مطالبة المقتول القاتل يوم القيامة، فإنه حق من حقوق الآدميين، وهي لا تسقط بالتوبة، [ولكن لابد من ردّها إليهم] [¬٣]: لا فرق بين المقتول والمسروق منه والمغصوب منه والمقذوف وسائر حقوق الآدميين، فإن الإِجماع منعقد على أنَّها لا تسقط بالتوبة، ولكنه [¬٤] لابد من أدائها [¬٥] إليهم في صحة التوبة؛ فإن تعذر ذلك فلابد من الطلابة [¬٦] يوم القيامة، لكن لا يلزم من وقوع الطلابة [¬٧] وقوع المجازاة، إذا [¬٨] قد يكون للقاتل أعمال صالحة تصرف إلى المقتول أو بعضها، ثم يفضل له أجر يدخل به الجنَّةَ، أو يعوض الله المقتول من فضله بما يشاء، من قصور الجنَّةَ ونعيمها، ورفع درجته فيها، ونحو ذلك. والله أعلم [¬٩].\nثم للقتل العمد أحكام في الدنيا وأحكام في الآخرة؛ فأما [¬١٠] في الدنيا فتسلط أولياء المقتول عليه، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا﴾، ثم هم مخيرون بين أن يقتلوا، أو يعفوا، أو يأخذوا دية مغلظة أثلاثًا - ثلاثون حقة، وثلاثون جذعة، وأربعون خلفة - كما هو مقدر [¬١١] في كتب الأحكام.\nواختلف الأئمة: هل تجب عليه كفارة عتق رقبة، أو صيام شهرين متتابعين، أُو إطعام؟ على أحد القولين كما تقدَّم في كفارة الخطأ - على قولين، فالشَّافعي وأصحابه وطائفة من العلماء يقولون: نعم يجب عليه؛ لأنه إذا وجبت عليه [¬١٢] الكفارة في الخطأ، فلأن تجب عليه في العمد أولى، فطردوا [¬١٣] هذا في كفارة اليمين الغموس [¬١٤]، واعتضدوا بقضاء\n_________\n(^٧٠١) - تقدم تخريجه (رقم: ٥١٩).\n_________\n[¬١]- في ز: \"ينبغي\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في خ: \"أن الله\".\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- في ت: \"ردها\".\n[¬٦]- في ت: \"المطالبة\".\n[¬٧]- في ت: \"المطالبة\".\n[¬٨]- في ز: \"و\".\n[¬٩]- سقط من: ز.\n[¬١٠]- في ز: \"أما\".\n[¬١١]- فى ت: \"مقرر\".\n[¬١٢]- سقط من: ز.\n[¬١٣]- في ز: \"وطردوا\".\n[¬١٤]- في ز: \"المغموس\".","vol":"4","page":211},{"text":"الصلوات [¬١] المتروكة عمدًا، كما أجمعوا على ذلك في الخطأ. وقال أصحاب الإِمام أحمد وآخرون: قتل العمد أعظم من أن يكفر فلا كفارة فيه، وكذا اليمين الغموس، ولا سبيل لهم إلى الفرق ببن هاتين الصورتين وبين الصلاة المتروكة عمدًا، فإنهم يقولون بوجوب قضائها إذا [¬٢] تركت عمدًا، وقد احتج من ذهب إلى وجوب الكفارة فى قتل العمد؛ بما رواه الإِمام أحمد (^٧٠٢)، حيث قال: حدَّثنا عارم بن الفضل، حدَّثنا عبد الله بن المبارك، عن إبراهيم بن أبي عبلة، عن الغريف بن عياش، عن واثلة بن الأسقع قال: أتى النبي ﷺ، نفر من بني سليم، فقالوا: إن صاحبًا لنا قد أوجب [¬٣]، قال [¬٤]: \"فليعتق رقبة؛ يفدي الله بكل عضو منها عضوًا [¬٥] منه من النار\".\n_________\n(^٧٠٢) - \" المسند\" (٤/ ١٠٧) ورواه الطحاوى فى \"مشكل الآثار\" (١/ ٢١٥) من طريق عارم به، ورواه النسائى فى \"الكبرى\" (٣/ ٤٨٩١) وأَبو يعلى فى \"مسنده\" (١٣/ ٧٤٨٤)، والطبراني فى \"المعجم الكبير\" (٢٢/ح ٢٢١) من طريق عبد الله بن المبارك به ورواه أحمد (٣/ ٤٩٠، ٤٩١) من طريق إبراهيم ابن إسحاق، وأَبو داود فى \"السنن\" (٣٩٦٤) - ومن طريقه الخطيب البغدادى فى \"الفقيه والمتفقه\" (٢/ح ٧٢٥) - ثنا عيسى بن محمد الرملى، والحاكم فى \"المستدرك\" (٢/ ٢١٢) - وعنه البيهقي فى \"السنن الكبرى\" (٨/ ١٣٢، ١٣٣) - من طريق أبي عتبة أحمد بن الفرج، والطحاوى (١/ ٢١٦) من طريق أسد بن موسى، والبيهقى أيضًا (٨/ ١٣٣) من طريق الحكم بن موسى. كلهم (إبراهيم وعيسى وأحمد وأسد والحكم) ثنا ضمرة بن ربيعة به ولفظه: \"أعتقوا عنه … \" ورواه الطبرانى (٢٢/ ح ٢١٨) - ومن طريقه المزى فى \"تهذيب الكمال\" (٢٣/ ٩٨ / ت ٤٦٨٤) - ثنا يحيى بن أيوب العلَّاف المصرى، ثنا مهدى بن جعفر الرملى، ثنا ضمرة بن ربيعة عن الأوزاعى عن إبراهيم بن أَبى عبلة، كذا زاد \"الأوزاعى\" بين ضمرة، وإبراهيم. قال الطبرانى: هكذا حدثناه ابن أيوب العلَّاف عن مهدى بن جعفر عن الأوزاعى عن إبراهيم بن أبي عبلة من أصل كتابه، وحدثنا محمد بن علي الصائغ المكى ثنا مهدى بن جعفر الرملى، ثنا ضمرة بن ربيعة عن إبراهيم بن أبي عبلة … نحوه ولم يذكر الأوزاعى\". من هو الصواب، وابن الصائغ أوثق من العلَّاف، وقد تابعه غير واحدٍ، كما تقدم - على عدم ذكر الأوزاعى. ورواه أحمد (٣/ ٤٩٠) من طريق ابن علاثة ثنا إبراهيم بن أبي عبلة عن واثلة فأسقط من الإسناد \"غريف\"، وابن عُلاثة فيه ضعف ورواه النسائى (٣/ ٤٨٩٠) من طريق مالك بن مهران عن إبراهيم عن رجل قال: قلنا لواثلة … الحديث، ورواه الطبرانى (٢٢/ ح ٢٢٠) - ومن طريقه الخطيب (٢/ ح ٧٢٤) - والطحاوى (١/ ٢١٦) من طريق أبي مسهر حدثنى يحيى بن حمزة حدثنى إبراهيم بن أبي عبلة حدثنى الغريف بن عياش بن فيروز الديلمى عن واثلة بن الأسقع قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ فى غزوة تبوك فجاء ناس من بنى سليم … فذكر الحديث ولفظه: (فليعتق عنه رقبة … \".=\n_________\n[¬١]- في ت: \"الصلاة\".\n[¬٢]- في ز: \"وإن\".\n[¬٣]- أوجب الرجل: إذا فعل فعلًا وجبت له به الجنَّةَ أو النار. النهاية [٥/ ١٥٣].\n[¬٤]- في ز: \"قالوا\".\n[¬٥]- في ز: \"عضو\".","vol":"4","page":212},{"text":"وقال أحمد: حدَّثنا إبراهيم بن إسحاق، حدَّثنا ضمرة بن ربيعة، عن إبراهيم بن أبي عبلة، عن [¬١] الغريف [¬٢] الديلمي قال: أتينا واثلة بن الأسقع الليثي، فقلنا: حدِّثنا حديثًا سمعته من رسول الله، ﷺ، [قال: أتينا رسول الله، ﷺ،] [¬٣] في\n_________\n= ورواه الطحاوى (١/ ٢١٥) من طريق هانئ بن عبد الرحمن حدثنى إبراهيم بن أبي عبلة به بمثل رواية يحيى ابن حمزة، غير أنَّه قال: \"مروه فليعتق رقبة … \" ورواه النسائى (٣/ ٤٨٩٢)، وابن حبان (١٠/ ٤٣٠٧ / إحسان)، (٤/ ١٢٠٦)، والطحاوى (١/ ٢١٦، ٢١٧)، والبغوى فى \"شرح السنة\" (٩/ ٢٤١٧) من طريق عبد الله بن يوسف التنيسى ثنا عبد الله بن سالم الأشعرى، حدثنى إبراهيم بن أبي عبلة، قال: كنت جالسًا بأريحا، فمر بي واثلة بن الأسقع متوكئًا على عبد الله بن الديلمى، فأجلسه، ثم جاء إلى فقال: عجبت مما حدثنى به هذا الشيخ - يعنى واثلة - قلت: ما حدثك؟ قال: كنا مع النبيّ ﷺ فأتاه نفر من بنى سليم، فقالوا: يا رسول الله، إن صاحبًا لنا قد أوجب، فقال النبيّ ﷺ: \"أعتقوا عنه رقبة … \" ورواه الطحاوى (١/ ٢١٦) من طريق الوليد بن مسلم، حدثنى مالك بن أَنس وغيره عن إبراهيم بن أبي عبلة أنَّه حدثهم عن عبد الله بن الديلمى عن واثلة به. ورواه الحاكم من طريق أيوب بن سويد ثنا إبراهيم بن أبي عبلة عن عبد الأعلى بن الديلمى عن واثلة بن الأسقع سمع رسول الله ﷺ يقول: \"من أعتق مسلمًا كان فكاكه من النار بكل عضو من هذا عضوا من هذا\".\nوقال الحاكم: \"غريف - ابن عياش - هذا لقب لعبد الله بن الديلمى … فصار حديث واثلة بهذه الروايات صحيحًا على شرط الشيخين … وعبد الأعلى هذا أيضًا هو عبد الله بن الديلمى، بلا شك فيه كما قلناه فى غريف\" ووافقه الذهبى، وأقرهما أَبو عبد الرحمن الألبانى على أن الغريف، لقب لعبد الله ابن الديلمى، لكن تعقبهما بأن \"عبد الله الديلمى، المذكور فى هذه الروايات، ليس هو الذى عناه الحاكم - عبد الله بن فيروز الديلمى أبا بشر، وهو الذى وثقه ابن معين والعجلى وغيرهما، وروى له أصحاب السنن إلَّا الترمذى- بل هو ابن أخى هذا\" حيث إنه قد صرح باسمه فى بعض الروايات بأنه \"الغريف بن عياش بن فيروز الديلمى ولذلك قال الحافظ فى ترجمة أبي بشر من \"التهذيب\": \"هو أخو الضحاك بن فيروز، وعم الغريف بن عياش بن فيروز\"، وإذا ثبت أنَّه عبد الله بن عياش بن فيروز - وهو غير عبد الله بن فيروز - علم أن هذا الإسناد ضعيف من أجل غريف هذا حيث لم يرو عنه غير إبراهيم بن أبي عبلة، ولم يوثقه غير ابن حبان (١/ ١٨٣) وجهله ابن حزم ثم إن للحديث علة أخرى، وهى الاضطراب فى متنه، ففى رواية ضمرة وعبد الله بن سالم: \"أعتقوا عنه\"، وفى رواية ابن المبارك ومالك: \"فليعتق رقبة\"، وتابعهما عليها يحيى بن حمزة، وهانئ بن عبد الرحمن عند الطحاوى ولفظ هانئ: \"مروه فليعتق رقبة\"، فهذه الرواية أرجح لاتفاق هؤلاء الأربعة عليها، وفيهم مالك وابن المبارك وهما في التثبت والحفظ على ما هما عليه كما قال الطحاوى\" بتصرف من \"الضعيفة\" (٢/ح ٩٠٧) وانظر أيضًا \"الإرواء\" (٧/ح ٢٣٠٩).\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- في ز: \"العريف\".\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.","vol":"4","page":213},{"text":"صاحب لنا قد أوجب، فقال: \"أعتقوا عنه يعتق الله بكل عضو منه عضوًا مه من النار\".\nوكذا رواه أَبو داود والنَّسائي من حديث إبراهيم بن أبي عبلة، به، ولفظ أبي داود عن [الغريف الديلمي] [¬١] قال: أتينا واثلة بن الأسقع، فقلنا له [¬٢]: حدَّثنا حديثًا ليس فيه زيادة ولا نقصان، فغضب فقال: إن أحدكم ليقرأ ومصحفه [معلق في] [¬٣] بيته [¬٤] فيزيد وينقص، قلنا: إنما [¬٥] أردنا حديثًا سمعته من رسول، ﷺ، قال: أتينا رسول الله، ﷺ، في صاحب لنا قد أوجب، يعني النار بالقتل فقال: \"اعتقوا عنه يعتق الله بكل عضو فه عضوًا [¬٦] من [¬٧] النار\".\n﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (٩٤)﴾\nقال الإِمام أحمد (^٧٠٣): حدَّثنا يحيى بن أبي بكير، وخلف بن الوليد، وحسين بن محمد،\n_________\n(^٧٠٣) - \" المسند\" (١/ ٢٢٩، ٢٧٢)، ورواه أيضًا (١/ ٢٤٣) ثنا يحيى بن آدم، ورواه عبد بن حميد - كما فى \"الدر المنثور\" (٢/ ٥٦٣)، وعنه أَبو عيسى الترمذى فى \"الجامع\" كتاب: تفسير القرآن (٣٠٣٠) - ثنا عبد العزيز بن أَبى رِزْمَة. وابن جرير فى \"تفسيره\" (٩/ ١٠٢١٧، ١٠٢١٨) من طريق عبد الرحيم بن سليمان، وعبيد الله بن موسى، وابن حبان (١١/ ٤٧٥٢) من طريق عبد الرحيم بن سليمان، والطبرانى فى \"المعجم الكبير\" (١١/ ١١٧٣١) من طريق محمد بن يوسف الفريابي - وخلف ابن الوليد، والحاكم فى \"المستدرك\" (٢/ ٢٣٥) - وعنه البيهقى فى \"السنن الكبرى\" (٩/ ١١٥) من طريق عبيد الله بن موسى، ستتهم (يحيى وعبد العزيز وعبد الرحيم وعبيد الله ومحمد وخلف) أنبأ إسرائيل به وقال الترمذى: \"حديث حسن\"، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبى، مع أن رواية سماك عن عكرمة مضطربة، كما قال ابن المدينى وغيره، لكنه صح من وجه آخر فانظر الآتى.\n_________\n[¬١]- في ز: \"العريف بن الديلمي\".\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٤]- مكانها بياض في ز، وسقط من: خ.\n[¬٥]- في ز: \"إنا\".\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين في خ: منه.\n[¬٧]- سقط من: ت.","vol":"4","page":214},{"text":"قالوا: حدَّثنا إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عبَّاس؛ قال: مر رجل من بني سليم بنفر من أصحاب النبي، ﷺ، وهو يسوق غنمًا له، فسلم عليهم، فقالوا: [ما سلم] [¬١] علينا إلا ليتعوذ منا. فعمدوا إليه فقتلوه وأتوا بغنمه النبي، ﷺ، [فنزلت هذه الآية] [¬٢] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ إلى آخرها.\nورواه التِّرمِذي في التفسير، عن عبد بن حميد، عن عبد العزيز بن أبي رِزْمة، عن إسرائيل، به، و[¬٣] قال: هذا حديث حسن صحيح [¬٤]. وفي الباب عن أسامة بن زيد.\nورواه الحاكم من طريق عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، به. ثم قال: صحيح الإِسناد ولم يخرجاه.\nورواه ابن جرير من حديث عبيد الله بن موسى وعبد الرحيم بن سليمان، كلاهما عن إسرائيل، به. وقال في بعض كتبه غير التفسير: وقد رواه من طريق عبد الرحمن فقط، وهذا خبر عندنا صحيح سنده، وقد يجب أن يكون على مذهب الآخرين سقيفًا، لعلل منها: أنَّه لا يعرف له مخرج عن سماك إلَّا من هذا الوجه، ومنها: أن عكرمة: في روايته عندهم نظر، ومنها: أن الذي أنزلت [¬٥] فيه هذه [¬٦] الآية عندهم مختلف فيه؛ فقال بعضهم: أنزلت [¬٧] في مُحَلِّم بن جثامة، وقال بعضهم: أسامة بن زيد، وقيل: غير ذلك.\nقلت: وهذا كلام غريب، وهو مردود من وجوه أحدها: أنَّه ثابت عن سماك، حدث به عنه غير واحد من الأئمة [¬٨] الكبار. الثاني: أن عكرمة محتج به في الصحيح. الثالث: أنَّه مروي من غير هذا الوجه عن ابن عبَّاس؛ كما قال البخاري (^٧٠٤): حدَّثنا على بن عبد الله،\n_________\n(^٧٠٤) - رواه البخارى، كتاب: التفسير، باب: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ (٤٥٩١)، مسلم، كتاب: التفسير (٢٢) (٣٠٢٥)، وأَبو داود، كتاب: الحروف والقراءات (٣٩٧٤)، والنسائى فى \"التفسير\" (١٣٦) كلهم من طريق سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار به وانظر رقم (٧١٠).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين فى ت: \"لا يسلم\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين مكانها بياض في ز، وسقط من: خ.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في خ: \"ثم\".\n[¬٤]- سقط من: خ.\n[¬٥]- فى خ: \"نزلت\".\n[¬٦]- سقط من: ز.\n[¬٧]- في خ: \"نزلت\".\n[¬٨]- سقط من: ز.","vol":"4","page":215},{"text":"حدَّثنا سفيان، عن عمرو [بن دينار] [¬١]، عن عطاء، عن ابن عبَّاس: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ قال: قال ابن عبَّاس: كان رجل في غنيمته، فلحقه المسلمون، فقال: السلام عليكم، فقتلوه، وأخذوا غنيمته، [فنزلت] [¬٢]: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾.\n[قال ابن عبَّاس: عرض الدنيا تلك الغنيمة، وقرأ ابن عبَّاس: ﴿السلام﴾ [¬٣].\nوقال سعيد بن منصور (^٧٠٥): حدَّثنا منصور، عن عمرو بن دينار، عن عطاء بن يسار، عن ابن عبَّاس قال: لحق المسلمون رجلًا في غنيمة له، فقال: السلام عليكم، فقتلوه، وأخذوا غنيمته، فنزلت: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾] [¬٤].\n[وقد رواه] [¬٥] ابن جرير وابن أبي حاتم (^٧٠٦) من طريق سفيان بن عيينة، به.\n[وقال في ترجمته: إن أخاه فزارًا هاجر إلى رسول الله، عن أمر أبيه، بإسلامهم وإسلام قومهم، فلقيته سرية لرسول الله في عماية الليل، وكان قد قال لهم: إنه مسلم، فلم يقبلوا منه فقتلوه، فقال أَبوه: فقدمت إلى رسول الله فأعطاني ألف دينار، ودية أخرى، وسيرني، فنزل قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآية] [¬٦].\nوأما قصة محلم بن جثامة، فقال الإِمام أحمد ﵀ (^٧٠٧): حدثنا يعقوب، حدثني أبي، عن محمد بن إسحاق، حدثني يزيد بن عبد الله بن قسيط، عن القعقاع بن عبد الله ابن أبي حدرد ﵁ قال: بعثنا رسول الله إلى إضم [¬٧]، فخرجت في نفر\n_________\n(^٧٠٥) - لم أهتد إليه من هذا الوجه، وقد عزاه \"سعيد بن منصور\" السيوطى فى \"الدر المنثور\" (٢/ ٣٥٦).\n(^٧٠٦) - رواه ابن جرير (٩/ ١٠٢١٥، ١٠٢١٦) من طريق عبد الرزاق - وهو فى تفسيره (١/ ١٧٠) - وسعيد ابن الربيع. وابن أبي حاتم (٣/ ٥٨٢٥) ثنا العباس بن يزيد العبدى، ومحمد بن عبد الله بن يزيد المقرئ أربعتهم (عبد الرزاق وسعيد والعباس ومحمد) ثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار عن عطاء به.\n(^٧٠٧) - \" المسند\" (٦/ ١١) - والحديث فى \"السيرة\" لابن هشام (٤/ ١٤٨٣) - ورواه ابن أبي شيبة فى \"المصنف\" (٨/ ٥٦٣) - وعنه ابن أبي عاصم فى \"الآحاد والمثانى\" (٤/ ٢٣٧٨) - ثنا أبو خالد الأحمر عن محمد بن إسحاق به، وتابع أبا خالد الأحمر عليه هكذا يحيى بن سعيد الأموى، علقه =\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٢]- في ت: \"فأنزل الله في ذلك\".\n[¬٣]- وهي قراءة الكسائى وابن كثير وأبي عمرو وعاصم. وقرأ نافع وابن عامر وحمزة (السَّلَمَ) بدون ألف.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين في ز: \"ورواه\".\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٧]- إضم اسم جبل.","vol":"4","page":216},{"text":"من المسلمين فيهم أَبو قَتَادة الحارث بن ربعي، ومحلم بن جثامة بن قيس، فخرجنا حتَّى إذا كنا ببطن إضم؛ مر بنا عامر بن الأضبط الأشجعي على قعود له، معه متيع ووَطْبٌ [¬١] من لبن، فلما مر بنا سلم علينا، فأمسكنا عنه، وحمل عليه محلم بن جثامة فقتله بشيء كان بينه وبينه، وأخذ بعيره ومتيعه.\nفلما قدمنا على رسول الله، ﷺ، وأخبرناه الخبر، نزل فينا القرآن [¬٢]: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾.\nتفرد به أحمد. وقال ابن جرير (^٧٠٨): حدَّثنا ابن وكيع، حدَّثنا جرير، عن ابن إسحاق،\n_________\n= البيهقى فى \"السنن الكبرى\" (٩/ ١١٥) ورواه ابن جرير (٩/ ١٠٢١٢) من طريق سلمة عن محمد بن إسحاق عن يزيد بن عبد الله بن قسيط عن أبي القعقاع بن عبد الله بن أبي حدرد عن أبيه به، ورواه البيهقى أيضًا من طريق يونس بن بكير عن ابن إسحاق حدثنى يزيد بن عبد الله بن قسيط عن أبي القعقاع ابن عبد الله بن أبي حدرد عن أبيه أبي حدرد به، قال البيهقى: \"كذا رواه يونس بن بكير عن ابن إسحاق، ورواه محمد بن سلمة - رواه فى \"الدلائل\" (٤/ ٣٠٥) - عن محمد بن إسحاق عن يزيد عن ابن عبد الله بن أبي حدرد عن أبيه، ورواه أَبو خالد الأحمر عن ابن إسحاق عن يزيد عن القعقاع بن عبد الله بن أبي حدرد عن أبيه، وكذلك قاله يحيى بن سعيد الأموى عن ابن إسحاق، ورواه حماد بن سلمة - كما عند ابن أبي حاتم فى تفسيره (٣/ ٥٨٢٧) - فى رواية حجاج بن منهال عنه عن ابن إسحاق عن يزيد عن أبي حدرد الأسلمى عن أبيه، وقيل غير ذلك، ورواه عبد الله بن إدريس عن ابن إسحاق عن محمد بن جعفر بن الزبير عن عبد الله بن أبي حدرد الأسلمى ﵁ قال: كنت فى سرية بعثها رسول الله ﷺ إلى إضم واد من أودية أشجع، ورواه سلميان التيمى عن يزيد بن عبد الله بن قسيط عن القعقاع بن عبيد الله عن أبي عبد الله قال: بعثنا رسول الله ﷺ … ورواه الوليد بن كثير عن يزيد بن عبد الله بن قسيط أن رجلًا من أسلم حدثه أنَّه سمع ابن أبي حدرد الأسلمى ﵁ يحدث أنَّه كان فى سرية … \" ورواه ابن الجارود فى \"المنتقى\" (٧٧٧) وابن جرير (١٣/ ١٠٢٩) وابن أَبى حاتم (٣/ ٥٨٢٦) من طريق المحاربي محمد بن عبد الرحمن، وابن أبي حاتم أيضًا (٣/ ٥٨٢٧) من طريق أبي سلمة، ثنا حمَّاد بن سلمة، كلاهما (المحاربي وحماد) ثنا محمد بن إسحاق عن يزيد بن عبد الله بن قسيط عن ابن أبي حدرد الأسلمى عن أبيه به. ورواه محمد بن عمر الواقدى - وعنه ابن سعد في \"الطبقات\" (٤/ ٢١١، ٢١٢) - ثنا عبد الله بن يزيد بن قسيط عن أبيه عن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي حدرد الأسلمى عن أبيه به، والواقدى متروك مع سعة علمه. وذكر الحديث الهيثمى فى \"المجمع\" (٧/ ١١) وقال: \"رواه أحمد والطبرانى، ورجاله ثقات\"!! وانظر ما بعده.\n(^٧٠٨) - تفسير ابن جرير (٩/ ١٠٢١١) ولم يعزه السيوطى فى \"الدر المنثور\" (٢/ ٣٥٦، ٣٥٧) لغيره. وشيخ ابن جرير هو سفيان بن وكيع، \"ضعيف\"، ومحمد بن إسحاق مدلس، وقد عنعنه، =\n_________\n[¬١]- الوطب: الوعاء يكون فيه السمن واللبن.\n[¬٢]- سقط من: ت.","vol":"4","page":217},{"text":"عن نافع، أن [¬١] ابن عمر قال [¬٢]: بعث رسول الله محلم بن جثامة مبعثا، فلقيهم عامر بن الأضبط فحياهم بتحية الإِسلام، وكانت بينهم حِنَّةٌ [¬٣] [في الجاهلية] [¬٤] فرماه محلم بسمهم فقتله، فجاء الخبر إلى رسول الله فتكلم فيه عيينة والأقرع، فقال الأقرع: يا رسول الله، سُنَّ اليوم وغير غدًا، فقال عيينة: لا والله، حتَّى تذوق نساؤه من الثكل ما ذاق نسائي، فجاء محلم في بردين فجلس بين يدي رسول الله ليستغفر له، فقال رسول الله: \"لا غفر الله لك\" فقام وهو يتلقى دموعه ببرديه، فما مضت له سابعة حتَّى مات ودفنوه، فلفظته الأرض فجاءوا إلى النبي، ﷺ، فذكروا ذلك له، فقال: (إن الأرض تقبل من هو شر من صاحبكم، ولكن الله أراد أن يعظكم من حرمتكم\". ثم طرحوه بين [¬٥] صدفي [¬٦]، جبل، وألقوا عليه من [¬٧] الحجارة، فنزلت: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا﴾ الآية.\nوقال البخاري (^٧٠٩): قال حبيب بن أبي عمرة، عن سعيد، عن ابن عباس؛ قال: قال رسول الله للمقداد: \"إذا كان رجل مؤمن يخفي إيمانه مع قوم كفار، فأظهر إيمانه فقتلته، فكذلك كنت [أنت] [¬٨] تخفي إيمانك بمكة من قبل\".\nهكذا ذكره البخاري معلقًا مختصرًا وقد روي مطولًا موصولًا. فقال الحافظ أَبو بكر البزار (^٧١٠): حدَّثنا حمَّاد بن علي البغدادي، حدَّثنا جعفر بن سلمة، حدَّثنا أَبو بكر بن\n_________\n= وأصل القصة عند أحمد (٦/ ١٠) (٥/ ١١٢) وأبي داود (٤٥٠٣) وابن ماجة (٢٦٢٥) وغيرهم من حديث سعد بن ضميرة السلمى غير أنَّه من رواية ابنه زياد عنه، وزياد لم يوثقه غير ابن حبان - \"الثقات\" (٦/ ٣٢٥) - وجهله الذهبى، وقال ابن حجر ﵀ فى \"التقريب\": مقبول.\n(^٧٠٩) - صحيح البخارى، كتاب: الديات، باب: قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ (٦٨٦٦) وانظر ما بعده.\n(^٧١٠) - كما فى \"كشف الأستار\" للهيثمى (٣/ ٢٢٠٢) و\"مختصر الزوائد\" لابن حجر ﵀ (٢/ ١٤٥٨) ومن هذا الوجه عزاه ابن حجر ﵀ فى \"التغليق\" (٥/ ٢٤٣) إلى أسلم بن سهل فى \"تاريخ واسط\" ورواه الطبرانى فى \"المعجم الكبير\" (١٢/ ١٢٣٧٩) - ومن طريقه الضياء المقدسى فى \"المختارة\" =\n_________\n[¬١]- في ت: \"عن\".\n[¬٢]- سقط من: ت.\n[¬٣]- في ز: \"جنه\". والحِنَة: لغة قليلة في الإحنة، وهي العقد.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٥]- في ز: \"في\".\n[¬٦]- سقط من: ز. وصدف الجبل: جانبه الذي يقابلك منه.\n[¬٧]- سقط من: ت.\n[¬٨]- ما بين المعكوفتين سقط من خ.","vol":"4","page":218},{"text":"علي بن مُقَدَّم، حدَّثنا حبيب بن أبي عمرة، عن سعيد بن جبير، عنْ ابن عبَّاس، قال: بعث رسول الله سرية فيها المقداد بن الأسود، فلما أتوا القوم وجدوهم قد تفرقوا، وبقي رجل له مال كثير لم يبرح، فقال: أشهد أن لا إله إلَّا الله، وأهوى إليه المقداد فقتله، فقال له رجل من أصحابه: أقتلت رجلًا شهد أن لا إله إلَّا الله؛ والله لأذكرن ذلك للنبي، ﷺ، فلما قدموا على رسول الله، ﷺ، قالوا: يا رسول الله، إن رجلًا شهد أن لا إله إلَّا الله، فقتله المقداد، فقال: (ادعوا لي المقداد، يا مقداد، أقتلت رجلًا يقول: لا إله إلَّا الله، فكيف لك بلا إله إلَّا الله غدًا؟! \" قال: فأنزل الله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا﴾ فقال رسول الله، ﷺ، للمقداد: \"كان رجل مؤمن يخفي إيمانه مع قوم كفار، فأظهر إيمانه فقتلته، وكذلك كنت تخفي إيمانك بمكة قبل\".\nوقوله: ﴿فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ﴾ أي: خير مما رغبتم فيه من عرض الحياة الدنيا؛ الذي حملكم على قتل مثل هذا الذي ألقى إليكم السلام، وأظهر إليكم [¬١] الإِيمان؛ فتغافلتم عنه، واتهمتموه بالمصانعة والتقية لتبتغوا عرض الحياة الدنيا فما عند الله من المغانم الحلال خير لكم من\n_________\n= (١٠/ ح ١٤٧) وابن حجر ﵀ فى \"تغليق التعليق\" (٥/ ٢٤٢، ٢٤٣) - من طريق الحكم بن ظَبْيَان المازنى أَبو الحسن الدارقطني فى \"الأفراد\" - كما فى \"الفتح\"، لابن حجر (١٢/ ١٩٠) و\"الدر المنثور\" للسيوطى (٢/ ٣٥٧) - ومن طريقه رواه ابن حجر ﵀ فى \"التغليق\" (٥/ ٢٤٣) من طريق محمد بن عبد الملك بن زنجويه، كلاهما (الحكم ومحمد) ثنا جعفر بن سلمة به.\nوقال البزار: \"لا نعلمه يُروى عن ابن عبَّاس إلَّا من هذا الوجه، ولا له عنه إلَّا هذا الطَّرِيقِ\". وقال الدارقطني: \"هذا حديث غريب من حديث سعيد بن جبير عن ابن عبَّاس، تفرد به حبيب بن أبي عمرة، وتفرد به أَبو بكر بن علي بن مقدم، وهو أخو عمر بن علي، وأَبو بكر هذا والد محمد، وهو غريب الحديث ولم يذكره أحدٌ بجرح، وقد روى له النسائي - وهو من المتشددين - وروى عنه أيضًا عبد الله بن المبارك، والراوى عنه هنا وثقه أَبو حاتم وغيره، وذكر الحديث الهيثمى فى \"المجمع\" (٧/ ١١، ١٢) وغفل عن عزوه للطبرانى وقال: \"رواه البزار، إسناده جيد\"!! وقد تفرد المقدمى بوصله كما قال ابن حجر ﵀ فى \"التهذيب\" (ترجمة جعفر بن سلمة) وخالف المقدمى، سفيان الثورى فرواه مرسلًا خرجه ابن أبي شيبة فى \"المصنف\" كما فى \"التغليق\" (٥/ ٤٤٣) ولم أهتد إليه فى المطبوع - وابن جرير فى تفسيره (٩/ ١٠٢٢٤) من طريق وكيع وعزاه له ابن حجر ﵀ فى \"الفتح\" (١٢/ ١٩١) من طريق أبى إسحاق الفزارى، وأخشى أن يكون وهمًا، فالذي أخرجه من هذا الوجه: إنما هو الحارث كذا قال هو نفسه فى \"التغليق\"، ورواه الحارث بن أبي أسامة (رقم ٣/ بغية الباحث) من طريق أبي إسحاق الفزارى كلاهما (وكيع والفزاري) عن سفيان عن حبيب بن أبي عمرة عن سعيد بن جبير قال =\n_________\n[¬١]- في ت: \"لكم\".","vol":"4","page":219},{"text":"مال هذا.\nوقوله: ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ أي: قد كنتم من قبل هذه الحال كهذا الذي يسر إيمانه ويخفيه من قومه، كما تقدم في الحديث المرفوع آنفًا؛ وكما قال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ [¬١] قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ﴾ الآية. وهذا [هو] [¬٢] مذهب سعيد بن جبير، لما رواه الثَّوري (^٧١١)، عن حبيب بن أبي عمرة، عن سعيد بن جبير فى قوله: ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ﴾ تخفون إيمانكم في المشركين.\nورواه عبد الرزاق (^٧١٢)، عن ابن جريج، أخبرني عبد الله بن كثير، عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ﴾ تستخفون بإيمانكم كما استخفى هذا الراعي بإيمانه.\nوهذا اختيار ابن جرير. وقال ابن أبي حاتم (^٧١٣)، وذكر عن قيس، عن سالم، عن سعيد بن جبير قوله: ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ﴾ لم تكونوا مؤمنين ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ أي: تاب عليكم. فحلف أسامة لا يقاتل [¬٣] رجلًا يقول لا إله الا الله بعد ذلك الرجل، وما لقي من رسول الله فيه.\nوقوله: ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ تأكيدًا [¬٤]، لما تقدم، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ قال سعيد بن جبير: هذا تهديد ووعيد.\n_________\n=: خرج المقداد بن الأسود …\n(^٧١١) - رواه ابن جرير (٩/ ١٠٢٢٩) وابن أبى حاتم (٣/ ٥٨٣٤) من طريق وكيع عن سفيان به وإسناده صحيح، وانظر ما بعده.\n(^٧١٢) - تفسير عبد الرزاق (١/ ١٧٠) ومن طريقه ابن جرير (٩/ ١٠٢٢٨) وابن أبى حاتم (٣/ ٥٨٣)، وإسناده صحيح، وزاد نسبته السيوطى فى \"الدر المنثور\" (٢/ ٣٥٩) إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٧١٣) - الذى وقع فى تفسير ابن أبي حاتم (٣ / ص ١٠٤١، ١٠٤٢) أنَّه روى هذا اللفظ عن مسروق: ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ﴾ لم تكونوا مؤمنين: ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا﴾ ثم قال: ذكر عن قيس عن سالم، عن سعيد بن جبير قوله: ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ﴾ توزعون عن مثل هذا … ثم روى بإسناده إلى السدى قال: قوله: ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ كقول: تاب عليكم …\n_________\n[¬١]- في ز: \"كنتم\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من خ.\n[¬٣]- في ت: \"يقتل\".\n[¬٤]- في ز: \" تأكيدًا\".","vol":"4","page":220},{"text":"﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (٩٥) دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٩٦)﴾\nقال البخاري (^٧١٤): حدّثنا حفص بن عمر، حدّثنا شعبة، عن أبي إسحاق، عن البراء قال: لما نزلت: ﴿لا يستوي القاعدون من المؤمنين﴾ دعا رسول الله زيدًا فكتبها، فجاء ابن أم مكتوم فشكا ضرارته، فأنزل الله: ﴿غير أولي الضرر﴾.\nحدّثنا محمد بن يوسف، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء، قال: لما نزلت: ﴿لا يستوي القاعدون من المؤمنين﴾، قال النبي، صدى الله عليه وسلم: \"ادع فلانًا\" فجاءه ومعه الدواة واللوح والكتف، فقال: \"اكتب (لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله) \" وخلف النبي ابن أم مكتوم، فقال: يا رسول الله، أنا ضرير؛ فننرلت مكانها: ﴿لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله﴾.\nقال البخاري أيضًا (^٧١٥): حدّثنا إسماعيل بن عبد الله، حدثني إبراهيم بن سعد، عن صالح ابن كيسان، عن ابن شهاب، حدثني سهل بن سعد الساعدي أنه رأى مروان بن الحكم في المسجد، قال: فأقبلت حتى جلست إلى جنبه، فأخبرنا أن زيد بن ثابت أخبره: أن رسول الله أملى علي (لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله) فجاءه ابن أم مكتوم وهو يمليها على، قال: يا رسول الله، والله [¬١] لو أستطيع الجهاد لجاهدت، وكان\n_________\n(^٧١٤) - رواه البخارى، كتاب: التفسير، باب: ﴿لا يستوى القاعدون من المؤمنين والمجاهدون فى سبيل الله﴾ (٤٥٩٣، ٤٥٩٤) ورواه أيضًا، كتاب: إجهاد (٢٨٣١)، وكتاب: فضائل القرآن (٤٩٩٠)، ومسلم، كتاب: الإمارة، باب: سقوط فرض الجهاد عن المعذورين (١٤١، ١٤٢) (١٨٩٨)، والترمذى (١٦٧٠، ٣٠٣١)، والنسائى (٦/ ١٠، ٤٣)، وأحمد (٤/ ٢٨٢، ٢٨٤، ٢٩٠، ٢٩٩، ٣٠١) كلهم من طريق أبى إسحاق به.\n(^٧١٥) - رواه البخارى، كتاب: التفسير، باب: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (٤٥٩٢)، ورواه أيضًا، كتاب: الجهاد (٢٨٣٢)، والترمذى (٣٠٣٣)، والنسائى (٦/ ٩)، وأحمد (٥/ ١٨٤) من طربق ابن شهاب الزهرى به.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.","vol":"4","page":221},{"text":"أعمى، فأنزل الله على رسوله، وفخذه على فخذي، فثقلت على حتى خفت أن ترضَّ [¬١] فخذي، ثم سُري عنه، فأنزل الله: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَر﴾. انفرد [¬٢] به البخاري دون مسلم (٥)، وقد روي من وجه آخر عند الإمام أحمد، عن زيد، فقال الإمام أحمد (^٧١٦):\nحدثنا سليمان بن داود، أنبأنا عبد الرحمن بن أبي الزناد [عن أبيه]، عن خارجة بن زيد، قال: قال زيد بن ثابت: إني قاعد إلى جنب رسول الله، ﷺ، إذ أوحي إليه قال [¬٣] وغشيته السكينة، قال: فرفع [¬٤] فخذه على فخذي حين غضيته السكينة. قال زيد: فلا والله ما وجدت شيئًا قط أثقل من فخذ رسول الله، ﷺ، ثم سري عنه، فقال: \"اكتب يا زيد\" فأخذت كتفا، فقال: \"اكتب (لا يستوي القاعدون من المؤمنين … والمجاهدون) [الآية كلها] [¬٥] إلى قوله ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾ \" فكتبت ذلك في كتف، فقام حين سمعها ابن أم مكتوم، وكان رجلًا أعمى فقام حين سمع فضيلة المجاهدين فقال: يا رسول الله، وكيف بمن لا يستطع الجهاد ممن هو أعمى وأشباه ذلك؛ قال زيد: فوالله ما مضى [¬٦] كلامه أو ما هو إلا أن قضى كلامه - حتى [¬٧] غشيت النبي السكينة فوقعت فخذه على فخذي، فوجدت من ثقلها كما وجدت في المرة الأولى، ثم سري عنه، فقال: \"اقرأ\" فقرأت عليه: (لا يستوي القاعدون من المؤمنين … والمجاهدون)، فقال النبي، ﷺ: \" ﴿غير أولي الضرر﴾ \" قال زيد: فألحقتها، فوالله كأنى أنظر إلى ملحقها عند صدع كان في الكتف.\nورواه أبو داود عن سعيد بن منصور، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، عن خارجة ابن زيد بن ثابت، عن أبيه به نحوه.\nوقال عبد الرزاق (^٧١٧): أنبأنا معمر، عن الزهريّ، عن قبيصة بن [¬٨]، ذؤيب، عن زيد بن\n_________\n(^٧١٦) - \" المسند\" (٥/ ١٩٠)، ورواه أيضًا (٥/ ١٩١)، وأبو داود، كتاب: الجهاد (٢٥٠٧)، وكتاب: الحروف والقراءات (٣٩٧٥)، والطبرانى فى \"المعجم الكبير\" (٥/ ٤٨٥١، ٤٨٥٢) والبيهقى فى \"السنن الكبرى\" (٩/ ٢٣، ٢٤) من طرق عن عبد الرحمن ابن أبى الزناد به.\n(^٧١٧) - تفسير عبد الرزاق (١/ ١٦٩) ومن طريقه رواه أحمد فى \"المسند\" (٥/ ١٨٤) وابن جرير=\n_________\n[¬١]- رضه: كسره.\n[¬٢]- في ت: \"تفرد\".\n[¬٣]- سقط من: ت.\n[¬٤]- في ت: \"فوقع\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من خ.\n[¬٦]- في ز: \"قضى\".\n[¬٧]- سقط من: ز.\n[¬٨]- في ز: \"عن\".","vol":"4","page":222},{"text":"ثابت؛ قال: كنت أكتب لرسول الله، صلى الله عليه: سلم [فقال\": \"اكتب (لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله) \"] [¬١] فجاء عبد الله بن أم مكتوم فقال: يا رسول الله، إني أحب الجهاد في سبيل الله، ولكن بي من الزمانة ما قد ترى، و[¬٢] ذهب بصري، قال زيد: فثقلت فخذ رسول الله، ﷺ، على فخذي حتى خشيت أن ترضها، ثم سري عنه، ثم قال: (اكتب ﴿لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله﴾ \".\nورواه ابن أبي حاتم وابن جرير.\nوقال عبد الرزاق (^٧١٨): أخبرني ابن جريج، أخبرني عبد الكريم - هو ابن مالك الجزري [¬٣]- أن مقسمًا مولى عبد الله بن الحارث، أخبره أن ابن عباس؛ أخبره: ﴿لا يستوي القاعدون من المؤمنين﴾، عن بدر والخارجون إلى بدر.\nانفرد به البخاري دون مسلم. وقد رواه الترمذي (^٧١٩) من طريق حجاج، عن ابن جريج، عن عبد الكريم، عن مقسم، عن ابن عباس؛ قال: ﴿لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر﴾ عن بدر، والخارجون إلى بدر. ولا نزلت غزوة بدر، قال عبد الله بن جحش (*)\n_________\n= (٩/ ١٠٢٤٠)، وابن أبى حاتم (٣/ ٥٨٤٦)، والطبرانى فى \"المعجم الكبير\" (٥/ ٤٨٩٩) - ورواه الطبرانى أيضًا من طريق عبد الله بن المبارك عن معمر به، وأشار لرواية قبيصة ابن حجر فى \"الفتح\" (٨/ ٢٦٠) وعزاها لأحمد فحسب، وإسناده صحيح وقبيصة فيت ذؤيب تابعى كبير ثقة، وقيل له رؤية، وباقى رجاله ثقات أثبات.\n(^٧١٨) - تفسير عبد الرزاق (١/ ١٧٠) ومن طريقه رواه البخارى، كتاب: التفسير (٤٥٩٥)، وابن جرير (٩/ ١٠٢٤١)، وابن أبى حاتم (٣/ ٥٨٤٨) - ورواه البخارى أيضًا، كتاب: المغازى (٣٩٥٤)، وكتاب: التفسير (٤٥٩٥) حدثنى إبراهيم بن موسى أخبرنا هشام أن ابن جريج أخبرهم قال: أخبرنى عبد الكريم به. وذكره السيوطى فى \"الدر المنثور\" (٢/ ٣٦٢) وزاد عزوه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.\n(^٧١٩) - رواه أبو عيسى الترمذى فى \"الجامع\" كتاب: تفسير القرآن (٣٠٣٢)، ورواه النسائى فى \"التفسير\" (رقم ١٣٧)، وابن جرير (٩/ ١٠٢٤٢)، والبيهقى فى \"السنن الكبرى\" (٩/ ٤٧) من طرق عن الحجاج - وهو ابن محمد الأعور المصيصى - عن ابت جريج به وقال أبو عيسى: \"هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه من حديث ابن عباس … \" وانظر ما قبله، وذكره السيوطى فى \"الدر المنثور\" (٢/ ٣٦٢) وزاد عزوه إلى ابن المنذر.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- في ز: \"الحرري\".","vol":"4","page":223},{"text":"وابن أم مكتوم، إنا أعميان يا رسول الله، فهل لنا رخصة؛ فنزلت: ﴿لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر﴾. وفضل الله المجاهدين على القاعدين درجة، فهؤلاء القاعدون غير أولي الضرر ﴿وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرًا عظيما درجات منه﴾ على القاعدين من المؤمنين غير أولي الضرر.\nهذا لفظ الترمذي، ثم قال: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه.\nوقوله: ﴿لا يستوي القاعدون من المؤمنين﴾ كان مطلقًا، فلما نزل بوحي سريع ﴿غير أولي الضرر﴾ صار ذلك مخرجًا لذوي الأعذار المبيحة لترك الجهاد: من العمى، والعرج، والمرض، عن مساواتهم للمجاهدين في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم.\nثم أخبر تعالى بفضيلة المجاهدين على القاعدين، قال ابن عباس: غير أولي الضرر. وكذا ينبغي أن يكون؛ لما [¬١] ثبت في صحيح البخاري (^٧٢٠)، من طريق زهير بن معاوية، عن حميد، عن أنس أن رسول الله، ﷺ، قال: \"إن بالمدينة أقوامًا ما سرتم من مسير، ولا قطعتم من واد، إلا وهم معكم فيه،\" قالوا: وهم بالمدينة يا رسول الله؟ قال: \"نعم، حبسهم العذر\".\nوهكذا رواه الإمام أحمد، عن محمد بن أبي عدي، عن حميد، عن أنس، به. وعلقه البخاري مجزومًا. ورواه أبو داود (^٧٢١) عن حماد بن سلمة، عن حميد، عن موسى بن أنس بن\n_________\n(^٧٢٠) - رواه البخارى، كتاب: الجهاد، باب: من حبسه العُذْرُ عن الغزو (٢٨٣٨) حدثنا أحمد بن يونس حدثنا زهير به، ورواه أيضًا (٢٨٣٩) ثنا سليمان بن حرب، ثنا حماد بن زيد، وكتاب: المغازى (٤٤٢٣) ثنا أحمد بن محمد أخبرنا عبد الله - وهو ابن المبارك. ورواه أحمد (٣/ ١٠٣)، وابن ماجه (٢٧٦٤) من طريق ابن أبى على، وأحمد أيضًا (٣/ ١٨٢) من طريق يحيى بن سعيد القطان، وعبد ابن حميد فى \"المنتخب\" (١٤٠٢) وأبو يعلى فى \"مسنده\" (٦/ ٣٨٣٩) وعنه ابن حبان (١١/ ٤٧٣١/ إحسان) والبغوى فى \"شرح السنة\" (١٠/ ٢٦٣٧) من طريق يزيد بن هارون خمستهم (حماد وعبد الله وابن أبى على ويحيى ويزيد) عن حُميد به وأنظر ما بعده.\n(^٧٢١) - علقه البخارى فى صحيحه عقب حديث رقم (٢٨٣٩): \"وقال موسى - يعنى ابن إسماعيل -. حدثنا حماد - ابن سلمة عن حميد عن موسى بن أنس عن أبيه قال النبى ﷺ \" ورواه أحمد (٣/ ١٦٠، ٢١٤) ثنا عفان (٣/ ١٦٠) ثنا أبو كامل الجحدرى، وأبو داود (٢٥٠٨) - ومن طريقه البيهقى فى \"السنن الكبرى\" (٩/ ٢٤) وابن حجر فى \"تغليق التعليق\" (٣/ ٤٣٤) - ثنا موسى بن إسماعيل ثلاثتهم (موسى وعفان وأبو كامل) ثنا حماد بن سلمة به لكن سقط فى رواية أبى كامل \"حميد\" وقال أبو عبد الله البخارى: \"الأول أصح\" يعنى الإسناد السابق الذى ليس فيه موسى ابن أنس\".\n_________\n[¬١]- فى ت: \"كما\".","vol":"4","page":224},{"text":"مالك، عن أبيه، عن النبي، ﷺ، قال: \"لقد تركتم بالمدينة أقوامًا ما سرتم مسيرًا، ولا أنفقتم من نفقة، ولا قطعتم من واد، إلا وهم معكم فيه\"، قالوا: [يا رسول الله كيف] [¬١]، يكونون معنا وهم بالمدينة؟ قال: \"حبسهم العذر\".\nلفظ أبي داود، وفي هذا المعنى قال الشاعر:\nيا راحلين إلى البيت العتيق لقد … سرتم جسومًا وسرنا نحن أرواحًا\nإنا أقمنا على عذر وعن قدر … ومن أقام على عذر فقد راحا\nوقوله: ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ أي: الجنة والجزاء الجزيل. وفيه دلالة على أن الجهاد ليس بفرض عين، بل هو فرض على الكفاية.\nثم قال تعالى: ﴿وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾، ثم أخبر ﷾ بما فضلهم به من الدرجات، في غرف الجنان العاليات، ومغفرة الذنوب والزلات، وحلول [¬٢]، الرحمة والبركات، إحسانًا منه وتكريمًا، ولهذا قال: ﴿دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾.\nوقد ثبت في الصحيحين (^٧٢٢)، عن أبي سعيد الخدري: أن رسول الله، ﷺ، قال: \"إن في الجنة مائة [¬٣]، درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيله، ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض\".\n_________\n= قال ابن حجر فى \"التغليق\" (٣/ ٤٣٥) - ونحوه فى \"فتح\" (٦/ ٤٧) - عقب رواية أبى داود: \"هذا عندى حديث صحيح لحسن سياقه، وجودة رجاله، من قد رجحه الإسماعيليّ ففال: حماد عالمٌ بحُمَيد، فيقدم فيه على غيره، ثم ساق (حديثه من طريق عفان بن حماد) قلت - ابن حجر -: وإنما رجح البخارى الإسناد الأول لتصريح زُهير عن حميد بسماعه له من أنس، وكذا رواه الإسماعيليّ من حديث معتمر بن سليمان عن حميدٍ \"أنه سمع أنسًا\" ولا مانع أن يكون حُميد سمعه من موسى بن أنس عن أبيه، ثم سمعه من أنس، بدليل أن سياقته عن موسى بن أنس أتم. والله تعالى أعلم\".\n(^٧٢٢) - كذا عزاه للصحيحين من حديث أبى سعيد الخدري!!، ولم يخرجه من حديث أبى سعيد غير مسلم، كتاب: الإمارة، باب: كان ما أعده الله تعالى للمجاهد (١١٦) (١٨٨٤) بلفظ: \" … وأخرى يرفَع بها العبدُ مائة درجة من الجنة، ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض\" قال: يا رسول الله؛ وَمَا هِيَ؟ قال: \"الجهاد فى سبيل الله. الجهاد فى سبيل الله\"، وأما اللفظ الذى أورده المصنف، فقد أخرجه البخارى، كتاب: الجهاد، باب: درجات المجاهدين فى سبيل الله (٢٧٩٠) من حديث أبى هريرة.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"كيف يا رسوله الله\".\n[¬٢]- قوله ت: \"وأحوال\".\n[¬٣]- سقط من: ز.","vol":"4","page":225},{"text":"وقال الأعمش (^٧٢٣)، عن عمرو بن مرة، عن أبي عبيدة، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: \"من بلغ بسهم فله أجره درجة\"، فقال رجل: يا رسول الله، وما الدرجة؟ فقال \"أما إنها ليست بعتبة أمك. ما بين الدرجتين مائة عام\".\n﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٩٧) إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (٩٨) فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا (٩٩) وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾\nقال البخاري (^٧٢٤): حدثنا عبد الله بن يزيد [¬١] المقرئ، حدثنا حيوة وغيره، قال: حدثنا\n_________\n(^٧٢٣) - أورده السيوطى فى \"الدر المنثور\" (٢/ ٣٦٥) وعزاه إلى ابن أبى حاتم وابن مردويه، وقد رواه ابن أبى حاتم (٣/ ٥٨٥١) ثنا حماد بن الحسن بن عنبسة، ثنا يحيى بن حماد، ثنا أبو عوانة، عن سليمان - يعنى الأعمش - عن عروة بن مرة به. وهذا إسناد رجاله كلهم ثقات غير أن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه، كما أن فيه عنعنة الأعمش. وقد رواه الحارث بن أبى أسامة (رقم ٦٥٨/ بغية) - ومن طريقه أبو نعيم فى \"صفة الجنة\" (٢/ ٢٣٣) - ثنا معاوية بن عمرو - سقط من \"البغية\" ثنا زائدة، ثنا الأعمش به غير أنه أسقط \"عبد الله بن مسعود\" فذكره مرسلًا.\nوقد رواه أحمد (٤/ ٢٣٥)، والنسائى (٦/ ٢٧)، وابن حبان (١٠/ ٤٦١٦) وغيرهم من طريق أبى معاوية عن الأعمش عن عمرو بن مرة عن سالم بن أبي الجعد، عن شرحبيل بن السمط قال: قلنا لكعب ابن مُرَّة: يا كعب، حدثنا عن رسول الله ﷺ والخذَرْ، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"من بلغ العُدوَّ بسهم، رفع الله به درجة له\" فقال له عبد الرحمن بن النَّحام: يا رسول الله، وما الدرجة؟ قال: \"أما إنها ليست بعتبة أمَّك، ما بين الدرجتين مائة عام\" وأبو معاوية أثبت الناس فى الأعمش، وقد صححه ابن حجر فى \"الإصابة\" (٦/ ٣٢٤) وله شاهد من حديث أبى نجيح السلمى يأتي تخريجه (سورة البلد/ آية ١٣).\n(^٧٢٤) - رواه البخارى، كتاب: التفسير، باب: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ (٤٥٩٦)، ررواه أيضًا، كتاب: الفتن، باب: من كره أن يكثِّرَ سواد الفتن والظلم (٧٠٨٥). =\n_________\n[¬١]- في خ: \"زيد\".","vol":"4","page":226},{"text":"محمد بن عبد الرحمن أبو الأسود، قال: قطع على أهل المدينة بعث.، فاكتتبت فيه، فلقيت عكرمة - مولى ابن عباس فأخبرته، فنهاني عن ذلك أشدّ النهي، ثم [¬١] قال: أخبرني ابن عباس أن ناسًا من المسلمين كانوا مع المشركين، يكثرون [سواد المشركين] [¬٢]، على رسول الله، ﷺ، يأتي السهم فيرمى به، فيصيب أحدهم فيقتله، أو يضرب عنقه، فيقتل، فأنزل الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ رواه الليث عن أبي الأسود.\nوقال ابن أبي حاتم (^٧٢٥): حدثنا أحمد بن منصور الرمادي، حدثنا أبو أحمد - يعني الزبيري - حدثنا محمد بن شريك المكي، حدثنا عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: كان قوم من أهل مكة أسلموا، وكانوا يستخفون بالإسلام، فأخرجهم المشركون يوم بدر معهم، فأصيب بعضهم بفعل بعض، قال المسلمونَ: كان أصحابنا هؤلاء مسلمين [¬٣] وأكرهوا. فاستغفروا لهم، فنزلت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ﴾ الآية. قال: فكتبت [¬٤] إلى من بقي من المسلمين بهذه الآية: لا عذر لهم، قال: فخرجوا، فلحقهم المشركون، فأعطوهم الفتنة، فنزلت هذه الآية: ﴿ومن الناس\n_________\n= ورواه النسائى فى \"التفسير\" (١٣٩) من طريق إسحاق بن إبراهيم نا المقرئ، نا حيوة به. قال ابن حجر فى \"الفتح\" (٨/ ٢٦٣): \"قوله (رواه الليث عن أبى الأسود) وصله الإسماعيليّ، والطبراني فى \"الأوسط\" - (٣٥٨، ٨٦٣٨) وفى \"المعجم الكبير\" أيضًا (١١/ ١١٥٠٥، ١١٥٠٦) ومن طريقه ابن حجر فى \"تغليق التعليق\" (٤/ ١٩٨) من طريق أبى صالح كاتب الليث عن الليث عن أبى الاُسود عن عكرمة فذكره بدون قصة أبى الأسود، قال الطبرانى: لم يروه عن أبى الأسود، إلا الليث وابن لهيعة. قلت - ابن حجر -: ورواية البخارى من طريق حيوة ترد عليه، ورواية ابن لهيعة أخرجها ابن أبى حاتم أيضًا - فى تفسيره (٣/ ٥٨٦٢) وكذا ابن جرير (٩/ ١٠٢٦١) من طريق ابن وهب، والطبرانى فى \"الكبير\" (١١/ ١١٥٠٥) من طريق أبى صالح الحرانى، كلاهما ثنا ابن لهيعة - وفى هذه القصة دلالة على براءة عكرمة مما ينسب إليه من رأى الخَوارج؛ لأنّه بالغ فى النهي عن قتال المسلمين، وتكثير سواد من يقاتلهم، وغرض عكرمة أن الله ذم من أكثر سواد المشركين مع أنهم كانوا لا يريدون بقلوبهم موافقتهم، قال: فكذلك أنت لا تكثر سواد هذا الجيش، وإن كنت لا تريد موافقتم؛ لأنهم لا يقاتلون فى سبيل الله\".\n(^٧٢٥) - تفسير ابن أبى حاتم (٣/ ٥٨٦٣)، ورواه ابن جرير (٩/ ١٠٢٦٠) ثنا أحمد بن منصور الرمادى به، ورواه البزار (٤/ ٢٢٠٤ /كشف) من طريق أبى نعيم: ثنا محمد بن شريك به. قال البزار: \"لا نعلم أحدًا يرويه عن عمرو إلا محمد بن شريك\". وذكره الهيثمى فى \"المجمع\" (٧/ ١٢، ١٣) وقال: \"رواه البزار، ورجاله رجال الصحيح، غير محمد بن شريك، وهو ثقة، وثقه أحمد وابن معين، وأبو زرعة، والدارقطنى، وقال أبو حاتم والنسائى، والفسوى: \"ليس به بأس\".\n_________\n[¬١]- سقط من: ت.\n[¬٢]- سقط ت: \"سوادهم\".\n[¬٣]- في ز: \"مسلمون\".\n[¬٤]- في ز: \"فكتب\".","vol":"4","page":227},{"text":"من يقول آمنا بالله﴾ الآية.\nوقال عكرمة (^٧٢٦): نزلت [هذه] [¬١] الآية في شباب من قريش، كانوا تكلموا بالإِسلام بمكة، منهم على بن أمية بن خلف، وأبو قيس بن الوليد بن المغيرة، وأبو العاصي بن منبه بن الحجاج، والحارث ابن زمعة.\nوقال الضحاك (^٧٢٧): نزلت في أناس من المنافقين تخلفوا عن رسول الله، ﷺ، بمكة، وخرجوا مع المشركين يوم بدر؛ فأصيبوا فيمن أصيب، فنزلت هذه الآية الكريمة عامة في كل من أقام بين ظهرانَي المشركين، وهو قادر على الهجرة، وليس متمكنًا من إقامة الدين؛ فهو ظالم لنفسه، مرتكب حرامًا بالإجماع، بنص هذه الآية، حيث يقول تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ أي: بترك الهجرة، ﴿قالوا فيم كنتم﴾ أي: لمَ مكثتم هاهنا، وتركتم الهجرة؟ ﴿قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: لا نقدر على الخروج من البلد، ولا الذهاب في الأرض؛ ﴿قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ الآية.\nوقال أبو داود: حدثنا محمد بن داود بن سفيان، حدثني يحيى بن حسان، أخبرنا سليمان ابن موسى أبو داود، حدثنا جعفر بن سعد بن سمرة بن جندب، حدثني خُبَيب بن سليمان، عن أبيه سليمان بن سمرة بن جندب، عن سمرة بن جندب أما بعد: قال رسول الله: \"من جامع المشرك وسكن معه فإنه مثله\".\n_________\n(^٧٢٦) - رواه ابن أبى حاتم (٣/ ٥٨٦٥) من طريق روح بن القاسم عن ابن جريج عن عكرمة به. ورواه ابن جرير (٩/ ١٠٢٦٤) من طريق حجاج عن ابن جريج به غير أنه قال: \"نزلت فى قيس بن الفاكه بن المغيرة، والحارث بن زمعة بن الأسود، وقيس بن الوليد بن المغيرة، وأبي العاص بن مُنبّه بن الحجاج، وعلى بن أمية بن خلف .. \". وفى حاشية تفسير ابن جرير (٩/ ١٠٥) قال الشيخ الأديب محمود شاكر: \"هكذا جاءت أسماؤهم فى المخطوطة، والمطبوعة، وفى \"الدر المنثور\" (٢/ ٣٦٥)، واتفاقهم جميعًا جعلنى أتحرج فى إثبات ما أعرفه صوابًا. وهؤلاء الذين قتلوا ببدر معروفة أسماؤهم فى السيرة،: هذا صوابها من سيرة ابن هشام (٢/ ٢٨٥): \"وامتاع الأسماع\" (١/ ٢٠): \"أبو قيس بن الفاكه بن المغيرة\"، \"أبو قيس بن الوليد بن المغيرة\"، \"العاص بن منبِّه بن الحجاج\" وأكبر ظنى أن هذا خطأ من النساخ، لا خطأ فى الرواية\" اهـ.\n(^٧٢٧) - رواه ابن جرير (٩/ ١٠٢٦٨)، وابن أبى حاتم (٣/ ٥٨٦٦)، وإسناده صحيح إليه.\n_________\n[¬١]- سقط من خ.","vol":"4","page":228},{"text":"وقال السدي: لما أسر العباس وعقيل ونوفل، قال رسول الله، ﷺ، للعباس: \"افد نفسك وابن أخيك\"، فقال: يا رسول الله، ألم نصل إلى [¬١] قبلتك، ونشهد شهادتك؟ قال: \"يا عباس، إنكم خاصمتم فخصمتم\" ثم تلا عليه هذه الآية: ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ \" رواه ابن أبي حاتم (^٧٢٨).\nوقوله: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾، هذا عذر من الله تعالى لهؤلاء في ترك الهجرة، وذلك أنهم [¬٢] لا يقدرون على التخلص من أيدي المشركين، ولو قدروا ما عرفوا يسلكون الطريق، ولهذا قال: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ قال مجاهد: عكرمة والسدي يعني: طريقًا. وقوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ﴾ أي: يتجاوز عنهم بتركهم [¬٣] الهجرة، و(عسى) من الله موجبة، ﴿وَكَانَ اللَّهُ [عَفُوًّا غَفُورًا] [¬٤]﴾.\nقال البخاري (^٧٢٩): حدثنا أبو نعيم، حدثنا شيبان، عن يحيى، عِن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: بينا النبي ﷺ يصلي العشاء إذ قال: \"سمع الله لمن حمده\"، ثم قال قبل أن يسجد: \"اللهم أنج عياش بن أبي ربيعة، اللهم نج [¬٥]، سلمة بن هشام، اللهم نج الوليد بن الوليد، اللهم نج [¬٦] المستضعفين من المؤمنين، اللهم اشدد وطأتك على مضر، اللهم اجعلها سنين كسني يوسف\".\n_________\n(^٧٢٨) - تفسير ابن أبى حاتم (٣/ ٥٨٦٩)، وكذا ابن جرير (٩/ ١٠٢٦٥) كلاهما من طريق أحمد بن مفضل ثنا أسباط عن السدى، وإسناده حسن إلى السدى غير أنه منقطع، وقد ورد موصولًا عند أحمد فى \"المسند\" (/ ١/ ٣٥٣ ح ٣٣١٠) وإسناده فيه جهالة.\n(^٧٢٩) - رواه البخارى، كتاب: التفسير، باب: ﴿فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ …﴾ (٤٥٩٨) ورواه أيضًا، كتاب: الدعوات، باب: الدعاء على المشركين (٦٣٩٣)، ومسلم، كتاب: المساجد ومواضع الصلاة، باب: استحباب القنوت فى جميع الصلاة (٢٩٥) (٦٧٥)، وأبو داود، كتاب: الصلاة، باب: القنوت فى الصلوات (١٤٤٢)، والنسائى (٢/ ٢٠٢) وأحمد (٢/ ٤٧٠، ٥٢١) من طريق يحيى - وهو ابن أبى كثير به، وقصر السيوطى فى عزوه جدًا، فلم يعزه فى \"الدر المنثور\" (٢/ ٣٦٧) لغير البخارى!!\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في ح: \"بترك\".\n[¬٤]- في ت: \"غفورا رحيما\".\n[¬٥]- في خ: \"أنج\".\n[¬٦]- في خ: \"أنج\".","vol":"4","page":229},{"text":"وقال ابن أبي حاتم (^٧٣٠): حدثنا أبي، حدثنا أبو معمر المنقرئ، حدثنا عبد الوارث، حدثنا على بن زيد، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة: أن رسول الله، صلى الله عليه ومسلم، رفع يده بعد ما سلم، وهو مستقبل القبلة، فقال: \"اللهم خلص الوليد بن الوليد، وعياش بن أبي ربيعة، وسلمة بن هشام، وضعفة المسلمين؛ الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلًا، من أيدي الكفار\".\nوقال ابن جرير (^٧٣١): حدثنا المثني، حدثنا حجاج، حدثنا حماد، عن علي بن زيد، عن عبد الله [¬١]- أو إبراهيم بن عبد الله القرشي، عن أبي هريرة، أن رسول الله، ﷺ، كان يدعو في دبر صلاة الظهر: \"اللهم خلص الوليد، وسلمة بن هشام، وعياش بن أبي ربيعة، وضعفة المسلمين من أيدي المشركين، الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلًا\".\nولهذا الحديث شاهد في الصحيح من غير هذا الوجه، كما تقدم.\nوقال عبد الرزاق (^٧٣٢): أنبأنا ابن عيينة، عن عبيد الله بن أبي يزيد، قال: سمعث ابن عباس يقول: كنت أنا رأمي من المستضعفين من النساء والولدان.\nوقال البخاري (^٧٣٣): أنبأنا أبو النعمان، حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن ابن أبي مليكة، عن ابن عباس ﴿إلا المستضعفين﴾، قال: [كانت أمي] [¬٢] ممن عذر الله ﷿.\n_________\n(^٧٣٠) - تفسير ابن أبى حاتم (٣/ ٥٨٧٢)، وعلى بن زيد - هو ابن جدعان - ضعيف، وقد استنكره العقيلى فى \"الضعفاء\" (٣/ ٩٩/ ت ١٠٧٣) لعبد الوارث بن سعيد، فرواه ثنا أحمد ابن داود ثنا أبو معمر عنه به، وقال: \"لا يتابع عليه، وقد رويناه من غير هدا الطريق بإسناد صحيح\" - يعنى السابق - لكن دون قوله: \"الذين لا يستطيعون حيلة … \"، ويبدو أن علته على بن زيد، حيث اضطرب فيه، فرواه هكذا عن سعيد، وله إسناد آخر فيه، انظر الآتى.\n(^٧٣١) - تفسير ابن جرير (٩/ ١٠٢٧٥)، ورواه أحمد فى \"المسند\" (٢/ ٤٠٧) ثنا عفان، ثما حماد بن سلمة، أنا على بن زيد به، وشيخ ابن جدعان، لم أعرفه، وقد شك الزهرى أيضًا فى شيخ آخر له اسمه (إبراهيم بن عبد الله بن قارظ، أو عبد الله بن إبراهيم بن قارظ) فيحتمل أن يكون هذا، وعلى كُل فعلته ضعف على بن زيد، وانظر ما قبله.\n(^٧٣٢) - تفسير عبد الرزاق (١/ ١٧٢) - ومن طريقه ابن جرير (٩/ ١٠٢٧٤) وابن أبى حاتم (٣/ ٥٨٧١) - وإسناده صحيح، وانظر ما بعده.\n(^٧٣٣) - رواه البخارى، كتاب: التفسير (٤٥٩٧)، ورواه (٤٥٨٨) والبيهقى فى \"السنن الكبرى\"=\n_________\n[¬١]- في ز: \"عبيد الله\".\n[¬٢]- في ت: \"كنت أنا وأمي\".","vol":"4","page":230},{"text":"وقوله: ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً﴾ هذا تحريض على الهجرة، وترغيب في مفارقة المشركين، وإن المؤمن حيثما ذهب وجد عنهم مندوحة، وملجأ يتحصن فيه، \"والمراغم\": مصدر، تقول العرب: راغم فلان قومه مراغمًا ومراغمة، قال نابغة بني جعدة:\nكطود يُلاذ بأركانه … عزيز المراغم والمهرب\nوقال ابن عباس: \"المراغم\" التحول من أرض إلى أرض. وكذا روي عن الضحاك والربيع ابن أنس والثوري. وقال مجاهد: ﴿مُرَاغَمًا كَثِيرًا﴾ يعني: متزحزحًا عما يكره، وقال سفيان ابن عيينة: ﴿مُرَاغَمًا كَثِيرًا﴾، يعني: بروجًا. والظاهر، والله أعلم، [أن المراغم] [¬١] التمنع الذي يتحصن به، ويراغم به الأعداء.\nوقوله ﴿وَسَعَةً﴾ يعني [¬٢]: الرزق. قاله غير واحدٍ، منهم قتادة، حيث قال في قوله: ﴿يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً﴾: أي والله، من الضلالة إلى الهدى، ومن القلة إلى الغنى.\nوقوله: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ أي: ومن خرج [¬٣] من منزله بنية الهجرة، فمات في أثناء الطريق، فقد حصل له من [¬٤] الله ثواب من هاجر. كما ثبت في الصحيحين وغيرهما من الصحاح والمسانيد والسنن (^٧٣٤)، من طريق يحيى بن سعيد الأنصاري، عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن علقمة بن وقاص الليثي، عن عمر بن الخطاب، قال: قال رسول الله، ﵌: \"إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى اللَّه ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته [لدنيا] [¬٥] يصيبها، أو امرأة يتزوجها، فهجرته إلى ما هاجر إليه\".\n_________\n= (٩/ ١٣) من طريق سليمان بن حرب، ثنا حماد بن زيد به بلفظ: \"كنت أنا وأُمي ممن عذر الله\" ورواه (٤٥٨٧)، والبيهقى من طريقين عن سفيان به.\n(^٧٣٤) - رواه البخارى، كتاب: بدء الوحى، باب: كيف كان بدءُ الوحى إلى رسول الله ﷺ (١)، ومسلم، كتاب: الإمارة، باب: قوله ﷺ \" إنما =\n_________\n[¬١]- في خ: \"أنه\".\n[¬٢]- في ز: \"معنى\".\n[¬٣]- في خ: \"يخرج\".\n[¬٤]- في ت: \"عند\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين في خ: \"إلى دنيا\".","vol":"4","page":231},{"text":"وهذا عام في [الهجرة وفى كل] [¬١] الأعمال. ومنه الحديث الثابت فى الصحيحين (^٧٣٥)، في الرجل الذي قتل تسعة وتسعين نفسًا [¬٢]، ثم أكمل بذلك العابد [¬٣] المائة، ثم سأل عالمًا هل له من توبة؟ فقال له [¬٤]: ومن يحول بينك وبين التوبة؟ ثم أرشده إلى أن يتحول من بلده إلى بلد آخر [¬٥] يعبد الله فيه، فلما ارتحل من بلده مهاجرًا إلى البلد الآخر [¬٦] أدركه الموت في أثناء الطريق، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فقال هؤلاء: إنه جاء تائبًا، وقال هؤلاء: إنه لم يصل بعد، فأمروا أن يقيسوا ما بين الأرضين، فإلى أيهما كان أقرب كان [¬٧] منها، فأمر الله هذه أن تقرب [¬٨] من هذه، وهذه أن تبعد، فوجدوه أقرب إلى الأرض التي هاجر إليها بشبر، فقبضته ملائكة الرحمة، وفي رواية أنه لما جاءه الموت؛ ناء [¬٩] بصدره إلى الأرض التي هاجر إليها.\n[وقال الإمام أحمد (^٧٣٦): حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا محمد بن إسحاق، عن محمد بن إبراهيم، عن محمد بن عبد الله] [¬١٠] بن عتيك، عن أبيه عبد الله بن عتيك قال: سمعت رسول الله، ﷺ، يقول: \"من خرج من بيته مهاجرًا [¬١١]، في سبِيل الله\" ثم قال [¬١٢] بأصابعه [¬١٣] هؤلاء الثلاث: الوسطى، والسبابة، والإبهام فجمعهن وقال: وأين\n_________\n= الأعمال بالنية\" (١٩٠٧) وأبو داود (٢٢٠١)، والترمذى (١٦٤٧)، والنسائى (١/ ٥٨)، وابن ماجه (٤٢٢٧)، وأحمد (١/ ٢٥، ٤٣) وغيرهم من طرق عن يحيى بن سعيد الأنصارى به.\n(^٧٣٥) - تقدم تخريجه رقم (٧٠٢).\n(^٧٣٦) - \" المسند\" (٤/ ٣٦)، ولفظ المصنف مغاير له فى بعض الأحرف. ورواه ابن أبي شيبة فى \"المصنف\" (٤/ ٥٦٥) وفى \"مسنده\" (٢/ ٨٩٧) - ومن طريقه ابن أبي عاصم فى \"الآحاد والمثانى\" (٤/ ٢١٤٣) وفى \"الجهاد\" (٢/ ٢٣٦) والطبرانى من طريقه وطريق غيره فى \"المعجم الكبير\" (٢/ ١٧٧٨) وعنه أبو نعيم فى \"معرفة الصحابة\" (٢/ ق ٥ ح) والبخارى فى \"التاريخ الكبير\" (٥/ ١٤) من طريق يزيد بن هارون به. ورواه الفسوى فى \"المعرفة والتاريخ\" (١/ ٢٦١) من طريق عيسى بن يونس،=\n_________\n[¬١]- مما بين المعكوفتين في خ: \"كل\".\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- في خ: \"العالم\".\n[¬٤]- سقط من. ز.\n[¬٥]- في خ: \"أخرى\".\n[¬٦]- في ز: \"الأخرى\".\n[¬٧]- في خ: \"فهو\".\n[¬٨]- في ت: \"تقترب\".\n[¬٩]- في ز: \"باء\".\n[¬١٠]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬١١]- في المسند: \"مجاهدًا\".\n[¬١٢]- قال هاهنا ليست من القول؛ وإنما هى في هذا السياق بمعنى: أشار، أو جمع، أو مثل.\n[¬١٣]- في خ: \"بأصبعه\".","vol":"4","page":232},{"text":"المجاهدون [في سبيل الله] [¬١]، فخرّ عن دابته فمات فقد وقع أجره على الله، أو لدغته دابة فمات، فقد وقع أجره على الله، أو مات حَتْفَ أنفه، فقد وقع أجره على الله\". [يعني بحتف أنفه: على فراشه] [¬٢]، والله، إنها لكلمة ما سمعتها من [¬٣] [أحد من] [¬٤] العرب قبل رسول الله، ﷺ، ومن قتلـ قَعْصًا [¬٥] [¬٦] فقد استوجب المآب.\nوقال ابن أبي حاتم (^٧٣٧): حدثنا أبو زرعة، حدثنا عبد الرحمن بن عبد الملك بن شيبة الحزامي [¬٧]، حدثني عبد الرحمن بن المغيرة الحزامي [¬٨]، عن المنذر بن عبد الله، عن هشام ابن عروة، عن أبيه أن الزبير بن العوام قال: هاجر خالد بن حزام إلى أرض الحبشة، فنهشته حية في الطريق فمات، فنزلت فيه: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ فقال [¬٩] الزبير: فكنت أتوقعه وأنتظر قدومه، وأنا بأرض الحبشة، فما أحزنني شيء حزن وفاته حين بلغني؛ لأنه قل أحد ممن هاجر من قريش إلا و[¬١٠] معه بعض أهله، أو ذوي رحمه، ولم يكن معي أحد\n_________\n= والطبرانى - وعنه أبو نعيم - والحاكم (٢/ ٨٨)، وعنه البيهقي فى \"السنن الكبرى\" (٩/ ١٦٩) - من طريق يونس بن بكير. كلاهما (عيسى ويونس) ثنا محمد بن إسحاق به، وفى رواية يونس عند أبي نعيم، تصريح ابن إسحاق بالتحديث، ومع هذا فقد أعله الهيثمى فى \"المجمع\" (٥/ ٢٨٠) بعنعته فقال: \"رواه أحمد والطبرانى، وفيه محمد بن إسحاق مدلس، وبقية رجال أحمد ثقات\" وقال الحاكم عقبه: \"حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه\" ووافقه الذهبي مع أنه أشار فى \"الميزان\" إلى جهالة محمد بن عبد الله بن عتيك، فقال: \"عن أبيه، وعنه محمد بن إبراهيم التيمى وحده\" وذكره ابن حبان فى \"الثقات\" (٥/ ٣٥٥) على قاعدته. والخبر ذكره السيوطى فى \"الدر المنثور\" (٢/ ٣٧١) وعزاه إلى ابن سعد وأحمد والحاكم، ومن قبله زاد نسبته شيخه ابن حجر فى \"الإصابة\" (٢/ ٣٧١) إلى ابن أبي خيثمة ابن شاهين.\n(^٧٣٧) - تفسير ابن أبي حاتم (٣/ ٥٨٨٨)، وأورده السيوطى فى \"الدر المنثور\" (٢/ ٣٧٠) ولم يعزه لغيره، وإسناده حسن، غير أن متنه غريب جدًّا، انظر كلام المصنف أعلاه.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٣]- في ز: \"فى\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٥]- في ز، خ: \"تعصبا\".\n[¬٦]- قال فى النهاية [٤/ ٨٨]: \"القعص: أن يضرب الإنسان فيموت مكانه. يقال: قعصته وأقعصته: إذا قتلته قتلًا سريعًا. وأراد بوجوب المآب حُسْنَ المرجع بعد الموت.\n[¬٧]- في ز: \"الخزامي\".\n[¬٨]- في ز: \"الخزامي\".\n[¬٩]- في ز: \"قال\".\n[¬١٠]- سقط من: ز.","vol":"4","page":233},{"text":"من بني أسد بن عبد العزى، ولا أرجو غيره.\nوهذا الأثر غريب جدًّا، فإن هذه القصة مكية، ونزول هذه الآية مدني، فلعله أراد أنها أنزات تعم حكمه مع غيره، وإن لم يكن ذلك سبب النزول، والله أعلم.\nوقال ابن أبي حاتم (^٧٣٨): حدثنا سليمان بن داود، مولى عبد الله بن جعفر، حدثنا سهل بن عثمان، حدثنا عبد الرحمن [¬١] بن سليمان، عن أشعث - هو ابن سوار - عن عكرمة، عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - قال: خرج ضمرة بن جندب إلى رسول الله ﵌، فمات في الطريق قبل أن يصل إلى رسول الله، ﵌؛ فنزلت: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ الآية.\nوحدثنا أبي (^٧٣٩)، حدثنا عبد الله بن رجاء، أنبأنا إسرائيل، عن سالم، عن سعيد بن جبير، عن أبي ضمرة [¬٢] بن العيص الزرقي، الذي كان مصاب البصر، وكان بمكة، فلما نزلت: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً﴾ فقلت: إني لغني، وإني لذو حيلة، فتجهز يريد النبي، ﷺ، فأدركه الموت بالتنعيم، فنزلت هذه الآية: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾.\n[وقال الطبراني (^٧٤٠): حدثنا [خير بن عرفة المصري] (٥)، حدثنا حيوة بن شريح الحمصي، حدثنا بقية بن الوليد، حدثنا ابن ثوبان، عن أبيه، حدثنا مكحول، عن عبد الرحمن بن غنم\n_________\n(^٧٣٨) - تفسير ابن أبي حاتم (٣/ ٥٨٨٩). وأشعث ضعيف، وقد أشار إلى هذه الطريق ابن حجر فى \"الإصابة\" (٢/ ١٠٩) وزاد نسبته إلى أبي يعلى. وفيه خلاف على اسم صحابيه، حرره الحافظ ابن حجر فى \"الإصابة\" (٥/ ١٩٧)، (٢/ ١٠٩، ١١٠) وانظر أيضًا: \"الغوامض والمبهمات\" لابن بشكوال (٤٧٣، ٤٧٧).\n(^٧٣٩) - تفسير ابن أبي حاتم (٣/ ٥٨٩٠) وإسناده صحيح، وانظر ما قبله.\n(^٧٤٠) - \" المعجم الكبير\" للطبرانى (٣/ ٣٤١٨)، ورواه أيضًا - وعنه أبو نعيم فى \"الحلية\" (٥/ ١٩٠، ١٩١) - ثنا عبدان بن محمد المروزى، ثنا إسحاق بن راهويه ثنا بقية به، ورواه أبو داود (٢٤٩٩) وابن أبي عاصم فى \"الجهاد\" (١/ رقم ٤٤)، والحاكم (٢/ ٧٨)، والبيهقى فى \"السنن الكبرى\" (٩/ ١٦٦) من طريق عبد الوهاب بن نجدة ثنا بقية بن الوليد به وقال الحاكم: \"حديث صحيح على شرط=\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"الرحيم\".\n[¬٢]- في ز: أبي ضميرة. وانظر الاختلاف على إسمه في الإصابة [١/ ٢٥١].\n(*) له ترجمة في تاريخ بن عساكر [٥/ ٧٠٢ / مخطوط].","vol":"4","page":234},{"text":"الأشعري، أنبأنا أبو مالك، قال: سمعت رسول الله، صلى الله عليه - وسلم، يقول: \"إن اللَّه قال من انتدب خارجًا في سبيلي، غازيًا ابتغاء وجهي، وتصديق وعدي، وإيمانًا برسلي فهو في ضمان على الله: إما أن يتوفاه بالجيش فيدخله الجنة، واما أن يسيح في ضمان الله، وإن طالت غيبته حتى يرده إلى أهله مع ما نال من أجر، أو غنيمة، وقال: من فصل في سبيل الله فمات، أو قتل، أو رفصته فرسه، أو بعيره، أو لدغته هامة، أو مات على فراشه بأي حتف شاء الله فهو شهيد\". وروى أبو داود من حديث بقية \"من فصل في سبيل الله\" إلى آخره، وزاد بعد قوله: \"فهو شهيد، وإن له الجنة] [¬١].\nوقال الحافظ أبو يعلي (^٧٤١): حدثنا إبراهيم بن زياد سبلان، حدثنا أبو معاوية، حدثنا محمد ابن إسحاق، عن [جميل بن أبي ميمونة] [¬٢]، عن عطاء بن يزيد الليثي، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله، ﷺ: \"من خرج حاجًا فمات، كتب له أجر الحاج إلى يوم القيامة، ومن خرج معتمرًا فمات، كتب له أجر المعتمر إلى يوم القيامة، ومن خرج غازيًا في سبيل الله فمات؛ كتب له أجر الغازي إلى يوم القيامة\".\n_________\n= مسلم، ولم يخرجاه\" وتعقبه الذهبي بأن: \"أبي ثوبان لم يحتج به مسلم، وليس بذاك، وبقية: ثقة، وعبد الرحمن بن غنم لم يدركه مكحول فيما أظن\" والأخير منتقد بما أفاده المزى فى \"تهذيب الكمال\" وابن حجر فى مختصره بأن عبد الرحمن بن غنم من شيوخ مكحول، ثم إن مكحولًا توفى سنة مائة وثلاث عشرة، وابن غنم توفى سنة ثمان وسبعين، فاحتمال الإدراك ظاهر، وقد ذكر الذهبى نفسه فى \"الكاشف\" (٢/ ١٨١) أن مكحولًا روى عن ابن غنم. على كُلٍّ فالإسناد فيه عنعنة بقية وهو يدلس ويسوّى، فلا بد أن يصرح بسماعه على مدار الإسناد، ثم إن شيخه متكلم فيه، ووسمه ابن حجر بأنه: \"صدوق يخطئ، ورمى بالقدر، فالإسناد لا يحتمل التحسين، فضلًا عن الصحة، والله أعلم.\n(^٧٤١) - رواه أبو يعلى فى \"مسنده\" (١١/ ٦٣٥٧) وفى \"المعجم\" (رقم ١٠١). ورواه الطبرانى فى \"المعجم الأوسط\" (٥/ ٥٣٢١) من طريق إبراهيم بن زياد به، ورواه البيهقى فى \"الشعب\" (٣/ ٤١٠٠)، والضياء فى \"المنتقى من مسموعاته بمرو\" (٣٣/ ١) - كما فى \"الضعيفة لأبي عبد الرحمن الألبانى\" (٢/ح ٧٤٥) - من طريق أبي معاوية به. وقال الطبراني: \"لم يرو هذا الحديث عن عطاء بن يزيد الليثى إلا جميل بن أبي ميمونة، ولا عن جميل إلا محمد بن إسحاق، تفرَّد به أبو معاوية\" وهو ثقة واسمه محمد بن خازم الضرير، غير أن شيخه مدلس، وقد عنعنه، وبذلك أعله المنذرى، فقال فى \"الترغيب والترهيب\" (٢/ ١٧٨، ٢٧١): \"رواه أبو يعلى من رواية محمد بن إسحاق، وبقية إسناده ثقات\" وبنحوه قاله الهيثمى فى \"المجمع\" (٥/ ٢٨٦)، وشيخ ابن إسحاق أيضًا لم يوثقه غير ابن حبان \"الثقات\"، وأعله بذلك أيضًا الهيثمى فقال في \"المجمع\" (٣/ ٢١٢): \"رواه الطبرانى فى \"=\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- فى ز، خ: \"حميد بن أبي حميد\". وما أثبتناه هو الموجود فى مسند أبي يعلى ومجمع الزوائد.","vol":"4","page":235},{"text":"وهذا حديث غريب من هذا الوجه.\n﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا (١٠١)﴾.\nيقول تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: سافرتم في البلاد، كما قال تعالى: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآية.\nوقوله: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ أي: تخففوا فيها، إما من كميتها بأن تجعل الرباعية ثنائية، كما فهمه الجمهور من هذه الآية، واستدلوا بها على قصر الصلاة في السفر على اختلافهم في ذلك، فمن [¬١] قائل: لا بد [¬٢] أن يكون سفر طاعة من جهاد، أو حج، أو عمرة، أو طلب علم، أو [¬٣] زيارة، أو غير ذلك كما هو مروي عن ابن عمر وعطاء، ويحكى عن مالك في رواية عنه نحوه، لظاهر قوله: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾.\nومن قائل: لا يشترط سفر القربة، بل لا بد أن يكون مباحًا، لقوله: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ الآية، فما [¬٤] أباح له تناول [¬٥] الميتة مع اضطراره [¬٦]، إلا [¬٧] بشرط أن لا يكون عاصيًا بسفره. وهذا قول الشافعي وأحمد وغيرهما من [¬٨] الأئمة.\n_________\n= الأوسط\"، وفيه جميل بن أبي ميمونة، وقد ذكره اكن أبي حاتم - \"الجرح والتعديل\" ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا وذكره ابن حبان فى الثقات\". وذكره الزيلعى فى \"نصب الراية\" (٣/ ١٥٩، ١٦٠) من رواية أبي يعلى، والطبرانى وقال: \" … وأخرجه الإمام أبو حفص عمر بن شاهين - فى \"كتاب الترغيب\" له - عن أبي معاوية عن هلال بن أبي ميمونة الفلسطينى عن عطاء به … \" وهذا فيه انقطاع بين أبي معاوية وهلال، وأورده السيوطى فى \"الدر المنثور\" (٢/ ٣٧١) ولم يعزه لغير أبي يعلى، والبيهقى فى \"الشعب\".\n_________\n[¬١]- في ز: ومن.\n[¬٢]- في ز: \"لا\".\n[¬٣]- في ز: \"و\".\n[¬٤]- في ت: \"كما\".\n[¬٥]- في خ: \"تناوله\".\n[¬٦]- في خ: \"الاضطرار\".\n[¬٧]- سقط من: ت.\n[¬٨]- في ز: \"عن\".","vol":"4","page":236},{"text":"وقد قال أبو بكر بن أبي شيبة (^٧٤٢): حدثنا وكيع، حدثنا الأعمش، عن إبراهيم قال: جاء رجل فقال: يا رسول الله، إني رجل تاجر، أختلف إلى البحرين، فأمره أن يصلي ركعتين. وهذا مرسل.\nومن قائل: يكفي مطلق السفر، سواء كان مباحًا أو محظورًا، حتى لو خرج لقطع الطريق وإخافة السبيل، ترخص لوجود مطلق السفر. وهذا قول أبي حنيفة [﵀] [¬١] والثوري وداود لعموم الآية وخالفهم الجمهور.\nوأمّا قول تعالى: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فقد يكون هذا خرج مخرج الغالب حال نزول هذه الآية، فإنّ في مبدأ الإسلام بعد الهجرة كان غالب أسفارهم مخوفة، بل ما كانوا ينهضون إلا إلى غزو عام، أو سرية خَاصة، وسائر الأحياء [¬٢] حرب للإسلام وأهله، والمنطوق إذا خرج مخرج الغالب أو على حادثة، فلا مفهوم له، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ وكقوله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ﴾ الآية.\nوقد [¬٣] قال الإِمام أحمد (^٧٤٣): حدثنا ابن إدريس، حدثنا ابن جريج، عن ابن [¬٤] أبي عمار، عن عبد الله بن بابيه، عن يعلى بن أمية قال: سألت عمر بن الخطاب، قلت [] [¬٥]: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وقد أمن [] [¬٦] الناس، فقال لي عمر بن الخطاب ﵁: عجبت مما عجبت منه، فسألت رسول الله أصلى الله عليه: سلم، عن ذلك] [¬٧] فقال: \"صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته\".\n_________\n(^٧٤٢) - رواه ابن أبي شيبة فى \"المصنف\" (٢/ ٣٣٦)، وهذا منقطع، وإبراهيم هو ابن زيد النخعى، وقد أورد هذا الخبر السيوطى فى \"الدر المنثور\" (٢/ ٣٧٢) ولم يعزه لغير ابن أبي شيبة.\n(^٧٤٣) - \" المسند\" (١/ ٢٥)، ورواه أيضًا (١/ ٣٦)، ومسلم، كتاب: صلاة المسافرين وقصرها، باب: صلاة المسافرين (٦٨٦)، وأبو داود، باب: صلاة المسافر (١١٩٩، ١٢٠٠)، والترمذى، كتاب: تفسير القرآن (٣٠٣٤)، والنسائى، فاتحة كتاب تقصير الصلاة (٣/ ١١٦، ١١٧)، وابن ماجه، باب: تقصير الصلاة فى السفر (١٠٦٥) من طرق عن ابن جريج به.\n_________\n[¬١]- سقط من خ.\n[¬٢]- في خ: \"الأحيان\".\n[¬٣]- في خ: \"و\".\n[¬٤]- سقط من: خ.\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين في ت: له قوله.\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين في ت: الله.\n[¬٧]- ط بين المعكوفتين سقط من: ت.","vol":"4","page":237},{"text":"وهكذا رواه مسلم وأهل السنن من حديث ابن جريج، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي عمار، به. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وقال على بن المدينى: هذا حديث صحيح من حديث عمر، ولا يحفظ إلا من هذا الوجه، ورجاله معروفون.\nوقال أبو بكر بن أبي شيبة (^٧٤٤): حدثنا أبو نعيم، حدثنا مالك بن مغول، عن أبي حنظلة الحذاء، قال: سألت ابن عمر عن صلاة السفر، فقال: ركعتان، فقلت: أين قوله تعالى: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ونحن آمنون؟ فقال [¬١]: سنة رسول الله، ﷺ.\nوقال ابن مردويه (^٧٤٥): حدثنا عبد الله بن محمد بن عيسى، حدثنا على بن محمد بن سعيد، حدثنا منجاب، حدثنا شريك، عن قيس بن وهب، عن أبي الوداك قال [¬٢]: سألت ابن عمر عن ركعتين في السفر؟ فقال: هي رخصة نزلت من السماء؛ فإن شئتم فردوها.\nوقال أبو بكر بن أبي شيبة (^٧٤٦): حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا ابن عون، عن ابن سيرين، ابن عباس قال: صلينا مع رسول الله، ﷺ، بين مكة والمدينة، ونحن\n_________\n(^٧٤٤) - لم أجده فى \"المصنف\" بهذا الإسناد، ويحتمل أن يكون فى تفسيره هكذا، وقد رواه أيضًا فى \"المصنف\" (٢/ ٣٣٦) ثنا وكيع وأحمد (٢/ ٢٠، ٣١) ثنا يحيى ويزيد، ثلاثتهم (وكيع، ويحيى، ويزيد)، ثنا ابن أبي خالد، عن أبي حنظلة به. ورواه ابن عبد البر فى \"التمهيد\" (١١/ ١٦٧) من طريق محمد بن إسماعيل الترمذى ثنا أبو نعيم به، وأبو حنظلة، قال أبو زرعة الرازى: \"كوفى لا أعرف اسمه\"، الجرح والتعديل لابن أبي حاتم (٩/ ٣٦٣)، ونقل ابن حجر فى \"تعجيل المنفعة\" (٢/ ت ١٢٦٠) عن أبي زرعة العراقى قوله فيه: \"لا يعرف\"، وتعقبه بقوله: \"بل هو معروف، يقال له الحذاء بمهملة ثم معجمة، ولم يسم، وقد روى أيضًا عن رجل من أهل مكة عن علي، وروى عنه أيضًا مالك ابن مغول، ذكره أبو أحمد الحاكم \"الكنى\" (٤/ ت ١٩٠٣) وقال: حديثه فى الكوفيين، قلت: ولا أعرف فيه جرحًا، بل ذكره ابن خلفون فى \"الثقات\") والحديث أورده السيوطى فى \"الدر المنثور\" (٢/ ٣٧١) وزاد نسبته إلى عبد بن حميد.\n(^٧٤٥) - شريك هو ابن عبد الله القاضى، سيئ الحفظ، ومنجاب هو ابن الحارث، ثقة، وباقى رجال الإسناد ثقات، والخبر لم أجده فى غير هذا الموضع، والله أعلم.\n(^٧٤٦) - رواه ابن أبي شيبة فى \"المصنف\" (٢/ ٣٣٧) ورواه أحمد (١/ ٣٥٤) ثأ يزيد بن هارون به ورواه أحمد أيضًا (١/ ٢٢٦) ثنا يحيى (١/ ٣٦٢) ثنا محمد بن أبي عدى (١/ ٣٦٩) ثنا معاذ، والنسائى (٣/ ١١٧) أخبرنا محمد بن عبد الأعلى، ثنا خالد الحذاء والطبرانى فى \"الكبير\" (١٢/ ١٢٨٥٥) من طريق عبد الرحمن بن حماد خمستهم (يحيى وابن أبي عدى ومعاذ وخالد وعبد الرحمن) ثنا عبد الله=\n_________\n[¬١]- فى ز: \"قال\".\n[¬٢]- سقط من: ز.","vol":"4","page":238},{"text":"آمنون، لا نخاف بينهما، ركعتين ركعتين.\nوهكذا [¬١] رواه النسائي عن محمد بن عبد الأعلى، عن خالد الحذاء، عن عبد الله بن عون، به. قال أبو عمر بن عبد البر: وهكذا رواه أيوب وهشام ويزيد بن إبراهيم التستري، عن محمد بن سيرين، عن ابن عباس ﵄ عن النبي، ﷺ، مثله.\nقلت: وهكذا رواه الترمذي والنسائي جميعًا، عن قتيبة، عن هشيم، عن [¬٢] منصور بن زاذان، عن محمد بن سيرين، عن ابن عباس: أن رسول الله، ﷺ، خرج من المدينة إلى مكة، لا يخاف إلا رب العالمين، يصلي [¬٣] ركعتين، ثم قال الترمذي: صحيح.\nوقال البخاري (^٧٤٧): حدثنا أبو معمر، حدثنا عبد الوارث، حدثنا يحيى بن أبى إسحاق، قال: سمعت أنسًا يقول: خرجنا مع رسول الله ﷺ من المدينة إلى مكة، فكان يصلي ركعتين ركعتين [¬٤]، حتى رجعنا إلى المدينة، قلت: أقمتم بمكة شيئًا، قال: أقمنا بها عشرًا.\nوهكذا أخرجه بقية الجماعة من طرق عن يحيى بن أبي إسحاق الحضرمي، به.\n_________\n=ابن عون به. ورواه أحمد (١/ ٢٢٦)، والترمذى (٥٤٧)، والنسائي (٣/ ١١٧) من طريق هشيم عن منصور ابن زاذان، ورواه أحمد أيضًا (١/ ٣٥٥) من طريق قرة بن خالد ويزيد بن إبراهيم، ورواه عبد بن حميد فى \"المنتخب\" (٦٦٢، ٦٦٣) من طريق هشام بن حسان، وأبى هلال الراسبى، ورواه الطبرانى (١٢/ ١٢٨٥٦ - ١٢٨٦٤) من طريق سعيد بن عبد الرحمن وقرة بن خالد وأبى هلال وأيوب وهشام - وهو عند عبد الرزاق فى \"المصنف\" (٢/ ٤٢٧٠، ٤٢٧١) من الوجهين الآخرين - ومنصور بن زاذان وأشعث بن سوَّار، كلهم (منصور وقرة ويزيد وهشام وأبى هلال وسعيد وأيوب وأشعث) عن ابن سيرين به.\n(^٧٤٧) - رواه البخارى فاتحة كتاب تقصير الصلاة ٦ (١٠٨١)، ورواه أيضًا، كتاب: المغازى، باب: مقام النبى ﷺ بمكة زمن الفتح (٤٢٩٧)، ومسلم، كتاب: صلاة المسافرين وقصرها (١٥) (٦٩٣)، وأبو داود، كتاب: الصلاة، باب: متى يتم المسافر؟ (١٢٣٣)، والترمذى، كتاب: الصلاة، باب: ما جاء فى كم تُقْصَرُ الصلاةُ (٥٤٨) والنسائى، كتاب: تقصير الصلاة فى السفر (٣/ ١١٨، ١٢١)، وابن ماجه، كتاب: إقامة الصلاة (١٠٧٧) من طرق عن يحيى بن أبي إسحاق به.\n_________\n[¬١]- في ز: \" وكذا\".\n[¬٢]- في خ: \"بن\".\n[¬٣]- في ت: \"فصلى\".\n[¬٤]- سقط من: خ.","vol":"4","page":239},{"text":"وقال الإِمام أحمد (^٧٤٨): حدثنا وكيع، حدثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن حارثة بن وهب الخزاعي، قال: صليت مع النبي، ﷺ، الظهر والعصر بمنى [¬١] أكثر ما كان الناس وآمنَه ركعتين.\nورواه الجماعة سوى ابن ماجة من طرق عن [¬٢] ابن أبي إسحاق السبيعي، عنه، به. ولفظ البخاري (^٧٤٩): حدثنا أبو الوليد، حدثنا شعبة، أنبأنا أبو إسحاق، سمعت حارثة بن وهب قال: صلى بنا رسول الله، ﷺ، آمن ما كان بمنى ركعتين.\nوقال البخارى (^٧٥٠): حدثنا مسدد، حدثنا يحيى، حدثنا عبيد الله، أخبرنا نافع، عن عبد الله ابن عمر؛ قال: صليت مع رسول الله، ﷺ، ركعتين وأبي بكر وعمر ومع عثمان صدرًا من إمارته ثم أتمها.\nوكذا رواه مسلم من حديث يحيى بن سعيد القطان، به.\nوقال البخاري (^٧٥١): حدثنا قتيبة، حدثنا عبد الواحد، عن الأَعمش، حدثنا إبراهيم،\n_________\n(^٧٤٨) - \" المسند\" (٤/ ٣٠٦)، وكذا رواه النسائى، كتاب: تقصير الصلاة فى السفر (٣/ ١٢٠) من طريق يحيى بن سعيد، ثنا سفيان به. ورواه مسلم، كتاب: صلاة المسافرين وقصرها، باب: قصر الصلاة بمنى (٢٠) (٦٩٦)، والترمذى، كتاب: الحج، باب: ما جاء فى تقصير الصلاة بمنى (٨٨٢)، والنسائى، كتاب: تقصير الصلاة، باب: الصلاة بمنى (٣/ ١١٩، ١٢٠) من طريق أبي الأحوص، ورواه مسلم أيضًا «٢) (٦٩٦)، وأبو داود، كتاب: المناسك، باب: القصر لأهل مكة (١٩٦٥) من طريق زهير بن معاوية كلاهما (أبو الأحوص وزهير) عن أبي إسحاق به وتابعهما شعبة عنه، وهو الآتى.\n(^٧٤٩) - رواه البخارى، كتاب: تقصير الصلاة، باب: الصلاة بمنى (١٠٨٣)، ورواه أيضًا، كتاب: الحج، باب: الصلاة بمنى (١٦٥٦) ثنا آدم، ورواه أحمد (٤/ ٣٠٦) من طريق محمد بن جعفر، والنسائى (٣/ ١١٩) من طريق يحيى بن سعيد ثلاثتهم (آدم ومحمد ويحيى) ثنا شعبة به.\n(^٧٥٠) - رواه البخارى، كتاب: تقصير الصلاة، باب: الصلاة بمنى (١٠٨٢)، ورواه مسلم، كتاب: صلاة المسافرين وقصرها، باب: قصر الصلاة بمنى (١٧) (٦٩٤)، وأحمد (٢/ ١٦، ٥٥)، والنسائى (٣/ ١٢١) من طرق عن عبيد الله بن عمر به.\n(^٧٥١) - رواه البخارى، كتاب: تقصير الصلاة، باب: الصلاة بمنى (١٠٨٤)، ورواه أيضًا، كتاب: الحج، باب: الصلاة بمنى (١٦٥٧)، ومسلم، كتاب: صلاة المسافرين وقصرها، باب: قصر الصلاة بمنى (١٩) (٦٩٥)، وأحمد (١/ ٣٧٨، ٤٢٢، ٤٢٥)، وأبو داود (١٩٦٠)، والنسائى (٣/ ١٢٠) من طرق عن سليمان الأعمش به.\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- في ز: \"على\".","vol":"4","page":240},{"text":"سمعت عبد الرحمن بن يزيد يقول: صلي بنا عثمان بن عفان، ﵁، بمني أربع ركعات، فقيل في ذلك لعبد الله بن مسعود، ﵁، فاسترجع، ثم قال: صليت مع رسول الله، ﷺ، بمني ركعتين، وصليت مع أبي بكر بمني ركعتين، وصليت مع عمر بن الخطاب بمني ركعتين، فليت حظي من أربع ركعات ركعتان متقبلتان.\nورواه البخاري أيضًا من حديث الثوري، عن الأعمش، به. وأخرجه مسلم من طرق، عنه منها عن قتيبة كما تقدم.\nفهذه الأحاديث دالة صريحًا على [¬١] أن القصر ليس من شرطه وجود الخوف؛ ولهذا قال من قال من العلماء: إن المراد من القصر هاهنا إنما هو قصر الكيفية لا الكمية. وهو قول مجاهد والضحاك والسدي كما سيأتي بيانه، واعتضدوا [¬٢] أيضًا بما رواه الإِمام مالك (^٧٥٢)، عن صالح بن كيسان، عن عروة بن الزبير، عن عائشة، ﵂، أنها قالت: فرضت الصلاة ركعتين ركعتين في السفر والحضر، فأقرت صلاة السفر، وزيد في صلاة الحضر.\nوقد روي هذا الحديث البخاري عن عبد الله بن يوسف التنيسي، ومسلم عن يحيي بن يحيي، وأبو داود عن القعنبي، والنسائي عن قتيبة؛ أربعتهم عن مالك، به.\nقالوا: فإذا كان أصل الصلاة في السفر هي الثنتين، فكيف يكون المراد بالقصر هاهنا قصر الكمية؛ لأن ما هو الأصل لا يقال فيه: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾؟.\nوأصرح من ذلك دلالة على هذا، ما رواه الإِمام أحمد (^٧٥٣): حدّثنا وكيع، حدثنا [¬٣] سفيان وعبد الرحمن، حدثنا سفيان، عن زبيد اليامي [¬٤]، عن عبد الرحمن بن أبي ليلي،\n_________\n(^٧٥٢) - \" الموطأ\" كتاب: قصر الصلاة في السفر (١/ ١٣٨)، ومن طريق مالك رواه البخاري، كتاب: الصلاة، باب: كيف فُرضت الصلاة ..؟ (٣٥٠) ثنا عبيد الله بن يوسف، ومسلم، فاتحة كتاب صلاة المسافرين وقصرها (٦٨٥) ثنا يحيي بن يحيي، وأبو داود، كتاب: الصلاة، باب: صلاة السفر (١١٩٨) ثنا القعنبي، والنسائي، كتاب: الصلاة، باب: كيف فرضت الصلاة؟ (١/ ٢٢٥، ٢٢٦) أخبرنا قتيبة أربعتهم (عبد الله ويحيى والقعنبي وقتيبة) عن مالك به.\n(^٧٥٣) - \" المسند\" (١/ ٣٧)، ورواه أبو يعلي في \"مسنده\" (١/ ح ٢٤١) - ومن طريقه ابن حبان (٧/ ٢٧٨٣) / إحسان)، (٢/ ٥٤٣ /موارد)، والضياء في \"المختارة\" (١/ ٢٣٨، ٢٣٩) - ثنا أبو خيثمة، ثنا وكيع به. ورواه الطيالسي (ص ١٠، ١١)، وعبد الرزاق في \"المصنف\" (٢/ ٤٢٧٨)، والنسائي في \"الصغري\" (٣/ ١٨٣) من طريق يزيد بن زريع، وفي \"الكبري\" =\n_________\n[¬١]- في ز: \"عن\".\n[¬٢]- في ز: \"واعتضوا\".\n[¬٣]- في ز: \"و\".\n[¬٤]- في ز، خ: \"الإمامي\".","vol":"4","page":241},{"text":"عن عمر، ﵁، قال: صلاة السفر ركعتان، وصلاة الأضحى ركعتان، وصلاة الفطر ركعتان، وصلاة الجمعة ركعتان، تمام غير قصر، على لسان محمد ﷺ.\nوهكذا رواه النسائي وابن ماجة وابن حبان في صحيحه (^٧٥٤) من طرق عن زبيد اليامي [¬١]،\n_________\n= (١/ح ٤٩١، ١٧٣٤) من طريق يحيي بن سعيد، والطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (١/ ٤٢١) من طريق أبي عاص العقدي، والبيهقي في \"السنن الكبري\" (٣/ ٢٠٠) من طريق محمد بن أبي كثير، وأبي نعيم الفضل بن دكين، سبعتهم (الطيالسي وعبد الرزاق ويزيد ويحيي وأبو عامر ومحمد وأبو نعيم) عن سفيان الثوري به، وتابعهم أيضًا \"زائدة وعبد الله بن الوليد العدني ومهران بن أبي عمر وأبو حمزة السكري وغيرهم\" كما قال أبو الحسن الدارقطني في \"العلل\" (٢ / س ١٥٠ / ص ١١٥، ١١٦) بينما رواه معاذ بن معاذ عن الثوري عن زبيد عن ابن أبي ليلي عن أبيه عن عمر به ذكره الدارقطني في \"العلل\" وفي \"الافراد\" و\"أطراف الغرائب\" مسند عمر (٢٨/ ١)، ورواه يحيي القطان عن الثوري عن زبيد عن ابن أبي ليلي عن الثقة عن عمر به رواه من هذا الوجه أبو يعلي - كما في \"مسند عمر\" للمصنف (١/ ٢٠٣) وكذا قاله الضياء، ولم أجده في المطبوع منه - والطحاوي (١/ ٤٢٢) من طريق القواريري ثنا يحيي به، ورواية الجماعة أرجح، بل إن يحيي رواه كالجادة كما عند النسائي في \"الكبري\" (١/ ٤٩١، ١٧٣٤) وانظر ما بعده.\n(^٧٥٤) - رواه النسائي (٣/ ١١١) وابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٢/ ٣٣٥) - وعنه ابن ماجه (١٠٦٣) - وعبد بن حميد في \"المنتخب\" (٢٩) والطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (١/ ٤٢٢) من طريق شريك إبن عبد الله القاضي. ورواه النسائي أيضًا (٣/ ١١٨)، والبزار في \"مسنده\" (١/ ٣٣١ / البحر الزخار)، وأبو نعيم في \"الحلية\" (٧/ ١٨٧) وفي \"أخبار أصبهان\" (١/ ١٩٠)، وقال أبو نعيم: \"تفرد به سفيان بن حبيب عن شعبة\". ورواه الطحاوي (١/ ٤٢١) وأبو نعيم في \"الحلية\" (٤/ ٣٥٣، ٣٥٤)، من طريق محمد بن طلحة بن مصرف ثلاثتهم (شريك وشعبة ومحمد) عن زبيد اليامي عن عبد الرحمن بن أبي ليلي عن عمر به وتابعهم سفيان الثوري كما في السابق - عن زبيد به. وكذا رواه عن زبيد هكذا: \"عمرو بن قيس الملائي، وقيس بن الربيع، وأبو وكيع الجراح بن مليح، وعلى بن صالح بن حيي، وسعيد بن سماك بن حرب، وعبد الله بن ميمون الطهوي، وياسين الزيات، وعبد الله بن عيسى بن عبد الرحمن، ويزيد بن عبد الله، وعمار بن رزيق، والقاسم بن الوليد، وعبد الرحمن بن زبيد ويحيي ابن أبي أنيسة\" قاله أبو الحسن الدارقطني في \"العلل\" (٢ / س ١٥٠)، وأبو نعيم في \"الحلية\" (٤/ ٣٥٤)، إلا أنه اختلف فيه على ياسين الزيات، فرواه جماعة عنه مثل رواية الجماعة ورواه يزيد بن أبي حكيم عن ياسين الزيات عن الأعمش عن زيد بن وهب عن عمر به. رواه من هذا الوجه البزار في \"مسنده\" (١/ح ٣٣٠) ثنا سلمة بن شبيب، ثنا يزيد بن أبي حكيم به وقال: \"ولا نعلمه يروي عن الأعمش عن زيد بن وهب عن عمر إلا من حديث ياسين عن الأعمش\" وياسين هذا تركه النسائي وأبو داود وابن الجنيد، وقال البخاري: \"منكر الحديث\" ثم إن أبا الحسن الدارقطني قال: \"والمحفوظ =\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"الإمامي\".","vol":"4","page":242},{"text":"به. وهذا إسناد على شرط مسلم. وقد حكم مسلم في مقدمة كتابه بسماع ابي أبي ليلي عن عمر، وقد جاء مصرحًا به في هذا الحديث وفي غيره، وهو الصواب إن شاء الله، وإن كان يحيي بن معين وأبو حاتم والنسائي قد قالوا: إنه لم يسمع منه. وعلى هذا أيضًا [¬١]- فقد وقع في بعض طرق أبي يعلي الموصلي (^٧٥٥)، من طريق الثوري، عن زبيد، عن عبد الرحمن [بن أبي ليلي] [¬٢]، عن الثقة، عن عمر فذكره، وعند ابن ماجة (^٧٥٦) من طريق يزيد بن [] زياد بن\n_________\n= عن ياسين عن زبيد عن ابن أبي ليلي عن عمر، وهو الصواب إن شاء الله تعالى\".\n(^٧٥٥) - لم أجده من هذا الوجه في المطبوع من \"مسنده\"، وقد أورده بسند أبي يعلي المصنف في \"مسند الفاروق\" (١/ ٢٠٣) وكذا الضياء المقدسي في \"المختارة\" (١/ ص ٣١٨) - قال أبو يعلي: ثنا القواريري عن يحيي بن سعيد - وهو القطان - عن سفيان الثوري به، ورواه الطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (١/ ٤٢٢) ثنا ابن أبي داود ثنا القواريري به ورواية الجماعة عن الثوري - وهي المتقدمة (٧٥٧)، بإسقاط قوله: \"عن الثقة\" - أرْجَحُ بل إن يحيي رواه كالجادة كما عند النسائي في \"الكبرى\" (١/ ٤٩١، ١٧٣٤) كذا رواه الجماعة عن الثوري عن زبيد عن ابن أبي ليلي عن عمر، وتابع الثوري عليه هكذا جماعة تقدم ذكرهم في السابق. بينما رواه أبو خيثمة في \"مسنده\" كما في \"التهذيب\" (ترجمة/ عبد الرحمن بن أبي ليلي) والهيثم بن كليب في \"مسنده\" - كما في \"مسند الفاروق\" للمصنف (١/ ٢٠٣) - ثنا عيسى بن أحمد العسقلاني، كلاهما (أبو خيثمة والعسقلاني) ثنا يزيد بن هارون أخبرنا سفيان الثوري، عن زبيد اليامي عن عبد الرحمن بن أبي ليلي، سمعت عمر يقول: فذكره. قال أبو خيثمة: \"تفرد به يزيد بن هارون هكذا، ولم يقل أحدًا سمعت عمر غيره … \" وقال أبو الحسن الدارقطني في \"العلل\" (٢/ ص ١١٦): \"ولم يُتابع يزيد بن هارون على قوله هذا\". وتعقبه المصنف في \"مسند الفاروق\" بأن: \"يزيد بن هارون أحد أئمة الإسلام، فيقبل تفرّده، وسماع عبد الرحمن بن أبي ليلي، عن عمر قد ثبت في غير هذا الحدث كما قال الحافظ أبو يعلي الموصلي - \"مسنده\" (١/ رقم ٢١١) - حدثنا محمد بن علي بن الحسن بن شقيق، سمعت أبي: حدثنا الحسين بن واقد، عن الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت، أن عبد الرحمن بن أبي ليلي حدثه قال: خرجت مع عمر إلى مكة … \" وهذا صريح في ذلك، وقد أثبت سماع جماعة من الصحابة بدون هذا والله أعلم\" وقد أورد هذا الخبر الضياء في \"المختارة\" وقال: \"وهذا الطريق دليلٌ على صحبة عبد الرحمن بن الي ليلي لعمر ﵁\". وفاتهما أن الأعمش مدلس، وقد عنعنه، ولذلك قال أبو خيثمة: \"وقد روي سماعه من عمر، من طُرق وليست بصحيحة\". وقد نفي سماع ابن أبي ليلي من عمر، ابن معين، وأبو حاتم وقال النسائي (١/ ١١١) عقب الحديث: \"عبد الرحمن بن أبي ليلي، لم يسمع من عمر\"، وقال ابن المديني: كان شعبة ينكر أن يكون سمع من عمر، وقال الخليلي في \"الإرشاد\": \"الحفاظ لا يثبتون سماعه من عمر\" وقد ورد موصولًا، إلا أنه أُعِلَّ، فانظر الآتي.\n(^٧٥٦) - \" السنن\" لابن ماجه (١٠٦٤) ثنا محمد بن عبد الله بن نمير، ثنا محمد بن بشر، أنبأ يزيد بن زياد ابن أبي الجعد به. ورواه النسائي في \"الكبرى\" (١/ ح ٤٩٠) ومن طريقه ابن حزم في \"المحلي\" =\n_________\n[¬١]- بعده في خ: \"فقال\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.","vol":"4","page":243},{"text":"أبي الجعد، عن زبيد، عن عبد الرحمن؛ عن كعب بن عجرة، عن عمر، به. فالله أعلم.\nوقد روي مسلم في صحيحه، وأبو داود والنسائي وابن ماجة من حديث (^٧٥٧) أبي عوانة الوضاح بن عبد الله اليشكري، زاد مسلم والنسائي: وأيوب بن عائذ [¬١]، كلاهما عن بكير بن الأخنس، عن مجاهد، عن عبد الله بن عباس؛ قال: فرض الله الصلاة على لسان نبيكم محمد [¬٢] في الحضر أربعًا، وفي السفر ركعتين، [وفي الخوف ركعة] [¬٣]، فكما يصلي في الحضر قبلها وبعدها، فكذلك يصلي في السفر.\nورواه ابن ماجة (^٧٥٨) من حديث أسامة بن زيد، عن طاوس نفسه.\n_________\n= (٤/ ٢٦٥) أبنأ محمد بن رافع، وابن خزيمة في صحيحه (٢/ ١٤٢٥) ثنا محمد بن رافع، ح وثنا عبدة بن عبد الله الخزاعي، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٣/ ١٩٩) من طريق محمد بن رافع، كلاهما (ابن رافع وعبدة) ثنا محمد بن بشر به وصحح إسناده أبو عبد الرحمن الألباني في \"حاشيته على صحيح ابن خزيمة\"!! مع أن البزار أعله فقال في \"مسنده\" (١/ح ٣٣١/ ص ٤٦٥/ البحر الزخار): \"هذا الحديث رواه يزيد بن زياد عن أبي الجعد عن زبيد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلي عن كعب بن عجرة عن عمر، ورواه شعبة والثوري فلم يذكرا كعب بن عجرة، وهما حافظان ويزيد بن زياد فغير حافظ\" يعني بالنسبة إلى شعبة والثوري وإلَّا فقد وثقه أحمد وابن معين، العجلي وابن حبان، وقال أبو زرعة: شيخ، وقال أبو حاتم: ما بحديثه بأس، وهو صالح الحديث، وقال النسائي: ليس به بأس، صالح الحديث. غير أن حفظه بجوار حفظ شعبة والثوري لا يساوي شيئًا ولا سيما وقد رواه جمع من الثقات - تقدم ذكرهم - مثل رواية شعبة والثوري، وعليه فالوهم إليه مؤكد: قد قال ابن أبي حاتم في \"العلل\" (١/ س ٣٨١): \"سألت أبي عن حديث رواه محمد بن بشر عن يزيد بن زياد بن أبي الجعد عن زبيد، عن عبد الرحمن ابن أبي ليلي عن كعب بن عجرة عن عمر قال: … الحديث، ورواه الثوري عن زبيد عن عبد الرحمن ابن أبي ليلي عن عمر ليس فيه عن كعب … . قال أبي: الثوري أحفظ\" والله الموفق.\n(^٧٥٧) - رواه مسلم، كتاب: صلاة المسافرين وقصرها، باب: صلاة المسافرين وقصرها، (٥) (٦٨٧)، وأبو داود، كتاب: الصلاة، باب: من قال: يصلي بكل طائفة ركعتين (١٢٤٧)، والنسائي، كتاب: الصلاة، باب: كيف فرضت الصلاة (١/ ٢٢٦)، وابن ماجه، كتاب: إقامة الصلاة والسنة فيها، باب: تقصير الصلاة في السفر (١٠٦٨)، وأحمد (١/ ٢٣٧، ٢٥٤، ٢٥٥) من طرق عن أبي عوانة، ورواه مسلم (٦) (٦٨٧)، والنسائي، كتاب: تقصير الصلاة (٣/ ١١٨، ١١٩) وأحمد (١/ ٢٤٣) من طريقين عن أيوب بن عائذ كلاهما (أبو عوانة وأيوب) عن بكير بن الأخنس عن مجاهد عن ابن عباس قال: \"فرض الله الصلاة على لسان نبيكم ﷺ في الحضر أربعًا، وفي السفر ركعتين، وفي الخوف ركعة\" ورواه طاوس عن ابن عباس بلفظ آخر انظر الآتي.\n(^٧٥٨) - ورواه ابن ماجه (١٠٧٢)، وأحمد (١/ ٢٣٢) من طريق وكيع، وعبد بن حميد في =\n_________\n[¬١]- في ز: \"عابد\".\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"4","page":244},{"text":"فهذا ثابت عن ابن عباس، ﵄، ولا ينافي ما تقدم عن عائشة، ﵂؛ لأنها أخبرت أن أصل الصلاة ركعتان، ولكن زِيد في صلاة الحضر، فلما استقر ذلك، صح أن يقال: إن فرض صلاة الحضر أربع، كما قاله ابن عباس، والله أعلم، لكن اتفق حديث ابن عباس وعائشة على أن صلاة السفر ركعتان، وأنها تامة غير مقصورة، كما هو مصرح به في حديث عمر، ﵁، وإذا كان كذلك، فيكون المراد بقوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ قصر الكيفية كما في صلاة الخوف، ولهذا قال: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا﴾، ولهذا قال بعدها: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾ الآية [¬١]، فبين المقصود من القصر هاهنا، وذكر صفته وكيفيته، ولهذا لما عقد [¬٢] البخاري (^٧٥٩): \" كتاب صلاة الخوف\"، صدره بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾، إلى قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾.\nوهكذا قال جوبير، عن الضحاك في قوله: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾، قال: ذاك عند القتال، يصلي الرجل الراكب تكبيرتين حيث كان وجهه.\nوقال أسباط عن السدي في قوله: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ﴾ الآية، إن الصلاة إذا صليت ركعتين في السفر فهي تمام، التقصير لا يحل إلا أن تخاف من الذين كفروا أن يفتنوك عن الصلاة. فالتقصير ركعة.\nوقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ يوم\n_________\n= \"المنتخب\" (٦١٨) من طريق رَوْح بن عُبادة، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٣/ ١٥٨) من طريق الأوزاعي ثلاثتهم (وكيع وروح والأوزاعي) ثنا أسامة بن زيد، قال: سألت طاوسًا عن السبحة في السفر، والحسن بن مسلم بن يَنَّاق جالس عنده، فقال: حدثني طاوسُ أنه سمع ابن عباس يقول: فرض رسول الله ﷺ صلاة الحضر، وصلاة السفر، فكنا نصلي في الحضر قبلهما وبعدها، وكُنا نصلي في السفر قبلها وبعدها\". قال البوصيري في \"الزوائد\" (١/ ٣٥٦): \"هذا إسناد حسن لقصور أسامة بن زيد عن درجة أهل الحفظ والضبط، وباقي رجال الإسناد ثقات\" غير أنه صح عن عبد الله بن عمر - عند البخاري (١١٠٢) ومسلم (٦٨٩) وغيرهما - أنه قال: صحبت رسول الله ﷺ فكان لا يزيد في السفر على ركعتين، وأبا بكر وعمر وعثمان كذلك، ﵃.\n(^٧٥٩) - انظر: \"فتح الباري\" (٢/ ٤٢٩).\n_________\n[¬١]- في ز: \"إلى آخرها\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"اعتضد\".","vol":"4","page":245},{"text":"كان النبي، ﷺ، وأصحابه بعُسْفَان، والمشركون بضجنان، فتوافقوا، فصلى النبي بأصحابه صلاة الظهر أربع ركعات، ركوعهم وسجودهم وقيامهم معًا جميعًا، فهمَّ بهم المشركون أن يغيروا على أمتعتهم وأثقالهم.\nروي ذلك ابن أبي حاتم (^٧٦٠)، ورواه ابن جرير (^٧٦١)، عن مجاهد والسدي، وعن جابر ابن عمر. واختار ذلك أيضًا؛ فإنه قال - بعد ما حكاه من الأقوال في ذلك -: وهو الصواب.\nوقال ابن جرير (^٧٦٢): حدّثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، حدثنا ابن أبي فديك، حدّثنا ابن أبي ذئب، عن ابن شهاب، عن أمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد، أنه قال لعبد الله ابن عمر: إنا نجد في كتاب الله قصر صلاة الخوف، ولا نجد قصر صلاة المسافر، فقال عبد الله: إنا وجدنا نبينا، ﷺ، يعمل عملًا عملنا به.\nفقد سمي صلاة الخوف مقصورة، وحمل الآية عليها، لا على قصر صلاة المسافر، وأقره ابن عمر على ذلك، واحتج على قصر الصلاة في السفر بفعل الشارع لا [¬١] بنص القرآن.\nوأصرح من هذا ما رواه ابن جرير أيضًا (^٧٦٣): حدثني أحمد بن الوليد القرشي، حدّثنا محمد ابن جعفر، حدّثنا شعبة، عن سماك الحنفي، قال [¬٢]: سألت ابن عمر عن صلاة السفر فقال: ركعتان تمام غير قصر، إنما القصر صلاة المخافة، فقلت: وما صلاة المخافة؟ فقال: يصلي الإِمام بطائفة [¬٣] ركعة، ثم يجيء هؤلاء إلى مكان هؤلاء، ويجيء هؤلاء إلى مكان هؤلاء،\n_________\n(^٧٦٠) - رواه ابن أبي حاتم (٣/ ٥٨٩٥).\n(^٧٦١) - تفسير ابن جرير (٩ / ص ١٣٣ - ١٣٨).\n(^٧٦٢) - تفسير ابن جرير (٩/ ١٠٣١٨) وهذا إسناد صحيح، ورواه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٣/ ١٣٦) من طريق يونس عن أبن شهاب أخبرني عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن عن أمية به، وهذا إسناد صحيح أيضًا، وعبد الملك بن أبي بكر، ثقة من رجال الجماعة، فلا تضر زيادته في الإسناد وقد قال البيهقي: \"ورواه الليث عن ابن شهاب عن عبد الله بن أبي بكر، وأسنده جماعة عن عبد الله بن أبي بكر، وأسنده جماعة عن ابن شهاب فلم يقيموا إسناده\"، والخبر ذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" (٢/ ٣٧٢) ولم يعزه لغير ابن جرير.\n(^٧٦٣) - تفسير ابن جرير (٩/ ١٠٣٢٧) ورواه ابن خزيمة في صحيحه (٢/ ١٣٤٩) ثنا أحمد بن المقدام ثنا روح ثنا شعبة به، ورواه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٣/ ٢٦٣) من طريق يحيى بن سعيد عن مسعر عن سماك به، وإسناده صحيح. والخبر أورده السيوطي في \"الدر المنثور\" (٢/ ٣٧٣) وعزاه إلى عبد بن حميد وابن جرير.\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- في ز: \"وطائفة\".","vol":"4","page":246},{"text":"فيصلي بهم ركعة، فيكون للإِمام ركعتان، ولكل طائفة ركعة ركعة.\n﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (١٠٢)﴾\nصلاة الخوف أنواع كثيرة، فإن العدو تارة يكونون [¬١]- تجاه القبلة، وتارة يكونون [¬٢] في غير صوبها، والصلاة تكون رباعية، وتارة تكون [¬٣] ثلاثية كالمغرب؛ وتارة تكون [¬٤] ثنائية كالصبح وصلاة السفر، ثم تارة يصلون جماعة، وتارة يلتحم الحرب فلا يقدرون على الجماعة، بل يصلون فرادى مستقبلي القبلة وغير مستقبليها، ورجالًا وركبانًا. ولهم أن يمشوا والحالة هذه، ويضربوا الضرب المتتابع في من الصلاة.\nومن العلماء من قال: يصلون والحالة هذه ركعة واحدة؛ لحديث ابن عباس المتقدم. وبه قال أحمد بن حنبل، قال المنذري في الحواشي، وبه قال عطاء وجابر والحسن ومجاهد والحكم وقتادة وحماد [¬٥]، وإليه ذهب طاوس والضحاك.\nوقد حكي أبو عاصم العبادي [¬٦]، عن محمد بن نصر المروزي أنه يري ردّ الصبح إلى ركعة في الخوف. وإليه ذهب ابن حزم أيضًا.\nوقال إسحاق بن راهويه: أما عند المسايفة فيجزيك ركعة واحدة تومئ بها إيماء. فإن لم تقدر [¬٧] فسجدة واحدة؛ لأنها ذكر الله.\n_________\n[¬١]- في خ: \"يكون\".\n[¬٢]- في خ: \"يكون\".\n[¬٣] سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- في ز: \"العادي\".\n[¬٧]- في ز: \"يقدر\".","vol":"4","page":247},{"text":"وقال آخرون: يكفي تكبيرة واحدة. فلعله أراد ركعة واحدة، كما قاله الإِمام [¬١]- أحمد بن حنبل وأصحابه، [وبه قال جابر بن عبد الله، وعبد الله بن عمر، وكعب، وغير واحد من الصحابة، والسدي، ورواه ابن جرير] [¬٢]، ولكن الذني حكوه إنما حكوه على ظاهره [في الاجتزاء] [¬٣]، بتكبيرة واحدة، كما هو مذهب إسحاق بن راهويه، وإليه ذهب الأمير عبد الوهاب بن بخت المكي، حتى قال: فإن لم يقدر على التكبيرة [¬٤] فلا يتركها في نفسه، يعني بالنية. رواه سعيد بن منصور [في سننه] [¬٥]، عن إسماعيل بن عياش، عن شعيب ابن دينار، عنه. فالله أعلم.\nومن العلماء من أباح تأخير الصلاة لعذر القتال والمناجزة، كما أخر النبي، صلى الله عليه ومسلم، يوم الأحزاب صلاة العصر (^٧٦٤)، قيل: والظهر، فصلاهما [¬٦] بعد الغروب، ثم صلي بعدهما المغرب، ثم العشاء، وكما قال بعدها، يوم بني قريظة، حين جهز إليهم الجيش: \"لا يصلين أحد منكم العصر إلا في بني قريظة\" (^٧٦٥) فأدركتهم الصلاة في أثناء الطريق، فقال منهم قائلون: لم يرد منا رسول الله، ﷺ، إلا تعجيل السير [¬٧]، ولم يرد منا تأخير الصلاة عن وقتها، فصلوا الصلاة لوقتها في الطريق، وأخر آخرون منهم صلاة العصر فصلوها فما بني قريظة بعد الغروب، ولم يعنف رسول الله، ﷺ، أحدًا من الفريقين، وقد تكلمنا على هذا في كتاب السيرة، وبينا أن الذين صلوا العصر لوقتها أقرب إلى إصابة الحق في نفس الأمر، إن كان الآخرون معذورين أيضًا، والحجة هاهنا في عذرهم في تأخير الصلاة لأجل الجهاد والمبادرة إلى حصار الناكثين للعهد، من الطائفة الملعونة اليهود.\n_________\n(^٧٦٤) - رواه مسلم، كتاب: المساجد، ومواضع الصلاة، باب: الدليل لمن قال: الصلاة الوسطي هي صلاة العصر (٢٠٥) (٦٢٧) من طريق شُتَيْر بن شكل عن علي، قال: قال رسول الله ﷺ يوم الأحزاب: \"شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر … \" وقد رواه البخاري (٢٩٣١) ومسلم أيضًا وغيرهما من طرق عن علي وليس فيه تحديد الصلاة الوسطى.\n(^٧٦٥) - رواه البخاري، كتاب: الخوف، باب: صلاة الطالب والمطلوب راكبًا وإيماءً (٩٤٦)، وكتاب: المغازي، باب: مرجع النبي - صلى الله عليه وملم - من الأحزاب (٤١١٩)، ومسلم، كتاب: الجهاد والسير، باب: المبادرة بالغزو (٦٩) (١٧٧٠) من حديث عبد الله بن عمر\".\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"من الاختيار\".\n[¬٤]- في ز: \"التكبير\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٦]- في ز: \"صلاهما\".\n[¬٧]- في ت: \"المسير\".","vol":"4","page":248},{"text":"وأما الجمهور فقالوا: هذا كله منسوخ بصلاة الخوف، فإنها لم تكن نزلت بعد، فلما نزلت نسخ تأخير الصلاة لذلك، وهذا بين في حديث أبي سعيد الخدري الذي رواه الشافعي، ﵀، وأهل السنن (^٧٦٦)، ولكن يشكل [على هذا] [¬١] ما حكاه البخاري، ﵀، في صحيحه (^٧٦٧)، حيث قال:\n\n<span data-type='title' id=toc-89>(باب الصلاة عند مناهضة الحصون ولقاء العدوّ).</span>\nقال الأوزاعي: إن كان تهيأ الفتح ولم يقدروا على الصلاة صلوا إيماء؛ كل امرئ لنفسه، فإن لم يقدروا على الإِيماء أخروا الصلاة حتى ينكشف القتال، أو يأمنوا فيصلوا ركعتين، فإن لم يقدروا صلوا ركعة وسجدتين، فإن لم يقدروا، لا يجزئهم التكبير ويؤخرونها حتى يأمنوا، وبه قال مكحول، وقال أنس بن مالك: حضرت عند [¬٢] مناهضة حصن تُسْتَر عند إضاءة الفجر، واشتدّ اشتعال القتال، فلم يقدروا على الصلاة، فلم نصل إلا بعد ارتفاع النهار فصليناها ونحن مع أبي موسى، ففتح لنا، قال أنس: ما يسرني بتلك الصلاة الدنيا وما فيها.\nانتهى ما ذكره، ثم أتبعه بحديث تأخير الصلاة يوم الأحزاب، ثم بحديث أمره إياهم أن لا يصلوا العصر إلا في بني قريظة، وكأنه كالمختار لذلك [¬٣]، والله أعلم.\nولمن جنح إلى ذلك [له أن يحتج بصنيع] [¬٤] أبي موسى وأصحابه يوم فتح تستر [فإنه يشتهر] [¬٥] غالبًا، ولكن كان ذلك في إمارة عمر بيت الخطاب، ولم ينقل أنه أنكر عليهم،\n_________\n(^٧٦٦) - رواه الشافعي (١/ح ٥٥٣/ شفاء العي)، والنسائي، كتاب: الأذان، باب: الأذان للفائت من الصلوات (٢/ ١٧) ولم يروه من أصحاب السنن غيره!! - وأحمد (٣/ ٢٥، ٤٩، ٦٧) والطيالسي (٢٢٣١)، والدارمي (١٥٣٢)، وأبو يعلى (٢/ح ١٢٩٦)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (١/ ٤٠٢، ٤٠٣) (٣/ ٢٥١) وصححه ابن خزيمة (٩٩٦)، وابن حبان (٧/ ٢٨٩٠) من طريق محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد عن أبيه قال: \"شغلنا المشركون يوم الخندق عن صلاة الظهر، حتى غربت الشمس، وذلك قبل أن ينزل في القتال ما نزل، فأنزل الله ﷿: ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ فأمر رسول الله ﷺ بلالًا فأقام لصلاة الظهر، فصلاها كما كان يصليها في وقتها، ثم أذن للمغرب، فصلاها كما كان يصليها في وقتها\".\n(^٧٦٧) - \" فتح الباري\" (٢/ ٤٣٤).\n_________\n[¬١]- في خ: \"عليه\".\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- سقط من: خ.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"صنيع\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.","vol":"4","page":249},{"text":"ولا أحد من الصحابة، والله أعلم.\nقال هؤلاء: وقد كانت صلاة الخوف مشروعة في الخندق؛ لأن غزوة [¬١] ذات الرقاع كانت قبل الخندق في قول جمهور علماء السير والمغازي، و[¬٢] ممن نص على ذلك محمد بن إسحاق وموسى بن عقبة، والواقدي، ومحمد بن سعد كاتبه وخليفة بن خياط، وغيرهم، وقال البخاري (٧٦٨) وغيره: كانت ذات الرقاع بعد الخندق، لحديث أبي موسى وما قدم إلا في خيبر [¬٣]، والله أعلم.\nوالعجب كل العجب أن المزني، وأبا يوسف القاضي، وإبراهيم بن إسماعيل بن علية ذهبوا إلى أن صلاة الخوف منسوخة بتأخيره، ﵊، الصلاة يوم الخندق، وهذا غريب جدًّا، وقد ثبتت الأحاديث بعد الخندق بصلاة الخوف، وحمل تأخير الصلاة يومئذ على ما قاله مكحول والأوزاعي أقوى وأقرب، والله أعلم.\nفقوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾ أي: إذا صليت بهم إمامًا في صلاة الخوف، وهذه حالة غير الأولى، فإن تلك قصرها إلى ركعة، كما دل عليه الحديث - فرادي ورجالًا وركبانًا، مستقبلي القبلة: غير مستقبليها، ثم ذكر حال الاجتماع والائتمام بإمام واحد. وما أحسن ما استدل به من ذهب إلى وجوب الجماعة من هذه الآية الكريمة، حيث اغتفرت أفعال كثيرة لأجل الجماعة، فلولا أنها واجبة لما [¬٤] ساغ [¬٥] ذلك، وأما من استدل بهذه الآية على أن صلاة الخوف منسوخة بعد النبيِّ، ﷺ، لقوله: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ﴾ فبعده تفوت هذه الصفة [¬٦]- فإنه استدلال ضعيف، ووود عليه مثل قول مانعي [¬٧] الزكاة، الذين احتجوا بقوله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ قالوا: فنحن لا ندفع زكاتنا [بعد رسول الله] [¬٨]، ﷺ، إلى أحد، بل نخرجها نحن بأيدينا [¬٩] على من نراه، ولا ندفعها [إِلا] [¬١٠]، إلى من صلاته - أي: دعاؤه - سكن لنا، ومع هذا ردّ عليهم الصحابة، وأبَوْا عليهم هذا الاستدلال، وأجبروهم على أداء\n_________\n= (٧٦٨) - انظر صحيح البخاري، كتاب: المغازي، باب: غزوة ذات الرقاع (٧/ ٤١٦).\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢] سقط من: ز.\n[¬٣]- في ز، خ: \"خبر\".\n[¬٤]- في خ: \"ما\".\n[¬٥]- في ز، خ: \"شاع\".\n[¬٦]- في ز: \"الصيغة\".\n[¬٧]- في ز: \"مانع\".\n[¬٨]- ما بين المعكوفتين في ز: \"بعده\".\n[¬٩]- في ز: \"من أيدينا\".\n[¬١٠]- ما بين المعكوفتين سقط من \"ش\".","vol":"4","page":250},{"text":"الزكاة، وقاتلوا من منعها منهم.\nولنذكر سبب نزول هذه الآية الكريمة أولًا قبل ذكر صفتها: قال ابن جرير (^٧٦٩): حدثنا ابن [¬١] المثنى، حدثني إسحاق، حدثنا عبد الله بن هاشم، أنبأنا سيف، عن أبي روق، عن أبي أيوب، عن علي، ﵁، قال: سأل قوم من بني النجار رسول الله، ﷺ، فقالوا: يا رسول الله، إنا نضرب في الأرض، فكيف نصلي؟ فأنزل الله ﷿: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ ثم انقطع الوحي، فلما كان بعد ذلك بحول غزا رسول الله، ﷺ، فصلى الظهر، فقال المشركون: لقد أمكنكم محمد وأصحابه من ظهورهم هلا شددتم [¬٢] عليهم؟ فقال قائل منهم: إن لهم أخرى مثلها في إثرها، قال: فأنزل الله، ﷿، بين الصلاتين: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآيتين، فنزلت صلاة الخوف.\nوهذا سياق غريب جدًّا، ولكن لبعضه شاهد من رواية أبي عياش الزرقي، واسمه زيد بن الصامت ﵁[] [¬٣]، قال [¬٤] الإِمام أحمد (^٧٧٠):\nحدثنا عبد الرزاق، حدثنا الثوري، عن منصور، عن مجاهد، عن أبي عياش الزرقي [¬٥] قال: كنا مع رسول الله، ﷺ، بعُسْفان، فاستقبلنا المشركون، عليهم\n_________\n(^٧٦٩) - تفسير ابن جرير (٩/ ١٠٣١٤) وأورده السيوطى فى \"الدر المنثور\" (٢/ ٢٧٣) ولم يعزه لغير ابن جرير، قال الشيخ الأديب محمود شاكر فى حاشيته على تفسير ابن جرير، \"فى تفسير ابن كثير قال ابن جرير: حدثنى ابن المثنى، حدثنا إسحاق … \" مخالفًا ما فى المطبوعة والمخطوطة فجعله \"ابن المثنى\" يعنى \"محمد بن المثنى\" والطبرى يروى عنهما جميعًا، عن \"المثنى بن إبراهيم\" وعن \"محمد بن المثنى\" ولكنى أرجح أن الصواب ما فى المطبوعة، لكثرة رواية المثنى عن إسحاق بن الحجاج الطاحونى .. \": وإسناده ضعيف وعلته، سيف هذا .. وهو ابن عمر التميمى - قال ابن حجر فى \"التقريب\": \"ضعيف الحديث عمدة فى التاريخ، أفحش ابن حبان القول فيه\".\n(^٧٧٠) - \" المسند\" (٤/ ٥٩)، والحديث فى \"المصنف\" لعبد الرزاق (٢/ ٤٢٣٧) ومن طريقه أيضًا الدارقطني فى \"السنن\" (٢/ ٥٩، ٦٠)، رواه الطبرانى فى \"المعجم الكبير\" (٥/ ٥١٣٢) ورواه أحمد (٤/ ٦٠) من طريق مؤمل، وابن أبى حاتم (٤/ ٥٨٩٩، ٥٩٠١) من طريق أبى إسحاق الفزارى محمد ابن شعيب والطحاوى فى \"شرح معانى الآثار\" (١/ ٣١٨) من طريق قبيصة، وابن أبى شيبة فى=\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- فى ز: \"اشتديتم\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في ت: \"عند الإمام أحمد وأهل السنن\".\n[¬٤]- فى خ: \"فقال\".\n[¬٥]- سقط من: ز، خ.","vol":"4","page":251},{"text":"خالد بن الوليد، وهم بيننا وبين القبلة، فصلى بنا النبي، ﷺ، الظهر، فقالوا: لقد كانوا على حال لو أصبنا غرتهم، ثم قالوا: يأتي عليهم الآن صلاة هي أحب إليهم من أبنائهم وأنفسهم، قال: فنزل جبريل بهذه الآيات بين الظهر والعصر: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾، قال: فحضرت، فأمرهم رسول الله، ﷺ، فأخذوا السلاح، قال [¬١]: فصفنا خلفه صفين، قال: [] [¬٢] ثم ركع، فركعنا جميعًا، ثم رفع فرفعنا جميعًا، ثم سجد النبي، ﷺ، بالصف الذي يليه، والآخرون قيام يحرسونهم، فلما سجدوا وقاموا جلس الآخرون، فسجدوا في مكانهم، ثم\n_________\n= \"المصنف\" (٢/ ٣٥٠) ومن طريقه ابن حبان (٧/ ٢٨٧٥/ إحسان) ثنا وكيع أربعتهم (مؤمل وأبو إسحاق وقبيصة ووكيع) ثنا سفيان به. ورواه الطيالسى فى \"مسنده\" (١٣٤٧) - ومن طريقه الطبرانى (٥/ ٥١٣٨) والبيهقى فى \"السنن الكبرى\" (٣/ ٢٥٤، ٢٥٥) ثنا ورقاء رواه سعيد بن منصور ومن طريقه أبو داود (١٢٣٦) والدارقطنى (٣/ ٦٠) والطبرانى (٥/ ٥١٤٠) والحا كم فى \"المستدرك\" (١/ ٣٣٧، ٣٣٨)، والبيهقى (٣/ ٢٥٦، ٣٥٧) - ورواه البيهقى أيضًا من طريق يحيى بن يحيى، وعلقه من طريق قتيبة بن سعيد، ورواه ابن جرير فى تفسيره (٩/ ١٠٣٢٣) ثنا ابن حميد وابن حبان (٧/ ٢٨٧٦) نا أبو يعلى ثنا أبو خيثمة والدارقطنى (٢/ ٦٠) من طريق سعيد بن سليمان، ويوسف بن موسى سبعتهم (سعيد ويحيى وقتيبة وابن حميد وأبو خيثمة وابن سليمان ويوسف) ثنا جرير بن عبد الحميد، ورواه أحمد (٤/ ٩٠) ومن طريقه الطبرانى (٥/ ٥١٣٤) وابن أبى شيبة فى \"مسنده\" (٢/ ٨١٥) وفى \"المصنف\" (٢/ ٣٥١) ومن طريقه ابن أبى عاصم فى \"الآحاد والمثانى\" (٤/ ٢١٧٩) والطبرانى (٥/ ٥١٣٤) والنسائى (٣/ ١٧٦) من طريق محمد بن المثنى ومحمد بن بشار أربعتهم (أحمد وابن أبى شيبة والمحمدان) ثنا محمد ابن جعفر ثنا شعبة، ورواه النسائى أيضًا (٣/ ١٧٧) وابن جرير (٩/ ١٠٣٧٨) من طريق عبد العزيز ابن عبد الصمد، ورواه ابن جرير (٩/ ١٠٣٢٤) من طريق شيبان النحوى وإسرائيل والطبرانى (٥/ ٥١٣٣، ٥١٣٥، ٥١٣٦، ٥١٣٧، ٥١٣٩) من طريق زائدة بن قدامة، وداود بن عيسى الكوفى وعلى بن صالح وجعفر بن الحارث وإسرائيل. عشرتهم (ورقاء وجرير وشعبة وعبد العزيز وشيبان وإسرائيل وزائدة وداود وعلي وجعفر) ثنا منصور بن المعتمر به. وقال الحاكم: \"حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه\" ووافقه الذهبى، مع أن أبا عياش الزرقى لم يخرجا له شيئًا!! فإسناده صحيح فحسب كما قال المصنف هنا وكذا صححه الدارقطنى، وقال ابن حجر فى \"الإصابة\" (٤/ ١٤٣): سنده جيد وقال البيهقى أيضًا: \"إسناده صحيح، وقد رواه قتيبة بن سعيد عن جرير فذكر فيه سماع مجاهد من أبى عياش زيد بن الصامت الزرقى وكذا ذكر سماعه فى رواية أبى خيثمة عن جرير عند ابن حبان، وقد بوب لهذا الحديث بقوله: \"ذكر الخبر المدحض قول من زعم أن مجاهدًا لم يسمع هذا، الخبر من أبى عياش، ولا لأبى عياش الزرقى صحبة فيما زعم\". والحديث أورده السيوطي في الدر المنثور (٢/ ٣٧٤، ٣٧٥) وزاد عزوه إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز: \"نعم\".","vol":"4","page":252},{"text":"تقدم [¬١] هؤلاء إلى مصاف هؤلاء، و[¬٢] هؤلاء إلى مصاف هؤلاء، ثم ركع فركعوا جميعًا، ثم رفع فرفعوا جميعًا، ثم سجد رسول الله، ﷺ، والصف الذي يليه والآخرون قيام يحرسونهم، فلما جلسوا جلس الآخرون فسجدوا، ثم سلم عليهم، ثم انصرف. قال: فصلاها رسول الله، ﷺ، مرتين: مرة بعُسْفان، ومرة بأرض بني سليم.\nثم رواه أحمد عن غندر، عن شعبة، عن منصور، به نحوه، وهكذا رواه أبو داود عن سعيد بن منصور، عن جرير بن عبد الحميد، والنسائي من حديث شعبة وعبد العزيز بن عبد الصمد، كلهم عن منصور، به.\nوهذا إسناد صحيح وله شواهد كثيرة، فمن ذلك ما رواه البخاري حيث قال (^٧٧١): حدثنا حيوة بن شريح، حدثنا محمد بن حرب، عن الزبيدي، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله ابن عتبة، عن ابن عباس، ﵄، قال: قام النبي، ﷺ، وقام الناس معه، فكبر وكبروا معه، وركع وركع ناس منهم ثم سجد و[¬٣] سجدوا معه، ثم [قام للثانية] [¬٤]، فقام الذين سجدوا وحرسوا إخوانهم، وأتت الطائفة الأخرى، فركعوا وسجدوا معه، والناس كلهم في الصلاة، ولكن يحرس بعضهم بعضًا.\nوقال ابن جرير (^٧٧٢): حدثنا ابن بشار، حدثنا معاذ بن هشام، حدثني أبي، عن قتادة، عن سليمان [¬٥] [بن قيس] [¬٦] اليشكري: أنه سأل جابر بن عبد الله عن إقصار الصلاة، أي يوم أنزل؟ أو أي يوم هو؟ فقال جابر: انطلقنا [نتلقي] [¬٧] عير قريش آتية من الشام، حتى إذا كنا بنخل جاء رجل من القوم إلى رسول الله، ﷺ، فقال: يا محمد، قال: نعم. قال: هل تخافني؟ قال: \"لا\" قال: فما يمنعك مني؟ قال: \" الله يمنعني منك \"\n_________\n(^٧٧١) - رواه البخارى، كتاب: الخوف، باب: يَحرُسُ بعضهم بعضًا فى صلاة الخوف (٩٤٤) ورواه النسائى، كتاب: صلاة الخوف (٣/ ١٦٩) أخبرنى عمرو بن عثمان عن محمد به.\n(^٧٧٢) - تفسير ابن جرير (٩/ ١٠٣٢٥)، ورجاله ثقات غير أن فيه انقطاعًا، فقد نفى أبو عبد الله البخارى، وأبو زكريا يحيى بن معين سماع قتادة من سليمان اليشكرى، فقال البخارى: \"يقال: إنه مات فى حياة جابر بن عبد الله، ولم يسمع منه قتادة، ولا أبو بشر، ولا يعرف لأحدٍ منهم سماعًا منه، إلا أن يكون عمرو بن دينار سمع منه فى حياة جابر\" وانظر ما بعده.\n_________\n[¬١]- في ز: \"تقدموا\".\n[¬٢]- في ت: \"وجاء\".\n[¬٣]- في ت: \"ثم\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين في ز: \"الثانية\".\n[¬٥]- في خ: \"سلمان\".\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٧]- في ت: \"نلتقي\".","vol":"4","page":253},{"text":"قال: فسل السيف ثم تهدّده وأوعده، ثم نادى بالترحل، وأخذ السلاح ثم نودي بالصلاة، فصلى رسول الله، ﷺ، بطائفة من القوم، وطائفة أخرى تحرسهم، فصلى بالذت يلونه ركعتين، ثم تأخر الذين يلونه على أعقابهم، فقاموا في مصاف أصحابهم، ثم جاء الآخرون فصلى بهم ركعتين والآخرون يحرسونهم ثم سلم، فكانت للنبي، ﷺ، أربع ركعات، وللقوم ركعتين ركعتين. فيومئذ انزل الله في إقصار الصلاة، وأمر المؤمنين بأخذ السلاح.\nوقال الإمام أحمد (^٧٧٣): حدثنا سُريج، حدثنا أبو عوانة، عن أبي بشر، عن سليمان بن قيس - هو [¬١] اليشكري - عن جابر بن عبد الله؛ قال: قاتل رسول الله، ﷺ، محارب خصَفَة [¬٢]، فجاء رجل منهم يقال له: غورث بن الحارث، حتى قام على رسول الله، ﷺ، بالسيف، فقال: من يمنعك مني؟ قال: \" الله \" فسقط السيف من يده، فأخذه رسول الله، ﷺ، فقال: \"ومن يمنعك مني؟ \" قال: كن خيرَ آخذ، قال: \" أتشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله؟ \" قال: لا، ولكني أعاهدك ألا أقاتلك، ولا أكون مع قوم يقاتلونك [¬٣] فخلى سبيله، [فأتى قومه] [¬٤] فقال: جئتكم من عند خير الناس، فلما حضرت الصلاة صلى رسول الله، ﷺ، صلاة الخوف، فكان الناس طائفتين، طائفة بإزاء العدوّ، وطائفة صلوا مع رسول الله، ﷺ، فصلى بالطائفة الذين معه ركعتين، وانصرفوا فكانوا مكان [¬٥] أولئك [¬٦] الذين [كانوا] [¬٧] بإزاء عدوهم [¬٨]، وانصرف الذين كانوا [¬٩] بإزاء عدوهم، فصلوا مع رسول الله، ﷺ، ركعتين، فكان\n_________\n(^٧٧٣) - \" المسند\" (٣/ ٣٩٠)، ورواه أيضًا (٣/ ٣٦٤، ٣٦٥) ثنا عفان، وعبد بن حميد فى \"المنتخب\" (١٠٩٦) من طريق أبى الوليد، وأبو يعلى فى \"مسنده\" (٣/ ١٧٧٨) ثنا شيبان، والطحاوى فى \"شرح معانى الآثار\" (١/ ٣١٥) من طريق محمد بن عبد الملك أربعتهم (عفان وأبى الوليد وشيبان ومحمد) ثنا أبو عوانة به. وعلقه البخارى فى صحيحه - كتاب: المغازى، باب: غزوة ذات الرقاع (٤١٣٦) مختصرًا فقال: \"وقال مسدَّد عن أبى عوانة عن أبى بشر: اسم الرجل غَورَثُ بن الحارث، وقاتل فيها محارب خَصَفة\". وقال الحافظ فى \"الفتح\" (٧/ ٤٢٨): \"هكذا أورده مختصرًا من=\n_________\n[¬١]- سقط من: ت.\n[¬٢]- في ز، خ: \"حفصة\".\n[¬٣]- في خ: \"أولئك\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٥]- في خ: \"بمكان\".\n[¬٦]- في ت: \"الطائفة\".\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين سقط من ز.\n[¬٨]- فى ت: \"العدو\".\n[¬٩]- سقط من: ز.","vol":"4","page":254},{"text":"لرسول الله، ﷺ، أربع ركعات، وللقوم ركعتين ركعتين.\nتفرد به [¬١] من هذا الوجه.\nوقال ابن أبي حاتم (^٧٧٤): حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا أبو قطن عمرو بن الهيثم، حدثنا المسعودي، عن يزيد الفقير، قال: سألت جابر بن عبد الله عن الركعتين في السفر أقصرهما؟ فقال [¬٢]: الركعتان في السفر تمام، إنما القصر واحدة عند القتال، بينما نحن مع رسول الله، ﷺ، في قتال إذ [¬٣] أقيمت الصلاة، فقام رسول الله، ﷺ، فصف طائفة [¬٤]، وطائفة وجهها قِبَلَ العدو، فصلى بهم ركعة، وسجد بهم سجدتين، ثم الذين خلفوا انطلقوا إلى أولئك، فقاموا مقامهم ومكانهم نحو ذا، وجاء أولئك فقاموا خلف رسول الله، ﷺ، فصلى بهم ركعة وسجد بهم سجدتين، ثم إن رسول الله ﷺ، جلس وسلم، وسلم الذين خلفه، وسلم أولئك فكانت لرسول الله، ﷺ، ركعتين، وللقوم ركعة ركعة [¬٥]، ثم قرأ: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾ الآية.\n_________\n= الإسناد ومن المتن، فأما الإسناد، فأبو عوانة هو الوضاح البصرى، وأما أبو بشر فهو جعفر بن أبى وحشية، وبقية الاسناد ظاهر فيما أخرجه مسدد فى مسنده رواية معاذ بن المثنى عنه - ومن طريقه رواه فى \"تغليق التعليق\" (٤/ ١٢١) - وكذلك أخرجها إبراهيم الحربى فى كتاب \"غريب الحديث\" له عن مسدد عن أبى عوانة عن أبى بشر عن سليمان بن قيس عن جابر، وأما المتن فتمامه … \" وعلق رواية سليمان اليشكرى أبو داود (١٢٤٨) والبيهقى فى \"السنن الكبرى\" (٣/ ٢٥٩) وأورده من هذا الوجه السيوطى فى \"الدر المنثور\" (٢/ ٣٧٥) ولم يعزه لغير عبد بن حميد وابن جرير، ورواه مسلم بنحوه (٣١١) (٨٤٣) من طريق أبان بن يزيد ثنا يحيى بن أبى كثير عن أبى سلمة عن جابر. وانظر ما قبله.\n(^٧٧٤) - تفسير ابن أبى حاتم (٤/ ٥٨٩٨) وهذا إسناد حسن، والمسعودى - واسمه عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة بن عبد الله بن مسعود ﵁ مختلط، لكن سماع أبو قطن منه قديم - كما فى \"الكواكب النيرات\" لابن الكيال (ص ٢٩٤) - وقد رواه عنه أيضًا أبو داود الطيالسى فى \"مسنده\" (١٧٨٩) - ومن طريقه الطحاوى فى \"شرح معانى الآثار\" (١/ ٣١٠) والبيهقى فى \"السنن الكبرى\" (٣/ ٢٦٣) وابن حزم فى \"المحلى\" (٥/ ٣٥) معلقًا - ورواه النسائى (٣/ ١٧٥) وابن خزيمة (٣/ ١٣٦٤) من طريق يزيد بن زريع، وابن أبى شيبة (٢/ ٣٥٠) ثنا وكيع، وروايته مختصرة جدًّا، والبيهقى (٣/ ٢٦٣) من طريق جعفر بن عون ثلاثتهم (أبو داود ويزيد وجعفر) عن المسعودى به، وانظر ما بعده.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- في ز: \"قال\".\n[¬٣]- في ز: \"إذا\".\n[¬٤]- في خ: \"بطائفة\".\n[¬٥]- سقط من: ت.","vol":"4","page":255},{"text":"وقال الإِمام أحمد (^٧٧٥): حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن الحكم، عن يزيد الفقير، عن جابر بن عبد الله: أن رسول الله، ﵌، صلى بهم صلاة الخوف، فقام صف بين يديه، وصف خلفه، فصلى [بالذي خلفه] [¬١] ركعة وسجدتين، ثم تقدم هؤلاء حتى قاموا في مقام أصحابهم، وجاء أولئك حتى قاموا في [¬٢] مقام هؤلاء، فصلى بهم رسول الله، ﵌، ركعة وسجدتين، ثم سلم، فكانت للنبي، ﵌، ركعتين ولهم ركعة. ورواه النسائي من حديث شعبة، ولهذا الحديث طرق عن جابر، وهو في صحيح مسلم (^٧٧٦) من وجه آخر بلفظ آخر، وقد رواه عن جابر جماعة (^٧٧٧) كثيرون في الصحيح والسنن والمسانيد [¬٣].\nوقال ابن أبي حاتم (^٧٧٨): حدثنا أبي، حدثنا نعيم بن حماد، حدثنا عبد الله بن المبارك، أنبأنا معمر، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، قال: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾ قال هي صلاة الخوف، صلى رسول الله، ﷺ، بإحدى الطائفتين ركعة، وللطائفة الأخرى مقبلة على العدو، وأقبلت الطائفة الأخرى التي كانت مقبلة على العدو؛ فصلى بهم رسول الله، ﷺ، ركعة أخرى، ثم سلم بهم، ثم قامت كل طائفة منهم فصلت ركعة ركعة. [وقد روى هذا الحديث] [¬٤]\n_________\n(^٧٧٥) - \" المسند\" (٣/ ٢٩٨) وهذا إسناد صحيح، وقد رواه ابن أبى شيبة فى \"المصنف\" (٢/ ٣٤٩) ومن طريقه ابن حبان فى \"صحيحه\" (٧/ ٢٨٦٩/ إحسان) - وابن خزيمة فى \"صحيحه\" (٢/ ١٣٤٧)، وابن جرير (٩/ ١٠٣٤٠) من طريق أبى موسى العنزى محمد بن المثنى كلاهما (ابن أبى شيبة وأبو موسى) ثنا محمد بن جعفر به. ورواه النسائى (٣/ ١٧٤) من طريق حجاج بن محمد، وابن خزيمة (١٣٤٧) من طريق محمد بن بكر (١٣٤٨) من طريق روح ثلاثتهم (حجاج ومحمد وروح) ثنا شعبة به. ورواه ابن أبى شيبة فى \"المصنف\" (٢/ ٣٥٠) وابن خزيمة أيضًا (١٣٤٨) من طريق مسعر بن كدام عن يزيد به مختصرًا.\n(^٧٧٦) - رواه مسلم فى صحيحه، كتاب: صلاة المسافرين وقصرها، باب: صلاة الخوف (٣٠٧) (٨٤٠) من طريق عبد الملك بن أبى سليمان عن عطاء عن جابر بن عبد الله ومن طريق - (٣٠٨) - أبى الزبير عن جابر .. ومن هذا الوجه علقه البخارى فى المغازى (٤١٣٠).\n(^٧٧٧) - منهم غير ما ذكر، الحسن البصرى كما عند النسائى (٣/ ١٧٨، ١٧٩) - وشرحبيل أبى سعد عند ابن خزيمة (٢/ ١٣٥١).\n(^٧٧٨) - تفسير ابن أبى حاتم (٤/ ٥٩٠٠) وإسناده صحيح، وانظر ما بعده.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- فى ز: \"والمساند\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين في خ: \"هذا الحديث\".","vol":"4","page":256},{"text":"الجماعة في كتبهم من طريق معمر به (^٧٧٩)، ولهذا الحديث طرق كثيرة عن جماعة من الصحابة. وقد أجاد الحافظ أبو بكر بن مردويه في سرد طرقه وألفاظه، وكذا ابن جرير ولنحرره في كتاب \"الأحكام الكبير\" إن شاء الله، وبه الثقة.\nوأما الأمر بحمل السلاح في صلاة الخوف، فمحمول عند طائفة من العلماء على الوجوب لظاهر الآية، وهو أحد قولى الشافعي، ويدل عليه [قول الله تعالى] [¬١]: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ أي: بحيث تكونون على أهبة؛ إذا احتجتم إليها لبستموها بلا كلفة، ﴿إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾.\n﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا (١٠٣) وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٠٤)﴾\nيأمر الله تعالى بكثرة الذكر عَقِيبَ صلاة الخوف؛ إن كان مشروعًا مرغبًا فيه أيضًا بعد غيرها؛ ولكن هاهنا آكد لا وقع فيها من التخفيف في أركانها، ومن الرخصة في الذهاب فيها والإياب وغير ذلك مما ليس يوجد في غيرها، [كما قال تعالى في الأشهر الحرم: ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ وإن كان هذا منهيًّا عنه في غيرها] [¬٢]، ولكن فيها آكد لشدة حرمتها وعظمتها [¬٣]، ولهذا قال تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا\n_________\n(^٧٧٩) - رواه البخارى، كتاب: المغازى، باب: غزوة ذات الرقاع (٤١٣٣)، ومسلم، كتاب: صلاة المسافرين وقصرها، باب: صلاة الخوف (٣٠٥) (٨٣٩)، وأبو داود، كتاب: الصلاة، باب: من قال: يصلى بكل طائفة ركعة (١٢٤٣)، والترمذى، كتاب: الصلاة، باب: ما جاء فى صلاة الخوف (٥٦٤)، والنسائى، كتاب: صلاة الخوف (٣/ ١٧١)، أحمد (٢/ ١٤٧) ولم يروه ابن ماجه - من طريق معمر، ورواه البخارى، فاتحة كتاب صلاة الخوف (٩٤٢)، وكتاب: المغازى (٤١٣٢) والنسائى (٣/ ١٧١)، وأحمد (٢/ ١٥٠) من طريق شعيب بن أبى حمزة، ومسلم من طريق فليح بن سليمان، وأحمد (٢/ ١٥٠) من طريق ابن جريج أربعتهم (معمر وشعيب وفليح وابن جريج) عن الزهرى به.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ز: \"قوله\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في خ: \"وعظمها\".","vol":"4","page":257},{"text":"وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾ أي: في سائر أحوالكم [¬١].\nثم قال تعالى: ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ أي: فإذا أمنتم وذهب الخوف، وحصلت الطمأنينة ﴿فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ أي: فأتموها، وأقيموها كما أمرتم بحدودها، وخشوعها، وركوعها وسجودها، وجميع شئونها.\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ قال ابن عباس: أي: مفروضًا، [وقال أيضًا: إن للصلاة وقتًا كوقت الحج] [¬٢]، وكذا روي عن مجاهد وسالم ابن عبد الله، وعلى بن الحسين، ومحمد بن علي، والحسن، ومقاتل والسدي وعطية العوفي.\nقال عبد الرزاق (^٧٨٠)، عن معمر، عن قتادة: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ قال ابن مسعود: إن للصلاة وقتًا [¬٣] كوقت الحج.\nوقال زيد بن أسلم: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ فال: منجمًا كلما مضى نجم جاء نجم، يعني: كلما مضى وقت جاء وقت.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ﴾ أي: لا تضعفوا في طلب عدوكم، بل جدوا فيهم، وقاتلوهم، واقعدوا لهم كل مرصد، ﴿إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ﴾ أي: كما يصيبكم الجراح والقتل، كذلك يحصل لهم، كما قال تعالى: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾.\nثم قال تعالى: ﴿وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾ أي: أنتم وإياهم سواء فيما يصيبكم وإياهم من الجراح والآلام، ولكن أنتم ترجون من الله المثوبة والنصر والتأييد، [كما وعدكم إياه في كتابه، وعلى لسان رسوله وهو وعد حق، وخبر صدق] [¬٤]، وهم لا يرجون شيئًا من ذلك، فأنتم أولى بالجهاد منهم، وأشدّ رغبة [فيه، و] [¬٥] في إقامة كلمة الله وإعلائها.\n﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ أي: هو أعلم وأحكم فيما يقدره ويقضيه وينفذه ويمضيه من\n_________\n(^٧٨٠) - تفسير عبد الرزاق (١/ ١٧٢)، ومن طريقه رواه ابن جرير (٩/ ١٠٣٩٧) وابن أبى حاتم (٤/ ٥٩١٨)، وذكره السيوطى فى \"الدر المنثور\" (٢/ ٣٨٠) وزاد عزوه إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"أحوالهم\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- فى ز: \"وقت\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- ما بين المعكوفين سقط من: ز.","vol":"4","page":258},{"text":"أحكامه الكونية والشرعية، وهو المحمود على كل حال.\n﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (١٠٥) وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (١٠٦) وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا (١٠٧) يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا (١٠٨) هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا (١٠٩)﴾\nيقول تعالى مخاطبًا لرسوله محمد، ﷺ: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ أي: هو حق من الله، وهو يتضمن الحق فى خبره وطلبه.\nوقوله: ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ احتج به من ذهب من علماء الأصول إلى أنه كان ﵇ له أن يحكم بالاجتهاد بهذه الآية، وبما ثبت في الصحيحين (^٧٨١) من رواية هشام بن عروة، عن أبيه، عن زينب بنت أم سلمة، عن أم سلمة أن رسول الله، ﷺ، سمع جلبة خصم بباب حجرته، فخرج إليهم فقال: \"ألا إنما أنا بشر، وإنما أقضي بنحو مما أسمع، ولعل أحدكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له؛ فمن قضيت له بحق مسلم، فإنما هي قطعة من نار [¬١]، فليحملها أو ليذرها\".\nوقال الإِمام أحمد (^٧٨٢): حدثنا وكيع، حدثنا أسامة بن زيد، عن عبد الله بن رافع، عن أم\n_________\n(^٧٨١) - رواه البخارى، كتاب: الشهادات، باب: من أقام البينة بعد اليمين (٢٦٨٠) - وانظره بأطرافه عند رقم (٢٤٥٨)، ومسلم، كتاب: الأقضية، باب: الحكم بالظاهر واللحن بالحجة (١٧١٣) وكذا رواه أحمد (٦/ ٢٠٣، ٢٩٠، ٣٠٧)، وأبو داود (٣٣٨٣)، والترمذى (١٣٣٩)، والنسائى (٨/ ٢٣٣)، وابن ماجه (٢٣١٧) من طريق هشام به، ورواه البخارى ومسلم أيضًا من طريق ابن شهاب الزهرى عن عروة به.\n(^٧٨٢) - \" المسند\" (٦/ ٣٢٠)، ورواه ابن أبى شيبة فى \"المصنف\" (٥/ ٣٥٦)، وإسحاق ابن راهويه فى \"مسنده\" (٤/ ح ١٨٢٣) وابن الجارود فى \"المنتقى\" (١٠٠٠) والطحاوى فى \"شرح معانى الآثار\" (٤/ ١٥٤، ١٥٥)، والطبرانى فى \"المعجم الكبير\" (٢٣/ ٦٦٣) من طريق وكيع به، ورواه أبو داود=\n_________\n[¬١]- في خ: \"النار\".","vol":"4","page":259},{"text":"سلمة قالت: جاء رجلان من الأنصار، يختصمان إلى رسول الله، ﷺ [في مواريث بينهما قد دَرَسَتْ، ليس عندهما بينة] [¬١]، فقال [رسول الله، ﷺ] [¬٢]: \"إنكم تختصمون إلي وإنما أنا بشر، ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض، وإنما أقضى بينكم على نحو مما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئًا فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار يأتي بها إسطامًا [¬٣] في عنقه يوم القيامة\". فبكى الرجلان وقال كل منهما: حقي لأخي، فقال رسول الله ﷺ: \"أما إذ [¬٤] قلتما فاذهبا فاقتسما [¬٥]، ثم توخيا الحق، ثم استهما، ثم ليحلل كل واحد منكما صاحبه\".\nوقد رواه أبو داود من حديث أسامة بن زيد، به. وزاد: \"إني إنما أقضي بينكما برأي، فيما لم ينزل على فيه\".\n_________\n= كتاب: الأقضية، باب: فى قضاء القاضى إذا أخطأ (٣٥٨٤) والحاكم فى \"المستدرك\" (٤/ ٩٥) من طريق عبد الله بن المبارك، وأبو داود أيضًا (٣٥٨٥) وأبو يعلى (١٢/ ٦٨٩٧)، والدارقطنى (٤/ ٢٣٨، ٢٣٩) والبغوى فى \"شرح السنة\" (١٠/ ٢٥٠٨) من طريق صفوان بن عيسى، وأبو يعلى أيضًا (١٢/ ٧٠٢٧) والبيهقى فى \"السنن الكبرى\" (٦/ ٦٦) من طريق زيد بن الحباب، والبيهقى (١٠/ ٢٦٠) من طريق جعفر بن عون، والطحاوى (٤/ ١٥٥) والدارقطنى (٤/ ٢٣٩) من طريق عثمان بن عمر، والطحاوى أيضًا من طريق عبد الله بن نافع الصائغ، والدارقطنى من طريق روح بن القاسم، والحاكم من طريق الفضل بن سليمان. ثمانيتهم (عبد الله وصفوان وزيد وجعفر وعثمان والصائغ، وروح والفضل) ثنا أسامة به. وصححه الحاكم على شرط مسلم، ووافقه الذهبى، وأقرهما أبو عبد الرحمن الألبانى فى \"الإرواء\" (٥/ ١٤٢٣) فقال: \"وهو كما قالا، غير أن أسامة بن زيد، وهو الليثى أبو زيد المدنى فى حفظه ضعف يسير، فحديثه حسن\" إلا أنه توقف فيه فى \"الصحيحة\" (١/ ح ٤٥٥/ ص ٧٣٩) فقال: \"أسامة هذا هو الليثى لا العدوى، فالإسناد صحيح على شرط مسلم، إن كان العدوى - كذا فى الأصل، وصوابه الليثى كما هو من مفهوم كلامه - قد حفظ، فإن فى حفظه شيئًا، وقد قال فى \"التقريب\": \"صدوق يهم\" وأنت ترى أنه قد جاء بزيادات لم ترد فى شيء من روايات الثقات، وذلك مما يجعلنا نتوقف عن الاحتجاج بما تفرد به\" لا سيما وقد خالفه هشام بن عروة وابن شهاب الزهرى فى الإسناد والمتن، وقد أشار لهذة العلة أبو الحسن الدارقطنى، فأخرج رواية هشام والزهرى، عقب هذه الرواية والله أعلم.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٣]- الإسطام - وفى رواية: سطام -: هو الحديدة التي تحرك بها النار وتُسعر، أي: أقطع له ما يسعر به النار على نفسه ويشعلها. قال الأزهري: لا أدري أهى عربية أم عجمية عربت.\n[¬٤]- في خ: \"إذا\".\n[¬٥]- في ز، خ: \"فاقسما\".","vol":"4","page":260},{"text":"وقد روى ابن مردويه (^٧٨٣) من طريق العوفي، عن ابن عباس قال: إن نفرًا من الأنصار غزوا مع رسول الله، ﷺ، في بعض غزواته، فسرقت درع لأحدهم، فاظُّنَّ [¬١] بها رجل من الأنصار، فأتى صاحب الدرع رسول الله، ﷺ، فقال: إن طعمة بن أبيرق سرق درعي، فلما رأى السارق ذلك عمد إليها فألقاها في بيت رجل بريء، وقال لنفر من عشيرته: إني غيبت الدرع وألقيتها في بيت فلان، وستوجد عنده، فانطقوا إلى نبي الله، ﷺ، ليلًا فقالوا: يا نبي الله، إن صاحبنا بريء، وإن صاحب الدرع فلان، وقد أحطنا بذلك علمًا، فاعذر صاحبنا على رءوس الناس وجادل عنه، فإنه [إلا] [¬٢] يعصمه [¬٣] الله بك يهلك، فقام رسول الله ﷺ فبرأه وعذره على رءوس الناس، فأنزل [¬٤] الله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (١٠٥) وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (١٠٦) وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا﴾. ثم قال تعالى للذين أتوا رسول الله، ﷺ، مستخفين بالكذب: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ﴾ الآيتين. يعني الذين أتوا رسول الله، ﷺ، مستخفين يجادلون عن الخائنين، ثم قال ﷿: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾، يعني الذين أتوا رسول الله ﷺ مستخفين بالكذب، ثم قال: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾، يعني السارق والذين جادلوا عن السارق. وهذا سياق غريب، وكذا ذكر مجاهد وعكرمة وقتادة والسدي وابن زيد وغيرهم في هذه الآية، أنها [¬٥] أنزلت [¬٦] في سارق بني أبيرق على اختلاف سياقاتهم، وهي متقاربة.\nوقد روى هذه القصة [¬٧] محمد بن إسحاق مطولة، فقال أبو عيسى الترمذي عند تفسير هذه الآية من جامعه وابن جرير في تفسيره (^٧٨٤):\n_________\n(^٧٨٣) - وكذا رواه ابن جرير (٩/ ١٠٤١٣) وابن أبى حاتم (٤/ ٥٩٤٣) من طريق العوفى به. وعطية العوفى ضعيف، والخبر ذكره السيوطى فى \"الدر المنثور\" (٢/ ٣٨٤) ولم يعزه لغير ابن جرير وابن أبي حاتم.\n(^٧٨٤) - رواه أبو عيسى الترمذى فى \"الجامع\" (٣٠٣٦): وابن جرير فى تفسيره (٩/ ١٠٤١١) وكذا =\n_________\n[¬١]- أي: اتُّهِمَ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز: \"لا\".\n[¬٣]- في خ: \"لا يعصمه\".\n[¬٤]- في ز: \"وأنزل\".\n[¬٥]- سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- في خ: \"نزلت\".\n[¬٧]- في ز: \"الصفة\".","vol":"4","page":261},{"text":"حدثنا الحسن بن أحمد بن أبي شعيب أبو مسلم الحرّاني، حدثنا محمد بن سلمة الحراني، حدثنا محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن أبيه، عن جده قتادة بن النعمان، ﵁، قال: كان أهل بيت منا يقال لهم بنو أبيرق بشر، وبشير، ومبشر، وكان بشير رجلًا منافقًا [فكان] [¬١] يقول الشعر يهجو به أصحاب رسول الله ﷺ، ثم ينحله بعض العرب، ثم يقول: قال فلان كذا وكذا، و[¬٢] قال فلان كذا وكذا، فإذا سمع أصحاب رسول الله، ﷺ، ذلك [¬٣] الشعر [¬٤] قالوا: والله ما يقول هذا الشعر إلا هذا الخبيث، [فقال:\nأَوَ كلَّما قال الرجال قصيدة … أَضِموا وقالوا: ابن الأبيرقِ قالها] [¬٥]\nقالوا: وكانوا أهل بيت حاجة وفاقة في الجاهلية والإسلام، وكان الناس إنما طعامهم بالمدينة التمر والشعير، وكان الرجل إذا كان له يسار فقدمت ضافطة [¬٦] [¬٧] من الشام من الدّرْمَك [¬٨]\n_________\n= رواه من طريق الحسن بن أحمد ابن المنذر وأبو الشيخ فى تفسيريهما كما قال المصنف وعزاه لهما أيضًا السيوطى فى \"الدر المنثور\" (٢/ ٣٨٢) ورواه الطبرانى فى \"المعجم الكبير\" (١٩ ح ١٥) ومن طريقه المزى فى \"تهذيب الكمال\" (٢١/ ٤٨٣) - ثنا أبو شعيب عبد الله بن الحسن بن أحمد بن أبى شعيب حدثنى أبى به. ورواه الخطيب البغدادى فى \"التاريخ\" (٧/ ٢٦٦) من طريق عبد الله بن الحسن به. غير أنه قال: حدثنى جدى وأبى جميعًا قالا: حدثنا محمد بن سلمة به، وفيه قال أبو شعيب، قال لى أبى: سمعه منى يحيى بن معين ببغداد فى مسجد الجامع وأحمد بن حنبل وعلى بن المدينى واسحاق بن أبي إسرائيل. ورواه ابن أبى عاصم فى \"الآحاد والمثانى\" (٤/ ١٩٥٨)، وابن أبى حاتم (٤/ ٥٩٣٣) كلاهما حدثنا هاشم بن القاسم الحرانى ثنا محمد بن سلمة به. قال أبو عيسى: \"هذا حديث غريب لا نعلم أحدًا أسنده غير محمد بن سلمة الحرانى، وروى يونس بن بكير وغير واحد هذا الحديث عن محمد بن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة مرسل لم يذكروا فيه عن أبيه عن جدّه وقتادة هو أخو أبى سعيد الخدرى لأمه، وأبو سعيد الخدرى، سعد بن مالك\". كذا قال الترمذى: \"لم يسنده غير محمد بن سلمة\"!! وقد رواه الحاكم فى \"المستدرك\" (٤/ ٣٨٥، ٣٨٦) ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، =\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من خ.\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- سقط من: خ.\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"أو كما قال الرجل، وقالوا ابن الأبيرق قالها\" وهو تخليط وتحريف لا معنى له. وما أثبتناه من تفسير الطبري، وهو الصواب إن شاء الله.\n[¬٦]- في ز: \"صافطة\".\n[¬٧]- الضافط: الذي يجلب الميرة والمتاع إلى المدن، وكانوا يومئذٍ قومًا من الأنباط يحملون إلى المدينة الدقيق والزيت.\n[¬٨]- الدرمك: الدقيق النقي الأبيض.","vol":"4","page":262},{"text":"ابتاع الرجل منها فخص بها نفسه، وأمّا العيال فإنما طعامهم التمر والشعير، فقدمت ضافطة [¬١] من الشام، فابتاع عمي رفاعة بن زيد حملًا من الدرمك، فحطه، في مشرُبة له، وفي المشربة سلاح: درع وسيف فعدي عليه من تحت البيت، فنُقبت الشربة وأخذ الطعام والسلاح. فلما أصبح أتاني عمي رفاعة فقال: يا ابن أخي؛ إنه قد عُدى علينا في ليلتنا هذه، فنقبت مشربتنا وذهب بطعامنا وسلاحنا، قال: فتجسسنا في الدار وسألنا، فقيل لنا: قد رأينا بني أبيرق استوقدوا في هذه الليلة، ولا نرى فيما نرى إلا على بعض طعامكم.\nقال: [وكان بنو] [¬٢] أبيرق قالوا - و[¬٣] نحن نسأل في الدار -: والله، ما نرى صاحبكم إلا لبيد بن سهل - رجلًا منا له صلاح وإسلام. فلما سمع لبيد اخترط سيفه، وقال: أنا أسرق؟! والله ليخالطنكم هذا السيف، أو لتبينن [¬٤] هذه السرقة. قالوا: إليك عنا أيها الرجل، فما أنت بصاحبها. فسألنا في الدار حتى لم نشك أنهم أصحابها.\nفقال لي عمي: يا ابن أخي، لو أتيت رسول الله، ﷺ، فذكرت ذلك له، قال قتادة: فأتيت رسول الله، ﷺ، فقلت: إن أهل بيت منا أهل جفاء عمدوا إلى عمي رفاعة بن زيد فنقبوا مشربة له، وأخذوا سلاحه وطعامه، فليردّوا علينا سلاحنا، فأمّا الطمام فلا حاجة لنا فيه، فقال النبي، ﷺ: \"سآمر في ذلك\".\nفلما سمع بنو أبيرق أتوا رجلًا منهم يقال له: أسيد بن عمرو فكلموه في ذلك، فاجتمع في ذلك أناس من أهل الدار، فقالوا: يا رسول الله، ﷺ: إن قتادة بن النعمان وعمه عمدا إلى أهل بيت منا، أهل إسلام وصلاح يرمونهم بالسرقة من غير بينة ولا ثبت، قال قتادة: فأتيت النبي، ﷺ، فكلمته فقال: \"عمدت إلى أهل بيت ذكر منهم إسلام وصلاح، ترميهم بالسرقة على غير ثَبَتٍ [¬٥] ولا [¬٦] بينة؟ \".\n_________\n= ثنا أحمد بن عبد الجبار، ثنا يونس بن بكير حدثنى محمد بن إسحاق حدثنى عاصم بن عمر بن قتادة عن أبيه عن جده قتادة، فذكره موصولًا، وقال الحاكم: \"حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه\" وسكت عنه الذهبى فأجاد، فإن عمر بن قتادة لم يخرج له غير الترمذى، وقال عنه ابن حجر فى \"التقريب\": \"مقبول\" يعنى إذا توبع، وهو لم يتابع هنا، فالإسناد ضعيف، والله أعلم.\n_________\n[¬١]- في ز: \"صافطة\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز: \"وكانوا بني\".\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- في ز: \"لتتبين\".\n[¬٥]- الثبت؛ الحجة والبرهان.\n[¬٦]- سقط من: ز.","vol":"4","page":263},{"text":"قال: فرجعت، ولوددت أني خرجت من بعض مالي، ولم أكلم رسول الله، ﷺ، في ذلك، فأتاني عمي رفاعة [¬١] فقال: يا أبن أخى، ما صنعت؟ فأخبرته بما قال لي [¬٢] رسول الله، ﷺ، فقال: الله المستعان، فلم نلبث أن نزل القرآن ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ يعني [¬٣]: بني أبيرق ﴿وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾ أي [¬٤]: مما قلت لقتادة ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (١٠٦) وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا (١٠٧) يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ﴾ - إلى قوله - ﴿رَحِيمًا﴾ أي: لو استغفروا الله لغفر لهم ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ إلى قوله: ﴿وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ قولهم للبيد ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ﴾ إلى قوله: ﴿فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾.\nفلما نزل القرآن أتى رسول الله، صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، بالسلاح فردّه إلى رفاعة.\nقال قتادة: لما أتيت عمي بالسلاح، وكان شيخًا قد عشا أو عسا [¬٥]- الشك من أبي عيسى (*) - في الجاهلية، وكنت أرى إسلامه مدخولًا، فلما أتيته بالسلاح قال: يا ابن أخي، هو [¬٦] في سبيل الله، فعرفت أن إسلامه كان صحيحًا، فلما نزل القرآن لحق بشير بالمشركين، فنزل على سلافة بنت سعد بن سمية، فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥) إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ فلما نزل على سلافة [بنت سعد] [¬٧] رماها حسان بن ثابت، [بأبيات من] [¬٨] شعر [¬٩] فأخذت رحله فوضعته [¬١٠] على رأسها، ثم خرجت به فرمته [¬١١] في الأبطح، ثم قالت: أهديت لي شعر حسان، ما كنت تأتيني بخير. لفظ الترمذي.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- سقط من: ز.\n[¬٥]- عسا (بالسين المهملة): أي كير وأسنَّ، من عسا القضيب إذا يبس، وبالمعجمة: أي: قلَّ بصره وضعف.\n[¬٦]- في ز: \"هي\".\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٨]- ما بين المعكوفتين في ز: \"في\"، وسقط من: خ.\n[¬٩]- في خ: \"بشعر\".\n[¬١٠]- في ز: \"وضعته\".\n[¬١١]- في ز: \"فرمت به\".","vol":"4","page":264},{"text":"ثم قال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعلم أحدًا أسنده غير [¬١] محمد بن سلمة الحراني، وروى يونس بن بكير وغير واحد، عن محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر ابن قتادة مرسلًا لم يذكروا فيه عن أبيه عن جدّه.\nورواه ابن أبي حاتم، عن هاشم بن القاسم الحراني، عن محمد بن سلمة، به ببعضه.\nورواه ابن المنذر في تفسيره، حدثنا محمد بن إسماعيل - يعني الصائغ - حدثنا [الحسن ابن] [¬٢] أحمد بن ابي شعيب الحراني [¬٣]، حدثنا محمد بن سلمة … فذكره بطوله.\nورواه أبو الشيخ الأصبهاني في تفسيره عن محمد بن العباس بن أيوب، والحسن بن يعقوب، كلاهما عن الحسن بن أحمد بن أبي شعيب الحراني، عن محمد بن سلمة، به [¬٤]. ثم قال في آخره: قال محمد بن سلمة: سمع مني هذا الحديث يحيى بن معين وأحمد بن حنبل وإسحاق ابن إسرائيل.\nوقد روى هذا الحديث الحاكم أبو عبد الله النيسابوري، في كتابه \"المستدرك\" عن أبي العباس الأصم، عن أحمد بن عبد الجبار العطاردي، عن يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق بمعناه - أتم منه، وفيه الشعر، ثم قال: وهذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه.\nوقوله تعالى: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾، هذا إنكار على المنافقين في كونهم يستخفون بقبائحهم من الناس؛ لئلا ينكروا [¬٥] عليهم ويجاهرون الله بها؛ لأنه مطلع على سرائرهم، وعالم بما في ضمائرهم، ولهذا قال: ﴿وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا﴾ تهديد لهم ووعيد.\nثم قال تعالى: ﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا﴾. أي: هب أن هؤلاء انتصروا في الدنيا بما أبدوه أو أبدى لهم عند الحكام الذين يحكمون [¬٦] بالظاهر وهم متعبدون [¬٧] بذلك، فماذا يكون صنيعهم يوم\n_________\n[¬١]- في ز: \"عن\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٣]- في ز: \"الحياني\".\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- في ز: \"ينكرون\".\n[¬٦]- سقط من: ز.\n[¬٧]- في ز، خ: \"معبدون\".","vol":"4","page":265},{"text":"القيامة بين يدي الله تعالى الذي يعلم السر وأخفى، ومن ذا الذي يتوكل لهم يومئذ [يوم القيامة] [¬١] في ترويج دعواهم. أي: لا أحد يومئذ يكون لهم وكيلًا، ولهذا قال: ﴿أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا﴾؟.\n﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (١١٠) وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١١١) وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (١١٢) وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾\nيخبر تعالى عن كرمه وجوده أن كل من تاب إليه تاب عليه من أي ذنب كان، فقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾.\nقال على بن أبي طلحة، عن ابن عباس: إنه قال في هذه الآية: أخبر الله عباده بعفوه، وحلمه، وكرمه، وسعة رحمته، ومغفرته، فمن أذنب ذنبًا صغيرًا كان أو كبيرًا: ﴿ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ ولو كانت ذنوبه أعظم من السموات والأرض والجبال. رواه ابن جرير (^٧٨٥).\nوقال ابن جرير أيضًا (^٧٨٦): حدثنا محمد بن مثنى، حدثنا محمد بن أبي عدي، عن شعبة، عن عاصم، عن أبي وائل قال: قال عبد الله: كان بنو إسرائيل إذا أصاب أحدهم ذنبًا، أصبح قد كتب كفارة ذلك الذنب على بابه، وإذا أصاب البول شيئًا منه قرضه بالمقراض [¬٢]، فقال\n_________\n(^٧٨٥) - تفسير ابن جرير (٩/ ١٠٤٢٤) وذكره السيوطى فى \"الدر المنثور\" (٢/ ٣٨٧) وزاد عزوه إلى ابن المنذر.\n(^٧٨٦) - تفسير ابن جرير (٩/ ١٠٤٢٢) وإسناده صحيح، وعاصم هو ابن كليب، ورواه عبد الرزاق فى \"المصنف\" (١١/ ٢٠٢٧٤) - ومن طريقه الطبرانى فى \"المعجم الكبير\" (٩/ ٨٧٩٤) والبيهقى فى=\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٢]- في خ: \"بالمقاريض\".","vol":"4","page":266},{"text":"رجل: لقد آتى الله بني اسرائيل خيرًا، فقال عبد الله ﵁: ما آتاكم الله [¬١] خير مما آتاهم، جعل الماء لكم طهورًا، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾. وقال: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾.\nوقال أيضًا (^٧٨٧): حدثني يعقوب، حدثنا هشيم، حدثنا ابن عون، عن حبيب بن أبي ثابت، قال: جاءت امرأة إلى [¬٢] عبد الله بن مغفل، [فسألته عن امرأة فجرت فحبلت، فلما ولدت قتلت ولدها؟ قال عبد الله بن مغفل] [¬٣]: ما لها؟ لها النار!، فانصرفت وهي تبكي، فدعاها ثم قال: ما أرى [¬٤] أمرك إلا أحد أمرين: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ قال: فمسحت عينها، ثم مضت.\nوقال الإِمام أحمد (^٧٨٨): حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا شعبة، عن عثمان بن المغيرة؛ قال: سمعت على بن ربيعة من بني أسد يحدث عن أسماء، أو ابن أسماء من بي فزارة قال: قال على ﵁: كنت إذا سمعت من رسول الله، ﷺ، شيئًا نفعني الله فيه [¬٥] بما شاء أن ينفعني منه. وحدثني أبو بكر - وصدق أبو\n_________\n= \"الشعب\" (٢/ ١٤٠٦) - أخبرنا معمر عن أيوب عن ابن سيرين عن ابن مسعود به. وذكره الهيثمى فى \"المجمع\" (٧/ ١٤) وقال: \"رجاله رجال الصحيح إلا أن ابن سيرين ما أظنه سمع من ابن مسعود والله أعلم\" وله طريقان آخران عند الطبرانى (٩/ ٩٠٣٥، ٩٠٧٠) وإسنادهما صحيح. وزاد عزوه السيوطى فى \"الدر المنثور\" (٢/ ٣٨٧) إلى عبد بن حميد.\n(^٧٨٧) - تفسير ابن جرير (٩/ ١٠٤٢٣) ولم يعزه السيوطى فى \"الدر المنثور\" (٢/ ٣٨٧) لغيره وفيه انقطاع بين حبيب بن أبى ثابت وعبد الله بن مُغَفّل.\n(^٧٨٨) - \" المسند\" (١/ ٨، ٩) ورواه الطيالسى (ص ١)، وأبو يعلى (١/ رقم ١٣) - ومن طريقه المروزى فى \"مسند أبى بكر\" (رقم: ١٠) والضياء فى \"المختارة\" (١/ رقم ٩) - والبزار (١/ ٦ /البحر الزخار) وابن جرير فى \"تفسيره\" (٧/ ٧٨٥٣) من طريق محمد بن جعفر عن شعبة به. وتابع شعبة عليه هكذا: \"مسعر بن كدام وسفيان الثورى، وأبو عوانة وشريك وقيس بن الربيع وإسرائيل والحسن بن عمارة، فاتفقوا فى إسناده إلا أن شعبة من بينهم شك فى أسماء بن الحكم فقال: عن أسماء أو أبى أسماء أو ابن أسماء .. \" وقد روى الحديث من أوجه أخرى ذكرها أبو الحسن الدارقطني فى \"الملل\" (١/ ش ٨) =\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- بعده في خ: \"رسول الله ﷺ\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- في خ. \"أدري\".\n[¬٥]- سقط من: ز، خ.","vol":"4","page":267},{"text":"بكر - قال: قال رسول الله، ﷺ: \"ما من مسلم يذنب ذنبًا، ثم يتوضأ فيصلي ركعتين، ثم يستغفر الله لذلك الذنب إلا غفر له\" وقرأ هاتين الآيتين: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾. ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾.\nوقد تكلمنا على هذا الحديث، وعزيناه إلى من رواه من أصحاب السنن، وذكرنا ما في سنده من مقال في مسند أبي بكر الصديق، ﵁، وقد تقدم بعض ذلك في سورة آل عمران أيضًا.\nوقد رواه ابن مردويه في تفسيره (^٧٨٩) من وجه آخر عن علي، فقال: حدثنا أحمد بن محمد ابن زياد، حدثنا إبراهيم بن إسحاق الحربي، حدثنا داود بن مهران الدباغ، حدثنا عمر بن يزيد، عن أبي إسحاق، عن عبد خير، عن علي؛ قال: سمعت أبا بكر - هو الصديق - يقول: سمعت رسول الله، ﷺ، يقول: \"ما من عبد أذنب، فقام فتوضأ فأحسن وضوءه، ثم قام فصلى واستغفر من ذنبه، إلا كان حقًّا على الله أن يغفر\n_________\n= ثم قال: \"وأحسنها إسنادًا وأصحها ما رواه الثورى ومسعر، ومن تابعهما عن عثمان بن المغيرة\" ومن هذا الوجه صححه أبو حاتم بن حبان (٢/ ٦٢٣ / إحسان)، لكن أعله أبو عبد الله البخارى - \"التاريخ الكبير\" (١/ ٢/ ٥٥) - بأن \"أسماء بن الحكم الفزارى، لم يُرو عنه إلَّا هذا الحديث، وحديث آخر، لم يتابع عليه، وقد روى أصحاب النبى ﷺ بعضهم عن بعض، ولم يُحَلِّف بعضهم بعضًا\" - وذلك لأن فى بعض روايات الحديث أن عليًّا قال: \"وإذا حدثنى رجلٌ من أصحابه استحلفته، فإذا حلف لى صدقته\" - وقد أجاب عن ذلك الحافظ أبو الحجاج المزى فى \"تهذيب الكمال\" (٢/ ٥٣٤/ ت أسماء) فقال: \"ما ذكره البخارى ﵀ لا يقدح فى صحة هذا الحديث، ولا يوجب ضعفه، أما كونه لم يتابع عليه فليس شرطًا في صحة كل حديث صحيح أن يكون لراويه متابعٌ عليه، وفى الصحيح عدة أحاديث لا تُعرف إلَّا من وجه واحدٍ نحو حديث \"الأعمال بالنيات\" الذى أجمع أهل العلم على صحته وتلقيه بالقبول وغير ذلك وأمَّا ما أنكره من الاستحلاف، فليس فيه أن كل واحدٍ من الصحابة كان يستحلف من حدثه عن النبى ﷺ بل فيه أن عليًّا ﵁ كان يفعل ذلك، وليس ذلك بمنكر أن يحتاط فى حديث النبى ﷺ كما فعل عمر ﵁ فى سؤاله البينة بعض من كان يروى له شيئًا - يعنى حديث أبى موسى الأشعرى فى الاستئذان - عن النبى ﷺ كما هو مشهور عنه، والاستحلاف أيسر من سؤال البينة … \" وانظر ما بعده.\n(^٧٨٩) - ورواه الدارقطني فى \"الأفراد\" - كما فى حاشية \"العلل\" (١/ ش ٨) - من طريق داود بن مهران به. قال الدارقطني: \"لم يروه عن عمر بن يزيد غير داود بن مهران، وهو غريب من حديث أبى إسحاق عن عبد خير\" وداود بن مهران ثقة غير أن شيخه عمر بن يزيد هذا منكر الحديث - كما قال ابن عدى، وانظر السابق.","vol":"4","page":268},{"text":"له\" [لأنه] [¬١] يقول: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾.\nثم رواه من طريق أبان بن أبي عياش عن أبي إسحاق السبيعي، عن الحارث، عن علي، عن الصديق بنحوه، وهذا إسناد لا يصح.\nوقال ابن مردويه (^٧٩٠): حدثنا محمد بن علي بن دحيم، حدثنا أحمد بن حازم، حدثنا موسى بن مروان الرقي، حدثنا مبشر بن إسماعيل الحلبي، عن تمام بن نجيح، حدثني كعب ابن ذهل [¬٢] الأزدي؛ قال: سمعت أبا الدرداء يحدث قال: كان رسول الله، ﷺ، إذا جلسنا حوله، وكانت له حاجة فقام إليها وأراد الرجوع، ترك نعليه في مجلسه أو بعض ما عليه، وأنه قام فترك نعليه، قال أبو الدرداء: فأخذ ركوة من ماء فأتبعته، فمضى ساعة ثم رجع، ولم يقض حاجته، فقال: \"إنه أتاني آت من ربي فقال: إنه ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ فأردت أن أبشر أصحابي\" قال أبو الدرداء: وكانت قد شقت على الناس الآية التي قبلها ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ فقلت: يا رسول الله، ﷺ، وإن زنى وإن سرق ثم استغفر ربه غفر له؟ قال: \"نعم\" ثم قلت الثانية، قال: \"نعم\" ثم قلت الثالثة، قال: \"نعم، وإن زنى وإن سرق ثم استغفر الله غفر الله [¬٣] له، على رغم أنف عويمر\". قال: فرأيت أبا الدرداء يضرب أنف نفسه بأصبعه.\nهذا حديث غريب جدًّا من هذا الوجه بهذا السياق. وفي إسناده ضعف.\nوقوله: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾، كقوله\n_________\n(^٧٩٠) - وعزاه إلى ابن مردويه السيوطى فى \"الدر المنثور\" (٢/ ٣٨٨) وزاد عزوه السيوطى إلى أبى يعلى والطبرانى، و\"مسند أبى الدرداء\" لم يطبع فى \"مسند أبى يعلى\" و\"المعجم الكبير\" ومن طريق الطبرانى رواه المزى فى \"تهذيب الكمال\" (٢٤/ ت ٤٩٧١) من طريق أحمد بن خليد ثنا محمد بن أبى أسامة ثنا مبشر بن إسماعيل به. وفد رواه أبو داود فى \"السنن\"، كتاب: الأدب، باب: إذا قام من مجلس ثم رجع (٤٨٥٤) - ومن طريقه البيهقى فى \"السنن الكبرى\" (٦/ ١٥١) - ثنا إبراهيم بن موسى الرازى، ثنا مبشر بن إسماعيل به مختصرًا.\nوإسناده ضعيف لضعف تمام بن نجيح وشيخه فقد لين الأخير ابن حجر، وقال الذهبى فى \"الميزان\" (٣/ ٦٩٦١): \"لا يعرف\".\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في خ: \"لأن الله\".\n[¬٢]- في خ: \"ذهيل\".\n[¬٣]- سقط من: خ.","vol":"4","page":269},{"text":"تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾، يعني أنه لا يجني أحد عن [¬١] أحد، وإنما على كل نفس ما عملت لا يحمل عنها غيرها، ولهذا قال تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ أي: من علمه وحكمته، وعدله ورحمته كان ذلك.\nثم قال: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾، يعني كما اتهم بنو [¬٢] أبيرق بصنيعهم القبيح ذلك الرجل الصالح، وهو لبيد بن سهل كما تقدم في الحديث، أو زيد بن السمين اليهودي على ما قاله الآخرون، وقد كان بريئًا وهم الظلمة الخونة، كما أطلع الله على ذلك رسوله، ﷺ، ثم هذا التقريع وهذا التوبيخ عام فيهم وفي غيرهم ممن اتصف بصفتهم [¬٣]، فارتكب مثل خطئتهم فعليه مثل عقوبتهم.\nوقوله: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ﴾ قال الإِمام ابن أبي حاتم (^٧٩١): أنبأنا هاشم بن القاسم الحراني، في كتب إليّ، حدثنا محمد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن [¬٤] قتادة الأنصاري، عن أبيه، عن جده قتادة بن النعمان، وذكر قصة بني أبيرق، فأنزل الله: ﴿لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ﴾ يعني: أسير بن [¬٥] عروة وأصحابه، يعني بذلك لما أثنوا على بني أبيرق ولاموا قتادة بن النعمان في كونه اتهمهم وهم صلحاء برآء، ولم يكن الأمر كما أنهوه إلى رسول الله، ﷺ، ولهذا أنزل الله فصل القضية وجلاءها لرسول الله، ﷺ.\nثم امتن عليه بتأييده إياه في جميع الأحوال، وعصمته له، وما أنزل عليه من الكتاب، وهو القرآن والحكمة، وهى السنة: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ أي: قبل نزول ذلك عليك، كقوله: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾، وقال تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَرْجُو\n_________\n(^٧٩١) - تفسير ابن أبى حاتم (٤/ ٥٩٥٥) وتقدم الكلام عليه (ح ٧٨٩).\n_________\n[¬١]- في ز: \"على\".\n[¬٢]- في ز: \"بنى\".\n[¬٣]- في خ: \"مثل صفتهم\".\n[¬٤]- في ز: \"عن\".\n[¬٥]- في خ: \"بنى\".","vol":"4","page":270},{"text":"أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ ولهذا قال: ﴿وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾.\n﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١١٤) وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾\nيقول تعالى: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ﴾ يعني كلام الناس، ﴿إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ أي: إلا نجوى من قال ذلك، كما جاء في الحديث الذي رواه ابن مردويه (^٧٩٢):\nحدثنا محمد بن عبد الله بن إبراهيم، حدثنا محمد بن سليمان بن الحارث، حدثنا محمد ابن يزيد بن خنيس؛ قال: دخلنا على سفيان الثوري [نعوده - وأومأ إلى دار العطارين - فدخل علينا سعيد بن حسان المخزومي، فقال له الثوري] [¬١]: الحديث الذي كنت حدثتنيه [¬٢] عن أم صالح اردُدْه [¬٣]، عليّ فقال: حدثتني أم صالح، عن صفية بنت شيبة، عن أم حبيبة قالت:\n_________\n(^٧٩٢) - وعزاه لابن مردويه السيوطى فى \"الدر المنثور\" (٢/ ٣٨٨) ورواه الحاكم فى \"المستدرك\" (٢/ ٥١٢، ٥١٣) - وعنه وعن غيره البيهقى فى \"الشعب\" (٤/ ٤٩٥٤) - والخطيب فى \"تاريخه\" (١٢/ ٣٢١) والمزى فى \"تهذيب الكمال\" (٣٥/ ٣٦٨ /ت: أم صالح بنت صالح) من طريق محمد بن سليمان - وهو الباغندى - به. ورواه عبد الله بن أحمد فى زوائده على \"الزهد\" (ص ٣٠) والخطيب (١٢/ ٣٢١) من طريق أبي عمرو نصر بن علي الجهضمى. وأبو يعلى فى \"مسنده\" (١٣/ ٧١٣٢) ثنا زهير أبو خيثمة، والطبرانى فى \"المعجم الكبير\" (٢٣/ ٤٨٤) من طريق أبي هارون موسى بن محمد ومحمد بن أبي يعقوب الكرمانى. والقضاعى فى\"مسند الشهاب\" (١/ ح ٣٠٥) من طريق محمد بن الجنيد، وابن أبي الدنيا فى \"الصمت\" (رقم ١٤) ثنا إسحاق بن إسماعيل وسعدويه وغيرهما. والبيهقى فى \"الشعب\" (١/ ح ٥١٤) من طريق عباس الدورى. ثمانيتهم (نصر وزهير وموسى والكرمانى وابن الجنيد وإسحاق وسعدويه والدوري) عن محمد بن يزيد بن خنيس به، ورواه البخارى فى \"التاريخ الكبير\" (١/ ٢٦١، ٢٦٢/ ت ابن خنيس) ثنا قتيبة، وعبد بن حميد فى \"المنتخب\" (١٥٥٤)، وأبو عيسى الترمذى فى \"الجامع\" (٢٤١٢)، وابن ماجه (٣٩٧٤) كلاهما ثنا محمد بن بشار،=\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٢]- في خ: \"حدثتني به\".\n[¬٣]- في خ: \"ردده\".","vol":"4","page":271},{"text":"قال رسول الله، ﷺ: \"كلام ابن آدم كله عليه لا له [إلا ذكر الله ﷿، أو أمر بمعروف، أو نهي عن منكر\"] [¬١]، [فقال محمد بن يزيد: ما أشد هذا الحديث] [¬٢] فقال [¬٣] سفيان: [وما شدة] [¬٤] [هذا الحديث؟ إنما جاءت به امرأة عن امرأة، هذا في كتاب الله الذي أرسل به نبيكم، ﷺ، أوَ ما سمعت الله في كتابه يقول: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾؟ فهو هذا بعينه، أو ما سمعت الله يقول: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا﴾؟ فهو هذا بعينه] [¬٥]، أو ما سمعت الله يقول في كتابه: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ إلى آخر الآيات، فهو هذا بعينه، وقد روى هذا الحديث الترمذي وابن ماجة من حديث محمد بن يزيد بن خُنيس، عن سعيد بن حسان، به، ولم يذكر أقوال الثوري إلى آخره [¬٦]، ثم قال الترمذي: حديث غريب لا نعرفه [¬٧] إلا من حديث [ابن خُنيس] [¬٨].\nوقال الإمام أحمد (^٧٩٣): حدثنا يعقوب، حدثنا أبي، حدثنا صالح بن كيسان، حدثنا\n_________\n= زاد الترمذى، وغير واحد، وأبو يعلى (١٣/ ٧١٣٤) ثنا محمد بن عبد الله بن نمير، والخطيب (١٢/ ٤٣٣، ٤٣٤) من طريق القاسم بن المغيرة الجوهرى خمستهم (قتيبة وعبد بن حميد وابن بشار وابن نمير والجوهري) ثنا محمد بن يزيد به. دون ذكر سفيان الثورى وقصته. وسكت عنه الحاكم والذهبى، وقال الترمذى: \"حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث محمد بن يزيد بن خنيس\" وهو ثقة، فقد قال أبو حاتم الرازى - \"الجرح والتعديل\" (٨/ ت ٥٧٣) - (كان شيخًا صالحًا، كتبنا عنه بمكة، وكان ممتنعًا من التحديث أدخلنى عليه ابنه. قال عبد الرحمن بن أبي حاتم: فقيل لأبي فما قولك فيه؟ فقال: \"ثقة\")، وذكره ابن حبان فى \"الثقات\" (٩/ ٦١) وقال: \"كان من خيار الناس، ربما أخطأ، يجب أن يعتبر بحديثه إذا بين السماع فى خبره\" وهو هنا صرح بالسماع إلا أن أوَّ صالح بنت صالح، لم يرو عنها غير سعيد بن صالح، وجهلها الحافظان: الذهبى، وابن حجر، ومع هذا فقد رمز لصحته السيوطى فى \"الجامع الصغير\" وخالفه أبو عبد الرحمن الألبانى فرقم به (حديث ٤٢٨٨) من \"ضعيف الجامع\" والله المستعان.\n(^٧٩٣) - \" المسند\" (٦/ ٤٠٣) ورواه أيضًا (٦/ ٤٠٣، ٤٠٤)، والبخارى، كتاب: الصلح، باب: ليس الكاذب الذى يصلح بين الناس (٢٦٩٢)، ومسلم، كتاب: البر والصلة والآدب، باب:=\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين فى ز، خ: \"ما خلا أمر بمعروف أو نهى عن منكر أو ذكر الله ﷿\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في ز: \"قال\".\n[¬٤]- ما ببن المعكوفتين في ز: \"وناشدته\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- في خ: \"آخرها\".\n[¬٧]- في ت: \"يعرف\".\n[¬٨]- ما بين المعكوفتين في ز: \"خنيش\".","vol":"4","page":272},{"text":"محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب: أن حميد بن عبد الرحمن بن عوف أخبره: أن أمه أم كلثوم بنت عقبة؛ أخبرته أنها سمعت رسول الله، ﷺ، يقول: \"ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس فينمي خيرًا، أو يقول خيرًا\" وقالت: لم أسمعه يرخص في شيء مما يقوله الناس إلا في ثلاث: في الحرب والإصلاح بين الناس، وحديث الرجل امرأته، وحديث المرأة زوجها. قال: وكانت أم كلثوَم بنت عقبة من المهاجرات اللاتي بايعن رسول الله، ﷺ.\nوقد رواه الجماعة سوى ابن ماجة من طرق عن الزهري، به نحوه.\nقال الإمام أحمد (^٧٩٤): حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن عمرو بن مُرَّة [¬١]، عن سالم ابن أبى الجَعد، عن أم الدرداء، عن أبي الدرداء؛ قال: قال رسول الله، ﷺ: \"ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام، والصلاة، والصدقة؟ \" قالوا: بلى. قال: \"إصلاح ذات البين\". قال: \"وفساد ذات البين هي الحالقة\".\nورواه أبو داود والترمذي من حديث أبي معاوية. وقال الترمذي: حسن صحيح.\nوقال الحافظ أبو بكر البزار (^٧٩٥): حدثنا محمد بن عبد الرحيم، حدثنا سُريج بن يونس،\n_________\n= تحريم الكذب، وبيان المباح منه (١٠١) (٢٦٠٥)، وأبو داود، كتاب: الآداب، باب: فى إصلاح ذات البين (٤٩٢٠، ٤٩٢١)، والترمذى، كتاب: البر والصلة، باب: ما جاء فى إصلاح ذات البين (١٩٣٨)، والنسائى فى \"الكبرى\" كتاب: السير، باب: الرخصة فى الكذب (٢٧٣٨١) من طرق عن الزهرى به.\n(^٧٩٤) - \" المسند\" (٦/ ٤٤٤)، ورواه أبو داود، كتاب: الأدب، باب: فى إصلاح ذات البين (٤٩١٩)، والترمذى، كتاب: صفة القيامة (٢٥٠٩)، والبخارى فى \"الأدب المفرد\" (٣٩١) وغيرهم من طريق أبي معاوية به، وقال الترمذى: \"حديث صحيح\" وصححه أبو حاتم بن حبان (١١/ ٥٠٩٢/ إحسان).\n(^٧٩٥) - رواه البزار (٣/ ٢٠٦٠/ كشف الأستار) و(٢/ ١٧٤١/ مختصر الزوائد لابن حجر)، وقال البزار: \"لا نعلمه يروى عن أنس إلا من هذا الوجه، ولا نعلم حدث به عن حميد إلا عبد الله بن عمر، ولا عنه إلا ابنه عبد الرحمن، وهو لين أحديث، حدَّث بأحاديث لا يتابع عليها\" وذكره الهيثمى فى \"المجمع\" (٨/ ٨٢، ٨٣) وقال: \"رواه البزار وفيه عبد الرحمن بن عبد الله العمرى، وهو متروك\" تركه أبو حاتم وأبو زرعة والنسائى والدارقطني، وقال البخارى: \"ليس ممن يروى عنه\"، وضعفه ابن معين، وقال أحمد: \"أحاديثه مناكير، كان كذابًا\"، وقال ابن عدى: \"عامة ما يرويه مناكير إمَّا إسنادًا، وإما متنًا\"، وهو مترجم فى \"التهذيب\". والحديث لم يعزه السيوطي فى \"الدر المنثور\" (٢/ ٣٩٢) لغير البزار، وزاد عزوه المنذرى فى \"الترغيب والترهيب\" إلى الطبرانى.\n_________\n[¬١]- في خ: \"محمد\".","vol":"4","page":273},{"text":"حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر، حدثنا أبي، عن حميد، عن أنس أن النبي، ﷺ، قال لأبي أيوب: \"ألا أدلك على تجارة؟ \" قال: بلي [يا رسول الله] [¬١]، قال: \"تسعي في صلح بين الناس إذا تفاسدوا، وتقارب بينهم إذا تباعدوا\" ثم قال البزار: وعبد الرحمن بن عبد الله العمري لين، وقد حدث بأحاديث [¬٢] لم يتابع عليها.\nولهذا قال: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ أي: مخلصًا في ذلك محتسبًا ثواب ذلك عند الله ﷿، ﴿فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ أي: ثوابًا جزيلًا كثيرًا واسعًا.\nوقوله: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى﴾. أي: ومن سلك غير طريق الشريعة التي جاء بها الرسول، ﷺ، فصار في شق، والشرع في شق وذلك عن عمد منه بعد ما ظهر له الحق وتبين له واتضح له. وقوله: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ هذا ملازم للصفة الأولى، ولكن قد تكون المخالفة لنص الشارع، وقد تكون لما أجتمعت [¬٣] عليه الأمة المحمدية فيما علم اتفاقهم عليه تحقيقًا، فإنه قد ضمنت لهم العصمة في اجتماعهم من الخطأ تشريفًا [¬٤] لهم وتعظيمًا لنبيهم، وقد وردت أحاديث صحيحة [¬٥] كثيرة في ذلك قد ذكرنا منها طرفًا صالحًا، في كتاب \"أحاديث الأصول\" ومن العلماء من ادّعى تواتر معناها، والذي عوّل عليه الشافعي، ﵀، في الاحتجاج على كون الإِجماع حجة تحرم [¬٦] مخالفته - هذه الآية الكريمة بعد التروّي والفكر الطويل، وهو من أحسن الاستنباطات وأقواها، وإن كان بعضهم قد استشكل ذلك واستبعد [¬٧] الدلالة منها على ذلك.\nولهذا توعد تعالى على ذلك بقوله: ﴿نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ أي: إذا سلك هذه الطريق جازيناه على ذلك بأن نحسنها في صدره ونزينها له، استدراجًا له كما قال تعالى: ﴿فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾، وقوله: ﴿وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾.\nوجعل النار مصيره في الآخرة؛ لأن من خرج عن الهدى لم يكن له طريق إلا إلى النار يوم القيامة، كما قال تعالى ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (٢٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾ وقال تعالى: ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا﴾.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٢]- في خ: \"أحاديث\".\n[¬٣]- في خ، ز: \"اجمع\".\n[¬٤]- في ز: \"تشريعا\".\n[¬٥]- سقط من: خ.\n[¬٦]- في ز: \"تحريم\".\n[¬٧]- في خ: \"فاستبعد\".","vol":"4","page":274},{"text":"﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١١٦) إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا (١١٧) لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (١١٨) وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا (١١٩) يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (١٢٠) أُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا (١٢١) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا (١٢٢)﴾\nقد تقدم الكلام على هذه الآية الكريمة، وهي قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾. وذكرنا ما يتعلق بها من الأحاديث في صدر هذه السورة.\nوقد روى الترمذي (^٧٩٦) حديث ثوير بن أبي فاختة سعيد بن علاقة، عن أبيه، عن علي، ﵁، أنه قال: ما في القرآن آية أحب إلى من هذه الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾. ثم قال: حسن غريب.\nوقوله: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ أي: فقد سلك غير [¬١]، الطريق\n_________\n(^٧٩٦) - رواه الترمذى فى \"الجامع\" (٣٠٣٧) ثنا خلاَّد بن أسلم، ثنا النضر بن شميل عن إسرائيل عن ثوير به. وقال الترمذى: \"حديث حسن غريب، وأبو فاختة اسمه سعيد بن علاقة، وثوير يكنى أبا جهم، وهو كوفى رجل من التابعين، وقد سمع من ابن عمر وابن الزبير، وابن مهدى كان يغمزه قليلًا\" وقال سفيان الثورى: كان ثوير من أركان الكذب وضعفه ابن معين والجوزجانى والعجلى وغيرهم وتركه الدارقطنى وابن الجنيد، وقال النسائى: \"ليس بثقه\"، وقال ابن عدى: \"قد نسب إلى الرفض، ضعفه جماعة، وأثر الضعيف على رواياته بين، وهو إلى الضعف أقرب منه إلى غيره\".\nوالخبر أورده السيوطى فى\"الدر المنثور\" (٢/ ٣٠٢) وعزاه إلى الفريابى والترمذى.\n_________\n[¬١]- في ز: \"عن\".","vol":"4","page":275},{"text":"الحق، وضل عن الهدى، وبعد عن الصواب وأهلك نفسه وخسرها في الدنيا والآخرة، وفاتته سعادة الدنيا والآخرة.\nوقوله: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا﴾ قال ابن أبي حاتم (^٧٩٧): [حدثنا أبي] [¬١]، حدثنا محمود بن غيلان، أنبأنا الفضل بن موسى، أخبرنا الحسين [¬٢] بن واقد، عن الربيع ابن أنس، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا﴾ قال: مع كل صنم جِنِّية.\nو[¬٣] حدثنا أبي (^٧٩٨)، حدثنا محمد بن سلمة الباهلي، عن عبد العزيز بن محمد، عن هشام - يعني ابن عروة - عن أبيه، عن عائشة: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا﴾ [قالت: أوثانًا.\nوروي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، وعروة بن الزبير، ومجاهد، وأبى مالك، والسدّي، ومقاتل بن حيان نحو ذلك.\nوقال جويبر (^٧٩٩) عن الضحاك في] [¬٤] قوله: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا﴾ قال المشركون: إن الملائكة بنات الله، وإنما نعبدهم ليقربونا إلى الله زلفي. قال: اتخذوها [¬٥] أربابًا، وصوروهنّ [¬٦] صور الجواري فحكموا وقلدوا، وقالوا: هؤلاء يشبهن بنات الله الذي نعبده، يعنون الملائكة.\nوهذا التفسير شبيه [بقوله] [¬٧] تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (٢٠) أَلَكُمُ\n_________\n(^٧٩٧) - تفسير ابن أبى حاتم (٤/ ٥٩٧٠)، ورواه عبد الله بن أحمد فى زوائده على \"المسند\" (٥/ ١٣٥) - ومن طريقه اختاره الضياء فى \"المختارة\" (٣/ ١١٥٧) ثنا هدبة بن عبد الوهاب ومحمود بن غيلان قالا: نا الفضل بن موسى به. وإسناده حسن وذكره الهيثمى فى \"المجمع\" (٧/ ١٥) وقال: \"رواه عبد الله بن أحمد، ورجاله رجال الصحيح\". وذكره السيوطى فى \"الدر المنثور\" (٢/ ٣٩٣) وراد عزوه إلى ابن المنذر.\n(^٧٩٨) - تفسير ابن أبي حاتم (٤/ ٥٩٧٣) وإسناده حسن.\n(^٧٩٩) - رواه ابن أبي حاتم (٤/ ٥٩٧٤)، ورواه ابن جرير (٩/ ١٠٤٣٧) مختصرًا، وذكره السيوطى فى \"الدر المنثور\" (٢/ ٣٩٤) وعزاه إلى ابن أبي حاتم وابن المنذر.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٢]- في ت: الحسن.\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٥]- في خ: \"فاتخذوهن\".\n[¬٦]- في ز: \"وصورهن\".\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين في خ: \"بقول الله\".","vol":"4","page":276},{"text":"الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (٢١) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى (٢٢) إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾، وقال تعالى: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (١٥٨) سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾.\nوقال على بن أبي طلحة والضحاك، عن ابن عباس (^٨٠٠): ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا﴾ قال: يعني موتى.\nوقال مبارك - يعني ابن فضالة - عن الحسن: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا﴾ قال الحسن: الإناث كل شيء ميت ليس فيه روح، إما خشبة يابسة وإمّا حجر يابس. ورواه ابن أبي حاتم، وابن جرير وهو غريب (^٨٠١).\nوقوله: ﴿وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا﴾ أي: هو الذى أمرهم بذلك وحسنه لهم وزينه، وهم إنما يعبدون إبليس في نفس الأمر، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾. وقال تعالى إخبارًا عن الملائكة أنهم يقولون يوم القيامة عن المشركين الذين ادّعوا عبادتهم في الدنيا: ﴿بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾.\nوقوله: ﴿لَعَنَهُ اللَّهُ﴾ أي: طرده وأبعده من رحمته، وأخرجه من جواره.\nوقال: ﴿وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ أي: معينا مقدّرًا معلومًا، قال مقاتل بن حيان: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون إلى النار، وواحد إلى الجنة.\n﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمْ﴾ أي: عن الحق ﴿وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ﴾ أي: أزين لهم ترك التوبة، وأعدهم الأماني، وآمرهم بالتسويف والتأخير، وأغرهم من أنفسهم.\nقوله: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ [¬١] فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ﴾ قال قتادة والسدي وغيرهما: يعني تشقيقها [¬٢] وجعلها سمة وعلامة للبحيرة والسائبة والوصيلة [¬٣].\n_________\n(^٨٠٠) رواه ابن جرير (٩/ ١٠٤٣٤) من طريق على بن أبي طلحة، وابن أبي حاتم (٤/ ٥٩٧١) من طريق الضحاك، كلاهما عن ابن عباس.\n(^٨٠١) - رواه ابن أبي حاتم (٤/ ٥٩٧٢)، وابن جرير (٩/ ١٠٤٣٦) من طرق عن مبارك بن فضالة به. ومبارك ضعيف.\n_________\n[¬١]- في ز: \"ولأمنينهم\".\n[¬٢]- في ز: \"يشفقنها\".\n[¬٣]- سقط من: خ.","vol":"4","page":277},{"text":"﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ قال ابن عباس: يعني بذلك خصي الدواب: وكذا روي عن ابن عمر وأنس وسعيد بن المسيب وعكرمة وأبي عياض [وقتادة وأبي صالح] [¬١] والثوري، وقد ورد في حديث النهي عن ذلك. وقال الحسن بن ًا بي الحسن البصري: يعني بذلك الوشم، وفي صحيح مسلم (^٨٠٢) النهى عن الوشم في الوجه، وفي لفظ: \" [لعن الله] [¬٢] من فعل ذلك\" (^٨٠٣)، وفي الصحيح، (^٨٠٤) عن ابن مسعود أنه قال: لعن الله الواشمات والمستوشمات، والنامصات والمتنمصات، والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله ﷿. ثم قال: ألا ألعن من لعن رسول الله، وهو في كتاب الله ﷿، يعني قوله: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾.\nوقال ابن عباس في رواية عنه ومجاهد وعكرمة [] [¬٣] وابراهيم النخعي والحسن وقتادة والحكم والسدي والضحاك وعطاء الحراسانى فى قوله ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾، يعني: دين الله ﷿ وهذا كقوله: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾، على قول من جعل ذلك أمرًا، أي: لا تبدلوا فطرة الله، ودعوا الناس على فطرتهم، كما ثبت في الصحيحين (^٨٠٥) عن ًا بي هرهة قال: قال رسول الله صلى الله على\nyyy\n_________\n(^٨٠٢) -  صحيح مسلم، كتاب: اللباس والزينة، باب: النهى عن ضرب الحيوان فى وجهه، ووسمه فيه (١٠٦) (٢١١٦) من طريق ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر قال: نهى رسول الله ﷺ عن الضرب فى الوجه، وعن الوسم فى الوجه، وانظر ما بعده.\n(^٨٠٣) - رواه مسلم أيضًا (١٠٧) (٢١١٧) من طريق معقل عن أبي الزبير عن جابر، أن النبى ﷺ مَرَّ عليه حمارٌ قد وسم فى وجهه، فقال: \"لعن الله الذى وسمه\". قال النووى فى \"شرح صحيح مسلم\" (١٤/ ١٣٦): \" … أما الوسم فالبسين المهملة، هذا هو الصحيح المعروف فى الروايات، وكتب الحديث، قال القاضى: ضبطناه بالمهملة، قال: وبعضهم يقوله بالمهملة، وبالمعجمة، وبعضهم فرق فقال: بالمهملة فى الوجه، وبالمعجمة فى سائر الجسد\".\n(^٨٠٤) - رواه البخارى، كتاب: التفسير، باب: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ (٤٨٨٦)، ومسلم، كتاب: اللباس والزينة، باب: تحريم فعل الواصلة والمستوصلة (١٢٠) (٢١٢٥)، وأبو داود، كتاب: الترجل، باب: فى صلة الشعر (٤١٦٩)، والترمذى، كتاب: الأدب، باب: ما جاء فى الواصلة والمستوصلة (٢٧٨٢)، والنسائى، كتاب: الزينة، باب: المتنمصات (٨/ ١٤٦)، باب: لعن المتنمصات والمتفلجات (٨/ ١٨٨)، وابن ماجة، كتاب: النكاح، باب: الواصلة والواشمة (١٩٨٩). (^٨٠٥) - أخرجه البخارى، كتاب: الجنائز، باب: إذا أسلم الصبى فمات هل يُصلَّى عليه (١٣٥٨) ومسلم، كتاب: القدر، باب: معنى كل مولود يولد على الفطرة (٢٢) (٢٦٥٨)، وأبو داود=\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين فى ز: \"وأبي صالح وقتادة\"\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز: \"لعنة\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في ز: \"أيضًا\".","vol":"4","page":278},{"text":"وسلم: \"كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهوّدانه، وينصرانه، ويمجسانه كما تولد البهيمة بهيمة عجماء، هل يحسون فيها من جدعاء\"، وفي صحيح مسلم (^٨٠٦)، عن عياض بن حمار قال: قال رسول الله ﷺ: (قال الله ﷿: إني خلقت عبادي حنفاء، فجاءتهم الشياطين، فاجتالتهم [¬١]، عن دينهم، وحرّمت عليهم ما أحللت [¬٢] لهم\".\n[ثم قال] [¬٣] تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا﴾، أي: فقد خسر الدنيا والآخرة وتلك خسارة لا جبر لها ولا استدراك لفائتها.\nوقوله تعالى: ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾، وهذا إخبار عن الواقع؛ فإن [¬٤] الشيطان يعد أولياءه ويمنيهم بأنهم هم الفائزون في الدنيا والآخرة، وقد كذب وافترى في ذلك. ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾ كما قال تعالى مخبرًا عن إبليس يوم المعاد: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.\nوقوله: ﴿أُولَئِكَ﴾ أي: المستحسنون [¬٥] له فيما وعدهم ومناهم ﴿مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾، أي: مصيرهم ومآلهم يوم حسابهم [¬٦] ﴿وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا﴾ أي: ليس لهم عنها مندوحة ولا مصرف، ولا خلاص، ولا مناص.\nثم ذكر تعالى حال السعداء والأتقياء وما لهم في مآلهم من الكرامة التامة، فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ أي: صدقت قلوبهم وعملت جوارحهم بما أمروا به\n_________\n= كتاب: السنة، باب: فى ذرارى المشركين (٤٧١٤)، والترمذى، كتاب القدر، باب: ما جاء كل مولود يولد على الفطرة (٢١٣٨)، والنسائى (٤/ ٥٨)، وأحمد (٢/ ٢٤٤ - وفى غير موضع) من حديث أبي هريرة بروايات مطولة ومختصرة.\n(^٨٠٦) - رواه مسلم فى صحيحه، كتاب: صفة الجنة ونعيمها وأهلها، باب: الصفات التى يعرف بها فى الدنيا أهل الجنة، وأهل النار (٦٣) (٢٨٦٥) ضمن حديث طويل، وأخرجه أيضًا النسائى فى \"الكبرى\" (٥/ ٨٠٧٠، ٨٠٧١)، وابن ماجه (٤١٧٩) مختصرًا، وأحمد (٤/ ١٦٢).\n_________\n[¬١]- في ز: \"فاختالتهم\".\n[¬٢]- في ز: \"حللت\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في ز: \"وقوله\".\n[¬٤]- في ز: \"لإن\".\n[¬٥]- في ز: \"المستحسنين\".\n[¬٦]- في ت: \"القيامة\".","vol":"4","page":279},{"text":"من الخيرات، وتركوا ما نهوا عنه من المنكرات ﴿سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ أي: يصرفونها حيث شاءوا وأين شاءوا، ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ أي: بلا زوال ولا انتقال، ﴿وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا﴾ أي: هذا وعد من الله، ووعد الله معلوم حقيقة [أنه واقع لا محالة] [¬١]، ولهذا أكده بالمصدر الدال على تحقيق الخبر، وهو قوله: ﴿حَقًّا﴾، ثم قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ أي: لا أحد أصدق منه قولًا أي: خبرًا [¬٢] لا إله إلا هو ولا رب سواه، وكان رسول الله، ﷺ، يقول في خطته (^٨٠٧): \" إن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، [وكل محدثة بدعة] [¬٣]، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار\".\n﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١٢٣) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا (١٢٤) وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا (١٢٥) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا (١٢٦)﴾\nقال قتادة: ذكر لنا أن المسلمين وأهل الكتاب افتخروا، فقال أهل الكتاب: نبينا قبل نبيكم، وكتابنا قبل كتابكم، فنحن أولى بالله منكم، وقال المسلمون: نحن أولى بالله منكم، [] [¬٤] نبينا خاتم النبيين، وكتابنا يقضي على الكتب التي كانت قبله. فأنزل الله: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾، ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾. فأفلج [¬٥]، الله حجة المسلمين على من ناوأهم من أهل الأديان.\nوكذا روي عن السدي ومسروق والضحاك وأبي صالح وغيرهم، وكذا روى العوفى عن ابن عباس، ﵁، أنه قال في هذه الآية: تخاصم أهل الأديان، فقال أهل التوراة: كتابنا\n_________\n(^٨٠٧) - رواه النسائى، كتاب: الجمعة، باب: كيف الخطبة (٣/ ١٨٨) من حديث جابر بن عبد الله=\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في خ: \"وخبرا\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٤]- في خ: و.\n[¬٥]- فى ز: \"ثم أفلج\".","vol":"4","page":280},{"text":"خير الكتب، ونبينا خير الأنبياء، وقال أهل الإنجيل مثل ذلك، وقال أهل الإِسلام: لا دين إلا الإسلام، وكتابنا نسخ كل كتاب، ونبينا خاتَم النبيين، أمرتم وأمرنا أن نؤمن بكتابكم ونعمل بكتابنا. فقضى الله بينهم فقال: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ الآية. وخير بين الأديان، فقال: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [إلى قوله] [¬١]: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾.\nوقال مجاهد: قالت [¬٢] العرب: لن نبعث ولن نعذب، وقالت اليهود والنصارى: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾: وقالوا: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾.\nوالمعنى في هذه الآية، أن الدين ليس بالتحلي ولا بالتمني، [ولكن ما وقر في القلوب وصدّقته الأعمال] [¬٣]، وليس كل من ادّعى شيئًا حصل له بمجرد دعواه، ولا كل من قال: إنه هو المحق [¬٤]، سمع قوله بمجرد ذلك حتى يكون له من الله برهان، ولهذا قال تعالى: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ أي: ليس لكم ولا لهم النجاة بمجرد التمني، بل العبرة بطاعة الله سبحانه واتباع ما شرعه على ألسنة رسله [¬٥] الكرام، ولهذا قال بعده: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾، كقوله: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾.\nوقد روي أن هذه الآية لما نزلت شق ذلك على كثير من الصحابة، قال الإِمام أحمد (^٨٠٨):\n_________\n= ورواه مسلم في صحيحه: كتاب: الجمعة، باب: تخفيف الصلاة والخطبة، بنحوه وفي الباب عن عبد الله بن مسعود لأبي تخريجه (سورة الأعراف/ آية ١٧٨).\n(^٨٠٨) - \" المسند\" (١/ ١١/ رقم ٦٨)، ورواه أيضًا (رقم ٦٩)، والحاكم في \"المستدرك\" (٣/ ٧٤، ٧٥) - وعنه وعن غيره البيهقي فى \"السنن الكبرى\" (٣/ ٣٧٣) وفي \"الشعب\" (٧/ ٩٨٠٥٧) - وابن جرير (٩/ ١٨٠٢٤) من طريق سفيان بن عيينة، ورواه أحمد أيضًا (رقم ٧٠) ثنا يعلي بن عبيد، و(رقم ٧١)، وأبو يعلى فى \"مسنده\" (١/ رقم ٩٩)، وابن جرير (٩/ ١٠٥٢٧) من طريق وكيع بن الجراح، وهناد فى \"الزهد\" (١/ح ٤٢٩) ثنا عبدة (٧/ ٢٩٢٦ / إحسان)، ورواه أبو يعلى (١/ ١٠٠) - ومن طريقه ابن حبان (٥/ ١٧٣٥/ موارد) والمروزى في مسند أبي بكر (١١١) والضياء في \"المختارة\" (١/ ح ٦٩) - وابن جرير (٩/ ١٠٥٢٨) والبيهقي في \"الشعب\" (٧/ ٩٨٠٥) من طريق يحيى بن سعيد القطان ورواه سعيد بن منصور من طريق خلف بن خليفة قاله المصنف انظر أعلاه، ورواه أبو يعلى =\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٢]- في ز: \"وقالت\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- في ت: \"على الحق\".\n[¬٥]- في خ: \"الرسل\".","vol":"4","page":281},{"text":"حدثنا عبد الله بن نمير، حدثنا إسماعيل، عن أبي بكر بن أبي زهير؛ قال: أخبرت أن أبا بكر، ﵁، قال: يا رسول الله، كيف الصلاح بعد هذه الآية؟: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ فكل [¬١] سوء عملناه [¬٢]، جزينا به؟ فقال النبي، ﷺ: \"غفر الله لك يا أبا بكر! ألست تمرض؟ ألست تنصب؟ ألست تحزن، ألست تصيبك اللأواء؟ \"، قال: بلى. قال: \"فهو ما تجزون به\".\nورواه سعيد بن منصور، عن خلف بن خليفة، عن إسماعيل بن أبي خالد، به. ورواه [ابن حبان في صحيحه عن أبي يعلى، عن أبي خيثمة، عن يحيى بن سعيد، عن إسماعيل بن أبي خالد، به. ورواه] [¬٣] الحاكم من طريق سفيان الثوري، عن إسماعيل، به.\nوقال الإِمام أحمد (^٨٠٩): حدثنا عبد الوهاب بن عطاء، عن زياد الجصاص، عن علي بن زيد، عن مجاهد، عن ابن عمر، قال: سمعت أبا بكر يقول: قال رسول الله، ﷺ: \"من يعمل سوءًا يجز به في الدنيا\".\nوقال أبو بكر بن مردويه (^٨١٠): حدثنا أحمد بن هشيم بن جهيمة، حدثنا يحيى بن أبي طالب، حدثنا عبد الوهاب بن عطاء، حدثنا زياد الجصاص، عن علي بن زيد، عن مجاهد؛ قال: قال عبد الله بن عمر: انظروا المكان الذي به [¬٤] عبد الله بن الزبير مصلوبًا، ولا تمُرُّن عليه. قال: فسها الغلام فإذا [عبد الله] [¬٥] بن عمر ينظر إلى ابن\n_________\n= (٩٨، ١٠١) من طريق عثمان بن علي والمعتمر بن سليمان، وكذا من طريق يزيد بن هارون - كما عند المروزى في \"مسنده\" (١١٢). وابن حبان (٥/ ١٧٣٤ موارد)، (٧/، ٢٩١) من طريق خالد بن عبد الله الواسطى، وابن جرير (٩/ ١٠٥٢٣، ١٠٥٢٥، ١٠٥٢٦) من طريق حكام وهشيم وأبي مالك الجنبى، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٤/ ٥٩٩٢) من طريق عقبة بن خالد، والضياء (١/ح ٧٠) من طريق مروان بن معاوية. الخمسة عشر (سفيان ويعلى ووكيع وعبدة ويحيى وخلف وعثمان والمعتمر ويزيد وخالد وحكام وهشيم وأبو مالك وعقبة ومروان) عن إسماعيل بن أبي خالد به. وقال الحاكم: \"حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه\"، ووافقه الذهبي!! مع أنه بين الانقطاع أبي بكر بن أبي زهير، وأبي بكر الصديق، فإنه لم يسمع منه كما قال أبو زرعة. انظر \"المراسيل\" لابن أبي حاتم (ترجمة ٩٦٠) - وانظر ما بعده.\n(^٨٠٩) - \" المسند\" (١/ ١٦ رقم ٢٣)، وانظر ما بعده.\n(^٨١٠) - وعزاه لابن مردويه أيضًا السيوطي في \"الدر المنثور\" (٢/ ٤٠٠) ورواه أحمد - كما تقدم =\n_________\n[¬١]- في ز: \"بكل\".\n[¬٢]- في ز: \"عملنا\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من خ.\n[¬٤]- في خ: \"فيه\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.","vol":"4","page":282},{"text":"الزبير، فقال: يغفر الله لك - ثلاثًا - أما والله ما علمتك إلا صوّامًا قوامًا وصالًا للرحم، أما والله إني لأرجو مع متساوى ما أصبت أن لا يعذبك الله بعدها، قال: ثم التفت إليّ فقال: سمعت أبا بكر الصدّيق يقول: قال رسول الله، ﷺ: \"من يعمل سوءًا في الدنيا يجز به\".\nورواه أبو بكر البزار في مسنده، عن الفضل بن سهل، عن عبد الوهاب بن عطاء، به مختصرًا. وقد [¬١] قال في مسند الزبير [¬٢] (^٨١١): حدثنا إبراهيم بن المستمر العروقي [¬٣]، حدثنا عبد الرحمن بن سليم بن حيان، حدثني أبي، عن جدي حيان بن بسطام، [] [¬٤]: قال: كنت مع ابن عمر، فمر بعبد الله بن الزبير، وهو مصلوب، فقال: [رحمك الله] [¬٥] أبا خُبَيْب، سمعتُ أباك - يعني الزبير - يقول: قال رسول الله، صلى الله عليه\n_________\n= في السابق - والبزار في \"مسنده\" (١/ح ٢١/ البحر الزخار) وابن جرير (٩/ ١٠٥٢٢)، وابن أبي حاتم (٤/ ٥٩٩٣)، وأبو يعلى - وعنه المروزى في \"مسند أبي بكر\" (٢٢) - وأبو سعيد الأعرابي في \"معجمه\" ومن طريقه وطريق غيره أبو القاسم ابن عساكر في \"تاريخ دمشق\" (٩/ ٢٨٧ / مخطوط) - وابن عدى فى \"الكامل\" (٣/ ١٠٤٥) والعقيلى في \"الضعفاء\" (٢/ ٧٩) والحاكم في \"المستدرك\" (٣/ ٥٥٢، ٥٥٣)، وأبو نعيم في \"الحلية\" (١/ ٣٣٤)، والخطيب البغدادى في \"المتفق والمفترق\" (٢/ ١٠٥٥) من طريق عبد الوهاب بن عطاء به. ورواه العقيلي من طريق أبي عاصم العبادانى عن زياد الجصاص عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن ابن عمر، عن عمر عن النبي ﷺ وقال العقيلي: \"وكلاهما غير محفوظين، وهذا يروى بإسناد صالح من غير هذا الوجه\". وعلة هذا زياد الجصاص فقد تركه النسائي وابن علي والدارقطني، وقال ابن معين وابن المدينيّ: \"ليس بشيء\"،\nوقال أبو حاتم: \"منكر الحديث\"، وقال أبو زرعة: \"واهى الحديث\". وانظر ما بعده.\n(^٨١١) - \" مسند البزار\" (٣/ ٩٦٢/ البحر الزخار) (٣/ ٢٢٠٥ / كشف الأستار) (٢/ ١٤٦١/ زوائد ابن حجر) ورواه ابن عساكر في \"تاريخ دمشق\" (٩/ ٢٨٧/ ٢٨٨ / مخطوط) من طريق عبد الرحمن - وقيل عبد الرحيم - بن سليم بن حيان به. وقال البزار: (وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن الزبير إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد، ولا نعلم روى ابن عمر عن الزبير إلا هذا الحديث\". وقال ابن عساكر: \"عبد الرحيم لم أسمع بذكره إلا في هذا الحديث\" ونقل الذهبي في \"الميزان\" (٢/ ٦٠٦) - وعنه ابن حجر في \"اللسان\" (٤/ ٦) - عن الدارقطني بأنه قال: \"ضعيف\" وذكر الحديث الهيثمي في \"المجمع\" =\n_________\n[¬١]- في خ: \"و\".\n[¬٢]- في ز، خ: ابن الزبير. والصواب ما أثبتناه؛ لأن الحديث أورده البزار في مسند الزبير بن العوام.\n[¬٣]- في ز: \"العووقي\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين في ت: \"قال بسطام\". وهي زيادة مقحمة.\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين في خ: \"رحمة الله عليك\".","vol":"4","page":283},{"text":"وسلم: (من يعمل سوءًا يجز به في الدنيا والآخرة\"، ثم قال: لا نعلمه يروى عن الزبير إلا من هذا الوجه.\nوقال أبو بكر بن مردويه (^٨١٢): حدثنا أحمد بن كامل، حدثنا محمَّد بن سعد العوفى، حدثنا روح بن عبادة، حدثنا موسى بن عبيدة، حدثني مولى بن سباع، قال: سمعت ابن عمر يحدث عن أبي بكر الصديق، قال: كنت عند النبي، ﷺ، فنزلت هذه الآية: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ فقال رسول الله، ﷺ: \"يا أبا بكر، ألا [¬١] أقرئك آية نزلت [¬٢] علىّ؟ \" قال: قلت: بلى يا رسول الله. قال: فأقرأنيها فلا أعلم إلا أني قد [¬٣] وجدت انفصامًا [¬٤] في ظهري حتى تمطأت [¬٥] لها، فقال رسول الله، ﷺ: \"مالك يا أبا بكر\"\n_________\n= (٧/ ١٥) وقال: (رواه البزار وفيه عبد الرحمن بن سليم بن حيان، ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات\"!! كذا قال مع أن حيان بن بسطام لم يوثقه غير ابن حبان \"الثقات\" ولذلك وسمه ابن حجر في \"التقريب\" بأنه مقبول. وسئل أبو الحسن الدارقطني عن هذا الحديث فقال: \"العلل\" (١/ س ٢٩): \"هو حديث يرويه زياد الجصاص، واختلف عنه، فرواه عبد الوهاب الخفاف، عن زياد الجصاص عن علي بن زيد عن مجاهد، عن ابن عمر، عن أبي بكر، وخالفه أبو عاصم العبادانى فرواه عن زياد الجصاص، عن سالم، عن ابن عمر، عن عمر، ورواه سليم بن حيان عن أبيه عن ابن عمر، عن الزبير بن العوام، وقيل: عن سليم عن نافع عن ابن عمر، عن الزبير، وكلها ضعاف، قال ذلك عبد الرحيم بن سليم بن حيان، عن أبيه، وسليم ثقة، ويشبه أن يكون الوهم من ابنه\" اهـ. وروى مسلم في صحيحه: كتاب: فضائل الصحابة (٢٢٩) (٢٥٤٥) من طريق الأسود بن شيبان عن أبي نوفل، رأيت عبد الله بن الزبير على عقبة المدينة - وهي عقبة بمكة رآه وهو مصلوب عليها - قال فجعلت قريش تمُرُّ عليه والناسُ حتى مَرَّ عليه عبد الله بن عمر، فوقف عليه، فقال: السلامُ عليك أبا خبيب! السلامُ عليك، أبا خبيب! السلامُ عليك، أبا خبيب! أما والله! لقد كنتُ أنهاك عن هذا. أما والله، لقد كنت أنهاك عن هذا. أما والله! لقد كنت أنهاك عن هذا، أما والله إن كُنتَ، ما علمتُ، صوامًا قَوامًا. وصلا للرحم، أما والله لأمَّة أنت أشرُّها لأمَّةُ خَيرٍ.\n(^٨١٢) - ورواه عبد بن حميد في \"المنتخب\" (رقم ٧) وعنه مقرونًا به يحيى بن موسى، أبو عيسى الترمذي في \"الجامع\" (٣٠٣٩) - ورواه البزار في \"مسنده\" (١/ ح ٢٠/ البحر الزخار) ثنا محمَّد بن المثنى، ورواه أبو يعلى في \"مسنده\" - وعنه المروزى في \"مسند أبي بكر\" (رقم ٢٠) - ثنا =\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"هل\".\n[¬٢]- في خ: \"أنزلت\".\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- في ز: \"انقضامًا\".\n[¬٥]- في خ: \"تمطيت\".","vol":"4","page":284},{"text":"قلت: بأبي أنت [¬١] وأمي يا رسول الله، وأينا لم يعمل السوء، وإنا لمجزيون بكل سوء عملناه، فقال رسول الله، ﷺ: \"أما أنت وأصحابك يا أبا بكر المؤمنون، فإنكم [¬٢] تجزون [¬٣] بذلك في الدنيا حتى تلقوا الله وليس لكم ذنوب، وأما الآخرون فيجمع ذلك لهم حتى يجزوا به يوم القيامة\".\nوهكذا رواه الترمذي عن يحيى بن موسى وعبد [¬٤] بن حميد، عن روح بن عبادة، به. ثم قال: وموسى بن عبيدة يضعف، ومولى ابن سباع مجهول.\n[وقال ابن جرير (^٨١٣): حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: أخبرني عطاء بن أبي رباح، قال: لما نزلت هذه الآية، قال أبو بكر: جاءت قاصمة الظهر، فقال رسول الله، ﷺ: \"إنما هي المصيبات في الدنيا] [¬٥] \".\n(طريق [¬٦] أخرى عن الصديق) قال ابن مردويه (^٨١٤): حدثنا محمَّد بن أحمد بن إسحاق العسكري، حدثنا محمَّد بن عامر السعدي، حدثنا يحيى بن يحيى، حدثنا فضيل بن عياض، عن سليمان بن مهران، عن مسلم بن صبيح، عن مسروق، قال: قال أبو بكر الصديق [¬٧]: يا\n_________\n= أبو خيثمة، وابن علي في \"الكامل\" (٧/ ٢٧٥٦) من طريق على بن عبد الله المديني، وابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٤/ ٥٩٩٤) ثنا أحمد بن سنان الواسطى ستتهم (عبد بن حميد ويحيى ومحمد وأبو خيثمة وعلى والواسطي) ثنا رَوح بن عبادة به. وقال أبو عيسى: \"هذا حديث غريب، وفي إسناده مقال. موسى بن عُبيدة يُضَعَّفُ في الحديث، ضعفه يحيى بن سعيد وأحمد بن حنبل، ومولى ابن سَبَّاع مجهول، وقد رُوى هذا الحديث من غير هذا الوجه عن أبي بكر، وليس له إسناد صحيح أيضًا لا. وقال البزار: \"وهذا الحديث لا نعلم روى عن أبي بكر عن النبي ﷺ إلا من هذا الوجه، ومولى ابن سباع هذا فلا نعلم أحدًا سماه\" وجهله يحيى بن معين، وقال ابن علي: \"ومولى ابن سباع هذا لا أعرف له غير هذا الحديث ويروى عنه موسى بن عبيدة وهو مجهول ولا يعرف\".\n(^٨١٣) - تفسير ابن جرير (١٠٥٣٤) وهذا منقطع بين عطاء بن أبي رباح وأبي بكر.\n(^٨١٤) - وعزاه لابن مردويه السيوطي في \"الدر المنثور\" (٢/ ٤٠٠) وقد رواه أبو نعيم في \"الحلية\" (٨/ ١١٩) ثنا أبو أحمد محمَّد بن أحمد به. وقال أبو نعيم: \"عزيز من حديث فضيل ما كتبته إلا من هذا الوجه\" ورجاله ثقات رجال الشيخين من الفضيل بن عياض إلى من هو فوقه، غير أن أبا معاوية =\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في ز: \"فيجزون\".\n[¬٤]- في ز، خ: \"وعبيد\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- في خ: \"طريقة\".\n[¬٧]- سقط من: ز.","vol":"4","page":285},{"text":"رسول الله، ما أشدّ هذه الآية ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ فقال رسول الله، ﷺ: \"المصائب والأمراض والأحزان في الدنيا، جزاء\".\n(طريق [¬١] أخرى) قال ابن جرير (^٨١٥): حدثني عبد الله بن أبي زياد، وأحمد بن منصور، قالا: أخبرنا زيد بن الحباب، حدثنا عبد الملك بن الحسن الحارثى، حدثنا محمَّد بن زيد بن قنفذ [¬٢]، عن عائشة، عن أبي بكر، قال: لما نزلت: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ قال أبو بكر: يا رسول الله، كل ما نعمل نؤاخذ به؟ فقال: \"يا أبا بكر، أليس يصيبك كذا وكذا؟ فهو كفارة\".\n(حديث آخر) قال سعيد بن منصور (^٨١٦): أنبأنا عبد الله بن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، أن بكر بن سوادة، حدثه أن يزيد بن أبي يزيد، حدثه عن عبيد بن عمير، عن عائشة أن رجلًا تلا هذه الآية: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ فقال: إنا لنُجزى بكل عمل [¬٣] هلكنا إذا. فبلغ ذلك رسول الله، ﷺ، فقال: \"نعم، يُجزى به المؤمن في الدنيا في نفسه في جسده فيما يؤذيه\".\n_________\n= محمَّد بن خازم الضرير - رواه عن الأعمش عن مسلم قال: قال أبو بكر: يا رسول الله ما أشد هذه الآية … الحديث، رواه من هذا الوجه هنا وفي \"الزهد\" (٢/ ٤٣٤) وابن جرير (٩/ ١٠٥٢٩) وهو هكذا منقطع بين مسلم وأبي بكر، وكأنه الأشبه، فإن أبا معاوية أثبت من الفضيل في الأعمش، بل إن عبد الرحمن بن مهدى، تكلم في حفظ الفضيل على الرغم من إمامته، راجع \"التهذيب\". والحديث أورده السيوطي في \"الدر المنثور\" (٢/ ٤٠٠) وزاد عزوه إلى سعيد بن منصور.\n(^٨١٥) - تفسير ابن جرير (٩/ ١٠٥٢١) ورجاله ثقات، غير أن فيه انقطاعًا بين ابن قنفذ، وعائشة. فإن ابن قنفذ رأى ابن عمر رؤية، وابن عمر مات سنة ٧٣ هـ وعائشة أم المؤمنين ماتت سنة ٥٨ هـ، فهو لم يرها بلا شك، فحديثه عنها منقطع. قاله أبو فهر محمود شاكر في حاشيته على تفسير ابن جرير. وأورده السيوطي في \"الدر المنثور\" (٢/ ٤٠٠) من هذا الوجه، ولم يعزه لغير ابن جرير.\n(^٨١٦) - وعزاه لـ \"سعيد بن منصور\" السيوطي في \"الدر المنثور\" (٢/ ٤٠١) ورواه أحمد في \"المسند\" (٦/ ٦٦)، وأبو يعلى في \"مسنده\" (٨/ ٤٦٧٥، ٤٨٣٩) ثنا هارون بن معروف، والبخاري في \"التاريخ الكبير\" (٨/ ٣٧١) عن أصبغ بن الفرج، وابن حبان (٧/ ٢٩٢٣/ إحسان) (٥/ ١٧٣٦) من طريق حرملة بن يحيى، والبيهقي في \"الشعب\" (٧/ ٩٨٠٧) من طريق أحمد بن عيسى، وابن أبي حاتم (٤/ ٥٩٩٥) ثنا يونس بن عبد الأعلى خمستهم: (هارون وأصبغ وحرملة وأحمد ويونس) ثنا أبي وهب به. وصحح إسناده السيوطي، وذكره الهيثمي في \"المجمع\" (٧/ ١٥) وقال: \"رواه أحمد، وأبو يعلى ورجالهما رجال الصحيح\" كذا قال!! ويزيد بن أبي يزيد لم يرو له صاحبا الصحيح، =\n_________\n[¬١]- في خ: \"طريقة\".\n[¬٢]- في ز: \"قنفد\".\n[¬٣]- في ت: \"ما عملناه\".","vol":"4","page":286},{"text":"(طريق [¬١] أخرى) قال ابن أبي حاتم (^٨١٧)، حدثنا أبي، حدثنا سلمة بن بشير، حدثنا هشيم، عن أبي عامر، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة، قالت: قلت: يا رسول الله، إني لأعلم أشد آية في القرآن، فقال: \"ما هي يا عائشة؟ \" قلت: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾. فقال \"هو ما يصيب العبد المؤمن حتى النكبة ينكبها\".\nرواه ابن جرير من حديث هشيم، به، ورواه أبو داود من حديث أبي عامر صالح بن رستم [الخراز] [¬٢]، به.\n(طريق [¬٣] أخرى) قال أبو داود الطيالسي (^٨١٨): حدثنا حماد بن سلمة، عن علي بن [¬٤] زيد، عن أمية [¬٥] أنها سألت عائشة عن هذه الآية: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ فقالت: ما سألنى أحد عن هذه الآية منذ سألت عنها رسول الله، ﷺ، سألت رسول الله ﷺ فقال: \"يا عائشة، هذه معاتبة الله للعبد مما يصيبه من الحُمَّى والنكبة والشوكة حتى البضاعة يضعها [¬٦] في كمه، فيفزع لها فيجدها في جيبه، حتى إن المؤمن ليخرج من ذنوبه كما يخرج التبر الأحمر من الكير\".\n_________\n= ثم إنه لم يوثقه غير ابن حبان \"الثقات\" (٧/ ٦٣٠)، لكن روى عنه جمع من الثقات انظر \"تعجيل المنفعة\" لابن حجر (٢/ ت ١١٨٩) فالإسناد حسن إن شاء الله تعالى، وقد رواه البيهقي (٦/ ٩٨٠٧) من طريق محمَّد بن يعقوب الأصم نا بحر بن نصر نا ابن وهب به ليس فيه \"يزيد\" ورواية الجماعة أصح، وانظر ما بعده.\n(^٨١٧) - تفسير ابن أبي حاتم (٤/ ٥٩٩٦)، ورواه ابن جرير (٩/ ١٠٥٣٢) حدثنى يعقوب بن إبراهيم ثنا هشيم به، ورواه أيضًا (٩/ ١٠٥٣٠) من طريق روح بن عبادة، وإسحاق بن راهويه في \"مسنده\" (٣/ ٧٠٦) أخبرنا النضر بن شميل، وأبو داود في \"السنن\" (٣٠٩٣) من طريق يحيى بن سعيد، وعثمان ابن عمر، والبيهقي في \"الشعب\" (٧/ ٩٨١٠) من طريق يحيى بن سعيد أربعتهم: (روح والنضر ويحيى وعثمان) عن أبي عامر به، وأبو عامر هو صالح بن رستم ضعفه ابن معين، وقال الدارقطنى وأبو أحمد الحاكم: ليس بالقوى، لكن قال أحمد بن حنبل: \"صالح الحديث\" ووثقه أبو داود الطيالسى والسجستانى والبزار، وفي \"التقريب\": \"صدوق كثير الخطأ\" ويحتمل هنا تحسين حديثه، حيث روى من طرق أخرى عن عائشة، انظر السابق والآتى.\n(^٨١٨) - رواه الطيالسي في \"مسنده\" (١٥٨٤) ومن طريقه رواه البيهقي في \"الشعب\" (٧/ ٩٨٠٩) ورواه أحمد في \"المسند\" (٦/ ٢١٨) ثنا بهز، وإسحاق بن راهويه في \"مسنده\" (٣/ ٨٧٠) والترمذي في \"الجامع\" (٢٩٩١) من طريق روح بن عبادة مقرونًا به الحسن بن موسى عند الترمذي، وابن =\n_________\n[¬١]- في خ: \"طريقة\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز: \"الحرار\".\n[¬٣]- في خ: \"طريقة\".\n[¬٤]- سقط من: ز.\n[¬٥]- غير واضحة في: ز، وفي خ: \"منية\".\n[¬٦]- في خ: \"فيضعها\".","vol":"4","page":287},{"text":"(طريق [¬١] أخرى) قال ابن مردويه: حدثنا محمَّد بن [¬٢] أحمد بن [¬٣] إبراهيم، حدثنا أبو القاسم، حدثنا سُريج بن يونس، حدثنا أبو معاوية، عن محمَّد بن إسماعيل، عن محمَّد بن زيد بن المهاجر، عن عائشة قالت: سئل رسول الله، ﷺ، عن هذه الآية ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾، قال: \"إن المؤمن يؤجر في كل شيء، حتى في الفيظ عند الموت\".\nوقال الإِمام أحمد (^٨١٩): حدثنا حسين، [عن زائدة] [¬٤]، عن ليث، عن مجاهد، عن عائشة، قالت: قال رسول الله، ﷺ: \"إذا كثرت ذنوب العبد، ولم يكن له ما يكفرها ابتلاه الله بالحزن ليكفرها عنه [¬٥] \".\n(حديث آخر) قال سعيد بن منصور (^٨٢٠)، عن سفيان بن عيينة، عن عمر بن عبد الرحمن بن محيصن، سمع محمَّد بن قيس بن مخرمة يخبر أن أبا هريرة، ﵁، قال: لما نزلت: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾، شق ذلك على المسلمين، فقال لهم رسول الله، ﷺ: \"سددوا وقاربوا؛ فإن في كل ما يصاب به المسلم كفارةً حتى الشوكة يشاكها، والنكبة ينكبها\".\n_________\n= أبي حاتم في \"تفسيره\" (٢/ ٣٠٦٢) وابن جرير (٩/ ١٠٥٣١) من طريق سليمان بن حرب، وابن جرير أيضًا (٦/ ٦٤٩٥) من طريق أسد بن موسى خمستهم: (بهز وروح والحسن وسليمان وأسد) عن حماد بن سلمة به وقال الترمذي: \"هذا حديث حسن غريب من حديث عائشة لا نعرفه إلا من حديث حماد بن سلمة \"وهو ثقة إمام، غير أن شيخه ضعيف، وانفرد بالرواية عن \"أمية بنت عبد الله\" وذكر المصنف هذا الحديث فيما مضى (سورة البقرة/ آية ٢٨٤) وقال: \"على بن زيد بن جدعان\" ضعيف يغرب في رواياته. وهو يروى هذا الحديث عن امرأة أبيه، أم محمَّد أمية بنت عبد الله عن عائشة، وليس لها عنها في الكتب سواه\".\n(^٨١٩) - \" المسند\" (٦/ ١٥٧) ورواه ابن أبي الدنيا في \"الهم والحزن\" (رقم ٣)، والبزار (٤/ ٣٢٦٠/ كشف الأستار)، وأبو نعيم في \"أخبار أصبهان\" (٢/ ١٨٩)، من طريق حسين بن علي به، وعلقه ابن حبان في \"المجروحين\" (٢/ ٢٣١) من طريق زائدة به وإسناده ضعيف لضعف ليث وهو ابن أبي سليم، ثم إنه مدلس وقد عنعن، وقد أعله به الهيثمي، فقال في \"المجمع\" (٢/ ٢٩٤): \"رواه أحمد، وفيه ليث بن أبي سليم وهو مدلس، وبقية رجاله ثقات\". ومع هذا فقد ذكره (١٠/ ١٩٥) وقال: \"رواه أحمد والبزار وإسناده حسن\"!! وأورده السيوطى في \"الدر المنثور\" (٢/ ٤٠١) ولم يعزه لغير أحمد.\n(^٨٢٠) - وعزاه إلى سعيد بن منصور السيوطي في \"الدر المنثور\" (٢/ ٤٠١) وقد رواه مسلم، كتاب: البر\n_________\n[¬١] في خ: \"طريقة\".\n[¬٢]- في خ: \"أبو\".\n[¬٣]- في ز: \"أبو\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"بن زيادة\".\n[¬٥]- سقط من: ز.","vol":"4","page":288},{"text":"وهكذا رواه أحمد عن سفيان بن عيينة، ومسلم والترمذي والنسائي من حديث سفيان بن عيينة - به. ورواه ابن مردويه (^٨٢١) من حديث روح ومعتمر كلاهما، عن إبراهيم بن يزيد، عن عبد الله [¬١] بن إبراهيم، سمعت أبا هريرة يقول: لما نزلت هذه الآية: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ بكينا وحزنا وقلنا: يا رسول الله، ما أبقت هذه الآية من شيء! قال: \"أما والذي نفسي بيده، إنها لكما نزلت [¬٢] ولكن أبشروا وقاربوا وسددوا، فإنَّه لا يصيب أحدًا منكم مصيبة في الدنيا إلا كفر الله بها من [¬٣] خظيئته، حتى الشوكة يشاكها أحدكم في قدمه\".\nوقال عطاء بن يسار، عن أبي سعيد وأبي هريرة، أنهما سمعا رسول الله، ﷺ، يقول: \"ما يصيب المسلم من نصب [¬٤] ولا وصب [¬٥] ولا سقم ولا حزن، حتى الهم يهمه إلا كفر به [¬٦] من سيئاته\" أخرجاه (^٨٢٢).\n(حديث آخر) قال الإِمام أحمد (^٨٢٣): حدثنا يحيى عن [¬٧] سعد [¬٨] بن إسحاق، حدثتني زينب بنت كعب بن عجرة، عن أبي سعيد الخدري، قال: جاء رجل إلى رسول الله، ﵌، فقال [¬٩]: أرأيت هذه الأمراض التي تصيبنا ما لنا بها؟ قال: \"كفارات\"،\n_________\n=والصلة والآداب، باب: ثواب المؤمن فيما يصيبه من مرض أو حزن (٢٥٧٤)، والترمذي، كتاب: تفسير القرآن (٣٠٣٨)، والنسائي في التفسير من \"الكبرى\" (٦/ ١١١٢٢) وغيرهم من طرق عن سفيان بن عيينة له.\n(^٨٢١) - وعزاه لابن مردويه من هذا الوجه، السيوطي في \"الدر المنثور\" (٢/ ٤٠١) وإبراهيم بن يزيد هو الخوزى، متروك وشيخه - عبد الله أو عبيد الله - لم أجد له ترجمة ويشهد له اللفظ السابق.\n(^٨٢٢) - رواه البخاري، كتاب: الرضى، باب: ما جاء في كفارة المرض (٥٦٤١، ٥٦٤٢)، ومسلم، كتاب: البر والصلة والآداب، باب: ثواب المؤمن فيما يصيبه من مرض أو حزن (٥٢) (٢٥٧٣)، والترمذي، كتاب: الجنائز، باب: ما جاء في ثواب المريض (٩٦٦) وأحمد (٢/ ٣٠٣، ٣٣٥) (٣/ ٤، ١٨، ٢٤، ٤٨، ٨١) من طريقين عن عطاء به.\n(^٨٢٣) - \" المسند\" (٣/ ٢٣) - ومن طريقه أبو القاسم ابن عساكر في \"تاريخ دمشق\" (٢/ ٥٩٤/ مخطوط) ورواه النسائي في \"الكبرى\" (٤/ ٧٤٨٩)، وأبو يعلى في \"مسنده\" (٢/ ٩٩٥) ومن طريقه =\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"عبيد الله\".\n[¬٢]- في خ: \"أنزلت\".\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- النَّصبُ: التعب.\n[¬٥]- الوصب: دوام الوجع ولُزومُه.\n[¬٦]- في خ: \"الله\".\n[¬٧]- في ت: \"بن\".\n[¬٨]- في خ، ز: سيد. وهو تحريف.\n[¬٩]- سقط من: خ.","vol":"4","page":289},{"text":"قال أبي: وإن قلَّتْ؟ قال: \"حتى الشوكة فما فوقها\" قالت: فدعا أبي على نفسه؛ أنه لا يفارقه الوعك [¬١] حتى يموت، في أن لا يشغله عن حج ولا عمرة ولا جهاد في سبيل الله ولا صلاة مكتوبة في جماعة، فما مسه إنسان إلا وجد حره حتى مات، ﵁. تفرد به أحمد.\n(وحديث آخر) روى ابن مردويه (^٨٢٤) من طريق حسين بن واقد، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس قال: قيل: يا رسول الله، ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ قال: \"نعم ومن يعمل حسنة يجز بها عشرًا\". فهلك من [غلب واحدته] [¬٢] عشرًا.\nوقال ابن جرير (^٨٢٥): حدثنا ابن وكيع، حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا حماد بن سلمة، عن حميد، عن الحسن ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ قال: الكافر، ثم قرأ: ﴿وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾.\n_________\n= ابن حبان (٢/ح ٦٩٢/ موارد) (٧/ ٢٩٢٨/ إحسان) وابن عساكر - وابن أبي الدنيا في \"المرض والكفارات\" كما في \"الدر المثنور\" (٢/ ٤٠١) - ومن طريقه البيهقي في \"الشعب\" (٧/ ٩٩٧١) - ومسدد في \"مسنده\" - كما في \"الدر المنثور\" - ومن طريقه الحاكم في \"المستدرك\" (٤/ ٣٠٨) - والطحاوي فى \"مشكل الآثار\" (٢٣٦١) كلهم من طريق يحيى بن سعيد القطان به. ورواه البيهقي أيضًا (٧/ ٩٩٧٠) ومن طريقه ابن عساكر من طريق محمَّد بن جعفر بن أبي كثير، والطحاوي (٣/ ٢٣٦٠) من طريق أنس بن عياض الليثى. كلاهما (محمَّد وأنس) عن سعد بن إسحاق به. وقال الحاكم: \"حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه\" ووافقه الذهبي!! ولم يخرجا بهذا الإسناد شيئًا، بل لم يخرجا أصلًا لـ \"سعد بن إسحاق\" وهو ثقة - وزينب بنت كعب والأخيرة وثقها ابن حبان \"الثقات\" وجود إسنادًا لها الحافظ ابن حجر راجع \"التهذيب\" وذكرها ابن الأثير وابن فتحون في \"الصحابة\" فالإسناد صحيح إن شاء الله تعالى وقد جوده الحافظ العراقى في \"تخريج أحاديث الإحياء\" (٦/ ٣٧١٤/ مستخرج) والحديث زاد نسبته السيوطي إلى الطبرانى في \"الأوسط\" ولم أجده فيه، بل لم يعزه الهيثمي في \"المجمع\" له فقد ذكره (٢/ ٣٠٤، ٣٠٥) وقال: \"رواه أحمد وأبو يعلى ورجاله ثقات\" قال أبو حاتم ابن حبان: \"زينب هذه هي بنت كعب بن عجرة - وهي زوجة أبي سعيد الخدرى - والذي دعا على نفسه هو أبي بن كعب\".\n(^٨٢٤) - لم أجده في غير هذا الموضع، والكلبى - هو محمَّد بن السائب - متهم بالكذب.\n(^٨٢٥) - تفسير ابن جرير (٩/ ١٠٥١١) ورواه ابن أبي حاتم (٤/ ٥٩٩٧) من طريقين عن حماد به وإسناده صحيح، وقد رواه ابن جرير أيضًا (٩/ ١٠٥١٢) من طريق سهل عن حميد به =\n_________\n[¬١]- الوعك: الحُمَّى. وقيل: أَلمُها.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز: \"علب واحدًا\".","vol":"4","page":290},{"text":"وهكذا روي عن ابن عبَّاس وسعيد بن جبير (^٨٢٦) أنهما فسرا السوء هاهنا بالشرك أيضًا.\nوقوله: ﴿وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ قال على بن أبي طلحة، عن ابن عبَّاس: إلا أن يتوب، فيتوب الله عليه. رواه ابن أبي حاتم (^٨٢٧).\nوالصحيح أن ذلك عام في جميع الأعمال لما تقدم من الأحاديث، وهذا اختيار ابن جرير والله أعلم.\nوقوله: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾. لما ذكر الجزاء على السيئات، وأنه لابد أن يأخذ مستحقها من العبد، إما في الدنيا وهو الأجود له، وأما في الآخرة - والعياذ بالله من ذلك، ونسأله العافية في الدنيا والآخرة، والصفح والعفو والمسامحة - شرع في بيان إحسانه وكرمه ورحمته في قبول الأعمال الصالحة من عباده، ذكرانهم وإناثهم [¬١] بشرط الإِيمان، وأنَّه سيدخلهم الجنَّةَ ولا يظلمهم من حسناتهم ولا مقدار النقير، وهو: النقرة التي في ظهر نواة التمرة، [وقد تقدم الكلام على الفتيل، وهو الخيط الذي في شق النواة، وهذا النقير وهما في نواة التمرة] [¬٢]، وكذا القطمير: وهو اللفافة التي على نواة التمرة، والثلاثة في القرآن.\nثم قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾ أي: أخلص العمل لربه ﷿ فعمل إيمانًا واحتسابًا ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ أي: متبعًا [¬٣] في عمله ما شرعه الله له، وما أرسل به رسوله من الهدى ودين الحق، وهذان الشرطان لا يصح عمل عامل بدونهما: أن [¬٤] يكون خالصًا صوابًا، والخالص: أن يكون لله، والصواب أن يكون متابعًا [¬٥] للشريعة فيصح ظاهره بالمتابعة، وباطنه بالإخلاص، فمتى فقد العمل أحد هذين الشرطين فسد؛ فمن فقد الإِخلاص كان منافقًا، وهمَ الذين يراءون الناس. ومن فقد المتابعة كان ضالًا جاهلًا، ومتى جمعهما فهو [¬٦]، عمل المؤمنين: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾، ولهذا قال تعالى: ﴿وَاتَّبَعَ مِلَّةَ\n_________\n= (٩/ ١٠٥١٣، ١٠٥١٤) من طريقين عن الحسن به.\n(^٨٢٦) - انظر تفسير ابن جرير (٩/ ص ٢٣٩)، وتفسير ابن أبي حاتم (٤/ ٥٩٩١).\n(^٨٢٧) - تفسير ابن أبي حاتم (٤/ ٥٩٩٨) وكذا رواه ابن جرير (٩/ ١٠٥١٨).\n_________\n[¬١]- في ز: \"أناثيهم\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من ز، خ.\n[¬٣]- في ت: \"أتبع\".\n[¬٤]- في ت: \"أي\".\n[¬٥]- في ز - \"متبعًا\".\n[¬٦]- في ت: \"كان\".","vol":"4","page":291},{"text":"إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ وهم محمد وأتباعه إلى يوم القيامة، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾. وقال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. والحنيف هو المائل عن الشرك قصدًا، أي: تاركًا له عن بصيرة، ومقبل على الحق بكليته، لا يصده عنه صاد، ولا يرده عنه راد.\nوقوله: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾، وهذا من باب الترغيب في اتباعه؛ لأنه إمام يقتدى به حيث وصل إلى غاية ما يتقرب به العباد له، فإنه انتهى إلى درجة الخلة التي هي أرفع مقامات المحبة، وما ذاك [¬١] إلا لكئرة طاعته لربه كما وصفه به في قوله: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ قال كثير من علماء السلف: أي قام بجميع ما أمر به، ووفى كل مقام من مقامات العبادة، فكان لا يشغله أمر جليل عن حقير، ولا كبير عن صغير، وقال تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ وقال تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٠) شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٢١) وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾.\nوقال البخاري (^٨٢٨): حدَّثنا سليمان بن حرب، حدَّثنا شعبة، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن عمرو بن ميمون، قال: إن معاذًا لما قدم اليمن صلى بهم الصبح، فقرأ: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ فقال رجل من القوم: لقد قرت عين أم إبراهيم.\nوقد ذكر ابن جرير في تفسيره (^٨٢٩) عن بعضهم أنَّه إنما سماه الله خليلًا من أجل أنَّه أصاب أهل ناحيته جدب، فارتحل إلى خليل له من أهل الموصل - وقال بعضهم: من أهل مصر - ليمتار طعامًا لأهله من قبله، فلم يصب عنده حاجته، فلما قرب من أهله مرّ بمفازة ذات رمل فقال: لو ملأت غرائري من هذا الرمل لئلا أغم [¬٢] أهلي برجوعي اليهم بغير ميرة، وليظنوا أني أتيتهم بما يحبون، ففعل ذلك، فتحول ما في غرائره من الرمل دقيقًا، فلما صار إلى منزله نام، وقام أهله ففتحوا الغرائر فوجدوا دقيقًا فعجنوا منه وخبزوا، فاستيقظ فسألهم عن الدقيق الذي منه خبزوا، فقالوا: من الدقيق الذي جئت به من عند خليلك، فقال: نعم، هو من عند [¬٣] خليلي الله، فسماه الله بذلك خليلًا. وفي صحة هذا ووقوعه نظر، وغايته أن يكون خبرًا إسرائيليًّا لا يصدق\n_________\n(^٨٢٨) - رواه البخارى، كتاب: المغازى، باب: بعث أبي موسى ومعاذ إلى اليمن قبل حجة الوداع (٤٣٤٨).\n(^٨٢٩) - تفسير ابن جرير (٩/ ص ٢٥١، ٢٥٢).\n_________\n[¬١]- في ز: \"ذا\".\n[¬٢]- في ز: \"أرغم\".\n[¬٣]- سقط من: ز.","vol":"4","page":292},{"text":"ولا يكذب، وإنما سمي خليل الله لشدة محبة ربه، ﷿، له، لما قام له به [¬١] من الطاعة التي يحبها ويرضاها، ولهذا ثبت في الصحيحين (^٨٣٠) من حديث [¬٢] أبي سعيد الخدري أن رسول الله، ﷺ، لما خطبهم في آخر خطبة خطبها، قال: \"أما بعد أيها الناس فلو كنت متخذًا من أهل الأرض خليلًا؛ لاتخذت أبا بكر بن أبي قحافة خليلًا، ولكن صاحبكم خليل الله\".\nوجاء من طريق جندب بن عبد الله البجلى (^٨٣١)، وعبد الله بن عمرو بن العاص (^٨٣٢)، وعبد الله بن مسعود (^٨٣٣)، عن النبي؛ قال: \"إن الله اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلًا\".\nوقال أَبو بكر بن مردويه (^٨٣٤): حدَّثنا عبد الرحيم بن محمد بن مسلم، حدَّثنا إسماعيل بن\n_________\n(^٨٣٠) - رواه البخارى، كتاب: الصلاة، باب: الخَوْخَة والمَمَرِّ فى المسجد (٤٦٦)، ومسلم: كتاب: فضائل الصحابة، باب: من فضائل أبي بكر الصديق ﵁ (٢٣٨١) وغيرهما من حديث أبي سعيد الخدرى، مخالفا فى بحض الأحرف اللفظ الذى أورده المصنف.\n(^٨٣١) - رواه مسلم، كتاب: المساجد ومواضع الصلاة، باب: النهى عن بناء المساجد على القبور (٢٣) (٥٣٢)، والنسائى فى التفسير من \"الكبرى\" (٦/ ١١١٢٣) وغيرهما من حديث جندب وصححه ابن حبان (١٤/ ٦٤٢٥ / إحسان)، وقصر فى عزوه جدًا السيوطى، فى \"الدر المنثور\" (٢/ ٤٠٧) فلم يعزه لغير الحاكم (٢/ ٥٥٠)!!.\n(^٨٣٢) - رواه ابن ماجة فى \"المقدمة\" (رقم ١٤١)، والعقيلى فى \"الضعفاء\" (٣/ ٧٧)، وابن حبان فى \"المجروحين\" (٢/ ١٤٨) وابن عدى فى \"الكامل\" (٥/ ١٩٣٣)، والخطيب فى \"تاريخ بغداد\" (٥/ ٢٢٧) من طريق عبد الوهاب بن الضحاك ثنا إسماعيل بن عياش عن صفوان بن عمرو عن عبد الرحمن ابن جبير بن نفير عن كثير بن مُرَّة عن عبد الله بن عمرو مرفوعًا، ولفظه: \"إن الله اتخذنى خليلًا كما اتخذ إبراهيم خليلًا، فمنزلى ومنزل إبراهيم فى الجنَّةَ يوم القيامة تجاهين، والعباس بيننا مؤمن بين خليلين\"، قال العقيلى: \"عبد الوهاب بن الضحاك الحمصى، شامى، متروك الحديث لا يتابعه إلَّا من هو دونه أو مثله، وليس للحديث أصل عن ثقة\"، وقال أَبو حاتم ابن حبان: \"كان عبد الوهاب يسرق الحديث، ولا يحل الاحتجاج به\"، وبه أعله ابن الجوزى، فكان من نصيب \"موضوعاته\" (٢/ ٣٢)، وحكم عليه بالوضع أيضًا ابن رجب الحنبلى - كما فى حاشية \"سنن ابن ماجة\" - وكذا أَبو عبد الرحمن الألبانى، فسود به حديث رقم (٢٦) من \"ضعيف سنن ابن ماجة\". وسرقه أحمد بن معاوية بن بكر الباهلى، فرواه عن إسماعيل بن عياش به، استنكره ابن عدى لأحمد هذا فى \"الكامل\" (١/ ١٧٧)، ومن طريقه رواه ابن الجوزى (٢/ ٣٢).\n(^٨٣٣) - صحيح مسلم، كتاب: فضائل الصحابة (٣، ٧) (٢٣٨٣).\n(^٨٣٤) - وذكره المصنف كما هنا فى \"قصص الأنبياء\" (رقم ٢٤٩/ بتحقيقى) وعزاه أيضًا لابن مردويه =\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في خ: \"رواية\".","vol":"4","page":293},{"text":"أحمد بن أسيد، حدَّثنا إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني بمكة، حدَّثنا عبيد الله [¬١] الحنفي، حدَّثنا زمعة [¬٢] بن صالح، عن سلمة بن وهرام، عن عكرمة، عن ابن عبَّاس، قال: جلس ناس من أصحاب رسول الله، ﷺ، ينتظرونه، فخرج حتَّى إذا دنا منهم سمعهم يتذاكرون، فسمع حديثهم، وإذا بعضهم يقول: عجبًا [¬٣] إن الله اتخذ من خلقه خليلًا! فإبراهيم خليله. وقال آخر: ماذا بأعجب من أن الله كلم موسى تكليمًا! وقال آخر: فعيسى روح الله وكلمته!، وقال آخر: آدم اصطفاه الله! فخرج عليهم فسلم، وقال: \"قد سمعت كلامكم وتعجبكم أن إبراهيم خليل الله، وهو كذلك، وموسى كليمه، وعيسى روحه وكلمته، وآدم اصطفاه الله، وهو كذلك، وكذلك [محمد قال] [¬٤]: ألا وإني حبيب الله ولا فخر، [وأنا حامل لواء الحمد ويوم القيامة ولا فخر] [¬٥] وأنا أول شافع، وأول مشفع ولا فخر، وأنا أول هن يحرك حلقة [¬٦] الجنَّةَ، فيفتح [¬٧] الله فيدخلنيها ومعي فقراء المؤمنين ولا فخر، وأنا أكرم الأولين والآخرين يوم القيامة ولا فخر\".\nوهذا حديث غريب من هذا الوجه، ولبعضه شواهد في الصحاح وغيرها.\nوقال قَتَادة: عن عكرمة، عن ابن عباس أنَّه قال: أتعجبون من أن تكون الخلة لإِبراهيم، والكلام لوسى، والرؤية لمحمد، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين؟!\nرواه الحاكم في المستدرك (^٨٣٥)، وقال: صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه، وكذا\n_________\n= السيوطى فى \"الدر المنثور\" (٢/ ٤٠٧). وقد رواه الترمذى، كتاب: المناقب (٣٦١٦) والدارمى (رقم ٤٨) من طريق عبيد الله الحنفى به، وقال الترمذى: \"حديث غريب\" وعلته زمعة بن صالح، فقد ضعفه أحمد وابن معين وأَبو حاتم والنسائى وغيرهم غير أن ابن عدى قواه فقال: \"ربما يهم فى بعض ما يرويه، وأرجو أن حديثه صالح لا بأس به\"، واعتمد ذلك أَبو عبد الرحمن الألبانى فقال فى \"الصحيحة\" (٤/ ٩٨/ رقم ١٥٧٠): \"إسناده لا بأس به فى الشواهد، فإن زمعة، قرنه مسلم بغيره، وسلمة وهو ابن وهرام مثله، أو أحسن حالًا منه\" وراجع شواهد للحديث فى المصدر المذكور آنفا والله الموفق.\n(^٨٣٥) - \" المستدرك\" (١/ ٦٥) (٢/ ٤٦٩)، ورواه أيضًا النسائى فى التفسير من \"الكبرى\" (٦/ ١١٥٣٩)، وابن أبي عاصم فى \"السنة\" (٤٣٦، ٤٤٢) عن قَتَادة به وصححه الحاكم على شرط الشيخين، ووافقه الذهبى، وكذا صححه ابن خزيمة فى \"التوحيد\" (٢/ ٢٧٦، ٢٧٧)، وابن حجر فى \"الفتح\" (٨/ ٦٠٨).\n_________\n[¬١]- في ز: \"عبد الله\".\n[¬٢]- في ز: \"جمعة\".\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- في ت: \"حلق\".\n[¬٧]- في ز: \"فيفتحه\".","vol":"4","page":294},{"text":"روي عن أنس بن مالك وغير واحد من الصحابة والتابعين والأئمة من السلف والخلف.\nوقال ابن أبي حاتم (^٨٣٦): حدَّثنا يحيى بن عبدك القزويني، حدَّثنا محمد - يعني ابن سعيد ابن سابق - حدَّثنا عمرو - يعني ابن أبي قيس - عن عاصم، عن أبي راشد، عن عبيد بن عمير، قال: كان إبراهيم، ﵇، يُضَيِّف الناس، فخرج يومًا يلتمس إنسانًا [¬١] يضيفه، فلم يجد أحدًا يضيفه، فرجع إلى داره فوجد فيها رجلًا قائمًا، فقال: يا عبد الله ما أدخلك داري بغير إذني؟ قال: دخلتها بإذن ربها، قال: ومن أنت؟ قال: أنا ملك الموت، أرسلني ربي إلى عبد من عباده أبشره بأن [¬٢] الله قد اتخذه خليلًا. قال: من هو؟ فوالله ان أخبرتني به ثم كان بأقصى البلاد لآتينه، ثم لا أبرح له جارًا حتَّى يفرق بيننا الموت، قال: ذاك [¬٣] العبد أنت. قال: أنا؟ قال: نعم. قال [¬٤]: فبم اتخذني ربي خليلًا؟ قال: إنك تعطي الناس ولا تسألهم.\n[وحدثنا أبي] [¬٥] (^٨٣٧)، حدَّثنا محمود بن خالد السلمي، حدَّثنا الوليد، عن إسحاق بن يسار، قال: لما اتخذ الله إبراهيم خليلًا ألقي في قلبه الوجل، حتَّى إنْ [كان] [¬٦] خفقان قلبه ليسمع من بعيد، كما يسمع خفقان الطير في الهواء. وهكذا جاء في صفة رسول الله، ﷺ، أنَّه كان يسمع لصدره أزيز كأزيز المرجل، [إذا اشتدّ غليانها] [¬٧]، من البكاء (^٨٣٨).\nوقوله: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ أي: الجميع ملكه وعبيده وخلقه، وهو المتصرف في جميع ذلك، لا رادَّ لما قضى، ولا معقب لما حكم، ولا يسأل عما يفعل\n_________\n(^٨٣٦) - تفسير ابن أبي حاتم (٤/ ٦٠١٦)، ونقله المصنف كما هنا فى \"قصص الأنبياء\" (رقم ٢٥٢/ بتحقيقي)، وإسناده حسن إلى عبيد بن عمير.\n(^٨٣٧) - تفسير ابن أبي حاتم (٤/ ٦٠١٥)، ونقله المصنف كما هنا فى \"قصص الأنبياء\" (رقم ٢٥/ بتحقيقي) ورجاله ثقات، غير أن الوليد وهو ابن مسلم - مدلس، وقد عنعن، ولم يذكروا له رواية عن إسحاق بن يسار، والله أعلم.\n(^٨٣٨) - رواه أحمد (٤/ ٢٥، ٢٦)، وأَبو داود (٩٠٤)، والترمذى (٣٢٢)، والنسائى (٣/ ١٣) وغيرهم من حديث عبد الله بن الشخير وصححه ابن خزيمة (٩٠٠)، وابن حبان (٢/ ٦٦٥ / إحسان).\n_________\n[¬١]- في خ: \"أحدًا\".\n[¬٢]- في ز: \"أن\".\n[¬٣]- في خ: \"ذلك\".\n[¬٤]- سقط من: ز.\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من خ.\n[¬٧]- ما بين المعكرفتين سقط من: ز، خ.","vol":"4","page":295},{"text":"لعظمته وقدرته وعدله وحكمته ولطفه ورحمته.\nوقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا﴾ أي: علمه نافذ في جميع ذلك، لا تخفى عليه خافية من عباده، ولا يعزب عن علمه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض، ولا أصغر من ذلك، ولا أكبر ولا تخفى عليه الذرة [¬١] لما تراءى للناظر [¬٢] وما توارى.\n﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا (١٢٧)﴾\nقال البخاري (^٨٣٩): حدَّثنا عبيد بن إسماعيل، حدَّثنا أَبو أسامة، قال: حدثنا هشام بن عروة، أخبرني عن أبيه، عن عائشة ﵂: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾ إلى قوله، [¬٣] ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ قالت عائشة [¬٤]: هو الرجل تكون عنده اليتيمة، هو وليها ووارثها، [قد شركته] [¬٥] في ماله حتَّى في العذق، فيرغب أن ينكحها ويكره أن يزوِّجها رجلًا، فيشركه في ماله بما شركته، فيعضلها فنزلت هذه الآية.\nوكذلك [¬٦] رواه مسلم عن أبي كريب وعن [¬٧] أبي بكر بن أبي شيبة، كلاهما عن أبي أسامة.\nوقال ابن أبي حاتم (^٨٤٠): قرأت على محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، أخبرنا ابن وَهْب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب، أخبرني عروة بن الزبير، قالت عائشة: ثم إن الناس استفتوا رسول الله، ﷺ، بعد هذه الآية فيهن، فأنزل الله: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ\n_________\n(^٨٣٩) - رواه البخارى، كتاب: التفسير، باب: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ …﴾ (٤٦٠٠)، ومسلم، كتاب: التفسير (٧) (٣٠١٧).\n(^٨٤٠) - تفسير ابن أبي حاتم (٤/ ٦٠١٧، ٦٠٢٠) وإسناده صحيح، وانظر ما بعده.\n_________\n[¬١]- في خ: \"ذرة\".\n[¬٢]- في خ: \"للناظرين\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٤]- سقط من: ز.\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين في ت: \"فأشركته\".\n[¬٦]- في ز: \"وكذا\".\n[¬٧]- سقط من: ز.","vol":"4","page":296},{"text":"قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ﴾ الآية، قالت: والذي ذكر الله أنَّه يتلى عليهم في الكتاب، الآية الأولى التي قال الله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾.\nوبهذا الإسناد (^٨٤١) عن عائشة قال: وقول الله ﷿: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾، رغبة أحدكم عن يتيمته التى تكون في حجره، حين تكون قليلة المال والجمال، فَنُهوا أن ينكحوا من رغبوا في مالها وجمالها من يتامى النساء إلا بالقسط، من أجل رغبتهم عنهنّ.\nوأصله ثابت في الصحيحين من طريق يونس بن يزيد الأيلي، به.\nوالمقصود أن الرجل إذا كان في حجره يتيمة يحل له تزويجها، فتارة يرغب في أن يتزوّجها، فأمره الله أن يمهرها أسوة أمثالها من النساء، فإن لم يفعل فليعدل إلى غيرها من النساء، فقد وسَّع الله ﷿، وهذا المعنى في الآية الأولى التي في أول السورة.\nوتارة لا يكون للرجل [¬١] فيها رغبة لدمامتها عنده، أو في نفس الأمر، فنهاه الله، ﷿، أن يعضلها عن الأزواج خشية أن يشركوه في ماله الذي بينه وبينها، كما قال على ابن أبي طلحة (^٨٤٢)، عن ابن عبَّاس [في الآية وهي] [¬٢] قوله: ﴿فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾: كان [¬٣] الرجل في الجاهلية تكون عنده اليتيمة فيلقي عليها ثوبه، فاٍ ذا فعل ذلك لم يقدر أحد أن يتزوّجها أبدًا، فإن كانت جميلة وهويها تزوِّجها وأكل مالها، وإن كانت دميمة منعها الرجال أبدًا حتَّى تموت، فإذا ماتت ورثها. فحرم الله ذلك ونهى عنه.\nوقال في قوله: ﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ﴾: كانوا في الجاهلية لا يورثون الصغار ولا البنات، وذلك كقوله [¬٤]: ﴿لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ﴾ فنهى الله عن ذلك، وبين لكل\n_________\n(^٨٤١) - تفسير ابن أبي حاتم (٤/ ٦٠٢٥)، ورواه البخارى، كتاب: الشَّرِكةَ، باب: شركة اليتيم وأهل الميراث (٢٤٩٤)، ومسلم، كتاب: التفسير (٦) (٣٠١٨) وكذا رواه أَبو داود (٢٠٦٨) والنسائى (٦/ ١١٥).\n(^٨٤٢) - رواه ابن جرير (٩/ ١٠٥٦٥)، وابن أبي حاتم (٤/ ٦٠٢٦) وزاد نسبته السيوطى فى \"الدر المنثور\" (٢/ ٤٠٩) إلى ابن المنذر.\n_________\n[¬١]- في ز خ: \"له\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٣]- في ز: \"فكان\".\n[¬٤]- في ز: \"قوله\".","vol":"4","page":297},{"text":"ذي سهم سهمه فقال: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ صغيرًا أو كبيرًا.\nوكذا قال سعيد بن جبير وغيره. وقال [¬١] سعيد بن جبير في قوله: ﴿وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ﴾: كما إذا كانت ذات جمال ومال نكحتها، واستأثرت بها، كذلك إذا لم تكن ذات مال ولا جمال فأنكحها واستأثر بها.\nوقوله: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا﴾ تهييجًا على فعل الخيرات، وامتثالًا للأوامر، وأن الله، ﷿، عالم بجميع ذلك، ولم [¬٢] سيجزي عليه أوفر الجزاء وأتمه.\n﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (١٢٨) وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (١٢٩) وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا (١٣٠)﴾\nيقول تعالى مخبرًا ومشرعًا عن حال [¬٣] الزوجين: تارة في حال نفور الرجل عن المرأة، وتارة في حال اتفاقه معها، وتارة [عند] [¬٤] فراقه لها. فالحالة الأولى ما إذا خافت المرأة من زوجها أن ينفر عنها أو يعرض عنها؛ فلها أن تسقط عنه حقها أو بعضه من نفقة أو كسوة أو مبيت، أو غير ذلك من الحقوق [¬٥] عليه، وله أن يقبل ذلك منها فلا جناح [¬٦] عليها في بذلها ذلك له، ولا عليه في قبوله منها، ولهذا قال تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا [¬٧] بَيْنَهُمَا صُلْحًا﴾، ثم قال: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ أي: من الفراق. وقوله: ﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾ أي: الصلح عند المشاحة خير من الفراق، ولهذا لما كبرت سودة بنت زمعة عزم رسول الله، صلى الله\n_________\n[¬١]- في خ: \"قال\".\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- سقط من: خ.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين في ت: \"في حال\".\n[¬٥]- في خ: \"حقوقها\"\n[¬٦]- في ت: \"حرج\".\n[¬٧]- كذا، وهي قراءة ابن كثير، ونافع، ابن عامر، وأبي عمرو. وقرأ عاصم وحمزة والكسائي: ﴿يُصْلحا﴾.","vol":"4","page":298},{"text":"عليه وسلم، على فراقها، [فصالحته على] [¬١] أن يمسكها وتترك يومها لعائشة، فقبل ذلك منها، وأبقاها على ذلك.\n\n<span data-type='title' id=toc-90>(ذكر الرواية بذلك).</span>\nقال أبو داود الطيالسي (^٨٤٣): حدَّثنا سليمان بن معاذ، عن سماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عبَّاس، قال: خشيت سودة أن يطلقها رسول الله، ﷺ، فقالت: يا رسول الله، لا تطلقني، واجعل يومي لعائشة. ففعل، ونزلت هذه الآية: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾ الآية. قال ابن عبَّاس: فما اصطلحا عليه من شيء فهو جائز.\nورواه التِّرمِذي، عن محمد بن المثنى، عن أبي داود الطيالسي، به. وقال: حسن غريب. وقال [¬٢] الشَّافعي (^٨٤٤): أخبرنا مسلم، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عبَّاس أن رسول الله، ﷺ، توفي عن تسع نسوة، وكان يقسم لثمان.\nوفي الصحيحين (^٨٤٥) من حديث هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة؛ قالت: لما كبرت سودة بنت زمعة وهبت يومها لعائشة، فكان النبي، ﷺ، يقسم لها بيوم سودة.\nوفي صحيح البخاري (^٨٤٦) من حديث الزُّهْريّ عن عروة عن عائشة نحوه.\n_________\n(^٨٤٣) - \" مسند الطيالسي\" (٢٦٨٣) - ومن طريقه رواه الترمذى، كتب: تفسير القرآن (٣٠٤٠)، وابن جرير (٨/ ١٠٦٠٩)، وابن أبي حاتم (٤/ ٦٠٣٦، ٦٠٤٣) والطبرانى فى \"المعجم الكبير\" (١١/ ١١٧٤٦)، والبيهقى فى \"السنن الكبرى\" (٧/ ٢٩٧) - وقال الترمذى: \"حديث حسن غريب\" ورجاله ثقات غير أن رواية سماك عن عكرمة مضطربة كما قال ابن المدينى وغيره، لكن أصل الحديث فى الصحيحين فانظر الآتى.\n(^٨٤٤) - \" مسند الشَّافعى\" (٢/ رقم ٨٣، ٨٤/ شفاء العي) - ومن طريقه البغوى فى \"شرح السنة\" (٩/ ٢٣٢٢) - وإسناده ضعيف، لضعف مسلم - وهو ابن خالد الزنجي - وعنعنة ابن جريج، لكن الحديث متفق على صحته من وجه آخر، فانظر الآتى.\n(^٨٤٥) - رواه البخارى، كتاب: النكاح، باب: المرأة تَهَبُ يومها من زوجها لضَرَّتها وكيف يَقسمُ ذلك (٥٢١٢)، ومسلم، كتاب: الرضاع، باب: جواز هبتها نوبتها لضرتها (٤٧، ٤٨) (١٤٦٣).\n(^٨٤٦) - رواه البخارى، كتاب: الهبة، باب: هبة المرأة لغير زوجها (٢٥٩٣) وكذا رواه أحمد =\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ز: \"صالحته\".\n[¬٢]- في خ: \"قال\".","vol":"4","page":299},{"text":"وقال سعيد بن منصور (^٨٤٧): أنبأنا عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن هشام [بن عروة] [¬١]، عن أبيه عروة [¬٢] قال: [] [¬٣] أنزل الله في سودة وأشباهها: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾، وذلك أن سودة كانت امرأة قد أسنت فَفزعَت أن يفارقها رسول الله، ﷺ، وضنت بمكانها منه، وعرفت من حب رسول الله، ﷺ، عائشة ومنزلتها منه، فوهبت يومها من رسول الله، ﷺ، لعائشة، فقبل ذلك رسول الله.\nقال البيهقي: وقد رواه أحمد بن يونس، عن الحسن بن أبي الزناد، موصولًا، وهذه الطَّرِيقِ رواها الحاكم في مستدركه (^٨٤٨)، فقال:\nحدَّثنا أبو بكر بن إسحاق الفقيه، أخبرنا الحسن بن علي بن زياد، حدَّثنا أحمد بن يونس، حدَّثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أنَّها قالت له: يا ابن أختي، كان رسول الله، ﷺ، لا يفضل بعضنا على بعض في مكثه عندنا، وكان قل يوم إلَّا وهو يطوف علينا، فيدنو من كل امرأة من غير مسيس حتَّى يبلغ إلى من هو يومها فيبيت عندها، ولقد قالت سودة بنت زمعة حين أسنت وفرقت أن يفارقها رسول الله، ﷺ: يا رسول الله، يومي هذا لعائشة، فقبل ذلك رسول الله، صلى الله عليه ومسلم، قالت عائشة: ففي ذلك أنزل الله: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾.\nوكذا [¬٤] رواه أَبو داود، عق أحمد بن يونس، به. ثم قال الحاكم [¬٥]: صحيح الإِسناد ولم يخرجاه.\n_________\n= (٦/ ١١٧)، وأَبو داود (٢١٣٨)، وابن ماجة (١٩٧٠) (٢٣٤٧).\n(^٨٤٧) - ومن طريق سعيد بن منصور، رواه البيهقى فى \"السنن الكبرى\" (٧/ ٢٩٧) وانظر ما بعده.\n(^٨٤٨) - \" المستدرك\" (٢/ ١٨٦)، ورواه أَبو داود فى \"السنن\" كتاب: النكاح، باب: فى القسم بين النساء (٢١٣٥) - ومن طريقه البيهقى فى \"السنن الكبرى\" (٧/ ٧٤، ٧٥) - ثنا أحمد بن يونس به، ورواه أحمد (٦/ ١٠٧، ١٠٨) ثنا سريج عن عبد الرحمن بن أبي الزناد به مختصرًا وقال الحاكم: \"صحيح الإسناد ولم يخرجاه\" ووافقه الذهبى، وإسناده حسن لكلام في حفظ ابن أبي الزناد. وانظر ما بعده.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من خ.\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في ز: \"لما\".\n[¬٤]- في خ: \"وكذلك\".\n[¬٥]- زيادة من: خ.","vol":"4","page":300},{"text":"وقد رواه [] [¬١] ابن مردويه (^٨٤٩): من طريق أبي بلال الأشعري، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، به نحوه، ومن رواية عبد العزيز بن [¬٢] محمد الدراوردي، عن هشام بن عروة، بنحوه [¬٣] مختصرًا، والله أعلم.\nوقال أبو العباس محمد بن عبد الرحمن الدغولي في أول \"معجمه\" (^٨٥٠): حدثنا محمد بن يحيى، حدثنا مسلم [¬٤] بن إبراهيم، حدثنا هشام الدستوائي، حدثنا القاسم بن أبي بزة، قال: بعث النبي، ﷺ، إلى سودة بنت زمعة بطلاقها، فلما أن أتاها جلست له على طريق عائشة فلما رأته قالت له: أنشدك بالذي أنزل عليك كتابه [¬٥] واصطفاك على خلقه، لما راجعتني فإني قد كبرت ولا حاجة لي في الرجال. [لكن أريد أن] [¬٦] أبعث مع نسائك يوم القيامة. فراجعها فقالت: إني [¬٧] جعلت يومي وليلتي لحِيَّة رسول الله، ﷺ. وهذا غريب ومرسل.\nوقال البخاري (^٨٥١): حدثنا محمد بن مقاتل، أخبرنا [عبد الله] [¬٨]، أنبأنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ قالت [¬٩]: الرجل تكون عنده المرأة المسنة [¬١٠] ليس بمستكثر منها، يريد أن يفارقها، فتقول: أجعلك من شأنى في حِلٍّ، فنزلت هذه الآية.\nوقال ابن جرير (^٨٥٢): حدثنا ابن [¬١١] وكيع، حدّثنا أبي، عن هشام بن عروة، عن أبيه،\n_________\n(^٨٤٩) - ورواه أيضًا ابن سعد فى \"الطبقات\" (٨/ ٤٣) من طريق الواقدى نا محمد بن عبد الله، حدثنى ابن أبي الزناد به.\n(^٨٥٠) - ورواه ابن سعد فى \"الطبقات\" (٨/ ٤٣) أخبرنا مسلم بن إبراهيم به. وإسناده صحيح لكنه مرسل.\n(^٨٥١) - رواه البخارى، كتاب: التفسير، باب: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ (٤٦٠١).\n(^٨٥٢) - تفسير ابن جرير (٩/ ١٠٥٨٤، ١٠٥٨٥)، ورواه البخارى، كتاب: النكاح، باب: المرأة تَهَبُ ورمها من زوجها لضَرّتها (٥٢١٢)، ومسلم، كتاب: الرضاع، باب: جواز هبتها نوبتها لضرتها (٤٧، ٤٨) (١٤٦٣)، وأحمد (٦/ ٦٨، ٧٦)، والنسائي فى \"الكبرى\" كتاب: عشرة النساء=\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ز: \"الحاكم\".\n[¬٢]- في خ، ت: \"عن\" خطأ.\n[¬٣]- في ز: \"نحوه\".\n[¬٤]- في ز، خ: \"سلمة\".\n[¬٥]- في ت: \"كلامه\".\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٧]- في خ: \"فإني\".\n[¬٨]- ما بن المعكوفتين في خ: \"أبو عبد الله\".\n[¬٩]- في ز: \"قال\".\n[¬١٠]- سقط من: خ.\n[¬١١]- سقط من: ز، خ.","vol":"4","page":301},{"text":"عن عائشة: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا [¬١] وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ قالت: هذا في المرأة تكون عند الرجل فلعله ألا يكون يستكثر منها، ولا يكون لها ولد، و[¬٢] لها صحبة، فتقول: لا تطلقني وأنت في حل عن شأني.\nحدثني المثنى، حدثنا حجاج بن منهال، حدثنا حماد بن سلمة، عن هشام، عن عروة، عن عائشة في قوله: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ قالت: هو الرجل يكون له المرأتان: إحداهما قد كبرت، [أو هي] [¬٣] دميمة وهو لا يستكثر منها فتقول: لا تطلقني، وأنت في حل من شأني.\nوهذا الحديث ثابت في الصحيحين، من غير وجه، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة بنحو ما تقدم، ولله الحمد والمنة.\nقال ابن جرير (^٨٥٣): حدثنا ابن حميد وابن وكيع قالا: حدثنا جرير، عن أشعث، عن ابن سيرين قال: جاء رجل إلى عمر [﵁] [¬٤] فسأله عن آية، فكره ذلك وضربه بالدرة، فسأله آخر عن هذه الآية: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ فقال: عن مثل هذا فاسألوا، ثم قال: هذه المرأة تكون عند الرجل، قد خلا [¬٥] من سِنِّها فيتزوج المرأة الشابة يلتمس ولدها، فما اصطلحا عليه من شيء فهو جائز.\nوقال ابن أبي حاتم (^٨٥٤): حدثنا على بن الحسن الهسنجاني، حدثنا مسدد، حدثنا\n_________\n= باب: المرأة تهب يومها لامرأة من نساء زوجها (٥/ ٨٩٣٤)، وابن ماجه، كتاب: النكاح، باب: المرأة تهب يومها لصاحبتها (١٩٧٢) من طرق عن هشام بن عروة به.\n(^٨٥٣) - تفسير ابن جرير (٩/ ١٠٥٧٩) ولم يعزه السيوطى فى \"الدر المنثور\" (٢/ ٤١١) لغيره، وهذا منقطع بين عمر، وابن سيرين، وأشعث هو ابن سوَّار ضعيف، وجرير هو ابن عبد الحميد.\n(^٨٥٤) - تفسير ابن أبي حاتم (٤/ ٦٠٤٢)، ورواه ابن أبي شيبة فى \"المصنف\" (٣/ ٣٢٩)، وابن جرير (٩/ ١٠٥٧٥) ثنا هناد بن السرى، كلاهما (ابن أبي شيبة وهناد) ثنا أبو الأحوص به. ورواه ابن جرير (٩/ ١٠٥٧٦) من طريق محمد بن جعفر ثنا شعبة عن سماك به. و(٩/ ١٠٥٧٧) من طريق أبي داود الطيالسى - ولم أجده فى المسند - ثنا شعبة وحماد بن سلمة وأبو الأحوص كلهم عن سماك به (٩/ ١٠٥٧٨) من طريق إسرائيل عن سماك به، والبيهقى فى \"السنن الكبرى\" (٧/ ٢٩٧) من طريق آدم بن أبي إياس نا حماد بن سلمة به، ورجاله ثقات غير خالد بن عرعرة لم يوثقه غير ابن حبان \"الثقات\"=\n_________\n[¬١]- سبق تخريج هذه القراءة.\n[¬٢]- في ت: \"ويكون\".\n[¬٣]- في ز، خ: والأخرى. والمثبت من تفسير الطبري.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين في خ: \"بن الخطاب\".\n[¬٥]- أي: كبرت ومضى معظم عمرها.","vol":"4","page":302},{"text":"أبو الأحوص، عن سماك بن حرب، عن خالد بن عرعرة قال: جاء رجل إلى علي بن أبي طالب فسأله عن قول الله ﷿: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾ قال على: يكون الرجل عنده المرأة، فتنبو عيناه عنها من دمامتها، أو كبرها، أو سوء خلقها، أو فقرها [¬١] فتكره فراقه، فإن وضعت له من مهرها شيئًا حل له، وإن جعلت له من أيامها فلا حرج.\nوكذا رواه أبو داود الطيالسي، عن شعبة، و[¬٢] حماد بن سلمة وأبي الأحوص. ورواه ابن جرير من طريق إسرائيل أربعتهم عن سماك، به.\nوكذا فسرها ابن عباس وعَبِيدة السلماني ومجاهد بن جبر [¬٣] والشعبي وسعيد بن جبير وعطاء وعطية العوفي ومكحول والحسن والحكم بن عتيبة [¬٤] وقتادة وغير واحد من السلف والأئمة، ولا أعلم [خلافًا في ذلك] [¬٥]، أن المراد بهذه الآية هذا، والله أعلم.\nوقال الشافعي (^٨٥٥): أنبأنا ابن عيينة، عن الزهري، عن ابن المسيب أن ابنة محمد بن مسلمة كانت عند رافع بن خديج، فكره منها أمرًا إما كبرًا أو غيره، فأراد طلاقها فقالت: لا تطلقني واقسم لي ما بدا لك، فأنزل الله ﷿: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ الآية.\nوقد رواه الحاكم في مستدركه (^٨٥٦) من طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار بأطول من هذا السياق.\nوقال الحافظ أبو بكر البيهقي (^٨٥٧): أخبرنا أبو سعيد بن أبي عمرو، حدثنا أبو محمد أحمد\n_________\n= وروى عنه غير سماك، القاسم ابن عوف الشيبانى، وجزم أبو عبد الله البخارى بسماعه من على، انظر \"التاريخ الكبير\" (٣/ ١٦٢).\n(^٨٥٥) - \" مسند الشافعى\" (١/ ٨٦، ٨٧/ شفاء العي) - ومن طريق الشافعى رواه البيهقى فى \"السنن الكبرى\" (٧/ ٢٩٦) - ورواه ابن أبي شيبة فى \"المصنف\" (٣/ ٣٢٨) ثنا ابن عيينة به وإسناده صحيح، لكنه مرسل وانظر ما بعده.\n(^٨٥٦) - \" المستدرك\" (٢/ ٣٠٨، ٣٠٩) والحديث فى تفسير عبد الرزاق (١/ ١٧٥) ومن طريقه أيضًا ابن جرير فى تفسيره (٩/ ١٠٦٠٠) وانظر ما بعده.\n(^٨٥٧) - \" السنن الكبرى\" للبيهقى (٧/ ٢٩٦)، ورواه ابن أبي حاتم فى تفسيره (٤/ ٦٠٤٤) ثنا أبي،=\n_________\n[¬١]- في ز: \"قددها\" وفي خ: قذذها. والمثبت من الطبري.\n[¬٢]- في خ: \"عن\".\n[¬٣]- في خ، ت: \"جبير\".\n[¬٤]- في ت: \"عتبة\".\n[¬٥]- في خ: \"في ذلك خلافًا\".","vol":"4","page":303},{"text":"ابن عبد الله المزني، أخبرنا على بن محمد بن عيسى، أنبأنا أبو اليمان، أخبرني شعيب بن أبي حمزة، عن الزهري، أخبرني سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار: أن السنة في هاتين الآيتين اللتين ذكر الله فيهما نشوز المرء وإعراضه عن امرأته في قوله: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ إلى تمام الآيتين [¬١] أن المرء [¬٢] إذا نشز عن امرأته وآثر عليها؛ فإن من الحق أن يعرض عليها أن يطلقها، أو تستقر عنده على ما كانت من أثرة في القسم من ماله ونفسه، [فإن استقرت عنده على ذلك، فكرهت أن يطلقها، فلا حرج عليه فيما آثر عليها من ذلك، فإن لم يعرض عليها الطلاق وصالحها على أن يعطها من ماله ما ترضاه وتقر عنده على الأثر في القسم من ماله ونفسه] [¬٣] صلح له ذلك، وجاز [¬٤] صلحها عليه. كذلك ذكر سعيد بن المسيب وسليمان الصلح الذي قال الله ﷿: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ وقد ذكر لي أن رافع بن خديج الأنصاري، وكان من أصحاب النبي، ﷺ، كانت عنده امرأة حتى إذا كبرت تزوَّج عليها فتاة شابة، وآثر عليها الشابة، فناشدته الطلاق فطلقها تطليقة، ثم أمهلها [¬٥]، حتى إذا كادت تحل راجعها، [ثم عاد فآثر] [¬٦] [عليها الشابة فناشدته الطلاق] [¬٧] [فطلقها تطليقة أخرى ثم أمهلها حتى إذا كادت تحل راجعها [¬٨]، [ثم عاد فآثر الشابة عيها فناشدته الطلاق] [¬٩] فقال لها: ما شئت إنما بقيت لك تطليقة واحدة، فإن شئت استقررت على ما ترين [¬١٠] من الأثرة، وإن شئت فارقتك، فقالت: لا بل أستقرّ على الأثرة. فأمسكها على ذلك، فكان ذلك صلحهما، ولم ير رافع عليه إثمًا [¬١١] حين رضيت أن تستقرّ عنده على الأثرة، فيما آثر به عليها.\nوهكذا [¬١٢] رواه بتمامه عبد الرحمن بن أبي حاتم: عن أبيه، عن أبي اليمان، عن شعيب، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار، فذكره بطوله، والله أعلم.\n_________\n= ثنا أبو اليمان به.\n_________\n[¬١]- في ز: \"آيتين\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"المراد\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- في ز: \"وكان\".\n[¬٥]- في ز: \"أملها\".\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٨]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٩]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬١٠]- في ز: \"ترى\".\n[¬١١]- في ز: \"أنها\".\n[¬١٢]- في ز، خ: \"وهذا\".","vol":"4","page":304},{"text":"وقوله: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ قال على بن أبي طلحة (^٨٥٨) عن ابن عباس: يعني التخيير أن يخير الزوج لها بين الإِقامة والفراق خير من تمادي الزوج على أثرة غيرها عليها.\nوالظاهر من الآية أن صلحهما على ترك بعض حقها للزوج، وقبول الزوج ذلك خير من المفارقة بالكلية كما أمسك النبي، ﷺ، سودة بنت زمعة على أن تركت يومها لعائشة، ﵂، ولم يفارقها بل تركها من جملة نسائه، وفعله ذلك لتتأسى به أمته في مشروعية [¬١] ذلك وجوازه، فهو أفضل في حقه، ﵊، لما كان الوفاق أحب إلى الله من الفراق؛ قال: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾، بل الطلاق بغيض إليه ﷾، ولهذا جاء في الحديث الذي رواه أبو داود وابن ماجة جميعًا (^٨٥٩) عن كثير ابن عبيد، عن محمد بن خالد، عن معرِّف بن واصل، عن محارب بن دثار، عن عبد الله ابن عمر؛ قال: قال رسول الله، ﷺ: \"أبغض الحلال إلى الله الطلاق\".\nثم رواه أبو داود: عن أحمد بن يونس، عن معرِّف [¬٢]، عن محارب قال: قال رسول الله، ﷺ،. . . فذكر معناه مرسلًا.\nوقوله: ﴿وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾: وإن تتجشموا مشقة الصبر على ما [¬٣] تكرهون منهن، وتقسموا لهنّ أسوة أمثالهن فإنّ الله عالم بذلك، وسيجزيكم على ذلك أوفر الجزاء.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ أي: لن [¬٤] تستطيعوا أيها الناس، أن تساووا بين النساء من جميع الوجوه، فإنه وإن حصل [¬٥] القسم الصوري: ليلة وليلة، فلابد من التفاوت في المحبة والشهوة والجماع، كما قاله ابن عباس وعبيدة السلمانى ومجاهد والحسن البصري والضحاك بن مزاحم.\n_________\n(^٨٥٨) - رواه ابن جرير (٩/ ١٠٥٨٧) مطولًا.\n(^٨٥٩) - \" السنن\" لأبي داود، كتاب: النكاح، باب: فى كراهية الطلاق (٢١٧٧، ٢١٧٨)، ورواه ابن ماجه (٢٠١٨) ثنا كثير بن عبيد ثنا محمد بن خالد عن عبيد الله بن الوليد الوَصَّافى عن محارب به، وفيه خلاف على وصله وإرساله، والراجح فيه الإرسال وقد حرر ذلك أبو عبد الرحمن الألبانى فانظر \"الإرواء\" (٧/ ٢٠٤٠).\n_________\n[¬١]- في ز: \"شرعية\".\n[¬٢]- في ت: \"معروف\".\n[¬٣]- في ز: \"من\".\n[¬٤]- في ز: \"لا\".\n[¬٥]- في ت: \"وقع\".","vol":"4","page":305},{"text":"وقد [¬١] قال ابن أبى حاتم (^٨٦٠): حدثنا أبو زرعة، حدثنا ابن أبي شيبة، حدثنا حسين الجعفي، عن زائدة، عن عبد العزيز بن رفيع، عن ابن أبي مليكة، قال: نزلت هذه الآية: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ في عائشة. يعني أن النبي، ﷺ، كان يحبها أكثر من غيرها، كما جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد وأهل السنن (^٨٦١) من حديث حماد بن سلمة، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن [¬٢] عبد الله بن يزيد، عن عائشة قالت: كان رسول الله، ﷺ، يقسم بين نسائه، فيعدل، ثم يقول: \"اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك\" يعني القلب. هذا [¬٣] لفظ أبى داود، وهذا إسناد صحيح، لكن قال الترمذي: رواه حماد بن زيد وغير واحد، عن أيوب، عن أبي قلابة مرسلًا. قال: وهذا أصح.\nوقوله: ﴿فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ﴾ أي: فإذا ملتم إلى واحدة منهنّ فلا تبالغوا في الميل بالكلية، ﴿فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾، أي: فتبقى هذه [¬٤] الأخرى معلقة.\nقال ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير والحسن والضحاك والربيع بن أنس والسدي ومقاتل ابن حيان: معناه [¬٥] لا ذات زوج ولا مطلقة.\nو[¬٦] قال أبو داود الطيالسي (^٨٦٢): أنبأنا همام، عن قتادة، عن النضر بن أنس، عن بشير بن نهيك، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله، ﷺ: \"من كانت له امرأتان، فمال إلى إحداهما، جاء يوم القيامة وأحد شقيه ساقط\".\n_________\n(^٨٦٠) - تفسير ابن أبي حاتم (٤/ ٦٠٥٦).\n(^٨٦١) - رواه أحمد (٦/ ١٤٤) وأبو داود (٢١٣٤)، والنسائى (٧/ ٦٣) والترمذي (١١٤٠)، وابن ماجه (١٩٧١) وغيرهم، وصححه ابن حبان (١٠/ ٤٢٠٥)، والحاكم (٢/ ١٨٧) من طرق عن حماد بن سلمة به. لكن أعله بالإرسال أبو عيسى الترمذى فقال: \"رواه حماد بن زيد وغير واحد عن أيوب، عن أبي قلابة مرسلًا - وهذا أصح من حديث حماد بن سلمة\" وكذا أعله النسائى وأبو زرعة وأبو حاتم، وأقرهم أبو عبد الرحمن الألبانى، فانظر \"الإرواء\" (٧/ ٢٠١٨).\n(^٨٦٢) - \" مسند الطيالسى\" (رقم: ٢٤٥٤)، ورواه أحمد (٢/ ٢٩٥، ٣٤٧، ٤٧١)، وأبو داود (٢١٣٣)، والترمذى (١١٤١)، والنسائى (٧/ ٦٣)، وابن ماجه (١٩٦٩) وغيرهم من طريق همام بن يحيى به. وقال الترمذى: \"وإنما أسند هذا الحديث همام بن يحيى عن قتادة، رواه هشام الدستوائى=\n_________\n[¬١]- في ت: \"و\".\n[¬٢]- فى ز: \"بن\".\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- سقط من: ز.\n[¬٥]- في ز: \"معنى\".\n[¬٦]- فى ز: \"وقد\".","vol":"4","page":306},{"text":"وهكذا رواه الإمام أحمد وأهل السنن من حديث همام بن يحيى، عن قتادة، به. وقال الترمذي: إنما أسنده همام، ورواه هشام الدستوائي، عن قتادة، قال: كان يقال، ولا يعرف هذا الحديث مرفوعًا، إلا من حديث همام.\nوقوله: ﴿وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ أي: وإن أصلحتم في أموركم، وقسمتم بالعدل فيما تملكون، واتقيتم الله في جميع الأحوال، غفر الله لكم ما كان من ميل إلى بعض النساء دون بعض.\nثم قال تعالى: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا﴾، وهذه هي الحالة [¬١] الثالثة، وهي حالة الفراق، وقد أخبر الله [¬٢] تعالى أنهما إذا تفرقا؛ فإن الله يغنيه عنها، ويغنيها عنه، بأن يعوّضه الله [¬٣] من هو خير له منها، ويعوّضها عنه بمن هو خير لها منه، ﴿وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا﴾ أي: واسع الفضل عظيم المنّ حكيمًا في جميع أفعاله وأقداره وشرعه.\n﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا (١٣١) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (١٣٢) إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا (١٣٣) مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (١٣٤)﴾\nيخبر تعالى أنه مالك السموات والأرض، وأنه الحاكم فيهما، ولهذا قال: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾ أي: وصيناكم بما وصيناهم به من تقوى الله، ﷿، بعبادته وحده لا شريك له.\n_________\n=عن قتادة قال: كان يقال، ولا نعرف هذا الحديث مرفوعًا إلا من حديث همام، وهمام ثقة حافظ\" والحدث انتقاه ابن الجارود (٧٢٢)، وصححه ابن حبان (١٠/ ٤٢٠٧)، والحاكم (٢/ ١٨٦) ووافقه الذهبى وأقرهم أبو عبد الرحمن فى \"الإرواء\" (٧/ ٢٠١٧).\n_________\n[¬١]- في خ: \"الحال\".\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- فى ز: \"بها\".","vol":"4","page":307},{"text":"ثم قال: ﴿وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا﴾، كما قال تعالى إخبارًا عن موسى أنه قال لقومه: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ وقال: ﴿فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ أي: غنى عن عباده، ﴿حَمِيدٌ﴾ أي: محمود في جميع ما يقدره ويشرعه.\nوقوله: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ أي: هو القائم على كل نفس بما كسبت، الرقيب الشهيد على كل شيء.\nوقوله: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا﴾ أي: هو قادر على إذهابكم وتبديلكم بغيركم، إذا عصيتموه، كما [¬١] قال: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ وقال [¬٢] بعض السلف: ما أهون العباد على الله إذا أضاعوا أمره! وقال تعالى: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (١٦) وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ أي: وما [¬٣] هو عليه بممتنع. وقوله: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ أي: يا من ليس همته [¬٤] إلا الدنيا، اعلم أن عند الله ثواب الدنيا والآخرة، وإذا سألته من هذه وهذه أعطاك وأغناك وأقناك؛ كما قال تعالى: ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ (٢٠٠) وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (٢٠١) أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾، وقال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ﴾ الآية، وقال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ﴾ إلى قوله: ﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ الآية.\nوقد زعم ابن جرير (^٨٦٣) أن المعنى في هذه الآية: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا﴾ أي: من المنافقين الذين أظهروا الإيمان لأجل ذلك ﴿فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا﴾، وهو [¬٥] ما حصل لهم [¬٦] من المغانم وغيرها مع المسلمين. وقوله: ﴿وَالْآخِرَةِ﴾ أي: وعند الله ثواب الآخرة، وهو ما ادّخره لهم من العقوبة بنار [¬٧] جهنم، وجعلها كقوله: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾\n_________\n(^٨٦٣) - انظر تفسيره (٩/ ٢٩٩ - ٣٠١).\n_________\n[¬١]- في ز: \"وكما\".\n[¬٢]- في خ: \"قال\".\n[¬٣]- في ز: \"ما\".\n[¬٤]- في ت: \"له همه\".\n[¬٥]- سقط من: خ.\n[¬٦]- سقط من: ز.\n[¬٧]- في ت: \"في نار\".","vol":"4","page":308},{"text":"إلى قوله: ﴿وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.\nولا شك أن هذه الآية معناها ظاهر، وأما تفسيره الآية الأولى بهذا ففيه نظر؛ فإن قوله: ﴿فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾، ظاهر في حضور الخير في الدنيا والآخرة، أي: بيده هذا وهذا، فلا يقتصرنّ قاصر الهمة على السعي للدنيا فقط، بل لتكن همته سامية إلى نيل المطالب العالية في الدنيا والآخرة، فإن مرجع ذلك كله إلى الذي بيده الضر والنفع، وهو الله الذى [¬١] لا إله إلا هو الذي قد قسم السعادة والشقاوة بين الناس في الدنيا والآخرة، وعدل بينهم فيما علمه فيهم ممن يستحق هذا، وممن يستحق هذا. ولهذا قال: ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾.\n﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (١٣٥)﴾\nيأمر تعالى عباده المؤمنين أن يكونوا قوّامين بالقسط، أي: بالعدل فلا يعدلوا [¬٢] عنه يمينًا ولا شمالًا، [أن لا] [¬٣] يأخذهم [¬٤] في الحقِّ [¬٥] لومة لائم، ولا يصرفهم عنه صارف، وأن يكونوا متعاونين متساعدين متعاضدين متناصرين فيه.\nوقوله: ﴿شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾، كما قال: ﴿وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾ أي: [ليكن أداؤها] [¬٦] ابتغاء وجه الله، فحينئذ تكون صحيحة عادلة حقًّا خالية من التحريف والتبديل والكتمان، ولهذا قال: ﴿وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ أي: اشهد الحق ولو عاد ضررها عليك، وإذا سئلت عن الأمر فقل الحق فيه؛ وإن [¬٧] [كان مضرةً] [¬٨] عليك، فإن الله سيجعل لمن أطاعه فرجًا ومخرجًا، من كل أمر يضيق عليه.\nوقوله: ﴿أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ أي: وإن كانت الشهادة على والديك وقرابتك، فلا\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- في ز: \"تعدلوا\".\n[¬٣]- في خ: \"لا\".\n[¬٤]- في خ: \"تأخذهم\".\n[¬٥]- في ت: \"الله\".\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين في ت: \"أدوها\".\n[¬٧]- في خ: \"ولو\".\n[¬٨]- ما بين المعكوفتين في ت: \"عادت مضرته\".","vol":"4","page":309},{"text":"تراعهم فيها؛ بل اشهد بالحق وإن عاد ضررها عليهم؛ فإن الحق حاكم على كل أحد، [وهو مقدم على كل أحد] [¬١].\nوقوله: ﴿إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا﴾ أي: لا ترعاه لغناه، ولا تشفق عليه لفقره، الله يتولاهما، بل هو أولى بهما منك، وأعلم بما فيه صلاحهما.\nوقوله: ﴿فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا﴾ أي: فلا يحملنكم الهوى والعصبية وبغضة [¬٢] الناس [] [¬٣] إليكم على ترك العدل في أموركم وشئونكم، بل الزموا العدل على أي حال كما قال تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾.\nومن هذا القبيل [¬٤] قول عبد الله بن رواحة لما بعثه النبي، ﷺ، يخرص على أهل خيبر ثمارهم وزروعهم، فأرادوا أن يرشوه ليرفق بهم، فقال: والله لقد جئتكم من عند أحب الخلق إلى، ولأنتم أبغض إلى من أعدادكم من القردة والخنازير، وما [¬٥] يحملني حبي إياه وبغضي لكم على أن لا أعدل فيكم. فقالوا: بهذا قامت السموات والأرض. وسيأتي الحديث مسندًا في سورة المائدة (^٨٦٤)، إن شاء الله تعالى.\nوقوله: ﴿وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا﴾ قال مجاهد وغير واحد من السلف: ﴿تَلْوُوا﴾ أي: تحرفوا الشهادة وتغيروها، واللي: هو التحريف وتعمد الكذب، قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ﴾ الآية. والإعراض هو: كتمان الشهادة وتركها، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾. وقال النبي، ﷺ: \"خير الشهداء الذي يأتي بالشهادة قبل أن يسألها\" (^٨٦٥). ولهذا توعدهم الله بقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ أي: وسيجازيكم [¬٦] بذلك.\n_________\n(^٨٦٤) - يأتى تخريجه (سورة المائدة).\n(^٨٦٥) - رواه مسلم (١٩) (١٧١٩)، وأبو داود (٣٥٩٦)، والترمذى (٢٢٩٥، ٢٢٩٧)، والنسائى فى \"الكبرى\" (٣/ ٦٠٢٩)، واين ماجه (٢٣٦٤)، وأحمد (٥/ ١١٥، ١٣٢، ١٩٣) من حديث زيد بن خالد الجهنى.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٢]- في خ: \"بغض\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في ز: \"هو بغضا\".\n[¬٤]- سقط من: م.\n[¬٥]- في ز: \"ما\".\n[¬٦]- في خ: \"وسيجزيكم\".","vol":"4","page":310},{"text":"﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١٣٦)﴾\nتعالى عباده المؤمنين بالدخول في جميع شرائع الإيمان وشعبه وأركانه ودعائمه، وليس هذا من باب تحصيل الحاصل، بل من باب تكميل الكامل وتقريره وتثبيته والاستمرار عليه، كما يقول المؤمن في كل صلاة [¬١]: ﴿اهدنا الصراط المستقيم﴾ أي: بصرنا فيه، وزدنا هدي، وثبتنا عليه فأمرهم بالإِيمان به وبرسوله، كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾.\nوقوله: ﴿وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ﴾ يعني القرآن، ﴿وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ﴾، وهذا جنس يشمل جميع الكتب المتقدّمة. وقال في القرآن ﴿نزل﴾ لأنه نزل مفرقًا منجمًا على الوقائع بحسب ما يحتاج العباد إليه في معادهم ومعاشهم، وأما الكتب المتقدمة فكانت تنزل جملة واحدة، لهذا قال تعالى: ﴿وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ﴾ ثم قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ أي: فقد خرج عن طريق الهدى، وبعد عن القصد كل البعد.\n﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا (١٣٧) بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٣٨) الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا (١٣٩) وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا (١٤٠)﴾\n_________\n[¬١]- في ز: \"صراط\".","vol":"4","page":311},{"text":"يخبر تعالى عمن دخل في الإِيمان، ثم رجع عنه، ثم عاد فيه، ثم رجع واستمرّ على ضلاله، وازداد حتى مات، فإنه لا توبة بعد موته. ولا يغفر الله له ولا يجعل له مما هو فيه فرجًا ولا مخرَجًا، ولا طريقًا إلى الهدى؛ ولهذا قال: ﴿لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلا﴾.\nقال ابن أبي حاتم (^٨٦٦): حدثنا أبي، حدثنا أحمد بن عبدة، حدثنا حفص بن جميع، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس، في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا﴾، قال: تمموا [¬١] على كفرهم حتى ماتوا، وكذا قال مجاهد.\nوروى ابن أبي حاتم (^٨٦٧) من طريق جابر المعلى، عن عامر الشعبي، عن علي، ﵁، أنه قال: يستتاب المرتد ثلاثًا ثم تلا هذه الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا﴾ ثم قال: ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ يعني: أن المنافقين من هذه الصفة، فإنهم آمنوا ثم كفروا فطبع الله [¬٢] على قلوبهم، ثم وصفهم بأنهم يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين، بمعنى أنهم معهم في الحقيقة يوالونهم ويسرون اليهم بالمودَّة، ويقولون لهم إذا خلوا بهم: إنما نحن معكم، إنما نحن مستهزئون. أي: بالمؤمنين في إظهارنا لهم الموافقة؛ قال الله تعالى منكرًا عليهم فيما سلكوه من موالاة الكافرين: ﴿أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ﴾.\nثم أخبر الله تعالى بأن العزة كلها لله [¬٣] وحده لا شريك له، ولمن جعلها له، كما قال تعالى في الآية الأخرى: ﴿من كان يريد العزة فلله العزة جميعًا﴾، وقال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾.\n_________\n(^٨٦٦) - تفسير ابن أبى حاتم (٤/ ٦١١٤)، ولم يعزه السيوطى فى \"الدر المنثور\" (٢/ ٤١٥) لغيره، وحفص بن جميع ضعيف، ورواية سماك عن عكرمة مضطربة. كما قال ابن المدينى وغيره.\n(^٨٦٧) - تفسير ابن أبى حاتم (٤/ ٦١١٠) من طريق شريك عن جابر به، ورواه ابن جرير (٩/ ١٠٧٠٥) من طريق سفيان عن جابر به، وجابر هو الجعفى ضعيف، ورواه ابن جرير (٩/ ١٠٧٠٤) من طريق أشعث بن سوار عن الشعبيّ به. وأشعث ضعيف أيضًا، والشعبى لم يسمع إلا أحرفًا يسيرة من على، والخبر لم يعزه السيوطى فى \"الدر المنثور\" (٢/ ٤١٥).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"تموا\".\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- في خ: \"له\".","vol":"4","page":312},{"text":"والمقصود من هذا التهييج على طلب العزة من جناب الله، والالتجاء [¬١] إلى [¬٢] عبوديته، والانتظام في جملة عباده المؤمنين الذين لهم النصرة في هذه الحياة الدنيا، ويوم يقوم الأشهاد.\n[ومناسب هنا أن يذكر] الحديث الذي رواه الإِمام أحمد (^٨٦٨): حدثنا حسين بن محمد، حدثنا أبو بكر بن عياش، عن حميد الكندي، عن عبادة بن نُسَيّ عن أبي ريحانة أن النبي، صلى الله عديه وسلم، قال: \"من انتسب إلى تسعة آباء كفار يريد بهم عزًّا وفخرًا فهو عاشرهم في النار\".\nتفرد به أحمد، وأبو ريحانة هذا هو أزدي، ويقال: أنصاري. واسمه شمعون بالمعجمة فيما قاله البخاري، وقال غيره: بالمهملة، والله أعلم.\nوقوله: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ أي: إنكم [¬٣] إذا ارتكبتم النهي بعد وصوله إليكم ورضيتم بالجلوس معهم في المكان الذي يكفر فيه بآيات الله ويستهزأ وينتقص بها وأقررتموهم على ذلك، فقد شاركتموهم في الذي هم فيه، فلهذا قال تعالى: ﴿إنكم إذا مثلهم﴾ في المأثم، كما جاء في الحديث (^٨٦٩): \" من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا\n_________\n(^٨٦٨) - \" المسند\" (٤/ ١٣٤)، ورواه البخارى فى \"التاريخ الكبير\" (٢/ ٣٥٥)، وأبو على فى \"مسنده\" (٣/ ١٤٣٩) - ومن طريقه ابن عساكر قى \"تاريخ دمشق\" (٨/ ١٢٧/ مخطوط) - والطبرانى فى \"الأوسط\" (١/ رقم: ٤٤٣)، وأبو نعيم فى \"أخبار أصبهان\" (١/ ٣٣٥) (٢/ ٣٦٣)، والبيهقى فى \"الشعب\" (٤/ ٥١٣٢) من طرق عن أبى بكر بن عياش به. وقال الطبرانى: \"لا يروى هذا الحديثُ عن أبى ريحانة إلا بهذا الإسناد، تفرد به أبو بكر بن عياش\" وهو ثقة إمام غير أن شيخه مجهول، وعبادة لم يدرك أبا ريحانة، وبذلك أعله ابن الجوزى، فقال فى \"المتناهية\" (٢/ ١٢٩٥): \"هذا حديث لا يصح، وحميد مجهول، وعبادة لم يدرك أبا ريحانة\"، وبالثانية أعله البخارى فقال عقبه: \"لا أراه إلا مرسلًا\" واكتفى أبو عبد الرحمن الألبانى بإعلاله بضعف حميد فحسب، فرقم به (حديث ٢٤٣١) من \"الضعيفة\". ومع هذا فقد رمز لحسنه السيوطى فى \"الجامع الصغير\" ونقل المناوى فى \"فيض القدير (٦/ ٨٩) عن ابن حجر فى \"الفتح\" قال: \"إسناده حسن\" ومن قبله قال شيخه الهيثمى فى \"المجمع\" (٨/ ٨٨): \"رواه أحمد والطبرانى فى \"الكبير\" و\"الأوسط\" وأبو يعلى، ورجال أحمد ثقات!!\n(^٨٦٩) - رواه الترمذى، كتاب: الأدب، باب: ما جاء فى دخول الحمام (٢٨٠١) وأبو يعلى فى \"مسنده\" (٣/ ١٩٢٥) من طريق ليث بن أبى سليم عن طاوس عن جابر به مطولًا. وقال الترمذي:=\n_________\n[¬١]- في ت: \"الإلجاء\".\n[¬٢]- في ز: \"على\".\n[¬٣]- سقط من: ز.","vol":"4","page":313},{"text":"يجلس على مائدة يدار عليها الخمر\".\nوالذي أُحيل عليه في هذه الآية من النهي في ذلك، هو قوله تعالى في سورة الأنعام وهي مكية: ﴿وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم﴾ الآيه. قال مقاتل بن حيان نسخت هذه الآية التي في سورة [¬١] الأنعام. يعني: نسخ قوله: ﴿إنكم إذا مثلهم﴾ لقوله: ﴿وما على الذين يتقون من حسابهم من شئ ولكن ذكرى لعلهم يتقون﴾\nوقوله: ﴿إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعًا﴾ أي: كما اشتركوا [¬٢] في الكفر، كذلك شارك الله بينهم في الخلود في نار جهنم أبدًا، وجمع بينهم في دار العقوبة والنكال والقيود والأغلال وشرب [¬٣] الحميم والغسلين لا الزلال.\n﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا (١٤١)﴾\nيخبر تعالى عن المنافقين أنهم يتربصون بالمؤمنين دوائر السوء، بمعنى ينتظرون زوال دولتهم، وظهور الكفرة [¬٤] عليهم، وذهاب ملتهم. ﴿فإن كان لكم [¬٥] فتح من الله﴾ أي: نصر وتأييد وظفر وغنيمة، ﴿قالوا ألم نكن معكم﴾ أي: يتوددون إلى المؤمنين بهذه المقالة، ﴿وإن كان للكافرين نصيب﴾ أي: إدالة على المؤمنين في بعض الأحيان، كما وقع يوم أحد؛ فإن الرسل تبتلى ثم يكون لها العاقبة؛ ﴿قالوا ألم نستحوذ عليكم وتمنعكم من المؤمنين﴾\n_________\n= حديث حسن غريب، لا نعرفه من حديث طاوس عن جابر إلا من هذا الوجه، قال محمد بن إسماعيل - البخارى -: ليث بن أبى سليم صدوق ربما يهم فى الشيء … \" لكن أصل الحديث ثابت عن جابر، فقد رواه أحمد (٣/ ٣٣٩) من طريق ابن لهيعة والنسائى (١/ ١٩٨) جزء من المطول، والحاكم (٤/ ٢٨٨) من طريق عطاء، كلاهما (ابن لهيعة وعطاء) عن أبى الزبير عن جابر به، وصححه الحاكم على شرط مسلم: ووافقه الذهبى، وجود إسناده الحافظ ابن حجر فى \"الفتح\" (٩/ ٢٥٠) وذكر له شواهد، وحسنه أبو عبد الرحمن الألبانى فى \"غاية المرام\" (ح ١٩٠) و\"آداب الزفاف\" (ص ٦٧).\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- في ت: \"أشركوكم\".\n[¬٣]- فى ت: \"شراب\".\n[¬٤]- في م: \"الكفر\".\n[¬٥]- في ز: \"لهم\".","vol":"4","page":314},{"text":"أي: ساعدناكم في الباطن، وما ألوناهم خبالًا وتخذيلًا حتى انتصرتم عليهم.\nوقال السدي: ﴿نستحوذ عليكم﴾: نغلب عليكم؛ كقوله: ﴿استحوذ عليهم الشيطان﴾ وهذا أيضًا تودد منهم إليهم؛ فإنهم كانوا يصانعون هؤلاء وهؤلاء ليحظوا عندهم، ويأمنوا كيدهم، وما ذاك إلا لضعف إيمانهم، وقلة إيقانهم.\nقال الله تعالى: ﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ أي: بما يعلمه منكم أيها المنافقون، من البواطن الرديئة، فلا تغتروا بجريان الأحكام الشرعية عليكم ظاهرًا في الحياة الدنيا، لما له في ذلك من الحكمة، فيوم القيامة لا تنفعكم [¬١] ظواهركم؛ بل هو يوم تبلى فيه السرائر ويُحَصَّل ما في الصدور.\nوقوله: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ (^٨٧٠): أنبأنا الثوري، عن الأعمش، عن ذر عن [¬٢]، يُسَيْعٍ الكندي، قال: جاء رجل إلى على بن أبي طالب فقال: كيف هذه الآية ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾؟ فقال على ﵁: ادنه ادنه، [ثم قال] [¬٣]: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾.\nوكذا روى ابن جريج (^٨٧١) عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ قال: ذاك يوم القيامة. وكذا روى السدي عن أبي مالكٍ الأشجعي: يعني يوم القيامة. وقال السدي: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ أي: حجة.\n_________\n(^٨٧٠) - ومن طريق عبد الرزاق رواه ابن جرير (٩/ ١٠٧١٥) ورواه أيضًا (١٠٧١٦) من طريق عبد الرحمن بن مهدى، والحاكم فى \"المستدرك\" (٢/ ٣٠٩) من طريق أبى حذيفة، كلاهما عن سفيان الشورى به. ورواه ابن جرير أيضًا (٩/ ١٠٧١٤) من طريق جرير عن الأعمش به، و(٩/ ١٠٧١٧) وابن أبى حاتم (٤/ ٦١٣٥) من طريق الفضل بن موسى ثنا الأعمش به. من طريق غندر عن شعبة سمعت سليمان الأعمش يحدث عن ذر عن رجل عن علي به. ولا يضره ذلك؛ لأنه قد زال إبهامه فى طرق أخرى، وقد صحح إسناده الحاكم، ووافقه الذهبى، وزاد نسبته السيوطى فى \"الدر المنثور\" (٢/ ٤١٦) إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٨٧١) - رواه ابن جرير (٩/ ١٠٧١٩) وهو منقطع بين ابن عباس وعطاء، وذكره السيوطى فى \"الدر المنثور\" (٢/ ٤١٦) إلى ابن المندر.\n_________\n[¬١]- في ز: \"ينفعكم\".\n[¬٢]- في م: \"بن\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.","vol":"4","page":315},{"text":"ويحتمل أن يكون المعنى [¬١]: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ أي: في الدنيا، بأن يسلطوا عليهم استيلاء استئصال بالكلية، وإن حصل لهم ظفر في بعض الأحيان على بعض الناس؛ فإن العاقبة للمتقين في الدنيا والآخرة؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ الآية. وعلى هذا فيكون ردًّا على المنافقين فيما أملوه وتربصوه [¬٢] وانتظروه من زوال دولة المؤمنين، وفيما سلكوه من مصانعتهم الكافر كان خوفًا على أنفسهم منهم، إذا هم ظهروا على المؤمنين فاستأصلوهم، كما قال تعالى: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿نادمين﴾.\nوقد استدل كثير من الفقهاء [¬٣] بهذه الآية الكريمة على أصح قولي العلماء، وهو المنع من بيع العبد المسلم للكافرين [¬٤] لما في صحة ابتياعه من التسليط له [¬٥] عليه، والإذلال [¬٦]، ومن قال منهم بالصحة يأمره بإزالة ملكه عنه في الحال، لقوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾.\n﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا (١٤٢) مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا (١٤٣)﴾\nقد تقدم في أول سورة البقرة قوله تعالى: ﴿يخادعون الله والذين آمنوا﴾ وقال هاهنا: ﴿إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم﴾ ولا شك أن الله لا يخادع؛ فإنه العالم بالسرائر والضمائر، ولكن المنافقين لجهلهم وقلة علمهم وعقلهم يعتقدون أن أمرهم كما راج عند الناس وجرت عليهم أحكام الشريعة ظاهرًا، فكذلك يكون حكمهم يوم القيامة عند الله، وأن أمرهم يروج عنده، كما أخبر تعالى عنهم أنهم يوم القيامة، يحلفون له: أنهم كانوا على الاستقامة والسداد، ويعتقدون أن ذلك نافع لهم عنده [كما قال] [¬٧] تعالى: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ الآية.\n_________\n[¬١]- في ز: \"المراد\".\n[¬٢]- في خ: \"ورجوه\".\n[¬٣]- في خ: \"العلماء\".\n[¬٤]- في ز: \"من الكافر\"، خ: \"من الكافرين\".\n[¬٥]- سقط من: خ.\n[¬٦]- في خ: \"والإخلال\".\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين في ر: \"فقال\".","vol":"4","page":316},{"text":"وقوله: ﴿وهو خادعهم﴾ أي: هو الذي يستدرجهم فى طغيانهم وضلالهم، ويخذلهم عن الحق، والوصول إليه في الدنيا، وكذلك فى [¬١] القيامة، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ قوله: ﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ وقد ورد فى الحديث (^٨٧٢): \" من سمَّع [¬٢]، سمع الله به ومن راءى راءى الله به\". وفي [الحديث الآخر] [¬٣]: \"إن الله يأمر بالعبد إلى الجنة فيما يبدو للناس، ويعدل به إلى النار\". عياذًا بالله من ذلك!\nوقوله: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا (١٤٢)﴾ الآية. هذه صفة المنافقين في أشرف الأعمال وأفضلها وخيرها وهي الصلاة، إذا قاموا إليها قاموا وهم كسالى عنها؛ لأنهم لا نية لهم فيها، ولا إيمان لهم بها ولا خشية، ولا يعقلون معناها، كما روى ابن مردويه (^٨٧٣) من طريق عبيد الله بن زَحْر، عن خالد بن أبي عمران، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس؛ قال: يكره أن يقوم الرجل إلى الصلاة وهو كسلان، ولكن يقوم إليها طلق الوجه، عظيم الرغبة شديد الفرح، فإنه يناجي الله، كان الله أمامه [¬٤] يغفر له ويجيبه إذا دعاه، ثم يتلو ابن عباس هذه الآية: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى﴾.\nوروي من غير هذا الوجه، عن ابن عباس نحوه.\nفقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى﴾ هذه صفة ظواهرهم، كما قال: ﴿وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى﴾ ثم ذكر تعالى صفة بواطنهم الفاسدة، فقال:\n_________\n(^٨٧٢) - رواه البخارى، كتاب: الرقاق، باب: الرياء والسمعة (٦٤٩٩) ومسلم، كتاب: الزهد والرقائق، باب: من أشرك فى عمله غير الله (٤٨) (٢٩٨٦) من حديث جندب بن عبد الله، ورواه مسلم أيضًا (٤٧) (٢٩٨٦) من حديث ابن عباس.\n(^٨٧٣) - لم أجده معزوًّا لابن مردويه فى غير هذا الموطن، وإسناده حسن، وقد رواه ابن أبى حاتم (٤/ ٦١٣٩)، وابن أبى الدنيا فى \"الصمت\" (رقم: ٣٦٧) من طريقين عن مسعر بن كدام عن سماك الحنفى عن اليمن عباس أنه كان يكره أن يقول الرجل: إنى كسلان ويتأول هذه الآية. وهذا إسناد حسن.\nوالخبر ذكره السيوطى فى \"الدر المنثور\" (٢/ ٤١٧) وزاد عزوه إلى ابن المنذر.\n_________\n[¬١]- في ت: \"يوم\".\n[¬٢]- يقال: سمعت بالرجل تسميعًا وتسمعةَ: إذا أشهرته وندَّدْت به. وسمَّع فلان بعمله: إذا أظهره ليسمع. وقيل: أراد: من سمع الناس بعمله سمعه الله وأراه ثوابه من غير أن يعطيه. وقيل: من أراد بعمله الناس أسمعه الله الناس، وكان ذلك ثوابه.\n[¬٣]- في ز: \"حديث آخر\".\n[¬٤]- في ت: \"تجاهه\".","vol":"4","page":317},{"text":"﴿يراءون الناس﴾ أي: لا إخلاص لهم، [ولا معاملة مع الله، بل إنما يشهدون الناس تقية لهم ومصانعة] [¬١]؛ ولهذا يتخلفون كثيرًا عن الصلاة التي لا يرون فيها غالبًا كصلاة العشاء في وقت العتمة، وصلاة الصبح في وقت الغلس، كما ثبت في الصحيحين (^٨٧٤) أن رسول الله، ﷺ، قال: \"أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوًا، ولقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام، ثم أمر رجلًا فيصلي بالناس، ثم أنطلق معي برجال ومعهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة، فأحرق عليهم بيوتهم بالنار [¬٢] \".\nوفي رواية: \"والذي نفسي بيده، لو علم أحدهم أنه يجد عَرْقًا ثمينا أو مرماتين [¬٣] حسنتين، لشهد الصلاة\" (^٨٧٥)، \" ولولا ما في البيوت من النساء والذرية لحرقت عليهم بيوتهم بالنار\" (^٨٧٦).\nوقال الحافظ أبو يعلى (^٨٧٧): حدّثنا محمد [بن إبراهيم بن] [¬٤] أبي بكر المقدمي، حدثنا\n_________\n(^٨٧٤) - رواه البخارى، كتاب: الأذان، باب: فضل العشاء فى الجماعة (٦٥٧)، ومسلم، كتاب: المساجد ومواضع الصلاة، باب: فضل صلاة الجماعة (٢٥٢) (٦٥١)، وأبو داود، كتاب: الصلاة، باب: فى التشديد فى ترك الجماعة (٥٤٨)، وابن ماجه (٧٩١، ٧٩٧) من طرق عن الأعمش عن أبى صالح عن أبى هريرة مرفوعًا به.\n(^٨٧٥) - رواه البخارى، كتاب: الأذان، باب: وجوب صلاة الجماعة (٦٤٤)، ومسلم، كتاب: المساجد ومواضع الصلاة (٢٥١) (٦٥١)، والنسائى (٢/ ١٠٧) من طريق أبى الزناد عن الأعرج عن أبى هريرة مرفوعًا به.\n(^٨٧٦) - رواه أحمد (٢/ ٣٦٧) ثنا خلف ثنا أبو معشر عن سعيد المقبرى عن أبى هريرة مرفوعًا به، وأبو معشر هو نجيح بن عبد الرحمن السندى، ضعفه الجمهور، وبه أعله الهيثمى فى \"المجمع\" (٢/ ٤٥) فقال: \"رواه أحمد، وأبو معشر ضعيف، ومع هذا فقد أشار لهذه الرواية ابن حجر فى \"الفتح\" (٢/ ١٢٦) وسكت عنها!!.\n(^٨٧٧) - مسند أبى يعلى (٩/ ٥١١٧) ويعيده المصنف كما هنا عند خاتمة سورة الكهف، وقد رواه عبد الرزاق فى \"المصنف\" (٢/ رقم ٣٧٣٨) عن سفيان الشورى، والبيهقى فى \"السنن الكبرى\"=\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز\n[¬٢]- في ز: \"في النار\".\n[¬٣]- العَرْق: العظم إذا أخذ عن مُعظم اللحم. والمرماة: ظلف الشاة. وقيل: ما بين ظلفها. وقيل: المرماة السهم الصغير الذي يُتَعَلَّم به الرمي، وهو أحقر السهام وأدناها، أي: لو دُعى إلى أن يُعطى سهمين من هذه السهام لأسرع الإجابة.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين في ز: \"هو ابن\".","vol":"4","page":318},{"text":"محمد بن دينار، عن إبراهيم الهجري، عن أبي الأحوص، عن عبد الله قال: قال رسول الله، صلى الله طيه وسلم: \"من أحسن الصلاة حيث يراه الناس، وأساءها حيث يخلو، فتلك استهانة استهان بها ربه ﷿\".\nوقول: ﴿ولا يذكرون الله إلا قليلًا﴾ أي: في صلاتهم لا يخشعون ولا يدرون ما يقولون، بل هم عن [¬١] صلاتهم ساهون لاهون، وعما يراد بهم من الخير معرضون.\nوقد روى الإمام مالك (^٨٧٨)، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله، ﷺ: \"تلك صلاة المنافق، تلك صلاة المنافق، تلك صلاة المنافق: يجلس يرقب الشمس؛ حتى إذا كانت بين قرني الشيطان، قام فنقر أربعًا لا يذكر الله فيها إلا قليلًا\".\nوكذا رواه مسلم والترمذي والنسائي من حديث إسماعيل بن جعفر المدني، عن العلاء بن عبد الرحمن، به. وقال الترمذي: حسن صحيح.\nوقوله: ﴿مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء﴾ يعني: المنافقين محيرين بين الإيمان والكفر، فلا هم مع المؤمنين ظاهرًا وباطنًا، ولا مع الكافرين ظاهرًا وباطنًا، بل ظواهرهم معَ المؤمنين، وبواطنهم مع الكافرين، ومنهم من يعتريه الشك، فتارة يميل إلى هؤلاء، وتارة يميل\n_________\n= (٢/ ٢٩٠) من طريق زائدة بن قدامة، كلاهما (الثورى وزائدة) عن إبراهيم الهجرى به. وإبراهيم بن مسلم الهجرى هذا ضعفه الجمهور، وبه أعله الهيثمى فى \"المجمع\" (١٠/ ٢٢٤) فقال: \"رواه أبو يعلى، وفيه إبراهيم بن مسلم الهجرى، وهو ضعيف، ومن قبل الهيثمى ذكره المنذرى فى \"الترغيب والترهيب\" (١/ ٦٧ /رقم ١٨) وقال: \"رواه عبد الرزاق فى كتابه وأبو يعلى، كلاهما من رواية إبراهيم ابن مسلم الهجرى عن أبى الأحوص عنه، ورواه من هذه الطرق ابن جرير الطبرى - ولم أقف عليه فى تفسيره فى مظانه فلعله فى كتاب آخر له والله أعلم - مرفوعًا أيضًا وموقوفًا على ابن مسعود وهو أشبه ومع هذا فقد حسنه ابن حجر كما فى \"المطالب العالية\" (٣/ ١٨٣/ ٢٣٠٠)!! ورمز لضعفه السيوطى فى \"الجامع الصغير\" (٦/ ٨٣٣٧ فيض) ورقم به أبو عبد الرحمن الألبانى (حديث ٥٣٦١) من \"ضعيف الجامع الصغير\".\n(^٨٧٨) - رواه مالك فى \"الموطأ\" كتاب: الصلاة، باب: النهي عن الصلاة بعد الصبح وبعد العصر (١/ ٢٢١) ومن طريقه أحمد (٣/ ١٤٩، ١٨٥)، وأبو داود، كتاب: الصلاة، باب: وقت العصر (٤١٣)، ورواه مسلم، كتاب: المساجد ومواضع الصلاة، باب: استحباب التبكير كالعصر (١٩٥) (٦٢٢)، والترمذى، كتاب: الصلاة، كتاب: ما جاء فى تعجيل العصر (١٦٠)، والنسائى، كتاب: المواقيت، باب: التشديد فى تأخير العصر (١/ ٢٥٤) من طريق إسماعيل بن جعفر عن العلاء بن عبد الرحمن به.\n_________\n[¬١]- في خ: \"في\".","vol":"4","page":319},{"text":"إلى أولئك، ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾ الآية.\nوقال مجاهد: ﴿مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء﴾، يعني: أصحاب محمد، ﴿ولا إلى هؤلاء﴾ يعني اليهود.\nوقال ابن جرير (^٨٧٩): حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا عبد الوهاب، حدثنا عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي، ﷺ، قال: \"مثل المنافق كمثل الشاة العائرة [¬١] بين الغنمين، تعير إلى هذه مرة، وإلى هذه مرة، لا تدري أيتهما تتبع\".\nتفرد به مسلم، وقد رواه (^٨٨٠) عن محمد بن المثنى مرة أخرى، عن عبد الوهاب، فوقف به على ابن عمر، ولم يرفعه. قال: حدثنا به عبد الوهاب مرتين، كذلك.\nقلت: وقد رواه الإِمام أحمد (^٨٨١)، عن إسحاق بن يوسف عن عبيد الله، به مرفوعًا، وكذا رواه إسماعيل بن عياش، وعلى بن عاصم، عن عبيد الله، [عن نافع، عن ابن عمر مرفوعًا] [¬٢]. وكذا رواه عثمان بن محمد بن أبي شيبة، عن عبدة، عن عبد الله، به مرفوعًا. ورواه حماد بن سلمة، عن عبيد الله أو عبد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعًا. ورواه أيضًا صخر بن جويرية، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي، ﷺ، بمثله.\nوقال الإمام أحمد (^٨٨٢): حدثنا خلف بن الوليد، حدثنا الهذيل بن بلال، عن ابن [¬٣] عبيد، عن أبيه: أَنه جلس ذات يوم بمكة وعبد الله بن عمر معه، [فقال أبي] [¬٤]: قال رسول الله،\n_________\n(^٨٧٩) - تفسير ابن جرير (٩/ ١٠٧٢٨)، ورواه أحمد (٢/ ٤٧، ١٠٢، ١٤٣)، ومسلم، كتاب: صفات المنافقين وأحكامهم (١٧) (٢٧٨٤) من طرق عن عبيد الله به. ورواه مسلم أيضًا والنسائى (٨/ ١٢٤) من طريق موسى بن عقبة عن نافع به.\n(^٨٨٠) - يعنى ابن جرير فى تفسيره (٩/ ١٠٧٢٩) ولا يضره وقف عبد الوهاب له؛ لأنه قد رواه مرة موقوفًا كما تقدم، ثم إن الجماعة رووه مرفوعًا فانظر الآتى.\n(^٨٨١) - \" المسند\" (٢/ ٤٧)، ورواه ابن جرير (٩/ ١٠٧٣٠) من طريق إسماعيل بن عياش عن عبيد الله به. ولم أهتد له من باقى طرقه.\n(^٨٨٢) - \" المسند\" (٢/ ٦٨) وهذيل بن بلال وهاه ابن معين، وضعفه ابن سعد وأبو داود والنسائى=\n_________\n[¬١]- أي: المترددة قطيعين، لا تدري أيهما تتبع.\n[¬٢]- في ز: \"به مرفوعًا عن نافع عن ابن عمر مرفوعا\".\n[¬٣]- سقط من: م\n[¬٤]- في م: \"فقال بن أبي عبيدة، قال أبي\".","vol":"4","page":320},{"text":"ﷺ: \"إن مثل المنافق يوم القيامة كالشاة بين الربيضين [¬١] من الغنم؛ إن أتت هؤلاء نَطَحْنَها [¬٢]، وإن أتت هؤلاء نَطَحْنَها\" فقال له ابن عمر: كذبت. فأثنى القوم على أبي خيرًا أو معروفًا، فقال ابن عمر: لا أظن صاحبكم إلا كما تقولون، ولكني [شاهد نبي] [¬٣] الله، إذ قال: \"كالشاة بين الغنمين [¬٤] \"، فقال: هو سواء، فقال: هكذا سمعته.\nوقال [¬٥] الإِمام [¬٦] أحمد (^٨٨٣): حدثنا يزيد، حدثنا المسعودي، عن أبي [¬٧] جعفر محمَّد بن على قال: بينما عبيد بن عمير يقص وعنده عبد الله بن عمر، فقال عبيد بن عمير، قال رسول الله، ﷺ: \"مثل المنافق كشاة [¬٨] بين ربيضين إذا أتت هؤلاء نَطَحْنَها، وإذا أتت هؤلاء نطحتها [¬٩] \"، فقال ابن عمر: ليس كذلك قال رسول الله، ﷺ، إنما قال رسول الله، ﷺ: \"كشاة بين غنمين [¬١٠] \" قال: فاحتفظ [¬١١] [¬١٢] الشيخ وغضب، فلما رأى ذلك ابن عمر قال: أما إني لو لم أسمعه لم أردد ذلك عليك.\n(طريق [¬١٣] أخرى عن ابن عمر) قال الإِمام أحمد (^٨٨٤): حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر،\n_________\n= والدارقطنى وقال أبو زرعة: ليس بالقوى، وقال ابن حبَّان: يقلب الأسانيد، ويرفع المراسيل على قلة روايته، فصار متروكًا، وقال أبو حاتم الرازى: محله الصدق، يكتب حديثه، ووثقه معاوية بن صالح، وقال أحمد: لا أرى به بأسًا. راجع \"تعجيل المنفعة\" لابن حجر (ت: ١١٢٩) وانظر ما بعده.\n(^٨٨٣) - \" المسند\" (٢/ ٣٢) والمسعودى - هو عبد الرحمن بن عبد الله - اختلط، وسماع يزيد منه بعد الاختلاط، ورواه الطيالسى في \"مسنده\" (١٨٠٢) ثنا المسعودى به والطيالسى ممن سمع من المسعودى بعد الاختلاط أيضًا. لكن رواه الحميدى (٦٨٨)، وأحمد (٢/ ٨٢)، والدارمى (٣٢٤) وابن حبَّان في \"صحيحه\" (١/ح ٢٦٤/ إحسان)، والبيهقيُّ في \"الشعب\" (٦/ ٨٤٣٧) من طريق محمَّد بن سوقة عن أبي جعفر به، وهذا إسناد صحيح.\n(^٨٨٤) - \" المسند\" (٢/ ٨٨) وصحح إسناده أبو الأشبال في حاشيته على \"المسند\" (٨/ رقم ٥٦١٠).\n_________\n[¬١]- الرَّبيض: الغنم نفسها. وروي: \"كالشاة بين الربضين\" والربض: الموضع الذي تربض فيه الغنم.\n[¬٢]- في ز، خ: نطحتها. والمثبت من المسند.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في خ: \"شاهدى\".\n[¬٤]- في خ: \"الغنيمين\".\n[¬٥]- في خ: \"قال\".\n[¬٦]- سقط من: ز.\n[¬٧]- في ز، خ: \"ابن\".\n[¬٨]- في خ: \"كالشاة\".\n[¬٩]- في ز، خ: نطحتها. المثبت من المسند. وقد تكررت وصححت جميعها من المسند.\n[¬١٠]- في م: \"غنيمين\".\n[¬١١]- في ز: \"فاختطف\".\n[¬١٢]- احتفظ: مطاوع أحفظه، بمعنى أغضبه.\n[¬١٣]- في خ: \"طريقة\".","vol":"4","page":321},{"text":"عن عثمان بن بودويه، عن يعفر بن روذي قال: سمعت عبيد بن عمير، وهو يقص يقول: قال رسول الله ﷺ: \"مثل المنافق كمثل الشاة الرابضة بين الغنمين\" فقال ابن عمر: ويلكم! لا تكذبوا على رسول الله، ﷺ، إنما قال رسول الله ﷺ: \"مثل المنافق كمثل الشاة العائرة بين الغنمين\". [ورواه أحمد أيضًا من طرق عن عبيد بن عمير عن ابن عمر] [¬١].\nوقال ابن أبي حاتم (^٨٨٥): حدثنا أبي، حدثنا عبيد الله بن موسى، أخبرنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله - هو ابن مسعود - قال: مثل المؤمن والمنافق والكافر مثل ثلاثة نفر انتهوا إلى واد فدفع أحدهم فعبر، ثمَّ وقع الآخر حتى إذا أتى على نصف الوادي، ناداه الذي على شفير الوادي: ويلك! أين تذهب؟ إلى الهلكة! ارجع عودك على بدئك [¬٢]، وناداه الذي عبر: هلم إلى [¬٣] النجاة، فجعل ينظر إلى هذا مرّة، وإلى هذا مرّة، قال: فجاءه سيل فأغرقه، فالذي عبر المؤمن والذي غرق المنافق ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ﴾ والذي مكث الكافر.\nوقال ابن جرير (^٨٨٦): حدثنا بشر، حدثنا يزيد، حدثنا شعبة، عن قتادة ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ﴾ يقول: ليسوا بمؤمنين مخلصين، ولا مشركين مصرحين بالشرك. قال: وذكر لنا أن نبي الله، ﷺ، كان يضرب مثلًا للمؤمن وللمنافق وللكافر، كمثل رهط ثلاثة دفعوا [¬٤] إلى نهر، فوقع المؤمن فقطع، ثمَّ وقع المنافق حتى إذا كاد يصل إلى المؤمن، ناداه الكافر: أن هلم إليَّ، فإني أخشى عليك. وناداه المؤمن: أن هلم إليّ، فإنّ عندي وعندي، يحصي [¬٥] له ما عنده، فما زال المنافق يتردّد بينهما حتى أتى آذيٌّ [¬٦] فغرَّقه، وإنّ المنافق لم يزل في شك وشبهة حتى أتى عليه الموت، وهو كذلك. قال وذكر لنا أن نبي الله، ﵌، كان يقول: \"مثل المنافق كمثل ثاغية [¬٧] بين غنمين، رأت غنمًا على نَشَزٍ [¬٨]. فأتتها وشامَّتها [¬٩]\n_________\n(^٨٨٥) - تفسير ابن أبي حاتم (٤/ ٦١٤٤) ولم يعزه السيوطي في \"الدر المنثور\" (٢/ ٤١٧) لغيره، وإسناده. صحيح، ولا تضر عنعنة أبي إسحاق هنا؛ لأنَّ إسرائيل حفيده، من أثبت الناس فيه.\n(^٨٨٦) - تفسير ابن جرير (٩/ ١٠٧٣٢) وإسناده صحيح إلى قتادة.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في ز: \"يديك\".\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- في ز: \"وقعوا\".\n[¬٥]- في ز: \"يحطي\".\n[¬٦]- الآذي: الموج الشديد.\n[¬٧]- الثاغية: الشاة.\n[¬٨]- النشز: المكان المرتفع من الأرض.\n[¬٩]- شامتها: أي دنت إليها وشمتها، لتعرف أهي أخواتها أم غيرها. قال: شاممت فلانًا: إذا قاربته =","vol":"4","page":322},{"text":"فلم [¬١] تُعْرَفْ، ثمَّ رأت غنمًا على نشز فأتتها فشامَّتها فلم تعرف\".\nولهذا قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ أي ومن صرفه عن طريق الهدى ﴿فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ فإنَّه ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ﴾ والمنافقون الذين أضلهم عن سبيل النجاة فلا هادي [¬٢] لهم، ولا منقذ لهم مما هم فيه، فإنَّه تعالى لا معقب لحكمه، ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون.\n﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا (١٤٤) إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (١٤٥) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (١٤٦) مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا﴾\nينهى الله [¬٣] تعالى عباده المؤمنين عن اتخاذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين، يعني [¬٤] مصاحبتهم ومصادقتهم، ومناصحتهم وإسرار المودَّة إليهم، وإفشاء أحوال المؤمنين الباطنة إليهم، كما قال تعالى: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ أي: يحذركم عقوبته في ارتكابكم نهيه؛ ولهذا قال هاهنا: ﴿أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾ أي: حجة عليكم في عقوبته إياكم.\nقال ابن أبي حاتم (^٨٨٧): حدثنا أبي، حدثنا مالك بن إسماعيل، حدثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس قوله: ﴿سُلْطَانًا مُبِينًا﴾ قال [¬٥]: كل سلطان\n_________\n(^٨٨٧) - تفسير ابن أبي حاتم (٤/ ٦١٥١) وإسناده صحيح، وزاد نسبته السيوطي في \"الدر المنثور\" (٢/ ٤١٨) إلى عبد الرزاق، وابن مردويه.\n_________\n= وتعرفت ما عنده بالاختبار والشم.\n[¬١]- في خ: \"لم\".\n[¬٢]- في خ: \"هدى\".\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- سقط من: خ.\n[¬٥]- سقط من: خ.","vol":"4","page":323},{"text":"في القرآن حجة.\nوهذا إسناد صحيح، وكذا قال مجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير، ومحمد بن كعب القرظي، والضحاك، والسدي، والنضر بن عربي.\nثمَّ أخبر تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ أي: يوم القيامة جزاء على كفرهم الغليظ. قال الوالبي (^٨٨٨)، عن ابن عباس: ﴿فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ أي: في أسفل النار، وقال غيره: النار دركات كما أن الجنة درجات. وقال سفيان الثوري: عن عاصم، عن ذكوان أبي صالح، عن أبي هريرة: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ قال: في توابيت ترتج عليهم. كذا رواه ابن جرير (^٨٨٩): عن ابن وكيع، عن يحيى بن يمان، عن سفيان الثوري [¬١]، به. ورواه ابن أبي حاتم (^٨٩٠) عن المنذر بن شاذان، عن عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن عاصم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ قال: الدرك الأسفل بيوت لها أبواب تطبق عليهم [¬٢]، فتوقد من تحتهم ومن فوقهم.\nوقال ابن جرير (^٨٩١): حدثنا ابن بشار، حدثنا عبد الرحمن، حدثنا سفيان، عن سلمة بن كهيل، عن خيثمة، عن عبد الله - يعني ابن مسعود -: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ قال: في توابيت من نار تطبق عليهم. [أي: مغلقة مقفلة] [¬٣].\nورواه ابن أبي حاتم (^٨٩٢): عن أبي سعيد الأشج، عن وكيع، عن سفيان، عن سلمة، عن خيثمة، عن ابن مسعود: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ قال: في توابيت من حديد مبهمة عليهم. ومعنى قوله: مبهمة، أي: مغلقة مقفلة لا يهتدى لمكان فتحها.\n_________\n(^٨٨٨) - رواه ابن جرير (٩/ ١٠٧٤٤)، وابن أبي حاتم (٤/ ٦١٥٥) ولم يعزه السيوطي في \"الدر المنثور\" (٢/ ٤١٩) لغيرهما، والوالبى هو على بن أبي طلحة، لم يسمع من ابن عباس.\n(^٨٨٩) - تفسير ابن جرير (٩/ ١٠٧٤٣) وسفيان بن وكيع ضعيف، لكنه صح من وجه آخر، فانظر الآتى.\n(^٨٩٠) - تفسير ابن أبي حاتم (٤/ ٦١٥٤) وإسناده صحيح.\n(^٨٩١) - تفسير ابن جرير (٩/ ١٠٧٤٦) وإسناده صحيح، وانظر ما بعده.\n(^٨٩٢) - تفسير ابن أبي حاتم (٤/ ٦١٥٣) ورواه ابن أبي شيبة فى \"المصنف\" (٨/ ٩٢) ثنا وكيع به.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- في خ: \"عليها\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"4","page":324},{"text":"وقال [¬١] ابن أبي حاتم (^٨٩٣): حدثنا أبي، حدثنا أبو أسامة، حدثنا حماد بن سلمة، أخبرنا على بن يزبد، عن القاسم بن عبد الرحمن: أن ابن مسعود سئل عن المنافقين فقال: يجعلون في توابيت من نار تطبق عليهم في أسفل درك من النار.\n﴿وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾ أي: ينقذهم مما هم فيه، ويخرجهم من أليم العذاب.\nثمَّ أخبر تعالى أن من تاب في الدنيا، تاب عليه، وقبل ندمه وإذا أخلص في توبته وأصلح عمله، واعتصم بربه في جميع أمره فقال تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ﴾ أي: بدلوا الرياء بالإِخلاص، فينفعهم العمل الصالح وإن قلَّ.\nقال ابن أبي حاتم (^٨٩٤): أخبرنا يونس بن عبد الأعلى قراءة، أنبأنا ابن وهب، أخبرني يحيى ابن أيوب، عن عبيد الله بن زحر، عن خالد بن أبي عمران، [] [¬٢] عن عمرو بن مرة، عن معاذ بن جبل: أن رسول الله، ﷺ، قال: \"أخلص [¬٣] دينك يكفك القليل من العمل\".\n﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: في زمرتهم يوم القيامة ﴿وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾. ثمَّ قال تعالى مخبرًا عن غناه عما سواه، وأنه إنما يعذب العباد بذنوبهم فقال تعالى: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ﴾ أي: أصلحتم العمل وآمنتم بالله ورسوله\n_________\n(^٨٩٣) - تفسير ابن أبي حاتم (٤/ ٦١٥٦) وإسناده ضعيف لضعف على بن يزيد وهو الألهانى، ورواه ابن أبي الدنيا في \"صفة النار\" (رقم: ١٠٠) وإسناد ضعيف أيضًا، وصح من وجه آخر كما تقدم.\n(^٨٩٤) - تفسير ابن أبي حاتم (٤/ ٦١٦٢)، ورواه الحاكم في \"المستدرك\" (٤/ ٣٠٦) وعنه البيهقي في \"الشعب\" (٥/ ٣٤٢، ٣٤٣/ ٦٨٥٩) وأبو نعيم في \"الحلية\" (١/ ٢٤٤) من طريقين عن عبد الله بن وهب به. وتحرف شيخ الن زحر في \"المستدرك\" إلى \"الوليد بن أبي عمران\"، وقد رواه ابن أبي الدنيا في \"الإخلاص\" - كما في \"الدر المنثور\" (٢/ ٤١٩) ومن طريقه الحاكم وعن الحاكم البيهقي في \"الشعب\" (٥/ ٦٨٥٩) قال البيهقي: \"وكذلك رواه يونس بن عبد الأعلى عن ابن وهب، وعمرو بن مرة هذا هو الجهمى، كذا قال شيخنا أبو عبد الله الحاكم - إنما أراد عمرو بن مرة الذي له صحبة، وقد قال في موضع آخر - فذكر إسناد المستدرك وفيه عمرو بن مرة الجملى. قال البيهقي: هذا هو الكوفى الذي ليست له صحبة، ولا أدرك معاذًا، فيكون الحديث مرسلًا ومع هذا فقد صحح إسناده الحاكم!! وتعقبه الذهبي، ورقم به أبو عبد الرحمن الألباني حديث (٢١٦٠) من \"الضعيفة\" وأعله بضعف عبيد الله بن زحر والانقطاع بين عمرو بن مرة ومعاذ.\n_________\n[¬١]- في ت: \"وروى\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في ت: عن عمران. وهي زيادة مقحمة.\n[¬٣]- في ز: \"خلص\".","vol":"4","page":325},{"text":"﴿وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا (١٤٧)﴾ أي: من شكر شكر له، ومن آمن قلبه به، علمه وجازاه على ذلك أوفر الجزاء.\n﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا (١٤٨) إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾\nقال على [¬١] بن أبي طلحة (^٨٩٥) عن ابن عباس [في الآية] [¬٢] ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ﴾، يقول: لا يحب الله أن يدعو أحد على أحد إلا أن يكون مظلومًا، فإنَّه قد أرخص له أن يدعو على من ظلمه، وذلك قوله: ﴿إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ وإن صبر فهو خير له.\nوقد [¬٣] قال أبو داود (^٨٩٦): حدثنا عبد الله بن معاذ، حدثنا أبي، حدثنا سفيان، عن حبيب، عن عطاء، عن عائشة، قالت [¬٤]: سرق لها شيء فجعلت تدعو عليه، فقال النبي ﷺ: \"لا تسبخي [¬٥] عنه\".\nوقال الحسن البصري (^٨٩٧): لا يدع عليه، وليقل: اللهم أعني عليه واستخرج حقي منه.\n_________\n(^٨٩٥) - رواه ابن جرير (٩/ ١٠٧٤٩) وابن أبي حاتم (٤/ ٦١٦٧)، وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" (٢/ ٤٢٠) وزاد نسبته إلى ابن المنذر، وعلى بن أبي طلحة لم يسمع من ابن عباس.\n(^٨٩٦) - سنن أبى داود، كتاب: الأدب، باب: فمن دعا على من ظلم (٤٩٠٩)، ورواه أحمد في \"المسند\" (٦/ ١٢٦)، والنسائيُّ فى \"الكبرى\" (٤/ ٧٣٥٩) والبغويُّ في \"شرح السنة\" (٥/ ١٣٥٤) من طريق سفيان الثورى به. ورواه أحمد (٦/ ٤٥) وإسحاق بن راهويه فى \"مسنده\" (٣/ ٦٧٩) وابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٧/ ٩٣)، وفى \"السنن\" (١٤٩٧) من طريق الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت به. ورجاله ثقات غير أن حبيب بن أبي ثابت مدلس وقد عنعن، وقد رواه النسائي من طريق سفيان عن حبيب عن عطاء مرسلًا وقد رواه أحمد أيضًا (٦/ ٢١٥) من طريق إبراهيم بن مهاجر عن إبراهيم عن عائشة به وإبراهيم بن مهاجر ضعيف وإبراهيم التيمي لم يسمع من عائشة. والحديث لم يعزه السيوطي في \"الدر المنثور\" (٢/ ٤٢٠) لغير أبي داود وقد رقم به أبو عبد الرحمن الألباني حديث (٦٢٣٣) من \"ضعيف الجامع الصغير\".\n(^٨٩٧) - رواه ابن جرير (٩/ ١٠٧٥٢) بإسناد صحيح إلى الحسن، وزاد نسبته السيوطي في \"الدر المنثور\" (٢/ ٤٢٠) إلى ابن المنذر.\n_________\n[¬١]- سقط من: ت.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٣]- سقط من: م.\n[¬٤]- في م: \"قال\".\n[¬٥]- أي لا تخففي عنه الإثم الذي استحقه بالسرقة.","vol":"4","page":326},{"text":"وفي رواية عنه قال: قد أرخص له أن يدعو على من ظلمه من غير أن يعتدي عليه.\nوقال عبد الكريم بن مالك الجزري (^٨٩٨) في هذه الآية: هو الرجل يشتمك فتشتمه، ولكن إن افترى عليك فلا تفترِ عليه؛ لقوله: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾.\nوقد [¬١] قال أبو داود (^٨٩٩): حدثنا [¬٢] القعنبي، حدثنا عبد العزيز بن محمَّد، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة أن رسول الله، ﷺ، قال: \"المستبان ما قالا فعلى البادئ منهما ما لم يعتد المظلوم\".\nوقال عبد الرزاق (^٩٠٠): أنبأنا المثنى بن الصباح، عن مجاهد في قوله: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ قال: ضاف رجل رجلًا، فلم يؤدّ إليه حق ضيافته، فلما خرج أخبر الناس فقال: ضفت فلانًا فلم يؤدّ الي حق ضيافتي. قال [¬٣]: فذلك الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم [حين لم] [¬٤] يؤدّ إليه الآخر حق ضيافته.\nوقال محمَّد بن إسحاق (^٩٠١): عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ قال: قال: هو الرجل ينزل بالرجل فلا يحسن ضيافته، فيخرج فيقول: أساء ضيافتي ولم يحسن. وفي رواية: هو الضيف المحول رحله، فإنَّه يجهر لصاحبه بالسوء من القول.\nوكذا روي عن غير واحد، عن مجاهد نحو هذا، وقد روى الجماعة (^٩٠٢) - سوى النسائي\n_________\n(^٨٩٨) - رواه ابن أبي حاتم (٤/ ٦١٧٢) بإسناد صحيح إليه.\n(^٨٩٩) - \" السنن\" لأبى داود، كتاب: الأدب، باب: المستبَّان (٤٨٩٤) ورواه أحمد (٢/ ٢٣٥، ٤٨٨، ٥١٧)، ومسلم، كتاب: البر والصلة والآداب باب: النهى عن السباب (٦٨) (٢٥٨٧) والترمذي، كتاب: البر والصلة، باب: ما جاء فى الشتم (١٩٨١) من طرق عن العلاء بن عبد الرحمن به.\n(^٩٠٠) - تفسير عبد الرزاق (١/ ١٧٦) ومن طريقه رواه ابن جرير (٩/ ١٠٧٦٠) وابن أبي حاتم (٤/ ٦١٦٨) والمثنى ضعيف لكن رواه ابن جرير (٩/ ١٠٧٦١) من طريق حجاج قال: قال ابن جريج، قال مجاهد: وهذا فيه تدليس ابن جريج لكن له وجوه أخرى صحيحة انظر تفسير ابن جرير (٩/ ٣٤٦، ٣٤٧) وابن أبي حاتم (٤/ ٦١٧٠).\n(^٩٠١) - تفسير ابن جرير (٩/ ١٠٧٥٣، ١٠٧٥٥).\n(^٩٠٢) - رواه البخاري، كتاب: المظالم، باب: قصاص المظلوم إذا وجد مال ظالمه (٢٤٦١) وكتاب: الأدب، باب: إكرام الضيف (٦١٣٧)، ومسلم، كتاب: اللقطة، باب: الضيافة ونحوها =\n_________\n[¬١]- سقط من: م.\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين في م: \"حتى\".","vol":"4","page":327},{"text":"والترمذي - من طريق الليث بن سعد - والترمذي من حديث ابن لهيعة - كلاهما عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير مرثد بن عبد الله، عن عقبة بن عامر؛ قال: قلنا: يا رسول الله، ﷺ، إنك تبعثنا [¬١] فننزل بقوم فلا يقرونا، فما ترى في ذلك؟، فقال: \"إذا نزلتم بقوم فأمروا لكم بما ينبغي للضيف فاقبلوا منهم، وإن لم يفعلوا فخذوا منهم حق الضيف الذي ينبغي لهم\".\nوقال الإِمام أحمد (^٩٠٣): حدثنا محمَّد بن جعفر، حدثنا شعبة، سمعت أبا الجودي يحدث عن سعيد بن المهاجر، عن المقدام أبي [¬٢] كريمة [¬٣]، عن النبي، ﷺ، أنَّه قال: \"أيما مسلم ضاف قومًا فأصبح الضيف محرومًا، فإن حقًّا على كل مسلم نصره حتى يأخذ بقرى ليلته من زرعه وماله\".\nتفرد به أحمد من هذا الوجه، وقال أحمد أيضًا (^٩٠٤): حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا شعبة، حدثني منصور، عن الشعبي، عن المقدام أبي كريمة، سمع رسول الله، ﷺ، يقول: \"ليلة الضيف واجبة على كل مسلم، فإن أصبح بفنائه محرومًا كان\n_________\n= (١٧) (١٧٢٧)، وأبو داود، كتاب: الأطمعة، باب: ما جاء في الضيافة (٣٧٥٢)، وابن ماجه، كتاب: الأدب، باب: حق الضيف (٣٦٧٦) وأحمد في \"المسند\" (٤/ ١٤٩) من طريق الليث بن سعد به. ورواه الترمذي (١٥٨٩) ثنا قتيبة ثنا ابن لهيعة عن يزيد به. وقال الترمذي: \"هذا حديث حسن، وقد رواه الليث بن سعد عن يزيد بن أبي حبيب أيضًا، وإنما معنى هذا الحديث أنهم كانوا يخرجون في الغزو فيمرون بقوم لا يجدون من الطعام ما يشترون بالثمن، وقال النبي ﷺ \"إن أبوا أن يبيعوا إلا أن تأخذوا كرهًا فخذوا، هكذا روى في بعض الحديث مفسرًا. . .\".\n(^٩٠٣) - \" المسند\" (٤/ ١٣٣) ورواه أيضًا (٤/ ١٣١، ١٣٣)، والطيالسى في \"مسنده\" (١١٤٩) - ومن طريقه المزى فى \"تهذيب الكمال\" (١١/ ٨٢، ٨٣/ ت ٢٣٦٢) - والدارمى (٢٠٤٣)، وأبو داود (٣٧٥١)، والبغويُّ في \"شرح السنة\" (١١/ ٣٠٠٤) من طرق عن شعبة به. ورجاله ثقات غير سعيد بن المهاجر لم يوثقه غير ابن حبَّان \"الثقات\" وجهله ابن القطان، وابن حجر في \"التقريب\" وللحديث إسناد آخر، انظر الآتى.\n(^٩٠٤) - \" المسند\" (٤/ ١٣٠) ورواه أيضًا (٤/ ١٣٠، ١٣٢، ١٣٣)، وأبو داود (٣٧٥٠)، وابن ماجه (٣٦٧٧)، والبخاري في \"الأدب المفرد\" (٧٤٤) وغيرهم من طرق عن منصور به. وإسناده صحيح، ولذلك رقم به أبو عبد الرحمن الألباني حديث (٢٢٠٤) من \"الصحيحة\".\n_________\n[¬١]- في ز: \"بعثتنا\".\n[¬٢]- في خ: ابن أبي. وهو تحريف. والمقدام: هو ابن معدي كرب الكندي. صحابي مشهور.\n[¬٣]- في خ: \"كريم\".","vol":"4","page":328},{"text":"دينًا له [¬١] عليه، إن [¬٢] شاء اقتضاه وإن شاء تركه\".\nثمَّ رواه أيضًا عن غندر، عن شعبة. وعن زياد بن عبد الله البكائي، عن وكيع وأبي نعيم، عن سفيان الثوري، ثلاثتهم عن منصور، به، وكذا رواه أبو داود من حدث أبي عوانة، عن منصور، به.\nومن هذه الأحاديث وأمثالها ذهب أحمد وغيره إلى وجوب الضيافة، ومن هذا القبيل الحديث الذي رواه الحافظ أبو بكر البزار (^٩٠٥): حدثنا عمرو بن علي، حدثنا صفوان بن عيسى، حدثنا محمَّد بن عجلان، عن أبيه، عن أبي هريرة أن رجلًا أتى النبي، ﷺ، فقال: إن لي جارًا يؤذيني، فقال له: \"أخرج متاعك فضعه على الطريق\"، فأخذ الرجل متاعه فطرحه على الطريق، [فجعل كل] [¬٣] من مر به قال: مالك؟، قال: جاري يؤذيني فيقول: اللهم العنه! اللهم اخزه! قال: فقال الرجل: ارجع إلى منزلك والله [¬٤] لا أوذيك أبدًا.\nوقد رواه أبو داود في كتاب الأدب عن أبي توبة الربيع بن نافع، عن سليمان بن حيان أبي خالد الأحمر، عن محمَّد بن عجلان، به.\nثمَّ قال البزار: لا نعلمه يروى عن أبي هريرة إلا بهذا الإِسناد. ورواه أبو جحيفة وهب بن عبد الله، عن النبي، ﷺ (^٩٠٦)، ويوسف بن عبد الله بن سلام، عن النبي،\n_________\n(^٩٠٥) - ورواه البخاري في \"الأدب المفرد\" (١٢٤) والحاكم في \"المستدرك\" (٤/ ١٦٥، ١٦٦) من طريق صفوان بن عيسى به. وعلقه الذهبي في كتاب \"حق الجوار\" (رقم: ٥) من طريق حاتم بن إسماعيل وصفوان بن عيسى ثنا ابن عجلان به. ورواه أبو داود، كتاب: الأدب، باب: في حق الجوار (٥١٥٣) ثنا الربيع بن نافع ثنا سليمان بن حيان عن ابن عجلان به. وقال الحاكم: \"صحيح على شرط مسلم\" وإسناده حسن لكلام مشهور في ابن عجلان، ثمَّ إن مسلمًا أخرج له متابعة، وللحديث شواهد انظر الآتى.\n(^٩٠٦) - رواه البزار (٢/ رقم ١٩٠٣/ كشف الأستار) والطبرانى فى \"المعجم الكبير\" (٢٢/ رقم ٣٥٦)،\nوعلقه الذهبي في \"حق الجار\" (رقم: ٥) من طريق شريك عن أبي عمر عن أبي جحيفة به. وذكره الهيثمي في \"المجمع\" (٨/ ١٧٣) وقال: \"رواه الطبرانى والبزار. . . وفيه أبو عمر المنبهى، تفرد عنه شريك، وبقية رجاله ثقات\" كذا قال: وشريك سيئ الحفظ أيضًا، وأبو عمر هذا جهله غير واحد ومع هذا فقد صحح الحاكم (٤/ ١٦٦) الحديث على شرط مسلم ووافقه الذهبي وهو القاضى.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في م: \"فإن\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في م: \"فكل\".\n[¬٤]- في خ: \"وقال\".","vol":"4","page":329},{"text":"ﷺ (^٩٠٧).\nوقوله: ﴿إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ أي: إن تظهروا أيها الناس خيرًا أو أخفيتموه أو عفوتم عمن أساء إليكم فإن ذلك مما يقرّبكم عند الله، ويجزل ثوابكم لديه، فإن من صفاته تعالى أنَّه [¬١] يعفو عن عباده مع قدرته على عقابهم، ولهذا قال: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾، ولهذا ورد في الأثر أن حملة العرش يسبحون الله، فيقول بعضهم: سبحانك على حلمك بعد علمك. ويقول بعضهم: سبحانك على عفوك بعد قدرتك. وفي الحديث الصحيح (^٩٠٨): \" ما نقص مال من صدقة، وما [¬٢] زاد الله عبدًا بعفو إلا عزًّا، ومن تواضع لله رفعه الله\".\n﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (١٥١) وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾\nيتوعد ﵎ الكافرين به وبرسله من اليهود والنصارى، حيث فرّقوا بين الله ورسله في الإِيمان، فآمنوا ببعض الأنبياء وكفروا ببعض، بمجرد التشهي والعادة وما ألفوا عليه آباءهم، لا عن دليل قادهم إلى ذلك، فإنَّه لا سبيل لهم إلى ذلك، بل بمجرد الهوى والعصبية، فاليهود عليهم لعائن الله آمنوا بالأنبياء إلا عيسى ومحمد - عليهما الصلاة السلام - والنصارى آمنوا بالأنبياء\n_________\n(^٩٠٧) - رواه على بن الجعد - ومن طريقه ابن أبي الدنيا في \"مكارم الأخلاق\" (٣٢٥) والذهبى في \"حق الجار\" (٧) معلقًا - أخبرنى سلام بن مسكين نا شهر بن حوشب عن محمَّد بن يوسف بن عبد الله بن سلام أن رجلًا أتى النبي ﷺ فقال:. . . الحديث، وشهر بن حوشب ضعيف، وهذا منقطع، وقد رواه على بن أبي بكر الإسْفَذْنى عن سلَّام عن شهر فقال: عن محمَّد بن يوسف عن عبد الله بن سلام موصولًا، لكن الإسفذنى هذا يخطئ، وابن الجعد أضبط منه، وعلى كل ففى إسناده شهر، وهو ضعيف، ويغنى عنه حديث أبى هريرة السابق، والله الموفق،.\n(^٩٠٨) - رواه مسلم، كتاب: البر والصلة والآداب، باب: استحباب العفو والتواضع (٦٩) (٢٥٨٨) من حديث أبى هريرة.\n_________\n[¬١]- في خ: \"أن\".\n[¬٢]- في م: \"ولا\".","vol":"4","page":330},{"text":"وكفروا بخاتمهم وأشرفهم محمد، ﷺ، والسامرة لا يؤمنون بنبي بعد يوشع خليفة موسى بن عمران، والمجوس يقال: إنهم كانوا يؤمنون بنبي لهم [اسمه] [¬١]: زرادشت ثم كفروا بشرعه، فرفع من بين أظهرهم، والله أعلم.\nوالمقصود أن من كفر بنبى من الأنبياء فقد كفر بسائر الأنبياء، فإن الإيمان واجب بكل نبي بعثه الله إلى أهل الأرض، فمن ردّ نبوته للحسد أو العصبية أو التشهي، تبيَن أن إيمانه بمن آمن به من الأنبياء ليس إيمانًا [¬٢] شرعيًّا، إنما هو عن غرض وهوى وعصبية، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ فوسمهم بأنهم كفار بالله ورسله ﴿وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ أي: في الإيمان ﴿وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ أي: طريقًا ومسلكا، ثم أخبر تعالى عنهم فقال: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾ أي: كفرهم محقق لا محالة بمن ادعوا الإيمان به؛ لأنه ليس شرعيًّا، إذ لو كانوا مؤمنين به لكونه رسول الله، ﷺ، لآمنوا بنظيره وبمن هو أوضح دليلًا وأقوى برهانًا منه، أو نظروا حق النظر في نبوته.\nوقوله: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ أي: كما استهانوا بمن كفروا به، إما [¬٣] لعدم نظرهم فيما جاءهم به من الله، وإعراضهم عنه وإقبالهم على جمع حطام الدنيا مما لا ضرورة بهم إليه، وإما بكفرهم به بعد علمهم بنبوته، كما كان يفعله كثير من أحبار اليهود في زمان رسول الله، ﷺ، حيث حسدوه على ما آتاه الله من النبوة العظيمة، وخالفوه وكذبوه وعادوه وقاتلوه، فسلط الله عليهم الذل الدنيوي الموصول بالذل الأخروي: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ في الدنيا والآخرة.\nوقوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ يعني بذلك: أمة محمد ﷺ، فإنهم يؤمنون بكل كتاب أنزله الله وكل [¬٤] نبي بعثه الله، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ الآية.\nثم أخبر تعالى بأنه قد أعد لهم الجزاء الجزيل والثواب الجليل والعطاء الجميل، فقال: ﴿أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ [¬٥] أُجُورَهُمْ﴾ على ما آمنوا بالله ورسله ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ أي: لذنوبهم، [] [¬٦] إن كان لبعضهم ذنوب.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في خ: \"يقال له\".\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- في خ: \"بكل\".\n[¬٥]- في ز: \"نؤتيهم\".\n[¬٦]- ما بين المعكوفين في خ: أي.","vol":"4","page":331},{"text":"﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا (١٥٣) وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (١٥٤)﴾\nقال محمد بن كعب القرظي والسدي وقتادة: سأل اليهود رسول الله، ﷺ، أن ينزل عليهم [¬١] كتابًا من السماء كما نزلت [¬٢] التوراة على موسى مكتوبة.\nقال ابن جريج: سألوه أن ينزل عليهم صحفًا من الله مكتوبة إلى فلان وفلان وفلان بتصديقه فيما جاءهم به. وهذا إنما قالوه على سبيل التعنت والعناد والكفر والإِلحاد، كما سأل كفار قريش قبلهم نظير ذلك، كما هو مذكور في سورة سبحان: ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا﴾ الآيات، ولهذا قال تعالى: ﴿فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ﴾، أي: بطغيانهم وبغيهم وعتوهم وعنادهم، وهذا مفسر في سورة البقرة حيث يقول تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٥) ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.\nوقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ أي: من بعد ما رأوا من الآيات الباهرة والأدلة القاهرة على يد موسى، ﵇، في بلاد مصر، وما كان من إهلاك عدو الله فرعون هو [¬٣] وجميع جنوده في اليم، فما جاوزوه إلا يسيرًا حتى أتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم، فقالوا لموسى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (١٣٨) إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ثم ذكر تعالى قصة اتخاذهم العجل مبسوطة في سورة الأعراف وفي سورة طه بعد ذهاب موسى إلى مناجاة الله، ﷿، [ثم لما رجع وكان ما كان، جعل الله توبتهم من الذي صنعوه وابتدعوه أن يقتل من لم يعبد العجل منهم من عبده،\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- في ز، خ: \"سألت\".\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.","vol":"4","page":332},{"text":"فجعل يقتل بعضهم بعضًا، ثم أحياهم الله، ﷿] [¬١]، فقال [¬٢] الله تعالى: ﴿فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا﴾.\nثم قال تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ﴾ وذلك حين امتنعوا من الالتزام بأحكام التوراة، وظهر منهم إباء عما جاءهم به موسى، ﵇، رفع الله على رءوسهم جبلًا، ثم ألزموا فالتزموا وسجدوا وجعلوا ينظرون إلى فوق رءوسهم خشية أن يسقط عليهم، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ الآية.\n﴿وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ أي: فخالفوا ما أمروا به من القول والفعل، فإنهم أمروا أن يدخلوا باب بيت المقدس سجدًا وهم يقولون حطة، أي: اللهم حط عنا ذنوبنا في تركنا الجهاد، ونكولنا عنه حتى تهنا في التيه أربعين سنة، فدخلوا يزحفون على أستاههم وهم يقولون: حنطة في شعرة.\n﴿وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ﴾ أي: وصيناهم بحفظ السبت والتزام ما حرم الله عليهم ما دام مشروعًا لهم، ﴿وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ أي: شديدًا، فخالفوا وعصوا وتحيلوا على ارتكاب ما حرم [¬٣] الله ﷿ كما هو مبسوط في سورة الأعراف عند قوله: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ﴾ الآيات، وسيأتي حديث صفوان بن عسال في سورة سبحان عند قوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ وفيه: وعليكم خاصة يهود أن لا تعدوا في السبت.\n﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (١٥٥) وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا (١٥٦) وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (١٥٧) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٥٨) وَإِنْ مِنْ أَهْلِ\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من ز.\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- في خ: \"مناهى\".","vol":"4","page":333},{"text":"الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا (١٥٩)﴾\nوهذه [¬١] من الذنوب التي ارتكبوها، مما أوجب لعنتهم وطردهم وإبعادهم عن الهدى، وهو نقضهم المواثيق والعهود التي أخذت عليهم، وكفرهم بآيات الله، أي: حججه وبراهينه، والمعجزات التي شاهدوها على يد الأنبياء ﵈.\nوقوله [¬٢]: ﴿وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ وذلك لكثرة إجرامهم واجترائهم على أنبياء الله، فإنهم قتلوا جمًّا غفيرًا من الأنبياء، ﵈، وقولهم: ﴿قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ قال ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة والسدي وقتادة وغير واحد: أي: في غطاء، وهذا كقول المشركين: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ﴾، وقيل: معناه أنهم ادعوا أن قلوبهم غلف للعلم، أي: أوعية للعلم قد حوته وحصلته. رواه الكلبي (^٩٠٩) عن أبي صالح، عن ابن عباس، وقد تقدم نظيره في سورة البقرة.\nقال الله تعالى: ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾ فعلى القول الأول كأنهم يعتذرون اليه بأن قلوبهم لا تعي ما يقول؛ لأنها في غلف وفي أكنة، قال الله: بل هي مطبوع عليها بكفرهم. وعلى القول الثاني عكس عليهم ما ادعوه من كل وجه، وقد تقدم الكلام على مثل هذا في سورة البقرة.\n﴿فَلَا يُؤْمِنُونَ [¬٣] إِلَّا قَلِيلًا﴾ أي: مردت قلوبهم على الكفر والطغيان، وقلة الإيمان. ﴿وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا﴾ قال على بن أبي طلحة: عن ابن عباس: يعني [¬٤]: أنهم رمرها بالزنا.\nوكذا [¬٥] قال السدي، وجويبر، ومحمد بن إسحاق، وغير واحد، وهو ظاهر من الآية أنهم رموها وابنها بالعظائم، فجعلوها زانية وقد حملت بولدها من ذلك، زاد بعضهم: وهي حائض، فعليهم لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة.\nوقولهم: ﴿إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ﴾ أي: هذا الذي يدعى لنفسه\n_________\n(^٩٠٩) - هذا الإسناد ضعيف جدًّا، محمد بن السائب الكلبى منهم بالكذب وقد روى ابن أبى حاتم فى الجرح والتعديل (٧/ الترجمة ١٤٧٨) عن أبى عاصم النبيل قال: زعم لى سفيان الثورى، قال: قال لنا الكلبى: ما حدثت عن أبى صالح عن ابن عباس فهو كذب فلا ترووه. وروى عن أحمد بن أبى الحوارى عن مروان بن محمد قال: تفسير الكلبى باطل.\n_________\n[¬١]- في خ: \"وهذا\".\n[¬٢]- في خ: \"قوله\".\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- في خ: \"وكذلك\".","vol":"4","page":334},{"text":"ذلك [¬١] [المنصب قتلناه. وهذا منهم من باب التهكم والاستهزاء، كقول المشركين: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾] [¬٢].\nوكان من خبر اليهود، عليهم لعائن الله وسخطه وغضبه وعقابه، أنه لما بعث الله عيسى ابن مريم بالبينات والهدى، حسدوه على ما آتاه الله تعالى من النبوة والعجزات الباهرات التي كان يبرئ بها الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذن الله ويصور من الطين طائرًا ثم ينفخ فيه فيكون طائرًا يشاهد طيرانه بإذن الله، ﷿، إلى غير ذلك من المعجزات التي أكرمه الله بها وأجراها على يديه، ومع هذا كذبوه وخالفوه وسعوا في أذاه بكل ما أمكنهم، حتى جعل نبي الله عيسى، ﵇، لا يساكنهم في بلدة، بل يكثر السياحة هو وأمه ﵉، ثم لم يقنعهم ذلك حتى سعوا إلى ملك دمشق في ذلك الزمان، وكان رجلًا مشركًا من عبدة الكواكب، وكان يقال لأهل ملته: اليونان، وأنهوا إليه أن [ببيت] [¬٣] المقدس رجلًا يفتن الناس ويضلهم ويفسد على الملك رعاياه، فغضب الملك من هذا وكتب إلى نائبه بالقدس [¬٤] أن يحتاط على هذا المذكور وأن يصلبه ويضع الشوك على رأسه ويكف أذاه عن الناس. فلما وصل الكتاب امتثل [متولي البلد] [¬٥] ذلك، وذهب هو وطائفة من اليهود إلى المنزل الذي فيه عيسى، ﵇، وهو في جماعة من أصحابه، اثنا [¬٦] عشر أو ثلاثة عشر، وقيل: سبعة عشر نفرًا، وكان ذلك يوم الجمعة بعد العصر ليلة السبت، فحصروه هنالك، فلما أحس بهم وأنه لا محالة من دخولهم عليه أو خروجه إليهم [¬٧] قال لأصحابه: أيكم يلقى عليه شبهي وهو رفيقي في الجنة؟ فانتدب لذلك شاب منهم، فكأنه استصغره عن ذلك، فأعادها ثانية وثالثة وكل ذلك لا ينتدب إلا ذلك الشاب فقال: أنت هو، وألقى الله عليه شبه عيسى حتى كأنه هو، وفتحت رَؤزنة [¬٨] من سقف البيت وأخذت عيسى، ﵇، سنة من النوم، فرفع إلى السماء وهو كذلك كما قال الله [¬٩] تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾.\nفلما رفع خرج أولئك النفر، فلما رأى أولئك ذلك الشاب ظنوا أنه عيسى فأخذوه في الليل\n_________\n[¬١]- سقط من خ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفين مكانه في ز: \"أنت مجنون\"، خ: \"ذلك أنت\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في خ: \"في بيت\".\n[¬٤]- في م: \"بالمقدس\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفين في ت: \"وإلى بيت المقدس\".\n[¬٦]- في خ: \"اثني\".\n[¬٧]- في ز، خ: \"عليهم\".\n[¬٨]- الروزنة: الكُوَّة غير النافذة.\n[¬٩]- سقط من ز.","vol":"4","page":335},{"text":"وصلبوه ووضعوا الشوك على رأسه، وأظهر اليهود أنهم سعوا في صلبه وتبجحوا بذلك، وسلم لهم طوائف من [¬١] النصارى ذلك لجهلهم وقلة عقلهم، ما عدا من كان في البيت مع المسيح فإنهم شاهدوا رفعه، وأما الباقون فإنهم طنوا كما ظن اليهود أن المصلوب هو المسيح ابن مريم حتى ذكروا أن مريم جلست تحت ذلك المصلوب وبكت، ويقال: إنه خاطبها، والله أعلم.\nوهذا كله من امتحان الله عباده؛ لما له في ذلك من الحكمة البالغة، وقد وضَّحَ [¬٢] الله الأمر وجلاه وبينه وأظهره في القرآن العظيم الذي نزله [¬٣] على رسوله الكريم المؤيد بالمعجزات والبينات والدلائل الواضحات، فقال تعالى وهو أصدق القائلين، وهو [¬٤] رب العالمين المطلع على السرائر والضمائر الذي يعلم السر في السموات والأرض، العالم بما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف [كان] [¬٥] يكون -: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ أي: رأوا شبهه فظنوه إياه، ولهذا قال: ﴿وإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾ يعني بذلك من ادعى قتله من اليهود، ومن سلمه اليهم [¬٦] من جهال النصارى، كلهم في شك من ذلك وحيرة وضلال وسعر، ولهذا قال: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾ أي: وما قتلوه متيقنين أنه هو، بل شاكين متوهمين ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ أي: منيع الجناب، لا برام جنابه، ولا يضام من لاذ ببابه ﴿حَكِيمًا﴾ أي: فى جميع ما يقدره ويقضيه من الأمور التي يخلقها، وله الحكمة [¬٧] البالغة والحجة الدامغة والسلطان العظيم والأمر القديم.\nقال ابن أبي حاتم (^٩١٠): حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: لما أراد الله [¬٨] أن يرفع\n_________\n(^٩١٠) - رواه ابن أبى حاتم فى (٤/ ١١١٠) (٦٢٣٣)، ورواه النسائى فى تفسيره (٦١١) قال: حدثنا محمد بن العلاء قال: حدثنا أبو معاوية … فذكره، ورواه ابن جرير الطبرى فى تفسيره أيضًا (١٤/ ٩٢) عند تفسير الآية (١٤) من سورة الصف فقال: حدثنى أبو السائب قال حدثنا أبو معاوية … فذكر الخبر وقد نقله ابن كثير فى هذا التفسير المبارك عن هذا الموضع من تفسير الطبرى فى تفسير الآية المشار إليها =\n_________\n\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في م: \"أوضح\".\n[¬٣]- في ت: \"أنزله\".\n[¬٤]- في م: \"و\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من خ.\n[¬٦]- سقط من: ز، خ.\n[¬٧]- في ز، خ: \"الحجة\".\n[¬٨]- سقط من: ز، خ.","vol":"4","page":336},{"text":"عيسى إلى السماء خرج على أصحابه - وفي البيت اثنا عشر رجلًا من الحواريين يعني فخرج عليهم من عين في البيت ورأسه يقطر ماء - فقال: إن منكم من يكفر بي اثنتي عشرة مرة بعد أن آمن بي، قال: ثم قال: أيكم يلقى عليه شبهي فيقتل مكاني ويكون معي في درجتي، فقام شاب من أحدثهم سنًّا، فقال له: اجلس. ثم أعاد عليهم فقام ذلك [¬١] الشاب، فقال: اجلس. ثم أعاد عليهم [¬٢] فقام الشاب فقال: انا، فقال: [أنت هو] [¬٣] ذاك، فألقي عليه شبه عيسى، ورفع عيسى من روزنة في البيت إلى السماء، قال: وجاء الطلب من اليهود فأخذوا الشبه فقتلوه ثم صلبوه، فكفر [¬٤] به بعضهم اثنتي [¬٥] عشرة مرة بعد أن آمن به، وافترقوا ثلاث فرق، فقالت طائفة [¬٦]: كان الله فينا ما شاء ثم صعد إلى السماء، وهؤلاء اليعقوبية، وقالت فرقة: كان فينا ابن الله ما شاء ثم رفعه الله إليه، وهؤلاء النسطورية، وقالت فرقة: كان فينا عبد الله ورسوله ما شاء الله [¬٧] ثم رفعه الله إليه، وهؤلاء المسلمون، فتظاهرت الكافرتان على المسلمة فقتلوها، فلم يزل الإِسلام طامسًا حتى بعث الله محمدًا، ﷺ.\nوهذا اسناد صحيح إلى ابن عباس، ورواه النسائي عن أبي كريب عن أبي معاوية بنحوه، وكذا ذكر غير واحد من السلف أنه قال لهم: أيكم يلقى عليه شبهي فيقتل مكاني وهو رفيقي في الجنة.\nوقال ابن جرير (^٩١١): حدثنا ابن حميد، حدثنا يعقوب القمي، عن هارون بن عنترة، عن وهب بن منبه قال: أتى عيسى [وعنده] [¬٨] سبعة عشر من الحواريين في بيت فأحاطوا [¬٩] بهم، فلما دخلوا عليه صوّرهم الله، عز رجل، كلهم على صورة عيسى، فقالوا لهم: سحرتمونا ليبرزن لنا عيسى أو لنقتلنكم جميعًا، فقال عيسى لأصحابه: من يشري نفسه منكم اليوم بالجنة؟ فقال رجل منهم: أنا، فخرج اليهم فقال [¬١٠]: أنا عيسى، وقد صوره الله على\n_________\n= من سورة الصف، وذكره السيوطى فى الدر المنثور (٢/ ٤٢٣) وزاد نسبته لعبد بن حميد وابن مردويه.\n(^٩١١) - رواه ابن جرير فى تفسيره (٩/ ٣٦٨) (١٠٧٧٩)، ويعقوب القمى هو يعقوب بن عبد الله بن سعد الأشعرى صدوق يهم، وهارون بن عنترة لا بأس به كذا فى \"التقريب\".\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- سقط من: ت.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في خ: \"هو أنت\".\n[¬٤]- في ز: \"وكفر\".\n[¬٥]- في ز: \"اثني\".\n[¬٦]- في ت: \"فرقة\".\n[¬٧]- سقط من: ز.\n[¬٨]- في ت: \"ومعه\".\n[¬٩]- في ز: \"أحاطوا\".\n[¬١٠]- في خ: \"وقال\".","vol":"4","page":337},{"text":"صورة عيسى، فأخذوه وقتلوه [¬١] وصلبوه. فمن ثم شبه لهم، فظنوا أنهم قد قتلوا عيسى، وظنت النصارى مثل ذلك أنه عيسى؛ ورفع الله عيسى من يومه ذلك.\nوهذا سياق غريب جدًا.\nقال ابن جرير (^٩١٢): وقد روي عن وهب نحو هذا القول، وهو ما حدثنى به [¬٢] المثنى، حدثنا إسحاق، حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم، حدثني عبد الصمد بن معقل: أنه سمع وهبًا يقول: إن عيسى ابن مريم لما أعلمه الله أنه خارج من الدنيا جزع من الموت وشق عليه، فدعا الحواريين فصنع [¬٣] لهم طعامًا، فقال: احضروني الليلة فإن لي إليكم حاجة، فلما اجتمعوا إليه من الليل عشاهم وقام يخدمهم، فلما فرغوا من الطعام أخذ يغسل أيديهم ويوضئهم بيده ويمسح أيديهم بثيابه، فتعاظموا ذلك وتكارهوه، فقال: ألا من رد على شيئًا الليلة مما أصنع فليس مني ولا أنا منه فأقروه، حتى إذا فرغ من ذلك قال: أما ما صنعت بكم الليلة مما خدمتكم على الطعام وغسلت أيديكم بيدي فليكن لكم بي أسوة، فإنكم ترون أني خيركم، فلا يتعظم [¬٤] بعضكم على بعض، وليبذل بعضكم نفسه لبعض كما بذلت نفسيٍ لكم، وأما حاجتي الليلة التي أستعينكم [¬٥] عليها [¬٦] فتدعون لي الله وتجتهدون في الدعاء أن يؤخر أجلي. فلما نصبوا أنفسهم للدعاء، وأرادوا أن يجتهدوا، فأخذهم النوم حتى لم يستطيعوا دعاء، فجعل يوقظهم [¬٧]، ويقول: سبحان الله! أما تصبرون لي ليلة واحدة تعينونني فيها؟ قالوا [¬٨]: والله ما ندري ما لنا؛ لقد كنا نسمر فنكثر السمر وما نطيق الليلة سمرًا، وما نريد دعاء إلا حيل بيننا وبينه، فقال: يُذهب بالراعي [¬٩] وتفرق الغنم. وجعل يأتي بكلام نحو هذا ينعي به [¬١٠] نفسه. ثم قال [¬١١]: الحق، ليكفرنَّ بى أحدكم قبل أن يصيح الديك ثلاث مرات، وليبيعنى أحدكم بدراهم يسيرة، وليأكلن [¬١٢] ثمني. فخرجوا وتفرقوا، وكانت اليهود تطلبه، فأخذوا شمعون أحد الحواريين، وقالوا:\n_________\n(^٩١٢) - تفسير الطبرى (٩/ ٣٦٨، ٣٦٩) (١٠٧٨٠) وذكره السيوطى فى الدر المنثور (٢/ ٤٢٤) وزاد نسبته لعبد بن حميد.\n_________\n[¬١]- في خ: \"فقتلوه\".\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في خ: \"وصنع\".\n[¬٤]- في خ: \"يتعاظم\".\n[¬٥]- في خ: \"استعنتكم\".\n[¬٦]- سقط من: ز.\n[¬٧]- في ز: \"يوقفهم\".\n[¬٨]- في خ: \"فقالوا\".\n[¬٩]- في ز: \"الداعي\".\n[¬١٠]- في ز: \"بها\".\n[¬١١]- سقط من: ز، خ.\n[¬١٢]- في ز: \"ليأكلني\".","vol":"4","page":338},{"text":"هذا من أصحابه، فجحد، وقال: ما أنا بصاحبه؛ فتركوه. ثم أخذه آخرون فجحد كذلك، ثم سمع صوت ديك فبكى وأحزنه، فلما أصبح أتى أحد الحواريين إلى اليهود فقال: ما تجعلون لي إن دللتكم على المسيح؟ فجعلوا [¬١] له ثلاثين درهمًا، فأخذها ودلهم عليه، وكان شبه عليهم قبل ذلك، فأخذوه فاستوثقوا منه، وربطوه بالحبل، وجعلوا يقودونه ويقولون له [¬٢]: أنت كنت تحيي الموتى وتنهر الشيطان وتبرئ [¬٣] المجنون؛ أفلا تنجي نفسك من هذا الحبل؟ ويبصقون عليه، ويلقون عليه الشوك، حتى أتوا به الخشبة التي [¬٤] أرادوا أن يصلبوه عليها، فرفعه الله إليه وصلبوا ما شبه لهم، فمكث سبعًا.\nثم إن أمه والمرأة التي كان يداويها عيسى، ﵇، فأبرأها الله من الجنون، جاءتا تبكيان [¬٥] حيث المصلوب، فجاءهما عيسى فقال: علام [¬٦] تبكيان؟ فقالتا: عليك. فقال: إني قد رفعني الله إليه، ولم يصبنى إلا خيرٌ، وإن هذا شبه لهم فأمرا الحواريين يلقوني إلى مكان كذا وكذا. فلقوه إلى ذلك المكان أحد عشر. وفقدوا الذي كان [¬٧] باعه ودل عليه اليهود، فسأل عنه أصحابه فقال: إنه ندم على ما صنع فاختنق، وقتل نفسه. فقال: لو تاب لتاب الله عليه. ثم سألهم عن غلام كان [¬٨] تبعهم يقال له: يحيى، فقال: هو معكم فانطلقوا، فإنه سيصبح كل إنسان يحدث بلغة قومه [¬٩] فلينذرهم وليدعهم. سياق غريب جدًّا.\nثم قال ابن جرير (^٩١٣): حدثنا ابن حميد، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال: كان اسم ملك بني إسرائيل الذي بعث إلى عيسى ليقتله رجلًا منهم، يقال له: داود، فلما أجمعوا لذلك منه، لم يفظع عبد من عباد الله بالموت فيما ذكر لي فظعه، ولم يجزع منه جزعه، ولم يدع اللَّه في صرفه عنه دعاءه، حتى إنه ليقول فيما يزعمون: اللهم إن كنت صارفًا هذه الكأس عن أحد من خلقك؛ فاصرفها عني، وحتى إن جلده من كرب ذلك ليتفصد دمًا، فدخل المدخل الذي أجمعوا أن يدخلوا عليه فيه ليقتلوه هو وأصحابه، وهم ثلاثة عشر [¬١٠] بعيسى ﵇، فلما أيقن أنهم داخلون عليه قال لأصحابه من الحواريين - وكانوا اثني عشر رجلًا: فطرس [¬١١]،\n_________\n(^٩١٣) - تفسير الطبرى (٩/ ٣٧١ - ٣٧٣) (١٠٧٨٥).\n_________\n[¬١]- في م: \"فجعل\".\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في ز: \"فيبرأ\".\n[¬٤]- سقط من: خ.\n[¬٥]- في ز: \"يبكيان\".\n[¬٦]- في ز: \"ما\".\n[¬٧]- سقط من: ز.\n[¬٨]- في خ: \"كاد\".\n[¬٩]- في ز: \"قوم\".\n[¬١٠]- سقط من: ز، خ.\n[¬١١]- في ز، خ: \"فرطوس\". والمثبت من تفسير الطبرى.","vol":"4","page":339},{"text":"[ويعقوب بن زبدي] [¬١] ويحنس أخو يعقوب، وأنداراييس [¬٢]، وفيلبس [وأبر ثلما] [¬٣]، ومتى [¬٤] وتوماس [¬٥]، ويعقوب بن حلفيا [¬٦]، وتداوسيس، وقثانيا، ويودس [¬٧] [زكريا يوطا] [¬٨].\nقال ابن حميد: قال سلمة، قال ابن إسحاق. وكان فيهم - فيما ذكر لي - رجل اسمه سرجس، فكانوا [¬٩] ثلاثة عشر رجلًا سوى عيسى، ﵇، جحدته النصارى، وذلك أنه هو الذي شبه ليهود [¬١٠] مكان [¬١١] عيسى، قال: فلا أدري ما [¬١٢] هو؟ من هؤلاء الاثني عشر أو كان ثالث عشر، فجحدوه حين أقروا لليهود بصلب عيسى، وكفروا بما جاء به محمد، ﷺ، من الخبر عنه. فإن كانوا ثلاثة عشر؛ فإنهم دخلوا المدخل حين دخلوا [وهم بعيسى أربعة عشر] [¬١٣]، [وإن كانوا اثني عشر فإنهم دخلوا المدخل وهم ثلاثة عشر] [¬١٤].\nقال ابن إسحاق: وحدثني رجل كان نصرانيًّا فأسلم: أنّ عيسى حين جاءه من الله ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيّ﴾ قال -: يا معشر الحواريين، أيكم يحب أن يكون رفيقي في الجنة، [على أن يشبه للقوم] [¬١٥] في صورتي؛ فيقتلوه في مكاني. فقال سرجس: أنا يا روح الله. قال: فاجلس في مجلسي، فجلس فيه، ورفع عيسى، ﵇، فدخلوا عليه فأخذوه فصلبوه، فكان هو الذي صلبوه، وشبه لهم به، وكانت [¬١٦] عدتهم حين دخلوا مع عيسى معلومة؛ قد رأوهم وأحصوا عدتهم، فلما دخلوا عليهم [¬١٧] ليأخذوه، وجدوا عيسى [فيما يرون وأصحابه] [¬١٨]، وفقدوا رجلًا من العدة فهو الذي اختلفوا [¬١٩] فيه، وكانوا لا يعرفون عيسى حتى جعلوا ليودس زكريا يوطا ثلاثين درهمًا على أن يدلهم عليه، ويعرفهم إياه، فقال لهم: إذا دخلتم عليه، فإني سأقبله وهو الذي أقبل، فخذوه [¬٢٠] فلما دخلوا\n_________\n[¬١] في ز: \"ويعقوب بس ويلا\"، خ: \"ويعقوب بن ريدي\".\n[¬٢]- في ز: \"أنداراييس\".\n[¬٣]- في. خ: \"وابن يلما\".\n[¬٤]- في ز: \"منتا\"\n[¬٥]- في ز: \"قاموس\"\n[¬٦]- في ز، خ: \"حلقايا\".\n[¬٧]- في ز: \"يردس\".\n[¬٨]- في ز، خ: \"وكريا يوطا\".\n[¬٩]- في ز: \"وكانوا\".\n[¬١٠]- في خ: \"لليهود\".\n[¬١١]- في ز، خ: \"وكان\"\n[¬١٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬١٣]- في ز، خ: \"وهم ثلاثة عشر\".\n[¬١٤]: ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬١٥]- في ز: \"حتى يشبه اليوم\".\n[¬١٦]- في ز: \"فكانت\".\n[¬١٧]- في ز: \"عليه\".\n[¬١٨]- في خ: \"وأصحابه فيما يرون\".\n[¬١٩]- في ز: \"أخلفوا\".\n[¬٢٠]- في ز، خ: \"فخذه\".","vol":"4","page":340},{"text":"وقد رفع عيسى، ورأى سرجس في صورة عيسى فلم يشكِّك [¬١] أنه عيسى، فأكب عليه فقبله فأخذوه فصلبوه.\nثم إن يودس [¬٢] زكريا يوطا ندم على ما صنع فاختنق بحبل حتى قتل نفسه، وهو ملعون في النصارى، وقد كان أحد المعدودين من أصحابه، وبعض النصارى يزعم أن يودس زكريا يوطا هو الذي شبه لهم فصلبوه، وهو يقول: إنى لست بصاحبكم، أنا الذي دللتكم عليه، فالله [¬٣] أعلم أي ذلك كان.\nو[¬٤] قال ابن جريج [¬٥] عن مجاهد: صلبوا رجلًا شبهوه بعيسى، ورفع الله، ﷿، عيسى إلى السماء حيًّا. واختار ابن جرير أن شبه عيسى ألقي على جميع أصحابه.\nوقوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾.\nقال ابن جرير (^٩١٤): اختلف أهل التأويل في معنى ذلك؛ فقال بعضهم: معنى ذلك ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ﴾ [يعني: بعيسى ﴿قَبْلَ مَوْتِهِ﴾] [¬٦] يعني قبل موت عيسى، يوجه ذلك إلى أن جميعهم يصدقون به إذا نزل لقتل الدجال، فتصير الملل كلها واحدة، وهي ملة الإِسلام الحنيفية، دين إبراهيم ﵇.\n\n<span data-type='title' id=toc-91>ذكر من قال ذلك</span>\nحدثنا ابن بشار (^٩١٥)، حدثنا عبد الرحمن، عن [¬٧] سفيان، عن أبي حصين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ قال: قبل موت\n_________\n(^٩١٤) - تفسير الطبرى (٩/ ٣٧٩).\n(^٩١٥) - رواه ابن جرير فى تفسيره (٣٨٠١٩) (١٠٧٩٤) ورواه ابن أبى حاتم (٤/ ١١١٤) (٦٢٥٤) فقال: حدثنا أحمد بن سنان ثنا عبد الرحمن يعنى ابن مهدى … فذكره، ورواية العوفى عن ابن عباس رواها الطبرى فى تفسيره (٩/ ٣٨١) (١٠٨٠٧) بلفظ: \"يعنى: أنه سيدرك أناسٌ من أهل الكتاب حين يبعث عيسى، فيؤمنون به،\" ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾.\n_________\n[¬١]- في خ: \"يشك\".\n[¬٢]- في ز: \"ليودس\".\n[¬٣]- في خ: \"والله \".\n[¬٤]- سقط من: ز.\n[¬٥]- في ت: \"جرير\".\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من خ.\n[¬٧]- في ز: \"ثنا\".","vol":"4","page":341},{"text":"عيسى ابن مريم، ﵇،. وقال العوفي: عن ابن عباس مثل ذلك.\nوقال أبو مالك في قوله: ﴿إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ قال: ذلك عند نزول عيسى ابن مريم، ﵇، لا يبقى أحد من أهل الكتاب إلا آمن به.\nوقال الضحاك عن ابن عباس: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ يعني اليهود خاصة، وقال الحسن البصري: يعني النجاشي وأصحابه. رواهما ابن أبي حاتم (^٩١٦).\nوقال ابن جرير (^٩١٧): وحدثني يعقوب، حدثنا ابن علية [¬١]، حدثنا أبو رجاء، عن الحسن: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ قال: قبل موت عيسى، والله إنه الآن حيٌّ عند الله، ولكن إذا نزل آمنوا به أجمعون.\nوقال ابن أبي حاتم (^٩١٨)، حدثنا أبي، حدثنا على بن عثمان اللاحقي، حدثنا جويرية بن بشير، قال: سمعت رجلًا قال للحسن: يا أبا سعيد، قول الله ﷿: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ قال: قبل موت عيسى، إن الله رفع إليه [¬٢] عيسى وهو باعثه قبل يوم القيامة مقامًا يؤمن به البر والفاجر.\nوكذا قال قتادة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغير واحد. وهذا القول هو الحق، كما سنبينه بعد بالدليل القاطع إن شاء الله وبه الثقة وعليه التكلان.\nقال ابن جرير، وقال آخرون: معنى ذلك: وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به [قبل موت] [¬٣] الكتابي، ذكر من كان يوجه ذلك إلى أنه إذا عاين علم الحق من الباطل؛ لأن كل من نزل به الموت لم تخرج نفسه حتى يتبين له الحق من الباطل في دينه.\n_________\n(^٩١٦) - أثر أبى مالك رواه ابن أبى حاتم فى تفسيره (٤/ ١١١٣) (٦٢٥٣) بلفظ: \"ليس أحد من أهل الارض يدركه نزول عيسى ابن مريم إلا آمن به\"، ورواه الطبرى فى تفسيره (٩/ ٣٨١) (١٠٨٠٤) بنحوه، ورواه: الضحاك عن ابن عباس رواها ابن أبى حاتم فى تفسيره (٤/ ١١١٢) (٦٢٤٧) وأثر الحسن رواه ابن أبى حاتم برقم (٦٢٤٨).\n(^٩١٧) - تفسير الطبرى (٩/ ٣٨٠) (١٠٧٩٨)، وانظر الدر المنثور (٢/ ٤٢٨) وعزاه لابن جرير.\n(^٩١٨) - تفسير ابن أبى حاتم (٤/ ١١١٣) (٦٢٥١)، وذكره السيوطى فى الدر المنثور (٢/ ٤٢٨) وعزاه لابن أبى حاتم.\n_________\n[¬١]- في ت: \"عالية\".\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- سقط من: ز.","vol":"4","page":342},{"text":"قال على بن أبي طلحة، عن ابن عباس؛ قوله: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ قال: لا يموت يهودي حتى يؤمن بعيسى (^٩١٩).\nحدثني المثنى، حدثنا [¬١] أبو حذيفة، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: ﴿إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾، كل صاحب كتاب يؤمن بعيسى قبل موته، قبل موت صاحب الكتاب. و[¬٢] قال ابن عباس: لو ضربت عنقه لم تخرج نفسه حتى يؤمن بعيسى. (^٩٢٠)\nحدثنا ابن حميد، حدثنا أبو تميلة يحيى بن واضح، حدثنا حسين بن واقد، عن يزيد النحوي، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: لا يموت اليهودي حتى يشهد أن عيسى عبد الله ورسوله، ولو عجل عليه بالسلاح (^٩٢١).\nحدثني إسحاق بن إبراهيم بن حبيب بن الشهيد، حدثنا عتاب بن بشير، عن خصيف، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾، قال: هي فى قراءة أبي: \"قبل موتهم\" ليس يهودي [¬٣] يموت أبدًا، حتى يؤمن بعيسى. قيل لابن عباس: أرأيت إن خرّ من فرق بيت، قال: بتكلم به [¬٤] في الهُوِيّ [¬٥]، فقيل: أرأيت إن ضربت عنق [أحد منهم] [¬٦]، قال: يلجلج بها لسانه (^٩٢٢).\nوكذا روى سفيان الثوري، عن خصيف، عن عكرمة، عن ابن عباس، ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾، قال: لا يموت يهودي حتى يؤمن بعيسى، ﵇، وإن ضرب بالسيف تكلم به؛ قال: وإن هوى تكلم به وهو يهوي (^٩٢٣).\n_________\n(^٩١٩) - رواه ابن جرير فى تفسيره (٩/ ٣٨٢) (١٠٨٠٩).\n(^٩٢٠) - رواه ابن جرير فى تفسيره (٩/ ٣٨٢، ٣٨٣) (١٠٨١٢).\n(^٩٢١) - تفسير الطبري (٩/ ٣٨٣) (١٠٨١٣)، وذكره السيوطي في الدر المنثور (٢/ ٤٢٧) وزاد نسبته لعبد بن حميد.\n(^٩٢٢) - تفسير ابن جرير (٩/ ٣٨٣) (١٠٨١٤) وذكره السيوطى فى الدر المنثور (٢/ ٤٢٧) وعزاه للطيالسى وسعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر. وقد فتشت عمه فى مسند الطيالسى فلم أعثر عليه. والله أعلم.\n(^٩٢٣) - رواه ابن جرير فى تفسيره (٩/ ٣٨٣) (١٠٨١٥).\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- في خ: \"بيهودي\".\n[¬٤]- سقط من: ز.\n[¬٥]- في ز، خ: \"الهواء\".\n[¬٦]- في خ: \"أحدهم\".","vol":"4","page":343},{"text":"وكذا روى أبو داود الطيالسي (^٩٢٤)، عن شعبة، عن أبي هارون الغنوي، عن عكرمة، عن ابن عباس. فهذه كلها [¬١] أسانيد صحيحة ابن ابن عباس، وكذا صح عن مجاهد وعكرمة، ومحمد بن سيرين، وبه يقول الضحاك وجويبر، وقاله [¬٢] السدي، وحكاه عن ابن عباس، ونقل قراءة أبي بن كعب: \"قبل موتهم\".\nوقال عبد الرزاق (^٩٢٥): عن إسرائيل، عن فرات القزاز، عن الحسن في قوله: ﴿إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ قال: لا يموت أحد منهم حتى يؤمن بعيسى قبل أن يموت.\nوهذا يحتمل أن يكون مراد الحسن ما تقدم عنه، ويحتمل أن يكون مراده ما أراده هؤلاء.\nقال ابن جرير: وقال آخرون: معنى ذلك وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن بمحمد، ﵌، قبل موت الكتابي.\n\n<span data-type='title' id=toc-92>(ذكر من قال ذلك)</span>\nحدثني ابن المثنى، حدثنا الحجاج بن المنهال، حدثنا حماد، عن حميد، قال: قال عكرمة: لا يموت النصراني ولا اليهودي حتى يؤمن بمحمد، ﷺ. [] [¬٣] قوله: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ (^٩٢٦).\nثم قال ابن جرير: وأولى هذه الأقوال بالصحة القول الأول؛ وهو أنه لا يبقى أحد من أهل الكتاب بعد نزول عيسى، ﵇، إلا آمن به [قبل موته، أي] [¬٤]: قبل موت عيسى ﵇. ولا شك أن هذا الذي قاله ابن جرير هو الصحيح؛ لأنه المقصود من سياق الآي في تقرير بطلان ما ادّعته اليهود من قتل عيسى وصلبه، وتسليم من سلم لهم من النصارى الجهلة\n_________\n(^٩٢٤) - رواه ابن جرير فى تفسيره (٩/ ٣٨٣، ٣٨٤) (١٠٨١٦) من طريق محمد بن جعفر قال: حدثنا شعبة، عن أبى هارون الغنوى عن عكرمة عن ابن عباس. وأبو هارون الغنوى هو إبراهيم بن العلاء ثقة روى له البخارى فى كتاب الجنائز من صحيحه.\n(^٩٢٥) - تفسير عبد الرزاق (١/ ١٧٧) ومن طريقه رواه ابن جرير فى تفسيره (٩/ ٣٨٥) (١٠٨٢٤) ورواه ابن جرير أيضًا برقم (١٠٨٢٣) قال: حدثنا ابن وكيع قال: حدثنا أبى عن إسرائيل … فذكره مثل رواية عبد الرزاق.\n(^٩٢٦) - تفسير ابن جرير (٩/ ٣٨٦) (١٠٨٢٩).\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- في ز، خ: \"و\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في ت: يعني في.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ت.","vol":"4","page":344},{"text":"ذلك، فأخبر الله أنه لم يكن الأمر كذلك [¬١]، وإنما كذلك شبه لهم فقتلوا الشبيه وهم لا يتبينون ذلك، ثم إنه رفعه إليه، وإنه باق حيٌّ، وإنه سينزل قبل يوم القيامة، كما دلت عليه الأحاديث المتواترة التي سنوردها إن شاء الله قريبا، فيقتل مسيح [¬٢] الضلالة ويكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية، يعني: لا يقبلها من أحد من أهل الأديان، بل لا يقبل إلا الإسلام أو السيف، فأخبرت هذه الآية الكريمة: أنه يؤمن به جميع أهل الكتاب حينئذ، ولا يتخلَّفَ [¬٣] عن التصديق به واحد منهم؛ ولهذا قال: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ أي. قبل موت عيسى ﵇، الذي زعم اليهود ومن وافقهم من النصارى أنه قتل وصلب. ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ أي: بأعمالهم التي شاهدها منهم قبل رفعه إلى السماء، وبعد نزوله إلى الأرض.\nفأما من فسر هذه الآية بأن المعنى: أن كل كتابي لا يموت حتى يؤمن بعيسى أو بمحمد، عليهما الصلاة والسلام، فهذا هو الواقع، وذلك أن كل أحد عند احتضاره ينجلي له ما كان جاهلًا به؛ فيؤمن به، ولكن لا يكون ذلك إيمانا نافعًا له إذا كان قد شاهد الملك، كما قال تعالى في أوّل [¬٤] هذه السورة: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾. وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (٨٤) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ الآية، وهذا يدل على ضعف ما احتج به ابن جرير في ردّ هذا القول حيث قال: ولو كان المراد بهذه الآية هذا لكان كل من آمن بمحمد أو بالمسيح ممن كفر بهما يكون على دينهما، وحينئذ لا يرثه أقرباؤه من أهل دينه، [لأنه قد] [¬٥] أخبر الصادق أنه يؤمن به قبل موته، فهذا ليس بجيد إذ لا يلزم من إيمانه في حالة لا ينفعه إيمانه أنه يصير بذلك مسلمًا، ألا ترى إلى [¬٦] قول ابن عباس: ولو تردّى من شاهق، أو ضرب بسيف، أو افترسه سبع، فإنه لابد أن يؤمن بعيسى، فالإِيمان به [¬٧] في [مثل] [¬٨] هذه الحالات [¬٩] ليس بنافع ولا ينقل صاحبه عن كفره لما قدّمناه، والله أعلم.\n_________\n[¬١]- سقط من خ.\n[¬٢]- في ز: \"المسيح\".\n[¬٣]- في خ: \"يختلف\".\n[¬٤]- سقط من: ز.\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين في ز: \"كونه\".\n[¬٦]- سقط من: ت.\n[¬٧]- سقط من: ز.\n[¬٨]- ما بين المعكوفتين سقط من خ.\n[¬٩]- في ت: \"الحال\".","vol":"4","page":345},{"text":"ومن تأمّل هذا جيدًا، وأمعن النظر اتضح له [أن هذا وم] [¬١] إن [¬٢] كان [¬٣] هو الواقع، لكن لا يلزم منه أن يكون المراد بهذه الآية هذا، بل المراد بها ما ذكرناه من تقرير وجود عيسى، ﵇، وبقاء حياته في السماء، وأنه سينزل إلى الأرض قبل يوم القيامة؛ ليكذب هؤلاء وهؤلاء من اليهود والنصارى الذين تباينت أقوالهم فيه، وتضادت [¬٤] وتعاكست وتناقضت وخلت عن الحق، ففرط هؤلاء اليهود، وأفرط هؤلاء النصارى، تنقَّصه اليهود بما رموه به وأمّه من العظائم، وأطراه النصارى بحيث ادّعوا فيه ما [¬٥] ليس فيه؛ فرفعوه في مقابلة أولئك عن مقام النبوّة إلى مقام الربوبية، تعالى الله، عما يقول هؤلاء وهؤلاء علوًّا كبيرًا، وتنزه وتقدّس، لا إله إلا هو.\n\n<span data-type='title' id=toc-93>(ذكر الأحاديث الواردة في نزول عيسى ابن مريم إلى الأرض من السماء في آخر الزمان قبل يوم القيامة وأنه يدعو إلى عبادة الله وحده لا شريك له)</span>\nقال البخاري، ﵀، في كتاب ذكر الأنبياء من صحيحه المتلقى بالقبول: (نزول عيسى ابن مريم ﵇ حدثنا إسحاق بن إبراهيم، حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا أبي، عن صالح، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة؛ قال: قال رسول الله، ﷺ: \"والذي نفسي بيده، ليوشكنّ أن ينزل فيكم ابن مريم حكمًا عدلًا فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد، وحتى تكون السجدة خيرًا من الدنيا وما فيها\". ثم يقول أبو هريرة: اقرءوا إن شئتم: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ (^٩٢٧).\n_________\n(^٩٢٧) - رواه البخارى فى \"صحيحه\" فى الوضع المشار إليه برقم (٣٤٤٨) ورواه فى كتاب البيوع، باب: قتل الخنزير حديث (٢٢٢٢) وفى كتاب المظالم، باب: كسر الصليب وقتل الخنزير حديث (٢٤٧٦)، وفى أحاديث الأنبياء أيضًا، باب: نزول عيسى ابن مريم ﵉ حديث (٣٤٤٩)، ومسلم فى الإيمان، باب: نزول عيسى ابن مريم حاكما بشريعة نبينا محمد ﷺ حديث (١٥٥)، والترمذى فى كتاب الفتن، باب: ما جاء فى نزول عيسى ابن مريم ﵇ حديث (٢٢٣٣)، وابن ماجه فى الفتن، باب فتنة الدجال وخروج عيسى بن مريم وخروج يأجوج =\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في خ: \"إنه\".\n[¬٣]- سقط من: خ.\n[¬٤]- في ت: \"وتصادمت\".\n[¬٥]- في خ: \"بما\".","vol":"4","page":346},{"text":"وكذا رواه مسلم، عن الحسن الحلواني وعبد بن حميد، كلاهما عن يعقوب، به، وأخرجه البخاري ومسلم أيضًا من حديث سفيان بن عيينة، عن الزهري به، وأخرجاه من طريق الليث عن الزهري، به. ورواه ابن مردويه من طريق محمد بن أبي حفصة، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله، ﷺ: \"يوشك أن ينزل فيكم ابن مريم حكمًا عدلًا، يقتل الدجال، ويقتل الخنزير، ويكسر الصليب، ويضع الجزية، ويفيض المال، وتكون السجدة واحدة لله رب العالمين\"، قال أبو هريرة: اقرءوا إن شئتم ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ موت عيسى ابن مريم، ثم يعيدها أبو هريرة ثلاث مرات.\n(طريق أخرى عن أبي هريرة). قال الإِمام أحمد (^٩٢٨): حدثنا روح، حدثنا محمد بن أبي حفصة، عن الزهري، عن حنظلة بن علي الأسلمي، عن أبي هريرة أن رسول الله، ﷺ، قال: \"ليهلنّ عيسى ابن مريم بفج الروحاء بالحج أو العمرة، أو ليثنيهما جميعًا\".\nوكذا رواه مسلم منفردًا به من حديث سفيان بن عيينة والليث بن سعد ويونس بن يزيد، ثلاثتهم عن الزهري به.\nوقال أحمد (^٩٢٩): حدثنا يزيد، حدثنا سفيان - هو ابن حسين - عن الزهري، عن حنطة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"ينزل عيسى ابن مريم فيقتل الخنزير، ويمحو الصليب، وتجمع له الصلاة، ويعطي المال حتى لا يقبل، ويضع الحراج، وينزل الروحاء فيحج منها أو يعتمر أو يجمعهما\". قال: وتلا أبو هريرة: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ الآية، فزعم حنظلة أن أبا هريرة قال:\n_________\n= ومأجوج حديث (٤٠٧٨) وأحمد فى مسنده (٢/ ٢٤٠، ٢٧٢، ٥٣٨) من طرق عن الزهرى به.\n(^٩٢٨) - مسند أحمد (٢/ ٥١٣)، ورواه أحمد فى (٢/ ٢٤٠) قال: حدثنا سفيان، وفى (٢/ ٢٧٢) عن الزهرى عن معمر، وفى (٢/ ٥٤٠) عن محمد بن مصعب عن الأوزاعى ثلاثتهم عن الزهرى به، ورواه مسلم فى كتاب الحج، باب: إهلال النبى ﷺ وهديه حديث (١٢٥٢/ ٣١٦) من طريق ابن عيينة والليث بن سعد، ويونس عن الزهرى بالحديث.\n(^٩٢٩) - المسند (٢/ ٢٩٠)، ورواه ابن أبى حاتم فى تفسيره (٤/ ١١١٣) (٦٢٤٩) قال: حدثنى أبى ثنا محمد بن المثنى أبو موسى ثنا يزيد بن هارون … فذكره، وسفيان هو ابن حسين ثقة لكن روايته عن الزهرى ضعيفة ضعفها أحمد وابن معين وغيرهما وقد روى له البخارى فى \"القراءة خلف الإمام\" وفى \"الأدب\" ومسلم فى مقدمة كتابه وأصحاب السنن لكن تابعه غير واحد من الثقات عن الزهرى كما تقدم فى الحديث السابق.","vol":"4","page":347},{"text":"يؤمن به قبل موت عيسى، فلا أدري: هذا كله حديث النبي ﷺ، أو شيء قاله أبو هريرة.\nوكذا رواه ابن أبي حاتم، عن أبيه، عن أبي موسى محمد بن المثنى، عن يزيد بن هارون، عن سفيان بن حسين، عن الزهري، به.\n(طريق أخرى) قال البخاري (^٩٣٠): حدثنا ابن بكير، حدثنا الليث، عن يونس، عن ابن شهاب، عن نافع مولى أبي قتادة الأنصاري، أنّ أبا هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"كيف بكم إذا نزل فيكم المسيح ابن مريم، وإمامكم منكم\". تابعه عقيل والأوزاعي.\nوهكذا رواه الإمام أحمد عن عبد الرزاق، عن معمر، عن عثمان بن عمر، عن ابن [¬١] أبي ذئب، كلاهما عن الزهري، به. وأخرجه مسلم من رواية يونس، والأوزاعي وابن أبي ذئب، به.\n(طريق أخرى) قال الإمام أحمد (^٩٣١): حدثنا عفان، حدثنا همام، أنبأنا قتادة، عن عبد الرحمن، عن أبي هريرة أنّ النبي ﷺ قال: \"الأنبياء إخوة لعلّات،\n_________\n(^٩٣٠) - صحيح البخارى كتاب أحاديث الأنبياء، باب: نزول عيسى ابن مربم ﵉. حديث (٣٤٤٩)، ورواه مسلم فى كتاب الإيمان، باب نزول عيسى ابن مريم حاكمًا بشريعة نبينا. حديث (٢٤٤، ٢٤٥، ٢٤٦/ ١٥٥) وأحمد فى مسنده (٢/ ٢٧٢، ٣٣٦) من طرق عن الزهرى به.\nورواية ابن أبى ذئب فى صحيح مسلم (٢٤٦/ ١٥٥) عن ابن شهاب عن نافع مولى أبى قتادة عن أبى هريرة أن رسول الله ﷺ قال: كيف أنتم إذا نزل فيكم ابن مريم فأمَّكم منكم؟ \" فقلت لابن أبى ذئب: إن الأوزاعى حدثنا عن الزهرى، عن نافع عن أبى هريرة: \"وإمامكم منكم\" قال ابن أبى ذئب: تدرى ما أمكم منكم؟ قلت: تخبرنى. قال: فأمَّكم بكتاب ربكم ﵎ وسنة نبيكم ﷺ.\n(^٩٣١) - المسند (٢/ ٤٠٦)، ورواه أحمد أيضًا فى (٢/ ٤٣٧) وأبو داود فى الملاحم، باب: خروج الدجال حديث (٤٣٢٤) مختصرًا، وابن حبان فى صحيحه (٦٨١٤)، (٦٨٢١) والحاكم (٢/ ٥٩٥) وابن جرير فى تفسيره (٩/ ٣٨٨) (١٠٨٣٠) من طرق عن قتادة به. وقد صححه الحاكم ووافقه الذهبى. وهو كما قالا، ورواه عبد الرزاق فى مصنفه (١١/ ٤٠١) (٢٠٨٤٥) عن معمر عن قتادة عن رجل عن أبى هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: إن الأنبياء إخوة لعلات … الحديث بنحوه، وقد رواه البخارى وغيره من طريق أبى سلمة عن أبى هريرة وسيأتى برقم (٩٣٧).\n_________\n[¬١]- سقط من: ت.","vol":"4","page":348},{"text":"أمهاتهم شتى ودينهم واحد، وإني أولى الناس بعيسى ابن مريم؛ لأنه لم يكن بينى وبينه نبي، وإنه نازل، فإذا رأيتموه فاعرفوه، رجل مربوع إلى الحمرة والبياض، عليه ثوبان ممصران كأنّ رأسه يقطر و[¬١]، إن لم يصبه بلل: فيدق الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويدعو الناس إلى الإِسلام، ويهلك الله في زمانه الملل كلها إلا الإِسلام، ويهلك الله في زمانه المسيح الدجال، ثم تقع الأمنة على الأرض؛ حتى ترتع الأسود مع الإِبل، والنمار مع البقر، والذئاب مع الغنم، ويلعب الصبيان بالحيات لا تضرهم، فيمكث أربعين سنة ثم يتوفق ويصلي عليه المسلمون\".\nكذا رواه أبو داود، عن هدبة بن خالد، عن همام بن يحيى، ورواه ابن جرير، ولم يورد عند هذه الآية سواه، عن بشر بن معاذ، عن يزيد بن هارون، عن سعيد بن أبي عروبة، كلاهما عن قتادة، عن عبد الرحمن بن آدم - وهو مولى أم برثن صاحب السقاية - عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، فذكر نحوه، وقال: \"فليقاتل الناس على الإِسلام\".\nوقد روى البخاري (^٩٣٢)، عن أبي اليمان، عن شعيب، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله، ﷺ، يقول: \"أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم، والأنبياء أولاد [¬٢] علات ليس بيني وبينه نبي\".\nثم روى عن محمد بن سنان، عن فليح بن سليمان، عن هلال بن علي، عن عبد الرحمن بن أبي عمرة، عن أبي عمرة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله، ﷺ: [\"أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم في الدنيا والآخرة، والأنبياء إخوة لعلات: أمّهاتهم شتى ودينهم واحد\". وقال إبراهيم بن طهمان، عن موسى بن عقبة، عن صفوان بن سليم، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ] (^٩٣٣) [¬٣].\n_________\n(^٩٣٢) - رواه البخارى فى \"صحيحه\" كتاب أحاديث الأنبياء، باب: قول الله: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ﴾ حديث (٣٤٤٢)، ومسلم فى كتاب الفضائل، باب: فضائل عيسى ﵇، حديث (٢٣٦٥/ ١٤٣) وأبو داود كتاب السنة، باب: ما يدل على ترك الكلام فى الفتنة حديث (٤٦٧٥) من طريق ابن وهب عن يونس عن ابن شهاب يه. ورواه مسلم (٢٣٦٥/ ١٤٣) سفيان عن أبى الزناد عن الأعرج عن أبى سلمة عن أبى هريرة به. ورواه أحمد (٢/ ٤٦٣، ٥٤١) من طريقين عن أبى الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة (لم يذكر فى الإسناد أبا سلمة) وللحديث طريق آخر عن أبي عمرة عن أبى هريرة يأتى تخريجه برقم (٩٣٨).\n(^٩٣٣) - رواه البخارى فى \"صحيحه\" كتاب أحاديث الأنبياء، باب: قول الله: ﴿وَاذْكُرْ فِي =\n_________\n[¬١]- سقط من: ت.\n[¬٢]- في خ: \"أولات\".\n[¬٣]- سقط من: خ.","vol":"4","page":349},{"text":"(حديث [¬١] آخر) قال مسلم في صحيحه (^٩٣٤): حدثني زهير بن حرب، حدثنا معلى [¬٢] بن منصور، حدثنا سليمان بن بلال، حدثنا سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة أن رسول الله، ﷺ، قال: \"لا تقوم الساعة حتى ينزل الروم بالأعماق، أو بدابق، فيخرج إليهم جيش من المدينة من خيار أهل الأرض يومئذ، فإذا تصافوا قالت الروم: خلوا بيننا وبين الذين سبوا منا نقاتلهم، فيقول المسلمون: لا والله لا نخلي بينكم وبين إخواننا، فيقاتلونهم، فينهزم ثلث لا يتوب الله عليهم أبدًا، ويقتل [ثلث هم] [¬٣] أفضل الشهداء عند الله ﷿، ويفتتح الثلث لا يفتنون أبدًا، فيفتتحون قسطنطينية، فبينما هم يقسمون الغنائم، قد علقوا سيوفهم بالزيتون، إذ صاح فيهم الشيطان، إن المسيح قد خلفكم في أهليكم، فيخرجون وذلك باطل، فإذا جاءوا الشام، خرج، فبينما هم يعدّون للقتال، يسوّون الصفوف، إذ أقيمت الصلاة، فينزل عيسى ابن مريم أمامهم [¬٤]، فإذا رآه عدوّ الله ذاب كما يذوب الملح في الماء، فلو تركه لذاب حتى يهلك، ولكن يقتله الله بيده؛ فيريهم دمه في حربته\".\n(حديث آخر) قال الإمام أحمد (^٩٣٥): حدثنا هشيم، عن العوام بن حوشب، عن جبلة بن سحيم، عن مؤثر بن عفازة، عن ابن مسعود، عن رسول الله، ﷺ، قال: \"لقيت ليلة أسري بي إبراهيم وموسى وعيسى ﵈، فتذاكروا أمر الساعة، فردّوا أمرهم إلى إبراهيم، فقال: لا علم لي بها، فردوا أمرهم إلى موسى فقال: لا علم لي بها، فردّوا أمرهم إلى عيسى فقال: أما وجبتها فلا يعلم بها أحد إلا الله، وفيما عهد إلى ربي ﷿ أن الدجال خارج، قال: ومعي قضيبان، فإذا رآني ذاب كما يذوب الرصاص [¬٥]، قال: فيهلكه الله إذا رآني، حتى إن الحجر والشجر يقول: يا مسلم إن تحتي كافرًا فتعال فاقتله، قال: فيهلكهم الله، ثم يرجع الناس إلى بلادهم وأوطانهم، فعند ذلك يخرج يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون فيطئون بلادهم، فلا يأتون\n_________\n= الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا﴾ حديث (٣٤٤٣) وهو عند أحمد فى مسنده (٢/ ٤٨٢) قال: حدثنا سريج عن فليح بن سليمان به. وانظر تخريج الحديث السابق.\n(^٩٣٤) - صحيح مسلم كتاب الفتن، وأشراط الساعة، باب: فى فتح قسطنطينية، وخروج الدجال … حديث (٢٨٩٧/ ٣٤).\n(^٩٣٥) - سيأتي في تفسير سورة الأعراف الآية ١٨٧ رقم (٢٨٥).\n_________\n[¬١]- في ز: \"قال\".\n[¬٢]- في خ: \"يعلى\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في ت: \"ثلثه\".\n[¬٤]- في ت: \"فأمهم\".\n[¬٥]- في خ: \"الرضاب\".","vol":"4","page":350},{"text":"على شيء إلَّا أهلكوه، ولا يمرون على ماء إلَّا شربوه، قال: ثم يرجع النَّاس يشكونهم فأدعو الله عليه، فيهلكهم ويميتهم حتَّى تجوى الأرض من نتن ريحكم، وينزل الله المطر فيجترف أجسادهم، حتَّى يقذفهم في البحر، ففيما عهد إلى ربي، ﷿، أن ذلك إذا كان كذلك، أن الساعة كالحامل المتم؛ لا يدري أهلها متى تفاجئهم بولادها ليلًا أو نهارًا\" رواه ابن ماجة عن محمَّد بن بشار، عن يزيد بن هارون، عن العوام بن حوشب - به نحوه.\n(حديث آخر) قال الإِمام أحمد (^٩٣٦): حدّثنا يزيد بن هارون، حدّثنا حماد بن سلمة، عن على بن زيد، عن أبي نضرة قال: أتينا عثمان بن أبي العاص في يوم جمعة لنعرض عليه مصحفًا لنا [¬١] على مصحفه؛ فلما حضرت الجمعة أمرنا فاغتسلنا، ثم أتينا بطيب فتطيبنا، ثم جئنا المسجد فجلسنا إلى رجل فحدثنا عن الدجال، ثم جاء عثمان بن أبي العاص، فقمنا إليه، فجلسنا فقال: سمعت رسول الله، ﷺ، يقول: \"يكون للمسلمين ثلاثة [¬٢] أمصار: مصر [¬٣] بملتقى البحرين، ومصر بالحيرة، ومصر بالشام، فيفزع [¬٤] النَّاس ثلاث فزعات، فيخرج الدجال في أعراض النَّاس، فيهزم من قبل الشرق، فأوّل مصر يرده المصر الذي بملتقى البحرين؛ فيصير أهلهم ثلاث فرق؛ فرقة [¬٥] [تقيم تقول] [¬٦] [نُشَامُّه [¬٧] ننظر] [¬٨] [] [¬٩] ما هو، وفرقة تلحق بالأعراب، وفرقة تلحق بالمصر الذي يليهم. ومع الدجال سبعون ألفًا عليهم السيجان [¬١٠]، وأكثر من معه اليهود والنساء، [ثمَّ يأتي المصر الذي يليه، فيصير أهله ثلاث فرق. فرقة تقول: نشامه وننظر ما هو؟ وفرقة تلحق بالأعراب، وفرقة تلحق بالمصر الذي يليهم بغرب\n_________\n(^٩٣٦) - المسند (٤/ ٢١٦)، ورواه أيضًا في (٤/ ٢١٧) قال: حدّثنا عفَّان، والطبراني في الكبير (٩/ ٥١، ٥٢) (٨٣٩٢) عن محمَّد بن عبد الله الخزاعى كلاهما (عفَّان، ومحمد بن عبد الله) قالا: حدّثنا حماد ابن سلمة به. وإسناده ضعيف من أجل عليّ بن زيد والحديث ذكره الهيثمى في مجمع الزوائد (٧/ ٣٤٥) وقال: رواه أحمد، والطبراني - وفيه عليّ بن زيد وفيه ضعف وقد وثق وبقية رجالهما رجال الصحيح.\n_________\n[¬١]- في ت: \"له\".\n[¬٢]- في خ: \"ثلاث\".\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- في ز: \"ففزع\".\n[¬٥]- في ز: \"فدعة\".\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين في ت: \"تقول نقيم\".\n[¬٧]- قال: شامِمْه؛ أي: انظر ما عنده، وقاربه، وادن منه.\n[¬٨]- ما بين المعكوفتين في خ: \"شامة تنظر\".\n[¬٩]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"إليه\".\n[¬١٠]- في خ: \"السجان\".","vol":"4","page":351},{"text":"الشام] (١)، وينحاز المسلمون إلى عقبة أفيق، فيبعثون [¬٢] سرحًا لهم، فيصاب سرحهم، فيشتد ذلك عليهم، وتصيبهم [¬٣] مجاعة شديدة وجهد شديد؛ حتَّى إن أحدهم ليحرق وتر قوسه فيأكله، فبينما هم كذلك إذ نادى مناد من السَّحر [¬٤]: يا أيها الناس، أتاكم الغوث \"ثلاثًا\" فيقول بعضهم لبعض: أن هذا لصوت رجل شبعان، وينزل عيسى ابن مريم ﵇ عند صلاة الفجر، فيقول له أميرهم: يا روح الله، تقدم صلِّ [¬٥]، فيقول: هذه الأمّة أمراء بعضهم على بعض، فيتقدم أميرهم فيصلي [فإذا] [¬٦] قضى صلاته، أخذ عيسى حربته فيذهب [¬٧] نحو الدجال، فإذا رآه الدجال ذاب كما يذوب الرصاص، فيضع حربته بين ثندوته فيقتله، ويهزم [¬٨] أصحابه، فليس يومئذٍ شيء يواري منهم أحدًا، حتَّى أن الشجرة لتقول [¬٩]: يا مؤمن، هذا كافر. ويقول الحجر: يا مؤمن، هذا كافر\". تفرّد به أحمد من هذا الوجه.\n(حديث آخر) قال أبو عبد الله محمَّد بن يزيد بن ماجه في سننه المشهورة [¬١٠] (^٩٣٧)،\n_________\n(^٩٣٧) - سنن ابن ماجة كتاب الفتن، باب طلوع الشَّمس من مغربها حديث (٤٠٧٧) (٢/ ١٣٥٩ - ١٣٦٣) وقد وقع في المطبوع من سنن ابن ماجة - بتحقيق فؤاد عبد الباقى - أبي زرعة الشيبانيّ بالشين المعجمة وهو خطأ والصَّواب السيبانى بالسين المهملة، كذا في تحفة الأشراف (٤/ رقم ٤٨٩٦) وقال المزى عقب رواية ابن ماجة: \"كذا قال - يعني على بن محمَّد - وكذا رواه سهل بن عثمان عن المحاربى، وهو وهم فاحش\".\nقلت: الوهم الذي أراده المزى ﵀ هو سقوط عمرو بن عبد الله الحضرمي - الذي يرويه عن أبي أمامة - من السند وقد عقب على ذلك الحافظ ابن حجر في \"النكت الظراف\" بقوله: \"هذا وقع في بعض النسخ وقد وقع في نسخة صحيحة قابلها المسورى عن إسماعيل بن رافع أبي رافع عن أبي زرعة السيباني يحيى بن أبي عمرو عنه (يعنى عمرو بن عبد الله الحضرمي) به. وسقط ذكر عمرو بن عبد الله في نسخة أخرى. وأخرجه أبو نعيم الأصبهاني، عن أبي الشَّيخ، عن عبد الرحمن بن مسلم، عن سهل ابن عثمان - على الصواب، قال أبو نعيم: وراه محمَّد بن شعيب بن شابور، حدثني أبو زرعة، حدثني عمرو، عن أبي أمامة\".\nوالصَّواب ذكر عمرو في الحديث فإن السيبانى لم يسمع من الصّحابة. والحديث رواه أيضًا أبو داود في سننه كتاب الملاحم، باب: خروج الدجال حديث (٤٣٢٢)، وابن أبي عاصم في \"السنة\" (٣٩١) =\n_________\n- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في ز: \"فيبعوني\".\n[¬٣]- في ز: \"ويصيبهم\".\n[¬٤]- في ز، خ: \"البحر\".\n[¬٥]- في ز: \"صلي\".\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين في خ: \"حتَّى إذا\".\n[¬٧]- في خ: \"فذهب\".\n[¬٨]- في ت: \"وينهزم\".\n[¬٩]- في خ: \"تقول\".\n[¬١٠]- في ز: \"المشهور\".","vol":"4","page":352},{"text":"حدّثنا على بن محمَّد، حدّثنا عبد الرحمن المحاربي، عن إسماعيل بن رافع - أبي رافع - عن أبي زرعة السيباني - يَحْيَى بن أبي عمرو - عن أبي أمامة الباهلي، قال: خطبنا رسول الله، ﷺ، فكان أكثر خطبته حديثًا حدثناه عن الدجال، وحذرناه، فكان من قوله أن قال: \"لم تكن فتنة في الأرض منذ ذرأ الله ذرية آدم ﵇ أعظم من فتنة الدجال، وإن الله لم يبعث نبيا إلَّا حذر أمته الدجال، وأنا آخر الأنبياء، وأنتم آخر الأمم، وهو خارج فيكم لا محالة، فإن يخرج وأنا بين ظهرانيكم؛ فأنأ حجيج لكل مسلم، وإن يخرج من بعدي فكلٌّ حجيج نفسه، وإن [¬١] الله خليفتي على كل مسلم، وإنه يخرج من خَلّة [¬٢] بين الشَّام والعراق فيعيث [¬٣] يمينًا ويعيث شمالًا، ألا [¬٤] يا عباد الله، أيها الناس: فاثبتوا، وإني سأصفه لكم صفة لم يصفها إياه نبي قبلي: إنَّه يبدأ فيقول: أنا نبي. فلا نبي من [¬٥] بعدي، ثم يثني فيقول: أنا ربكم. ولا ترون ربكم حتَّى تموتوا، وأنَّه أعور، وإن ربكم ﷿ ليس بأعور، وأنَّه مكتوب بين عينيه: كافر؛ يقرؤه كل مؤمن كاتب أو [¬٦] غير كاتب، وإن من فتنته أن معه جنة ونارًا. فناره جنة، وجنته نار؛ فمن ابتلي بناره فليستغث بالله، وليقرأ فواتح الكهف؛ فتكون عليه بردًا وسلامًا، كما كانت النار على إبراهيم. وإن من فتنته أن يقول لأعرابي: أرأيت إن بعثت لك أباك وأمك، أتشهد أني ربك؟ فيقول: نعم، فيتمثل له شيطانان في صورة أبيه وأمه، فيقولان: يا بني، اتبعه فإنَّه ربك، وإن من فتنته أن يسلط على نفس واحدة فيقتلها وينشرها بالميشار [¬٧] [¬٨] حتَّى يلقى شقين، ثم يقول: انظروا [¬٩] إلى عبدي هذا فإنّي أبعثه الآن، ثم يزعم أن له ربِّا غيري، فيبعثه الله، فيقول له الخبيث: من ربك؟ فيقول: ربي الله، وأنت عدوّ الله [أنت] [¬١٠] الدجال، والله ما كنت بعد أشد بصيرة\n_________\n= والآجرى في الشريعة (٩٣٧) من طريق ضمرة عن السيبانى عن عمرو بن عبد الله عن أبي أمامة بالحديث مختصرًا عند جميعهم لكن عند ابن أبي عاصم جزء كبير منه والحديث ضعف إسناده الألبانى في \"ضعيف سنن ابن ماجة\" (٨٨٤) وفى \"ظلال الجنَّة\" (٣٩١) وقال في الأخير: إسناده ضعيف، رجاله كلهم ثقات غير عمرو بن عبد الله الحضرمي لم يوثقه غير ابن حبان … ولى رسالة في تخريج هذا الحديث وتحقيق الكلام على فقراته التى وجدت لأكثرها شواهد تقويها.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- أي: طريق بين الشَّام والعراق.\n[¬٣]- عاث يعيث: أفسد.\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- سقط من: ز.\n[¬٦]- في ز: \"و\".\n[¬٧]- في خ: \"بالمنشار\".\n[¬٨]- الميشار: المنشار. وفيه لغة ثالثة: مئشار.\n[¬٩]- في خ: \"انظر\".\n[¬١٠]- ما بين المعكوفتين سقط من خ.","vol":"4","page":353},{"text":"بك مني اليوم\"، قال أبو الحسن الطنافسى، فحدثنا [¬١] المحاربي، حدّثنا عبيد [¬٢] الله بن الوليد الوصَّافي، عن عطية، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ: \"ذلك الرجل أرفع امتي درجة في الجنَّة\". قال: قال أبو سعيد: والله ما كُنَّا نرى ذلك الرجل إلَّا عمر بن الخطاب، حتَّى مضى لسبيله.\nثم [¬٣] قال المحاربي: ثم رجعنا إلى حديث أبي رافع قال: \"وإن من فتنته أن يأمر السماء أن تمطر فتمطر، ويأمر الأرض أن تنبت فتنبت. وإن من فتنته أن يمر بالحي [فيكذبونه، فلا تبقى لهم سائمة [¬٤] إلَّا هلكت. وإن من فتنته أن يمر بالحي] [¬٥] فيصدقونه، فيأمر السماء أن تمطر فتمطر، ويأمر الأرض أن تنبت فتنبت، حتَّى تروح [¬٦] مواشيهم من يومهم ذلك [¬٧] أسمن ما كانت وأعظمه وأمدّه خواصر وأدرَّه ضروعًا، وإنه لا يبقي شيء من الأرض إلَّا وطئه وظهر عليه إلَّا مكّة والمدينة؛ فإنَّه لا يأتيهما [¬٨] من نقب [¬٩] من نقابهما [¬١٠] إلَّا لقيته الملائكة بالسيوف صَلتةً [¬١١]، حتَّى ينزل عند الظريب [¬١٢] [¬١٣] الأحمر، عند منقطع السبخة [¬١٤] فترجف المدينة بأهلها ثلاث رجفات، فلا يبقي منافق ولا منافقة إلَّا خرج إليه، فَيُنْفَي [¬١٥] الخبث منها كما ينفي [¬١٦] الكِيرُ خَبَثَ الحديد، ويدعى ذلك اليوم يوم الخلاص\". فقالت أم شريك بنت أبي العكر: يا رسول الله، فأين العرب يومئذٍ؟ قال: \"هم قليل، وجُلُّهم يومئذ [¬١٧] ببيت المقدس، وإمامهم [رجل صالح، فبينما إمامهم] [¬١٨] قد تقدم يصلِّي بهم الصبح، إذ نزل عليهم [¬١٩] عيسى [ابن مريم] [¬٢٠]﵇ الصبح، فرجع ذلك الإِمام [ينكص] [¬٢١]، يمشي القهقرى؛ ليتقدم عيسى ﵇[يصلِّي\n_________\n[¬١]- في ز: \"محمد ثنا\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"عبد\".\n[¬٣]- سقط من: ت.\n[¬٤]- السائمة: الشَّاةِ ترعى حيث شاءت، أو التي دامت على الكلأ.\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- أي ترجع من الرعي آخر النهار.\n[¬٧]- في ز: \": ذاك\".\n[¬٨]- في ز: \"يأتيها\".\n[¬٩]- النقب: الطريق بين جبلين.\n[¬١٠]- في ز: \"نقابها\".\n[¬١١]- أصلت السيف: جرده من غمده.\n[¬١٢]- في ز، خ: \"الضريب\".\n[¬١٣]- الظريب تصغير ظَرِب، وهو الجبل الصَّغير.\n[¬١٤]- في ز: \"المسبخة\".\n[¬١٥]- في خ: \"فتنفي\".\n[¬١٦]- في خ: \"فينفي\".\n[¬١٧]- سقط من: ز.\n[¬١٨]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬١٩]- سقط من: ز.\n[¬٢٠]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٢١]- سقط من: ز، خ.","vol":"4","page":354},{"text":"بالنَّاس] [¬١]، فيضع عيسى ﵇ يده بين كتفيه ثم يقول [له] [¬٢]: تقدم فصل؛ فإنها لك أقيمت، فيصلى بهم إمامهم، فإذا انصرف، قال عيسى ﵇: افتحوا الباب، فيفتح ووراءه الدجال معه سبعون ألف يهودي كلهم ذو سيف محلًّى وساج، فإذا نظر إليه الدجال ذاب كما يذوب الملح في الماء، وينطلق هاربًا فيقول [¬٣] عيسى: إن لي فيك ضربة لن تستبقني بها، فيدركه عند باب لُد [¬٤] الشرقيِّ فيقتله، ويهزم الله اليهودَ، فلا يبقي شيء مما خلق الله تعالى يتوارى به يهودي [¬٥] إلَّا أنطق الله ذلك الشيء: لا حجر ولا شجر ولا حائط ولا دابة - إلَّا الغرقدة فإنَّها من شجرهم لا تنطق [¬٦]- إلا قال: يا عبد الله المسلم، هذا يهودي فتعال اقتله\".\nقال رسول الله ﷺ: \"وإن أيامه أربعون سنة [¬٧]، السنة كنصف السنة، والسنة كالشهر، والشهر كالجمعة، وآخر أيامه كالشررة [¬٨]، يصبح أحدكم على باب المدينة، فلا يبلغ بابها الآخر حتَّى يمسي\" فقيل له: يا نبي الله، كيف نصلي في تلك الأيَّام القصار؟ قال: \"تقدرون فيها [¬٩] الصَّلاة، كما تقدرون [¬١٠] في هذه الأيام الطوال، ثم صلوا\".\nقال رسول الله، ﷺ: \"فيكون عيسى ابن مريم في أمتي حكما عدلًا وإماما مقسطا؛ يدق الصليب، ويقتل [¬١١] الخنزير، ويضع الجزية، ويترك الصدقة فلا يسعى على شاة ولا بعير، وترتفع [¬١٢] الشحناء والتباغض، وتنزغ حمة كل ذات حمة، حتى يدخِل الوليدُ يدَه في الحية فلا تضره، [وتفر [¬١٣] الوليدة] [¬١٤] الأسدَ فلا يضرها، ويكون الذئب في الغنم كأنه كلبها، وتملأ الأرض من السلم [¬١٥] كما يملأ الإناء من الماء، وتكون الكلمة واحدة فلا يعبد إلَّا الله وتضع الحرب أوزارها، وتسلب قريشَ ملكها، وتكون الأرض كفاثور [¬١٦] الفضة تنبت نباتها كعهد آدم؛ حتى يجتمع النفر\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من خ.\n[¬٣]- في ز: \"ويقول\".\n[¬٤]- موضع بالشام، وقيل: بفلسطين.\n[¬٥]- فى ز: \"اليهود\".\n[¬٦]- فى ز: \"ينطق\".\n[¬٧]- سقط من: ز.\n[¬٨]- في ز: \"كالشزرة\".\n[¬٩]- سقط من: ت.\n[¬١٠]- في ز: \"تقدرونه\".\n[¬١١]- في ت: \"ويذبح\".\n[¬١٢]- فى ز: \"يرفع\".\n[¬١٣]- أي: تحمله على الفرار. وفعله: أَفَرَّ يُفِرُّ.\n[¬١٤]- ما بين المعكوفتين في ز: \"يفر الوليد\".\n[¬١٥]- في ز: \"المسلم\".\n[¬١٦]- الفاثور: الخوان، وقيل: هو طست أو جام من فضة أو ذهب.","vol":"4","page":355},{"text":"على القطف من العنب فيشبعهم، ويجتمع النفر على الرمانة فتشبعهم، ويكون الثور بكذا وكذا من المال، ويكون الفرس بالدريهمات\".\nقيل: يا رسول الله، وما يرخص الفرس؟ قال: \"لا تركب لحرب أبدًا\" فقيل له: فما يغلي الثور؟ قال: \"يحرث [¬١] الأرض كلها\".\n\"وإن قبل خروج الدجال [¬٢] ثلاث سنوات شداد يصيب النَّاس فيها جوع شديد، و[¬٣] يأمر الله السماء في السنة [الأولى أن تحبس ثلث مطرها، ويأمر الأرض فتحبس ثلث نباتها، ثم يأمر الله السماء في السنة الثانية فتحبس ثلثي مطرها، ويأمر الأرض فتحبس ثلثي نباتها، ثم يأمر الله ﷿ السماء في السنة] [¬٤] الثَّالثة فتحبس مطرها كله، فلا تقطر قطرة، ويأمر الأرض أن تحبس نباتها كله فلا تنبت خضراء، فلا تبقى [¬٥] ذات ظلف إلا هلكت إلا ما شاء الله\".\nفقيل: فما يعيش النَّاس في ذلك الزمان؟! قال: \"التهليل والتكبير والتسبيح والتحميد، ويجري ذلك عليهم مجرى الطَّعام\".\nقال ابن ماجة: سمعت أبا الحسن الطنافسي، يقول: سمعت عبد الرحمن المحاربي يقول [¬٦]: ينبغي أن يدفع [¬٧] هذا الحديث إلى المؤدب حتَّى يعلمه الصبيان في الكتاب.\nهذا حديث غريب جدّا من هذا الوجه، ولبعضه شواهد من أحاديث آخر؛ [من ذلك ما رواه مسلم من حديث نافع وسالم عن عبد الله بن عمر، قال: قال رسول الله: \"لتقاتلن اليهود، فلتقتلنهم حتَّى يقول الحجر: يا مسلم، هذا يهودي، فتعال فاقتله\" (^٩٣٨). وله من طربق\n_________\n(^٩٣٨) - رواه مسلم في صحيحه كتاب الفتن وأشراط الساعة باب: لا تقوم الساعة حتَّى يمر الرجل بقبر الرجل فيتمنى أن يكون مكان الميت من البلاء حديث (٧٩) (٢٩٢١) من طريق عبيد الله بن عمرو عن نافع عن ابن عمر باللفظ المذكور، ورواه البُخاريّ في \"صحيحه\" كتاب الجهاد، باب: قتال اليهود حديث (٢٩٢٥) من طريق مالكٍ عن نافع عن ابن عمر بلفظ: \"تقاتلون اليهود حتَّى يختبئ أحدهم وراء الحجر فيقول: يا عبد الله، هذا يهودي ورائى فاقتله\"، ورواه البُخاريّ في كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام حديث (٣٥٩٣)، ومسلم في الفتن أيضًا حديث (٨١) (٢٩٢١) من طريق يونس عن ابن شهاب حدثني سالم بن عبد الله أن عبد الله بن عمر أخبره، أن رسول الله ﷺ =\n_________\n[¬١]- في ز: \"تحرث\".\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- في ز: \"يبقى\".\n[¬٦]- سقط من: ز.\n[¬٧]- في خ: \"يرفع\".","vol":"4","page":356},{"text":"سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة أن رسول الله، ﷺ، قال: \"لا تقوم الساعة حتَّى يقاتل المسلمون اليهود، فيقتلهم المسلمون، حتَّى يختبئ اليهودي من وراء الحجر والشجر، فيقول الحجر والشجر: يا مسلم، يا عبد الله، هذا يهودي خلفي فتعال فاقتله - إلَّا الغرقد فإنَّه من شجر اليهود\" (^٩٣٩)] [¬١]. ولنذكر حديث النواس بن سمعان هاهنا لشبهه [بسياق هذا] [¬٢] الحديث؛ قال مسلم بن الحجاج في صحيحه (^٩٤٠): حدّثنا أبو خيثمة زهير بن حرب، حدّثنا الوليد بن مسلم، حدثني عبد الرحمن بن يزيد بن جابر [حدثني يَحْيَى بن جابر] [¬٣] الطَّائي قاضي حمص، حدثني عبد الرحمن بن جبير، عن أبيه جبير بن نفير الحضرمي، أنَّه سمع النواس بن سمعان الكلابي (ح) [¬٤] وحدثنا [محمَّد بن] [¬٥] مهران الرَّازي، حدّثنا الوليد بن مسلم، حدّثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن يَحْيَى بن جابر الطَّائي [قاضي حمص] [¬٦]، عن عبد الرحمن ابن جبير، عن أبيه جبير بن نفير [الحضرمي أنَّه سمع النواس بن سمعان الكلابي] [¬٧] [وحدثنا محمَّد بن مهران الرَّازي حدّثنا الوليد بن مسلم، حدّثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر عن يَحْيَى بن جابر الطَّائي عن عبد الرحمن بن جُبَير، عن أبيه جبير بن نفير] [¬٨]، [عن النواس بن سمعان] [¬٩] قال: ذكر رسول الله، ﷺ، الدجال ذات غداة، فخفض فيه [¬١٠] ورفع حتَّى ظنناه في طائفة النخل، فلما رحنا إليه عرف ذلك [] [¬١١] فينا [¬١٢]؛ فقال: \"ما شأنكم؟ \" قلنا: يا\n_________\n= قال: \"تقاتلكم اليهود فتسلطون عليهم حتَّى يقول الحجر: يا مسلم! هذا يهودي ورائى فاقتله\" ورواه مسلم (٨٠) (٢٩٢١) من طريق عمر بن حمزة عن سالم عن ابن عمر نحوه.\n(^٩٣٩) - رواه مسلم فى \"صحيحه\" كتاب الفتن وأشراط الساعة، حديث (٨٢) (٢٩٢٢)، وأحمد في مسنده (٢/ ٤١٧) قالا: حدّثنا قتيبة بن سعيد قال: حدّثنا يعقوب يعني ابن عبد الرحمن، عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة بالحديث، ورواه البُخاريّ في \"صحيحه\" كتاب الجهاد، باب: قتال اليهود حديث (٢٩٢٦) من طريق عمارة بن القعقاع عن أبى زرعة عن أبى هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: \"لا تقوم الساعة حتَّى تقاتلوا اليهود حتى يقول الحجر وراء اليهودي: يا مسلم هذا يهودى ورائى فاقتله\".\n(^٩٤٠) - رواه مسلم في \"صحيحه\" كتاب الفتن، باب: ذكر الدجال وصفته وما معه حديث =\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في ت: \"بهذا\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من خ.\n[¬٤]- سقط من: خ.\n[¬٥]-[¬٦]-[¬٧]- سقط من: ز.\n[¬٨]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٩] ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬١٠]- سقط من: ز.\n[¬١١]- في خ في.\n[¬١٢]- في ت: \"وجوهنا\".","vol":"4","page":357},{"text":"رسول الله، ذكرت الدجال غداة [¬١] فخفضت فيه ورفعت حتَّى ظنناه في طائفة النخل، فقال: \"غير الدجال أخوفني عليكم؛ إن يخرج وأنا فيكم فأنا حجيجه دونكم، وإن يخرج ولست فيكم فامرؤ حجيج نفسه، والله خليفتي على كل مسلم. إنَّه شاب قطط عينه طافئة، كأني أشبهه بعبد العزى بن قطن، من أدركه [¬٢] منكم فليقرأ عليه فواتح سورة الكهف، إنَّه خارج من خلة بين الشَّام والعراق، فعاث يمينًا وعاث شمالًا، يا عباد الله، فاثبتوا\"، قلنا: يا رسول الله، وما [¬٣] لبثه في الأرض؟ قال: \"أربعون [¬٤] يومًا: يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، وسائر أيامه كأيامكم\".\nقلنا: يا رسول الله؛ [فذلك اليوم الذي كسنة، أتكفينا فيه صلاة يوم؟ قال: \"لا. اقدروا له قدره\"، قلنا: يا رسول الله] [¬٥]، وما إسراعه في الأرض؟ قال: \"كالغيث استدبرته الريح، فيأتي على قوم فيدعوهم [فيؤمنون به، ويستجيبون له، فيأمر السماء فتمطر، والأرض فتنبت، فتروح عليهم سارحتهم [¬٦] أطول ما كانت ذرى [¬٧]، وأسبغه [¬٨] [¬٩] ضروعا وأمده خواصر [¬١٠]، ثم يأتي القوم فيدعوهم] [¬١١] فيردون عليه قوله، فينصرف عنهم، فيصبحون ممحلين [¬١٢] ليس بأيديهم شيء من أموالهم، ويمرّ بالخربة فيقول لها: أخرجي كنوزك؛ فتتبعه [بكنوزها كيعاسيب] [¬١٣] النحل، لم يدعو\n_________\n= (١١٠) (٢١٣٧)، ورواه أحمد (٤/ ١٨١)، وأبو داود مختصرًا في كتاب الملاحم - باب خروج الدجال حديث (٤٣٢١) من طريق الوليد بن مسلم عن عبد الرحمن بن يزيد به. ورواه مسلم في (١١١) (٢١٣٧)، والترمذي في الفتن، باب: ما جاء في فتنة الدجال حديث (٢٢٤٠)، والنَّسائيُّ في عمل اليوم والليلة (٩٤٧) وفى \"الكبرى\" في كتاب فضائل القرآن، باب الكهف حديث (٨٠٢٤) مختصرًا من طريق عليّ بن حجر قال: حدّثنا الوليد بن مسلم وعبد الله بن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر (دخل حديث أحدهما في حديث الآخر) عن عبد الرحمن بن يزيد به. ورواه ابن ماجة في الفتن، باب: فتنة الدجال وخروج عيسى ابن مريم وخروج يأجوج ومأجوج حديث (٤٠٧٥) من طريق يَحْيَى بن حمزة ثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر به.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- في ز: \"أدرك\".\n[¬٣]- في خ: \"فما\".\n[¬٤]- في ز: \"أربعين\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- السارحة: الماشية التي تسرح، أي: تذهب أول النهار إلى المرعى.\n[¬٧]- الذرى: الأعالي.\n[¬٨]- في ز: \"أشبعه\".\n[¬٩]- أي: أطوله لكثرة اللبن.\n[¬١٠]- وذلك لكثرة امتلائها من الشبع.\n[¬١١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬١٢]- أمحل القوم: أجدبوا، واحتبس عنهم المطر.\n[¬١٣]- في ز: \"كيعاسب كنوزها\".","vol":"4","page":358},{"text":"رجلًا ممتلئًا شبابًا، فيضربه بالسيف، فيقطعه جَزلتين [¬١] رمية الغرض [¬٢]، ثم يدعوه فيقبل ويتهلل وجهه يضحك [¬٣]. فبينما هو كذلك إذ بعث الله المسيح ابن مريم، ﵇، فينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق بين مهرودتين [¬٤] واضعًا كفيه على أجنحة ملكين، إذا طأطأ رأسه قطر، وإذا رفعه تحدر منه جمان كاللؤلؤ [¬٥]، ولا يحل لكافر يجد ريح نَفَسِهِ إلَّا مات ونَفَسُهُ ينتهي حيث ينتهي طَرفُهُ، فيطلبه حتَّى يدركه بباب لدٍّ فيقتله.\nلم يأتي عيسى، ﵇، قومًا قد عصمهم الله منه، فيمسح عن وجوههم، ويحدثهم بدرجاتهم في الجنَّة، فبينما هو كذلك، إذ أوحى الله، ﷿، إلى عيسى: إني قد أخرجت عبادًا لي، لا يدان لأحد بقتالهم، فحرز عبادي إلى الطور، ويبعث الله يأجوج ومأجوج، وهم من كل حدب ينسلون، فيمر أولهم على بحيرة طبرية [¬٦] فيشربون ما فيها، ويمر آخرهم فيقولون: لقد كان بهذه مرَّة ماء، ويُحْصَر [¬٧] نبي الله عيسى وأصحابه؛ حتَّى يكون رأس الثور لأحدهم خير من مائة دينار لأحدكم اليوم، فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه فيرسل الله عليهم النَّغفَ [¬٨] في رقابهم، فيصبحون فرسى [¬٩] كموت نفس واحدة.\nثم يهبط نبي الله عيسى وأصحابه إليَّ الأرض، فلا يجدون في الأرض موضع شبر إلَّا ملأه زهمهم [¬١٠] ونتنهم، فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه إلى الله، فيرسل الله طيرًا كأعناق البخت؛ فتحملهم فتطرحهم حيث شاء الله، ثم يرسل الله مطرًا لا يَكُنُّ [¬١١] [¬١٢] منه بيت [¬١٣] مدر ولا وبر، فيغسل الأرض حتَّى يتركها كالزلفة [¬١٤] [¬١٥]، ثم يقال للأرض: أخرجي ثمرك وردى بركتك، فيومئذ تأكل [¬١٦] العصابة من الرمانة، ويستظلون بقِحْفِها [¬١٧]، ويبارك الله في الرسل حتَّى إن اللقحة من الإِبل لتكفي الفئام من الناس، [واللقحة من الغنم [¬١٨] لتكفي الفخذ من الناس [¬١٩] فبينما هم كذلك، إذ بعث الله\n_________\n[¬١]- أي: قطعتين.\n[¬٢]- أي يجعل بين الجزلتين مقدار رميته.\n[¬٣]- في ز: \"ويضحك\".\n[¬٤]- المهرودة: ثوب مصبوغ بورس ثم بزعفران.\n[¬٥]- في ز: \"اللؤلؤ\".\n[¬٦]- في ز: \"الطبرية\".\n[¬٧]- في ز: \"يحضر\".\n[¬٨]- النغف: دود يكون في أنوف الإبل والغنم.\n[¬٩]- فرسى؛ أي: قتلى، والواحد فريس.\n[¬١٠]- زهمهم: دسمهم ورائحتهم الكريهة.\n[¬١١]- في ز: \"يمكن\".\n[¬١٢]- أي لا يمنع من نزول الماء بيت.\n[¬١٣]- في: \"نبت\".\n[¬١٤]- في ز: \"كالزلقة\".\n[¬١٥]- قيل: معناه كالمرآة في صفائها، وقيل: كالإجانة، وقيل: كالصحفة.\n[¬١٦]- في ز: \"يأكل\".\n[¬١٧]- هو مقعر قشرها.\n[¬١٨]- في ت: \"الفم\". والمثبت من صحيح مسلم.\n[¬١٩]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"4","page":359},{"text":"ريحًا طيبة فتأخذهم تحت آباطهم، فتقبض [¬١] روح كل مؤمن وكل مسلم، ويبقى شرار النَّاس يتهارجون [¬٢] فيها تهارج الحمر، فعليهم تقوم الساعة\".\nورواه الإمام أحمد وأهل السنن من حديث عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، به. وسنذكره أيضًا من طريق أحمد عند قوله تعالى، في سورة الأنبياء: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾.\n(حديث [¬٣] آخر) قال مسلم في صحيحه أيضًا (^٩٤١): حدّثنا عبيد [¬٤] الله بن معاذ بن معاذ العنبري، حدّثنا أبي، حدّثنا شعبة، عن النُّعمان بن سالم قال: سمعت يعقوب بن عاصم ابن عروة بن مسعود الثَّقفيُّ يقول: سمعت عبد الله بن عمرو، وجاءه رجل فقال: ما هذا الحديث الذي تحدث به؛ تقول: إن الساعة تقوم إليَّ كذا وكذا؟!. فقال: سبحان الله - أو لا إله إلَّا الله، أو كلمة نحوها - لقد هممت أن لا أحدث أحدًا شيئًا أبدًا، إنما قلت: إنكم [¬٥] سترون بعد قليل أمرًا عظيمًا: يحرق البيت ويكون ويكون، ثم قال: قال رسول الله، ﷺ: \"يخرج الدجال في أمتي فيمكث أربعين - لا أدري أربعين يومًا أو أربعين شهرًا أو أربعين عامًا - فيبعث الله تعالى عيسى ابن مريم كأنه عروة بن مسعود، فيطلبه فيهلكه، ثم يمكث النَّاس سبع سنين ليس بين اثنين عداوة، ثم يرسل الله ريحًا باردة من قبل الشَّام؛ فلا يبقي على وجه الأرض [أحد في قلبه] [¬٦] مثقال ذرة من خير أو [¬٧] إيمان إلَّا [¬٨] قبضته، حتَّى لو أن أحدكم دخل في [¬٩] كبد جبل لدخلته عليه حتى تقبضه\". قال: سمعتها من رسول الله، ﷺ، قال: \"فيبقي شرار النَّاس في خفة الطير وأحلام السباع؛ لا يعرفون معروفًا، ولا ينكرون منكرًا، فيتمثل لهم الشَّيطان فيقول: ألا تستجيبون؟ فيقولون: فما [¬١٠] تأمرنا؟ فيأمرهم بعبادة الأوثان،\n_________\n(^٩٤١) - رواه مسلم في \"صحيحه\" كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب: في خروج الدجال ومكثه في الأرض حديث (١١٦) (٢٩٤٠)، ورواه في (١١٧) (٢٩٤٠)، والنَّسائيُّ في \"الكبرى\" كتاب التفسير - باب سورة المزمل حديث (١١٦٢٩) وفى تفسيره رقم (٦٤٩) قالا: حدّثنا محمَّد بن بشار حدثنا محمَّد بن جعفر حدّثنا شعبة عن النعمان بن سالم به.\n_________\n[¬١]- في ز: \"فيقبض\".\n[¬٢]- أي: يجامع الرجال النساء بحضرة النَّاس؛ كما يفعل الحمير، ولا يكترثون بذلك.\n[¬٣]- في خ: \"وقال\".\n[¬٤]- في ز: \"عبد\".\n[¬٥]- في ز: \"لكم\".\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٧]- في ز: \"و\".\n[¬٨]- في ز: \"حتَّى\".\n[¬٩]- سقط من: ز.\n[¬١٠]- في ز: \"مما\".","vol":"4","page":360},{"text":"وهم في ذلك دار رزقهم، حسن عيشهم، ثم ينفخ [¬١] في الصور. فلا يسمعه أحد إلَّا أصغى لِيتًا، ورفع لِيتًا، قال: وأول من يسمعه رجل يلوط حوض إبله، قال: فيصعق، ويصعق الناس، ثم يرسل الله [¬٢] أو قال: ينزل الله مطرًا كأنه الطل أو قال: الظل [¬٣]- نعمان الشاك - فتنبت منه أجساد الناس، ثم ينفخ [¬٤] فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون، ثم يقال: يا أيها الناس، هلموا إلى ربكم ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾، قال [¬٥]: ثم يقال: أخرجوا بعث النار، فيقال [¬٦]: من كم؟ فيقال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين [¬٧]. قال: فذلك يوم يجعل الولدان شيبًا، وذلك يوم يكشف عن ساق\". ثم رواه مسلم والنَّسائي في تفسيره جميعًا عن محمد بن بشار، عن غندر، عن شعبة، عن النعمان [¬٨] بن سالم، به.\n(حديث [¬٩] آخر) قال الإِمام أحمد (^٩٤٢): حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزُّهْريّ، عن عبد الله ابن عبيد الله بن ثعلبة الأنصاري، عن عبد الله بن زيد الأنصاري، عن مجمع بن جاردة [¬١٠] قال: سمعت رسول الله، ﷺ، يقول: \"يقتل ابنُ مريم المسيح الدجالَ بباب لُدٍّ أو إلى جانب لد\".\nورواه أحمد أيضًا عن سفيان بن عيينة، [ومن] [¬١١] حديث اللَّيث والأوزاعي، ثلاثتهم عن الزهرى، عن عبد الله بن عبيد الله بن ثعلبة، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن عمه مجمع بن جارية [¬١٢]، عن رسول الله، ﷺ، قال: \"يقتل ابن مريم الدجال بباب لد\".\n_________\n(^٩٤٢) - المسند (٣/ ٤٢٠)، (٤/ ٢٢٦، ٣٩٠) وهو عند عبد الرزاق فى مصنفه (١١/ ٣٩٨) (٢٠٨٣٥) ومن طريقه الطبرانى فى الكبير (١٩/ ٤٤٣) (١٠٧٦)، ورواه أحمد فى (٣/ ٤٢٠) قال: حدَّثنا سفيان ابن عيينة ثنا الزهرى … فذكر الحديث، ورواه الحميدى (٨٢٨) والطبرانى فى الكبير (١٩/ ١٠٧٦) عن سفيان، وأحمد فى (٣/ ٤٢٠) عن اللَّيث والأوزاعى، والترمذى فى \"سننه\" كتاب الفتن، باب: ما جاء فى قتل عيسى ابن مريم الدجال حديث (٢٢٤٤) والطبرانى فى الكبير (١٩/ رقم ١٠٧٥)، وابن حبان (٦٨١١) عن اللَّيث ثلاثتهم عن ابن شهاب الزهرى قال: أخبرنى عبيد الله بن عبد الله بن ثعلبة =\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- في ز، خ: \"الضال\".\n[¬٤]- في خ: \"نفخ\".\n[¬٥]- سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- في خ: \"فيقول\".\n[¬٧]- في خ: \"تسعون\".\n[¬٨]- في خ: \"نعمان\".\n[¬٩]- في خ: \"وقال\".\n[¬١٠]- في ز: \"حارثة\".\n[¬١١]- في خ: \"من\".\n[¬١٢]- في ز. \"حارثة\".","vol":"4","page":361},{"text":"وكذا رواه التِّرمِذي عن قتيبة، عن اللَّيث، به. وقال: هذا حديث صحيح. قال: وفي الباب عن عمران بن حصين، ونافع بن عتبة [¬١] وأبي برزة وحذيفة بن أسيد، وأبي هريرة، وكيسان، وعثمان بن أبي العاص، وجابر، وأبي أمامة، وابن مسعود، وعبد الله بن عمرو، وسمرة بن جندب، والنواس بن سمعان، وعمرو [¬٢] بن عوف، وحذيفة بن اليمان، ﵃.\nومراده برواية هؤلاء، ما فيه ذكر الدجال، وقتل عيسى ابن مريم، ﵇، له، فأما أحاديث ذكر الدجال فقط فكثيرة جدًّا، وهي أكثر من أن تحصى [¬٣] لانتشارها وكثرة رواتها فى الصحاح والحسان والمسانيد وغير ذلك.\n(حديث آخر) قال الإِمام أحمد (^٩٤٣): حدَّثنا سفيان، عن فرات، عن أبي الطفيل، عن حذيفة ابن أسيد الغفاري، قَال: أشرف علينا رسول الله، ﷺ، من غرفة [¬٤]، ونحن نتذاكر الساعة، فقال: \"لا تقوم الساعة حتَّى تروا [¬٥] عشر آيات: طلوع الشمس من مغربها، والدخان، والدابة، وخررج يأجوج ومأجوج، ونزول عيسى ابن مريم، والدجال، وثلاثة خسوف: خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، ونار تخرج من قعر عدن، تسوق - أو تحشر - الناس تبيت معهم حيث باتوا، وتقيل معهم حيث قالوا\".\nوهكذا رواه مسلم وأهل السنن من حديث فرات [¬٦] القزاز، به، ورواه مسلم أيضًا من رواية\n_________\n= أنَّه سمع عبد الرحمن بن يزيد بن جارية … فذكره، وكذلك رواه الطبرانى (١٩/ ١٠٧٩) عن زمعة وفى (١٩/ ١٠٨٠) عن عبد الرحمن بن إسحاق، وفى (١٩/ ١٠٨١) عن عقيل بن خالد كلهم عن ابن شهاب به. وقد ترجم ابن حجر فى \"التقريب\" لعبيد الله بن عبد الله بن ثعلبة فقال: ابن ثعلبة الأنصارى المدنى، وقيل عبد الله بن عبيد الله، شيخ الزهرى لا يعرف، واختلف عليه فى إسناد حديثه والحديث صححه الألبانى فى \"صحيح سنن الترمذى\" (١٨٢٩).\n(^٩٤٣) - المسند (٤/ ٦) ورواه الحميدى (٨٢٧) ومسلم فى \"صحيحه\" كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب فى الآيات التى تكون قبل الساعة حديث (٣٩) (٢٩٠١) من طرق عن سفيان بن عيينة عن فرات به. ورواه أحمد (٤/ ٧)، ومسلم (٤٠، ٤١) (٢٩٠١)، والترمذى فى الفتن، باب ما جاء فى =\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"عيينة\".\n[¬٢]- في ز: \"عمر\".\n[¬٣]- في ز: \"تحصر\".\n[¬٤]- في خ: \"عرفة\".\n[¬٥]- في ز: \"ترد\".\n[¬٦]- سقط من: ز.","vol":"4","page":362},{"text":"عبد العزيز بن رفيع، عن أبي الطفيل، عن أبي سريحة [] [¬١] حذيفة بن أسيد الغفاري موقوفًا، فالله [¬٢] أعلم.\nفهذه أحاديث متواترة عن رسول الله، ﷺ، من رواية أبي هريرة، وابن مسعود، وعثمان بن أبي العاص، وأبي أمامة، والنواس بن سمعان، وعبد الله بن عمرو بن العاص، ومجمع بن جارية [¬٣]، وأبي سريحة [] [¬٤] حذيفة بن أسيد، ﵃.\nوفيها دلالة على صفة نزوله ومكانه من أنَّه بالشام، بل بدمشق عند المنارة الشرقية، وأن ذلك يكون عند إقامة صلاة الصبح [¬٥]، وقد بنيت في هذه الأعصار، في سنة إحدى وأربعين وسبعمائة، منارة للجامع الأموي بيضاء من حجارة منحوتة عوضًا عن المنارة التي هدمت بسبب الحريق المنسوب إلى صنيع النصارى - عليهم لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة - وكان أكثر عمارتها من أموالهم، وقويت الظنون أنَّها هي التي ينزل عليها المسيح [¬٦] عيسى ابن مريم، ﵇، فيقتل الخنزير، ويكسر الصليب، ويضع الجِزيَةَ، فلا يقبل إلَّا الإِسلام، كما تقدم في الصحيحين، وهذا إخبار من النبيّ ﷺ بذلك، وتقرير وتشريع وتسويغ له على ذلك في ذلك الزمان، حيث تنزاح عللهم، وترتفع شبههم من أنفسهم، ولهذا كلهم يدخلون في دفى الإسلام، متابعة لعيسى، ﵇، وعلى يديه، ولهذا قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾.\n_________\n= الخسف حديث (٢١٨٣) من طرق عن شعبة عن فرات به. ورواه أَبو داود فى الملاحم، باب: أمارات الساعة، حديث (٤٣١١)، والترمذى (٢١٨٣)، والنسائى فى الكبرى كتاب التفسير، باب: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ﴾ حديث (١١٣٨٠) من طريق أبي الأحوص عن فرات. ورواه أحمد (٤/ ٧)، والترمذى (٢١٨٣) وابن ماجة فى الفتن، باب: أشراط الساعة حديث (٤٠٤١)، وفى باب الآيات حديث (٤٠٥٥) من طريق سفيان الثورى عن فرات، ورواه أَبو داود الطيالسي (١٠٦٧) ومن طريقه الترمذى (٢١٨٣) عن المسعودي عن فرات به. ورواه النسائي فى الكبرى فى التفسير، باب: يوم تأتى السماء بدخان مبين حديث (١١٤٨٢) عن عبد الرحمن قال حدَّثنا فرات … فذكر الحديث.\n_________\n[¬١]- في خ: و. وهو خطأ؛ لأن أبا سريحة هو نفسه حذيفة بن أسيد.\n[¬٢]- في خ: \"والله \".\n[¬٣]- في ز: \"حارثة\"\n[¬٤]- في خ: و.\n[¬٥]- في ز: \"للصبح\".\n[¬٦]- سقط من: ز.","vol":"4","page":363},{"text":"وهذه الآية كقوله تعالى ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ وقرئ \"لَعَلَمٌ\" [¬١] بالتحريك أي: أمارة [¬٢] ودليل على اقتراب الساعة، وذلك لأنه ينزل بعد خروج المسيح الدجال فيقتله الله على يديه، كما ثبت في الصحيحين [¬٣]: \"إن الله لم يخلق داء إلَّا أنزل له شفاء\" (^٩٤٤). ويبعث الله في أيامه يأجوج ومأجوج، فيهلكهم الله تعالى ببركة دعائه، وقد قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ (٩٦) وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾ الآية.\n\n<span data-type='title' id=toc-94>(صفة عيسى ﵇</span>\nقد تقدم في حديث عبد الرحمن بن آدم، عن أبي هريرة: \"فإذا رأيتموه فاعرفوه: رجل مربوع إلى الحمرة والبياض، عليه ثوبان ممصران، كأن رأسه يقطر، وإن لم يصبه بلل\" (^٩٤٥). وفي حديث النواس بن سمعان: \"فينزل عد المنارة البيضاء، شرقي دمشق، بين مهرودتين، واضعًا كفيه على أجنحة ملكين، إذا طأطأ رأسه قطر، وإذا رفعه [¬٤] تحدر منه مثل جمان اللؤلؤ، ولا يحل لكافر أن [¬٥] يجد ريح نفسه إلَّا مات، ونفسه ينتهي حيث ينتهي طرفه\" (^٩٤٦).\nوروى البخاري ومسلم من طريق الزُّهْريّ، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله، ﷺ. \"ليلة أسري بي لقيت [¬٦] [موسى\"، قال: فنعته \"فإذا رجل - قال: حسبته قال - مضطرب، رجل الرأس، كأنه من رجال شنوءة\". قال: \"و] [¬٧] لقيت [¬٨] عيسى\" فنعته النبي، ﷺ، فقال: \"ربعة أحمر كأنما\n_________\n(^٩٤٤) - رواه البخارى فى \"صحيحه\" كتاب الطب، باب: ما أنزل الله داء إلَّا أنزل له شفاء، حديث (٥٦٧٨) من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبيّ - صلى الله عليه وصلم - قال: ما أنزل الله داء إلَّا أنزل له شفاء. ورواه النسائى فى الكبرى كتاب الطب، باب: الأمر بالدواء حديث (٧٥٥٥)، وابن ماجة فى الطب، باب: ما أنزل الله داء إلَّا أنزل له شفاء (٣٤٣٩) من حديث عطاء بن أبي رباح عن أبي هريرة.\n(^٩٤٥) - تقدم تخريجه قرييًا.\n(^٩٤٦) - تقدم تخريجه قريبًا.\n_________\n[¬١]- في ز: \"عَلَم\".\n[¬٢]- في خ: \"إشارة\".\n[¬٣]- في ز: \"الصحيح\".\n[¬٤]- في ز: \"رفع\".\n[¬٥]- سقط من: ز.\n[¬٦]- سقط من: ز.\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٨]- سقط من: خ.","vol":"4","page":364},{"text":"خرج من ديماس\" يعني الحمام، \"ورأيت إبراهيم، وأنا أشبه ولده ولده به\" (^٩٤٧) الحديث.\nوروى البخاري (^٩٤٨) من حديث مجاهد، عن ابن عمر قال: قال رسول الله، ﷺ: \"رأيت موسى وعيسى وإبراهيم: فأما عيسى فأحمر جعد عريض الصدر، وأما موسى فآدم جسيم سبط، كأنه من رجال الزط\". وله ولمسلم من طريق موسى بن عقبة، عن نافع، قال [¬١] [قال عبد الله] [¬٢] ابن عمي: ذكر النبي، ﷺ، يومًا بين ظهراني الناس المسيح الدجال، فقال: \"إن الله ليس بأعور، ألا إن المسيح الدجال أعور العين اليمنى، كأن عينه عنبة طافية\" (^٩٤٩).\n[ولمسلم عنه مرفوعًا] [¬٣]: \"وأراني الله عند الكعبة في المنام، فإذا [¬٤] رجل آدم كأحسن ما ترى من أدم الرجال، تضرب لمته بين منكبيه، رجل الشعر، يقطر رأسه ماءً، واضعًا يديه على منكبى رجلين، وهو يطوف بالبيت، فقلت: من هذا؟ قالوا: المسيح ابن مريم، ثم رأيت رجلا وراءه جعدًا قططًا أعور العين [¬٥] اليمنى، كأشبه من رأيت بابن قطن، واضعًا\n_________\n(^٩٤٧) - يأتى تخرجه فى أول تفسر سورة الإسراء.\n(^٩٤٨) - رواه البخارى فى صحيحه كتاب أحاديث الأنبياء، عن محمد بن كثير عن إسرائيل عن عثمان بن المغيرة عن مجاهد عن ابن عمر كذا فى تحفة الأشراف للحافظ أبي الحجاج المزى (٥/ حديث ٦٤١٣) وكذا وقع فى نسخة صحيح البخارى (٤/ ٢٠٢) طبعة الشعب المصورة عن الطبعة السلطانية فى تسعة أجزاء لكن وقع فى طبعة فؤاد عبد الباقى الحديث (٣٤٣٨) (ابن عبَّاس) مكان (ابن عمر) وهو خطأ فاحش.\nقال ابن حجر فى فتح البارى (٦/ ٤٨٤): (عن ابن عمر) كذا وقع فى جميع الروايات التى وقعت لنا من نسخ البخارى، وقد تعقبه أَبو ذرٍّ فى روايته فقال: كذا وقع فى جميع الروايات المسموعة عن الفربرى \"مجاهد عن ابن عمر\" قال: ولا أدرى أهكذا حدث به البخارى أو غلط فيه الفربرى لأنى رأيته فى جميع الطرق عن محمد بن كثير وغيره عن مجاهد عن ابن عبَّاس ثم ساقه بإسناده إلى حنبل بن إسحاق قال حدَّثنا محمد بن كثير وقال فيه (ابن عبَّاس) - قال: وكذا رواه عثمان بن سعيد الدارمى عن محمد بن كثير قال: وتابعه نصر بن علي عن أبي أحمد الزبيرى عن إسرائيل وكذا رواه يحيى بن زكريا بن أبي زائدة عن إسرائيل انتهى .... والذى يرجح أن الحديث لابن عبَّاس لا لابن عمر ما سيأتى من إنكار ابن عمر على من قال أن عيسى أحمر وحلفه على ذلك، وفى رواية مجاهد هذه \"فأما عيسى فأحمر جعد\" فهذا يؤيد أن الحديث لمجاهد عن ابن عبَّاس لا عن ابن عمر والله أعلم انتهى كلام الحافظ من الفتح.\n(^٩٤٩) - رواه البخارى فى \"صحيحه\" كتاب أحاديث الأنبياء، قول الله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ =\n_________\n[¬١]- في خ: \"عن\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من خ.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- في ز: \"وإذا\".\n[¬٥]- في ز: \"عين\".","vol":"4","page":365},{"text":"يديه على منكبي رجل، يطوف بالبيت، فقلت: من هذا؟ قالوا: المسيح الدجال\" (^٩٥٠). تابعه عبيد الله، عن نافع.\nثم رواه البخاري (^٩٥١)، عن أحمد بن محمد المكى، عن إبراهيم بن سعد [¬١]، عن الزُّهْريّ، عن سالم، عن أبيه، قال: لا والله، ما قال النبي، ﷺ، لعيسى: أحمر، ولكن قال: \"بينما أنا نائم أطوف بالكعبة، فإذا رجل آدم سبط الشعر، يُهَادَى [¬٢] بين رجلين ينطف رأسه ماء - أو يهراق رأسه ماء - فقلت: من هذا؟، فقالوا: ابن مريم، فذهبت ألتفت فإذا رجل أحمر جسيم جعد الرأس أعور عينه اليمنى، كأن عينه عنبة طافية، قلت: من هذا؟، قالوا: الدجال، وأقرب الناس به شبهًا ابن قطن. قال الزُّهْريّ: رجل من خزاعة هلك في الجاهلية.\nهذه كلها ألفاظ البخاري، ﵀، وقد تقدم في حديث عبد الرحمن بن آدم عن أبي هريرة: أن عيسى، ﵇، يمكث في الأرض بعد نزوله أربعين سنة، ثم يُتوفى ويصلي عليه المسلمون (^٩٥٢). وفى حديث عبد الله بن عمرو عند مسلم (^٩٥٣): أنَّه يمكث سبع سنين، فيحتمل - والله أعلم - أن يكون المراد بلبثه في الأرض أربعين سنة مجموع إقامته فيها قبل رفعه\n_________\n= مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا﴾ حديث (٣٤٣٩)، ومسلم فى \"صحيحه\" كتاب الإيمان، باب ذكر المسيح ابن مريم والمسيح الدجال حديث (٢٧٤) (١٦٩) كتاب الفتن، باب: ذكر الدجال وصفته وما معه حديث (١٠٠) (١٦٩) من طريق مرسى بن عقبة عن نافع عن اين عمر وقد رواه البخارى ومسلم وغيرهما من طرق عن نافع.\n(^٩٥٠) - رواه مسلم فى \"صحيحه\" كتاب الإيمان، باب ذكر المسيح ابن مريم حديث (٢٧٤) (١٦٩) من رواية موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر به. وهو عند البخارى فى أحاديث الأنبياء حديث (٣٤٤٠) من طريق موسى بن عقبة أيضًا، ورواه مسلم فى الفتن، باب ذكر الدجال وصفته وما معه حديث (١٠٠) (١٦٩)، والترمذى فى الفتن باب: ما جاء فى صفة الدجال حديث (٢٢٤١)، وأحمد فى مسنده (٢/ ٣٧، ١٢٤) من طريق عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر، وانظر الحديث السابق.\n(^٩٥١) - رواه البخارى فى \"صحيحه\" كتاب أحاديث الأنبياء، باب: قول الله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا﴾ حديث (٣٤٤١)، ورواه أيضًا فى كتاب التعبير، باب: الطواف بالكعبة فى المنام حديث (٧٠٢٦)، وفى الفتن، باب ذكر الدجال حديث (٧١٢٨)، ومسلم فى كتاب الإيمان، باب: ذكر المسيح ابن مريم والمسيح الدجال حديث (٢٧٧) (١٧١) وأحمد (٢/ ١٢٢، ١٤٤) من طرق عن الزهرى به. دون قول ابن عمر فى أوله: \"لا والله ما قال النبيّ ﷺ لعيسى أحمر\".\n(^٩٥٢) - تقدم تخريجه برقم (٩٣٦).\n(^٩٥٣) - تقدم تخريجه برقم (٩٤٦).\n_________\n[¬١]- في ز. \"سعيد\".\n[¬٢]- في خ: \"يتهادى\".","vol":"4","page":366},{"text":"وبعد نزوله، فإنه رفع وله ثلاث وثلاثون سنة في الصحيح. وقد ورد ذلك في حديث في صفة أهل الجنَّةَ أنهم على صورة آدم وميلاد عيسى: ثلاث وثلاثين [¬١] سنة. وأما ما حكاه ابن عساكر عن بعضهُم أنَّه رفع وله مائة وخمسون سنة، فشاذ غريب بعيد. وذكر الحافظ أَبو القاسم بن عساكر في ترجمة عيسى ابن مريم من تاريخه عن بعض السلف: أنَّه يدفن مع النبي، ﷺ، في حجرته، فالله أعلم.\nوقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ قال قَتَادة: يشهد عليهم أنَّه قد بلغهم الرسالة من الله، وأقر [بالعبودية لله] [¬٢]﷿. وهذا كقوله تعالى في آخر سورة المائدة: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ﴾ إلى قوله: ﴿الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.\n﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (١٦٠) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٦١) لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا (١٦٢)﴾\nيخبر تعالى أنَّه بسبب ظلم اليهود بما ارتكبوه من الذنوب العظيمة؛ حرم عليهم طيبات كان أحلها لهم كما قال ابن أبي حاتم (^٩٥٤):\nحدَّثنا محمد بن عبد الله بن يزيد المقري، حدَّثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو قال: قرأ ابن عبَّاس: (طيبات كانت أحلت لهم).\nوهذا التحريم قد يكون قدريًّا بمعنى أنَّه تعالى [قيضهم لأنهم] [¬٣] تأولوا في كتابهم وحرفوا\n_________\n(^٩٥٤) - تفسير ابن أبي حاتم (٤/ ١١٤) (٦٢٥٨)، وذكره السيوطى فى الدر المنثور (٢/ ٤٣٤) وزاد نسبته لسعيد بن منصور وابن المنذر.\n_________\n[¬١]- في خ: \"ثلاثون\".\n[¬٢]- في خ: \"بعبودية الله\".\n[¬٣]- في ز: \"قبضهم لأن\".","vol":"4","page":367},{"text":"وبدلوا أشياء كانت حلالًا لهم، فحرموها عليه أنفسهم تشديدًا منهم على أنفسهم وتضييقًا وتنطعًا، ويحتمل أن يكون شرعيًّا بمعنى أنَّه تعالى حرم عليهم في التوراة أشياء كانت حلالًا لهم قبل ذلك كما قال تعالى: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ﴾. أوقد قدمنا الكلام على هذه الآية، وأن المراد أن الجميع من الأطعمة كانت حلالًا لهم من قبل أن تنزل التوراة] [¬١] ما عدا ما كان حرم إسرائيل على نفسه من لحوم الإِبل وألبانها، ثم إنه تعالى حرم أشياء كثيرة في التوراة كما قال في سورة الأنعام: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ أي: إنما حرمنا عليهم ذلك لأنهم يستحقون ذلك؛ بسبب بغيهم وطغيانهم ومخالفتهم رسولهم واختلافهم عليه، ولهذا قال: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ أي: صدّوا الناس وصدُّوا أنفسهم عن اتباع الحق، وهذه سجية لهم متصفون بها من قديم الدهر وحديثه، ولهذا كانوا أعداء الرسل، وقتلوا خلقًا [¬٢] من الأنبياء، وكذبوا عيسى ومحمدًا صلوات الله وسلامه عليهما.\nوقوله: ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ﴾ أي: إن الله قد نهاهم عن الرِّبَا فتناولوه وأخذوه واحتالوا عليه بأنواع من الحيل وصنوف من الشبه، وأكلوا أموال الناس بالباطل، قال الله تعالى: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾.\nثم قال تعالى؛ ﴿لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ﴾ أي: الثابتون في الدين لهم قدم راسخة في العلم النافع، وقد تقدَّم الكلام على ذلك في سورة آل عمران.\n﴿وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ عطف على الراسخين، وخبره: ﴿يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾.\nقال ابن عبَّاس: أنزلت فى عبد الله بن سلام، وثعلبة بن سعية [¬٣] [] [¬٤]، وزيد بن سعية، وأسد بن عبيد الذين دخلوا في الإِسلام، وصدّقوا بما أرسل الله به [¬٥] محمدًا، ﷺ.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في ز: \"خلفًا\".\n[¬٣]- في ز: \"شعية\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين في ت: وأسد.\n[¬٥]- سقط من: ز.","vol":"4","page":368},{"text":"وقوله: ﴿وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ﴾ هكذا هو في جميع مصاحف الأئمة وكذا هو في مصحف أبي بن كعب، وذكر ابن جرير أنها في مصحف ابن مسعود: (والمقيمون الصلاة)، قال: والصحيح قراءة الجميع، ثم ردّ على من زعم أن ذلك من غلط الكتاب [¬١]، ثم ذكر اختلاف الناس فقال بعضهم: هو منصوب على المدح كما جاء في قوله: ﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ قالوا [¬٢]: وهذا سائغ في كلام العرب، كما قال الشاعر:\nلا يَبعدنْ قومِي الَّذينَ هُمُو [¬٣] … سُمُّ [¬٤] العُدَاةِ [¬٥] وآفةُ الحزرِ\nالنَّازلين بكل مُعْتَرَكٍ … والطَّيِّبونَ مَعَاقِدَ الأزُرِ\nوقال آخرون: هو مخفوض عطفًا على قوله: ﴿بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ يعني: وبالمقيمين الصلاة، وكأنه يقول: وبإقامة الصلاة، أي: يعترفون بوجوبها وكتابتها عليهم، أو أن المراد بالمقيمين الصلاة: الملائكة، وهذا اختيار ابن جرير، يعني: يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالملائكة، وفي هذا نظر، والله أعلم.\nوقوله: ﴿وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ يحتمل أن يكون المراد زكاة الأموال، ويحتمل زكاة النفوس، ويحتمل الأمرين، والله أعلم. ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ أي: يصدّقون بأنه لا إله إلَّا الله، ويؤمنون بالبعث بعد الموت والجزاء على الأعمال خيرها وشرها.\nوقوله: ﴿أُولَئِكَ﴾ هو الخبر عما تقدَّم، ﴿سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ يعني: الجنَّةَ ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (١٦٣) وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (١٦٤) رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٦٥)﴾\n_________\n[¬١]- في ز: \"الكاتب\".\n[¬٢]- في خ: \"قال\".\n[¬٣]- في ز: \"هم\".\n[¬٤]- في ز: \"أشدُّ\"، خ: \"أسد\".\n[¬٥]- في ز: \"الغداة\".","vol":"4","page":369},{"text":"قال محمد بن إسحاق (^٩٥٥): عن محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عبَّاس قال: قال سُكين وعدي بن زيد: يا محمد؛ ما نعلم [] [¬١] [أنزل الله] [¬٢] على بشر من شيء بعد موسى، فأنزل الله في ذلك من قولهما، ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ إلى آخر الآيات.\nوقال ابن جرير (^٩٥٦): حدَّثنا الحارث، حدَّثنا عبد العزيز، حدَّثنا أَبو معشر، عن محمد بن كعب القرظي؛ قال: أنزل الله: ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ إلى قوله: ﴿وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا﴾ قال [¬٣]: فلما تلاها عليهم - يعنى: على اليهود - وأخبرهم بأعمالهم الخبيثة جحدوا كل ما أنزل الله وقالوا: ما أنزل الله على بشر من شيء ولا موسى ولا عيسى ولا على نبي من شيء، فال: فحل حبوته [¬٤] وقال [¬٥]: ولا على أحد، فأنزل الله عَزَّ رجل: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾.\nوفي هذا الذي قاله محمد بن كعب القرظي نظر، فإن هذه الآية التي [¬٦] في سورة الأنعام مكية [¬٧]، وهذه الآية التي [¬٨] في سورة النساء مدنية، رهي رد عليهم لما سألوا النبي، صلى الله عليه ومسلم، أن ينزل عليهم كتابًا من السماء، قال الله تعالى: ﴿فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ﴾ ثم ذكر فضائحهم ومعايبهم وما كانوا عليه وما هم عليه الآن من الكذب والافتراء.\nثم ذكر تعالى أنَّه أوحى إلى عبده ورسوله محمد، ﷺ، كما أوحى إلى غيره من الأنبياء المتقدِّمين فقال: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ إلى قوله: ﴿وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾. والزبور: اسم للكتاب الذي أوحاه الله إلى داود ﵇،\n_________\n(^٩٥٥) - سيرة ابن هشام (٢/ ٥٩٦) ومن طريق ابن إسحاق رواه ابن جرير فى تفسيره (٩/ ٤٠٠) (١٠٨٤٠)، وابن أبي حاتم (٤/ ١١١٨) (٦٢٧٨)، والبيهقى فى دلائل النبوة (٢/ ٥٣٥) وذكره السيوطى فى الدر المنثور (٢/ ٤٣٥) وزاد نسبته لابن المنذر.\n(^٩٥٦) - تفسير ابن جرير (٩/ ٤٠١) (١٠٨٤١).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في خ: أن.\n[¬٢]- في خ: \"الله أنزل\".\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- في ز: \"حيوته\".\n[¬٥]- في ز: \"فقال\".\n[¬٦]- في ز: \"مكية\".\n[¬٧]- سقط من: ز.\n[¬٨]- سقط من: ت.","vol":"4","page":370},{"text":"وسنذكر ترجمة كل واحد من هؤلاء الأنبياء - عليهم من الله أفضل [¬١] الصلاة والسلام عند قصصهم [في السور الآتية] [¬٢] إن شاء الله وبه الثقة وعليه التكلان.\nوقوله: ﴿وَ[¬٣] رُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾ أي: من قبل هذه الآية؛ يعني: في السور المكية وغيرها.\nوهذه تسمية الأنبياء الذين نص الله [¬٤] على أسمائهم في القرآن، وهم: آدم، وإدريس، ونوح، وهود، وصالح، وإبراهيم، ولوط، وإسماعيل، وإسحاق، ويعقوب، ويوسف، وأيوب، وشعيب، وموسى، وهارون، ويونس، وداود، وسليمان، وإلياس، واليسع، وزكريا، ويحيى، وعيسى، وكذا ذو الكفل عند كثير من المفسرين، وسيدهم محمد، ﷺ.\nوقوله: ﴿وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾ أي: خلقًا آخرين لم يُذكروا في القرآن، وقد اختلف في عدة [¬٥] الأنبياء والمرسلين، والمشهور في ذلك حديث أبي ذر الطويل، وذلك فيما رواه ابن مردويه، ﵀، في تفسيره حيث قال (^٩٥٧): حدثنا إبراهيم بن محمد، حدثنا جعفر بن محمد بن الحسن والحسين بن عبد الله بن يزيد قالا: حدثنا إبراهيم بن هشام بن يحيى الغساني، حدثني أبي، عن جدّي، عن أبى [¬٦] إدريس الخولاني، عن أبى ذر قال: قلت: يا رسول الله؛ كم الأنبياء؟ قال: \"مائة ألف وأربعة وعشرون ألفًا\"، قلت: يا رسول الله، كم الرسل منهم؟ قال: \"ثلاثمائة وثلاثة عشر جم غفير\"، قلت: يا رسول الله، من كان أوّلهم؟ قال: \"آدم\"، قلت: يا رسول الله، نبي مرسل؟ قال: \"نعم، خلقه الله بيده و[¬٧] نفخ فيه من روحه ثم سواه قبلا\"، ثم قال: \"يا أبا ذر؛ أربعة سريانيون [¬٨]: آدم وشيث [¬٩] ونوح وخنوخ، وهو إدريس، وهو أوّل من خط بقلم [¬١٠]، وأربعة من العرب: هود وصالح وشعيب ونبيك يا أبا ذر، وأوّل نبى من\n_________\n(^٩٥٧) - رواه ابن حبان فى \"صحيحه\" (٢/ رقم ٣٦١ - إحسان) وأبو نعيم فى حلية الأولياء (١/ ١٦٦ - ١٦٨) والآجرى كما سينقله عنه المصنف برقم (٥٥) من طرق عن إبراهيم بن هشام بن يحيى الغسانى به مطولًا. وإسناده ضعيف جدًّا؛ إبراهيم بن هشام بن يحيى الغسانى كذبه أبو حاتم وأبو زرعة وترجم له الذهبى فى \"الميزان\" وقد أورده ابن حبان فى \"الثقات\" (٨/ ٧٩) وصحح حديثه فلم يصب. وانظر الحديث رقم (٩٦٨).\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- في ت: \"من سورة الأنبياء\".\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- سقط من: ز.\n[¬٥]- في ت: \"عدد\".\n[¬٦]- في خ: \"ابن\".\n[¬٧]- فى خ: \"ثم\".\n[¬٨]- في ز: \"شرياميون\".\n[¬٩]- في ز: \"شيت\".\n[¬١٠]- في خ: \"بالقلم\".","vol":"4","page":371},{"text":"بني إسرائيل موسى وآخرهم عيسى، وأوّل النبيين آدم وآخرهم نبيك\".\nوقد روى هذا الحديث بطوله الحافظ أبو حاتم بن حبان [¬١] البستي [¬٢] فى كتابه الأنواع والتقاسيم، وقد وسمه بالصحة، وخالفه أبو الفرج بن الجوزي فذكر هذا الحديث فى كتابه \"الموضوعات\" واتهم به إبراهيم بن هشام هذا، ولا شك أنه قد تكلم فيه غير واحد من أئمة الجرح والتعديل من أجل هذا الحديث، فالله [¬٣] أعلم.\nوقد روي هذا الحديث [¬٤] من وجه آخر، عن صحابي آخر، فقال ابن أبي حاتم (^٩٥٨): حدثنا محمد بن عوف، حدثنا أبو المغيرة، حدثنا معان بن رفاعة، عن علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة قال: قلت: يا نبي الله، كم الأنبياء؟، قال: \"مائة ألف وأربعة وعشرون ألفًا، من ذلك ثلاثمائة وخمسة عشر جمًّا غفيرًا\".\nمعان بن رفاعة السلامي ضعيف، وعلى بن يزيد ضعيف، والقاسم أبو عبد الرحمن ضعيف أيضًا.\n[وقد] [¬٥] قال الحافظ أبو يعلى الموصلى (^٩٥٩): حدثنا أحمد بن إسحاق أبو عبد الله الجوهري البصرى، حدثنا مكي بن إبراهيم، حدثنا موسى بن عبيدة الربذي، عن يزيد الرقاشي، عن أنس قال: قال رسول الله، ﷺ: \"بعث الله ثمانية آلاف نبي: أربعة آلاف إلى\n_________\n(^٩٥٨) - تفسير ابن أبى حاتم (٤/ ١١١٨) (٦٢٨٣)، ورواه أحمد فى مسنده (٥/ ٢٦٥) قال: حدثنا أبو المغيرة، والطبرانى في الكبير (٨/ ٢٥٨، ٢٥٩) (٧٨٧١) قال: حدثنا أحمد بن عبد الوهاب ثنا أبو المغيرة فذكرا الحديث مطولًا وإسناده ضعيف من أجل على بن يزيد والقاسم ومعان بن رفاعة والحديث ذكره الهيثمى فى مجمع الزوائد (١/ ١٦٤) وقال: رواه أحمد والطبرانى فى الكبير … ومداره على علي ابن يزيد وهو ضعيف. والحديث نقل المصنف جزءًا آخر منه فى سورة الأنعام وعزاه لابن أبى حاتم ويأتى تخريجه هناك فى تفسير الآية (١١٢) وذكر الهيثمى جزء آخر منه فى المجمع (٣/ ١١٨) وقال: رواه أحمد فى حديث طويل والطبرانى فى الكبير وفيه على بن يزيد وفيه كلام. وانظر الحديث (٩٦٩).\n(^٩٥٩) - رواه أبو يعلى فى مسنده (٧/ ١٥٩، ١٦٠) (٤١٣٢) رواه أبو نعيم فى حلية الأولياء (٣/ ٥٣) من طريق إبراهيم بن زهير الحلوانى قال: حدثنا مكى بن إبراهيم به. والحديث ذكره الهيثمى فى مجمع الزوائد (٨/ ٢١٣) وقال: رواه أبو يعلى وفيه موسى بن عبيدة الربذى وهو ضعيف جدًّا. وذكره ابن حجر فى المطالب العالية (٣/ ٢٧٠) رقم (٣٤٥٥) وعزاه إلى أبى يعلى وذكره أيضًا السيوطى فى الدر المنثور (٢/ ٤٣٦) وعزاه لأبى يعلى وأبى نعيم وقال: بسند ضعيف.\n_________\n[¬١]- في ز: \"حاتم\".\n[¬٢]- في ز: \"الليتي\"، خ: \"الليثى\".\n[¬٣]- في خ: \"والله\".\n[¬٤]- سقط من: ز.\n[¬٥]- في خ: \"و\".","vol":"4","page":372},{"text":"بني إسرائيل، وأربعة آلاف إلى سائر الناس\".\nوهذا أيضًا إسناد ضعيف، فيه الربذي ضعيف، وشيخه الرقاشي أضعف منه [أيضًا] [¬١]، والله أعلم.\nوقال أبو يعلى (^٩٦٠): حدثنا أبو الربيع، حدثنا محمد بن ثابت العبدي، حدثنا معبد [¬٢] بن خالد الأنصاري، عن يزيد الرقاشي، عن أنس قال: قال رسول الله، ﷺ: \"كان فيمن خلا من إخواني من الأنبياء ثمانية آلاف نبي، ثم كان عيسى ابن مريم، ثم كنت أنا\".\nوقد رويناه عن أنس من وجه آخر، فأخبرنا الحافظ أبو عبد الله الذهبي (^٩٦١)، أخبرنا أبو الفضل بن عساكر، أنبأنا الإِمام أبو بكر القاسم بن أبي سعيد الصفار، أخبرتنا [عمة أبي] [¬٣] عائشة بنت أحمد بن منصور بن الصفار، أخبرنا الشريف أبو السنابك هبة الله بن أبي الصهباء محمد بن حيدر القرشي، حدثنا الإمام الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني، قال: أخبرنا الإمام أبو بكر أحمد بن إبراهيم الإسماعيلى، حدثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة، حدثنا أحمد بن طارق، حدثنا مسلم [¬٤] بن خالد، حدثنا زياد بن سعد، عن محمد بن المنكدر، عن صفوان بن سليم، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله، صلى الله عليه\n_________\n(^٩٦٠) - مسند أبى يعلى (٧/ ١٣١، ١٣٢) (٤٠٩٢)، ورواه الحاكم فى المستدرك (٢/ ٥٩٨) من طريق أبى الربيع الزهرانى به وإسناده ضعيف جدًّا، محمد بن ثابت العبدى قال ابن حجر فى التقريب: صدوق لين الحديث، ويزيد الرقاشى قال ابن حجر فى التقريب: زاهد ضعيف، والحديث ذكره الهيثمى فى مجمع الزوائد (٨/ ٢١٤) وقال: رواه أبو يعلى وفيه محمد بن ثابت العبدى وهو ضعيف وذكره ابن حجر فى المطالب (٣/ ٢٧٠) (٣٤٥٦) وعزاه لأبى يعلى وقد سكت عليه الحاكم لكن قال الذهبى: واهٍ.\n(^٩٦١) - رواه المصنف هنا بسنده وأعله بأحمد بن طارق لكن رواه أبو نعيم فى حلية الأولياء (٣/ ١٦٢) من طريق زكريا بن عدى ثنا مسلم بن خالد به. وإسناد أبى نعيم جيد رجاله ثقات إلا أن مسلم بن خالد كثير الوهم، ورواه الحاكم (٢/ ٥٩٧)، والطبرانى فى الأوسط (٧٧٤) من طريق إبراهيم بن المنذر الحزامى ثنا إبراهيم بن المهاجر بن مسمار عن محمد بن المنكدر وصفوان بن سليم عن يزيد الرقاشى عن أنس بن مالك ﵁ وليس فى رواية الطبرانى ذكر ابن المنكدر. والحديث ذكره الهيثمى فى مجمع الزوائد (٨/ ٢١٣) وقال: رواه الطبرانى فى الأوسط وفيه مهاجر بن مسمار وهو ضعيف. وقد ضعفه الذهبى أيضًا فى تلخيص المستدرك فقال: إبراهيم ويزيد واهيان.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من خ\".\n[¬٢]- في ز: \"محمد\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين فى ز، خ: \"أمي\".\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.","vol":"4","page":373},{"text":"وسلم: \"بعثت على أثر ثلاثة [¬١] [] [¬٢] من بني إسرائيل\". وهذا عزيز [¬٣] من هذا الوجه، وإسناده لا بأس به، رجاله كلهم معروفون إلا أحمد بن طارق هذا فإني لا أعرفه بعدالة ولا جرح، والله أعلم.\n[] [¬٤] حديث أبى ذر الغفاري الطويل في عدد الأنبياء ﵈:\nقال محمد بن الحسين الآجري (^٩٦٢): حدثنا أبو بكر جعفر بن محمد بن الفريابى [¬٥] إملاء في شهر رجب سنة سبع وتسعين ومائتين، حدثنا إبراهيم بن هشام بن يحيى الغساني، حدثنا أبي، عن جدّه، عن أبي إدريس الخولاني، عن أبي ذر قال: دخلت المسجد فإذا رسول الله، ﷺ، جالس وحده، فجلست إليه فقلت: يا رسول الله؛ إنك أمرتني بالصلاة. قال: \"الصلاة خير موضوع [¬٦]، فاستكثر أو استقل\" قال: قلت: يا رسول الله، فأي الأعمال أفضل؟ قال: \"إيمان بالله، وجهاد في سبيله\"، قلت: يا رسول الله، فأي المؤمنين أفضل؟ قال: \"أحسنهم خلقًا\"، قلت: يا رسول الله، فأي المسلمين أسلم؟ قال: \"من سلم الناس من لسانه ويده\"، قلت [¬٧]: يا رسول الله، فأي الهجرة أفضل؟\n_________\n(^٩٦٢) - رواه ابن حبان، وأبو نعيم مطولًا وقد تقدم برقم (٩٦٣) ومن قوله: (أوصيك بتقوى الله … إلى آخر الحديث. أخرجه الطبرانى فى الكبير (١٦٥١) عن أحمد بن أنس بن مالك عن إبراهيم بن هشام به، وذكره الهيثمى فى مجمع الزوائد (٤/ ٢١٩) وقال: رواه الطبرانى وفيه إبراهيم بن هشام بن يحيى الغسانى وثقه ابن حبان وضعفه أبو حاتم وأبو زرعة. وقوله: \"قل الحق وإن كان مرًّا\" رواه الطبرانى فى مكارم الأخلاق رقم (١) والقضاعى فى \"مسند الشهاب\" (٦٥١) وروى ابن ماجه فى الزهد، باب: الورع والتقوى حديث (٤٢١٨) عن الماضى بن محمد بن علي بن سليمان عن القاسم بن محمد عن أبى إدريس الخولانى عن أبى ذر مرفوعًا: لا عقل كالتدبير. ولا ورع كالكف. ولا حسب كحسن الخلق. وقال البوصيرى فى الزوائد (٣/ ٣٠٠): هذا إسناد ضعيف لضعف الماضى بن محمد الغافقى المصرى. ورواه أحمد فى مسنده من حديث أبى ذر أيضًا قال الألبانى فى \"الضعيفة\" (٤/ ٣٨٣): لم أره فى \"المسند\" ولا عزاه إليه السيوطى فى \"الجامع\".\nوالحديث رواه ابن عدى فى الكامل (٧/ ٢٦٩٩) والبيهقى فى السنن (٩/ ٤)، وأبو نعيم فى الحلية (١/ ١٦٨) من طريق يحيى بن سعيد الكوفى السعدى ثنا ابن جريج عن عطاء عن عبيد بن عمير عن أبى ذر به. وقال ابن عدى،: هذا حديث منكر من هذا الطريق عن ابن جريج عن عطاء، عن عبيد بن عمير =\n_________\n[¬١]- فى ت: \"ثمانية\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفين في خ: نبي.\n[¬٣]- في ت: \"غريب\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفين في خ: و.\n[¬٥]- في ز: \"الغيارنى\".\n[¬٦]- فى خ: \"موضع\".\n[¬٧]- في ز: \"فقلت\".","vol":"4","page":374},{"text":"قال: \"من هجر السيئات\". قلت: يا رسول الله؛ أي الصلاة أفضل؟ قال: \"طول القنوت\" قلت: يا رسول الله فأي الصيام أفضل؟ قال: \"فرض مجزئ وعند الله أضعاف كثيرة\" قلت: يا رسول الله؛ فأي الجهاد أفضل؟ قال: \"من عقر جواده وأهريق دمه\" قلت: يا رسول الله، فأي الرقاب أفضل؟ قال: \"أغلاها ثمنًا وأنفسها عند أهلها\"، قلت: يا رسول الله، فأي الصدقة أفضل؟ قال: \"جهد من مقل، وسر إلى فقير\"، قلت: يا رسول الله، فأي آية ما أنزل عليك أعظم؟ قال: \"آية الكرسي\"، ثم قال: \"يا أبا ذر، وما السموات السبع مع الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة، وفضل العرش على الكرسى كفضل الفلاة على الحلقة\"، قال: قلت: يا رسول الله، كم الأنبياء؟ قال: \"مائة ألف وأربعة وعشرون ألفًا\"، قال: قلت: يا رسول الله، كم الرسل من ذلك؟ قال: \"ثلاثمائة وثلاثة عشر جم غفير كثير طيب\". قلت: فمن كان أولهم؟ قال: \"آدم\"، قلت: أنبي مرسل؟ قال: \"نعم، خلقه الله بيده، ونفخ فيه من روحه، وسوّاه قبيلًا\".\nثم قال: \"يا أبا ذر أربعة سريانيون [¬١]: آدم وشيث [¬٢] وخنوخ - وهو إدريس، وهو أول من خط بقلم - ونوح. وأربعة من العرب: هود، وشعيب، وصالح، ونبيك يا أبا ذر؛ وأوّل أنبياء بني إسرائيل موسى وآخرهم عيسى، وأول الرسل: آدم، وآخرهم: محمد\". قال: قلت: يا رسول الله، كم كتابًا أنزله الله؟ قال: \"مائة كتاب وأربعة كتب، أنزل الله على شيث خمسين صحيفة، وعلى خنوخ ثلاثين صحيفة، وعلى إبراهيم عشر صحائف، وأنزل على موسى من قبل التوراة عشر صحائف، وأنزل التوراة والإِنجيل والزبور والفرقان\".\nقال: قلت: يا رسول الله، ما كانت صحف إبراهيم؟ قال: \"كانت كلها يا أيها الملك المسلط المبتلى المغرور، إني لم أبعثك لتجمع الدنيا بعضها على بعض، ولكني بعثتك لتردّ عني دعوة المظلوم، فإني لا أردّها ولو كانت من كافر، وكان فيها أمثال [¬٣]، وعلى العاقل أن\n_________\n= عن أبى ذر وهذا الحديث ليس له من الطرق إلَّا من رواية أبى إدريس الخولانى والقاسم بن محمد عن أبى ذر والثالث حديث ابن جريج وهذا أنكر الروايات والجزء الأول من الحديث رواه أيضًا أحمد فى مسنده (٥/ ١٧٨، ١٧٩) والبزار فى مسنده كما فى كشف الأستار (١/ ٩٣) (١٦٠) من طريق المسعودى عن أبى عمر الدمشقى عن عبيد بن الخشخاش - بمعجمات - عن أبى ذر قال الهيثمى فى مجمع الزوائد (١/ ١٦٠): فيه المسعودى وهو ثقة لكنه اختلط.\n_________\n[¬١]- فى ز: \"سرانيون\"، خ: \"اسرائيون\".\n[¬٢]- في ز: \"وشيت\".\n[¬٣]- فى ز: \"مثال\".","vol":"4","page":375},{"text":"يكون له ساعات: ساعة يناجى فيها ربه، وساعة يحاسب فيها نفسه، وساعة يفكر في صنع الله، وساعة يخلو فيها لحاجته من المطعم والمشرب، وعلى العاقل ألا يكون ضاغنًا إلا لثلاث: تزوّد لمعاد، أو مرمة لمعاشٍ، أو لذة في غير محرم، وعلى العاقل أن يكون بصيرًا بزمانه، مقبلًا على شأنه، حافظًا للسانه، ومن حسب كلامه من عمله قل كلامه إلا فيما يعنيه\".\nقال: قلت: يا رسول الله، فما كانت صحف موسى؟ قال: \"كانت عبرًا كلها: عجبت لمن أيقن بالموت ثم هو يفرح، عجبت لمن أيقن بالقدر ثم هو ينصب، وعجبت لمن يرى الدنيا وتقلبها بأهلها ثم [هو] [¬١] يطمئن إليها، وعجبت لمن أيقن بالحساب غدًا ثم هو لا يعمل\".\nقال: قلت: يا رسول الله، فهل في أيدينا شيء مما كان في أيدي إبراهيم وموسى وما أنزل الله [¬٢] عليك؟، قال: \"نعم، اقرأ يا أبا ذر ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (١٥) بَلْ تُؤْثِرُونَ [¬٣] الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (١٧) إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى (١٨) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى (١٩)﴾.\nقال: قلت [¬٤]: يا رسول الله، فأوصني، قال: \"أوصيك بتقوى الله، فإنه رأس أمرك\".\nقال: قلت: يا رسول الله، زدني، قال: \"عليك بتلاوة القرآن وذكر الله، فإنه ذكر لك في السماء ونور لك في الأرض\".\nقال: قلت: يا رسول الله، زدنى. قال: \"إياك وكثرة الضحك، فإنه يميت القلب ويذهب بنور الوجه\".\nقلت: يا رسول الله، زدني، قال: \"عليك بالجهاد، فإنه رهبانية أمتي\".\nقلت: زدني، قال: \"عليك بالصمت إلا من خير، فإنه مطردة للشيطان وعون لك على أمر دينك\".\nقلت: زدني، قال: \"انظر إلى من هو تحتك ولا تنظر إلى من هو فوقك، فإنه أجدر لك\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من خ.\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- في ز: \"يؤثرون\".\n[¬٤]- في ز: \"فقلت\".","vol":"4","page":376},{"text":"أن لا تزدري نعمة الله عليك\"، قلت: زدني، قال: \"أحبب المساكين وجالسهم، فإنه أجدر أن لا تزدري نعمة الله عليك\".\nقلت: زدني، قال: \"صِلْ قرابتك وإن قطعوك\"، قلت: زدني، قال: \"قل الحق وإن كان مرًّا\".\nقلت: زدني، قال: \"لا تخف في الله لومة لائم\".\nقلت: زدني، قال: \"يردّك عن الناس ما تعرف من نفسك، ولا [¬١] تجد عليهم فيما تحب، [وكفى بك عيبًا أن تعرف من الناس ما تجهل [¬٢] من نفسك، أو تجد عليهم فيما تحب] [¬٣].\nثم ضرب بيده صدري فقال: \"يا أبا ذر، لا عقل كالتدبير، ولا ورع كالكف، ولا حسب كحُسنِ الخلق\".\nوروى الإمام أحمد عن أبي المغيرة (^٩٦٣)، عن معان بن رفاعة عن علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة أن أبا ذر سأل النبي، ﷺ، فذكر: أمر الصلاة والصيام والصدقة، وفضل آية الكرسى ولا حول ولا قوة إلا بالله، وأفضل الشهداء، وأفضل الرقاب، ونبوة آدم وأنه مكلم، وعدد الأنبياء والمرسلين، كنحو ما تقدّم.\nوقال عبد الله بن الإمام أحمد (^٩٦٤): وجدت في كتاب أبى بِخَطِّهِ: حدثني عبد المتعالي بن\n_________\n(^٩٦٣) - رواه أحمد فى مسنده (٥/ ٢٦٥) وقد تقدم قريبًا.\n(^٩٦٤) - المسند (٣/ ٧٩) ونقله الهيثمى فى مجمع الزوائد (٧/ ٣٤٩) فقال: رواه أحمد وفيه مجالد بن سعيد وثقه النسائى فى رواية وقال فى أخرى: ليس بالقوى وضعفه جماعة.\nقلت: وفيه أيضًا عبد المتعال بن عبد الوهاب الأنصارى قال أبو زرعة العراقى فى \"ذيل الكاشف\": لا أعرف حاله لكن تعقبه ابن حجر فى تعجيل المنفعة (ت ٦٦٨) بقوله: \"قلت: قد عرفه أبو أحمد الحاكم فذكره فى \"الكنى\" فيمن يكنى أبا سعيد فقال: عبد المتعال بن عبد الوهاب الأنصارى من ولد زيد بن ثابت، سمع النضر بن شميل ثم ساق من طريق عبد الله بن أحمد بن حنبل عن عبد المتعال بن عبد الوهاب، فعلى هذا قد شارك عبد الله أباه فى الرواية عن عبد المتعال، وقرأت فى كتاب \"الرد على الجهمية\" لابن أبى حاتم: أخبرنا إبراهيم بن الحارث بن مصعب أنا أبو سعيد عبد المتعال بن عبد الوهاب سمعت أبى يقول … فذكر حكاية فكملت الرواة عنه ثلاثة .. \". =\n_________\n[¬١]- في خ: \"أو\".\n[¬٢]- في ز: \"يجهل\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.","vol":"4","page":377},{"text":"عبد الوهاب، حدثنا يحيى بن سعيد الأموي، حدثنا مجالد، عن أبي الوداك قال: قال أبو سعيد: هل تقول الخوارج بالدجال؟ قال: قلت: لا، فقال: قال رسول الله: \"إنى خاتم ألف نبي أو أكثر، وما بعث نبي يتبع إلا وقد حذر أمّته منه، وإني قد بين لى فيه ما لم يبين لأحد [¬١]، وأنه أعور وإن ربكم ليس بأعور، وعينه اليمنى عوراء جاحظة لا تخفى كأنها نخامة في حائط مجصص، وعينه اليسرى كأنها كوكب دري، معه من كل لسان، ومعه صورة الجنة خضراء يجرى فيها الماء وصورة النار سوداء تدخن\".\nوقد رويناه في الجزء الذي فيه رواية أبي يعلى الموصلي، عن يحيى بن معين، حدثنا مروان بن معاوية، حدثنا مجالد، عن أبي الوداك، عن أبى سعيد قال: قال رسول الله، ﷺ: \"إني أختم ألف ألف نبي أو أكثر، ما بعث الله من نبي إلى قومه إلا حذرهم الدجال\". وذكر تمام الحديث هذا لفظه بزيادة ألف، وقد تكون مقحمة [¬٢]، والله أعلم. وسياق رواية الإمام أحمد أثبت وأولى بالصحة، ورجال إسناد هذا الحديث لا بأس بهم، وقد [¬٣] روى هذَا الحديث من طريق جابر بن عبد الله، ﵁، قال الحافظ أبو بكر البزار (^٩٦٥):\nحدثنا عمرو بن علي، حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا مجالد، عن الشعبي، عن جابر قال: قال رسول الله، ﷺ: \"إني لخاتم ألف نبي أو أكثر، وإنه ليس منهم نبي [¬٤] إلا وقد أنذر قومه الدجال، وإنه [¬٥] قد بين لي ما لم يبين لأحد منهم، وإنه أعور وإن ربكم ليس بأعور\".\nوقوله [¬٦]: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ وهذا تشريف لموسى، ﵇، بهذه\n_________\n= والحديث أخرجه ابن أبى شيبة فى \"المصنف\" كتاب الفتن باب: \"ما ذكر فى فتنة الدجال\" (٨/ ٦٤٧): والحاكم فى المستدرك (٢/ ٥٩٧، ٥٩٨) من طريق مروان بن معاوية عن مجالد به، وسكت عنه الحاكم لكن تعقبه الذهبى بقوله: \"مجالد ضعيف\" ورواية الحاكم مقتصرة على قوله: \"إنى خاتم ألف نبى أو أكثر\" وذكره المصنف فى البداية والنهاية (٢/ ١٨٣) من طريق أحمد وقال: هذا حديث غريب. ورواية أبى يعلى عن ابن معين التى ذكرها ابن كثير هنا لم أقف عليها فى مسنده ولا وقفت على الجزء المشار إليه.\n(^٩٦٥) - رواه البزار فى \"مسنده\" كما فى كشف الأستار (٤/ ١٣٥) (٣٣٨٠)، ورواه ابن أبى شيبة =\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في ز: \"معجمة\".\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- سقط من: خ.\n[¬٥]- فى ت: \"وإنى\".\n[¬٦]- في خ: \"قوله\".","vol":"4","page":378},{"text":"الصفة، ولهذا يقال له: الكليم، وقد قال الحافظ أبو بكر بن مردُويه (^٩٦٦): حدثنا أحمد بن محمد بن سليمان المالكي، حدثنا مسيح بن حاتم، حدثنا عبد الجبار بن عبد الله قال: جاء رجل إلى أبى بكر بن عياش فقال: سمعت رجلًا يقرأ: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾، فقال أبو بكر: ما قرأ هذا إلا كافر، قرأت على الأعمش، وقرأ الأعمش على يحيى [¬١] بن وثاب، وقرأ يحيى بن وثاب على أبي عبد الرحمن السلمي، وقرأ أبو [¬٢] عبد الرحمن السلمي [¬٣] على على بن أبي طالب، وقرأ على بن أبى طالب على رسول الله، ﷺ: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾.\nوإنما اشتدّ غضب أبى بكر بن عياش، ﵀، على من قرأ كذلك؛ لأنه حرَّفَ لفظ القرآنِ ومعناه، وكأنَّ [¬٤] هذا من المعتزلة الذين ينكرون أن يكون [¬٥] الله كلم موسى، ﵇، أو يكلم أحدًا من خلقه؛ كما روينا [¬٦] عن بعض المعتزلة أنه قرأ على بعض المشايخ ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ فقال له: يا بن اللخناء [¬٧]! فكيف [¬٨] تصنع بقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ يعني أن هذا لا يحتمل التحريف ولا التأويل.\nوقال ابن مردُويه (^٩٦٧): حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، حدثنا أحمد بن الحسين بن بهرام [¬٩]، حدثنا محمد بن مرزوق، حدثنا هانئ بن يحيى، عن الحسن بن أبي جعفر، عن قتادة، عن يحيي بن وثاب، عن أبى هريرة، قال: قال رسول الله، ﷺ: \"لما كلّم الله موسى كان يبصر دبيب النمل على الصفا في الليلة الظلماء\".\n_________\n= (٨/ ٦٤٦)، وابن سعد (١/ ١٥١) مختصرًا، وأبو نعيم فى الحلية (٤/ ٣٣٤، ٣٣٥) من طرق عن مجالد به، ومجالد ضعيف كما تقدم.\n(^٩٦٦) - عزاه أيضًا لابن مردويه السيوطى فى الدر المنثور (٢/ ٤٣٨) والحديث رواه الطبرانى فى الأوسط (٨٦٠٨) قال: حدثنا مسيح بن حاتم قال: ثنا عبد الجبار بن عبد الله … فذكره وذكره الهيثمى فى مجمع الزوائد (٧/ ١٥، ١٦) وقال: رواه الطبرانى فى الأوسط، وعبد الجبار بن عبد الله لم أعرفه وبقية رجاله ثقات، والذى وجدته روى عن أبى بكر بن عياش أحمد بن عبد الجبار بن ميمون وهو ضعيف والنسخة سقيمة.\n(^٩٦٧) - سيأتى في تفسير سورة الأعراف الآية (١٤٣).\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- فى خ: \"كان\".\n[¬٥]- سقط من: ز.\n[¬٦]- في خ: \"رويناه\".\n[¬٧]- عبارة تستعمل في السب والشتم، يقال: رجل لخن وامرأة لخناء، إذا أنتن.\n[¬٨]- فى خ: \"كيف\".\n[¬٩]- فى ز: \"ما بهرام\".","vol":"4","page":379},{"text":"وهذا حديث غريب، وإسناده لا يصح، وإذا صح موقوفًا كان جيدًا.\nوقد روى الحاكم في مستدركه وابن مردُويه من حديث حميد بن قيس [¬١] الأعرج، عن عبد الله بن الحارث، عن ابن مسعود، قال: قال رسول الله، ﷺ: \"كان على موسى يوم كلمه ربه جبة صوف وكساء صوف وسراويل صوف ونعلان من جلد حمار غير ذكي\". (^٩٦٨).\n_________\n(^٩٦٨) - رواه الحاكم فى مستدركه (١/ ٢٨) من طريق سعيد بن منصور قال: حدثنا خلف بن خليفة - وفى (٢/ ٣٧٩) عن عمر بن حفص بن غياث عن أبيه وخلف بن خليفة كلاهما عن حميد بن قيس عن عبد الله بن الحارث عن عبد الله بن مسعود به، وقال الحاكم عقب الحديث فى الموضع الأول: \"قد اتفقا جميعًا على الاحتجاج بحديث سعيد بن منصور وحميد هذا ليس بابن قيس الأعرج. قال البخارى فى \"التاريخ\": حميد بن علي الأعرج الكوفى منكر الحديث وعبد الله بن الحارث النجرانى محتج به واحتج مسلم وحده بخلف بن خليفة، وهذا حديث كبير فى التصوف\" وسكت عنه الذهبى، وقال الحاكم فى الموضع الثانى: هذا حديث صحيح على شرط البخارى ولم يخرجاه، فتعقبه الذهبى بقوله: بل ليس على شرط البخارى وإنما غره أن فى الإسناد حميد بن قيس كذا، وهو خطأ، إنما هو حميد الأعرج الكوفى بن على - أو ابن عمار - أحد المتروكين فظنه المكى الصادق.\nورواه الترمذى فى اللباس، باب: ما جاء فى لبس الصوف حديث (١٧٣٤)، وأبو يعلى فى مسنده (٤٩٨٣)، وابن جرير فى تفسيره (١٦/ ١٤٤)، والعقيلى فى الضعفاء (١/ ٢٦٨)، وابن عدى فى الكامل (٢/ ٦٨٨) وابن حبان فى المجروحين (١/ ٢٦٢)، والبيهقى فى \"الأسماء والصفات\" (٤١٨) من طرق عن خلف بن خليفة به.\nوقال الترمذى: هذا حديث غريب لا نعرفه إلَّا من حديث حميد الأعرج، وحميد هو ابن علي الكوفى قال: سمعت محمدًا يقول: حميد بن علي الأعرج منكر الحديث وحميد بن قيس الأعرج المكى صاحب مجاهد ثقة. وقال ابن حبان فى ترجمة حميد - سماه حميد بن عطاء -: منكر الحديث يروى عن عبد الله بن الحارث عن ابن مسعود نسخة كأنها موضوعة، وقال ابن عدى: لحميد عن عبد الله بن الحارث عن عبد الله بن مسعود غير هذه الأحاديث التى ذكرتها وله عن غير عبد الله بن الحارث أحاديث وهذه الأحاديث عن عبد الله بن الحارث عن ابن مسعود أحاديث ليست بمستقيمة ولا يتابع عليها وهو الذى يحدث به عن عبد الله بن الحارث.\nوالحديث ضعفه ابن جرير أيضًا فى الموضع المشار إليه فى التخريج، ورواه ابن الجوزى فى الموضوعات (١/ ١٩٢، ١٩٣) من طريق أبى عبد الله بن بطة قال: حدثنا إسماعيل بن محمد الصفار قال: حدثنا الحسن ابن عرفة قال حدثنا خلف بن خليفة … فذكره، وزاد فى آخره: \"فقال: من ذا العبرانى الذى يكلمنى من هذه الشجرة؟ قال: أنا الله\" وقال ابن الجوزى عقبه: هذا حديث لا يصح فإن كلام الله =\n_________\n[¬١]- في خ: \"قبس\".","vol":"4","page":380},{"text":"وقال ابن مردُويه بإسناده: عن جويبر، عن الضحاك، عن ابن عباس، قال: إن اللَّه ناجى موسى بمائة ألف كلمة وأربعين ألف كلمة في ثلاثة أيام وصايا كلها، فلما سمع موسى كلام الآدميين مقتهم، مما وقع في مسامعه من كلام الرب ﷿.\nوهذا أيضًا إسناد [¬١] ضعيف، فإن جويبرًا ضُعِّف [¬٢]، والضحاك لم يدرك ابن عباس، ﵄. فأما الأثر الذي رواه ابن أبي حاتم وابن مردُويه وغيرهما من طريق الفضل بن عيسى الرقاشي، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد اللَّه أنه [¬٣] قال: لما كلم اللَّه موسى يوم الطور كلمه بغير الكلام الذي كلمه يوم ناداه، فقال له موسى: يا رب هذا كلامك الذي كلمتني به؟ قال: لا يا موسى؛ إنما [¬٤] كلمتك بقوة عشرة آلاف لسان، ولي قوة الألسنة كلها وأنا أقوى من ذلك، فلما رجع موسى إلى بني إسرائيل قالوا: يا موسى، صف لنا كلام الرحمن، قال: لا أستطيعه، قالوا: فشبه لنا، قال: ألم تسمعوا إلى صوت الصواعق، فإنها [¬٥] قريب منه وليس به (^٩٦٩).\n_________\n= لا يشبه كلام المخلوقين، والمتهم به حميد واختلف فى اسم أبيه فقيل: على. وقيل: عطاء. وقيل: عمار. وليس بحميد بن قيس الأعرج صاحب الزهرى فإنه مخرج عنه فى الصحيحين. وتعقبه السيوطى فى اللآلئ (١/ ١٥٠، ١٥١) بقوله: \"قلت: قال الحافظ فى لسان الميزان كلا والله بل حميد بريء من هذه الزيادة فقد أنبأنا به الحافظ أبو الفضل بين الحسين (فساقه ابن حجر بسنده إلى إسماعيل الصفار دون الزيادة) ثم قال: وكذا رواه الترمذى عن علي بن حجر عن خلف بن خليفة بدون هذه الزيادة وكذا رواه سعيد بن منصور عن خلف بدون هذه الزيادة وكذا رواه أبو يعلى فى مسنده عن أحمد بن حاتم عن خلف ابن خليفة بدون هذه الزيادة ورواه الحاكم فى المستدرك ظنًا منه أن حميدًا الأعرج هو حميد بن قيس المكى الثقة وهو وهم منه وقد رواه من طريق عمرو بن حفص بن غياث عن أبيه وخلف بن خليفة جميعًا عن حميد بدون هذه الزيادة وما أدرى ما أقول فى ابن بطة بعد هذا فما أشك أن إسماعيل بين محمد الصفار لم يحدث بهذا قط والله أعلم.\nومما تقدم يتبين أن الحديث ضعيف لضعف حميد بن علي الأعرج وأمَّا الزيادة التى أوردها ابن الجوزى فى الموضوعات من طريق ابن بطة فهي باطلة ومن أجلها أورد ابن الجوزى الحديث فى موضوعاته، والله أعلم.\n(^٩٦٩) - تفسير ابن أبى حاتم (٤/ ١١١٩) (٦٢٨٦)، وإسناده ضعيف كما قال المصنف ﵀ فإن الفضل بن عيسى بن أبان الرقاشى ضعفه ابن معين وأبو زرعة وأبو حاتم وأبو داود والنسائى وقال ابن عدى: والضعف بين على ما يرويه. ترجمته فى \"تهذيب الكمال\" والراوى عنه على بن عاصم الواسطى صدوق لكنه يخطئ ويصر كما فى \"التقريب\" لكن نقل ابن الجوزى تكذيبه عن يزيد بن هارون، والحديث رواه البزار فى مسنده كما فى كشف الأستار - (٢٣٥٣)، والبيهقى فى الأسماء=\n_________\n[¬١]- في خ: \"إسناده\".\n[¬٢]- في ت: \"ضعيف\".\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- في ز: \"إنا\".\n[¬٥]- في خ: \"فإنه\".","vol":"4","page":381},{"text":"وهذا اسناد ضعيف؛ فإن الفضل [الرقاشي هذا] [¬١] ضعيف بمرة.\nوقال عبد الرزاق (^٩٧٠): أخبرنا معمر، عن الزهري، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث، عن [¬٢] جزء بن جابر الخثعمى، عن كعب قال: إن اللَّه لما كلم موسى كلمه [¬٣] بالألسنة كلها سوى كلامه، فقال له [¬٤] موسى: يا رب، هذا كلامك؟ قال: لا، ولو كلمتك بكلامي لم تستقم له، قال: يارب، فهل من خلقك شيء [¬٥] يشبه كلامك؟ قال: لا، وأشدُّ خلقي شبهًا بكلامي أشدَّ ما تسمعون [¬٦] من الصواعق.\n_________\n= والصفات (٦٠١)، وأبو نعيم فى حلية الأولياء (٦/ ٢١٠)، وابن الجوزى فى الموضوعات (١/ ١١٢، ١١٣) كلهم من طريق على بن عاصم عن الفضل بن عيسى به. وقد تعقب السيوطى فى اللآلئ (١/ ١٩) على ابن الجوزى إيراده هذا الحديث فى الموضوعات فقال: \"فى الحكم بوضعه نظر فإن الفضل لم يتهم بكذب وأكثر ما عيب عليه الندرة وهو من رجال ابن ماجه\" وقال ابن عراق فى \"تنزيه الشريعة\" (١/ ١٤١): هذا الحديث أعله ابن الجوزى بالفضل وبراويه عنه على بن عاصم ونقل عن يزيد بن هارون أنه قال فى على: ما زلنا نعرفه بالكذب. واقتصر السيوطى على إعلاله بالفضل وتعقبه ولم يتعرض للآخر، واقتصر الذهبى فى التلخيص على إعلاله بعلى - وذكر كلام ابن هارون فيه، والله أعلم.\n(^٩٧٠) - رواه فى تفسيره (١/ ٢٣٨) ومن طريقه رواه عبد الله بن أحمد فى السنة (٥٣٩)، وابن أبى حاتم فى تفسيره (٤/ ١١١٩) (٦٢٨٧)، والبيهقى فى الأسماء والصفات (٦٠٢) ورواه ابن جرير فى تفسيره (٤/ ٤٠٩) (١٠٨٤٣) وفى (٩/ ٤٠٥، ٤٠٦) (١٠٨٤٥، ١٠٨٤٦)، والدارمى فى الرد على الجهمية رقم (٣٢١) كلهم من طريق أبى بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام. وجزء بن جابر مختلف فى اسمه قال البيهقى: رواه ابن أخى الزهرى عنه عن أبى بكر فقال: عن جرير بن جابر الخثعمى، وقال البخارى: وقال يونس وابن أخى الزهرى والزبيدى: جرو وقال شعيب جرز بن جابر وهو رجل مجهول ثم يحتمل أنه أراد: ما سمع للسماوات والأرض من الأصوات عند إسماع الرب جل ذكره! إياه كلامه، كما روينا عن أهل السماوات أنهم يسمعون عند نزول الوحى للسماء صلصلة كجر السلسلة على الصفا، وكما روينا فى الحديث الصحيح عن أبى هريرة عن نبى الله ﷺ قال: \"إذا قضى الله الأمر فى السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانًا لقوله كأنه سلسلة على صفوان\". وكما روينا عن نبينا ﷺ: أنه كان يأتيه الوحى أحيانًا فى مثل صلصلة الجرس\" وكل ذلك مضاف إلى غير الله ﷾ وكذلك الصوت المذكور فى هذا الحديث إن كان صحيحًا فإنه يحدث عن التوراة التى أخبر اللَّه تعالى عن أهلها أنهم حرفوها وبدلوها فليس من قوله ما يلزمنا توجيهه، إذا لم يوافق أصول الدين والله أعلم. والحديث ذكره السيوطى فى الدر المنثور (٢/ ٢١٥) وزاد نسبته لابن المنذر.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ز: \"هذا الرقاشي\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"بن\".\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- سقط من: ت.\n[¬٥]- سقط من: ز.\n[¬٦]- في ز: \"يسمعون\".","vol":"4","page":382},{"text":"فهذا موقوف على كعب الأحبار، وهو يحكي عن الكتب المتقدّمة المشتملة على أخبار بني إسرائيل وفيها الغث والسمين.\nوقوله: ﴿رسلًا مبشرين ومنذرين﴾ أي: يبشرون من أطاع اللَّه واتبع رضوانه بالخيرات، وينذرون من خالف أمره وكذب رسله بالعقاب والعذاب.\nوقوله: ﴿لئلا يكون للناس على اللَّه حجة بعد الرسل وكان اللَّه عزيرًا حكيمًا﴾ أي: إنه تعالى أنزل كتبه وأرسل رسله بالبشارة والنذارة، وبين ما يحبه ويرضاه، مما يكرهه ويأباه؛ لئلا يبقى لمعتذر عذر؛ كما قال تعالى: ﴿ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولًا فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونخزى﴾ وكذا قوله تعالى: ﴿ولولا أن تصيبهم مصيبة بما قدمت أيديهم فيقولوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولًا فنتبع آياتك ونكون من المؤمنين﴾. وقد ثبت في الصحيحين (^٩٧١) عن ابن مسعود.\nقال: قال رسول اللَّه، ﷺ: \"لا أحد أغير من اللَّه؛ من أجل ذلك حرم اللَّه [¬١] الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولا أحد أحب إليه المدح من اللَّه ﷿ من أجل [¬٢] ذلك مدح نفسه، ولا أحد أحب إليه العذر من اللَّه؛ من أجل ذلك بعث النبيين مبشرين ومنذرين\". وفي لفظ آخر [¬٣]: \"من أجل ذلك أرسل رسله وأنزل كتبه\".\n﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (١٦٦) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلَالًا بَعِيدًا (١٦٧) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (١٦٩) يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ\n_________\n(^٩٧١) - رواه البخارى فى \"صحيحه\" فى التفسير، باب: ﴿ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن﴾ حديث (٤٦٣٤)، وفى باب: قول اللَّه ﷿: ﴿قل إنما حرم ربى الفواحش ما ظهر منها وما بطن﴾ حديث (٤٦٣٧)، وفى النكاح، باب: الغيرة، حديث (٥٢٢٠)، وفى كتاب التوحيد، باب: قول اللَّه تعالى ﴿ويحذركم اللَّه نفسه﴾ حديث (٧٤٠٣)، ومسلم فى \"صحيحه\" فى التوبة، باب غيرة اللَّه تعالى وتحريم الفواحش، حديث (٢٧٦٠) من طريقين عن أبى وائل شقيق بن سلمة عن ابن مسعود به.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في ز: \"أحد\".\n[¬٣]- سقط من: خ.","vol":"4","page":383},{"text":"الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٧٠)﴾.\nلما تضمن قوله تعالى: ﴿إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده﴾ إلى آخر السياق - إثبات نبوته، ﷺ، والرد على من أنكر نبوته من المشركين وأهل الكتاب، قال الله تعالى: ﴿لكن اللَّه يشهد بما أنزل إليك﴾ أي: وإن كفر به من كفر به ممن كذبك وخالفك، فالله يشهد لك بأنك رسوله الذي أنزل عليه الكتاب وهو القرآن العظيم الذي ﴿لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد﴾، ولهذا قال: ﴿أنزله بعلمه﴾ أي: فيه علمه الذي أراد أن يطلع العباد عليه من البينات والهدى والفرقان، وما يحبه اللَّه ويرضاه، وما يكرهه ويأباه، وما فيه من العلم بالغيوب من الماضي والمستقبل، وما فيه من ذكر صفاته تعالى المقدسة التي لا يعلمها نبي مرسل ولا ملك مقرب إلا أن بعلمه اللَّه به، كما قال تعالى: ﴿ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء﴾ وقال ﴿ولا يحيطون به علمًا﴾.\nوقال ابن أبي حاتم (^٩٧٢): حدثنا على بن الحسين، حدثنا الحسن بن سهل الجعفري وخزز [¬١] ابن المبارك قالا: حدثنا عمران بن عيينة، حدثنا عطاء بن السائب قال: أقرأني أبو عبد الرحمن السلمي القرآن، وكان إذا قرأ عليه أحدنا القرآن قال: قد أخذت علم اللَّه فليس أحد اليوم أفضل منك إلا بعمل ثم يقرأ قوله [¬٢]: ﴿أنزله بعلمه والملائكة يشهدون وكفى باللَّه شهيدًا﴾.\nوقوله: ﴿والملائكة يشهدون﴾ [أي] [¬٣]: [بصدق] [¬٤] ما جاءك وأوحي إليك وأنزل عليك مع شهادة اللَّه تعالى لك بذلك ﴿وكفى بالله شهيدًا﴾.\nوقد قال محمد بن إسحاق (^٩٧٣): عن محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: دخل على رسول اللَّه، ﷺ، جماعة من اليهود فقال لهم:\n_________\n(^٩٧٢) - تفسير ابن أبى حاتم (٤/ ١١٢١) (٦٢٩٦).\n(^٩٧٣) - سيرة ابن هشام (٢/ ٥٩٧) ومن طريق ابن إسحاق رواه ابن جرير فى تفسيره (٩/ ٤٠٩) (١٠٨٥٠)، والبيهقى فى دلائل النبوة (٢/ ٥٣٥) وذكره السيوطى فى الدر المنثور (٢/ ٤٣٩) وزاد نسبته لابن المنذر.\n_________\n[¬١]- في ز: \"وخرز\".\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- سقط من ز.\n[¬٤]- في خ: \"تصدق\".","vol":"4","page":384},{"text":"\"إني لأعلم واللَّه إنكم لتعلمون أني رسول اللَّه\"، فقالوا: ما نعلم ذلك، فأنزل اللَّه ﷿: ﴿لكن اللَّه يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه والملائكة يشهدون وكفى بالله شهيدًا﴾.\nوقوله: ﴿إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل اللَّه قد ضلوا ضلالًا بعيدًا﴾ أي: كفروا في أنفسهم، فلم يتبعوا الحق وسعوا في صد الناس عن اتباعه والاقتداء به، قد خرجوا عن الحق وضلوا عنه وبعدوا منه بُعدًا عظيمًا شاسعًا.\nثم أخبر تعالى عن حكمه في الكافرين بآياته وكتابه ورسوله، الظالمين لأنفسهم بذلك وبالصد عن سبيله وارتكاب مآثمه [¬١] وانتهاك محارمه [¬٢] بأنه لا يغفر لهم: ﴿ولا ليهديهم طريقًا﴾ أي: سبيلًا إلى الخير، ﴿إلا طريق جهنم﴾ وهذا استثناء منقطع ﴿خالدين فيها أبدًا وكان ذلك على اللَّه يسيرًا﴾.\nثم قال تعالى: ﴿أيها الناس قد جاءكم الرسول بالحق من ربكم فآمنوا خيرًا لكم﴾ أي: قد جاءكم محمد، صلوات اللَّه وسلامه عليه، بالهدى ودين الحق والبيان الشافي من اللَّه ﷿ فآمنوا بما جاءكم به واتبعوه يكن خيرًا لكم.\nثم قال: ﴿وإن تكفروا فإن للَّه ما في السموات والأرض﴾ أي: فهو غني عنكم وعن إيمانكم، ولا يتضرر بكفرانكم؛ كما قال تعالى: ﴿وقال موسى إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعًا فإن اللَّه لغني حميد﴾، وقال هاهنا: ﴿وكان اللَّه عليمًا حكيمًا﴾ أي: بمن يستحق منكم الهداية فيهديه، وبمن يستحق الغواية فيغويه ﴿حكيمًا﴾ أى: في أقواله وأفعاله وشرعه وقدره.\n﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (١٧١)﴾\nينهى تعالى أهل الكتاب عن الغلو والإطراء، وهذا كثير في النصارى، فإنهم تجاوزوا [حد\n_________\n[¬١]- في ز: \"محارمه\".\n[¬٢]- في ز: \"مآثمه\".","vol":"4","page":385},{"text":"التصديق] [¬١] بعيسى حتى رفعوه فوق المنزلة التي أعطاه اللَّه إياها، فنقلوه من حيز النبوة إلى أن اتخذوه إلهًا من دون اللَّه يعبدونه، كما يعبدونه. بل قد غلوا في أتباعه وأشياعه ممن [¬٢] زعم أنه على دينه، فادعوا فيهم العصمة واتبعوهم فى كل ما قالوه، سواء كان حقا أو باطلًا، أو ضلالًا أو رشادًا، أو صحيحًا أو كذبًا، ولهذا قال اللَّه تعالى: ﴿اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون اللَّه والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلهًا واحدًا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون﴾.\nوقال الإِمام أحمد (^٩٧٤): حدثنا هشيم، قال: زعم الزهري، عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة بن مسعود، عن ابن عباس، عن عمر أن سول اللَّه، ﷺ، قال: \"لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم، فإنما أنا عبد اللَّه ورسوله\".\nثم رواه هو وعلى بن المديني عن سفيان بن عيينة عن الزهري كذلك. وقال على بن المديني: هذا حديث صحيح سنده، وهكذا رواه البخاري: عن الحميدي، عن سفيان بن عيينة، عن الزهري به، ولفظه: \"فإنما أنا عبد، فقولوا: عبد اللَّه ورسوله\".\nوقال الإِمام أحمد (^٩٧٥): حدثنا حسن بن موسى، حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت [¬٣]\n_________\n(^٩٧٤) - المسند (١/ ٢٣) (١٥٤ - شاكر) وقال العلامة أحمد شاكر فى التعليق على هذا الحديث فى المسند: \"إسناده صحيح. هشيم بن بشير الواسطي: ثقة حجة إلَّا أنهم تكلموا فى سماعه من الزهرى، وأنه سمع منه صحيفة فطارت منه فلم يحفظ منها إلا قليلًا، وأنه يدلس فى بعض روايته وقوله هنا \"زعم الزهرى\" قد يؤيد أنه لم يسمعه منه، ولكن الحديث ورد بأسانيد أخرى عن الزهرى، فتبين أنه صحيح عنه\".\nوالحديث رواه أحمد (١/ ٢٤ رقم ١٦٤) والحميدى (٢٧) ومن طريقه البخارى فى كتاب أحاديث الأنبياء، باب: قول اللَّه تعالى: ﴿واذكر فى الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها﴾ حديث (٣٤٤٥) عن سفيان قال: سمعت الزهرى يقول: أخبرنى عبيد اللَّه بن عبد اللَّه عن ابن عباس: سمع عمر ﵁ يقول على المنبر: سمعت النبى ﷺ يقول: \"لا تطرونى كما أطرت النصارى ابن مريم فإنما أنا عبده فقولوا: عبد اللَّه ورسوله\".\nوهو جزء من حديث السقيفة وقد رواه بتمامه أحمد فى مسنده (١/ ٥٥ - رقم ٣٩١) والبخارى فى كتاب الحدود، باب رجم الحلبى فى الزنا إذا أحصنت حديث (٦٨٣٠) وغيرهما من حديث الزهرى عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بإسناده.\n(^٩٧٥) - المسند (٣/ ١٥٣، ٢٤١) ورواه عبد بن حميد (١٣٣٧) قال: حدثنا الحسن بن موسى به=\n_________\n[¬١]- في ز: \"الحد بالتصديق\".\n[¬٢]- في ز: \"من\".\n[¬٣]- في ز: \"سالم\".","vol":"4","page":386},{"text":"البُناني، عن أنس بن مالك أن رجلًا قال: [يا محمد] [¬١]، يا سيدنا، وابن سيدنا وخيرنا وابن خيرنا، فقال رسول اللَّه، ﷺ: \" [يا] [¬٢] أيها الناس؛ عليكم بقولكم [¬٣]، ولا يستهوينكم الشيطان، أنا محمد بن عبد اللَّه، عبد اللَّه ورسوله، والله ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني اللَّه ﷿\". تفرد به من هذا الوجه.\nوقوله تعالى: ﴿ولا تقولوا على اللَّه إلا الحق﴾ أي: لا تفتروا عليه وتجعلوا له صاحبة وولدًا، تعالى اللَّه، ﷿، عن ذلك علوًّا كبيرًا، وتنزه وتقدس، وتوحد في سؤدده وكبريائه وعظمته، فلا إله إلا هو ولا رب سواه؛ ولهذا قال: ﴿إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول اللَّه وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه﴾ أي: إنما هو عبد من عباد اللَّه، وخلق من خلقه، قال له: كن، فكان، ورسول من رسله ﴿وكلمته ألقاها إلى مريم﴾ أي: خلقه بالكلمة التي أرسل بها جبريل، ﵇، إلى مريم، فنفخ فيها من روحه بإذن ربه، ﷿، [فكان عيسى بإذن اللَّه، ﷿، وصارت] [¬٤] تلك النفخة التي نفخها في جيب درعها فنزلت حتى ولجت فرجها بمنزلة لقاح الأب والأم - والجميع مخلوق للَّه، ﷿، ولهذا قيل لعيسى: إنه كلمة اللَّه وروح منه؛ لأنه لم يكن له أب تولد منه، وإنما هو ناشئ عن الكلمة التي قال له بها: كن، فكان، والروح التي أرسل بها جبريل؛ قال اللَّه تعالى: ﴿ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام﴾ وقال تعالى: ﴿إن مثل عيسى عند اللَّه كمثل آدم خلقه من تراب لم قال له كن فيكون﴾ وقال تعالى: ﴿والتي أحصنت فرجها فنفخنا فيها من روحنا وجعلناها [¬٥] وابنها آية للعالمين﴾ وقال تعالى: ﴿ومريم ابنة عمران التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا وصدقت بكلمات ربها وكتبه وكانت من القانتين﴾ [] [¬٦]، وقال تعالى إخبارًا عن المسيح ﴿إن هو إلا عبد أنعمنا عليه وجعلناه مثلًا لبني إسرائيل﴾.\n_________\n= ورواه أحمد (٣/ ٢٤١، ٢٤٩)، وعبد بن حميد (١٣٠٩)، والنسائى فى عمل اليوم والليلة (٢٤٩) وابن حبان فى \"صحيحه\" (١٤/ ١٣٣) (٦٢٤٠) من طرق عن حماد بن سلمة له. ورواه النسائى فى عمل اليوم والليلة (٢٤٨) من طريق العلاء بن عبد الجبار قال: حدثنا حماد بن سلمة قال حدثنا ثابت وحميد عن أنس له. ورواه أحمد (٣/ ٢٤١) من طريق مؤمل حدثنا حماد عن حميد عن أنس به. وهو حديث صحيح على شرط مسلم وقد صححه الألبانى فى \"السلسلة الصحيحة\" (١٠٩٧).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط س: ز.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من خ.\n[¬٣]- في المسند (٣/ ١٥٣): \"بتقواكم\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين في خ: \"وكانت\".\n[¬٥]- في ز: \"وجعلنا\".\n[¬٦]- في ت: إلى آخر السورة.","vol":"4","page":387},{"text":"وقال عبد الرزاق (^٩٧٦): عن معمر، عن قتادة: ﴿وكلمته ألقاها إلى مريم [وروح منه] [¬١]﴾ هو كقوله: ﴿كن فيكون [¬٢]﴾.\nوقال ابن أبي حاتم (^٩٧٧): حدثنا أحمد بن سنان الواسطي، قال: سمعت شاذ [¬٣] بن يحيى يقول في قول اللَّه: ﴿وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه﴾ قال: ليس الكلمة صارت عيسى، ولكن بالكلمة صار عيسى.\nوهذا أحسن مما ادعاه ابن جرير في قوله: ﴿ألقاها إلى مريم﴾ أي: أعلمها بها كما زعمه في قوله: ﴿إذ قالت الملائكة يا مريم إن اللَّه يبشرك بكلمة منه﴾ أي: يعلمك بكلمة منه ويجعل ذلك كقوله [¬٤] تعالى: ﴿وما كنت ترجو أن يلقى إليك الكتاب إلا رحمة من ربك﴾ بل الصحيح أنها الكلمة التي جاء بها جبريل إلى مريم فنفخ فيها بإذن اللَّه فكان عيسى ﵇.\nوقال البخاري (^٩٧٨): حدثنا صدقة بن الفضل، حدثنا [¬٥] الوليد، حدثنا الأوزاعي، حدثني عمير بن هانئ، حدثني جنادة بن أبي أمية، عن عبادة بن الصامت، عن النبي، ﷺ، قال: \"من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد اللَّه ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وأن [¬٦] الجنة حق والنار حق - أدخله الله الجنة على ما كان من العمل\". [] [¬٧] قال الوليد: فحدثنى عبد الرحمن بن يزيد ابن جابر، عن عمير بن هانئ عن جنادة زاد: \"عن أبواب الجنة الثمانية يدخل [¬٨] من أيها شاء\".\n_________\n(^٩٧٦) - تفسير عبد الرزاق (١/ ١٧٧) ومن طريق عبد الرزاق رواه ابن جرير الطبرى فى تفسيره (٩/ ٤١٩) (١٠٨٥٤)، وابن أبى حاتم فى تفسيره (٤/ ١١٢٣) (٦٣٠٩)، وذكره السيوطى فى الدر المنثور (٢/ ٤٣٩) وزاد نسبته لابن المنذر.\n(^٩٧٧) - تفسير ابن أبى حاتم (٤/ ١١٢٣) (٦٣١٠).\n(^٩٧٨) - صحيح البخارى كتاب أحاديث الأنبياء، باب: قوله تعالى: ﴿يا أهل الكتاب لا تغلوا فى دينكم﴾ حديث (٣٤٣٥) ورواه مسلم فى \"صحيحه\" كتاب الإيمان، باب: الدليل على صحة إسلام من حضره الموت .. حديث (٢٨)، والنسائى فى عمل اليوم والليلة (١١٣٠، ١١٣١)، وأحمد=\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٢]- في ز: \"فكان\".\n[¬٣]- في ت: \"شاذان\".\n[¬٤]- في ز: \"كما قال\".\n[¬٥]- في ز، خ: \"بن\".\n[¬٦]- سقط من: ز.\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين في خ: و.\n[¬٨]- سقط من: ز، خ.","vol":"4","page":388},{"text":"وكذا رواه مسلم عن داود بن رشيد، عن الوليد، عن ابن جابر، به. ومن وجه آخر عن الأوزاعي به، فقوله في الآية والحديث: \"وروح منه\"، كقوله: ﴿وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعًا منه﴾ أي: من خلقه ومن عنده، وليست (من) للتبعيض كما تقوله النصارى عليهم لعائن اللَّه المتتابعة، بل هي لابتداء الغاية كما في الآية الأخرى.\nوقد قال مجاهد في قوله: ﴿وروح منه﴾ أي: ورسول منه. وقال غيره: ومحبة منه. والأظهر الأوّل، وهو [¬١] أنه مخلوق من روح مخلوفة، وأضيفت الروح إلى اللَّه على وجه التشريف كما أضيفت الناقة والبيت إلى اللَّه في قوله: ﴿هذه ناقة اللَّه﴾ وفي قوله: ﴿وطهر بيتي للطائفين﴾ وكما ورد في الحديث الصحيح: \"فأدخل على ربي في داره\"، أضافها إليه إضافة تشريف لها، وهذا كله من قبيل واحد ونمط واحد.\nوقوله: ﴿فآمنوا باللَّه ورسله [¬٢]﴾ أي: فصدقوا بأن اللَّه واحد أحد لا صاحبة [¬٣] له ولا ولد [¬٤]، واعلموا وتيقنوا بأن عيسى عبد اللَّه ورسوله؛ ولهذا قال تعالى: ﴿ولا تقولوا ثلاثة﴾ أي: لا تجعلوا عيسى وأمه مع اللَّه شريكين، تعالى اللَّه عن ذلك علوًّا كبيرًا.\nوهذه الآية والتي تأتى [¬٥] في سورة المائدة حيث يقول تعالى: ﴿لقد كفر الذين قالوا إن اللَّه ثالث ثلاثة وما من إله إلا إله واحد﴾ وكما قال في آخر السورة المذكورة: ﴿وإذ قال اللَّه يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون اللَّه قال سبحانك﴾ الآية، وقال في أولها: ﴿لقد كفر الذين قالوا إن اللَّه هو المسيح ابن مريم﴾ الآية.\nفالنصارى [¬٦] عليهم لعنة [¬٧] اللَّه من جهلهم ليس لهم ضابط ولا لكفرهم حد، بل أقوالهم وضلالهم منتشر، فمنهم من يعتقده [¬٨] إلهًا، ومنهم من يعتقده شريكًا، ومنهم من يعتقده ولدًا، وهم طوائف كثيرة لهم آراء مختلفة، وأقوال غير مؤتلفة، ولقد أحسن بعض المتكلمين حيث قال: لو اجتمع عشرة من النصارى لافترقوا على [¬٩] أحد عشر قولًا، ولقد ذكر بعض علمائهم المشاهير عندهم وهو سعيد بن بطريق بطرق [¬١٠] الإسكندرية في حدود\n_________\n= (٥/ ٣١٣، ٣١٤) من طريق عمير بن هانئ قال حدثنى جنادة بن أبى أمية به.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في ز: \" رسوله \".\n[¬٣]- في خ: \"ولد\".\n[¬٤]- في خ: \"صاحبة\".\n[¬٥]- سقط من: ت.\n[¬٦]- في خ: \"والنصارى\".\n[¬٧]- في خ: \" لعائن \".\n[¬٨]- في ز: \"يعتقد\".\n[¬٩]- فى ز: \"عن\".\n[¬١٠]- في خ: \"بترك\".","vol":"4","page":389},{"text":"سنة أربعمائة من الهجرة النبوية أنهم اجتمعوا المجمع الكبير الذي عقدوا فيه الأمانة الكبيرة التي لهم، وإنما هي الخيانة الحقيرة الصغيرة، وذلك في أيام قسطنطين باني المدينة المشهورة، وأنهم اختلفوا عليه اختلافًا لا ينضبط ولا ينحصر، فكانوا أزيد من ألفين أسقفًّا فكانوا أحزابًا كثيرة، كل خمسين منهم على مقالة، وعشرون على مقالة، ومائة على مقالة، وسبعون على مقالة، وأزيد من ذلك وأنقص.\nفلما رأى [عصابة منهم] قد زادوا على الثلاثمائة وثمانية [¬١] عشر نفرًا، وقد توافقوا على مقالة فأخذها الملك ونصرها وأيدها وكان فيلسوفًا داهية [¬٢]، ومحق ما عداها من الأقوال، وانتظم دست أولئك الثلاثمائة وثمانية [¬٣] عشر، وبنيت لهم الكنائس، ووضعوا لهم كتبًا وقوانين، وأحدثوا فيها [¬٤] الأمانة التى يلقنونها الولدان من الصغر [¬٥] ليعتقدوها، ويُعَمِّدونهم عليها، وأتباع هؤلاء هم الملكية [¬٦]، ثم أنهم اجتمعوا مجمعًا ثانيًا فحدث فيهم اليعقوبية، ثم مجمعًا ثالثًا فحدث فيهم النسطورية، وكل هذه الفرق تثبت الأقانيم الثلاثة فى المسيح، ويختلفون في كيفية ذلك وفي اللاهوت والناسوت على زعمهم هل اتحدا أو ما اتحدا أو امتزجا أو حل فيه؟ على ثلاث مقالات، وكل منهم يكفر الفرقة الأخرى، ونحن نكفر الثلاثة؛ ولهذا قال تعالى: ﴿انتهوا خيرًا لكم﴾ أي: يكن خيرًا لكم ﴿إنما اللَّه إله واحد سبحانه أن يكون له ولد﴾ أي: تعالى وتقدس عن ذلك علوا كبيرًا ﴿له ما في السموات وما في الأرض وكفى باللَّه وكيلًا﴾ أي: الجميع ملكه وخلقه، وجميع [ما فيهما] [¬٧] عبيده وهم تحت تدبيره وتصريفه، وهو وكيل [¬٨] على كل شيء، فكيف يكون له منهم صاحبة أو [¬٩] ولد، كما قال في الآية الأخرى: ﴿بديع السموات والأرض أنى يكون له ولد ولم يكن له صاحبة وخلق كل شيء وهو بكل شيء عليم﴾. وقال تعالى: ﴿وقالوا اتخذ الرحمن ولدًا لقد جئتم شيئًا إدًّا﴾ إلى قوله: ﴿فردًا﴾.\n﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا (١٧٢) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ\n_________\n[¬١]- في خ: \"بثمانية\".\n[¬٢]- في ز: \"ذا هيئة\".\n[¬٣]- في خ: \"الثمانين\".\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- في خ: \"الصغار\".\n[¬٦]- في خ: \"المالكية\".\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين في ز: \"من فيها\".\n[¬٨]- في خ: \"الوكيل\".\n[¬٩]- في خ: \"و\".","vol":"4","page":390},{"text":"فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١٧٣)﴾.\nقال ابن أبي حاتم (^٩٧٩): حدثنا أبي، حدثنا إبراهيم بن موسى، حدثنا هشام، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس قوله: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ﴾: لن يستكبر.\nوقال قتادة: لن يحتشم ﴿الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ وقد استدل بعض من ذهب إلى تفضيل الملائكة على البشر بهذه الآية حيث قال: ﴿وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ وليس له في ذلك دلالة؛ لأنه إنما عطف الملائكة على المسيح، لأن الاستنكاف هو الامتناع، والملائكة أقدر على ذلك من المسيح، فلهذا قال: ﴿وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ ولا يلزم من كونهم أقوى وأقدر على الامتناع أن يكونوا أفضل.\nوقيل: إنما ذكروا؛ لأنهم اتخذوا آلهة مع الله، كما اتخذ المسيح، فأخبر تعالى أنهم عبيد من عبيده وخلق من خلقه؛ كما قال الله تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ الآيات.\nثم [¬١] قال: ﴿وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا﴾ أي: فيجمعهم إليه [¬٢] يوم القيامة، ويفصل بينهم بحكمه العدل الذي لا يجور فيه ولا يحيف. ولهذا قال: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ يعني [¬٣]: فيعطهم من الثواب على قدر أعمالهم الصالحة، ونريدهم على ذلك من فضله وإحسانه وسعة رحمته وامتنانه.\nوقد روى ابن مردويه (^٩٨٠) من طريق بقية، عن إسماعيل بن عبد الله الكندي، عن الأعمش،\n_________\n(^٩٧٩) - تفسير ابن أبى حاتم (٢٤/ ١١٤) (٦٣١٧)، وذكره السيوطى فى الدر المنثور (٢/ ٤٤٠)، ولم يعزه لغير ابن أبى حاتم.\n(^٩٨٠) - رواه الطبرانى فى الكبير (١٠/ ٢٤٨) (١٠٤٦٢) وفى الأوسط (٥٧٧٠) والإسماعيلى \"معجمه\" رقم (٢٠١) من طريق بقية بن الوليد عن إسماعيل به. وإسناده ضعيف لضعف إسماعيل بن عبد الله الكندى ترجم له الذهبى فى الميزان (١/ ٢٣٥) وقال: عن الأعمش وعنه بقية بخبر عجيب منكر =\n_________\n[¬١]- فى ت: \"ولهذا\".\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- في خ: \"أي\".","vol":"4","page":391},{"text":"عن شَقِيق [¬١]، عن عبد الله [] [¬٢] قال: قال رسول الله، ﷺ: ﴿فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ قال: [] [¬٣]: \"أجورهم: أدخلهم الجنة\". ﴿وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ قال: \"الشفاعة فيمن وجبت له النار ممن صنع إليهم المعروف في الدنيا [¬٤] \".\nوهذا إسناد لا يثبت، وإذا روي عن ابن مسعود موقوفًا فهو جيد.\n﴿وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا﴾ أي: امتنعوا من طاعة الله وعبادته واستكبروا عن ذلك ﴿فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ [كما قال تعالى] [¬٥]: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ أي: صاغرين حقيرين ذليدين كما كانوا ممتنعين مستكبرين.\n﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا (١٧٤) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (١٧٥)﴾\nيقول تعالى مخاطبًا جميع الناس ومخبرًا [لهم] [¬٦] بأنه قد جاءهم منه برهان عظيم، وهو الدليل القاطع للعذر [] [¬٧] والحجة المزيلة للشبهة؛ ولهذا قال: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا﴾ أي: ضياء واضحًا على الحق، قال ابن جريج وغيره: وهو [¬٨] القرآن.\n_________\n= والحديث ذكره الهيثمى فى مجمع الزوائد (٧/ ١٦) وقال: رواه الطبرانى فى الأوسط، والكبير وفيه إسماعيل بن عبد الله الكندى ضعفه الذهبى من عند نفسه فقال: أتى بخبر منكر، وبقية رجاله وثقوا. وذكره السيوطى فى الدر المنثور (٢/ ٤٤٠) وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبى حاتم وأبى نعيم ولم أقف عليه عند ابن أبى حاتم فى تفسيره إلا من كلام الأعمش فى (٢٤/ ١١٤) (٦٣٢٠، ٦٣٢١) عن بقية عن إسماعيل عن الأعمش من قوله.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: سفيان. وهو تحريف. والصواب ما أثبتناه؛ كما جاء في معجم الإسماعيلي. وشقيق هو ابن سلمة، أبو وائل الكوفي، يروي عن عبد الله بن مسعود، وعنه الأعمش.\n[¬٢]- ما بين المعكوفين في ت: مرفوعًا.\n[¬٣]- ما بين المعكوفين في ت: قال.\n[¬٤]- في ت: \"دنياهم\".\n[¬٥]- في خ: \"كقوله\".\n[¬٦]- سقط من خ.\n[¬٧]- في ز: \"المقدر\".\n[¬٨]- في خ: \"هو\".","vol":"4","page":392},{"text":"﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ﴾ أي: جمعوا بين مقامي العبادة والتوكل على الله فى جميع أمورهم. وقال ابن جريج [] [¬١]: آمنوا بالله واعتصموا بالقرآن، رواه ابن جرير (^٩٨١). ﴿فَسَيُدْخِلُهُمْ [¬٢] فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ﴾ أي: يرحمهم، فيدخلهم الجنة ويزيدهم ثوابًا ومضاعفة ورفعًا في درجاتهم من فضله عليهم وإحسانه إليهم، ﴿وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ أي: طريقًا واضحًا قصدًا قوامًا لا اعوجاج فيه ولا انحراف، وهذه صفة المؤمنين في الدنيا والآخرة، فهم في الدنيا على منهاج الاستقامة وطريق السلامة في جميع الاعتقادات والعمليات، وفي الآخرة على صراط الله المستقيم المفضي إلى روضات الجنات. وفي حديث الحارث الأعور عن علي بن أبي طالب ﵁ عن النبي، ﷺ، أنه قال: \"القرآن صراط الله المستقيم، وحبل الله المتين\".\nوقد تقدم الحديث بتمامه فى أول التفسير، ولله الحمد والمنة.\n﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٧٦)﴾\nقال البخارى (^٩٨٢): حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا شعبة، عن أبى إسحاق؛ قال: سمعت البراء قال: آخر سورة نزلت براءة، وآخر آية [نزلت] [¬٣] ﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾.\n_________\n(^٩٨١) - تفسير ابن جرير (٩/ ٤٢٩) (١٠٨٦٣)، وذكره السيوطى فى الدر المنثور (٢/ ٤٤١) وزاد نسبته لابن المنذر.\n(^٩٨٢) - صحيح البخارى كتاب التفسير، باب: قوله: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ﴾ حديث (٤٦٠٥) ورواه البخارى فى المغازى، باب: حج أبى بكر بالناس فى سنة تسع حديث (٤٣٦٤)، وفى التفسير، باب: سورة براءة حديث (٤٦٥٤)، وفى الفرائض باب: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ …﴾ حديث (٦٧٤٤)، ومسلم فى كتاب الفرائض، باب: آخر آية أنزلت آية الكلالة حديث (١٦١٨) من طرق عن أبى إسحاق قال سمعت البراء بن عازب به.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفين في ت: وغيره هو القرآن.\n[¬٢]- في ز: \"فيدخلهم\".\n[¬٣]- سقط من خ.","vol":"4","page":393},{"text":"وقال الإِمام أحمد (^٩٨٣): حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة عن محمد بن المنكدر؛ قال: سمعت جابر بن عبد الله قال: دخل عليَّ رسول الله، ﷺ، وأنا مريض لا أعقل قال: فتوضأ [¬١] ثم صب عليَّ - أو قال: صَبُّوا عليَّ [¬٢]-[فعقلت] [¬٣] فقلت: إنه [¬٤] لا يرثني إلا كلالة فكيف الميراث؟ [فنزلت] [¬٥] آية الفرائض. أخرجاه فى الصحيحين من حديث شعبة، ورواه الجماعة من طريق سفيان بن عيينة عن محمد بن المنكدر عن جابر به، و[¬٦] في بعض الألفاظ: فنزلت آية الميراث ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ الآية.\nوقال ابن أبى حاتم (^٩٨٤): حدثنا محمد بن عبد الله بن يريد، حدثنا سفيان، وقال أبو الزيير: قال - يعنى جابرًا -: نزلت فيَّ ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ وكأن معنى الكلام - والله أعلم -: يستفتونك [عن الكلالة] [¬٧] ﴿قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ﴾ فيها، فدل المذكور على المتروك. وقد تقدم الكلام على الكلالة واشتقاقها وأنها مأخوذة من الإكليل الذى يحيط بالرأس من جوانبه، ولهذا فسرها أكثر العلماء بمن يموت وليس له ولد ولا [والد] [¬٨]، ومن الناس من\n_________\n(^٩٨٣) - المسند (٣/ ٢٩٨) ورواه البخارى فى الوضوء، باب: صب النبى ﷺ وضوءه على المغمى عليه حديث (١٩٤)، وفى كتاب المرضى، باب: وضوء العائد للمريض حديث (٥٦٧٦)، وفى الفرائض، باب: ميراث الأخوات والإخوة حديث (٦٧٤٣)، ومسلم فى صحيحه فى الفرائض، باب: ميراث الكلالة حديث (١٦١٦) (٨)، والنسائى فى الكبرى كتاب الفرائض، باب: ذكر الكلالة حديث (٦٣٢١) والدارمى (٧٣٩) من طرق عن شعبة به. ورواه أحمد (٣/ ٣٠٧)، والحميدى (١٢٢٩)، والبخارى فى كتاب المرض، باب: عيادة المغمى عليه حديث (٥٦٥١)، وفى الفرائض، باب: وقول الله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ (٦٧٢٣)، وفى كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة باب: ما كان النبى ﷺ يسأل مما لم ينزل عليه الوحى حديث (٧٣٠٩)، ومسلم فى (١٦١٦) (٥)، وأبو داود فى الفرائض، باب: فى الكلالة حديث (٢٨٨٦)، والترمذى فى كتاب الفرائض، باب: ميراث الأخوات، حديث (٢٠٩٧)، وفى تفسير القرآن، باب ومن سورة النساء حديث (٣٠١٥)، والنسائى فى المجتبى كتاب الطهارة، باب: الانتفاع بفضل الوضوء (١/ ٨٧)، وابن ماجه فى الفرائض، باب: الكلالة، حديث (٢٧٢٨) من طرق عن سفيان بن عيينة عن محمد بن المنكدر به. وللحديث طرق أخرى عند البخارى وغيره عن ابن المنكدر بألفاظ مختصرة.\n(^٩٨٤) - تفسير ابن أبى حاتم (٤/ ١١٢٦) (٦٣٢٩).\n_________\n[¬١]- في خ: \"فوضأ\".\n[¬٢]- في م: \"عليه\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من خ.\n[¬٤]- سقط من: ز.\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين في خ: \"فأنزل الله\".\n[¬٦]- سقط من: ز.\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٨]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"ولد ولدٍ\".","vol":"4","page":394},{"text":"يقول: الكلالة من لا ولد له كما دلت عليه هذه الآية ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ﴾ وقد أشكل حكم الكلالة على أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، ﵁، كما ثبت عنه فى الصحيحين أنه قال: ثلاث وددت أن رسول الله، ﷺ، كان عهد إلينا فيهن عهدًا ننتهي إليه: الجد، والكلالة، وأبواب [¬١] من أبواب الربا.\nوقال الإِمام أحمد (^٩٨٥): حدثنا إسماعيل، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن سالم بن أبي الجعد، عن معدان بن أبي طلحة، قال: قال عمر بن الخطاب: ما سألت رسول الله، ﷺ، عن شيء أكثر مما سألته عن الكلالة حتى طعن بأصبعه فى صدري وقال: \"يكفيك آية الصيف التي في آخر سورة النساء\". هكذا رواه مختصرًا، وقد [¬٢] أخرجه مسلم [¬٣] مطولًا أكثر من هذا.\n(طريق أخرى) قال الإِمام أحمد (^٩٨٦): حدثنا أبو نعيم، حدثنا مالك - يعني: ابن مغول -[] [¬٤] سمعت الفضل بن عمرو، عن إبراهيم، عن عمر؛ قال: سألت رسول الله، ﷺ، عن الكلالة فقال: \"يكفيك آية الصيف\" فقال: لأن أكون سألت رسول الله، ﷺ، عنها أحب إلى من أن يكون لي حُمر النعَم. وهذا إسناد جيد إلا أن فيه انقطاعًا بين إبراهيم وبين عمر، فإنه لم يدركه.\nوقال الإِمام أحمد (^٩٨٧): حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا أبو بكر، عن أبي إسحاق، عن البراء بن\n_________\n(^٩٨٥) - المسند (١/ ٢٦)، ورواه أحمد فى المسند أيضًا (١/ ١٥، ٢٧، ٤٨)، ومسلم فى \"صحيحه\" كتاب المساجد، باب: نهى من أكل ثومًا أو بصلًا أو كراثًا أو نحوها حديث (٥٦٧)، وفى الفرائض، باب: ميراث الكلالة حديث (١٦١٧) من طريق قتادة عن سالم بن أبى الجعد بهذا الإسناد مطولًا.\n(^٩٨٦) - المسند (١/ ٣٨) وإسناده ضعيف بسب الانقطاع بين إبراهيم النخعى وعمر بن الخطاب فإنه لم يدركه كما قال المصنف وكذا العلامة أحمد شاكر فى تعليقه على هذا الوضع من المسند لكن يشهد له الطريق السابق قبل هذا عند مسلم وغيره.\n(^٩٨٧) - المسند (٤/ ٢٩٥)، ورواه أبو داود فى الفرائض، باب: من كان ليس له ولد وله أخوات حديث (٢٨٨٩)، والترمذى فى تفسير القرآن، باب: ومن سورة النساء حديث (٣٠٤٢)، وابن عبد البر فى \"التمهيد\" (٥/ ١٨٧) من طريق أبى بكر بن عياش عن أبى إسحاق به، وأبو إسحاق السبيعى مدلس وقد عنعن لكن رواه أحمد فى مسنده (٤/ ٢٩٥، ٣٠١)، وأبو يعلى فى مسنده (٣/ ٢١٦، ٢١٧) (١٦٥٦) والرويانى فى مسنده (٣٠٢) من طريق حجاج بن أرطأة عن أبى إسحاق به. وحجاج أيضًا ضعيف مدلس. وسماعه من أبى إسحاق متأخر وكذا أبو بكر بن عياش فالحديث ضعيف بالإسنادين لكن يشهد =\n_________\n[¬١]- في خ: \"باب\"\n[¬٢]- في خ: \"و\".\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- ما بين المعكوفين في ت: يقول.","vol":"4","page":395},{"text":"عازب؛ قال: جاء رجل إلى النبى، ﷺ، فسأله عن الكلالة؛ فقال: \"يكفيك آية الصيف\"، وهذا إسناد جيد، رواه أبو داود والترمذي من حديث أبي بكر بن عياش، به. وكأن المراد بآية الصيف أنها نزلت فى فصل الصيف والله أعلم. ولما أرشده النبي، ﷺ، إلى تفهمها؛ فإن فيها كفاية نسي أن يسأل النبي، ﷺ، عن معناها؛ ولهذا قال: فلأن أكون سألتُ رسول الله، ﷺ، عنها أحب إلى من أن يكون لي حُمْرُ النَّعَم.\nوقال ابن جرير (^٩٨٨): حدثنا ابن وكيع، حدثنا جرير، عن [¬١] الشيباني، عن عمرو بن مرة، عن سعيد بن المسيب؛ قال: سأل عمر بن الخطاب النبي، ﷺ، عن الكلالة؛ فقال: \"أليس قد بين الله ذلك؟ \"؛ فنزلت: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ وقال قتادة: ذكر لنا أن أبا بكر الصديق قال فى خطبته: ألا إن الآية التي أنزلت [¬٢] فى أول سووة النساء فى شأن الفرائض أنزلها الله فى الولد والوالد، والآية الثانية أنزلها فى الزوج والزوجة والإخوة من الأم، والآية التى ختم بها سورة النساء أنزلها فى الإخوة والأخوات من الأب والأُم، والآية التي ختم بها سورة الأنفال أنزلها فى أولي الأرحام بعضهم أولى ببعض فى كتاب الله مما جرت الرحم من العصبة، رواه ابن جرير (^٩٨٩).\n\n<span data-type='title' id=toc-95>ذكر الكلام على معناها وبالله المستعان وعليه التكلان</span>\nقوله تعالى: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ﴾ أي: ممات؛ قال الله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ كل شيء يفنى ولا يبقى إلا الله، ﷿؛ كما قال: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ وقوله: ﴿لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ﴾ تمسك به من ذهب إلى أنه ليس من شرط الكلالة انتفَاء الوالد، بل يكفي في وجود الكلالة انتفاء الولد، وهو رواية عن عمر بن الخطاب رواه [¬٣] ابن جرير عنه بإسناد صحيح إليه، ولكن الذى رجع [¬٤] إليه هو قول الجمهور وقضاء الصديق أنه من [¬٥] ولد له ولا والد، ويدل على ذلك قوله:\n_________\n= له حديث عمر السابق رقم (٩٩٣، ٩٩٤) ولعل الحافظ ابن كثير جود إسناده هنا لهذا السبب، والله أعلم.\n(^٩٨٨) - تفسير ابن جرير (٩/ ٤٣١) (١٠٨٦٦).\n(^٩٨٩) - تفسير ابن جرير الطبرى (٩/ ٤٣١) (١٠٨٦٥) ورواه البيهقى فى السنن (٦/ ٢٣١) من طريق سعيد عن قتادة وذكره السيوطى فى الدر المنثور (٣/ ٤٤٥) وزاد نسبته لعبد بن حميد.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- في خ: \"نزلت\".\n[¬٣]- في خ: \"رواها\".\n[¬٤]- في ت: \"يرجع\".\n[¬٥]- في خ: \"الذي\".","vol":"4","page":396},{"text":"﴿وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ ولو كان معها أب لم ترث شيئًا،. لأنه يحجبها بالإجماع؛ فدل على أنه من لا ولد له [¬١] بنص القرآن، ولا والد له بالنص عند التأمل أيضًا؛ لأن الأخت لا يفرض لها النصف مع الوالد بل ليس لها ميراث بالكلية.\nو[¬٢] قال الإمام أحمد (^٩٩٠): حدثنا الحكم بن نافع، حدثنا أبو بكر بن عبد الله، عن مكحول، وعطية وحمزة وراشد، عن زيد بن ثابت، أنه سئل عن زوج وأخت لأب وأم [¬٣] فأعطى الزوج النصف والأخت النصف، فكئم في ذلك، فقال: حفعرت رسول الله، ﷺ، قضى بذلك.\nتفرد به أحمد من هذا الوجه. وقد نقل ابن جرير وغيره عن ابن عباس وابن الزبير أنهما كانا يقولان فى الميت ترك بنتًا وأختًا: إنه لا شئ للأخت، لقوله: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ قالا [¬٤]: فإذا ترك بنتًا فقد ترك ولدًا، فلا شيء للأخت، وخالفهما الجمهور، فقالوا في هذه المسألة: للبنت النصف بالفرض، وللأخت النصف الآخر بالتعصيب، بدليل، غير هذه الآية، وهذه الآية نصت أن يفرض لها في هذه الصورة، وأما وراثتها بالتعصيب، فلما رواه البخارى (^٩٩١) من طريق سليمان عن إبراهيم عن الأسود؛ قال: قضى فينا معاذ بن جبل على عهد رسول الله، ﷺ: النصف للابنة [¬٥] والنصف للأخت، ثم قال سليمان: قضى فينا، ولم يذكر على عهد رسول الله، ﷺ.\n_________\n(^٩٩٠) - المسند (٥/ ١٨٨) وفى إسناده أبو بكر بن عبد الله بن أبى مريم ضعفه أحمد وابن معين، وأبو زرعة وأبو حاتم وقال: الحافظ فى \"التقريب\": ضعيف وكان قد سرق بيته فاختلط والحديث ذكره الهيثمى فى مجمع الزوائد (٤/ ٢٣١) وقال: فيه أبو بكر بن أبى مريم وقد اختلط وبقية رجاله رجال الصحيح وجود إسناده السيوطي فى الدر المنثور (٢/ ٤٤٤).\n(^٩٩١) - صحيح البخارى فى الفرائض، باب: ميراث الأخوات مع البنات عصبة حديث (٦٧٤١)، ورواه أيضا فى الفرائض، باب: ميراث البنات حديث (٦٧٣٤) من طريق أشعث عن الأسود بن يزيد قال: أتانا معاذ بن جبل باليمن معلمًا وأميرًا، فسألناه عن رجل توفى وترك ابنته وأخته فأعطى الابنة النصف والأخت النصف. ورواه أبو داود في سننه فى الفرائض، باب: ما جاء فى ميراث الصلب حديث (١٢٨٩٣) من طريق أبى حسان عن الأسود بن يزيد أن معاذ بن جبل ورث أختًا وابنة فجعل لكل واحدة منهما النصف، وهو باليمن، ونبى الله ﷺ يومئذ حي.\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- في ز: \"الأم\".\n[¬٤]- في خ: \"قال\".\n[¬٥]- في خ: \"للبت\".","vol":"4","page":397},{"text":"وفى صحيح البخاري أيضًا (^٩٩٢) عن هزيل بن شرحبيل؛ قال: سئل أبو موسى الأشعري عن [ابنة و] [¬١] ابنة ابن، وأخت [¬٢] فقال: للابنة النصف وللأخت النصف، وأتِ ابن مسعودٍ فسيتابعني [¬٣]، فسأل [¬٤] ابن مسعود فأخبره [¬٥] بقول أبي موسى، فقال: ﴿قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ أقضي فيها بما قضى النبي، ﷺ: [للابنة النصف] [¬٦] [ولابنة] [¬٧] الابن السدس تكملةَ الثلثين، وما بقي فللأخت، [فأتينا أبا موسى] [¬٨] فأخبرناه بقول ابن مسعود فقال: لا تسألونى ما دام هذا الحبر فيكم.\nوقوله: ﴿وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ﴾، أي: والأخ يرث جميع مالها إذا ماتت [كلالة] [¬٩] و[¬١٠] ليس لها ولد، أي: ولا والد؛ لأنه [¬١١] لو كان لها والد لم يرث الأخ شيئا، فإن فرض أن [¬١٢] معه من له فرض صرف إليه فرضه كزوج أو أخٍ من أم، وصرف الباقي إلى الأخ، لما ثبت فى الصحيحين (^٩٩٣) عن ابن عباس أن رسول الله، ﷺ، قال: \"ألحقوا الفرائض بأهلها، فما أبقت الفرائض فلأولى رجل ذَكَرٍ\".\nوقوله ﴿فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ﴾؛ أى: فإن كان لمن يموت كلالة أختان؛ فرض لهما الثلثان، وكذا ما زاد على الأختين فى حكمهما، ومن هاهنا أخذ الجماعة حكم البنتين كما استفيد [¬١٣] حكم الأخوات من البنات فى قوله: ﴿فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ﴾.\nوقوله: ﴿وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ هذا حكم العصبات\n_________\n(^٩٩٢) - صحيح البخارى كتاب الفرائض، باب ميراث ابنة ابن مع ابنة حديث (٦٧٣٦) ورواه فى الفرائض، باب: ميراث الأخوات مع البنات عصبة حديث (٦٧٤٢) من طريق سفيان عن أبى قيس عن هزيل قال: قال عبد الله لأقضين فيها بقضاء النبى ﷺ أو قال: قال النبى ﷺ: للابنة النصف ولابنة الابن السدس وما بقى فللأخت.\n(^٩٩٣) - تقدم تخريجه فى هذه السورة تفسير الآية (٣٣).\n_________\n[¬١]- سقط من خ.\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- في ز: \" فينايعني\".\n[¬٤]- في ز: \"فسل\".\n[¬٥]- في ز: \"وأخبر\".\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين في خ: \"النصف للبنت\".\n[¬٧]- في خ: ولبنت.\n[¬٨]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٩]- ما بين المعكوفتين سقط من: ت.\n[¬١٠]- سقط من: ز.\n[¬١١]- في خ: \"لأنها\".\n[¬١٢]- في ز: \"أنه\".\n[¬١٣]- سقط من: ز.","vol":"4","page":398},{"text":"من البنين وبني البنين والإِخوة، إذا اجتمع ذكورهم وإناثهم أعطي [للذكر منهم] [¬١] مثل حظ الأنثيين.\nوقور: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ﴾؛ أى: يفرض لكم فرائضه، ويحد لكم حدوده، ويوضح لكم شرائعه.\nوقوله: ﴿أَنْ تَضِلُّوا﴾؛ أي: لئلا تضلوا عن الحق بعد البيان ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾، أي: هو عالم بعواقب الأمور ومصالحها وما فيها [¬٢] من الخير لعباده وما يستحقه كل واحد من القرابات بحسب قربه من المتوفى.\nوقد قال أبو جعفر بن جرير: حدثني يعقوب، حدثنى ابن علية، أنبأنا ابن عون، عن محمد ابن سيرين؛ قال: كانوا فى مسير، ورأس راحلة حذيفة عند ردف راحلة رسول الله، صلى الله تعالى عليه وسلم، ورأس راحلة عمر عند ردف راحلة حذيفة؛ قال: ونزلت: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ فلقاها رسول الله، ﷺ، حذيفة، فلقاها حذيفة عمر، فلما كان بعد ذلك سأل عمر عنها حذيفة [¬٣] فقال: والله [¬٤] إنك لأحمق إن كنت ظننت أنه لقانيها رسول الله، ﷺ، فلقيتكها كما لقانيها رسول الله، ﷺ، والله، لا أزيدك عليها شيئا أبدًا.\nقال: فكان عمر يقول: اللهم؛ إن كنت بينتها له فإنها لم تبين لي. كذا رواه ابن جرير.\nورواه أيضًا عن الحسن بن يحيى، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب، عن ابن سيرين كذلك بنحوه وهو منقطع بين ابن سيرين وحذيفة.\nوقد قال الحافظ أبو بكر أحمد بن عمرو البزار فى مسنده: حدثنا يوسف بن حماد المعنيّ، ومحمد بن مرزوق قالا: أخبرنا عبد الأعلى بن عبد الأعلى، حدثنا هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن أبي عبيدة بن حذيفة [عن أبيه قال: نزلت آية الكلالة على النبي، ﷺ، وهو فى مسير له فوقف النبي، ﷺ، وإذا هو بحذيفة] [¬٥] وإذا رأس ناقة حذيفة عند [مؤتزر] [¬٦] النبى، ﷺ، فلقاها\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ت: \"الذكر\".\n[¬٢]- في ز: \"فيه\".\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- سقط من: ز.\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين زيادة من: ز، خ.\n[¬٦]- في ت: \"رادف راحلة\".","vol":"4","page":399},{"text":"إياه، فنظر حذيفة فإذا عمر، ﵁، فلقاها إياه، فلما كان في خلافة عمر، [نظر عمر] [¬١] فى الكلالة فدعا حذيفة: فسأله عنها. فقال حذيفة: لقد لقانيها رسول الله، ﷺ، فلفيتك [¬٢] كما لقاني [] [¬٣] والله إني لصادق، ووالله لا أزيدك [¬٤] على ذلك شيئًا أبدًا.\nثم قال البزار: وهذا الحديث لا نعلم أحدًا [¬٥] رواه إلا حذيفة، ولا نعلم له طريقًا عن حذيفة إلا هذا الطريق. ولا رواه عن هشام إلا عبد الأعلى.\nوكذا رواه ابن مردُويه من حديث عبد الأعلى.\nوقال عثمان بن أبي شيبة: حدثنا جرير، عن الشيباني، عن عمرو بن مرة، عن سعيد - هو ابن المسيب - أن عمر سأل رسول الله، ﷺ: كيف يورث [¬٦] الكلالة؟ قال: فأنزل الله ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ الآية. قال: فكأنّ عمر لم يفهم؛ فقال لحفصة: إذا رأيت من رسول الله، ﷺ، طيب نفس فسليه [¬٧] عنها؛ فرأت منه طيب نفس فسألته عنها [¬٨] فقال: \"أبوك ذكر لك هذا ما أرى أباك يعلمها\". قال: فكان [¬٩] عمر يقول: ما أراني أعلمها، وقد قال رسول الله، ﷺ، ما قال.\nرواه ابن مردُويه ثم رواه من [¬١٠] طريق ابن عيينة، [] [¬١١] عن [عمرو عن] [¬١٢] طاوس أن عمر أمر حفصة أن تسأل النبي، ﷺ، عن الكلالة فأملاها عليها فى كتف فقال: \"من أمرك بهذا؟ أعمر؟ ما أراه يقيمها [¬١٣] أو ما تكفيه آية الصيف؟ \" [قال: سفيان] [¬١٤] وآية الصيف التي في النساء ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ﴾ فلما سألوا رسول الله، ﷺ، نزلت الآية التي هي خاتمة النساء [فألقى عمر] [¬١٥] الكتف. كذا قال في هذا الحديث وهو مرسل.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٢]- في خ: \"فلقيتكها\".\n[¬٣]- في خ: \"رسول الله ﷺ \".\n[¬٤]- في ز: \"أزيد\".\n[¬٥]- سقط من: خ.\n[¬٦]- في خ: \"تورث\".\n[¬٧]- في ز: \"فسليها\".\n[¬٨]- في ز: \"عنه\".\n[¬٩]- في ز: \"وكان\".\n[¬١٠]- في خ: \"عن\".\n[¬١١]- في خ: و.\n[¬١٢]- ما بين المعكوفتين في ز: \"عمرو بن\".\n[¬١٣]- في ز: \"يقمها\"\n[¬١٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬١٥]- ما بين المعكوفتين في ز: \"ألقى\".","vol":"4","page":400},{"text":"وقال ابن جرير: حدَّثنا أَبو [¬١] كريب، حدَّثنا عثام عن الأعمش، عن قيس بن [مسلم عن] [¬٢] طارق بن شهاب؛ قال: أخذ عمر كتفًا وجمع أصحاب رسول الله، ﷺ، ثم قال: لأقضين في الكلالة قضاء تحدث به النساء في خدورهن، فخرجت حينئذ حية من البيت فتفرقوا فقال: لو أراد الله، ﷿، أن يتم هذا الأمر لأتمه.\nوهذا إسناد صحيح، وقال الحاكم أَبو عبد الله النيسابوري: حدَّثنا على بن محمد بن [] [¬٣] عقبة الشيباني بالكوفة، حدَّثنا الهيثم بن خالد، حدَّثنا أَبو نعيم، حدئنا ابن عيينة، عن عمرو بن دينار؛ سمعت محمد بن طلحة بن يزيد بن ركانة يحدِّث عن عمر بن الخطاب قال؛ لأن أكون سألت رسول الله، ﷺ، عن ثلاث أحب إلي من حُمْر النَّعَم: مَن الخليفة بعده؟ وعن قوم قالوا: نقر بالزكاة فى أموالنا ولا نؤديها إليك [¬٤] أيحل قتالهم؟ وعن الكلالة.\nثم قال: صحيح الإِسناد [¬٥] على شرط الشيخين ولم يخرجاه.\nثم روى بهذا [¬٦] الإِسناد إلى [¬٧] سفيان بن عيينة، عن عمر بن مرة، عن [مرة، عن] [¬٨] عمر قال: ثلاث لأن يكون النبي، ﷺ، بينهنَّ لنا أحب الي من الدنيا وما فيها: الخلافة، والكلالة، والربا.\nثم قال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. وبهذا الإِسناد إلى سفيان بن عيينة قال: سمعت سليمان الأحول يحدّث عن طاوس، قال: سمعت ابن عبَّاس قال: كنت آخر الناس عهدًا بعمر فسمعته يقول: القول ما قلت. قلت: وما قلت؟ قال: قلت: الكلالة من لا ولد له.\nثم قال: صحيح على شرطهما ولم يخرجاه.\nوهكذا رواه ابن مردويه من طريق زمعة بن صالح، عن عمرو بن دينار، وسليمان الأحول،\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من ت.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في ز: \"محمد بن\".\n[¬٤]- في ت: \"شليك\".\n[¬٥]- سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- في خ: \"هذا\".\n[¬٧]- في خ: \"عن\".\n[¬٨]- ما بين المعكوفتين سقط من خ.","vol":"4","page":401},{"text":"عن طاوس، عن ابن عبَّاس؛ قال: كنت آخر الناس [¬١] عهدًا بعمر بن الخطاب قال: اختلفت أنا وأَبو بكر في الكلالة، والقول ما قلت، قال: وذكر أن عمر شرَّك بين الإِخوة [للأب والأم] [¬٢] وبين الإِخوة للأم في الثلث إذا اجتمعوا وخالفه أَبو بكر، ﵄.\nوقال ابن جرير: حدَّثنا [ابن] [¬٣] وكيع، حدَّثنا محمد بن حميد العمري، عن معمر، عن الزُّهْريّ، عن سعيد بن المسيب، أن عمر كتب في الجد والكلالةكتابًا فمكث يستخير الله يقول: اللهم؛ إن علمت فيه خيوًا فأمضه [¬٤]. حتَّى إذا طُعِنَ دعا بكتاب فمحي، ولم يدر أحد ما كتب فيه، فقال: إني كنت كتبت في الجد والكلالة كتابًا، وكنت أستخير [¬٥] الله فيه، فرأيت أن أترككم على ما كنتم عليه.\nقال ابن جرير: وقد روي عن عمر، ﵁، أنَّه قال: إني لأستحي أن أخالف فيه أبا بكر، وكان أَبو بكر، ﵁، يقول: هو ما عدا الولد والوالد.\nوهذا الذي قاله الصديق عليه جمهور الصحابة والتابعين والأئمة في قديم الزمان وحديثه، وهو مذهب الأئمة الأربعة والفقهاء السبعة، [وقول علماء الأمصار] [¬٦] قاطبة [¬٧]، وهو الذي يدل عليه القرآن، كما أرشد الله أنَّه قد بين ذلك ووضحه [¬٨]، في قوله: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾. [والله أعلم] [¬٩].\n* * *\n\nانتهى بحمد اللَّه وحسن توفيقه المجلد الرابع\nويليه إن شاء اللَّه تعالى المجلد الخامس\nوأوله تفسير سورة المائدة\n_________\n[¬١]- سقط من: ت.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في خ: \"للأم والأب\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من خ.\n[¬٤]- في ت: \"فاقضه\".\n[¬٥]- في ز: \"استخرت\".\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٧]- سقط م: خ.\n[¬٨]- في ز، خ: \"وصححه\".\n[¬٩]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"4","page":402},{"text":"﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾\n\n<span data-type='title' id=toc-96>تفسير سورة المائدة وهي مدنية</span>\nقال الإِمام أحمد (^١): حدَّثنا أَبو النضر، حدَّثنا أَبو معاوية شيبان، عن ليث، عن شهر بن حوشب، عن أسماء بنت يزيد، قالت: إِني لآخذة بزمام العضباء، ناقة رسول الله ﷺ، إِذ نزلت عليه المائدة كلها، وكادت من ثقلها تدق عضد الناقة.\nوروى ابن مردويه (^٢) من حديث صالح بن سهيل [¬١]، عن عاصم الأحول قال: حدثتني أمِّ عمرو، عن عمها: أنَّه كان في مسير مع رسول الله ﷺ، فنزلت عليه سورة المائدة، فاندق عنق الراحلة من ثقلها.\nوقال أحمد أيضًا (^٣): حدَّثنا حسن، حدَّثنا ابن لهيعة، حدثني حيي بن عبد الله، عن أبي عبد الرحمن الحبلي، عن عبد الله بن عمرو قال: أنزلت على رسول الله ﷺ سورة المائدة وهو راكب على راحلته، فلم تستطع أن تحمله فنزل عنها. تفرَّد به أحمد.\nوقد روى التِّرمِذي (^٤)، عن قتيبة، عن عبد الله بن وَهْب، عن حيي، عن أبي\n_________\n(^١) - إسناده ضعيف، ليث هو ابن أبي سليم: صدوق، اختلط، فلم يتميز حديثه، فتُرك. وشهر بن حوشب: صدوق، كثير الأوهام والإرسال، والحدث رواه أحمد في المسند (٦/ ٤٥٥)، (٦/ ٤٥٨)، وإسحاق بن راهويه (٢٢٩٨)، والطبراني في الكبير (٢٤/ ١٧٨) برقم (٤٤٨) من طريق من ليث، عن شهر به، وقال الهيثمي في المجمع (٧/ ١٣): \"فيه شهر بن حوشب وهو ضعيف وقد وثق\". وصححه أحمد شاكر في عمدة التفسير (٤/ ٦١).\n(^٢) - ورواه ابن أبي شيبة في مسنده (٦٦٠)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (١٢٢٦)، وابن الأثير في أسد الغابة (٦/ ٣٧٣) من طريق إبراهيم بن طهمان به. ورواه البغوي في معجمه، والبيهقي في دلائل النبوة كما في الدر المنثور (٣/ ٣).\n(^٣) - إسناده ضعيف، حيي ترجم له ابن عدي في الكامل (٢/ ٨٥٥) ونقل قول البخاري: \"فيه نظر\" ثم ذكر له ابن عدي حديثين من طريق ابن وَهْب، عنه، عن أبي عبد الرحمن الحبلي، وقال: له بهذا الإسناد خمس وعشرون حديثًا عامتها لا يتابع عليها. وابن لهيعة تقدم الكلام عليه. والحديث رواه أحمد في المسند (٢/ ١٧٦)، وقال الهيثمي في المجمع (٧/ ١٣): \"فيه ابن لهيعة، والأكثر على ضعفه وقد يحسن حديثه، وبقية رجاله ثقات\".\n(^٤) - إسناده ضعيف، رواه التِّرمِذي في كتاب التفسير برقم (٣٠٦٣)، والحاكم في المستدرك (٢/ ٣١١)، والبيهقي (٧/ ١٧٢) وصححه الحاكم على شرط الشيخين. وضعف إسناده الألبانى في ضعيف التِّرمِذي =\n_________\n[¬١]- في خ: \"سهل\".","vol":"5","page":5},{"text":"عبد الرحمن، عن عبد الله بن عمرو قال: آخر سورة أنزلت [سورة المائدة والفتح؛ ثم قال التِّرمِذي: هذا حديث غريب حسن. وقد روي عن ابن عبَّاس أنَّه قال: آخر سورة أنزلت] [¬١]: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾.\nوقد روى الحاكم في مستدركه من طريق عبد الله بن وَهْب بإسناده نحو رواية التِّرمِذي، ثم قال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.\nوقال الحاكم أيضًا (^٥): حدَّثنا أَبو العباس محمد بن يعقوب، حدَّثنا بحر [¬٢] بن نصر، قال: قرئ على عبد الله بن وَهْب: أخبرني معاوية بن صالح، عن أبي الزاهرية، عن جبير بن نفير، قال: حججت فدخلت على عائشة، فقالت لي: يا جبير، تقرأ المائدة؟ فقلت: نعم. فقالت: أما إِنها آخر سورة نزلت، فما وجدتم فيها من حلال فاستحلوه، وما وجدتم فيها [¬٣] من حرام فحرمره. ثم قال: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه.\nورواه الإِمام أحمد، عن عبد الرحمن بن مهدي، عن معاوية بن صالح وزاد: وسألتها عن خُلُق رسول الله ﷺ، فقالت: القرآن. ورواه النَّسائي من حديث ابن مهدي (^٦).\n﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ (١) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ\n_________\n= (٥٨٩). ونسبه السيوطي في الدر المنثور إلى أحمد وابن مردويه.\n(^٥) - المستدرك (٢/ ٣١١)، ومن طريق الحاكم رواه البيهقي (٧/ ١٧٢). وقول الحاكم ﵀: \"على شرط الشيخين\" فيه نظر. فإن أبا الزاهرية، ومعاوية بن صالح خرَّج لهما مسلم دون البخاري. والله أعلم. ورواه أَبو عبيد في فضائله (٢٣٩ - ٢٤٠)، والنحاس في الناسخ والنسوخ (ص ٣٥٧).\n(^٦) - رواه أحمد في المسند (٦/ ١٨٨)، والنَّسائي في الكبرى برقم (١١١٣٨).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٢]- في ت: \"يحيى\".\n[¬٣]- سقط من: ت.","vol":"5","page":6},{"text":"إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)﴾.\nقال ابن أبي حاتم (^٧): حدَّثنا أبي، حدَّثنا نعيم بن حمَّاد، حدَّثنا عبد الله بن المبارك، حدَّثنا مسعر، حدثني معن وعوف أو أحدهما، أن رجلًا أتى عبد الله بن مسعود، فقال: اعهد إِليَّ، فقال: إِذا سمعت الله يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فأرْعِها سمعك، فإِنَّه خير يأمر به، أو شر ينهى عنه.\nوقال: حدَّثنا على بن الحسين، حدَّثنا عبد الرحمن بن إبراهيم - دحيم - حدَّثنا الوليد، حدَّثنا الأوزاعي، عن الزُّهْريّ، قال: إِذا قال الله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ افعلوا، فالنبي ﷺ منهم.\nوحدثنا أحمد بن سنان، حدَّثنا محمد بن عبيد، حدَّثنا الأعمش، عن خيثمة قال: كل شيء في القرآن: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فهو في التوراة: يا أيها المساكين.\nفأما ما رواه عن زيد بن إِسماعيل الصائغ البغدادي، حدَّثنا معاوية - يعني ابن هشام - عن عيسى بن راشد، عن علي بن بذيمة، عن عكرمة، عن ابن عبَّاس قال: ما في القرآن آية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ إِلا أن عليًّا سيدها وشريفها وأميرها، وما من أصحاب النبي ﷺ أحد إِلا قد عوتب فى القرآن، إِلا على بن أبي طالب؛ فإِنه لم يعاتب في شيء منه (^٨).\nفهو أثر غريب، ولفظه فيه نكارة، وفى إِسناده نظر. قال البخاري: عيسى بن راشد هذا مجهول، وخبره منكر. قلت: وعلى بن بذيمة [¬١]، وإِن كان ثقة إِلا أنَّه شيعي غالٍ، وخبره في مثل هذا فيه تهمة، فلا يقبل. وقوله: ولم يبق أحد من الصحابة إِلا عوتب في القرآن إِلا عليًّا. إنما يشير به إِلى الآية الآمرة بالصدقة بين يدي النجوى، فإنه قد ذكر غير واحد أنَّه لم يعمل بها أَحد إِلا علي، ونزل قوله: ﴿أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ [¬٢] فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ الآية. وفي كون هذا عتابًا نظر؛ فإِنه قد قيل: إِن الأمر كان ندبًا لا إِيجابًا ثم قد نسخ ذلك عنهم قبل الفعل؛ فلم ير من أحد منهم خلافه. وقوله عن علي: إنه لم يعاتب في شيء من القرآن، فيه نظر أيضًا، فإِن الآية التي في الأنفال التي فيها\n_________\n(^٧) - تفسير ابن أبي حاتم (١/ ١٩٦) رقم (١٠٣٧)، وقد تقدم في تفسير سورة البقرة آية (١٠٤).\n(^٨) - تقدم في تفسير سورة البقرة آية (١٠٤).\n_________\n[¬١]- في ز: \"جننيمة\".\n[¬٢]- في ز: \"صدقة\".","vol":"5","page":7},{"text":"المعاتبة على أخذ الفداء عمت جميع من أشار بأخذه، ولم يسلم منها إلا عمر بن الخطاب ﵁ فعلم بهذا وبما تقدَّم ضعف هذا الأثر، والله أعلم.\nوقال ابن جرير (^٩): حدثني المثنى، حدَّثنا عبد الله بن صالح، حدَّثنا اللَّيث، حدثني يونس قال: قال محمد بن مسلم: قرأت كتاب رسول الله ﷺ الذي كتب لعمرو بن حزم، حين بعثه إِلى نجران، وكان الكتاب عند أبي بكر بن حزم فيه: \"هذا بيان من الله ورسوله ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ فكتب الآيات منها [¬١] حتَّى بلغ: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ \".\nوقال ابن أبي حاتم (^١٠): حدَّثنا أبو سعيد، حدثنا يونس بن بكير، حدَّثنا محمد بن إِسحاق، حدثنا عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، قال: هذا كتاب رسول الله ﷺ عندنا، الذي كتبه لعمرو بن حزم، حين بعثه إلى اليمن يفقه أهلها ويعلمهم السنة، ويأخذ صدقاتهم، فكتب له كتابًا وعهدًا، وأمره [] [¬٢] فكتب: \"بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من الله ورسوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ عهد من محمد رسول الله ﷺ، لعمرو بن حزم، حين بعثه إِلى اليمن، آمره بتقوى الله في أمره كله، فإن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون\".\nقوله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ قال ابن عبَّاس ومجاهد وغير واحد: يعني بالعقود: العهود. وحكى ابن جرير الإِجماع على ذلك. قال: والعهود ما كانوا يتعاهدون عليه من الحلف وغيره.\nوقال على بن أبي طلحة (^١١)، عن ابن عبَّاس في قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ يعني بالعهود، يعني ما أحل الله وما حرم، وما فرض، وما حدّ في القرآن كله، ولا تغدروا ولا تنكثوا. ثم شدّد في ذلك، فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾ إلى قوله: ﴿سُوءُ الدَّارِ﴾.\nوقال الضحاك: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ قال: ما أحل الله وحرم، وما أخذ الله من الميثاق على\n_________\n(^٩) - تفسير الطبري (٩/ ٤٥٤). والحديث تقدم الكلام عليه في تفسير سورة النساء.\n(^١٠) - ورواه البيهقي في دلائل النبوة (٥/ ٤١٣) من طريق أحمد بن عبد الجبار، عن يونس بن بكير به.\n(^١١) - رواه الطبري في تفسيره (٩/ ٤٥٢) (١٠٩٠٧).\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- في ز: \"فيه بأمره\".","vol":"5","page":8},{"text":"من أقر بالإِيمان بالنبي والكتاب، أن يوفوا بما أخذ الله عليهم من الفرائض من الحلال والحرام.\nوقال زيد بن أسلم: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾، قال: هي ستة: عهد الله، وعقد الحلف، وعقد الشركة، وعقد البيع، وعقد النكاح، وعقد اليمين.\nوقال محمد بن كعب: هي خمسة؛ منها حلف الجاهلية، وشركة المفاوضة.\nوقد استدل بعض من ذهب إلى أنه لا خيار في مجلس البيع بهذه الآية ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾، قال: فهذا يدل على لزوم العقد وثبوته، فيقتضي نفي خيار المجلس، وهذا مذهب أبي حنيفة ومالك، وخالفهما [فى ذلك] [¬١] الشافعي وأحمد بن حنبل والجمهور.\nوالحجة في ذلك ما ثبت في الصحيحين (^١٢) عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: \"البيعان بالخيار ما لم يتفرقا\".\nوفي لفظ آخر [¬٢] للبخاري (^١٣): \" إِذا تبايع الرجلان فكل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا\".\nوهذا صريح في إِثبات خيار المجلس المتعقب لعقد البيع، وليس هذا منافيًا للزوم العقد، بل هو من مقتضياته شرعًا، فالتزامه من تمام الوفاء بالعقود [¬٣].\nوقوله تعالى: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾ هي الإِبل والبقر والغنم. قاله الحسن [¬٤] وقتادة وغير واحد. قال ابن جرير: وكذلك هو عند العرب. وقد استدل ابن عمر وابن عباس وغير واحد بهذه الآية، على إِباحة الجنين إِذا وجد ميتًا في بطن أمه إِذا ذبحت، وقد ورد في ذلك حديث في السنن، رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة، من طريق مجالد، عن أبي الودَّاك جبر ابن نوف [¬٥]، عن أبي سعيد، قال: قلنا: يا رسول الله، ننحر [¬٦] الناقة ونذبح [¬٧] البقرة أو الشاة في بطها الجنين، أنلقيه أم نأكله؟ فقال: \"كلوه إِن شئتم؛ فإن ذكاته ذكاة أمه\" (^١٤).\n_________\n(^١٢) - رواه البخاري فى البيوع برقم (٢١٠٩)، ومسلم في البيوع برقم (١٥٣١).\n(^١٣) - البخاري فى البيوع برقم (٢١١٢)، ومسلم برقم (١٥٣١).\n(^١٤) - رواه أبو داود فى الأضاحي برقم (٢٨٢٧)، والترمذي فى الأطعمة برقم (١٤٧٦)، وابن ماجة=\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- في ز: \"بالعقد\".\n[¬٤]- في خ: \"أبو الحسن\".\n[¬٥]- في خ: \"نوفل\".\n[¬٦]- في ز: \"تنحر\".\n[¬٧]- في ز: \"وتذبح\".","vol":"5","page":9},{"text":"وقال الترمذي: حديث حسن.\nقال أبو داود (^١٥): حدثنا محمد بن يحيى بن فارس، حدثنا إسحاق بن إبراهيم، حدثنا عتاب بن بشير، حدثنا عبيد الله بن أبي زياد القداح [¬١] المكى، عن أبي الزبير، عن جابر ابن عبد الله، عن رسول الله ﷺ قال: \"ذكاة الجنين ذكاة أمه\". تفرد به أبو داود.\nوقوله: ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ قال على بن أبي طلحة، عن ابن عباس (^١٦): يعني بذلك: الميتة والدم ولحم الخنزير. وقال قتادة (^١٧): يعني بذلك؛ الميتة، وما لم يذكر اسم الله عليه.\nوالظاهر والله أعلم أن المراد بذلك قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ﴾ فإن هذه، وإِن كانت من الأنعام، إلا أنها تحرم بهذه العوارض، ولهذا قال: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾، يعني منها، فإنه حرام لا يمكن استدراكه وتلاحقه، ولهذا قال تعالى: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ أي: إِلا ما سيتلى عليكم من تحريم بعضها في بعض الأحوال.\nوقوله تعالى: ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ قال بعضهم: هذا منصوب على الحال، والمراد بالأنعام ما يعم الإِنسي من الإِبل والبقر والغنم، وما يعم الوحشي كالظاء والبقر والحمر، فاستثنى من الإِنسي ما تقدم، واستثنى من الوحشي الصيد في حال الإِحرام.\nوقيل: المراد أحللنا [لكم الأنعام] في جميع الأحوال، فحرموا الصيد في حال الإِحرام،\n_________\n= في الذبائح برقم (٣١٩٩). وأبو يعلى (٩٩٢) وابن الجارود (٩٠٠)، والدارقطني (٤/ ٢٧٢: ٢٧٤) والبيهقي (٩/ ٣٣٥) والبغوي (٢٧٨٩). وقال الترمذي: حديث حسن صحيح، وقد روي من غير هذا الوجه عن أبي سعيد. ومجالد بن سعيد: قال الحافظ في التقريب: ليس بالقوي وقد تغير في آخر عمره.\n(^١٥) - رواه أبو داود في الأضاحى برقم (٢٨٢٨). والدارمي (١٩٨٥)، والدارقطني (٤/ ٢٧٣)، والحاكم (٤/ ١٢٧) (٤/ ١١٤)، والبيهقي (٩/ ٣٣٤ - ٣٣٥) من طرق عن أبي الزبير عن جابر. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. وقال الألباني: وهو كما قالا لولا أن أبا الزبير مدلس وقد عنعنه في جميع الطرق عنه، وبه أعله ابن حزم في المحلى (٧/ ٤١٩). اهـ من الإرواء (٨/ ١٧٢).\n(^١٦) - أخرجه ابن جرير (٩/ ٤٥٨) رقم (١٠٩٣٢).\n(^١٧) - عبد الرزاق في تفسيره (١/ ١٨١) ومن طريقه الطبرى (٩/ ٤٥٨) رقم (١٠٩٢٩).\n_________\n[¬١]- في خ: \"القدامى\".","vol":"5","page":10},{"text":"فإن الله قد حكم بهذا، وهو الحكيم في جميع ما يأمر به وينهى عنه، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾.\nثم قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ قال ابن عباس (^١٨): يعني بذلك: مناسك الحج. و[¬١] قال مجاهد (^١٩): الصفا والمروة، والهدي والبدن من شعائر الله.\nوقيل: شعائر الله محارمه، أي: لا تحلوا محارم الله التي حرمها تعالى، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾، يعني بذلك تحريمه، والاعتراف بتعظيمه، وترك ما نهى الله عن تعاطيه فيه من الابتداء بالقتال، وتأكيد اجتناب المحارم، كما قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾. وقال تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾. الآية.\nوفي صحيح البخاري (^٢٠)، عن أبي بكرة، أن رسول الله ﷺ قال في حجة الوداع: \"إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض، السنة اثنا عشر شهرًا، منها أربعة حرم ثلاث متواليات: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان\".\nوهذا يدل على استمرار تحريمها إِلى آخر وقت، كما هو مذهب طائفة من السلف.\nوقال على بن أبي طلحة، عن ابن عباس (^٢١) ﵄ في قوله تعالى: ﴿وَلَا\n_________\n(^١٨) - رواه ابن جرير (٩/ ٤٦٣) (١٠٩٤٠)\n(^١٩) - أخرجه ابن جرير (٩/ ٤٦٣) (١٠٩٤٢) من طريق عيسى عن ابن أبي نجيح عن مجاهد به. وعيسى هو ابن ميمون الجُرَشي المعروف بابن دراية قال الحافظ في التقريب (٥٣٣٤): ثقة.\n(^٢٠) - هو حديث أبي بكرة في خطة النبي ﷺ يوم النحر، أخرجه البخاري: كتاب بدء الخلق، باب: ما جاء في سبع أرشين، الحديث (٣١٩٧)، وفي التفسير، باب: قوله: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ. . .﴾ الآية الحديث (٤٦٦٢)، وفي كتاب الأضاحي، باب من قال: الأضحى يوم النحر الحديث (٥٥٥٠)، في كتاب التوحيد، باب: قول الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ الآية الحديث (٧٤٤٧)، ومسلم (١٦٧٩) من حديث أي بكرة والحديث رواه البخاري أيضًا (٦٧، ١٠٥، ١٧٤١)، وليس فيه الجزء المذكور.\n(^٢١) - أخرجه ابن جرير الطبري (٩/ ٤٦٥) رقم ١٠٩٤٥) من طريق معاوية بن صالح عن علي عن ابن عباس، وفد تقدم الكلام على هذا الإسناد في سورة البقرة.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.","vol":"5","page":11},{"text":"الشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾ يعنى لا تستحلوا قتالًا [¬١] فيه وكذا قال مقاتل بن حيان وعبد الكريم بن مالك الجزري، واختاره ابن جرير أيضًا (^٢٢). و[¬٢] ذهب الجمهور إلى أن ذلك منسوخ، وأنه يجوز ابتداء القتال في الأشهر الحرم. واحتجوا بقوله تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ﴾ قالوا: والمراد: أشهر التسيير الأربعة، ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ قالوا: فلم يستثن شهرًا حرامًا من غيره.\nوقد حكى الإِمام أبو جعفر الإجماع على أن الله قد أحل قتال أهل الشرك في الأشهر الحرم وغيرها من شهور السنة، قال: وكذلك أجمعوا على أن المشرك لو قلد عنقه أو ذراعيه بلحاء [¬٣] جميع أشجار الحرم؛ لم يكن ذلك له أمانًا من القتل، إذا لم يكن تقدم له عقد ذمة من المسلمين، أو أمان. ولهذه المسألة بحث آخر له موضع أبسط من هذا.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ﴾ يعني: لا تتركوا الإهداء إلى البيت الحرام [¬٤]، فإن فيه تعظيمًا لشعائر [¬٥] الله، ولا تتركوا تقليدها في أعناقها لتتميز به عما عداها من الأنعام، وليعلم أنها هدي إلى الكعبة فيجتنبها [¬٦] من يريدها بسوء، وتبعث من يراها على الإتيان بمثلها؛ فإن من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه، من غير أن ينقص من أجورهم شيء [¬٧]، ولهذا لما حج رسول الله ﷺ بات بذي الحليفة، وهو وادي العقيق، فلما أصبح طاف على نسائه، وكن تسعًا، ثم اغتسل وتطيب وصلى ركعتين، ثم أشعر هديه وقلده، وأهل بالحج [¬٨] والعمرة، وكان هديه إبلا كثيرة، تنيف على الستين، من أحسن الأشكال والألوان، كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾.\nو[¬٩] قال بعض السلف: إعظامها: استحسانها واستسمانها.\nو[¬١٠] قال على بن أبي طالب: أمرنا رسول الله ﷺ أن نستشرف العين والأذن. رواه أهل السنن.\n_________\n(^٢٢) - انظر جامع البيان (٩/ ٤٦٥).\n_________\n[¬١]- في ت: \"القتال\".\n[¬٢]- في ز: \"وقد\".\n[¬٣]- في ز: \"بلحا\".\n[¬٤]- سقط من: ز.\n[¬٥]- في ت: \"شعائر\".\n[¬٦]- في ز: \"فيتجنبها\".\n[¬٧]- في ز: \"شيئًا\".\n[¬٨]- في ت: \"للحج\".\n[¬٩]- سقط من: ز.\n[¬١٠]- سقط من: ز.","vol":"5","page":12},{"text":"و[¬١] قال مقاتل بن حيان (^٢٣): قوله [¬٢]: ﴿وَلَا الْقَلَائِدَ﴾ فلا تستحلوه. وكان أهل الجاهلية إِذا خرجوا من أوطانهم في غير الأشهر الحرم؛ قلدوا أنفسهم بالشعر والوبر، وتقلد [¬٣] مشركوا الحرم من لحاء شجر الحرم فيأمنون به.\n_________\n(^٢٣) - أخرجه أحمد (١/ ٩٥، ١٠٥، ١٢٥، ١٥٢)، والترمذي كتاب الأضاحي، باب: في الضحية بعضباء القرن والأذن الحديث (١٥٠٣)، والنسائي، كتاب الضحايا، باب: المدابرة وهي ما قطع من مؤخر أذنها (٧/ ٢١٧)، وابن ماجة كتاب الأضاحي، باب: ما يكره أن يضحى به الحديث (٣١٤٣)، والدارمي (١٩٥٧)، وابن خزيمة (٢٩١٤)، (٢٩١٥)، والحاكم (٤/ ٢٢٥)، والبيهقي (٩/ ٢٧٥) من طرق عن سلمة بن كهيل عن حجية عن علي بن أبي طالب.\nوقال الترمذي: حسن صحيح. وصححه الحاكم وقال: لم يحتجا بحجية بن عدي وهو من كبار أصحاب أمير المؤمنين على ﵁.\nقال العلامة الألباني في الإرواء (٤/ ٣٦٢): \"لا يبلغ درجة الصحة فإن حجية هذا، وإن كان من كبار أصحاب على ﵁ كما قال الحاكم، فقد أورده الذهبي في \"الميزان\"، وقال: \"قال أبو حاتم: شبه مجهول، لا يحتج به. قلت: روي عنه الحكم وسلمة بن كهيل، وأبو إسحاق، وهو صدوق إن شاء الله تعالى، قد قال فيه العجلي: ثقة\" ا. هـ\nقلت: ترجمته في الميزان (٢/ ٤٦٦)، وقال الحافظ في \"التقريب\": صدوق يخطئ.\nورواه أحمد (١/ ١٠٨، ١٤٩)، وأبو داود كتاب الأضاحي، باب: ما يكره من الضحايا، الحديث (٢٨٠٤)، والترمذي كتاب الأضاحي، باب: ما يكره من الأضاحي، الحدث (١٤٩٨)، والنسائي (٧/ ١١٦، ٢١٧) كتاب الضحايا، وابن ماجة كتاب الأضاحي، باب: ما يكره أن يضحى به الحديث (٣١٤٢)، والدارمي (١٩٥٨)، وابن الجارود (٩٠٦)، والحاكم (٤/ ٢٢٤)، والبيهقي (٩/ ٢٧٥) من طرق عن أبي إسحاق عن شريح بن النعمان عن علي بألفاظ بعضها مطولٌ وبعضها مختصرٌ.\nوقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وصححه الحاكم وقال: ولم يخرجاه وأظنه لزيادة ذكرها قيس بن الربيع عن أبي إسحاق على أنهما لم يحتجا بقيس، ثم روي عن قيس قال: قلت لأبي إسحاق: سمعته من شريح؟ قال: حدثني ابن أشوع عنه\" اهـ.\nقلت: أبو إسحاق السبيعي عمرو بن عبد الله معروف بالتدليس، وهذا دليل على أنه دلس هذا الحديث وابن أشوع هو سعيد بن عمرو من رجال الشيخين، قال الحافظ في \"التقريب\": ثقة. فلو صح أن أبا إسحاق سمعه من ابن أشوع كان الإسناد صحيحًا، وقد قال العلامة الشيخ ناصر الدين الألبانى في الإرواء (٤/ ٣٦٤) فإذا صح أنه هو الواسطة بين أبي إسحاق وشريح فقد زالت شبهة التدليس وبقيت علة الاختلاط\" ا هـ.\nقلت: يقصد - حفظه الله - أن أبا إسحاق كان قد اختلط بأخرة كما قال الحافظ في \"التقريب\"=\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- في ز: \"وقلد\".","vol":"5","page":13},{"text":"رواه ابن أبي حاتم (^٢٤) ثم قال: حدثنا محمد بن عمار، حدثنا سعيد بن سليمان: حدثنا عباد ابن العوام، عن سفيان بن حسين، عن الحكم، عن مجاهد، عن ابن عباس ﵄، قال: نسخ من هذه السورة آيتان: آية القلائد، وقوله: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾.\nوحدثنا المنذر بن شاذان (^٢٥)، حدثنا زكريا بن عدي، حدثنا محمد بن أبي عدي، عن ابن عون، قال: قلت للحسن: نسخ من المائدة شيء؟ قال: لا.\n_________\n= لكن هذا الحديث رواه عنه جمع منهم زهير بن معاوية وإسرائيل بن يونس، وزكريا بن أبي زائدة وزياد ابن خيثمة، وشريك بن عبد الله، وأبو بكر بن عياش، ورواية إسرائيل، وزكريا بن أبي زائدة عنه مخرجة في الصحيحين كما فى الكواكب النيرات لابن الكيال (ص ٣٥١)، والله أعلم.\nوالحديث رواه أيضًا عبد الله بن أحمد فى زوائد المسند (١/ ١٣٢) من طريق أبي إسحاق الهمداني عن هبيرة بن يريم عن علي. وصحح إسناده الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على المسند.\nوهبيرة أورده الذهبي في الميزان (٥/ ٤١٨) ونقل عن أبي حاتم قوله فيه: شبيه بالمجهول، وترجمه الحافظ فى التقريب (٧٢٦٨) وقال: لا بأس به. والحديث صحيح بمجموع طرقه كما قال الألباني - حفظه الله - في الإرواء (١١٤٩).\n(^٢٤) - أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (٤/ ١١٣٥) (٦٣٨٨)، ورواه الطبراني (١١/ ٦٣ - ٦٤) (١١٠٥٤)، والحاكم (٢/ ٣١٢) والنحاس في \"الناسخ والمنسوخ\" (ص ٣٩٧)، البيهقي (٨/ ٢٤٨ - ٢٤٩) كلهم من طريق سعيد بن سليمان عن عماد به. إلا الطبراني فرواه من طريق أبي موسى الهروي واسمه إسحاق بن إبراهيم عن عيَّاد بن العوَّام، وسفيان هو ابن عيينة وشيخه هو الحكم بن أبان العدني قال الحافظ في التقريب: صدوق عابد له أوهام. وقال أبو جعفر النحاس: هذا إسناد مستقيم، وأهل الحديث يدخلونه في المسند. اهـ.\nوذكره السيوطي فى الدر المنثور (٢/ ٥٠٣) وزاد نسبته إلى ابن مردويه.\n(^٢٥) - المنذر بن شاذان ترجمه ابن أبي حاتم فى الجرح والتعديل (٨/ ٢٤٤) (١١٠٩)، وقال: كتبنا عنه وهو صدوق، سئل أبي عنه فقال: لا بأس به. اهـ.\nوزكريا بن عدي ترجمه أيضًا ابن أبي حاتم (٣/ ٦٠٠) ونقل عنه ابن شاذان قال: ما أدركت أحدًا أحفظ من زكرياء بن عدي جاء أحمد بن حنبل ويحيى بن معين فقالا له: تخرج إلينا كتاب عبيد الله بن عمرو فقال: ما تصنعون بالكتاب؟ خذوه حتى أملي عليكم كله.\nومحمد بن أبي عدي ثقة روى له الجماعة لكن ابن عون هو محمد بن عون، ترجمه في \"التهذيب\"، قال فيه الحافظ: متروك.\nوالحديث ذكره السيوطي في الدر المنثور (٢/ ٤٤٧) وعزاه إلى عبد بن حميد، وأبي داود في ناسخه، وابن المنذر، وكذا الشوكاني في فتح القدير (٢/ ٥).","vol":"5","page":14},{"text":"وقال عطاء (^٢٦): كانوا يتقلدون من شجر الحرم فيأمنون، فنهى الله عن قطع شجره. وكذا قال مطرف بن عبد الله.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا﴾ أي: ولا تستحلوا قتال القاصدين إلى بيت الله الحرام، الذي من دخله كان آمنًا، وكذا من قصده طالبًا فضل الله، وراغبًا في رضوانه، فلا تصدوه ولا تمنعوه ولا تهيجوه.\nقال مجاهد وعطاء وأبو العالية ومُطَرِّف بن عبد الله وعبد الله بن عبيد بن عمير والربيع بن] [¬١] في قوله: ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ﴾ يعني بذلك التجارة.\nوهذا كما تقدم (^٢٧) في قوله: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾.\nوقوله: ﴿وَرِضْوَانًا﴾ قال ابن عباس: يترضون الله بحجهم.\nوقد ذكر عكرمة والسدي وابن جريج أن هذه الآية نزلت في الحطم [¬٢] بن هند البكري، كان قد أغار على سَرْح المدينة، فلما كان من العام المقبل، اعتمر إلى البيت، فأراد بعض الصحابة أن يعترضوا في طريقَه إلى البيت، فأنزل الله ﷿: ﴿وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا﴾ (^٢٨).\n_________\n(^٢٦) - أخرجه ابن جرير الطبري (٩/ ٤٦٨) (١٠٩٥١)، حدثنا ابن وكيع حدثنا أبي عن مالك بن مغول عن عطاء، وابن وكيع هو سفيان بن وكيع بن الجراح، وسفيان هذا قال فيه الحافظ في \"التقريب\": كان صدوقًا إلا أنه ابتلي بورَّاقه فأدخل عليه ما ليس من حديثه فنصح فلم يقبل فسقط حديثه. اهـ. وانظر ترجمته في الميزان (٢/ ٣٦٣).\nوأمَّا أبوه فثقة حافظ عابد كما في \"التقريب\" ومالك بن مغول أيضًا ثقة ثبت من رجال التهذيب.\nوالأثر ذكره السيوطي في الدر (٢/ ٤٥٠) وعزاه لابن جرير أيضًا.\n(^٢٧) - انظر تفسير سورة البقرة الآية (١٩٨).\n(^٢٨) - أمَّا الرواية عن عكرمة: فأخرجها ابن جرير الطبري في تفسيره (٩/ ٤٧٢) (١٠٩٥٩) من طريق حجاج عن ابن جريج عن عكرمة، وحجاج هو ابن محمد ثقة من رجال الشيخين، وليس في هذا الإسناد سوى ما يخشى من تدليس ابن جريج فإنه معروف بذلك.\nوالأثر ذكره السيوطي في الدر المنثور (٢/ ٤٥١) وزاد نسبنه إلى ابن المنذر.\nأما الرواية عن ابن جريج فقد علقها الطبري في تفسيره (٩/ ٢٧٩) عقب أثر عكرمة هذا، ورواه=\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في ز: \"الخطم\".","vol":"5","page":15},{"text":"وقد حكى ابن جرير الإِجماع على أن المشرك يجوز قتله، إِذا لم يكن له أمان، وإن أمِّ البيت الحرام أو بيت المقدس، فإن هذا الحكم منسوخ في حقهم، والله أعلم. فأما من قصده بالإلحاد فيه والشرك عنده والكفر به، فهذا يُمنع. كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾. [ولهذا [] [¬١] بعث رسول الله ﷺ عام تسع - لما أمَّر الصدِّيق على الحجيج - عليًّا وأمره أن ينادي على سبيل النيابة عن رسول الله صلى الله عليه ومسلم ببراءة، وأن لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوفَنَّ بالبيت عريان] [¬٢] (^٢٩).\n[وقال [على] بن أبي طلحة، عن ابن عباس (^٣٠): قوله: ﴿وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ يعني من توجه قبل البيت الحرام، فكان المؤمنون والمشركون يحجون البيت الحرام، فنهى الله المؤمنين أن يمنعوا أحدًا يحج البيت أو يعرضوا له من مؤمن أو كافر، ثم أنزل الله بعدها: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ الآية] [¬٣]. وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّه﴾. وقال: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾. فنفى المشركين من المسجد الحرام.\nوقال عبد الرزاق (^٣١): حدثنا معمر، عن قتادة في قوله: ﴿وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾، قال: منسوخ؛ كان الرجل في الجاهلية إِذا خرج من بيته يريد الحج تقلد من\n_________\n= عن ابن جريج بالإسناد نفسه وهو إسناد صحيح إلى ابن جريج، والله أعلم.\nوأما الرواية عن السدي: فأخرجها ابن جرير في تفسيره (٩/ ٤٧٢) (١٠٩٥٨) من طريق أحمد بن المفضل قال: حدثنا أسباط، عن السدي، وهو أطول من رواية عكرمة ورواية ابن جريج. وأسباط هو ابن نصر الهمداني وثقه ابن معين وذكره ابن حبان في الثقات (٦/ ٨٥)، وضعفه النسائي وغيره، ترجمته في تهذيب الكمال (٢/ ٣٥٧) (٣٢١)، قال الحافظ في \"التقريب\": صدوق كثير الخطأ يغرب. وأحمد بن المفضل هو الحضري من رجال التهذيب قال فيه الحافظ: صدوق شيعي في حفظه شيء، والأثر ذكره القرطبي في تفسيره (٦/ ٤٣)، والسيوطي في الدر المنثور (٢/ ٤٥٠ - ٤٥١).\n(^٢٩) - يأتي تخريج هذا في أول سورة التوبة.\n(^٣٠) - أخرجه ابن جرير في تفسيره (٩/ ٤٧٨) (١٠٩٧٥) والنحاس في ناسخه (ص ٣٥٩ - ٣٦٠)، وقد تقدم الكلام على هذا الإسناد، والأثر ذكره السيوطي في الدر (٢/ ٤٤٩) وزاد نسبته إلى: ابن المنذر، وابن أبي حاتم.\n(^٣١) - أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (١/ ١٨٢) ومن طريقه ابن جرير في تفسيره (٩/ ٤٧٨) (١٠٩٧٦)، والنحاس في الناسخ والمنسوخ (ص ٣٥٩)، ومعمر بن راشد من أثبت الناس في قتادة روى ابن أبي حاتم=\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ز: \"لما\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.","vol":"5","page":16},{"text":"الشجر، فلم يعرض له أحد، فإذا [¬١] رجع تقلد قلادة من شعر، فلم يعرض له أحد، وكان المشرك يومئذ لا يصد عن البيت، فأمروا أن لا يقاتلوا في الشهر الحرام، ولا عند البيت، فنسخها قوله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾.\nوقد اختار ابن جرير أن المراد بقوله: ﴿وَلَا الْقَلَائِدَ﴾، يعني: إِن تقلدوا [¬٢] قلادة من الحرم فأمّنوهم [¬٣]. قال: ولم تزل العرب تعير من أخفر ذلك. قال الشاعر:\nألم تقتلا الحرجين إِذ أعورا [¬٤] لكم … يمران بالأيدي اللحاء المضفرا\nوقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ أي: إِذا فرغتم من إِحرامكم وأحللتم منه، فقد أبحنا لكنم ما كان محرمًا عليكم في حال الإحرام من الصيد، وهذا أمر بعد الحظر [¬٥]، والصحيح الذي بثبت [¬٦] على السَّبْر، أنه يرد الحكم إلى ما كان عليه قبل النهي، فإن كان واجبًا رده واجبًا، وإِن كان مستحبًّا فمستحبٍّ، أو مباحًا فمباح، ومن قال: إِنه على الوجوب ينتقض عليه بآيات كثيرة، ومن قال: إِنه للإِباحة يرد عليه آيات أخرى [¬٧]، والذي ينتظم الأدلة كلها هذا الذي ذكرناه، كما اختاره بعض علماء الأصول - والله أعلم.\nوقوله: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ (*) صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا﴾. ومن القراء من قرأ: ﴿أَنْ صَدُّوكُمْ﴾ بفتح الألف، من \"أن\"، ومعناها ظاهر، أي: لا يحملنكم بغض قوم [¬٨] قد كانوا صدوكم عن الوصول إلى المسجد الحرام، وذلك عام الحديبية، على أن تعتدوا حكم الله فيكم، فتقتصوا منهم ظلمًا وعدوانًا، بل احكموا بما أمركم الله به من العدل، في حق [¬٩] كل أحد، وهذه الآية كما سيأتي من قوله تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾، أي: لا يحملنكم بغض أقوامٍ على ترك العدل؛ فإِن العدل واجب على كل أحد في كل أحد في\n_________\n= في الجرح والتعديل (٨/ ٢٥٦) عن محمد بن كثير الصناني أنا معمر قال: جلست إلى قتادة وأنا ابن أربع عشرة سنة فما سمعت منه حديثًا إلا كأنه مُنْقَشٌ في صدري. اهـ.\nوالأثر ذكره السيوطي في الدر المنثور (٢/ ٤٥٠) وزاد نسبته إلى عبد بن حميد.\n(*) - وهي قراءة أبي عمرو وابن كثير - على أنها شرطية.\n_________\n[¬١]- في ز: \"وإذا\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"تقلد\".\n[¬٣]- في خ: \"فأمنوه\".\n[¬٤]- في ز: \"أعوزا\".\n[¬٥]- في ز: \"الحضر\".\n[¬٦]- في ز: \"ثبت\".\n[¬٧]- في ز: \"أخر\".\n[¬٨]- في ت: \"من\".\n[¬٩]- سقط من: ز، خ.","vol":"5","page":17},{"text":"كل حال، وقال بعض السلف: ما عاملت من عصى الله فيك بمثل أن تطع الله فيه. والعدل به قامت السموات والأرض.\nوقال ابن أبي حاتم (^٣٢): حدثنا أبي، حدثنا سهل بن عفان، حدثنا عبد الله بن جعفر، عن زيد بن أسلم، قال: كان رسول الله ﷺ بالحديبية وأصحابه، حين صدهم المشركون عن البيت، وقد اشتد ذلك عليهم، فمر بهم أناس من المشركين من أهل المشرق يريدون العمرة، فقال أصحاب النبي ﷺ: نصد هؤلاء كما صدنا أصحابهم. فأنزل الله هذه الآية.\nوالشنآن، هو: البغض. قاله ابن عباس وغيره (^٣٣). وهو مصدر من [شنأته أشنؤه شنآنًا] [¬١] بالتحريك، مثل قولهم: جمزان ودرجان ورفلان من جمز ودرج ورفل [¬٢]. قال ابن جرير: من العرب من يسقط التحريك في شنآن فيقول شنان، ولم أعلم أحدًا قرأ بها. ومنه قول الشاعر:\nوما العيش إِلا ما تحب وتشتهي … وإِن لام فيه ذو الشنان وفندا\nوقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ يأمر تعالى عباده المؤمنين بالمعاونة على فعل الخيرات وهو البر، وترك المنكرات [¬٣] وهو التقوى، وينهاهم عن التناصر على الباطل، والتعاون على المآثم والمحارم.\nقال ابن جرير: الإثم ترك ما أمر الله بفعله، والعدوان مجاوزة ما حدّ الله في دينكم، ومجاوزة ما فرض الله عَليكم في أنفسكم وفي غيركم.\nوقد قال الإِمام أحمد: حدثنا هشيم، حدثنا عبيد الله بن أبي بكر بن أنس، [عن جده] [¬٤] أنس بن مالك، قال: قال رسول الله ﷺ: \"انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا\". قيل: يا رسول\n_________\n(^٣٢) - في إسناده عبد الله بن جعفر وهو المديني، ذكره الذهبي في ميزان الاعتدال (٣/ ١١٥) وقال: وأما سهل بن عثمان وهو العسكري أبو مسعود فروى عنه أبو حاتم الرازي وأبو زرعة وسئل عنه أبو حاتم فقال: صدوق، نقل ذلك عنه ابنه في الجرح والتعديل (٤/ ٢٠٣) وذكره ابن حبان في الثقات (٨/ ٢٩٢)، والأثر ذكره السيوطي في الدر المنثور (٢/ ٤٥٠).\n(^٣٣) - رواه عنه ابن جرير الطبري في تفسيره (٩/ ٤٨٧) (١٠٩٩٣) من طريق على بن طلحة عنه ورواه أيضًا عن كعادة، وابن زيد، وانظر أيضًا الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (٦/ ٤٥ - ٤٦).\n_________\n[¬١]- في ز: \"شنيته اشناوه اشناتا\".\n[¬٢]- فى ت: \"رقل\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"المنكر\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين في خ: \"بن\".","vol":"5","page":18},{"text":"الله؛ هذا نصرته مظلومًا، فكيف أنصره إِذا كان ظالمًا؟ قال: [\"تحجزه و[¬١] تمنعه فإن ذلك نصره\".\nانفرد به البخاري من حديث هشيم به نحوه، وأخرجاه من طريق ثابت عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: \"انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا\". قيل: يا رسول الله، هذا نصرته مظلومًا، فكيف أنصره ظالمًا؟ قال] [¬٢]: \"تمنعه من الظلم، فذاك نصرك إِياه\".\nوقال الإمام أحمد (^٣٤): حدثنا يزيد، حدثنا سفيان بن سعيد، عن الأعمش، عن يحيى بن وثاب، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ، عن النبي ﷺ قال: \"المؤمن الذي يخالط الناس، ويصبر على أذاهم، أعظم أجرًا من الذي لا يخالط الناس [¬٣]، ولا يصبر على أذاهم\".\nوقد رواه أحمد أيضًا (^٣٥) في مسند عبد الله بن عمر، حدثنا حجاج، حدثنا شعبة، عن الأعمش، عن يحيى بن وثاب، عن شيخ من أصحاب النبي ﷺ أنه -[أي النبي ﷺ] [¬٤]- قال: \"المؤمن الذي يخالط الناس، ويصبر على أذاهم، خير من الذي لا يخالطهم، ولا يصبر على أذاهم\".\n_________\n(^٣٤) - أخرجه أحمد (٥/ ٣٦٥)، ورجال إسناده ثقات رجال الشيخين. وقد تابع شعبةُ عليه سفيانَ بن سعيد، وانظر الذي بعده.\n(^٣٥) - أخرجه أحمد (٢/ ٤٣)، وأخرجه الترمذي كتاب صفة القيامة الحديث (٢٥٠٧) قال: حدثنا أبو مومى محمد بن المثنى حدثنا ابن أبي عدي عن شعبة … فذكره بلفظ: \"المسلم إذا كان يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من المسلم الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم\".\nقال الإمام أحمد: وأراه ابن عمر، قال حجاج: قال شعبة: قال سليمان - يعني الأعمش -: وهو ابن عمر. اهـ.\nوقال الترمذي: \"قال أبو موسى: قال ابن أبي عدي: كان شعبة رى أنه ابن عمر. اهـ.\nورواه البخاري في الأدب الفرد (٣٨٨) قال حدثنا آدم عن شعبة فذكره كما في المسند. والحديث إسناده صحيح رجاله ثقات رجال الشيخين وجهالة الصحابي لا تضر، وقد ذكره أحمد وشعبة والأعمش أنه ابن عمر. وقد جاء مصرحًا به فى رواية أخرى أخرجها ابن ماجة كتاب الفتن، باب: الصبر على البلاء، الحديث (٤٠٣٢) قال: حدثنا على بن ميمون الرَّقي ثنا عبد الواحد بن صالح ثنا إسحاق بن يوسف عن الأعمش عن يحيى بن وثاب عن ابن عمر مرفوعًا وفيه \"أعظم أجرًا\" بدل \"خير من\" وقد حسن الحافظ ابن حجر في فتح الباري (١٠/ ٥١٢) إسناده، لكن قال الألباني في الصحيحة (٢/ ٦٥٢): =\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٣]- سقط من: خ.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"5","page":19},{"text":"وهكذا رواه الترمذي من حديث شعبة، وابن ماجة من طريق إِسحاق بن يوسف، كلاهما عن الأعمش به.\nوقال الحافظ أبو بكر البزار (^٣٦): حدّثنا إِبراهيم بن عبد الله بن محمد أبو شيبة الكوفي، حذثنا بكر بن عبد الرحمن، حدثنا عيسى بن انحتار، عن ابن أبي ليلى، عن فضيل بن عمرو، عن أبي وائل [¬١]، عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: \"الدال على الخير كفاعله\"، ثم قال: لا نعلمه وروى إِلا بهذا الإِسناد.\n_________\n= \"إن إسناده عند ابن ماجة ليس بحسن … وعبد الواحد هذا لا يعرف إلا في هذا الإسناد بهذا الحديث، ولم يرو عنه إلا على بن ميمون الرقي كما قال الذهبي، وأشار بذلك إلى أنه مجهول وقد صرح كذلك الحافظ في التقريب. اهـ\nقلت: رواه شعبة عن الأعمش به، وذكر في إسناده ابن عمر وهو عند البيهقي في السنن (١٠/ ٨٩)، وقد رواه أبو نعيم في الحلية (٧/ ٣٦٥) وذكر فيه ابن عمر أيضًا. وللحديث طريق آخر رواه أبو نعيم في الحلية (٥/ ٦٢ - ٦٣) عن أبي بكر الداهري عن الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت عن ابن عمر.\nوقال: غريب من حديث حبيب والأعمش تفرد به الداهري.\nقلت: وقع في المطبوع من الحلية (الزاهري) وهو خطأ ترجمه الذهبي في الميزان (٦/ ١٧٣) فقال: ليس بثقة ولا مأمون. ولا يعد هذا اضطرابًا يرد به الحديث؛ لأن رواية الضعفاء لا ترد رواية الثقات فرواية شعبة ومن وافقه هي المحفوظة ورواية من خالفهم شاذة، والله أعلم.\n(^٣٦) - أخرجه البزار في \"البحر الزخار\" (٥/ ١٥٠) (١٧٤٢) وهو في كشف الأستار (١/ ٩٠) (١٥٤) وقال البزار: \"لا نعلمه يُروى عن عبد الله عن النبي ﷺ إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد\" اهـ.\nوذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ١٧١) أيضًا وقال: \"رواه البزار وفيه عيسى بن المختار تفرد عنه بكر ابن عبد الرحمن\". اهـ.\nقلت: عيسى هو ابن المختار بن عبد الله بن عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وثقه الحافظ في \"التقريب\"، وقال الذهبي في الميزان (٣/ ٢٤٣): \"تفرد عنه ابن عمه بكر بن عبد الرحمن - مقل\" وبكر ابن عبد الرحمن هذا روى له أبو داود، والنسائي، وابن ماجة، ووثقه الحافظ في \"التقريب\"، لكن ابن أبي ليلى وهو محمد بن عبد الرحمن ضعيف لسوء حفظه - وبه أعل الألباني - حفظه الله - الحديث في الصحيحة (٤/ ٢١٧)، وللحديث شواهد من حديث أبي مسعود البدري، وسهل بن سعد، وبريدة وغيرهم، ينظر تخريجها في الصحيحة رقم (١٦٦٠)، وانظر مجمع الزوائد (٧/ ١٧١) وانظر أيضًا الحديث التالي.\n_________\n[¬١]- في ز: \"نايل\".","vol":"5","page":20},{"text":"قلت: وله شاهد في الصحيح (^٣٧)، \" من دعا إِلى هذى، كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه إِلى ووم القيامة، لا ينقص ذلك [¬١] من أجورهم شيئًا، ومن دعا إِلى ضلالة، كان عليه من الإِثم مثل آثام من اتبعه إِلى يوم القيامة، لا ينقص ذلك من آثامهم شيئًا\".\nوقال أبو القاسم الطبرانى (^٣٨): حدثنا عمرو بن إسحاق [بن إِبراهيم بن العلاء] [¬٢] بن زبريق [¬٣] الحمصي، حدثنا أبي، حدثنا عمرو بن الحارث، عن عبد الله بن سالم، عن الزبيدي [¬٤]: قال [عباس بن يونس] [¬٥]: إن أبا الحسن نمران بن مخمر حدثه، أن رسول الله ﷺ قال: \"من مشى مع ظالم ليعينه، وهو يعلم أنه ظالم؛ فقد خرج من الإِسلام\".\n﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ\n_________\n(^٣٧) - أخرجه مسلم في صحيحه كتاب العلم، باب: من من سنة حسنة أو سيئة، ومن دعا إلى هدى أو ضلالة الحديث (١٦/ ٢٤٧٤) من طريق العلاء بن عبد الرحمن عن أيهي عن أبي هريرة مرفوعًا.\n(^٣٨) - أخرجه الطبراني في الكبير (١/ ٢٢٧) (٩١٦)، وعزاه له ابن كثير في جامع المسانيد (١/ ٤٢٧) (٤٢٨)، والمنذرى في الترغيب والترهيب (٣/ ١٤٣)، وقال: وهو حديث غريب اهـ، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٤/ ٢٠٨) وقال: رواه الطبراني في الكبير وفيه عياش بن مؤنس ولم أجد من ترجمه، وبقية رجاله وثقوا، وفي بعضهم كلام. اهـ والحديث رواه أيضًا البخاري في التاريخ الكبير (٤/ ٢٥٠) تعليقًا فقال: قال عمرو بن الحارث حدثني عبد الله بن سالم … فذكره، ووصله البيهقي في شعب الإيمان (٦/ ١٢٢) (٧٦٧٥) قال: أخبرنا على بن أحمد بن عبدان أنا أحمد بن عبيد الصفار نا أبو إسماعيل الترمذي حدثني إسحاق بن إبراهيم حدثني عمرو بن الحارث … فذكره، قال الألباني - حفظه الله - في الضعيفة (٢/ ١٨١) (٧٥٨): \"هذا إسناد ضعيف جدًّا عمرو بن إسحاق لم أعرفه ولم يورده ابن عساكر في تاريخه\" مع أنه على شرطه، وأبو إسحاق بن إبراهيم بن زبريق ضعيف جدًّا، قال النسائي: ليس بثقة. وقال أبو داود: \"ليس بشيء\" وكذبه محدث حمص محمد بن عوف الطائي وهو أعرف بأهل بلده، أما أبو حاتم فقال: لا بأس به! وعياش بن مؤنس وشيخه أبو الحسن بن نمران بن مخمر لم أعرفهما. \" ا هـ.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في ز، خ: زريق.\n[¬٤]- في خ: \"الزبيد\".\n[¬٥]- كذا، وصوابه: عياش بن مؤنس.","vol":"5","page":21},{"text":"أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣)﴾.\nيخبر تعالى عباده خبرًا متضمنًا النهي عن تعاطي هذه المحرمات من الميتة، وهي ما مات من الحيوان حتف أنفه من غير ذكاة ولا اصطياد، وما ذاك إِلا لما فيها من المضرة، لما فيها من الدم المحتقن، فهي ضارة للدين والبدن، فلهذا حرمها الله ﷿ ويستثنى من الميتة السمك، فإِنه حلال، سواء مات بتذكية أو غيرها، لما رواه مالك في موطئه، والشافعي وأحمد في مسنديهما، وأبو داود والترمذي والنسائى وابن ماجة في سننهم، وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ سئل عن ماء البحر، فقال: \"هو الطهور ماؤه الحل ميتته\" (^٣٩) وهكذا الجراد لما سيأتي من الحديث.\nوقوده: ﴿وَالدَّمَ﴾ يعني به [¬١] المسفوح، لقوله: ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ قاله ابن عباس، وسعيد بن جبير.\n_________\n(^٣٩) - أخرجه مالك في الموطأ (١/ ٥٠) ومن طريقه الشافعي (١/ ٦٥) (٤٢ - شفاء العي)، وأحمد (٢/ ٢٣٧، ٣٦١)، والبخاري في التاريخ الكبير (٣/ ٤٧٨)، وأبو داود كتاب الطهارة، باب: الوضوء بماء البحر الحديث (٨٣)، والترمذي كتاب الطهارة، باب: ما جاء في ماء البحر أنه طهور الحديث (٦٩)، والنسائي (١/ ٥٠) في الطهارة، باب: ماء البحر، (١/ ١٧٦) في المياه، باب: الوضوء بماء البحر، وفي (٧/ ٢٠٧) في الصعيد، باب: ميتة البحر، وابن ماجة في الطهارة، باب: الوضوء بماء البحر الحديث (٣٨٦)، وفي الصيد، باب: الطافي من صيد البحر الحديث (٣٢٤٦)، وابن خزيمة (١١١)، وابن حبان (٤/ ٤٩) (١٢٤٣)، (١٢/ ٦٢ - ٦٣) (٥٢٥٨)، والدارمي (٧٣٥)، (٢٠١٧)، وابن الجارود (٤٣)، والبغوي في شرح السنة (٢٨١)، والحاكم (١/ ١٤٠)، والبيهقي (١/ ٣) عن صفوان بن سليم عن سعيد بن سلمة من آل ابن الأزرق عن المغيرة بن أبي يردة وهو من بني عبد الدار أنه سمع أبا هريرة يقول: \"جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، إنا نركب البحر، ونحمل معنا القليل من الماء فإن توضأنا به عطشنا أفنتوضأ به؟ فقال رسول الله ﷺ: \"هو الطهور ماؤه الحل ميتته\". ورواه أحمد (٢/ ٣٩٢) من طريق أبي أويس قال: حدثنا صفوان بن سليم عن سعيد بن سلمة عن أبي بردة عن أبي هريرة … فذكره نحوه، ولم يذكر فيه المغيرة\"، ورواه الدارمي (٧٣٤) من طريق محمد بن إسحاق عن يزيد بن أبي حبيب عن الجلاح، عن عبد الله بن سعيد المخزومي عن المغيرة بن أبي بردة عن أبيه عن أبي هريرة … فذكره نحوه.=\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.","vol":"5","page":22},{"text":"قال ابن أبي حاتم (^٤٠): حدثنا كثير بن شهاب المذحجي، حدثنا محمد بن سعيد بن سابق، حدثنا عمرو - يعني ابن قيس - عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس أنه سئل عن الطحال، فقال: كلوه. فقالوا: اِنه دم. فقال: إِنما حرم عليكم الدم المسفوح.\nوكذا رواه حماد بن سلمة، عن يحيى بن سعيد، عن القاسم، عن عائشة قالت: إِنما نهى عن الدم السافح.\nوقد قال أبو عبد الله محمد بن إِدريس الشافعي (^٤١): حدثنا عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن ابن عمر مرفوعًا [¬١] قال: قال رسول الله ﷺ: \"أحل لنا ميتتان ودمان، فأما الميتتان فالحوت والجراد، وأما الدمان فالكبد والطحال\".\n_________\n= والحديث صحيح؛ قال الترمذي: هذا الحديث حسن صحيح وقال في العلل رقم (٢٣): سألت محمد بن إسماعيل البخاري عن هذا الحديث فقال: هو حديث صحيح. اهـ. وقال الحافظ في تهذيب التهذيب (١٠/ ٢٣٠) في ترجمة المغيرة بن أبي بردة: \"وصحح حديثه عن أبي هريرة في البحر ابن خزيمة وابن حبان وابن المنذر والخطابي والطحاوي، وابن منده، والحاكم وابن حزم، والبيهقي وعبد الحق وآخرون\" اهـ.\nوانظر نصب الراية (١/ ٩٥ - ٩٩)، وتلخيص الحبير (١/ ٢١ - ٢٤)، والإرواء (٩).\n(^٤٠) - أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (٥/ ٥٤٧)، والبيهقي في سننه (١٠/ ٧) من طريق أبي الأحوص عن سماك به، وأبو الأحوص هو سلام بن سليم الحنفي روى له الجماعة وهو ثقة، وشيخه هو سماك بن حرب صدوق لكن روايته عن عكرمة خاصة مضطربة، وقد تغير بأخرة فكان ربما تلقن.\nقال يعقوب بن شيبة: قلت لعلي بن المديني: رواية سماك عن عكرمة؟ فقال: مضطربة؛ سفيان، وشعبة يجعلونها عن عكرمة، وغيرهما يقول: عن ابن عباس - إسرائيل. وأبو الأحوص، وانظر ترجمته في تهذيب الكمال (١٣٢/ ١١٥ - ١٢١) (ترجمة ٢٥٧٩)، والأثر ذكره السيوطي في الدر المنثور (٢/ ٩٧) وزاد نسبته إلى ابن المنذر وأبي الشيخ. اهـ.\n(^٤١) - أخرجه الشافعي في المسند (٢/ رقم ٦٠٨ - شفاء العي)، ومن طريقه البيهقي (٩/ ٢٥٧)، والبغوي (٢٨٠٣)، ورواه أحمد (٢/ ٩٧) (٥٧٢٣)، وابن ماجة في الصيد، باب صيد الحيتان والجراد الحديث (٣٢١٨) مختصرًا، وفي الأطعمة باب الكبد والطحال الحديث (٣٣١٤) كاملًا، والدارقطني (٤/ ٢٧١ - ٢٧٢)، وابن حبان في المجروحين (٢/ ٥٨)، وابن عدى في الكامل (٤/ ١٥٨٢) من طريق عبد الرحمن بن زيد به.\nوعبد الرحمن بن زيد بن أسلم ضعيف قال ابن حبان في المجروحين: كان ممن يقلب الأخبار وهو لا يعلم حتى كثر ذلك في روايته من رفع المراسيل وإسناد الموقوف، فاستحق الترك. اهـ.=\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.","vol":"5","page":23},{"text":"وكذا رواه أحمد بن حنبل وابن ماجة والدارقطني والبيهقي من حديث عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وهو ضعيف. قال الحافظ البيهقي: ورواه إِسماعيل بن أبى إِدريس، عن أسامة وعبد الله وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن ابن عمر مرفوعًا.\nقلت: وثلاثتهم كلهم [¬١] ضعفاء ولكن بعضهم أصلح من بعض، وقد رواه سليمان بن بلال أحد الأثبات، عن زلد بن أسلم، عن ابن عمر فوقفه بعضهم عليه، قال الحافظ أبو زرعة الرازي: وهو أصح.\nو[¬٢] قال ابن أبي حاتم (^٤٢): حدثنا على بن الحسين، حدثنا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، حدثنا بشير بن سريج، عن أبي غالب، عن أبى أمامة وهو صدي بن عجلان، قال: بعثنى رسول الله ﷺ إلى قومي، أدعوهم إلى الله ورسوله، وأعرض عليهم شرائع الإسلام، فأتيتهم، فبينا نحن كذلك، إِذ جاءوا بقصعة من دم، فاجتمعوا [¬٣] عليها\n_________\n= وقد تابعه عليه أخوه أسامة، وعبد الله، رواه ابن عدي في الكامل (١/ ٣٨٨)، والبيهقي في السنن (١/ ٢٥٤) وقال ابن عدي: وبنو زيد بن أسلم على أن القول فيهم أنهم ضعفاء لكنهم يكتب حديثهم … ولم أجد لأسامة بن زيد حديثًا منكرًا جدًّا لا إسنادًا ولا متنًا، وأرجو أنه صالح. اهـ.\nورواه ابن عدي في الكامل (٤/ ١٥٠٣) من طريق عبد الله بن زيد بن أسلم وسليمان بن بلال عن زيد ابن أسلم عن ابن عمر مرفوعًا، وقال: هذا يدور رفعه على الإخوة الثلاثة عبد الله بن زيد وعبد الرحمن ابن زيد وأسامة أخوهما، وأما ابن وهب فإنه يرويه عن سليمان بن بلال موقوفًا. اهـ.\nقلت: طريق ابن وهب هذه أخرجها البيهقي في سننه (١/ ٢٥٤) ثم قال: هذا إسناد صحيح وهو في معنى المسند وقد رفعه أولاد زيد عن أبيهم. اهـ.\nوسئل أبو زرعة عن هذا الحديث فقال: الموقوف أصح. انظر العلل (٢/ ١٧). وعلى فرض صحة الموقوف فإن له حكم الرفع فإن قول الصحابي: أحل لنا كذا، وحرم علينا كذا؛ يكون له حكم المرفوع كما هو مذكور في كتب مصطلع الحديث، وانظر نصب الراية (٤/ ٢٠١ - ٢، ٢)، تلخيص الحبير (١/ ٣٧ - ٣٨) وتعليق الشيخ أحمد شاكر على المسند (٨/ ٧٩ - ٨٠)، والصحيحة للألباني رقم (١١١٨).\n(^٤٢) أخرجه أيضًا الطبراني في الكبير (٨/ ٣٣٥) (٨٠٧٤) حدثنا زكريا بن يحيى الساجي وعبد العزيز بن محمد بن عبد الله بن عبيد بن عقيل المقرئ قالا: ثنا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب … فذكره مطولًا مثل رواية ابن مردويه التي ذكرها الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٣٨٩ - ٣٩٠) وقال: فيه بشير ابن سريج وهو ضعيف. اهـ.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- في ز: \"واجتمعوا\".","vol":"5","page":24},{"text":"يأكلونها، فقالوا [¬١]: هلم يا صدي فكل. قال: قلت: ويحكم، إِنما أتيتكم من عند [من يحرم] [¬٢] هذا عليكم وأنزل الله عليه [فأقبلوا عليه] [¬٣]، قالوا: وما ذاك؟ قال: فتلوت عليهم هذه الآية: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ الآتي.\nو[¬٤] رواه الحافظ أبو بكر بن مردويه من حديث ابن أبي الشوارب بإسناده مثله، وزاد بعده [¬٥] هذا السياق: قال: فجعلت أدعوهم إِلى الإِسلام ويأبون علي، فقلت لهم [¬٦]: ويحكم، اسقوني شربة من ماء، فإني شديد العطش، قال: وعليّ عباءتى، فقالوا: لا، ولكن ندعك حتى تموت عطشًا. قال: فاغتممت، وضربت برأسي في العباء، ونمت على الرمضاء في حرّ شديد، قال: فأتاني آت في منامي بقدح من زجاج لم ير الناس أحسن منه، وفيه شراب لم ير الناس [] [¬٧] ألذ منه، فأمكنني منها فشربتها، فلما [¬٨] فرغت من شرابي استيقظت، فلا والله ما عطشت ولا عريت بعد تلك الشربة (^٤٣).\nورواه الحاكم في مستدركه عن علي بن حُمْشاذ [¬٩]، عن [عبد الله بن] [¬١٠] أحمد بن\n_________\n= وقد تابعه صدقة بن غالب، رواه الطبراني (٨/ ٣٣٥)، والحاكم (٣/ ٦٤١ - ٦٤٢) من طريقه عن أبي غالب به. والحديث سكت عليه الحاكم، وتعقبه الذهبي بقوله: في صدقة بن هرمز ضعفه ابن معين. اهـ.\nوترجمة صدقة في الجرح والتعديل (٤/ ٤٣١) (١٨٩٢) وذكر فيه تضعيف ابن معين له.\nورواه الطبراني (٨/ ٣٤٣) (٨٠٩٩) من طريق الحسين بن واقد عن أبي غالب به، والحسين بن واقد من رجال التهذيب قال فيه الحافظ في التقريب: ثقة له أوهام. لكن مدار هذه الطرق جميعًا على أبي غالب ترجمته في الجرح والتعديل لابن أبي حاتم (٣/ ٣١٥ - ٣١٦) وسماه حزَوَّر، ونقل فيه قول ابن معين: أبو غالب صالح الحديث وسمعت أبي يقول: أبو غالب الحزور ليس بالقوي.\nوقد نقل ابن حجر الاختلاف في حاله في تهذيب التهذيب (٤/ ٥٧٠) ولخص حاله في التقريب فقال: صدوق يخطئ.\nقلت: ولم يتابع أبا غالب عليه أحد فصار الحديث ضعيفًا. والله أعلم. والحديث ذكره السيوطي في الدر المنثور (٢/ ٤٥٣)، وعزاه إلى ابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه والحاكم.\n(^٤٣) - تقدم في الذي قبله.\n_________\n[¬١]- في ز: \"قالوا\".\n[¬٢]- في ز: \"محرم\".\n[¬٣]- ما بين المكوفتين سقط من: ز.\n[¬٤]- سقط من: ز.\n[¬٥]- في ز: \"بعد\".\n[¬٦]- سقط من: خ.\n[¬٧]- ما بين المكوفتين في ز: \"شرابًا\".\n[¬٨]- في ز، خ: \"فحيث\".\n[¬٩]- في ز، خ: \"حماد\".\n[¬١٠]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"5","page":25},{"text":"حنبل، حدثني عبد الله بن سلمة بن عياش العامري، حدثنا صدقة بن هرمز [¬١]، عن أبي غالب، عن أبي أمامة فذكر نحوه، رزاد بعد قوله: بعد تيك الشربة. فسمعتهم يقولون: أتاكم رجلٍ من سراة قومكم، فلم تمجعوه [¬٢] بمذقة، [فأتونى بمذقة] [¬٣]، فقلت: لا حاجة لي فيها؛ إِن الله [¬٤] أطعمني وسقاني، وأريتهم بطي، فأسلموا عن آخرهم (^٤٤).\nوما أحسن ما أنشد الأعشى في قصيدته التي ذكرها ابن اِسحاق (^٤٥):\nوإِياك والميتات [لا تقربنها] [¬٥] … ولا تأخذن عظمًا حديدًا فتفصدا [¬٦]\nأي: لا تفعل [فعل] [¬٧] الجاهلية، وذلك أن أحدهم كان إِذا جاع أخذ [¬٨] شيحًا محددًا من عظم ونحوه، فيفصد به بعيره، أو حيوانًا من أي صنف كان، فيجمع ما يخرج منه من الدم فيشربه، ولهذا حرم الله الدم على هذه الأمة، ثم قال الأعشى:\nوذا النصب المنصوب لا تأتينه … ولا تعبد الأوثان والله فاعبدا\nقوله ﴿وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ يعني: اِنسيه ووحشيه، واللحم يعم جميع أجزائه، حتى الشحم، ولا يحتاج إلى تحذلق الظاهرية في جمودهم هاهنا، وتعسفهم في الاحتجاج بقوله: ﴿فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا﴾ يعنون قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ أعادوا الضمير فيما فهموه على الخنزير حتى يعم جميع أجزائه، وهذا بعيد من حيث اللغة، فإنه لا يعود الضمير إِلا إِلى المضاف دون المضاف إِليه، والأظهر أن اللحم يعم جميع الأجزاء، كما هو المفهوم من لغة العرب، ومن العرف المطرد. وفى صحيح مسلم (^٤٦) عن بريدة بن الخصيب الأسلمي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"من لعب بالنردشير؛ فكأنما صبغ يده في لحم خنزير ودمه\"، فإذا كان هذا [التنفير لمجرد اللمس] [¬٩]، فكيف يكون التهديد والوعيد الأكيد على أكله والتغذي به.\n_________\n(^٤٤) - تقلم رقم (٤٥).\n(^٤٥) - انظر سيرة ابن هشام (١/ ٢٥٩).\n(^٤٦) - أخرجه مسلم في صحيحه كتاب الشعر، باب: تحريم اللعب بالنردشير الحديث (١٠/ ٢٢٦٠) من حديث سليمان بن بريدة عن أبيه.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"هرم\".\n[¬٢]- في ز: \"تجمعوه\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٤]- في ز: \"ربي\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- في ز: \"فتفتصدا\".\n[¬٧]- في ز: \"كما فعله\".\n[¬٨]- في ت: \"يأخذ\".\n[¬٩]- في ز، خ: \"تنفير بمجرد ملامسته باللمس\".","vol":"5","page":26},{"text":"وفيه دلالة على شمول اللحم لجميع الأجزاء من الشحم وغيره.\nوفي الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال: \"إِن الله حرم بيع الحمر والميتة والخنزير والأصنام\". فقيل: يا رسول الله، أرأيت شحوم الميتة، فإنها تطلى بها السفن، وتدهن بها الجلود، ويستصبح بها الناس، فقال: \"لا هو حرام\" (^٤٧).\nوصحيح البخاري من حديث أبي سفيان، أنه قال لهرقل ملك الروم: نهانا عن الميتة والدم (^٤٨).\nوقوله: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ أي: ما ذبح فذكر عليه اسم غير الله، فهو حرام؛ لأن الله تعالى أوجب أن تذبح مخلوقاته على اسمه العظيم، فمتى عدل بها عن ذلك، وذكر عليها اسم غيره، من صنم أو طاغوت أو وثن أو غير ذلك من سائر الخلوقات، فإنها حرام بالإِجماع. وإنما اختلف العلماء في المتروك التسمية عليه إِما عمدًا، أو نسيانًا، كما سيأتي تقريره في سورة الأنعام.\nوقد قال ابن أبي حاتم (^٤٩): حدثنا علي بن الحسن الهسنجاني [¬١]، حدثنا نعيم بن حماد، حدثنا ابن فضيل، عن الوليد بن جميع، عن أبي الطفيل قال: نزل آدم بتحريم أربع: الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به، واِن هذه الأربعة أشياء لم تحل قط، ولم تزل حرامًا منذ خلق\n_________\n(^٤٧) - أخرجه البخاري كاب البيوع، باب بيع الميتة والأصنام الحديث (٢٢٣٦)، ومسلم كتاب البيوع، باب: تحريم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام الحديث (٧١/ ١٥٨١) من طريق يزيد بن أبي حبيب عن عطء بن أبي رباح عن جابر به، وزادا فيه ثم قال: قاتل الله اليهود إن الله ﷿ لما حرم شحومها جملوه ثم باعوه فأكلوا ثمنه\" وهو عند البخاري فى المغازي الحديث (٤٢٩٦) من نفس الطريق مختصرًا بلفظ: \"إن الله ورسوله حرم بيع الخمر\" ثم خرج البخاري الزيادة وحدها في كتاب التفسير، باب: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ …﴾ الآية، الحديث (٤٦٣٣).\n(^٤٨) - لم أقف عليه في صحيح البخاري.\n(^٤٩) - أبو الطفيل هو عامر بن واثلة، والوليد بن جميع هو الوليد بن عبد الله بن جميع روى له مسلم في صحيحه، والبخاري في الأدب المفرد وقال الحافظ في التقريب: صدوق يهم، وابن فضيل هو محمد بن فضيل بن غزوان من رجال الشيخين، ونعيم بن حماد روى عنه البخاري مقرونًا، وروى له مسلم في مقدمة كتابه وأبو داود والترمذي وابن ماجة لكن ضعفه النسائي وغيره وقد لخص ابن حجر حاله في التقرب فقال: صدوق يخطئ كثيرًا فقيه عارف بالفرائض … تتبع ابن عدي ما أخطأ فيه وقال: باقي حديثه مستقيم. وأما علي بن الحسن الهسنجاني شيخ ابن أبي حاتم فقد ترجم هو له في الجرح والتعديل (٣/ ١٨١) فقال: كتبنا عنه وهو ثقة صدوق. والأثر لم أقف عليه في غير هذا الموضع.\n_________\n[¬١]- في ز: \"الهنجاني\".","vol":"5","page":27},{"text":"الله السموات والأرض، فلما كانت بنو إِسرائيل حرم الله عليهم طيبات أحلت لهم بذنوبهم، فلما بعث الله عيسى ابن مريم ﵇، نزل بالأمر الأوّل الذي جاء به آدم، وأحل لهم ما سوى ذلك، فكذبوه وعصوه. وهذا أثر غريب.\nوقال ابن أبي حاتم أيضًا (^٥٠): حدثنا أبى، حدثنا أحمد بن يونس، حدثنا ربعي بن عبد الله، قال: سمعت الجارود بن أبي سبرة، قال: هو جدي، قال: كان رجل من بني رياح يقال له: ابن وثيل، وكان شاعرًا نافَرَ غالبًا أبا الفرزدق بماءٍ بظهر الكوفة، على أن يعقر هذا مائة من إِبله، [وهذا مائة من إِبله] [¬١]، إِذا وردت الماء، فلما وردت الماء قاما إليها بالسيوف، فجعلا يكسفان عراقيبها، قال: فخرج الناس على الحمرات والبغال يريدون اللحم، قال: وعليٌّ بالكوفة، قال: فخرج على [¬٢] على بغلة رسول الله ﷺ البيضاء، وهو ينادي: يا أيها الناس لا تأكلوا من لحومها، فإِنها [¬٣] أهل بها لغير الله.\nهذا أثر غريب. ويشهد له بالصحة ما رواه أبو داود (^٥١). حدثنا هارون بن عبد الله، ثنا [¬٤] حماد بن مسعدة، عن عوف، عن أبي ريحانة، عن ابن عباس، قال: نهى رسول الله ﷺ عن معاقرة الأعراب.\nثم قال أبو داود محمد بن جعفر - هو غندر - أوقفه على ابن عباس. تفرد به أبو داود.\nوقال أبو داود أيضًا (^٥٢): حدثنا هارون بن زيد بن [] [¬٥] أبي الزرقاء، حدثنا أبي، حدثنا\n_________\n(^٥٠) - الجارود بن أبي سبرة خرج له أبو داود في سننه، وقال فيه الحافظ في التقريب: صدوق. وربعي بن عبد الله هو ابن عبد الله بن الجارود صدوق أيضًا والراوية عنه هو أحمد بن يونس بن المسيب الضبي قال عنه ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٢/ ٨١): سمعنا منه وكان محله عندنا محل الصدق. والأثر لم أقف عليه في غير هذا الموضع وقد استغربه المصنف وإسناده حسن إلى ابن وثيل هذا، والله أعلم.\n(^٥١) - أخرجه أبو داود في الأضاحي، باب ما جاء في أكل معاقرة الأعراب الحديث (٢٨٢٠)، ومن طريقه البيهقي في سننه (٩/ ٣١٣)، وهارون بن عبد الله هو أبو موسى الحمال، وهو ثقة روى عنه الستة سوى البخاري وقد خالفه غندر محمد بن جعفر فوقفه على ابن عباس، ورواية أبي موسى زيادة ثقة مقبولة إن شاء الله، والحديث قال الألباني فى صحيح أبي داود (٢٤٤٦): حسن صحيح.\n(^٥٢) - أخرجه أبو داود في الأطعمة، باب: في طعام المتباريين الحديث (٣٧٥٤)، وأخرجه ابن عدي فى الكامل (٢/ ٥٠٩) من طريق بقية بن الوليد حدثني ابن المبارك عن جرير بن حازم به.=\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- في ز: \"فإنما\".\n[¬٤]- في خ: \"بن\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين في ز: \"بن\".","vol":"5","page":28},{"text":"جرير بن حازم، عن الزبير بن خريت [¬١]، قال: سمعت عكرمة يقول: إِن رسول الله ﷺ نهي عن طعام المتباريين أن يؤكل.\nثم قال أبو داود: أكثر من رواه عن [¬٢] جرير، لا يذكر فيه ابن عباس. تفرد به أيضًا.\nوقوله: ﴿والمنخنقة﴾ وهي التي تموت بالخنق، إِما قصدًا، وإِما اتفاقًا، بأن تتخبل [¬٣] في وثاقها فتموت به، فهي حرام.\nوأما ﴿الموقوذة﴾، [فهي التي] [¬٤] [تضرب بشيء ثقيل غير محددٍ، حتى تموت، كما قال ابن عباس (^٥٣) وغير واحد] [¬٥]: هي [¬٦] التي [¬٧] تضرب بالخشبة حتى توقذ بها فتموت.\nوقال قتادة (^٥٤): كان أهل الجاهلية يضربونها بالعصي، حتى إِذا ماتت أكلوها.\n_________\n= وقال ابن عدي: هذا الحديث الأصل فيه مرسل، وما أقل من أوصله، وممن أوصله بقية عن ابن المبارك عن جرير بن حازم.\nورواه الطبراني في الكبير (١١/ ٣٤١) (١١٩٤٣)، والحاكم (٤/ ١٢٨ - ١٢٩) من طريق هارون بن موسى النحوي عن الزبير بن الخريت به موصولًا. وصحح إسناده الحاكم ووافقه الذهبي. ورواه الخطيب في تاريخه (٣/ ٢٤٠) من طريق أخرى عن عكرمة عن ابن عباس مرفوعًا. والحديث صوب الألباني في الصحيحة (٢/ ٢٠٣) إرساله وقال: هو مرسل صحيح الإسناد. وله شاهد من حديث أبي هريرة أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (٥/ ١٢٩) (٦٠٦٨) وابن السماك في جزء من حديثه كما في الصحيحة للألباني (٢/ ٢٠٣) من طريق سعيد بن عثمان ثنا معلي بن أسد المروزي ثنا على بن الحسن عن أبي حمزة السكري عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة به مرفوعًا، ووقع عند ابن السماك: \"المترائيان\"، قال الألباني - حفظه الله -: هذا إسناد صحيح رجاله ثقات رجال البخاري، غير سعيد بن عثمان الأهوازي ترجمه الخطيب وقال (٩/ ٩٧): \"وكان ثقة، وقال الدارقطني: صدوق حدث ببغداد\" اهـ. قلت: وهو يقوي بمرسل عكرمة المذكور.\n(^٥٣) - أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (٩/ ٤٩٦) (١١٠٠٧) من طريق على بن أبي طلحة عنه قال: الموقوذة التي تضرب بالخشب حتى توقذ بها فتموت. وقد تقدم الكلام على هذا الإسناد، وانظر الدر المنثور (٢/ ٤٥٤)، وفتح القدير (٢/ ١١).\n(^٥٤) - أخرجه ابن جرير الطبري (٩/ ٤٩٦) (١١٠٠٨) حدثنا بشر قال: حدثنا سعيد عن قتادة به، وإسناده حسن بشر هو ابن معاذ العقدي روي له الترمذي والنسائي وابن ماجة، وهو صدوق، =\n_________\n[¬١]- في ز: \"حريث\".\n[¬٢] في ز: \"غير ابن\".\n[¬٣] في ز: \"تتحبل\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- في ز: \"فهي\"، وسقط من: خ.\n[¬٧]- سقط من: خ.","vol":"5","page":29},{"text":"وفي الصحيح: أن عدي بن حاتم قال: قلت: يا رسول الله، إني أرمي بالمعراض الصيد فأصيب، قال: \"إذا رميت بالمعراض فخزق فكله، وإن أصابه [¬١] بعرضه فإِنما هو وقيذ فلا تأكله\" (^٥٥).\n[ففرق بين ما أصابه بالسهم أو بالمزراق ونحوه بحده فأحله] [¬٢]، وما أصابه [¬٣] بعرضه فجعله وقيذًا فلم [¬٤] يحله، [وقد أجمع الفقهاء] [¬٥] [على هذا الحكم هاهنا] [¬٦]، واختلفوا فيما إِذا صدم الجارحة الصيد فقتله بثقله، ولم يجرحه، على قولين هما قولان للشافعي ﵀:\n(أحدهما): لا يحل كما في السهم، والجامع أن كلًّا منهما ميت بغير جرح، فهو وقيذ.\n(والثاني): أنه يحل لأنه حكم يإِباحة ما صاده الكلب، ولم يستفصل، فدل على إِباحة ما ذكرناه؛ لأنه قد [¬٧] دخل في العموم، وقد قررت لهذه المسألة فصلًا، فليكتب هاهنا.\n\n[فصل]\nاختلف العلماء رحمهم الله تعالى فيما إِذا أرسل كلبًا على صيد فقتله بثقله ولم يجرحه، أو صدمه، هل يحل أم لا؟ على قولين:\n(أحدهما): أن ذلك حلال لعموم قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾، وكذا عمومات حديث عدي بن حاتم، وهذا قول حكاه الأصحاب عن الشافعي ﵀ وصححه بعض المتأخرين منهم [¬٨] كالنووي والرافعي.\n_________\n= قال ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٢/ ٣٦٨): سئل أبي عنه فقال: صالح الحديث صدوق. ويزيد هو ابن زريع ثقة ثبت روي له الجماعة، وشيخه هو سعيد بن أبي عروبة أوثق الناس في قتادة.\n(^٥٥) - أخرجه البخاري في البيوع، باب: تفسير المشبهات الحديث (٢٠٥٤)، وأطرافه في (١٧٥)، (٥٤٧٥)، (٥٤٧٦)، (٥٤٧٧)، (٥٤٨٣)، (٥٤٨٤)، (٥٤٨٦)، (٥٤٨٧)، (٧٣٩٧).\nومسلم في الصيد والذبائح باب: الصيد بالكلاب المعلمة الحديث (١٩٢٩) عن عدي بن حاتم به، والروايات مطولة ومختصرة.\n_________\n[¬١]- في ت: \"أصاب\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في ت: \"أصاب\".\n[¬٤]- في ت: \"لم\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين في ت: \"وهذ مجمع عليه عند الفقهاء\".\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: ت.\n[¬٧]- سقط من: ت.\n[¬٨]- سقط من: ز.","vol":"5","page":30},{"text":"(قلت): وليس ذلك بظاهر من كلام الشافعي في الأم والمختصر، فإِنه قال في كلا الموضعين: يحتمل معنيين، ثم وجه كُلًّا منهما، فحمل ذلك الأصحاب منه، فأطلقوا في المسألة قولين عنه، اللهم إِلا أنه في بحثه حكايته للقول بالحل رشحه قليلًا، ولم يصرح بواحد منهما ولا جزم به، والقرل بذلك - أعني الحل - نقله ابن الصباغ عن أبي حنيفة من رواية الحسن بن زياد عنه، ولم يذكر غير ذلك. وأما أبو جعفر بن جرير فحكاه في تفسيره (^٥٦)، عن سلمان الفارسي وأبي هريرة وسعد بن أبي وقاص وابن عمر، وهذا غريب جدًّا، وليس يوجد ذلك مصرحًا به عنهم، إِلا أنه من تصرفه، ﵀ ورضي عنه -.\n(والقول الثاني): أن ذلك لا يحل، وهو أحد القولين عن الشافعي ﵀، واختاره المزني، ويظهر من كلام ابن الصباغ ترجيحه أيضًا، والله أعلم. ورواه أبو يوسف ومحمد عن [¬١]- أبي حنيفة، وهو المشهور عن الإِمام أحمد بن حنبل ﵁، وهذا القول أشبه بالصواب، والله أعلم؛ لأنه أجري على القواعد الأصولية، وأمس بالأصول الشرعية، واحتج ابن الصباغ له بحديث رافع بن خديج، قلت: يا رسول الله، إِنا لاقوا العدو غدًا، وليس معنا مدي [¬٢]، أفنذبح بالقصب، قال: \"ما أنهر الدم، وذكر اسم الله عليه، فكلوه\". الحديث بتمامه وهو في الصحيحين\" (^٥٧).\n_________\n(^٥٦) - انظر تفسير ابن جرير الطبري (٩/ ٥٥٩ - ٥٦٤) وسيأتي تخريج هذه الآثار انظر (١٣٢) وما بعده.\n(^٥٧) - أخرجه البخاري في الشركة باب: قسمة الغنم، الحديث (٢٤٨٨) وفي كتاب الرهن باب من عدل عشرة من الغنم بجزور في القسم الحديث (٢٥٠٧)، وفي الجهاد والسير باب: ما يكره من ذبح الإبل والغنم في المغانم الحديث (٣٠٧٥)، وفي الذبائح والصيد باب: التسمية على الذبيحة ومن ترك متعمدًا الحديث (٥٤٩٨)، وفي الذبائح والصيد باب: ما أنهر الدم من القصب والمروة والحديد، الحديث (٥٥٠٣)، وباب لا يذكي بالسن والعظم والظفر الحديث (٥٥٠٦)، وفي باب: ما ند من البهائم فهو بمنزلة الوحش الحديث (٥٥٠٩) وفي الأضاحي، باب: إذا ندَّ بعير لقوم فرماه بعضهم بسهم فقتله … الحديث (٥٥٤٤).\nومسلم في الأضاحي، باب: جواز الذبح بكل ما أنهر الدم إلَّا السن والظفر وسائر العظام، الحديث (١٩٦٨/ ٢٠، ٢١، ٢٢، ٢٣) من طرق عن سعيد بن مسروق عن عباية بن رفاعة بن رافع عن جده. ورواه البخاري في الذبائح والصيد، باب: إذا أصاب فوم غنيمة فذبح بعضهم غنمًا أو إبلًا بغير أمر أصحابه لم تؤكل … الحديث (٥٥٤٣) من طريق عباية بن رفاعة عن أبيه عن رافع بن خديج به، والروايات مطولة ومختصرة.\n_________\n[¬١]- في ز: \"بن\".\n[¬٢]- في ز: \"مذا\".","vol":"5","page":31},{"text":"وهذا وإِن كان واردًا على سبب خاص، فالعبرة بعموم اللفظ عند جمهور من العلماء في الأصول والفروع، كما سئل ﵇ عن البتع، وهو نبيذ العسل، فقال: \"كل شراب أسكر فهو حرام\" (^٥٨). أفيقول فقيه: إن هذا اللفظ مخصوص بشراب العسل؟ وهكذا [هذا] [¬١] سألوه عن شيء من الذكاة، فقال لهم كلامًا عامًّا يشمل ذاك المسئول عنه وغيره؛ لأنه ﵇ كان [¬٢] قد أوتي جوامع الكلم.\nإِذا تقرر هذا فما صدمه الكلب، أو غمه بثقله؛ ليس مما أنهر دمه فلا يخل لمفهوم هذا الحديث، فإِن قيل: هذا الحديث ليس من هذا القبيل بشيء؛ لأنهم إِنما سألوه [¬٣] عن الآلة التي يُذَكَّي بها، و[¬٤] لم يسألوه عن الشيء الذي يُذَكَّي، ولهذا استثني من ذلك السن والظفر، حيث قال: \"ليس السنّ والظفر، وسأحدثكم عن ذلك، أما السن فعظم، وأما الظفر فمدي الحبشة\" (^٥٩) والمستثني يدل على جنس المستثني منه، وإِلا لم يكن متصلًا، فدل على أن المسئول عنه هو الآلة، فلا يبقي فيه دلالة لما ذكرتم.\nفالجواب [¬٥] عن هذا بأن في الكلام ما يشكل عليكم أيضًا، حيث يقول: \"ما أنهر الدم، وذكر اسم الله عليه، فكلوه\". ولم يقل فاذبحوا به، فهذا يؤخذ منه الحكمان معًا، يؤخذ حكم الآلة التي يذكي بها، وحكم المذكي، وأنه لابد من إِنهار دمه بآلة ليست سنًّا ولا ظفرًا، هذا مسلك.\nوالمسلك الثاني: طريقة المزني، وهي أن السهم جاء التصريح فيه بأنه إن قتل بعرضه فلا تأكل، وإِن خزق فكل، والكلب جاء مطلقًا فيحمل على ما قيد هناك من الخزق؛ لأنهما اشتركا في الموجب، وهو الصيد، فيجب الحمل هنا، واِن اختلف السبب، كما وجب حمل مطلق الإِعتاق في الظهار على تقييده بالإِيمان في القتل، بل هذا أولى، وهذا يتوجه له\n_________\n(^٥٨) - أخرجه البخاري كتاب الوضوء، باب: لا يجوز الوضوء بالنبيذ ولا السكر، الحديث (٢٤٢)، وفي الأشربة، باب: الخمر من العسل، وهو البتع الحديث (٥٥٨٥)، (٥٥٨٦)، ومسلم في الأشربة، باب: بيان أن كل مسكر خمر، وأن كل خمر حرام الحديث (٢٠٠١)، من حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن عن عائشة، ﵂.\n(^٥٩) - جزء من حديث رافع المتقدم رقم (٦٠).\n_________\n[¬١]- زيادة من ز.\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- في ز: \"سألوا\".\n[¬٤]- سقط من: ز.\n[¬٥]- في ز: \"الجواب\".","vol":"5","page":32},{"text":"على من يسلم له أصل هذه القاعدة، من حيث هي، وليس في خلاف بين الأصحاب قاطبة - فلابدّ لهم من جواب عن هذا. وله أن يقول: هذا قتله الكلب بثقله، فلم يحل؛ قياسًا على ما قتله السهم بعرضه، والجامع أن كلًّا منهما آلة للصيد، وقد مات بثقله فيهما، ولا يعارض ذلك بعموم الآية؛ لأن القياس مقدم على العموم، كما هو مذهب الأئمة الأربعة والجمهور، وهذا مسلك حسن أيضًا.\n(مسلك [¬١]- آخر): وهو أن قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ عام فيما قتلن بجرح أو غيره، لكن هذا المقتول على هذه الصورة المتنازع فيها لا يخلو إِما أن يكون نطيحًا أو في حكمه، أو منخنقًا أو في حكمه، وأيا مّا كان؛ فيجب تقديم هذه الآية على تلك؛ لوجوه:\n(أحدها): أن الشارع قد اعتبر حكم هذه الآية حالة الصيد، حيث يقول لعدي بن حاتم: \"وإِن أصابه بعرضه [¬٢]، فإِنما هو وقيذ فلا تأكله\". ولم نعلم أحدًا من العلماء فصل بين حكم وحكَم من هذه الآية، فقال: إِن الوقيذ معتبر حالةَ الصيد، والنطيح ليس معتبرًا، فيكون القول بحل المتنازع فيه خرقًا للإِجماع، لا قائل به، وهو محظور عند كثير من العلماء.\n(الثاني): أن تلك الآية: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ ليست على عمومها بالإِجماع، بل مخصوصة بما صدن من الحيوان المأكول، وخرج من عموم لفظها الحيوان غير المأكول بالاتفاق والعموم المحفوظ مقدّم على غير المحفوظ.\n(المسلك [¬٣] الآخر): أن هذا الصيد، والحالة هذه، في حكم الميتة سواء؛ لأنه قد احتقن فيه الدماء وما يتبعها من الرطوبات، فلا تحل قياسًا على الميتة.\n[المسلك [¬٤] الآخر): أن آية التحريم - أعني قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ إِلى آخرها - محكمة لم يدخلها نسخ ولا تخصيص، وكذا ينبغي أن تكون آية التحليل محكمة، أعني قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ الآية. فينبغي أن لا يكون بينهما تعارض أصلا، وتكون السنة جاءت لبيان ذلك، وشاهد ذلك قصة السهم، فإِنه ذكر حكم ما دخل في هذه الآية، وهو ما إِذا خزقه المعراض فيكون حلالًا، لأنه من الطيبات، وما دخل في حكم تلك الآية، آية التحريم، وهو ما إِذا أصابه بعرض فلا يؤكل؛ لأنه وقيذ، فيكون أحد أفراد آية التحريم، وهكذا يجب أن يكون حكم هذا،\n_________\n[¬١]- في خ: \"الحديث\".\n[¬٢]- في ز: \"بعرض\".\n[¬٣]-[¬٤]- في خ: \"الحديث\".","vol":"5","page":33},{"text":"سواء إِن كان قد جرحه الكلب، فهو داخل في حكم آية التحليل، وإِن لم يجرحه بل صدمه أو قتله بثقله؛ فهو نطح أو في حكمه؛ فلا يكون حلالًا.\n(فإِن قيل): فلم لا فصَّل في حكم الكلب، فقال ما ذكرتم؛ إِن جرحه فهو حلال، وإِن لم يجرحه فهو حرام؟.\n(فالجواب): أن ذلك نادر؛ لأن من شأن الكلب أن يقتل بظفره أو نابه أو بهما معًا، وأما اصطدامه هو والصيد فنادر، وكذا قتله إِياه بثقله، فلم يحتج إِلي الاحتراز من ذلك لندوره، أو لظهور حكمه عند من علم تحريم الميتة والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة، وأما السهم والمعراض فتارة يخطئ لسوء رمي راميه، أو للهواء، أو نحو ذلك، بل خطؤه أكثر من إِصابته، فلهذا ذكر كلًّا من حكميه مفصلًا، والله أعلم.\nولهذا لما كان الكلب من شأنه أنه [قد] [¬١] يأكل من الصيد، ذكر حكم ما إذا أكل من الصيد، فقال: \"إِن أكل فلا تأكل، فإِني أخاف أن يكون أمسك على نفسه\". وهذا صحيح ثابت في الصحيحين (^٦٠)، وهو أيضًا مخصوص من عموم آية التحليل عند كثيرين، فقالوا: لا يحل ما أكل منه الكلب، حكي ذلك عن أبي هريرة وابن عباس، وبه قال الحسن والشعبي والنخعي، وإِليه ذهب أبو حنيفة وصاحباه، وأحمد بن حنبل والشافعي في المشهور عنه. وروى ابن جرير في تفسيره (^٦١)، عن علي وسعد وسلمان وأبي هريرة وابن عمر وابن عباس، أن الصيد يؤكل، وإِن أكل منه الكلب، حتى قال سعد [¬٢] وسلمان وأبو هريرة وابن عمر وغيرهم: يؤكل ولو لم يبق منه إِلا بضعة. وإِلى ذلك ذهب مالك والشافعي في قوله القديم، وأومأ في الجديد إِلى قولين، قال ذلك الإِمام أبو نصر بن الصباغ وغيره من الأصحاب عنه [¬٣].\nوقد روي أبو داود بإِسناد جيد قوي عن أبي ثعلبة الخشني (^٦٢)، عن رسول الله ﷺ، أنه قال\n_________\n(^٦٠) - جزء من حديث عدي بن حاتم المتقدم رقم (٥٨).\n(^٦١) - انظر رقم (٥٩).\n(^٦٢) - أخرجه أبو داود في الصيد، باب: في الصيد الحديث (٢٨٥٢) من طريق بسر بن عبيد الله عن أبي إدريس الخولاني عن أبي ثعلبة الخشني به، وأصل الحديث عند البخاري في الذبائح والصيد باب: صيد القوس، الحديث (٥٤٧٨)، وفي باب: ما جاء في التصيد الحديث (٥٤٨٨)، وفي باب: آنية =\n_________\n[¬١]- سقط من ت.\n[¬٢]- في ز: \"سعيد\".\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.","vol":"5","page":34},{"text":"في صيد الكلب: \"إِذا أرسلت كلبك، وذكرت اسم الله فكل وإِن أكل منه، وكل ما ردت عليك يدك\".\nورواه أيضًا النسائي (^٦٣) من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أن أعرابيًّا يقال له: أبو ثعلبة، قال: يا رسول الله؛ … فذكر نحوه.\nوقال محمد بن جرير في تفسيره (^٦٤): حدثنا عمران بن بكار الكلاعي، حدثنا عبد العزيز بن موسى - هو اللاحوني -، حدثنا محمد بن دينار - هو الطاحي - عن أبي إِياس وهو معاوية بن قرة عن سعيد بن المسيب، عن سلمان الفارسي، عن رسول الله ﷺ قال: \"إِذا أرسل الرجل [¬١] كلبه على الصيد، فأدركه وقد أكل منه، فليأكل ما بقي\"، ثم [¬٢] إِن ابن جرير علله بأنه قد رواه قتادة وغيره عن سعيد بن المسيب عن سلمان موقوفًا. وأما الجمهور فقدّموا حديث عدي على ذلك، وراموا تضعيف حديث أبي ثعلبة وغيره، وقد حمله بعض العلماء على أنه إِن أكل بعد ما انتظر صاحبه، فطال عليه الفصل، ولم يجئ فأكل منه لجوعه\n_________\n= المجوس الحديث (٥٤٩٦)، ومسلم في الصيد والذبائح، باب: الصيد بالكلاب المعلمة، الحديث (١٩٣٠) من طريق ربيعة بن يزيد الدمشقي عن أبي إدريس الخولاني عن أبي ثعلبة به مطولًا.\n(^٦٣) - أخرجه النسائي كتاب الصيد، والذبائح، باب: الرخصة في ثمن كلب الصيد (٧/ ١٩١) من طريق أبي مالك عبيد بن الأخنس عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وعبيد الله بن الأخنس وثقه ابن معين كما في الجرح والتعديل (٥/ ٣٠٧)، وأبو داود والنسائي كما في تهذيب الكمال (١٩/ ٦) وقد روي له الجماعة.\nورواه أبو داود في الصيد، باب: في الصيد، الحديث (٢٨٥٧)، وأحمد (٢/ ١٨٤) (٦٧٢٥)، والدارقطني في سننه (٤/ ٢٩٤) باب الصيد والذبائح حديث (٨٨) من طريق حبيب العلم عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن أبا ثعلبة الخشني أتي النبي ﷺ … فذكره.\nوحبيب أيضًا روي له الجماعة وقال فيه الحافظ في التقريب: صدوق. والحديث صحح إسناده العلامة أحمد شاكر في تعليقه على المسند وقد جاءت القصة بنحوها من رواية أبي ثعلبة الخشني نفسه مطولة ومختصرة، وقد تقدم تخريجها.\n(^٦٤) - أخرجه ابن جرير الطبري في تفسير (٩/ ٥٦٥) (١١٢١١) وعمران بن بكار الكلاعي ترجم له ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٦/ ٢٩٤) ترجمة (١٦٣٣) وقال: سمعت منه وهو صدوق. وقال الحافظ في \"التقريب\": ثقة.\nوعبد العزيز بن موسى اللاحوني، قال ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٥ / الترجمة ١٨٣٨): كتب عنه بسلمية، وهو صدوق ثقة مأمون. اهـ. ووثقه أيضًا ابن شاهين في ثقاته (٨٨٧) فقال: ثقة ثقة.\nوذكره ابن حبان في الثقات (٨/ ٣٩٥)، وأما محمد بن دينار الطاحي فقد اختلف فيه قول =\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- سقط من: ز.","vol":"5","page":35},{"text":"ونحوه، فإنه لا بأس بذلك؛ لأنه والحالة هذه؛ لا يخشى أنه إِنما أمسك على نفسه، بخلاف ما إِذا أكل [¬١] منه أول وهلة، فإِنه يظهر منه أنه أمسك على نفسه، والله أعلم.\nفأما الجوارح من الصيد، فنص الشافعي على أنها كالكلب [¬٢]، فيحرم ما أكلت منه عند الجمهور، ولا يحرم عند الآخرين، واختار المزني من أصحابنا أنه لا يحرم أكْلُ ما أكلتْ منه الطور والجوارح، وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد، قالوا: لأنه لا يمكن تعليمها كما يعلم الكلب بالضرب ونحوه. وأيضًا فإِنها لا تعلم إِلا بأكلها من الصيد، فيعفى عن ذلك، وأيضًا فالنص إِنما ورد في الكلب لا في الطير، وقال الشيخ أبو على في الإِفصاح: إِذا قلنا يحرم ما أكل منه الكلب، ففي تحريم ما أكل منه الطير وجهان. وأنكر القاضي أبو الطيب هذا التفريع والترتيب؛ لنص الشافعي ﵀ على التسوية بينهما، والله ﷾ أعلم.\nوأما المتردّية: فهي التي تقع من شاهق، أو موضع عال، فتموت بذلك، فلا تحل.\nقال على بن أبي طلحة، عن ابن عباس (^٦٥): المتردّية التي تسقط من جبل. وقال قتادة (^٦٦): هي التي تتردّى في بئر.\n_________\n= ابن معين والنسائي، وقال ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٧/ الترجمة ١٣٦٧) سألت أبي عن محمد ابن دينار الطاحي فقال: لا بأس به، وسئل أبو زرعة عن محمد بن دينار بن صندل فقال: صدوق. ولخص الحافظ حاله في \"التقريب\" فقال: صدوق سيئ الحفظ ورمي بالقدر. وبقية إسناده ثقات. وقال ابن جرير: \"قيل: هذا خبر في إسناده نظر فإن \"سعيدًا\" غير معلوم له سماع من \"سلمان\" والثقات من أهل الآثار يقفون هذا الكلام على سلمان، ويروونه عنه من قبله غير مرفوع إلى النبي ﷺ والحفاظ الثقات إذا تتابعوا على نقل شيء بصفة فخالفهم واحد منفرد ليس له حفظهم، كانت الجماعة الأثبات أحق بصحة ما نفلوا من الفرد الذي ليس له حفظهم. ا هـ.\nوله طريق أخرى عن سعيد عند أبي نعيم في الحلية (٨/ ١٣٧ - ١٣٨) لكنها ضعيفة أيضًا. وقد رواه ابن جرير في تفسيره (١١١٨٧)، (١١١٨٨) (١١١٨٩)، (١١١٩٠)، (١١١٩١)، (١١١٩٣)، (١١١٩٤) من طرق عن سلمان موقوفًا عليه وهو الصواب، والله أعلم.\nوالحديث سينقله المصنف ﵀ مرة أخرى بمتنه وإسناده، انظر رقم (١٣٨).\n(^٦٥) - أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (٩/ ٤٩٨) (١١٠١٥) وقد تقدم الكلام على هذا الإسناد.\n(^٦٦) - أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (٩/ ٤٩٨) (١١٠١٧).\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- في خ: \"كالكلاب\".","vol":"5","page":36},{"text":"[وقال السدي (^٦٧): هي التي تقع من جبل، أو تتردّي في بئر] [¬١].\nوأما النطحة: فهي [¬٢] التي ماتت بسبب نطح غيرها لها، فهي حرام، وإِن جرحها القرن، وخرج منها الدم، ولو من مذبحها.\nوالنطيحة فعيلة بمعنى مفعولة، أي منطوحة، وأكثر ما ترد هذه البنية في كلام العرب بدون تاء التأنيث، فيقولون: [عين كحيل، وكف [¬٣] خضيب] [¬٤]، ولا يقولون: كف خضيبة، ولا عين كحيلة، وأما هذه فقال بعض النحاة: إِنما استعمل فيها تاء التأنيث لأنها أجريت مجرى الأسماء، كما في قولهم: طريقة طويلة، وقال بعضهم: إِنما أُتي بتاء التأنيث فيها؛ لتدل على التأنيث من أوّل وهلة، بخلاف، عين كحيل، وكف خضيب؛ لأن التأنيث مستفاد من أوّل الكلام.\nوقوله تعالى: ﴿وما أكل السبع﴾ أي: ما عدا عليها أسد أو فهد أو نمر أو ذئب أو كلب؛ فأكل بعضها فماتت بذلك، فهي حرام؛ وإن كان قد سال منها الدم [¬٥]، ولو من مذبحها، فلا تحل بالإِجماع، وقد كان أهل الجاهلية يأكلون ما أفضل السبع من الشاة، أو البعير أو البقرة ونحو ذلك، فحرّم الله ذلك على المؤمنين.\nوقوله: ﴿إِلا ما ذكيتم﴾ عائد على ما يمكن عوده عليه مما انعقد سبب موته، فأمكن تداركه بذكاة وفيه حياة مستقرّة، وذلك إِنما يعود على قوله: ﴿والمنخنقة والموقوذة والمتردّية والنطيحة وما أكل السبع﴾.\nوقال على بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: ﴿إِلا ما ذكيتم﴾ يقول: إِلا ما ذبحتم من هؤلاء، وفيه روح، فكلوه، فهو ذكي. وكذا روي عن سعيد بن جبير والحسن البصري والسدي.\nوقال ابن أبي حاتم (^٦٨): حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا حفص بن غياث، حدثنا جعفر بن\n_________\n(^٦٧) - أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (٩/ ٤٩٨) (١١٠١٨).\n(^٦٨) - أبو سعيد الأشج هو عبد الله بن سعيد بن حصين إمام ثقة. والأثر أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٤/ ٤٩٩) (٨٦٣٤) عن الأسلمي عن جعفر بن محمد عن أبيه، قال: وذكره ابن جريج عن جعفر =\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- في خ: \"كيف\".\n[¬٤]- في ز: \"كف خضيب، وعين كحيل\".\n[¬٥]- في ز: \"الدماء\".","vol":"5","page":37},{"text":"محمد، عن أبيه، عن علي في الآية، قال: إِن مصعت بذنبها، أو ركضت برجلها، أو طرفت بعينها؛ فَكُل.\nوقال ابن جرير (^٦٩): حدثنا القاسم، حدثنا الحسين، حدثنا هشيم وعباد، قالا: حدثنا حجاج، عن حصين، عن الشعبي، عن الحارث، عن علي قال: إذا أدركت ذكاة الموقوذة والمتردّية والنطيحة وهي تحرك يدًا أو رجلًا؛ فكلها.\nوهكذا روي عن طاوس والحسن وقتادة وعبيد بن عمير والضحاك وغير واحد - أن المذكّاة متي تحرّكت بحركة تدل على بقاء الحياة فيها بعد الذبح؛ فهي حلال، وهذا مذهب جمهور الفقهاء. وبه قال أبو حنيفة والشافعي وأحمد بن حنبل.\nقال ابن وهب (^٧٠): سئل مالك عن الشاة التي يخرق جوفها السبع، حتى تخرج أمعاؤها، فقال مالك: لا أري أن تذكي، أي شيء يذكن منها؟.\nوقال أشهب (^٧١): سئل مالك عن الضبع يعدو على الكبش فيدق ظهره، أتري أن يذكي قبل أن يموت فيؤكل؟ فقال: إِن كان قد بلغ السُّحْرة فلا أري أن يؤكل، وإِن كان أصاب أطرافه فلا أري بذلك بأسًا. قيل له: وثب عليه فدق ظهره؟ فقال: لا يعجبني، هذا لا يعيش منه. قيل له: فالذئب يعدو على الشاة فيشق بطنها ولا يشق الأمعاء؟ فقال: إِذا شق بطها فلا أرى أن تؤكل.\n_________\n= ابن محمد عن أبيه أن عليًّا قال: إذا ضربت بذنبها أو رجلها أو طرفت بعينها فهي ذكي. والأسلمي شيخ عبد الرزاق هو سعيد بن سفيان الأسلمي قال عنه الحافظ في التقريب: مقبول. ورواه ابن جرير الطبري في تفسيره (٩/ ٥٠٣) (١١٠٣٨) قال: حدثنا أبو كريب قال: حدثنا مصعب بن سلام التميمي قال: حدثنا جعفر بن محمد به.\nقلت: وهذا مرسل صحيح الإسناد فإن جعفر هو ابن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، قال الحافظ العلائي في جامع التحصيل (ص ٢٦٦): أرسل عن جديه الحسن والحسين وجده الأعلى على ﵃. اهـ.\n(^٦٩) - أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (٩/ ٥٠٣) (١١٠٣٦) وفي إسناده الحارث الأعور قال الحافظ في التقريب: كذبه الشعبي في رأيه ورمي بالرفض وفي حديثه ضعف، وليس له عند النسائي سوى حديثين.\nوللعلامة الألباني بحث في تضعيف الحارث ومدافعة للشيخ عبد العزيز الغماري في ذلك.\n(^٧٠) - أخرجه ابن جرير في تفسيره (٩/ ٥٠٥) (١١٠٤٥) لْال: حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب … فذكره.\n(^٧١) - أخرجه ابن جرير في تفسيره (٩/ ٥٠٥) (١١٠٤٦) حدثني يونس عن أشهب به.","vol":"5","page":38},{"text":"هذا مذهب مالك ﵀، وظاهر الآية عام [¬١] فيما استثناه مالك ﵀؛ من الصور التي بلغ الحيوان فيها إِلى حالة لا يعيش بعدها، فيحتاج إِلى دليل مخصص للآية، والله أعلم.\nوفي الصحيحين (^٧٢) عن رافع بن خديج أنه قال: قلت يا رسول الله، إِنا لاقو العدوّ غدًا، وليس معنا مدى [¬٢]، أفنذبح بالقصب؟ فقال: \"ما أنهر الدم، وذكر اسم الله عليه؛ فكلوه، ليس السن والظفر، وسأحدثكم عن ذلك: أما السن فعظم، وأما الظفر فمدى الحبشة\".\n[وفي الحديث الذي] [¬٣] [رواه الدارقطني مرفوعًا وفيه نظر (^٧٣)، وروي عن عمر موقوفًا،\n_________\n(^٧٢) - تقدم تخريجه رقم (٦٠)، وانظر رقم (٦٢).\n(^٧٣) - أخرجه الدارقطني (٤/ ٢٨٣) حدثنا محمد بن مخلد وآخرون قالوا: نا محمد بن سليمان بن الحارث الواسطي نا سعيد بن سلام العطار، نا عبد الله بن بديل الخزاعي عن الزهري، عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة، وفيه سعيد بن سلام العطَّار قال ابن حبان في المجروحين (١/ ٣١٧): منكر الحديث ينفرد عن الأثبات بما لا أصل له. اهـ.\nقال الذهبي في الميزان (٢/ ٣٣١): كذبه ابن نمير، وقال: البخاري: يذكر بوضع الحديث. وقال النسائي وغيره: بصري ضعيف. وقال أحمد بن حنبل: كذاب. اهـ.\nوانظر ترجمته في لسان الميزان (٣/ ٣٧). وبه أعل الشيخ الألباني الحديث في إرواء الغليل (٨/ ١٧٦) فقال: هذا إسناد هالك العطار هذا كذاب كما قال أحمد. وقال البخاري: يذكر بوضع الحديث. ا هـ.\nووهاه الحافظ في الفتح (٩/ ٦٤١) وانظر نصب الراية (٢/ ٤٨٤)، (٤/ ١٨٥)، وأما الأثر الموقوف على عمر: فأخرجه عبد الرزاق (٤/ ٤٩٥) (٨٦١٤) أخبرنا معمر عن يحيى بن أبي كثير عن رجل عن ابن الفرافصة الحنفي عن أبيه أنه قال لعمر: إنكم تذبحون ذبائح لا تحل تعجلون على الذبيحة. فقال عمر: نحن أحق أن نتقي ذلك أبا حيان! الذكاة في الحلق واللبة لمن قدر وذر الأنفس حتى تزهق. وعلقه البيهقي في السنن (٩/ ٢٧٨) ثم قال: وقد روى وجه ضعيف مرفوعًا وليس بشيء. اهـ.\nقلت: يريد حديث أبي هريرة المذكور والله أعلم.\nوعزاه الحافظ في الفتح (٩/ ٦٤١) لسفيان الثوري في جامعه، ورواه عبد الرزاق (٤/ ٤٩٥) (٨٦١٥)، والبيهقي (٩/ ٢٧٨) من طريق أيوب السختياني عن سعيد بن جبير عن عبد الله بن عباس ﵄ أنه قال: الذكاة في الحلق واللبة.\nوعلقه البخاري في صحيحه كتاب الذبائح والصيد باب: النحر والذبح (٩/ ٦٤٠)، وقال الحافظ: وصله سعيد بن منصور والبيهقي من طريق أيوب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال: الذكاة في الحلق واللبة، وهذا إسناد صحيح. ا هـ.\n_________\n[¬١]- في ز: \"عامة\".\n[¬٢]- في ز: \"مذًا\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.","vol":"5","page":39},{"text":"وهو أصح: \"ألا إِن الذكاة في الحلق واللبة ولا تعجلوا الأنفس أن تزهق] [¬١] \".\nوفى الحديث الذي رواه الإمام أحمد وأهل السنن من رواية حماد بن سلمة، عن أبي العشراء الدارمي، عن أبيه، قال: قلت: يا رسول الله، أما تكون الذكاة إلا من اللبة والحلق؟ فقال: \"لو طعنت في فخذها لأجزأ عنك\" (^٧٤).\nوهو حديث صحيح (^٧٥)، ولكنه محمول على ما لا [¬٢] يقدر [¬٣] [على ذبحه] [¬٤] في الحلق واللبة.\nوقوله: ﴿وما ذبح على النصب﴾. قال مجاهد (^٧٦).\n_________\n(^٧٤) - أخرجه أحمد (٤/ ٣٤)، وأبو داود في الأضاحي باب: ما جاء في ذبيحة المتردية، الحديث (٢٨٢٥)، والترمذي في الأطعمة، باب: ما جاء في الذكاة في الحلق واللبة، الحديث (١٤٨١)، والنسائي (٧/ ٢٢٨)، وابن ماجة في الذبائح، باب: ذكاة النَّاد من البهائم، الحديث (٣١٨٤)، والدارمي (١٩٧٨) والبخاري في التاريخ (٢/ ٢١ - ٢٢)، وابن الجارود (٩٠١) وأبو نعيم (٦/ ٢٥٧، ٣٤١)، وأبو يعلى (٣/ ٧٢ - ٧٣) (١٥٠٣) والطبراني في الكبير (٧/ ١٩٩) رقم (٦٧١٩)، (٦٧٢٠)، (٦٧٢١)، والبيهقي (٩/ ٢٤٦) من طرق عن حماد بن سلمة عن أبي العُشَراء به، والحديث ضعفه أبو عبد الله البخارى في تاريخه فقال في ترجمة أبي العشراء: \"في حديثه واسمه وسماعه من أبيه - نظر\". اهـ. وقال الترمذى: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث حماد بن سلمة ولا نعرف لأبي العشراء عن أبيه غير هذا الحديث واختلفوا في اسم أبي العشراء فقال بعضهم: اسمه أسامة بن قهطم، ويقال: اسمه يسار بن برز، يقال: ابن بلز، ويقال: اسمه عطارد نسب إلى جده\" اهـ.\nوقال الخطابي في \"معالم السنن\" (٤/ ٢٨٠): \"ضعفوا هذا الحديث؛ لأن راويه مجهول، وأبو العشراء الدارمي لا يدرى من أبوه ولم يروه عنه غير حماد بن سلمة\" اهـ. وأبو العشراء ذكره ابن حبان في الثقات (٣/ ٣) وقاعدته توثيق المجاهيل معروفة. فقد قال الحافظ في التقريب: أعرابي مجهول. اهـ. وقال في فتح الباري (٩/ ٦٤١) في شرح أثر ابن عباس المتقدم في تخريج الحديث السابق الذي علقه البخاري فى صحيحه: \"وكأن المصنف [يعني البخاري] لمح بضعف الحديث الذي أخرجه أصحاب السنن من رواية حماد بن سلمة عن أبي العشراء الدارمي عن أبيه … لكن من قواه حمله على الوحش والمتوحش\". اهـ.\nوالحديث ضعفه الألباني - حفظه الله - في الإرواء (٢٥٣٥) وقد رواه الطبراني في الأوسط (٤٨٦٧) من حديث أنس، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٤/ ٣٧) وقال: فيه بكر بن الشرود وهو ضعيف. اهـ.\n(^٧٥) - صحح المصنف هذا الإسناد هنا، وأبو العشراء لم يوثقه غير ابن حبان، وبه أعل الحديث غير واحد كما تقدم.\n(^٧٦) - أخرجه ابن جرير الطبرى في تفسيره (٩/ ٥٠٨) (١١٠٥٠)، (١١٠٥١) من طريق بن أبي نجيح عن مجاهد، ورواه رقم (١١٠٤٩) من طريق ابن عيينة عن ابن أبي نجيح عن مجاهد بلفظ: حجارة كان يذبح عليها أهل الجاهلية، والأثر ذكره السيوطي في الدر المنثور (٢/ ٤٥٤) وزاد نسبته إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- في ز: \"بقدر\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"5","page":40},{"text":"وابن جريج (^٧٧): [كانت النصب حجارة حول الكعبة. قال ابن جريج] [¬١]: وهي ثلاثمائة وستون نصبًا، كانت [¬٢] العرب في جاهليتها يذبحون عندها، وينضحون ما أقبل منها إِلى البيت بدماء تلك الذبائح، ويشرحون اللحم، ويضعونه على النصب.\nوكذا ذكره غير واحد، فنهى الله المؤمنين عن هذا الصنيع، وحرّم عليهم أكل هذه الذبائح التي فعلت عند النصب، [حتى ولو كان يذكر عليها اسم الله، لما في الذبح عند النصب] [¬٣] من الشرك [¬٤] الذي حرّمه الله ورسوله، وينبغي أن يحمل هذا على هذا؛ لأنه قد تقدم تحريم ما أهل به لغير الله.\nوقوله تعالى: ﴿وأن تستقسموا بالأزلام﴾ أي: حرّم عليكم أيها المؤمنون الاستقسام بالأزلام، واحدها: زُلَم [¬٥]، وقد تفتح الزاي فيقال: زَلَم، وقد كانت العرب في جاهليتها يتعاطون ذلك، وهي عبارة عن قداح ثلاثة، على أحدها مكتوب: \"افعل\"، وعلى الآخر: \"لا تفعل\"، والثالث: غفلٌ ليس عليه شيء. ومن الناس من قال: مكتوب على الواحد: \"أمرني ربي\"، وعلى الآخر: \"نهاني ربي\"، والثالث: غفل [¬٦] ليس عليه شيء، فإِذا أجالها [¬٧] فطلع السهم الآمر فعله، أو الناهى تركه، وِإن طلع الفارغ أعاد.\nو[¬٨] الاستقسام مأخوذ من طلب القسم من هذه الأزلام، هكذا قرّر ذلك أبو جعفر بن جرير.\nوقال ابن أبي حاتم (^٧٨): حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح، حدثنا الحجاج بن محمد، أخبرنا ابن جريج وعثمان بن عطاء، عن عطاء، عن ابن عباس ﴿وأن تستقسموا بالأزلام﴾ قال: والأزلام: قداح كانوا يستقسمون بها في الأمور.\n_________\n(^٧٧) - أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (٩/ ٥٠٨)، (١١٠٤٨).\n(^٧٨) - عثمان بن عطاء هو ابن عطاء بن أبي مسلم الخراساني ضعفه يحيى بن معين، وعمرو بن علي الفلاس، ومسلم والدارقطني، وانظر ترجمته في تهذيب الكمال (١٩/ ترجمة ٣٨٤٦)، ومتابعة ابن جريج له لا تفيد؛ لأن ابن جريج مدلس وعطاء ذهب المزي في تهذيب الكمال (٢٠/ ١٠٧) إلى أن روايته عن الصحابة مرسلة.\nوقال العلائي في جامع التحصيل (ص ٢٣٨): قال أحمد بن حنبل رأى ابن عمر ولم يسمع من =\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في ز: \"كان\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٤]- في ز: \"الشول\".\n[¬٥]- في ز: \"زُلُم\".\n[¬٦]- في ز، خ: \"عطل\".\n[¬٧]- في ز، خ: \"جاء أجلاها\".\n[¬٨]- سقط من: ز.","vol":"5","page":41},{"text":"وكذا روي عن مجاهد وإِبراهيم النخعي والحسن البصري ومقاتل بن حيان.\nوقال ابن عباس: هي قداحٌ [¬١] كانوا يستقسمون بها في الأمور، وذكر محمد بن إسحاق (^٧٩) وغيره: أن أعظم أصنام قريش صنم كان يقال له: هبل، [منصوب على بئر داخل الكعبة] [¬٢]، توضع الهدايا وأموال الكعبة فيه، وكان عنده سبعة أزلام مكتوب فيها ما يتحاكمون فيه مما أشكل عليهم، فما خرج لهم منها رجعوا إِليه ولم يعدلوا عنه.\nوثبت في الصحيح أن النبي ﷺ لما دخل الكعبة، وجد إِبراهيم وإسماعيل مصوّرين فيها، وفي أيديهما الأزلام، فقال: \"قاتلهم الله، لقد علموا أنهما لم يستقسما بها أبدًا\" (^٨٠).\nوفي الصحيح (^٨١) أن سراقة بن مالك بن جُعْشم، لما خرج في طلب النبي ﷺ وأبي بكر، وهما ذاهبان إِلى المدينة مهاجرين، قال: فاستقسمت بالأزلام، هل أضرهم أم لا؟ فخرج الذي أكره لا تضرهم [¬٣]، قال: فعصيت الأزلام واتبعتهم، ثم إِنه استقسم بها ثانية\n_________\n= ابن عباس شيئًا .... وقال إسحاق بن منصور عن يحيى بن معين: لا أعلمه لقي أحدًا من أصحاب النبي ﷺ. والأثر رواه ابن جرير في تفسيره (٩/ ٥١٥) (١١٠٧٣) من طريق على بن طلحة عن ابن عباس.\n(^٧٩) - رواه ابن جرير في تفسيره (٩/ ٥١٣ - ٥١٤) (١١٠٧٢) بسنده إلى ابن إسحاق، وانظر أيضًا السيرة النبوية لابن هشام (١/ ١٦٨).\n(^٨٠) - أخرجه البخاري في الحج، باب: من كبَّر في نواحي الكعبة، الحديث (١٦٠١)، وفي أحاديث الأنبياء، باب: قول الله تعالى: ﴿واتخذ الله إبراهيم خليلًا﴾ الحديث (٣٣٥٢) وفي المغازي باب: أين ركز النبي ﷺ الراية يوم الفتح الحديث (٤٢٨٨)، وأبو داود في المناسك، باب: في دخول الكعبة الحديث (٢٠٢٧)، وأحمد (١/ ٣٣٤، ٣٦٥) من طريق عكرمة عن ابن عباس ﵄ قال: إن رسول الله ﷺ لما قدم أبَى أن يدخل البيت وفيه الآلهة، فأمر بها فأُخْرجت فأخرجوا صورة إبراهيم وإسماعيل في أيديهما الأزلام فقال رسول الله ﷺ: \"قاتلهم الله، أما والله قد علموا أنهما لم يستقسما بها قط \".\n(^٨١) - جزء من حديث سراقة بن جعشم الطويل في الهجرة وقد رواه البخاري في صحيحه كتاب مناقب الأنصار، باب هجرة النبي ﷺ وأصحابه إلى المدينة الحديث (٣٩٠٦).\n_________\n[¬١]- في ز: \"القداح\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز: \"وكان داخل الكعبة منصوب على بئر فيها\"، خ: \"مكان داخل الكعبة منصوب على بئر فيها\".\n[¬٣]- في ز: \"يضرهم\".","vol":"5","page":42},{"text":"وثالثة، كل ذلك يخرج الذي يكره: لا تضرهم، وكان كذلك، وكان سراقة لم يسلم إِذ ذاك، ثم أسلم بعد ذلك.\nوروى ابن مردويه (^٨٢) من طريق إِبراهيم بن يزيد، عن رقَبَة [¬١]، عن عبد الملك بن عمير،\n_________\n(^٨٢) - أخرجه الطبراني في \"الكبير\" كما في الروض البسام\" (٣/ ٢٥٢ - ٢٥٣) من طريق يحيى بن داود نا إبراهيم بن يزيد به.\nورواه تمام في فوائده (١٠٣١ - الروض) من هذه الطريق ولم يذكر فيه \"عبد الملك بن عمير\" بين رقبة ورجاء، وذكر أم الدرداء بين رجاء وأبي الدرداء. ولم يذكر المزي في تهذيب الكمال رجاء بن حيوة في شيوخ رقبة ولا ذكر رقبة في الرواة عن رجاء، وإبراهيم بن يزيد بن مراد نبه القرشي قال أبو حاتم في الجرح والتعديل (٢/ ١٤٥): شيخ يكتب حديثه ولا يحتج به.\nوقال البخاري في التاريخ الأوسط: لا يحتجون بحديثه. وذكره ابن حبان في الثقات وقال الأزدي: عنده مناكير. وانظر تهذيب التهذيب (١/ ٩٤).\nورواية رجاء عن أبي الدرداء مرسلة كما قال العلائي في جامع التحصيل (ص ١٧٥)، ولذلك قال الحافظ في فتح الباري (١٠/ ٢١٣): رجاله ثقات إلا أنني أظن فيه انقطاعًا. اهـ. فلعله ﵀ أراد الانقطاع بين رجاء وأبي الدرداء، لكن رواية تمام فيها \"عن رجاء عن أم الدرداء عن أبي الدرداء\" وأم الدرداء هي أم الدرداء الصغرى زوج أبي الدرداء وهي فقيهة ثقة ترجمتها في التهذيب، وفيه أن لرجاء رواية عنها.\nقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٥/ ١٢١): رواه الطبراني بإسنادين ورجال أحدهما ثقات\" اهـ. وقد رواه الطبراني في الأوسط (٣٦٦٣)، وأبو نعيم في الحلية (٥/ ١٧٤) والخطيب في تاريخه (٥/ ٢٠١)، وابن عساكر في تاريخه (٦/ ٢٣١ - مخطوط) من طريق محمد بن الحسن بن أبي يزيد عن سفيان الثوري عن عبد الملك بن عمير عن رجاء عن أبي الدرداء مرفوعًا بلفظ: \"إنما العلم بالتعلم … \" الحديث وفيه: \"ثلاث من كن فيه لم يسكن الدرجات العلا - ولا أقول لكم الجنة - من تكهن أو استقسم أو رده من سفر تطير\".\nوقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ١٣٣): فيه محمد بن الحسن بن أبي يزيد وهو كذَّاب. اهـ. ورواه البيهقي في شعب الإيمان (٢/ ٦٤) (١١٧٧)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٦/ ٢٣١ - مخطوط) من طريق أبي المحياة عن عبد الملك بن عمير عن رجاء عن أبى الدرداء عن النبي ﷺ قال: \"من تكهن أو تقسم أو تطير طيرة فرده عن سفره لم ينظر إلى الدرجات من الجنة يوم القيامة.\nوقال البيهقي: وكذلك رواه رقبة بن مصقلة، وعكرمة بن إبراهيم عن عبد الملك بن عمير. ا هـ. وقد تقدم طريق رقبة بن مصقلة، وأما طريق عكرمة فهو عند ابن عساكر في تاريخه.\nوقد رواه هناد في الزهد (١٢٩٤) عن وكيع، وابن عساكر عن عبيد الله بن عمرو الرقي كلاهما عن عبد الملك عن رجاء موقوفًا على أبي الدرداء. وللحديث شاهد من حديث عمران أخرجه البزار في=\n_________\n[¬١]- في ز: \"رقية\".","vol":"5","page":43},{"text":"عن رجاء بن حيوة، عن أبي الدرداء، قال: قال رسول الله ﷺ: \"لن يلج الدرجات من تكهن [¬١] أو استقسم أو رجع من سفر طائرًا\".\nوقال مجاهد (^٨٣) في قوله: ﴿وأن تستقسموا بالأزلام﴾ قال: هي سهام العرب، وكعاب فارس والروم، كانوا يتقامرون بها [¬٢].\nوهذا الذي ذكر عن مجاهد في الأزلام أنها موضوعة للقمار - فيه نظر، اللهم إلا أن يقال: إِنهم كانوا يستعملونها في الاستخارة تارة، وفي القمار أخرى، والله أعلم. فإن الله سبحانه قد فرق [بين هذه] [¬٣] وبين القمار، وهو الميسر فقال في آخر السورة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ وهكذا قال هاهنا: ﴿وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ﴾ [أي: تعاطيه] [¬٤] فسق [¬٥] وغي وضلال وجهالة وشرك. وقد أمر الله المؤمنين إِذا ترددوا في أمورهم أن يستخيروه، بأن يعبدوه، ثم يسألوه الخيرة في الأمر الذي يريدونه، كما رواه الإمام أحمد والبخاري وأهل السنن من طرق عن عبد الرحمن بن أبي الموالي، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله قال (^٨٤): كان رسول الله ﷺ يعلمنا الاستخارة [¬٦] [في\n_________\n= البحر الزخار (٩/ ٥٢) (٣٥٧٨) وهو في كشف الأستار رقم (٣٠٤٤) من طريق أبي حمزة العطار إسحاق بن الربيع عن عمران بن حصين ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ -: \"ليس منا من تطير أو تُطُير له أو تكهن أو تكهن له أو سحر أو سحر له، ومن عقد عقدة - أو قال-: من عقد عقدة أو أتى كاهنًا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ \".\nقال البزار: لا نعلم طريقًا عن عمران بن حصين إلا هذا الطريق وأبو حمزة العطار بصري لا بأس به. وقال المنذري في الترغيب والترهيب (٣/ ٦١٨): رواه البزار بإسناد جيد. اهـ.\nوقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٥/ ١٢٠): رجاله رجال الصحيح خلا إسحاق بن الربيع وهو ثقة\".\n(^٨٣) - أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (٩/ ٥١٢) (١١٠٦٤) من طريق إبراهيم بن مهاجر عن مجاهد به، وإبراهيم بن مهاجر هو ابن مهاجر بن جابر البجلي صدوق لين الحفظ. والأثر ذكره السيوطي في الدر المنثور (٢/ ٤٥٤) وزاد نسبته لعبد بن حميد.\n(^٨٤) - أخرجه البخاري كتاب التهجد، باب: ما جاء في المتطوع مثنى مثنى الحديث (١١٦٢)، في الدعوات، باب: الدعاء عند الاستخارة الحديث (٦٣٨٢)، وفي التوحيد باب: قول الله تعالى: =\n_________\n[¬١]- في ز: \"تكبر\".\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في ت: \"بينها\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- سقط من: ز.\n[¬٦]- في حاشية ز: \"دعاء الاستخارة\".","vol":"5","page":44},{"text":"الأمور] [¬١]، كما يعلمنا السورة من القرآن و[¬٢] يقول: \"إِذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة، ثم ليقل: اللهم إِني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم؛ فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب، اللهم [¬٣] إِن كنت تعلم أن [¬٤] هذا الأمر - ويسميه باسمه - خير [¬٥] لي في ديني ودنياي [¬٦]، ومعاشي وعاقبة أمري -[أو قال: عاجل أمري وآجله] [¬٧]- فاقدره لي، ويسره لي، ثم [¬٨] بارك لي فيه، اللهم [¬٩] وإِن كنت تعلم [¬١٠] [أنه شر] [¬١١] لي في ديني ودنياي [¬١٢]، ومعاشي وعاقبة أمري؛ فاصرفني عنه، واصرفه عني، واقدر لي الخير حيث كان، ثم رضني به\". لفظ أحمد.\nوقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب لا نعرفه إِلا من حديث ابن أبي الموالي.\nو[¬١٣] قوله: ﴿اليوم يئس الذين كفروا من دينكم﴾ قال على بن أبي طلحة، عن ابن عباس (^٨٥): يعني: يئسوا أن يراجعوا دينهم.\nوكذا روي عن عطاء بن أبي رباح والسدي ومقاتل بن حيان. وعلى هذا المعنى يرد [¬١٤] الحديث الثابت في الصحيح (^٨٦) أن رسول الله ﵌ قال: \"إِن\n_________\n= ﴿قل هو القادر﴾ الحديث (٧٣٩٠)، ورواه في الأدب المفرد (٧٠٣)، وأبو داود في الصلاة، باب: في الاستخارة الحديث (١٥٣٨)، والترمذى في أبواب الصلاة، باب: في صلاة الاستخارة الحديث (٤٨٠)، والنسائي في النكاح، باب: كيف الاستخارة (٦/ ٨٠)، وابن ماجة في إقامة الصلاة والسنة فيها، باب: ما جاء في صلاة الاستخارة الحديث (١٣٨٣).\n(^٨٥) - أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (٩/ ٥١٦) (١١٠٧٥)، وذكره السيوطي في الدر المنثور (٢/ ٤٥٥)، وزاد نسبته إلى ابن المنذر، وانظر فتح القدير (٢/ ١٤).\n(^٨٦) - أخرجه مسلم في صحيحه في صفات المنافقين، باب: تحريش الشيطان، وبعثه سراياه لفتنة الناس =\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- سقط من: ز\n[¬٥]- سقط من: ز.\n[¬٦]- سقط من: ز، خ.\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٨]- في ز: \"و\".\n[¬٩]- سقط من: ز، خ.\n[¬١٠]- في ز: \"تعلمه\".\n[¬١١]- ما بين المعكوفتين في ز: \"شرًّا\".\n[¬١٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬١٣]- سقط من: ز.\n[¬١٤]- في ز: \"يورد\".","vol":"5","page":45},{"text":"الشيطان قد يئس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب، ولكن بالتحريش بينه\".\nويحتمل أن يكون المراد أنهم يئسوا من مشابهة المسلمين، لما [¬١] تميز به المسلمون من هذه الصفات المخالفة للشرك وأهله، لهذا [¬٢] قال تعالى آمرًا عباده المؤمنين أن يصبروا ويثبتوا في مخالفة الكفار، ولا يخافوا أحدًا إِلا الله فقال: ﴿فلا تخشوهم واخشوني﴾ أي: لا تخافوهم [¬٣] في مخالفتكم إياهم، واخشوني، أنصركم عليهم، وأبيدهم، وأظفركم بهم، وأشف صدوركم منهم، وأَجعلكم فوقهم في الدنيا والآخرة.\nوقوله: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينًا﴾ هذه أكبر نعم الله تعالى على هذه الأمة، حيث أكمل تعالى لهم دينهم، فلا يحتاجون إِلى دين غيره، ولا إِلى نبي غير نبيهم، صلوات الله وسلامه عليه، ولهذا جعله الله تعالى خاتم الأنبياء، وبعثه إِلى الإنس والجن، فلا حلال إِلا ما أحله، ولا حرام إِلا ما حرمه، ولا دين إِلا ما شرعه، وكل شيء أخبر به فهو حق وصدق لا كذب فيه ولا خلف، كما قال تعالى: ﴿وتمت كلمت [¬٤] ربك صدقًا وعدلًا﴾ أي: صدقا في الأخبار، وعدلًا في الأوامر والنواهي، فلما أكمل [لهم الدين] [¬٥] تمت [عليهم النعمة]، ولهذا قال تعالى: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينًا﴾ أي: فارضوه أنتم لأنفسكم؛ فإنه الدين الذي [أحبه الله ورضيه]، وبعثَ به أفضل الرسل [¬٦] الكرام، وأنزل به أشرف كتبه.\nو[¬٧] قال على بن أبي طلحة، عن ابن عباس (^٨٧): قوله: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾\n_________\n= وأن مع كل إنسان قرينًا، الحديث (٢٨١٢)، والترمذي في كتاب البر والصلة باب: ما جاء في التباغض الحديث (١٩٣٧)، وأحمد (٣/ ٣١٣) من طريق أبي سفيان - طلحة بن نافع - عن جابر ﵁. ورواه أحمد (٣/ ٣٥٤) من طريق ماعز التميمي عن جابر.\n(^٨٧) - أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (٩/ ٥١٨) (١١٠٨٠) من طريق على بن أبي طلحة عن ابن عباس، وذكره السيوطي في الدر المنثور (٢/ ٤٥٦)، وزاد نسبته إلى ابن المنذر، وانظر فتح القدير (٢/ ١٥).\n_________\n[¬١]- في ز: \"بما\".\n[¬٢]- في ز: \"ولهذا\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"لا تخافوا منهم\".\n[¬٤]- في ز: \"كلمات\".\n[¬٥]- في ز: \"الدين لهم\".\n[¬٦]- في ز: \"رسله\".\n[¬٧]- سقط من: ز.","vol":"5","page":46},{"text":"وهو الإسلام أخبر الله نبيه ﷺ والمؤمنين أنه قد أكمل لهم الإيمان، فلا يحتاجون إِلى زيادة أبدًا، وقد أتمه الله فلا ينقصه أبدًا، وقد رضيه الله فلا يسخطه أَبدًا.\nوقال أسباط عن السدي (^٨٨): نزلت هذه الآية يوم عرفة، فلم ينزل بعدها حلال ولا حرام، ورجع رسول الله ﷺ فمات. قالت أسماء بنت عميس: حججت مع رسول الله ﷺ تلك الحجة، فبينما نحن نسير إِذ تجلى له جبريل، فمال رسول الله ﷺ على الراحلة؛ فلم تطق الراحلة من ثقل ما عليها من القرآن، فبركت، فأتيته فسجيت عليه بردًا كان علي.\nو[¬١] قال ابن جريج [¬٢] وغير واحد: مات رسول الله ﷺ بعد يوم عرفة بأحد وثمانين يومًا، رواهما ابن جرير (^٨٩).\nثم قال: حدثنا سفيان بن وكيع، حدثنا ابن فضيل، عن هارون بن عنترة، عن أبيه قال: لما نزلت: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾ وذلك يوم الحج الأكبر، بكى عمر، فقال له النبي ﷺ: \"ما يبكيك\"؟ قال: أبكاني أنا كنا فى زيادة من ديننا، فأما [إِذا كمل] [¬٣]؛ فإِنه لم يكمل شيء إِلا نقص. فقال: \"صدقت\" (^٩٠).\nويشهد لهذا المعنى الحديث الثابت: \"إِن الإِسلام بدأ غريبًا وسيعود غريبًا فطوبى\n_________\n(^٨٨) - أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (٩/ ٥١٨) (١١٠٨١) وقد تقدم الكلام على هذا الإسناد في رقم (٣٠) والسدي هو إسماعيل بن عبد الرحمن بن أبي كريمة، روى له مسلم، وأصحاب السنن الأربعة، وهو صدوق يهم كما قال الحافظ في التقريب:\nوروايته عن أسماء بنت عميس مرسلة؛ فإن المزي ذكر في تهذيب الكمال (٣/ ١٣٢) ترجمة (٤٦٢) روايته عن أنس فقط من الصحابة، وقال: \"ورأى الحسن بن علي بن أبي طالب، وعبد الله بن عمر بن الخطاب، وأبا سعيد، وأبا هريرة\" اهـ.\nوالأثر ذكره السيوطي في الدر المنثور (٢/ ٤٥٨) وعزاه إلى ابن المنذر فقط.\n(^٨٩) - قوله: \"رواهما ابن جرير\" أي: أثر السدي السابق وأثر ابن جريج أخرجه ابن جرير في تفسيره (٩/ ٥١٨) (١١٠٨٢)، وذكره السيوطي في الدر المنثور (٢/ ٤٥٨).\n(^٩٠) - أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (٩/ ٥١٩) (١١٠٨٣)، ومحمد بن فضيل صدوق تقدمت ترجمته، وهارون بن عنترة هو ابن عنترة بن عبد الرحمن الشيباني، وثقه ابن معين وقال أبو زرعة: لا بأس به، وذكره ابن حبان في الثقات، انظر تهذيب الكمال (٣٠/ ترجمة ٦٥٢١).\nوأبوه عنترة بن عبد الرحمن قال الحافظ في التقريب: ثقة من الثانية وهم من زعم أن له صحبة. اهـ.=\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- في خ: \"جرير\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في ز: \"إذ كمل\".","vol":"5","page":47},{"text":"للغرباء\" (^٩١).\nوقال الإِمام أحمد (^٩٢): حدثنا جعفر بن عون، حدثنا أبو العميس، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب، قال: جاء رجل من اليهود إِلى عمر بن الخطاب، فقال: يا أمير المؤمنين، إِنكم تقرءون آية في كتابكم لو علينا معشر [¬١] اليهود نزلت؛ لاتخذنا ذلك اليوم عيدًا. قال: وأي آية؟ قال: قوله: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي﴾ فقال عمر: والله إِني لأعلم اليوم الذي نزلت على رسول الله ﷺ، والساعة التي نزلت [¬٢] فيها على رسول الله ﷺ، نزلت [¬٣] عشية عرفة في يوم جمعة.\nورواه البخاري عن الحسن بن الصباح، عن جعفر. بن عون به. ورواه أيضًا مسلم [¬٤] والترمذي والنسائي [¬٥] من طرق عن قيس بن مسلم به.\n_________\n= قلت: ذكره الطبراني في المعجم الكبير (١٨/ ٨٧)، وابن الأثير فى أسد الغابة (٥/ ٣٠٤) وقال ابن حجر ﵀ في الإصابة (٧/ ١٧٤ - ترجمة ٦٠٧٤): \"كلام الدارقطني يقتضي أن عنترة تابعي، فإن البرقاني قال: سألت عن عبد الملك بن هارون بن عنترة فقال: يكذب، وأبوه يحتج به، وجده يعتبر به، وكذا ذكره مسلم، وابن حبان، وغيرهما في التابعين وأخرج له النسائي حديثًا من روايته عن ابن عباس، فالله أعلم.\nقلت: فالحديث مرسل حسن الإسناد لأجل محمد بن فضيل، ويشهد لمعناه الحديث التالي كما قال الحافظ ابن كثير ﵀.\n(^٩١) - أخرجه مسلم فى الإيمان، باب: بيان أن الإسلام بدأ غريبًا، الحديث (١٤٦) من حديث عبد الله ابن عمر. ورواه مسلم (١٤٥)، وابن ماجه (٣٩٨٦) من حديث أبى هريرة بلفظ \"بدأ الإسلام غريبًا، وسيعود كما بدأ غريبًا فطوبى للغرباء\" وانظر تخريج الحديث فى \"السلسلة الصحيحة\" للعلامة محمد ناصر الدين الألبانى رقم (١٢٧٣).\n(^٩٢) - أخرجه أحمد فى المسند (١/ ٢٨) (١٨٨) وبهذا الإسناد أخرجه عبد بن حميد (٣٠) قال: أخبرنا ابن عون … فذكره. وأخرجه البخارى فى المغازى، باب حجة الوداع، الحديث (٤٤٠٧)، وفى التفسير، باب قوله: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾، الحديث (٤٦٠٦)، وفى الاعتصام بالكتاب والسنة، الحديث (٧٢٦٨). ومسلم فى التفسير، الحديث (٣٠١٧) من طرق عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب. ورواه البخارى فى الإيمان، باب زيادة الإيمان ونقصانه، الحديث (٤٥) عن طارق بن شهاب عن عمر ﵁ فجعله من مسند عمر.\n_________\n[¬١]- في ت: \"يا معشر\".\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- في ز: \"ومسلم\".\n[¬٥]- فى ز: \"والنسائي أيضًا\".","vol":"5","page":48},{"text":"ولفظ البخاري عند تفسير هذه الآية (^٩٣)، من طريق سفيان الثَّوري، عن قيس، عن طارق قال: قالت اليهود لعمر: إنكم تقرءون آية، لو نزل ت فينا لاتخذناها عيدًا. فقال عمر: إني لأعلم حين أنزلت، وأين أنزلت [¬١]، وأين رسول الله ﷺ حيث أنزلت - يوم عرفة، وأنا والله بعرفة. قال سفيان: وأشك - كان - يوم الجمعة أم لا. ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ الآية.\nوشك سفيان ﵀، إن كان في الرواية فهو تورّع، حيث شك هل أخبره شيخه بذلك أم لا؟ وإِن كان شكًّا في كون الوقوف في حجة الوداع كان يوم جمعة؛ فهذا ما إخاله يصدر عن الثَّوري ﵀، فإن هذا أمر معلوم مقطوع به، لم يختلف فيه أحد من أصحاب المغازي والسير، ولا من الفقهَاء، وقد وردت في ذلك أحاديث متواترة، لا يشك في صحتها، والله أعلم. وقد روي هذا الحديث [¬٢] من غير وجه عن عمر (^٩٤).\nوقال ابن جرير (^٩٥): حدثني يعقوب بن إبراهيم، حدَّثنا ابن علية، أخبرنا رجاء بن أبي سلمة، أخبرنا عبادة بن نسي، أخبرنا أميرنا إسحاق - قال أَبو جعفر بن جرير: هو إسحاق ابن خَرَشة [¬٣]- عن قبيصة - يعني: ابن ذؤيب [¬٤]- قال: قال كعب: لو أن غير هذه\n_________\n(^٩٣) - رواه البخارى فى التفسير، باب قوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ الحديث (٤٦٠٦)، وانظر الحديث السابق.\n(^٩٤) - تابع سفيانَ على هذا الحديث جمعٌ من الحفاظ منهم إدريس بن يزيد والد عبد الله بن إدريس، وأَبو العميس عتبة بن عبد الله بن عتبة، وهما ثقتان روايتهما فى الصحيحين وغيرهما.\n(^٩٥) - أخرجه ابن جرير الطَّبري (٩/ ٥٢٦) (١١١٠٠)، ورجاء بن أبي سلمة: اسمه مهران، قال ابن حجر فى \"التقريب\": ثقة فاضل. وعبادة بن نسى أيضًا ثقة فاضل، حديثه عند أصحاب السنن الأربعة. وإسحاق شيخ عبادة رجح الإِمام أبو جعفر الطَّبري أنَّه إسحاق بن خرشة، وتعقبه الشيخ محمود محمد شاكر ﵀ وبين أنَّه إسحاق بن قبيصة بن ذؤيب (انظر التعليق على تفسير الطبرى) وإسحاق بن قبيصة هذا صدوق له ترجمة فى التهذيب. والحديث إسناده حسن. وقد رواه الطبراني فى الأوسط (٨٣٠) من طريق زيد بن الحباب قال: أخبرنى رجاء بن أبي سلمة أَبو المقدام … فدكره، وقال فى إسناده: \"إسحاق بن قبيصة بن ذؤيب عن كعب الأحبار\" وإسحاق بن قبيصة يروى عن أبيه وعن كعب الأحبار؛ فالرواية متصلة فى كلتا الحالتين؛ لاحتمال أن يكون سمعه منهما جميعًا فحدث به مرة عن هذا ومرة عن هذا، والله أعلم. والحديث ذكره الحافظ ابن حجر فى فتح البارى (١/ ١٠٥) وعزاه إلى مسدد فى مسنده، والطبرى فى تفسيره، والطبرانى فى الأوسط؛ كلهم من طريق رجاء =\n_________\n[¬١]- في ز: \"نزلت\".\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- في ز: \"حوشة\".\n[¬٤]- في ز: \"أبي ذئب\".","vol":"5","page":49},{"text":"الأمّة نزلت عليهم هذه الآية، اضظروا اليوم الذي أنزلت فيه عليهم، فاتخذوه عيدًا يجتمعون فيه.\nفقال عمر: أي آية يا كعب؟ فقال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ فقال عمر: قد علمت اليوم الذي أُنزلت، والمكان الذي أنزلت [¬١] فيه، نزلت في يوم الجمعة [¬٢]، ويوم عرفة، وكلاهما بحمد الله لنا عيد.\nوقال ابن جرير (^٩٦): حدَّثنا أبو كريب، حدَّثنا قبيصة، حدَّثنا حمَّاد بن سلمة، عن عمار - هو مولى بني هاشم - أن ابن عبَّاس قرأ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ فقال يهودي: لو نزلت هذه الآية علينا لاتخذنا يومها عيدًا. فقال ابن عبَّاس: فإِنهَا نزلت في يوم عيدين اثنين: يوم عيد ويوم جمعة.\nوقال ابن مردويه (^٩٧): حدَّثنا أحمد بن كامل، حدَّثنا موسى بن هارون، حدَّثنا يحيى [بن\n_________\n= ابن أبي سلمة عن عبادة بن نسى عن إسحاق بن خرشة - كذا فى الفتح: - عن قبيصة عن كعب. والله أعلم بالصواب.\n(^٩٦) - أخرجه الطبري فى تفسيره (٩/ ٥٢٥ - ٥٢٦) (١١٠٩٨) وقبيصة هو ابن عقبة بن محمد السوائى، روى له الجماعة، وثقه أحمد، وابن معين، وابن سعد، والعجلى، تكلم بعضهم فى روايته عن سفيان، وانظر تهذيب الكمال (٢٣/ ترجمة ٤٨٤٣). وعمار هو ابن أبي عمار مولى بنى هاشم، ثقة روى له مسلم وأصحاب السنن، وثقه أحمد، وأَبو زرعة، وأَبو حاتم، وأَبو داود، وقال النسائى: ليس به بأس. انظر تهذيب الكمال (٢١/ ترجمة ٤١٦٧)، وذكره ابن حبان فى الثقات (٥/ ٢٦٧) وقال: كان يخطئ وقال الحافظ فى \"التقريب\": صدوق ربما أخطأ.\nقلت: لم يترجم له ابن عدى فى \"كامله\"، ولا ذكره الذهبى فى \"الميزان\" وقول البخارى ﵀ فى \"الأوسط\": \"وكان شعبة يتكلم فيه\" جرح غير مفسر. قال أَبو داود: قلت لأحمد: روى شعبة عنه حديث الحيض؛ قال: لم يسمع غيره. قلت: تركه عمدًا؛ قال: لا، لم يسمع. والأثر: أخرجه الطيالسي رقم (٢٧٠٩) والترمذى فى تفسير القرآن، باب: ومن سورة المائدة، الحديث (٣٠٤٤) وابن جرير فى تفسيره (٩/ ٥٢٥، ٥٢٦) (١١٠٩٧: ١١٠٩٩)، والطبراني في الكبير (١٢/ ١٨٤) (١٢٨٣٥)، والواحدى فى \"أسباب النزول\" رقم (٣٨٢) من طريق حمَّاد بن سلمة به، وذكره السيوطى فى \"الدر المنثور\" (٢/ ٤٥٧) - وزاد نسبته إلى عبد بن حميد، والبيهقى فى \"الدلائل\" - قال الترمذى. هذا حديث حسن غريب من حديث ابن عباي وهو صحيح. ا هـ.\n(^٩٧) - يحيى بن الحمانى هو ابن عبد الحميد الحمانى، قال الحافظ فى \"التقريب\": حافظ إلَّا أنهم اتهموه بسرقة الحديث. وقيس بن الربيع هو الأسدى صدوق تغير لما كبر، وأدخل عليه ابنه ما ليس من حديثه فحدث به. وإسماعيل بن سلمان هو ابن أبي المغيرة الأزرق، ضعفه أَبو حاتم الرازى وغيره، وقال النسائى: متروك. انظر تهذيب الكمال (٣/ ترجمة ٤٥٠) وأُبو عمر البزار هو دينار بن عمر،=\n_________\n[¬١]- في ز: \"نزلت\".\n[¬٢]- في ز: \"جمعة\".","vol":"5","page":50},{"text":"الحماني] [¬١]، حدَّثنا قيس بن الربيع، عن إسماعيل بن سلمان [¬٢] عن أبي عمر البزار، عن ابن [¬٣] الحنفية، عن علي قال: نزلت هذه الآية على رسول الله ﷺ وهو قائم عشية عرفة: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾.\nوقال ابن جرير (^٩٨): حدَّثنا أَبو عامر إسماعيل بن عمرو السكونى، حدَّثنا هشام [¬٤] بن عمار، حدَّثنا ابن عياش، حدَّثنا عمرو بن قيس السكوني، أنَّه سمع معاوية بن أبي سفيان على المنبر ينتزع [¬٥] بهذه الآية: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ حتَّى ختمها، فقال: نزلت في يوم عرفة، في يوم جمعة.\nوروى ابن مردويه (^٩٩)، من طريق محمد بن إسحاق، عن عمر [¬٦] بن موسى بن وجيه، عن\n_________\n= وثقه وكيع، وقال أبو حاتم فى \"الجرح والتعديل\" (٣/ الترجمة ١٩٥٧): ليس بالمشهور. وقال البخارى فى \"التاريخ\" (٣/ ٨٤٦ - التَّرجمة ٨٤٨): يقال كان مختاريًّا من شرطة المختار. ولخص حاله الحافظ فى \"التقريب\" فقال: صالح الحديث رمى بالرفض. فالإسناد ضعيف؛ لضعف إسماعيل بن سلمان ويحيى الحمانى. والأثر ذكره السيوطى فى \"الدر المنثور\" (٢/ ٤٥٧) وعزاه إلى ابن جرير الطبري وابن مردويه، ولم أقف عليه فى تفسير ابن جرير. والله أعلم.\n(^٩٨) - أخرجه ابن جرير الطبري فى \"تفسيره\" (٩/ ٥٢٩) (١١١٠٨)، وأَبو عامر السكونى ترجم له ابن أبي حاتم فى \"الجرح والتعديل\" (٢/ ١٩٠ - التَّرجمة ٦٤٢) فقال: إمام مسجد حمص، روى عن علي ابن عياش والربيع بن روح ويحيى بن صالح الوحاظى، سمعت منه وهو صدوق. اهـ. وهشام بن عمار روى له البخارى والأربعة، قال الحافظ فى \"التقريب\": \"صدوق مقرئ كبر فصار يتلقن؛ فحديثه القديم أصح\" اهـ.\nوإسماعيل: هو ابن عياش، ثقة فى روايته عن الشاميين، وهذه منها؛ فإن عمرو بن قيس هو ابن ثور السكونى أَبو ثور الشامى الحمصى، قال الحافظ فى \"التقريب\": \"ثقة\". والأثر إسناده حسن. رواه أيضًا الطبرانى فى \"الكبير\" (١٩/ ٣٩٢) (٩٢١) من طرق عن هشام بن عمار، به. وزاد فيه: \"ثم تلا هذه الآية: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ وقال: إنها آخر آية نزلت\".\nوذكره الهيثمى فى \"مجمع الزوائد\" (٧/ ١٧) وقال: \"رجاله ثقات\" اهـ. وانظر \"الدر المنثور\" (٢/ ٤٥٧).\n(^٩٩) - فى إسناده محمد بن إسحاق وهو مدلس وقد عنعنه، وعمر بن موسى بن وجيه: قال ابن حبان =\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"الجماني\".\n[¬٢]- في ز: \"سليمان\".\n[¬٣]- في خ: \"أبي\".\n[¬٤]- في ز، خ: \"هُشَيم\".\n[¬٥]- في ز: \"ينوع\".\n[¬٦]- في خ: \"عمرو\".","vol":"5","page":51},{"text":"قَتَادة، عن الحسن، عن سمرة قال: نزلت هذه الآية: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ يوم عرفة ورسول الله ﷺ واقف على الموقف.\nفأما ما رواه ابن جرير وابن مردويه والطبراني من طريق ابن لهيعة، عن خالد بن أبي عمران، عن حنش بن عبد الله الصنعانى، عن ابن عبَّاس (^١٠٠) قال: ولد نبيكم ﷺ يوم الإثنين، وخرج من مكة يوم الإثنين، ودخل المدينة يوم الإثنين، [وفتح بدرًا يوم الإثنين، وأنزلت سورة المائدة يوم الإثنين، ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾، ورفع الذكر يوم الإثنين] [¬١]. فإِنه أثر غريب، بإِسناده ضعيف.\nوقد رواه الإِمام أحمد (^١٠١) حدَّثنا موسى بن داود، حدَّثنا ابن لهيعة، عن خالد بن أبي عمران، عن حَنش الصنعاني، عن ابن عبَّاس قال: ولد النبي ﷺ يوم الإثنين، واستنبئ\n_________\n= فى \"المجروحين\" (٢/ ٨٦): كان ممن يروى المناكير عن المشاهير، فلما كثر فى روايته عن الثقات ما لا يشبه حديث الإثبات، حتَّى خرج عن حد العدالة إلى الجرح؛ فاستحق الترك\".\nوقال ابن عدى فى \"الكامل\" (٥/ ١٦٧٣): هو بين الأمر فى الضعفاء وهو في عداد من يضع الحديث متنًا وإسنادًا. وقَتَادة والحسن معروفان بالتدليس، وأيضا رواية الحسن عن سمرة مرسلة. والحديث أخرجه الطبرانى فى \"الكبير\" (٧/ ٢٦٦) (٦٩١٦) والبزار (٣/ ٤٨) (٢٢٠٧) من طريق محمد بن إسحاق به، وقال الهيثمى فى \"مجمع الزوائد\" (٧/ ١٧): رواه الطبرانى والبزار، وفيه عمر بن موسى ابن وجيه، وهو ضعيف.\n(^١٠٠) - أخرجه ابن جرير الطبري فى \"تفسيره\" (٩/ ٥٣٠) (١١١٠٩) والطبرانى فى \"الكبير\" (١٢/ ٢٣٧) (١٢٩٨٤)، وخالد بن أبي عمران هو التجيبى ثقة، وحنش بن عبد الله تابعى ثقة أيضًا. لكن فى إسناده ابن لهيعة وهو ضعيف. والحديث رواه أحمد فى \"المسند\" (١/ ٢٧٧) (٢٥٠٦) وليس فيه: \"وأنزلت سورة المائدة … \" وذكره الهيثمى فى \"مجمع الزوائد\" (١/ ٢٠١) وقال: \"رواه أحمد والطبرانى فى \"الكبير\" وفيه ابن لهيعة وهو ضعيف، وبقية رجاله ثقات من أهل الصحيح\". وانظر أيضًا \"المجمع\" (٨/ ٢٢٣).\n(تنبيه): وقع عند ابن كثير ﵀ هنا فى التفسير: \"ورفع الذكر\" وكذا هو عند ابن جرير الطبري، وصرحه الشيخ محمود شاكر فقال: يعنى وفاة رسول الله ﷺ، بأبي هو وأمى - وانقطاع الوحى من بعد قبضه ولحاقه بالرفيق الأعلى. ا هـ. والذى عند الطبرانى فى \"الكبير\": \"ورَفَعَ الركن\" وهو الصواب عندى؛ ويؤيده ما وقع فى رواية \"المسند\": \"ورَفَعَ الحجرَ الأسود يوم الاثنين\" وأيضًا قد وقع فيه عند الطبرانى: \"وتوفى يوم الاثنين\" بعد ذكر: \"رفع الركن\" وهو ما فسر به الشيخ محمود شاكر ﵀ \"رفع الذكر\"، والله أعلم.\n(^١٠١) - أخرجه أحمد (١/ ٢٧٧) (٢٥٠٦) وانظر السابق.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"5","page":52},{"text":"يوم الإثنين، وخرج مهاجرًا من مكة إِلى المدينة يوم الإثنين، وقدم المدينة يوم الإثنين، وتوفي يوم الإثنين، ووضع [¬١] الحجر الأسود يوم الإثنين.\nهذا لفظ أحمد، ولم يذكر نزول المائدة يوم الإثنين، فالله أعلم. ولعل ابن عبَّاس أراد أنَّها نزلت يوم عيدين اثنين، كما تقدم فاشتبه على الراوي، والله أعلم.\nو[¬٢] قال ابن جرير (^١٠٢): وقد قيل ليس ذلك يوم معلوم عند الناس، ثم روى من طريق العوفي، عن ابن عبَّاس في قوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ يقول: ليس ذلك بيوم معلوم عند الناس، قال: وقد قيل: إِنها نزلت على رسول الله ﷺ في مسيره إِلى حجة الوداع. ثم رواه من طريق أبي جعفر الرازي، عن الربيع بن أَنس (^١٠٣).\nقلت: وقد روى ابن مردويه (^١٠٤)، من طريق أبي هارون العبدي، عن أبي سعيد الخدري، أنَّها نزلت على رسول الله ﷺ يوم غدير خم حين قال لعلي: \"من كنت مولاه، فعليّ مولاه\".\nثم رواه عن أَبى هريرة (^١٠٥)، وفيه: أنَّه اليوم الثامن عشر من ذي الحجة، يعني؛ مرجعه\n_________\n(^١٠٢) - انظر تفسير الطبري (٥٣١/ ٩) وأثر ابن عبَّاس عنده رقم (١١١٣).\n(^١٠٣) - رواه الطبري فى \"تفسيره\" (١٢١).\n(^١٠٤) - ذكره السيوطى فى \"الدر المنثور\" (٢/ ٤٥٧) وعزاه إلى ابن مردويه وابن عساكر، وضعف إسناده. قلت: أَبو هارون العبدى هو عمارة بن جوين؛ قال الحافظ فى \"التقريب\": متروك. وقد تابعه عطية العوفى عند الطبرانى فى \"الأوسط\" (٨٤٣٤)، وهو فى \"مجمع البحرين\" رقم (٣٧٣٧)، وعطية صدوق لكنه كثير الخطأ، وكان شيعيًا مدلسًا، وحديث: \"من كنت مولاه فعلى مولاه\" حديث صحيح ورد عن جمع من الصحابة، وانظر تخريجه فى \"الصحيحة\" للعلامة الشيخ ناصر الدين الألباني (١٧٥٠).\n(^١٠٥) - أخرجه الخطيب فى \"تاريخه\" (٨/ ٢٩٠)، وذكره السيوطى فى \"الدرر المنثور\" (٢/ ٤٥٧ - ٤٥٨) وعزاه لابن مردويه، والخطيب، وابن عساكر، وضعف إسناده. وأخرجه ابن أبي شيبة (٧/ ٤٩٩) وأَبو يعلى فى \"مسنده\" (١١/ ٣٠٧) (٦٤٢٣)، والبزار فى \"مسنده\" (٣/ ١٨٧ - ١٨٨) رقم (٢٥٣١، ٢٥٣٢) من طريق أبي زيد الأوْدى عن أبيه عن أبي هريرة مختصرًا، وليس فيه نزول آية المائدة. وقد رواه الطبرانى فى \"الأوسط\" (٢/ ٦٨ - ٦٩) (١١١٥) من طريق إدريس بن يزيد الأودى عن أبيه عن أبي هريرة مختصرًا أيضًا. وقال الهيثمى فى \"مجمع الزوائد\" (٩/ ١٠٩): رواه أَبو يعلى. والبزار بنحوه، والطبرانى فى \"الأوسط\" وفى أحد إسنادى البزار رجل غير مسمى وبقية رجاله =\n_________\n[¬١]- في ز: \"وقع \".\n[¬٢]- سقط من: ز.","vol":"5","page":53},{"text":"﵇ من حجة الوداع.\nولا يصح [] [¬١]، هذا ولا هذا، بل الصواب الذي لا شك في ولا مرية، أنَّها أنزلت يوم عرفة، وكان يوم جمعة، كما روى ذلك أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وعلى بن أبي طالب، وأول ملوك الإِسلام معاوية بن أبي سفيان، وترجمان القرآن عبد الله بن عبَّاس، وسمرة بن جندب ﵃ وأرسله الشعبي وكعادة بن دعامة وشهر بن حوشب وغير واحد من الأئمة والعلماء (^١٠٦). واختاره ابن جرير الطبري ﵀ (^١٠٧).\nوقوله: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أي: فمن احتاج إِلى تناول شيء بن هذه المحرَّمات التي ذكرها الله تعالى لضرورة ألجأته إِلى ذلك، فله [تناول ذلك] [¬٢]، والله غفور رحيم له؛ لأنه تعالى يعلم حاجة عبده المضطرّ، وافتقاره إِلى ذلك، فيتجاوز عنه ويغفر له، وفي المسند وصحيح ابن حبان (^١٠٨) عن ابن عمر مرفوعًا [¬٣] قال: قال رسول الله ﷺ: \"إِن الله يحب أن تؤتى رخصته، كما يكره أن تؤتى\n_________\n= فى الآخر. وفى إسناد أبي يعلى داود بن يزيد وهو ضعيف اهـ.\nوانظر الذى قلبه.\n(^١٠٦) - تقدم ذلك عن عمر برقم (٩٥ - ٩٨)، وعن علي بن أبي طالب برقم (١٠٠)، وعن معاوية برقم (١٠١)، وعن ابن عبَّاس برقم (٩٩) وعن سمرة برقم (١٠٢). وأمَّا مرسل الشعبى فأخرجه ابن جرير الطبري (٩/ ٥٢٢) (١١٠٩٠ - ١١٠٩٢) وذكره السيوطى فى \"الدر المنثور\" (٢/ ٤٥٦) وزاد نسبته إلى ابن المنذر. ومرسل قتادة أخرجه عبد الرزاق (١/ ١٨٣ - ١٨٤) وابن جرير الطبري (٩/ ٥٢٢) (١١٠٨٩)، وذكره أيضًا السيوطى فى \"الدر المنثور\" (٢/ ٤٥٦) وزاد نسبته إلى عبد بن حميد. ومرسل شهر بن حوشب أخرجه ابن جرير الطبري (٩/ ٥٢٨) (١١١٠٦) من طريق ليث عن شهر به، وليث هو ابن أبي سليم وهو ضعيف.\n(^١٠٧) - قال ابن جرير ﵀ فى \"تفسيره\" (٩/ ٥٣١): وأولى الأقوال فى وقت نزول الآية القول الذى روى عن عمر بن الخطاب: أنَّها نزلت يوم عرفة يوم الجمعة؛ لصحة سنده، ووهى أسانيد غيره اهـ.\n(^١٠٨) - أخرجه ابن حبان (١/ ٤٥٦) (٢٧٤٢)، (٨/ ٣٣٣) (٣٥٦٨)، من طريق قتيبة بن سعيد حدَّثنا الدراوردى عن عمارة بن غزية عن حرب بن قيس عن نافع عن ابن عمر، ورواه أحمد فى مسنده (٢/ ١٩٨) (٥٨٧٣) حدَّثنا قتيبة فذكره، ولم يذكر فى إسناده حرب بن قيس. ورواه القضاعى فى مسند \"الشهاب\" (١٠٧٨) من طريق سعيد بن منصور حدثنا عبد العزيز بن محمد فذكره، ورواه البزار =\n_________\n[¬١]- ما بين المكوفتين في ز: \"لا\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في ت: \"تناوله\".\n[¬٣]- سقط من: ز.","vol":"5","page":54},{"text":"معصيته\". لفظ ابن حبان\nوفي لفظ لأحمدٍ (^١٠٩): \" من لم يقبل رخصة الله كان عليه من الإِثم مثل جبال عرفة\".\nولهذا قال الفقهاء: قد يكون تناول الميتة واجبًا في بعض الأحيان، وهو ما إِذا خاف على مهجته التلف، ولم يجد غيرها، وقد يكون مندوبًا، وقد يكون مباحًا، بحسب الأحوال، واختلفوا هل يتناول منها قدر ما يسد به الرمق؛ أو له أن يشبع، أو يشبع ويتزوَّد؟ على\n_________\n= فى مسنده (١/ ٤٦٩) رقم (٩٨٨ - كشف الأستار) عن أحمد بن أبان عن عبد العزيز بن محمد فذكره، ورواه الخطيب فى تاريخه (١٠/ ٣٤٧) من طريق على بن المدينى قال: حدَّثنا أبي وعبد العزيز عن عمارة ابن غزية فذكره، ورواه أحمد (٨/ ١٠٢) (٥٨٦٦) والبيهقى فى \"شعب الإيمان\" (٣/ ٤٠٤) (٣٨٨٩) من طريق على بن المدينى نا عبد العزيز … فذكره عن عبد العزيز وحده، ورواه الطبرانى فى \"الأوسط\" (٥٣٠٢) والبيهقى فى \"الكبرى\" (٣/ ١٤٠) من طريق إبراهيم بن حمزة الزبيرى قال: نا عبد العزيز بن محمد الدراوردى عن موسى بن عقبة عن حرب بن قيس … فذكره، والبيهقى فى \"الكبرى\" (٣/ ١٤٠) وفى \"الشعب\" (٣٨٨٩) من طريق هارون بن معروف عن الدراوردي عن موسى، ورواه البيهقى فى \"الكبرى\" أيضًا من طريق أبي مصعب عن عبد العزيز عن عمارة بن حرب له، ثم قال: \"وهكذا رواه على بن المدينى وقتيبة وغيرهما عن عبد العزيز عن عمارة، وكأنه سمعه منهما جميعًا\" اهـ. ورواية أحمد عن ابن المدينى وصححها العلامة ناصر الدين الألبانى فى \"الإرواء\" (٥٦٤) على شرط مسلم.\nقلت: وحرب بن قيس المذكور فى الطرق الأخرى ترجم له البخارى فى \"التاريخ\" (٣/ ٦١) ونقل عن عمارة بن غزية قوله فيه \"كان رضًا\" وترجم له أيضًا ابن أبي حاتم فى \"الجرح والتعديل\" (٣/ ٢٤٩) ولم يذكر فيه جرحًا أو تعديلًا، وذكره ابن حبان فى \"الثقات\" (٦/ ٢٣٠) وقد تابع عبد العزيز بن محمد عليه جمع: منهم يحيى بن زياد عند ابن خزيمة فى \"صحيحه\" (٢/ ٧٣) (٩٥٠) وبكر بن مضر عند ابن خزيمة أيضًا (٣/ ٢٥٩) (٢٠٢٧) ورواه ابن الأعرابى فى معجمه كما فى الإرواء (٣/ ١٠) من طريق يحيى بن أيوب - ثلاثتهم (يحيى بن زياد، وبكر، ويحيى بن أيوب) عن عمارة بن غزية عن حرب عن نافع عن ابن عمر به. وقال المنذرى ﵀ فى \"الترغيب والترهيب\" (٢/ ١٣٥): \"رواه أحمد بإسناد صحيح، والبزار والطبرانى فى الأوسط إسناد حسن، وابن خزيمة وابن حبان فى صحيحيهما\" اهـ. وقال الهيثمى فى مجمع الزوائد (٣/ ١٦٥): \"رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح، والبزار والطبرانى فى الأوسط وإسناده حسن\" اهـ. وللحديث شواهد انظرها فى \"الترغيب والترهيب\" و\"مجمع الزوائد\" و\"الإرواء\" رقم (٥٦٤).\n(^١٠٩) - أخرجه أحمد فى \"مسنده\" (٢/ ٧١) (٥٣٩٢) حدَّثنا حسن حدَّثنا ابن لهيعة حدَّثنا أَبو طُعْمة أنَّه قال: كنت عند ابن عمر إذ جاءه رجل فقال: يا أبا عبد الرحمن، إنى أقوى على الصيام فى السفر؟ فقال ابن عمر: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"من لم يقبل … \" الحديث، وذكره الهيثمى فى \"مجمع الزوائد\" (٣/ ١٦٥) وقال: رواه أحمد، والطبرانى فى \"الكبير\"، وإسناد أحمد حسن، وصححه العلامة أحمد شاكر فى تعليقه على المسند، وانظر تفسير سورة البقرة الآية / ١٨٥.","vol":"5","page":55},{"text":"أقوال كما هو مقرر في كتاب الأحكام، وفيما إِذا وجد ميتة وطعام الغير أو [¬١] صيدًا وهو محرم، هل يتناول الميتة، أو ذلك الصيد، ويلزمه الجزاء، أو [¬٢] ذلك الطعام، ويضمن بدله؟ على قولين: هما قولان للشافعى ﵀ وليس من شرط جواز [¬٣] تناول الميتة أن يمضي عليه ثلالة أيام لا يجد طعامًا، كما قد يتوهمه كئير من العوام وغيرهم، بل متى اضطر إِلى ذلك جاز له.\nوقد قال الإِمام أحمد (^١١٠): حدَّثنا الوليد بن مسلم، حدَّثنا الأوزاعى، حدَّثنا حسان بن عطية، عن أبي واقد الليثي، أنهم قالوا: يا رسول الله، إنا بأرض تصيبنا [¬٤] بها المخمصة، فمتى تحل لنا بها الميتة؟ فقال: \"إِذا لم تصطبحوا [¬٥] ولم تغتبقوا [¬٦]، ولم تجتفئوا [¬٧] بها [¬٨]\n_________\n(^١١٠) - أخرجه فى المسند (٨/ ٢١٥) وابن جرير فى تفسيره (٩/ ٥٣٨) (١١١٢٥) والبيهقى فى السنن (٩/ ٣٥٦) من طريق محمد بن القاسم الأسدى عن الأوزاعى به، ومحمد بن القاسم هذا هو الأسدى المعروف بـ \"كاو\" قال ابن حجر ﵀ فى \"التقريب\": \"كذبوه\". لكن تابعه عليه الوليد بن مسلم كما تقدم، ورواه أيضًا الدارمى (٢٠٠٢)، والحاكم (٤/ ١٢٥) من طريق أبي عاصم ثنا الأوزاعى … فذكره، وصححه الحاكم على شرط الشيخين فتعقبه الذهبى بقوله: \"فيه انقطاع\" وتابعه محمد بن كثير فرواه عن الأوزاعى مثله؛ أخرجه البيهقى (٩/ ٣٥٦) قال المزى فى \"تهذيب الكمال\" (٦/ ٣٥) ترجمة حسان بن عطية: \"روى عن أبي واقد الليثى ولم يسمع منه، بينهما مسلم بن يزيد\" اهـ. وقال الهيثمى فى \"مجمع الزوائد\" (٤/ ١٦٨): رواه أحمد بإسنادين رجال أحدهما رجال الصحيح إلَّا أن المزى قال: لم يسمع حسان بن عطية من أبي واقد، والله أعلم. اهـ. قلت: قد رواه الطبرانى فى \"الكبير\" (٣/ ٢٨٤) (٣٣١٥)، والبيهقى فى \"السنن الكبرى\" (٩/ ٣٥٦) من طريق إسحاق بن راهويه عن الوليد بن مسلم ثنا الأوزاعى عن حسان بن عطية عن مرثد أو أبي مرثد عن أبي واقد الليثى به، عند البيهقى \"عن ابن مرثد أو أبي مرثد\". ورواه الطبرانى فى \"الكبير\" (٣/ ٢٨٤) (٣٣١٦) من طريق عبد الله بن كثير القرشى ثنا الأوزاعى حدَّثنا حسان بن عطية حدثنى مسلم عن أبي واقد الليثى … فذكره. قال الطبرانى: هكذا رواه الوليد بن مسلم عن الأوزاعى عن حسان عن مرثد أو أبي مرثد وهو وهم، والصواب ما رواه عبد الله بن كثير القارئ عن الأوزاعى. اهـ. قلت: ومرثد أو أَبو مرثد هذا لم أجد له ترجمة، وكذلك مسلم بن يزيد، والحديث ذكره الهيثمى فى \"مجمع الزوائد\" (٥/ ٥٣) وقال: \"رواه الطبرانى ورجاله ثقات\". وله طريق أخرى مرسلة عند ابن جرير سيذكرها ابن كثير ﵀.\n_________\n[¬١]- في ز: \"و\".\n[¬٢]- في ز: \"و\".\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- في ز: \"يصيبنا\".\n[¬٥]- في ز: \"يصطبحوا\".\n[¬٦]- في ز: \"يغتبقوا\".\n[¬٧]- في ز: \"يختفيوا\".\n[¬٨]- سقط من: ز، خ.","vol":"5","page":56},{"text":"بقلًا؛ فشأنكم بها\".\nتفرد به أحمد من هذا الوجه، وهو إِسناد صحيح على شرط الصحيحين، وكذا رواه ابن جرير، عن عبد الأعلى بن واصل، عن محمد بن القاسم الأسدي، عن الأوزاعي به.\nلكن رواه بعضهم عن الأوزاعي، [عن حسان بن عطية، عن مسلم بن يزيد، عن أبي واقد به.\nومنهم من رواه عن الأوزاعي] [¬١]، عن حسان، عن مرثد أو أبي مرثد، عن أبي واقد به.\nورواه ابن جرير (^١١١)، عن هناد بن السري، عن عيسى بن يونس، عن حسان، عن رجل قد سمي له فذكره، ورواه أيضًا عن هناد، عن ابن المبارك، عن الأوزاعي عن حسان مرسلًا.\nوقال ابن جرير (^١١٢): حدثنى يعقوب بن إِبراهيم، حدَّثنا ابن علية، عن ابن عون قال: وجدت عند الحسن كتاب سمرة، فقرأته عليه، فكان فيه: ويجزئ من الاضطرار غبوق أو صبوح.\nحدَّثنا أَبو كريب (^١١٣)، حدَّثنا هُشَيم، عن الخصيب بن زيد التميمي، حدَّثنا الحسن أن رجلًا سأل النبي ﷺ فقال: متى يحل الحرام؟ قال: فقال: \"إِلى متى يَرْوَى أهلك من اللبن أو تجيء ميرتهم\".\nحدَّثنا ابن حميد (^١١٤)، حدَّثنا سلمة، عن ابن إِسحاق، حدثني عمر بن عبد الله بن\n_________\n(^١١١) - رواية حسان عن رجل عند ابن جرير فى تفسيره (٩/ ٥٤٢) (١١١٣٣)، ورواية حسان المرسلة عنده برقم (١١١٣٢).\n(^١١٢) - أخرجه ابن جرير فى \"تفسيره\" (٩/ ٥٤١) (١١١٢٩) ورواه أيضًا (١١١٣٠) من طريق يحيى ابن زائدة عن ابن عون قال: قرأت فى كتاب سمرة بن جندب … فذكره.\n(^١١٣) - أخرجه ابن جرير الطبري فى \"تفسيره\" (٩/ ٥٣٩) (١١١٢٦) وهو من مراسيل الحسن ﵀ وهى ضعيفة.\n(^١١٤) - أخرجه ابن جرير الطبري (٩/ ٥٤٠) (١١١٢٨) وذكره السيوطى فى \"الدر المنثور\" (٢/ ٤٥٩) لم ينسبه لغير ابن جرير. وعمر بن عبد الله بن عروة بن الزبير قال عنه الحافظ فى \"التقريب\": مقبول.\nقلت: روى له الشيخان حديثًا، وذكره ابن حبان فى \"الثقات\" (٧/ ١٦٦) ومحمد بن إسحاق صدوق تحامل عليه مالك وهشام بن عروة رحمهما الله، وطعنهما فيه مما لا يقبل مثله، وانظر \"الميزان\" للحافظ شمس الدين الذهبى. وقد رُوى نحوه عن سمرة بن جندب ذكره الهيثمى فى \"مجمع الزوائد\" =\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"5","page":57},{"text":"عروة، عن جده عروة بن الزُّبَير، [عن جدته] [¬١] أن رجلًا من الأعراب أتى النبي ﷺ يستفتيه في الذي حرم الله عليه، والذي أحل له، فقال النبي ﷺ: \"يحل لك الطيبات، ويحرم عليك الخبائث، إِلا أن تفتقر إِلى طعام [لا يحل] [¬٢] لك، فتأكل منه حتَّى تستغني عنه\". فقال الرجل: وما فقري الذي يجل لي، وما غناي الذي يغنيني عن ذلك؟ فقال النبي ﷺ: [\"إِذا كنت ترجو نتاجًا، فتبلَّغ بلحوم ماشيتك إلى نتاجك، أو كنت ترجو غنى تطلبه فتبلَّغ من ذلك شيئًا؛ فأطعم أهلك ما بدا لك حتَّى تستغني عنه\". فقال الأعرابي: ما غناي الذي أدعه إِذا وجدته؟ فقال ﷺ] [¬٣]: \"إذا أرويت أهلك غبوقًا من الليل، فاجتنب ما حرم الله عليك من طعام [¬٤]، وأما [¬٥] مالك [¬٦]؛ فإنه ميسور كله، ليس [¬٧] فيه حرام\".\nومعنى قوله: \"ما لم [¬٨] تصطبحوا\" يعني، به الغداء، \"وما لم تغتبقوا\" يعني به العشاء، \"أو تحتفئوا بقلًا فشأنكم بها، فكلوا منها\". و[¬٩] قال ابن جرير: يروى هذا الحرف، يعني قوله: \"أو تحتفئوا\" على أربعة أوجه: تحتفِئوا بالهمزة، \"وتحتفيوا\" بتخفيف الياء والحاء، \"وتحتفوًا\" بتشديد [الفاء] [¬١٠] \"وتحتفوا\" بالحاء، وبالتخفيف، ويحتمل الهمز، كذا ذكره [¬١١] في التفسير.\n(حديث آخر): قال أَبو داود (^١١٥): حدَّثنا هارون بن عبد الله، حدَّثنا الفضل بن دكين،\n_________\n= (٤/ ١٦٦) وقال: رواه الطبرانى فى \"الكبير\" والبزار باختصار كثير، وفى إسناد الطبرانى مساتير، وإسناد البزار ضعيف اهـ.\n(^١١٥) - أخرجه أَبو داود فى \"سننه\" فى الأطعمة، باب: فى المضطر إلى الميتة، الحديث (٣٨١٧)، ومن طريقه البيهقى (٩/ ٣٥٧) ورواه ابن أبي شيبة فى \"مسنده\" (٦٠٩) والبخارى فى \"تاريخه\" (٧/ ١٣٧) والطبرانى فى الكبير (١٨/ ٣٢١) (٨٢٩) والمزى فى \"تهذيب الكمال\" (٢٠/ ٢٣١) من طريق أبي نعيم به. ورواه ابن أبي عاصم فى الآحاد والمثانى (٣/ ١٧٢) (١٥٠٣) من طريق عبد الملك بن حسين عن عقبة بن وَهْب بإسناده نحوه، والحديث ضعف إسناده العلامة محمد ناصر الدين الألبانى فى \"ضعيف أبي داود\" (٨٢٢)، لكن قال الحافظ فى \"الإصابة\" (٨/ ٨٢) فى ترجمة الفجيع: له =\n_________\n[¬١]- في الطبري: عمن حدثه.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- في خ: \"طعامك\".\n[¬٥]- سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- سقط من: خ.\n[¬٧]- في خ: \"فليس\".\n[¬٨]- سقط من: ز.\n[¬٩]- سقط من: ز.\n[¬١٠]- زيادة من الطبري.\n[¬١١]- في خ: \"رواه\".","vol":"5","page":58},{"text":"حدثنا عقبة بن وهب بن عقبة العامري، سمعت أبي يحدث عن الفجيع العامري، أنَّه أتى رسول الله ﷺ فقال: ما يحل لنا من الميتة؟ قال: \"ما طعامكم؟ \" قلنا: [نصطبح ونغتبق]. قال أبو نعيم: فسره لي عقبة: قدح غدوة، وقدح عشية، قال: ذاك وأبي الجوع، وأحل لهم الميتة على هذه الحال.\nتفرد به أبو داود، وكأنهم كانوا يصطبحون ويغتبقون شيئًا لا يكفيهم، فأحل لهم الميتة لتمام كفايتهم، وقد يحتج به من يرى جواز الأكل منها؛ حتى يبلغ حد الشبع، ولا يتقيد ذلك [¬١] بسد الرمق، والله أعلم.\n(حديث آخر): قال أبو داود (^١١٦): حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد، حدثنا سماك، عن جابر بن سمرة: أن رجلًا نزل الحرة ومعه أهله وولده، فقال له رجل: إن ناقة لي ضلت؛ فإن وجدتها فأمسكها، فوجدها، ولم يجد صاحبها، فمرضت، فقالت له امرأته: انحرها، فأبى، فنفقت، ففالت له امرأته: اسلخها حتى نقدد شحمها ولحمها فنأكله، [فقال] [¬٢]، حتى أسأل رسول الله ﷺ فأتاه فسأله، فقال: \"هل عندك غنى يغنيك؟ \"\n_________\n= حديث في سنن أبي داود بإسناد لا بأس به. قلت: عقبة بن وهب العامرى قال ابن معين: صالح، وسئل عنه سفيان بن عيينة فقال: ما كان ذاك يدرى ما هذا الأمر ولا كان من شأنه. نقل ذلك عنهما ابن أبي حاتم في \"الجرح والتعديل\" (٦/ الترجمة ١٧٧٠). ونقل المزى في \"تهذيب الكمال\" (٢٠/ ٢٣١) عن ابن حبَّان أنَّه ذكره في الثقات، وقال الحافظ فى \"التقريب\": مقبول. قلت: عند المتابعة وإلَّا فلين كما هى طريقة الحافظ فى \"التقريب\"، وهذا الحديث مما تفرد به عقبة ولم يروه غيره. وأبوه وهب بن عقبة العامرى البكائى ذكره ابن حبَّان في \"الثقات\" (٥/ ٤٨٨) وقال الحافظ في \"التقريب\": مستور. وقال الذهبي في \"الكاشف\" (٢/ ٣٥٧): وُثِّقَ. قلت: فرق الحافظ في \"تهذيب التهذيب\" بينه وبين وهب ابن عقبة العجلى، ونقل في ترجمة الأوّل توثيق ابن حبَّان له، وفي ترجمة الثاني قول ابن معين فيه: ثقة. وجعلهما البخاري في \"التاريخ\" (٨/ ١٦٥) واحدًا، وكذا ابن أبي حاتم في \"الجرح والتعديل\" (٩/ ٢٦)، وعلى فرض التسليم بأن وهب بن عقبة البكائى المذكور في الحديث هو العجلى الذي وثقه ابن معين، فإن ابنه عقبة قد تفرد عنه بهذا الحديث ولم يتابعه عليه غيره، وهو ليس ممن تقبل انفراداته.\n(^١١٦) - أخرجه أبو داود في الأطعمة، باب: في المضطر إلى الميتة، الحديث (٣٨١٦) ومن طريقه البيهقي في \"السنن\" (٩/ ٢٥٦) ورواه أحمد في \"مسنده \" (٥/ ١٠٤) قال: حدثنا أبو كامل وبهز، وعبد الله بن أحمد في \"زوائد المسند\" (٥/ ٩٦) قال: حدثني الحسن بن يحيى حدثنا عبد الصمد - كلهم (أبو كامل، وبهز، وعبد الصمد) قالوا: حدثنا حماد بن سلمة. . . فذكره، وهذا إسناد على شرط مسلم، لكن سماك بن حرب تغير بأخرة، فكان ربما تلقن، وروايته عن عكرمة خاصة مضطربة. وقد رواه أحمد (٥/ ٨٧، ٨٨) حدثنا أبو كامل حدثنا شريك عن سماك. . . فذكره مختصرًا. ورواه =\n_________\n[¬١]- في ز: \"بذلك\".\n[¬٢]- في ت: \"قال لا\".","vol":"5","page":59},{"text":"قال: لا، قال: \"فكلوها\" قال: فجاء صاحبها فأخبره الخبر، فقال: هلا كنت نحرتها؟ قال: استحييت منك.\nتفرد به، وقد يحتج به من يجوز الأكل والشبع والتزود منها مدة يغلب على ظنه الاحتياج إليها، والله أعلم.\nوقوله: ﴿غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ﴾ أي: [غير] متعاط لمعصية الله، فإِن الله قد أباح ذلك له، وسكت عن الآخر، كما قال في سورة البقرة: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.\nوقد استدل بهذه الآية من يقول بأن العاصي بسفره لا يترخص بشيء من رخص السفر؛ لأنَّ الرخص لا تنال بالمعاصي، والله أعلم.\n﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [المائدة: ٤]\nلما ذكر تعالى ما حرمه في الآية المتقدمة من الخبائث الضارة لمتناولها، إِما في بدنه أو في [¬١] دينه أو فيهما، واستثنى ما استثناه في حال الضرورة، كما قال: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾. قال بعدها: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾. كما في سورة الأعراف في صفة محمَّد ﷺ: أنَّه يحل لهم الطيبات، ويحرم عليهم الخبائث.\nقال ابن أبي حاتم (^١١٧): حدثنا أبو زرعة، حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكير، حدثني عبد الله\n_________\n= في (٥/ ٨٩، ٩٧) من طريق أبي عوانة عن سماك مختصرًا. والحديث حسَّن إسناده العلامة الشيخ محمَّد ناصر الدين الألباني في صحيح أبي داود (٣٢٣٤) قلت: لعل ذلك من أجل سماك بن حرب، وقد تقدم حاله، عليه رحمة الله.\n(^١١٧) - عبد الله بن لهيعة خلط بعد احتراق كتبه وهو صدوق، وعطاء بن دينار هو الهذلى: نقل ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٦ /الترجمة ١٨٤٥) توثيقه عن الإمام أحمد، ووثقه أبو داود كما في \"تهذيب الكمال\" (٢٠/ ٦٨)، وذكره ابن حبَّان في \"الثقات\" (٧/ ٢٥٤)، قال ابن أبى حاتم: سئل أبي عن عطاء بن دينار؟ فقال: هو صالح الحديث إلَّا أن التفسير أخذه من الديوان؛ بأن عبد الملك =\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.","vol":"5","page":60},{"text":"ابن لهيعة، حدثني عطاء بن دينار، عن سعيد بن جبير، أن عديّ بن حاتم وزيد بن مهلهل [¬١] الطائيين، سألا رسول الله ﷺ فقالا: يا رسول الله: قد حرم الله الميتة، فماذا يحل لنا منها؟ فنزلت: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ [قال سعيد: يعني الذبائح الحلال الطيبة لهم. وقال مقاتل] [¬٢]: الطيبات [¬٣] ما [¬٤] أحل لهم من كل شيء أن يصيبوه، وهو الحلال من الرزق.\nوقد سئل الزهري عن شرب البول للتداوي، فقال: ليس هو من الطيبات. رواه ابن أبي حاتم.\nوقال ابن وهب: سئل مالك عن بيع الطين الذي يأكله الناس؛ فقال: ليس هو من الطيبات.\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ [المائدة: ٤] أي: أحل لكم الذبائح التي ذكر اسم الله عليها، والطيبات من الرزق، وأحل لكم ما صدتموه [¬٥] بالجوارح، وهي من الكلاب والفهود والصقور وأشباهها [¬٦]، كما هو مذهب الجمهور من الصحابة والتابعين والأئمة، وممن قال ذلك على بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾: وهن الكلاب المعلمة، والبازي، وكل طير يعلم للصيد، والجوارح يعني: الكلاب الضواري، والفهود والصقور وأشباهها.\nرواه ابن أبي حاتم (^١١٨)، ثمَّ قال: وروي عن خيثمة وطاوس ومجاهد ومكحول ويحيى بن\n_________\n= ابن مروان كتب يسأل سعيد بن جبير أن يكتب إليه بتفسير القرآن، فكتب سعيد بن جبير بهذا التفسير إليه، فوجده عطاء بن دينار في الديوان فأخذه وأرسله عن سعيد بن جبير أهـ. وقال أحمد بن صالح: عطاء بن دينار من ثقات أهل مصر، وتفسيره فيما يروى عن سعيد بن جبير، صحيفة وليست له دلالة على أنَّه سمع من سعيد بن جبير (الجرح والتعديل) (٦/ ٣٣٢) والحديث ذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" (٢/ ٤٥٩) ولم يعزه لغير ابن أبى حاتم.\n(^١١٨) - رواه ابن جرير الطبرى في \"تفسيره\" (٩/ ٥٤٨) (١١١٤٩)، والبيهقى في \"سننه\" (٩/ ٢٣٥) من طريق على بن أبي طلحة عن ابن عباس. والأثر ذكره السيوطي فى \"الدر المنثور\" (٢/ ٤٦٠) وزاد نسبته لابن المنذر.\n_________\n[¬١]- في ز: \"المهلل\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في ز: \"فالطيبات\"، وسقط من: خ.\n[¬٤]- سقط من: خ.\n[¬٥]- في ز: \"اصتدتموه\".\n[¬٦]- في ز، خ: \"وأشباه ذلك\".","vol":"5","page":61},{"text":"أبي كثير نحو ذلك، وروي عن الحسن أنَّه قال: الباز والصقر من الجوارح. وروي عن علي بن الحسين مثله. ثمَّ روى عن مجاهد أنَّه كره صيد الطير كله، وقرأ قوله [¬١] تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾. قال: وروي عن سعيد بن جبير نحو ذلك، ونقله ابن جرير عن الضحاك والسدي، ثمَّ قال (^١١٩):\nحدثنا هناد، حدثنا ابن أبي زائدة، أخبرنا ابن جريج، عن نافع، عن ابن عمر قال: أما ما صاد من الطير البزاة وغيرها من الطير، فما أدركت فهو لك، وإِلا فلا تطعمه.\nقلت: والمحكي عن الجمهور، أن [الصيد بالطيور كالصيد بالكلاب] [¬٢]؛ لأنها تكلب الصيد بمخالبها [¬٣]، كما تكلبه الكلاب فلا فرق، وهو [¬٤] مذهب الأئمة الأربعة وغيرهم، واختاره ابن جرير. واحتج في ذلك بما رواه عن هناد، حدثنا عيسى بن يونس، عن مجالد، عن الشعبي، عن عديّ بن حاتم قال: سألت رسول الله ﷺ عن صيد البازي، فقال: \"ما أمسك عليك فكل\" (^١٢٠).\nواستثنى الإِمام أحمد صيد الكلب الأسود؛ لأنه عنده مما يجب قتله، ولا يحل اقتناؤه، لما\n_________\n(^١١٩) - انظر تفسير الطبرى (٩/ ٥٤٩) وأثر ابن عمر عنده برقم (١١١٥٥)، وابن جريج ثقة لكنه معروف بالتدليس.\n(^١٢٠) - أخرجه الطبرى (٩/ ٥٥٠) (١١١٥٦)، وفي إسناده مجالد وهو ابن سعيد ليس بالقوى، وتغير في آخر عمره، وقد انفرد بذكر البازى في هذا الحديث، فإن الحفاظ قد رووا هذا عن الشعبى عن عدي في الكلب المعلم، ولم يذكروا البازى كما سيأتى ذكر ذلك عن الترمذي والبيهقيُّ. والحديث رواه الترمذي في الصيد، باب: ما جاء في صيد البزاة، الحديث (١٤٦٧) حدثنا نصر بن علي، وهناد، وأبو عمار، قالوا: حدثنا عيسى بن يونس. . . فذكره. ورواه ابن أبي شيبة في مصنفه كتاب الصيد، باب البازى يأكل من صيده (٤/ ٦١٠) عن عيسى بن يونس به. قال الترمذي: هذا حديث لا نعرفه إلَّا من حديث مجالد عن الشعبى، والعمل على هذا عند أهل العلم، لا يرون بصيد البزاة والصقور بأسًا. . .\" أهـ. ورواه أبو داود في الصيد، باب: في الصيد، الحديث (٢٨٥١) وعنه البيهقي في السنن (٩/ ٢٣٨) حدثنا عثمان بن أبي شيبة ثنا عبد الله بن نمير ثنا مجالد، عن الشعبى، عن عدي بن حاتم أن النبي ﷺ قال: \"ما علمت من كلب أو باز ثمَّ أرسلته وذكرت اسم الله، فكل مما أمسك عليك\" الحديث. ورواه أحمد (٤/ ٢٥٧) قال: حدثنا عبد الله بن نمير. . . فذكره مطولًا قال البيهقي: \"فجمع بينهما - أي بين الكلب والبازى - في المنع إلا أن ذكر البازى في هذه الرواية لم يأت به الحفاظ الذين قدمنا ذكرهم عن الشعبى، وإنما أتى به مجالد والله أعلم. ويذكر عن سعيد =\n_________\n[¬١]- في ز: \"قول الله\".\n[¬٢]- في ز: \"صيد الطيور كصيد الكلاب\".\n[¬٣]- في ز: \"بمخاليبها\".\n[¬٤]- في ز: \"هذا\".","vol":"5","page":62},{"text":"ثبت في صحيح مسلم (^١٢١) عن أبي ذر [¬١] أن رسول الله ﷺ قال: \"يقطع الصلاة الحمار والمرأة والكلب الأسود\". فقلت: ما بال الكلب الأسود من الأحمر؟ فقال: \"الكلب الأسود شيطان\".\nوفي الحديث الآخر أن رسول الله ﷺ أمر بقتل الكلاب، ثمَّ قال: \"ما بالهم وبال الكلاب، اقتلوا منها كل أسود بهيم\" (^١٢٢).\nوسميت هذه الحيوانات التي يصطاد بهنّ جوارح من الجرح، وهو الكسب، كما تقول العرب: فلان جرح أهله خيرًا، أي: كسبهم خيرًا، ويقولون: فلان لا جارح له، أي: لا كاسب له، وقال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾ أي: ما كسبتم من خير وشر.\n_________\n= ابن المسيّب عن سلمان الفارسي ﵁ أنَّه قال: \"إذا أرسلت كلبك أو بازك أو صقرك على الصيد فأكل منه فكل وإن أكل نصفه\" فهذا جمع بينهما في الإباحة. أهـ. والحديث ذكره الألباني - حفظه الله - في \"ضعيف أبي داود\" (٦٠٨) وصححه دون قوله: \"أو باز\" قال: فإنَّه منكر. وضعفه أيضًا فى \"ضعيف الجامع\" (٥١١٣). وقد رواه الترمذي (١٤٧٠) من طريق سفيان عن مجالد ولم يذكر فيه البازى، وكذلك رواه أحمد في مسنده (٤/ ٣٧٩) من طريق هشيم عن مجالد، وقد تقدم حديث عدى بن حاتم هذا برقم (٥٨) (٦٣).\n(^١٢١) - أخرجه مسلم في صحيحه كتاب الصلاة، باب: قدر ما يستر المصلى، الحديث (٥١٠) من طريق عبد الله بن الصامت عن أبي ذر.\n(^١٢٢) - لم أجده هكذا، لكن رواه مسلم في الطهارة، باب حكم ولوغ الكلب، الحديث (٢٨٠)، وفي كتاب المساقاة، باب: الأمر بقتل الكلاب وبيان نسخه، الحديث (١٥٧٠)، من طريق مطرف بن عبد الله بن المغفل قال: أمر رسول الله ﷺ بقتل الكلاب. ثمَّ قال: \"ما بالهم وبال الكلاب؟ \" ثمَّ رخص في كلب الصيد، وكلب الغنم. وزاد في الرواية التي في كتاب الطهارة \"وقال: إذا ولغ الكلب في الإناء فاغسلوه سبع مرات، وعفروه الثامنة في التراب\" ومن هذه الطريق رواه أحمد (٤/ ٨٦)، (٥/ ٥٦) وأبو داود (٧٤)، والنسائيُّ (١/ ٥٤، ١٧٧)، وابن ماجه (٣٢٠١) وغيرهم وليس عند أحد منهم الأمر بقتل الكلب الأسود وإنما جاء ذلك من طريق الحسن عن عبد الله بن مغفل أخرجه أحمد (٤/ ٨٥) و(٥/ ٥٤، ٥٦) وأبو داود في الصيد، باب في اتخاذ الكلب للصيد وغيره، الحديث (٢٨٤٥)، والترمذي في الأحكام، باب: ما جاء في قتل الكلاب، الحديث (١٤٨٦)، وفي باب: ما جاء من أمسك كلبًا ما ينقص من أجره (١٤٨٩) والنسائيُّ في الصيد والذبائح، باب: صفة الكلاب التي أمر بقتلها (٧/ ١٨٥) من طرق عن الحسن عن عبد الله بن مغفل قال: قال رسول الله ﷺ: \"لولا أن الكلاب أمة من الأمم لأمرت بقتلها، فاقتلوا منها الأسود البهيم\" =\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.","vol":"5","page":63},{"text":"وقد ذكر في [¬١] سبب نزول هذه الآية الشريفة [¬٢] الحديث الذي رواه ابن أبي حاتم (^١٢٣):\nحدثنا حجاج بن [¬٣] حمزة، حدثنا زيد بن الحباب، حدثني موسى بن عبيدة، حدثني أبان ابن صالح، عن القعقاع بن حكيم، عن سلمى أم رافع، عن أبي رافع مولى رسول الله ﷺ، [أن رسول الله ﷺ] [¬٤] أمر بقتل الكلاب، فقتلت، فجاء الناس، فقالوا: يا رسول الله، ما يحل لنا من هذه الأمة التي أمرت بقتلها؟ فسكت، فأنزل الله: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ الآية. فقال رسول الله ﷺ: \"إِذا أرسل الرجل كلبه وسمى، فأمسك عليه، فيأكل [¬٥] ما لم يأكل\".\n_________\n= وفي بعض الطرق: \"وما من أهل بيت يرتبطون كلبًا إلَّا نقص من عملهم كل يوم قيراط، إلَّا كلب صيد أو كلب حرثٍ أو كلب غنم\" أهـ، وإسناده صحيح وقد صرح الحسن البصري ﵀ بسماعه من عبد الله بن مغفل عند أحمد في \"المسند\" (٥/ ٥٤) وانظر تخريج العلامة الشيخ ناصر الدين الألبانى للحديث في غاية المرام (١٤٨).\n(^١٢٣) - أخرجه الطبرى فى \"تفسيره\" (٩/ ٥٤٥) (١١١٣٤) قال: حدثنا أبو كريب حدثنا زيد بن حباب العكلى. . . فذكره نحوه، ورواه الطبرانى في \"الكبير\" (١/ ٣٢٦) (٩٧٢) من طريق على بن المدينى قال: حدثنا زيد بن الحباب، ومن طريق عثمان بن أبي شيبة قال: حدثنا عبد الله بن نمير قالا (ابن الحباب، وابن نمير): حدثنا موسى بن عبيدة. . . فذكره دون قوله: \"إذا أرسل الرجل. . . إلخ\" ورواه الواحدى فى \"أسباب النزول\" (ص ١٩٣) من طريق يحيى بن أبي زائدة عن موسى به، وموسى ابن عبيدة الربذى: نقل البخاري في التاريخ (٧/ الترجمة ١٢٤٢) عن الإمام أحمد قال: منكر الحديث. ونقل ابن أبي حاتم فى \"الجرح والتعديل\" (٨/ الترجمة ٦٨٦) عن أحمد قال: لا تحل الرواية عنه عندي. وعن ابن معين قوله: موسى بن عبيدة لا يحتج بحديثه. وقال مرة: ضعيف. وقال: سألت أبي عن موسى بن عبيدة فقال: منكر الحديث. وسئل أبو زرعة عنه فقال: ليس بقوى الحديث. وقال الحافظ في \"التقريب\": ضعيف، ولا سيما في عبد الله بن دينار، وكان عابدًا. وبقية إسناده ثقات، وسلمى أم رافع زوج أبي رافع قال الحافظ في \"التقريب\": لها صحبة، وأحاديث. أهـ. وقد تابع موسى بن عبيدة على هذا الحديث محمدُ بن إسحاق فرواه عن أبان مثل رواية ابن أبي حاتم هذه دون قوله: \"إذا أرسل الرجل كلبه وسمى. . . إلخ\" أخرجه الحاكم في \"المستدرك\" (٢/ ٣١١)، وعنه البيهقي في \"السنن\" (٩/ ٢٣٥) من طريق ابن أبي زائدة عن ابن إسحاق عن أبان بن صالح به، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي، وابن إسحاق صدوق لكنه مشهور بالتدليس وقد عنعن ولم يصرح بالتحديث، وروى أحمد (٦/ ٣٩١) قال: حدثنا أبو عامر، والطبراني في الكبير (١/ ٣١٣ - ٣١٤) (٩٢٧) من طريق القعنبى، وإسماعيل بن أبي أويس قالوا: حدثنا يعقوب بن محمَّد بن طحلاء ثنا أبو الرجال عن سالم =\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- في ز، خ: \"الكريمة\".\n[¬٣]- في خ: \"حدثنا\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٥]- في ز: \"فليأكل\".","vol":"5","page":64},{"text":"وهكذا رواه ابن جرير (^١٢٤)، عن أبي كريب، عن زيد بن الحباب بإسناده، عن أبي رافع قال: جاء جبريل إلى النبي ﷺ ليستأذن عليه، فأذن له، فقال: \"قد أذنَّا لك يا رسول الله، قال: أجل، ولكنا لا ندخل بيتًا فيه كلب\". قال أبو رافع: فأمرني أن أقتل كل كلب بالمدينة فقتلت [¬١]، حتى انتهيت إلى امرأة عندها كلب ينبح عليها، فتركته رحمة لها ثمَّ جئت إلى رسول الله ﷺ فأخبرته، فأمرني فرجعت إِلى الكلب فقتلته، فجاءوا فقالوا: يا رسول الله، ما يحل لنا من هذه الأمة التي أمرت بقتلها؟ قال: فسكت رسول الله ﷺ، قال: فأنزل الله ﷿: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾.\nورواه الحاكم في مستدركه، من طريق محمَّد بن إِسحاق، عن أبان بن صالح به. وقال: صحيح ولم يخرجاه.\nوقال ابن جرير (^١٢٥): حدثنا القاسم، حدثنا الحسين، حدثنا حجاج، عن ابن جريج، عن عكرمة: أن رسول الله ﷺ بعث أبا رافع في قتل الكلاب، حتى بلغ العوالي، فجاء [¬٢] عاصم ابن عديّ وسعد بن خيثمة وعويم بن ساعدة، فقالوا: ماذا أحل لنا يا رسول الله؟ فنزلت الآية [¬٣].\n_________\n= ابن عبد الله عن أبي رافع قال: أمرنى رسول الله ﷺ أن أقتل الكلاب. وفيه قصة وإسناده حسن؛ ابن طحلاء روى له مسلم، وقال الحافظ فى \"التقريب\": ما به بأس. وأبو الرجال هو محمَّد ابن عبد الرحمن بن حارثة الأنصارى وهو ثقة، ورواه أحمد (٦/ ٩)، والبزار في \"مسنده\" (٣٨٦٩) وهو في كشف الأستار (٢/ ٧٠) (١٢٢٧) والحارث بن أبي أسامة كما في البغية (١/ ٤٨٣) (٤١٧)، والرويانى فى \"مسنده\" (٦٨٥) من طريق ابن جريج أخبرنى العباس بن أبي خداش عن الفضل بن عبيد الله بن أبي رافع عن أبي رافع أن النبي ﷺ قال. . . والعباس بن أبي خداش ترجم له ابن أبي حاتم في \"الجرح والتعديل\" (٦/ ٢١٧) ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا، وذكره ابن حبَّان فى \"الثقات\" (٧/ ٢٧٥) والفضل بن عبيد الله بن أبي رافع قال الحافظ فى \"التقريب\": مقبول. والحديث ذكره الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (٤/ ٤٥) وقال: \"رواه البزار، وأحمد بأسانيد رجال بعضها رجال الصحيح، ورواه الطبرانى في الكبير أيضًا\" ورواه ابن جرير عن عكرمة مرسلًا وسيأتى رقم (١٢٨).\n(^١٢٤) - تفسير الطبرى (٩/ ٥٤٥) (١١١٣٤) وانظر التخريج السابق.\n(^١٢٥) - أخرجه الطبرى فى \"تفسيره\" (٩/ ٥٤٦) (١١١٣٥) وانظر تخريج الحديث رقم (١٢٦).\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في ز، خ: \"فدخل\".\n[¬٣]- في ز: \" ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ \".","vol":"5","page":65},{"text":"ورواه الحاكم (^١٢٦) من طريق سماك، عن عكرمة، وكذا [¬١] قال محمَّد بن كعب القرظى في سبب نزول هذه الآية، أنَّه [¬٢] في قتل الكلاب (^١٢٧).\nوقوله تعالى: ﴿مُكَلِّبِينَ﴾ يحتمل أن يكون حالًا من الضمير في علمتم؛ فيكون حالًا من الفاعل، ويحتمل أن يكون حالًا من المفعول، وهو الجوارح، أي: وما علمتم من الجوارح في حال كونهنّ مكلبات للصيد، وذلك أن تقتنصه بمخالبها أو [¬٣] أظفارها، فيستدل بذلك - والحالة هذه - على أن الجارحة إِذا قتل الصيد بصدمته أو بمخلابه وظفره - أنَّه لا يحل كما هو أحد قولى الشافعي، وطائفة من العلماء؛ ولهذا قال: ﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾، وهو أنَّه إِذا أرسله استرسل، وإِذا أشلاه استشلى، وإذا أخذ الصيد أمسكه على صاحبه، حتى يجيء إليه، ولا يمسكه لنفسه؛ ولهذا قال تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾. فمتى كان الجارح [¬٤] معلمًا، وأمسك على صاحبه، وكان قد ذكر اسم الله عليه وقت إِرساله - حَلَّ الصيد، وإِن قتله بالإِجماع.\nوقد وردت السنة بمثل ما دلت عليه هذه الآية الكريمة، كما ثبت في الصحيحين (^١٢٨) عن عديّ بن حاتم، قال: قلت: يا رسول الله؛ إني أرسل الكلاب المعلمة، وأذكر اسم الله. فقال: \"إِذا أرسلت كلبك المعلم، وذكرت اسم الله، فكل ما أمسك عليك\". قلت: وإِن قتلن؟ قال: \"وإِن قتلن، ما لم يشركها كلب ليس منها؛ فإنك إِنما سميت على كلبك، ولم تسم على غيره\". قلت له: فإِني أرمي بالمعراض الصيد فأصيب؟ فقال: \"إِذا رميت بالمعراض فخزق فكله، وإِن أصابه بعرض فإِنَّه وقيذ؛ فلا تأكله\". وفي لفظ لهما: \"إِذا أرسلت كلبك؛ فاذكر اسم الله [¬٥]؛ فإن أمسك عليك فأدركته حيًّا فاذبحه، وإِن\n_________\n(^١٢٦) - لم أقف عليه في المستدرك فلعله في تصنيف آخر للحاكم، وقد ذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" (٢/ ٤٥٩) وعزاه لابن جرير الطبرى وحده.\n(^١٢٧) - أخرجه الطبرى فى \"تفسيره\" (٩/ ٥٤٦) (١١١٣٦) عن عبد الله بن الزبير قال: حدثونا عن محمَّد بن كعب القرظى قال: لما أمر النبي ﷺ بقتل الكلاب، قالوا: يا رسول الله، فماذا يحل لنا من هذه الأمة؟ فنزلت: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ. . .﴾ الآية وشيخ ابن الزبير مبهم غير معروف.\n(^١٢٨) - تقدم رقم (٥٨).\n_________\n[¬١]- في ز: \"هكذا\".\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- في ز: \"و\".\n[¬٤]- في ز: \"الجارحة\".\n[¬٥]- سقط من: خ.","vol":"5","page":66},{"text":"أدركته قد قتل ولم يأكل منه فكله، فإن أخذ الكلب ذكاته\". وفي رواية لهما: \"فإِن أكل فلا تأكل، فإني أخاف أن يكون أمسك على نفسه\".\nفهذا دليل للجمهور، وهو الصحيح من مذهب الشافعي، وهو أنَّه إِذا أكل الكلب من الصيد يحرم مطلقًا، ولم يستفصلوا كما ورد بذلك الحديث، وحكي عن طائفة من السلف أنهم قالوا: لايحرم مطلقًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-98>(ذكر الآثار بذلك)</span>\nقال ابن جرير (^١٢٩): حدثنا هناد، حدثنا وكيع، عن شعبة، عن قتادة، عن سعيد بن المسيّب، قال: قال سلمان الفارسي: كُلْ، وإِن أكل ثلثيه، يعني الصيد إِذا أكل منه الكلب. وكذا رواه سعيد بن أبي عروبة وعمر بن عامر، عن قتادة. وكذا رواه محمَّد بن زيد، عن سعيد بن المسيّب، عن سلمان.\nورواه ابن جرير أيضًا (^١٣٠) عن مجاهد بن موسى، عن يزيد، عن حميد، [عن بكر بن عبد الله المزني، والقاسم: أن سلمان قال: إِذا أكل الكلب فكل، وإِن أكل ثلثيه.\nوقال ابن جرير (^١٣١): حدثنا يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وهب، أخبرني مخرمة بن\n_________\n(^١٢٩) - أخرجه ابن جرير الطبرى (٩/ ٥٦١) (١١١٩٠) وإسناده صحيح. فقد تابع شعبة عليه سعيدُ بن أبي عروبة عند ابن أبي شيبة (٤/ ٦٠٣ - ٦٠٤) وابن جرير الطبرى (١١١٨٧)، (١١١٩١ - ١١١٩٢) والبيهقيُّ (٩/ ٢٣٧) وعمر بن عامر عند ابن جرير (١١٢٠١) وقد كان شعبة لا يحدث عن قتادة إلَّا بما سمع قتادة من شيوخه، وسعيد بن أبي عروبة أوثق الناس في قتادة، وعمر بن عامر هو السلمى البصري القاضى، وثقه أحمد لكن قال فيه الحافظ في \"التقريب\": صدوق له أوهام. وقد تابع قتادة عليه محمَّد بن زيد، فرواه عن سعيد عن سلمان أخرجه ابن أبي شيبة (٤/ ٦١١) وابن جرير الطبرى (١١١٩٤)، ومحمد بن زيد بن علي هو العبدى، قاضى مرو، نقل ابن أبي حاتم في \"الجرح والتعديل\" (٣/ ٤١٩) توثيقه عن ابن معين، وذكره ابن حبَّان في الثقات (٧/ ٤٢٤) وسيأتى رقم (١٣٣) عن بكر بن عبد الله المزنى والقاسم: أن سلمان قال: إذا أكل الكلب فكل وإن أكل ثلثيه، وقد روى هذا عن سلمان مرفوعًا لكنه لا يصح، وقد تقدم تخريجه رقم (٦٧) وسيأتى أيضًا رقم (١٣٨).\n(^١٣٠) - أخرجه ابن جرير في تفسيره (٩/ ٥٦١) (١١١٩٣) وانظر الذي قبله.\n(^١٣١) - أخرجه ابن جرير الطبرى في تفسيره (٩/ ٥٦١) (١١١٩٥) ورجال إسناده ثقات غير مخرمة بن بكير؛ قال فيه الحافظ: صدوق وروايته عن أبيه وجادة من كتابه.\nوقد تابعه ابن أبي ذئب فرواه عن بكير بن عبد الله الأشج؛ أخرجه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (٤/ ٦٠٣) وابن جرير في تفسيره (٩/ ٥٦٣) (١١٢٠٧) والبيهقيُّ في سننه (٧/ ٢٣٧) ورواه ابن أبي ذئب أيضًا عن يعقوب بن عبد الله بن الأشج عن حميد قال: سألت سعدًا. . . فذكر نحو رواية بكير، =","vol":"5","page":67},{"text":"بكير، عن أبيه، عن حميد] [¬١] بن مالك بن خثيم الدؤلي، أنَّه سأل سعد بن أبي وقاص عن الصيد يأكل منه الكلب، فقال: كل، وإِن لم يبق منه إِلا حذية، يعني بضعة.\nورواه شعبة (^١٣٢)، عن عبد ربه بن سعيد، عن بكير بن الأشج، عن سعيد بن المسيّب، عن سعد بن أبي وقاص قال: كُلْ، وإِن أكل ثلثيه.\nوقال ابن جرير (^١٣٣): حدثنا ابن المثنى، حدثنا عبد الأعلى، حدثنا داود، عن عامر، عن أبى هريرة قال: إِذا أرسلت كلبك فأكل منه، فإِن أكل ثلثيه وبقى ثلثه، فكله.\nوقال ابن جرير (^١٣٤): حدثنا محمَّد بن عبد الأعلى، حدثنا المعتمر، قال سمعت عبيد الله. وحدثنا هنّاد، حدثنا [¬٢] عبدة، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن عبد الله بن عمر، قال: إِذا أرسلت كلبك المعلَّم، وذكرت اسم الله، فكل ما أمسك عليك، أكل أو لم يأكل.\n_________\n= أخرجه ابن جرير رقم (١١٢٠٨) ويعقوب بن عبد الله بن الأشج أخو بكير، وهو ثقة روى له مسلم والنسائيُّ والترمذي وابن ماجه، ولا يعد ذلك اضطرابًا من ابن أبي ذئب ﵀ لاحتمال أن يكون سمعه من بكير، وسمعه من يعقوب أيضًا، فكان يحدث به عن هذا تارة وعن الآخر تارة أخرى، والله أعلم. وله طريق آخر عن سعد يأتى في الذي بعده.\n(^١٣٢) - أخرجه ابن جرير في \"تفسيره\" (٩/ ٥٦٢) (١١١٩٦) قال: حدثنا محمَّد بن المثنى حدثني عبد الصمد حدثنا شعبة به، ورواه ابن جرير أيضًا (١١١٩٧) حدثنا ابن المثنى قال: حدثنا سعيد بن الربيع قال: حدثنا شعبة عن عبد ربه بن سعيد قال: سمعت بكير بن الأشج، عن سعيد بن المسيّب - قال شعبة: قلت سمعته من سعيد؟ قال: لا - قال: كل وإن أكل ثلثيه. قال: ثمَّ إن شعبة قال في حديثه: عن سعد قال: كل، وإن أكل نصفه. ورواه البيهقي (٩/ ٢٣٧) من طريق أبي عمر الحوضى عن شعبة عن عبد ربه بن سعيد عن بكير بن عبد الله عن سعد نحوه، وقال البيهقي: وهذا أيضًا مرسل. ثمَّ رواه عن عبد ربه عن حميد عن سعد ثمَّ قال: وهذا موصول.\n(^١٣٣) - أخرجه ابن جرير الطبرى في تفسيره (٩/ ٥٦٢) (١١١٩٨) ورواه أيضًا رقم (١١١٩٩) قال: حدثنا ابن المثنى حدثنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا داود بن أبي هند. . . فذكره ورواه ابن أبي شيبة في مصنفه (٤/ ٦٠٤) نا يزيد بن هارون فذكره بلفظ: \"إذا أرسلت كلبك فأكل فكل وإن أكل ثلثه\"، وإسناده صحيح على شرط مسلم.\n(^١٣٤) - أخرجه في تفسيره (٩/ ٥٦٣) (١١٢٠٢) وأخرجه البيهقي (٩/ ٢٣٧) من طريق ابن أبي نمر عن عبيد الله به، وأخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (٤/ ٦٠٤) وابن جرير رقم (١١٢٠٦) من طريق وكيع عن ابن أبي ذئب عن نافع عن ابن عمر نحوه، ورواه عبد الرزاق (٨٥١٦)، (٨٥١٧) من طريق أيوب وعبد الله بن عمر عن نافع بنحوه، ورواه ابن جرير (١١٢٠٥) من طريق ابن وهب عن عبيد الله بن عمر، وابن أبي ذئب وغير واحد عن نافع مثله.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٢]- في خ: \"بن\".","vol":"5","page":68},{"text":"وكذا رواه عبيد الله بن عمر وابن أبي ذئب، وغير واحد عن نافع.\nفهذه الآثار ثابتة عن سلمان وسعد بن أبي وقاص وأبي هريرة وابن عمر، وهو محكي عن علي وابن عباس. واختلف فيه عن عطاء والحسن البصري، وهو قول الزهري وربيعة ومالك وإليه ذهب الشافعي في القديم، وأومأ إليه في الجديد.\nوقد روي من طريق سلمان الفارسي مرفوعًا، فقال ابن جرير (^١٣٥):\nحدثنا عمران بن بكار الكلاعي، حدثنا عبد العزيز بن موسى اللاحوني، حدثنا محمد بن دينار - وهو الطاحي - عن أبي إِياس معاوية بن قرّة، عن سعيد بن المسيب، عن سلمان الفارسي، عن رسول الله ﷺ قال: \"إِذا أرسل الرجل كلبه على الصيد، فأدركه وقد أكل منه؛ فليأكل ما بقي\".\nثم قال ابن جرير (^١٣٦): وفي إِسناد هذا الحديث نظر، وسعيد غير معلوم له سماع من سلمان، والثقات يروونه من كلام سلمان غير مرفوع.\nوهذا الذي قاله ابن جرير صحيح، لكن قد روي هذا المعنى مرفوعًا من وجوه أخر.\nفقال أبو داود (^١٣٧): حدثنا محمد بن المنهال الضرير، حدثنا يزيد بن زريع، حدثنا حبيب المعلم، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، أن أعرابيًّا يقال له: أبو ثعلبة قال: يا رسول الله، إِن لي كلابًا مكلبة، فأفتني في صيدها، فقال النبي ﷺ: \"إن كان لك كلاب مكلبة، فكل مما أمسكن عليك\". فقال: ذكيًّا وغير ذكي، [قال: \"نعم\". قال] [¬١]: وإِن أكل منه؟ قال: \"نعم وإِن أكل منه\". فقال: يا رسول الله، أفتني في قوسي. قال: \"كل ما ردت عليك قوسك\". قال: \"ذكيًّا وغير ذكي\" [قال: وإن تغيب عني؟] [¬٢] قال: \"وإِن تغيب عنك ما لم يَضِلَّ، أو تجد فيه أثرًا غير سهمك\". قال: أفتنى في آنية المجوس إِذا اضطررنا اِليها، قال: \" اغسلها وكل فيها \".\nهكذا رواه أبو داود. وقد أخرجه النسائي.\n_________\n(^١٣٥) - تقدم بمتنه وإسناده رقم (٦٧).\n(^١٣٦) - انظر تفسير الطبرى (٩/ ٥٦٦).\n(^١٣٧) - تقدم رقم (٦٦).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٢]- سقط من ز، خ، وأثبتناه من سنن أبي داود.","vol":"5","page":69},{"text":"وكذا رواه أبو داود (^١٣٨) من طريق [بُسْر بن] [¬١] [عبيد الله] [¬٢]، عن أبي إِدريس الخولاني، عن أبي ثعلبة قال: قال رسول الله ﷺ: \"إِذا أرسلت كلبك، وذكرت اسم الله، فكل وإِن أكل منة، وكل ما ردت عليك يدك\".\nوهذان إِسنادان جيدان، وقد روى الثوري، عن سماك بن حرب، عن عدي قال: قال رسول الله ﵌: \"ما كان من كلب ضارٍ أمسك عليك فكل\" قلت: وإِن أكل؟ قال: \"نعم\".\nوروى عبد الملك بن حبيب، حدثنا أسد بن موسى، عن ابن أبي زائدة، عن الشعبي، عن عدي بمثله (^١٣٩).\nفهذه آثار دالة على أنه يغتفر إن أكل منه الكلب، وقد احتج بها من لم يحرم الصيد بأكل الكلب وما أشبهه، كما تقدم عمن حكيناه عنهم. وقد توسط آخرون فقالوا: إِن أكل عقب ما أمسكه، فإِنه يحرم لحديث عدي بن حاتم، وللعلة التى أشار إِليها النبي ﷺ: \"فإن أكل فلا تأكل، فإني أخاف أن يكون أمسك على نفسه\". وأما إِن أمسكه، ثم انتظر صاحبه، فطال عليه وجاع، فأكل منه لجوعه، فإِنه لا يؤثر في التحريم، وحملوا على ذلك حديث أبي ثعلبة الخشني. وهذا تفريق حسن، وجمع بين الحديثين صحيح. وقد تمني الأستاذ أبو المعالي الجويني في كتابه النهاية، أن لو فصَّل مفصِّل هذا التفصيل، وقد حقق الله أمنيته، وقال بهذا القول والتفريق طائفة من الأصحاب منهم، وقال آخرون قولًا رابعًا فى المسألة، وهو التفرقة بين أكل الكلب، فيحرم لحديث عدي، وبين أكل الصقور ونحوها فلا يحرم؛ لأنه لا يقبل التعليم إِلا بالأكل.\nوقال ابن جرير (^١٤٠): حدثنا أبو كريب، حدثنا أسباط بن محمد، حدثنا أبو إِسحاق الشيباني، عن حماد، عن [¬٣] إِبراهيم، عن ابن عباس أنه قال فى الطير: [إِذا أرسلته فقتل فكل، فإِن الكلب إِذا ضربته لم يعد، واِن تعليم الطير أن] [¬٤] يرجع إِلى صاحبه وليس\n_________\n(^١٣٨) - تقدم رقم (٦٥).\n(^١٣٩) - تقدم رقم (٥٨).\n(^١٤٠) - تفسير الطبرى (٩/ ٥٥٧) (١١١٧٥) وإسناده حسن؛ لأجل حماد بن أبى سليمان، فإنه قال فيه الحافظ فى التقريب: صدوق له أوهام. لكن إبراهيم وهو ابن يزيد النخعى لم يسمع من ابن عباس=\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في خ: \"يوسف بن\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في خ: \"يوسف\".\n[¬٣]- في خ: \"بن\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ر.","vol":"5","page":70},{"text":"يضرب، فإِذا أكل من الصيد ونتف الريش فكل.\nوكذا قال إِبراهيم النخعي والشعبى وحماد بن أبي سليمان.\nوقد يحتج لهؤلاء بما رواه ابن أبي حاتم (^١٤١).\nحدثنا أبو سعيد، حدّثنا المحاربي، حدثنا مجالد، عن الشعبى، عن عدي بن حاتم قال: قلت: يا رسول الله، إِنا قوم نصيد بالكلاب والبزاة، فما يحل لنا منها؟ قال: \"يحل لكم ما علمتم من الجوارح مكلّبين تعلمونهنّ مما علمكم الله، فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه\". ثم قال: \"ما أرسلت من كلب وذكرت اسم الله عليه؛ فكل مما أمسك عليك\". قلت: وإِن قتل؟ قال: \"وإِن قتل ما لم يأكل\". قلت: يا رسول الله، وإِن خالطت كلابنا كلابًا [¬١]، غيرها؟ قال: \"فلا تأكل حتى تعلم أن كلبك هو الذي أمسك\". قال: قلت: إِنا قوم نرمي فما يحل لنا؟ قال: \"ما ذكرت اسم الله عليه وخزقت، فكُلْ\".\nفوجه الدلالة لهم أنه اشترط في الكلب أن لا يأكل، ولم يشترط ذلك في البزاة، فدل على التفرقة بينهما في الحكم، والله أعلم.\nوقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾، أي: عند إِرساله [¬٢]، كما قال النبي ﷺ لعدي بن حاتم: \"إذا أرسلت كلبك المعلم، وذكرت اسم الله، فكل مما أمسك عليك\" (^١٤٢). وفي حديث أبي ثعلبة المخرج في الصحيحين أيضًا (^١٤٣): وإِذا أرسلت كلبك فاذكر اسم الله، وإِذا رميت بسهمك، [فاذكر اسم الله] [¬٣] \".\nولهذا اشترط من اشترط من الأئمة كالإِمام أحمد ﵀ في المشهور عنه: التسمية\n_________\n= كما قال ابن المدينى، نقله المزى فى ترجمة إبراهيم من \"تهذيب الكمال\".\n(^١٤١) - ذكره السيوطى فى \"الدر المنثور\" (٢/ ٤٦٠ - ٤٦١) ولم يعزه لغير ابن أبى حاتم، وقد تقدم تخريجه رقم (١٢٣).\n(^١٤٢) - تقدم حديث عدى مرارًا، وانظر تخريجه رقم (٥٨).\n(^١٤٣) - تقدم تخريجه فى رقم (٦٥).\n_________\n[¬١]- فى خ: \"كلب\".\n[¬٢]- في خ: \"الإرسال\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.","vol":"5","page":71},{"text":"عند إِرسال الكلب، والرمي بالسهم، لهذه الآية، وهذا الحديث، وهذا القول هو المشهور عند الجمهور، أن المراد بهذه الآية الأمر بالتسمية عند الإِرسال، كما قاله السدي وغير واحد.\nوقال على بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: ﴿وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ يقول: إِذا أرسلت جارحك، فقل: بسم الله، وإِن نسيت فلا حرج (^١٤٤).\nوقال بعض الناس: المراد بهذه الآية الأمر بالتسمية عند الأكل، كما ثبت في الصحيح أن رسول الله ﷺ علم ربيبه عمر بن أبي سلمة فقال: \"سم الله وكل بيمينك، وكل مما يليك\" (^١٤٥).\nوفي صحيح البخاري عن عائشة: أنهم قالوا: يا رسول الله؛ إِن قومًا يأتوننا حديث عهدهم [¬١] بكفر بلحمان، لا ندري أذكر اسم الله عليها أم لا؟ فقال: \"سموا الله أنتم وكلوا\" (^١٤٦).\n(حديث آخر): وقال الإِمام أحمد (^١٤٧): حدثنا يزيد، حدثنا هشام [¬٢]، عن بديل، عن\n_________\n(^١٤٤) - أخرجه ابن جرير فى تفسيره (٩/ ٥٧١) (١١٢١٨) وذكره السيوطى فى \"الدر المنثور\" (٢/ ٤٦٠) وزاد نسبته إلى \"ابن المنذر، وابن أبى حاتم، والبيهقى في سننه\".\n(^١٤٥) - أخرجه البخارى فى الأطعمة، باب: التسمية على الطعام والأكل باليمين، الحديث (٥٣٧٦)، ومسلم فى الأشربة، باب آداب الطعام والشراب وأحكامهما، الحديث (٢٠٢٢ - ١٠٨) من طريق الوليد بن كثير عن وهب بن كيسان سمعه من عمر بن أبى سلمة قال: كنت فى حجر رسول الله ﷺ وكانت يدى تطيش فى الصحفة فقال لى: \"يا غلام! سم الله وكل بيمينك وكل مما يليك\". ورواه البخارى (٥٣٧٧)، ومسلم (٢٠٢٢ - ١٠٩) من طريق محمد بن عمرو بن حلحلة عن وهب بن كيسان عن عمر، مقتصرًا على قوله: \"كل مما يليك\" ورواه مالك فى الموطأ (٢/ ٧١١) ومن طريقه البخارى فى الأطعمة، باب: الأكل مما يليه، الحديث (٥٣٧٨) عن وهب بن كيسان أبى نعيم قال: أتى رسول الله ﷺ بطعام ومعه ربيبه عمر بن أبى سلمة فقال له رسول الله ﷺ: \"سم الله وكل مما يليك\".\n(^١٤٦) - أخرجه البخارى فى التوحيد، باب: السؤال بأسماء الله تعالى والاستعاذة بها، الحديث (٧٣٩٨)، وهو عند البخارى أيضًا فى البيوع، باب من لم ير الوساوس ونحوها من الشبهات، الحديث (٢٠٥٧)، وفي الذبائح والصيد باب: ذبيحة الأعراب ونحوهم الحديث (٥٥٠٧) من حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة.\n(^١٤٧) - أخرجه أحمد فى مسنده (٦/ ١٤٣) والدارمى (٢/ ٩٤)، وابن ماجه فى الأطعمة، باب: فى التسمية عند الطعام، الحديث (٣٢٦٤) وابن حبان في صحيحه (١٢/ ١٣) (٥٢١٤) من طريق يزيد=\n_________\n[¬١]- في خ: \"عهد لهم\".\n[¬٢]- فى خ، ز: \"هشيم\".","vol":"5","page":72},{"text":"عبد الله بن عبيد بن عمير، عن عائشة أن رسول الله ﷺ كان يأكل طعامًا [¬١] في ستة نفر بن أصحابه، فجاء أعرابي فأكله بلقمتين، فقال النبي ﷺ: \"أما إِنه لو كان [¬٢] ذكر اسم الله لكفاكم، فإِذا أكل أحدكم طعامًا [¬٣] فليذكر اسم الله، فإِن نسي أن يذكر اسم الله أوّله، فليقل باسم الله أوّله وآخره\".\nوهكذا رواه ابن ماجه، عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن يزيد بن هارون به.\nوهذا منقطع بين عبد الله بن عبيد بن عمير وعائشة؛ فإِنه لم يسمع منها هذا الحديث، بدليل ما رواه الإِمام أحمد (^١٤٨):\nحدثنا عبد الوهاب، أخبرنا هشام يعنى ابن أبي عبد الله الدستوائي، عن بديل، عن عبد الله بن عبيد بن عمير، أن امرأة منهم يقال لها: أم كلثوم حدثته عن عائشة: أن رسول الله ﷺ كان يأكل طعامًا في ستة نفر من أصحابه، فجاء أعرابي جائع فأكله بلقمتين فقال: \"أما إِنه لو ذكر اسم الله لكفاكم، فإذا أكل أحدكم فليذكر اسم الله، فإن نسى اسم الله في أوّله فليقل:\n_________\n= ابن هارون به، وقد خالف يزيد بن هارون جماعة من الثقات فرووه عن هشام بن أبى عبد الله الدستوائى عن بديل بن ميسرة العقيلى عن عبد الله بن عبيد بن عمير، أن امرأة منهم يقال لها: أم كلثوم حدثته عن عائشة … فذكره، ولا شك أن رواية الجماعة هى الصواب. وسيأتى فى الذى بعده من هذه الطريق.\n(^١٤٨) - أخرجه أحمد فى المسند (٦/ ٢٦٥)، ورواه أيضًا فى (٦/ ٢٤٦) والبيهقى (٧/ ٢٧٦) عن روح، وأبو داود في الأطعمة، باب التسمية على الطعام، الحديث (٣٧٦٧) عن إسماعيل بن علية، وأحمد (٦/ ٢٠٧ - ٢٠٨)، والترمذى فى الأطعمة: باب: ما جاء فى التسمية على الطعام، الحديث (١٨٥٨) عن وكيع، والنسائى فى \"اليوم والليلة\" (٢٨١) عن المعتمر بن سليمان، والطيالسى (١٥٦٦) ومن طريقه الطحاوى فى \"مشكل الآثار\" (١/ ٢١) والبيهقى (٧/ ٢٧٦) ورواه الحاكم (٤/ ١٠٨) عن عفان كلهم عن هشام به، وقال الترمذى: حديث حسن صحيح. وأم كلثوم هى بنت محمد بن أبى بكر الصديق ﵁\".\nقال الألبانى - حفظه الله - فى الإرواء (٧/ ٢٤): كذا قال، وفيه نظر، فقد وقع فى رواية غير الترمذى: \"عن امرأة منهم يقال لها أم كلثوم\" يعنى أنها ليثية، ولذلك ترجمها الحافظ المزى بـ \"أم كلثوم الليثية المكية\" ولو كانت هى بنت محمد بن أبى بكر الصديق لكانت تيمية.\nقلت: وقد سبق إلى ذلك الحافظ المنذرى ﵀ فى \"مختصر سنن أبى داود\" (٥/ ٣٠٠) فقال: \"ووقع فى بعض روايات الترمذى: \"أم كلثوم: هى بنت أبى بكر الصديق ﵁\" وقال غيره فيها: أم كلثوم الليثية، وهو الأشبه؛ لأن عبيد بن عمير ليثى، ومثل بنت أبى بكر لا يكنى عنها بامرأة، ولا سيما مع قوله \"منهم\" وقد سقط هذا من بعض نسخ الترمذى وسقوطه الصواب. =\n_________\n[¬١]- في خ: الطعام.\n[¬٢]- سقط من: ت.\n[¬٣]- سقط من: خ.","vol":"5","page":73},{"text":"باسم الله أوّله وآخره\".\nورواه أحمد أيضًا، وأبو داود والترمذي والنسائي من غير وجه عن هشام الدستوائي به. وقال الترمذي: حسن صحيح.\n(حديث آخر): قال أحمد (^١٤٩): حدثنا على بن عبد الله، حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا جابر بن صبح، حدثني المثنى بن عبد الرحمن الخزاعي، وصحبته إِلى واسط فكان يسمى في أوّل طعامه، وفي آخر لقمة يقول: بسم الله الله وآخره، [فقلت له: إِنك تسمي في أوّل ما تأكل، أرأيت قولك في آخر ما تأكل: بسم الله أوله وآخره] [¬١] فقال: أخبرك [عن ذلك إنَّ جدي] [¬٢] أمية بن مخشي، وكان من أصحاب النبي ﷺ[سمعته يقول: إن رجلًا كان يأكل، والنبي ينظر، فلم يسم، حتى كان في آخر طعامه، قال: بسم الله أوّله وآخره،\n_________\n= والله ﷿ أعلم،. وسواء كانت أم كلثوم بنت محمد بن أبى بكر أو أم كلثوم الليثية فهى على الحالتين مجهولة لم يرو عنها غير عبد الله بن عبيد بن عمير، قال العلامة ناصر الدين الألبانى: وجملة القول أن الإسناد ضعيف لجهالة أم كلثوم هذه حتى لو فرض أنها ابنة محمد بن أبى بكر الصديق، لكن الحديث صحيح فإن له شاهدين اهـ. ثم ذكر حدث أمية بن مخشي التالى، وحديث عبد الله بن مسعود الذى أخرجه ابن حبان (١٢/ ١٢) (٥٢١٣)، وابن السنى فى \"عمل اليوم والليلة\" (٤٦١) من طريق القاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ: \"من نسى أن يذكر الله فى أول طعامه فليقل حين يذكر: بسم الله في أوله وآخره، فإنه يسقبل طعامه جديدًا، ويمنع الخبيث ما كان يصيب منه\". ورواه أيضًا الطبرانى فى \"الكبير\" (١٠/ ٢١٠) (١٠٣٥٤)، وفى الأوسط (٤٥٧٦) من نفس الطريق، وذكره الهيثمى فى \"مجمع الزوائد\" (٥/ ٢٦) وقال: \"رواه الطبرانى فى الأوسط والكبير ورجاله ثقات\".\nوصحح إسناده الألبانى حفظه الله فى الإرواء (٧/ ٢٧).\n(^١٤٩) - أخرجه فى المسند (٤/ ٣٣٦)، ورواه أبو داود فى الأطعمة، باب التسمية على الطعام، الحديث (٣٧٦٨) والنسائى فى الكبرى كتاب الوليمة، باب: ما يقول إذا نسى التسمية ثم ذكر، الحديث (١٠١١٣)، والبخارى فى التاريخ الكبير (٢/ ٦ - ٧)، وابن أبى عاصم فى \"الآحاد والمثانى\" (٢٣٠١)، والطبرانى فى \"الكبير\" (١/ ٢٦٨) (٨٥٤، ٨٥٥) والحاكم فى \"المستدرك\" (٤/ ١٠٨ - ١٠٩) وابن السنى فى \"عمل اليوم والليلة\" (٤٦١) كلهم من طريق يحيى بن سعيد عن جابر بن صبح به. وقال الحاكم: \"هذا حديث صحيح الإسناد\" ووافقه الذهبى قلت: المثنى بن عبد الرحمن الخزاعى ذكره الذهبى فى الميزان (٤/ ٣٥٥) وقال: لا يعرف. تفرد عنه جابر بن صبح، وقال ابن المدينى: مجهول. وقال الحافظ فى \"التقريب\": مستور. وبه أعل الألبانى الحديث فى الإرواء (٧/ ٢٦) فقال بعد أن نقل تصحيح الحاكم وموافقة الذهبى له: \"وليس كما قال\" ثم ذكر كلام الذهبى وابن حجر - رحمهما الله - فى المثنى بن عبد الرحمن لكن يشهد لهذا الحديث حديث عائشة المتقدم قبله.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٢]- في خ، ز: \"أن خالد بن أمية … \".","vol":"5","page":74},{"text":"فقال النبي ﷺ: \"والله] [¬١] ما زال الشيطان يأكل معه حتى سمى، فلم يبق شيء في بطنه حتى قاءه\".\nوهكذا رواه أبو داود والنسائي من حديث جابر بن صبح الراسبي أبي بشر البصري، وثقه ابن معين والنسائي، وقال أبو الفتح الأزدي: لا تقوم به الحجة.\n(حديث آخر): قال الإِمام أحمد (^١٥٠): حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن خيثمة، عن أبي حذيفة - قال أبو عبد الرحمن عبد الله بن الإِمام أحمد: واسمه سلمة بن الهيثم بن صهيب من أصحاب ابن مسعود - عن حذيفة قال: كنا إِذا حضرنا مع النبى [على طعام لم نضع أيدينا، حتى يبدأ رسول الله فيضع يده، وإنا حضرنا معه] [¬٢] طعامًا ما، فجاءت جارية كأنما تدفع، فذهبت تضع يدها فى الطعام، فأخذ رسول الله ﷺ بيدها، وجاء أعرابي كأنما يدفع، فذهب يضع يده فى الطعام، فأخذ رسول الله ﷺ بيده، فقال رسول الله ﷺ: \"إن الشيطان يستحل الطعام إِذا لم يذكر اسم الله عليه، وإِنه جاء بهذه الجارية ليستحل بها، فأخذت بيدها، وجاء بهذا الأعرابي ليستحل به، فأخَذت بيده، والذي نفسي بيده، إِن يده في يدي مع يديهما\" يعني: الشيطان. وكذا رواه مسلم وأبو داود والنسائي من حديث الأعمش به.\n(حديث آخر): روى مسلم وأهل السنن إِلا الترمذي (^١٥١)، من طريق ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله، [عن النبى ﵌] [¬٣] قال: \"إِذا دخل\n_________\n(تنبيه): وقع عند أبى داود: (عن المثنى بن عبد الرحمن عن عمه أمية بن مخشي\" وهو كذلك عند الطبرانى رقم (٨٥٥) لكن عند غيرهما \"عن المثنى عن جدِّه\".\n(^١٥٠) - أخرجه فى المسند (٥/ ٣٨٢) ورواه مسلم فى الأشربة باب: آداب الطعام والشراب وأحكامهما، الحديث (٢٠١٧) وأبو داود فى الأطعمة باب: التسمية على الطعام، الحديث (٣٧٦٦) من طريق أبى معاوية عن الأعمش به، ورواه مسلم، وأحمد (٥/ ٣٩٧) من طريق سفيان عن الأعمش به، ورواه مسلم، والنسائى فى الكبرى، كتاب آداب الأكل، باب: ذكر ما يستحل به الشيطان الطعام، الحديث (٦٧٥٤) من طريق عيسى بن يونس عن الأعمش به.\n(^١٥١) - أخرجه مسلم فى الأشربة، باب: آداب الطعام والشراب وأحكامهما، الحديث (٢٠١٨)، والبخارى فى \"الأدب المفرد\" (١٠٩٦) وأبو داود فى الأطعمة، باب التسمية على الطعام، الحديث (٣٧٦٥) والنسائى فى \"عمل اليوم والليلة\" (١٧٨)، وابن ماجه فى الدعاء، باب ما يدعو به إذا دخل بيته، الحديث (٣٨٨٧) وأحمد (٣/ ٣٨٣).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.","vol":"5","page":75},{"text":"الرجل بيته، فذكر الله عند دخوله، وعند طعامه، قال الشيطان: لا مبيت لكم ولا عشاء، وإِذا دخل فلم يذكر اسم الله عند [دخوله، قال الشيطان: أدركتم المبيت، فإِذا لم يذكر اسم الله عند] [¬١] طعامه، قال: أدركتم المبيت والعشاء\". لفظ أبي داود.\n(حديث آخر): قال الإِمام أحمد (^١٥٢): حدثنا يزيد بن عبد ربه، حدثنا الوليد بن مسلم، عن [وحشي بن حرب بن] [¬٢] وحشى بن حرب عن أبيه، عن جده أن رجلًا قال للنبي ﷺ: إِنا نأكل وما نشبع. قال: \"فلعلكم تأكلون متفرقين، اجتمعوا على طعامكم، واذكروا اسم الله؛ يبارك لكم فيه\".\nورواه أبو داود وابن ماجة من طريق الوليد بن مسلم.\n﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي\n_________\n(^١٥٢) - أخرجه فى المسند (٣/ ٥٠١)، وأخرجه أبو داود فى الأطعمة، باب الاجتماع على الطعام، الحديث (٣٧٦٤)، وابن ماجه فى الأطعمة، باب الاجتماع على الطعام، الحديث (٣٢٨٦) والطبرانى فى الكبير (٢٢/ ١٣٩) (٣٦٨)، وابن حبان في صحيحه (٥٢٢٤) وهو فى الموارد رقم (١٣٤٥) وأورده الحاكم (٢/ ١٠٣) شاهدًا ولم يصححه هو ولا الذهبى. وابن أبى عاصم فى \"الآحاد والمثانى\" رقم (٤٨٢) والمزى فى \"تهذيب الكمال\" (٥/ ٥٣٩) - كلهم من طريق الوليد بن مسلم به، وقد صرح الوليد بن مسلم بالتحديث عند أبى داود وغيره فزالت شبهة التدليس، ووحشي بن حرب بن وحشى ترجم له البخارى فى التاريخ (٨/ ١٨٠) وابن أبى حاتم فى \"الشرح والتعديل\" (٩/ ٤٥ - ٤٦) ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا، وذكره العجلى فى تاريخ الثقات (١٧٦٧) وقال: شامى، لا بأس به. وذكره ابن حبان فى \"الثقات\" (٧/ ٥٦٤) أيضًا، لكن نقل المزى فى \"تهذيب الكمال\" (٣٠/ ٤٢٨) عن صالح ابن محمد قال: لا يشتغل به ولا بأبيه. وقال الذهبى فى \"الكاشف\": لين. وأبوه حرب بن وحشي ترجم له البخارى فى التاريخ الكبير (٣/ ٦١) وابن أبي حاتم فى \"الجرح والتعديل\" (٣/ ٢٤٩) ولم يذكرا فيه أيضًا جرحًا ولا تعديلًا، وذكره ابن حبان فى ثقاته (٤/ ١٧٣) ونقل الحافظ فى ترجمته فى \"التهذيب\" عن البزار قال: مجهول فى الرواية معروف فى النسب. والحديث حسنه العراقى فى تخريج الإحياء فتعقبه الألبانى فى الصحيحة رقم (٦٦٤) فضعف إسناده ثم قال: لكن الحديث حسن لغيره؛ لأن له شواهد فى معناه.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.","vol":"5","page":76},{"text":"الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٥)﴾.\nلما ذكر تعالى ما حرمه على عباده المؤمنين من الخبائث، وما أحله لهم من الطيبات،\nقال بعده: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ ثم ذكر حكم ذبائح أهل الكتابين، من اليهود والنصارى، فقال: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ قال ابن عباس وأبو أمامة ومجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة وعطاء والحسن ومكحول وإِبراهيم النخعي والسدي ومقاتل ابن حيان: يعني: ذبائحهم.\nوهذا أمر مجمع عليه بين العلماء، أن ذبائحهم حلال للمسلمين؛ لأنهم يعتقدون تحريم الذبح لغير الله، ولا يذكرون على ذبائحهم إِلا اسم الله، وإِن اعتقدوا فيه تعالى ما هو منزه عنه تعالى وتقدس. وقد ثبت في الصحيح عن عبد الله بن مغفل قال: دلي بجراب من شحم يوم خيبر، فاحتضنته وقلت: لا أعطى اليوم من هذا أحدًا، والتفت فإِذا النبي ﷺ يتبسم (^١٥٣).\nفاستدل به الفقهاء؛ على أنه يجوز تناول ما يحتاج إِليه من الأطعمة ونحوها من الغنيمة قبل القسمة، وهذا ظاهر، واستدل به الفقهاء الحنفية والشافعية والحنابلة، على أصحاب مالك في منعهم أكل ما يعتقد اليهود تحريمه من ذبائحهم؛ كالشحوم ونحوها مما حرم عليهم، فالمالكية لا يجوّزون للمسلمين أكله؛ لقوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ قالوا: وهذا ليس من طعامهم، واستدل عليهم الجمهور بهذا الحديث، وفي ذلك نظر؛ لأنه قضية عين، ويحتمل أن يكون شحمًا يعتقدون حله، كشحم الظهر والحوايا ونحوهما، والله أعلم.\nوأجود منه في الدلالة ما ثبت في الصحيح (^١٥٤)، أن أهل خيبر أهدوا لرسول الله ﷺ شاة\n_________\n(^١٥٣) - أخرجه البخارى فى الجزية والوادعة، باب: ما يصيب من الطعام فى أرض العدو، الحديث (٣١٥٣)، وفى المغازى، باب: غزوة خيبر، الحديث (٤٢١٤)، وفى الذبائح والصيد، باب: ذبائح أهل الكتاب وشحومها، من أهل الحرب وغيرهم، الحديث (٥٥٠٨)، ومسلم فى الجهاد والسير، باب جواز الأكل من طعام الغنيمة فى دار الحرب الحديث (١٧٧٢) عن حميد بن هلال عن عبد الله بن مغفل.\n(^١٥٤) - أخرجه البخارى فى الجزية والموادعة، باب إذا غدر المشركون بالمسلمين هل يعفى عنهم؟ الحديث (٣١٦٩) وفي المغازى، باب الشاة التى سمت للنبي ﷺ بخيبر، الحديث (٤٢٤٩)، وفى الطب، باب ما يذكر فى سم النبى ﷺ، الحديث (٥٧٧٧)، وأحمد (٢/ ٤٥١)، والدارمى (٧٠) من طرق عن الليث بن سعد حدثنى سعيد بن أبي سعيد المقبرى، وليس فيه أنه قتلها ببشرٍ، بل قد روى أبو داود فى الديات، باب: فيمن سقى رجلًا سمًّا أو أطعمه فمات أيقاد منه =","vol":"5","page":77},{"text":"مصلية، وقد سموا ذراعها، وكان يعجبه الذراع، فتناوله، فنهش منه نهشة، فأخبره الذراع أنه مسموم، فلفظه، وأثر ذلك السم في ثنايا رسول الله ﵌، وفي أبهره، وأكل معه منها بشر بن البراء بن معرور، فمات، فقتل اليهودية التي سمتها، وكان اسمها زينب، فقتلت ببشر بن البراء.\nووجه الدلالة منه أنه عزم على أكلها ومن معه، ولم يسألهم، هل نزعوا منها ما يعتقدون تحريمه من شحمها أم لا؛\nوفي الحديث الآخر أنّ رسول الله ﷺ أضافه يهودي على [¬١] خبز شعير، وإهالة سنخة (^١٥٥). يعني: ودكًا زنخًا.\n_________\n= الحديث (٤٥٠٩) ومن طريقه البيهقى فى سننه (٨/ ٤٦) من طريق عباد بن العوام عن سفيان بن حسين عن الزهرى عن سعيد وأبي سلمة، عن أبى هريرة أن امرأة من اليهود أهدت إلى النبى ﷺ شاة مسمومة، قال: فما عرض لها النبى ﷺ. وفى حديث جابر عند أبى داود (٤٥١٠) وعنه البيهقى (٨/ ٤٦) ورواه الدارمى (٦٩) عن الزهرى عن جابر، وفيه \"فعفا عنها رسول الله ﷺ ولم يعاقبها\" قال الحافظ فى الفتح (٧/ ٤٩٧): وهذا منقطع لأن الزهرى لم يسمع من جابر.\nورواه أبو داود (٤٥١١) ومن طريقه البيهقى (٨/ ٤٦) عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة نحو حديث جابر، وفيه: \"فأمر بها رسول الله ﷺ فقتلت\". وقد وصله البيهقى (٨/ ٤٦) عن أبى هريرة. وروى عبد الرزاق فى \"مصنفه\" كما فى فتح البارى (٧/ ٤٩٧) عن معمر عن الزهرى عن أبى ابن كعب مثل حديث أبى سلمة وسعيد عن أبى هريرة، وقال: قال الزهرى: \"فأسلمت فتركها\"، قال معمر: والناس يقولون: قتلها. وروى البخارى فى كتاب الهبة وفضلها، باب: قبول الهدية من المشركين، الحديث (٢٦١٧)، ومسلم فى كتاب السلام، باب: السم، الحديث (٢١٩٠) من حديث هشام بن زيد عن أنس أن امرأة يهودية أتت رسول الله ﷺ بشاة مسمومة فأكل منها … الحديث، وفيه: \"قالوا: ألا تقتلها؟ قال: \"لا\".\nقال البيهقى ﵀: اختلفت الروايات فى قتلها ورواية أنس بن مالك أصحها ويحتمل أنه ﷺ فى الابتداء لم يعاقبها حين لم يمت أحد من أصحابه مما أكل فلما مات بشر بن البراء أمر بقتلها، فأدى كل واحد من الرواة ما شاهد، والله أعلم.\nوقال الإمام ابن القيم ﵀ فى \"زاد المعاد\" (٣/ ٣٣٦): وقد وفق بين الروايتين بأنه لم يقتلها أولًا، فلما مات بشر قتلها. اهـ.\n(^١٥٥) - أخرجه أحمد فى مسنده (٣/ ٢١٠ - ٢١١) ثنا عبد الصمد ثنا أبان ثنا قتادة عن أنس أن يهوديًّا دعا النبى صلى الذ عليه وسلم إلى خبز شعير وإهالة سنخة، فأجابه، وأصل الحديث رواه البخارى فى صحيحه فى البيوع، باب شراء النبى ﷺ بالنسيئة، الحديث (٢٠٦٩)، وفى=\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.","vol":"5","page":78},{"text":"وقال ابن أبي حاتم (^١٥٦): قرئ على العباس بن الوليد بن مزيد، أخبرنا محمد بن شعيب، أخبرني النعمان بن المنذر، عن مكحول قال: أنزل اللَّه: ﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم اللَّه عليه﴾ ثم نسخه الرب ﷿، ورحم المسلمين فقال: ﴿اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم﴾ فنسخها بذلك، وأحل طعام أهل الكتاب.\nوفي هذا الذي قاله مكحول ﵀ نظر؛ فإنه لا يلزم من إباحته طعام أهل الكتاب إِباحة أكل ما لم يذكر اسم عليه؛ لأنهم يذكرون اسم اللَّه على ذبائحهم [وقرابينهم، هم متعبدون بذلك، ولهذا لم ليح ذبائح من عداهم من أهل الشرك، ومن شابههم لأنهم لا يذكرون اسم اللَّه على ذبائحهم] [¬١] بل ولا يتوقفون فيما يأكلونه من اللحم على ذكاة، بل يأكلون الميتة بخلاف أهل الكتابين، ومن شاكلهم من السامرة والصابئة، ومن تمسك [¬٢] بدين إِبراهيم وشيث وغيرهما من الأنبياء على أحد قولى العلماء، ونصارى العرب، كبني تغلب وتنوخ وبهراء وجذام ولخم وعاملة، ومن أشبههم، لا تؤكل ذبائحهم عند الجمهور.\nو[¬٣] قال أبو جعفر بن جرير (^١٥٧): حدّثنا يعقوب بن إِبراهيم، حدثنا ابن علية، عن أيوب، عن محمد بن عبيدة قال: قال على: لا تأكلوا ذبائح بني تغلب؛ لأنهم إِنما يتمسكون من النصرانية بشرب الخمر.\nوكذا قال غير واحد من الخلف والسلف.\nوقال سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب والحسن: أنهما كانا لا يريان\n_________\n= الرهن، باب: فى الرهن فى الحضر، الحديث (٢٥٠٨) من طريق هشام الدستوائى عن أنس ﵁ أنه مشى إلى النبى ﷺ بخبز شعير وإهالة سنخة.\n(^١٥٦) - انظر سورة الأنعام الآية (١٢١).\n(^١٥٧) - أخرجه فى تفسيره (٩/ ٥٧٥) (١١٢٣٠) وإسناده من أصح الأسانيد عن علي ﵁ ورواه الشافعى فى الأم (٢/ ١٩٦) ومن طريقه البيهقى في السنن (٩/ ٢٨٤)، ورواه عبد الرزاق فى المصنف (٤/ ٤٨٥) (٨٥٧٠) من طريق أيوب عن ابن سيرين به، قال الحافظ ابن حجر فى \"فتح البارى\" (٩/ ٦٣٧): أخرجه الشافعى وعبد الرزاق بأسانيد صحيحة. ا هـ، ورواه جرير (١١٢٣١ - ١١٢٣٤) من طرق عن علي ﵁ وروى النحاس فى ناسخه (ص ٣٦٥) عن الحسن قال: ما علمت أحدًا من أصحاب محمد ﷺ حرم ذبائح بنى تغلب إلا على بن أبى طالب، ﵁.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في خ: \"يتمسك\".\n[¬٣]- سقط من: ز.","vol":"5","page":79},{"text":"بأسًا بذبيحة نصارى بني تغلب (^١٥٨).\nوأما المجوس؛ فإنهم؛ واِن أخذت منهم الجزية تبعًا وإِلحاقًا لأهل الكتاب؛ فإِنهم لا تؤكل ذبائحهم، ولا تنكَح نساؤهم، خلافًا لأبي ثور إِبراهيم بن خالد الكلبي، أحد الفقهاء، من أصحاب الشافعي وأحمد بن حنبل. ولما قال ذلك واشتهر عنه، أنكر عليه الفقهاء ذلك، حتى قال عنه الإِمام أحمد: أبو ثور كاسمه، يعني في هذه المسألة، وكأنه تمسك بعموم حديث روي مرسلًا عن النبي ﷺ أنه قال: \"سنوا بهم سنة أهل الكتاب\" (^١٥٩).\nولكن لم يثبت بهذا اللفظ، وإِنما الذي [¬١] في صحيح البخاري، عن عبد الرحمن بن عوف أن\n_________\n(^١٥٨) - أخرجه ابن جرير الطبرى فى تفسيره (٩/ ٥٧٤) (١١٢٢٣).\n(^١٥٩) - أخرجه مالك فى الموطأ (ص ٢٣٣) فى الزكاة، باب: جزية أهل الكتاب والمجوس، الحديث (٤٢) ومن طريقه الشافعى فى مسنده (٢/ رقم ٤٣١ - ترتيب)، والبيهقى (٩/ ١٨٩) عن جعفر بن محمد بن علي عن أبيه أن عمر بن الخطاب ذكر المجوس، فقال: ما أدرى كيف أصنع فى أمرهم؟ فقال عبد الرحمن بن عوف: أشهد لسمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: \"سنوا بهم سنة أهل الكتاب\" ورواه عبد الرزاق فى مصنفه (٦/ ٦٨) (١٠٠٢٥) أخبرنا ابن جريج قال: حدثنا جعفر بن محمد عن أبيه أن عمر بن الخطاب خرج فمر على ناس من أصحاب النبى ﷺ فيهم عبد الرحمن بن عوف فقال: ما أدرى ما أصنع فى هؤلاء القوم الذين ليسوا من العرب، ولا من أهل الكتاب؟ يعنى المجوس، فقال عبد الرحمن بن عوف: أشهد لسمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: \"سنوا بهم سنة أهل الكتاب\" اهـ. وعزاه الألبانى فى الإرواء (٥/ ٨٨) إلى ابن أبى شيبة فى \"المصنف\" عن حاتم بن إسماعيل عن جعفر بين محمد عن أبيه قال: قال عمر، وهو فى مجلس بين القبر والمنبر: ما أدرى كيف أصنع بالمجوس، وليسوا بأهل كتاب؟ فقال عبد الرحمن … قال الحافظ فى \"فتح البارى\" (٦/ ٢٦١): هذا منقطع مع ثقات رجاله. ورواه ابن المنذر والدارقطنى فى \"الغرائب\" من طريق أبى على الحنفى عن مالك، فزاد فيه \"عن جده\" وهو منقطع أيضًا؛ لأن جده على بن الحسين لم يلحق عبد الرحمن بن عوف ولا عمر، فإن كان الضمير فى قوله: \"عن جده\" يعود على محمد بن علي فيكون متصلًا؛ لأن جده الحسين بن علي سمع من عمر بن الخطاب ومن عبد الرحمن بن عوف، وله شاهد من حديث مسلم ابن العلاء بن الحضرمى أخرجه الطبرانى فى آخر حديث بلفظ: \"سنوا بالمجوس سنة أهل الكتاب\". قلت: وطريق أبى على الحنفى عن مالك رواه أيضًا البزار فى \"مسنده\" (٣/ ٢٦٤) (١٠٥٦) وقال: وهذا الحديث قد رواه جماعة عن جعفر بن محمد عن أبيه ولم يقولوا: \"عن جده\" وجده على بن الحسين، والحديث مرسل ولا نعلم أحدًا قال: \"عن جعفر عن أبيه عن جده\" إلا أبو على الحنفى عن مالك\" اهـ. وحديث مسلم بن العلاء بن الحضرمى عند الطبرانى فى الكبير (١٩/ ٤٣٧) رقم (١٠٥٩) وهو شديد الضعف؛ قال الحافظ نفسه فى الإصابة (٩/ ١٩٨) بعد ذكر حديث الطبرانى هذا: وأخرجه أبو سليمان بن زَبْر من هذا الوجه لكن قال: \"عن جده العلاء\" وأخرجه ابن منده=\n_________\n[¬١]- في ز: \"النهي\".","vol":"5","page":80},{"text":"رسول اللَّه ﷺ أخذ الجزية من مجوس هجر (^١٦٠).\nولو سلم صحة هذا الحديث، فعمومه مخصوص بمفهوم هذه الآية: ﴿وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم﴾. فدل بمفهومه - مفهوم المخالفة - على [¬١] أن طعام من عداهم من أهل الأديان لا يحل.\nوقوله تعالى: ﴿وطعامكم حل لهم﴾ أي [¬٢]: ويحل لكم أن تطعموهم من ذبائحكم، وليس هذا إِخبارًا عن الحكم عندهم، اللهم إِلا أن يكون خبرًا عما أمروا به من الأكل من كل طعام ذكر اسم اللَّه عليه، سواء كان من أهل ملتهم، أو غيرها. والأول أظهر في المعنى، أي: ولكم أن تطعموهم من ذبائحكم، كما أكلتم من ذبائحهم، وهذا من باب المكافأة والمقابلة والمجازاة، كما ألبس النبى ﷺ ثوبه لعبد اللَّه بن أبي ابن سلول حين مات، ودفنه فيه. قالوا؛ لأنه كان قد كسا العباس حين قدم المدينة ثوبه، فجازاه [¬٣] النبي ﷺ ذلك بذلك (^١٦١)، فأما الحديث الذي فيه: \"لا تصحب إِلا مؤمنًا، ولا يأكل طعامك إِلا تقي\" (^١٦٢) فمحمول على الندب والاستحباب، واللَّه أعلم.\n_________\n= كالطبرانى وزاد: وكان اسم مسلم العاص، فسماه النبى ﷺ مسلما، وهذا يضعف رواية أبى سليمان، ومدار هذا الحديث على عمر بن إبراهيم، وهو ساقط. وانظر الكلام على الحديث فى نصب الراية (٣/ ٤٤٨ - ٤٤٩) والإرواء (١٢٤٨).\n(^١٦٠) - أخرجه البخارى فى صحيحه فى الجزية والموادعة، باب: الجزية والموادعة مع أهل الذمة والحرب، الحديث (٣١٥٧).\n(^١٦١) - أما قصة إعطاء النبى ﷺ قميصه لعبد اللَّه بن أبى فثابتة فى الصحيحين من حديث ابن عمر؛ أخرجه البخاري فى صحيحه فى الجنائز، باب: الكفن فى القميص الذى يكف أو لا يكف، الحديث (١٢٦٩) وأطرافه فى (٤٦٧٠، ٤٦٧٢، ٥٧٩٦)، ومسلم فى صفات المنافقين وأحكامهم، الحديث (٢٧٧٤) لكن ذكر السبب فى ذلك ورد من حديث جابر أخرجه البخارى فى صحيحه فى الجهاد والسير، باب: الكسوة للأسارى، الحديث (٣٠٠٨) عن عمرو بن دينار سمع جابر ابن عبد اللَّه ﵄ قال: لما كان يوم بدر أتى بأسارى وأتى بالعباس ولم يكن عليه ثوب، فنظر النبي ﷺ له قميصًا فوجدوا قميص عبد اللَّه بن أبى يقدر عليه فكساه النبى ﷺ فلذلك نزع النبى ﷺ قميصه الذى ألبسه، قال ابن عيينة: كانت له عند النبى ﷺ يد فأحب أن يكافئه. والحديث عند البخارى (١٢٧٠)، (١٣٥٠)، (٥٧٩٥)، ومسلم (٢٧٧٣).\n(^١٦٢) - أخرجه أبو داود فى الأدب، باب: من يؤمر أن يجالس، الحديث (٤٨٣٢)، والترمذى=\n_________\n[¬١]- في ز: \"إلى\"\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في ز: \"فجزاه\".","vol":"5","page":81},{"text":"وقوله: ﴿والمحصنات من المؤمنات﴾ أي: وأحل لكم نكاح الحرائر العفائف من النساء المؤمنات، وذكر هذا توطئة لما بعده، وهو قوله تعالى: ﴿والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم﴾ فقيل: أراد بالمحصنات: الحرائر دون الإِماء. حكاه ابن جرير عن مجاهد (^١٦٣)، وإِنما قال مجاهد: المحصنات: الحرائر، فيحتمل [¬١] أن يكون أراد ما حكاه عنه [¬٢]، ويحتمل أن يكون أراد بالحرة: العفيفة، كما قاله مجاهد في الرواية الأخرى عنه (^١٦٤)، وهو قول الجمهور هاهنا وهو الأشبه، لئلا يجتمع فيها أن تكون ذمية، وهي مع ذلك غير عفيفة، فيفسد حالها بالكلية، ويتحصل زوجها على ما قيل في المثل: \"حشفًا وسوء كيلة\". والظاهر من الآية؛ أن المراد بالمحصنات: العفيفات عن الزنا، كما قال تعالى في الآية الأخرى: ﴿محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان﴾.\nثم اختلف المفسرون والعلماء في قوله تعالى: ﴿والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم﴾ هل يعم كل [¬٣] كتابية عفيفة، سواء كانت حرة أو أمة؟ حكاه ابن جرير عن طائفة من السلف ممن فسر المحصنة بالعفيفة، وقيل: المراد بأهل الكتاب هاهنا: الإِسرائيليات، وهو مذهب الشافعي، وقيل: المراد بذلك: الذميات دون الحربيات، لقوله: ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون باللَّه ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم اللَّه ورسوله ولا\n_________\n= فى الزهد، باب: ما جاء فى صحبة المؤمن، الحديث (٢٣٩٥)، والدارمي (٢٠٦٣)، وأحمد (٣/ ٣٨)، وأبو يعلى (١٣١٥) من طريق حيوة بن شريح أخبرنا سالم بن غيلان أن الوليد بن قيس التجيبى أخبره، أنه سمع أبا سعيد الخدرى أو عن أبى الهيثم، عن أبى سعيد الخدرى، أنه سمع رسول اللَّه ﷺ يقول: \"لا تصاحب إلَّا مؤمنًا ولا يأكل طعامك إلَّا تقى\"، وفى بعض الروايات: \"لا تصحب\". ورواه ابن حبان (٤/ ٣١٢) (٥٥٤)، (٢/ ٣٢٠) (٥٦٠)، والحاكم (٤/ ١٢٨)، والبغوى فى شرح السنة (٣٤٨٤) من طرق عن حيوة بن شريح عن سالم بن غيلان أن الوليد بن قيس حدثه عن أبى سعيد عن النبى ﷺ … فذكره، ولم يذكر الشك فى إسناده، قال الترمذى: هذا حديث حسن إنما نعرفه من هذا الرجه. وصحح إسناده الحاكم، ووافقه الذهبى. وحسن إسناده العلامة الشيخ ناصر الدين الألبانى فى \"المشكاة\" (٣/ ١٣٩٧).\n(^١٦٣) - تفسير ابن جرير الطبرى (٩/ ٥٨١ - ٥٨٢)، والرواية عن مجاهد عنده رقم (١١٢٥٦، ١١٢٥٧). وهذه الرواية عن مجاهد ذكرها السيوطى فى \"الدر المنثور\" (٢/ ٤٦٢) وزاد نسبتها إلى عبد ابن حميد.\n(^١٦٤) - أخرج ذلك عنه ابن جرير الطبرى فى تفسيره (٩/ ٥٨٥) (١١٢٦٨، ١١٢٦٩).\n_________\n[¬١]- في ز: \"ويحتمل\".\n[¬٢]- في ز: \"منه\".\n[¬٣]- سقط من: ز.","vol":"5","page":82},{"text":"يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون﴾.\nوقد كان عبد اللَّه بن عمر لا يرى التزويج بالنصرانية، ويقول: لا أعلم شركًا أعظم من أن تقول: إن ربها عيسى، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن﴾ الآية (^١٦٥).\nوقال ابن أبى حاتم (^١٦٦): حدثنا أبى، حدثنا محمد بن حاتم بن سليمان المؤدب، حدثنا القاسم بن مالك - يعني المزني - حدثنا إسماعيل بن سميع، عن أبى مالك الغفاري، عن ابن عباس قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن﴾ قال: فحجز الناس عنهن حتى نزلت الآية التي بعدها: ﴿والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم﴾، فنكح الناس نساء أهل الكتاب.\nوقد تزوج جماعة من الصحابة من نساء النصارى، ولم يروا بذلك بأسًا، أخذًا بهذه الآية الكريمة: ﴿والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم﴾ فجعلوا هذه مخصصة [¬١] للآية للتي في سورة [¬٢] البقرة: ﴿ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن﴾ إن قيل بدخول الكتابيات في عمومها، وإِلا فلا معارضة بينها وبينها [¬٣]؛ لأن أهل الكتاب قد انفصلوا [¬٤] في ذكرهم عن المشركين في غير موضع، كقوله تعالى: ﴿لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة﴾، وكقوله [¬٥]: ﴿وقل للذين أوتوا الكتاب\n_________\n(^١٦٥) - أخرج ذلك عنه البخارى فى صحيحه فى الطلاق، باب قول اللَّه تعالى: ﴿ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم﴾ الحديث (٥٢٨٥) عن نافع أن ابن عمر كان إذا سئل عن نكاح النصرانية واليهودية؟ قال: \"إن اللَّه حرم المشركات على المؤمنين، ولا أعلم من الإشراك شيئًا أكبر من أن تقول: المرأة ربها عيسى، وهو عبد من عباد اللَّه\". ورواه نحوه النحاس فى ناسخه (ص ١٩٥ - ١٩٦) ورواه ابن أبى شيية فى مصنفه (٣/ ٢٩٧) عن ميمون بن مهران عن ابن عمر أنه كره نكاح نساء أهل الكتاب وقرأ: ﴿ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن﴾ ومن هدا الطريق رواه ابن أبي حاتم بهذا اللفظ كما نقله عنه المصنف ﵀ فى تفسير سورة البقرة الآية (٢٢١).\n(^١٦٦) - أخرجه أيضًا الطبرانى فى \"الكبير\" (١٢/ ١٠٥) (١٢٦٠٧) حدثنا عبيد العجلى ثنا محمد بن حاتم … فذكره، وقال الهيثمى فى \"مجمع الزوائد\" (٤/ ٢٧٧): رواه الطبرانى ورجاله ثقات. وذكره السيوطى في \"الدر المنثور\" (١/ ٤٥٨) وعزاه للطبرانى وابن أبى حاتم.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"مخصوصة\".\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- في ز: \"بينه\".\n[¬٤]- في ز: \"تفصل\".\n[¬٥]- في ز: \"لقوله\".","vol":"5","page":83},{"text":"والأميين أأسلمتم فإِن أسلموا فقد اهتدوا﴾ الآية.\nوقوله: ﴿إذا آتيموهن أجورهن﴾ يعني [¬١]: مهورهنّ، أي: كما هنَّ محصنات عفائف، فابذلوا لهنَّ المهور عن طيب نفس، وقد أفتى جابر بن عبد اللَّه [] [¬٢] وعامر الشعبي [وإِبراهيم النخعي] [¬٣] والحسن البصري - بأن الرجل إِذا نكح امرأة، فزنت [¬٤] قبل دخوله بها أَنه يفرق [بينه وبينها] [¬٥]، وترد عليه ما بذل لها من المهر، رواه ابن جرير عنهم (^١٦٧).\nوقوله: ﴿محصنين غير مسافحين ولا متخذي أخدان﴾ فكما شرط الإِحصان في النساء - وهي العفة عن الزنا - كذلك شرطها فى الرجال، وهو أبي يكون الرجل [] [¬٦] محصنًا عفيفًا، ولهذا قال: ﴿غير مسافحين﴾ وهم: الزناة الذين لا يرتدعون عن معصية، ولا يردون أنفسهم عمن جاءهم، ﴿ولا متخذي أخدان﴾ أي: ذوي [¬٧] العشيقات، اللاتي [¬٨] لا يفعلون إِلا معهن، كما تقدم في سورة النساء سواء، ولهذا ذهب الإمام أحمد بن حنبل ﵀ إِلى أنه لا يصح نكاح المرأة البغي حتى تتوب، وما دامت كذلك لا يصح تزويجها من رجل عفيف، وكذلك لا يصح عنده عقد الرجل الفاجر على عفيفة حتى يتوب، ويقلع عما هو فيه من الزنا، لهذه الآية، وللحديث الآخر [¬٩]: \"لا ينكح الزاني المجلودُ إِلا مثله\" (^١٦٨).\nوقال ابن جرير (^١٦٩): حدثنا محمد بن بشار، حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا أبو هلال، عن قتادة، عن الحسن قال: قال عمر بن الخطاب: لقد هممت أن لا أدع أحدًا أصاب فاحشة في الإِسلام أن يتزوج محصنة. فقال له أبي بن كعب: يا أمير المؤمنين، الشرك أعظم من ذلك،\n_________\n(^١٦٧) - تفسير الطبرى (٩/ ٥٨٦ - ٥٨٧).\n(^١٦٨) - أخرجه أبو داود فى النكاح، باب: فى قوله تعالى: ﴿الزانى لا ينكح إلَّا زانية﴾ الحديث (٢٠٥٢)، أحمد (٢/ ٣٢٤)، والحاكم (٢/ ١٦٦) من طريق حبيب المعلم عن عمرو بن شعيب عن سعيد المقبرى، عن أبى هريرة به، وقال الحاكم: صحيح الإسناد. ووافقه الذهبى، قال الألبانى فى \"الصحيحة\" (٢٤٤٤): وهو كما قالا. وصححه أيضًا فى صحيح الجامع (٧٦٨٥) وصحيح أبى داود ١٨٠٧).\n(^١٦٩) - تفسير ابن جرير (٩/ ٥٨٤) (١١٢٦٧).\n_________\n[¬١]- في ت: \"أي\".\n[¬٢]- في ز: \"وإبراهيم النخعي\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٤]- في خ: \"فنزلت\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين في ت: \"بينهما\".\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين في ز: \"أيضًا\".\n[¬٧]- في ز: \"دون\".\n[¬٨]- في ت: \"الذين\".\n[¬٩]- سقط من: ت.","vol":"5","page":84},{"text":"وقد يقبل منه إِذا تاب.\nوسيأتي الكلام على هذه المسألة مستقصى عند قوله: ﴿الزاني لا ينكح إِلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إِلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمين﴾. ولهذا قال تعالى هاهنا: ﴿ومن يكفر بالإِيمان فقد حبط عمله وهو في الآخرة من الخاسرين﴾.\n﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّةَرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَةِرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٦)﴾\nقال كثيرون من السلف في قوله: ﴿إِذا قمتم إِلى الصلاة﴾ معناه: وأنتم محدثون.\nوقال آخرون: إِذا قمتم من النوم إِلى الصلاة، وكلاهما قريب.\nوقال آخرون: بل المعنى أعم من ذلك، فالآية آمرة بالوضوء عند القيام إِلى الصلاة، [ولكن حق المحدث على سبيل الإيجاب، وفي حق المتطهر على سبيل الندب والاستحباب] [١]، وقد قيل: إِن الأمر بالوضوء لكل صلاة كان واجبًا في ابتداء الإِسلام ثم نسخ.\nوقال الإِمام أحمد بن حنبل (^١٧٠): حدثنا عبد الرحمن، حدثنا سفيان، عن علقمة بن\n_________\n(^١٧٠) - المسند (٥/ ٣٥٨)، ورواه مسلم فى الطهارة، باب: جواز الصلوات كلها بوضوء واحد، الحديث (٢٧٧)، وأبو داود فى الطهارة، باب: الرجل يصلى الصلوات بوضوء واحد، الحديث (١٧٢)، والترمذى فى أبواب الطهارة، باب: ما جاء أنه يصلى الصلوات بوضوء واحد، الحديث (٦١)، والنسائى فى الطهارة، باب: الوضوء لكل صلاة (١/ ٨٦) وأحمد فى المسند (٥/ ٣٥٠، ٣٥١)، والدارمى (٦٦٥)، وابن خزيمة (١٢) من طريق سفيان عن علقمة بن مرثد به. ورواه ابن ماجه فى الطهارة وسننها، باب الوضوء لكل صلاة والصلوات كلها بوضوء واحد، الحديث (٥١٠)، وابن خزيمة (١٣، ١٤) عن محارب بن دثار عن سليمان بين بريدة به.\n_________\n= ما بين المعكوفتين فى ت: \"ولكن هو فى حق المحدث واجب، وفى حق المتطهر ندب\".","vol":"5","page":85},{"text":"مرثد، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه قال: كان النبي ﷺ يتوضأ عند كل صلاة، فلما كان يوم الفتح توضأ ومسح على خفيه، وصلى الصلوات بوضوء واحد، فقال له عمر: يا رسول اللَّه، إِنك فعلت شيئًا لم تكن تفعله! قال: \"إِني عمدًا فعلته يا عمر\".\nوهكذا رواه مسلم وأهل السنن من حديث سفيان الثوري، عن علقمة بن مرثد، ووقع في سنن ابن ماجة، عن سفيان، عن محارب بن دثار - بدل علقمة بن مرثد - كلاهما عن سليمان ابن بريدة به. وقال الترمذي: حسن صحيح.\nوقال ابن جرير (^١٧١): حدثنا محمد بن عباد بن موسى، أخبرنا زياد بن عبد اللَّه بن الطفيل البكائي، حدثنا الفضل بن المبشر، قال: رأيت جابر بن عبد اللَّه يصلي الصلوات بوضوء واحد، فإِذا بال أو أحدث توضأ، ومسح بفضل طهوره الخفين، فقلت: أبا عبد اللَّه، شيء [¬١] تصنعه برأيك؟ قال: بل رأيت النبي ﷺ يصنعه، [فأنا أصنعه؛ كما رأيت رسول اللَّه يصنعه] [¬٢].\nوكذا رواه ابن ماجة عن إسمامحيل بن توبة، عن زياد البكائي به.\nوقال أحمد (^١٧٢): حدثنا يعقوب، حدثنا أبي، عن ابن [¬٣] إِسحاق، حدثني محمد بن\n_________\n(^١٧١) - رواه ابن جرير فى تفسيره (٩/ ١١) (١١٣١٨) ورواه ابن ماجه فى الطهارة، باب: الوضوء لكل صلاة، والصلوات كلها بوضوء واحد، الحديث (٥١١) حدثنا إسماعيل بن توبة ثنا زياد بن عبد اللَّه … فذكره، وفى إسناده الفضل بن مبشر، ضعفه ابن معين وأبو داود وغير واحد، وقال البزار: صالح الحديث. وقال العجلى: لا بأس به. وذكره ابن حبان فى \"الثقات\" لكن قال الحافظ فى \"التقريب\": فيه بين. لكن يشهد له حديث بريدة المتقدم. والحديث صححه الألبانى فى صحيح ابن ماجه (٤١٣) بحديث بريدة التقدم قبل هذا، وانظر مصباح الزجاجة (٢/ ٢٠٢).\n(^١٧٢) - رواه فى المسند (٥/ ٢٢٥)، ورواه الحاكم (١/ ١٥٥ - ١٥٦) من هذه الطريق لكن فى المطبوع من المستدرك سَقْطَ، والإسنادُ يبدأ بكلمة \"أبى عن ابن إسحاق\" فلعله يكون من طريق يعقوب بن إِبراهيم قال: حدثنا أبى … بالحديث، وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم. ووافقه الذهبى، وهو وهم منهما - رحمهما اللَّه - فإن مسلمًا لم يحتج بابن إسحاق وإنما أخرج له متابعة. والحديث رواه ابن خزيمة (١٥) من طريق يعقوب بن إبراهيم عن أبيه عن ابن إسحاق به. ورواه أبو داود فى الطهارة باب: السواك، الحديث (٤٨)، والدارمي (٦٦٤)، وابن خزيمة (١٥)، (١٣٨)، والطحاوى فى شرح المعانى (١/ ٤٢)، والبيهقى (١/ ٣٧) من طريق أحمد بن خالد ثنا محمد بن إسحاق عن محمد بن يحيى ابن حبان عن عبد اللَّه بن عمر … فذكره، قال أبو داود: إبراهيم بن سعد رواه عن محمد بن إسحاق قال: \"عبيد اللَّه بن عبد اللَّه\" اهـ. ووقع عند الدارمي من طريق \"أحمد بن خالد\" فقال فيه:=\n_________\n[¬١]- في ت: \"أشيء\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في خ: \"أبي\".","vol":"5","page":86},{"text":"يحيى بن حبان الأنصاري، عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عمر، قال: [قلت له] [¬١]: أرأيت وضوء عبد اللَّه بن عمر لكل صلاة، طاهرًا كان [¬٢] أو غير طاهر؛ عمّن هو؟ قال: حدثنه أسماء بنت زيد بن الخطاب، أن عبد اللَّه بن حنظلة [بن أبي عامر] [¬٣] بن الغسيل، حدثها أن رسول اللَّه ﷺ كان أمر بالوضوء لكل صلاة، طاهرًا كان أو غير طاهر، فلما شق ذلك على رسول اللَّه ﷺ أمر بالسواك عند كل صلاة، ووضع عنه الوضوء إِلا من حديث، فكان عبد اللَّه يرى أن به قوّة على ذلك، كان يفعله حتى مات.\nوهكذا [¬٤] رواه أبو داود عن محمد بن عوف [¬٥] الحمصي، عن أحمد بن خالد الذهبي، عن محمد بن إِسحاق، عن محمد بن يحيى بن [¬٦] حبان، عن عبد [¬٧] اللَّه بن عبد اللَّه بن عمر، ثم قال أبو داود: ورواه إِبراهيم [¬٨] بن سعد، عن محمد بن إسحاق، فقال: عبيد اللَّه بن عمر. يعني: كما تقدم في رواية الإِمام أحمد.\nوأيًّا ما كان فهو إِسناد صحيح، وقد صرح ابن إِسحاق فيه بالتحديث والسماع من محمد بن يحيى بن حبان، فزال محذور التدليس، لكن قال الحافظ ابن عساكر: رواه سلمة بن الفضل، وعلى بن مجاهد، عن ابن إسحاق، عن محمد بن طلحة بن يزيد بن ركانة، عن محمد بن يحيى بن حبان به، واللَّه [¬٩] أعلم.\nوفي فعل ابن عمر هذا، ومداومته على إِسباغ الوضوء لكل صلاة، دلالة على استحباب ذلك، كما هو مذهب الجمهور.\n_________\n= \"عبيد اللَّه بن عمر\" كذا فى المطرع ولعله وهم من الناسخ ولم أجد من نبه عليه فإن رواية أحمد بن خالد عند أبي داود وغيره عن \"عبد اللَّه\" المكبر وليس المصغر. والحديث عزاه ابن حجر ﵀ فى \"التلخيص\" (١/ ٧٨) إلى ابن حبان ولم أجده فى \"الإحسان\" المطوع وعزاه له أيضًا ابن اللقن فى \"البدر المنير\" (٣/ ١٧٠ - ١٧١) فلعله وهم منه ﵀ تبعه عليه الحافظ فى \"التلخيص\" فإنه - يرحمه اللَّه - ذكر الحديث فى \"الفتح\" (١/ ٣١٦) وقال: \"أخرجه أبو داود وصححه ابن خزيمة\" ولم يعزه لابن حبان فالله أعلم. والحديث حسنه الشيخ الألبانى فى صحيح أبى داود (٣٨) وفى تعليقه على صحيح ابن خزيمة.\n_________\n[¬١]- ما بين العكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٤]- في ز: \"كذا\".\n[¬٥]- في ز، خ: \"عون\".\n[¬٦]- في ر: \"عن\".\n[¬٧]- في ز، خ: \"عبيد\".\n[¬٨]- في خ: \"أبو داود\".\n[¬٩]- في ز: \"فالله\".","vol":"5","page":87},{"text":"وقال ابن جرير (^١٧٣): حدثنا زكريا بن يحيى بن أبي زائدة، حدثنا أزهر، عن ابن عون، عن ابن سيرين، أن الخلفاء كانوا يتوضئون لكل صلاة.\nوقال ابن جرير (^١٧٤): حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، سمعت مسعود بن علي الشيبانى، سمعت عكرمة يقول: كان على ﵁ يتوضأ عند كل صلاة، ويقرأ هذه الآية: ﴿يا أيها الذين آمنوا إِذا قمتم إِذا الصلاة﴾ الآية.\nوحدثنا ابن المثنى، حدثنى وهب بن جرير، أخبرنا شعبة، عن عبد الملك بن ميسرة، عن [¬١] النزال بن سبرة قال: رأيت علما صلى الظهر، ثم قعد للناس في الرحبة، ثم أتي بماء فغسل وجهه ويديه، ثم مسح برأسه ورجليه، وقال: هذا وضوء من لم يحدث (^١٧٥).\nوحدثنى يعقوب بن إِبراهيم (^١٧٦)، حدثنا هشيم، عن مغيرة، عن إِبراهيم؛ أن عليًّا اكتال [¬٢]\n_________\n(^١٧٣) - رواه فى تفسيره (١٠/ ١٣) (١١٣٢٤)، ورواه ابن أبى شيبة فى \"مصنفه\" (١/ ٤٣) قال: حدثنا وكيع عن ابن عون عن ابن سيرين … فذكره، وابن عون هو عبد اللَّه بن عون بن أرطبان المزنى، وهو ثقة من أقران أيوب فى العلم والعمل والسنن، كما فى \"التقريب\".\n(^١٧٤) - رواه فى تفسيره (١٠/ ١٢) (١١٣٢٣)، ومسعود بن علي هذا ترجم له البخارى فى التاريخ (٧/ ٤٢٣) وقال: سمع عكرمة، مرسل، روى عنه يحيى القطان، وقال: لم يكن به باس. وذكره ابن حبان فى \"الثقات\" (٧/ ٥٠١) ونقل العلائى فى \"جامع التحصيل\" (ص ٢٣٩) أيضًا أن روايته عن أبى بكر الصديق، وعلي ﵄ مرسلة، ذكر ذلك عن أبى زرعة. والأثر رواه الطحاوى فى شرح المعانى (١/ ٤٥) عن عبد الصمد عن شعبة به، ورواه النحاس فى ناسخه (ص ٣٦٩ - ٣٧٠) عن بشر بن عمر وعبد الصمد بن عبد الوارث قالا: حدثنا شعبة … فذكره، وانظر \"الدر المنثور\" (٢/ ٤٦٣).\n(^١٧٥) - رواه ابن جرير فى تفسيره (١٠/ ١٣) (١١٣٢٦) وعبد الملك بن ميسرة هو الهلالى ثقة روى له الجماعة. والنزال بن سبرة ثقة قيل: إن له صحبة، روى له الجماعة. والحديث رواه البخارى فى الأشربة، باب الشرب قائمًا، الحديث (٥٦١٦) قال: حدثنا آدم حدثنا شعبة حدثنا عبد الملك بن ميسرة، سمعت النزال بن سبرة يحدث عن علي ﵁ أنه صلى الظهر ثم قعد فى حوائج الناس فى رحبة الكوفة، حنى حضرت صلاة العصر، ثم أتى بماء فشوب وغسل وجهه ويديه - وذكر رأسه ورجليه - ثم قام فشرب فضله وهو قائم ثم قال: \"إن ناسًا يكرهون الشرب قائمًا، وإن النبى ﷺ صنع مثل ما صنعت\" ا هـ، وانظر مسند أحمد (١/ ١٣٩) (١١٧٣، ١١٧٤) (١/ ١٥٣) (١٣١٥).\n(^١٧٦) - رواه ابن جرير فى تفسيره (١/ ١٣ - ١٤) (١١٣٢٧) وإبراهيم هو ابن يزيد النخعى ثقة إلَّا أنه يرسل، وروايته عن علي مرسلة.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في ز، خ: \"أدار\".","vol":"5","page":88},{"text":"من حُبٍّ (*)، فتوضأ وضوءًا فيه تجوز [¬١]، فقال: هذا وضوء من لم يحدث. وهذه طرق جيدة عن علي، يقوي بعضها بعضًا.\nوقال ابن جرير أيضًا: حدثنا ابن بشار، حدثنا ابن أبي عدي، عن حميد، عن أنس قال: توضأ عزَّ بن الخطاب وضوءًا فيه تجوز خفيفًا (**)، فقال: هذا وضوء من لم يحدث، وهذا إِسناد صحيح (^١٧٧).\nوقال محمد بن سيرين: كان الخلفاء يتوضئون [¬٢] لكل صلاة (^١٧٨).\nوأما ما رواه أبو داود الطيالسي (^١٧٩)، عن أبي هلال، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، [أنه قال: الوضوء من غير حدث اعتداء، فهو غريب عن سعيد بن المسيب] [¬٣]، ثم هو محمول فى أن من اعتقد وجوبه فهو معتد، وأما مشروعيته استحبابًا، فقد دلت السنة على ذلك.\nوقال الإمام أحمد (^١٨٠): حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا سفيان، عن عمرو بن عامر الأنصاري، سمعت أنس بن مالك يقول: كان النبي ﷺ يتوضأ عند كل صلاة، قال: قلت: فأنتم كيف كنتم تصنعون؟ قال: كنا نصلي الصلوات كلها [¬٤] بوضوء واحد، ما لم نحدث.\nوقد رواه البخاري وأهل السنن من غير وجه عن عمرو [¬٥] بن عامر به.\n_________\n(*) الحبُّ: هو الجرة الضخمة أو الجابية التي يجعل فيها الماء.\n(**) صفة ر: \"وضوءًا\".\n(^١٧٧) - رواه ابن جرير فى تفسيره (١٠/ ١٣) (١١٣٢٥) وإسناده صحيح، وابن أبى عدي هو محمد بن إبراهيم ثقة روى له الجماعة.\n(^١٧٨) - تقدم برقم (١٧٣).\n(^١٧٩) - رواه ابن أبى شيبة فى مصنفه (١/ ٤٢) كتاب الطهارة، باب: من كان يصلى الصلاة بوضوء واحد، الحديث (١٢) قال: حدثنا وكيع عن أبي هلال عن قتادة به. وأبو هلال هو محمد بن سليم الراسبى، ضعفه يحيى بن سعيد، ويزيد بن ذريع والبخاري والنسائى وغيرهم، وقال ابن معين: صدوق. ووثقه أبو داود - ترجمته فى \"التهذيب\" - وقال ابن حجر فى \"التقريب\": صدوق فيه لين.\n(^١٨٠) - المسند (٣/ ١٣٢)، ورواه البخاري فى الطهارة، باب: الوضوء من غير حدث،=\n_________\n[¬١]- في ز، ح: \"تجاوز\".\n[¬٢]- في ز: \"يتوضون\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- سقط من: ز.\n[¬٥]- في ز: \"عمر\".","vol":"5","page":89},{"text":"وقال ابن جرير (^١٨١): حدثنا أبو سعيد البغدادي، حدثنا إسحاق بن منصور، عن هُرَيم، عن عبد الرحمن بن زياد، - هو الأفريقي - عن [أبي غطيف] [¬١]، عن ابن عمرَ قال: قال رسول الله ﷺ: \"من توضأ على طهر كتب له عشر حسنات\".\nورواه أيضًا من حديث عيسى بن يونس، عن [¬٢] الأفريقي، عن أبي غطيف [¬٣]، عن ابن عزَّ فذكره، وفيه قصة.\nوهكذا رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة من حديث الأفريقى به نحوه. وقال الترمذي: وهو إِسناد ضعيف.\nو[¬٤] قال ابن جرير (^١٨٢): وقد قال قوم: إِن هذه الآية نزلت إِعلامًا من الله، أن الوضوء لا\n_________\n= الحديث (٢١٤) وأبو داود فى الطهارة، باب: الرجل يصلى الصلوات بوضوء واحد، الحديث (١٧١)، والترمذى فى أبواب الطهارة، باب: ما جاء فى الوضوء لكل صلاة، الحديث (٦٠)، والنسائى في الطهارة، باب الوضوء لكل صلاة (١/ ٨٥)، وابن ماجه فى الطهارة، باب: الوضوء لكل صلاة، والصلوات كلها بوضوء واحد، الحديث (٥٠٩)، وأحمد فى المسند (٣/ ١٥٤، ١٩٤) من طرق عن عمرو بن عامر به.\n(^١٨١) - رواه فى تفسيره (١٠/ ٢٢) (١١٣٣٨)، وأبو سعيد البغدادى: قال الشيخ شاكر فى تعليقه على تفسير ابن جرير (٦٦٨٤): لم أجد له ترجمة فيما بين يدى من الكتب. وإسحاق بن منصور: هو السلولى ثقة، وشيخه هو هريم بن سفيان البجلى روى له الجماعة. والحديث أخرجه أبو داود فى الطهارة، باب: الرجل يجدد الوضوء من غير حدث، الحديث (٦٢)، والترمذى فى أبواب الطهارة، باب الوضوء لكل صلاة، الحديث (٥٩)، وابن ماجه فى الطهارة، باب الوضوء على الطهارة، الحديث (٥١٢)، وعبد بن حميد (٨٥٩) وابن جرير أيضًا (١٠/ ٢١) (١١٣٣٧)، والطحاوى في \"شرح معاني الآثار\" (١/ ٤٢)، والبيهقى فى \"السنن الكبرى\" (١/ ١٦٢)، وابن الجوزى فى \"العلل المتناهية\" (١/ ٣٥٢) من طرق عن عبد الرحمن بن زياد الإفريقى عن أبى غطيف الهذلى عن ابن عمر به، والرواية عند ابن ماجه وابن جرير والطحاوى مطولة فيها قصة، وعند أبى داود ذكر القصة لكن مختصرة. والحديث إسناده ضعيف؛ لضعف عبد الرحمن بن زبهاد وجهالة أبى غطيف هذا، قال ابن الجوزى: اسم الإفريقى عبد الرحمن بن زياد، قال أحمد: نحن لا نروى عنه شيئًا. وقال الدارقطنى: ليس بالقوى، وقال ابن حبان: يروى الموضوعات عن الثقات ويدلس. اهـ. وقد ضعفه الترمذى فى \"سننه\"، والبغوى فى \"شرح السنة\" (١/ ٤٤٩) والعلامة أحمد شاكر فى تعليقه على الترمذى، والألبانى فى \"تمام المنة\" (ص ١١٠) وضعيف أبى داود (١٢).\n(^١٨٢) - تفسير الطبرى (١٠/ ٢٢)، وقد نقل المصنف ﵀ كلامه بتصرف يسير. وحديث علقمة بن الفغواء عنده برقم (١١٣٣٩) ورواه أبن أبى عاصم فى \"الآحاد والمثانى\" (٥/ ١٦٤) =\n_________\n[¬١]- فى ز: \"عطيف\".\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- فى ز: \"عطيف\".\n[¬٤]- سقط من: ز.","vol":"5","page":90},{"text":"يجب إلا عند القيام إلى الصلاة، دون غيرها من الأعمال، وذلك لأنه ﵇ كان إذا أحدث؛ امتنع من الأعمال كلها حتى يتوضأ.\nحدثنا أبو كريب، حدثنا معاوية بن هشام، عن سفيان [¬١]، عن جابر، عن عبد الله بن أبي بكر ابن عمرو بن حزم، عن عبد الله بن علقمة بن الفَغْواء [¬٢]، عن أبيه قال: كان رسول الله ﷺ إذا أراد [¬٣] البول نكلمه ولا [¬٤] يكلمنا، ونسلم عليه فلا يرد علينا، حتى نزلت آية الرخصة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ الآية.\nورواه ابن أبي حاتم، عن محمد بن مسلم، عن أبي كريب به نحوه. وهو حديث غريب جدا، وجابر هذا هو ابن يزيد الجعفي ضعفوه.\nوقال أبو داود (^١٨٣): حدثنا مسدد، حدثنا إسماعيل، حدثنا أيوب، عن عبد الله بن أبي مليكة، عن عبد الله بن عباس أن رسول الله ﷺ خرج من الخلاء، فقدم إِليه طعام، فقالوا: ألا نأتيك بوضوء؟ فقال: \"إِنما أمرت بالوضوء إِذا قمت إِلى الصلاة\".\n_________\n= (٢٧٠٢) قال: سمعت أبا كريب يقول: حدثنا معاوية بن هشام عن سفيان عن جابر عن عبد الرحمن بن محمد ابن أبى بكر بن عمرو بن حزم، عن عبد الله بن علقمة بن فغواء عن أبيه به مختصرا. ورواه الطبرانى فى \"الكبير\" (١٨/ ٦) (٣) من طريق أبى كريب قال: ثنا أبو معاوية بن هشام (كذا فى المطبوع من الطبرانى، وهو خطأ والصواب: معاوية بن هشام) عن شيبان عن جابر عن عبد الله بن محمد بن أبى بكر ابن عمرو بن حزم عن عبد الله بن علقمة بن فغواء عن أبيه به. وذكره ابن الأثير فى \"أسد الغابة\" (٤/ ٨٧) فقال: روى أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن عبد الله بن علقمة بن الفغواء عن أبيه … فذكره، وذكره النحاس فى ناسخه (ص ٣٧٠ - ٣٧١) فقال: حديث عبد الله بن علقمة بن الفغواء عن أبيه. والحديث في إسناده جابر الجعفي وهو رافضى ضعيف. وذكره الهيثمى فى \"مجمع الزوائد\" (١/ ٢٨١) وقال: رواه الطبرانى فى الكبير وفيه جابر الجعفى وهو ضعيف. اهـ. وانظر تعليق الشيخ شاكر على هذا الحديث فى تفسير الطبرى لزامًا.\n(^١٨٣) - أخرجه أبو داود فى \"سننه\" فى الأطعمة، باب: فى غسل اليدين عند الطعام، الحديث (٣٧٦٠)، والترمذى فى الأطعمة، باب: فى ترك الوضوء قبل الطعام، الحديث (١٨٤٧) وفي الشمائل (١٨٤٧)، والنسائى فى الطهارة، باب: الوضوء لكل صلاة (١/ ٨٥)، وأحمد (١/ ٢٨٢) (٢٥٤٩)، (١/ ٣٥٩)، (٣٣٨١)، وابن خزيمة (٣٥)، والبيهقى (١/ ٤٢)، (١/ ٣٤٨)، والبغوى فى \"شرح السنة\" (١١/ ٢٨٣) (٢٨٣٥) من طرق عن أيوب عن ابن أبى مليكة عن ابن عباس. وقال الترمذى: حديث حسن صحيح. وقال البغوى: هذا حديث حسن. وصححه الألبانى فى مختصر=\n_________\n[¬١]- في الطبري: شيبان.\n[¬٢]- فى ز: \"النعواء\".\n[¬٣]- في ت: \"أراق\".\n[¬٤]- في ت: \"فلا\".","vol":"5","page":91},{"text":"وكذا رواه الترمذي عن أحمد بن منيع، والنسائي، عن زياد بن أيوب، عن إِسماعيل: هو ابن علية به. وقال الترمذي: هذا حديث حسن.\nوروى مسلم (^١٨٤)، عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن سعيد بن الحويرث، عن ابن عباس قال: كنا عند النبي ﷺ فأتى الخلاء، ثم إِنه رجع، فأتي بمام، فقيل: يا رسول الله، ألا تتوضأ؟ فقال [] [¬١]: [\"لِم؟ أأصلى] [¬٢] فأتوضأ؟! \".\nوقوله: ﴿فاغسلوا وجوهكم﴾، قد استدل طائفة من العلماء بقوله تعالى: ﴿إِذا قمتم إِلئ الصلاة فاغسلوا وجوهكم﴾ على وجوب النية في الوضوء؛ لأن تقدير الكلام: إِذا قمتم إِلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم لها، كما تقول العرب: إِذا رأيت الأمير فقم؛ أي له. وقد ثبت في الصحيحين (^١٨٥) حديث: \"الأعمال بالنيات، وإِنما لكل امرئٍ ما نوى\".\nويستحب قبل غسل الوجه، أن يذكر اسم الله تعالى على وضوئه، لما ورد في الحديث من طرق جيدة عن جماعة من الصحابة عن النبي ﷺ أنه قال: \"لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه\" (^١٨٦).\n_________\n= الشمائل (١٥٨) ورواه الطبرانى (١١/ ١٢٢) (١١٢٤١) من طريق إسماعيل بن علية عن ابن أبى مليكة عن ابن عباس به. وأصل الحديث رواه مسلم فى صحيحه من طريق عمرو بن دينار عن سعيد بن الحويرث، وسيأتى بعد هذا.\n(^١٨٤) - أخرجه مسلم فى صحيحه، كتاب الحيض، باب جواز أكل المحدث الطعام، الحديث (٣٧٤)، ورواه أحمد (١/ ٢٢١، ٢٨٣، ٣٥٩، ٦٩٠) والترمذى فى الشمائل (١٨٦)، والدارمى (٧٧٣) من طرق عن عمرو بن دينار به.\n(^١٨٥) - رواه البخارى فى بدء الوحى، باب: كيف كان بدء الوحى إلى رسول الله ﷺ، الحديث (١)، وأطرافه فى: (٥٤، ٢٥٢٩، ٣٨٩٨، ٥٠٧٠، ٦٦٨٩، ٦٩٥٣) ومسلم فى الإمارة، باب: قوله ﷺ: \"إنما الأعمال بالنية\" الحديث (١٩٠٧) من حديث عمرَّ بن الخطاب، ﵁.\n(^١٨٦) - رُوى من طرق أصحها حديث أبى هريرة، رواه أحمد (٢/ ٤١٨) وأبو داود فى الطهارة، باب: التسمية على الوضوء، الحديث (١٠١)، وابن ماجه فى الطهارة، باب ما جاء فى التسمية فى الوضوء، الحديث (٣٩٩)، والحاكم (١/ ١٤٦)، والبيهقى (١/ ٤٣)، والبغوى فى شرح السنة (٢٠٩) والترمذى فى العلل، وابن السكن؛ كما فى التلخيص الحبير (١/ ٨٤)، ونيل الأوطار (١/ ١٣٤) من طريق يعقوب ابن سلمة عن أبيه عن أبى هريرة مرفوعًا وقد حسنه الشيخ الألبانى فى الإرواء (٨١)، وفى الحديث كلام كثير يراجع له تلخيص الحبير ونيل الأوطار. ورواه أيضًا أحمد (٣/ ٤١)، وابن ماجه فى=\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ز: \"فقال\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز: \"لم أصل\".","vol":"5","page":92},{"text":"ويستحب أن يغسل كفيه قبل إِدخالهما في الإِناء، ويتأكد ذلك عند القيام من النوم؛ لما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: \"إذا استيقظ أحدكم من نومه، فلا يدخل يده في الإِناء، قبل أن يغسلها ثلاثًا؛ فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده\" (^١٨٧).\nوحد الوجه عند الفقهاء ما بين منابت شعر الرأس، لا اعتبار بالصلع ولا بالغمم إلى منتهى اللحيين والذقن طولًا، ومن الأذن إلى الأذن عرضًا، وفي النزعتين [¬١] والتحذيف خلاف، هل هما من الرأس أو الوجه؟ وفي المسترسل من اللحية عن محل الفرض قولان:\n(أحدهما): أنه يجب إِفاضة الماء عليه لأنه تقع [¬٢] به المواجهة. وروي في حديث أن النبي ﷺ رأى رجلًا مغطيًا لحيته فقال: \"اكشفها فإن اللحية من الوجه\" (^١٨٨). وقال مجاهد: هي من الوجه، ألا تسمع إلى قول العرب في الغلام إِذا نبتت لحيته: طلع وجهه.\n_________\n= الطهارة، باب: ما جاء فى التسمية فى الوضوء (٣٩٧)، والدارمى (٦٩٧) وابن أبى شيبة (١/ ١٢ - ١٣) والدارقطنى (١/ ٧١)، وأبو على (١٠٦٠)، والحاكم (١/ ١٤٧) وعنه البيهقى (٤٣/ ١) من حديث أبى سعيد، وقد حسنه البوصيرى فى الزوائد، والألبانى فى صحيح ابن ماجه (٣١٨). قال الحافظ المنذرى فى \"الترغيب والترهيب\" (١/ ٢٢٥): \"وفى الباب أحاديث كثيرة لا يسلم شئ منها عن مقال. وقد ذهب الحسن وإسحاق بن راهويه وأهل الظاهر إلى وجوب التسمية فى الوضوء، حتى إنه إذا تعمد تركها أعاد الوضوء، وهو رواية عن الإمام أحمد، ولا شك أن الأحاديث التى وردت فيها، وإن كان لا يسلم شئ منها عن مقال، فإنها تتعاضد بكرة طرقها، وتكتسب قوة، والله أعلم\".\nوقال الحافظ فى \"التلخيص\" (١/ ٨٦): والظاهر أن مجموع الأحاديث يحدث منها قوة تدل على أن له أصلًا. وقال أبو بكر بن أبى شيبة: ثبت لنا أن النبى ﷺ قاله اهـ. قال الشوكانى فى النيل (١/ ١٣٥): قال ابن سيد الناس فى \"شرح الترمذى\": ولا يخلو هذا الباب من حسن صريح وصحيح غير صريح. اهـ.\n(^١٨٧) - رواه البخارى فى صحيحه فى الوضوء، باب: الاستجمار وترًا، الحديث (١٦٢)، ومسلم فى الطهارة، باب: كراهية غمس المتوضئ وغيره يده المشكوك في نجاستها في الأناء قبل غسلها ثلاثًا، الحديث (٢٧٨) من طريق الأعرج عن أبى هريرة، وللحديث طرق أخرى عن أبى هريرة عند مسلم وغيره.\n(^١٨٨) - قال الحافظ فى \"التلخيص\" (١/ ٦٨): \"لم أجده هكذا، نعم ذكره الحازمى فى تخريج أحاديث المهذب فقال: هذا الحديث ضعيف، وله إسناد مظلم، ولا يثبت عن النبى ﷺ فيه شئ. وتبعه المنذرى، وابن الصلاح، والنووى، وزاد: وهو منقول عن ابن عمر. يعنى قوله. وقال ابن دقيق العيد: لم أقف له على إسناد مظلم ولا مضيء. انتهى. وفد أخرجه صاحب \"مسند الفردوس\" من حديث ابن عمر بلفظ: \"لا يغطين أحدكم لحيته فى الصلاة، فإن اللحية=\n_________\n[¬١]- في ز: \"النزعتان\".\n[¬٢]- في ز: \"يقع\".","vol":"5","page":93},{"text":"ويستحب للمتوضئ أن يخلل لحيته إذا كانت كثَّة.\nقال الإمام أحمد (^١٨٩): حدثنا عبد الرزاق، حدثنا إسرائيل، عن عامر بن [¬١] شقيق بن جمرة [¬٢]، [عن أبي وائل] [¬٣] قال: رأيت عثمان توضأ … فذكر الحديث، قال: وخلل اللحية ثلاثًا حين غسل وجهه، ثم قال: رأيت رسول الله ﷺ فعل الذي رأيتموني فعلت.\nورواه الترمذي وابن ماجة من حديث عبد الرزاق، وقال الترمذي: حسن صحيح. وحسنه البخاري.\n_________\n= من الوجه\" وإسناده مظلم كما قال الحازمى. وانظر كلام ابن الملقن على الحديث فى \"البدر المنير\" (٣/ ٢٨).\n(^١٨٩) - لم أقف على الحديث بهذا الإسناد فى المسند المطبوع، ولم أعثر عليه فى أطراف المسند للحافظ ابن حجر، ولا ذكره صانعو المسند الجامع (١٢/ ٤٣٢) (٩٦٦١) لكن رواه الحاكم فى المستدرك (١/ ١٤٩)، وعنه البيهقى (١/ ٥٤) قال: أخبرنا أحمد بن القطيعى ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل حدثنى أبى حدثنى عبد الرزاق … فذكره، قال الحاكم: اتفق الشيخان على إخراج طرق لحديث عثمان فى دبر وضوئه، ولم يذكرا فى روايتهما تخليل اللحية ثلاثًا، وهذا إسناد صحيح قد احتجا بجميع رواته غير عامر بن شقيق، ولا أعلم فى عامر بن شقيق طعنًا بوجه من الوجوه. اهـ. وتعقبه الذهبى: بأنه قد ضعفه ابن معين. والحديث أخرجه عبد الرزاق فى \"مصنفه\" (١/ ٤١) (١٢٥) بإسناده وفيه: \"وخلل أصابعه وخلل لحيته حين غسل وجهه قبل أن يغسل قدميه\" ولم يقل: \"وخلل لحيته ثلاثًا\". وقد رواه الترمذى فى أبواب الطهارة، باب ما جاء فى تخليل اللحية، الحديث (٣١) وابن ماجه فى الطهارة وسننها، باب: ما جاء فى تخليل اللحية، الحديث (٤٣٠)، وابن المنذر فى الأوسط (١/ ٣٨٥) (ح ٣٧٠) من طريق عبد الرزاق مختصرًا، وليس عند واحد منهم أنه خلل ثلًاثا، لكن رواه عبد بن حميد فى المنتخب\" (رقم ٦٢)، والدارقطنى (١/ ٨٦) من طريق عبد الله بن نمير حدثنا إسرائيل … فذكره، وهو عند ابن أبى شيبة (١/ ٢٤) ومن طريقه ابن حبان فى صحيحه (١٠٨١) حدثنا عبد الله بن نمير … فذكره مقتصرا على قوله: \"رأيت عثمان يتوضأ فخلل لحيته ثلاثًا وقال: رأيت رسول الله ﷺ فعله\"، وقد وقع لابن نمير وهم فى هذا الحديث؛ فإنه قدم غسل الوجه على المضمضة والاستنشاق، وهو خلاف ما رواه الثقات عن إسرائيل، قال الدارقطنى: وفى هذا الحديث موضع فيه عندنا وهم؛ لأن فيه الابتداء بغسل الوجه قبل المضمضة والاستنشاق، وقد رواه عبد الرحمن بن مهدى عن إسرائيل بهذا الإسناد فبدأ فيه بالضمضة والاستنشاق قبل غسل الوجه، وتابعه أبو غسان مالك بن إسماعيل عن إسرائيل فبدأ فيه بالمضمضة والاستنشاق قبل الوجه، وهو الصواب. وانظر أيضًا العلل له (٣/ ٣٤ - ٣٥) قلت: لم ينفرد ابن نمير بهذا فقد تابعه عليه خلف بن الوليد؛ كما عند ابن خزيمة فى \"الصحيح\" (١/ ٨٧) رقم (١٥١) ودواه أيضًا البزار (٢/ ٤٩) (٣٩٣) حدثنا يوسف بن موسى القطان قال: نا وكيع بن الجراح قال: نا إسرائيل … فذكره، وفيه تقديم غسل الوجه على المضمضة والاستنشاق، وفيه أيضًا:=\n_________\n[¬١]- سقط من: ت.\n[¬٢]- في ز: \"حمزة\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.","vol":"5","page":94},{"text":"وقال أبو داود (^١٩٠): حدثنا أبو توبة الربيع بن نافع، حدثنا أبو المليح، حدثنا الوليد بن زَوْرَان [¬١]، عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ كان إِذا توضأ أخذ كفًّا من ماء فأدخله\n_________\n= \"وخلل لحيته ثلاثًا\" وقال البزار: وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن عثمان إلاَّ من هذا الوجه بهذا الإسناد اهـ. ورواية؛ وكيع هذه أخرجها أحمد فى مسنده (١/ ٥٧) عنه عن إسرائيل بإسناده عن عثمان أن رسول الله ﷺ توضأ ثلًاثا ثلًاثا. ورواه ابن الجارود فى \"المنتقى\" (٧٢)، وابن خزيمة (١٥٢) والدارقطنى (١/ ٨٦) من طريق عبد الرحمن بن مهدى ثنا إسرائيل … فذكره، وفيه عند ابن خزيمة والدارقطنى تخليل اللحية ثلاثا، ورواه أبو داود فى سننه فى الطهارة، باب صفة وضوء النبى ﷺ، الحديث (١١٠) ومن طريقه البيهقى فى \"الخلافيات\" (١/ ٣٠٦) عن يحيى بن آدم ثنا إسرائيل بإسناده إلى أبى وائل قال: رأيت عثمان بن عفان غسل ذراعيه ثلاثًا ثلاثًا، ومسح رأسه ثلاثًا ثم قال: رأيت رسول الله على الله عليه وسلم فعل هذا. ورواه الدارقطني فى \"السنن\" (١/ ٩١) من غير طريق أبى داود عن يحيى بن آدم به، وقال البيهقى في \"السنن\" (١/ ٦٢): \"وقد روى من أوجه غربية عن عثمان ﵁ ذكر التكرار فى مسح الرأس إلاَّ أنها مع خلاف الحفاظ الثقات ليست بحجة عند أهل المعرفة، وإن كان بعض أصحابنا يحتج بها\". وعامر بن شقيق بن جمرة: قال ابن معين فى تاريخه (٣/ ٥٢١): ليس هو ابن شقيق بن سلمة. وترجم له البخارى فى التاريخ (٦/ ٤٥٨) ولم يورد فيه جرحًا ولا تعلايلا، ونقل ابن أبى حاتم فى \"الجرح والتعديل\" (٦/ ٣٢٢) تضعيفه عن ابن معين وقال: سألت أبى عن عامر بن شقيق؟ فقال: شيخ ليس بالقوى وليس من أبى وائل بسبيل. وقال النسائى (تهذيب الكمال): ليس بالقوى. وذكره ابن حبان فى \"الثقات\" (٧/ ٢٤٩)، وقال الذهبى فى \"الكاشف\": صدوق ضُعِّف. وقال ابن حجر فى \"التقريب\": لين الحديث. والحديث قال الألبانى فى صحيح أبى داود (١٠١): حسن صحيح. وذكره فى صحيح الترمذى (٢٨)، وصححه أيضًا فى صحيح ابن ماجه (٣٤٥) لكن عاد فضعف إسناده في صحيح ابن خزيمة (١٥١، ١٥٢) وقال: عامر بن شقيق لين الحديث. فلعله صححه أولًا لشواهده، وقد صحّحه لشواهده المعلقُ على الإحسان (٣/ ٣٦٣). والحديث رواه أبو عبيد فى الطهور (٨١) والطيالسى فى مسنده (ص ١٤)، وابن ماجه رقم (٤١٣) والطحاوى فى \"شرح معاني الآثار\" (١/ ٢٩)، والبزار فى \"المسند\" (٣٩٤) من طريق عبدة ابن أبى لبابة عن شقيق به. سلمة قال: رأيت عثمان وعليا يتوضئان ثلاثًا ثلاثًا، ويقولان: هكذا كان وضوء رسول الله ﷺ وكذا رواه أبو الحسن بن القطان فى زوائده على ابن ماجة.\nوللحديث شاهد من حديث عمار عند الترمذى (٢٩) ومن حديث ابن عمر عند ابن ماجة (٤٣٢)، وانظر نصب الراية (١/ ٢٣ - ٢٦)، والتلخيص الحبير (١/ ٩٥، ٩٦).\n(^١٩٠) - رواه فى سننه كتاب الطهارة، باب: تخليل اللحية، الحديث (١٤٥) وعنه البيهقى (١/ ٥٤) ورواه المزى فى \"تهذيب الكمال\" (١٣/ ٣١) من طريق أبى طالب عبد الجبار بن عاصم الهروى قال: حدثنا أبو المليح … فذكره. والوليد بن زروان: قال الآجرى: سألت أبا داود عنه: حدث عن أنس؟ قال: جزرى لا ندرى سمع من أنس أم لا. نقله المزى فى \"تهذيب الكمال\". وذكره ابن حبان فى \"الثقات\" (٧/ ٥٥٠) وتناقض فيه قول الذهبى ﵀ فقال فى \"الكاشف\": ثقة. وقال=\n_________\n[¬١]- في ز: \"زروان\".","vol":"5","page":95},{"text":"تحت حنكه يخلل به لحيته، وقال: \"هكذا أمرني به ربي ﷿\".\nتفرد به أبو داود، وقد روي هذا [¬١] من غير وجه، عن أنس.\nقال البيهقي: وروينا في تخليل اللحية عن عمار وعائشة وأم سلمة عن النبي ﷺ، ثم عن على وغيره. وروينا في الرخصة في تركه عن ابن عمر والحسن بن علي، ثم عن النخعي وجماعة\n_________\n= فى الميزان (٦/ ١٢): ما ذا بحجة. مع أن ابن حبان وثقه: والصواب أنه مجهول الحال كما قال الحافظ فى التلخيص الحبير (١/ ٩٧). وللحديث طرق أخرى عن أنس؛ فرواه الحاكم (١/ ١٤٩)، وأبو جعفر البخترى فى فوائده كما فى \"التلخيص الحبير\" من طريق موسى بن أبى عائشة عن أنس قال: رأيت النبى ﷺ توضأ وخلل لحيته، وقال: \"بهذا أمرنى ربى\". قال الحافظ فى \"التلخيص\": رجاله ثقات لكنه معلول؛ فإنما رواه موسى بن أبي عائشة عن زيد بن أبى أنيسة عن يزيد الرقاشى عن أنس؛ أخرجه ابن عدي فى ترجمة جعفر بن الحارث أبى الأشهب، وصححه ابن القطان من طريق أخرى. اهـ. قلت: هو عند ابن عدى فى \"كامله\" (٢/ ٥٦١) وقد أعله بذلك أبو حاتم فى علله أيضًا (١/ ١٧) فقال: موسى بن أبى عائشة يحدث عن رجل عن يزيد الرقاشى عن أنس عن النبى ﷺ، ورواه ابن ماجة فى سننه (٤٣١) من طريق يحيى بن كثير أبى النصر صاحب البصرى عن يزيد الرقاشى عن أنس بن مالك قال: كان رسول الله ﷺ إذا توضأ خلل لحيته وفرج أصابعه مرتين. وقال البوصيرى فى الزوائد (١/ ١٧٦): هذا إسناد ضعيف لضعف يحيى بن كثير وشيخه. والطريق الأخرى التى أشار إليها الحافظ ﵀ رواها الحاكم في مستدركه (١/ ١٤٩) والذهلى فى \"الزهريات\" كما فى \"التلخيص\" من طريق الزبيدى عن الزهرى عن أنس بن مالك ﵁ قال: رأيت النبي ﷺ توضأ وخلل لحيته بأصابعه من تحتها، وقال: \"بهذا أمرنى ربى\" قال ابن الملقن فى \"البدر المنير\" (٣/ ٣٩٨): إسناده صحيح كما قاله ابن القطان فى علله. اهـ. وقد ذكر له الحافظ فى \"التلخيص\" علة فقد رواه الذهلى من طريق أخرى عن الزبيدى أنه بلغه عن أنس ولم يذكر فيه الزهرى، قال ابن حجر: وصححه الحاكم قبل ابن القطان أيضًا ولم تقدح هذه العلة عندهما فيه.\nورواه العقيلى فى الضعفاء (٣/ ١٥٧) من طريق عمر بن ذؤيب عن ثابت البنانى، عن أنس بن مالك قال: وضأت رسول الله ﷺ فلما فرغ من وضوئه أدخل يده فخلل لحيته وقال: \"هكذا أمرنى ربى\" وقال العقيلى: عمر بن ذؤيب مجهول بالنقل حديثه غير محفوظ ولعله عمر بن حفص ابن ذؤيب. ورواه ابن عدى فى \"الكامل\" (٣/ ١٠٥٦، ١١٤٧) من طريق معاوية بن قرة عن أنس قال: وضأت النبى ﷺ فخلل لحيته ثم قال: \"بهذا أمرنى ربى\". والحديث صححه الألبانى فى الإرواء، (٩٢) بمجموع طرقه.\n_________\n[¬١]- فى ت: هذا الوجه.","vol":"5","page":96},{"text":"من التابعين (^١٩١).\nوقد ثبت عن النبي ﷺ من غير وجه، في الصحاح وغيرها، أنه كان إِذا توضأ تمضمض واستنشق، فاختلف الأئمة في ذلك: هل هما واجبان في الوضوء والغسل، كما هو مذهب أحمد بن حنبل ﵀؟ أو مستحبان فيهما، كما هو مذهب الشافعي ومالك. لما ثبت\n_________\n(^١٩١) - انظر السنن الكبرى للبيهقى (١/ ٥٤) وحديث عمار: أخرجه الطيالسى (٦٤٥) والحميدي (١٤٦) والترمذي فى أبواب الطهارة، باب ما جاء فى تخليل اللحية، الحديث (٢٩)، وابن ماجة فى الطهارة باب: ماجاء فى تخليل اللحية، الحديث (٤٢٩) وابن جرير فى تفسيره (١١٤١٥)، والحاكم (١/ ١٤٩) من طريق سفيان بن عيينة عن عبد الكريم بن أبى المخارق أبى أمية عن حسان بن بلال قال: رأيت عمار بن ياسر توضأ فخلل لحيته، فقيل له - أو قال: فقلت له -: أتخلل لحيتك؟ قال: وما يمنعنى؛ ولقد رأيت رسول الله ﷺ يخلل لحيته. قال الترمذى: وسمعت إسحاق بن منصور يقول: قال أحمد بن حنبل: قال ابن عيينة: لم يسمع عبد الكريم من حسان بن بلال حديث التخليل. اهـ. وقع فى رواية الحاكم \"عبد الكريم الجزري\" وهو وهم، والصواب: عبد الكريم بن أبى المخارق كما صرح به الترمذي، وانظر تعليق العلامة أحمد شاكر على سنن الترمذى. وعبد الكريم بن أبى الخارق قال أبو حاتم: ضعيف. وقال أبو زرعة: هو لين، الجرح والتعديل (٦/ ٦٠) وقال النسائى فى الضعفاء والمتروكين (ترجمة ٤٠١): متروك الحديث. وضعفه الحافظ فى \"التقريب\" ولكن أخرجه الحميدى (١٤٧)، والترمذى (٣٠) وابن ماجه (٤٢٩)، والحاكم (١/ ١٤٩) من طريق سفيان عن سعيد ابن أبى عروبة عن قتادة عن حسان بن بلال عن عمار، مثل رواية عبد الكريم، قال الحافظ ابن حجر ﵀ فى \"التلخيص\" (١/ ٩٧): \"وحسان ثقة، لكن لم يسمعه ابن عيينة من سعيد، ولا قتادة من حسان\". وقال أبو محمد بن حزم فى \"المحلى\" (٢/ ٣٦): حديث عمار من طريق حسان بن بلال المزني وهو مجهول، وأيضًا لا يعرف له لقاء لعمار. وتعقبه ابن الملقن فى \"البدر المنير\" (٣/ ٣٩٨) بأن حسانًا روى عنه جماعة، وقال ابن المدينى: ثقة. وبأنه وقع فى الترمذي عن حسان قال: رأيت عمار ابن ياسر … فذكر الحديث وفى الطبرانى نحوه، قلت: فاندفعت علة ضعف حسان وكذلك الانقطاع بين حسان وعمار. وأمَّا قول الحافظ ابن حجر: \"لم يسمعها ابن عيينة من سعيد فيرده قول سفيان عند الحاكم: \"حدثنا سعيد\" فقد صرح بسماعه من سعيد، والله أعلم. لكن بقيت علة واحدة وهى ما يخشى من تدليس قتادة فإنه معروف بذلك، لكن رواية سعيد عنه صحيحة وقد سأل ابن أبي حاتم أباه عن هذا الحديث؟ فقال: لم يحدث بهذا أحد سوى ابن عيينة عن ابن أبى عروبة. قلت: صحيح؟ قال: لو كان صحيحًا لكان فى مصنفات ابن أبى عروبة ولم يذكر ابن عيينة فى هذا الحديث وهذا أيضا مما يوهنه.\nقال الشيخ أحمد شاكر: وآخر الكلام مضطرب ولعل صوابه: \"ولم يذكر ابن عيينة فى هذا الحديث سماعًا\"، والحديث صححه الألبانى فى صحيح الترمذى (٢٧)، وصحيح ابن ماجه (٣٤٤) وأما حديث عائشة فأخرجه أحمد فى مسنده (٦/ ٢٣٤)، والحاكم (١/ ١٥٠) من طريق عمر بن أبى وهب الخزاعى البصرى حدثنى موسى بن ثروان عن طلحة بن عبيد الله بن كريز الخزاعى عن عائشة=","vol":"5","page":97},{"text":"في الحديث الذي رواه أهل السنن، وصححه ابن خزيمة، عن رفاعة بن رافع الزرقي أن النبي ﷺ قال للمسيء [] [¬١] صلاته: \"توضأ كما أمرك الله\" (^١٩٢) أو يجبان في الغسل دون الوضوء؟ كما هو مذهب أبي حنيفة، أو يجب الاستنشاق دون المضمضة؟ كما هو رواية عن الإمام\n_________\n= أن رسول الله ﷺ كان إذا توضأ خلل لحيته بالماء: قال الحافظ في \"التلخيص\" (١/ ٩٧): إسناده حسن. وذكره الهيثمى فى \"مجمع الزوائد\" (١/ ٢٤٠) وقال: رواه أحمد ورجاله موثقون. وأمَّا حديث أم سلمة فرواه ابن جرير فى تفسيره (١٠/ ٣٩) (١١٤١٢) والطبرانى فى الكبير (٢٣/ ٢٩٨) (٦٦٤)، والعقيلى فى الضعفاء (٢/ ٣) من طريق خالد بن إلياس، عن عبد الله بن رافع عن أم سلمة، قالت: كان رسول الله ﷺ يتوضأ ويخلل اللحية، وهذا لفظ العقيلى، والحديث أشار إليه الترمذى فى جامعه (١/ ٤٥) والبيهقى فى سننه (١/ ٥٤) ولم يذكرا لفظه. والحديث ذكره الهيثمي فى \"مجمع الزوائد\" (١/ ٢٤٠) وقال: رواه الطبرانى فى الكبير وفيه خالد بن إلياس ولم أر من ترجمه\".\nقلت: ترجم له البخارى فى التاريخ (٣/ ١٤٠) وقال: ليس بشيء. واتهمه ابن حبان فى المجروحين (١/ ٢٧٥) ولذلك قال الحافظ ابن حجر فى التلخيص: فى إسناده خالد بن إلياس وهو منكر الحديث. وحديث على رواه الطبرانى فيما انتقاه أبو بكر بن مردويه عليه فيما انتقاه هو عن أهل البصرة من حديث أبى البخترى الطائيّ قال: رأيت عليا يخلل لحيته إذا توضأ ويقول: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يفعل. كذا قال ابن الملقن فى \"البدر المنير\" (٣/ ٤٠٣ - ٤٠٤) قال الحافظ فى \"التلخيص\" (١/ ٩٨): وإسناده ضعيف ومنقطع. قلت: أبو البخترى الطائيّ لم يسمع من على ولم يدركه قاله إبن المديني، وأبو حاتم، وأبو زرعة كما فى المراسيل لابن أبى حاتم (ص ٧٦، ٧٧).\nوفى تخليل اللحية أحاديث ينظر تخريجها فى \"نصب الراية\" (١/ ٢٣ - ٢٦)، وتلخيص الحبير (١/ ٩٦ - ٩٨)، مجمع الزوائد (١/ ٢٤٠ - ٢٤١).\nوأمَّا الرخصة فى ذلك عن ابن عمر فأخرجه ابن جرير الطبرى فى تفسيره (١٠/ ٣٥) (١١٣٩١) من طريق نافع عن ابن عمر أنه كان إذا توضأ عرك عارضيه بعض العرك، وشبك لحيته بأصابعه أحيانا ويترك أحيانًا. ورواه ابن المنذر فى \"الأوسط\" (١/ ٣٨٣) (٣٦٧) من طريق يحيى البكاء أن ابن عمَر كان يتوضأ ولا يخلل لحيته. وقد نقله عن الحسن بن علي أيضًا، وقال ابن المنذر: وهذا قول طاوس والنخعى وأبي العالية والشعبى ومحمد بن على ومجاهد والقاسم وقال سعيد بن عبد العزيز والأوزاعى: \"ليس عرك العارضين وتشبيك اللحية بواجب فى الوضوء\".\n(^١٩٢) - أخرجه الطيالسى فى مسنده (١٣٧٢)، وأبو داود فى سننه فى الصلاة، باب: صلاة من لا يقيم صلبه في الركوع والسجود، الحديث (٨٦١)، والترمذى فى أبواب الصلاة، باب: ما جاء فى شرح الصلاة، الحديث (٣٠٢)، وابن خزيمة فى صحيحه (٥٤٥) والبيهقى (٢/ ٣٨٠) والبغوى فى شرح السنة (٣/ ٦ - ٧) (٥٥٣) من طريق إسماعيل بن جعفر حدثنا يحيى بن علي بن يحيى بن خلاد بن رفاعة ابن رافع الزرقى عن أبيه عن جده عن رفاعة بن رافع فذكر حديث المسيء صلاته وفيه: \"إذا قمت إلى الصلاة فتوضأ كما أمرك الله ﷿\"، والحدكث رواه أحمد (٤/ ٣٤٠)، وأبو داود=\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ز: \"في\".","vol":"5","page":98},{"text":"أحمد؛ لما ثبت في الصحيحين (^١٩٣) أن رسول الله ﷺ قال: \"من توضأ فَلْيَسْتَنْثِر [¬١] \". وفي رراية: \"إِذا توضأ أحدكم فليجعل في منخريه من الماء ثم لينتثر\". والانتثار: هو المبالغة في الاستنشاق.\nوقال الإِمام أحمد (^١٩٤): حدثنا أبو سلمة الخزاعي، حدثنا سليمان بن بلال، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن ابن عباس، أنه توضأ فغسل وجهه، ثم [¬٢] أخذ غرفة من ماء فتمضمض بها واستنثر، [ثم أخذ غرفة فجعل بها هكذا، يعني أضافها إِلي يده الأخرى فغسل بها وجهه] [¬٣]، ثم أخذ غرفة من ماء فغسل بها يده اليمنى، ثم أخذ غرفة من ماء فغسل بها يده اليسرى، ثم مسح رأسه، ثم أخذ غرفة من ماء ثم رش على رجله اليمني حتى غسلها، ثم أخذ غرفة [من ماء] [¬٤] فغسل بها رجله اليسرى، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ. يعني يتوضأ.\n_________\n= (٨٥٧ - ٨٦٠)، والنسائى (٢/ ١٩٣، ٢٢٥) (٣/ ٥٩، ٦٠)، وابن ماجه (٤٦٠)، والدارمى (١٣٣٥) وابن خزيمة (٥٩٧)، (٦٣٨)، والحاكم (١/ ٢٤١ - ٢٤٣) والبيهقى (٢/ ١٠٢، ١٣٣، ١٣٤) من طرق عن علي بن يحيى به بألفاظ متقاربة وفى بعضها: \"إنها لا تتم صلاة أحدكم حتى يسبغ الوضوء كما أمره الله ﷿\".\n(^١٩٣) - أخرجه البخارى فى كتاب الوضوء، باب: الاستنثار فى الوضوء الحديث (١٦١)، ومسلم فى الطهارة، باب: الإيتار فى الاستنثار، والاستجمار، الحديث (٢٢/ ٢٣٧) من طريق أبى إدريس الخولانى عن أبى هريرة أن رسول الله ﷺ قال: \"من توضأ فليستنثر، ومن استجمر فليوتر\". ورواه البخارى فى الوضوء، باب الاستجمار وترًا، الحديث (١٦٢)، ومسلم فى الطهارة، باب: الإيتار فى الاستنثار والاستجمار الحديث (٢٣٧/ ٢٠) من طريق الأعرج عن أبى هريرة أن رسول الله ﷺ قال: \"إذا توضأ أحدكم فليجعل فى أنفه ماء ثم لينثر\"، ورواه مسلم (٢٣٧/ ٢١) من طريق عبد الرزاق عن معمر عن همام بن منبه قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة عن محمد ﷺ، فذكر أحاديث منها، وقال رسول الله ﷺ: \"إذا توضأ أحدكم فليستنشق بمنخريه من الماء ثم لينتثر\".\n(^١٩٤) - رواه فى المسند (١/ ٢٦٨) ورواه البخارى فى صحيحه كتاب الوضوء، باب غسل الوجه باليدين من غرفة واحدة، الحديث (١٤٠) حدثنا محمد بن عبد الرحيم قال أخبرنا أبو سلمة الخزاعى منصور بن سلمة فذكره. ورواه أحمد (١/ ٣٦٥) حدثنا عبد الرزاق أخبرنا سفيان عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن ابن عباس قال: ألا أخبركم بوضوء رسول الله ﷺ؟ فدعا بماء فجعل يغرف بيده اليمنى ثم يصب على اليسرى.\n_________\n[¬١]- في ز: \"فليستنشق\".\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين في ز: \"أخرى\".","vol":"5","page":99},{"text":"ورواه البخاري عن محمد بن عبد الرحيم، عن أبى سلمة منصور بن سلمة الخزاعي به.\nوقوله: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ أي: مع المرافق. كما قال. تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾.\nوقد روى الحافظ الدارقطني وأبو بكر البيهقى من طريق القاسم بن محمد، عن عبد الله بن محمد ابن عقيل، عن جده، عن جابر بن عبد اللَّه (^١٩٥) قال: كان رسول الله ﷺ إِذا توضأ أدار الماء على مرفقيه. ولكن القاسم هذا متروك الحديث، وجده ضعيف، والله اعلم.\nويستحب للمتوضئ أن يشرع في العضد، فيغسله مع ذراعيه، لما روى البخاري ومسلم من حديث نعيم المجمر، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن أمّتي يدعون يوم القيامة غرًّا محجلين من آثار الوضوء، فمن استطاع منكم أن يطيل غرّتهَ فليفعل\" (^١٩٦).\nوفي صحيح مسلم (^١٩٧)، عن قتيبة [¬١]، عن خلف بن خليفة، عن أبي مالك الأشجي، عن أبي حازم، عن أبي هريرة قال: سمعت خليلي ﷺ يقول: \"تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء\".\nوقوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ اختلفوا في هذه الباء: هل هي للإلصاق؟ وهو الأظهر، أو للتبعيض؟ وفيه نظر، على قولين، ومن الأصوليين من قال: هذا مجمل،\n_________\n(^١٩٥) - أخرجه الدارقطنى فى سننه (١/ ٨٣)، والبيهقى (١/ ٥٦) وقال الدارقطنى: ابن عقيل ليس بقوى. وقال الألبانى فى الصحيحة (٢٠٦٧): الظاهر أنه عنى الجد وهو عبد الله بن محمد بن عقيل، فإنه مختلف فيه، والراجح فيه أنه حسن الحديث إذا لم يخالف، وعليه فكان الأولى إعلاله بحفيده؛ فإنه شديد الضعف. قال الذهبى فى \"الضعفاء\": قال أبو حاتم وغيره: متروك. وقال أحمد: ليس بشئ. وقد ضعف إسناده أيضًا الحافظ ابن حجر فى \"فتح البارى\" (١/ ٢٩٢) لكن ذكر له الحافظ شواهد، ثم قال: وهذه الأحاديث يقوي بعضها بعضًا. وصححه أيضًا الألبانى - حفظه الله - بشواهده فى الصحيحة، وفى صحيح الجامع (٤٥٧٤).\n(^١٩٦) - أخرجه البخارى فى الوضوء، باب: لا تقبل صلاة بغير طهور، الحديث (١٣٦)، ومسلم فى الطهارة، باب استحباب إصالة الغرة والتحجيل فى الوضوء، الحديث (٢٤٦/ ٣٥).\n(^١٩٧) - رواه فى صحيحه فى الطهارة، باب: تبلغ الحلية حيث يبلغ الوضوء، الحديث (٢٥٠)، ورواه النسائى (١/ ٩٣) حدثنا قتيبة فذكره، ورواه أحمد فى مسنده (٢/ ٣٧١) حدثنا حسين بن محمد حدثنا خلف به.\n_________\n[¬١]- في خ: \"قتادة\".","vol":"5","page":100},{"text":"فليرجع في بيانه إلى السنة. وقد ثبت في الصحيحين (^١٩٨) من طريق مالك، عن عمرو بن يحيى المازني، عن أبيه: أن رجلًا قال لعبد الله بن زيد بن عاصم - وهو جد عمرو بن يحيى، وكان من أصحاب النبي ﷺ[هل تستطيع أن تريني كيف كان رسول الله ﷺ[¬١] يتوضأ؟ فقال عبد الله بن زيد: نعم، فدعا بوضوء، فأفرغ على يديه، [فغسل يديه] [¬٢] مرتين مرتين، ثم مضمض واستنشق ثلاثًا، وغسل وجهه ثلاثًا، ثم غسل يديه مرتين [¬٣] مرتين إِلى المرفقين، ثم مسح رأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر، بدأ بمقدّم رأسه، ثم ذهب بهما إِلي قفاه، ثم ردّهما حتى رجع إلى المكان الذي بدأ منه، ثم غسل رجليه.\nوفي حديث عبد خير، عن علي في صفة وضوء رسول الله ﷺ نحو هذا (^١٩٩). وروى أبو داود عن معاوية والمقدام بن معد يكرب في صفة وضوء رسول الله ﷺ مثله (^٢٠٠).\nففي هذه الأحاديث دلالة لمن ذهب إلى وجوب تكميل مسح جميع الرأس، كما هو مذهب الإِمام مالك وأحمد بن حنبل، لا سيما على قول من زعم أنها خرجت مخرج البيان لما أجمل في القرآن.\nوقد ذهب الحنفية إلى وجوب مسح ربع الرأس وهو مقدار الناصية.\nوذهب أصحابنا إِلى أنه إِنما يجب ما يطلق عليه اسم مسح، و[¬٤] لا يتقدر ذلك بحد؛ بل لو\n_________\n(^١٩٨) - أخرجه البخارى فى الوضوء، باب: مسح الرأس كله، الحديث (١٨٥)، ومسلم فى الطهارة، باب: فى وضوء النبى ﷺ، الحديث (٢٣٥) وللحديث طرق كثيرة عن عمرو بن يحيى عند الشيخين وغيرهما.\n(^١٩٩) - أخرجه أحمد (١/ ١١٠، ١١٣، ١٢٢، ١٢٣، ١٣٥، ١٣٩، ١٥٤)، وأبو داود (١١١ - ١١٣)، والترمذى (٤٩)، والنسائى (١/ ٦٧ - ٦٩) وابن ماجه (٤٠٤)، والدارمى (٧٠٧)، وعبد الله بن أحمد فى زوائد المسند (١/ ١١٣، ١١٤، ١٢٣ - ١٢٥، ١٤١)، وابن خزيمة (١٤٧) من طرق عن عبد خير عن علي، والروايات مطولة ومختصرة، وألفاظها متقاربة.\n(^٢٠٠) - حديث معاوية أخرجه أبو داود فى الطهارة، باب: صفة وضوء النبى ﷺ، الحديث (١٢٤) ومن طريقه البيهقى فى سننه (١/ ٥٩) وصححه الألبانى فى صحيح أبى داود رقم (١١٥).\nوأمَّا حديث المقدام فأخرجه أبو داود فى الطهارة، باب: صفة وضوء النبى ﷺ، الحديث (١٢٢) ومن طريقه البيهقى (١/ ٥٩) من طريقين عن الوليد بن مسلم عن حريز بن عثمان عن عبد الرحمن بن ميسرة عن المقدام بن معد يكرب، قال: رأيت رسول الله ﷺ توضأ فلما بلغ مسح=\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- سقط من: ز.","vol":"5","page":101},{"text":"مسح بعض شعرة من رأسه أجزأه.\nواحتج الفريقان بحديث المغيرة بني شعبة قال: تخلف النبي ﷺ فتخلفت معه، فلما قضى حاجته قال: \"هل معك ماء؟ \" فأتيته بمطهرة؛ فغسل كفيه ووجهه، ثم ذهب يحسر عن ذراعيه، [فضاق كم الجبة، فأخرج يديه من تحت الجبة، وألقى الجبة على منكبيه، فغسل ذراعية] [¬١]، ومسح بناصيته، وعلى العمامة، وعلى خفيه. وذكر باقي الحديث، وهو في صحيح مسلم وغيره (^٢٠١).\nفقال لهم أصحاب الإِمام أحمد: إنما اقتصر على مسح الناصية؛ لأنه كمل مسح بقية الرأس على العمامة، \"ونحن نقول بذلك، وأنه يقع عن الموقع، كما وردت بذلك أحاديث كثيرة، وأنه كان يمسح على العمامة وعلى الخفين، فهذا أولى، وليس لكم فيه دلالة على جواز الاقتصار على مسح الناصية، أو بعض الرأس من غير تكميل على العمامة، والله أعلم.\n_________\n= رأسه وضع كفيه على مقدم رأسه فأمرَّهما حتى بلغ القفا ثم ردهما إلى المكان الذى بدأ منه. وقد قال الوليد فى إحدى الروايتين: أخبرنى حريز، فزالت وصمة التدليس. والحديث ذكره عبد الحق فى \"أحكامه\" (١/ ١٧٠) ساكنًا عليه فتعقبه ابن القطان فى \"بيان الوهم\" (٤/ ١٠٩) وأعله بعلتين الأولى: عبد الرحمن بن ميسرة مجهول الحال لا يعرف، ما روى عنه إلا حريز بن عثمان، وحريز كان له رأى سوء فى الصحابة. والأخرى: تدليس الوليد بن مسلم فإنه كان يدلس ويسوى ولم يقل فى هذا الحديث: أنا ولا ثنا، ولا سمعت ولا ذكر عن حريز أنه قال ذلك. قلت: أما عبد الرحمن بن ميسرة الحضرمى فقد ذكره ابن حبان فى \"الثقات\" (٥/ ١٠٩) وقال العجلى فى \"ثقاته\" (ت ٩٨٦): تابعى ثقة. وروى عنه غير واحد كما فى \"تهذيب الكمال\". وأمَّا وصمة التدليس فقد صرح بالسماع عند أبى داود، وقد رواه أيضًا ابن ماجه (٤٤٢) من طريق هشام بن عمار قال حدثنا الوليد بن مسلم حدثنا حريز بن عثمان فذكره مختصرًا والحديث واحد. وقد تابعه عليه أيضًا أبو المغيرة وهو ثقة روى له الجماعة عند أبى داود (١٢١)، وأحمد (٤/ ١٣٢) قال: حدثنا حريز بن عثمان عن عبد الرحمن بن ميسرة عن المقدام فى صفة الوضوء أيضًا. والحديث حسنه أبن حجر فى \"تلخيص الحبير\" (١/ ١٠١) ونقل ابن الملقن فى \"البدر المنير\" (٣/ ٣٤٣) عن النووى قال فى الخلاصة: رواه أبو داود بإسناد صحيح. وصححه الألبانى فى \"صحيح أبى داود\" (١١٢، ١١٣).\n(^٢٠١) - رواه مسلم فى صحيحه فى الطهارة، باب المسح على الناصية والعمامة، الحديث (٨١/ ٢٧٤) من حديث عروة بن المغيرة عن أبيه والحديث من هذه الطريق عند البخارى في صحيحه فى كتاب الوضوء، باب: المسح على الخفين، الحديث (٢٠٣) مختصرًا. وقد ورد الحديث من طرق كثيرة عن المغيرة فى الصحيحين وغيرهما.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.","vol":"5","page":102},{"text":"ثم اختلفوا في أنه هل يستحب تكرار مسح الرأس ثلاثًا، كما هو المشهور من مذهب الشافعي، أو [¬١] إنما يستحب مسحة واحدة كما هو مذهب أحمد بن حنبل ومن تابعه على قولين؛ فقال عبد الرزاق (^٢٠٢): عن معمر، عن الزهري، عن عطاء بن يزيد الليثي، عن حمران بن أبان، قال: رأيت عثمان بن عفان توضأ فأفرغ على يديه ثلاثًا فغسلهما، ثم تمضمض [¬٢] واستنشق، ثم غسل وجهه ثلاثًا، ثم غسل يده اليمنى إِلى المرفق ثلاثًا، ثم غسل اليسرى مثل ذلك، ثم مسح برأسه، ثم غسل قدمه اليمنى ثلاثًا، ثم اليسرى ثلاثًا مثل ذلك، ثم قال: رأيت رسول الله ﷺ توضأ نحو وضوئي هذا. ثم قال: \"من توضأ نحو وضوئي هذا، ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه، غفر له ما تقدم من ذنبه\".\nأخرجه البخاري ومسلم في الصحيحين، من طريق الزهري به نحو هذا.\nوفي سنن أبي داود من رواية عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة، عن عثمان في صفة الوضوء: \"ومسح برأسه مرة واحدة\" (^٢٠٣)، وكذا من رواية عبد خير عن علي\n_________\n(^٢٠٢) - رواه فى مصنفه (١/ ٤٤) (١٣٩) ومن طريقه أخرجه أحمد (١/ ٥٩)، وأبو داود فى الطهارة، باب صفة وضوء النبى ﷺ، الحديث (١٠٦)، والبيهقى (١/ ٥٧ - ٥٨) والحديث رواه البخارى فى الصيام، باب سواك الرطب واليابس للصائم، الحديث (١٩٣٤) حدثنا عبدان - أخبرنا عبد الله أخبرنا معمر … فذكره. ورواه البخارى فى الوضوء، باب: الوضوء ثلاثًا ثلاثًا، الحديث (١٥٩)، ومسلم فى الطهارة، باب صفة الوضوء وكماله، الحديث (٢٢٦/ ٤) من طريق سعد بن إبراهيم عن الزهرى به.\n(^٢٠٣) - رواه أبو داود فى سننه كتاب الطهارة، باب: صفة وضوء النبى ﷺ، الحديث (١٠٨) ومن طريقه البيهقى فى سننه (١/ ٦٤) عن عثمان بن عبد الرحمن التيمى، قال: سئل ابن أبى مليكة عن الوضوء، فقال: رأيت عثمان سئل عن الوضوء فذكره وفيه: \"فمسح برأسه وأذنيه فغسل بطونهما وظهورهما مرة واحدة\" وقال أبو داود: أحاديث عثمان ﵁ الصحاح كلها تدل على أنه مسح الرأس مرة، فإنهم ذكروا الوضوء ثلاثًا، وقالوا فيها: ومسح رأسه، ولم يذكروا عددًا كما ذكروا فى غيره. والحديث صححه الألبانى فى \"صحيح أبى داود\" رقم (٩٩)، ورواه الدارقطنى فى\"سننه\" (١/ ٩٣) من طريق زيد بن الحباب عن عمر بن عبد الرحمن بن سعد المخزومى حدثنى جدى أن عثمان بن عفان خرج فى نفر من أصحابه حتى جلس على المقاعد فدعا بوضوء فذكر وضوء عثمان فيه: \"ومسح برأسه مرة واحدة\" وسكت عنه الزيلعى فى \"نصب الراية\" (١/ ٣١) وقال الحافظ فى \"تلخيص الحبير\" (١/ ٩٤): وهو فى الصحيحين مطلق غير مقيد، وفى الأوسط للطبرانى من طريق عبد الله بن جعفر عن عثمان نحوه. ا هـ. قلت: ورواية عبد الله بن جعفر عند الطبرانى فى الأوسط رقم (٨٤٩٩) وفيها:=\n_________\n[¬١]- في ز: \"و\".\n[¬٢]- في ز: \"مضمض\".","vol":"5","page":103},{"text":"مثله (^٢٠٤).\nواحتج بن استحب تكرار مسح الرأس بعموم الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه عن عثمان ﵁ أن رسول الله ﷺ توضأ ثلاثًا ثلاثًا.\nوقال أبو داود (^٢٠٥): حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا الضحاك بن مخلد، حدثنا عبد الرحمن بن وردان، حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن، حدثني حمران قال: رأيت عثمان بن عفان توضأ فذكر نحوه، ولم يذكر المضمضة والاستنشاق، قال فيه: ثم مسح رأسه ثلاثًا، ثم غسل رجليه ثلاثًا، ثم قال: رأيت رسول الله ﷺ توضأ هكذا، وقال: \"من توضأ دون [¬١] هذا كفاه\".\nتفرّد به أبو داود، ثم قال: وأحاديث عثمان في [¬٢] الصحاح تدل على أنه مسح الرأس مرة واحدة.\nوقوله: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ قرئ ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ بالنصب عطفًا على ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ﴾.\nقال [¬٣] ابن أبي حاتم (^٢٠٦): حدثنا أبو زرعة، حدثنا أبو سلمة، حدثنا وهيب، عن خالد، عن عكرمة، عن ابن عباس - أنه قرأها ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾. يقول: رجعت إِلى الغسل.\n_________\n= ومسح برأسه\" كذا مطلقًا دون القيد بعدد، والله أعلم، وهو عند البزار (٢/ ١١) رقم (٣٤٩)، والدارقطنى (١/ ٩١) وفيه: \"ومسح برأسه ثلاثًا\".\n(^٢٠٤) - تقدم حديث على رقم (١٩٩).\n(^٢٠٥) - رواه فى سننه فى الطهارة، باب: صفة وضوء النبى ﷺ، الحديث (١٠٧) ورواه من طريقه البيهقى فى سننه (١/ ٦٢)، ورواه الدارقطنى (١/ ٩١)، والبزار فى \"مسنده\" (٢/ ٧٣) (٤١٨)، والبيهقى (١/ ٦٢) من طريق عبد الرحمن بن وردان به. والحديث صححه الألبانى في \"صحيح أبى داود\" (٩٨).\n(^٢٠٦) - رواه ابن جرير الطبرى (١٠/ ٥٥) (١١٤٥٩) من طريق عبد الوهاب بن عبد الأعلى عن خالد به، وأبو جعفر النحاس فى ناسخه (ص ٣٧٦) من طريق هشيم قال: أخبرنا خالد فذكره، وخالد هو ابن مهران الحذاء وهو ثقة. والأثر ذكره السيوطى فى \"الدر المنثور\" (٢/ ٤٦٤) وزاد نسبته إلى \"سعيد ابن منصور، وابن أبى شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر\".\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- في ز: \"وقال\".","vol":"5","page":104},{"text":"وروي عن عبد الله بن مسعود وعروة وعطاء وعكرمة والحسن ومجاهد؛ وإِبراهيم والضحاك والسدي ومقاتل بن حيان والزهري وإِبراهيم التيمي - نحو ذلك.\nوهذه قراءة ظاهرة في وجوب الغسل كما قاله السلف، ومن هاهنا ذهب من ذهب إِلى وجوب الترتيب [في الوضوء] [¬١]، كما هو مذهب الجمهور، خلافًا لأبي حنيفة، حيث لم يشترط الترتيب، بل لو غسل قدميه، ثم مسح رأسه، وغسل يديه، ثم وجهه أجزأه ذلك؛ لأن الآية أمرت بغسل هذه الأعضاء، والواو لا تدل على الترتيب. وقد سلك الجمهور في الجواب عن هذا البحث طرقًا.\nفمنهم من قال: الآية دلت على وجوب غسل الوجه ابتداء عند القيام إِلى الصلاة، لأول مأمور به بفاء التعقيب، وهي مقتضية للترتيب، ولم يقل أحد من الناس بوجوب غسل الوجه أولًا، ثم لا يجب الترتيب بعده، بل القائل اثنان: أحدهما يوجب الترتيب، كما هو واقع في الآية، والآخر يقول: لا يجب الترتيب مطلقًا، والآية دلت على وجوب غسل الوجه ابتداء، فوجب الترتيب فيما بعده بالإِجماع و[¬٢]، حيث [¬٣] لا فارق.\nومنهم من قال: لا نسلم أن الواو لا تدل على الترتيب، بل هي دالة كما هو مذهب طائفة من النحاة، وأهل اللغة، وبعض الفقهاء، ثم يقول بتقدير تسليم [¬٤] كونها لا تدل على الترتيب اللغوي، هي دالة على الترتيب شرعًا، فيما من شأنه أن يرتب، والدليل على ذلك أنه ﷺ لما طاف بالبيت؛ خرج من باب الصفا، وهو يتلو قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ ثم قال: \" أبدأ بما بدأ الله به\". لفظ مسلم، ولفظ النسائي: \"ابدءوا بما بدأ الله به\". وهذا لفظ أمر، وإِسناده صحيح (^٢٠٧)، فدل على وجوب البداءة بما بدأ اللَّه به، وهو معنى كونها تدل على الترتيب شرعًا، والله أعلم.\n_________\n(^٢٠٧) - هو جزء من حديث جابر الطويل فى صفة حجته ﷺ رواه مسلم فى صحيحه فى كتاب الحج، باب حجة النبى ﷺ، الحديث (١٢١٨) هن طريق جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر. وقد جمع العلامة الشيخ محمد ناصر الدين الألبانى - حفظه الله - طرق هذا الحديث فى رسالة مفردة وهى مطبوعة، وذكر متن الحديث بزياداته فى الإرواء رقم (١٠١٧) وأما الرواية الثانية التى ذكرها الحافظ ابن كثير هنا \"ابدءوا بما بدأ الله به\" فأخرجها أحمد فى مسنده (٣/ ٣٩٤) من طريق سليمان بن بلال عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر، ورواه الدارقطنى (٢/ ٢٥٤) (٧٩)، والبيهقى (١/ ٨٥) من طريق سفيان الثورى عن جعفر به. وعزاه المصنف هنا للنسائى، وكذا النووى فى شرح مسلم (٨/ ٢٤٥) والزيلعى فى نصب الراية (٣/ ٥٤)، وغيرهم هن الحفاظ، ولم أقف عليه فى سننه الصغرى،=\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٢]- في ز: \"الإجماع\".\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.","vol":"5","page":105},{"text":"ومنهم من قال: لما ذكر الله تعالى هذه الصفة في هذه الآية على هذا الترتيب، فقطع النظير عن النظير، وأدخل الممسوح بين المغسولين، دل ذلك على إرادة الترتيب.\nومنهم من قال: لا شك أنه قد روى أبو داود وغيره من طريق عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده - أن رسول الله ﷺ توضأ مرة مرة، ثم قال: \"هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إِلا بة\" (^٢٠٨) قالوا: فلا يخلو، إِما أن يكون توضأ مرتبًا [¬١]، فيجب الترتيب، أو يكون توضأ غير مرتب، فيجب عدم الترتيب، ولا قائل به، فوجب مما ذكرناه.\n_________\n= ولكن وجدته فى الكبرى فى كتاب الحج، باب: الدعاء على الصفا، الحديث (٣٩٦٨) أخبرنا إبراهيم بن هارون البلخى حدثنا حاتم بن إسماعيل حدثنا جعفر بن محمد به، ومن طريق النسائى رواه ابن حزم فى \"المحلى\" (٢/ ٦٦) ورواه أحمد فى \"مسنده\" (٣/ ٣٩٤) من طريق سليمان بن بلال عن جعفر به، والثوري وسليمان بن بلال ثقتان محتج بهما فى الصحيحين، وحاتم بن إسماعيل وثقه يحيى بن معين والدارقطنى، وابن حبان والعجلى، والذهبى، وهو من رجال الصحيحين أيضًا ولم يقف العلامة الألبانى - حفظه الله - على الحديث بهذا اللفظ فى سنن النسائى الكبري لكن نقله عن ابن حزم وأعله بالشذوذ مخالفته هذه الرواية بجميع الطرق عن حاتم بن إسماعيل، ثم قال: وجملة القول: أن هذا اللفظ: \"ابدءوا\" شاذ لا يثبت لتفرد الثوري وسليمان به، مخالفين فيه سائر الثقات الذين سبق ذكرهم وهم سبعة، وقد قالوا: \"نبدأ\" فهو الصواب، ولا يمكن القول بتصحيح اللفظ الآخر لأن الحديث واحد، وتكلم به ﷺ مرة واحدة عند صعوده على الصفا، فلابد من الترجيح، وهو ما ذكرنا\".\n(^٢٠٨) - لم أجده فى سنن أبى داود هكذا والذى فى سنن أبى داود من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رجلًا أتى النبى ﷺ فقال: يا رسول الله، كيف الطهور؟ فدعا بماء فى إناء … الحديث. وفيه أنه علمه الوضوء ثلاثًا ثلاثًا وليس مرة مرة، وفى آخره: \"ثم قال: هكذا الوضوء فمن زاد على هذا أو نقص فقد أساء وظلم\" أو \"ظلم وأساء\" والحديث صححه الألبانى فى \"صحيح سنن أبى داود\" (١٢٣) دون قوله أو \"نقص\" فإنه شاذ. لكن روي الطبرانى فى \"الأوسط\" (٧٣٤٦)، والبزار فى مسنده (٦/ ٣٦٩) (٢٣٨٥)، وهو فى كشف الأستار (١/ ١٤٢) (٢٦٩)، ومختصر زوائد البزار لابن حجر (١/ ١٦٤، ١٦٦) من طريق بكر بن يحيى بن زبان العنزي قال: أخبرنا مندل بن علي عن ابن أبى نجيح عن مجاهد عن عبد الله بن عمرو ﵄ أن النبى ﷺ توضأ مرة مرة، زإد الطبرانى: \"ثم قام فصلى\" وقال الهيثمى في \"مجمع الزوائد\" (١/ ٢٣٧): فيه مندل بن علي ضعفه أحمد وابن المدينى وابن معين فى رواية ووثقه فى أخرى. اهـ. قلت: وضعفه أيضًا الحافظ فى \"التقريب\" والحديث مُخَالفٌ بما رواه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبى ﷺ علم الرجل الذي سأله: كيف الطهور؟ أن يتوضأ ثلاثًا ثلاثًا.\n_________\n[¬١]- في خ: \"مرة\".","vol":"5","page":106},{"text":"وأما القراءة الأخرى، وهي قراءة من قرأ ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ بالخفض. فقد احتج بها الشيعة في قولهم بوجوب مسح الرجلين؛ لأنها عندهم معطوفة على مسح الرأس. وقد روي عن طائفة من السلف ما يوهم القول بالمسح، فقال ابن جرير (^٢٠٩):\nحدثني بعقوب بن إِبراهيم، حدثنا ابن علية، حدثنا حميد قال: قال موسى بن أنس لأنس، ونحن عنده: يا أبا حمزة، إِن الحجاج خطبنا بالأهواز، ونحن معه، فذكر الطهور، فقال: اغسلوا وجوهكم وأيديكم، وامسحوا برءوسكم وأرجلكم، وأنه ليس شئ من ابن آدم أقرب من خبثه من قدميه، فاغسلوا بطونهما وظهورهما وعراقيبهما، فقال أنس: صدق الله وكذب الحجاج. قال الله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾ قال: وكان أنس إِذا مسح قدميه بلهما. إِسناد صحيح إِليه.\nوقال ابن جرير (^٢١٠): حدثنا على بن سهل، حدثنا مؤمل، حدثنا حماد، حدثنا عاصم الأحول، عن أنس [¬١] قال: نزل القرآن بالمسح، [والسنة بالغسل] [¬٢]. وهذا أيضًا إِسناد صحيح.\nوقال ابن جرير (^٢١١): حدثنا أبو كريب، [حدثنا محمد بن قيس] [¬٣] الخراساني، عن ابن\n_________\n(^٢٠٩) - رواه فى تفسيره (١٠/ ٥٨) (١١٤٧٥) قال: حدثنا حميد بن مسعدة قال: حدثنا بشر بن المفضل، عن حميد ح، وحدثنا يعقوب بن إبراهيم قال حدثنا ابن علية قال، حدثنا حميد قال موسى ابن أنس فذكره ورواه (١٠/ ٥٨ - ٥٩) (١١٤٧٧) حدثنا ابن بشار قال حدثنا ابن أبى عدى عن حميد عن موسى بن أنس فذكر نحوه، ورواه البيهقى فى سننه (١/ ٧١) من طريق عبد الوهاب بن عطاء أنا حميد عن موسى بن أنس بنحوه، ورواه ابن أبي شيبة في مصنفه (١/ ٣٠) حدثنا إسماعيل بن علية عن حميد قال: كان أنس إذا مسح على قدميه بلهما. ولم يذكر فى إسناده موسى بن أنس وموسى بن أنس روى عن أبيه وعن ابن عباس وثقه ابن سعد وذكره ابن حبان فى \"الثقات\" (٥/ ٤٠١) وروى له الجماعة. والأثر ذكره السيوطى فى \"الدر المنثور\" (٢/ ٤٦٤ - ٤٦٥) وزاد نسبته إلى سعيد بن منصور.\n(^٢١٠) - رواه فى تفسيره (١٠/ ٥٨) (١١٤٧٦).\n(^٢١١) - رواه فى تفسيره (١٠/ ٥٨) (١١٤٧٤)، ومحمد بن قيس قال الشيخ شاكر: لم أجد له ذكرًا، ولم أعرف من يكون، وعسى أن يكون محرفًا. قلت: فى بعض نسخ ابن كثير \"ابن ميسرة\" ولم أجد فى الرواة عن ابن جريج لا محمد بن قيس ولا محمد بن ميسرة لكن تابعه عبد الرزاق فرواه فى مصنفه (١/ ١٩) (٥٥) عن ابن جريج أنه سمع عكرمة يقول قال ابن عباس: الوضوء مسحتان وغسلتان،=\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"الحسن\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٣]- ما بين المكوفتين في ز: \"بن ميسرة\".","vol":"5","page":107},{"text":"جريج، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: الوضوء غسلتان ومسحتان.\nوكذا روى سعيد بن أبي عروبة عن قتادة (^٢١٢).\nوقال ابن أبي حاتم (^٢١٣): حدثنا أبي، حدثنا أبو معمر المنقري، حدثنا عبد الوهاب، حدثنا على بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ قال: هو المسح. ثم قال: وروي عن ابن عمر وعلقمة وأبي جعفر محمد بن عَلي والحسن في إِحدى الروايات وجابر بن زيد ومجاهد في إحدى الروايات - نحوه.\nوقال ابن جرير (^٢١٤): حدثنا يعقوب، حدثنا ابن علية، حدثنا أيوب، قال: رأيت عكرمة يمسح على رجليه قال: وكان يقوله.\nوقال [¬١] ابن جرير (^٢١٥): حدثني أبو السائب، حدثنا ابن إِدريس، عن داود بن أبي هند،\n_________\n= ورواه عبد الرزاق (٥٤) عن معمر عن قتادة عن جابر بن يزيد، أو عكرمة عن ابن عباس قال: افترض الله غسلتين ومسحتين ألا ترى أنه ذكر التيمم فجعل مكان الغسلتين مسحتين وترك المسحتين. وقال رجل لمطر الوراق: من كان يقول: المسح على الرجلين؟ فقال: فقهاء كثير.\n(^٢١٢) - رواه ابن جرير فى تفسيره (١٠/ ٦٠) (١١٤٨٧) عن قتادة بلفظ: \"افترض الله غسلتين، ومسحتين،. وذكره السيوطى فى \"الدر المنثور\" (٢/ ٤٦٤) وزاد نسبته إلى ابن المنذر.\n(^٢١٣) - فى إسناده على بن زيد بن جدعان وهو ضعيف روى له أصحاب السنن ولم يحتج به مسلم، وإنما روى له مقرونًا بثابت البنانى، والأثر: ذكره السيوطى فى \"الدر المنثور\" (٢/ ٤٦٤) ولم يعزه لغير ابن أبى حاتم، وروى ابن أبى شيبة فى مصنفه (١/ ٣٢) ومن طريقه ابن ماجة فى الطهارة، باب: ما جاء فى غسل القدمين، الحديث (٤٥٨) حدثنا ابن علية عن روح بن القاسم، عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن الرُّبيع، قالت: أتانى ابن عباس فسألنى عن هذا الحديث - تعنى حديثها الذى ذكرت أن رسول الله ﷺ توضأ وغسل رجليه - فقال ابن عباس: إن الناس أبوا إلَّا الغسل، ولا أجد فى كتب الله إلَّا المسح. ورواه عبد الرزاق فى مصنفه (١/ ٢٢) (٦٥) عن معمر عن عبد الله بن محمد بن عقيل فذكره. وقال البوصيرى فى مصباح الزجاجة (١/ ١٨٣): إسناده حسن وحسنه الألبانى فى ضعيف ابن ماجة دون قول ابن عباس فقال: فإنه منكر.\n(^٢١٤) - رواه فى تفسيره (١٠/ ٥٩) (١١٤٧٨) قال حدثنا يعقوب حدثنا ابن علية حدثنا عبيد الله العتكى عن عكرمة قال: ليس على الرجلين غسل إنما نزل فيهما المسح. ورواه ابن أبي شيبة (١/ ٣٠) قال حدثنا ابن علية فذكره كما نقله المصنف هنا تمامًا، والله أعلم.\n(^٢١٥) - وواه فى تفسيره (١٠/ ٥٩) (١١٤٨٠) ورواه عبد الرزاق (١/ ١٩) (٥٦)، وابن أبى شيبة (١/ ٣٠) من طريق إسماعيل بن أبى خالد عن الشعبى وسيأتى فى الذى بعده.\n_________\n[¬١]- مكانها بياض في ز.","vol":"5","page":108},{"text":"عن الشعبي قال: نزل جبريل بالمسح، ثم قال الشعبي: ألا ترى أن التيمم أن يمسح ما كان غسلًا، ويلغي [¬١] ما كان مسحًا.\nوحدثنا ابن أبي زياد (^٢١٦)، حدثنا يزيد، أخبرنا إسماعيل، قلت لعامر: إِن ناسًا يقولون: إِن جبريل نزل بغسل الرجلين، فقال: نزل جبريل بالمسح.\nفهذه آثار غريبة جدًّا، وهي محمولة على أن المراد بالمسح: هو الغسل الخفيف، لما سنذكره من السنة الثابتة في وجوب غسل الرجلين، وإِنما جاءت هذه القراءة بالخفض، إِما على المجاورة، وتناسب الكلام، كما في قول العرب: جُحْر ضبٍّ خربٍ، وكقوله تعالى: ﴿عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ﴾، وهذا ذائع شائع في لغة العرب، سائغ، ومنهم من قال: هي محمولة على مسح القدمين، إِذا كان عليهما الخفان، قاله أبو عبد الله الشافعي ﵀ ومنهم من قال: هي دالة على مسح الرجلين، ولكن المراد بذلك الغسل الخفيف، كما وردت [¬٢] به السنة، وعلى كل تقدير، فالواجب غسل الرجلين، فرضًا لابد منه، للآية والأحاديث التي سنوردها، ومن أحسن ما يستدل به على أن المسح يطلق على الغسل الخفيف، ما رواه الحافظ البيهقي حيث قال (^٢١٧):\nأخبرنا أبو على الروذباري، حدثنا أبو بكر محمد بن أحمد بن محمويه العسكري، حدثنا جعفر بن محمد القلانسي، حدثنا آدم، حدثنا شعبة، حدثنا عبد الملك بن ميسرة، سمعت النزال بن سبرة يحدث عن علي بن أبي طالب، أنه صلى الظهر، ثم قعد في حوائج الناس في رحبة الكوفة، حتى حضرت صلاة العصر، ثم أتى بكوز من ماء، فأخذ منه حفنة واحدة، فمسح بها وجهه ويديه ورأسه ورجليه، ثم قام فشرب فضله، وهو قائم، ثم قال: إِن ناسًا يكرهون الشرب قائمًا، وإِن رسول الله ﷺ صنع كما [¬٣] صنعت. وقال: \"هذا وضوء من لم يحدث\".\nرواه البخاري في الصحيح عن آدم ببعض معناه.\nومن أوجب [¬٤] من الشيعة مسحهما، كما يمسح الخف - فقد ضل وأضل، وكذا من جوز\n_________\n(^٢١٦) - رواه في تفسيره (١٠/ ٦٠) (١١٤٨٥)، وانظر الذى قبله.\n(^٢١٧) - رواه في سننه (١/ ٧٥)، وفد تقدم تخريجه رقم (١٧٥).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"وبلغني\".\n[¬٢]- في ز: \"ورد\".\n[¬٣]- في ز: \"ما\".\n[¬٤]- في ز: \"أحب\".","vol":"5","page":109},{"text":"مسحهما، وجوز غسلهما فقد أخطأ أيضًا، ومن نقل عن أبي جعفر بن جرير، أنه أوجب غسلهما للأحاديث، وأوجب مسحهما للآية، فلم يحقق مذهبه في ذلك، فإِن كلامه في تفسيره؛ إِنما يدل على أنه أراد أنه يجب دَلْكُ الرجلين من دون سائر أعضاء الوضوء؛ لأنهما يليان الأرض والطين، وغير ذلك؛ فأوجب دلكهما ليذهب ما عليهما، ولكنه عبر عن الدلك بالمسح، فاعتقد من لم يتأمل كلامه، أنه أراد وجوب الجمع بين غسل الرجلين ومسحهما، فحكاه من حكاه كذلك، ولهذا يستشكله كثير من الفقهاء، وهو معذور؛ فإِنه لا معنى للجمع بين المسح والغسل، سواء تقدمه أو تأخر عليه لاندراجه فيه، وإِنما أراد الرجل ما ذكرته، والله أعلم. ثم تأملت كلامه أيضًا، فإذا هو يحاول الجمع بين القراءتين في قوله: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ خفضًا على المسح، وهو الدلكَ، ونصبًا على الغسل، فأوجبهما أخذًا بالجمع بين هذه وهذه.\n\n<span data-type='title' id=toc-99>ذكر الأحاديث الواردة في غسل الرجلين وأنه لابد منه </span>[¬١]\nقد تقدم في حديث أميَري المؤمنين: عثمان وعلي، وابن عباس ومعاوية وعبد الله بن زيد بن عاصم والمقداد بن معد يكرب، أن رسول الله ﷺ غسل الرجلين في وضوئه، إِما مرة وإما مرتين أو ثلاثا، على اختلاف رواياتهم (^٢١٨).\nوفي حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، أن رسول الله ﷺ توضأ، فغسل قدميه، ثم قال: \"هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إِلا به\" (^٢١٩).\nوفي الصحيحين (^٢٢٠) من رواية أبي عوانة، عن أبي بشر، عن يوسف بن ماهك، عن عبد الله بن عمرو، قال: تخلف عنا رسول الله ﷺ في سفرة سافرناها، فأدركنا وقد أرهقتنا الصلاة - صلاة العصر - ونحن نتوضأ، فجعلنا نمسح على أرجلنا، فنادى بأعلى صوته:\n_________\n(^٢١٨) - تقدم حديث عثمان برقم (١٨٩) و(٢٠٢، ٢٠٥) وحديث على برقم (١٩٩)، وحديث ابن عباس رقم (١٩٨) وحديث عبد الله بن زيد رقم (١٩٨)، وحديث معاوية وحديث المقدام تقدما برقم (٢٠٠).\n(^٢١٩) - تقدم رقم (٢٠٨).\n(^٢٢٠) - أخرجه البخارى في صحيحه، كتاب العلم، باب: من رفع صوته بالعلم، الحديث (٦٠)، وفي باب: من أعاد الحديث ثلاثًا ليفهم عنه الحديث (٩٦)، وفى الوضوء، باب: غسل الرجلين، ولا يمسح على القدمين، الحديث (١٦٣)، ومسلم في الطهارة باب: وجوب غسل الرجلين بكمالهما، الحديث (٢٤١/ ٢٧).\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.","vol":"5","page":110},{"text":"\"أسبغوا الوضوء، ويل للأعقاب من النار\".\nوكذلك هو في الصحيحين عن أبي هريرة. (^٢٢١)\nوفي صحيح مسلم، عن عائشة، عن النبي ﷺ أنه قال: \"أسبغوا الوضوء، ويل للأعقاب من النار\" (^٢٢٢).\nوروى الليث بن سعد، عن حيوة بن شريح، عن عقبة بن مسلم، عن عبد الله بن الحارث بن [جَزْءٍ أنه] [¬١] سمع رسول الله ﷺ يقول: \"ويل للأعقاب وبطون الأقدام من النار\" (^٢٢٣)، رواه البيهقي والحاكم، وهذا إِسناد صحيح.\nوقال الإِمام أحمد (^٢٢٤): حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن أبي إِسحاق أنه سمع سعيد بن أبي كرب أو شعيب بن أبي كرب قال: سمعت جابر بن عبد الله، وهو على جمل [¬٢]،\n_________\n(^٢٢١) - رواه البخارى في الوضوء، باب: غسل الأعقاب، الحديث (١٦٥)، ومسلم في الطهارة، باب وجوب غسل الرجلين بكمالهما، الحديث (٢٤٢) من طريق محمد بن زياد عن أبى هريرة.\n(^٢٢٢) - رواه مسلم في الطهارة، باب: غسل الرجلين بكمالهما الحديث (٢٤٠) من طريق سالم مولى شداد بن الهاد عن عائشة ﵂.\n(^٢٢٣) - رواه ابن خزيمة في صحيحه (١٦٣) والدارقطنى (١/ ٩٥) والحاكم (١/ ١٦٢) والطحاوى فى \"شرح معانى الآثار\" (١/ ٣٨)، والبيهقى (١/ ٧٠) من طريق الليث بن سعد به، وصحح إسناده الألبانى في تعليقه على صحيح ابن خزيمة، وفى صحيح الترغيب والترهيب (٢١٦) وللحديث طريق آخر أخرجه أحمد فى مسنده (٤/ ١٩١) وابن أبى عاصم في \"الآحاد والمثانى\" (٢٤٨٤)، والطحاوى (١/ ٣٨) من طريق ابن لهيعة ثنا حيوة بن شريح به. وأشار إليه الترمذى فى سننه فى أبواب الطهارة، باب ما جاء: \"ويل للأعقاب من النار\" عقب الحديث (٤١)، والحديث ذكره الهيثمى فى \"مجمع الزوائد\" (١/ ٢٤٥) وعزاه للطبرانى مرفوعًا ولأحمد موقوفًا، قال: ورجال أحمد والطبرانى ثقات. قلت: وهو عند أحمد مرفوعًا أيضًا كما تقدم. وصحح إسناده أيضًا الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على الترمذى.\n(^٢٢٤) - رواه في المسند (٣/ ٣٦٩)، ورواه ابن جرير الطبرى في تفسيره (١٠/ ٦٩) (١١٥١١ - ١١٥١٣) من طرق عن شعبة به، ورواه ابن ماجه كتاب الطهارة وسننها، باب: غسل العراقيب، الحديث (٤٥٤)، وأحمد (٣/ ٣٩٠)، وابن جرير في تفسيره (١٠/ ٧٠، ٧١) (١١٥١٤ - ١١٥١٦)، والطحاوى في شرح المعانى (١/ ٣٨) من طرق عن أبى إسحاق به. ورواه أحمد (٣/ ٣٩٣) من طريق يزيد بن عطاء عن أبى إسحاق عن سعيد بن أبى كرب وعبد الله بن مرثد فذكراه، ورواه أحمد (٣/ ٣١٦)، وابن جرير (١٠/ ٧١) (١١٥١٧، ١١٥١٨) من طريق الأعمش عن أبى سفيان عن جابر أن رسول الله ﷺ رأى قومًا يتوضئون فلم يمس أعقابهم الماء، فقال: \"ويل للأعقاب =\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ز: \"جزانة\".\n[¬٢]- في ز: \"جبل\".","vol":"5","page":111},{"text":"يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"ويل [¬١] للعراقيب من النار\".\nوحدثنا أسود بن عامر، أخبرنا إِسرائيل، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن أبي كرب، عن جابر بن عبد الله، قال: رأى النبي ﷺ في رِجْلِ رَجُلٍ مثل الدرهم لم يغسله، فقال: \"ويل للأعقاب [¬٢] من النار\" (^٢٢٥).\nورواه ابن ماجة عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن أبي [¬٣] الأحوص، عن أبي إِسحاق، عن سعيد به نحوه.\nوكذا رواه ابن جرير، من حديث سفيان الثوري، وشعبة بن الحجاج، وغير واحد، عن أبي إِسحاق السبيعي، عن سعيد بن أبي كرب، عن جابر، عن النبى ﷺ مثله، ثم قال (^٢٢٦):\nحدثنا على [¬٤] بن مسلم، حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، حدثنا حفص، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر أن رسول الله ﷺ رأى قومًا يتوضئون، لم يصب أعقابهم الماء، فقال: \"ويل للعراقيب من النار! \".\nوقال الإِمام أحمد: حدثنا خلف بن الوليد، حدثنا أيوب بن عتبة [¬٥]، عن يحيى [¬٦] بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن معيقيب قال: قال رسول الله ﷺ: \"ويل للأعقاب من النار! \" (^٢٢٧). تفرد به أحمد.\nوقال ابن جرير: حدثني [على بن] عبد الأعلى، حدثنا المحاربي، عن مطرِّح بن يزيد، عن\n_________\n= من النار\". وأصل الحديث في الصحيحين من حديث ابن عمرو - وأبى هريرة وقد تقدم تخريجهما قريبًا.\n(^٢٢٥) - رواه في مسنده (٣/ ٣٩٠) وراجع الذى قبله.\n(^٢٢٦) - رواه في تفسيره (١٠/ ٧١) (١١٥١٨)، وانظر رقم (٢٢٤).\n(^٢٢٧) - رواه في مسنده (٣/ ٤٢٦)، (٥/ ٤٢٥)، ورواه ابن جرير الطبرى (١٠/ ٧١) (١١٥١٩) قال: حدثنا أبو سفيان الغنوى يزيد بن عمرو قال: حدثنا خلف بن الوليد فذكره. ورواه الطبرانى في الكبير (٢٠/ ٣٥٠) (٨٢٢) من طريقين عن أيوب بن عتبة به. والحديث ذكره الهيثمى فى \"مجمع الزوائد\" (١/ ٢٤٠) وعزاه لأحمد والطبرانى فى الكبير وقال: \"وفيه أيوب بن عتبة والأكثر على تضعيفه\". قلت: تابعه الأوزاعى رواه الطبرانى فى الكبير (٢٠/ ٣٥٠) (٨٢٣) من طريق مبشر بن إسماعيل عن الأوزاعى عن يحيى بن أبى كثير به. وللحديث شواهد من حديث ابن عمرو، وعائشة وغيرهما.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- في ز: \"للعقب\".\n[¬٣]- سقط من: خ.\n[¬٤]- في ز، خ: \"عفان\".\n[¬٥]- في ز: \"عقبة\".\n[¬٦]- في خ: \"محمد\".","vol":"5","page":112},{"text":"عبيد الله بن زحر، عن علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ: \" [ويل للأعقاب من النار!] [¬١] \". قال [¬٢]: فما بقي في المسجد شريف ولا وضيع إِلا نظرت إِليه، يقلب عرقوبيه ينظر إِليهما (^٢٢٨).\nوحدثنا أبو كريب، حدثنا حسين، عن زائدة، عن ليث، حدثني عبد الرحمن بن سابط، عن أبي أمامة - أو عن أخي أبي أمامة - أن رسول الله ﷺ أبصر قومًا يصلون، وفي عقب أحدهم، أو كعب أحدهم مثل موضع الدرهم، أو موضع الظفر لم يمسه الماء، فقال: \"ويل للأعقاب من النار! \". قال: فجعل الرجل إِذا رأى في عقبه شيئًا لم يصبه الماء؛ أعاد وضوءه (^٢٢٩).\nووجه الدلالة من هذه الأحاديث ظاهرة، وذلك أنه لو كان فرض الرجلين مسحهما، أو أنه يجوز ذلك فيهما - لما توعد على تركه؛ لأن المسح لا يستوعب جميع الرجل، بل يجري فيه ما يجري في مسح الخف، وهكذا وجَّه هذه [¬٣] الدلالة على الشيعة الإِمام أبو جعفر بن جرير، رحمه الله تعالى.\nوقد روى مسلم [¬٤] في صحيحه من طريق أبي الزبير، عن جابر، عن عمر بن الخطاب - أن رجلًا توضأ، فترك موضع ظفر على قدمه، فأبصره النبي ﷺ، فقال: \"ارجع فأحسن\n_________\n(^٢٢٨) - رواه في تفسيره (١٠/ ٧٣) (١١٥٢٥)، وفى إسناده عبيد الله بن زحر وثقه أبو زرعة والنسائى وأحمد في رواية والأكثر على تضعيفه ترجمته في التهذيب، وانظر أيضًا \"الجرح والتعديل\" (٥/ الترجمة ١٤٩٩) وعلى بن يزيد هو الألهانى قال الحافظ فى \"التقريب\" ضعيف. وقال العلامة أحمد شاكر فى تفسير الطبرى (٧/ ١٢٧) فى الكلام على عبيد الله بن زحر: \"من تكلم فيه إنما هو من أجل نسخة يرويها عن علي بن يزيد الألهانى، الحمل فيها على على بن يزيد\" وقد روى الحديث من طريق أخرى عن أبى أمامة وهى أيضًا ضعيفة انظر التالى.\n(^٢٢٩) - رواه ابن جرير في تفسيره (١٠/ ٧٤) (١١٥٢٦) ورواه الطبرانى فى الكبير (٨/ ٣٤٧) (٨١٠٩) عن علي بن مسهر وفى (٨/ ٣٤٨ - ٣٤٩) (٨١١٦) من طريق عبد الواحد بن زياد، كلاهما قال: ثنا ليث فذكره ورواه الطبرانى فى الكبير أيضًا (٨١١٠ - ٨١١٢، ٨١١٤، ٨١١٥) من طرق عن ليث ابن أبى سليم نحوه. قال الهيثمى في \"مجمع الزوائد\" (١/ ٢٤٥): رواه الطبرانى فى الكبير من طرق ففى بعضها عن أبى أمامة وأخيه، وفى بعضها عن أبى أمامة فقط، وفى بعضها عن أخيه فقط … ومدار طرقه كلها على ليث بن أبى سليم وقد اختلط\".\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين مكرر في ز.\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- في خ: \"أبو مسلم\".","vol":"5","page":113},{"text":"وضوءك\" (^٢٣٠).\nوقال الحافظ أبو بكر البيهقي (^٢٣١): أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا محمد بن إسحاق الصاغاني [¬١]، حدثنا هارون بن معروف، حدثنا ابن وهب، حدثنا جرير بن حازم، أنه سمع قتادة بن دعامة قال: حدثنا أنس بن مالك، أن رجلًا جاء إِلى النبي ﷺ قد توضأ، وترك على قدمه مثل موضع الظفر، فقال له رسول الله ﷺ: \"ارجع فأحسن وضوءك\".\nوهكذا رواه أبو داود عن هارون بن معروف، وابن ماجة عن حرملة ويحيى كلاهما عن ابن وهب به.\nوهذا إسناد جيد، رجاله كلهم ثقات، لكن قال أبو داود: ليس هذا الحديث بمعروف، لم يروه إلا ابن وهب.\nوحدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد، أخبرنا يونس وحميد، عن الحسن أن رسول الله ﷺ … بمعنى حديث قتادة.\nوقال الإِمام أحمد (^٢٣٢): حدثنا إِبراهيم بن أبي العباس، حدثنا بقية، حدثني بَحِير بن سعد، عن خالد بن معدان، عن بعض أزواج النبي ﷺ، [أن رسول الله ﷺ] [¬٢] رأى رجلًا يصلي، وفي ظهر قدمه لمعة قدر الدرهم، لم يصبها الماء، فأمره رسول الله\n_________\n(^٢٣٠) - رواه مسلم في صحيحه فى الطهارة، باب: وجوب استيعاب جميع أجزاء محل الطهارة، الحديث (٢٤٣)، وابن ماجة في كتاب الطهارة وسننها، باب من توضأ فترك موضعًا لم يصبه الماء، الحديث (٦٦٦)، وأحمد (١/ ٢١، ٢٣) من طريق أبى الزبير به.\n(^٢٣١) - رواه فى \"السنن الكبرى\" (١٠/ ٧٠)، ورواه أبو داود، فى الطهارة، باب: تفريق الوضوء، الحديث (١٧٣) ومن طريقه البيهقى (١/ ٨٣) ورواه أبو يعلى (٥/ ٣٢٢) (٢٩٤٤) وعبد الله بن أحمد فى زوائد المسند (٣/ ١٤٦) قالوا حدثنا هارون بن معروف به. ورواه أحمد (٣/ ١٤٦)، وابن ماجه فى الطهارة، باب: من توضأ فترك موضعًا لم يصبه الماء، الحديث (٦٦٥)، وابن خزيمة (١/ ٨٤ - ٨٥) (١٦٤)، والدارقطنى (١/ ١٠٨) من طرق عن عبد الله بن وهب به. وقال الألبانى - حفظه الله - فى الإرواء (١/ ١٢٧) سنده صحيح. قلت: أعله أبو داود فقال: وهذا الحديث ليس بمعروف عن جرير بن حازم. ولم يروه إلا ابن وهب وقد روى عن معقل بن عبيد الله الجزرى عن أبى الزبير عن جابر عن عمر عن النبى ص نحوه وقال: \"ارجع فأحسن الوضوء\" ثم رواه عن الحسن مرسلًا. قلت: أمَّا تفرد جرير به فلا يضر فإنه ثقة، وكذا قال الدارقطنى فى سننه، وأمَّا الطريق المرسلة فإنها لا تضر حديث قتادة عن أنس الموصول بل تقويها.\n(^٢٣٢) - المسند (٣/ ٤٢٤) والذى فيه: عن خالد بن معدان عن بعض أصحاب النبى وكذا هو فى سنن =\n_________\n[¬١]- فى ز: \"الصنعاني\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"5","page":114},{"text":"ﷺ أن يعيد الوضوء.\nورواه أبو داود من حديث بقية، وزاد: والصلاة، وهذا إِسناد جيد قوي صحيح، والله أعلم.\nوفي حديث حُمران [¬١]، عن عثمان فى صفة وضوء النبي ﷺ، أنه خلل بين أصابعه (^٢٣٣). وروى أهل السنن من حديث إِسماعيل بن كثير، عن عاصم بن لقيط بن صبرة، عن أبيه، قال: قلت يا رسول الله، أخبرني عن الوضوء فقال: \"أسبغ الوضوء، وخلل بين الأصابع، وبالغ في الاستنشاق، إِلا أن تكون صائمًا\" (^٢٣٤).\n_________\n= أبى داود والبيهقى لكن قال ابن حجر فى التلخيص (١/ ١٠٦): فى المسند والمستدرك تصريح بقية بالتحديث، وفيه عن بعض أزواج النبى ﷺ ولم أقف عليه فى المسند المطبوع ولا فى أطراف المسند لابن حجر نفسه. وقد ذكر الحديث رقم (١١٠١٧) عن خالد عن بعض الصحابة، فلعله يكون فى بعض النسخ دون بعض والله أعلم، ورواه أبو داود فى الطهارة، باب: تفريق الوضوء، الحديث (١٧٥) ومن طريقه البيهقى فى سننه (١/ ٨٣) قال: حدثنا حيوة بن شريح حدثنا بقية عن بحير ابن سعد فذكره. وليس فيه إلَّا ما يخشى من تدليس بقية بن الوليد وهو وإن صرح بالتحديث فى روايته عن شيخه إلَّا أنه كان يسوي الأسانيد كما هو معروف عنه فيلزمه أن يصرح بالتحديث فى كل طبقات الإسناد وهو لم يفعل. والحديث أعله أيضًا البيهقى بالإرسال وتعقبه ابن التركمانى فى \"الجوهر النقى\" بقوله: \"تسميته هذا مرسلًا ليس بجيد؛ لأن خالدًا هذا أدرك جماعة من الصحابة وهم عدول، فلا يضرهم الجهالة\" وقال الأثرم: قلت - يعنى لابن حنبل -: إذا قال رجل من التابعين: حدثنى رجل من أصحاب النبى ﷺ، ولم يسمه فالحديث صحيح؟ قال: نعم\". وانظر \"نصب الراية\" (١/ ٣٥)، وتلخيص الحبير (١/ ١٠٦) والإرواء (١/ ١٢٦، ١٢٧).\n(^٢٣٣) - أخرجه البخارى فى الوضوء، باب الوضوء ثلاثًا ثلاثًا، الحديث (١٥٩) وفى باب المضمضة فى الوضوء، الحديث (١٦٤)، وفى الصيام، باب: سواك الرطب واليابس، الحديث (١٩٣٤)، ومسلم فى صحيحه كتاب الطهارة، باب: صفة الوضوء وكماله الحديث (٢٢٦) من طريق ابن شهاب الزهرى عن عطاء بن يزيد الليثى عن حمران به. وقد تقدم حديث عثمان رقم (١٨٩، ٢٠٦).\n(^٢٣٤) - أخرجه أبو داود فى الطهارة، باب فى الاستنثار، الحديث (١٤٢ - ١٤٤)، وفى الصوم، باب: الصائم يصب عليه الماء من العطش، الحديث (٢٣٦٦) والترمذى فى الصوم، باب: ما جاء فى كراهية مبالغة الاستنشاق للصائم، الحديث (٧٨٨)، والنسائى فى الطهارة، باب: المبالغة فى الاستنشاق (١/ ٦٦)، وفى باب: الأمر بتخليل الأصابع (١/ ٧٩)، وابن ماجة فى الطهارة، باب المبالغة فى الاستنشاق، الحديث (٤٠٧)، وفى باب: تخليل الأصابع، الحديث (٤٤٨)، وأحمد (٤/ ٣٢، ٣٣) وابن خزيمة (١٥٠)، (١٦٨)، وابن حبان (١٠٥٤)، (١٠٨٧)، والحاكم (١/ ١٤٧، ١٤٨)، والبيهقى (١/ ٥١، ٥٢) (٤/ ٢١١، ٢٦١) من طرق عن إسماعيل بن كثير عن عاصم بن لقيط عن أبيه. والألفاظ مطولة ومختصره.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"عمران\".","vol":"5","page":115},{"text":"وقال الإِمام أحمد (^٢٣٥): حدثنا عبد الله بن يزيد أبو عبد الرحمن المقري، حدثنا عكرمة بن عمار، حدثنا شداد بن عبد الله الدمشقي، قال: قال أبو أمامة: حدثنا عمرو بن عبسة، قال: قلت: يا رسول الله، أخبرني عن الوضوء؟ قال: \"ما منكم من أحد يقرب وضوءه، ثم يتمضمض، ويستنشق، ويستنثر، إِلا خرت خطاياه من فمه وخياشيمه مع الماء حين يستنثر [¬١]، ثم يغسل وجهه كما أمره الله، إِلا خرت خطايا وجهه من أطراف لحيته مع الماء، ثم يغسل يديه إِلى المرفقين، إِلا خرت خطايا يديه من أطراف أنامله، ثم يمسح رأسه، إِلا خرت خطايا رأسه من أطراف شعره مع الماء، ثم يغسل قدميه إِلى الكعبين كما أمره الله، إلا خرت خطايا قدميه من أطراف أصابعه مع الماء، ثم يقوم فيحمد الله، ويثني عليه [¬٢] بالذي هو له أهل، ثم يركع ركعتين إِلا خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه\". قال أبو أمامة: يا عمرو، انظر ما تقول، سمعت هذا من رسول الله ﷺ؟ أيعطي هذا الرجل كله في مقامه؟ فقال عمرو بن عبسة: يا أبا أمامة لقد كبرت سني، ورق عظمي، واقترب أجلي، وما بي حاجة أن أكذب على الله وعلى رسول الله ﷺ، لو لم أسمعه من رسول الله ﷺ إِلا مرة أو مرتين أو ثلاثًا! لقد سمعته سبع مرات أو أكثر من ذلك.\nوهذا إسناد صحيح، وهو في صحيح مسلم من وجه آخر، وفيه: \"ثم يغسل قدميه كما أمره الله\". فدل على أن القرآن يأمر بالغسل.\nوهكذا روى أبو إِسحاق السبيعي، عن الحارث، عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: اغسلوا القدمين إلى الكعبين كما أمرتم (^٢٣٦).\n_________\n(^٢٣٥) - رواه فى مسنده (٤/ ١١٢)، ورواه أيضًا فى (٤/ ١١١) قال: حدثنا غندر قال: حدثنا عكرمة بن عمار فذكره، ورواه أيضًا (٤/ ١١١) من طريق أبى سلام الدمشقى وعمرو بن عبد الله عن أبى أمامة، والحديث عند مسلم فى صحيحه كتاب صلاة المسافرين، باب: إسلام عمرو بن عبسة، الحديث (٨٣٢) قال: حدثنى أحمد بن جعفر المعقرى قال حدثنا النضر بن محمد قال: حدثنا عكرمة بن عمار فذكره مطولًا جدًّا.\n(^٢٣٦) - رواه البيهقى فى سننه (١/ ٧١) من طريق عمار بن رزيق عن أبى إسحاق به، وعمار بن رزيق - بتقديم الراء المهملة - وهو الضبى أبو الأحوص، وثقه أحمد وغيره، وقال الحافظ فى \"التقريب\": لا بأس به، لكن أبو إسحاق السبيعى وإن كان ثقة إلَّا أنه يدلس، والحارث هو ابن عبد الله الأعور صاحب على ﵁ قال الحافظ فى التقريب: \"كذبه الشعبى فى رأيه ورمى بالرفض وفى حديثه ضعف وليس له عند النسائى سوى حديثين\". والأثر: رواه ابن أبى شيبة فى مصنفه (١/ ٣١) وابن جرير الطبرى فى تفسيره (١٠/ ٥٦) (١١٤٦٧) من طريق وكيع عن سفيان عن أبى إسحاق عن الحارث =\n_________\n[¬١]- فى ز: \"ينتثر\".\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.","vol":"5","page":116},{"text":"ومن هاهنا يتضح لك المراد من [¬١] حديث عبد خير، عن علي أن رسول الله ﷺ رش على قدميه الماء، وهما في النعلين فدلكهما، إِنما أراد غسلًا خفيفًا وهما في النعلين، ولا مانع من إِيجاد الغسل والرجل في نعلها، ولكنْ في هذا رد على المتعمقين والمتنطعين من الموسوسين.\nوهكذا الحديث الذي أورده ابن جرير على نفسه، وهو من روايته، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن حذيفة قال: أتى رسول الله ﷺ سباطة قوم، فبال عليها [¬٢] قائمًا، ثم دعا بماء، فتوضأ ومسح على نعليه (^٢٣٧). وهو حديث صحيح.\nوقد أجاب ابن جرير عنه بأن الثقات الحفاظ رووه عن الأعمش، عن أبي وائل، عن حذيفة قال: فبال قائمًا ثم توضأ، ومسح على خفيه. قلت: ويحتمل الجمع بينهما، بأن يكون في رجليه خفان، وعليهما نعلان.\n_________\n= عن علي قال: اغسل القدمين إلى الكعبين. ورواه ابن جرير (١٠/ ٥٤) (١١٤٥٤) من طريق محمد بن أبان عن أبى إسحاق عن الحارث عن علي قال: اغسلوا الأقدام إلى الكعبين.\n(^٢٣٧) - رواه ابن جرير فى تفسيره (١٠/ ٧٥) (١١٥٢٨) عن عبد الله بن الحجاج بن المنهال قال: حدثنى أبى قال: حدثنا جرير بن حازم قال: سمعت الأعمش فذكره، ثم رواه فى (١٠/ ٧٨ - ٧٩) (١١٥٣١ - ١١٥٣٦) وهو عند البخارى فى الوضوء، باب: البول قائمًا وقاعدًا، الحديث (٢٢٤)، وأطرافه فى (٢٢٥، ٢٢٦)، (٢٤٧١)، ومسلم فى الطهارة، باب: المسح على الخفين (٢٧٣) وغيرهم من طرق عن الأعمش، وتابع الأعمش عليه منصور ولم يقل أحد ممن رواه \"ومسح على نعليه\" غير جرير بن حازم، وقال ابن جرير (١٠/ ٨٠): وكل هؤلاء يحدث ذلك عن الأعمش بالإسناد الذى ذكرنا عن حذيفة: \"أن النبى ﷺ مسح على خفيه\"، وهم أصحاب الأعمش، ولم ينقل هذا الحديث عن الأعمش غير جرير بن حازم، ولو لم يخالفه فى ذلك مخالف، لوجب التثبت فيه لشذوذه، فكيف والثقات من أصحاب الأعمش يخالفونه فى روايته ما روى من ذلك، ولو صح ذلك عن النبى ﷺ كان جائزًا أن يكون مسح على نعليه وهما ملبوستان فوق الجوريين، وإذا جاز ذلك لم يكن لأحد صرف الخبر إلى أحد المعانى المحتملها الخبر إلَّا بحجة يجب التسليم لها.\nوالحديث رواه ابن ماجه فى الطهارة، باب: ما جاء فى البول قائمًا، الحديث (٣٠٦) من طريق شعبة عن عاصم عن أبى وائل عن المغيرة بن شعبة \"أن رسول الله ﷺ أتى سباطة قوم فبال قائمًا\" قال شعبة: قال عاصم يومئذٍ: وهذا الأعمش يرويه عن أبى وائل عن حذيفة وما حفظه فسألت عنه منصورًا فحدثنيه عن أبي وائل عن حذيفة ..، فذكره وقال الترمذى فى سننه عقب حديث حذيفة الذى خرجه برقم (١٣): وروى حماد بن أبى سليمان وعاصم بن بهدلة عن أبى وائل عن المغيرة بن شعبة عن النبى ﷺ: وحديث أبى وائل عن حذيفة أصح. قال الحافظ فى \"فتح البارى\" (١/ ٣٢٩) عقب قول الترمذى هذا: وهو كما قال، وإن جنح ابن خزيمة إلى تصحيح الروايتين لكون حماد =\n_________\n[¬١]- في ز: \"في\".\n[¬٢]- سقط من: ز.","vol":"5","page":117},{"text":"وهكذا الحديث الذي رواه الإِمام أحمد بن حنبل (^٢٣٨): حدثنا يحيى، عن شعبة، حدثني يعلى، عن أبيه، عن أوس بن أَبي أوس، قال رأيت رسول الله ﷺ توضأ [¬١]، ومسح على نعليه، ثم قام إِلى الصلاة.\nوقد رواه أبو داود، عن مسدد وعباد بن موسى كلاهما عن هشيم؛ عن يعلى بن عطاء، عن أبيه، عن أوس بن أبي أوس قال: رأيت رسول الله ﷺ أتى سباطة قوم فبال، وتوضأ ومسح على نعليه وقدميه.\nوقد رواه ابن جرير من طريق شعبة ومن طريق هشيم، ثم قال: وهذا محمول على أنه توضأ كذلك، وهو غير محدث إِذ كان غير جائز أن تكون فرائض الله وسنن رسوله متنافية متعارضة، وقد صح عنه ﷺ الأمر بعموم غسل القدمين في الوضوء بالماء، بالنقل [¬٢] المستفيض، القاطع عذر من انتهى إِليه وبلغه.\n_________\n= ابن أبى سليمان وافق عاصمًا على قوله عن المغيرة، فجاز أن يكون أبو وائل سمعه منهما فيصح القولان معًا، لكن من حيث الترجيح رواية الأعمش ومنصور لاتفاقهما أصح من رواية عاصم وحماد لكونهما فى حفظهما مقال. اهـ.\n(^٢٣٨) - رواه فى مسنده (٤/ ٨) ورواه الطبرانى فى الكبير (١/ ٢٢٢) (٦٠٨) فقال: حدثنا معاذ بن المثنى ثنا مسدد ثنا يحيى بن سعيد عن شعبة فذكره، وابن جرير فى تفسيره (١٠/ ٧٤) (١١٥٢٧) عن محمد ابن المثنى حدثنا يحيى بن سعيد به. ورواه الطبراني رقم (٦٠٧) من طريق زيد بن الحريش حدّثني يحيى ابن سعيد، به. ولم يقل \"وقام إلى الصلاة\" ورواه أبو داود فى سننه كتاب الطهارة، الحديث (١٦٠) ومن طريقه البيهقى فى السنن (١/ ٢٨٦) قال: حدثنا مسدد وعباد بن موسى، قالا: ثنا هشيم، عن يعلى بن عطاء، عن أبيه قال عباد: قال أخبرنى أوس بن أبى أوس الثقفى أن رسول الله ص توضأ ومسح على نعليه وقدميه، وقال عبَّاد: رأيت رسول الله ﷺ أتى كظامة قوم - يعنى الميضأة - ولم يذكر مسدد الميضأة والكظامة، ثم اتفقا \"فتوضأ ومسح على نعليه وقدميه\". والحديث نقله الحافظ ابن كثير هنا وعزاه إلى أبى داود بلفظ: \"أتى سباطة قوم فبال\" وليس هو كذلك عند أبى داود كما مر بل الذى فى السنن: \"أتى كظامة قوم\" وفسر الكظامة بأنها \"الميضأة\" أمَّا السباطة فهى: الكناسة أو هى الموضع الذى يرمى فيه التراب والأوساخ وما يكنس من المنازل انظر النهاية (٢/ ٣٣٥)، وليس فيه: \"فبال\" والحديث رواه أحمد (٤/ ٨) مختصرًا فقال: \"أتى كظامة قوم فتوضأ\" ورواه الطبرانى فى الكبير (١/ ٢٢١) (٦٠٣) فقال: \"أتى كظامة - يعنى مطهرة - فتوضأ ومسح على قدميه\" كلاهما من طريق هشيم عن يعلى ورواه ابن جرير فى تفسيره (١١٥٢٩) من طريق هشيم أيضًا بلفظ: \"أتى سباطة قوم، فتوضأ ومسح على قدميه\" ورواه أحمد (٤/ ٩)، والطبرانى (٦٠٥)، والطحاوى فى شرح المعانى (١/ ٩٦)، والبيهقى (١/ ٢٨٦ - ٢٨٧) من طريق حماد بن سلمة عن يعلى بن عطاء عن أوس بن أبى أوس قال: رأيت أبى يومًا توضأ فمسح على النعلين فقلت له: أتمسح عليهما؟! فقال: هكذا رأيت =\n_________\n[¬١]- في ز: \"يتوضأ\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"بالفعل\".","vol":"5","page":118},{"text":"ولما كان القرآن آمرًا بغسل الرجلين، كما في قراءة النصب، وكما هو [¬١] الواجب في حمل قراءة الخفض عليها [¬٢]- توهم بعض السلف أن هذه الآية ناسخة لرخصة المسح على الخفين، وقد روي ذلك عن علي بن أبي طالب، ولكن لم يصح إِسناده، ثم الثابت عنه خلافه، وليس كما زعموه، فإنه قد ثبت أن النبي ﷺ مسح على [¬٣] الخفين بعد نزول هذه الآية الكريمة.\nوقال الإِمام أحمد (^٢٣٩): حدثنا هاشم بن القاسم، حدثنا زياد بن عبد الله بن علاثة، عن عبد الكريم بن مالك الجزري، عن مجاهد، عن جرير بن عبد الله البجلي، قال: أنا أسلمت بعد نزول المائدة، وأنا رأيت رسول الله ﷺ يمسح بعدما أسلمت. تفرد به أحمد.\nوفي الصحيحين (^٢٤٠) من حديث الأعمش، عن إِبراهيم، عن همام قال: بال جرير، ثم توضأ ومسح على خفيه، فقيل: تفعل هذا؟ فقال: نعم، رأيت رسول الله ﷺ بال ثم توضأ، ومسح على خفيه. قال الأعمش: قال إِبراهيم: فكان يعجبهم هذا الحديث، لأن إِسلام جرير كان بعد نزول المائدة. لفظ مسلم.\nوقد ثبت بالتواتر عن رسول الله ﷺ مشروعيةُ المسح على الخفين، قولًا منه وفعلًا، كما هو مقرر في كتاب الأحكام الكبير، مع [¬٤] ما يحتاج إِلى ذكره هناك من تأقيت المسح، أو عدمه، أو التفصيل فيه، كما هو مبسوط في موضعه، وقد خالفت الروافض [ذلك كله] [¬٥] بلا مستند، بل بجهل وضلال. مع أنه ثابت في صحيح مسلم (^٢٤١) من رواية أمير المؤمنين على بن أبي طالب\n_________\n= رسول الله ﷺ يفعل. ورواه أحمد (٤/ ٩، ١٠)، والطبراني (٦٠٦)، والطحاوى (١/ ٩٧)، من طريق شريك عن يعلى بن عطاء عن أوس عن أبيه أن النبي ﷺ توضأ ومسح على نعليه. وهذا لفظ أحمد والحديث صححه العلامة الألباني في صحيح أبى داود (١٤٥).\n(^٢٣٩) - رواه في مسنده (٤/ ٣٦٣) والحديث في الصحيحين من طريق همام عن جرير، انظر الحديث التالى.\n(^٢٤٠) - رواه البخاري في صحيحه في الصلاة، باب: الصلاة في الخفاف، الحديث (٣٨٧)، ومسلم في الطهارة، باب: المسح على الخفين، الحديث (٢٧٢)، وفي رواية البخاري: قال إبراهيم: فكان يعجبهم لأن جريرًا كان من آخر من أسلم.\n(^٢٤١) - رواه مسلم في صحيحه في كتاب الطهارة، باب: التوقيت في المسح على الخفين، الحديث (٢٧٦) عن شريح بن هانئ قال: أتيت عائشة أسألها عن المسح على الخفين فقالت: عليك =\n_________\n[¬١]- في ز: \"في\".\n[¬٢]- في ت: \"عليه\".\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- في ز، خ: \"و\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين في ت: \"في ذلك\".","vol":"5","page":119},{"text":"﵁ كما ثبت في الصحيحين (^٢٤٢) عنه عن النبي ﷺ النهْيُ عن نكاح المتعة، وهم يستبيحونها، وكذلك هذه الآية الكريمة دالة على وجوب غسل الرجلين، مع ما ثبت بالتواتر من فعل رسول الله ﷺ على وفق ما دلت عليه الآية الكريمة، وهم مخالفون لذلك كله، وليس لهم دليل صحيح في نفس الأمر، ولله الحمد.\nوهكذا خالفوا الأئمة والسلف في الكعبين اللذين في القدمين، فعندهم أنهما في ظهر القدم، فعندهم في كل رجل كعبٌ، وعند الجمهور أن الكعبين هما العظمان الناتئان عند مفصل الساق والقدم. قال الربيع: قال الشافعي: لم أعلم مخالفًا في أن الكعبين اللذين ذكرهما الله في [¬١] [كتابه في الوضوء هما الناتئان، وهما مجمع مفصل الساق والقدم، هذا لفظه، فعند الأئمة ﵏] [¬٢] في [¬٣] كل قدم كعبان [¬٤]، كما هو المعروف عند الناس، وكما دلت عليه السنة، ففي الصحيحين (^٢٤٣) من طريق حُمران، عن عثمان أنه توضأ؛ فغسل رجله اليمنى إلى الكعبين، واليسرى مثل ذلك.\nوروى البخاري تعليقًا مجزومًا به، وأبو داود وابن خزيمة في صحيحه من رواية أبي القاسم الحسين بن الحارث الجدلي، عن النعمان بن بشير، قال: أقبل علينا رسول الله ﷺ بوجهه، فقال: \"أقيموا صفوفكم - ثلاثًا - والله لتقيمن صفوفكم، أو ليخالفن الله بين قلوبكم\". قال: فرأيت الرجل يُلْزِقُ كعبه بكعب صاحبه، وركبته بركبة صاحبه، ومنكبه بمنكبه. لفظ ابن خزيمة (^٢٤٤).\n_________\n= بابن أبى طالب فسله؛ فإنه كان يسافر مع رسول الله ﷺ. فسألناه فقال: جعل رسول الله ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر ويومًا وليلة للمقيم. والحديث رواه أحمد في مسنده (١/ ٩٦، ١١٣، ١٣٤، ١٤٦، ١٤٩)، والنسائى (١/ ٨٤)، والدارمى (٧٢٠) وغيرهم.\n(^٢٤٢) - رواه البخاري في المغازى، باب غزوة خيبر، الحديث (٤٢١٦) وفي النكاح، باب نهى رسول الله ﷺ عن نكاح المتعة أخيرًا، الحديث (٥١١٥)، وفي الصيد والذبائح، باب لحوم الحمر الإنسية، الحديث (٥٥٢٣)، وفي كتاب الحيل، باب الحيلة في النكاح، الحديث (٦٩٦١)، ومسلم في النكاح، باب: نكاح المتعة وبيان أنه أبيح ثم نسخ … الحديث (١٤٠٧) من طريق عبد الله والحسن ابنى محمَّد بن علي عن أبيهما عن علي بن أبى طالب أن رسول الله ﷺ نهى عن متعة النساء يوم خيبر وعن أكل لحوم الحمر الإنسية.\n(^٢٤٣) - تقدم حديث عثمان رقم (٢٠٢)، وانظر أيضًا رقم (٢٠٦).\n(^٢٤٤) - أخرجه أحمد (٤/ ٢٧٦)، وأبو داود في الصلاة، باب: تسوية الصفوف، الحديث (٦٦٢)، وابن خزيمة في صحيحه، الحديث (١٦٠) هن طرق عن زكريا بن أبى زائدة عن حسين بن الحارث=\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- سقط من: خ.\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.","vol":"5","page":120},{"text":"فليس يمكن أن يلزق كعبه بكعب صاحبه، إِلا والمراد به العظم الناتئ في الساق، حتى يحاذي كعب الآخر، فدل ذلك على ما ذكرناه؛ من أنهما العظمان الناتئان عند مفصل الساق والقدم [¬١]، كما هو مذهب أهل السنة.\nوقد قال ابن أبي حاتم (^٢٤٥): حدثنا أبي، حدثنا إِسماعيل بن موسى، أخبرنا شريك، عن يحيى بن الحارث [بن عبد الله] [¬٢] التيمي - يعني: الجابر - قال: نظرت في قتلى أصحاب زيد، فوجدت الكتب فوق [] [¬٣] ظهر القدم، وهذه عقوبة عوقب بها الشيعة بعد قتلهم، تنكيلًا بهم في مخالفتهم الحق، وإِصرارهم عليه.\nوقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾، كل ذلك قد تقدّم الكلام عليه في تفسير آية النساء، فلا حاجة بنا إِلى إِعادته، لئلا يطول الكلام. وقد [¬٤] ذكرنا سبب نزول آية التيمم هناك. لكن البخاري روى ها هنا حديثًا خاصًّا بهذه الآية الكريمة، فقال (^٢٤٦):\n_________\n= أبى القاسم الجدلى به، وعلقه البخارى في صحيحه في الأذان، باب إلزاق المنكب بالمنكب والقدم بالقدم في الصف (٢/ ٢١١) فقال: وقال النعمان بن بشير: رأيت الرجل منا يلزق كعبه بكعب صاحبه. وقال الحافظ ابن حجر: استدل بحديث النعمان هذا على أن المراد بالكعب في آية الوضوء العظم الناتئ في جانبى الرجل - وهو عند ملتقى الساق والقدم - وهو الذي يمكن أن يلزق بالذى بجنبه، خلافًا لمن ذهب أن المراد بالكعب مؤخر القدم وهو قول شاذ ينسب إلى بعض الحنفية ولم يثبته محققوهم وأثبته بعضهم فى مسألة الحج لا الوضوء، وأنكر الأصمعى قول من زعم أن الكعب في ظهر القدم\" ا. هـ. والحديث رواه البخارى فى صحيحه كتاب الأذان، باب: تسوية الصفوف عند الإقامة وبعدها، الحديث (٧١٧)، ومسلم في الصلاة، باب: تسوية الصفوف وإقامتها وفضل الأول فالأول منها … الحديث (٤٣٦) من طرف سالم بن أبى الجعد قال: سمعت النعمان بن بشير قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"لتسون صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم\".\n(^٢٤٥) - في إسناده شريك بن عبد الله القاضى وهو ضعيف، ويحيى بن عبد الله الجابر، قال الإِمام أحمد: ليس به بأس. وقال على بن المدينى: معروف، لكن ضعفه ابن معين وأبو حاتم والنسائى، وقال الجوزجانى: يحيى الجابر غير محمود. وقال الحافظ فى \"التقريب\": لين الحديث.\n(^٢٤٦) - رواه في صحيحه كتاب التفسير، باب: قوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ الحديث (٤٦٠٨) والحديث رواه البخاري أيضًا رقم (٣٣٤)، (٣٦٧٢) (٤٦٠٧)، (٥٢٥٠)، (٦٨٤٤)، (٦٨٤٥) وغيره من طريق عبد الرحمن بن القاسم بهذا الإسناد والروايات مطولة ومختصرة.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في ز: \"الكعب\".\n[¬٤]- في ز: \"و\".","vol":"5","page":121},{"text":"حدثنا يحيى بن سليمان، حدثنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، أن عبد الرحمن بن القاسم، حدثه عن أبيه، عن عائشة قالت [¬١]: سقطت قلادة لي بالبيداء، ونحن داخلون المدينة، فأناخ رسول الله ﷺ ونزل فثنى رأسه في حجري راقدًا، فأقبل [¬٢] أبو بكر فلكزني لكزة شديدة، وقال: حبست الناس في قلادة؟ فَبيَ الموت لمكان رسول الله ﷺ مني، وقد أوجعني، ثم إِن النبي ﷺ استيقظ، وحضرت الصبح، فالتمس الماء فلم يوجد، فنزلت: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [إِلى آخر] [¬٣] الآية، فقال أسيد بن الحضير: لَقد بارك الله للناس فيكم يا آل أبي بكر، ما أنتم إِلا بركة لهم.\nوقوله تعالى ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾ أي: فلهذا سهل عليكم ويسر ولم يعسر، بل أباح التيمم عند المرض، وعند فقد الماء، توسعةً عليكم ورحمة بكم، وجعله في حق من شرع له يقوم مقام الماء، إلا من بعض الوجوه كما تقدم بيانه، وكما هو مقرر في كتاب الأحكام الكبير.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُرِيدُ [¬٤] لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [أي: لعلكم تشكرون] [¬٥] نعمه عليكم، فيما شرعه لكم من التوسعة والرأفة؛ والرحمة والتسهيل والسماحة، وقد وردت السنة بالحث على الدعاء عقب الوضوء؛ بأن يجعل فاعله من المتطهرين الداخلين في امتثال هذه الآية الكريمة، كما رواه الإِمام أحمد ومسلم، وأهل السنن عن عقبة بن عامر (^٢٤٧)، قال: كانت علينا رعاية الإِبل، فجاءت نوبتي، فروحتها بعشي، فأدركت رسول الله ﷺ قائمًا يحدّث الناس، فأدركت من قوله: \"ما من مسلم يتوضأ،\n_________\n(^٢٤٧) - رواه مسلم في صحيحه كتاب الطهارة، باب الذكر المستحب عقب الوضوء، الحديث (٢٣٤)، ورواه أحمد (٤/ ١٤٥، ١٥٣)، وأبو داود في الطهارة، باب: ما يقول الرجل إذا توضأ، الحديث (١٦٩)، وابن خزيمة (٢٢٢) من طرق عن معاوية بن صالح عن ربيعة بن يزيد عن أبى إدريس الخولانى، فذكره. ورواه الترمذى في أبواب الطهارة، باب فيما يقال بعد الوضوء، الحديث (٥٥) من طريق زيد بن الحباب عن معاوية بن صالح عن ربيعة بن يزيد الدمشقي عن أبى إدريس الخولانى وأبى عثمان عن عمر بن الخطاب به: \"وليس فيه حديث عقبة\" وزاد فيه \" … اللهم اجعلنى من التوابين واجعلنى من المتطهرين … \" وقال الترمذى: قد خولف زيد بن الحباب في هذا الحديث. وروى عبد الله بن صالح وغيره عن معاوية بن صالح عن ربيعة عن أبى عثمان عن جبير بن نفير عن عمر، وهذا حديث في إسناده اضطراب ولا يصح عن النبي ﷺ في هذا الباب كبير شيء.=\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- في ز: \"أقبل\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في ز: \"هذه\".\n[¬٤]- سقط من: ز.\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"5","page":122},{"text":"فيحسن وضوءه، ثم يقوم فيصلي ركعتين، مقبلًا عليهما بقلبه ووجهه - إِلا وجبت له الجنة\". قال: قلت: ما أجود هذه! فإِذا قائل بين يدي يقول: التي قبلها أجود منها، فنظرت فهذا عمر ﵁، فقال: إِني قد رأيتك جئتَ آنفًا، قال: \"ما منكم من أحد يتوضأ، فيبلغ - أو فيسبغ - الوضوء يقول: أشهد أن لا إِله إِلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله؛ إِلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية، يدخل من أيها شاء\" لفظ مسلم.\nوقال مالك (^٢٤٨): عن سُهَيْل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة - أن رسول الله ﷺ قال: \"إِذا توضأ [¬١] العبد المسلم أو المؤمن؛ فغسل وجهه، خرج من وجهه كل خطيئة نظر إِليها بعينيه مع الماء، أو مع آخر قطر [¬٢] الماء، فإِذا غسل يديه؛ خرج من يديه كل خطيئة بطشتها يداه مع الماء، أو مع آخر قطر الماء، فإذا غسل رجليه؛ خرجت كل خطيئة مشتها رجلاه مع الماء، أو مع آخر قطر الماء، حتى يخرج نقيًّا من الذنوب\".\nرواه مسلم، عن أبي الطاهر، عن ابن وهب، عن مالك به.\nوقال ابن جرير (^٢٤٩): حدثنا أبو كريب، حدثنا معاوية بن هشام، عن سفيان عن [¬٣]\n_________\n= قال محمَّد: وأبو إدريس لم يسمع من عمر شيئًا. ورواه النسائى فى الطهارة، باب: القول بعد الفراغ من الوضوء (١/ ٩٢)، وفى الكبرى (١/ ٩٤) (١٤١) من طريق زيد بن الحباب قال حدثنا معاوية بن صالح عن ربيعة بن يزيد عن أبى إدريس الخولانى وأبى عثمان عن عقبة بن عامر عن عمر بن الخطاب فذكر حديث عمر فقط ورواه ابن خزيمة (٢٢٣) من طريق أسد بن موسى قال: حدثنا معاوية بن صالح قال: حدثني ربيعة بن يزيد عن أبى إدريس الخولانى عن عقبة بن عامر عن عمر بن الخطاب له ورواه مسلم (٢٣٤) من طريق زيد بن الحباب حدثنا معاوية بن صالح عن ربيعة بن يزيد عن أبى إدريس الخولانى وأبى عثمان عن جبير بن نفير بن مالك الحضرمى عن عقبة بن عامر فذكره ولم يذكر حديث عمر وقد دفع علة الاضطراب التى ذكرها الترمذى، الألباني فقال فى الإرواء (١/ ١٣٥) \"أعله الترمذى بالاضطراب، وليس بشئ فإنه اضطراب مرجوح كما تبينته في \"صحيح سنن أبى داود\" (رقم ١٦٢) \". وانظر كلام العلامة أحمد شاكر في تعليقه على سنن الترمذى.\n(^٢٤٨) - رواه في الموطأ كتاب الطهارة، باب جامع الوضوء، الحديث (٣١) ومن طريقه أخرجه مسلم في صحيحه كتاب الطهارة باب: خروج الخطايا مع ماء الوضوء، الحديث (٢٤٤)، والترمذي في أبواب الطهارة، باب ما جاء في فضل الطهور، الحديث (٢)، والدارمى (٧٢٤)، وأحمد (٢/ ٣٠٣)، وابن خزيمة (٤) وقال الترمذى: حديث حسن صحيح.\n(^٢٤٩) - رواه في تفسيره (١٠/ ٨٧) (١١٥٤٦)، ورواه أحمد في مسنده (٤/ ٢٣٥) ثنا محمَّد =\n_________\n[¬١]- في ز: \"توا\".\n[¬٢]- في ز: \"قطرة\".\n[¬٣]- في ز: \"بن\".","vol":"5","page":123},{"text":"منصور، عن سالم بن أبي الجعد، عن كعب بن مرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"ما من رجل يتوضأ، فيغسل يديه أو ذراعيه؛ إلا خرجت خطاياه منهما، فإذا غسل وجهه، خرجت خطاياه من وجهه، فإذا مسح رأسه؛ خرجت خطاياه من رأسه، فإذا غسل رجليه؛ خرجت خطاياه من رجليه\".\nهذا لفظ، وقد رواه الإمام أحمد، عن محمَّد بن جعفر، عن شعبة، عن منصور، عن سالم، عن مرة بن كعب، أو كعب بن مرة السلمي، عن النبي ﷺ قال: \"وإذا توضأ العبد فغسل يديه خرجت خطاياه من بين يديه، وِإذا غسل وجهه، خرجت خطاياه من وجهه، وإِذا غسل ذراعيه، خرجت خطاياه [من ذراعيه، وإذا غسل رجليه، خرجت خطاياه] [¬١] من رجليه\". قال شعبة: ولم يذكر مسح الرأس. وهذا إِسناد صحيح.\nوروى ابن جرير من طريق شمر بن عطية، عن شهر بن حوشب، عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ: \"من توضأ فأحسن الوضوء، ثم قام إلى الصلاة؛ خرجت ذنوبه من سمعه وبصره ويديه ورجليه\" (^٢٥٠).\n_________\n= ابن جعفر ثنا شعبة عن منصور، عن سالم بن أبى الجعد، عن مرة بن كعب، أو كعب بن مرة السلمى به مطولًا قال شعبة: قد حدثنى به منصور، وذكر ثلاثة بينه وبين مرة بن كعب ثم قال بعد: عن منصور، عن سالم، عن مرة أو عن كعب به، ورواه أيضًا في المسند (٤/ ٣٢١) قال حدثنا عبد الرزاق أخبرنا سفيان عن منصور عن سالم بن أبى الجعد عن رجل عن كعب بن مرة البهزى فذكره دون شك قال أبو داود: سالم لم يسمع من شراحبيل، مات شراحبيل بصفين. قلت: وهذا يؤيد ما ذكره شعبة من أن بين منصور وكعب ثلاثة. فالحديث منقطع. وقد رواه أبو داود (٣٩٦٧)، وأحمد (٤/ ٢٣٥) وابن أبى شيبة في مسنده (٦٠٨) وابن أبى عاصم فى \"الآحاد والمثانى\" (١٤٠٨)، والطبرانى فى الكبير (٢٠ / رقم ٧٥٥) من طريق شعبة عن عمرو بن مرة عن سالم بن أبى الجعد عن شراحبيل بن السمط، والحديث صححه الحافظ ابن كثير هنا، وصححه أيضًا الألباني فى صحيح أبى داود (٣٣٥٧).\n(^٢٥٠) - رواه الطبرى في تفسيره (١٠/ ٨٦) (١١٥٤٥) قال: حدثنا أبو كريب، ومحمد بن المثنى، ويحيى بن داود الواسطى قالوا: حدثنا إبراهيم بن يزيد بن مردانبه القرشى قال، أخبرنا رقبة بن مصقلة العبدى، عن شمر بن عطية، عن شهر بن حوشب، فذكره والحديث رواه أحمد (٥/ ٢٥٢، ٢٥٦)، والنسائى فى عمل اليوم والليلة (٨٠٧)، والطبرانى فى الكبير (٨/ ١٤٥) (٧٥٦٠، ٧٥٦٢ - ٧٥٦٧)، وفى الأوسط (٤٤٣٩) من طرق عن شمر بن عطية عن شهر بن حوشب به وشمر بن عطية وثقه يحيى بن معين والنسائى وابن سعد والعجلى وابن حبان وغيرهم ولم أجد فيه طعنًا وهو من رجال التهذيب. وشهر بن حوشب ضعيف لكن يعتبر بحديثه. وقد رواه أحمد في مسنده (٥/ ٢٦٣) من طريق عبد الحميد بن بهرام عن شهر بن حوشب حدثنى أبو أمامة أن رسول الله ﷺ =\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين مكانها بياض في ز.","vol":"5","page":124},{"text":"وروى مسلم في صحيحه (^٢٥١) من حديث يحيى بن أبي كثير، عن زيد بن سلام، عن جده ممطور، عن أبي مالك الأشعري أن رسول الله ﷺ قال: \"الطهور شطر الإيمان\" والحمد لله تملأ [¬١] الميزان، [وسبحان الله والحمد لله تملآن ما بين السماء والأرض، والصلاة نور، والصبر ضياء، والصدقة برهان] [¬٢]، والقرآن حجة لك أو عليك، كل الناس يغدو، فبائع نفسه؛ فمعتقها أو موبقها\".\nوفي صحيح مسلم (^٢٥٢) من رواية سماك بن حرب، عن مصعب بن سعد، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا يقبل الله صدقة من غلول، ولا صلاة بغير طهور\".\nوقال أبو داود الطيالسي (^٢٥٣): حدثنا شعبة، عن قتادة، سمعت أبا المليح الهذلي يحدث\n_________\n= قال: \"أيما رجل قام إلى وضوئه يريد الصلاة، ثم غسل كفيه نزلت خطيئته من كفيه مع أول قطرة، فإذا مضمض، واستنشق واستنثر نزلت خطيئته من لسانه وشفتيه مع أول قطرة، فإذا غسل وجهه نزلت خطيئته من سمعه وبصره مع أول قطرة، فإذا غسل يديه إلى المرفقين ورجليه إلى الكعبين سلم من كل ذنب هو له، ومن كل خطيئة كهيئته يوم ولدته أمه قال: فإذا قام إلى الصلاة رفع الله بها درجته، وإن قعد قعد سالمًا\" وعبد الحميد بن بهرام وثقه أحمد بن حنبل وابن معين وغيرهما وقال على بن المدينى عن يحيى بن سعيد: من أراد حديث شهر فعليه بعبد الحميد بن بهرام. وقال ابن أبى حاتم: سألت أبى عن عبد الحميد فقال: هو في شهر بن حوشب مثل الليث في سعيد المقبرى قلت: ما تقول فيه؟ فقال: ليس به بأس، أحاديثه عن شهر صحاح لا أعلم روى عن شهر أحاديث أحسن منها ولا أكثر منها، أملى عليه في سواد الكوفة قلت: يحتج به قال: لا ولا بحديث شهر بن حوشب ولكن يكتب حديثه. انظر \"الجرح والتعديل (٩/ ٦)، ورواه أحمد أيضًا (٥/ ٢٦٤) من طرق عن عاصم بن أبى النجود عن شهر بن حوشب وللحديث شواهد يرتقى بها إلى الحسن قال المنذرى في \"الترغيب والترهيب\" (١/ ٢١٥): رواه أحمد وغيره من طريق عبد الحميد بن بهرام عن شهر بن حوشب وقد حسنها الترمذى لغير هذا المتن، وهو إسناد حسن في المتابعات لا بأس به. ثم ذكر الحديث من طرق أخرى ثم حسن إسناده.\n(^٢٥١) - رواه مسلم فى صحيحه كتاب الطهارة، باب فضل الوضوء، الحديث (٢٢٣) حدثنا إسحاق بن منصور حدثنا حبان بن هلال حدثنا أبان حدثنا يحيى فذكره.\n(^٢٥٢) - رواه فى صحيحه في الطهارة، باب وجوب الطهارة للصلاة، الحديث (٢٢٤) من طرق عن سماك بن حرب به.\n(^٢٥٣) - رواه في مسنده (ص ١٨٧) رقم (١٣١٩) ومن طريقه البيهقى فى السنن (١/ ٤٢)، ورواه أحمد (٥/ ٧٤)، وأبو داود كتاب الطهارة باب فرض الوضوء، الحديث (٥٩)، والنسائى (٥/ ٥٦ - ٥٧) في الزكاة، باب الصدقة من غلول، وابن ماجه فى الطهارة، باب: لا يقبل الله صلاة بغير=\n_________\n[¬١]- في ت: \"تملآن\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"5","page":125},{"text":"عن أبيه، قال: كنت مع رسول الله ﷺ في بيت، فسمعته يقول: \"إِن الله لا يقبل صلاة من غير طهور، ولا صدقة من غلول\". وكذا رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة من حديث شعبة.\n﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٧) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (٨) وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (٩) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١٠) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١١)﴾\nيقول تعالى مذكرًا عباده المؤمنين نعمته عليهم في شرعه لهم هذا الدين العظيم، وإِرساله إليهم هذا الرسول الكريم، وما أخذ عليهم من العهد والميثاق في مبايعته على متابعته ومناصرته ومؤازرته، والقيام بدينه، وإبلاغه عنه، وقبول منه، فقال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾. وهذه هي البيعة التي كانوا يبايعون رسول الله ﷺ عليها عند إِسلامهم، كما قالوا: بايعنا رسول الله ﷺ على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا، وأثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله (^٢٥٤)، وقال الله تعالى:\n_________\n= طهور، الحديث (٢٧١)، وابن حبان (٤/ ٦٠٥) (١٧٠٥)، والدارمى (٦٩٢)، وأبو عوانة (١/ ٢٣٥)، والطبرانى (٥٠٥)، والبيهقى (١/ ٢٣٠) من طرق عن شعبة به. ورواه أحمد (٥/ ٧٥) من طريق سعيد ابن أبى عروبة عن قتادة به. ورواه النسائى (١/ ٨٧ - ٨٨) فى الطهارة، باب فرض الوضوء، والطبرانى (٥٠٦) من طريق أبى عوانة عن قتادة به والحديث صحيح رجال إسناده ثقات رجال الشيخين. وللحديث شاهد من حديث ابن عمر رواه مسلم وغيره.\n(^٢٥٤) - رواه البخارى فى صحيحه فى الفتن، باب قول النبي ﷺ: \"سترون بعدى أمورًا تنكرونها\"، الحديث (٧٠٥٦، ٧٠٥٧)، ومسلم في الإمارة: باب وجوب طاعة الأمراء فى غير معصية وتحريمها فى المعصية، الحديث (٤٢/ ١٧٠٩) من طريق جنادة بن أبى أمية قال دخلنا على عبادة بن الصامت=","vol":"5","page":126},{"text":"﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. وقيل: هذا تذكار لليهود بما أخذ عليهم من المواثيق والعهود في متابعة محمَّد ﷺ، والانقياد لشرعه.\nرواه على بن أبي طلحة، عن ابن عباس (^٢٥٥). وقيل: هو تذكار بما أخذ تعالى من العهد على ذرية آدم، حين استخرجهم من صلبه، وأشهدهم على أنفسهم: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا﴾ قاله مجاهد ومقاتل بن حيان. والقول الأوّل أظهر، وهو المحكي عن ابن عباس والسدي، واختاره [¬١] ابن جرير.\nثم قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ تأكيد وتحريض على مواظبة التقوى في كل حال.\nثم أعلمهم أنه يعلم ما يتخالج في الضمائر والسرائر من الأسرار والخواطر، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾.\nوقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ﴾ أي: كونوا قوّامين [¬٢] بالحق لله ﷿ لا لأجل الناس والسمعة، وكونوا ﴿شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ﴾ أي: بالعدل لا بالجور. وقد ثبت في الصحيحين عن النعمان بن بشير (^٢٥٦) أنه قال: نحلني أبي نحلًا، فقالت أمي عمرة بنت رواحة: لا أرضى حتى تشهد عليه [¬٣] رسول الله ﷺ، فجاءه [¬٤] ليشهده على صدقتي، فقال: \"أكل ولدك نحلت مثله؟ \" قال: لا. قال: \"اتقوا الله، واعدلوا في أولادكم\" وقال: \"إِني لا أشهد على جور\". قال: فرجع أبي فرد تلك الصدقة.\n_________\n= وهو مريض فقلنا: حدثنا أصلحك الله بحديث ينفع الله به، سمعته من رسول الله ﷺ فقال: دعانا رسول الله ﷺ فبايعناه فكان فيما أخذ علينا أن بايعنا على السمع والطاعة، في منشطنا ومكرهنا، وعسرنا ويسرنا، وأثرة علينا، وألَّا ننازع الأمر أهله، قال: \"إلاَّ ان تروا كفرًا بواحًا عندكم من الله فيه برهان\".\n(^٢٥٥) - رواه الطبرانى في الكبير (١٢/ ٢٥٦) وابن جرير في تفسيره (١٠/ ٩٢) (١١٥٥٢) من طريق على ابن أبى طلحة عن ابن عباس وقد تقدم الكلام على هذا الإسناد. وانظر أيضًا \"الدر المنثور\" (٢/ ٤٦٩).\n(^٢٥٦) - رواه البخاري في كتاب الهبة، باب: الإشهاد في الهبة، الحديث (٢٥٨٧)، وفي الشهادات، باب: لا يشهد على شهادة جور إذا أشهد، الحديث (٢٦٥٠)، ومسلم في صحيحه كتاب الهبات، الحديث (١٦٢٣) من طرق عن الشعبى عن النعمان بن بشير به.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"واختيار\".\n[¬٢]- في ز: \"قائمين\".\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- في ز: \"فجاء\".","vol":"5","page":127},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا﴾ أي: لا يحملنكم بغض قوم على ترك العدل فيهم؛ بل استعملوا العدل في كل أحد، صديقًا كان أو عدوًّا، ولهذا قال: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ أي: عدلكم أقرب إِلى التقوى من تركه، ودل الفعل على المصدر الذي عاد الضمير عليه، كما في نظائره من القرآن وغيره، كما في قوله: ﴿وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ﴾.\nوقوله: ﴿هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ من باب استعمال أفعل التفضيل في المحل الذي ليس في الجانب الآخر منه شيء، كما في قوله تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ وكقول بعض الصحابيات لعمر: أنت أفظ وأغلظ من رسول الله ﷺ (^٢٥٧).\nثم قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ أي: وسيجزيكم على ما علم من أفعالكم التي عملتموها؛ إِن خيرًا فخير، وإِن شرًّا فشر، ولهذا قال بعده: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾، أي: لذنوبهم، ﴿وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾، وهو الجنة، التي هي من رحمته على عباده؛ لا ينالونها بأعمالهم، بل برحمة منه وفضل، وإِن كان سبب وصول الرحمة إِليهم أعمالهم، وهو تعالى الذي جعلها أسبابًا إِلى نيل رحمته وفضله وعفوه ورضوانه، فالكل منه وله، فله الحمد والمنة.\nثم قال: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ وهذا من عدله تعالى وحكمته وحكمه الذي لا يجور فيه، بل هو الحكم العدل الحكيم القدير.\nوقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ﴾.\nقال عبد الرزاق (^٢٥٨): أخبرنا معمر، عن الزهري، ذكره عن أبي سلمة، عن جابر أن النبي\n_________\n(^٢٥٧) - رواه البخارى فى صحيحه فى كتاب بدء الخلق، باب صفة إبليس وجنوده، الحديث (٣٢٩٤) وفى فضائل أصحاب النبى ﷺ، باب مناقب عمر بن الخطاب، الحديث (٣٦٨٣)، وفى كتاب الأدب، باب: التبسم والضحك، الحديث (٦٠٨٥)، ومسلم فى صحيحه كتاب فضائل الصحابة، باب: من فضائل عمر ﵁، الحديث (٢٣٩٦) من طريق محمَّد بن سعد بن أبى وقاص أن أباه سعدًا قال: استأذن عمر على رسول الله ﷺ وعنده نساء من قريش يكلمنه ويستكثرنه فذكر قصة وفيها: ثم قال عمر: أى عدوات أنفسهن أتهبننى ولا تهبهن رسول الله ﷺ؟ قلن: نعم أنت أغلظ وأفظ من رسول الله ﷺ.\n(^٢٥٨) - رواه فى تفسيره (١/ ١٨٥) ومن طريقه، رواه البخارى فى صحيحه فى المغازى، باب غزوة=","vol":"5","page":128},{"text":"ﷺ نزل منزلًا، وتفرق الناس في العضاة يستظلون تحتها، وعلق النبي ﷺ، سلاحه بشجرة، فجاء أعرابي إِلى سيف رسول الله ﷺ فأخذه فسله، ثم أقبل فى النبي ﷺ فقال: من يمنعك مني؟ قال: \"الله ﷿\". قال الأعرابي مرتين أو ثلاثًا: من يمنعك منى؟ والنبي ﷺ يقول: \"الله\". قال: فشام الأعرابي السيف، فدعا النبى ﷺ أصحابه فأخبرهم خبر الأعرابي، وهو جالس إِلى جنبه ولم يعاقبه.\nوقال معمر: كان قتادة يذكر نحو هذا، ويذكر أن قومًا من العرب أرادوا أن يفتكوا برسول الله ﷺ، فأرسلوا هذا الأعرابي، وتأول ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ﴾ الآية.\nوقصة هذا الأعرابي - وهو غورث بن الحارث - ثابتة في الصحيح.\nوقال العوفي عن ابن عباس في هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ﴾ وذلك أن قومًا من اليهود صنعوا لرسول الله ﷺ ولأصحابه طعامًا ليقتلوهم [¬١]، فأوحى الله تعالى إِليه بشأنهم، فلم يأت الطعام، وأمر أصحابه فلم يأتوه. رواه ابن أبي حاتم (^٢٥٩).\nوقال أبو مالك: نزلت في كعب بن الأشرف وأصحابه، حين أرادوا أن يغدروا بمحمد وأصحابه في دار كعب بن الأشرف. رواه ابن أبي حاتم.\nوذكر محمد بن إِسحاق بن يسار، ومجاهد وعكرمة، وغير واحد - أنها نزلت في شأن بني النضير، حين أرادوا أن يلقوا على رأس رسول الله ﷺ الرحى، لما جاءهم يستعينهم في دية العامريين، ووكلوا عمرو بن جَحَّاش بن كعب بذلك، وأمروه إِن جلس النبي ﷺ تحت الجدار، واجتمعوا عنده أن يلقى تلك الرحى من فوقه، فأطلع الله النبي ﷺ على ما تمالئوا عليه، فرجع إِلي المدينة، وتبعه أصحابه، فأنزل الله في ذلك: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا\n_________\n= بنى المصطلق من خزاعة، حديث (٤١٣٩)، ومسلم كتاب الفضائل، باب توكله على الله تعالى، وعصمة الله تعالى له من الناس، الحديث (١٣/ ٨٤٣) وللحديث طرق أخرى عن جابر فى الصحيحين وغيرهما.\n(^٢٥٩) - رواه أيضًا ابن جرير الطبرى (١٠/ ١٠٥) (١١٥٦٤) من طريق عطية عن ابن عباس، والعوفى ضعيف. والأثر ذكره السيوطى فى \"الدر المنثور\" (٢/ ٤٧١) وعزاه إلى ابن أبى حاتم وابن جرير الطبرى.\n_________\n[¬١]- في خ: \"ليقتلوه\".","vol":"5","page":129},{"text":"اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾. ثم أمر رسول الله ﷺ أن يغدو [¬١] إليهم فحاصرهم، حتى أنزلهم فأجلاهم.\nوقوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾، يعني من توكل على الله كفاه الله ما أهمه، وحفظه من شرِّ الناس، وعصمه.\n﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (١٢) فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣) وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (١٤)﴾\nلما أمر تعالى عباده المؤمنين بالوفاء بعهده، وميثاقه الذي أخذه عليهم، على لسان عبده ورسوله محمد ﷺ، وأمرهم بالقيام بالحق والشهادة بالعدل، وذكرهم نعمه عليهم الظاهرة والباطنة؛ فيما هداهم له من الحق والهدى، شرع يبين لهم كيف أخذ العهود والمواثيق على كل [¬٢] من كان قبلهم؛ من أهل الكتابين اليهود والنصارى، فلما نقضوا عهوده ومواثيقه، أعقبهم ذلك لعنًا منه لهم، وطردًا عن بابه وجنابه، وحجابًا لقلوبهم عن الوصول إِلى الهدى ودين الحق؛ وهو العلم النافع والعمل الصالح، فقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾ يعنى: عرفاء على قبائلهم، بالمبايعة والسمع والطاعة لله ولرسوله ولكتابه.\n_________\n[¬١]- في خ: \"يهدوا\".\n[¬٢]- سقط من: خ.","vol":"5","page":130},{"text":"وقد ذكر ابن عباس ومحمد بن إسحاق وغير واحد (^٢٦٠) - أن هذا كان لما توجه موسى ﵇ لقتال الجبابرة؛ فأمر بأن يقيم نقباء. من كل سبط نقيب. قال محمد بن إسحاق: فكان من سبط روبيل \"شامون بن زكُّور [¬١] \"، ومن سبط شمعون \"شافاط بن حري\"، ومن سبط يهوذا \"كالب بن يوفنا\"، ومن سبط أبين \"فيخاييل بن يوسف\"، ومن سبط يوسف - وهو سبط إِفرايم - \"يوشع بن نون\"، ومن سبط بنيامين \"فلطمي بن رفون\"، ومن سبط زبلون \"جدي بن سودي\"، ومن سبط يوسف وهو منشا بن يوسف \"جدي بن سوسي\"، ومن سبط دان \"خملائيل بن جمل\"، ومن سبط أسير \"ساطور بن ملكيل [¬٢] \"، ومن سبط نفثالي \"نحى [¬٣] ابن وفسى\"، ومن سبط جاد [¬٤] \"جولايل بن ميكي [¬٥] \".\nوقد رأيت في السفر الرابع من التوراة تعداد النقباء على أسباط بني إِسرائيل، وأسماء مخالفة لما ذكره ابن إِسحاق، والله أعلم. قال فيها: فعلى بني روبيل الصوني بن سادون، وعلى بني شمعون شموال بن صورشكي، وعلى بني يهوذا يحشون بن عمبياذاب [¬٦]، وعلى بني يساخر [¬٧] شال ابن صاعون، وعلى بني زبلون [¬٨] إلياب بن حالوب، وعلى بني يوسف أفرايم ومنشا بن عمنهود، وعلى بني منشا حمليائيل بن يرصون، وعلى بني بنيامين [¬٩] أبيدن ابن جدعون، وعلى بني دان جعيذر بن عميشذي، وعلى بني أسير نحايل بن عجران، وعلى بني حاز السيف بن دعواييل، وعلى بني نفتالي أجزع بن عمينان.\nوهكذا لما بايع رسول الله ﷺ الأنصار ليلة العقبة؛ كان فيهم اثنا عشر نقيبًا؛ ثلاثة من الأوس وهم: أسيد بن الحضير، وسعد بن خيثمة، ورفاعة بن عبد المنذر.\nويقال بدله أبو الهيثم بن التيهان ﵃، وتسعة من الخزرج وهم: أبو أمامة أسعد بن زرارة، وسعد بن الربيع، وعبد الله بن رواحة، ورافع بن مالك بن العجلان، والبراء\n_________\n(^٢٦٠) - أمَّا الرواية عن ابن عباس ﵄ فأخرجها ابن جرير فى تفسيره (١٠/ ١١٧) (١١٥٧٦) من طريق العوفى عن ابن عباس مختصرة وليس فيها ذكر أسماء النقباء، وقد ذكرها السيوطى فى \"الدر المنثور\" (٢/ ٤٧٣) وزاد نسبتها إلى ابن أبى حاتم. وأمَّا الرواية عن ابن إسحاق فأخرجها ابن جرير الطبرى فى تفسيره (١٠/ ١١٣) (١١٥٧٥) بسنده إلى ابن إسحاق مطولة وفيها ذكر أسماء النقباء الاثنى عشر.\n_________\n[¬١]- في خ: \"ركون\".\n[¬٢]- في خ: \"بلكيك\".\n[¬٣]- في خ: \"بحر\".\n[¬٤]- في خ: \"دار\".\n[¬٥]- في خ: \"مكيد\".\n[¬٦]- في ز: \"عميناذاب\".\n[¬٧]- في ز: \"اليساخر\".\n[¬٨]- فى ز: \"زايلون\"، خ: \"زائلون\".\n[¬٩]- في ز: \"منيامين\".","vol":"5","page":131},{"text":"ابن معرور، وعبادة بن الصامت، وسعد بن عبادة، وعبد الله بن عمرو بن حرام، والمنذر بن [عمرو بين خُنيس] [¬١]، ﵃، وقد ذكرهم كعب بن مالك في شعر له، كما أورده ابن إِسحاق ﵀ (^٢٦١).\nوالمقصود أن هؤلاء كانوا عرفاء على قومهم ليلتئذ، عن أمر النبي ﷺ لهم بذلك، وهم الذين ولوا المعاقدة والمبايعة عن قومهم للنبي ﷺ على السمع والطاعة.\nقال [¬٢] الإمام أحمد (^٢٦٢): حدثنا حسن بن موسى، حدثنا حماد بن زيد، عن مجالد [¬٣]، عن الشعبي، عن مسروق قال: كنا جلوسًا عند عبد الله بن مسعود، وهو يقرئنا القرآن، فقال له رجل: كا أبا عبد الرحمن هل سألتم رسول الله ﷺ كم يملك هذه الأمة من خليفة؟ فقال عبد الله: ما سألني عنها أحد منذ قدمت العراق قبلك، ثم قال: نعم. ولقد سألنا رسول الله ﷺ فقال: \"اثنا عشر كعدة نقباء بني إِسرائيل\".\nهذا حديث غريب من هذا الوجه، وأضل هذا الحديث ثابت في الصحيحين (^٢٦٣) من [¬٤] حديث [¬٥] جابر بين سمرة، قال: سمعت النبي ﷺ يقول: \"لا يزال أمر الناس ماضيًا ما وليهم اثنا عشر رجلًا\". ثم تكلم النبي ﷺ بكلمة خفيت على، فسألت أبي: ماذا قال\n_________\n(^٢٦١) - انظر السيرة النبوية لابن هشام (٣/ ٤٦٦ - ٤٦٨) كاب أسماء النقباء الاثنى عشر وتمام خبر العقبة.\n(^٢٦٢) - رواه أحمد فى مسنده (١/ ٣٩٨)، ورواه أيضًا فى (٦/ ٤٠٦) من طريق أبي عقيل عن مجالد به. ورواه أبو يعلى (٨/ ٤٤٤) (٥٠٣١)، وفى (٩/ ٢٢٢) (٥٣٢٢، ٥٣٢٣)، والبزار (٥/ ٣٢٠) (١٩٣٧، ١٩٣٨)، والطبرانى فى الكبير (١٠/ ١٩٥) (١٠٣١٠) من طرق عن مجالد به. ومجالد ليس بالقوى وقد تغير فى آخر عمره كما قال الحافظ فى \"التقريب\" والحديث ذكره الهيثمى فى \"مجمع الزوائد\" (٥/ ١٩٣) وقال: \"رواه أحمد، وأبو يعلى، والبزار، وفيه مجالد بن سعيد وثقه النسائى، وضعفه الحمهور، وبقية رجاله ثقات\".\n(^٢٦٣) - رواه مسلم فى صحيحه كتاب الإمارة، باب: الناس تبع لقريش، والخلافة فى قريش، الحديث (١٨٢١/ ٦) كاللفظ المذكور من طريق سفيان عن عبد الملك بن عمير عن جابر بن سمرة به. ورواه البخارى فى كتاب الأحكام، الحديث (٧٢٢٢، ٧٢٢٣) من طريق شعبة عن عبد الملك: سمعت جابر ابن سمرة قال: سمعت النبى ﷺ يقول: \"يكون اثنا عشر أميرًا\" فقال كلمة سم أسمعها - فقال أبى: إنه قال: \"كلهم من قريش\".\n_________\n[¬١]- في ز: \"عمرو بن حنيش\".\n[¬٢]- في ز: \"وقال\".\n[¬٣]- في ز: \"المجالد\".\n[¬٤]- في ز: \"عن\".\n[¬٥]- سقط من: ز.","vol":"5","page":132},{"text":"النبي ﷺ؟ قال: \"كلهم من قريش\". وهذا لفظ مسلم.\nومعنى هذا الحديث البشارة بوجود اثني [¬١] عشر خليفة صالحًا [¬٢]، يقيم الحق ويعدل فيهم، ولا يلزم من هذا تواليهم وتتابع أيامهم، بل قد وجد منهم أربعة على [¬٣] نسق، وهم الخلفاء الأربعة أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلى ﵃ ومنهم عمر بن عبد العزيز بلا شك عند الأئمة، وبعض بني العباس، ولا تقوم الساعة حتى تكون ولايتهم لا محالة، والظاهر أن منهم المهدي المبشر به في الأحاديث الواردة بذكره، فذكر [¬٤] أنه يواطئ اسمه اسم النبي ﷺ واسم أبيه اسم أبيه، فيملأ الأرض عدلًا وقسطًا، كما ملئت جورًا وظلمًا، وليس هذا بالمنتظر الذي يتوهم [¬٥] الرافضة وجوده، ثم ظهوره من سرداب سامرا؛ فإِن ذلك وليس له حقيقة ولا وجود بالكلية، بل هو من هوس العقول السخيفة، وتوهم الخيالات الضعيفة، وليس المراد بهؤلاء [¬٦] الخلفاء الاثني عشر؛ الأئمة الذين يعتقد فيهم الاثنا عشرية من الروافض لجهلهم وقلة عقلهم. وفي التوراة البشارة بإسماعيل ﵇ وأن الله يقيم من صلبه اثني عشر عظيمًا، وهم هؤلاء الخلفاء الاثنا [¬٧] عشر، المذكورون في حديث ابن مسعود وجابر بن سمرة. وبعض الجهلة ممن أسلم [¬٨] من اليهود، إِذا اقترن بهم بعض الشيعة يوهمونهم أنهم الأئمة الاثنا عشر؛ فيتشيع كثير منهم جهلًا وسفهًا، لقلة علمهم وعلم من لقنهم ذلك - بالسنن الثابتة عن النبي ﷺ.\nوقوله تعالى: ﴿وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ﴾، أي: بحفظي وكلاءتي ونصري، ﴿لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي﴾ أي: صدّقتموهم فيما [¬٩] يجيئونكم به من الوحي، ﴿وَعَزَّرْتُمُوهُمْ﴾ أى: نصرتموهم وآزرتموهم على الحق، ﴿وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ وهو الإِنفاق في سبيله، وابتغاء مرضاته، ﴿لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ أي: ذنوبكم، أمحوها [¬١٠] وأسترها ولا أؤاخذكم بها، ﴿وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ أي: أدفع عنكم المحذور، وأحصل لكم المقصود.\nوقوله: ﴿فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ أي: فمن خالف هذا الميثاق بعد عقده وتوكيده، وشدّه، وجحده وعامله معاملة من لا [¬١١] يعرفه، فقد أخطأ الطريق\n_________\n[¬١]- في ز: \"اثنا\".\n[¬٢]- في ز: \"صالح\".\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- سقط من ز، خ.\n[¬٥]- في خ: \"تتوهم\".\n[¬٦]- سقط من ت.\n[¬٧]- في ز: \"الاثني\".\n[¬٨]- في ز: \"سلم\".\n[¬٩]- في ز: \"بما\".\n[¬١٠]- في ز، خ: \"أمحصها\".\n[¬١١]- في ز: \"لم\".","vol":"5","page":133},{"text":"الواضح [¬١]، وعدل عن الهدى إِلى الضلال.\nثم أخبر تعالى عما حل [¬٢] بهم من العقوبة عند مخالفتهم ميثاقَهُ، ونقضهم عهده فقال: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ﴾ أي: فبسبب نقضهم الميثاق الذي أخذ عليهم؛ لعناهم أي: أبعدناهم عن الحق، وطردناهم عن الهدى، ﴿وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً﴾ أي: فلا يتعظون بموعظة لغلظها [¬٣] وقساوتها. ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ أي: فسدت فهومهم، وساء تصرفهم في آيات الله، وتأوّلوا كتابه على غير ما أنزله، وحملوه على غير مراده، وقالوا عليه ما لم يقل، عياذًا بالله من ذلك. ﴿وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ أي: وتركوا العمل به رغبة عنه.\nو[¬٤] قال الحسن: تركوا عرى دينهم ووظائف الله تعالى التي لا يقبل العمل إِلا بها (^٢٦٤). وقال غيره: تركوا العمل فصاروا إِلى حالة رديئة، فلا قلوب سليمة، ولا فِطَرَ مستقيمة، ولا أعمال قويمة.\n﴿وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ﴾ يعني: مكرهم، وغدرهم، لك ولأصحابك.\nوقال مجاهد وغيره: يعني بذلك: تمالؤهم الفتك برسول الله ﷺ (^٢٦٥).\n﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ﴾ [] [¬٥] وهذا هو عين النصر والظفر، كما قال بعض السلف: ما عاملت من عصى الله فيك، بمثل أن تطيع الله فيه. وبهذا يحصل لهم تأليف وجمع على الحق، ولعل الله أن يهديهم، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ يعني به: الصفح عمن أساء إِليك.\nوقال قتادة: هذه الآية ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ﴾ منسوخة بقوله: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ\n_________\n(^٢٦٤) - رواه ابن جرير الطبرى فى تفسيره (١٠/ ١٣٠) (١١٥٨٨) من طريق مبارك بن فضالة عن الحسق. ومبارك صدوق لكنه يدلس ويسوى وقد عنعن عن الحسن هنا. والأثر ذكره السيوطى فى \"الدر المنثور\" (٢/ ٤٧٤) ولم يعزه لغير ابن جرير.\n(^٢٦٥) - رواه ابن جرير الطبرى فى تفسيره (١٠/ ١٣١ - ١٣٢) (١١٥٩٠، ١١٥٩٢) من طرق عن مجاهد، وذكره السيوطى فى \"الدر المنثور\" (٢/ ٤٧٤) وزاد نسبته إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.\n_________\n[¬١]- في ز: \"الحق\".\n[¬٢]- في ز: \"أحل\".\n[¬٣]- في ز: \"لغلظتها\".\n[¬٤]- سقط من: ز.\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين في ز: \"عنهم\".","vol":"5","page":134},{"text":"الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ (^٢٦٦).\nوقوله تعالى: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ﴾ أي: ومن الذين ادّعوا لأنفسهم أنهم نصارى، يتابعون المسيح ابن مريم ﵇ وليسوا كذلك، أخذنا عليهم [¬١] العهود والمواثيق على متابعة الرسول ﵌ ومناصرته، ومؤازرته، واقتفاء آثاره، وعلى [¬٢] الإِيمان بكل نبى يرسله الله إِلى أهل الأرض، ففعلوا كما فعل اليهود، خالفوا المواثيق، ونقضوا العهود؛ ولهذا قال تعالى: ﴿فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ أي: فألقينا بينهم العداوة والبغضاء [¬٣] لبعضهم بعضًا، ولا يزالون كذلك إِلى قيام الساعة، وكذلك طوائف النصارى على اختلاف أجناسهم؛ لا يزالون متباغضين متعادين، يكفر بعضهم بعضًا، ويلعن بعضهم بعضًا، فكل فرقة تحرم الأخرى، ولا تدعها تلج معبدها؛ فالملكية تكفر اليعقوبية، وكذلك الآخرون، وكذلك النسطورية والآريوسية، كل طائفة تكفر الأخرى في هذه الدنيا، ويوم يقوم الأشهاد.\nثم قال تعالى: ﴿وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾. وهذا تهديد ووعيد أكيد للنصارى، على ما ارتكبوه من الكذب على الله وعلى [¬٤] رسوله، وما نسبوه إِلى الرب ﷿ وتعالى وتقدّس عن قولهم علوًّا كبيرًا، من جَعْلِهم له صاحبةً وولدا، تعالى الواحد الأحد الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد.\n﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٦)﴾\nيقول تعالى مخبرًا عن نفسه الكريمة أنه قد أرسل رسوله محمدًا ﷺ بالهدى ودين الحق إلى جميع أهل الأرض؛ عربهم وعجمهم، أمّيهم وكتابيهم [¬٥]، وأنه بعثه بالبينات، والفرق بين\n_________\n(^٢٦٦) - رواه عبد الرزاق فى تفسيره (١/ ١٨٥)، ومن طريقه ابن جرير فى تفسيره (١٠/ ١٣٤) =\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- فى ز، خ: \"التباغض\".\n[¬٤]- في ت: \"و\".\n[¬٥]- في ز: \"كاتبهم\"، خ: \"كتابهم\".","vol":"5","page":135},{"text":"الحق والباطل، فقال تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ أي: يبين مما بدلوه وحرّفوه وأوّلوه، وافتروا على الله فيه، ويسكت عن كثير مما غيروه، ولا فائدة فى بيانه.\nوقد روى الحاكم في مستدركه (^٢٦٧) من حديث الحسين بن واقد، عن يزيد النحوي، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵁ قال: من كفر بالرجم فقد كفر بالقرآن، من حيث لا يحتسب، قوله: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ﴾ فكان الرجم مما أخفوه.\nثم قال: صحيح الإِسناد ولم يخرجاه.\nثم أخبر تعالى عن القرآن العظيم، الذي أنزله على نبيه الكريم فقال: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ﴾ أي: طرق النجاة والسلامة، ومناهج الاستقامة، ﴿وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أي: ينجيهم من المهالك، ويوضح لهم أبين المسالك، فيصرف عنهم المحذور، ويحصل لهم أحب [¬١] الأمور، وينفي عنهم الضلالة، ويرشدهم إلى أقوم حالة.\n﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٧) وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (١٨)﴾\n_________\n= (١١٥٩٣)، والنحاس فى \"ناسخه\" (ص ٣٨١) قال: أخبرنا معمر عن قتادة … فذكره.\n(^٢٦٧) - رواه فى مستدركه (٤/ ٣٥٩) وقال: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه. ووافقه الذهبى. والحسين ابن واقد وثقه يحيى بن معين، وقال أحمد بن حنبل، وأبو زرعة، والنسائى، وأبو داود: لا بأس به. لكن قال ابن حبان فى \"الثقات\" (٦/ ٢٠٩): ربما أخطأ فى الروايات. فالإسناد حسن، والله أعلم.\n_________\n[¬١]- في ز وخ: \"أنجب\".","vol":"5","page":136},{"text":"يقول تعالى مخبرًا وحاكمًا بكفر النصارى في ادعائهم في المسيح ابن مريم، وهو عبد من عباد الله، وخلق من خلقه، أنه هو الله - تعالى الله عن قولهم علوًّا كبيرا.\nثم قال مخبرًا عن قدرته على الأشياء، وكونها تحت قهره وسلطانه: ﴿قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ أي: لو أراد ذلك فمن ذا الذي كان يمنعه منه [¬١]؟ أو من ذا الذي يقدر على صرفه عن ذلك؟\nثم قال: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ أي: جميع الموجودات ملكه وخلقه، وهو القادر على ما يشاء، لا يسأل عما يفعل؛ لقدرته وسلطانه وعدله وعظمته، وهذا رد على النصارى عليهم لعائن الله المتتابعة [¬٢] إلى يوم القيامة.\nثم قال تعالى ردًّا على اليهود والنصارى في كذبهم وافترائهم: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ أي: نحن منتسبون إلى أنبيائه، وهم بنوه، وله بهم عناية، وهو يحبنا، ونقلوا عن كتابهم أن الله تعالى قال لعبده إسرائيل: أنت ابني بكري، فحملوا هذا على غير تأويله وحرفوه. وقد رد عليهم غير واحد ممن أسلم من عقلائهم، وقالوا: هذا يطلق عندهم على التشريف والإِكرام، كما نقل النصارى من [¬٣] كتابهم؛ أن عيسى قال لهم: إني ذاهب إلى أبي وأبيكم، يعني ربي وربكم، ومعلوم أنهم لم يدّعوا لأنفسهم من البنوة ما ادّعوها في عيسى ﵇ وإنّما أرادوا من ذلك [¬٤] معزتهم لديه، وحظوتهم عنده، ولهذا قالوا: نحن أبناء الله وأحباؤه.\nقال الله تعالى رادًّا عليهم: ﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ﴾ أي: لو كنتم [كما تدعون أبناؤه وأحباؤه، فلِمَ أعدَّ لكم نار جهنم] [¬٥] على كفركم وكذبكم وافترائكم؟ وقد قال بعض شيوخ الصوفية لبعض الفقهاء: أين تجد في القرآن أن الحبيب لا يعذب حبيبه؟ فلم يرد عليه فتلا عليه الصوفي هذه الآية ﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ﴾ وهذا الذي قاله حسن، وله يشاهد في المسند للإِمام أحمد حيث قال (^٢٦٨):\n_________\n(^٢٦٨) - رواه فى المسند (٣/ ١٠٤)، ورواه أيضًا فى (٣/ ٢٣٥) من طريق محمد بن عبد الله الأنصارى قال: حدثنا حميد … فذكره بنحوه، ورواه أبو يعلى فى مسنده (٦/ ٣٩٧ - ٣٩٨) (٣٧٤٧ - ٣٧٤٩)، والحاكم (١/ ٥٨)، (٤/ ١٧٧) من طرق عن حميد به، وصححه الحاكم على شرط =\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- في ز: \"التابعة\".\n[¬٣]- في ز: \"عن\".\n[¬٤]- في ز: \"بذلك\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"5","page":137},{"text":"حدثنا ابن أبي عدي، عن حميد، عن أنس قال: مر النبى ﷺ في نفر من أصحابه، وصبي في الطريق، فلما رأت أمه القوم خشيت على ولدها أن يوطأ، فأقبلت تسعى وتقول: ابنى ابني، وسعت فأخذته. فقال القوم: يا رسول الله، ما كانت هذه لتلقى ولدها [¬١] في النار. قال: فَخَفَّضَهُم النبي ﷺ فقال: \"و[¬٢] لا والله [﷿] [¬٣] ما يلقي حبيبه في النار\". تفرد به أحمد [¬٤].\n﴿بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾ أي: لكم أسوة أمثالكم من بني آدم، وهو سبحانه [¬٥] الحاكم فى جميع عباده، ﴿يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ أي: هو فعال لما يريد، لا معقب لحكمه، وهو سريع الحساب ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ أي: الجميع ملكه وتحت قهره وسلطانه ﴿وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ أي: المرجع والمآب إليه؛ فيحكم في عباده بما يشاء، وهو العادل الذي لا يجور.\nوروى [¬٦] محمد بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: وأتى رسول الله ﷺ نعمان بن آصا [¬٧] وبحري [¬٨] بن عمرو وشاس بن عدي، فكلموه، وكلمهم رسول الله ﷺ، ودعاهم إلى الله، وحذرهم نقمته، فقالوا: ما تخوفنا يا محمد، نحن - والله - أبناء الله وأحباؤه، كقول النصارى، فأنزل الله فيهم: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ إلى آخر الآية.\nروإه ابن أبي حاتم وابن جرير (^٢٦٩).\n_________\n= الشيخين، ووافقه الذهبى. وذكره الهيثمى فى \"مجمع الزوائد\" (١٠/ ٣٨٦) وقال: \"رواه أحمد والبزار بنحوه، وأبو يعلى، ورجالهم رجال الصحيح\" وللحديث شاهد من حديث عمر رواه البخارى فى صحيحه، كتاب الأدب، باب: رحمة الولد وتقبيله ومعانقته، الحديث (٥٩٩٩).\n(^٢٦٩) - رواه ابن إسحاق وعنه ابن جرير الطبرى فى تفسيره (١٠/ ١٥٠ - ١٥١) (١١٦١٣)، والبيهقى فى \"الدلائل\" (٢/ ٥٣٥) قال: حدثنى محمد بن أبى محمد مولى زيد بن ثابت قال: حدثنى سعيد بن جبير أو عكرمة، عن ابن عباس، فذكره، ومحمد بن أبى محمد: قال الحافظ فى \"التقريب\": مجهول تفرد عنه ابن إسحاق. والحديث ذكره السيوطى فى \"الدر المنثور\" (٢/ ٤٧٦) وعزاه إلى ابن إسحاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبى حاتم والبيهفى فى \"الدلائل\".\n_________\n[¬١]- في ز: \"ابنها\".\n[¬٢]- زيادة من المسند.\n[¬٣]- ما لين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٤]- سقط من: ز.\n[¬٥]- في ز: \"تعالى هو\".\n[¬٦]- في ر: \"قال\".\n[¬٧]- في ت: \"أضاء\".\n[¬٨]- في ز: \"وبجري\".","vol":"5","page":138},{"text":"ورويا أيضًا (^٢٧٠) من طريق أسباط، عن السدي في قول الله: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾. أما قولهم: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ﴾؛ فإنهم قالوا: إن الله أوحى إلى إسرائيل: [ولدًا من ولدك، أدخلهم النار] فيكونون فيها أربعين ليلة، حتى تطهرهم، وتأكل خطاياهم، ثم ينادى مناد: أن أخرجوا كل مختون من ولد إسرائيل، فأخرجوهم [¬١]، فذلك قولهم: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾.\n﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٩)﴾\nيقول تعالى مخاطبًا أهل الكتاب من اليهود والنصارى، بأنه [¬٢] قد أرسل إليهم رسوله محمدًا [¬٣] ﵌، خاتم النبيين الذي لا نبي بعده ولا رسول، بل هو المعقب لجميعهم، ولهذا قال: ﴿عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ﴾ أي: بعد مدة متطاولة، ما بين إرساله، وعيسى ابن مريم.\nوقد اختلفوا في مقدار هذه الفترة: كم هي؟ فقال أبو عثمان النهدي وقتادة في رواية عنه: كانت ستمائة سنة.\nورواه البخاري عن سلمان الفارسي.\nوعن قتادة: خمسمائة وستون سنة (^٢٧١).\nوقال معمر عن بعض أصحابه: خمسمائة وأربعون سنة (^٢٧٢).\nوقال الضحاك: أربعمائة وبضع [¬٤] وثلاثون سنة (^٢٧٣).\n_________\n(^٢٧٠) - رواه ابن جرير فى تفسيره (١٠/ ١٥١) (١١٦١٤).\n(^٢٧١) - رواه عبد الرزاق فى تفسيره (١/ ١٨٦)، ومن طريقه ابن جرير فى تفسيره (١٠/ ١٥٦) (١١٦١٨) عن معمر عن قتادة به وزاد عبد الرزاق: قال معمر: وقال الكلبى: خمسمائة سنة وأربعون سنة.\n(^٢٧٢) - رواه ابن جرير فى تفسيره (١٠/ ١٥٧) (١١٦٢٠).\n(^٢٧٣) - رواه ابن جرير الطبرى فى تفسيره (١٠/ ١٥٧) (١١٦٢١) وذكره السيوطى فى\"الدر المنثور\" (٢/ ٤٧٧) ولم يعزه لغير ابن جرير.\n_________\n[¬١]- في ز: \"فأخرجهم\".\n[¬٢]- في ز: \"أنه\".\n[¬٣]- في ز: \"محمد\".\n[¬٤]- في ز: \"وبضعة\".","vol":"5","page":139},{"text":"وذكر ابن عساكر في ترجمة عيسى ﵇ عن الشعبي أنه قال: ومن رفع المسيح إلى هجرة النبي ﷺ تسعُمائة وثلاثة وثلاثون سنة (^٢٧٤).\nوالمشهور هو القول [¬١] الأول، وهو أنها ستمائة سنة، ومنهم من يقول: ستمائة وعشرون سنة، ولا منافاة بينهما؛ فإن القائل الأول أراد ستمائة سنة شمسية، والآخر أراد قمرية، وبين كل مائة [¬٢] سنة شمسية وبين القمرية نحوٌ من [¬٣] ثلاث [¬٤] سنين، ولهذا قال تعالى في قصة أهل الكهف: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾ أي: قمرية لتكميل ثلاثمائة الشمسية التي كانت معلومة لأهل الكتاب، وكانت الفترة بين عيسى ابن مريم آخر أنبياء بني إسرائيل، وبين محمد خاتم النبيين من بني آدم على الإطلاق، كما ثبت في صحيح البخاري عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: \"إن أولى الناس بابن مريم لأنا؛ لأنه لا نبي بينى وبينه\" (^٢٧٥) وهذا فيه رد على من زعم أنه بعث بعد عيسى نبي يقال له: خالد بن سنان، كما حكاه القضاعي وغيره.\nوالمقصود أن الله بعث محمدًا ﷺ على فترة من الرسل، وطموس من السبل، وتغير الأديان، وكثرة عبادة الأوثان والنيران والصلبان. فكانت النعمة به أتم النعم، والحاجة إليه اُمر عمم [¬٥]، فإن الفساد كان قد عم [¬٦] جميع البلاد، رالطغيان والجهل قد ظهر في سائر العباد، إلا قليلًا من المتمسكين ببقايا من دين الأنبياء الأقدمين، من بعض أحبار اليهرد وعباد النصارى والصابئين، كما قال الإمام أحمد (^٢٧٦):\n_________\n(^٢٧٤) - رواه ابن عساكر فى تاريخه (١٤/ ٣٠ - مخطوط) وذكره ابن منظور فى مختصر تاريخ دمشق (٢٠/ ٨٦).\n(^٢٧٥) - رواه البخارى في صحيحه، كتاب أحاديث الأنبياء، باب قول الله: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا …﴾ الحديث (٣٤٤٢)، ومسلم فى كتاب الفصائل، باب فضائل عيسى ﵇، الحديث (١٤٤/ ٢٣٦٥) من طريق أبى سلمة بن عبد الرحمن عن أبى هريرة. ورواه البخارى فى أحاديث الأنبياء، باب قول الله: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا …﴾ الحديث (٣٤٤٣) من طريق عبد الرحمن بن أبى عمرة عن أبى هريرة به.\n(^٢٧٦) - رواه فى مسنده (٤/ ١٦٢) ورواه في (٤/ ١٦٢، ٢٦٦)، ومسلم فى كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب: الصفات التى يعرف بها فى الدنيا أهل الجنة وأهل النار، الحديث (٢٨٦٥)، والنسائى فى الكبرى، كتاب فضائل القرآن، باب قراءة القرآن على كل الأحوال، الحديث (٨٠٧٠)،=\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- في ز، خ: \"ثمان\".\n[¬٥]- في ز، خ: \"عام\".\n[¬٦]- في ز: \"ما\".","vol":"5","page":140},{"text":"حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا هشام، حدثنا قتادة، عن مطرف، عن عياض بن حمار المجاشعى ﵁ أن النبي ﷺ خطب ذات يوم فقال في خطبته: \"وإن ربي أمرني أن أعلمكم مما جهلتم مما علمني في يومي هذا، كل مال نحلته عبادي حلال، وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، [وإن الشياطين أتتهم] [¬١] فأضلتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانًا، ثم إن الله ﷿ نظر إلى أهل الأرض فمقتهم، [عربهم وعجمهم]، إلا بقايا من أهل الكتاب [] [¬٢] وقال: إنما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك، وأنزلت عليك كتابًا لا يغسله الماء، تقرأه نائمًا ويقظانًا، ثم إن الله أمرني أن أحرق قريشًا فقلت: يا رب إذن يثلغوا (*) رأسي فيدعوه خُبْزَةً [¬٣]، فقال: استخرجهم كما استخرجوك، واغزهم نغزك، وأنفق عليهم فسننفق [¬٤] عليك، وابعث جيشا [¬٥] نبعث خمسة أمثاله، وقاتل بمن أطاعك [¬٦] من عصاك، وأهل الجنة ثلاثة: ذو سلطان مقسط [موفق متصدق]، ورجل رحيم رقيق القلب، بكل ذي قربى ومسلم، ورجل [عفيف فقير] [ذو عيال] [¬٧]، متصدق، وأهل النار خمسة: الضعيف [الذي لا زبر (**) له] [¬٨]، و[¬٩] الذين هم فيكم تبعًا أو تبعاء -\n_________\n= وابن ماجة فى الزهد، باب البراءة من الكبر والتواضع، الحديث (٤١٧٩) من طرق عن قتادة به، ولفظ ابن ماجة مختصر جدًا، ورواه الإمام أحمد فى مسنده (٤/ ٢٦٦) ثنا عفان ثنا همام ثنا قتادة ثنا العلاء بن زياد العدوى، حدثنى يزيد أخو مطرف قال: وحدثنى عقبة، كل هؤلاء يقول حدثنى مطرف أن عياض بن حمار حدثه أنه سمع النبى ﷺ يقول فى خطبته … فذكره، قال همام: قال بعض أصحاب قتادة: ولا أعلمه إلا قال: يونس الإسكاف قال لى: إن قتادة لم يسمع حديث عياض بن حمار من مطرف. قلت: هو حدثنا عن مطرف وتقول أنت لم يسمعه من مطرف؟ قال: فجاء أعرابى فجعل يسأله واجترأ عليه. قال: فقلنا للأعرابى: سله هل سمع حديث عياض بن حمار عن مطرف؟ فسأله: فقال: لا، حدثنى أربعة عن مطرف فسمى الثلاثة الذى قلت لكم. ورواه ابن حبان (٦٥٣)، والطبرانى فى الكبير (١٧/ رقم ٩٩٣) من طريقين عن همام بهذا الإسناد، ورواه ابن حبان (٦٥٤)، وأحمد (٤/ ٢٦٦) والنسائى فى الكبرى (٨٠٧١)، والطبرانى فى الكبير (١٧/ رقم ٩٩٦) من طريق عن عوف بن أبى جميلة عن حكيم بن الأثرم عن الحسن عن مطرف عن عياض بن حمار.\n(*) أي: يشدخوه ويشجوه كما يشدخ الخبز أي: يكسر.\n(**) أي: لا عقل له فى يزبره وينهاه عن الإقدام على ما لا ينبغي.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ز: \"وإنهم أتتهم الشياطين\"، خ: \"وإنهم إلتبستهم الشياطين\".\n[¬٢]- في ز: \"بني إسرائيل\".\n[¬٣]- في ز: \"خبرة\".\n[¬٤]- في ز: \"فسينفق\".\n[¬٥]- في ز: \"جندًا\"، خ: \"جنداء\".\n[¬٦]- في ت: \"أطاعوك\".\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٨]- في ز، خ: \"لا دين له\".\n[¬٩]- سقط من: ز.","vol":"5","page":141},{"text":"شك يحيى - لا يبتغون أهلًا ولا مالًا، والخائن الذي لا يخفى له طمع وإن دق إلا خانه، ورجل لا يصبح ولا يمسي إلا وهو يخادعك عن أهلك ومالك\". وذكر البخل أو الكذب، والشنظير الفاحش.\nثم رواه الإمام أحمد ومسلم والنسائى من غير وجه، عن قتادة، عن مطرِّف بن عبد الله بن الشخير. وفي رواية سعيد [¬١] عن قتادة التصريح بسماع قتادة هذا الحديث من مطرف. [وقد ذكر الإمام أحمد في مسنده أن قتادة لم يسمعه من مطرف] [¬٢]، وإنما سمعه من أربعة عنه. ثم رواه هو عن روح عن عوف عن حكيم الأثرم عن الحسن، قال: حدثنى مطرف، عن عياض بن حمار فذكره. و[¬٣] رواه النسائى من حديث غندر، عن عوف الأعرابي به.\nوالمقصود من إيراد هذا الحديث قوله: \"وإن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم، [عجمهم وعربهم]، إلا بقايا من بني إسرائيل\" وفي لفظ مسلم: \"من أهل الكتاب\"، فكان [¬٤] الدين قد التبس على أهل الأرض كلهم، حتى بعث الله محمدًا ﷺ، فهدى الخلائق، وأخرجهم الله به من الظمات إلى النور، وتركهم على المحجة البيضاء والشريعة الغراء، ولهذا قال تعالى: ﴿أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ﴾ أى: لئلا تحتجوا [¬٥] وتقولوا [¬٦]- يا أيها الذين بدلوا دينهم وغيروه -] [¬٧] ما جاءنا من رسول يبشر بالخير، وينذر من الشر، فقد جاءكم بشير ونذير، يعنى محمدًا ﷺ. ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. قال ابن جرير: معناه إني قادر على عقاب من عصاني وثواب من أطاعني\n﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ (٢٠) يَاقَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (٢١) قَالُوا يَامُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا\n_________\n[¬١]- في ز: \"شعبة\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٣]- في ز: \"وكذا\".\n[¬٤]- فى ز: \"وكان\".\n[¬٥]- في ز: \"يحتجوا\".\n[¬٦]- في ز: \"ويقولوا\".\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين في ز: \"ما جاء يا أيها الذين بدلوا دينهم وغيروه\".","vol":"5","page":142},{"text":"جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ (٢٢) قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٣) قَالُوا يَامُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (٢٤) قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (٢٥) قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (٢٦)﴾\nيقول تعالى مخبرًا عن عبده ورسوله وكليمه موسى بن عمران ﵇ فيما ذكر به قومه من [¬١] نعم الله عليهم وآلائه لديهم، في جمعه لهم خير الدنيا والآخرة، لو استقاموا على [¬٢] طريقتهم المستقيمة. فقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ﴾ أي: كلما هلك نبي قام فيكم نبي من لدن أبيكم إبراهيم إلى من [¬٣] بعده، وكذلك كانوا لا يزال فيهم الأنبياء يدعون إلى الله، ويحذرون نقمته، حتى ختموا بعيسى [ابن مريم] [¬٤] ﵇، ثم أوحى الله إلى خاتم الأنبياء والرسل على الإطلاق محمد بن عبد الله، المنسوب إلى إسماعيل بن إبراهيم ﵇ وهو أشرف من كل من تقدمه منهم ﷺ.\nوقوله: ﴿وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾. قال عبد الرزاق، عن الثوري، عن منصور، عن الحكم أو غيره، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾ قال: الخادم والمرأة والبيت (^٢٧٧).\n_________\n(^٢٧٧) - رواه عبد الرزاق فى تفسيره (١/ ١٨٧) ومن طريقه رواه ابن جرير فى تفسيره (١٠/ ١٦٢) (١١٦٣١)، وذكره السيوطى فى \"الدر المنثور\" (٢/ ٤٧٧) وزاد نسبته إلى عبد بن حميد، والحكم بن عتيبة ثقة لكن يرسل ويدلس.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- في ز: \"في\".\n[¬٣]- في ز: \"ما\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.","vol":"5","page":143},{"text":"وروى الحاكم في مستدركه (^٢٧٨) من حديث الثوري أيضًا، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: المرأة والخادم، ﴿وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ قال: الذين هم بين ظهرانيهم يومئذ. ثم قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.\nوروى [¬١] ميمون بن مهران، عن ابن عباس قال: كان الرجل من بني إسرائيل؛ إذا كان له الزوجة والخادم والدار [¬٢]؛ سمي ملكًا (^٢٧٩).\nوقال: ابن جرير (^٢٨٠): حدثنا يونس بن عبد الأعلى، أنبأنا ابن وهب، أنبأنا أبو هانئ أنه سمع أبا عبد الرحمن الحُبُلي، يقول: سمعت عبد الله بن عمرو بن العاص، وسأله رجل [فقال: ألسنا] [¬٣] من فقراء المهاجرين؟ فقال عبد الله: ألك امرأة تأوي إليها؟ قال: نعم. قال: ألك مسكن تسكنه؟ قال: نعم؛ قال: فأنت من الأغنياء. فقال: إن لي خادما. تال: فأنت من الملوك.\nوقال الحسن البصري: هل الملك إلا مركب وخادم ودار.\nرواه ابن جرير (^٢٨١)، ثم روى عن الحكم ومجاهد ومنصور وسفيان الثوري نحوًا من هذا. وحكاه ابن أبي حاتم، عن ميمون بن مهران.\n_________\n(^٢٧٨) - رواه فى المستدرك (٢/ ٣١١ - ٣١٢) وعنه البيهقى فى الشعب (٤/ ١٤٩ - ١٥٠) (٤٦١٨) وصححه الحاكم على شرط الشيخين ووافقه الذهبى، ورواه ابن جرير فى تفسيره (١٠/ ١٦٤) (١١٦٣٩) مقتصرًا على الشطر الثانى، وذكره السيوطى فى\"الدر المنثور\" (٢/ ٤٧٧) وزاد نسبته للفريابى وابن المنذر.\n(^٢٧٩) - رواه ابن جرير فى تفسيره (١٠/ ١٦٢ - ١٦٣) (١١٦٣٣) من طريق حجاج بن تميم عن ميمون ابن مهران به، وحجاج بن تميم: قال الحافظ فى\"التقريب\": ضعيف. والأثر: ذكره السيوطى فى \"الدر المنثور\" (٢/ ٤٧٧) ولم يعزه لغير ابن جرير.\n(^٢٨٠) - رواه فى تفسيره (١٠/ ١٦١) (١١٦٢٥)، ورواه الإمام مسلم فى صحيحه كتاب الزهد والرقائق، الحديث (٢٩٧٩) قال: حدثنى أبو الطاهر أحمد بن عمرو بن سرح أخبرنا ابن وهب به.\nوالأثر ذكره السيوطى فى \"الدر المنثور\" (٢/ ٤٧٨) وعزاه إلى سعيد بن منصور وابن جرير فقط ولم يعزه لمسلم، والله أعلم.\n(^٢٨١) - رواه ابن جرير فى تفسيره (١٠/ ١٦١ - ١٦٢) (١١٦٢٧) حدثنا سفيان بن وكيع قال: حدثنا العلاء بن عبد الجبار، عن حماد بن سلمة عن حميد عن الحسن به. ورجاله ثقات غير سفيان بن وكيع=\n_________\n[¬١]- فى ز: \"وقال\".\n[¬٢]- فى ز: \"والمعراة\".\n[¬٣]- فى ز: \"وقال: ألست\".","vol":"5","page":144},{"text":"وقال ابن شوذب: كان الرجل من بني إسرائيل إذا كان له منزل وخادم؛ واستؤذِنَ عليه فهو ملك. وقال قتادة (^٢٨٢): كانوا أول من ملك الخدم.\nوقال السدي في قوله: ﴿وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾ قال: يملك الرجل منكم [نفسه وماله وأهله].\nرواه ابن أبي حاتم (^٢٨٣)، وقال ابن أبي حاتم: ذكر عن ابن لهيعة، عن دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري، عن رسول الله ﷺ قال: [\"كان بنو إسرائيل إذا كان لأحدهم خادم ودابة وامرأة؛ كتب ملكًا\" (^٢٨٤).\nوهذا حديث غريب من هذا الوجه.\nوقال ابن جرير (^٢٨٥): حدثنا الزبير بن بكار، حدثنا أبو ضمرة أنس بن عياض، سمعت زيد ابن أسلم، يقول: ﴿وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾ فلا أعلم إلا أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه\n_________\n= قال الحافظ ابن حجر فى \"التقريب\": كان صدوقًا إلاَّ أنه ابتلى بوراقه؛ فأدخل عليه ما ليس من حديثه، فنصح فلم يقبل؛ فسقط حديثه. والأثر ذكره السيوطى فى \"الدر المنثور\" (٢/ ٤٧٨) وعزاه لابن جرير فقط.\n(^٢٨٢) - رواه عبد الرزاق فى تفسيره (١/ ١٨٦) ومن طريقه رواه ابن جرير فى تفسيره (١٠/ ١٦٣) (١١٦٣٤) وذكره السيوطى فى\"الدر المنثور\" (٢/ ٤٧٧) وزاد نسبته إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢٨٣) - ورواه ابن جرير الطبرى فى تفسيره (١٠/ ١٦٣) (١١٦٣٦) من طريق أسباط عن السدى به.\n(^٢٨٤) - فى إسناده ابن لهيعة، وهو ضعيف كما تقدم مرارًا، ودراج: هو ابن سمعان أبو السمح ضعفه أبو حاتم والدارقطني، وقال النسائى: ليس بالقوى. وقال فى موضع آخر: منكر الحديث، وثقه يحيى بن معين فى رواية الدارمى عنه - انظر تاريخ عثمان بن سعيد الدارمى رقم (٣١٥) وسئل ابن معين أيضًا عن حديث دَرَّاج عن أبى الهيثم، عن أبى سعيد؟ فقال: ما كان هكذا الإسناد، فليس به بأس. انظر تاريخ ابن معين (٢/ ١٥٥). وروى أبو عبيد الآجرى عن أبى داود قال: أحاديثه مستقيمة إلَّا ما كان عن أبى الهيثم عن أبى سعيد. قال المنذرى فى خاتمة \"الترغيب والترهيب\" (٤/ ٤٨٣): ضعفه أبو حاتم والدارقطنى وغيرهما، وقال أحمد: أحاديثه مناكير. وقال النسائى: منكر الحديث. وقال مرة: ليس بالقوى وثقه يحيى بن معين وعلى بن المدينى وغيرهما، وصحح حديثه عن أبى الهيثم الترمذى، واحتج به ابن خزيمة وابن حبان والحاكم وغيرهما. قلت: لخص ابن حجر حاله بقوله فى \"التقريب\": صدوق، فى حديثه عن أبى الهيثم ضعف. وهذا الحديث من روايته عن أبى الهيثم، وأيضًا الراوى له عن دراج إنما هو ابن لهيعة وهو ضعيف كما تقدم.\n(^٢٨٥) - رواه فى تفسيره (١٠/ ١٦١) (١١٦٢٦)، والزبير بن بكار - شيخ الطبرانى - وأنس بن عياض ثقتان من رجال التهذيب. والحديث ذكره السيوطى فى \"الدر المنثور\" (٢/ ٤٧٨) وزاد نسبته للزبير=","vol":"5","page":145},{"text":"وسلم [¬١]: \"من كان له بيت وخادم فهو ملك\".\nوهذا مرسل غريب.\nوقال مالك: بيت وخادم وزوجة.\nوقد ورد في الحديث: \"من أصبح منكم معافى في جسده، آمنًا في سربه، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها\" (^٢٨٦).\nوقوله: ﴿وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ يعني عالمى زمانكم، فإنهم [¬٢] كانوا أشرف [¬٣] الناس في زمانهم، من اليونان، والقبط، وسائر أصناف بني آدم، كما قال: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ وقال تعالى إخبارًا عن موسى لما قالوا: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (١٣٨) إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٣٩) قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾.\nوالمقصود أنهم كانوا أفضل أهل زمانهم، وإلا فهذه الأمة أشرف منهم وأفضل عند الله، وأكمل شريعة، وأقوم منهاجًا، وأكرم نبيًّا، وأعظم ملكًا، وأغزر أرزاقًا، وأكثر أموالًا وأولادًا، وأوسع مملكة، وأدوم عزًّا. قال الله تعالى ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ وقال: [﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾. وقد ذكرنا الأحاديث المتواترة في فضل هذه الأمة، وشرفها، وكرمها عند الله ﷿ عند قوله تعالى] [¬٤]: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ﴾\n_________\n= ابن بكار فى الموفقيات ولأبي داود فى مراسيله. فلت: هو فى مراسيل أبى داود (ص ١٨٠، ١٨١) رقم (٢٠٤) قال: حدثنا أبو توبة الربيع بن نافع، حدثنا أبو ضمرة عن زيد بن أسلم له، وهذا إسناد رجاله ثقات رجال الشيخين إلا أن الحديث مرسل.\n(تنبيه): قال العلامة محمود شاكر ﵀ فى تعليقه على تفسير الطبرى: \"والحديث خرجه السيوطى في \"الدر المنثور\" ولم ينسبه لابن جرير، ونسبه للزبير بن بكار فى الموفقيات، ولأبى داود فى مراسيله\" قلت: بل عزاه لابن جرير فلعله يكون سقط من نسخة الشيخ ﵀. والله أعلم.\n(^٢٨٦) - روى هذا من حديث عبيد الله بن محصن الأنصارى، وأبى الدرداء، وابن عمر، وعلى، وعمر.\nأمَّا حديث عبيد الله بن محصن: فرواه البخارى فى الأدب المفرد (٣٠٠) وفى التاريخ الكبير=\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- فى ز، خ: \"فكأنهم\".\n[¬٣]- في ز: \"أشراف\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.","vol":"5","page":146},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= (٥/ ٣٧٢، ٣٧٣)، والترمذى فى كتاب الزهد، باب (٣٤)، الحديث (٢٣٤٦)، وابن ماجه فى سننه كتاب الزهد، باب القناعة، الحديث (٤١٤١)، والحميدى فى مسنده (٤٣٩)، والعقيلى في \"الضعفاء\" (٢/ ١٤٦)، والخطيب فى تاريخه (٣/ ٣٦٤)، والبيهقى فى الزهد (ص ٨٨ - رقم ١٠٥)، والقضاعى فى \"مسند الشهاب\" (١/ ٣٢٠) (٥٤٠) من طريق سلمة بن عبيد الله بن محصن الأنصارى عن أبيه مرفوعًا، قال العقيلى: سلمة بن عبيد الله بن محصن مجهول فى النقل، ولا يتابع على حديثه ولا يعرف إلَّا به. وروى عن عبد الله بن أحمد قال: سألت أبى عن سلمة بن عبيد الله بن محصن الأنصارى؟ فقال: لا أعرفه. وقال الحافظ فى \"التقريب\": مجهول. لكن الحديث يشهد له الطرق التالية.\nوأمَّا حديث أبى الدرداء: فأخرجه ابن حبان فى صحيحه (٢/ ٤٤٥) (٦٧١) وهو في \"موارد الظمآن\" برقم (٢٥٠٣) وأبو نعيم فى الحلية (٥/ ٢٤٩)، والخطب فى التاريخ (٦/ ١٦٦)، والقضاعى فى مسنده (٩/ ٣١١ - ٣٢٠) (٥٣٩) من طريق عبد الله بن هانئ بن عبد الرحمن بن أبى عبلة أبو عمرو قال: نا أبى عن إبراهيم بن أبى عبلة عن أم الدرداء عن أبى الدرداء به مرفوعًا، وسنده ضعيف جدًا؛ عبد الله بن هانئ ترجم له ابن أبى حاتم فى \"الجرح والتعديل\" (٥/ ١٩٤) فقال: \"روى عنه محمد بن عبد الله بن محمد بن مخلد الهروى، عن أبيه عن إبراهيم بن أبى عبلة - أحاديث بواطيل، سمعت أبى يقول: قدمت الرملة، فذكر لى أن فى بعض القرى هذا الشيخ وسألت عنه فقيل: هو شيخ يكذب، فلم أخرج إليه ولم أسمع منه\"، وقال الذهبى فى \"الميزان\": متهم بالكذب اهـ. وأبوه هانئ ذكره ابن حبان فى الثقات (٨/ ٣٥٧) وقال: ربما أغرب. والحدث ذكره الهيثمى فى \"مجمع الزوائد\" (١/ ٢٩٢) وقال: رواه الطبرانى ورجاله وثقوا على ضعف فى بعضهم. وأمَّا حديث ابن عمر: فأخرجه الطبرانى فى \"الأوسط\" (٢/ ٢٣٠) (١٨٢٨) من طريق على بن عابس عن فضيل بن مرزوق عن عطية عن ابن عمر مرفوعًا، قال الهيثمى فى \"مجمع الزوائد\" (١٠/ ٢٩٢): رواه الطبرانى فى \"الأوسط\"، وفيه على بن عابس وهو ضعيف.\nقلت: وفضيل بن مرزوق فيه كلام، لكن يمكن أن يحسن حديثه خاصة إذا كان له من الشواهد مثل ما لهذا الحدث، لكن شيخه عطية هو العوفى، وهو ضعيف أيضًا. والحديث عزاه أيضًا الألبانى فى \"الصحيحة\" (٥/ ٤١٠) إلى ابن أبى الدنيا فى \"القناعة\".\nوأمَّا حديث على: فأخرجه السهمى فى \"تاريخ جرجان\" (٣٢٢) من طريق أحمد بن عيسى العلوى حدثنا محمد بن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده مرفوعًا، وأحمد بن عيسى العلوى هذا هو أبو طاهر الهاشمى، ذكره الدارقطنى فى \"الضعفاء والمتروكين\" (ت ٥٣) وقال: كذاب وانظر ترجمته فى \"الميزان\" (١/ ١٢٦).\nوأمَّا حديث: فأخرجه الطبرانى فى الأوسط (٨/ ٣٦١) (٨٨٧٥) وهو فى \"مجمع البحرين\" برقم (٥٠١٠) من طريق أبى بكر الداهرى نا ثور بن يزيد عن خالد بن مهاجر عن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: \"ابن آدم عندك ما يكفيك، وأنت تطلب ما يطغيك؟! … ابن آدم إذا أصبحت معافى فى جسدك آمنًا فى سربك عندك قوت يومك، فعلى الدنيا العفاء\" والحديث ذكره الهيثمى فى \"مجمع الزوائد\" (١٠/ ٢٩٢) وقال: \"رواه الطبرانى فى الأوسط وفيه أبو بكر الداهرى وهو ضعيف\" قال الألبانى فى \"الصحيحة\" (٥/ ٤١٠) رقم (٢٣١٨): \"وبالجملة فالحديث حسن إن شاء الله =","vol":"5","page":147},{"text":"لِلنَّاسِ﴾ من سورة آل عمران.\nوروى ابن جرير عن ابن عباس، وأبي مالك، وسعيد بن جبير أنهم قالوا في قوله: ﴿وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ يعني أمة محمدٍ ﷺ (^٢٨٧). وكأنهم أرادوا أن هذا الخطاب في قوله: ﴿وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا﴾ مع هذه الأمة.\nوالجمهور على أنه خطاب من موسى لقومه، وهو محمول على عالمي زمانهم كما قدمنا.\nوقيل: المراد ﴿وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ يعني بذلك ما كان تعالى نزله عليهم من المن والسلوى، [ويظلهم به من الغمام] [¬١] وغير ذلك، مما كان تعالى يخصهم به من خوارق العادات، فالله أعلم.\nثم قال تعالى مخبرًا عن تحريض موسى ﵇ لبني [¬٢] إسرائيل على الجهاد، والدخول إلى بيت المقدس، الذي كان بأيديهم في زمان أبيهم يعقوب، لما ارتحل هو وبنوه وأهله إلى بلاد مصر، أيام يوسف ﵇، [ثم لم يزالوا بها حتى خرجوا مع موسى] [¬٣]، فوجدوا فيها قومًا من العمالقة الجبارين، قد استحوذوا عليها وتملكوها، فأمرهم رسول الله ﷺ موسى ﵇ بالدخول إليها، وبقتال أعدائهم، وبشرهم بالنصرة والظفر عليهم، فنكلوا وعصوا وخالفوا أمره؛ فعوقبوا بالذهاب في التيه، والتمادي في سيرهم حائرين، لا يدرون كيف يتوجهون إلى [¬٤]، مقصد مدة أربعين\n_________\n= بمجموع حديثى الأنصارى وابن عمر، والله أعلم\".\n(^٢٨٧) - أمَّا الرواية عن ابن عباس فى هذا فلم أجدها عند ابن جرير، بل الذى في تفسير ابن جرير (١٠/ ١٦٤): قال أبو جعفر: اختلف فيمن عنوا بهذا الخطاب فقال بعضهم: عنى به أمة محمد ﷺ ثم قال: ذكر من قال ذلك وذكر الأثر عن أبى مالك وسعيد بن جبير، ثم قال: وقال آخرون: عنى به قوم موسى ثم نقل ذلك عن مجاهد، وابن عباس وقد تقدم تخريج أثر ابن عباس هذا برقم (٢٨٧).\nوأمَّا الرواة عن أبى مالك وسعيد بن جبير، فقد أخرجها ابن جرير فى تفسيره (١٠/ ١٦٤) (١١٦٣٧) حدثنا سفيان بن وكيع قال: حدثنا يحيى بن يمان، عن سفيان عن السدى عن أبى مالك وسعيد بن جبير. وسفيان بن وكيع ضعيف ضعفه أبو حاتم والبخارى وغيرهما، قال الحافظ فى \"التقريب\": \"كان صدوقًا إلَّا أنه ابتلى بوراقه فأدخل عليه ما ليس من حديثه فنصح فلم يقبل فسقط حديثه\" ويحيى ابن يمان قال فيه الحافظ فى \"التقريب\": صدوق عابد يخطئ كثيرًا وقد تغير.\n_________\n[¬١]- فى ز: \"وتظلهم من الغمام\"، خ: \"وتظلهم بالغمام\".\n[¬٢]- في ز: \"عن بني\"\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- في ز: \"فيه إلى\".","vol":"5","page":148},{"text":"سنة، عقوبة لهم على تفريطهم في أمر الله تعالى. فقال تعالى مخبرًا عن موسى أنَّه قال: ﴿يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ﴾ أي: المطهرة.\nولم [¬١] قال سفيان الثَّوري، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عبَّاس في قوله: ﴿ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ﴾ قال: هي الطور وما حوله (^٢٨٨). وكذا قال مجاهد (^٢٨٩) وغير واحد.\nوروى [¬٢] سفيان الثَّوري، عن أبي سعيد [¬٣] البقال، عن عكرمة، عن ابن عبَّاس قال: هي أريحاء (^٢٩٠). وكذا ذكر عن [¬٤] غير واحد من المفسرين.\nوفي هذا نظر؛ لأن أريحاء ليست هي المقصودة بالفتح، ولا كانت في طريقهم إلى بيت المقدس، وقد قدموا من بلاد مصر حين أهلك الله عدوَّهم فرعون، اللهم [¬٥] إلَّا أن يكون المراد [بأريحاء أرض بيت المقدس، كما قاله السدي فيما رواه ابن جرير (^٢٩١) عنه لا أن المراد] [¬٦] بها هذه البلدة المعروفة في طرف الغَوْر، شرقي بيت المقدس.\nوقوله تعالى: ﴿الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ أي: التي وعدكموها الله على لسان أبيكم إسرائيل، أنَّه وراثة من آمن منكم، ﴿وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى [¬٧] أَدْبَارِكُمْ﴾ أي: ولا تنكلوا\n_________\n(^٢٨٨) - رواه ابن جرير فى تفسيره (١٠/ ١٦٧) (١١٦٤٦).\n(^٢٨٩) - رواه ابن جرير فى تفسيره (١٠/ ١٦٧) (١١٦٤٤، ١١٦٤٥).\n(^٢٩٠) - رواه ابن جرير فى تفسيره (١٠/ ١٦٨) (١١٦٥٠) حدثنى عبد الكريم بن الهيثم حدَّثنا إبراهيم بن بشار حدَّثنا سفيان عن أبي سعيد عن عكرمة عن ابن عباس به، وهذا إسناد صحيح إلى ابن عبَّاس ﵄؛ عبد الكريم بن الهيثم بن ؤياد القطان ثقة ترجمته فى تاريخ بغداد (١١/ ٧٨، ٧٩)، وإبراهيم بن بشار هو الرمادى ثقة له أوهام من رجال التهذب، وأَبو سعيد الراوى - عن عكرمة - هو عبد الكريم بن مالك الجزرى، قال عنه الحافظ فى \"التقريب\": ثقة متقن. وقد ظن المصنف أن سفيان هو الثورى وإنَّما هو ابن عيينة وشيخه ليس البقال، فإن البقال اسمه سعيد بن المرزبان وكنيته \"أَبو سعد\" وليس \"أَبو سعيد\" والله أعلم.\n(^٢٩١) - رواه ابن جرير فى تفسيره (١٠/ ١٧٢) (١١٦٥٦) من طريق أسباط عن السدى فى قصة ذكرها من أمر موسى وبنى إسرائيل قال: \"ثم أمرهم بالسير إلى أريحا - وهى أرض بيت المقدس - … فساروا … \" الأثر، وقد تقدم الكلام على هذا الإسناد قبل ذلك.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- في ز: \"وقال\".\n[¬٣]- في ز: \"سعد\".\n[¬٤]- سقط من: ز.\n[¬٥]- سقط من: ز.\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين في ز: \"أعقابكم\".","vol":"5","page":149},{"text":"عن الجهاد، ﴿فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (٢١) قَالُوا يَامُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا [¬١] فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ﴾ أي: اعتذروا بأن في هذه البلدة التي أمرتنا بدخولها وكمال أهلها قويًّا جبارين، أي: ذوي خلق هائلة، وقوى شديدة، وإننا لا نقدر على مقاومتهم، ولا مصاولتهم، ولا يمكننا الدخول إليها ما داموا فيها؛ فإن يخرجوا منها دخلناها، وإلَّا فلا طاقة لنا بهم.\nوقد قال ابن جرير (^٢٩٢): حدثني عبد الكريم بن الهيثم، حدَّثنا إبراهيم بن بشار، حدَّثنا سفيان، قال: قال أَبو سعيد: قال عكرمة: عن ابن عبَّاس قال: أمر موسى أن يدخل مدينة الجبارش، قال: فسار موسى بمن معه، حتَّى نزل قريبًا من المدينة، وهي أريحاء، فبعث إليهم اثني عشر عينا، من كل سبط منهم عين ليأتوه بخبر القوم، قال: فدخلوا المدينة، فرأوا أمرًا عظيمًا من هيئتهم، وجسمهم، وعظمهم، فدخلوا حائطًا لبعضهم، فجاء صاحب الحائط ليجتني الثمار من حائطه، فجعل يجتني الثمار، وينظر [¬٢] إلى آثارهم، فتتبعهم [¬٣]، فكلما أصاب واحدًا منهم أخذه فجعله في كمه مع الفاكهة، حتَّى التقط الاثني عشر كلهم، فجعلهم في كمه مع الفاكهة، [وذهب بهم] [¬٤] إلى ملكهم، فنثرهم بين يديه، فقال لهم [¬٥] الملك: قد رأيتم شأننا وأمرنا، فاذهبوا فأخبروا صاحبكم، قال: فرجعوا إلى موسى فأخبروه بما عاينوا من أمرهم.\nوفي هذا [¬٦] الإِسناد نظر.\nوقال على بن أبي طلحة، عن ابن عبَّاس: لما نزل موسى وقومه، بعث منهم اثنى عشر رجلًا، وهم النقباء، الذين [¬٧] ذكرهم [¬٨] الله، فبعثهم ليأتوه [¬٩] بخبرهم، فساروا فلقيهم رجل من الجبارين، فجعلهم في كسائه، فحملهم [¬١٠] حتَّى أتى بهم المدينة، ونادى في قومه، فاجتمعوا إليه، فقالوا: من أنتم؟ قالوا: نحن قوم موسى، بعثنا نأتيه بخبركم،\n_________\n(^٢٩٢) - رواه ابن جرير الطبرى فى تفسيره (١٠/ ١٧٣) (١١٦٥٧) وإسناده صحيح إلى ابن عبَّاس وقد تكلمنا على هذا الإسناد قريبًا، والأثر ذكره السيوطى فى \"الدر المنثور\" (٢/ ٤٧٩) وعزاه لابن أبي حاتم وابن جرير.\n_________\n[¬١]- في ز: \"أبدًا ما داموا فيها\".\n[¬٢]- في ز: \"فنظر\".\n[¬٣]- في خ: \"فتبعهم\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين في ز: \"فذهب\".\n[¬٥]- سقط من: ز.\n[¬٦]- سقط من: ز، خ.\n[¬٧]- في ز: \"الذي\".\n[¬٨]- فى ر: \"ذكر\".\n[¬٩]- في ز: \"ليأتوهم\".\n[¬١٠]- سقط من: ز.","vol":"5","page":150},{"text":"فأعطوهم حبة من عنب، تكفي الرجل، فقال لهم: اذهبوا إلى موسى وقومه، فقولوا لهم هذا [¬١] قدر فاكهتهم، [فرجعوا إلى موسى، فأخبروه بما رأوا، فلما أمرهم موسى ﵇ بالدخول عليهم وقتالهم] [¬٢]، قالوا: يا موسى، اذهب أنت وربك فقاتلا، إنا هاهنا قاعدون.\nرواه ابن أبي حاتم (^٢٩٣). ثم قال:\nحدَّثنا أَبى، حدَّثنا ابن أبي مريم، حدَّثنا يحيى بن أيوب، عن يريد بن الهاد، حدثني يحيى ابن عبد الرحمن، قال: رأيت أَنس بن مالك أخذ عصا، فذرع فيها بشيء لا أدري كم ذرع، ثم قاس بها في الأرض خمسين أو خمسًا وخمسين، ثم قال: هكذا طول العماليق (^٢٩٤).\nوقد ذكر كثير من المفسرين هاهنا أخبارًا من وضع بني إسرائيل، في عظمة خلق هؤلاء الجبارين، [وأنه كان فيهم] [¬٣] عوج بن عنق بن آدم ﵇، وأنَّه كان طوله ثلاثة آلاف ذراع وثلاثمائة وثلاثة وثلاثون ذراعًا وثلث ذراع، تحرير الحساب، وهذا شيء يستحيي من ذكره، ثم هو مخالف لما ثبت في الصحيحين (^٢٩٥) أن رسول الله ﷺ قال: \"إنَّ الله خلق آدم وطوله ستون ذراعًا، ثم لم يزل الخلق ينقص حتَّى الآن\".\nثم ذكروا أن هذا الرجل كان كافرًا، وأنه كان ولد زنية، وأنه امتنع من ركوب سفينة نوح، وأن الطوفان لم يصل إلى ركبته. وهذا كذب وافتراء، فإن الله تعالى ذكر أن نوحًا دعا على أهل الأرض من الكافرين، فقال: ﴿وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾. وقال تعالى: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١١٩) ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ﴾. وقال تعالى: ﴿لَا عَاصِمَ\n_________\n(^٢٩٣) - أخرجه أيضًا ابن جرير الطبري فى تفسيره (١٠/ ١٨٠) (١١٦٧٦) من طريق على بن أبي طلحة عن ابن عبَّاس. وقد سبق الكلام على هذا الإسناد. والأثر: ذكره السيوطى فى \"الدر المنثور\" (٢/ ٤٧٩) وعزاه لابن أبي حاتم وابن جرير.\n(^٢٩٤) - إسناده رجاله ثقال إلَّا يحيى بن أيوب وهو أَبو العباس المصرى، قال الحافظ فى \"التقريب\": صدوق ربما أخطأ. وابن أبي مريم هو سعيد بن الحكم بن محمد بن سالم بن أَبى مريم، ثقة من رجال التهذيب. والأثر: ذكره السيوطى فى \"الدر المنثور\" (٢/ ٤٧٩) ولم يعزه لغير ابن أبي حاتم.\n(^٢٩٥) - أخرجه البخارى فى صحيحه كتاب أحاديث الأنبياء، باب: خلق آدم وذريته، الحديث (٣٣٢٦)، وفى محناب الاستئذان باب: بدء السلام، الحديث (٦٢٢٧)، ومسلم فى كتاب الجنَّةَ وصفة نعيمها وأهلها، الحديث (٢٨٤١) من طريق همام عن أبي هريرة.\n_________\n[¬١]- في خ: \"قدروا\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين فى خ: \"فلما أتوهم\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في ت: \"وأن منهم\".","vol":"5","page":151},{"text":"الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ﴾ إذا كان ابن نوح الكافر غرق، فكيف يبقى عوج بن عنق وهو كافر، وولد زنية؟ هذا لا يسوغ في عقل ولا شرع، ثم في وجود رجل يقال له: عوج بن عنق نظر، والله أعلم.\nوقوله تعالى: ﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾ أي: فلما نكل بنو إسرائيل عن طاعة الله، ومتابعة رسول الله موسى ﵇، حرضهم رجلان، لله عليهما نعمة عظيمة، وهما ممن يخاف أمر الله، ويخشى عقابه.\nوقرأ بعضهم: ﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ﴾ أي: ممن لهما مهابة وموضع من الناس، ويقال: إنهما يوشع بن نون، وكالب بن يوفنا. قاله ابن عبَّاس ومجاهد وعكرمة وعطية والسدي والربيع بن أَنس وغير واحد من السلف والخلف، ﵏ (^٢٩٦). فقالا: ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أي: متى [¬١] توكلتم على الله، واتبعتم أمره، ووافقتم رسوله، نصركم الله على أعدائكم، وأيدكم وظفركم بهم، ودخلتم البلد [¬٢] التي كتبها الله [¬٣] لكم، فلم ينفع ذاك فيهم شيئًا. ﴿قَالُوا يَامُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ وهذا نكول منهم عن الجهاد، ومخالفة لرسولهم، وتخلف عن مقاتلة الأعداء.\nويقال: إنهم لما نكلوا عن الجهاد، وعزموا على الانصراف والرجوع إلى مصر [¬٤]، سجد موسى وهارون ﵉ قدَّام ملإٍ من بني إسرائبل، إعظاما لما هموا به، وشق يوشع بن نون وكالب بن يوفنا [¬٥] ثيابهما، ولاما قومهما على ذلك، فيقال: إنهم رجموهما، وجرى أمر عظيم وخطر جليل.\nوما أحسن ما أجاب به الصحابة ﵃ يوم بدر رسول الله ﷺ، حين استشارهم في قتال النفير، الذسن جاءوا لمنع العير الذي كان مع أبي سفيان، فلما فات اقتناص العير واقترب منهم النفير، وهم في جمع ما بين التسعمائة إلى الألف في العدّة والبيض واليَلَب (*)، فتكلم أَبو بكر ﵁ فأحسن، ثم تكلم من [تكلم\n_________\n(^٢٩٦) - هذه الآثار أخرجها ابن جرير فى تفسيره (١٠/ ١٧٦ - ١٧٨) (١١٦٦٤ - ١١٦٧٣)، وانظر \"الدر المنثور\" (٢/ ٤٧٩ - ٤٨٠).\n(*) اليلب: الدروع من الجلود.\n_________\n[¬١]- في ت: \"إن\".\n[¬٢]- في ز: \"البلدة\".\n[¬٣]- سقط من: ت\n[¬٤]- في ز: \"بلادهم\".\n[¬٥]- في ز: \"يوقنا\".","vol":"5","page":152},{"text":"من] [¬١] الصحابة من المهاجرين، ورسول الله ﷺ يقول: \"أشيروا على أيها المسلمون\". وما يقول ذلك إلا ليستعلم ما عند الأنصار؛ لأنَّهُم كانوا جمهور الناس يومئذ، فقال سعد بن معاذ: كأنك تعرض بنا يا رسول الله، والذي [¬٢] بعثك بالحق، لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته، لخضناه معك، ما تخلف منا رجلٍ واحد، وما نكره أن تلقى بنا [¬٣] عدوّنا غدًا، إنا لصُبْر [¬٤] في الحرب، صُدق في اللقاء، لعل الله أن [¬٥] يريك منا ما تقرُّ به عينك [¬٦] فَسِرْ بنا على بركة الله. فسر رسول الله ﷺ بقول سعد، ونشطه ذلك (^٢٩٧).\nوقال أَبو بكر بن مردويه (^٢٩٨): حدَّثنا على بن الحسين، حدَّثنا أَبو حاتم البرازي، حدَّثنا محمد بن عبد الله الأنصاري، حدثنا حميد، عن أَنس: أن رسول الله ﷺ لما سار إلى بدر؛ استشار المسلمين، فأشار عليه عمر، ثم استشارهم، فقالت الأنصار: يا معشر الأنصار، إياكم يريد رسول الله ﷺ. قالوا: إذا، لا نقول له كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾، [والذي بعثك بالحق، لو ضربت أكبادها إلى بَرْك الغِمَاد لاتبعناك.\nورواه الأمام أحمد (^٢٩٩): عن عبيدة بن حميد، عن حميد الطويل، عن أنس به. ورواه النَّسائي (^٣٠٠): عن محمد بن المثنى، عن خالد بن الحارث، عن حميد، به.\nورواه ابن حبان (^٣٠١): عن أبي يعلى، عن عبد الأعلى بن حمَّاد، عن معمر بن سليمان، عن حميد به. وقال ابن مردويه (^٣٠٢): أنا عبد الله بن جعفر، أنا إسماعيل بن عبد الله، حدَّثنا\n_________\n(^٢٩٧) - انظر السيرة لابن هشام (١/ ٦١٥) بدون إسناد، وانظر حديث أَنس وحديث ابن مسعود الآتيين قريبًا.\n(^٢٩٨) - إسناده صحيح، أخرجه أحمد فى مسنده (٣/ ١٠٥، ١٨٨) والنسائى فى فضائل الصحابة رقم (٢٤٣)، وأَبو يعلي فى مسنده (٣٨٠٣) ومن طريقه ابن حبان فى صحيحه (٤٧٢١) وأخرجه أَبو يعلى (٣٧٦٦)، وابن حبان (٤٧٢٢) من طرق عن حميد عن أَنس به.\n(^٢٩٩) - رواه فى المسند (٣/ ١٨٨) وانظر السابق.\n(^٣٠٠) - رواه النسائى فى فضائل الصحابة (٢٤٣)، وانظر رقم (٢٩٨).\n(^٣٠١) - رواه فى صحيحه (١١/ ٢٤) (٤٧٢٢) وانظر رقم (٢٩٨).\n(^٣٠٢) - رواه أحمد فى مسنده (٤/ ١٨٣، ١٨٤)، والطبرانى فى الكبير (١٧/ ١٢٤) (٣٠٦) من طريق الحسن بن أيوب به، وفى رواية: أمر رسول الله ﷺ أصحابه بالقتال فرمى رجل =\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٢]- في ت: \"فوالذي\".\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- \"لصُبرَّ\".\n[¬٥]- سقط من: ز.\n[¬٦]- في خ: \"عينيك\".","vol":"5","page":153},{"text":"عبد الرحمن بن إبراهيم، حدَّثنا محمد بن شعيب، عن الحسن بن أيوب، عن عبد الله بن ناسج، عن عتبة بن عبد السلمي، قال: قال النبي ﷺ لأصحابه: \"ألا تقاتلون؟ \" قالوا: نعم، ولا نقول كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ] [¬١]﴾، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون.\nوكان ممن أجاب [¬٢] يومئذٍ المقدادُ بن عمرو الكندي ﵁، كما قال الإِمام أحمد (^٣٠٣):\nحدَّثنا وكيع، حدَّثنا سفيان، عن مخارق بن عبد الله [] [¬٣] الأحمسي، عن طارق - هو ابن شهاب - أن المقداد قال لرسول الله ﷺ يوم بدر: يا رسول الله، إنا لا نقول لك كما قالت بنو [¬٤] إسرائيل لموسى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا، إنا معكما [¬٥] مقاتلون.\nهكذا رواه أحمد من هذا الوجه، وقد رواه من طريق أخرى، فقال (^٣٠٤):\nحدَّثنا أسود بن عامر، حدَّثنا إسرائيل، عن مخارق، عن طارق بن شهاب، قال: قال عبد الله [هو] [¬٦] ابن مسعود ﵁: لقد [¬٧] شهدت من المقداد مشهدًا؛ لأن أكون أنا\n_________\n= من أصحابه بسهم، فقال رسول الله ﷺ: \"أوجب هذا\" وقالوا حين أمرهم بالقتال … الحديث. وقد خرج أحمد (٤/ ١٨٤)، والطبرانى (١٧/ ١٢٣) (٣٠٥) هذه الزِّيادة فحسب دون بقية الحديث. والحديث ذكره السيوطى فى \"الدر المنثور\" (٤٨٠/ ٢) وعزاه لأحمد وابن مردويه فحسب. والحديث حسن إسناده الهيثمى فى \"مجمع الزوائد\" (٥/ ٢٧٣)، وفى (٧/ ١٧).\n(^٣٠٣) - رواه فى مسنده (٤/ ٣١٤) وذكره السيوطى فى \"الدر المنثور\" (٢/ ٤٨٠) وعزاه لأحمد، وسيأتى فى الذى بعده من طريق طارق بن شهاب عن ابن مسعود.\n(^٣٠٤) - رواه فى مسنده (١/ ٣٨٩)، ورواه أيضًا فى (١/ ٣٨٩، ٤٢٨، ٤٥٧) والبخارى فى المغازى، باب قول الله تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ …﴾ الحديث (٣٩٥٢)، وفى التفسير، باب قوله: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ الحديث (٤٦٠٩)، والنسائى فى الكبرى كتاب التفسير، باب قوله تعالى: ﴿قَالُوا يَامُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا ....﴾ الآية، الحديث (١١١٤٠) من طرق عن مخارق له.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في ز، خ: \"أجاد\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"البجلي\".\n[¬٤]- في خ: \"بني\".\n[¬٥]- في ز: \"معكم\".\n[¬٦]- سقط من خ.\n[¬٧]- سقط من: ز، خ.","vol":"5","page":154},{"text":"صاحبه، أحب إلي مما عدل به، أتى رسول الله ﷺ وهو يدعو على المشركين، فقال: والله يا رسول الله لا نقول كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾، ولكنا نقاتل عن يمينك، وعن يسارك، ومن بين يديك، ومن خلفك. فرأيت وجه رسول الله ﷺ يشرق لذلك وسر [¬١] بذلك.\nوهكذا رواه البخاري في المغازي، وفي التفسير من طرق عن مخارق به، ولفظه في كتاب التفسير (^٣٠٥): عن عبد الله قال: قال المقداد يوم بدر: يا رسول الله، لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾، ولكن امض ونحن معك. فكأنه سري عن رسول الله ﷺ.\nثم قال البخاري: رواه وكيع، عن سفيان، عن مخارق، عن طارق، أن المقداد قال للنبي ﷺ.\nو[¬٢] قال ابن جرير (^٣٠٦): حدَّثنا بشر، حدَّثنا يزيد، حدَّثنا سعيد، حدَّثنا [¬٣] قَتَادة، قال: ذكر لنا أن رسول الله ﷺ قال لأصحابه يوم الحديبية، حين صدَّ المشركون الهدي، وحيل بينهم وبين مناسكهم: \"إني ذاهب بالهدي فناحره عند البيت\". فقال له [¬٤] المقداد بن الأسود: أما [¬٥] والله لا نكون كالملأ من بني إسرائيل إذ قالوا لنبيهم: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا، إنا معكما [¬٦] مقاتلون، فلما سمعها أصحاب رسول الله ﷺ تتابعوا [¬٧] على ذلك.\nوهذا إن كان محفوظًا يوم الحديبية، فيحتمل أنَّه كرر هذه المقالة يومئذ، كما قاله يوم بدر.\nوقوله: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ يعني: لما نكل بنو إسرائيل عن القتال، غضب عليهم موسى ﵇، وقال داعيًا عليهم: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي﴾ [أي: ليس أحد يطعني منهم فيمتثل أمر الله، ويجيب إلى ما\n_________\n(^٣٠٥) - صحيح البخارى كتاب التفسير الحديث (٤٦٠٩).\n(^٣٠٦) - رواه فى تفسيره (١٠/ ١٨٦) (١١٦٨٣)، وهو مرسل وقد ذكره السيوطى في \"الدر المنثور\" (٢/ ٤٨٠) ولم يعزه لغير ابن جرير.\n_________\n[¬١]- في ز: \"وسره\".\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- في ز: \"عن\".\n[¬٤]- سقط من: ز.\n[¬٥]- في ز: \"إنا\".\n[¬٦]- في ز: \"معكم\".\n[¬٧]- في ز: \"تبايعوا\".","vol":"5","page":155},{"text":"دعوت إليه، إلا أنا وأخي] [¬١] هارون ﴿فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾. قال العوفي عن ابن عباس: يعني: اقض بيني وبينهم. وكذا قال على بن أبي طلحة عن ابن عبَّاس (^٣٠٧).\n[وكذا قال الضحاك: اقض بيننا وبينهم، وافتح بيننا وبينهم (^٣٠٨). وقال غيره: افرق] [¬٢]: افصل بيننا وبينهم، كما قال الشاعر:\nيارب فافرق بينه وبيني … أشد ما فرقت بين اثنين [¬٣]\nوقوله تعالى: ﴿قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾، لما دعا عليهم موسى ﵇ حين نكلوا عن الجهاد، حكم الله [عليهم] بتحريم دخولها قدر [¬٤] مدة أربعين سنة، فوقعوا في التيه، يسيرون دائمًا لا يهتدون للخروج منه، وفيه كانت أمور عجيبة وخوارق كثيرة، من تظيلهم بالغمام وإنزال [¬٥] المن والسلوى عليهم، ومن إخراج الماء الجارى من صخرة صماء، تحمل معهم على دابة، فإذا ضربها موسى بعصاه؛ انفجرت من ذلك الحجر اثنتا عشرة عينًا تجري لكل شعب عين، وغير ذلك من المعجزات التي أيد الله بها موسى بن عمران، وهناك أنزلت [¬٦] التوراة، وشرعت لَهُم الأحكام، وعملت قبة العهد، ويقال لها: قبة الزمان.\nقال يزيد بن هارون: عن أصبغ بن يزيد [¬٧]، عن القاسم بن أبي أيوب، عن سعيد بن جبير: سألت ابن عبَّاس عن قوله ﴿فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ الآية، قال: فتاهوا في الأرض أربعين سنة، يصبحون كل يوم يسيرون ليس لهم قرار، ثم ظلل عليهم الغمام في التيه، وأنزل عليهم المنَّ والسلوى. وهذا قطعة من حديث الفتون (^٣٠٩). ثم كانت وفاة هارون ﵇ ثم بعده بمدة ثلاث سنين وفاة [¬٨] موسى\n_________\n(^٣٠٧) - أمَّا رواية العوفى عن ابن عبَّاس: فأخرجها ابن جرير فى تفسيره (١٠/ ١٨٨، ١٨٩) (١١٦٨٦)، وذكرها السيوطى فى \"الدر المنثور\" (٢/ ٤٨١) وزاد نسبتها إلى ابن أبي حاتم. وأمَّا رواية على بن أبي طلحة عن ابن عبَّاس: فأخرجها ابن جرير فى تفسيره (١٠/ ١٨٩) (١١٦٨٧).\n(^٣٠٨) - رواه ابن جرير فى تفسيره (١٠/ ١٨٩) (١١٦٨٩).\n(^٣٠٩) - سيأتي تخرجه في تفسيره (طه/ آية ٤٠).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في ز: \"اثنينى\".\n[¬٤]- في ز:: قدرا\".\n[¬٥]- في ز: \"وإنزاله\".\n[¬٦]- في ز: \"أنزلت\".\n[¬٧]- في ز: \"يزيد\".\n[¬٨]- في ز، خ: \"مات\".","vol":"5","page":156},{"text":"الكليم ﵇ وأقام الله فيهم يوشع بن نون ﵇ نبيًّا خليفة عن موسى بن حمران، ومات أكثر بني إسرائيل هناك في تلك المدة، ويقال: إنه لم يبق منهُم أحد سوى يوشع وكالب، ومن هاهنا قال بعض المفسرين في قوله ﴿قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ﴾: هذا [¬١] وقف تام، وقوله: ﴿أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ منصوب بقوله] [¬٢] ﴿يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ﴾. فلما انقضت المدة خرج بهم يوشع بن نون ﵇ أو بمن بقي منهم، وبسائر بني إسرائيل من الجيل الثاني، فقصد بهم بيت المقدس، فحاصرها، فكان فتحها يوم الجمعة بعد العصر، فلما تضيفت الشمس للغروب، وخشي [¬٣] دخول السبت عليهم، قال: إنك مأمورة، وأنا مأمور، اللهم احبسها علي. فحبسها الله تعالى حتَّى فتحها، وأمر الله يوشع بن نون أن يأمر بنى إسرائيل حين يدخلون بيت المقدس؛ أن يدخلوا بابها سجدًا، وهم يقولون: حطة. أي: حط عنا ذنوبنا، فبدلوا ما أمروا به، ودخلوا [¬٤] يزحفون على أستاههم، وهم يقولون: حبة في شعرة، وقد تقدم هذا كله في سورة البقرة.\nو[¬٥] قال ابن أبي حاتم (^٣١٠): حدَّثنا أبي، حدَّثنا محمد بن أبي عمر العدني [¬٦]، حدَّثنا سفيان، عن أي سعيد [¬٧]، عن عكرمة، عن ابن عبَّاس ﵁ قوله: ﴿فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ قال: فتاهوا أربعين سنة. قال [¬٨]: فهلك موسى وهارون في التيه، وكل من جاوز الأربعين سنة، فلما مضت الأربعون سنة، ناهضهم [¬٩] يوشع بن نون وهو الذي قام بالأمر بعد موسى، وهو الذي افتتحها، وهو الذي قيل له: اليوم يوم الجمعة، فهموا بافتتاحها، ودنت الشمس للغروب، فخشي إن دخلت ليلة السبت أن يسبتوا، فنادى الشمس: إني مأمور، وإنك مأمورة، فوقفت حتَّى افتتحها، فوجد فيها من الأموال ما لم ير مثله قط، فقربوه إلى النار فلم تأته [¬١٠]، فقال: فيكم\n_________\n(^٣١٠) - رواه أيضًا ابن جرير فى تفسيره (١٠/ ١٩٣) (١١٦٩٥) حدثنى عبد الكريم بن الهيثم قال: حدثنا إبراهيم بن بشار قال: حدَّثنا سفيان قال أَبو سعيد عن عكرمة به مختصرًا، وفيه: \"فكل من دخل التيه ممن جاوز العشرين سنة مات فى التيه\". والذى نقله ابن كثير هنا والسيوطى فى \"الدر المنثور\" (٢/ ٤٨١): \"فهلك موسى وهارون وكل من جاوز الأربعين سنة\" وإسناد ابن جرير هذا تقدم الكلام عليه فى رقم (٢٩٢).\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في ز: \"واحسى\".\n[¬٤]- في ز: \"فدخلوا\".\n[¬٥]- سقط من: ز.\n[¬٦]- في ز: \"العذني\".\n[¬٧]- في ز: \"سعد\".\n[¬٨]- سقط من: ز، خ.\n[¬٩]- في ز: \"ماهضهم\".\n[¬١٠]- في ز: \"تأت\".","vol":"5","page":157},{"text":"الغلول، فدعا رءوس الأسباط وهم اثنا [¬١] عشر رجلا فبايعهم، والتصقت يد رجل منهم بيده، فقال: الغلول عندك فأخرجه، فأخرج رأس بقرة من ذهب، لها عينان من ياقوت، وأسنان من لؤلؤ، فوضعه مع القربان، فأتت النار فأكلتها.\nوهذا السياق له شاهد في الصحيح (^٣١١).\nوقد اختار ابن جرير أن قوله: ﴿فَإِنَّهَا [¬٢] مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ﴾ [هو العامل] [¬٣] في أربعين سنة، وأنهم مكثوا لا يدخلونها أربعين سنة، وهم تائهون في البرية لا يهتدون لمقصد، قال: ثم خرجوا مع موسى ﵇ ففتح بهم بيت المقدس. ثم احتج على ذلك من [¬٤] قال بإجماع علماء أخبار [¬٥] الأولين أن عوج بن عنق قتله موسى ﵇ قال: فلو كان قَتْله إياه قبل التيه؛ لما رهبت [¬٦] بنو إسرائيل من العماليق، فدل على أنَّه كان بعد التيه. قال: وأجمعوا على أن بلعام بن باعورا أعان الجبارين بالدعاء على موسى. قال: وما ذاك إلَّا بعد التيه؛ لأنهم كانوا قبل التيه لا يخافون من موسى وقومه. هذا استدلاله، ثم قال (^٣١٢):\nحدَّثنا أَبو كريب، حدَّثنا ابن عطية، حدَّثنا قيس، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبَّاس، قال: كانت عصا موسى عشرة أذرع، ووثبته عشرة أذرع، وطوله عشرة أذرع، فوثب، فأصاب كعب عوج فقتله، فكان جسرًا لأهل النيل سنة.\nوروى أيضًا (^٣١٣): عن محمد بن بشار، حدَّثنا مؤمل، حدَّثنا سفيان، عن أبي إسحاق،\n_________\n(^٣١١) - رواه البخارى فى صحيحه كتاب فرض الخمس، باب قول النبيّ ﷺ: \"أحلت لكم الغنائم\" الحديث (٣١٢٤)، وفى كتاب النكاح، باب من أحب البناء قبل الغزو، الحديث (٥١٥٧)، ومسلم في صحيحه كتاب الجهاد والسير، باب تحليل الغنائم لهذه الأمة خاصة، الحديث (١٧٤٧) من طريق معمر عن همام بن منبه عن أبي هريرة.\n(^٣١٢) - رواه فى تفسيره (١٠/ ١٩٩) (١١٦٩٩) وقد ذكر الإِمام ابن القيم - رحمه لله - فى \"المنار المنيف\" أمورًا كلية يعرف بها كون الحديث موضوعًا فقال فى (ص ٧٦، ٧٧): \"ومنها أن يكون الحديث مما تقوم الشواهد الصحيحة على بطلانه، كحديث عوج بن عنق الطويل الذى قصد واضعه الطعن في أخبار الأنبياء\" وانظر بقية كلامه ﵀ فى \"المنار\" لزامًا.\n(^٣١٣) - رواه فى تفسيره (١٠/ ١٩٩) (١١٦٩٨)، وانظر الحديث السابق.\n_________\n[¬١]- في ز: \"اثنى\".\n[¬٢]- في ز: \"إنها\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في ز: \"والعامل\".\n[¬٤]- سقط من: ز.\n[¬٥]- في ز: \"أحبار\".\n[¬٦]- في ز: \"وهنت\".","vol":"5","page":158},{"text":"عن نوف - هو [¬١] البكالي - قال: كان سرير عوج ثمانمائة [¬٢] ذراع، وكان طول موسى عشرة أذرع، وعصاه عشرة أذرع، ووثب في السماء عشرة أذرع، فضرب عوجًا، فأصاب كعبه فسقط ميتًا، وكان جسرًا للناس يمرون عليه.\nوقوله تعالى: ﴿فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ تسلية لموسى ﵇ عنهم، أي: لا تتأسف ولا تحزن عليهم، فمهما حكمت عليهم به؛ فإنهم مستحقون [¬٣] ذلك.\nوهذه القصة تضمنت تقريع اليهود وبيان فضائحهم، ومخالفتهم لله ولرسوله، ونكولهم عن طاعتهما [فيما أمراهم] [¬٤] به من الجهاد، فضعفت أنفسهم عن مصابرة الأعداء ومجالدتهم ومقاتلتهم، مع أن بين أظهرهم رسول الله ﵇، وكليمه، وصفيه من خلقه في ذلك الزمان، وهو يعدهم بالنصر والظفر بأعدائهم، هذا [مع ما] [¬٥] شاهدوا ما [¬٦] أحل [¬٧] الله بعدوهم فرعون من العذاب والنكال، والغرق له ولجنوده في اليم، وهم ينظرون لِتَقَرّ به أعينهم، وما بالعهد من قدم، ثم ينكلون عن مقاتلة أهل بلد [¬٨]؛ هي [¬٩] بالنسبة إلى ديار مصر لا توازي عشر المعشار في عدّة أهلها وعددهم، فظهرت [¬١٠] قبائح صنيعهم للخاص والعام، وافتضحوا فضيحة لا يغطيها الليل، ولا يسترها الذيل، هذا [¬١١]، وهم في جهلهم يعمهون وفي غيهم يتردّدون، وهم البُغَضَاء إلى الله، وأعداؤه، ويقولون مع ذلك نحن أبناء الله وأحباؤه، فقبح الله وجوههم، التي مسخ منها الخنازير والقرود، وألزمهم لعنة تصحبهم إلى النار ذات الوقود، ويقضي لهم فيها بتأبيد الخلود، وقد فعل وله الحمد من جميع الوجود.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- في ز: \"ثلاثمائة\".\n[¬٣]- في ز: \"يستحقون\".\n[¬٤]- في ز: \"في الذى أمرهم\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين في ز: \"وقد\".\n[¬٦]- في ز: \"من\".\n[¬٧]- في ت: \"فعل\".\n[¬٨]- في ز: \"بلدهم\".\n[¬٩]- سقط من: ز.\n[¬١٠]- في ز: \"وظهرت\".\n[¬١١]- سقط من: خ.","vol":"5","page":159},{"text":"﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٢٧) لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (٢٨) إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ (٢٩) فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٣٠) فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ (٣١)﴾\nيقول تعالى مبينًا وخيم عاقبة البغي والحسد والظلم؛ في خبر ابني [¬١] آدم لصلبه - في قول الجمهور - وهما [قابيل وهابيل]، كيف عدا أحدهما على الآخر فقتله بغيًا عليه، وحسدًا له فيما وهبه الله من النعمة، وتقبل القربان الذي أخلص فيه لله ﷿، ففاز المقتول بوضع الآثام والدخول إلى الجنة، وخاب القاتل، ورجع بالصفقة الخاسرة في الدارين [¬٢]، فقال تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ﴾ أي: واقصص على هؤلاء البغاة الحسدة، إخوان الخنازير والقردة، من اليهود وأمثالهم وأشباههم، خبر ابني آدم، وهما هابيل وقابيل فيما ذكره غير واحد من السلف والخلف.\nوقوله: ﴿بِالْحَقِّ﴾ أي: على الجلية، والأمر الذي لا لبس فيه، ولا كذب، [ولا وهم] [¬٣]، ولا تبديل، ولا زيادة ولا نقصان، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ﴾، وقوله تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ﴾، وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ﴾.\nوكان من خبرهما فيما ذكره غير واحد من السلف والخلف: أن الله تعالى [] [¬٤] شرع لآدم ﵇ أن يزوّج بناته من بنيه لضرورة الحال، ولكن قالوا [¬٥]: كان يولد له في كل بطن\n_________\n[¬١]- في ز: \"بني\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"الدنيا والآخرة\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- بين المعكوفتين في ز: \"قد\".\n[¬٥]- سقط من: ز.","vol":"5","page":160},{"text":"ذكر وأنثى، فكان يزوج أنثى هذا البطن لذكر البطن الآخر، وكانت [¬١] أخت هابيل دميمة [¬٢]، وأخت قابيل وضيئة، فأراد أن يستأثر بها على أخيه، فأبى آدم ذلك إلا أن يقرّبا قربانًا، فمن تقبل منه فهي له، فقربا فتقبل من هابيل ولم يتقبل من قابيل فكان من أمرهما ما قصه [¬٣] الله في كتابه.\n\n<span data-type='title' id=toc-100>ذكر أقوال المفسرين هاهنا</span>\nقال السدي: فيما ذكر عن أبي مالك وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرّة عن ابن\nمسعود، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله ومسلم: أنه كان لا يولد لآدم مولود إلا\nولد ومعه [¬٤] جارية، فكان يزوّج غلام هذا البطن جارية هذا البطن الآخر، ويزوج جارية هذا\nالبطن غلام هذا البطن الآخر، حتى ولد له ابنان يقال لهما: [هابيل وقابيل]، وكان قابيل\nفيحب زرع، وكان هابيل صاحب ضرع، وكان قابيل أكبرهما، وكان له أخت أحسن من\nأخت هابيل، وأن هابيل طلب أن ينكح أخت قابيل فأبى عليه، وقال: هي أختي ولدت معي، وهي أحسن من أختك، وأنا أحق أن أتزوّج بها. فأمره أبوه أن يزوّجها هابيل فأبى، وأنهما قرّبا قربانًا إلى الله ﷿ أيهما أحق بالجارية، وكان آدم ﵇ قد غاب عنهما أتى مكة ينظر إليها، قال الله ﷿: هل تعلم أن لي بيتًا في الأرض؟ قال: اللهم لا. قال: إنّ لي بيتًا [في مكة] [¬٥] فأته. فقال آدم للسماء: احفظي رلدي بالأمانة. فأبت، وقال للأرض فأبت، وقال للجبال فأبت، فقال لقابيل، فقال: نعم، تذهب وترجع، وتجد أهلك كما يسرك. فلما انطق آدم قربا قربانًا، وكان قابيل يفخر عليه، فقال: أنا أحق بها منك، هي أختي وأنا أكبر منك، وأنا وصي والدي. فلما قربا قرّب هابيل جذعة سمينة، وقرب قابيل حزمة سنبل، فوجد فيها سنبلة عظيمة، ففركها وأكلها [¬٦]، فنزلت النار فأكلت قربان هابيل وتركت قربان قابيل، فغضب، وقال: لأقتلنك حتى لا تنكح أختى. فقال هابيل: إنما يتقبل الله من المتقين رواه ابن جرير (^٣١٤).\n_________\n(^٣١٤) - رواه في تفسيره (١٠/ ٢٠٦، ٢٠٧) (٥/ ٢١٧) حدثني موسى بن هارون قال: حدثنى عمرو بن حماد قال: حدثنا أسباط عن السدي. . . فذكره.\nوإسناده حسن: أسباط بن نصر صدوق، لكنه كثير الخطأ يغرب، وشيخه السدي صدوق، لكن عابوا عليه التشيع، وهي علة غير قادحة، وأما الراوي عن أسباط وهو عمرو بن حماد القناد، فروى=\n_________\n[¬١]- في ز: \"فكانت\".\n[¬٢]- في ز: \"ذميمة\".\n[¬٣]- في ز: \"قص\".\n[¬٤]- في ز، خ: \"معه\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين في ز: \"بمكة\".\n[¬٦]- في ز: \"فأكلها\".","vol":"5","page":161},{"text":"وقال ابن أبي حاتم (^٣١٥): حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح، حدثنا حجاج، عن ابن جريج، أخبرني ابن خثيم، قال: أقبلت مع سعيد بن جبير، فحدثني عن ابن عباس قال: نهى أن تنكح المرأة أخاها توأهما، [وأمر أن ينكحها] [¬١] غيره من إخوتها، وكان يولد له في كل [بطن رجل] [¬٢] وامرأة [فبينما هم] [¬٣] كذلك، ولد له امرأة وضيئة، وولد له أخرى قبيحة دميمة [¬٤]، فقال أخو الدميمة [¬٥]: أنكحني أختك، وأنكحك أختي. فقال [¬٦]: لا، أنا أحق بأختي. فقربا قربانًا، فتقبل من صاحب الكبش، ولم يتقبل من صاحب الزرع، فقتله. إسناد جيد.\nوحدثنا أبي، حدثنا أبو سلمة، حدثنا حماد بن سلمة، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، وقوله [¬٧]: ﴿إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا﴾ فقربا قربانهما فجاء صاحب الغنم بكبش أعين أقرن أبيض، وصاحب الحرث بصبرة من طعامه [¬٨]، فقبل الله الكبش فخزنه في الجنة أربعين خريفًا، وهو الكبش [¬٩] الذي ذبحه إبراهيم ﵇. إسناد جيد (^٣١٦).\nوقال ابن جرير (^٣١٧): حدثنا ابن بشار، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا عوف، عن أبي\n_________\n= له البخاري في الأدب، ومسلم في صحيحه وأصحاب السنن. قال الحافظ في التقريب: صدوق رمي بالرفض.\nوالأثر ذكره السيوطي في الدر المنثور (٢/ ٤٨٣) عن ابن مسعود عن ناس من الصحابة وعزاه لابن جرير وحده.\n(^٣١٥) - ذكره السيوطي في الدر المنثور (٢/ ٤٨٣) وعزاه لعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن عساكر وجود إسناده.\n(^٣١٦) - إسناده صحيح، وأبو سلمة هو موسى بن إسماعيل التبوذكي، ثقة ثبت روى له الجماعة، وابن خثيم روى له البخاري تعليقًا ومسلم وأصحاب السنن.\n(^٣١٧) - رواه ابن جرير في تفسيره (١٠/ ٢٠٣،٢٠٢) (١١٧٠٥) ثم أعاده مرة أخرى في (١٠/ ٢١٣) (١١٧٢٧) بإسناده مقتصرًا على قوله: \"أيم الله إن كان المقتول. . .\"\nوأبو المغيرة القواس ذكره ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٩/ الترجمة ٢٢٠٣) وقال: سئل=\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ر: \"وإن نكحها\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين مكانها بياض في ز.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في ز: \"فبينهما\".\n[¬٤]- في ز: \"ذميمة\".\n[¬٥]- فِي ز: \"الذميمة\".\n[¬٦]- في ز: \"قال\".\n[¬٧]- في ز، خ: \"قوله\".\n[¬٨]- في ز: \"طعام\".\n[¬٩]- سقط من: خ.","vol":"5","page":162},{"text":"المغيرة، عن عبد الله بن عمرو [¬١]، قال: إن ابني آدم الذين قرّبا قربانا فتقبل من أحدهما، ولم يتقبل من الآخر؛ كان أحدهما صاحب حرث، والآخر صاحب غنم، وأنهما [¬٢] أمرا أن يقربا قربانًا، وإنّ صاحب الغنم قرب أكرم غنمه وأسمنها وأحسنها، طيبة بها نفسه، وإن صاحب الحرث قرب أشر حرثه الكردن [¬٣] والزوان، غير طيبة بها نفسه، وإن الله ﷿ تقبل قربان صاحب الغنم، ليلم يتقبل قربان [¬٤] صاحب الحرث، وكان من قصتهما ما قص الله في كتابه، قال: وايم الله، إن كان المقتول لأشدّ الرجلين، ولكن منعه التحرّج أن يبسط يده [¬٥] إلى أخيه.\nوقال إسماعيل بن رافع المدني القاص: بلغني أن ابني آدم لما أمرا بالقربان كان أحدهما صاحب غنم، وكان أنتج له حمل في غنمه، فأحبه حتى كان يؤثره بالليل، وكان يحمله على طهره من حبه، حتى لم يكن له مال أحب إليه منه، فلما أمر بالقربان قرّبه لله ﷿ فقبله الله منه، فما زال يرتع في الجنة، حتى فدي به ابن [¬٦] إبراهيم ﵇. رواه ابن جرير (^٣١٨).\nوقال ابن أبي حاتم (^٣١٩): حدثنا أبي، حدثنا الأنصاري، حدثنا القاسم بن عبد الرحمن، حدثنا محمد بن علي بن الحسين، قال: قال آدم ﵇ لهابيل وقابيل: أن ربي عهد\n_________\n= أبي زرعة عن اسم أبي المغيرة القواس فقال: لا أعلم أحدًا يسميه. ضعفه سليمان التيمي، ووثقه يحيى ابن معين. وذكره ابن حبان في الثقات (٥/ ٥٦٥) وبقية رجاله ثقات. وانظر ميزان الاعتدال (٦/ ٢٥٠). والأثر ذكره السيوطي في الدر المنثور (٢/ ٤٨٤) ولم يعزه لغير ابن جرير.\n(^٣١٨) - رواه فى تفسيره (١٠/ ٢٠٢) (٤٠٧١١) (١١٧٠٤) قال: حدثنى المثنى بن إبراهيم قال: حدثنا إسحاق قال: حدثنا عبد الله بن أبي جعفر عن هشام بن سعد عن إسماعيل بن رافع به.\nوإسماعيل بن رافع هو ابن رافع بن عويمر الأنصاري قال الحافظ فى التقريب: ضعيف الحفظ مات فى حدود الخمسين أى بعد المائة والراوى عنه هو هشام بن سعد المدنى قال ابن معين: ليس بذاك القوى، وفى رواية: ليس بشئ كان يحيى بن سعيد لا يحدث عنه، وضعفه فى رواية الدورى. وضعفه النسائي أيضًا وروى أبو طالب عن أحمد قال: ليس هو محكم الحديث لكن قال العجلى: جائز الحديث، حسن الحديث، وقال أبو زرعة: شيخ محله الصدق.\nقلت: فمثل هذا لا يصلح إلا للمتابعات والشواهد وأمّا تفرداته فضعيفة ولا شك. والله أعلم.\n(^٣١٩) - إسناده ضعيف، الأنصارى هو محمد بن عبد الله بن المثنى ثقة لكن شيخه فى هذا الحديث هو القاسم بن عبد الرحمن الأنصارى ترجم له ابن أبي حاتم فى الجرح والتعديل (٧/ ١١٢ - ١١٣) ونقل=\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"عمر\".\n[¬٢]- في ز: \"وإنما\".\n[¬٣]- في ت: \"الكودن\".\n[¬٤]- سقص عن: ت.\n[¬٥]- سقط من: ز.\n[¬٦]- سقط من: ز، خ.","vol":"5","page":163},{"text":"إليَّ أنه كائن من ذريتي من يقرب القربان، فقرَّبا قربانا، حتى تقر عيني إذا تقبل قربانكما. فقربا، وكان هابيل صاحب غنم، فقرب أكولة غنمه [¬١] خير ماله، وكان قابيل صاحب زرع فقرب مشاقة [¬٢] من زرعه، فانطلق آدم معهما، ومعهما قربانهما، فصعدا الجبل، فوضعا قربانهما، ثم جلسوا ثلاثتهم: آدم وهما، ينظران إلى القربان، فبعث الله نارًا حتى إذا كانت فوقهما؛ دنا منها عنق فاحتمل قربان هابيل، وترك قربان قابيل، فانصرفوا وعلم آدم أن قابيل مسخوط عليه، فقال: ويلك يا قابيل، ردّ عليك قربانك!! فقال قابيل: أحببته، فصليت على قربانه، ودعوت له، فتقبل قربانه، ورد على قرباني. فقال [¬٣] قابيل لهابيل: لأقتلنك وأستريح [¬٤] منك، دعا لك أبوك، فصلَّى على قربانك، فتقبل منك. وكان يتواعده بالقتل، إلى أن احتبس هابيل ذات عشية في غنمه، فقال آدم: يا قابيل، أين أخوك؟ قال: [] [¬٥] وبعثتني [¬٦] له راعيًّا لا أدرى. فقال آدم: ويلك يا قابيل، انطلق فاطلب أخاك. فقال قابيل في نفسه: الليلة أقتله. وأخذ معه حديدة، فاستقبله وهو منقلب، فقال: يا هابيل تقبل قربانك ورد على قرباني لأقتلنك. فقال هابيل: قربت أطيب مالي، وقربت أنت أخبث مالك، وإن الله لا يقبل إلا الطيب، إنما يتقبل الله من المتقين. فلما قالها غضب قابيل [¬٧] فرفع الحديدة وضربه [¬٨] بها، فقال: ويلك يا قابيل، أين أنت من الله كيف يجزيك بعملك؟ فقتله فطرحه في جوبة (*) من الأرض، وحثى عليه شيئًا من التراب [¬٩].\nوروى [¬١٠] محمد بن إسحاق عن بعض أهل العلم بالكتاب الأول: أن آدم أمر ابنه قينًا أن ينكح أخته توأمة هابيل، وأمر هابيل أن ينكح أخته توأمة قين، فسلم لذلك هابيل ورضي، وأبى ذلك قين [¬١١]، وكره تكرما عن أخت هابيل، ورغب بأخته عن هابيل، وقال [¬١٢]:\n_________\n= عن ابن معين قوله: ليس بشيء، وعن أبي حاتم أنه قال: ضعيف الحديث مضطرب الحديث حدثنا عنه الأنصارى بحديثين باطلين أحدهما وفاة آدم ﷺ والآخر عن أبي حازم. وقال: سألت أبا زرعة عن القاسم بن عبد الرحمن الذي يروى عنه الأنصارى فقال: منكر الحديث. وقد ترجم له الذهبى فى الميزان فى موضعين: (٤/ الترجمة ٦٧٢٠، ٦٧٢٢).\n(*) - الجوبة: الحفرة، والمكان الوطيء فى جلدٍ، وفجوة ما بين البيوت، أو فضاء أملس بين أرضين. القاموس (٨٩).\n_________\n[¬١]- في خ: \"غنم\".\n[¬٢]- في ز: \"مساقة\".\n[¬٣]- في ز: \"وقال\".\n[¬٤]- في ز: \"فأستريح\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين في ز: \"قال\".\n[¬٦]- غير معجمة في: \"ز\".\n[¬٧]- في ز: \"فأقبل\".\n[¬٨]- في ز: \"فضربه\".\n[¬٩]- في ز: \"تراب\".\n[¬١٠]- في ز: \"وقال\".\n[¬١١]- في ز: \"قينن\".\n[¬١٢]- سقط من: ز.","vol":"5","page":164},{"text":"نحن من [¬١] ولادة الجنة، وهما من ولادة [¬٢] الأرض، وأنا أحق بأختي. ويقول بعض أهل العلم بالكتاب الأول: كانت أخت قين من أحسن الناس، فضن [¬٣] بها على [¬٤] أخيه، وأرادها لنفسه، والله أعلم أي ذلك كان، فقال له أبوه: يا بني، [إنها لا تحل لك. فأبى قابيل أن يقبل ذلك من قول أبيه، قال له أبوه: يا بني] [¬٥]، قرب قربانًا ويقرب أخوك هابيل قربانًا فأيكما تُقُبل قربانه، فهو أحق بها. وكان قين على بذر الأرض، وكان هابيل على رعاية الماشية، فقرب قين قمحًا، وقرب هابيل أبكارًا من أبكار غنمه، وبعضهم يقول: قرب بقرة، فأرسل الله نارًا بيضاء، فأكلت قربان هابيل، وتركت قربان قين، وبذلك كان بقبل القربان إذا قبله. رواه ابن جرير (^٣٢٠).\nوروى [¬٦] العوفي عن ابن عباس قال: كان [¬٧] من شأنهما أنه لم يكن مسكين يتصدق عليه، وإنما كان القربان يقربه الرجل، فبينا ابنا آدم قاعدان، إذ قالا: لو قربنا قربانًا. وكان الرجل إذا قرب قربانًا، فرضيه الله أرسل إليه نارًا فتأكله، وإنْ لم يكن رضيه الله خبت النار، فقربا قربانًا وكان أحدهما راعيًا وكان الآخر حراثًا، وإن صاحب الغنم قرب خير غنمه وأسمنها، وقرب الآخر بعض زرعه، فجاءت النار فنزلت بينهما فأكلت الشاة وتركت الزرع، وإن ابن آدم قال لأخيه: أتمشي في الناس وقد علموا أنك قربت قربانًا فتقبل منك وردّ على، فلا والله لا ينظر الناس إليك [¬٨] وإليَّ وأنت خير مني. فقال: لأقتلنك. فقال له أخوه: ما ذنبي؟ إنما يتقبل الله من المتقين. رواه ابن جرير (^٣٢١).\nفهذا الأثر يقتضي أن تقربب القربان كان لا عن سبب، ولا عن تدارئ [¬٩] في امرأة، كما تقدم عن جماعة ممن [¬١٠] قدم ذكرهم، وهو ظاهر القرآن ﴿إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا\n_________\n(^٣٢٠) - رواه ابن جرير فى تفسيره (١٠/ ٢٠٥) (١١٧١٤) بسنده إلى ابن إسحاق.\n(^٣٢١) - رواه ابن جرير فى تفسيره (١٠/ ٢٠٣) (١١٧٠٦)، وأعاده مرة أخرى فى (١٠/ ٢٢٢) (١١٧٥٠) مقتصرًا على آخره عن ابن عباس قال: لما أكلت النار قربان ابن آدم الذى تقبل قربانه، قال الآخر لأخيه. أتمشى فى الناس وقد علموا أنك قربت إلخ. والأثر: ذكره السيوطى فى الدر المنثور (٢/ ٤٨٤) ولم يعزه لغير ابن جرير.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- في ز: \"ولاد\".\n[¬٣]- في ز: \"فظن\".\n[¬٤]- في ز: \"عن\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- في ز: \"وقال\".\n[¬٧] سقط من: ز.\n[¬٨]- سقط من: خ.\n[¬٩]- في ز: \"تدارء\".\n[¬١٠]- في ز: \"من\".","vol":"5","page":165},{"text":"وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ فالسياق يقتضي أنه إنما غضب عليه وحسده [¬١] لقبول [¬٢] قربانه دونه.\nثم المشهور عند الجمهور أن الذي قرب الشاة هو هابيل، وأن الذي قرب الطعام هو قابيل، وأنه تقبل من هابيل شاته - حتى قال ابن عباس وغيره: أنها الكبش الذي فدي به الذبيح، وهو مناسب، والله أعلم [] [¬٣]-[ولم يتقبل من قابيل] [¬٤].\nكذلك نص عليه غير واحد من السلف والخلف، وهو المشهور عن مجاهد أيضًا، ولكن روى ابن جرير عنه أنه قال: الذي قرب الزرع قابيل، وهو المتقبل منه، وهذا خلاف المشهور، ولعله لم يحفظ عنه جيدًا، والله أعلم.\nومعنى [¬٥] قوله: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ أي: ممن اتقى الله في فعله ذلك.\nوقال ابن أبي حاتم (^٣٢٢): حدثنا أبي، حدثنا إبراهيم بن العلاء بن زبريق [¬٦]، حدثنا إسماعيل ابن عياش، حدثنى صفوان بن عمرو، عن تميم - يعني ابن مالك المقري [¬٧]- قال: سمعت أبا الدرداء يقول: [لأن أستيقن أن الله قد تقبل لي صلاة واحدة أحب إلى من الدنيا وما فيها، إن الله يقول] [¬٨]: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾.\nوحدثنا أبي (^٣٢٣): حدثنا عبد الله بن عمران، حدثنا إسحاق بن سليمان - يعني الرازي -\n_________\n(^٣٢٢) - إسناده حسن: إبراهيم في العلاء بن زبريق، روى ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (م/ الترجمة ٣٧٠) عن أبيه أنه سئل عن إبراهيم بن العلاء فقال: صدوق.\nقلت: هذا من رسم أبي حاتم في ثقات شيوخه وإسماعيل بن عياش روايته عن الشاميين مقبولة وهذا منها فإن صفوان بن عمرو هو السكسكي الحمصي. قال الحافظ في التقريب: ثقة.\nوشيخ صفوان تميم بن مالك ذكره البخاري في التاريخ الكبير (٢/ ١٥٥)، وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٢/ ٤٤٤) ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا، وذكره ابن حبان في الثقات (٨/ ١٥٦) على طريقته في توثيق المجاهيل، لكن هذا من التابعين والجرح فيهم قليل فروايته مقبولة خصوصًا في مثل معنى كلام أبي الدرداء هذا.\nوالأثر ذكره السيوطي في الدر المنثور (٢/ ٤٨٤) ولم يعزه لغير ابن أبي حاتم.\n(^٣٢٣) - إسناده ضعيف: عبد الله بن عمران هو الأصبهاني. روى عنه أبو حاتم الرازي ومحمد=\n_________\n[¬١]- في ز: \"حده\".\n[¬٢]- في خ: \"لقبوله\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في ز: \"كذلك\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٥]- في ز: \"ومنه\".\n[¬٦]- في ز، خ: \"زبر\".\n[¬٧]- في ز: \"المقراى\".\n[¬٨]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.","vol":"5","page":166},{"text":"عن المغيرة بن مسلم، عن ميمون بن أبي حمزة، قال: كنت جالسًا عند أبي وائل فدخل علينا رجل، يقال له: أبو عفيف من أصحاب معاذ، فقال له [شقيق بن سلمة] [¬١]: يا أبا عفيف، ألا تحدثنا عن معاذ بن جبل. قال: بلى، سمعته يقول: يحبس الناس في بقيع واحد، فينادي مناد أين المتقون؟ فيقومون في كنف من الرحمن، لا يحتجب الله منهم، ولا يستتر. قلت: من المتقون؟ قال: قوم اتقوا الشرك، وعبادة الأوثان وأخلصوا العبادة، فيمرون إلى الجنة.\nوقوله: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ يقول له أخوه الرجل الصالح الذي تقبل الله قربانه لتقواه، حين تواعده أخوه بالقتل على غير ما ذنب منه إليه: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ﴾ أي: لا أقابلك على صنيعك الفاسد بمثله، فأكون أنا وأنت سواء في الخطيئة ﴿إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (٢٨)﴾ أي: من أن أصنع كما تريد أن تصنع، بل أصبر وأحتسب.\nقال عبد الله بن عمرو (^٣٢٤): وايم الله، إن كان لأشد الرجلين، ولكن منعه التحرج. يعنى: الورع.\nولهذا ثبت في الصحيحين (^٣٢٥) عن النبي ﷺ أنه قال: \"إذا تواجه المسلمان بسيفِيهما، فالقاتل والمقتول في النار\". قالوا يا رسول الله، هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: \"إنه كان حريصًا على قتل صاحبه\".\n_________\n= ابن أيوب روى عن أبي داود الطيالسي، وبهز بن أسد وغيرهما. قال أبو حاتم الرازي: صدوق. وهذا من رسمه في شيوخه الثقات كما سبق. وإسحاق بن سليمان الرازي روى له الجماعة، ثقة فاضل. والمغيرة هو المغيرة بن مسلم القسملي السراج. قال الحافظ في التقريب: صدوق. لكن شيخه ميمون أبو حمزة هو أبو حمزة القصاب التمار قال أحمد: متروك الحديث، وقال الدارقطني: ضعيف وقال البخارى: ليس بالقوى عندهم. وقال النسائى: ليس بثقة وقال أبو حاتم. كئب حديثه. انظر ميزان الاعتدال (٥/ ٣٥٩) وضعفه الحافظ ابن حجر فى التقريب أيضًا وأبو عفيف صاحب معاذ لم أقف على ترجمته.\n(^٣٢٤) - تقدم مطولًا رقم (٣٢٨).\n(^٣٢٥) - رواه البخارى فى صحيحه كتاب الفتن، باب: إذا التقى المسلمان بسيفيهما، الحديث (٧٠٨٣)، ومسلم في الفتن باب: إذا تواجه المسلمان بسيفيهما، الحديث (٢٨٨٨ - ١٤) من حديث أبي بكرة باللفظ المذكور وفيه قصة ورواه البخارى فى الإيمان، باب: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ الحديث (٣١)، وفى كتاب الديات، باب: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا﴾ الحديث (٦٨٧٥)، ومسلم فى الفتن باب: إذا تواجه المسلمان بسيفيهما الحديث (٢٨٨٨ - ١٥) بلفظ: \"إذا التقى المسلمان بسيفيهما\" ورواه مسلم (٢٨٨٨ - ١٦) من طريق ربعى بن حراش عن أبي بكرة عن النبي=\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ز: \"سفيان بن سلمة\".","vol":"5","page":167},{"text":"وقال الإمام أحمد (^٣٢٦): حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا ليث بن سعد، عن عياش [بن عباس، عن بكير بن عبد الله، عن] [¬١] بُسْر بن سعيد: أن سعد بن أبي وقاص قال عند فتنة عثمان: أشهد أن رسول الله صلى الذ عليه وسلم قال: \"إنها ستكون فتنة، القاعد فيها خير من القائم، والقائم خير من الماشي، والماشي خير من الساعي\". قال: أفرأيت أن دخل عليَّ بيتي، فبسط يده إليَّ ليقتلني؟ فقال [¬٢]: \"كن كابن آدم\".\nوكذا رواه الترمذي عن قتيبة بن سعيد، وقال: هذا حديث حسن، وفي الباب عن أبي هريرة وخباب بن الأرت [¬٣] وأبي بكر وابن مسعود وأبي واقد وأبي موسى وخرشة. ورواه بعضهم عن الليث بن سعد، وزاد في الإسناد رجلًا [¬٤].\nقال الحافظ ابن عساكر: الرجل هو [¬٥] حسين الأشجعي.\n_________\n= ﷺ قال: \"إذا المسلمان حمل أحدهما على أخيه السلاح فهما على جرف جهنم فإذا قتل أحدهما صاحبه دخلاها جميعًا\".\n(^٣٢٦) - رواه أحمد في مسنده (١/ ١٨٥) كالإسناد المذكور وكذا رواه الترمذى فى سننه كتاب الفتن، كتاب: ما جاء تكون فتنة، القاعد فيها خير من القائم، الحديث (٢١٩٤) قال: حدثنا قتيبة. . . فذكره، وإسناده صحيح على شرط مسلم كما قال الألبانى فى الإرواء (٨/ ١٠٤) ورواه أبو داود فى سننه كتاب الفتن والملاحم، باب: فى النهى عن السعى فى الفتنة الحديث (٤٢٥٧) قال: حدثنا يزيد بن خالد الرملى ثنا مفضل عن عياش عن بكير عن بُسْر عن حسين بن عبد الرحمن الأشجعى أنه سمع سعد بن أبي وقاص به فزاد فى إسناده \"حسين بن عبد الرحمن الأشجعى\" وقد انقلب الاسم على ابن لهيعة فقال: حدثنا بكير بن الأشج أنه سمع عبد الرحمن بن حسين حدث أنه سمع سعد بن أبي وقاص. . . فذكر الحديث، رواه أحمد فى المسند (١/ ١٦٨) والحسين بن عبد الرحمن ذكره ابن حبان فى الثقات وقال الحافظ فى التقريب: مقبول والحديث صححه العلامة أحمد شاكر فى تعليقه على المسند (٣/ ٢٩) من الطريقين فقال: وبُسْر بن سعيد تابعى ثقة، ثبت سماعه من سعد وكان يجالسه. كما فى التاريخ الكبير (١/ ٢/ ١٢٣/ ١٢٤) فالظاهر عندى أن الإسنادين صحيحان وأن عبد الرحمن بن حسين وبُسْر بن سعيد سمعاه من سعد - وسمعه منهما غير بن الأشج ويحتمل أن يكون فى رواية أبي داود شئ من الوهم - ويكون صوابها \"عن بكير عن بسر بن سعيد وحسين بن عبد الرحمن\" اهـ. وعلى فرض ألا يرتقى هذا الإسناد إلى درجة الصحة فإن له شواهد تصححه من حديث - أبي موسى، وأبى ذر وغيرهما انظر تخريجها فى الإرواء للعلامه الألبانى - حفظه الله (٢٤٥١).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ز: \"بن بكير بن بشر\"، خ: \"بن بكير بن بسر\".\n[¬٢]- في ز: \"قال\".\n[¬٣]- في ز: \"الأرث\".\n[¬٤]- في ز: \"رجلان\".\n[¬٥]- سقط من: ز.","vol":"5","page":168},{"text":"قلت [¬١]-: وقد رواه أبو داود من طريقه فقال (^٣٢٧): حدثنا يزيد بن خالد الرملي، حدثنا المفضل، عن عياش بن عباس، عن بكير، عن بُسْر [¬٢] بن سعيد، عن حسين [¬٣] بن عبد الرحمن الأشجعي: أنه سمع سعد بن أبي وقاص عن النبي ﷺ في هذا الحديث، قال: فقلت: يا رسول الله، أرأيت إن دخل بيتي، وبسط يده ليقتلني؟ قال: فقال رسول الله ﷺ: \"كن كابن آدم\" وتلا يزيد [¬٤] ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (٢٨)﴾.\nقال أيوب السختياني: إن أول من أخذ بهذه الآية من هذه الأمة ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (٢٨)﴾ لعثمان بن عفان ﵁. رواه ابن أبي حاتم.\nوقال الإمام أحمد (^٣٢٨): حدثنا [] [¬٥] مرحوم، حدثني أبو عمران الجوني، عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذر، قال: ركب النبي ﷺ حمارًا وأردفني خلفه وقال: \"يا أبا ذر، أرأيت إن أصاب الناس جوع شديد، لا تستطيع [¬٦]، أن تقوم [¬٧]، من فراشك إلى مسجدك كيف كصنع؟ \" قال: الله ورسوله أعلم. [قال: \"تعفف\". قال: \"يا أبا ذو، أرأيت إن أصاب الناس موت شديد، يكون البيت فيه بالعبد - يعني القبر - كيف كصنع؟ \" قلت: الله ورسوله أعلم] [¬٨]. قال: \"اصبر\". قال: \"يا أبا ذر، أرأيت إن\n_________\n(^٣٢٧) - سنن أبي داود كتاب الفتن، باب؛ في النهي عن السعي في الفتنة، الحديث (٤٢٥٧)، وانظر السابق.\n(^٣٢٨) - رواه في مسنده (٥/ ١٤٩)، رواه أيضًا في (٥/ ١٦٣) من طريق عبد العزيز بن عبد الصمد العمي ثنا أبو عمران الجوني به، وزاد في أوله: \"يا أبا ذر، صل الصلاة لوقتها، وان جئت وقد صلى الإمام كنت قد أحرزت صلاتك قبل ذلك وإن جئت ولم يصل صليت معه وكانت صلاتك لك نافلة وكنت قد أحرزت صلاتك. يا أبا ذر! أرأيت إنِ الناس جاعوا حتى لا تبلغ مسجدك من الجهد … \" فدكر الحديث بنحوه وإسناده صحيح رجاله ثقات، ورواه أبو داود في الفتن والملاحم، باب في النهي عن السعي في الفتنة حديث (٤٢٦١) وابن ماجه كتاب الفتن، باب التثبت في الفتنة حديث (٣٩٥٨) والمزي في تهذيب الكمال (٩/ ٢٨ - ١٠) من طريق حماد بن زيد عن أبي عمران الجوني عن المشعث =\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- في ز: \"بشر\".\n[¬٣]- في ز: \"سعيد\".\n[¬٤]- سقط من: ز.\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين في ت: \"ابن\".\n[¬٦]- في ز: \"يستطيع\".\n[¬٧]- في ز: \"يقوم\".\n[¬٨]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"5","page":169},{"text":"قتل الناس بعضهم بعضا - يعني حتى تغرق حجارة الزيت، من الدماء - كيف تصنع؟ \". قال: الله ورسوله أعلم. قال: \"اقعد في بيتك وأغلق عليك بابك\". قال: فإن لم أترك؟ قال: \"فأْت من أنت منهم فكن منهم\". قال: فآحذ سلاحي؟ قال: \"فإذًا [¬١] تشاركهم فيما هم فيه، ولكن إذا [¬٢] خشيت أن يروعك [¬٣] شعاع السيف، فألق طرف ردائك على وجهك كي [¬٤] يبوء بإثمه وإثمك\".\nورواه مسلم وأهل السنن سوى النسائي من طرق، عن أبي عمران الجوني، عن عبد الله بن الصامت به. ورواه أبو داود وابن ماجة من طريق حماد بن زيد، عن أبي عمران، عن المشعث [¬٥] بن طريف، عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذر بنحوه.\nقال أبو داود: ولم يذكر المشعث [¬٦] في هذا الحديث غير حماد بن زيد.\nوقال ابن مردويه (^٣٢٩): حدثنا محمد بن علي بن دحيم، حدثنا أحمد بن حازم، حدثنا قبيصة بن عقبة، حدثنا سفيان، عن منصور، عن ربعي، قال: كنا في جنازة حذيفة، فسمعت رجلًا يقول: [سمعت هذا يقول] [¬٧] في ناس مما سمعت من رسول الله صلى الله\n_________\n= ابن طريف عن عبد الله بن الصامت … فذكر الحديث، واختصره أبو داود في كتاب الحدود، باب: في قطع النباش، حديث (٤٤٠٩) بإسناده والمشعث بن طريف لم يرو عنه إلا أبو عمران الجوني لكن ذكره ابن حبان في الثقات (٧/ ٥٢٤) وقال صالح بن محمد الأسدي الحافظ: كان قاضي هراة ولا يعرف بخراسان قاض أقدم منه إلا يحيى بن يعمر ومشعث جليل لا يعرف في قضاة خراسان أجل منه.\nوالجزء الأول المتعلق بتأخير الصلاة الذي رواه أحمد في مسنده من الطريق الثاني رواه مسلم في صحيحه كتاب المساجد، باب كراهية تأخير الصلاة عن وقتها المختار، وما يفعله المأموم إذا أخرها الإمام حديث (٦٤٨) وأبو داود في الصلاة باب: إذا أخر الإمام الصلاة عن وقتها، حديث (٤٣١)، والترمذي في أبواب الصلاة، باب ما جاء في تعجيل الصلاة إذا أخرها الإمام، الحديث (١٧٦)، والنسائي كتاب الإمامة، باب الصلاة مع أئمة الجور (٢/ ٧٥)، وفي باب إعادة الصلاة بعد ذهاب وقتها مع الجماعة (٢/ ١١٣) وابن خزيمة رقم (١٦٣٧)، (١٦٣٩) من طرق عن عبد الله بن الصامت، به.\n(^٣٢٩) - إسناده رجاله ثقات؛ محمد بن علي بن دحيم أبو جعفر ثقة ترجمته في سير أعلام النبلاء (١٦/ ٣٦ - ٣٧) وشيخه أحمد بن خازم الإمام الحافظ المعروف بابن أبي غرزة ترجمته في السير أيضًا =\n_________\n[¬١]- في ز: \"إذًا\".\n[¬٢]- في ز: \"إن\".\n[¬٣]- في ز: \"يردعك\".\n[¬٤]- غير واضحة في ز.\n[¬٥]- في ز، خ: \"الشعث\".\n[¬٦]- في ز، خ: \"الشعث\".\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.","vol":"5","page":170},{"text":"عليه وسلم: \"لئن اقتتلتم لأنظرن إلى أقصى بيت في داري فَلأَلِجَنَّه، فلئن دخل علي [فلان لأقولن] [¬١]-: ها بؤ بإثمي وإثمك، فأكون كخير ابني آدم\".\nوقوله: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ (٢٩)﴾. قال ابن عباس ومجاهد والضحاك وقتادة والسدي في قوله: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ﴾ أي: بإثم قتلي، وإثمك الذي عليك قبل ذلك. قاله ابن جرير (^٣٣٠).\nوقال آخرون: يعني بذلك إني أريد أن تبوء بخطئتي فتتحمل وزرها، وإثمك في قتلك إياي. وهذا قول وجدته عن مجاهد وأخشى أن يكون غلطًا؛ لاُن الصحيح من الرواية عنه خلافه. يعني ما رواه سفيان الثوري، عن منصور، عن مجاهد ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ﴾ [قال: بقتلك إياي] [¬٢]، ﴿وَإِثْمِكَ﴾ قال: بما كان منك قبل ذلك.\nوكذا روي [¬٣] عيسى بن أبي نجيح، عن مجاهد مثله (^٣٣١). وروي شبل، عن ابن أبي نجيح [¬٤]، عن مجاهد ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ﴾ يقول: إني أريد أن يكون عليك خطيئتي ودمي. فتبوء [¬٥] بهما جميعًا (^٣٣٢).\n_________\n= (١٣/ ٢٣٩)، وبقية رجاله ثقات أيضًا. والأثر ذكره السيوطي في الدر المنثور (٢/ ٤٨٦) ولم يعزه لغير ابن مردويه.\n(^٣٣٠) - تفسير الطبري (١٠/ ٢١٥ - ٢١٦)، وانظر الدر المنثور (٢/ ٤٨٥ - ٤٨٦).\n(^٣٣١) - رواه ابن جرير في تفسيره (١٠/ ٢١٥ - ٢١٦) (١١٧٣٤) قال: حدثني الحارث حدثنا عبد العزيز عن سفيان عن منصور به. ورواه في (١٠/ ٢١٥) (١١٧٣٣) من طريق أبي عاصم قال: حدثنا عيسى عن ابن أبي بجيح عن مجاهد به وإسنادهما صحيح وعيسى هو ابن ميمون الجرشي، قال الحافظ في التقريب: \"ثقة\" وقد رواه شبل بن عباد المكي عن ابن أبي نجيح عن مجاهد باللفظ الذي ذكره المصنف بعد هذا مباشرة وصوب ابن جرير الرواية الأولى عن مجاهد فلعل الوهم يكون من الراوي عن شبل بن عباد على ما سيأتي في الله بعد هذا.\n(^٣٣٢) - رواه ابن جرير في تفسيره (١٠/ ٢١٦) (١١٧٣٦) قال: حدثني المثنى قال: حدثنا أبو حذيفة قال: حدثنا شبل عن ابن أبي نجيح به. وأبو حذيفة هو موسى بن مسعود النهدي قال الحافظ في \"التقريب\": صدوق سيئ الحفظ وكان يصحف حديثه عن البخاري في المتابعات\" قلت: ومع ذلك فقد خالفه عيسى بن ميمون فرواه عن ابن أبي نجيح عن مجاهد على النحو السابق، وتالعه سفيان فرواه عن منصور عن مجاهد مثل رواية عيسى. والله أعلم وانظر السابق.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ز: \"فلأقولن\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في ت: \"رواه\".\n[¬٤]- سقط من: ز.\n[¬٥]- في ز: \"فبؤ\".","vol":"5","page":171},{"text":"(قلت): وقد يتوهم كثير من الناس هذا القول، ويذكرون في ذلك حديثًا لا أصل له: \"ما ترك القاتل على المقتول من ذنب\" (^٣٣٣). وقد روي الحافظ أبو بكر البزار حديثًا يشبه هذا، ولكن ليس به، فقال:\nحدثنا عمرو بن علي، حدثنا عامر بن إبراهيم الأصبهاني، حدثنا يعقوب بن عبد الله، حدثنا عتبة بن سعيد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: قال رسول الله ﷺ: \"قتل الصبر لا يمر بذنب إلا محاه\" (^٣٣٤).\nوهذا بهذا لا يصح، ولو صح فمعناه: أن الله يكفر عن المقتول بألم القتل ذنوبه، فأما أن يتحمل [¬١]- على القاتل فلا، ولكن قد يتفق هذا في بعض الأشخاص، وهو الغالب، فإن المقتول يطالب الفاتل في العرصات، فيؤخذ له من حسناته بقدر مظلمته، فإن نفذت [¬٢] ولم يستوف حقه، أخذ من سيئات المقتول فطرحت على القاتل، فربما لا يبقي على المقتول خطيئة إلا وضعت على القاتل، وقد صح الحديث بذلك عن رسول الله ﷺ في المظالم كلها (^٣٣٥)، والقتل من أعظمها وأشدها، والله أعلم.\nوأما ابن جرير فقال [¬٣]: والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن تأويله: إني أريد أن\n_________\n(^٣٣٣) - انظر تخريجه في \"قصص الأنبياء\" للمصنف - بتحقيقنا - قصة آدم.\n(^٣٣٤) - رواه البزار في \"مسنده\" كما في كشف الأستار (٢/ ٢١٤) (١٥٤٥)، وقال البزار: لا نعلمه يروي عن النبي ﷺ إلا من هذا الوجه، ولا نعلم أسنده إلا يعقوب. وعزاه العجلوني في كشف الخفاء (٢/ ١٦٥) لأبي نعيم والديلمي، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ٢٦٩) وقال: رواه البزار .. ورجاله ثقات. قلت: يعقوب بن عبد الله هو أبو الحسن القمي الذي يروي عن عنبسة بن سعيد بن الضريس قاضي الري صدوق وثقه الطبراني، وقال النسائي: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في الثقات، لكن قال الدارقطني: ليس بالقوي. وقد ذكره الذهبي في كتابه \"من تكلم فيه وهو موثق\" وقال: صالح الحديث. والحديث له شاهد من حديث أبي هريرة رواه البزار في مسنده كما في كشف الأستار (١٥٤٤) بلفظ \"قتل الرجل صبرًا كفارة لما قبله من الذنوب\" وإسناده ضعيف جدًّا، فيه متروك كما في الزوئد (٦/ ٢٦٩). لكن حديث عائشة حسنه الشيخ الألباني في صحيح الجامع (٤٢٣٦).\n(^٣٣٥) - ورد معنى ذلك من حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: أتدرون من المفلس؟ .. الحديث رواه مسلم في صحيحه كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم الظلم، الحديث (٢٥٨١) والترمذي في صفة القيامة، باب: ما جاء في شأن الحساب والقصاص الحديث (٢٤١٨)، وأحمد (٢/ ٣٠٣، ٣٣٤، ٣٧١) وابن حبان (٤٤١١)، والبيهقي (٦/ ٩٣)، والبغوي (٤١٦٤).\n_________\n[¬١]- في ت: \"تحمل\".\n[¬٢]- في ز: \"فقدت\".\n[¬٣]- في ز: \"قال\".","vol":"5","page":172},{"text":"تنصرف بخطيئتك في قتلك إياي، وذلك هو معنى قوله: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ﴾، [وأمّا معنى] [¬١] وإثمك [¬٢] \": فهو إثمه بغير [¬٣] قتله، وذلك - معصية الله ﷿ في أعمال سواه.\nوإنما قلنا ذلك هو الصواب؛ لإِجماع أهل التأويل عليه، وأن الله ﷿ أخبرنا أن كل عامل فجزاء عمله له أو عليه، وإذا كان هذاء حكمه في خلقه، فغير جائز أن تكون آثام المقتول مأخوذًا بها القاتل، وإنما يؤخذ القاتل بإثمه بالقتل المحرّم، وسائر آثام معاصيه التي ارتكبها بنفسه، دون ما ركبه قتيله (^٣٣٦).\nهذا لفظه، ثم أورد [على هذا] [¬٤] سؤالًا حاصله: كيف أراد هابيل أن يكون على أخيه قابيل إثم قتله وإثم نفسه، مع أن قتله له محرّم؟ وأجاب بما حاصله: أن هابيل أخبر عن نفسه بأنه لا يقاتل أخاه إن قاتله، بل يكف [عنه يده] [¬٥]، طالبًا ان وقع كمل أن يكون من أخيه، لا منه.\nقلت: وهذا الكلام متضمن موعظة له لو اتعظ، وزجرًا له لو انزجر، ولهذا قال: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ﴾ [أي: تتحمل إثمي وإثمك] [¬٦] ﴿فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾.\nو[¬٧] قال ابن عباس: خوّفه بالنار [¬٨] فلم ينته ولم ينزجر.\nوقوله تعالى: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٣٠)﴾ أي: فحسَّنت وسوَّلت له نفسه، وشجعته على قتل أخيه فقتله، أي: بعد هذه الموعظة [¬٩] وهذا الزجر.\nو[¬١٠] قد تقدم في الرواية عن أبي جعفر الباقر - وهو محمد بن علي بن الحسين - أنه قتله بحديدة في يده (^٣٣٧).\n_________\n(^٣٣٦) - تفسير ابن جرير (١٠/ ٢١٧).\n(^٣٣٧) - تقدم رقم (٣٣٠).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢] سقط من: ز.\n[¬٣] في ز: \"يعني\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين في ز: \"يده عنه\".\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٧] سقط من: ز.\n[¬٨]- في ز: \"النار\".\n[¬٩] سقط من: خ.\n[¬١٠]- سقط من: ز.","vol":"5","page":173},{"text":"وقال السدي: عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة عن عبد الله، وعن ناس من أصحاب النبي ﵌: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ﴾ فطلبه ليقتله فراغ الغلام منه في رءوس الجبال، فأتاه يومًا من الأيام وهو يرعي غنمًا له وهو نائم، فرفع صخرة، فشدخ بها رأسه، فمات، فتركه بالعراء. رواه ابن جرير (^٣٣٨).\nوعن بعض أهل الكتاب: أنه قتله خنقًا وعضًّا كما تقتل السباع. وقال ابن جرير: لما أراد أن يقتله جعل يلوي عنقه، فأخذ إبليس دابة، فوضع [¬١] رأسها على حجر، ثم أخذ حجرًا آخر فضرب به رأسها حتى قتلها وابن آدم ينظر، ففعل بأخيه مثل ذلك. رواه ابن أبي حاتم (^٣٣٩).\nوقال عبد الله بن وهب: عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، قال: أخذ برأسه ليقتله، فاضطجع له، وجعل يغمز رأسه وعظامه، ولا يدري كيف يقتله، فجاءه إبليس فقال: أتريد أن تقتله؟ قال: نعم. قال: فخذ هذه الصخرة فاطرحها على رأسه. قال: فأخذها فألقاها عليه فشدخ رأسه، ثم جاء إبليس إلى حوّاء مسرعًا، فقال: يا حوّاء، إن قابيل قتل هابيل. فقالت له: ويحك، و[¬٢] أي شيء يكون القتل؟ قال: لا يأكل ولا يشرب ولا يتحرّك. قالت: ذلك الموت. قال: فهو الموت. فجعلت تصيح، حتى دخل عليها آدم وهي تصيح، فقال: ما لك؟ فلم تكلمه، فرجع إليها مرّتين فلم تكلمه، فقال: عليك الصيحة، وعلى بناتك، وأنا وابني منها برآء. رواه ابن أبي حاتم.\nوقوله: ﴿فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ أي: في الدنيا والآخرة، وأي خسارة أعظم من هذه، وقد قال الإِمام أحمد (^٣٤٠): حدثنا أبو معاوية ووكيع، قالا: حدثنا الأعمش، عن عبد الله بن مرة، عن مسروق، عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا تقتل نفس ظلمًا، إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها؛ لأنه كان أول من سنّ القتل\".\n_________\n(^٣٣٨) - رواه في تفسيره (١٠/ ٢٢١ - ٢٢٢) (١١٧٤٦)، وذكره السيوطي في الدر المنثور (٢/ ٤٨٧) ولم يعزه لغير ابن جرير.\n(^٣٣٩) - رواه ابن جرير في تفسيره (١٠/ ٢٢٢) (١١٧٤٨) من طريق الحجاج بن محمد المصيصي عن ابن جريج به، ورواه أيضًا برقم (١١٧٤٧) نحوه مختصرًا وذكره السيوطي في الدر المنثور (٢/ ٤٨٨) باللفظ المختصر وعزاه إلى ابن أبي حاتم وابن جرير.\n(^٣٤٠) - صحيح، \"المسند\" (١/ ٣٨٣)، ورواه أحمد (١/ ٤٣٣) ثنا وكيع، و(١/ ٤٣٠) ثنا يحيي - وهو ابن سعيد - كلاهما (وكيع، ويحيي) عن سفيان وهو الثوري - عن الأعمش، به. =\n_________\n[¬١]- في ت: \"ووضع\".\n[¬٢]- سقط من: ز.","vol":"5","page":174},{"text":"وقد أخرجه الجماعة سوى أبي داود من طرق عن الأعمش به.\nوقال ابن جرير (^٣٤١) حدثنا القاسم، حدثنا الحسين، حدثني حجاج، قال: قال ابن جريج، قال مجاهد: علقت إحدى رجلي القاتل بساقها إلى فخذها من يومئذ، [إلى يوم القيامة] [¬١] ووجهه في الشمس حيثما دارت دار عليه في الصيف حظيرة من نار، وعليه في الشتاء حظيرة من ثلج. قال: وقال عبد الله بن عمرو: و[¬٢] إنا لنجد ابن آدم القاتل يقاسم أهل النار قسمة صحيحة العذاب عليه شطر عذابهم.\nوقال ابن جرير (^٣٤٢): حدثنا ابن حميد، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن حكيم بن حكيم، أنه حدث عن عبد الله بن عمرو، أنه كان يقول: إن أشقى أهل النار رجلًا، ابنُ آدم الذي قتل أخاه، ما سفك دم في الأرض منذ قتل أخاه إلى يوم القيامة، إلا لحق به منه شر؛ وذلك أنه أول من سنّ القتل.\nوقال إبراهيم النخعي: ما من مقتول يقتل ظلمًا، إلا كان على ابن آدم الأول والشيطان كفلٌ منه. رواه ابن جرير أيضًا (^٣٤٣).\nوقوله تعالى: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾.\n_________\n= وانظر: \"أطراف المسند\" لابن حجر (٤/ ٥٧٢٣)، ثم وجدت رواية وكيع مقرونًا به أبا معاوية، عن الأعمش مباشرة عند ابن جرير في تفسيره (١٠/ ١١٧٣٨).\n(^٣٤١) - رواه في تفسيره (١٠/ ٢١٨) (١١٧٣٧) ورواه في (١٠/ ٢٠٤ - ٢٠٥) بنفس الإسناد وزاد فيه: \"ومعه سبعة أملاك كلما ذهب ملك جاء الآخر\" والأثر ذكره السيوطي في الدر المنثور (٢/ ٤٨٤) وزاد نسبته إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣٤٢) - رواه في تفسيره (١٠/ ٢١٩) (١١٧٤١). وفي إسناده محمد بن إسحاق وهو صدوق لكنه يدلس وقد عنعن في هذا الحديث وشيخه هو حكيم بن حكيم بن عباد بن ضيف. قال ابن سعد: كان قليل الحديث ولا يحتجون بحديثه. وقال ابن حجر في \"تهذيب التهذيب\" قال العجلي: ثقة. وصحح له الترمذي وابن خزيمة وغيرهما. وقال ابن القطان: لا يعرف حاله. وقال في \"التقريب\": صدوق. والأثر: ذكره السيوطي في الدر المنثور (٢/ ٤٨٨) ولم يعزه لغير ابن جرير.\n(^٣٤٣) - رواه في تفسيره (١٠/ ٢١٩) (١١٧٤٠) قال: حدثنا ابن وكيع قال: حدثنا أبي، عن الحسن ابن صالح عن إبراهيم بن مهاجر عن إبراهيم النخعي به، وإسناده رجاله ثقات غير سفيان بن وكيع شيخ ابن جرير تكلموا فيه بسبب وراقه فإنه أدخل في حدثه ما ليس منه، وقد تقدمت ترجمته.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢] سقط من: ز.","vol":"5","page":175},{"text":"قال السدي (^٣٤٤) بإسناده المتقدم إلى الصحابة ﵃: لما مات الغلام، تركه بالعراء ولا يعلم كيف يدفن، فبعث الله غرابين أخويين فاقتتلا، فقتل أحدهما صاحبه، فحفر له، ثم حثى عليه، فلما رآه قال: ﴿يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي﴾ (^٣٤٥).\nوقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قال: جاء غراب [¬١]- إلى غراب ميت، فبحث عليه من التراب حتى واراه، فقال الذي قتل أخاه: ﴿يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي﴾.\nوقال الضحاك، عن ابن عباس: مكث يحمل أخاه في جراب على عاتقه سنة، حتى بعث الله الغرابين، فرآهما يبحثان، فقال: [﴿أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ﴾] [¬٢] [فدفن أخاه (^٣٤٦).\nوقال ليث بن أبي سليم، عن مجاهد: كان يحمله على عاتقه مائة سنة ميتًا، لا يدري ما يصنع به، يحمله ويضعه إلى الأرض، حتى رأي الغراب يدفن الغراب، فقال: ﴿يَا وَيْلَتَا] [¬٣] [أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ] [¬٤] فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾. رواه ابن جرير وابن أبي حاتم (^٣٤٧).\nوقال عطية العوفي: لما قتله ندم، فضمه إليه حتى أروح، وعكفت عليه الطيور والسباع،\n_________\n(^٣٤٤) - رواه ابن جرير في تفسيره (١٠/ ٢٢٥) (١١٧٥٤) وقد تقدم الكلام على إسناده انظر رقم (٣٢٥) والأثر: ذكره السيوطي في الدر المنثور (٢/ ٤٨٧).\n(^٣٤٥) - رواه في تفسيره (١٠/ ٢٢٦) (١١٧٥٨). وقد تقدم الكلام على هذا الإسناد. والأثر: ذكره السيوطي في الدر المنثور (٢/ ٤٨٩) وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم.\n(^٣٤٦) - رواه إبن جرير في تفسيره (١٠/ ٢٢٥) (١١٧٥٢) حدثنا سفيان بن وكيع قال: حدثنا يحيى بن أبي روق الهمداني عن أبيه عن الضحاك به وسفيان بن وكيع تكلموا فيه. ويحيي بن أبي روق ترجمته في الجرح والتعديل (٩/ الترجمة ٧٤٥) قال ابن معين: ليس بثقة. والأثر: ذكره السيوطي في الدر المنثور (٢/ ٤٨٩) ولم يعزه لغير ابن جرير.\n(^٣٤٧) - رواه ابن جرير في تفسيره (١٠/ ٢٢٧) (١١٧٦٢). وفي إسناده ليث بن أبي سليم وقد اختلط ولم يتميز حديثه فترك.\n_________\n[¬١]- في ز: \"الغراب\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.","vol":"5","page":176},{"text":"تنتظر متى يرمي به فتأكله. رواه ابن جرير (^٣٤٨).\nوروى [¬١] محمد بن إسحاق عن بعض أهل العلم بالكتاب الأول: لما قتله سقط في يده، أي: ولم يدر كيف يواريه، وذلك أنه كان - فيما يزعمون - أولَ قتيل في بني آدم، وأول ميت. ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾ قال: وزعم أهل التوراة: أن قينًا لما قتل أخاه هابيل [¬٢]، قال له الله ﷿: يا قين [¬٣]، أين أخوك هابيل [¬٤]؟ قال: ما أدري، ما كنت عليه رقيبًا. فقال الله: إن صوت دم أخيك ليناديني من الأرض و[¬٥] الآن أنت ملعون من الأرض التي فتحتْ فاها، فتلقتْ دم أخيك من يدك، فإن أنت عملت في الأرض، فإنها لا تعود تعطيك حرثها، حتى تكون فزعًا تائهًا في الأرض (^٣٤٩).\nوقوله: ﴿فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾ قال الحسن البصري: علاه الله بندامة بعد الخسران.\nفهذه أقوال المفسرين في هذه القصة، وكلهم متفقون على أن هذين ابنا آدم لصلبه، كما هو ظاهر القرآن، وكما نطق به الحديث في قوله: \"إلا كان على [ابن آدم] [¬٦] الأول كفلٌ من دمها؛ لأنه أول من سنّ القتل\" (^٣٥٠). وهذا ظاهر جلي، و[¬٧] لكن قال ابن جرير:\nحدثنا ابن [¬٨] وكيع، حدثنا سهل بن بوسف، عن عمرو، عن الحسن - هو البصري - قال: كان الرجلان اللذان في القرآن، اللذان قال الله: ﴿واتل عليهم نبأ ابني آدم\n_________\n(^٣٤٨) - رواه ابن جرير في تفسيره (١٠/ ٢٢٦) (١١٧٥٩) حدثنا ابن وكيع قال: حدثنا عبيد الله بن موسى، عن فضيل بن مرزوق عن عطية به. وإسناده ضعيف: ابن وكيع ضعفوه لأجل وراقه السوء وفضيل بن مرزوق تكلموا فيه من قبل حفظه، وقال الحافظ في \"التقريب\": صدوق يهم. أما شيخ ابن وكيع فهو عبيد الله بن موسى العبسي الحافظ الثقة. والأثر: ذكره السيوطي في الدر المنثور (٢/ ٤٨٩) مطولًا وزاد نسبته إلى عبد بن حميد.\n(^٣٤٩) - رواه ابن جرير في تفسيره (١٠/ ٢٢٨) (١١٧٦٥) بسنده الي ابن إسحاق به أطول من هذا.\n(^٣٥٠) - تقدم رقم (٣٥٢).\n_________\n[¬١]- في ز: \"وقال\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"هابل\".\n[¬٣]- في ز: \"قينا\".\n[¬٤]- في ز، خ: \"هابل\".\n[¬٥]- سقط من: ز.\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٧]- سقط من: ز.\n[¬٨]- سقط من: ز، خ.","vol":"5","page":177},{"text":"بالحق﴾ - من بني إسرائيل، ولم يكونا ابني آدم لصلبه، وإنما كان القربان من [¬١] بني إسرائيل، وكان آدم أول من مات (^٣٥١).\nوهذا غريب جدًّا، وفي إسناده نظر.\nوقد قال عبد الرزاق (^٣٥٢): عن معمر، عن الحسن، قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن ابني آدم ﵇ ضربا لهذه الأمّة [¬٢] مثلًا، فخذوا بالخير منهما [¬٣] \".\nورواه ابن المبارك (^٣٥٣): عن عاصم الأحول، عن الحسن، قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن الله ضرب لكم ابني آدم مثلًا، فخذوا من خيرهم ودعوا شرهم [¬٤] \".\nوكذا أرسل هذا الحديث بكر بن عبد الله المزني. روي ذلك كله ابن جرير.\nوقال سالم بن أبي الجعد (^٣٥٤): لما قتل ابن آدم أخاه، مكث آدم مائة سنة حزينًا لا يضحك،\n_________\n(^٣٥١) - رواه في تفسيره (١٠/ ٢٠٨) (١١٧١٩)، وإسناده ضعيف؛ ابن وكيع ضعيف تقدمت ترجمته، وسهل هو ابن يوسف الأنماطي ثقة رمي بالقدر، وشيخه هو عمرو بن عبيد المعتزلي وهو متروك الحديث عند جمهور أهل الحديث وقد رد ذلك الحسن لمخالفته للأحاديث الواردة عن النبي ﷺ والتي تقول بأنه أول من سن القتل، ولا شك أن القتل كان قبل بني إسرائيل وانظر تفسير الطبري (١٠/ ٢١٩ - ٢٢٠).\n(^٣٥٢) - رواه في تفسيره (١/ ١٨٧) ومن طريقه ابن جرير الطبري (١٠/ ٢٣٠) (١١٧٦٨) وهو حديث مرسل ومراسيل الحسن لا يحتج بها وهاها جمع من الحفاظ، وانظر الكلام على ذلك في كتاب \"المرسل الخفي وعلاقته بالتدليس\" تأليف الشريف حاتم بن عارف العوني (١/ ٣٠٠ وما بعدها) وذكره السيوطي في الدر المنثور (٢/ ٤٨٦) وزاد نسبته إلى عبد بن حميد عن الحسن قال: بلغني أن رسول الله ﷺ قال: \"إن ابني آدم ضربا مثلًا لهذه الأمة فخذوا بالخير منهما. ورواه ابن المبارك ومن طريقه ابن جرير (١١٧٦٩) عن عاصم عن الحسن به، وهو مرسل أيضًا، ورواه ابن جرير (١١٧٦٧) من طريق المعتمر بن سليمان عن أبيه قال: قلت لبكر بن عبد الله المزني: أما بلغك أن نبي الله ﷺ قال: \"إن الله جل وعز ضرب لكم ابني آدم مثلًا فخذوا خيرهما ودعوا شرهما\" قال: بلي. والطرق الثلاثة مرسلة.\n(^٣٥٣) - تقدم في الذي قبله.\n(^٣٥٤) - رواه ابن جرير في تفسيره (١٠/ ٢٠٩) (١١٧٢٠) حدثنا مجاهد بن موسى حدثنا يزيد بن هارون حدثنا حسام بن المصك عن عمار الدهني عن سالم بن أبي الجعد به، وفي إسناده حسام بن مصك =\n_________\n[¬١]- في ز: \"في\".\n[¬٢]- في ز: \"الآية\".\n[¬٣]- في ز: \"منها\".\n[¬٤]- في ز، خ: \"الشر\".","vol":"5","page":178},{"text":"ثم أتي فقيل له: حيَّاك الله وبيَّاك. أي: أضحكك.\nرواه ابن جرير، ثم قال (^٣٥٥): حدثنا ابن حميد، حدثنا سلمة، عن غياث بن إبراهيم، عن أبي إسحاق الهمداني، قال: قال على بن أبي طالب، لما قتل ابن آدم آخاه بكاه آدم فقال:\nتغيرت البلاد ومن عليها … فلون الأرض مغبر قبيح\nتغير كل ذي لون وطعم … وقل بشاشة الوجه المليح\nفأجيب آدم ﵊:\nأبا هابيل قد قتلا جميعًا … وصار الحي كالميْت [¬١] الذبيح\nوجاء بشرّةٍ قد كان منها [¬٢] … على خوف فجاء بها يصيح\nوالظاهر أن قابيل عوجل بالعقوبة، كما ذكره [] [¬٣] مجاهد بن جبر: أنه علقت ساقه بفخذه [إلى يوم القيامة] [¬٤]، وجعل الله وجهه إلى الشمس حيث دارت، عقوبة له وتنكيلا به (^٣٥٦)، وقد ورد في الحديث أن النبي ﷺ قال: \"ما من ذنب أجدر أن يعجل الله عقوبته في الدنيا مع ما يدخر لصاحبه في الآخرة: من البغي وقطيعة الرحم\" (^٣٥٧). وقد اجتمع في [¬٥] فعل قابيل هذا وهذا، فإنا لله وإنا إليه راجعون.\n﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي\n_________\n= قال أحمد: مطروح الحديث. وقال يحيى بن معين: ليس حديثه بشئ، وقال أبو زرعة: واهى الحديث، منكر الحديث. وقال البخارى: ليس بالقوى عندهم وقال النسائى ضعيف. ولذلك قال الحافظ فى \"التقريب\": ضعيف يكاد أن يترك.\nوالأثر: ذكره السيوطى فى الدر المنثور (٢/ ٤٨٩) وزاد نسبته إلى ابن عساكر.\n(^٣٥٥) - رواه ابن جرير فى تفسيره (١٠/ ٢٠٩) (١١٧٢١) وفى إسناده غياث بن إبراهيم قال ابن حبان فى المجروحين (٢/ ٢٠٠ - ٢٠١): كان يضع الحديث على الثقات ويأتى بالمعضلات عن الأثبات، روى عن العراقيين، لا يحل كتابة حديثه إلَّا على جهة التعجب، ولا ذكر روايته إلّا مع أهل الصناعة للاعتبار والادكار.\n(^٣٥٦) - تقدم رقم (٣٥٣).\n(^٣٥٧) - سيأتي تخريجه فى سورة يونس/ آية ٢٣.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"بالميت\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"منه\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين فى ز: \"ابن\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"يوم قتله\".\n[¬٥]- سقط من: ز.","vol":"5","page":179},{"text":"﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ (٣٢) إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٣٣) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٤)﴾\nيقول تعالى: من أجل قتل ابن آدم أخاه ظلمًا وعدوانًا ﴿كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ أي: شرعنا لهم وأعلمناهم ﴿أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ أي: من [¬١] قتل [¬٢] [نفسًا بغير سبب من قصاص أو فساد في الأرض، واستحل قتلها بلا سبب، ولا جناية - فكأنما] [¬٣] قتل [¬٤] الناس جميعًا؛ لأنه لا فرق عنده بين نفس ونفس؛ ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا﴾ أي: حرم قتلها واعتقد ذلك، فقد سلم الناس كلهم منه بهذا الاعتبار، ولهذا قال: ﴿فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾.\n[وقال] [¬٥] الأعمش وغيره، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: دخلت على عثمان يوم الدار، فقلت: جئت لأنصرك، وقد طاب الضرب يا أمير المؤمنين. فقال: يا أبا هريرة: أيسرك [¬٦] أن تقتل الناس جميعًا وإياي معهم؟ قلت: لا. قال: فإنك إن قتلت رجلًا واحدًا، فكأنما [¬٧] قتلت الناس جميعًا، فانصرف مأذونًا لك، مأجورًا غير مأزورٍ. قال: فانصرفت ولم أقاتل (^٣٥٨).\n_________\n(^٣٥٨) - رواه ابن سعد فى الطبقات (٣/ ٥١) قال: أخبرنا أبو معاوية الضرير قال: أخبرنا الأعمش … فذكره، والأثر: ذكره السيوطى فى الدر المنثور (٢/ ٤٩٠) ولم يعزه لغير ابن سعد.\n_________\n[¬١]- في ز: \"ومن\"، وسقط من: خ.\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- سقط من: ز.\n[¬٥]- في ز: \"قال\".\n[¬٦]- في ز: \"أبشرك\".\n[¬٧]- في ز: \"فإنما\".","vol":"5","page":180},{"text":"وقال على بن أبي طلحة، عن ابن عباس: هو كما قال الله تعالى: ﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ [أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ] [¬١] فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ وإحياؤها ألا يقتل نفسًا حرمها الله، فذلك الذي أحيا الناس جميعًا. يعني: أنه من حرم قتلها إلا [¬٢] بحق حيي الناس منه (^٣٥٩). وهكذا قال مجاهد: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا﴾ أي: كف عن قتلها (^٣٦٠).\nوقال العوفي، عن ابن عباس في قوله: ﴿فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ يقول: من قتل نفسًا واحدة حرمها الله، فهو مثل من قتل الناس جميعًا (^٣٦١).\nوقال سعيد بن جبير: من استحل دم مسلم؛ فكأنما استحل دماء الناس جميعًا، ومن حرم دم مسلم؛ فكأنما حرم دماء [¬٣] الناس جميعًا.\nهذا قول، وهو الأظهر، وقال عكرمة والعوفي عن ابن عباس: من قتل نبيًّا أو إمام عدل، فكأنما قتل الناس جميعًا، ومن شدّ على عضد نبي أو إمام عادل، فكأنما أحيا الناس جميعًا. رواه ابن جرير (^٣٦٢).\nوقال مجاهد في رواية أخرى عنه: ﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾؛ وذلك لأنه من قتل النفس فله النار، فهو كما لو قتل الناس جميعًا [¬٤].\nقال ابن جريج، عن الأعرج، عن مجاهد فى قوله: ﴿فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ من قتل النفس المؤمنة متعمدًا؛ جعل الله جزاءه جهنم، وغضب [] [¬٥] عليه ولعنه، وأعدّ له عذابًا\n_________\n(^٣٥٩) - رواه ابن جرير فى تفسيره (١٠/ ٢٣٥) (١١٧٨١) وقد تقدم الكلام على رواية على بن طلحة عن ابن عباس.\n(^٣٦٠) - رواه ابن جرير فى تفسيره (١٠/ ٢٣٦) (١١٧٨٣) وفى إسناده سفيان بن وكيع وهو ضعيف تقدمت ترجمته.\n(^٣٦١) - رواه ابن جرير فى تفسيره (١٠/ ٢٣٣) (١١٧٧٢) وقد تقدم الكلام على رواية العوفى عن ابن عباس.\n(^٣٦٢) - رواه ابن جرير فى تفسيره (١٠/ ٢٣٢ - ٢٣٣) (١١٧٧١) من طريق عكرمة عن ابن عباس به، ورواية العوفى عن ابن عباس سبق الكلام عليها.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- في ت: \"كلهم\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين في ز: \"الله\".","vol":"5","page":181},{"text":"عظيمًا، يقول: لو قتل الناس جميعًا، لم يزد على مثل ذلك العذاب (^٣٦٣).\nقال ابن جريج: قال مجاهد: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ قال: من لم يقتل أحدًا فقد حَيِيَ الناس منه (^٣٦٤).\nوقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: من قتل نفسًا، فكأنما قتل الناس، يعني: فقد وجب عليه القصاص، فلا فرق بين الواحد والجماعة، ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا﴾ أي: عفا عن قاتل وليه؛ فكأنما أحيا الناس جميعًا. وحكى ذلك عن أبيه. رواه ابن جرير (^٣٦٥)، وقال مجاهد في رواية: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا﴾ أي: أنجاها من غرق أو حرق أو هلكة (^٣٦٦).\nوقال الحسن وقتادة: فى قوله: ﴿أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ [أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ] [¬١] فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ هذا تعظيم لتعاطي القتل، قال قتادة: عظم [¬٢] والله وزرها، وعظم [¬٣] والله أجرها (^٣٦٧).\nوقال ابن المبارك، عن سلام بن مسكين، عن سليمان بن علي الربعي، قال: قلت للحسن: هذه الآية لنا يا أبا سعيد كما كانت لبني إسرائيل؟ فقال: إي والذي لا إله غيره، كما كانت لبني إسرائيل، وما جعل دماء بني إسرائيل أكرم على الله من دمائنا (^٣٦٨).\n_________\n(^٣٦٣) - رواه ابن جرير فى تفسيره (١٠/ ٢٣٥) (١١٧٧٨)، وذكره السيوطى فى الدر المنثور (٢/ ٤٩٠) وزاد نسبته إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.\n(^٣٦٤) - رواه ابن جرير فى تفسيره (١١٧٧٨) من طريق ابن جريج عنه ولفظه: \"فقد استراح الناس منه\" كذا فى المطبوع من تفسير الطبرى. ورواه الطبرى فى (١٠/ ٢٣٦) (١١٧٨٥) باللفظ المذكور من طريق ابن أبى نجيح عن مجاهد.\n(^٣٦٥) - رواه ابن جرير فى تفسيره (١٠/ ٢٣٧) (١١٧٨٧) (١١٧٨٨).\n(^٣٦٦) - رواه ابن جرير فى تفسيره (١٠/ ٢٣٨) (١١٧٩٢) وشيخه فيه سفيان بن وكيع، وتكلموا فيه لأجل وراقه السوء. وقد تقدمت ترجمته مرارًا، وبقية رجاله ثقات. والأثر: ذكره السيوطى فى الدر المنثور (٢/ ٤٩١) وزاد نسبته لعبد بن حميد، وابن المنذر.\n(^٣٦٧) - رواه ابن جرير الطبرى فى تفسيره (١٠/ ٢٣٩) (١١٧٩٧) عن الحسن.\nوقول قتادة رواه عبد الرازق فى تفسيره (١/ ١٨٨) وابن جرير رقم (١١٧٩٨)، (١١٧٩٩).\n(^٣٦٨) - رواه ابن جرير فى تفسيره (١٠/ ٢٣٩) (١١٨٠٠) قال: حدثنى المثنى قال: حدثنا سويد بن نصر قال: أخبرنا ابن المبارك … فذكره، وإسناده صحيح رجاله ثقات.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- في ت: \"عظيم\".\n[¬٣]- في ت: \"عظيم\".","vol":"5","page":182},{"text":"وقال الحسن البصري: ﴿فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ قال: وزرًا، ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ قال: أجرًا (^٣٦٩).\nوقال الإِمام أحمد (^٣٧٠): [حدثنا حسن] [¬١]، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا حيي [¬٢] بن عبد الله، عن أبي عبد الرحمن الحبلي، عن عبد الله بن عمرو [¬٣]، قال: جاء حمزة بن عبد المطلب إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، اجعلني على شيء أعيش به. فقال رسول الله ﷺ: \"يا حمزة، نفس تحييها أحب إليك أم نفس تميتها؟ \" قال: بل نفس أحييها. قال: \"عليك بنفسك\".\nقوله [¬٤] تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا [¬٥] بِالْبَيِّنَاتِ﴾ أي: بالحجج والبراهين، والدلائل الواضحة ﴿ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ﴾ وهذا تقريع لهم وتوبيخ على ارتكابهم المحارم بعد علمهم بها، كما كانت بنو قريظة والنضير، وغيرهم من بني قينقاع، ممن حول المدينة من اليهود، الذين كانوا يقاتلون مع الأوس والخزرج، إذا وقعت بينهم الحروب في الجاهلية، ثم إذا وضعت الحروب أوزارها، فدوا من أسروه، وودوا من قتلوه، وقد أنكر الله عليهم ذلك في سورة البقرة حيث يقول: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (٨٤) ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾.\nقوله [¬٦]: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ الآية. المحاربة: هي المضادة\n_________\n(^٣٦٩) - رواه ابن جرير فى تفسيره (١٠/ ٢٤٠) (١١٨٠٢)، وذكره السيوطى فى الدر المنثور (٢/ ٤٩١) وعزاه لعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٣٧٠) - رواه فى المسند (٢/ ١٧٥)، ورواته ثقات إلَّا ابن لهيعة فإنه ضعيف، وانظر الترغيب والترهيب ٣/ ٩٧)، مجمع الزوائد (٥/ ٢٠٢).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٢]- في ز: \"يحيى\".\n[¬٣]- في ت: \"عمر\".\n[¬٤]- في ز: \"وقوله\".\n[¬٥]- في ز: \"رسلهم\".\n[¬٦]- في ز: \"وقوله\".","vol":"5","page":183},{"text":"والمخالفة، وهي صادقة على الكفر، وعلى قطع الطريق، وإخافة السبيل، وكذا الإفساد في الأرض يطلق على أنواع من الشر، حتى قال كثير من السلف، منهم سعيد بن المسيب: إن قرض [¬١] الدراهم والدنانير من الإِفساد فى الأرض، وقد قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾. ثم قال بعضهم: نزلت هذه الآية [] [¬٢] في المشركين، كما قال ابن جرير (^٣٧١).\nحدثنا ابن حميد، حدثنا يحيى بن واضح، حدثنا الحسين بن واقد، عن يزيد، عن عكرمة، والحسن البصري قالا: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ إلى ﴿أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ نزلت هذه الآية في المشركين، فمن تاب منهم من قبل أن تقدروا عليه؛ لم يكن عليه سبيل، وليست تحرز هذه الآية الرجل المسلم من الحد، إن قتل أو أفسد في الأرض، أو حارب الله ورسوله، ثم لحق [¬٣] بالكفار قبل أن يقدر عليه، لم يمنعه ذلك أن يقام عليه الحد الذي أصاب.\nورواه أبو داود والنسائي من طريق عكرمة عن ابن عباس ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾ نزلت في المشركين فمن [¬٤] تاب منهم قبل أن يقدر عليه، لم يمنعه ذلك أن يقام عليه [¬٥] الحد الذي أصابه (^٣٧٢).\n_________\n(^٣٧١) - رواه فى تفسيره (١٠/ ٢٤٤) (١١٨٠٦)، وفى (١٠/ ٢٧٧ - ٢٧٨) (١١٨٧٢) وإسناده رجاله ثقات رجال مسلم إلا يزيد النحوى وهو ثقة روى له البخارى فى الأدب، وأصحاب السنن.\n(^٣٧٢) - رواه أبو داود (٤/ ١٣٢) كتاب الحدود، باب: ما جاء فى المحاربة، حديث (٤٣٧٢) قال: حدثنا أحمد بن محمد بن ثابت، والنسائى فى كتاب تحريم الدم، باب ذكر اختلاف طلحة بن مصرف ومعاوية بن صالح على يحيى بن سعيد فى هذا الحديث (٧/ ١٠١) قال: أخبرنا زكريا بن يحيى قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم. كلاهما (أحمد بن محمد، وإسحاق) عن علي بن الحسين عن أبيه عن يزيد النحوى عن عكرمة عن ابن عباس به، وإسناده رجاله ثقات إلا على بن الحسين بن واقد فقد ضعفه أبو حاتم الرازى فى الجرح والتعديل (٦/ ١٧٩) وذكره العقيلى فى الضعفاء (٣/ ٢٢٦) وروى عن البخارى أنه قال: رأينا على بن الحسين بن واقد فى سنة عشر ومائتين، وكان أبو يعقوب - يعنى إسحاق بن راهويه - سيئ الرأى فيه فى حياته لعلة الإرجاء، فتركناه، ثم كتبت عن إسحاق عنه. لكن قال النسائى: ليس به بأس. قلت: إنما تكلموا فيه لأجل الإرجاء وهو جرح غير معتبر، فالرجل لم يكن داعية، ولم ينقل أحد عنه ذلك، وقد وثقه النسائى مع تعنته فى الرجل، وروى له البخارى فى الأدب المفرد، ومسلم =\n_________\n[¬١]- في ت: \"قبض\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز: \"الكريمة\".\n[¬٣]- في ز: \"ألحق\".\n[¬٤]- في ز: \"فيمن\".\n[¬٥]- في ز: \"فيه\".","vol":"5","page":184},{"text":"وقال على بن أبي طلحة، عن ابن عباس فى قوله: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾ الآية. قال: كان قوم من أهل الكتاب بينهم وبين النبي ﷺ عهد وميثاق، فنقضوا العهد، وأفسدوا في الأرض، فخير الله رسوله: إن شاء أن يقتل، وإن شاء أن يقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف. رواه ابن جرير (^٣٧٣).\nوروى شعبة، عن منصور، عن هلال بن يساف، عن مصعب بن سعد، عن أبيه قال: نزلت في الحرورية ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾. رواه ابن مردويه (^٣٧٤).\nوالصحيح أن هذه الآية عامة في المشركين وغيرهم، ممن ارتكب هذه الصفات، كما رواه البخاري ومسلم من حديث أبي قلابة - واسمه: عبد الله بن زيد الجرمي البصري - عن أنس بن مالك: أن نفرًا من عكل ثمانية، قدموا على رسول الله ﷺ، [فبايعوه على الإسلام] [¬١]، [فاستوخموا المدينة، وسقمت أجسامهم، فشكوا إلى رسول الله ﷺ ذلك] [¬٢] فقال: \"ألا تخرجوا [¬٣] مع راعينا في إبله، فتصيبوا من أبوالها وألبانها\". فقالوا: بلى. فخرجوا، فشربوا من أبوالها، وألبانها، فصحوا [¬٤]، فقتلوا الراعي، وطردوا الإِبل، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ، فبعث في آثارهم؛ فأدركوا فجيء بهم، فأمر بهم فقطعت أيديهم وأرجلهم وسمرت أعينهم، ثم نبذوا في الشمس حتى ماتوا (^٣٧٥).\n_________\n= فى مقدمة صحيحه، وأصحاب السنن فى كتبهم، فمثل هذا يحسن حديثه. والحديث حسنه الألبانى فى صحيح أبى داود (٣٦٧٥)، وفى صحيح النسائى (٣٧٧٦).\n(^٣٧٣) - رواه فى تفسيره (١٠/ ٢٤٣) (١١٨٠٣)، ورواه الطبرانى فى الكبير (١٢/ ٢٥٦) (١٢٠٣٢) من طريق على بن أبى طلحة عن ابن عباس ﵄ به، وذكره الهيثمى فى مجمع الزوائد (٧/ ١٨) وقال: رواه الطبرانى، وعلى بن أبى طلحة لم يدرك ابن عباس. قلت: سبق الكلام على هذا مرارًا فأغنى عن إعادته هنا.\n(^٣٧٤) - إسناده صحيح رجاله ثقات، ذكره السيوطى فى الدر المنثور (٢/ ٤٩١) ولم يعزه لغير ابن مردويه.\n(^٣٧٥) - رواه مسلم فى صحيحه كتاب القسامة والمحاربين، والقصاص، والديات، باب حكم المحاربين والمرتدين - الحديث (١٠/ ١٦٧١) بهذا اللفظ. والحديث رواه البخارى فى صحيحه (٢٣٣)، وانظر أطرافه هناك من حديث أنس.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في ت: \"تخرجون\".\n[¬٤]- في ز: \"فنصحوا\".","vol":"5","page":185},{"text":"لفظ مسلم، وفي لفظ لهما (^٣٧٦): من عكل أو عرينة. وفي لفظ: وألقوا في الحرة، فجعلوا [¬١] يستسقون، فلا يسقون (^٣٧٧). وفي لفظ لمسلم: ولم يحسمهم (^٣٧٨). وعند البخاري: قال أبو قلابة: فهؤلاء سرقوا، وقتلوا، وكفروا بعد إيمانهم، وحاربوا الله ورسوله (^٣٧٩). ورواه مسلم من طريق هشيم، عن عبد العزيز بن صهيب وحميد، عن أنس، فذكره [¬٢] [نحوه، وعنده: فارتدوا [¬٣] (^٣٨٠). وقد أخرجاه من رواية قتادة، عن أنس] [¬٤] بنحوه (^٣٨١). وقال سعيد، عن قتادة: من عكل وعرينة. ورواه مسلم من طريق سليمان التيمي، عن أنس، قال: إنما سمل النبى ﷺ أعين أولئك؛ لأنهم سملوا أعين الرعاء (^٣٨٢). ورواه مسلم من حديث معاوية بن قرة، عن أنس، قال: أتى رسول الله ﷺ نفر من عرينة؛ فأسلموا وبايعوه [¬٥]، وقد وقع بالمدينة المُومُ. [وهو البرسام] [¬٦] ثم ذكر نحو حديثهم وزاد: عنده شباب من الأنصار، قريب من عشرين فارسًا، فأرسلهم وبعث معهم قائفًا يقفو [¬٧] أثرهم (^٣٨٣). وهذه كلها ألفاظ مسلم، رحمه\n_________\n(^٣٧٦) - رواه البخارى كتاب الوضوء، باب أبوال الإبل والدواب والغنم ومرابضها، الحديث (٢٣٣)، ومسلم فى القسامة، باب حكم المحاربين والمرتدين الحديث (١١/ ١٦٧١)، وانظر رقم (٣٩١).\n(^٣٧٧) - رواه البخارى فى الوضوء حديث (٢٣٣)، وفى الحدود حديث (٦٨٠٥)، ومسلم حديث رقم (١١/ ١٦٧١) وفيه: \"وألقوا فى الحرة يستسقون فلا يسقون\".\n(^٣٧٨) - رواه مسلم فى القسامة حديث (١٢/ ١٦٧١).\n(^٣٧٩) - صحيح البخارى (٢٣٣).\n(^٣٨٠) - صحيح مسلم كتاب القسامة، باب: حكم المحاربين والمرتدين الحديث (٩/ ١٦٧١).\n(^٣٨١) - رواه البخارى فى الزكاة، باب استعمال إبل الصدقة وألبانها لأبناء السبيل، الحديث (١٥٠١)، وفى المغازى، باب قصة عكل وعرينة حديث (٤١٩٢)، وفى الطب، باب الدواء بأبوال الإبل الحديث (٥٦٨٦)، وباب: من خرج من أرض لا تلائمه حديث (٥٧٢٧)، ومسلم فى القسامة، باب حكم المحاربين والمرتدين، حديث (١٦٧١/ ١٣).\n(^٣٨٢) - رواه مسلم فى صحيحه حديث (١٦٧١/ ١٤)، ورواه الترمذى فى أبواب الطهارة باب ما جاء فى بول ما يؤكل لحمه الحديث (٧٣)، والنسائى تحريم الدم، باب ذكر اختلاف طلحة بن مصرف ومعاوية بن صالح (٧/ ١٠٠) من هذه الطريق أيضًا.\n(^٣٨٣) - رواه مسلم فى صحيحه حديث (١٦٧١/ ١٣).\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في ز: \"فذكر\"، وسقط من: خ.\n[¬٣]- في ز: \"وارتدوا\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٥]- في ز: \"وبايعو\".\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: ت.\n[¬٧]- في ز، خ: \"يقص\".","vol":"5","page":186},{"text":"الله.\nوقال حماد بن سلمة: حدثنا قتادة، وثابت البناني، وحميد الطويل، عن أنس بن مالك: أن ناسًا من عرينة قدموا المدينة فاجتووها، فبعثهم رسول الله ﷺ في إبل الصدقة، وأمرهم أن يشربوا من أبوالها وألبانها [¬١]، ففعلوا فصحوا، فارتدوا عن الإِسلام، وقتلوا الراعي، وساقوا الإِبل، فأرسل رسول الله ﷺ في آثارهم فجيء بهم، فقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، وسمر أعينهم، وألقاهم في الحرة. قال أنس: فلقد رأيت أحدهم يكدم الأرض بفيه عطشًا حتى ماتوا، ونزلت ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الآية (^٣٨٤).\nوقد رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن مردويه وهذا لفظه. وقال الترمذي: حسن صحيح.\nوقد رواه ابن مردويه من طرق كثيرة، عن أنس بن مالك [منها: ما رواه من طريقين، عن سلام بن أبي الصهباء، عن ثابت، عن أنس بن مالك] [¬٢] قال: ما ندمت على حديث؛ ما ندمت على حديث سألني عنه الحجاج؛ قال: أخبرني عن أشد عقوبة عاقب بها رسول الله ﷺ. قال: قلت: قدم على رسول الله ﷺ قوم من عرينة من البحرين، فشكوا إلى رسول الله ﷺ ما لقوا من بطونهم، وقد اصفرت ألوانهم، وضمرت [¬٣] بطونهم، فأمرهم رسول الله ﷺ أن يأتوا إبل الصدقة؛ فيشوبوا من أبوالها وألبانها، حتى إذا رجعت إليهم ألوانهم، وانخمصت بطونهم، عدوا [¬٤] إلى الراعي فقتلوه، واستاقوا الإِبل، فأرسل رسول الله ﷺ في آثارهم فقطع أيديهم، وأرجلهم، وسمر أعينهم، ثم ألقاهم في الرمضاء حتى ماتوا، فكان الحجاج إذا صعد المنبر يقول: إن رسول الله ﷺ قد قطع أيدي قوم وأرجلهم، ثم ألقاهم في الرمضاء، حتى\n_________\n(^٣٨٤) - رواه أبو داود فى الحدود، باب: ما جاء فى المحاربة حديث (٤٣٦٧) والترمذى فى أبواب الطهارة باب ما جاء فى بول ما يؤكل لحمه حديث (٧٢)، وفى الأطعمة، باب: ما جاء فى شرب أبوال الإبل حديث (١٨٤٥)، وفى الطب، باب ما جاء فى شرب أبوال الإبل حديث (٢٠٤٢)، والنسائى فى تحريم الديم، باب: ذكر اختلاف الناقلين لخبر حميد عن أنس بن مالك فيه. من طرق عن حماد بن سلمة عن حميد وقتادة، وثابت به، وليس فى إسناده عن النسائى ذكر (حميد).\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٣]- في ز: \"وضحمت\". خ: \"وصحمت\".\n[¬٤]- في ت: \"عمدوا\".","vol":"5","page":187},{"text":"ماتوا لحال ذود [¬١] [من الإِبل] [¬٢]، فكان [¬٣] الحجاج [¬٤]، يحتج بهذا الحديث على الناس (^٣٨٥).\nوقال ابن جرير (^٣٨٦): حدثنا على بن سهل، حدثنا الوليد - يعنى ابن مسلم - حدثني سعيد، عن قتادة، عن أنس قال: كانوا أربعة نفر من عرينة، وثلاثة نفر من عكل، فلما أتي بهم قطع أيديهم وأرجلهم، وسمل أعينهم، ولم يحسمهم وتركهم يَتَلفَّون [¬٥] الحجارة بالحرة، فأنزل الله في ذلك: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الآية.\nوقال ابن أبي حاتم (^٣٨٧): حدثنا على بن حرب الموصلي، حدثنا أبو مسعود - يعني: عبد الرحمن بن الحسن الزجاج - حدثنا أبو سعد [¬٦]- يعني: البقال - عن أنس بن مالك، قال: كان رهط من عرينة أتوا رسول الله ﷺ، وبهم جهد، مصفرة ألوانهم، عظيمة بطونهم، فأمرهم أن يلحقوا بالإِبل، فيشربوا من أبوالها وألبانها، ففعلوا فصفت ألوانهم، وخمصت بطونهم، وسمنوا، فقتَلوا الراعي، واستاقوا الإِبل، فبعث النبي ﷺ فى طلبهم، فأتي بهم، فقتل بعضهم، وسمر أعين بعضهم، وقطع أيدي بعضهم وأرجلهم، ونزلت: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ إلى آخر الآية.\nوقال أبو جعفر بن جرير (^٣٨٨): حدثنا أبو على بن سهل، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا\n_________\n(^٣٨٥) - فى إسناده سلام بن أبى الصهباء وهو ضعيف، ترجمته فى الميزان (٢/ ٣٧٠)، ولسان الميزان (٣/ ٦٧) لكن الحديث رواه البخارى فى صحيحه في الطب، باب: الدواء بألبان الإبل، حديث (٥٦٨٥) من طريق سلام بن مسكين عن ثابت عن أنس نحوه، وليس فيه قصة الحجاج إلا أن البخارى قال عقب الحديث: قال سلام: فبلغنى أن الحجاج قال لأنس حدثنى: بأشد عقوبة عاقبها النبى ﷺ، فحدثه بهذا، فبلغ الحسن فقال: وددت أنه لم يحدثه.\n(^٣٨٦) - رواه فى تفسيره (١٠/ ٢٥٠) (١١٨١٥)، وقد تقدم تخريج رواية قتادة عن أنس برقم (٣٩٧).\n(^٣٨٧) - إسناده ضعيف: أبو مسعود عبد الرحمن بن الحسن الزجاج قال ابن أبى حاتم فى الجرح والتعديل (٥/ ٢٢٧): سألت أبى عنه فقال: يكتب حديثه ولا يحتج به. وشيخه أبو سعد البقال: هو سعيد بن المرزبان قال الحافظ فى التقريب: ضعيف مدلس، وقد تقدمت ترجمته. والحديث تقدم تخريجه من طرق عن أنس.\n(^٣٨٨) - رواه فى تفسيره (١٠/ ٢٥٠) (١١٨١٦)، وفى (١٠/ ٢٦٧) (١١٨٥٤)، وإسناده ضعيف لضعف ابن لهيعة وقد تقدمت ترجمته مرارًا.\n_________\n[¬١]- في ز: \"ذوذ\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في ز: \"وكان\".\n[¬٤]- سقط من: ز.\n[¬٥]- في ز، خ: \"يتلقمون\".\n[¬٦]- في خ: \"سعيد\".","vol":"5","page":188},{"text":"ابن [¬١] لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب أن عبد الملك بن مروان كتب إلى أنس يسأله عن هذه الآية، فكتب إليه أنس يخبره أن هذه الآية نزلت في أولئك النفر العرنيين، وهم من بجيلة. قال أنس: فارتدوا عن الإِسلام، وقتلوا الراعي، واستاقوا الإِبل، وأخافوا السبيل، وأصابوا الفرج الحرام.\nوقال (^٣٨٩): حدثنى يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، عن سعيد بن أبى هلال، عن أبي الزناد، عن عبد الله بن عبيد الله، [عن عبد الله] [¬٢] [] [¬٣] بن عمر - أو عمرو شك يونس - عن رسول الله ﷺ بذلك - يعني: بقصة العرنيين - ونزلت فيهم آية المحاربة، ورواه أبو داود والنسائي من طريق أبي الزناد، وفيه: عن ابن عمر من غير شك.\nوقال ابن جرير (^٣٩٠): حدّثنا محمد بن خلف، حدثنا الحسن بن حماد، عن عمرو بن هاشم، عن موسى بن عبيدة، عن محمد بن إبراهيم، عن جرير قال: قدم على رسول الله ﷺ قوم من عرينة، حفاة مضرورين، فأمر بهم رسول الله ﵌، فلما صحوا واشتدوا، قتلوا رعاء اللقاح [ثم خرجوا باللقاح] [¬٤] عامدين بها إلى\n_________\n(^٣٨٩) - رواه فى تفسيره (١٠/ ٢٤٩) (١١٨١٣)، ورواه أبو داود فى سننه (٤/ ١٣١) كتاب الحدود، باب: ما جاء فى المحاربة، حديث (٤٣٦٩) قال: حدثنا أحمد بن صالح حدثنا عبد الله بن وهب … فذكره مطولًا، ورواه النسائى (٧/ ١٠٠) فى تحريم الدم، باب ذكر اختلاف طلحة بن مصرف، ومعاوية ابن صالح على يحيى .. قال: أخبرنا عمرو بن السرح قال: أخبرنا ابن وهب … فذكره مثل رواية ابن جرير الطبرى، وليس عند أبى داود ولا النسائى الشك المذكور عند ابن جرير. وإسناده صحيح رجاله ثقات. وسعيد بن أبى هلال الليثى وإن قال فيه الحافظ: صدوق - فقد روى له الشيخان فى صحيحيهما، ووثقه ابن سعد والعجلى، وابن خزيمة، والدارقطني وغيرهم وقال الألبانى فى صحيح أبى داود (٣٦٧٤)، وصحيح النسائى (٣٧٧٢): حسن صحيح وقد رواه أبو داود رقم (٤٣٧٠)، والنسائى (٧/ ١٠٠) عن أحمد بن عمرو بن السرح، أخبرنا ابن وهب أخبرنى الليث بن سعد عن محمد بن عجلان عن أبى الزناد أن رسول الله ﷺ لما قطع الذين سرقوا لقاحه وسمل أعينهم بالنار عاتبه الله فى ذلك فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الآية كلها.\nوهذا مع إرساله فإن محمد بن عجلان قال فيه الحافظ فى \"التقريب\": صدوق إلا أنه اختلطت عليه أحاديث أبى هريرة.\n(^٣٩٠) - رواه فى تفسيره (١٠/ ٢٤٧) (١١٨١١). وإسناده ضعيف، عمرو بن هشام أبو مالك الجنبى روى عبد الله بن أحمد عن أبيه قال: صدوق لم يكن صاحب حديث، وقال البخارى: فيه نظر، وقال أبو حاتم: لين الحديث يكتب حديثه، وقال النسائى: ليس بالقوى. وقال ابن حبان فى المجروحين=\n_________\n[¬١]- في ت: \"يزيد بن\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في ز: \"بن عبيد الله\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"5","page":189},{"text":"أرض قومهم. قال جرير: فبعثني رسول الله ﷺ في نفر من المسلمين، حتى أدركناهم بعد ما أشرفوا على بلاد قومهم، فقدمنا بهم على رسول الله صلى الله عليه ليسلم، فقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، وسمل أعينهم، فجعلوا يقولون: الماء، ورسول الله ﷺ يقول: \"النار\"! حتى هلكوا. قال: وكره الله ﷿ سَمْل الأعين، فأنزل هذه الآية: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ إلى آخر الآية.\nهذا حديث غريب، وفي إسناده الربذي؛ وهو ضعيف، [وفي إسناده] [¬١] فائدة: وهو ذكر أمير هذه السرية، وهو جرير بن عبد الله البجلي، وقد [¬٢] تقدم في صحيح مسلم (^٣٩١): أن هذه [¬٣] السرية كانوا عشرين فارسًا من الأنصار. وأما قوله: فكره الله سمل الأعين، فأنزل هذه الآية. فإنه منكر. وقد تقدّم في صحيح مسلم (^٣٩٢): أنهم سملوا أعين الرعاء، فكان ما فعل بهم قصاصًا، والله أعلم.\nوقال عبد الرزاق (^٣٩٣): عن إبراهيم بن محمد الأسلمي، عن صالح مولى التوأمة، عن أبي هريرة، قال: قدم على رسول الله ﷺ رجال من بني فَزَارة، قد ماتوا هزلًا، فأمرهم النبي ﷺ إلى لقاحه، فشربرا منها حتى صحوا، ثم عمدوا إلى لقاحه فسرقوها، فطلبوا، فأتي بهم النبي ﷺ، فقطع أيديهم وأرجلهم، وسمر اْعينهم. قال أبو هريرة ففيهم نزلت هذه الآية: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ فترك النبي ﷺ سمر الأعين بعد.\n_________\n= (٢/ ٧٧): كان ممن يقلب الأسانيد، ويروى عن الثقات ما لا يشبه حديث الأثبات، لا يجوز الاحتجاج بخبره. وقال الحافظ فى \"التقريب\": لين الحديث، أفرط فيه ابن حبان. وشيخه موسى بن عبيدة الربذى ضعيف أيضًا؛ قال الأستاذ محمود شاكر فى تعليقه على تفسير ابن جرير: وهذا الخبر ضعيف جدًّا، وهو أيضًا لا يصح؛ لأن جرير بن عبد الله البجلى صاحب رسول الله ﷺ وفد على النبى ﷺ فى العام الذى توفى فيه، وخبر العرنيين كان فى شوال سنة ست، فى رواية الواقدى (ابن سعد ٢/ ١/ ٦٧) وكان أمير السرية كرز بن جابر الفهرى وذلك قبل وفاة رسول الله ﷺ فى شهر ربيع الأول سنة ١١ من الهجرة، بأعوام.\n(^٣٩١) - تقدم رقم (٣٩٤).\n(^٣٩٢) - انظر رقم (٣٩٣) وما بعده.\n(^٣٩٣) - في إسناده إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى الأسلمي وثقه الشافعي وابن الأصبهاني، وضعفه أحمد ومالك، وقال البخاري: جهمي تركه ابن المبارك والناس، كان يرى القدر. وقال النسائى: متروك. وقال في موضع آخر: ليس بثقة، ولا يكتب حديثه. =\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ز: \"فيه\".\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- سقط من: ز.","vol":"5","page":190},{"text":"وروي من وجه آخر عن أبي هريرة.\nوقال أبو بكر بن مردويه (^٣٩٤): حدثنا أحمد بن إسحاق، حدثنا الحسين بن إسحاق التستري [¬١]، حدثنا أبو القاسم محمد بن الوليد، عن عمرو بن محمد المديني، حدثنا محمد بن طلحة، عن موسى بن محمد بن إبراهيم التيمي، عن أبيه، عن أبى سلمة بن عبد الرحمن، عن سلمة بن الأكوع قال: كان للنبي ﷺ غلام يقال له: يسار، فنظر إليه يحسن الصلاة فأعتقه، وبعثه في لقاح له بالحرة، فكان بها. قال: فأظهر قوم الإسلام من عرينة، وجاءوا وهم مرضى موعوكون، قد عظمت بطونهم، قال: فبعث بهم [¬٢] النبي ﷺ إلى يسار، فكانوا يشربون من ألبان الإبل، حتى انطوت بطونهم، ثم عدوا على يسار فذبحوه، وجعلوا الشوك فى عينيه، ثم أطردوا الإبل، فبعث النبي ﷺ فى آثارهم خيلًا من المسلمين أميرهم كُرْز بن جابرَ الفِهْري، فلحقهم فجاء بهم إليه، فقطع أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم.\n_________\n= وروى ابن عدى في الكامل (١/ ٢٢٢). ترجمة إبراهيم. عن ابن عقدة أحمد بن محمد بن سعيد، قلت له: تعلم أحدًا أحسن القول في إبراهيم بن أبى يحيى غير الشافعي؟ فقال: نعم، حدثنا أحمد بن يحيى الأودي، قال: سمعت حمدان بن الأصبهاني - يعني محمد بن سعيد - قلت: أتدين بحديث إبراهيم ابن أبي يحيى؟ فقال: نعم. ثم قال لي أحمد بن محمد بن سعيد: نظرت في حديث إبراهيم ابن أبى يحيى كثيرًا وليس بمنكر الحديث.\nثم قال ابن عدي: وهذا الذي قاله كما قال، وقد نظرت أنا أيضًا في حديثه الكثير فلم أجد فيه منكرًا إلا عن شيوخ يحتملون، وقد حدث عنه ابن جريج والثوري وعباد بن منصور ومندل وأبو أيوب ويحيى بن أيوب المصري وغيرهم من الكبار.\nوشيخه هو صالح بن نبهان مولى التوءمة صدوق لكنه اختلط.\nوالحديث ذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" (٢/ ٤٩٢) ولم يعزه لغير عبد الرزاق.\nوقد رواه الواقدي في \"المغازي\" كما فى \"نصب الراية\" (٣/ ٣٨٦) قال: حدثني إسحاق عن صالح مولى التوءمة به، والواقدي متروك عند علماء الحديث.\n(^٣٩٤) - رواه الطبراني في الكبير (٧/ ٧) (٦٢٢٣) من طريقين عن محمد بن طلحة به، وفي إسناده موسى ابن محمد بن إبراهيم التيمي، قال الحافظ في \"التقريب\": منكر الحديث. وبه أعل الحديث الهيثمي فى مجمع الزوائد (٤/ ٢٤٥)، (٦/ ٢٩٧) فقال: فيه موسى بن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، وهو ضعيف.\nوالحديث ذكره الحافظ في الإصابة (١٠/ ٣٦٨ - ٣٦٩) فى ترجمة يسار، ساكتًا عليه.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"القشيري\".\n[¬٢]- سقط من: ز.","vol":"5","page":191},{"text":"غريب جدًّا. وقد روى قصة العرنيين من حديث جماعة من الصحابة، منهم: جابر، وعائشة، وغير واحد، وقد [¬١] اعتنى الحافظ الجليل أبو بكر بن مردويه بطرق هذا الحديث من وجوه كثيرة جدًّا، فرحمه الله وأثابه.\nوقال ابن جرير (^٣٩٥): حدثنا محمد بن علي بن الحسن بن شقيق، سمعت أبي يقول: سمعت أبا حمزة، عن [¬٢] عبد الكريم، وسئل عن أبوال الإبل، فقال: حدثني سعيد بن جبير عن المحاربين، فقال: كان أناس [¬٣] أتوا رسول الله ﷺ، فقالوا: نبايعك على الإسلام. فبايعوه وهم كذبة وليس الإسلامَ يريدون. ثم قالوا: إنا نجتوي المدينة، فقال النبي ﷺ: \"هذه اللقاح تغدوا عليكم وتروح فاشربوا من أبوالها وألبانها\". قال: فبينا هم كذلك إذ جاءهم الصريخ [] [¬٤]، فصرخ إلى رسول الله ﷺ، فقال: قتلوا الراعي، واستاقوا النعم. فأمر النبي ﷺ فنودي في الناس: \"أن يا خيل الله اركبي\". قال: فركبوا، لا ينتظر فارس فارسًا. قال: وركب رسول الله ﷺ على إثرهم، فلم يزالوا يطلبونهم حتى أدخلوهم مأمنهم، فرجع صحابة رسول الله ﷺ وقد أسروا منهم، فأتوا بهم النبي ﷺ فأنزل الله: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الآية. قال: فكان نفيهم أن نفوهم حتى أدخلوهم مأمنهم وأرضهم، ونفوهم من أرض المسلمين، وقتل نبى الله ﷺ منهم، وصلب وقطع، وسمر الأعين. قال: فما مثَّل رسول الله ﷺ قبل ولا بعد. قال: ونهى عن المثلة، قال: \"ولا تمثلوا بشيء\". قال: وكان أنس يقول ذلك غير أنه قال: أحرقهم بالنار بعد ما قتلهم.\nقال: وبعضهم يقول: هم ناس من بني سليم، ومنهم من عرينة ناس من بجيلة.\nوقد اختلف الأئمة في حكم هؤلاء العرنين، هل [هو منسوخ] [¬٥] [أو محكم] [¬٦]؛\n_________\n(^٣٩٥) - رواه في تفسيره (٢٤٥/ ١٠، ٢٤٦) (١١٨١٠) مرسل صحيح الإسناد رجاله ثقات؛ أبو حمزة هو محمد بن ميمون السكري وشيخه هو عبد الكريم الجزري.\nوقد ذكره السيوطي في الدر المنثور (٢/ ٤٩٢) وزاد نسبته لعبد الرزاق.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في ز: \"بن\".\n[¬٣]- في ز: \"ناس\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين في ت: \"المستغيث\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين في ز: \"بهذه الآية\". وسقط من: خ.","vol":"5","page":192},{"text":"فقال [¬١] بعضهم [¬٢]: [هو منسوخ بهذه الآية] [¬٣]، وزعموا أن فيها عتابًا للنبي ﷺ كما في قوله: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾. ومنهم من قال: هو منسوخ بنهي النبي ﷺ عن المثلة. وهذا القول فيه نظر، ثم قائله [¬٤] مطالب ببيان تأخر الناسخ الذي ادعاه عن المنسوخ. وقال بعضهم: كان هذا قبل أن تنزل الحدود، قاله محمد بن سيرين، [وفي هذا] [¬٥] نظر؛ فإن قصتهم متأخرة. وفي رواية جرير بن عبد الله (^٣٩٦) لقصتهم ما يدل على تأخرها، فإنه أسلم بعد نزول المائدة. ومنهم من قال: لم يسمل النبي ﷺ أعينهم، وإنما عزم على ذلك، حتى نزل القرآن فبين حكم المحاربين، وهذا القول [¬٦] أيضًا فيه نظر، فإنه قد تقدم في الحديث المتفق عليه أنه سمل، وفي رواية: سمر أعينهم (^٣٩٧).\nوقال ابن جرير (^٣٩٨): حدثنا على بن سهل، حدثنا الوليد بن مسلم قال: ذاكرت الليث بن سعد ما كان من سمل النبي صلى الله عليه وسليم أعينهم، وتركه حسمهم حتى ماتوا، فقال [¬٧]: سمعت محمد بن عجلان يقول: أنزلت هذه الآية على رسول الله ﷺ معاتبة في ذلك، وعلّمه عقوبة مثلهم من القتل والقطع والنفي، ولم يسمل بعدهم غيرهم. قال: وكان هذا القول ذكر لأبي عمرو - يعني الأوزاعي - فأنكر أن يكون نزلت معاتبة، وقال: بل كانت عقوبة أولئك النفر بأعيانهم، ثم نزلت هذه الآية في عقوبة غيرهم ممن حارب بعدهم، ورفع عنهم السمل.\nثم قد احتج بعموم هذه الآية جمهور العلماء، في ذهابهم إلى أن المحاربة في الأمصار وفي السبلان على السواء، لقوله: ﴿وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾ وهذا مذهب مالك، والأوزاعي، والليث بن سعد، والشافعي، وأحمد بن حنبل، حتى قال مالك في الذي يغتال الرجل، فيخدعه حتى يدخله بيتًا، فيقتله ويأخذ ما معه: إن هذه [¬٨] محاربة، ودمه إلى السلطان، لا إلى ولي المقتول، ولا اعتبار بعفوه عنه في إنفاذ القتل.\n_________\n(^٣٩٦) - تقدم تخريجه برقم (٤٠١).\n(^٣٩٧) - يريد المصنف ﵀ حديث أنس بن مالك المتقدم برقم (٣٩١) وما بعده.\n(^٣٩٨) - رواه في تفسيره (١٠/ ٢٥٣) (١١٨١٨)\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٤]- في ز، خ: \"صاحبه\".\n[¬٥]- في ت: \"وفيه\".\n[¬٦]- في خ: \"القرآن\".\n[¬٧]- في ز: \"قال\".\n[¬٨]- سقط من: ز.","vol":"5","page":193},{"text":"وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا تكون المحاربة إلا في الطرقات، فأما في الأمصار فلا؛ لأنه يلحقه الغوث إذا استغاث، بخلاف الطريق؛ لبعده ممن يغيثه ويعينه.\nوأما قوله: ﴿أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ الآية، قال [ابن أبي طلحة، عن ابن عباس في الآية] [¬١]: من شهر السلاح في قبة الإسلام، وأخاف السبيل، ثم ظفر به وقدر عليه، فإمام المسلمين فيه بالخيار؛ إن شاء قتله، وإن شاء صلبه، وإن شاء قطع يده ورجله (^٣٩٩).\nوكذا قال سعيد بن المسيب، ومجاهد، وعطاء، والحسن البصري، وإبراهيم النخعي، والضحاك، وروى ذلك كله أبو جعفر ابن جرير (^٤٠٠)، وحُكي مثله عن [مالك بن] [¬٢] أنس ﵀ ومستند هذا القول: أن [¬٣] ظاهر \"أو\" للتخيير، كما في نظائر ذلك من القرآن؛ كقوله في جزاء الصيد: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾، وكقوله في كفارة الترفه [¬٤]: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾، وكقوله في كفارة اليمين: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ هذه كلها على التخيير، فكذلك فلتكن هذه الآية. وقال الجمهور: هذه الآية منزلة على أحوال، كما قال أبو عبد الله الشافعي (^٤٠١): أنبأنا إبراهيم هو ابن أبى يحيى، عن صالح مولى التوأمة، عن ابن عباس في قطاع الطريق: إذا قتلوا وأخذوا المال: قتلوا وصلبوا، وإذا قتلوا ولم يأخذوا المال: قتلوا ولم يصلبوا، وإذا أخذوا المال ولم يقتلوا: قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف، وإذا أخافوا السبيل ولم يأخذوا المال: نفوا من الأرض.\nوقد رواه ابن أبي شيبة: عن عبد الرحيم بن سليمان، عن حجاج، عن عطية، عن ابن\n_________\n(^٣٩٩) - رواه ابن جرير في تفسيره (١٠/ ٢٦٣) (١١٨٥٠)، وأبو جعفر النحاس في ناسخه (ص ٣٩٢)، وذكره السيوطي في الدر المنثور (٢/ ٤٩٣) وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم.\n(^٤٠٠) - انظر تفسير الطبري (١٠/ ٢٦٢، ٢٦٣).\n(^٤٠١) - رواه الشافعي في مسنده (٢/ ١٧٣) (٢٨٢ - شفاء العي) ومن طريقه البيهقي (٨/ ٢٨٣) وفي إسناده إبراهيم بن أبي يحيى وهو متروك، ورواه ابن جرير في تفسيره (١٠/ ٢٥٧) (١١٨٢٩) والبيهقي من طريق العوفي عن ابن عباس، وإسناده ضعيف أيضًا.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- في ز: \"الرفة\".","vol":"5","page":194},{"text":"عباس بنحوه. وعن أبي مجلز، وسعيد بن جبير، وإبراهيم النخعي، والحسن، وقتادة، والسدي، وعطاء الخراساني: نحو ذلك. وهكذا قال غير واحد من السلف والأئمة.\nواختلفوا: هل يصلب حيًّا، ويترك حتى يموت بمنعه من الطعام والشراب؟ أو بقتله برمح أو نحوه، أو يقتل أولا ثم يصلب، تنكيلًا وتشديدًا [¬١] لغيره من المفسدين؟ وهل يصلب ثلاثة أيام ثم ينزل، أو يترك حتى يسيل صديده؟ في ذلك كله خلاف محرر في موضعه، وبالله الثقة، وعليه التكلان.\nويشهد لهذا التفصيل الحديث الذي رواه ابن جرير في تفسيره إن صح سنده، فقال (^٤٠٢):\nحدثنا على بن سهل، حدثنا الوليد بن مسلم، [عن ابن لهيع] [¬٢]، عن يزيد بن أبي حبيب: أن عبد الملك بن مروان كتب إلى أنس [بن مالك] [¬٣] يسأله عن هذه الآية، فكتب إليه يخبره: أنها نزلت في أولئك النفر العرنيين، وهم من بجيلة. قال أنس: فارتدوا عن الإِسلام، وقتلوا الراعي، واستاقوا الإِبل، وأخافوا السبيل، وأصابوا الفرج الحرام، قال أنس: فسأل رسول الله ﷺ جبريل ﵇ عن القضاء فيمن حارب، فقال: من سرق وأخاف السبيل: [فاقطع يده بسرقته، ورجله بإخافته، ومن قتل فاقتله، ومن قتل وأخاف السبيل] [¬٤] واستحل الفرج الحرام فاصلبه.\nوأما قوله تعالى: ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ قال بعضهم: هو أن يطلب حتى يقدر عليه، فيقام عليه الحد، أو يهرب من دار الإِسلام.\n_________\n= ورواه ابن أبي شيبة (٦/ ٥٨٩) في الحدود من طريق حجاج عن عطية عن ابن عباس، وإسناده ضعيف أيضًا لضعف حجاج وعطية.\nورواه الدارقطني (٣/ ١٣٨) ومن طريقه البيهقي عن عبد الرزاق عن إبراهيم عن داود عن عكرمة عن ابن عباس به.\nوإسناده حسن، إبراهيم هو ابن طهمان ثقة تكلموا فيه للإرجاء، وشيخه داود بن أبي هند ثقة، قال الحافظ في التقريب: كان يهم بأخرة.\n(^٤٠٢) - تقدم برقم (٣٩٩).\n_________\n[¬١]- في ز: \"تشريدا\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"5","page":195},{"text":"رواه ابن جرير (^٤٠٣): عن ابن عباس، وأنس بن مالك، وسعيد بن جبير، والضحاك، و[¬١] الرييع بن أنس، والزهري، والليث بن سعد، ومالك بن أنس.\nوقال آخرون: هو أن ينفى من بلده [¬٢] إلى بلد آخر، أو يخرجه السلطان، أو نائبه من معاملته بالكلية. [وقال الشعبي: ينفيه - كما قال] [¬٣] ابن هبيرة - من عمله كله. وقال عطاء الخراسانى: ينفى من جندٍ إلى جند سنين، ولا يخرج من أرض الإِسلام.\n[وكذا قال سعيد بن جبير، وأبو الشعثاء، والحسن، والزهري، والضحاك، ومقاتل بن حبان: إنه ينفى ولا يخرج من أرض الإِسلام] [¬٤].\nوقال آخرون: المراد بالنفي هاهنا السجن، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه. واختار ابن جرير: أن المراد بالنفي هاهنا: أن يخرج من بلده إلى بلد آخر فيسجن فيه (^٤٠٤).\nوقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ أي: هذا الذي ذكرته من قتلهم، ومن صلبهم، وقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، ونفيهم - خزي لهم بين [¬٥] الناس في هذه الحياة الدنيا، مع ما ادخر الله لهم من العذاب العظيم يوم القيامة، وهذا قد يتأيد به من ذهب إلى أن هذه الآية نزلت في المشركين، فأما أهل الإِسلام: فقد ثبت في صحيح مسلم عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: أخذ علينا رسول الله ﷺ كما أخذ على النساء: ألا نشرك بالله شيئًا، ولا نسرق، ولا نزني، ولا نقتل أولادنا، ولا يَعْضَه بعضنا بعضًا، \"فمن وفى منكم فأجره على الله تعالى، ومن أصاب من ذلك شيئًا فعوقب فهو كفارة له [¬٦]، ومن ستره الله فأمره إلى الله؛ إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له (^٤٠٥).\n_________\n(^٤٠٣) - تفسير ابن جرير (١٠/ ٢٦٨ - ٢٧٠)، وانظر الدر المنثور (٢/ ٤٩٤).\n(^٤٠٤) - تفسير ابن جرير (١٠/ ٢٧٤).\n(^٤٠٥) - رواه مسلم فى صحيحه كتاب الحدود، باب الحدود كفارات لأهلها، الحديث (٤٣/ ١٧٠٩) من طريق هشيم قال: أخبرنا خالد عن أبي قلابة عن أبي الأشعث الصنعانى عن عبادة بن الصامت به، ورواه أحمد (٥/ ٣١٣، ٣٢٠) وابن ماجه فى الحدود، باب الحد كفارة، الحديث (٢٦٠٣) من طرق عن خالد به، ولفظ ابن ماجه مختصر، وقد تقدم حديث عبادة بلفظ آخر فى سورة النساء الآية/ ٩٥.\n_________\n[¬١]- في ز: \"عن\".\n[¬٢]- في ز: \"بلد\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"وكان الشعبى ينفيه\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- في ز: \"من\".\n[¬٦]- سقط من: ز.","vol":"5","page":196},{"text":"وفي على قال: قال رسول الله ﷺ: \"من أذنب ذنبًا في الدنيا [فعوقب به، فالله أعدل من أن يثني عقوبته على عبده، ومن أذنب ذنبًا في الدنيا] [¬١]، فستره الله عليه وعفا عنه، فالله أكرم من أن يعود في شيء قد عفا عنه\" (^٤٠٦).\nرواه الإِمام أحمد، والترمذي، وابن ماجه، وقال الترمذي: حسن غريب. وقد سئل الحافظ الدارقطني عن هذا الحديث، فقال: روي مرفوعًا وموقوفًا، قال: ورفعه صحيح.\nوقال ابن جرير في قوله: ﴿ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا﴾ يعني: [شر وعار] [¬٢]، ونكال [¬٣] وذلة، وعقوبة في عاجل الدنيا قبل الآخرة. ﴿وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ أي: إذا لم يتوبوا من فعلهم ذلك حتى هلكوا ﴿فِي الْآخِرَةِ﴾ مع الجزاء الذي جازيتهم به في الدنيا، والعقوبة التي عاقبتهم [¬٤] بها في الدنيا فيها [¬٥] ﴿عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ يعني: عذاب جهنم.\nوقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أما على قول من قال: إنها [¬٦] في أهل الشرك فظاهر، وأما المحاربون المسلمون فإذا تابوا قبل القدرة\n_________\n(^٤٠٦) - رواه الترمذى فى الإيمان، باب ما جاء لا يزنى الزانى وهو مؤمن، الحديث (٢٦٢٦)، وابن ماجه فى الحدود، باب: الحد كفارة، الحديث (٢٦٠٤)، وأحمد (١/ ٩٩، ١٥٩)، والدارقطني (٣/ ٢١٥)، والحاكم (٢/ ٤٤٥)، والبيهقى (٨/ ٣٢٨) من طريق حجاج لن محمد عن يونس بن أبي إسحاق عن أبي إسحاق عن أبى جحيفة عن علي به. وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وإنما أخرجه إسحاق بن إبراهيم عند قوله ﷿: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ ووافقه الذهبى، قلت: يونس بن أبي إسحاق لم يخرج له البخارى فى صحيحه، إنما روى له فى جزء \"القراءة خلف الإمام\" وهو صدوق روى له مسلم وأصحاب السنن، وأبو إسحاق السبيعى مدلس لكنه صرح بالتحديث فى رواية الحاكم. وقد سئل الحافظ أبو الحسن الدارقطني عن هذا الحديث؟ فقال (العلل ٣/ ١٢٨ - ١٢٩): \"يرويه أبو إسحاق السبيعى واختلف عنه؛ فرواه يونس بن أبى إسحاق والخليل بن مرة، والحكم بن عبد الله النصرى، وحفص بن سليمان، وأبو حمزة الثمالى ثابت بن أبى صفية عن أبى إسحاق عن أبى جحيفة عن علي، واختلف عن حفص بن سليمان وأبي حمزة فقيل: عن حفص، عن أبى إسحاق، عن عون بن أبى جحيفة عن أبيه عن علي. وهذا القول وهم من قائله، والصحيح: عن أبى إسحاق، عن أبي جحيفة. وقال: عبد الملك بن أبي سليمان عن أبى حمزة الثمالى عن أبى إسحاق عن أبي جحيفة موقوفًا. ورفعه صحيح. اهـ.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز: \"شروعا\".\n[¬٣]- في ز: \"وفكاكا\".\n[¬٤]- في ز: \"عاقبهم\".\n[¬٥]- سقط من: ت.\n[¬٦]- في خ: \"هى\".","vol":"5","page":197},{"text":"عليهم، فإنه يسقط عنهم انحتام [¬١] القتل والصلب وقطع الرجل. وهل يسقط قطع اليد أم لا؟ فيه قولان للعلماء، وظاهر الآية يقتضي سقوط الجميع، وعليه عمل الصحابة، كما قال ابن أبي حاتم (^٤٠٧):\nحدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو أسامة، عن مجالد [¬٢]، عن الشعبي، قال: كان حارثة [¬٣] بن بدر التميمى من أهل البصرة، وكان قد أفسد في الأرض وحارب، فكلم رجالا من قريش، منهم: الحسن بن علي، وابن عباس، وعبد الله بن جعفر، فكلموا عليًّا فيه [¬٤] فلم يؤمنه، فأتى سعيد بن قيس الهمداني، فخلفه في داره، ثم أتى عليًّا، فقال: يا أمير المؤمنين، أرأيت من حارب الله ورسوله، وسعى فى الأرض فسادًا، فقرأ حتى بلغ: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ قال: فكتب له أمانًا. قال سعيد بن قيس: فإنه حارثة [¬٥] بن بدر.\nوكذا رواه ابن جرير من غير وجه عن مجالد، عن الشعبي به، وزاد: فقال حارثة [¬٦] بن بدر:\nألا أبلغن هَمْدان إمَّا لقيتها … على النأي لا يسلم عدو يعيبها\nلعمر أبيها إن همدان تتقي الـ … إله ويقضي بالكتاب خطيبها\nوروى ابن جرير (^٤٠٨): من طريق سفيان الثوري، عن السدي. ومن طريق أشعث، كلاهما عن عامر الشعبي، قال: جاء رجل من مراد إلى أبي موسى وهو على الكوفة في إمارة [¬٧] عثمان\n_________\n(^٤٠٧) - رواه ابن جرير فى تفسيره (١٠/ ٢٧٩ - ٢٨٠) (١١٨٧٩) (١١٨٨٠)، (١١٨٨١) من طرق عن مجالد عن الشعبى به، وذكره السيوطى فى الدر المنثور (٢/ ٤٩٤) وزاد نسبته إلى ابن أبى شيبة، وعبد بن حميد، وابن أبى الدنيا فى كتاب الأشراف. ومجالد هو ابن سعيد ضعيف تقدمت ترجمته.\n(^٤٠٨) - رواه ابن جرير فى تفسيره (١٠/ ٢٨٢) (١١٨٨٤) من طريق أشعث عن الشعبى، وفى (١٠/ ٢٨٣) (١١٨٨٥) من طريق الثورى عن السدى عن الشعبى به، وذكره السيوطى فى الدر المنثور (٢/ ٤٩٥ - ٤٩٤) وعزاه إلى ابن أبى شيبة، وعبد بن حميد عن الأشعث عن رجل قال: صلى رجل مع أبى موسى الأشعرى … فذكر نحو رواية الشعبى.\n_________\n[¬١]- في ز: \"انحسام\".\n[¬٢]- في ت: \"مجاهد\".\n[¬٣]- في ز: \"جارية\".\n[¬٤]- سقط من: ز.\n[¬٥]- في ز: \"جارية\".\n[¬٦]- في ز: \"جارية\".\n[¬٧]- في ز: \"إمرة\".","vol":"5","page":198},{"text":"﵁ بعدما صلى المكتوبة، فقال: يا أبا موسى، هذا مقام العائذ بك، أنا فلان بن فلان المرادي، وإني كنت حاربت الله ورسوله، وسعيت في الأرض فسادًا، وإني تبت من قبل أن تقدروا [¬١] على. فقام أبو موسى، فقال: إن هذا فلان ابن فلان، وإنه كان حارب الله ورسوله، وسعى في الأرض فسادًا، وإنه تاب من [¬٢] قبل أن نقدر [¬٣] عليه، فمن لقيه فلا يعرض له إلا بخير، فإن يك صادقًا فسبيل من صدق، وإن يك كاذبًا تدركه ذنوبه. فأقام الرجل ما شاء الله، ثم إنه خرج فأدركه الله تعالى بذنوبه فقتله.\nثم قال ابن جرير (^٤٠٩): حدثني على، حدثنا الوليد بن مسلم، قال: قال الليث: وكذلك حدثني موسى بن إسحاق المدني، وهو الأمير [¬٤] عندنا: أن عليًّا الأسدي حارب، وأخاف [¬٥] السبيل، وأصاب الدم والمال، فطلبه الأئمة والعامة فامتنع، ولم يقدروا [¬٦] عليه حتى جاء تائبًا، وذلك أنه سمع رجلا يقرأ هذه الآية: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ فوقف عليه، فقال: يا عبد الله، أعد قراءتها. فأعادها عليه، فغمد سيفه، ثم جاء تائبًا حتى قدم المدينة من السحر، فاغتسل، ثم أتى مسجد رسول الله صلى الله عليه وصلم، فصلى الصبح، ثم قعد إلى أبي هريرة في أغمار [¬٧] أصحابه، فلما أسفروا عرفه الناس، فقاموا إليه، فقال: لا سبيل لكم على، جئت تائبًا من قبل أن تقدروا على. فقال أبو هريرة: صدق. وأخذ بيده [] [¬٨] حتى أتى مروان بن الحكم، [وهو أمير] [¬٩] على المدينة في زمن معاوية، فقال: هذا على [¬١٠] جاء تائبًا ولا سبيل لكم عليه ولا قتل. قال: فترك من [ذلك كله] [¬١١]. قال: وخرج على تائبًا مجاهدًا في سبيل الله في البحر فلقوا الروم، فقربوا [سفينته إلى] [¬١٢] سفينة من سفنهم فاقتحم على الروم في سفينتهم، فهربوا منه إلى شقها الآخر، فمالت [به\n_________\n(^٤٠٩) - رواه فى تفسيره (١٠/ ٢٨٤) (١١٨٨٩). فى إسناده الوليد بن مسلم وهو ثقة لكنه كثير التدليس والتسوية ولم يصرح هنا بالسماع. ومرسى بن إسحاق المدنى لم أقف له على ترجمة، وقال محمود شاكر فى تعليقه على تفسير الطبرى: لم أعرف من يكون.\n_________\n[¬١]- في ز: \"يقدر\".\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- في ز: \"يقدر\".\n[¬٤]- في ز: \"الأمر\".\n[¬٥]- في ز: \"وخاف\".\n[¬٦]- في ز: \"يقدر\".\n[¬٧]- في ز، خ: \"عمار\".\n[¬٨]- ما يبن المعكوفتين في ز: \"أبو هريرة\".\n[¬٩]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"في إمرته\".\n[¬١٠]- في ز: \"عليًّا\".\n[¬١١]- ما بين المعكوفتين فى ز: \"كلمته\".\n[¬١٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.","vol":"5","page":199},{"text":"وبهم] [¬١] فغرقوا جميعًا.\n﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣٥) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٣٦) يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (٣٧)﴾\nيقول تعالى آمرًا عباده المؤمنين بتقواه، وهي إذا قرنت بطاعته [¬٢] كان المراد بها الانكفاف عن المحارم، وترك المنهيات، وقد قال بعدها: ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ قال سفيان الثوري، عن طلحة، عن عطاء، عن ابن عباس: أي القربة. وكذا قال مجاهد، وعطاء [¬٣]، وأبو وائل، والحسن، وقتادة، وعبد الله بن كثير، والسدي، وابن زيد، [وغير واحد] [¬٤].\nو[¬٥] قال قتادة: أي تقربوا إليه بطاعته، والعمل بما يرضيه، وقرأ ابن زيد: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ وهذا الذي قاله هؤلاء الأئمة لا خلاف بين المفسرين فيه.\nوأنشد [عليه ابن جرير] [¬٦] قول الشاعر:\nإذا غفل الواشون عدنا لوصلنا … وعاد التصافي بيننا والوسائل\nوالوسيلة: هي التي يتوصل بها إلى تحصيل المقصود، والوسيلة أيضًا: عَلَمٌ على أعلى منزلة في الجنة، وهي منزلة رسول الله ﷺ وداره في الجنة، وهي أقرب أمكنة [¬٧] الجنة إلى العرش، وقد ثبت في صحيح البخاري (^٤١٠): من طريق محمد بن المنكدر، عن جابر بن\n_________\n(^٤١٠) - رواه البخارى فى صحيحه كتاب الأذان، باب: الدعاء عند النداء، حديث ٦١٤١)، وفى التفسير، باب قوله: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ حديث (٤٧١٩) ورواه أيضًا أصحاب السنن وابن خزيمة فى صحيحه من طريق ابن المنكدر عن جابر أيضًا.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ز: \"بهم وبه\".\n[¬٢]- في ز: \"بالطاعة\".\n[¬٣]- سقط من: ت.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٥]- سقط من. ز.\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين في ز: \"ابن جرير عليه\".\n[¬٧]- في ز: \"الأمكنة\".","vol":"5","page":200},{"text":"عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ: \"من قال حين يسمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة، آت محمدًا الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته، إلا حلت له الشفاعة يوم القيامة\".\n(حديث آخر): في صحيح مسلم (^٤١١): من حديث كعب بن علقمة، عن عبد الرحمن ابن جبير، عن عبد الله بن عمرو بن العاص: أنه سمع النبي ﷺ يقول: \"إذا سمعتم المؤذن، فقولوا مثلما يقول، ثم صلوا عليّ فإنه من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها [¬١] عشرا، ثم سلوا الله [¬٢] لي الوسيلة، فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل لي الوسيلة، حلت عليه الشفاعة\".\n(حديث آخر): قال الإِمام أحمد (^٤١٢):\nحدثنا عبد الرازق، أخبرنا سفيان، عن ليث، عن كعب، عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: \"إذا صليتم علي فسلوا لي الوسيلة\". قيل: يا رسول الله، وما الوسيلة؟ قال: \"أعلى درجة في الجنة، لا ينالها إلا رجل واحد، وأرجو أن أكون أنا هو\".\nورواه الترمذي: عن بندار، عن أبي عاصم، عن سفيان هو [¬٣] الثوري، عن ليث بن أبي سليم، عن كعب، قال: حدثني أبو هريرة به. ثم قال: غريب، وكعب ليس بمعروف، لا نعرف أحدًا روى عنه غير ليث بن أبي سليم.\n_________\n(^٤١١) - رواه فى صحيحه كتاب الصلاة، باب: استحباب القول مثل قول المؤذن لمن سمعه ثم يصلى على النبى ﷺ، حديث (٣٨٤) والحديث رواه أيضًا أبو داود، والترمذى والنسائى وغيرهم.\n(^٤١٢) - رواه فى المسند (٢/ ٢٦٥) وأعاده ابن كثير مرة أخرى فى تفسير سورة براءة/ آية ٧٢، وهو عند عبد الرزاق فى مصنفه (٢/ ٢١٦ - ٢١٧) (٣١٢٠) ورواه من طريقه المزى فى تهذيب الكمال (٢٤/ ١٩٨) ورواه الترمذى فى المناقب باب: فى فضل النبى ﷺ، حديث (٣٦١٢) من طريق أبي عاصم عن سفيان به، ورواه ابن راهويه فى مسنده (٢٩٧)، (٣٦٥) من طريقين عن ليث به، ورواه أحمد فى المسند (٢/ ٣٦٥) من طريق شريك عن ليث له، ولفظ الترمذى: \"سلوا الله لى الوسيلة\" قالوا: يا رسول الله، وما الوسيلة؟ … \" الحديث، ولفظ رواية شريك عند أحمد: \"صلوا على فإنها زكاة لكم واسألوا الله لى الوسيلة\" فإنها درجة فى أعلى الجنة … \" الحديث.\nوقال الترمذي: هذا حديث غريب إسناده ليس بالقوي، وكعب ليس هو بمعروف ولا نعلم أحدًا=\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- سقط من: ت.","vol":"5","page":201},{"text":"(طريق [¬١] أخرى): عن أبي هريرة ﵁، قال أبو بكر بن مردويه (^٤١٣): حدثنا عبد الباقي بن قانع [¬٢]، حدثنا محمد بن نصر الترمذي، حدثنا عبد الحميد بن صالح، حدثنا أبو شهاب، عن ليث، عن المعلي، عن محمد بن كعب، عن أبي هريرة رفعه، قال: \"صلوا على صلاتكم، وسلوا الله لي الوسيلة - فسألوه أو أخبرهم - أن الوسيلة درجة في الجنة ليس ينالها إلا رجل واحد وأرجو أن أكون أنا [¬٣] \".\n(حديث آخر): قال الحافظ أبو القاسم الطبراني (^٤١٤)، أنا أحمد بن علي الأبار، حدثنا\n_________\n= روى عنه غير ليث بن أبي سليم.\nقلت: ليث ضعيف، والراوي عنه هو كعب المدني مجهول.\nقال ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٧/ ١٦١): سئل أبي عن كعب الذي روى عن أبي هريرة؟ فقال: هو رجل وقع إلى الكوفة، روى عنه ليث بن أبي سليم، لا يعرف، مجهول لا أعلم روى عنه غير ليث وأبي عوانة حديثًا واحدًا.\nوقال الذهبي فى الميزان (٣/ الترجمة ٦٩٦٣): شيخ مديني مجهول. وقال الحافظ في التقريب: مجهول.\nوللحديث طريق آخر رواه البزار فى مسنده كما فى كشف الأستار (٣٦٣) عن ذؤاد بن علبة عن ليث عن مجاهد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"صلوا على … \" فذكر مثل رواية شريك.\nوذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ٣٣٧) وقال: فيه ذؤاد بن علبة، ضعفه ابن معين والنسائي وغيرهما، ووثقه ابن نمير، وقال موسى بن داود الضبي: ثنا ذؤاد بن علبة، وأثنى عليه خيرًا، وقال ابن عدي: هو في جملة الضعفاء ممن يكتب حديثه.\nوله طريق أخرى نقلها المصنف عن ابن مردويه يأتي تخريجها رقم (٤٣٢).\nوالحديث صححه الشيخ الألباني في مشكاة المصابيح (٥٧٦٧) وفى صحيح الترمذي (٢٨٥٧).\n(^٤١٣) - فى إسناده أبو شهاب الحناط وهو عبد ربه بن نافع، وثقه ابن معين ويعقوب بن شيبة وابن سعد وغيرهم، وروى له الجماعة سوى الترمذي. ومعلى لم أجده منسوبًا ولم أعرفه ولعله يكون معلى بن زياد القردوسي الذى روى عن الحسن البصرى وطبقته، وروى عنه حماد بن زيد وطبقته. وهو ثقة من رجال \"التهذيب\" وانظر الحديث السابق.\n(^٤١٤) - رواه فى الأوسط (٦٣٣)، وذكره الهيثمى فى مجمع الزوائد (١/ ٣٣٨) وقال: فيه الوليد بن عبد الملك الحرانى، وقد ذكره ابن حبان فى الثقات وقال: مستقيم الحديث إذا روى عن الثقات.\n_________\n[¬١]- فى خ: \"حديث\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"قالع\".\n[¬٣]- سقط من: ز.","vol":"5","page":202},{"text":"الوليد بن عبد الملك الحراني، حدثنا موسى بن أعين، عن ابن أبي ذئب [¬١]، عن محمد بن عمرو ابن عطاء، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ: \"سلوا الله لي الوسيلة، فإنه لم يسألها لي عبد في الدنيا إلا كنت له شهيدًا أو شفيعًا يوم القيامة\".\nثم قال الطبراني: لم يروه عن ابن أبي ذئب إلا موسى بن أعين، كذا قال، وقد رواه ابن مردويه: حدثنا محمد بن علي بن دحيم، حدثنا أحمد بن حازم، حدثنا عبيد الله بن موسى، حدثنا موسى بن عبيدة، عن محمد بن عمرو بن عطاء، فذكر بإسناده نحوه (^٤١٥).\n(حديث آخر): روى ابن مردويه بإسناده، عن عمارة بن غزبة، عن موسى بن وردان، أنه سمع أبا سعيد الخدري يقول: قال رسول الله ﷺ: \"إن الوسيلة درجة عند الله ليس [¬٢]، فوقها درجة، فسلوا الله أن يؤتيني الوسيلة على خلقة\" (^٤١٦).\n(حديث آخر): روى ابن مردويه أيضًا من طريقين، عن عبد الحميد بن بحر، حدثنا شريك، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي، عن النبي ﷺ قال: \"في الجة درجة تدعى الوسيلة، فإذا سألتم الله فسلوا لي الوسيلة\". قالوا: يا رسول\n_________\n= قلت: وهذا من روايته عن موسى بن أعين وهو ثقة.\nوكذا قال المنذرى فى الترغيب والترهيب (١/ ٢٥٨)، وحسنه الشيخ الألبانى فى صحيح الترغيب والترهيب (٢٥٢).\n(^٤١٥) - فى إسناده موسى بن عبيدة الربذى وهو ضعيف من رجال \"التهذيب\" وانظر السابق.\n(^٤١٦) - رواه الطبرانى فى الأوسط (٢٦٣)، (١٤٦٦) من طريقين عن عمارة بن غزية به، وإسناده حسن؛ عمارة بن غزية ثقة وثقه أحمد بن حنبل وأبو زرعة وابن سعد وغيرهم، وقال ابن معين، والنسائى: ليس به بأس، روى له مسلم وأصحاب السنن.\nوموسى بن وردان صدوق كما قال الذهبى فى \"الكاشف\".\nورواه أحمد في مسنده (٣/ ٨٣) من طريق ابن لهيعة عن موسى بن وردان به، وقال فيه: \"فسلوا الله أن يؤتيني الوسيلة\".\nقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ٣٣٧): رواه أحمد والطبراني في الأوسط وفيه ابن لهيمة وفيه ضعف.\nقلت: رواية الأوسط ليس فيها ابن لهيعة، بل هي من طريق عمارة بن غزية عن موسى بن وردان كما تقدم.\nوالحديث له شاهد من حديث ابن عمرو المتقدم رقم (٤٢٣) وحديث أبي هريرة رقم (٤٢٤).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"حبيب\".\n[¬٢]- سقط من: ز.","vol":"5","page":203},{"text":"الله، من يسكن معك؟ قال: \"علي وفاطمة والحسن والحسين\" (^٤١٧).\nهذا حديث غريب منكر من هذا الوجه.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا على بن الحسين، حدثنا الحسن الدشتكى، حدثنا أبو زهير، حدثنا سعد [¬١] بن طريف، عن علي بن الحسين الأزدي مولي سالم بن ثوبان، قال: سمعت على بن أبي طالب ينادي على منبر الكوفة: ياأيها الناس إن في الجنة لؤلؤتين إحداهما بيضاء، والأخرى صفراء أما الصفراء فإنها إلى بطنان العرش، والمقام المحمود من اللؤلؤة البيضاء سبعون ألف غرفة، كل بيت منها ثلاثة أميال، وغرفها، وأبوابها، وأسرتها، وكأنها من عرق واحد، واسمها الوسيلة هي لمحمد ﷺ وأهل بيته، [والصفراء فيها مثل ذلك هي لإِبراهيم ﵇ وأهل بيته] [¬٢].\nوهذا أثر غريب أيضًا.\nوقوله: ﴿وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ لما أمرهم بترك المحارم، وفعل الطاعات، أمرهم بقتال الأعداء من الكفار والمشركين، الخارجين عن الطريق المستقيم، و[¬٣] التاركين للدين القويم، ورغبهم في [¬٤] ذلك بالذي أعده للمجاهدين في سبيله يوم القيامة، من الفلاح والسعادة العطمة الخالدة المستمرة، التي لا تبيد ولا تحول ولا تزول، في الغرف العالية الرفيعة الآمنة، الحسنة [¬٥] مناظرها، الطيبة مساكنها، التي من سكنها ينعم لا ييأس، ويحيى لا يموت، لا تبلي ثيابه، ولا بفنى شبابه.\nثم أخبر تعالى بما أعده لأعدائه الكفار من العذاب والنكال يوم القيامة فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا [بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أي: لو أن أحدهم جاء يوم القيامة بملء الأرض ذهبًا\n_________\n(^٤١٧) - إسناده ضعيف جدًّا عبد الحميد بن بحر ضعيف جدًّا بم قال ابن حبان في المجروحين (٢/ ١٤٢): يروي عن مالك وشريك والكوفيين ما ليس من أحاديثهم، كان يسرق الحديث، لا يحل الاحتجاج به بحال.\nوقال ابن عدي فى الكامل (٥/ ١٩٥٩): لعبد الحميد هذا غير حديث منكر رواه وسرقه من قوم ثقات. وانظر ترجمته في الميزان (٣/ ٢٥٢).\n_________\n[¬١]- في ز: \"سعيد\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- في ز: \"و\".\n[¬٥]- سقط من: ز، خ.","vol":"5","page":204},{"text":"وبمثله؛ ليفتدي] [¬١] بذلك من عذاب الله الذي قد أحاط به، وتيقن وصوله إليه ما تقبل ذلك منه بل لا مندوحة عنه، ولا محيص له، ولا مناص؛ ولهذا قال: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ [أَلِيمٌ﴾ أي: موجع ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ] [¬٢] مُقِيمٌ﴾ كما قال تعالى: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا﴾ الآية، فلا يزالون يريدون الخروج مما هم فيه من شدته، وأليم مسه، ولا سبيل لهم إلى ذلك، و[¬٣] كلما رفعهم اللهب، فصاروا في أعلى [¬٤] جهنم، ضربتهم الزبانية بالمقامع الحديد، فيردوهم إلى أسفلها ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ أي: دائم مستمر لا خروج لهم منها، ولا محيد لهم عنها.\nوقد قال حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: \"يؤتى بالرجل من أهل النار، فيقال [¬٥] له: يا ابن آدم؟ كيف وجدت مضجعك؟ فيقول: شر مضجع. فيقال [¬٦]: هل تفتدي بقراب الأرض ذهبًا؟ قال، فيقول: نعم، يا رب. فيقول [الله تعالى] [¬٧]: كذبت قد سألتك أقل من ذلك فلم تفعل. فيؤمر به إلى النار\". رواه مسلم والنسائي (^٤١٨) من طريق حماد بن سلمة بنحوه، وكذا رواه البخاري ومسلم أخرجاه [¬٨] من طريق معاذ بن هشام الدستوائي، عن أبيه، عن قتادة، عن أنس به (^٤١٩). وكذا أخرجاه من طريق أبي عمران الجوني واسمه: عبد الملك بن حبيب، عن\n_________\n(^٤١٨) - رواه مسلم في صفات المنافقين، باب صبغ أنعم أهل الدنيا في النار، حديث (٢٨٠٧) من طريق حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: \"يؤتى بأنعم أهل الدنيا من أهل النار ويوم القيامة فيصبغ في النار صبغة، ثم يقال: يا ابن آدم! هل رأيت خيرًا قط؟ هل مر بك نعيم قط؟ فيقول: لا والله يا رب. ويؤتى بأشد الناس بؤسًا في الدنيا من أهل الجنة فيصبغ صبغة في الجنة فيقال له: يا ابن آدم هل رأيت بؤسًا قط؟ هل مر بك شدة قط؟ فيقول: لا والله يا رب، ما مر بي بؤس قط، ولا رأيت شدة قط\".\nورواه النسائي في سننه كتاب الجهاد، باب ما يتمنى أهل الجنة (٦/ ٣٦) من نفس الطريق مختصرًا.\nورواه أحمد في مسنده (٣/ ٢٥٣، ٣٠٣) وعبد بن حميد في مسنده كما في المنتخب (١٣١٣).\n(^٤١٩) - رواه البخاري في الرقاق، باب من نوقش الحساب عذب، حديث (٦٥٣٨)، ومسلم في صفات المنافقين، باب طلب الكافر الفداء بملء الأرض ذهبًا، حديث (٥٥٢١٢٨٠٥)، من طريق معاذ ابن هشام به.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- في ز \"أعالي\".\n[¬٥]- في خ: \"فيقول\".\n[¬٦]- في ز، خ: \"فيقول\".\n[¬٧]-. ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٨]- سقط من: ز، خ.","vol":"5","page":205},{"text":"أنس بن مالك به (^٤٢٠). ورواه مطر الوراق، عن أنس بن مالك، ورواه ابن مردويه من طريقه عنه (^٤٢١).\nثم روى [¬١] ابن مردويه من طريق المسعودي: عن يزيد بن صهيب الفقير، عن جابر بن عبد الله: أن رسول الله ﷺ قال: \"يخرج من النار قوم فيدخلون الجنة\". قال: فقلت لجابر بن عبد الله: يقول الله: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا﴾ قال: اتل أول الآية ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ﴾ الآية، ألا إنهم الذين كفروا (^٤٢٢).\nوقد روى الإمام أحمد ومسلم هذا الحديث من وجه آخر، عن يزيد الفقير، عن جابر، وهذا أبسط سياقا.\nوقال ابن أبي حاتم (^٤٢٣): حدثنا [الحسين بن محمد بن شنبة] [¬٢] الواسطي، حدثنا يزيد بن\n_________\n(^٤٢٠) - رواه البخاري في أحاديث الأنبياء، باب خلق آدم وذريته، حديث (٣٣٣٤)، ومسلم في صفات المنافقين، باب طلب الكافر الفداء بملء الأرض ذهبًا، حديث (٢٨٠٥، ٥١) من طريق أبي عمران الجوني عن أنس به.\n(^٤٢١) - في إسناده مطر الوراق؛ ضعفه يحيى القطان وأحمد بن حنبل وابن معين والنسائي وغيرهم، وقال البزار: ليس به بأس. وذكره ابن حبان في الثقات، وتقدمت ترجمته، وروايته عن أنس مرسلة؛ قال أبو زرعة في الجرح والتعديل (٨/الترجمة ١٣١٩): روايته عن أنس مرسلة، لم يسمع من أنس شيئًا.\nوقد تقدم الحديث من غير هذا الطريق عن أنس في الصحيحين وغيرهما. انظر السابق.\n(^٤٢٢) - في إسناده المسعودي عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة وهو ثقة اختلط قبل موته بسنة أو سنتين وترجمته في التهذيب.\nوالحديث رواه مسلم في صحيحه (٣/ ٦١ - ٦٢) كتاب الإيمان، باب: أدنى أهل الجنة منزلة فيها، حديث (١٩١) (٣١٩)، وأحمد (٣/ ٣٥٥) من طريق قيس بن سليم العنبري قال: حدثني يزيد الفقير حدثنا جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن قومًا يخرجون من النار يحترقون فيها إلا دارات وجوههم حتى يدخلون الجنة\".\n(^٤٢٣) - في إسناده مبارك بن فضالة صدوق يدلس ويسوي، لكنه صرح بالسماع من يزيد في هذا الإسناد.\nوالحديث رواه مسلم في صحيحه كتاب الإيمان، باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها، حديث (٣٢٠) (١٩١) من طريق أبي عاصم قال: حدثني يزيد الفقير … فذكره.\n_________\n[¬١]- في ت: \"رواه\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"الحسن بن محمد بن أبي شيبة\".","vol":"5","page":206},{"text":"هارون، أخبرنا مبارك بن فضالة، حدثني يزيد الفقير، قال: جلست إلى جابر بن عبد الله، وهو يحدث فحدث: أن ناسا يخرجون من النار، قال: وأنا يومئذ أنكر ذلك فغضبت، وقلت: ما أعجب من الناس، ولكن أعجب منكم يا أصحاب محمد، تزعمون أن الله يخرج ناسًا [¬١]، من النار، والله يقول: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ الآية. فانتهرنى أصحابه، وكان أحلمهم فقال: دعوا الرجل، إنما ذلك للكفار ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ حتى بلغ ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ أما تقرأ القرآن؟ قلت: بلي، قد جمعته. قال: أليس الله يقول: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ فهو ذلك المقام، فإن الله تعالى يحتبس أقوامًا بخطاياهم في النار ما شاء لا يكلمهم، فإذا أراد أن يخرجهم أخرجهم. قال: فلم أعد بعد ذلك إلى أن أكذب به.\nثم قال ابن مردويه (^٤٢٤): حدثنا دعلج بن أحمد، حدثنا عمرو [¬٢] بن حفص السدوسي، حدثنا عاصم بن علي، أخبرنا العباس بن الفضل، حدثنا سعيد بن المهلب، حدثني طلق بن حبيب، قال: كنت من أشد الناس تكذيبًا بالشفاعة، حتى لقيت جابر بن عبد الله، فقرأت عليه كل آية أقدر عليها يذكر الله فيها خلود أهل النار. فقال: يا طلق، أتراك أقرأ لكتاب الله وأعلم بسنة رسول الله مني؟ إن الذين [¬٣] قرأت هم أهلها هم المشركون، ولكن هؤلاء قوم أصابوا ذنوبًا فعذبوا، ثم أخرجوا منها، ثم أهوى بيديه إلى أذنيه، فقال: صُمَّتا إن لم أكن سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"يخرجون من النار بعد ما\n_________\n(^٤٢٤) - عمر بن حفص السدوسي ذكره ابن حبان في الثقات (٨/ ٤٤٧) وقال: من أهل البصرة، يروي عن أبي الوليد الطيالسي والبصريين، كتب عنه أصحابنا. وقال المعلق على كتاب الثقات: لم نظفر به. والقاسم بن الفضل هو الحداني ثقة، وشيخه سعيد بن المهلب ذكره ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٤/ الترجمة ٢٨٠) وذكره ابن حبان في الثقات (٦/ ٣٦٦) فقال في نسبه: \"سعيد بن المهلب بن أبي صفرة\". وقال ابن حجر في \"التقرب\": مقبول، وقيل: إنه إبن الهلب بن أبي صفرة. وطلق بن حبيب تابعي صدوق رمي بالإرجاء، وهذا جرح غير معتبر.\nوالحديث رواه أحمد في مسنده (٣/ ٣٣٠) من طريق عبد الصمد بن عبد الوارث قال: حدثنا القاسم … فذكره كما رواه ابن مردويه، ورواه البخاري في الأدب المفرد (٨١٨) من طريق موسى بن إسماعيل وهو ثقة عن القاسم به مختصرًا.\nوقد تقدم الحديث من طرق عن جابر، فالحديث بهذا الإسناد صحيح لغيره. والحديث ذكره السيوطي في الدر المنثور (٢/ ٤٩٦) وزاد نسبته للبيهقي في \"شعب الإيمان\".\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- في ز: \"عمر\".\n[¬٣]- في ز: \"الذي\".","vol":"5","page":207},{"text":"دخلوا\". ونحن نقرأ كما قرأت.\n﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٣٨) فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٩) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤٠)﴾\nيقول تعالى حاكمًا وآمرًا بقطع يد السارق والسارقة. وروى الثوري، عن جابر بن يزيد الجعفي، عن عامر بن شراحيل الشعبي: أن ابن مسعود كان يقرؤها: (والسارق والسارقة فاقموا أيمانهما) (^٤٢٥) وهذه قراءة شاذة، وإن كان [¬١] الحكم عند جميع العلماء موافقا لها، لا بها، بل هو مستفاد من دليل آخر. وقد كان القطع معمولا به فى الجاهلية، فقرر في الإسلام وزيدت شروط أخر، كما سنذكره إن شاء الله تعالى، كما كانت القسامة، والدية، والقراض، وغير ذلك من الأشياء التي ورد الشرج بتقريرها على ما كانت عليه، وزيادات هي من تمام المصالح. ويقال: إن أول من قطع الأيدي فى الجاهلية قريش، قطعوا رجلًا يقال له: دويك، مولي لبني مليح بن عمرو من خزاعة، كان قد سرق كنز الكعبة، ويقال: سرقه قوم فوضعوه عنده.\n_________\n(^٤٢٥) - رواه ابن جرير فى تفسيره (١٠/ ٢٩٥) (١١٩١٠) قال: حدثنا ابن وكيع حدثنا أبي عن سفيان عن جابر به وسفيان بن وكيع ضعيف.\nوجابر هو ابن يزيد الجعفى ضعيف أيضًا ورواه أيضًا فى (١١٩٠٧) حدثنا ابن وكيع حدثنا فى يد بن هارون عن ابن عون عن إبراهيم قال: فى قراءتنا - قال: وربما فال: فى قراءة عبد الله - (والسارقون والسارقات فاقطعوا أيمانهما).\nورواه البيهقى فى سننه (٨/ ٢٧٠) من طريق سعيد بن يحيى بن سعيد الأموى قال: ثنا مسلم بن خالد عن ابن أبي نجيح عن مجاهد به.\nومسلم بن خالد ضعفه غير واحد من الحفاظ واختلف فيه قول ابن معين والدارقطني فوثقاه مرة وضعفاه أخرى، وقال ابن عدى فى الكامل (٦/ ٢٣١٣): وهو حسن الحديث، وأرجو أنه لا بأس ول. والأثر ذكره السيوطى فى الدر المنثور (٢/ ٤٩٦) وزاد نسبته إلى ابن المنذر وأبى الشيخ، وذكر أيضًا رواية ابن عون عن إبراهيم وزاد نسبتها إلى سعيد بن منصور وابن المنذر وأبي الشيخ.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.","vol":"5","page":208},{"text":"وقد ذهب بعض الفقهاء من أهل الظاهر إلى أنه متى سرق السارق شيئًا؛ قطعت يده به سواء كان قليلًا أو كثيرًا؛ لعموم هذه الآية: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾ فلم يعتبروا نصابًا ولا حرزًا بل أخذوا بمجرد السرقة.\nوقد روى ابن جرير وابن أبي حاتم: من طريق عبد المؤمن، عن نجدة الحنفي قال: سألت ابن عباس عن قوله: ﴿والسارق والسارق فاقطعوا أيديهما﴾ أخاص أم عام؟ فقال: بل عام (^٤٢٦).\nوهذا يحتمل أن يكون موافقة [من ابن عباس] [¬١] لما ذهب إليه هؤلاء، ويحتمل غير ذلك. فالله أعلم.\nوتمسكوا بما ثبت فى الصحيحين (^٤٢٧)، عن أبي هريرة: أن رسول اللَّه ﷺ قال: \"لعن اللَّه السارق يسرق البيضة فقطع يده، ويسرق الحبل فتقطع يده\".\nوأما الجمهور فاعتبروا [النصاب فى] [¬٢] السرقة وإن كان قد وقع بينهم الخلاف فى قدره، فذهب كل من الأئمة الأربعة إلى قول على حدة؛ فعند الإِمام مالك بن أنس ﵀: النصاب ثلاثة دراهم مضروبة خالصة، فمتى سرقها أو ما يبلغ ثمنها فما فوقه وجب القطع،\n_________\n(^٤٢٦) - رواه ابن جرير فى تفسيره (١٠/ ٢٩٦) (١١٩١٤) قال: حدثنا ابن حميد حدثنا يحيى بن واضح حدثنا عبد المؤمن به.\nونجدة بن نفيع الحنفى قال الذهبى فى الميزان (٥/ ٣٧٠): لا يعرف. وقال ابن حجر فى \"التقريب\": مجهول.\nوالأثر: ذكره السيوطى فى الدر المنثور (٢/ ٤٩٦) وعزاه لابن جرير وأبن أبى حاتم.\n(^٤٢٧) - رواه البخارى فى صحيحه كتاب الحدود، باب: لعن السارق إذا لم يسم، حديث (٦٧٨٣)، وفي باب قول اللَّه تعالى: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾ وفى كم يقطع؟ حديث (٦٧٩٩)، ومسلم فى صحيحه كتاب الحدود، باب حد السرقة ونصابها، حديث (١٦٨٧) وغيرهما من طرق عن الأعمش عن أبى صالح عن أبى هريرة به.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ز: \"لابن\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.","vol":"5","page":209},{"text":"واحتج في ذلك بما رواه عن نافع عن ابن عمر: أن رسول اللَّه ﷺ \"قطع في مِجَن ثمنه ثلاثة دراهم\". أخرجاه في الصحيحين (^٤٢٨).\nقال مالك ﵀: وقطع عثمان ﵁ في أترجة قومت بثلاثة دراهم، وهو أحب ما سمعت في ذلك. وهذا الأثر عن عثمان ﵁ قد رواه مالك، عن عبد اللَّه بن أبي بكر، عن أبيه، عن عمرة بنت عبد الرحمن: أن سارقًا سرق في زمن عثمان أترجة، فأمر بها عثمان أن تقوم، فقومت بثلاثة دراهم من [¬١] صرف [¬٢] اثني [¬٣] [عشر درهما] [¬٤] بدينار [¬٥]، فقطع عثمان يده (^٤٢٩).\nقال أصحاب مالك: ومثل هذا الصنيع يشتهر، ولم ينكر، فمن مثله يحكى الإِجماع السكوتي، وفيه دلالة على القطع في الثمار خلافا للحنفية، وعلى اعتبار ثلاثة دراهم خلافًا لهم في أنه لابد من عشرة دراهم، وللشافعية في اعتبار ربع دينار، واللَّه أعلم.\nوذهب الشافعي ﵀ إلى: أن الاعتبار فى قطع يد السارق بربع دينار، أو ما يساويه من الأثمان أو العروض فصاعدًا، والحجة في ذلك ما أخرجه الشيخان: البخاري ومسلم من طريق الزهري، عن عمرة، عن عائشة ﵂: أن رسول اللَّه ﷺ قال: \"تقطع يد السارق في ربع دينار فصاعدًا\" (^٤٣٠).\nولمسلم من طريق أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن عمرة، عن عائشة - رضي اللَّه\n_________\n(^٤٢٨) - رواه مالك فى الموطأ كتاب الحدود، باب: ما يجب فيه القطع، حديث (٢١) ومن طريقه رواه البخارى فى صحيحه كتاب الحدود، باب قول اللَّه تعالى: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾ وفى كم تقطع؟ حديث (٦٧٩٥) ومسلم فى الحدود، باب: حد السرقة ونصابها، حديث (١٦٨٦).\nورواه البخارى فى نفس الموضع حديث (٦٧٩٦ - ٦٧٩٨)، ومسلم (١٦٨٦) من طرق عن نافع عن ابن عمر به.\n(^٤٢٩) - رواه مالك فى الموطأ كتاب الحدود، باب ما يجب فيه القطع، حديث (٢٣) وعنه رواه الشافعى (٢/ رقم ٢٧٣ - شفاء العى) والبيهقى فى السنن الكبرى (٨/ ٢٦٢)، وإسناده صحيح.\n(^٤٣٠) - رواه الشافعى (٢/ رقم ٢٧٠ - شفاء العى)، والبخارى في صحيحه، كتاب: الحدود، باب قول اللَّه تعالى: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾ وفى كم يقطع؟ حديث (٦٧٨٩)، ومسلم فىصحيحه فى الحدود، باب: حد السرقة ونصابها، حديث (١٦٨٤/ ١) من طريق الزهرى عن عمرة عن عائشة.\nورواه البخارى رقم (٦٧٩٠)، ومسلم (١٦٨٤/ ٢) وغيرهما من طريق يونس عن ابن شهاب عن عروة وعمرة عن عائشة به.\nوللحديث طرق أخرى فى الصحيحين وغيرهما والألفاظ متقاربة. وانظر التالي.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- في ز: \"اثنا\"، وسقط من: ز.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٥]- سقط من: ز، خ.","vol":"5","page":210},{"text":"عنها -: أن رسول اللَّه ﷺ قال: \"لا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار فصاعدًا\" (^٤٣١).\nقال أصحابنا: فهذا الحديث فاصل في المسألة، ونص في اعتبار ربع الدينار لا ما ساواه. قالوا: وحديث ثمن المجن، وأنه كان ثلاثة دراهم لا ينافي هذا؛ لأنه إذ ذاك كان الدينار باثنى عشر درهمًا، فهي ثمن ربع دينار، فأمكن الجمع بهذا الطريق.\nويروى هذا المذهب عن عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلى بن أبي طالب ﵃ وبه يقول عمر بن عبد العزنر، والليث بن سعد، والأوزاعي، والشافعي، وأصحابه، وإسحاق بن راهويه في رواية عنه، وأبو ثور، وداود بن علي الظاهري. ﵏.\nوذهب الإمام أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه في رواية عنه: إلى أن كل واحد من ربع الدينار والثلاثة دراهم مرد شرعي، فمن سرق واحدًا منهما، أو ما يساويه قطع عملا بحديث ابن عمر، وبحديث عائشة ﵄ (^٤٣٢)، ووقع في لفظ عند الإمام أحمد (^٤٣٣)، عن عائشة: أن رسول اللَّه ﷺ قال: \"اقطعوا في ربع دينار ولا تقطعوا فيما هو أدنى من ذلك\". وكان ربع الدينار يومئذ ثلاثة دراهم والدينار اثني عشر درهمًا. وفي لفظ للنسائي (^٤٣٤): \" لا تقطع يد السارق فيما دون ثمن المجن\" قيل لعائشة: ما ثمن المجن؟ قالت [¬١]: ربع دينار.\nوهذه كلها نصوص دالة على عدم اشتراط عشرة دراهم، واللَّه أعلم.\nوأما الإمام أبو حنيفة وأصحابه: أبو يوسف ومحمد وزفر، وكذا سفيان الثوري، ﵏، فإنهم ذهبوا إلى أن النصاب: عشرة دراهم مضروبة غير مغشوشة، واحتجوا\n_________\n(^٤٣١) - رواه مسلم فى صحيحه فى الحدود، باب حد السرتة ونصابها، حديث (١٦٨٤/ ٤)، والنسائى فى كتاب قطع السارق، باب: ذكر اختلاف أبى بكر بن محمد وعبد اللَّه بن أبى بكر عن عمرة فى هذا الحديث (٨/ ٧٩ - ٨٠) من طريق أبى بكر بن محمد به، وانظر الحديث السابق.\n(^٤٣٢) - تقدم حديث ابن عمر رقم (٤٤٨)، وحديث عائشة تقدم رقم (٤٥٠)، (٤٥١).\n(^٤٣٣) - رواه فى المسند (٦/ ٨١) من طريق أبى بكر بن محمد عن عمرة. وفيه قصة، وانظر رقم (٤٥١).\n(^٤٣٤) - رواه النسائى فى قطع السارق، باب: ذكر اختلاف أبى بكر بن محمد وعبد اللَّه بن أبى بكر عن عمرة فى هذا الحديث (٧/ ٨١) من طريق سليمان بن يسار عن عمرة عن عائشة.\n_________\n[¬١]- في ز: \"قال\".","vol":"5","page":211},{"text":"بأن ثمن المجن الذي قطع فيه يد [¬١] السارق على عهد رسول اللَّه ﷺ كان ثمنه عشرة دراهم، وقد روى أبو بكر بن أبي شيبة (^٤٣٥): حدثنا ابن نمير وعبد الأعلى، عن محمد ابن إسحاق، [عن أيوب بن موسى، عن عطاء، عن ابن عباس، قال: كان ثمن المجن على عهد\n_________\n(^٤٣٥) - رواه ابن أبى شيبة فى الحدود، باب: من قال: لا تقطع فى أقل من عشرة دراهم، (٦/ ٤٦٥) (٢) وعنه أبو يعلى فى مسنده (٤/ ٣٧٥) (٢٤٩٥) قال: حدثنا عبد الأعلى عن محمد بن إسحاق … فذكره بإسناده إلى ابن عباس قال: لا تقطع يد السارق فى دون ثمن المجن وثمن المجن عشرة دراهم.\nورواه النسائى فىكتاب قطع السارق، باب: ذكر اختلاف أبى بكر بن محمد وعبد اللَّه عن عمرة فى هذا الحديث (٨/ ٨٣)، والدارقطني فى سننه (٣/ ١٩٢) عن ابن نمير، والحاكم (٤/ ٣٧٨) والدارقطنى (٣/ ١٩٢) والبيهقى (٨/ ٢٥٧) من طريق أحمد بن خالد الوهبى كلاهما، (ابن نمير، وأحمد بن خالد) عن محمد بن إسحاق بإسناده بلفظ: \"كان ثمن المجن على عهد رسول اللَّه صلى عليه وسلم يقوم عشرة دراهم\".\nورواه أبو داود فى الحدود، باب ما يقطع فيه السارق حديث (٤٣٨٧) من طريقين عن ابن نمير عن محمد ابن إسحاق بنفس الإسناد ولفظه: \"قطع رسول اللَّه ﷺ يد رجل فى مجن قيمته دينار أو عشرة دراهم\" وهذا إسناده ضعيف؛ محمد بن إسحاق صدوق لكنه يدلس وقد عنعن فى هذا الإسناد واختلف عليه فيه؛ فرواه النسائى (٨/ ٨٣) عن محمد بن سلمة قال: حدثنى ابن إسحاق عن أيوب بن موسى عن عطاء مرسل، ومحمد بن سلمة هو الحرانى ثقة لكن خالفه عبد الأعلى وابن نمير، وأحمد بن خالد الوهبى؛ فرووه عن ابن إسحاق موصولًا فروايتهم عن ابن إسحاق أصح.\nورواه النسائي (٨/ ٨٣) من طريق إبراهيم بن سعد عن ابن إسحاق قال: حدثنى عمرو بن شعيب عن عطاء بن أبى رباح عن ابن عباس به.\nوإبراهيم بن سعد ثقة من رجال الشيخين فيبدو أن ابن إسحاق قد اضطرب فى هذا الحديث؛ فرواه مرة موصولًا ومرة مرسلًا، ومرة عن أيوب عن عطاء، وأخرى عن عمرو بن شعيب عن عطاء.\nوالحديث ضعفه الألبانى فى ضعيف أبى داود (٩٤٤)، وضعيف النسائى (٣٦١ - ٣٦٣) لكن يشهد له حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن قيمة المجن كان على عهد الرسول ﷺ عشرة دراهم\"؛ رواه أحمد (٢/ ١٨٠) والنسائى (٨/ ٨٤) وابن أبى شيبة (٦/ ٤٦٥) من طريق عبد اللَّه ابن إدريس عن محمد بن إسحاق عن عمرو بن شعيب به، ولحديث عمرو هذا طرق خرجها الألبانى - حفظه اللَّه - فى الإرواء (٢٤١٣) وحسن الحديث. وقد جمع الشافعى ﵀ بين هذا وما رواه الشيخان من حديث ابن عمر بن الخطاب المتقدم رقم (٤٤٢): أن قيمة المجن ثلاثة دراهم فقال ﵁: هذا رأى من عبد اللَّه بن عمرو فى رواية عمرو بن شحيب والمجان قديمًا وحديثا سلع يكون ثمن عشرة، ومائة، ودرهمين، فإذا قطع رسول اللَّه ﷺ فى ربع دينار قطع فى أكثر منه\".\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.","vol":"5","page":212},{"text":"النبي ﷺ عشرة دراهم.\nثم قال (^٤٣٦): حدثنا عبد الأعلى، عن محمد بن إسحاق] [¬١]، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول اللَّه ﷺ: \"لا تقطع يد السارق في دون ثمن المجن\". وكان ثمن المجن عشرة دراهم.\nقالوا: فهذا ابن عباس وعبد اللَّه بن عمرو قد خالفا ابن عمر في ثمن المجن؛ فالاحتياط: الأخذ بالأكثر؛ لأن الحدرد تدرأ بالشبهات (^٤٣٧).\nوذهب بعض السلف إلى أنه تقطع يد السارق في عشرة دراهم أو دينار [¬٢]، أو ما يبلغ قيمته واحدًا [¬٣] منهما. يحكى هذا عن علي، وابن مسعود، وإبراهيم النخعي، وأبي جعفر الباقر، رحمهم اللَّه تعالى.\nوقال بعض السلف: لا تقطع الخمس إلا في خمس. أي: في خمسة دنانير أو خمسين درهمًا، وينقل هذا عن سعيد بن جبير ﵀.\nوقد أجاب الجمهور عما تمسك به الظاهرية من حديث أبي هريرة: \"يسرق البيضة فتقطع يده، ويسرق الحبل فتقطع يده\" (^٤٣٨) بأجوبة:\nأحدها: أنه منسوخ بحديث عائشة (^٤٣٩)، وفي هذا نظر؛ لأنه لابد من بيان التاريخ.\nوالثاني: أنه مؤول ببيضة الحديد وحبل السفن. قاله الأعمش فيما حكاه البخاري رغيره عنه (^٤٤٠).\n_________\n(^٤٣٦) - رواه ابن أبى شيبة فى مصنفه فى الحدود، باب من قال: لا تقطع فى أقل من عشرة دراهم، حديث (٢)، وانظر تخريجه فى الحديث السابق.\n(^٤٣٧) - انظر كلام الشافعى فى الجمع بين الروايتين فى رقم (٤٤١).\n(^٤٣٨) - تقدم رقم (٤٣٧).\n(^٤٣٩) - تقدم حديث عائشة رقم (٤٤١)، (٤٤٢).\n(^٤٤٠) - رواه البخارى فى صحيحه فى الحدود، باب لعن السارق إذا لم يسم، عقب حديث أبي هريرة رقم (٦٧٨٣) المتقدم برقم (٤٤٧) قال: قال الأعمش … فذكره، وقال الحافظ فى شرحه: هو موصول بالإسناد المذكور. أى: إسناد حديث أبى هريرة.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في ز: \"دينارًا\".\n[¬٣]- في ز: \"واحد\".","vol":"5","page":213},{"text":"والثالث: أن هذه وسيلة إلى التدرج في السرقة من القليل إلى الكثير الذي تقطع فيه يده، ويحتمل أن يكون هذا خرج مخرج الإِخبار عما كان الأمر عليه في الجاهلية حيث كانوا يقطعون في القليل والكثير، فلعن السارق الذي يبذل يده الثمينة في الأشياء المهينة.\nوقد ذكروا أن أبا العلاء المعري لما قدم بغداد [¬١] اشتهر عنه أنه أورد إشكالًا على الفقهاء، في جعلهم نصاب السرقة ربع دينار، ونظم في ذلك شعرًا دل على جهله وقلة عقله، فقال:\n[يد بخمس مئين عسجد وُدِيَتْ [¬٢] … ما بالها قطعت في ربع دينار\nتناقض مالنا إلا السكوت له … وأن نعوذ بمولانا من النار] [¬٣]\nولما قال ذلك واشتهر عنه تطلبه الفقهاء، فهرب منهم، وقد أجابه الناس في ذلك، فكان جواب القاضي عبد الوهاب المالكي ﵀ أنه قال: لما كانت أمينة، كانت ثمينة، ولما خانت هانت. ومنهم من قال: هذا من تمام الحكمة والمصلحة وأسرار الشريعة العظيمة، فإنه [¬٤] في باب الجنايات ناسب أن تعظم قيمة اليد بخمسمائة دينار؛ لئلا يجنى عليها، وفي باب السرقة ناسب أن يكون القدر الذي تقطع فيه ربع دينار؛ لئلا يتسارع الناس في سرقة الأموال، فهذا هو عين الحكمة عند ذوي الألباب. ولهذا قال: ﴿جزاء بما كسبا نكالًا من اللَّه، واللَّه عزيز حكيم﴾ أي: مجازاة على صنيعهما السئ في أخذهما أموال الناس بأيديهم، فناسب أن يقطع ما استعانا به في ذلك.\n﴿نكالا من اللَّه﴾ أي: تنكيلًا من اللَّه بهما على ارتكاب ذلك. ﴿واللَّه عزير﴾ أي: في انتقامه. ﴿حكيم﴾ أي [¬٥]: في أمره ونهيه، وشرعه وقدره.\nثم قال تعالى: ﴿فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن اللَّه يتوب عليه، إن اللَّه غفور رحيم﴾ أي: من تاب بعد سرقته وأناب إلى اللَّه، فإن اللَّه يتوب عليه فيما بينه وبينه، فأما أموال الناس فلابد من ردها اليهم أو بدلها عند الجمهور.\nوقال أبو حنيفة: متى قطع وقد تلفت في يده فإنه لا يرد [] [¬٦] بدلها، وقد روى الحافظ أبو أحسن الدارقطني من حديث [محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان] [¬٧] عن أبي هريرة أن رسول اللَّه\n_________\n[¬١]- في ز: \"بغذاد\".\n[¬٢]- في ز: \"فديت\".\n[¬٣]- في ز: \"البيت الأول بعد البيت الثاني\".\n[¬٤]- في ز: \"فإن\".\n[¬٥]- سقط من: ز.\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين في ز: \"في\".\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.","vol":"5","page":214},{"text":"ﷺ أتي بسارق قد سرق شملة، فقال: \"ما إخاله سرق؟ \" فقال السارق: بلى يا رسول اللَّه. قال: \"اذهبوا به فاقطعوه ثم احسموه ثم ائتوني به\". فقطع فأتى به، فقال: \"تب إلى اللَّه\". فقال: تبت إلى اللَّه. فقال: \"تاب اللَّه عليك\" (^٤٤١).\nوقد روي من وجه آخر مرسلًا، ورجح إرساله على بن المدني [¬١] وابن خزيمة رحمهما اللَّه.\n_________\n(^٤٤١) - رواه الدارقطنى فى سننه (٣/ ١٠٢) ومن طريقه البيهقى فى سننه (٨/ ٢٧١) ورواه البزار فى مسنده كما فى كشف الأستار (١٥٦٠)، والطحاوى فى شرح معانى الآثار (٣/ ١٦٨) والحاكم فى المستدرك (٤/ ٣٨١)، والبيهقى (٨/ ٢٧٥ - ٢٧٦) من طرق عن عبد العزيز بن محمد الدراوردى به موصولًا، وصححه الحاكم على شرط مسلم ووافقه الذهبى\nقلت: وليس هو على شرط مسلم، فإنه اختلف فيه عن الدراوردى، فرواه جماعة عن الدراوردى متصلًا وتابعه على وصله سيف بن محمد عند الدارقطنى (٣/ ١٠٣) وهو كذاب كما فى \"التقريب\" ورواه سريج بن يونس وسعيد بن منصور - كما في علل الدارقطنى (١٠/ ٦٦) - وعلى بن المدينى كما فى سنن البيهقى (٨/ ٢٧١) عن الدراوردى مرسلًا لم يذكروا فيه أبا هريرة، وهو الصواب، فإن المرسل رواه عبد الرزاق فى مصنفه (٧/ ٣٨٩) (١٣٥٨٣) عن ابن جريج وسفيان الثورى. وأبو داود فى مراسيله. والدارقطني (٣/ ١٠٣)، والطحاوى (٣/ ١٦٨) والبيهقى (٨/ ٢٧١) عن سفيان الثورى، والطحاوى عن ابن جريج، وأبو عبيد فى غريب الحديث (١/ ٣٤٩) عن إسماعيل بن جعفر، والطحاوى والبيهقى عن ابن إسحاق، أربعتهم (سفيان، وابن جريج، وإسماعيل، وابن إسحاق) عن يزيد بن خصيفة به مرسلًا. ورجح ابن خزيمة وابن المدينى - كما فى التلخيص الحبير (٤/ ٧٤) والدارقطني فى العلل (١٠/ ٦٧) وغير واحد -: إرساله، قال ابن حجر: وصحح ابن القطان الوصول. والحديث ضعفه الألبانى فى الإرواء (٢٤٣١)، وانظر نصب الراية (٣/ ٣٧١) وللحديث شاهد من رواية حماد بن سلمة عن إسحاق بن عبد اللَّه بن أبى طلحة عن أبي المنذر مولى أبى ذر عن أبى أمية المخزومى أن رسول اللَّه ﷺ أتى بلص اعترف اعترافًا ولم يوجد معه متاع، فقال له رسول اللَّه ﷺ: \"ما إخالك سرقت؟ \" قال: بلى قال: \"فاذهبوا به فاقطعوه ثم جيئوا به\" فقطعوه ثم جاءوا به.\nفقال له: \"قل: أستغفر اللَّه وأتوب إليه\". فقال: أستغفر اللَّه وأتوب إليه. قال: \"اللهم تب عليه\".\nأخرجه أحمد (٥/ ٢٩٣)، وأبو داود فى الحدود، باب فى التلقين فى الحد، حديث (٤٣٨٠)، والنسائى فى قطع السارق، باب تلقين السارق (٨/ ٦٧)، وابن ماجه فى الحدود، باب تلقين السارق حديث (٢٥٩٧) والدارمى (٢٣٠٨)، والطحاوي في شرح المعاني (٣/ ١٦٨ - ١٦٩)، والبيهقي (٨/ ٢٧٦) من طرق عن حماد بن سلمة به.\nوإسناده ضعيف لجهالة أبى المنذر مولى أبى ذر؛ قال الخطابى - كما فى التلخيص الحبير (٤/ ٧٤) - فى إسناده مقال، قال: والحديث إذا رواه مجهول لم يكن حجة، ولم يجب الحكم به. والحديث ضعفه أيضًا الألبانى فى إرواء الغليل (٢٤٤٦).\n_________\n[¬١]- في ز: \"المديني\".","vol":"5","page":215},{"text":"وروى ابن ماجة (^٤٤٢): من حديث ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عبد الرحمن بن ثعلبة الأنصاري، عن أبيه: أن عمرو بن سمرة بن حبيب بن عبد شمس جاء إلى النبي ﷺ، فقال: يا رسول اللَّه إني سرقت جملا لبني فلان، فطهرني. فأرسل إليهم النبي ﷺ فقالوا: إنا افتقدنا جملا لنا فأمر به فقطعت يده، [قال ثعلبة: أنا أنظر إليه حين وقعت يده] [¬١] وهو يقول: الحمد للَّه الذي طهرني منك أردت أن تدخلي جسدي النار.\nوقال ابن جرير (^٤٤٣): حدثنا أبو كريب، حدثنا موسى بن داود، حدثنا ابن لهيعة، عن حيي [¬٢] بن عبد اللَّه، عن أبي عبد الرحمن الحبلي، عن عبد اللَّه بن عمرو، قال: سرقت امرأة حليًّا، فجاء الذين سرقتهم، فقالوا: يا رسول اللَّه، سرقتنا هذه المرأة. فقال رسول اللَّه ﷺ: \"اقطعوا يدها اليمنى\". فقالت المرأة: هل من توبة؟ فقال رسول اللَّه ﷺ: \"أنت اليوم من خطيئتك كيوم ولدتك أمّك\". قال: فأنزل اللَّه ﷿ ﴿فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن اللَّه يتوب عليه إن اللَّه غفور رحيم﴾.\nوقد رواه الإِمام أحمد بأبسط من هذا، فقال (^٤٤٤): حدثنا حسن، حدثنا ابن لهيعة، حدثني حيَي بن عبد اللَّه، عن أبي عبد الرحمن الحبلى، عن عبد اللَّه بن عمرو: أن امرأة سرقت على عهد رسول اللَّه ﷺ، فجاء بها الذين سرقتهم، فقالوا: يا رسول اللَّه، إن هذه المرأة سرقتنا. قال قومها: فنحن نفديها. فقال رسول اللَّه صلى اللَّه\n_________\n(^٤٤٢) - رواه ابن ماجه فى سننه كتاب الحدود، باب السارق يعترف، حديث (٢٥٨٨) قال: حدثنا محمد بن يحيى حدثنا ابن أبى مريم أنبأنا ابن لهيعة به.\nورواه الطبرانى فى الكبير (٢/ ٨٦) (١٣٨٥) حدثنا أبو حبيب يحيى بن نافع المصرى ثنا سعيد بن أبى مريم ثنا ابن لهيعة به.\nوإسناده ضعيف؛ لضعف عبد اللَّه بن لهيعة. والحديث ضعفه البوصيرى فى مصباح الزجاجة (٢/ ٣١٧)، والألبانى فى ضعيف ابن ماجه (٥٦٢).\n(^٤٤٣) - رواه فى تفسيره (١٠/ ٢٩٩) (١١٩١٧)، ورواه أحمد فى مسنده (٢/ ١٧٧) قال: حدثنا حسن حدثنا ابن لهيعة … فدكره، وقد نقله عنه الحافظ ابن كثير هنا.\nوالحديث فى إسناده ابن لهيعة وهو ضعيف، وذكره الهيثمى فى مجمع الزوائد (٦/ ٢٧٩) وقال: رواه أحمد وفيه ابن لهيعة وحديثه حسن وفيه ضعف، وبقية رجاله ثقات.\nوذكره الحافظ فى الفتح (١٢/ ٩٥) ساكتًا عليه، وذكره السيوطى فى الدر المنثور (٢/ ٤٩٧) وزاد نسبته لابن أبى حاتم. وأصل قصة المخزومية فى الصحيحين من حديث عائشة كما سيأتى.\n(^٤٤٤) - رواه فى مسنده (٢/ ١٧٧)، وانظر الحديث السابق.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في خ: \"يحيى\".","vol":"5","page":216},{"text":"عليه وسلم: \"اقطعوا يدها\". [فقالوا: نحن نفديها بخمسمائة دينار فقال: \"اقطعوا يدها\". قال] [¬١]: فقطعت يدها اليمنى فقالت المرأة: هل لي من توبة يا رسول اللَّه؟ قال: \"نعم، أنت اليوم من خطيئك كيوم ولدتك أمك\". فأنزل اللَّه في سورة المائدة ﴿فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن اللَّه يتوب عليه إن اللَّه غفور رحيم﴾.\nوهذه المرأة هي المخزومية التي سرقت، وحديثها ثابت فى الصحيحين (^٤٤٥) من رواية الزهري، [عن عروة] [¬٢]، عن عائشة: أن قريشًا أهمهم شأن المرأة التي سرقت في عهد النبي ﷺ في غزوة الفتح، فقالوا: من يكلم فيها رسول اللَّه ﷺ؟ فقالوا: ومن يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد حب رسول اللَّه ﷺ. فأتي بها رسول اللَّه ﷺ، فكلمه فيها أسامة بن زيد، فتلون وجه رسول اللَّه ﷺ فقال: \"أتشفع في حدٍّ من حدود اللَّه ﷿ \". فقال له أسامة: استغفر لي يا رسول اللَّه. فلما كان العشي قام رسول اللَّه ﷺ فاختطب، فأثنى على اللَّه بما هو أهله، ثم قال: \"أما بعد، فإنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحدّ، وإني والذي نفسي بيده لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها لا. ثم أمر بتلك المرأة التي سرقت فقطعت يدها. قالت عائشة: فحسنت توبتها بعد وتزوّجت، وكانت تأتي بعد ذلك، فأرفع حاجتها إلى رسول اللَّه ﷺ. وهذا لفظ مسلم، وفي لفظ له عن عائشة قالت: كانت امرأة مخزومية تستعير المتاع وتجحده، فأمر النبي ﷺ بقطع يدها.\nوعن ابن عمر قال: كانت امرأة مخزومية تستعير متاعًا على ألسنة جاراتها وتجحده، فأمر رسول اللَّه ﷺ بقطع يدها. رواه الإِمام أحمد، وأبو داود، والنسائي وهذا لفظه، وفي لفظ له: أن امرأة كانت تستعير الحلي للناس، ثم تمسكه، فقال رسول اللَّه ﷺ: \" [لتتب هذه المرأة إلى اللَّه وإلى رسوله وتردّ ما تأخذ على القوم\".\n_________\n(^٤٤٥) - رواه البخارى فى صحيحه كتاب الحدود، باب: كراهية الشفاعة فى الحد إذا رفع إلى السلطان، حديث (٦٧٨٨) وأطرافه في (٢٦٤٨)، (٣٤٧٥)، (٣٧٣٢)، (٣٧٣٣)، (٤٣٠٤)، (٦٧٨٧)، (٦٧٨٨)، (٦٨٠٠)، ومسلم فى كتاب الحدود، باب قطع السارق الشريف وغيره، والنهى عن الشفاعة فى الحدود حديث (١٦٨٨) من طرق عن الزهرى عن عروة به، والروايات مطولة ومختصرة وألفاظها متقاربة المعنى، واللفظ الذى ذكره المصنف لفظ مسلم برقم (٩/ ١٦٨٨)، واللفظ الثانى الذى ذكره الحافظ ابن كثير عند مسلم برقم (١٠/ ١٦٨٨).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ح.","vol":"5","page":217},{"text":"ثم قال رسول اللَّه ﷺ] [¬١]: \"قم يا بلال فخذ بيدها فاقطعها\" (^٤٤٦).\nوقد ورد في أحكام السرقة أحاديث كثيرة مذكورة في كتاب الأحكام، ولله الحمد والمنة.\nثم قال تعالى: ﴿ألم تعلم أن اللَّه له ملك السموات والأرض﴾ أي: هو المالك لجميع ذلك، الحاكم فيه الذي لا معقب لحكمه، وهو الفعال لما يريد [﴿يعذب من يشاء ويغفر لمن يشاء واللَّه على كل شيء قدير﴾] [¬٢].\n﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا\n_________\n(^٤٤٦) - رواه أحمد (٢/ ١٥١)، وأبو داود فى الحدود، باب: فى القطع فى العارية إذا جحدت، حديث (٤٣٩٥) والنسائى فى كتاب قطع السارق، باب ما يكون حرزًا وما لا يكون (٨/ ٧٠ - ٧١) من طريق عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن نافع عن ابن عمر وإسناده صحمِح على شرط الشيخين كما قال الألبانى فى إرواء الغليل (٨/ ٦٦).\nواللفظ الثانى رواه النسائى فى (٨/ ٧١) فال: أخبرنا عثمان بن عبد اللَّه قال حدثنى الحسن بن حماد، قال: حدثنا عمرو بين هاشم الجنبى أبو مالك عن عبيد اللَّه بن عمر عن نافع عن ابن عمر ﵄ به.\nومن طريقه رواه المزى فى \"تهذيب الكمال\" فى ترجمة الحسن بن حمّاد الحضرمى، وفى إسناده أبو مالك الجنبى قال البخارى فى التاريخ (٦/ ٣٨١) فيه نظر. وقال أبو حاتم الرازى فى الجرح والتعديل (٦/ ٢٦٧) بين الحديث يكتب حديثه. وقال النسائى: ليس بالقوى. وقال ابن حبان فى المجروحين (٢/ ٧٧): كان ممن يقلب الأسانيد ويروى عن الثقات ما لا يشبه حديث الأثبات، لا يجوز الاحتجاج بخبره. وقال ابن حجر فى \"التقريب\": بين أفرط فيه ابن حبان.\nورواه النسائى (٨/ ٧١) من طريق شعيب بن إسحاق عن عبيد اللَّه عن نافع به مرسلًا.\nوالحديث ذكره الحافظ فى فتح البارى (١٢/ ٩٠) من الطريقين وزاد نسبتهما إلى أبى عوانة.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز: \" ﴿يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله على كل شيء قدير﴾ \".","vol":"5","page":218},{"text":"أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٤١) سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٤٢) وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (٤٣) إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (٤٤)﴾\nنزلت هذه الآيات الكريمات فى المسارعين في الكفر، الخارجين عن طاعة الله ورسوله، المقدمين آراءهم [¬١] وأهواءهم على شرائع الله ﷿ ﴿مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ﴾ أي: أظهروا الإِيمان بألسنتهم، وقلوبهم خراب خاوية منه، وهؤلاء هم المنافقون ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا﴾ أعداء الإِسلام وأهله وهؤلاء كلهم ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ﴾ أي: مستجيبون [¬٢] له منفعلون عنه ﴿سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ﴾ أي: يستجيبون لأقوام آخرين [¬٣] لا يأتون مجلسك يا محمد، وقيل: المراد أنهم يتسمعون الكلام وينهونه إلى أقوام آخرين ممن لا يحضر عندك من أعدائك ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ﴾ أي: يتأولونه على غير تأويله ويبدِّلونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون ﴿يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا﴾.\nقيل: نزلت في أقوام من اليهود قتلوا قتيلًا، وقالوا: تعالوا حتَّى نتحاكم إلى محمد، فإن أفتانا بالدية فخذوا ما قال، وإن حكم بالقصاص فلا تسمعوا منه.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"أموالهم\".\n[¬٢]- في ز: \"يستجيبون\".\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.","vol":"5","page":219},{"text":"والصحيح: أنَّها نزلت فى اليهوديِّينْ اللذين [¬١] زنيا، وكانوا قد بدلوا كتاب الله الذي بأيديهم من الأمر برجم من أحصن منهم فحرّفوا، واصطحوا فيما بينهم على الجلد مائة جلدة، والتحميم والإِركاب على حمار مقلوبين، فلما وقعت تلك الكائنة بعد هجرة النبي ﷺ قالوا فيما بينهم: تعالوا حتَّى نتحاكم إليه، فإن حكم بالجلد والتحميم فخذوا عنه، واجعلوه حجة بينكم وبين الله، ويكون نبي من أنبياء الله قد حكم بينكم [¬٢] بذلك، [وإن حكم بالرجم فلا تتبعوه في ذلك.\nوقد وردت الأحاديث بذلك] [¬٣] فقال مالك، عن نافعٍ، عن عبد الله بن عمر ﵄ أنَّه قال: إن اليهود جاءوا إلى رسول الله ﷺ فذكروا له أن رجلًا منهم وامرأة زنيا، فقال لهم رسول الله ﷺ: \"ما تجدون في التوراة في شأن الرجم؟ \" فقالوا: نفضحهم ويجلدون. قال عبد الله بن سلام: كذبتم، إن فيها الرجم. فأتوا بالتوراة فنشروها، فوضع أحدهم يده على آية الرجم، فقرأ [¬٤] ما قبلها وما بعدها، فقال له عبد الله بن سلام: ارفع يدك. فرفع يده فإذا فيها [¬٥] آية الرجم، فقالوا: صدق يا محمد فيها آية الرجم. فأمر بهما رسول الله ﷺ فرجما، فرأيت الرجل يحني على المرأة يقيها الحجارة (^٤٤٧).\nأخرجاه [¬٦] وهذا لفظ البخاري، وفي لفظ له فقال لليهود: \"ما تصنعون بهما؟ \". قالوا:\n_________\n(^٤٤٧) - رواه مالك فى الموطأ فى الحدود باب: ما جاء فى الرجم حديث (١) ومن طريقه البخارى فى صحيحه فى المناقب. باب قول الله تعالى: ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ .....﴾ الآية حديث (٣٦٣٥).\nوفى الحدود، باب أحكام أهل الذمة وإحصانهم إذا زنوا. ورفعوا إلى الإِمام حديث (٦٨٤١) ومسلم فى الحدود، باب: رجم اليهود، أهل الذمة، فى الزنى، حديث (٢٧/ ١٦٩٩)، وأَبو داود فى الحدود، باب: فى رجم اليهوديين، حديث (٤٤٤٦)، والترمذى فى الحدود، باب: ما جاء فى رجم أهل الكتاب حديث (١٤٣٦) ورواية الترمذى مختصرة.\nورواه البخارى رقم (١٣٢٩)، (٤٥٥٦)، (٧٣٣٢)، (٧٥٤٣) ومسلم (١٦٩٩) وغيرهما من طرق عن نافع عن ابن عمر، والروايات مختصرة مطولة.\nورواه البخارى فى (٦٨١٩) من طريق عبد الله بن دينار عن ابن عمر نحو رواية نافع.\n_________\n[¬١]- في ز: \"الذين\".\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- في خ: \"فقال\".\n[¬٥]- سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- في ز: \"وأخرجاه\".","vol":"5","page":220},{"text":"نُسخِّم وجوههما ونخزيهما. قال: ﴿فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ فجاءوا فقالوا لرجل منهم ممن يرضون أعور: اقرأ، فقرأ حتَّى انتهى إلى موضع منها فوضع يده عليه، فقال [¬١]: ارفع يدك، فرفع فإذا آية الرجم تلوح، قال: يا محمد إن فيها آية الرجم ولكنا نتكاتمه بيننا، فأمر بهما فرجما (^٤٤٨).\nوعند مسلم: أن رسول الله ﷺ أتي بيهودي ويهودية قد زنيا، فانطلق رسول الله ﷺ حتَّى جاء يهود فقال: \"ما تجدون في التوراة على من زنى؟ \" قالوا: نسوّد وجوههما [ونحملهما ونخالف بين وجوههما] [¬٢] ويطاف بهما. قال: ﴿فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ قال: فجاءوا بها فقرءوها، حتَّى إذا مر بآية الرجم وضع الفتى الذي يقرأ يده على آية الرجم، وقرأ ما بين يديها وما وراءها، فقال له عبد الله بن سلام وهو مع رسول الله ﷺ: مره فليرفع يده. [فرفع يده] [¬٣] فإذا تحتها آية الرجم، فأمر بهما رسول الله ﷺ فرجما [¬٤]. قال عبد الله بن عمر: كنت فيمن رجمهما، فلقد رأيته يقيها من الحجارة بنفسه (^٤٤٩).\nوقال أَبو داود (^٤٥٠): حدَّثنا أحمد بن سعيد الهمداني، حدَّثنا ابن وَهْب، حدَّثنا هشام بن\n_________\n(^٤٤٨) - رواه البخارى فى التوحيد، باب: ما يجوز من تفسير التوراة من كتب الله بالعربية وغيرها .. حديث (٧٥٤٣)، وانظر الحديث السابق.\n(^٤٤٩) - صحيح مسلم كتاب الحدود، باب رجم اليهود، أهل الذمة فى الزنى، حديث (٢٦/ ١٦٩٩)، وانظر الحديث (٤٦٧).\n(^٤٥٠) - رواه فى سننه كتاب الحدود، باب: فى رجم اليهوديين حديث (٤٤٤٩) وقد تقدم الحديث من طريق نافع عن ابن عمر برقم (٤٦٧) وهو فى الصحيحين وغيرهما. وإسناد حديث أبي داود هذا حسن كما قال الألبانى فى إرواء الغليل (٥/ ٩٤) فإن أحمد بن سعيد الهمدانى قال فيه النسائى: ليس بالقوى. وقال: لو رجع عن حديث الغار لحدثت عنه.\nلكن ترجم له الذهبى في الميزان (١/ ١٠٠) فقال: لا بأس به.\nوقال ابن حجر ﵀ فى \"التقريب\": صدوق. وهشام بن سعد يعتبر بحديثه فى الشواهد والمتابعات فقد ضعفه يحيى بن سعيد القطان وأحمد بن حنبل، وقال ابن معين مرة: ضعيف، وقال مرة: ليس بمتروك الحديث، وضعفه النسائى أيضًا، وقال أَبو زرعة الرازى: شيخ محله الصدق، وكذا محمد بن إسحاق هكذا هو عندى، وهشام أحب إلى من محمد بن إسحاق، وقال أَبو حاتم: \"كتب حديثه ولا يحتج به ومحمد بن إسحاق عندى واحد لكن روى أَبو عبيد الآجرى عن أبي داود قال: هشام بن سعد =\n_________\n[¬١]- في ز: \"قال\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٤]- في ز: \"فرجمهما\".","vol":"5","page":221},{"text":"سعد: أن زيد بن أسلم حدثه عن ابن عمر قال: أتى نفر من اليهود فدعوا رسول الله ﷺ إلى القف فأتاهم فى بيت المدراس، فقالوا: يا أبا القاسم إن رجلا منا زنى بامرأة فاحكم. قال: ووضعوا لرسول الله ﷺ وسادة، فجلس عليها، ثم قال: \"ائتوني\" [¬١] [بالتوراة\". فأتي بها فنزع الوسادة من تحته، ووضع التوراة عليها، وقال: \"آمنت بك وبمن أنزلك\". ثم قال] [¬٢]: \"ائتوني [¬٣] بأعلمكم\". فأتي بفتى شاب، ثم ذكر قصة الرجم نحو حديث مالك، عن نافع.\nوقال الزُّهْريّ: سمعت رجلًا من مزينة ممن يتبع العلم ويعيه، ونحن عند ابن المسيب، عن أبي هريرة قال: زنى رجل من اليهود بامرأة، فقال بعضهم لبعض: اذهبوا إلى هذا النبي فإنه بعث بالتخفيف، فإن أفتانا بفتيا دون الرجم قبلنا واحتججنا بها عند الله، قلنا: فتيا [نبى من أنبيائك] [¬٤]. قال: فأتوا النبي ﷺ وهو جالس في المسجد في أصحابه، فقالوا: يا أبا القاسم، ما تقول في رجل وامرأة منهم زنيا؟ فلم يكلمهم كلمة حتَّى أتى بيت مدراسهم [¬٥]؛ فقام على الباب فقال: \"أنشدكم بالله الذي أنزل التوراة على موسى، ما تجدون في التوراة على من زنى إذا أحصن\". قالوا: يحمم ويجبه ويجلد. والتجبية: أن يحمل الزانيان على حمار، وتقابل أقفيتهما، ويطاف بهما. قال: وسكت شاب منهم، فلما رآه رسول الله ﷺ سكت ألظ به رسول الله ﷺ النشدة، فقال: اللهم إذ نشدتنا فإنا نجد في التوراة الرجم. فقال النبي ﷺ \"فما أوَّل ما ارتخصتم أمر الله\"؟ فقال: زنى ذو ترابة من ملك من ملوكنا، فأخر عنه الرجم، ثم زنى رجل في إثره من الناس، فأراد رجمه فحال قومه دونه، وقالوا: لا يرجم صاحبنا حتَّى تجيء بصاحبك فترجمه، فاصطحوا هذه العقوبة بينهم، فقال النبي ﷺ: \"فإني أحكم بما في التوراة\". فأمر بهما فرجما. قال الزُّهْريّ: فبلغنا أن هذه الآية نزلت فيهم: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا﴾ فكان النبيّ ﷺ منهم (^٤٥١).\n_________\n= أثبت الناس فى زيد بن أسلم. قلت: فحديثه عن زيد قابل للتحسين خصوصًا وقد جاء الحديث من غير طريق عن ابن عمر رض الله عنهما.\n(^٤٥١) - رواه أَبو داود فى الحدود، باب: فى رجم اليهوديين حديث (٤٤٥٠) قال: حدَّثنا محمد بن يحيى، ثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر عن الزهرى ثنا رجل من مزينة، ح، وثنا أحمد بن صالح ثنا =\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين فى ز: \"بنى إسرائيل\".\n[¬٥]- في ز: \"مدارسهم\".","vol":"5","page":222},{"text":"رواه أحمد، وأَبو داود وهذا لفظه، وابن جرير.\nوقال الإِمام أحمد (^٤٥٢): حدَّثنا أَبو معاوية، حدَّثنا الأعمَش، عن عبد الله بن مرة، عن البراء بن عازب قال مر على رسول الله ﷺ يهودي محمم مجلود فدعاهم فقال: \"أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم\"؟ فقالوا: نعم فدعا رجلا من علمائهم فقال: \"أنشدك بالذي أنزل التوراة على موسى أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم\"؟ فقال: لا والله ولولا أنك نشدتني بهذا لم أخبرك، نجد حد الزاني في كتابنا الرجم، ولكنه كثر في أشرافنا، فكنا إذا أخذنا الشريف تركناه، وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد، فقلنا: تعالوا حتَّى نجعل شيئًا نقيمه على الشريف والوضيع، فاجتمعنا على التحميم والجلد. فقال\n_________\n= عنبسة ثنا يونس قال: قال محمد بن مسلم: سمعت رجلًا من مزينة ممن يتبع العلم ويعيه … فذكر الحديث كما نقله المصنف هنا.\nوالحديث رواه أَبو داود أيضًا برقم (٤٤٥١) ومن طريقه البيهقى فى السنن (٨/ ٢٤٧) من طريق ابن إسحاق عن الزهرى قال: سمعت رجلًا من مزينة يحدث عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة فذكره بمعنى الرواية الأولى.\nورواه البيهقى (٨/ ٢٤٦ - ٢٤٧) من طريق أخرى عن ابن إسحاق، قال: حدثنى الزهرى فذكره نحوه، وصرح بالسماع من الزهرى ورواه أيضًا فى الأقضية، باب كيف يحلف الذمى؟؟ حديث (٣٦٢٥) من طريق ابن إسحاق أيضًا ورواه ابن جرير فى تفسيره (١٠/ ٣٠٣) (١١٩٢١) من طريق ابن إسحاق قال: حدثنى الزهرى قال: سمعت رجلًا من مزينة يحدث عن سعيد بن المسيب أن أبا هريرة حدثهم … فذكره، ورواه أَبو داود برقم (٣٦٢٤) من طريق عبد الرزاق أخبرنا معمر عن الزهرى ثنا رجل من مزينة، ونحن عند سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال: قال النبيّ ﷺ يعنى لليهود -: \"أنشدكم بالله الذى أنزل التوراة على موسى، ما تجدون فى التوراة على من زنى\".\nوساق الحديث فى قصة الرجم. ورواه أحمد فى مسنده (٢/ ٢٧٩) قال حدَّثنا عبد الرزاق … فذكره بإسناده إلى ابن المسيب أن النبيّ ﷺ رجم يهوديًّا ويهودية.\nوالحديث رجاله ثقات إلَّا أن الرجل الزنى لم يسم لكن يشهد له حديث ابن عمر المتقدم رقم (٤٦٧).\n(^٤٥٢) - رواه فى مسنده (٤/ ٢٨٦) كما نقله عنه ابن كثير ﵀ هنا ثم أعاده مرة أخرى بنفس الإسناد مختصرًا فى نفس الصفحة.\nوالحديث رواه مسلم فى صحيحه كتاب الحدود، باب رجم اليهود، أهل الذمة فى الزنى حديث (١٧٠٠) وأَبو داود فى الحدود، باب: فى رجم اليهودين حديث (٤٤٤٧)، (٤٤٤٨)، والنسائى فى الكبرى كتاب الرجم، باب: إقامة الإِمام الحد على أهل الكتاب إذا تحاكموا إليه حديث (٧٢١٨) وفى التفسير حديث (١١١٤٤) وابن ماجه فى الأحكام، باب: بما يستحلف أهل الكتاب حديث (٢٣٢٧) مختصرًا، وفى الحدود، باب رجم اليهودى واليهودية حديث (٢٥٥٨) مطولًا، وأحمد فى المسند (٤/ ٢٩٠، ٣٠٠) من طريق الأعمش عن عبد الله بن مرة به.","vol":"5","page":223},{"text":"النبي ﷺ: \"اللهم إني أوَّل من أحيا أمرك إذ أماتوه\". قل: فأمر به فرجم. قال: فأنزل الله ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ إلى قوله: ﴿يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ﴾ أي: يقولون أسلموا محمدًا فإن أفتاكم بالتحميم والجلد فخذوه، وإن أفتاكم بالرجم فاحذروا. إلى قوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾. قال: في اليهود إلى قوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ قال: في اليهود. ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ قال: في الكفار كلهم.\nانفرد بإخراجه مسلم دون البخاري، وأَبو داود والنَّسائي وابن ماجة من غير وجه، عن الأعمَش به.\nوقال الإِمام أَبو بكر عبد الله بن الزبير الحميدي فى مسنده (^٤٥٣): حدَّثنا سفيان بن عيينة، عن مجالد بن سعيد الهمداني، عن الشعبى، عن جابر بن عبد الله، قال: زنى رجل من أهل فدك، فكتب أهل فدك إلى ناس من اليهود بالمدينة: أن سلوا محمدًا عن ذلك، فإن أمركم بالجلد فخذوه عنه، وإن أمركم بالرجم فلا تأخذوا عنه، فسألوه عن ذلك فقال: \"أرسلوا إليَّ أعلم رجلين فيكم\". فجاءوا برجل أعور يقال له: ابن صوريا وآخر، فقال لهما النبي ﷺ: [\"أنتما أعلم من قبلكما\". فقالا: قد دعانا قومنا لذلك. فقال النبي\n_________\n(^٤٥٣) - مسند الحميدى (١٢٩٤). ورواه أَبو داود فى الحدود، باب فى رجم اليهوديين حديث (٤٤٥٢) وابن ماجة فى السنن كتاب الأحكام، باب بما يستحلف أهل الكتاب حديث (٢٣٢٨) مختصرًا من طريق أبي أسامة عن مجالد به، ورواية ابن ماجة مقتصرة على أن رسول الله ﷺ قفال ليهوديين: \"أنشدتكما بالله الذى أنزل التوراة على موسى ﵇ … \".\nوفى رواية أبي داود: \"فدعا رسول الله ﷺ بالشهود فجاء أربعة فشهدوا\".\nوقد ذكر المصنف ﵀ لفظ أبي داود كاملًا.\nوذكر الشهود فى هذه الرواية منكر، وقد رواها الدارقطني فى سننه (٤/ ١٧٠) وإسحاق بن راهويه وأَبو يعلى والبزار فى مسانيدهم، كما فى نصب الراية (٤/ ٨٥) كلهم قالوا: فدعا بالشهود فشهدوا.\nقال الزيلعى: وقال فى \"التنقيح\" قوله فى الحديث: فدعا بالشهود فشهدوا زيادة فى الحديث تفرد بها مجاهد ولا يحتج بما تفرد به. قال ابن عدى: عامة ما يرويه غير محفوظ.\nوقد رواه أَبو داود (٤٤٥٣) عن هُشَيم عن مغيرة عن إبراهيم والشعبى عن النبيّ ﷺ نحو رواية مجالد ولم يذكر: فدعا بالشهود فشهدوا.\nوالموصول ذكره السيوطى فى الدر المنثور (٢/ ٥٠٠) وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن مردويه، وصححه الألبانى فى صحيح أبي داود رقم (٣٧٤٠، ٣٧٤١) بشواهده.","vol":"5","page":224},{"text":"ﷺ] [¬١] لهما: \"أليس عندكما التوراة فيها حكم الله\". قالا: بلى. فقال النبي ﷺ: \"فأنشدكم بالذي فلق البحر لبني إسرائيل، وظلل عليكم الغمام، وأنجاكم من آل فرعون، وأنزل المن والسلوى على بني إسرائيل، ما تجدون في التوراة في شأن الرجم؟ \". فقال أحدهما للآخر: ما نشدت بمثله قط. قالا: نجد ترداد النظر زنية، والاعتناق زنية، والتقبيل زنية، فإذا شهد أربعة أنهم رأوه يبدئ ويعيد كما يدخل الميل في المكحلة، فقد وجب الرجم. فقال النبي ﷺ: \" هو ذاك\". فأمر به فرجم، فنزلت: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٤٢)﴾.\nورواه أبو داود وابن ماجة: من حديث مجالد به نحوه، ولفظ أبي داود: عن جابر، قال: جاءت اليهود برجل وامرأة منهم زنيا، فقال ﷺ: \"ائتوني بأعلم رجلين منكم\" فأتوه بابني صوريا فنشدهما: \"كيف تجدان أمر هذين في التوراة؟ \" قالا: نجد في التوراة إذا شهد أربعة أنَّهم رأوا ذكره في فرجها مثل الميل في المكحلة رجما. قال: \"فما يمنعكم أن ترجموهما\". قالا: ذهب سلطاننا، فكرهنا القتل. فدعا رسول الله ﷺ بالشهود، فجاء أربعة فشهدوا: أنهم رأوا ذكره [في فرجها] [¬٢] مثل الميل في المكحلة، فأمر رسول الله ﷺ برجمهما.\nثم رواه أبو داود: عن الشعبي وإبراهيم النخعي مرسلًا، ولم يذكر فيه: فدعا بالشهود فشهدوا.\nفهذه أحاديث دالة على أن رسول الله ﷺ حكم بموافقة حكم التوراة، وليس هذا من باب الإلزام لهم بما يعتقدون صحته؛ لأنهم مأمورون باتباع الشرع المحمدي لا محالة، ولكن هذا بوحي خاص من الله ﷿ إليه بذلك وسؤاله إياهم عن ذلك، ليقرّرهم على ما [¬٣] بأيديهم مما تراضوا على كتمانه وجحده، وعدم العمل به تلك الدهور الطويلة، فلما اعترفوا به مع عملهم [¬٤] على خلافه، بان زيغهم وعنادهم وتكذيبهم لما يعتقدون صحته من الكتاب الذي بأيديهم، وعدولهم إلى تحكيم الرسول ﷺ إنما كان عن هوى منهم وشهرة، لموافقة آرائهم لا لاعتقادهم صحة ما يحكم به، ولهذا قالوا [¬٥]: ﴿إِنْ أُوتِيتُمْ\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- في ز: \"علمهم\".\n[¬٥]- في ز: \"قال و\".","vol":"5","page":225},{"text":"هَذَا﴾ أي: الجلد والتحميم ﴿فَخُذُوهُ﴾ أي: اقبلوه ﴿وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا﴾ أي: من قبوله واتباعه. قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٤١) سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ﴾ أي: الباطل ﴿أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ أي: الحرام وهو الرشوة، كما قاله ابن مسعود (^٤٥٤) وغير واحد، أي: ومن كانت هذه صفته كيف يطهر الله قلبه، وأنى يستجيب له.\nثم قال لنبيه: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ﴾ أي: يتحاكمون إليك ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا﴾ أي: فلا عليك أن لا تحكم بينهم؛ لأنهم لا يقصدون بتحاكمهم إليك اتباع الحق بل ما وافق أهواءهم [¬١]. قال ابن عبَّاس، ومجاهد، وعكرمة، والحسن، وقَتَادة، والسدي، وزيد بي أسلم، [وعطاء] [¬٢] الخراساني: هي منسوخة بقوله: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾، ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾. أي: بالحق والعدل، وإن كانوا ظلمة خارجين عن طريق العدل ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾.\nثم قال تعالى منكرًا عليهم في آرائهم الفاسدة، ومقاصدهم الزائغة، في تركهم ما يعتقدون صحته من الكتاب الذي بأيديهم الذي يزعمون أنَّهم مأمورون بالتمسك به أبدًا، ثم خرجوا عن حكمه، وعدلوا إلى غيره مما يعتقدون في نفس الأمر بطلانه، وعدم لزومه لهم فقال: ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾.\nثم مدح التوراة التي أنزلها على عبده ورسوله موسى بن عمران فقال: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا﴾ أي: لا يخرجون عن حكمها، ولا يبدلونها، ولا يحرِّفونها، ﴿وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ﴾ أي: وكذلك الربانيون [] [¬٣] وهم\n_________\n(^٤٥٤) - رواه ابن جرير فى تفسيره (١١٩٤٧)، (١١٩٤٩)، (١١٩٥١)، (١١٩٥٨) من طريق سالم ابن أبي الجعد عن مسروق عن عبد الله بن مسعود وللأثر طرق أخرى عن ابن مسعود عند ابن جرير، وذكره السيوطى فى الدر المنثور (٢/ ٥٠٢) وزاد نسبته لعبد الرزاق، والفريابى وعبد بن حميد وأبن أبي حاتم وهو عند ابن أبي حاتم فى التفسير (٤/ ١١٤٣) (٦٣٨٢) من طريق عبيد الله بن أبي الجعد عن مسروق عن عبد الله بن مسعود قال: من شفع لرجل ليدفع عنه مظلمة أو يرد عليه حقًّا فأهدى له هدية فقبلها فذلك السحت. فقلنا: يا أبا عبد الرحمن، إنا كنا نعد السحت الرشوة فى الحكم فقال عبد الله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾.\n_________\n[¬١]- في ز: \"هواهم\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في ز: \"منهم\".","vol":"5","page":226},{"text":"[العلماء العباد] [¬١]، والأحبار هم [¬٢] العلماء ﴿بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ﴾ أي: بما استردعوا من كتاب الله الذي أمروا أن يظهروه ويعملوا به ﴿وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾ أي: لا تخافوا منهم وخافوني ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ فيه قولان سيأتي بيانهما.\n\n<span data-type='title' id=toc-101>سبب آخر [في نزول] [¬٣] هذه الآيات الكريمات</span>\nقال الإِمام أحمد (^٤٥٥): حدَّثنا إبراهيم بن العباس، حدثني عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، عن عبيد [¬٤] الله بن عبد الله، عن ابن عبَّاس، قال: إن الله أنزل: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾، ﴿فَأُولَئِكَ [¬٥] هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ قال: قال ابن عبَّاس: أنزلها الله في الطائفتين من اليهود، كانت إحداهما قد قهرت الأخرى في الجاهلية حتَّى ارتضوا، واصطلحوا على أن كل قتيل قتلته العزيزة من الذليلة [فديته خمسون وَسْقًا، وكل قتيل قتلته الذليلة من العزيزة فديته مائة وسق، فكانوا على ذلك حتَّى قدم النبي ﷺ، فذلت الطائفتان كلتاهما؛ لمقدم رسول الله ﷺ ويومئذٍ لم يظهر، ولم يوطئها عليه، وهو في الصلح، فقتلت الذليلة] [¬٦] [من العزيزة قتيلا] [¬٧]، فأرسلت العزيزة إلى الذليلة: أن ابعثوا لنا بمائة وسق، فقالت الذليلة: وهل كان هذا [¬٨] في حيين قط [¬٩] دينهما واحد، ونسبهما واحد، وبلدهما واحد، دية بعضهم نصف دية بعض إنما أعطيناكم هذا ضيما منكم لنا وفرقا منكم، فأما إذ قدم محمد فلا نعطيكم.\n_________\n(^٤٥٥) - المسند (١/ ٢٤٦) ورواه أَبو داود فى سننه فى الأقضية، باب: فى القاضى يخطئ، حديث (٣٥٧٦) من طريق زيد بن أبي الزرقاء ثنا ابن أبي الزناد عن أبيه عن عبيد الله عن ابن عبَّاس قال: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ إلى قوله ﴿الْفَاسِقُونَ﴾ هؤلاء الآيات الثلاث نزلت فى اليهود خاصة فى قريظة والنضير.\nوالحديث ذكره السيوطى فى الدر المنثور (٢/ ٤٩٨) وزاد نسبته لابن جرير، وابن المنذر والطبرانى، وأبي الشيخ وابن مردويه.\nوقال الألبانى فى صحيح أبي داود (٣٠٥٣) حسن صحيح الإسناد.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ز: \"العباد العلماء\"، وفي خ: \"العلماء\".\n[¬٢]- في ز: \"وهم\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في ز: \"لنزول\".\n[¬٤]- في ز: \"عبد\".\n[¬٥]- في ز: \"وأولئك\".\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٨]- سقط من: ز، خ.\n[¬٩]- سقط من: ز، خ.","vol":"5","page":227},{"text":"فكادت الحرب تهيج بينهما، ثم ارتضوا على أن يجعلوا [¬١] رسول الله ﷺ بينهم، ثم ذكرت العزيزة فقالت: والله ما محمد بمعطيكم منهم ضعف ما يعطيهم منكم، ولقد صدقوا ما أعطونا هذا إلَّا ضيمًا منا وقهرًا لهم، فدسوا إلى محمد من يخبر لكم رأيه إن أعطاكم ما تريدون حكمتموه، وإن لم يعطكم حذرتم فلم تحكُموه، فدسوا إلى رسول الله ﷺ ناسًا من المنافقين ليخبروا لهم رأي رسول الله ﷺ، فلما جاءوا [¬٢] رسول الله ﷺ، أخبر الله رسوله ﷺ بأمرهم كله وما أرادوا، فأنزل الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ إلى قوله: ﴿الفاسقون﴾ ففيهم والله أنزل، وإياهم عنى الله ﷿.\nورواه أَبو داود من حديث ابن أبي الزناد، عن أبيه بنحوه.\nوقال أَبو جعفر بن جرير (^٤٥٦): حدَّثنا هناد بن السري وأَبو كريب، قالا: حدَّثنا يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق، حدثني داود بن الحصين، عن عكرمه، عن ابن عبَّاس: أن الآيات التي [¬٣] في المائدة قوله: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ إلى ﴿المقسطين﴾ إنما أنزلت في الدية في بني النضير وبني قريظة؛ وذلك أن قتلى بني النضير كان لهم شرف تودى الدية كاملة، وأن قريظة كان يُودَوْن [¬٤] لهم [¬٥] نصف الدية، فتحاكموا في ذلك إلى رسول الله ﷺ فأنزل الله ذلك فيهم، فحملهم رسول الله ﷺ على الحق في ذلك، فجعل الدية في ذلك سواء. والله أعلم أي ذلك كان.\nورواه أحمد، وأَبو داود، والنَّسائي من حديث ابن إسحاق بنحوه [¬٦].\n_________\n(^٤٥٦) - التفسير (١٠/ ٣٢٦) (١١٩٧٤)، ورواه أحمد (١/ ٣٦٣)، وأَبو داود فى الأقضية، باب: الحكم بين أهل الذمة حديث (٣٥٩١)، والنسائى (٨/ ١٩) كتاب القسامة، باب تأويل قول الله تعالى: ﴿وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط﴾ من طريقين عن محمد بن إسحاق به.\nوإسناده حسن فإن ابن أبي إسحاق صدوق وقد صرح بالسماع فى رواية ابن جرير فزالت شبهة تدليسه، والله أعلم.\nوقد صحح إسناده العلامة أحمد شاكر فى تعليقه على المسند.\n_________\n[¬١]- في ز: \"جعلوا\"\n[¬٢]- في ز: \"جاء\".\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- في ز: \"يؤدون\".\n[¬٥]- سقط من: خ.\n[¬٦]- سقط من: ز، خ.","vol":"5","page":228},{"text":"ثم قال ابن جرير (^٤٥٧): حدثنا أبو كريب، حدثنا عبيد الله بن موسى، عن علي بن صالح، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: كانت قريظة والنضير، وكانت النضير أشرف من قريظة، فكان إذا قتل رجل من قريظة [رجلًا من النضير] [¬١] قتل به، وإذا قتل رجل من النضير رجلًا من قريظة ودى بمائة [¬٢] وسق من [¬٣]، تمر، فلما بعث رسول الله ﷺ قتل رجل من النضير رجلا من قريظة، فقالوا: ادفعوه إلينا [¬٤]. فقالوا: بيننا وبينكم رسول الله ﷺ. فنزلت [¬٥]: ﴿وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط﴾.\nورواه أبو داود، والنسائي، وابن حبان، والحاكم في المستدرك: من حديث عبيد الله بن موسى بنحوه.\nوهكذا قال قتادة، ومقاتل بن حيان، وابن زيد، وغير واحد.\nوقد روى العوفي، وعلى بن أبي طلحة الوالبي، عن ابن عباس: أن هذه الآيات نزلت في اليهوديين اللذين [¬٦] زنيا. كما تقدمت الأحاديث بذلك (^٤٥٨)، وقد يكون اجتمع هذان السببان في وقت واحد، فنزلت هذه الآية [¬٧] في ذلك كله والله أعلم.\n_________\n(^٤٥٧) - رواه فى تفسيره (١٠/ ٣٢٧) (١١٩٧٥)، ورواه أبو داود فى الديات، باب النفس بالنفس حديث (٤٤٩٤)، والنسائى فى القسامة، باب تأويل قول الله تعالى: ﴿وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط﴾ (٨/ ١٨ - ١٩) والحاكم فى المستدرك (٤/ ٣٦٦)، وابن حبان (١١/ ٤٤٢) (٥٠٥٧). والبيهقى فى السنن (٨/ ٢٤) من طرق عن عبيد الله بن موسى به، وصححه الحاكم ووافقه الذهبى وقد تقدم من غير هذا الطريق رقم (٤٦٤)، (٤٦٤).\n(^٤٥٨) - رواه ابن جرير فى تفسيره (١٠/ ٣١٥) (١١٩٣٦) من طريق على بن أبى طلحة عن ابن عباس قوله: ﴿إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا﴾ هم اليهود زنت منهم امرأة … فذكر القصة، ورواه فى (١٠/ ٣٢٥) (١١٩٧٢) من طريق العوفى عن ابن عباس بمعناه مختصرًا من رواية على بن أبى طلحة.\nوالأثر: ذكره السيوطى فى الدر المنثور (٢/ ٥٠٠) وزاد نسبته للطبرانى وابن مردويه.\nوذكره الهيثمى فى مجمع الزوائد (٧/ ١٨) وقال: \"رواه الطبرانى وعلى بن أبي طلحة لم يسمع من ابن عباس\". قلت: تقدم الكلام على رواية على عن ابن عباس فى تفسير سورة البقرة وغيرها.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٢]- في ز: \"مائة\"\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- في ز: \"إليه\"\n[¬٥]- سقط من: ز.\n[¬٦]- في ز: \"الذين\"\n[¬٧]- في ز: \"الآيات\".","vol":"5","page":229},{"text":"ولهذا قال بعد ذلك: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ إلى آخرها، وهذا يقوي أن سبب النزول قضية القصاص، والله ﷾ أعلم.\nوقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ قال البراء بن عازب، وحذيفة بن اليمان، وابن عباس، وأبو مجلز، وأبو رجاء العطاردي، وعكرمة، وعبيد الله بن عبد الله، والحسن البصري، وغيرهم: نزلت في أهل الكتاب. زاد الحسن البصري: وهى علينا واجبة.\nوقال عبد الرزاق [¬١]: عن سفيان الثوري، عن منصور، عن إبراهيم، قال: نزلت هذه الآيات في بني إسرائيل، ورضي الله لهذه الأمة بها، رواه ابن جرير (^٤٥٩).\nوقال [ابن جرير] [¬٢] أيضًا (^٤٦٠): حدثنا يعقوب، حدثنا هشيم، أخبرنا عبد الملك بن أبي سليمان، عن سلمة بن كهيل، عن علقمة ومسروق: أنهما سألا ابن مسعود عن الرشوة؟ فقال: من السحت. قال: فقالا: وفي الحكم؟ قال: ذاك الكفر. ثم تلا: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾.\nوقال السدي: ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون﴾ يقول: ومن لم يحكم بما أنزلت فتركه عمدًا، أو جار وهو يعلم فهو من الكافرين (^٤٦١).\nوقال على بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون﴾ قال: من جحد ما أنزل الله فقد كفر، ومن أقرّ به ولم يحكم فهو ظالم فاسق. رواه ابن جرير (^٤٦٢).\n_________\n(^٤٥٩) - رواه عبد الرزاق فى تفسيره (١/ ١٩١) ومن طريقه ابن جرير الطبرى فى تفسيره (١٠/ ٣٥٦) (١٢٠٥٧). وذكره السيوطى فى الدر المنثور (٢/ ٥٠٧) وزاد نسبته لعبد بن حميد وأبى الشيخ.\n(^٤٦٠) - رواه فى تفسيره (١٠/ ٣٥٧) (١٢٠٦) وإسناده صحيح.\n(^٤٦١) - رواه ابن جرير فى تفسيره (١٠/ ٣٥٧) (١٢٠٦٢)، وابن أبى حاتم فى تفسيره (٤/ ١١٤٢) (٦٤٢٧).\n(^٤٦٢) - رواه فى تفسيره (١٠/ ٣٥٧) (١٢٠٦٣) وقد تقدم الكلام على إسناده. وذكره السيوطى فى الدر المنثور (٢/ ٥٠٧) وزاد نسبته لابن المنذر، وابن أبى حاتم. وهو فى تفسير ابن أبى حاتم (٤/ ١١٤٢) (٦٤٢٧).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"الوارث\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"5","page":230},{"text":"ثم اختار أن الآية المراد بها أهل الكتاب، أو من جحد حكم الله المنزل في الكتاب.\nوقال عبد الرزاق (^٤٦٣): عن الثوري، عن زكريا، عن الشعبي ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ قال: للمسلمين.\nوقال ابن جرير (^٤٦٤): حدثنا ابن المثنى، حدثنا عبد الصمد، حدثنا شعبة، عن ابن أبي السفر، عن الشعبي ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ قال: هذا في المسلمين ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ قال: هذا فى اليهود] [¬١] ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ قال: هذا في النصارى. وكذا رواه هشيم، والثوري، عن زكريا بن أبي زائدة، عن الشعبي.\nوقال عبد الرزاق أيضًا (^٤٦٥): أخبرنا معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، قال: سئل ابن عباس عن قوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾، قال: هي به كفر. قال ابن طاوس: وليس كمن كفر بالله وملائكته وكتبه ورسله.\nوقال الثوري: عن ابن جريج، عن عطاء، أنه قال: كفر دون كفر، وظلم دون ظلم، وفسق دون فسق. رواه ابن جرير (^٤٦٦).\n_________\n(^٤٦٣) - رواه عبد الرزاق فى تفسيره (١/ ١٩١) بسنده إلى الشعبى قال: الأولى للمسلمين، والثانية لليهود، والثالثة للنصارى ومن طريق عبد الرزاق أخرجه ابن جرير فى تفسيره (١٠/ ٣٥٥) (١٢٠٤٥) وابن أبى حاتم (٤/ ١١٤٣) (٦٤٣٣) ولفظ ابن أبى حاتم مختصر كما نقله ابن كثير، ورواه ابن جرير فى تفسيره (١٢٠٣٨)، (١٢٠٤٣) (١٢٠٤٤) (١٢٠٤٦) من طرق عن زكريا عن الشعبي ورواه فى (١٢٠٣٩ - ١٢٠٤٢) من طرق عن الشعبى نحو رواية زكريا. والأثر: ذكره السيوطى فى الدر المنثور (٢/ ٥٠٧) وزاد نسبته لعبد بن حميد، وابن المنذر وأبي الشيخ.\n(^٤٦٤) - رواه فى تفسيره (١٠/ ٣٥٤) (١٢٠٤٢)، وانظر السابق.\n(^٤٦٥) - رواه فى تفسيره (١/ ١٩١)، ومن طريقه ابن جرير فى تفسيره (١٠/ ٣٥٦) (١٢٠٥٥)، وابن أبى حاتم (٤/ ١١٤٣) (٦٤٣٥) ورواه ابن جرير فى (١٢٠٥٣)، (١٢٠٥٤) من طريقه عن سفيان عن عمر به، لكن أدخل كلام طاوس فى كلام ابن عباس، وسيأتى الأثر من طريق آخر عن طاوس عن ابن عباس برقم (٤٨٨).\n(^٤٦٦) - رواه ابن جرير فى تفسيره (١٠/ ٣٥٥) (١٢٠٤٧)، (١٢٠٥٠)، (١٢٠٥١) من طريقين عن سفيان به ورواه أيضًا رقم (١٢٠٤٨)، (١٢٠٤٩) من طريق حماد عن أيوب ابن أبى تميمة عن عطاء ابن أبى رباح نحو رواية سفيان عن ابن جريج.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.","vol":"5","page":231},{"text":"وقال وكيع: عن سفيان عن سعيد المكي، عن طاوس: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ قال: ليس بكفر ينقل عن الملة (^٤٦٧).\nوقال ابن أبي حاتم (^٤٦٨): حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد المقري، حدثنا سفيان بن عيينة، عن هشام بن حجير [¬١]، عن طاوس، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ قال: ليس بالكفر [الذي تذهبون] [¬٢] إليه.\nورواه الحاكم في مستدركه من حديث سفيان بن عيينة، وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.\n﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٤٥)﴾\nوهذا أيضًا مما وبخت به اليهود وقرعوا عليه، فإن عندهم في نص التوراة أن النفس بالنفس، وهم يخالفون حكم ذلك عمدًا وعنادًا، ويقيدون النضري من القرظي، ولا يقيدون القرظي من النضري بل يعدلون إلى الدية، كما خالفوا حكم التوراة المنصوص عندهم في رجم الزاني المحصن، وعدلوا إلى ما اصطلحوا عليه من الجلد والتحميم والإِشهار، ولهذا قال هناك: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾؛ لأنهم جحدوا حكم الله قصدًا منهم وعنادًا وعمدًا، وقال هاهنا: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾؛ لأنهم لم ينصفوا المظلوم من\n_________\n(^٤٦٧) - رواه ابن جرير فى تفسيره (١٠/ ٣٥٥) (١٢٠٥٢).\n(^٤٦٨) - رواه فى تفسيره (٤/ ١١٤٣) (٦٤٣٤)، ورواه الحاكم فى \"مستدركه\" (٢/ ٣١٣) من طريق على بن حرب عن سفيان به. وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبى. وهشام بن حجير وثقه العجليّ، وابن شبرمة وذكره ابن حبان فى \"الثقات\" (٧/ ٥٦٧) ووثقه الذهبى، وقال أبو حاتم: يكتب الحد بمكة، وضعفه أحمد بن حنبل وابن معين ويحيى بن سعيد القطان، والعقيلى، وذكر أبو داود أنه ضرب الحد بمكة. قال ابن حجر فى \"التقريب\": صدوق له أوهام.\nقلت: روى له البخارى حدثنا واحدا بمتابعة عبد الله بن طاوس وروى له مسلم والنسائى. فمثل هذا الإسناد لا يمكن تصحيحه مع هذا الكلام فى هشام.\n_________\n[¬١]- في ز: \"حجيز\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز: \"الذين يذهبون\".","vol":"5","page":232},{"text":"الظالم [في الأمر] [¬١] الذي أمر الله بالعدل والتسوية بين الجميع فيه، فخالفوا وظلموا [وتعدَّى بعضهم على بعض] [¬٢].\nوقال الإمام أحمد (^٤٦٩): حدثنا [يحيى بن آدم] [¬٣]، حدثنا ابن المبارك، عن يونس بن يزيد، عن أبى على بن يزيد - أخي يونس بن يزيد -، عن الزهريّ، عن أنس بن مالك: أن رسول الله ﷺ قرأها: (وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعيُن بالعين) نصب النفس ورفع العين.\nوكذا رواه أبو داود، والترمذي، والحاكم في مستدركه: من حديث عبد الله بن المبارك، وقال الترمذي: حسن غريب.\nوقال البخاري: تفرّد ابن المبارك بهذا الحديث.\nوقد استدل كثير ممن ذهب من الأصوليين والفقهاء إلى أن: شرع من قبلنا شرع لنا إذا حكى مقررًا ولم ينسخ، كما هو المشهور عن الجمهور، وكما حكاه الشيخ أبو إسحاق الإسفراييني عن نص الشافعي وأكثر الأصحاب - بهذه الآية حيث كان الحكم عندنا على وفقها في الجنايات عند جميع الأئمة.\n_________\n(^٤٦٩) - رواه فى \"مسنده\" (٣/ ٢١٥)، ورواه أبو داود فى سننه أول كتاب الحروف والقراءات، حدث (٣٩٧٦)، (٣٩٧٧)، والترمذي في كتاب القراءات، باب: فى فاتحة الكتاب حديث (٢٩٢٩) والحاكم (٢/ ٢٣٦) والمزى فى تهذيب الكمال (٣٤/ ١٠٣) كلهم من طريق عبد الله بن المبارك به.\nوقال الترمذى: هذا حديث حسن غريب. وصححه الحاكم ووافقه الذهبى.\nوأبو على بن يزيد أخو يونس بن يزيد الأيلى مجهول. كذا قال الذهبى فى \"الميزان\" وابن حجر فى \"التقريب\".\nوسئل أبو حاتم عن هذا الحديث فقال: هذا حديث منكر ولا أعلم أحدًا روى عن يونس بن يزيد غير ابن المبارك، وأبو على بن يزيد مجهول وقال: يرويه عقيل عن الزهرى عن النبى ﷺ، مرسل قال: وأهاب هذا الحديث عن النبى ﷺ جدًّا قيل له: إن أبا عبيد يقول هو حديث صحيح فأجاب بما وصفنا.\nوالحديث ذكره السيوطى فى الدر المنثور (٢/ ٥١٠) وزاد نسبته لابن مردويه.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- مما بين المعكوفتين في ز: \"وتعدَّوا على بعضهم بعضا\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"آدم حدثنا ابن آدم\".","vol":"5","page":233},{"text":"وقال الحسن البصري: هي عليهم وعلى الناس عامَّة. رواه ابن أبي حاتم (^٤٧٠).\nوقد حكى الشيخ أبو زكريا النووي [¬١] في هذه المسألة ثلاثة أوجه؛ ثالثها: أن شرع إبراهيم حجة دون غيره، وصحح منها عدم الحجية، ونقلها الشيخ أبو إسحاق الإسفراييني أقوالًا عن الشافعي، ورجح أنه حجة عند الجمهور من أصحابنا، فالله أعلم\nوقد حكى الإمام أبو نصر بن الصباغ ﵀ في كتابه الشامل - إجماع [¬٢] العلماء على الاحتجاج بهذه الآية على ما دلت عليه، وقد احتج الأئمة كلهم على أن الرجل يقتل بالمرأة بعموم هذه الآية الكريمة، وكذا ورد في الحديث الذي رواه النسائي وغيره: أن رسول الله صلى الله عليه وسعلم كتب في كتاب عمرو بن حزم: \"أن الرجل يقتل بالمرأة\". وفي الحديث الآخر: \"المسلمون تتكافأ دماؤهم\" (^٤٧١). وهذا قول جمهور العلماء.\nوعن أمير المؤمنين على بن أبي طالب: أن الرجل إذا قتل المرأة لا يقتل بها، إلا أن يدفع وليها إلى أوليائه نصف الدية؛ لأن ديتها على النصف من دية الرجل، واليه ذهب أحمد في رواية، [وحكي عن الحسن وعطاء وعثمان البتي، ورواية عن أحمد: أن الرجل إذا قتل المرأة] [¬٣] لا يقتل بها بل تحب ديتها.\nوكذا [¬٤] احتج أبو حنيفة - رحمه الله تعالى - بعموم هذه الآية على أنه يقتل المسلم بالكافر الذمي، وعلى قتل الحر بالعبد، وقد خالفه الجمهرر فيهما. ففي [¬٥] الصحيحين عن أمير المؤمنين على ﵁ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسعلم: \"لا يقتل مسلم بكافر\" (^٤٧٢).\n_________\n(^٤٧٠) - رواه ابن أبى حاتم فى تفسيره (٤/ ١١٤٤) (٦٤٣٦) حدثنا أبى ثنا أبو الوليد عبد الملك بن الأصبغ بن محمد بن مرزوق، ثنا الوليد ثنا أبو عمرو الأوزاعى، حدثنى النضر بن عمرو المقرى عن الحسن به. وهذا إسناد رجاله ثقات غير عبد الملك بن الأصبغ ترجم له ابن أبى حاتم فى \"الجرح والتعديل\" (٥/ ٣٤٣) ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلا لكن ذكره الذهبى فى \"الميزان\" (٣/ ٣٦٥) فقال: عبد اللك بن أصبغ البعلبكى. عن الوليد بن مسلم بخبر منكر.\nوالأثر: ذكره السيوطى فى الدر المنثور (٢/ ٥٠٩) ولم يعزه لغير ابن أبى حاتم.\n(^٤٧١) - تقدم فى سورة البقرة/ الآية ١٧٨\n(^٤٧٢) - تقدم تخريجه فى سورة البقرة/ آية ١٧٨\n_________\n[¬١]- في ز: \"النواوي\".\n[¬٢]- في ز: \"اجتماع\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- في ز: \"وهكذا\".\n[¬٥]- في ز: \"وفي\".","vol":"5","page":234},{"text":"وأما العبد [ففيه عن] [¬١] السلف [] [¬٢] آثار متعدّدة: أنهم لم يكونوا يُقيدون العبد من الحر ولا يقتلون حرًّا بعبد، وجاء في ذلك أحاديث لا تصح، وحكى الشافعي الإِجماع على خلاف قول الحنفية في ذلك، ولكن لا يلزم من ذلك بطلان قولهم إلا بدليل مخصص للآية الكريمة.\nويؤيد ما قاله ابن الصباغ من الاحتجاج بهذه الآية الكريمة: الحديث الثابت في ذلك؛ كما قال الإِمام أحمد (^٤٧٣).\nحدثنا محمد بن أبي عدي، حدثنا حميد، عن أنس بن مالك: أن الربيع عمة أنس كسرتْ ثنية جارية، فطلبوا إلى القوم العفو فأبوا، فأتوا رسول الله ﷺ فقال: \"القصاص\". فقال أخوها أنس بن النضر: يا رسول الله، تكسر ثنية فلانة. فقال رسول الله ﷺ: \"يا أنس، كتاب الله القصاص\". قال: فقال: لا والذي بعثك بالحق لا تكسر ثنية فلانة. قال: فرضي القوم فعفوا وتركوا القصاص، فقال رسول الله ﷺ: \"إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره\".\nأخرجاه في الصحيحين. وقد رواه محمد بن عبد الله بن المثنى الأنصاري في الجزء المشهور من حديثه، عن حميد، عن أنس بن مالك: أن الربيع بنت النضر عمته لطمت جارية فكسرت ثنيتها، فعرضوا عليهم الأرش فأبوا، فطلبوا الأرش والعفو فأبوا، فأتوا رسول الله ﷺ فأمرهم بالقصاص، فجاء أخوها أنس بن النضر، فقال: يا رسول الله، أتكسر [¬٣] ثنية الربيع، والذي بعثك بالحق لا تكسر ثنيتها. فقال النبي ﷺ: \"يا أنس، كتاب الله القصاص\". فعفا القوم، فقال رسول الله صلى الله عليه ومسلم:\n_________\n(^٤٧٣) - رواه فى مسنده (٣/ ١٢٨) كما نقله ابن كثير هنا، والحديث رواه البخارى فى \"صحيحه\" كتاب الجهاد والسير، باب قول الله ﷿: ﴿من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه …﴾ الآية حديث (٢٨٠٦) من طريق عبد الأعلى، وفى التفسير، باب ﴿يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص﴾ حديث (٤٥٠٠) عن عبد الله بن بكر السهمى، وفى التفسير، باب: قوله ﴿والجروح قصاص﴾ حديث (٤٦١١) عن الفزارى. ثلاثتهم عن حميد عن أنس به\nورواه البخارى فى (٢٧٠٣)، (٤٤٩٩)، (٦٨٩٤) من طريق محمد بن عبد الله الأنصاري عن حميد به وسيشير المصنف إلى هذه الرواية.\nورواه مسلم فى صحيحه فى القسامة والمحاربين والقصاص والديات، باب: إثبات القصاص فى الأسنان وما فى معناها، حديث (١٦٧٥) من طريق ثابت عن أنس به\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين فى ز: \"فعن\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز: \" في\".\n[¬٣]- في ز: \"لا تكسر\".","vol":"5","page":235},{"text":"\"إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره\". [رواه البخاري عن الأنصاري (^٤٧٤).\nفأما الحديث الذى] [¬١] رواه أبو داود (^٤٧٥): حدثنا أحمد بن حنبل، حدثنا معاذ بن هشام، حدثنا أبي، عن قتادة، عن أبي نضرة [¬٢]، عن عمران بن حصين: أن غلامًا لأناس فقراء قطع أذن غلم لأناس أغنياء، فأتى أهله النبي ﷺ فقالوا: يا رسول الله إنا أناس فقراء. فلم يجعل عليه شيئًا. وكذا رواه النسائي، عن إسحاق بن راهويه، عن معاذ بن هشام الدستوائي، عن أبيه، عن قتادة به. وهذا إسناد قوي رجاله كلهم ثقات، وهور [¬٣] حديث مشكل، اللهم إلا أن يقال إن الجاني كان قبل البلوغ فلا قصاص عليه، ولعله تحمل أرش ما نقص من غلام الأغنياء عن الفقراء أو استعفاهم عنه.\nوقوله تعالى: ﴿والجروح قصاص﴾ قال على بن أبي طلحة، عن ابن عباس قال: تقتل النفس بالنفس، وتفقأ العين بالعين، ويقطع الأنف بالأنف، وتنزع [¬٤] السن بالسن، وتقتص الجراح بالجراح. فهذا يستوي فيه أحرار المسلمين فيما بينهم، رجالهم ونساؤهم إذا كان عمدًا، في النفس وما دون النفس، ويستوي فيه العبيد؛ رجالهم ونساؤهم فيما بينهم إذا كان عمدًا، في النفس وما دون النفس. رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم (^٤٧٦).\n_________\n(^٤٧٤) - رواه البخارى فى صحيحه كتاب الصلح، باب الصلح فى الدية، حديث (٢٧٠٣) قال حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري فذكره نحوه ورواه فى (٤٤٩٩)، (٦٨٩٤) عن محمد بن عبد الله مختصرًا، وانظر رقم (٤٩٥)\n(^٤٧٥) - رواه فى سننه فى كتاب السنة، باب: فى جناية العبد يكون للفقراء حديث (٤٥٩٠) وهو عند الإمام أحمد فى مسنده (٤/ ٤٣٨)، ورواه النسائى فى كتاب القسامة، باب سقوط القود بين المماليك فيما دون النفس (٨/ ٢٥، ٢٦)، والدارمى فى كتاب الديات باب: القصاص بين العبيد فى القتل، حديث (٢٣٧٣)، والطبرانى فى الكبير (١٨/ ٢٠٨) (٥١٢)، والبيهقى فى الكبرى (٨/ ١٠٥) من طريق معاذ بن هشام به.\nوإسناده صحيح كما قال الألبانى فى صحيح سنن أبى داود (٣٨٣٧) وصحيح سنن النسائى (٤٤٢٦).\n(^٤٧٦) - رواه ابن جرير فى تفسيره (١٠/ ٣٦٠) (١٢٠٦٥)، (١٠/ ٣٦١) (١٢٠٧٢) ورواه ابن حاتم فى تفسيره متفرقا برقم (٦٤٣٨)، (٦٤٤٠)، (٦٤٤٢)، (٦٤٤٥)، (٦٤٤٧) والبيهقى فى سننه (٨/ ٣٩، ٤٠) من طريق على بن أبى طلحة وقد تقدم الكلام على روايته عن ابن عباس\nوالأثر ذكره السيوطى فى الدر المنثور (٢/ ٥١٠) وزاد نسبته إلى ابن المنذر\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- في ز: \"نصرة\"\n[¬٣]- في ز: \"فإنه\".\n[¬٤] في ز: \"وينزع\".","vol":"5","page":236},{"text":"<span data-type='title' id=toc-102>قاعدة مهمة:</span>\nالجراح تارة تكون في مَفْصل فيجب فيه القصاص بالإجماع؛ كقطع اليد والرجل والكف والقدم ونحو ذلك، وأما إذا لم تكن الجراح في مفصل بل في عظم؛ فقال مالك ﵀: فيه القصاص إلا في الفخذ وشبهها؛ لأنه مخوف خطر. وقال أبو حنيفة وصاحباه: لا يجب القصاص في شيء من العظام إلا في السن. وقال الشافعي: لا يجب القصاص فى شيء من العظام مطلقًا، وهو مروي عن عمر بن الخطاب، وابن عباس، وبه يقول عطاء، والشعبي، والحسن البصري، والزهري، وإبراهيم النخعي، وعمر بن عبد العزيز، وإليه ذهب سفيان الثوري، والليث بن سعد، وهو المشهور من مذهب الإمام أحمد.\nوقد احتج أبو حنيفة ﵀ بحديث الربيع بنت النضر على مذهبه: أنه لا قصاص في عظم إلا فى السن، وحديث الربيع لا حجة فيه؛ لأنه ورد بلفظ: كسرت ثنية جارية، وجائز أن تكون سقطت من غير كسر، فيجب القصاص والحالة هذه بالإجماع، وتمموا الدلالة بما رواه ابن ماجة: من طريق أبي بكر بن عياش، عن دهثم [¬١]، بن قران، عن نمران ابن جارية، عن أبيه جارية بن ظفر الحنفي: أن رجلا [ضرب رجلًا] [¬٢] على ساعده بالسيف من غير المفصل فقطعها، فاستعدى النبي ﷺ، فأمر له بالدية فقال: يا رسول الله، أريد القصاص، فقال: \"خذ الدية [¬٣]، بارك الله لك فيها\" ولم يقض له بالقصاص (^٤٧٧).\nقال الشيخ أبو عمر بن [عبد البر] [¬٤]: ليس لهذا الحديث غير هذا الإِسناد، ودهثم [¬٥] بن\n_________\n(^٤٧٧) - رواه ابن ماجه فى السنن كتاب الديات، باب: ما لا قود فيه، حديث (٢٦٣٦) قال: حدثنا محمد بن الصباح، وعمار بن خالد الواسطى قال: حدثنا أبو بكر بن عياش فذكره.\nورواه الطبرانى فى الكبير (٢/ ٢٦٠) (٢٠٨٩)، والبيهقى فى سننه (٨/ ٦٥) من طرق عن أبى بكر ابن عياش به\nوفى إسناده دهثم بن قران ضعفه أحمد، وابن معين، والنسائى، وقال أبو حاتم، محله محل الأعراب. لم يخرج له من أصحاب الكتب الستة سوى ابن ماجه وقال الحافظ فى \"التقريب\": متروك وبه أعله البوصيرى فى مصباح الزجاجة (٢/ ٣٣٦) وأيضًا نمران بن جاردة مجهول كما قال الحافظ ابن حجر والحديث ضعفه الألبانى فى إرواء الغليل (٢٢٣٥).\n_________\n[¬١]- في ز: \"دهشم\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٣]- سقط من: خ.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين فى ز، خ: \"عبد العزيز\".\n[¬٥]- في ز: \"دهشم\".","vol":"5","page":237},{"text":"قران العكلي ضعيف أعرابى ليس حديثه مما يحتج به، ونمران بن جارية ضعيف أعرابي أيضًا، وأبوه جارية بن ظفر مذكور في الصحابة.\nثم قالوا: لا يجوز أن يقتص من الجراحة حتى تندمل جراحة المجني عليه، فإن اقتص منه قبل الاندمال، ثم زاد جرحه؛ فلا شيء له، والدليل على ذلك ما رواه الإِمام أحمد (^٤٧٨): حدثنا [يعقوب، حدثني أبي، عن محمد بن إسحاق، فذكر حديثًا. قال ابن إسحاق] [¬١]: وذكر [¬٢] عمرو [¬٣] بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن رجلًا طعن رجلًا بقرن في ركبته، فجاء إلى النبي ﷺ فقال: أقدنى. [فقال رسول الله ﷺ: \"لا تعجل حتى يبرأ جرحك\". قال: فأبى الرجل إلا أن يستقيد] [¬٤] فأقاده أرسول الله ﷺ منه، فعرج المستقيد وبرأ المستقاد منه فأتى المستفيد إلى رسول الله ﷺ] [¬٥] فقال له [¬٦]: يا رسول الله، عرجت [وبرأ صاحبي] [¬٧]. فقال: \"قد نهيتك فعصيتني فأبعدك الله وبطل عرجك\". ثم نهى رسول الله ﷺ أن يقتص من جرح حتى يبرأ صاحبه. تفرد به أحمد.\n\nمسألة\nفلو اقتص المجني عليه من الجاني، فمات من القصاص؛ فلا شيء عليه عند مالك، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وهو قول الجمهور من الصحابة والتابعين، وغيرهم. وقال أبو حنيفة: تحب الدية في مال المقتص. وقال عامر الشعبي، وعطاء، وطاوس، وعمرو بن دينار، والحارث العكلي، وابن أبي ليلى، وحماد بن أبي سليمان، والزهري، والثوري:\n_________\n(^٤٧٨) - رواه أحمد (٢/ ٢١٧) كما نقله ابن كثير ﵀ ورواه الدارقطنى فى سننه (٣/ ٨٨) ومن طريقه البيهقى فى السنن (٨/ ٦٧، ٦٨) عن ابن جريج عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده به.\nقال الألبانى فى الإرواء (٧/ ٢٩٨): رجاله ثقات غير أن ابن إسحاق وابن جريج مدلسان ولم يصرحا بالتحديث. وقد خالفهما أيوب فقال عن عمرو بن شعيب قال: قال رسول الله ﷺ: أبعدك الله أنت عجلت اهـ.\nقلت: رواية عمرو المرسلة هذه عند الدارقطنى (٣/ ٩٠) والحديث صححه الألبانى بشواهده فى إرواء الغليل رقم (٢٢٣٧) وانظر نصب الراية (٤/ ٣٧٦ - ٣٧٨)\n_________\n[¬١] سقط من: ز، في خ: \"وروى\".\n[¬٢]- في ز: \"عن\"، وسقط من: خ.\n[¬٣] في از: \" عمر\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٥] ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- سقط من: ز.\n[¬٧] ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"5","page":238},{"text":"تجب الدية على عاقلة المقتص له. وقال ابن مسعود، وإبراهيم النخعي، والحكم بن عتيبة، وعثمان البتي: يسقط عن المقتص له قدر تلك الجراحة، ويجب الباقي في ماله.\nوقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ قال على بن أبي طلحة عن ابن عباس: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ﴾ يقول: فمن عفا عنه، وتصدق عليه؛ فهو كفارة للمطوب، وأجر للطالب (٤٧٩).\nوقال سفيان الثَّوري، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبَّاس: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ [قال: كفارة] [¬١] للجارح، وأجر المجروح على الله ﷿. ورواه ابن أبي حاتم (^٤٨٠)، ثم قال: وروي عن خيثمة بن عبد الرحمن، ومجاهد، وإبراهيم في أحد قوليه، وعامر الشعبي، وجابر بن زيد؛ نحو ذلك الوجه الثاني، ثم قال ابن أبي حاتم (^٤٨١):\nحدَّثنا حمَّاد بن زاذان، حدَّثنا حرمي - يعني: ابن عمارة - حدَّثنا شعبة، عن عمارة - يعني: ابن أبي حفصة -، عن رجل، عن جابر بن عبد الله في قول الله ﷿: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ قال: المجروح [¬٢]. وروي عن الحسن البصري، وإبراهيم النخعي في أحد قوليه، وأبي إسحاق الهمداني: نحو ذلك.\n_________\n= (٤٧٩) - رواه ابن أبي حاتم فى تفسيره (٤/ ١١٤٥) (٦٤٤٧) من طريق على بن أبي طلحة عن ابن عبَّاس باللفظ الذى ذكره المصنف، ورواه ابن جرير فى تفسيره (١٠/ ٦٧٣) (١٢٠٩٦) بسنده مختصرًا بلفظ \"كفارة للمتصدِّق عليه\".\nوذكره السيوطى فى الدر المنثور (٢/ ٥١١) وزاد نسبته للفريابي وسعيد بن منصور، وابن أبي شيبة وعبد ابن حميد وابن المنذر وأبي الشيخ.\n(^٤٨٠) - رواه ابن أبي حاتم فى تفسيره (٤/ - ١١٤٦) (٦٤٤٩) وابن جرير (٩/ ٣٦٧، ٣٦٨) (١٢٠٩٨).\n(^٤٨١) - رواه ابن أبي حاتم فى تفسيره (٤/ ١١٤٦) (٦٤٤٩) ابن جرير فى تفسيره (١٠/ ٣٦٣) (١٢٠٧٨) قال: حدَّثنا ابن المثنى قال: حدثنى مرمى بن عمارة به.\nوقد وقع فى تفسير الطَّبري \"جابر بن زيد\" وليس \"جابر بن عبد الله\" كما فى تفسير ابن أَبي حاتم المطبوع وكذا وقع هنا فى تفسير ابن كثير، وقد رواه ابن جرير أيضًا فى (١٢٠٧٦) من طريق عبد الصمد بن عبد الوارث قال: حدَّثنا شعبة، عن عمارة بن أبي حفصة، عن أبي عقبة، عن جابر بن زيد به.\nوإسناده صحيح إلَّا أن أبا عقبة لم أظفر بترجمته.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، ح.\n[¬٢]- في ز: \"للمجروح\".","vol":"5","page":239},{"text":"وروى ابن جرير، عن عامر الشعبي وقَتَادة: مثله (^٤٨٢).\nوقال ابن أبي حاتم (^٤٨٣): حدَّثنا يونس بن حبيب، حدَّثنا أَبو داود الطيالسي، حدَّثنا شعبة، عن قيس - يعني: ابن مسلم -، قال: سمعت طارق بن شهاب، يحدث عن الهيثم أبي [¬١] العريان النخعي، قال: رأيت عبد الله بن عمرو عند معاوية أحمر شبيهًا [¬٢] بالموالي، فسألته عن قول الله: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ قال: يهدم عنه من ذنوبه بقدر ما تصدق به. وهكذا رواه سفيان الثَّوري، عن قيس بن مسلم، وكذا رواه ابن جرير: من طريق سفيان، وشعبة.\nوقال ابن مردويه (^٤٨٤): حدثني محمد بن علي، حدَّثنا عبد الرحيم بن محمد المجاشعي، حدَّثنا محمد بن أحمد بن الحجاج المهري، حدَّثنا يحيى بن سليمان الجعفي، حدَّثنا معلى - يعني: ابن هلال [¬٣]-: أنَّه سمع أبان بن تغلب، عن أبي [¬٤] العريان الهيثم بن الأسود، عن عبد الله بن عمرو، عن أبان بن تغلب، عن الشعبي، عن رجل من الأنصار، عن النبي ﷺ في قوده: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ قال: \"هو الذي تكسر سنه، أو تقطع يده، أو يقطع الشيء منه، أو يجرح في بدنه فيعفو عن ذلك\". قال: \"فيحط عنه\n_________\n(^٤٨٢) - رواه ابن جرير فى تفسيره (١٠/ ٣٦٥) (١٢٠٨٣) بسنده إلى الشعبى قال: كفارة لمن تصدق به.\nورجال إسناده ثقات إلَّا ابن وكيع شيخ ابن جرير وقد تقدم حاله، وأما أثر قَتَادة فرواه ابن جرير برقم (١٢٠٨٤) من طريق سعيد عن قتادة قوله: \"فمن تصدق به فهو كفارة له\" قال: لولى القتيل الذى عفا.\n(^٤٨٣) - رواه فى تفسيره (٤/ ١١٤٦) (٦٤٤٨)، ورواه ابن جرير فى تفسيره (١٠/ ٣٦٢) (١٢٠٧٣)، (١٢٠٧٤)، (١٢٠٧٥)، وفى (١٠/ ٣٦٥) (١٢٠٨٥) من طريق شعبة وسفيان عن قيس بن مسلم به.\nورواه البيهقى فى سننه (٨/ ٥٤) من طريق سفيان الثورى عن قيس به.\nوذكره السيوطى فى الدر المنثور (٢/ ٥١٠) وزاد نسبته إلى الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وأبي الشيخ وابن مردويه.\n(^٤٨٤) - ذكره السيوطى فى الدر المنثور (٢/ ٥١٠) عن رجل من الأنصار وعزاه لابن مردويه وذكره من حديث ابن عمر وعزاه للديلمى. وإسناد ابن مردويه ضعيف جدًّا فإن معلى بن هلال اتفق النقاد على تكذيبه كما قال الحافظ فى \"التقريب\".\n_________\n[¬١]- في ز: \"بن\".\n[¬٢]- في ز: \"شبيةٌ\".\n[¬٣]- في ز: \"بلال\".\n[¬٤]- سقط من: خ.","vol":"5","page":240},{"text":"قدر خطاياه، فإن كان ربع الدية، فربع خطاياه، وإن كان الثلث، فئلث خطاياه، وإن كانت الدية؛ حطت عنه خطاياه كذلك\".\nثم قال ابن جرير (^٤٨٥): حدَّثنا زكريا بن يحيى بن أبي زائدة، حدَّثنا ابن فضيل، عن يونس ابن أبي إسحاق، عن أبي السفر، قال: دفع رجل من قريش رجلًا من الأنصار فاندقت ثنيته، فرفعه الأنصاري إلى معاوية، فلما ألح عليه الرجل قال: شأنك وصاحبك. قال: وأبو الدرداء عند معاوية، فقال أَبو الدرداء: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"ما من مسلم يصاب بشيء في [¬١] جسده فيهبه، إلا رفعه الله به درجة، وحط عنه به خطيئة\". فقال الأنصاري: أنت سمعته من رسول الله ﷺ؟ فقال: سمعَته أُذناي، ووعاه قلبي. فخلى سبيل القرشي، فقال معاوية: مروا له بمال.\nهكذا رواه ابن جرير، ورواه الإِمام أحمد فقال (^٤٨٦):\nحدَّثنا وكيع، حدَّثنا يونس بن أبي إسحاق، عن أبي السفر، قال: كسر رجل من قريش سن رجل من الأنصار فاستعدى عليه معاوية، فقال [¬٢] [القرشي إن هذا دق سني] [¬٣]. قال [¬٤] معاوية: إنا سنرضيه، فألح الأنصاري، فقال معاوية: شأنك بصاحبك. وأبو الدرداء جالس، فقال أَبو الدرداء: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"ما من مسلم يصاب بشيء في جسده فيتصدق به، إلا رفعه الله به درجة وحط به [¬٥] عنه [] [¬٦] خطيئة\" فقال الأنصاري: فإني قد عفوت.\n_________\n(^٤٨٥) - التفسير (١٠/ ٣٦٤) (١٢٠٨٠)، ورواه أحمد (٦/ ٤٤٨) والترمذى فى الديات باب ما جاء فى العفو، حديث (١٣٩٣)، وابن ماجة فى الديات، باب: العفو فى القصاص حديث (٢٦٩٣)، والبيهقى فى سننه (٨/ ٥٥) من طرق عن يونس بن أبي إسحاق به.\nوقال الترمذى: هذا حديث غريب، لا نعرفه إلَّا من هذا الوجه ولا أعرف لأبي السفر سماعًا من أبي الدرداء، وأَبو السفر اسمه سعيد بن أحمد ويقال: ابن يحمد الثورى.\nقلت: أَبو السفر ثقة روى له الجماعة، لكن ذكر المزى أن روايته عن أبي الدرداء مرسلة. وكذا ابن حجر ﵀ فى تهذيب التهذيب، والحديث ضعفه الألبانى فى ضعيف الجامع (٥١٧٧).\n(^٤٨٦) - المسند (٦/ ٤٤٨)، وانظر السابق.\n_________\n[¬١]- في ت: \"من\".\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- سقط من: ز.\n[¬٥]- سقط من: ز.\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين في ز: \"بها\".","vol":"5","page":241},{"text":"وهكذا رواه التِّرمِذي من حديث ابن المبارك، وابن ماجة من حديث وكيع، كلاهما عن يونس بن أبي إسحاق به، ثم قال التِّرمِذي: غريب [لا نعرفه إلا] [¬١] من هذا الوجه، ولا أعرف لأبي السفر سماعًا من أبي الدرداء.\nوقال ابن مردويه (^٤٨٧): حدَّثنا دعلج بن أحمد، حدَّثنا محمد بن علي بن زيد، حدَّثنا سعيد ابن منصور، حدَّثنا سفيان، عن عمران بن ظبيان، عن عدي بن ثابت: أن رجلا هتم [¬٢] فمه رجل على عهد معاوية ﵁، فأعطي دية، فأبي إلا أن يقتص، فأعطي ديتين فأبى، فأعطي ثلاثًا فأبى، فحدث رجل من أصحاب رسول الله ﷺ: أن رسول الله ﷺ قال: \"من تصدق بدم فما دونه فهو كفارة له، من يوم ولد إلى يوم يموت\".\nوقال الإِمام أحمد (^٤٨٨): حدَّثنا سُريج بن النعمان، حدَّثنا هُشَيم، عن المغيرة، عن الشعبي: أن عبادة بن الصامت قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"ما من رجل يجرح من [¬٣] جسده جراحة، فيتصدق بها، إلا كفر الله عنه مثل ما تصدق به\".\n_________\n(^٤٨٧) - رواه ابن جرير الطبرى فى تفسيره (١٠/ ٣٦٨) (١٢١٠٠) قال: حدثنى المثنى قال حدَّثنا إسحاق قال: حدَّثنا عمران بن ظبيان به. وفى إسناده عمران بن ظبيان قال البخارى فى تاريخه (٦/ التَّرجمة ٢٨٦٢): فيه نظر، وهذا جرح شديد من البخارى، وقال أَبو حاتم فى الجرح والتعديل (٦/ التَّرجمة ١٦٦٣): يكتب حديثه وقال ابن حبان فى المجروحين (٢/ ١٢٤): كان ممن يخطئ، لم يفحش خطؤه حتَّى يبطل الاحتجاج به ولكن لا يحتج بما انفرد به من الأخبار. ثم تناقض ﵀ فذكره فى الثقات (٧/ ٢٣٩)، وضعفه ابن حجر ﵀ فى \"تقريبه\" فقال: ضعيف ورمى بالتشيع تناقض فيه ابن حبان.\nوالحديث ذكره السيوطى فى الدر المنثور (٢/ ٥١١) وزاد نسبته لسعيد بن منصور.\n(^٤٨٨) - المسند (٥/ ٣١٦) كما نقله ابن كثير هنا ورواه عبد الله بن أحمد فى زوائد المسند (٥/ ٣٢٩، ٣٣٠) والنسائى فى التفسير من الكبرى، باب قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾. حديث (١١١٤٦) وهو فى التفسير رقم (١٦٦)، والطبرى فى تفسيره (١٠/ ٣٦٤، ٣٦٥) (١٢٠٨١)، من طرق عن مغيرة عن الشعبى به.\nوعزاه المتقى الهندى فى كنز العمال (٣٩٨٥١)، (٣٩٨٥٢) للطبرانى فى الكبير والضياء فى المختارة عن عبادة به.\nورواه الطيالسي (٥٨٧) ومن طريقه البيهقى (٨/ ٥٦) عن محمد بن أبان الجعفى عن علقمة بن مرثد عن الشعبى عن عبادة مرفوعًا نحوه وفى إسناده محمد بن أبان وهو ضعيف.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في ز: \"هثم\".\n[¬٣]- في ز: \"في\".","vol":"5","page":242},{"text":"ورواه النَّسائي: عن علي بن حجر، عن جرير بن عبد الحميد. ورواه ابن جرير: عن محمود ابن خداش، عن هُشَيم، كلاهما عن المغيرة به.\nوقال الإِمام أحمد (^٤٨٩): حدَّثنا يحيى بن سعيد القطان، عن مجالد، عن عامر، عن المحرر ابن أبي هريرة، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ قال: \"من أصيب بشيء من جسده فتركه لله كان كفارة له\".\nوقوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ قد تقدم عن طاوس وعطاء أنهما قالا: كفر دون كفر، وظلم دون ظلم، وفسق دون فسق.\n﴿وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٤٦) وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤٧)﴾\nيقول تعالى: ﴿وَقَفَّيْنَا﴾ أي: أتبعنا على آثارهم، يعني: أنبياء بني إسرائيل ﴿بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ﴾ أي: مؤمنا بها حاكمًا بما [¬١] فيها، ﴿وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ﴾ أي: هدى إلى الحق، ونور يستضاء به في إزالة الشبهات وحل المشكَلات: ﴿وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ﴾ أي: متبِعًا لها غير مخالف لما فيها، إلا في القليل مما بين لبني إسرائيل بعض ما كانوا يختلفون فيه؛ كما قال تعالى إخبارًا عن المسيح أنَّه قال لبني إسرائيل: ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ ولهذا كان المشهور من قولَي العلماء: أن الإِنجيل نسخ بعض أحكام التوراة.\nوقوله تعالى: ﴿وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ أي: وجعلنا الإنجيل هدى يهتدي به، ﴿وَمَوْعِظَةٌ﴾ [آل عمران: ١٣٨] أي: وزاجرًا عن ارتكاب المحارم والمآثم ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ أي: لمن اتقى الله،\n_________\n(^٤٨٩) - رواه فى مسنده (٥/ ٤١٢)، وإسناده ضعيف بسبب مجالد بن سعيد ضعفه يحيى القطان وأحمد بن حنبل وابن معين وغيرهم واختلف فيه قول النسائى فوثقه فى موضع وقال فى موضع آخر: ليس بالقوى. وانظر \"تهذيب الكمال\" وقال الحافظ فى \"التقريب\": ليس بالقوى وقد تغير في آخر عمره.\nوالحديث ذكره الهيثمى فى مجمع الزوائد (٦/ ٣٠٥) وقال: فيه مجالد وقد اختلط.\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.","vol":"5","page":243},{"text":"وخاف وعيده وعقابه.\nوقوله تعالى: ﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ﴾ قرئ: ﴿وَلْيَحْكُمْ﴾ بالنصب، على أن اللام لام كي، أي: وآتيناهَ الإنجيل [] [¬١] ليحكم أهل ملته به في زمانهم، وقرئ: ﴿وَلْيَحْكُمْ﴾ بالجزم، [على أن] [¬٢] اللام لام الأمر، [أي: ليؤمنوا بجميع ما فيه، وليقيموا ما أمروا به فيه، ومما فيه البشارة ببعثة محمد والأمر] [¬٣] باتباعه وتصديقه إذا وجد، كما قال تعالى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ … الآية، وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ﴾ إلى قوله: ﴿الْمُفْلِحُونَ﴾، ولهذا قال هاهنا: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ أي: الخارجون عن طاعة ربهم، المائلون إلى الباطل، التاركون للحق. وقد تقدم أن هذه الآية نزلت في النصارى، وهو ظاهر السياق.\n﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٤٨) وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (٤٩) أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)﴾\nلما ذكر تعالى التوراة التي أنزلها على موسى كليمه، ومدحها وأثنى عليها، وأمر [باتباعها حيث كانت سائغة الاتباع، وذكر الإِنجيل ومدحه، وأمر أهله بإقامته] [¬٤] واتباع ما فيه كما تقدم ييانه - شرع تعالى في ذكر القرآن العطم الذي أنزله على عبده ورسوله الكريم، فقال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ أي: بالصدق الذي لا ريب فيه أنَّه من عند\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ز: \"فيه هدى ونور\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز: \" و\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.","vol":"5","page":244},{"text":"الله ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ﴾ أي: من [¬١] الكتب المتقدمة المتضمنة ذكره ومدحه، وأنه سينزل من عند الله على عبده ورسوله محمد ﷺ، فكان نزوله كما أخبرت به، مما زادها صدقًا عند حامليها من ذوي البصائر الذين انقادوا لأمر الله، واتبعوا شرائع الله، وصدقوا رسول الله؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (١٠٧) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا﴾ أي: إن كان ما وعدنا الله على ألسنة الرسل المتقدمين من مجيء محمد ﵇ ﴿لَمَفْعُولًا﴾ أي: لكائنا لا محالة ولا بد.\nوقوله تعالى: ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ قال سفيان الثَّوري وغيره، عن أبي إسحاق، عن التميمي، عن ابن عبَّاس، أي: مؤتمنًا عليه (^٤٩٠).\nوقال على بن أبي طلحة، عن ابن عبَّاس: المهيمن الأمين. قال: القرآن أمين على كل كتاب قبله (^٤٩١).\nوروي عن عكرمة، وسعيد بن جبير، ومجاهد، ومحمد بن كعب، وعطية، والحسن، وقَتَادة، وعطاء الخراساني، والسدي، وابن زيد نحو ذلك.\n_________\n(^٤٩٠) - رواه ابن جرير فى تفسيره (١٠/ ٣٧٨) (١٢١٠٧)، (١٢١٠٨)، (١٢١٠٩)، (١٢١١٠)، (١٢١١١)، (١٢١١٢)، (١٢١١٣)، (١٢١١٦)، (١٢١١٧)، (١٢١١٨). وابن أبي حاتم فى تفسيره (٤/ ١١٥٠) (٦٤٧٢) والبيهقى فى \"الأسماء والصفات\" (١٠٨) من طرق عن أبي إسحاق به.\nوالتميمى هذا سماه ابن أبي حاتم فى روايته (أربد) وقد ترجم له المزى في \"تهذيب الكمال\" فقال: روى عن عبد الله بن عبَّاس، روى عنه أبو إسحاق السبيعى ولم يرو عنه غيره ورُوى عن أبي إسحاق عنه أنَّه قال: ما سمعت بأرض فيها علم إلَّا أتيتها وقال الحافظ فى \"التقريب\": أربد التميمى المفسر صدوق.\nوالأثر ذكره السيوطى فى الدر المنثور (٢/ ٥١٢) وزاد نسبته إلى الفريابى، وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه.\n(^٤٩١) - رواه ابن جرير فى تفسيره (١٠/ ٣٧٩) (١٢١١٤)، وابن أبي حاتم فى تفسيره (٤/ ١١٥٠) (٦٤٧٤) والبيهقى فى \"الأسماء والصفات\" (١٠٩) من طريق على بن أبي طلحة به وقد تقدم الكلام على هذا الإسناد.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.","vol":"5","page":245},{"text":"وقال ابن جريج: القرآن أمين على الكتب المتقدمة، فما وافقه منها فهو حق، وما خالفه منهما فهو باطل (^٤٩٢).\nوعن الوالبى، عن ابن عبَّاس: ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ أي: شهيدًا. وكذا قال مجاهد، وقَتَادة، والسدي (^٤٩٣).\nوقال العرفي، عن ابن عبَّاس: ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ أي: حاكمًا على ما قبله من الكتب (^٤٩٤).\nوهذه الأقوال كلها متقاربة المعنى، فإن اسم المهيمن يتضمن هذا كله فهو أمين، وشاهد، وحاكم على كل كتاب قبله، جعل الله هذا الكتاب العطم الذي أنزله آخر الكتب، وخاتمها، و[¬١] أشملها، وأعظمها، وأكملها [¬٢]، حيث جمع فيه محاسن ما قبله، وزاده من الكمالات ما ليس في غيره؛ فلهذا جعله شاهدًا، وأمينا، وحاكمًا عليها كلها، وتكفل تعالى بحفظه [¬٣] بنفسه الكريمة، فقال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾.\nفأما ما حكاه ابن أبي حاتم عن عكرمة، وسعيد بن جبير، وعطاء الخراساني، وابن أبي نجيح عن مجاهد: أنَّهم قالوا في قوله: ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ يعني: محمدًا ﷺ أمين على القرآن. فإنه صحيح في المعنى، ولكن في تفسير هذا بهذا نظر، وفي تنزيله عليه من حيث العربية أيضًا نظر، وبالجملة: فالصحيح الأول. قال أبو جعفر بن جرير بعد حكايته له عن مجاهد: وهذا التَّأويلِ بعيد من المفهوم في كلام العرب بل هو خطأ، وذلك أن المهيمن عطف على المصدق، فلا يكون إلا من صفة ما كان المصدق صفة له [] [¬٤] ولو كان الأمر [¬٥] كما قال مجاهد، لقال: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ [¬٦] مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ\n_________\n(^٤٩٢) - رواه ابن جرير فى تفسيره (١٠/ ٣٧٨) (١٢١٠٦) ووقع فى المطبوع من تفسير ابن جرير بتحقيق الشيخ شاكر: وقال ابن جريج: وقال آخرون: القرآن أمين على الكتب فيما إذا أخبرنا أهل الكتاب فى كتابهم بأمر. كذا والصواب: قال ابن جريج وآخرون … الخ، وهو الذى يتناسب مع ما نقله ابن كثير هنا عن ابن جريج.\n(^٤٩٣) - روى ذلك عنهم ابن جرير فى تفسيره (١٠/ ٣٧٧، ٣٧٨) (١٢١٠٣ م)، (١٢١٠٤) (١٢١٠٥)، (١٢١٠٦) والوالبى الذى يروى عن ابن عباس هو على بن أَبى طلحة.\n(^٤٩٤) - رواه ابن جرير فى تفسيره (١٠/ ٣٧٩) (١٢١١٥).\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- في ز، خ: \"وأحكمها\".\n[¬٣]- في ز: \"حفظه\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين في ز: \"قال\".\n[¬٥]- سقط من: ز.\n[¬٦]- سقط من: ز.","vol":"5","page":246},{"text":"الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ يعني: من غير عطف (^٤٩٥).\nوقوله تعالى: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ أي: فاحكم يا محمد بين الناس: عربهم وعجمهم، أميهم وكتابيهم، ﴿بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ إليك في [¬١] هذا الكتاب العظيم، وبما قرره لك من حكم من كان قبلك من الأنبياء، ولم ينسخه في شرعك. هكذا وجهه ابن جرير بمعناه (^٤٩٦).\nقال ابن أبي حاتم (^٤٩٧): حدَّثنا محمد بن عمار، حدَّثنا سعيد بن سليمان، حدَّثنا عباد بن العوام، عن سفيان بن حسين، عن الحكم، عن مجاهد، عن ابن عبَّاس قال: كان النبي ﷺ مخيرًا إن شاء حكم بينهم، وإن شاء أعرض عنهم فردهم إلى أحكامهم، فنزلت: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ فأمر رسول الله ﷺ أن يحكم بينهم بما في كتابنا.\nوقوله: ﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [أي: آراءهم] [¬٢] التي اصطحوا عليها، وتركوا بسببها ما أنزل الله على رسله، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ﴾ أي؛ لا تنصرف عن الحق الذي أمرك الله به إلى أهواء هؤلاء من الجهلة الأشقياء.\nوقوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾: قال ابن أبي حاتم (^٤٩٨): حدثنا أبو سعيد الأشج، حدَّثنا أَبو خالد الأحمر، عن يونس [¬٣] بن أبي إسحاق، عن أبيه، عن التميمي، عن ابن عبَّاس: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ قال: سبيلًا.\nوحدثنا أَبو سعيد، حدَّثنا وكيع، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن التميمي، عن ابن عبَّاس: ﴿وَمِنْهَاجًا﴾ قال: وسنة (^٤٩٩).\n_________\n(^٤٩٥) - انظر تفسير ابن جرير (١٠/ ٣٨١) بتصرف.\n(^٤٩٦) - انظر تفسير الطبرى (١٠/ ٣٨٢، ٣٨٣).\n(^٤٩٧) - رواه ابن أبي حاتم فى تفسيره (٤/ ١١٣٥) (٦٣٨٨) كما نقله ابن كثير هنا ورواه فى (٤/ ١١٥٣) (٦٤٩٤) قال: حدَّثنا أبي ثنا أحمد بن جميل المروزي ثنا عباد بن العوام به.\n(^٤٩٨) - التفسير (٤/ ١١٥١) (٦٤٨٢).\n(^٤٩٩) - التفسير (٤/ ١١٥٢) (٦٤٨٥)، ورواه ابن جرير فى تفسيره (١٠/ ٣٨٧) (١٢١٣٠ - ١٢١٣٦) من طرق عن أبي إسحاق عن التميمى به. =\n_________\n[¬١]- في ز، في: \"من\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في ت: \"يوسف\".","vol":"5","page":247},{"text":"وكذا روى العوفي، عن ابن عبَّاس: ﴿شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ سبيلًا وسنة (^٥٠٠).\nووكذا روي عن مجاهد، وعكرمة، والحسن البصري، وقَتَادة، والضحاك، والسدي، وأبي إسحاق السبيعي: أنهم قالوا في قوله: ﴿شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ أي: سبيلًا وسنة.\nوعن ابن عبَّاس ومجاهد أيضًا وعطاء الخراساني عكسه -[﴿شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ أي: سنة وسبيلًا. والأول أنسب؛ فإن الشرعة] [¬١] وهي الشريعة أيضًا؛ هي ما يبتدأ فيه إلى الشيء ومنه يقال: شرع في كذا أي: ابتدأ فيه، وكذا الشريعة، وهي ما يشرع منها [¬٢] إلى الماء. أما المنهاج؛ فهو الطَّرِيقِ الواضح السهل، والسنن: الطرائق، فتفسير قوله ﴿شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ بالسبيل والسنة أظهر في المناسبة من العكس والله أعلم.\nثم هذا إخبار عن الأمم المختلفة الأديان، باعتبار ما بعث الله به رسله الكرام من الشرائع المختلفة في الأحكام المتفقة في التوحيد؛ كما ثبت في صحيح البخاري (^٥٠١)، عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: \"نحن معاشر الأنبياء إخوة لعلات، ديننا واحد\". يعني بذلك: التوحيد الذي بعث الله به كل رسولًا أرسله، وضمنه كل كتاب أنزله، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي [¬٣] إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾. وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ الآية. وأما الشرائع فمختلفة في الأوامر والنواهي، فقد يكون الشيء في هذه [¬٤] الشريعة حرامًا، ثم يحل في الشريعة الأخرى، وبالعكس، وخفيفًا فيزاد في الشدة في هذه دون هذه؛ وذلك لما له تعالى في ذلك من الحكمة البالغة والحجة الدامغة.\n_________\n= والتميمى هو أربد أو أربدة المفسر وقد تقدم الكلام على هذا الإسناد فى رقم (٥١٢).\nوذكره السيوطى فى الدر المنثور (٢/ ٥١٣) وزاد نسبته إلى عبد بن حميد، وسعيد بن منصور، والفريابى وابن المنذر وأبي الشيخ وابن مردويه.\n(^٥٠٠) - رواه ابن جرير فى تفسيره (١٠/ ٣٨٨) (١٢١٣٧).\n(^٥٠١) - رواه البخارى فى صحيحه فى أحاديث الأنبياء، باب: قول الله ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا﴾ … حديث (٣٤٤٣) من طريق عبد الرحمن بن أبي عمرة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"أنا أولى الناس بعيسى بن مريم فى الدنيا والآخرة والأنبياء إخوة لعلات أمهاتهم شتى ودينهم واحد\" ورواه مسلم فى صحيحه فى الفضائل، باب: فضائل عيسى ﵇ حديث (٢٣٦٥/ ١٤٥) من طريق همام بن منبه عن أَبى هريرة نحوه. =\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في ز: \"يوحي\".\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.","vol":"5","page":248},{"text":"قال سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، قوله: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ يقول: سبيلًا وسنة، والسنن مختلفة، هي في التوراة شريعة، وفي الإنجيل شريعة، وفي الفرقان شريعة، يحل الله فيها ما يشاء، ويحرم ما يشاء، ليعلم من يطيعه ممن يعصيه، والدين الذي لا يقبل الله غيره: التوحيد والإخلاص لله الذي جاءت به جميع [¬١] الرسل عليهم الصلاة والسلام (^٥٠٢).\nوقيل [¬٢]: المخاطب [بهذه الآية] [¬٣] [هذه الأمة] [¬٤]، ومعناه: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا﴾ القرآن ﴿مِنْكُمْ﴾ أيتها الأمة: ﴿شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ أي: هو لكم كلكم تقتدون به، وحذف الضمير المنصوب في قوله: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ﴾ أي: جعلناه يعني القرآن ﴿شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ أي: سبيلًا إلى المقاصد الصحيحة وسنة أي: طريقًا ومسلكًا واضحًا بينًا.\nهذا مضمون ما حكاه ابن جرير عن مجاهد ﵀، والصحيح: القول الأول، ويدل على ذلك قوله تعالى بعد [¬٥]: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ فلو كان هذا خطابًا لهذه الأمة؛ لما صح أن يقول: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [وهم أمة واحدة] [¬٦]، ولكن هذا خطاب لجميع الأمم، وإخبار عن قدرته تعالى العظيمة، التي لو شاء لجمع الناس كلهم على دين واحد وشريعة واحدة، لا ينسخ شيء منها، ولكنه تعالى شرع لكل رسول شرعة على حدة، ثم نسخها أو بعضها برسالة الآخر الذي بعده، حتى نسخ الجميع بما بعث به عبده ورسوله محمدًا ﷺ، الذي [¬٧] ابتعثه إلى أهل الأرض قاطبة، وجعله خاتم الأنبياء كلهم؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ﴾ أي: أنه تعالى شرع الشرائع مختلفة، ليختبر عباده فيما شرع لهم، ويثيبهم أو يعاقبهم على طاعته ومعصيته بما فعلوه أو عزموا عليه من ذلك كله.\n_________\n= ورواه البخارى رقم (٣٤٤٢) ومسلم (٢٣٦٥/ ١٤٣، ١٤٤) من طريق أبى سلمة بن عبد الرحمن عن أبى هريرة نحوه.\n(^٥٠٢) - رواه ابن جرير فى تفسيره (١٠/ ٣٨٥) (١٢١٢٦)، ابن أبى حاتم (٤/ ١١٥٢) (٦٤٨٨) من طريق يزيد بن ذريع ثنا سعيد عن قتادة به.\nوذكره السيوطى فى الدر المنثور (٢/ ٥١٣) وزاد نسبته لعبد بن حميد وأبى الشيخ.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في خ: \"وقال\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في ز: \"بهذا\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٥]- سقط من: خ.\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٧]- سقط من: ز، خ.","vol":"5","page":249},{"text":"و[¬١] قال عبد الله بن كثير: ﴿فِي مَا آتَاكُمْ﴾ يعني: من الكتاب.\nثم إنه تعالى ندبهم إلى المسارعة إلى الخيرات والمبادرة إليها، فقال: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ وهي: طاعة الله واتباع شرعه الذي جعله ناسخًا لما قبله، والتصديق بكتابه القرآن الذي هو آخر كتاب أنزله.\nثم قال تعالى: ﴿إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا﴾ أي: معادكم أيها الناس، ومصيركم إليه يوم القيامة ﴿فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ أي: فيخبركم بما اختلفتم فيه من الحق، فيجزي الصادقين بصدقهم، ويعذب الكافرين الجاحدين المكذبين بالحق العادلين عنه إلى غيره بلا دليل ولا برهان، بل هم معاندون للبراهين القاطعة، والحجج البالغة، والأدلة الدامغة.\nوقال الضحاك: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ يعني: أمة محمد ﷺ (^٥٠٣). والأول أظهر.\nوقوله: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ تأكيد لما تقدم من الأمر بذلك والنهي عن خلاف.\nثم قال: ﴿وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ أي: و[¬٢]، احذر أعداءك اليهود أن يدلسوا عليك الحق فيما ينهونه إليك من الأمور، فلا تغتر بهم، فإنهم كذبة كفرة خونة ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ أي: عما تحكم به بينهم من الحق وخالفوا شرع الله ﴿فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾ أي: فاعلم أن ذلك كائن عن قدرة [¬٣] الله وحكمته فيهم، لمن يصرفهم عن الهدى لما عليهم من الذنوب السالفة، التي اقتضت إضلالهم ونكالهم ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ﴾ أي: إن [¬٤] أكثر الناس خارجون عن طاعة ربهم مخالفون للحق ناءون عنه، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآية.\n_________\n(^٥٠٣) - رواه ابن جرير فى تفسيره (١٠/ ٣٩١) (١٢١٤٩) قال: حدثنا ابن وكيع، وأبن أبي حاتم (٤/ ١١٥٣) (٦٤٩١) حدثنا أبو سعيد الأشج قالا: حدثنا زيد بن الحباب عن أبى سنان قال سمعت الضحاك يقول فذكره وإسناده حسن رجاله رجال مسلم\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- في ز: \"قدر\".\n[¬٤]- سقط من: ز.","vol":"5","page":250},{"text":"و[¬١] قال محمد بن إسحاق (^٥٠٤): حدثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، حدثني سعيد بي جبير أو عكرمة، عن ابن عباس، قال: قال كعب بن أسد، وابن صلوبا، وعبد الله بن صوريا، وشاس بن قيس، بعضهم لبعض: اذهبوا بنا إلى محمد لعلنا نفتنه عن دينه فأتوه، فقالوا: يا محمد، إنك قد عرفت أنا أحبار يهود وأشرافهم وساداتهم، وإنا ان اتبعناك اتبعنا يهود ولم يخالفونا، وإن بيننا وبين قومنا خصومة [¬٢]، فنحاكمهم إليك، فتقضي لنا عليهم ونؤمن لك ونصدقك. فأبى ذلك رسول الله ﷺ، فأنزل الله ﷿ فيهم ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ إلى قوله: ﴿لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾.\nرواه ابن جرير، وابن أبي حاتم.\nوقوله تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ ينكر تعالى على من خرج عن حكم الله المحكم المشتمل على كل خير، الناهي عن كل شر، وعدل إلى ما سواه؛ من الآراء والأهواء والاصطلاحات التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة الله، كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الضلالات والجهالات، مما يضعونها بآرائهم وأهوائهم، وكما يحكم به التتار من السياسات الملكية المأخوذة عن ملكهم [جنكيز خان] [¬٣]، الذي وضع لهم اليساق [¬٤]، وهو عبارة عن كتاب مجموع من أحكام قد اقتبسها من شرائع شتى: من اليهودية والنصرانية والملة الإِسلامية وغيرها [¬٥]، وفيها كثير من الأحكام أخذها من [¬٦] مجرد نظره وهواه، فصارت في بنيه شرعا متبعًا يقدمونها على الحكم بكتاب الله وسنة رسول الله ﷺ، فمن [¬٧] فعل ذلك [منهم] فهو كافر، يجب قتاله حتى ورجع إلى حكم الله ورسوله، فلا يحكم سواه في قليل ولا كثير، قال الله تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ أي: يبتغون ويريدون، وعن حكم الله يعدلون ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ أي: ومن أعدل من الله في حكمه لمن عقل\n_________\n(^٥٠٤) - رواه ابن جرير فى تفسيره (١٠/ ٣٩٣) (١٢١٥٠) وابن أبي حاتم فى تفسيره (٤/ ١١٥٤) (٦٤٩٨) والبيهقى فى دلائل النبوة (٢/ ٥٣٦) من طريق ابن إسحاق له. وهو عند ابن إسحاق فى السيرة (٢/ ٦٠١).\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- في ز، خ: \"حكومة\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في ز: \"سنكرخان\".\n[¬٤]- في ز: \"الياسف\".\n[¬٥]- سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- في ز: \"عن\".\n[¬٧]- في ز: \"ومن\".","vol":"5","page":251},{"text":"عن الله شرعه، وآمن به وأيقن، وعلم أن الله أحكم الحاكمين، وأرحم بخلقه من الوالدة بولدها، فإنه تعالى هو العالم بكل شيء، القادر على كل شيء، العادل في كل شيء.\nو[¬١] قال ابن أبي حاتم (^٥٠٥): حدثنا أبي، حدثنا هلال بن فياض، حدثنا أبو عبيدة الناجي، قال: سمعت الحسن يقول: من حكم بغير حكم الله فحكم الجاهلية.\nوأخبرنا يونس بن عبد الأعلى قراءة، حدثنا سفيان بن عيينة، عن ابن أبي نجيح، قال: كان طاوس إذا سأله رجل: أفضل بين ولدي في النحل؟ قرأ: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ (^٥٠٦).\nوقال الحافظ أبو القاسم الطبرانى (^٥٠٧): حدثنا أحمد بن عبد الوهاب بن نجدة الخوطي [¬٢]، حدثنا أبو اليمان الحكم بن نافع، أنا شعيب بن أبي حمزة، في عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين، عن نافع بن جبير، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: \"أبغض الناس إلى الله ﷿ مبتغ في الإسلام [¬٣] سنة الجاهلية، وطالب دم امرئ بغير حق ليريق دمه\" وروى البخاري عن أبي اليمان بإسناده نحوه [¬٤] [] [¬٥].\n﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥١) فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ\n_________\n(^٥٠٥) - رواه فى تفسيره (٤/ ١١٥٥) (٦٥٠٤). وفى إسناده أبو عبيدة الناجى واسمه بكر ابن الأسود أحد الزهاد ضعفه ابن معين، والنسائى، والدارقطني: وقال ابن حبان: غلب عليه التقشف حتى غفل عن تعاهد الحديث فصار الغالب على حديثه المعضلات وكان يحيى ابن كثير العنبرى يروى عنه ويكذبه. انظر ترجمته فى ميزان الاعتدال (١/ الترجمة ١٢٧٢).\n(^٥٠٦) - رواه فى تفسيره (٤/ ١١٥٥) (٦٥٠٥) وإسناده صحيح.\n(^٥٠٧) - رواه فى معجمه الكبير (١٠/ ٣٧٤) (١٠٧٤٩)، ورواه البخارى فى صحيحه كتاب الديات، باب: من طلب دم امرئ بغير حق، حديث (٦٨٨٢) قال: حدثنا أبو اليمان أخبرنا شعيب فذكره بلفظ \"أبغض الناس إلى الله ثلاثة: ملحد فى الحرم، ومبتغ فى الإسلام سنة الجاهلية، ومن طلب دم امرئ بغير حق ليهريق دمه\".\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- في ز: \"الحوطي\".\n[¬٣]- في ز: \"الناس\".\n[¬٤]- في ز، خ: \"بزيادة\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين في ز: \"قوله تعالى\".","vol":"5","page":252},{"text":"فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ (٥٢) وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ﴾\nينهى ﵎ عباده المؤمنين عن موالاة اليهود والنصارى الذين هم أعداء الإسلام وأهله [قاتلهم الله] [¬١]، ثم أخبر أن بعضهم أولياء بعض، ثم تهدد وتوعد من يتعاطى ذلك، فقال: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾.\n[قال ابن أبي حاتم (^٥٠٨): حدثنا كثير بن شهاب، حدثنا محمد - يعني: ابن سعيد بن سابق -، حدثنا عمرو بن أبي قيس، عن سماك بن حرب، عن عياض: أن عمر أمر أبا موسى الأشعري أن يرفع إليه ما أخذ وما أعطى في أديم واحد، وكان له كاتب نصراني، فرفع إليه ذلك، فعجب عمر وقال: إن هذا لحفيظ، هل أنت قارئ لنا كتابًا في المسجد جاء من الشام. فقال: إنه لا يستطع. فقال عمر: أجنب هو؟ قال: لا، بل نصراني. قال: فانتهرني وضرب فخذي، ثم قال: أخرجوه، ثم قرأ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ﴾ الآية] [¬٢].\nثم [¬٣]، قال [] [¬٤] \" (^٥٠٩): حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح، حدثنا عثمان بن عمر، أنبأنا ابن عون، عن محمد بن سيرين، قال: قال عبد الله بن عتبة: ليتق أحدكم أن يكون يهوديًا أو نصرانيًا وهو لا يشعر. قال: فظنناه يريد هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ الآية.\nوحدثنا أبو سعيد الأشج (^٥١٠)، حدثنا ابن فضيل، عن عاصم، عن عكرمة، عن ابن\n_________\n(^٥٠٨) - رواه فى تفسيره (٤/ ١١٥٦) (٦٥١٠) .. وإسناده حسن، كثير بن شهاب هو المذحجى، قال عنه ابن أبى حاتم فى الجرح والتعديل (٧/ الترجمة ٨٥٣): كتبت عنه بقزوين وهو صدوق، وعمرو بن أبى قيس قال ابن حجر فى \"التقريب\": صدوق له أوهام.\nوالأثر ذكره السيوطى فى الدر المنثور (٢/ ٥١٦) وزاد نسبته للبيهقى فى شعب الإيمان.\n(^٥٠٩) - رواه ابن أبى حاتم فى تفسيره (٤/ ١١٥٦) (٦٥١١).\n(^٥١٠) - رواه فى تفسيره (٤/ ١١٥٧) (٦٥١٢) ورواه ابن جرير فى تفسير (١٠/ ٤٠١) (١٢١٦١) =\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- سقط من: ز\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين في ز: بياض.","vol":"5","page":253},{"text":"عباس: أنه سئل عن ذبائح نصارى العرب فقال: كُلْ، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾.\nوروي عن أبي الزناد: نحو ذلك.\nوقوله تعالى: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ أي: شك وريب ونفاق ﴿يُسَارِعُونَ فِيهِمْ﴾، أي: يبادرون إلى موالاتهم [¬١] ومودّتهم [¬٢] في الباطن والظاهر ﴿يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ﴾ أي: يتأولون في مودتهم وموالاتهم: أنهم يخشون أن يقع أمر من ظفر الكافرين [¬٣] بالمسلمين، فتكون لهم أياد عند اليهود والنصارى فينفعهم ذلك، عند ذلك قال الله تعالى: ﴿فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ﴾ قال السدي: يعني: فتح مكة، وقال غيره: يعني: القضاء والفصل، ﴿أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ﴾ قال السدي: يعنى: ضرب الجزية على اليهود والنصارى ﴿فَيُصْبِحُوا﴾ يعني: الذين والَوا اليهود والنصارى من المنافقين ﴿عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ من الموالاة ﴿نَادِمِينَ﴾، أي: على ما كان منهم مما لم يُجد عنهم شيئًا ولا دفع عنهم محذورًا، بل كان عين المفسدة فإنهم فضحوا، وأظهر الله أمرهم في الدنيا لعباده المؤمنين، بعد أن كانوا مستورين لا يُدرى كيف حالهم، فلما انعقدت الأسباب الفاضحة لهم تبين أمرهم لعباد الله المؤمنين، فتعجبوا منهم كيف كانوا يظهرون أنهم من المؤمنين، ويحلفون على ذلك ويتأولون، فبان كذبهم وافتراؤهم، ولهذا قال تعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ﴾.\nوقد اختلف القراء في هذا الحرف؛ فقرأه [¬٤] الجمهور بإثبات الواو في قوله: ﴿وَيَقُولُ\n_________\n= من طرىق سعيد بن جبير عن ابن عباس نحو رواية ابن أبى حاتم.\nورواه ابن جرير فى تفسيره (١٢١٦٣) وابن أبى حاتم فى تفسيره (٤/ ١١٥٧) (٦٥١٣) من طريق عطاء بن السائب عن عكرمة عن ابن عباس قال: كلوا ذبائح نصارى بنى تغلب. فإن الله يقول: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ فلو لم يكونوا منهم إلا بالولاية لكانوا منهم.\nوذكره السيوطى بهذا اللفظ فى الدر المنثور (٢/ ٥١٦) وزاد نسبته لابن المنذر وابن أبى شيبة\nورواه ابن جرير فى تفسيره (١٢١٦٢) من طريق على بن أبى طلحة عن ابن عباس فى تفسير الآية قال: إنها فى الذبائح. من دخل فى دين قوم فهو منهم.\n_________\n[¬١]- في ز: \"ولايتهم\".\n[¬٢]- في ز: \"مواددتهم\".\n[¬٣]- في ز: \"فيكون\".\n[¬٤]- في ز: \"فقرأ\".","vol":"5","page":254},{"text":"الَّذِينَ [¬١]﴾ ثم منهم من رفع، ويقول على الابتداء، ومنهم من نصب عطفًا على قوله ﴿فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ﴾ تقديره: أن يأتي وأن يقول، وقرأ أهل المدينة ﴿يَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بغير واو، وكذلك هو في مصاحفهم على ما ذكره ابن جرير، قال ابن جريج [¬٢]، عن مجاهد: ﴿فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ﴾ حينئذ (يقول الذين آمنوا أهؤلاء الذين أقسموا باللهَ جهد أيمانهم إنهم لمعكم حبطت أعمالهم فأصبحوا خاسرين) (^٥١١).\nواختلف المفسرون في سبب نزول هذه الآيات الكريمات، فذكر السدي: أنها نزلت فى رجلين، قال أحدهما لصاحبه بعد وقعة أحد: أمّا أنا فإني ذاهب إلى ذلك اليهودي [فآوي إليه] [¬٣] وأتهود معه؛ لعله ينفعني إذا وقع أمر أو حدث حادث. وقال الآخر: أما [¬٤] أنا [فإني ذاهب] [¬٥] إلى فلان النصراني بالشام [فآوي إليه] [¬٦] وأتنصر معه. فأنرل الله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ …﴾ (^٥١٢) الآيات.\nوقال عكرمة: نزلت في أبي لبابة بن عبد المنذر، حين بعثه رسول الله ﷺ إلى بنى قريظة، فسألوه ماذا هو صانع بنا؟ فأشار بيده إلى حلقه، أي: إنه الذبح. رواه ابن جرير (^٥١٣).\nوقيل: نزلت في عبد الله بن أبي ابن سلول، كما قال ابن جرير (^٥١٤):\nحدثنا أبو كريب، حدثنا ابن إدريس، قال: سمعت أبي، عن عطية بن سعد، قال: جاء\n_________\n(^٥١١) - رواه ابن جرير فى تفسيره (١٠/ ٤٠٧) (١٢١٧٦).\n(^٥١٢) - رواه ابن جرير فى تفسيره (١٠/ ٣٩٧) (١٢١٥٩)، وابن أبى حاتم (٤/ ١١٥٥) (٦٥٠٧)، وذكره السيوطى فى الدر المنثور (٢/ ٥١٥) ولم يعزه لغيرهما.\n(^٥١٣) - رواه ابن جرير فى تفسيره (١/ ٣٩٨٠) (١٢١٦٠)، وذكره السيوطى فى الدر المنثور (٢/ ٥١٥) مطولًا وزاد نسبته لابن المنذر.\n(^٥١٤) - رواه فى تفسيره (١٠/ ٣٩٥، ٣٩٦) (١٢١٥٦) إسناده صحيح رجاله ثقات إلا عطية بن سعد العوفى وهو ضعيف وقد أرسله. وكذا علقه الواحدى فى أسباب النزول (ص ٢٠٠) والحديث رواه ابن إسحاق فى السيرة (٢/ ٨١٠) ومن طريقه ابن جرير فى تفسيره (١٠/ ٣٩٦، ٣٩٧) (١٢١٥٨) =\n_________\n[¬١] سقط من: ز.\n[¬٢] في ز، خ: \"جرير\".\n[¬٣] ما بين المعكوفتين في ز: \"فأواليه\".\n[¬٤] في ز: \"وأما\".\n[¬٥] ما بين المعكوفتين في ز: \"فاذهب\".\n[¬٦] ما بين المعكوفتين في ز: \"فأواليه\".","vol":"5","page":255},{"text":"عبادة بن الصامت من بني الخزرج إلى رسول الله ﷺ، فقال: يا رسول الله، إن لي موالي من يهود كثير عددهم، وإني أبرأ إلى الله ورسوله من ولاية يهود، وأتولى الله ورسوله. فقال عبد الله بن أبي: إني رجل أخاف الدوائر لا أبرأ من ولاية موالي. فقال رسول الله ﵌ لعبد الله بن أبي: \"يا أبا الحباب، ما بخلت به من ولاية يهود على عبادة بن الصامت فهو لك دونه\". قال: قد [¬١] قبلت. فأنزل الله ﷿ ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ إلى قوله: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾.\nثم قال ابن جرير (^٥١٥): حدثنا هناد، حدثنا يونس بن بكير، حدثنا عثمان بن عبد الرحمن، عن الزهري، قال: لما انهزم أهل بدر، قال المسلمون لأوليائهم من اليهود [¬٢]: آمنوا قبل أن يصيبكم الله بيوم مثل يوم بدر. فقال مالك بن الصيف: أغركم إن أصبتم رهطًا من قريش لا علم لهم بالقتال، أما لو أمررنا [¬٣] العزيمة أن نستجمع [¬٤] عليكم لم يكن لكم يد [¬٥] بقتالنا. فقال عبادة [بن الصامت] [¬٦]: يا رسول الله، إن أوليائي من اليهود كانت شديدة أنفسهم، كثيرًا سلاحهم، شديدة شوكتهم، وإني أبرأ إلى الله وإلى [¬٧] رسوله من ولاية يهود، ولا مولى لي إلا الله ورسوله. فقال عبد الله ابن أبي: لكني لا أبرأ من ولاء يهود إنى [¬٨] رجل لابد لي منهم. فقال رسول الله ﵌: \"يا أبا الحباب، أرايت الذي نفست به من ولاية يهود على عبادة بن الصامت فهو لك فى دونه\". فقال:\n_________\n= وابن أبى حاتم فى التفسير (٤/ ١١٥٥) (٦٥٠٦)، والبيهقى فى دلائل النبوة (٣/ ١٧٤، ١٧٥) قال: حدثنى أبى إسحاق بن يسار، عن عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت قال: لما حاربت بنو قينقاع رسول الله ﷺ تشبث بأمرهم عبد الله بن أُبيِّ ابن سلول فذكر نحو ما رواه عطية وإسناده صحيح رجاله ثقات وقد صرح ابن إسحاق بالتحديث وهو إمام فى المغازى، لكنه مرسل أيضًا فإن عبادة بن الوليد من التابعين ولم يدرك حرب بني قينقاع.\nوالأثر ذكره السيوطى فى الدر المنثور (٢/ ٥١٥) عن عبادة بن الوليد وزاد نسبته لابن المنذر وأبى الشيخ وابن مردويه وابن عساكر. وذكره أيضًا عن عطية وزاد نسبته لابن أبى شيبة.\n(^٥١٥) - رواه فى تفسيره (١٠/ ٣٩٦) (١٢١٥٧) وهو مع إرساله، فى إسناده عثمان بن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن أبى وقاص، قال الحافظ فى \"التقريب\": متروك وكذبه ابن معين.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في ز: \"يهود\".\n[¬٣]- في ز: \"أسررنا\"، خ: \"أصررنا\".\n[¬٤]- في ز: \"يستجمع\".\n[¬٥]- في ز: \"بد\".\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٧]- في ت: \"و\".\n[¬٨]- في ز: \"أنا\".","vol":"5","page":256},{"text":"إذا أقبل. قال: فأنزل الله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ إلى قوله تعالى ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾.\nوقال محمد بن إسحاق: فكانت أول قبيلة من اليهود نقضت ما بينها وبين رسول الله ﷺ [بنو قينقاع، فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة قال: فحاصرهم رسول الله ﷺ] [¬١] حتى نزلوا على حكمه، فقام إليه عبد الله بن أبي ابن سلول حين أمكنه الله منهم، فقال: يا محمد، أحسن في موالي. وكانوا حلفاء الخزرج، قال: فأبطأ عليه رسول الله ﷺ، فقال: يا محمد، أحسن في موالي. قال: فأعرض عنه، فأدخل يده في جيب درع رسول الله ﷺ، فقال له رسول الله ﷺ: \"أرسلني\". وغضب رسول الله ﷺ حتى رُئي لوجهه ظللًا، ثم قال: \"ويحك! أرسلني\". قال: لا والله لا أرسلك حتى تحسن في موالي، أربعمائة حاسر وثلاثمائة دارع، قد منعوني من الأحمر والأسود تحصدهم [¬٢] في غداة واحدة، إني امرؤ أخشى الدوائر. قال: فقال رسول الله ﷺ: \"هم لك\" (^٥١٦).\nقال محمد بن إسحاق (^٥١٧): فحدثني أبي إسحاق بن يسار، عن عبادة بن الوليد بن عبادة ابن الصامت، قال: لما حاربت بنو قينقاع رسول الله ﷺ تشبث بأمرهم عبد الله ابن أبي وقام دونهم، و[¬٣] مشى عبادة بن الصامت إلى رسول الله ﷺ، وكان أحد بني عوف بن الخزرج له من حلفهم مثل الذي لعبد الله بن أبي، فجلعهم [¬٤] إلى رسول الله ﷺ وتبرأ إلى الله ورسوله ﷺ من حلفهم، وقال: يا رسول الله، أتبرأ إلى الله وإلى رسوله من حلفهم، وأتولى الله ورسوله والمؤمنين، وأبرأ من حلف الكفار وولايتهم. ففيه وفي عبد الله بن أبي نزلت الآيات في المائدة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [] [¬٥] إلى قوله: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾.\n_________\n(^٥١٦) - سيرة ابن هشام (٢/ ٨٠٩، ٨١٠) ومن طريقه رواه البيهقى فى دلائل النبوة (٣/ ١٧٤).\n(^٥١٧) - رواه ابن إسحاق فى السيرة (٢/ ٨١٠)، وهو مرسل صحيح الإسناد، وقد تقدم تخريجه.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- فى ز: \"يحصدني\"، خ: \"تحصدني\".\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- في ز: \"فجعلهم\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين في ز: \"الآيات\".","vol":"5","page":257},{"text":"وقال الإمام أحمد (^٥١٨): حدثنا قتيبة بن سعيد [¬١]، حدثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، عن محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن عروة، عن أسامة بن زيد، قال: دخلت مع رسول الله ﷺ على عبد الله بن أبيّ نعوده، فقال له النبي ﷺ: \"قد كنت أنهاك عن حب يهود\". فقال عبد الله: فقد أبغضهم أسعد [¬٢] بن زرارة فمات.\nوكذا رواه أبو داود من حديث محمد بن إسحاق.\n﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٥٤) إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (٥٥) وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ (٥٦)﴾\nيقول تعالى مخبرًا عن قدرته العظيمة: أنه من تولى عن نصرة دينه وإقامة شريعته، فإن الله يستبدل به من هو خير لها منه، وأشدّ منعة، وأقوم سبيلًا، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾، [وقال تعالى: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ﴾] [¬٣] وقال تعالى: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (١٦) وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ أي: بممتنع ولا صعب. وقال تعالى [هاهنا] [¬٤]: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا\n_________\n(^٥١٨) - رواه فى مسنده (٥/ ٢٠١) كما نقله ابن كثير، ورواه أبو داود في الجنائز، باب فى العيادة حديث (٣٠٩٤) والحاكم فى المستدرك (١/ ٣٤١) عن عبد العزيز بن يحيى، ثنا محمد بن سلمة ثنا محمد بن إسحاق به، ولفظه \"قد أبغضهم سعد بن زرارة فمه\" ثم زادا فيه \"فلما مات أتاه ابنه فقال: يا رسول الله إن عبد الله بن أبى قد مات فأعطى قميصك أكفنه فيه، فنزع رسول الله ﷺ قميصه فأعطاه إياه\".\nوصححه الحاكم على شرط مسلم، ووافقه الذهبى وليس كما قالا فإن ابن إسحاق لم يخرج له مسلم إلا فى المتابعات وهو مدلس وقد عنن فلم يصرح بالسماع من الزهرى لكن قصة القميص التى ذكرها أبو داود والحاكم ثابتة فى الصحيحين.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- في ز: \"سعد\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.","vol":"5","page":258},{"text":"من يرتد منكم عن دينه﴾ أي: يرجع عن الحق إلى الباطل.\nقال محمد بن كعب: نزلت في الولاة من قريش (^٥١٩). وقال الحسن البصري: نزلت في أهل الردّة أيام أبي بكر. ﴿فسوف يأتي اللَّه بقوم يحبهم ويحبونه﴾ [قال الحسن: هو واللَّه أبو بكر وأصحابه. رواه ابن أبي حاتم (^٥٢٠). وقال أبو بكر بن أبي شيبة: سمعت أبا بكر بن عياش يقول في قوله: ﴿فسوف يأتي اللَّه بقوم يحبهم ويحبونه﴾] [¬١]: هم أهل القادسية (^٥٢١). وقال ليث بن أبي سليم، عن مجاهد: هم قوم من سبأ (^٥٢٢).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا عبد الله بن الأجلح، عن محمد بن عمرو، عن سالم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قوله: ﴿فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه﴾ قال: ناس من أهل اليمن، ثم من كندة ثم من الشكوك.\nوحدثنا أبي (^٥٢٣)، حدثنا محمد بن المصفى، حدثنا معاوية - يعني: ابن حفص -، عن أبي زياد الحلفاني، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله، قال: سئل رسول الله ﷺ عن قوله ﴿فسوف يأتي اللَّه بقوم يحبهم وبحبونه﴾ قال: \"هؤلاء قوم من\n_________\n(^٥١٩) - رواه ابن جرير فى تفسيره (١٠/ ٤١٠) (١٢١٧٧) وابن أبي حاتم (٤/ ١١٥٩) (٦٥٣١). وإسناده حسن.\n(^٥٢٠) - رواه فى تفسيره (٤/ ١١٦٠) (٦٥٣٧) من طريق الفضل بن دلهم عن الحسن. والفضل لين كما قال الحافظ فى \"التقريب\" ورواه من هذا الطريق ابن جرير فى تفسيره (١٠/ ٤١١) (١٢١٧٨) (١٢١٧٩) ورواه أيضًا فى (١٢١٨٠)، (١٢١٨١)، (١٢١٨٢)، وابن أبي حاتم (٦٥٣٣) من طرق عن الحسن به.\nوالأثر ذكره السيوطى فى الدر المنثور (٢/ ٥١٧) وزاد نسبته لعبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ وخيثمة الأترابلسى فى فضائل الصحابة، والبيهقى فى الدلائل.\n(^٥٢١) - رواه ابن أبي حاتم فى تفسيره (٤/ ١١٦١) (٦٥٣٩) تعليقًا فقال: ذكر عن أبي بكر بن أبي شيبة فذكره.\n(^٥٢٢) - رواه ابن جرير فى تفسيره (١٠/ ٤١٧) (١٢١٩٧) وابن أبي حاتم (٤/ ١١٦١) رقم (٦٥٤٠).\nوذكره السيوطى فى الدر المنثور (٢/ ٥١٨) وعزاه إلى أبي الشيخ وحده.\n(^٥٢٣) رواه فى تفسيره (٤/ ١١٦٠) (٦٥٣٤). ورواه الطبرانى فى الأوسط (١٣٩٢) من طريق أبي حميد أحمد بن محمد بن المغيرة بن صيار الحمصى قال: نا معاوية بن حفص به. وذكره الهيثمى فى مجمع الزوائد (٧/ ١٩) وقال: رواه الطبرانى فى الأوسط وإسناده حسن. وحسنه السيوطى فى الدر المنثور (٢/ ٥١٨) وزاد نسبته للحاكم فى الكنى وأبى الشيخ وابن مردويه.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"5","page":259},{"text":"أهل اليمن، ثم من كندة، ثم من السكون، ثم من تجيب\".\nوهذا حديث غريب جدًّا.\nوقال ابن أبي حاتم (^٥٢٤): حدثنا عمر بن شبة، حدثنا عبد الصمد - يعني: ابن عبد [¬١] الوارث - حدثنا شعبة، عن سماك: سمعت عياضًا يحدث عن [أبي موسى] [¬٢] الأشعري، قال: لما نزلت ﴿فسوف يأتي اللَّه بقوم يحبهم ويحبونه﴾ قال رسول اللَّه ﷺ: \"هم قوم هذا\". ورواه ابن جرير: من حديث شعبة بنحوه.\nوقوله تعالى: ﴿أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين﴾ هذه صفات المؤمنين الكمل؛ أن يكون أحدهم متواضعًا لأخيه ووليه، متعززًا على خصمه وعدوّه، كما قال تعالى: ﴿محمد رسول اللَّه والذين معه أشدّاء على الكفار رحماء بينهم﴾ وفي صفة رسول اللَّه ﷺ: أنه الضحوك [¬٣] القتال، فهو ضحوك لأوليائه قتال لأعدائه.\n_________\n(^٥٢٤) - رواه فى تفسيره (٤/ ١١٦٠) (٦٥٣٥)، ورواه ابن جرير فى تفسيره (١٠/ ٤١٥) (١٢١٨٩) من طريق أبى الوليد الطيالسى عن شعبة به.\nورواه ابن سعد فى الطبقات (٤/ ٨٠) عن عبد اللَّه بن إدريس، وعفان بن مسلم، وابن أبي شيبة فى مصنفه (١٢/ ١٢٣) وفى مسنده رقم (٦٦٤) ومن طريقه إلى أبى عاصم فى \"الآحاد والمثانى\" (٢٥١٥)، وابن جرير فى تفسيره (١٠/ ٤١٥) (١٢١٩١) عن عبد اللَّه بن إدريس، والطبرانى فى الكبير (١٧/ ٣٧١) (١٠١٦) عن سليمان بن حرب، وحفص بن عمر الحوضي، والحاكم فى المستدرك (٢/ ٣١٣) عن وهب بن جرير وسعيد بن عامر، وابن جرير فى تفسيره (١٢١٨٨) عن محمد بن جعفر وفى (١٢١٩٢) عن يزيد، كلهم (ابن إدرس، وعفان، وسليمان بن حرب، وحفص بن عمر، ووهب بن جرير، وسعيد بن عامر، ومحمد بن جعفر، ويزيد) قالوا: حدثنا شعبة عن سماك بن حرب قال: سمعت عياضًا الأشعرى يقول فذكروه ولم يذكر أحد منهم أبا موسى الأشعرى، ورواه البيهقى فى الدلائل (٥/ ٣٥١) من طريق أبى معمر، حدثنا عبد اللَّه بن إدريس عن أبيه عن سماك بن حرب، عن عياض الأشعرى عن أبى موسى به.\nوالإسنادان صحيحان فإن شعبة قد روى عن سماك بن حرب قبل اختلاطه كما فى \"الكواكب النيرات\" (ص ٢٤٠).\nوالرواية الأولى صحيحة أيضًا فإن أبا الوليد الطيالسي واسمه هشام بن عبد الملك ثقة ثبت. وقد اختلف فى صحبة عياض الأشعرى فيبدو - والله أعلم - أن عياضًا سمع هذا من أبى موسى فكان يحدث به عنه على الوجهين وقد رواه عنه سماك وعن سماك شعبة على الوجهين كما فعل عياض.\n_________\n[¬١]- سقط من: ت.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في ز: \"الضحاك\".","vol":"5","page":260},{"text":"وقوله ﷿: ﴿يجاهدون في سبيل اللَّه ولا يخافون لومة لائم﴾ أي: لا يردّهم عما هم فيه من طاعة اللَّه، [وإقامة الحدود، وقتال أعدائه] [¬١]، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، لا يردّهم عن ذلك راد، ولا يصدّهم عنه صاد، ولا يحيك [¬٢] فيهم لوم [¬٣] لائم، ولا عذل عاذل.\nقال الإِمام أحمد (^٥٢٥): حدثنا عفان، حدثنا سلام أبو المنذر، عن محمد بن واسع، عن عبد اللَّه بن الصامت، عن أبي ذر قال: أمرني خليلي ﷺ بسبع: أمرني بحب المساكين والدنو منهم، وأمرني أن أنظر إلى من هو دوني، ولا أنظر إلى من هو فوقي، وأمرني أن أصل الرحم وإن أدبرت، وأمرني أن لا أسأل أحدًا شيئًا، وأمرني أن أقول الحق وإن كان مرًّا، وأمرني أن لا أخاف في اللَّه لومة لائم، وأمرني أن أكثر من قول لا حول ولا قوّة إلا بالله، فإنهن من كنز تحت العرش.\nوقال الإِمام [¬٤] أحمد أيضًا (^٥٢٦): حدثنا أبو المغيرة، حدثنا صفوان، عن [¬٥] أبي المثنى: أن\n_________\n(^٥٢٥) - رواه فى مسنده (٥/ ١٥٩)، ورواه النسائى فى الكبرى كتاب عمل اليوم والليلة. باب: ما يقول إذا انتهى إلى قوم فجلس إليهم، حديث (١٠١٨٦) وفى \"عمل اليرم والليلة\" (٣٥٤)، والطبرانى فى الأوسط (٧٧٣٩)، وفى الصغير (١/ ٢٦٨) والبيهقى فى الكبرى (١٠/ ٩١)، وفى الشعب (٦/ ٩٣، ٩٤) (٧٥٨٣) من طرق عن محمد بن واسع بهذا الإسناد. ولفظ النسائى مختصرًا على \"أوصاني خليلى أبو القاسم ﷺ أن أكثر من قول لا حول ولا قوة إلا بالله، فإنها كنز من كنوز الجنة\".\nوإسناده صحيح. ورواه الطبرانى فى الكبير (٢/ ١٥٦) (١٦٤٩) من طريق محمد بن بشر ثنا إسماعيل ابن أبى خالد عن عامر وربما قال إسماعيل - بحض أصحابنا - عن أبى ذر به.\nورجاله ثقات إلا أن الشعبى لم يعرف له سماع من أبى ذر ورواه أيضًا برقم (١٦٤٨) من طريق يحيى بن أبى زكريا الغسانى عن إسماعيل عن بديل بن ميسرة عن عبد اللَّه بن الصامت عن أبى ذر.\nورواه أحمد فى مسنده (٥/ ١٧٣) من طريق محمد بن كعب عن أبى ذر قال: أوصانى حبى بخمس: أرحم المساكين وأجالسهم، وأنظر إلى من هو تحتى ولا أنظر إلى من هو فوقى، وأن أصل الرحم وإن أدبرت، وأن أقول بالحق وإن كان مرًّا وأن أقول: لا حول ولا قوة إلا بالله.\n(^٥٢٦) - رواه فى مسنده (٥/ ١٧٢)، ورواه فى نفس الموضع من طريق صفوان عن أبى اليمان عن أبى ذر مقتصرًا على أوله. والحديث ذكره الهيثمى فى مجمع الزوائد (٣/ ٩٥، ٩٦) وقال: \" رواه كله=\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ز: \"وقتال أعدائه، وإقامة الحدود\".\n[¬٢]- في ز: \"يحيل\".\n[¬٣]- في ز: \"لومة\".\n[¬٤]- سقط من: ز.\n[¬٥]- في خ: \"بن\".","vol":"5","page":261},{"text":"أبا ذر ﵁ قال: بايعني رسول اللَّه ﷺ خمسًا وواثقني سبعًا، وأشهد اللَّه عليَّ تسعًا؛ أنى لا أخاف في اللَّه لومة لائم. قال أبو ذر: فدعاني رسول اللَّه ﷺ، فقال: \"هل لك إلى بيعة ولك الجنة؟ \". قلت: نعم. قال: وبسطت يدي، فقال النبي ﷺ وهو يشترط علي: \" [] [¬١] أن لا تسأل الناس شيئًا\". قلت: نعم. قال: \"ولا سوطك وإن سقط منك\". يعني: تنزل إليه فتأخذه.\nوقال الإِمام أحمد أيضًا (^٥٢٧): حدثنا محمد بن الحسن، حدثنا جعفر، عن المعلى القردوسي، عن الحسن، عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول اللَّه ﷺ: \"ألا لا يمنعن أحدكم رهبة الناس أن يقول بحق إذا رآه أو شهده، فإنه [¬٢] لا يقرب [¬٣] من أجل، ولا يباعد [¬٤] من رزق، أن يقول بحق، أو أن [¬٥] يذكر بعظيم\". تفرد به أحمد.\n_________\n= أحمد ورجاله ثقات\" قلت: أبو المثنى هو ضمضم الأملوكى قال الذهبى فى الكاشف: وثق، وقال الحافظ فى التقريب: وثقه العجلى، وأبو اليمان هو عامر بن عبد اللَّه بن لحى فال الحافظ فى \"التقريب\": مقبول. وبقية رجاله ثقات كما قال الهيثمى ﵀.\n(^٥٢٧) - رواه أحمد فى مسنده (٣/ ٥٠) كما نقله ابن كثير هنا.\nورواه أحمد فى (٣/ ٨٧)، وأبو يعلى فى مسنده (١٤١١)، والطبرانى فى الأوسط (٢٨٠٤) من طريق المحلى بن زياد القردوسى عن الحسن به.\nورواه أحمد فى (٣/ ٧١) من طريق على بن زيد عن الحسن به. والحسن البصرى إمام ثقة لكنه يدلس وقد وقع تصريحه بالسماع من أبى سعيد عند أبى يعلى وللحديث طريق آخر رواه أحمد فى مسنده (٣/ ٥، ٤٤، ٤٦، ٥٣، ٨٧، ٩٢) وعبد بن حميد فى \"مسنده\" كما فى المنتخب من المسند (٨٦٩) والطيالسي فى مسنده (٢١٥١، ٢١٥٦، ٢١٥٨)، والترمذى فى كتاب الفتن، باب: ما جاء ما أخبر النبى ﷺ أصحابه بما هو كائن إلى يوم القيامة حديث (٢١٩١)، وابن ماجه فى الفتن، باب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، حديث (٤٠٠٧)، والحاكم (٤/ ٥٠٦) وأبو يعلى (١٢١٢) وابن حبان (٢٧٥)، (٢٧٨) والطبرانى فى الأوسط (٤٩٠٦)، والصغير (١/ ٢٥٨)، وأبو نعيم فى الحلية (٣/ ٩٨، ٩٩) والبيهقى فى الكبرى (١٠/ ٩٠) من طرق عن أبى نضرة به. والحديث صححه الألبانى ﵀ فى الصحيحة (١٦٨).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ز: \"على\".\n[¬٢]- في ز: \"إنه\".\n[¬٣]- في ز: \"يباعد\".\n[¬٤]- في ز: \"يقرب\".\n[¬٥]- سقط من: ز.","vol":"5","page":262},{"text":"وقال أحمد (^٥٢٨): حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا سفيان، عن زبيد، عن عمرو بن مرة، عن أبي البختري، عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول اللَّه ﷺ: \"لا يحقرن أحدكم نفسه، أن يرى أمرًا للَّه [فيه مقال فلا يقول] [¬١] فيه، فيقال له يوم القيامة: ما منعك أن تكون قلت في كذا وكذا؟ فيقول: مخافة الناس، فيقول: إياي أحق أن تخاف\". ورواه ابن ماجة: [من حديث الأعمش، عن عمرو بن مرة به.\nوروى أحمد وابن ماجة] [¬٢] (^٥٢٩): من حديث عبد اللَّه بن عبد الرحمن أبي طوالة، عن نهار بنى عبد اللَّه العبدي المدنى، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي ﷺ قال: \"إن اللَّه ليسأل العبد يوم القيامة، حتى إنه ليسأله يقول له: أي عبدي رأيت منكرًا فلم تنكره؟ فإذا لقن اللَّه عبدًا حجته، قال: [أي رب] [¬٣] وثقت بك وخفت الناس\". وثبت في\n_________\n(^٥٢٨) - رواه فى مسنده (٣/ ٧٣)، ورواه فى (٣/ ٤٧) قال: حدثنا وكيع وعبد الرزاق عن سفيان فذكره، ورواه عبد بن حميد فى \"مسنده\" كما فى المنتخب رقم (٩٧٢) قال: حدثنا أبو نعيم عن سفيان عن زبيد به، وقد تابع زبيدًا عليه سليمان بن مهران الأعمش فرواه عن عمرو بن مرة عند أحمد (٣/ ٣٠)، وعبد بن حميد (٩٧١) وابن ماجه فى الفتن، باب الأمر بالعروف والنهى عن المنكر حديث (٤٠٠٨)، والبيهقى (١٠/ ٩٠، ٩١) وأبو نعيم فى الحلية (٤/ ٣٨٤)، وقال البوصيرى فى الزوائد (٣/ ٢٤٢): إسناده صحيح.\nقلت: بل أبو النجترى لم يسمع من أبى سعيد. كذا قال أبو داود عقب الحديث (١٥٥٩) ونقله عنه ابن حجر فى \"تهذيب التهذيب\" ونقل عن ابن أبى حاتم فى المراسيل: عن أبيه قال: لم يدرك أبا ذر ولا أبا سعيد ولا زيد بن ثابت ولا رافع بن جريج.\nفالحديث إسناده منقطع ويؤيد ذلك أيضًا أن شعبة روى الحديث عن عمرو بن مرة عن أبى النجترى عن رجل عن أبى سعيد أخرجه الطيالسي فى مسنده (٢٢٠٦) ومن طريقه أبو نعيم فى الحلية (٤/ ٣٨٤) والبيهقى فى الشعب (٧٥٧١) ورواه أيضًا أبو نعيم من طريق زيد بن أبى أنيسة فسمى الرجل فقال: عن أبى النجترى عن مشفعة عن أبى سعيد، ومشفعة هذا مجهول لا يعرف.\n(^٥٢٩) - رواه أحمد (٣/ ٢٧، ٢٩، ٧٧)، وابن ماجه فى كتاب الفتن، باب: قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنو عليكم أنفسكم﴾ حديث (٤٠١٧) والحميدى فى \"مسنده\" (٧٣٩) وعبد بن حميد فى \"مسنده\" كما فى المنتخب (٩٧٤)، وأبو يعلى فى مسنده (١٠٨٩، ١٣٤٤)، وابن حبان (٧٣٦٨) والبيهقى فى سننه الكبرى (١٠/ ٩٠) وفى \"شعب الإيمان\" (٧٥٧٤، ٧٥٧٥) والمزى فى \"تهذيب الكمال\" (٣٠/ ٢٦) من طرق عن أبى طوالة عبد اللَّه بن عبد الرحمن بن معمر به، والحديث صحح إسناده البوصيرى فى مصباح الزجاجة (٣/ ٢٤٤).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ز: \"فقال: فلا تقول\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في ز: \"رب أي\".","vol":"5","page":263},{"text":"الصحيح: \"ما ينبغي للمؤمن [¬١] أن يذل نفسه\". قالوا: وكيف يذل نفسه يا رسول اللَّه؟ قال: \"يتحمل من البلاء ما لا يطيق\" (^٥٣٠).\n﴿ذلك فضل اللَّه يؤتيه من يشاء﴾ أي: من اتصف بهذه الصفات فإنما هو من فضل اللَّه عليه وتوفيقه له. ﴿والله واسع عليم﴾ أي: واسع الفضل، عليم بمن يستحق ذلك ممن يحرمه إياه.\nوقوله تعالى: ﴿إنما وليكم اللَّه ورسوله والذين آمنوا﴾ أي: ليس اليهود بأوليائكم، بل ولايتكم راجعة إلى اللَّه ورسوله والمؤمنين.\nوقوله: ﴿الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة﴾ أي: المؤمنون المتصفون بهذه الصفات، من إقام الصلاة التي هي أكبر أركان الإِسلام، وهي له [¬٢] وحده لا شريك له، وإيتاء الزكاة التي هي حق المخلوقين، ومساعدة للمحتاجين من الضعفاء والمساكين.\nوأما قوله: ﴿وهم راكعون﴾ فقد توهم بعضهم أن هذه الجملة في موضع الحال من قوله: ﴿ويؤتون الزكاة﴾ أي: في حال [¬٣] ركوعهم، ولو كان هذا كذلك؛ لكان دفع الزكاة في حال الركوع أفضل من غيره؛ لأنه ممدوح، وليس الأمر كذلك عند أحد من العلماء ممن نعلمه\n_________\n(^٥٣٠) - لم أقف على هذا الحديث فى أى من الصحيحين، بل رواه الترمذى فى الفتن، باب: ٦٧، حديث (٢٢٥٤)، وابن ماجة فى الفتن، باب: قوله تعالى: ﴿يأيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم﴾ حديث (٤٠١٦)، وأحمد (٥/ ٤٠٥)، وأبو الشيخ فى الأمثال (١٥١) والبزار فى \"مسنده\" (٢٧٩٠)، والقضاعى فى مسند الشهاب (٨٦٦)، (٨٦٧)، والبغوى فى \"شرح السنة\" (٣٦٠١)، من طريق على بن زيد عن الحسن عن جندب عن حذيفة مرفوعًا وهذا إسناد ضعيف، على بن زيد ضعيف والحسن البصرى مدلس وقد عنعن. وقال ابن أبى حاتم فى \"العلل\" (٢/ ١٣٨) عن أبيه: \"هذا حديث منكر\" وذكره فى موضع آخر (٢/ ٣٠٦) من طريق عمرو بن عاصم الكلابى عن حماد بن سلمة عن علي بن زيد به، قال: \"قال أبى: قد زاد فى الإسناد جنديًا، وليس بمحفوظ، حدثنا أبو سلمة عن حماد، وليس فيه جندب\". وللحديث شاهد من حديث ابن عمر مرفوعًا. رواه الطبرانى فى الكبير كما فى مجمع الزوائد (٧/ ٢٧٧) - وفى الأوسط (٥٣٥٧) والبزار فى \"مسنده\" كما فى كشف الأستار (٢/ ١١٤) (٣٣٢٣) وقال الهيثمى فى المجمع: وإسناد الطبرانى فى الكبير جيد ورجاله رجال الصحيح غير زكريا بن يحيى بن أيوب الضرير ذكره الخطيب روى عن جماعة وروى عنه جماعة ولم يتكلم فيه أحد.\nوالحديث صححه الألبانى فى الصحيحة (٦١٣) بشاهده هذا.\n_________\n[¬١]- في ز: \"لمؤمن\".\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.","vol":"5","page":264},{"text":"من أئمة الفتوى، وحتى إن بعضهم ذكر في هذا أثرًا عن علي بن أبي طالب: أن هذه الآية نزلت فيه؛ وذلك [¬١] أنه مر به سائل في حال ركوعه، فأعطاه خاتمه (^٥٣١).\nوقال [¬٢] ابن أبي حاتم (^٥٣٢): حدثنا الربيع بن سليمان المرادي، حدثنا أيوب بن سويد، عن عتبة بن أبي حكيم في قوله: ﴿إنما وليكم اللَّه ورسوله والذين آمنوا﴾ قال: هم المؤمنون وعلى بن أبي طالب.\nوحدثنا أبو سعيد الأشج (^٥٣٣)، حدثنا الفضل بن دكين أبو نعيم الأحول، حدثنا موسى بن قيس الحضرمي، عن سلمة بن كهيل، قال: تصدق على بخاتمه وهو راكع، فنزلت: ﴿إنما وليكم اللَّه ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون﴾.\nوقال ابن جرير (^٥٣٤): حدثني الحارث، حدثنا عبد العزيز، حدثنا غالب بن عبيد اللَّه،\n_________\n(^٥٣١) - رواه ابن أبى حاتم فى تفسيره (٤/ ١١٦٢) (٦٥٥١) عن سلمة بن كهيل قال: تصدق علي بخاتمه وهو راكع فنزلت ﴿إنما وليكم اللَّه ورسوله والذين آمنوا …﴾ الآية، وذكره السيوطى فى الدر المنثور (٢/ ٥٢٠) وزاد نسبته لأبى الشيخ وابن عساكر. وسيأتى عند ابن كثير برقم (٥٥٥) ورواه الخطيب فى المتفق كما فى \"الدر المنثور\" (٢/ ٥١٩) عن ابن عباس قال: تصدق علي بخاتمه وهو راكع فقال النبى ﷺ للسائل: \"من أعطاك هذا الخاتم؟ \" قال: ذاك الراكع فانزل اللَّه ﴿إنما وليكم اللَّه ورسوله﴾.\nورواه الطبرانى فى الأوسط (٦٢٣٢) من حديث عمار بن ياسر قال: وقف على علي بن أبى طالب سائل، وهو راكع فى تطوع فنزع خاتمه فأعطاه السائل فأتى رسول اللَّه ﷺ فأعلمه ذلك فنزلت على النبى ﷺ هذه الآية، فقرأها رسول اللَّه ﷺ ثم قال: \"من كنت مولاه فعلى مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه\".\nوذكره السيوطى فى الدر المنثور وزاد نسبته لابن مردويه وقال الهيثمى فى مجمع الزوائد (٧/ ٢٠): فيه من لم أعرفهم.\n(^٥٣٢) - رواه فى تفسيره (٤/ ١١٦٢) (٦٥٤٩)، ورواه ابن جرير فى (١٠/ ٤٢٦) (١٢٢١٣) قال: حدثنا إسماعل بن إسرائيل الرملى قال: حدثنا أيوب بن سويد به.\nوفى إسناده عتبة بن أبي حكيم، قال الحافظ فى \"التقريب\": صدوق خطئ كثيرًا.\n(^٥٣٣) - رواه ابن أبى حاتم فى تفسيره (٤/ ١١٦٢) (٦٥٥١) وانظر رقم (٥٥٣).\n(^٥٣٤) - رواه فى تفسيره (١٠/ ٤٢٦) (١٢٢١٤) وفى إسناده غالب بن عبيد ترجم له البخارى فى التاريخ الكبير (٧/ ١٠١) فقال: منكر الحديث سمع مجاهدًا، روى عنه أبو بكر الحنفى الشامى.\nوقال أبو حاتم فى الجرح والتعديل (٧/ ٤٨). متروك الحديث منكر الحديث.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- في ز: \"قوله\".","vol":"5","page":265},{"text":"سمعت مجاهدًا يقول في قوله: ﴿إنما وليكم اللَّه ورسوله﴾ الآية: نزلت في على بن أبي طالب تصدق وهو راكع.\nوقال عبد الرزاق: حدثنا عبد الوهاب بن مجاهد، عن أبيه، عن ابن عباس، في قوله: ﴿إنما وليكم اللَّه ورسوله﴾ الآية: نزلت في علي بن أبي طالب.\nعبد الوهاب بن مجاهد لا يحتج به.\nوروى ابن مردويه (^٥٣٥): من طريق سفيان الثوري، عن أبي سنان، عن الضحاك، عن ابن عباس، قال: كان على بن أبي طالب قائمًا يصلي، فمر سائل وهو راكع فأعطاه خاتمة، فنزلت ﴿إنما وليكم اللَّه ورسوله﴾ الآية.\nالضحاك لم يلق ابن عباس.\nوروى ابن مردويه أيضًا (^٥٣٦): من طريق محمد بن السائب الكلبي وهو متروك، عن أبي صالح، عن ابن عباس قال: خرج رسول اللَّه ﷺ إلى المسجد، والناس يصلون بين راكع وساجد، وقائم وقاعد، وإذا مسكين يسأل، فدخل رسول اللَّه ﷺ، فقال: \"أعطاك أحد شيئًا؟ \" قال: نعم. قال: \"من؟! قال: ذلك الرجل القائم. قال: \"على أي حالٍ أعطاكه؟ \". قال: وهو راكع. قال: وذلك على بن أبي طالب. قال: فكبر رسول الله ﷺ عند ذلك، وهو يقول: ﴿ومن يتول اللَّه ورسوله والذين آمنوا فإن حزب اللَّه هم الغالبون﴾.\nوهذا إسناد لا يفرح به.\nثم رواه ابن مردويه (^٥٣٧): من حديث على بن أبي طالب ﵁ نفسه، وعمار بن\n_________\n(^٥٣٥) - رجال إسناده ثقات، وأبو سنان هو ضرار بن مرة الكوفى ثقة ثبت، لكن اختلف فى سماع الضحاك من ابن عباس.\nوالأثر ذكره السيوطى فى الدر المنثور (٢/ ٥٢٠) ولم يعزه لغير ابن مردويه.\n(^٥٣٦) - فى إسناده محمد بن السائب وهو متروك كما قال ابن كثير ﵀، وذكره السيوطى فى الدر المنثور (٢/ ٥٢٠) ولم يعزه لغير ابن مردويه.\n(^٥٣٧) - تقدم تخريج أثر علي، وعمار قريبًا وحديث أبى رافع رواه الطبرانى فى الكبير (١/ ٣٢١) وذكره الهيثمى فى مجمع الزوائد (٩/ ١٣٧): قال: فيه محمد بن عبيد اللَّه بن أبى رافع ضعفه الجمهور ووثقه ابن حبان، ويحيى بن الحسين بن الفرات لم أعرفه وبقية رجاله ثقات. وذكره السيوطى فى الدر المنثور (٢/ ٥٢٠) وزاد نسبته لابن مردويه وأبى نعيم ورواية ميمون بن مهران عن ابن عباس ذكرها السيوطى فى الدر وعزاه لابن مردويه.","vol":"5","page":266},{"text":"ياسر، وأبي رافع، وليس يصح شيء منها بالكلية؛ لضعف أسانيدها وجهالة رجالها، ثم روى بسنده عن ميمون بن مهران، عن ابن عباس في قوله: ﴿إنما ويكم اللَّه ورسوله﴾ نزلت في المؤمنين، وعلى بن أبي طالب أولهم.\nوقال ابن جرير (^٥٣٨): حدثنا هناد، حدثنا عبدة، عن عبد الملك، عن أبي جعفر، قال: سألته عن هذه الآية ﴿إنما وليكم اللَّه ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون﴾ قلنا: من الذين آمنوا؟ [قال: الذين آمنوا] [¬١]. قلنا: بلغنا أنها نزلت في علي ابن أبي طالب. قال: علي من الذين آمنوا.\nوقال أسباط عن السدي: نزلت هذه الآية في جميع المؤمنين، ولكن على بن أبي طالب مر به سائل وهو راكع في المسجد فأعطاه خاتمه (^٥٣٩).\nوقال على بن أبي طلحة الوالبي، عن ابن عباس: من أسلم فقد تولى اللَّه ورسوله والذين آمنوا. رواه ابن جرير (^٥٤٠).\nوقد تقدم في الأحاديث التي أوردناها أن هذه الآيات [¬٢] كلها نزلت في عبادة بن الصامت -\n﵁ حين تبرأ من حلف بهود ورضي بولاية اللَّه ورسوله والمؤمنين؛ ولهذا قال تعالى\nبعد هذا كله: ﴿ومن يتول اللَّه ورسوله والذين آمنوا فإن حزب اللَّه هم الغالبون﴾، كما\nقال تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢١) لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٢٢)﴾.\n_________\n(^٥٣٨) - رواه فى تفسيره (١٠/ ٤٢٥، ٤٢٦) (١٢٢١١) وذكره السيوطى فى الدر المنثور (٢/ ٥٢٠) وزاد نسبته لعبد بن حميد وابن المنذر، ورواه أبو نعيم فى الحلية (٣/ ١٨٥) من طريق عبد الملك بن أبى سليمان قال: سألت أبا جعفر محمد بن على عن قوله ﴿إنما وليكم اللَّه …﴾ الآية، قال: أصحاب محمد ﷺ. قلت: يقولون علي؟ قال: على منهم.\n(^٥٣٩) - رراه ابن جرير فى تفسيره (١٠/ ٤٢٥) (١٢٢١٠) بسنده إلى السدى.\n(^٥٤٠) - رواه ابن جرير فى تفسيره (١٠/ ٤٢٥) (١٢٢٠٩)، وابن أبى حاتم (٤/ ١١٦٢) (٦٥٤٦).\nوذكره السيوطى فى الدر المنثور (٢/ ٥٢٠) ولم يعزه لغيرهما، وقد تقدم الكلام على رواية على بن أبى طلحة عن ابن عباس.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في ز: \" الآية \".","vol":"5","page":267},{"text":"فكل من رضي بولاية اللَّه ورسوله والمؤمنين؛ فهو مفلح في الدنيا والآخرة، ومنصور في الدنيا\nوالآخرة؛ ولهذا قال تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿ومن يتول اللَّه ورسوله والذين آمنوا فإن\nحزب اللَّه هم الغالبون﴾.\n﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٥٧) وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ (٥٨)﴾\nوهذا تنفير من موالاة أعداء الإِسلام وأهله من الكتابيين والمشركين، الذين يتخذون أفضل ما يعمله العاملون، وهي شرائع الإِسلام المطهرة المحكمة، المشتملة على كل خير دنيوي وأخروي، يتخذونها هزوًا يستهزئون بها، ولعبًا يعتقدون أنها نوع من اللعب في نظرهم الفاسد، وفكرهم البارد، كما قال القائل:\nوكم من [¬١] عائب قولًا صحيحًا … وآفته من الفهم السقيم\nوقوله تعالى: ﴿من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار﴾ \" مِنَ \" هاهنا لبيان الجنس، كقوله: ﴿فاجتنبوا الرجس من الأوثان﴾ وقرأ بعضهم: (والكفار) بالخفض عطفًا، وقرأ آخرون: بالنصب على أنه معمول ﴿لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوًا ولعبًا من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم﴾ تقديره: (ولا الكفار أولياء) أي: لا تتخذوا هؤلاء ولا هؤلاء أولياء.\nوالمراد بالكفار هاهنا المشركون، وكذلك وقع في قراءة ابن مسعود فيما رواه ابن جرير ﴿لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوًا ولعبًا من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا﴾ (^٥٤١).\nوقوله: ﴿واتقوا اللَّه إن كنتم مؤمنين﴾ أي: اتقوا اللَّه أن تتخذوا هؤلاء الأعداء لكم ولدينكم أولياء، إن كنتم مؤمنين بشرع اللَّه الذي اتخذه هؤلاء هزوًا ولعبًا، كما قال تعالى: ﴿لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من\n_________\n(^٥٤١) - رواه ابن جرير الطبرى فى تفسيره (١٠/ ٤٣٠) (١٢٢١٧).\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.","vol":"5","page":268},{"text":"اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾.\nوقوله: ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا﴾ أي: وكذلك إذا أذنتم داعين إلى الصلاة التي هي أفضل الأعمال، لمن يعقل ويعلم من ذوي الألباب ﴿اتَّخَذُوهَا﴾ أيضًا ﴿هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ﴾ معاني عبادة الله وشرائعه، وهذه صفات أتباع \"الشيطان الذي إذا سمع الأذان أدبر وله حُصاص [¬١]، أي: ضراط حتى لا يسمع التأذين، فإذا قفي التأذين أقبل، فإذا ثوب بالصلاة أدبر، فإذا قضي التثويب أقبل حتى يخطر بين المرء وقلبه، فيقول: اذكر كذا، اذكر كذا، لما لم يكن يذكر، حتى يظل [¬٢] الرجل إن يدري كم صلي، فإذا وجد أحدكم ذلك فليسجد سجدتين قبل السلام\". متفق عليه (^٥٤٢).\nوقال الزهري: قد ذكر الله التأذين في كتابه، فقال: ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ﴾. رواه ابن أبي حاتم (^٥٤٣).\nوقال أسباط، عن السدي في قوله: ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا [¬٣] وَلَعِبًا﴾ قال: كان رجل من النصارى بالمدينة إذا سمع المنادي ينادي: أشهد أن محمدًا رسول الله، قال: حرق الكاذب. فدخلت خادمه ليلة من الليالي بنار، وهو نائم وأهله نيام، فسقطت شرارة فأحرقت البيت فاحترق هو وأهله.\nرواه ابن جرير وابن أبي حاتم (^٥٤٤)، وذكر محمد بن إسحاق بن يسار في السيرة: أن رسول الله ﷺ دخل الكعبة عام الفتح ومعه بلال، فأمره أن يؤذن وأبو سفيان بن حرب وعتاب بن أسيد [¬٤] والحارث بن هشام جلوس بفناء الكعبة، فقال عتاب بن أسيد [¬٥]: لقد أكرم\n_________\n(^٥٤٢) - رواه مالك فى \"الموطأ\" كتاب الصلاة، باب: ما جاء فى النداء للصلاة حديث (٦) ومن طريقه البخارى فى \"صحيحه\" كتاب الأذان، باب: فضل التأذين حديث (٦٠٨)، ومسلم فى المساجد، ومواضع الصلاة، باب: من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك تلك الصلاة، حديث (٦٠٨) عن أبى الزناد عن الأعرج عن أبى هريرة.\nوللحديث أسانيد أخرى فى الصحيحين وغيرهما.\n(^٥٤٣) - رواه فى تفسيره (٤/ ١١٦٤) (٦٥٥٨).\n(^٥٤٤) - رواه ابن جرير فى تفسيره (١٠/ ٤٣٢) (١٢٢١٨)، وابن أبى حاتم (٤/ ١١٦٣، ١١٦٤) (٦٥٥٧)، وذكره السيوطى فى الدر المنثور (٢/ ٥٢١) وزاد نسبته إلى أبى الشيخ.\n_________\n[¬١]- في ز: \"حضاض\".\n[¬٢]- في ز: \"يضل\".\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]-[¬٥]- في ز: \"أسد\".","vol":"5","page":269},{"text":"الله أسيدًا [¬١] أن لا يكون سمع هذا فيسمع منه ما يغيظه. وقال الحارث بن هشام: أما والله لو أعلم أنه محق لاتبعته. فقال أبو سفيان: لا أقول شيئًا، لو تكلمت لأخبرت عني هذه الحصي. فخرج عليهم النبي ﷺ فقال: \"قد علمت الذي قلتم\"، ثم ذكر ذلك لهم، فقال الحارث وعتاب: نشهد أنك رسول الله، ما اطلع على هذا أحد كان معنا؛ فنقول أخبرك (^٥٤٥).\nوقال الإِمام أحمد (^٥٤٦): حدثنا روح بن عبادة، حدثنا ابن جريج، أخبرنا عبد العزيز بن عبد الملك بن أبي محذورة: أن عبد الله بن محيريز أخبره، وكان يتيمًا في حجر أبي محذورة، قال: قلت لأبي محذورة: يا عم، إني خارج إلى الشام، وأخشى أن أسأل عن تأذينك؟ فأخبرني أن أبا محذورة قال له [¬٢]: نعم، خرجت في نفر، وكنا ببعض طريق حنين، مقفل رسول الله ﷺ من حنين، فلقينا رسول الله ﷺ ببعض الطريق، فأذن مؤذن رسول الله ﷺ بالصلاة عند رسول الله ﷺ، فسمعنا صوت المؤذن ونحن متنكبون [¬٣]، فصرخنا [نحكيه و] [¬٤] نستهزئ به، فسمع رسول الله ﷺ الصوت [¬٥]، فأرسل إلينا إلى أن وقفنا بين يديه، فقال رسول الله ﷺ: \"أيكم الذي سمعت صوته قد ارتفع؟ \". فأشار\n_________\n(^٥٤٥) - رواه ابن هشام فى السيرة النبوية (٤/ ٨٧١ - محيى الدين عبد الحميد) قال: وحدثنى بعض أهل العلم أن رسول الله ﷺ، دخل الكعبة فذكره.\n(^٥٤٦) - رواه أحمد فى مسنده (٣/ ٤٠٩) حدثنا روح بن عبادة ثنا ابن جريج ح، ومحمد بن بكر أنبأنا ابن جريج قال أخبرني عبد العزيز فذكره، ورواه أبو داود فى الصلاة باب: كيف الأذان، حديث (٥٠٣) والنسائى (٢/ ٥) كتاب الأذان، باب كيف الأذان، وابن ماجه فى الأذان والسنة فيها، باب: الترجيع فى الأذان حديث (٧٠٨)، وابن خزيمة (٣٧٩) من طرق عن ابن جريج به. وعبد العزيز بن عبد الملك ابن أبى محذورة ذكره البخاري فى التاريخ (٥/ ١٨)، وابن أبى حاتم فى الجرح والتعديل (٦/ ٣٨٨) ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا، وقال الحافظ فى \"التقريب\": مقبول.\nقلت: قد تابعه مكحول فرواه عن عبد الله بن محيريز عن أبى محذورة، رواه مسلم فى الصلاة، باب: صفة الأذان حديث (٦/ ٣٧٩) وأبو داود فى الصلاة، باب: كيف الأذان، حديث (٥٠٢)، والترمذى فى الصلاة، باب: ما جاء فى الترجيع فى الأذان (١٩٢)، والنسائى (٢/ ٤) فى الأذان باب: كم الأذان من كلمة، وفى باب: كيف الأذان (٢/ ٤، ٥) وابن ماجه فى كتاب الأذان، باب: الترجيع فى الأذان، حديث (٧٠٩).، وابن خزيمة (٣٧٧).\n_________\n[¬١]- في ز: \"أسدًا\".\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في ز: \"متكئون\".\n[¬٤]- فى ز: \"عليه\"، خ: \"عليه ونحن\".\n[¬٥]- سقط من: ز، خ.","vol":"5","page":270},{"text":"القوم كلهم إلي وصدقوا، فأرسل كلهم وحبسني، وقال: \"قم فأذن بالصلاة [¬١] \". فقمت ولا شيء أكره إليّ من رسول الله ﷺ ولا مما يأمرني به، فقمت بين يدي رسول الله ﷺ، فألقى علي رسول الله ﵌ التأذين هو بنفسه، قال: \"قل: الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله [ثم قال لي: ارجع فامدد من صوتك\". ثم قال: \"أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، [¬٢]، حي على الصلاة، حى على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله\". ثم دعاني حين قضيت التأذين، فأعطاني [¬٣] صرة فيها شيء من فضة، ثم وضع يده على ناصية أبي محذورة ثم أمرها على وجهه، ثم بين ثدييه، ثم على كبده حتى بلغت يد رسول الله ﷺ سرة أبي محذورة، ثم قال رسول الله ﷺ: \"بارك الله فيك وبارك عليك\". فقلت: يا رسول الله، [] [¬٤] مرني بالتأذين بمكة. فقال: \"قد أمرتك به\". وذهب كل شيء كان لرسول الله ﷺ من كراهة، وعاد ذلك كله محبة لرسول الله ﷺ، فقدمت على عتاب بن أسيد عامل رسول الله ﷺ بمكة [¬٥]، فأذنت معه بالصلاة عن أمر رسول الله ﷺ، وأخبرني ذلك من أدركت من أهلي ممن أدرك أبا محذورة، على نحو ما أخبرني عبد الله بن محيريز.\n_________\n= ورواه أبو داود (٥٠٥) من طريق عبد الملك بن أبى محذورة عن عبد الله بن محيريز به.\nورواه أحمد (٣/ ٤٠٨) والبخارى فى خلق أفعال العباد (١٨٢)، وأبو داود (٥٠٠، ٥٠٤) من طرق عن عبد الملك بن أبى محذورة أنه سمع أبا محذورة يقول: ألقى على رسول الله ﷺ الأذان حرفًا حرفًا الحديث مختصرًا دون ذكر عبد الله بن محيريز، ورواه الترمذى (١٩١)، والنسائى (٢/ ٣) وابن خزيمة (٣٧٨) من طريق بشر بن معاذ حدثنى إبراهيم وهو ابن عبد العزيز بن عبد الملك بن أبى محذورة حدثني أبي عبد العزيز وجدي عبد الملك بن أبي محذورة عن أبي محذورة به.\nقال ابن خزيمة: فخبر ابن أبي محذورة ثابت صحيح من جهة النقل. وهذا الاختلاف فى الإسناد لا يقدح فى الحديث ولا يعد إضطرابًا فإن عبد العزيز بن عبد الملك بن أبى محذورة، وأباه قد سمعا من أبى محذورة ومن ابن محيريز، وأيضًا طريق مكحول التى عند مسلم طريق صحيحة، والله أعلم.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- سقط من: خ.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين في ز: \"مرني\".\n[¬٥]- سقط من: ز، خ.","vol":"5","page":271},{"text":"[هكذا رواه الإِمام أحمد، وقد أخرجه مسلم في صحيحه وأهل السنن الأربعة: من طريق عن عبد الله بن محيريز] [¬١]، عن أبي محذورة، واسمه سمرة بن معير [¬٢] بن لوذان أحد مؤذني رسول الله ﷺ الأربعة، وهو مؤذن أهل مكة وامتدت أيامه ﵁ وأرضاه.\n﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ (٥٩) قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (٦٠) وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ (٦١) وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٦٢) لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (٦٣)﴾\nيقول تعالى: ﴿قُلْ﴾ يا محمد لهؤلاء الذين اتخذوا دينكم هزوًا ولعبًا من أهل الكتاب: ﴿هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ﴾ أي: هل لكم علينا مطعن أو عيب إلا هذا؟ وهذا ليس بعيب ولا مذمة؛ فيكون الاستثناء منقطعًا، كما في قوله تعالى: ﴿نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾، وكقوله: ﴿وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾، وفي الحديث المتفق عليه: \"ما ينقم ابن جميل إلا أن كان فقيرًا فأغناه الله\" (^٥٤٧).\nوقوله: ﴿وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ﴾ [معطوف على ﴿أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ﴾ أي: وآمنا بأن أكثركم فاسقون] [¬٣]، أي: خارجون عن الطريق المستقيم.\n_________\n(^٥٤٧) - رواه البخاري في كتاب الزكاة، باب: قول الله تعالى: ﴿وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ حديث (١٤٦٨) ومسلم في (٧/ ٧٩) كتاب الزكاة، باب في تقديم الزكاة ومنعها، حديث (٩٨٣) من حديث الأعرج عن أبي هريرة.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في ز: \"مغير\".\n[¬٣]- ما بن المعكوفتين سقط من: خ.","vol":"5","page":272},{"text":"ثم قال: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ﴾ أي: هل أخبركم بشر جزاء عند الله يوم القيامة مما تظنونه بنا؟ وهم أنتم الذين هم متصفون بهذه الصفات القصيرة [¬١] فقوله: ﴿مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ﴾ أي: أبعده من رحمته ﴿وَغَضِبَ عَلَيْهِ﴾ أي: غضبًا لا يرضى بعده أبدًا ﴿وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ﴾ كما تقدم بيانه في سورة البقرة، و[¬٢] كما سيأتي إيضاحه في سورة الأعراف.\nوقد قال سفيان الثوري: عن علقمة بن مرثد، عن المغيرة بن عبد الله، عن المعرور بن سويد، عن ابن مسعود قال: سئل رسول الله ﷺ عن القردة والخنازير أهي مما مسخ الله؟ فقال [¬٣].\"إن الله لم يهلك قومًا -[أو قال: لم يمسخ قومًا] [¬٤]- فيجعل لهم نسلا ولا عقبًا [¬٥]، وإن القردة والخنازير كانت قبل ذلك\" (^٥٤٨).\nوقد رواه مسلم: من حديث سفيان الثوري ومسعر كلاهما، عن مغيرة بن عبد الله اليشكري به.\nوقال أبو داود الطيالسي (^٥٤٩): حدثنا داود بن أبي الفرات، عن محمد بن زيد، عن أبي الأعين العبدي، عن أبي الأحوص، عن ابن مسعود قال: سألنا رسول الله ﷺ عن القردة والخنازير أهي من نسل اليهود؟ فقال: \"لا، إن الله لم يلعن قومًا [قط فمسخهم] [¬٦] فكان لهم نسل، ولكن هذا خلق كان، فلما غضب الله على اليهود\n_________\n(^٥٤٨) - رواه مسلم في صحيحه في القدر، باب بيان أن الآجال والأرزاق وغيرها لا تزيد ولا تنقص عما سبق به القدر، حديث (٢٣/ ٢٦٦٣) وأحمد في مسنده (١/ ٤١٣،٤٣٣، ٤٦٦) عن سفيان الثوري به. ورواه مسلم وغيره عن مسعر عن علقمة بن مرثد به.\n(^٥٤٩) - رواه في مسنده (٣٠٧) ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره (٤/ ١١٦٥) (٦٥٦٢) ورواه أحمد في مسنده (١/ ٣٩٥، ٣٩٦، ٤٢١) من طرق عن داود بن أبي الفرات به، وإسناده ضعيف، فيه أبو الأعين العبدي، قال ابن حبان في المجروحين (٣/ ١٥٠): كان ممن يأتي بأشياء مقلوبة وأوهام معمولة كأنه تعمدها، لا يجوز الاحتجاج به وهو الذي روى عن أبي الأحوص عن عبد الله مرفوعا \"من قتل حية فكأنما قتل رجلا مشركا\" .. في نسخة كتبناها عنه بهذا الإسناد ما لشيء منها أصل يرجع إليه اهـ والحديث ضعف الشيخ أحمد شاكر إسناده في تعليقه على المسند رقم (٣٧٤٧)\n_________\n[¬١]- في ت: \"القصيدة\".\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- في ز: \"قال\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- في ز، خ: \"عاقبة\".\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين في ت: \"فيمسخهم\".","vol":"5","page":273},{"text":"فمسخهم جعلهم مثلهم\". ورواه أحمد من حديث داود بن أبي الفرات به.\nوقال ابن مردويه (^٥٥٠): حدثنا عبد الباقي، حدثنا أحمد بن صالح، حدثنا الحسن بن محبوب، حدثنا عبد العزيز بن المختار، عن داود بن أبى هند، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: قال وسول الله ﷺ: \" الحيات مسخ الجن، كما مسخت القردة والحنازير\".\nهذا حديث غريب جدًا.\nوقوله تعالى: ﴿وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ و[¬١] قرئ: (وعَبَد الطاغوت) على أنه فعل ماض، والطاغوت منصوب به، أي: وجعل منهم من عبد الطاغوت، وقرئ: (وعبُدَ الطاغوت) بالإضافة على أن المعنى وجعل منهم خدم الطاغوت، أي: خدامه وعبيده، وقرئ: (وعُبُد الطاغوت) على أنه جمع الجمع عبد وعبيد وعبد، مثل ثمار وثمر، حكاها ابن جرير عن الأعمش، وحكى عن بريدة الأسلمي: أنه كان يقرؤها: [(وعابد الطاغوت). وعن أبيّ وابن مسعود: (وعبدوا). وحكى ابن جرير، عن أبي جعفر القارئ: أنه كان يقرؤها] [¬٢] [(وعُبِدَ الطاغوتُ)] [¬٣] على أنه مفعول ما لم يسم فاعله، ثم استبعد معناها، والظاهر: أنه لا بعد في ذلك؛ لأن هذا من باب التعريض بهم؛ أي: وقد عبدت\n_________\n(^٥٥٠) - رواه ابن حبان في صحيحه (١٢/ ٤٥٧) (٥٦٤٠) والبزار (٢/ ٧٢) برقم (١٢٣٢ - كشف) من طريق أبي كامل الجحدرى قال: حدثنا عبد العزيز بن المختار قال: حدثنا خالد الحذاء عن عكرمة عن ابن عباس.\nورواه عبد الله بن أحمد (١/ ٣٤٨) ومن طريقه الطبراني في الكبير (١١/ ٣٤١) (١١٩٤٦) قال حدثنا إبراهيم بن الحجاج حدثنا عبد العزيز بن المختار فذكره، وإسناده صحيح رجاله ثقات. ورواه ابن أبي حاتم في العلل (٢/ ٢٩٠) (٢٣٧٢) من طريق عبد العزيز وقال أبو زرعة: هذا الحديث هو موقوف لا يرفعه إلا عبد العزيز بن المختار ولا بأس بحديثه.\nورواه عبد الرزاق (١٩٦١٧) ومن طريقه أحمد (١/ ٣٤٨) والطبراني (١١٨٤٦) والبزار (٢/ ٧٢) من طريق معمر عن أيوب عن عكرمة عن ابن عباس - لا أعلمه إلا رفع الحديث - وعند البزار \"عن النبى ﷺ\". وقال البزار: حديث عبد العزيز لا نعلم حديث به إلا معمر.\nوذكره الهيثمى في مجمع الزوائد (٤/ ٤٩، ٥٠) وقال: رواه الطبراني في الكبير والأوسط والبزار بالاختصار ورجاله رجال الصحيح اهـ.\nوالحديث صححه الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على المسند والشيخ الألباني في \"الصحيحة\" (١٨٢٤)\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.","vol":"5","page":274},{"text":"الطاغوت فيكم، وكنتم أنتم الذين تعاطوا ذلك، وكل هذه القراءات يرجع معناها إلى أنكم يا أهل الكتاب الطاعنين في ديننا: الذي هو توحيد الله وإفراده بالعبادات دون ما [¬١] سواه، كيف يصدر منكم هذا وأنتم قد وجد منكم جميع ما ذكر؟! ولهذا قال: ﴿أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا﴾ أي: مما تظنون بنا ﴿وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾.\nوهذا من باب استعمال أفعل التفضيل فيما ليس في الطرف الآخر مشاركة؛ كقوله ﷿ ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾.\nوقوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ﴾ وهذه صفة المنافقين منهم: أنهم يصانعون المؤمنين في الظاهر وقلوبهم منطوية على الكفر؛ ولهذا قال: ﴿وَقَدْ دَخَلُوا﴾ أي: إلى [¬٢] عندك يا محمد ﴿بِالْكُفْرِ﴾ أي: مستصحبين الكفر في قلوبهم، ثم خرجوا وهو كامن فيها لم ينتفعوا بما قد سمعوا منك من العلم، ولا نجعت فيهم المواعظ ولا الزواجر، ولهذا قال: ﴿وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ﴾ فخصهم به دون غيرهم.\nوقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ﴾ أي [¬٣]: والله عالم [¬٤] بسرائرهم [¬٥] وما تنطوي عليه ضمائرهم [¬٦]، وإن أظهروا لخلقه خلاف ذلك وتزينوا بما ليس فيهم، فإن الله عالم الغيب والشهادة اعلم بهم منهم وسيجزيهم على ذلك أتم الحزاء.\nوقوله: ﴿وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ﴾ أي: يبادرون إلى ذلك من تعاطي المآثم والمحارم، والاعتداء على الناس، وأكل أموالهم بالباطل ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أي: لبئس العمل كان [¬٧] عملهم، وبئس الاعتداء [¬٨] اعتداؤهم [¬٩].\nوقوله تعالى: ﴿لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ يعني: هلا كان ينهاهم الربانيون والأحبار عنَ تعاطي ذلك، والربانيون [¬١٠]\n_________\n[¬١]- سقط من: ت.\n[¬٢]- سقط من: ت.\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- سقط من: خ.\n[¬٥]- في ز: \"بسرائركم\".\n[¬٦]- في ز: \"ضمائركم\".\n[¬٧]- في ز: \"كانوا\".\n[¬٨]- في ز: \"الاعتماد\".\n[¬٩]- في ز: \"اعتمادهم\".\n[¬١٠]- في ز: \"الربانيون\"، سقط من: خ.","vol":"5","page":275},{"text":"منهم وهم العلماء العمال أرباب الولايات عليهم، والأحبار هم [¬١] العلماء فقط.\n﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.\nقال [¬٢] علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: يعني الربانيين، أنهم بئس ما كانوا يصنعون، يعني: في تركهم ذلك (^٥٥١). وقال [¬٣] عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: قال لهؤلاء حين لم ينهوا و[¬٤] لهؤلاء حين عملوا. قال: وذلك الأركان. قال: ويعملون ويصنعون واحد. رواه ابن أبي حاتم (^٥٥٢).\nوقال ابن جرير (^٥٥٣): حدثنا أبو كريب، حدّثنا ابن عطية، حدثنا قيس، عن العلاء بن المسيب، عن خالد بن دينار، عن ابن عباس، قال: ما في القرآن آية [¬٥] أشد توبيخًا من هذه الآية: ﴿لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ قال: كذا قرأ.\nوكذا قال الضحاك: ما في القرآن آية [¬٦] أخوف عندي منها أنا لا ننهي [¬٧]. رواه ابن جرير (^٥٥٤).\nوقال ابن أبي حاتم (^٥٥٥): ذكره يونس بن حبيب، حدثنا أبو داود، حدثنا [محمد بن] [¬٨] مسلم بن أبي الوضاح، حدثنا ثابت أبو [¬٩] سعيد الهمْداني، قال: رأيته بالري، فحدث عن يحيى بن يعمر، قال: خطب علي بن أبي طالب، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها\n_________\n(^٥٥١) - رواه ابن جرير في تفسيره (١٠/ ٤٥٠) (١٢٢٤١) وابن أبي حاتم (٤/ ١١٦٧) (٦٥٧٣).\n(^٥٥٢) - رواه ابن أبى حاتم في تفسيره (٤/ ١١٧٦) (٦٥٧٤).\n(^٥٥٣) - رواه في تفسيره (١٠/ ٤٤٩) (١٢٢٣٩) وذكره السيوطي في الدر المنثور (٢/ ٥٢٤) وزاد نسبته إلى أبى الشيخ.\n(^٥٥٤) - رواه في تفسيره (١٠/ ٤٤٩) (١٢٢٣٨).\n(^٥٥٥) - رواه ابن أبي حاتم في تفسيره (٤/ ١١٦٦) (٦٥٧١).\n_________\n[¬١]- في ز: \"وهم\".\n[¬٢]- في ز: \"وقال\".\n[¬٣]- في ز: \"قوله\".\n[¬٤]- سقط من: ز.\n[¬٥]- سقط من: ز.\n[¬٦]- سقط من: ز.\n[¬٧]- في ز: \"نتهى\".\n[¬٨]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٩]- في ت: \"ابن\".","vol":"5","page":276},{"text":"الناس، إنما هلك من كان قبلكم بركوبهم المعاصي ولم ينههم الربانيون والأحبار، [فلما تمادوا في المعاصي، ولم ينههم الربانيون والأحبار] [¬١] أخذتهم العقوبات، فمُروا بالمعروف وانهوا عن المنكر، قبل أن ينزل بكم مثل الذي نزل بهم، واعلموا أن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر لا يقطع رزقًا ولا يقرب أجلًا.\nوقال الإِمام أحمد (^٥٥٦): حدثنا يزيد بن هارون، أنبأنا شريك، عن أبي إسحاق، عن المنذر ابن جرير، عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ: \"ما من قوم يكون بين أظهرهم من يعمل بالمعاصي هم أعز منه وأمنع، لم يغيروا إلا أصابهم الله منه بعذاب\".\nتفرد به أحمد من هذا الوجه.\nورواه أبو داود: عن مسدد، عن [¬٢] أبي الأحوص، عن أبي إسحاق، عن المنذر بن جرير، عن جرير، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"ما من رجل يكون في قوم يعمل فيهم بالمعاصي، يقدرون أن يغيروا [¬٣] [عليه فلا] [¬٤]، يغيرون، إلا أصابهم الله بعقاب قبل أن يموتوا\" (^٥٥٧).\n_________\n(^٥٥٦) - رواه في مسنده (٤/ ٣٦٣) بسنده ومتنه إلا أن الذي في المسند في هذه الرواية \"إلا أصابهم الله ﷿ منه بعقاب\" بدلا من \"بعذاب\".\nورواه أحمد (٤/ ٣٦١، ٣٦٦) والطبراني في الكبير (٢٣٧٩) من طريق شريك به، وشريك هو ابن عبد الله القاضي وهو ضعيف، والمنذر بن جرير قال الحافظ في \"التقريب\": مقبول. لكن الحديث رواه أبو داود في الملاحم، باب: الأمر والنهي، حديث (٤٣٣٩) وابن ماجه في الفتن، باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حديث (٤٠٠٩) وابن حبان (٣٠٠) وأبو يعلى (٧٥٠٨) والطبراني في الكبير (٢٣٨٠ - ٢٣٨٥) والبيهقي في السنن (١٠/ ٩١) من طرق عن أبى إسحاق عن عبيد الله بن جرير عن أبيه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول فذكره.\nوإسناده جيد، عبيد الله بن جرير ذكره البخاري فى التاريخ (٥/ ٣٧٥) وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٥/ ٣١٠) ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال الحافظ في التقريب: مقبول، وأما ما يخشى من تدليس أبي إسحاق فيدفعه أن الحديث من رواية شعبة وغيره من الثقات عنه، وشعبة لا يروى عنه إلا ما سمع، والحديث حسنه الألباني في صحيح ابن ماجه (٣٢٣٨).\n(^٥٥٧) - رواه أبو داود في الملاحم، باب الأمر النهي، حديث (٤٣٣٩) لكن من طريق أبي إسحاق عن ابن جرير عن جرير، ولم يقل \"المنذر بن جرير\" وانظر الحديث السابق.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"5","page":277},{"text":"وقد رواه ابن ماجه: عن علي بن محمد، عن وكيع، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عبيد الله بن جرير، عن أبيه به (^٥٥٨).\n[] [¬١] قال الحافظ المزي: وهكذا رواه شعبة، عن أبي إسحق به.\n﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٦٤) وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٦٥) وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ (٦٦)﴾\nيخبر تعالى عن اليهود عليهم لعائن الله المتتابعة [¬٢] إلى يوم القيامة: بأنهم وصفوه [¬٣] تعالى عن قولهم علوًّا كبيرًا بأنه بخيل، كما وصفوه بأنه فقير وهم أغنياء، وعبروا عن البخل [بأن قالوا] [¬٤]: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو عبد الله الطهراني [¬٥]، حدثنا حفص بن عمر العدني، حدثنا الحكم بن أبان، عن عكرمة، قال: قال ابن عباس: ﴿مَغْلُولَةٌ﴾ أي: بخيلة (^٥٥٩).\nو[¬٦] قال على بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ قال:\n_________\n(^٥٥٨) - رواه ابن ماجه في الفتن، باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حديث (٤٠٠٩).\n(^٥٥٩) - رواه في تفسيره (٤/ ١١٦٧) (٦٥٧٥) وذكره السيوطي في الدر المنثور (٢/ ٥٢٥) وزاد نسبته إلى عبد بن حميد.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ز: \"قال\".\n[¬٢]- في ز: \"التابعة\".\n[¬٣]- في ز: \"وصفوا الله ﷿ و\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين في ز: \"بقولهم\".\n[¬٥]- في ز: \"الظهراني\".\n[¬٦]- سقط من: ز.","vol":"5","page":278},{"text":"لا يعنون بذلك أن يد الله موثقة [¬١]، ولكن يقولون: بخيا، أمسك ما عنده بخلًا [¬٢]. تعالى الله عما يقولون علوًّا كبيرًا (^٥٦٠).\nوكذا روي عن مجاهد، وعكرمة، وقَتَادة، والسدي، والضحاك وقرأ: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾ يعني: أنَّه ينهى عن البخل، وعن التبذير: و[هو زيادة] [¬٣] الإِنفاق في غير محله، وعبر عن البخل بقوله: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ﴾ وهذا هو الذي أراد هؤلاء اليهود عليهم لعائن الله، وقد قال عكرمة: إنها نزلت في فنحاص اليهودي عليه لعنة الله (^٥٦١)، وقد تقدم أنَّه الذي قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ فضربه أَبو بكر الصديق ﵁ (^٥٦٢).\nوقال محمد بن إسحاق (^٥٦٣): حدَّثنا محمد بن أبي محمد [¬٤]، عن سعيد أو عكرمة، عن ابن عبَّاس، قال: قال رجل من اليهود يقال له شأس [¬٥] بن قيس: إن ربك بخيل لا ينفق. فأنزل الله: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾.\nوقد ردَّ الله ﷿ عليهم ما قالوه، وقابلهم فيما اختلقوه وافتروه وائتفكوه، فقال: ﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا﴾ وهكذا وقع لهم فإن عندهم من البخل والحسد والجبن والذلة - أمر عظيم، كما قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا (٥٣) أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا (٥٤) فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا﴾، وقال تعالى: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ\n_________\n(^٥٦٠) - رواه ابن جرير في تفسيره (١٠/ ٤٥٢) (١٢٢٤٢) وابن أبي حاتم (٤/ ١١٦٧) (٦٥٧٦).\n(^٥٦١) - رواه ابن جرير في تفسيره (١٠/ ٤٥٣) (١٢٢٤٧) وذكره السيوطي في الدر المنثور (٢/ ٥٢٥) ولم يعزه لغير ابن جرير.\n(^٥٦٢) - تقدم في تفسير آل عمران: الآية (١٨١).\n(^٥٦٣) - رواه ابن إسحاق ومن طريقه الطبراني في الكبير (١٢/ ٦٧، ٦٨) (١٢٤٩٧) وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ٢٠) وقال: رواه الطبرانى ورجاله ثقات. =\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"منفقة\".\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في ز: \"هي الزِّيادة في\".\n[¬٤]- سقط من: خ.\n[¬٥]- في ز: \"الشاس\".","vol":"5","page":279},{"text":"النَّاسِ﴾.\nثم قال تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ أي: بل [¬١]. هو الواسع الفضل الجزيل العطاء، الذي ما من شيء إلَّا عنده خزائنه، وهو الذي ما بخلقه من نعمة فمنه وحده لا شريك له، الذي خلق لنا كل شيء مما نحتاج إليه، في ليلنا ونهارنا، وحضرنا وسفرنا، وفي جميع أحوالنا، كما قال: ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ والآيات في هذا كثيرة. وقد قال الإِمام أحمد ابن حنبل (^٥٦٤):\nحدَّثنا عبد الرزاق، حدَّثنا معمر، عن همام بن منبه قال: هذا ما حدَّثنا أَبو هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن يمين الله ملأى لا يغيضها نفقة، سحاء الليل والنهار، أرأيتم ما أنفق منذ خلق السموات والأرض، بينه لم يغض ما في يمينه - قال - وعرشه على الماء، وفي يده الأخرى - الفيض [¬٢] يرفع ويخفض - قال -: وقال الله تعالى: أنفق أنفق عليك\" أخرجاه في الصحيحين: البخاري في التوحيد عن علي بن المديني ومسلم فيه عن محمد بن رافع، و[¬٣] كلاهما عن عبد الرزاق به.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾ أي: يكون ما آتاك الله يا محمد من النعمة نقمة في حق أعدائك من اليهود وأشباههم، فكما يزداد به المؤمنون تصديقًا وعملا صالحا وعلمًا نافعًا، يزداد به الكافرون [¬٤] الحاسدون لك ولأمتك ﴿طُغْيَانًا﴾ وهو المبالغة والمجاوزة للحدِّ في الأشياء ﴿وَكُفْرًا﴾ أي: تكذيبًا، كما قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾، وقال تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾.\n_________\n= قلت: بل في إسناده محمد بن أبي محمد مولى آل زيد بن ثابت، قال ابن جرير في التقريب: مجهول من السادسة، تفرد عنه ابن إسحاق.\nوالأثر ذكره السيوطي في الدر المنثور (٢/ ٥٢٥) وزاد نسبته إلى ابن مردويه.\n(^٥٦٤) - رواه في مسنده (٢/ ٣١٣، ٣١٤) ورواه البخاري في كتاب التوحيد، باب: \"وكان عرشه على الماء، وهو رب العرش العظيم\" حديث (٧٤١٩) ومسلم في الزكاة، باب الحث على النفقة وتبشير المنفق بالخلف، حدث (٣٧/ ٩٩٣) من طريق عبد الرزاق به.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في ز: \"القبض\".\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- في ز: \"الكفرة\".","vol":"5","page":280},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ يعني: أنَّه لا تجتمع قلوبهم، بل العداوة واقعة بين فرقهم بعضهم في بعض دائمًا؛ لأنهم لا يجتمعون في حق، وقد خالفوك وكذبوك.\nوقال إبراهيم النخعي: ﴿وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ﴾ قال: الخصومات والجدال في الديق. رواه ابن أبي حاتم (^٥٦٥).\nوقوله: ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ﴾ أي: كلما عقدوا أسبابًا يكيدونك بها، و[¬١] كلما أبرموا أمورًا يحاربونك بها، أبطلها [¬٢] الله وردَّ [¬٣] كيدهم عليهم، وحاق [¬٤] مكرهم السيئ بهم.\n﴿وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ أي: من سجيتهم أنهم دائمًا يسعون في الإِفساد في الأرض، والله لا يحب من هذه صفته.\nثم قال جل وعلا: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا﴾ أي: لو أنهم آمنوا بالله ورسوله، واتقوا ما كانوا يتعاطونه من [المآثم والمحارم] [¬٥] ﴿لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ أي: لأزلنا عنهم المحذور وأنلناهم [¬٦] المقصود.\n﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ قال ابن عبَّاس وغيره: هو [¬٧] القرآن.\n﴿لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ أي: لو أنَّهم عملوا بما في الكتب التي بأيديهم عن الأنبياء، على ما هى عليه من غير تحريف ولا [تبديل ولا تغيير] [¬٨]، لقادهم ذلك إلى اتباع الحق، والعمل بمقتضى ما بعث الله به محمدًا ﷺ؛ فإن كتبهم ناطقة بتصديقه، والأمر باتباعه حتمًا لا محالة.\nوقوله تعالى: ﴿لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ يعني بذلك: كثرة الرزق النازل\n_________\n(^٥٦٥) - رواه في تفسيره (٤/ ١١٦٨) (٦٥٨٤) عن إبراهيم التيمي\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- في ز: \"يبطلها\".\n[¬٣]- في ز: \"يردّ\".\n[¬٤]- في ز: \"ويحيق\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين في ز: \"المحارم والمآثم\".\n[¬٦]- في ز، خ: \"ولحصلنا لهم\".\n[¬٧]- في ز، خ: \"يعني\".\n[¬٨]- في ز: \"تغيير ولا تبديل\".","vol":"5","page":281},{"text":"عليهم من السماء، والنابت لهم من الأرض.\nو[¬١] قال على بن أبي طلحة، عن ابن عبَّاس: ﴿لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ يعني: لأرسل السماء عليهم مدرارًا ﴿وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ يعنى: يخرج من الأرض بركاتها (^٥٦٦).\nوكذا قال مجاهد، وسعيد بن جبير، وقَتَادة، والسدي، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾.\nوقال بعضهم معناه: ﴿لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ يعني: من غير كد ولا تعب، ولا شقاء ولا عناء.\nوقال ابن جرير: قال بعضهم: معناه لكانوا في الخير كما يقول القائل: هو في الخير من قرنه إلى قدمه. ثم رد هذا القول؛ لمخالفته أقوال السلف.\nوقد ذكر ابن أبي حاتم عند قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ حدَّثنا [¬٢] علقمة، عن صفوان بن عمرو، عن عبد الرحمن [بن جبير] [¬٣] بن نفير، عن أبيه: أن رسول الله ﷺ قال: \"يوشك أن يُرفع العِلْم\". فقال زياد بن لبيد: يا رسول الله، وكيف يرفع العلم وقد قرأنا القرآن وعلمناه أبناءنا؟ فقال: \"ثكلتك أمك يا بن لبيد، إن كنت لأراك من أفقه أهل المدينة، أوليست التوراة والإنجيل بأيدي اليهود والنصارى، فما أغنى عنهم حين تركوا أمر الله\". ثم قرأ: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ (^٥٦٧).\nهكذا رواه [¬٤] ابن أبي حاتم حديثًا [¬٥] معلقًا من أول إسناده، مرسلًا في آخره، وقد رواه الإِمام\n_________\n(^٥٦٦) - رواه ابن جرير في تفسيره (١٠/ ٤٦٣) (١٢٢٥٧)، وابن أبي حاتم (٤/ ١٧١) (٦٥٩٩) (٦٦٠٠).\n(^٥٦٧) - رواه ابن أبي حاتم في تفسيره (٤/ ١٧٠) (٦٥٩) وهو محلق من أول الإسناد مرسل من آخره كما قال المصنف ﵀.\nوقد وصله أحمد (٦/ ٢٦) والبخاري في \"خلق أفعال العباد\" ص ٤٢، والنَّسائي في الكبرى، كتاب العلم، باب كيف ورفع العلم، حديث (٥٩٠٩) وابن حبان في صحيحه (٤٥٧٢) والحاكم =\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- في ت: \"حديث\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٤]- في ت: \"أورده\".\n[¬٥]- سقط من: م.","vol":"5","page":282},{"text":"أحمد بن حنبل متصلًا موصولًا؛ فقال (^٥٦٨):\nحدَّثنا وكيع، حدَّثنا الأعمش، عن سالم بن أبي الجعد، عن زياد بن لبيد: أنَّه [¬١] قال: ذكر النبي ﷺ شيئًا فقال: \"ذاك عند [¬٢] ذهاب العلم\". قال: قلنا: يا رسول الله، وكيف يذهب العلم ونحن نقرأ القرآن ونقرئه أبناءنا، و[¬٣] أبناؤنا يقرئونه [¬٤] أبناءهم إلى يوم القيامة؟ فقال: \"ثكلتك أمّك يا بن أم لبيد، إن كنت لأراك من أفقه رجل بالمدينة، أو ليس هذه اليهود والنصارى يقرءون التوراة والإِنجيل ولا ينتفعون بما فيهما [¬٥] بشيء\".\nوكذا رواه ابن ماجة عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن وكيع بإسناده [¬٦] نحوه. وهذا إسناد صحيح.\nوقوله تعالى: ﴿مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾ كقوله: ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾، وكقوله عن أتباع عيسى: ﴿فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾. فجعل أعلى مقاماتهم الاقتصاد، وهو [¬٧] أوسط\n_________\n= (١/ ٩٨، ٩٩) والخطيب في \"اقتضاء العلم العمل\" رقم (٨٩) والطبراني في الكبير (١٨/ رقم ٧٥)، والبزار (٢٣٢) من طريق إبراهيم بن أبي عيلة عن الوليد بن عبد الرحمن عن جبير بن نفير عن عوف بن مالك به.\nوإسناده صحيح، وصححه الألباني في تعليقه على \"اقتضاء العلم العمل\"\nورواه التِّرمِذي في العلم، باب: ما جاء في ذهاب العلم، حديث (٢٦٥٥) والدارمي في المقدمة (١/ ٨٧، ٨٨) والحاكم (١/ ٩٩) من طريق عبد الله بن صالح حدثني معاوية بن صالح عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه جبير عن أبي الدرداء، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.\nلكن قال الترمذى: هذا حديث حسن غريب.\nوالحديث رواه أحمد وغيره من حديث زياد بن لبيد، وسيأتي تخريجه في الحديث التالي.\n(^٥٦٨) - رواه في المسند (٤/ ١٦٠، ٢١٨) ورواه زهير بن حرب في \"كتاب العلم\" رقم (٥٢) ومن طريقه ابن الأثير في أسد الغابة (٢/ ٢٧٤) ورواه أحمد (٤/ ٢١٩) وابن ماجة في الفتن، باب: ذهاب القرآن والعلم، حديث (٥٢٩٠) والطبراني (٥٢٩٠)، والحاكم (٣/ ٥٩٠) من طريق سالم بن أبي الجعد عن ابن لبيد، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي، وقال الألباني في التعليق على كتاب \"العلم\": حديث صحيح رجاله ثقات رجال الشيخين.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- في ز: \"عن\".\n[¬٣]- في ز: \"ويقرئه\".\n[¬٤]- سقط من: ز.\n[¬٥]- في ز: \"فيها\".\n[¬٦]- في ت: \"به\".\n[¬٧]- في ز: \"وهي\".","vol":"5","page":283},{"text":"مقامات هذه الأمة، وفوق ذلك رتبة السابقين، كما في قوله ﷿: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (٣٢) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾ الآية. والصحيح: أن الأقسام الثلاثة من هذه الأمة كلهم [¬١] يدخلون الجنَّةَ.\nوقد قال أَبو بكر بن مردويه (^٥٦٩): حدَّثنا عبد الله بن جعفر، حدَّثنا أحمد بن يونس الضبي، حدَّثنا عاصم بن علي، حدَّثنا أَبو معشر، عن يعقوب بن يزيد بن طلحة، عن زيد بن أسلم، عن أَنس بن مالك، قال: كنا عند رسول الله ﷺ فقال: \"تفرقت أمة موسى على إحدى وسبعين ملة، سبعون منها في النار وواحدة في الجنَّةَ، وتفرقت أمّة عيسى على ثنتين وسبعين ملة، واحدة منها في الجنَّةَ وإحدى وسبعون منها في النار، و[¬٢] تعلو أمتي على الفريقين جميعًا، واحدة في الجنَّةَ وثنتان وسبعون في النار\". قالوا: من هم يا رسول الله؟ قال: \"الجماعات الجماعات\".\nقال يعقوب بن زيد: كان علي بن أبي طالب إذا حدث بهذا [¬٣] الحديث عن رسول الله ﷺ، تلا فيه قرآنا قال [¬٤]: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ [وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ] [¬٥]﴾ إلى قوله: ﴿مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾، وتلا أيضًا [قوله تعالى]: ﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ يعني: أمة محمد ﷺ.\nوهذا حديث غريب جدًّا من هذا الوجه وبهذا السياق، وحديث افتراق الأمم إلى بضع وسبعين مروي من طرق عديدة، وقد ذكرناه في موضع آخر ولله الحمد والمنة.\n﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٦٧)﴾\n_________\n(^٥٦٩) - رواه أَبو يعلى في مسنده (٣٦٦٨) حدَّثنا محمد بن بكار ثنا أبو معشر فذكره، وإسناده ضعيف لضعف أبي معشر نجيح، وقد أسن واختلط.\nوالحديث ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ٧١/ ٢٦٠، ٢٦١) وقال: فيه أَبو معشر نجيح، وفيه ضعف.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- في ز: \"هذا\".\n[¬٤]- سقط من: ز.\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.","vol":"5","page":284},{"text":"يقول تعالى مخاطبًا عبده ورسوله محمدًا ﷺ باسم الرسالة، وآمرًا له بإبلاغ [¬١] جميع [¬٢] ما أرسله الله به، وقد امتثل عليه أفضل الصلاة والسلام ذلك، وقام به أتم القيام.\nقال البخاري عند تفسير هذه الآية: حدَّثنا محمد بن يوسف، حدَّثنا سفيان، عن إسماعيل، عن الشعبي، عن مسروق، عن عائشة ﵂، قالت: من حدثك أن محمدًا كتم شيئًا مما أُنزل عليه فقد كذب، الله [¬٣] يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ (^٥٧٠).\nهكذا رواه هاهنا مختصرًا، وقد أخرجه في مواضع من صحيحه مطولًا، وكذا رواه مسلم في كتاب الإيمان، والتِّرمِذي والنسائى في كتاب [¬٤] التفسير من سننهما من طرق عديدة [¬٥]، عن عامر الشعبي، عن مسروق بن الأجدع عنها ﵂.\nوفي الصحيحين [عنها أيضًا] [¬٦] أنَّها قالت: لو كان محمد ﷺ كاتمًا شيئًا [¬٧] من القرآن لكتم هذه الآية: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ (^٥٧١).\n_________\n(^٥٧٠) - صحيح البخاري (٨/ ٢٧٥) كاب التفسير، باب: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ حديث (٤٦١٢)، ورواه في التفسير، باب سورة النجم، حديث (٤٨٥٥)، وفي التوحيد، باب: قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ …﴾ حديث (٧٥٣١)، ومسلم في كتاب الإيمان، باب: معنى قول الله ﷿: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ وهل رأى النبي ﷺ ربه ليلة الإسراء؛ حديث (١٧٧)، والتِّرمِذي في كتاب تفسير القرآن، باب: ومن سورة الأنعام (٣٠٦٨)، وفي باب: ومن سورة النجم حديث (٣٢٧٨)، والنسائي في الكبرى كتاب التفسير، باب: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ .......﴾ الحديث (١١١٤٧)، وفي باب قوله تعالى: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ حديث (١١٤٠٨)، وأحمد (٦/ ٢٣٦، ٢٤١) من طريق مسروق به. والروايات مطولة ومختصرة.\n(^٥٧١) - ليس في الصحيحين ولا في واحد منها إنما رواه التِّرمِذي وابن جرير والطبرانى وابن أبي حاتم وابن المنذر وغيرهم وسيأتي تخريجه في تفسير سورة الأحزاب/ الآية ٣٧.\n_________\n[¬١]- في ز: \"بالإبلاغ\".\n[¬٢]- في ز: \"بجميع\".\n[¬٣]- في ز: \"وهو\".\n[¬٤]- في ز: \"كتابي\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين في ز: \"أيضًا عنها\".\n[¬٧]- سقط من: ز.","vol":"5","page":285},{"text":"وقال ابن أبي حاتم (^٥٧٢): حدَّثنا أحمد بن منصور الرمادي، حدَّثنا سعيد بن سليمان، حدَّثنا عباد، عن هارون بن عنترة، عن أبيه قال: كنت عند ابن عبَّاس فجاء رجل، فقال له: إن ناسًا يأتونا فيخبرونا أن عندكم شيئًا لم يبده رسول الله ﷺ للناس، فقال ابن عبَّاس: ألم تعلم أن الله تعالى قال: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ والله ما ورثنا رسول الله ﷺ سوداء في بيضاء.\nوهذا إسناد جيد، وهكذا في صحيح البخاري من رواية أبي جحيفة وَهْب بن عبد الله السوائي قال: قلت لعلي بن أبي طالب ﵁: هل عندكم شيء من الوحي مما ليس في القرآن؟ فقال: لا، والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، إلا فهمًا يعطه الله رجلا في القرآن وما في هذه الصحيفة. قلت: وما في هذه الصحيفة؟ قال: العقل، وفكاك الأسير، وأن لا يقتل مسلم بكافر (^٥٧٣).\nوقال البخاري ﵁: قال الزُّهْريّ: من الله الرسالة، وعلى الرسول البلاغ، وعلينا التسليم.\nوقد شهدت له أمته بإبلاغ الرسالة، وأداء الأمانة، واستنطقهم بذلك في أعظم المحافل في خطته يوم حجة الوداع، وقد كان هناك من أصحابه [¬١] نحوًا بن أربعين ألفًا، كما ثبت في صحيح مسلم، عن جابر بن عبد الله: أن رسول الله ﷺ قال في خطته ويومئذ: \"أيها الناس، إنكم مسئولون عني فما أنتم قائلون؟ \". قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت. فجعل يرفع أصبعه إلى السماء ويقلبها إليهم [¬٢] ويقول: \"اللهم هل بلغت، اللهم بلغت\" (^٥٧٤).\n_________\n(^٥٧٢) - رواه في تفسيره (٧٢/ ١١٤) (٦٦١١).\n(^٥٧٣) - رواه البخاري فى كتاب العلم، باب: كتابة العلم، حديث (١١١) وفي كتاب الجهاد، باب: فكاك الأسير. حديث (٣٠٤٧)، وفي الديات، باب: لا يقتل المسلم بالكافر، حديث (٦٩١٥)، والتِّرمِذي فى كتاب الديات، باب: ما جاء لا يقتل مسلم بكافر، حديث (١٤١٢)، والنَّسائي في (٨/ ٢٣) كتاب القسامة، باب: سقوط القود من المسلم للكافر، وابن ماجة في كتاب الديات، باب: لا يقتل مسلم بكافر حديث (٢٦٥٨)، والدارمي (٢٣٦١)، وأحمد (١/ ٧٩)، والحميدي (٤٠) من طرق عن مطرف بن طريف عن الشعبي عن أبي جحيفة به.\n(^٥٧٤) - جزء من حديث جابر بن عبد الله الطويل فى الحج، وقد أخرجه مسلم في \"صحيحه\" فى الحج، باب: حجة النبي ﷺ حديث (١٢١٨) بتمامه.\n_________\n[¬١]- في ز: \"الصحابة\".\n[¬٢]- سقط من: خ.","vol":"5","page":286},{"text":"قال [¬١] الإِمام أحمد (^٥٧٥): حدَّثنا ابن نمير، حدَّثنا فضيل - يعني ابن غزوان -، عن عكرمة، عن ابن عبَّاس قال: قال رسول الله ﷺ في حجة الوداع: \"يا أي الناس، أى يوم هذا؟ \" قالوا: هم حرام. قال: \"أي بلد هذا؟ \" قالوا: بلد حرام. قال: \"فأي شهر هذا؟ \" قالوا: شهر حرام. قال: \"فإن أموالكم ودماءكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا\". ثم أعادها مرارًا ثم رفع أصبعه إلى السماء فقال: \"اللهم هل بلغت\". مرارًا. قال: يقول ابن عبَّاس: والله لوصية إلى ربه ﷿. ثم قال: \"ألا فليبلغ الشاهد الغائب، لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض\".\nوقد روى البخاري عن علي بن المديني، عن يحيى بن سعيد، عن فضيل بن غزوان به نحوه.\nوقوله تعالى: ﴿وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ يعني: وإن لم تؤد [¬٢] إلى الناس ما أرسلتك به ﴿فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [أي: وقد علم ما يترتب على ذلك لو وقع.\nوقال على بن أبي طلحة، عن ابن عبَّاس: ﴿وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ] [¬٣]﴾ يعني: إن كتمت آية مما أنزل إليك من ربك لم تبلغ رسالته (^٥٧٦).\nقال [¬٤] ابن أبي حاتم (^٥٧٧): حدَّثنا أبي، حدَّثنا قبيصة بن عقبة [¬٥]، حدَّثنا سفيان، عن رجل، عن مجاهد قال: لما نزلت ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾\n_________\n(^٥٧٥) - رواه في مسنده (١/ ٢٣٠)، ورواه البخاري في كتاب الحج، باب: الخطبة أيام منى حديث (١٧٣٩)، قال: حدَّثنا على بن عبد الله حدثني يحيى بن سعيد حدَّثنا فضيل بن غزوان به. ورواه البخارى في الفتن، باب قول النبي ﷺ: \"لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض\" حديث (٧٠٧٩)، والتِّرمِذي في الفتن، باب: ما جاء لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض حديث (٢١٩٣) من طريق فضيل بن غزوان به.\n(^٥٧٦) - رواه ابن جرير في تفسيره (١٠/ ٤٦٨) (١٢٢٧٠)، وابن أبي حاتم (٤/ ١١٧٣) (٦٦١٢).\n(^٥٧٧) - رواه في تفسيره (٤/ ١١٧٣) (٦٦١٣)، ورواه ابن جرير في تفسيره (١٠/ ٤٦٨) (١٢٢٧٢) قال: حدثني الحارث بن محمد حدَّثنا عبد العزيز حدَّثنا سفيان الثَّوري عن رجل فذكره. وفي إسناده راوٍ مبهم. والأثر: ذكره السيوطي في الدر المنثور (٢/ ٥٢٨) وزاد نسبته لعبد بن حميد وأبي الشيخ.\n_________\n[¬١]- في ز: \"وقال\".\n[¬٢]- في ز: \"ترد\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط عن: خ.\n[¬٤]- في ز: \"وقال\".\n[¬٥]- في ز: \"عتبة\".","vol":"5","page":287},{"text":"قال: \"يا رب كيف أصنع وأنا وحدي يجتمعون علي\". فنزلت: ﴿وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾.\nورواه ابن جرير من طريق سفيان - وهو الثَّوري - به.\nوقوله تعالى ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ أي: بلغ أنت رسالتي، وأنا حافظك وناصرك، ومؤيدك على أعدائك، ومظفرك بهم، فلا تخف ولا تحزن، فلن يصل أحد منهم إليك بسوء يؤذيك.\nوقد كان النبي ﷺ قبل نزول هذه الآية يحرس، كما قال الإِمام أحمد (^٥٧٨):\nحدَّثنا يزيد، حدَّثنا يحيى، قال [¬١]: سمعت عبد الله بن عامر بن ربيعة يحدث: أن عائشة ﵂ كانت تحدث: أن رسول الله ﷺ سهر ذات ليلة وهي إلى جنبه، قالت: فقلت: ما شأنك يا رسول الله؟ قال: \"ليت رجلًا صالحًا من أصحابي يحرسني الليلة\". قالت: فبينا أنا على ذلك إذ سمعت صوت السلاح، فقال: \"من هذا؟ \" فقال: أنا سعد بن مالك. فقال: \"ما جاء بك؟ \" قال: جئت لأحرسك يا رسول الله. قالت: فسمعت غطيط رسول الله ﷺ في نومه. أخرجاه في الصحيحين من طريق يحيى بن سعيد الأنصاري به.\nوفي لفظ: سهر رسول الله ﷺ ذات ليلة مقدمه المدينة، يعني: على أثر هجرته بعد دخوله بعائشة ﵂، وكان ذلك في سنة ثنتين منها (^٥٧٩).\n_________\n(^٥٧٨) - رواه في مسنده (٦/ ١٤٠)، ورواه البخاري في كتاب الجهاد، باب: الحراسة في الغزو في سبيل الله حديث (٢٨٨٥) وفي كتاب التمني، باب: قوله ﷺ: \"ليت كذا وكذا\" حديث (٧٢٣١)، ومسلم في كتاب فضائل الصحابة، باب: في فضل سعد بن أبي وقاص ﵁ حديث (٢٤١٠)، والتِّرمِذي في \"المناقب\"، باب: مناقب سعد بن أبي وقاص، حديث (٣٧٥٦)، والنَّسائي في \"الكبرى\" كتاب المناقب، باب سعد بن مالك ﵁ حديث (٨٢١٧)، وفي كتاب السير، باب: الدعاء للحارس، حديث (٨٨٦٧) من طرق عن يحيى بن سعيد به.\n(^٥٧٩) - رواه مسلم في \"صحيحه\" في فضائل الصحابة، باب في فضل سعد بن أبي وقاص ﵁ حدث (٢٤١٠)، وانظر التخريج السابق.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.","vol":"5","page":288},{"text":"وقال ابن أبي حاتم (^٥٨٠): حدثنا إبراهيم بن مرزوق البصري نزيل مصر، حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا الحارث بن عبيد - يعني: أبا قدامة - عن الجريري، عن عبد الله بن شقيق، عن عائشة قالت: كان النبي ﷺ يحرس حتى نزلت هذه الآية: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ قالت: فأخرج النبي ﷺ رأسه من القبة، وقال: \"با أيها الناس، انصرفوا، فقد عصمني الله ﷿\".\nوهكذا رواه الترمذي عن عبد بن حميد، وعن نصر بن علي الجهضمي كلاهما، عن مسلم ابن إبراهيم به، ثم قال: وهذا حديث غريب.\nوهكذا رواه ابن جرير والحاكم في مستدركه، من طريق مسلم بن إبراهيم به، ثم قال الحاكم: صحيح الإِسناد، ولم يخرجاه. وكذا رواه سعيد بن منصور، عن الحارث بن عبيد أبي قدامة، عن الجريري عن عبد الله بن شقيق، عن عائشة به.\nثم قال الترمذي: وقد روى بعضهم هذا عن الجريري، عن ابن شقيق قال: كان النبي ﷺ يحرس [¬١] .... ولم يذكر عائشة.\nقلت: هكذا رواه ابن جرير: من طريق إسماعيل بن علية، وابن مردويه من طريق وهيب كلاهما، عن الجريري، عن عبد الله بن شقيق مرسلًا (^٥٨١)، وقد روي هذا مرسلًا، عن سعيد ابن جبير، ومحمد بن كعب القرظي، رواهما ابن جرير (^٥٨٢)، والربيع بن أنس، رواه ابن\n_________\n(^٥٨٠) - رواه في تفسيره (٤/ ١١٧٣) (٦٦١٥)، ورواه الترمذي في كتاب تفسير القرآن، باب: ومن سورة المائدة، حديث (٣٠٤٦)، وابن جرير في \"تفسيره\" (١٠/ ٤٦٩) (١٢٢٧٦)، والحاكم (٢/ ٣١٣)، والبيهقي في الدلائل (٢/ ١٨٤) من طريق مسلم بن إبراهيم به. وقال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي. وليس كما قالا فإن الحارث بن عبيد الإيادي أبا قدامة وإن كان صدوقًا إلَّا أنه يخطئ كما قال الحافظ في \"التقريب\". وقد خولف على هذا الحديث فرواه غيره عن عبد الله بن شقيق مرسلًا، قال الترمذي: روى بعضهم هذا الحديث عن الجريري عن عبد الله بن شقيق قال: كان النبي ﷺ يحرس ولم يذكروا فيه عن عائشة. والمرسل رواه ابن جرير من طريق ابن علية عن الجريري وسيأتي برقم (٥٩١) لكن يشهد له حديث عائشة السابق برقم (٥٨٨)، وقد حسن هذا الحديث الألباني في صحيح الترمذي (٢٤٤٠)، والحديث ذكره السيوطي في الدر المنثور (٢/ ٥٢٩) وزاد نسبته لعبد بن حميد، وابن المنذر وأبي الشيخ وأبي نعيم في \"الدلائل\".\n(^٥٨١) - رواه ابن جرير في تفسيره (١٠/ ٤٦٩) (١٢٢٧٤).\n(^٥٨٢) - أثر سعيد بن جبير رواه ابن جرير (١٠/ ٤٦٨) (١٢٢٧٣)، وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\"=\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.","vol":"5","page":289},{"text":"مردويه ثم قال:\nحدثنا سليمان بن أحمد، حدثنا أحمد بن رشدين المصري، حدثنا خالد بن عبد السلام الصدفي، حدثنا الفضل بن المختار، عن عبيد الله بن موهب، عن عصمة بن مالك الخطمي، قال: كنا نحرس رسول الله ﷺ بالليل حتى نزلت: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ فترك الحرس.\nحدثنا سليمان بن أحمد حدثنا حمد بن محمد بن حمد أبو نصر الكاتب البغدادي، حدثنا كردوس بن محمد الواسطي، حدثنا يعلى بن عبد الرحمن، عن فضيل بن مرزوق، عن عطية، عن أبي سعيد الخدري قال: كان العباس عم رسول الله ﷺ فيمن يحرسه؛ فلما نزلت هذه الآية ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ ترك رسول الله ﷺ الحرس.\nحدثنا على بن أبي حامد المديني، حدثنا أحمد بن محمد بن سعيد، حدثنا محمد بن مفضل ابن إبراهيم الأشعري، حدثنا أبي، حدثنا محمد بن معاوية بن عمار، حدثنا أبي قال: سمعت أبا الزبير المكى يحدث، عن جابر بن عبد الله قال: كان رسول الله ﷺ إذا خرج بعث معه أبو طالب من يكلؤه، حتى نزلت: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ فذهب ليبعث معه فقال: \"يا عم، إن الله قد عصمني لا حاجة لي إلى من تبعث\" (^٥٨٣).\nوهذا حديث غريب وفيه نكارة؛ فإن هذه الآية مدنية، وهذا الحديث يقتضي أنها مكية.\nثم قال (^٥٨٤): حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، حدثنا محمد بن يحيى، حدثنا\n_________\n= (٢/ ٥٣٠) وزاد نسبته لأبي الشيخ، والروإية عن محمد بن كعب رواها ابن جرير في تفسيره (١٢٢٧٥) وذكرها السيوطي في الدر وزاد نسبتها لعبد بن حميد وأبي الشيخ.\n(^٥٨٣) - رواه الطبراني في \"الأوسط\" (٣٥١٠)، و\"الصغير\" (١/ ١٤٩) وعنه رواه ابن مردويه كما نقله ابن كثير هنا. وقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن فضيل بن مرزوق إلا معلى بن عبد الرحمن، ولا يروى عن أبي سعيد إلا بهذا الإسناد، والحديث ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ٢٠) وقال: فيه عطية العوفي وهو ضعيف.\nفلت: هذا قصور من الهيثمي ﵀ فإن في الإسناد معلى بن عبد الرحمن متهم بالوضع وقد رمى بالرفض كما في \"التقريب\".\n(^٥٨٤) - رواه الطبراني في الكبير (١١/ ٢٥٦) (١١٦٦٣)، والواحدي في أسباب النزول (ص ٢٠٥/ رقم ٤٠٥) من طريق عبد الحميد الحماني به، وإسناده ضعيف فإن النضر هو ابن عبد الرحمن قال الحافظ في \"التقريب\": متروك. والحديث ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ٢٠) وقال: فيه النضر بن عبد الرحمن وهو ضعيف. وعزاه السيوطي في الدر المنثور (٢/ ٥٢٩) لأبي الشيخ، وأبي نعيم في الدلائل وابن عساكر.","vol":"5","page":290},{"text":"أبو كريب، حدثنا عبد الحميد الحماني، عن النضر، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: كان رسول الله ﷺ يحرس، فكان [أبو طالب يرسل إليه] [¬١] كل يوم رجالًا [¬٢] من بني هاشم يحرسونه، حتى نزلت عليه هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ قال: فأراد عمه أن يرسل معه من يحرسه فقال: \"إن الله قد عصمني من الجن والإنس\". رواه [¬٣] الطبراني عن يعقوب بن غيلان العماني، عن أبي كريب به.\nوهذا أيضًا حديث [¬٤] غريب، والصحيح: أن هذه الآية مدنية بل هي من أواخر ما نزل بها، والله أعلم.\nومن عصمة الله لرسوله حفظه له من أهل مكة وصناديدها، وحسادها ومعانديها ومترفيها، مع شدة العداوة والبغضة، ونصب المحاربة له ليلًا ونهارًا - بما يخلقه الله من الأسباب العظيمة، بقدرته وحكمته العظيمة، فصانه في ابتداء الرسالة بعمه أبي طالب، إذ كان رئيسًا مطاعًا كبيرًا في قريش، وخلق الله في قلبه محبة طبيعية لرسول الله ﷺ لا شرعية، ولو كان أسلم لاجترأ عليه كفارها وكبارها، ولكن لما كان بينه وبينهم قدر مشترك في الكفر هابوه واحترموه، فلما مات عمه [¬٥] أبو طالب نال منه المشركون أذى يسيرًا، ثم قيض الله له الأنصار، فبايعوه على الإِسلام، وعلى أن يتحول [¬٦] إلى دارهم: وهي المدينة، فلما صار إليها حَمَوْه من الأحمر والأسود، فكلما هم أحد من المشركين وأهل الكتاب بسوء كاده اللَّه ورد كيده عليه، كما كاده اليهود بالسحر فحماه الله منهم، وأنزل عليه سورتي المعوذتين داء لذلك الداء، ولما سمه [¬٧] اليهود في [¬٨] ذراع تلك الشاة بخيبر أعلمه الله به وحماه منه، ولهذا أشباه كثيرة جدًّا يطول ذكرها، فمن ذلك ما ذكره المفسرون عند هذه الآية الكريمة.\nقال [¬٩] أبو جعفر بن جرير (^٥٨٥): حدثنا الحارث، حدثنا عبد العزيز، حدثنا أبو معشر، عن محمد بن كعب القرظي وغيره، قالوا [¬١٠]: كان رسول الله ﷺ إذا نزل\n_________\n(^٥٨٥) - رواه في تفسيره (١٠/ ٤٧٠) (١٢٢٧٨)، وفي إسناده أبو معشر نجيح بن عبد الرحمن، وهو ضعيف، وقد تقدمت القصة من حديث جابر، تقدم تخريجه رقم (٢٦١) وانظر التالي.\n_________\n[¬١]- في ز: \"يرسل معه أبو طالب\".\n[¬٢]- في ز: \"رجلًا\".\n[¬٣]- في ز: \"ورواه\".\n[¬٤]- سقط من: ز.\n[¬٥]- سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- في خ: \"يتحمل\".\n[¬٧]- في ز: \"سم\".\n[¬٨]- سقط من: ز.\n[¬٩]- في ز: \"وقال\".\n[¬١٠]- في ز: \"قال\".","vol":"5","page":291},{"text":"منزلًا [¬١]، اختار له أصحابه شجرة ظليلة فيقيل تحتها، فأتاه أعرابي فاخترط سيفه، ثم قال: من يمنعك منى؟ فقال: \"الله ﷿\". فرعدت يد الأعرابي، وسقط السيف منه. قال: وضرب برأسه الشجرة حتى انتثر دماغه، فأنزل الله ﷿: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾.\nوقال ابن أبي حاتم (^٥٨٦): حدثنا أبو سعيد أحمد بن محمد بن يحيى بن سعيد القطان، حدثنا زيد بن الحباب، حدثنا موسى بن عبيدة، حدثني زبد بن أسلم، عن جابر بن عبد الله الأنصاري، قال: لما غزا رسول الله ﷺ بنى أنمار نزل ذات الرقاع [¬٢] بأعلي نخل، فبينا هو جالس على رأس بئر قد دلى رجليه، فقال [غَوْرَث بن الحارث] [¬٣] من بني النجار: لأقتلن محمدًا. فقال له أصحابه: كيف تقتله؟ قال: أقول له أعطني سيفك، فإذا أعطانيه قتلته به. قال: فأتاه فقال: يا محمد، أعطني سيفك أشيمه [¬٤]. فأعطاه إياه، فرعدت يده حتى سقط السيف من يده، فقال رسول الله ﷺ: \"حال الله بينك وبين ما تريد\". فأنزل الله ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾.\nوهذا حديث غريب من هذا الوجه، وقصة غورث بن الحارث مشهورة في الصحيح.\nوقال أبو بكر بن مردويه: حدثنا أبو عمرو أحمد بن محمد بن إبراهيم، حدثنا محمد بن عبد الوهاب، حدثنا آدم، حدثنا حماد بن سلمة، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: كنا إذا صحبنا رسول الله ﷺ في سفر، تركنا له أعظم شجرة وأظلها فينزل تحتها، فنزل ذات يوم تحت شجرة وعلق سيفه فيها، فجاء رجل فأخذه فقال: يا محمد، من يمنعك منى؟ فقال رسول الله ﷺ: \"الله يمنعني منك، ضع السيف\". فوضعه، فأنزل الله ﷿: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾.\nوكذا رواه أبو حاتم بن حبان فى صحيحه عن عبد الله بن محمد، عن إسحاق بن إبراهيم، عن المؤمل بن إسماعيل، عن حماد بن سلمة به.\n_________\n(^٥٨٦) - رواه في تفسيره (٤/ ١١٧٣) (٦٦١٤)، وفى إسناده موسى بن عبيدة الرَّبذي وهو ضعيف.\nوزيد بن أسلم عن جابر مرسل كما قال على بن الحسين بن الجنيد (انظر جامع التحصيل ص ١٧٨) وقصة غوث بن الحارث التي أشار إليها ابن كثير تقدم تخريجها رقم (٢٦١).\n_________\n[¬١]- في ز: \"منزلة\".\n[¬٢]- في ز: \"الرقيع\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"الوارث\".\n[¬٤]- في ز: \"أسيمه\".","vol":"5","page":292},{"text":"وقال الإِمام أحمد (^٥٨٧): حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، سمعت أبا [¬١] إسرائيل - يعني الجشمي - سمعت جعدة - هو ابن خالد بن الصمة الجشمي ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ ورأى رجلًا سمينًا، فجعل النبي ﷺ يومئ إلى بطنه بيده ويقول: \"لو كان هذا في غير هذا لكان خيرًا لك\". قال: وأتى النبي ﷺ برجل، فقيل [¬٢]: هذا أراد أن يقتلك. فقال له [¬٣] النبي ﷺ: \"لم ترع [لم ترع] [¬٤]، ولو أردت ذلك يسلطك [¬٥] الله [¬٦] على\". وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ أي: بلغ أنت والله هو الذي يهدي من يشاء ويضل من يشاء، كما [¬٧] قال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾، وقال: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾.\n﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٦٨) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٩)﴾\n_________\n(^٥٨٧) - رواه أحمد في مسنده (٣/ ٤٧١)، الجزء الأول من الحديث رواه أحمد (٣/ ٤٧١)، (٤/ ٣٣٩)، والبخاري فى التاريخ الكبير (٢/ ٢٣٨، ٢٣٩)، والطبراني في الكبير (٢/ ٢٨٤) حديث (٢١٨٤، ٢١٨٥)، والحاكم (٤/ ١٢١، ١٢٢)، والبيهقي في الشعب (٥/ ٣٣) (٥٦٦٦) (٥٦٦٧) من طرق عن شعبة به. وقال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي. والجزء الثاني رواه النسائي في الكبرى (٦/ ٢٦٣) كتاب عمل اليوم والليلة، باب ما يقول للخائف حديث (١٠٩٠٣)، وفي عمل اليوم والليلة رقم (١٠٦٤)، والطبراني في الكبير (٢١٨٣)، والحديث ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٥/ ٣٤) وقال: رواه كله الطبراني ورواه أحمد، ورجال الجميع رجال الصحيح غير أبي إسرائيل الجشمي وهو ثقة. والحديث ضعفه الألباني في الضعيفة (١١٣١) وأعله بأبي إسرائيل فإنه لم يوثقه غير ابن حبان وأيضًا للاختلاف في صحبة جعدة.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في ز: \"فقال\".\n[¬٣]- سقط من: ت.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- في ز، خ: \"يسلط\".\n[¬٦]- سقط من: خ.\n[¬٧]- سقط من: ت.","vol":"5","page":293},{"text":"يقول تعالى: ﴿قُلْ﴾ يا محمد: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ﴾ أي: من الدين ﴿حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ أي: حتى تؤمنوا بجميع ما بأيديكم من الكتب المنزلة من الله على الأنبياء، وتعملوا بما فيها، ومما فيها الأمر باتباع محمد ﷺ، والإيمان بمبعثه والاقتداء بشريعته، ولهذا قال ليث بن أبي سليم، عن مجاهد في قوله: ﴿مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ يعني: القرآن العظيم (^٥٨٨).\nوقوله: ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾ تقدم تفسيره، ﴿فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ أي: فلا تحزن عليهم ولا يهيدنك [¬١]، ذلك منهم.\nثم قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وهم المسلمون ﴿وَالَّذِينَ هَادُوا﴾ وهم حملة التوراة ﴿وَالصَّابِئُونَ﴾ لما طال الفصل حسن العطف بالرفع، والصابئون: طائفة بين [¬٢] النصارى والمجوس ليس لهم دين، قاله مجاهد، وعنه: بين [¬٣] اليهود والمجوس. وقال سعيد بن جبير بين [¬٤]: اليهود والنصارى، وعن الحسن: إنهم كالمجوس. وقال قتادة: هم قوم يعبدون الملائكة ويصلون إلى غير القبلة ويقرءون الزبور. وقال وهب بن منبه: هم قوم يعرفون الله وحده، وليست لهم شريعة يعملون بها ولم يحدثوا كفرًا (^٥٨٩).\nوقال ابن وهب (^٥٩٠): أخبرني ابن أبي الزناد، عن أبيه قال: الصابئون هم [¬٥] قوم مما يلي العراق وهم بكوثي [¬٦]، وهم يؤمنون بالنبيين كلهم، ويصومون كل سنة ثلاثين يومًا، ويصلون إلى اليمن كل يوم خمس صلوات. وقيل: غير ذلك.\nوأما النصارى فمعروفون، وهم حملة الإِنجيل.\nوالمقصود: أن كل فرقة آمنت بالله واليوم [¬٧] الآخر - وهو الميعاد والجزاء يوم الدين - وعملت\n_________\n(^٥٨٨) - رواه ابن أبي حاتم في تفسيره (٤/ ١١٧٥) (٦٦٢١) من طريق ليث عن مجاهد (ما أنزل إليكم من ربكم) قال: ما أنزل على محمد ﷺ.\n(^٥٨٩) - انظر هذه الأقوال في تفسير ابن أبي حاتم (٤/ ١١٧٥، ١١٧٦).\n(^٥٩٠) - رواه ابن أبي حاتم في تفسيره (٤/ ١١٧٦) (٦٦٢٩).\n_________\n[¬١]- أي: لا تنزعج.\n[¬٢]- في ز، خ: \"من\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"من\".\n[¬٤]- في ز، خ: \"من\".\n[¬٥]- سقط من: ت.\n[¬٦]- في ز: \"بلوثا\".\n[¬٧]- في ز: وباليوم.","vol":"5","page":294},{"text":"عملًا صالحًا، ولا يكون ذلك كذلك [¬١] حتى يكون موافقًا للشريعة المحمدية، بعد إرسال صاحبها المبعوث إلى جميع الثقلين، فمن اتصف بذلك ﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ فيما يستقبلونه، ولا على ما تركوا وراء ظهورهم ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ وقد تقدم الكلام على نظيرتها في سورة البقرة بما أغنى عن إعادته هاهنا [¬٢].\n﴿لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ (٧٠) وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (٧١)﴾\nيذكر تعالى أنه أخذ العهود والمواثيق على بنى إسرائيل على السمع والطاعة لله ولرسله [¬٣]، فنقضوا تلك العهود والمواثيق، واتبعوا آراءهم وأهواءهم، وقدموها على الشرائع، فما وافقهم منها قبلوه وما خالفهم ردوه؛ ولهذا قال تعالى: ﴿كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ (٧٠) وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ أي: وحسبوا أن لا يترتب لهم شر على ما صنعوا فترتب، وهو: أنهم عموا عن الحق وصموا، فلا يسمعون حقا ولا يهتدون إليه ﴿ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ أي: مما كانوا فيه ﴿ثُمَّ عَمُوا﴾ أي: بعد ذلك ﴿وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ أي: مطلع عليهم، وعليم بمن يستحق الهداية ممن يستحق الغواية.\n﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (٧٢) لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ\n_________\n[¬١]- سقط من: ت.\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في ز: \"لرسوله\".","vol":"5","page":295},{"text":"كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٣) أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٤) مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٧٥)﴾\nيقول تعالى حاكمًا بتكفير فرق النصارى من الملكية واليعقوبية والنسطورية، ممن قال منهم بأن المسيح هو الله، تعالى الله عن قولهم وتنزه وتقدس علوًّا كبيرًا.\nهذا، وقد تقدم إليهم المسيح بأنه عبد الله ورسوله، وكان أول كلمة نطق بها وهو صغير في المهد أن قال ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾، ولم يقل: إني [¬١]، أنا الله ولا ابن الله بل قال: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ إلى أن قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾.\nوكذلك قال لهم في حال كهولته ونبوته، آمرًا لهم بعبادة الله به وربهم وحده لا شريك له؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَسِيحُ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾ أي: فيعبد معه [¬٢]، غيره ﴿فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ أي: فقد أوجب له النار وحرم عليه الجنة، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾، وقال تعالى: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ﴾.\nوفي الصحيح: أن النبي ﷺ بعث مناديًا ينادي في الناس: إن الجنة لا يدخلها إلا نفس مسلمة - وفي لفظ مؤمنة - \" (^٥٩١).\nوتقدم في أول سورة النساء عند قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ حديث يزيد بن بابنوس عن عائشة: الدواوين ثلاثة، فذكر منهم ديوانًا لا يغفره الله وهو الشرك بالله، قال الله تعالى: ﴿مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ﴾. الحديث في مسند أحمد.\n_________\n(^٥٩١) - رواه البخاري في صحيحه، في الرقاق، باب: الحشر، حديث (٦٥٢٨)، ومسلم في كتاب الإيمان، باب: كون هذه الأمة نصف أهل الجنة، حديث (٣٧٧/ ٢٢١) من حديث ابن مسعود.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- سقط من: ز.","vol":"5","page":296},{"text":"ولهذا قال تعالى إخبارًا عن المسيح أنه قال لبني إسرائيل: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ أي: وما له عند الله ناصر ولا معين ولا منقذ مما هو فيه.\nوقوله: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ قال ابن أبي حاتم (^٥٩٢):\nحدثنا على بن الحسن الهسنجاني [¬١]، حدثنا سعيد بن الحكم بن أبي مريم، حدثنا الفضل، حدثني أبو صخر في قول الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ قال: هو قول اليهود: عزيز ابن الله، وقول النصارى: المسيح ابن الله، فجعلوا الله ثالث ثلاثة.\nوهذا قول غريب في تفسير الآية أن المراد بذلك طائفتا [¬٢] اليهود والنصارى، [والصحيح أنها] [¬٣] [أنزلت في النصارى] [¬٤] خاصة. قاله مجاهد وغير واحد.\nثم اختلفوا في ذلك؛ فقيل: المراد بذلك كفرهم [¬٥] في قولهم بالأقانيم الثلاثة؛ وهو أقنوم الأب وأقنوم الابن وأقنوم الكلمة المنبثقة من الأب إلى الابن، تعالى الله عن قولهم علوًّا كبيرًا. قال [¬٦] ابن جرير وغيره. والطوائف الثلاثة من الملكية واليعقوبية والنسطورية تقول بهذه الأقانيم، وهم مختلفون فيها اختلافًا متباينًا ليس هذا موضع بسطه، وكل فرقة منهم تكفر الأخرى، والحق أن الثلاث كافرة.\nوقال السدي وغيره: نزلت في جعلهم المسيح وأمه إلهين مع الله، فجعلوا الله ثالث ثلاثة بهذا [¬٧] الاعتبار، قال السدي: وهي كقوله تعالى في آخر السورة: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ﴾ الآية (^٥٩٣). وهذا القول هو الأظهر، والله أعلم.\n_________\n(^٥٩٢) - رواه ابن أبي حاتم في تفسيره (٤/ ١١٧٩) (٦٦٤٧).\n(^٥٩٣) - رواه ابن جرير في تفسيره (١٠/ ٤٨٣) (١٢٢٩٤)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٤/ ١١٧٩) (٦٦٤٦).\n_________\n[¬١]- في ز: \"الهستجاني\".\n[¬٢]- في ز: \"طائفتي\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- في ز: \"كفارهم\".\n[¬٦]- في ز: \"قاله\".\n[¬٧]- في ز: \"فبهذا\".","vol":"5","page":297},{"text":"قال الله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ أي: ليس متعددًا، بل هو وحده لا شريك له إله جميع الكائنات وسائر الموجودات.\nثم قال تعالى متوعدًا لهم ومتهددًا: ﴿وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ﴾ أي: من هذا الافتراء والكذب ﴿لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أي: فى الآخرة من الأغلال والنكال.\nثم قال: ﴿أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وهذا من كرمه تعالى وجوده ولطفه، ورحمته بخلقه مع هذا الذنب العظيم، وهذا الافتراء والكذب والإفك، يدعوهم إلى التوبة والمغفرة، فكل من تاب إليه تاب عليه. ثم قال تعالى: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَ﴾ أي: له سَويَّة [¬١] أمثاله من سائر المرسلين المتقدمين عليه، وأنه عبد بن عباد الله، ورسول من رسله الكرام، كما قال: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾.\nوقوله: ﴿وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾ أي: مؤمنة به مصدقة له، وهذا أعلى مقاماتها، فدل على أنها ليست بنبية، كما زعمه ابن حزم وغيره ممن ذهب إلى نبوة سارة أم إسحاق، ونبوة أم موسى، ونبوة أم عيسى، [استدلالًا منهم بخطاب] [¬٢] الملائكة لسارة ومريم، وبقوله: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ وهذا معنى النبوة، والذي عليه الجمهور أن الله لم يبعث نبيًّا إلا من الرجال، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾، وقد حكي الشيخ أبو الحسن الأشعري ﵀ الإِجماع على ذلك.\nوقوله تعالى: ﴿كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ﴾ أي: يحتاجان إلى التغذية به وإلي خروجه منهما، فهما عبدان كسائر الناس وليسا بإلهين، كما زعمت [¬٣] فرق النصارى الجهلة، عليهم لعائن الله المتتابعة [¬٤] إلى يوم القيامة.\nثم قال تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ﴾ أي: نوضحها ونظهرها ﴿ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ أي: ثم انظر بعد هذا البيان والوضوح والجلاء [¬٥] أين يذهبون؟ وبأي قول يتمسكون؟ وإلي أي مذهب من الضلال يذهبون؟\n_________\n[¬١]- في خ: \"أسوة\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز: \"استدلالهم منهم لخطاب\".\n[¬٣]- في ز: \"زعة\".\n[¬٤]- في ز: \"التابعة\".\n[¬٥]- في ز: \"الخلاء\".","vol":"5","page":298},{"text":"قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٧٦) قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (٧٧)﴾\nيقول تعالى منكرًا على من عبد غيره من الأصنام والأنداد والأوثان، ومبينًا له أنها لا تستحق شيئًا من الإِلهية: ﴿قُلْ﴾ أي: يا محمد لهؤلاء العابدين غير الله من سائر فرق بني آدم، ودخل في ذَلك النصارى وغيرهم ﴿أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾ أي: لا يقدر على إيصال ضر [¬١] إليكم، ولا إيجاد نفع ﴿وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ أي: فلم عدلتم عن إفراد السميع لأقوال عباده، العليم بكل شيء، [فلم عدلتم عنه] [¬٢] إلى عبادة جماد لا يسمع ولا يبصر ولا يعلم شيئًا، ولا يملك ضرًّا ولا نفعًا لغيره ولا لنفسه.\nثم قال: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ﴾ أي: لا تجاوزوا الحد في اتباع الحق، ولا تطروا من أمرتم بتعظيمه، فتبالغوا فيه حتى تخرجوه عن حيز النبوة إلى مقام الإِلهية، كما صنعتم في المسيح و[¬٣] هو نبي من الأنبياء، فجعلتموه إلهًا من دون الله، وما ذاكَ إلا لاقتدائكم بشيوخ الضلال الذين هم سلفكم ممن ضل قديمًا ﴿وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ أي: وخرجوا عن طريق الاستقامة والاعتدال إلى طريق الغواية والضلال.\nقال ابن أبى حاتم (^٥٩٤): حدثنا أبي، حدثنا أحمد بن عبد الرحمن، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس، قال: وقد كان قائم قام عليهم، فأخذ بالكتاب والسنة زمانًا فأتاه [¬٤] الشيطان، فقال: إنما تركب أثرًا أو أمرًا قد عمل قبلك فلا تجمد عليه، ولكن ابتدع أمرًا من قبل نفسك، وادع إليه واجبر الناس عليه؛ ففعل، ثم ادّكر بعد فعله زمانًا فأراد أن يتوب منه، فخلع سلطانه وملكه وأراد أن يتعبد، فلبث في عبادته أيامًا، فأتى [¬٥] فقيل له: لو أنك تبت من خطيئة عملتها فيما بينك وبين ربك، عسى أن يتاب عليك، ولكن ضل فلان وفلان وفلان في سبيلك [¬٦]، حتى فارقوا الدنيا وهم على الضلالة، فكيف لك بهداهم فلا توبة لك\n_________\n(^٥٩٤) - ذكره السيوطي في الدر المنثور (٢/ ٥٣٣) ولم يعزه لغير ابن أبي حاتم.\n_________\n[¬١]- في خ: \"ضرر\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤] في خ: \"فأواه\".\n[¬٥]- في ز -: \"فأبى\".\n[¬٦] في ز: \"سببك\".","vol":"5","page":299},{"text":"أبدًا. ففيه سمعنا وفي أشباهه هذه الآية: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾.\n﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٧٩) تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ (٨٠) وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (٨١)﴾\nيخبر تعالى أنه لعن الكافرين من بني إسرائيل من دهر طوبل، فيما أنزله [¬١] على داود نبيه ﵇، وعلى لسان عيسى ابن مريم؛ بسبب عصيانهم لله واعتدائهم على خلقه.\nقال العوفي، عن ابن عباس: لعنوا [¬٢] في التوراة والإِنجيل وفي الزبور وفي الفرقان (^٥٩٥).\nثم بين حالهم فيما كانوا يعتمدونه في زمانهم، فقال تعالى: ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ أي: كان لا ينهى أحد منهم أحدًا عن ارتكاب المآثم والمحارم، ثم ذمهم على ذلك؛ ليحذر أن يرتكب [¬٣] مثل الذي ارتكبوه [¬٤] فقال: ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ [¬٥]﴾.\nوقال الإِمام أحمد (^٥٩٦) ﵀: حدثنا يزيد، حدثنا شريك بن عبد الله [¬٦]، عن\n_________\n(^٥٩٥) - رواه ابن جرير (١٠/ ٤٨٩) (١٢٢٩٨)، وابن أبي حاتم (٤/ ١١٨٢) (٦٦٦٣).\n(^٥٩٦) - رواه أحمد في مسنده (١/ ٣٩١) (٣٧١٣)، وقال العلامة أحمد شاكر في تعليقه على المسند: \"إسناده ضعيف؛ لانقطاعه\". قلت: إسناده منقطع لأن أبا عبيدة بن عبد الله بن مسعود لم يسمع من أبيه.=\n_________\n[¬١]- في ز: \"أنزل\".\n[¬٢]- في ز: \"احنوا\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"يركب\".\n[¬٤]- في ز: \"ارتكبو\".\n[¬٥]- في ز: \"يعملون\".\n[¬٦]- بعده في خ: \"عن عبد الله\".","vol":"5","page":300},{"text":"على بن بذيمة، عن أبي عبيدة، عن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ: \"لما وقعت بنو إسرائيل في المعاصي، نهتهم علماؤهم فلم ينتهوا فجالسوهم في مجالسهم - قال يزيد: وأحسبه قال [¬١]: وأسواقهم - وواكلوهم وشاربوهم، فضرب الله قلوب بعضهم ببعض، ولعنهم على لسان داود وعيسى ابن مريم ﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾. وكان رسول الله ﷺ متكئًا، فجلس، فقال: \"لا والذي نفسي بيده، حتى تأطروهم [¬٢] على الحق أطرًا [¬٣] \".\nوقال أبو داود (^٥٩٧)،: حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي، حدثنا يونس بن راشد، عن علي [¬٤] ابن بذيمة، [عن أبي عبيدة] [¬٥]، عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن أول ما دخل النقص على بني إسرائيل: كان الرجل يلقى الرجل، فيقول: يا هذا، اتق الله ودع ما تصنع، فإنه لا يحل لك، ثم يلقاه من الغد فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشربيه وقعيده، فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض، ثم قال: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ إلى قوله: ﴿فَاسِقُونَ﴾، ثم قال: \"كلا والله لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، ولتأخذن على يد الظالم، ولتأطرنه [¬٦] على الحق أطرًا، أو تقصرنه على الحق قصرًا\".\n_________\n= والحديث رواه أبو داود في الملاحم، باب الأمر والنهي حديث (٤٣٣٦) والترمذي في تفسير القرآن، باب: ومن سورة المائدة، حديث (٣٠٤٧، ٣٠٤٨)، وابن ماجه في الفتن، باب: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حديث (٤٠٠٦)، وابن جرير في تفسيره (١٠/ ٤٩٢) (١٢٣٠٧، ١٢٣٠٨) (١٢٣١٠)، والبيهقي في \"شعب الإيمان\" (٧٥٤٤) من طرق عن علي بن بذيمة عن أبي عبيدة عن عبد الله بن مسعود به. ورواه أبو داود فى سننه (٤٣٣٧)، وابن جرير (١٢٣٠٦)، وابن أبي حاتم (٦٦٦١)، والبيهقي في الشعب (٧٥٤٥) من طرق عن سالم الأفطس عن أبي عبيدة عن عبد الله به، ورواه الترمذي (٣٠٤٨)، وابن ماجه (٤٠٠٦) وابن جرير (١٢٣٠٩، ١٢٣١٠، ١٢٣١١) من طرق عن ابن بذيمة عن أبي عبيدة مرسلًا، والحديث ضعفه الألبانى فى ضعيف أبي داود (٩٣٢)، وضعيف ابن ماجه (٨٦٧).\n(^٥٩٧) - سنن أبي داود في الملاحم، باب: الأمر والنهي، حديث (٤٣٣٦)، وانظر التخريج السابق.\n_________\n[¬١]- في ت: \"قال\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"تطروهم\". ومعنى تأطروهم: تعطفوهم. النهاية.\n[¬٣]- في ز، خ: إطراهم\".\n[¬٤]- سقط من: ز.\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٦]، - في ز، خ: \"ولتطرنه\".","vol":"5","page":301},{"text":"وكذا رواه الترمذي وابن ماجة، من طريق على بن بذيمة به. وقال الترمذي: حسن غريب. ثم رواه هو وابن ماجة عن بندار، عن ابن مهدي، عن سفيان، عن علي بن بذيمة، عن أبي عبيدة مرسلًا.\nوقال ابن أبي حاتم (^٥٩٨): حدثنا أبو سعيد الأشج وهارون بن إسحاق الهمداني قالا: حدثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي، عن العلاء بن المسيب، عن عبد الله بن عمرو بن مرة، عن سالم الأفطس، عن أبى عبيدة، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن الرجل من بني إسرائيل كان إذا رأى أخاه على الذنب نهاه عنه تعزيرًا، فإذا كان من الغد لم يمنعه ما رأى منه أن يكون أكيله وخليطه وشريكه\". وفي حديث هارون: \"وشربيه\". ثم اتفقا في المتن: \"فلما رأى الله ذلك منهم، ضرب قلوب بعضهم على بعض، ولعنهم على لسان نبيهم داود وعيسى ابن مريم ﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾. ثم قال رسول الله ﷺ: (والذي نفسي بيده، لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، ولتأخذن على يد المسيء، ولتأطرنه [¬١] على الحق أطرًا، أو ليضربن الله قلوب بعضكم على بعض، أو ليلعنكم كما لعنهم\". والسياق لأبي سعيد، كذا قال في روايته [¬٢] هذا الحديث.\nوقد رواه أبو داود أيضًا عن خلف بن هشام، عن أبى شهاب الخياط، عن العلاء [¬٣] بن المسيب، عن عمرو بن مرة، عن سالم - وهو ابن عجلان الأفطس - عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه، عن النبي ﷺ بنحوه. ثم قال أبو داود: وكذا رواه خالد، عن العلاء، عن عمرو بن مرة به. ورواه المحاربي، عن العلاء بن المسيب، عن عبد الله بن عمرو بن مرة، عن سالم الأفطس، عن أبي عبيدة، عن عبد الله (^٥٩٩).\nقال شيخنا الحافظ أبو الحجاج المزي: وقد رواه خالد بن عبد الله الواسطي، عن العلاء أبن المسيب] [¬٤]، عن عمرو بن مرة، [عن أبى عبيدة] [¬٥]، عن أبى موسى.\n_________\n(^٥٩٨) - تفسير ابن أبي حاتم (٤/ ١١٨١) (٦٦٦١)، وانظر تخريج الحديث (٦٢٢).\n(^٥٩٩) - سنن أبي داود (٤٣٣٧)، وانظر الحديث (٦٢٢).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"ولتطرنه\".\n[¬٢]- في ت: \"رواية\".\n[¬٣]- في خ: \"علي\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"5","page":302},{"text":"والأحاديث في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كثيرة جدًّا، ولنذكر منها ما يناسب هذا المقام. قد تقدم حديث جرير [¬١] عند قوله: ﴿لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ﴾ وسيأتي عند قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ حديثُ أبي بكر الصديق وأبي ثعلبة الخشني، فقال الإِمام أحمد (^٦٠٠):\nحدثنا سليمان الهاشمى، أنبأنا إسماعيل بن جعفر، أخبرني عمرو بن أبي عمرو، عن عبد الله بن عبد الرحمن الأشهلي، عن حذيفة بن اليمان، أن النبي ﷺ قال: \"والذي نفسي بيده، لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابًا من عنده، ثم لتدعنه فلا يستجيب لكم\".\nورواه الترمذي عن علي بن حجر، عن إِسماعيل بن جعفر به. وقال: هذا حديث حسن.\nوقال أبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجة (^٦٠١): حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا معاوية ابن هشام، عن هشام بن سعد، عن عمرو بن عثمان، عن عاصم بن عمر بن عثمان، عن عروة، عن عائشة، قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"مروا بالمعروف، وانهوا عن المنكر، قبل أن تدعوا فلا يستجاب لكم\".\n_________\n(^٦٠٠) - رواه في مسنده (٥/ ٣٨٨، ٣٨٩)، ورواه الترمذي في الفتن، باب: ما جاء في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حديث (٢١٦٩) قال: حدثنا على بن حجر أخبرنا إسماعيل بن جعفر بهذا الإسناد نحوه، ورواه الترمذي أيضًا من طريق عبد العزيز بن محمد عن عمرو بن أبي عمرو به، وقال الترمذي: هذا حديث حسن. وعبد الله بن عبد الرحمن الأشهلي قال الحافظ في \"التقريب\": مقبول. وقد ذكره ابن حبان في الثقات (٥/ ١٤) لكن قاعدته في توثيق المجاهيل معروفة، والحديث حسنه الألباني في صحيح الترمذي (١٧٦٢) فلعله حسنه لشواهده، والله أعلم. وقد تقدم الحديث في سورة آل عمران/ الآية ١٠٤.\n(^٦٠١) - سنن ابن ماجه كتاب الفتن، باب: الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، حديث (٤٠٠٤) وإسناده ضعيف؛ عاصم بن عمر بن عثمان قال ابن حجر في \"التقريب\": مجهول. وعمرو بن عثمان هو ابن عثمان بن هانئ - انقلب اسمه في رواية أحمد في المسند فقال عثمان بن عمرو بن هانئ - قال عنه الحافظ في \"التقريب\": مستور. والحديث رواه أحمد في مسنده (٦/ ١٥٩)، وابن حبان في صحيحه (١/ ٥٢٦) (٢٩٠)، وأبو يعلى في مسنده (٤٩١٤)، والبزار كما في كشف الأستار (٤/ ١٠٥، ١٠٦) (٣٣٠٤، ٣٣٠٥) من طريق عمرو بن عثمان بهذا الإسناد مطولًا، ووقع في رواية أحمد عثمان بن عمرو كما تقدم بيانه، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ٢٦٩) وقال: \"روى=\n_________\n[¬١]- في خ: \"جابر\".","vol":"5","page":303},{"text":"تفرد به، وعاصم هذا مجهول.\nوفي الصحيح (^٦٠٢): من طريق الأعمش، عن إسماعيل بن رجاء، عن أبيه، عن أبي سعيد، وعن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب، عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله ﷺ: \"من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلد أضعف الإِيمان\". رواه مسلم.\nوقال الإمام أحمد (^٦٠٣): حدثنا ابن نمير، حدثنا سيف - هو ابن أبي سليمان - سمعت عدي بن [] [¬١] عدي الكندي يحدث، عن مجاهد، قال: حدثني مولي لنا، أنه سمع جدي - يعني عدي بن عميرة ﵁ يقول: سمعت النبي ﷺ يقول: \"إن الله لا يعذب العامة بعمل الخاصة، حتى يروا المنكر بين ظهرانيهم وهم قادوون على أن ينكروه فلا ينكرونه [¬٢]، فإذا فعلوا ذلك عذب الله الخاصة والعامة\".\n_________\n= ابن ماجه بعضه - رواه أحمد والبزار وفيه عاصم بن عمر أحد المجاهيل\".\n(^٦٠٢) - رواه مسلم في \"صحيحه\" في كتاب الإيمان، باب: بيان كون النهي عن المنكر من الإيمان، وأن الإيمان يزيد وينقص حديث (٧٩/ ٤٩).\n(^٦٠٣) - رواه أحمد في مسنده (٤/ ١٩٢) وذكره الهيثمى في مجمع الزوائد (٧/ ٢٧٠) وقال: \"رواه أحمد من طريقين: إحداها هذه والأخرى عن عدي بن عدي حدثني مولى لنا وهو الصواب، وكذلك رواه الطبراني وفيه رجل لم يسم وبقية رجال أحد الإسنادين ثقات\".\nقلت: الطريق الثانية الثى ذكرها الهيثمى وصوبها رواها عبد الله بن المبارك في الزهد (١٣٥٢) ومن طريقه أحمد في مسنده (٤/ ١٩٢)، والطبراني في الكبير (١٧/ ١٣٩) (٣٤٤)، والبغوي في شرح السنة (١٤/ ٣٤٦) (٤١٥٥) عن سيف بن أبي سليمان قال: سمعت عدي بن عدي الكندي يقول: حدثني مولى لنا أنه سمع جدى يقول: سمعت رسول الله ﷺ فذكره. قلت: ومولى عدي هذا مجهول لا يعرف كما تقدم في كلام الهيثمي، وقد ضعف الحديث العلامة الألباني في ضعيف الجامع (١٦٧٥)، لكن قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري (١٣/ ٤): أخرجه أحمد بسند حسن.\nقلت: لعل الحافظ ﵀ حسن هذا الحديث لشواهده فإن له شاهدًا من حديث العرس بن عميرة أخي عدي بن عميرة، أخرجه الطبراني في الكبير (١٧/ ١٣٨) (٣٤٣) من حديث خالد بن يزيد عن عدي ابن عدي بن عميرة عن العرس بن عميرة الكندي مرفوعًا نحوه، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ٢٧١) وقال: رواه الطبراني ورجاله ثقات، ورواه أبو داود في الملاحم، باب: الأمر والنهي، حديث (٤٣٤٥) من حديث مغيرة بن زباد الموصلى، عن عدي بن عدى عن العرس بن عميرة مرفوعًا بلفظ: \"إذا عملت الخطيئة في الأرض كان من شهدها فكرهها\"، وقال مرة: \"أنكرها\" كمن غاب عنها، ومن غاب عنها فرضيها كان كمن شهدها\". وحسنه الألباني في صحيح أبي داود (٣٦٥١).\n_________\n[¬١]- في ز: \"أبي\".\n[¬٢]- في خ: \"ينكروه\".","vol":"5","page":304},{"text":"ثم رواه أحمد (^٦٠٤): عن أحمد بن الحجاج، عن عبد الله بن المبارك، عن سيف بن أبي سليمان، عن عيسى بن عدي الكندي [¬١]، حدثني مولى لنا، أنه سمع جدي يقول: سمعت [¬٢] رسول الله ﷺ يقول [¬٣]، فذكره، هكذا رواه الإِمام أحمد من هذين الوجهين.\nوقال أبو داود (^٦٠٥): [حدثنا محمد] [¬٤] بن [¬٥] العلاء، حدثنا أبو بكر، حدثنا المغيرة بن زياد الموصلي، عن عدي بن عدي، عن العرس - يعني: ابن عميرة - عن النبي ﷺ، قال: \"إذا عملت الخطيئة في الأرض كان من شهدها فكرهها - وقال مرة: فأنكرها - كان كمن غاب عنها، ومن غاب عنها فوضيها كان كمن شهدها\".\nتفرد به أبو داود، ثم رواه عن أحمد بن يونس، عن أبي شهاب، عن مغيرة بن زياد، عن عدي بن عدي مرسلًا.\nو[¬٦] قال أبو داود (^٦٠٦): حدثنا سليمان بن حرب وحفص بن عمر، قالا: حدثنا شعبة - وهذا لفظه - عن عمرو بن مرة، عن أبي البختري، قال: أخبرني من سمع النبي ﷺ وقال سليمان: حدثني رجل من أصحاب النبي ﷺ: أن النبي ﷺ قال: \"لن يهلك الناس حتى يَعذروا أو يُعذروا من أنفسهم\".\nوقال ابن ماجة (^٦٠٧): حدثنا عمران بن موسى، حدثنا حماد بن زيد، حدثنا علي بن زيد\n_________\n(^٦٠٤) - المسند (٤/ ١٩٢)، وانظر السابق.\n(^٦٠٥) - رواه أبو داود في الملاحم، باب الأمر والنهي حديث (٤٣٤٥) والرواية المرسلة عنده برقم (٤٣٤٦)، والحديث حسنه الألباني في صحيح أبي داود رقم (٣٦٥١، ٣٦٥٢)، وانظر الحديث رقم (٦٢٩).\n(^٦٠٦) - سنن أبي داود كتاب الملاحم، باب: الأمر والنهي، حديث (٤٣٤٧)، ورواه أحمد (٤/ ٢٦٠)، (٥/ ٢٩٣) من طريق شعبة به. وجهالة الصحابى لا تضر فإن الصحابة جميعهم عدول. والحديث صححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (٣٦٥٣).\n(^٦٠٧) - رواه في سننه كتاب الفتن، باب: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حديث (٤٠٠٧)، ورواه الترمذي في كتاب الفتن، باب: ما جاء ما أخبر النبي ﷺ أصحابه بما هو كائن إلى يوم القيامة حديث (٢١٩١)، وعبد الرزاق (٢٠٧٢٠) (١١/ ٣٤٦، ٣٤٧) والطيالسي في مسنده (٢١٥٦)،=\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٥]- في ت: \"حدثنا\"، وفي ز، خ: \"أبو\".\n[¬٦]- سقط من: ز.","vol":"5","page":305},{"text":"ابن جدعان، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري: أن رسول الله ﷺ قام خطيبًا، فكان فيما قال: \"ألا لا يمنعن رجلًا هيبة الناس أن يقول الحق إذا علمة\". قال: فبكى أبو سعيد وقال: قد والله رأينا أشياء فهبنا [¬١].\nوفي حديث إسرائيل، [عن محمد بن جحادة] [¬٢]، عن عطية، عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله ﷺ: \"أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر\" (^٦٠٨).\nرواه أبو داود والترمذي وابن ماجة، وقال الترمذي: حسن غريب من هذا الوجه.\nوقال ابن ماجة (^٦٠٩): حدثنا راشد بن سعيد الرملي، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا حماد\n_________\n= وأبو يعلى (٢/ ٣٥٢، ٣٥٣) (١١٠١)، والحاكم (٤/ ٥٠٦) من طريق على بن زيد عن أبي نضرة به. وعلى بن زيد ضعيف لكن تابعه غير واحد على هذا الحديث فرواه الطيالسى (٢١٥١) وابن حبان في صحيحه (١/ ٥١١، ٥١٢) (٢٧٨)، والبيهقي فى الكبرى (١٠/ ٩٠)، وأبو نعيم فى الحلية (٣/ ٩٩) من طريق شعبة عن قتادة عن أبي نضرة به. وإسناده صحيح فإن رواية شعبة عن قتادة محمولة على السماع، ورواه الطيالسي فى مسنده (٢١٥٨) وأبو يعلى (٢/ ٤١٩) (١٢١٢)، وأبو نعيم في الحلية (٣/ ٩٨، ٩٩) من طريق المستمر بن الريان عن أبي نضرة به، ورواه الطبراني في الأوسط (٥/ ١٤٤، ١٤٥) (٤٩٠٦)، والصغير (١/ ٢٥٨) من طريق سليمان التيمي عن أبي نضرة، والحديث صححه العلامة الاُلباني في الصحيحة (١٦٨).\n(^٦٠٨) - رواه أبو داود في الملاحم، باب: الأمر والنهي، حديث (٤٣٤٤)، والترمذي في الفتن، باب: ما جاء في أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر حديث (٢١٧٤)، وابن ماجه في الفتن، باب: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حديث (٤٠١١)، والخطيب في تاريخ بغداد (٧/ ٢٣٨، ٢٣٩) من طريق إسرائيل قال: حدثنا محمد بن جحادة به. وفي إسناده عطية بن سعد العوفى وهو ضعيف لكن للحديث طريق أخرى رواها أحمد فى مسنده (٣/ ١٩، ٦١) والحاكم (٤/ ٥٠٥، ٥٠٦) والحميدي في مسنده (٧٥٢) من طريق على بن زيد بن جدعان عن أبي نضرة عن أبي سعيد ضمن حديث. وعلى بن زيد وإن ضعفه بعضهم إلا أن حديثه قابل للتحسين فى المتابعات ويشهد له حديث أبي أمامة التالي. وحديث طارق بن شهاب عند النسائي (٢/ ١٨٧)، وأحمد (٤/ ٣١٥) قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: أي الجهاد أفضل؟ قال: كلمة حق عند إمام جائر. وانظر الكلام على هذا الحديث وشواهده فى السلسلة الصحيحة للعلامة الشيخ ناصر الدين الألباني رقم (٤٩١).\n(^٦٠٩) - سنن ابن ماجه كتاب الفتن، باب: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حديث (٤٠١٢)، ورواه أحمد (٥/ ٢٥١، ٢٥٦)، والطبراني في الكبير (٨/ ٣٣٨) (٨٠٨٠، ٨٠٨١)، والروياني فى مسنده (١١٧٩) (١١٨٢)، والبيهقي فى \"شعب الإيمان\" (٧٥٨١) من حديث أبي غالب عن أبي أمامة به. قال الألباني في الصحيحة (١/ ٨٠٧): هذا إسناد حسن، وفي أبي غالب خلاف لا ينزل حديثه عن=\n_________\n[¬١]- في ت: \"فهبناها\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"5","page":306},{"text":"ابن سلمة، عن أبي غالب، عن أبي أمامة، قال: عرض لرسول الله ﷺ رجل عند الجمرة [الأولى، فقال: يا رسول الله، أي الجهاد أفضل؟ فسكت عنه، فلما رمى الجمرة] [¬١] الثانية سأله فسكت عنه، فلما رمي جمرة العقبة ووضع رجله في الغرز ليركب قال: \"أين السائل؟ \" قال: أنا يا رسول الله. قال: \"كلمة حق تقال عند ذي سلطان جائر\". تفرد به.\nوقال ابن ماجة (^٦١٠): حدثنا أبو كريب، حدثنا عبد الله بن نمير وأبو معاوية، عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن أبي البختري، عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا يحقر أحدكم نفسه\". قالوا: يا رسول الله، كيف يحقر أحدنا نفسه؟ قال: \"يرى أمرًا لله فيه مقال، لم لا يقول فيه، فيقول الله [له] [¬٢] يوم القيامة: ما منعك أن تقول في [¬٣] كذا وكذا وكذا. فيقول: خشية الناس. فيقول: فإياي كنت أحق أن تخشى [¬٤] \". تفرد به.\nوقال أيضًا (^٦١١): حدثنا على بن محمد، حدثنا محمد بن فضيل، حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن أبو طوالة، حدثنا نهار العبدي، أنه سمع أبا سعيد الخدري يفول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"إن الله ليسأل العبد يوم القيامة حتى يقول: ما منعك إذا رأيت المنكر أن تنكره؟ فإذا لقن الله عبدًا حجته قال: يا رب، رجوتك وفرقت من [¬٥] الناس\". تفرد به أيضًا ابن ماجة، وإسناده لا بأس به.\nوقال الإِمام أحمد (^٦١٢): حدثنا عمرو بن عاصم، عن حماد [¬٦] بن سلمة، عن علي بن زيد، عن الحسن، عن جندب، عن حذيفة، عن النبي ﷺ قال: \"لا\n_________\n= رتبة الحسن، وحديثه هذا صحيح بشواهده. قلت: يشهد له حديث أبي سعيد، وحديث طارق بن شهاب المتقدمان في الحديث السابق.\n(^٦١٠) - سنن ابن ماجه كتاب الفتن، باب: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حديث (٤٠٠٨). وقد تقدم تخريجه في تفسير هذه السورة الآية (٥٤) برقم (٥٥٠).\n(^٦١١) - تقدم في تفسير الآية (٥٤) برقم (٥٥١).\n(^٦١٢) - تقدم في تفسير الآية (٥٤) برقم (٥٥٢).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٢]- سقط من خ.\n[¬٣]- سقط من: ت.\n[¬٤]- في ز: \"يخشى\".\n[¬٥]- سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- في ز، خ: \"خالد\".","vol":"5","page":307},{"text":"ينبغي لمسلم أن يذل نفسه\". قيل: وكيف يذل نفسه؟ قال: \"يتعرض من البلاء ما [¬١]، لا يطيق\".\nوكذا رواه الترمذي وابن ماجة جميعًا عن محمد بن بشار، عن عمرو بن عاصم به، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح [¬٢] غريب.\nوقال ابن ماجة (^٦١٣): حدثنا العباس بن الوليد الدمشقي، حدثنا زيد بن يحيي بن عبيد الخزاعي، حدثنا الهيثم بن حميد، حدثنا أبو معبد حفص بن غيلان الرعيني، عن مكحول، عن أنس بن مالك، قال: قيل: يا رسول الله: متى يترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ قال: \"إذا ظهر فيكم ما ظهر في الأمم قبلكم\". قلنا: يا رسول الله، وما ظهر في الأمم قبلنا؟ قال: \"الملك في صغاركم، والفاحشة في كباركم، والعلم في رُذَّالكم\". قال زيد: تفسير معنى قول النبي ﷺ: \"والعلم لي رُذَّالكم\": إذا كان العلم في الفساق.\nتفرد به ابن ماجة، وسيأتي في حديث أبي ثعلبة عند قوله: ﴿لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ - شاهد لهذا إن شاء الله تعالى وبه الثقة.\nوقوله تعالى: ﴿تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قال مجاهد: يعني بذلك المنافقين. وقوله: ﴿لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ يعني بذلك: موالاتهم للكافرين، وتركهم موالاة المؤمنين، التي أعقبتهم نفاقًا في قلوبهم، وأسخطت الله عليهم سخطًا مستمرًّا إلى يوم معادهم، ولهذا قال: ﴿أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ فسر بذلك ما ذمهم به، ثم أخبر عنهم [¬٣] أنهم ﴿وَفِي الْعَذَابِ هُمْ [¬٤] خَالِدُونَ﴾ يعني: يوم القيامة.\n_________\n(^٦١٣) - سنن ابن ماجه كتاب الفتن، باب: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ حديث (٤٠١٥) ورواه أحمد في مسنده (٣/ ١٨٧) ثنا زيد بن يحيى الدمشقي قال: حدثنا أبو معبد فذكره. قال البوصيري في \"مصباح الزجاجة\" (٣/ ٢٤٤): هذا إسناد صحيح ورجاله ثقات.\nقلت: رجاله ثقات لكن مكحول ذكره ابن حجر في المدلسين (ص ١٥٦) في المرتبة الثالثة وهي مرتبة من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من حديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع كما نص عليه في المقدمة، وقد عنعن مكحول في هذا الإسناد، وله أعل العلامة الألباني الحديث في ضعيف ابن ماجه رقم (٨٧٠).\n_________\n[¬١]- في ت: \"لما\".\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- في ز: \"هم\".","vol":"5","page":308},{"text":"قال ابن أبي حاتم (^٦١٤): حدّثنا أبي، حدثنا هشام بن عمار، حدثنا مسلمة [¬١] بن علي، عن الأعمش بإسناد ذكره قال: \"يا معشر المسلمين، إياكم والزنا، فإن فية ست خصال: ثلاثًا [¬٢] في الدنيا وثلاثًا [¬٣] في الآخرة؛ فأما التي في الدنيا: فإنه يُذهب البهاء، ويورث الفقر، وينقص العمر، وأما التي في الآخرة: فإنه يوجب سخط الرب، وسوء الحساب، والخلود في النار\". ثم تلا رسول الله ﷺ: ﴿لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ﴾.\nهكذا ذكره ابن أبي حاتم، وقد رواه ابن مردويه، من طريق هشام بن عمار، عن مسلمة [¬٤]، عن الأعمش، عن شقيق، عن حذيفة، عن النبي ﷺ فذكره، وساقه أيضًا: من طريق سعيد بن عُفير، عن مسلمة [¬٥]، عن أبي عبد الرحمن الكوفي، عن الأعمش، عن شقيق، عن حذيفة، عن النبي ﷺ فذكر مثله.\nوهذا حديث ضعيف على كل حال، والله أعلم.\nثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ أي: لو آمنوا حق الإِيمان بالله والرسول والقرآن [¬٦] لما ارتكبوا ما ارتكبوه؛ من موالاة الكافرين في الباطن، ومعاداة المؤمنين بالله والنبي وما أنزل إليه [ما حذرهم أولياء] [¬٧]، ﴿وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ أي: خارجون عن طاعة الله ورسوله، مخالفون لآيات وحيه وتنزيله.\n_________\n(^٦١٤) - تفسير ابن أبي حاتم (٤/ ١١٨٣) (٦٦٦٨)، ورواه الخرائطي في مساوئ الأخلاق (٤٨٢)، وابن عدي في الكامل (٦/ ٢٣١٨)، والبيهقي في شعب الإيمان (٥٤٧٥)، والطبراني ومن طريق أبو نعيم في حلية الأولياء (٤/ ١١١) من طريق مسلمة بن علي الخشني عن أبي عبد الرحمن الكوفي عن الأعمش عن شقيق عن حذيفة بن اليمان به مرفوعًا. وإسناده ضعيف مسلمة بن علي الخشني متروك كما قال الحافظ في \"التقريب\"، ورواه الطبراني في الأوسط (٧٠٩٦) من طريق عمرو بن جميع عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس مرفوعًا بلفظ: \"إياكم والزنا فإن فيه أربع خصال: يذهب البهاء عن الوجه، ويقطع الرزق، ويسخط الرحمن، والخلود في النار\". وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ٢٥٨) وقال: فيه عمرو بن جميع وهو متروك. والحديث ضعفه الألباني في الضعيفة رقم (١٤٣).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"مسلم\".\n[¬٢]- في ز: \"ثلاث\".\n[¬٣]- في ز: \"ثلاث\".\n[¬٤]- في ز، خ: \"مسلم\".\n[¬٥]- في ز، خ: \"مسلم\".\n[¬٦]- في ز، خ: \"والفرقان\".\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين سقط من: ت.","vol":"5","page":309},{"text":"﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٨٢) وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٨٣) وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (٨٤) فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (٨٥) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (٨٦)﴾\nقال على بن أبي طلحة، عن ابن عباس: نزلت هذه الآيات في النجاشي وأصحابه، الذين حين تلا عليهم جعفر بن أبي طالب بالحبشة القرآن بكوا حتى أخضلوا لحاهم (^٦١٥). وهذا القول فيه نظر؛ لأن هذه الآية مدنية وقصة جعفر مع النجاشي قبل الهجرة.\nوقال سعيد بن جبير والسدي وغيرهما (^٦١٦): نزلت في وفد بعثهم النجاشي إلى النبي ﷺ؛ ليسمعوا كلامه ويروا صفاته، فلما رأوه [¬١] و[¬٢] قرأ عليهم [النبي ﷺ] [¬٣] القرآن أسلموا وبكوا وخشعوا، ثم رجعوا إلى النجاشي فأخبروه. قال السدّي: فهاجر النجاشي فمات في الطريق.\nوهذا من أفراد السدي، فإن النجاشي مات وهو ملك الحبشة، وصلى عليه النبي ﷺ يوم مات، وأخبر به أصحابه، وأخبر أنه مات بأرض الحبشة.\n_________\n(^٦١٥) - رواه ابن جرير في تفسيره (١٠/ ٤٩٩، ٥٠٠) (١٢٣١٧) وابن أبي حاتم (٤/ ١١٨٤) (٦٦٧٧)، وذكره السيوطي في الدر المنثور (٢/ ٥٣٨) وزاد نسبته لابن مردويه.\n(^٦١٦) - رواه ابن جرير في تفسيره (١٠/ ٥٠٥) (١٢٣٢٣)، وابن أبي حاتم (٤/ ١١٨٥) (٦٦٧٩) عن سعيد بن جبير، وأمَّا الرواية عن السدي فأخرجها ابن جرير في تفسيره (١٠/ ٥٠٧) (١٢٣٢٥) وابن أبي حاتم (١٢٣٢٥).\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ت.","vol":"5","page":310},{"text":"ثم اختلف في عدة هذا الوفد؛ فقيل: اثنا عشر؛ سبعة قساوسة [¬١]، وخمسة رهابين. وقيل: بالعكس. وقيل: خمسون. وقيل: بضع وستون. وقيل: سبعون رجلًا. فالله أعلم.\nوقال عطاء بن أبي رباح: هم قوم من أهل الحبشة أسلموا حين قدم عليهم مهاجرة الحبشة من المسلمين (^٦١٧). وقال قتادة: هم قوم كانوا على دين عيسى ابن مريم، فلما رأوا المسلمين وسمعوا القرآن أسلموا ولم يتلعثموا (^٦١٨). واختار ابن جرير أن هذه الآيات [¬٢] نزلت في صفة أقوام بهذه المثابة سواء كانوا من الحبشة أو غيرها.\nفقوله تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ وما ذاك إلا لأن كفر اليهود عناد وجحود، ومباهتة للحق، وغمط [¬٣] للناس، وتنقص بحملة العلم؛ ولهذا قتلوا كثيرًا من الأنبياء، حتى هموا بقتل [رسول الله] [¬٤]ﷺ غير مرة، وسموه [¬٥] وسحروه، وألبوا عليه أشباههم من المشركين، عليهم لعائن الله المتتابعة [¬٦] إلى يوم القيامة.\nوقال الحافظ أبو بكر بن مردويه عند تفسير هذه الآية (^٦١٩): حدثنا أحمد بن محمد بن السري، حدثنا محمد بن علي بن حبيب الرقي، حدثنا على بن سعيد العلاف، حدثنا أبو\n_________\n(^٦١٧) - تفسير ابن جرير (١٠/ ٥٠١) (١٢٣١٩).\n(^٦١٨) - رواه ابن جرير في تفسيره (١٠/ ٥٠١) (١٢٣٢٠)، وذكره السيوطي في الدر المنثور (٢/ ٥٣٩) وعزاه لأبي الشيخ وعبد بن حميد.\n(^٦١٩) - رواه الديلمي في \"مسند الفردوس\" - كما في حاشية الفردوس (٤/ ١٠٨) رقم (٦٣٤٠) وابن حبان في المجروحين (٣/ ١٢٢) من طريق يحيى بن عبد الله بن موهب التيمي به. ويحيى بن عبيد قال ابن حبان: يروى عن أبيه ما لا أصل له وأبوه ثقة، فلما كثر روايته عن أبيه ما ليس من حديثه سقط عن حد الاحتجاج به وكان سيئ الصلاة وكان ابن عيينة شديد الحمل عليه. وللحديث طريق آخر رواه الخطيب في تاريخه (٨/ ٣١٦) من طريق خالد بن يزيد بن وهب بن جرير حدثني أبي: يزيد بن وهب حدثني أبي: وهب بن جرير بن حازم عن أبيه جرير بن حازم عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة نحو رواية ابن مردويه الثانية، وقال الخطيب: \"هذا غريب جدًّا\" وخالد بن يزيد لم يذكر فيه الخطيب جرحًا ولا تعديلًا وقال الذهبي في الميزان: أتى بخبر منكر. ويزيد بن وهب لم أقف على ترجمته والحديث عزاه العجلوني في كشف الخفاء (٢/ ٢٦٧) للثعلبي.\n_________\n[¬١]- في ز: \"قساقسة\".\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- في ز، خ: \"وغيظ\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين في ز: \"الرسول\".\n[¬٥]- سقط من: ز.\n[¬٦]- في ز: \"التابعة\".","vol":"5","page":311},{"text":"النضر، عن الأشجعى، عن سفيان، عن يحيى بن عبد الله، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: \"ما خلا يهودي [بمسلم قط] إلا هم بقتله\". ثم رواه عن محمد بن أحمد بن إسحاق اليشكري، حدثنا أحمد بن سهل بن أيوب الأهوازي، حدثنا فرج بن عبيد، حدثنا عباد بن العوام، عن يحيى بن عبيد الله، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: \"ما خلا يهودي بمسلم إلا حدّثته [¬١] نفسه بقتله\".\nوهذا حديث غريب جدًّا.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾ أي: الذين زعموا أنهم نصارى من أتباع المسيح وعلى منهاج إنجيله - فيهم مودة للإسلام وأهله في الجملة، وما ذاك [¬٢] إلا لما في قلوبهم إذ كانوا على دين المسيح من الرقة والرأفة، كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً﴾، وفي كتابهم: من ضربك على خدك الأيمن فأدر له خدك الأيسر. و[¬٣] ليس القتال مشروعًا في ملتهم، ولهذا قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ أي: يوجد فيهم القسيسون وهم خطباؤهم وعلماؤهم، واحدهم قسيس وقس أيضًا، وقد يجمع على قسوس، والرهبان: جمع راهب، وهو العابد مشتق من الرهبة وهي [¬٤] الخوف، كراكب وركبان وفارس وفرسان.\nقال ابن جرير (^٦٢٠): وقد يكون الرهبان واحدًا وجمعه رهابين، مثل قربان وقرابين، [وجردان وجرادين] [¬٥]، وقد يجمع على رهابنة، ومن الدليل على أنه يكون عند العرب واحدًا قول [¬٦] الشاعر:\nلو عاينت رهبان دير في القلل … لانحدر الرهبان يمشي ونزل\nوقال الحافظ أبو بكر البزار (^٦٢١): حدثنا بشر بن آدم، حدثنا نصير بن أبي الأشعث، حدثني\n_________\n(^٦٢٠) - انظر تفسير الطبري (١٠/ ٨٢).\n(^٦٢١) - البحر الزخار (٦/ ٤٩٩) (٢٥٣٧)، ورواه ابن أبي شيبة في مسنده (٤٦٥) والبخاري فى التاريخ الكبير (٨/ ١١٦)، وأبو عبيد في فضائل القرآن (ص ١٧٠) والحارث بن أبي أسامة، فى\"مسنده\" بغية الباحث (٢/ ٧٢٠) (٧١٠) والطبراني في الكبير (٦/ ٢٦٦) (٦١٧٥) وابن أبي حاتم في نفسيره=\n_________\n[¬١]- في ز: \"حدثت\".\n[¬٢]- في ز: \"ذا\".\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- في ز: \"هو\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين في ز: \"جوذان وجواذين\"، خ: \"وجوزان وجوازين\".\n[¬٦] في ت: \"كقول\".","vol":"5","page":312},{"text":"الصلت الدهان، عن حامية [¬١] بن رئاب، قال: سألت سلمان عن قول الله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا﴾ فقال: دع القسيسين في البيع والخرب، أقرأني رسول الله ﷺ: \"ذلك بأن منهم صديقين ورهبانًا\".\nوكذا رواه ابن مردويه: من طريق يحيى بن عبد الحميد [¬٢] الحماني، عن نصير بن زياد الطائى، عن صلت الدهان، عن حامية بن رئاب، [عن سلمان به].\nوقال ابن أبي حاتم (^٦٢٢): ذكره أبي، حدثنا يحيى بن عبد الحميد الحماني، حدثنا نصير بن زياد الطائي، حدثنا صلت الدهان، عن حامية بن رئاب] [¬٣]، قال: سمعت سلمان وسئل عن قوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا﴾ فقال: هم البرهبان الذين هم في الصوامع والخرب فدعوهم فيها. قال سلمان: وقرأت على النبي ﷺ: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا﴾ فأقرأني \"ذلك بأن منهم صديقين ورهبانًا \".\nفقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ تضمن وصفهم بأن فيهم العلم والعبادة والتواضع، ثم وصفهم بالانقياد للحق واتباعه والإنصاف، فقال: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ﴾ أي: مما عندهم من البشارة ببعثة محمد ﷺ، ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ أي: مع من يشهد بصحة هذا ويؤمن به.\nوقد روى النسائي عن عمرو بن علي الفلاس، عن عمر [¬٤] بن علي بن مقدم، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد الله بن الزبير، قال: نزلت هذه الآية في النجاشي وفي أصحابه:\n_________\n= (٤/ ١١٨٣) (٦٦٧١) من طريق نصير بن زياد به. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ٢٠): رواه الطبراني وفيه يحيى الحماني ونصير بن زياد وكلاهما ضعيف.\nو(نصير بن أبي الأشعث) كذا عند البزار وعند الباقين نصير بن زياد الطائي وقد ذكره البخاري في \"التاريخ\" وابن أبي حاتم في \"الجرح والتعديل\" ولم \"يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا. وحامية بن رئاب لم يذكر فيه البخاري وابن أبي حاتم جرحًا ولا تعديلًا وذكره ابن حبان في الثقات (٤/ ١٩١) والحديث ذكره السيوطي في الدر المنثور (٢/ ٥٣٩) وزاد نسبته لعبد بن حميد، والحكيم الترمذى في \" نوادر الأصول\" وابن الأنبارى في \"المصاحف\" وابن المنذر وابن مردويه.\n(^٦٢٢) - تفسير ابن أبي حاتم (٤/ ١١٨٣) (٦٦٧١)، وانظر الحديث (٦٤٨).\n_________\n[¬١]- في ز: \"حاثمة\"، خ: \"حاتمة\".\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٤]- في ز، خ: \"عمرو\".","vol":"5","page":313},{"text":"﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ (^٦٢٣).\nوقال الطبراني (^٦٢٤): حدثنا أبو شبيل [عبيد الله بن عبد الرحمن] [¬١] بن واقد، حدثنا أبى، حدثنا العباس بن الفضل، عن عبد الجبار بن نافع الضبي، عن قتادة وجعفر بن إياس، عن سعيد ابن جبير، عن ابن عباس، في قوله [¬٢]: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾. قال إنهم كانوا نواتين [¬٣]- يعنى: ملَّاحين [¬٤]- قدموا مع جعفر بن أبى طالب من الحبشة، فلما قرأ رسول الله ﷺ عليهم [¬٥] \" القرآن آمنوا، وفاضت أعينهم. فقال رسول الله ﷺ: \"لعلكم إذا رجعتم إلى أرضكم انتقلتم إلى دينكم\". فقالوا: لن ننتقل عن ديننا. فأنزل الله ذلك من قولهم.\nوروى ابن أبي حاتم وابن مردويه والحاكم في مستدركه (^٦٢٥): من طريق سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله: ﴿فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ أي: مع محمد صلى الله\n_________\n(^٦٢٣) - رواه النسائي في الكبرى كتاب التفسير، باب: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾ حديث (١١١٤٨)، وفي التفسير رقم (١٦٨) ورواه ابن جرير في تفسيره (١٠/ ٥٠٨) (١٢٣٢٦) وابن أبي حاتم (٤/ ١١٨٥) (٦٦٨٠) عن عمرو بن علي الفلاس به.\nوذكره السيوطي في الدر المنثور (٢/ ٥٣٧) وزاد نسبته لابن المنذر وأبي الشيخ وابن مردويه والطبراني، ورواه البزار كما في كشف الأستار (٢٧٥٨) عن محمد بن عثمان ثنا محمد بن عبد الرحمن الطفاوى أو عمر بن علي عن هشام به. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٤١٩): رجاله رجال الصحيح غير محمد بن عثمان بن بحر وهو ثقة. قلت: بل هو صدوق من رجال التهذيب.\n(^٦٢٤) - المعجم الكبير (١٢/ ٥٥) (١٢٤٥٥)، والأوسط (٤٦٣٩) وقال الهيثمى في مجمع الزوائد (٧/ ٢١): فيه العباس من الفضل الأنصاري وهو ضعيف.\nقلت: العباس هذا له ترجمة في \"التقريب\" قال فيه الحافظ ابن حجر: متروك، واتهمه أبو زرعة، وقال بن حبان: حديثه عن الفضل أرجى من حديثه عن الكوفيين.\n(^٦٢٥) - رواه ابن أبي حاتم (٤/ ١١٨٥) (٦٦٨١) والحاكم في مستدركه (٢/ ٣١٣) وقال الحاكم: صحيح الإسناد ووافقه الذهبي، ورواه أيضًا ابن جرير فى تفسيره (١٠/ ٥٠٩) (١٢٣٣٠) وذكره السيوطي في الدر المنثور (٢/ ٥٤٣) وزاد نسبته لابن المنذر وابن مردويه.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ز: \" عبيد الله بن عبد الله\"، خ: \"عبد الله بن عبد الله\".\n[¬٢]- في ز: \"قول الله\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"قرابين\". والمثبت من الطبري.\n[¬٤]- في ز، خ: فلاحين والمثبت من الطبري.\n[¬٥]- سقط من: ز، خ.","vol":"5","page":314},{"text":"عليه وسلم، وأمته و[¬١] هم الشاهدون: يشهدون لنبيهم ﷺ أنه قد بلغ وللرسل أنهم قد بلغوا. ثم قال الحاكم: صحيح الإِسناد ولم يخرجاه.\n﴿وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ﴾. وهذا المصنف من النصارى هم المذكورون في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾. وهم الذين قال الله فيهم: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (٥٢) وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾ [إلى قوله] [¬٢]: ﴿لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾، ولهذا قال تعالى هاهنا: ﴿فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ أيْ: فجازاهم على إيمانهم وتصديقهم واعترافهم بالحق ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أي: ساكني فيها أبدًا لا يحولون ولا يزولون ﴿وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾ أي: في اتباعهم الحق وانقيادهم له حيث كان وأين كان ومع من كان.\nثم أخبر عن حال الأشقياء فقال: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ أي: جحدوا بها وخالفوها ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ أي: هم أهلها والداخلون فيها [¬٣].\n﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٨٧) وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ (٨٨)﴾.\nقال على بن أبي طلحة، عن ابن عباس: نزلت هذه الآية في رهط من أصحاب النبي ﵌، قالوا: نقطع مذاكيرنا، ونترك شهوات الدنيا، ونسيح في الأرض كما يفعل الرهبان. فبلغ ذلك النبي ﷺ فأرسل إليهم، فذكر لهم ذلك. فقالوا: نعم. فقال النبي ﷺ: \"لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأنام، وأنكح النساء، فمن أخذ بسنتي فهو مني، ومن لم يأخذ بسنتي فليس مني\". رواه ابن أبي حاتم (^٦٢٦).\n_________\n(^٦٢٦) - تفسير ابن أبي حاتم (٤/ ١١٨٧) (٦٦٨٩)، ورواه أيضًا ابن جرير (١٠/ ٥١٨) (١٢٣٤٦) =\n_________\n[¬١]- سقط من ت.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٣]- في ز: \"إليها\".","vol":"5","page":315},{"text":"وروى ابن مردويه: من طريق العوفي، عن ابن عباس نحو ذلك (^٦٢٧).\nوفي الصحيحين (^٦٢٨): عن - عائشة ﵂: أن ناسًا من أصحاب رسول الله ﷺ سألوا أزواج النبي ﷺ عن عمله في السر، فقال بعضهم: لا آكل اللحم، وقال بعضهم: لا أتزوج النساء، وقال بعضهم: لا أنام على فراش، فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال. \"ما بال أقوام يقول أحدهم كذا وكذا، لكني أصوم وأفطر، وأنام وأقوم، وآكل اللحم، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني\".\nوقال ابن أبي حاتم (^٦٢٩): حدثنا أحمد بن عصام الأنصاري، حدثنا أبو عاصم الضحاك بن مخلد، عن عثمان يعني. ابن سعد - أخبرني عكرمة، عن ابن عباس: أن رجلًا أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إني إذا أكلت اللحم انتشرت للنساء، واني حرمت عليَّ اللحم فنزلت: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾.\nوكذا رواه الترمذي وابن جرير جميعًا: عن عمرو بن علي الفلاس، عن أبي عاصم النبيل به. وقال: حسن غريب. وقد روي من وجه آخر مرسلًا، وروي موقوفًا على ابن عباس، فالله أعلم.\nققال سفيان الثوري ووكيع: عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن عبد الله بن مسعود، فال: كنا نغزو مع النبي ﷺ وليس معنا نساء، فقلنا: ألا نستخصي، فنهانا رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن ذلك، ورخص لنا أن ننكح المرأة بالثوب إلى أجل، ثم قرأ عبد الله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا\n_________\n= من طريق على بن أبي طلحة به. وفي سماع علي من ابن عباس ﵁ خلاف تقدم بيانه في تفسير سورة البقرة وغيرها. وذكره السيوطي في الدر المنثور (٢/ ٥٤٤) وزاد نسبته لابن مردويه.\n(^٦٢٧) - ورواه أيضًا ابن جرير في تفسيره (١٠/ ٥١٨) (١٢٣٤٧).\n(^٦٢٨) - انظر الدر المنثور (٢/ ٥٤٤)، ومسلم (٩/ ٢٥٠) (١٤٠١).\n(^٦٢٩) - تفسير ابن أبي حاتم (٤/ ١١٨٦) (٦٦٨٧)، ورواه الترمذي فى تفسير القرآن، باب: ومن سورة المائدة حديث (٣٠٥٤)، وابن جرير (١٠/ ٥٢٠) (١٢٣٥٠)، والطبراني في الكبير (١١/ ٣٥٠) (١١٩٨١) وابن عدي في الكامل (٥/ ١٨١٧)، والواحدي فى \" أسباب النزول\" ص ٢٠٧ رقم (٤١٠) كلهم من طريق أبي عاصم النبيل به. قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب.\nقلت: فى إسناده عثمان بن سعد الكاتب قال الحافظ فى \"التقريب\": ضعيف. وللحديث علة أخرى قال الترمذي: رواه بعضهم عن عثمان بن سعد مرسلًا، ليس فيه عن ابن عباس، ورواه خالد الحذاء عن عكرمة مرسلًا. والحديث ذكره السيوطي فى الدر المنثور (٢/ ٥٤٤) وزاد نسبته لابن مردويه.","vol":"5","page":316},{"text":"أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾.\nأخرجاه من حديث إسماعيل (^٦٣٠)، وهذا كان قبل تحريم نكاح المتعة، والله أعلم.\nوقال الأعمش: عن إبراهيم، عن همام بن الحارث، عن عمرو بن شرحبيل، قال: جاء معقل بن مقرن إلى عبد الله بن مسعود، فقال: إني حرمت فراشي، فتلا هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (^٦٣١).\nوقال الثوري: عن منصور، عن أبي الضحى، عن مسروق، قال: كنا عند عبد الله بن مسعود فجيء بضرع فتنحى رجل، فقال له [¬١] عبد الله: ادن. فقال: إني حرت أن آكله. فقال عبد الله: ادن، فاطعَم وكفر عن يمينك، وتلا هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ (^٦٣٢) الآية.\nرواهن ابن أبي حاتم، وروى الحاكم هذا الأثر الأخير في مستدركه: من طريق إسحاق بن راهويه، عن جرير، عن [¬٢] منصور به، ثم قال: على شرط الشيخين ولم يخرجاه.\nثم قال ابن أبي حاتم (^٦٣٣): حدثنا يونس بن عبد الأعلى، حدثنا ابن وهب، أخبرني هشام\n_________\n(^٦٣٠) - رواه البخاري في التفسير، باب: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ حديث (٤٦١٥)، وفى النكاح، باب: تزويج المعسر الذي معه القرآن والإسلام، حديث (٥٠٧١)، وباب: ما كره من التبتل والخصاء، حديث (٥٠٧٥)، ومسلم فى كتاب النكاح، باب: نكاح المتعة وبيان أنه أبيح ثم نسخ … حديث (١٤٠٤) من طرق عن إسماعيل بن أبي خالد به.\n(^٦٣١) - رواه ابن أبي حاتم في تفسيره (٤/ ١١٨٧) (٦٦٩٠)، حدثنا أحمد بن عفان ثنا أبو معاوية بن نهر عن الأعمش فذكره. ورواه الطبراني في الكبير (٩/ ٣٩٧) (٩٦٩٢) من طريق إبراهيم عن همام بن الحارث له. ورواه أيضًا برقم (٩٦٩٣) عن إبراهيم عن همام ولم يذكر في الإسناد عمرو بن شرحبيل. وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ٢٧٧) وقال: رواه الطبراني بأسانيد، ورجال هذا وغيره رجال الصحيح. وذكره أيضًا السيوطي في الدر المنثور (٢/ ٥٤٧) وزاد نسبته لابن سعد وعبد بن حميد وابن المنذر وابن جرير.\n(^٦٣٢) - رواه ابن أبي حاتم في تفسيره (٤/ ١١٨٧) (٦٦٩١) حدثنا أسيد بن عاصم ثنا الحسين بن حفص ثنا سفيان به. ورواه الطبراني فى الكبير (٩/ ٢٠٦) (٨٩٠٧) من طريق أبي نعيم ثنا سفيان به مختصرًا.\nورواه الحاكم (٢/ ٣١٤) من طريق جرير عن منصور به. وذكره الهيثمي فى مجمع الزوائد (٤/ ١٩٣) وقال: رواه الطبراني في الكبير ورجاله رجال الصحيح.\n(^٦٣٣) - تفسير ابن أبي حاتم (٤/ ١١٨٧) (٦٦٩٢)، ورواه أيضًا ابن جرير فى تفسيره=\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- في ز: \"بن\".","vol":"5","page":317},{"text":"ابن سعد، أن زيد بن أسلم حدثه: أن عبد الله بن رواحة ضافه [¬١] ضيف [¬٢] من أهله وهو عند النبي ﷺ، ثم رجع إلى أهله فوجدهم لم يطعموا ضيفهم انتظارًا له، فقال لامرأته: حبست ضيفي من أجلي هو عليَّ حرام. فقالت امرأته: هو عليَّ حرام. وقال الضيف: هو عليَّ حرام. فلما رأى ذلك وضع يده وقال: كلوا بسم الله. ثم ذهب إلى النبي ﷺ فذكر الذي كان منهم، ثم أنزل الله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾. وهذا أثر منقطع.\nوفي صحيح البخاري في قصة الصديق مع أضيافه شبيه بهذا، وفيه وفي هذه القصة دلالة لمن ذهب من العلماء كالشافعي وغيره: إلى أن من حرم مأكلًا أو ملبسًا أو شيئًا ما عدا النساء أنه لا يحرم عليه، ولا كفارة عليه أيضًا، ولقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾، ولأن الذي حرم اللحم على نفسه كما فى الحديث المتقدم لم يأمره النبى ﷺ بكفارة، وذهب آخرون منهم الإِمام أحمد بن حنبل: إلى أن من حرم مأكلًا أو مشربًا [أو ملبسًا] [¬٣] أو شيئًا من الأشياء فإنه يجب عليه بذلك كفارة يمين، كما إذا التزم تركه باليمين، فكذلك يؤاخذ بمجرد تحريمه على نفسه إلزامًا له بما التزمه، كما أفتى بذلك ابن عباس، وكما في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ثم قال: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ الآية. وكذلك هاهنا [¬٤] لما ذكر هذا الحكم عقبه بالآية المبينة لتكفير اليمين، فدل على أن هذا منزل منزلة اليمين فى اقتضاء التكفير، والله أعلم.\nوقال ابن جرير (^٦٣٤): حدثنا القاسم، حدثنا الحسين، حدثنا حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قال: أراد رجال منهم عثمان بن مظعون وعبد الله بن عمرو، أن يتبتلوا، ويخصوا أنفسهم، ويلبسوا المسوح، فنزلت هذه الآية إلى قوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾. قال ابن جريج، عن عكرمة: إن عثمان بن مظعون وعلي بن أبي طالب وابن مسعود والمقداد بن الأسود وسالمًا مولى أبي حذيفة في أصحاب تبتلوا، فجلسوا في البيوت،\n_________\n= (١٠/ ٥١٩، ٥٢٠) (١٢٣٤٩) قال: حدثني يونس بن عبد الأعلى فذكره. وهو مرسل فإن زيد بن أسلم لم يلق ابن رواحة ولا شهد القصة فإنه من الطبقة الثالثة من رجال التقريب.\n(^٦٣٤) - تفسير الطبري (١٠/ ٥١٩) (١٢٣٤٨) وذكر السيوطي في الدر المنثور (٢/ ٥٤٦) قول مجاهد وزاد نسبته لأبي الشيخ. ثم ذكر قول عكرمة وزاد نسبته لابن المنذر وأبي الشيخ.\n_________\n[¬١]- في ز: \"أضافه \".\n[¬٢]- في ز: \"ضيفًا\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٤]- في ز: هنا.","vol":"5","page":318},{"text":"واعتزلوا النساء، ولبسوا المسوح، وحرموا طيبات [¬١] الطعام واللباس، إلا ما يأكل ويلبس أهل السياحة من بني إسرائيل، وهموا بالإِخصاء، وأجمعوا لقيام الليل وصيام النهار، فنزلت [هذه الآية] [¬٢]: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ يقول: لا تسيروا بغير سنة المسلمين، يريد ما حرموا من النساء والطعام واللباس، وما أجمعوا له من قيام الليل وصيام النهار، وما هموا به من الإِخصاء، فلما نزلت فيهم بعث إليهم [¬٣] رسول الله ﷺ، فقال: \"إن لأنفسكم حقًّا وإن لأعينكم حقًّا، صوموا وأفطروا، وصلوا وناموا، فليس هنا من ترك سنتنا\". فقالوا: اللهم سلمنا واتبعنا ما أنزلت.\nوقد ذكر هذه القصة غير واحد من التابعين مرسلة، ولها شاهد في الصحيحين من رواية عائشة أم المؤمنين، كما تقدم ذلك ولله الحمد والمنة (^٦٣٥).\nوقال أسباط: عن السدّي في قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾: وذلك أن رسول الله ﷺ جلس يومًا فذكر الناس، ثم قام ولم يزدهم على التخويف، فقال ناس من أصحاب النبي ﷺ كانوا عشرة، منهم: على بن أبي طالب، وعثمان بن مظعون -: ما حقنا إن لم نحدث عملًا، فإن النصارى قد حرموا على أنفسهم فنحن نحرم. فحرم بعضهم أن يأكل اللحم والودك وأن يأكل بالنهار، وحرم بعضهم النوم، وحرم بعضهم النساء، فكان عثمان ابن مظعون ممن حرم النساء؛ فكان [¬٤] لا يدنو من أهله ولا تدنو منه، فأتت امرأته عائشة ﵂ وكان يقال لها: الحولاء، فقالت لها [¬٥] عائشة ومن عندها من أزواج النبي ﷺ: ما بالك يا حولاء متغيرة اللون، لا تمتشطين ولا تتطبين؟ فقالت: وكيف أمتشط وأتطيب وما وقع على زوجي وما رفع عني [¬٦] ثوبًا منذ كذا وكذا! قال: فجعلن يضحكن من كلامها، فدخل رسول الله ﷺ وهن يضحكن، فقال: \"ما يضحككن؟ \". قالت: يا رسول الله، إن الحولاء سألتها [¬٧] عن أمرها، فقالت: ما رفع عني زوجي ثوبا منذ كذا وكذا. فأرسل إليه فدعاه، فقال: \"ما لك يا\n_________\n(^٦٣٥) - تقدم حديث عائشة برقم (٦٥٥).\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- في ز: \"وكان\".\n[¬٥]- سقط من: ز.\n[¬٦]- في خ: \"على\".\n[¬٧]- في ز: \"سألنها\".","vol":"5","page":319},{"text":"عثمان؟ \" قال: إني تركته لله، لكي أتخلى للعبادة. وقص عليه أمره، وكان عثمان قد [¬١] أراد أن يجب نفسه، فقال رسول الله ﷺ: \"أقسمت عليك [¬٢] إلا رجعت فواقعت أهلك\". فقال: يا رسول الله، إني صائم. فقال: \"أفطر\". فأفطر وأتى أهله، فرجعت الحولاء إلى عائشة وقد امتشطت واكتحلت وتطيبت، فضحكت عائشة وقالت: ما لك يا حولاء؟ فقالت: إنه أتاها أمس. وقال رسول الله ﷺ: \"ما بال أقوام حرموا النساء والطعام والنوم، ألا إني أنام وأقوم، وأفطر وأصوم، وأنكح النساء، فمن رغب عني فليس مني\". فنزلت: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا﴾ يقول لعثمان: لا تجبَّ نفسك؛ فإن هذا هو الاعتداء [¬٣]، وأمرهم أن يكفروا عن [¬٤] أيمانهم، فقال: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾. رواه [¬٥] ابن جرير (^٦٣٦).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْتَدُوا﴾ يحتمل أن يكون المراد منه: ولا تبالغوا في التضييق على أنفسكم بتحريم [¬٦] المباحات عليكم، كما قاله من قاله من السلف، ويحتمل أن يكون المراد: كما لا تحرموا الحلال فلا تعتدوا في تناول الحلال، بل خذوا منه بقدر كفايتكم وحاجتكم، ولا تجاوزوا الحد فيه، كما قال تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾. وقال: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ فشرع الله عدل بين الغالي فيه والجافي [¬٧] عنه، لا إفراط ولا تفريط؛ ولهذا قال: ﴿لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾.\nثم قال: ﴿وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ أي: في حال كونه حلالًا طيبًا ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ أي: في جميع أموركم، واتبعوا طاعته ورضوانه، واتركوا مخالفته [¬٨] وعصيانه، ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾.\n﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ\n_________\n(^٦٣٦) - تفسير الطبري (١٠/ ٥١٧) (١٢٣٤٥).\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في خ: \"الاعتذار\".\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- في ز: \"ورواه\".\n[¬٦]- في ز: \"في تحريم\".\n[¬٧]- في ز: \"الحاني\".\n[¬٨]- في ز، خ: \"محارمه\".","vol":"5","page":320},{"text":"فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٨٩)﴾\nو[¬١] قد تقدم الكلام على اللغو في اليمين في سورة البقرة بما أغنى عن إعادته هاهنا ولله الحمد والمنة. وأنه قول الرجل في الكلام من غير قصد: لا والله، وبلى والله. وهذا مذهب الشافعي [¬٢]، وقيل: هو في الهزل، وقيل: في المعصية، وقيل: على غلبة الظن، وهو قول أبي حنيفة وأحمد. وقيل: اليمين في الغضب. وقيل: في النسيان. وقيل: هو الحلف على ترك المأكل والمشرب والملبس ونحو ذلك، واستدلوا بقوله: ﴿لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾.\nوالصحيح: أنه اليمين من غير قصد، بدليل قوله: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ أي: بما صممتم عليه [من الأيمان] [¬٣] وقصدتموها ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ يعني: محاويج من الفقراء ومن لا يجد ما كفيه.\nوقوله: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ قال ابن عباس وسعيد بن جبير وعكرمة: أي: من أعدل ما تطعمون أهليكم (^٦٣٧).\n[وقال عطاء الخراساني: من أمثل ما تطعمون أهليكم (^٦٣٨)] [¬٤].\nقال ابن أبي حاتم (^٦٣٩): حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو خالد الأحمر، عن حجاج، عن أبي إسحاق السبيعي، عن الحارث، عن علي، قال: خبز ولبن، وخبز [¬٥] وسمن.\n_________\n(^٦٣٧) - رواه ابن أبي حاتم (٤/ ١١٩٢) (٦٧١٧) عن سعيد بن جبير وقال: وروى عن ابن عباس وعكرمة نحو ذلك وإسناده إلى سعيد بن جبير فيه عبد الله بن لهيعة وهو ضعيف.\n(^٦٣٨) - رواه ابن أبي حاتم (٤/ ١١٩٢) (٦٧١٧ م) من طريق عثمان بن عطاء عن أبيه، وعثمان ضعيف كما قال الحافظ في \"التقريب\".\n(^٦٣٩) - تفسير ابن أبي حاتم (٤/ ١١٩٢) (٦٧١٩) وفي إسناده الحارث الأعور وهو ضعيف، ورواه أيضًا ابن جرير في تفسيره (١٠/ ٥٣٤) (١٢٣٩١)، وذكره السيوطي في الدر المنثور (٢/ ٥٥٣) رزاد نسبته لعبد بن حميد وابن المنذر.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- في خ: \"ثاني\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في م: \"منها\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- في ز: \"خبز\"، خ: \"وخمر\".","vol":"5","page":321},{"text":"وقال ابن أبي حاتم (^٦٤٠): أنبأنا يونس بن عبد الأعلى قراءة، حدثنا سفيان بن عيينة، عن سليمان - يعني: ابن أبي المغيرة -، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: كان الرجل يقوت بعض [¬١] أهله قوت دون، وبعضهم قوتًا فيه سعة، فقال الله تعالى: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ أي [¬٢]: من [¬٣] الخبز والزيت.\nوحدثنا أبو سعيد الأشج: عن [¬٤] وكيع، عن: إسرائيل، عن جابر، عن عامر، عن ابن عباس: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ قال: من عسرهم ويسرهم (^٦٤١).\nوحدثنا عبد الرحمن بن خلف الحمصي، حدثنا محمد بن شعيب - يعنى: ابن شابور - حدثنا شيبان بن عبد الرحمن التميمي، عن ليث بن أبي سليم، عن عاصم الأحول، عن رجل يقال له: عبد الرحمن التميمي [¬٥]، عن ابن عمر ﵁، أنه قال: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ قال: الخبز واللحم، [والخبز والسمن] [¬٦]، والخبز واللبن، والخبز والزيت، والخبز والخل (^٦٤٢).\nوحدثنا على بن حرب الموصلي، حدثنا أبو معاوية، عن عاصم، عن ابن سيرين، عن ابن عمر، في قوله: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ قال: الخبز والسمن، [والخبز واللبن] [¬٧]، والخبز والزيت، والخبز والتمر، ومن أفضل ما تطعمون أهليكم الخبز\n_________\n(^٦٤٠) - تفسير ابن أبي حاتم (٤/ ١١٩٣) (٦٧٢٢)، ورواه ابن جرير في تفسيره (١٠/ ٥٤٢، ٥٤٣) (١٢٤٤٠) وابن ماجه في سننه كتاب الكفارات، باب: من أوسط ما تطعمون أهليكم، حديث (٢١١٣) من طريق سفيان بن عيينة عن سليمان به. وقال البوصيري في مصباح الزجاجة (٢/ ١٤٨): \"هذا إسناد موقوف صحيح الإسناد\" وأورده الألباني في صحيح ابن ماجه برقم (١٧١٧)، والأثر: ذكره السيوطي في الدر المنثور (٢/ ٥٥٣) وزاد نسبته لأبي الشيخ وابن مردويه.\n(^٦٤١) - تفسير ابن أبي حاتم (٤/ ١١٩٣) (٦٧٢٤)، ورواه ابن جرير في تفسيره (١٠/ ٥٤١) (١٢٤٣٢)، (١٠/ ٥٤٢) (١٢٤٣٥) من طريقين عن جابر عن عامر عن ابن عباس به. وفي إسناده جاير بن يزيد الجعفي وهو ضعيف. والأثر ذكره السيوطي في الدر المنثور (٢/ ٥٥٣) وزاد نسبته لعبد بن حميد.\n(^٦٤٢) - تفسير ابن أبي حاتم (٤/ ١١٩٢) (٦٧٢٠).\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- في ز: \"ثنا\".\n[¬٥]- سقط من: ز.\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"5","page":322},{"text":"واللحم (^٦٤٣).\nورواه ابن جرير: عن هناد وابن وكيع كلاهما، عن أبي معاوية. ثم روى ابن جرير (^٦٤٤): عن عبيدة، والأسود، وشريح القاضي، ومحمد بن سيرين، والحسن، والضحاك، وأبي رزين، أنهم قالوا نحو ذلك، وحكاه ابن أبي حاتم عن مكحول أيضًا.\nواختار ابن جرير أن المراد بقوله: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ أي: في القلة والكثرة.\nثم اختلف العلماء في مقدار ما يطعمهم، فقال ابن أبى حاتم (^٦٤٥):\nحدثنا أبو سعيد، حدثنا أبو خالد الأحمر، عن حجاج، عن حصين الحارثي، عن الشعبي، عن الحارث، عن علي ﵁ في قوله: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ قال: يغذيهم ويعشيهم.\nوقال الحسن ومحمد بن سيرين: يكفيه أن يطعم عشرة مساكين أكلة واحدة: خبزًا ولحمًا. زاد الحسن: فإن لم [يجد فخبزًا] [¬١] وسمنًا ولبنًا، فإن لم يجد [¬٢] فخبزًا وزيتًا وخلًّا حتى يشبعوا.\nوقال آخرون: يطعم كل واحد من العشرة نصف صاع من بر أو تمر ونحوهما. و[¬٣] هذا قول عمر وعلى وعائشة ومجاهد والشعبي وسعيد بن جبير وإبراهيم النخعي وميمون بن مهران وأبي مالك والضحاك والحكم ومكحول وأبي قلابة ومقاتل بن حيان.\nوقال أبو حنيفة: نصف صاع بر وصاع مما عداه.\n_________\n(^٦٤٣) - تفسير ابن أبي حاتم (٤/ ١١٩٣) (٦٧٢١)، ورواه أيضًا ابن جرير في تفسيره (١٠/ ٥٣٢) (١٢٣٨٠) قال: حدثنا هناد وابن وكيع قالا: حدثنا أبو الأحوص عن عاصم الأحول به. ورواه أيضًا برقم (١٢٣٨١) من طريق ليث عن ابن سيرين، وذكره السيوطي في الدر المنثور (٢/ ٥٥٣) وزاد نسبته لعبد بن حميد وابن المنذر وأبي الشيخ وابن مردويه.\n(^٦٤٤) - تفسير ابن جرير (١٠/ ٥٣١ - ٥٣٤).\n(^٦٤٥) - تفسير ابن أبي حاتم (٤/ ١١٩٢) (٦٧١٨)، وانظر رقم (٦٦٧).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ز: \"تجد خبزًا\".\n[¬٢]- في ز: \"تجد\".\n[¬٣]- سقط من: ز.","vol":"5","page":323},{"text":"وقد قال أبو بكر بن مردويه (^٦٤٦): حدثنا محمد بن أحمد بن الحسن الثقفي، حدثنا عبيد بن الحسن بن يوسف، حدثنا محمد بن معاوية، حدثنا زياد بن عبد الله بن الطفيل بن سخبرة [¬١] ابن أخي عائشة لأمه، حدثنا عمر بن يعلى، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: كفر رسول الله ﷺ بصاع من تمر وأمر الناس به، ومن لم يجد فنصف صاع من بر.\nروراه ابن ماجة: عن العباس بن يزيد، عن زياد بن عبد الله البكائى، عن عمر [¬٢] بن عبد الله ابن يعلن الثقفي، عن المنهال بن عمرو به.\nلا يصح هذا الحديث؛ لحال عمر بن عبد الله هذا فإنه مجمع على ضعفه، وذكروا أنه كان يشرب الخمر، وقال الدارقطني: متروك.\nوقال ابن أبي حاتم (^٦٤٧): حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا ابن إدريس، عن [¬٣] داود - يعني: ابن أبي هند - عن عكرمة، عن ابن عباس، [أنه قال] [¬٤]: مد [¬٥] من بر. يعني: لكل مسكين ومعه إدامه.\nثم قال: وروي عن ابن عمر وزيد بن ثابت وسعيد بن المسيب ومجاهد وعطاء وعكرمة وأبي الشعثاء والقاسم [¬٦] وسالم وأبي سلمة بن عبد الرحمن وسليمان بن يسار والحسن ومحمد بن سيرين والزهري نحو [¬٧] ذلك.\nوقال الشافعي: الواجب في كفارة اليمين مد بمد النبي ﷺ لكل مسكين، ولم يتعرض للأدم، واحتج بأمر النبي صلى الله عليهوسلم للذي جامع في رمضان: بأن يطعم ستين مسكينًا من مكيل يسع [¬٨] خمسة عشر صاعًا، لكل واحد منهم مد.\n_________\n(^٦٤٦) - رواه ابن ماجه كتاب الكفارات، باب: كم يطعم فى كفارة اليمين حديث (٢١١٢)، وابن عدي فى الكامل (٥/ ١٦٩٢) من طريق زياد بن عبد الله به. والحديث ضعفه البوصيري فى \"مصباح الزجاجة\" (٢/ ١٤٧) فقال: هذا إسناد فيه عمر بن عبد الله بن يعلى الثقفي وهو ضعيف. وضعفه الألباني في ضعيف ابن ماجه (٤٥٩).\n(^٦٤٧) - تفسير ابن أبي حاتم (٤/ ١١٩٢) (٦٧١٦)، ورواه عبد الرزاق في مصنفه (١٦٠٧٢) =\n_________\n[¬١]- في ز: \"سحيرة\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"عمرو\".\n[¬٣]- في ز: \"هو\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٥]- فى ز: \"مدًّا\".\n[¬٦]- في ز، خ: \"وأبي القاسم\".\n[¬٧]- في ز: \"ونحو\".\n[¬٨]- في ر: \"تسع\".","vol":"5","page":324},{"text":"وقد ورد حديث آخر، صريح في ذلك، فقال أبو بكر بن مردويه (^٦٤٨): حدثنا أحمد بن على بن الحسن المقري، حدثنا محمد بن إسحاق السراج، حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا النضر بن زرارة الكوفي، عن عبد الله بن عمر [¬١] العمري، عن نافع، عن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ كان يقيم كفارة اليمين مدًّا من حنطة بالمد الأول.\nإسناده ضعيف؛ لحال [¬٢] النضر بن زرارة بن عبد الأكرم الذهلي الكوفي نزيل بلخ، قال فيه أبو حاتم الرازي: هو مجهول. مع أنه قد روى عنه غير واحد، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: روى عنه قتيبة بن سعيد أشياء مستقيمة. فالله أعلم، ثم إن شيخه العمري ضعيف أيضًا.\nوقال أحمد بن حنبل: الواجب مد من بر، أو مدان من غيره. والله أعلم.\nوقوله تعالى: ﴿أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾ قال الشافعي ﵀: لو دفع إلى كل واحد من العشرة ما يصدق عليه اسم الكسوة: من قميص أو سراويل أو إزار أو عمامة أو مقنعة - أجزأه ذلك. واختلف أصحابه فى القلنسوة هل تجزئ أم لا؟ على وجهين، فمنهم من ذهب إلى الجواز احتجاجًا بما رواه ابن أبي حاتم (^٦٤٩):\nحدثنا أبو سعيد الأشج وعمار بن خالد الواسطي قالا: حدثنا القاسم بن مالك، عن محمد ابن الزبير، عن أبيه، قال: سألت عمران بن الحصين عن قوله: ﴿أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾ قال: لو أن وفدًا قدموا على أميركم فكساهم [¬٣] قلنسوة قلنسوة قلتم قد كسوا.\n_________\n= وابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (٣/ ٤٧٤) كتاب الأيمان، باب: في كفارة اليمين، من قال: نصف صاع حديث (١)، وابن جرير (١٠/ ٥٣٨) (١٢٤١٦، ١٢٤١٧) والبيهقي (١٠/ ٥٥) من طريق داود بن أبي هند عن عكرمة به. وذكره السيوطي في الدر المنثور (٢/ ٥٥٢) وزاد نسبته لعبد بن حميد وابن المنذر وأبي الشيخ.\n(^٦٤٨) - في إسناده عبد الله بن عمر العمري وهو ضعيف، والراوي عنه النضر بن زرارة قال ابن حجر في \"التقريب\": مستور. وقد خالف مالك عبد الله العمري فرواه عن نافع عن ابن عمر موقوفًا عليه. كذا رواه البيهقي في سننه (١٠/ ٥٥)، ورواه عبد الرزاق في مصنفه (٨/ ٥١٠) (١٦٠٨٦) عن ابن جريج عن نافع عن ابن عمر موقوفًا. ورواه ابن أبي شيبة في المصنف (٣/ ٤٧٤) عن عبيد الله العمري عن نافع به موقوفًا أيضًا.\n(^٦٤٩) - تفسير ابن أبي حاتم (٤/ ١١٩٣) (٦٧٢٥)، وفي إسناده محمد بن الزبير الحنظلي قال أبو حاتم: ليس بالقوي، في حديثه إنكار، وفال البخاري: منكر الحديث وفيه نظر. وضعفه النسائي أيضًا،=\n_________\n[¬١]- في ز: \"عمرو\".\n[¬٢]- في ز: \"قال\".\n[¬٣]- في ز: \"وكساهم\".","vol":"5","page":325},{"text":"ولكن هذا إسناد ضعيف؛ لحال محمد بن الزبير، هذا والله أعلم، وهكذا حكى الشيخ أبو حامد الإِسفراييني في الخف وجهين أيضًا، والصحيح عدم الإِجزاء.\nوقال مالك وأحمد بن حنبل: لا بد أن يدفع إلى كل واحد منهم من الكسوة، ما يصح أن يصلي فيه، إن كان رجلًا أو امرًا: كل بحسبه، والله أعلم.\nوقال العوفي، عن ابن عباس: عباءة لكل مسكين أو شملة (^٦٥٠).\nوقال مجاهد: أدناه ثوب، وأعلاه ما شئت (^٦٥١).\nوقال ليث، عن مجاهد: يجزئ في كفارة اليمين كل شيء إلا التبان (^٦٥٢).\nوقال الحسن وأبو جعفر الباقر وعطاء وطاووس وإبراهيم النخعي وحماد بن أبي سليمان وأبو مالك: ثوب ثوب (^٦٥٣).\nوعن إبراهيم النخعى أيضًا: ثوب جامع كالملحفة والرداء، ولا يري [¬١] الدرع والقميص والخمار ونحوه جامعًا (^٦٥٤). وقال الأنصاري عن أشعث، عن ابن سيرين والحسن: ثوبان ثوبان [¬٢] (^٦٥٥).\nوقال الثوري: عن داود بن أبي هند، عن سعيد بن المسيب: عمامة يلف بها رأسه، وعباءة يلتحف بها (^٦٥٦).\n_________\n= وقال ابن حجر في \"التقريب\": متروك. والأثر ذكره السيوطي في الدر المنثور (٢/ ٥٥٤) وزاد نسبته إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٦٥٠) - رواه ابن جرير (١٠/ ٥٤٧) (١٢٤٥٢)، وابن أبي حاتم (٤/ ١١٩٣) (٦٧٢٧).\n(^٦٥١) - رواه عبد الرزاق في مصنفه (٨/ ٥١٣) (١٦٠٩٨)، وابن جرير (١٠/ ٥٤٥) (١٢٤٤٢)، وذكره السيوطي في الدر المنثور (٢/ ٥٥٤) وزاد نسبته إلى عبد بن حميد وأبي الشيخ.\n(^٦٥٢) - رواه ابن جرير في تفسيره (١٠/ ٥٥٠) (١٢٤٧٨) وليث هو ابن أبي سليم ضعيف تقدمت ترجمته كثيرًا. والتبان: سروال صغير يستر العورة المغلظة فقط. النهاية (١/ ١٨١)\n(^٦٥٣) - انظر تفسير ابن أبي حاتم (٤/ ١١٩٣، ١١٩٤).\n(^٦٥٤) - رواه ابن جرير في تفسيره (١٠/ ٥٤٩، ٥٥٠) (١٢٤٧٠، ١٢٤٧٦).\n(^٦٥٥) - رواه ابن جرير في تفسيره (١٠/ ٥٤٧) (١٢٤٥٨).\n(^٦٥٦) - رواه ابن جرير (١٠/ ٥٤٧) (١٢٤٥٧).\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- سقط من: م.","vol":"5","page":326},{"text":"وقال ابن جرير (^٦٥٧): حدثنا هناد، حدثنا ابن المبارك، عن عاصم الأحول، عن ابن سيرين، عن أبي موسى: أنه حلف على يمين فكسا ثوبين من معقدة البحرين.\nوقال ابن مردويه (^٦٥٨): حدثنا سليمان بن أحمد، حدثنا أحمد بن المعلي، حدثنا هشام بن عمار، حدثنا إسماعيل بن عياش، عن مقاتل بن سليمان، عن أبي عثمان، عن أبي عياض، عن عائشة، عن رسول الله ﷺ في قوله: ﴿أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾ قال: \"عباءة لكل مسكين\". حديث غريب.\nوقوله: ﴿أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ أخذ أبو حنيفة إطلاقها، فقال: تجزئ الكافرة كما تجزئ المؤمنة. وقال الشافعي وآخرون: لابد أن تكون مؤمنة، وأخذ تقييدها بالإِيمان من كفارة القتل، لاتحاد الموجب وإن اختلف السبب، ولحديث [¬١] معاوية بن الحكم السلمي الذي هو في موطأ مالك ومسند الشافعي وصحيح مسلم أنه ذكر أن عليه عتق رقبة وجاء معه بجارية سوداء، فقال لها رسول الله ﷺ: \"أين الله؟ \". قالت: في السماء. قال: \"من أنا؟ \". قالت: أنت رسول الله. قال: \"أعتقها فإنها مؤمنة\". الحديث بطوله (^٦٥٩).\nفهذه خصال ثلاث في كفارة اليمين، أيها فعل الحانث أجزأ عنه بالإِجماع، وقد بدأ بالأسهل فالأسهل، فالإِطعام [أسهل و] [¬٢] أيسر من الكسوة، كما أن الكسوة أيسر من العتق، فرقى [¬٣] فيها من الأدنى إلى الأعلى، فإن لم يقدر المكلف على واحدة من هذه الخصال الثلاث، كفر بصيام ثلاثة أيام، كما [قال تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾ \" [¬٤].\n_________\n(^٦٥٧) - تفسير ابن جرير (١٠/ ٥٤٨) (١٢٤٦٢)، ورواه ابن جرير (١٢٤٦٣، ١٢٤٦٥) من طريقين عن ابن سيرين نحوه، ورواه في (١٢٤٦٤) عن محمد بن عبد الأعلى نحو رواية ابن سيرين، ورواه عبد الرزاق في مصنفه (٨/ ٥١٣) (١٦١٠١) عن هشام بن محمد أن أبا موسى الأشعري حلف … فذكر نحو رواية ابن سيرين أيضًا.\n(^٦٥٨) - في إسناده مقاتل بن سليمان الخراساني قال ابن حجر في \"التقريب\": كذبوه وهجروه ورمى بالتجسيم - وأيضًا هو خراساني ورواية ابن عياش عن غير الشامين ضعيفة. وأبو عثمان وأبو عياض لا أعرف من يكونان.\n(^٦٥٩) - رواه مالك في الموطأ (٢/ ٥٩٥) كتاب العتق والولاء، باب ما يجوز من العتق في الرقاب الواجبة حديث (٨) ومن طريقه رواه الشافعي في الرسالة فقرة (٢٤٢)، والنسائي في \"الكبرى\" كتاب النعوت، باب المعافاة والعقوبة حديث (٧٧٥٦)، وفي كتاب التفسير، باب قوله تعالى: ﴿ثُمَّ =\n_________\n[¬١]- في ت: \"ومن حديث\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٣]- في ت: \"فترقى\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.","vol":"5","page":327},{"text":"وروى [¬١] ابن جرير عن سعيد بن جبير والحسن البصري أنهما قالا: من وجد ثلاثة دراهم لزمه الإِطعام وإلا صام (^٦٦٠).\nوقال ابن جرير حاكيًا عن بعض متأخري متفقهة [¬٢] زمانه أنه قال: جائز لمن لم يكن له فضل عن رأس مال يتصرف به [¬٣] لمعاشه [¬٤] [ما يكفر به بالإطعام أن يصوم إلا أن يكون له كفاية ومن المال ما يتصرف] [¬٥] [به لمعاشه] [¬٦]، ومن الفضل عن ذلك ما يكفر به عن يمينه.\nثم اختار ابن جرير أنه الذي لا يفضل عن قوته وقوت عياله في يومه ذلك ما يخرج به كفارة اليمين، واختلف العلماء هل يجب فيها التتابع [أو يستحب، ولا يجب ويجزئ التفريق] [¬٧] على قولين [¬٨]؛ أحدهما [¬٩]: [أنه] [¬١٠] [لا يجب] [¬١١] و[¬١٢] هذا منصوص الشافعي في كتاب الأيمان، وهو قول مالك لإِطلاق قوله: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾ وهو صادق على المجموعة والمفرقة، كما في قضاء ومضان لقوله: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾.\nونص الشافعي في موضع آخر في الأم على وجوب التتابع، كما هو قول الحنفية والحنابلة؛ لأنه قد روي عن أبى بن كعب وغيره: أنهم كانوا يقرءونها (فصيام ثلاثة أيام متتابعات).\n_________\n=ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ حديث (١١٤٦٥) عن هلال بن أسامة عن عطاء بن يسار عن عمر بن الحكم قال: أتيت رسول الله ﷺ بجارية فذكره. وقد وهم الإمام مالك ﵀ في اسم (عمر بن الحكم) قال الشافعي: هو معاوية بن الحكم، وكذلك رواه غير مالك وأظن مالكًا لم يحفظ اسمه.\nقلت: حديث معاوية بن الحكم رواه مسلم في \"صحيحه\" كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب: تحريم الكلام في الصلاة، ونسخ ما كان من إباحة حديث (٥٣٧) من طريق يحيى بن أبي كثير عن هلال إبن أبي ميمونة به.\n(^٦٦٠) - رواه ابن جرير في تفسيره (١٠/ ٥٥٨) (١٢٤٩٢، ١٢٤٩٥) عن سعيد بن جبير. ورواه عن الحسن برقم (١٢٤٩٤) ولفظ: \"إذا كان عنده درهم\" وكذلك ذكره السيوطي في الدر المنثور (٢/ ٥٥٥) وعزاه لأبي الشيخ.\n_________\n[¬١]- في ز: \"روى\"، خ: \"كما روى\".\n[¬٢]- في ز: \"متفقة\".\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- سقط من: خ.\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٨]- في ت: \"قولان\".\n[¬٩]- سقط من خ.\n[¬١٠]- سقط من: خ.\n[¬١١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬١٢]- في ز: \"والتتابع\".","vol":"5","page":328},{"text":"قال أبو جعفر الرازي: عن الربيع، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب: إنه كان يقرؤها: (فصيام ثلاثة أيام متتابعات) (^٦٦١).\nوحكاها مجاهد والشعبي وأبو إسحاق عن عبد الله بن مسعود (^٦٦٢).\nوقال إبراهيم: في قراءة أصحاب [¬١] عبد الله بن مسعود: (فصيام [ثلاث أيام] [¬٢] متتابعات) (^٦٦٣).\nوقال الأعمش: كان أصحاب ابن مسعود يقرءونها كذلك (^٦٦٤).\nوهذه إذا لم يثبت كونها قرآنًا متواترًا فلا أقل من [¬٣] أن يكون [خبرًا واحدًا [¬٤]، أو تفسيرًا من الصحابة وهو في حكم المرفوع.\nوقال أبو بكر بن مردويه (^٦٦٥): حدثنا محمد بن علي، حدثنا محمد بن جعفر الأشعري،\n_________\n(^٦٦١) - رواه ابن جرير في تفسيره (١٠/ ٥٥٩) (١٢٤٩٧، ١٢٤٩٨)، وابن أبي داود في \"المصاحف\" (ص ٥٣) والبيهقي في الكبرى (١٠/ ٦٠) كلهم من طريق أبي جعفر الرازي عن الربيع به، وذكره السيوطي في الدر المنثور (٢/ ٥٥٥) وزاد نسبته إلى \"ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر\". وروى مالك في الموطأ (١/ ٢٥٢) كتاب الصيام، باب: ما جاء في قضاء رمضان والكفارات حديث (٤٩) ومن طريقه البيهقي (١٠/ ٦٠) عن حميد بن قيس المكي أنه أخبره قال: كنت مع مجاهد وهو يطوف بالبيت فجاءه إنسان فسأله عن صيام أيام الكفارة أمتتابعات أم يقطعها؟ قال حميد: فقلت له: نعم يقطعها إن شاء. قال مجاهد: لا يقطعها فإنها في قراءة أبي بن كعب (ثلاثة أيام متتابعات). وجاء ذلك عن غير أبي كما في تفسير ابن جرير (١٠/ ٥٥٩، ٥٦٠) وسنن البيهقي (١٠/ ٦٠) والدر المنثور (٢/ ٥٥٥).\n(^٦٦٢) - رواه الطبرى في تفسيره (١٠/ ٥٦٠) (١٢٤٩٩)، (١٢٥٠٣، ١٢٥٠٤) وهو عند عبد الرزاق في المصنف (٨/ ٥١٣، ٥١٤) (١٦١٠٢، ١٦١٠٣)، والبيهقي (١٠/ ٦٠) من طرق عن ابن مسعود به، وذكره السيوطي في الدر المنثور (٢/ ٥٥٥) وزاد نسبته إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن الأنبارى وأبي الشيخ.\n(^٦٦٣) - رواه ابن جرير في تفسيره (١٠/ ٥٦٠) (١٢٥٠٢).\n(^٦٦٤) - تفسير ابن جرير (١٢٥٠٥).\n(^٦٦٥) - إسناده ضعيف جدًّا، الهيثم بن خالد القرشي قال ابن حجر في \"التقريب\": صدوق يغرب =\n_________\n[¬١] سقط من: ز.\n[¬٢] ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين في ز: \"خبر واحد\".","vol":"5","page":329},{"text":"حدثنا الهيثم بن خالد القرشي، حدثنا يزيد بن قيس، عن إسماعيل بن يحيى، [عن ابن جريج] [¬١]، عن ابن عباس، قال: لما نزلت آية الكفارات، قال حذيفة: يا رسول الله، نحن بالخيار؟ قال: \"أنت بالخيار، إن شئت أعتقت، وإن شئت كسوت، وإن شئت أطمعت، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام متتابعات\". وهذا حديث غريب جدًّا.\nوقوله: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ [أي: هذه كفارة اليمين الشرعية] [¬٢] ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ قال ابن جرير: معناه لا تتركوها بغير تكفير. ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ﴾ أي: يوضحها وينشرها ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.\n﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (٩٢) لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (٩٣)﴾\nيقول تعالى ناهيًا عباده المؤمنين عن تعاطي الخمر والميسر؛ وهو القمار.\nوقد ورد عن أمير المؤمنين على بن أبي طالب ﵁ أنه قال: الشطرنج من الميسر. رواه ابن أبي حاتم، [عن أبيه] [¬٣] عن عُبيس بن مرحوم، عن حاتم، عن جعفر بن محمد، عن\n_________\n= ويزيد بن قيس وإسماعيل بن يحيى لم أقف لهما على ترجمة ولا أدري من هما، وابن جريج إمام ثقة لكنه لم يدرك أحدًا من الصحابة قال العلائى في جامع التحصيل (ص ٢٢٩، ٢٣٠): \"ذكر ابن المديني أنه لم يلق أحدًا من الصحابة\" ثم نقل العلائي اختلاف العلماء في سماعه من جمع من التابعين وهو معروف بالتدليس وقد عنعن في هذا الحديث. وقد ذكره السيوطي في الدر المنثور (٢/ ٥٥٥) ولم يعزه لغير ابن مردويه.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من خ.","vol":"5","page":330},{"text":"أبيه، عن علي به (^٦٦٦).\nوقال ابن أبي حاتم (^٦٦٧): حدثنا محمد بن إسماعيل الأحمسي، حدثنا وكيع، عن سفيان، عن ليث، عن عطاء ومجاهد وطاوس - قال سفيان: أو اثنين منهم - قالوا: كل شيء من القمار فهو من الميسر، حتى لعب الصبيان بالجوز.\nوروي عن راشد بن سعد وحمزة بن حبيب مثله [¬١]، وقالا: حتى الكعاب والجوز والبيض التي تلعب بها الصبيان. وقال موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر، قال: الميسر هو القمار (^٦٦٨).\nوقال الضحاك، عن ابن عباس، قال: الميسر هو القمار، كانوا يتقامرون في الجاهلية إلى مجيء الإِسلام، فنهاهم الله عن هذه الأخلاق القبيحة (^٦٦٩).\nوقال مالك، عن داود بن الحصين، إنه سمع سعيد بن المسيب يقول: كان ميسر أهل الجاهلية بيع اللحم بالشاة والشاتين (^٦٧٠). وقال الزهري، عن الأعرج، قال: الميسر الضرب بالقداح على الأموال والثمار (^٦٧١).\nوقال القاسم بن محمد: كل ما ألهى عن ذكر الله وعن الصلاة فهو من الميسر (^٦٧٢)،\nرواهن ابن أبي حاتم.\nوقال ابن أبي حاتم (^٦٧٣): حدثنا أحمد بن منصور الرمادي، حدثنا هشام بن عمار، حدثنا\n_________\n(^٦٦٦) - تفسير ابن أبي حاتم (٤/ ١١٩٧) (٦٧٥١).\n(^٦٦٧) - تفسير ابن أبي حاتم (٤/ ١١٩٧) (٦٧٤٩).\n(^٦٦٨) - تفسير ابن أبي حاتم (٦٧٤٧).\n(^٦٦٩) - تفسير ابن أبي حاتم (٦٧٤٨).\n(^٦٧٠) - تفسير ابن أبي حاتم (٦٧٥٣).\n(^٦٧١) - تفسير ابن أبي حاتم (٦٧٥٢).\n(^٦٧٢) - تفسير ابن أبي حاتم (٦٧٥٠).\n(^٦٧٣) - تفسير ابن أبي حاتم (٤/ ١١٩٦) (٦٧٤٥)، وذكره السيوطي في الدر المنثور (٢/ ٥٦٣) وزاد نسبته لابن مردويه. وقال ابن أبي حاتم في العلل (٢/ ٢٩٧، ٢٩٨): سألت أبي عنه؟ فقال: هذا حديث باطل وهو من على بن زيد. وعثمان لا بأس به.\n_________\n[¬١]- سقط من خ.","vol":"5","page":331},{"text":"صدقة، حدثنا عثمان بن أبي العاتكة، عن علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة، عن أبي موسى الأشعري، عن النبي ﷺ قال: \"اجتنبوا هذه الكعاب الموسومة التي يزجر بها زجزًا؛ فإنها من الميسر\". حديث غريب، وكأن المراد بهذا هو النرد الذي ورد الحديث به في صحيح مسلم، عن بريدة بن الحصيب الأسلمي، قال: قال رسول الله ﷺ: \"من لعب بالنردشير فكأنما صبغ يده في لحم خنزير ودمه\" (^٦٧٤).\nوفي موطأ مالك ومسند أحمد وسنني أبي داود وابن ماجه: عن أبي موسى الأشعري، قال: قال رسول الله ﷺ: \"من لعب بالنرد فقد عصى الله ورسوله\" (^٦٧٥). وروي موقوفًا على [¬١] أبي موسى من قوله، فالله أعلم.\nوقال الإمام أحمد (^٦٧٦): حدثنا مكي [¬٢] بن إبراهيم، حدثنا الجعيد [¬٣]، عن موسى بن عبد الرحمن الخطمي [¬٤]، أنه سمع محمد بن كعب وهو يسأل عبد الرحمن يقول: أخبرني ما سمعت أباك يقول عن رسول الله ﷺ؟ فقال عبد الرحمن: سمعت أبي يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"مثل الذي يلعب بالنرد ثم يقوم فيصلي، مثل الذي يتوضأ بالقيح ودم الخنزير ثم يقوم فيصلي\".\n_________\n(^٦٧٤) - رواه مسلم في \"صحيحه\" كتاب الشعر، باب: تحريم اللعب بالنردشير حديث (٢٢٦٠).\n(^٦٧٥) - رواه مالك في الموطأ كتاب الرؤيا - باب: ما جاء في النرد حديث (٦) (٢/ ٧٢٩)، وأبو داود في الأدب، باب: في النهي عن اللعب بالنرد، حديث (٤٩٣٩)، وابن ماجه في كتاب الأدب، باب: اللعب بالنرد حديث (٣٧٦٢)، والبخاري في الأدب المفرد (١٢٦٩) (٣٧٦٢)، وعبد بن حميد (٥٤٧)، وأحمد (٤/ ٣٩٤، ٣٩٧، ٤٠٠)، وابن حبان (٥٨٧٢)، وأبو يعلى (٧٢٩٠)، والحاكم (١/ ٥٠)، والبيهقي (١٠/ ٢١٤، ٢١٥) والبغوي في شرح السنة (٣٤١٤) كلهم من طريق سعيد بن أبي هند عن أبي موسى به.\nقال الألباني في الإرواء (٨/ ٢٨٥): له علة، وهي الانقطاع بين سعيد وأبي موسى، فقد ذكر أبو زرعة وغيره أن حديثه عنه مرسل، وقال الدارقطني في \"العلل\": رواه أسامة بن زيد الليثي عن سعيد بن أبي هند عن أبي مرة مولى أم هانئ عن أبي موسى، قال الدارقطني بعد أن أخرجه: هذا أشبه بالصواب\". والحديث حسنه الألباني في \"الإرواء\" لشواهده.\n(^٦٧٦) - رواه أحمد في مسنده (٥/ ٣٧٠)، ورواه البخاري في التاريخ (٧/ ٢٩١، ٢٩٢)، وأبو يعلى في مسنده (١١٠٤)، والبيهقي في سننه (١٠/ ٢١٥) من طريق موسى بن عبد الرحمن الخطمي به. وموسى ابن عبد الرحمن قال ابن حجر في \"تعجيل المنفعة\": مجهول. والحديث ذكره الهيثمى في=\n_________\n[¬١]- في ز: \"عن\".\n[¬٢]- في ز: \"على\".\n[¬٣]- في خ: \"الجعيدي\".\n[¬٤]- في ز: \"الحطمي\".","vol":"5","page":332},{"text":"وأما الشطرنج، فقد قال عبد الله بن عمر: إنه شر من النرد. وتقدم عن علي أنه قال: هو من الميسر. ونص على تحريمه مالك وأبو حنيفة وأحمد، وكرهه الشافعي رحمهم الله تعالى.\nواْما الأنصاب: فقال ابن عباس ومجاهد وعطاء وسعيد بن جبير والحسن وغير واحد: هي حجارة كانوا يذبحون قرابينهم عندها.\nوأما الأزلام، فقالوا أيضًا: هي قداح كانوا يستقسمون بها.\nوقوله تعالى: ﴿رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ قال على بن أبي طلحة، عن ابن عباس، أي: سخط من عمل الثميطان.\nوقال سعيد بن جبير: إثم. وقال زيد بن أسلم: أي: شر من عمل الشيطان.\n﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾ الضمير عائد على الرجس، أي: أتركوه ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ وهذا ترغيب.\nثم قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ وهذا تهديد وترهيب [¬١].\n\n<span data-type='title' id=toc-104>[ذكر الأحاديث الواردة في بيان [¬٢] تحريم الخمر]</span>\nقال الإِمام أحمد (^٦٧٧): حدثنا سريج، حدثنا أبو معشر، عن أبي وهب مولى أبي هريرة، عن أبي هريرة، قال: حرمت الخمر ثلاث مرات، قدم رسول الله ﷺ المدينة وهم يشربون الخمر، ويأكلون الميسر، فسألوا رسول الله ﷺ عنهما، فأنزل الله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ إلى آخر الآية. فقال الناس: ما حرما [¬٣] علينا، إنما قال: ﴿فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾، وكانوا\n_________\n= مجمع الزوائد (٨/ ١١٣) وقال: رواه أحمد وأبو يعلى - وزاد: لا تقبل صلاته - والطبراني، وفيه موسى بن عبد الرحمن الخطمي ولم أعرفه، وبقية رجال أحمد رجال الصحيح.\n(^٦٧٧) - المسند (٢/ ٣٥١) وإسناده ضعيف لضعف أبي معشر وجهالة أبي وهب مولى أبي هريرة. قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٥/ ٥٤): رواه أحمد، وأبو وهب مولى أبي هريرة لم يجرحه أحد ولم يوثقه، وأبو معشر نجيح ضعيف لسوء حفظه، وقد وثقه غير واحد وسريج ثقة. وكذلك ضعفه العلامة أحمد شاكر في تعليقه على المسند (٨٦٠٥) لضعف أبي معشر نجيح وجهالة أبي وهب مولى أبي هريرة.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"ترغيب\".\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- في ز: \"حرم\".","vol":"5","page":333},{"text":"يشربون الخمر حتى كان يوم [¬١] من الأيام، صلى رجل من المهاجرين أَمَّ أصحابه في المغرب فخلط [¬٢] في قراءته، فأنزل الله آية أغلظ منها: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ فكان [¬٣] الناس يشربون حتى يأتي أحدهم الصلاة وهو مفيق. ثم أنزلت آية أغلظ من ذلك: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ قالوا: انتهينا ربنا! وقال الناس: يا رسول الله، ناس قتلوا في سبيل الله وماتوا على سرفهم، كانوا بشربون الخمر ويأكلون الميسر، وقد جعله الله رجسًا من عمل الشيطان؟ فأنزل الله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ إلى آخر الآية. وقال النبي ﷺ: \"لو حرم عليهم لتركوه كما تركتم\"، انفرد به أحمد.\nوقال الإِمام أحمد (^٦٧٨): حدثنا خلف بن الوليد، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي ميسرة، عن عمر بن الخطاب، أنه قال: لما نزل تحريم الخمر قال: اللهم بين لنا في الخمر بيانًا شافيًا. فنزلت هذه الآية التي في البقرة: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ فدعي [¬٤] عمرُ فقرئت عليه، فقال: اللهم بين لنا في الخمر بيانًا شافيًا. فنزلت الآية التي في سورة [¬٥] النساء: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾، فكان منادي رسول الله ﷺ إذا [أقام] [¬٦] الصلاة نادى: أن [¬٧] لا يقربن الصلاة سكران. فدعي عمر [¬٨] فقرئت عليه فقال: اللهم بين لنا في الخمر بيانًا شافيًا، فنزلت\n_________\n(^٦٧٨) - المسند (١/ ٥٣) (٣٧٨)، والحديث رواه أبو داود كتاب الأشربة، باب: في تحريم الخمر حديث (٣٦٧٠) والترمذي في تفسير القرآن - باب ومن سورة المائدة حديث (٣٠٤٩)، والنسائي كتاب الأشربة باب تحريم الخمر (٨/ ٢٨٦، ٢٨٧)، وابن جرير تفسيره (١٠/ ٥٥٦، ٥٦٨) (١٢٥١٢، ١٢٥١٦)، والحاكم (٢/ ٢٧٨)، وابن أبي حاتم (٤/ ١٢٠٠) (٦٧٦٩)، والبيهقي (٨/ ٢٨٥)، والواحدي في أسباب النزول (ص ٢٠٩) رقم (٤١٣) من طرق عن أبي إسحاق السبيعي عن أبي ميسرة به. والحديث صحح إسناده العلامة أحمد شاكر في تعليقه على المسند وقال: \"وقول أبي زرعة أن أبا ميسرة لم يسمع من عمر، لا أجد له وجهًا، فإن أبا ميسرة لم يذكر بتدليس، وهو تابعي قديم مخضرم، مات سنة ٦٣، وفي طبقات ابن سعد عن أبي إسحاق فال: أوصى أبو ميسرة أخاه الأرقم: لا تؤذن بي أحدًا من الناس، وليصل عليّ شريح قاضي المسلمين وإمامهم\" وشريح الكندي استقضاه=\n_________\n[¬١]- في ز: \"يومًا\".\n[¬٢]- في ز: \"خلط\".\n[¬٣]- في ز: \"وكان\".\n[¬٤]- في ز: \"فدعا\".\n[¬٥]- سقط من: ز.\n[¬٦]- في ت: \"قال: حي على الفلاح\".\n[¬٧]- سقط من: ز.\n[¬٨]- سقط من: ز.","vol":"5","page":334},{"text":"الآية [¬١] التي في المائدة، فدعي عمر فقرئت عليه، فلما بلغ [قول الله تعالى] [¬٢]: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ قال عمر: انتهينا [انتهينا] [¬٣].\nوهكذا رواه أبو داود والترمذي والنسائي من طرق عن إسرائيل، عن أبي إسحاق عمرو [¬٤] بن عبد الله السبيعي، عن أبي ميسرة - واسمه عمرو بن شرحبيل الهمداني - عن عمر [¬٥] به. وليس له عنه سواه. قال أبو زرعة: ولم يسمع منه. وصحح هذا الحديث على بن المديني والترمذي.\nوقد ثبت في الصحيحين (^٦٧٩) عن عمر بن الخطاب أنه قال في خطبته على منبر رسول الله ﷺ: أيها الناس، إنه نزل تحريم الخمر وهو من خمسة: [من] [¬٦] العنب والتمر والعسل والحنطة والشعير، والخمر ما خامر العقل.\nوقال البخاري (^٦٨٠): حدثنا إسحاق بن إبراهيم، حدثنا محمد بن بشر، حدثنا عبد العزيز ابن عمر بن عبد العزيز، حدثني نافع، عن ابن عمر، قال: نزل تحريم الخمر وإن بالمدينة يومئذ لخمسة [¬٧] أشربة ما فيها شراب العنب.\n(حديث آخر): قال أبو داود الطيالسي (^٦٨١): حدثنا محمد بن أبي حميد، عن المصري\n_________\n= عمر على الكوفة وأقام على القضاء بها ستين سنة فأبو ميسرة أقدم منه. والحديث صححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (٣١١٧)، وغيره.\n(^٦٧٩) - رواه البخاري في \"صحيحه\" (٨/ ٢٧٧) كتاب التفسير، باب: \"إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان\" حديث (٤٦١٩)، وفى كتاب الأشربة، باب: الخمر من العنب وغيره حديث (٥٥٨١)، وفي باب: ما جاء في أن الخمر ما خامر العقل من الشراب حديث (٥٥٨٨) (٥٥٨٩)، وفي كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب: ما ذكر النبي ﷺ وحض على اتفاق أهل العلم حديث (٧٣٣٧) ومسلم في \"صحيحه\" كتاب التفسير، باب: في نزول تحريم الخمر حديث (٣٠٣٢) من حديث عبد الله بن عمر عن أبيه.\n(^٦٨٠) - صحيح البخاري كتاب التفسير، باب: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ حديث (٤٦١٦).\n(^٦٨١) - مسند الطيالسي (١٩٥٧) ومن طريقه رواه ابن أبي حاتم (٤/ ١١٩٩) (٦٧٦٢)، والبيهقي في \"شعب الإيمان\" (٤/ ٥، ٥) (٥٥٧٠) ورواه ابن جرير في تفسيره (٤/ ٣٣١) (٤١٤٣) من طريق محمد ابن أبي حميد عن أبي توبة المصري به، وذكره السيوطي فى الدر المنثور (٢/ ٥٥٧) وزاد نسبته =\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٣]- سقط من ت.\n[¬٤]- في ز: \"عمر\".\n[¬٥]- في ز: \"عمرو\".\n[¬٦]- سقط من ت.\n[¬٧]- في ت: \"خمسة\".","vol":"5","page":335},{"text":"- يعني: أبا طعمة قارئ مصر - قال: سمعت ابن عمر يقول: نزلت في الخمر ثلاث آيات؛ فأول شيء نزل: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ الآية، فقيل: حرمت الخمر، فقالوا: يا رسول الله، دعنا [¬١] ننتفع بها كما قال الله تعالى! قال: فسكت عنهم. ثم نزلت هذه الآية: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ فقيل: حرمت الخمر. فقالوا: يا رسول الله، إنا لا نشربها قرب الصلاة. فسكت عنهم ثم نزلت: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ الآيتين [¬٢]. فقال رسول الله ﷺ: \"حرمت الخمر\".\n(حديث آخر): قال الإمام أحمد (^٦٨٢): حدثنا يعلى، حدثنا محمد بن إسحاق، عن القعقاع بن حكيم، أن عبد الرحمن بن وعلة قال: سألت ابن عباس عن بيع الخمر، فقال: كان لرسول الله ﷺ صديق من ثقيف أو من دوس، فلقيه يوم الفتح براوية خمر [¬٣] يهديها إليه، فقال رسول الله ﷺ: \"يا فلان؛ أما علمت أن الله حرمها\". فأقبل الرجل على غلامه فقال: اذهب فبعها. فقال رسول الله ﷺ: \" يا فلان؛ بماذا أمرته؟ \" فقال: أمرته أن يبيعها. قال: \"إن الذي حرم شربها حرم بيعها\". فأمر بها [¬٤] فأفرغت في البطحاء.\nرواه مسلم من طريق ابن وهب، عن مالك، عن زيد بن أسلم. ومن طريق ابن وهب أيضًا، عن سليمان بن بلال، عن يحيى بن سعيد كلاهما، عن عبد الرحمن بن وعلة، عن ابن عباس به. ورواه النسائي: عن قتيبة، عن مالك به.\n_________\n= لابن مردويه. وإسناده ضعيف لضعف محمد بن أبي حميد ضعفه ابن حجر في \"التقريب\". وأبو توبة المصري: كذا وقع اسمه عند الطيالسي وابن جرير والبيهقي لكن وقع عند ابن أبي حاتم \"أبو طعمة قارئ مصر\" وهو الصواب، قال الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على تفسير ابن جرير: \"أبو توبة المصري: لا يوجد راو بهذا الاسم، وإنما هو من تخليط محمد بن أبي حميد، وصحته (أبو طعمة الأموي) بضم الطاء وسكون العين المهملة، وهو مولى عمر بن عبد العزيز شامي سكن مصر، وكان قارئًا، يقرئ القرآن بمصر وهو تابعي ثقة\".\n(^٦٨٢) - المسند (١/ ٢٣٠) ورواه الدارمي (٢١٠٩) قال: حدثنا يعلى فذكره. ورواه في (٢٥٧٤) من طريق عبد الرحمن بن أبي يزيد عن القعقاع بن حكيم به. والحديث رواه مسلم في \"صحيحه\" كتاب البيوع، باب: تحريم الخمر حديث (١٥٧٩) من طريقين عن عبد الرحمن بن وعلة به.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- سقط من: ز.","vol":"5","page":336},{"text":"(حديث آخر): قال الحافظ أبو يعلى الموصلي (^٦٨٣): حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي، حدثنا أبو بكر الحنفي، حدثنا عبد الحميد بن جعفر، عن شهر بن حوشب، عن تميم الداري: أنه كان يهدي لرسول الله ﷺ [كل عام] [¬١] راوية من خمر، فلما أنزل الله تحريم الخمر جاء بها، فلما رآها رسول الله ﷺ ضحك، وقال: \"إنها قد حرمت بعدك\". قال: يا رسول الله، فأبيعها وأنتفع بثمنها؟ فقال رسول الله ﷺ: \"لعن الله اليهود؛ حرمت [¬٢] عليهم شحوم البقر والغنم فأذابوه وباعوه، والله حرم الخمر وثمنها\".\nوقد رواه أيضًا الإِمام أحمد فقال (^٦٨٤): حدثنا روح، حدثنا عبد الحميد بن بهرام، قال: سمعت شهر بن حوشب، قال: حدثني عبد الرحمن بن غنم: أن الداري كان يهدي لرسول الله ﷺ كل عام راوية من خمر، فلما كان عام حرمت جاء براوية، فلما نظر إليه ضحك، فقال: \"أشعرت أنها قد حرمت بعدك\". فقال: يا رسول الله، ألا أبيعها وأنتفع بثمنها؟ فقال رسول الله ﵌: \" لعن الله اليهود، انطلقوا إلى ما حرم عليهم من شحم البقر والغنم فأذابوه فباعوا به ما يأكلون، وإن الحمر حرام وثمنها حرام، وإن الخمر حرام وثمنها حرام، [وإان الخمر حرام وثمنها حرام] [¬٣] \".\n(حديث آخر): قال الإِمام أحمد (^٦٨٥): حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا ابن لهيعة، عن\n_________\n(^٦٨٣) - لم أجده في مسند أبي يعلى المطبوع، لكن ذكره ابن حجر في المطالب العالية (٣/ ١٠٢، ١٠٤) (١٧٧٤) وعزاه لأبي يعلى فلعله يكون في \"المسند الكبير\" له، وإسناده ضعيف لضعف شهر بن حوشب، وعبد الحميد بن جعفر فيه كلام، والحديث رواه الطبراني في الكبير (٢/ ٥٧) (١٢٧٥) عن زيد بن أخزم ثنا أبو بكر الحنفي فذكره مختصرًا. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٤/ ٩١): رواه أحمد هكذا عن ابن غنم وفيه شهر بن حوشب وحديثه حسن وفيه كلام. ورواه الطبراني في الكبير عن عبد الرحمن بن غنم عن تميم الداري أنه كان يهدي فذكر نحوه باختصار، إلَّا أنه قال: أنه حرام شراؤها وثمنها. وإسناده متصل حسن\".\nقلت: الحديث رواه أحمد في مسنده (٤/ ٢٢٧) من طريقين عن عبد الحميد بن بهرام عن شهر بن حوشب به، وشهر ضعيف كما تقدم.\n(^٦٨٤) - مسند أحمد (٤/ ٢٢٧) وانظر السابق.\n(^٦٨٥) - المسند (٤/ ٣٣٥، ٣٣٦)، ورواه الطبراني في الكبير (١٩/ ١٩٥) (٤٣٨) وفي الأوسط (٣١٢٥) من طردق شعيب بن يحيى عن ابن لهيعة به. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٤/ ٩١):=\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٢]- في ز: \"حرم\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.","vol":"5","page":337},{"text":"سليمان بن عبد الرحمن، عن نافع بن كيسان، أن أباه أخبره أنه كان يتجر في الخمر في زمن رسول الله ﷺ، وأنه أقبل من الشام ومعه خمر في الزقاق يريد بها التجارة، فأتي بها رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، إني جئتك بشراب طيب. فقال رسول الله ﷺ: \"يا كيسان، إنها قد حرمت بعدك\". قال: فأبيعها يا رسول الله؟ فقال رسول الله ﷺ: \"إنها قد حرمت وحرم ثمنها\". فانطق كيسان إلى الزقاق فأخذ لأرجلها ثم هراقها.\n(حديث آخر): قال الإِمام أحمد (^٦٨٦): حدثنا يحيى بن سعيد، عن حميد، عن أنس، قال: كنت أسقي أبا عبيدة بن الجراح، وأبي بن كعب، وسهيل بن بيضاء، ونفرًا من أصحابه عند أبي طلحة، [وأنا أسقيهم] [¬١] حتى كاد الشراب يأخذ منهم، فأتى آت من المسلمين، فقال: أما شعرتم أن الخمر قد حرمت؟ فما قالوا [¬٢]: حتى ننظر ونسأل. فقالوا: يا أنس، اكف [¬٣] ما بقي [¬٤] في إنائك. فو الله ما عادوا فيها، وما هي إلا التمر والبسر، و[¬٥] هي خمرهم يومئذ.\nأخرجاه في الصحيحين من غير وجه عن أنس، وفي رواية حماد بن زيد، عن ثابت، عن أنس، قال: كنت ساقى القوم يوم حرمت الخمر في بيت أبي طلحة، وما شرابهم إلا الفضيخ: البسر والتمر، فإذا مناد ينادي، قال: اخرج فانظر. فإذا مناد ينادي: ألا إن الخمر قد حرمت. فجرت في سكك المدينة، قال: فقال لي أبو طلحة: اخرج فأهرقها. فهرقتها، فقالوا - أو قال بعضهم -: قتل فلان وفلان وهي في بطونهم؟. قال: فأنزل الله: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ الآية (^٦٨٧).\n_________\n= رواه أحمد والطبرانى في الكبير والأوسط، وفيه نافع بن كيسان وهو مستور.\n(^٦٨٦) - رواه في المسند (٣/ ٨١)، ورواه البخاري في \"صحيحه\" كتاب المظالم، باب: صب الخمر فى الطريق حديث (٢٤٦٤)، وأطرافه فى (٤٦١٧، ٤٦٢٠، ٥٥٨٠، ٥٥٨٢، ٥٥٨٣، ٥٦٠٠، ٥٦٢٢، ٧٢٥٣) ورواه مسلم فى كتاب الأشربة، باب: تحريم الخمر، وبيان أنها تكون من عصير العنب ومن التمر والبسر والزبيب حديث (١٩٨٠) من طرق عن أنس به، والروايات مطولة ومختصرة.\n(^٦٨٧) - رواه البخاري في صحيحه كتاب المظالم، باب: صب الخمر في الطريق حديث (٢٤٦٤)، ومسلم في \"صحيحه\" فى الأشربة، باب تحريم الخمر حديث (٣/ ١٩٨٠)، من طريق حماد به، وانظر الحديث السابق.\n_________\n[¬١]- سقط من: ت.\n[¬٢]- في ت: \"فقالوا\".\n[¬٣]- في ت: \"اسكب\".\n[¬٤]- سقط من: ز.\n[¬٥]- سقط من: ز.","vol":"5","page":338},{"text":"وقال ابن جرير (^٦٨٨): حدثنا محمد بن بشار، حدثني عبد الكبير بن عبد المجيد [¬١]، حدثنا عباد بن راشد، عن قتادة، عن أنس بن مالك، قال: بينا أنا أدير الكأس على أبي طلحة وأبي عبيدة بن الجراح [وأبي دجانة] ومعاذ بن جبل وسهيل بن بيضاء، حتى مالت رءوسهم من خليط بسر وتمر، فسمعت مناديًا ينادي: ألا إن الخمر قد حرمت. قال: فما دخل علينا داخل ولا خرج منا خارج حتى أهرقنا الشراب وكسرنا القلال، وتوضأ بعضنا واغتسل بعضنا، وأصبنا من طيب أم سليم ثم خرجنا إلى المسجد، فإذا رسول الله ﵌ يقرأ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ إلى قوله: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ فقال رجل: يا رسول الله، فما منزلة من مات وهو يشربها [¬٢] فأنزل الله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ الآية. فقال رجل لقتادة: أنت [¬٣] سمعته من أنس بن مالك؟ قال: نعم. قال رجل لأنس بن مالك: أنت سمعته من رسول الله ﷺ؟ قال: نعم، أو: حدثني من لم يكذب، ما كنا نكذب ولا ندري ما الكذب.\n(حديث آخر): قال الإِمام أحمد (^٦٨٩): حدثنا يحيى بن إسحاق، أخبرني يحيى بن أيوب، عن عبيد الله بن زحر، عن بكر بن سوادة، عن قيس بن سعد بن عبادة، أن\n_________\n(^٦٨٨) - تفسير ابن جرير الطبري (١٠/ ٥٧٨) (١٢٥٢٧)، والحديث رواه البخاري في \"صحيحه\" كتاب الأشربة، باب: من رأى أن لا يخلط البسر والتمر حديث (٥٦٠٠)، ومسلم في \"صحيحه\" كتاب الأشربة، باب: تحريم الخمر حديث (٧/ ١٩٨٠) من طريق قتادة به مختصرًا.\n(^٦٨٩) - المسند (٣/ ٤٢٢)، والحديث رواه ابن أبي شيبة في مصنفه كتاب الأشربة، باب: في الخمر وما جاء فيها، حديث (٢١) وابن عبد الحكم في \"فتوح مصر\" (٢٧٣) كما في \"تحريم آلات الطرب\" للألباني (ص ٦٠، ٦١)، والطبرانى في الكبير (١٨/ ٣٥٢) (٨٩٧) والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (١٠/ ٢٢٢) من طريق عبيد الله بن زحر به، وإسناده ضعيف، لضعف عبيد الله بن زحر وقد ضعفه الحافظ العراقي في \"تخريج الإحياء\" (٢/ ٢٧٢)، وللحديث طريق آخر رواه البيهقي في سننه (١٠/ ٢٢٢) عن الليث بن سعد وابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب عن عمرو بن الوليد بن عبدة عن قيس بن سعد ﵁ وكان صاحب راية النبي ﷺ فذكره بنحو الرواية الأولى، قال الألباني في \"تحريم آلات الطرب\" (ص ٥٩ - ٦٠): وهذا إسناد حسن رجاله ثقات على ما عرفت من تفرد يزيد بن أبي حبيب بالرواية عن عمرو بن الوليد. وللحديث شواهد خرجها الألبانى في السلسلة الصحيحة رقم (١٧٠٨).\n_________\n[¬١]- في ز: \"الحميد\".\n[¬٢]- في ز: \"ويشربها\".\n[¬٣]- سقط من: ز.","vol":"5","page":339},{"text":"رسول الله ﷺ قال: \"إن ربي ﵎ حرم [عليَّ] [¬١] الخمر والكوبة [¬٢] والقنين (*)، وإياكم والغبيراء (**) فإنها ثلث خمر العالم\".\n(حديث آخر): قال الإمام أحمد (^٦٩٠): حدّثنا يزيد، حدثنا فرج بن فضالة، عن إبراهيم ابن عبد الرحمن بن رافع، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو [¬٣]، قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن الله حرم على أمتي الحمر والميسر [¬٤] والمزر (* * *) والكوبة والقنين، وزادني صلاة الوتر\". قال يزيد: القنين. البرابط. تفرد به أحمد.\nوقال أحمد أيضًا (^٦٩١): حدثنا أبو عاصم - وهو النبيل - أخبرنا عبد الحميد بن جعفر،\n_________\n(*) القنين: لعبة للروم يقامرون بها. وقيل: هو الطنبور بالحبشية. النهاية (٤/ ١١٦).\n(**) الغبيراء: ضرب من الشراب يتخذه الحبش من الذرة. وهي تسكر، وتسمى: السَّكُرْكة. النهاية (٣/ ٣٣٨).\n(* * *) المزر: نبيذ يتخذ من الذرة. وقيل من الشعير أو الحنظة. النهاية (٤/ ٣٢٤).\n(^٦٩٠) - رواه أحمد في مسنده (٢/ ١٦٥) ورواه في (٢/ ١٦٧) فال: حدثنا أبو النضر عن الفرج بن فضالة به. ورواه الطبراني في الكبير كما في \"تحريم آلات الطرب\" للألباني (ص ٥٩) من طريق الفرج به، وإسناده ضعيف لضعف الفرج بن فضالة، وعبد الرحمن بن رافع هو التنوخى قال الحافظ في \"التقريب\": ضعيف، وابنه إبراهيم قال الألبانى: لم أجد له ترجمة.\nوللحديث طريق آخر رواه أبو داود كتاب الأشربة، باب: النهي عن المسكر حديث (٣٦٨٥)، والبيهقي (١٠/ ٢٢١، ٢٢٢)، وابن عبد البر في التمهيد (٥/ ١٦٧) والمزى في \"تهذيب الكمال\" (٣١/ ٤٥، ٤٦) من طرق عن يزيد بن أبي حبيب عن الوليد بن عبدة - ويقال: عمرو بن الوليد بن عبدة - عن عبد الله بن عمرو به. وهو عند أحمد في المسند وسيذكره المصنف بعد هذا. وعمرو بن الوليد هذا قال الحافظ في \"التقريب\": صدوق. ورواه أحمد (٢/ ١٧٢) والبيهقي (١٠/ ٢٢٢) من طريق ابن وهب أخبرني ابن لهيعة عن عبد الله بن هبيرة عن أبي هريرة أو هبيرة العجلاني عن مولى لعبد الله بن عمرو، عن عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعًا بلفظ: \"إن ربي حرم على الخمر والميسر والكوبة والقنين\". قال الألباني في \"تحريم آلات الطرب\" (ص ٥٨): رجال البيهقي ثقات غير المولى فلم أعرفه، ولعله هو أبو هبيرة نفسه وهو مجهول كما في \"تعجيل المنفعة\". قلت: وعلى ذلك فالحديث حسن لا سيما والطريق الثانية التي رواها أبو داود يمكن تحسينها لذاتها.\n(^٦٩١) - مسند أحمد (٢/ ١٧١)، ورواه أيضًا فى (٢/ ١٥٨) قال: حدثنا يحيى بن إسحاق أخبرني ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب به. وانظر التخريج السابق.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ز: \"على\".\n[¬٢]- في حاشية ز: \"قال المزني: الكوبة: الطبل\".\n[¬٣]- فى ز، خ: \"عمر\".\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.","vol":"5","page":340},{"text":"حدثنا يزيد بن أبي حبيب، عن عمرو بن الوليد، عن عبد الله بن عمرو، أن رسول الله ﷺ قال: \"من قال عليَّ ما لم أقل فليتبوأ مقعده من جهنم\". قال: وسمعت رسول الله ﷺ يقول: \"إن الله حرم الخمر والميسر والكوبة والغبيراء، وكل مسكر حرام\".\nتفرد به أحمد أيضًا.\n(حديث آخر): قال الإِمام أحمد (^٦٩٢): حدثنا وكيع، حدثنا عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز، عن أبي طعمة مولاهم، وعن عبد الرحمن بن عبد الله الغافقي: أنهما سمعا ابن عمر يقول: قال رسول الله ﷺ؛ \"لعنت الخمر على عشرة وجوه، لعنت الخمر بعينها، وشاربها، وساقيها، وبائعها، ومبتاعها، وعاصرها، ومعتصرها، وحاملها، والمحمولة إليه، وآكل ثمنها\".\nو[¬١]، رواه أبو داود وابن ماجة من حديث وكيع به.\nوقال أحمد (^٦٩٣): حدثنا حسن، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا أبو طعمة، سمعت ابن عمر يقول: خرج رسول الله ﷺ إلى المربد، فخرجت معه فكنت عن يمينه، وأقبل أبو بكر، فتأخرت عنه فكان [¬٢] عن يمينه وكنت عن يساره، ثم أقبل عمر فتنحيت له فكان عن يساره، فأتى رسول الله ﷺ المربد، فإذا بزقاق على المربد فيها خمر، قال ابن عمر: فدعاني رسول الله ﷺ بالمدية، قال ابن عمر: وما عرفت المدية إلا يومئذ. فأمر بالزقاق فشقت، ثم قال: \"لعنت الخمر، وشاربها، وساقيها، وبائعها،\n_________\n(^٦٩٢) - مسند أحمد (٢/ ٢٥، ٧١) ورواه ابن ماجه فى كتاب الأشربة، باب: لعنت الخمر على عشرة أوجه، حديث (٣٣٨٠) من طريقين عن وكيع به. ورواه أبو داود كتاب الأشربة، باب: العنب يعصر للخمر حديث (٣٦٧٤) حدثنا عثمان بن أبي شيبة ثنا وكيع عن … فذكره بإسناده نحوه، لكن وقع عنده أبو علقمة والصواب أبو طعمة وهو مولى عمر بن عبد العزيز وثقه ابن عمار الموصلي والذهبي.\nوالحديث صحيح؛ صححه الشيخ أحمد شاكر فى تعليقه على المسند رقم (٤٧٨٧) والشيخ الألباني في صحيح أبى داود (٣١٢١)، وله طريق أخرى فى المسند سيأتي تخريجها فى الحديث التالي.\n(^٦٩٣) - المسند (٢/ ٧١) وقال العلامة أحمد شاكر في تعليقه عليه: إسناده صحيح وقد سبق المرفوع منه في قوله \"لعنت الخمر\" إلخ. قلت: ابن لهيعة ضعيف خلط بعد احتراق كتبه، والله أعلم. وانظر الحديث السابق.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- في ز: \"وكان\".","vol":"5","page":341},{"text":"ومبتاعها، وحاملها، والمحمولة إليه، وعاعرها، ومعتصرها، وآكل ثمنها\".\nوقال أحمد (^٦٩٤): حدثنا الحكم بن نافع، حدثنا أبو بكر بن أبي مريم، عن ضمرة بن حبيب، قال: قال عبد الله بن عمر: أمرني رسول الله ﷺ أن آتيه بمدية - وهي الشفرة - فأتيته بها فأرسل بها فأرهفت (*)، ثم أعطانيها وقال: \"اغد عليَّ بها\". ففعلت. فخرج بأصحابه إلى أسواق المدينة وفيها زقاق الخمر قد جلبت من الشام، فأخذ المدية مني فشق ما كان من تلك الزقاق بحضرته، ثم أعطانيها وأمر أصحابه الذين كانوا معه أن يمضوا معي وأن يعاونوني، وأمرني أن آتى الأسواق كلها فلا أجد فيها زق خمر إلا شققته، ففعلت فلم أترك في أسواقها زقًّا إلا شققته.\n(حديث آخر): قال عبد الله بن وهب (^٦٩٥): أخبرني عبد الرحمن بن شريح وابن لهيعة والليث بن سعد، عن خالد بن يزيد، عن ثابت بن يزيد الخولانى أخبره: أنه كان عم يبيع الخمر وكان يتصدق، فنهيته عنها فلم ينته، فقدمت المدينة فلقيت [¬١] ابن عباس فسألته عن الخمر وثمنها، فقال: هي حرام وثمنها حرام. ثم قال [] [¬٢]-: يا معشر أمة محمد، إنه لو كان كتاب بعد كتابكم ونبي بعد نبيكم؛ لأنزل فيكم كما أنزل فيمن قبلكم، ولكن أخر ذلك من أمركم إلى يوم القيامة، ولعمري لهو أشد عليكم. قال ثابت: فلقيت عبد الله بن عمر فسألته عن\n_________\n(^٦٩٤) - المسند (٢/ ١٣٢) وإسناده ضعيف أبو بكر بن أبي مريم ضعفه ابن معين والرازيان وأحمد وأبو داود، والنسائي والدارقطني، لكن تقدم هذا الحديث بمعناه من طريق أبي طعمة عن ابن عمر في الحديث السابق. وقد ذكر الهيثمي في مجمع الزوائد (٥/ ٥٦، ٥٧) الروايتين ثم قال: رواه كله أحمد بإسنادين في أحدهما أبو بكر بن أبي مريم وقد اختلط، وفي الآخر أبو طعمة وقد وثقه محمد بن عبد الله بن عمار الموصلي وضعفه مكحول، وبقية رجاله ثقات.\n(*) أي: سُنَّت، وأخرج حدَّاها. النهاية (٢/ ٢٨٣).\n(^٦٩٥) - رواه البيهقي في كتاب الأشربة والحد فيها، باب: ما جاء في تحريم الخمر (٨/ ٢٨٧) بسنده إلى ابن وهب به. ورواه الحاكم في مستدركه (٤/ ١٤٤) من طريق ابن وهب أخبرني عبد الرحمن بن شريح الخولاني أنه كان له عم يبيع الخمر وكان يتصدق بثمنه فنهيته عنها فلم ينته فقدمت المدينة فلقيت ابن عباس فذكره. وقال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي. ورواه أيضًا الطبراني فى الكبير (١٢/ ٢٣٣، ٢٣٤) (١٢٩٧٧) من طريق ابن وهب عن عبد الرحمن بن شريح والليث بن سعد وابن لهيعة عن خالد بن يزيد عن ثابت بن يزيد الخولاني أخبره أنه قدم المدينة فلقى ابن عباس فذكره نحو رواية الحاكم والبيهقي وجعله كله من مسند ابن عباس ولم يذكر فيه ابن عمر. وإسناده ضعيف لجهالة خالد بن يزيد، قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٥/ ٧٦): رواه الطبراني، وخالد بن يزيد لم أعرفه، وبقية رجاله ثقات.\n_________\n[¬١]- في ز: \"فتلقيت\".\n[¬٢]- في ت: ابن عباس ﵁.","vol":"5","page":342},{"text":"ثمن الخمر؟ فقال: سأخبرك عن الخمر؛ إني كنت عند [¬١] رسول الله ﷺ في المسجد، فبينا [¬٢] هو محتب حل حبوته ثم قال: \"من كان عنده من هذه الخمر شيء فليأتنا بها\". فجعلوا يأتونه فيقول أحدهم: عندي راوية، ويقول الآخر: عندي زق. أو ما شاء الله أن يكون عنده، فقال رسول الله ﷺ: \"اجمعوا ببقيع كذا وكذا ثم آذنوني\". ففعلوا ثم آذنوه فقام وقمت معه، فمشيت [¬٣] عن يمينه وهو متكئ عليَّ، فَلَحِقَنا أبو بكر ﵁ فأخرني رسول الله ﷺ فجعلني عن شماله وجعل أبا [¬٤] بكر مكاني [¬٥]، ثم لحقنا عمر بن الخطاب ﵁ فأخرني وجعله عن يساره، فمشى بينهما حتى إذا وقف على الخمر قال للناس: \"أتعرفون هذه [¬٦] قالوا: نعم يا رسول الله، هذه الخمر. قال: \"صدقتم\". قال [¬٧]: \"فإن الله لعن الخمر، وعاصرها، ومعتصرها، وشاربها، وساقيها، وحاملها، والمحمولة إليه، وبائعها، ومشتريها، وآكل ثمنها\". ثم دعا بسكين فقال: \"اشحذوها\". ففعلوا ثم أخذها رسول الله ﷺ يخرق بها الزقاق، قال: فقال الناس: فى هذه الزقاق منفعة. فقال [¬٨]: \"أجل، ولكني إنما أفعل ذلك غضبًا لله ﷿ لما فيها من سخطه\". فقال عمر: أنا أكفيك يا رسول الله. قال: \"لا\".\nقال ابن وهب: وبعضهم يزيد على بعض في قصة الحديث. رواه البيهقي.\n(حديث آخر): قال الحافظ أبو بكر البيهقي (^٦٩٦): أنبأنا أبو الحسين بن بشران، أنبأنا إسماعيل بن محمد الصفار، حدثنا محمد [] [¬٩] بن عبيد الله المنادي، حدثنا وهب بن جرير، حدثنا شعبة، عن سماك، عن مصعب بن سعد، [عن سعد] [¬١٠]، قال: أنزلت في الخمر أربع آيات، فذكر الحديث، قال: وضع رجل من الأنصار طعامًا، فدعانا فشربنا\n_________\n(^٦٩٦) - سنن البيهقي الكبرى كتاب الأشربة والحد فيها، باب: ما جاء في تحريم الخمر (٨/ ٢٨٥)، والحديث رواه مسلم في \"صحيحه\" (١٥/ ٢٦٦) كتاب فضائل الصحابة، باب: في فضل سعد بن أبي وقاص، ﵁ حديث (٤٤/ ١٧٤٨) من طريق شعبة عن سماك بن حرب به. ورواه أيضًا أبو داود (٢٧٤٠)، والترمذى (٣٠٧٩)، (٣١٨٩) وغيرهما من حديث مصعب بن سعد عن أبيه به.\n_________\n[¬١]- في ت: \"مع\".\n[¬٢]- في ت: \"فبينما\".\n[¬٣]- في ت: \"ومشيت\".\n[¬٤]- في ز: \"أبو\".\n[¬٥]- في ت: في مكاني.\n[¬٦]- في ز: \"هذا\".\n[¬٧]- في ت: ثم قال.\n[¬٨]- في ز: \"قال\".\n[¬٩]- ما بين المعكوفتين في ز: \"بن محمد\".\n[¬١٠]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"5","page":343},{"text":"الخمر قبل أن تحرم حتى انتشينا [¬١]، فتفاخرنا؛ فقالت [¬٢] الأنصار: نحن أفضل، وقالت قريش: نحن أفضل، فأخذ رجل من الأنصار لحي جزور فضرب به أنف سعد ففزره (*)، [وكانت أنف سعد مفزورًا] [¬٣]، فنزلت [آية الخمر] [¬٤]: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾.\nأخرجه مسلم من حديث شعبة.\n(حديث آخر): قال البيهقي (^٦٩٧): وأخبرنا أبو نصر بن قتادة، أنبأنا أبو على الرفاء، حدثنا على بن عبد العزيز، حدثنا حجاج بن منهال، حدثنا ربيعة بن كلثوم، حدثني أبي، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: إنما نزل تحريم الخمر في قبيلتين من قبائل الأنصار شربوا، فلما أن ثمل القوم عبث بعضهم ببعض، فلما أن [¬٥] صحوا جعل الرجل يرى الأثر بوجهه ورأسه ولحيته فيقول: صنع بي هذا أخي فلان، وكانوا إخوة ليس في قلوبهم ضغائن [¬٦]، [فيقول: والله لو كان بي رءوفًا رحيمًا ما صنع بي هذا، حتى وقعت الضغائن في قلوبهم] [¬٧] فأنزل الله تعالى هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ فقال ناس [¬٨] من المتكلفين: هي رجس وهي فى بطن فلان وقد قتل يوم أحد. فأنزل الله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾.\n_________\n(*) أي: شقه. النهاية (٣/ ٤٤٣).\n(^٦٩٧) - سنن البيهقي (٨/ ٢٨٥، ٢٨٦)، ورواه النسائي في السنن الكبرى (٦/ ٣٣٧) كتاب التفسير، باب: قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ حديث (١١١٥١) وفي التفسير (١٧١)، وابن جرير في تفسيره (١٠/ ٥٧١) (١٢٥٢٢)، والطبراني في الكبير (١٢/ ٥٦، ٥٧) (١٢٤٥٩)، والحاكم في المستدرك (٤/ ١٤١، ١٤٢) من طريق ربيعة بن كلثوم عن أبيه به. والحديث صححه الذهبي على شرط مسلم \"تلخيص مستدرك الحاكم\" وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ٢١) وقال: \"رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح\". وزاد السيوطي في الدر المنثور (٢/ ٥٥٧) نسبته لعبد بن حميد وابن المنذر وأبي الشيخ وابن مردويه، ويشهد له حديث سعد المتقدم قبل هذا.\n_________\n[¬١]- في ز: \"انتشبنا\".\n[¬٢]- في ز: \"فقال\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- سقط من ت.\n[¬٥]- سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- في ز، خ: \"شيء\".\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٨]- في ت: \"أ ناس\".","vol":"5","page":344},{"text":"ورواه النسائي في التفسير عن محمد بن عبد الرحيم صاعقة، عن حجاج بن منهال.\n(حديث آخر): قال ابن جرير (^٦٩٨): حدثني محمد بن خلف، حدثنا سعيد بن محمد الحرمي، عن أبي تميلة، عن سلام مولى حفص أبي القاسم، عن ابن [¬١] بريدة، عن أبيه، قال: بينا نحن تعود على شراب لنا ونحن على رملة، ونحن ثلاثة أو أربعة، وعندنا باطية (*) لنا ونحن نشرب الخمر حلًّا، إذ قمت حتى آتي رسول الله ﵌ فأسلم عليه، إذ نزل تحريم الخمر ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ إلى آخر الآيتين [¬٢] ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾، فجئت إلى أصحابي فقرأتها عليهم إلى قوله: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ قال: وبعض القوم شَرْبته في يده قد شرب بعضها، وبقي بعض في الإناء، فقال بالإِناء تحت شفته العليا كما يفعل الحجام، ثم صبوا ما في باطيتهم، فقالوا: انتهينا ربنا!.\n(حديث آخر): قال البخاري (^٦٩٩): حدثنا صدقة بن الفضل، أخبرنا ابن عيينة، عن عمرو، عن جابر، قال: صبح أناس [¬٣] غداة أحد الخمر فقتلوا من يومهم جميعا [¬٤] شهداء، وذلك قبل تحريمها.\nهكذا رواه البخاري في تفسيره من صحيحه، وقد رواه الحافظ أبو بكر البزار في مسنده (^٧٠٠): حدثنا أحمد بن عبدة، حدثنا سفيان، عن [¬٥] عمرو بن دينار، سمع جابر ابن عبد الله يقول: اصطبح ناس الخمر من أصحاب النبي ﷺ ثم قتلوا شهداء يوم أحد، فقالت اليهود: فقد مات بعض الذين قتلوا وهي في بطونهم. فأنزل الله: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾. ثم قال: وهذا إسناد\n_________\n(^٦٩٨) - تفسير ابن جرير (١٠/ ٥٧٢) (١٢٥٢٣)، وإسناده رجاله ثقات غير سلام مولى حفص ذكره البخاري في التاريخ (٤/ ١٣٣)، وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٤/ ٢٦٢)، ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعدلًا وذكره ابن حبان في الثقات، والخبر ذكره السيوطي في الدر المنثور (٢/ ٥٥٧) ولم يعزه لغير ابن جرير.\n(*) الباطية: إناء الخمر، وهي تصنع من الزجاج وتملأ بالخمر ويغرف منها الشرب. انظر لسان العرب (ب ط ى).\n(^٦٩٩) - صحيح البخاري (٨/ ٢٧٧) كتاب التفسير، باب: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ حديث (٤٦١٨).\n(^٧٠٠) - لم يطبع مسند جابر بن عبد الله عن \"البحر الزخار\" المعروف بمسند البزار بعد، وليس الحديث في كشف الأستار ولا هو من شرطه؛ فإن الحديث في صحيح البخاري وغيره من الكعب الستة.\n_________\n[¬١]- في ت: \"أبي\".\n[¬٢]- في ز: \"الآية\".\n[¬٣]- في ز: \"ناس\".\n[¬٤]- سقط من: ت.\n[¬٥]- في ز: \"بن\".","vol":"5","page":345},{"text":"صحيح. وهو كما قال، ولكن في سياقه غرابة.\n(حديث آخر): قال أبو داود الطيالسي (^٧٠١): حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق، عن البراء ابن عازب، قال: لما نزل تحريم الخمر قالوا: كيف بمن كان يشربها قبل أن تحرم؟ فنزلت: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ الآية. و[¬١] رواه الترمذي [] [¬٢] عن غندر، عن شعبة به نحوه، وقال: حسن صحيح.\n(حديث آخر): قال الحافظ أبو يعلى الموصلي (^٧٠٢): حدثنا جعفر بن حميد الكوفي، حدثنا يعقوب القمي، عن عيسى بن جارية، عن جابر بن عبد الله، قال: كان رجل يحمل الخمر من خيبر إلى المدينة فيبيعها من المسلمين، فحمل [¬٣] منها بمال فقدم بها المدينة فلقيه رجل من المسلمين، فقال: يا فلان، إن الخمر قد حرمت. فوضعها حيث انتهى على تل وسجى عليها بأكسية، ثم أتى النبي صلى الله عيه وسلم فقال: يا رسول الله، بلغني أن الخمر قد حرمت؟ قال: \"أجِل\". قال: أَلي [¬٤] أن أردها على من ابتعتها منه؟ قال: \"لا يصلح [¬٥] ردها\". قال: أَلي [¬٦] أن أهديها إلى من يكافئني منها؟ قال: \"لا\". قال: فإن فيها مالًا ليتامى في حجري. قال: \"إذا أتانا مال البحرين فأتنا نعوِّض أيتمامك\n_________\n(^٧٠١) - مسند الطيالسي (٧١٥) ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره (٤/ ١٢٠١) (٦٧٧٥)، ورواه الترمذى في التفسير باب: ومن سورة المائدة حديث (٣٠٥١)، وأبو يعلى في مسنده (١٧١٩، ١٧٢٠)، وابن جرير في تفسيره (١٢٥٢٩) من طريق شعبة به، ورواه الترمذي (٣٠٥٠)، والطبري (١٢٥٢٨) من طريق إسرائيل عن أبي إسحاق به، وقال الترمذي عقب الطريقين: حسن صحيح. وإسناده صحيح على شرط الشيخين لكن في مسند أبى يعلى عقب الحديث: قال شعبة: أسمعته من البراء؟ قال: لا. لكن الحديث صححه الألباني - حفظه الله - في صحيح سنن الترمذي برقم (٢٤٤٣، ٢٤٤٤) والخبر ذكره السيوطي في الدر المنثور (٢/ ٥٦٦) وزاد نسبته لعبد بن حميد وابن المنذر وأبي الشيخ وابن مردويه.\n(^٧٠٢) - مسند أبي يعلى (٤/ ٤٠٣) (١٨٨٤) وإسناده ضعيف عيسى بن جارية ضعفه ابن معين وقال أبو داود: منكر الحديث. وذكره ابن حبان في الثقات (٥/ ٢١٤) وقال الحافظ في \"التقريب\": \"فيه لين\". والحديث رواه الطبراني في \"الأوسط\" (٣٧٢٧) - مختصرًا - قال: حدثنا عثمان بن عبيد الله الطلحي قال: نا جعفر بن حميد، قال: نا يعقوب القمي فذكره مختصرًا. وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٤/ ٩٢) وقال: \"رواه أبو يعلى، وفي الطبراني في الأوسط طرف منه بمعناه وفي إسناد الجميع يعقوب القمي وعيسى بن جارية وفيهما كلام وقد وثقا\".\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز: \"عن بندار\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"فحل\".\n[¬٤]- في ز: \"لي\".\n[¬٥]- في ت: \"يصح\".\n[¬٦]- في ز: \"لي\".","vol":"5","page":346},{"text":"من مالهم\". ثم نادى بالمدينة، فقال رجل: يا رسول الله الأوعية ننتفع بها؟ قال: \"فحلوا أوكيتها\"، فانصبت حتى استقرت في بطن الوادي. هذا حديث غريب.\n(حديث آخر): قال الإمام أحمد (^٧٠٣): حدثنا وكيع، حدثنا سفيان، عن السدي، عن أبي هبيرة - وهو يحيى بن عباد الأنصاري - عن أنس بن مالك: أن أبا طلحة سأل رسول الله ﷺ عن أيتام في حجره ورثوا خمرًا. فقال [¬١]: \"أهرقها\". قال: أفلا نجعلها خلًّا؟ قال: \"لا\".\nورواه مسلم وأبو داود والترمذي من حديث الثوري به نحوه.\n(حديث آخر): قال ابن أبي حاتم (^٧٠٤): حدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن رجاء، حدثنا عبد العزيز بن أبي [¬٢] سلمة، حدثنا هلال بن أبى هلال، عق عطاء بن يسار، عن عبد الله بن عمرو، قال: إن هذه الآية التي في القرآن: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ قال: هي في التوراة: إن الله أنزل [¬٣] الحق ليذهب به الباطل، ويبطل به اللعب والمزامير والزفن والكِنَّارات يعني البرابط - والزمارات يعني بها [¬٤] الدف والطنابير والشعر، والخمر مرة لمن طعمها، أقسم الله بيمينه وعزة حَيْله [¬٥] من شربها بعد ما حرمتها لأعطشنه يوم القيامة، ومن تركها بعد ما حرمتها لأسقينه إياها في حظيرة القدس.\nوهذا إسناد صحيح.\n_________\n(^٧٠٣) - رواه في المسند (٣/ ١١٩، ١٨٠)، ورواه أبو داود في الأشربة، باب: ما جاء في الخمر تخلل حديث (٣٦٧٥) حدثنا زهير بن حرب ثنا وكيع فذكره، ورواه مسلم في الأشربة، باب: تحريم تخليل الخمر، حديث (١٩٨٣)، والترمذي في البيوع، باب: النهى أن يتخذ الخمر خلًّا حديث (١٢٩٤)، وأحمد (٣/ ٢٦٠)، والدارمي (٢١٢١) من طريقين عن السدي به، والسدي هو إسماعيل بن عبد الرحمن بن أبي كريمة قال الحافظ في \"التقريب\": صدوق يهم روى له مسلم والأربعة وقد تابعه ليث ابن أبي سليم فرواه عن يحيى بن عباد عند أحمد في مسنده (٣/ ٢٦٠) وليث ضعيف أيضًا.\n(^٧٠٤) - تفسير ابن أبي حاتم (٤/ ١١٩٦) (٦٧٤٤)، وذكره السيوطي في الدر المنثور (٢/ ٥٦٠) وزاد نسبته لأبي الشيخ والبيهقي.\n_________\n[¬١]- في ز: \"قال\".\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- في ز: \"نزل\".\n[¬٤]- في ز: \"به\".\n[¬٥]- سقط من: ز، خ.","vol":"5","page":347},{"text":"(حديث آخر): قال عبد الله بن وهب (^٧٠٥): أخبرني عمرو بن الحارث، أن عمرو بن شعيب حدثهم، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، عن رسول الله ﷺ قال: \"من ترك الصلاة سكرًا مرة واحدة فكأنما كانت له الدنيا وما عليها فسلبها، ومن ترك الصلاة سكرًا أربع مرات كان حقًّا على الله أن يسقيه من طينة الخبال\". قيل: وما طينة الخبال؟ قال: \"عُصارة أهل جهنم\".\nورراه أحمد من طريق عمرو بن شعيب.\n(حديث آخر): قال أبو داود (^٧٠٦): حدثنا محمد بن رافع، حدثنا إبراهيم بن عمر الصنعاني، قال: سمعت النعمان - هو ابن أبي شيبة الجندي [¬١]- يقول: عن طارس، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: \"كل مخمر خمر، وكل مسكر حرام، ومن شوب مسكرًا بخست صلاته أربعين صباحًا، فإن تاب تاب الله عليه، فإن عاد الرابعة كان [¬٢] حقًّا على الله أن يسقيه من طينة الخبال\". قيل: وما طينة الخبال يا رسول الله؟ قال: \"صديد أهل النار، ومن سقاه صغيرًا لا يعرف حلاله من حرامه كان حقًّا على الله أن يسقيه من طينة الخبال\".\nتفرد به أبو داود.\n_________\n(^٧٠٥) - رواه أحمد في مسنده (٢/ ١٧٨) بسنده إلى ابن وهب به، ورواه الحاكم في المستدرك (٤/ ١٤٦) حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم أنبأ ابن وهب به، ورواه البيهقي في سننه (٨/ ٢٨٧) من طرق عن أبي العباس محمد بن يعقوب بالحديث.\nوالحديث ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٥/ ٧٢، ٧٣) إلى قوله: فسلبها، وقال: رواه أحمد ورجاله ثقات. قال العلامة أحمد شاكر عقب قول الهيثمى هذا: لا أدري لم ترك باقيه؟ فإني لم أجده فيه فى موضع آخر. قلت له كذلك في بعض نسخ المسند فإن المنذري ﵀ ذكر الحديث بتمامه فى الترغيب (٣/ ٢٢٧) وعزاه للحاكم وقال: \"وروى أحمد فيه\" من ترك الصلاة … فسلبها\" ثم قال ورواته ثقات. والحديث صحح إسناده الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على المسند. والحق أن إسناد هذا الحددث لا يرتقى إلى درجة الصحة للاختلاف في رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. والله أعلم.\n(^٧٠٦) - سنن أبي داود كتاب الأشربة، باب: النهي عن المسكر حديث (٣٦٨٠) ومن طريقه رواه البيهقي في السنن (٨/ ٢٨٨) وابن عبد البر في التمهيد (١/ ٢٥٥) وإسناده صحيح. قال الألباني فى \"السلسلة الصحيحة\" (٢٠٣٩): هذا إسناد صحيح رجاله كلهم ثقات، والنعمان هذا هو ابن أبي شيبة عبيد الصنعاني، وهو ثقة بلا خلاف. ومئله إبراهيم بن عمر الصنعاني.\n_________\n[¬١]- في خ: \"الجندرى\".\n[¬٢]- في ز: \"فإن\".","vol":"5","page":348},{"text":"(حديث آخر): قال الشافعي ﵀ (^٧٠٧): أنبأنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ قال: \"من شرب الحمر في الدنيا ثم لم يتب منها حرمها في الآخرة\".\nأخرجه البخاري ومسلم من حديث مالك به.\nوروى مسلم عن أبي الربيع، عن حماد بن زيد، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ: \"كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام، ومن شرب الحمر فمات وهو يدمنها ولم يتب منها لم يشربها في الآخرة\" (^٧٠٨).\n(حديث آخر): قال ابن وهب (^٧٠٩): أخبرني عمر بن محمد، عن عبد الله بن يسار، أنه سمع سالم بن عبد الله يقول: قال عبد الله بن عمر: قال رسول الله صلى الله عليه ومسلم: \"ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة؛ العاق لوالديه، والمدمن الخمر، والمنان بما أعطى\".\nورواه النسائي: عن عمرو بن علي، عن يزيد بن زريع، عن عمر بن محمد العمري به.\nوروى أحمد [¬١] (^٧١٠): عن غندر، عن شعبة، عن يزيد بن أبي زياد، عن مجاهد، عن أبي سعيد، عن النبي صلى الله عليه ومسلم قال: \"لا يدخل الجنة منان، ولا عاق، ولا مدمن خمر\"\n_________\n(^٧٠٧) - مسند الشافعي (٢/ رقم ٣٠٠ - شفاء العي)، والحديث رواه مالك في الموطأ (٢/ ٦٤٥) كتاب الأشربة، باب تحريم الخمر حديث (١١) ومن طريقه رواه البخاري في \"صحيحه\" كتاب الأشربة، باب قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ﴾ … الآية حديث (٥٥٧٥)، ومسلم في الأشربة، باب: عقوبة من شرب الخمر إذا لم يتب منها، يمنعه إياها في الآخرة، (٧٦، ٧٧/ ٢٠٠٣).\n(^٧٠٨) - رواه مسلم في الأشربة، باب: بيان أن كل مسكر خمر وأن كل خمر حرام، حديث (٧٣/ ٢٠٠٣) قال: حدثنا أبو الربيع العتكي وأبو كامل قالا: حدثنا حماد بن زيد فذكره، ورواه أبو داود (٣٦٧٩)، والترمذي (١٨٦١)، وأحمد (٢/ ٩٨) عن حماد بن زيد له.\n(^٧٠٩) - تقدم تخريجه في\"تفسير البقرة\"/الآية (٢٦٤).\n(^٧١٠) - رواه في المسند (٣/ ٤٤)، ورواه في (٣/ ٢٨) فال: حدثنا عبد الصمد قال حدثنا عبد العزيز - يعني بن مسلم - ثنا يزيد عن مجاهد به. ورواه أبو يعلى في مسنده (٢/ ٣٩٤) (١١٦٨) حدثنا أبو خيثمة حدثنا جرير عن يزيد بن أبي زياد به. ورواه النسائي في الكبري كتاب العتق، باب: عتق=\n_________\n[¬١]- في خ: \"محمد\".","vol":"5","page":349},{"text":"ورواه أحمد أيضًا (^٧١١): عن عبد الصمد، عن عبد العزيز بن مسلم [¬١] عن يزيد بن أبي زياد، عن مجاهد به. وعن مروان بن شجاع، عن خصيف، عن مجاهد به. ورواه النسائي (^٧١٢) عن القاسم بن زكريا، عن الحسين [¬٢] الجعفى، عن زائدة، عن يزيد [¬٣] بن [¬٤] أبي زياد، عن سالم بن أبي الجعد ومجاهد كلاهما، عن أبي سعيد به.\n(حديث آخر): قال الإمام [¬٥] أحمد (^٧١٣): حدثنا عبد الرزاق، حدثنا سفيان، عن منصور، عن سالم بن أبى الجعد، عن جابان، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي صلى الله عديه وسلم قال: \"لا يدخل الجنة عاق، ولا مدمن خمر، ولا منان، ولا ولد زِنيَة [¬٦] \".\n_________\n= ولد الزنا حديث (٤٩٢٠) من طريق زائده عن يزد بن أبي زياد عن سالم بن أبي الجعد ومجاهد عن أبي سعيد به. ورواه الخطيب في \"موضح أوهام الجمع والتفريق\" (٢/ ١٨٣) من طريق يزيد بن أبي زياد عن سالم ابن أبي الجعد عن أبي سعيد، والحديث مدار طرقه على يزيد بن أبي زياد وهو ضعيف.\n(^٧١١) - مسند أحمد (٣/ ٢٨) وانظر التخريج السابق.\n(^٧١٢) - سنن النسائي الكبرى (٤٩٢٠) وانظر رقم (٧٣٨).\n(^٧١٣) - رواه في المسند (٣/ ٢٠٢) وهو عند عبد الرزاق في \"مصنفه\" (٤/ ٤٥٧) (١٣٨٥٩) ورواه أيضًا عبد بن حميد كما في المنتخب من \"المسند\" (٣٢٤)، والنسائي في \"الكبرى\" كتاب العتق، باب ما ذكر في ولد الزنا وذكر اختلاف الناقلين لخبر عبد الله بن عمرو في ذلك حديث (٤٩١٤)، والدارمي (٢٠٩٩) وابن خزيمة في التوحيد (٥٨١)، وابن حبان في\"صحيحه\" (٣٣٨٣)، والخطيب في تاريخه (١١/ ١٧) من طريق سفيان، والنسائي في \"الكبرى\" (٤٩١٦) وابن خزيمة في التوحيد (٥٨٣) من طريق جرير، وأحمد في المسند (٢/ ١٦٤) من طريق همام، والطحاوي في \"مشكل الآثار\" (٩١٤) من طريق شيبان أربعتهم عن منصور. والحديث رواه شعبة عن منصور لكن اختلف عليه فيه فرواه النسائي في \"الصغرى\" كتاب الأشربة، باب: الرواية في المدمنين في الخمر (٨/ ٣١٨)، وفي \"الكبرى\" كتاب العتق، باب: عتق ولد الزنا حديث (٤٩١٤) (٣/ ١٧٥) وأحمد (٢/ ٢٠١)، والدارمي (٢١٠٠)، والطيالسي (٢٢٩٥)، وابن حبان (٣٣٨٤) من طريق شعبة عن منصور عن سالم بن أبي الجعد عن نبيط بن شريط عن جابان عن عبد الله بن عمرو به. لكن وقع عند الطيالسي \"شميط بن نبيط\"، وقال البخاري في \"التاريخ\" (٢/ ٢٥٧): قال الجعفي ثنا وهب سمع شعبة: عن منصور عن سالم عن نبيط عن جابان عن عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ قال: \"لا يدخل الجنة ولد زنا، وتابعه غندر، ولم يقل جرير والثوري: نبيط، وقال عبدان عن أبيه عن شعبة عن يزيد عن سالم عن عبد الله بن عمرو - قوله: ولم يصح ولا يعرف لجابان سماع من عبد الله بن عمرو ولا لسالم من\n_________\n[¬١]- في ز: \"أسلم\".\n[¬٢]- في ز: \"حسين\".\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- سقط من: خ.\n[¬٥]- سقط من: ز.\n[¬٦]- في ز. \"رنية\".","vol":"5","page":350},{"text":"وكذا رواه عن يزيد، عن همام، عن منصور، عن سالم، عن جابان، عن عبد الله بن عمرو به. وقد رواه أيضًا عن غندر وغيره، عن شعبة، عن منصور، عن سالم، عن نبيط [¬١] بن شُرَيط، عن جابان، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ قال: \"لا يدخل الجنة منان، ولا عاق والديه، ولا مدمن خمر\".\nورواه النسائي من حديث شعبة كذلك، ثم قال: ولا نعلم [¬٢] أحدًا تابع شعبة عن نبيط [¬٣] بن شريط.\nوقال البخاري: لا يعرف [¬٤] لجابان سماع من عبد الله، ولا لسالم من جابان ولا نبيط.\nوقد روي هذا الحديث من طريق مجاهد عن ابن عباس، ومن طريقه أيضًا عن أبي هريرة، فالله أعلم.\nوقال الزهري (^٧١٤): حدثني أبو بكر بن [عبد الرحمن] [¬٥] بن الحارث بن هشام، أن أباه\n_________\n=جابان ولا من نبيط. وقد صوب الحافظ أبو حاتم بن حبان في صحيحه رواية سفيان ومن وافقه على رواية شعبة فقال: اختلف شعبة والثوري في إسناد هذا الخبر فقال الثوري: عن سالم عن جابان، وهما ثقتان حافظان إلاَّ أن الثوري كان أعلم بحديث أهل بلده من شعبة وأحفظ لها منه، ولا سيما حديث الأعمش وأبي إسحاق ومنصور، فالخبر متصل عن سالم عن جابان فمرة روى كما قال شعبة وأخرى كما قال سفيان. وصوب العلامة أحمد شاكر في تعليقه على المسند رواية سفيان وصحح إسناده من هذا الطريق فقال: \"ولا نكاد نشك بعد هذا في أن شعبة لم يتقن حفظ هذا الإسناد وأن هذا الاضطراب منه لا من الرواة عنه فتخلص لنا رواية الحافظين الثقتين: همام والثوري، عن منصور عن سالم عن جابان عن عبد الله بن عمرو مرفوعًا كما بينا ولا يؤثر خلاف شعبة لهما، بما زاد من راويين سالم وجابان بأنه اضطرب في ذلك واختلف قوله فلم يتقن ما روى عن منصور\" اهـ. وأمَّا العلة الثانية التي ذكرها البخاري ﵀ من أن سالمًا لم يسمع من جابان ولا من نبيط وأن جابان لم يسمع من ابن عمرو فقد ردها الشيخ أحمد شاكر بأن ذكر نبيط في الإسناد خطأ وأن سالم بن أبي الجعد تابعي معروف سمع من الصحابة فلا يحتاج إلى إثبات سماعه من جابان بالتنصيص كما هو بديهى، وهو لو شاء أن يدلسه فيجعل الرواية عن عبد الله بن عمرو مباشرة لما تردد أحد في أنه متصل ولكنه أدى الأمانة حق أدائها فذكر الواسطة بينه وبين ابن عمرو في هذا الحديث بعينه، فمن التجني أن يشك أحد في اتصاله وأن حمله على التدليس!! وأمَّا عن رواية جابان عن ابن عمرو فقد جاء الحديث من وجهين آخرين عن ابن عمرو ذكرهما العلامة أحمد ثاكر. وأيضًا يشهد لهذا الحديث حديث عبد الله بن عمر بن الخطاب المتقدم قريبًا، والله أعلم.\n(^٧١٤) - سنن البيهقي (٨/ ٢٨٧، ٢٨٨)، ورواه عبد الرزاق (١٧٠٦٠)، والنسائي=\n_________\n[¬١]- في ز: \"نبيطة\".\n[¬٢]- في ز: \"يعلم\".\n[¬٣]- في ز: \"نبيطة\".\n[¬٤]- في ز: \"نعرف\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين في ز: \"عبد الكريم\".","vol":"5","page":351},{"text":"قال: سمعت عثمان بن عفان يقول: اجتنبوا الخمر فإنها أم الخبائث، إنه كان رجل فيمن خلا قبلكم يتعبد ويعتزل الناس، فعلقته امرأة غوية، فأرسلت إليه جاريتها، فقالت: إنا ندعوك لشهادة، فدخل معها فطفقت كلما دخل بابًا أغلقته دونه، حتى أفضى إلى امرأة وضيئة عندها غلام وباطية خمر، فقالت: إني والله ما دعوتك لشهادة، ولكني [¬١] دعوتك لتقع عليَّ، أو تقتل هذا الغلام، أو تشرب هذا الخمر، فسقته كأسًا، فقال: زيدوني، فلم يرم حتى وقع عليها وقتل النفس، فاجتنبوا الخمر فإنها لا تجتمع هي والإِيمان أبدًا، إلا أوشك أحدهما أن يخرج صاحبه.\nو[¬٢] رواه البيهقي وهذا إسناد صحيح، وقد رواه أبو بكر بن أبي الدنيا في كتابه ذم المسكر (^٧١٥) عن محمد بن عبد الله بن بزيع، عن الفضيل بن سليمان النميري، عن عمر بن سعيد، عن الزهري به مرفوعًا، والموقوف أصح، والله أعلم. وله شاهد في الصحيحين (^٧١٦) عن رسول الله ﷺ أنه قال: \"لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق سرقة حين يسرقها وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن\".\nوقال أحمد بن حنبل (^٧١٧): حدثنا أسود بن عامر، أخبرنا إسرائيل، عن سماك، عن\n_________\n= (٨/ ٣١٥، ٣١٦) في الأشربة، باب ذكر الآثار المتولدة عن شرب الخمر من ترك الصلوات … موقوفًا. ورواه ابن حبان في \"صحيحه\" (١٢/ ١٦٨، ١٦٩) (٥٣٤٨)، وابن أبي الدنيا في ذم المسكر (١) وهن طريقه ابن الجوزي في العلل المتناهية (١١٢٢) قال حدثنى عبد الله بن محمد بن دزيع فذكر الحديث كما نقله عنه المصنف في الحديث التالي، والصواب وقفى الحديث كما قال المصنف ﵀ فإن المرفوع في إسناده عمر ابن سعيد بن سريج - ويقال له: ابن سريج - لينه الذهبي وقال ابن عدي: أحاديثه ليست مستقيمة.\n(^٧١٥) - ذم المسكر لابن أبي الدنيا رقم (١)، ومن طريقه ابن الجوزي في العلل المتناهية (١١٢٢)، وانظر التخريج السابق.\n(^٧١٦) - رواه البخاري في \"صحيحه\" كتاب المظالم، باب: النهي بغير إذن ضاحبه حديث (٢٤٧٥) وأطرافه في (٥٥٧٨) (٦٧٧٢) (٦٨١٠)، ومسلم في كتاب الإيمان باب: بيان نقصان الإيمان بالمعاصي، ونفيه عن المتلبس بالعصية حديث (٥٧) من طرق عن أبي هريرة.\n(^٧١٧) - المسند (١/ ٢٩٥) (٢٦٩١)، ورواه في (١/ ٢٣٤) (٢٠٨٨) قال: حدثنا وكيع، وفي (١/ ٣٠٤) (٢٧٧٥) قال: حدثنا خلف، والترمذي كتاب تفسير القرآن، باب: وهن سورة المائدة حديث (٣٠٥٢) قال: حدثنا عبد بن حميد حدثنا عبد العزيز بن أبي زرقة، والحاكم في المستدرك (٤/ ١٤٣) من طريق عبيد الله بن موسى، خمستهم عن إسرائيل عن سماك به، وقال الترمذي: حديث حسن=\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- سقط من: ز.","vol":"5","page":352},{"text":"عكرمة، عن ابن عباس، قال. لما حرمت الخمر [¬١] قال أناس: يا رسول الله، أصحابنا الذين ماتوا وهم يشربونها؟ فأنزل الله: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ [إلى آخر] [¬٢] الآية. قال [¬٣]. ولما حولت القبلة قال أناس: يا رسول الله، أصحابنا الذين ماتوا وهو [¬٤] يصلون إلى بيت [¬٥] المقدس؟ فأنزل الله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾.\nوقال الإمام أحمد (^٧١٨): حدثنا داود بن مهران الدباغ، حدثنا داود - يعنى: العطار - عن ابن خثيم، عن شهر بن حوشب، عن أسماء بنت يزيد، أنها سمعت النبي ﷺ يقول: \"من شرب الحمر لم يرض الله عنه أربعين ليلة، إن مات مات كافرًا، وإن تاب تاب الله عليه، وإن عاد كان حقًّا على الله أن يسقيه من طينة الخبال\". قالت: قلت: يا رسول الله، وما طينة الخبال؟ قال: \"صديد أهل النار\".\nوقال الأعمش (^٧١٩)، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله بن مسعود، أن النبي ﷺ قال لما نزلت: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا﴾ فقال النبي ﷺ \"قيل لي: أنت منهم\". وهكذا رواه مسلم والترمذي والنسائي من طريقه.\n_________\n= صحيح. وقال الحاكم: صحيح الإسناد. ووافقه الذهبي.\n(^٧١٨) - رواه في المسند (٦/ ٤٦٠)، ورواه الطبراني في الكبير (٢٤/ ١٦٨) (٤٢٨)، وابن أبي الدنيا في \"ذم المسكر\" (٢٥) من طريق داود العطار عن عبد الله بن عثمان بن خثيم به. ورواه الطبراني (٢٤/ ١٦٩) (٤٢٩) من طريق يحيى بن سليم عن عبد الله بن خثيم بإسناده نحوه. وإسناده حسن لولا أن شهر بن حوشب ضعيف، والحديث ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٧٢/ ٥) وقال رواه أحمد والطبراني وفيه شهر بن حوشب وهو ضعيف وقد حسن حديثه، وبقية رجال أحمد ثقات\".\n(^٧١٩) - رواه مسلم في \"صحيحه\" كتاب فضائل الصحابة، باب: من فضائل عبد الله بن مسعود وأمه رضي الله تعالى عنهما حديث (٢٤٥٩)، والترمذي في كتاب التفسير، باب: \" ومن سورة المائدة\" حديث (٣٠٥٣)، والنسائي في \"الكبرى\" كتاب التفسير، باب قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ حديث (١١١٥٣) وهو في تفسير النسائي رقم (١٧٣).\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٣]- سقط من: ت.\n[¬٤]- في ت: \"وهو\".\n[¬٥]- في ت: \"البيت\".","vol":"5","page":353},{"text":"وقال عبد الله ابن الإمام أحمد (^٧٢٠): قرأت على أبي، حدثنا على بن عاصم، حدثنا إبراهيم الهجري، عن أبي الأحوص، عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ: \"إياكم وهاتان الكعبتان [¬١] [الموسومتان اللتان تزجران] [¬٢] زجرًا، فإنهما ميسر العجم\".\n﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٩٤) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (٩٥)﴾\nقال الوالبي عن ابن عباس قوله: ﴿لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ﴾ قال: هو الضعيف من الصيد وصغيره يبتلي الله به عباده في إحرامهم، حتى لو شاءوا يتناولونه بأيديهم، فنهاهم الله أن يقربوه.\nوقال مجاهد: ﴿تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ﴾ يعني: صغار الصيد وفراخه ﴿وَرِمَاحُكُمْ﴾ يعني:\n_________\n(^٧٢٠) - زوائد \"المسند\" (١/ ٤٤٦)، وإسناده ضعيف لضعف\" إبراهيم الهجري واسمه إبراهيم بن مسلم أبو إسحاق الهجري ضعفه ابن معين والنسائي وأبو حاتم (وانظر ترجمته في الميزان (١/ ٦٥» والحديث ذكره الهيثمي في مجمع الزوئد (٨/ ١١٦) وقال: رواه أحمد والطبراني ورجال الطبراني رجال الصحيح. قال العلامة أحمد شاكر في تعليقه على المسند: \"إياكم وهاتان\" إلخ: هكذا ثبت فى الأصلين والزوائد. وكذلك في كتاب الزواجر لابن حجر المكي ٢/ ٢١٢ (طبعة بولاق سنة ١٢٨٤) وكتب مصححه الشيخ محمد الصباغ ﵀ بهامشه: \"كذا في الأصول التي بأيدينا، ولعله على لغة من يلزم المثنى الألف\"، وهو كما قال، قلت: فى كامل ابن عدي (١/ ٢١٦) ترجمة إبراهيم الهجري ذكر ابن عدي هذا الحديث في مناكيره لكن بلفظ: \"إياكم وهاتين الكعبتين .. \" إلخ وأغلب الظن عندي أن هذا تحريف من الناسخ أو من القائمين على طبع الكتاب فإن هذه الطبعة كثيرة التحريفات والتصحيفات.\n_________\n[¬١]- فى ز: \"الكيتان\"، خ: \"الكستان\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز: \"الموسمتان الذين يزجران\".","vol":"5","page":354},{"text":"كباره.\nوقال مقاتل بن حيان: أنزلت هذه الآية في عمرة الحديبية، فكانت الوحش والطير والصيد تغشاهم [¬١] في رحالهم، لم يروا مثله قط فيما خلا، فنهاهم الله عن قتله وهم محرمون.\n﴿لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ﴾ يعني: أنه تعالى يبتليهم بالصيد يغشاهم في رحالهم، يتمكنون من أخذه بالأيدي والرماح، [سرًا وجهرًا]، ليظهر طاعة من يطيع منهم في سره أو [¬٢] جهره، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾.\nوقوله هاهنا: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ﴾ قال السدي وغيره: يعني بعد هذا الإِعلام والإِنذار والتقدم، ﴿فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أي: لمخالفته أمر الله وشرعه.\nثم قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ وهذا تحريم منه تعالى لقتل الصيد في حال الإحرام ونهي عن تعاطيه فيه، وهذا إنما يتناول من حيث المعنى المأكول وما يتولد منه ومن غيره، فأَما غير المأكول من حيوانات البر فعند الشافعي يجوز للمحرم قتلها، والجمهور على تحريم قتلها أيضًا، ولا يستثنى من ذلك إلا ما [ثبت في الصحيحين (^٧٢١)] [¬٣] من طريق الزهري، عن عروة، عن عائشة أم المؤمنين، أن رسول الله ﷺ قال: \"خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم [¬٤]؛ الغراب، والحدأة، والعقرب، والفأرة، والكلب العقور\".\nوقال مالك، عن نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ قال: \"خمس من الدواب ليس على المحرم في قتلهن جناح؛ الغراب، والحدأة، والعقرب، والفأرة، والكلب العقور\". أخرجاه (^٧٢٢).\n_________\n(^٧٢١) - تقدم تخريجه في تفسير سورة البقرة/ الآية ٢٧.\n(^٧٢٢) - رواه مالك في الموطأ كتاب الحج، باب: ما يقتل المحرم من الدواب حديث (٨٨)، ومن طريقه رواه البخاري في صحيحه كتاب جزاء الصيد، باب: ما يقتل المحرم من الدواب حديث (١٨٢٦)، ومسلم في \"صحيحه\" كتاب الحج، باب: مايندب للمحرم وغيره قتله من الدواب في الحل والحرم، حديث (١١٩٩/ ٧٦)، ورواه مسلم برقم (١١٩٩) من طرق عن نافع به. ورواه مالك في الموطأ (٨٩) ومن طريقه البخاري (١٨٢٦)، ورواه مسلم (١١٩٩/ ٧٩) من طريق عبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر ﵄ به نحو رواية نافع.\n_________\n[¬١]- ز: \"يغشاهم\".\n[¬٢]- في ز: \"و\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في ت: \"الصحيحين\".\n[¬٤]- في ز: \"الإحرام\".","vol":"5","page":355},{"text":"ورواه أيوب، عن نافع، عن ابن عمر مثله. قال أيوب: قلت لنافع: فالحية؟ قال: الحية لا شك فيها، ولا يختلف في قتلها.\nومن العلماء كمالك وأحمد من ألحق بالكلب العقور الذئب والسبع والنمر والفهد؛ لأنها أشد ضررًا منه، فالله أعلم. وقال [زيد بن أسلم وسفيان بن عيينة]: الكلب العقور يشمل هذه السباع العادية كلها. واستأنس من قال بهذا بما روي أن رسول الله ﷺ لما دعا على عتبة بن أبي لهب قال: \"اللهم سلط عليه كلبك بالشام\" (^٧٢٣). فأكله السبع بالزرقاء قالوا: فإن قتل ما عداهن فداها كالضبع والثعلب وهو البر ونحو ذلك.\nقال مالك: وكذا يستثنى من ذلك صغار هذه الخمس المنصوص عليها، وصغار الملحق بها من السباع العوادي. وقال الشافعي: يجوز للمحرم قتل كل ما لا يؤكل لحمه، ولا فرق بين صغاره وكباره، وجعل العلة الجامعة كونها لا تؤكل.\nوقال أبو حنيفة: يقتل المحرم: الكلب العقور، والذئب؛ لأنه كلب بري، فإن قتل غيرهما فداه، إلا أن يصول عليه سبع غيرهما فيقتله فلا فداء عليه. وهذا قول الأوزاعي والحسن بن صالح بن حيي [¬١].\nوقال زفر بن الهذيل: يفدي ما سوى ذلك وإن صال عليه.\nوقال بعض الناس: المراد [بالغراب هاهنا الأبقع]، وهو الذي في بطنه وظهره بياض، دون الأدرع وهو الأسود، والأعصم وهو الأبيض، لما رواه النسائي (^٧٢٤) عن عمرو بن علي الفلاس، عن يحيى القطان، عن شعبة، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، عن عائشة، عن النبي ﵌ قال: \"خمس يقتلهن المحرم؛ الحية، والفأرة، والحدأة، والغراب\n_________\n(^٧٢٣) - كذا ذكره القاضي عياض في الشفا بدون إسناد، ونقله الحافظ ابن كثير في تفسير سورة النجم، الآية (٩) وقال: ذكره الحافظ ابن عساكر بسنده إلى هبار بن الأسود، ﵁، ورواه الحاكم (٢/ ٥٣٩) من طريق نوفل بن أبي عقرب عن أبيه قال: كان لهب بن أبي لهب يسب النبي ﷺ فقال النبي ﷺ: \"اللهم سلط عليه كلبك\" فذكر الحديث وقد حسنه الحاكم في فتح الباري (٤/ ٣٩).\n(^٧٢٤) - \" المجتبي\" كتاب مناسك الحج، باب: قتل الحية (٥/ ١٨٨)، والحديث رواه مسلم كتاب الحج، باب: ما يندب للمحرم وغيره قتله من الدواب في الحل والحرم حديث (١١٩٨/ ٦٧)، والنسائي كتاب مناسك الحج، باب: قتل الحية في الحرم (٥/ ٢٠٨) من طرق عن شعبة بهذا الإسناد بلفظ: \"يقتلن في الحل والحرم\". وللحديث طرق أخرى عن عائشة في الصحيحين وغيرهما.\n_________\n[¬١]- في ز: \"حي\".","vol":"5","page":356},{"text":"الأبقع، والكلب العقور\".\nوالجمهور على أن المراد به أعم من ذلك، لما ثبت في الصحيحين (^٧٢٥) من إطلاق لفظه.\nوقال مالك ﵀: لا يقتل المحرم الغراب إلا إذا صال عليه وآذاه.\nوقال مجاهد بن جبر وطائفة: لا يقتله بل يرميه. ويروى مثله عن علي.\nوقد روى هشيم: حدثنا يزيد بن أبي زياد، عن عبد الرحمن بن أبي نُعْم، عن أبي سعيد، عن النبي ﷺ أنه سئل عما يقتل المحرم فقال: \"الحيه، والعقرب، والفويسقة، وررمي الغراب ولا يقتله، والكلب العقور، والحدأة، والسبع العادي\" (^٧٢٦).\nرواه أبو داود، عن أحمد بن حنبل، والترمذي، عن أحمد بن منيع، كلاهما عن هشيم. وابن ماجة عن أبي كريب، و[¬١] عن محمد بن فضيل، كلاهما عن يزيد بن أبي زياد وهو ضعيف به. وقال الترمذي: هذا حديث حسن.\nوقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ قال ابن أبي حاتم (^٧٢٧): حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا ابن علية، عن أيوب، قال: نبئت عن طاوس، أنه [¬٢] قال: لا يحكم [¬٣] على من أصاب صيدًا خطأ، إنما يحكم على من أصابه\n_________\n(^٧٢٥) - انظر حديث ابن عمر المتقدم قريبًا وحديث عائشة السابق له.\n(^٧٢٦) - رواه أحمد في مسنده (٣/ ٣) ومن طريقه أبو داود في سننه كتاب المناسك، باب: ما يقتل المحرم من الدواب حديث (١٨٤٨)، والترمذي كتاب الحج، باب ما يقتل المحرم من الدواب حديث (٨٣٨)، ورواه البيهقي فى سننه (٥/ ٢١٠) كتاب الحج، باب: ما للمحرم قتله من دواب البر فى الحل والحرم. عن هشيم عن يزيد بن أبي زياد به. ورواه أحمد (٣/ ٣٢، ٧٩)، والبخاري فى الأدب المفرد (١٢٢٣). وابن ماجة كتاب المناسك، باب: ما يقتل المحرم حديث (٣٠٨٩) من طرق عن يزيد بن أبي زياد بهذا الإسناد. ولفظ الحديث عند الترمذى: \"يقتل المحرم السبع … والغراب\" ولم يقع ذكر الغراب في رواية ابن ماجه. وفي رواية: \"فقيل له: لم قيل لهما الفويسقة؟ قال؛ لأن رسول الله ﷺ استقيظ لها وقد أخذت الفتيلة لتحرق بها البيت. الحديث ذكره البوصيري في زوائد ابن ماجة (٣/ ٣٩، ٤٠) وقال: هذا إسناد ضعيف، يزيد بن أبي زياد ضعيف وإن أخرج له مسلم فإنما أخرج له مقرونًا بغيره ومع ضعفه فقد اختلط بآخره، وضعفه أيضًا الألباني فى الإرواء (٤/ ٢٢٦) لكن يشهد لمعناه حديث عائشة المتقدم قريبًا.\n(^٧٢٧) - تفسير ابن أبي حاتم (٥/ ١٢٠٤) (٦٧٩٧).\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في ز: \"تحكم\".","vol":"5","page":357},{"text":"متعمدًا.\nوهنا مذهب غريب عن طاوس وهو متمسك بظاهر الآية.\nوقال مجاهد بن جبر: المراد [بالمتعمد هاهنا] القاصد إلى قتل الصيد الناسي لإحرامه، فأما المتعمد لقتل الصيد مع ذكره لإحرامه فذاك أمره أعظم من أن يكفر وقد بطل إحرَامه.\nرواه ابن جرير (^٧٢٨) عنه من طريق ابن أبي نجيح وليث بن أبي سليم وغيرهما عنه، وهو قول غريب أيضًا، والذى عليه الجمهور: أن العامد والناسي سواء في وجوب الجزاء عليه. وقال الزهري: دل الكتاب على العامد وجرت السنة على الناسي. ومعنى هذا أن القرآن دل على وجوب الجزاء على المتعمد وعلى تأثيمه بقوله: ﴿لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾ وجاءت السنة من أحكام النبي ﷺ وأحكام أصحابه بوجوب الجزاء في الخطأ كما دل الكتاب عليه في العمد، وأيضًا فإن قتل الصيد إتلاف، والإِتلاف مضمون في العمد وفي النسيان، لكن المتعمد مأثوم والمخطئ غير ملوم.\nوقوله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [قرأ بعضهم بالإضافة وقرأ آخرون بعطفها ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾] [¬١]، وحكى ابن جرير أن ابن مسعود قرأها: (فجزاؤه مثل ما قتل من النعم) وفي قوله: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ على كل من القراءتين دليل لما ذهب إليه مالك والشافعي وأحمد والجمهور - من وجوب الجزاء من [¬٢] مثل ما قتله المحرم إذا كان له مثل من الحيوان الإنسي، خلافًا لأبي حنيفة ﵀ حيث أوجب القيمة سواء كان الصيد المقتول مثليًّا أو غير مثلي، قال: وهو مخير إن شاء تصدق بثمنه وإن شاء اشترى به هديًا. والذي حكم به الصحابة في المثلى أولى بالاتباع، فإنهم حكموا في النعامة ببدنة، وفي بقرة الوحق ببقرة، وفي الغزال بعنز، وذكر قضايا الصحابة وأسانيدها مقرر في كتاب الأحكام، وأما إذا لم يكن الصيد مثليًّا فقد حكم ابن عباس فيه بثمنه يحمل إلى مكة. رواه البيهقي.\nوقوله تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ يعني: أنه يحكم بالجزاء في المثلي أو بالقيمة في غير المثلي عدلان من المسلمين، واختلف العلماء في القاتل هل يجوز أن يكون أحد الحكمين على - قولين:\n_________\n(^٧٢٨) - تفسير ابن جرير (١١/ ٨، ٩) (١٢٥٤٤، ١٢٥٥١).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في ز: \"في\".","vol":"5","page":358},{"text":"(أحدهما): لا؛ لأنه قد يتهم [¬١] في حكمه على نفسه، وهذا مذهب مالك.\n(والثاني): نعم؛ لعموم الآية، وهو مذهب الشافعي وأحمد.\nواحتج الأولون: بأن الحاكم لا يكون محكومًا عليه في صورة واحدة.\nقال ابن أبي حاتم (^٧٢٩): حدثنا أبي، حدثنا أبو نعيم الفضل بن دكين، حدثنا جعفر - هو ابن برقان - عن ميمون بن مهران: أن أعرابيًّا أتى أبا بكر فقال [¬٢]: قتلت صيدًا وأنا محرم فما ترى عليَّ من الجزاء؟ فقال أبو بكر ﵁ لأبي بن كعب وهو جالس عنده: ما ترى فيما قال؟ فقال الأعرابي: أتيتك وأنت خليفة رسول الله ﷺ أسألك فإذا أنت تسأل غيرك! فقال أبو بكر: وما تنكر؟ يقول الله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ فشاورت صاحبي حتى [¬٣] إذا اتفقنا على أمر أمرناك به.\nوهذا إسناد جيد لكنه منقطع بين ميمون وبين الصديق ومثله يحتمل هاهنا، فبين له الصديق الحكم برفق وتؤدة لما رآه أعرابيًا جاهلًا، وإنما دواء الجهل التعليم، فأما إذا كان المعترض منسوبًا [¬٤] إلى العلم فقد قال ابن جرير (^٧٣٠):\nحدثنا هناد وأبو هشام الرفاعي، قالا: حدثنا وكيع بن الجراح، عن المسعودي، عن عبد الملك بن عمير، عن قبيصة بن جابر، قال: خرجنا حجاجًا، فكنا إذا صلينا الغداة اقتدنا رواحلنا نتماشى [¬٥] نتحدث، قال [¬٦]: فبينما نحن ذات غداة إذ سنح لنا ظبي أو برح، فرماه رجل كان معنا بحجر فما أخطأ حشاه، فركب وودعه [¬٧] ميتًا، قال: فعظمنا عليه.\nفلما قدمنا مكة خرجت معه حتى أتينا عمر بن الخطاب ﵁[قال] فقص عليه\n_________\n(^٧٢٩) - تفسير ابن أبي حاتم (٦/ ١٢٠٤، ١٢٠٧) (٦٨٠٥).\n(^٧٣٠) - تفسير ابن جرير الطبرى (١١/ ٢٤، ٢٥) (١٢٥٨٨)، ورواه أيضًا ابن جرير الطبري في تفسيره (١٢٥٧٣، ١٢٥٧٤، ١٢٥٧٥، ١٢٥٧٧) بألفاظ مختلفة، ورواه البيهقي في سننه (٥/ ١٨١) من طريقين عن عبد الملك بن عمير به، ورواه الحاكم في المستدرك (٣/ ٣١٠) والطبراني في الكبير (١/ ١٢٦) (٢٥٨)، وابن أبي حاتم (٦/ ١٢٠٤) (٦٨٠٤)، وذكره السيوطي في الدر المنثور (٢/ ٥٨١) وزاد نسبته لابن المنذر وصححه الحاكم على شرط البخاري ومسلم ووافقه الذهبى.\n_________\n[¬١]- في خ: \"يتوهم\".\n[¬٢]- في ز: \"قال\".\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- في ز: \"منسوب\".\n[¬٥]- في خ: \"نتمشا\".\n[¬٦]- سقط من: ز.\n[¬٧]- في ز: \"ردعه\".","vol":"5","page":359},{"text":"القصة، قال: وإذا [¬١] إلى جنبه رجل كأن وجهه قلب فضة - يعني عبد الرحمن بن عوف - فالتفت عمر [¬٢] إلى صاحبه فكلمه، قال: ثم أقبل على الرجل، فقال: أعمدًا قتلته أم خطأ؟ فقال الرجل: لقد تعمدت رميه وما أردت قتله. فقال عمر: ما أراك إلا قد أشركت بين العمد والخطأ، اعمد إلى شاة فاذبحها وتصدق [¬٣] بلحمها واستبق إهابها. قال: فقمنا من عنده، فقلت لصاحبي: أيها الرجل، عظم شعائر الله، فما درى أمير المؤمنين ما يفتيك حتى سأل صاحبه، اعمد إلى ناقتك فانحرها ففعل ذاك. قال قبيصة: ولا أذكر الآية من سورة المائدة ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ قال: فبلغ عمر مقالتي فلم يفجأنا منه إلا ومعه الدِّرة، قال: فعلا صاحبي ضربًا بالدرة، [وجعل يقول] [¬٤]: أقتلت في [¬٥] الحرم، وسفهت الحكم. قال: ثم أقبل علي، فقلت: يا أمير المؤمنين، لا أحل لك اليوم شيئًا يحرم عليك مني. فقال [¬٦]: يا قبيصة بن جابر، إني أراك شاب السن، فسيح الصدر، بيِّن اللسان، وإن الشاب يكون فيه تسعة أخلاق حسنة وخلق سيئ، فيفسد الخلق السيئ الأخلاق الحسنة، فإياك وعثرات الشباب.\nوقد روى هشيم هذه القصة عن عبد الملك بن عمير عن قبيصة بنحوه، ورواها أيضًا عن حصين، عن الشعبي، عن قبيصة بنحوه، وذكرها مرسلة عن عمر [] [¬٧] بكر بن عبد الله المزني ومحمد بن سيرين.\nوقال ابن جرير (^٧٣١): حدثنا ابن بشار، حدثنا عبد الرحمن، حدثنا شعبة، عن منصور، عن أبي وائل، أخبرني جرير [¬٨] البجلي، قال: أصبت ظبيًا وأنا محرم، فذكرت ذلك لعمر، فقال: ائت رجلين من إخوانك فليحكما عليك. فأتيت عبد الرحمن وسعدًا فحكما على بتيس أعفر.\nوقال ابن جرير (^٧٣٢): حدثنا ابن وكيع، حدثنا ابن عيينة، عن مخارق، عن طارق، قال:\n_________\n(^٧٣١) - تفسير ابن جرير (١١/ ٢٧) (١٢٥٩٣)، ورواه ابن سعد في الطبقات (٦/ ٢٠٠) قال أخبرنا عبيد الله بن موسى قال: حدثنا إسرائيل عن منصور فذكره، ورواه البيهقي (٥/ ١٨١، ١٨٢) من طريق شعبة به. وذكره السيوطي في الدر المنثور (٢/ ٥٨١) وزاد نسبنه لأبي الشيخ.\n(^٧٣٢) - تفسير ابن جرير (١١/ ٢٦) (١٢٥٨٩)، ورواه الشافعي في مسنده (١/ رقم ٨٦٠ - شفاء=\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- في ز: \"فتصدق\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- سقط من: ز.\n[¬٦]- في ز: \"قال\".\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين في ز: \"بن\".\n[¬٨]- في ز، خ: \"ابن جرير\".","vol":"5","page":360},{"text":"[أوطأ أربد] [¬١] ظبيًا فقتله وهو محرم، فأتى عمر ليحكم عليه، فقال له عمر: احكم معي. فحكما فيه جديًا قد جمع الماء والشجر، ثم قال عمر: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾.\nوفي هذا دلالة على جواز كون القاتل أحد الحكمين كما قاله الشافعي وأحمد رحمهما الله.\nواختلفوا هل تستأنف الحكومة في كل ما يصيبه المحرم، فيجب أن يحكم فيه ذوا عدل وإن كان قد حكم [في مثله] [¬٢] الصحابة، [أو يكتفي بأحكام الصحابة المتقدمة؟ على قولين؛ فقال الشافعي وأحمد: يتبع في ذلك ما حكمت به الصحابة، وجعلاه شرعًا مقررًا [¬٣] لا يعدل عنه، وما لم يحكم فيه [¬٤] الصحابة] [¬٥] ورجع فيه إلى عدلين، وقال مالك وأبو حنيفة: بل يجب الحكم في كل فرد فرد، سواء وُجد للصحابة في مثله حكم أم لا؛ لقوله تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾.\nوقوله تعالى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ أي: واصلًا إلى الكعبة، والمراد: وصوله إلى الحرم بأن يذبح هناك، ويفرق لحمه على مساكين الحرم، وهذا أمر متفق عليه في هذه الصورة.\nوقوله: ﴿أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ أي [¬٦]: إذا لم يجد المحرم مِثْل ما قتل من النعم، أو لم يكن الصيد المقتول من ذوات الأمثال، أو قلنا بالتخيير في هذا المقام بين الجزاء والإطعام والصيام، كما هو قول مالك وأبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد بن الحسن، وأحد قولَي الشافعي، والمشهور عن أحمد ﵏، لظاهر الآية \"أو\" فإنها للتخيير، والقول الآخر أنها على الترتيب.\nفصورة ذلك أن يعدل إلى القيمة، فيقوّم الصيد المقتول عند مالك وأبي حنيفة وأصحابه وحماد وإبراهيم، وقال الشافعي: يقوم مثله من النعم لو كان موجودًا، ثم يُشترى به طعام فيتصدق [¬٧] به، فيصرف لكل مسكين مد منه عند الشافعي ومالك وفقهاء الحجاز، واختاره ابن جرير.\n_________\n= العي) ومن طريقه البيهقي في السنن الكبرى (٥/ ١٨٢) قال أخبرنا ابن عيينة فذكره ورواه عبد الرزاق في مصنفه (٤٠/ ٤٠٢) (٨٢٢١) عن ابن عيينة به ورواه أيضًا من طريق معمر عن الأعمش عن سليمان بن ميسرة عن طارق بن شهاب نحوه وذكره السيوطي في الدر المنثور (٢/ ٥٨١) وزاد نسبته لابن أبي شيبة وابن المنذر.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ز: \"أمطى أريد\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"من قبله\".\n[¬٣]- في ز: \"مقدرًا\".\n[¬٤]- في ز: \"به\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٦]- سقط من: ز.\n[¬٧]- في ز: \"ويتصدق\".","vol":"5","page":361},{"text":"وقال أبو حنيفة وأصحابه: يطعم كل مسكين مُدَّين. وهو قول مجاهد.\nوقال أحمد: مدٌّ من حنطة أو مدان من غيره.\nفإن لم يجد أو قلنا بالتخيير صام عن إطعام كل مسكين يومًا.\nوقال ابن جرير: وقال آخرون: يصوم مكان كل صاع يومًا كما في جزاء المترفة بالحلق ونحوه، فإن الشارع أمر كعب بن عجرة أن يطعم فَرَقًا بين ستة، أو يصوم ثلاثة أيام، والفرق: ثلاثة آصع.\nواختلفوا في مكان هذا الإطعام، فقال الشافعي: محله [¬١] الحرم وهو قول عطاء، وقال مالك [¬٢]: يطعم في المكان الذي أصاب فيه الصيد أو أقرب الأماكن إليه، وقال أبو حنيفة: إن شاء أطعم في الحرم، وإن شاء أطعم في غيره.\n\n<span data-type='title' id=toc-105>ذكر أقوال السلف في هذا المقام</span>\nقال ابن أبي حاتم (^٧٣٣): حدثنا أبي، حدثنا يحيى بن المغيرة، حدثنا جرير، عن منصور، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس في قول الله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ قال: إذا أصاب المحرم الصيد حكم عليه جزاؤه من النعم، [فإن وجد جزاء ذبح، فتصدق به، [¬٣]، وإن [¬٤] لم يجد نظر كَمْ ثمنه، ثم قوّم ثمنه طعامًا، فصام مكان كل نصف صاع يومًا، قال الله تعالى: ﴿أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ قال: إنما أريد بالطعام الصيام، أنه إذ وجد الطعام وجد جزاؤه.\nورواه ابن جرير من طريق جرير (^٧٣٤).\n_________\n(^٧٣٣) - رواه ابن أبي حاتم في تفسيره (٤/ ١٢٠٨) (٦٨١١)، ورواه ابن جرير في تفسيره (١١/ ١٥) (١٢٥٦٩) (١٢٥٧٠) (١٢٥٧٢)، والبيهقي في (٥/ ١٨٦) من طريق منصور عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس به، ورواه ابن جرير (١٢٥٧١) من طريق سفيان بن حسين عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس، وذكره السيوطي في الدر المنثور (٢/ ٥٧٧) وزاد نسبته لابن المنذر.\n(^٧٣٤) - تفسير ابن جرير (١١/ ١٥، ١٦) (١٢٥٧٠)، وانظر السابق.\n_________\n[¬١]- في ت: \"مكانه\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"مجاهد\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- قط من: ز.","vol":"5","page":362},{"text":"وقال على بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ إذا [¬١] قتل المحرم شيئًا من الصيد حكم عليه فيه، فإن قتل ظبيًا أو نحوه فعليه شاة تذبح بمكة، فإن لم يجد فإطعام ستة مساكين، فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام، فإن قتل إبلًا [¬٢] أو نحوه فعليه بقرة، فإن لم يجدها أطعم عشرين مسكينًا، فإن لم يجد صام عشرين يومًا، وإن قتل نعامة أو حمار وحش أو نحوه فعليه بدنة من الإبل، فإن لم يجد أطعم ثلاثين مسكينًا، فإن لم يجد صام ثلاثين يومًا (^٧٣٥).\nرواه ابن أبي حاتم وابن جرير وزادوا: الطعام مدٌّ مدٌّ يشبعهم [¬٣].\nوقال جابر الجعفي: عن عامر الشعبي وعطاء ومجاهد ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ قالوا: إنما الطعام لمن لا يبلغ الهدي. رواه ابن جرير.\nوكذا روى ابن جريج [¬٤] عن مجاهد وأسباط عن السدي: أنها على الترتيب.\nوقال عطاء، وعكرمة، ومجاهد - في رواية الضحاك - وإبراهيم النخعي: هي على الخيار، وهي [¬٥] رواية الليث عن مجاهد عن ابن عباس، واختار ذلك ابن جرير ﵀.\nوقوله: ﴿لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ﴾ أي: أوجبنا عليه الكفارة ليذوق عقوبة فعله الذي ارتكب فيه المخالفة ﴿عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ﴾ أي: في زمان الجاهلية لمن أحسن في الإِسلام، واتبع شرع الله ولم يرتكب المعصية.\nثم قال: ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾ أي: ومن فعل ذلك بعد تحريمه في الإِسلام وبلوغ الحكم الشرعي إليه ﴿فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾.\nقال ابن جريج: قلت لعطاء: ما ﴿عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ﴾ قال: عما كان في الجاهلية. قال: قلت: وما [¬٦] ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾ [؟ قال: ومن عاد في الإسلام فينتقم الله منه] [¬٧]، وعليه مع ذلك الكفارة. قال: قلت: فهل في العود حدٌّ تعلمَه؟ قال: لا.\n_________\n(^٧٣٥) - رواه ابن جرير في تفسيره (١١/ ٣١) (١٢٦٠٠)، وابن أبي حاتم (٤/ ١٢٠٨) (٦٨١٤).\n_________\n[¬١]- في ز: \"فإذا\".\n[¬٢]- في ز: \"أيلًا\".\n[¬٣]- في ز: \"شبعهم\".\n[¬٤]- سقط من: خ.\n[¬٥]- في ز: \"وهو\".\n[¬٦]- سقط من: خ.\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"5","page":363},{"text":"قال [¬١]: قلت: فترى حقًّا على الإِمام أن يعاقبه؟ قال: لا، هو ذنب أذنبه فيما بينه وبين الله ﷿ ولكن يفتدي.\nو[¬٢] رواه ابن جرير (^٧٣٦). وقيل: معناه فينتقم الله منه بالكفارة، قاله سعيد بن جبير وعطاء.\nثم الجمهور من السلف والخلف على أنه متى قتل المحرم الصيد وجب الجزاء، ولا فرق بين الأولى [¬٣] والثانية، وإن تكرر ما تكرر، سواء الخطأ في ذلك والعمد.\nوقال علي بن أبي طلحة: عن ابن عباس، قال: من قتل شيئا من الصيد خطأ وهو محرم يحكم عليه فيه كما [¬٤] قتله، وإن قتله عمدًا يحكم عليه فيه مرة واحدة، فإن عاد يقال له: ينتقم الله منك كما قال الله ﷿ (^٧٣٧).\nوقال ابن جرير (^٧٣٨): حدثنا عمرو بن علي، حدثنا يحيى بن سعيد وابن أبي عدي جميعًا، عن هشام - هو ابن حسان - عن عكرمة، عن ابن عباس فيمن أصاب صيدًا فحكم [¬٥] عليه ثم عاد قال: لا يحكم عليه، ينتقم الله منه.\nوهكذا قال شريح ومجاهد وسعيد بن جبير والحسن البصري وإبراهيم النخعي، رواهن ابن جرير ثم اختار القول الأول.\nوقال ابن أبي حاتم (^٧٣٩): حدثنا العباس بن يزيد العبدى، حدثنا المعتمر بن سليمان، عن زيد أبي المعلي، عن الحسن البصري: أن رجلًا أصاب صيدًا فتجوز عنه، ثم عاد فأصاب صيدًا آخر، فنزلت نار من السماء فأحرقته، فهو قوله: ﴿وَمَنْ [¬٦] عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾.\nوقال ابن جرير (^٧٤٠) في قوله: ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾ يقول عز ذكره: والله منيع في\n_________\n(^٧٣٦) - تفسير ابن جرير (١١/ ٤٨، ٤٩).\n(^٧٣٧) - رواه ابن جرير (١١/ ٥٠، ٥١) (١٢٦٥٠).\n(^٧٣٨) - تفسير ابن بي حاتم (١١/ ٥٢) (١٢٦٦١).\n(^٧٣٩) - تفسير ابن أبي حاتم (٤/ ١٢١٠) (٦٨٢٣).\n(^٧٤٠) - تفسير ابن جرير (١١/ ٥٦، ٥٧).\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في ز: \"الأولة\".\n[¬٤]- في ت: \"كلما\".\n[¬٥]- في ز: \"يحكم\".\n[¬٦]- في ز: \"فمن\".","vol":"5","page":364},{"text":"سلطانه لا يقهره قاهر، ولا يمنعه من الانتقام ممن انتقم منه، ولا من عقوبة من أراد عقوبته مانع؛ لأن الخلق خلقه والأمر أمره، له العزة والمنعة. وأما [¬١] قوله: ﴿ذُو انْتِقَامٍ﴾ يعني أنه ذو معاقبة لمن عصاه على معصيته إياه [¬٢].\n﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٩٦) جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٩٧) اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩٨) مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ (٩٩)﴾\nقال [ابن أبي طلحة: عن] [¬٣] ابن عباس في رواية عنه، وسعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، وغيرهم في قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ يعني: ما يصطاد منه طريًّا ﴿وَطَعَامُهُ﴾ ما يتزود منه مليحًا [¬٤] يابسًا.\nوقال ابن عباس في الرواية المشهورة عنه: صيده ما أخذ منه حيًّا ﴿وَطَعَامُهُ﴾ ما لفظه ميتًا.\nوهكذا [¬٥] روي عن أبي بكر الصديق وزيد بن ثابت وعبد الله بن عمر [¬٦] وأبي أيوب الأنصاري ﵃ وعكرمة وأبي سلمة بن عبد الرحمن وإبراهيم النخعي والحسن البصري.\nقال سفيان بن عيينة: عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن أبي بكر الصديق أنه قال: ﴿وَطَعَامُهُ﴾ كل ما فيه. رواه ابن جرير وابن أبي حاتم.\n_________\n[¬١]- في ت: \"و\".\n[¬٢]- في ز: \"آخر الجزء الثاني من تفسير القرآن العظيم يتلوه في الثالث قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾. والحمد لله وصلى الله على سيدنا محمد، وآله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا وحسبنا الله ونعم الوكيل. وفي خ: \"إلى هنا انتهى الجزء الثاني من التفسير من المخطوطة\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- في ز، خ: \"مملحا\".\n[¬٥]- في ز: \"وهكذا\".\n[¬٦]- في ز، خ: \"عمرو\".","vol":"5","page":365},{"text":"وقال ابن جرير (^٧٤١): حدثنا ابن حميد، حدثنا جرير، عن مغيرة، عن سماك، قال: حدثت عن ابن عباس قال: خطب أبو بكر الناس فقال: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ﴾ وطعامه ما قذف.\nقال (^٧٤٢): وحدثنا يعقوب، حدثنا ابن علية، عن سليمان التيمي، عن أبي مجلز، عن ابن عباس في قوله: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾ قال: ﴿وَطَعَامُهُ﴾ ما قذف.\nوقال عكرمة: عن ابن عباس قال [¬١]: طعامه [] [¬٢] ما لفظ من ميتة. ورواه ابن جرير أيضًا.\nوقال سعيد بن المسيب: طعامه ما لفظه حيًّا أو حسر عنه فمات. رواه ابن أبي حاتم.\nوقال ابن جرير (^٧٤٣): حدثنا ابن بشار، حدثنا عبد الوهاب، حدثنا أيوب، عن نافع: أن عبد الرحمن بن أبي هريرة سأل ابن عمر فقال: إن البحر قد قذف حيتانًا كثيرًا ميتًا أفنأكله؟ فقال: لا تأكلوه [¬٣]. فلما رجع عبد الله إلى أهله، أخذ المصحف فقرأ سورة المائدة، فأتى هذه الآية ﴿وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ فقال: اذهب فقل له: فليأكله؛ فإنه طعامه.\nوهكذا اختار ابن جرير أن المراد بطعامه ما مات فيه. قال: وقد رُوي في ذلك خبر وإن بعضهم سرويه موقوفًا.\nوحدثنا هناد بن السري، قال: حدثنا عبدة بن سليمان، عن محمد بن عمرو، حدثنا\n_________\n(^٧٤١) - رواه ابن جرير في تفسيره (١١/ ٦١) (١٢٦٨٦) ورواه أيضًا بهذا الإسناد في (١١/ ٥٧) (١٢٦٦٨) لكن فيه \"فصيده ما أخذ\" ولم يقل فيه: \"وطعامه ما قذف\".\n(^٧٤٢) - تفسير ابن جرير (١١/ ٦١) (١٢٦٨٧).\n(^٧٤٣) - تفسير ابن جرير (١/ ٦٤) (١٢٧٠٠)، ورواه مالك في \"موطئه\" كتاب الصيد، باب ما جاء في صيد البحر حديث (٩) ومن طريقه البيهقي فى سننه (٩/ ٢٥٥) عن نافع أن عبد الرحمن بن أبي هريرة سأل عبد الله بن عمر عما لفظ البحر فنهاه عن أكله. قال نافع: ثم انقلب عبد الله فدعا بالصحف فقرأ - أحل لكم صيد البحر وطعامه - قال نافع: فأرسلني عبد الله بن عمر إلى عبد الرحمن بن أبي هريرة: إنه لا بأس بأكله. ورواه ابن جرير أيضًا برقم (١٢٦٩٩) (١٢٧٠١) (١٢٧٠٣) من طرق عن نافع به. وذكره السيوطي في الدر المنثور (٢/ ٥٨٦) وزاد نسبته لعبد بن حميد وابن المنذر.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز: \"قال:\".\n[¬٣]- في خ: \"تأكله\".","vol":"5","page":366},{"text":"أبو سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ﴾ قال: \"طعامه ما لفظه ميتًا\" (^٧٤٤).\nثم قال: وقد وقف بعضهم هذا الحديث على أبي هريرة.\nحدثنا هناد، حدثنا ابن أبي زائدة، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة في قوله: ﴿أحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾ قال: طعامه ما لفظه [¬١] ميتًا (^٧٤٥)\nوقوله: ﴿مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ أي: منفعة وقوتًا لكم أيها المخاطبون ﴿وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ وهو [¬٢] جمع سيار، قال عكرمة: لمن كان بحضرة البحر ﴿وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ [¬٣]: وللسفر [¬٤].\nوقال غيره: الطري منه لمن يصطاده من حاضرة البحر، وطعامه ما مات فيه أو اصطيد منه وملح وقدد يكون [¬٥] زادًا للمسافرين والنائين عن البحر.\nوقد رُوي نحوه عن ابن عباس ومجاهد والسدي وغيرهم [¬٦]. وقد استدل [جمهور العلماء] [¬٧] على حل ميتة البحر بهذه الآية الكريمة، وبما رواه الإِمام مالك بن أنس (^٧٤٦)،\n_________\n(^٧٤٤) - تفسير ابن جرير (١١/ ٧٠) (١٢٧٢٩) وإسناده صحيح رجاله ثقات. والحديث ذكره السيوطي في الدر المنثور (٢/ ٥٨٥) ولم يعزه لغير ابن جرير وقد اختلف في هذا الحديث على عمدة بن سليمان فرواه أبو سعيد الأشج عن عبدة به موقوفًا على أبي هريرة. كذا رواه ابن أبي حاتم (٤/ ١٢١١) (٦٨٣٤)، ورواه ابن جرير (١٢٧٣٠) قال حدثنا هناد قال: حدثنا ابن أبي زائدة عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة به موقوفًا، وأحسب أن الاضطراب في هذا الحديث من محمد بن عمرو وهو محمد بن عمرو بن علقمة ابن وقاص الليثي، قال أبو حاتم: صالح الحديث يكتب حديثه، وهو شيخ، وقال النسائي: ليس به بأس، وقال في موضع آخر: ثقة. لكن روى ابن أبي خيثمة قال: سئل ابن معين عن محمد بن عمرو فقال: ما زال الناس يتقون حديثه. قيل له: وما علة ذلك، قال: كان يحدث مرة عن أبي سلمة بالشيء من رأيه ثم يحدث به مرة أخرى عن أبي سلمة عن أبي هريرة. قلت: وعلى ذلك لا يبعد أن يكون حدث بالحديث مرة عن أبي سلمة عن أبي هريرة مرفوعًا ومرة عن أبي سلمة عن أبي هريرة موقوفًا ولم أجد له متابعًا حتى يتبين لي صوابه.\n(^٧٤٥) - تفسير ابن جرير (١١/ ٧٠، ٧١) (١٢٧٣٠)، وانظر التخريج السابق.\n(^٧٤٦) - رواه مالك في الموطأ (٢/ ٧٠٩) كتاب صفة النبي ﷺ حديث (٢٤) ومن طريقه رواه البخاري=\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"لفظ\".\n[¬٢]- في ت: \"وهم\".\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- في ت: \"السفر\".\n[¬٥]- سقط من: ز.\n[¬٦]- في ز: \"وغيرهما\".\n[¬٧]- في ت: \"الجمهور\".","vol":"5","page":367},{"text":"عن ابن وهب بن كيسان، عن جابر بن عبد الله، قال: بعث رسول الله ﵌ بعثًا قِبَل الساحل، فأمَّر عليهم أبا عبيدة بن الجراح وهم ثلاثمائة قال [¬١]: وأنا فيهم، قال: فخرجنا حتى إذا كنا ببعض الطريق فني الزاد، فأمر أبو عبيدة بأزواد ذلك الجيش فجمع ذلك كله، فكان مزودَي تمر، قال: فكان يقوِّتنا كل يوم قليلًا قليلًا حتى فني، فلم يكن يصيبنا [¬٢] إلا تمرة تمرة: [فقلت: وما تغنى تمرة] [¬٣]؟. فقال: فقد وجدنا فقدها حين [¬٤] فنيت [¬٥]، قال: [] [¬٦] ثم انتهينا إلى البحر، فإذا حوت مثل الظرب [¬٧]، فأكل منه ذلك الجيش ثماني عشرة [¬٨] ليلة، ثم أمر أبو عبيدة بضلعين من أضلاعه [¬٩] فنصبا، ثم أمر براحلة فرحلت، ومرت تحتهما [¬١٠] فلم تصبهما [¬١١].\nوهذا الحديث مخرج في الصحيحين وله طرق عن جابر.\nوفي صحيح مسلم (^٧٤٧) من رواية أبي الزبير عن جابر: فإذا على ساحل البحر مثل الكثيب الضخم، فأتيناه فإذا بدابة يقال لها: العنبر، قال: قال أبو عبيدة: ميتة. ثم قال: لا، نحن رسل رسول الله ﵌ [وفي سبيل الله] [¬١٢] وقد اضطررتم فكلوا. قال: فأقمنا عليه شهرًا ونحن ثلاثمائة حتى سَمِنًّا، ولقد رأيتنا نغترف من وَقْب (*) عينه بالقلال الدهن ونقتطع منه الفِدَر (**) كالثور [أو كقدر كالثور] [¬١٣]. قال: ولقد أخذَ منا أبو عبيدة ثلاثة عشر\n_________\n= في\"صحيحه\" كتاب الشركة، باب: الشركة في الطعام والنهد والعروض حديث (٢٤٨٣)، وفي المغازي، باب غزوة سيف البحر حديث (٤٣٦٠)، ومسلم في الصيد، باب: إباحة ميتات البحر الحديث (١٩٣٥/ ٢١) وابن حبان (٥٢٦٢)، والبغوي في شرح السنة (٢٨٠٦). والحديث رواه البخاري في (٢٩٨٣)، (٤٣٦٠) (٤٣٦١) (٤٣٦٢) (٥٤٩٣) (٥٤٩٤)، ومسلم في (١٩٣٥) وغيرهما من طرق عن وهب بن كيسان به.\n(^٧٤٧) - صحيح مسلم حديث رقم (١٧/ ١٩٣٥) وفيه: \"فرفع لنا على ساحل البحر كهيئة الكثيب الضخم … \" الحديث.\n(*) - الوقب: كل نقرة في الجسد، كنقرة العين والكتف. القاموس المحيط (وق ب).\n(**) - الفدر: جمع فدرة: القطعة من اللحم. القاموس (ف د ر).\n_________\n[¬١]- سقط من: ت.\n[¬٢]- في ز: \"نصيبنا\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- في خ: \"حتى\".\n[¬٥]- سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- في ز.، خ: \"فقدت\".\n[¬٧]- في ز: \"المطرب\".\n[¬٨]- في ز: \"عشر\".\n[¬٩]- في ز: \"أضلاعها\".\n[¬١٠]- في ز: \"تحتها\".\n[¬١١]- في ز: \"تصبها\".\n[¬١٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬١٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"5","page":368},{"text":"رجلًا فأقعدهم [¬١] في وقب عينه، أخذ ضلعًا من أضلاعه فأقامها، ثم رحل أعظم بعير معنا فمرّ من تحته، وتزوَّدنا من لحمه وَشَائِق (*)، فلما قدمنا المدينة، أتينا رسول الله ﵌ فذكرنا ذلك له، فقال: \"هو رزق أخرجه الله لكم، هل معكم من لحمه شيء فتطعمونا؟ \" قال: فأرسلنا إلى رسول الله ﷺ منه فأكله.\nوفي بعض روايات مسلم أنهم كانوا مع النبي ﷺ حين وجدوا هذه السمكة، فقال بعضهم: هي واقعة أخرى، وقال بعضهم: بل هي قضية واحدة، ولكن كانوا أولًا مع النبي ﷺ، ثم بعثهم سرية مع أبى عبيدة، فوجدوا هذه في سريتهم تلك مع أبي عبيدة، والله أعلم.\nوقال مالك (^٧٤٨): عن صفوان بن سليم، عن سعيد بن سلمة من آل ابن الأزرق: أن المغيرة ابن أبي بردة وهو من بني عبد الدار، أخبره أنه سمع أبا هريرة يقول: سأل رجل رسول الله ﷺ، فقال: يا رسول الله، إنا نركب البحر، ونحمل معنا القليل من الماء، فإن توضأنا به عطشنا، أفنتوضأ بماء البحر؟ فقال رسول الله ﷺ: \"هو الطهور ماؤه، الحل [¬٢] ميتته\".\nوقد روى هذا الحديث الإِمامان الشافعي وأحمد بن حنبل وأهل السنن الأربعة وصححه البخاري والترمذي وابن خزيمة وابن حبان وغيرهم، وقد روي عن جماعة من الصحابة عن النبي ﷺ بنحوه. وقد روي الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجة من طرق: عن حماد بن سلمة، حدثنا أبو المهزم - هو يزيد بن سفيان -، سمعت أبا هريرة يقول: كنا مع رسول الله ﷺ في حج أو عمرة، فاستقبلنا رجل جراد، فجعلنا نضربهن بعصينا وسياطنا [¬٣] فنقتلهن، فأسقط في أيدينا، فقلنا: ما نصنع ونحن محرمون، فسألنا رسول الله ﷺ فقال: \"لا بأس بصيد البحر\" (^٧٤٩).\nأبو المُهَزّم ضعيف، والله أعلم.\n_________\n(*) - وشائق: جمع وشيقة، وهي اللحم يقدد ويحمل في الأسفار. القاموس (وش ق)\n(^٧٤٨) - تقدم في تفسير سورة البقرة/ الآية ١٧٣، وفي تفسير المائدة/الآية ٣.\n(^٧٤٩) - سيأتي في تفسير سورة الأعراف الآية ١٣٣.\n_________\n[¬١]- في ز: \"فأعهدهم\".\n[¬٢]- في خ: \"الحلال\".\n[¬٣]- سقط من: ز.","vol":"5","page":369},{"text":"وقال ابن ماجة (^٧٥٠): حدثنا هارون بن عبد الله الحمال، حدثنا هاشم بن القاسم، حدثنا زياد بن عبد الله بن علاثة، عن موسى [¬١] بن محمد بن إبراهيم، عن أبيه، عن جابر وأنس بن مالك: أن النبي ﷺ كان إذ دعا على الجراد قال: \"اللهم أهلك كباره، واقتل صغاره، وأفسد بيضه، وقطع دابره، وخذ بأفواهه عن معايشنا وأرزاقنا، إنك سميع الدعاء\". فقال خالد: يا رسول الله، كيف تدعو [¬٢] على جند [¬٣] من أجناد الله بقطع دابره؟ فقال: \"إن الجراد نثرة [¬٤] الحوت في البحر\". قال هاشم: قال زياد: فحدثني من رأى الحوت ينثره.\nتفرد به ابن ماجة.\nوقد روى الشافعى عن سعيد، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس: أنه أنكر على [¬٥] من يصيد الجراد في الحرم.\nوقد احتج بهذه الآية الكريمة من ذهب من الفقهاء إلى أنه [تؤكل داوب] [¬٦] البحر ولم يستثن من ذلك شيئًا، وقد تقدم عن الصديق أنه قال: طعامه كل ما فيه.\nوقد استثنى بعضهم الضفادع وأباح ما سواها؛ لما رواه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي من رواية ابن أبي ذئب، عن سعيد بن خالد، عن سعيد بن المسيب، عن عبد الرحمن بن عثمان التيمي: أن رسول الله ﷺ نهى عن قتل الضفدع (^٧٥١).\nوللنسائي عن عبد الله بن عمرو قال: نهى رسول الله ﷺ عن قتل الضفدع وقال: \"نقيقها تسبيح\" (^٧٥٢).\n_________\n(^٧٥٠) - سيأتي في تفسير سورة الأعراف الآية ١٣٣. ينقل من الأعراف الآية ١٣٣.\n(^٧٥١) - رواه الطيالسي (١١٨٣) وأحمد في مسنده (٣/ ٤٥٣، ٤٩٩) وعبد بن حميد (٣١٣) وابن أبي شيبة (٧/ ٤٥٠/ ٣٧٦١) وأبو داود في الطب، باب في الأدوية المكروهة حديث (٣٨٧١) وفي الأدب، باب في قتل الضفدع حديث (٥٢٦٩) والنسائي (٧/ ٢١٠) كتاب الصيد والذبائح، باب: الضفدع، والحاكم (٤/ ٤١٠، ٤١١)، والدارمي (٢٠٠٤) والبيهقي (٦/ ٣١٨) من طرق عن ابن أبي ذئب به. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، والحديث صححه الألباني - حفظه الله - في صحيح الجامع (٦٨٤٨) وانظر نصب الراية (٤/ ٢٠١).\n(^٧٥٢) - سيأتي تخريجه في الإسراء/ الآية ٤٤.\n_________\n[¬١]- في ز: \"علام عن\".\n[¬٢]- في ز: \" ندعو\".\n[¬٣]- في ز: \"أجناد\".\n[¬٤]- في ز: \"نثر\".\n[¬٥]- سقط من: خ.\n[¬٦]- في ز: \"يؤكل دواب\".","vol":"5","page":370},{"text":"وقال آخرون: يؤكل من صيد البحر السمك ولا يؤكل الضفدع، واختلفوا فيما سواهما؛ فقيل: يؤكل سائر ذلك، وقيل: لا يؤكل، وقيل: ما أكل شبهه من البر أكل مثله في البحر، وما لا يؤكل شبهه لا يؤكل، وهذه كلها وجوه في مذهب الشافعي رحمه الله تعالى.\nوقال أبو حنيفة رحمه الله تعالى: لا يؤكل ما مات في البحر كما لا يؤكل ما مات في البر؛ لعموم قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾.\nوقد ورد حديث بنحو ذلك فقال ابن مردويه (^٧٥٣):\nحدثنا عبد الباقي - هو ابن قانع -، حدثنا الحسين بن إسحاق التستري وعبد الله بن موسى ابن أبى عثمان، قالا: حدثنا الحسين بن يزيد الطحان، حدثنا حفص بن غياث، عن ابن أبي ذئب، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: قال [¬١] رسول الله ﷺ: \"ما صدتموه وهو حي فمات فكلوه، وما ألقي البحر ميتًا طافيًا فلا تأكلوه\".\nثم رواه من طريق إسماعيل بن أمية ويحيى بن أبي أنيسة، عن أبي الزبير، عن جابر به. وهو منكر.\nوقد احتج الجمهور من أصحاب مالك والشافعي وأحمد بن حنبل بحديث العنبر المتقدم ذكره، وبحديث: \"هو الطهور ماؤه الحل ميتته\". وقد تقدم أيضًا.\nوروى الإِمام أبو عبد الله الشافعي (^٧٥٤) عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ: \"أحلت لنا ميتتان ودمان؛ فأما الميتتان: فالحوت والجراد، وأما الدمان: فالكبد والطحال\".\nورواه أحمد وابن ماجة والدارقطني والبيهقي وله شواهد، ورُوي موقوفًا، والله أعلم.\nوقوله: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ أي: في حال إحرامكم يحرم عليكم الاصطياد، ففيه دلالة على تحريم ذلك، فإذا اصطاد المحرم الصيد متعمدًا أثم وغرم، أو مخطئًا\n_________\n(^٧٥٣) - إسناده ضعيف، الحسين بن يزيد الطحان قال أبو حاتم في الجرح والتعديل (٣/ الترجمة ٣٠٤): لين الحديث. وكذا قال الحافظ ابن حجر في \"التقريب\"، وأيضًا أبو الزبير مدلس ولم يصرح بالسماع من جابر فى هذا الحديث.\n(^٧٥٤) - تقدم فى تفسير البقرة الآية (١٧٣)، وذكره المصنفى أيضًا في أول تفسير سورة المائدة الآية (٣).\n_________\n[¬١]- في ز: \"وقال\".","vol":"5","page":371},{"text":"غرم وحرم عليه أكله؛ لأنه في حقه كالميتة، وكذا في حق غيره من المحرمين والمحلين عند مالك والشافعي في أحد قوليه، وبه يقول عطاء والقاسم وسالم وأبو يوسف ومحمد بن الحسن وغيرهم، فإن أكله أو شيئًا منه فهل يلزمه جزاء ثان [¬١]؟ فيه قولان للعلماء:\nأحدهما: نعم، قال عبد الرزاق (^٧٥٥): عن ابن جريج، عن عطاء، قال: إن ذبحه ثم أكله فكفارتان. وإليه ذهب طائفة.\nوالثاني: لا جزاء عليه بأكله، نص عليه مالك بن أنس.\nقال أبو عمر بن عبد البر: وعلى هذا مذاهب فقهاء الأمصار وجمهور العلماء. ثم وجهه أبو عمر بما لو وطئ ثم وطئ ثم وطئ قبل أن يحد فإنما عليه حد واحد. وقال أبو حنيفة: عليه قيمة ما أكل.\nوقال أبو ثور: إذا قتل المحرم الصيد فعليه جزاؤه، وحلال أكل ذلك الصيد، إلا أنني أكرهه للذي قتله، للخبر عن رسول الله ﷺ: \"صيد البر لكم حلال، مما لم تصيدوه أو يصد لكم\" (^٧٥٦).\nوهذا الحديث سيأتي بيانه، وقوله بإباحته للقاتل غريب، وأما لغيره ففيه خلاف قد ذكرنا المنع عمن تقدم. وقال آخرون بإباحته لغير القاتل سواء المحرمون والمحلون؛ لهذا الحديث، والله أعلم.\nوأما إذا صاد حلال صيدًا فأهداه إلى محرم، فقد ذهب ذاهبون إلى إباحته مطلقًا، ولم يستفصلوا بين أن يكون قد صاده لأجله أم لا، حكي هذا القول أبو عمر بن عبد البر: عن عمر بن الخطاب وأبي هريرة والزبير بن العوام وكعب الأحبار ومجاهد وعطاء في رواية وسعيد بن جبير. [قال] [¬٢] وبه قال الكوفيون.\nقال ابن جرير (^٧٥٧): حدثنا محمد بن عبد الله بن بزيع، حدثنا بشر بن المفضل، حدثنا\n_________\n(^٧٥٥) - رواه عبد الرزاق في مصنفه (٤/ ٤٣٩) (٨٣٦٢).\n(^٧٥٦) - سيأتي قريبًا.\n(^٧٥٧) - تفسير ابن جرير (١١/ ٧٩) (١٢٧٥٤)، ورواه أيضًا في (١٢٧٥٦)، (١٢٧٥٧) من طريقين عن قتادة عن سعيد به. ورواه في (١٢٧٦٢) من طريق يحيي بن سعيد عن سعيد بن المسيب به. وذكره السيوطي في الدر المنثور (٢/ ٥٨٧) وزاد نسبته إلى ابن أبي شيبة.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- سقط من ت.","vol":"5","page":372},{"text":"سعيد، عن قتادة، أن سعيد بن المسيب حدثه، عن أبي هريرة: أنه سئل عن لحم صيد صاده حلال أيأكله المحرم، قال: فأفتاهم بأكله، ثم لقي عمر بن الخطاب فأخبره بما كان من أمره، فقال: لو أفتيتهم بغير هذا لأوجعت لك رأسك.\nوقال آخرون لا يجوز أكل الصيد للمحرم بالكلية ومنعوا من ذلك مطلقًا، لعموم هذه الآية الكريمة.\nو[¬١] قال عبد الرزاق (^٧٥٨): عن معمر، عن ابن طاوس، وعبد الكريم بن أبي أمية، عن طاوس، عن ابن عباس: أنه كره أكل لحم الصيد للمحرم، وقال: هي مبهمة. يعني قوله: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾.\nقال (^٧٥٩): وأخبرني معمر، عن الزهري، عن ابن عمر: أنه كان يكره للمحرم أن يأكل من لحم الصيد على كل حال، قال معمر: وأخبرني أهب، عن نافع، عن ابن عمر مثله.\nقال ابن عبد البر: وبه قال طاوس وجابر بن زيد وإليه ذهب الثوري وإسحاق بن راهويه في رواية، وقد رُوي نحوه عن علي بن أبي طالب. رواه ابن جرير (^٧٦٠) من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب: أن عليًّا كره أكل [¬٢] لحم الصيد للمحرم على كل حال.\nوقال مالك والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه - في رواية - والجمهور: إن كان الحلال قد قصد المحرم بذلك الصيد لم يجز للمحرم أكله، لحديث الصعب بن جَثَّامة: أنه أهدى للنبي ﷺ حمارًا وحشيًّا وهو بالأبواء أو بودان فرده عليه، فلما رأى ما في وجهه\n_________\n(^٧٥٨) - لم أقف عليه بهذا الإسناد عند عبد الرزاق في المصنف ولا في التفسير لكن رواه في مصنفه (٨٣٢٩) عن معمر عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس أنه كان يكره لحم الصيد للمحرم ورواه برقم (٨٣٣٠) عن ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن طاوس عن ابن عباس قال: هي مبهمة. ورواه ابن أبي حاتم (٤/ ١٢١٣) (٦٨٤٨) قال حدثني: أبي ثنا ابن أبي عمر ثنا سفيان عن عبد الكريم أبي أمية عن طاوس عن ابن عباس في هذه الآية قال: هي صيده وأكله حرام على المحرم، وذكره السيوطي في الدر المنثور (٢/ ٥٨٧) وزاد نسبته لأبي عبيد وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن المنذر.\n(^٧٥٩) - رواه عبد الرزاق في مصنفه (٤/ ٤٢٥) (٨٣١٤) ورواية معمر عن أيوب في المصنف برقم (٨٣١٥).\n(^٧٦٠) - تفسير ابن جرير (١١/ ٧٦) (١٢٧٤٤).\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- سقط من: ز.","vol":"5","page":373},{"text":"قال: \"إنا لم نرده عليك إلا أنَّا حرم\" (^٧٦١).\nوهذا الحديث مخرج في الصحيحين وله ألفاظ كثيرة، قالوا: فوجهه أن النبي ﷺ ظن أن هذا إنما صاده من أجله فرده لذلك، فأما إذا لم يقصده بالاصطياد فإنه يجوز له الأكل منه الحديث أبي قتادة حين صاد حمار وحش وكان حلالًا لم يحرم، وكان أصحابه محرمين فتوقفوا في أكله، ثم سألوا رسول الله ﷺ فقال: \"هل كان منكم أحد أشار إليها وأعان في قتلها؟ \" قالوا: لا. قال: \"فكلوا\". وأكل منها رسول الله ﷺ (^٧٦٢).\nوهذه القصة ثابتة أيضًا في الصحيحين بألفاظ كثيرة.\nوقال الإِمام أحمد (^٧٦٣): حدثنا سعيد بن منصور وقتيبة بن سعيد، قالا: حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن، عن عمرو بن أبي عمرو، عن المطلب بن عبد الله بن حنطب، عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ. وقال قتيبة في حديثه: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"صيد البر لكم حلال - قال سعيد: وأنتم حرم - ما لم تصيدوه أو يُصَدْ لكم\".\n_________\n(^٧٦١) - رواه مالك في الموطأ (١/ ٢٨٦) كتاب الحج، باب: ما لا يحل للمحرم أكله من الصيد، حديث (٨٣) ومن طريقه البخاري في \"صحيحه\" كتاب جزاء الصيد، باب: إذا أهدى للمحرم حمارًا وحشيًّا حيًّا لم يقبل حديث (١٨٢٥) وفي كتاب الهبة، باب: قبول الهدية حديث (٢٥٧٣)، ومسلم في \"صحيحه\" كتاب الحج، باب: تحريم الصيد للمحرم حديث (١١٩٣/ ٥٠) عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس عن الصعب به ورواه البخاري كتاب الهبة، باب من لم يقبل الهدية لعلة حديث (٢٥٩٦) ومسلم، في صحيحه (١١٩٣) وغيرهما من طرق عن الزهري به.\n(^٧٦٢) - رواه البخاري في \"صحيحه\" كتاب جزاء الصيد، باب: إذا صاد الحلال فأهدى للمحرم الصيد أكله حديث (١٨٢١) وأطرافه في (١٨٢٢) (١٨٢٣)، (١٨٢٤)، (٢٥٧٠) (٢٨٥٤)، (٢٩١٤)، (٤١٤٩)، (٥٤٠٦)، (٥٤٠٧)، (٥٤٩٠)، (٥٤٩١)، (٥٤٩٢)، ومسلم في \"صحيحه\" كتاب الحج، باب: تحريم الصيد للمحرم حديث (١١٩٦) من طرق عن أبي قتادة.\n(^٧٦٣) المسند (٣/ ٣٦٢) ورواه في (٣/ ٣٨٧، ٣٨٩)، وأبو داود في كتاب الحج، باب: لحم الصيد للمحرم، حديث (١٨٥١)، والترمذي في كتاب الحج، باب: ما جاء في أكل الصيد للمحرم، حديث (٨٤٦)، والنسائي في كتاب مناسك الحج، باب: إذا أشار المحرم إلى الصيد فقتله الحلال (٥/ ١٨٧) وعبد الرزاق (٤/ ٤٣٤، ٤٣٥) (٨٣٤٩)، والشافعي (١/ ٣٢٢)، والطحاوي في \"شرح المعاني\" (٢/ ١٧١)، وابن خزيمة (٤/ ١٨٠) (٢٦٤١)، وابن حبان (٩/ ٢٨٣) (٣٩٧١)، والدارقطني (٢/ ٢٩٠) وابن الجارود (٤٣٧)، والحاكم (١/ ٤٥٢، ٤٧٦)، والبيهقي (٥/ ١٩٠)، والبغوي في \"شرح السنة\" (١٩٨٩) من طرق عن عمرو بن أبي عمرو عن المطلب عن جابر، وإسناده ضعيف=","vol":"5","page":374},{"text":"وكذا رواه أبو داود والترمذي والنسائي جميعًا عن قتيبة، وقال الترمذي: لا نعرف للمطلب سماعًا من جابر، ورواه الإمام محمد بن إدريس الشافعي ﵁: من طريق عمرو بن أبي عمرو، عن مولاه المطلب، عن جابر، ثم قال: وهذا أحسن حديث روي في هذا الباب وأقيس.\nوقال مالك ﵁ (^٧٦٤): عن عبد الله بن أبي بكر، عن عبد الله بن عامر ابن [¬١] ربيعة، قال: رأيت عثمان بن عفان بالعرج، وهو محرم في يوم صائف، قد غطي وجهه بقطيفة أرجوان، ثم أتى بلحم صيد فقال لأصحابه: كلوا. فقالوا: أو لا جمل أنت. فقال: إني لست كهيئتكم، إنما صيد من أجلي.\n[وقد نقل ابن جرير خلافًا في صفة الصيد الذى حرمه الله تعالى على المحرم، فقال بعضهم: صيد البر: كل ما كان يعيش في البر والبحر، وإنما صيد البحر ما كان يعيش في الماء دون البر ويأوى إليه.\nروى عمران بن حدير [¬٢]، عن أبي مجلز [¬٣] أنه قال في قوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾، قال: ما كان يعيش في البر والبحر فلا تصده، وما كان حياته في الماء فذاك (^٧٦٥).\n_________\n= فيه انقطاع فإن المطلب بن حنطب لم يسمع من جابر، قال الترمذي: المطلب لا نعرف له سماعًا من جابر، وقال ابن أبي حاتم في \"المراسيل\" (ص ٢١٠): \"عامة أحاديثه مراسيل لم يدرك أحدًا من أصحاب النبي ﷺ ولم يسمع من جابر\". وللحديث علة أخرى وهي أن عمرو بن أبي عمرو وإن كان ثقة إلاّ أنه يهم كما قال الحافظ في \"التقريب\" وقد قال النسائي عقب روايته لهذا الحديث: عمرو بن أبي عمرو ليس بالقوي وإن كان روى له مالك. والحديث ضعفه الألباني في ضعيف الجامع حديث (٣٥٢٤) وفي المشكاة حديث (٢٧٠٠).\n(^٧٦٤) - رواه في الموطأ كتاب الحج، باب: ما لا يحل للمحرم أكله من الصيد، حديث (٨٤) ومن طريقه رواه الشافعي في مسنده (١/ رقم ٨٤٣ - شفاء العي) وهو موقوف صحيح الإسناد، ورواه عبد الرزاق في مصنفه (٨٣٤٥)، ومن طريقه رواه الدارقطني (٢/ ٢٩١، ٢٩٢) والبيهقي (٥/ ١٩١) عن معمر عن الزهري عن عروة بن الزبير عن يحيى في عبد الرحمن بن حاطب عن أبيه أنه اعتمر مع عثمان فذكره نحو رواية عبد الله بن عامر، ويحيى بن عبد الرحمن بن حاطب وأبوه ثقتان كما في \"التقريب\".\n(^٧٦٥) - رواه ابن جرير في تفسيره (١١/ ٨٧) (١٢٧٧٣)، وابن أبي حاتم (٤/ ١٢١٣) (٦٨٤٩) =\n_________\n[¬١]- في ز: \"عن\".\n[¬٢]- في ز، خ: جرير.\n[¬٣]- في ز، خ: مجلد.","vol":"5","page":375},{"text":"وعن عطاء قال: \"ما كان يعيش في البر فأصابه المحرم فعليه جزاؤه، نحو السلحفاء؛ والسرطان، والضفادع\" وقال بعضهم: صيد البر ما كان كونه في البر أكثر من كونه في البحر.\nروُى عن ابن جريج قال: \"سألت عطاء عن ابن الماء، أصيد بر أم بحر؟ وعن أشباهه. فقال: حيث يكون أكثر، فهو صيده\".\nوعن عطاء بن أبي رباح قال: أكثر ما يكون حيث يفرخ، فهو منه\".\nوقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾.\nقال ابن جرير (^٧٦٦): \" يقول تعالى ذكره: واخشوا الله، أيها الناس، واحذروه بطاعته فيما أمركم به من فرائضه، وفيما نهاكم عنه في هذه الآيات التي أنزلها على نبيكم ﷺ، من النهى عن الخمر والميسر والأنصاب والأزلام وعن إصابة صيد البر وقتله في حال إحرامكم وفي غيرها، فإن لله مصيركم ومرجعكم، فيعاقبكم بمعصيتكم إياه، ويجازيكم فيثيبكم على طاعتكم له\".\nوقوله تعالى: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ﴾] [¬١].\n[\"يقول تعالى ذكره: صير الله الكعبة البيت الحرام قوامًا للناس الذين لا قوام لهم، من رئيس يحجز قويهم عن ضعيفهم، ومسيئهم عن محسنهم، وظالمهم عن مظلومهم - والشهر الحرام والهدى والقلائد - فحجز بكل واحد من ذلك بعضهم عن بعض، إذ لم يكن لهم قيام غيره، وجعلها معالم لدينهم، ومصالح أمورهم\".\nوقد روى عن مجاهد قال: \"إنما سميت الكعبة لأنها مربعة\". وروي مثله عن عكرمة.\nقال ابن جرير: \"وأما ﴿الْكَعْبَةَ﴾ فالحرم كله. وسماها الله تعالى \"حرامًا\"، لتحريمه إياها أن يصاد صيدها أو يختلى خلالها، أو يعضد شجرها\"].\n_________\n= من طرق عن وكيع عن عمران بن حدير به. وذكره السيوطي في الدر المنثور (٢/ ٥٨٦) وزاد نسبته لابن أبي شيبة وأبي الشيخ.\n(^٧٦٦) - تفسير ابن جرير الطبري (١١/ ٨٩).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"5","page":376},{"text":"وقد فسر ابن جرير ﴿قِيَامًا لِلنَّاسِ﴾ بالقوام. وروى في ذلك آثارًا منها (^٧٦٧):\nحدثنا هناد قال، حدثنا ابن أبي زائدة قال، أخبرنا من سمع خصَيفًا يحدث، عن مجاهد في: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ﴾، قال: قواما للناس.\nوقال سعيد بن جبير: ﴿قِيَامًا لِلنَّاسِ﴾، قال: صلاحًا لدينهم. وعنه أيضًا: \"شدة لدينهم\".\nوعن ابن عباس قال: \"قيامها: أن يأمن من توجه إليها\"، وعنه أيضًا: \"قيامًا لدينهم، ومعالم لحجهم\".\nوقال السدى: \"جعل الله هذه الأربعة قيامًا للناس، هو قوام أمرهم\".\nقال ابن جرير (^٧٦٨): \" وهذه الأقوال وإن اختلفت من ألفاظ قائليها ألفاظها، فإن معانيها آيلة إلى ما قلنا من ذلك، من أن \"القوام\" للشيء، هو الذى به صلاحه، كما أن الملك الأعظم، قوام رعيته ومن في سلطانه؛ لأنه مدبر أمرهم، وحاجز ظالمهم عن مظلومهم، والدافع عنهم مكروه من بغاهم وعاداهم. وكذلك كانت الكعبة والشهر الحرام والهدى والقلائد، قوام أمر العرب الذى كان به صلاحهم في الجاهلية، وهى في الإسلام لأهله معالم حجهم ومناسكهم ومتوجههم لصلاتهم، وقبلتهم التي باستقبالها يتم فرضهم\".\nثم قال ابن جرير: وبنحو الذى قلنا في ذلك قالت جماعة أهل التأويل.\nحدثنا بشر بن معاذ (^٧٦٩) قال، حدثنا جامع بن حماد، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ] [¬١] [وَالْقَلَائِدَ﴾، حواجز أبقاها الله بين الناس في الجاهلية، فكان الرجل لو جر كل جَرِيرة ثم لجأ إلى الحرم لم يتناول ولم يقرب. وكان الرجل لو لقى قاتل أبيه في الشهر الحرام لم يعرض له ولم يقرب. وكان الرجل إذا أراد البيت تقلد قلادة من شعر فأحمته ومنعته من الناس، حتى يأتى أهله، حواجز أبقاها الله بين الناس في الجاهلية.\nوروي نحوه عن ابن زيد، وابن عباس.\n_________\n(^٧٦٧) - تفسير ابن جرير (١١/ ٩١) (١٢٧٨٢).\n(^٧٦٨) - تفسير ابن جرير الطبري (١١/ ٩٢).\n(^٧٦٩) - تفسير ابن جرير الطبري (١١/ ٩٣) (١٢٧٩٠).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"5","page":377},{"text":"وقد مضى في أول السورة ذكر (الشهر الحرام) و(الهدى) و(القلائد).\nوقوله تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.\nقال ابن جرير (^٧٧٠): \" يقول تعالى ذكره: اعلموا، أيها الناس، أن ربكم الذى يعلم ما في السموات وما في الأرض، ولا يخفى عليه شيء من سرائر أعمالكم وعلانيتها، وهو يحصيها عليكم ليجازيكم بها، شديد عقابه من عصاه وتمرّد عليه، على معصيته إياه - وهو غفور لذنوب من أطاعه وأناب إليه، فساتر عليه وتارك فضيحته بها رحيم به أن يعاقبه على ما سلف من ذنوبه، بعد إنابته وتوبته منها.\nوقوله: ﴿مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ﴾.\nهذا من الله تعالى ذكره، تهديد لعباده ووعيد، يقول تعالى ذكره: ليس على رسولنا الذى أرسلناه إليكم، أيها الناس، بإنذاركم عقابنا بين يدى عذاب شديد، وإعذارنا إليكم بما فيه قطع حججكم - إلا أن يؤدى إليكم رسالتنا، ثم إلينا الثواب على الطاعة، وعلينا العقاب على المعصية.\n﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ﴾.\nيقول: وغير خفى علينا المطيع منكم، القابل رسالتنا العامل بما أمرته بالعمل به - من المُعَاصى الآبى رسالتنا، التارك العمل بما أمرته بالعمل به؛ لأنا نعلم ما عمله العامل منكم فأظهره بجوارحه ونطق به لسانه. ﴿وَمَا تَكْتُمُونَ﴾، يعنى: وما تخفون في أنفسكم من إيمان وكفر، أو يقين وشك ونفاق.\nيقول تعالى ذكره: فمن كان كذلك، لا يخفى عليه شيء من ضمائر الصدور، وظواهر أعمال النفوس، مما في السموات وما في الأرض، وبيده الثواب والعقاب - فحقيق أن يُتَّقى، وأن يطاع، فلا يعصى\"] [¬١].\n﴿قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠٠) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ\n_________\n(^٧٧٠) - تفسير ابن جرير الطبري (١١/ ٩٥).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"5","page":378},{"text":"وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (١٠١) قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ (١٠٢)\nيقول تعالى لرسوله ﷺ: ﴿قل﴾ يا محمد ﴿لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك﴾ أي: يا أيها الإِنسان ﴿كثرة الخبيث﴾ يعني: أن القليل الحلال النافع خير من الكثير الحرام الضار، كما جاء في الحديث: \"ما قل وكفى خير مما كثر وألهى\".\nوقال أبو القاسم البغوي في معجمه (^٧٧١): حدثنا أحمد بن زهير، حدثنا الحوطي، حدثنا محمد بن شعيب، حدثنا معان بن رفاعة، عن أبي عبد الملك على بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة: أنه أخبره عن ثعلبة بن حاطب الأنصاري أنه قال: يا رسول اللَّه، ادع اللَّه [] [¬١] أن يرزقني مالًا. فقال النبي ﷺ: \"قليل تؤدي شكره خير من كثير لا تطيقه\".\n﴿فاتقوا اللَّه يا أولي الألباب﴾ أي: يا ذوي العقول الصحيحة المستقيمة، وتجنبوا الحرام ودعوه، واقنعوا [¬٢] بالحلال واكتفوا به ﴿لعلكم تفلحون﴾ أي: في الدنيا والآخرة.\nثم قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم﴾ هذا تأديب من اللَّه تعالى لعباده المؤمنين، ونهي لهم عن أن يسألوا [عن أشياء مما] [¬٣] لا فائدة لهم في السؤال والتنقيب عنها؛ لأنها إن أظهرت [¬٤] لهم تلك الأمور ربما ساءتهم وشق عليهم\n_________\n(^٧٧١) - رواه الطبراني في الكبير (٨/ ٢٦٠) (٧٨٧٣) وأبو نعيم في \"معرفة الصحابة\" (٣/ ٢٧١، ٢٧٢) (١٣٧٥) وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٢٢٥٣) مختصرًا. كلهم من طريق معان بين رفاعة السلامي به. وإسناده ضعيف فإن معان بن رفاعة قال الحافظ في \"التقريب\": بين الحديث كثير الإرسال. وعلي بن يزيد الألهاني متروك، قال البخاري: منكر الحديث، وقال النسائي: ليس بثقة، وقال أبو زرعة: ليس بقوي، وقال الدارقطني: متروك، انظر ترجمته في الميزان (٤/ ٨١) والحديث ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ٣٤، ٣٥) وقال: رواه الطبراني وفيه على بن يزيد الألهاني وهو متروك. والحديث ذكره ابن حجر في الإصابة (٢/ ١٩) فى ترجمة ثعلبة بن حاطب أو ابن أبي حاطب الأنصاري فقال: \"روى الباوردي وابن السكن، وابن شاهين وغيرهم … من طريق معان بن رفاعة عن على بن يزيد عن القاسم فذكر الحديث ثم قال: وفي كون صاحب هذه القصة - إن صح الخبر ولا أظنه يصح - هو البدري المذكور قبله نظر، وقد تأكدت المغايرة بينهما لقول ابن الكلبي: إن البدري استشهد بأحد\".\n_________\n[¬١]- فى ز: \"أن يا رسول اللَّه ادع اللَّه\".\n[¬٢]- في ز: \"افتعلوا\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في ز: \"عما\".\n[¬٤]- في ز: \"ظهرت\".","vol":"5","page":379},{"text":"سماعها، كما جاء في الحديث أن رسول اللَّه ﷺ قال: \"لا يبلغني أحد عن أحد شيئًا، إني أحب أن أخرج إيكم وأنا سليم الصدر\" (^٧٧٢)\nوقال البخاري (^٧٧٣): حدثنا منذر بن الوليد بن عبد الرحمن الجارودى، حدثنا أبي، حدثنا شعبة، عن موسى بن أنس، عن أنس بن مالك، قال: خطب رسول اللَّه ﷺ خطة ما سمعت مثلها قط، قال: \"لو تعلمون مما أعلم لضحكتم قليلًا ولبكيتم كثيرًا\". قال: فغطى أصحاب رسول اللَّه ﷺ وجوههم لهم حنين، فقال رجل: مَنْ أبي؟ قال [¬١]: \"فلان\" فنزلت هذه الآية ﴿لا تسألوا عن أشياء﴾.\nرواه النضر وروح بن عبادة عن شعبة، وقد رواه البخاري في غير هذا الموضع ومسلم وأحمد والترمذي والنسائي من طرق عن شعبة بن الحجاج به.\nوقال ابن جرير (^٧٧٤): حدثنا بشر، حدثنا يزيد، حدثنا سعيد، عن قتادة في قوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم﴾ الآية، قال: فحدثنا أن أنس بن\n_________\n(^٧٧٢) - رواه أبو داود كتاب الأدب، باب: في رفع الحدث حديث (٤٨٦٠)، والترمذي كتاب المناقب، باب ٦٤، حديث (٣٨٩٦، ٣٨٩٧)، وأحمد في مسنده (١/ ٣٩٥) من طريقين عن إسرائيل بن يونس عن الوليد بن أبي هشام مولى الهمداني عن زيد بن زائد عن عبد اللَّه بن مسعود به مرفوعًا. قال الترمذي: هذا حديث غريب من هذا الوجه وقد زيد في هذا الإسناد رجل ثم رواه من طريق الحسين بن محمد عن إسرائيل عن السدي عن الوليد بن أبى هشام عن زيد بن زائد عن ابن مسعود فؤاد فى الإسناد \" السدي \" وهو إسماعيل بن عبد الرحمن متكلم فيه، والحديث ضعفه الألباني في ضعيف أبي داود (١٠٣٥).\n(^٧٧٣) - رواه البخاري في \"صحيحه\" كتاب التفسير، باب: ﴿لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم﴾ حديث (٤٦٢١)، ورواه البخارى فى كتاب الرقاق، باب: قول النبي ﷺ: \"لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا ولبكيتم كثيرًا﴾ حديث (٦٤٨٥)، وفي كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب: ما يكره من كثرة السؤال، ومن تكلف ما لا يعنيه حديث (٧٢٩٥)، ومسلم في \" صحيحه \" كتاب الفضائل، باب: توقيره ﷺ، وترك إكثار سؤاله عما لا ضرورة إليه، حديث (١٣٤، ١٣٥/ ٢٣٥٩)، والترمذي كتاب تفسير القرآن، باب: ومن سورة المائدة حديث (٣٠٥٦)، والنسائي في الكبرى كتاب التفسير، باب: قوله تعالى: ﴿لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم﴾ حديث (١١١٥٤)، وأحمد في مسنده (٣/ ٢٠٦، ٢١٠، ٢٦٨) من طرق عن شعبة به. وبعض الروايات مطولة وبعضها مختصرة والحديث رواه البخاري في (٩٣) (٥٤٠) (٦٣٦٢)، (٧٠٨٩) (٧٠٩٠) (٧٠٩١) (٧٠٩٤)، ومسلم (٢٣٥٩) وغيرهما من طرق عن أنس به.\n(^٧٧٤) - تفسير الطبري (١١/ ١٠٠، ١٠١) (١٢٧٩٧)، ورواه البخاري فى كتاب الفتن، باب:=\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.","vol":"5","page":380},{"text":"مالك حدثه: أن رسول اللَّه ﷺ سألوه حتى أحفوه بالمسألة، فخرج عليهم ذات يوم فصعد المنبر فقال: \"لا تسألوني اليوم عن شيء إلا بينته لكم\". فأشفق أصحاب رسول اللَّه ﷺ أن يكون بين يدي أمر قد حضر، فجعلت لا ألتفت يمينا ولا شمالًا إلا وجدت كلًّا لافًّا [¬١] رأسه في ثوبه يبكي، فأنشأ رجل كان يلاحى فيدعى إلى غير أبيه، فقال: يا نبي اللَّه، من أبي؟ قال: \"أبوك حذافة\". قال: ثم قام عمر - أو قال: فأنشأ عمر - فقال: رضينا باللَّه ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد رسولًا، عائذًا باللَّه - أو قال: أعوذ باللَّه - من شر الفتن. قال: و[¬٢] قال رسول اللَّه ﷺ: \"لم أر في الخير والشر كاليوم قط، صورت لي الجنة والنار حتى رأيتهما دون الحائط\".\nأخرجاه من طريق سعيد.\nورواه معمر عن الزهري عن أنس بنحو ذلك أو قريبًا منه، قال الزهري: فقالت أم عبد اللَّه بن حذافة: ما رأيت ولدًا أعق منك قط [¬٣]، [] [¬٤] أكنت تأمن أن تكون [¬٥] أمك قد قارفت ما قارف أهل الجاهلية فتفضحها على رءوس الناس. فقال: والله لو ألحقني بعبد أسود للحقته (^٧٧٥).\nوقال ابن جرير أيضًا (^٧٧٦): حدثنا الحارث، حدثنا عبد العزيز، حدثنا قيس، عن أبي حصين، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: خرج رسول اللَّه ﷺ وهو\n_________\n= التعوذ من الفتن حديث (٧٠٩٠) (٧٠٩١)، ومسلم فى \"صحيحه\" في الفضائل، باب: توقيره ﷺ وترك سؤاله … حديث (١٣٧/ ٢٣٥٩)، وأحمد ٣١/ ٢٥٤) من طريق سعيد عن قتادة، ورواه البخاري في كتاب الدعوات، باب التعوذ من الفتن حديث (٦٣٦٢)، ومسلم (١٣٧/ ٢٣٥٩) من طريق هشام عن قتادة عن أنس وانظر السابق، والتالي.\n(^٧٧٥) - رواه البخاري في \"صحيحه\" كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب ما يكره من كثرة السؤال، ومن تكلف ما لا يعنيه حديث (٧٢٩٤)، ومسلم (١٣٦/ ٢٣٥٩) من طريق عبد الرزاق عن محمر عن الزهري بالحديث، ورواه البخاري فى كتاب العلم، باب: من برك على ركبتيه عند الإمام أو المحدث حديث (٩٣)، وفي كتاب المواقيت، باب وقت الظهر عند الزوال حديث (٥٤٠)، ومسلم في (١٣٦/ ٢٣٥٩) وغيرهما من غير طريق معمر عن الزهري به، وانظر الحديث (٨٠٢، ٨٠٣).\n(^٧٧٦) - رواه ابن جرير في تفسيره (١١/ ١٠٣) (١٢٨٠٢)، وإسناده ضعيف في إسناده عبد العزيز وهو ابن أبان الأموي قال الحافظ في \" التقريب \": متروك، وكذبه ابن معين وغيره. وقيس هو=\n_________\n[¬١]- في ز: \"لاقًّا\".\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين في ز: \"قالت\".\n[¬٥]- سقط من: خ.","vol":"5","page":381},{"text":"غضبان محمارٌّ وجهه، حتى جلس على المنبر فقام إليه رجل، فقال: أين أبي [¬١]؟ فقال [¬٢]: \"في النار\". فقام آخر فقال: من أبي؟ فقال: \"أبوك حذافة\". فقام عمر بن الخطاب فقال: رضينا بالله ربا، وبالإِسلام دينًا، وبمحمد ﷺ نبيًّا، وبالقرآن إمامًا، إنا يا رسول اللَّه حديثو عهد بجاهلية وشرك، والله أعلم من آباؤنا. قال: فسكن غضبه ونزلت هذه الآية: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم﴾ الآية.\nإسناده [¬٣] جيد، وقد ذكر هذه القصة مرسلة غير واحد من السلف منهم: أسباط عن السدي أنه قال في قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم﴾ قال: غضب رسول اللَّه ﷺ يومًا من الأيام، فقام خطيبًا فقال: \"سلوني فإنكم لا تسألوني عن شيء إلا أنبأتكم به\". فقام إليه رجل من قريش من بنى سهم يقال له: عبد اللَّه بن حذافة وكان يطعن فيه، فقال: يا رسول اللَّه، من أبي؟ فقال: \" أبوك فلان \". فدعاه لأبيه، فقام إليه عمر بن الخطاب فقبل رجله، وقال: يا رسول اللَّه، رضينا بالله ربًّا، وبك نبيًّا، وبالإِسلام دينًا، وبالقرآن إمامًا، فاعف عنا عفا اللَّه عنك. فلم يزل به حتى رضي، فيومئذ قال: \" الولد للفراش وللعاهر الحجر \" (^٧٧٧).\nثم قال البخاري (^٧٧٨): حدثنا الفضل بن سهل، حدثنا أبو النضر، حدثنا أبو خيثمة، حدثنا أبو الجويرية، عن ابن عباس ﵄، قال: كان قوم يسألون رسول اللَّه ﷺ استهزاء، فيقول الرجل: من أبي؟ ويقول الرجل تضل ناقته: أين ناقتي؟ فأنزل اللَّه فيهم [¬٤] هذه الآية: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم﴾ حتى فرغ من الآية كلها. تفرد به البخاري.\n_________\n= ابن الربيع الأسدي، قال في \"التقريب\": صدوق تغير لما كبر وأدخل عليه ابنه ما ليس من حديثه فحدث به. والحديث ذكره السيوطي فى الدر المنثور (٢/ ٥٩٢) وزاد نسبته للفريابي وابن مردويه.\n(^٧٧٧) - رواه ابن جرير الطبري (١١/ ١٠٢، ١٠٣) (١٢٨٠١)، وابن أبي حاتم (٤/ ١٢١٩) (٦٨٨٢)، وذكره السيوطي فى الدر المنثور (٢/ ٥٩١) ولم يعزه لغير ابن جرير وابن أبي حاتم.\n(^٧٧٨) - رواه البخاري في \"صحيحه\" كتاب التفسير، باب: ﴿لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم﴾ حديث (٤٦٢٢)، ورواه ابن جرير (١١/ ٩٨) (١٢٧٩٤)، وابن أبي حاتم (٤/ ١٢١٧، ١٢١٨) (٦٨٧٧)، والطبراني في الكبير (١٢٦٩٥) كلهم من طريق زهير أبي خيثمة عن أبي الجويرية به.\n_________\n[¬١]- في ز: \"أنا\".\n[¬٢]- في ز: \"قال\".\n[¬٣]- في ز: \"إسناد\".\n[¬٤]- سقط من: ز.","vol":"5","page":382},{"text":"وقال الإِمام أحمد (^٧٧٩): حدثنا منصور بن وردان الأسدي، حدثنا على بن عبد الأعلى، عن أبيه، عن أبي البختري - وهو سعيد بن فيروز -، عن علي، قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿وللَّه على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلًا﴾ قالوا: يا رسول اللَّه، في [¬١] كل عام؟ فسكت. فقالوا: أفي كل عام؟ فسكت. قال: ثم قالوا: أفي كل عام؟ فقال: \"لا، ولو قلت نعم لوجبت، [ولو وجبت لما استطعتم] [¬٢] \". فأنزل اللَّه: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم﴾ [] [¬٣] الآية.\nكذا [¬٤] رواه الترمذي وابن ماجة من طريق منصور بن وردان به، وقال الترمذي: غريب من هذا الوجه، وسمعت البخاري يقول: أبو البختري لم يدرك عليًّا.\nوقال ابن جرير (^٧٨٠): حدثنا أبو كريب، حدثنا عبد الرحيم بن سليمان [¬٥]، عن إبراهيم بن مسلم الهجري، عن أبي عياض، عن أبى هريرة، قال: قال رسول اللَّه ﷺ: \"إن اللَّه كتب عليكم الحج\". فقال رجل: أفي كل عام يا رسول اللَّه؟ فأعرض عنه حتى عاد مرتين أو ثلاثًا، فقال: \"من السائل؟ \" فقال: فلان. فقال: \"والذي نفسي بيده، لو قلت: نعم لوجبت، ولو وجبت عليكم ما أطقتموه، ولو تركتموه لكفرتم\". فأنزل اللَّه ﷿: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن كبد لكم تسؤكم﴾ حتى ختم الآية.\nثم رواه ابن جرير: من طريق الحسين بن واقد، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة، وقال: فقام محصن الأسدي، وفي رواية من هذه الطريق: عكاشة بن محصن وهو أشبه.\nوإبراهيم بن مسلم الهجري ضعيف.\nوقال ابن جرير أيضًا (^٧٨١): حدثني زكريا بن يحيى [بن أبان المصري، حدثنا أبو زيد\n_________\n(^٧٧٩) - رواه في المسند (٣/ ١١١) (٩٠٥) وضعفه الشيخ أحمد شاكر في تعليقه عليه وقد نقله المصنف عن هذا الموضع من المسند أيضًا في تفسير سورة \"آل عمرن\" الآية (٩٧) وانظر تخريجه هناك.\n(^٧٨٠) - تقدم تخريجه في تفسير سورة آل عمران الآية (٩٧).\n(^٧٨١) - رواه ابن جرير في تفسيره (١١/ ١٠٧، ١٠٨) (١٢٨٠٧)، ورواه الطبراني في الكبير (٨/ ١٨٦، ١٨٧) (٧٦٧١) قال: حدثنا أبو الزنباع روح بن الفرج ثنا أبو زيد بن أبي الغمر، فذكره.=\n_________\n[¬١]- في ز: \"أفي\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في ز: \"إلى آخر\".\n[¬٤]- في ز: \"وكذا\".\n[¬٥]- في ز، خ: \" سلمان \".","vol":"5","page":383},{"text":"عبد الرحمن بن أبي الغمر، حدثنا أبو مطيع معاوية بن يحيى] [¬١]، عن صفوان بن عمرو، حدثني سليم بن عامر، قال: سمعت أبا أمامة الباهلي يقول: قام رسول اللَّه ﷺ في الناس فقال: \" كتب عليكم الحج \". فقام رجل من الأعراب، فقال: أفي كل عام؟ قال: فغلَق [¬٢] كلام رسول اللَّه ﷺ وأسكت واستغضب ومكث طويلًا، ثم تكلم فقال: \"من السائل؟ \" فقال الأعرابي: أنا ذا. فقال: \" ويحك، ماذا يؤمنك أن أقول نعم، واللَّه لو قلت نعم لوجبت، ولو وجبت لكفرتم، ألا إنه إنما أهلك الذين من قبلكم أئمة الحرج [¬٣]، واللَّه لو أني أحللت لكم جميع ما في الأرض، وحرمت عليكم منها موضع خف لوقعتم فيه\". قال: فأنزل اللَّه عند ذلك: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم﴾ إلى آخر الآية.\nفي إسناده ضعف، وظاهر الآية: النهي عن السؤال عن الأشياء التي إذا أعلم بها الشخص ساءته، فالأولى الإعراض عنها وتركها، وما أحسن الحديث الذي رواه الإِمام أحمد (^٧٨٢) حيث قال:\nحدثنا حجاج، قال: سمعت إسرائيل بن يونس، عن الوليد بن أبي هشام [¬٤] مولى الهمداني، عن زيد بن زائد، عن عبد اللَّه بن مسعود، قال: قال رسول اللَّه ﷺ لأصحابه: \"لا يبلغني أحد عن أحد شيئًا؛ فإني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر\". الحديث.\nوقد رواه أبو داود والترمذي من حديث إسرائيل، قال أبو داود: عن الوليد. وقال الترمذي: عن إسرائيل، عن السدي، عن الوليد بن أبي هشام [¬٥] به. ثم قال الترمذي: غريب من هذا الوجه.\n_________\n= والحديث ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٤/ ٢٠٧) وقال: رواه الطبراني في الكبير وإسناده حسن جيد. وذكره السيوطي في الدر المنثور (٢/ ٥٩٢) وزاد نسبته لابن مردويه. قال الشيخ محمود شاكر في تعليقه على ابن جرير: نقله ابن كثير في تفسيره عن هذا الموضع من التفسير وقال: في إسناده ضعف وكأن علة ضعفه عنده هو زكريا بن يحيى بن أبان المصري. قلت: زكريا بن يحمى لم ينفرد به إنما تابعه روح بن الفرج عند الطبراني كما تقدم وروح أبو الزنباع ثقة كما قال الحافظ في \" التقريب \" فالحديث حسن جيد كما قال الهيثمي ﵀.\n(^٧٨٢) - رواه أحمد في مسنده (١/ ٣٩٥، ٣٩٦) وقد تقدم تخريجه.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في ز: \"فعلن\".\n[¬٣]- في ز: \"الجرح\".\n[¬٤]- في خ: \"هاشم\".\n[¬٥]- في خ، م: \"هاشم\". وهو خطأ.","vol":"5","page":384},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم﴾ أي: وإن تسألوا عن هذه الأشياء التي نهيتم عن السؤال عنها، حين ينزل الوحي على رسول اللَّه ﵌ تبين لكم، وذلك يسير.\nثم قال: ﴿عفا اللَّه عنها﴾ أي: عما كان منكم قبل ذلك ﴿واللَّه غفور حليم [¬١]﴾.\nوقيل: المراد بقوله: ﴿وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم﴾ أي: لا تسألوا عن أشياء تستأنفون السؤال عنها، فلعله قد ينزل بسبب سؤالكم تشديد أو تضييق، وقد ورد في الحديث: \"أعظم المسلمين جرمًا من سأل عن شيء لم يحرم، فحرم من أجل مسألته\" (^٧٨٣). ولكن إذا نزل القرآن بها مجملة فسألتم عن بيانها حينئذٍ، تبينت لكم لاحتياجكم إليها.\n﴿عفا اللَّه عنها﴾ أي: ما لم يذكره في كتابه فهو مما عفا عنه، فاسكتوا أنتم عنها كما سكت عنها، وفي الصحيح (^٧٨٤) عن رسول اللَّه ﷺ أنه قال: \"ذروني ما تركْتُكم [¬٢]، فإنما أهلك من كان قبلكم: كثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم\".\nوفي الحديث الصحيح أيضًا: \"إن اللَّه تعالى فرض فرائض فلا تضيعوها، وحدَّ حدودًا فلا تعتدوها، وحرم أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمة بكم غير نسيان فلا تسألوا عنها\" (^٧٨٥).\n_________\n(^٧٨٣) - رواه البخاري في \"صحيحه\" كتاب الاعتصام، باب: ما يكره من كثرة السؤال، ومن تكلف ما لا يعنيه حديث (٧٢٨٩)، ومسلم كتاب الفضائل، باب توقيره ﷺ، وترك إكثار سؤاله عما لا ضرورة إليه أو لا يتعلق به تكليف حديث (١٣٣٧)، وأبو داود كتاب السنة، باب: لزوم السنة حديث (٤٦١٠)، والحميدي (٦٧)، وأحمد (١/ ١٧٦، ١٧٩) وغيرهم من حديث عامر بن سعد عن أبيه وقد تقدم في تفسير سورة البقرة الآية (١٠٨).\n(^٧٨٤) - تقدم في تفسير سورة البقرة/ الآية (١٠٨).\n(^٧٨٥) - رواه الدارقطني في سننه (٤/ ١٨٣، ١٨٤) من طريق إسحاق الأزرق نا داود بين أبي هند عن مكحول عن أبي ثعلبة الخشني قال: قال رسول اللَّه ﷺ: إن اللَّه ﷿ فرض فرائض … فذكر الحديث. وقد تابع إسحاق الأزرق على هذا الحديث غير واحد منهم محمد بن فضيل كما في العلل للدارقطي (٦/ ٣٢٤) وعلى بن مسهر عند البيهقي في السنن (١٠/ ١٢، ١٣)، وقد رواه البيهقي (١٠/ ١٢) من طريق حفص بن غياث عن داود بن أبي هند موقوفًا وكذلك رواه وريد بن هارون عن داود=\n_________\n[¬١]- في ز: \"رحيم\".\n[¬٢]- في خ: \"ما تركتم\".","vol":"5","page":385},{"text":"ثم قال تعالى: ﴿قد سألها قوم من قبلكم ثم أصبحوا بها كافرين﴾ أي: قد سأل هذه المسائل المنهي عنها قوم من قبلكم فأجيبوا عنها، ثم لم يؤمنوا بها فأصبحوا بها كافرين، أي: بسببها أن بينت لهم فلم [¬١] ينتفعوا بها؛ لأنهم لم يسألوا على وجه الاسترشاد، وإنما سألوا على وجه التعنت والعناد.\nقال العوفي: عن ابن عباس قوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم﴾ وذلك أن رسول اللَّه ﷺ أذن في الناس فقال: \"يا قوم كتب عليكم الحج\". فقام رجل من بني أسد، فقال: يا رسول اللَّه، أفي كل عام؟ فأغضب رسول اللَّه ﷺ غضبا شديدًا، فقال: \"والذي نفسي بيده، لو قلت نعم لوجبت، ولو وجبت ما استطعتم، وإذا لكفرتم، فاتركوني ما تركتكم، وإذا أمرتكم بشيء فافعلوا، وإذا نهيتكم عن شيء فانتهوا عنه\". فأنزل اللَّه [هذه الآية] [¬٢]، نهاهم أن يسألوا عن مثل الذي ساكت النصارى من المائدة فأصبحوا بها كافرين، فنهى اللَّه عن ذلك، وقال: لا تسألوا عن أشياء إن نزل القرآن فيها بتغليظ ساءكم ذلك، ولكن انتظروا، فإذا نزل القرآن فإنكم لا تسألون عن شيء إلا وجدتم تبيانه.\nرواه ابن جرير (^٧٨٦).\nوقال على بن أبي طلحة: عن ابن عباس ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم﴾ قال: لما نزلت آية الحج نادى النبي ﷺ في الناس، فقال: \"يا أيها الناس إن اللَّه قد كتب عليكم الحج فحجوا\". فقالوا: يا رسول اللَّه، أعامًا واحدًا أم كل عام؟ فقال: \"لا، بل عامًا\n_________\n= كما في العلل للدارقطني قال الحافظ ابن رجب في جامع العلوم والحكم (٢/ ١٤٦): \"له علتان: إحداهما: أن مكحولا لم يصح له السماع من أبي ثعلبة، كذلك قال أبو مسهر الدمشقي وأبو نعيم الحافظ وغيرهما. والثانية: أنه اختلف في رفعه ووقفه على أبي ثعلبة ورواه بعضهم عن مكحول من قوله، لكن قال الدارقطني: الأشبه بالصواب المرفوع. قال: وهو الأشهر. وقد حسن الشيخ (يعني النووي) ﵀ هذا الحديث وكذلك حسنه قبله الحافظ أبو بكر بن السمعاني في \"أماليه\". والحديث ضعفه الألباني في \"غاية المرام\" رقم (٤).\n(^٧٨٦) - رواه ابن جرير في تفسيره (١١/ ١٠٩) (١٢٨٠٨)، وإسناده ضعيف لأجل العوفي وقد تقدم الكلام على هذا الإسناد في تفسير سورة البقرة.\n_________\n[¬١]- في ز: \"ولم\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز: \" ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم﴾ \".","vol":"5","page":386},{"text":"واحدًا، ولو قلت كل عام لوجبت، ولو وجبت لكفرتم\". ثم قال اللَّه تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم﴾ إلى قوله: ﴿ثم أصبحوا بها كافرين﴾.\nرواه ابن جرير (^٧٨٧).\nوقال خصيف: عن مجاهد، عن ابن عباس: ﴿لا تسألوا عن أشياء﴾ قال: هي البحيرة والوصيلة والسائبة والحام، ألا [ترى أنه قال بعدها] [¬١]: ﴿ما جعل اللَّه من بحيرة﴾ ولا كذا ولا كذا. قال: وأما عكرمة فقال: إنهم كانوا يسألونه عن الآيات فنهوا عن ذلك، ثم قال: ﴿قد سألها قوم من قبلكم ثم أصبحوا بها كافرين﴾.\nرواه ابن جرير (^٧٨٨).\nيعني عكرمة ﵀ أن المراد بهذا النهي عن سؤال وقوع الآيات، كما سألت قريش أن يجري لهم أنهارًا، وأن يجعل لهم الصفا ذهبًا وغير ذلك، وكما سألت اليهود أن ينزل عليهم كتابًا من السماء، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأوّلون وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها وما نرسل بالآيات إلا تخويفًا﴾. وقال تعالى:\n﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠٩) وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١١٠) وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ (١١١)﴾.\n﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (١٠٣) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (١٠٤)﴾\n_________\n(^٧٨٧) - تفسير ابن جرير (١١/ ١١٠) (١٢٨٠٩).\n(^٧٨٨) - تفسير ابن جرير (١١/ ١١١) (١٢٨١١) وذكره السيوطى في الدر المنثور (٢/ ٥٩٣) وزاد نسبته لسعيد بن منصور وابن المنذر وأبي الشيخ وابن مردويه.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"أنه يقول بعد ذلك\".","vol":"5","page":387},{"text":"قال البخاري (^٧٨٩): حدّثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا إبراهيم بن سعد، عن صالح بن كيسان، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، قال: البحيرة: التي يمنع [¬١] درها للطواغيت فلا يحلبها أحد من الناس، والسائبة: كانوا يسيبونها لآلهتهم لا يحمل عليها شيء. قال: وقال [¬٢] أبو هريرة: قال رسول اللَّه ﷺ: \"رأيت عمرو بن عامر الخزاعي يجر قصبه في النار، كان أول من سيب السوائب\". والوصيلة: الناقة البكر تبكر [¬٣] في أول نتاج الإبل، ثم تثنى بعد بأنثى، وكانوا يسيبونها لطواغيتهم إن وصلت إحداهما بالأخرى ليس بينهما ذكر، والحام: فحل الإبل يضرب الضراب المعدود، فإذا قضى ضرابه ودعوه للطواغيت وأعفوه عن الحمل، فلم يحمل عليه شيء وسموه الحامي.\nوكذا رواه مسلم والنسائي من حديث إبراهيم بن سعد به.\nثم قال البخاري (^٧٩٠): وقال لنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، عن الزهري، قال سمعت سعيدًا يخبر بهذا، [] [¬٤] وقال أبو هريرة عن النبي ﷺ نحوه. و[¬٥] رواه ابن الهاد، عن ابن شهاب، عن سعيد، عن أبي هريرة رضي اللَّه تعالى عنه، عن النبى ﷺ.\nقال الحاكم: أراد البخاري أن يزيد بن عبد اللَّه بن الهاد رواه عن عبد الوهاب بن بخت عن الزهري. كذا حكاه شيخنا أبو الحجاج المزي في الأطراف وسكت ولم ينبه عليه، وفيما قاله الحاكم نظر، فإن الإِمام أحمد وأبا جعفر بن جرير روياه: من حديث الليث بن سعد، عن ابن الهاد، عن الزهري نفسه واللَّه أعلم.\n_________\n(^٧٨٩) - رواه البخاري في \"صحيحه\" كتاب التفسير، باب: ﴿ما جعل اللَّه من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام﴾ حديث (٤٦٢٣)، ورواه البخاري في المناقب، باب: قصة خزاعة حديث (٣٥٢٠)، ومسلم في كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب النار يدخلها الحبارون، والجنة يدخلها الضعفاء حديث (٢٨٥٦)، والنسائي في الكبرى كتاب التفسير، باب: قوله تعالى: ﴿ما جعل اللَّه من بحيرة ولا سائبة﴾ حديث (١١١٥٦)، وأحمد (٢/ ٣٦٦) من طريق ابن شهاب الزهري عن ابن المسيب به.\n(^٧٩٠) - صحيح البخاري كتاب التفسير عقب الحديث (٤٦٢٣).\n_________\n[¬١]- في ز: \"تمنع\".\n[¬٢]- في ز: \"فقال\".\n[¬٣]- سقط من: خ.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين فى ز: \"قال\".\n[¬٥]- سقط من: ز.","vol":"5","page":388},{"text":"ثم قال البخاري (^٧٩١): حدثنا محمد بن أبي يعقوب أبو عبد اللَّه الكرماني، حدثنا حسان بن إبراهيم، حدثنا يونس، عن الزهري، عن عروة، أن عائشة رضي اللَّه تعالى عنها قالت: قال رسول اللَّه ﷺ: \"رأيت جهنم يحطم بعضها بعضًا، ورأيت عمرًا يجر قصبه وهو أول من سيب السوائب\".\nتفرد [¬١] به البخاري.\nوقال ابن جرير (^٧٩٢): حدثنا هناد، حدثنا يونس بن بكير، حدثنا محمد بن إسحاق، حدثني محمد بن إبراهيم بن الحارث، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول لأكثم بن الجون: \"يا أكثم، رأيت عمرو بن لحي بن قمعة بن خندف يجر قصبه في النار، فما رأيت رجلًا أشبه برجل [به منك ولا منك به] \" فقال أكثم: تخشى أن يضرني شبهه يا رسول اللَّه؟ فقال رسول اللَّه ﷺ: \" لا، إنك مؤمن [وهو كافر، إنه أول من غير دين إبراهيم، وبحر البحيرة، وسيب السائبة، وحمى الحامي\". ثم رواه عن] [¬٢] هناد، عن عبدة، [عن محمد بن عمرو] [¬٣]، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ بنحوه أو مثله.\n_________\n(^٧٩١) - رواه البخاري في \"صحيحه\" كتاب التفسير، باب: ﴿ما جعل اللَّه من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام﴾ حديث (٤٦٢٤) ورواه في كتاب العمل في الصلاة، باب: إذا انفلتت الدابة في الصلاة حديث (١٢١٢) قال: حدثنا محمد بن مقاتل أخبرنا عبد اللَّه أخبرنا يونس فذكره بهذا الإسناد وأوله: \"خسفت الشمس فقام النبي ﷺ فقرأ سورة طويلة … فذكر الحديث وفي آخره: \"ولقد رأت جهنم يحطم بعضها بعضا حين رأيتموني تأخرت ورأيت فيها عمرو بن لحى وهو الذي سيب السوائب\".\n(^٧٩٢) - رواه ابن جرير فى تفسيره (١١/ ١١٧، ١١٨) (١٢٨٢٠) وهو عند ابن هشام فى السيرة (١/ ٨٩) ومن طريق ابن إسحاق رواه أيضًا ابن الأثير فى \"أسد الغابة\" (١٣٣١١) وإسناده صحيح رجاله ثقات وقد صرح ابن إسحاق بالسماع من محمد بن إبراهيم التيمى. والحديث رواه ابن جرير أيضًا فى تفسيره (١١/ ١٢٤) (١٢٨٢٧) قال: حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة بن الفضل عن ابن إسحاق فذكر الحديث. ورواه ابن جرير (١٢٨٢٢) قال حدثنا هناد قال: حدثنا عبدة عن محمد بن عمرو عن أبى سلمة عن أبى هريرة نحوه، ورواه الحاكم فى المستدرك (٤/ ٦٠٥) من طريق محمد بن عبد اللَّه الأنصارى ثنا محمد بن عمرو به. وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه ووافقه=\n_________\n[¬١]- في ز: \"انفرد\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"عن عبده عن عمرو\".","vol":"5","page":389},{"text":"ليس هذان الطريقان في الكتب.\nوقال الإِمام أحمد (^٧٩٣): حدثنا عمرو بن مجمع، حدثنا إبراهيم الهجري، عن أبي الأحوص، عن عبد اللَّه بن مسعود، عن النبي ﷺ قال: \"إن أول من سيب السوائب وعبد الأصنام أبو خزاعة عمرو بن عامر، وإني رأيته يجر أمعاءه في النار\".\nتفرد به أحمد من هذا الوجه، وقال عبد الرزاق (^٧٩٤): أنبأنا معمر، عن زيد بن أسلم، قال: قال رسول اللَّه ﷺ: \"إني لأعرف أول من سيب السوائب، وأول من غير دين إبراهيم ﵇\". قالوا: من هو يا رسول اللَّه؟ قال: \"عمرو ابن لحي أخو بني كعب، لقد رأيته يجر قصبه في النار يؤذي ريحه أهل النار، وإني لأعرف أول من بحر البحائر\". قالوا: و[¬١] من هو يا رسول اللَّه؟ قال: \"رجل من بني مدلج كانت له ناقتان، فجدع [¬٢] آذانهما، وحرم ألبانهما، ثم شرب ألبانهما بعد ذلك، فلقد رأيته في النار وهما يعضانه بأفواههما ويخبطانه بأخفافهما\". فعمرو هذا هو ابن لحي\n_________\n= الذهبى، والحديث ذكره ابن حجر فى \"الإصابة\" (١/ ٩٥) - ترجمة أكثم بن أبى الجون - فقال: قال أحمد: حدثنا محمد بن بشير، حدثنا محمد بن عمرو عن أبى سلمة عن أبى هريرة فذكر الحديث وعزاه لاْحمد فى فتح البارى (١٣/ ١٠١) أيضًا ولم أقف عليه فى المسند ولا فى أطراف المسند فلعله فى كتاب آخر غير المسند وإن كان هو المتبادر عند إطلاق العزو لأحمد، والله أعلم.\n(^٧٩٣) - رواه أحمد فى المسند (١/ ٤٤٦) ورواه أيضًا عقبه مباشرة حدثنا حسين بن محمد حدثنا يزيد بن عطاء عن أبى إسحاق الهجرى فذكره مثله ولم يذكر \"وعبد الأصنام\" وإسناده ضعيف لأجل إبراهيم بن مسلم الهجرى فإنه لين وفع موقوفات كما قال الحافظ فى \"التقريب\" وانظر تعليق العلامة أحمد شاكر على المسند (٤٢٥٨)، (٤٢٥٩)، وذكره الهيثمى فى مجمع الزوائد (١/ ١٢١) وقال: رواه أحمد وفيه إبراهيم الهجرى وهو ضعيف، وذكره أيضًا السيوطى فى الدر المنثور (٢/ ٥٩٧) وزاد نسبته لعبد بن حميد وابن مردويه.\n(^٧٩٤) - رواه عبد الرزاق فى تفسيره (١/ ١٩٧) ومن طريقه رواه ابن جرير فى تفسيره (١١/ ١٠٣) (١٢٨٢٤)، ورواه ابن جرير أيضًا فى (١٢٨٢١) قال: حدثنا هناد حدثنا يونس حدثنى هشام بن سعد عن زيد بن أسلم. وهشام بن سعد هو المدنى ضعفه ابن سعيد القطان وأحمد بن حنبل وابن معين، والنسائى وابن سعد وابن حبان وابن عبد البر، وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج له، وقال أبو زرعة: شيخ محله الصدق وقال فى موضع آخر واهى الحديث وقال العجلى: جائز الحديث، حسن الحديث لخص الحافظ حاله فى \"التقريب\" فقال: صدوق له أوهام، وقد روى له مسلم وأصحاب السنن، فمتابعة معمر له تقويه لكن الحديث مع ذلك مرسل، وقد ذكره السيوطى فى الدر المنثور (٢/ ٥٩٧) وزاد نسبته لابن أبى شيبة وعبد بن حميد.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- في ز: \"فجذع\".","vol":"5","page":390},{"text":"ابن قمعة، أحد رؤساء خزاعة الذين ولوا البيت بعد جرهم، وكان أول من غير دين إبراهيم الخليل، فأدخل الأصنام إلى الحجاز، ودعا الرعاع [¬١] من الناس إلى عبادتها والتقرب بها، وشرع لهم هذه الشرائع الجاهلية في الأنعام وغيرها، كما ذكره اللَّه تعالى في سورة الأنعام عند قوله تعالى: ﴿وجعلوا للَّه مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبًا﴾ إلى آخر الآيات في ذلك.\nفأما البحيرة: فقال علي بن أبي طلحة: عن ابن عباس ﵄: هي الناقة إذا نتجت خمسة أبطن نظروا إلى الخامس، فإن كان ذكرًا ذبحوه فأكله الرجال دون النساء، وإن كان أنثى جدعوا [¬٢] آذانها فقالوا: هذه بحيرة. وذكر السدي وغيره قريبًا من هذا.\nوأما السائبة: فقال مجاهد: هى من الغنم نحو ما فسر من البحيرة، إلا أنها ما ولدت من [¬٣] ولد بينها وبينه [¬٤] ستة أولاد كانت على هيئتها، فإذا ولدت السابع ذكرًا أو ذكرين ذبحوه فأكله رجالهم دون نسائهم.\nوقال محمد بن إسحاق: السائبة: هى الناقة إذا ولدت عشر إناث من الولد ليس بينهن ذكر، سيبت فلم تركب ولم يُجَز وبرها، ولم يحلب لبنها إلا الضيف.\nوقال أبو روق: السائبة: كان الرجل إذا خرج فقضيت حاجته سيب من ماله ناقة أو غيرها فجعلها للطواغيت، فما ولدت من شيء كان لها.\nوقال السدي: كان الرجل منهم إذا قضيت حاجته، أو عوفي من مرض، أو كثر ماله، سيب شيئًا من ماله للأوثان، فمن عرض له من الناس عوقب بعقوبة في الدنيا.\nوأما الوصيلة: فقال على بن أبي طلحة، عن ابن عباس: هي الشاة إذا نُتجت سبعة أبطن نظروا إلى [¬٥] السابع، فإن كان ذكرًا أو أنثى وهو ميت اشترك فيه الرجال دون النساء، وإن كان أنثى استحيوها، وإن كان ذكرًا وأنثى في بطن واحد [¬٦] استحيوهما، وقالوا: وصلته أخته فحرمته علينا.\nرواه ابن أبي حاتم (^٧٩٥).\n_________\n(^٧٩٥) - تفسير ابن أبى حاتم (٤/ ١٢٢٢) (٦٨٩٨).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"الرعاء\".\n[¬٢]- في ز: \"جذعوا\".\n[¬٣]- في ز: \"بين\".\n[¬٤]- في ز: \"وبين\".\n[¬٥]- سقط من: ز.\n[¬٦]- سقط من: ز.","vol":"5","page":391},{"text":"وقال عبد الرزاق (^٧٩٦): أنبأنا معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب ﴿ولا وصيلة﴾ قال: فالوصيلة من الإِبل، كانت الناقة تبتكر بأنثى، ثم تثني [¬١] بأنثى فيسمونها [¬٢] الوصيلة، ويقولون: وصلت أنْثَيَينْ [¬٣] ليس بينهما ذكر فكانوا [¬٤] يجدعونها لطواغيتهم.\nوكذا روي عن الإِمام مالك بن أنس رحمه اللَّه تعالى.\nوقال محمد بين إسحاق: الوصيلة من الغنم إذا ولدت عشر إناث في خمسة أبطن، توأمين توأمين في كل بطن، سميت الوصيلة وتركت، فما ولدت بعد ذلك من ذكر أو أنثى جعلت للذكور [¬٥] دون الإِناث، وإن كانت ميتة اشتركوا فيها.\nوأما الحام: فقال العوفي: عن ابن عباس، قال: كان الرجل إذا لقح فحله عشرًا، قيل: حام فاتركوه. و[¬٦] كذا قال أبو روق، وقتادة. وقال على بن أبي طلحة، عن ابن عباس: وأما الحام فالفحل من الإبل إذا ولد لولده، قالوا: حمى هذا ظهره، فلا يحملون عليه شيئًا، ولا يجزون له وبرًا، ولا يمنعونه من حمى رعي، ومن حوض يشرب منه، وإن كان الحوض لغير صاحبه.\nوقال ابن وهب: سمعت مالكًا يقول: أما الحام فمن [¬٧] الإِبل، كان يضرب في الإِبل، فإذا انقضى ضرابه جعلوا عليه ريش الطواويس وسيبوه.\nوقد قيل غير ذلك في تفسير هذه الآية، وقد ورد في ذلك حديث رواه ابن أبي حاتم (^٧٩٧): من طريق أبي إسحاق السبيعي، عن أبي الأحوص [¬٨] الجشمي، عن أبيه مالك بن نضلة [¬٩]، قال: أتيت النبي ﷺ في خُلْقان من الثياب، فقال لي: \"هل لك من مال؟ \"\n_________\n(^٧٩٦) - رواه عبد الرزاق فى تفسيره (١/ ١٩٦، ١٩٧).\n(^٧٩٧) - قطعه ابن أبى حاتم فى تفسيره فرواه فى (٤/ ١٢٢٠) رقم (٦٨٨٥)، وفى (٦٨٩١)، وفى (٦٨٩٧) وقطعه أيضًا ابن جرير فى تفسيره (١١/ ١٠٣) (١٢٨٢٥)، وفى (١٢٨٢٦)، و(١٢٨٣١)، ورواه الطيالسى فى \"مسنده\" (١٣٠٣)، (١٣٠٤) وأبو داود كتاب اللباس باب فى غسل الثوب، حديث (٤٠٦٣)، والنسائى فى الزينة باب: الجلاجل (٨/ ١٨٠، ١٨١) وفى باب=\n_________\n[¬١]- في ز: \"ثنت\".\n[¬٢]- في ز: \"يسموها\".\n[¬٣]- في ز: \"اثنتين\".\n[¬٤]- سقط من: ز.\n[¬٥]- في ز: \"للذكر\".\n[¬٦]- سقط من: ز.\n[¬٧]- في ز: \"فاما من\".\n[¬٨]- في ز: \"الأخوص\".\n[¬٩]- في ز: \"فضلة\".","vol":"5","page":392},{"text":"فقلت [¬١]: نعم. قال: \"من أي المال؟ \" قال: فقلت: من كل المال؛ من الإِبل والغنم والخيل والرقيق قال: \"فإذا آتاك اللَّه مالًا فَلْيُرَ [¬٢] عليك\". ثم قال: \"تنتج إبلك وافية آذانها؟ \" قال: قلت: نعم. قال: \"وهل تنتج الإِبل إلا كذلك؟ \". قال: \"فلعلك تأخذ الموسى فتقطع آذان طائفة منها، وتقول: هذه بحير، وتشق آذان طائفة منها وتقول هذه حرم [¬٣] \". قلت: نعم. قال: \"فلا تفعل، إن كل ما آتاك اللَّه لك حل\". ثم قال: ﴿ما جعل اللَّه من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام﴾. أما البحيرة: فهي التي يجدعون [¬٤] آذانها، فلا تنتفع [¬٥] امرأته ولا بناته ولا أحد من أهل بيته بصوفها، ولا أوبارها ولا أشعارها ولا ألبانها، فإذا ماتت اشتركوا فيها. وأما السائبة: فهي التي يسيبون لآلهتهم و[¬٦] يذهبون إلى آلهتهم فيسيبونها. وأما الوصيلة: فالشاة تلد ستة أبطن فإذا ولدت السابع [جدعت وقطع] [¬٧] قرنها، فيقولون: قد وصلت فلا يذيحونها ولا تضرب، ولا تمنع مهما وردت على حوض. هكذا يذكر تفسير ذلك مدرجًا في الحديث.\nوقد روي من وجه آخر عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص [¬٨] عوف بن مالك من قوله وهو أشبه، وقد روى هذا الحديث الإمام أحمد: عن سفيان بن عيينة، عن أبي الزعراء عمرو بن عمرو، عن عمه أبي الأحوص [¬٩] عوف بن مالك بن نضلة، عن أبيه به. وليس فيه تفسير هذه، والله أعلم.\nوقوله تعالى: ﴿ولكن الذين كفروا يفترون على اللَّه الكذب وأكثرهم لا يعقلون﴾ أي: ما شرع اللَّه هذه الأشياء ولا هي عنده قربة، ولكن المشركين [¬١٠] افتروا ذلك، وجعلوه شرعًا لهم\n_________\n= ذكر ما يستحب من لبس الثياب وما يكره منها (٨/ ١٩٦) وأحمد (٣/ ٤٧٣) (٤/ ١٣٦، ١٣٧) وابن حبان (٥٤١٦) والطبرانى فى الكبير (١٩/ رقم ٦٠٧، ٦٠٨) (٦٢١)، والبيهقى فى الكبرى (١٠/ ١٠) وفى \"الأسماء والصفات\" (٧٤٢)، والبغوى (٣١١٨) من طرق عن أبى إسحاق به. والروايات مطولة ومختصرة ورواه أحمد (٣/ ٤٧٣)، والطبرانى (١٩/ رقم ٦٢٤)، وابن حبان (٥٤١٧) من طريق عبد الملك بن عمير عن أبى الأحوص عن أبيه به. وليس فيه تفسير الآية، ورواه أحمد (٤/ ١٣٦، ١٣٧) من طريق عمرو بن عمرو عن عمه أبى الأحوص كذلك.\n_________\n[¬١]- في ز: \"قلت\".\n[¬٢]- في ز: \"فكثر\".\n[¬٣]- في ز: \"صرم\".\n[¬٤]- في ز: \"يجذعون\".\n[¬٥]- في ز: \"ينتفع\".\n[¬٦]- سقط من: ز.\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين في ز: \"جذعت وقطعت\".\n[¬٨]- في ز: \"الأخوص\".\n[¬٩]- في ز: \"الأخوص\".\n[¬١٠]- في ز: \"المشركون\".","vol":"5","page":393},{"text":"وقربة يتقربون بها إليه، وليس ذلك بحاصل لهم بل هو وبال عليهم.\n﴿وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل اللَّه وإلى الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا﴾ أي: إذا دعوا إلى دين اللَّه وشرعه وما أوجبه وترك ما حرمه، قالوا: يكفينا ما وجدنا عليه الآباء والأجداد من الطرائق والمسالك، قال اللَّه تعالى: ﴿أولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئًا﴾ أي: لا يفهمون حقًّا ولا يعرفونه ولا يهتدون إليه، فكيف يتبعونهم والحالة هذه؟ لا يتبعهم إلا من هو أجهل منهم وأضل سبيلًا.\n﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٠٥)﴾\nيقول تعالى: آمرًا عباده المؤمنين أن يصلحوا أنفسهم، ويفعلوا الخير بجهدهم وطاقتهم، ومخبرًا لهم: أنه من أصلح أمره لا يضره فساد من فسد من الناس، سواء كان قريبًا منه أو بعيدًا.\nقال العوفي، عن ابن عباس عند [¬١] تفسير هذه الآية: يقول تعالى إذا ما العبد أطاعني فيما أمرته به من الحلال [ونهيته عنه من] [¬٢] الحرام، فلا يضره من ضل بعده إذا عمل بما أمرته به.\nوكذا روى الوالبي عنه، وهكذا قال مقاتل بن حيان، فقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم﴾ نصب على الإغراء ﴿لا يضركم من ضل إذا اهتديتم إلى اللَّه مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم تعملون﴾ أي: فيجازي كل عامل بعمله، ان خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر.\nوليس في الآية مُسْتَدَل على ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إذا كان فعل ذلك ممكنًا، وقد قال الإِمام أحمد ﵀ (^٧٩٨):\n_________\n(^٧٩٨) - المسند (١/ ٥) وإسناده صحيح كما قال العلامة أحمد شاكر فى تعليقه على المسند ورواه أحمد فى المسند (١/ ٢، ٧، ٩) وأبو داود فى \"سننه\" كتاب الملاحم باب: الأمر والنهى حديث (٤٣٣٨)، والترمذى كتاب الفتن، كتاب: ما جاء فى نزول العذاب إذا لم يغير المنكر حديث (٢١٦٨)، وفى تفسير القرآن، كتاب: ومن سورة المائدة حديث (٣٠٥٧)، وابن ماجه فى الفتن، باب: الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر حديث (٤٠٠٥)، والنسائى فى الكبرى كما فى تحفة الأشراف (٦٦١٥)، وابن حبان فى صحيحه (٣٠٤)، والبيهقى فى السنن (١٠/ ٩١) من طرق عن إسماعيل بن أبى خالد به.=\n_________\n[¬١]- سقط من: ت.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"5","page":394},{"text":"حدثنا هاشم بن القاسم، حدثنا زهير - يعني ابن معاوية -، حدثنا إسماعيل بن أبي خالد، حدثنا قيس، قال: قام أبو بكر الصديق [¬١] ﵁ فحمد اللَّه وأثنى عليه، ثم [¬٢] قال: أيها الناس، إنكم تقرءون هذه الآية: ﴿يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم﴾ إلى آخر الآية. وإنكم تضعونها على غير موضعها، وإني سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول [¬٣]: \"إن الناس إذا رأوا المنكر ولا يغيرونه، أوشك [] [¬٤] اللَّه ﷿ أن يعمهم بعقابه\". قال: وسمعت أبا بكر يقول: يا أيها الناس، إياكم والكذب، فإن الكذب مجانب الإِيمان.\nوقد روى هذا الحديث أصحاب السنن الأربعة وابن حبان في صحيحه وغيرهم، من طرق كثيرة، عن جماعة كثيرة، عن إسماعيل بن أبي [¬٥] خالد به متصلًا مرفوعًا، ومنهم من رواه عنه به موقوفًا على الصديق، وقد رجح رفعه الدارقطني وغيره، وذكرنا طرقه والكلام عليه مطولًا في مسند الصديق ﵁.\nوقال أبو عيسى الترمذي (^٧٩٩): حدثنا سعيد بن يعقوب الطالقاني، حدثنا عبد اللَّه بن\n_________\n= وقال الترمذى فى الموضع الثانى: هذا حديث حسن صحيح، وقد رواه غير واحد عن إسماعيل بن أبى خالد نحو هذا الحديث مرفوعًا وروى بعضهم عن إسماعيل عن قيس عن أبى بكير قوله ولم يرفعوه.\n(^٧٩٩) - رواه الترمذى فى كتاب تفسير القرآن، باب: ومن سورة المائدة حديث (٣٠٥٨) وقال الترمذى: هذا حديث حسن غريب، كذا فى المطبوع من سنن الترمذى والذى نقله ابن كثير هنا \"حسن غريب صحيح\" والذى نقله صاحب \"تحفة الأحوذى\" حسن غريب. والحديث رواه أبو داود كتاب الملاحم، باب: الأمر والنهى، حديث (٤٣٤١)، وابن ماجه كتاب الفتن، باب: قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم﴾ حديث (٤٠١٤)، وابن جرير فى تفسيره (١١/ ١٤٥) (١٢٨٦٢)، (١٢٨٦٣)، وابن أبى حاتم فى تفسيره (٤/ ١٢٢٥)، (٦٩١٥) والبيهقى فى الشعب (٧٥٥٣)، والمزى فى تهذيب الكمال (٢١/ ٥٦٣) من طريق عتبة بن أبى حكيم عن عمه عمرو بن جارية بالحديث، وذكره السيوطى فى الدر المنثور (٢/ ٥٩٨)، وزاد نسبته للبغوى فى معجمه وابن المنذر والطبرانى وأبى الشيخ وابن مردويه والحاكم، وفى إسناده عمرو بن جارية اللخمى ذكره البخارى فى التاريخ الكبير (٦/ ٣١٩) وابن أبى حاتم فى الجرح والتعديل (٦/ ٢٢٤) ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا وذكره ابن حبان فى الثقات (٧/ ٢١٨) وقال ابن حجر فى التقريب: مقبول. وكذا قال فى أبى أمية الشعبانى والحديث ضعفه الألبانى فى ضعيف الترمذى (٥٨٥) وقال فى تخريج المشكاة (٥١٤٤): إسناده ضعيف ولبعضه شواهد.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- في ز: \"و\".\n[¬٣]- في ز: \"قال\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين في ز: \" أن \".\n[¬٥]- سقط من: ز.","vol":"5","page":395},{"text":"المبارك، حدثنا عتبة بن أبي حكيم، حدثنا عمرو بن جارية [¬١] اللخمي، عن أبي أمية الشعباني، قال: أتيت أبا ثعلبة الخشني، فقلت له [¬٢]: كيف تصنع في هذه الآية؟ فقال: أية آية؟ قلت: قول اللَّه تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم﴾ فقال: أما والله لقد سألتَ عنها خبيرًا، سألت عنها رسول اللَّه ﷺ فقال: \"بل ائتمروا بالمعروف، وتناهوا عن المنكر، حتى إذا رأيت شحًّا مطاعًا، وهوى متبعًا، ودنيا مؤثرة، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك بخاصة نفسك، ودع العوام، فإن من ورائكم أيامًا، الصبر فيهن مثل القبض [¬٣] على الجمر، للعامل فيهن مثل أجر خمسين رجلًا يعملون كعملكم\". قال عبد اللَّه بن المبارك: وزاد [] [¬٤] غير عتبة: قيل: يا رسول اللَّه، أجر خمسين رجلًا [منا أو منهم]؟ قال: \" [] [¬٥] بل أجر خمسين منكم\".\nثم قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب صحيح.\nوكذا رواه أبو داود: من طريق ابن المبارك، ورواه ابن ماجة وابن جرير وابن أبي حاتم عن عتبة بن أبي حكيم.\nوقال عبد الرزاق (^٨٠٠): أنبأنا معمر، عن الحسن: أن ابن مسعود ﵁ سأله رجل عن قول اللَّه: ﴿عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم﴾ فقال [¬٦]: إن هذا ليس بزمانها، إنها اليوم مقبولة، ولكنه قد أوشك [¬٧] أن يأتي زمانها، تأمرون فيصنع بكم كذا وكذا - أو قال: فلا يقبل منكم - فحينئذ عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل.\nورواه أبو جعفر الرازي عن الربيع، عن أبي العالية، عن ابن مسعود، في قوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم﴾ الآية. قال: كانوا عند عبد اللَّه بن\n_________\n(^٨٠٠) - رواه فى تفسيره (١/ ١٩٩) ومن طريقه رواه ابن جرير فى تفسيره (١١/ ١٤١) (١٢٨٥٥)، ورواه ابن جرير فى (١٢٨٤٨) (١٢٨٤٩)، (١٢٨٥٠)، والطبرانى (٩/ ٢٥١) (٩٠٧٢) من طرق عن الحسن عن ابن مسعود به.\nوذكره الهيثمى فى مجمع الزوائد (٧/ ٢٢): رواه الطبرانى ورجاله رجال الصحيح إلا أن الحسن البغوى لم يسمع من ابن مسعود.\n_________\n[¬١]- في ز: \"حارثة\".\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- في ز: \"القابض\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين في ز: \"في\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين فى ز: \"لا\".\n[¬٦]- في ز: \"قال\".\n[¬٧]- في ت: \"يوشك\".","vol":"5","page":396},{"text":"مسعود جلوسًا، فكان بين رجلين بعض ما يكون بين الناس، حتى قام كل واحد منهما [¬١] إلى صاحبه، فقال رجل من جلساء عبد اللَّه: ألا أقوم فآمرهما بالمعروف وأنهاهما عن المنكر. فقال آخر إلى جنبه: عليك بنفسك، فإن اللَّه يقول: ﴿عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديم﴾. قال: فسمعها ابن مسعود فقال: مه، لم يجئ تأويل هذه بعد، إن القرآن أنزل حيث أنزل ومنه آي قد مضى تأويلهن قبل أن ينزلن، ومنه آي قد وقع تأويلهن على عهد رسول اللَّه ﷺ، ومنه آي قد وقع تأويلهن بعد النبي ﷺ بيسير، [ومنه آي يقع تأويلهن] [¬٢] [بعد اليوم، ومنه آي يقع تأويلهن عند الساعة على ما ذكر من الساعة] [¬٣]، [ومنه آي يقع تأويلهن] [¬٤] يوم الحساب على [¬٥] ما ذكر من الحساب والجنة والنار، فما دامت قلوبكم واحدة وأهواؤكم واحدة، [ولم تلبسوا شيعًا، ولم يذق بعضكم بأس بعض] [¬٦]-[فأمروا وانهوا، وإذا اختلفت القلوب والأهواء وألبستم شيعًا، وذاق بعضكم بأس بعض] [¬٧]، فأمره [¬٨] ونفسه، وعند ذلك جاءنا تأويل هذه الآية. رواه ابن جرير (^٨٠١).\nوقال ابن جرير (^٨٠٢): حدثنا الحسن بن عرفة، حدثنا شبابة بن سوار، حدثنا الربيع بن صبيح، عن سفيان بن عقال، قال: قيل لابن عمر: لو جلست في هذه الأيام فلم تأمر [ولم تنه، فإن اللَّه قال: ﴿عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم﴾. فقال ابن] [¬٩] عمر: إنها ليست لي ولا لأصحابي، إن رسول اللَّه ﷺ قال: \"ألا فليبلغ الشاهد الغائب\"، فكنا نحن الشهود وأنتم الغُيّب، ولكن هذه الآية لأقوام يجيئون من بعدنا، إن قالوا لم يقبل منهم.\n_________\n(^٨٠١) - رواه ابن جرير فى تفسيره (١١/ ١٤٣) (١٢٨٥٩)، ورواه أيضًا ابن أبي حاتم في تفسيره (٤/ ١٢٢٧) (٦٩٢٢)، وذكره السيوطي في الدر المنثور (٢/ ٥٩٩) وزاد نسبته إلى \" عبد بن حميد، ونعيم ابن حماد فى الفتن وأبى الشيخ وابن مردويه والبيهقى فى شعب الإيمان\".\n(^٨٠٢) - رواه ابن جرير فى تفسيره (١١/ ١٣٩) (١٢٨٥١) وذكره السيوطى فى الدر المنثور (٢/ ٥٩٩) وزاد نسبته لابن مردويه.\n_________\n[¬١]- في ز: \"منهم\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٥]- سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٨]- في ت: \"فأمروا\".\n[¬٩]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.","vol":"5","page":397},{"text":"وقال أيضًا (^٨٠٣): حدثنا محمد بن بشار، حدثنا محمد بن جعفر وأبو عاصم، قالا: حدثنا عوف، عن سوار بن شبيب، قال: كنت عند ابن عمر إذ أتاه رجل جليد في العين شديد اللسان، فقال: يا أبا عبد الرحمن، نفر ستة كلهم قد قرأ القرآن فأسرع فيه [¬١]، وكلهم مجتهد لا يألو، وكلهم بغيض إليه أن يأتي دناءة، وهم في ذلك يشهد بعضهم على بعض بالشرك. [فقال رجل من القوم: وأي دناءة تريد أكثر من أن يشهد بعضهم على بعضٍ بالشرك] [¬٢]؟ فقال الأجل: إني لست إياك أسأل، إنما أسأل الشيخ. فأعاد على عبد اللَّه الحديث، فقال عبد اللَّه: لعلك ترى لا أبا لك أني سآمرك أن تذهب فتقتلهم، عظهم وانههم فإن عصرك فعليك نفسك، فإن اللَّه ﷿ يقول: ﴿يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم إلى اللَّه مرجعكم جميعًا فينبئكم بما كنتم تعملون﴾.\nوقال أيضًا (^٨٠٤): حدثني أحمد بن المقدام، حدثنا المعتمر بن سليمان، سمعت أبي، حدثنا قتادة، عن أبي مازن، قال: انطلقت على عهد عثمان إلى المدينة، فإذا قوم من المسلمين جلوس، فقرأ. أحدهم هذه الآية: ﴿يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل﴾ فقال [¬٣] أكبرهم: لم يجئ تأويل هذه الآية اليوم.\nوقال (^٨٠٥): حدثنا القاسم، حدثنا الحسين، حدثنا ابن فضالة، عن معاوية بن صالح، عن\n_________\n(^٨٠٣) - تفسير الطبرى (١١/ ٤٠١) (١٢٨٥٤)، وذكره السيوطى فى الدر المنثور (٢/ ٦٠٠) وعزاه لابن مردويه وحسب.\n(^٨٠٤) - تفسير الطبرى (١١/ ١٤٠) (١٢٨٥٢) ورواه أيضًا برقم (١٢٨٥٧) من طريق سعيد عن قتادة قال: حدثنا أبو مازن، رجل من صالحى الأزد من بنى الحدان فذكره نحو رواية سليمان عن قتادة، ورواه عبد الرزاق (١/ ١٩٩) ومن طريقه الطبرى فى تفسيره (١١/ ١٤١) (١٢٨٥٦) عن معمر عن قتادة عن رجل قال: كنت فى خلافة عثمان فذكره، والرجل المبهم فى هذه الرواية إنما هو أبو مازن وأبو مازن لم أجد له ترجمة إلَّا فى الجرح والتعديل لابن أبى حاتم (٩/ ٤٤٤) قال: كان من صلحاء الأزد قدم المدينة فى زمن عثمان ﵁، روى قتادة عن صاحب له عنه، سمعت أبى يقول ذلك، قلت: الرواية التى عند ابن جرير عن قتادة عن أبى مازن مباشرة لكنه صرح به مرة ومرة أخرى أبهمه.\n(^٨٠٥) - رواه ابن جرير فى تفسيره (١١/ ١٤٢) (١٢٨٥٨) وذكره السيوطى فى الدر المنثور (٢/ ٥٩٩) ولم ينسبه لغير إلى جرير.\n_________\n[¬١]- في ز: \"فيهم\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في ز: \"وقال\".","vol":"5","page":398},{"text":"جبير بن نفير، قال: كنت في حلقة فيها أصحاب رسول اللَّه ﷺ، وإني لأصغر القوم، فتذاكروا الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، فقلت أنا: أليس اللَّه يقول في كتابه: ﴿يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم﴾؟ فأقبلوا عليَّ بلسان واحد، وقالوا: تنزع آية من القرآن لا تعرفها، ولا تدري ما تأويلها. حتى تمنيت أني لم أكن تكلمت، وأقبلوا يتحدثون، فلما حضر قيامهم قالوا: إنك غلام حديث السن، وإنك نزعت بآية و[¬١] لا تدري ما هي، وعسى أن تدرك ذلك الزمان، إذا رأيت شحًّا مطاعًا، وهوى متبعًا، وإعجاب كل ذي رأى برأيه، فعليك بنفسك لا يضرك من ضل إذا اهتديت.\nوقال ابن جرير (^٨٠٦): حدثنا على بن سهل، حدثنا ضمرة بن ربيعة قال: تلا [¬٢] الحسن هذه الآية: ﴿يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم﴾ فقال الحسن: الحمد لله بها، والحمد للَّه عليها، ما كان مؤمن فيما مضى، ولا مؤمن فيما بقي، إلا وإلى جانبه منافق يكره عمله.\nوقال سعيد بن المسيب: إذا أمرت بالمعروف، ونهيت عن المنكر، فلا يضرك من ضل إذا اهتديت. رواه ابن جرير (^٨٠٧)، وكذا روي من طريق سفيان الثوري، عن أبي العميس، عن أبي البختري، عن حذيفة مثله. وكذا قال غير واحد من السلف.\nوقال ابن أبي حاتم (^٨٠٨): حدثنا أبي، حدثنا هشام بن خالد الدمشقى، حدثنا الوليد، حدثنا ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن كعب في قوله: ﴿عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم﴾ قال: إذا هدمت كنيسة [] [¬٣] دمشق فجعلت مسجدًا، وظهر لبس العَصْب، فحينئذ تأويل هذه الآية.\n﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ\n_________\n(^٨٠٦) - رواه ابن جرير فى تفسيره (١١/ ١٤٨) (١٢٨٦٨) وذكره السيوطى فى الدر المنثور (٢/ ٦٠١) ولم ينسبه لغير ابن جرير.\n(^٨٠٧) - تفسير الطبرى (١١/ ١٤٨) (١٢٨٦٩) وذكره السيوطى فى الدر المنثور (٢/ ٦٠١) ولم ينسبه لغير - ابن جرير.\n(^٨٠٨) - تفسير إلى أبى حاتم (٤/ ١٢٢٧) (٦٩٢٤).\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- في ز: \"قال\"، وسقط من: خ.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في ز: \"مسجد\".","vol":"5","page":399},{"text":"مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ (١٠٦) فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (١٠٧) ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (١٠٨)﴾\nاشتملت هذه الآية الكريمة على حكم عزيز، قيل: إنه منسوخ، رواه العوفي عن ابن عباس، وقاله [¬١] حماد بن أبي سليمان، عن إبراهيم: إنها منسوخة. وقال آخرون وهم الأكثرون فيما قاله ابن جرير: بل هو محكم، ومن ادَّعى النسخ فعليه البيان.\nفقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان﴾ هذا هو الخبر لقوله: ﴿شهادة بينكم﴾ فقيل: تقديره شهادة اثنين، حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، وقيل: دل الكلام على تقدير أن يشهد اثنان.\nوقوله تعالى: ﴿ذوا عدل﴾ وصف الاثنين بأن يكونا عدلين.\nوقوله: ﴿منكم﴾ أي: من المسلمين. قاله الجمهور، قال [¬٢] على بن أبي طلحة، عن ابن عباس ﵁ في قوله: ﴿ذوا عدل منكم﴾ قال -: من المسلمين. رواه ابن أبي حاتم (^٨٠٩)، ثم قال: روي عن عبيدة وسعيد بن المسيب، والحسن ومجاهد، ويحيى بن يعمر والسدي، وقتادة ومقاتل بن حيان، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغيرهم [¬٣] نحو ذلك.\n_________\n(^٨٠٩) - تفسير ابن أبى حاتم (٤/ ١٢٢٩) (٦٩٣٢).\n_________\n[¬١]- في ز: \"وقال\".\n[¬٢]- في ز: \"وقال\".\n[¬٣]- سقط من: ز.","vol":"5","page":400},{"text":"قال [¬١] ابن جرير: وقال آخرون - عني بذلك [¬٢]- ﴿ذوا عدل منكم﴾ أي [¬٣]: من حَي الموصي، وذلك قول روي عن عكرمة وعبيدة وعدة غيرهما.\nوقوله: ﴿أو آخران من غيركم﴾ قال ابن أبي حاتم (^٨١٠): حدثنا أبي، حدثنا سعيد بن عون، حدثنا عبد الواحد بن زياد، حدثنا حبيب بن أبي عمرة، عن سعيد بن جبير، قال: قال ابن عباس في قوله: ﴿أو آخران من غيركم﴾ قال: من غير المسلمين يعني: أهل الكتاب.\nثم قال: وروي عن عبيدة وشريح، وسعيد بن المسيب ومحمد بن سيرين، ويحيى بن يعمر وعكرمة، ومجاهد وسعيد بن جبير، والشعبى وإبراهيم النخعي، وقتادة وأبي مجلز، والسدي ومقاتل بن حيان، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغيرهم [¬٤] نحو ذلك.\nوعلى ما حكاه ابن جرير عن عكرمة وعبيدة في قوله: ﴿منكم﴾ أن [¬٥] المراد من قبيلة الموصي، يكون المراد هاهنا ﴿أو آخران من غيركم﴾ أي: من غير قبيلة الموصى، وقد روي عن ابن أبى حاتم مثله عن الحسن البصري والزهري رحمهما اللَّه.\nوقوله تعالى: ﴿إن أنتم ضربتم في الأرض﴾ أي: سافرتم ﴿فأصابتكم مصيبة الموت﴾ وهذان شرطان لجواز استشهاد الذميين عند فقد المؤمنين؛ أن يكون ذلك في سفر، وأن يكون في وصية، كما صرح بذلك شريح القاضي.\nقال ابن جرير (^٨١١): حدثنا عمرو بن علي، حدثنا أبو معاوية ووكيع، قالا: حدثنا الأعمش، عن إبراهيم، عن شريح، قال: لا تجوز [¬٦] شهادة اليهودي والنصراني إلا في سفر، ولا تجوز [¬٧] في سفر إلا في الوصية [¬٨].\n_________\n(^٨١٠) - رواه ابن أبى حاتم فى تفسيره (٤/ ١٢٢٩) (٦٩٣٤)، وذكره السيوطى فى الدر المنثور ٤/ ٦٠٢١) وزاد نسبته لأبى الشيخ وابن مردويه والضياء فى المختارة.\n(^٨١١) - رواه ابن جرير فى تفسيره (١١/ ١٦٣) (١٢٩١١) ورواه ابن جرير أيضًا (١٢٩١٢) قال: حدثنا ابن وكيع حدثنا أبى عن الأعمش بهذا الإسناد نحوه، ورواه أيضًا فى رقم (١٢٩١٠) من طريق هشيم عن الأعمش بإسناده نحوه، وذكره السيوطى فى الدر المنثور (٢/ ٦٠٤) وزاد نسبته لعبد الرزاق وعبد بن حميد وأبى الشيخ.\n_________\n[¬١]- في ز: \"وقال\".\n[¬٢]- في ت: \" ذلك \".\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- سقط س: ز.\n[¬٥]- في ز: \"أي\".\n[¬٦]- في ز: \"يجوز\".\n[¬٧]- في ز: \"يجوز\".\n[¬٨]- في ز: \"وصية\".","vol":"5","page":401},{"text":"ثم رواه عن أبي كريب، عن أبي بكر بن عياش، عن أبي إسحاق السبيعي، قال: قال شريح: فذكر مثله (^٨١٢). وقد روي مثله عن الإِمام أحمد بن حنبل رحمه اللَّه تعالى، وهذه المسألة من أفراده، وخالفه الثلاثة فقالوا: لا تجوز شهادة أهل الذمة على المسلمين، وأجازها أبو حنيفة فيما بين بعضهم بعضًا.\nوقال ابن جرير (^٨١٣): حدّثنا عمرو بن علي، حدثنا أبو داود، حدثنا صالح بن أبي الأخضر، عن الزهري، قال: مضت السنة أنه لا تجوز شهادة الكافر [¬١] في حضر ولا سفر، إنما هي في المسلمين.\nوقال ابن زيد: نزلت هذه الآية في رجل توفي وليس عنده أحد من أهل الإِسلام، وذلك في أول الإسلام، والأرض حرب والناس كفار، وكان الناس يتوارثون بالوصية ثم نسخت الوصية، وفرضت الفرائض وعمل الناس بها. رواه ابن جرير (^٨١٤)، وفي هذا نظر، واللَّه أعلم.\nوقال ابن جرير: اختلف في قوله: ﴿شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم﴾ هل المراد أن ورصي إليهما أو يشهدهما؟ على قولين:\nأحدهما: أن [¬٢] يوصي إليهما، كما قال [محمد بن إسحاق، عن يزيد بن عبد اللَّه بن قُسَيط، قال: سئل ابن مسعود ﵁ عن هذه الآية، قال] [¬٣]: هذا رجل سافر [¬٤] ومعه مال فأدركه قدره، فإن وجد رجلين من المسلمين دفع إليهما تركته، وأشهد عليهما عدلين من المسلمين.\nرواه [¬٥] ابن أبي حاتم (^٨١٥) وفيه انقطاع.\n_________\n(^٨١٢) - تفسير الطبرى (١١/ ١٦٤) (١٢٩٢٥).\n(^٨١٣) - تفسير الطبرى (١١/ ١٦٦) (١٢٩٣٣).\n(^٨١٤) - تفسير الطبرى (١١/ ١٦٦) (١٢٩٣١).\n(^٨١٥) - تفسير ابن أبى حاتم (٤/ ١٢٢٩) (٦٩٣١).\n_________\n[¬١]- في ز: \"كافر\".\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- في ز: \"مسافر\".\n[¬٥]- في ز: \"ورواه\".","vol":"5","page":402},{"text":"والقول الثاني: أنهما يكونان شاهدين، وهو ظاهر سياق الآية الكريمة، فإن لم يكن وصي ثالث معهما اجتمع فيهما [¬١] الوصفان: الوصاية والشهادة، كما في قصة تميم الداري وعدي ابن بدّاء، كما سيأتي ذكرهما آنفا إن شاء اللَّه، وبه التوفيق.\nوقد استشكل ابن جرير كونهما شاهدين قال؛ لأنا لا نعلم حكمًا يحلف [¬٢] فيه الشاهد.\nوهذا لا يمنع الحكم الذي تضمنته هذه الآية الكريمة، وهو حكم مستقل بنفسه، لا يلزم أن يكون جاريا على قياس جميع الأحكام، على أن هذا حكم خاص بشهادة خاصة في محل خاص، وقد اغتفر فيه من الأمور ما لم يغتفر في غيره، فإذا قامت قرائن الريبة حلف [¬٣] هذا الشاهد بمقتضى ما دلت عليه هذه الآية الكريمة.\n[وقوله تعالى] [¬٤]: ﴿تحبسونهما من بعد الصلاة﴾ قال العوفي [¬٥] عن [¬٦] ابن عباس: يعني صلاة العصر.\nوكذا قال سعيد بن جبير وإبراهيم النخعي وقتادة وعكرمة ومحمد بن سيرين. وقال الزهري: يعني صلاة المسلمين.\nوقال السدي، عن ابن عباس: يعني صلاة أهل دينهما.\n[وروي عن عبد الرزاق (^٨١٦) عن أيوب، عن ابن سيرين، عن عبيدة، وكذا قال إبراهيم وقتادة وغير واحد] [¬٧]. والمقصود أن يقام هذان الشاهدان بعد صلاة اجتمع الناس فيها بحضرتهم ﴿فيقسمان بالله﴾ [أي: فيحلفان بالله] [¬٨] ﴿إن ارتبتم﴾ أي [¬٩]: إن ظهرت لكم منهما [¬١٠] ريبة أنهما قد خانا أو غلّا فيحلفان حينئذ بالله ﴿لا نشتري به﴾ أي: بأيماننا، قاله مقاتل بن حيان ﴿ثمنًا﴾ أي: لا نعتاض عنه بعوض قليل من الدنيا الفانية الزائلة ﴿ولو كان ذا قربى﴾ أي: ولو كان المشهود عليه قريبا إلينا لا نحابيه ﴿ولا نكتم شهادة اللَّه﴾ أضافها إلى اللَّه تشريفًا لها وتعظيمًا لأمرها.\n_________\n(^٨١٦) - رواه عبد الرزاق فى تفسيره (١/ ٢٠٠).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"معهما\".\n[¬٢]- في ز: \"خلف\".\n[¬٣]- في ز: \"يخلف\".\n[¬٤]- في ز: \"قال اللَّه تعالى\".\n[¬٥]- سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- سقط من: ز.\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٨]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٩]- سقط من: ز.\n[¬١٠]- في ز: \"منا\".","vol":"5","page":403},{"text":"وقرأ بعضهم: ﴿ولا نكتم شهادة اللَّه﴾ مجرورًا على القسم، رواها ابن جرير (^٨١٧) عن عامر الشعبي، وحكى عن بعضهم أنه قرأها: (ولا نكتم شهادة اللَّه)، والقراءة الأولى هي المشهورة.\n﴿إنا إذًا لمن الآثمين﴾ أي: إن فعلنا شيئًا من ذلك من تحريف الشهادة أو تبديلها أو تغييرها أو كتمها بالكلية.\nثم قال تعالى: ﴿فإن عثر على أنهما استحقا إثمًا﴾ أي: فإن [¬١] اشتهر وظهر وتحقق من الشاهدين الوصيين أنهما خانا أو غلّا شيئًا من المال الموصى به إليهما، وظهر عليهما بذلك ﴿فآخران يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم الأوليان﴾ [هذه قراءة الجمهور (استحق عليهم الأوليان) وروي عن علي وأبيِّ والحسن البصري أنهم قرءوها ﴿استحق عليهم الأوليان﴾] [¬٢].\nوقد روى الحاكم في المستدرك (^٨١٨): من طريق إسحاق بن محمد الفروي، عن سليمان بن بلال، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن عبيد اللَّه بن أبي رافع، عن علي بن أبى طالب ﵁: أن النبي ﷺ قرأ: ﴿من الذين استحق عليهم الأوْليان﴾.\n[ثم قال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه.\nوقرأ بعضهم ومنهم ابن عباس: (من الذين استحق عليهم الأوَّلين] [¬٣]. وقرأ الحسن: (من الذين استحق عليهم الأوَّلان) حكاه ابن جرير (^٨١٩).\nفعلى قراءة الجمهور يكون المعنى بذلك: أي متى تحقق ذلك [¬٤] بالخبر الصحيح على خيانتهما فليقم اثنان من الورثة المستحقين للتركة، وليكونا من أولى من يرث ذلك المال ﴿فيقسمان بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما﴾ أي: لقولنا أنهما [¬٥] خانا أحق وأصح وأثبت من شهادتهما\n_________\n(^٨١٧) - تفسير ابن جرير (١١/ ١٠٦) (١٢٩٥٧).\n(^٨١٨) - رواه الحاكم فى المستدرك (٢/ ٢٣٧) وصححه على شرط مسلم ووافقه الذهبى، والحديث ذكره السيوطى فى الدر المنثور (٢/ ٦٠٦) وزاد نسبته لابن مردويه.\n(^٨١٩) - أثر ابن عباس رواه ابن جرير فى تفسيره (١١/ ٢٠٢) (١٢٩٧٦)، (١٢٩٧٧) وأما أثر الحسن فذكره فى (١١/ ١٩٤) بدون إسناد.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- سقط من: ز.\n[¬٥]- في ز: \"إنهما\".","vol":"5","page":404},{"text":"المتقدمة ﴿وما اعتدينا﴾ أي: فيما قلنا من الخيانة ﴿إنا إذا لمن الظالمين﴾ أي: إن كنا قد كذبنا عليهما. وهذا التحليف للورثة والرجوع إلى قولهما والحالة هذه، كما يحلف أولياء المقتول إذا ظهر لوث فى جانب القاتل، فيقسم المستحقون على القاتل فيدفع برمته إليهم، كما هو مقرر في باب القسامة من الأحكام.\nوقد وردت السنة بمثل ما دلت عليه هذه الآية الكريمة، فقال ابن أبي حاتم (^٨٢٠):\nحدثنا أبي، حدثنا الحسين بن زياد، حدثنا محمد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن أبي [¬١] النضر، عن باذان - يعني: أبا صالح مولى أم هانئ بنت أبي طالب -، عن ابن عباس، عن تميم الداري فى هذه الآية: ﴿يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت﴾ قال: برئ الناس منها غيري وغير عدي بن بدَّاء، وكانا نصرانيين يختلفان إلى الشام قبل الإسلام، فأتيا الشام لتجارتهما وقدم عليهما مولى لبنى سهم، يقال له: بديل بن أبي مريم بتجارة و[¬٢] معه جام من فضة يريد به الملك، وهو عُظّم تجارته فمرض فأوصى إليهما، وأمرهما أن يبلغا ما ترك أهله، قال تميم: فلما مات أخذنا ذلك الجام فبعناه بألف درهم، ثم اقتسمناه أنا وعدي [] [¬٣]، فلما قدمنا إلى أهله دفعنا إليهم ما كان معنا، وفقدوا الجام فسألونا عنه، فقلنا: ما ترك غير هذا وما دفع إلينا غيره. قال تميم: فلما أسلمت بعد قدوم رسول اللَّه ﵌ المدينة تأثمت من ذلك، فأتيت أهله فأخبرتهم الخبر ودفعت إليهم خمسمائة درهم، وأخبرتهم أن عند صاحبي مثلها فوثبوا إليه، فأمرهم النبي [¬٤] أن يستحلفوه بما يعظم به على أهل دينه، فحلف فأنزل اللَّه: ﴿يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم﴾ إلى قوله: ﴿فيقسمان بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما﴾ فقام عمرو بن العاص ورجل آخر منهم، فحلفا فنزعت الخمسمائة من عدي بن بداء.\n_________\n(^٨٢٠) - تفسير ابن أبى حاتم (٤/ ١٢٣٠، ١٢٣١) (٦٩٤١)، ورراه الترمذى كتاب تفسير القرآن، باب: ومن سورة المائدة حديث (٣٠٥٩)، وابن جرير فى تفسيره (١١/ ١٨٦) (١٢٩٦٧)، وأبو جعفر النحاس فى ناسخه (ص ٤٠٩) كلهم من طريق الحسن بن أحمد بن أبى شعيب الحرانى حدثنا محمد بن سلمة به، وإسناده ضعيف أبو النضر هو محمد بن السائب الكلبى متروك وشيخه باذام قال الحافظ فى التقريب: ضعيف يرسل.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في ز: \"بن بداء\".\n[¬٤]- سقط من: ز.","vol":"5","page":405},{"text":"وهكذا رواه أبو عيسى الترمذي وابن جرير كلاهما: عن الحسن بن أحمد بن أبي شعيب الحراني، عن محمد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق به. فذكره وعنده: فأتوا به رسول اللَّه ﷺ فسألهم البينة، فلم يجدوا، فأمرهم أن يستحلفوه بما يعظم به [¬١] على أهل دينه، فحلف فأنزل اللَّه [هذه الآية] [¬٢] إلى قوله: ﴿أو يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم﴾ فقام عمرو بن العاص ورجل آخر، فحلفا فنزعت الخمسمائة من عدي بن بداء.\nثم قال: هذا حديث غريب وليس إسناده بصحيح، وأبو النضر الذي روى عنه محمد بن إسحاق هذا الحديث هو عندي: محمد بن السائب الكلبي [¬٣]، يكنى أبا النضر، وقد تركه أهل العلم بالحديث، وهو صاحب التفسير، سمعت محمد بن إسماعيل يقول: محمد بن السائب الكلبي يكنى أبا النضر. ثم قال: ولا نعرف لسالم أبي النضر رواية عن أبي صالح مولى أم هانئ، وقد روي عن ابن عباس شيء من هذا على الاختصار من غير هذا الوجه.\nحدثنا سفيان بن وكيع، حدثنا يحيى بن آدم، عن ابن أبى زائدة، عن محمد بن أبي القاسم، عن عبد الملك بن سعيد بن جبير، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: خرج رجل من بني سهم مع تميم الداري وعدي بن بداء، فمات السهمي بأرض ليس بها مسلم، فلما قدما بتركته، فقدوا جامًا من فضة مخوصًا بالذهب، فأحلفهما رسول اللَّه ﷺ ووجدوا الجام بمكة، فقيل: اشتريناه من تميم وعدي، فقام رجلان من أولياء السهمي فحلفا بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما، وأن الجام لصاحبهم، وفيهم نزلت: ﴿أيها الذين آمنوا شهادة بينكم﴾ الآية (^٨٢١).\n_________\n(^٨٢١) - رواه الترمذى فى \"سننه\" كتاب تفسير القرآن، باب: ومن سورة المائدة حديث (٣٠٦٠) وكذا رواه ابن جرير فى تفسيره (١١/ ١٨٥) (١٢٩٦٦) بسنده ومتنه ورواه البخارى فى \"صحيحه\" كتاب الوصايا، باب: إذا قال الواقف: لا نطلب ثمنه إلا إلى اللَّه. فهو جائز حديث (٢٧٨٠) وفى التاريخ الكبير (١/ ٢١٥) قال: قال لنا على - وفى الصحيح قال لى على بن عبد اللَّه حدثنا يحيى بن آدم … فذكر الحديث، ورواه أبو داود فى سننه كتاب الأقضية، باب الشهادة فى الرضاع حديث (٣٦٠٦) حدثنا الحسن بن علي حدثنا يحيى بن آدم به، ورواه أيضًا النحاس فى الناسخ والمنسوخ (ص ٤٠٨) والبيهقى فى السنن (١٠/ ١٦٥)، والطبرانى فى الكبير (١٢/ ٧١) (١٢٥٠٩)، وذكره السيوطى الدر المنثور (٢/ ٦٠٢) وزاد نسبته لابن المنذر، وأبى الشيخ وابن مردويه.\n_________\n[¬١]- سقط من: ت.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز: \" ﴿يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت﴾ \".\n[¬٣]- في ز: \"الكندي\".","vol":"5","page":406},{"text":"وكذا رواه أبو داود: عن الحسن بن علي، عن يحيى بن آدم به. ثم قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. وهو حديث ابن أبي زائدة.\nومحمد بن أبي القاسم كوفى [¬١] قيل: إنه صالح الحديث، وقد ذكر هذه القصة مرسلة غير واحد من التابعين منهم: عكرمة ومحمد بن سيرين وقتادة، وذكروا أن التحليف كان بعد صلاة العصر. رواه ابن جرير (^٨٢٢)، وكذا ذكرها مرسلة مجاهد والحسن والضحاك، وهذا يدل على اشتهارها في السلف وصحتها.\nومن الشواهد لصحة هذه القصة أيضًا: ما رواه أبو جعفر بن جرير (^٨٢٣):\nحدثني يعقوب، حدثنا هشيم، أخبرنا زكريا، عن الشعبي: أن رجلًا من المسلمين حضرته الوفاة [¬٢] بدقوقا. قال: فحضرته الوفاة ولم يجد [¬٣] أحدًا من المسلمين يشهده على وصيته، فأشهد رجلين من أهل الكتاب، قال: فقدما الكوفة فأتيا الأشعري - يعني: أبا موسى الأشعري ﵁ فأخبراه، وقدما بتركته ووصيته، فقال الأشعري: هذا أمر لم [¬٤] يكن بعد الذي كان في عهد رسول اللَّه ﷺ، قال: فأحلفهما بعد العصر بالله ما خانا، ولا كذبا، ولا بدَّلا، ولا كتما، ولا غيَّرا، وإنها لَوَصية الرجل وتركته، قال: فأمضى شهادتهما.\nثم رواه عن عمرو بن علي الفلاس، عن أبي داود الطيالسي، عن شعبة، عن مغيرة الأزرق، عن الشعبي: أن أبا موسى قضى بدقوقا (^٨٢٤).\nوهذان إسنادان صحيحان إلى الشعبي عن أبي موسى الأشعري.\n_________\n(^٨٢٢) - تفسير ابن جرير (١١/ ١٨٨) (١٢٩٦٨).\n(^٨٢٣) - رواه ابن جرير فى تفسيره (١١/ ١٧٤) (١٢٩٤٨)، ورواه أيضًا فى (١٢٩٥٣) قال حدثنا عمرو ابن علي حدثنا يحيى القطان حدثنا زكريا، ورواه أيضًا برقم (١٢٩٢٦) بالمسند المذكور، والأثر رواه أبو داود فى سننه كتاب الأقضية باب: شهادة أهل الذمة، وفى الوصية فى السفر حديث (٣٦٠٥). حدثنا زياد بن أيوب ثنا هشيم أخبرنا زكريا به، وذكره السيوطى فى الدر المنثور (٢/ ٦٠٤) وزاد نسبته لعبد الرزاق وأبى عبيد وعبد بن حميد وابن المنذر والطبرانى وابن مردويه والحاكم.\n(^٨٢٤) - تفسير الطبرى (١١/ ١٦٥) (١٢٩٢٧).\n_________\n[¬١]- في ت: \"الكوفي\".\n[¬٢]- في ز: \"الصلاة\".\n[¬٣]- في ز: \"يجدوا\".\n[¬٤]- في ز: \"فلم\".","vol":"5","page":407},{"text":"فقوله: هذا أمر لم يكن بعد الذي كان على [¬١] عهد رسول اللَّه ﷺ. الظاهر واللَّه أعلم أنه إنما أراد بذلك قصة تميم وعدي بن بداء، قد [¬٢] ذكروا أن إسلام تميم بن أوس الداري ﵁ كان في سنة تسع من الهجرة، فعلى هذا بكون هذا الحكم متأخرًا [¬٣] يحتاج مدعي نسخه [¬٤] إلى دليل فاصل في هذا المقام واللَّه أعلم.\nوقال أسباط، عن السدي [في الآية] [¬٥]: ﴿يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم﴾ قال: هذا في الوصية عند الموت، يوصي ويشهد رجلين من المسلمين على ما له و[¬٦] عليه. قال: هذا في الحضر ﴿أو آخران من غيركم﴾ في السفر ﴿إن أنتم ضربتم في الأرض فأصابتكم مصيبة الموت﴾ هذا الرجل يدركه الموت [¬٧] في سفره، وليس بحضرته أحد من المسلمين، فيدعو رجلين من اليهود والنصارى والمجوس فيوصي إليهما ويدفع إليهما ميراثه، فيقبلان به، فإن رضي [¬٨] أهل الميت الوصية وعرفوا [] [¬٩] تركوا الرجلين، وإن ارتابوا رفعوهما إلى السلطان، فذلك قوله تعالى: ﴿تحبسونهما من بعد الصلاة فيقسمان بالله إن ارتبتم﴾. قال عبد اللَّه بن عباس ﵁: كأني أنظر إلى العلجين حين انتهى بهما إلى أبي موسى الأشعري في داره، ففتح الصحيفة فأنكر أهل الميت وخونوهما [¬١٠]، فأراد أبو موسى أن يستحلفهما بعد العصر، فقلت [له: إنهما] [¬١١] لا يباليان صلاة العصر، ولكن استحلفهما بعد صلاتهما فى دينهما، فيوقف [¬١٢] الرجلان بعد صلاتهما في دينهما، فيحلفان بالله لا نشتري به ثمنًا قليلًا ولو كان ذا قربى، ولا نكتم شهادة اللَّه إنا إذا لمن الآثمين، إنّ صاحبهم لبهذا أوصى، وإن هذه لتركته، فيقول لهما الإمام قبل أن يحلفا: إنكما إن [كنتما] [¬١٣] كتمتما أو خنتما فضحتكما في قومكما، ولم تجز لكما شهادة وعاقبتكما، فإذا قال لهما ذلك فإن ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها.\n_________\n[¬١]- في ز: \"في\".\n[¬٢]- في ز: \"وقد\".\n[¬٣]- في ز: \"متأخر\".\n[¬٤]- في ز: \"نسخها\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٦]- في م: \"وما\".\n[¬٧]- سقط من: ز، خ.\n[¬٨]- في ز، خ: \"أوصى\".\n[¬٩]- ما بين المعكوفتين في ز: \"قال صاحبهم\".\n[¬١٠]- في ز: \"خوفوهما\".\n[¬١١]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"لهما\".\n[¬١٢]- في ز: \"فتوقف\".\n[¬١٣]- سقط من ت.","vol":"5","page":408},{"text":"رواه ابن جرير (^٨٢٥).\nوقال ابن جرير (^٨٢٦): حدثنا القاسم، حدثنا الحسين، حدثنا هشيم، أخبرنا مغيرة، عن إبراهيم وسعيد بن جبير، أنهما قالا في هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ الآية، قالا: إذا حضر الرجل الوفاة في سفر فليشهد رجلين من المسلمين، فإن لم يجد رجلين من المسلمين فرجلين من أهل الكتاب، فإذا قدما بتركته فإن صدقهما الورثة قُبِل قولهما، وإن اتهموهما حلفا بعد صلاة العصر بالله ما كتمنا ولا كذبنا، ولا خنا ولا غيرنا.\nوقال على بن أبي طلحة، عن ابن عباس في تفسير هذه الآية: فإن ارتيب [¬١] في شهادتهما استحلفا بعد العصر [¬٢]: بالله ما اشترينا بشهادتنا ثمنًا قليلًا، فإن اطلع الأولياء [¬٣] على أن الكافرين كذبا في شهادتهما، قام رجلان من الأولياء فحلفا بالله إن شهادة الكافرين باطلة [¬٤] وإنا لم نعتد. فذلك [¬٥] قوله: ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا﴾ يقول: إن [¬٦] اطلع على أن الكافرين كذبا ﴿فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا﴾ يقول: من الأولياء فحلفا بالله إن شهادة الكافرين باطلة وإنا لم نعتد. فتردّ شهادة الكافرين وتجوز شهادة الأولياء.\nوهكذا روى العوفي عن ابن عباس. رواهما ابن جرير (^٨٢٧).\nوهكذا قرر هذا الحكم على مقتضى هذه الآية غير واحد من أئمة التابعين والسلف ﵃ وهو مذهب الإِمام أحمد ﵀.\nوقوله: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا﴾ أي: شرعية هذا الحكم على هذا\n_________\n(^٨٢٥) - تفسير الطبرى (١١/ ١٧٥، ١٧٦) (١٢٩٥٤).\n(^٨٢٦) - تفسير الطبرى (١١/ ١٧٥) (١٢٩٥٢).\n(^٨٢٧) - أما رواية على بن أبى طلحة فهى عند الطبرى فى تفسيره (١١/ ١٧٣) (١٢٩٤٧)، (١١/ ١٨١) (١٢٩٦١)، وأبو جعفر النحاس فى \"ناسخه\" (ص ٤٠٤)، وذكره السيوطى فى الدر المنثور (٢/ ٦٠٣) وزاد نسبته لابن المنذر وابن أبى حاتم وهو عند ابن أبى حاتم فى تفسيره (٤/ ١٢٢٩) (٦٩٣٢) مختصرًا جدًّا. وأما رواية العوفى عن ابن عباس فرواها ابن جرير فى تفسيره (١٢٨٩٢)، (١٢٩٢٤) مختصرًا. ورواه فى (١٢٩٦٣) مطولًا ورواه ابن أبى حاتم فى (٤/ ١٢٣٣) (٦٩٥٨)، (٤/ ١٢٣٤، ١٢٣٥) (٦٩٦٥) ولم يعزه السيوطى فى الدر المنثور (٢/ ٦٠٣) لغيرهما.\n_________\n[¬١]- في ز: \"ارتبت\".\n[¬٢] في ز: \"الصلاة\".\n[¬٣] في ز: \"الأوليان\".\n[¬٤] في ز: \"باطل\".\n[¬٥] في ز: \"وذلك\".\n[¬٦] في ز: \"أن\".","vol":"5","page":409},{"text":"الوجه المرضي: [من تحليف الشاهدين الذمّيين وقد استريب بهما - أقرب إلى إقامتهما الشهادة على الوجه المرضي] [¬١].\nوقوله: ﴿أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ أن [¬٢] يكون الحامل [¬٣] لهم على الإِتيان بالشهادة على وجهها هو تعظيم الحلف بالله ومراعاة جانبه وإجلاله، والخوف من الفضيحة بين الناس إذا ردّت اليمين على الورثة، فيحلفون ويستحقون ما يدعون، ولهذا قال: ﴿أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾.\nثم قال: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ أي: في جميع أموركم ﴿وَاسْمَعُوا﴾ أي: وأطيعوا ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ أي: الخارجين عن طاعته ومتابعة شريعته.\n﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (١٠٩)﴾\nهذا إخبار عما يخاطب الله به المرسلين يوم القيامة، عما أجيبوا به من أممهم الذين أرسلهم إليهم، كما قال تعالى: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾، وقال تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.\nوقول الرسل: ﴿لَا عِلْمَ لَنَا﴾ قال مجاهد والحسن البصري والسدي: إنما قالوا ذلك من هول ذلك اليوم.\nقال عبد الرزاق: عن الثوري، عن الأعمش، عن مجاهد ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ﴾ فيفزعون فيقولون ﴿لَا عِلْمَ لَنَا﴾. رواه ابن جرير وابن أبي حاتم (^٨٢٨).\nوقال ابن جرير (^٨٢٩): حدثنا ابن حميد، حدثنا حكام، حدثنا عنبسة، قال: سمعت\n_________\n(^٨٢٨) - رواه عبد الرزاق فى تفسيره (١/ ٢٠١) ومن طريقه رواه ابن جرير فى تفسيره (١١/ ٢١٠) (١٢٩٨٨)، ورواه ابن أبى حاتم فى تفسيره (٤/ ١٢٣٦) (٦٩٧٢) من طريق محمد بن يوسف الفريابى ثنا سفيان … فذكره وزاد فيه: \"فترد إليهم أفئدتهم فيعلمون\".\n(^٨٢٩) - تفسير ابن جرير (١١/ ٢١٠) (١٢٩٨٧) وفيه سقط فى الإسناد يمكن تداركه مما نقله ابن كثير ﵀ هنا.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في ز: \"أي\".\n[¬٣] في ز: \"الحاصل\".","vol":"5","page":410},{"text":"شيخًا يقول: سمعت الحسن يقول فى قوله: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ﴾ الآية، قال: من هول ذلك اليوم.\nوقال أسباط: عن السدي: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا﴾ ذلك أنهم نزلوا منزلًا ذهلت فيه العقول، فلما سئلوا قالوا: ﴿لَا عِلْمَ لَنَا﴾ ثم نزلوا منزلًا آخر فشهدوا على قومهم. رواه ابن جرير (^٨٣٠).\nثم قال ابن جرير (^٨٣١): حدثنا القاسم، حدثنا [¬١]، الحسين، حدثنا الحجاج [¬٢]، عن ابن جريج قوله: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ﴾ أي [¬٣]: ماذا عملوا بعدكم، وماذا أحدثوا بعدكم؟ ﴿قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾.\nوقال على بن أبي طلحة، عن ابن عباس ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ يقولون للرب ﷿: لا علم لنا إلا علم أنت أعلم به منا.\nرواه ابن جرير (^٨٣٢)، ثم اختاره على هذه الأقوال الثلاثة، ولا شك أنه قول حسن، وهو من باب التأدب مع الرب ﷻ، أي: لا علم لنا بالنسبة إلى علمك المحيط بكل شيء، فنحن وإن كنا قد أجبنا وعرفنا من أجابنا، ولكن منهم من كنا إنّما نطع على ظاهره لا علم لنا بباطنه، وأنت العليم بكل شيء، المطلع على كل شيء، فعلمنا بالنسبة إلى علمك كلا علم، فإنك ﴿إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾.\n﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا\n_________\n(^٨٣٠) - تفسير ابن جرير (١١/ ٢١٠) (١٢٩٨٦)، ورواه أيضًا ابن أبى حاتم فى تفسيره (٤/ ١٢٣٦) (٦٩٧٣)، وذكره السيوطى فى الدر المنثور (٢/ ٦٠٧) وزاد نسبته لأبى الشيخ.\n(^٨٣١) - تفسير ابن جرير (١١/ ٢١١) (١٢٩٩١).\n(^٨٣٢) - رواه ابن جرير (١١/ ٢١١) (١٢٩٩٠)، وابن أبى حاتم (٤/ ١٢٣٦) (٦٩٧٥) وذكره السيوطى فى الدر (٢/ ٦٠٧) وزاد نسبته لابن المنذر.\n_________\n[¬١]- في ز: \"بن\".\n[¬٢]- في ز: \"حجاج\".\n[¬٣] سقط من: ز.","vol":"5","page":411},{"text":"بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (١١٠) وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ (١١١)﴾\nيذكر تعالى ما امتن به على عبده ورسوله عيسى ابن مريم ﵇ مما [¬١] أجراه على يديه من المعجزات الباهرات [¬٢] وخوارق العادات فقال: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ﴾ أي: في خلقي إياك من أم بلا ذكر، وجعلي إياك آية ودلالة قاطعة على كمال قدرتي على الأشياء ﴿وَعَلَى وَالِدَتِكَ﴾ حيث جعلتك [¬٣] لها برهانًا على براءتها مما نسبه [¬٤] الظالمون الجاهلون إليها [¬٥] من الفاحشة ﴿إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ وهو جبريل ﵇ وجعلتك نبيًّا داعيًا إلى الله في صغرك وكبرك، فأنطقتك في المهد صغيرًا فشهدت ببراءة أمك من كل عيب، واعترفت لي بالعبودية، وأخبرت عن رسالتي إياك ودعوت [¬٦] إلى عبادتي؛ ولهذا قال: ﴿تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا﴾ أي: تدعو [الناس إلى الله] في صغرك وكبرك، وضمَّن تكلم تدعو؛ لأن كلامه الناس في كهولته ليس بأمر عجيب.\nوقوله: ﴿وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ أي: الخط والفهم ﴿وَالتَّوْرَاةَ﴾ وهي المنزلة على موسى بن عمران الكليم، وقد يرد لفظ التوراة في الحديث وواد به ما هو أعم من ذلك.\nوقوله: ﴿وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي﴾ أي: تصوره وتشكله على هيئة الطائر لاذني لك في ذلك ﴿[فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا] [¬٧] بِإِذْنِي﴾ أي: فتنفخ في تلك الصورة التي شكلتها بإذني لك في ذلك، فتكون [¬٨] طيرًا ذا روح تطير [¬٩] بإذن الله وخلقه.\nوقوله تعالى: ﴿وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي﴾ قد تقدم الكلام على ذلك في سورة آل عمران بما أغنى عن إعادته. وقوله: ﴿وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي﴾ أي: تدعوهم فيقومون من\n_________\n… ... … ... … ... … ... … ... … .\n_________\n[¬١]- في ز: \"بما\".\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في ز، خ: \"جعلت\".\n[¬٤]- في ز: \"نسبها\".\n[¬٥]- في ز: \"إليه\".\n[¬٦]- في ز: \"دعوتك\".\n[¬٧]- في ز: \"فيكون طائرًا\".\n[¬٨]- في ز: \"فيكون\".\n[¬٩] سقط من: ز.","vol":"5","page":412},{"text":"قبورهم بإذن الله وقدرته وإرادته ومشيئته.\nوقد قال ابن أبي حاتم (^٨٣٣): حدثنا أبي، حدثنا مالك بن إسماعيل، حدثنا محمد بن طلحة - يعني ابن مصرف - عن [] [¬١] أبي بشر، عن أبي الهذيل، قال: كان عيسى ابن مريم ﵇ إذا أراد أن يحيي الموتى صلى ركعتين، يقرأ في الأولى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾، وفى الثانية: ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ السجدة، فإذا فرغ منهما مدح الله وأثنى عليه ثم دعا بسبعة أسماء: يا قديم، يا خفي، يا دائم، يا فرد، يا وتر، يا أحد، يا صمد، وكان إذا أصابته شدة [¬٢] دعا بسبعة أخر؛ يا حي، يا قيوم، يا الله، يا رحمن، يا ذا الجلال والإِكرام، يا نور السموات والأرض وما بينهما، ورب العرش العظيم يارب. وهذا أثر عجيب [¬٣] جدًّا.\nوقوله تعالى: ﴿وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ أي: واذكر نعمتي عليك في كفي إياهم عنك، حين جئتهم بالبراهين والحجج القاطعة على نبوّتك ورسالتك من الله إليهم فكذبوك، واتهموك بأنك ساحر، وسعوا في قتلك وصلبك، فنجيتك منهم ورفعتك إليَّ، وطهرتك من دنسهم وكفيتك شرهم، وهذا يدل على أن هذا الامتنان كان من الله إليه بعد [] [¬٤] رفعه إلى السماء الدنيا، أو يكون هذا الامتنان [] [¬٥] واقعًا يوم القيامة، وعبر عنه بصيغة الماضي دلالة على وقوعه لا محالة، وهذا من أسرار الغيوب التي أطلع الله عليها نبيه [¬٦] محمدًا ﷺ.\nوقوله: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي﴾ وهذا أيضًا من الامتنان عليه ﵇: بأن جعل له أصحابًا وأنصارًا، ثم قيل: المراد بهذا الوحي وحي إلهام، كما قال تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾، هذا [¬٧]، وحي إلهام بلا خلاف، وكما قال تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (٦٨) ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا﴾ الآية، وهكذا قال بعض السلف في هذه الآية ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا\n_________\n(^٨٣٣) - رواه ابن أبى حاتم فى تفسيره (٤/ ١٢٤١) (٧٠٠٣).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ت: \"بن\".\n[¬٢]- في ز: \"شديدة\".\n[¬٣]- في خ: \"عظيم\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين في ز: \"أن\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين في ز: \"كان من الله إليه بعد أن رفعه إلى السماء الدنيا أو يكون هذا الامتنان\".\n[¬٦]- في ز: \"رسوله\".\n[¬٧]- في ز: \"وهذا\".","vol":"5","page":413},{"text":"آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾ أي: ألهموا ذلك فامتثلوا ما ألهموا.\nقال الحسن البصري: ألهمهم الله ﷿ ذلك.\nوقال السدي: قذف في قلوبهم ذلك.\nويحتمل أن يكون المراد: واذ أوحيت [إلى الحواريين] [¬١] بواسطتك، فدعوتهم إلى الإِيمان بالله وبرسوله، واستجابوا لك وانقادوا وتابعوك، فقالوا: ﴿آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾.\n﴿إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١١٢) قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ (١١٣) قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (١١٤) قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ (١١٥)﴾\nهذه قصة المائدة وإليها تنسب السورة فيقال: سورة المائدة، وهي [مما امتن] [¬٢] الله به على عبده ورسوله عيسى ﵇ لما [¬٣] أجاب دعاءه بنزولها، فأنزلها الله آية ودلالة معجزة [¬٤] باهرة وحجة قاطعة.\nوقد ذكر بعض الأئمة: أن قصة المائدة ليست مذكورة في الإِنجيل، ولا يعرفها النصارى إلا من المسلمين، فالله أعلم.\nفقوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ﴾ وهم أتباع عيسى ﵇ ﴿يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾ هذه قراءة كثيرين، وقرأ آخرون [(هل تَسْتَطيع ربَّك)، أي] [¬٥]: هل\n_________\n… ... … ... … ... … ... … ... … .\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في م: \"إليهم\".\n[¬٢] ما بين المعكوفتين في ز: \"ما تمنن\".\n[¬٣] في ز: \"فبما\"، خ: \"فيما\".\n[¬٤] في ز: \"ومعجزة\".\n[¬٥] ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"5","page":414},{"text":"تستطع أن تسأل ربك ﴿أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾.\nوالمائدة: هى الخوان عليه طعام، وذكر بعضهم: أنهم إنما سألوا ذلك لحاجتهم وفقرهم، فسألوا أن ينزل عليهم مائدة كل يوم يقتاتون منها، ويتقوون بها [¬١] على العبادة.\n﴿قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أي: فأجابهم المسيح ﵇ قائلًا لهم: اتقوا الله ولا تسألوا هذا؛ فعساه أن يكون فتنة لكم، وتوكلوا على الله في طلب الرزق إن كنتم مؤمنين.\n﴿قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا﴾ أي: نحن محتاجون إلى الأكل منها ﴿وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا﴾ إذا شاهدنا نزولها رزقًا لنا من السماء ﴿وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا﴾ أي: ونزداد إيمانا بك، وعلمًا برسالتك ﴿وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ أي: ونشهد أنها آية من عند الله، ودلالة وحجة على نبوّتك، وصدق ما جئت به.\n﴿قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا﴾.\nقال السدي: أي: نتخذ ذلك اليوم الذي نزلت فيه عيدًا نعظمه نحن ومن بعدنا.\nوقال سفيان الثوري: يعني: يومًا نصلي فيه.\nوقال قتادة: أرادوا أن تكون لعقبهم من بعدهم. وعن سلمان الفارسي: عظة لنا ولمن بعدنا.\nوقيل: كافية لأوّلنا وآخرنا\n﴿وَآيَةً مِنْكَ﴾ أي: دليلًا تنصبه على قدرتك على الأشياء، وعلى إجابتك دعوتي، فيصدّقوني فيما أبلغه عنك ﴿وَارْزُقْنَا﴾ أي: من عندك رزقًا هنيئًا بلا كلفة ولا تعب ﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (١١٤) قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ﴾ أي: فمن كذب بها من أمّتك يا عيسى وعاندها ﴿فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ أي: من عالمي زمانكم، كقوله [¬٢] تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾، وكقوله [¬٣]: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾.\nوقد روى ابن جرير (^٨٣٤): من طريق عوف الأعرابي، عن أبي المغيرة القوّاس، عن عبد الله\n_________\n(^٨٣٤) - رواه ابن جرير فى تفسيره (١١/ ٢٣٣) (١٣٠٢٥) (١٣٠٢٦) وعوف الأعرابى هو عوف =\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- في ز: \"ولقوله\".\n[¬٣]- في ز: \"ولقوله\".","vol":"5","page":415},{"text":"ابن عمرو، قال: إن أشدّ الناس عذابًا يوم القيامة ثلاثة: المنافقون، ومن كفر من أصحاب المائدة، وآل فرعون.\n\n<span data-type='title' id=toc-106>[ذكر أخبار رويت عن السلف في نزول المائدة على الحواريين]</span>\nقال أبو جعفر بن جرير (^٨٣٥): حدثنا القاسم، حدثنا الحسين، حدثني حجاج، عن ليث، عن عقيل، عن ابن عباس، أنه كان يحدّث عن عيسى ابن مريم: أنه قال لبني إسرائيل: هل لكم أن تصوموا لله ثلاثين يومًا ثم تسألوه فيعطيكم ما سألتم، فإن أجر العامل على من عمل له، ففعلوا ثم قالوا: يا معلم الخير، قلت لنا إن أجر العامل على من عمل له، وأمرتنا أن نصوم ثلاثين يومًا ففعلنا، ولم نكن نعمل لأحد ثلاثين يومًا إلا أطعمنا حين نفرغ طعامًا، فهل يستطع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء؟ قال عيسى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١١٢) قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ (١١٣) قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (١١٤) قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ قال: فأقبلت الملائكة تطير بمائدة من السماء، عليها سبعة أحوات وسبعة أرغفة، حتى وضعتها بين أيديهم، فأكل منها آخر الناس كما أكل منها أوّلهم.\nكذا رواه ابن جرير، ورواه ابن أبي حاتم: عن يونس بن عبد الأعلى، عن ابن وهب، عن الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، قال: كان ابن عباس يحدث فذكر نحوه.\nوقال ابن أبي حاتم أيضًا (^٨٣٦): حدثنا سعيد بن عبد الله بن عبد الحكم، حدثنا أبو زرعة وهب الله [¬١] بن راشد، حدثنا عقيل بن خالد، أن ابن شهاب أخبره، عن ابن\n_________\n= ابن أبى جميلة العبدى البصرى ثقة قال ابن حجر فى \"التقريب\": ثقة رمى بالقدر وبالتشيع، وأبو المغيرة القواس معروف بكنيته قال أبو زرعة الرازى: لا أعلم أحدًا يسميه، ونقل ابن أبى حاتم تضعيفه عن سليمان التيمى وتوثيقه عن ابن معين. والله أعلم انظر الجرح والتعديل (٩/ ٤٣٩)، وميزان الاعتدال (٦/ ٢٥٠). والأثر: ذكره السيوطى فى الدر المنثور (٢/ ٦١٤) وزاد نسبته لعبد بن حميد وأبى الشيخ.\n(^٨٣٥) - رواه ابن جرير فى تفسيره (١١/ ٢٢٢) (١٢٩٩٥)، ورواه ابن أبى حاتم فى تفسيره (٤/ ١٢٤٤) (٧٠١٦) بالإسناد الذى ذكره المصنف، والأثر ذكره السيوطى فى الدر المنثور (٢/ ٦١٢) وزاد نسبته لأبى الشيخ.\n(^٨٣٦) - رواه ابن أبى حاتم فى تفسيره (٤/ ١٢٤٦) (٧٠٢٤).\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.","vol":"5","page":416},{"text":"عباس: أن عيسى ابن مريم قالوا له: ادع الله أن ينزل علينا مائدة من السماء.\nقال: فنزلت الملائكة بمائدة يحملونها، عليها سبعة أحوات وسبعة أرغفة، [حتى وضعتها بين أيديهم] [¬١]، فأكل منها آخر الناس كما أكل منها أوّلهم.\nوقال ابن أبي حاتم (^٨٣٧): حدثنا أبي، حدثنا الحسن بن قزعة الباهلي، حدثنا سفيان بن حبيب، حدثنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن خلاس [¬٢]، عن عمار بن ياسر، عن النبي ﷺ قال: \"نزلت المائدة من السماء عليها خبز ولحم، وأمروا أن لا يخونوا ولا يرفعوا لغد، فخانوا وادّخروا ورفعوا، فمسخوا قردة وخنازير\".\nوكذا رواه ابن جرير: عن الحسن بن قزعة.\nثم رواه ابن جرير (^٨٣٨) عن ابن بشار، عن ابن أبي عدي، عن سعيد، عن قتادة، عن خلاس، عن عمار، قال: نزلت المائدة وعليها ثمر من ثمار الجنة، فأمروا أن لا يخونوا ولا يخبئوا ولا يدخروا، قال: فخان القوم وخبئوا وادّخروا، فمسخهم الله قردة وخنازير.\nوقال ابن جرير (^٨٣٩): حدثنا ابن المثنى، حدثنا عبد الأعلى، حدثنا داود، عن سماك بن حرب، عن رجل من بنى عجل، قال: صليت إلى جانب [¬٣] عمار بن ياسر، فلما فرغ قال: هل تدري كيف كان شأن مائدة بني إسرائيل؟ قال: قلت: لا. قال: إنهم سألوا عيسى ابن\n_________\n(^٨٣٧) - رواه ابن أبى حاتم فى تفسيره (٤/ ١٢٤٥) (٧٠٢٢)، ورواه الترمذى فى \"سننه\" كتاب تفسير القرآن، باب: ومن سورة المائدة حديث (٣٠٦١)، وابن جرير فى تفسيره (١١/ ٢٢٨، ٢٢٩) (١٣٠١٢) قالا: حدثنا الحسن بن قذعة به، وذكره السيوطى فى الدر المنثور (٢/ ٦١٢) وزاد نسبته لابن الأنبارى فى كتاب \"الأضداد\" وأبى الشيخ وابن مردويه. وقال الترمذى عقب الحديث: هذا حديث قد رواه أبو عاصم وغير واحد عن سعيد بن أبى عروبة عن قتادة عن خلاس عن عمار بن ياسر موقوفًا ولا نعرفه مرفوعًا إلَّا من حديث الحسن بن قزعة حدثنا حميد بن مسعدة حدثنا سفيان بن حبيب عن سعيد بن أبى عروبة نحوه ولم يرفعه وهذا أصح من حديث الحسن بن قزعة ولا نعلم للحديث المرفوع أصلًا. وسيأتى تخريج الموقوف فى الحديث التالى.\n(^٨٣٨) - تفسير ابن جرير الطبرى (١١/ ٢٢٩) (١٣٠١٤)، ورواه ابن أبى حاتم فى تفسيره (٤/ ١٢٤٥) (٧٠٢٣) من طريق أبى عاصم النبيل ثنا سعيد به مختصرًا، وذكره السيوطى فى الدر (٢/ ٦١٣) وزاد نسبته لابن المنذر ثم قال والوقف أصح. وانظر التخريج السابق.\n(^٨٣٩) - رواه ابن جرير فى تفسيره (١١/ ٢٢٨) (١٣٠١١).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٢]- في ز: \"جلاس\".\n[¬٣] في ز: \"جنب\".","vol":"5","page":417},{"text":"مريم مائدة يكون عليها طعام يأكلون منه لا ينفد [¬١]. قال: فقيل لهم: فإنها مقيمة لكم ما لم تخبئوا أو تخونوا أو ترفعوا، فإن فعلتم فإني معذبكم عذابًا لا أعذبه أحدًا من العالمين. قال: فما مضى يومهم حتى خبئوا ورفعوا وخانوا، فعذبوا عذابًا لم يعذبه أحد [¬٢] من العالمين، وإنكم يا [¬٣] معشر العرب كنتم تتبعون أذناب الإِبل والشاء، فبعث الله فيكم رسولا من أنفسكم، تعرفون حسبه ونسبه، وأخبركم أنكم ستظهرون على العجم، ونهاكم أن تكنزوا [¬٤] الذهب والفضة، وايم الله لا يذهب الليل والنهار حتى تكنزوهما، ويعذبكم الله عذابًا أليمًا.\nوقال (^٨٤٠): حدثنا القاسم، حدثنا حسين، حدثني حجاج، عن أبي معشر، عن إسحاق ابن عبد الله: أن المائدة نزلت على عيسى ابن مريم، عليها سبعة أرغفة وسبعة أحوات، يأكلون منها ما شاءوا. قال: فسرق بعضهم منها، وقال: لعلها لا تنزل غدًا، فرفعت.\nوقال العوفي، عن ابن عباس: نزلت على عيسى ابن مريم والحواريين، خوان عليه خبز وسمك يأكلون منه أينما نزلوا إذا شاءوا.\nوقال خصيف عن عكرمة، ومقسم عن ابن عباس: كانت المائدة سمكة وأريغفة.\nوقال مجاهد: هو طعام كان ينزل عليهم حيث نزلوا.\nوقال أبو عبد الرحمن السلمي: نزلت المائدة خبرًا وسمكًا.\nوقال عطية العوفي: المائدة سمك فيه طعم كل شيء.\nوقال وهب بن منبه: أنزلها الله من السماء على بني إسرائيل، فكان ينزل عليهم في كل يوم في تلك المائدة من ثمار الجنة، فأكلوا ما شاءوا من ضروب شتى، فكان يقعد عليها أربعة آلاف فإذا أكلوا أبدل الله مكان ذلك لمثلهم، فلبثوا [على ذلك] [¬٥] ما شاء الله ﷿.\nوقال وهب بن منبه: نزل عليهم قرصة من شعير وأحوات، وحشا الله بين أضعافهن البركة،\n_________\n(^٨٤٠) - تفسير الطبرى (١١/ ٢٢٨) (١٣٠١٠)، وذكره السيوطى فى الدر المنثور (٢/ ٦١٣) ولم يعزه لغير ابن جرير.\n_________\n[¬١]- في ز: \"ينفذ\".\n[¬٢] في ز: \"أحدًا\".\n[¬٣] سقط من: ز.\n[¬٤]- في ت: \"تكتنزوا\".\n[¬٥] ما بين المعكوفتين في ز: \"بذلك\".","vol":"5","page":418},{"text":"فكان قوم يأكلون ثم يخرجون، [ثم يجئ آخرون فيأكلون ثم يخرجون] [¬١]، حتى أكل جميعهم وأفضلوا.\nوقال الأعمش، عن مسلم، عن سعيد بن جبير: أنزل عليها كل شيء إلا اللحم.\nوقال سفيان الثوري، عن عطاء بن السائب، عن زاذان [¬٢] وميسرة، وجرير، عن عطاء، عن ميسرة قال: كانت المائدة [إذا وضعت] [¬٣] لبني إسرائيل اختلفت [¬٤] عليهم الأيدي بكل طعام إلا اللحم.\nوعن عكرمة: كان خبز المائدة من الأرز. رواه ابن أبي حاتم (^٨٤١).\nوقال ابن أبي حاتم (^٨٤٢): أخبرنا جعفر بن علي فيما كتب إلي، حدثنا إسماعيل بن أبي أويس، حدثني أبو عبد الله عبد القدوس بن إبراهيم بن أبي عبيد الله بن مرداس العبدري مولى بني عبد الدار، عن إبراهيم بن عمر، عن وهب بن منبه، عن أبي عثمان النهدي، عن سلمان الخير أنه قال: لما سأل الحواريون عيسى ابن مريم المائدة، كره ذلك جدًّا وقال: اقنعوا بما رزقكم الله في الأرض، ولا تسألوا المائدة من السماء، فإنها إن نزلت عليكم كانت آية من ربكم، وإنما هلكت ثمود حين سألوا نبيهم آية، فابتلوا بها حتى كان بوارهم فيها. فأبوا إلا أن يأتيهم بها، فلذلك ﴿قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾.\nفلما رأى عيسى أن قد أبوا إلا أن يدعو لهم بها، قام فألقى عنه الصوف ولبس الشعر الأسود، وجبة من شعر وعباءة من شعر، ثم [¬٥] توضأ واغتسل ودخل مصلاه، فصلى ما شاء الله، فلما قضى صلاته قام قائمًا مستقبل القبلة، وصف قدميه حتى استويا، فألصق الكعب بالكعب،\n_________\n(^٨٤١) - تفسير ابن أبي حاتم (٤/ ١٢٤٦) (٧٠٢٨)، وذكره أيضًا السيوطى فى الدر (٢/ ٦١٣) ولم يعزه لغير ابن أبى حاتم.\n(^٨٤٢) - رواه ابن أبى حاتم مقطَّعًا فى تفسيره فى (٤/ ١٢٤٤) (٧٠١٧)، (٧٠١٩)، (٤/ ١٢٤٥) (٧٠٢٠)، (٤/ ١٢٤٦) (٧٠٢٩) (٤/ ١٢٤٨) (٧٠٣٤)، (٤/ ١٢٤٩) (٧٠٣٩)، (٧٠٤٠) (٤/ ١٢٥١) (٧٠٤٢)، (٧٠٤٤)، (٤/ ١٢٥٥) (٧٠٥٩)، ورواه أبو الشيخ فى العظمة (٩٩٩) وأبو بكر الشافعى فى الغيلانيات (ص ٣١٣ - ٣١٦)، وذكره السيوطى فى الدر المنثور (٢/ ٦١٠ - ٦١٢) وزاد نسبته للترمذى الحكيم فى \"نوادر الأصول\".\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٢]- في ز: \"زادان\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في ز: \"اداوا\".\n[¬٤]- في ز: \"اختلف\".\n[¬٥]- في ز: \"و\".","vol":"5","page":419},{"text":"وحاذى الأصابع، ووضع يده اليمنى على اليسرى فوق صدره، وغض بصره وطأطأ رأسه خشوعًا، ثم أرسل عينيه بالبكاء، فما زالت دموعه تسيل على خديه، وتقطر من أطراف لحيته، حتى ابتلت الأرض حيال وجهه من خشوعه، فلما رأى ذلك دعا الله فقال: ﴿اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ فأنزل الله عليهم سفرة حمراء بين غمامتين؛ غمامة فوقها وغمامة تحتها، وهم ينظرون إليها في الهواء منقضة من فلك السماء تهوي إليهم، وعيسى يبكي خوفًا للشروط التي اتخذها الله عليهم فيها: أنه يعذب من يكفر بها منهم بعد نزولها عذابًا لم يعذبه أحدًا من العالمين، وهو يدعو الله في [¬١] مكانه ويقول: اللهم اجعلها رحمة، إلهي لا تجعلها عذابًا، إلهي كم من عجيبة سألتك فأعطيتني، إلهي اجعلنا لك شكّارين، اللهم [¬٢] إني [¬٣] أعوذ بك أن تكون أنزلتها غضبًا وجزاءً، إلهي اجعلها سلامة وعافية، ولا تجعلها فتنة ومثلة.\nفما زال يدعو حتى استقرت السفرة بين يدي عيسى والحواريين، وأصحابه حوله يجدون رائحة طيبة، لم يجدوا فيما مضى رائحة مثلها قط، وخر عيسى والحواريون لله سجدًا؛ شكرًا [له لما] [¬٤] رزقهم من حيث لم يحتسبوا، وأراهم فيه آية عظيمة ذات عجب وعبرة، وأقبلت اليهود ينظرون فرأوا أمرًا عجيبًا أورثهم كمدًا وغمًّا، ثم انصرفوا بغيظ شديد، وأقبل عيسى والحواريون وأصحابه حتى جلسوا حول السفرة، فإذا عليها منديل مغطى، فقال [¬٥] عيسى: من أجرأنا على كشف المنديل عن هذه السفرة، وأوثقنا بنفسه، وأحسننا بلاء عند ربه - فليكشف عن هذه الآية، حتى نراها ونحمد ربنا، ونذكر باسمه ونأكل من رزقه الذي رزقنا. فقال الحواريون: يا روح الله وكلمته أنت أولانا بذلك وأحقنا بالكشف عنها. فقام عيسى ﵇ واستأنف وضوءًا جديدًا، ثم دخل مصلاه فصلى كذلك ركعات، ثم بكى بكاء [¬٦] طويلًا، ودعا الله أن يأذن له فى الكشف عنها، ويجعل له ولقومه فيها بركة ورزقًا، ثم انصرف فجلس إلى السفرة، وتناول المنديل وقال: بسم الله خير الرازقين، وكشف عن السفرة فإذا هو عليها بسمكة [¬٧] ضخمة مشوية ليس عليها بواسير، وليس في جوفها شوك، يسيل السمن منها سيلًا، قد نضد حولها بقول من كل صنف غير الكراث، وعند رأسها خل، وعند ذنبها ملح، وحول البقول خمسة أرغفة، على واحد منها زيتون، وعلى الآخر\n_________\n… ... … ... … ... … ... … ... … .\n_________\n[¬١]- في ز: \"من\".\n[¬٢]- في ز: \"إلهي\".\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين في ز: \"بما\".\n[¬٥]- في ز: \"قال\".\n[¬٦]- سقط من: ز، خ.\n[¬٧]- في ت: \"بسمكة\".","vol":"5","page":420},{"text":"ثمرات، وعلى الآخر خمس رمانات.\nفقال شمعون رأس الحواريين لعيسى: يا روح الله وكلمته، أمن طعام الدنيا هذا أم من طعام الجنة؟ فقال عيسى [¬١]: أما آن لكم أن تعتبروا بما ترون من الآيات، وتنتهوا عن تنقير المسائل؟ ما أخوفني عليكم أن تعاقبوا في سبب نزول [¬٢] هذه الآية. فقال شمعون: وإله إسرائيل ما أردت بها سؤالًا يا ابن الصديقة. فقال عيسى ﵇: ليس شيء مما ترون من طعام الدنيا [¬٣]، ولا من طعام الجنة [¬٤]، إنما هو شيء ابتدعه الله في الهواء بالقدرة العالية القاهرة، فقال له: كن؛ فكان أسرع من طرفة عين، فكلوا مما سألتم باسم الله، واحمدوا عليه ربكم يمدكم منه ويزدكم، فإنه بديع قادر شاكر.\nفقالوا: يا روح الله وكلمته، إنا نحب أن ترينا آية في هذه الآية. فقال عيسى: سبحان الله! أما اكتفيتم بما رأيتم في هذه الآية حتى تسألوا فيها آيه أخرى؟ ثم أقبل عيسى ﵇ على السمكة، فقال: يا سمكة عودي بإذن الله حية كما كنت. فأحياها الله بقدرته فاضطربت، وعادت بإذن الله حية طرية تلمظ كما يتلمظ الأسد، تدور عيناها لها بصيص، وعادت عليها بواسيرها، ففزع القوم منها وانحازوا، فلما رأى عيسى [منهم ذلك، قال: ما لكم تسألون الآية، فإذا أراكموها ربكم كرهتموها؟ ما أخوفني عليكم أن تعاقبوا بما تصنعون، يا سمكة عودي بإذن الله كما كنت؛ فعادت بإذن الله مشوية كما كانت في خلقها الأول.\nفقالوا لعيسى كن أنت يا روح الله الذي تبدأ بالأكل منها ثم نحن بعد. فقال عيسى: معاذ الله من ذلك، يبدأ بالأكل من طلبها. فلما رأى الحواريون وأصحابهم [¬٥] امتناع عيسى [¬٦] منها، خافوا أن يكون نزولها سخطة، وفي أكلها مَثُلةً فتحاموها، فلما رأى ذلك عيسى منهم [¬٧] دعا لها الفقراء والزَّمْنى، وقال: كلوا من رزق ربكم ودعوة نبيكم، واحمدوا الله الذي أنزلها لكم، فيكون مهنؤها لكم، وعقوبتها على غيركم، وافتتحوا أكلكم باسم الله، واختموه بحمد الله. ففعلوا، فأكل منها ألف وثلاثمائة إنسان بين رجل وامرأة، يصدرون عنها كل واحد منهم [¬٨] شبعان يتجشأ، ونظر عيسى والحواريون فإذا ما عليها كهيئته إذ أنزلت من السماء لم\n_________\n… ... … ... … ... … ... … ... … .\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- في ز: \"الجنة\".\n[¬٤]- في ز: \"الدنيا\".\n[¬٥]- في ت: \"وأصحابه\".\n[¬٦] في ز: \"نبيهم\".\n[¬٧] في ز: \"نبيهم\".\n[¬٨]- في ز: \"منها\".","vol":"5","page":421},{"text":"ينقص [¬١] منها شئ، ثم إنها رفعت إلى السماء وهم [¬٢] ينظرون، فاستغنى كل فقير أكل منها، وبرئ كل زَمِنٍ أكل [¬٣] منها [¬٤]، فلم يزالوا أغنياء أصحاء [¬٥] حتى خرجوا من الدنيا.\nوندم الحراريون وأصحابهم الذين أبوا أن يأكلوا منها: ندامة سالت منها أشفارهم، وبقيت حسرتها في قلوبهم إلى يوم الممات. قال: وكانت [¬٦] المائدة إذا نزلت بعد ذلك أقبلت بنو إسرائيل إليها [يسعون من كل مكان]، وراحم بعضهم بعضًا: الأغنياء والفقراء، والصغار والكبار، والأصحاء والمرضى، يركب بعضهم بعضًا، فلما رأى ذلك جعلها نوائب، تنزل يومًا ولا تنزل يومًا، فلبثوا على [¬٧] ذلك أربعين يومًا، تنزل عليهم غبًّا عند ارتفاع الضحى، فلا تزال موضوعة يؤكل منها حتى إذا قالوا ارتفعت عنهم [إلى جو السماء بإذن الله]، وهم ينظون إلى ظلها في الأرض حتى توارى عنهم.\nقال: فأوحى الله إلى نبيه عيسى ﵇: أن اجعل رزقى؛ المائدة [للفقراء واليتامى] والزمنى، دون الأغنياء من الناس، فلما فعل ذلك ارتاب بها الأغنياء من الناس، وغمطوا [¬٨] ذلك حتى شكوا فيها في أنفسهم، وشككوا فيها الناس، وأذاعوا في أمرها القبيح والمنكر، وأدرك الشيطان منهم حاجته، وقذف وسواسه في قلوب المرتابين، حتى قالوا لعيسى: أخبرنا عن المائدة ونزولها من السماء أحق [¬٩]، فإنه قد ارتاب بها [منا بشر] كثير؟ فقال عيسى ﵇: هلكتم وإله المسيح، طلبتم المائدة إلى نبيكم أن يطلبها لكم إلى ربكم، فلما أن فعل وأنزلها عليكم رحمة ورزقًا، وأراكم فيها الآيات والعبر كذبتم بها وشككتم فيها، فأبشروا بالعذاب فإنه نازل بكم إلا أن يرحمكم الله. فأوحى الله إلى عيسى: إني آخذ المكذبين بشرطي، فإني معذب منهم من كفر بالمائدة بعد نزولها عذابًا لا أعذبه أحدًا من العالمين. قال: فلما أمسى المرتابون بها، وأخذوا مضاجعهم في أحسن صورة مع نسائهم آمنين، فلما كان في آخر الليل مسخهم الله خنازير، فأصبحوا يتبعون الأقذار في الكناسات.\nهذا أثر غريب جدًّا قطعه ابن أبي حاتم في مواضع من هذه القصة، وقد جمعته أنا [] [¬١٠]\n_________\n[¬١]- في ز: \"ينتقص\".\n[¬٢]- في ز: \"ولهم\".\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- في ز: \"منهم\".\n[¬٥] في ز: \"صحاحًا\".\n[¬٦]- في ز: \"فكانت\".\n[¬٧] في ز: \"في\".\n[¬٨]- في ز: \"غمضوا\".\n[¬٩] في ز: \"حق\".\n[¬١٠]- ما بين المعكوفتين في ز: \"له\".","vol":"5","page":422},{"text":"ليكون سياقه أتم وأكمل، والله ﷾ أعلم.\nوكل هذه الآثار دالة على أن المائدة نزلت على بني إسرائيل أيام عيسى ابنى مريم، إجابة من الله لدعوته، وكما دل على ذلك ظاهر هذا السياق من القرآن العظيم ﴿قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾، و[¬١] قال قائلون: إنها لم تنزل؛ فروى ليث بن أبي سليم، عن مجاهد في قوله: ﴿أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ قال: هو مثل ضُرب ولم ينزل شيء.\nرواه ابن أبي حاتم وابن جرير (^٨٤٣).\nثم قال ابن جرير (^٨٤٤): حدثنا الحارث، حدثنا القاسم - هو ابن سلام -، حدثنا حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، قال: مائدة عليها طعام أبَوْهَا حين عرض عليهم العذاب إن كفروا، فأبوا أن تنزل [¬٢] عليهم.\nوقال أيضًا (^٨٤٥): حدثنا ابن المثنى، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن منصور بن زاذان [¬٣]، عن الحسن، أنه قال في المائدة: إنها لم تنزل.\nوحدثنا بشر، حدثنا يزيد، حدثنا سعيد، عن قتادة، قال: كان الحسن يقول: لما قيل لهم: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ قالوا: لا حاجة لنا فيها فلم تنزل.\nوهذه أسانيد صحيحة إلى مجاهد والحسن، وقد يتقوى ذلك بأن خبر المائدة لا تعرفه النصارى، وليس هو في كتابهم، ولو كانت قد نزلت لكان ذلك مما تتوفر [¬٤] الدواعي على\n_________\n(^٨٤٣) - رواه ابن جرير فى تفسيره (١١/ ٢٣٠، ٢٣١) (١٣٠١٩) قال: حدثنا ابن وكيع حدثنا يحيى ابن آدم، عن شريك عن ليث به، وذكره السيوطى فى الدر المنثور (٢/ ٦١٤) وزاد نسبته لعبد بن حميد وأبى الشيخ.\n(^٨٤٤) - تفسير ابن جرير (١١/ ٢٣١) (١٣٠٢٢)، وذكره السيوطى فى الدر المنثور (٢/ ٦١٤) وزاد نسبته لأبى عبيد وابن المنذر.\n(^٨٤٥) - تفسير الطبرى (١١/ ٢٣١) (١٣٠٢١) ورواه ابن أبى حاتم فى تفسيره (٤/ ١٢٥٢) بغير إسناد فقال: وكان الحسن يقول: لما قيل لهم فمن كفر فإنى أعذبه عذابًا قالوا: لا حاجة لنا فيها فلم تنزل.\nوذكره السيوطى فى الدر المنثور (٢/ ٦١٤) وزاد نسبته لعبد بن حميد وابن الأنبارى.\n_________\n[¬١]- في ز: \"وقد\".\n[¬٢]- في ز: \"ينزل\".\n[¬٣]- في ز: \"زادان\".\n[¬٤] في ز: \"يتوفر\".","vol":"5","page":423},{"text":"نقله، وكان يكون موجودًا فى كتابهم متواترًا، ولا أقل من الآحاد، والله أعلم: ولكن [الذي عليه] [¬١] الجمهور: أنها نزلت، وهو الذي اختاره ابن جرير، قال: [لأن الله] [¬٢] تعالى أخبر بنزولها [في قوله] [¬٣] تعالى: ﴿إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ قال: ووعد الله ووعيده حق وصدق.\nوهذا القول هو والله أعلم الصوابُ، كما دلت عليه الأخبار والآثار عن السلف وغيرهم، وقد ذكر أهل التاريخ: أن موسى بن نصير نائب بني أمية في فتوح بلاد المغرب، وجد المائدة هنالك مرصعة باللآلئ وأنواع الجواهر، فبعث بها إلى أمير المؤمنين الوليد بن عبد الملك باني جامع دمشق، فمات وهي في الطريق، فحملت إلى أخيه سليمان بن عبد الملك الخليفة بعده، فرآها الناس فتعجبوا منها كثيرًا لما فيها من اليواقيت النفيسة والجواهر [¬٤] اليتيمة. ويقال: إن هذه المائدة كانت لسليمان بن داود ﵉ فالله أعلم.\nوقد قال الإِمام أحمد (^٨٤٦): حدثنا عبد الرحمن، حدثنا سفيان، عن سلمة بن كهيل، عن عمران بن الحكم، عن ابن عباس قال: قالت قريش للنبي ﷺ: ادع لنا ربك أن يجعل لنا الصفا ذهبًا ونؤمن بك. قال: \"وتفعلون؟ \" قالوا: نعم. قال: فدعا فأتاه جبريل، فقال: إن ربك يقرأ عليك السلام ويقول لك: إن شئت أصبح لهم الصفا ذهبا، فمن كفر منهم بعد ذلك عذبته عذابًا لا أعذبه أحدًا من العالمين، وإن شئت فتحت لهم باب التوبة والرحمة. قال: \"بل باب التوبة والرحمة\".\n_________\n(^٨٤٦) - رواه أحمد فى مسنده (١/ ٢٤٢) (٢١٦٦) كما نقله المصنف هنا، ورواه فى (١/ ٣٤٥) (٣٢٢٣) وعبد بن حميد (٧٠٠) والحاكم فى المستدرك (٢/ ٣١٤) من طريقين عن سفيان به، وإسناده صحيح لكن وقع فى الإسناد عند أحمد والحاكم \"عمران بن الحكم\" وهو خطأ والصواب \"عمران أبو الحكم\" وهو عمران بن الحارث السلمى أبو الحكم الكوفى وهو ثقة وقد نبه على ذلك العلامة أحمد شاكر فى تعليقه على المسند فقال \" … أظن أن الخطأ فيه من عبد الرحمن بن مهدى أو سفيان الثورى ففى \"التعجيل\" ٣١٩: \"كذا وقع، والصواب عمران بن الحارث أبو الحكم كما فى صحيح مسلم وغيره\" يعنى فى حديث آخر فإن هذا الحديث ليس فى صحيح مسلم والظاهر أن أصل الرواية \"عن عمران أبى الحكم\" فأخطأ أحد الرواة فقال: \"عن عمران بن الحكم\".\nوسينقل المصنف هذا الحديث مرة أخرى فى تفسير سورة الإسراء الآية (٥٩) عن هذا الموضع من المسند وبإسناد آخر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس بمعناه.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز: \"لأنه\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في ز: \"بقوله\".\n[¬٤] في ز: \"بالجواهر\".","vol":"5","page":424},{"text":"ثم رواه أحمد وابن مردويه والحاكم في مستدركه من حديث سفيان الثوري به.\n﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (١١٦) مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١١٧) إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١١٨)﴾\nهذا أيضًا مما يخاطب الله به عبده ورسوله عيسى ابن مريم ﵇ قائلًا له يوم القيامة بحضرة من اتخذه وأمه إلهين من دون الله: ﴿يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ وهذا تهديد للنصارى وتوبيخ وتقريع على رءوس الأشهاد، هكذا قال [¬١] قتادة وغيره، واستدل قتادة على ذلك بقوله تعالى: ﴿هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾.\nوقال السدي: هذا الخطاب والجواب في الدنيا.\nقال ابن جرير: هذا [¬٢] هو الصواب، وكان ذلك حين رفعه الله إلى السماء الدنيا. واحتج ابن جرير على ذلك بمعنيين:\nأحدهما: [أن الكلام بلفظ] [¬٣] المضي [¬٤].\nوالثاني: قوله: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ﴾، ﴿وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ﴾.\nوهذان الدليلان فيهما نظر؛ لأن كثيرًا من أمور يوم القيامة ذكر بلفظ المضي [¬٥]؛ ليدل على الوقوع والثبوت، ومعنى قوله: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ\n_________\n… ... … ... … ... … ... … ... … .\n_________\n[¬١]- في ز: \"قاله\".\n[¬٢]- في ز: \"وهذا\".\n[¬٣]- في خ: \"أن لفظ الكلام لفظ\".\n[¬٤]- في خ: \"المعنى\".\n[¬٥]- في خ: \"المعنى\".","vol":"5","page":425},{"text":"الْحَكِيمُ﴾: التبري منهم ورد المشيئة فيهم إلى الله، وتعليق ذلك على الشرط لا يقتضي وقوعه، كما في نظائر ذلك من الآيات.\nوالذي [¬١] قاله قتادة وغيره هو الأظهر، والله أعلم: أن ذلك كائن يوم القيامة؛ ليدل على تهديد النصارى وتقريعهم وتوبيخهم على رءوس الأشهاد يوم القيامة، وقد روي بذلك حديث مرفوع، رواه الحافظ ابن عساكر (^٨٤٧) في ترجمة أبي عبد الله مولى عمر بن عبد العزيز وكان ثقة، قال: سمعت أبا بردة يحدث عمر بن عبد العزيز، عن أبيه أبي موسى الأشعري، قال: قال رسول الله ﷺ: \"إذا كان يوم القيامة دعي [¬٢] بالأنبياء وأممهم [¬٣]، ثم يدعى بعيسى فيذكره الله نعمته عليه فيقر بها، فيقول: ﴿يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ﴾ الآية، ثم يقول: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ فينكر أن يكون قال ذلك، فيؤتى بالنصارى فيسئلون فيقولون: نعم هو أمرنا بذلك. قال فيطول شعر عيسى ﵇، فيأخذ كل ملك من الملائكة بشعرة من شعر رأسه وجسده، فيجاثيهم بين يدي الله ﷿ مقدار ألف عام، حتى ترفع عليهم الحجة، ويرفع لهم الصليب، وينطلق بهم إلى النار\".\nوهذا حديث غريب عزيز.\nوقوله [¬٤]: ﴿قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ هذا [¬٥]، توفيق للتأدب في الجواب الكامل، كما قال ابن أبي حاتم (^٨٤٨):\nحدثنا أبي، حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيان، عن عمرو، عن طاوس، عن أبي هريرة، قال: يلقى عيسى حجته ولقَّاه الله تعالى فى قوله: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ\n_________\n(^٨٤٧) - رواه ابن عساكر فى تاريخه (١٩/ ق ١٢٧، ١٢٨) مخطوط) وابن أبى حاتم فى تفسيره (٤/ ١٢٣٦) (٦٩٧٦) من طريق الوليد بن مسلم ثنا روح بن جناح عن مولى لعمر بن عبد العزيز أنه سمع أبا بردة بن أبى موسى يحدث عمر بن عبد العزيز فى إمرته على المدينة أن أباه أبا موسى حدثهم فذكر الحديث، وذكره السيوطى فى الدر المنثور (٢/ ٦٠٨) وزاد نسبته لابن مردويه ومولى عمر بن عبد العزيز هذا مجهول.\n(^٨٤٨) - تفسير ابن أبى حاتم (٤/ ١٢٥٣) (٧٠٥٢)، ورواه الترمذى فى \"سننه\" كتاب تفسير القرآن =\n_________\n[¬١]- في ز: \"فالذي\".\n[¬٢]- في ز: \"دعا\".\n[¬٣]- في ز: \"أممهما\".\n[¬٤]- سقط من: ز.\n[¬٥] في ز: \"وهذا\".","vol":"5","page":426},{"text":"أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ قال أبو هريرة، عن النبي ﷺ: فلقاه الله: ﴿سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾ [إلى آخر] [¬١] الآية.\nوقد رواه الثوري، عن معمر، عن ابن طاوس، عن طاوس بنحوه (^٨٤٩).\nوقوله: ﴿إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾ أي: إن كان صدر مني هذا فقد علمته يارب؛ فإنه لا يخفى عليك شئ، مما قلته ولا أردته في نفسي [ولا أضمرته؛ ولهذا قال: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي] [¬٢] وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (١١٦) مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ﴾ بإبلاغه ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ [أي: ما دعوتهم إلا إلى الذي أرسلتني به وأمرتني بإبلاغه ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾] [¬٣] أي: هذا هو الذي قلت لهم، ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ﴾ [أي: كنت أشهد على أعمالهم حين كنت بين أظهرهم] [¬٤] ﴿فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾.\nقال أبو داود الطيالسي (^٨٥٠): حدثنا شعبة، قال: انطلقت أنا وسفيان الثوري إلى المغيرة بن النعمان، فأملاه على سفيان وأنا معه، فلما قام انتسخت من سفيان فحدثنا، قال: سمعت سعيد بن جبير يحدث، عن ابن عباس، قال: قام فينا رسول الله ﷺ بموعظة فقال: \"يا أيها الناس، إنكم محشورون إلى الله ﷿ حفاة عراة غرلًا ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾، وإن أول الخلائق يكسى [يوم القيامة] [¬٥] إبراهيم، ألا وإنه يجاء برجال من أمتي فيؤخذ بهم ذات الشمال فأقول: أصحابي، فيقال: إنك لا\n_________\n= باب \"ومن سورة المائدة\" حديث (٣٠٦٢) قال: حدثنا ابن أبى عمر حدثنا سفيان، ورواه النسائى فى تفسيره (١٨٢) نا زكريا بن يحيى نا محمد نا سفيان، ومحمد هو ابن أبى عمر وهو صدوق من رجال \"التهذيب\" روى له مسلم والترمذى والنسائى وابن ماجه، والحديث ذكره السيوطى فى الدر المنثور (٢/ ٦١٤) وزاد نسبته لأبى الشيخ وابن مردويه والديلمى.\n(^٨٤٩) - رواه ابن جرير فى تفسيره (١١/ ٢٣٩، ٢٤٠) (١٣٠٣٤) (١٣٠٣٤)، وابن أبى حاتم فى تفسيره (٤/ ١٢٥٣) (٧٠٥٣) من طريق سفيان عن معمر به، وذكره السيوطى فى الدر المنثور (٢/ ٦١٥) وزاد نسبته لعبد الرزاق والفريابى وابن أبى شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٨٥٠) - رواه أبو داود الطيالسى فى مسنده (٢٦٣٨) سيأتي تخريجه في تفسير الأعراف الآية (٢٩).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٥] ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"5","page":427},{"text":"تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول كما قال العبد الصالح: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١١٧) إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ فيقال: إن هؤلاء لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم\".\nورواه البخاري (^٨٥١) عند هذه الآية: عن [أبي] [¬١] الوليد عن شعبة - وعن محمد بن كثير، عن سفيان الثوري كلاهما، عن المغيرة بن النعمان به.\nوقوله: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ هذا الكلام يتضمن رد المشيئة إلى الله ﷿، فإنه الفعال لما يشاء الذي لا يسأل عما يفعل وهم يسألون، ويتضمن [¬٢] التبري من النصارى الذين كذبوا على الله وعلى رسوله، وجعلوا لله ندًّا وصاحبة وولدًا، تعالى الله عما يقولون علوًّا كبيرًا، وهذه الآية لها شأن عظيم، ونبأ عجيب، وقد ورد في الحديث أن النبي ﷺ قام بها ليلة حتى الصباح يرددها.\nقال الإِمام أحمد (^٨٥٢): حدثنا محمد بن فضيل، حدثني فُلَيْت العامري، عن جسرة العامرية، عن أبي ذر ﵁، قال: صلى النبي ﷺ [ذات ليلة] [¬٣]، فقرأ بآية حتى أصبح، يركع بها ويسجد بها: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ فلما أصبح قلت: يا رسول الله، ما زلت تقرأ هذه الآية حتى أصبحت تركع بها وتسجد بها؟ قال: \"إني سألت ربي ﷿ الشفاعة\n_________\n(^٨٥١) - البخاري في صحيحه برقم (٤٦٢٥).\n(^٨٥٢) - رواه أحمد فى مسنده (٥/ ١٤٩) ومن طريقه الخطيب فى الموضح (١/ ٤٥٤، ٤٥٥)، ورواه النسائى فى \"المجتبى\" كتاب الافتتاح، باب: ترديد الآية (٢/ ١٧٧) وفى الكبرى كتاب التفسير، باب: قوله تعالى: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ﴾ حديث (١١١٦١) وهو فى تفسير النسائى رقم (١٨١)، وأحمد فى المسند أيضًا (٥/ ١٥٦، ١٧٠، ١٧٧)، وابن ماجه فى \"سننه\" كتاب إقامة الصلاة، باب ما جاء فى القراءة فى صلاة الليل حديث (١٣٥٠)، والبزار كما فى كشف الأستار (١/ ٣٥٠، ٣٥١) (٧٣٠)، والطحاوى فى شرح معانى الآثار (١/ ٣٤٧)، والحاكم (١/ ٢٤١) وصححه ووافقه الذهبى، والبيهقى فى سننه (٣/ ١٤)، والبغوى فى \"شرح السنة\" (٩١٥)، والخطيب فى \"موضح الأوهام\" (١/ ٤٥٦)، والمزى فى \"تهذيب الكمال\" (٢٣/ ٥٤٨) فى ترجمة قدامة بن عبد الله - من طرق عن قدامة بن عبد الله عن جسرة عن أبى ذر به. وفى إسناده قدامة بن عبد الله ذكره ابن حبان فى الثقات (٤/ ١٢١) وقال الحافظ فى \"التقريب\": مقبول وجسرة أيضًا قال عنها ابن حجر فى \"التقريب\": \"مقبولة … ويقال إن لها إدراكًا\" وباقى رجال الإسناد ثقات.\n_________\n[¬١]- في ش: عن الوليد عن أبي شعبة.\n[¬٢]- في ز: \"تضمن\".\n[¬٣] ما بين المعكوفتين سقط من: ز.","vol":"5","page":428},{"text":"لأمتي فأعطانيها، وهي نائلة إن شاء الله لمن لا يشرك بالله شيئًا\".\n([طريق أخرى وسياق آخر] [¬١] قال الإِمام [¬٢] أحمد (^٨٥٣): حدثنا يحيى، حدثنا قدامة ابن عبد الله، حدثتني جسرة بنت دجاجة: أنها انطلقت معتمرة، فانتهت إلى الرَّبذَة، فسمعت أبا ذر يقول: قام رسول الله ﷺ ليلة من الليالي في صلاة العشاء فصلى بالقوم، ثم تخلف أصحاب له يصلون، فلما رأى قيامهم وتخلفهم انصرف إلى رحله، فلما رأى القوم قد أخلوا المكان رجع إلى مكانه فصلى، فجئت فقمت خلفه، فأومأ [¬٣] إليَّ بيمينه فقمت عن يمينه، ثم جاء ابن مسعود فقام خلفي وخلفه، فأومأ إليه بشماله فقام عن شماله، فقمنا ثلاثتنا يصلي كل واحد منا بنفسه، ويتلو من القرآن ما شاء الله أن يتلو [¬٤]، وقام بآية من القرآن يرددها حتى صلى الغداة، فلما أصبحنا أومأت إلى عبد الله بن مسعود: أن سله ما أراد إلى ما صنع البارحة، فقال ابن مسعود بيده [¬٥]: لا أسأله عن شيء حتى يحدث إليَّ. فقلت: بأبي وأمي، قمتَ بآية من القرآن ومعك القرآن، لو فعل هذا بعضنا لوجدنا عليه. قال: \"دعوت لأمتي\". قلت: فماذا أجبت أو ماذا رد عليك؟ قال: \"أُجِبْتُ بالذي لو اطلع عليه كثير منهم طلعة تركوا الصلاة\". قلت: أفلا أبشر الناس؟ قال: \"بلى\". فانطلقت معنقًا قريبًا من قذفة بحجر، فقال عمر: يا رسول الله، إنك إن تبعث إلى الناس بهذا نكلوا عن العبادة. فناداه أن \"ارجع\" فرجع، وتلك الآية: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.\nوقال ابن أبي حاتم (^٨٥٤): حدثنا يونس بن عبد الأعلى، حدثنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، أن بكر بن سوادة حدثه، عن عبد الرحمن بن جبير، عن عبد الله بن عمرو بن العاص: أن النبى ﷺ تلا قول عيسى: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ فرفع يديه فقال: \"اللهم أمتي. وبكى، فقال الله:\n_________\n(^٨٥٣) - رواه أحمد فى مسنده (٥/ ١٧٠، ١٧٧) وانظر التخريج السابق.\n(^٨٥٤) - رواه ابن أبى حاتم فى تفسيره (٤/ ١٢٥٤) (٧٠٥٨)، ورواه مسلم فى \"صحيحه\" كتاب الإيمان، باب دعاء النبى ﷺ لأمته وبكائه شفقة عليهم حديث (٢٠٢)، والنسائى فى \"الكبرى\" كتاب التفسير، باب: قوله تعالى: ﴿وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾ حديث (١١٢٦٩) وهو فى تفسيره برقم (٢٨٩) قالا: حدثنا يونس بن عبد الأعلى أخبرنا ابن وهب … الحديث، والحديث سيأتى عند المصنف مرة أخرى فى تفسير سورة إبراهيم الآية (٣٦).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"وقال أخرى\".\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- في ز: \"وأومأ\".\n[¬٤]- في ز: \"نتلوا\"، خ: \"نتلو\".\n[¬٥]- سقط من: ز.","vol":"5","page":429},{"text":"يا جبريل اذهب إلى محمد - وربك أعلم - فاسأله ما يبكيه؟ فأتاه جبريل فسأله، فأخبره رسول الله ﷺ بما قاله [¬١] [وهو أعلم] [¬٢]، فقال الله: يا جبريل، اذهب إلى محمد فقل: إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوءك\".\nوقال الإِمام أحمد (^٨٥٥): حدثنا حسين [¬٣]، قال [¬٤] حدثنا ابن لهيعة، حدثنا ابن هبيرة، أنه سمع أبا تميم الجيشاني يقول: حدثني سعيد بن المسيب، سمعت حذيفة بن اليمان يقول: غاب عنا رسول الله ﷺ يومًا فلم يخرج، حتى ظننا أن لن يخرج، فلما خرج سجد سجدة ظننا أن نفسه قد قبضت فيها، فلما رفع رأسه قال: \"إن ربي ﷿ استشارني في أمتي ماذا أفعل بهم؟ فقلت: ما شئتَ أي رب هم خلقك وعبادك، فاستشارني الثانية فقلت له كذلك، فقال: لا أخزيك في أمتك يا محمد، وبشرني أن [¬٥] أول من يدخل الجنة من أمتي معي سبعون ألفًا، مع كل ألف سبعون ألفًا ليس عليهم حساب، ثم أرسل إليَّ فقال: ادع تجب وسل تعط، فقلت لرسوله: أو معطي ربي سؤلي؟ فقال [¬٦]: ما أرسلني إليك إلا ليعطيك. ولقد أعطاني ربي ولا فخر، وغفر لي ما تقدم من ذنبي وما تأخر وأنا أمشي حيًّا [¬٧] صحيحًا، وأعطاني أن لا تجوع أمتي ولا تغلب، وأعطاني الكوثر وهو نهر في الجنة يسيل في حوضي، وأعطاني العز والنصر والرعب يسعى بين يدي أمتي شهرًا، وأعطاني أني [¬٨] أول الأنبياء يدخل الجنة، وطيب لي ولأمتي الغنيمة، وأحل لنا كثيرًا مما شدد على من قبلنا، ولم يجعل علينا في الدين من حرج\".\n﴿قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١١٩) لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٢٠)﴾\nيقول تعالى مجيبًا لعبده ورسوله عيسى ابن مريم ﵇ فيما أنهاه إليه من التبري من\n_________\n(^٨٥٥) - رواه أحمد فى مسنده (٥/ ٣٩٣) وفى إسناده ابن لهيعة وهو ضعيف لكن الحديث حسنه الهيثمى فى مجمع الزوائد (١٠/ ٧١، ٧٢).\n_________\n[¬١]- في ز: \"قال\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في ز، خ: \"حسن\".\n[¬٤]- سقط من: ز.\n[¬٥]- سقط من: ز.\n[¬٦] في ز: \"قال\".\n[¬٧]- سقط من: ز.\n[¬٨] سقط من: ز، خ.","vol":"5","page":430},{"text":"النصارى الملحدين، الكاذبين على الله وعلى رسوله، ومن رد المشيئة فيهم إلى ربه ﷿، فعند ذلك يقول تعالى: ﴿هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾.\nقال الضحاك، عن ابن عباس: يقول: [يوم] [¬١] ينفع الموحدين توحيدهم.\n﴿لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ أي: ماكثين فيها لا يحولون ولا يزولون، رضي الله عنهم ورضوا عنه، كما قال تعالى: ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾.\nوسيأتي ما يتعلق بتلك الآية من الحديث.\nوقد روى ابن أبي حاتم هاهنا حديثًا [عن أنس] [¬٢] فقال (^٨٥٦): حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا المحاربي، عن ليث، عن عثمان - يعني: ابن عمير أبا [¬٣] اليقظان - عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: \"ثم يتجلى لهم الرب ﷻ فيقول: سلوني سلوني أعطكم، قال: فيسألونه الرضا، [فيقول: رضاي أحلكم داري وأنالكم كرامتي. فسلوني أعطكم. فيسألونه الرضا] [¬٤]، قال: فيشهدهم أنه قد رضي عنهم ﷾\".\nوقوله: ﴿ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ أي: هذا الفوز الكبير الذي لا أعظم منه، كما قال تعالى: ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾، وكما قال: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾.\nوقوله: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أي: هو الخالق للأشياء المالك لها، المتصرف فيها القادر عليها، فالجميع ملكه وتحت قهره وقدرته وفي مشيئته، فلا نظير له ولا وزير ولا عديل، ولا والد ولا ولد ولا صاحبة، ولا إله غيره، ولا رب سواه.\nقال ابن وهب: سمعت حيي بن عبد الله يحدث، عن أبى عبد الرحمن الحُبُلي، عن عبد الله بن عمر قال: آخر سورة أنزلت سورة المائدة (^٨٥٧).\n_________\n(^٨٥٦) - رواه ابن أبى حاتم فى تفسيره (٤/ ١٢٥٦، ١٢٥٧) (٧٠٧٠) وإسناده ضعيف ليث هو ابن أبى سليم ضعيف وشيخه عثمان بن عمير أبو اليقظان الكوفى الأعمى قال الحافظ فى \"التقريب\" ضعيف واختلط وكان يدلس ويغلو فى التشع.\n(^٨٥٧) - تقدم تخريجه فى أول السورة.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٣]- في ت: \"أبو\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"5","page":431},{"text":"انتهى بحمد الله وحسن توفيقه المجلد الخامس\nويليه إن شاء الله تعالى المجلد السادس\nوأوله تفسير سورة الأنعام","vol":"5","page":432},{"text":"<span data-type='title' id=toc-107>سورة الأنعام [وهي مكية]</span> [¬١]\nقال العوفي وعكرمة وعطاء، عن ابن عباس (^١): أنزلت سورة الأنعام بمكة.\nوقال الطبراني (^٢): حدثنا على بن عبد العزيز، حدثنا حجاج بن منهال، حدثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس، قال: نزلت سورة الأنعام بمكة ليلًا جملة، حولها سبعون ألف ملك، يجأرون حولها بالتسبيح.\nوقال سفيان الثوري (^٣): عن ليث، عن شهر بن حوشب، عن أسماء بنت يزيد، قالت: نزلت سورة الأنعام على النبي ﷺ [جملة، وأنا آخذة بزمام ناقة النبي ﷺ، إن كادت من ثقلها لتكسر عظام الناقة.\nوقال شريك (^٤): عن ليث، عن شهر، عن أسماء، قال: نزلت سورة الأنعام على رسول الله ﷺ] [¬٢] وهو في مسير في زجل [¬٣] من الملائكة، وقد نظموا [¬٤] ما بين السماء\n_________\n(^١) - ذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ٣) وعزاه إلى ابن الضريس وأبي الشيخ وابن مردويه والبيهقي في \"الدلائل\"، وهو في \"الدلائل\" (٧/ ١٤٤) من طريق خصيف عن مجاهد عن ابن عباس.\n(^٢) - إسناده ضعيف \"المعجم الكبير\" (١٢/ رقم ١٢٩٣٠)، وأخرجه أبو عبيد القاسم بن سلَّام في \"فضائل القرآن\" (ص ٢٤٠) حدثنا حجاج به، وابن الضريس في \"فضائل القرآن\" (رقم ١٩٦) أخبرنا سليمان بن حرب، وموسى بن إسماعيل وعلى بن عثمان قالوا: أنبا حماد به، ويوسف بن مهران قال أحمد: \"لا يُعرف ولا أعرف أحدًا روى عنه إلا على بن زيد\"، وقال ابن حجر في \"التقريب\": \"لم يرو عنه إلا ابن جُدْعان، وهو لين الحديث\" كذا قال: وقد نقل في \"التهذيب\" توثيق أبي زرعة وابن سعد له وعلى كل فإن ابن جدعان ضعيف. والأثر زاد نسبته السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ٣) إلى ابن المنذر وابن مردويه.\n(^٣) - إسناده ضعيف، أخرجه الطبراني في \"الكبير\" (٢٤/ رقم ٤٤٩) ثنا حفص بن عمر بن الصباح الرقي، ثنا قبيصة بن عقبة ثنا سفيان به. وذكره الهيثمي فى \"المجمع\" (٧/ ٢٣) وقال: \"رواه الطبراني وفيه شهر بن حوشب وهو ضعيف وقد وثق\". وليث هو ابن أبي سليم تُرك حديثه لاختلاطه وعدم تميز صحيح حديثه من سقيمه. والأثر زاد نسبته السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ٣) إلى ابن مردويه.\n(^٤) - كسابقه، وأخرجه إسحاق بن راهويه في مسنده (٥/ ٢٢٩٨) والطبراني في \"الكبير\" (٢٤/ ٤٥٠) من طريق جرير عن ليث به.\n_________\n[¬١]- زيادة من: ز.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٣]- في ز: \"رجل\".\n[¬٤]- في ز: \"نطقوا\".","vol":"6","page":5},{"text":"والأرض.\nوقال السدي (^٥): عن مرة، عن عبد الله، قال: نزلت سورة الأنعام يشيعها سبعون ألفًا من الملائكة.\nوروى نحوه من وجه آخر عن ابن مسعود.\nوقال الحاكم في مستدركه (^٦): حدثنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب الحافظ وأبو الفضل الحسن بن يعقوب العدل قالا: حدثنا محمد بن عبد الوهاب العبدي، أخبرنا جعفر بن عون، حدثنا إسماعيل بن عبد الرحمن السدي، حدثنا محمد بن المنكدر، عن جابر قال: لما نزلت سورة الأنعام سبح رسول الله صلى الله عليه ومسلم، ثم قال: \"لقد شيع هذه السورة من الملائكة ما سد الأفق\".\nثم قال: صحيح على شرط مسلم.\nوقال أبو بكر بن مردويه (^٧): حدثنا محمد بن معمر، حدثنا إبراهيم بن دَرَسْتَوَيه الفارسي، حدثنا [أبو بكر أحمد] [¬١] بن محمد بن سالم، حدثنا ابن أبي فديك، حدثني عمر بن طلحة\n_________\n(^٥) - أخرجه ابن مردويه - كما في \"الدر المنثور\" (٣/ ٣) - والسدي هو إسماعيل بن عبد الرحمن - \"صدوق يهم\" - كما في \"التقريب\". ومرة هو ابن شَرَاحيل الهمداني، ثقة عابد، وعبد الله هو ابن مسعود.\n(^٦) - \" المستدرك\" (٢/ ٣١٤ - ٣١٥)، وعنه البيهقي في \"الشعب\" (٢/ ٢٤٣١) وقال الحاكم: \"صحيح على شرط مسلم … \" وتعقبه الذهبي فقال: \"لا والله، لم يدرك جعفرٌ السُّدِّيَّ، وأظن هذا موضوعًا\" قلت: السدي توفي سنة مائة وسبع وعشرين وجعفر توفي سنة ست ومائتين وهو ابن سبع وثمانين. وقيل: ابن سبع وتسعين. وعلى كلا التقديرين يكون إدراك جعفر للسدي ممكنًا؛ لأنه على اعتبار التقدير الأول يكون عمره تسع سنوات، وهي كافية في الإدراك والتحمل. والتقدير الثاني يكون عمره تسع عشرة سنة، وهذا السِّنُّ لا خلاف في إمكان سماعه منه، والله أعلم. وأخرجه البيهقي في \"الشعب\" أيضًا (٢/ ٢٤٣٢) من طريق أبي عثمان البصري عن أبي أحمد محمد بن عبد الوهاب ثنا جعفر بن عون أنا موسى بن عُبيدة عن محمد بن المنكدر قال: … فذكره مرسلًا، وموسى ابن عبيدة ضعيف. والحديث زاد نسبته السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ٣) إلى الإسماعيلي في معجمه.\n(^٧) - إسناده فيه جهالة، وعزاه لابن مردويه السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ٣) - وأخرجه أبو بكر الإسماعيلي في \"المعجم\" (٢/ ٥٥١ - ٥٥٢) - ومن طريقه البيهقي في \"الشعب\" (٢/ ٢٤٣٤) =\n_________\n[¬١]- في ت: \"أبو بكر بن أحمد\" ولفظة \"ابن\" مقحمة، والصواب عدم إثباتها، انظر مصادر التخريج و\"تاريخ بغداد\" (٦/ ٧١).","vol":"6","page":6},{"text":"الرقاشي، عن [نافع بن مالك أبي سهيل] [¬١]، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: \"نزلت سورة الأنعام معها موكب من الملائكة سد ما بين الخافقين، لهم زجل بالتسبيح والأرض بهم ترتج\" ورسول الله يقول: \"سبحان اللّه العظيم، سبحان الله العظيم\".\nثم روى ابن مردويه (^٨): عن الطبراني، عن إبراهيم بن نائلة، عن إسماعيل بن عمرو، عن يوسف بن عطية، عن ابن عون، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ: \"نزلت علىَّ سورة الأنعام جملة واحدة، وشيعها سبعون ألفًا من الملائكة، لهم زجل بالتسبيح والتحميد\".\n_________\n= ثنا أبو إسحاق إبراهيم بن درستويه الفارسى به، وأخرجه الطبراني في \"الأوسط\" (٦/ ٦٤٤٧) ثنا محمد بن عبد الله بن عِرْس، والبيهقي في \"الشعب\" (٢/ ٢٤٣٣) من طريق محمد بن إسحاق الصغاني، وأبو جعفر النحاس - كما في تفسير القرطبى (٦/ ٣٨٢ الشعب) - من طريق روح بن الفرج ثلاثتهم (ابن عِرس والصغاني وروح) عن أبي بكر أحمد بن محمد به.\nوقال الطبرانى: \"لم يرو هذا الحديث عن أبي سهيل نافع بن مالك إلا عمر بن طلحة، ولا عن عمر بن طلحة إلا ابن أبي فديك، تفَّرَد به اُحمد بن محمد السالميُّ\"، وذكره الهيثمي في \"المجمع\" (٧/ ٢٣) وقال: \"رواه الطبراني عن شيخه محمد بن عبد الله بن عرس عن أحمد بن محمد بن أبي بكر السالمي ولم أعرفهما، وبقية رجاله ثقات\" قلت: أما الأول فمتابع كما تقدم، وأما الثاني، فلم أجد من ترجمه غير أن الخطيب البغدادي أشار إليه في تاريخه (٦/ ٧١) في ترجمة ابن درستويه الفارسي.\nوالحديث زاد نسبته السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ٣) إلى أبي الشيخ والسلفى في \"الطيوريات\".\n(^٨) - إسناده ضعيف جدًّا - وعزاه لابن مردويه السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ٣) - وهو فى \"المعجم الصغير\" للطبراني (١/ ٨١) ومن طريق الطبراني أيضًا أخرجه أبو نعيم في \"الحلية\" (٣/ ٤٤)، وفي \"اُخبار أصبهان\" (١/ ١٨٩) وقال الطبراني: \"لم يروه عن ابن عون إلا يوسف بن عطية، تفرد به إسماعيل بن عمرو، وقال أبو نعيم في \"الحلية\": \"غريب من حديث ابن عون لم نكتبه إلا من حديث إسماعيل عن يوسف\". قلت: ويوسف بن عطية متروك كما في \"التقريب\" وارتقى به الهيثمي في \"المجمع\" (٧/ ٢٣) فقال: \"ضعيف\"، وانظر ترجمته في \"التهذيب\"، وإسماعيل بن عمرو هو ابن نجيح البجلي ضعفه أبو حاتم والدارقطني وقال الخطيب: صاحب غرائب ومناكير. انظر \"لسان الميزان\" (١/ ت ١٣٣٨).\n_________\n[¬١]- في ت: \"نافع بن مالك بن أبي سهيل\" وهو خطأ والصواب ما أثبتناه انظر مصادر التخريج و\"تهذيب الكمال\" (٢١/ ت ٤٢٦٢).","vol":"6","page":7},{"text":"﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١) هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ (٢) وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ (٣)﴾\nيقول الله تعالى مادحًا نفسه الكريمة، وحامدًا لها على خلقه السموات والأرض قرارًا لعباده، وجعل الظلمات والنور منفعة لعباده في ليلهم ونهارهم، فجمع لفظ الظلمات ووحد لفظ النور؛ لكونه أشرف، [كقوله] [¬١]: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ﴾ [¬٢]، وكما قال في آخر هذه السورة: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾.\nوقوله: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ أي: ومع هذا كله كفر به بعض عباده، وجعلوا معه [¬٣] شريكًا وعدلًا، واتخذوا له صاحبة وولدًا، تعالى الله ﷿ عن ذلك علوًّا كبيرًا.\nوقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ﴾ يعني: أباهم آدم الذي هو أصلهم، ومنه خرجوا فانتشروا في المشارق والمغارب، وقوله: ﴿ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ قال سعيد بن جبير (^٩)، عن ابن عباس: ﴿ثُمَّ قَضَى أَجَلًا﴾ يعني: الموت ﴿وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ يعني: الآخرة.\nوهكذا روي عن مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير والحسن وقتادة والضحاك وزيد بن أسلم وعطية والسدي ومقاتل بن حيان وغيرهم.\n_________\n(^٩) - أثر صحيح، أخرجه ابن جرير (١١/ ١٣٠٥٧)، وابن أبي شيبة - كما في \"الدر المنثور\" (٣/ ٧) ومن طريقه ابن أبي حاتم في تفسيره (٤/ ٧٠٩٠) من طريق سفيان عن أبي حَصِين عن سعيد به، وأخرجه الحاكم (٢/ ٣١٥) من طريق أبى بكر بن عياش عن أبي حصين به وقال: \"حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه\"، ووافقه الذهبي وأخرجه ابن جرير (١١/ ١٣٠٦٦)، وابن أبي حاتم (٤/ ٧٠٩١) من طريق على بن أبى طلحة عن ابن عباس به نحوه، وزاد نسبته السيوطى في \"الدر المنثور\" (٣/ ٧) إلى ابن المنذر والفريابي وأبى الشيخ.\n_________\n[¬١]- نى ز، ح: \"كما قال\"\n[¬٢]- في خ: \"عن اليمين وعن الشمال\".\n[¬٣]- في ت: \"له\" والمثبت من خ، ز.","vol":"6","page":8},{"text":"وقول الحسن [¬١] في رواية عنه: ﴿ثُمَّ قَضَى أَجَلًا﴾ [قال] [¬٢]: ما بين أن يخلق إلى أن يموت ﴿وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ وهو [¬٣] ما بين أن يموت إلى أن يبعث. وهو يرجع إلى ما تقدم، وهو تقدير الأجل الخاص وهو عمر كل إنسان، وتقدير الأجل العام وهو عمر الدنيا بكمالها، ثم انتهائها وانقضائها وزوالها والصير إلى الدار الآخرة.\nوعن ابن عباس (^١٠) ومجاهد: ﴿ثُمَّ قَضَى أَجَلًا﴾ يعني: مدة الدنيا ﴿وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ يعنى: عمر الإنسان إلى حين موته. وكأنه مأخوذ من قوله تعالى بعد هذا: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ [ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ﴾ [¬٤]﴾.\nوقال عطية (^١١)، عن ابن عباس: ﴿ثُمَّ قَضَى أَجَلًا﴾ يعنى: النوم يقبض فيه الروح، ثم يرجع إلى صاحبه عند اليقظة ﴿وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ يعني: أجل موت الإنسان. وهذا قول غريب.\nومعنى قوله: ﴿عِنْدَهُ﴾ أي: لا يعلمه إلا هو، لقوله تعالى: ﴿[إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي] [¬٥] لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ﴾ وكقوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا (٤٢) فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا (٤٣) إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا﴾.\nوقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ﴾ قال السدي وغيره: يعني: تشكون [¬٦] في أمر الساعة.\nوقوله تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ﴾ اختلف مفسرو هذه الآية على أقوال، بعد الاتفاق على تخطئة قول الجهمية الأوَلِ القائلين بأنه - تعالى عن قولهم علوًّا كبيرًا - في كل مكان، حيث حملوا الآية على ذلك، [فالأصح من] [¬٧] الأقوال: أنه المدعو الله في السموات وفي الأرض، أي: يعبده ويوحده ويقر له بالإلهية من في السموات ومن في الأرض، ويسمونه الله ويدعونه رغبًا ورهبًا، إلا من كفر من الجن والإنس، وهذه الآية على هذا القول كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ أي: هو إله من في السماء وإله من في الأرض، وعلى هذا فيكون\n_________\n(^١٠) - انظر السابق.\n(^١١) - إسناده ضعيف، وعطية هو ابن سعد العوفي ضعيف وأخرجه ابن جرير (١١/ ١٣٠٦٨)، وابن أبي حاتم (٤/ ٧٠٩٣).\n_________\n[¬١]- سقط من: خ، ز.\n[¬٢]- في ز. \"وقال\".\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين زيادة من: ز.\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٦]- فى ز: \"يشكون\".\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين في ز: \"فأصح\".","vol":"6","page":9},{"text":"قوله: ﴿يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ﴾ [خبرًا أو حالًا] [¬١].\nوالقول الثاني: أن المراد أنه الله الذي يعلم ما في السموات وما في الأرض: من سر وجهر، فيكون قوله ﴿يَعْلَمُ﴾ متعلقًا بقوله: ﴿فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾ تقديره: وهو الله يعلم سركم وجهركم في السموات وفي الأرض ويعلم ما تكسبون.\nوالقول الثالث: أن قوله ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ وقف تام، ثم استأنف الخبر فقال: ﴿وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ﴾ وهذا اختيار ابن جرير وقوله: ﴿وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ﴾ أي جميع أعمالكم خيرها وشرها.\n﴿وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (٤) فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٥) أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ (٦)﴾\nيقول تعالى مخبرًا عن المشركين المكذبين المعاندين: أنهم مهما أتتهم ﴿مِنْ آيَةٍ﴾، أي: دلالة ومعجزة، وحجة [¬٢] من الدلالات على وحدانية الله [¬٣]، وصدق رسله الكرام، فإنهم يعرضون عنها، فلا ينظرون فيها ولا يبالون [¬٤] بها، قال الله تعالى: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ وهذا تهديد لهم، ووعيد شديد على تكذيبهم بالحق: بأنه لابد أن يأتيهم خبر ما هم فيه من التكذيب، وليجدن غِبَّه وليذوقن وباله.\nثم قال تعالى واعظًا ومحذرًا لهم: أن يصيبهم من العذاب والنكال الدنيوي ما حل بأشباههم ونظرائهم من القرون السالفة، الذين كانوا أشد منهم [¬٥] قوة وأكثر جمعًا، وأكثر أموالًا وأولادًا، واستغلالًا للأرض وعمارة لها، فقال: ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ﴾ أي: من الأموال والأولاد، والأعمار والجاه العريض، والسعة والجنود، ﴿وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا﴾ أي: شيئًا بعد شيء ﴿وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ز: \"خبر أو حال\".\n[¬٢]- فى ز: \"وجهة\".\n[¬٣]- فى ز: \"الرب\".\n[¬٤]- في خ، ز: \"ولا يتأولون\".\n[¬٥]- سقط من: ز.","vol":"6","page":10},{"text":"مِنْ تَحْتِهِمْ﴾ أي: أكثرنا عليهم أمطار السماء وينابيع الأرض، أي: استدراجًا وإملاء لهم ﴿فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ﴾ أي: بخطاياهم وسيئاتهم التي اجترموها ﴿وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾ أي: فذهب الأولون كأمس الذاهب، وجعلناهم أحاديث ﴿وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾ أي: جيلًا آخر؛ لنختبرهم [¬١]، فعملوا مثل أعمالهم [¬٢]، فهلكوا كهلاكهم، فاحذروا أيها المخاطبون أن يصيبكم مثل [¬٣] ما أصابهم، فما [¬٤] أنتم بأعز على الله منهم، والرسول الذي كذبتموه أكرم على الله من رسولهم، فأنتم أولى بالعذاب ومعاجلة العقوبة منهم لولا لطفه وإحسانه.\n﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (٧) وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ (٨) وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ (٩) وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (١٠) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (١١)﴾\nيقول الله تعالى مخبرًا عن كفر المشركين وعنادهم، ومكابرتهم للحق ومباهتتهم [¬٥] ومنازعتهم [¬٦] فيه: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ﴾ أي: عاينوه ورأوا نزوله، وباشروا ذلك ﴿لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ وهذا كما قال تعالى مخبرًا عن مكابرتهم للمحسوسات: ﴿وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ (١٤) لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ﴾.\n﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ [أي: ليكون معه نذيرًا] [¬٧]، قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ﴾ أي: لو نزلت الملائكة على ما هم عليه لجاءهم من الله\n_________\n[¬١]- في خ: \"لنختبره\".\n[¬٢]- فى ز: \"عملهم\".\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- في ز: \"ما\".\n[¬٥]- في ز: \"مباهتههم\".\n[¬٦]- سقط من: خ، ز.\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.","vol":"6","page":11},{"text":"العذاب، كما قال الله تعالى: ﴿مَا نُنَزِّلُ [¬١] الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ﴾، وقال [¬٢] تعالى: ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ [وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا] [¬٣]﴾، وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾ أي: لو أنزلنا مع الرسول البشري ملكا، أي [¬٤]: لو بعثنا إلى البشر رسولًا ملكيًّا لكان على هيئة الرجل؛ لتُفْهَم مخاطبته والانتفاع بالأخذ عنه، ولو كان كذلك لالتبس عليهم الأمر، كما يلبسون على أنفسهم في قبول رسالة البشري، كقوله [¬٥] تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا﴾، فمن رحمته تعالى بخلقه: أنه يرسل إلى كل صنف من الخلائق رسلًا منهم؛ ليدعوا بعضهم بعضًا؛ وليمكن بعضهم أن ينتفع ببعض في المخاطبة والسؤال، كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ [يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ] [¬٦]﴾ الآية.\nقال الضحاك (^١٢): عن ابن عباس في [قوله: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا﴾] [¬٧] يقول: لو أتاهم ملك ما أتاهم إلا في صورة رجل [¬٨]؛ لأنهم لا يستطيعون النظر إلى الملائكة من النور. ﴿وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾ أي: ولخلطنا عليهم ما يخلطون.\nوقال الوالبي (^١٣) عنه: ولشبَّهنا عليهم.\nوقوله [¬٩]: ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ هذا تسلية للنبي ﷺ في تكذيب من كذبه من قومه، ووعد له وللمؤمنين به بالنصرة، والعاقبة الحسنة في الدنيا والآخرة.\nثم قال تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ أي: فكروا في أنفسكم، وانظروا ما أحل الله بالقرون الماضية الذين كذبوا رسله [¬١٠] وعاندوهم: من العذاب\n_________\n(^١٢) - أخرجه ابن جرير (١١/ ١٣٠٨٤) وابن أبي حاتم (٤/ ٧١٢٨، ٧١٢٩، ٧١٣١) من طريق بشر بن عمارة عن أبي روق عنه به. والضحاك لم يسمع من ابن عباس وبشر بن عمارة ضعيف.\n(^١٣) - هذه النسبة إلى والبة، وهي حيٌّ من بني أسد [انظر \"الأنساب\" للسمعاني (٥/ ٥٦٨)] والأثر أخرجه ابن جرير (١١/ ١٣٠٨٩) وابن أبي حاتم (٤/ ٧١٣٢) من طريق على بن أبى طلحة عن ابن عباس.\n_________\n[¬١]- فى ز: \"تنزل\".\n[¬٢]- في ت: \"قال\" والمثبت من: ز.\n[¬٣]- في ت: \"الآية\".\n[¬٤]- في ز: \"أو\".\n[¬٥]- فى ز: \"كما قال\".\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٧]- في ت، خ: \"الآية\".\n[¬٨]- في ز: \"الرجل\".\n[¬٩]- سقط من: ز.\n[¬١٠]- في ز: \"رسلهم\".","vol":"6","page":12},{"text":"والنكال، والعقوبة في الدنيا مع ما ادخر لهم من العذاب الأليم في الآخرة، وكيف نجى رسله وعباده المؤمنين.\n﴿قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٢) وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٣) قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٤) قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥) مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (١٦)﴾\nيخبر تعالى أنه مالك السموات والأرض ومن فيهن، وأنه قد كتب على نفسه المقدسة الرحمة، كما ثبت في الصحيحين (^١٤): من طريق الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ: \"إن الله لما خلق الخلق كتب كتابًا عنده فوق العرش: إن رحمتي تغلب غضبي\".\nوقوله: ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ هذه اللام هي الموطئة للقسم، فأقسم\n_________\n(^١٤) - كذا عزاه المصنف للصحيحين من هذا الطريق، وإنما أخرجه البخاري، ك: التوحيد، ب: قول الله تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ وأحمد (٢/ ٣٩٧، ٤٦٦) والنسائي فى \"الكبرى\" (٤/ ٧٧٥١) - دون مسلم - من طرق ثلاثة عن الأعمش به، وأخرجه مسلم، كتاب: التوبة، باب: في سعة رحمة الله تعالى … (١٤: ١٦) (٢٧٥١) من طريق أبي الزناد عن الأعرج، ومن طريق الحارث بن عبد الرحمن عن عطاء بن ميناء كلاهما (الأعرج وعطاء) عن أبي هريرة به نحوه [وانظر \"تحفة الأشراف\" (٩/ ٣٤٦: ٣٨٤)، وأخرجه البخاري (٣١٩٤، ٧٤٢٢، ٧٤٥٣) وأحمد (٢/ ٢٤٢، ٢٥٧، ٢٥٩، ٣٥٨)، والنسائي في \"الكبرى\" (٤/ ٧٧٥٠) من طريق أبي الزناد عن الأعرج به. وأخرجه البخاري أيضًا (٧٤٥٣، ٧٤٥٤) وأحمد (٣/ ٣١٢، ٣٨١، ٤٣٣)، والترمذي (٣٥٣٧ - ط دعاس). وابن ماجه (١٨٩، ٤٢٩٥) من طرق عن أبي هريرة به نحوه. وانظر ما يأتي برقم (٦٠: ٦٨).","vol":"6","page":13},{"text":"[بنفسه] [¬١] الكريمة ليجمعن عباده ﴿[إِلَى مِيقَاتِ] [¬٢] يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ وهو يوم القيامة الذي ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ أي [¬٣]: لا شك فيه [¬٤] عند عباده المؤمنين، فأما الجاحدون المكذبون فهم في ريبهم يترددون، وقال ابن مردويه عند تفسير هذه الآية (^١٥): حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، حدثنا عبيد الله بن أحمد بن عقبة، حدثنا عباس بن محمد، حدثنا حسين بن محمد، حدثنا محصن بن عقبة اليماني، عن الزبير بن شبيب، عن [عثمان] [¬٥] بن حاضر، عن ابن عباس، قال: سئل رسول الله ﷺ عن الوقوف بين يدي رب العالمين [وإنهم يتباهون أيهم أكثر واردة] [¬٦]، هل فيه ماء؟ قال: \"والذي نفسي بيده إن فيه لماء، إن أولياء الله ليردون حياض الأنبياء، ويبعث الله تعالى سبعين [¬٧] ألف ملك في أيديهم عصي من نار، يذودون الكفار عن حياض الأنبياء\".\nهذا حديث غريب، وفي الترمذي (^١٦): \" إن لكل نبي حوضًا [وإنهم يتباهون أيهم أكثر واردة] [¬٨]، وأرجو أن أكون أكثرهم واردًا\".\nولهذا قال: ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ [أي: يوم القيامة] [¬٩]، ﴿فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ أي: لا يصدقون بالمعاد، ولا يخافون شر ذلك اليوم.\nثم قال تعالى: ﴿وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ أي: كل دابة في السموات والأرض، الجميع عباده وخلقه، وتحت قهره وتصرفه [¬١٠] وتدبيره، لا إله إلا هو.\n_________\n(^١٥) - إسناده فيه جهالة، وذكره المصنف في \"النهاية\" (١/ ٣٤٥) من طريق ابن أبي الدنيا قال: ثنا العباس بن محمد به، وقال المصنف عقبه: \"حديث غريب من هذا الوجه وليس هو في شيء من الكتب الستة\" وذكره الألباني في \"الصحيحة\" (٤/ ١١٩) عن المصنف من \"النهاية\" وقال: \"الزبير ومحصن لم أجد من ترجمها\". وانظر ما بعده.\n(^١٦) - إسناده ضعيف وهو صحيح لشواهده، رواه الترمذي في كتاب: صفة الجنة، باب: ما جاء في صفة الحوض (٢٤٤٥) من حديث سمرة، وأعله الترمذي بالإرسال، وله علتان أخريان انظرهما في \"الصحيحة\" للألباني (٤/ رقم ١٥٨٩) مع شواهده التي بها صح الحديث، ولله الحمد.\n_________\n[¬١]- مكرر في ز.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز: \"لميقات\".\n[¬٣]- في ز: \"و\".\n[¬٤]- سقط من: ز.\n[¬٥]- وقع في النهاية للمصنف - وكذا نقله عنه الألباني في \"الصحيحة\" - \"أبي عثمان\" هكذا وغير منسوب وهو مصحف والصواب المثبت هنا وانظر ترجمة عثمان بن حاضر في \"التهذيب\".\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٧]- سقط من: خ، ز.\n[¬٨]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٩]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬١٠]- سقط من: ز.","vol":"6","page":14},{"text":"﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ أي: السميع لأقوال عباده، العليم بحركاتهم وضمائرهم وسرائرهم.\nثم قال تعالى لعبده ورسوله محمد ﷺ، الذي بعثه بالتوحيد العظيم وبالشرع [¬١] القويم، وأمره أن يدعو الناس إلى [صراط الله] [¬٢] المستقيم: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ كما قال: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ﴾ والمعنى: لا أتخذ وليا إلا الله وحده لا شريك له، فإنه فاطر السموات والأرض، أي: خالقهما ومبدعهما على غير مثال سبق.\n﴿وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ﴾ أي: وهو الرزاق لخلقه من غير احتياج إليهم، كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ الآيات.\nوقرأ بعضهم هاهنا ﴿وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ﴾ أي: لا يأكل.\nوفي حديث (^١٧) سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁ قال: دعا رجل من الأنصار من أهل قباء النبي ﷺ [على طعام] [¬٣]، فانطلقنا معه، فلما طعم النبي ﷺ وغسل يديه قال: \"الحمد لله الذي يُطْعِم ولا يُطْعَم، [ومنَّ] [¬٤] علينا فهدانا، وأطعمنا وسقانا، وكلُّ بلاء حسن أبلانا، الحمد للَّه غير مودع ولا مكافأ ولا مكفور، ولا مستغنى عنه، الحمد لله الذي أطعمنا من الطعام، وسقانا من الشراب، وكسانا من العُرْى، وهدانا من الضلال، وبصرنا من العمى، وفضلنا على كثير ممن خلق تفضيلًا، الحمد لله رب العالمين\".\n﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ﴾ أي: من هذه الأمة ﴿وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٤) قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥)﴾ يعني: يوم القيامة ﴿مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ﴾ أي [¬٥]: العذاب ﴿يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ﴾ يعني: فقد ﵀ ﴿وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾\n_________\n(^١٧) - صحيح، أخرجه النسائي فى \"عمل اليوم والليلة\" من \"السنن الكبرى\" (٦/ ١٠١٣٣) وابن السني فى \"اليوم والليلة\" (٤٨٦) والطبراني في \"الدعاء\" (٢/ ٨٩٦) وأبو نعيم في \"الحلية\" (٦/ ٢٤٢) والبيهقي في \"الشعب\" (٤/ ٤٣٧٧)، وصححه ابن حبان (١٢/ ٥٢١٩ - إحسان) والحاكم (١/ ٥٤٦) على شرط مسلم، ووافقه الذهبي وهو كما قالوا. وزاد نسبته السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ١٢): إلى ابن مردويه.\n_________\n[¬١]- في ز: \"والشرع\".\n[¬٢]- في خ، ز: \"صراطه\".\n[¬٣]- سقط من خ، وفي ز: \"قال\".\n[¬٤]- في جميع مصادر التخريج - حاشا الدر المنثور (٣/ ١٢) - \"منَّ\".\n[¬٥]- في خ، ز: \"يعني\".","vol":"6","page":15},{"text":"الْمُبِينُ﴾ كقوله [¬١]: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ والفوز هو: حصول الربح ونفي الخسارة.\n﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٧) وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (١٨) قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (١٩) الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٢٠) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٢١)﴾\nيقول تعالى مخبرًا: أنه مالك الضر والنفع، وأنه المتصرف في خلقه بما يشاء، لا معقب لحكمه، ولا راد لقضائه ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، كما قال تعالى: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾ الآية [¬٢]. وفي الصحيح (^١٨): أن رسول الله ﷺ كان يقول: \"اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد\"؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ أي: هو الذي خضعت له الرقاب، وذلت له الجبابرة، وعنت له الوجوه، وقهر كل شيء، ودانت له الخلائق، وتواضعت لعظمة جلاله وكبريائه، وعظمته وعلوه وقدرته - الأشياء، واستكانت وتضاءلت بين يديه، وتحت قهره وحكمه.\n_________\n(^١٨) - أخرجه البخاري، كتاب: الأذان، باب: الذكر بعد الصلاة رقم (٨٤٤)، ومسلم، كتاب: المساجد ومواضع الصلاة، باب: استحباب الذكر بعد الصلاة، وبيان صفته رقم ١٣٧، ١٣٨ - (٥٩٣)، وأبو داود، كتاب: الصلاة،، باب: ما يقول الرجل إذا سلم (١٥٠٥)، والنسائي كتاب: السهو، باب: نوع من القول عند انقضاء الصلاة (٣/ ٧٠، ٧١)، وأحمد (٤/ ٢٤٥، ٢٤٧، ومواضع أخر) من حديث المغيرة بن شعبة.\n_________\n[¬١]- في ز: \"كما قال\".\n[¬٢]- سقط من: ز.","vol":"6","page":16},{"text":"﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ﴾ أي: في جميع ما يفعله [¬١] ﴿الْخَبِيرُ﴾ بمواضع الأشياء ومحالها، فلا يعطي إلا لمن يستحق، ولا يمنع إلا من [¬٢] يستحق.\nثم قال: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً﴾ أي: من أعظم الأشياء شهادة [¬٣] ﴿قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ أي: هو العالم بما جئتكم به، وما أنتم قائلون لي ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ أي: وهو نذير لكل من بلغه، كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾.\nقال ابن أبي حاتم (^١٩): حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا وكيع وأبو أسامة وأبو خالد، عن موسى بن عبيدة، عن محمد بن كعب في قوله: ﴿وَمَنْ بَلَغَ﴾ من بلغه القرآن فكأنما رأى النبي ﷺ. زاد أبو خالد: وكلمه.\nورواه ابن جرير (^٢٠): من طريق أبي معشر، عن محمد بن كعب، قال: من بلغه القرآن فقد أبلغه محمد ﷺ.\nوقال عبد الرزاق (^٢١): عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾: أن رسول الله ﷺ قال: \"بلغوا عن الله، فمن بلغته آية من كتاب الله فقد بلغه أمر الله\".\nوقال الربيع بن أنس (^٢٢): حق على من اتبع رسول الله ﷺ: أن يدعو كالذي دعا رسول الله ﷺ، وأن ينذر كالذي أنذر.\n_________\n(^١٩) - إسناده ضعيف، \"التفسير\" لابن أبي حاتم (٤/ ٧١٦٥) وأخرجه ابن جرير (١١/ ١٣١٢٠) من طريق وكيع عن موسى بن عُبيدة به، وموسى بن عُبيدة هو الرَّبذي ضعيف. وانظر ما بعده.\n(^٢٠) - كسابقه، \"التفسير\" لابن جرير (١١/ ١٣١٢٤) وأبو معشر هو نجيح بن عبد الرحمن السِّندي ضعيف، والأثر زاد نسبته السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ١٣) إلى ابن أبي شيبة وابن الضريس وابن المنذر وأبي الشيخ.\n(^٢١) - مرسل، \"التفسير\" لعبد الرزاق (٢/ ٢٠٥) ومن طريقه ابن جرير (١١/ ١٣١١٩) وابن أبي حاتم (٤/ ٧١٦٦) وزاد نسبته السيوطي (٣/ ١٣) إلى عبد بن حميد.\n(^٢٢) - أخرجه ابن أبي حاتم (٤/ ٧١٦٧) ثنا أبي ثنا أحمد بن عبد الرحمن، ثنا عبد الله بن أبي جعفر عن أبيه عن الربيع به.\n_________\n[¬١]- في ت: \"أفعاله\" والمثبت من خ، ز.\n[¬٢]- في ز: \"لمن\".\n[¬٣]- سقط من: خ، ز.","vol":"6","page":17},{"text":"وقوله: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ﴾ أيها المشركون ﴿أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ﴾، كقوله: ﴿فَإِنْ شَهِدُوا فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ﴾. ﴿قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾.\nثم قال تعالى مخبرًا عن أهل الكتاب: إنهم يعرفون هذا الذي جئتهم به كما يعرفون أبناءهم، بما عندهم من الأخبار والأنباء [عن المرسلين المتقدمين والأنبياء] [¬١]، فإن الرسل كلهم بشروا بوجود محمد ﷺ، وببعثه وصفته وبلده ومهاجره وصفة أمته؛ ولهذا قال بعده [¬٢]: ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ أي: خسروا كل الخسارة ﴿فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ بهذا الأمر الجلي الظاهر، الذي بشرت به الأنبياء، ونوهت به في قديم الزمان وحديثه.\nثم قال: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ﴾ [أي: لا أظلم ممن تقوّل على الله: فادَّعى أن الله أرسله ولم يكن أرسله، ثم لا أظلم ممن] [¬٣] كذب بآيات الله وحججه وبراهينه ودلالاته ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ أي: [لا يفلح هذا] [¬٤] ولا هذا، لا المفتري ولا المكذب.\n﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٢٢) ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣) انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٢٤) وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٢٥) وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (٢٦)﴾\nيقول تعالى مخبرًا عن المشركين: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا﴾ يوم القيامة، فيسألهم [¬٥] عن الأصنام والأنداد التي كانوا يعبدونها من دونه، قائلًا لهم [¬٦]: ﴿أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾، كقوله تعالى في سورة القصص: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٢]- في ز: \"بعد هذا\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين في ز: \"لا يلفح لا هذا\".\n[¬٥]- في ز: \"فنسألهم\".\n[¬٦]- سقط من: ز.","vol":"6","page":18},{"text":"تَزْعُمُونَ﴾.\nوقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ﴾ أي: حجتهم.\nوقال عطاء الخراسانى (^٢٣)، عن ابن عباس: [أي:] [¬١] معذرتهم. وكذا قال قتادة.\n[وقال ابن جريج، عن ابن عباس] [¬٢]: أي: قيلهم. وكذا قال الضحاك.\nوقال عطاء الخراساني: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ [¬٣]﴾ بليتهم حين ابتلوا ﴿إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾.\nوقال ابن جرير: والصواب ثم لم يكن قيلهم عند فتنتنا إياهم، اعتذارًا عما [¬٤] سلف منهم من الشرك بالله ﴿إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾.\nوقال ابن أبي حاتم (^٢٤): حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو يحيى الرازي، عن عمرو بن أبي قيس، عن مطرف، عن المنهال، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: أتاه رجل فقال:\n_________\n(^٢٣) - منقطع، علقه ابن أبي حاتم (٤/ ٧١٧٥) ثم وصله (٤/ ٧١٧٧) هو وابن جرير (١١/ ١٣١٣٥) من طريق ابن جريج عن عطاء به، وعطاء الخراساني لم يسمع من ابن عباس شيئًا كما في \"جامع التحصيل\" للعلائي (ص ٢٣٨) وعلقه البخاري في الصحيح، كتاب: التفسير، باب: سورة الأنعام. وقال الحافظ في \"الفتح\" (٨/ ٢٨٧): \"وصله ابن أبي حاتم من طريق ابن جريج عن عطاء عنه\".\n(^٢٤) - أثر صحيح، \"التفسير\" لابن أبي حاتم (٤/ ٧١٨٠) وأخرجه ابن جرير (٨/ ٩٥٢٠)، (١١/ ١٣١٤٠) والحاكم (٢/ ٣٠٦، ٣٠٧) من طريق عمرو بن أبي قيس به. وقال الحاكم: \"حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه\" كذا قال وأخرجه البخاري في صحيحه، كتاب: التفسير، باب: سورة حم السجدة (٨/ ٥٥٥، ٥٥٦ فتح) والطبراني في \"الكبير\" (١٠/ ١٠٥٩٤) ومن طريقه الذهبي في\"السير\" (١٠/ ٤٨٦) والبيهقي في \"الأسماء والصفات\" (٢/ رقم ٨٠٩) وفي \"البعث والنشور\" (رقم ٧٨) من طريق يوسف بن عدي عن عبيد الله بن عمرو عن زيد بن أبي أنيسة عن المنهال بن عمرو به مطولًا. وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره (١/ ١٦٠ - ١٦١) ومن طريقه ابن جرير (٨/ ٩٥٢١) عن معمر عن رجل عن المنهال به وأخرجه ابن جرير (١١/ ١٣١٤٩) من طريق عبد العزيز ثنا المنهال بن عمرو به.=\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ز: \"أين\".\n[¬٢]- كذا وقد أخرجه ابن جرير في تفسيره (١١/ ١٣١٣٥) من طريق حجاج عن ابن جريج عن عطاء الخراساني عن ابن عباس به.\n[¬٣]- سقط من: خ، ز.\n[¬٤]- فى ز: \"مما\".","vol":"6","page":19},{"text":"يا ابن [¬١] عباس، سمعت الله يقول: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾؟ قال: أما قوله: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ فإنهم [إذا] [¬٢] رأوا أنه [¬٣] لا يدخل الجنة إلا أهل الصلاة، قالوا: تعالوا فلنجحد، فيجحدون فيختم الله على أفواههم، وتشهد أيديهم وأرجلهم، ولا يكتمون الله حديثًا، فهل في قلبك الآن شيء؟ إنه ليس من القرآن شيء إلا [وقد أنزل] [¬٤] فيه شيء، ولكن لا تعلمون وجهه.\nوقال الضحاك (^٢٥)، عن ابن عباس: هذه في المنافقين.\nوفي هذا نظر؛ فإن هذه الآية مكية، والمنافقون إنما كانوا بالمدينة، والتي نزلت في المنافقين آية المجادلة: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ [كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ] [¬٥]﴾، وكذا [¬٦] قال في حق هؤلاء: ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾، كما قال: ﴿ثُمَّ [¬٧] قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ (٧٣) مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا [بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيْئًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ] [¬٨]﴾.\nوقوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا﴾ أي: يجيئوك ليسمعوا قراءتك ولا تجزي عنهم شيئًا؛ لأن الله ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً﴾ أي: أغطة، لئلا يفهموا القرآن ﴿وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾ أي: صمما عن السماع النافع فَهُمْ [¬٩]، كما قال تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً [صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ] [¬١٠]﴾.\nوقوله: ﴿وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا﴾ أي: مهما رأوا من الآيات والدلالات والحجج\n_________\n= وجاء في رواية أن الذي سأل ابن عباس هو نافع بن الأزرق، فأخرجه ابن جرير (٨/ ٩٥٢٢) من طريق الضحاك: أن نافع بن الأزرق أتى ابن عباس فقال: … فذكر الحديث بنحوه. والأثر زاد نسبته السيوطي (٢/ ٢٩٢) إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه، وغفل عن عزوه إلى البخاري، وبالله التوفيق.\n(^٢٥) - إسناده ضعيف، أخرجه ابن أبي حاتم (٤/ ٧١٨١) مطولًا وفي إسناده بشر بن عمارة الخثْعَمي، ضعيف ومن قبله مُعَلُّ بالانقطاع بين الضحاك وابن عباس.\n_________\n[¬١]- في ز: \"أبا\".\n[¬٢]- زيادة من تفسير ابن أبي حاتم.\n[¬٣]- فى ز: \"أن\".\n[¬٤]- المثبت من تفسير ابن أبى حاتم وفي ت، خ، ز: \"قد نزل\".\n[¬٥]- فى ت: \"الآية\".\n[¬٦]- في ز: \"هكذا\".\n[¬٧]- في ز: \"و\".\n[¬٨]- في ت: \"الآية\".\n[¬٩]- في خ: \"لهم\".\n[¬١٠]- فى ت: \"الآية\".","vol":"6","page":20},{"text":"البينات والبراهين [¬١] لا يؤمنوا بها، فلا فهم عندهم ولا إنصاف، كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ [وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ] [¬٢]﴾.\nوقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ﴾ أي: يحاجونك ويناظرونك في الحق بالباطل ﴿يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ أي: ما هذا الذي جئت به إلا مأخوذ من كتب الأوائل ومنقول عنهم.\nوقوله: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾ وفي معنى ﴿يَنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ قولان:\nأحدهما: أن المراد أنهم ينهون الناس عن اتباع الحق، وتصديق الرسول، والانقياد للقرآن، [﴿وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾ أي: ويبعدونهم عنه، فيجمعون بين الفعلين القبيحين: لا ينتفعون] [¬٣] ولا يدعون [¬٤] أحدًا ينتفع.\nقال على بن أبي طلحة (^٢٦)، عن ابن عباس: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ قال: ينهون الناس عن محمد ﷺ أن يؤمنوا به.\nوقال محمد بن الحنفية (^٢٧): كان كفار قريش لا يأتون النبي ﷺ وينهون عنه.\nوكذا قال [قتادة ومجاهد] والضحاك وغير واحد، هذا القول أظهر والله أعلم، وهو اختيار ابن جرير.\nوالقول الثاني: رواه سفيان الثوري (^٢٨)، عن حبيب بن أبي ثابت، عمن سمع ابن عباس،\n_________\n(^٢٦) - أخرجه ابن جرير (١١/ ١٣١٦٠) وابن أبي حاتم (٤/ ٧٢٠) وابن المنذر وابن مردويه كما في \"الدر المنثور\" (٣/ ١٥).\n(^٢٧) - أخرجه ابن جرير (١١/ ١٣١٥٩) وابن أبي حاتم (٤/ ٧٢٠١) من طريق حجاج عن سالم عنه وسالم هو ابن أبي الجعد وحجاج هو ابن أرطأة كثير الخطأ والتدليس ولم يصرح هنا بالسماع.\n(^٢٨) - أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٢/ ٢٠٦) وابن جرير (١١/ ١٣١٧٠: ١٣١٧٢) وابن أبي حاتم (٤/ ٧١٩٩) والحاكم (٢/ ٣١٥) والبيهقي في \"الدلائل\" (٢/ ٣٤٠) كلهم من طريق سفيان الثوري به وخالفه قيس بن الربيع - وهو صدوق تغير لما كبر - فقال عن حبيب بن أبي ثابت عن ابن عباس به أخرجه الطبراني في \"الكبير\" (١٢/ ١٢٦٨٢) وذكره الهيثمي في \"المجمع\" (٧/ ٢٣) وقال: \" … فيه قيس بن الربيع، وثقه شعبة وغيره، وضعفه ابن معين وغيره، وبقية رجاله ثقات\"\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- في ت: \"الآية\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٤]- في خ، ز: \"يتركوا\".","vol":"6","page":21},{"text":"يقول في قوله ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ قال: نزلت فى أبي طالب، [كان ينهى الناس] [¬١] عن النبي ﷺ أن يؤذى.\nوكذا قال القاسم بن مُخَيْمِرة وحبيب بن أبي ثابت وعطاء بن دينار وغيره [¬٢]: إنها نزلت في أبي طالب.\nوقال سعيد بن [] [¬٣] أبي هلال: نزلت فى عمومة النبي ﷺ وكانوا عشرة، فكانوا أشدّ الناس معه فى العلانية، وأشدّ الناس عليه فى السر.\nرواه ابن أبي حاتم (^٢٩).\nوقال محمد بن كعب القرظي (^٣٠): ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ أي: ينهون الناس عن قتله.\nوقوله: ﴿وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾ أي: يتباعدون منه، ﴿وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ أي: وما يهلكون بهذا الصنيع ولا بعود وباله إلا عليهم وما [¬٤] يشعرون.\n﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَالَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٧) بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (٢٨) وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (٢٩)﴾\n_________\n= وأخرجه الحاكم أيضًا ومن طريقه البيهقي في \"الدلائل\" (٢/ ٣٤٠ - ٣٤١) من طريق حمزة بن حبيب عن حبيب بن أبي ثابت عن سعيد بن جبير عن ابن عباس به وقال الحاكم: لا حديث حمزة بن حبيب صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه\" ووافقه الذهبي كذا قالا، وحمزة بن حبيب لم يخرج له البخاري شيئًا وهو صدوق ربما وهم كما في \"التقريب\".\nوالأثر زاد نسبته السيوطى في \"الدر المنثور\" (٣/ ١٥) إلى الفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وأبي الشيخ وابن مردويه.\n(^٢٩) - \" التفسير\" لابن أبي حاتم (٤/ ٧٢٠٤) ثنا أبي، ثنا هشام بن خالد، ثنا الوليد، عن ابن لهيعة عن خالد بن يزيد - وهو المصري - عنه به.\n(^٣٠) - أخرجه ابن أبي حاتم (٤/ ٧٢٠٥) وفي إسناده أبو معشر نجيج بن عبد الرحمن السندي وهو ضعيف.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفيين في ز: \"قال ينهى\".\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في ز: \"جبير\".\n[¬٤]- فى ت: \"وهم لا\"، والمثبت من: خ، ز.","vol":"6","page":22},{"text":"﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٣٠)﴾\nيذكر تعالى حال الكفار إذا وقفوا يوم القيامة على النار، وشاهدوا ما فيها من السلاسل والأغلال، ورأوا بأعينهم تلك الأمور العظام والأهوال، فعند ذلك قالوا ﴿يَالَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا [وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ] [¬١]﴾ يتمنون أن يردوا إلى الدار الدنيا؛ ليعملوا عملًا صالحًا، ولا يكذبوا بآيات ربهم، ويكونوا من المؤمنين، قال الله تعالى: ﴿بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ [مِنْ قَبْلُ﴾ أي: بل ظهر لهم حينئذ ما كانوا يخفون] [¬٢] في أنفسهم من الكفر والتكذيب والمعاندة، وإن أنكروها في الدنيا أو في الآخرة، كما قال قبل هذا بيسير: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣) انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾.\nويحتمل أنهم ظهر لهم ما كانوا يعلمونه من أنفسهم، من صدق ما جاءتهم [¬٣] به الرسل في الدنيا، وإن كانوا يظهرون لأتباعهم خلافه، [كما قال تعالى] [¬٤] مخبرًا عن موسى أنه قال لفرعون: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ …﴾ الآية [¬٥]، وقوله تعالى مخبرًا عن فرعون وقومه: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ [ظُلْمًا وَعُلُوًّا] [¬٦]﴾.\nويحتمل أن يكون المراد بهؤلاء: المنافقين [¬٧]، الذين كانوا يظهرون للناس الإيمان ويبطنون الكفر، ويكون هذا اخبارًا عما يكون يوم القيامة من كلام طائفة من الكفار، ولا ينافي هذا كون هذه السورة [¬٨] مكية، والنفاق إنما كان من بعض أهل المدينة ومن حولها من الأعراب، فقد [¬٩] ذكر الله وقوع النفاق في سورة مكية [¬١٠]، وهي العنكبوت، فقال: ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ﴾ وعلى هذا: فيكون هذا إخبارًا عن حال المنافقين في الدار الآخرة حين يعاينون العذاب، يظهر لهم حينئذ غب ما كانوا يبطنون من المنافقين والنفاق والشقاق والله أعلم.\nوأما معنى الإضراب [¬١١] في قوله: ﴿بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ] [¬١٢]﴾ فإنهم [¬١٣] ما طلبوا العود إلى الدنيا رغبة ومحبة [¬١٤] في الإِيمان، بل خوفًا من العذاب الذي\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٣]- في ز: \"جاءت\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين في ت: \"كقوله\".\n[¬٥]- سقط من: ز.\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٧]- في ز: \"المنافقون\".\n[¬٨]- سقط من: ز.\n[¬٩]- في ز: \"وقد\".\n[¬١٠]- بياض فى: ز.\n[¬١١]- في ز: \"الاعتراف\".\n[¬١٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬١٣]- في ز: \"فهم\".\n[¬١٤]- سقط من: ز.","vol":"6","page":23},{"text":"عاينوه، جزاء [¬١] على ما كانوا عليه من الكفر، فسألوا الرجعة إلى الدنيا، ليتخلصوا مما شاهدوا من النار، ولهذا قال: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ أي: فى تمنيهم الرجعة رغبة ومحبة في الإِيمان.\nثم قال مخبرًا عنهم: إنهم لو ردرا إلى الدار الدنيا لعادوا لما نهوا عنه [من الكفر والمخالفة] [¬٢] ﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ أي: في قولهم: ﴿يَالَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، ﴿وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾.\nأي: لعادرا لما نهوا عنه، و[¬٣] إنهم لكاذبون ولقالوا: إن هي إلا حياتنا الدنيا، أي: ما هي إلا هذه الحياة الدنيا ثم [¬٤] لا معاد بعدها، ولهذا قال: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾، تم قال: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ﴾ أي: ﴿قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ﴾ أي: أليس هذا المعاد بحق، وليس بباطل كما [¬٥] كنتم تظنون ﴿قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ أي: بما كنتم تكذبون به، فذوقوا اليوم مسه ﴿أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ﴾.\n﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَاحَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ (٣١) وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾\nيقول تعالى مخبرًا عن خسارة من كذب بلقاء الله، وعن خيبته إذا جاءته الساعة بغتة، وعن ندامته على ما فرط من العمل، وما أسلف من قبيح الفعال، ولهذا قال: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَاحَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا﴾، وهذا الضمير: يحتمل عوده على الحياة، وعلى الأعمال، وعلى الدار الآخرة أي: فى أمرها.\nوقوله: ﴿وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ أي: يحملون.\nوقال قتادة (^٣١): يعملون.\n_________\n(^٣١) - أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٢/ ٢٠٦) ومن طريقه ابن جرير (١١/ ١٣١٨٩) وابن أبي حاتم (٤/ ٧٢٣٠) عن معمر عنه في قوله تعالى: ﴿سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ قال: ساء ما يعملون.\n_________\n[¬١]- في ز: \"وجزاء\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٣]- زيادة من: ز.\n[¬٤]- سقط من: ت، والمثبت من خ، ز.\n[¬٥]- فى ز: \"عما\".","vol":"6","page":24},{"text":"وقال [¬١] ابن أبي حاتم (^٣٢): حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو خالد الأحمر [¬٢]، عن عمرو [¬٣] بن قيس، عن أبي مرزوق، قال: ويُستقبل الكاِفر أو الفاجر عند خروجه من قبره كأقبح صورة رآها وأنتن [¬٤] ريحًا، فيقول: من أنت؟ فيقول: أوَ مَا تعرفني؟ فيقول: لا واللهِ [¬٥]، إلا أن الله [قبح وجهك وأنتن ريحك] [¬٦]. فيقول: أنا عملك الخبيث، هكذا كنت [¬٧] في الدنيا خبيث [¬٨] العمل منتنه، طالما ركبتني في الدنيا، هلم أركبك. فهو قوله ﴿وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ [أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ] [¬٩]﴾.\nوقال أسباط (^٣٣)، عن السدي أنه قال: ليس من رجلٍ ظالم يموت [¬١٠] فيدخل قبره، إلا جاءه رجل قبيح الوجه أسود اللون منتن الرائحة، وعليه [¬١١] ثياب دنسة حتى يدخل معه قبره، فإذا رآه قال: ما أقبح وجهك. قال: كذلك كان عملك قبيحًا [¬١٢]. قال: ما أنتن ريحك. قال: كذلك كان عملك منتنًا [¬١٣]. قال: ما أدنس ثيابك، قال: فيقول: إن عملك كان دنسًا، قال له: من أنت؟ قال: أنا عملك، قال: فيكون معه [¬١٤] في قبره، فإذا بعث يوم القيامة قال له: إني كنت أحملك في الدنيا باللذات والشهوات وأنت اليوم تحملني، قال: فيركب على ظهره فيسوقه حتى يدخله النار فذلك قوله: ﴿وَهُمْ [¬١٥] يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾.\nوقوله: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ أي: إنما غالبها كذلك ﴿وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ [¬١٦]﴾.\n_________\n(^٣٢) - \" التفسير\" لابن أبي حاتم (٤/ ٧٢٢٨) وأخرجه ابن جرير (١١/ ١٣١٨٧) من كلام عمرو بن قيس الملائي لم يبلغ به أبا مرزوق.\n(^٣٣) - أخرجه ابن جرير (١١/ ١٣١٨٨) وابن أبي حاتم (٤/ ٧٢٢٩).\n_________\n[¬١]- فى ز: \"قال\".\n[¬٢]- سقط من: خ، ز.\n[¬٣]- فى خ، ز: \"معمر\".\n[¬٤]- في ز: \"وأنتنه\"، وفي تفسير ابن أبي حاتم: \"وأنتنها\".\n[¬٥]- سقط من: خ، ز.\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين في ز: \"قد قبح وجهك ونتن ريحك\".\n[¬٧]- سقط من: ز.\n[¬٨]- في ز: \"خبث\".\n[¬٩]- ما بين المعكوفتين من: ز، وفي ت: \"الآية\".\n[¬١٠]- سقط من: ز.\n[¬١١]- في ز: \"عليه\".\n[¬١٢]- في ز: \"قبيح\".\n[¬١٣]- في ز: \"منتن\".\n[¬١٤]- سقط من: ز.\n[¬١٥]- سقط من: ز.\n[¬١٦]- في ز: \"يعقلون\".","vol":"6","page":25},{"text":"﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (٣٣) وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ (٣٤) وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٣٥) إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (٣٦)﴾\nيقول تعالى مسليًا لنبيه ﷺ في تكذيب قومه له، ومخالفتهم إياه: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ﴾ [] [¬١] أي: قد أحطنا علمًا [بتكذيب قومك] [¬٢] لك، وحزنك وتأسفك عليهم، كقوله [¬٣]: ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾، كما قال تعالى في الآية الأخرى: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾، ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾.\nوقوله: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ﴾ أي: لا يتهمونك بالكذب في نفس الأمر ﴿وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ أي: ولكنهم يعاندون الحق ويدفعونه بصدورهم، كما قال سفيان الثوري (^٣٤)، عن أبي إسحاق، عن ناجية بن كعب، عن علي قال: قال [¬٤] أبو جهل للنبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: إنا لا نكذبك، ولكن نكذب بما جئت به. فأنزل الله:\n_________\n(^٣٤) - أخرجه الترمذي (٣٠٦٦) وابن أبي حاتم (٤/ ٧٢٣٤) والدارقطني في \"العلل\" (٤/ ١٤٣ - ١٤٤)، والضياء في \"المختارة\" (٢/ رقم ٧٤٨) من طرق عن معاوية بن هشام عن سفيان به هكذا موصولًا وخالفه عبد الرحمن بن مهدي، ويحيى بن آدم فقالا: عن سفيان، عن أبي إسحاق عن ناجية به مرسلًا رواه على هذا الوجه. الترمذي - عقب السابق - وابن جرير (١١/ ١٣١٩٥، ١٣١٩٦) وابن أبي حاتم (٤/ ٧٢٣٥) وقال الترمذي: \"وهذا أصح\" وقال الدارقطني: \"وهو المحفوظ\" قال ابن عدي - \"الكامل\" (٦/ ٢٤٠٣) - في معاوية هذا: =\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين فى ز: \"فإنهم\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في ت: \"بتكذيبهم\"، والمثبت من: ز.\n[¬٣]- سقط من: خ، ز.\n[¬٤]- سقط من: ز.","vol":"6","page":26},{"text":"﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾. رواه [¬١] الحاكم: من طريق إسرائيل، عن أبي إسحاق، ثم قال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.\nوقال ابن أبي حاتم (^٣٥): حدَّثنا محمد بن الوزير الواسطي بمكة، حدَّثنا بشر بن المبشر الواسطي، عن سلام بن مسكين، عن أبي يزيد المدني: أن النبي ﷺ لقي أبا جهل فصافحه [¬٢]، فقال له رجل: ألا أراك تصافح [¬٣] هذا الصابئ؟ فقال والله إني أعلم إنه لنبي، ولكن متى كنا لبني عبد مناف تبعًا؟ وتلا أَبو يزيد: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾.\nوقال أَبو صالح وقَتَادة: يعلمون أنك رسول الله ويجحدون.\nوذكر محمد بن إسحاق (^٣٦)، عن الزهري في قصة أبي جهل حين جاء يستمع قراءة النبي ﷺ من الليل، هو وأَبو سفيان صخر بن حرب والأخنس بن شريق ولا يشعر واحد منهم بالآخر فاستمعوها إلى الصباح، فلما هجم الصبح تفرقوا فجمعتهم الطَّرِيقِ، فقال كل منهم للآخر: ما جاء بك؟ فذكر له ما جاء له، ثم تعاهدوا أن لا يعودوا لما يخافون من علم شباب قريش بهم، لئلا يفتتنوا بمجيئهم، فلما كانت الليلة الثانية جاء كل منهم ظنًا منه أن\n_________\n= \"أغرب عن الثورى بأشياء\"، وقد رواه إسرائيل عن أبي إسحاق عن ناجية عن علي به موصولًا كذا رواه الحاكم (٢/ ٣١٥) وقال: \"حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه\" وتعقبه الذهبي فقال: \"ما خرجا لناجية شيئًا\" قلت: واختلف فيه على إسرائيل أيضًا، فقد ذكر الدارقطني في \"العلل\" أن إسرائيل رواه عن أبي إسحاق عن أبي ميسرة - عمرو بن شرحبيل - مرسلًا، والحديث زاد نسبته السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ١٧) إلى أبي الشيخ وابن مردويه.\n(^٣٥) - مرسل، \"التفسير\" لابن أبي حاتم (٤/ ٧٢٣٩) وأبو يزيد المدنى روى عن عدد من الصحابة وروى عنه جمع من الثقات وروى له البخاري والنسائى ووثقه ابن معين، وقال أبو حاتم: يكتب حديثه، وقال أبو داود: سألت أحمد عنه، فقال: تسأل عن رجل روى عنه أيوب - يعني السختيانى -!! وقصر به الحافظ، فقال في \"التقريب\": مقبول، وبشر بن مبشر الواسطي روى عنه جماعة، ووثقة ابن حبان \"الثقات\" (٨/ ١٣٨). وباقي رجاله ثقات، وزاد نسبته السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ١٨) إلى أبي الشيخ.\n(^٣٦) - فيه انقطاع، وهو \"السيرة\" لابن هشام (١/ ٢٠٧، ٢٠٨) ومن طريق ابن إسحاق أخرجه البيهقي في \"الدلائل\" (٢/ ٢٠٦، ٢٠٧) وسوف يعيده المصنف كما هنا في [سورة الإسراء/ آية ٤٧].\n_________\n[¬١]- في ز: \"ورواه\".\n[¬٢]- فى خ، ز: \"فصالحه\".\n[¬٣]- في خ، ز: \"تصالح\".","vol":"6","page":27},{"text":"صاحبيه لا يجيئان؛ لما سبق [¬١] من العهود، فلما أصبحوا [¬٢] جمعتهم الطَّرِيقِ فتلاوموا، ثم تعاهدوا أن لا يعودوا، فلما كانت الليلة الثالثة جاءوا أيضًا، فلما أصبحوا تعاهدوا أن لا يعودوا لمثلها.\n[ثم تفرقوا] [¬٣]، فلما أصبح الأخنس بن شريق أخذ عصاه، ثم خرج حتَّى أتى أبا سفيان ابن حرب في بيته، فقال: أخبرني يا أبا حنظلة عن رأيك فيما سمعت من محمد. قال: يا أبا ثعلبة، والله لقد سمعت أشياء أعرفها، وأعرف ما يراد بها، وسمعت أشياء ما عرفت معناها، ولا ما يراد بها. قال الأخنس: وأمَّا والذي حلفت به.\nثم خرج من عنده حتَّى أتى أبا جهل، فدخل عليه في [¬٤] بيته، فقال: يا أبا الحكم، ما رأيك فيما سمعت من محمد؟ قال: ماذا سمعت؟، قال: تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف: أطعموا فأطعمنا، وحملوا فحملنا، وأعطوا فأعطينا، حتى إذا تجاثينا على الركب، وكنا كفرسى رهان، قالوا: منا نبي يأتيه الوحي من السماء فمتى ندرك هذه؟ والله لا نؤمن به أبدًا ولا نصدقه. قال: فقام عنه الأخنس وتركه.\nوروى ابن جرير (^٣٧): من طريق أسباط، عن السدي في قوله: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ لما كان يوم بدر قال الأخنس بن شريق لبني زُهرة: يا بني زُهرة، إن محمدًا ابن أختكم، فأنتم أحق من كف [عن ابن أخته] [¬٥]، فإنه إن كان نبيًّا لم تقاتلوه اليوم، وإن كان كاذبا كنتم أحق من كف عن ابن أخته] [¬٦]، قفوا [هاهنا] [¬٧] حتَّى ألقى أبا الحكم، فإن غُلب محمد رجعتم سالمين، وإن غَلب محمد فإن قومكم لم يصنعوا بكم شيئًا - فيومئذ سمى [الأخنس] [¬٨] وكان اسمه أبيَّ - فالتقى الأخنس وأَبو جهل فخلا الأخنس بأبي جهل فقال: يا أبا الحكم، أخبرني عن محمد أصادق هو أم كاذب، فإنه ليس هاهنا من قريش غيري وغيرك يسمع كلامنا! فقال أبو جهل: ويحك والله إن محمدًا لصادق، وما كذب محمد قط، ولكن إذا ذهبت بنو قصي باللواء والسقاية والحجابة\n_________\n(^٣٧) - تفسير ابن جرير (١١/ ١٣١٩٣).\n_________\n[¬١]- في خ، ز: \"تقدم\".\n[¬٢]- في خ، ز: \"أجمعوا\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٤]- سقط من: ز.\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين في خ، ز: \"عنكم\".\n[¬٦]- في خ، ز: \"أختكم\".\n[¬٧]- سقط من: خ، ز.\n[¬٨]- سمي \"الأخنس\" لأنه من \"خنس يخنس خنوسًا\" إذا انقبض عن الشئ وتأخر ورجع -[من هامش تفسير ابن جرير (١١/ ٣٣٣)].","vol":"6","page":28},{"text":"والنبوة، فماذا يكون لسائر قريش؟ فذلك قوله: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ فآيات الله محمد ﷺ.\nوقوله: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا﴾ هذه تسلية للنبي ﷺ، وتعزية له فيمن كذبه من قومه، وأمر له بالصبر كما صبر أولو العزم من الرسل، ووعد [¬١] له بالنصر كما نصروا، بالظفر حتَّى [¬٢] كانت لهم العاقبة، بعد ما نالهم من التكذيب من قومهم والأذى البليغ، ثم جاءهم النصر فى الدنيا كما لهم النصر في الآخرة، ولهذا قال: ﴿وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ﴾ [¬٣]: التي كتبها بالنصر [¬٤] في الدنيا والآخرة لعباده المؤمنين، كما قال: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾.\nوقوله: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾ أي: من خبرهم كيف نصروا، وأيدوا على من كذبهم من قومهم، فلك فيهم أسوة وبهم قدوة.\nثم قال تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ﴾: إن كان شق عليك إعراضهم عنك ﴿فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ﴾ قال على بن أبي طلحة (^٣٨)، عن ابن عبَّاس: النفق: السّرْب، فتذهب فيه فتأتيهم بآية، أو تجعل لك [¬٥] سلما في السماء، فتصعد فيه فتأتيهم بآية أفضل مما أتيتهم به فافعل.\nوكذا قال قَتَادة والسدي وغيرهما.\nوقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا [أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ] [¬٦]﴾، قال على بن أبي طلحة (^٣٩)، عن ابن عبَّاس: في قوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ\n_________\n(^٣٨) - أخرجه ابن جرير (١١/ ١٣٢٠١) وأخرجه أيضًا (١١/ ١٣٢٠٤) وابن أبي حاتم (٤٥/ ٧٢٤) من طريق ابن جريج عن عطاء الخراساني عن ابن عباس به وعطاء الخراساني لم يسمع من ابن عبَّاس، وزاد نسبته السيوطى في \"الدر المنثور\" (٣/ ١٩) إلى ابن المنذر والبيهقى في \"الأسماء والصفات\".\n(^٣٩) - أخرجه ابن أبي حاتم (٤/ ٧٢٥٠).\n_________\n[¬١]- في ز: \"وعد\".\n[¬٢]- في خ، ز: \"بالظفر كما\".\n[¬٣]- سقط من: خ، ز.\n[¬٤]- في ز: \"بالنصرة\".\n[¬٥]- فى ز: \"لم\".\n[¬٦]- فى ت: \"الآية\".","vol":"6","page":29},{"text":"لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾ قال: إن رسول الله ﷺ كان يحرص أن يؤمن جميع الناس]: يتابعوه على الهدى، فأخبر الله أنَّه لا يؤمن إلَّا من قد [¬١] سبق له من الله السعادة فى الذكر الأول.\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ﴾ أي: إنما يستجيب لدعائك يا محمد من يسمع الكلام ويعيه ويفهمه، كقوله: ﴿لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ وقوله: ﴿وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ [ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾] [¬٢]﴾ يعني بذلك الكفار؛ لأنَّهُم [¬٣] موتى القلوب، فشبههم [الله بأموات] [¬٤] الأجساد فقال: ﴿وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ وهذا من باب التهكم بهم والازدراء عليهم.\n﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٣٧) وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (٣٨) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٩)﴾\nيقول تعالى مخبرًا عن المشركين: إنهم كانوا يقولون: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ [آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ] [¬٥]﴾ أي: خارق على مقتضى ما كانوا يريدون، ومما يتعنتون، كقولهم [¬٦]: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا﴾ الآيات.\n﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أي: هو تعالى قادر على ذلك ولكن حكمته تعالى تقتضي تأخير ذلك؛ لأنه لو أنزلها وفق ما طلبوا ثم لم يؤمنوا، لعاجلهم بالعقوبة كما فعل بالأمم السابقة، كما قال تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾. وقال تعالى: ﴿إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٣]- في ز: \"فإنهم\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين في ز: \"بالأموات\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٦]- في ز: \"كما قالوا\".","vol":"6","page":30},{"text":"وقوله: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾.\nقال مجاهد: أي: أصناف مصنفة تعرف بأسمائها.\nوقال قَتَادة: الطير أمة، والإِنس أمة، والجن أمة.\nوقال السدي: ﴿إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ أي: خلق أمثالكم.\nوقوو: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ أي: اجميع علمهم عند الله ولا ينسى واحدًا من جميعها: من رزقه وتدبيره، سواء كان بريًّا أو بحريًّا [¬١] كقوله: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ أي: مفصح بأسمائها وأعدادها ومظانها، وحاصر لحركاتها وسكناتها، وقال تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾.\nوقد قال الحافظ أَبو يعلى (^٤٠): حدَّثنا محمد بن المثنى، حدَّثنا عبيد بن واقد القيسي أبو عباد، حدثني محمد بن عيسى بن كيسان، حدَّثنا محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله، قال: قلَّ الجراد في سنة من سني عمر ﵁ التي ولي فيها، فسأل عنه فلم يُخبر بشيء، فاغتم لذلك فأرسل راكبًا إلى كذا، وآخر إلى الشام، وآخر إلى العراق يسأل: هل رؤى [¬٢] من الجراد شيء أم لا؟ فأتاه الراكب الذي من قبل اليمن بقبضة من [¬٣] جراد، فألقاها بين\n_________\n(^٤٠) - إسناده ضعيف جدًّا، في \"مسنده الكبير\" - كما في \"المجمع\" (٧/ ٣٢٥) - ومن طريقه ابن حبان فى \"المجروحين\" (٢/ ٢٥٦، ٢٥٧) وكذا ذكره المصنف من طريقه في \"البداية والنهاية\" (١/ ٣٠) وتقدم عنده هنا [سورة الفاتحة/ آية رقم ١].\nوأخرجه ابن عدي في \"الكامل\" (٥/ ١٩٩٠) (٦/ ٢٢٤٩) وأَبو الشيخ فى \"العظمة\" (٥/ رقم ١٢٨٥) والخطيب فى تاريخه (١١/ ٢١٧، ٢١٨) - ومن طريقه ابن الجوزي في \"الموضوعات\" (٣/ ١٣، ١٤) - والبيهقي فى \"الشعب\" (٧/ ١٠١٣٢، ١٠١٣٣) من طريق عبيد بن واقد به، وقال ابن حبان: \"وهذا شيء لاشك أنَّه موضوع ليس هذا من الكلام رسول اللَّه ﷺ\".\nقلت: علته عبيد بن واقد وشيخه، قال المصنف في \"البداية\": عبيد بن واقد أَبو عباد البصري ضعفه أبو حاتم، وقال ابن عدي: \"عامة ما يرويه لا يتابع عليه\" وشيخه أضعف منه قال الفلاس والبخاري: منكر الحديث، وقال أبو زرعة: لا ينبغي أن يحدث عنه، وضعفه ابن حبان والدارقطني وأنكر عليه ابن عدي هذا الحديث بعينه وغيره والله أعلم\"، وضعف إسناده السيوطي في \"الدر المنثور\" (١/ ٦٣) وتعقب ابن الجوزي في إيراد هذا الحديث في \"الموضوعات\" فقال في \"اللآلئ\" (١/ ٨٢): \"لم يتهم محمد بن عيسى بكذب، بل وثقه بعضهم فيما نقله الذهبي،\n_________\n[¬١]- في ز: \"جريًا\".\n[¬٢]- في ز: \"رأى\".\n[¬٣]- سقط من: ز.","vol":"6","page":31},{"text":"يديه، فلما رآها كبر ثلاثًا، ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"خلق الله ﷿ ألف أمة؛ منها ستمائة في البحر، وأربعمائة في البر، وأول شيء يهلك من هذه الأمم الجراد، فإذا هلكت تتابعت مثل النظام إذا قطع سلكه\".\nوقوله: ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ قال ابن أبي حاتم (^٤١): حدَّثنا أَبو سعيد الأشج، حدَّثنا أَبو نعيم، حدَّثنا سفيان، عن أبيه، عن عكرمة، عن ابن عبَّاس، في قوله: ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ قال: حشرها الموت.\nوكذا رواه ابن جرير (^٤٢) من طريق إسرائيل، عن سعيد [بن] [¬١] مسروق، عن عكرمة، عن ابن عبَّاس، قال: موت البهائم حشرها. وكذا رواه العوفي عنه.\nقال ابن أبي حاتم: وروي عن مجاهد والضحاك مثله.\n_________\n= وقال ابن عدي: أنكر عليه هذا الحديث، وحديث آخر والحديث أخرجه أَبو الشيخ في \"العظمة\" والبيهقي في \"شعب الإيمان\" - واقتصر الحافظ - يعني ابن حجر ﵀ على تضعيفه، وتابع السيوطي في تعقبه ابن عَرَّاق في \"تنزيه الشريعة\" (١/ ١٩٠) ويبدو أن المصنف يذهب إلى تضعيفه فحسب أيضًا فإنه قال - فيما تقدم (آية رقم ١ - من سورة الفاتحة): محمد بن عيسى هذا - وهو الهلالي - ضعيف\" وكذا الهيثمي حيث قال في \"المجمع\": \"فيه عبيد بن واقد القيسي وهو ضعيف\" والبوصيري فقال - كما في حاشية \"المطالب العالية\" (٢/ ٣١٢) -: \"سنده ضعيف لضعف محمد بن عيسى بن كيسان\" والحق أن هذا الحديث إن لم يكن موضوعًا، فهو ضعيف جدًّا، فإن محمد بن عيسى هذا فوق ما نقله ابن كثير من كلام الأئمة فيه فقد اتهمه ابن طاهر المقدسي في \"معرفة التذكرة\" (٤٢٠) وقال فيه ابن حبان: \"يروى عن محمد بن المنكدر العجائب، وعن الثقات الأوابد، لا يجوز الاحتجاج بخبره إذا انفرد\"، وقال الذهبي في \"المغني\" (١/ ٦٦٢): \"ضعفوه بمرَّة\" وأما ما نقله ابن عدي: بإسناده إلى نعيم بن حمَّاد، حدثني عبيد بن واقد عن محمد بن عيسى أبي يحيى الهلالي وكان ثقة\" وهذا ما عناه الذهبي في \"الميزان\" (٥ / ت ٨٠٣٢) - ونقله عنه السيوطي في كلامه المتقدم - بقوله: \"ووثقه بعضهم\" فإنه مردود لأنه توثيق من ضعيف يحتاج إلى من يُعدِّله، ولم يوجد - فكيف يقبل تعديله لغيره!! وبالله التوفيق.\n(^٤١) - إسناده صحيح، \"التفسير\" لابن أبي حاتم (٤/ ٧٢٦١) وسفيان هو الثَّوري واسم أبيه، سعيد بن مسروق وهو ثقة، مترجم له في \"التهذيب\".\n(^٤٢) - كسابقه، في تفسيره (١١/ ١٣٢١٩) ورواه أيضًا (١١/ ١٣٢٢٠) من طريق العوفي عنه به.\n_________\n[¬١]- في خ، ز: \"و\" وفي ت \"عن\" وكذا في تفسير ابن جرير (١١/ ١٣٢١٩) وهو خطأ إنما هو سعيد بن مسروق؛ فإن إسرائيل يروي عنه وعكرمة لا يروي عنه من اسمه مسروق، انظر \"تهذيب الكمال\" (٢ / ت ٤٠٢) (٢٠ / ت ٤٠٠٩).","vol":"6","page":32},{"text":"والقول الثاني: أن حشرها [هو] [¬١] بعثها بوم القيامة؛ كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾.\nوقال الإمام أحمد (^٤٣): حدَّثنا محمد بن جعفر، حدَّثنا شعبة، عن سليمان، عن منذر الثَّوري، عن أشياخ لهم، عن أبي ذر: أن رسول الله ﷺ رأى شاتين تنتطحان [¬٢] فقال: \"يا أبا ذر، هل تدري فيم تنتطحان [¬٣]؟ \" قال: لا. قال: \"لكن الله يدري وسيقضي بينهما\".\nورواه عبد الرزاق (^٤٤)، عن معمر، عن الأعمش، عمن ذكره، عن أبي ذر، قال: بينا نحن [¬٤] عند رسول الله ﷺ إذ انتطحت عنزان، فقال رسول الله ﷺ: \"أتدرون فيم انتطحتا؟ \" قالوا: لا ندري. قال: \"لكن الله يدري وسيقضي\n_________\n(^٤٣) - صحيح، \"المسند\" (٥/ ١٦٢) وأخرجه الطيالسي (٤٨٠) ثنا شعبة به غير أنَّه قال: \"عن أصحابه\" بدل من قوله: \"عن أشياخ لهم\" وأخرجه أحمد أيضًا، وابن أبي الدنيا في \"كتاب الأهوال\" (١٨١) من طريقين عن الأعمش، به.\nقال الألباني في \"الصحيحة\" (٤/ ١١٧ / رقم ١٥٨٨): \"إسناده صحيح، رجاله ثقات رجال الشيخين غير أصحاب المنذر - وهو ابن يعلى الثوري - فإنهم لم يسموا، وذلك مما لا يضر؛ لأنهم جمع من التابعين ينجبر جهالتهم بكثرتهم كما نَبَّه على ذلك الحافظ السخاوي في غير هذا الحديث\" وقال نحو ذلك أيضًا عند رقم (١٩٦٧) من \"الصحيحة\" وانظر ما بعده.\n(^٤٤) - \" التفسير\" لعبد الرزاق (٢/ ٢٠٦) ومن طريقه ابن جرير في تفسيره (١١/ ١٣٢٢٣)، وأخرجه أحمد (٥/ ١٧٣) والبزار (٤/ ٤٣٥٠ - كشف) والطبراني في \"الأوسط\" (٦/ ٦١١٠) من طريق حمَّاد بن سلمة عن ليث بن أبي سليم عن عبد الرحمن بن ثروان عن هُزيل بن شرحبيل عن أبي ذر بنحوه وليث ضعيف لاختلاطه. وأخرجه أسد بن موسى في \"الزهد\" (١٠٣) نا ابن لهيعة نا ابن سوارة عن أبي تميم الجيشاني قال: دخلنا على أبي ذر الغفاري، فسمعته يقول - هكذا موقوفًا - \"والذى نفسي بيده! لتُسْألن الشاة فيما نطحت صاحبتها، وليسألن الحجر فيما نَكَبَ أُصْبَعَ الرجل\" ورجاله ثقات غير ابن لهيعة فقد ضعف لاختلاطه وسوء حفظه.\nتنييه: ذكر الأديب الشيخ محمود شاكر في حاشيته على ابن جرير الحديث من طريق أحمد السابق إلَّا أنَّه غفل فأسقط ليث بن أبي سليم في الإسناد ثم قال: \"وهذا إسناد حسن متصل\" وهذا خطأ أو سهو فليستدرك وانظر \"العلل\" للدارقطني (٦/ س ١١٢٥).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين زيادة من ز.\n[¬٢]- في ز: \"ينتطحان\".\n[¬٣]- في ز: \"ينتطحان\".\n[¬٤]- في خ، ز: \"أنا\".","vol":"6","page":33},{"text":"بينهما\". رواه ابن جرير، ثم رواه (^٤٥) [¬١] من طريق منذر الثَّوري، عن أبي ذر .... فذكره، وزاد: قال أبو ذر: ولقد تركنا رسول الله ﷺ، وما يقلب [¬٢] طائر جناحيه [¬٣] في السماء، إلَّا [ذكر لنا] [¬٤] منه علمًا.\nوقال عبد الله بن الإِمام أحمد في مسند أبيه (^٤٦): حدثني عبَّاس بن محمد وأَبو يحيى البزار، قالا: حدَّثنا حجاج بن نصير [¬٥]، حدَّثنا شعبة، عن العوام بن مُرَاجم [¬٦] من بني قيس بن ثعلبة، عن أبي عثمان النهدي، عن عثمان ﵁ أن النبي ﷺ قال: \"إن الجمَّاء لتقتص من القرناء يوم القيامة\".\n_________\n(^٤٥) - إسناده منقطع وهو حديث صحيح، ابن جرير في تفسيره (١١/ ١٣٢٢٤) حدثني المثنى، قال: حدَّثنا إسحاق بن سليمان، قال: حدَّثنا فطر بن خليفة عن منذر الثَّوري به وأخرجه أحمد (٥/ ١٦٢) ثنا حجاج، ووكيع في \"الزهد\" (٣/ ٥٢٢) كلاهما (حجاج ووكيع)، ثنا فطر به بالزِّيادة الأخيرة. كذا قال فطر فأسقط الواسطة بين منذر وأبي ذر وهو هكذا منقطع لأن منذرًا لم يسمع من أحد من الصحابة، لكن خالف فطرًا الأعمَش - وهو أثبت منه - فأثبت الواسطة كما تقدم في السابق والذي قبله - والزِّيادة الأخيرة أخرجه أحمد أيضًا (٥/ ١٥٣، ١٦٢) من طريقين عن الأعمَش عن منذر الثَّوري، قال: ثنا أشياخ من التيم قالوا: قال أَبو ذرٍّ: … فذكره، وهذا إسناده صحيح كما تقدم عند رقم (٤٤).\n(^٤٦) - إسناده ضعيف، \"المسند\" (١/ ٧٢) وأخرجه يحيى بن معين في \"التاريخ\" (٤/ رقم ٤٢٤٦) والبزار في مسنده (٢/ رقم ٣٨٧)، والعقيلي في \"الضعفاء\" (١/ ٢٨٥) وابن عدي في \"الكامل\" (٢/ ٦٤٩) والدارقطني في \"العلل\" (٣/ ٦٤)، وابن أبي داود في \"البعث\" (٣٥) والرافعي في \"أخبار قزوين\" (٢/ ٨٠) كلهم من طريق حجاج بن نصير بهذا الإسناد.\nقال البزار: \"هذا الحديث لا نعلمه روى عن عثمان إلَّا من هذا الوجه، ولم يرو هذا الحديث بهذا الإسناد إلَّا الحجاج عن شعبة\".\nقلت: حجاج هذا ضعفه النَّسائي، والدارقطني، وابن سعد، وأبو حاتم وزاد الأخير \"منكر الحديث ترك حديثه\"، وضعفه ابن معين في رواية وقال في أخرى: كان شيخًا صدوقًا، ولكنهم أخذوا عليه أشياء في حديث شعبة. قلت: وهذا منها فقد استنكر له ابن عدي هذا الحديث بعينه عن شعبة هكذا ونقل عن شيخه ابن صاعد قال: ليس هذا في حديث عثمان عن النبي =\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- في ز: \"تقلب\".\n[¬٣]- في ز: \"بجناحيه\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين في ز: \"ذكرنا\".\n[¬٥]- في ز: \"نصر\".\n[¬٦]- في خ، ز: \"مزاحم\" وثقه ابن معين وقال: لم أسمع أحدًا يحدث عنه إلَّا شعبة إلَّا إنه صحفه فقال: \"ابن مزاحم\" بالزاي والحاء، فرُدَّ عليه، وإنما هو ابن مراجم بالراء المهملة والجيم [انظر مقدمة ابن الصلاح (ص ٤١٠) و\"العلل\" للدارقطني (٣/ ٦٤، ٦٥)].","vol":"6","page":34},{"text":"وقال عبد الرزاق (^٤٧): أخبرنا معمر، عن جعفر بن بُرْقَان، عن يزيد بن الأصم، عن أبي هريرة في قوله: ﴿إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ قال: يحشر الخلق كلهم يوم القيامة، البهائم والدواب والطير: كل شيء، فيبلغ من عدل الله يومئذ أن يأخذ للجماء من القرناء. قال: ثم يقول: كوني ترابًا. [] [¬١] فلذلك يقول الكافر: ﴿يَالَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا﴾.\nوقد روي هذا مرفوعًا في حديث الصور (^٤٨).\nوقوله: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ﴾ أي: مثلهم في جهلهم، وقلة علمهم، وعدم فهمهم، كمثل أصم: وهو الذي لا يسمع، أبكم: وهو الذي لا يتكلم، وهو مع هذا في ظلمات [¬٢] لا يبصر، فكيف يهتدي مثل هذا إلى الطَّرِيقِ، أو يخرج مما هو فيه، كقوله: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ (١٧) صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾، وكما قال تعالى: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ\n_________\n= ﷺ إنما رواه أَبو عثمان عن سلمان من قوله، وفي \"التاريخ\" لابن معين قال أبو الفضل: ذكر في هذا الحديث ليحيى بن معين قال: إنما هو أَبو عثمان عن سلمان. وقال أَبو حاتم - كما في \"العلل\" لابنه - (٢/ رقم ٢١٤٢): \"ليس لهذا الحديث أصل في حديث شعبة مرفوع، وحجاج ترك حديثه لسبب هذا الحديث\" وبنحو ذلك قال أَبو زرعة كما في \"العلل\" لابن أبي حاتم أي (٢/ رقم ٢١٦٦)، وقال الدارقطني في علله (٣/ ٦٣): \"وهم فيه - يعني حجاجًا - ليخالفه غندر فرواه عن شعبة عن العوام بن مراجم عن أبي السليل عن أبي عثمان عن سلمان موقوفًا وهو الصواب\". والموقوف أخرجه العقيلي وابن عدي والدارقطني به من طريق غندر محمد بن جعفر - تصحف كالمعتاد في \"الكامل\" إلى محمد بن حفص - عن شعبة والحديث ذكره الهيثمي في \"المجمع\" (١٠/ ٣٥٥) وقال: \"رواه الطبراني في \"الكبير\" - لم أجده في المطبوع منه - والبزار وعبد الله بن أحمد وفيه الحجاج بن نصير وقد وثق على ضعفه، وبقية رجال البزار رجال الصحيح غير العوام بن مزاحم وهو ثقة\".\n(^٤٧) - أثر صحيح، \"التفسير\" لعبد الرزاق (٢/ ٢٠٦) ومن طريقه ابن جرير (١١/ ١٣٢٢٢) والحاكم في \"المستدرك\" (٢/ ٣١٧) وأخرجه ابن جرير أيضًا من طريق آخر عن معمر به وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (٤/ ٧٢٦٢) من طريق كثير بن هشام عن جعفر بن برقان به وقال الحاكم: \"جعفر الجذري هو ابن برقان قد احتج به مسلم، وهو صحيح على شرطه ولم يخرجاه\" ووافقه الذهبي وهو كما قالا، وزاد نسبته السيوطي (٣/ ٢٠) إلى أبى عبيد وابن المنذر وأعاده أيضًا عند تفسير [آية رقم ٤٠/ سورة الأنبياء] وعزاه إلى عبد بن حميد، والبيهقي في \"البعث والنشور\".\n(^٤٨) - يأتي تخريجه برقم (١٣٤).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ز: \"قال\".\n[¬٢]- في خ: \"ظلام\".","vol":"6","page":35},{"text":"فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾؛ ولهذا قال: ﴿مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أي: هو المتصرف فى خلقه بما يشاء.\n﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤٠) بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ (٤١) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ (٤٢) فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٤٣) فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (٤٤) فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٥)﴾\nيخبر تعالى أنَّه الفعال لما يريد، المتصرف في خلقه بما يشاء، وأنه لا معقب لحكمه، ولا يقدر أحد على صرف حكمه عن خلقه، بل هو وحده لا شريك له الذي إذا سئل يجيب لمن يشاء، ولهذا قال: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ﴾ أي: أتاكم هذا أو هذا ﴿أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ أي: لا تدعون غيره، لعلمكم أنَّه لا يقدر أحد على دفع ذلك سواه، ولهذا قال: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ أي: في اتخاذكم آلهة معه ﴿بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ﴾ أي: في وقت الضرورة لا تدعون أحذا سواه، وتذهب [¬١] عنكم أصنامكم وأندادكم، كما قال: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ﴾ الآية.\nوقوله: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ﴾ يعني: الفقر والضيق في العيش ﴿وَالضَّرَّاءِ﴾ وهي الأمراض والأسقام والآلام ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ﴾ أي: يدعون الله ويتضرعون إليه ويخشعون. قال الله تعالى: ﴿فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا﴾ أي: فهلا إذا ابتليناهم بذلك تضرعوا إلينا وتمسكنوا لدينا [¬٢] ﴿وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ أي: ما رقت ولا خشعت ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أي: من الشرك والمعاندة [¬٣] والمعاصي.\n_________\n[¬١]- في ز: \"يذهب\".\n[¬٢]- في خ: \"إلينا\".\n[¬٣]- سقط من: خ.","vol":"6","page":36},{"text":"﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ أي: أعرضوا عنه وتناسوه وجعلوه وراء ظهورهم ﴿فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ أي: فتحنا عليهم أَبواب الرزق من كل ما يختارون، وهذا استدراج منه تعالى وإملاء لهم، عياذا بالله من مكره، ولهذا قال: ﴿حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا﴾ أي: من الأموال والأولاد والأرزاق ﴿أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً﴾ أي: على غفلة ﴿فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ أي: آيسون من كل خير.\nقال الوالبي (^٤٩) عن ابن عبَّاس: المبلس الآيس.\nوقال [¬١] الحسن البصري: من وسع الله عليه فلم ير أنه يمكر به فلا رأي له، ومن قتر عليه فلم ير أنه ينظر له فلا رأي له، ثم قرأ: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ قال الحسن: مكر بالقوم وربِّ الكعبة، أعطوا حاجتهم ثم أخذوا. رواه ابن أبي حاتم (^٥٠).\nوقال قَتَادة: بغت القوم أمر الله، وما أخذ الله قومًا قط إلَّا عند سكرتهم [¬٢] وغرتهم ونعيمهم، فلا تغتروا بالله؛ فإنه [¬٣] لا يغتر بالله إلَّا القوم الفاسقون.\nورواه [¬٤] ابن أبي حاتم أيضًا (^٥١).\n[وقال مالك عن الزُّهْريّ: ﴿فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ قال: أرخاء [¬٥] الدنيا وسترها] [¬٦].\n_________\n(^٤٩) - أخرجه ابن أبي حاتم (٤/ ٧٢٩٧) والوالبي هو على بن أبي طلحة.\n(^٥٠) - \" التفسير\" لابن أبي حاتم (٤/ ٧٢٩٣) وزاد نسبته السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ٢٢) إلى أبي الشيخ.\n(^٥١) - \" التفسير\" لابن أبي حاتم (٤/ ٧٢٩٤) وعزاه السيوطي (٣/ ٢٣) إلى عبد بن حميد وأبي الشيخ.\n_________\n[¬١]- في: \"قال\".\n[¬٢]- في خ، ز: \"سلوتهم\".\n[¬٣]- فى ز. \"إنه\".\n[¬٤]- في ز: \"رواه\".\n[¬٥]- في ز: \"أرحا\".\n[¬٦]- كذا في المخطوطة وأخشى أن يكون وهمًا أو خطأ من الناسخ فقد أخرجه ابن جرير (١١/ ١٣٢٢٨) وابن أبي حاتم (٤/ ٧٢٨٩) من طريق ابن أبى نجيح عن مجاهد في قول الله تعالى ذكره ﴿فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ قال: رخاء الدنيا ويُسْرها على القرون الأولى ولم أجد ذكرًا للزهري عند هذه الآية والله أعلم.","vol":"6","page":37},{"text":"وقد قال الإِمام أحمد (^٥٢): حدَّثنا يحيى بن غيلان، حدَّثنا رشدين - يعني ابن سعد أبا [¬١] الحجاج المهري [¬٢]- عن حرملة بن عمران التجيبي، عن عقبة بن مسلم، عن عقبة بن عامر، عن النبي ﷺ قال: \"إذا رأيت الله يعطي العبد من الدنيا على معاصيه ما يحب، فإنما هو استدراج\" ثم تلا رسول الله ﷺ: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾.\nورواه ابن جرير وابن أبي حاتم من حديث حرملة وابن لهيعة، عن عقبة بن مسلم، عن عقبة ابن عامر به.\nوقال ابن أبي حاتم (^٥٣): حدَّثنا أبي، حدَّثنا هشام بن عمار، حدَّثنا عراك بن خالد بن يزيد،\n_________\n(^٥٢) - صحيح، \"المسند\" (٤/ ١٤٥) و\"الزهد\" (ص ١٨) وهذا إسناد رجاله ثقات غير رشدين بن سعد فهو ضعيف، لكن تابعه جماعة فأخرجه الخرائطي في \"فضيلة الشكر\" (٧٠) وأَبو سعيد الأعرابي في \"المعجم\" (رقم ١٧١) والطبراني في \"الكبير\" (١٧/ رقم ٩١٣) وفي \"الأوسط\" (٩/ ٩٢٧٢) والبيهقي في \"الشعب\" (٤/ ٤٥٤٠) من طريق أبي صالح عبد الله بن صالح، وابن جرير (١١/ ١٣٢٤٠) من طريق أبي الصلت، والدولابي في \"الكنى\" (١/ ١١١) من طريق حجاج بن سليمان ثلاثتهم (أَبو صالح، أبو الصلت، حجاج) عن حرملة بن عمران به، وهم وإن تكلم فيهم إلا أن بعضهم يقوي بعضًا. وذكره الهيثمي في \"المجمع\" (٧/ ٢٣) ونسبه إلى أحمد والطبراني في \"الكبير\" ولم يتكلم على إسناده، وقال في \"المجمع\" (١٠/ ٢٤٨): \"رواه الطبراني في \"الأوسط\" عن شيخه الوليد بن العباس المصري وهو ضعيف\".\nوقال الطبراني \"الأوسط\": \"لا يروى هذا الحديث عن عقبة بن عامر إلا بهذا الإسناد، تفرد به حرملة بن عمران\" كذا قال وتابع حرملة ابن لهيعة عن عقبة به. أخرجه ابن أبي الدنيا في \"كتاب الشكر\" (ص ٩) من طريق من بشر بن عمر، وأَبو سعيد الأعرابي (١٧٢) من طريق أبي صالح وعلقه ابن جرير (١١/ ١٣٢٤١) من طريق محمد بن حرب ثلاثتهم عن ابن لهيعة به. قال الألباني في \"الصحيحة\" (١/ رقم ٤١٣): \"وهو عندي صحيح … فإن ابن لهيعة ثقة في نفسه دائما يخشى من سوء حفظه فإذا تابعه ثقة فذلك دليل على أنه قد حفظ\" قلت: ولا سيما إذا رواه عنه أحد العبادلة الثلاثة - (عبد الله بن وَهْب وعبد الله بن المبارك وعبد الله بن يزيد) فيصح حديثه، فإن روايتهم عنه صحيحه - وهو ما كان، فقد أخرجه الروياني في مسنده (١/ ٢٦٠، ٢٦١) وابن أبي حاتم في تفسيره (٤/ ٧٢٨٨) نا أحمد بن عبد الرحمن أَبو عبيد الله ابن أخى ابن وَهْب ثنا عمي ابن وَهْب ثنا حرملة وابن لهيعة به.\nوالحديث زاد نسبته السيوطي في \"الدر المنثور\" (١/ ٢٢) إلى ابن المنذر وأبي الشيخ وابن مردويه.\n(^٥٣) - إسناده ضعيف وفيه انقطاع، \"التفسير\" لابن أبي حاتم (٤/ ٧٢٨٣) =\n_________\n[¬١]- فى ز: \"أَبو\".\n[¬٢]- فى ز: \"الهدي\".","vol":"6","page":38},{"text":"حدثني أبي، عن إبراهيم بي أبي عبلة، عن عبادة بن الصامت: أن رسول الله ﷺ كان يقول: [\"إن الله إذا أراد بقوم بقاء أو نماء رزقهم القصد والعفاف،] [¬١] وإذا أراد الله بقوم اقتطاعًا فتح لهم أو فتح عليهم باب خيانة\".\n﴿حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ كما قال: ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.\n﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ (٤٦) قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ (٤٧) وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٤٨) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (٤٩)﴾\nيقول الله تعالى لرسوله ﷺ: ﴿قُلْ﴾ لهؤلاء المكذبين المعاندين ﴿أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ﴾ أي: سلبكم إباهما كما أعطاكموها، فإنه [¬٢] ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ [¬٣]﴾.\n_________\n= وأخرجه الطبراني - ومن طريقه ابن عساكر في \"تاريخ دمشق\" (١١/ ٥٢٢ - مخطوط) - وأبو الشيخ - كما في \"الدر المنثور\" للسيوطي (٣/ ٢٢) - ومن طريقه الديلمي (١/ ٩٧/١) - كما في \"الضعيفة\" للألباني (٥/ رقم ٢٣٠٦) - عن عراك بن خالد به، وعراك هذا قال فيه أَبو حاتم: \"مضطرب الحديث، ليس بالقوي\" وقال الدارقطني: \"لا بأس به\"، وذكره ابن حبان في \"الثقات\" (٨/ ٥٢٥) وقال: \"ربما أغرب وخالف\"، ولينه ابن حجر ﵀ في \"التقريب\" وأبوه ضعفه ابن معين والدارقطني والعقيلي وابن الجوزي والذهبي وابن حجر ﵀ وقال النسائى: \"ليس بثقة\" وبهما اكتفى الألباني بإعلال الحديث، وهو مُعلُّ أي بالانقطاع بين إبراهيم بن أبي عبلة وعبادة بن الصامت، فإنه لم يدركه قاله أَبو حاتم [انظر \"العلل\" (١/ رقم ٦٤٠/ ٢٢١) \"وجامع التحصيل\" للعلائي (ص ١٤٠)]. والحديث زاد نسبته السيوطي إلى ابن مردويه والله الهادي إلى الصواب.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٢]- في ت: \"كما قال تعالى\"، والمثبت من: خ. ز.\n[¬٣]- في ت: \"الآية\".","vol":"6","page":39},{"text":"ويحتمل أن يكون هذا عبارة عن منع الانتفاع بهما الانتفاع [¬١] الشرعي؛ ولهذا قال: ﴿وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ﴾ كما قال: ﴿يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ﴾ وقال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾.\nوقوله: ﴿مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ﴾ أي: هل أحد غير الله يقدر على ردّ ذلك إليكم، إذا سلبه الله منكم؟ لا يقدر على ذلك أحد سواه، ولهذا قال: ﴿انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ﴾ أي: نبينها وتوضحها ونفسرها، دالة على أنه لا إله إلَّا الله، وأن ما يعبدون من دونه باطل وضلال ﴿ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ﴾ أي: ثم هم جمبم هذا البيان [يصدفون، أي:] [¬٢] يعرضون عن الحق ويصدّون الناس عن اتباعه.\nقال العوفي (^٥٤): عن ابن عبَّاس: ﴿يَصْدِفُونَ﴾ أي: [¬٣] يعدلون.\nوقال مجاهد وقَتَادة: يعرضون.\nوقال السدي: يصدّون.\nوقوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً [أَوْ جَهْرَةً﴾ بغتة] [¬٤] أي: وأنتم لا تشعرون به حتَّى بغتكم وفجأكم ﴿أَوْ جَهْرَةً﴾ أي: ظاهرًا عيانًا ﴿هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ﴾ أي: إنما كان يحيط بالظالمين أنفسهم بالشرك بالله، وينجو الذين كانوا يعبدون الله وحده لا شريك له، فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون، كقوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ [أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ] [¬٥]﴾.\nوقوله: ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ أي: مبشرين عباد الله المؤمنين بالخيرات، ومنذرين من كفر بالله النقمات والعقوبات؛ ولهذا قال: ﴿فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ﴾ أي: فمن آمن قلبه بما [جاءوا به] [¬٦]، وأصل عمله باتباعه إياهم ﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ أي: بالنسبة لما [¬٧] يستقبلونه ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ أي: بالنسبة إلى ما فاتهم وتركوه وراء ظهورهم من\n_________\n(^٥٤) - أخرجه ابن جرير (١١/ ١٣٢٤٦) وابن أبي حات المنثور\" (٣/ ٢٣) إلى ابن المنذر وأبي الشيخ، فلعله عندهما أو عند أحدهما من الطَّرِيقِ الذي ذم (٤/ ٧٣١٠) من طريق على بن أبي طلحة عن ابن عبَّاس به، وزاد نسبته السيوطي في \"الدركره المصنف وإن كان الأصل في العزو عند المصنف تفسير ابن جرير وابن أبي حاتم والله تعالى أعلم.\n_________\n[¬١]- في ز: \"النفع\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين زيادة من: ز.\n[¬٥]- فى ت: \"الآية\".\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين في ز: \"جاء\".\n[¬٧]- في ز: \"إلى ما\".","vol":"6","page":40},{"text":"أمر الدنيا وصنيعها [¬١]، الله وليهم فيما خلفوه، وحافضهم فيما تركوه.\nثم قال: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ أي: ينالهم العذاب بما كفروا بما جاءت به الرسل، وخرجوا عن أوامر الله وطاعته [¬٢]، وارتكبوا مناهيه ومحارمه، وانتهاك حرماته.\n﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ (٥٠) وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (٥١) وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ (٥٢) وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ (٥٣) وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥٤)﴾\nيقول الله تعالى لرسوله ﷺ: ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ﴾ أي: لست أملكها ولا أتصرف [¬٣] فيها ﴿وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾ أي: ولا أقول لكم إني أعلم الغيب، إنما ذاك من علم الله ﷿ لا أطلع منه إلَّا على ما أطلعني [¬٤] عليه ﴿وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ﴾ أي: ولا أدعي أني ملك، إنما أنا بشر من البشر - يوحى إليَّ من الله ﷿، شرفني بذلك وأنعم عليَّ به، ولهذا قال: ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ أي: لست أخرج عنه قيد شبر ولا أدنى منه.\n_________\n[¬١]- في ز: \" وضيعتها \".\n[¬٢]- في ز: \"وطاعاته\".\n[¬٣]- في ز: \"التصرف\".\n[¬٤]- في ز: \"أطلعنيه\".","vol":"6","page":41},{"text":"﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾ أي: هل يستوي من اتبع الحق وهدي إليه، ومن ضل عنه ولم يَنْقَد له ﴿أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ﴾ وهذه كقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (١٩)﴾.\nوقوله: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ﴾ أي: وأنذر بهذا القرآن يا محمد: ﴿الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾، والذين ﴿وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ﴾ \".\n﴿الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ﴾ أي: يوم القيامة ﴿لَيْسَ لَهُمْ﴾ أي: يومئذ ﴿مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ﴾ أي: لا قريب لهم، ولا شفيع فيهم من عذابه إن أراده بهم ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ أي: أنذر هذا اليوم الذي لا حاكم فيه إلا الله ﷿ ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ فيعملون في هذه الدار عملًا ينجيهم الله به يوم القيامة من عذابه، ويضاعف لهم به الجزيل من ثوابه.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ أي: لا تبعد هؤلاء المتصفين بهذه الصفات [¬١] عنك، بل اجعلهم جلساءك وأخصاءك، كما قال: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾.\nوقوله: ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ أي: يعبدونه ويسألونه ﴿بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ قال سعيد بن المسيب ومجاهد والحسن وقَتَادة: المراد بذلك الصلوات المكتوبات.\nوهذا كقوله: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ أي: أتقبل منكم.\nوقوله: ﴿يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ أي: يريدون [¬٢] بذلك العمل وجه [¬٣] الله الكريم، فهم مخلصون فيما هم فيه من العبادات والطاعات.\nوقوله: ﴿مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ كقول نوح ﵇ في جواب [¬٤] الذين ﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ (١١١) قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١١٢) إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ﴾ أي: إنما حسابهم على الله ﷿ وليس عليَّ من حسابهم من شيء، كما أنَّه ليس عليهم من حسابي من شيء.\n_________\n[¬١]- في ز: \"الصفة\".\n[¬٢]- في ز: \"يبتغون\".\n[¬٣]- فى ز: \"الوجه\".\n[¬٤]- سقط من: ز.","vol":"6","page":42},{"text":"وقوله: ﴿فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ أي: إن فعلت هذا والحالة هذه.\nقال الإِمام أحمد (^٥٥): حدثنا أسباط - هو ابن محمد - حدثني أشعث، عن كُرْدُوس، عن ابن مسعود، قال: مَرَّ الملأُ من قريش على رسول الله ﵌، وعنده خَبَّاب وصُهيب وبلال وعمار، فقالوا: يا محمد، أرضيت بهؤلاء؟ فنزل فيهم القرآن: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿[أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ] [¬١]﴾.\nورواه [¬٢] ابن جرير من طريق أشعث، عن كردوس، عن ابن مسعود، قال؛ مر الملأ من قريش برسول الله ﵌، وعنده صهيب وبلال وعمار وخباب، وغيرهم من ضعفاء المسلمين، فقالوا: يا محمد، أرضيت [¬٣] بهؤلاء من قومك؟ أهؤلاء الذين من الله عليهم من بيننا؟ [ونحن نكون] [¬٤] تبعًا لهؤلاء؟ اطردهم عنك [¬٥]، فلعلك إن طردتهم أن نتبعك. فنزلت هذه الآية: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾، ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾ إلى آخر الآية.\n_________\n(^٥٥) - إسناده ضعيف، \"المسند\" (١/ ٤٢٠) (رقم ٣٩٨٥ - شاكر) وأخرجه البزار في مسنده (٥/ ٢٠٤١) وابن جرير في تفسيره (١١/ ١٣٢٥٥، ١٣٢٥٦) والطبراني في \"الكبير\" (١٠/ رقم ١٠٥٢٠) وعنه أبو نعيم في \"الحلية\" (٤/ ١٨٠ - ١٨١) من طرق عن أشعث بن سَوار به.\nوذكره الهيثمي في \"المجمع\" (٧/ ٢٣ - ٢٤) وقال: \" رواه أحمد والطبراني … ورجال أحمد رجال الصحيح غير كردوس وهو ثقة\" قلت: أشعث بن سوار وإن روى له مسلم فقد ضعفه النَّسائي والدارقطني وابن معين في رواية، ولينه أبو زرعة. وقد اختلف عليه فيه فرواه عنه جماعة هكذا متصلًا ورواه عنه حفص بن غياث مرسلًا أخرجه من هذا الوجه ابن جرير (١١/ ١٣٢٥٧) وحفص بن غياث ثقة لكن تغير حفظه قليلًا ولعل البلاء من أشعث نفسه والله أعلم، والحديث زاد نسبته السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ٢٤) إلى أبي الشيخ وابن مردويه وابن أبي حاتم - وهو في تفسير الأخير (٤/ ٧٣٢٦) من طريق أشعث عن كردوس عن ابن عبَّاس هكدا من مسند ابن عبَّاس وأخشى أن يكون خطأ فإن النسخة المطبوعة مليئة بالتحريفات وإلى اللَّه المشتكى، وكردوس اسم أبيه عبَّاس فلعله حرفت ابن إلى عن وقد وقع مثل ذلك في نسخة ابن جرير [(٧/ ٢٠١) - ط الحلبي] قال الشيخ محمود شاكر في حاشيته على ابن جرير (١١/ ٣٧٥): \"هذا الخبر لم يُرو عن غير ابن مسعود، وكردوس لم يذكر أنَّه روى عن ابن عبَّاس، والخبر لم ينسبه أحد في الكتب إلى غير عبد الله بن مسعود\" واللَّه أعلم.\n_________\n[¬١]- في ز: \"والله أعلم بالظالمين\".\n[¬٢]- في ز: \"رواه\".\n[¬٣]- في ز: \"رضيت\".\n[¬٤]- في ت: \"أنحن نصير\" والمثبت من خ، ز.\n[¬٥]- سقط من: ز.","vol":"6","page":43},{"text":"وقال ابن أبي حاتم (^٥٦): حدَّثنا أَبو سعيد بن يحيى بن [¬١] سعيد القطمان، حدَّثنا عمرو بن محمد العنقزي، حدَّثنا أسباط بن نصر، عن السدي، عن أبي سعيد الأزدي - وكان قارئ الأزد - عن أبي الكنود، عن خباب في قول الله ﷿: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ قال: جاء الأقرع بن حابس التميمي، وعيينة بن حصن الفزاري، فوجدوا رسول الله ﷺ مع صهيب وبلال وعمار وخباب، قاعدًا في ناس من الضعفاء من المؤمنين، فلما رأوهم حول النبي ﷺ حقروهم، فأتوه فخلوا به، فقالوا: إنا نريد أن تجعل لنا منك مجلسًا تعرف لنا به العرب فضلنا، فإن وفود العرب تأتيك فنستحي أن ترانا العرب مع هذه الأعبد، فإذا نحن جئناك فأقمهم عنا، فإذا نحن فرغنا فاقعد معهم إن شئت. قال: \"نعم\". قالوا: فاكتب لنا [¬٢] عليك كتابًا. قال: فدعا بصحيفة [¬٣] ودعا عليًّا ليكتب، ونحن قعود في ناحية، فنزل جبريل فقال: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ [بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ] [¬٤]﴾. فرمى رسول الله ﷺ بالصحيفة [من يده] [¬٥] ثم دعانا\n_________\n(^٥٦) - إسناده في جهالة \"التفسير\" لابن أبي حاتم (٤/ ٧٣٣١، ٧٣٤٤، ٧٣٤٦) وأخرجه ابن ماجة (٤١٢٧) ثنا أحمد بن محمد بن يحيى بن سعيد القطان، ثنا عمرو بن محمد به، والبزار في مسنده (٦/ ٢١٢٩) وابن جرير في تفسيره (١١/ ١٣٢٥٨) من طريق الحسين بن عمرو، والبيهقي في \"الشعب\" (٧/ ١٠٤٩١) من طريق إسحاق الحنظلي، كلاهما (الحسين وإسحاق) عن عمرو بن محمد به. وأخرجه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" [كتاب: الفضائل، باب: ما جاء في بلال وصهيب وخباب (٧/ ٥٦٣ - ٥٦٤)، وفي مسنده (١/ ٤٧٧) والبزار (٦/ ٢١٣٠) وابن جرير (١١/ ١٣٢٥٩) والطحاوى في \"مشكل الآثار\" (١/ ١٥٧ - ١٥٨) والطبراني في \"الكبير\" (٤/ ٣٦٩٣) وأَبو نعيم في \"الحلية\" (١/ ١٤٦ - ١٤٧) والمزي في \"تهذيب الكمال\" (٣٤/ ٢٣٠/ ترجمة أبي الكنود) من طريق أحمد بن الفضل ثنا أسباط بن نصر به وتابعه حكيم بن زيد، قال: حدَّثنا السُّدي به، أخرجه من هذا الوجه البيهقي في \"الدلائل\" (١/ ٣٥٢ - ٣٥٣). قال البوصيري في \"الزوائد\" (٣/ ٢٧٧): \"هذا إسناد صحيح … وأصله في صحيح مسلم وغيره من حديث سعد بن أبي وقاص\" - يأتي حديث سعد بعد هذا - قلت: أبو سعد - وقيل: أبو سعيد - الأزدي لم يوثقه غير ابن حبان \" الثقات\" (٥/ ٥٦٨) وأبو الكنود وثقه ابن سعد وذكره ابن حبان أيضًا في \"الثقات\" (٥/ ٤٤) ووسمهما الحافظ في \"التقريب\" بالقبول، وعليه فإن هذا الإسناد لا يرتقي إلى الحسن فضلًا عن الصحة، ثم إن له علة أخرى وهو ما أشار إليه المصنف - انظر أعلاه. والحديث زاد نسبته السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ٢٥) إلى أبي يعلى وابن المنذر وأبي الشيخ وابن مردويه.\n_________\n\n_________\n[¬١]- فى خ، ز: \"ثنا\".\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- في ز: \"بالصحيفة\".\n[¬٤]- في: ت: \"الآية\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.","vol":"6","page":44},{"text":"فأتيناه.\nورواه ابن جرير من حديث أسباط به.\nوهذا حديث غريب؛ فإن هذه الآية مكية، والأقرع بن حابس وعيينة إنما أسلما بعد الهجرة بدهر.\nوقال سفيان الثَّوري (^٥٧)، عن المقدام بن شريح، عن أبيه، قال: قال سعد: نرلت هذه الآية في ستة من أصحاب النبي ﷺ منهم ابن مسعود، قال: كنا نستبق [¬١] إلى رسول الله ﷺ وندنو منه ونسمع منه، فقالت قريش: تدني [¬٢] هؤلاء دوننا. فنزلت ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾.\nرواه الحاكم في مستدركه (^٥٨) من طريق سفيان، وقال: على شرط الشيخين. وأخرجه ابن حبان في صحيحه (^٥٩) من طريق القدام بن شريح به.\nوقوله: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾ ببعض أي: ابتلينا واختبرنا وامتحنا بعضهم ببعض ﴿لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا﴾ وذلك أن رسول الله ﷺ، كان\n_________\n(^٥٧) - أخرجه من هذه الطريق مسلم في صحيحه، كتاب: فضائل الصحابة، باب: في فضل سعد بن أبي وقاص ﵁ (٤٥) (٢٤١٣)، والنَّسائي في المناقب من \"الكبرى\" (٥/ ٨٢٢٠، ٨٢٦٤) وفي \"التفسير\" (٦/ ١١٦٦٣) والبزار في مسنده (٤/ ١٢٢٨) وأبو يعلى (٢/ ٨٢٦) وابن جرير في تفسيره (١١/ ١٣٢٦٣) وابن أبي حاتم (٤/ ص ١٢٩٨) والبيهقي في \"الشعب\" (٧/ ١٠٤٩٠) وانظر ما بعده.\n(^٥٨) - \" المستدرك\" (٣/ ٣١٩) لكن إسناده في الطبعتين اللتين بين يدي هكذا \"أخبرني أبو على الحافظ، أنا إبراهيم بن أبي طالب ثنا محمد بن بشار، ثنا مؤمل بن سفيان [ثنا إسماعيل بن المقدام، عن المقدام بن شريح عن أبيه عن سعد به\". هكذا وقع \"مؤمل بن سفيان\" وصوابه \"مؤمل عن سفيان\" وما بين المعكوفتين مقحم في الإسناد وربما أراد الناسخ أن يكتب \"مؤمل بن إسماعيل عن سفيان\" فسها وكتبه هكذا والله أعلم. وأما قول الحاكم عقبه \"حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه\" وموافقه الذهبي له، فهو مُتعقب، فقد أخرجه مسلم كما في السابق - وانظر ما بعده أيضًا.\n(^٥٩) - \" الصحيح\" (١٤/ ٦٥٧٣ - إحسان) من طريق إسرائيل عن المقدام بن شريح به، ومن هذه الطَّرِيقِ أخرجه عبد بن حميد في \"المنتخب\" (١٣١) ومسلم (٤٦) (٢٤١٣) والنَّسائي في المناقب من \"الكبرى\" (٥/ ٨٢٣٧، ٨٢٦٦) والبيهقي في \"الدلائل\" (١/ ٣٥٣) وأخرجه ابن ماجة، كتاب: الزهد، باب: مجالسة الفقراء (٤١٢٨) من طريق قيس بن الربيع عن المقدام به.\n_________\n[¬١]- في ز: \"نسبق\".\n[¬٢]- في ز: \"يدني\".","vol":"6","page":45},{"text":"غالب من اتبعه في أول بعثته [¬١] ضعفاء الناس؛ من الرجال والنساء والعبيد والإِماء، ولم يتبعه من الأشراف إلا قليل، كما قال قوم نوح لنوح: ﴿وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ﴾ الآية. وكما قال [¬٢] هرقل ملك الروم لأبي سفيان حين سأله [عن تلك] [¬٣] المسائل، فقال له: [فأشراف الناس يتبعونه أم ضعفاؤهم؟] [¬٤] فقال [¬٥]: بل ضعفاؤهم. فقال: هم أتباع الرسل (^٦٠).\nوالغرض أن مشركي قريش كانوا يسخرون بمن آمن من ضعفائهم، ويعذبون من يقدرون عليه منهم، وكانوا يقولون: أهؤلاء من الله عليهم من بيننا أي: ما كان الله ليهدي هؤلاء إلى الخير لو كان ما صاروا إليه خيرًا ويدعنا، كقولهم: ﴿لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ﴾ وكقوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾.\nقال الله تعالى في جواب ذلك: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا﴾، وقال في جوابهم حين قالوا: ﴿أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ أي: أليس هو أعلم بالشاكرين له؛ بأقوالهم وأفعالهم وضمائرهم، فيوفقهم ويهديهُم سبل السلام، ويخرجهم من الظلمات إلى النور [بإذنه، ويهديهم إلى صراط مستقيم] [¬٦]، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ وفي الحديث الصحيح (^٦١): \" إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى ألوانكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم\".\n_________\n(^٦٠) - أخرجه البخاري (رقم ٧) ومسلم كتاب: الجهاد والسير، باب: كتاب النبي ﷺ إلى هرقل يدعوه إلى الإسلام (٧٤) (١٧٧٣)، وأحمد (١/ ٢٦٢) من حديث ابن عبَّاس الطويل، وأخرجه مختصرًا أَبو داود (٥١٣٦) والتِّرمِذي (٢٧١٨).\n(^٦١) - أخرجه مسلم، كتاب: البر والصلة والآداب، باب: تحريم ظلم المسلم وخذله واحتقاره … (٣٤) (٢٥٦٤) وابن ماجة، كتاب: الزهد، باب: القناعة (٤١٤٣) وأحمد (٢/ ٢٨٤ - ٢٨٥، ٥٣٩) من حديث أبي هريرة مرفوعًا لكن بلفظ: \"إن اللَّه لا ينظر إلى صُوَركُم وأموالكم … \".\n_________\n[¬١]- في ز: \"البعثه\".\n[¬٢]- في ز: \"سأل\".\n[¬٣]- سقط من: ت، والمثبت من: خ، ز.\n[¬٤]- في خ، ز: \"فهل اتبعه ضعفاء الناس أو أشرافهم\".\n[¬٥]- في ز: \"قال\".\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين في ز: \"ويهديهم إليه صراطًا مستقيمًا\".","vol":"6","page":46},{"text":"وقال ابن جرير (^٦٢): حدَّثنا القاسم، حدَّثنا [¬١] الحسين، عن [¬٢] حجاج، عن ابن جريج، عن عكرمة في قوله: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ﴾ الآية. قال: جاء عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، ومطعم بن عدي، والحارث بن نوفل، و[قرظة بن عبد عمرو] [¬٣] بن نوفل، في أشراف من [¬٤] بني عبد مناف من أهل الكفر إلى أبي طالب، فقالوا: يا أبا طالب لو أن ابن أخيك محمدًا يطرد عنه موالينا وحلفاءنا، فإنما هم عبيدنا وعسفاؤنا، كان أعظم في صدورنا، وأطوع له عندنا، وأدنى لاتباعنا إياه وتصديقنا له. قال: فأتى أَبو طالب النبي ﷺ فحدثه بالذي كلموه، فقال عمر بن الخطاب ﵁: لو فعلت ذلك حتَّى تنظر [¬٥] ما الذي يريدون، وإلى ما يصيرون من قولهم. فأنزل الله ﷿ هذه الآية: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾. قال: وكانوا: بلالًا، وعمار بن ياسر، وسالمًا مولى أبي حذيفة، وصبيحًا مولى أسيد، ومن الحلفاء: ابن مسعود، والمقداد بن عمرو، ومسعود بن القارى [¬٦]، وواقد بن عبد الله الحنظلي، وعمرو بن عبد عمرو، وذو الشمالين، [ومرثد بن أبي مرثد، وأبو مرثد الغنوي] [¬٧] حليف حمزة بن عبد المطلب، وأشباههم من الحلفاء، ونزلت في أئمة الكفر من قريش والموالي والحلفاء ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا﴾ الآية. فلما نزلت أقبل عمر ﵁[فأتى النبي ﷺ [¬٨] فاعتذر من مقالته، فأنزل الله ﷿: ﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ الآية.\nوقوله: ﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ أي: فأكرمهم بردِّ السلام عليهم، وبضرهم برحمة الله الواسعة الشاملة لهم؛ ولهذا قال: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ أي: أوجبها على نفسه الكريمة، تفضلًا منه وإحسانًا وامتنانًا.\n﴿أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ﴾ قال بعض السلف (^٦٣): كل من عصى الله فهو جاهل.\n_________\n(^٦٢) - مرسل، ابن جرير في تفسيره (١١/ ١٣٢٦٤) وابن المنذر كما في \"الدر المنثور\" (٣/ ٢٤ - ٢٥) للسيوطي.\n(^٦٣) -[انظر سورة النساء آية رقم ١٧].\n_________\n[¬١]- في ز: \"بن\".\n[¬٢]- في ز: \"ثنا\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في ز: \"قرطة بن عمرو\".\n[¬٤]- سقط من: خ، ز.\n[¬٥]- في ز: \"ننظر\".\n[¬٦]- في ز: \"العاري\".\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين في خ، ز: \"ويزيد بن أبي يزيد من غنى\".\n[¬٨]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.","vol":"6","page":47},{"text":"وقال معتمر بن سليمان، عن الحكم بن أبان، عن عكرمة في قوله: ﴿[مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا [¬١] بِجَهَالَةٍ﴾ قال: الدنيا كلها جهالة. رواه ابن أبي حاتم (^٦٤).\n﴿ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ﴾ أي: رجع عما كان عليه من المعاصي، وأقلع وعزم على أن لا يعود، وأصلح العمل في المستقبل ﴿فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.\nقال الإِمام أحمد (^٦٥): حدَّثنا عبد الرزاق، حدَّثنا معمر، عن همام بن منبه، قال: هذا ما حدَّثنا به [¬٢] أَبو هريرة، قال [¬٣]: قال رسول الله ﷺ: \"لمَّا قضى الله [] [¬٤] الخلق، محب في كتاب [¬٥] فهو عنده فوق العرش: إن رحمتي غلبت غضبي\".\nأخرجاه في الصحيحين. وهكذا رواه الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة (^٦٦)، ورواه موسى بن عقبة، عن الأعرج، عن أبي هريرة (^٦٧). وكذا رواه اللَّيث وغيره، عن محمد بن عجلان، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ بذلك (^٦٨).\n_________\n(^٦٤) - ابن أبي حاتم في تفسيره (٤/ ٧٣٥١).\n(^٦٥) - إسناده صحيح \"المسند\" (٢/ ٣١٣) والحديث عند عبد الرزاق في \"التفسير\" (٢/ ٢٠٥) ومن طريق عبد الرزاق أخرجه أيضًا البغوي في \"شرح السنة\" (١٤/ ٤١٧٧) وفي \"معالم التنزيل\" (٢/ ٨٧).\n(^٦٦) - تقدم تخريجه من هذه الطَّرِيقِ (برقم ١٤).\n(^٦٧) - لم أهتد إليه من هذه الطَّرِيقِ، وقد أخرجه النَّسائي، كتاب: النعوت، باب: الرحمة والغضب (٤/ ٧٧٥٠) من طريق موسى بن عقبة قال: أخبرني أبو الزناد عن الأعرج به، هكذا بزيادة \"أَبو الزناد\" بين موسى والأعرج غير أنَّه لموسى بن عقبة رواية عن الأعرج مباشرة وبدون واسطة [انظر \"تهذيب الكمال\" (٢٩/ ت ٦٢٨٢)] وانظر المتقدم برقم (١٤) والآتي.\n(^٦٨) - صحيح أخرجه التِّرمِذي، كتاب: الدعوات، باب: رحمة الله غلبت غضبه (٣٥٣٧)، وابن حبان في صحيحه (١٤/ ٦١٤٥) من طريقين عن اللَّيث عن محمد بن عجلان به وقال التِّرمِذي: \"حديث حسن صحيح غريب\" وأخرجه أحمد (٢/ ٤٣٣) وابن ماجة المقدمة (١٨٩)، وكتاب: الزهد، باب: ما يرجى من رحمة الله يوم القيامة (٤٢٩٥) من طريق (يحيى بن سعيد، وصفوان بن عيسى، وأبي خالد الأحمر) ثلاثتهم عن ابن عجلان به.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ز: \"عملوا السوء\".\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين في ز: \"على\".\n[¬٥]- في ز: \"كتابه\".","vol":"6","page":48},{"text":"وقد روى ابن مردويه (^٦٩) من طريق الحكم بن أبان [¬١]، عن عكرمة، عن ابن عبَّاس، قال: قال رسول الله ﷺ: \"إذا فرغ الله من القضاء بين الخلق، أخرج كتابًا من تحت العرش: إن رحمتي سبقت غضبي، وأنا أرحم الراحمين، فيقبض قبضة أو قبضتين، فيخرج من النار خلقًا لم يعملوا خيرًا، مكتوب بين أعينهم: عتقاء الله\".\nوقال عبد الرزاق (^٧٠): أخبرنا معمر، عن عاصم بن سليمان، عن أبي عثمان النهدي، عن سلمان في قوله: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ قال: انا نجد في التوراة عطفتين؛ إن الله خلق السموات والأرض، وخلق مائة رحمة أو جعل مائة رحمة قبل أن يخلق الخلق، ثم خلق الخلق فوضع بينهم رحمة واحدة، وأمسك عنده تسعًا وتسعين رحمة، قال: فبها يتراحمون، وبها يتعاطفون، وبها يتباذلون، وبها يتزاورون، وبها تحن الناقة، وبها تَثِجُّ البقرة، وبها [تثغو] [¬٢] الشاة، وبها تتتابع [¬٣] الطير، وبها تتتابع [¬٤] الحيتان في البحر، فإذا كان يوم القيامة جمع الله تلك الرحمة إلى ما عنده، ورحمته أفضل وأوسع.\nوقد روي هذا مرفوعًا من وجه آخر (^٧١)، وسيأتي كثير من الأحاديث الموافقة لهذه عند قوله:\n_________\n(^٦٩) - ذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ١٠) واقتصر على عزوه إلى ابن مردويه، والحكم بن أبان متكلم في حفظه، ولم أقف على إسناده حتَّى أعرف حال من دون الحكم والعلم عند الله ﵎ ثم وجدت عبد الرزاق أخرجه في تفسيره (٢/ ٢٠٤، ٢٠٥) - ومن طريقه ابن جرير (١١/ ١٣١٠٤) وعنده أيضًا من طريق آخر (١١/ ١٣١٠٣) - من طريق معمر عن الحكم بن أبان عن عكرمة حسبته أسنده قال فذكره بنحوه هكذا دون الجزم بإسناده ولم ينم به إلى ابن عبَّاس.\n(^٧٠) - إسناده صحيح \"التفسير\" لعبد الرزاق (٢/ ٢٠٣، ٢٠٤) ومن طريقه ابن جرير (١١/ ١٣١٠٠) - ومن طريق آخر (١١/ ١٣٠٩٩) - وابن أبي حاتم (٤/ ٧١٤٢) وأخرجه ابن جرير أيضًا (١١/ ١٣٠٩٧، ١٣٠٩٨) من طريقين عن داود بن أبي هندٍ عن أبي عثمان به مختصرًا وزاد نسبته السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ١٠) إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٧١) - أخرجه أحمد (٥/ ٤٣٩) ومسلم، كتاب: التوبة، باب: في سعة رحمة الله تعالى وأنها سبقت غضبه (٢٠) (٢٧٥٣) من طريق سليمان التيمي، وأخرجه مسلم أيضًا (٢١) (٢٧٥٣) من طريق داود بن أبي هندٍ كلاهما (سليمان ودواد) عن أبي عثمان النهدي عن سلمان، قال: قال رسول الله ﷺ لفظ داود -: \"إن الله خلق، يوم خلق السماء والأرض، مائةَ رحمة، كُلَّ رحمة طِبَاقَ ما بين السماء والأرض فجعل منها في الأرض رحمة، فبها تَعْطِفُ الوالدةُ على ولدها، والوحش والطير بعضُها على بعض. فإذا كان يومُ القيامة أكمَلَهَا بهذه الرحمة\".\n_________\n[¬١]- في ز: \"دابان\".\n[¬٢]- في مصنف عبد الرزاق وابن جرير: \"تيعر\".\n[¬٣]- في ز: \"تتابع\".\n[¬٤]- في ز: \"تتابع\".","vol":"6","page":49},{"text":"﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾.\nومما يناسب هذه الآية من الأحاديث أيضًا: قوله ﷺ لمعاذ بن جبل (^٧٢): \" أتدري ما حق الله على العباد؟ أن يعبدوه لا يشركوا به شيئًا\". ثم قال: \"أتدري ما حق العباد على الله إذا هم فعلوا ذلك؟ أن لا يعذبهم\". وقد رواه الإِمام أحمد (^٧٣): من طريق كميل بن زياد، عن أبي هريرة ﵁.\n﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ (٥٥) قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قُلْ لَا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (٥٦) قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ (٥٧) قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ (٥٨) وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٥٩)﴾\nيقول تعالى: وكما بينا ما تقدم بيانه، من الحجج والدلائل على طريق الهداية والرشاد، وذم\n_________\n(^٧٢) - أخرجه أحمد (٥/ ٢٢٨، ٢٢٩، ٢٣٦، ومواضع أخر) والبخاري، كتاب: الجهاد، باب: اسم الفرس والحمار (٢٨٥٦) - وانظر أطرافه ثمة - ومسلم، كتاب: الإيمان، باب: الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنَّةَ قطعًا (٤٨: ٥١) (٣٠) وغيرهم وقد تقدم [البقرة/ آية ٢٢] و[النساء/ آية ٣٦].\n(^٧٣) - صحيح \"المسند\" (٩/ ٣٠٢، ٥٢٥، ٥٣٥) وأخرجه أيضًا عبد الرزاق في \"المصنف (١١/ رقم ٢٠٥٤٧) والبزار (٤/ ٣٠٨٩ - كشف) وصححه الحاكم (١/ ٥١٧) ووافقه الذهبي، وذكره الهيثمي في موضعين من \"المجمع\" (١/ ٥٥)، (١٠/ ١٥١ - ١٠٢) عزاه في الأول إلى أحمد وقال: \"رجاله ثقات أثبات\" وفي الثاني إلى البزار وقال: \"رواه مطولًا ومختصرًا، ورجالهما رجال الصحيح غير كميل بن زيادٍ وهو ثقة\" وذكره المنذري في \"الترغيب والترهيب\" (٤/ ١٨٥) وقال: \"رواه أحمد ورواته ثقات … \".","vol":"6","page":50},{"text":"المجادلة والعناد ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ﴾ أي: التي يحتاج المخاطبون إلى بيانها ﴿وَلِتَسْتَبِينَ [¬١] سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ أي: ولتظهر طريق المجرمين المخالفين للرسل، وقرئ (وليستبين [¬٢] سبيلَ المجرمين) [¬٣] أي: وليستبين [¬٤] يا محمد أو يا مخاطب سبيل المجرمين.\nوقوله: ﴿قُلْ [¬٥] إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾ أي: على بصيرة من شريعة الله التى أوحاها الله [¬٦] إلى ﴿وَكَذَّبْتُمْ﴾ أي: بالحق الذي جاءني من الله ﴿مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ﴾ أي: من العذاب ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ أي: إنما يرجع أمر ذلك إلى الله، إن شاء عجل لكم ما سألتموه من ذلك، وإن شاء أنظركم وأجلكم، لما له في ذلك من الحكمة العظيمة، ولهذا قال: ﴿[إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ] [¬٧] يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ﴾ أي: وهو خير من فصل القضايا، وخير الفاتحين الحاكمين بين عباده.\nوقوله: ﴿قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ أي: لو كان مرجع ما تستعجلونه [¬٨] به إليَّ لأوقعت بكم ما تستحقونه من ذلك ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ﴾.\nفإن قيل: فما الجمع بين هذه الآية وبين ما ثبت في الصحيحين (^٧٤) من طريق ابن وَهْب، عن يونس، عني الزُّهْريّ، عن عروة، عن عائشة، أنَّها قالت لرسول الله ﷺ: يا رسول الله، هل أتى عليك يوم كان أشدُّ من يوم أحد؟ فقال: \"لقد لقيت من قومك، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة، إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كُلال، فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي، فلم أستفق إلَّا بقَرْن الثَّعَالب، فرفعت رأسي فإذا أنا بسَحَابَةٍ قد أظلتني، فنظرت فإذا فيها جبريل ﵇، فناداني فقال: إن الله قد سمع قول قومك لك، وما ردُّوا عليك، وقد بعث إليك مَلَكَ الجِبال لتأمُرَهُ بما شئت فيهم. قال: فناداني ملك الجبال وسلَّم عليَّ، ثم قال: يا محمد، إن الله قد سمع قول قومك لك، وقد بعثني ربك إليك لتأمرني بأمرك، فما شئت، إن شئت أطبقت عليهم الأخشبين \". فقال رسول الله ﷺ: \"بل أرجو أن يُخْرِجَ الله من أصلابهم من\n_________\n(^٧٤) - أخرجه البخاري، كتاب: بدء الخلق، باب: إذا قال أحدكم: \"آمين\" (٣٢٣١)، ومسلم: كتاب: الجهاد والسير، باب: ما لقي النبي ﷺ من أذى المشركين والمنافقين (١١١) (١٧٩٥).\n_________\n[¬١]- في ز: \"ليستبين\".\n[¬٢]- في ز: \"لتستبين\".\n[¬٣]- هي قراءة نافع (كما في السبعة لابن مجاهد ص ٢٥٨).\n[¬٤]- في ز: \"لتستبين\".\n[¬٥]- سقط من: ز.\n[¬٦]- سقط من: ز.\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين زيادة من: ز.\n[¬٨]- في ز: \"تستعجلون\".","vol":"6","page":51},{"text":"يعبد الله لا يشرك به شيئًا\". وهذا لفظ مسلم.\nفقد عرض عليه عذابهم واستئصالهم، [فاستأنى بهم] [¬١] وسأل لهم التأخير؛ لعل الله أن يخرج من أصلابهم من لا يشرك به شيئًا، فما الجمع بين هذا وبين قوله تعالى فى هذه الآية الكريمة: ﴿قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ﴾\nفالجواب والله أعلم: أن هذه الآية دلت على أنَّه لو كان إليه وقوع العذاب الذي يطلبونه حال طلبهم له لأوقعه بهم، وأما الحديث فليس فيه أنهم سألوه وقوع العذاب بهم، بل عرض عليه ملك الجبال أنَّه إن شاء أطبق عليهم الأخشبين؛ وهما جبلا مكة اللذان [¬٢] يكتنفانها جنوبًا وشمالًا، فلهذا استأنى بهم وسأل الرفق لهم.\nوقوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ قال البخاري (^٧٥): حدَّثنا عبد العزيز ابن عبد الله، حدثنا إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه: أن رسول الله ﷺ قال: \"مفاتح الغيب خمس لا يعلمها إلَّا الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾.\nوفي حديث عمر (^٧٦): أن جبريل حين تبدى له [¬٣] فى صورة أعرابي، فسأل عن الإسلام والإيمان والإحسان، فقال [¬٤] النبي ﷺ فيما قاله [¬٥] له: \"خمس لا يعلَمهن إلَّا الله\" ثم قرأ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ … .﴾ الآية.\nوقوله: ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ أي: يحيط علمه الكريم بجميع الموجودات؛ بريِّهَا وبحريِّهَا، لا يخفى عليه من ذلك شيء، ولا مثقال ذرة فى الأرض ولا فى السماء، وما أحسن ما قال الصَّرْصَري:\nفلا يخفى عليه الذر إما … تراءى للنواظر أو توارى\n_________\n(^٧٥) - صحيح البخاري، كتاب: التفسير، باب: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ (٤٦٢٧)، وأخرجه أحمد (٢/ ١٢٢)، والنسائى في \"الكبرى\" كتاب: النعوت (٤/ ٧٧٢٨) من طريقين عن إبراهيم بن سعد به.\nويعيده المصنف بإسناد آخر [سورة الرعد/ آية ٨/ رقم ١٩] [سورة لقمان/ آية ٣٤].\n(^٧٦) - صحيح يأتي تخريجه [سورة لقمان/آية ٣٤].\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في خ، ز: \"فاستأناهم\".\n[¬٢]- سقط من: خ، ز.\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- في ز: \"قال\".\n[¬٥]- في ز: \"قال\".","vol":"6","page":52},{"text":"وقوله: ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا﴾ أي: ويعلم الحركات حتَّى من الجمادات، فما ظنك بالحيوانات، ولا سيما المكلفون منهم من جنهم وإنسهم، كما قال تعالى: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾.\nوقال ابن أبي حاتم (^٧٧): حدَّثنا أبي، حدَّثنا الحسن بن الربيع، حدَّثنا أَبو الأحوص [¬١]، عن سعيد بن مسروق، حدَّثنا حسان النمري، عن ابن عبَّاس في قوله: ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا﴾ قال: ما من شجرة في بر ولا بحر، إلَّا وملك موكل بها يكتب ما يسقط منها.\nوقوله: ﴿وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾.\nقال محمد بن إسحاق (^٧٨)، عن يحيى بن النضر، عن أبيه، سمعت عبد الله بن عمرو بن العاص يقول: إن تحت الأرض الثالثة وفوق الرابعة من الجن، ما لو أنَّهم ظهروا - يعني لكم - لم تروا معهم نورًا، على كل زاوية من زوايا الأرض [¬٢] خاتم من خواتيم الله ﷿ على كل خاتم ملك من الملائكة، يبعث الله ﷿ إليه في كل يوم ملكًا من عنده أن احتفظ بما عندك.\nقال ابن أبي حاتم (^٧٩): حدَّثنا عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن المسور الزهرى، حدَّثنا مالك بن سعير، حدَّثنا الأعمش، عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد الله بن الحارث، قال: ما في الأرض من شجرة ولا مغرز إبرة، إلَّا عليها ملك موكل يأتي الله بعلمها: وطربتها إذا رطبت، ويبوستها [¬٣] إذا يبست.\n_________\n(^٧٧) - ابن أبي حاتم في تفسيره (٤/ ٧٣٦٩) وأخرجه مسدد في مسنده - كما في \"المطالب العالية\" (٨/ ٣٩٧٤ - ط قرطبة) - ثنا أبو الأحوص به ورجاله ثقات غير حسان النمري فلم أهتد لترجمته وفي \"التاريخ الكبير\" للبخاري (٣/ ٣٥) ذكر \"حسان بن وبرة أبو عثمان النميرى\" يروي عن أبي هريرة ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا، ويحتمل أن يكون هو والله أعلم والأثر زاد نسبته السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ٢٨) إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن مرديه.\n(^٧٨) - أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (٤/ ٧٣٧٠) ولم يعزه السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ٢٨) لغير ابن أبي حاتم.\n(^٧٩) - ابن أبي حاتم في تفسيره (٤/ ٧٣٧١) وأخرجه ابن جرير (١١/ ١٣٣٠٨) من طريق مالك بن سعير به وأَبو الشيخ في \"العظمة\" (٢/ رقم ٣٢٦) من طريق إبراهيم بن حميد الرواسي عن الأعمَش به ويزيد بن أبي زياد هو الهاشمي الكوفي مولى عبد الله بن الحارث، ضعيف، والأثر زاد نسبته السيوطي (٢٩/ ٣) إلى ابن أبي شيبة.\n_________\n[¬١]- في ز: \"الأخوص\".\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- في ز: \"يسبها\".","vol":"6","page":53},{"text":"وكذا رواه ابن جرير: [عن أبي الخطاب زيد بن عبد الله الحساني] [¬١]، عن مالك بن سعير به.\nثم قال ابن أبي حاتم (^٨٠): ذكر عن أبي حذيفة، حدَّثنا سفيان، عن عمرو بن قيس، عن رجل، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبَّاس قال: خلق الله النون - وهي الدواة - وخلق الألواح، فكتب فيها أمر الدنيا حتَّى ينقضي [¬٢] ما كان من خلق مخلوق، أو رزق حلال أو حرام، أو عمل بر أو فجور، وقرأ هذه الآية: ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا [وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ] [¬٣]﴾.\n﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٦٠) وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ (٦١) ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ (٦٢)﴾\nيخبر [¬٤] تعالى: أنه يَتَوَفَّى عباده في منامهم بالليل، وهذا هو التوفي الأصغر، كما قال تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾، وقال تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ فذكر في هذه الآية الوفاتين: الكبرى والصغرى، وهكذا ذكر في هذا المقام حكم الوفاتين الصغرى ثم الكبرى، فقال: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾ [أي: ويعلم ما كسبتم من الأعمال بالنهار] [¬٥]، وهذه جملة معترضة دلت على\n_________\n(^٨٠) - ابن أبي حاتم في تفسيره (٤/ ٧٣٧٢) وإسناده فيه جهالة وانقطاع وزاد السيوطي نسبته في \"الدر المنثور\" (٣/ ٢٩) إلى عبد بن حميد.\n_________\n[¬١]- الذي في تفسير ابن جرير هو \"زيد بن يحيى الحساني أَبو الخطاب\" وفي الحاشية للشيخ شاكر قال: \"جاء في المخطوطة وتفسير ابن كثير \"زياد بن عبد الله الحساني أَبو الخطاب\" وهو خطأ لا شك فيه، فإن الذى يروي عن \"مالك بن سعير\" هو \"زياد بن يحيى الحساني أَبو الخطاب\" فضلًا عن أنَّه ليس في الرواة من يسمى \"زياد بن عبد الله الحساني أَبو الخطاب\".\n[¬٢]- في ز: \"تنقضي\".\n[¬٣]- في ت: \"إلى آخر الآية\".\n[¬٤]- في ت: \"يقول\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.","vol":"6","page":54},{"text":"إحاطة علمه تعالى بخلقه؛ في ليلهم ونهارهم، في حال سكونهم وحال حركتهم، كما قال: ﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾، وكما قال تعالى: ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ أي: في الليل ﴿وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ أي: في النهار، كما قال: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (١٠) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا﴾ ولهذا قال تعالى هاهنا: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾ أي: ما [¬١] كسبتم [من الأعمال فيه] [¬٢] ﴿ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ﴾ أي: في النهار. قاله مجاهد وقَتَادة والسدي.\nوقال ابن جريج عن عبد الله بن كثير: أي: في المنام.\nوالأول أظهر، وقد روى ابن مردويه (^٨١) بسنده عن الضحاك، عن ابن عبَّاس، عن النبي ﷺ قال: \"مع كل إنسان ملك، [إذا نام يأخذ] [¬٣] نفسه ويرده [¬٤] إليه، فإن أذن اللَّه في قبض روحه قبضه، وإلا رد إليه\". فذلك قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ﴾.\nوقوله: ﴿لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى﴾ يعني به: أجل كل واحد من الناس ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ﴾ أي: يوم القيامة ﴿[ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ] [¬٥]﴾ أي: فيخبركم ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي: ويجزيكم على ذلك؛ إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر.\nوقوله: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ أي: وهو [¬٦] الذي قهر كل شيء، وخضع لجلاله وعظمته وكبريائه - كل شيء ﴿وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً﴾ أي: من الملائكة يحفظون بدن الإِنسان، كقوله: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ وحفظة يحفظون عمله ويحصونه عليه [¬٧] كقوله: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) [كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ] [¬٨]﴾. وكقوله: ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (١٧) مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾. وقوله: ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ﴾ الآية، [¬٩]. وقوله: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ أي: احتضر وحان أجله ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا﴾ أي: ملائكة موكلون بذلك.\n_________\n(^٨١) - وعزاه لابن مردويه السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ٢٩) وزاد عزوه إلى أبي الشيخ، والضحاك هو ابن مزاحم لم يسمع من ابن عبَّاس.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٣]- فى ز: \"إذ نام يأخذ\".\n[¬٤]- فى ز: \"ويرد\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين في ز: \"فينبئكم\".\n[¬٦]- فى ز: \"هو\".\n[¬٧]- سقط من: ت.\n[¬٨]- ما بين المعكوفتين زيادة من: ز، وفى: ت: \"الآية\".\n[¬٩]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.","vol":"6","page":55},{"text":"قال ابن عبَّاس (^٨٢) وغير واحد: لملك الموت أعوان من الملائكة، يخرجون الروح من الجسد، فيقبضها ملك الموت إذا انتهت إلى الحلقوم. وسيأتي عند قوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ الأحاديث المتعلقة بذلك، الشاهدة لهذا المروي عن ابن عبَّاس وغيره بالصحة.\nوقول: ﴿وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ﴾ أي: في حفظ روح المتوفى، بل يحفظونها وينزلونها حيث شاء [¬١] الله ﷿ ان كان من الأبرار ففي عليين، وإن كان من الفجار ففي سجين، عياذًا بالله من ذلك.\nوقوله: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ﴾ [قال ابن جرير: ﴿ثُمَّ رُدُّوا﴾ يعني: الملائكة ﴿إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ﴾] [¬٢].\nونذكر هاهنا الحديث الذي رواه الإِمام أحمد حيث قال (^٨٣): حدَّثنا حسين بن محمد، حدَّثنا ابن أبي ذئب، عن محمد بن عمرو بن عطاء، عن سعيد بن يسار، [عن أبي هريرة] [¬٣] ﵁، عن النبي ﷺ أنَّه قال: \"إن الميت تحضره الملائكة، فإذا كان الرجل الصالح قالوا: اخرجي أيتها النفس الطيبة [¬٤] كانت في الجسد الطيب، اخرجي حميدة، وأبشري بروح وريحان، ورب غير غضبان، فلا تزال [¬٥] يقال لها ذلك حتَّى تخرج، ثم يعرج بها إلى السماء فيستفتح [فيفتح] [¬٦] لها، [فيقال: من هذا] [¬٧]؟ فيقال: فلان. [فيقال] [¬٨]: مرحبًا بالنفس الطيبة، كانت في الجسد الطيب، ادخلي\n_________\n(^٨٢) - أخرجه ابن جرير (١١/ ٤١١، ٤١١ - شاكر) وابن أبي حاتم (٤/ ٧٣٨٧) وأبو الشيخ في \"العظمة\" (٣/ رقم ٤٥٦) من طريق إبراهيم النخعي عنه به وإبراهيم النخعي لم يثبت سماعه من ابن عبَّاس كما في \"التهذيب\" (١/ ٩٣ - الرسالة) وانظر الآثار الأخرى في المصادر السابقة و\"الدر المنثور\" (٣/ ٣٠، ٣١).\n(^٨٣) - إسناده صحيح في \"المسند\" (٢/ ٣٦٤ - ٣٦٥) (رقم ٨٧٥٤ - شاكر) وسيعيده المصنف - كما هنا - في [سورة إبراهيم/ آية ٢٧].\nويذكره أي في [سورة الأعراف/آية ٤٠] مختصر الإسناد، وأخرجه أحمد أيضًا (٦/ ١٤٠) والنَّسائي في \"التفسير\" من \"الكبرى\" (٦/ ١١٤٤٢) وفي \"الملائكة\" - كما في \"التحفة\" (١٠/ ١٣٣٨٧) وابن ماجة، كتاب: الزهد، باب: ذكر الموت والاستعداد له (٤٢٦٢)، باب: ذكر القبر والبلى (٤٢٦٨) وابن جرير في تفسيره (١٢/ ١٤٦١٥، ١٤٦١٦) =\n_________\n[¬١]- في ز: \"يشاء\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٤]- في ز: \"المطمئنة\".\n[¬٥]- في ز: \"يزال\".\n[¬٦]- زيادة من: ز.\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٨]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.","vol":"6","page":56},{"text":"حميدة، وأبشري بروح وريحان، ورب غير غضبان، فلا تزال [¬١] يقال لها ذلك، حتَّى ينتهى بها إلى السماء التي فيها الله ﷿. وإذا كان الرجل السوء قالوا: اخرجي أيتها النفس الخبيثة، كانت في الجسد الخبيث، اخرجي ذميمة، وأبشري بحميم وغساق، وآخر من شكله أزواج، فلا تزال يقال لها ذلك حتَّى تخرج، ثم يعرج بها إلى السماء فيستفتح لها، فيقال: من هذا؟ فيقال: فلان. فيقال: لا مرحبًا بالنفس الخبيثة، كانت في الجسد الخبيث، ارجعي ذميمة فإنه لا يفتح لك أَبواب السماء، فترسل من السماء، ثم تصير إلى القبر، فيجلس الرجل الصالح فيقال له مثل ما قيل في الحديث الأوّل، ويجلس الرجل السوء فيقال له مثل مما قيل في الحديث الأول\". هذا حديث غريب.\nويحتمل أن يكون المراد بقوله: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ﴾ يعني: الخلائق كلهم إلى الله يوم القيامة، فيحكم فيهم بعدله، كما قال: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ (٤٩) لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾، وقال: ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ إلى قوله: ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾، ولهذا قال: ﴿مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾.\n﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٣) قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ (٦٤) قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ (٦٥)﴾\nيقول تعالى ممتنًّا على عباده في إنجائه المضطرين منهم من ظلمات البر والبحر، أي: الحائرين الواقعين في المهامة البربة، وفي [¬٢] اللجج البحرية، إذا هاجت الرياح العاصفة، فحينئذ يفردون\n_________\n= والآجري في \"الشريعة\" (٢/ ٩٧٩) والبيهقي في \"إثبات عذاب القبر\" (٣٩) من طرق عن ابن أبي ذئب بهذا الإسناد وصحيح إسناده البوصيري في \"الزوائد\" (٣/ ٣١١) والمنذري في \"الترغيب والترهيب\" (٤/ ٣٧٠) وأخرجه النَّسائي في \"الصغرى\" (٤/ ٨ - ٩) وصحه ابن حبان (٧/ ٣٠١٣، ٣٠١٤) والحاكم (١/ ٣٥٢، ٣٥٣) ووافقه الذهبى من طريقين عن أبي هريرة بنحو هذا اللفظ.\n_________\n[¬١]- في ز: \"يزال\".\n[¬٢]- سقط من: ز.","vol":"6","page":57},{"text":"الدعاء له وحده لا شريك له، كقوله: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا] [¬١]﴾، وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٢٢) فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ] [¬٢]﴾، وقوله: ﴿أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾.\nوقال في هذه الآية الكريمة: ﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ أي: جهرًا وسرًا ﴿لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ﴾ أي: من هذه الضائقة ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ أي: بعدها. قال الله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ﴾ أي: بعد ذلك ﴿تُشْرِكُونَ﴾ أي: تدعون معه في حال الرفاهية آلهة أخرى.\nوقوله: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ لما قال: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾ عقبه بقوله: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا﴾ أي: بعد إنجائه إياكم، كقوله في سورة سبحان: ﴿رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٦٦) وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا (٦٧) أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا (٦٨) أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا﴾.\nقال ابن أبي حاتم (^٨٤): ذكر عن مسلم بن إبراهيم، حدَّثنا هارون الأعور، عن [حفص] [¬٣] ابن سليمان، عن الحسن في قوله: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ قال: هذه للمشركين.\n_________\n(^٨٤) - أثر صحيح، رواه ابن أبي حاتم في تفسيره (٤/ ٧٤٠٥) هكذا معلقًا، ووصله ابن جرير (١١/ ١٣٣٧٩) من طريق ابن المبارك عن هارون به وزاد نسبته السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ٣٦) إلى أبي الشيخ.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين زيادة من: ز، وفي ت: \"الآية\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين زيادة من: ز، وفى ت: \"الآية\".\n[¬٣]- في \"ت، خ، ز\" \"جعفر\" وهو خطأ والصواب المثبت كما في تفسير ابن أبي حاتم وابن جرير وانظر ترجمته في \"التهذيب\".","vol":"6","page":58},{"text":"وقال ابن أبي نجيح: عن مجاهد في قوله: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ لأمة محمد ﷺ فعفا عنهم.\nونذكر هنا الأحاديث الواردة فى ذلك والآثار وبالله المستعان وعليه التكلان وبه الثقة.\nقال البخاري رحمه الله تعالى (^٨٥) فِى قوله: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ﴾: يلبسكم: يخلطكم، من الالتباس، يلبسوا: يخلطوا، شيعًا: فرقًا.\nحدَّثنا أَبو النعمان، حدَّثنا حمَّاد بن زيد، عن عمرو بن دينار، عن جابر بن عبد الله، قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ قال رسول الله ﷺ: \"أعوذ بوجهك\" ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ قال: \"أعوذ بوجهك\" ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ قال رسول الله ﷺ: \"هذا أهون - أو قال: - هذا أيسر\".\nوهكذا رواه اُيضا فى كتاب التوحيد (^٨٦)، عن قتيبة، عن حمَّاد به.\nورواه النَّسائي في التفسير (^٨٧): عن قتيبة ومحمد بن النضر بن مساور ويحيى بن حبيب بن عربي [¬١] أربعتهم [¬٢]، عن حمَّاد بن زيد به.\nوقد رواه الحميدي فى مسنده (^٨٨): عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار: سمع جابرًا\n_________\n(^٨٥) - صحيح البخاري، كتاب: التفسير، باب: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ … .﴾ (٤٦٢٨) ومن طريقه البغوي في \"شرح السنة\" (١٤/ ٤٠١٦).\n(^٨٦) - باب: قول الله ﷿: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ (٧٤٠٦)، وأخرجه أيضًا، كتاب؛ الاعتصام بالكتاب والسنة، باب: قول الله تعالى: ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا﴾ (٧٣١٣) حدَّثنا على بن عبد الله حدَّثنا سفيان قال عمرو: سمعت جابر بن عبد الله … فذكره.\n(^٨٧) - من \"الكبرى\" (٦/ ١١١٦٤) وفي \"النعوت\" من الكبرى (٤/ ٧٧٣١) عن قتيبة بمفرده، به وأخرجه أيضًا (٦/ ١١١٦٥) أنا محمد بن رافع، نا عبد الرزاق نا معمر عن عمرو وهو في تفسير عبد الرزاق (٢/ ٢١١) مقرونًا بمعمر ابن عيينة، ومن طريق عبد الرزاق أيضًا ابن جرير (١١/ ١٣٣٧٢).\n(^٨٨) - مسند الحميدي رقم (١٢٥٩) وأخرجه أحمد في \"المسند\" (٩/ ٣٠٣) =\n_________\n[¬١]- في خ، ز: \"عدي\".\n[¬٢]- كذا قال المصنف: \"أربعتهم\" وهم ثلاثة فلعله سهو أو خطأ من الناسخ والله أعلم.","vol":"6","page":59},{"text":"عن النبي ﷺ به.\nورواه ابن حبان في صحيحه (^٨٩): عن أبي يعلى الموصلي، عن أبي خيثمة، عن سفيان بن عيينة به.\nورواه ابن جرير في تفسيره (^٩٠): عن أحمد بن الوليد القرشي وسعيد بن الربيع وسفيان بن وكيع، كلهم عن سفيان بن عيينة به.\nورواه أَبو بكر بن مردويه (^٩١): من حديث آدم بن أبي إياس ويحيى بن عبد الحميد وعاصم بن علي، عن سفيان بن عيينة به.\nورواه سعيد بن منصور (^٩٢)، عن حمَّاد بن زيد وسفيان بن عيينة كلاهما، عن عمرو بن دينار به.\n(طريق أخرى) قال الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسيره (^٩٣): حدَّثنا سليمان بن أحمد،\n_________\n= ثنا سفيان، به، وهذا إسناد ثلاثي على شرط الشيخين، وأخرجه التِّرمِذي في جامعه، كتاب: التفسير، باب: ومن سورة الأنعام (٣٠٦٧) ثنا ابن أبي عمر، ثنا سفيان يه، وقال الترمذى: \"حديث حسن صحيح\".\n(^٨٩) - صحيح ابن حبان (١٦/ ٧٢٢٠ - الإحسان) - وهو في مسند أبو يعلى الموصلي (٣/ ١٨٢٩) وأخرجه أَبو يعلى أيضًا (٣/ ١٩٦٧) ثنا عمرو - وهو الناقد - ثنا سفيان به وأخرجه أي (٣/ ١٩٨٢، ١٩٨٣) من طريقين عن حمَّاد بن زيد عن عمرو بن دينار له.\n(^٩٠) - تفسير أبي جرير (١١/ ١٣٣٦٥، ١٣٣٦٦) ورواه ابن أبي حاتم (٤/ ٧٤١٠) من طريق محمد بن عبد الله بن يزيد المقريء، وابن خزيمة في \"التوحيد\" (١/ رقم ١١) من طريق عبد الجبار ابن العلا العطار، وسعيد بن عبد الرحمن المخزومي والبيهقي في \"الأسماء والصفات\" (٢/ رقم ٦٤٦) من طريق سعدان بن نصر، أربعتهم محمد وعبد الجبار وسعيد وسعدان) عن سفيان بن عيينة به، وأخرجه نعيم بن حمَّاد في \"الفتن\" (ص ٤٢٠) ثنا ابن عيينة به.\n(^٩١) - وعزاه لابن مردويه السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣٢/ ٣) وزاد عزوه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر وأبي الشيخ.\n(^٩٢) - وأخرجه ابن أبي عاصم في \"السنة\" (١/ رقم ٣٠٠) ثنا هدبة بن خالد، ثنا حمَّاد بن سلمة عن عمرو بن دينار به.\n(^٩٣) - إسناده ضعيف وعزاه لابن مردويه السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ٣٢) والحديث عند الطبراني سليمان بن أحمد في \"الأوسط\" (٩/ ٩٠٦٨) وقال: \"لم يرو هذا الحديث عن خالد بن يزيد إلَّا ابن لهيعة\" وأخرجه ابن أبي حاتم (٤/ ٧٤١١) من طريق النضر بن عبد الجبار ثنا ابن لهيعة له، وابن لهيعة سييء الحفظ، وأَبو الزُّبَير مدلس وقد عنعن.","vol":"6","page":60},{"text":"حدَّثنا مقدام بن داود، حدَّثنا عبد الله بن يوسف، حدَّثنا [عبد الله] [¬١] بن لهيعة، عن خالد ابن يزيد، عن أبي الزُّبَير، عن جابر، قال: لما نزلت ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ قال رسول الله ﷺ: \"أعوذ بالله من ذلك\". قال رسول الله ﷺ: \" أعوذ ب ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ الله من ذلك \". ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا﴾ قال: \"هذا أيسر\". وإن [¬٢] استعاذه لأعاذه.\nويتعلق بهذه الآية أحاديث كثيرة.\n(أحدها) قال الإِمام أحمد بن حنبل فى مسنده (^٩٤): حدَّثنا أبو اليمان، حدَّثنا أَبو بكر - يعني [¬٣] ابن أبي مريم -، عن راشد - هو ابن سعد القرائي -، عن سعد بن أَبى وقاص، قال: سئل رسول الله ﷺ عن هذه الآية: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ فقال: \"أما إنها [¬٤] كائنة، ولم يأت تأويلها بعد\".\nوأخرجه التِّرمِذي: عن الحسن بن عرفة، عن إسماعيل بن عياش، عن أبي بكر بن أبي مريم به.\nثم قال: هذا حديث غريب.\n(حديث آخر) قال الإِمام أحمد (^٩٥): حدَّثنا يعلى - هو ابن عبيد -، حدَّثنا عثمان بن حكيم، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه، قال: أقبلنا مع رسول الله صلى الله عليه\n_________\n(^٩٤) - إسناده ضعيف، وهو في \"المسند\" (١/ ١٧٠ - ١٧١) وأخرجه تمام فى فوائده (٤/ ١٣٣٨ - الروض البسام) من طريق أبي اليمان به وأخرجه الحسن بن عرفه في \"جزئه\" (رقم ٧٧) - ومن طريقه التِّرمِذي (٣٠٦٨) وابن أبي حاتم (٤/ ٧٣٩٧) وابن عساكر في \"تاريخ دمشق\" (٢/ ١٧١ - مخطوط) - والذهبي في \"معجم شيوخه\" (١/ ٢٦٤ - ٢٦٥) من طريق إسماعيل بن عياش عن أبي بكر به، ونعيم بن حمَّاد في \"الفتن\" (ص ٤١٥) ثنا بقية عن أبي بكر بن أبي مريم به، وقال التِّرمِذي: \"حديث حسن غريب ونقل تحسينه عنه السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ٣٢). وفي بعض النسخ - كما في \"التحفة\" (٣/ رقم ٣٨٥١) - قال: \"غريب\" دون تحسينه وهو أشبه إذ إن أبا بكر بن إلى مريم ضعيف مختلط، وبه أعله الشيخ شاكر في \"المسند\" (٣/ رقم ١٤٦٦) وكذا الذهبي فقال: \"هذا حديث إسناده ضعيف من فبل أبي بكر الغساني أخرجه التِّرمِذي عن الحسن بن عرفة وقال: هذا حديث غريب\". والحديث زاد نسبته السيوطي إلى ابن مردويه.\n(^٩٥) - صحيح، وهو في \"المسند\" (١/ ١٧٥) (رقم ١٥١٦ - شاكر) وأخرجه أيضًا (١/ ١٨١ - ١٨٢) (١٥٧٤) حدَّثنا عبد الله بن نمير عن عثمان به. وانظر ما بعده.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٢]- في ز: \"لو\".\n[¬٣]- في ز: \"هو\".\n[¬٤]- سقط من: ز.","vol":"6","page":61},{"text":"وسلم حتَّى مررنا على مسجد بني معاوية، فدخل فصلى ركعتين فصلينا معه، فناجى ربه ﷿ طويلًا، ثم [¬١] قال: \"سألت ربي ثلاثًا؛ سألته أن لا يهلك أمتي بالغرق فأعطانيها، وسألته أن لا يهلك أمتي بالسَّنَة فأعطانيها، وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها\".\nانفرد بإخراجه مسلم، فرواه في كتاب الفتن (^٩٦): عن أبي بكر بن أبي شيبة ومحمد بن عبد الله ابن نمير كلاهما، عن عبد الله بن نمير. وعن محمد بن يحيى بن أبي عمر، عن مروان بن معاوية كلاهما [¬٢]، عن عثمان بن حكيم به.\n(حديث آخر) قال الإِمام أحمد (^٩٧): قرأت على عبد الرحمن بن مهدي، عن مالك، عن [عبد الله بن عبد الله بن جابر بن عتيك] [¬٣]، [عن جابر بن عتيك] [¬٤] أنَّه قال: جاءنا عبد الله ابن عمر في حرة [¬٥] بني معاوية - قرية [¬٦] من قرى الأنصار - فقال لي: هل تدري أين صلى رسول الله ﷺ في مسجدكم هذا؟ فقلت: نعم. فأشرت إلى ناحية منه، فقال: هل تدري ما الثلاث التي دعا بهن فيه؟ فقلت: نعم. فقال: أخبرني [¬٧] بهن. فقلت: دعا أن لا يُظْهِر عليهم عدوًّا من غيرهم، ولا يهلكهم بالسنين فَأعْطِيَهُما، ودعا بأن لا يجعل بأسمهم بينهُم فمنعها. قال: صدقت، فلا يزال الهرج [¬٨] إلى يوم القيامة.\nليس هو في شيء من الكتب الستة، وإسناده جيد قوي، ولله الحمد والمنة.\n_________\n(^٩٦) - مسلم، كتاب: الفتن وأشراط الساعة، باب: هلاك هذه الأمة بعضهم ببعض (٢٠، ٢١) (٢٨٩٠).\n(^٩٧) - إسناده صحيح \"المسند\" (٥/ ٤٤٥) والحديث في \"الموطأ\" كتاب: القرآن (رقم ٣٥) وذكره الهيثمي في \"المجمع\" (٧/ ٢٢٤) وقال: \"رواه أحمد ورجاله ثقات\" وعزاه السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ٣٤) إلى أحمد والحاكم ونقل عن الأخير تصحيحه، ولم أجده في \"المستدرك\" والله أعلم. ورجاله ثقات أثبات، رجال الصحيحين غير صحابيِّه فأخرج له أَبو داود والنَّسائي.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- يعني: \"عبد الله بن نمير ومروان بن معاوية\".\n[¬٣]- في \"المسند\" عبد الله بن جابر بن عتيك وهو خطأ والصواب هاهنا وجاء على الصواب أيضًا في أطراف المسند لابن حجر ﵀ (٢/ ١٧٨) واختلف في اسم جده هل جابر أو جبر انظر ذلك في \"التهذيب\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٥]- سقط من: ز.\n[¬٦]- سقط من: ز.\n[¬٧]- في ز: \"فأخبرني\".\n[¬٨]- في ز: \"العرج\".","vol":"6","page":62},{"text":"(حديث آخر) قال محمد بن إسحاق: عن حكيم بن حكيم بن عباد [¬١] بن حنيف، عن علي بن عبد الرحمن، أخبرني حذيفة بن اليمان، قال: خرجت مع رسول اللَّه ﷺ إلى حرة بني معاوية، قال: فصلى ثماني ركعات فأطال فيهن، ثم التفت إلي فقال: \"حبستك [يا حذيفة\"] [¬٢]. قلت: الله ورسوله أعلم. قال: \"إني سألت الله ثلاثًا فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة، سألته ألا يسلط على أمتي عدوًّا هن غيرهم فأعطاني، وسألته أن لا يهلكهم بغرق فأعطاني، وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعني\".\nرواه ابن مردويه (^٩٨): من حديث محمد [¬٣] بن إسحاق.\n(حديث آخر) قال الإِمام أحمد (^٩٩): حدَّثنا عَبيدة بن حُميد، حدثني سليمان [] [¬٤] الأعمش، عن رجاء الأنصاري، عن عبد الله بن شداد، عن معاذ بن جبل ﵁ قال: أتيت رسول الله ﷺ أطلبه [¬٥] فقيل لي: خرج قبل. قال: فجعلت لا أمر بأحد إلَّا قال مر من [¬٦] قبل، حتَّى مررت فوجدته قائمًا يصلي، قال: فجئت حتَّى قمت خلفه [] [¬٧] فأطال الصلاة، [فلما قضى صلاته قلت] [¬٨]: يا رسول الله، قد [¬٩] صليت صلاة طويلة. فقال رسول الله ﷺ: [إني صليت صلاة رغبة ورهة، إني [¬١٠] سألت الله\n_________\n(^٩٨) - إسناده ضعيف وعزاه لابن مردويه السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ٣٤) وأخرج ابن أبي شيبة في \"المصنف\" كتاب: الدعاء، باب: ما دعا النبي ﷺ لأمته فأعطى بعضه (٧/ ٨٠)، كتاب: الفضائل، باب: ما أعطى الله تعالى محمدًا ﷺ (٧/ ٤٢٢) وكتاب: صلاة التطوع (١/ ٣٠١) مختصرًا جدًا ثنا عبد الله بن نمير، ثنا محمد بن إسحاق عن حكيم به، وأخرجه البخاري في \"التاريخ الكبير\" (٦/ ٢٨٥) من طريق عبدة بن سليمان عن محمد بن إسحاق به مختصرًا جدًا، وعلى بن عبد الرحمن هو مولى ربيعة بن الحارث، وفي طبقته على بن عبد الرحمن المُعاوي الأنصاري، وتردد فيهما البخاري هل هما واحد أو اثنان؟؟ ولم يفرق بينهما أَبو حاتم (٦/ ١٩٥) بينما فرق فيهما ابن حبان في \"الثقات\" (٥/ ١٦٦) والأول لم يوثقه غير ابن حبان بينما الثاني روى له مسلم ووثقه أَبو زرعة والنَّسائي وعلى كل ففي الإسناد محمد بن إسحاق وهو صدوق مدلس، ولم يصرح بالتحديث.\n(^٩٩) - \" المسند\" (٥/ ٢٤٠) ومن طريقه المزي في \"تهذيب الكمال\" (٩/ ١٧١ / ت رجاء الأنصاري) وأخرجه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" كتاب: الدعاء، باب: =\n_________\n[¬١]- في ز: \"عبادة\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين في ز: \"بن\".\n[¬٥]- سقط من: ز.\n[¬٦]- سقط من: ز.\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين في ز: \"قال\".\n[¬٨]- ما بين المعكوفتين في ز: \"فقلت\".\n[¬٩]- في ز: \"لقد\".\n[¬١٠]- سقط من: ز.","vol":"6","page":63},{"text":"﷿ ثلاثًا فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة؛ سألته أن لا يهلك أمتي غرقًا فأعطاني، وسألته أن لا يظهر عليهم عدوًّا ليس منهم فأعطانيها، وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فردها علي\".\nورواه ابن ماجة في الفتن [¬١]: عن محمد بن عبد الله بن نمير وعلى بن محمد كلاهما، عن أبي معاوية، عن الأعمش به. ورواه ابن مردويه: من حديث أبي عوانة، عن [عبد الله بن عمير] [¬٢]، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن معاذ بن جبل، عن النبي ﷺ بمثله أو نحوه.\n(حديث آخر) قال الإِمام أحمد (^١٠٠): حدَّثنا هارون بن معروف، حدَّثنا عبد الله بن\n_________\n= ما دعا النبي ﷺ لأمته فأعطي بعضه (٧/ ٨٠) وابن ماجة، كتاب: الفتن، باب: ما يكون من الفتن (٣٩٥١) وابن خزيمة في \"صحيحه\" (١٢١٨) من طريقين عن الأعمَش به وقال البوصيري في \"الزوائد\" (٣/ ٢٢٩): \"إسناد صحيح رجاله ثقات\" كذا قال، ورجاء الأنصاري لم يرو عنه سوى الأعمَش كما قال الذهبي في \"الميزان\" (٢/ ٢٣٦) وقال في \"المجرد في أسماء رجال سنن ابن ماجة\" (ص ٧٤): \"جُهِّلْ\" وقال ابن حجر ﵀ في \"التقريب\": مقبول. وبه أعل هذه الطريق الألباني في \"الصحيحة\" (٤/ ١٧٢٤) وأخرجه أحمد (٥/ ٢٤٣، ٢٤٧) وابن مردويه كما قال المصنف - من طريق عبد الملك بن عمير عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن معاذ بنحوه، وعبد الرحمن بن أبي ليلى لم يسمع من معاذ، قاله ابن المديني والترمذي وابن خزيمة. انظر \"التهذيب\" (٢/ ٥٤٩ - الرسالة). وزاد نسبته السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ٣٥) إلى ابن المنذر وغفل عن عزوه لابن خزيمة، وبالله التوفيق.\n(^١٠٠) - \" المسند\" (٣/ ١٤٦) وأخرجه النَّسائي في \"الكبرى\" - كما في \"التحفة\" (١/ رقم ٩٢٠) - وابن خزيمة في \"صحيحه\" (٢/ رقم ١٢٢٨) وأَبو نعيم \"الحلية\" (٨/ ٣٢٦) من طريق عبد الله ابن وَهْب به، وأخرجه ابن خزيمة والحاكم (١/ ٣١٤) من طريق سعيد بن أبي مريم ثنا بكر بن مضر عن عمرو بن الحارث به وأخرجه أحمد أيضًا (٣/ ١٥٦) من طريق رشدين عن عمرو به. قال الحاكم: \"حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه … \" ووافقه الذهبي، قلت: في إسناده الضحاك ابن عبد الله القرشي فيه جهالة، قال ابن حجر ﵀ في \"تعجيل المنفعة\" (رقم ٤٨١): \"ذكره ابن حبان في \"الثقات\" (٤/ ٣٨٨) والبخاري في \"التاريخ\" (٤/ ٣٣٤) وزاد: إن لم يكن ابن خالد بن حزام القرشي الأسدي، فلا أعرفه وتبعه ابن أبي حاتم - \"الجرح والتعديل\" (٤/ ٤٥٩) - وزاد: أنه روى عن حكيم بن حزام، وفي \"التهذيب\": الضحاك بن عثمان بن عبد الله الأسدي، فيحتمل أن يكون هو نسب إلى جده: لكن في ترجمة ابن عثمان أنَّه روى عن بكير بن عبد الله =\n_________\n[¬١]- في ز: \"السنن\".\n[¬٢]- كذا في جميع النسخ، وهو خطأ وصوابه \"عبد الملك بن عمير\" إذ ليس في الرواة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى من اسمه هكذا، وفي الرواة من اسمه عبد الله بن عمير ولكن في طبقة أعلى من هذا ثم إن الإسناد جاء على الصواب في \"المسند\" (٥/ ٢٤٣، ٢٤٧).","vol":"6","page":64},{"text":"وَهْب، أخبرني عمرو بن الحارث، عن بكير بن الأشج، أن الضحاك بن عبد الله القرشي حدثه، عن أَنس بن مالك، أنَّه قال: رأيت رسول الله ﷺ في سفر صلى سبحة الضحى ثماني ركعات، فلما انصرف قال: \"إني صليت صلاة رغبة وهبة، وسألت ربي ثلاثًا فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة؛ سألته أن لا يبتلي أمتي بالسنين ففعل، وسألته أن لا يظهر عليهم عدوهم ففعل، وسألته أن لا يلبسهم شيعًا فأبى علي\".\nرواه النسائي في الصلاة عن محمد بن مسلمة عن ابن وَهْب به.\n(حديث آخر) قال الإِمام أحمد (^١٠١): حدَّثنا أَبو اليمان، أخبرنا شعيب بن أبي حمزة، قال: قال الزُّهْريّ، حدثني عبد الله بن عبد الله بن الحارث بن نوفل، عن عبد الله بن خباب [ابن الأرت] [¬١] عن أبيه خباب بن الأرت [¬٢] مولى بني زُهرة، وكان قد شهد بدرًا مع رسول الله ﷺ [أنَّه قال: راقبت: رسول الله ﷺ] [¬٣] في ليلة صلاها كلها، حتَّى كان مع الفجر فسلم رسول الله ﷺ من صلاته، فقلت [¬٤]: يا رسول الله، لقد صليت الليلة صلاة ما رأيتك صليت مثلها. فقال رسول الله ﷺ: \"أجل، إنها صلاة رغب ورهب، سألت ربي ﷿ فيها ثلاث خصال فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة؛ سألت ربي ﷿ أن لا يهلكنا بما أهلك به الأمم قبلنا فأعطانيها، وسألت ربي ﷿ أن لا يظهر [¬٥] علينا عدوًّا من غيرنا فأعطانيها، وسألت ربي ﷿ أن لا يلبسنا شيعًا فمنعنيها\".\nورواه النَّسائي (^١٠٢): من حديث شعيب بن أبي حمزة به. ومن وجه آخر وابن حبان في\n_________\n= ابن الأشج، والراوى عن أَنس روى عنه بكير المذكور والظاهر التفرقة، وأيضًا ليست لابن عثمان رواية عن أَنس. وللحديث طريق آخر عن أَنس أخرجه الطبراني في (الصغير) (١/ ٨) قال الهيثمي في \"المجمع\" (٧/ ٢٢٥): \"فيه جنادة بن مروان وهو ضعيف\".\nوعزاه السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ٣٤) إلى أحمد والنسائي وابن مردويه.\n(^١٠١) - إسناده صحيح \"المسند\" (٥/ ١٠٨) مقرونًا بأبي اليمان، على بن عياش الحمصي وأخرجه من الطريقين أيضًا الطبراني في \"الكبير\" (٤/ ٣٦٢١) ومن طريقه المزي في \"تهذيب الكمال\" (١٤/ ٤٤٧/ ت عبد الله بن خباب)، وانظر ما بعده.\n(^١٠٢) - في \" الصغرى\" كتاب: قيام الليل وصلاة التطوع، باب: إحياء الليل (٣/ ٢١٦ - ٢١٧)، وفي \"الكبرى\" (١/ ١٣٣٢) من طريق عثمان بني سعيد وبقية عن شعيب به وتحرف في \"الصغرى\" عبد الله بن عبد الله بن الحارث إلى عبيد الله بن عبد اللَّه، فليصحح.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٢]- في ز: \"الأرث\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٤]- في ز: \"قلت\".\n[¬٥]- في خ: \"يظفر\".","vol":"6","page":65},{"text":"صحيحه بإسناديهما: عن صالح بن كيسان (^١٠٣). والتِّرمِذي في الفتن (^١٠٤): من حديث النعمان ابن راشد كلاهما، عن الزُّهْريّ به. وقال: حسن صحيح.\n(حديث آخر) قال أَبو جعفر بن جرير فى تفسيره (^١٠٥): حدثني زياد بن عبيد [¬١] الله المزني، حدَّثنا مروان بن معاوية الفزاري، حدَّثنا أَبو مالك، حدثني نافع بن خالد الخزاعي، عن أبيه: أن النبي ﷺ صلى صلاة خفيفة تامة الركوع والسجود فقال: \"قد كانت صلاة رغبة ورهبة، سألت الله ﷿ فيها ثلاثًا أعطاني اثنتين ومنعني واحدة: سألت اللَّه أن لا يصيبكم بعذاب أصاب به من كان [¬٢] قبلكم فأعطانيها [¬٣] وسألت الله أن لا يسلط عليكم عدوًّا يستبيح بيضتكم فأعطانيها، وسألت الله أن لا يلبسكم شيعًا ويذيق بعضكم بأس بعضٍ فمنعنيها\". قال أبو مالك: فقلت له: أبوك [¬٤] سمع هذا من في [¬٥] رسول الله صلى الله عليه\n_________\n(^١٠٣) - أخرجه من هذا الوجه النَّسائي في \"الكبرى\" (١/ رقم ١٣٣٣) وابن حبان في صحيحه (١٦/ ٧٢٣٦ - إحسان) وأحمد في \"المسند\" (٥/ ١٠٩) - ومن طريقه الطبراني في \"الكبير\" (٤/ ٣٦٢٢) - والخطيب في \"تاريخ بغداد\" (١٣/ ٣١٩).\n(^١٠٤) - جامع التِّرمِذي باب: ما جاء في سؤال النبي ﷺ ثلاثًا في أمته (٢١٧٦) وقال: \"حديث حسن صحيح غريب\" ومن هذا الوجه أخرجه الطبراني في \"الكبير\" (٤/ ٣٦٢٣) وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٢/ ٢١٠) - ومن طريقه ابن جرير (١١/ ١٣٣٧١) والطبراني (٤/ ٣٦٢٤) - وابن جرير أيضًا من طريق آخر (١١/ ١٣٣٧٠) عن معمر عن الزُّهْريّ به وأخرجه الطبراني (٤/ ٣٦٢٦) من طريق إسماعيل بن أبي أويس ثنا أبي عن ابن شهاب به و(٤/ ٣٦٢٥) من طريق عمرو بن الحارث ثنا عبد الله بن سالم عن الزبيدي عن عبد الله بن عبد الله بن الحارث به.\n(^١٠٥) - تفسير ابن جرير (١١/ ١٣٣٦٧) وأخرجه ابن أبي عاصم في \"الآحاد والمثاني\" (٤/ رقم ٢٣٣٣) والطبراني في \"الكبير\" (١٢/ ٤١٤) من طريق مروان بن معاوية وأخرجه الطبراني (٤/ ٤١١٤) والبزار (٢/ ١٦٢٩ - مختصر الزوائد) وابن مردويه - كما يأتي برقم (١٠٩) - من طريق محمد بن فضيل ثنا أبو مالك الأشجعي به وأخرجه البخاري في \"التاريخ الكبير\" (٣/ ١٣٨) والطبراني (٤/ ٤١١٣) من طريق زكريا بن أبي زائدة عن سعد بن طارق - أبي مالك الأشجعي - به مختصرًا وذكره الهيثمي في \"المجمع\" (٧/ ٢٢٥) وقال: \"رواه الطبراني بأسانيد ورجال بعضها رجال الصحيح غير نافع بن خالد وقد ذكره ابن أبي حاتم - \"الجرح والتعديل\" (٨/ ٤٥٧) وكذا ذكره البخاري في \"التاريخ\" (٨/ ٨٥) وهو في ثقات ابن حبان (٧/ ٥٣٢) - ولم يجرحه، ورواه البزار\" وأشار إلى هذا الحديث الحافظ في \"الفتح\" (٨/ ٢٩٣) وعزاه في \"الإصابة\"، =\n_________\n[¬١]- في خ: \"عبد\".\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- في ز: \"فأعطاني\".\n[¬٤]- في ز: \"أبو\".\n[¬٥]- سقط من: خ، ز.","vol":"6","page":66},{"text":"وسلم؟ فقال: نعم، سمعته يحدث بها القوم أنه سمعها من في رسول الله ﷺ.\n(حديث آخر) قال الإِمام أحمد (^١٠٦): حدثنا عبد الرزاق، قال: قال معمر: أخبرني أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي الأشعث الصنعاني، عن أبي أسماء الرحبي، عن شداد بن أوس: أن رسول الله ﷺ قال: \"إن الله زوى لي الأرض حتى رأيت مشارقها ومغاربها، وإن ملك أمتي سيبلغ ما زوي لي منها، وإني أعطيت الكنزين: الأبيض والأحمر، وإني سألت ربي ﷿ أن لا يهلك أمتي بِسَنَةٍ بعامةٍ، وأن لا يسلط عليهم عدوًّا فيهلكهم بعامة، وأن [¬١] لا يلبسهم شيعًا وأن لا يذيق بعضهم بأس بعض، فقال: يا محمد، إني إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد، وإني قد أعطيتك لأمتك أن لا أهلكهم بسنة عامة، وأن لا أسلط عليهم عدوًّا ممن [¬٢] سواهم فيهلكهم بعامة، حتى يكون بعضهم يهلك بعضًا، وبعضهم يقتل بعضا، وبعضهم يسبي بعضًا\". قال: وقال النبي ﷺ: \"وإني [¬٣] لا أخاف على أمتي إلا الأئمة المضلين، فإذا وضع السيف في أمتي لم يرفع عنهم إلى يوم القيامة\".\n_________\n= (٣/ ٧٥) إلى الحسن بن سفيان وأبي يعلى والطبراني والطبري في تفسيره وقال: \"رجاله ثقات\" وحسن إسناده في \"زوائد البزار\" مع أن نافع بن خالد لم يوثقه غير ابن حبان وهو معروف بتساهله في التوثيق، فتنبه!!\n(^١٠٦) - صحيح \"المسند\" (٤/ ١٢٣) والحديث في تفسير عبد الرزاق (٢/ ٢١٠، ٢١١) - ومن طريقه أيضًا البزار في مسنده (٨/ ٣٤٨٧) وابن جرير (١١/ ١٣٣٦٩) - وأخرجه ابن جرير أيضًا (١١/ ١٣٣٦٨) من طريق محمد بن ثور كلاهما عن معمر به.\nوأخرجه ابن حبان (١٠/ ٤٥٧٠) من طريق عبد الرزاق به مختصرًا وليس في إسناده \"أبو أسماء الرحبي\" وقال المصنف: \"إسناده جيد قوي\" وصحيح إسناده ابن حجر في \"الفتح\" (٨/ ٢٩٣) وقال الهيثمي في \"المجمع\" (٧/ ٢٢٤): \"رواه أحمد والبزار ورجال أحمد رجال الصحيح\" قلت: وهو كما قالوا إلا أنه أُعِلَّ في إسناده بما لا يضر صحة متنه، فقال عبد الرزاق: \"سمعت غير معمر يقول: عن أبي أسماء عن ثوبان، وكان معمر يقول: عن أبي أسماء عن شداد بن أوس\" وقال البزار: هذا الحديث رواه حماد بن زيد، وعباد بن منصور عن أيوب عن أبي قلابة عن أبي أسماء عن ثوبان عن النبي ﷺ وهو الصواب، ورواه قتادة عن أبي قلابة عن أبي أسماء عن النبي ﷺ \" وهذا اختلاف لا يضر الحديث فأيما كان عن شداد أو ثوبان، فقد اتصل إسناده إلى النبي ﷺ والله أعلم.\n_________\n[¬١]- سقط من: خ، ز.\n[¬٢]- في ز: \"فمن\".\n[¬٣]- في ز: \"إني\".","vol":"6","page":67},{"text":"ليس في شيء من الكتب الستة، وإسناده جيد قوي، وقد رواه ابن مردويه (^١٠٧): من حديث حماد بن زيد وعباد بن منصور وقتادة [¬١]، ثلاثتهم عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي أسماء، عن ثوبان، عن رسول الله ﷺ بنحوه والله [¬٢] أعلم.\n(حديث [آخر) قال] [¬٣] الحافظ أبو بكر بن مردويه (^١٠٨): حدثنا عبد الله بن إسماعيل ابن إبراهيم الهاشمي وميمون بن إسحاق بن الحسن الحنفي قالا: حدثنا أحمد بن عبد الجبار، حدثنا محمد بن فضيل، عن أبي مالك الأشجعي، عن نافع بن خالد الخزاعي، عن أبيه قال - وكان أبوه من أصحاب رسول الله ﷺ وكان من أصحاب الشجرة -: كان رسول الله ﷺ إذا صلى والناس حوله صلى صلاة خفيفة، تامة الركوع والسجود، قال: فجلس يومًا فأطال الجلوس، حتى أومأ بعضنا إلى بعض [أن اسكتوا] [¬٤] إنه ينزل عليك [¬٥]، فلما فرغ قال له بعض القوم: يا رسول الله، لقد أطلت الجلوس حتى أومأ بعضنا إلى بعض أن اسكتوا إنه ينزل عليه. قال: \"لا، ولكنها كانت صلاة رغبة ورهبة، [سألت الله] [¬٦] فيها ثلاثًا فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة؛ سألت الله أن لا يعذبكم بعذاب عذب به من كان قبلكم فأعطانيها، وسألت الله أن لا يسلط على أمتي عدوًّا يستبيحها فأعطانيها، وسألته أن لا يلبسكم شيعًا و[أن لا] [¬٧] يذيق بعضكم بأس بعض فمنعنيها\". قال: قلت له: أبوك سمعها\n_________\n(^١٠٧) - صحيح - وعزاه لابن مردويه السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ٣٣) - وأخرجه مسلم (١٩) (٢٨٨٩) وأبو داود (٤٢٥٢) والترمذي (٢٢٠٣) - وقال: \"حسن صحيح\" - وغيرهم من طريق حماد بن زيد به ورواية مسلم إلى قوله: \"ويسبي بعضهم بعضًا\" ورواية الترمذي مقتصرة على قوله: \"إذا وضع\" وأخرجه الروياني فى مسنده (١/ رقم ٦٣٥) من طريق عباد بن منصور به وأخرجه مسلم وابن ماجه (٣٩٥٢) وابن حبان (١٥/ ٦٧١٤) من طريق قتادة عن أبي قلابة به، وقتادة لم يسمع من أبي قلابة قاله أحمد ويحيى بن معين ويعقوب بن سفيان، وقد رواه بواسطة أيوب كما أفاده المصنف من رواية ابن مردويه فعلم من هذه الرواية الذي أسقطه قتادة تدليسًا، وأخرجه الحاكم (٤/ ٤٤٩، ٤٥٠) من طريق يحيى بن كثير ثنا أبو قلابة به مطولًا وصححه على شرط الشيخين ووافقه الذهبي - مع أن أبا أسماء الرَّحَبي واسمه عمرو بن مرثد من رجال مسلم فحسب وكذا صحابيه ثوبان.\n(^١٠٨) - تقدم تخريجه (١٠٥).\n_________\n[¬١]- وهذه من رواية الأكابر عن الأصاغر فإن قتادة من شيوخ أيوب وقد رواه قتادة عن أبي قلابة مباشرة وبدون واسطة انظر رقم (١٠٧، ١٠٨).\n[¬٢]- في ز: \"فالله\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٥]- في ت: \"عليه\"، والمثبت من خ، ز.\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.","vol":"6","page":68},{"text":"من رسول الله ﵌؟ قال: نعم، سمعته يقول: إنه سمعها من رسول الله ﵌ عدد أصابعي هذه: عشر أصابع.\n(حديث آخر) قال الإمام أحمد (^١٠٩): حدثنا يونس - هو ابن محمد المؤدب - حدثنا ليث - هو ابن سعد - عن أبي وهب الخولاني، عن رجل قد سماه، عن أبي بَصْرَة الغفاري صاحب رسول الله ﵌: [أن رسول الله ﷺ] [¬١] قال: \"سألت ربي ﷿ أربعًا فأعطاني ثلاثًا ومنعني واحدة؛ سألت الله أن لا يجمع أمتي على ضلالة فأعطانيها، وسألت الله أن لا يظهر عليهم عدوًّا من غيرهم فأعطانيها، وسألت الله أن لا يهلكهم بالسنين كما أهلك الأمم قبلهم فأعطانيها، وسألت الله ﷿ أن لا يلبسهم شيعًا و[أن لا] [¬٢] يذيق بعضهم بأس بعض فمنعنيها\".\nلم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة.\n(حديث آخر) قال الطبراني (^١١٠): حدثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة، حدثنا منجاب ابن الحارث، حدثنا أبو حذيفة الثعلبي، عن زياد بن علاقة، عن جابر بن سمرة السّوائي، عن علي: أن رسول الله ﵌ قال: \"سألت ربي ثلاث خصال فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة؛ فقلت: يا رب لا تهلك أمتي جوعًا. فقال [¬٣]: هذه لك. قلت: يا رب لا تسلط عليهم عدوًّا من غيرهم - يعني: أهل الشرك - فيجتاحهم. قال: ذلك لك. قلت:\n_________\n(^١٠٩) - إسناده فيه جهالة \"المسند\" (٦/ ٣٩٦) وأخرجه الطبراني في \"الكبير\" (٢/ ٢١٧١) من طريق عبد الله بن صالح حدثني الليث عن أبي هاني الخولاني عمن حدثه عن أبي بصرة به، كذا وقع في إسناد الطبراني أبو هاني الخولاني واسمه حُميد بن هاني وهذا وثقه الدارقطني وقال أبو حاتم: صالح، وقال النسائي وابن عبد البر: ليس به بأس وهو في ثقات ابن حبان (٤/ ١٤٩) وأما أبو وهب الذي في إسناد أحمد فلم أر من نسبه إلى خولان وإنما قالوا أبو وهب الجيشاني، وكلاهما (أبو هاني وأبو وهب) مصري ويروى عن الليث بن سعد، لكن الثاني هذا لم يوثقه غير ابن حبان - كما في \"التهذيب\" ولم أجده فى المطبوع من \"الثقات\" - وقال ابن القطان: مجهول الحال، وعلى كل فإن الإسناد فيه جهالة شيخهما وبهذه الجهالة أعله الهيثمي فى \"المجمع\" (١/ ١٨٢)، (٧/ ٢٢٥). والحديث زاد نسبته السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ٣٤) إلى ابن مردويه.\n(^١١٠) - إسناده فيه جهالة \"المعجم الكبير\" (١/ رقم ١٧٩) وعزاه له الهيثمي في \"المجمع\" (٧/ ٢٢٥) وقال: \"فيه أبو حذيفة الثعلبي ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات\" قلت: أبو حذيفة هذا ذكره أبو أحمد الحاكم في \"الكنى\" (٤/ ١١٥) وسماه حماد بن عمير، ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٣]- في ز: \"قال\".","vol":"6","page":69},{"text":"يا رب لا تجعل بأسهم بينهم. قال: فمنعني هذه\".\n(حديث آخر) قال الحافظ أبو بكر بن مردويه (^١١١): حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، عن أحمد بن محمد بن عاصم، حدثنا أبو الدرداء المروزي، حدثنا إسحاق بن عبد الله بن كيسان، حدثني أبي، عن عكرمة، عن ابن عباس: أن رسول الله ﵌ قال: \"دعوت ربي ﷿ أن يرفع عن أمتي أربعًا، فرفع الله عنهم ثنتين، وأبى عليَّ أن يرفع عنهم ثنتين؛ دعوت ربي أن يرفع الرجم من السماء، والغرق من الأرض، [وأن لا يلبسهم شيعًا، وأن لا يذيق بعضهم بأس بعض، فرفع الله عنهم الرجم من السماء والغرق من الأرض] [¬١]، وأبى الله أن يرفع اثنتين [¬٢]: القتل والهرج\".\n(طريق أخرى) عن ابن عباس أيضًا قال ابن مردويه (^١١٢): حدثنا عبد الله بن محمد بن يزيد [¬٣]، حدثني الوليد بن أبان، حدثنا جعفر بن نمير، حدثنا أبو بدر شجاع بن الوليد، حدثنا\n_________\n(^١١١) - إسناده ضعيف جدًّا - وعزاه لابن مردويه السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ٣٣، ٥٠٦) - وأخرجه الطبراني في \"الكبير\" (١١/ ١٢٠٤٩) ثنا محمد بن علي المروزي ثنا أبو الدرداء به مطولًا ومن طريق الطبراني سيذكره المصنف عند [الآية رقم ١١٤/ من سورة التوبة] وقال هناك: \"حديث غريب، وسياق عجيب\" وذكره الهيثمي في \"المجمع\" (١/ ١٢٢) وقال: رواه الطبراني في \"الكبير\" وفيه أبو الدرداء عبد الغفار - كذا والذي فى \"المعجم\" عبد العزيز وهو الصواب - ونسخة \"المجمع\" مليئة بالتحريفات - ابن المنيب عن إسحاق بن عبد الله عن أبيه عن عكرمة ومن عدا عكرمة لم أعرفهم ولم أر من ذكرهم\" قلت: منهم اثنان من رجال \"التهذيب\" عبد العزيز بن المنيب - وقال فيه أبو حاتم: صدوق، وقال النسائي والدارقطني: ليس به بأس - وعبد الله بن كيسان المروزي والد إسحاق - قال أبو حاتم: ضعيف الحديث وقال النسائي: ليس بالقوي، وقال العقيلي: في حديثه وهم كثير وقال ابن عدي \"الكامل\" (٤/ ١٥٤٨) بعد أن ساق له أحادث: \"ولعبد الله بن كيسان، عن عكرمة، عن ابن عباس أحاديث غير ما أمليت غير محفوظة وعن ثابت عن أنس كذلك\" وأما ابنه إسحاق فقد قال البخاري فى ترجمة أبيه - كما في \"تهذيب الكمال\" (١٥/ ٤٨١) -: له ابن يُسَمَّى إسحاق منكر الحديث وقال ابن حبان في \"الثقات\" (٧/ ٣٣) - ترجمة أبيه عبد الله -: يتقى حديثه من رواية ابنه عنه ونقل الحافظ في \"اللسان\" (١/ ت ١١٤٩) تليين أبي أحمد الحاكم لإسحاق هذا.\n(^١١٢) - إسناده فيه جهالة - وعزاه لابن مردويه السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ٣٣) - وللحديث طريق عند الخطيب البغدادي في \"موضح أوهام الجمع والتفريق\" (٢/ ٤٠٧، ٤٠٨) لكن في إسناده أبو هشام محمد بن السائب الكلبي النسابة المفسر وهو متهم بالكذب.\n_________\n[¬١]- مابين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٢]- في ز: \"اثنين\".\n[¬٣]- في خ، ز: \"زيد\".","vol":"6","page":70},{"text":"عمرو بن قيس، عن رجل، عن ابن عباس، قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ قال: فقام النبي ﷺ فتوضأ، ثم قال: \"اللهم لا ترسل على أمتي عذابًا من فوقهم، ولا من تحت أرجلهم، ولا تلبسهم شيعًا، ولا تذيق بعضهم بأس بعض\". قال: فأتاه جبريل فقال: يا محمد، إن الله قد أجار أمتك أن يرسل عليهم عذابًا من فوقهم أو من تحت أرجلهم.\n(حديث آخر) قال ابن مردويه (^١١٣): حدثنا أحمد بن محمد بن عبد الله البزاز، حدثنا عبد الله ابن أحمد بن موسى، حدثنا أحمد بن محمد بن يحيى بن سعيد، حدثنا عمرو بن محمد العَنْقَزي، حدثنا أسباط، عن السدي، عن أبي المنهال، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: \"سألت ربي لأمتي أربع خصال فأعطاني ثلاثًا ومنعني واحدة؛ سألته أن لا تكفر أمتي واحدة فأعطانيها، وسألته أن لا يعذبهم بما عذب به الأم قبلهم فأعطانيها، وسألته أن لا يظهر عليهم عدوًّا من غيرهم فأعطانيها، وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها\".\nورواه ابن أبي حاتم عن أبي سعيد بن يحيى بن سعيد القطان عن عمرو بن محمد العنقزى به نحوه.\n(طريق أخرى) وقال ابن مردويه (^١١٤): حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، حدثنا محمد بن يحيى، حدثنا أبو كريب، حدثنا زيد بن الحباب، حدثنا كثير بن زيد الليثي المديني، حدثنا الوليد بن رباح مولى آل أبي ذباب، سمع أبا هريرة يقول: قال النبي ﷺ: \"سألت ربي ثلاثًا فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة. سألته ألا يسلط على أمتي [عدوًّا من] [¬١] غيرهم [] [¬٢]،\n_________\n(^١١٣) - إسناده حسن - وعزاه لابن مردويه السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ٣٦) - وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (٤/ ٧٤١٥) والطبراني في \"الأوسط\" (٢/ ١٨٦٢) من طريق عمرو بن محمد العَنْقَزِي به وعمرو بن محمد \"ثقة\" روى له البخاري تعليقًا ومسلم والأربعة، وقال الطبراني: \"لم يرو هذا الحديث عن السَّدِّيِّ إلا أسباط، تفرد به العنقزي\" قلت: يعني موصولًا هكذا وإلا فقد أخرجه ابن جرير (١١/ ١٣٣٧٤) من طريق أحمد بن الفضل ثنا أسباط عن السدي.\nقال: قال رسول الله ﷺ فذكره هكذا معضلًا، والموصول ذكره الهيثمي في \"المجمع\" (٧/ ٢٢٥) وقال: \"رواه الطبراني في \"الأوسط\" ورجاله ثقات … . \" قلت: أسباط، والسدي متكلم فيهما لكن لا ينزل حديثهما عن مرتبة الحسن والله أعلم. وانظر ما بعده.\n(^١١٤) - وعزاه لابن مردويه السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ٣٤) وزيد بن الحباب وكثير بن زيد متكلم فيهما، وانظر ما قبله، وما بعده.\n_________\n[¬١]- في ت: \"عددًّا عن\"، والمثبت من: ز.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز: \"فأعطاني\".","vol":"6","page":71},{"text":"وسألته ألا يهلكهم بالسنين فأعطاني، وسألته ألا يلبسهم شيعًا وألا [¬١] يذيق بعضهم بأس بعض فمنعني\".\nثم رواه ابن مردويه بإسناده عن سعد [بن] [¬٢] سعيد بن أبي سعيد المقبرى، عن أبيه، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ بنحوه.\nورواه البزار (^١١٥) عن [¬٣] طريق عمر بن [أبي] [¬٤] سلمة، عن أبيه، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ بنحوه.\n(أثر آخر) قال سفيان الثوري (^١١٦): عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب، قال: أربعة في [¬٥] هذه الأمة، قد مضت اثنتان، وبقيت اثنتان ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ قال: الرجم ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ قال: الخسف ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ قال سفيان: يعني الرجم والخسف.\nوقال أبو جعفر الرازي: عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ\n_________\n(^١١٥) - كما في \"مختصر الزوائد\" لابن حجر (٢/ رقم ١٦٢٥) - حدثنا خالد بن يوسف [بن خالد] ثنا أبو عوانة عن عُمر بن أبي سلمة به وقال ابن حجر عقبه: \"صحيح\" يعني بمجموع طرقه، وإلا فإن عمر بن أبي سلمة متكلم فيه ووسمه في تقريبه بأنه صدوق يخطئ، وشيخ البزار لم أجد له ترجمة غير أنه في تلاميذ أبي عوانة من يسمى خالد بن خداش وهو مترجم في \"التهذيب\"، فأخشى أن يكون صحف على الناسخ أو خطأ من التحقيق أو أنه شيخ للبزار مجهول، وكثير من شيوخه مجاهيل وليست لهم تراجم عرفناه بالتتبع ثم وجدت البخاري في \"التاريخ الصغير\" أرخ لسنة تسع وأربعين ومائتين بوفاة خالد بن يوسف السمتي فيحتمل أن يكون هو فإن البزار ولد سنة نيف عشرة ومائتين وتوفي في سنة ٢٩٢، وخالد بن يوسف هذا ترجم له الذهبي في \"المغنى\" (١/ ٢٠٨) وقال: \"فيه تضعيف، وأبوه يوسف ساقط\" والله أعلم.\n(^١١٦) - أخرجه ابن جرير (١١/ ١٣٣٨٠) وعلقه الذهبي في \"السير\" (١/ ٣٩٣) من طريق الثوري وأبي جعفر الرازي، ومن طريق الأخير أخرجه أحمد (٥/ ١٣٤، ١٣٥) وابن أبي شيبة في \"المصنف\" [كتاب: الفتن، باب: ما ذكر في فتنة الدجال (٨/ ٦٧٠)] وابن أبي حاتم في تفسيره (٤/ ٧٣٩٨) وأبو نعيم في \"الحلية\" (١/ ٢٥٣) والأثر ذكره الهيثمي في \"المجمع\" =\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في ت: \"أبي\"، والمثبت من: ز. وسعد هذا لين الحديث كما في التقريب.\n[¬٣]- في ز: \"من\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ت، والمثبت من: ز.\n[¬٥]- في ز: \"من\".","vol":"6","page":72},{"text":"بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ قال: فهى أربع خلال؛ منها اثنتان بعد وفاة رسول الله ﷺ بخمس وعشرين سنة [¬١]؛ ألبسوا شيعًا وذاق بعضهم بأس بعض، وبقيت اثنتان لابد منهما واقعتان: الرجم والخسف.\nورواه أحمد عن وكيع، عن أبي جعفر. ورواه ابن أبي حاتم.\nوقال ابن أبي حاتم (^١١٧): حدثنا المنذر بن شاذان، حدثنا أحمد بن إسحاق، حدثنا أبو الأشهب، عن الحسن في قوله: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ [عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا] [¬٢]﴾، قال: حبست عقوبتها حتى عمل ذنبها، فلما عمل ذنبها أرسلت عقوبتها.\nوهكذا قال مجاهد وسعيد بن جبير وأبو مالك والسدي وابن زيد [وغير واحد] [¬٣] في قوله: ﴿عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ يعني: الرجم ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ يعني: الخسف، وهذا هو اختيار ابن جرير.\nورواه ابن جرير (^١١٨): \" عن يونس، عن ابن وهب، عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في\n_________\n= (٧/ ٢٤) وقال: \"رواه أحمد، ورجاله ثقات قلت - الهيثمي -: \"والظاهر أن من قوله فمضت اثنتان إلى آخره من قول رفيع - أبي العالية - فإن أبي بن كعب لم يتأخر إلى زمن الفتنة والله أعلم\"، وأخرج ابن جرير (١١/ ١٣٣٦١) من طريق ابن المبارك عن الربيع بن أنس عن أبي العالية بطوله من قوله لم ينم به أبي بن كعب. وذكره ابن حجر في \"الفتح\" (٨/ ٢٩٢) وعزاه إلى أحمد والطبري وقال: \"قد أُعل هذا الحديث بأن أبي بن كعب لم يدرك سنة خمس وعشرين من الوفاة النبوية، وأعل أيضًا بأنه مخالف لحديث جابر - تقدم برقم (٩٤) - وغيره وأجيب بأن طريق الجمع أن الإعادة المذكورة في حديث جابر وغيره مقيدة بزمان مخصوص وهو وجود الصحابة والقرون الفاضلة وأما بعد ذلك فيجوز وقوع ذلك فيهم\" والأثر زاد نسبته السيوطي (٣/ ٣٢) إلى عبد بن حميد وابن المنذر وأبي الشيخ وابن مردويه.\n(^١١٧) - أثر صحيح ابن أبي حاتم فى تفسيره (٤/ ٧٣٩٩) وأخرجه أيضًا (٤/ ٧٤٢٣) ثنا أبي، ثنا سعيد بن سليمان الواسطي، ثنا أبو الأشهب به وأخرجه ابن جرير (١١/ ١٣٣٨٥) من طريق ابن المبارك عن جعفر بن حيان - أبي الأشهب - به وزاد نسبته السيوطي (٣/ ٣٧) إلى ابن المنذر وأبي الشيخ.\n(^١١٨) - إسناده ضعيف ابن جرير في تفسيره (١١/ ١٣٣٤٨) وهو منقطع بين عبد الرحمن وابن مسعود، فضلًا عن أن عبد الرحمن بن زيد هذا ضعيف.\n_________\n[¬١]- سقط من: خ، ز.\n[¬٢]- في ت: \"الآية\".\n[¬٣]- سقط من: ز.","vol":"6","page":73},{"text":"قوله: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ قال: كان عبد الله بن مسعود يصيح وهو في المجلس أو على المنبر بقول: ألا أيها الناس إنه قد نزل بكم، إن الله يقول: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ [أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ] [¬١]﴾ لو جاءكم عذاب من السماء لم يُبْق منكم أحدًا ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ [لو خسف] [¬٢] بكم الأرض أهلككم ولم يُبْق منكم أحدًا ﴿[أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا] [¬٣] وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ ألا إنه نزل بكم أسوأ الثلاث.\nقول ثان: قال ابن جرير وابن أبي حاتم (^١١٩): حدثنا يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وهب، سمعت خلاد بن سليمان، يقول: سمعت عامر بن عبد الرحمن، يقول: إن ابن عباس كان يقول في هذه الآية: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ [فأما العذاب من فوقكم] [¬٤] فأئمة السوء ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ فخدم السوء.\nوقال على بن أبي طلحة (^١٢٠)، عن ابن عباس: ﴿عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ يعني: أمراءكم ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ يعني: عبيدكم وسفلتكم.\nوحكى ابن أبي حاتم [¬٥] عن أبي سنان [¬٦] وعمير بن هانئ نحو ذلك.\n_________\n(^١١٩) - أخرجه ابن جرير (١١/ ١٣٣٤٩) وابن أبي حاتم (٤/ ٧٤٠٠، ٧٤٠٧)، وزاد نسبته السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ٣١) إلى أبي الشيخ، قال الشيخ الأديب محمود شاكر في حاشيته على ابن جرير: \"خلاد بن سليمان الحضرمي المصري، كان خياطًا أميًّا … روى عنه ابن وهب، ثقه مترجم في \"التهذيب\" وأما \"عامر بن عبد الرحمن\" فإن البخاري وابن أبي حاتم. ذكراه في ترجمة خلاد، وذكرا أنه سمع منه، ولكني لم أجد له ترجمة فيما بين يدي من المراجع - وهذا عجيب\" قلت: ترجم له البخاري في \"التاريخ الكبير\" (٦/ ٤٤٩) قال: \"عامر بن عبد الرحمن اليحصبي عن ابن عباس ﵄ روى عنه خلاد بن سليمان، حديثه عن المصريين\" كما ذكره ابن حبان في \"الثقات\" (٥/ ١٨٨) غير أنه قال: \" … روى عنه خالد بن سليمان\" كذا قال: \"خالد\" ونبه المزي على أن ذلك وهم وقد ترجم له أيضًا ابن أبي حاتم في \"الجرح والتعديل\" (٦/ ٣٢٦) غير أنه سماه \"عامر بن عبد الله اليحصبي\" وكذا وقع في \"تهذيب الكمال\" (٨/ ٣٥٥/ ترجمة خلاد بن سليمان) فيبدو أن الاختلاف في اسم أبي عامر قديم والله تعالى أعلم.\n(^١٢٠) - أخرجه ابن جرير (١١/ ١٣٣٥٠) وابن أبي حاتم (٤/ ٧٤٠٨) وزاد نسبته السيوطي (٣/ ٣١) إلى ابن المنذر.\n_________\n[¬١]- زيادة من: ز.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز: \"لخسف\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٥]- في تفسيره (٤/ ١٣١٠، ١٣١١).\n[¬٦]- في ز: \"بيان\".","vol":"6","page":74},{"text":"وقال ابن جرير [¬١]: وهذا القول وإن كان له وجه صحيح لكن الأول أظهر وأقوى.\nوهو كما قال ابن جرير ﵀، ويشهد له بالصحة قوله تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ (١٦) أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ وفي الحديث (^١٢١): \" ليكونن في هذه الأمة قذف وخسف ومسخ\". وذلك مذكور مع نظائره في أمارات الساعة وأشراطها، وظهور الآيات قبل يوم القيامة، وستأتي في موضعها إن شاء الله تعالى.\nوقوله: ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا﴾ يعني [¬٢]: يجعلكم ملتبسين شيعًا فرقًا متخالفين.\nقال الوالبي (^١٢٢)، عن ابن عباس: يعني الأهواء.\nوكذا قال مجاهد وغير واحد.\nوقد ورد في الحديث المروي من طرق عنه ﷺ أنه قال: \"وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة\" (^١٢٣).\nوقوله تعالى: ﴿يُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ قال ابن عباس وغير واحد: يعني يسلط بعضكم على بعض بالعذاب والقتل.\nوقوله تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ﴾ أي: نبينها ونوضحها ونقرها ﴿لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ﴾ أي: يفهمون ويتدبرون عن الله آياته وحججه وبراهينه.\nقال زيد بن أسلم: لما نزلت ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾\n_________\n(^١٢١) - صحيح أخرجه الترمذي، كتاب: القدر (٢١٥٢) وابن ماجه، كتاب: الفتن (٤٠٦١) من حديث عبد الله بن عمر وقال الترمذي: \"حديث حسن صحيح غريب\" وفي الباب عن عبد الله بن مسعود وسهل بن سعد وعبد الله بن عمرو عند ابن ماجه (٤٠٥٩) و(٤٠٦٠) و(٤٠٦٢) وصححه ابن حبان (١٥/ ٦٧٥٩) من حديث أبي هريرة وانظر - غير مأمور - الصحيحة للألباني (رقم ١٧٨٧، ٢٢٠٣).\n(^١٢٢) - الوالبي هو على بن أبي طلحة وأخرجه من طريقه ابن جرير (١١/ ١٣٣٥٦) وأخرجه أيضًا (١١/ ١٣٣٥٥) من طريق عطية العوفي عن ابن عباس به.\n(^١٢٣) - صحيح يأتي تخريجه [سورة يونس/آية رقم ٣٠].\n_________\n[¬١]- في تفسيره (١١/ ٤١٨) والمصنف نقله عنه بمعناه.\n[¬٢]- في ز: \"أي\".","vol":"6","page":75},{"text":"الآية، قال رسول الله ﷺ: \"لا ترجعوا بعدي كفّارًا، يضرب بعضكم رقاب بعض بالسيوف\". قالوا: ونحن نشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله؟ قال: [\"نعم\". فقال بعضهم] [¬١]: لا يكون هذا أبدًا أن يقتل بعضنا بعضًا ونحن مسلمون. فنزلت ﴿انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ (٦٥) وَكَذَّبَ [¬٢] بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (٦٦) لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾.\nرواه ابن أبي حاتم وابن جرير (^١٢٤).\n﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (٦٦) لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٦٧) وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٦٨) وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (٦٩)﴾\nيقول تعالى: ﴿وَكَذَّبَ بِهِ﴾ أي: بالقرآن الذي جئتهم به والهدى والبيان ﴿قَوْمُكَ﴾ يعني: قريشًا ﴿وَهُوَ الْحَقُّ﴾ أي: الذي ليس وراءه حق ﴿قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾ أي: لست عليكم بحفيظ، ولست بموكل بكم، كقوله: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ أي: إنما عليَّ البلاغ، وعليكم السمع والطاعة، فمن اتبعني سعد في الدنيا والآخرة، ومن خالفني فقد شقي في الدنيا والآخرة؛ ولهذا قال: ﴿لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرّ﴾.\n_________\n(^١٢٤) - مرسل أخرجه ابن أبي حاتم (٤/ ٧٤١٨) وابن جرير (١١/ ١٣٣٧٨) من طريق مؤمل بن إسماعيل ثنا يعقوب بن إسماعيل بن يسار قال سمعت زيد بن أسلم فذكره هكذا مرسلًا، وفضلًا عن هذا فإن يعقوب بن إسماعيل هذا لم أجد له ذكرًا في كتب التراجم وأخشى أن يكون محرفًا ومؤمل بن إسماعيل ضُعِّفْ، لكن قوله ﷺ: \"لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض\" صح من حديث جرير بن عبد الله وغيره وحديث جرير عند البخاري (١٢١) ومسلم (٦٥) والنسائي (٧/ ١٢٧ - ١٢٨) وابن ماجه (٣٩٤٢) وأحمد (٤/ ٣٥٨، ٣٦٣، ٣٦٦).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ز: \"فقال بعض الناس\".\n[¬٢]- في ز: \"كذبك\".","vol":"6","page":76},{"text":"قال ابن عباس وغير واحد: أي: لكل نبأ حقيقة. أي: لكل خبر وقوع ولو بعد حين، كما قال: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ وقال: ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾.\nوهذا تهديد ووعيد أكيد، ولهذا قال بعده: ﴿وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾.\nوقوله [¬١]: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا﴾ أي: بالتكذيب والاستهزاء ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ أي: حتى يأخذوا في كلام آخر غير ما كانوا فيه من التكذيب ﴿وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ﴾ والمراد بذلك كل فرد من آحاد الأمة: أن لا يجلس [¬٢] مع المكذبين الذين يحرفون آيات الله، ويضعونها على غير موضعها [¬٣]، فإن جلس أحد معهم [¬٤] ناسيًا ﴿فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى﴾ [بعد التذكر] [¬٥] ﴿مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾.\nولهذا ورد في الحديث: \"رفع عن أمّتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه\" (^١٢٥).\nوقال السدي: عن أبي مالك وسعيد بن جبير في قوله: ﴿وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ﴾ قال: إن نسيت فذكرت فلا تجلس معهم. وكذا قال مقاتل بن حيان [¬٦].\nوهذه الآية هي المشار إليها في قوله: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ الآية، أي: إنكم إذا جلستم معهم وأقررتموهم على ذلك، فقد ساويتموهم في الذي هم فيه.\nوقوله: ﴿وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ أي: إذا تجنبوهم فلم يجلسوا\n_________\n(^١٢٥) - قال الزيلعي في \"نصب الراية\" (٢/ ٦٤): \"هذا لا يوجد بهذا اللفظ، وإن كان الفقهاء كلهم لا يذكرونه إلا بهذا اللفظ وأقرب ما وجدناه بلفظ \"رفع الله عن هذه الأمة ثلاثًا\" رواه ابن عدي في \"الكامل\" (٢/ ٥٧٣) من حديث أبي بكرة\" قلت: ورواه أيضًا أبو نعيم في \"تاريخ أصبهان\" (١/ ٩٠ - ٩١) وفي إسناده جعفر بن جسر قال ابن عدي: \"عامة ما يرويه منكر\" وأبوه جسر بن فرقد متكلم فيه. وقال ابن حجر في \"فتح الباري\" (٥/ ١٦١) \"أخرجه ابن ماجه (٢٠٤٥) من حديث ابن عباس إلا أنه بلفظ \"وضع\" بدل \"رفع\" وأخرجه الفضل بن جعفر التيمي في \"فوائده\" بالإسناد الذي أخرجه به ابن ماجه بلفظ \"رفع\" ورجاله ثقات إلا أنه أعل بعلة غير قادحة فإنه من رواية الوليد عن الأوزاعي عن عطاء عنه وقد رواه بشر بن بكر عن الأوزاعي فزاد \"عبيد بن عمير\" بين عطاء وابن عباس … \"، ويأتي تخريج بعض طرقه (٢٢٤: ٢٢٨).\n_________\n[¬١]- في ز: \"ثم قال\".\n[¬٢]- في ز: \"يجلسوا\".\n[¬٣]- في ز: \"مواضعها\".\n[¬٤]- في خ: \"منهم\".\n[¬٥]- ما ب المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٦]- في ز: \"حبان\".","vol":"6","page":77},{"text":"معهم في ذلك، فقد برؤا [¬١] من عهدتهم وتخلصوا من إثمهم.\nوقال ابن أبي حاتم (^١٢٦): حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن السدي، عن أبي مالك وسعيد بن جبير قوله: ﴿وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ قال: ما عليك أن يخوضوا في آيات الله إذا فعلت ذلك، أي: إذا تجنبتهم وأعرضت عنهم.\nوقال آخرون: بل معناه وإن جلسوا معهم فليس عليهم من حسابهم من شيء. وزعموا أن هذا منسوخ بآية النساء المدنية، وهي قوله: ﴿إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ قاله مجاهد والسدي وابن جريج وغيرهم. وعلى قولهم يكون قوله: ﴿وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ أي: ولكن أمرناكم بالإِعراض عنهم حينئذ تذكيرًا لهم عما هم فيه، لعلهم يتقون ذلك ولا يعودون إليه.\n﴿وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (٧٠)﴾\nيقول تعالى: ﴿وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ أي: دعهم وأعرض عنهم وأمهلهم قليلًا، فإنهم صائرون إلى عذاب عظيم؛ ولهذا قال: ﴿وَذَكِّرْ بِهِ﴾ أي: ذكر [¬٢] الناس بهذا القرآن، وحذرهم نقمة الله: وعذابه الأليم يوم القيامة.\nوقوله تعالى: ﴿أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ﴾ أي: لئلا تبسل، قال الضحاك عن ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، والحسن، والسدي: ﴿تُبْسَلَ﴾ تُسْلَم.\nوقال الوالبي (^١٢٧): عن ابن عباس: تفضح.\nوقال قتادة: تحبس. وقال مرة وابن زيد: تؤاخذ. وقال الكلبي: تجازى.\n_________\n(^١٢٦) - ابن أبي حاتم في تفسيره (٤/ ٧٤٣٩).\n(^١٢٧) - أخرجه ابن جرير (١١/ ١٣٤١٤) وابن أبي حاتم (٤/ ٧٤٥٨) والوالبي هو على بن أبي طلحة.\n_________\n[¬١]- في ز: \"برئوا\".\n[¬٢]- في ز: \"وذكر\".","vol":"6","page":78},{"text":"وكل هذه [الأقوال و] [¬١] العبارات متقاربة في المعنى، وحاصلها: الإِسلام للَّهلكة، والحبس عن الخير، والارتهان عن درك المطلوب، كقوله [¬٢]: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨) إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾.\nوقوله: ﴿لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ﴾ أي: لا قريب ولا أحد يشفع فيها، كقوله [¬٣]: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾.\nوقوله: ﴿وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا﴾ أي: ولو بذلت كل مبذول ما قبل منها، كقوله [¬٤]: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا [وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ] [¬٥]﴾، وكذا [¬٦]، قال هاهنا: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾.\n﴿قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٧١) وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَاتَّقُوهُ وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٧٢) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (٧٣)﴾\nقال السدي: قال المشركون للمسلمين [¬٧]: اتبعوا سبيلنا واتركوا دين محمد، فأنزل الله ﷿ ﴿قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا﴾ أي: في الكفر ﴿بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ فيكون مثلنا مثل الذي استهوته الشياطين في الأرض، يقول: مثلكم إن\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٢]- في ز: \"كما قال\".\n[¬٣]- في ز: \"كما قال\".\n[¬٤]- في ز: \"كما قال\".\n[¬٥]- في ت: \"الآية\".\n[¬٦]- في ز: \"هكذا\".\n[¬٧]- في ز: \"للمؤمنين\".","vol":"6","page":79},{"text":"كفرتم بعد إيمانكم [¬١] كمثل رجل خرج [¬٢] مع قوم على الطريق، فضل الطريق فحيرته الشياطين، واستهوته في الأرض، وأصحابه على الطريق فجعلوا يدعونه إليهم، يقولون: ائتنا فإنا على الطريق، فأبى أن يأتيهم، فذلك مثل من [¬٣] يتبعهم بعد المعرفة بمحمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ومحمد هو الذي يدعو إلى الطريق، والطريق هو الإِسلام.\nرواه ابن جرير (^١٢٨).\nوقال قتادة: ﴿اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ﴾ أضلته في الأرض. يعني استهوته [سيرته، كقوله] [¬٤]: ﴿تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾.\nوقال [] [¬٥] بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: ﴿قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا﴾ الآية: هذا مثل ضربه الله للآلهة ومن يدعو [¬٦] إليها، وللدعاة الذين يدعون إلى هدى [¬٧] الله ﷿ كمثل رجل ضل عن الطريق تائهًا [] [¬٨] ضالًا، إذ ناداه مناد: يا فلان بن فلان، هلم إلى الطريق، وله أصحاب يدعونه: يا فلان هلم إلى الطريق، فإن اتبع الداعي الأول انطلق به حتى يلقيه إلى الهلكة، وإن أجاب من يدعوه إلى الهدى اهتدى إلى الطريق، وهذه الداعية التي تدعو في البرية من الغيلان، يقول [¬٩]: مثل من يعبد هذه الآلهة من دون الله، فإنه يرى أنه في شئ حتى يأتيه الموت، فيستقبل الندامة والهلكة، وقوله: ﴿كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ﴾ هم الغيلان ﴿يَدْعُونَهُ﴾ باسمه واسم أبيه وجده، فيتبعها وهو [¬١٠] يرى أنه في شيء، فيصبح وقد ألقته في هلكة، وربما أكلته أو تلقيه في مضلة من الأرض، يهلك فيها عطشًا، فهذا مثل من أجاب الآلهة التي تعبد من دون الله ﷿.\nرواه ابن جرير (^١٢٩).\n_________\n(^١٢٨) - ابن جرير في تفسيره (١١/ ١٣٤٢٢) وابن أبي حاتم (٤/ ٧٤٦٦، ٧٤٦٨، ٧٤٧٢، ٧٤٧٤) مفرقًا من طريق أحمد بن المفضل ثنا أسباط عنه به وزاد نسبته السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ٤٠) إلى أبي الشيخ.\n(^١٢٩) - ابن جرير في تفسيره (١١/ ١٣٤٢٣) وابن أبي حاتم (٤/ ٧٤٧٣) وابن المنذر - كما في \"الدر المنثور\" (٣/ ٤٠).\n_________\n[¬١]- في خ، ز: \"الإيمان\".\n[¬٢]- في ز: \"كان\".\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين في ز: \"مثل قوله\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين في ز: \"على\".\n[¬٦]- في ز: \"يدعوا\".\n[¬٧]- سقط من: ز.\n[¬٨]- ما بين المعكوفتين في ز: \"منا\".\n[¬٩]- في ز: \"تقول\".\n[¬١٠]- سقط من: ز.","vol":"6","page":80},{"text":"وقال ابن أبي نجيح: عن مجاهد ﴿كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ﴾ قال: رجل حيران يدعوه أصحابه إلى الطريق، وذلك مثل من يضل بعد أن [¬١] هدي.\nوقال العوفي: عن ابن عباس قوله: ﴿كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ﴾ هو [¬٢] الذي لا يستجيب لهدى [¬٣] الله، وهو رجل أطاع الشيطان، وعمل في الأرض بالمعصية، وحاد [¬٤] عن الحق وضل عنه، وله أصحاب يدعونه إلى الهدى، ويزعمون أن الذي يأمرونه هدى، يقول الله ذلك لأوليائهم من الإِنس: يقول الله [¬٥]: ﴿إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ﴾ والضلال ما يدعو إليه الجن.\nرواه ابن جرير (^١٣٠)، ثم قال: وهذا يقتضي [¬٦] أن أصحابه يدعونه إلى ضلال ويزعمون أنه هدى. قال: وهذا خلاف ظاهر الآية؛ فإن الله أخبر أن أصحابه يدعونه إلى الهدى، فغير جائز أن يكون ضلالًا وقد أخبر الله أنه هدى.\nوهو كما قال ابن جرير؛ [فإن السياق] [¬٧] يقتضي أن هذا الذي استهوته الشياطين في الأرض حيران، وهو منصوب على الحال، أي: في حال حيرته وضلاله وجهله وجه [¬٨] المحجة، وله أصحاب على المحجة سائرون فجعلوا يدعونه إليهم وإلى الذهاب معهم على الطريقة المثلى، وتقدير الكلام: فيأبى عليهم ولا يلتفت إليهم، ولو شاء الله لهداه ولرد به إلى الطريق؛ ولهذا قال: ﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى﴾، كما قال: ﴿[وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ] [¬٩]﴾، وقال: ﴿إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾. وقوله: ﴿وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ أي: نخلص له العبادة وحده لا شريك له.\n﴿وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَاتَّقُوهُ﴾ أي: وأمرنا بإقامة الصلاة وبتقواه في جميع الأحوال ﴿وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ أي: يوم القيامة.\n_________\n(^١٣٠) - ابن جرير في تفسيره (١١/ ١٣٤٢٩) وابن أبي حاتم (٤/ ٧٤٧٥) وعطية العوفي ضعيف.\n_________\n[¬١]- في ابن جرير (١١/ ١٣٤٢٦) وابن أبي حاتم (٤/ ٧٤٧١) والدر المنثور (٣/ ٤١). \"إذ\".\n[¬٢]- في ز: \"فهو\".\n[¬٣]- في ز: \"لهدا\".\n[¬٤]- في ز: \"جار\".\n[¬٥]- سقط من: ز.\n[¬٦]- في ز: \"تقتضي\".\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين في ز: \"وكان سياق الآية\".\n[¬٨]- في ز: \"بوجه\".\n[¬٩]- ما بين المعكوفتين في ز: ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ﴾.","vol":"6","page":81},{"text":"﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾ أي: بالعدل، فهو خالقهما ومالكهما والمدبر لهما ولمن فيهما.\nوقوله: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ يعني: يوم القيامة، الذي يقول الله: كن فيكون عن أمره كلمح البصر أو هو أقرب، ويوم منصوب إما على العطف على قوله: ﴿وَاتَّقُوهُ﴾ وتقديره: واتقوا يوم يقول: كن فيكون وإما على قوله: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ أي: وخلق يوم يقول: كن فيكون فذكر بدء الخلق وإعادته وهو مناسب، وإما على إضمار فعل تقديره: واذكر يوم يقول: كن فيكون.\nوقوله [¬١]: ﴿قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ﴾ جملتان محلهما الجر على أنهما صفتان لرب العالمين.\nوقوله: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾ يحتمل أن يكون بدلًا من قوله: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾ ويحتمل أن يكون ظرفًا لقوله [¬٢]: ﴿وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾ كقوله: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾، وكقوله: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾ وما أشبه ذلك.\nواختلف المفسرون في قوله: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾ فقال بعضهم: المراد بالصور هنا [¬٣] جمع صورة، أي: يوم ينفخ فيها فتحيا.\nقال ابن جرير [¬٤]: كما يقال: سور لسور البلد، وهو جمع سورة.\nوالصحيح: أن المراد بالصور القرن الذي ينفخ فيه إسرافيل ﵇، قال ابن جرير: والصواب عندنا ما تظاهرت به الأخبار عن رسول الله ﵌ أنه قال: \"إن إسرافيل قد التقم الصور، وحنى جبهته، ينتظر متى يؤمر فينفخ\" (^١٣١).\n_________\n(^١٣١) - لم أهتد إليه بهذا اللفظ مسندًا وقد علقه ابن جرير في تفسيره (١١/ ٤٦٣) من دون إسناد، وقد صح بلفظ: \"كيف أنعم وصاحب القرن قد التقم القرن وحنى جبهته يستمع متى يؤمر فينفخ\" تقدم تخريجه [آل عمران/ آية ١٧٣].\nقال ابن حجر في \"الفتح\" (٨/ ٣٦٨): \"اشتهر أن صاحب الصور إسرافيل ﵇، ونقل فيه الحليمي الإجماع … \".\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- في ز: \"كقوله\".\n[¬٣]- في ز: \"هاهنا\".\n[¬٤]- ابن جرير في تفسيره (١١/ ٤٦٣).","vol":"6","page":82},{"text":"وقال الإِمام أحمد (^١٣٢): حدثنا إسماعيل، حدثنا سليمان التيمي، عن أسلم العجلي، عن بشر بن شغَاف [¬١]، عن عبد الله بن عمرو، قال: قال أعرابي: يا رسول الله، ما الصور؟ قال: \"قرن ينفخ فيه\".\nوقد روينا حديث الصور بطوله: من طريق الحافظ أبي القاسم الطبراني في كتابه \"الطوالات\" (^١٣٣)، قال [¬٢]: حدثنا أحمد بن الحسن المصري [¬٣] [الأيلي] [¬٤]، حدثنا أبو عاصم النبيل، حدثنا إسماعيل بن رافع، عن محمد بن زياد، عن محمد بن كعب القرظي، عن\n_________\n(^١٣٢) - صحيح \"المسند\" (٢/ ١٦٢) (٦٥٠٧ - شاكر) - ومن طريقه المزي في \"تهذيب الكمال\" (٤/ ١٣٠/ ت ٦٩٢) - وأخرجه أحمد أيضًا (٢/ ١٩٢) (رقم ٦٨٠٥) وأبو داود (٤٧٤٢) والترمذي (٢٤٣٢، ٣٢٣٩) والنسائي في \"التفسير\" من \"الكبرى\" (٦/ ١١٣١٢) وابن المبارك في \"الزهد\" (١٥٩٩) والدارمي (٢/ ٢٨٠١) وابن أبي الدنيا في \"الأهوال\" (٤٧) وابن جرير في \"التفسير\" (١٦/ ٢٩/ الكهف/ آية ١٠٠) وابن أبي حاتم (٤/ ٧٤٨٣) وأبو نعيم في \"الحلية\" (٧/ ٢٤٣) والبيهقي في \"الشعب\" (١/ رقم ٣٥٠) من طرق عن سليمان التيمي به وقال الترمذي \"حديث حسن\" وفي رواية (ط دعاس/ رقم ٢٤٣٢) \"حسن صحيح\" ونقل عنه التحسين فقط ابن حجر في \"الفتح\" (١١/ ٣٦٨) والسيوطي في \"الدر المنثور\" (٥/ ٦٣٢/ الزمر/ آية ٦٨). وصححه ابن حبان (١٦/ ٧٣١٢ - إحسان) (٨/ ٢٥٧٠ - موارد) والحاكم (٢/ ٥٠٦)، (٤/ ٥٦٠) ووافقه الذهبي وهو كما قالوا، وقول الترمذي عقبه: \"لا نعرفه إلا من حديث سليمان التيمي\" لا يضره لأن سليمان ثقه من رجال الشيخين. وزاد نسبته السيوطي إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه والبيهقي في \"البعث\" وليس في المطبوع من \"البعث\". والله أعلم.\n(^١٣٣) - إسناده ضعيف جدًّا وفيه اضطراب، شيخ الطبراني كذبه ابن حبان والدارقطني وإسماعيل ابن رافع ضعفه أحمد وابن معين وأبو حاتم والعقيلي وغيرهم وتركه النسائي والدارقطني، وقال ابن عدي \"أحاديثه كلها مما فيه نظر إلا أنه يكتب حديث في جملة الضعفاء\" ومحمد بن يزيد بن أبي زياد ذكره ابن أبي حاتم في \"الجرح والتعديل\" (٨/ ت ٥٦٧) وقال: \"روى عن أبيه ونافع مولى ابن عمر روى عنه معقل بن عبيد الله وإسماعيل بن رافع حديث الصور سمعت أبي يقول ذلك وسألت عنه فقال: مجهول\".\n_________\n[¬١]- في خ، ز: \"شفاف\".\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- وقع في \"الطوالات\": \"النحوي\" وهو مصحف من \"المصري\" وقد ترجم له ابن حجر في \" اللسان\" (١/ رقم ٤٨٧): \"قال ابن عدي - الكامل\" (١/ ٢٠٠): كان يسرق الحديث، وقال ابن حبان - \"المجروحين/ (١/ ١٤٩ - ١٥٠) - كذاب دجال، يضع الحديث على الثقات، وقال الدارقطني: حدثونا عنه وهو كذاب، قلت - ابن حجر - وهو من كبار شيوخ الطبراني\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين في خ: \"البصري الأبلي\"، وفي ز: \"الأبلي\".","vol":"6","page":83},{"text":"أبي هريرة ﵁ قال: حدثنا رسول الله ﵌ وهو في طائفة من أصحابه فقال: \"إن الله لما فرغ من خلق السموات والأرض، خلق الصور فأعطاه إسرافيل، فهو واضعه على فيه، شاخصًا بصره إلى العرش، ينتظر متى يؤمر\". قلت: يا رسول الله وما\n_________\n= والحديث أخرجه الطبراني في \"الطوالات\" الجزء المطبوع في آخر \"المعجم الكبير\" (٢٥/ رقم ٣٦) وأخرجه أبو الشيخ في \"العظمة\" (٣/ ٣٨٦) من طريق عبدة بن سليمان عن إسماعيل بن رافع به، وأخرجه ابن أبي الدنيا في \"الأهوال\" (رقم ٥٥، ٦٤، ٧١) وأبو يعلى في \"الكبير\" - كما في \"النهاية\" لابن كثير (١/ ٢٢٧) و\"فتح الباري\" لابن حجر (١١/ ٣٦٨) - ومن طريقه الحافظ ابن عساكر في \"تاريخ دمشق\" (٢/ ٨٣٦ - مخطوط) - وابن جرير في تفسيره (٤/ رقم ٤٠٣٩ - شاكر) [(٢٠/ ١٨، ١٩) (١٩/ ٣٠) - ط الحلبي] وأبو الشيخ (٣/ ٣٨٧) والبيهقي في \"البعث\" (٦٠٩) وفي \"الشعب\" (١/ رقم ٣٥٣) من طريق إسماعيل بن رافع عن محمد بن يزيد بن أبي زياد. ووقع عند ابن جرير تسميته بيزيد بن أبي زياد - عن محمد بن كعب عن رجل من الأنصار عن أبي هريرة به مطولًا ومختصرًا، وأخرجه ابن جرير (٢٠/ ١٩) من طريق إسماعيل عن محمد عن أبي هريرة، وأبو الشيخ (٣/ ٣٨٨) من طريق إسماعيل عن محمد بن يزيد عن أبي هريرة ونقل ابن عدي في \"الكامل\" (١/ ٢٧٨) عن البخاري قال: \"روى إسماعيل بن رافع عن محمد بن يزيد بن أبي زياد، عن رجل عن محمد بن كعب حديث الصور مرسل لا يصح\". وزاد نسبته ابن حجر في \"الفتح\" إلى عبد بن حميد وعلى بن معبد في \"كتاب الطاعة والمعصية\" وقال: مداره على إسماعيل بن رافع واضطرب في سنده مع ضعفه فرواه عن محمد بن كعب القرظي تارة بلا واسطة وتارة بواسطة رجل مبهم، ومحمد عن أبي هريرة تارة بلا واسطة وتارة بواسطة رجل من الأنصار مبهم أيضًا، وأخرجه إسماعيل بن أبي زياد الشامي أحد الضعفاء أيضًا في تفسيره عن محمد بن عجلان عن محمد بن كعب القرظي، واعترض مغلطاي على عبد الحق في تضعيفه الحديث بإسماعيل بن رافع، وخفي عليه أن الشامي أضعف منه ولعله سرقه منهم فألصقة بابن عجلان وقد قال الدارقطني: إنه متروك، يضع الحديث، وقال الخليلي: شيخ ضعيف شحن تفسيره بما لا يتابع عليه\" ثم قال: \"وقد صحح الحديث من طريق إسماعيل بن رافع القاضي أبو بكر بن العربي في \"سراجه\" وتبعه القرطبي في \"التذكرة\" وقول عبد الحق في تضعيفه أولى وضعفه قبله البيهقي\".\nوكذا ضعفه الألباني، فقال في \"تعليقاته على الطحاوية\" (ص ٢٣٢): \"إسناده ضعيف لأنه من طريق إسماعيل بن رافع المدني عن يزيد بن أبي زياد (كذا) وكلاهما ضعيف بسندهما عن رجل من الأنصار وهو مجهول لم يسم\".\nونسبه السيوطي في \"الدر المنثور\" (٥/ ٦٣٤) إلى عبد بن حميد وعلى بن سعيد في \"كتاب الطاعة والعصيان\" وأبي يعلى وأبي الحسن القطان في \"المطولات\" وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وأبي موسى المديني كلاهما في \"المطولات\" وأبي الشيخ في \"العظمة\" والبيهقي في \"البعث والنشور\".","vol":"6","page":84},{"text":"الصور؟ قال: \"القرن\". قلت: كيف هو؟ قال: \"عظيم والذي بعثني بالحق، إن عظم دارة فيه كعرض [¬١] السموات والأرض، ينفخ فيه ثلاث نفخات؛ النفخة الأولى نفخة الفزع، والثانية نفخة الصعق، والثالثة نفخة القيام [¬٢] لرب العالمين، يأمر الله تعالى إسرافيل بالنفخة الأولى فيقول: انفخ، فينفخ [نفخة الفزع] [¬٣]، فيفزع أهل السموات والأرض إلا من شاء الله، ويأمره فيطيلها ويديمها ولا يفتر، وهي كقول الله: ﴿وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ﴾ فيسير الله الجبال فتمر مر السحاب فتكون سرابًا.\nثم ترتج الأرض بأهلها راجًا، فتكون كالسفينة المرمية في البحر تضربها الأمواج، تكفأ بأهلها كالقنديل المعلق [بالعرش] [¬٤] ترجرجه الرياح، وهي الذي [¬٥] يقول: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (٦) تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ (٧) قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ﴾ فيميد الناس على ظهرها، وتذهل المراضع، وتضع الحوامل، وتشيب [¬٦] الولدان، وتطير الشياطين هاربة من الفزع حتى تأتي الأقطار، فتأتيها الملائكة فتضرب وجوهها فترجع، ويولي الناس مدبرين ما لهم من أمر الله من عاصم، ينادي بعضهم بعضًا [¬٧]، وهو الذي يقول الله تعالى: ﴿يَوْمَ التَّنَادِ﴾.\nفبينما هم على ذلك، إذ انصدعت الأرض في قطر إلى قطر، فرأوا أمرًا عظيمًا لم يروا مثله، وأخذهم لذلك من [¬٨] الكرب والهول ما الله به عليم، ثم ينظروا [¬٩] إلى السماء فإذا هي كالمهل، ثم انشقت السماء [¬١٠] فانتثرت نجومها، وانخسفت شمسها وقمرها\". قال رسول الله ﵌: \"الأموات لا يعلمون بشيء من ذلك\".\nقال أبو هريرة: يا رسول الله، من استثنى الله ﷿ حين يقول: ﴿فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾؟ قال: \"أولئك الشهداء، وإنما يصل الفزع إلى الأحياء وهم أحياء عند ربهم [¬١١] يرزقون، وقاهم الله فزع ذلك اليوم وآمنهم منه، وهو عذاب الله يبعثه على شرار خلقه - قال: وهو الذي يقول الله ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (١) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ\n_________\n[¬١]- في ز: \"لعرض\".\n[¬٢]- في ت: \"القيامة\" والمثبت من خ، ز.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في ز: \"نفخته للفزع\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين في ت: \"في العرش\" والمثبت من خ، ز.\n[¬٥]- في ز: \"التي\".\n[¬٦]- في ز: \"يشيب\".\n[¬٧]- سقط من: خ، ز.\n[¬٨]- سقط من: ز.\n[¬٩]- في ز: \"ينظر\".\n[¬١٠]- سقط من: ز.\n[¬١١]- في ز: \"الله\".","vol":"6","page":85},{"text":"ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ فيكونون في ذلك البلاء [¬١] ما شاء الله أن [¬٢] يطول.\nثم يأمر الله إسرافيل بنفخة الصعق، فينفخ نفخة الصعق، فيصعق أهل السموات والأرض إلا من شاء الله، فإذا هم قد خمدوا، وجاء [¬٣] ملك الموت إلى الجبار ﷿ فيقول: يا رب، قد مات أهل السموات والأرض إلا من شئت. فيقول الله وهو أعلم بمن بقي: فمن بقي؟ فيقول: يا رب بقيت أنت الحي الذي لا يموت، وبقيت حملة العرش، وبقي جبريل وميكائيل، [وبقيت أنا. فيقول الله ﷿: ليمت جبريل وميكائيل] [¬٤]. فينطق الله العرش فيقول: يا رب يموت جبريل وميكائيل. فيقول: اسكت، فإني كتبت الموت على كل من كان تحت عرشي. فيموتان، ثم يأتي ملك الموت إلى الجبار فيقول: يا رب قد مات جبريل وميكائيل. فيقول الله وهو أعلم بمن بقي: فمن بقي؟ فيقول: بقيت أنت الحي الذي لا يموت [¬٥] وبقيت حملة عرشك [وبقيت أنا] [¬٦]. فيقول الله: ليمت حملة العرش [¬٧]. فيموتوا، ويأمر الله العرش فيقبض الصور من إسرافيل، ثم يأتي ملك الموت فيقول: يا رب قد مات حملة عرشك. فيقول الله وهو أعلم بمن بقي فمن بقي فيقول: يا رب بقيت أنت الحي الذي لا يموت وبقيت أنا. فيقول الله: أنت خلق من خلقي، خلقتك لما رأيت، فمت. فيموت، فإذا لم يبق إلا الله الواحد القهار الأحد الصمد [¬٨] الذي لم يلد ولم يولد كان آخرًا كما كان أولا، طوى السموات والأرض [طي السجل للكتب] [¬٩]، ثم دحاهما، ثم تلقفهما [¬١٠] ثلاث مرات، ثم يقول: أنا الجبار، أنا الجبار، [أنا الجبار] [¬١١]، ثلاثًا ثم هتف بصوته: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ [] [¬١٢] ثلاث مرات [¬١٣]، فلا يجيبه أحد، ثم يقول لنفسه: ﴿لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ يقول الله: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾ فيبسطهما ويسطحهما [¬١٤]، ثم يمدهما مد الأديم العكاظي [¬١٥] ﴿لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا﴾.\nثم [¬١٦] يزجر الله الخلق زجرة واحدة [¬١٧]، فإذا هم في هذه الأرض [¬١٨] المبدلة مثل ما كانوا\n_________\n[¬١]- في ت: \"العذاب\".\n[¬٢]- في خ، ز: \"إلا أنه\".\n[¬٣]- في ز: \"جاء\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٥]- في ز: \"تموت\".\n[¬٦]- سقط من: خ، ز.\n[¬٧]- في ز: \"عرشي\".\n[¬٨]- سقط من: ز.\n[¬٩]- في ز: \"على السجل الكتاب\".\n[¬١٠]- في ز: \"تلقفهما\".\n[¬١١]- سقط من: ز.\n[¬١٢]- في ز: \"لمن الملك اليوم\".\n[¬١٣]- في ز: \"مرار\".\n[¬١٤]- في خ: \"ويسخطهما\"، وفي ز: \"ويسحطهما\".\n[¬١٥]- في ز: \"الالعكاظى\".\n[¬١٦]- سقط من: ز.\n[¬١٧]- سقط من: خ، ز.\n[¬١٨]- سقط من: خ، ز.","vol":"6","page":86},{"text":"فيها من الأولى، من كان في بطنها كان في بطنها، ومن كان على ظهرها كان على ظهرها، ثم ينزل الله عليهم ماء من تحت العرش، ثم يأمر اللّه السماء أن [¬١] تمطر، فتمطر أربعين يومًا حتى يكون الماء فوقهم اثني عشر ذراعًا، ثم يأمر الله الأجساد أن تنبت، فتنبت كنبات الطراثيث أو كنبات البقل، حتى إذا تكاملت أجسادهم فكانت كما كانت، قال الله ﷿: ليحيى حملة عرشي فيحيون، ويأمر الله إسرافيل فيأخذ الصور فيضعه على فيه، ثم يقول: ليحيى جبريل وميكائيل فيحييان، ثم يدعو الله الأرواح فيؤتى بها، تتوهج أرواح المسلمين نورًا، وأرواح الكافرين ظلمة، فيقبضها جميعًا ثم يلقيها في الصور.\nثم يأمر الله إسرافيل أن ينفخ نفخة البعث، [فيفخ نفخ البعث] [¬٢]، فتخرج الأرواح كأنها النحل قد ملأت ما بين السماء والأرض، فيقول: وعزتي وجلالي ليرجعن كل روح إلى جسده، فتدخل [¬٣] الأرواح في الأرض إلى الأجساد فتدخل في الخياشيم، ثم تمشي في الأجساد كما يمشي السم في اللديغ، ثم تنشق الأرض عنكم، وأنا أوّل من تنشق الأرض عنه، فتخرجون سراعًا إلى ربكم تنسلون ﴿مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ [¬٤] يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾ حفاة عراة غلفًا [¬٥] غرلًا، فتقفون [¬٦] موقفًا واحدًا مقداره سبعون عامًا، لا ينظر إليكم ولا يقضى بينكم، فتبكون حتى تنقطع الدموع، ثم تدمعون دمًا، وتعرقون حتى يلجمكم العرق [¬٧] أو يبلغ الأذقان، وتقولون [¬٨]: من يشفع لنا إلى ربنا فيقضي بيننا، فتقولون [¬٩] من أحق بذلك من أبيكم آدم؛ خلقه الله بيده، ونفخ فيه من روحه، وكلمه قبلًا، فتأتون آدم فتطلبون ذلك إليه فيأبى، ويقول: ما أنا بصاحب ذلك، فيستقرئون الأنبياء نبيًّا نبيًّا، كلما جاءوا نبيًّا أبى عليهم - قال رسول الله ﷺ \"حتى يأتوني فأنطلق إلى الفحص فأخر ساجدًا\" قال أبو هريرة: يا رسول الله وما الفحص؟ قال: \"قدّام العرش - حتى يبعث اللَّه إليَّ ملكًا، فيأخذ بعضدي ويرفعني [¬١٠]، فيقول لي: يا [¬١١]، محمد، فأقول: نعم يا رب، فيقول الله ﷿: ما شأنك؟ - وهو أعلم فأقول: يا رب وعدتني الشفاعة فشفعني في خلقك فاقض بينهم، قال الله [¬١٢]: قد شفعتك أنا آتيكم أقضي بينكم.\nقال رسول الله ﷺ: \"فأرجع فأقف مع الناس، فبينما نحن وقوف إذ سمعنا من السماء حسًا شديدًا فهالنا، فنزل أهل السماء الدنيا بمثلي من في الأرض من الجن\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٣]- في ز: \"فدخل\".\n[¬٤]- في ز: \"الداعى\".\n[¬٥]- سقط من: خ، ز.\n[¬٦]- في ز: \"فيقفون\".\n[¬٧]- سقط من: ز.\n[¬٨]- في ز: \"ويقولون\".\n[¬٩]- في ز: \"فيقولون\".\n[¬١٠]- في ز: \"فيرفعنى\".\n[¬١١]- سقط من: ز.\n[¬١٢]- سقط من: ز.","vol":"6","page":87},{"text":"والإنس، حتى إذا دنوا من الأرض، أشرقت الأرض بنورهم وأخذوا مصافهم، وقلنا لهم: أفيكم ربنا؟ قالوا: لا، [وهو آت.\nثم ينزل أهل السماء الثانية بمثلي من نزل من الملائكة، وبمثلي من فيها من الجن والإِنس، حتى إذا دنوا من الأرض أشرقت الأرض بنورهم وأخذوا مصافهم، وقلنا لهم: أفيكم ربنا؟ فيقولون: لا، وهو آت] [¬١].\nثم ينزلون على قدر ذلك من التضعيف، حتى ينزل الجبار ﷿ في ظلل من الغمام والملائكة، ويحمل عرشه يومئذ ثمانية، وهم اليوم أربعة، أقدامهم في تخوم الأرض السفلى، والأرض والسماوات إلى حجزتهم، والعرش على مناكبهم، لهم زجل في تسبيحهم، يقولون: سبحان ذي العرش والجبروت، سبحان ذي الملك والملكوت، سبحان الحي الذي لا يموت، سبحان الذي يميت الخلائق ولا يموت، سبوح قدوس قدوس قدوس، سبحان ربنا الأعلى رب الملائكة والروح، سبحان ربنا الأعلى الذي يميت الخلائق ولا يموت، فيضع الله كرسيه حيث يشاء [¬٢] من أرضه، ثم يهتف بصوته: يا معشر الجن والإِنس: إني قد أنصت لكم منذ خلقتكم إلى يومكم هذا، أسمع قولكم وأبصر أعمالكم [فأنصتوا إليَّ، فإنما هي أعمالكم] [¬٣] وصحفكم تقرأ عليكم، فمن وجد خيرًا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه.\nثم يأمر الله جهنم فيخرج منها عنق ساطع، ثم يقول: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١) وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ (٦٢) هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ - أو [¬٤]: بها تكذبون، [شك أبو عاصم] [¬٥]- ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ فيميز الله الناس وتجثوا الأمم. يقول الله تعالى: ﴿وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا [الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ] [¬٦]﴾ فيقضي الله ﷿ بين خلقه إلا الثقلين: الجن والإِنس، فيقضي بين الوحوش [¬٧] والبهائم، حتى إنه ليقتص [¬٨] للجماء من ذات القرن، فإذا فرغ من ذلك، فلم تبق تبعة عند واحدة للأخرى، قال الله لها [¬٩]: كوني ترابًا، فعند ذلك يقول الكافر: ﴿يَالَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا﴾. ثم يقضي الله بين العباد، فكان أوّل ما يقضي فيه الدماء، ويأتي كل قتيل في سبيل الله، ويأمر الله ﷿ كل قتيل فيحمل رأسه تشخب أوداجه،\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٢]- في ز: \"شاء\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٤]- في ز: \"و\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٧]- في ز: \"الوحش\".\n[¬٨]- في خ: \"ليقضي\".\n[¬٩]- سقط من: ز.","vol":"6","page":88},{"text":"فيقول [¬١]: يا رب فيم قتلني هذا؟ فيقول - وهو أعلم - فيم قتلتهم؟ فيقول: قتلتهم لتكون العزة لك، فيقول الله له: صدقت، فيجعل الله وجهه مثل نور الشمس، ثم تمر به الملائكة إلى الجنة، ثم [¬٢] يأتي كل من قتل على [¬٣] غير ذلك يحمل رأسه و[¬٤] تشخب أوداجه، فيقول: يا رب فيم [¬٥] قتلني هذا؟ فيقول - وهو أعلم: لم قتلتهم؟ فيقول: يا رب قتلتهم لتكون العزة لك ولي، فيقول [¬٦]: تعست، ثم لا تبقى نفس قتلها إلا قتل [¬٧] بها، [ولا مظلمة ظلمها إلا أخذ بها، وكان في مشيئة الله إن شاء عذبه وإن شاء رحمه.\nثم يقضي الله تعالى بين من بقي من خلقه] [¬٨]، حتى لا تبقى مظلمة لأحد عند أحد إلا أخذها الله [¬٩] للمظلوم من الظالم، حتى إنه ليكلف شائب اللبن بالماء ثم يبيعه: [] [¬١٠] أن يخلص اللبن من الماء.\nفإذا فرغ الله من ذلك نادى مناد يسمع الخلائق كلهم: ألا ليلحق كل قوم بآلهتهم [وما كانوا يعبدون من دون الله، فلا يبقى أحد عبد من دون اللَّه إلا مثلت له آلهته بين يديه، ويجعل يومئذ ملك من الملائكة على صورة عزير، ويجعل ملك من الملائكة على صورة عيسى ابن مريم، ثم يتبع هذا اليهود وهذا النصارى، ثم قادتهم آلهتهم] [¬١١] إلى النار، وهو الذي يقول ﴿لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ فإذا لم يبق إلا المؤمنون فيهم المنافقون، جاءهم الله فيما شاء من هيئته فقال: يا أيها الناس، ذهب الناس فالحقوا بآلهتكم وما [¬١٢] كنتم تعبدون. فيقولون: والله ما لنا إله إلا الله وما كنا نعبد غيره. [فينصرف عنهم وهو الله الذي يأتيهم، فيمكث ما شاء الله أن يمكث، ثم يأتيهم فيقول: يا أيها، الناس ذهب الناس فالحقوا بآلهتكم وما كنتم تعبدون. فيقولون: والله ما لنا إله إلا الله وما كنا نعبد غيره] [¬١٣]. فيكشف لهم عن ساقه، ويتجلى لهم من عظمته ما يعرفون أنه ربهم، فيخرون للأذقان [¬١٤] سجدًا على وجوههم، ويخر كل منافق على قفاه، ويجعل الله أصلابهم كصياصي البقر، ثم يأذن الله لهم فيرفعون، ويضرب الله الصراط بين ظهراني جهنم كحد الشفرة [¬١٥] أو كحد السيف، عليه كلاليب وخطاطيف وحسك كحسك السعدان، دونه\n_________\n[¬١]- في ز: \"يقول\".\n[¬٢]- في ز: \"و\".\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- سقط من: ز.\n[¬٥]- سقط من: ز.\n[¬٦]- سقط من: ز.\n[¬٧]- في خ: \"سئل\"، وفي ز: \"مثل\".\n[¬٨]- سفط من: خ، ز.\n[¬٩]- سقط من: ز.\n[¬١٠]- في ز: \"إلى\".\n[¬١١]- سقط من: خ، ز.\n[¬١٢]- في ز: \"ما\".\n[¬١٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬١٤]- سقط من: خ، ز.\n[¬١٥]- في ز: \"الشعرة\".","vol":"6","page":89},{"text":"جسر دحض [¬١] مزلة، فيمرون كطرف العين، أو كلمح البرق، أو كمر الريح، أو كجياد الخيل، أو كجياد الركاب، أو كجياد الرجال، فناج سالم، وناج مخدوش، ومكردس على وجهه في جهنم.\nفإذا أفضى أهل الجنة إلى الجنة، قالوا: من يشفع لنا إلى ربنا فندخل الجنة؟ فيقولون: من أحق بذلك من أبيكم آدم ﵇؛ خلقه الله بيده، ونفخ فيه من روحه، وكلمه قبلًا. فيأتون آدم فيطلب [¬٢] ذلك إليه، فيذكر ذنبًا ويقول: ما أنا بصاحب ذلك، ولكن عليكم بنوح، فإنه أول رسل الله، فيؤتى نوح فيطلب ذلك إليه، فيذكر ذنبًا ويقول: ما أنا بصاحب ذلك، ويقول: عليكم بإبراهيم، فإن الله اتخذه خليلًا، فيؤتى إبراهيم فيطلب ذلك إليه، فيذكر ذنبًا ويقول: ما أنا بصاحب ذلك، ويقول: عليكم بموسى؛ فإن الله قربه نجيًّا وكلمه وأنزل عليه التوراة، فيؤتى موسى فيطلب ذلك إليه، فيذكر ذنبًا ويقول: لست بصاحب ذلك، ولكن عليكم بروح الله وكلمته عيسى ابن مريم، فيؤتى عيسى ابن مريم فيطلب ذلك إليه، فيقول: ما أنا بصاحبكم ولكن عليكم بمحمد - قال رسول الله ﷺ فيأتوني ولي عند ربي ثلاث شفاعات وعدنيهن [¬٣]، فأنطلق فآتي الجنة، فآخذ بحلقة الباب فأستفتح فيفتح [¬٤] لي، فأحيا ويرحب بي، فإذا دخلت الجنة فنظرت إلى ربي خررت ساجدًا، فيأذن الله لي من تحميده [¬٥] وتمجيده بشيء ما أذن به لأحد من خلقه، ثم يقول: ارفع رأسك [¬٦] يا محمد، واشفع تشفع وسل تعط [¬٧]. فإذا رفعت رأسي يقول [¬٨] الله - وهو أعلم -: ما شأنك؟ فأقول: يا رب وعدتني الشفاعة فشفعني [¬٩] في أهل الجنة فيدخلون الجنة. فيقول الله: قد شفعتك وقد أذنت لهم في دخول الجنة\".\nوكان رسول الله ﷺ يقول: \"والذي نفسي بيده، ما أنتم في الدنيا بأعرف بأزواجكم ومساكنكم من أهل الجنة بأزواجهم ومساكنهم، فيدخل كل رجل منهم على [¬١٠] اثنتين [¬١١] وسبعين زوجة؛ سبعين [¬١٢] مما ينشيء الله ﷿، واثنتين آدميتين من ولد آدم، لهما فضل على من أنشأ الله لعبادتهم [¬١٣] الله في الدنيا، فيدخل على الأولى في غرفة من ياقوتة، على سرير من ذهب مكلل باللؤلؤ، عليها [سبعون زوجًا] [¬١٤] من سندس\n_________\n[¬١]- في خ: \"رحض\".\n[¬٢]- في ز: \"فيطلبون\".\n[¬٣]- سقط من: خ، ز.\n[¬٤]- سقط من: خ، ز.\n[¬٥]- في ز: \"حمده\".\n[¬٦]- في ز: \"تعطه\".\n[¬٧]- سقط من: ز.\n[¬٨]- في ز: \"فيقول\".\n[¬٩]- في ز: \"فيشفعني\".\n[¬١٠]- في ز: \"في\".\n[¬١١]- في ز: \"ثنتين\".\n[¬١٢]- سقط من: خ، ز.\n[¬١٣]- في خ، ز: \"لعبادتهما\".\n[¬١٤]- في ز: \"سبعين روحًا\".","vol":"6","page":90},{"text":"وإِستبرق، ثم إنه يضع يده بين كتفيها، ثم ينظر إلى يده من صدرها، ومن وراء ثيابها وجلدها ولحمها، وإنه لينظر إلى مخ ساقها، كما ينظر [أحدكم إلى] [¬١] السلك في قصبة الياقوت، كبدها له مرآة وكبده لها مرآة، فبينا هو عندها لا يملها ولا تمله، ما يأتيها من مرة إلا وجدها عذراء، ما يفتر ذكره وما يشتكي قبلها، فبينا هو كذلك إذ نودي: إنا قد عرفنا أنك لا تَمل ولا تُمل إلا أنه لا مني ولا منية، إلا أن لك أزواجًا غيرها، فيخرج فيأتيهن [¬٢] واحدة واحدة، كلما أتى واحدة قالت له [¬٣]: والله ما أرى في الجنة شيئًا أحسن منك، ولا في الجنة شيء أحب إلى منك.\nوإذا وقع أهل النار في النار، وقع فيها خلق من خلق ربك أوبقتهم أعمالهم، فمنهم من تأخذ النار قدميه لا تجاوز ذلك [¬٤]، ومنهم من تأخذه إلى أنصاف ساقيه، ومنهم من تأخذه إلى ركبتيه، ومنهم من تأخذه إلى حقويه، ومنهم من تأخذ جسده كله إلا وجهه، حرم اللَّه صورته عليها\" - قال رسول الله ﷺ: \"فأقول [¬٥]: يا رب [شفعني فيمن] [¬٦] وقع في النار من أمتي. فيقول: أخرجوا من عرفتم. فيخرج أولئك حتى لا يبقى منهم أحد، ثم يأذن الله في الشفاعة، فلا يبقى نبي ولا شهيد إلا شفع، فيقول الله: أخرجوا من وجدتم في قلبه زنة دينار [¬٧] إيمانًا، فيخرج أولئك حتى لا يبقى منهم أحد، ثم يشفع اللَّه فيقول: أخرجوا من وجدتم [¬٨] في قلبه إيمانًا ثلثي دينار، ثم يقول: ثلث دينار، ثم يقول: ربع دينار، ثم يقول: قيراطًا [¬٩]، ثم يقول: حبة من خردل، فيخرج [¬١٠] أولئك حتى لا يبقى منهم أحد [¬١١]، وحتى لا يبقى في النار من عمل لله خيرًا قط، ولا يبقى أحد له شفاعة إلا شفع، حتى إن إبليس يتطاول [¬١٢] مما يرى من رحمة الله رجاء أن يشفع له، ثم يقول: بقيت وأنا أرحم الراحمين، فيدخل يده في جهنم فيخرج منها ما لا يحصيه غيره كأنهم حمم، فيلقون على نهر يقال له: نهر الحيوان، فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل، [فما يلي] [¬١٣] الشمس منها أخيضر، وما يلي الظل منها أصيفر، فينبتون كنبات الطراثيث حتى يكونوا أمثال الذر، مكتوب في رقابهم الجهنميون عتقاء الرحمن، يعرفهم أهل الجنة بذلك الكتاب ما عملوا خيرًا لله قط، فيمكثون في الجنة ما شاء الله وذلك الكتاب في رقابهم، ثم يقولون:\n_________\n[¬١]- سقط من: خ، ز.\n[¬٢]- في ز: \"فيأتيهم\".\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- سقط من: خ، ز.\n[¬٥]- سقط من: ز.\n[¬٦]- في خ، ز: \"من\".\n[¬٧]- في ز: \"الدينار\".\n[¬٨]- سقط من: ز.\n[¬٩]- في ز: \"قيراط\".\n[¬١٠]- في خ، ز: \"فيقول\".\n[¬١١]- سقط من: خ، ز.\n[¬١٢]- في ز: \"ليتطاول\".\n[¬١٣]- ما بين المعكوفتين في ز: \"ما يلقى\".","vol":"6","page":91},{"text":"ربنا امح عنا هذا الكتاب، فيمحوه [¬١] الله ﷿ عنهم\".\nهذا حديث مشهور [¬٢]، وهو غريب جدًّا، ولبعضه شواهد في الأحاديث المتفرقة، وفي بعض ألفاظه نكارة، تفرد به إسماعيل بن رافع قاص أهل المدينة وقد اختلف فيه؛ فمنهم من وثقه، ومنهم من ضعفه، ونص على نكارة حديثه غير واحد من الأئمة: كأحمد بن حنبل وأبي حاتم الرازي وعمرو بن علي الفلاس، ومنهم من قال فيه: هو متروك، وقال ابن عدي: أحاديثه كلها فيها نظر، إلا أنه يكتب حديثه في جملة الضعفاء.\nقلت: وقد اختلف عليه في إسناد هذا الحديث على وجوه كثيرة، قد أفردتها في جزء على حدة، وأما سياقه فغريب جدًّا، ويقال: إنه جمعه من أحاديث كثيرة، وجعله سياقًا واحدًا، فأنكر عليه بسبب ذلك، وسمعت شيخنا الحافظ أبا [¬٣] الحجاج المزي يقول: إنه رأى للوليد بن مسلم مصنفًا، قد جمع فيه كل الشواهد لبعض مفردات هذا الحديث. فالله أعلم [¬٤].\n_________\n[¬١]- في ز: \"فيمحاه\".\n[¬٢]- يعنى بين الناس ولا يريد \"المشهور\" بالمعنى الاصطلاحي عند علماء الحديث ومن المعلوم أيضًا أن الشهرة هذه لا تستلزم صحة الحديث.\n[¬٣]- في ز: \"أبو\".\n[¬٤]- وقال المصنف في \"النهاية\" (١/ ٢٣٤، ٢٣٥): \"وهو حديث مشهور، رواه جماعات من الأئمة في كتبهم كابن جرير في تفسيره والطبراني في \"المطولات\" والحافظ البيهقي في كتابه \"البعث والنشور\" والحافظ أبي موسى المديني في \"المطولات\" أيضًا، من طرق متعددة عن إسماعيل بن رافع قاص أهل المدينة، وقد تكلم فيه بسببه، وفي بعض سياقه نكارة واختلاف بينت طرقه في جزء مفرد، قلت - الحافظ ابن كثير - وإسماعيل بن رافع المديني ليس في الوضاعين وكأنه جمع هذا الحديث من طرق وأماكن متفرقة، فجمعه وساقه سياقة واحدة، فكان يقص به على أهل المدينة، وقد حضره جماعة من أعيان الناس في عصره ورواه عنه جماعة من الكبار كأبي عاصم النبيل والوليد بن مسلم ومكي بن إبراهيم ومحمد بن شعيب بن سابور وعبدة بن سليمان وغيرهم واختلف عليه، فتارة يقول: عن محمد بن زياد، عن محمد بن كعب عن رجل عن أبي هريرة، وتارة يسقط الرجل، وقد رواه إسحاق بن راهويه عن عبدة بن سليمان عن إسماعيل بن رافع، عن محمد بن زيد بن أبي زياد عن رجل من الأنصار عن محمد بن كعب عن رجل من الأنصار عن أبي هريرة عن النبي ﷺ بطوله ومنهم من أسقط الرجل الأول قال شيخنا الحافظ المزي: وهذا أقرب قال: وقد رواه عن إسماعيل بن رافع عن الوليد بن مسلم، وله عليه مصنف بين شواهده من الأحاديث الصحيحة وقال الحافظ أبو موسى المديني بعد إيراده بتمامه: وهذا الحديث وإن كان في إسناده من تكلم فيه فعامة ما يروى فيه مفرقًا من أسانيد ثابتة\".","vol":"6","page":92},{"text":"﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٧٤) وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (٧٥) فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (٧٦) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (٧٧) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٧٨) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٧٩)﴾.\nقال الضحاك، عن ابن عباس: إن أبا إبراهيم لم يكن اسمه آزر، وإنما [¬١] كان اسمه تارح [¬٢]. رواه ابن أبي حاتم (^١٣٤).\nوقال أيضًا (^١٣٥): حدثنا أحمد بن عمرو بن أبي عاصم النبيل، حدثنا أبي، حدثنا أبو عاصم [أنا] [¬٣] شبيب، حدثنا عكرمة، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ﴾ يعني: بآزر الصنم، وأبو إبراهيم اسمه تارح [¬٤]، وأمّه اسمها مثاني، وامرأته اسمها سارة، وأم إسماعيل اسمها هاجر وهي سرية إبراهيم.\nوهكذا قال غير واحد من علماء النسب: إن اسمه تارح [¬٥].\n_________\n(^١٣٤) - ابن أبي حاتم في تفسيره (٤/ ٧٤٩١) والضحاك لم يسمع من ابن عباس وفي إسناده بشر بن عمارة ضعيف كما في \"التقريب\".\n(^١٣٥) - ابن أبي حاتم في تفسيره (٤/ ٧٤٨٩) وشيخ ابن أبي حاتم قال هو عنه في \"الجرح والتعديل\" (٢/ ٦٧): \"سمعت منه وكان صدوقًا\" وباقي رجاله ثقات غير شبيب وهو ابن بشر أبو بشر البجلي فهو صدوق يخطئ - كما في \"التقريب\".\n_________\n[¬١]- في ز: \"إنما\".\n[¬٢]- في ز: \"تارخ\".\n[¬٣]- ساقطة من \"ت، خ، ز\" والمثبت من تفسير ابن أبي حاتم.\n[¬٤]- في ز: \"يازخ\".\n[¬٥]- في ز: \"تارخ\".","vol":"6","page":93},{"text":"وقال مجاهد والسدي: آزر اسم صنم.\nقلت: كأنه غلب عليه آزر لخدمته ذلك الصنم، فالله أعلم.\nوقال ابن جرير وقال آخرون: هو سب وعيب بكلامهم ومعناه مِعْوجٌ، ولم يسنده ولا حكاه عن أحد.\nوقد قال ابن أبي حاتم (^١٣٦): ذكر عن معتمر بن سليمان: سمعت أبي يقرأ: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ﴾ قال [¬١]: بلغني أنها أعوج، وأنها أشد كلمة قالها إبراهيم ﵇.\nثم قال ابن جرير: والصواب أن اسم أبيه آزر، ثم أورد على نفسه قول النسابين أن اسمه تارح [¬٢]، ثم أجاب: بأنه قد يكون له اسمان كما لكثير من الناس، أو يكون أحدهما لقبًا، وهذا الذي قاله جيد قوي والله أعلم.\nواختلف القراء في أداء قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ﴾ فحكى ابن جرير عن الحسن البصري وأبي يزيد المدني [¬٣]: أنهما كانا يقرآن: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً﴾ معناه: يا آزر أتتخذ أصناما آلهة.\nوقرأ الجمهور بالفتح، إما على أنه علم أعجمي لا ينصرف وهو بدل من قوله ﴿لِأَبِيهِ﴾، أو عطف بيان وهو أشبه.\nوعلى قول من جعله نعتًا لا ينصرف أيضًا كأحمر وأسود.\nفأما من زعم أنه [¬٤] منصوب لكونه معمولًا لقوله: ﴿أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا﴾ تقديره: يا أبت أتتخذ آزر أصنامًا آلهة، فإنه قول بعيد في اللغة؛ لأن ما بعد حرف الاستفهام لا يعمل فيما قبله؛ لأن له صدر الكلام، كذا قرره ابن جرير وغيره، وهو مشهور في قواعد العربية.\nوالمقصود أن إبراهيم ﵇ وعظ أباه في عبادة الأصنام، وزجره عنها ونهاه فلم ينته، كما قال: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً﴾ أي: أتتأله لصنم تعبده من دون الله ﴿إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ﴾ أي: السالكين مسلكك ﴿فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ أي: تائهين لا يهتدون\n_________\n(^١٣٦) - ابن أبي حاتم في تفسيره (٤/ ٧٤٩٣) وعزاه السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ٤٣) إلى ابن جرير في تفسيره في مظانه، والله أعلم.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- في ز: \"تارخ\".\n[¬٣]- في ز: \"المديني\".\n[¬٤]- سقط من: خ، ز.","vol":"6","page":94},{"text":"أين يسلكون، بل في حيرة وجهل، وأمركم في الجهالة [والضلال بيِّن واضح لكل ذي] [¬١] عقل صحيح.\nوقال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (٤١) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا (٤٢) يَاأَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا (٤٣) يَاأَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا (٤٤) يَاأَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا (٤٥) قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا (٤٦) قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا (٤٧) وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا﴾ فكان إبراهيم ﵇ يستغفر لأبيه مدة حياته، فلما مات على الشرك، وتبين إبراهيم ذلك رجع عن الاستغفار له وتبرأ منه، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾.\nوثبت في الصحيح (^١٣٧): \" أن إبراهيم يلقى أباه آزر يوم القيامة، فيقول له آزر [¬٢]: يا بني اليوم لا أعصيك، فيقول إبراهيم: أي رب، ألم تعدني أنك لا تخزني يوم يبعثون [¬٣]، وأي خزي أخزى من أبي الأبعد؟ فيقال: يا إبراهيم، انظر ما وراءك. فإذا هو بذِيخ [¬٤] متلطخ، فيؤخذ بقوائمه فيلقى في النار\".\nوقوله: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [أي: نبين له وجه الدلالة في نظره إلى خلقهما، على وحدانية الله ﷿ في ملكه وخلقه، وأنه لا إله غيره ولا رب سواه، كقوله: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾] [¬٥]، وقال: ﴿[أَوَلَمْ] [¬٦] يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، وقال: ﴿أَفَلَمْ يَرَوْا [¬٧] إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾.\nوأما ما حكاه ابن جرير وغيره: عن مجاهد وعطاء: سعيد بن جبير والسدي وغيرهم قالوا - واللفظ لمجاهد -: فرجت له السموات فنظر إلى ما فيهن، حتى انتهى بصره إلى العرش،\n_________\n(^١٣٧) - أخرجه البخاري، كتاب: الأنبياء، باب: قول الله تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ (٣٣٥٠).\n_________\n[¬١]- في ز: \"والضلالة لكل\".\n[¬٢]- في ز: \"أبوه\".\n[¬٣]- في خ، ز: \"الدين\".\n[¬٤]- في ز: \"بذبح\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين في ز: \"أفلم\".\n[¬٧]- في ز: \"ينظروا\".","vol":"6","page":95},{"text":"وفرجت له الأرضون السبع فنظر إلى ما فيهن. وزاد غيره: فجعل ينظر إلى العباد على المعاصي ويدعو عليهم، فقال الله له: إني أرحم بعبادي منك، لعلهم أن يتوبوا [أو يرجعوا] [¬١].\nوقد روى ابن مردويه في ذلك حديثين مرفوعين عن معاذ (^١٣٨) وعلى (^١٣٩)، ولكن لا يصح إسنادهما والله أعلم.\nوروى ابن أبي حاتم (^١٤٠): من طريق العوفي، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾: فإنه [تعالى جلَّا له] [¬٢] الأمر سره وعلانيته، فلم يخف عليه شيء من أعمال الخلائق، فلما جعل يلعن أصحاب الذنوب، قال الله: إنك لا [¬٣] تستطيع هذا. فرده الله [¬٤] كما كان قبل ذلك، فيحتمل أن يكون هذا كشف له عن بصره حتى رأى ذلك عيانًا، ويحتمل أن يكون عن بصيرته حتى شاهده بفؤاده وتحققه وعرفه، وعلم ما في ذلك من الحكم الباهرة والدلالات القاطعة، كما رواه الإِمام أحمد والترمذي وصححه (^١٤١): عن معاذ بن جبل في حديث المنام: \"أتاني ربي في أحسن صورة، فقال: يا محمد، فيم يختصم الملأ الأعلى؟ فقلت: لا أدري يا رب، فوضع كفه بين كتفي، حتى وجدت برد أنامله بين ثديي، فتجلى لي كل شيء وعرفت\". وذكر الحديث.\nوقوله: ﴿وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ قيل: الواو زائدة، تقديره: وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض ليكون من الموقنين، كقوله: ﴿وَكَذَلِكَ [¬٥] نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾.\n_________\n(^١٣٨) - إسناده ضعيف، وعزاه لابن مردويه السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ٤٥) ونسبه أيضًا إلى أبي الشيخ، والبيهقي في \"الشعب\"، وهو في \"الشعب\" (٥/ رقم ٦٧٠٠) من طريق ليث بن أبي سليم عن شهر بن حوشب عنه، وشهر ضعيف وليث أضعف منه.\n(^١٣٩) - كسابقه، وكذا عزاه لابن مردويه السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ٤٥) ولم أهتد إليه عند غيره، وأفادنا المصنف أن إسناد هذا والذي قبله لا يصح.\n(^١٤٠) - إسناده ضعيف، رواه ابن أبي حاتم في تفسيره (٤/ ٧٥٠٧)، وكذا أخرجه ابن جرير (١١/ ١٣٤٦٠) من طريق عطية العوفي وهو مشهور بالضعف.\n(^١٤١) - صحيح، أخرجه أحمد في \"المسند\" (٥/ ٢٤٣)، والترمذي (٣٢٣٥) وقال: \"حديث حسن صحيح\" ويأتي تخريجه [سورة ص/ آية ٦٩].\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ت: \"ويراجعوا\"، والمثبت من: خ، ز.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز: \"ﷻ\".\n[¬٣]- في ز: \"لن\".\n[¬٤]- سقط من: ز.\n[¬٥]- سقط من: ز.","vol":"6","page":96},{"text":"وقيل: بل هي على بابها، أي: نريه ذلك ليكون عالمًا وموقنًا.\nوقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ﴾ أي: تغثساه وستره ﴿رَأَى كَوْكَبًا﴾ أي: نجمًا ﴿قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ﴾ أي: غاب، قال محمَّد بن إسحاق بن يسار: الأفول الذهاب. وقال ابن جرير: يقال: أفل النجم يأفُل ويأفِل أفولًا وأفلًا إذا غاب، ومنه قول ذي الرمة:\nمَصَابِيحُ لَيْسَتْ باللَّوِاتِي تَقُودُها … نجومٌ [¬١] ولا بالآفِلَات الدَّوَالِكِ\nويقال: أين أفلت عنا؟ بمعنى [¬٢]: أين غبت عنا. قال: ﴿لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾ قال قتادة: علم أيضًا ربه دائم لا يزول، ﴿فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا﴾ أي: طالعًا ﴿قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (٧٧) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي﴾ أي: هذا المنير الطالع ربي ﴿هَذَا أَكْبَرُ﴾ أي: جرمًا من النجم ومن القمر وأكثر إضاءة ﴿فَلَمَّا أَفَلَتْ﴾ أي: غابت ﴿قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٧٨) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ﴾ أي: أخلصت ديني [] [¬٣] وأفردت عبادتي ﴿لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ أي: خلقهما وابتدعهما على غير مثال سبق ﴿حَنِيفًا﴾ أي: في حال كوني حنيفًا، أي: مائلًا عن الشرك إلى التوحيد، ولهذا قال: ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ وقد اختلف المفسرون في هذا المقام؛ هل هو مقام كظر أو مناظرة؟ فروى ابن جرير (^١٤٢): من طريق على بن أبي طلحة، عن ابن عباس ما يقتضي أنه مقام نظر، واختاره ابن جرءس مستدلًّا بقوله: ﴿لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي [لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ] [¬٤]﴾.\nوقال محمَّد بن إسحاق (^١٤٣): قال ذلك حين خرج من السَّرَب الذي ولدته فيه أمه، حين تخوفت عليه [من نمرود] [¬٥] بن كنعان، لما كان [¬٦] قد أخبر بوجود [¬٧] مولود يكون ذهاب ملكه على يديه، فأمر بقتل الغلمان عامئذ، فلما حملت أم إبراهيم به وحان وضعها، ذهبت به إلى سرب ظاهر البلد، فولدت فيه إبراهيم وتركته هناك. ذكر أشياء من خوارق العادات، كما ذكرها غيره من المفسرين من السلف والخلف.\nوالحق: أن إبراهيم ﵊ كان في هذا المقام مناظرًا لقومه، مبينًا لهم\n_________\n(^١٤٢) - ابن جرير في تفسيره (١١/ ١٣٤٦٢).\n(^١٤٣) - أخرجه ابن جرير أيضًا (١١/ ١٣٤٦٤).\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- في ز: \"يعني\".\n[¬٣]- بعده في خ: \"أي\".\n[¬٤]- في: ت: \"الآية\".\n[¬٥]- خ، ز: \"النمرود\".\n[¬٦]- في خ، ز: \"أن\".\n[¬٧]- في ز: \"بموجود\".","vol":"6","page":97},{"text":"بطلان ما كانوا عليه من عبادة الهياكل والأصنام، فبين في المقام الأول مع أبيه خطأهم في عبادة الأصنام الأرضية، التي هي على صور [¬١] الملائكة السماوية ليشفعوا لهم إلى الخالق العظيم، الذي هم عند أنفسهم أحقر من أن يعبدوه، وإنما يتوسلون إليه بعبادة ملائكته؛ ليشفعوا لهم عنده في الرزق والنصر [¬٢]، وغير ذلك مما يحتاجون إليه. وبين في هذا المقام خطأهم وضلالهم في عبادة الهياكل: وهي الكواكب السيارة السبعة المتحيرة، وهي: القمر، وعطارد، والزهرة، والشمس، والمريخ، والمشتري، وزحل، وأشدهنّ إضاءة وأشرفهنّ [¬٣] عندهم: الشمس، ثم القمر، ثم الزهرة، فبين أولًا [صلوات الله وسلامه عليه] [¬٤]: أن هذه الزهرة لا تصلح للإِلهية؛ لأنها مسخرة مقدرة بسير معين، لا تزيغ عنه يمينًا ولا شمالًا، ولا تملك لنفسها تصرفًا، بل هي جرم من الأجرام خلقها الله منيرة، لما له في ذلك من الحكم العظيمة، وهي تطلع من المشرق ثم تسير فيما بينه وبين المغرب، حتى تغيب عن الأبصار فيه، ثم تبدو في الليلة القابلة على هذا المنوال، ومثل هذه لا تصلح للإِلهية، ثم انتقل إلى القمر فبين فيه مثل ما تقدم في النجم، ثم انتقل إلى الشمس كذلك [¬٥]، فلما انتفت الإِلهية عن هذه الأجرام الثلاثة، التي هي أنور ما تقع عليه [¬٦] الأبصار، وتحقق ذلك بالدليل القاطع؛ ﴿قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ أي: أنا بريء من عبادتهن وموالاتهن، فإن كانت آلهة فكيدوني بها جميعًا ثم لا تنظرون [] [¬٧] ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٧٩)﴾ أي: إنما أعبد خالق هذه [¬٨] الأشياء ومخترعها ومسخرها ومقدرها ومدبرها، الذي بيده ملكوت كل شيء، و[¬٩] خالق كل شيء وربه ومليكه وإلهه، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ [الأعراف: ٥٤] وكيف يجوز أن يكون إبراهيم ناظرًا في هذا المقام، وهو الذي قال الله في حقه: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ (٥١) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ الآيات، وقال تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٠) شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٢١) وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٢٢) ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٣)﴾، أو قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٦١)﴾] [الأنعام: ١٦١] [¬١٠].\n_________\n[¬١]- في ز: \"صورة\".\n[¬٢]- في ز: \"الرزق\".\n[¬٣]- في ز: \"أشرقهنّ\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٥]- في ز: \"فكذلك\".\n[¬٦]- في ز: \"عليها\".\n[¬٧]- بعده في خ: \"أي\".\n[¬٨]- سقط من: ر.\n[¬٩]- سقط من: ز.\n[¬١٠]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.","vol":"6","page":98},{"text":"وقد ثبت في الصحيحين (^١٤٤): عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ أنه قال: \"كل مولود، يولد على الفطرة\"، وفي صحيح مسلم (^١٤٥): عن عياض بن حمار: أن رسول الله ﷺ قال: \"قال الله: إني خلقت عبادي حنفاء\"، وقال الله في كتابه العزيز: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾، وقال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ ومعناه على أحد القولين كقوله: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ كما سيأتي بيانه.\nفإذا كان هذا في حق سائر الخليقة، فكيف يكون إبراهيم الخليل - الذي جعله الله أمة قانتًا لله حنيفًا ولم يكن [¬١] من المشركين - ناظرًا في هذا المقام، بل هو أولى الناس بالفطرة السليمة، والسجية المستقيمة [¬٢] بعد رسول الله ﷺ بلا شك ولا ريب، ومما يؤيد أنه كان في هذا المقام مناظرًا لقومه فيما كانوا فيه من الشرك لا ناظرًا - قوله تعالى:\n﴿وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (٨٠) وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨١) الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢) وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (٨٣)﴾\n_________\n(^١٤٤) - أخرجه البخاري كتاب: الجنائز، باب: إذا أسلم الصبح فمات هل يُصلَّى عليه .. (١٣٥٨)، ومسلم، كتاب: القدر، باب: معنى كل مولود يولد على الفطرة … (٢٢) (٢٦٥٨)، وأبو داود، كتاب: السنة، باب: في ذراري المشركين (٤٧١٤)، والترمذي، كتاب: القدر، باب: ما جاء كل مولود يولد على الفطرة (٢١٣٨)، والنسائي (٤/ ٥٨)، وأحمد (٢/ ٢٤٤ - وفي غير موضع) من حديث أبي هريرة بروايات مطولة ومختصرة.\n(^١٤٥) - صحيح مسلم كتاب: صفة الجنة ونعيمها وأهلها، باب: الصفات التي يعرف بها في الدنيا أهل الجنة وأهل النار (٦٣) (٢٨٦٥) ضمن حديث طويل، وأخرجه أيضًا النسائي في \"الكبرى\" (٥/ ٨٠٧٠، ٨٠٧١)، وابن ماجه (٤١٧٩) مختصرًا، وأحمد (١٧٥٣١) (٤/ ١٦٢).\n_________\n[¬١]- في ز: \"يك\".\n[¬٢]- في ز: \"السقيمة\".","vol":"6","page":99},{"text":"يقول تعالى [مخبرًا عن خليله إبراهيم، حين] [¬١] جادله قومه فيما ذهب إليه من التوحيد، وناظروه بشبه [¬٢] القول، أنه [¬٣] قال: ﴿أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ [¬٤]﴾ أي: تجادلونى [¬٥] في أمر الله وأنه لا إله إلا هو، وقد بصرني وهداني إلى الحق، وأنا على بينة منه، فكيف ألتفت إلى أقوالكم [¬٦] الفاسدة [¬٧] وشبهكم الباطلة.\nوقوله: ﴿وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا﴾ أي: ومن الدليل على بطلان قولكم فيما ذهبتم إليه: أن هذه الآلهة التي تعبدونها لا تؤثر شيئًا، وأنا لا أخافها ولا أباليها، فإن كان لها صنع فكيدوني بها ولا تنظرون، بل عاجلوني بذلك.\nوقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا﴾ استثناء منقطع، أي: لا يضر ولا ينفع إلا الله ﷿.\n﴿وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ أي: أحاط علمه بجميع الأشياء فلا تخفى [¬٨] عليه خافية.\n﴿أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ﴾ أي: فيما بينته لكم، فتعتبرون أن هذه الآلهة باطلة فتنزجروا عن عبادتها، وهذه الحجة نظير ما احتج بها [¬٩] نبي الله هود ﵇ على قومه عاد، فيما قص عنهم في كتابه حيث يقول ﴿قَالُوا يَاهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (٥٣) إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٥٤) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ (٥٥) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا [إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٦)] [¬١٠]﴾.\nوقوله: ﴿وَكَيْفَ [¬١١] أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ﴾ أي: كيف أخاف من هذه الأصنام التي تعبدونها [¬١٢] من دون الله ﴿وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا [فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ] [¬١٣]﴾ قال ابن عباس وغير واحد من السلف: أي: حجة. وهذا كقوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾، وقوله تعالى: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾.\n_________\n[¬١]- سقط من: خ، ز.\n[¬٢]- في ز: \"وسبه\".\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- في ز: \"هداني\".\n[¬٥]- في ز: \"تجادلونني\".\n[¬٦]- في ز: \"قولكم\".\n[¬٧]- في ز: \"الفاسد\".\n[¬٨]- في ز: \"يخفى\".\n[¬٩]- في ز: \"به\".\n[¬١٠]- في ت: \"الآية\".\n[¬١١]- في ز: \"فكيف\".\n[¬١٢]- في ز: \"تعبدون\".\n[¬١٣]- ما بين المعكوفتين من: ز.","vol":"6","page":100},{"text":"وقوله: ﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي: فأي الطائفتين أصوب: الذي عبد من بيده الضر والنفع، أو الذي عبد من لا يضر [¬١] ولا ينفع بلا دليل، أيهما أحق بالأمن من عذاب الله يوم القيامة؟ قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾ [الأنعام: ٨٢] أي: هؤلاء الذين أخلصوا [¬٢] العبادة لله وحده لا شريك له، ولم يشركوا به شيئًا، هم الآمنون [¬٣] يوم القيامة، المهتدون في الدنيا والآخرة.\nقال البخاري (^١٤٦): حدثنا محمَّد بن بشار، حدثنا ابن أبي عدي، عن شعبة، عن سليمان، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، قال: لما نزلت: ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْم﴾ قال أصحابه؟ رأينا لم يطم نفسه؟ فنزلت: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾.\nوقال الإِمام أحمد (^١٤٧): حدثنا أبو معارية، حدثنا الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ شق ذلك على الناس، فقالوا [¬٤]: يا رسول الله، [أينا لم] [¬٥] يظلم نفسه؟ قال: \"إنه ليس الذي تعنون، ألم تسمعوا ما قال العبد الصالح: ﴿يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ إنما هو الشرك\".\nوقال ابن أبي حاتم (^١٤٨): حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا ركيع وابن إدريس، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، قال: لما نزلت ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ\n_________\n(^١٤٦) - في صحيحه، كتاب: التفسير، باب: ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ (٤٦٢٩) وانظره بأطرافه كتاب: الإيمان، باب: ظُلْمٌ دون ظُلْمٍ (رقم ٣٢)، وأخرجه مسلم، كتاب: الإيمان، باب: صدق الإيمان وإخلاصه (١٩٧، ١٩٨) (١٢٤)، والترمذي، كتاب: تفسير القرآن، باب: ومن سورة الأنعام (٣٠٦٩) والنسائي في \"التفسير\" من \"الكبرى\" (٦/ ١١١٦٦). وانظر ما بعده.\n(^١٤٧) - إسناده صحيح، وهو في \"المسند\" (١/ ٣٧٨) (٣٥٨٩) وأخرجه أيضًا (١/ ٤٢٤، ٤٤٤) (٤٠٣١، ٤٢٤٠) من طريقين عن الأعمش، به. وانظر ما قبله وما بعده.\n(^١٤٨) - كسابقه، رواه ابن أبي حاتم في تفسيره (٤/ ٧٥٤٢، ٧٥٤٣) وكذا أخرجه أبو يعلى في مسنده (٩/ ٥١٥٩) وابن جرير في تفسيره (١١/ ٤٩٤، ٤٩٥، ٤٩٦) من طرق عن الأعمش، به.\nوزاد نسبته السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ٤٩) إلى ابن المنذر، والدارقطني في \"الأفراد\"، وأبي الشيخ، وابن مردويه.\n_________\n[¬١]- في ز: \"يبصر\".\n[¬٢]- في ز: \"أخلطوا\".\n[¬٣]- في ز: \"المؤمنون\".\n[¬٤]- في ز: \"وقالوا\".\n[¬٥]- في ز: \"فأينا لا\".","vol":"6","page":101},{"text":"بِظُلْمٍ﴾ شق ذلك على أصحاب رسول الله ﷺ، قالوا: وأينا لم يظلم نفسه؟ فقال رسول الله ﷺ: \"ليس كما تظنون، إنما قال [لقمان] [¬١] لابنه: ﴿يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ \".\nوحدثنا عمر بن شَبَّةَ النميري [¬٢]، حدثنا أبو أحمد، حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله [بن مسعود] [¬٣]، عن النبي ﷺ في قوله: ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ قال: \"بشرك\".\nقال: وروي عن أبي بكر الصديق، وعمر، وأبي بن كعب، وسلمان، وحذيفة، وابن عباس، وابن عمر، وعمرو بن شرحبيل، وأبي عبد الرحمن السلمي، ومجاهد، وعكرمة، والنخعي، والضحاك، وقتادة، والسدي، [وغير واحد] [¬٤]: نحو ذلك.\nوقال ابن مردويه (^١٤٩): حدثنا الشافعي، حدثنا محمَّد بن شداد المسمعي، حدثنا أبو عاصم، حدثنا سفيان الثوري، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، قال: لما نزلت ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ [¬٥]﴾ قال رسول الله ﷺ: \"قيل لي: أنت منهم\".\nوقال الإِمام أحمد (^١٥٠): حدثنا إسحاق بن يوسف، حدثنا أبو جناب، عن زاذان [¬٦] عن جرير بن عبد الله، قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ، فلما برزنا من المدينة، إذا\n_________\n(^١٤٩) - إسناده ضعيف جدًّا. وعزاه لابن مردويه السيوطي في \"الدر المنثور\" كما في الحديث السابق - والشافعي هو الإِمام المحدث المتقن الفقيه، مسند العراق محمَّد بن عبد الله بن إبراهيم بن عبدويه أبو بكر البغدادي الشافعي البزار، صاحب الأجزاء الغيلانيَّات العالية - انظر ترجمته في \"السير\" للذهبي (١٦/ ٣٩)، ومحمد بن شداد أبو يعلى المسمعى البصري ملقب بزُرْقان، قال أبو بكر البَرْقاني: ضعيفٌ جدًّا، كان الدارقطني يقول: لا يكتب حديثه، انظر \"السير\" (١٣/ ١٤٨) و\"الميزان\" للذهبي (٥/ ت ٧٦٦٥).\n(^١٥٠) - إسناده ضعيف: \"المسند\" (٤/ ٣٥٩)، ومن طريقه أبو نعيم في \"الحلية\" (٤/ ٢٠٣) عن هذا الموضع غير أنه وقع الحديث عنده من زيادات عبد الله بن أحمد وهو تحريف، فإن عبد الله بن أحمد لا نعرف له رواية عن إسحاق الأزرق، وقد تصحف هناك أيضًا \"أبو جناب إلى خباب\" فليصحح، وأبو جناب هذا - واسمه يحيى بن أبي حَيَّة - ضعفه ابن سعد، =\n_________\n[¬١]- زيادة من تفسير ابن أبي حاتم.\n[¬٢]- في ت: \"شبة النمري\" وفي ز: \"شيبة النميري\" والمثبت من ابن أبي حاتم.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٥]- سقط من: ز.\n[¬٦]- في ز: \"زادان\".","vol":"6","page":102},{"text":"راكب يُوضِع [¬١] نحونا، فقال رسول الله ﷺ: \"كأن هذا الراكب إياكم يريد\". فانتهى إلينا الرجل فسلم فرددنا عليه، فقال له النبي ﷺ: \"من أين أقبلت؟ \" قال: من أهلي وولدي وعشيرتى. قال: \" ما [¬٢] تريد؟ \". قال: أريد رسول الله ﷺ، قال: \"تعال [¬٣] فقد أصبته\"، قال: يا رسول الله، علمني ما الإِيمان؟ قال: \"أن [¬٤] تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت\"، قال: قد أقررت. قال: ثم إن بعيره دخلت يده في شبكة جرذان، فهوى بعيره وهوى الرجل فوقع على هامته فمات، فقال رسول الله ﷺ: \"علي بالرجل\". فوثب إليه عمار بن ياسر وحذيفة ابن اليمان فأقعداه، فقالا: يا رسول الله! قُبِضَ الرجل. قال: فأعرض عنهما رسول الله ﷺ، ثم قال لهما رسول الله ﷺ: \"أما رأيتما إعراضي عن الرجل، فإني رأيت ملكين يدسان في فيه من ثمار الجنة، فعلمت أنه مات جائعًا\". ثم قال رسول الله ﷺ: \"هذا من الذين قال الله ﷿ فيهم ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ [أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ] [¬٥] (٨٢)﴾ [الأنعام: ٨٢]- ثم قال: \"دونكم أخاكم\". قال: فاحتملناه إلى الماء، فغسلناه وحنطناه وكفناه، وحملناه إلى القبر، فجاء رسول الله ﷺ حتى جلس على شفير القبر،\n_________\n= ويحيى القطان، وابن معين في رواية، وقال النسائي وأبو حاتم: ليس بالقوي. وقال أبو زرعة: صدوق غير أنه كان يُدلس.\nقلت: ولم يصرح هنا بالسماع، وبه أعله الهيثمي في \"المجمع\" حيث ذكره (١/ ٤٦، ٤٧) وقال: \"رواه أحمد، والطبراني في \"الكبير\"، وفي إسناده أبو جناب وهو مدلس وقد عنعنه\" كذا عزاه للطبراني في \"الكبير\" من هذه الطريق، وإنما أخرجه (٢/ رقم ٢٣٢٩)، والبيهقي في \"الشعب\" (٤/ ٤٣١٨) من طريق أبي حمزة الثمالي، عن أبي اليقظان، عن زاذان، به وأبو اليقظان وأبو حمزة الثمالى ضعيفان. والحديث زاد نسبته السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ٥٠) إلى أبي الشيخ، وابن مردويه وانظر ما بعده، وقوله فيه: \"اللحد لنا والشق لغيرنا\" رواه أحمد (٤/ ٣٥٧، ٣٦٢)، وابن ماجه (١٥٥٥)، والطيالسي (٦٦٩)، الحميدي (٨٠٨)، والطبراني في \"الكبير\" (٢/ ٣١٧، ٣١٨) وغيرهم من طرق ضعيفة عن زاذان، به. لكن لهذا الجزء شاهد من حديث ابن عباس عند أبي داود (٣٢٠٨)، والترمذي (١٠٤٥)، والنسائي (٤/ ٨٠)، وابن ماجه (١٥٥٤). وحسنه الترمذي، وصححه ابن السكن، وفي إسناده ضعف، لكن له شواهد أخرى صح بها. انظر \"أحكام الجنائز\" للألباني (ص ٩٤).\n_________\n[¬١]- أي: يُسْرعُ يقال: وَضَع البعيرُ يَضَعُ وضْعًا، وأوضَعَه راكبُه إيضاعًا، إذا حمله على سُرْعَة السَّير [النهاية لابن الأثير ٥/ ١٩٦].\n[¬٢]- في ت: \"فأين\"، والمثبت من: ز.\n[¬٣]- سقط من: ت.\n[¬٤]- سقط من: ز.\n[¬٥]- في ت: \"الآية\".","vol":"6","page":103},{"text":"فقال: \"ألحدوا ولا تشقوا؛ فإن اللحد لنا، والشق لغيرنا\".\nثم رواه أحمد (^١٥١) عن أسود بن عامر، عن [عبد الحميد بن أبي جعفر الفراء] [¬١]، عن ثابت، عن زاذان، عن جرير بن عبد الله: فذكر نحوه، وقال فيه: \"هذا ممن عمل قليلًا وأجر كثيرًا\".\nوقال ابن أبي حاتم (^١٥٢): حدثنا أبي، حدثنا يوسف بن موسى القطان، حدثنا مهران بن أبي عمر، حدثنا [على بن عبد الأعلى] [¬٢]، عن أبي، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: كنا مع رسول الله ﷺ في مسير ساره، إذ عرض له أعرابي فقال: يا رسول الله، والذي بعثك بالحق، لقد خرجت من بلادي وتلادي ومالي لأهتدي بهداك، وآخذ من قولك، وما بلغتك حتى ما لي طعام إلا من خضر الأرض، فأعرض علي؛ فعرض عليه رسول الله ﷺ فقبل، فازدحمنا حوله فدخل خف بكره في بيت جرذان، فتردى الأعرابي فانكسرت عنقه، فقال رسول الله ﷺ: \"صدق والذي بعثني بالحق، لقد خرج من بلاده وتلاده وماله ليهتدي بهداي، ويأخذ من قولي وما بلغني حتى ما له طعام إلا من خضر الأرض، أسمعتم بالذي عمل قليلًا وأجر كثيرًا؟ هذا منهم، أسمعتم بالذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم اُولئك لهم الأمن وهم مهتدون؟ فإن هذا منهم\".\n[وفي لفظ قال: \"هذا عمل قليلًا وأجر كثيرًا\".\nوروى ابن مردويه (^١٥٣) من حديث محمَّد بن المعُلَّى [¬٣] الكوفي وكان نزل الري، حدثنا زياد\n_________\n(^١٥١) - كسابقه. \"المسند\" (٤/ ٣٥٩)، وثابت وابن أبي صفية أبو حمزة الثُّمالي ضعيف - كما تقدم في السابق.\n(^١٥٢) - ابن أبي حاتم في تفسيره (٤/ ٧٥٤٦) وفي إسناده عبد الأعلى بن عامر الثعلبى والد لحط ضعفه أحمد وأبو زرعة وقال الأخير: \"ربما رفع الحديث وربما وقفه\" وقال ابن معين والنسائي وأبو حاتم \"ليس بالقوي\".\n(^١٥٣) - ضعيف جدًّا. وعزاه لابن مردويه السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ٥٠)، =\n_________\n[¬١]- في \"ت، خ، ز\": \"عبد الحميد بن جعفر الفراء\" والتصويب من \"المسند\" و\"التاريخ الكبير\" للبخاري (٦/ ٥٢) \"والثقات\" لابن حبان (٨/ ٣٩٨).\n[¬٢]- وقع في المطبوع من تفسير ابن أبي حاتم \"يونس بن عبد الأعلى\" وهو خطأ والمثبت هنا هو الصواب. انظر \"تهذيب الكمال\" (٢٨/ ٥٩٦).\n[¬٣]- في \"ت، خ، ز\": \"يعلى\" والمثبت من مصادر التخريح انظر \"تهذيب الكمال\" (٩/ ٤٥٧).","vol":"6","page":104},{"text":"ابن خيثمة، عن أبي داود، عن عبد الله بن سخبرة، قال: قال رسول الله ﵌: \"من أعطي فشكر، ومنع فصبر، وظَلم فاستغفر، وظُلم فغفر\" وسكت، فقالوا: يا رسول الله ما له؟ قال: ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾] [¬١].\nوقوله: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ﴾ أي: وجهنا حجته [على قومه] [¬٢].\nقال مجاهد وغيره: يعني بذلك قوله ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ [إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ] [¬٣] (٨١)﴾ [الأنعام: ٨١]. وقد صدقه الله وحكم له بالأمن والهداية فقال: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾ [الأنعام: ٨٢] ثم قال بعد ذلك كله: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ﴾.\nقرئ بالإِضافة وبلا إضافة [¬٤] كما في سورة يوسف، وكلاهما قريب في المعنى.\n_________\n= وأخرجه ابن أبي حاتم (٤/ ٧٥٤٨) من طريق محمَّد بن المعُلّى به هكذا مرسلًا، وأخرجه الطبراني في \"الكبير\" (٧/ ٦٦١٤)، والبغوي في \"المعجم\"، وعزاه له السيوطي وزاد عزوه إلى ابن قانع - ومن طريق البغوي أخرجه المزي في \"تهذيب الكمال\" (١٠/ ٢١٠) - والبيهقي في \"الشعب\" (٤/ ٤٤٣١) من طريق محمَّد بن المعلى به موصولًا من حديث سخبرة والد عبد الله، غير أنه تحرف سخبرة إلى سمرة عند البيهقي، وأخرجه الطبراني أيضًا (٧/ ٦٦١٣) من طريق محمَّد بن المعلى غير أنه سقط منه عبد الله، فرواه أبو داود الأعمى عن سخبرة بلا واسطة، وعبد الله بن سخبرة لا يعرف قاله الذهبي في \"المغنى\" وجهله في \"الديوان\"، وكذا ابن حجر في \"التقريب\"، وقال الذهبي في \"الميزان\": تفرد عنه أبو داود نفيع الأعمى، وأبو داود تالف. واكتفى الهيثمي بإعلاله بأبي داود هذا فقال، في \"المجمع\" (١٠/ ٢٨٧): \"رواه الطبراني وفيه أبو داود الأعمى وهو متروك\" فالعجب إذن من المُناوي أن يحسن مثل هذا الإسناد في \"التيسير بشرح الجامع الصغير\"!!! وقد قال البيهقي عقب الحديث: \"ليس بالقوي، وروي من وجه آخر - ثم ذكر بإسناده من حديث أبي هريرة وأعقبه بقوله - وهذا الإسناد ضعيف\" قلت: وقد روى الترمذي حديثًا بنفس هذا الإسناد، كتاب: العلم، باب: فضل طلب العلم (٢٦٥٠) وهو حديث: \"من طلب العلم كان كفارة لما مضى\" وقال عقبه: \"هذا حديث ضعيف الإسناد، أبو داود يضعف، ولا نعرف لعبد الله بن سخبرة كبير شيء ولا لأبيه، واسم أبي داود نفيع الأعمى، تكلم فيه قتادة وغير واحد من أهل العلم\".\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في ت: \"عليهم\"، والمثبت من: خ، ز.\n[¬٣]- في ت: \"الآية\".\n[¬٤]- قرأ بالإضافة: ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وقرأ بالتنوين بلا إضافة: عاصم، وحمزة، والكسائي. (السبعة لابن مجاهد ص ٢٦١ - ٢٦٢).","vol":"6","page":105},{"text":"وقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ أي: حكيم في [أقواله وأفعاله] [¬١]، عليم؛ أي: بمن يهديه ومن يضله، وإن قامت عليه الحجج والبراهين، كما قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٩٧)﴾ ولهذا قال هاهنا: ﴿إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾.\n﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٤) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٨٥) وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ (٨٦) وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٨٧) ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٨٨) أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ (٨٩) أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ (٩٠)﴾\nيخبر تعالى أنه وهب لإبراهيم إسحاق بعد أن طعن في السن، وأيس هو وامرأته سارة من الولد، فجاءته الملائكة وهم ذاهبون إلى قوم لوط فبشروهما بإسحاق، فتعجبت المرأة من ذلك وقالت: ﴿قَالَتْ يَاوَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ (٧٢) قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ (٧٣)﴾ فبشروهما [¬٢] مع وجوده بنبوته، وبأن له نسلًا وعقبًا، كما قال تعالى: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٢)﴾ [الصافات: ١١٢] وهذا أكمل في البشارة، وأعظم في النعمة، وقال: ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ أي: ويولد لهذا المولود ولد في حياتكما، فتقر أعينكما به كما قرت بوالده؛ فإن الفرح بولد الولد شديد لبقاء النسل والعقب، ولما كان ولد الشيخ والشيخة قد يتوهم أنه لا يعقب\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ز: \"أفعاله وأقواله\".\n[¬٢]- في ز: \"وبشروهما\".","vol":"6","page":106},{"text":"لضعفه، وقعت البشارة به وبولده باسم يعقوب، الذي فيه اشتقاق العقب والذرية، وكان هذا مجازاة لإبراهيم ﵇، حين اعتزل قومه وتركهم ونزح عنهم، وهاجر من بلادهم ذاهبا إلى عبادة الله في الأرض، فعوضه الله ﷿ عن قومه وعشيرته بأولاد صالحين من صلبه على دينه، لتقر [¬١] بهم عينه، كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا (٤٩)﴾ [مريم: ٤٩]، وقال هاهنا: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا﴾.\nوقوله: ﴿وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ﴾ أي: من قبله هديناه، كما هديناه، ووهبنا له ذرية صالحة، وكل منهما له خصوصية عظيمة، أما نوح ﵇: فإن الله تعالى لما أغرق أهل الأرض إلا من آمن به، وهم الذين صحبوه في السفينة، جعل الله ذريته هم الباقين، فالناس كلهم من ذرية نوح، وأما [¬٢] الخليل إبراهيم ﵇: لم يبعث الله ﷿ بعده نبيًّا إلا من ذريته، كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ الآية، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾، وقال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا (٥٨)﴾ [مريم: ٥٨].\nوقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ﴾ أي: وهدينا من ذريته ﴿دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ﴾ الآية، وعود الضمير إلى نوح؛ لأنه أقرب المذكورين ظاهر [لا إشكال فيه، وهو اختيار ابن جرير] [¬٣]، وعوده إلى إبراهيم؛ لأنه الذي سيق [¬٤] الكلام من أجله حسن، لكن يشكل على ذلك لوط؛ فإنه ليس من ذرية إبراهيم، بل هو ابن أخيه [¬٥] ماران بن آزر، اللَّهم إلا أن يقال إنه دخل في الذرية تغليبًا، كما في قوله: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ فإسماعيل عمه ودخل في آبائه تغليبًا.\n[وكما قال في قوله: ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٣٠) إِلَّا إِبْلِيسَ﴾ فدخل إبليس في أمر الملائكة بالسجود وذُمّ على المخالفة؛ لأنه كان في تشبه بهم، فعومل معاملتهم ودخل معهم تغليبا، وإلا فهو كان من الجن وطبيعته من النار، والملائكة من النور] [¬٦].\n_________\n[¬١]- في ز: \"تقر\".\n[¬٢]- في خ، ز: \"وكذلك\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في ز: \"وهو اختيار ابن جير، ولا إشكال عليه\".\n[¬٤]- في ز: \"سبق\".\n[¬٥]- سقط من: خ، ز.\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.","vol":"6","page":107},{"text":"وفي ذكر عيسى ﵇ في ذرية إبراهيم أو نوح على القول الآخر: دلالة على دخول ولد البنات في ذرية الرجل؛ لأن عيسى ﵇ إنما ينسب إلى إبراهيم ﵇ بأمه مريم ﵍؛ فإنه لا أب له.\nقال ابن أبي حاتم (^١٥٤): حدثنا سهل بن [بحر] [¬١] العسكري، حدثنا عبد الرحمن بن صالح، حدثنا على بن عابس، عن عبد الله بن عطاء المكي، عن أبي حرب بن أبي الأسود، قال: أرسل الحجاج إلى يحيى بن يعمر، فقال: بلغني أنك تزعم أن الحسن والحسين من ذرية النبي ﷺ تجده في كتاب الله، وقد قرأته من أوله إلى آخره فلم أجده؛ قال: أليس تقرأ سورة الأنعام: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ﴾ حتى بلغ ﴿وَيَحْيَى وَعِيسَى﴾ قال: بلى، قال أليس عيسى [¬٢] من ذرية إبراهيم وليس له أب؟ قال: صدقت.\nفلهذا إذا أوصى الرجل لذريته، أو وقف على ذريته، أو وهبهم دخل أولاد البنات فيهم، فأما إذا أعطى الرجل بنيه أو وقف عليهم، فإنه يختص بذلك بنوه لصلبه، وبنو بنيه، واحتجوا بقول الشاعر العربى:\nبنونا بنو أبنائنا وبناتنا … بنوهن أبناء الرجال الأجانب\nوقال آخرون: ويدخل بنو البنات فيهم أيضًا [¬٣]؛ لما ثبت في صحيح البخاري (^١٥٥): أن رسول الله ﵌ قال للحسن [¬٤] بن عدي: \"إن ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين\". فسماه ابنًا فدل على دخوله في الأبناء.\nوقال آخرون [¬٥]: هذا تجوز.\n_________\n(^١٥٤) - ابن أبي حاتم فى تفسيره (٧/ ٧٥٥٤)، وعبد الله بن عطاء ترجم له ابن أبي حاتم فى \"الجرح والتعديل\" (٥/ ١٣٢)، وكذا البخاري في \"الكبير\" (٥/ ١٦٥) ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا، وقال النسائى: ليس بالقوي، وقال الذهبي: صدوق إن شاء الله. انظر \"ميزان الاعتدال\" (٣/ ٤٤٥١). وعلي بن عابس ضعيف - كما في \"التقريب\".\n(^١٥٥) - صحيح البخاري كتاب: الصلح، باب: قول النبي ﷺ للحسن بن علي ﵄: \"ابني هذا سيَّد … \" (٢٧٠٤) من حديث أبي بكرة، وسيذكره المصنف مرة ثانية عند [آية رقم ٩/ من سورة الحجرات].\n_________\n[¬١]- في \"ت، خ، ز\": \"يحيى\" وهو محرف صوابه ما أثبتناه كما في التفسير (٤/ ٧٥٥٤) و\"الجرح والتعديل\" (٤/ ١٩٤) لابن أبي حاتم.\n[¬٢]- سقط من: خ، ز.\n[¬٣]- سقط من: خ، ز.\n[¬٤]- في خ، ز: \"للحسين\".\n[¬٥]- في ز: \"الآخرون\".","vol":"6","page":108},{"text":"وقوله: ﴿وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ﴾ ذكر أصولهم وفروعهم، وذوي طبقتهم، وأن الهداية والاجتباء شملهم كدهم، ولهذا قال: ﴿وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.\nثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ أي: إنما حصل لهم ذلك بتوفيق الله لهم وهدايته إياهم ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ تشديد لأمر الشرك، وتغليظ لشأنه، وتعظيم لملابسته، كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ الآية، وهذا شرط والشرط لا يقتضي جواز الوقوع، كقوله: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ (٨١)﴾ [الزخرف: ٨١]، وكقوله: ﴿لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ (١٧)﴾ [الأنبياء: ١٧]، وكقوله: ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٤)﴾ [الزمر: ٤].\nوقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ﴾ أي: أنعمنا عليهم بذلك؛ رحمة للعباد بهم، ولطفًا منا بالخليقة ﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا﴾ أي: بالنبوة، ويحتمل أن يكون الضمير عائدًا على هذه الأشياء الثلاثة: الكتاب، والحكم، والنبوة.\nوقوله: ﴿هَؤُلَاءِ﴾ يعني: أهل مكة، قاله ابن عباس، وسعيد بن المسيب، والضحاك، وقتادة، والسدي، [وغير واحد] [¬١]، ﴿فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾ أي: إن يكفر بهذه النعم من كفر بها من قريش، وغيرهم من سائر أهل الأرض: من عرب وعجم، ومليين وكتابيين ﴿فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا﴾، يعنى [¬٢]: المهاجرين والأنصار وأتباعهم إلى يوم القيامة ﴿لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾ أي: لا يجحدون منها شيئًا، ولا يردون منها حرفًا واحدًا، بل يؤمنون بجميعها: محكمها ومتشابهها، جعلنا الله منهم بمنه وكرمه وإحسانه.\nثم قال تعالى مخاطبًا عبده ورسوله محمدًا ﷺ: ﴿أُولَئِكَ﴾ يعني: الأنبياء المذكورين، مع من أضيف إليهم من الآباء والذرية والإخوان: وهم الأشباه ﴿الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾ أي: هم أهل الهداية لا غيرهم ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ أي: اقتد واتبع، وإذا كان هذا أمرًا للرسول ﷺ فأمته تبع له فيما يشرعه ويأمرهم به.\nقال البخاري (^١٥٦) عند هذه الآية: حدثنا إبراهيم بن موسى، أخبرنا هشام، أن ابن جريج\n_________\n(^١٥٦) - صحيح البخاري، كتاب: التفسير، باب: ﴿أَولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ حديث رقم (٤٦٣٢).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٢]- في ت: \"أي\"، والمثبت من خ، ز.","vol":"6","page":109},{"text":"أخبرهم، قال: أخبرني سليمان الأحول، أن مجاهدًا أخبره: أنه سأل ابن عباس: أفى (ص) سجدة؟ فقال: نعم. ثم تلا: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ [¬١]﴾ إلى قوله: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ ثم قال: هو منهم. زاد يزيد بن هارون ومحمد بن عبيد وسهل بن يوسف، عن العوام، عن مجاهد قال [¬٢]: قلت لابن عباس: فقال: نبيكم ﷺ ممن أمِرَ أن يَقْتِديَ بهم.\nوقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ أي: لا أطلب منكم على إبلاغي إياكم هذا القرآن [أجرًا، أي] [¬٣]: أجرة ولا أريد منكم شيئا ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ﴾ أي: يتذكروا به فيرشدوا من العمى إلى الهدى، ومن الغي إلى الرشاد، ومن الكفر إلى الإِيمان.\n﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ (٩١) وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (٩٢)﴾\nيقول تعالى: وما عظموا الله حق تعظيمه إذ كذبوا رسله إليهم.\nقال ابن عباس، ومجاهد، وعبد الله بن كثير: نزلت في قريش. واختاره ابن جرير [¬٤].\nوقيل: نزلت في طائفة من اليهود. وقيل: في فنحاص رجل منهم. وقيل: في مالك بن الصيف [¬٥].\n﴿قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ والأول [هو الأظهر] [¬٦]؛ لأن الآية مكية، واليهود لا ينكرون إنزال الكتب من السماء، وقريش والعرب قاطبة كانوا يبعدون إرسال رسول\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- سقط من: ت.\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- ابن جرير في تفسيره (١١/ ٥٢٤).\n[¬٥]- فى ز: \"الضيف\".\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين في ت: \"أصح\".","vol":"6","page":110},{"text":"من البشر، كما قال: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ﴾، وكقوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا (٩٤) قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا﴾، وقال هاهنا: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾. قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ﴾ أي: قل يا محمد لهؤلاء المنكرين لإنزال شيء من الكتب من عند الله، في جواب سلبهم العام بإثبات قضية جزئية موجبة ﴿مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى﴾ يعني التوراة، التي قد علمتم وكل أحد أن الله قد أنزلها على موسى بن عمران ﴿نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ﴾ أي: ليستضاء بها في كشف المشكلات، ويهتدى بها من ظلم الشبهات.\nوقوله: ﴿[تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ] [¬١] كَثِيرًا﴾ أي: يجعلها حملتها قراطيس، أي: قطعًا تكتبونها [¬٢] من الكتاب الأصلي الذي بأيديكم [¬٣]، [وتحرفون منها ما تحرفون، وتبدلون وتتأولون وتقولون] [¬٤] هذا من عند الله، أي: فى كتابه المنزل، ما هو من عند الله، ولهذا قال: ﴿[تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ] [¬٥] كَثِيرًا﴾.\nوقوله تعالى: ﴿وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ﴾ أي: ومن أنزل القرآن الذي علمكم الله فيه: من خبر ما سبق، ونبأ ما يأتي، ما له تكونوا تعلمون ذلك أنتم ولا آباؤكم.\nقال قتادة: هؤلاء مشركو العرب. وقال مجاهد: هذه للمسلمين.\nوقوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ﴾ قال على بن أبي طلحة (^١٥٧)، عن ابن عباس: أي: قل الله أنزله. وهذا الذي قاله ابن عباس هو المتعين في تفسير هذه الكلمة، [لا ما قاله بعض المتأخرين من أن معنى ﴿قُلِ اللَّهُ﴾ أي: لا يكون خطابك لهم إلا هذه الكلمة كلمة] [¬٦] \"الله\".\nوهذا الذي قاله هذا القائل يكون أمرًا بكلمة مفردة من غير تركيب، والإتيان بكلمة مفردة لا يفيد فى لغة العرب فائدة يحسن السكوت عليها.\n_________\n(^١٥٧) - أخرجه ابن جرير (١١/ ١٣٥٤٩)، وابن أبي حاتم (٤/ ٧٦٠٨).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ز: \"يجعلونه قراطيس يبدونها ويخفون\".\n[¬٢]- في ز: \"يكتبونها\".\n[¬٣]- في خ: \"بأيديهم\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين في ز: \"ويحرفون فيها ما يحرفون، ويبدلون ويتأولون ويقولون\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين في ز: \"يجعلونه قراطيس يبدونها ويخفون\".\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.","vol":"6","page":111},{"text":"وقوله: ﴿ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾ أي: ثم دعهم في جهلهم وضلالهم يلعبون، حتى يأتيهم من الله اليقين، فسوف يعلمون ألهم العاقبة أم لعباد الله المتقين؟ وقوله: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ﴾ يعني: القرآن ﴿أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى﴾ يعني: مكة، ﴿وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ من أحياء العرب، ومن سائر طوائف بني آدم: من عرب وعجم، كما قال في الآية الأخرى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾، وقال: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾، وقال: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾، وقال: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (١)﴾ [الفرقان: ١]، وقال: ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾، وثبت في الصحيحين (^١٥٨): أن رسول الله ﷺ قال: \"أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلى\" [وذكر منهن] [¬١] \"وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة [¬٢]، وبعثت إلى الناس عامة\". ولهذا قال: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ أي: كل من آمن بالله واليوم الآخر يؤمن [¬٣] بهذا الكتاب المبارك، الذي أنزلناه إليك يا محمد وهو القرآن ﴿وَهُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ أي: يقيمون بما افترض عليهم من أداء الصلوات في أوقاتها.\n﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ (٩٣) وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٩٤)﴾\n_________\n(^١٥٨) - تقدم تخريجه [سورة النساء/ آية ٤٣].\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ز: \"فذكر منهم\".\n[¬٢]- سقط من: خ، ز.\n[¬٣]- في ز: \"آمن\".","vol":"6","page":112},{"text":"يقول تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ أي: لا أحد أظلم ممن كذب على الله فجعل له شريكا أو ولدًا، أو ادعى أن الله أرسله إلى الناس ولم يكن أرسله، ولهذا قال تعالى: ﴿أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ﴾ قال عكرمة وقتادة: نزلت في مسيلمة الكذاب.\n﴿وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [أي: و] [¬١] من ادعى أنه يعارض ما جاء من عند الله من الوحي مما يفتريه من القول، كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا [إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ [¬٢]]﴾. قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ﴾ أي: في سكراته وغمراته وكرباته: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ﴾ أي: بالضرب، كقوله: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي [مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ] [¬٣]﴾ وقوله: ﴿وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ﴾ الآية.\nوقال الضحاك وأبو صالح: ﴿بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ﴾ أي: بالعذاب. كقوله: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾، ولهذا قال: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ﴾ أي: بالضرب لهم حتى تخرج أنفسهم من أجسادهم، ولهذا يقولون لهم: ﴿أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ﴾ وذلك أن الكافر إذا احتضر، بشرته الملائكة بالعذاب والنكال، والأغلال والسلاسل، والجحيم والحميم، وغضب الرحمن الرحيم، فتتفرق روحه في جسده، وتعصى وتأبى الخروج، فتضربهم الملائكة حتى تخرج أرواحهم من أجسادهم، قائلين لهم: ﴿أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾، أي: اليوم تهانون غاية الإهانة، كما كنتم تكذبون على الله، وتستكبرون عن اتباع آياته والانقياد لرسله.\nوقد وردت [الأحاديث المتواترة] [¬٤] في كيفية احتضار المؤمن والكافر عند الموت، وهي مقررة عند قوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾، وقد ذكر ابن مردويه (^١٥٩) هاهنا حديثًا مطولًا جدًّا من طريق غريبة، عن الضحاك، عن ابن عباس مرفوعًا، فالله أعلم.\nوقوله: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [أي: يقال لهم يوم معادهم هذا، كما قال: ﴿وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾] [¬٥] أي:\n_________\n(^١٥٩) - ضعيف. وذكر نصه السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ٥٦: ٥٨) وقال: أخرجه ابن مردويه بسند ضعيف عن ابن عباس.\n_________\n[¬١] في ز: \"يعني: أو\".\n[¬٢] في ت: \"الآية\".\n[¬٣] في ت: \"الآية\".\n[¬٤] في ز: \"أحاديث\".\n[¬٥] سقط من: خ، ز.","vol":"6","page":113},{"text":"كما بدأناكم أعدناكم [¬١]، وقد كنتم تنكرون ذلك وتستبعدونه، فهذا يوم البعث.\nوقوله: ﴿وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ [وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ] [¬٢]﴾ أي: من النعم والأموال التي اقتنيتموها في الدار الدنيا وراء ظهوركم، وثبت في الصحيح (^١٦٠): أن رسول الله ﷺ قال: \"يقول ابن آدم: مالي مالي، وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت\" وما سوى ذلك فذاهب وتاركه للناس.\nوقال الحسن البصري: يؤتى بابن آدم يوم القيامة كأنه بذج [¬٣]، فيقول الله ﷿ [له]: أين ما جمعت؟ فيقول: يارب جمعته وتركته أوفر ما كان. فيقول [له: يا ابن آدم أين] [¬٤] ما قدمت لنفسك؟ فلا يراه قدم شيئًا، وتلا هذه الآية: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ﴾. رواه ابن أبي حاتم (^١٦١).\nوقوله: ﴿وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ﴾ تقريع لهم وتوبيخ على ما كانوا اتخذوا في [] [¬٥] الدنيا من الأنداد والأصنام والأوثان، ظانين أنها [¬٦] تنفعهم في معاشهم ومعادهم إن كان ثم معاد، فإذا كان يوم القيامة تقطعت الأسباب، وانزاح الضلال، وضل عنهم ما كانوا يفترون، ويناديهم الرب ﷻ على رءوس الخلائق: ﴿أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾، ﴿وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ [¬٧] (٩٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ (٩٣)﴾ ولهذا قال هاهنا: ﴿وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ﴾ [أي: في العبادة لهم فيكم قسط في استحقاق العبادة لهم] [¬٨].\n[ثم قال تعالى] [¬٩]: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ قرئ بالرفع أي: شملكم، وقرئ بالنصب أي: لقد انقطع ما بينكم من الأسباب والوصلات والوسائل ﴿وَضَلَّ عَنْكُمْ﴾ أي [¬١٠]: وذهب عنكم ﴿مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ من رجاء [¬١١] الأصنام والأنداد [¬١٢]، كقوله تعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ\n_________\n(^١٦٠) - تقدم تخريجه [سورة البقرة / آية ٢١٢].\n(^١٦١) - ابن أبي حاتم في تفسيره (٤/ ٧٦٤١) معلقًا قال: وذكر عن أبي داود، عن أبي حرة، عن الحسن فذكره، وزاد نسبته السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ٦٠) إلى عبد بن حميد.\n_________\n[¬١]- سقط من: خ، ز.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٣]- في ز: \"بدج\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين في خ، ز: \"فأين\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين في ز: \"الدار\".\n[¬٦]- في خ، ز: \"أن تلك\".\n[¬٧]- في ز: \"تشركون\".\n[¬٨]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٩]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬١٠]- سقط من: ز.\n[¬١١]- في ز: \"رجوى\".\n[¬١٢]- سقط من: خ، ز.","vol":"6","page":114},{"text":"اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ (١٦٦) وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾، وقال تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ (١٠١)﴾ [المؤمنون: ١٠١]، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾، وقال: ﴿وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ﴾ الآية، وقال: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ إلى قوله: ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ والآيات في هذا كثيرة جدًا.\n﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٩٥) فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٩٦) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٩٧)﴾\nيخبر تعالى أنه فالق الحب والنوى، أي: يشقه في الثرى، فتنبت منه [¬١] الزروع على اختلاف أصنافها: من الحبوب والثمار على اختلاف [ألوانها وأشكالها وطعومها] [¬٢] من النوى، ولهذا فسر قوله [¬٣]: ﴿فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى﴾ بقوله: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ أي: يخرج النبات الحي من الحب والنوى الذي هو [¬٤] كالجماد الميت، كقوله: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (٣٣)﴾ [يس: ٣٣] إلى قوله: ﴿وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ﴾.\nوقوله: ﴿وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ﴾ معطوف على ﴿فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى﴾ ثم فسره، ثم عطف عليه قوله: ﴿وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ﴾.\nوقد عبروا عن هذا بعبارات كلها متقاربة مؤدية للمعنى، فمن قائل: يخرج الدجاجة من البيضة والبيضة من الدجاجة، ومن قائل يخرج الولد الصالح من [الفاجر والفاجر] [¬٥] من الصالح، وغير ذلك من العبارات الي تنتظمها الآية وتشملها.\n_________\n[¬١]- سقط من: خ، وفي ز: \"فينبت\".\n[¬٢]- في ز: \"أشكالها وألوانها وطعامها\".\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- سقط من: ز.\n[¬٥]- في ز: \"الكافر والكافر\".","vol":"6","page":115},{"text":"ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ﴾ أي: فاعل هذه الأشياء هو الله وحده لا شريك له ﴿فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ أي: فكيف تصرفون عن الحق وتعدلون عنه إلى الباطل فتعبدون مع الله غيره.\nوقوله: ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ [¬١] اللَّيْلَ سَكَنًا﴾ أي: خالق الضياء والظلام، كما قال في أول السورة: ﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ أي [¬٢]: فهو سبحانه يفلق ظلام [¬٣] الليل عن غرة الصباح، فيضئ [¬٤] الوجود ويستنير الأفق، ويضمحل الظلام، ويذهب الليل بدآدئه [¬٥] وظلام رواقه، ويجئ النهار بضيائه [¬٦] وإشراقه، كقوله: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا﴾، فبين تعالى قدرته على خلق الأشياء المتضادة المختلفة، الدالة على كمال عظمته وعظيم سلطانه، فذكر أنه فالق الإِصباح، وقابل ذلك بقوله: ﴿وَجَعَلَ [¬٧] اللَّيْلَ سَكَنًا﴾ أي: ساجيًا مظلمًا لتسكن [¬٨] فيه الأشياء، كما قال: ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢)﴾، وقال: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾، وقال: ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا (٣) وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا﴾.\nوقال صهيب الرومي ﵁ لامرأته وقد [¬٩] عاتبته في كثرة سهره: إن الله جعل الليل سكنًا إلا لصهيب، إن صهيبًا إذا ذكر الجنة طال شوقه، وإذا ذكر النار طار [¬١٠] نومه. رواه ابن أبي حاتم (^١٦٢).\nوقوله: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا﴾ أي: يجريان بحساب مقنن مقدر لا يتغير و[¬١١] لا يضطرب، بل كل منهما له منازل يسلكها في الصيف والشتاء، فيترتب على ذلك اختلاف الليل والنهار طولًا وقصرًا، كما قال: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ [لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ] [¬١٢]﴾ الآية، وكما قال: ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ [¬١٣] وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٤٠)﴾ [يس: ٤٠]، وقال: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ﴾.\nوقوله: ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ أي: الجميع جار بتقدير العزيز الذي لا يمانَع ولا\n_________\n(^١٦٢) - ابن أبي حاتم في ئفسيره (٤/ ٧٦٧٦) وفي سنده انقطاع.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- في ز: \"فيفضي\".\n[¬٥]- في ز: \"بداءديه\".\n[¬٦]- في ز: \"بضائه\".\n[¬٧]- في ز: \"جاعل\".\n[¬٨]- في ز: \"تسكن\".\n[¬٩]- سقط من: ز.\n[¬١٠]- في ت: \"طال\".\n[¬١١]- سقط من: ز.\n[¬١٢]- في ت: \"الآية\".\n[¬١٣]- سقط من: ز.","vol":"6","page":116},{"text":"يخالف، العليم بكل شيء، فلا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، وكثيرًا ما [¬١] إذا ذكر الله تعالى خلق الليل والنهار والشمس والقمر يختم الكلام بالعزة والعلم، كما ذكر في هذه الآية، وكما فى قوله: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ (٣٧) وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٣٨)﴾.\nولما ذكر خلق السموات والأرض وما فيهن في أول سورة حم السجدة قال: ﴿وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾.\nوقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ قال بعض السلف: من اعتقد فى هذه النجوم غير ثلاث فقد أخطأ، وكذب على اللَّه سبحانه: أن الله جعلها زينة للسماء، ورجومًا للشياطين، ويهتدى بها في [¬٢] ظلمات البر والبحر.\nوقوله: ﴿قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ﴾ أي: قد بيناها ووضحناها ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ أي: يعقلون ويعرفون الحق ويجتنبون الباطل.\n﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ (٩٨) وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٩٩)﴾\nيقول تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ يعني: آدم ﵇، كما قال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾\nوقوله: ﴿فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ﴾ اختلفوا في معنى ذلك؛ فعن ابن مسعود (^١٦٣)، وابن\n_________\n(^١٦٣) - لم أهتد إلى هذا الوجه عن ابن مسعود، وقد ذكر هذا الوجه ابن أبي حاتم في تفسيره (٤/ ١٣٥٧) وعزاه للمذكورين هنا، حاشا ابن مسعود وعطاء - وأثر عطاء عند ابن جرير (١١/ ١٣٦٣٩) - وأخرج الفريابي - ومن طريقه الطبراني في \"الكبير\" (٩/ ٩٠١٦) - وسعيد بن منصور - ومن طريقه الطبراني أيضًا (٩/ ٩٠١٧) - وابن جرير (١١/ ٥٦٢، ٥٦٣) وابن أبي حاتم\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- في ز: \"من\".","vol":"6","page":117},{"text":"عباس (^١٦٤)، وأبي عبد الرحمن السلمي، وقيس بن أبي حازم، ومجاهد، وعطاء، وإبراهيم النخعي، والضحاك، وقتادة، والسدي، وعطاء الخراساني، وغيرهم [¬١] ﴿فَمُسْتَقَرٌّ﴾ أي: في الأرحام، قالوا - أو [¬٢] أكثرهم - ﴿وَمُسْتَوْدَعٌ﴾ أي: في الأصلاب.\nوعن ابن مسعود وطائفة: عكس ذلك.\nوعن ابن مسعود أيضًا وطائفة: فمستقر في الدنيا، ومستودع حيث يموت.\n[وقال سعيد بن جبير: فمستقر في الأرحام، وعلى ظهر الأرض، وحيث يموت] [¬٣].\nوقال الحسن البصري: المستقر: الذي مات فاستقر به عمله.\nوعن ابن مسعود (^١٦٥): ومستودع في الدار الآخرة.\nوالقول الأول هو الأظهر والله أعلم.\nوفوله تعالى: ﴿قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ﴾ أي يفهمون ويعون كلام الله ومعناه.\n_________\n(٤/ ٨٦٨٥) من طرق عن إسماعيل بن أبي خالد، عن إبراهيم النخعي، عن عبد الله بن مسعود قال: \"المستقر الرحم، والمستودع الأرض التي يموت فيها\" وفي لفظ \"مستودعها في الدنيا ومستقرها في الرحم\" وإسناده رجاله ثقات رجال الصحيح كما قال الهيثمي في \"المجمع\" (٧/ ٢٤) غير أنه أعله بالانقطاع فقال: \"إبراهيم لم يدرك ابن مسعود\" قلت: لكن قال الأعمش: قلت لإبراهيم: أسند لي عن ابن مسعود، فقال إبراهيم: إذا حدثتكم عن رجل عن عبد الله فهو الذي سمعت، وإذا قلت: قال عبد الله؛ فهو عن غير واحد عن عبد الله\" ثم إن للأثر طريقًا آخر بإسناد حسن أخرجه ابن جرير (١١/ ١٣٦١٧)، وابن أبي حاتم (٤/ ٧٦٩٤)، وانظر الآتي برقم (١٦٦).\n(^١٦٤) - أخرجه ابن جرير (١١/ ٥٦٦: ٥٦٧)، وابن أبي حاتم (٧٦٨٣، ٧٦٩٢) من طرق عن ابن عباس، وصححه الحاكم (٢/ ٣١٦) على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، وزاد نسبته السيوطى في \"الدر المنثور\" (٣/ ٦٦) إلى سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وأبي الشيخ.\n(^١٦٥) - أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٢/ ٢١٥) ومن طريقه ابن أبي حاتم (٤/ ٧٦٨٤) عن ابن عيينة، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن إبراهيم قال: قال عبد الله … فذكره وزاد نسبته السيوطى (٣/ ٦٦) إلى أبي الشيخ، وانظر المتقدم برقم (١٦٤).\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- في ز: \"إذ\".\n[¬٣]- سقط من: خ، ز.","vol":"6","page":118},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ أي بقدر مباركًا [¬١] رزقًا للعباد، وإحياء [¬٢] وغياثًا [¬٣] للخلائق، رحمة من الله بخلقه [¬٤] ﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ كقوله: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾.\n﴿فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا﴾ أي: زرعًا وشجرًا أخضر، ثم بعد ذلك يخلق فيه الحب والثمر، ولهذا قال تعالى: (نُخْرِجُ مِنْهَا [¬٥] حَبًّا مُتَرَاكِبًا) أي: يركب بعضه بعضا [¬٦] كالسنابل ونحوها ﴿وَمِنَ النَّخْلِ [¬٧] مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ﴾ أي: جمع قنو، وهي عذوق الرطب ﴿دَانِيَةٌ﴾ أي: قريبة من المتناول، كما قال على بن أبي طلحة الوالبي، عن ابن عباس: ﴿قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ﴾ يعني: بالقنوان الدانية قصار النخل المتلاصقة [¬٨] عذوقها بالأرض [¬٩]. رواه ابن جرير (^١٦٦).\nقال ابن جرير: وأهل الحجاز يقولون: قنوان، وقيس يقولون [¬١٠]: قُنوان. وقال امرؤ القيس:\nفَأَتَّتْ أَعَالِيهِ وَآدَتَ أُصُولُهُ … وَمَالَ [¬١١] بِقِنْوانٍ من البُسْرِ أَحْمَرَا\nقال: وتميم يقولون: قتيان بالياء. قال: وهي جمع قنو، كما أن صنوان جمع صنو.\nوقوله تعالى: ﴿وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ﴾ أي: ونخرج منه جنات من أعناب، وهذان النوعان هما أشرف الثمار عند أهل الحجاز، وربما كانا [¬١٢] خيار الثمار في الدنيا، كما امتن الله بهما على عباده في قوله تعالى ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ وكان ذلك قبل تحريم الخمر، وقال: ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ﴾ قال قتادة وغيره: يتشابه في الورق، و[] [¬١٣] الشكل قريب [¬١٤] بعضه من بعض، ويتخالف في الثمار شكلًا وطعمًا وطبعًا [¬١٥].\n_________\n(^١٦٦) - ابن جرير في تفسيره (١١/ ١٣٦٦٢)، وابن أبي حاتم (٤/ ٧٧٠٥)، وابن المنذر كما في \"الدر المنثور\" (٣/ ٦٧).\n_________\n[¬١]- في ز: \"مبارك\".\n[¬٢]- سقط من: خ، ز.\n[¬٣]- في ز: \"عبانا\".\n[¬٤]- في ز: \"لخلقه\".\n[¬٥]- في ز: \"منه\".\n[¬٦]- في ز: \"بعضه\".\n[¬٧]- \"النخيل\".\n[¬٨]- في ت: \"اللاصقة\".\n[¬٩]- فى ز، خ: \"بالنخل\".\n[¬١٠]- في ت: \"يقول\".\n[¬١١]- سقط من: ز.\n[¬١٢]- في خ، ز: \"أنهما\".\n[¬١٣]- ما بين المعكوفتين في ز: \"قريب\".\n[¬١٤]- فى ز: \"من\"\n[¬١٥]- سقط من: ت.","vol":"6","page":119},{"text":"وقوله تعالى: ﴿انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ﴾ أي: نضجه، قاله البراء بن عازب، وابن عباس، والضحاك، وعطاء الخراساني، والسدي، وقتادة، وغيرهم، أي: فكروا في قدرة خالقه من العدم إلى الوجود، بعد أن كان حطبًا صار عنبًا ورطبًا، وغير ذلك مما خلق ﷾، من الألوان والأشكال والطعوم والروائح، كقوله تعالى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى [¬١] بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ [إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ] [¬٢] (٤)﴾ [الرعد: ٤]، ولهذا قال هاهنا: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكُمْ﴾ [أيها الناس] [¬٣] ﴿لَآيَاتٍ﴾ أي: دلالات على كمال قدرة خالق هذه الأشياء وحكمته ورحمته ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ أي: يصدقون به ويتبعون رسله.\n﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ (١٠٠)﴾\nهذا رد على المشركين الذين عبدوا مع الله غيره، وأشركوا [به في عبادته] [¬٤]، أن عبدوا الجن فجعلوهم شركاء الله في العبادة، تعالى الله عن شركهم وكفرهم.\nفإن قيل: فكيف عُبِدَتْ الجن وإنما كانوا يعبدون الأصنام؟ فالجواب: أنهم ما [¬٥] عبدوا الأصنام إلا [¬٦] عن طاعة الجن، وأمرهم إياهم بذلك، كقوله: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا (١١٧) لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (١١٨) وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا (١١٩) يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (١٢٠)﴾، وكقوله تعالى: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي [وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا] [¬٧]﴾، وقال إبراهيم لأبيه: ﴿يَاأَبَتِ [¬٨] لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا﴾، وكقوله: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١)﴾، وتقول الملائكة يوم القيامة: ﴿سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾، ولهذا قال تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ﴾ أي: وقد خلقهم، فهو الخالق وحده لا شريك له، فكيف يعبد معه غيره، كقول إبراهيم: ﴿قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (٩٥) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦)﴾.\n_________\n[¬١]- في ز: \"تسقى\".\n[¬٢]- فى ت: \"الآية\".\n[¬٣]- سقط من: خ، ز.\n[¬٤]- في ز: \"فى عبادة الله\".\n[¬٥]- في ز: \"إنما\".\n[¬٦]- سقط من: ز.\n[¬٧]- في ت: \"الآية\".\n[¬٨]- في ز: \"أبة\".","vol":"6","page":120},{"text":"ومعنى الآية: أنه ﷾ هو المستقل بالخلق وحده، فلهذا يجب أن يفرد بالعبادة وحده، لا شريك له.\nوقوله تعالى: ﴿وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ ينبه به تعالى على ضلال من ضل في وصفه تعالى بأن له ولدًا، كما يزعمه من قاله من اليهود في عزيز [¬١]، ومن قال من النصارى في [المسيح، وكما] [¬٢] قال المشركون من العرب في الملائكة أنها بنات الله، تعالى الله عما [يقول الظالمون] [¬٣] علوًّا كبيرًا ومعنى وقوله: ﴿وَخَرَقُوا﴾ أي: اختلقوا [¬٤] وَأْتفكوا وتخرصوا [¬٥] وكذبوا، كما قاله علماء السلف.\nقال على بن أبي طلحة (^١٦٧)، عن ابن عباس: ﴿وَخَرَقُوا﴾ يعني: [أنه تخرصوا] [¬٦].\nوقال العوفي (^١٦٨)، عنه: ﴿وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ قال: جعلوا له بنين وبنات. وقال مجاهد ﴿وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ﴾ قال: كذبوا. وكذا قال الحسن، وقال الضحاك: وضعوا. وقال السدي: قطعوا [¬٧].\nقال ابن جرير: فتأويل الكلام إذا: وجعلوا لله الجن شركاء في عبادتهم إياه، وهو المنفرد بخلقهم بغير شريك ولا معين ولا ظهير ﴿وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ﴾ [يقول: وتخرصوا لله كذبًا، فافتعلوا له بنين وبنات] [¬٨] ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ بحقيقة ما يقولون، ولكن جهلًا بالله وبعظمته، فإنه [¬٩] لا ينبغي لمن [¬١٠] كان إلهًا أن يكون له بنون وبنات ولا صاحبة، ولا أن يشركه في خلقه شريك، ولهذا قال: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ﴾ أي: تقدس وتنزه وتعاظم عما يصفه هؤلاء الجهلة الضالون: من الأولاد، والأنداد، والنظراء، والشركاء [¬١١].\n_________\n(^١٦٧) - أخرجه ابن جرير (١٢/ ١٣٦٨١)، وابن أبي حاتم (٤/ ٧٧١٤)، وابن المنذر - كما في \"الدر المنثور\" - (٣/ ٦٨).\n(^١٦٨) - أخرجه ابن جرير (١٢/ ١٣٦٨٢)، وابن أبي حاتم (٤/ ٧٧١٩)، والعوفي ضعيف.\n_________\n[¬١]- في ز: \"العزيز\".\n[¬٢]- في ت: \"عيسى، ومن\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في ز: \"يقولون\".\n[¬٤]- في ت: \"اختلفوا\".\n[¬٥]- فى ز: \"تحرصوا\".\n[¬٦]- في ز: \"أنهم تحرصوا\".\n[¬٧]- في ز: \"فظعوا\".\n[¬٨]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٩]- في ز: \"وأنه\".\n[¬١٠]- في ز: \"إن\".\n[¬١١]- في حاشية \"ز\": آخر أول أجزاء المؤلف ﵀ من هذه السورة، ومن هذه الآية ابتدأ بتعليق هذا التفسير إلى آخر القرآن العظيم ثم فسر من سورة البقرة إلى هاهنا، ووافق آخر التعليق يوم الجمعة رابع عشري ذي قعدة سنة إحدى وأربعين وسبعمائه فكتب الجميع في نحو أربع سنين.","vol":"6","page":121},{"text":"بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٠١)﴾\n﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: مبدعهما [¬١] وخالقهما ومنشئهما ومحدثهما [¬٢] على غير مثال سبق، كما قال مجاهد والسدي، ومنه سميت البدعة بدعة؛ لأنه لا نظير لها فيما سلف.\n﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ﴾ أي: كيف يكون له ولد ﴿وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ﴾ أي: والولد إنما يكون متولدًا بين [¬٣] شيئين متناسبين، والله تعالى لا يناسبه ولا يشابهه شيء من خلقه؛ لأنه خالق كل شئ فلا صاحبة له ولا ولد، كما قال تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (٨٨) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا﴾ إلى قوله: ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا (٩٥)﴾ [مريم: ٩٥].\n[﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾] [¬٤] فبين تعالى أنه الذي خلق كل شيء وأنه بكل شيء عليم، فكيف يكون له صاحبة من خلقه تناسبه وهو الذي لا نظير له، فأنى يكون له ولد، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا.\n﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾\nيقول تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ﴾ أي: الذي خلق كل شيء ولا ولد له ولا صاحبة ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ﴾ أي: فاعبدوه وحده لا شريك له، وأقروا له بالوحدانية، وأنه لا إله إلا هو، وأنه لا ولد له ولا والد ولا صاحبة له، ولا نظير ولا عديل ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ أي: حفيظ ورقيب يدبر كل ما سواه، ويرزقهم ويكلأهم بالليل والنهار.\nوقوله: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ فيه أقوال للأئمة من السلف:\nأحدها [¬٥]: لا تدركه في الدنيا، وإن كانت تراه في الآخرة، كما تواترت به الأخبار عن\n_________\n[¬١]- في ز: \"مبدع السماوات والأرض\".\n[¬٢]- سقط من: خ، ز.\n[¬٣]- في ز: \"من\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٥]- فى ت: \"أحدهما\".","vol":"6","page":122},{"text":"رسول الله ﷺ، من غير ما طريق ثابت فى الصحاح والمسانيد والسنن، كما قال مسروق عن عائشة أنها قالت: من زعم أن محمدًا أبصر ربه فقد كذب -[وفي رواية: على الله] [¬١]- فإن الله تعالى قال [¬٢]: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ [وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ] [¬٣]﴾.\nرواه ابن أبي حاتم (^١٦٩): من حديث أبي بكر بن عياش، عن عاصم بن أبي النجود، عن أبي الضحى، عن مسروق. ورواه غير واحد [عن مسروق] [¬٤] (^١٧٠)، وثبت في الصحيح وغيره عن عائشة من غير وجه (^١٧١).\nوقد خالفها ابن عباس فعنه إطلاق الرؤية، وعنه أنه رآه بفؤاده مرتين، والمسألة تذكر في أول سورة النجم إن شاء الله.\nوقال ابن أبي حاتم (^١٧٢): ذكر محمد بن مسلم، حدثنا أحمد بن إبراهيم الدورقي، حدثنا يحى بن معين، قال: سمعت إسماعيل بن علية يقول في قول الله: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ [وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ] [¬٥]﴾ قال: هذا في الدنيا. [] [¬٦] وذكر أبي عن هشام بن عبيد الله [¬٧] أنه قال نحو ذلك.\n_________\n(^١٦٩) - إسناده صحيح. ابن أبي حاتم في تفسيره (٤/ ٧٧٣٥) ثنا أبو سعيد بن يحيى بن سعيد القطان، ثنا يحيى بن آدم، ثنا أبو بكر بن عياش، به.\n(^١٧٠) - فأخرجه البخاري، كتاب: بدء الخلق، باب: إذا قال أحدكم: \"آمين\" (٣٢٣٥)، وفي مواضع أخر انظر أطرافه عند رقم (٣٢٣٤)، ومسلم، كتاب: الإيمان، باب: معنى قول الله ﷿: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى …﴾ (٢٨٧: ٢٩٠) (١٧٧)، والترمذي، كتاب: تفسير القرآن، باب: ومن سورة الأنعام (٣٠٧٠) وباب: ومن سورة النجم (٣٢٧٤)، والنسائي فى \"التفسير\" من \"الكبرى\" (٦/ ١١٤٠٨، ١١٤٠٩)، وأحمد (٦/ ٢٣٦، ٢٤١) من طريق عامر الشعبى، وأخرجه النسائي فى \"التفسير\" (٦/ ١١١٤٧)، وابن خزيمة في \"التوحيد\" (ص ٢٢٥) من طريق إبراهيم بن يزيد النخعي، كلاهما (عامر وإبراهيم) عن مسروق، به مطولًا.\n(^١٧١) - أخرجه البخاري، كتاب: بدء الخلق، باب: إذا قال أحدكم \"آمين … \" (٣٢٣٤) من طريق القاسم عنها، به.\n(^١٧٢) - ابن أبي حاتم فى تفسيره (٤/ ٧٧٤٠، ٧٧٤١)، وعزاه السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ٦٩) إلى أبي الشيخ.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٢]- في ز: \"يقول\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين زيادة من ز.\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين في ز: \"قال\".\n[¬٧]- سقط من: ز.","vol":"6","page":123},{"text":"وقال آخرون: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ أي: جميعها، وهذا مخصص بما ثبت من رؤية المؤمنين له فى الدار [¬١] الآخرة.\nوقال آخرون من المعتزلة بمقتضى ما فهموه من هذه الآية: إنه لا يرى في الدنيا ولا في الآخرة، فخالفوا أهل السنة والجماعة في ذلك، مع ما ارتكبوه من الجهل بما دل عليه كتاب الله وسنة رسوله؛ أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾، وقال تعالى عن الكافرين: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥)﴾ [المطففين: ١٥].\nقال الإِمام الشافعي: فدل هذا على أن المؤمنين لا يحجبون عنه ﵎.\nوأما السنة: فقد تواترت الأخبار عن أبي سعيد، وأبي هريرة، وأنس، وجرير، وصهيب، وبلال، وغير واحد من الصحابة (^١٧٣)، عن النبي ﷺ: أن المؤمنين يرون الله في الدار الآخرة في العرصات، وفي روضات الجنات جعلنا الله تعالى منهم بمنه وكرمه، آمين.\nوقيل: المراد بقوله: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ أي: العقول. رواه ابن أبي حاتم (^١٧٤)، عن علي ابن الحسين، عن الفلاس، عن ابن مهدي، عن أبي الحصين يحيى بن الحصين - قارئ أهل مكة - أنه قال ذلك، وهذا غريب جدًّا، وخلاف ظاهر الآية، وكأنه اعتقد أن الإِدراك في معنى الرؤية، والله أعلم.\nوقال آخرون: لا منافاة بين إثبات الرؤية ونفي الإدراك؛ فإن الإِدراك أخص من الرؤية، ولا يلزم من نفي الأخص انتفاء الأعم. ثم اختلف هؤلاء في الإِدراك المنفي، ما هو؟ فقيل: معرفة الحقيقة، فإن هذا لا يعلمه إلا هو وإن رآه المؤمنون، كما أن من رأى القمر فإنه لا يدرك حقيقته وكنهه وماهيته، فالعظيم أولى بذلك وله المثل الأعلى.\n_________\n(^١٧٣) - يأتي تخريج حديث أبي سعيد وأبي هريرة وجرير عند تفسير الآية (رقم ٢٣/ من سورة القيامة)، وحديث صهيب يأتي تخرجه عند تفسير الآية (رقم ٢٦/ من سورة يونس)، وحديث أنس يأتى تخريجه عند تفسير (سورة الإسراء/ آية رقم ٧٩)، وأما حديث بلال فلم أهتد إليه وقد قالى اللالكائى في \"شرح أصول الاعتقاد\" (٣/ ٤٩٥): \"تحصل في الباب ممن روى عن رسول الله ﷺ من الصحابة حديث الرؤية ثلاث وعشرون نفسًا … \" فذكرهم ليس فيهم بلال، وكذا لم يذكره الدارقطني في كتابه \"الرؤية\"، فالله أعلم.\n(^١٧٤) - ابن أبي حاتم فى تفسيره (٤/ ٧٧٣٩)، وكذا أخرجه اللالكائي في \"شرح أصول الاعتقاد\" (٣/ رقم ٩٢٢) من طريق عبد الله بن محمد بن أبي الأسود قال: سمعت عبد الرحمن بن مهدي، به. وزاد نسبته السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ٦٩) إلى أبي الشيخ.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.","vol":"6","page":124},{"text":"وقال آخرون: المراد بالإدراك الإحاطة، قالوا: ولا يلزم من عدم الإحاطة عدم الرؤية، كما لا يلزم من [عدم] إحاطة العلم عدم العلم، قال تعالى: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾، وفي صحيح مسلم (^١٧٥): \" لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك\". ولا يلزم منه [¬١] عدم الثناء فكذلك هذا.\nقال العوفي (^١٧٦)، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ قال: لا يحيط بصر [¬٢] أحد بالملك.\nوقال ابن أبي حاتم (^١٧٧): حدثنا أبو زرعة، حدثنا عمرو بن حماد بن طلحة القناد، حدثنا أسباط، عن سماك، عن عكرمة: أنه قيل له: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَار﴾ قال: ألست ترى السماء؟ قال: بلى. قال: فكلها ترى؟ وقال سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة [في الآية] [¬٣]: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ وهو أعظم من أن تدركه الأبصار.\nوقال ابن جرير (^١٧٨): حدثنا سعد [¬٤] بن عبد الله بن عبد الحكم، حدثنا خالد بن عبد الرحمن، حدثنا أبو عرفجة، عن عطية العوفي، في قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢)\n_________\n(^١٧٥) - صحيح مسلم كتاب: الصلاة، باب: النهي عن قراءة القرآن في الركوع والسجود (٢٢٢) (٤٨٦)، وكذا أخرجه أبو داود، كتاب: الصلاة، باب: الدعاء في الركوع والسجود (٨٧٩)، والنسائي (١/ ١٠٢) (٢/ ٢١٠)، وابن ماجه (٣٨٤١)، وأحمد (٦/ ٥٨، ٢٠١) من حديث عائشة ﵂.\n(^١٧٦) - أخرجه ابن جرير (١٢/ ١٣٦٩٤)، والعوفي ضعيف.\n(^١٧٧) - ابن أبي حاتم في تفسيره (٤/ ٧٧٣٧)، وقوله: \"وقال سعيد … \" أخرجه ابن جرير (١٢/ ١٣٦٩٥).\n(^١٧٨) - ابن جرير في تفسيره (١٢/ ١٣٦٩٦) و[(٢٩/ ١٢٩) / سورة القيامة/آية ٢٢]، والعوفى ضعيف، وأبو عرفجة مجهول الحال، فقد ذكره ابن ماكولا في \"الإكمال\" (٦/ ٣٧٩)، والسمعاني في \"الأنساب\" (٤/ ٣٤٤) وابن ناصر الدين في \"توضيح المشتبه\" (٧/ ٢٩)، وذكروا أنه روي عن عطية العوفي زاد ابن ماكولا والسمعاني، روى عنه أبو معاوية الضرير الكوفي، وقد روى عنه هنا آخر فزالت جهالة عينه.\n_________\n[¬١]- في ز: \"من هذا\".\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٤]- في ز: \"سعيد\".","vol":"6","page":125},{"text":"إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ قال: هم ينظرون إلى الله، لا تحيط أبصارهم به من عظمته، وبصره محيط بهم، فذلك قوله: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾.\nوقد [¬١] ورد في تفسير هذه الآية حديث رواه ابن أبي حاتم هاهنا فقال (^١٧٩): حدثنا أبو زرعة، حدثنا منجاب بن الحارث [التميمي] [¬٢]، حدثنا بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري، عن رسول الله ﷺ في قوله: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ قال: \"لو أن الجن والإنس والشياطين والملائكة، منذ خلقوا إلى أن فنوا صفوا صفًا واحدًا ما أحاطوا بالله أبدًا\".\nغريب لا يعرف إلا من هذا الوجه، ولم يروه أحد من أصحاب الكتب الستة، والله أعلم.\nوقال آخرون في [¬٣]: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾: بما رواه الترمذي في جامعه، وابن أبي عاصم في كتاب السنة له، وابن أبي حاتم فى تفسيره، وابن مردويه أيضًا، والحاكم فى مستدركه: من حديث الحكم بن أبان قال: سمعت عكرمة يقول: سمعت ابن عباس يقول: رأى محمد ربه ﵎، فقلت: أليس الله يقول: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾؟ الآية\n_________\n(^١٧٩) - إسناده ضعيف جدًّا، رواه ابن أبي حاتم فى تفسيره (٤/ ٧٧٣٦)، وأخرجه أبو الشيخ فى \"العظمة\" (١/ رقم ٧٢) من طريق أبي زرعة، به. والعقيلي فى \"الضعفاء\" (١/ ١٤٠) من طريق منجاب بن الحارث به فى ترجمة بشر بن عمارة وقال: \"ولا يتابع عليه. لا يعرف إلا به\" وابن عدي فى \"الكامل\" (٢/ ٤٤٢، ٤٤٣)، ومن طريقه ابن الجوزي فى \"الموضوعات\" (١/ ١١٤) عن سفيان بن بشر الكوفى، ثنا بشر بن عمارة، به. قال ابن الجوزي: \"هذا حديث لا يصح عن رسول الله ﷺ يوهم عظمة الذات على وجه التشبيه والتجسيم تعالى عن ذلك، قال العقيلي: وبشر بن عمارة لا يتابع على هذا الحديث، قال ابن حبان - \"المجروحين\" (١/ ١٨٨) -: لا يحتج ببشر إذا انفرد، وأما عطية فقد ضعفه الجماعة، وقال ابن حبان - \"المجروحين\" (٢/ ١٧٦) -: كان قد سمع من أبي سعيد الخدري أحاديث فلما مات جعل يجالس الكلبى، فإذا قال الكلبى: قال رسول الله ﷺ حفظ ذلك ورواه عنه، وكناه أبا سعيد فيظن أنه اراد الخدري، وإنما أراد الكلبي، لا يحل كتب حديثه إلا على التعجب، قلت - ابن الجوزي -: هذا الحديث مما أفلته عمل الكلبي\". وانظر \"اللآلئ المصنوعة\" للسيوطي (١/ ١٣) و\"تنزيه الشريعة\" للكناني (١/ ١٤١) و\"الفوائد المجموعة\" للشوكاني (ص ٣١٥).\n_________\n[¬١]- سقط من: ت.\n[¬٢]- في \"ت، خ، ز\": \"السهمي\" والمثبت هو الصواب كما في التفسير لابن أبي حاتم (٤/ ٧٧٣٦) وانظر \"التهذيب\" (٤/ ١٥٢ - الرسالة).\n[¬٣]- في ز: \"في قوله\".","vol":"6","page":126},{"text":"فقال لي: لا أم لك، ذلك [¬١] نوره الذي هو نوره، إذا تجلي بنوره لا يدركه شيء. وفي رواية: لا يقوم له شيء (^١٨٠).\n[قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه] [¬٢].\nوفي معنى هذا الأثر ما ثبت في الصحيحين (^١٨١): [من حديث] [¬٣] أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل، حجابه النور - أو النار - ولو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه\".\nوفي الكتب المتقدمة: إن الله تعالى قال لموسي لما سأل الرؤية: يا موسى، إنه لا يراني حي إلا مات، ولا يابس إلا تدهده. أي: تدعثر. وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (١٤٣)﴾.\nونفي هذا الأثر [¬٤] الإِدراك الخاص لا ينفي الرؤية يوم القيامة يتجلي لعباده المؤمنين كما يشاء، فأما جلاله وعظمته على ما هو عليه تعالى وتقدس وتنزه فلا تدركه الأبصار، ولهذا كانت أم المؤمنين عائشة (^١٨٢) ﵂ تثبت الرؤية في الدار الآخرة وتنفيها في الدنيا، وتحتج بهذه الآية: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ فالذي نفته الإِدراك الذي هو بمعنى رؤية العظمة والجلال على ما هو عليه، فإن ذلك غير ممكن للبشر ولا للملائكة ولا لشيء.\n_________\n(^١٨٠) - صحيح. يأتي تخريجه [سورة النجم/ آية رقم ١٣].\n(^١٨١) - كذا عزاه المصنف للصحيحين وهو سبق قلم أو خطأ من الناسخ، ولعل الثاني أقرب، فإنه ذكره فيما تقدم من [سورة البقرة/ آية ٢٥٥] وعزاه للصحيح فقط، وقد أخرجه مسلم، كتاب: الإيمان، باب: في قوله ﵇: \"إن الله لا ينام … \" (٢٩٣: ٢٩٥) (١٧٩)، وكذا أخرجه أحمد (٤/ ٣٩٥، ٤٠٠، ٤٠٥)، وابن ماجه في المقدمة، باب: فيما أنكرت الجهمية (١٩٥، ١٩٦)، وانظر \"تحفة الأشراف\" (٦/ ٩١٤٦).\n(^١٨٢) - تقدم حديثها (١٧٠: ١٧٢).\n_________\n[¬١]- في ز: \"ذاك\".\n[¬٢]- كذا نقل المصنف، والذي في المطبوع من المستدرك: \"صحيح الإسناد ولم يخرجاه\"، وهذا أشبه، وإن فيه تساهل بينٌ حيث أخرجه من طريق إبراهيم بن الحكم بن أبان، حدثني أبي به، وإبراهيم هذا ضعفه الجمهور، ولذا تعقب الذهبي الحاكم في حكمه السابق فقال: \"بل إبراهيم متروك\" قلت: ولم يخرج الشيخان له ولا لأبيه شيئًا، فتنبه!!\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في ز: \"عن\".\n[¬٤]- سقط من: ز.","vol":"6","page":127},{"text":"وقوله: ﴿وهو يدرك الأبصار﴾ أي: يحيط بها ويعلمها على ما هي عليه؛ لأنه خلقها، كما قال تعالى: ﴿ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير﴾.\nوقد يكون عبر بالأبصار عن المبصرين، كما قال السدي [¬١] في قوله: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ لا يراه شيء وهو يري الخلائق.\nوقال أبو العالية في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ قال [¬٢]: اللطف باستخراجها [¬٣]، الخبير بمكانها، والله أعلم.\nوهذا كما قال تعالى إخبارًا عن لقمان فيما وعظ به ابنه: ﴿يَابُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ [¬٤] فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (١٦)﴾.\n﴿قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (١٠٤) وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (١٠٥)﴾\nالبصائر: هي البينات والحجج التي اشتمل عليها القرآن، وما جاء به الرسول ﷺ ﴿فمن أبصر فلنفسه﴾، كقوله [¬٥]: ﴿فَمَنِ [¬٦] اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا﴾؛ ولهذا قال: ﴿ومن عمي فعليها﴾ لما ذكر البصائر قال: ﴿ومن عمي فعليها﴾ أي: فإنما يعود وبال ذلك عليه، كقوله [¬٧]: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾،\n﴿وما أنا عليكم بحفيظ﴾ أي: بحافظ ولا رقيب، بل أنا مبلغ واللت يهدي من يشاء ويضل من يشاء.\nوقوله: ﴿وكذلك نصرف الآيات﴾ أي: وكما فصلت الآيات في هذه السورة من بيان التوحيد، وأنه لا إله إلا هو، هكذا نوضح الآيات ونفسرها ونبينها في كل موطن لجهالة [¬٨]\n_________\n[¬١]- سقط من: خ، ز.\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- في ز: \"لاستخراجها\".\n[¬٤]- في ز: \"خرذل\".\n[¬٥]- في ز: \"مثل قوله\".\n[¬٦]- في ز: \"من\".\n[¬٧]- في ز: \"لقوله\".\n[¬٨]- في ز: \"لجهلة\".","vol":"6","page":128},{"text":"الجاهلين، وليقول المشركون والكافرون المكذبون: دارست يا محمد مَن قبلك من أهل الكتاب، وقارأتهم وتعلمت منهم.\nهكذا قاله ابن عباس، ومجاهد، وسعيد بن جبير، والضحاك، وغيرهم.\nو[¬١] قال الطبراني (^١٨٣): حدثنا عبد الله بن أحمد، حدثنا أبي، حدثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عمرو بن كيسان، قال [¬٢]: سمعت ابن عباس يقرأ [¬٣]: (دارست): تلوت، خاصمت، جادلت.\nوهذا كقوله تعالى إخبارًا عن كذبهم وعنادهم: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا (٤) وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَي عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا] (٥)] [¬٤]﴾، وقال تعالى إخبارًا عن زعيمهم وكاذبهم: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (١٨) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (١٩) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (٢٠) ثُمَّ نَظَرَ (٢١) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (٢٢) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (٢٣) فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (٢٤) إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (٢٥)﴾.\nوقوله: ﴿ولنبينه لقوم يعلمون﴾ أي: ولنوضحه لقوم يعلمون الحق فيتبعونه، والباطل فيجتنبونه، فلله تعالى الحكمة البالغة [¬٥] في إضلال أولئك، وبيان الحق لهؤلاء، كقوله تعالى: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا [وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ] [¬٦]﴾.\nوقال تعالى: ﴿لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ﴾.\nو﴿إِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَي صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.\nوقال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ\n_________\n(^١٨٣) - في \"المعجم الكبير\" (١١/ ١١٢٨٣)، وأخرجه عبد الرزاق في \"المصنف\" (٢/ ٢١٦)، ومن طريقه ابن أبي حاتم (٤/ ٧٧٥١)، وابن جرير (١٢/ ١٣٧١٩)، وكذا أخرجه من طريق آخر (١٢/ ١٣٧٢٠) من طريق سفيان بن عيينة به وذكره الهيثمي في \"المجمع\" (٧/ ٢٤، ٢٥) وقال: \"رواه الطبراني ورجاله ثقات\"، قلت: عمرو بن كيسان لم يوثقه غير ابن حبان - \"الثقات\" (٥/ ١٨٤) - وباقي رجاله ثقات من رجال الشيخين، والأثر زاد نسبته السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ٧٠) إلى سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وأبي الشيخ، وابن مردويه.\n_________\n[¬١]- في ز: \"وقد\".\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- في ت: \"يقول\".\n[¬٤]- في ت: \"الآية\".\n[¬٥]- سقط من: ز.\n[¬٦]- في ت: \"الآية\".","vol":"6","page":129},{"text":"وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾.\nوقال: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا (٨٢)﴾، وقال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ (٤٤)﴾ إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أنه [¬١]، تعالى أنزل القرآن هدي للمتقين، وأنه يضل به [¬٢] من يشاء ويهدي به من يشاء، ولهذا قال هاهنا [¬٣]: ﴿وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (١٠٥)﴾، وقرأ بعضهم: ﴿وليقولوا درست﴾.\nقال التميمي (^١٨٤)، عن ابن عباس: ﴿درست﴾ أي: قرأت وتعلمت. وكذا قال مجاهد والسدي والضحاك وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم [وغير واحد] [¬٤].\nقال عبد الرزاق (^١٨٥): عن معمر، قال الحسن ﴿وَلْيقُولُوا دَرَسَتْ﴾ يقول: تقادمت وانمحت.\nوقال عبد الرزاق (^١٨٦) أيضًا: أنبأنا ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، سمعت ابن [¬٥] الزبير يقول: إن صبيانًا يقرءون هاهنا (دارست) وإنما هي ﴿درست﴾.\nوقال شعبة: حدثنا أبو إسحاق الهمداني قال: في قراءة ابن مسعود (دَرَسَتْ). يعني: بغير ألف بنصب السين [¬٦] ووقف على [¬٧] التاء.\n_________\n(^١٨٤) - أخرجه ابن جرير (١٢/ ٢٧، ٢٨)، وابن أبي حاتم (٤/ ٧٧٤٩)، والتميمي هو أَرْبِدة، ويقال: أربد التميمي البصري صاحب \"التفسير\"، كان يجالس ابن عباس، وثقه العجلي وابن حبان، وجهله ابن البرقي، والأثر زاد نسبته السيوطي (٣/ ٧٠) إلى الفريابي، وعبد بن حميد، وأبي الشيخ، وابن مردويه.\n(^١٨٥) - عبد الرزاق في تفسيره (٢/ ٢١٦) - ومن طريقه ابن أبي حاتم (٤/ ٧٧٥٣) - وأخرجه ابن جرير (١٢/ ١٣٧٣٤) من طريق محمد بن ثور عن معمر، به و(١٢/ ١٣٧٣١) من طريق سعيد عن قتادة قال: كان الحسن يقرأ فذكره وعزاه السيوطي (٧٠/ ٣) إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، وأبي الشيخ.\n(^١٨٦) - في تفسيره (٢/ ٢١٦)، ومن طريقه ابن جرير (١٢/ ١٣٧٣٣)، وزاد نسبته السيوطي (٣/ ٧٠) إلى سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وأبي الشيخ.\n_________\n[¬١]- في ز: \"أن الله\".\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- سقط من: خ.\n[¬٥]- سقط من: ز.\n[¬٦]- في ز: \"الراء\".\n[¬٧]- سقط من: ز.","vol":"6","page":130},{"text":"قال [¬١] ابن جرير: ومعناه انمحت وتقادمت، أي: إن هذا الذي تتلوه علينا قد مر بنا قديمًا وتطاولت مدته.\nوقال سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة أنه قرأها: (دُرِسَتْ)، أي: قرأت وتعلمت.\nوقال معمر، عن قتادة: (دُرِسَت) قرئت. وفي حرف ابن مسعود (دَرَسَ).\nوقال ألو عبيد القاسم بن سلام (^١٨٧): حدثنا حجاج، عن هارون، قال: هي في حرف أبي ابن كعب، وابن مسعود (وليقولوا دَرَسَ). قال: يعنون النبي ﷺ أنه قرأ.\nوهذا غريب، فقد [¬٢] روي عن أبي بن كعب خلا: هذا، قال أبو بكر بن مردويه (^١٨٨): حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، حدثنا الحسن بن الليث، حدثنا أبو سلمة، حدثنا أحمد بن أبي بزة المكي، حدثنا وهب بن زمعة، عن أبيه، عن حميد الأعرج، عن مجاهد، عن ابن عباس، عن أبي بن كعب قال: أقرأني رسول الله ﷺ: ﴿وليقولوا دَرَسْتَ﴾.\nورواه الحاكم في مستدركه: من حديث وهب بن زمعة، وقال: يعني بجزم السين ونصب التاء. ثم قال: صحيح الإِسناد ولم يخرجاه.\n﴿اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (١٠٦) وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (١٠٧)﴾\nيقول تعالى آمرًا لرسوله ﷺ ولمن اتبع طريقه: ﴿اتبع ما أوحي إليك من ربك﴾ أي: اقتد به، واقتف أثره، واعمل ول، فإن ما أوحي إليك من ربك هو الحق الذي لا مرية فيه؛ لأنه لا إله إلا هو.\n﴿وأعرض عن المشركين﴾ أي: اعف عنهم واصفح واحتمل أذاهم، حتى يفتح الله لك\n_________\n(^١٨٧) - وعزاه لابن عبيد السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ٧٠) - ومن طريقه أخرجه ابن جرير في تفسيره (١٢/ ١٣٧٣٥)، وقد تصحف اسم \"أبو عبيد\" إلى \"أبو عبيدة\" ولم ينبه عليه الشيخ الأديب محمود شاكر.\n(^١٨٨) - وعزاه لابن مردويه السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ٧٠) - وصححه الحاكم (٢/ ٢٣٨، ٢٣٩) ووافقه الذهبي.\n_________\n[¬١]- في ز: \"وقال\".\n[¬٢]- في ز: \"وقد\".","vol":"6","page":131},{"text":"وينصرك ويظفرك عليهم، واعلم أن لله حكمة في إضلالهم، فإنه لو شاء لهدى الناس كلهم جميعًا.\n﴿ولو شاء الله مما أشركوا﴾ أي: بل له المشيئة والحكمة فيما يشاؤه ويختاره، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون، وقوله تعالى: ﴿وما جعلناك عليهم حفيظًا﴾ أي: حافظًا تحفظ أقوالهم وأعمالهم ﴿وما أنت عليهم بوكيل﴾ أي: موكل على أرزاقهم وأمورهم إن عليك إلا البلاغ، كما قال تعالى: ﴿فذكر إنما أنت مذكر * لست عليهم بمسيطر﴾.\nوقال: ﴿فإنما [¬١] عليك البلاغ وعلينا الحساب﴾.\n﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٠٨)﴾\nيقول الله [¬٢] تعالى ناهيًا رسوله [¬٣] ﷺ والمؤمنين عن سب آلهة المشركين، وإن كان فيه مصلحة، إلا أنه يترتب عليه مفسدة أعظم منها، وهبم: مقابلة المشركين بسب [¬٤] إله المؤمنين وهو ﴿الله لا إله إلا هو﴾ كما قال على بن أبي طلحة (^١٨٩)، عن ابن عباس في هذه الآية: قالوا: يا محمد، لتنتهين عن سبك آلهتنا أو لنهجون ربك. فنهاهم الله أن يسبوا أوثانهم ﴿فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾.\nوقال عبد الرزاق (^١٩٠): عن معمر، عن قتادة: كان المسلمون يسبون أصنام الكفار، فيسب الكفار الله عدوًا بغير علم، فأنزل الله: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾.\nوروي ابن جرير وابن أبي حاتم (^١٩١)، عن السدي أنه قال في تفسير هذه الآية: لما حضر أبا\n_________\n(^١٨٩) - أخرجه ابن جرير (١٢/ ١٣٧٣٨)، وابن أبي حاتم (٤/ ٧٧٦٠)، وزاد نسبته السيوطي (٣/ ٧١) إلى ابن المنذر، وابن مردويه.\n(^١٩٠) - في تفسيره (٢/ ٢١٥) - ومن طريقه ابن أبي حاتم (٤/ ٧٧٦١) - وأخرجه ابن جرير (١٢/ ١٣٧٤١) من طريق محمد بن ثور عن معمر به و(١٢/ ١٣٧٣٩) من طريق سعيد عن قتادة به نحوه، وزاد نسبته السيوطي (٣/ ٧٢) إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، وأبي الشيخ.\n(^١٩١) - مرسل، وصح موصولًا. أخرجه ابن جرير (١٢/ ١٣٧٤٠)، وابن أبي حاتم (٤/ ٧٧٦٢) وهذا مرسل، وقد صح موصولًا من حديث ابن عباس، يأتي تخريجه عند [آية رقم ٦/ من سورة ص].\n_________\n[¬١]- في ز: \"إنما\".\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- في ز: \"لرسوله\".\n[¬٤]- في ز: \"سب\".","vol":"6","page":132},{"text":"طالب الموت، قالت قريش: انطلقوا فلندخل على هذا الرجل فلنأمره أن ينهى عنا ابن أخيه، فإنا نستحي أن نقتله بعد موته، فتقول العرب: كان يمنعهم [¬١] فلما مات قتلوه، فانطلق أبو سفيان، وأبو جهل والنضر بن الحارث وأمية وأبي ابنا خلف وعقبة بن أبي معيط وعمرو بن العاص والأسود ابن البختري، وبعثوا رجلًا منهم يقال له: المطلب، قالوا: استأذن لنا على أبي طالب، فأتي أبا طالب، فقال: هؤلاء مشيخة قومك يريدون الدخول عليك، فأذن لهم عليه فدخلوا عليه، فقالوا: يا أبا طالب، أنت كبيرنا وسيدنا، وإن محمدًا قد آذانا وآذي آلهتنا، فنحب أن تدعوه فتنهاه عن ذكر آلهتنا ولندعه وإلهه، فدعاه فجاء النبي ﷺ فقال له أبو طالب: هؤلاء قومك وبنو عمك. قال رسول الله ﷺ: \"ما تريدون [¬٢]؟ \" قالوا: نريد أن تدعنا وآلهتنا ولندعك وإلهك. [قال له أبو طالب: قد أنصفك قومك، فاقبل منهم] [¬٣]. فقال النبي ﷺ: \"أرأيتم إن أعطيتكم هذا، هل أنتم معطي كلمة إن تكلمتم [¬٤] بها ملكتم بها العرب، ودانت لكم بها العجم، [وأدّت لكم] [¬٥] الخراج؟ \" قال أبو جهل: وأبيك لنعطينكها وعشرة أمثالها، [] [¬٦] فما هي؟ قال: \"قولوا: لا إله إلا الله\". فأبوا واشمأزوا، قال أبو طالب: يا ابن أخي، قل غيرها فإن قومك قد فزعوا منها، قال: \"يا عم، ما أنا بالذي يقول [¬٧] غيرها، حتى يأتوا بالشمس فيضعوها في يدي، ولو أتوا بالشمس فوضعوها في يدي ما قلت غيرها\". إرادة أن يؤيسهم، فغضبوا وقالوا: لتكفن عن شتم آلهتنا أو لنشتمنك ونشتمن [¬٨] من يأمرك. فذلك قوله: ﴿فيسبوا الله عدوًا بغير علم﴾.\nومن هذا القبيل - وهو ترك المصلحة لمفسدة أرجح منها - ما جاء في الصحيح (^١٩٢): أن رسول\n_________\n(^١٩٢) - صحيح. تقدم تخريجه في [سورة النساء/ آية ٣١] وهو من حديث عبد الله بن عمرو، ولكن ليس فيه قوله: \"ملعون من سب والديه\" وهذه اللفظة لها شاهد عند مسلم (٤٣: ٤٥) (١٩٧٨)، والنسائي (٧/ ٢٣٢)، وأحمد (١/ ٢١٧، ٣١٧) من حديث على بن أبي طالب وآخر من حديث ابن عباس عند أحمد (١/ ٢١٧، ٣٠٩، ٣١٧)، والطبراني في \"الكبير\" (١١/ ١١٥٤٦)، وصححه ابن حبان (١٠/ ٤٤١٧)، والحاكم (٤/ ٣٥٦)، ووافقه الذهبي، وهو كما قالوا، وثالث من حديث أبي هريرة عند الخرائطي في \"مساوئ الأخلاق\" (٧٨)، والحاكم (٤/ ٣٥٦) شاهدًا وفي إسناد الحاكم هارون بن هارون التيمي أعله به الذهبي في \"التلخيص\" فقال: \"ضعفوه\" وفي إسناد الخرائطي محرز بن هارون قال البخاري: \"منكر الحديث\".\n_________\n[¬١]- في ز: \"يمنعه\".\n[¬٢]- في ز: \"يريدون\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٤]- في خ، ز: \"تكلفتم\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين في ز: \"قال\".\n[¬٧]- في ز: \"أقول\".\n[¬٨]- في ز: \"نشتم\".","vol":"6","page":133},{"text":"الله ﷺ قال: \"ملعون من سب والديه\". قالوا: يا رسول الله، وكيف يسب الرجل والديه؟ قال: \"يسب أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمّه فيسب أمه\". أو كما قال ﷺ.\nوقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾ أي: وكما زينا لهؤلاء القوم حب أصنامهم والمحاماة لها والانتصار ﴿كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ﴾ أي [¬١]: من الأمم الخالية على الضلال ﴿عملهم﴾ الذي كانوا فيه، ولله الحجة البالغة والحكمة التامّة فيما يشاؤه ويختاره، ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ﴾ أي: معادهم ومصيرهم ﴿فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أي: يجازيهم بأعمالهم إن خيرًا فخيرًا [¬٢]، وإن شرًّا فشرًّا [¬٣].\n﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠٩) وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١١٠)﴾\nيقول تعالى إخبارًا عن المشركين: أنهم أقسموا بالله جهد أيمانهم، أي: حلفوا أيمانًا مؤكدة ﴿لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ﴾ أي: معجزة وخارق ﴿لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا﴾ أي: ليصدقنها ﴿قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ أي: قل يا محمد لهؤلاء الذين يسألونك الآيات تعنتًا وكفرًا وعنادًا، لا على سبيل الهدي والاسترشاد: إنما مرجع هذه الآيات إلى الله، إن شاء أجابكم، وإن شاء ترككم كما قال.\nقال ابن جرير: (^١٩٣) حدثنا هناد، حدثنا يونس بن بكير، حدثنا أبو معشر، عن محمد بن كعب القرظي، قال: كلم رسولُ الله ﷺ قريشًا فقالوا: يا محمد، تخبرنا أن موسى كان معه عصا يضرب بها الحجر، فانفجرت منه اثنتا [¬٤] عشرة عينًا، وتخبرنا أن عيسى كان يحيي الموتى، وتخبرنا أن ثمود كانت لهم ناقة، فأتنا من الآيات حتى نصدّقك. فقال رسول الله ﷺ: \"أي شيء تحبون أن آتيكم به؟ \" قالوا: تجعل لنا الصفا ذهبًا. فقال [¬٥] لهم: \"فإن فعلت تصدقوني؟ \" قالوا: نعم، والله لئن فعلت لنتبعنك\n_________\n(^١٩٣) - مرسل، وصح موصولًا. أخرجه ابن جرير في تفسيره (١٢/ ١٣٧٤٦) وصح موصولًا من حديث ابن عباس وغيره، يأتي تخريجه [سورة الإسراء/ آية ٥٩].\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- في ز: \"فخير\".\n[¬٣]- في ز: \"فشرّ\".\n[¬٤]- في ز: \"اثنتي\".\n[¬٥]- في ز: \"قال\".","vol":"6","page":134},{"text":"أجمعين. فقام رسول الله ﷺ يدعو، فجاءه جبريل ﵇ فقال له: [لك ما شئت] [¬١]، إن شئت أصبح الصفا ذهبًا، ولئن أرسل آية فلم يصدقوا عند ذلك ليعذبنَّهم، وإن شئت فاتركهم حتى يتوب تائبهم. [فقال رسول الله ﷺ: \"بل يتوب تائبهم\". فأنزل الله تعالى: ﴿وأقسموا بالله جهد أيمانهم﴾ إلى قوله تعالى: ﴿ولكن أكثرهم يجهلون﴾ [¬٢].\nوهذا مرسل وله شواهد من وجوه أخر، وقال الله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ [وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا] [¬٣]﴾.\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ قيل: المخاطب بما يشعركم المشركون. وإليه ذهب مجاهد، كأنه يقول لهم: وما يدريكم بصدقكم [¬٤] في هذه الأيمان التي تقسمون بها، وعلى هذا فالقراءة: ﴿إِنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ بكسر \"إنها\" على استئناف الخبر عنهم بنفي الإيمان عند مجيء الآيات التي طلبوها، وقرأ [¬٥] بعضهم: (أنها إذا جاءت لا تؤمنون) بالتاء المَثناة من فوق.\nوقيل: المخاطب بقوله: ﴿وَمَا يُشْعِرُكُمْ﴾ المؤمنون، أي: وما يدريكم أيها المؤمنون، وعلى هذا فيجوز في قوله [¬٦] ﴿أنها﴾ الكسر كالأوّل، والفتح على أنه معمول يشعركم، وعلى هذا فتكون \"لا\" في قوله ﴿أنها إذا جاءت لا يؤمنون﴾ صلة، كما في قوله: ﴿ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك﴾، وقوله: ﴿وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون﴾، أي: ما منعك أن تسجد إذ أمرتك، وقوله: وحرام أنهم يرجعون، وتقدره في هذه الآية: وما يدريكم أيها المؤمنون الذين تودّون لهم ذلك حرصًا على إيمانهم، أنها إذا جاءتهم الآيات يؤمنون.\nوقال بعضهم: \"أنها\" بمعنى لعلها.\nقال ابن جرير: وذكروا أن ذلك كذلك في قراءة أبي بن كعب. قال: وقد ذكر عن العرب سماعا: اذهب إلى السوق أنك تشتري لنا [¬٧] شيئًا، بمعنى: لعلك تشتري.\nقال: وقد قيل: إن قول عدي بن زيد العبادي من هذا:\n_________\n[¬١]- سقط من: خ، وفي ز: \"ما شئت\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في خ، ز: \" ﴿لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها﴾ إلى قوله: ﴿يعمهون﴾ \".\n[¬٣]- في ت: \"الآية\".\n[¬٤]- في ز: \"يصدقكم\".\n[¬٥]- في ز: \"وقراءة\".\n[¬٦]- سقط من: ز.\n[¬٧] في ز: \"لي\".","vol":"6","page":135},{"text":"أَعَاذِلَ ما يُدْرِيكِ أَنَّ مَنِيَّتِي … إلَي سَاعَةٍ في اليَومِ أَوْ فيِ ضُحَى الغَدِ\nوقد اختار هذا القول ابن جرير، وذكر عليه شواهد من أشعار العرب، والله أعلم.\nوقوله تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ قال العوفي (^١٩٤)، عن ابن عباس في هذه الآية: لما جحد المشركون ما أنزل الله لم تثبت قلوبهم على شيء، ورُدَّت عن كل أمر.\nوقال مجاهد في قوله: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ﴾ ونحول بينهم وبين الإِيمان، ولو جاءتهم كل آية فلا يؤمنون [¬١]، كما حلنا بينهم وبين الإِيمان أول مرة.\nوكذا قال عكرمة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم.\nوقال [] [¬٢] بن أبي طلحة (^١٩٥)، عن ابن عباس ﵁ أنه قال: أخبر الله ما العباد قائلون قبل أن يقولوه، وعملهم قبل أن يعملوه. قال: ﴿ولا ينبئك مثل خبير﴾ [جل وعلا] [¬٣]، وقال: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾، فأخبر الله [¬٤] سبحانه أنهم لو ردوا لم يقدروا على الهدي، وقال: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾، قال: ولو [¬٥] ردوا إلى الدنيا لحيل بينهم وبين الهدي، كما حلنا [¬٦] بينهم وبينه أول مرة وهم في الدنيا.\nوقوله: ﴿ونذرهم﴾ أي: نتركهم ﴿في طغيانهم﴾ قال ابن عباس والسدي: في كفرهم.\nوقال أبو العالية، والربيع بن أنس، وقتادة: في ضلالهم.\n﴿يعمهون﴾ قال الأعمش: يلعبون. وقال ابن عباس ومجاهد وأبو العالية والربيع و[أبو مالك وغيرهم] [¬٧]: في كفرهم يترددون.\n﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا\n_________\n(^١٩٤) - أخرجه ابن جرير (١٢/ ١٣٧٥١)، وابن أبي حاتم (٤/ ٧٧٧١)، والعوفي ضعيف.\n(^١٩٥) - أخرجه ابن جرير (١٢/ ١٣٧٥٤).\n_________\n[¬١]- في ز: \"يؤمنوا\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز: \"على\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٤]- سقط من: ز.\n[¬٥]- في ز: \"لو\".\n[¬٦]- في ز: \"جعلنا\".\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين في ز: \"مالك\".","vol":"6","page":136},{"text":"مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ﴾.\nيقول تعالى: ولو أننا أجبنا سؤال هؤلاء، الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها، فنزلنا عليهم الملائكة [] [¬١] تخبرهم بالرسالة من الله بتصديق الرسل، كما سألوا فقالوا: ﴿أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا﴾، ﴿قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ [¬٢] حَتَّى نُؤْتَي مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ﴾، ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَي رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا﴾. ﴿وَكَلَّمَهُمْ المَوْتَي﴾ أي [¬٣]: فأخبروهم بصدق ما جاءتهم به الرسل ﴿وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا﴾ قرأ بعضهم: (قِبَلا) بكسر القاف وفتح الباء، من المقابلة والمعاينة، [وقرأ آخرون: بضمها؛ قيل: معناه من المقابلة والمعاينة] [¬٤] أيضًا، [كما رواه] [¬٥] على بن أبي طلحة والعوفي (^١٩٦)، عن ابن عباس، وبه قال قتادة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم.\nوقال مجاهد: ﴿قبلا﴾ أي [¬٦]: أفواجًا قبيلًا قبيلًا، أي: تعرض عليهم كل أمة [بعد أمة] [¬٧] فيخبرونهم بصدق الرسل فيما جاءوهم به. ﴿مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ أي: إن الهداية إليه لا إليهم، بل يهدي من يشاء، ويضل من يشاء، وهو الفعال لما يريد لا [¬٨] يسأل عما يفعل وهم يسألون؛ لعلمه وحكمته وسلطانه وقهره وغلبته، وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾.\n﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (١١٢) وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ (١١٣)﴾\n_________\n(^١٩٦) - أخرجه ابن جرير (١٢/ ١٣٧٥٧، ١٣٧٦٢)، وابن أبي حاتم (٤/ ٧٧٨٣، ٧٧٨٣).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ز: \"أي\".\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين في ز: \"قاله\".\n[¬٦]- سقط من: ز.\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين في ز: \"من الأمم\".\n[¬٨]- في ز: \"ولا\".","vol":"6","page":137},{"text":"يقول تعالى: وكما جعلنا لك يا محمد أعداء يخالفونك ويعادونك، جعلنا لكل نبي من [¬١] قبلك أيضًا أعداء فلا يهيدنك ذلك، كما قال تعالى: [﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ] [¬٢] رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ﴾ وقال تعالى [¬٣]: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا [حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا] [¬٤]﴾، وقال تعالى: ﴿مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ (٤٣)﴾، وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ [وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا] [¬٥]﴾.\nوقال ورقة بن نوفل لرسول الله ﷺ: إنه [¬٦] لم يأت أحد بمثل ما جئت به إلا عودي (^١٩٧).\nوقوله: ﴿شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾ بدل من ﴿عدوًّا﴾ أي: لهم أعداء من شياطين الإنس والجن، [والشيطان كل من خرج عن نظيره بالشر، ولا يعادي الرسل إلا الشياطين] [¬٧] من هؤلاء وهؤلاء، قبحهم الله ولعنهم.\nقال عبد الرزاق (^١٩٨): حدثنا معمر، عن قتادة، في قوله: ﴿شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾ قال: من الجن شياطين ومن الإنس شياطين، يوحي بعضهم إلى بعض. قال قتادة: وبلغني أن أبا ذر كان يومًا يصلي، فقال النبي ﷺ: \"تعوذ [¬٨] يا أبا ذر في شياطين الإِنس والجن\". فقال: أو إن من الإِنس شياطين [¬٩]؟ فقال رسول الله ﷺ: \"نعم\".\nوهذا منقطع بين قتادة وأبي ذر، وقد روي من وجه آخر عن أبي ذر ﵁.\nقال ابن جرير (^١٩٩): حدثنا المثني، حدثنا أبو صالح، حدثني معاوية بن صالح، عن [أبي\n_________\n(^١٩٧) - جزء من حديث الوحي الطويل، يأتي تخريجه [سورة العلق/ آية ١].\n(^١٩٨) - منقطع بين قتادة وأبي ذر. رواه عبد الرزاق في تفسيره (٢/ ٢١٦، ٢١٧)، ومن طريقه ابن جرير (١٢/ ١٣٧٧١) (١٢/ ١٣٧٧٠) عن طريق معمر به، (١٢/ ١٣٧٧٢٢) من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، به نحوه.\n(^١٩٩) - منقطع بين ابن عائذ وأبي ذر. رواه ابن جرير في تفسيره (١٢/ ١٣٧٦٩)، =\n_________\n[¬١]- في ز: \"ممن\".\n[¬٢]- في ز: \"وإن يكذبوك فقد كذبت\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٤]- في ت: \"الآية\".\n[¬٥] في ت: \"الآية\".\n[¬٦]- سقط من: ز.\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٨]- في ز: \"تعوذت\".\n[¬٩]- في ز: \"لشياطين\".","vol":"6","page":138},{"text":"عبد الله محمد بن أيوب] [¬١] وغيره من [¬٢] المشيخة، عن ابن عائذ، عن أبي ذر، قال: أتيت رسول الله ﷺ في مجلس قد أطال فيه الجلوس، قال: فقال: \"يا أبا ذر هل صليت؟ \" قلت [¬٣]: لا، يا رسول الله. قال: \"قم فاركع ركعتين\". قال: ثم جئت فجلست إليه، فقال: \"يا أبا ذر، هل تعوذت بالله من شياطين الجن والإِنس؟ \". قال: قلت: لا، يا رسول الله، وهل للإِنس من شياطين؟ قال: \"نعم، هم شر من شياطين الجن\".\nوهذا أيضًا فيه انقطاع.\nوروي متصلًا كما قال الإِمام أحمد (^٢٠٠): حدثنا وكيع، حدثنا المسعودي، أنبأنا أبو عمر\n_________\n= وأخرجه ابن عساكر في \"تاريخ دمشق\" (٨/ ١٦٧ - مخطوط) من طريق أبي صالح به، وهذا فيه انقطاع أيضًا بين ابن عائذ - وهو عبد الرحمن - وأبي ذر قال العلائي في \"جامع التحصيل\" (ص ٢٢٣): \"روي عن عمر وأبي ذر ﵄ والظاهر أنه مرسل\".\n(^٢٠٠) - إسناده ضعيف \"المسند\" (٥/ ١٧٨)، وأخرجه الطيالسي في مسنده (٤٧٨) - ومن طريقه البزار (١/ رقم ١٦٠ - كشف) والبيهقي في \"الشعب\" (٣/ ٣٥٧٦) والمزي في \"تهذيب الكمال\" (١٩/ ٢٠٤، ٢٠٥): ثنا المسعودي به، وأخرجه البزار أيضًا، والنسائي في \"السنن\" (٨/ ٢٧٥) وابن مردويه - كما ذكره المصنف - وابن سعد في \"الطبقات\" (١/ ٢٨، ٤٥)، والذهبي في \"سير أعلام النبلاء\" (٢/ ٦٢) بلفظ آخر كلهم من طرق عن المسعودي به، وذكره الهيثمي في \"المجمع\" (١/ ١٦٤، ١٦٥) وقال: \"رواه أحمد، والبزار، والطبراني في \"الأوسط\" بنحوه، وعند النسائي طرف منه، وفيه المسعودي، وهو ثقة ولكنه اختلط … \" قلت: سماع وكيع منه قديم كما قال ابن الكيَّال في \"الكواكب\" (ص ٢١٣) لكن العلة ليست فيه، وإنما في عبيد بن الخشخاش - ويقال ابن الحسحاس - فلم يوثقه غير ابن حبان \"الثقات\" (٥/ ١٣٦)، وقال البرقاني (سؤالاته/ ت ٣٢٧) عن الدارقطني: \"متروك\"، وقال البخاري =\n_________\n[¬١]- كذا كني هنا محمد بن أيوب بأبي عبد الله، وكذا في تفسير ابن جرير، قال الشيخ الأديب محمود شاكر في تعليقه على تفسير ابن جرير (١٢/ ٥٤): \"أبو عبد الله محمد بن أيوب\" كأنه خطأ من الناسخ، صوابه: أبو عبد الملك محمد بن أيوب\" قال البخاري في \"الكبير\" (١/ ١/ ٢٩، ٣٠): \"محمد بن أيوب أبو عبد الملك الأزدي، عن ابن عائذ، عن أبي ذر، عن النبي ﷺ قال: آدم نبي مكلم، قال لنا: عبد الله بن صالح، عن معاوية بن صالح، عن محمد بن أيوب، حديثه في الشاميين، سمع منه معاوية بن صالح\" وترجمه ابن أبي حاتم (٣/ ٢/ ١٩٦، ١٩٧) فذكر مثله\" اهـ. قلت: وقد جاء على الصواب أيضًا في رواية ابن عساكر في \"التاريخ\" (٨/ ١٦٧ - مخطوط).\n[¬٢]- في ز: \"عن\".\n[¬٣]- في ز: \"قال\".","vol":"6","page":139},{"text":"الدمشقي، عن عبيد بن الخشخاش [¬١]، عن أبي ذر، قال: أتيت النبي ﷺ وهو في المسجد فجلست، فقال: \"يا أبا ذر هل صليت؟ \" قلت: لا. قال: \"قم فصل\". قال: فقمت فصليت ثم جلست، فقال: \"يا أبا ذر، تعوذ بالله من شر [¬٢] شياطين الإِنس والجن\". قال: قلت: يا رسول الله! وللإنس شياطين؟ قال: \"نعم\". وذكر تمام الحديث بطوله.\nوكذا رواه الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسيره: من حديث جعفر بن عون، ويعلى بن عبيد، وعبيد الله بن موسى، ثلاثتهم عن المسعودي، به.\n(طريق أخرى عن أبي ذر) قال ابن جرير (^٢٠١): حدثنا المثني، حدثنا الحجاج، حدثنا حماد، عن حميد بن هلال، حدثني رجل من أهل دمشق، عن عوف [¬٣] بن مالك، عن أبي ذر: أن رسول الله ﷺ قال: \"يا أبا ذر، هل تعوّذت بالله من شر [¬٤] شياطين الإِنس والجن؟ \" قال: قلت: يا رسول الله، هل للإِنس من شياطين؟ قال: \"نعم\".\n(طريق أخرى للحديث) قال ابن أبي حاتم (^٢٠٢): حدثنا محمد بن عوف [¬٥] الحمصي،\n_________\n= في \"التاريخ الكبير\" (٥/ ٤٤٧): \"لم يذكر سماعًا من أبي ذر ﵁\"، ووسمه ابن حجر في \"التقريب\" باللين. وأبو عُمر الدِّمشقي - وقيل أبو عمرو - قال الدارقطني: متروك، وكذا قال الهيثمي في \"المجمع\" (٣/ ١١٩).\n(^٢٠١) - فيه جهالة وانقطاع في تفسيره (١٢/ ١٣٧٦٨)، وحماد هو ابن سلمة، وحميد بن هلال ثقة متكلم فيه سمع من \"عوف بن مالك\"، لكنه روي هذا بالواسطة عن مجهول \"رجل من أهل دمشق\" وعوف بن مالك هو ابن نضلة الأشجعي \"ثقة\" لم يذكر أنه سمع من أبي ذر.\nوللحديث طرف آخر بلفظ آخر تقدم [سورة النساء/ آية رقم ١٦٤].\n(^٢٠٢) - إسناده ضعيف جدًّا. ابن أبي حاتم في تفسيره (٤/ ٧٧٨٦)، وأخرجه أحمد في \"المسند\" (٥/ ٢٦٥)، والطبراني في \"الكبير\" (٨/ ٧٨٧١) من طريق أبي المغيرة به مطولًا، وذكر المصنف جزءًا من هذا المطول عند [سورة النساء/آية ١٦٤] من طريق ابن أبي حاتم بهذا الإسناد الذي ذكره وقال هناك: \"مُعان بن رفاعة السُّلامي ضعيف، وعلى بن يزيد ضعيف، والقاسم أبو عبد الرحمن ضعيف أيضًا\" وذكره الهيثمي في \"المجمع\" (١/ ١٦٤) مطولًا وقال: \"مداره على علي بن يزيد وهو ضعيف\"، (٣/ ١١٨) وقال: \"رواه أحمد في حديث طويل\" والطبراني في \"الكبير\"، وفيه على بن زيد - كذا وهو خطأ صوابه على بن يزيد وهو الألهاني - وفيه كلام\".\n_________\n[¬١]- في ز: \"الحسحاس\".\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- في ز: \"عون\".\n[¬٤]- سقط من: خ، ز.\n[¬٥]- في ز: \"عون\".","vol":"6","page":140},{"text":"حدثنا أبو المغيرة، حدثنا معان بن رفاعة، عن علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة، قال: قال رسول الله ﷺ: \"يا أبا ذر، تعوّذت من شياطين الجن والإِنس؟ قال: يا رسول الله، وهل للإِنس شياطين؟ قال: \"نعم ﴿شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾.\nوقوله: ﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾.\nفهذه طرق لهذا الحديث، ومجموعها يفيد قوته وصحته، واللَّه أعلم.\nقال [¬١] ابن جرير (^٢٠٣): حدثنا ابن وكيع، حدثنا أبو نعيم، عن شريك، عن سعيد بن مسروق، عن عكرمة ﴿شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾ قال: ليس من [¬٢] الإِنس شياطين، ولكت شياطين الجن يوحون إلى شياطين الإِنس، وشياطين الإِنس يوحون إلى شياطين الجن.\nقال (^٢٠٤): وحدثنا [¬٣] الحارث، حدثنا عبد العزيز، حدثنا إسرائيل، عن السدي، [عن عكرمة] [¬٤] في قوله: ﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ [قال: للإِنس شياطين، وللجن شياطين، فيلقي شيطان الإِنس شيطان الجن، فيوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورًا] [¬٥].\nوقال أسباط، عن السدي، عن عكرمة في قوله: ﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ [في تفسير هذه الآية] [¬٦]: أما شياطين الإِنس فالشياطين التي تضل الإنس، وشياطين الجن [التي تضل الجن، يلتقيان] [¬٧] فيقول كل واحد منهما لصاحبه: إني أضلَلت صاحبي بكذا وكذا، فأضلل أنت صاحبك بكذا وكذا، فيعلم بعضهم بعضًا.\nففهم ابن جرير من هذا أن [¬٨] المراد [بشياطين الإِنس عند عكرمة والسدي: الشياطين من الجن\n_________\n(^٢٠٣) - ابن جرير في تفسيره (١٢/ ١٣٧٦٦) وابن وكيع هو سفيان ساقط الحديث، وشريك هو ابن عبد الله النخعي ساء حفظه لما ولي قضاء الكوفة، لكن سماع أبي نعيم منه قبل توليه القضاء فحديثه عنه قوي صحيح، فاحفظ هذا.\n(^٢٠٤) - أخرجه ابن جرير أيضًا في تفسيره (١٢/ ١٣٧٦٧).\n_________\n[¬١]- في ز: \"وقد روي\".\n[¬٢]- في ز: \"في\".\n[¬٣]- في تفسير ابن جرير \"حدثني\".\n[¬٤]- مقحمة في الإسناد، وليست موجودة في تفسير ابن جرير.\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: ت.\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين في ز: \"الذين يضلون يتلقيان\".\n[¬٨]- في ز: \"أنهم\".","vol":"6","page":141},{"text":"الذين يضلون الناس، لا أن المراد منه] [¬١] شياطين الإِنس منهم، ولا شك أن هذا ظاهر من كلام عكرمة، وأما كلام السدي فليس مثله في هذا المعنى وهو محتمل، وقد روي ابن أبي حاتم (^٢٠٥) نحو هذا عن ابن عباس من رواية الضحاك عنه قال: إن للجن [¬٢] شياطين يضلونهم مثل شياطين الإِنس يضلونهم. قال: فيلتقي شياطين الإِنس وشياطين الجن، فيقول هذا لهذا أضللَّه بكذا، أضللَّه بكذا، فهو قوله: ﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾.\nوعلى كل حال فالصحيح ما تقدم من حديث أبي ذر: أن للإِنس شياطين منهم، وشيطان [¬٣] كل شيء مارده، ولهذا جاء في صحيح مسلم (^٢٠٦): عن أبي ذَر أن رسول اللَّه ﷺ قال: \"الكلب الأسود شيطان\". ومعناه - والله أعلم -: شيطان في الكلاب.\nوقال ابن جريج: قال مجاهد في تفسير هذه الآية: كفار الجن شياطين يوحون إلى شياطين الإِنس كفار الإِنس زخرف القول غرورًا.\nوروى ابن أبي حاتم (^٢٠٧): عن عكرمة قال: قدمت على المختار فأكرمني وأنرلني، حتى كاد يتعاهد مبيتي بالليل، قال: فقال لي: [اخرج إلى الناس فحدثهم] [¬٤]. قال: فخرجت فجاء رجل فقال: ما تقول في الوحي؟ فقلت: الوحي وحيان؟ قال الله تعالى: ﴿بما [¬٥] أوحينا إليك هذا القرآن﴾، وقال تعالى: ﴿شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾. قال: فهموا بي أن يأخذوني، فقلت لهم [¬٦]: ما لكم ذاك إني مفتيكم وضيفكم فتركوني.\nوإنما عرَّض عكرمة بالمختار وهو ابن أبي عبيد قبحه الله، وكان يزعم أنه يأتيه الوحي، وقد كانت أخته صفية تحت عبد الله بن عمر وكانت من الصالحات، ولما أخبر عبد الله بن عمر أن المختار\n_________\n(^٢٠٥) - ابن أبي حاتم في تفسيره (٤/ ٧٧٩١)، وفي إسناده بشر بن عمارة ضعيف، وزاد نسبته السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ٧٣) إلى أبي الشيخ.\n(^٢٠٦) - صحيح مسلم، كتاب: الصلاة، باب: قدر ما يستر المصلي (٢٦٥) (٥١٠)، وكذا أخرجه أحمد (٥/ ١٤٩ ومواضع أخر)، وأبو داود (٧٠٢)، والترمذي (٣٣٨)، والنسائي (٢/ ٦٣، ٦٤)، وابن ماجه (٩٥٢، ٣٢١٠).\n(^٢٠٧) - ابن أبي حاتم في تفسيره (٤/ ٧٧٨٩).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٢]- في ز: \"الجن\".\n[¬٣]- في ز: \"شياطين\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين في خ، ز: \"اخرج فحدث الناس\".\n[¬٥]- في ز: \"إنا\".\n[¬٦]- سقط من: خ، ز.","vol":"6","page":142},{"text":"يزعم أنه يوحي إليه قال: صدق، قال [¬١]- الله تعالى: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ﴾.\nوقوله تعالى: ﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ أي: يلقي بعضهم إلى بعض القول المزين المزخرف، وهو المزوق الذي [¬٢] يغتر سامعه من الجهلة بأمره.\n﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾ أي: وذلك كله بقدر الله وقضائه وإرادته ومشيئته، أن يكون لكل نبي عدوًّا من هؤلاء ﴿فَذَرْهُمْ﴾ أي: فدعهم ﴿وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ أي: يكذبون، أي: دع أذاهم وتوكل على الله في عدواتهم، فإن الله كافيك: ناصرك عليهم.\nوقوله تعالى: ﴿وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ﴾ أي: ولثميل إليه - قاله ابن عباس - ﴿أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ أي: قلوبهم وعقولهم وأسماعهم.\nوقال السدي: قلوب الكافرين. ﴿وَلِيَرْضَوْهُ﴾ أي: يحبوه ويريدوه، وإنما يستجيب لذلك من لا يؤمن بالآخرة، كما قال تعالى: ﴿فإنكم وما تعبدون * ما أنتم عليه بفاتنين * إلا من هو صال [¬٣] الجحيم﴾. وقالي تعالى: ﴿إنكم لفي قول مختلف يؤفك عنه من أفك﴾.\nوقوله: ﴿وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ﴾ قال على بن أبي طلحة (^٢٠٨)، عن ابن عباس: وليكتسبوا ما هم مكتسبون.\nوقال السدي وابن زيد: وليعملوا ما هم عاملون.\n﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (١١٤) وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١١٥)﴾\nيقول تعالى لنبيه محمد [¬٤] ﷺ: ﴿قل﴾ لهؤلاء المشركين بالله غيره، الذبن يعبدون غيره ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا﴾ أي: بيني وبينكم ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا﴾ أي: مبينًا ﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾ أي: من اليهود والنصارى\n_________\n(^٢٠٨) - أخرجه ابن جرير (١٢/ ١٣٧٨٥).\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- في ز: \"صالي\".\n[¬٤]- سقط من: ت.","vol":"6","page":143},{"text":"﴿يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ أي: بما عندهم من البشارات بك من الأنبياء المتقدمين ﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾، كقوله: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (٩٤)﴾ وهذا شرط، والشرط لا يقتضي وقوعه، ولهذا جاء عن رسول الله ﷺ أنه قال: \"لا أشك ولا أسأل\" (^٢٠٩).\nوقوله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَة [¬١] رَبِكَ صِدِقًا وَعَدْلًا\" قال قتادة: صدقًا فيما قال، وعدلًا فيما حكم.\nيقول: صدقًا في الإخبار، وعدلًا في الطلب، فكل ما أخبر به فحق لا مرية فيه [¬٢] ولا شك، وكل ما أمر به فهو العدل الذي لا عدل سواه، وكل ما نهي عنه فباطل، فإنه لا ينهي إلا عن مفسدة، كما قال تعالى: ﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ [وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ] [¬٣]﴾.\n﴿لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ أي: ليس أحد يعقب حكمه تعالى لا في الدنيا ولا في الآخرة ﴿وهو السميع﴾ لأقوال عباده ﴿العليم﴾ بحركاتهم وسكناتهم الذي يجازي كل عامل بعمله.\n﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (١١٦) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١١٧)﴾\nيخبر تعالى عن حال أكثر أهل الأرض من بني آدم: أنه الضلال، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ (٧١)﴾، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (١٠٣)﴾ وهم في ضلالهم ليسوا على يقين من أمرهم، وإنما هم في ظنون كاذبة وحسبان باطل [﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾] [¬٤] فإن الخرص [¬٥] هو الحَزْر، ومنه خرص النخل: وهو حزر ما عليها من التمر، وذلك كله عن قدر الله ومشيئته ﴿هُوَ [¬٦] أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ فييسره\n_________\n(^٢٠٩) - مرسل، يأتي تخريجه [سورة يونس/آية رقم ٩٤].\n_________\n[¬١]- في ز: \"كلمات\".\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- في ت: \"إلى آخر الآية\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٥]- في ز: \"الحرص\".\n[¬٦]- في ز: \"وهو\".","vol":"6","page":144},{"text":"لذلك ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ فييسرهم [¬١]، لذلك، \"وكل ميسر لما خلق له\" (^٢١٠).\n﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ (١١٨) وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ (١١٩)﴾\nهذا إباحة من الله لعباده المؤمنين: أن يأكلوا من الذبائح ما ذكر عليه اسمه، ومفهومه: أنه لا يباح ما لم يذكر اسم الله عليه، كما كان يستبيحه كفار قريش [¬٢] من أكل الميتات، وأكل ما ذبح على النصب وغيرها، ثم ندب إلى الأكل مما ذكر اسم الله عليه فقال: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ أي: قد بين لكم ما حرم عليكم ووضحه.\nوقرأ بعضهم: ﴿فصَّل﴾ بالتشديد، وقرأ آخرون بالتخفيف، والكل بمعنى البيان والوضوح.\n﴿إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ أي: إلا في حال الاضصرار فإنه يباح لكم ما وجدتم.\nثم بين تعالى جهالة المشركين في آرائهم الفاسدة في استحلالهم الميتات، وما ذكر عليه غير اسم الله تعالى، فقال: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ﴾ أي: هو أعلم باعتدائهم وكذبهم وافترائهم.\n﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ (١٢٠)﴾\nقال مجاهد: ﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ﴾ معصيته في السر والعلانية. وفي رواية عنه: هو ما ينوي مما هو عامل.\nوقال قتادة: ﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ﴾ أي: سره وعلانيته، قليله وكثيره.\n_________\n(^٢١٠) - جزء من حديث كأتي تخريجه [سورة هود/ آية ١٠٥].\n_________\n[¬١]- في ز: \"فييسره\".\n[¬٢]- في خ، ز: \"المشركين\".","vol":"6","page":145},{"text":"وقال السدي: ظاهره الزنا مع البغايا ذوات الرايات، وباطنه الزنا مع الخليلة [¬١] والصدائق والأخدان.\nوقال عكرمة: ظاهره نكاح ذوات المحارم.\nوالصحيح أن الآية عامّة في ذلك كله، وهي كقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ] [¬٢]﴾.\nولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ﴾ أي: سواء كان ظاهرًا أو خفيًّا، فإن الله سيجزيهم عليه.\nقال ابن أبي حاتم (^٢١١): حدثنا الحسن بن عرفة، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن معاوية ابن صالح، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير، عن أبيه، عن النواس بن سمعان، قال: سألت رسول الله صلى الله عديه وسلم عن الإِثم فقال: \"الإثم ما حاك في صدرك، وكرهت أن يطلع الناس عليه\".\n﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (١٢١)﴾\nاستدل بهذه الآية الكريمة من ذهب إلى [أن الذبيحة لا تحل إذا] [¬٣] لم يذكر اسم الله عليها، ولو كان الذابح مسلمًا، وقد اختلف الأثمة ﵏ في هذه المسألة على ثلاثة أقوال:\nفمنهم من قال لا تحل هذه الذبيحة بهذه الصفة، وسواء متروك التسمية عمدًا أو سهوًا، وهو مروي عن ابن عمر ونافع مولاه وعامر الشعبي ومحمد بن سيرين، وهو رواية عن الإِمام مالك، ورواية عن أحمد بن حنبل نصرها طائفة من أصحابه المتقدمين والمتأخرين، وهو اختيار أبي ثور وداود الظاهري، واختار ذلك أبو الفتوح محمد بن محمد بن علي الطائي من متأخري الشافعية في كتابه الأربعين، واحتجوا لمذهبهم هذا بهذه الآية، وبقوله في آية الصيد: ﴿فَكُلُوا مِمَّا\n_________\n(^٢١١) - صحيح، في تفسيره (٤/ ٧٨٣١)، وأخرجه أحمد (٤/ ١٨٢)، ومسلم، كتاب: البر والصلة والآداب، باب: تفسير البر والإثم (١٤، ١٥) (٢٥٥٣)، والترمذي، كتاب: الزهد، باب: ما جاء في البر والإثم (٢٣٩٠) من طرق عن معاوية بن صالح بهذا الإسناد.\n_________\n[¬١]- في ز: \"الحليلة\".\n[¬٢]- في ت: \"الآية\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في ز: \"أنه لا تحل الذبيحة التي\".","vol":"6","page":146},{"text":"أمسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه﴾ ثم قد أكد في هذه الآية بقوله: ﴿وإنه لفسق﴾ والضمير قيل: عائد على الأكل، وقيل: عائد على الذبح لغير الله، وبالأحاديث الواردة في الأمر بالتسمية عند الذبيحة والصيد؛ كحديثي عدي بن حاتم (^٢١٢) وأبي ثعلبة (^٢١٣): \" إذا أرسلت كلبك المعلَّم، وذكرت اسم الله عليه [¬١]-، فكل ما أمسك عليك\". وهما في الصحيحين، وحديث رافع بن خديج (^٢١٤): \" ما أنهر الدم، وذكي اسم الله عليه، فكلوه\". وهو في الصحيحين أيضًا، و[¬٢] حديث ابن مسعود: أن رسول الله ﵌ قال للجن: \"لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه\". رواه مسلم (^٢١٥)، وحديث جندب بن سفيان البجلي قال: قال رسول الله ﷺ: \"من ذبح قبل أن يصلي فليذبح مكانها أخرى، ومن لم يكن ذبح حتى صلينا فليذبح باسم الله\". أخرجاه (^٢١٦)، وعن عائشة ﵂: أن ناسًا قالوا: يا رسول الله، إن قومًا يأتوننا باللحم، لا ندري أذكر اسم الله عليه أم لا؟ قال: \"سموا عليه أنتم [¬٣] وكلوا\". قالت: وكانوا حديثي عهد بالكفر [¬٤]. رواه البخاري (^٢١٧).\nووجه الدلالة: أنهم فهموا أن التسمية لابد منها، وخشوا أن لا تكون وجدت من أولئك لحداثة إسلامهم، فأمرهم بالاحتياط بالتسمية عند الأكل؛ لتكون كالعوض عن المتروكة عند الذبح إن لم تكن وجدت، وأمرهم بإجراء أحكام المسلمين على السداد، والله أعلم.\nوالمذهب الثاني في المسألة: أنه لا يشترط التسمية بل هي مستحبة، فإن تركت عمدًا أو\n_________\n(^٢١٢) - صحيح، تقدم تخريجه [سورة المائدة/آية ٤].\n(^٢١٣) - صحيح، تقدم تخريجه [سورة المائدة/ آية ٤].\n(^٢١٤) - صحيح، تقدم تخريجه [سورة المائدة/ آية ٣].\n(^٢١٥) - رواه مسلم في صحيحه، كتاب: الصلاة، باب: الجهر بالقراءة في الصبح، والقراءة على الجن (٤٥٠).\nويذكره المصنف بطرقه مطولًا عند [آية رقم ٢٩/ من سورة الأحقاف].\n(^٢١٦) - البخاري، كتاب: العيدين، باب: كلام الإمام والناس في خطبة العيد (٩٨٥)، ومسلم، كتاب: الأضاحي، باب: وقتها (١٩٦٠)، وكذا أخرجه أحمد (٤/ ٣١٢، ٣١٣)، والنسائي (٧/ ٢١٤، ٢٢٤) وابن ماجه (٣١٥٢).\n(^٢١٧) - صحيح البخاري، كتاب: البيوع، باب: مَنْ لَمْ يَرَ الوَساوِس ونحوها من الشُّبُهات (٢٠٥٧)، وكذا أخرجه أبو داود (٢٨٢٩) والنسائي (٧/ ٢٣٧)، وابن ماجه (٣١٧٤).\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- في ز: \"اسم الله\".\n[¬٤]- في ز: \"بكفر\".","vol":"6","page":147},{"text":"نسيانًا لم يضر [¬١]، وهذا مذهب الإِمام الشافعي ﵀ وجميع أصحابه، ورواية عن الإِمام أحمد نقلها عنه حنبل، وهو رواية عن الإِمام مالك، ونص على ذلك أشهب بن عبد العزيز من أصحابه، وحكي عن ابن عباس، وأبي هريرة، وعطاء بن أبي رباح، والله أعلم. وحمل الشافعي الآية الكريمة: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ على ما ذبح لغير الله، كقوله تعالى: ﴿أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾.\nوقال ابن جريج، عن عطاء ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ قال: ينهى عن ذبائح كانت تذبحها [¬٢] قريش للأوثان، وينهي عن ذبائح المجوس. وهذا المسلك الذي طرقه [¬٣] الإمام الشافعي قوي، وقد حاول بعض المتأخرين أن يقويه بأن جعل الواو في قوله ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ حالية، أي: لا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه في حال كونه فسقًا، ولا يكون فسقًا حتى يكون قد أهل به لغير الله. ثم ادعى أن هذا متعين، ولا يجوز أن تكون الواو عاطفة؛ لأنه يلزم منه عطف جملة اسمية خبرية على جملة فعلية طلبية، وهذا ينتقض عليه بقوله: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ﴾ فإنها عاطفة لا محالة، فإن كانت الواو التي [¬٤] ادعى أنها حالية صحيحة على ما قال، امتنع عطف هذه عليها، فإن عطفت على الطلبية ورد عليه ما أورد على غيره، وإن لم تكن الواو حالية بطل ما قال من أصله، والله أعلم.\nوقال ابن أبي حاتم (^٢١٨): حدثنا أبي، حدثنا يحيى بن المغيرة، أنبأنا جرير، عن عطاء، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس [في الآية] [¬٥] ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ قال: هي الميتة.\nثم رواه: عن أبي زرعة، [عن يحيى بن أبي كثير] [¬٦]، عن ابن لهيعة، عن عطاء وهو ابن السائب به.\n_________\n(^٢١٨) - في تفسيره (٤/ ٨٧٣٣) وكذا أخرجه (٤/ ٧٨٣٤، ٧٨٣٩) ثنا أبو زرعة، ثنا يحيي بن عبد اللَّه ابن بكير، عن ابن لهيعة، حدثني عطاء عن سعيد بن جبير من قوله، به، لم ينم به إلى ابن عباس وقد نما به المصنف هنا إلى ابن عباس، فالله أعلم.\n_________\n[¬١]- في ز: \"تضر\".\n[¬٢]- في ز: \"يذبحها\".\n[¬٣]- في خ: \"طرده\".\n[¬٤]- في ز: \"الذي\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين في ز: \"قوله\".\n[¬٦]- كذا في جميع النسخ التي اطلعت عليها، وهو خطأ؛ فإن يحيي بن أبي كثير من المحال أن يروي عن ابن لهيعة، كيف وابن لهيعة لا يعد حتى تلميذًا له، فبينهما مفاوز، وإنما صوابه يحيى بن عبد الله بن بكير، كذا في تفسير ابن أبي حاتم (٤/ ٧٨٣٤، ٧٨٣٩) وهو الصواب، وانظر \"تهذيب الكمال\" (٣١/ ٤٠١، ٥٠٤)","vol":"6","page":148},{"text":"وقد استدل لهذا المذهب بما رواه أبو داود في المراسيل (^٢١٩): من حديث ثور بن يزيد، عن الصلت السدوسي - مولي سويد بن منجوف، أحد التابعين الذين ذكرهم أبو حاتم بن حبان في كتاب الثقات [¬١]- قال: قال رسول الله ﷺ: \"ذبيحة المسلم حلال، ذكر اسم الله أو لم يذكر، إنه إن ذكر لم يذكر إلا اسم الله\".\nوهذا مرسل يعضد بما رواه الدارقطني (^٢٢٠)، عن ابن عباس أنه قال: إذا ذبح المسلم ولم يذكر اسم الله فليأكل، فإن المسلم فيه اسم من أسماء الله.\nواحتج البيهقي أيضًا بحديث عائشة ﵂ المتقدم (^٢٢١): [أن ناسًا قالوا: يا رسول الله] [¬٢]، إن قومًا حديثي عهد بجاهلية يأتوننا بلحم، لا ندري أذكروا [¬٣] اسم الله عليه أم لا؟ فقال: \"سموا أنتم وكلوا\". قالوا: فلو كان وجود التسمية شرطًا لم يرخص [¬٤] لهم إلا مع تحققها، والله أعلم.\nالمذهب الثالث في المسألة: إن ترك البسملة على الذبيحة نسيانًا لم يضر، وإن تركها عمدًا لم تحل.\nهذا هو المشهور من مذهب الإِمام مالك، وأحمد بن حنبل، وبه يقول أبو حنيفة وأصحابه،\n_________\n(^٢١٩) - مرسل ضعيف، \"المراسيل\" (رقم ٣٧٨) - ومن طريقه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٩/ ٢٤٠) - وابن الجوزي في \"التحقيق\" (٢/ رقم ١٩٣٨) عن مسدد، ثنا عبد الله بن داود، عن ثور بن يزيد به، قال عبد الحق في \"الأحكام الوسطى\" (٧/ ١٠٤): \"هذا مرسل وضعيف\" قال ابن القطان في \"بيان الوهم والإيهام\" (٣/ رقم ١٣٦٩): \"وعلته مع الإرسال هي: أن الصلت السدوسي لا تعرف له حال، ولا يعرف بغير هذا، ها، روي عنه إلا ثور بن يزيد\" وانظر - غير مأمور - \"نصب الراية\" للزيلعي (٤/ ١٨٣)، و\"الإرواء\" للألباني (٨/ ١٧٠).\n(^٢٢٠) - صحيح موقوفًا، في \"السنن\" (٤/ ٢٩٥، ٢٩٦) (رقم ٩٦)، وكذا أخرجه سعيد بن منصور - ومن طريقه البيهقي في \"السنن\" (٩/ ٢٣٩) - والحميدي - ومن طريقه البيهقي أيضًا (٩/ ٢٣٩، ٢٤٠) - وقد روي مرفوعًا - يأتي برقم (٢٢٣) - وإسناده ضعيف، كما قال الحافظ في \"التلخيص\" (٤/ ١٥١) وصحح إسناد الموقوف في \"الفتح\" (٩/ ٦٢٤)، وقال في \"الدراية\" (٢/ ٢٠٦): \"ورواه سعيد بن منصور، وعبد الرزاق، والحميدي … فوقفوه، وصوب الحفاظ وقفه\" وانظر \"نصب الراية\" (٤/ ١٨٢)، و\"الإرواء\" (٨/ ١٧٠، ١٧١).\n(^٢٢١) - صحيح، تقدم ذكره قريبًا (برقم ٢١٧).\n_________\n[¬١]- الثقات لابن حبان (٦/ ٤٧١).\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٣]- في ز: \"أذكر\".\n[¬٤]- في ز: \"رخص\".","vol":"6","page":149},{"text":"وإسحاق بن راهويه، وهو محكي عن علي، وابن عباس، وسعيد بن المسيب، وعطاء، وطاوس، والحسن البصري، وأبي مالك، وعبد الرحمن بن أبي ليلي، وجعفر بن محمد وربيعة ابن أبي عبد الرحمن.\nونقل الإِمام أبو الحسن المَرْغِينَاني [¬١]- في كتابه \"الهداية\": الإِجماع قبلَ الشافعي على تحريم متروك التسمية عمدًا، فلهذا قال أبو يوسف والمشايخ: لو حكم حَاكم بجواز بيعه لم ينفذ لمخالفة الإِجماع.\nوهذا الذي قاله غريب جدًّا، وقد تقدم نقل الخلاف عمن قبل الشافعي، والله أعلم.\nوقال الإِمام أبو جعفر بن جرير ﵀: من حرم ذبيحة الناسي فقد خرج من قول جميع الحجة، وخالف الخبر الثابت عن رسول الله ﷺ في ذلك.\nيعني: ما رواه الحافظ أبو بكر البيهقي (^٢٢٢): أنبأنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو العباس الأصم، حدثنا أبو أمية الطرسوسي، حدثنا محمد بن نريد، حدثنا معقل بن عبيد الله، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: \"المسلم يكفيه اسمه إن نسي أن يسمى حين يذبح، فليذكر اسم الله وليأكله\".\nوهذا الحديث رفعه خطأ، أخطأ فيه معقل بن عبيد الله الجزيري [¬٢]، فإنه وإن كان من رجال مسلم، إلا أن سعيد بن منصور وعبد الله بن الزبير الحميدي [¬٣] روياه عن سفيان بن عيينة [¬٤]،\n_________\n(^٢٢٢) - ضعيف مرفوعًا، في كتابه \"معرفة السنن والآثار\" (٧/ رقم ٥٥٩٧) وأخرجه في \"السنن الكبري\" (٩/ ٢٣٩)، ومن قبله الدارقطني في \"السنن\" (٤/ ٢٩٦) (رقم ٩٨) - ومن طريق الدارقطني علقه ابن الجوزي في \"التحقيق\" (٢/ رقم ١٩٣٧) - من طريق أبي حاتم الرازي، نا محمد بن يزيد به. وقال البيهقي: \"المحفوظ رواية سفيان بن عيينة، عن عمرو، عن أبي الشعثاء، عن عكرمة، عن ابن عباس موقوفًا\" - وهي الرواية المتقدمة قريبًا (رقم ٢٢١) - وقال ابن حجر في \"التلخيص\" (٤/ ١٥١): \"في إسناده ضعف، وأعله ابن الجوزي بمعقل بن عبيد الله، فزعم أنه مجهول، فأخطأ، بل هو ثقة من رجال مسلم … \" لكنه أخطأ في رفعه - كما قال المصنف - ثم إن محمد بن يزيد وهو ابن سنان الرُّهاوي ضعفه الترمذي والدارقطني، وقال النسائي: ليس بالقوي. وقال أبو حاتم: \"ليس بالمتين هو أشد غفلة من أبيه\" وأعله به ابن القطان في \"الوهم والإيهام\" (٣/ ١٣٧٠)، وانظر الحديث المتقدم برقم (٢٢١).\n_________\n[¬١]- في ز: \"المرعاني\".\n[¬٢]- في ز: \"الجزري\".\n[¬٣]- وكذا عبد الرزاق انظر تخريح رقم (٢٢٠).\n[¬٤]- وجعله الشيخ الألباني في \"الإرواء\" (٨/ ١٧١) \"سفيان الثوري\".","vol":"6","page":150},{"text":"عن عمرو، عن أبي الشعثاء، عن عكرمة، عن ابن عباس من قوله، فزادا في إسناده أبا [¬١]- الشعثاء ووقفا، [والله أعلم] [¬٢] وهذا أصح، نص عليه البيهقي [وغيره من الحفاظ] [¬٣].\nوقد نقل ابن جرير وغيره، عن الشعبي ومحمد بن سيرين: أنهما كرها متروك التسمية نسيانًا. والسلف يطلقون الكراهة على التحريم كثيرًا والله أعلم، إلا أن من قاعدة ابن جرير أنه لا يعتبر قول الواحد ولا الاثنين مخالفًا لقول الجمهور فيعده إجماعًا، فليعلم هذا، والله الموفق.\nقال ابن جرير (^٢٢٣): حدثنا ابن وكيع، حدثنا أبو أسامة، عن جَهير بن يزيد، قال: سُئِل الحسن سأله لي جل: أتيت بطر كَرَيّ [¬٤]، فمنه ما قد ذبح فذكر اسم الله عليه، ومنه ما نسي أن يذكر اسم الله عليه واختلط الطير؟ فقال الحسن: كُلْهُ كُلَّه. قال: وسألت محمد بن سيرين فقال: قال الله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾.\nواحتج لهذا المذهب بالحديث المروي من طرق عند ابن ماجة: عن ابن عباس (^٢٢٤)، وأبي\n_________\n(^٢٢٣) - ابن جرير في تفسيره (١٢/ ١٣٨٢٨)، ورجاله ثقات غير ابن وكيع فضعيف.\n(^٢٢٤) - أخرجه ابن ماجه (٢٠٤٥)، والعقيلي في \"الضعفاء\" (٤/ ١٤٥)، وابن عدي في \"الكامل\" (٢/ ٧٥٨) - ومن طريقه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٧/ ٣٥٦، ٣٥٧) - والطبراني في \"الأوسط\" (٨/ ٨٢٧٣) من طرق عن محمد بن المُصَفَّي، ثنا الوليد بن مسلم، ثنا الأوزاعي، عن عطاء عن ابن عباس، مرفوعًا به. وأعل هذا الطريق بالانقطاع، فقال البوصيري في \"مصباح الزجاجة\" (٢/ ١٣٠، ١٣١): \"هذا إسناد صحيح إن سلم من الانقطاع، والظاهر أنه منقطع .... وليس ببعيد أن يكون السقط من صنعة الوليد بن مسلم، فإنه كان يدلس تدليس التسوية\". قلت: وقد وصله بشر بن بكر التنيسي، عن الأوزاعي، عن عطاء، عن عبيد بن عمير، عن ابن عباس، به.\nأخرجه ابن حبان (١٦/ ٧٢١٩/ إحسان)، والطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (٣/ ٩٥)، والطبراني في \"المعجم الصغير\" (١/ ٢٧٠) وابن عدي في \"الكامل\" (٢/ ٧٥٨، ٧٥٩)، والدارقطني في \"السنن\" (٤/ ١٧٠، ١٧١) (رقم ٣٣)، وابن حزم في \"المحلَّي\" (١٠/ ٢٠٥)، وابن الصيداوي في \"معجم الشيوخ\" (ص ٣٦١، ٣٦٢)، والحاكم (٢/ ١٩٨)، والبيهقي (٧/ ٣٥٦) (١٠/ ٦٠، ٦١) من طريق الربيع بن سليمان عن بشر بن بكر، به. وقال الطبراني: \"لم يروه عن الأوزاعي إلا بشر تفرد به الربيع بن سليمان\" كذا قال، وتابعه غير واحد فقال ابن عدي: \"رواه عن بشر ثلاثة أنفس: البويطي، والربيع، والحسين بن أبي معاوية\" واختلف فيه على الربيع فرواه جماعة من المصريين وغيرهم عنه هكذا، ورواه أبو العباس محمد بن يعقوب عنه، ثنا أيوب =\n_________\n[¬١]- في ز: \"أبي\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ت.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٤]- في خ، ز: \"كذا\".","vol":"6","page":151},{"text":"هريرة (^٢٢٥)، .................................................\n_________\n= ابن سويد، ثنا الأوزاعي، به أخرجه من هذا الوجه الحاكم (٢/ ١٩٨). وقال البيهقي أيضًا: \"جوَّد إسناده بشر بن بكر وهو من الثقات، ورواه الوليد بن مسلم عن الأوزاعي، فلم يذكر في إسناده عبيد بن عمير\" وقد صحح الطريق الموصولة الحاكم على شرط الشيخين ووافقه الذهبي، وجوَّد إسناده العقيلي في \"الضعفاء\"، وكذا صححه ابن حبان وابن حزم وقال النووي في \"الأربعين\" وغيره: \"حديث حسن\". وقال الحافظ في \"الفتح\" (٥/ ١٦١): \"رجال ثقات، إلا أنه أعل بعلة غير قادحة … \" وصححه الشيخ الألباني في \"الإرواء\" (١/ رقم ٨٢)، وقال ابن رجب في \"جامع العلوم والحكم\" (٢/ ٣٩٠): \"إسناده صحيح في ظاهر الأمر، ورواته كلهم محتج بهم في \"الصحيحين\"، وقد خرجه الحاكم، وقال: \"صحيح على شرطهما\" كذا قال، ولكن له عِلّة\". وهذه العلة هي قول أبي حاتم الرازي - \"العلل\" لابنه (١/ رقم ١٢٩٦) -: \"لم يسمع الأوزاعي هذا الحديث عن عطاء، وإنما سمعه من رجل لم يسمه أتوهم أنه عبد الله أو إسماعيل بن مسلم ولا يصح هذا الحديث، ولا يثبت إسناده\" ومقتضى هذا أن الأوزاعي - الإمام الثقة العلم - مدلس!! ولم يصفه أحد بذلك، فتنبه!! وقد أنكر الإمام أحمد هذا الحديث جدًّا وقال: \"ليس يروى فيه إلا عن الحسن عن النبي ﷺ\" [\"العلل\" لعبد الله بن أحمد (١/ رقم ١٣٤٠)]، وللحديث طرق أخرى عن ابن عباس ضعيفة، انظر \"المعجم الكبير\" للطبراني (١١/ ١١٢٧٤)، و\"الكامل\" لابن عدي (٢/ ٧٦) و(٥/ ٢٨٢) و(٦/ ١٦٢) - وانظر لزامًا - \"نصب الراية\" للزيلعي (٦٤/ ٢، ٦٥) و\"تلخيص الحبير\" لابن حجر (١/ ٥١٠، ٥١٥/ ط قرطبة)، و\"جامع العلوم والحكم\" لابن رجب (٢/ ٣٩٠: ٣٩٨)، و\"كشف الخفا\" للعجلوني، و\" الإرواء\" للألباني.\n(^٢٢٥) - أخرجه ابن ماجه (٢٠٤٤) ثنا هشام بن عمار، ثنا سفيان بن عيينة، عن مسعر، عن قتادة، عن زرارة بن أوفى، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن الله تجاوز لأمتي عما توسوس به صُدُورها ما لم تعمل به أو تتكلم به، وما استكرهوا عليه\".\nقال ابن رجب في \"جامع العلوم والحكم\" (٢/ ٣٩٥، ٣٩٦): \"رواه ابن عيينة … وزاد فيه \"وما استكرهوا عليه\" وقد أنكرت هذه الزيادة على ابن عيينة، ولم يتابعه عليها أحدٌ، والحديث مُخرَّج من رواية قتادة في \"الصحيحين\" و\"السن\" و\"المسانيد\"، - تقدم تخريجه في سورة البقرة آية (٢٨٤) - بدونها\" كذا أناط ابن رجب هذه الزيادة بسفيان بن عيينة، ويستعبد مثل هذا عن هذا الإمام الثقة الحافظ، والأولى أن تكون من هشام بن عمار لاسيما وقد تغير لما كبر وكان يتلقن، ثم وجدت بعد هذا الاستبعاد - والله شهيد على ذلك - ما أثلج صدري فقال الحافظ في \"تلخيص الحبير\" (١/ ٥١١): \"والزيادة هذه أظنها مدرجة كأنها دخلت على هشام بن عمار من حديث في حديث والله أعلم\"، وقال أيضًا: \"وخرَّج الدارقطني - \"السنن\" (٤/ ١٧١) (رقم ٣٤) - من رواية ابن جريج، عن عطاء عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: \"إن الله تجاوز عن أمتي ما حَدَّثت به أنفسها وما أكرهوا عليه إلا أن يتكلموا به أو يعملوا\" وهو لفظ غريب، وقد خرجه النسائي - \"السنن\" (٦/ ١٥٦) - ولم يذكر الإكراه\".","vol":"6","page":152},{"text":"وأبي ذر (^٢٢٦)، وعقبة بن عامر (^٢٢٧)، [وعبد الله بن عمرو] [¬١] (^٢٢٨)، عن النبي ﷺ: \"إن الله وضع عن أمتي الحطأ والنسيان وما استكرهوا عليه\". وفيه نظر، والله أعلم.\nوقد روي الحافظ أبو أحمد بن عدي (^٢٢٩): من حديث مروان بن سالم القرقساني، عن\n_________\n(^٢٢٦) - أخرجه ابن ماجه (٢٠٤٣) من طريق أبي بكر الهذلي، عن شهر بن حوشب، عن أبي ذر الغفاري قال: قال رسول الله ﷺ \"إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه\"، قال البوصيري في \"مصباح الزجاجة\" (٢/ ١٣٠): \"هذا إسناد ضعيف لاتفاقهم على ضعف أبي بكر الهذلي\". وأعله ابن حجر في \"تلخيص الحبير\" بشهر بن حوشب وقال: \"وفي الإسناد انقطاع أيضًا\". قلت: وقد روي بنفس الإسناد، لكن من حديث أبي الدرداء - تقدم [سورة البقرة/آية ٢٨٦].\n(^٢٢٧) - هذا الحديث لم يروه ابن ماجه، وإنما رواه الطبراني في \"الأوسط\" (٨/ ٨٢٧٦)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٧/ ٣٥٧) من طريقين عن محمد بن المُصَفَّي، نا الوليد، نا ابن لهيعة، عن موسى بن وردان قال: سمعت عقبة بن عامر ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ: \"وضع الله عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه\" قال الطبراني: \"لم يرو حديث عقبة بن عامر إلا موسى بن وَرْدَان، ولا رواه عن موسى إلا ابن لهيعة، تفرَّد به الوليد\" وذكر لأبي حاتم الرازي حديث الأوزاعي - المتقدم (٢٢٥) - وحديث مالكٍ - الآتي بعد هذا - وقيل له: إن الوليد روي - أيضًا - عن ابن لهيعة، عن موسى بن وردان، عن عقبة بن عامر، عن النبي ﷺ مثله، فقال أبو حاتم: هذه أحاديث منكرة كأنها موضوعة … \".\n(^٢٢٨) - هذا الحديث لم يروه ابن ماجه أيضًا، وإنما رواه العقيلي في \"الضعفاء\" (٤/ ١٤٥)، والطبراني في \"الأوسط\" (٨/ ٨٢٧٤)، وأبو نعيم في \"الحلية\" (٦/ ٣٥٢)، والبيهقي في \"السنن الكبري\" (٦/ ٨٤) من طريق محمد بن المصفي، ثنا الوليد بن مسلم، ثنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعًا بلفظ - رواية أبي نعيم - \"إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه\" وقال: \"غريب من حديث مالك، تفرد به ابن مصفي عن الوليد\" وقال الحافظ ابن حجر في \"تلخيص الحبير\" (١/ ٥١١): \"رواه البيهقي وقال - لم أهتد لقوله هذا في كتابه \"السنن الكبرى\" وربما يكون في كتابه \"الخلافيات\" والله أعلم - قال الحاكم: \"هو صحيح غريب، تفرد به الوليد عن مالك، وقال البيهقي في موضع آخر: ليس بمحفوظ عن مالك، ورواه الخطيب في \"كتاب الرواة عن مالك\" في ترجمة سوادة بن إبراهيم عنه وقال: \"سوادة مجهول، والخبر منكر عن مالك\".\n(^٢٢٩) - إسناده ضعيف، رواه بن عدي في كتابه \"الكامل\" (٦/ ٢٣٨١) - ومن طريقه =\n_________\n[¬١]- كذا في ز، خ، ت،: [عبد الله بن عمرو] والذي في هذا الباب هو حديث عبد الله بن عمر، وانظر مصادر التخريج.","vol":"6","page":153},{"text":"الأوزاعي، عن يحيي بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! أرأيت الرجل منا يذبح وينسى أن يسمى؟ فقال النبي ﷺ: \"اسم الله على كل مسلم\".\nولكن هذا إسناده ضعيف؛ فإن مروان بن سالم القرقساني أبا عبد الله الشامي ضعيف، تكلم فيه غير واحد من الأئمة والله أعلم.\nوقد أفردت هذه المسألة على حدة، وذكرت مذاهب الأئمة ومآخذهم وأدلتهم، ووجه الدلالات والمناقضات والمعارضات، والله أعلم.\nقال ابن جرير [¬١]-: وقد اختلف أهل العلم في هذه الآية هل نسخ من حكمها شيء أم لا؟ فقال بعضهم: لم ينسخ منها شيء وهي محكمة فيما عُنيت به، وعلئ هذا قول عامّة أهل العلم.\nوروي عن الحسن البصري وعكرمة: ما حدثنا به ابن حميد (^٢٣٠)، حدثنا يحيي بن واضح، عن الحسين بن واقد، عن عكرمة والحسن البصري قالا: قال الله: ﴿فكلوا مما ذكر اسم الله على إن كنتم بآياته مؤمنين\"، وقال: ﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق﴾ فنسخ واستثنى من ذلك فقال: ﴿وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم﴾.\nوقال ابن أبي حاتم (^٢٣١): قرئ على العباس بن الوليد بن [مزيد] [¬٢]، حدثنا محمد بن شعيب، أخبرني النعمان - يعني ابن المنذر -، عن مكحول، قال: أنزل الله في [¬٣] القرآن ﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه﴾ ثم نسخها الرب ورحم المسلمين فقال: ﴿اليوم\n_________\n= البيهقي في \"الكبرى\" (٩/ ٢٤٠) - وكذا أخرجه الطبراني في \"الأوسط\" (٥/ ٤٧٦٩)، والدارقطني في \"السنن\" (٤/ ٢٩٥) (رقم ٩٤) من طريق مروان بن سالم به، وقال الطبراني: \"لم يرو هذا الحديث عن الأوزاعي إلا مروان بن سالم … \" قال البيهقي: \"وهو ضعيف ضعفه أحمد بن حنبل والبخاري، وغيرهما وهذا الحديث منكر بهذا الإسناد\"، وكذا أعله به الدارقطني والهيثمي في \"المجمع\" (٤/ ٣٣)، وابن القطان في \"الوهم والإيهام\" (٣/ ١٣٧١)، والزيلعي في \"نصب الراية\" (٤/ ١٨٢)، وابن حجر في \"التلخيص\" (٤/ ١٥٠)، والألباني في \"الإرواء\" (٤/ رقم ١٦٩).\n(^٢٣٠) - أخرجه ابن جرير (١٢/ ١٣٨٣٥).\n(^٢٣١) - ابن أبي حاتم في تفسيره (٤/ ٧٨٣٧).\n_________\n[¬١]- في تفسيره (١٢/ ٨٧).\n[¬٢]- في \"ت، خ، ز\" \"يزيد\" وهو خطأ وصوابه المثبت كما في تفسير ابن أبي حاتم (٧/ ٧٨٣٧) وانظر ترجمته في \"التهذيب\".\n[¬٣]- سقط من: خ.","vol":"6","page":154},{"text":"أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم﴾ فنسخها بذلك وأحل طعام أهل الكتاب.\nثم قال ابن جرير: والصواب أنه لا تعارض بين حل طعام أهل الكتاب، وبين تحريم ما لم يذكر اسم الله عليه.\nوهذا الذي قاله صحيح، ومن أطلق من السلف النسخ هاهنا فإنما أراد التخصيص، والله ﷾ أعلم.\nوقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ﴾ قال ابن أبي حاتم (^٢٣٢): حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو بكر بن عياش، عن أبي إسحاق، قال: قال رجل لابن عمر: إن المختار يزعم أنه يوحي إليه. قال: صدق، وتلا هذه الآية: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ﴾.\nوحدثنا أبي، حدثنا أبو حذيفة، حدثنا عكرمة بن عمار، عن أبي زميل، قال: كنت قاعدًا عند ابن عباس، وحج المختار بن أبي عبيد، فجاءه رجل فقال: يا ابن عباس، زعم أبو إسحاق أنه أوحي إليه الليلة. فقال ابن عباس: صدق. فنفرت [¬١]- وقلت: يقول ابن عباس صدق. فقال ابن عباس: هما وحيان؛ وحي الله، ووحي الشيطان، فوحي الله إلى محمد ﷺ، ووحي الشيطان إلى أوليائه. ثم قرأ: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ﴾.\nوقد تقدم عن عكرمة في قوله: ﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ نحو هذا.\nوقوله: ﴿ليجادلوكم﴾ قال ابن أبي حاتم (^٢٣٣): حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا عمران ابن عيينة، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، قال: خاصمت اليهود النبي ﷺ، فقالوا: نأكل مما قتلنا، ولا نأكل مما قتل الله؟ فأنزل الله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾.\nهكذا رواه مرسلًا، ورواه أبو داود (^٢٣٤) متصلًا.\n_________\n(^٢٣٢) - ابن أبي حاتم في تفسيره (٤/ ٧٨٤٠، ٧٨٤١)، وأخرج الجزء الثاني منه ابن جرير (١٢/ ١٣٨٣٢) حدثني المثني، ثنا أبو حذيفة، به.\n(^٢٣٣) - مرسل ضعيف، أبن أبي حاتم في تفسيره (٤/ ٧٨٣٢) وانظر ما بعده.\n(^٢٣٤) - \" السنن\" لأبي داود كتاب: الأضاحي، باب: في ذبائح أهل الكتاب (٢٨١٩) - ومن طريقه البيهقي في \"المعرفة\" (٧/ رقم ٥٥٩٩) وأخرجه ابن مردويه - ومن طريقه اختاره =\n_________\n[¬١]- في ز: \"فنفر\".","vol":"6","page":155},{"text":"فقال: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا عمران بن عيينة، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: جاءت اليهود إلى النبي ﵌، فقالوا: نأكل مما قتلنا ولا نأكل مما قتل الله؟ فأنزل الله ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ الآية.\nوكذا [¬١] رواه ابن جرير (^٢٣٥): عن محمد بن عبد الأعلى وسفيان بن وكيع كلاهما، عن عمران بن عيينة به [¬٢].\nورواه البزار (^٢٣٦): عن محمد بن موسى الحرشي [¬٣]، عن عمران بن عيينة به [¬٤]. وهذا فيه نظر من وجوه ثلاثة:\nأحدها: أن اليهود لا يرون إباحه الميتة حتى يجادلوا.\nالثاني: أن الآية من الأنعام وهي مكية.\nالثالث: أن هذا الحديث رواه الترمذي (^٢٣٧) عن محمد بن موسى الحرشي [¬٥]، عن زياد بن\n_________\n= الضياء في \"المختارة\" (١٠/ رقم ٢٧١) من طريق عثمان بن أبي شيبة به، وأخرجه عبد الله بن أحمد، وعنه الطبراني في \"الكبير\" (١١/ ١٢٢٩٥)، ومن طريق الطبراني اختاره الضياء (١٠/ ٢٦٩) عن عبد الله بن عمر بن أبان، ثنا عمران بن عيينة، به.\nوأخرجه البيهقي في \"الكبرى\" (٩/ ٢٤٠) من طريق محمد بن أبي بكر، ثنا عمران بن عيينة، به. وانظر ما بعده.\n(^٢٣٥) - ابن جرير في تفسيره (١٢/ ١٣٨٢٥).\n(^٢٣٦) - وعمران بن عيينة ضعفه أبو زرعة وابن معين في رواية، وقال أبو حاتم: لا يحتج بحديثه لأنه يأتي بالمناكير، وقال العقيلي: في حديثه وهم وخطأ، وقال أبو بكر البزار: ليس به بأس، وقال: أبو صالح صدوق، وفي \"التقريب\": صدوق له أوهام، وعطاء بن السائب مختلط، ولم يذكروا عمران - مع ضعفه - فيمن روي عنه قبل الاختلاط.\n(^٢٣٧) - \" الجامع\" للترمذي كتاب: تفسير القرآن، باب: ومن سورة الأنعام (٣٧٠١) وزياد بن عبد الله البكائي ضعفه ابن المديني والنسائي وابن معين في غير ابن إسحاق، وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به، ووسمه أحمد وأبو زرعة بالصدق، وفي \"التقريب\": صدوق ثبت في الغازي، وفي حديثه عن غير ابن إسحاق لين … \" ثم إن عطاء بن السائب مختلط، =\n_________\n[¬١]- في ز: \"كذا\".\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- في ز: \"الجرشي\".\n[¬٤]- سقط من: ز.\n[¬٥]- في ز: \"الجرشي\".","vol":"6","page":156},{"text":"عبد اللَّه البكائي، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، [عن ابن عباس، ورواه الترمذي بلفظ: أتى ناس النبي ﷺ فذكره، وقال: حسن غريب. وروي عن سعيد بن جبير] [¬١] مرسلًا.\nوقال الطبراني (^٢٣٨): حدثنا على بن المبارك، حدثنا زيد بن المبارك، حدثنا موسى بن عبد العزنى، حدثنا الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: لما نزلت: ﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم اللَّه عليه﴾ أرسلت فارس إلى قريش أن خاصموا محمدًا، وقولوا له: فما [¬٢] تذبح أنت بيدك بسكين فهو حلال، وما ذبح اللَّه ﷿ بشمشير من ذهب - يعني الميتة - فهو حرام. فنزلت هذه الآية: ﴿وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون] [قال: الشياطين من فارس، وأولياؤهم قريش] [¬٣].\nوقال أبو داود (^٢٣٩): حدثنا محمد بن كثير، أخبرنا إسرائيل، حدثنا سماك، عن عكرمة،\n_________\n= ولم بذكروا زيادًا فيمن روى عنه قبل الاختلاط، واللَّه أعلم.\nوقد رواه ابن مردويه عن الطبراني قال: ثنا أبو زرعة الدمشقي، ثنا محمد بن الصلت، ثنا أبو كُدَنية - وهو يحيى بن المهلب - عن عطاء بن السائب به ومن هذه الطريق اختاره الضياء في \" المختارة \" (١٠/ ٢٧٠) وأخرجه ابن جرير (١٢/ ١٣٨٢٣) ثنا ابن وكيع ثنا جرير عن عطاء به وجرير ممن سمع من عطاء بعد الاختلاط فضلًا عن أن ابن وكيع ضعفوه لكن تابعه عثمان بن أبي شيبة ثنا جرير به عند ابن أبي حاتم (٤/ ٧٨٤٦).\n(^٢٣٨) - \" المعجم الكبير\" (١١/ ١١٦١٤)، وأخرجه ابن جرير (١٢/ ١٣٨٠٥) حدثني عبد الرحمن بن بشر بن الحكم النيسابوري، ثنا موسى بن عبد العزنى به، وموسى بن عبد العزيز ضعفه ابن المديني، وقال الشليماني: منكر الحديث، وقال ابن معين والنسائي: ليس به بأس، وفي \"التقريب\": صدوق سيئ الحفظ. وعزاه بهذا اللفظ السيوطي (٣/ ٧٨) إلى أبي الشيخ، وابن مردويه.\n(^٢٣٩) - في \"السنن\" كتاب: الأضاحي، باب: في ذبائح أهل الكتاب (٢٨١٨) ومن طريقه البيهقي في \"الكبرى\" (٩/ ٢٤١) وأخرجه ابن جرير (١٢/ ١٣٨٢٢)، وابن أبي حاتم (٤/ ٧٨٤٥)، وابن ماجه، كتاب: الذبائح، باب: التسمية عند الذبح (٣١٧٣) من طريق عمرو بن عبد اللَّه الأودي، ثنا وكيع، عن إسرائيل به، وأخرجه ابن جرير أيضًا (١٢/ ١٣٨١٢) من طريق عبيد اللَّه، عن إسرائيل به، (١٢/ ١٣٨٠٩) من طريق شريك، عن سماك، به، وقد صحح المصنف هذا الإسناد مع أنه من رواية سماك عن عكرمة وهي رواية معروفة بين أهل العلم بالاضطراب، وأخرجه النسائي في سننه (٧/ ٢٣٧) وابن جرير (١٢/ ١٣٨١١)، =\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٢]- في ز: \"لما\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في ت: \"أي: وإن الشياطين من فارس ليوحون إلى أوليائهم من قريش\".","vol":"6","page":157},{"text":"عن ابن عباس في قوله: ﴿وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم﴾ يقولون ما ذبح اللَّه فلا تأكلوه، وما ذبحتم أنتم فكلوه، فأنزل اللَّه. ﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم اللَّه عليه﴾.\nورواه ابن ماجة وابن أبي حاتم، عن عمرو بن عبد اللَّه، عن وكيع، عن إسرائيل به. وهذا إسناد صحيح، ورواه ابن جرير (^٢٤٠) من طرق متعددة عن ابن عباس وليس فيه ذكر اليهود، فهذا هو المحفوظ، والله أعلم.\nوقال ابن جريج (^٢٤١): قال عمرو بن دينار، عن عكرمة: إن مشركي قريش كاتبوا فارسًا على الروم، وكاتبتهم فارس، فكتبت [¬١] فارس إلى مشركي قريش: إن محمدًا وأصحابه يزعمون أنهم يتبعون أمر اللَّه، فما ذبح اللَّه بسكين من ذهب فلا يأكله [محمد وأصحابه - للميتة] [¬٢]-[وما ذبحوا هم يأكلونه] [¬٣]. فكتب بذلك المشركون إلى أصحاب [رسول اللَّه] [¬٤] ﷺ، فوقع فى أنفس ناس من المسلمين أمن ذلك شيء، فأنزل اللَّه: ﴿وإنه لفسق وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون﴾] [¬٥]. ونزلت: ﴿يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورًا﴾.\nوقال السدي فى تفسير هذه الآية: إن المشركين قالوا للمسلمين [¬٦]: كيف تزعمون أنكم تتبعون مرضاة اللَّه، [وما ذبح] [¬٧] اللَّه فلا تأكلونه، وما ذبحتم أنتم تأكلونه [¬٨]؟ فقال اللَّه تعالى: وإن [¬٩] أطعتموهم فأكلتم الميتة ﴿إنكم لمشركون﴾. وهكذا قال [¬١٠] مجاهد والضحاك وغير واحد من علماء السلف [﵏].\n_________\n= وأبو جعفر النحاس في \" الناسخ والمنسوخ \" (ص ٤٤١)، والمزي فى \" تهذيب الكمال \" (٢٢/ ٤٢٤) من طريق سفيان - وهو الثوري - عن هارون بن عنترة، عن أبيه، عن ابن عباس في قوله ﷿ ﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم اللَّه عليه﴾ قال: \" خاصمهم المشركون، فقالوا: ما ذبح اللَّه فلا تأكلوه وما ذبحتم أنتم أكلتموه\" وصححه من هذه الطريق الحاكم (٤/ ٢٣٣) ووافقه الذهبي، وإسناده حسن، والحديث زاد نسبته السيوطي في \" الدر المنثور \" (٣/ ٧٨) إلى الفريابي وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وأبي الشيخ، وابن مردويه.\n(^٢٤٠) - انظر (١٢/ ١٣٨٠٨، ١٣٠٨، ١٣٨١٥) وما سبق من طرقه.\n(^٢٤١) - أخرجه ابن جرير (١٢/ ١٣٨٠٦).\n_________\n[¬١]- في ز: \" وكتبت \".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٣]- في ز: \" وأما ما ذبحوا هم يأكلون \".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين فى ز: \" محمد \".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٦]- في خ، ز: \" للمؤمنين \".\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين في ت: \"وما قتل \".\n[¬٨]- في ز: \" أكلتموه \".\n[¬٩]- في ز: \"لئن\".\n[¬١٠]- في ز: \" قاله \".","vol":"6","page":158},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وإن أطعتموهم إنكم لمشركون﴾ أي: حيث عدلتم عن أمر اللَّه لكم وشرعه، إلى قول غيره فقدمتم عليه غيره، فهذا هو الشرك، كقوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ [وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ] [¬١]﴾، وقد روى الترمذي في تفسيرها، عن عدي بن حاتم أنه قال: يا رسول اللَّه، ما عبدوهم. فقال: \"بلى [¬٢]، إنهم أحلوا لهم الحرام، وحرموا عليهم الحلال فاتبعوهم، فذلك عبادتهم إياهم\" (^٢٤٢).\n﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢٢)﴾\nهذا مثل ضربه اللَّه تعالى للمؤمن الذي كان ميتًا، أي: في الضلالة هالكًا حائرًا فأحياه اللَّه، أي: أحيا قلبه بالإِيمان وهداه له ووفقه لاتباع رسله ﴿وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ﴾ أي: يهتدي كيف يسلك، وكيف يتصرف به [¬٣]، والنور هو القرآن، كما رواه العوفي وابن أبي طلحة عن ابن عباس. وقال السدي: الإِسلام. والكل صحيح.\n﴿كمن مثله في الظلمات﴾ أي: الجهالات والأهواء والضلالات المتفرقة ﴿ليس بخارج منها﴾ أي: لا يهتدي إلى منفذ ولا مخلص مما هو فيه، أوفي مسند الإِمام أحمد (^٢٤٣) عن رسول اللَّه ﷺ أنه قال: [إن اللَّه خلق خلقه في ظلمة، ثم رش عليهم من نوره، فمن أصابه ذلك النور اهتدى، ومن أخطأه ضل\"] [¬٤]. كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٥٧)﴾﴾.\nوقال تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٢)﴾، وقال تعالى: ﴿مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٢٤)﴾، وقال تعالى: ﴿وما يستوي الأعمى والبصير ولا الظلمات ولا النور\n_________\n(^٢٤٢) - يأتي تخريجه [سورة التوبة/آية ٣١].\n(^٢٤٣) - صحيح \"المسند\" (٢/ ١٧٦، ١٩٧) ويأتي تخريجه [سورة النور/آية ٣٥].\n_________\n[¬١]- في ت: \" الآية \".\n[¬٢]- في ز: \" بل \".\n[¬٣]- سقط من: خ، ز.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.","vol":"6","page":159},{"text":"ولا الظل ولا الحرور وما يستوي الأحياء ولا الأموات إن اللَّه يسمع من يشاء وما أنت بمسمع من في القبور * إن أنت إلا نذير﴾ والآيات في هذا كثيرة، ووجه الناسبة في ضرب المثلين هاهنا بالنور [¬١] والظلمات لما تقدم في أول السورة ﴿وجعل الظلمات والنور﴾.\nو[¬٢] زعم بعضهم أن المراد بهذا المثل رجلان معينان؛ فقيل: عمر بن الخطاب هو الذي كان ميئا فأحياه اللَّه، وجعل له نورًا يمشي به في الناس، وقيل: عمار بن ياسر، وأما الذي في الظلمات ليس بخارج منها أبو جهل عمرو بن هشام لعنه اللَّه. والصحيح: أن الآية عامة يدخل فيها كل مؤمن وكافر.\nوقوله تعالى: ﴿كذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون﴾ أي: حسنا لهم ما هم [¬٣] فيه من الجهالة والضلالة، قدرًا من اللَّه وحكمة بالغة، لا إله إلا هم أوحده لا شريك له] [¬٤].\n﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (١٢٣) وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ (١٢٤)﴾\nيقول تعالى: وكما جعلنا في قريتك يا محمد أكابر من المجرمين، ورؤساء ودعاة إلى الكفر والصد عن سبيل اللَّه، وإلى مخالفتك وعداوتك، كذلك كانت الرسل من قبلك يبتلون بذلك ثم تكون لهم العاقبة، كما قال تعالى: ﴿وكذلك جعلنا لكل نبى عدوًّا من المجرمين [وكفى بوبك هاديًا ونصيرًا] [¬٥]﴾، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا (١٦)﴾﴾، قيل: معناه أمرناهم بالطاعات فخالفوا فدمرناهم، وقيل: أمرناهم أمرًا قدريًّا كما قال هاهنا ﴿ليمكروا فيها﴾.\nوقال ابن أبي طلحة (^٢٤٤)، عن ابن عباس ﴿أكابر مجرميها﴾ قال: سلطنا شرارها فعصوا\n_________\n(^٢٤٤) - أخرجه ابن أبي حاتم (٤/ ٧٨٦٦).\n_________\n[¬١]- في ز: \" به النور \".\n[¬٢]- فى ز: \" وقد \".\n[¬٣]- فى ت: \" كانوا \".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٥]- في ت: \" الآية \".","vol":"6","page":160},{"text":"فيها، فإذا فعلوا ذلك أهلكناهم بالعذاب.\nوقال مجاهد وقتادة: ﴿أكابر مجرميها﴾ قال: عظماءها [¬١].\nقلت: [وهكذا قوله] [¬٢] تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (٣٤) وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (٣٥)﴾، وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا [مِنْ قَبْلِكَ] [¬٣] فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ (٢٣)﴾.\nوالمراد بالمكر هاهنا: دعاؤهم إلى الضلالة بزخرف من المقال والفعال، كما قال تعالى إخبارًا عن قوم نوح: ﴿ومكروا مكرًا كبارًا﴾، وكقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ (٣١) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ (٣٢) وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٣٣)﴾.\nوقال ابن أبي حاتم (^٢٤٥): حدثنا أبي، حدّثنا [ابن أبي عمر] [¬٤]، حدثنا سفيان، قال: كل مكر في القرآن فهو عمل.\nوقوله تعالى: ﴿وما يمكرون إلا بأنفسهم وما يشعرون﴾ أي: وما يعود وبال مكرهم ذلك وإضلالهم من أضلوه إلا على أنفسهم، كما قال تعالى: ﴿وليحملن أثقالهم وأثقالًا مع أثقالهم﴾، وقال: ﴿ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم ألا ساء ما يزرون﴾.\nوقوله تعالى: ﴿وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتى رسل اللَّه﴾ أي: إذا جاءتهم آية وبرهان وحجة قاطعة ﴿قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتى رسل اللَّه﴾ أي: أي: حتى تأتينا الملائكة من اللَّه بالرسالة كما تأتى إلى الرسل، [كقوله جل وعلا] [¬٥]: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا [لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا\n_________\n(^٢٤٥) - في تفسيره (٤/ ٧٨٦٨) وابن أبي عمر هو محمد بن يحيى العَدَني صدوق صنف المسند، وكان لازم ابن عيينة، لكن قال أبو حاتم: كانت فيه غفلة. \"التقريب\".\n_________\n[¬١]- فى ز: \" عظماؤها \".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز: \" هذا كقوله \".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٤]- في خ: \"أبو عمرو\"، وفي ز: \"أبو عمر\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.","vol":"6","page":161},{"text":"عتوًّا كبيرًا] [¬١]﴾.\nوقوله: ﴿اللَّه أعلم حيث يجعل رسالاته﴾ أي: هو أعلم حيث يضع رسالته، ومن يصلح لها من خلقه، كقوله تعالى: ﴿وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم * أهم يقسمون رحمة ربك﴾ الآية، يعنون لولا نزل هذا القرآن على رجل عطم كببر جليل [¬٢] مبجل في أعينهم ﴿من القريتين﴾ أي: من مكة والطائف، وذلك أنهم [¬٣] قبحهم اللَّه كانوا يزدرون بالرسول صلوات اللَّه وسلامه عليه بغيًا وحسدًا، وعنادًا واستكبارًا، كقوله تعالى مخبرًا عنهم: ﴿وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ (٣٦)﴾، وقال تعالى: ﴿وإذا رأوك إن يتخذونك إلا هزوا أهذا الذي بعث اللَّه رسولا﴾، وقال تعالى: ﴿ولقد استهزئ برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزئون﴾ هذا وهم معترفون بفضله وشرفه ونسبه، وطهارة بيته ومرباه، ومنشئه [صلَّى اللَّه وملائكته والمؤمنون عليه] [¬٤]، حتى أنهم كانوا يسمونه بينهم قبل أن يوحى إليه \"الأمين\"، وقد اعترف بذلك رئيس الكفار أبو سفيان، حين سأله هرقل ملك الروم: كيف نسبه فيكم؟ قال: هو فينا ذو نسب، قال: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قال: لا. الحديث بطوله (^٢٤٦) الذي استدل به ملك الروم بطهارة صفاته ﵇ على صدق [¬٥] نبوته، وصحة ما جاء به.\nوقال الإِمام أحمد (^٢٤٧): حدثنا محمد بن مصعب، حدثنا الأوزاعي، عن شداد أبي عمار،\n_________\n(^٢٤٦) - صحيح، تقدم تخريجه برقم (٦١/ من هذه السورة).\n(^٢٤٧) - صحيح دون الاصطفاء الأول، \"المسند\" (٤/ ١٠٧) وأخرجه ابن سعد في \" الطبقات \" (١/ ١٧، ١٨) وابن أبي شيبة فى \"المصنف\" (٧/ ٤٣٠ - ط دار الفكر) وعنه ابن أبى عاصم في \"السنة\" (٢/ ١٤٩٦) والترمذي، كتاب: المناقب، باب: ما جاء في فضل النبي ﷺ (٣٦٠٩) من طريق محمد بن مصعب به وقال الترمذي: \"حديث حسن صحيح\" قلت: محمد بن مصعب وهو القرقساني، صدوق كثير الغلط كما في \" التقريب \" وقد انفرد بذكر الاصطفاء الأول: فقد أخرجه أحمد (٤/ ١٠٧) ومسلم في صحيحه (٢٢٧٦) والبخاري فى \"التاريخ الصغير\" (١/ ٣٥) - وعنه الترمذي (٣٦١٢) - والطبراني في \"الكبير\" (٢٢/ رقم ١٦١) والبغوي في \"شرح السنة\" (١٣/ ٣٦١٣) وغيرهم من طرق عن الأوزاعي به دون ذكر الاصطفاء الأول وقد أخرجه الطبراني أيضًا من طريق محمد بن مصعب، عن الأوزاعي به كالجادة وانظر \"الصحيحة\" للألباني (١/ رقم ٣٠٢).\n_________\n[¬١]- فى ت: \"الآية\".\n[¬٢]- سقط من: خ، ز.\n[¬٣]- فى ز: \"لأنهم\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٥]- فى ز: \"صدقه و\".","vol":"6","page":162},{"text":"عن واثلة بن الأسقع ﵁، أن رسول اللَّه صلى اللَّه عله وسلم قال: \" إن اللَّه اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل، واصطفى من بني إسماعيل بني كنانة، واصطفى من بني كنانة قريشًا، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفانى من بني هاشم\".\nانفرد بإخراجه مسلم من حديث الأوزاعي: وهو عبد الرحمن بن عمرو إمام أهل الشام به نحوه.\nوفي صحيح البخاري (^٢٤٨): عن أبى هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ: \"بعثت من خير قرون بني آدم قرنًا فقرنًا، حتى بعثت من القرن الذي كنت فيه\".\nوقال الإِمام أحمد (^٢٤٩): حدثنا أبو نعيم، عن سفيان، عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد اللَّه ابن الحارث بن نوفل، عن المطلب بن أبي وَدَاعة، قال: قال العباس: بلغه ﷺ بعض ما يقول الناس، فَصَعِدَ المنبَر فقال: \"مَنْ أنا؟ \" قالوا: أنت رسول اللَّه ﷺ. فقال [¬١]: \"أنا محمد بن عبد اللَّه بن عبد المطلب، إن اللَّه خلق الخلق فجعلني في خير خلقه، وجعلهم فرقتين [¬٢]، فجعلني في خير فرقة، وخلق القبائل فجعلني في خير قبيلة،\n_________\n(^٢٤٨) - صحيح البخاري كتاب: المناقب، باب: صفة النبي ﷺ (٣٥٥٧) وكذا أخرجه أحمد (٢/ ٣٧٣، ٤١٧).\n(^٢٤٩) - ضعيف مضطرب \" المسند \" (١/ ٢١٠) (١٧٨٨ - شاكر) وأخرجه البيهقي في \"الدلائل\" (١/ ١٦٩، ١٧٠) من طريق أبي نعيم به والترمذي (٣٦١١) من طريق أبي أحمد نا سفيان به وحسنه في رواية وفي أخرى صححه مع أن في إسناده يزيد بن أبي زياد وهو الهاشمي في \"التقريب\": ضعيف كبر فتغير وصار يتلقن وكان شيعيًّا، واختلف عليه فيه فرواه أبو نعيم وأبو أحمد الزبيري، هكذا، ورواه محمد بن فضيل عنه عن عبد اللَّه بن الحارث عن عبد المطلب بن ربيعة أن ناسًا من الأنصار قالوا للنبي ﷺ فذكر الحديث أخرجه ابن أبي شيبة في \" المصنف \" (٧/ ٤٠٧) وفي \" المسند \" (٢ / رقم ٩١٩ - وفيه تحريفات تصحح من هنا) - ومن طريقه ابن أبي عاصم في \" الآحاد والمثاني \" (١/ رقه ٤٣٩) و\" السنة \" (٢/ ١٤٩٧) والحاكم (٣/ ٢٤٧) - لكن عنده عن عبد اللَّه بن الحارث بن عبد المطلب عن ربيعة - وعنه البيهقى (١/ ١٦٨) وقال عقبه: \" كذا قال: عن ربيعة بن الحارث، وقال غيره: عن المطلب بن ربيعة بن الحارث، وابن ربيعة إنما هو عبد المطلب بن ربيعة له صحبة\" وتابع ابن فضيل يزيد بن عطاء عن يزيد بن أبي زياد به. رواه أحمد (٤/ ١٦٦) ورواه إسماعيل بن أبي خالد عنه عن عبد اللَّه بن الحارث بن نوفل عن العباس به. أخرجه الترمذي (٣٦١٠) والحاكم (٣/ ٣٣٣) والبيهقي (١/ ١٦٧، ١٦٨) ورواه الحاكم (٣/ ٣٣٢، ٣٣٣) من طريق جرير عن يزيد عن عبد اللَّه بن الحارث عن المطلب بن ربيعة قال: جاء العباس إلى رسول اللَّه ﷺ وهو مغضب فذكر الحديث.\n_________\n[¬١]- في ز: \" قال \".\n[¬٢]- في ز: \" فريقين \".","vol":"6","page":163},{"text":"وجعلهم بيوتًا فجعلني في خيرهم بيتًا، فأنا خيركم بيتًا وخيركم نفسًا\". صدق صلوات اللَّه وسلامه عليه.\nوفي الحديث أيضًا المروي عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول اللَّه ﷺ: \" قال لي جبريل: قلبت الأرض مشارقها ومغاربها فلم أجد [رجلا أفضل من محمد، وقلبت الأرض مشارقها ومغاربها فلم أجد] [¬١] بني أب أفضل من بني [¬٢] هاشم\". رواه الحاكم والبيهقي (^٢٥٠).\nوقال الإِمام أحمد (^٢٥١): حدثنا أبو بكر، حدثنا عاصم، عن زر بن حبيش، عن عبد اللَّه ابن مسعود، قال: إن اللَّه نظر فم قلوب العباد، فوجد قلب محمد ﷺ خير قلوب العباد فاصطفاه لنفسه فابتعثه [¬٣] برسالته، ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد ﷺ، فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد، فجعلهم وزراء نبيه يقاتلون على دينه [¬٤]، فما رآه [¬٥]\n_________\n(^٢٥٠) - إسناده ضعيف، وكذا عزاه المصنف في \"البداية والنهاية\" (٢/ ٣١٧) إلى الحاكم والبيهقي، ولم أجده في \"المستدرك\" ومن طريق الحاكم ومن طريق آخر أخرجه البيهقي في \"الدلائل\" (١/ ١٧٦) وكذا أخرجه ابن أبي عاصم في \"السنة\" (٢/ ١٤٩٤) والطبراني في \" الأوسط \" (٦/ ٦٢٨٥) من طريق موسى بن عبيدة حدثنى عمرو بن عبد اللَّه بن نوفل عن الزهري عن أبي سلمة عن عائشة به وأودعه السيوطي في \" الجامع الصغير \" وعزاه إلى الحاكم في \" الكنى \" وابن عساكر في \" التاريخ \"، وتعقبه المناوي في \"فيض القدير\" (٤/ ٥٠٠) بأنه كان ينبغي عليه أن يعزوه إلى من هم أقدم منهما ثم عزاه إلى الإمام أحمد في \"المناقب\" (٢/ ١٠٧٣)، والطبراني والبيهقي والديلمي وابن لال والمحاملي وغيرهم\" ثم نقل عن ابن حجر أنه قال في \"أماليه\": \"لوائح الصحة طاهرة على صفحات هذا المتن\"، قلت: قال الطبراني انفرد به موسى بن عبيدة - وهو ضعيف كما وسمه الحافظ نفسه في \"التقريب\" وبه أعله الهيثمي في \"المجمع\" (٨/ ٢٢٠) وشيخ موسى بن عبيدة لم أهتد إلى ترجمته والله أعلم. ولهذا كان الحديث من نصيب \"ضعيف الجامع\" للألباني. لكن قال البيهقى - وقد روى أحاديث في هذا الباب - \"هذه الأحاديث وإن كان في روايتها من لا تصح به، فبعضها يؤكد بعضًا … \".\n(^٢٥١) - إسناده حسن \"المسند\" (١/ ٣٧٩) (٣٦٠٠/ شاكر) وكذا أخرجه أبو مالك القطيعي في \"زوائد فضائل الصحابة\" (١/ رقم ٥٤١) ومن طريقه الحاكم (٣/ ٧٨، ٧٩) - والبزار في مسنده (٦/ ١٨١٥) وابن الأعرابي فى معجمه (٤/ رقم ٨٦٠) والطبراني في \"الكبير\" (٩/ ٨٥٨٢) من طريق أبي بكر - وهو ابن عياش - به مطولًا ومختصرًا وصحح إسناده الحاكم=\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- في ت: \" فبعثه \".\n[¬٤]- في خ، ز: \"نبيه\".\n[¬٥]- في ز: \"رأى\".","vol":"6","page":164},{"text":"المسلمون حسنًا فهو عند اللَّه حسن، وما رآه المسلمون سيئا فهو عند اللَّه سيئ.\n[وقال أحمد (^٢٥٢): حدثنا شجاع بن الوليد، قال: ذكر قابوس بن أبي ظبيان، عن أبيه، عن سلمان، قال: قال لي رسول اللَّه ﷺ: \"يا سلمان لا تبغضني فتفارق دينك\". قلت: يا رسول اللَّه، كيف أبغضك وبك هدانا اللَّه؟ قال: \" تبغض العرب فتبغضني] [¬١] \".\nوقال [¬٢] ابن أبي حاتم (^٢٥٣) في تفسير هذه الآية: ذكر عن محمد بن منصور الجواز، حدثنا سفيان، عن ابن أبي حسين، قال: أبصر رجل ابنَ عباس وهو يدخل من باب المسجد، فلما نظر إليه راعه، فقال: من هذا؟ قالوا: ابن عباس ابن عم رسول اللَّه ﷺ؛ فقال [¬٣]: ﴿اللَّه أعلم حيث يجعل رسالاته﴾.\nوقوله تعالى: ﴿سيصيب الذين أجرموا صغار عند اللَّه وعذاب شديد [بما كانوا\n_________\n= ووافقه الذهبي وهو حسن من أجل عاصم وهو ابن أبي النجود وقد أخرجه الطيالسي (٢٤٦) والطبراني (٩/ ٨٥٨٣) وأبو نعيم في \"الحلية\" (١/ ٣٧٥، ٣٧٦) وغيرهم من طريق المسعودي عن عاصم، عن أبي وائل عن ابن مسعود به والمسعودي كان يغلط إذا حدَّث عن عاصم وسلمة بن كهيل - كما في \" التهذيب \" وانظر \"العلل\" للدارقطني (٥/ ٦٧، ٦٨) ورفعه بعض الكذابين إلى النبي ﷺ ولا يصح، انظر \" الضعيفة \" للألباني (٢/ رقم ٥٣٢، ٥٣٣).\n(^٢٥٢) - إسناده ضعيف وفيه انقطاع \" المسند \" (٥/ ٤٤٥، ٤٤١) وأخرجه الطيالسي (٦٥٨) والترمذي، كتاب: المناقب، باب: في فضل العرب (٣٩٢٣) والبزار في مسنده (٦/ رقم ٢٥١٣) والعقيلي في \" الضعفاء \" (٢/ ١٨٤) والطبراني في \" الكبير \" (٦/ ٦٠٩٣، ٦٠٩٤) وأبو نعيم في \"أخبار أصبهان\" (١/ ٥٦، ٩٩) والحاكم في \" المستدرك \" (٤/ ٨٦) والخطيب فى \"تاريخ بغداد\" (٩/ ٢٤٧، ٢٤٨) كلهم من طريق شجاع بن الوليد به وصحح إسناده الحاكم فتعقبه الذهبي \"بأن قابوس ابن أبي ظبيان تكلم فيه\" قلت: ضعفه النسائي والدارقطني وابن معين في رواية ووثقه في أخرى، وقال أبو حاتم: \" يكتب حديثه ولا يحتج به \" وقال أحمد: \" ليس بذاك \" وفي \" التقريب \": \" فيه لين \" وللحديث علة أخرى فقال الترمذي بعده: \" حديث حسن غريب لا نعرفه لا من حديث أبى بدر شجاع بن الوليد، وسمعت محمد بن إسماعيل يقول: أبو ظبيان لم يدرك سلمان مات سلمان قبل علي\" وبهذا أعله أبو حاتم كما في كتاب \" المراسيل \" لابنه (ص ٥٠) وله طريق آخر موصول أخرجه أبو نعيم في \" الحلية \" (٧/ ٢٧٠) لكن في إسناده خالد بن عبد الرحمن المخزومى وهو متروك وانظر \" الضعيفة \" للألباني (٥/ رقم ٢٠٢٩).\n(^٢٥٣) - \" التفسير \" لابن أبي حاتم (٤/ ٧٨٦٩).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٢]- في ت: \"وذكر\".\n[¬٣]- فما ز: \"قال\".","vol":"6","page":165},{"text":"يمكرون] [¬١]﴾، هذا وعيد شديد من اللَّه، وتهديد أكيد لمن تكبر عن اتباع رسله، والانقياد لهم فيما جاءوا به، فإنه سيصيبه يوم القيامة بين يدي اللَّه: صغار: هو الذلة الدائمة، كما [¬٢] أنهم استكبروا أعقبهم ذلك ذلًّا، كقوله تعالى: ﴿إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين﴾ أي: صاغرين ذليلين حقيرين.\nوقوله تعالى: ﴿وعذاب شديد بما كانوا يمكرون﴾ لما كان المكر [¬٣] غالبًا إنما يكون خفيًّا، وهو التلطف في التحيل [¬٤] والخديعة، قوبلوا بالعذاب الشديد [من اللَّه يوم القيامة] [¬٥] جزاء وفاقًا ﴿ولا يظلم ربك أحدًا﴾، كما قال تعالى: ﴿يوم تبلى السرائر﴾ أي: تظهر المستترات والمكنونات والضمائر، وجاء في الصحيحين (^٢٥٤) عن رسول اللَّه ﷺ أنه قال: \"ينصب لكل غادر لواء عد استه يوم القيامة، فيقال: هذه غدرة فلان بن فلان\".\nوالحكمة في هذا: أنه لما كان الغدر خفيًّا لا يطع عليه الناس، فيوم القيامة يصير علمًا منشورًا على صاحبه بما فعل.\n﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (١٢٥)﴾\nيقول تعالى: ﴿فمن يرد اللَّه أن يهديه يشرح صدره للإِسلام﴾ أي: ييسره له وينشطه ويسهله لذلك، فهذه علامة على الخير، كقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ [فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ] [¬٦]﴾، وقال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (٧)﴾.\n_________\n(^٢٥٤) - البخاري، كتاب: الأدب، باب: ما يدعى الناس بآبائهم (٦١٧٧) ومسلم، كتاب: الجهاد والسير، باب: تحريم الغدر (١٧٣٥) من حديث عبد اللَّه بن عمر وانظر ما يأتي [سورة النحل / آية ٢٧] و[سورة الكهف / آية ٤٩].\n_________\n[¬١]- في ت: \"الآية\".\n[¬٢]- في خ: \"لما\".\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- في ز: \"التخيل\".\n[¬٥]- مابين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٦]- في ت: \"الآية\".","vol":"6","page":166},{"text":"وقال [¬١] ابن عباس (^٢٥٥) ﵄[في قوله] [¬٢]: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ يقول تعالى: يوسع قلبه للتوحيد والإيمان له. وكذا قال أبو مالك وغير واحد، وهو ظاهر.\nوقال عبد الرزاق (^٢٥٦): أخبرنا الثوري، عن عمرو بن قيس، عن عمرو بن مرة، عن أبي جعفر، قال: سئل رسول اللَّه ﷺ أي المؤمنين أكيس؟ قال: \"أكثرهم ذكرًا للموت، وأكثرهم لما بعده استعدادًا\". قال: وسئل النبي ﷺ عن هذه الآية: ﴿فمن يرد اللَّه أن يهديه يشرح صدره للإسلام﴾ قالوا: كيف يشرح صدره يا رسول اللَّه؟ قال: \"نور يقذف فيه فينشرح له وينفسح\". قالوا: فهل لذلك من أمارة يعرف بها؟ قال: \"الإِنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل لقاء الموت\".\nوقال ابن جرير (^٢٥٧) حدثنا هناد، حدثنا قبيصة، عن سفيان - يعني الثوري - عن عمرو ابن مرة، عن رجل يكنى أبا جعفر كان يسكن المدائن، قال: سئل النبي ﷺ عن قول اللَّه تعالى: ﴿فمن يرد اللَّه أن يهديه [يشرح صدره للإسلام] [¬٣]﴾ فذكر نحو ما تقدم.\nوقال ابن أبي حاتم (^٢٥٨): حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا ابن [¬٤] إدريس، عن الحسن بن الفرات القزاز، عن عمرو بن مرة، عن أبي جعفر، قال: قال رسول اللَّه ﷺ: ﴿فمن يرد اللَّه أن يهديه يشرح صدره للإِسلام﴾ قال رسول اللَّه ﷺ: \"إذا دخل الإِيمان القلب انفسح له القلب وانشرح\". قالوا: يا رسول اللَّه، هل لذلك من أمارة؟ قال: \"نعم، الإنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل الموت\".\n_________\n(^٢٥٥) - أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (٤/ ٧٨٧٤) بإسناد صحيح عنه.\n(^٢٥٦) - ضعيف جدًّا، عبد الرزاق في تفسيره (٢/ ٢١٧/ ٢١٨) ومن طريقه ابن جرير (١٢/ ١٣٨٥٣) وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره يذكره المصنف (رقم ٢٦٠) من طريق أبي خالد الأحمر عن عمرو بن قيس به وانظر ما بعده.\n(^٢٥٧) - في تفسيره (١٢/ ١٣٨٥٤) وأخرجه البيهقي في \" الأسماء والصفات \" (١/ رقم ٣٢٥) من طريق أبي الجواب عن سفيان به.\n(^٢٥٨) - في تفسيره (٤/ ٧٨٧٢).\n_________\n[¬١]- في ز: \" قال \".\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٤]- في خ: \" أبو \".","vol":"6","page":167},{"text":"وقد رواه ابن جرير (^٢٥٩): عن سوار بن عبد اللَّه العنبري، حدثنا المعتمر بن سليمان، سمعت أبي يحدث، عن عبد اللَّه بن مرة، أعن أبي جعفر فذكره.\nوقال ابن أبي حاتم (^٢٦٠): حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو خالد الأحمر، عن عمرو بن قيس، عن عمرو بن مرة] [¬١]، عن عبد اللَّه بن المسور، قال: تلا رسول اللَّه ﷺ هذه الآية [¬٢]: ﴿فمن يرد اللَّه أن يهديه يشرح صدره للإِسلام﴾، قالوا: يا رسول اللَّه، ما هذا الشرح؟ قال: \" نور يقذف به في القلب \". قالوا: يا رسول اللَّه، فهل لذلك من أمارة تعرف [¬٣]؟ قال: \" نعم \". قالوا: وما هي؟ قال: \"الإِنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل الموت\".\nوقال ابن جرير أيضًا (^٢٦١): حدثني هلال بن العلاء، حدثنا سعيد بن عبد الملك بن واقد، حدثنا محمد بن سلمة [¬٤]، عن أبي عبد الرحيم [¬٥]، عن زيد بن أبي أنيسة، عن عمرو بن مرة، عن أبي عبيدة، عن [¬٦] عبد اللَّه بن مسعود، قال: قال رسول اللَّه ﷺ: \"إذا\n_________\n(^٢٥٩) - في تفسيره (١٢/ ١٣٨٥٢).\n(^٢٦٠) - في تفسيره (٤/ ٧٨٧٣) وأخرجه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (١٨/ ٢٦، ١٢٧) من طريق أبي خالد الأحمر غير أنه قال: \"عن عمرو بن مرة عن عبد اللَّه بن مسعود\" وابن أبي شيبة أيضًا (٨/ ١٢٦) وابن المبارك في \"الزهد\" (٣١٥) ووكيع في \"الزهد\" (١/ رقم ١٥) من طريقين عن عمرو بن مرة عن أبي جعفر عبد اللَّه بن المسور به وأخرجه سعيد بن منصور - ومن طريقه البيهقي في \"الأسماء والصفات\" (١/ رقم ٣٢٦) - وابن جرير (١٢/ ١٣٨٥٦) - وأبو نعيم في \"أخبار أصبهان\" (١/ ٣٠٥) من طريق سفيان بن عيينة عن خالد بن أبي كريمة عن عبد اللَّه بن المسور به وقال البيهقي عقبه: \"هذا منقطع\" قلت: وعبد اللَّه بن المسور في هذه الطرق هو نفسه أبو جعفر المدائني كذاب وضاع ترجمته في \"الميزان\" و\"اللسان\" سوداء مظلمة قال ابن المديني: \"كان يضع الحديث على رسول اللَّه ﷺ ولا يضع إلا ما نيه أدب وزهد، فيقال له في ذلك فيقول: إن فيه أجرًا\"، وقد زاد السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ٨٣) عزوه من هذه الطريق إلى الفريالي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه، وانظر ما بعده.\n(^٢٦١) - إسناده ضعيف منقطع، في تفسيره (١٢/ ١٣٨٥٥) وسعيد بن عبد الملك قال فيه الدارقطني: ضعيف لا يحتج به قال أبو حاتم: يتكلمون فيه روى أحاديث كذب، وأبو عبيدة لم يسمع من أبيه عبد اللَّه بن مسعود.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٢]- في ز: \"الآيات\".\n[¬٣]- سقط من: خ، ز.\n[¬٤]- في خ: \"مسلم\"، وفي ز: \" سلم \".\n[¬٥]- في خ، ز: \"الرحمن\".\n[¬٦]- في ز: \"بن\".","vol":"6","page":168},{"text":"دخل النور القلب انفسح وانشرح\". قالوا: فهل لذلك من علامة يعرف بها؟ قال: \"الإنابة إلى دار الخلود، والتنحي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل لُقِي الموت\".\nوقد رواه (^٢٦٢) من وجه آخر عن ابن مسعود متصلًا مرفوعًا فقال: حدثني ابن سنان القزاز، حدثنا محبوب بن الحسن الهاشمي، عن يونس، عن [¬١] عبد الرحمن بن [عبد اللَّه] [¬٢] بن عتبة، عن عبد اللَّه بن مسعود، عن رسول اللَّه ﷺ قال: ﴿فمن رد اللَّه أن يهديه يشرح صدره للإسلام﴾، قالوا: يا رسول اللَّه، وكيف يشرح صدره؟ قال: \"يدخل فيه النور فينفسح\". قالوا: وهل لذلك علامة يا رسول اللَّه؟ قال: \"التجافي عن دار الغرور، والإِنابة إلى دار الخلود، والاستعداد للموت قبل أن ينزل الموت\".\nفهذه طرق لهذا الحديث مرسلة ومتصلة، يثمد بعضها بعضًا [¬٣]، واللَّه أعلم.\n_________\n(^٢٦٢) - إسناده ضعيف، ابن جرير فى تفسيره (١٣/ ١٣٨٥٧) ومحبوب هذا - هو لقبه واسمه محمد - ضعفه النسائى، وقال أبو حاتم: ليس بالقوي: قال ابن معين: ليس به بأس، وروى له البخاري مقرونًا وفي \" التقريب \" صدوق فيه لين، وعبد الرحمن بن عبد اللَّه بن عتبة هو المسعودي وهو مختلط، وبينه وبين ابن مسعود مفاوز والراوي عن المسعودي هو يونس بن عبيد، ثقة من رجال الشيخين وهو أكبر سنًّا من المسعودي وقد أشكل ذلك على الشيخ الأديب محمود محمد شاكر في تعليقه على تفسير ابن جرير ورجح أن الصواب: \" عن يونس عن أبى عبد الرحمن عبد اللَّه بن عتبة \" لا المسعودي ورد ذلك الشيخ الألبانى فى \" الضعيفة \" (٢/ ٩٦٥) فراجعه إن شئت.\nوأخرجه ابن أبي الدنيا في \" قصر الأمل \" (١٣١) والحاكم (٤/ ٣١١) والبيهقي في \" الشعب \" (٧/ ١٠٥٥٢) من طريق عدي بن الفضل عن المسعودي عن القاسم بن عبد الرحمن - سقط عند ابن أبي الدنيا - عن أبيه عن ابن مسعود به وسكت عنه الحاكم فقال الذهبي: \" عدي ساقط \" وفى \" التقريب \" متروك، وللحديث طرق أخرى ذكرها الدارقطني فى \"العلل\" (٥/ س ٨١٢) ثم قال: \"والصواب عن عمرو بن مرة عن أبي جعفر عبد اللَّه بن المسور - يعني المتقدم برقم (٢٥٧: ٣٦١) - مرسلًا عن النبي ﷺ كذلك قاله الثوري، وعبد اللَّه بن المسور بن عون بن جعفر بن أبي طالب هذا متروك\".\nفائدة: عزا ابن القيم هذا الحديث فى كتابه \"الفوائد\" (ص ٤٨) إلى الترمذي وأفاد الألباني أن هذا وهم والعصمة للَّه وحده وباللَّه التوفيق.\n_________\n[¬١]- في ز: \"بن\".\n[¬٢]- في ز، خ: عبيد اللَّه، والمثبت من تفسير ابن جرير.\n[¬٣]- كذا قال المصنف وقد تبين أن الطريق المرسلة رواها أبو جعفر المدائني وهو كذاب وضاع فكيف يستشهد بمثل هذا؟ وأما الطريق المتصلة فقد تبين أنها وهم من الرواة فضلًا على أنها لا تخلو من ضعف أو انقطاع، فلا شدة إذن في مجموع هذه الطرق.","vol":"6","page":169},{"text":"وقوله تعالى: ﴿ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقًا حرجًا﴾ قرئ [¬١] بفتح الضاد وتسكين الياء [¬٢]، والأكثرون ﴿ضيِّقًا﴾ بتشديد الياء وكسرها [¬٣]، [وهما] [¬٤] لغتان: كهَينْ وهَيِّن، وقرأ بعضهم: (حَرِجًا) بفتح الحاء وكسر الراء، قيل: بمعنى أثم، قاله [¬٥] السُّدي، وقيل: بمعنى القراءة الأخرى ﴿حَرَجًا﴾ بفتح الحاء والراء، وهو الذي لا يتسع لشيء من الهدى، ولا يخلص إليه شيء مّا ينفعه من الإِيمان ولا ينفذ فيه.\nوقد سأل عمرُ بن الخطاب ﵁ رجلًا من الأعراب، من أهل البادية من مُدْلج - ما الحرجة؟ فقال [¬٦]: هي الشجرة تكون بين الأشجار، لا تصل إليها [¬٧] راعية ولا وحشية ولا شيء. فقال عمر ﵁: كذلك قلب المنافق، لا يصل إليه شيء من الخير (^٢٦٣).\nوقال العوفي (^٢٦٤)، عن ابن عباس: يجعل اللَّه عليه الإِسلام ضيِّقًا والإِسلام واسع، وذلك حين يقول: ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾ يقول: ما جعل عليكم في الإِسلام من ضيق.\nوقال مجاهد والسدي: ﴿ضيقًا حرجًا﴾ شاكًّا.\nوقال عطاء الخراساني: ﴿ضيقًا حرجًا﴾ [أي [¬٨]: ليس للخير فيه منفذ [¬٩].\nوقال ابن المبارك، عن ابن جريج: ﴿ضيقًا حرجًا﴾] [¬١٠] بلا إله إلا اللَّه، حتى لا [تستطع أن تدخل قلبه] [¬١١]، كأنما يصعد في السماء من شدة ذلك عليه.\nوقال سعيد بن جبير: ﴿يجعل صدره ضيقًا حرجًا﴾ قال: لا يجد فيه مسلكًا إلا صُعدًا.\n_________\n(^٢٦٣) - أخرجه ابن جرير (١٢/ ١٣٨٦٢) وفي إسناده جهالة وزاد نسبته السيوطي في \" الدر المنثور \" (٨٤/ ٣) إلى عبد بن حميد وابن المنذر وأبي الشيخ.\n(^٢٦٤) - أخرجه ابن جرير (١٢/ ١٣٨٦٣ شاكر)، (١٧/ ٢١٧/ ط الحلبي) والبيهقي في \" الأسماء والصفات \" (١/ ٣٢٤) والعوفي ضعيف، ومَنْ دَوَنهُ في الإسناد مثله أو أشد ضعفًا منه.\n_________\n[¬١]- سقط من: خ، ز.\n[¬٢]- وكذا قرأها ابن كثير.\n[¬٣]- وهي قراءة الجمهور.\n[¬٤]- فى ز: \"هما\".\n[¬٥]- في ز: \" وقال \".\n[¬٦]- في ز: \" قال \".\n[¬٧]- في ز: \" إلى \".\n[¬٨]- سقط من: ز.\n[¬٩]- في ز: \"منفد\".\n[¬١٠]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬١١]- في ز: \" يستطع أن يدخله \".","vol":"6","page":170},{"text":"وقال السدي: ﴿كأنما يصعد في السماء﴾ من ضيق صدره.\nوقال [¬١] عطاء الخراساني: ﴿كأنما يصعد في السماء﴾ يقول: مثله كمثل الذي لا يستطيع أن يصعد إلى السماء.\nوقال الحكم بن أبان (^٢٦٥)، عن عكرمة، عن ابن عباس: ﴿كأنما يصعد في السماء﴾ يقول: فكما لا يستطيع ابن آدم أن يبلغ السماء، فكذلك [لا يستطع] [¬٢] أن يُدْخِل التوحيد والأِيمان قلبه، حتى يدخله اللَّه في [¬٣] قلبه.\nوقال الأوزاعي: ﴿كأنما يصعد في السماء﴾ كيف يستطيع من جعل اللَّه صدره ضيقًا [¬٤] أن يكون مسلمًا.\nوقال الإمام أبو جعفر بن جرير [¬٥]: وهذا مثل ضربه اللَّه لقلب هذا الكافر، في شدة تضييقه [¬٦] إياه عن وصول الإِيمان إليه، يقول: فمثله في امتناعه من قبول الإِيمان وضيقه عن وصوله إليه، مثل امتناعه عن الصعود إلى السماء: عجزه عنه؛ لأنه ليس في وسعه وطاقته.\nوقال في قوله: ﴿كذلك يجعل اللَّه الرجس على الذين لا يؤمنون﴾ يقول: كما يجعل اللَّه صدر من أراد إضلاله ضيقًا حرجًا، كذلك يسلط اللَّه الشيطان عليه وعلى أمثاله، ممن أبى الإِيمان باللَّه ورسوله، فيغويه ويصده عن سبيل اللَّه. وقال [¬٧] ابن أبي طلحة (^٢٦٦)، عن ابن عباس: الرجس الشيطان. وقال مجاهد: الرجس كل ما لا خير فيه. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: الرجس العذاب.\n﴿وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (١٢٦) لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢٧)﴾\nلما ذكر تعالى طريقة الضالين عن سبيله الصادين عنها، نبه على أشرف ما أرسل به رسوله من\n_________\n(^٢٦٥) - أخرجه ابن أبي حاتم (٤/ ٧٨٨١) وفي إسناده قبل الحكم حفص بن عمر العدني، قال ابن معين والنسائي \" ليس بثقة \" وقال العقيلي: \"يحدث بالأباطيل\"، وقال الدارقطني: \" متروك \".\n(^٢٦٦) - أخرجه ابن جرير (١٢/ ١٣٨٨١).\n_________\n[¬١]- بياض فى: ز.\n[¬٢]- فى ز: \" يقدر على \".\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- في خ - ز: \"ميتًا\".\n[¬٥]- في تفسيره (١٢/ ١٠٩).\n[¬٦]- فى ز: \"تضيقه\".\n[¬٧]- في ز: \"قال\".","vol":"6","page":171},{"text":"الهدى ودين الحق، فقال تعالى: ﴿وهذا صراط ربك مستقيمًا﴾ منصوب على الحال، أي: هذا الدين الذي شرعناه [] [¬١] لك يا محمد، بما أوحينا إليك هذا القرآن، هو صراط اللَّه المستقيم، كما تقدم في حديث الحارث، كلت على في نعت القرآن: هو صراط اللَّه المستقيم، وحبل اللَّه المتين، وهو الذكر الحكيم. رواه أحمد والترمذي بطوله (^٢٦٧).\n﴿قد فصلنا الآيات﴾ أي: وضحناها: بيناها وفسرناها ﴿لقوم يذكرون﴾ أي: لمن له فهم ووعي يعقل عن اللَّه ورسوله.\n﴿لهم دار السلام﴾ وهي الجنة ﴿عند ربهم﴾ أي: يوم القيامة، وإنما وصف اللَّه [¬٢] الجنة هاهنا بدار السلام؛ لسلامتهم فيما سلكوه عن الصراط المستقيم، المقتفي أثر الأنبياء وطرائقهم، فكما سلموا من آفات الاعوجاج أفضوا إلى دار السلام.\n﴿وهو وليهم﴾ أي: والسلام - وهو اللَّه - وليهم، أي: حاففهم وناصرهم ومؤيدهم ﴿بما كمانوا يعملون﴾ أي: جزاء على [¬٣] أعمالهم الصالحة تولاهم، وأثابهم الجنة بمنه وكرمه.\n﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَامَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (١٢٨)﴾\nيقول تعالى: واذكر يا محمد فيما تقصه [¬٤] عليهم وتذكرهم به ﴿ويوم يحشرهم جميعًا﴾ يعني: الجن وأولياءهم [¬٥] [من الإِنس] [¬٦] الذين كانوا يعبدونهم في الدنيا، ويعوذون بهم ويطعونهم، ويوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ﴿يا معشر الجن قد استكثرتم من الإِنس﴾ أي: ثم يقول يا معشر الجن، وسياق الكلام يدل على المحذوف.\nومعنى قوله: ﴿قد استكثرتم من الإِنس﴾ أي: من إغوائهم وإضلالهم، كقوله [¬٧] تعالى:\n﴿﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١)﴾﴾. وقال علي بن أبي\n_________\n(^٢٦٧) - تقدم في فضائل القرآن.\n_________\n[¬١]- في ز: \" شرعناه \".\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- في ز: \"نقصه\".\n[¬٥]- في ز: \" أولياؤهم \".\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٧]- في ز: \" كما قال \".","vol":"6","page":172},{"text":"طلحة (^٢٦٨)، عن ابن عباس: ﴿يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس﴾ يعني [¬١]: أضللتم منهم كثيرًا. وكذا [¬٢] قال مجاهد والحسن وقتادة.\n﴿وقال أولياؤهم من الإنس ربنا استمتع بعضنا ببعض﴾ يعني: أن أولياء الجن من الإنس قالوا مجيبين للَّه تعالى عن ذَلك بهذا.\nقال ابن أبي حاتم (^٢٦٩): حدثنا أبي، حدثنا أبو الأشهب هوذة بن خليفة، حدثنا عوف [¬٣]، عن الحسن في هذه الآية قال: استكثر ربكم أهل النار يوم القيامة، فقال أولياؤهم من الإِنس: ﴿ربنا استمتع بعضنا ببعض﴾. قال الحسن: وما كان استمتاع بعضهم ببعض إلا أن الجن أمرت وعملت الإِنس.\nو[¬٤] قال محمد بن كعب في قوله: ﴿ربنا استمتع بعضنا ببعض﴾ قال: الصحابة في الدنيا.\nوقال ابن جريج: كان الرجل [في الجاهلية ينزل الأرض] [¬٥]، فيقول: أعوذ بكبير هذا الوادي. فذلك استمتاعهم فاعتذروا يوم القيامة.\nوأما استمتاع الجن بالإِنس: فإنه [¬٦] كان فيما ذكر: ما ينال الجن من الإنس من تعظيمهم إياهم في استعانتهم [¬٧] بهم، فيقولون: قد سدنا الإِنس والجن.\n﴿وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا﴾ قال السدي: يعني [¬٨] الموت.\n﴿قال النار مثواكم﴾ أي: مأواكم ومنزلكم أنتم وأولياؤكم ﴿خالدين فيها﴾ أي: ماكمين [فيها مكثًا] [¬٩] مخلدًا إلا ما شاء اللَّه.\nقال بعضهم: يرجع معنى الاستثناء إلى البرزخ. وقال بعضهم: هذا رد إلى مدة الدنيا. وقيل\nغير ذلك من الأقوال، التي سيأتي تقريرها عند قوله تعالى في سورة هود: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (١٠٧)﴾.\n_________\n(^٢٦٨) - أخرجه ابن جرير (١٢/ ١٣٨٨٥) وابن أبي حاتم (٤/ ٧٨٩٠).\n(^٢٦٩) - في تفسيره (٤/ ٧٨٩٣).\n_________\n[¬١]- في ز: \"بمعنى\".\n[¬٢]- في ز: \"كذلك\".\n[¬٣]- في خ، ز: \" عون \".\n[¬٤]- سقط من: ز.\n[¬٥]- في ز: \" ينزل في الجاهلية \".\n[¬٦]- في ز: \"كأنه\".\n[¬٧]- فى ز: \" استعاذتهم \".\n[¬٨]- في ز: \"أي\".\n[¬٩]- في ز: \"سكنا\".","vol":"6","page":173},{"text":"وقد روى ابن جرير وابن أبي حاتم (^٢٧٠) في تفسير هذه الآية: من طريق عبد اللَّه بن صالح كاتب الليث، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة [¬١]، عن ابن عباس قال: ﴿النار مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء اللَّه إن ربك حكيم عليم﴾ قال: إن هذه الآية آية لا ينبغي لأحد أن يحكم على اللَّه في خلقه، ولا ينزلهم جنة ولا نارًا.\n﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٢٩)﴾\nقال سعيد: عن قتادة فى تفسيرها: إنما يولي اللَّه [] [¬٢] الناي بأعمالهم، فالمؤمن ولي المؤمن أين كان وحيث كان، والكافر ولي الكافر أينما كان وحيثما كان، ليس الإِيمان بالتمني ولا بالتحلي.\nواختار [هذا القول] [¬٣] ابن جرير [¬٤].\nوقال معمر، عن قتادة فى تفسيرها: [﴿نولي بعض الظالمين بعضًا﴾] [¬٥] النار، يتبع بعضهم بعضًا.\nوقال مالك بن دينار: قرأت في الزبور: إني أنتقم من المنافقين بالمنافقين، ثم أنتقم من المنافقين جميعًا، وذلك في كتاب اللَّه [] [¬٦] تعالى: ﴿وكذلك نولي بعض الظالمين بعضًا﴾.\n[وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم فى قوله: ﴿وكذلك نولي بعض الظالمين بعضًا﴾] [¬٧] قال: ظالمي الجن وظالمي الإِنس، وقرأ ﴿ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانًا فهو له قرين﴾ قال: ونسلط [¬٨] ظلمة الجن على ظلمة الإِنس.\nوقد روى الحافظ ابن عساكر في ترجمة عبد الباقي بن أحمد (^٢٧١): من طريق سعيد بن\n_________\n(^٢٧٠) - أخرجه ابن جرير (١٢/ ١٣٨٩٢) وابن أبي حاتم (٤/ ٧٨٩٧).\n(^٢٧١) - موضوع - وعزاه لابن عساكر السيوطي في \" الجامع الصغير \" - وأفاد المناوي في \" الفيض \" (٦/ ٧٣) أن ابن عساكر أخرجه في \" التاريخ \" من جهة الحسن بن زكريا - وهو الحسن بن علي ابن زكريا أبو سعيد العدوي - عن سعيد بن عبد الجبار به قال السخاوي: \" وابن زكريا هو العدوى متهم بالوضع فهو آفته \" وأخرجه أبو حفص الكتاني فى \"جزء من حديثه\" =\n_________\n[¬١]- في خ، ز: \"حاتم\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز: \"بين\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ت.\n[¬٤]- في تفسيره (١٢/ ١٢٠).\n[¬٥]- في ز: (يولى اللَّه بعض الظالمين بعضًا).\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين فى ز: \"قول اللَّه\".\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٨]- في ز: \"سلط\".","vol":"6","page":174},{"text":"عبد الجبار الكرابيسي [¬١]، عن حماد بن سلمة، عن عاصم، عن زر، عن ابن مسعود مرفوعًا: \"من أعان ظالمًا سلطه اللَّه عليه\".\nوهذا حديث غريب، وقال بعض الشعراء:\nوما من يد إلا يد اللَّه فوقها … ولا [¬٢] ظالم إلا سيبلى بظالم\nومعنى الآية الكريمة: كما [¬٣] ولينا هؤلاء الخاسرين من الإِنس تلك الطائفة التي أغوتهم من الجن، كذلك نفعل بالظالمين نسلط بعضهم على بعض، ونهلك بعضهم ببعض، وننتقم من بعضهم ببعض، جزاء على ظلمهم وبغيهم.\n﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ (١٣٠)﴾\nوهذا أيضًا مما يقرع [¬٤] اللَّه ﷾ به كافرين الجن والإِنس يوم القيامة، حيث يسألهم وهو أعلم هل [¬٥] بلغتهم الرسل رسالاته؟ وهذا استفهام تقرير ﴿يا معشر الجن والإِنس ألم يأتكم رسل منكم﴾ أي: من جملتكم، والرسل من الإِنس فقط، [وليس من الجن رسل] [¬٦] كما نص على ذلك مجاهد وابن جريج وغير واحد من الأئمة من السلف والخلف.\nوقال ابن عباس: الرسل من بني آدم ومن الجن نذر.\nوحكى ابن جرير [¬٧] عن الضحاك بن مزاحم: أنه زعم أن فى الجن رسلًا، واحتج بهذه الآية الكريمة، وفي الاستدلال بها على ذلك نظر؛ لأنها محتملة وليست بصريحة، وهي واللَّه أعلم كقوله: ﴿مرج البحرين يلتقيان بينهما برزخ لا يبغيان﴾ إلى أن قال ﴿يخرج منهما اللؤلؤ\n_________\n= (١٤١ - ١٤٢) - كما في \" الضعيفة \" للألباني (٤/ ١٩٣٧) - ثنا أبو سعيد (هو الحسن بن علي العدوي): نا سعيد بن عبد الجبار به قال الألباني: \" وهذا إسناد موضوع، رجاله كلهم ثقات، غير العدوي هذا، وهو كذاب، فهو آفته … \" وأخذ على ابن كثير تقصيره بعدم ذكر \"الحسن ابن علي\" هذا إذ هو آفته ولعل قوله بعده: \" حديث غريب \" يشفع له.\n_________\n[¬١]- فما ز: \"الكربيسي\".\n[¬٢]- في ز: \"ما\".\n[¬٣]- فى ز: \" وما \".\n[¬٤]- في ز: \"يفزع\".\n[¬٥]- فى ز: \" أهل \".\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٧]- ابن جرير فى تفسيره (١٢/ ١٢١، ١٢٢).","vol":"6","page":175},{"text":"والمرجان﴾ ومعلوم أن اللؤلؤ والمرجان إنما يستخرجان [¬١] من الملح لا من الحلو، وهذا واضح ولله الحمد، وقد نص على هذا الجواب بعينه ابن جرير [¬٢].\nوالدليل على أن الرسل إنما هم من الأنس قوله تعالى: ﴿إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده﴾ إلى قوله [¬٣] ﴿رسلًا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على اللَّه حجة بعد الرسل﴾، وقوله تعالى عن إبراهيم: ﴿وجعلنا في ذريته النبوّة والكتاب﴾ فحصر النبوّة والكتاب بعد إبراهيم في ذريته، ولم يقل أحد من الناس إن النبوّة كانت في الجن قبل إبراهيم الخليل، ثم انقطعت عنهم ببعثته، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ﴾، وقال: ﴿وما أرسلنا من قبلك إلا رجالًا نوحي [¬٤] إليهم من أهل القرى﴾، ومعلوم أن الجن تبع للإِنس في هذا الباب، ولهذا قال تعالى إخبارًا عنهم: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (٢٩) قَالُوا يَاقَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٠) يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٣١) وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٣٢)﴾.\nوقد جاء في الحديث الذي رواه الترمذي وغيره (^٢٧٢): أن رسول اللَّه ﷺ تلا عليهم سورة الرحمن، وفيها قوله تعالى: ﴿سنفرغ لكم أيها الثقلان * فبأي آلاء ربكما تكذبان﴾.\nوقال تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا﴾ أي: أقررنا أن الرسل قد بلغونا رسالاتك، وأنذرونا لقاءك، وأن هذا اليوم كائن لا محالة.\nو[¬٥] قال تعالى: ﴿وغرتهم الحياة الدنيا﴾ أي: وقد فرطوا في حياتهم الدنيا، [وهلكوا بتكذبيهم الرسل، ومخالفتهم للمعجزات؛ لما اغتروا به من زخرف الحياة الدنيا] [¬٦] وزينتها وشهواتها ﴿وشهدوا على أنفسهم﴾ أي: يوم القيامة ﴿أنهم كانوا كافرين﴾ أي: في الدنيا بما جاءتهم به [¬٧] الرسل صلوات اللَّه وسلامه عليهم.\n_________\n(^٢٧٢) - يأتي تخريجه [فاتحة سورة الرحمن].\n_________\n[¬١]- في ز: \"يستخرجان\".\n[¬٢]- في ز: \"جريج\".\n[¬٣]- في ز: \"أن قال\".\n[¬٤]- في ز: \"يوحى\".\n[¬٥]- سقط من: ز.\n[¬٦]- سقط من: خ، ز.\n[¬٧]- سقط من: ز.","vol":"6","page":176},{"text":"﴿ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ (١٣١) وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (١٣٢)﴾\nيقول تعالى: ﴿ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم وأهلها غافلون﴾ أي: إنما أعذرنا إلى الثقلين بإرسال الرسل وإنزال الكتب؛ لئلا يعاقب أحدا بظلمه وهو لم تبلغه دعوة، ولكن أعذرنا إلى الأمم، وما عذبنا أحدًا إلا بعد إرسال الرسل إليهم، كما قال تعالى: ﴿وإن من أمة [¬١] إلا خلا فيها نذير﴾، وقال تعالى: ﴿ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت﴾، كقوله: ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولًا﴾، وقال تعالى: ﴿كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير [قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا﴾] [¬٢] والآيات في هذا كثيرة.\nوقال الإِمام أبو جعفر بن جرير [¬٣] ويحتمل قوله تعالى: ﴿بظلم﴾ وجهين:\nأحدهما: ﴿ذلك﴾ من أجل [﴿أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم﴾] [¬٤] أهلها بالشرك ونحوه ﴿وهم غافلون﴾ يقول: لم يكن يعاجلهم بالعقوبة، حتى يبعث إليهم رسولًا [¬٥] ينبههم على حجج الله عليهم، وينذرهم عذاب الله يوم معادهم، ولم يكن بالذي يؤاخذهم غفلة، فيقولوا: ما جاءنا من بشير ولا نذير.\nوالوجه الثاني: ﴿ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم﴾ يقول: لم يكن ربك ليهلكهم دون التنبيه والتذكير بالرسل، والآيات والعبر، فيظلمهم بذلك، والله غير ظلام لعبيده.\nثم شرع يرجح الوجه الأول، ولا شك أنه أقوى والله أعلم.\nقال [¬٦]: وقوله تعالى: ﴿ولكل درجات مما عملوا﴾ أي: ولكل عامل من [¬٧] طاعة الله أو معصيته مراتب ومنازل من عمله، يبلغه الله إياها ويثيبه بها، إن خيرًا [فخيرًا، وإن شرًّا فشرًا] [¬٨].\n_________\n[¬١]- في ز: \"قرية\"\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٣]- ابن جرير في تفسيره (١٢/ ١٣١، ١٣٢).\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين فى ز: \"أن ربك ليهلك القرى بظلم أهلها بالشرك\".\n[¬٥]- في خ، ز: \"من\".\n[¬٦]- في ز: \"وقال\".\n[¬٧]- سقط من: ت.\n[¬٨]- في ز: \"فخير، وإن شرًّا فشر\".","vol":"6","page":177},{"text":"(قلت): ويحتمل أن يعود قوله: ﴿ولكل درجات مما عملوا﴾ أي: [ولكل عامل من طاعة الله أو معصيته] [¬١] من كافري الجن والإنس، أي: ولكل درجة في النار بحسبه، كقوله: ﴿قال لكل ضعف﴾، وقوله: ﴿الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله زدناهم عذابًا فوق العذاب بما كانوا يفسدون﴾.\n﴿وما ربك بغافل عما يعملون﴾ قال ابن جرير [¬٢]: أي: وكل ذلك [من عملهم يا محمد] [¬٣] بعلم من ربك يحصيها ويثبتها لهم عنده؛ ليجازيهم عليها عند لقائهم إياه ومعادهم إليه.\n﴿وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ (١٣٣) إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (١٣٤) قُلْ يَاقَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (١٣٥)﴾\nيقول تعالى: ﴿وربك﴾ يا محمد ﴿الغني﴾ أي: عن جميع خلقه من [¬٤] جميع الوجوه، وهم الفقراء إليه في جميع أحوالهم ﴿ذو الرحمة﴾ أي: وهو مع ذلك رحيم بهم، رءوف [¬٥] كما قال تعالى: ﴿إن الله بالناس لرءوف رحيم﴾.\n﴿إن يشأ يذهبكم﴾ أي: إذا خالفتم أمره ﴿ويستخلف من بعدكم ما يشاء﴾ أي: قومًا آخرين، أي: يعملون بطاعته ﴿كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين﴾ أي: هو قادر على ذلك سهل عليه يسير لديه، كما أذهب القرون [¬٦] الأوَل وأتى بالذي بعدها [¬٧]، كذلك هو قادر على إذهاب هؤلاء والإتيان بآخرين، كما قال تعالى: ﴿إن يشأ يذهبكم أيها الناس ويأت بآخرين وكان الله على ذَلك قديرًا﴾، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥) إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (١٦) وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (١٧)﴾، وقال تعالى: ﴿والله [] [¬٨] الغني وأنتم الفقراء وإن تتولوا يستبدل قومًا غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم﴾.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ت.\n[¬٢]- في تفسيره (١٢/ ١٢٥).\n[¬٣]- في ز: \"يا محمد بعملهم\".\n[¬٤]- في ز: \"و\".\n[¬٥]- سقط من: ت.\n[¬٦]- في ز: \"القرن\".\n[¬٧]- في ز: \"بعده\".\n[¬٨]- ما بين المعكوفتين في ز: \"هو\".","vol":"6","page":178},{"text":"وقال محمد بن إسحاق (^٢٧٣)، عن يعقوب بن عتبة قال: سمعت أبان بن عثمان يقول في هذه الآية ﴿كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين﴾ الذرية: الأصل، والذرية: النسل. وقوله تعالى: ﴿إنما توعدون لآت وما أنتم بمعجزين﴾ أي: أخبرهم يا محمد أن الذي يوعدون به من أمر المعاد كائن لا محالة ﴿وما أنتم بمعجزين﴾ أي: و[¬١] لا تعجزون الله، بل هو قادر على إعادتكم، وإن صرتم ترابًا رفاتًا وعظامًا هو [¬٢] قادر لا يعجزه شيء.\nوقال ابن أبي حاتم في تفسيرها (^٢٧٤): حدثنا أبي، حدثنا محمد بن المصفى، حدثنا محمد ابن حمير، عن أبي بكر بن أبي مريم، عن عطاء بن أبي رباح، عن أبي سعيد الخدري ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: \"يا بني آدم، إن كنتم تعقلون فعدوا أنفسكم من الموتى، والذي نفسي بيده ﴿إنما توعدون لآت وما أنتم بمعجزين﴾ \".\nوقوله تعالى: ﴿قل يا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل فسوف تعلمون﴾ هذا تهديد [شديد، ووعيد أكيد] [¬٣]، أي: استمروا على طريقتكم وناحيتكم إن كنتم تظنون أنكم على هدى، فأنا مستمر على طريقتي ومنهجي، كقوله [¬٤]: ﴿وقل للذين لا يؤمنون اعملوا على مكانتكم إنا عاملون * وانتظروا إنا منتظرون﴾.\nقال علي بن أبي طلحة (^٢٧٥)، عن ابن عباس: ﴿على مكانتكم﴾ أى: ناحيتكم.\n﴿فسوف تعلمون من تكون له عاقبة الدار إنه لا يفلح الظالمون﴾ أي: تكون لي أولكم،\n_________\n(^٢٧٣) - أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (٤/ ٧٩٠٦).\n(^٢٧٤) - ضعيف، ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٤/ ٧٩٠٧) وأخرجه ابن أبي الدنيا في \"قِصَرُ الأَمَلِ\" (رقم ٦) والطبراني في \"مسند الشاميين\" - كما في إتحاف السادة المتقين (١٠/ ٢٣٧ - ٢٣٨) - والأصبهاني في \"الترغيب\" (١٧٤) وأبو نعيم في \"الحلية\" (٦/ ٩١) والبيهقي في \"الشعب\" (٧/ ١٠٥٦٤) وابن عساكر في \"تاريخ دمشق\" (٢/ ٦٩٤، ٦٩٥/ مخطوط) كلهم من طريق محمد بن حمير به مطولًا وقال أبو نعيم: \"غريب من حديث عطاء وأبي بكر تفرد به محمد بن حمير\" قلت: وفيه علتان: الأولى: الانقطاع بين عطاء وأبي سعيد فإنه رآه ولم يسمع منه، قاله ابن المديني، والثانية: ضعف أبي بكر بن أبي مريم، والحديث ضعف إسناده العراقي، في \"تخريج أحاديث الأحياء\" (٦/ رقم ٣٩٠٥) / المستخرج)، وسود به المنذري \"الترغيب والترهيب\" (٤/ ٢٤٢) وعزاه لابن أبي الدنيا وأبي نعيم والبيهقي والأصبهاني ولم يتكلم على إسناده.\n(^٢٧٥) - أخرجه ابن أبي حاتم (٤/ ٧٩٠٩) وابن المنذر - كما في \"الدر المنثور\" (٣/ ٨٨).\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٤]- في ز: \"كما قال تعالى\".","vol":"6","page":179},{"text":"وقد أنجز الله [¬١] موعوده لرسوله [¬٢] صلوات الله عليه، فإنه تعالى مكن له في البلاد، وحكمه في نواصي مخالفيه من العباد، وفتح له مكة، وأظهره على من كذبه من قومه وعاداه وناوأه، واستقر أمره على سائر جزيرة العرب، وكذلك اليمن والبحرين، وكل ذلك في حياته، ثم فتحت الأمصار والأقاليم والرساتيق [¬٣] بعد وفاته، في أيام خلفائه ﵃ أجمعين، كما قال الله تعالى: ﴿كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي عزيز﴾، وقال: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (٥١) يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (٥٢)﴾، [وقال تعالى: ﴿ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون﴾] [¬٤]، وقال تعالى إخبارًا عن رسله: ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ (١٣) وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ (١٤)﴾، وقال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ الآية، وقد فعل الله ذلك بهذه الأمة المحمدية [¬٥]، وله الحمد والمنة، أولًا وآخرًا، و[ظاهرًا وباطنًا].\n﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (١٣٦)﴾\nهذا ذم وتوبيخ من الله للمشركين، الذين ابتدعوا بدعًا وكفرًا وشركًا، وجعلوا لله شركاء [¬٦] وجزءًا من خلقه، وهو خالق كل شيء ﷾ [عما يشركون] [¬٧]، ولهذا قال تعالى: ﴿وجعلوا لله مما ذرأ﴾ أي: مما خلق وبرًا ﴿من الحرث﴾ أي: من الزروع والثمار ﴿والأنعام نصيبًا﴾ أي: جزءًا وقسمًا ﴿فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا﴾.\nوقوله: ﴿فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم﴾\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- في ز: \"له\".\n[¬٣]- الرستاق ويقال (الرزداق): السَّوَادُ والقُرى مُعَرَّب: رُسْتَا. (القاموس المحيط ص ١١٤٤).\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٥]- سقط من: ز.\n[¬٦]- سقط من: خ، ز.\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.","vol":"6","page":180},{"text":"قال علي بن أبي طلحة والعوفي (^٢٧٦)، عن ابن عباس أنه قال في تفسير هذه الآية: إن أعداء الله كانوا إذا حرثوا حرثًا أو كانت لهم ثمرة، جعلوا لله منه جزءًا واللوثن جزءًا، فما كان من حرث أو ثمرة أو شيء من نصيب الأوثان حفظوه وأحصوه، وإن سقط منه شيء فيما سمي للصمد ردّوه إلى ما جعلوه للوثن، وإن سبقهم الماء الذي جعلوه اللوثن، فسقى شيئًا جعلوه لله جعلوا ذلك للوثن. وإن سقط شيء من الحرث والثمرة التي جعلوها لله، فاختلط بالذي جعلوه للوثن، قالوا: هذا فقير ولم يردّوه إلى ما جعلوه لله، وإن سبقهم الماء الذي جعلوه لله، فسقى ما سمي للوثن تركوه للوثن، وكانوا يحرمون من أنعامهم [¬١] البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، فيجعلونه [¬٢] للأوثان ويزعمون أنهم يحرمونه قربة [¬٣] لله، فقال الله تعالى: ﴿وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبًا﴾ الآية.\nوهكذا قال مجاهد وقتادة والسدي وغير واحد.\nوقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في الآية [¬٤]: كل شيء جعلوه [¬٥] لله من ذبح يذبحونه لا يأكلونه أبدًا، حتى يذكروا معه أسماء الآلهة، وما كان للآلهة لم يذكروا اسم الله معه، وقرأ الآية حتى بلغ: ﴿ساء ما يحكمون﴾.\nأي: ساء ما يقسمون، فإنهم أخطئوا أولًا في القسمة؛ لأن [¬٦] الله تعالى هو رب كل شيء ومليكه وخالقه وله الملك، وكل شيء له وفي تصرفه، وتحت قدرته ومشيئته، لا إله غيره ولا رب سواه.\nثم لما قسموا فيما زعموا لم يحفظوا القسمة التي هي فاسدة، بل جاروا فيها، كقوله جل وعلا: ﴿ويجعلون لله البنات سبحانه ولهم ما يشتهون﴾، وقال تعالى: ﴿وجعلوا له من عباده جزءًا إن الإنسان لكفور مبين﴾، وقال تعالى: ﴿ألكم الذكر وله الأنثى * تلك إذا قسمة ضيزى﴾.\n_________\n(^٢٧٦) - أخرجه من الطريقين ابن جرير (١٢/ ١٣٩٠٠، ١٣٩٠١) وابن أبي حاتم (٤/ ٧٩١١، ٧٩١٣).\n_________\n[¬١]- فى \"ت، خ، ز\" \" أموالهم\" والمثبت من مصادر التحقيق.\n[¬٢]- في ز: \"فيحطونه\".\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- في ز: \"تفسيره\".\n[¬٥]- في ز: \"يجعلوه\".\n[¬٦]- في ز: \"فإن\".","vol":"6","page":181},{"text":"﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (١٣٧)﴾\nيقول تعالى: وكما زينت الشياطين لهؤلاء المشركين أن يجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبًا، كذلك زينوا لهم قتل أولادهم خشية الإملاق [¬١]، ووأد البنات خشية العار.\nوقال على بن أبي طلحة (^٢٧٧)، عن ابن عباس: ﴿وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم﴾ زينوا لهم قتل أولادهم.\nوقال مجاهد: ﴿شركاؤهم﴾ شياطينهم يأمرونهم أن يئدوا أولادهم خشية [¬٢] العَيْلة.\nوقال السدي: أمرتهم الشياطين أن يقتلوا البنات، إما ليردوهم فيهلكوهم، وإما ليلبسوا عليهم دينهم، أي [¬٣]: فيخلطوا عليهم دينهم.\nونحو ذلك قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم وقتادة.\nوهذا كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (٥٨) يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ] [¬٤]﴾، وكقوله: ﴿وإذا الموؤدة سئلت * بأي ذنب قتلت﴾ وقد كانوا أيضًا يقتلون الأولاد من الإملاق وهو الفقر، أو خشية الإملاق أن يحصل لهم في تلف [¬٥] المال، وقد نهاهم عن قتل أولادهم لذلك وإنما كان هذا كله من شرع الشيطان وتزيينه [¬٦] لهم ذلك.\nقوله [¬٧] تعالى: ﴿ولو شاء اللَّه ما فعلوه﴾ أي: كل هذا واقع بمشيئته تعالى، وإرادته واختياره لذلك كونًا، وله الحكمة [¬٨] التامّة في ذلك، فلا يسأل عما يفعل وهم يسألون ﴿فذرهم وما يفترون﴾ أي: فدعهم واجتنبهم وما هم فيه، فسيحكم الله بينك وبينهم.\n_________\n(^٢٧٧) - أخرجه ابن جرير (١٢/ ١٣٩٠) وابن أبي حاتم (٤/ ٧٩١٧) وابن المنذر - كما في \"الدر المنثور\" (٣/ ٨٩).\n_________\n[¬١]- في ز: \" \"إملاق\".\n[¬٢]- في خ، ز: \"خيفة\".\n[¬٣]- سقط من: خ.\n[¬٤]- في ت: \"الآية\".\n[¬٥]- في خ: \"تأنى\"، وفي ز: \"تاني\".\n[¬٦]- في ز: \"تزيينه\".\n[¬٧]- في ز: \"قال\".\n[¬٨]- في ز: \"الحملة\".","vol":"6","page":182},{"text":"﴿وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (١٣٨)﴾\nقال على بن أبي طلحة (^٢٧٨)، عن ابن عباس: الحجر: الحرام مما [¬١] حرموا من الوصيلة وتحريم ما حرموا.\nوكذلك قال مجاهد والضحاك والسدي وقتادة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغيرهم [¬٢].\nوقال قتادة: ﴿وقالوا هذه أنعام وحرث حجر …﴾: الآية تحريم كان عليهم من الشياطين [في أموالهم وتغليظ وتشديد] [¬٣]، ولم يكن من الله تعالى.\nوقال ابن [¬٤] زيد بن أسلم: ﴿حجر﴾ إنما احتجروها لآلهتهم.\nوقال السدي: ﴿لا يطعمها إلا من نشاء بزعمهم﴾ يقولون [¬٥]: حرام أن نطعم إلا من شئنا.\nوهذه الآية الكريمة كقوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ (٥٩)﴾.\nوكقوله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (١٠٣)﴾.\nوقال السدي: أما [الأنعام التي] [¬٦] حرمت ظهورها: فهي البحيرة والسائبة والوصيلة [¬٧] والحام، وأما الأنعام التي لا يذكرون اسم الله عليها قال: إذا أولدوها [¬٨] ولا إن نحروها.\n_________\n(^٢٧٨) - أخرجه ابن جرير (١٢/ ١٣٩١٨) وابن أبي حاتم (٤/ ٧٩٢٣) وابن المنذر - كما في \"الدر المنثور\" (٣/ ٨٩).\n_________\n[¬١]- في ز: \"ما\".\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٤]- سقط من: خ، ز.\n[¬٥]- في ز: \"يقول\".\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين في ز: \"أنعام\".\n[¬٧]- سقط من: خ، ز.\n[¬٨]- في هامش تفسير ابن جرير (١٢/ ١٢٥) لعل الصواب: \"لا إن أولدوها\". قلت. وجاءت في تفسير ابن ابي حاتم (٤/ ٧٠٣١): \"إذا ولدوها\".","vol":"6","page":183},{"text":"وقال أبو بكر بن عياش (^٢٧٩)، عن عاصم بن أبي النجود، قال لي أبو وائل: أتدري [¬١] ما في قوله ﴿وأنعام حرمت ظهورها وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها﴾؟ قلت: لا. قال: هي البحيرة كانوا لا يحجون عليها.\nوقال مجاهد: كان من إبلهم طائفة لا يذكرون اسم الله عليها في شأن [¬٢] من شأنها، لا إن ركبوا، ولا إن حلبوا، ولا إن حملوا، ولا إن سحبوا، ولا إن عملوا شيئًا.\n﴿افتراء عليه﴾ أي: على الله، وكذبًا منهم في إسنادهم ذلك إلى دين الله وشرعه؛ فإنه لم يأذن لهم في ذلك، ولا رضيه منهم ﴿سيجزيهم بما كانوا يفترون﴾ أي: عليه، ويُسْندون إليه.\n﴿وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (١٣٩)﴾\nقال أبو إسحاق السبيعي (^٢٨٠): عن عبد الله بن أبي الهذيل، عن ابن عباس: ﴿وقالوا ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا﴾ الآية، قال [¬٣]: اللبن.\n[وقال العوفي (^٢٨١)، عن ابن عباس ﴿وقالوا ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا﴾] [¬٤] فهو اللبن كانوا يحرمونه على إناثهم، ويشربه ذكرانهم، وكانت الشاة إذا ولدت [] [¬٥] ذكرًا ذبحوه وكان للرجال دون النساء، وإن كانت أنثى تركت فلم تذبح، وإن كانت ميتة فهم فيها [¬٦] شركاء، فنهى الله عن ذلك. وكذا قال السدي.\n_________\n(^٢٧٩) - أخرجه ابن جرير (١٢/ ١٣٩٢٦، ١٣٩٢٨) وابن أبي حاتم (٤/ ٧٩٣٠) وزاد السيوطي (٣/ ٩٠) عزوه إلى عبد بن حميد وابن أبي شيبة وابن المنذر وأبي الشيخ.\n(^٢٨٠) - أخرجه ابن جرير (١٢/ ١٣٩٣٢، ١٣٩٣٣) وابن أبي حاتم (٥/ ٧٩٣٥) من طرق عن إسرائيل عن أبي إسحاق به، وأبو إسحاق السبيعي مدلس وقد عنعن وزاد نسبته السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ٩٠) إلى الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وأبي الشيخ.\n(^٢٨١) - أخرجه ابن جرير (١٢/ ١٣٩٣٧) وابن أبي حاتم (٥/ ٧٩٣٣) والعوفي ضعيف.\n_________\n[¬١]- في ز: \"تدري\".\n[¬٢]- في ت: \"شئ\".\n[¬٣]- في ز: \"فهو\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين في ز: \"ولدًا\".\n[¬٦]- فى ز: \"فيه\".","vol":"6","page":184},{"text":"وقال الشعبي: البحيرة لا يأكل من لبنها إلا الرجال، وإن مات منها شيء أكله الرجال والنساء. وكذا قال عكرمة وقتادة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم.\nوقال مجاهد في قوله: ﴿وقالوا ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا﴾ قال: هي السائبة والبحيرة. وقال أبو العالية ومجاهد وقتادة [في قول الله:] [¬١] ﴿سيجزيهم وصفهم﴾ أي: قولهم الكذب في ذلك. يعني قوله [¬٢] تعالى: ﴿ولا تقولوا لِما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون متاع﴾ الآية.\n﴿إنه حكيم﴾ أي: في أفعاله وأقواله وشرعه وقدره [¬٣] ﴿عليم﴾ بأعمال عباده من خير وشر، وسيجزيهم عليها [¬٤] أتم الجزاء.\n﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (١٤٠)﴾\nيقول تعالى: قد خسر الذين فعلوا [¬٥] هذه الأفعال فى الدنيا والآخرة، أما في الدنيا فخسروا أولادهم بقتلهم، وضيقوا عليهم في أموالهم، فحرموا أشياء ابتدعوها من تلقاء أنفسهم، وأما في الآخرة فيصيرون إلى شر المنازل، بكذبهم على الله وافترائهم، كقوله: ﴿قُلْ [¬٦] إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (٦٩) مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (٧٠)﴾.\nوقال الحافظ أبو بكر بن مردويه (^٢٨٢) في تفسير هذه الآية: حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، حدثنا محمد بن أيوب، حدثنا عبد الرحمن بن المبارك، حدثنا أبو عوانة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄، قال: إذا سرك أن تعلم جهل العرب، فاقرأ ما فوق الثلاثين والمائة من سورة الأنعام: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (١٤٠)﴾.\n_________\n(^٢٨٢) - وعزاه لابن مردويه السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ٩١) وزاد نسبته إلى عبد بن حميد وأبي الشيخ وأخرجه البخاري في صحيحه، كتاب: المناقب، باب: قصة زمزم وجهل العرب (٣٥٢٤).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٢]- في ز: \"لقوله\".\n[¬٣]- سقط من: خ.\n[¬٤]- في ز: \"على ذلك\".\n[¬٥]- في خ، ز: \"صنعوا\".\n[¬٦]- سقط من: ز.","vol":"6","page":185},{"text":"وهكذا رواه البخاري منفردًا في كتاب مناقب قريش بن صحيحه: عن أبي النعمان محمد بن الفضل عارم، عن [¬١] أبي عوانة واسمه الوضاح بن عبد الله اليشكري، عن أبي بشر واسمه جعفر بن أبي وحشية [] [¬٢] إياس، به.\n﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (١٤١) وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (١٤٢)﴾\nيقول تعالى [مبينًا أنه] [¬٣] الخالق لكل شيء: من الزروع [¬٤] والثمار والأنعام، التي تصرف فيها هؤلاء [¬٥] المشركون بآرائهم الفاسدة، وقسموها وجزءوها، فجعلوا منها حرامًا وحلالًا، فقال: ﴿وهو الذي أنشأ جنات معروشات وغير معروشات﴾.\nقال على بن أبي طلحة (^٢٨٣)، عن ابن عباس: [﴿معروشات﴾] [¬٦] مسموكات [¬٧]. وفي رواية: المعروشات: ما عرش الناس، ﴿وغير معروشات﴾ ما خرج فى البر والجبال من الثمرات.\nوقال عطاء الخراساني (^٢٨٤)، عن ابن عباس: ﴿معروشات﴾: ما عرش من الكرم ﴿وغير معروشات﴾ ما لم يعرش من الكرم. وكذا قال السدي.\nوقال ابن جريج: ﴿متشابهًا وغير متشابه﴾. قال: متشابهًا في المنظر، وغير متشابه في المطعم [¬٨].\nوقال محمد بن كعب: ﴿كلوا من ثمره إذا أثمر﴾ قال: من رطبه وعنبه.\n_________\n(^٢٨٣) - أخرجه ابن جرير (١٢/ ١٣٩٥٥، ١٣٩٥٦).\n(^٢٨٤) - أخرجه ابن جرير (١٢/ ١٣٩٥٨) وعطاء الخراساني لم يسمع من ابن عباس.\n_________\n[¬١]- في ز: \"بن\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز: \"عن\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في ز: \"بيانًا لأنه\".\n[¬٤]- في ز: \"الزرع\".\n[¬٥]- سقط من: ز.\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٧]- مرفوعات.\n[¬٨]- في ز: \"الطعم\".","vol":"6","page":186},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾ قال ابن جرير [¬١]: قال بعضهم: هي الزكاة المفروضة.\nحدثنا عمرو (^٢٨٥)، حدثنا عبد الصمد، حدثنا يزيد بن درهم، قال: سمعت أنس بن مالك يقول: ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾ قال: الزكاة المفروضة.\nوقال على بن أبي طلحة (^٢٨٦)، عن ابن عباس: ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾ يعني: الزكاة المفروضة يوم يكال ويعلم كيله. وكذا قال سعيد بن المسيب.\nوقال العوفي (^٢٨٧)، عن ابن عباس: ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾ وذلك أن الرجل كان إذا زرع فكان يوم حصاده، لم يخرج مما حصد شيئًا، فقال الله تعالى: ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾ وذلك أن يعلم ما كيله، وحقه من كل عشرة واحدًا، وما يلقط الناس من سنبله.\nوقد روى الإِمام أحمد وأبو داود في سننه (^٢٨٨): من حديث محمد بن إسحاق، حدثني محمد بن يحيى بن حبان، [عن عمه واسع بن حبان] [¬٢]، عن جابر بن عبد الله: أن النبي\n_________\n(^٢٨٥) - إسناده ضعيف، أخرجه ابن جرير (١٢/ ١٣٩٦٣)، وأخرجه أيضًا ابن أبي حاتم (٥/ ٧٩٥٣) وأبو جعفر النحاس في \"الناسخ والمنسوخ\" (ص ٤٢١) وابن عدي في \"الكامل\" (٧/ ٢٧٣٢) ومن طريقه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٤/ ١٣٢) من طرق عن عبد الصمد به قال البيهقي: \"هذا موقوف غير قوي\" قلت: علته يزيد بن درهم هذا فقد وثقه الفلاس، لكن قال فيه ابن معين ليس بشيء وذكره ابن حبان في \"الثقات\" (٥/ ٥٣٨) وقال: \"يخطئ كثيرًا\" وذكره الساجي والعقيلي وابن الجارود في \"الضعفاء\" وقال ابن عدي: \"لا أعرف ليزيد بن درهم كثير رواية إلا مقاطيع عن التابعين وعن الصحابة\".\n(^٢٨٦) - أخرجه ابن جرير (١٢/ ١٣٩٧١) وابن أبي حاتم (٥/ ٧٩٥٨) وعزاه السيوطي (٣/ ٩٤) إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢٨٧) - أخرجه ابن جرير (١٢/ ١٣٩٧٢٢) ولفظ المصنف مغايرٌ له في بعض الأحرف. وعطية العوفي ضعيف مضى مرارًا.\n(^٢٨٨) - إسناده حسن، أخرجه أحمد (٣/ ٣٥٩، ٣٦٠) وأبو داود (١٦٦٢) وكذا أخرجه أبو يعلى في \"المسند\" (٣/ رقم ١٧٨١) والطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (٤/ ٣٠) والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٥/ ٣١١) من طريق محمد بن إسحاق به، وذكره الهيثمي في \"المجمع\" (٤/ ١٠٦) - ولم يشر إلى رواية أبي داود - وقال: \"رواه أبو يعلى وفيه ابن إسحاق وهو ثقة ولكنه مدلس وبقية رجاله رجال الصحيح\" قلت: صرح ابن إسحاق بالتحديث عند أحمد، والحديث صححه ابن خزيمة (٤/ ٢٤٦٩).\n_________\n[¬١]- ابن جرير في تفسيره (١٢/ ١٥٨).\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.","vol":"6","page":187},{"text":"ﷺ أمر مِنْ كُلِّ جَادٍ عَشْرَةَ أَوسُقٍ من التمر، بِقِنْوٍ يُعَلَّقُ في المسجد للمساكين.\nوهذا إسناد [¬١] جيد قوي.\nوقال طاوس وأبو الشعثاء وقتادة والحسن والضحاك وابن جريج: هي الزكاة.\nوقال الحسن البصري: هى الصدقة من الحب والثمار. وكذا قال ابن زيد بن أسلم.\nوقال آخرون: هو حق آخر سوى الزكاة.\nوقال أشعث، عن محمد بن سيرين و[] [¬٢] نافع، عن [¬٣] ابن عمر في قوله: ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾ قال: كانوا يعطون شيئًا سوى الزكاة. رواه ابن مردويه (^٢٨٩).\nوروى عبد الله بن المبارك وغيره، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء بن أبي رباح في قوله: ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾ قال: يعطي من حضره يومئذ ما تيسر، وليس بالزكاة.\nوقال مجاهد: إذا حضرك المساكين طرحت لهم منه.\nوقال عبد الرزاق (^٢٩٠): عن ابن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾ قال: عند الزرع يعطي القبضَ، وعند الصِّرام يعطي القبض، ويتركهم فيتبعون آثار الصرام.\nوقال الثوري: عن حماد، عن إبراهيم النخعي [¬٤]، قال: يعطي مثل الضغث.\n_________\n(^٢٨٩) - إسناده ضعيف وعزاه لابن مردويه السيوطي فى \"الدر المنثور\" (٣/ ٩٢) وأخرجه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٣/ ٧٦) والطبراني في \"الأوسط\" (٦/ ٦٠٤١) من طريق عبد الرحيم بن سليمان عن أشعث بن سوار به غير مقرون ابن سيرين بنافع عند الطبراني، وقال الطبراني: \"لم يرو هذا الحديث عن أشعث بن سوارِ إلا عبد الرحيم بن سليمان\" كذا قال وتابعه حفص بن غياث عن أشعث به عند ابن شاهين في \"الناسخ والمنسوخ\" (ص ٤٢٣) والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (١٣٢١٤) - ورواية ابن شاهين ليس فيها \"ابن سيرين\" - وذكره الهيثمى في \"المجمع\" (٧/ ٢٥) وقال: \"رواه الطبراني في \"الأوسط\" ورجاله ثقات\" قلنا: كيف؟ وأشعث ضعفه أحمد وابن معين في رواية - والنسائي والدارقطني وغيرهم - وزاد نسبته السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ٩٢): إلى ابن المنذر وأبي الشيخ.\n(^٢٩٠) - عبد الرزاق في تفسيره (٢/ ٢١٩) ومن طريقه ابن جرير (١٢/ ١٤٠١٩) وله طرق عن مجاهد انظر تفسير ابن جرير (١٢/ ١٦٢: ١٦٧).\n_________\n[¬١]- في ز: \"إسناده\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز: \"عن\".\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- سقط من: خ، ز.","vol":"6","page":188},{"text":"وقال ابن المبارك: عن شريك، عن سالم، عن سعيد بن جبير ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾ قال: كان هذا قبل الزكاة، للمساكين القبضة، و[¬١] الضغث لعلف دابته.\nوفي حديث ابن لهيعة، عن دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي [¬٢] سعيد مرفوعًا. ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾ قال: \"ما سقط من السنبل\". رواه ابن مردويه (^٢٩١).\nوقال آخرون: هذا كله [¬٣] شيء كان واجبًا، ثم نسخه الله بالعشر أو [¬٤] نصف العشر. حكاه ابن جرير: عن ابن عباس، ومحمد بن الحنفية، وإبراهيم النخعي، والحسن، والسدي، وعطية العوفي، وغيرهم، واختاره ابن جرير رحمه [¬٥] الله.\nقلت: وفي تسمية هذا نسخًا نظر؛ لأنه قد كان شيئًا واجبًا في الأصل، ثم إنه فصل بيانه، وبين مقدار المخرج وكميته، قالوا: وكان هذا في السنة الثانية من الهجرة فالله أعلم.\nوقد ذم الله سبحانه الذين يصرمون ولا يتصدقون، كما ذكر عن أصحاب الجنة في سورة \"ن\": ﴿إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ (١٧) وَلَا يَسْتَثْنُونَ (١٨) فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ (١٩) فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ (٢٠)﴾ أي: كالليل المدلهم سوداء محترقة ﴿فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ (٢١) أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ (٢٢) فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ (٢٣) أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ (٢٤) وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ﴾ أي: قوة وجلد وهمة ﴿قَادِرِينَ (٢٥) فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ (٢٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (٢٧) قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ (٢٨) قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (٢٩) فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ (٣٠) قَالُوا يَاوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ (٣١) عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ (٣٢) كَذَلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٣٣)﴾.\nوقوله تعالى: ﴿ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين﴾ قيل: معناه لا [¬٦] تسرفوا في الإعطاء، فتعطوا فوق المعروف.\nوقال أبو العالية: كانوا يعطون يوم الحصاد شيئًا، ثم تباروا فيه وأسرفوا، فأنزل الله: ﴿ولا\n_________\n(^٢٩١) - إسناده ضعيف وعزاه لابن مردويه السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ٩٢) - وأخرجه ابن شاهين في \"الناسخ والمنسوخ\" (ص ٤٢٧) من طريق ابن لهيعة به وابن لهيعة سيئ الحفظ، \"وأحاديث دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد غير مستقيمة\" قاله أبو داود، والحديث زاد السيوطي عزوه إلى ابن المنذر وأبي الشيخ.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- سقط من: ت.\n[¬٣]- في ز: \"كل\".\n[¬٤]- في ز: \"و\".\n[¬٥]- في ز: \"رحمهم\".\n[¬٦]- في ز: \"ولا\".","vol":"6","page":189},{"text":"تسرفوا﴾.\nوقال ابن جريج: نزلت في ثابت بن قيس بن شماس [¬١]، جدَّ [¬٢] نخلًا له [¬٣] فقال: لا يأتيني اليوم أحد إلا أطعمته، فأطعم حتى أمسى وليست له ثمرة، فأنزل الله تعالى: ﴿ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين﴾. رواه ابن جرير (^٢٩٢) عنه.\nوقال ابن جريج، عن عطاء: نهوا [¬٤] عن السرف في كل شيء.\nوقال إياس بن معاوية: ما جاوزت به أمر الله فهو سرف.\nوقال السدي في قوله: ﴿ولا تسرفوا﴾ قال: لا تعطوا أموالكم فتقعدوا فقراء.\nوقال سعيد بن المسيب ومحمد بن كعب في قوله: ﴿ولا تسرفوا﴾ قال: لا تمنعوا الصدقة فتعصوا ربكم [¬٥].\nثم اختار ابن جرير قول عطاء: إنه نَهيٌ عن الإسراف في كل شيء، ولا شك أنه صحيح، لكن الظاهر واللَّه أعلم من سياق الآية حيث قال تعالى: ﴿كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده ولا تسرفوا﴾ أن [¬٦] يكون عائدًا على [¬٧] الأكل، أي: لا تسرفوا في الأكل؛ لما فيه من مضرة العقل والبدن، كقوله تعالى: ﴿وكلوا واشربوا ولا تسرفوا [إنه لا يحب المسرفين] [¬٨]﴾.\nوفي صحيح البخاري تعليقًا (^٢٩٣): \" كلوا واشربوا [والبسوا [وتصدقوا] [¬٩] [في] [¬١٠] غير إسراف ولا مخيلة\". وهذا من هذا والله أعلم.\nوقوله ﷿: ﴿ومن الأنعام حمولة وفرشًا﴾ أي: وأنشأ لكم من الأنعام ما هو\n_________\n(^٢٩٢) - ابن جرير في تفسيره (١٢/ ١٤٠٤٠) وكذا أخرجه ابن أبي حاتم (٥/ ٧٩٦٦) عن ابن جريج غير أنه قال: جَذَّ معاذ بن جبل فذكره وهو على الوجهين معضل.\n(^٢٩٣) - حسن، صحيح البخاري كتاب: اللباس، باب: قول الله تعالى: ﴿قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده﴾ (١٠/ ٢٥٢ /فتح)، ويأتي موصولًا من حديث عمرو بن العاص [سورة الأعراف/آية/ ح ٣١] ويخرج هناك إن شاء الله تعالى.\n_________\n[¬١]- في ز: \"الشماس\".\n[¬٢]- في ز: \"جذ\".\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- في ز: \"ينهى\".\n[¬٥]- سقط من: ز.\n[¬٦]- في ت: \"أي\".\n[¬٧]- في ز: \"إلى\".\n[¬٨]- في ت: \"الآية\".\n[¬٩]- زيادة من صحيح البخاري.\n[¬١٠]- في خ: من.","vol":"6","page":190},{"text":"حمولة، وما هو فرش، قيل المراد بالحمولة: ما يحمل عليه من الإبل، والفرش: الصغار منها، كما قال الثوري، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد اَلله فى قوله: ﴿حمولة﴾ ما حمل عليه [¬١] من الإبل ﴿وفرشًا﴾ قال [¬٢]: الصغار من الإبل. رواه الحاكم (^٢٩٤) وقال: صحيح الإِسناد [¬٣] ولم يخرجاه [¬٤].\nوقال ابن عباس (^٢٩٥): الحمولة هي الكبار، والفرش الصغار من الإِبل. وكذا قال مجاهد.\nوقال على بن أبي طلحة (^٢٩٦)، عن ابن عباس: ﴿ومن الأنعام حمولة وفرشًا﴾ أما الحمولة فالإِبل والخيل والبغال والحمير، وكل شيء يحمل عليه، وأما الفرش: فالغنم.\nواختاره ابن جرير، قال: وأحسبه إنما سمي فرشًا لدنوه من الأرض.\nوقال الربيع بن أنس والحسن والضحاك وقتادة وغيرهم [¬٥]: الحمولة: الإِبل والبقر، والفرش: الغنم.\nوقال السدي: أما الحمولة: فالإبل، وأما الفرش: فالفصلان والعجاجيل [¬٦] والغنم، وما حمل عليه فهو حمولة.\n_________\n(^٢٩٤) - \" المستدرك\" (٢/ ٣١٧) وأخرجه الفريابي في تفسيره - كما في \"الدر المنثور\" (٣/ ٩٤) - ومن طريقه الطبراني في \"الكبير\" (٩/ ٩٠١٨) - وابن جرير (١٢/ ١٧٨، ١٧٩) وابن أبي حاتم (٥/ ١٤٠٠) كلهم من طريق الثوري به وصححه الحاكم على شرط الشيخين ووافقه الذهبي، والثوري أثبت الناس فى أبي إسحاق، قاله المزي فى \"تهذيب الكمال\" (٢٢/ ١٠٩) ورواه ابن جرير (١٢/ ١٧٩) من طريق شعبة عن أبي إسحاق به غير أن شعبة قال في آخره: \"إنما كان حدثني سفيان عن أبي إسحاق\" وزاد نسبته السيوطي (٣/ ٩٤) إلى عبد بن حميد، وأبي عبيد، وابن المنذر، وأبي الشيخ.\n(^٢٩٥) - أخرجه ابن جرير (١٢/ ١٤٠٤٨) وفي إسناده أبو بكر الهذلي، أخباري متروك، وعزاه السيوطي (٣/ ٩٤) إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم وأبي الشيخ.\n(^٢٩٦) - أخرجه ابن جرير (١٢/ ١٤٠٥٨) وابن أبي حاتم (٥/ ٧٩٧٢) وابن المنذر كما فى \"الدر المنثور\" (٣/ ٩٥).\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- سقط من: ت.\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- الذي فى المستدرك حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.\n[¬٥]- سقط من: خ، ز.\n[¬٦]- \"العجاجيل\" جمع \"عجَّول\" بكسر العين، وتشديد الجيم وفتحها، وسكون الواو وهو \"العجل\" ولد البقر. القاموس المحيط: ١٣٣١ ..","vol":"6","page":191},{"text":"وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: الحمولة ما تركبون، والفرش ما تأكلون وتحلبون، شاة لا تحمل تأكلون لحمها، وتتخذون من صوفها لحافًا وفراشًا [¬١].\nوهذا الذي قاله عبد الرحمن في تفسير هذه الآية الكريمة حسن، يشهد له قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ (٧١)﴾، وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ (٦٦)﴾ إِلى أن قال: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ (٨٠)﴾، وقال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعَامَ لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٧٩)﴾.\nوقوله تعالى: ﴿كلوا مما رزقكم الله﴾ أي: من الثمار والزروع، والأنعام، فكلها خلقها الله، وجعلها رزقًا لكم ﴿ولا تتبعوا خطوات الشيطان﴾ أي: طرائقه وأوامره كما اتبعها المشركون، الذين حرموا ما رزقهم الله، أي: من الثمار والزروع افتراء على الله ﴿إنه لكم﴾ أي: إن الشيطان أيها الناس لكم ﴿عدو مبين﴾ أي: بين [¬٢] ظاهر العداوة، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ (٦)﴾، وقال تعالى ﴿يَابَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا﴾ الآية، وقال تعالى: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا (٥٠)﴾ والآيات في هذا كثيرة في القرآن.\n﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٤٣) وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٤٤)﴾\n_________\n[¬١]- في ت: \"وفرشًا\".\n[¬٢]- في ز: \"مبين\".","vol":"6","page":192},{"text":"وهذا بيان لجهل العرب قبل الإسلام، فيما كانوا حرموا من الأنعام، وجعلوها أجزاء وأنواعا: بحيرة وسائبة ووصيلة وحامًا، وغير ذلك من الأنواع التي ابتدعوها، في الأنعام والزروع والثمار، فبين تعالى أنه أنشأ جنات معروشات وغير معروشات، وأنه أنشأ من الأنعام حمولة وفرشًا. ثم بين أصناف الأنعام؛ إلى غنم؛ وهو بياض: هو الضأن، وسواد وهو المعز: ذكره وأنثاه، وإلى إبل: ذكورها وإناثها، وبقر كذلك، وأنه تعالى لم يحرم شيئًا من ذلك، ولا شيئًا من أولادها، بل كلها مخلوقة لبني آدم: أكلًا وركوبًا، وحمولة وحلبًا، وغير ذلك من وجوه المنافع، كما قال: ﴿وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج﴾ الآية.\nوقوله تعالى: ﴿أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين﴾ رد عليهم في قولهم: ﴿مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا﴾.\nوقوله تعالى: ﴿نبئوني بعلم إن كنتم صادقين﴾ أي: أخبروني عن يقين: كيف حرم الله عليكم ما زعمتم تحريمه، من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام ونحو ذلك.\nوقال العوفي (^٢٩٧)، عن ابن عباس قوله: ﴿ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن المعز اثنين﴾ فهذه أربعة أزواج ﴿ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين قل آلذكرين حرم أم الأنثيين﴾ يقول: [لم أحرم شيئًا من ذلك ﴿أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين﴾ يعني: هل يشتمل الرحم إلا على ذكر أو أنثى، فلم تحرمون بعضًا وتحلون بعضًا؟] [¬١] ﴿نبئوني بعلم إن كنتم صادقين﴾ يقول تعالى: كله حلال.\nوقوله تعالى: ﴿أم كنتم شهداء إذ وصاكم الله بهذا﴾ تهكم بهم فيما ابتدعوه، وافتروه على الله من تحريم ما حرموه من ذلك ﴿فمن أظلم ممن افترى على الله كذبًا ليضل الناس بغير علم﴾ أي: لا أحد أظلم [¬٢] منه ﴿إن الله لا يهدي القوم الظالمين﴾.\nوأول [¬٣] من دخل في هذه الآية عمرو بن لحي بن قمعة؛ لأنه [¬٤] أول [من غير دين الأنبياء، وأول] [¬٥] من سيب السوائب، ووصل الوصيلة، وحما الحام، كما ثبت ذلك في الصحيح (^٢٩٨).\n_________\n(^٢٩٧) - أخرجه ابن جرير (١٢/ ١٤٠٧٦) وابن أبي حاتم (٥/ ٧٩٩١) والعوفي ضعيف.\n(^٢٩٨) - تقدم تخريجه [سورة المائدة/آية ١٠٣].\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٢]- فى ز: \"أضل\".\n[¬٣]- في ز: \"وأولى\".\n[¬٤]- في ز: \"فإنه\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.","vol":"6","page":193},{"text":"﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤٥)﴾\nيقول تعالى آمرًا عبده ورسوله محمدًا ﷺ: ﴿قل﴾ لهؤلاء الذين حرموا ما رزقهم الله افتراء على الله ﴿لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ أي: آكل يأكله، قيل: معناه لا أجد شيئًا مما حرمتم حرامًا سوى هذه، وقيل: معناه لا أجد من الحيوانات شيئًا حرامًا سوى هذه، فعلى هذا يكون ما ورد من التحريمات [¬١] بعد هذا في سورة المائدة، وفي الأحاديث الواردة: رافعًا لمفهوم هذه الآية.\nومن الناس من يسمى هذا [¬٢] نسخًا، والأكثرون من المتأخرين لا يسمونه نسخًا؛ لأنه من باب رفع مباح الأصل، والله أعلم.\nوقال العوفي (^٢٩٩)، عن ابن عباس ﴿أو دمًا مسفوحًا﴾ يعني: المهراق.\nوقال عكرمة في قوله: ﴿أو دمًا مسفوحًا﴾ لولا هذه الآية لتتبع [الناس] [¬٣] ما في العروق [¬٤]، كما تتبعه اليهود.\nوقال حماد، عن عمران بن حُدَير قال: سألت أبا مجلز عن الدم، وما يتلطَّخُ من الذبح من الرأس، وعن القِدْر يرى [¬٥] فيها الحُمرة؟ فقال: إنما نهى الله عن الدم المسفوح.\nوقال قتادة: حُرِّم من الدماء ما كان مسفوحًا، فأما اللحم [¬٦] خَاَلطَه دم فلا بأس به.\n_________\n(^٢٩٩) - لم أجده من هذه الطريق، وإنما أخرجه ابن أبي حاتم (٥/ ٨٠٠٨) من طريق على بن أبي طلحة عن ابن عباس به.\n_________\n[¬١]- فى ز: \"التحرمات\".\n[¬٢]- فى ز: \"ذلك\".\n[¬٣]- فى تفسير عبد الرزاق (٢/ ٢٢٠) وابن جرير (١٢/ ١٤٠٨٩) وابن أبي حاتم ٥/ ٨٠١٤): \"المسلمون\" وكذا ذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ٩٧) وزاد نسبته إلى سعيد بن منصور وابن المنذر وأبي الشيخ.\n[¬٤]- فى ز: \"المعروق\".\n[¬٥]- فى ز: \"نرى\".\n[¬٦]- في ز: \"لحم\".","vol":"6","page":194},{"text":"وقال ابن جرير (^٣٠٠): حدثنا المثنى، حدثنا حجاج بت منهال، حدثنا حماد، عن يحيى بن سعيد، عن القاسم، عن عائشة ﵂: أنها كانت لا ترى بلحوم السباع بأسًا، والحمرة والدم [يكونان على] [¬١] القدر بأسًا، وقرأت هذه الآية. صحيح غريب.\nوقال الحميدي (^٣٠١): حدثنا سفيان، حدثنا عمرو بن دينار، قال: قلت [لجابر بن عبد الله] [¬٢]: إنهم يزعمون أن رسول الله ﷺ نهى عن لحوم الحمر الأهلية زمن خيبر؟ فقال: قد كان يقول ذلك الحكم بن عمرو عن رسول الله ﷺ، ولكن أبى ذلك البحر - يعني: ابن عباس -، وقرأ: ﴿قل لا أجد فيما أوحي إليَّ محرمًا [على طاعم يطعمه] [¬٣]﴾ الآية.\nوكذا [¬٤] رواه البخاري (^٣٠٢): عن علي بن المدينى، عن سفيان به. وأخرجه أبو داود: من\n_________\n(^٣٠٠) - صحيح، ابن جرير فى تفسيره (١٢/ ١٤٠٩٠) وأخرجه ابن أبي حاتم (٥/ ٨٠١١) وأبو جعفر النحاس في \"الناسخ والمنسوخ\" (ص ٤٣٤) من طريقين عن يحيى بن سعيد به، وقال أبو جعفر النحاس: \"هذا إسناد صحيح لا مطعن فيه\" وزاد نسبته السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ٩٦) إلى ابن المنذر وأبي الشيخ وابن مردويه وغفل عن عزوه إلى ابن جرير.\nوكثيرًا ما يغفل هذا المصدر الأخير، فتنبه لهذا!!\n(^٣٠١) - صحيح، الحميدي في مسنده (٢/ رقم ٨٥٩) ومن طريقه الطبراني في \"الكبير\" (٣/ ٣١٦٤) والحاكم في \"المستدرك\" (٢/ ٣١٧) - وانظر ما بعده.\n(^٣٠٢) - صحيح البخاري، كتاب: الذبائح والصيد، باب: لحوم الحمر الإنسية (٥٥٢٩) وأخرجه أحمد في \"المسند\" (٤/ ٢١٣) ثنا سفيان بن عيينة به وأخرجه أبو داود، كتاب: الأطعمة، باب: في لحوم الحمر الأهلية (٣٨٠٨) من طريق ابن جريج عن عمرو به وابن الجعد في مسنده (٢/ ١٦٩٢) من طريق شعبة عن عمرو بن دنيار به.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ز: \"يكونوا أعلى\".\n[¬٢]- وكذا وقع في \"المستدرك\" للحاكم وهو وهم أو خطأ من الناسخ وصوابه \"جابر بن زيد\" كما في مصادر التخريج وهو نفسه أبو الشعثاء كما جاء في رواية أحمد (٤/ ٢١٣) وصرح به ابن حجر في \"الفتح\" (٩/ ٦٥٥) وقد بينت رواية أبي داود ذلك بيانًا شافيًا رواه في سننه (٣٨٠٨) من طريق عمرو بن دينار، أخبرني رجل - جاء تسميته في رواية عند البخاري (٥٥٢٠) وغيره - عن جابر بن عبد الله قال: نهى رسول الله ﷺ يوم خيبر عن أن نأكل لحوم الحمر، أمرنا أن نأكل لحوم الخيل، قال عمرو: فأخبرت هذا الخبر أبا الشعثاء - (جابر بن زيد) - فقال: قد كان الحكم الغفاري فينا يقول هذا، وأبى ذلك البحر، يريد ابن عباس\" ولعل الوهم والخطأ دخل من هنا والله أعلم.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٤]- في ز: \"هكذا\".","vol":"6","page":195},{"text":"حديث ابن جريج، عن عمرو بن دينار. ورواه الحاكم فى مستدركه (^٣٠٣) [مع أنه في صحيح البخاري كما رأيت.\nوقال أبو بكر بن مردويه والحاكم في مستدركه] [¬١]: حدثنا [محمد بن علي بن دحيم] [¬٢]، حدثنا أحمد بن حازم، حدثنا أبو نعيم الفضل بن دكين، حدثنا محمد بن شريك، عن عمرو ابن دينار، عن أبي الشعثاء، عن ابن عباس قال: كان أهل الجاهلية يأكلون أشياء، ويتركون أشياء تقذرًا، فبعث الله نبيه، وأنزل كتابه، وأحل حلاله، وحرم حرامه، فما أحل فهو حلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو، وتلا [¬٣] هذه الآية: ﴿قل لا أجد فيما أوحي إلى محرمًا على طاعم يطعمه﴾ إلى آخر الآية.\nوهذا لفظ ابن مردويه (^٣٠٤)، ورواه أبو داود منفردًا به: عن محمد بن داود بن صبيح، عن أبي نعيم به. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإِسناد ولم يخرجاه.\nوقال الإِمام أحمد (^٣٠٥): حدثنا عفان، حدثنا أبو عوانة، عن سماك بن حرب، عن\n_________\n(^٣٠٣) - \" المستدرك\" (٢/ ٣١٧) واستدراك المصنف على الحاكم بأن الحديث في صحيح البخاري هو مستدرك فإن في رواية الحاكم زيادة ليست عند البخاري وهي قوله \"وقد كان أهل الجاهلية يتركون أشياء تقذرًا فأنزل الله ﷿ وبين حلاله وحرامه فما أحل فهو حلال وما حرم فهو حرام وما سكت عنه فهو عفو ثم تلا هذه الآية: ﴿قل لا أجد ....﴾.\nوقال الحاكم عقبه \"حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه بهذه السياقة\" ووافقه الذهبي، وعليه فإن لاستدراك الحاكم هذا الحديث على الشيخين له وجهه لا سيما وقوله الأخير يدل على ذلك. فتنبه لمثل ذلك وبالله التوفيق.\n(^٣٠٤) - صحيح وعزاه لابن مردويه السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ٩٦) - وأخرجه الحاكم (٤/ ١١٥) أخبرني محمد بن علي بن دحيم - تحرف إلى على بن محمد فليصحح - وأخرجه أبو داود (٣٨٠٠) من طريق محمد بن داود بن صبيح، وابن أبي حاتم (٥/ ٨٠٠٠) من طريق موسى بن عبد الرحمن كلاهما عن أبي نعيم به وصحح إسناده الحاكم ووافقه الذهبي وهو كما قالا: وزاد نسبته السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ٩٦) إلى عبد بن حميد وأبي الشيخ، وانظر ما قبله.\n(^٣٠٥) - إسناده ضعيف. \"المسند\" (١/ ٣٢٧، ٣٢٨) (رقم ٣٠٢٧ - شاكر)، وذكره الحافظ في \"الفتح\" (٩/ ٦٥٩، ٦٦٠) من طريق أحمد وأخرجه ابن أبي حاتم (٥/ ٨٠٠٣)، والطبراني في \"الكبير\" (١١/ ١١٧٦٥) و(٢٤/ رقم ١٠٠)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (١/ ١٨) من\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٢]- تحرف في \"المستدرك\" إلى \"على بن محمد\" وهو خطأ والصواب المثبت هنا انظر \"السير\" (١٦/ ٣٦) و\"العبر\" (٢/ ٢٩٣) للذهبي.\n[¬٣]- في ت: \"وقرأ\".","vol":"6","page":196},{"text":"عكرمة، عن ابن عباس، قال: ماتت شاة لسودةَ بنت زَمْعَة، فقالت: يا رسول الله، ماتت فلانة - تعني الشاة - قال: \"فلم لا أخذتم مَسْكَها؟ \". قالت: نأخذ مَسْكَ شاةٍ قد ماتت؟ فقال لها رسول اللَّه ﷺ: \"إنما قال الله ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾ وإنكم لا تطعمونه، إن تدبغوه فتنتفعوا [¬١] به\". فأرسلت فسلخت مَسْكَها فدبغته، فاتخذت منه قربة حتى تخرَّقت عندها.\nورواه البخاري والنسائي (^٣٠٦): من حديث الشعبي، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن سودة بنت زمعة بذلك أو نحوه. وقال سعيد بن منصور (^٣٠٧): حدثنا عبد العزيز بن محمد، عن عيسى بن نميلة الفزاري، عن أبيه، قال: كنت عند ابن عمر، فسأله رجل عن أكل القُنَفُذ [¬٢]، فقرأ عليه: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ الآية. فقال شيخ عنده:\n_________\n=طريق مسدد وغيره ثنا أبو عوانة به مقرونًا بأبي عوانة أبو الأحوص عند ابن أبي حاتم، ومن طريق أبي الأحوص أخرجه الطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (٤/ ٤٧١) والطبراني أيضًا (١١/ ١١٧٦٦) مختصرًا وقال الطبراني: \"قال أبو الأحوص: أم الأسود - ورواية أبي الأحوص عند الطحاوي قال فيها: سودة - وإنما الصواب سودة\" قلت: وإسناده رجاله رجال الصحيح، إلا أن رواية سماك عن عكرمة مضطربة، وقد رواه أحمد أيضًا (١/ ٣٢٨)، وابن أبي حاتم (٥/ ٨٠٠٥)، والطبراني في \"الكبير\" (٢٤/ ٣٦) من طريق سماك، عن عكرمة، عن سودة بنت زمعة. وإسحاق بن راهويه في مسنده (٤/ ٢٠٩٠) من طريق يزيد بن أبي زياد، عن عكرمة بالإسناد السابق هكذا منقطعًا بدون ذكر ابن عباس، وصح من طرق أخرى بلفظ آخر، انظر الآتي.\n(^٣٠٦) - أخرجه البخاري، كتاب: الأيمان والنذور، باب: إذا حلف أن لا يشرب نبيذًا … (٦٦٨٦)، والنسائي، كتاب: الفرع والعتيرة، باب: جلود الميتة (٧/ ١٧٣)، وكذا أخرجه أحمد (٦/ ٤٢٩)، وإسحاق بن راهويه في مسنده (٤/ ٢٠٩١)، والطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (٤/ ٤٧٠)، والطبراني في \"الكبير\" (٢٤/ ٣٥، ٣٦) وغيرهم من طريق عامر الشعبي به.\n(^٣٠٧) - إسناده فيه جهالة. وعزاه لسعيد بن منصور السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ٩٦) - ومن طريقه أخرجه أحمد في \"المسند\" (٢/ ٣٨١) (٨٩٤١) - ومن طريق أحمد المزي في \"تهذيب الكمال\" (٢٣/ ٥٢، ٥٣) - وابن أبي حاتم في \"التفسير\" (٥/ ٨٠٠٧) وأبو داود في \"السنن\"، كتاب: الأطعمة، باب: في أكل حشرات الأرض (٣٧٩٩) - ومن طريق أبي داود البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٩/ ٣٢٦): قال: \"هذا حديث لم يرو إلا بهذا الإسناد وهو إسناد فيه ضعف\"، وعلقه في \"معرفة السنن والآثار\" (٧/ ٢٦٠) وقال: \"إسناده غير قوي ورواية شيخ مجهول\" وقال الخطابي في \"معالم السنن\" (٥/ ٣١٣): \"ليس إسناده بذاك\" =\n_________\n[¬١]- في ز: \"تنتفعوا\".\n[¬٢]- في ز: \"القنفد\".","vol":"6","page":197},{"text":"سمعت أبا هريرة يقول: ذكر عند النبي ﷺ فقال: \"خبيث [¬١] من الخبائث\". فقال ابن عمر: إن كان النبي ﷺ قاله فهو كما قال.\nورواه أبو داود: عن أبي ثور، عن سعيد بن منصور به.\nوقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾ أي: فمن اضطر إلى أكل شيء مما حرم الله [¬٢] في هذه الآية الكريمة، وهو غير متلبس ببغي ولا عدوان ﴿فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أي [¬٣]: غفور له رحيم به.\nوقد تقدم تفسير هذه الآية في سورة [¬٤] البقرة بما فيه كفاية.\nوالمقصود من سياق هذه الآية الكريمة: الرد على المشركين، الذين ابتدعوا ما ابتدعوه من تحريم المحرمات على أنفسهم، بآرائهم الفاسدة من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام ونحو ذلك، فأمر رسوله أن يخبرهم أنه لا يجد فيما أوحاه الله إليه أن ذلك محرم، وإنما حرم ما ذكر في هذه [¬٥] الآية: من الميتة، والدم المسفوح، ولحم الحنزير، وما أهل لغير الله به، وما عدا ذلك فلم يحرم، وإنما هو عفو مسكوت عنه، فكيف تزعمون أنتم [¬٦] أنه حرام؟ ومن أين حرمتموه ولم يحرمه الله [¬٧]؟ وعلى هذا فلا يبقى تحريم أشياء أخر فيما بعد هذا، كما جاء النهي عن لحوم الحمر الأهلية [¬٨]، ولحوم السباع، وكل ذي مخلب من الطير، على المشهور من مذاهب العلماء.\n﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (١٤٦)﴾\nقال ابن جرير: يقول تعالى وحرمنا على اليهود كل ذي ظفر، وهو من البهائم والطير ما لم\n_________\n= ومال إلى تضعيفه الحافظ ابن حجر في \"تلخيص الحبير\" (٤/ ١٧٢) قلت: وعلته نميلة الفزاري وابنه فكلاهما \"مجهول\"، وإن كان الابن وثقه ابن حبان \"الثقات\" (٨/ ٤٨٩)، ثم إن الراوي عن أبي هريرة مجهول أيضًا، والحديث زاد نسبته السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ٩٦) إلى ابن مردويه، ولم يعزه لأحمد!!.\n_________\n[¬١]- في خ، ز: \"خبيثة\".\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- سقط من: ز.\n[¬٥]- سقط من: ز.\n[¬٦]- سقط من: ز.\n[¬٧]- سقط من: ز.\n[¬٨]- سقط من: خ، ز.","vol":"6","page":198},{"text":"يكن مشقوق الأصابع: كالإِبل والنَّعام والأوز والبط.\nقال على بن أبي طلحة (^٣٠٨)، عن ابن عباس: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ وهو البعير والنعامة.\nوكذا قال مجاهد والسدي في رواية.\nوقال سعيد بن جبير: هو الذي ليس بمنفرج الأصابع. وفي رواية عنه: كل [] [¬١] مفترق الأصابع ومنه الديك.\nوقال قتادة في قوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ وكان يقال: البعير والنعامة [وأشباهه] [¬٢] من الطير والحيتان. وفي رواية: البعير والنعامة، وحرم عليهم من الطير البط وشبهه، وكل شيء ليس بمشقوق الأصابع.\nوقال ابن جريج، عن مجاهد ﴿كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ قال: النعامة والبعير شقًّا شقًّا. قلت للقاسم بن أبي بَزَّة: وحدثنيه [¬٣] ما شقًّا شقًّا؟ قال: كل [ما لا يفرج من] [¬٤] قوائم البهائم. قال: وما انفرج أكلته اليهود [¬٥]. قال: انفرجت قوائم البهائم والعصافير. قال: فيهود تأكلها. قال: ولم تنفرج قائمة البعير - خفه - ولا خف النعامة، ولا [¬٦] قائمة الوز، فلا تأكل اليهود الإِبل ولا النعام ولا الوز، ولا كل شيء لم تنفرج قائمته، ولا تأكل حمار وحش.\nوقوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا﴾ قال السدي: [يعني الثرب] [¬٧] وشحم الكليتين، وكانت اليهود تقول [¬٨] إنه حرمه إسرائيل فنحن نحرمه. وكذا قال ابن زيد.\nوقال قثادة: الثرب [¬٩]، وكل شحم كان كذلك ليس في عظم.\nوقال على بن أبي طلحة (^٣٠٩)، عن ابن عباس: ﴿إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا﴾ يعني: ما علق بالظهر من الشحوم. وقال السدي وأبو صالح: الإِلية مما حملت ظهورهما [¬١٠].\n_________\n(^٣٠٨) - أخرجه ابن جرير (١٢/ ١٤٠٩٢).\n(^٣٠٩) - أخرجه ابن جرير (١٢/ ١٤١٠٧)، وابن أبي حاتم (٥/ ٨٠٣٥).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ز: \"من\".\n[¬٢]- في \"ت، خ، ز\" \"أشياء\" والمثبت من تفسير ابن جرير لأنه أقرب للمعنى.\n[¬٣]- في ز: \"حدثته\".\n[¬٤]- في خ: \"ما لم يفرج بين\".\n[¬٥]- سقط من: خ، ز.\n[¬٦]- سقط من: ز.\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين في ز: \"الترب\".\n[¬٨]- في ز: \"يقولون\".\n[¬٩]- سقط من: خ، ز.\n[¬١٠]- في ز: \"ظهورها\".","vol":"6","page":199},{"text":"وقوله تعالى: ﴿أَوِ الْحَوَايَا﴾ قال الإِمام أبو جعفر بن جرير [¬١]: الحوايا: جمع واحدها حاوياء [¬٢] وحاوية وحَويَّة [¬٣]، وهي [¬٤] ما تحَوَّي من البطن [فاجتمع و] [¬٥] استدار، وهي بنات [¬٦] اللبن وهي المباعر، وتسمى المرابض، وفيها الأمعاء. قال: ومعنى الكلام: ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما إلا ما حملت ظهورهما [أو ما حملت الحوايا] [¬٧].\nوقال على بن أبي طلحة (^٣١٠)، عن ابن عباس: ﴿أَوِ الْحَوَايَا﴾ وهي المبعر.\nوقال مجاهد: الحوايا المبعر والمربض. وكذا قال سعيد بن جبير، والضحاك، وقتادة، وأبو مالك، والسدي.\nوقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم [وغير واحد] [¬٨]: الحوايا المرابض التي تكون فيها الأمعاء، تكون وسطها وهي بنات اللبن، وهي في كلام العرب تدعى المرابض.\nوقوله تعالى: ﴿أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ﴾ أي: وإلا ما اختلط من الشحوم بالعظام فقد أحللناه لهم.\nوقال [¬٩] ابن جريج: شحم الإِلية ما [¬١٠] اختلط بالعُصْعُص؛ فهو حلال، وكل شيء في القوائم والجنب والرأس والعين، وما اختلط بعظم فهو حلال ونحوه قاله [¬١١] السدي.\nوقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ﴾ أي: هذا التضييق إنما فعلناه بهم، وألزمناهم به مجازاة [لهم] [¬١٢] على بغيهم ومخالفتهم أوامرنا، كما قال تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا﴾.\nوقوله: ﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ أي: وإنا لعادلون فيما جزيناهم به.\nوقال ابن جرير [¬١٣]: وإنا لصادقون فيما أخبرناك به يا محمد، من تحريمنا ذلك عليهم، لا\n_________\n(^٣١٠) - أخرجه ابن جرير (١٢/ ١٤١٠٩)، وابن أبي حاتم (٥/ ٧٠٣٧).\n_________\n[¬١]- في تفسيره (١٢/ ٢٠١٣).\n[¬٢]- في ز: \"حاويا\".\n[¬٣]- سقط من: خ، ز.\n[¬٤]- في ت: وهو.\n[¬٥]- في ز: \"مما اجتمع أو\".\n[¬٦]- في ز: \"نبات\".\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٨]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٩]- في ز: قال.\n[¬١٠]- سقط من: ز.\n[¬١١]- في ز: \"قال\".\n[¬١٢]- من ز.\n[¬١٣]- في تفسيره (١٢/ ٢٠٦).","vol":"6","page":200},{"text":"كما زعموا من أن إسرائيل هو الذي حرمه [على نفسه] [¬١]، والله أعلم.\nوقال عبد الله بن عباس: بلغ عمر بن الخطاب ﵁ أن سمرة باع خمرًا، فقال: قاتل الله سمرة، ألم يعلم أن رسول الله ﵌ قال: \"لعن الله اليهود؛ حرمت عليهم الشحوم فجملوها فباعوها\".\nأخرجاه (^٣١١) من حديث سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن طاوس، عن ابن عباس، عن عمر، به.\nوقال الليث: حدثني يزيد بن أبي حبيب، قال: قال عطاء بن أبي رباح، سمعت جابر بن عبد الله يقول: [سمعت رسول الله ﷺ يقول] [¬٢] عام الفتح: \"إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام\". فقيل: يا رسول الله، أرأيت شحوم الميتة، فإنها [¬٣] يدهن بها الجلود، ويطلى بها السفن، ويستصبح بها الناس؟ فقال: \"لا، هو حرام\". ثم قال رسول الله ﷺ عند ذلك: \"قاتل الله اليهود، إن الله لما حرم عليهم شحومها، جملوه ثم باعوه وأكلوا ثمنه\".\nرواه الجماعة من طرق عن يزيد بن أبي حبيب، به (^٣١٢).\nوقال الزهري: عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: \"قاتل اللّه اليهود [¬٤]، حرمت عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا أثمانها [¬٥] \". ورواه\n_________\n(^٣١١) - البخاري في كتاب: البيوع، باب: لا يذاب شحم الميتة، ولا يُباع وَدَكُهُ .. (٢٢٢٣)، ومسلم في كتاب: البيوع، باب: تحريم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام (٧٢) (١٥٨٢)، وكذا أخرجه أحمد (١/ ٢٥)، والنسائي (٧/ ١٧٧)، وابن ماجه (٣٣٨٣) من طريق سفيان بن عيينة، به.\n(^٣١٢) - أخرجه البخاري، كتاب: البيوع، باب: بيع الميتة والأصنام (٢٢٣٦)، ومسلم، كتاب: البيوع، باب: تحريم بيع الخمر … (٧١) (١٥٨١)، وأبو داود، كتاب: البيوع، باب: في ثمن الخمر والميتة (٣٤٨٦، ٣٤٨٧)، والترمذي، كتاب: البيوع، باب: ما جاء في بيع جلود الميتة والأصنام (١٢٩٧)، والنسائي، كتاب: الفرع والعتيرة، باب: النهي عن الانتفاع بشحوم الميتة (٧/ ١٧٧) كتاب: البيوع، باب: بيع الخنزير (٧/ ٣٠٩، ٣١٠)، وابن ماجه: كتاب: التجارات، باب: ما لا يحل بيعه (٢١٦٧)، وكذا أحمد (٣/ ٣٢٤، ٣٢٦) من طريق (الليث وعبد الحميد بن جعفر) عن يزيد بن أبي حبيب، به.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٣]- في ز: \"فإنه\".\n[¬٤]- في ز: \"يهود\".\n[¬٥]- في ز: \"ثمنه\".","vol":"6","page":201},{"text":"البخاري ومسلم جميعًا (^٣١٣): عن عبدان، عن ابن المبارك، عن يونس، عن الزهري، به.\nوقال ابن مردويه (^٣١٤): حدثنا محمد بن عبد الله بن إبراهيم، حدثنا إسماعيل بن إسحاق، حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا وهيب، حدثنا خالد الحذاء، عن بركة أبي الوليد، عن ابن عباس: أن رسول الله ﵌ كان قاعدًا خلف المقام، فرفع بصره إلى السماء فقال: \"لعن الله اليهود - ثلاثًا -؛ إن الله حرم عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا ثمنها، وإن الله لم يحرم على قوم أكل شيء إلا حرم عليهم ثمنه\".\nوقال الإِمام أحمد (^٣١٥): حدثنا على بن عاصم، أنبأنا خالد الحذاء، عن بركة أبي الوليد، أنبأنا ابن عباس، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قاعدًا في المسجد، مستقبلًا الحِجْر، فنظر إلى السماء فضحك، ثم [¬١] قال: \"لعن الله اليهود؛ حرمت عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا أثمانها، وإن الله إذا حرم على قوم أكل شيء حرم عليهم ثمنه\".\nورواه أبو داود: من حديث خالد الحذاء.\n_________\n(^٣١٣) - أخرجه البخاري، كتاب: البيوع، باب: لا يُذاب شحم الميتة … (٢٢٢٤) ثنا عبدان به، وعزو المصنف له من طريق عبدان إلى مسلم سبق قلم، فمسلم إنما أخرجه - كتاب: البيوع، باب: تحريم بيع الخمر … (٧٤) (١٥٨٣) من طريق حرملة بن يحيى. أخبرنا ابن وهب أخبرني يونس به وأخرجه أيضًا (٧٣) (١٥٨٣) من طريق إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، أخبرنا رَوْحُ بن عُبادة، ثنا ابن جريج، أخبرني ابن شهاب به، وانظر \"تحفة الأشراف\" (١٠/ ١٣١٩٩، ١٣٣٣٧).\n(^٣١٤) - صحيح، وعزاه لابن مردويه السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ١٠٠) - وأخرجه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٦/ ١٣، ١٤) من طريق إسماعيل بن إسحاق به، والبخاري في \"التاريخ\" (٢/ ١٤٧) من طريق موسى بن إسماعيل، ثنا وهيب به. وانظر ما بعده.\n(^٣١٥) - صحيح، \"المسند\" (١/ ٢٤٧) (٢٢٢١) - وأخرجه الضياء في \"المختارة\" (٩/ ٤٩٤) من طريق أحمد بن منيع، ثنا على بن عاصم به، وعلى بن عاصم: \"صدوق يخطئ ويُصِرُّ، وَرُمِي بالتشيع\" \"التقريب\" - لكنه متابع - كما تقدم، وكذا أخرجه أحمد (١/ ٢٩٢، ٢٩٣، ٣٢٢) (٢٦٧٨، ٢٩٦٤) - ومن طريقه الضياء في \"المختارة\" (٩/ ٤٩٥، ٤٩٦) - وأبو يعلى - ومن طريقه الضياء أيضًا (٩/ ٤٩٣) - وأبو داود، كتاب: البيوع، باب: في ثمن الخمر والميتة (٣٤٨٨)، والطبراني في \"الكبير\" (١٢/ ١٢٨٨٧)، والدارقطني في \"السنن\" (٣/ ٧)، وابن عبد البر في \"التمهيد\" (٩/ ٤٤)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٦/ ١٣)، (٩/ ٣٥٣) من طرق عن خالد الحذاء به.\n_________\n[¬١]- سقط من: خ، ز.","vol":"6","page":202},{"text":"وقال الأعمش (^٣١٦): عن جامع بن شداد، عن كلثوم، عن أسامة بن زيد، قال: دخلنا على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهو مريض نعوده، فوجدناه نائمًا قد غطى وجهه ببرد عدني، فكشف عن وجهه وقال [¬١]: \"لعن الله اليهود، يحرمون شحوم الغنم ويأكلون أثمانها\". وفي رواية: \"حرمت عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا أثمانها\".\n﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (١٤٧)﴾\nيقول تعالى: فإن كذبك [¬٢] يا محمد مخالفوك من المشركين واليهود ومن شابههم ﴿فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ﴾ وهذا ترغيب لهم في ابتغاء رحمة الله الواسعة واتباع رضوانه [¬٣] ﴿وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ ترهيب لهم من [¬٤] مخالفتهم الرسول خاتم النبيين، وكثيرًا ما يقرن الله تعالى بين الترغيب والترهيب في القرآن، كما قال تعالى في آخر هذه السورة: ﴿إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ [¬٥] الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، وقال: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ﴾، وقال تعالى: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾، وقال تعالى: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ﴾، وقال: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (١٢) إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ (١٣) وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ﴾ والآيات في هذا كثيرة جدًّا.\n﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ\n_________\n(^٣١٦) - صحيح، أخرجه البزار في \"مسنده\" (٧/ رقم ٢٦٠٨) والحاكم في \"المستدرك\" (٤/ ١٩٤) من طريق عبيد الله بن موسى، أنبا شيبان بن عبد الرحمن عن الأعمش به بالرواية الأولى، وقال البزار: \"هذا الحديث لا نعلمه يروى عن أسامة إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد\"، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي، وهو كما قالا فإن رجاله ثقات رجال الشيخين حاشا كلثوم الخزاعي وهو ابن علقمة بن ناجية بن المصطلق الخزاعي ثقة، ويقال: له صحبة - كذا في \"التقريب\" - والحديث عزاه السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ١٠٠) إلى ابن مردويه فحسب، والهندي في \"الكنز\" (٢٩٨٤) إلى أبي يعلى - ولم أجده في \"المطبوع من مسنده\" ولا في \"المعجم\" فلعله في \"المسند الكبير\" والله أعلم - والهيثم بن كليب، والحاكم، وابن منصور.\n_________\n[¬١]- في ز: \"فقال\".\n[¬٢]- في ز: \"كذبوك\".\n[¬٣]- في ت: \"رسوله\".\n[¬٤]- في ز: \"في\".\n[¬٥]- في ز: \"لسريع\".","vol":"6","page":203},{"text":"مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ (١٤٨) قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (١٤٩) قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا فَإِنْ شَهِدُوا فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١٥٠)﴾\nهذه مناظرة ذكرها الله تعالى، وشبهة تشبث [¬١] بها المشركون في شركهم وتحريم ما حرموا، فإن الله مطلع على ما هم فيه من الشرك والتحريم لما حرموه، وهو قادر على تغييره بأن يلهمنا الإِيمان، أو يحول بيننا وبين الكفر فلم يغيره، فدل على أنه بمشيئته وإرادته ورضاه منا ذلك، ولهذا قالوا [¬٢]: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾، كما في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ] [¬٣]﴾، وكذلك [¬٤] الآية التي في النحل [¬٥] مثل هذه سواء، قال الله تعالى: ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أي: بهذه الشبهة ضل من ضل قبل هؤلاء، وهي حجة داحضة باطلة؛ لأنها لو كانت صحيحة لما أذاقهم الله بأسه، ودمر عليهم، وأدال عليهم رسله الكرام، وأذاق المشركين من أليم الانتقام.\n﴿قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا﴾ أي: بأن الله راض عنكم فيما أنتم فيه ﴿فَتُخْرِجُوهُ لَنَا﴾ أي: فتظهروه لنا وتبينوه وتبرزوه ﴿إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾ أي: الوهم والخيال، والمراد بالظن هاهنا الاعتقاد الفاسد ﴿وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ﴾ أي: تكذبون على الله فيما ادعيتموه.\nقال على بن أبي طلحة (^٣١٧)، عن ابن عباس: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا﴾، وقال: ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾، ثم قال: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا﴾ فإنهم قالوا عبادتنا الآلهة تقربنا إلى الله زلفى، فأخبرهم الله أنها لا تقربهم، وقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا﴾ يقول تعالى: لو شئت لجمعتهم على الهدى أجمعين.\n_________\n(^٣١٧) - أخرجه ابن جرير (١٢/ ١٤١٢٩)، وكذا أخرجه ابن أبي حاتم (٥/ ٨٠٥١) مختصرًا.\n_________\n[¬١]- في ز: \"تثبثت\".\n[¬٢]- في ز: \"قال\".\n[¬٣]- في ت: \"الآية\".\n[¬٤]- في ز: \"كذا\".\n[¬٥]- آية رقم (٣٥).","vol":"6","page":204},{"text":"وقوله تعالى: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ يقول تعالى لنبيه ﷺ: ﴿قُلْ﴾ لهم يا محمد ﴿فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ﴾ أي: له الحكمة التامة، والحجة البالغة، في هداية من هدى، وإضلال من أضل ﴿فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ فكل [¬١] ذلك بقدرته ومشيئته واختياره، وهو مع ذلك يرضى عن المؤمنين، ويبغض الكافرين، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ﴾، وقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾. قال [¬٢] الضحاك: لا حجة لأحد عصى الله، ولكن لله الحجة البالغة على عباده.\nوقوله تعالى: ﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ [﴾ أي: أحضروا شهداءكم ﴿] [¬٣] الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا﴾ أي: هذا الذي حرمتموه وكذبتم وافتريتم على الله فيه ﴿فَإِنْ شَهِدُوا فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ﴾ أي؛ لأنهم إنما يشهدون والحالة هذه كذبًا وزورًا ﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ أي: يشركون به ويجعلون له عديلًا.\n﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٥١)﴾\nقال داود الأودي (^٣١٨): عن الشعبي، عن علقمة، عن ابن مسعود ﵁ قال:\n_________\n(^٣١٨) - إسناده ضعيف، أخرجه الترمذي، كتاب: تفسير القرآن، باب: ومن سورة الأنعام (٣٠٧٢)، وابن أبي حاتم (٥/ ٨٠٥٦)، والطبراني في \"الكبير\" (١٠/ ١٠٠٦٠)، والبيهقي في \"الشعب\" (٦/ ٧٩١٨) من طريق محمد بن فضيل، عن داود الأودي به، وقال الترمذي: \"حديث حسن غريب\" قلت: داود هو ابن يزيد بن عبد الرحمن الأودي ضعفه أحمد، وابن معين، وأبو داود، والدارقطني وغيرهم، وقال النسائي: ليس بثقة، وقال أبو حاتم: ليس بالقوي؛ وزاد نسبته السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ١٠٣) إلى ابن المنذر، وأبي الشيخ، وابن مردويه.\n_________\n[¬١]- في ز: \"وكل\".\n[¬٢]- في ز: \"وقال\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.","vol":"6","page":205},{"text":"من أراد أن يقرأ صحيفة رسول الله ﷺ التي عليها خاتمه فليقرأ هؤلاء الآيات: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ إلى قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾.\nوقال الحاكم في مستدركه (^٣١٩): حدثنا بكر بن محمد الصيرفي بمرو، حدثنا عبد الصمد بن الفضل، حدثنا مالك بن إسماعيل النهدي، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن خليفة، قال: سمعت ابن عباس يقول: في الأنعام آيات محكمات هنّ أم الكتاب؛ ثم قرأ: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ الآيات.\nثم قال الحاكم [¬١]: صحيح الإِسناد ولم يخرجاه.\nقلت: ورواه زهير وقيس بن الربيع كلاهما، عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن قيس، عن ابن عباس به، والله [¬٢] أعلم.\nوروى الحاكم أيضًا في مستدركه (^٣٢٠) [¬٣]: من حديث يزيد بن هارون، عن سفيان بن\n_________\n(^٣١٩) - \" المستدرك\" (٢/ ٣١٧، ٣١٨) وصحح إسناده ووافقه الذهبي، كذا قالا، وعبد الله بن خليفة لم يوثقه غير ابن حبان \"الثقات\" (٥/ ٢٨)، وقال الذهبي نفسه في \"الميزان\": \"لا يعرف\"، وفي \"التقريب\" مقبول، لكنه توبع تابعه عبد الله بن قيس أخرجه ابن أبي حاتم (٢/ ٣١٦٨) من طريق قيس بن الربيع عن أبي إسحاق عنه به - غير أنه ورد فيه \"عبد الله بن فلان\" بدلًا من \"عبد الله بن قيس\" - وأخرجه ابن أبي حاتم (٥/ ٨٠٥٧) والحاكم أيضًا (٢/ ٢٨٨) من طريق على بن صالح بن حُييّ، عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن قيس به، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي لكن إسرائيل اثبت في جده أبي إسحاق من غيره، والأثر زاد نسبته السيوطي في \"الدر المنثور\" (٢/ ٦) من هذه الطريق إلى سعيد بن منصور وابن مردويه. وله طريق أخرى عن ابن عباس عند ابن جرير (٦/ ٦٥٧٣)، وابن أبي حاتم (٢/ ٣١٦٩) لكن في إسناده جهالة، وأما رواية زهير عن أبي إسحاق التي أشار إليها المصنف، فلم أهتد إليها ولعلها عند سعيد بن منصور أو ابن مردويه من هذه الطريق، والله تعالى أعلم.\n(^٣٢٠) - إسناده ضعيف، \"المستدرك\" (٢/ ٣١٨) ثنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الصفار، ثنا محمد بن مسلمة الواسطي، ثنا يزيد بن هارون به، ومحمد بن مسلمة هذا ضعيف [انظر \"لسان الميزان\" (٥/ ٨١٨٥)]، لكن تابعه أحمد بن سنان الواسطي، أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (٥/ ٨٠٧٧) - وسيذكره المصنف من هذه الطريق هنا برقم (٣٥٥) - ومع هذا فإن الإسناد ضعيف أيضًا لضعف سفيان بن حسين هذا في الزهري، قاله أحمد، وابن معين، والنسائي، وابن عدي، وابن حبان وغيرهم، حتى قال ابن حجر في \"التقريب\": \"ثقة في غير الزهري باتفاقهم\" وقد رواه أصحاب الزهري عنه بغير هذا اللفظ انظر الآتي. =\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- في ز: \"فالله\".\n[¬٣]- في ز: \"مسنده\".","vol":"6","page":206},{"text":"حسين، عن الزهري، عن أبي إدريس، عن عبادة بن، صامت، قال: قال رسول الله ﷺ: \"أيكم يبايعني على ثلاث\". ثم تلا رسول الله ﷺ: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ حتى فرغ من الآيات. \"فمن وفى فأجره على الله، ومن انتقص منهن شيئًا، فأدركه الله به في الدنيا كانت عقوبته [¬١]، ومن أخر إلى الآخرة فأمره إلى الله، إن شاء عذبه، وإن شاء عفا عنه\".\nثم قال: صحيح الإِسناد ولم يخرجاه. وإنما اتفقا على حديث الزهري، عن أبي إدريس، عن عبادة: \"بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئًا .... \" (^٣٢١) الحديث. وقد روى سفيان بن حسين كلا الحديثين [¬٢]، فلا ينبغي أن ينسب إلى الوهم في أحد الحديثين إذا جمع بينهما، والله أعلم.\nوأما تفسيرها: فيقول تعالى لنبيه ورسوله محمد ﷺ: قل يا محمد لهؤلاء المشركين الذين عبدوا غير الله، وحرموا ما رزقهم الله، وقتلوا أولادهم، وكل ذلك فعلوه بآرائهم وتسويل الشياطين لهم ﴿قُلْ﴾ لهم ﴿تَعَالَوْا﴾ أي: هلموا وأقبلوا ﴿أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ أي: أقص عليكم، وأخبركم بما حرم ربكم عليكم، حقًّا لا تخرصًا ولا طنًّا، بل وحيًا منه وأمرًا من عنده ﴿أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ وكأن في الكلام محذوفًا دل عليه السياق، وتقديره: وأوصاكم ﴿أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ ولهذا قال في آخر الآية: ﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾، وكما قال الشاعر:\nحَجَّ وَأَوْصَى بِسُلَيْمَى الأَعْبُدَا [¬٣] … أَنْ لَا تَرَى ولا تُكَلِّمْ أَحَدَّا\nوَلَا يَزَلْ [¬٤] شَرَابُها مُبَرَّدا\nوتقول العرب: أمرتك أن لا تقوم.\n_________\n= وقد زاد نسبة الحديث بهذا اللفظ السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ١٠٣) إلى عبد بن حميد وأبي الشيخ، وابن مردويه.\n(^٣٢١) - صحيح، يأتي تخريجه [سورة الممتحنة/ آية ١٢].\n_________\n[¬١]- في خ: \"عقوبة\".\n[¬٢]- لم أهتد لروايته لهذا اللفظ \"بايعوني على أن لا تشركوا … \" وقول الحاكم: \"فلا ينبغي أن ينسب إلى الوهم … \" كان ينبغي على المصنف أن يتعقبه فيه لأن سفيان بن حسين ضعيف في الزهري حتى نقبل روايته، ومع كونه ضعيف في الزهري؛ فقد خالف أصحاب الزهري في روايته الحديث عنه، فتنبه!.\n[¬٣]- في ز: \"الأغبدا\".\n[¬٤]- في ز: \"يزال\".","vol":"6","page":207},{"text":"وفي الصحيحين (^٣٢٢): من حديث أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله صلى الله عديه وسلم: \"أتانى جبريل، فبشرني أنه من مات لا يشرك بالله شيئًا من أمّتك دخل الجنة. قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق، قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق، قلت: وإن زنى وإن سرق [وإن شرب الخمر] [¬١]؟ قال: وإن زنى وإن سرق وإن شرب الخمر\". وفي بعض الروايات: أن قائل [¬٢] ذلك إنما هو أبو ذر لرسول الله ﷺ، وأنه ﵊ قال في الثالثة: \"وإن رغم أنف أبي ذر\"، فكان أبو ذر يقول بعد تمام الحديث: وإن رغم أنف أبي ذر.\nوفي بعض المسانيد والسنن (^٣٢٣): عن أبي ذر، قال: قال رسول الله ﷺ: \"يقول الله تعالى: \"يا بن آدم، إنك ما دعوتني ورجوتني فإني أغفر لك على ما كان منك ولا أبالي، ولو أتيتني بقراب الأرض خطيئة أتيتك بقرابها مغفرة ما لم تشرك بي شيئًا، وإن أخطأت حتى تبلغ خطاياك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك\".\nولهذا شاهد في القرآن، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾. وفي صحيح مسلم (^٣٢٤): عن ابن مسعود: \"من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل\n_________\n(^٣٢٢) - أخرجه البخاري، كتاب: الجنائز، باب: في الجنائز، ومن كان آخر كلامه لا اله إلا الله (١٢٣٧) - وانظر أطرافه في هذا الموضع - ومسلم، كتاب: الإيمان، باب: من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة … (١٥٣، ١٥٤) (٩٤)، وكذا أخرجه أحمد (٥/ ١٥٢، ١٥٩، ١٦١، ١٦٦)، والنسائي في \"عمل اليوم والليلة\" (١١١٦، ١١٢٣).\n(^٣٢٣) - حسن لغيره، أخرجه أحمد (٥/ ١٧٢) والدارمي في \"السنن\" (٢٧٩١) وفي إسناده شهر بن حوشب وهو ضعيف من قبل حفظه، وله شاهد من حديث أنس عند أحمد (٣/ ٢٣٨)، والبخاري في \"التاريخ الكبير\" (٢/ ٦٥) وأبى يعلى (٧/ ١٤٧١) وفي إسناده جهالة، وله طريق آخر عند الترمذي (٣٥٣٤) وحسنه، وفي إسناده كثير بن فائد لم يوثقه غير ابن حبان (٩/ ٢٥)، وشاهد آخر من حديث ابن عباس عند الطبراني في \"الكبير\" (١٢/ ١٢٣٤٦)، و\"الأوسط\" (٥/ ٥٤٨٣)، و\"الصغير\" (٢/ ٢٠)، وفي \"الدعاء\" (٢/ رقم ١٩)، وأبي نعيم فى \"الحلية\" (٤/ ٣٠١) قال الهيثمي في \"المجمع\" (١٠/ ٢١٩) \"وفيه إبراهيم بن إسحاق الصيني، وقيس بن الربيع وكلاهما مختلف فيه، وبقية رجاله رجال الصحيح\"، وجزؤه الأوسط أصله في صحيح مسلم (٢٢) (٢٦٨٧) من حديث أبي ذر وكذا جزؤه الأخير له شاهد من حديث أبي أيوب وأبي هريرة عند مسلم أيضًا (٢٧٤٨، ٢٧٤٩)، وانظر \"الصحيحة\" للألباني (١/ رقم ١٢٧).\n(^٣٢٤) - صيح مسلم كتاب: الإيمان، باب: من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة … (١٥٠) (٩٢)، وكذا أخرجه البخاري كتاب: الجنائز، باب: في الجنائز، ومن كان آخر =\n_________\n[¬١]- سقط من: خ، ز.\n[¬٢]- في ز: \"القائل\".","vol":"6","page":208},{"text":"الجنة\". والآيات والأحاديث في هذا كثيرة جدًّا. وروى ابن مردويه (^٣٢٥): من حديث عبادة وأبي الدرداء: \"لا تشركوا بالله شيئًا وإن قطعتم أو صلبتم أو حرقتم\".\nوقال ابن أبي حاتم (^٣٢٦): حدثنا محمد بن عوف الحمصي، حدثنا ابن أبي مريم، حدثنا نافع ابن يزيد، حدثني سيار بن عبد الرحمن، عي يزيد بن قوذر، عن سلمة بن شريح، عن عبادة بن الصامت، قال: أوصانا رسول الله ﷺ بسبع خصال: \" [ألا تشركوا] [¬١] بالله شيئًا وإن حرّقتم وقطعتم وصلبتم\".\nوقوله تعالى: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ أي: وأوصاكم وأمركم بالوالدين إحسانا، [أي: أن تحسنوا إليهم، كما قال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا] [¬٢]﴾، وقرأ بعضهم: ﴿وَوَصَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [أي: أحسنوا إليهم] [¬٣]، والله تعالى كثيرًا ما [¬٤] يقرن بين طاعته وبر الوالدين، كما قال: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (١٤) وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا\n_________\n= كلامه لا اله إلا الله (١٢٣٨).\n(^٣٢٥) - أما حديث عبادة - فيأتي تخريجه بعد هذا - وحديث أبي الدرداء يأتي تخريجه برقم (٣٢٩).\n(^٣٢٦) - إسناده فيه جهالة، ابن أبي حاتم في تفسيره (٥/ ٨٠٥٨) - ومن طريقه اللالكائي في \"شرح أصول الاعتقاد\" (٤/ رقم ١٥٢٢) - وأخرجه البخاري في \"التاريخ الكبير\" (٤/ ٧٥)، ومحمد بن نصر المروزي في \"تعظيم قدر الصلاة\" (٢/ ٩٢٠) من طريق ابن أبي مريم به مطولًا وقال البخاري: \"لا يعرف إسناده\" قلت: سلمة بن شريح، قال الذهبي في \"الميزان\": \"لا يعرف\"، وتبعه ابن حجر في \"اللسان\". ويزيد بن قوذر لم يوثقه غير ابن حبان \"الثقات\" (٧/ ٦٢٦)، وذكره الهيثمي في \"المجمع\" (٤/ ٢١٩) وقال: رواه الطبراني وفيه سلمة بن شريح، قال الذهبي: \"لا يعرف، وبقية رجاله رجال الصحيح\" ومع أني لم أقف على إسناد الطبراني فأخشى أن يكون قول الهيثمي الأخير وهمًا، فإن أبا سعيد بن يونس أخرج الحديث في \"تاريخ مصر\" [ترجمة سلمة بن شريح] وقال: \"لم يحدث بهذا الحديث غير سيار وحده - ولا يحدث عن سلمة غير يزيد بن قوذر\" ومن فوق ابن أبي مريم - وهو سعيد بن الحكم ووهم من ظنه نوح بن أبي مريم - ليس لهما في الصحيح شيء، وقد عزا ابن حجر في \"تلخيص الحبير\" (٢/ ١٥٥) الحديث للطبراني، وضعف إسناده ويأتي تضعيف المصنف له عند رقم (٣٢٩). لكن للحديث شواهد يتقوى بها يأتي تخريجها عند الرقم المذكور.\n_________\n[¬١]- فى خ: \"أن لا نشرك\"، وفي ز: \"ألا نشرك\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٤]- سقط من: ز.","vol":"6","page":209},{"text":"مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. فأمر بالإحسان إليهما وإن كانا مشركين بحسبهما، وقال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ الآية، والآيات في هذا كثيرة، وفي الصحيحين (^٣٢٧) عن ابن مسعود ﵁ أنه [¬١] قال: سألت رسول الله ﷺ أي العمل أفضل [¬٢]؟ قال: \"الصلاة على وقتها\"، قلت: ثم أي؟ قال: \"بر الوالدين\". قلت: ثم أي؟ قال: \"الجهاد في سبيل الله\". قال ابن مسعود: حدثني بهن رسول الله ﷺ، ولو استزدته لزادني.\nوروى الحافظ أبو بكر بن مردويه بسنده (^٣٢٨): عن أبي الدرداء وعن عبادة بن الصامت، كل منهما يقول: أوصاني خليلي [رسول الله] [¬٣] ﷺ: \"أطع والديك وإن أمراك أن تخرج لهما من الدنيا فافعل\".\nولكن في إسناديهما ضعف والله أعلم.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾ لما أوصى [¬٤] تعالى\n_________\n(^٣٢٧) - صحيح، تقدم تخريجه [سورة البقرة/آية ٨٣].\n(^٣٢٨) - حديث عبادة بن الصامت تقدم تخريجه (٣٢٧)، أما حديث أبي الدرداء فأخرجه البخاري في \"الأدب المفرد\" (١٨)، ومحمد بن نصر المروزي في \"تعظيم قدر الصلاة\" (٢/ ٩١١)، واللالكائي في \"شرح أصول الاعتقاد\" (٤/ ١٥٢٤) مطولًا، وأخرجه ابن ماجه (٣٣٧١، ٤٠٣٤)، والبيهقي في \"الشعب\" (٥/ ٥٥٨٩) مختصرًا من طريق راشد أبي محمد الحماني، عن شهر بن حوشب، عن أم الدرداء، عن أبي الدرداء فذكره، وقال البوصيري: \"إسناده حسن، وشهر مختلف فيه\"، وعزاه الهيثمي في \"المجمع\" (٤/ ٢٢٠) إلى الطبراني وقال: \"وفيه شهر بن حوشب، وحديثه حسن، وبقية رجاله ثقات\" قلت: الراجح في شهر هذا ضعفه، وقد ضعف هذا الإسناد ابن حجر في \"التلخيص\" (٢/ ١٥٥) لكن للحديث شواهد يتقوى بها منها حديث معاذ بن جبل عند أحمد (٥/ ٢٣٨) وفي سنده انقطاع، وأخرجه الطبراني في \"الكبير\" (٢٠ / رقم ١٥٦)، وفي \"الأوسط\" (٨/ ٨٩٥٦)، والمروزي (٩٢١) وفي إسناده عمرو بن واقد متروك، وأفحش الهيثمي فيه القول فقال في \"المجمع\" (٤/ ٢١٨) - وعزا الحديث لأحمد والطبراني - \" … وإسناد الطبراني متصل، وفيه عمرو بن واقد القرشي وهو كذاب\"، وشاهد آخر من حديث أميمة مولاة رسول الله ﷺ أخرجه الطبراني (٢٤ / رقم ٤٧٩)، والحاكم (٤/ ٤١) وسكت عنه، وقال الذهبي: \"سنده واهٍ\"، وأبان علة =\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- في خ: \"أحب إلى الله\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٤]- في ز: \"وصى\".","vol":"6","page":210},{"text":"ببر الآباء والأجداد، عطف على ذلك الإِحسان إلى الأبناء والأحفاد، فقال تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ﴾ وذلك أنهم كانوا يقتلون أولادهم، كما سولت لهم الشياطين ذلك، فكانوا يئدون البنات خشية العار، وربما قتلوا بعض الذكور خشية [¬١] الافتقار، ولهذا ورد [¬٢] في الصحيحين (^٣٢٩): من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قلت: يا رسول الله ﷺ أي الذنب أعظم؟ قال: \"أن تجعل لله ندًّا وهو خلقك\"، قلت: ثم أي؟ قال: \"أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك\"، قلت: ثم أي؟ قال: \"أن تزاني حليلة جارك\"، ثم تلا رسول الله ﷺ: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ [وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا] [¬٣]﴾.\nوقوله تعالى: ﴿مِنْ إِمْلَاقٍ﴾ قال ابن عباس، وقتادة، والسدي، وغيره [¬٤]: هو الفقر، أي: ولا تقتلوهم من فقركم الحاصل، وقال في سورة الإِسراء [¬٥]: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾ أي: [لا تقتلوهم خشية] [¬٦] حصول فقر في الآجل، ولهذا قال هناك [¬٧]: ﴿نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾ فبدأ برزقهم للاهتمام بهم، أي: لا تخافوا من فقركم بسببهم فرزقهم على الله، وأما هنا [¬٨] فلما كان الفقر حاصلًا قال: ﴿نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾ لأنه الأهم هاهنا والله أعلم.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾، كقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾، وقد تقدم تفسيرها في قوله تعالى: ﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ [¬٩] الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ﴾، وفي الصحيحين (^٣٣٠): عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا أحد أغير من الله؛ من أجل ذلك حرم الفواحش ما\n_________\n= ذلك الهيثمي في \"المجمع\" (٤/ ٢٢٠) فقال: \"فيه يزيد بن سنان الرهاوي وثقه البخاري وغيره والأكثر على تضعيفه، وبقية رجاله ثقات\"، وشاهد ثالث في حديث أم أيمن عند البيهقي في \"السن\" (٧/ ٣٠٤) لكن فيه انقطاع أيضًا، وقد صحح الألباني حديث معاذ لهذه الشواهد فانظر \"الإرواء\" (٧/ رقم ٢٠٢٦).\n(^٣٢٩) - تقدم تخريجه [سورة البقرة/ آية ١٦٥].\n(^٣٣٠) - يأتي تخريجه [سورة الأعراف/آية / ٣٣/ ح رقم ٦٦].\n_________\n[¬١]- في ز: \"خيفة\".\n[¬٢]- فى ز: \"جاء\".\n[¬٣]- فى ت: \"الآية\".\n[¬٤]- سقط من: خ، ز.\n[¬٥]- في ز: \"سبحان\".\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين في ز: \"خيفة\".\n[¬٧]- فى ز: \"هنا\".\n[¬٨]- في ز: \"فى هذه الآية\".\n[¬٩]- في ز: \"ظاهرًا من\".","vol":"6","page":211},{"text":"ظهر منها وما بطن\".\nوقال عبد الملك بن عمير، عن ورّاد، عن مولاه [¬١] المغيرة، قال: قال سعد بن عبادة: لو رأيت مع امرأتي رجلًا لضربته بالسيف غير مصفح. فبلغ ذلك رسم ل الله ﷺ فقال: \"أتعجبون من غيرة سعد؟ فوالله لأنا أغير من سعد، والله أغير مني، من أجل ذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن\". أخرجاه (^٣٣١).\nوقال كامل أبو العلاء، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قيل: يا رسول الله، إنا نغار؛ قال: \"والله إني لأغار، والله أغير مني، ومن غيرتة نهى عن الفواحش\".\nرواه ابن مردويه (^٣٣٢)، ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة، وهو على شرط الترمذي، فقد روى بهذا السند: \"أعمار أمتي مما بين الستين إلى السبعين\" (^٣٣٣).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ وهذا مما نص ﵎ عن النهي عنه تأكيدًا، وإلا فهو داخل في النهي عن الفواحش ما ظهر منها وما بطن، فقد جاء في الصحيحين (^٣٣٤): عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه\n_________\n(^٣٣١) - أخرجه البخاري، كتاب: التوحيد، باب: قول النبي ﷺ \"لا شخص أغيرُ من الله\" (٧٤١٦) وانظر طرفه الآخر عند رقم (٦٨٤٦) - ومسلم، كتاب: اللعان (ح/ ١٧/ ١٤١٩)، وكذا أخرجه أحمد (٤/ ٢٤٨).\n(^٣٣٢) - حديث صحيح، وعزاه لابن مردويه السيوطي في \"الدر المنثور\" [(٣/ ١٥١) سورة الأعراف/آية ٣٣] فحسب - فقصر في عزوه هو والمصنف، فقد أخرجه أحمد فى \"المسند\" (٢/ ٣٢٦) (٨٣٠٤) ثنا الأسود بن عامر، أنا كامل به، وذكره الهيثمى فى \"المجمع\" (٦/ ٢٥٧) وقال: \"رواه أحمد ورجاله ثقات\" وذكره قبل فى (٤/ ٣٣١) وقال: \"رواه أحمد، وفيه كامل أبو العلاء، وفيه كلام لا يضر وهو ثقة، وبقية رجاله رجال الصحيح\" قلت: تكلم في أبي العلاء هذا ابن سعد فقال: \"ليس بذاك\"، وقال ابن حبان: \"كان ممن يقلب الأسانيد ويرفع المراسيل من حيث لا يدرى فبطل الاحتجاج بخبره\"، واستنكر له ابن عدي هذا الحديث بعينه - \"الكامل\" (٦/ ٢١٠١) - وقال: \"رأيت في بعض رواياته أشياء أنكرتها، وأرجو أنه لا بأس به\" وقال النسائي: ليس بالقوي، وقال فى موضع آخر: ليس به بأس، ووثقه ابن معين ويعقوب بن سفيان وفى \"التقريب\" صدوق يخطئ، وعلى كُلٍّ فيشهد للحديث ما تقدم برقم (٣٣٠، ٣٣١).\n(^٣٣٣) - صحيح، يأتي تخريجه [سورة فاطر/ آية ٣٧].\n(^٣٣٤) - صحيح، تقدم تخريجه [سورة النساء/ آية ٩٢].\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"مولى\".","vol":"6","page":212},{"text":"وسلم: \"لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة\".\nوفي لفظ لمسلم [¬١]: \"والذي لا إله غيره، لا يحل دم رجل مسلم\". وذكره، قال الأعمش: فحدثت به إبراهيم، فحدثني عن الأسود، عن عائشة بمثله.\nوروى أبو داود والنسائي (^٣٣٥): عن عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ قال: \"لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث خصال: زان محصن يرجم، ورجل قتل رجلًا [¬٢] متعمدًا فيقتل، ورجل يخرج من الإِسلام و[¬٣] حارب الله ورسوله فيقتل، أو يصلب، أو ينفى من الأرض\". وهذا لفظ النسائي.\nوعن أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁: أنه قال وهو محصور: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: رجل كفر بعد إسلامه [¬٤]، أو زنى بعد إحصانه، أو قتل نفسًا بغير نفس\"؛ فو الله ما زنيت في جاهلية ولا إسلام، ولا تمنيت أن لي بديني بدلًا منه بعد إذ هداني الله، ولا قتلت نفسًا، فبم تقتلونني. رواه الإِمام أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجة (^٣٣٦)، وقال الترمذي: هذا حديث حسن.\n_________\n(^٣٣٥) - صحيح، أخرجه أبو داود، كتاب: الحدود، باب: الحكم فيمن ارتد (٤٣٥٣)، والنسائي، كتاب: تحريم الدم، باب: الصلب (٧/ ١٠١، ١٠٢)، كتاب: القسامة، باب: سقوط القود من السلم للكافر (٨/ ٢٣) بإسناد صحيح على شرط الشيخين، وأخرجه أحمد (٦/ ٥٨، ١٨١، ٢٠٥، ٢١٤)، والنسائي (٧/ ٩١)، والطيالسي (١٤٧٤)، وإسحاق بن راهويه في مسنده (٣/ ١٠٦٠، ١٠٦١)، وأبو يعلى (٨/ ٤٦٧٦) وغيرهم بلفظ آخر، وإسناد هذا اللفظ فيه جهالة، وانظر \"إرواء الغليل\" (٧/ ٢١٩٦).\n(^٣٣٦) - صحيح، أخرجه أحمد (١/ ٦١ - ٦٢، ٧٠)، والترمذي (٢١٥٩)، والنسائي (٧/ ٩١، ٩٢)، وابن ماجه (٢٥٣٢)، وكذا أخرجه الشافعي (٣١٨، ٣١٩)، والطيالسي (٧٢)، والدارمي (٢٣٠٢)، وأبو داود (٤٥٠٢)، وابن الجارود (٨٣٦)، والبغوي في \"شرح السنة\" (١٠/ ٢٥٨١)، وحسنه الترمذي لكنه أعله بالوقف والذين رفعوه ثقات فلا يضره من أوقفه - انظر \"الإرواء\" للألباني (٢١٩٦/ ٧) - وقد صححه الحاكم على شرط الشيخين (٤/ ٣٥٠) ووافقه الذهبي.\n_________\n[¬١]- في صحيحه، ك: القسامة والمحاربين والقصاص والديات، ب: ما يباح به دم المسلم (٢٦) (١٦٧٦).\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- في ز: \"الإسلام\".","vol":"6","page":213},{"text":"وقد جاء النهي والزجر والوعيد فى قتل المعاهد، وهو المستأمن من أهل الحرب، كما رواه البخاري (^٣٣٧): عن عبد الله بن عمرو ﵄، عن النبي، ﷺ، قال: \"من قتل معاهدًا لم يَرِح رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد [¬١] من مسيرة أربعين عامًا\".\nوعن أي هريرة ﵁ عن النبي، ﷺ، قال: \"من قتل معاهدًا له ذمة الله وذمة رسوله، فقد أخفر بذمة الله، فلا يرح رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة سبعين [¬٢] خريفًا\".\nرواه ابن ماجه والترمذي (^٣٣٨) [¬٣] وقال: حسن صحيح.\n_________\n(^٣٣٧) - كتاب: الديات، باب: إثم من قتل ذميًّا بغير جرم (٦٩١٤)، وأخرجه أيضًا في كتاب: الجزية والموادعة، باب: إثم من قتل معاهدًا بغير جرم (٣١٦٦)، وكذا أخرجه أحمد (٢/ ١٨٦)، والنسائي (٨/ ٢٥)، وابن ماجه (٢٦٨٦).\n(^٣٣٨) - ضعيف بهذا اللفظ، وصح بلفظ آخر، أخرجه ابن ماجه، كتاب: الديات، باب: من قتل معاهدًا (٢٦٨٧)، والترمذي، كتاب: الديات، باب: ما جاء فيمن قتل نفسًا معاهدة (١٤٠٣)، وأبو يعلى في \"المسند\" (١١/ ٦٤٥٢) من طريق مَعْدِيِّ بن سليمان، عن ابن عجلان، عن أبيه، عن أبي هريرة به، وقال الترمذي: \"حديث أبي هريرة حسن صحيح، وقد روي من غير وجه عن أبي هريرة عن النبى ﷺ\"، وصححه الحاكم على شرط مسلم (٢/ ١٢٧) ووافقه الذهبي، وكذا صحح إسناده الألباني فى \"الصحيحة\" (٥/ ٢٣٥٦) مع أن معدي بن سليمان هذا لم يخرج له مسلم وقد ضعفه النسائي، وقال البخاري: منكر الحديث ذاهب، وقال أبو زرعة: واهي الحديث، يُحدِّث عن ابن عجلان بمناكير، وذكره ابن حبان وابن الجوزي في جملة الضعفاء ثم وجدت الشيخ الألباني قد أعل الحديث به فى \"غاية المرام\" (٤٥٠). لكن للجزء الأخير منه شاهد من حديث عبد الله بن عمرو عند أحمد (٢/ ١٧١، ١٩٤) وإسناده صحيح وشاهد آخر عند أحمد (٤/ ٢٣٧) (٥/ ٣٦٩)، والنسائي (٤/ ٢٢١) وسنده صحيح كذلك، وقد ورد الحديث من وجه آخر عن أبي هريرة - كما أشار إلى ذلك الترمذي - فأخرجه الطبراني في \"الأوسط\" (١/ رقم ٦٦٣) من طريق مُعَلَّل بن نفيل، عن عيسى بن يونس، عن عوف الأعرابي، عن محمد بن سيرين، عنه مرفوعًا بلفظ \"من قتل نفسًا معاهدة بغير حقها لم يَرِح رائحة الجنة، وإن ريح الجنة توجد من مسيرة مائة عام\". وذكره الهيثمي في \"المجمع\" (٦/ ٢٩٧) وقال: \"رواه الطبراني في \"الأوسط\" عن شيخه أحمد بن القاسم ولم أعرفه - وهو متابع - وبقية رجاله ثقات رجال الصحيح غير معلل ابن نفيل وهو ثقة\". قلت: وأخرجه الطبراني أيضًا في \"الأوسط\" (٨/ ٨٠١١) ثنا موسى بن هارون، نا محمد بن مهران، عن عيسى بن يونس، به =\n_________\n[¬١]- في ز: \"يوجد\".\n[¬٢]- فى ز: \"خمسين\".\n[¬٣]- تنبيه: في كتاب \"صفة الجنة\" (ص ١٤٢/ ط دار ابن كثير) للمصنف جااء عزو هذا الحديث إلى أبي داود والترمذي، وعزوه إلى أبي داود خطأ فليستدرك من هنا، وبالله التوفيق.","vol":"6","page":214},{"text":"وقوله: ﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ أي: هذا ما وصاكم به لعلكم تعقلون [عن الله] [¬١] أمره ونهيه.\n﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (١٥٢)﴾\nقال عطاء بن السائب: عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: لما أنزل الله ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ و﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ الآية، فانطق من كان عنده يتيم فعزل طعامه من طعامه، وشرابه من شرابه، فجعل يفضل الشيء فيحبس له حتى يأكله أو [¬٢] يفسد، فاشتد ذلك عليهم، فذكروا ذلك لرسول الله ﷺ، فأنزل الله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ قال: فخلطوا طعامهم بطعامهم، وشرابهم بشرابهم. رواه أبو داود (^٣٣٩).\nوقوله تعالى: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ قال الشعبي، ومالك، وغير واحد من السلف: يعني حتى يحتلم.\nوقال السدي: حتى يبلغ ثلاثين سنة. وقيل: أربعون سنة. وقيل: ستون سنة. قال: وهذا كله بعيد هاهنا، والله أعلم.\nوقوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ﴾ يأمر تعالى بإقامة العدل فى الأخذ والإِعطاء كما توعد على تركه فى قوله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (٢) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (٣) أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (٤) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (٥) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، وقد أهلك الله أمة من الأم كانوا يبخسون المكيال والميزان.\n_________\n= وقد صحح الضياء - كما في \"صفة الجنة\" للمصنف (ص ١٤٢) - حديث أبي هريرة من هذا الوجه فقال: \"هو عندي على شرط الصحيح\": وافقه الألباني في \"الصحيحة\".\n(^٣٣٩) - \" السنن\" كتاب: الوصايا، باب: مخالطة اليتيم في الطعام (٢٨٧١). وتقدم تخريجه [سورة البقرة/آية ٢٢٠].\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ز: \"عنه\".\n[¬٢]- في ز: \"و\".","vol":"6","page":215},{"text":"وفي كتاب الجامع لأبي عيسى الترمذي (^٣٤٠): من حديث الحسين بن قيس أبي على الرحبي، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ لأصحاب الكيل والميزان: \"إنكم وليتم أمرًا هلكت فيه الأم السالفة قبلكم\". ثم قال: لا نعرفه مرفوعًا إلا من حديث الحسين، وهو ضعيف في الحديث، وقد روي بإسناد صحيح عن ابن عباس موقوفًا.\nقلت: وقد رواه ابن مردويه فى تفسيره (^٣٤١): من حديث شريك، عن الأعمش، عن سالم ابن أبي الجعد، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: \"إنكم معشر الموالي قد بشركم الله بخصلتين بها هلكت القرون المتقدمة: المكيال، والميزان\".\nوقوله ﵎: ﴿لَا [نُكَلِّفُ نَفْسًا] [¬١] إِلَّا وُسْعَهَا﴾ أي: من اجتهد فى أداء الحق وأخذه، فإن أخطأ بعد استفراغ وسعه وبذل جهده [¬٢] فلا حرج عليه.\nوقد روى ابن مردويه (^٣٤٢): من حديث بقية، عن مبشر بن عبيد، عن عمرو بن ميمون بن\n_________\n(^٣٤٠) - ضعيف مرفوعًا، وصح موقوفًا. جامع الترمذي كتاب: البيوع، باب: ما جاء في المكيال والميزان (١٢١٧) - ومن طريقه ابن الجوزي في \"العلل المتناهية\" (٢/ رقم ٩٧٢)، وأخرجه الطبراني في \"الكبير\" (١١/ ١١٥٣٥)، وابن عدي في \"الكامل\" (٢/ ٧٦٣)، والحاكم (٢/ ٣١)، والبيهقي في \"الكبرى\" (٦/ ٣٢)، وفي \"الشعب\" (٤/ ٥٢٨٨) من طريق الحسين بن قيس أبي على الرحبي به، وقال الحاكم: \"صحيح الإسناد، ولم يخرجاه\" فتعقبه الذهبي بقوله: \"حسين بن قيس ضعفوه\"، وكذا تعقبه الحافظ المنذري في \"الترغيب\" (٢/ ٥٦٨) فقال - عقب قول الحاكم - \"كيف! وحسين بن قيس متروك والصحيح عن ابن عباس موقوف، كذا قال الترمذي وغيره\"، وقال البيهقي في \"الكبرى\": \"أسنده أبو على حنش، ووفقه غيره، من وجه آخر عن ابن عباس\" ثم أخرجه هنا من طريق عبد الله بن نمير في \"الشعب\" (٤/ ٥٢٨٧) من طريق يعلى بن عبيد كلاهما عن الأعمش، عن سالم بن أبي الجعد، عن كريب عنه بنحوه موقوفًا، وهذا إسناد صحيح واختلف فيه على الأعمش فرواه الثقات عنه هكذا أخطأ فيه شريك عنه فرواه مرفوعًا وهو الآتى.\n(^٣٤١) - كسابقه، وعزاه لابن مردويه السيوطى في \"الدر المنثور\" (٣/ ١٠٥) - وشريك هو ابن عبد الله القاضي، سيئ الحفظ، وقد أخطأ في رفعه، انظر السابق.\n(^٣٤٢) - مرسل وإسناده ضعيف جدًّا، وعزاه لابن مردويه السيوطى فى \"الدر المنثور\" (٣/ ١٠٥) ومبشر بن عبيد هذا هو القرشي، أبو حفص الحمصي قال أحمد: \"روى عنه بقية، وأبو المغيرة، أحاديث موضوعة كذب\". وقال البخاري: \"منكر الحديث\"، وكذا قال أبو حاتم، وقال أبو زرعة: \"هو عندي ممن يكذب\". وتركه الدارقطني وغيره \"تهذيب الكمال\" (٢٧/ ت ٥٧٦٩).\n_________\n[¬١]- في ز: \"تكلف نفس\".\n[¬٢]- فى ز: \"وجهه\".","vol":"6","page":216},{"text":"مهران، عن أبيه، عن سعيد بن المسيب قال: قال رسول الله ﷺ: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا [نُكَلِّفُ نَفْسًا] [¬١] إِلَّا وُسْعَهَا﴾ فقال: \"من أوفى على يده في [الكيل والميزان] [¬٢]، والله يعلم صحة نيته بالوفاء فيهما لم يؤاخذ، وذلك تأويل وسعها\". هذا مرسل غريب.\nوقوله: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ كقوله [¬٣]: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ﴾ الآية [¬٤]، وكذا التي [¬٥] تشبهها في سورة النساء، يأمر تعالى بالعدل [في الفعال والمقال، على القريب والبعيد، والله تعالى يأمر بالعدل] [¬٦] لكل أحد في كل وقت وفي كل حال.\nوقوله [¬٧]: ﴿وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا﴾ قال ابن جرير [¬٨]: يقول وبوصية الله التي أوصاكم بها فأوفوا، وإيفاء [لذلك بأن] [¬٩] تطيعوه فيما أمركم ونهاكم، وتعملوا بكتابه وسنة رسوله، وذلك هو الوفاء بعهد الله.\n﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ يقول تعالى: هذا وصاكم به، وأمركم به، وأكد عليكم فيه ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ أي: تتعظون وتنتهودت عما [¬١٠] كنتم فيه من قبل، هذا وقرأ بعضهم بتشديد الذال، وآخرون بتخفيفها.\n﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣)﴾\nقال على بن أبي طلحة (^٣٤٣)، عن ابن عباس في [¬١١] قوله: ﴿فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾، وفي [¬١٢] قوله: ﴿أَنْ [¬١٣] أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ ونحو هذا في القرآن، قال: أمر الله المؤمنين بالجماعة، ونهاهم عن الاختلاف والفرقة، وأخبرهم أنه\n_________\n(^٣٤٣) - أخرجه ابن جرير فى تفسيره (١٢/ ١٤١٦٦).\n_________\n[¬١]- في ز: \"تكلف نفس\".\n[¬٢]- سقط من: خ، ز.\n[¬٣]- في ز: \"كما قاله تعالى\".\n[¬٤]- سقط من: ز.\n[¬٥]- في ز: \"الذي\".\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٧]- سقط من: ز.\n[¬٨]- في تفسيره (١٢/ ٢٢٦، ٢٢٧).\n[¬٩]- في ز: \"ذلك أن\".\n[¬١٠]- في ز: \"مما\".\n[¬١١]- سقط من: ز.\n[¬١٢]- سقط من: ز.\n[¬١٣]- سقط من: ز.","vol":"6","page":217},{"text":"إنما [¬١] هلك من كان قبلهم بالمراء والخصومات فى دين الله.\nونحو هذا قاله مجاهد وغير واحد.\nوقال الإِمام أحمد بن حنبل (^٣٤٤): حدثنا الأسود بن عامر شاذان، حدثنا أبو بكر - هو ابن عياش - عن عاصم - هو ابن أبي النجود - عن أبي وائل، عن عبد الله - هو ابن مسعود ﵁ قال: خط رسول الله، ﷺ، خطًا بيده ثم قال: \"هذا سبيل الله مستقيمًا\"، وخط عن يمينه وشماله، ثم قال: \"هذه السبل ليس منها سبيل إلا عليه شيطان يدعو إليه\"، ثم قرأ: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾.\nوكذا رواه الحاكم (^٣٤٥): عن الأصم، عن أحمد بن عبد الجبار، عن أبي بكر بن عياش به. وقال: صحيح ولم يخرجاه.\nوهكذا روإه أبو جعفر الرازي، وورقاء، وعمرو بن أبي قيس، عن عاصم، عن أبي وائل شقيق بن سلمة، عن ابن [مسعود مرفوعًا به] [¬٢] نحوه.\nوكذا رواه يزيد بن هارون ومسدد (^٣٤٦) والنسائي (^٣٤٧) - عن يحيى بن حبيب بن عربي - وابن حبان (^٣٤٨) - من حديث ابن وهب - أربعتهم [¬٣]، عن حماد بن زيد، عن عاصم، عن\n_________\n(^٣٤٤) - \" المسند\" (١/ ٤٦٥) (٤٤٣٧/ شاكر).\n(^٣٤٥) - \" المستدرك\" (٢/ ٣١٨) وصححه، ووافقه الذهبي، وسنده حسن، رجاله ثقات غير عاصم بن بهدلة بن أبي النجود، فهو \"صدوق له أوهام\"، وقد تابع أبا بكر بن عياش عليه جماعة وهم:\n١ - أبو جعفر الرازي وورقاء - كما قال المصنف - ولم أهتد لروايتهما فيما بين يدي من مصادر.\n٢ - عمرو بن أبي قيس عند ابن أبي حاتم في \"التفسير\" (٥/ ٨١٠٢).\n٣ - حماد بن زيد وهو اللآتي من (٣٤٤: ٣٤٨).\n(^٣٤٦) - أخرجه أحمد في \"المسند\" (١/ ٤٣٥) (٤١٤٢)، واللالكائي فى \"شرح أصول الاعتقاد\" (١/ رقم ٩٤) من طريق يزيد بن هارون، وطريق مسدد لم أهتد إليه.\n(^٣٤٧) - فى التفسير من \"الكبرى\" (٦/ ١١١٧٤).\n(^٣٤٨) - في صحيحه (١/ رقم ٧).\n_________\n[¬١]- فى ز: \"لما\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين فى ز: \"مسعود به مرفوعًا\".\n[¬٣]- يزيد بن هارون ومسدد ويحيى بن حبيب وابن وهب.","vol":"6","page":218},{"text":"أبي وائل، عن ابن مسعود به.\nوكذا رواه ابن جرير (^٣٤٩): عن المثنى، عن الحماني، عن حماد بن زيد به. [] [¬١] ورواه الحاكم (^٣٥٠): عن أبي بكر بن إسحاق، عن إسماعيل بن إسحاق القاضي، عن سليمان بن حرب، عن حماد بن زيد، به، كذلك، وقال: صحيح ولم يخرجاه.\nوقد روى هذا الحديث النسائي والحاكم (^٣٥١): من حديث أحمد بن عبد الله بن يونس، عن أبي بكر بن عياش، عن عاصم، عن زر، عن عبد الله بن مسعود، به، مرفوعًا.\nوكذا رواه الحافظ أبو بكر بن مردويه (^٣٥٢): من حديث يحيى الحماني، عن أبي بكر بن عياش، عن عاصم، عن زر، به.\nفقد صححه الحاكم كما رأيت من الطريقين، ولعل هذا الحديث عند عاصم بن أبي النجود، عن زر، وعن أبي وائل شقيق بن سلمة كلاهما، عن ابن مسعود، به، والله أعلم.\nوقال الحاكم [¬٢]: وشاهد هذا الحديث حديث الشعبي عن جابر من وجه غير معتمد.\n_________\n(^٣٤٩) - في تفسيره (١٢/ ١٤١٦٨)، والحماني هو يحيى بن عبد الحميد \"حافظ إلا أنهم اتهموه بسرقة الحديث\" وهو متابع كما تقدم ويأتي، وأخرجه أحمد (١/ ٤٣٥) (٤١٤٢)، والدارمي (٢٠٨) وابن أبي عاصم في \"السنة\" (١/ رقم ١٧)، البزار في \"المسند\" (٥/ ١٧١٨)، وابن حبان في \"الصحيح\" (١/ رقم ٦)، وابن أبي زَمَنِين في \"أصول السنة\" (ص ٣٦)، والهيثم بن كليب في مسنده (٥٣٥، ٥٣٦) ومحمد بن نصر المروزي في \"السنة\" (١١)، واللالكائي في \"شرح أصول الاعتقاد\" (١/ رقم ٩٢، ٩٣) والبغوي في \"شرح السنة\" (١/ رقم ٩٧) من طرق عن حماد بن زيد به، وانظر ما بعده.\n(^٣٥٠) - \" المستدرك\" (٢/ ٣١٨) ومن طريق سليمان بن حرب عن حماد به، وأخرجه الآجري في \"الشريعة\" (١/ رقم ١٢)، وأبو نعيم في \"الحلية\" (٦/ ٢٦٣)، وأخرجه الطيالسي في مسنده (٢٤٤) ثنا حماد بن زيد به.\n(^٣٥١) - أخرجه النسائي في \"التفسير\" من \"الكبرى\" (٦/ ١١١٧٥)، والحاكم (٢/ ٢٣٨، ٢٣٩) وقال: \"صحيح الإسناد ولم يخرجاه\" ووافقه الذهبي، وأخرجه ابن بطة في \"الإبانة\" (١/ رقم ١٢٦) من طريق أحمد بن عبد الله بن يونس به، والآجري في \"الشريعة\" (١/ رقم ١١) من طريق أبي هشام الرفاعي، عن أبي بكر به.\n(^٣٥٢) - وعزاه لابن مردويه السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ١٠٦) - وأخرجه ابن بطة في \"الإبانة\" (١/ رقم ١٢٨) من طريق حمى الحماني به مقرونًا بأبي بكر بن عياش =\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ز: \"الحماني عن حماد بن زيد به\".\n[¬٢]- المستدرك (٢/ ٣١٨).","vol":"6","page":219},{"text":"يشير إلى الحديث الذي قال الإِمام أحمد [¬١] وعبد بن حميد [] [¬٢] واللفظ لأحمد (^٣٥٣): حدثنا عبد الله بن محمد - وهو أبو بكر بن أبي شيبة - أنبأنا أبو خالد الأحمر، عن مجالد، عن الشعبي، عن جابر قال: كنا جلوسًا عند النبي، ﷺ، فخط خطًّا هكذا أمامه، فقال: \"هذا سبيل الله\" وخطين عن يمينه، وخطين عن شماله، وقال: \"هذه سبيل الشيطان\". ثم وضع يده في الخط الأوسط، ثم تلا هذه الآية: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾.\nورواه ابن ماجة في كتاب [¬٣] السنة من سننه والبزار، عن أبي سعيد عبد الله بن سعيد، عن\n_________\n= أبو عوانة، وأخرجه ابن بطة أيضًا (١/ رقم ١٢٧) من طريق سليمان بن حرب، ثنا حماد بن زيد عن عاصم، عن زر به، وجميع الطرق التي ذكرها المصنف مدارها على عاصم بن أبي النجود وهو صدوق له أوهام، لكنه توبع تابعه سليمان الأعمش عن أبي وائل، عن عبد الله به، أخرجه البزار في مسنده (٥/ رقم ١٦٩٤) ثنا أبو موسى - محمد بن المثنى - نا محمد بن حازم، عن الأعمش به، وهذا إسناد صحيح رجاله رجال الشيخين إلا أنهم تكلموا فى البزار نفسه فجرحه النسائي، وقال أبو أحمد الحاكم: \"يخطئ في الإسناد والمتن\" وكذا قال الدارقطني وقال أبو الشيخ: \"غرائب حديثه وما ينفرد به كثير\" وأخرجه أيضًا من طريق جرير، عن منصور، عن أبي وائل به (٥/ رقم ١٦٧٧)، وله طريق آخر عنده (٥/ ١٨٦٥) بإسناد رجاله ثقات حاشا البزار فمتكلم في حفظه - كما تقدم - وعلى كلٍ فمثل هذه الطرق وإن لم تكن صحيحة بذاتها فهى شواهد لطريق عاصم بن أبي النجود، والحديث قد صححه ابن حبان، والحاكم ووافقه الذهبي، وحسن إسناده الألباني فى \"السنة\" لابن أبي عاصم (١/ رقم ١٧) وله شاهد من حديث جابر بن عبد الله وهو الآتي.\n(^٣٥٣) - إسناده ضعيف، وهو صحيح بما قبله، والحديث في \"المسند\" لأحمد (٣/ ٣٩٧)، وفي \"المنتخب\" لعبد بن حميد (١١٤١) - ومن طريق أحمد أخرجه ابن بطة في \"الإبانة\" (١/ رقم ١٢٩) - وأخرجه ابن أبي عاصم في \"السنة\" (١/ رقم ١٦) ثنا أبو بكر بن أبي شيبة به. وأخرجه ابن ماجه في المقدمة، باب: اتباع سنة رسول الله ﷺ (رقم ١١)، والبزار (٣/ ٢٢١٠ - كشف الأستار)، وابن أبي حاتم في \"التفسير\" (٥/ ٨١٠١)، والآجري في \"الشريعة\" (١/ رقم ١٣)، وابن مردويه كما قال المصنف، - وعزاه له السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ١٠٦) - من طريق عبد الله بن سعيد أبي سعيد الأشج الكندي، ثنا أبو خالد به، وأخرجه اللالكائي في \"أصول الاعتقاد\" (١/ رقم ٩٣) من طريهق حفص - ابن غياث - عن مجالد به، ومجالد هو ابن سعيد ليس بالقوي، ولا بأس به في الشواهد وهذا منها.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين فى ز: \"جميعًا\".\n[¬٣]- سقط من: ز.","vol":"6","page":220},{"text":"أبي [¬١] خالد الأحمر، به.\nقلت: ورواه الحافظ ابن مردويه من طريقين: عن أبي سعيد الكندي، حدثنا أبو خالد، عن مجالد، عن الشعبي، عن جابر، قال: خط رسول الله خطًّا، وخط عن يمينه خطًّا، وخط عن يساره خطًّا، ووضع يده على الخط الأوسط، وتلا هذه الآية: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾.\nولكن العمدة على حديث ابن مسعود، مع ما فيه من الاختلاف إن كان مؤثرًا، وقد روي موقوفًا عليه.\nوقال ابن جرير (^٣٥٤): حدثنا محمد بن عبد الأعلى، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن [¬٢] كان: أن رجلًا قال لابن مسعود: ما الصراط المستقيم؟ قال: تركنا محمد ﷺ في أدناه، وطرفه في الجنة، وعن يمينه جواد، وعن بساره جواد، و[¬٣] ثمَّ رجال يدعون من مر بهم، فمن أخذ في تلك الجوادّ انتهت به إلى النار، ومن أخذ على الصراط انتهى به إلى الجنة. ثم قرأ ابن مسعود: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ الآية.\nوقال ابن مردويه (^٣٥٥): حدثنا أبو عمرو، حدثنا محمد بن عبد الوهاب، حدثنا آدم، حدثنا إسماعيل بن عياش، حدثنا [أبان بن أبي عياش [¬٤]]، عن مسلم بن أبي عمران، عن عبد الله بن عمر: سأل عبد الله عن الصراط المستقيم؟ فقال ابن مسعود: تركنا محمد ﷺ في أدناه وطرفه في الجنة. وذكر تمام الحديث كما تقدم والله أعلم.\nوقد روي من حديث النواس بن سمعان نحوه.\n_________\n(^٣٥٤) - إسناده ضعيف جدًّا. ابن جرير في تفسيره (٢/ ١٤١٧٠) وفيه جهالة الراوي عن ابن مسعود، وأبان هو ابن أبي عياش: \"متروك\"، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٢/ ٢٢٣) عن أبان بن أبي عياش به.\n(^٣٥٥) - كسابقه، وعزاه لابن مردويه السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ١٥٦) وأبان بن أبي عياش \"متروك\" كما تقدم في السابق.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- في ز: \"بن\".\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- في \"ت، خ، ز\": \"أبان بن عياش\" والمثبت من ترجمته في \"التهذيب\" وغيره من كتب الرجال.","vol":"6","page":221},{"text":"قال الإِمام أحمد (^٣٥٦): حدثني الحسن بن سوار أبو العلاء، حدثنا ليث - يعني ابن سعد - عن معاوية بن صالح، أن عبد الرحمن بن جبير بن نفير حدثه، عن أبيه، عن النواس بن سمعان، عن رسول الله ﷺ قال: \"ضرب الله مثلًا صراطًا مستقيمًا، وعن جنبتي الصراط سوران فيهما أبواب مفتحة، وعلى الأبواب ستور مرخاة، وعلى باب الصراط داع يقول: يا أيها الناس، ادخلوا الصراط المستقيم جميعًا [¬١] ولا تفرجوا [¬٢]، وداع يدعو من جوف الصراط، فإذا أراد الإِنسان أن يفتح شيئًا من تلك الأبواب، قال: ويحك لا تفتحه، فإنك إن تفتحه تلجه. فالصراط: الإِسلام، والسوران: حدود الله، والأبواب المفتحة: محارم الله، وذلك الداعي على رأس الصراط: كتاب الله، والداعي من فوق الصراط [¬٣]: واعظ الله في قلب كل مسلم\".\nورواه الترمذي والنسائي: عن علي بن حجر، زاد النسائي وعمرو بن عثمان كلاهما، عن بقية بن الوليد، عن بحير بن سعد، عن خالد بن معدان، عن جبير بن نفير، عن النواس بن سمعان به. وقال الترمذي: حسن غريب.\nوقوله تعالى: ﴿فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾ إنما وحد سبيله؛ لأن الحق واحد، ولهذا جمع السبل [¬٤]؛ لتفرقها وتشعبها، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.\nوقال ابن أبي حاتم (^٣٥٧): حدثنا أحمد بن سنان الواسطي، حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا سفيان بني حسين، عن الزهري، عن أبي إدريس الخولاني، عن عبادة بن الصامت، قال: قال رسول الله ﷺ: \"أيكم يبايعني على هذه الآيات الثلاث؟ \". ثم تلا: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ حتى فرغ من ثلاث آيات [¬٥]، ثم قال: \"ومن وفى بهن [فأجره على] [¬٦] الله، ومن انتقص منهن شيئًا [فأدركه الله] [¬٧] في الدنيا كانت عقوبته،\n_________\n(^٣٥٦) - صحيح، \"المسند\" (٤/ ١٨٢)، وذكره المصنف عند تفسير [آية رقم (٦) من سورة الفاتحة] كما هنا وخرج هناك.\n(^٣٥٧) - إسناده ضعيف لضعف سفيان بن حسين فى الزهري، ورواه ابن أبي حاتم في تفسيره (٥/ ٨٠٧٧) وقد تقدم تخريجه هنا برقم (٣٢١).\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- في ز: \"تفرجوا\".\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- سقط من: ز.\n[¬٥]- في ز: \"الآيات\".\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين في ز: \"أجره\".\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين في ز: \" أدركه \".","vol":"6","page":222},{"text":"ومن أخره إلى الآخرة كان أمره إلى الله؛ إن شاء أخذه، وإن شاء عفا عنه\".\n﴿ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (١٥٤)﴾\nقال ابن جرير [¬١]: ﴿ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ تقديره: ثم قل يا محمد مخبرًا عنا: بأنا آتينا موسى الكتاب، بدلالة قوله: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾.\nقلت: وفي هذا نظر، و\"ثم\" هاهنا إما هي لعطف الخبر بعد الخبر، لا للترتيب هاهنا، كما قال الشاعر:\nقل لمن ساد ثم ساد أبوه … ثم قد [¬٢] ساد قبل ذلك جده\nوهاهنا لما أخبر الله سبحانه عن القرآن بقوله: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾ عطف بمدح [¬٣] التوراة [ورسولها، فقال: ﴿ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ وكثيرًا ما يقرن سبحانه بين ذكر القرآن والتوراة] [¬٤]، كقوله تعالى: ﴿وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ لِسَانًا عَرَبِيًّا﴾، وقوله أول هذه السورة: ﴿قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا﴾ الآية، وبعدها: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾ الآية، وقال تعالى مخبرًا عن المشركين: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى﴾، قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ [¬٥] تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ﴾، قال تعالى مخبرًا عن الجن أنهم قالوا: ﴿يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.\nوقوله تعالى: ﴿تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا﴾ أي: آتيناه الكتاب الذي أنزلناه إليه تمامًا كاملًا، جامعًا لما [¬٦] يحتاج إليه فى شريعته، كقوله ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ [مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا] [¬٧]﴾.\n_________\n. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n[¬١]- في تفسيره (١٢/ ٢٣٢).\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- في ز: \"يمدح\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٥]- فى ز: \"ساحران\".\n[¬٦]- في ز: \"لجميع ما\".\n[¬٧]- فى ت: \"الآية\".","vol":"6","page":223},{"text":"وقوله تعالى: ﴿عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ﴾ أي: جزاء على إحسانه في العمل، وقيامه بأوامرنا وطاعتنا، كقوله: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾، وكقوله: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾، وكقوله: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾.\nوقال أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس ﴿ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ﴾ يقول: أحسن فيما أعطاه الله.\nوقال قتادة: من أحسن في الدنيا تمم [¬١] له ذلك في الآخرة. واختار ابن جرير أن تقدير الكلام: ﴿ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا﴾ على إحسانه، فكأنه جعل \"الذي\" مصدرية، كما قيل في قوله تعالى: ﴿وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا﴾ أي: كخوضهم، وقال ابن رواحة:\nفثبَّت الله ما أتاك من حَسَنٍ … في المرسلين ونَصْرًا كالذي نُصِروا\nوقال آخرون: \"الذي\" ها هنا بمعنى الذين.\nقال ابن جرير [¬٢]: وقد ذكر عن عبد الله بن مسعود أنه كان يقرؤها: (تمامًا على الذين أحسنوا).\nوقال ابن أبي نجيح، عن [¬٣] مجاهد: ﴿تمامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ﴾ قال: على المؤمنين والمحسنين. وكذا قال أبو عبيدة، وقال البغوي: المحسنون الأنبياء والمؤمنون، يعني: أظهرنا فضله عليهم.\nقلت: كقوله تعالى: ﴿قَالَ يَامُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي﴾ ولا يلزم اصطفاؤه على محمد ﷺ خاتم الأنبياء والخليل ﵉ لأدلة أخرى [¬٤].\nقال ابن جرير (^٣٥٨): وروى أبو [¬٥] عمرو بن العلاء، عن يحيى بن يعمر: أنه كان يقرؤها: (تماما على الذي أحسنُ) رفعًا بتأويل على الذي هو أحسن. ثم [¬٦] قال: وهذه قراءة لا أستجيز القراءة بها، وإن كان لها في العربية وجه صحيح.\n_________\n(^٣٥٨) - في تفسيره ابن جرير (١٢/ ١٤١٧٧) موصولًا بإسناده إلى أبي عمرو بن العلاء.\n_________\n[¬١]- في ز: \"ثم\".\n[¬٢]- في تفسيره (١٢/ ٢٣٤).\n[¬٣]- في ز: \"قال ابن\".\n[¬٤]- في ز: \"أخر\".\n[¬٥]- سقط من: ز.\n[¬٦]- سقط من: ت.","vol":"6","page":224},{"text":"وقيل: معناه تمامًا على إحسان الله إليه [زيادة على ما أحسن الله إليه] [¬١]. حكاه ابن جرير والبغوي.\nولا منافاة بينه وبين القول الأول، وبه جمع ابن جرير كما بيناه، ولله الحمد.\nوقوله تعالى: ﴿وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً﴾ فيه مدح لكتابه الذي أنزله الله عليه ﴿لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (١٥٤) وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ فيه الدعوة إلى اتباع القرآن، ووصفه بالبركة لمن اتبعه وعمل به في الدنيا والآخرة؛ [لأنه حبل الله المتين] [¬٢].\n﴿أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ (١٥٦) أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ (١٥٧)﴾\nقال ابن جرير: معناه وهذا كتاب أنزلناه لئلا يقولوا: ﴿إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا﴾. يعنى: لينقطع عذرهم، كقوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.\nوقوله تعالى: ﴿عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا﴾ قال على بن أبي طلحة (^٣٥٩)، عن ابن عباس: هم اليهود والنصارى.\nوكذا قال مجاهد والسدي وقتادة وغير واحد.\nوقوله: ﴿وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ﴾ أي: وما كنا نفهم ما يقولون؛ لأنهم ليسوا بلساننا، ونحن مع ذلك في غفلة وشغل عما هم فيه.\n_________\n(^٣٥٩) - أخرجه ابن جرير (١٢/ ١٤١٨٠) وابن أبي حاتم (٥/ ٨١٢٦) وابن المنذر - كما في \"الدر المنثور\" (٣/ ١٠٨).\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- سقط من: خ، ز.","vol":"6","page":225},{"text":"وقوله: ﴿أَوْ تَقُولُوا [¬١] لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ﴾ أي: وقطعنا تعللكم [¬٢]: أن تقولوا لو أنا أنزل علينا ما أنزل عليهم، لكنا أهدى منهم فيما أوتوه، كقوله: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ [فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا] [¬٣]﴾، وهكذا قال هاهنا: ﴿فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ﴾ يقول: فقد جاءكم من الله على لسان محمد ﵌ النبي العربي قرآن عطم، فيه بيان للحلال والحرام، وهدى لما في القلوب، ورحمة من الله بعباده الذين يتبعونه ويقتفون ما فيه.\nوقوله تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا﴾ أي: لم ينتفع بما جاء به الرسول، ولا اتبع ما أرسل به، ولا ترك غيره، بل صدف عن اتباع آيات الله، أي: صرف الناس وصدهم عن ذلك، قاله السدي.\nوعن ابن عباس (^٣٦٠) ومجاهد وقتادة ﴿وَصَدَفَ عَنْهَا﴾: أعرض عنها.\nوقول السدي هاهنا فيه قوة؛ لأنه قال: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا﴾ كما تقدم في أول السورة ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾، وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ﴾، وقال في هذه الآية الكريمة: ﴿سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ﴾.\nوقد يكون المراد [فيما قاله] [¬٤] ابن عباس ومجاهد وقتادة ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا﴾ أي: لا آمن بها ولا عمل بها، كقوله تعالى: ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى (٣١) وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ وغير [¬٥] ذلك من الآيات الدالة على اشتمال الكافر على التكذيب بقلبه، وترك العمل بجوارحه، ولكن المعنى الأول أقوى وأظهر والله أعلم.\n﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي\n_________\n(^٣٦٠) - أخرجه ابن جرير (١٢/ ١٤١٩١) وابن أبي حاتم (٥/ ٨١٣٤) وابن المنذر - كما في \"الدر المنثور\" (٣/ ١٠٨) من طريق على بن أبي طلحة عنه به.\n_________\n[¬١]- في ز: \"يقولوا\".\n[¬٢]- فى ز: \"لتعللكم\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين من: ز، وفي ت: \"الآية\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين فى ز: \"كما قال\".\n[¬٥]- في ز: \"نحو\".","vol":"6","page":226},{"text":"إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ (١٥٨)﴾\nيقول تعالى متوعدًا للكافرين به، والمخالفين لرسله، والمكذبين آياته، والصادّين عن سبيله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ﴾ [¬١]، وذلك كائن يوم القيامة ﴿أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ وذلك قبل يوم القيامة، كائن من أمارات الساعة وأشراطها، كما قال البخاري في تفسير هذه الآية (^٣٦١):\nحدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا عبد الواحد، حدثنا عمارة، حدثنا أبو زرعة، [عن أبي] [¬٢] هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا رآها الناس آمن من عليها، فذلك حين: ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ﴾ \".\nحدثنا إسحاق، حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن همام بن منبه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت ورآها الناس آمنوا أجمعون، وذلك حين لا ينفع نفسًا إيمانها [م تكن آمنت من قبل] [¬٣] \" ثم قرأ هذه الآية.\nهكذا روي هذا الحديث من هذين الوجهين، ومن الوجه الأول أخرجه بقية الجماعة (^٣٦٢) في كتبهم إلا الترمذي: من طرق، عن عمارة بن القعقاع بن شُبْرُمة، عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير، عن أبي هريرة به.\nوأما الطريق الثاني: فرواه عن إسحاق غير منسوب [¬٤]، فقيل: هو ابن منصور الكوسج، وقيل: إسحاق بن نصر والله أعلم.\n_________\n(^٣٦١) - البخاري في صحيحه (٤٦٣٥، ٤٦٣٦).\n(^٣٦٢) - مسلم، كتاب: الإيمان، باب: بيان الزمن الذي لا يقبل فيه الإيمان (٢٤٨) (١٥٧) وأبو داود كتاب: الملاحم، باب: أمارات الساعة (٤٣١٢) والنسائي في \"التفسير\" من \"الكبرى\" (٦/ ١١١٧٧)، وابن ماجة، كتاب: الفتن، باب: طلوع الشمس من مغربها (٤٠٦٨) وكذا أحمد في \"المسند\" (٢/ ٢٣١).\n_________\n[¬١]- في ز: \"رسله\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز: \"ثنا أبو\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٤]- قال ابن حجر في \"الفتح\" (٨/ ٢٩٧): \"جزم خلف بأنه ابن نصر، وأبو مسعود بأنه ابن منصور، وقول خلف أقوى\" وجزم البيهقي في السنن الكبرى (٩/ ١٨٠) بأنه إسحاق بن منصور. والله أعلم.","vol":"6","page":227},{"text":"وقد رواه مسلم (^٣٦٣) عن محمد بن رافع الجنديسابوري كلاهما [¬١]، عن عبد الرزاق به.\nوقد ورد هذا الحديث من طرق أخر عن أبي هريرة، كما انفرد مسلم (^٣٦٤) بروايته من حديث العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب مولى الحُرقة، عن أبيه، عن أبي هريرة به [¬٢].\nوقال ابن جرير (^٣٦٥): حدثنا أبو كريب، حدثنا ابن فضيل، عن أبيه، عن أبى حازم، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"ثلاث إذا خرجن ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾؛ طلوع الشمس من مغربها، والدجال، ودابة الأرض\".\nورواه أحمد [¬٣]، عن وكيع، عن فضيل بن غزوان، عن أبي حازم سلمان، عن أبي هريرة به. وعنده: والدخان.\nورواه مسلم: عن أبي بكر بن أبي شيبة وزهير بن حرب، عن وكيع.\nورواه هو أيضًا والترمذي: من غير وجه [¬٤]، عن فضيل بن غزوان به.\nورواه إسحاق بن عبد الله الفروي [¬٥]، عن مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة. ولكن لم يخرجه أحد من أصحاب الكتب من هذا الوجه؛ لضعف الفروي، والله أعلم.\n_________\n(^٣٦٣) - مسلم في صحيحه (٢٤٨) (١٥٧) ومن هذا الوجه أخرجه أحمد في \"المسند\" (٢/ ٣١٣) عن عبد الرزاق به.\n(^٣٦٤) - في صحيحه (٢٤٨) (١٥٧) ومن هذا الوجه أخرجه أحمد في \"المسند\" (٢/ ٣٣٧، ٣٧٢).\n(^٣٦٥) - في تفسيره (١٢/ ١٤٢٤٧) وأخرجه أحمد (٢/ ٤٤٥) ومسلم (٢٤٩) (١٥٨) والترمذي (٣٠٧٤) من طريق فضيل بن غزوان به.\n_________\n[¬١]- يعني (إسحاق - شيخ البخاري - ومحمد بن رافع).\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- في \"المسند\" (٢/ ٢٣١).\n[¬٤]- مسلم من طريق زهير بن حرب ثنا إسحاق بن يوسف الأزرق، والترمذي ثنا عبد بن حميد ثنا يعلى بن عبيد كلاهما (إسحاق ويعلى) عن فضيل به.\n[¬٥]- لم أهتد لهذه الطريق ويأتي عزو الصنف له لابن مردويه (٣٦٧) وأخرجه أحمد في \"المسند\" (٢/ ٥٣٠) (١٠٨٧١) ثنا على، أخبرنا ورقاء، عن أبي الزناد، به. ومسلم في صحيحه (٢٤٨) (١٥٧) من طريق حسين بن علي، عن زائدة، عن عبد الله بن ذكون أبي الزناد، به، والبخاري (٦٥٠٦، ٧١٢١) من طريق شعيب، عن أبي الزناد به مطولًا.","vol":"6","page":228},{"text":"وقال ابن جرير (^٣٦٦): حدثنا الربيع بن سليمان، حدثنا شعيب بن الليث، في أبيه، في جعفر بن ربيعة، عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵌: \"لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت آمن الناس كلهم، وذلك حين ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ﴾ \" الآية.\nورواه ابن لهيعة، عن الأعرج، عن أبي هريرة به. [ورواه وكيع، عن فضيل بن غزوان، عن أبي حازم، عن أبي هريرة به] [¬١].\nأخرج هذه الطرق كلها الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسيره (^٣٦٧).\nوقال ابن جرير (^٣٦٨): حدثنا الحسن بن يحيى، أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، [عن أيوب] [¬٢]، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"من\n_________\n(^٣٦٦) - في تفسيره (١٢/ ١٤٢١٩) وإسناده صحيح وأخرجه مسلم (٢٤٨) (١٥٧) وأحمد (٢/ ٥٣٠) من طريقين عن أبي الزناد عن الأعرج عبد الرحمن بن هرمز به، وأخرجه أحمد (٢/ ٣٥٠) ثنا حسن، ثنا ابن لهيعة عن عبد الرحمن الأعرج به: أخرجه البخاري، كتاب: الرقاق: باب (٤٠) (٦٥٠٦)، كتاب: الفتن، باب: (٢٥) (ح ٧١٢١) من طريق أبي اليمان ثنا شعيب ثنا أبو الزناد به مطولًا ويذكره المصنف من طريق البخاري في [سورة الأعراف/آية ١٨٧].\n(^٣٦٧) - وعزاه لابن مردويه السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ١٠٩).\n(^٣٦٨) - صحيح، في تفسيره (١٢/ ١٤٢٢٠) وهو عند عبد الرزاق في تفسيره (٢/ ٢٢١) وعنه أحمد في \"المسند\" (٢/ ٢٧٥)، وأخرجه ابن عدي في \"الكامل\" (٣/ ١٢١٤) وتمام في \"فوائده\" (٥/ ١٦٩٥) من طريق سعيد بن زيد قال: سمعت أ يوب به مقرونًا بأيوب هشام - وهو ابن حسان - عند ابن عدي، وقول المصنف: \"لم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة\" إن كان يقصد بهذا الإسناد فنعم! وإلا فقد أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب: الذكر والدعاء، باب: استحباب الاستغفار والاستكثار منه (٤٣) (٢٧٠٣) وكذا أحمد في \"المسند\" (٢/ ٤٢٧، ٤٩٥) من طريقين عن هشام ابن حسان عن محمد بن سيرين به سواء غير أنه قال بدل قوله: \"قبل منه\" \"تاب الله عليه\" وأخرجه بلفظ الصحيح، الطبراني في \"الأوسط\" (٧/ ٧٣٤٤) من طريق الحسن بن أبي جعفر عن أشعث بن جابر الحُدَّاني عن محمد بن سيرين به وذكره الهيثمي في \"المجمع\" (١٠/ ٢٠١) - وهو على غير شرطه - وقال: \"رواه الطبراني في الأوسط - ولم يشر لرواية مسلم - وفيه الحسن بن أبي جعفر وهو ضعيف\" وأخرجه أحمد ايضا (٢/ ٣٩٥) والنسائي في \"التفسير\" من \"الكبرى\" (٦/ ١١١٧٩) من طريق عوف الأعرابي عن محمد بن سيرين به والحمد لله على توفيقه.\n_________\n[¬١]- هذه الطريق معادة انظر حاشية (٢٣٦).\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.","vol":"6","page":229},{"text":"تاب قبل أن تطلع الشمس من مغربها قبل منه\". لم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة.\n(حديث آخر) عن أبي ذر الغفاري في الصحيحين وغيرهما (^٣٦٩) من طرق: عن إبراهيم بن يزيد بن شريك التيمي، عن أبيه، عن أبي ذر جندب بن جنادة ﵁ قال: قال لي [¬١] رسول الله ﷺ: \"أتدري [¬٢] أين تذهب الشمس إذا غربت؟ \" قلت: لا أدري. قال: \"إنها تنتهي دون العرش فتخر [¬٣] ساجدة، ثم تقوم حتى يقال لها: ارجعى، فيوشك يا أبا ذر أن يقال لها [¬٤]: ارجعي من حيث جئت، وذلك حين ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ﴾ \".\n(حديث آخر) عن حذيفة بن أسيد بن [¬٥] أبي سريحة الغفاري ﵁.\nقال الإِمام أ حمد بن حنبل (^٣٧٠): حدثنا سفيان، عن [¬٦] فرات، عن أبي الطفيل، عن حذيفة ابن أسيد الغفاري، قال: أشرف علينا رسول الله ﷺ من غرفة ونحن نتذاكر الساعة، فقال رسول الله ﷺ: \"لا تقوم الساعة حتى تروا عشر آيات؛ طلوع الشمس من مغربها، والدخان، والدابة، وخروج يأجوج ومأجوج، وخروج عيسى ابن مريم، وخروج [¬٧] الدجال، وثلاثة خسوف: خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، ونار تخرج من قعر عدن تسوق أو تحشر الناس، تبيت معهم حيث باتوا، وتقيل معهم حيث قالوا\".\n_________\n(^٣٦٩) - يأتي تخريجه في [سورة يس/آية ٤].\n(^٣٧٠) - صحيح \"المسند\" (٦/ ٤) وسفيان هو ابن عيينة، وأخرجه أحمد أيضًا (٤/ ٧) ومسلم، كتاب: الفتن وأشراط الساعة، باب: فى الآيات التي تكون قبل الساعة (٣٩: ٤١) (٢٩٠١) وأبو داود، كتاب: الملاحم، باب: أمارات الساعة (٤٣١١) والترمذي، كتاب: الفتن، باب: ما جاء في الخسف (٢١٨٤)، والنسائي في \"التفسير\" من \"الكبرى\" (٦/ ١١٣٨٠، ١١٤٨٢) وابن ماجه، كتاب: الفتن، باب: أشراط الساعة (٤٠٤١) مختصرًا، باب: الآيات (٤٠٥٥) من طرق عن فرات القزاز به.\nتنبيه: عزا السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ١١٣) هذا الحديث إلى أحمد والسنن الأربعة، وغفل عن عزوه إلى مسلم، فليستدرك من هنا، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.\n_________\n[¬١]- سقط من: ت.\n[¬٢]- في ز: \"تدري\".\n[¬٣]- في ز: \"ثم تخر\".\n[¬٤]- سقط من: ز.\n[¬٥]- سقط من: ز.\n[¬٦]- في ز: \"بن\".\n[¬٧]- سقط من: خ، ز.","vol":"6","page":230},{"text":"وهكذا رواه مسلم وأهل السنن الأربعة: من حديث فرات القزاز، عن أبي الطفيل عامر بن واثلة، [عن حذيفة بن أسيد به. وقال الترمذي: حسن صحيح.\n(حديث آخر)] [¬١] عن حذيفة بن اليمان ﵁.\nقال الثوري: عن منصور، عن ربعي، عن حذيفة، قال: سألت رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله، ما آية طلوع الشمس من مغربها؟ فقال النبي ﵌: \"تطول تلك الليلة حتى تكون قدر ليلتين، فبينما الذين كانوا يصلون فيها يعملون كما كانوا يعملون قبلها، والنجوم لا تسري قد قامت مكانها، ثم يرقدون، ثم يقومون فيصلون، ثم يرقدون، ثم يقومون فيطل عليهم جنوبهم [¬٢]، حتى يتطاول عليهم الليل، فيفزع الناس ولا يصبحون، فبينما هم ينتظرون طلوع الشمس من مشرقها إذ طلعت من مغربها، فإذا رآها الناس آمنوا فلم [¬٣] ينفعهم إيمانهم\".\nرواه ابن مردويه (^٣٧١)، وليس [هو في شيء من] [¬٤] الكتب الستة من هذا الوجه، والله أعلم.\n(حديث آخر عن أبي سعيد الخدري واسمه سعد بن مالك بن سنان [] [¬٥] ﵁ وأرضاه.\nقال الإِمام أحمد (^٣٧٢): حدثنا وكيع، حدثنا ابن أبي ليلى، عن عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي صلى الله عليه: سلم: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا\n_________\n(^٣٧١) - موضوع وعزاه لابن مردويه السيوطي في \"الدر المنثور\" (٩/ ١٠٩) - ثم أورده بإسناده في \"اللآلئ المصنوعة\" (١/ ٥٨، ٥٩) فقال: \"قال ابن مردويه: حدثنا محمد بن علي بن سهل ثنا محمد بن يوسف الرازي ثنا إدريس بن علي الرازي ثنا يحيى بن الضريس ثنا سفيان .... \" وهذا إسناد موضوع، والمتهم به محمد بن يوسف هذا اتهمه بالوضع الدارقطني والخطيب وترجمته في \"اللسان\" سوداء مظلمة، وشيخه إدريس لم أهتد لترجمته، ومن هنا كان الأولى بالحافظ بن كثير، أن يبين لنا حقيقة هذا الإسناد أو لا يحذف منه ما يدل على وضعه عفا الله عنا وعنه.\n(^٣٧٢) - إسناده ضعيف، \"المسند\" (٣/ ٣١، ٩٨) - ومن طريق أحمد أخرجه أبو نعيم في \"الحلية\" (٨/ ٣٧٧) - وأخرجه عبد بن حميد في \"المنتخب\" (٩٠٢) والترمذي، كتاب: التفسير، باب: \"ومن سورة الأنعام\" (٣٠٧٣) وأبو يعلى في مسنده (٢/ ١٣٥٣) وابن جرير (١٢/ ١٤٢٠٢) وابن أبي حاتم في تفسيره (٥/ ٨١٤١) من طريق وكيع به =\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٢]- في ز: \"جيوبهم\".\n[¬٣]- في ز: \"ولا\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين في ز: \"في\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين في ز: \"بن مالك\".","vol":"6","page":231},{"text":"يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا﴾ قال: \"طلوع الشمس من مغربها\".\nورواه الترمذي: عن سفيان بن وكيع، عن أبيه به [¬١]. وقال: غريب. ورواه بعضهم ولم يرفعه.\nوفي حديث طالوت بن عباد (^٣٧٣) [¬٢]، عن فَضَّال بن جُبَيْر، عن أبي أمامة صدي بن عجلان قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن أول الآيات: طلوع الشمس من مغربها\".\nوفي حديث عاصم بن أبي النجود (^٣٧٤)، عن زر بن حبيش، عن صفوان بن عسال، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"إن الله فتح بابًا قبل المغرب، عرضه سبعون\n_________\n= وأخرجه ابن جرير (١٢/ ١٤٢٠١) من طريق يحيى بن عيسى عن ابن أبي ليلى به وقال الترمذي: \"حديث حسن - غير موجودة في بعض النسخ - غريب، ورواه بعضهم ولم يرفعه\" وقال أبو نعيم: \"لا أعلم رواه عن عطية مرفوعًا إلا ابن أبي ليلى\" قلت: والموقوف أخرجه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٨/ ٦٦٩) عن وكيع بهذا الإسناد، وابن أبي ليلى سيئ الحفظ، وعطية العوفي ضعيف، والحديث زاد نسبته السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ١٠٨) إلى أبي الشيخ وابن مردويه.\n(^٣٧٣) - إسناده ضعيف، أخرجه الطبرانى في \"الكبير\" (٨/ ٨٠٢٢) وابن حبان في \"المجروحين\" (٢/ ٢٠٤) وابن عدي في \"الكامل\" (٦/ ٢٠٤٧) كلاهما في ترجمة (فَضَّال بن جُبَيْر) - والخطيب في \"تاريخ بغداد\" (٢/ ١٥٦)، (٥/ ٢٤) وابن عساكر في \"تاريخ دمشق\" (٢/ ٥٧ / مخطوط) كلهم من طريق طالوت بن عباد به وذكره الهيثمي في \"المجمع\" (٨/ ١٢) وقال: \"رواه الطبراني في \"الأوسط\" - كذا ولم أجده فيه ولعله محرف من \"الكبير\" فإن الهيثمي لم يذكره في \"مجمع البحرين في زوائد المعجمين\" - الصغير والأوسط - وفيه فضال - تصحف إلى فضالة - ابن جبير وهو ضعيف وأنكر هذا الحديث\" قلت: وفَضَّال هذا قال فيه ابن حبان: \"يروي عن أبي أمامة ما ليس من حديثه، لا يحل الاحتجاج به بحال\" وقال ابن عدي: \"لفضَّال بن جبير عن أبي أمامة قدر عشرة أحاديث كلها غير محفوظة\". وأما طالوت بن عباد: قال أبو حاتم وصالح جزرة \"صدوق\" وذكره ابن حبان في \"الثقات\" (٨/ ٣٢٩) وقال ابن حجر: ليس به بأس وأما ابن الجوزي فقال - من غير تثبت - \"ضعفه علماء النقل\" [انظر \"لسان الميزان\" (٣/ ٢٤٤)]. ويشهد له حديث عبد الله بن عمرو الآتي برقم (٣٧٦).\n(^٣٧٤) - إسناده حسن، أخرجه الترمذي، كتاب: الدعوى، باب: ما جاء في فضل التوبة والاستغفار من رحمة الله لعباده (٣٥٢٩، ٣٥٣٠) والنسائي في \"التفسير\" من \"الكبرى\" (٦/ ١١١٧٨) وابن ماجه، كتاب: الفتن، باب: طلوع الشمس من مغربها (٤٠٧٠)، وكذا أخرجه أحمد (٤/ ٢٤٠) وغيرهم مطولًا ومختصرًا وقال الترمذي: \"حديث حسن صحيح\" وصححه ابن خزيمة (١٧) وابن حبان (٤/ ١٣٢٢)، وإسناده حسن؛ لأن مداره على عاصم بن أبي النجود، وهو حسن الحديث.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- في ز: \"عبادة\".","vol":"6","page":232},{"text":"عامًا للتوبة، [] [¬١] لا يغلق حتى تطلع الشمس منه\".\nرواه الترمذي وصححه النسائي وابن ماجة في حديث طويل.\n(حديث آخر) عن عبد الله بن أبي أوفى.\nقال ابن مردويه (^٣٧٥): حدثنا محمد بن علي بن دحيم، حدثنا أحمد بن حازم، حدثنا خار ابن صرد، حدثنا ابن فضيل، عن سليمان بن زيد [¬٢]، عن عبد الله بن أبي أوفى قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"ليأتين على الناس ليلة تعدل ثلاث ليال من لياليكم هذه، فإذا كان ذلك يعرفها المتنفلون، يقوم أحدهم فيقرأ حزبه ثم ينام، ثم يقوم فيقرأ حزبه ثم ينام، فبينما هم كذلك إذ صاح الناس بعضهم من [¬٣] بعض، فقالوا: ما هذا؟ فيفزعون إلى المساجد، فإذا هم بالشمس قد طلعت [من مغربها، فضج الناس ضجة واحدة] [¬٤]، حتى إذا [¬٥] صارت في وسط السماء رجعت وطلعت من مطلعها. قال: حينئذ لا ينفع نفسًا إيمانها\".\nهذا حديث غريب من هذا الوجه، وليس هو في شيء من الكتب الستة.\n(حديث آخر) عن عبد الله بن عمرو.\nقال الإِمام أحمد (^٣٧٦): حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، حدثنا [أبو حيان] [¬٦]، عن أبي زُرْعة بن عمرو بن جرير، قال: جلس ثلاثة نفر من المسلمين إلى مروان بالمدينة، فسمعوه [] [¬٧] وهو يحدث\n_________\n(^٣٧٥) - إسناده ضعيف وعزاه لابن مردويه السيوطى في \"الدر المنثور\" (٣/ ١١١) وكذا في \"اللآلئ المصنوعة\" (١/ ٥٩) - وزاد عزوه في \"الدر المنثور\" إلى عبد بن حميد ومن قبله عزاه شيخه ابن حجر في \"الفتح\" (١١/ ٣٥٥) إلى عبد بن حميد وسكت عنه - وسليمان بن زيد هذا هو أبو إدام المحاربي، قال يحيى بن معين: \"أبو إدام، ليس بثقة، كذاب، ليس يسوى حديثه فلسًا\"، وقال أبو حاتم: \"ليس بالقوي، وهو أحسن حالا وأصلح من فائد\" وقال النسائي: \"ليس بثقة\" وقال ابن عدي \"الكامل\" [٣/ ١١٠٩]: \"أكثر روايته عن ابن أبي أوفى، على أنه قليل الحديث ولم أر له حديثًا منكرًا جدًّا فأذكره\" \"تهذيب الكمال\" (١١/ ت ٢٥١٨) وفي \"التقريب\": \"ضعيف\" رماه يحيى بن معين\".\n(^٣٧٦) - صحيح، \"المسند\" (٢/ ٢٠١) (٦٨٨١) وأخرجه أحمد أيضًا (٢/ ١٦٤) (٦٥٣١) ومسلم، كتاب: الفتن وأشراط الساعة، باب: في خروج الدجال ومكثه … (١١٨) (٢٩٤١) =\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ز: \"ثم\".\n[¬٢]- في ز: \"يزيد\".\n[¬٣]- في ز: \"في\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٥]- سقط من: خ.\n[¬٦]- في خ، ز: \"حبان\".\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين في ز: \"يقول\".","vol":"6","page":233},{"text":"عن [¬١] الآيات، يقول [¬٢]: إن أولها خروج الدجال، قال: فانصرفوا [¬٣] إلى عبد الله بن عمرو، فحدثوه بالذى سمعوه من مروان في الآيات، فقال: لم يقل مروان شيئا، قد [¬٤] حفظت من رسول الله، ﷺ، [في مثل ذلك حديثًا لم أنسه بعد، سمعت رسول الله ﷺ] [¬٥] يقول: \"إن أول الآيات خروجًا طلوع الشمس من مغربها، وخروج [¬٦] الدابة ضحى، فأيتهما [¬٧] كانت قبل صاحبتها فالأخرى على إثرها\". ثم قال عبد الله - وكان يقرأ الكتب -: وأظن أولها خروجًا طلوع الشمس من مغربها، وذلك أنها كلما غربت أتت تحت العرش فسجدت، واستأذنت في الرجوع، فأذن لها في الرجوع، حتى إذا بدا لله أن تطلع من مغربها، فعلت كما كانت تفعل، أتت تحت العرش فسجدت، واستأذنت في الرجوع، فلم يردّ عليها شيء، ثم تستأذن في الرجوع فلا يرد عليها شيء [ثم تستأذن فلا يرد عليها شيء] [¬٨]، حتى إذا ذهب من الليل ما شاء الله أن يذهب وعرفت أنه إذا [¬٩] أذن لها في الرجوع لم تدرك المشرق، قالت: رب ما أبعد المشرق من لي بالناس، حتى إذا صار الأفق كأنه طوق استأذنت في الرجوع، فيقال لها: من مكانك فاطلعي. فطلعت على الناس من مغربها، ثم تلا عبد الله هذه الآية: ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ [أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا] [¬١٠]﴾.\nوأخرجه مسلم في صحيحه وأبو داود وابن ماجة في سننيهما: من حديث أبي حيان التيمي واسمه يحيى بن سعيد بن حيان، عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير به.\n(حديث آخر عنه) قال الطبراني (^٣٧٧): حدثنا أحمد بن يحيى بن خالد بن حبان [¬١١]\n_________\n= وأبو داود، كتاب: الملاحم، باب: أمارات الساعة (٤٣١٠) وابن ماجه، كتاب: الفتن، باب: طلوع الشمس من مغربها (٤٠٦٨) من طرق عن أبي حيَّان التيمي به مختصرًا دون قول ابن عمرو الأخير وأخرجه الحاكم (٤/ ٥٤٧، ٥٤٨) من طريق جعفر بن عون العمري أنبأ أبو حيان به مطولًا كما هنا وقال: \"صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه\" وقد أخرجه مسلم مختصرًا كما رأيت فتنبه لمثله!! وذكر الهيثمي هذا المطول في \"المجمع\" (٨/ ١١) مشيرًا إلى رواية مسلم ثم قال: \"رواه أحمد والبزار والطبراني في \"الكبير\" ورجاله رجال الصحيح\".\n(^٣٧٧) - منكر، في \"الكبير\" كما في \"المجمع\" للهيثمي (١١١٨) - وفي \"الأوسط\" (١/ رقم ٩٤) وقال: \"لا يروى هذا الحديث عن عبد الله بن عمرو إلا بهذا الإسناد تفرد به =\n_________\n[¬١]- فى ز: \"في\".\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- في ز: \"فانصرف النفر\".\n[¬٤]- سقط من: ت.\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٦]- في ز: \"طلوع\".\n[¬٧]- فى ز: \"وأيتهما ما\".\n[¬٨]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٩]- في ز: \" إن \".\n[¬١٠]- في ت: \"الآية\".\n[¬١١]- في ز: \"حيَّان\".","vol":"6","page":234},{"text":"الرَّقِّيش، حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن [¬١] زِبْريق الحمصي، حدثنا عثمان بن سعيد بن ير بن دينار، حدثنا ابن لهيعة، عن حُيَيِّ بن عبد الله، عن أبي عبد الرحمن الحُبُلي، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: قال النبي ﷺ: \"إذا طَلَعَتِ الشمسُ من مغربها، خر إبليس ساجدًا ينادي ويجهر: إلهي مُرْنِي أن أسجد لمن شئت. قال: فيجتمع إليه زبانيتهُ فيقولون: يا سيِّدَهُم، ما هذا التضرُّعُ؟ فيقول: إنما سألتُ ربي أن يُنْظِرَني إلى الوقت المعلوم، وهذا الوقت المعلوم. قال: ثم تخرجُ دابَّةُ الأرض من صَدْعِ في الصَّفا. قال: فأوَّلُ خطوة تَضَعُها بأنطاكيَّةَ فتأتي إبليس فتخطمه [¬٢] \".\nهذا حديث غريب جدًّا وسنده ضعيف، ولعله من الزاملتين اللتين أصابهما عبد الله بن عمرو يوم اليرموك، فأما رفعه فمنكر، والله أعلم.\n(حديث آخر) عن عبد الله بن عمرو، وعبد الرحمن بن عوف، ومعاوية بن أبي سفيان ﵃ أجمعين.\nقال الإِمام أحمد (^٣٧٨): حدثنا الحكم بن نافع، حدثنا إسماعيل بن عياش، عن ضمضم [¬٣] ابن زرعة، عن شريح بن عبيد يردّه إلى مالك بن يُخَامِر، عن ابن السعدي: أن رسول الله، ﷺ، قال: \"لا تنقطع الهجرة مما دام العدو يقاتل [¬٤] \". فقال معاوية\n_________\n= عثمان بن سعيد\" قلت: وهو \"ثقة عابد\" - كما في \"التقريب\" - لكن أعله الهيثمي فقال: \"فيه إسحاق بن إبراهيم بن زبريق وهو ضعيف\" قلت: هدا هو الراجح فيه وإلا فقد أثنى عليه ابن معين وقال أبو حاتم: \"شيخ\" وذكره ابن حبان في \"الثقات\" (٨/ ١١٣) لكن قال النسائي \"ليس بثقة\" كذا قاله المزي في \"تهذيب الكمال\" (٢/ ٣٧٠) عنه مطلقًا، وأفاد محققه أن المنقول عن النسائي مُقَيَّدٌ إذا روى إسحاق عن عمرو بن الحارث، وقال أبو داود: ليس بشيء وقال ابن عوف يكذب، وفي \"التقريب\": \"صدوق يهم كثيرًا\" قلت: وهو مُعَلُّ قبله بابن لهيعة فإنه ضعيف لسوء حفظه، واستنكر رفعه المصنف، وزاد نسبته السيوطى في \"الدر المنثور\" (٣/ ١١٦) إلى ابن مردويه.\n(^٣٧٨) - إسناده حسن، \"المسند\" (١/ ١٩٢) (رقم ١٦٧١) وذكره الهثيمي في \"المجمع\" (٥/ ٢٥٣، ٢٥٤) وقال: \"روى أبو داود والنسائي بعض حديث معاوية رواه أحمد والطبراني … ورجال أحمد ثقات\" وذكر الألباني في \"الإرواء\" (٥/ ٣٣، ٣٤) طريق أحمد وقال: \"إسناد شامي حسن، رجاله كلهم ثقات وفي ضمضم بن زرعة كلام يسير وابن السعدي اسمه عبد الله واسم أبيه وقدان صحابي معروف … \". وأخرجه البزار في \"المسند\" (٣/ رقم ١٠٥٤) من طريق أبي اليمان الحكم بن نافع به من حديث عبد الرحمن بن عوف فقط، وأخرجه =\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- في خ، ز: \"فتلطمه\".\n[¬٣]- في ز: \"جهضم\".\n[¬٤]- في خ، ز: \"يقاتلك\".","vol":"6","page":235},{"text":"وعبد الرحمن بن عوف وعبد الله بن عمرو بن العاص: إن رسول الله ﷺ قال: \" [إنَّ الهجرة] [¬١] خصلتان؛ إحداهما [¬٢]: تهجر السيئات، والأخرى تهاجر إلى الله ورسوله، ولا تنقطع ما تقبلت التوبة، ولا تزال التوبة مقبولة حتى تطلع الشميس من مغربها [¬٣]، فإذا طلعت طبع على كل قلب بما فيه، وكفي الناس العمل\".\nهذا الحديث [¬٤] حسن الإِسناد، ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة، والله أعلم.\n(حديث آخر) عن ابن مسعود ﵁.\nقال عوف الأعرابي (^٣٧٩): عن محمد بن سيرين، حدثني أبو عبيدة، عن ابن مسعود: أنه كان يقول: ما ذكر من الآيات فقد مضى، غير أربع؛ طلوع الشمس من مغربها، والدجال، ودابة الأرض، وخروج يأجوج ومأجوج. قال: وكان يقول: الآية التي تختم بها الأعمال: طلوع الشمس من مغربها، ألم تر أن الله يقول: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ الآية كلها، يعني: طلوع الشمس من مغربها.\n(حديث ابن عباس ﵄ رواه الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسيره (^٣٨٠): من\n_________\n= ابن جرير (١٢/ ١٤٢١٢) والطبرانى فى \"الكبير\" (١٩/ ٨٩٥) وفى \"الأوسط\" (١/ رقم ٥٩) والبيهقي فى \"الشعب\" (٥/ ٧٢١٥) من طريق سليمان بن عبد الرحمن نا إسماعيل بن عياش به ليس فيه ذكر حديث ابن السعدي، وأخرجه أبو داود (٢٤٧٩) والنسائي في \"الكبرى\" (٥/ ٨٧١١) وأحمد (٤/ ٩٩) من حديث معاوية وفي إسناده جهالة وللحديث طرق أخرى عند النسائي في \"الكبرى\" (٥/ ٢١٦، ٢١٧) وصحح بعضها ابن حبان (١١/ ٤٨٦٦).\n(^٣٧٩) - أخرجه ابن جرير (١٢/ ١٤٢٢٩) من طريق ابن أبي عدي وعبد الوهاب عن عوف به وليس فيه تحديد اسم ابن سيرين، وأخرجه ابن أبي شيبة فى \"المصنف\" (٨/ ٦٧٠) ثنا وكيع عن عوف - تصحف إلى ابن عون - عن ابن سيرين به وصححه الحاكم (٤/ ٥٤٥) ووافقه الذهبى من طريق سفيان عن عوف عن أنس بن سيرين به كذا قال أنس ورجح الشيخ الأديب محمود شاكر في حاشيته على ابن جرير أنه \"محمد بن سيرين\" مع أنهم ذكروا أنس بن سيرين فيمن روى عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود ولم يذكروا محمدًا فتنبه!! وأبو عبيدة لم يسمع من أبيه قاله غير واحد لكن للحديث طرق أخرى صحيحة أخرجها ابن جرير في تفسيره (١٢/ ٢٤٦، ٢٥٩، ٢٦٢) مختصرة بنحو هذا اللفظ.\n(^٣٨٠) - إسناده واهٍ وعزاه لابن مردويه السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ١١٤) ووهى إسناده!! قلت: \"والمتهم به عبد المنعم بن إدريس هذا وهو قصاص مشهور، ليس يعتمد عليه، =\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٢]- في ز: \"احديهما\".\n[¬٣]- فى ز: \"المغرب\".\n[¬٤]- فى ز: \"حديث\".","vol":"6","page":236},{"text":"حديث عبد المنعم بن إدريس، عن أبيه، عن وهب بن منبه، عن ابن عباس مرفوعًا، فذكر حديثًا طويلًا غريبًا منكرًا رفعه، وفيه: \"أن الشمس والقمر يطلعان يومئذ [من المغرب] [¬١] مقرونين، وإذا نصَّفا السماء رجعا ثم عادا إلى ما كانا عليه\". وهو حديث غريب جدًّا، بل منكر، بل موضوع إن ادّعى أنه مرفوع، فأما وقفه على ابن عباس أو وهب بن منبه وهو الأشبه فغير مدفوع [¬٢]، والله أعلم.\nوقال سفيان: عن منصور، عن عامر، عن عائشة ﵂، قالت: إذا خرج أول الآيات طرحت الأقلام [¬٣]، وحُبِست الحفظة، وشهدت الأجساد على الأعمال. رواه ابن جرير (^٣٨١) رحمه الله تعالى.\nفقوله تعالى: ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ﴾ أي: إذا أنشأ [¬٤] الكافر إيمانًا يومئذ لا يقبل منه، فأما من كان مؤمنًا قبل ذلك، فإن كان مصلحًا في عمله فهو بخير عظيم، وإن كان مخلَّطًا فأحدث توبة حينئذ [¬٥] لم تقبل منه توبته، كما دلت عليه الأحاديث المتقدمة، وعليه يحمل قوله تعالى: ﴿أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ أي: ولا يقبل منها كسب عمل صالح إذا لم يكن عاملًا به قبل ذلك.\nوقوله تعالى: ﴿قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ﴾ تهديد شديد للكافرين، ووعيد أكيد لمن سوّف بإيمانه وتوبته إلى وقت لا ينفعه ذلك، وإنما كان [هذا الحكم] [¬٦] عند طلوع الشمس من مغربها، لاقتراب [وقت القيامة] [¬٧]، وظهور أشراطها، كما قال: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ\n_________\n= تركه غير واحد، وأفصح أحمد بن حنبل، فقال: كان يكذب على وهب بن منبه، وقال البخاري: ذاهب الحديث … وقال ابن حبان: يضع الحديث على أبيه وعلى غيره، وقال: إسماعيل بن عبد الكريم، مات إدريس، وعبد المنعم رضيع\" [انظر \"لسان الميزان\" (٤/ ٩١)، وأبوه أحسن حالًا منه وإن تركه الدارقطني لكن قال ابن معين: \"يكتب حديثه في الرقاق\"، وقال ابن عدي: \"أرجو أنه من الضعفاء الذين يكتب حديثهم\" ترجمته فى \"تهذيب الكمال\" (٢/ رقم ٢٩١).\n(^٣٨١) - فى تفسيره (١٢/ ١٤٢٤٦) وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٢/ ٢٢٢) وابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٨/ ٦٧٠) من طريق سفيان الثوري به ورجاله ثقات رجال الصحيح غير أن ابن معين وأبا حاتم والحاكم نفوا سماع الشعبي من عائشة. والأثر زاد نسبته السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ١١٢) إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٢]- فى خ، ز: \"مرفوع\".\n[¬٣]- سقط من: خ، ز.\n[¬٤]- فى ز: \"أفشا\".\n[¬٥]- فى خ، ز: \"يومئذ\".\n[¬٦]- فى ز: \"الحكم هذا\".\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين فى ت: \"الساعة\".","vol":"6","page":237},{"text":"تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ﴾، وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (٨٤) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا [سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ] [¬١]﴾.\n﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (١٥٩)﴾\nقال مجاهد وقتادة والضحاك والسدي: نرلت هذه الآية في اليهود والنصارى.\nوقال العوفي (^٣٨٢)، عن ابن عباس في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا [¬٢] دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا﴾ وذلك أن اليهود والنصارى اختلفوا قبل أن يبعث محمد ﷺ فتفرقوا، فلما بعث محمد ﷺ أنزل [الله عليه] [¬٣]: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا [¬٤] دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ الآية.\nوقال ابن جرير (^٣٨٣): حدثني سعيد بن عمرو [¬٥] السكوني [¬٦] حدثنا بقية بن الوليد، كتب إلىَّ عباد بن كثير، حدثني ليث، عن طاوس، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ [في هذه الآية] [¬٧]: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ]: \"وليسوا منك، هم أهل البدع وأهل الشبهات، وأهل الضلالة من هذه\n_________\n(^٣٨٢) - أخرجه ابن جرير (١٢/ ١٤٢٦١)، وابن أبى حاتم (٥/ ٨١٥٣) والعوفي ضعيف وله طريق آخر عنه عند النحاس في \"الناسخ والمنسوخ\" (ص ٤٤٢) وفي سنده انقطاع.\n(^٣٨٣) - لا يصح، فى تفسيره (١٢/ ١٤٢٦٦) وأخرجه الطبرانى في \"الأوسط\" (١/ رقم ٦٦٤) من طريق مُعَلَّل، نا موسى بن أعين، عن سفيان الثوري عن ابن طاوس، عن أبيه عن أبى هريرة به نحوه مرفوعًا وذكره الهيثمي في \"المجمع\" (٧/ ٢٥، ٢٦) وقال: \"رواه الطبرانى في \"الأوسط\" ورجاله رجال الصحيح غير مُعلل بن نفيل وهو ثقة\" وهو كما قال إلا أنه أُعِلَّ بالوقف كما قال المصنف، وقد ذكره الدارقطني في \"العلل\" (٨/ س ١٥٩٢) وقال: \"يرويه ليث بن أبى سليم، واختلف عنه فرواه شيبان بن عبد الرحمن والثوري عن ليث عن طاوس عن أبى هريرة موقوفًا، ورفعه عباد بن كثير عن ليث، ورواه موسى بن أعين عن الثوري فقال عن ابن طاوس عن أبيه عن أبى هريرة عن النبي ﷺ ووهم في موضعين في رفعه، وفي قوله: عن ابن طاوس؛ لأن هذا من حديث ليث، ولا يصح عن ابن طاوس\". =\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين من: ز، وفى ت: \"الآية\".\n[¬٢]- في ز: \"فارقوا\".\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- في ز: \"فارقوا\".\n[¬٥]- فى ت: \"عمر\".\n[¬٦]- في ز: \"السكوتى\".\n[¬٧]- فى ز: \"إن فى هذه الأمة\".","vol":"6","page":238},{"text":"الأمّة\". لكن هذا الإسناد [¬١] لا يصح، فإن عباد بن كثير متروك الحديث، ولم يختلق هذا الحديث، ولكنه وهم في رفعه، فإنه رواه سفيان الثوري، عن ليث - وهو ابن أبي سليم - عن طاوس، عن أبي هريرة في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا﴾ أنه [¬٢] قال: نزلت في هذه الأمّة.\nوقال أبو غالب (^٣٨٤)، عن أبي أمامة في قوله: ﴿وَكَانُوا شِيَعًا﴾ قال: هم الخوارج. وروي عنه مرفوعًا ولا يصح.\nوقال شعبة، عن مجالد، عن الشعبي، عن شريح، عن عمر ﵁: أن رسول الله، ﷺ، قال لعائشة ﵂: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا﴾ قال: \"هم أصحاب البدع\".\nوهذا رواه ابن مردويه (^٣٨٥)، وهو غريب أيضًا، ولا يصح رفعه.\n_________\n= قلت: وليث بن أبى سليم ترك حديثه لاختلاطه وعدم تميز صحيح حديثه من سقيمه.\nوقد عزا المرفوع السيوطي فى \"الدر المنثور\" (٣/ ١١٧) إلى الحكيم الترمذي، والشيرازي في \"الألقاب\" وابن مردويه أيضًا والموقوف أخرجه ابن جرير (١٢/ ١٤٢٦٤، ١٤٢٦٥) وابن أبى حاتم في \"التفسير\" (٥/ ٨١٥١) من طريقين عن الثوري به وزاد نسبة الموقوف السيوطي إلى الفريابى وعبد بن حميد وابن أبى شيبة وابن المنذر وأبى الشيخ وابن مردويه.\n(^٣٨٤) - لا يصح، أخرج الموقوف عبد بن حميد وأبو الشيخ وابن مردويه كما في \"الدر المنثور\" (٣/ ١١٧) وأما المرفوع فأخرجه ابن أبى حاتم (٦/ ٨١٥٠) وعلقه النحاس فى \"الناسخ والمنسوخ\" (ص ٤٤٣) من طريق أبى غالب عن أبى أمامة به، وأبو غالب هذا وثقه جماعة ولينه آخرون، وفى \"التقريب\": \"صدوق يخطئ\" ولعل رفع هذا الموقوف من أخطائه، ولذلك قال المصنف: \"وروى عنه مرفوعًا ولا يصح\".\n(^٣٨٥) - إسناده ضعيف وعزاه لابن مردويه السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ١١٧) - وأخرجه ابن أبى عاصم في \"السنة\" (١/ رقم ٤)، وابن أبي حاتم في \"التفسير\" (٥/ ٨١٥٧) والطبراني في \"الصغير\" (٣/ ٢٠١) وأبو نعيم في \"الحلية\" (٤/ ١٣٧، ١٣٨) والبيهقي في \"الشعب\" (٥/ ٧٢٣٩، ٧٢٤٠) وابن الجوزي في \"المتناهية\" (١/ رقم ٢٠٩) من طريق محمد بن مُصفّى عن بقية عن شعبة - في بعض الروايات عن شعبة أو غيره - به وقال الطبراني: \"لم يروه عن شعبة إلا بقية تفرد به ابن مصفى وهو حديثه\" كذا قال: وقال الدارقطني في \"العلل\" (٢/ ١٦٣، ١٦٤): \"يرويه محمد بن مُصفّى عن بقية … وتابعه جحدر بن الحارث\" - وهو ضعيف يسرق الحديث - عن بقية، وخالفهما وهب بن حفص الحراني - وكان ضعيفًا - فرواه عن الجُدّي عبد الملك عن شعبة عن مجالد عن الشعبي عن مسروق عن عمر ولا يثبت عن شعبة ولا عن مجالد والله أعلم\"\n_________\n[¬١]- في ز: \"إسناد\".\n[¬٢]- سقط من: ز.","vol":"6","page":239},{"text":"والظاهر أن الآية عامّة في كل من فارق دين الله، وكان مخالفًا له، فإن الله بعث رسوله بالهدى ودين الحق، ليظهره على الدين كله، وشرعه واحد [¬١] لا اختلاف فيه ولا افتراق، فمن اختلف فيه ﴿وَكَانُوا شِيَعًا﴾ أي: فرقًا كأهل الملل والنحل و[] [¬٢] الأهواء والضلالات، [فإن الله تعالى] [¬٣] قد برأ [رسول الله ﷺ] [¬٤] مما هم فيه، وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ [وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ] [¬٥]﴾، وفي الحديث (^٣٨٦): \" نحن معاشر [¬٦] الأنبياء أولاد علات ديننا واحد\".\nفهذا هو الصراط المستقيم، وهو ما جاءت به الرسل من عبادة الله وحده لا شريك له، والتمسك بشريعة الرسول المتأخر، وما خالف ذلك فضلالات وجهالات، وآراء وأهواء، والرسل برآء منها، كما قال الله تعالى: ﴿لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾.\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ] [¬٧]﴾، ثم بين [لنفسه فضله سبحانه في حكمه وعدله\n_________\n= وقال ابن الجوزي ونقل كلام الدارقطني هذا: \"أما بقية فكان يدلس والظاهر أنه سمع من ضعيف فأسقط ذكره فلا يوثق بما يروي، وأما وهب فقال ابن عروبة: كذاب يضع الحديث يكذب كذبًا فاحشًا\" قلت: وما استظهره ابن الجوزي صواب، فقد أفاد أبو حاتم في \"العلل\" (١/ رقم ١٧٢٤) أن محمد بن المصفى كان يروي دهرًا من الدهر هذا الحديث عن بقية عن شعبة عن مجالد به قال: \"وحدث عوذة بهذا الحديث عند عمرو بن عثمان قال: حدثنا بقية قال: حدثنا الثقة عن مجالد، فعلمنا أنه أخطأ فيه\" وضعف الحديث الهيثمي أيضًا فقال في \"المجمع\" (١/ ١٩٣): \"رواه الطبراني في \"الصغير\" وفيه بقية ومجالد بن سعيد وكلاهما ضعيف \"مع أنه جَوَّد إسناده في (٧/ ٢٥) فأبعد!! والحديث ذكره المصنف في \"البداية والنهاية\" (٩/ ٣٢/ ترجمة شريح ابن الحارث) وقال: \"حديث ضعيف غريب رواه محمد بن مصفى، عن بقية، عن شعبة - أو غيره - عن مجالد، عن الشعبى، وإنما تفرد بقية بن الوليد من هذا الوجه وفيه علة أيضًا\" وزاد نسبته السيوطي فى \"الدر المنثور\" إلى الحكيم الترمذي وأبى الشيخ وأبي نصر السجزي في \"اللإبانة\".\n(^٣٨٦) - صحيح، يأتي تخريجه [سورة يونس/ آية ٧٢].\n_________\n[¬١]- فى ز: \"واحدًا\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين فى ز: \"هى\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في ز: \"فالله\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين في ز: \"رسوله\".\n[¬٥]- في ت: \"الآية\".\n[¬٦]- فى ز: \"معشر\".\n[¬٧]- فى ت: \"الآية\".","vol":"6","page":240},{"text":"يوم القيامة] [¬١]، فقال تعالى:\n﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١٦٠)﴾.\nوهذه الآية الكريمة مفصلة لما أجمل فى الآية الأخرى، وهي قوله: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾ وقد وردت الأحاديث مطابقة لهذه الآية، كما قال الإمام أحمد بن حنبل (^٣٨٧) ﵀: حدثنا عفان [¬٢]، حدثنا جعفر بن سليمان، حدثنا الجَعْد أبو عثمان، عن أبي رجاء العطاردي، عن ابن عباس ﵄: أن [¬٣] رسول الله ﷺ قال [¬٤] فيما يروي عن ربه ﵎ [] [¬٥]: \"إن ربكم ﷿ رحيم، مَنْ هَمَّ بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة، فإن عملها كتبت له عشرًا إلى سبعمائة إلى أضعافٍ كثيرة، ومن هم بسيئةٍ فلم يعملها كتبت له حسنة، فإن عملها كتبت له واحدة أو يمحوها الله ﷿، ولا يَهلِكُ على الله إلا هالكٌ\".\nورواه البخاري ومسلم والنسائى: من حديث الجعد أبي عثمان به.\nوقال أحمد أيضًا (^٣٨٨): حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن المعرور بن سويد، عن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﵌: \"يقول الله ﷿:\n_________\n(^٣٨٧) - \" المسند\" (١/ ٢٧٩) فأخرجه أيضًا (١/ ٣١٠، ٣٦٠) والبخاري نحوه، كتاب: الرقاق، باب: من هم بحسنة أو بسيئة (٦٤٩١)، ومسلم، كتاب: الإيمان، باب: إذا هم العبد بحسنة كتبت، وإذا هم بسيئة لم تكتب (٢٠٧، ٢٠٨) (١٣١) والنسائى في \"النعوت\" من \"الكبرى\" (٤/ ٧٦٧٠) وفي \"الرقاق\" من \"الكبرى\" أيضًا كما في \"التحفة\" (٥/ ٦٣١٨) من طرق عن الجعد أبى عثمان به.\n(^٣٨٨) - صحيح، \"المسند\" (٥/ ١٥٣، ١٦٩) وأخرجه مسلم، كتاب: الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب: فضل الذ كر والدعاء، والتقرب إلى الله تعالى (٢٢) (٢٦٨٧)، وابن ماجه، كتاب: الأدب، باب: فضل العمل (٣٨٢١) من طريق (أبى معاوية محمد بن خازم ووكيع) عن الأعمش به وأخرجه أحمد (٥/ ١٤٧، ١٤٨، ١٥٥، ١٨٠) من طريقين عن المعرور بن سويد به نحوه.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ز: \"لنفسه فصله يوم القيامة في حكمه وعدله\".\n[¬٢]- فى ز: \"عثمان\".\n[¬٣]- فى ز: \"عن\".\n[¬٤]- سقط من: ز.\n[¬٥]- في ز: \"قال: قال رسول الله ﷺ\".","vol":"6","page":241},{"text":"من عمل حسنة فله عشر أمثالها وأزيد، ومن عمل سيئة فجزاؤه [¬١] مثلها أو أغفر، ومن عمل قراب الأرض خطيئة، ثم لقيني لا يشرك بي شيئًا جعلت له مثلها مغفرة، ومن [] [¬٢] اقترب إلىَّ شبرًا اقتربت إليه ذراعًا، ومن اقترب إليَّ ذراعًا اقتربت إليه باعًا، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة\".\nورواه مسلم: عن أبي كريب، عن أبي معاوية به. وعن أبي بكر بن أبي شيبة، عن وكيع، عن الأعمش به. ورواه ابن ماجه: عن علي بن محمد الطنافسي، عن وكيع به.\nوقال الحافظ أبو يعلى الموصلى (^٣٨٩): حدثنا شيبان، حدثنا حماد، حدثنا ثابت، عن أنس ابن مالك ﵁: أن رسول الله، ﷺ، قال: \"من هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة، فإن عملها كتبت له عشرًا، ومن هم بسيئة فلم يعملها لم يكتب عليه شيء، فإن عملها كتبت عليه سيئة واحدة [¬٣] \".\nواعلم أن تارك السيئة الذي لا يعملها على ثلاثة أقسام؛ تارة يتركها لله، فهذا تكتب [¬٤] له حسنة على كفه عنها لله تعالى، وهذا عمل ونية، ولهذا جاء أنه يكتب له حسنة، كما جاء فى بعض ألفاظ الصحيح (^٣٩٠): \" فإنما تركها من جرائي [¬٥] \" أي: من أجلي. وتارة يتركها نسيانًا وذهولًا عنها، فهذا لا له ولا عليه؛ لأنه لم ينو خيرًا ولا فعل شرًا. وتارة يتركها عجزًا وكسلًا عنها، بعد السعي في أسبابها والتلبس بما يقرب منها، فهذا يتنزل منزلة فاعلها، كما جاء [في الحديث] [¬٦] فى الصحيحين (^٣٩١) [عن النبي ﷺ أنه قال] [¬٧]: \" إذا تواجه\n_________\n(^٣٨٩) - صحيح، أبو يعلى في مسنده (٦/ ٣٤٥١) وذكره الهيثمي في \"المجمع\" (١٠/ ١٤٨) وقال: \"رواه أبو يعلى ورجاله رجال الصحيح\" وهو جزء من حديث الإسراء الطويل الذي أخرجه أحمد (٣/ ١٤٨، ١٤٩)، ومسلم، كتاب: الإيمان، باب: الإسراء برسول الله ﷺ إلى السماوات، وفرض الصلوات (٢٥٩) (١٦٢).\n(^٣٩٠) - أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب: الإيمان، باب: إذا همَّ العبد بحسنة كتبت وإذا هم بسيئة لم تكتب (٢٠٥) (١٢٩) من طريق همام بن مُنبِّه عن أبي هريرة به ومن وجه آخر عن أبي هريرة، أخرج البخاري في صحيحه، كتاب: التوحيد، باب: قول الله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ﴾. (٧٥٠١) بلفظ: \" … يقول الله إذا أراد عبدي أن يعمل سيئة فلا تكتبوها عليه حتى يعملها فإن عملها فاكتبوها بمثلها، وإن تركها من أجلى فاكتبوها له حسنة\".\n(^٣٩١) - صحيح، تقدم تخريجه [سورة المائدة/ آية ٢٨].\n_________\n[¬١]- في ز: \"فجزاؤها\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين فى ز: \"أومن\".\n[¬٣]- سقط من: خ، ز.\n[¬٤]- فى ز: \"يكتب\".\n[¬٥]- في ز: \"جراي\".\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: ت.\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.","vol":"6","page":242},{"text":"المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار\".\nقالوا: يا رسول الله، هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: \"إنه كان حريصًا على قتل صاحبه\".\nوقال الإمام أبو يعلي الموصلى (^٣٩٢): حدثنا مجاهد بن موسى، حدثنا على وحدثنا الحسن بن الصباح وأبو خيثمة قالا: حدثنا إسحاق بن سليمان كلاهما [¬١]، عن موسى بن عبيدة، عن أبي بكر بن عبيد الله بن أنس، عن جده أنس، قال: قال رسول الله ﷺ: \"من هم بحسنة كتب الله له حسنة، فإن عملها كتبت له عشرًا [¬٢]، ومن هم بسيئة لم تكتب عليه حتى يعملها، فإن عملها كتبت عليه سيئة، فإن تركها كتبت له حسنة، يقول الله تعالى: إنما تركها من مخافتي\". هذا لفظ حديث مجاهد يعني ابن موسى.\nوقال الإمام أحمد (^٣٩٣): حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا شيبان بن عبد الرحمن، عن الركين بن الربيع، عن أبيه، عن عمه فلان بن عَمِيلة، عن خُريم بن فاتك الأسدي: أن النبي\n_________\n(^٣٩٢) - إسناده ضعيف لم أجده في المطبوع من مسنده، ولم يعزه له الهيثمي في \"المجمع\" من هذه الطريق، وإنما عزاه له من الطريق المتقدم هنا برقم (٣٩٠) ولعل هذا في \"المسند الكبير\" والله تعالى أعلم - وموسى بن عُبيدة هو الرَّبَذيُّ ضعيف وشيخه \"مجهول الحال\" كما في \"التقريب\".\n(^٣٩٣) - إسناده صحيح، \"المسند\" (٤/ ٣٤٥) - ومن طريقه أبو نعيم في \"الحلية\" (٩/ ٣٤، ٣٥) وابن الأثير في \"أسد الغابة\" (٢/ ١٣١) - وأخرجه البخاري في \"التاريخ الكبير\" (٨/ ٤٢٢/ ت يُسَير ابن عَميلة) من طريق ابن مهدي وأبى داود، وابن حبان في صحيحه (١٤/ ٦١٧١) من طريق أبى داود وحده، والطبراني في \"الكبير\" (٤/ ٤١٥٣) من طريق عبيد الله بن موسى ثلاثتهم (ابن مهدي، وأبو داود، وعبيد الله بن موسى) عن شيبان بن عبد الرحمن به، وفيه تسمية المبهم هنا بـ\"يُسَير بن عميلة\" وأخرجه الطبراني (٤/ ٤١٥٤) من طريق سفيان عن الركين به، وابن أبى شيبة في \"المسند\" (٢/ رقم ٤٧٣) - ومن طريقه ابن أبى عاصم في \"الآحاد والمثاني\" (٢/ رقم ١٠٤٧)، والطبراني في \"الكبير\" (٤/ ٤١٥٥) - عن حسين بن علي، وابن حبان (١٠/ ٤٦٤٧) عن عبد الله بن المبارك والحاكم (٢/ ٨٧) وعنه البيهقي في \"الشعب\" (٤/ ٤٢٦٨) من طريق معاوية بن عمرو ثلاثتهم عن زائدة عن الركين بن الربيع عن أبيه عن يُسَير بن عميلة عن خريم به وخالفهم موسى بن مسعود - وهو سيئ الحفظ - فرواه عن زائدة عن الركين عن أبيه أراه ابن عميلة عن خريم به، علقه البخاري في \"التاريخ\" ثم أخرجه من طريق مالك بن إسماعيل عن مسلمة بن جعفر عن الركين الفزاري قال: حدثنى عمى عن أبى عن خريم به ومن طريق مالك بن إسماعيل أخرجه الطبراني في \"الكبير\" (٤/ ٤١٥١) غير أنه تحرف عنده مسلمة بن جعفر إلى مسلمة بن إسحاق ووقع عنده: \"حدثني عمي عن أبى عبد خريم\"، وأخرجه الحاكم (٢/ ٨٧) وعنه البيهقي في \"الشعب\" (٤/ ٤٢٦٩، ٤٢٧٠) من طريق مسلمة بن جعفر =\n_________\n[¬١]- فى ز: \"كلا\".\n[¬٢]- فى ز: \"عشر\".","vol":"6","page":243},{"text":"ﷺ قال: \"الناس أربعة والأعمال ستة؛ فالناس مُوَسَّعٌ له في الدنيا والآخرة، وموسع له في الدنيا مقتور عليه في الآخرة، ومقتور عليه في الدنيا موسع له في الآخرة، وشقي في الدنيا والآخرة. والأعمال، مُوجِبتان، ومثل بمثل، وعشرة أضعاف، وسبعمائة ضعف، فالموجبتان: من مات مسلمًا مؤمنًا لا يشرك بالله شيئًا وجبت له الجنة، ومن مات كافرًا وجبت له النار، ومن هم بحسنة فلم يعملها، فعلم الله أنه قد أشعرها قلبه، وحرص عليها كتبت له حسنة، ومن هم بسيئة لم تكتب عليه، ومن عملها كتبت واحدة ولم تضاعف عليه، ومن عمل حسنة كانت عليه بعشر أمثالها، ومن أنفق نفقة في سبيل الله ﷿ كانت له بسبعمائة ضعف\".\nورواه الترمذي والنسائي (^٣٩٤): من حديث الركين بن الربيع، عن أبيه، عن يسير بن عميلة، عن خُرَيْم بن فَاتِكٍ به ببعضه، والله أعلم.\nوقال ابن أبي حاتم (^٣٩٥): حدثنا أبو زرعة، حدثنا عبيد الله بن عمر القواريري، حدثنا يزيد ابن زريع، حدثنا حبيب المعلم، عن عمرو [¬١] بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي\n_________\n= عن الركين حدثني عمي عن أبي يحيى خريم بن فاتك به وأخرجه ابن الجوزي في \"العلل المتناهية\" (٢/ ١٣٥٠) من طريق مسلمة بن جعفر - تصحف إلى حفص سمعت الركين الفزاري قال: حدثني عمي عن خريم بن فاتك ومسلمة بن جعفر لم يوثقه غير ابن حبان (٩/ ١٨٠)، ورواه الطبراني في \"الكبير\" (٤/ ٤١٥٢) وفي \"الأوسط\" (٤/ ٤٠٥٩) من طريق الحكم بن بشير عن عمرو بن قيس عن الركين بن ربيع عن الربيع بن عميلة عن خريم به، والراوي عن الحكم بن بشير مهران أبو عبد الله الرازي سيئ الحفظ، واضطرب فيه المسعودي فرواه مرة عن الركين بن ربيع عن رجل عن خريم، ومرة عن الركين عن أبيه عن خريم أخرجه أحمد (٤/ ٣٢١، ٣٤٦) وهذه الروايات كلها خطأ، قال البخاري: \"الأول أصح، يعني رواية من رواه - وهم شيبان وسفيان وزائدة - عن الركين عن أبيه عن عمه يُسير بن عميلة عن خريم به، وهذا إسناد صحيح رجاله ثقات رجال مسلم غير يسير بن عميلة وهو ثقة وقد صحح هذا الحديث ابن حبان والحاكم. ووهم فيه ابن الجوزي، فقال عقبه: \"هذا حديث لا يصح عن رسول الله ﷺ والمتهم به الركين، قال جرير: لم يكن ممن يؤخذ عنه الحديث كان عريفًا وكان مغفلًا\" ولم يتعقبه الذهبي في \"تلخيص العلل\" (رقم ٨٧٧) والذي جرحه جرير وغيره هو \"الركين بن عبد الأعلى\" وأما الذي هنا فثقة لم يجرحه أحد ولله الأمر من قبل ومن بعد. وانظر ما تقدم في [سورة البقرة/آية ٢٦١].\n(^٣٩٤) - إسناده صحيح، تقدم تخريجه [سورة البقرة/آية ٢٦١].\n(^٣٩٥) - إسناده حسن، في تفسيره (٥/ ٨١٦٧) وعزاه له السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ١٢٠) =\n_________\n[¬١]- في ز: \"عمر\".","vol":"6","page":244},{"text":"ﷺ قال: \"يحضر الجمعة ثلاثة نفر؛ رجل حضرها بلغو [¬١] فهو حظه منها، ورجل حضرها بدعاء فهو رجل دعا الله؛ فإن [¬٢] شاء أعطاه، وإن شاء منعه، ورجل حضرها بإنصات وسكوت، ولم يتخط رقبة مسلم، ولم يؤذ أحدًا، فهي كفارة له إلى الجمعة التي تليها، وزيادة ثلاثة أيام\". وذلك لأن الله ﷿ يقول: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾.\nوقال الحافظ أبو القاسم الطبراني (^٣٩٦): حدثنا هاشم بن مَرْثَد، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثني أبي، حدثني ضمضم بن زرعة، عن شريح بن عبيد، عن أبي مالك الأشعري، قال: قال رسول الله ﷺ: \"الجمعة كفارة لما بينها وبين الجمعة التي تليها [¬٣]، وزيادة ثلاثة أيام، وذلك لأن الله تعالى قال: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾.\nوعن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"من صام ثلاثة أيام من [كل شهر] [¬٤] فقد صام الدهر كله\".\n_________\n= وكذا لابن مردويه فحسب، فقصر!! فقد أخرجه أحمد (٢/ ٢١٤) (٧٠٠٢) وأبو داود، كتاب: الصلاة، باب: الكلام والإمام يخطب (١١١٣) ومن طريقه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٣/ ٢١٩) - وابن خزيمة في صحيحه (٣/ رقم ١٨١٣) من طرق عن يزيد - وهو ابن زريع به، وهذا إسناد حسن للخلاف المعروف في رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وأخرجه أحمد (٢/ ١٨١) (٦٧٠١) ثنا محمد بن جعفر ثنا سعيد عن يوسف - غير منسوب - عن عمرو بن شعيب به، وأخرجه ابن عدي في \"الكامل\" (٤/ ١٥٦٦) من طريق عبد الله بن بزيع عن سعيد عن أيوب عن عمرو به نحوه، وعبد الله بن بزيع هذا قال فيه ابن عدي: \"أحاديثه عمن يروى عنه ليست بمحفوظة أو عامتها\" وقال الدارقطني: \"لين، ليس بمتروك\" وقال الساجي: \"ليس بحجة\" [انظر \"لسان الميزان\" (٣/ ٣١٦)].\n(^٣٩٦) - منقطع، فى \"المعجم الكبير\" (٣/ ٣٤٥٩) ومحمد بن إسماعيل هو ابن عياش، قال أبو داود، \"لم يكن بذاك .. سألت عمرو بن عثمان عنه، فَدَفَعَهُ\" ومع ضعفه فهو لم يسمع من أبيه شيئًا فقال الهيثمى في \"المجمع\" (٢/ ١٧٦، ١٧٧) - وعزا الحديث للطبراني فى \"الكبير\": \"فيه محمد بن إسماعيل بن عياش عن أبيه - قال أبو حاتم -: \"الجرح والتعديل\" (٧/ ت ١٠٧٨) لم يسمع من أبيه شيئًا\" قلت: وهو منقطع أيضًا بين شريح بن عبيد وأبى مالك الأشعري، فإن شريحًا لم يسمع منه، قاله أبو حاتم أيضًا كما في \"جامع التحصيل\" للعلائي (ص ١٩٥)، لكن يشهد له حديث أبى هريرة عند مسلم (٢٦، ٢٧) (٨٥٧) وغيره بنحوه وليس فيه ذكر الآية.\n_________\n[¬١]- في ز: \"بلغوا\".\n[¬٢]- فى ز: \"إن\".\n[¬٣]- فى خ، ز: \"قبلها\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين في ز: \"الشهر\".","vol":"6","page":245},{"text":"رواه الإمام أحمد وهذا لفظه (^٣٩٧)، والنسائى وابن ماجة والترمذي وزاد: فأنزل الله تصديق ذلك في كتابه ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ اليوم بعشرة أيام. ثم قال: هذا حديث حسن.\nوقال ابن مسعود (^٣٩٨): ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ من جاء بلا إله إلا الله، ومن جاء بالسيئة يقول بالشرك.\nوهكذا جاء [¬١] عن جماعة من السلف.\nوقد ورد فيه حديث مرفوع الله أعلم بصحته (^٣٩٩)، لكني لم أره من وجه يثبت، والأحاديث والآثار في هذا كثيرة جدّا، وفيما ذكر كفاية إن شاء الله وبه الثقة.\n﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٦١) قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾\nيقول تعالى آمرًا نبيه [¬٢] ﷺ سيد المرسلين: أن يخبر بما أنعم الله به عليه من الهداية إلى صراطه المستقيم، الذي لا اعوجاج [¬٣] فيه ولا انحراف ﴿دِينًا قِيَمًا﴾ أي: قائمًا ثابتًا\n_________\n(^٣٩٧) - إسناده صحيح، \"المسند\" (٥/ ١٤٥، ١٤٦) وأخرجه الترمذي، كتاب: الصوم، باب: ما جاء فى صوم ثلاثة أيام من كل شهر (٧٦٢) والنسائي، كتاب: الصيام (٤/ ٢١٩)، وابن ماجه، كتاب: الصيام، باب: ما جاء فى صيام ثلاثة أيام من كل شهر (١٧٠٨) والبزار في مسنده (٩/ ٣٩٠٤) وابن أبي حاتم فى تفسيره (٥/ ٨١٦٦) من طرق عن عاصم الأحول عن أبى عثمان النهدي عن أبي ذر به وحسنه الترمذي، وفي بعض النسخ قال: \"حسن صحيح\" والأخير أشبه، إذ إن رجاله ثقات رجال الشيخين وسنده متصل ولا وجه لإعلاله بأنه قد رواه غير عاصم عن أبى عثمان عن أبى هريرة وانظر \"العلل\" للدارقطني (٦/ س ١١٤١).\n(^٣٩٨) - أخرجه ابن أبى حاتم (٥/ ٨١٦٥) بإسناد حسن، وزاد نسبته السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ١١٨) إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وأبى نعيم في \"الحلية\" ولم أجده في ترجمته من \"الحلية\" (١/ ١٢٤: ١٣٩) فلعله فى مكان آخر منها والله أعلم.\n(^٣٩٩) - منقطع، وهو ما أخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره (٥/ ٨١٧٠) من حديث عقبة بن عامر قال: \"تلقاني أصحابى فقالوا: قال النبي ﷺ ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ قال: \"هى كلمة الشرك\" وفى سنده انقطاع.\n_________\n[¬١]- في ز: \"ورد\".\n[¬٢]- فى ز: \"لنبيه\".\n[¬٣]- فى ز: \"انعواج\".","vol":"6","page":246},{"text":"﴿مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾، كقوله: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾، وقوله: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾، وقوله: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٠) شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٢١) وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٢٢) ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٣)﴾.\nوليس يلزم من كونه ﷺ أمر باتباع ملة إبراهيم [] [¬١] الحنيفية: أن يكون إبراهيم أكمل منه فيها؛ لأنه ﵇ قام لها قيامًا عظيمًا، وأكملت له إكمالا تامًا، لم يسبقه أحد إلى هذا الكمال، ولهذا كان [¬٢] خاتم الأنبياء، وسيد ولد آدم على الإطلاق، وصاحب المقام المحمود الذي يرغب إليه الخلق حتى [إبراهيم] [¬٣] الخليل ﵇.\nوقد قال ابن مردويه (^٤٠٠): حدثنا محمد بن عبد الله بن حفص، حدثنا أحمد بن عصام، حدثنا أبو داود الطيالسي، حدثنا شعبة، أنبأنا سلمة بن كهيل، سمعت ذر بن عبد الله الهمداني يحدث، عن ابن أبزى، عن أبيه، قال: كان رسول الله ﷺ إذا أصبح قال: \"أصبحنا على ملة الإسلام، وكلمة الإخلاص، ودين نبينا محمد، وملة أبينا [¬٤] إبراهيم حنيفًا وما كان من المشركين\".\n_________\n(^٤٠٠) - صحيح، وعزاه لابن مردويه السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ١٢٣)، وأخرجه أحمد (٣/ ٤٠٦، ٤٠٧)، والنسائي في \"عمل اليوم والليلة\" (رقم ٣) من طريق شعبة به، وجاء تسمية ابن أبزى فى الوضع الثاني عند أحمد، وهو \"سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى\"، قلت: وهذا إسناد صحيح رجاله ثقات رجال الشيخين وذكره الهيثمي فى \"المجمع\" (١٠/ ١١٩) وقال: \"رواه أحمد والطبراني ورجالهما رجال الصحيح\"، وقد رواه سفيان عن سلمة بن كهيل به غير أنه قال: \"عبد الله بن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه\" أخرجه أحمد (٣/ ٤٠٧)، والدارمى (٢٦٩١)، والنسائى (١/ ٣٤٣، ٣٤٤)، وابن أبى شيبة فى \"المصنف\" (٦/ ٢٤٣)، والطبرانى فى \"الدعاء\" (٢/ رقم ٢٩٤)، قال الحافظ ابن حجر فى \"نتائج الأفكار\" (ص ١٧٦): \"رجاله محتج بهم فى الصحيح، إلا عبد الله ابن عبد الرحمن وهو حسن الحديث\" وقال أيضًا: \"حديث حسن\" وسعيد وعبد الله أخوان، قال الأثرم: قلت لأحمد: أيهما أحب اليك؟ قال: \"كلاهما عندي حسن الحديث\" قلت: وسعيد أوثق من عبد الله فقد روى له الجماعة ووثقه النسائى، وابن حبان، وابن شاهين، والذهبي، وابن حجر، وأما عبد الله فلم يوثقه غير ابن حبان، وحَسَّنَ حديثه أحمد، وقال عنه في \"التقريب\": مقبول.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ز: \"في\".\n[¬٢]- فى ز: \"قال\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ت.\n[¬٤]- سقط من: ز.","vol":"6","page":247},{"text":"وقال [¬١] الإمام أحمد (^٤٠١): حدثنا يزيد، أخبرنا محمد بن إسحاق، عن داود بن الحُصَين، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ أنه [¬٢] قال: قيل لرسول الله ﷺ: أي الأديان أحب إلى الله تعالى؟ قال: \"الحنيفية السَّمْحَة\".\nوقال أحمد أيضًا (^٤٠٢): حدثنا سليمان بن داود، حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂ قالت: وضع رسول الله ﷺ ذقني [¬٣] على منكبه؛ لأنظر إلى زفن الحبشة، حتى كنت التي مللت فانصرفت عنه. قال عبد الرحمن، عن أبيه، قال: قال لي عروة: إن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله\n_________\n(^٤٠١) - إسناده ضعيف، وهو حديث صحيح، \"المسند\" (١/ ٢٣٦) (رقم ٢١٠٧) - ومن طريقه ابن حجر في \"تغليق التعليق\" (٢/ ٤١) - وأخرجه عبد بن حميد في \"المنتخب\" (٥٦٩)، والبخاري في \"الأدب المفرد\" (٢٨٧)، والبزار (١/ رقم ٧٨ - كشف) والطبراني فى \"الكبير\" (١١/ ١١٥٧١، ١١٥٧٢)، وفي \"الأوسط\" (١/ رقم ١٠٠٦) من طريق محمد بن إسحاق به، وهذا إسناد ضعيف لضعف داود بن حصين فى عكرمة، قال أبو داود وغيره: \"أحاديثه عن عكرمة مناكير\" ومحمد بن إسحاق مدلس وقد عنعن، وبه أعله الهيثمي فقال فى \"المجمع\" (١/ ٦٥): \"رواه أحمد والطبراني فى \"الكبير\" و\"الأوسط\"، والبزار، وفيه ابن إسحاق وهو مدلس ولم يصرح بالسماع\" وقال الحافظ فى \"التغليق\": \"لم أره من حديثه إلا معنعنًا\" ومع هذا فقد حسن هذا الإسناد في \"الفتح\" (١/ ٩٤) ومع كون هذا الإسناد ضعيفًا إلا أن الحديث له شواهد كثيرة يصح بها - منها الآتي بعد هذا - ولذلك علقه البخاري فى صحيحه - جازمًا به فقال: \"باب: الدِّينُ يُسْر\"، وقول النبي ﷺ: \"أحَبُّ الدين إلى الله الحنيفية السمحة\"، وانظر [سورة الأعراف/آية ١٥٧] و[التوبة/آية ١٢٨] وانظر أيضًا الحديث الآتي.\n(^٤٠٢) - إسناده حسن، \"المسند\" (٦/ ١١٦) ومختصرًا (٦/ ٢٣٣) والجزء الأخير منه المعلق هنا موصول عند أحمد في الموضعين من طريق سليمان بن داود، ثنا عبد الرحمن - يعني ابن أبى الزناد - عن أبيه به.\nوكذا نقله الحافظ ابن حجر في \"تغليق التعليق\" (٢/ ٤٣) من \"المسند\" كما هنا، وقال عقبه: \"هذا الإسناد حسن، وفى الباب عن أبي بن كعب، وجابر، وابن عمر، وأبى أمامة، وأبي هريرة، وأسعد بن عبد الله الخزاعي وغيرهم\" وذكر الحافظ له هناك عدة شواهد أخرى مرسلة مصححًا بعضها، عزا حديث عائشة هذا بهذه الرواية في \"الفتح\" (٢/ ٤٤٤) إلى السراج وقد عزاه العجلوني فى \"كشف الخفا\" إلى \"الديلمي\"، وذكره الألباني فى \"الصحيحة\" (٤/ ٤٤٣) من طريق أحمد هذه مُجوِّدًا لإسناده، وصحح اللفظ المقصود هنا من قَبلُ في \"الصحيحة\" أيضًا (٢/ رقم ٨٨١).\n_________\n[¬١]- فى ز: \"قال\".\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- سقط من: خ، ز.","vol":"6","page":248},{"text":"عليه وسلم يومئذ: \"لتعلم [¬١] يهود أن في ديننا فسحة، إني أرسلت بحنيفية سمحة\".\nأصل الحديث مخرج في الصحيحين (^٤٠٣)، والزيادة لها شواهد من طرق عدة، وقد استقصيت طرقها في شرح البخاري، ولله الحمد والمنة.\nوقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ يأمره تعالى أن يخبر المشركين، الذين يعبدون غير الله، ويذبحون لغير اسمه: أنه مخالف لهم في ذلك، فإن صلاته لله، ونسكه على اسمه وحده لا شريك له، وهذا كقوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ أي: أخلص له صلاتك وذبحك [¬٢]، فإن المشركين كانوا يعبدون الأصنام ويذبحون لها، فأمره الله تعالى بمخالفتهم، والانحراف عما هم فيه، والإِقبال بالقصد والنية والعزم على الإِخلاص لله تعالى.\nقال مجاهد في قوله: ﴿إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي﴾ [قال] [¬٣] النسك: الذبح في الحج والعمرة.\nوقال الثوري: عن السدي، عن سعيد بن جبير ﴿وَنُسُكِي﴾ قال: ذبحي. وكذا قال السدي والضحاك.\nوقال ابن أبي حاتم (^٤٠٤): حدثنا محمد بن عوف، حدثنا أحمد بن خالد الوهبي [¬٤]، حدثنا\n_________\n(^٤٠٣) - البخاري، كتاب: الصلاة، باب: أصحاب الحراب في المسجد (٤٥٤)، - وانظر أطرافه ثمة - ومسلم، كتاب: صلاة العيدين، باب: الرخصة في اللعب الذي لا معصية فيه في أيام العيد (٨٩٢).\n(^٤٠٤) - إسناده ضعيف، في تفسيره (٥/ ٨١٨٣)، وأخرجه الدارمي (١٩٥٢)، والبيهقي في \"الكبرى\" (٩/ ٢٨٧) من طريق أحمد بن خالد به، وأبو داود، كتاب: الضحايا، باب: ما يستحب من الضحايا (٢٧٩٥) - ومن طريقه البيهقي - وابن ماجه، كتاب: الأضاحي، باب: أضاحي رسول الله ﷺ (٣١٢١)، والمزي في \"تهذيب الكمال\" [(٣٤/ ١٦٣)، ت/ أبى عياش المعافري المصري، من طريق محمد بن إسحاق به، وإسناده ضعيف، لعنعنة ابن إسحاق وجهالة حال أبى عياش هذا وهو المعافري المصري، وأما ما وقع نسبته عند ابن ماجه بأنه: \"أبو عياش الزرقي\" - وهما اثنان بهذا الاسم أحدهما صحابى، والآخر تابعي اسمه زيد بن عياش وهو ثقة - فمع كون إسناده لا يسلم من عنعنة ابن إسحاق فهو خطأ، قال الألباني فى \"الإرواء\" (٤/ ٣٥١): \"يؤيده أنهم لم يذكروا في الرواة عنه يزيد بن أبى حبيب =\n_________\n[¬١]- في ز: \"ليعلم\".\n[¬٢]- فى خ، ز: \"وذبيحتك\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ت.\n[¬٤]- في ز: \"الذهبي\".","vol":"6","page":249},{"text":"محمد بن إسحاق، عن يزيد بن أبي حبيب، عن [أبي عياش] [¬١]، عن جابر بن [¬٢] عبد الله، قال: ضحى رسول الله ﷺ في يوم عيدٍ بكبشين، وقال حين [ذبحهما] [¬٣]: ﴿وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾، ﴿إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾.\nوقوله: ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾، قال قتادة: أي من هذه الأمّة.\nوهو كما قال، فإن جميع الأنبياء قبله كلهم كانت دعوتهم إلى الإسلام، وأصله عبادة الله وحده لا شريك له، كما قال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي [¬٤] إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾، وقد أخبر تعالى عن نوح أنه قال لقومه: ﴿فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٣٠) إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٣١) وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٣٢)﴾، وقال يوسف ﵇: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾، وقال موسى: ﴿يَاقَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ (٨٤) فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٨٥) وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٨٦)﴾ وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا\n_________\n= وإنما ذكروه في الرواة عن المعافري\" قلت: ويؤيده أيضًا أنهم ذكروا المعافري هذا في شيوخ خالد بن أبى عمران التجيبي، وقد أخرج أحمد هذا الحديث في \"المسند\" (٣/ ٣٧٥)، وكذا ابن خزيمة فى صحيحه (٤/ ٢٨٩٩)، والحاكم في \"المستدرك\" (١/ ٤٦٧) من طريق ابن إسحاق حدثني يزيد بن أبي حبيب، عن خالد بن أبى عمران، عن أبي عياش عن، جابر به، وصححه الحاكم على شرط مسلم، ووافقه الذهبي، وهو مع كونه خلا من عنعنة ابن إسحاق إلا أن أبا عياش هذا مجهول الحال، ولم يخرج له مسلم، ولحديث جابر طرق أخرى بألفاظ أخر صحيحة انظرها فى \"الإرواء\" (٤/ رقم ١١٣٨) ولهذا اللفظ شاهد من حديث عمران بن حصين عند الحاكم (٤/ ٢٢٢) وصحح إسناده فرده الذهبي بأن في إسناده: \"أبا حمزة - وهو الثمالي - ضعيف جدًّا، وابن إسماعيل - وهو النضر بن إسماعيل البجلي - ليس بذاك\" ولهذا كان من نصيب ضعيفة الألباني (٢/ رقم ٥٢٨).\n_________\n[¬١]- فى \"ت\" \"ابن عباس\" وفي ز: \"أبى عباس\" وكلاهما خطأ والصواب ما أثبتناه انظر مصادر التخريج.\n[¬٢]- فى ز: \"أن\".\n[¬٣]- في تفسير ابن أبى حاتم \"وجههما\".\n[¬٤]- في ز: \"يوحى\".","vol":"6","page":250},{"text":"النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾.\nفأخبر تعالى أنه [¬١] بعث رسله بالإسلام، ولكنهم متفاوتون فيه، بحسب شرائعهم الخاصة التي ينسخ بعضها بعضًا، إلى أن نسخت بشريعة محمد ﷺ التي لا تنسخ أبد الآبدين، ولا تزال قائمة منصورة، وأعلامها مشهورة إلى قيام الساعة، ولهذا قال ﵇: \"نحن معاشر الأنبياء أولاد [¬٢] علات ديننا واحد\" (^٤٠٥)، فإن أولاد العلات: هم الأخوة من أب واحد وأمهات شتى، فالدين واحد وهو عبادة الله وحده لا شريك له، وإن تنوعت الشرائع التى هي بمنزلة الأمهات، كما أن إخوة الأخياف عكس هذا: بنو [¬٣] الأم الواحدة من آباء شتى، والأخوة الأعيان: الأشقاء [¬٤] من أب واحد وأم واحدة، والله أعلم.\nوقد قال الإمام أحمد (^٤٠٦): حدثنا أبو سعيد، حدثنا عبد العزيز بن عبد الله الماجشون، حدثنا عبد الله بن الفضل الهاشمي، عن الأعرج، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن علي ﵁، أن رسول الله ﷺ كان إذا كبر استفتح ثم قال: \" ﴿وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾، ﴿إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ [¬٥] الْمُسْلِمِينَ﴾، اللهم أنت الملك، لا إله إلا أنت [أنت] [¬٦] ربي وأنا عبدك، ظلمت نفسي واعترفت بذنبي، فاغفر لى ذنوبي جميعًا لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت، تباركت وتعاليت، أستغفرك وأتوب إليك\". ثم ذكر تمام الحديث فيما يقوله في الركوع والسجود والتشهد، وقد رواه مسلم في صحيحه.\n﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا\n_________\n(^٤٠٥) - صحيح، تقدم في هذه السورة برقم (٣٨٦).\n(^٤٠٦) - صحيح، \"المسند\" (١/ ٩٤) (٧٢٩) وأخرجه أيضًا (١/ ٩٣، ١٠٢، ١٠٣، ١١٩)، ومسلم، كتاب: صلاة المسافرين وقصرها، باب: الدعاء فى صلاة الليل وقيامه (٧٧١)، وأبو داود (٧٤٤، ٧٦٠، ٧٦١، ١٥٠٩)، والترمذي (٢٦٦، ٣٤١٨، ٣٤١٩)، والنسائى (٢/ ١٣٠،١٢٩، ١٩٢، ٢٢٠، ٢٢١)، وابن ماجه (٨٦٤، ١٠٥٤) من طرق عن عبد الرحمن الأعرج به مطولًا ومختصرًا.\n_________\n[¬١]- في ز: \"أن\".\n[¬٢]- فى ز: \"أولات\".\n[¬٣]- فى ز: \"بني\".\n[¬٤]- في ز: \"والأشقاء\".\n[¬٥]- في ز: \"من\".\n[¬٦]- زيادة من ز.","vol":"6","page":251},{"text":"تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (١٦٤)﴾\nيقول تعالى: ﴿قُلْ﴾ يا محمد لهؤلاء المشركين بالله في إخلاص العبادة له والتوكل عليه ﴿أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا﴾ أي: أطلب ربًّا سواه ﴿وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ﴾ يربيني ويحفظني ويكلؤني ويدبر أمري، أي: لا أتوكل إلا عليه، ولا أنيب إلا إليه؛ لأنه رب كل شيء ومليكه، وله الخلق والأمر.\n[ففي هذه الآية] [¬١] الأمر بإخلاص [العبادة و] [¬٢] التوكل، كما تضمنت الآية التي قبلها إخلاص العبادة [لله وحده] [¬٣] لا شريك له، وهذا معنى يقرن بالآخر كثيرًا [في القرآن] [¬٤]، كقوله تعالى مرشدًا لعباده أن يقولوا له [¬٥]: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، وقوله: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾، وقوله: ﴿قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا﴾، وقوله: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا﴾ وأشباه ذلك من الآيات.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ إخبار عن الواقع يوم القيامة، في جزاء الله تعالى وحكمه وعدله: أن النفوس إنما تجازى بأعمالها إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر، وأنه لا يحمل من خطيئة أحد على أحد، وهذا من عدله تعالى، كما قال: ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾، وقوله تعالى: ﴿فَلَا [¬٦] يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا﴾ قال علماء التفسير: أي: فلا يظلم بأن يحمل [¬٧] عليه سيئات غيره، ولا يهضم بأن ينقص من حسناته، وقال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨) إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾ معناه: كل نفس مرتهنة بعملها السيئ إلا أصحاب اليمين، فإنه قد تعود بركات أعمالهم الصالحة على ذرياتهم [¬٨] [وقراباتهم، كما قال في سورة الطور: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ] [¬٩] بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ [ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ أي: ألحقنا بهم] [¬١٠] ذرياتهم في المنزلة الرفيعة في الجنة، وإن لم يكونوا قد شاركوهم فى الأعمال، بل في أصل الإِيمان، ﴿وَمَا أَلَتْنَاهُمْ﴾ أي: أنقصنا [¬١١] أولئك السادة الرفعاء من أعمالهم شيئًا، حتى ساويناهم وهؤلاء الذين هم أنقص منهم [] [¬١٢] منزلة، بل رفعهم تعالى إلى منازل الآباء\n_________\n[¬١]- في ز: \"بهذه الآية فيها\".\n[¬٢]- زيادة من خ.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في ز: \"له\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٥]- سقط من: ز.\n[¬٦]- فى ز: \"لا\".\n[¬٧]- فى ز: \"تحمل\".\n[¬٨]- في خ، ز: \"ذراريهم\".\n[¬٩]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬١٠]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬١١]- فى ز: \"انقضا\".\n[¬١٢]- ما بين المعكوفتين فى ز: \"فى\".","vol":"6","page":252},{"text":"ببركة أعمالهم بفضله ومنته، ثم قال: ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ أي: من شر.\nوقوله: ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ أي: اعملوا على مكانتكم [¬١]، إنا عاملون على ما نحن عليه، فستعرضون ونعرض عليه، وينبئنا وإياكم بأعمالنا وأعمالكم، وما كنا نختلف فيه في الدار الدنيا، كقوله: ﴿قُلْ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٢٥) قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ﴾.\n﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٦٥)﴾\nيقول تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ﴾ أي: جعلكم تعمرونها [¬٢] جيلًا بعد جيل، وقرنًا بعد قرن، وخلفًا بعد سلف. قاله [¬٣] ابن زيد وغيره، كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ﴾، [وكقوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ﴾، وقوله: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾] [¬٤]، وقوله: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾.\nوقوله: ﴿وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾ أي: فاوت بينكم في الأرزاق والأخلاق، والمحاسن والمساوئ، والمناظر والأشكال والألوان، وله الحكمة فى ذلك، كقوله تعالى: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾، وقوله: ﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا﴾.\nوقوله تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ﴾ أي: ليختبركم في الذي أنعم به عليكم، وامتحنكم به، ليختبر الغني في غناه ويسأله عن شكره، والفقير في فقره ويسأله عن صبره.\nوقد روى مسلم في صحيحه (^٤٠٧): من حديث أبي نضرة، عن أبى سعيد الخدري ﵁\n_________\n(^٤٠٧) - صحيح مسلم كتاب: الرقاق، باب: أكثر أهل الجنة الفقراء، وأكثر أهل النار النساء، وبيان الفتنة بالنساء (٩٨) (٢٧٤٢)، وأخرجه أحمد في \"المسند\" (٣/ ٢٢، ٤٠، ٦٨) والنسائي في \"الكبرى\" كتاب: عشرة النساء، باب: ما ذكر في النساء (٥/ ٩٢٦٩) وسيذكره المصنف في [سورة يونس/آية ١٤] و[سورة الكهف/آية ٨].\n_________\n[¬١]- في ز: \"مكاناتكم\".\n[¬٢]- في ز: \"تعمرون الأرض\".\n[¬٣]- في ز: \"قال\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.","vol":"6","page":253},{"text":"قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها، لينظر ماذا [¬١] تعملون، فاتقوا الدنيا [¬٢]، واتقوا النساء، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء\".\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ترهيب وترغيب، أن حسابه وعقابه سريع فيمن [¬٣] عصاه، وخالف رسله ﴿وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ لمن والاه، واتبع رسله فيما جاءوا به من خبر وطلب.\nوقال محمد بن إسحاق: يرحم العباد على ما فيهم. رواه ابن أبي حاتم (^٤٠٨).\nوكثيرًا ما يقرن الله تعالى فى القرآن بين هاتين الصفتين، كقوله: [﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ﴾، وقوله] [¬٤]: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾ إلى [¬٥] غير ذلك من الآيات المشتملة على الترغيب والترهيب، فتارة يدعو عباده إليه بالرغبة، وصفة الجنة، والترغيب فيما لديه، وتارة يدعوهم إليه بالرهبة، وذكر النار وأنكالها وعذابها والقيامة وأهوالها، وتارة بهذا وبهذا لينجع في كل بحسبه، جعلنا الله ممن أطاعه فيما أمر، وترك ما عنه نهى وزجر، وصدقه فيما أخبر، إنه قريب مجيب، سميع الدعاء، جواد كريم وهاب.\nوقد قال الإِمام أحمد (^٤٠٩): حدثنا عبد الرحمن، حدثنا زهير، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: \"لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة ما طمع بالجنة أحد، ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة ما قنط أحد من الجنة، خلق الله مائة رحمة؛ فوضع واحدة بين خلقه يتراحمون بها، وعند الله تسعة وتسعون\".\n_________\n(^٤٠٨) - ابن أبي حاتم في تفسيره (٥/ ٨١٩٨).\n(^٤٠٩) - صحيح، \"المسند\" (٢/ ٤٨٤) وأخرجه أيضًا (٢/ ٣٣٤) ثنا أبو عامر، ثنا زهير به، و(٢/ ٣٩٧)، ومسلم فى صحيحه كتاب: التوبة، باب: في سعة رحمة الله تعالى، وأنها سبقت غضبه (٢٣) (٢٧٥٥) والترمذي مفرقًا، كتاب: الدعوات، باب: خلق الله مائة رحمة واحدة منها في الأرض (٣٥٣٥)، باب: عظم العقوبة وعظم الرجاء (٣٥٣٦) من طرق عن العلاء بن عبد الرحمن به، وأخرجه البخاري، كتاب: الرقاق، باب: الرجاء مع الخوف - (٦٤٦٩) من وجه آخر عن أبى هريرة بنحوه وانظر [رقم (١٤) من هذه السورة] [سورة الأعراف/ آية ١٥٦].\n_________\n[¬١]- فى ز: \"كيف\".\n[¬٢]- في خ: \"الله\".\n[¬٣]- فى ز: \"ممن\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٥]- فى ز: \"و\".","vol":"6","page":254},{"text":"ورواه الترمذي: عن قتيبة، عن عبد العزيز الدراوردي، عن العلاء به. وقال: حسن.\nورواه مسلم: عن يحيى بن [يحيى] [¬١] وقتيبة وعلى بن حجر ثلاثتهم، عن إسماعيل بن جعفر، عن العلاء.\n[آخر تفسير سورة الأنعام] [¬٢]\n_________\n[¬١]- كذا، وقد رواه مسلم عن \"يحيى بن أيوب\" لا عن \"يحيى بن يحيى\" وكلاهما شيخ لمسلم ويرويان عن إسماعيل بن جعفر، والله أعلم.\n[¬٢]- سقط من: ت.","vol":"6","page":255},{"text":"<span data-type='title' id=toc-108>تفسير سورة الأعراف</span>\nوهي مكية\n﷽\n﴿المص (١) كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (٢) اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٣)﴾\nقد تقدم الكلام فى أول سورة البقرة على ما يتعلق بالحروف وبسطه واختلاف الناس فيه.\nقال ابن جرير (^١): حدثنا سفيان بن وكيع، حدثنا أبى، عن شريك، عن عطاء بن السائب، عن أبى الضحى، عن ابن عباس ﴿المص﴾: أنا الله أفصل. وكذا قال سعيد بين جبير.\n﴿كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ أي: هذا كتاب أنزل إليك، أي: من ربك ﴿فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ﴾ قال مجاهد وقتادة والسدي: شك منه.\nوقيل: لا تتحرج به في إبلاغه والإنذار به واصبر كما صبر أولو [¬١] العزم من الرسل، ولهذا قال: ﴿لِتُنْذِرَ بِهِ﴾ أي: أنزلناه [¬٢] إليك لتنذر به الكافرين ﴿وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾.\nثم قال تعالى مخاطبًا للعالم: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ أي: اقتفوا آثار النبي الأمي الذي جاءكم بكتاب أنزل إليكم [¬٣] من رب كل شيء ومليكه ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ أي: لا تخرجوا عما جاءكم به الرسول إلى غيره، فتكونوا قد عدلتم عن حكم الله إلى حكم غيره.\n﴿قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ كقوله: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾، وقوله:\n_________\n(^١) - تفسير ابن جرير (١٢/ ١٤٣١٠) وأخرجه البيهقي في \"الأسماء والصفات\" (١/ رقم ١٦٧) من طريق يحيى بن أبى بكير ثنا شريك به، وشريك هو ابن عبد الله القاضي، سيئ الحفظ، وقد خالفه شيبان فرواه عن عطاء عن أبى الضحى قوله، لم ينم به إلى ابن عباس، أخرجه ابن أبى حاتم في (٥/ ٨٢٠٠)، وزاد نسبته السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ١٢٥) إلى ابن المنذر وأبى الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس.\n_________\n[¬١]- في ز: \"ألوا\".\n[¬٢]- في ز: \"أنزل\".\n[¬٣]- سقط من: خ، ز.","vol":"6","page":257},{"text":"﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآية [¬١]، وقوله: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾.\n﴿وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ (٤) فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا إِلَّا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (٥) فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (٦) فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ (٧)﴾\nيقول تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا﴾ أي: بمخالفة رسلنا وتكذيبهم، فأعقبهم ذلك خزي الدنيا موصولًا بذل الآخرة، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾، وكقوله: ﴿فَكَأَيِّنْ [¬٢] مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾، وقال تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ﴾.\nوقوله: ﴿فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ﴾ أى: فكان منهم من جاءه أمر الله وبأسه ونقمته ﴿بَيَاتًا﴾ أي: ليلًا ﴿أَوْ هُمْ قَائِلُونَ﴾ من القيلولة، وهى الاستراحة وسط النهار، وكلا الوقتين وقت غفلة ولهو، كما قال: ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ (٩٧) أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾، وقال: ﴿أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (٤٥) أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ (٤٦) أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾.\nوقوله: ﴿فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا إِلَّا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ أي: فما كان قولهم عند مجيء العذاب إلا أن اعترفوا بذنوبهم، وأنهم حقيقون بهذا، كقوله تعالى: ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً﴾ إلى قوله ﴿خَامِدِينَ﴾.\nوقال ابن جرير (^٢): في هذه الآية الدلالة [¬٣] الواضحة على صحة ما جاءت به الرواية عن رسول\n_________\n(^٢) - إسناده ضعيف تفسير ابن جرير (١٢/ ١٤٣٢٣) وشيخ ابن جرير هو محمد بن حميد الرازي، حافظ ضعيف، وخالفه محمد بن عيسى الدَّامغاني - وهو أقوى منه - فرواه عن جرير به موقوفًا على ابن مسعود، وأخرجه ابن أبى حاتم في تفسيره (٥/ ٨٢١٢) لكن عبد الملك بن ميسرة لم يدرك ابن مسعود=\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- فى ز: \"وكأين\".\n[¬٣]- فى ز: \"الدالة\".","vol":"6","page":258},{"text":"الله ﷺ من قوله: \"ما هلك قوم حتى يُعْذِروا [¬١] من أنفسهم\"، حدثنا بذلك ابن حميد، حدثنا جربر، عن أبى سنان، عن عبد الملك بن ميسرة الزراد قال: قال عبد الله بن مسعود: قال رسول الله ﷺ: \"ما هلك قوم حتى يعذروا من أنفسهم\". قال: قلت لعبد الملك: كيف يكون ذاك. قال: فقرأ هذه الآية: ﴿فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا إِلَّا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾.\nوقوله: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ [وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ] [¬٢]﴾؛ [كقوله: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾] [¬٣]، وقوله: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ [فيسأل الله الأمم يوم القيامة] [¬٤] عما أجابوا رسله فيما أرسلهم به، ويسأل الرسل أيضًا عن إبلاغ [¬٥] رسالاته؛ ولهذا قال على بن أبي طلحة (^٣): عن ابن عباس في تفسير هذه الآية ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾ [قال: يسأل الله الناس عما أجابوا المرسلين، ويسأل المرسلين] [¬٦] عما بلغوا.\nوقال ابن مردويه (^٤): حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، حدثنا إبراهيم بن محمد بن\n_________\n= فإسناده منقطع. وأخرج أحمد (٤/ ٢٦٠) و(٥/ ٢٩٣)، وأبو داود (٤٣٤٧)، وابن أبى الدنيا في \"العقوبات\" (ص ١٨، ١٩) من طرق عن شعبة، أخبرني عمرو بن مُرَّة، قال: سمعت أبا البختري يقول: أخبرني من سمع النبي ﷺ يقول: \"لن يَهلك الناس حتى يُعْذِروا أو يُعْذَروا من أنفسهم\". وهذا إسناد صحيح رجاله كلهم ثقات، وأبو البختري اسمه سعيد ابن فيروز وثقه غير واحد، وقال ابن سعد في \"الطبقات الكبرى\" (٦/ ٢٩٧): \". . . كان أبو البختري كثير الحديث يرسل حديثه، ويروي عن أصحاب رسول الله ﷺ ولم يسمع من كبير أحد، فما كان من حديثه سماعًا فهو حسن وما كان عن فهو ضعيف\" وهو هنا صرح بالسماع ولم يعنعن، وجهالة الصحابى لا تضر.\n(^٣) - أخرجه ابن جرير (١٢/ ١٤٣٢٤) وابن أبى حاتم (٥/ ٨٢١٣، ٨٢١٨) وعزاه السيوطي فى \"الدر المنثور\" (٣/ ١٢٦) إلى البيهقي في \"البعث\" وهو غير موجود في المطبوع منه - والله أعلم.\n(^٤) - صحيح وعزاه لابن مردويه السيوطىُّ في \"الدر المنثور\" (٣/ ١٢٨) - وأخرجه مسلم، كتاب: الإمارة، باب: فضيلة الإمام العادل - (٢٠) (١٨٢٩) والترمذي، كتاب: الجهاد، باب: =\n_________\n[¬١]- يُعْذِرُوا: يُقال: أعذر فلان من نَفْسِه إذا أمكن منها، يعنى أنهم لا يهكلون حتى تكثر ذنوبهم وعيوبهم فيستوجبون العقوبة ويكون لمن يعذبهم عذر، كأنهم قاموا بعذره في ذلك. ويُروَى بفتح الياء، من عَذَرْته، وهو بمعناه. وحقيقة عَذرْت: مَحَوْتُ الإساءة وطمستها. نهاية [٣/ ١٩٧].\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين من: ز، وفى: ت \"الآية\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين في ز: \"فالرب ﵎ يوم القيامة يسأل الأمم\".\n[¬٥]- فى ز: \"بلاغ\".\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.","vol":"6","page":259},{"text":"الحسن، حدثنا أبو سعيد الكندي، حدثنا المحاربي، عن ليث، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: \"كلكم راع، وكلكم مسئول عن رعيته، فالإمام يسأل عن الرجل، والرجل يسأل عن أهله، والمرأة تسأل عن بيت زوجها، والعبد يسأل عن مال سيده\". قال الليث: وحدثني ابن طاوس مثله ثم قرأ: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾. وهذا الحديث مخرج في الصحيحين بدون هذه الزيادة.\nوقال ابن عباس (^٥) [في قوله] [¬١]: ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ﴾: يوضع الكتاب يوم القيامة فيتكلم بما كانوا يعملون.\n[﴿وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ﴾] [¬٢] يعني: أنه تعالى يخبر عباده يوم القيامة بما قالوا، وبما عملوا من قليل وكثير وجليل وحقير؛ لأنه تعالى شهيد على كل شيء، لا يغيب عنه شيء، ولا يغفل عن شيء، بل هو العالم بخائنة الأعين وما تخفي الصدور ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾.\n﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ (٩)﴾\nيقول تعالى: ﴿وَالْوَزْنُ﴾ أي: للأعمال يوم القيامة ﴿الْحَقُّ﴾ أي: لا يظلم تعالى أحدًا، كقوله: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾، وقال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (٦) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٧) وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (٨) فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ (٩) وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ (١٠) نَارٌ حَامِيَةٌ﴾، وقال تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ (١٠١) فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٢) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (١٠٣)﴾.\n_________\n=ما جاء في الإمام (١٥٠٧) من طريق الليث - وهو ابن سعد - به، وأخرجه البخاري، كتاب: الجمعة، باب: الجمعة في القرى والمدن (٨٩٣) - وانظر أطرافه ثمة - ومسلم وأحمد (٢/ ٥، ١٠٨، ١١١، ١٢١) من طرق عن عبد الله بن عمر به دون قوله: \"قال الليث: وحدثني ابن طاوس … . \" وهذه الزيادة أخرجها ابن أبى حاتم في تفسيره (٥/ ٨٢١٧) ثنا أبو سعيد الأشج، ثنا المحاربى، قال ليث … فذكره.\n(^٥) - أخرجه ابن جرير (١٢/ ١٤٣٢٥) وابن أبى حاتم (٥/ ٨٢٢١) من طريق مسلسل بالضعفاء أولهم عطية العوفى عن ابن عباس، به.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.","vol":"6","page":260},{"text":"<span data-type='title' id=toc-109>فصل</span>\nوالذي يوضع في الميزان يوم القيامة قيل: الأعمال، وإن كانت أعراضًا، إلا أن الله تعالى يقلبها يوم القيامة أجسامًا.\nقال البغوي [¬١]: يُروى هذا عن ابن عباس؛ كما جاء في الصحيح (^٦) من أن البقرة وآل عمران يأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو غيايتان أو فرقان من طير صواف. و[من ذلك] [¬٢] في الصحيح (^٧) قصة القرآن، وأنه يأتي صاحبه في صورة شاب شاحب اللون، فيقول: من أنت؟ فيقول: أنا القرآن الذي أسهرت ليلك وأظمأت [¬٣] نهارك. وفي حديث البراء (^٨) في قصة سؤال القبر: \"فيأتي المؤمن شاب حسن اللون طيب الريح، فيقول: من أنت؟ فيقول أنا عملك الصالح\". وذكر عكسه في شأن الكافر والمنافق.\nوقيل: يوزن كتاب الأعمال؛ كما جاء في حديث البطاقة في الرجل الذي يؤتى به، ويوضع له فى كفة تسعة وتسعون سجلًا كل سجل مدّ البصر، ثم يؤتى بتلك البطاقة [] [¬٤] فيها لا إله إلا الله، فيقول: يارب وما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟ فيقول الله تعالى: إنك لا تظلم، فتوضع تلك البطاقة في كفة الميزان، قال رسول الله ﷺ: \"فطاشت السجلات، وثقلت البطاقة\".\nرواه الترمذي (^٩) بنحو من هذا وصححه [¬٥].\nوقيل: يوزن صاحب العمل، كما في الحديث (^١٠): \" يُؤتى يوم القيامة بالرجل السمين، فلا يزن عند الله جناح بعوضة\"، ثم قرأ: ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾.\n_________\n(^٦) - صحيح، تقدم تخريجه [سورة البقرة/ ما ورد في فضلها مع آل عمران].\n(^٧) - كذا عزاه المصنف للصحيح، وإنما أخرجه ابن ماجه (٣٧٨١) فحسب من بين أصحاب الكتب الستة، وقد أخرجه أحمد (٥/ ٣٤٨) ضمن حديث طويل، ونقله المصنف في صدر تفسير سورة البقرة وخرجناه هناك ولله الحمد والمنة.\n(^٨) - صحيح، يأتي تخريجه [سورة إبراهيم/ آية ٢٧].\n(^٩) - صحيح، يأتي تخريجه [سورة الأنبياء/ آية ٤٧].\n(^١٠) - صحيح، يأتي تخريجه [سورة الكهف/ آية ١٠٥].\n_________\n[¬١]- في تفسيره (٣/ ٢١٥).\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز \"لذلك\".\n[¬٣]- في ز \"ظمأت\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين في ز \"في الرجل\".\n[¬٥]- الموجود عند الترمذي في \"جامعه ٢٦٣٩\" أنه قال: \"حسن غريب\" وكذا هو في \"تحفة الأشراف\" (٦/ ٢٥٣) وكذا نقله المصنف نفسه عنه في تفسير [سورة الأنبياء/ آية ٤٧].","vol":"6","page":261},{"text":"وفى مناقب عبد الله بن مسعود أن النبي، ﷺ، قال: \"أتعجبون من دقة ساقيه؟ فوالذي نفسي بيده لهما في الميزان أثقل من أحد\" (^١١).\nوقد يمكن الجمع بين هذه الآثار بأن يكون ذلك كله صحيحًا، فتارة [¬١] توزن الأعمال، وتارة توزن محالها، وتارة يوزن فاعلها، والله أعلم.\n﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (١٠)﴾\nيقول تعالى ممتنًّا على عبيده فيما مكن لهم من أنه [¬٢] جعل الأرض قرارًا، وجعل فيها [¬٣] رواسي وأنهارًا، وجعل لهم فيها منازل وبيوتًا، وأباح لهم منافعها، وسخر لهم السحاب، لإِخراج أرزاقهم منها، وجعل لهم فيها معايش، أي: مكاسب وأسبابًا [يكسبون بها] [¬٤]، ويتجرون فيها، ويتسببون أنواع الأسباب، وأكثرهم مع هذا قليل الشكر على ذلك، كقوله: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾.\nوقد قرأ الجميع: ﴿مَعَايِشَ﴾ بلا همز إلا عبد الرحمن بن هرمز الأعرج فإنه همزها، والصواب الذي عليه الأكثرون بلا همز؛ لأن معايش جمع مَعِيشة من عاش يعيش عيشًا، ومعيشة أصلها مَعْيِشة، فاستثقلت الكسرة على الياء فنقلت [¬٥] إلى العين فصارت معِيشة، فلما جمعت رجعت الحركة إلى الياء لزوال الاستثقال، فقيل: معايِش ووزنه مفاعل؛ لأن الياء أصلية في الكلمة، بخلاف مدائن وصحائف وبصائر، جمع مدينة وصحيفة وبصيرة، من مدن وصحف وأبصر؛ فإن الياء فيها زائدة؛ ولهذا تجمع على فعائل، وتهمز لذلك، والله أعلم.\n_________\n(^١١) - صحيح بطرقه أخرجه الطيالسي (٣٥٥) وأحمد في \"المسند\" (١/ ٤٢٠، ٤٢١) وفى \"الفضائل\" (٢/ رقم ١٥٥٢) وابن سعد فى \"الطبقات\" (٣/ ١١٥) والفسوي فى \"المعرفة والتاريخ\" (٢/ ٥٤٥) والبزار في مسنده (٥/ ١٨٢٧) وأبو يعلى (٩/ ٥٣١٠) والطبرانى في \"الكبير\" (٩/ ٧٥) وأبو نعيم فى \"الحلية\" (١/ ١٢٧) من حديث عبد الله بن مسعود - وهو مغاير في بعض الأحرف لسياق المصنف - بإسناد حسن، وله شاهد من حديث على بن أبي طالب عند أحمد (١/ ١١٤) والبخاري في \"الأدب المفرد\" (٢٣٧) وأبى يعلى (١/ ٥٣٩) وغيرهم وإسناده حسن، وشاهد آخر من حديث قرة بن إياس عند البزار (٣/ ٢٦٧٧/ كشف الأستار) والطبرانى في \"الكبير\" (١٩/ ٢٨) والفسوي (٢/ ٥٤٦) والخطيب فى \"تاريخ بغداد\" (١/ ١٤٨) وصححه الحاكم (٣/ ٣١٧) ووافقه الذهبي، وانظر - غير مأمور - \"إرواء الغليل\" للألبانى (١/ رقم ٦٥) وكذا \"صحيح الأدب المفرد\" (١٧٦).\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- في ز \"لها\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٥]- سقط من: ز.","vol":"6","page":262},{"text":"﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (١١)﴾\nينبه تعالى بني آدم في هذا المقام [¬١] على شرف أبيهم آدم، ويبين لهم عداوة [¬٢] عدوهم إبليس، وما هو منطو عليه من الحسد لهم ولأبيهم آدم؛ ليحذروه ولا يتبعوا طرائقه، فقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا﴾، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٢٨) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾، وذلك أنه تعالى لما خلق آدم ﵇ بيده من طين لازب، وصوّره بشرًا سويًّا [¬٣]، ونفخ فيه من روحه - أمر [¬٤] الملائكة بالسجود له تعظيمًا لشأن الله [¬٥] تعالى وجلاله، فسمعوا كلهم وأطاعوا إلا إبليس لم يكن من الساجدين. وقد تقدم الكلام على إبليس أول تفسير سورة البقرة.\nوهذا الذي قررناه هو اختيار ابن جرير [¬٦]: أن المراد بذلك كله آدم ﵇.\nوقال سفيان الثوري: عن الأعمش، عن منهال [¬٧] بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾ قال: خلقوا في أصلاب الرجال، وصوّروا في أرحام النساء.\nرواه الحاكم (^١٢)، وقال: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه.\nونقل [¬٨] ابن جرير [¬٩]، عن بعض السلف أيضًا: أن المراد بـ ﴿خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾\n_________\n(^١٢) - \" المستدرك\" (٢/ ٣١٩) من طريق أبى نعيم ثنا سفيان به، وصححه على شرط الشيخين ووافقه الذهبي، وأخرجه ابن أبى حاتم (٥/ ٨٢٣٢، ٨٢٣٤) من طريق عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان به، وأخرجه ابن جرير (١٢/ ١٤٣٤٩) من طريق مؤمل ثنا سفيان قال: سمعت الأعمش يقرأ: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ …﴾ فذكره من قول الأعمش ومؤمل هو ابن إسماعيل سيئ الحفظ، والأثر زاد نسبته السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ١٣٤) إلى عبد الرزاق - ولم أجده في تفسيره - وعبد بن حميد وابن المنذر وأبى الشيخ والبيهقي في \"الشّعب\".\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- في ز \"وأمر\".\n[¬٥]- في ز \"الرب\".\n[¬٦]- في تفسيره (١٢/ ٣٢٠، ٣٢١).\n[¬٧]- في ز \"المنهال\".\n[¬٨]- في ز \"نقله\".\n[¬٩]- في تفسيره (١٢/ ٣١٩) عن الضحاك وعكرمة.","vol":"6","page":263},{"text":"الذرية.\nوقال الربيع بن أنس والسدي وقتادة والضحاك في هذه الآية: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾ أي: خلقنا آدم ثم صورنا الذرية.\nوهذا فيه نظر؛ لأنه قال بعده: ﴿ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ فدل على أن المراد بذلك آدم، وإنما قيل ذلك بالجمع؛ لأنه أبو البشر؛ كما قال الله تعالى لبني إسرائيل الذين كانوا فى زمن النبي ﷺ: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ [¬١] الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ [¬٢] الْمَنَّ وَالسَّلْوَى﴾، والمراد آباؤهم الذين كانوا في زمن [¬٣] موسى، ولكن لما كان ذلك منة على الآباء الذين هم أصل صار [] [¬٤] كأنه واقع على الأبناء، وهذا بخلاف قوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ [الآية، فإن المراد منه آدم المخلوق من السلالة] [¬٥]، وذريته مخلوقون من نطفة، وصح هذا؛ لأن المراد من [¬٦] خلقنا الإِنسان الجنس لا معينًا، والله أعلم.\n﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (١٢)﴾\nقال بعض النحاة في توجيه قوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ لا هنا [¬٧] زائدة.\nوقال بعضهم: زيدت لتأكيد الجحد، كقول الشاعر:\n*ما إن رأيت ولا سمعت بمثله*\nفأدخل \"إنْ\" وهي للنفي على \"ما\" النافية لتأكيد النفي. قالوا: [وكذا هنا] [¬٨]: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ﴾ مع تقدم قوله: ﴿لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ﴾.\nحكاهما ابن جرير [¬٩]، وردهما واختار: أن منعك تضمَّن [¬١٠] معنى فعل آخر تقديره: ما أحوجك وألزمك واضطرك أن لا تسجد إذ أمرتك، ونحو هذا [¬١١].\nوهذا القول قوي حسن، والله أعلم.\n_________\n[¬١]- فى ز \"عليهم\".\n[¬٢]- فى ز \"عليهم\".\n[¬٣]- فى ز \"زمان\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين في ز \"به\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٦]- فى ز \"و\".\n[¬٧]- فى ز \"هاهنا\".\n[¬٨]- فى ز \"وكذلك هاهنا\".\n[¬٩]- في تفسيره (١٢/ ٣٢٥، ٣٢٦).\n[¬١٠]- فى ز \"يضمن\".\n[¬١١]- فى ز \"ذلك\".","vol":"6","page":264},{"text":"وقول إبليس لعنه الله: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ﴾ من العذر الذي هو أكبر من الذنب، كأنه امتنع من الطاعة؛ لأنه لا يؤمر الفاضل بالسجود للمفضول، يعني لعنه الله: وأنا خير منه فكيف تأمرني بالسجود له؟ ثم بين أنه خير منه بأنه خلق من نار، والنار أشرف مما خلقته منه وهو الطين، فنظر اللعين إلى أصل العنصر، ولم ينظر إلى التشريف العظيم، وهو أن الله تعالى خلق آدم بيده ونفخ فيه من روحه، وقاس قياسًا فاسدًا في مقابلة نص [] [¬١] قوله تعالى: ﴿فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾، فشذ من بين الملائكة بترك السجود، فلهذا أبلس من الرحمة؛ [أي: آيس من الرحمة] [¬٢]، فأخطأ قبحه الله في قياسه ودعواه أن النار أشرف من الطين أيضًا، فإن الطين من شأنه الرزانة والحلم والأناة والتثبت، والطين محل النبات والنمو والزيادة والإصلاح، والنار من شأنها الإحراق والطيش والسرعة؛ ولهذا خان إبليس عنصرُه، ونفع آدمَ عنصرُه بالرجوع [¬٣] والإنابة والاستكانة والانقياد والاستسلام لأمر الله، والاعتراف وطلب التوبة والمغفرة.\nوفي صحيح مسلم عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: \"خلقت الملائكة من نور، وخلق إبليس من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم\". هكذا [¬٤] رواه مسلم (^١٣).\nوقال ابن مردويه (^١٤): حدثنا عبد الله بن جعفر، حدثنا إسماعيل بن [¬٥] عبد الله بن مسعود، حدثنا نعيم بن حماد، حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ: \"خلق الله الملائكة من نور العرش، وخلق الجان من نار، وخلق آدم مما وصف لكم\". قلت لنعيم بن حماد: أين سمعت هذا من عبد الرزاق؟ قال: باليمن. وفي بعض ألفاظ هذا الحديث في غير الصحيح: \"وخلقت الحور العين من\n_________\n(^١٣) - صحيح مسلم، كتاب: الزهد والرقائق، باب: في أحاديث متفرقة (٦٠) (٢٩٩٦) ثنا محمد بن رافع وعبد بن حميد (قال عبد: أخبرنا وقال ابن رافع: حدثنا) عبد الرزاق أخبرنا معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة به، وانظر ما بعده.\n(^١٤) - صحيح وعزاه لابن مردويه السيوطي في \"الدر المنثور\" (٦/ ١٩٣) - وهو عند عبد الرزاق في \"المصنف\" (١١/ ٤٢٥/ ٢٠٩٠٤) ومن طريقه أيضًا أحمد في \"المسند\" (٦/ ١٥٣، ١٦٨) وعبد ابن حميد فى \"المنتخب\" (١٤٧٩) - ومن طريق عبد بن حميد مسلم كما في السابق، وابن عساكر في \"تاريخ دمشق\" (٢/ ٦١٨ - مخطوط) - وأبو الشيخ في \"العظمة\" (٢/ ٧٢٥، ٧٢٦) وابن منده في \"الرد على الجهمية\" (ص ٩١، ٩٢) وابن حبان في صحيحه (١٤/ ٦١٥٥) والبيهقي في \"الكبرى\" (٩/ ٣) وفي \"الأسماء والصفات\" (٢/ ٨١٨) وفي \"الشعب\" (١/ ١٤٣) وأخرجه أبو الشيخ أيضًا (٢/ ٧٢٥، ٧٢٧) من طريقين آخرين عن معمر، به.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ز \"الله\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٣]- فى ز \"فى الرجوع\".\n[¬٤]- فى ز \"وهذا\".\n[¬٥]- فى ت: \"عن\".","vol":"6","page":265},{"text":"الزعفران\" (^١٥).\nوقال ابن جرير (^١٦): حدثنا القاسم، حدثنا الحسين، حدثنا محمد بن كثير، عن ابن شوذب، عن مطر الوراق، عن الحسن في قوله: ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ قال: قاس إبليس، وهو أول من قاس.\nإسناده [¬١] صحيح.\nوقال (^١٧): حدثنى عمرو [¬٢] بن مالك، حدثنا يحيى بن سليم [¬٣] الطائفي، عن هشام، عن ابن سيرين، قال: أول من قاس إبليس، وما عبدت الشمس والقمر إلا بالمقاييس.\nإسناد صحيح أيضًا.\n﴿قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ (١٣) قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤) قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (١٥)﴾\nيقول تعالى مخاطبًا لإبليس بأمر قدري كوني ﴿فَاهْبِطْ مِنْهَا﴾ أي: بسبب عصيانك لأمري، وخروجك عن طاعتي، فما يكون لك أن تتكبر فيها.\n_________\n(^١٥) - ضعيف لم أهتد إليه من حديث عائشة، وإنما أخرجه أبو نعيم فى \"صفة الجنة\" (٣/ رقم ٣٨٤) والخطيب في \"تاريخ بغداد\" (٧/ ٩٩) من حديث أنس بلفظ \"حور العين خلقن من الزعفران\" وفي إسناده جهالة، واستنكره البيهقي كما في \"حادي الأرواح\" لابن القيم (ص ٣٣٥) وروي أيضًا من طريقين عن أبى أمامة أخرجهما الطبراني فى \"الكبير\" (٨/ ٧٨١٣) وفي \"الأوسط\" (١/ رقم ٢٨٨) وعنه أبو نعيم فى \"صفة الجنة\" (٣/ ٣٨٣، ٣٨٥) وإسنادهما ضعيف.\n(^١٦) - تفسير ابن جرير (١٢/ ١٤٣٥٦) وصحح المصنف إسناده مع أن رجاله متكلم فيهم بما لا يرتقي إسنادهم إلى الحسن فضلًا عن الصحة فانظر إن شئت تراجمهم في \"التهذيب\" والله أعلم.\n(^١٧) - تفسير ابن جرير (١٢/ ١٤٣٥٥) وصحح المصنف إسناده مع أن شيخ ابن جرير ضعفه أبو يعلى الموصلي، وقال ابن عدي \"منكر الحديث عن الثقات، ويسرق الحديث\" وقال ابن أبى حاتم: \"ترك أبى التحديث عنه وكذلك أبو زرعة ترك الرواية عنه\" وقال ابن حبان في \"الثقات\" (٨/ ٤٨٧): \"يُغْرِبُ ويخطئ\" وقد أخطأ فى هذا الإسناد، فقد رواه أبو بكر بن أبى شيبة في \"المصنف\" (٨/ ٣٣٤) ثنا يحيى بن سليم الطائفي عن داود بن أبى هند عن ابن سيرين، به. وهذا إسناد حسن لكلام فى يحيى بن سُلَيم وهو مترجم له فى \"التهذيب\".\n_________\n[¬١]- فى ز \"إسناد\".\n[¬٢]- فى خ: \"عمر\".\n[¬٣]- فى ز \"سليمان\".","vol":"6","page":266},{"text":"قال كثير من المفسرين: الضمير عائد إليَّ الجنَّة، ويحتمل أن يكون عائدا على [¬١] المنزلة التي هو فيها في الملكوت الأعلى.\n﴿فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾ أي: الذليلين الحقيرين، معاملة له بنقيض قصده، ومكافأه لمراده بضده، فعند ذلك استدرك اللعين، وسأل النظرة إلى يوم الدين، قال: ﴿أَنْظِرْنِي [¬٢] إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ﴾، أجابه تعالى إلى ما سأل؛ لما له في ذلك من الحكمة والاِرادة والمشيئة التي لا تخالف ولا تمانع، ولا معقب لحكمه، وهو سريع الحساب.\n﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (١٦) ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾\nيخبر تعالى أنَّه لما أنظر إبليس ﴿إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾، واستوثق إبليس بذلك، أخذ في المعاندة والتمرد، فقال: ﴿فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ أي: كما أغويتني.\nقال ابن عباس (^١٨): كما [¬٣] أضللتني. وقال غيره: كما [¬٤] أهلكتني لأقعدن لعبادك الذين تخلقهم من ذرية هذا الذي أبعدتني بسببه، على ﴿صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ أي: طريق الحق وسبيل النجاة، فلأضلنهم [¬٥] عنها لئلا يعبدوك ولا يوحدوك بسبب إضلالك إياي.\nوقال بعض النُّحاة: الباء ها هنا قسمية، كأنه يقول: فبإغوائك إياي لأقعدن لهم صراطك المستقيم.\n[قال مجاهد ﴿صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾] [¬٦] يعني: الحق.\nوقال محمَّد بن سوقة: عن عون بن عبد الله: يعني طريق مكّة.\nقال ابن جرير [¬٧]: والصحيح أن الصراط المستقيم أعم من ذلك.\n(قلت): لما روى الإمام أحمد (^١٩): حدّثنا هاشم بن القاسم، حدّثنا أبو عقيل - يعني:\n_________\n(^١٨) - أخرجه ابن جرير (١٢/ ١٤٣٦١) واللالكائي في \"أصول الاعتقاد\" (٣/ رقم ١٠٠٢) من طريق على ابن أبي طلحة عنه به، وزاد نسبته السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ١٣٥) إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^١٩) - حسن \"المسند\" (٣/ ٤٨٣) ومن طريقه المزي في \"تهذب الكمال\" (١٠/ ٢٠٢، ٢٠٣) ==\n_________\n[¬١]- في خ \"إلى\".\n[¬٢]- في ز \"فأنظرني\".\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- سقط من: ز.\n[¬٥]- في خ \"ولأضلنهم\".\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٧]- في تفسيره (١٢/ ٣٣٦).","vol":"6","page":267},{"text":"الثَّقفيُّ عبد الله بن عقيل -، حدّثنا موسى بن المسيب، أخبرني سالم بن أبي الجعد، عن سبرة ابن أبي فاكه، قال: سمعت رسول الله، ﷺ، يقول [¬١]: \"إن الشَّيطان قعد لابن آدم بطرقه، فقعد له بطريق الإسلام، فقال: أتسلم وتذر دينك ودين آبائك، قال: فعصاه وأسلم\"، قال: \"وقعد له بَطريق الهجرة، فقال: أتهاجر وتدع أرضك وسماءك، وإنَّما مثل المهاجر كالفرس في الطِّوَل [¬٢]، فعصاه وهاجر، ثم قعد له بطريق الجهاد وهو جهاد النَّفس والمال، فقال: تقاتل فتقتل فتنكح المرأة ويقسم المال، قال: فعصاه وجاهد\". قال رسول الله ﷺ: \"فمن فعل ذلك منهم فمات كان حقًا على الله أن يدخله الجنَّة، [وإن قتل كان حقًا على الله أن يدخله الجنَّة، وإن غرق كان حقًا على الله أن يدخله الجنَّة] [¬٣]، أو وقصته دابة كان حقًا على الله أن يدخله الجنَّة\".\nوقوله: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾ الآية.\nقال على بن أبي طلحة: عن ابن عباس ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾ يقول [¬٤]: أشككهم في آخرتهم ﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾: أرغبهم في دنياهم ﴿وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ ﴿وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾: أشبه عليهم أمر دينهم ﴿وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾: أشهي لهم المعاصي.\nوقال ابن أبي طلحة في رواية والعوفي كلاهما عن ابن عباس: أما من بين أيديهم فمن قبل دنياهم، وأمَّا من خلفهم فأمر آخرتهم، وأمَّا عن أيمانهم فمن قبل حسناتهم، وأمَّا عن [¬٥]\n_________\n=وأخرجه النَّسائيّ، كتاب: الجهاد، باب: ما لمن أسلم وهاجر وجاهد (٦/ ٢١، ٢٢) - ومن طريقه ابن الأثير في \"أسد الغابة\" (٢/ ٣٢٤، ٣٢٥) - وأبو يعلى وعنه ابن حبان في صحيحه (١٠/ ٤٥٩٣) - والبيهقيّ في \"الشعب\" (٤/ ٤٢٤٦) من طريق هاشم بن القاسم به، وأخرجه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٤/ ٥٦٤) - ومن طريقة ابن أبي عاصم في \"الآحاد والمثاني\" (٢/ ١٠٤٣) (٥/ ٢٦٧٥) والطبراني في \"الكبير\" (٧/ ٦٥٥٨) - والبخاري في \"التَّاريخ الكبير\" (٤/ ١٨٧، ١٨٨) من طريق محمَّد بن فضيل عن موسى أبي جعفر الثَّقفيُّ به، وخالفهما - أبا عقيل الثَّقفيُّ ومحمد بن فضيل - محمَّد بن عجلان فرواه عن أبي جعفر - يعني موسى بن المسيب - قال: سمعت سالم بن أبي الجعد يقول: حدثني جابر بن أبي سبرة، رواه البيهقي (٤/ ٤٢٤٧) وعلقه المزي، ومثل هذا الاختلاف لا يضره وقد صحح إسناده العراقي في \"تخريج أحاديث الإحياء\" (المستخرج/ ٤/ ١٥٥٢) وحسنه ابن حجر في \"الإصابة\" (٤/ ١٢٠) وهو أشبه إذ إن موسى بن المسيب: \"صدوق\" ولم يوثقه غير ابن حبان والعجلي، وقال ابن معين وأبو حاتم: \"صالح\".\n_________\n[¬١]- في ز \"قال\".\n[¬٢]- هو الحبل الطَّويل يشد أحد طرفيه في وتد أو غيره، والطرف الآخر في يد الفرس؛ ليدور فيه ويرعى ولا يذهب لوجهه. \"نهاية\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٤]- سقط من: ت.\n[¬٥]- في ز \"من\".","vol":"6","page":268},{"text":"شمائلهم فمن قبل سيئاتهم.\nوقال سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة: أتاهم من بين أيديهم، فأخبرهم أنَّه لا بعث ولا جنة ولا نار، \"ومن خلفهم\" من أمر الدُّنيا فزينها [¬١] لهم ودعاهم إليها، \"وعن أيمانهم\" من قبل حسناتهم بطأهم عنها، \"وعن شمائلهم\" زين لهم السيئات والمعاصى، ودعاهم إليها وأمرهم بها، آتاك يابن آدم من كل وجه، غير أنَّه لم يأتك من فوقك، لم [¬٢] يستطع أن يحول بينك وبين رحمة الله.\nوكذا روي عن إبراهيم النَّخعيُّ والحكم بن عتيبة [¬٣] والسدي وابن جريج [¬٤] إلَّا أنهم قالوا: من بين أيديهم: الدُّنيا، ومن خلفهم: الآخرة.\nوقال مجاهد: من بين أيديهم وعن أيمانهم: حيث يبصرون، [ومن خلفهم وعن شمائلهم: حيث لا يبصرون] [¬٥].\nواختار ابن جرير [¬٦]: أن المراد: جميع طرق الخير والشر، فالخير يصدهم عنه، والشر يحببه لهم.\nوقال الحكم بن أبان (^٢٠): عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾: ولم يقل من فوقهم؛ لأنَّ الرحمة تنزل من فوقهم.\nوقال على بن أبي طلحة (^٢١): عن ابن عباس ﴿وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ قال: موحدين.\nوقول إبليس هذا إنَّما هو ظن منه وتوهم، وقد وافق في هذا الواقع؛ كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾.\n_________\n(^٢٠) - أخرجه ابن جرير (١٢/ ١٤٣٨٢) من طريق حفص بن عمر ثنا الحكم بن أبان به، وحفص بن عمر ضعيف، وتابعه إبراهيم بن الحكم بن أبان عن أبيه به أخرجه اللالكائي في \"أصول الاعتقاد\" (٣/ ٦٦١) وإبراهيم ضعيف كذلك، وزاد نسبته السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ١٣٦) إلى عبد بن حميد.\n(^٢١) - أخرجه ابن جرير (١٢/ ١٤٣٨٣) وابن أبي حاتم (٥/ ٨٢٦٣).\n_________\n[¬١]- في ز \"وزينها\".\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- في خ، ز: \"عيينة\"، والمثبت من تفسير ابن جرير (١٢/ ٣٤٠).\n[¬٤]- في ت \"جرير\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٦]- في تفسيره (١٢/ ٣٤٠).","vol":"6","page":269},{"text":"ولهذا ورد في الحديث: الاستعاذةُ من تسلط الشَّيطان على الإِنسان من جهاته كلها؛ كما قال الحافظ أبو بكر البزار في مسنده (^٢٢): حدّثنا نصر بن علي، حدّثنا عمرو بن مجمع، عن يونس بن خباب، عن ابن جبير بن مطعم - يعني نافع بن جبير -، عن ابن عباس.\nوحدثناه عمر بن الخطاب - يعني السجستاني -، حدّثنا عبد الله بن جعفر، حدّثنا عبيد [¬١] الله بن عمرو، عن زيد بن أبي أنيسة، عن يونس بن خباب، عن ابن جِبير بن مطعم، عن ابن عباس قال: كان رسول الله، ﷺ، يدعو [¬٢]: \"اللَّهم إنِّي أسألك العفو والعافية في ديني ودنياي، وأهلي ومالي، اللَّهم استر عوراتي، وآمن روعاتي، واحفظني من بين يدي ومن خلفي، وعن يميني وعن شمالي، ومن فوقي، وأعوذ بك اللَّهم أن أغتال من تحتي\".\nتفرد به البزار وحسنه.\nوقال الإِمام أحمد (^٢٣): حدّثنا وكيع، حدّثنا [¬٣] عبادة بن مسلم الفَزَاريُّ، حدثني جبير [¬٤] بن\n_________\n(^٢٢) - إسناده ضعيف رواه البزار - كما في \"مختصر الزوائد\" لابن حجر (٢/ ٢١٦٠) - وأخرجه الطّبرانيّ في \"الدعاء\" (٣/ رقم ١٢٩٧) ثنا أحمد بن إسحاق الخشاب الرقي، ثنا عبد الله بن جعفر به مختصرًا وقال البزار: \"وقد روي من غير وجه بغير لفظه، فذكرنا هذا لاختلاف لفظه، ولا نعلم أسند يونس عن ابن جبير إلَّا هذا\" قال ابن حجر: \"وهو ضعيف، ومن قبله ذكر الحديث شيخه الهيثمي في \"المجمع\" (١٠/ ١٧٨) وقال: \"رواه البزار وفيه يونس بن خباب وهو ضعيف\" قلت: واختلف فيه على عبيد الله بن عمرو فرواه عبد الله ابن جعفر - وهو ثقة تغير - عن عبيد الله به هكذا، ورواه الوليد بن صالح - وهو ثقة - عن عبيد الله بن عمرو به غير أنَّه سمى الصحابي \"عبد الله بن عمر\" أخرجه البُخاريّ في \"الأدب المفرد\" (٦٩٨) وانظر ما بعده.\n(^٢٣) - صحيح \"المسند\" (٢/ ٢٥) (٤٧٨٥) ومن طريقه الحاكم (١/ ٥١٧، ٥١٨) وأخرجه البُخاريّ في \"الأدب المفرد\" (١٢٠٠) وعلقه في \"التَّاريخ الكبير\" (٢/ ٢٢٥)، وأبو داود، كتاب: الأدب، باب: ما يقول إذا أصبح (٥٠٧٤) وابن ماجة، كتاب: الدعاء، باب: ما يدعو به الرجل إذا أصبح وإذا أمسى (٣٨٧١) وابن أبي شيبة في \"المصنف\" (١/ ٤٧) من طريق وكيع به، وقال الحاكم: \"صحيح الإسناد ولم يخرجاه\" ووافقه الذهبي وصححه أيضًا ابن حبان (٣/ ٩٦١) وأخرجه عبد بن حميد في \"المنتخب\" (٨٣٧)، وأبو داود (٥٠٧٤) والنَّسائيُّ، كتاب: الاستعاذة، باب: الاستعاذة من الخسف (٨/ ٢٨٢) وفي \"عمل اليوم والليلة\" (٥٦٦) مختصرًا، وابن أبي شيبة (٧/ ٤١) والطبراني في \"الكبير\" (١٢/ ١٣٢٩٦) وفي \"الدعاء\" (٢/ رقم ٣٠٥) والبيهقيّ في \"الأسماء والصفات\" (١/ ٢٧٨) من طرق عن عبادة بن مسلم به.\n_________\n[¬١]- في خ، ز: \"عبد\".\n[¬٢]- في خ، ز: \"يقول\".\n[¬٣]- في ز \"بن\".\n[¬٤]- سقط من: خ، ز.","vol":"6","page":270},{"text":"أبي سليمان بن جبير بن مطعم، سمعت عبد الله بن عمر [¬١] يقول: لم يكن رسول الله، ﷺ، يَدَعُ هؤلاء الدعوات حين يصبح وحين يُمسي: \"اللَّهم، إنِّي أسألك العافية في الدُّنيا والآخرة، اللَّهم إنِّي أسألك العفو والعافية في ديني ودنياي وأهلي ومالي، اللَّهم استر عوراتي، وآمن روعاتي، اللهم احفظني من بين يدي ومن خلفي، وعن يميني وعن شمالي ومن فوقي، وأعوذ بعظمتك أن أغتال من تحتي\"، قال وكيع: [\"من تحتي\"] [¬٢] يعني: الخسف.\nورواه أبو داود والنَّسائيُّ وابن ماجة وابن حبان والحاكم من حديث عبادة بن مسلم به [¬٣]، وقال الحاكم: صحيح الإسناد.\n﴿قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ (١٨)﴾\nأكد (تعالى) اللعنة والطرد والإبعاد والنفي عن محل الملأ الأعلى بقوله: ﴿خْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا﴾.\nقال ابن جرير [¬٤]: أما المذءوم: فهو المعيب، والذام - غير مشدّد -: العيب، يقال: ذأمه يذأمه ذأمًا فهو مذءوم، ويتركون الهمز، فيقولون: ذمته أذيمه ذيمًا وذامًا، والذام والذيم أبلغ في العيب من الذم.\nقال: والمدحور: المُقصَى، وهو المبعد المطرود.\nوقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: ما نعرف المذءوم والمذموم إلَّا واحدًا.\nوقال سفيان الثوري (^٢٤): عن أبي إسحاق، عن التميمي، عن ابن عباس ﴿خْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا﴾ قال: مقيتًا.\nوقال على بن أبي طلحة (^٢٥): عن ابن عباس: صغيرًا منفيًّا [¬٥]. وقال السدي: مقيتًا\n_________\n(^٢٤) - أخرجه ابن جرير (١٢/ ١٤٣١٩) وابن أبي حاتم (٥/ ٨٢٦٦، ٨٢٧١) من طرق عن سفيان به، ورجاله ثقات رجال الشيخين غير التميمي واسمه أربدة وهو صدوق روي له أبو داود.\n(^٢٥) - إنما أخرجه ابن جرير (١٢/ ١٤٣٨٦) وابن أبي حاتم (٥/ ٨٢٦٧، ٨٢٧٢) من طريق العوفي عن ابن عباس، به.\n_________\n[¬١]- في ز \"عمرو\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٣]- سقط من: خ.\n[¬٤]- في تفسيره (١٢/ ٣٤٢).\n[¬٥]- في خ، ز: \"مقيتًّا\"، والمثبت من تفسير ابن جرير.","vol":"6","page":271},{"text":"مطرودًا. وقال قتادة: لعينًا مقيتًا. وقال مجاهد: منفيًّا مطرودًا. وقال الرَّبيع بن أنس: مذءومًا منفيًّا، والمدحور: المصغَّر.\nوقوله تعالى: ﴿لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ كقوله: ﴿قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا * وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا * إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا﴾.\n﴿وَيَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (١٩) فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ (٢٠) وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ (٢١)﴾\nيذكر تعالى أنَّه أباح لآدم ﵇ ولزوجته حوّاء [¬١] الجنَّة، أن يأكلا منها من جميع ثمارها إلَّا شجرة واحدة، وقد تقدم الكلام على ذلك في سورة البقرة، فعند ذلك حسدهما الشيطان، وسعى في المكر والوسوسة والخديعة، ليُسلَبَا ما هما فيه من النعمة واللباس الحسن ﴿وَقَالَ﴾ كذبًا وافتراء ﴿مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ﴾ [أي: لئلا تكونا ملكين] [¬٢] أو خالدين ها هنا، ولو [¬٣] أنكما أكلتما منها لحصل لكما ذلك [¬٤]؛ كقوله: ﴿قَالَ يَاآدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى﴾ أي: لئلا تكونا ملكين؛ كقوله: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ أي: لئلا تضلوا ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [أي: لئلا تميد بكم] [¬٥].\nوكان ابن عباس (^٢٦) ويحيى بن أبي كثير يقرآن: (إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلِكَيْنِ) بكسر اللام، وقراءة [¬٦] الجمهور بفتحها.\n_________\n(^٢٦) - أخرجه ابن جرير (١٢/ ١٤٣٩٤) وفى إسناده عبد الرحمن بن أبي حماد وهو \"مجهول الحال\"، وقال ابن جرير (١٢/ ٣٤٩): \"والقراءة التي لا أستجيز القراءة في ذلك بغيرها، القراءة التي عليها قراءة الأمصار وهي، فتح \"اللام\" من \"مَلَكَيْنِ\" بمعنى: ملكين من الملائكة … \".\n_________\n[¬١]- سقط من: خ، ز.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٣]- في ز \"فلو\".\n[¬٤]- في ز \"إلَّا أن تكون ملكين\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٦]- في خ \"قرأه\".","vol":"6","page":272},{"text":"﴿وَقَاسَمَهُمَا﴾ أي: حلف لهما بالله ﴿إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾ فإني من قبلكما ها هنا، وأعلم بهذا المكان، وهذا من باب المفاعلة، والمراد أحد الطرفين؛ كما قال خالد بن زهير ابن عم أبي ذؤيب:\nوقاسَمَها [¬١] بالله جَهْدًا لَأَنْتُمُ … أَلذُّ من السَّلْوَى إذا [¬٢] ما [¬٣] نَشُوُرَها\nأي: حلف لهما بالله [على ذلك] [¬٤] حتَّى خدعهما، وقد يخدع المؤمن بالله، فقال: إنِّي خلقت قبلكما، وأنا أعلم منكما، فاتبعاني [¬٥] أرشدكما. وكان بعض أهل العلم يقول: [من خدعنا بالله انخدعنا له] [¬٦].\n﴿فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٢) قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣)﴾\nقال سعيد بن أبي عروبة (^٢٧): عن قتادة، عن الحسن، عن أبي بن كعب ﵁ قال: كان آدم رجلًا طوالا كأنه نخلة سحوق، كثير شعر الرأس، فلما وقع فيما [¬٧] وقع فيه [¬٨] من الخطيئة، بدت له عورته عند ذلك وكان لا يراها، فانطلق هاربًا في الجنَّة، فتعلقت برأسه شجرة من شجر الجنَّة، فقال لها: أرسليني، فقالت: إني غير مرسلتك، فناداه ربه ﷿: يا آدم أمنى تفر؟ قال: يا [¬٩] رب، إنِّي استحييتك [¬١٠]. وقد رواه ابن جرير وابن مردويه من طرق: عن الحسن، عن أبي بن كعب عن النَّبيِّ، ﷺ، والموقوف أصح إسنادًا.\nوقال عبد الرَّزاق (^٢٨): أنبأنا سفيان بن عيينة وابن المبارك، عن الحسن بن عمارة، عن المنهال\n_________\n(^٢٧) - تقدم تخريجه [سورة البقرة/آية ٣٦].\n(^٢٨) - إسناده ضعيف جدًّا وعزاه لعبد الرَّزاق السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ١٠٨) - ومن طريقه أخرجه ابن جرير (١٢/ ١٤٣٩٩) وابن عساكر في \"تاريخ دمشق\" (٢/ ٦٢٧، ٦٢٨/ مخطوط)، والحسن بن عمارة \"متروك\" كما في \"التقريب\".\n_________\n[¬١]- في ز \"قاسمهما\".\n[¬٢]- بياض في: ز.\n[¬٣]- ف ز \"أما\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٥]- في خ \"فاتبعان\".\n[¬٦]- في خ، ز: \"من خادعنا بالله خدعنا\".\n[¬٧]- في ز \"بما\".\n[¬٨]- في ز \"به\".\n[¬٩]- سقط من: ز.\n[¬١٠]- في ز \"أستحييك\".","vol":"6","page":273},{"text":"ابن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: كانت الشجرة التي نهى الله عنها آدم وزوجته: السنبلة، فلما أكلا منها بدت لهما سوآتهما، وكان الذي وارى عنهما [من سوآتهما] [¬١] أشعارهما، وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنَّة ورق التين، يلزقان بعضه إلى بعض، فانطلق آدم ﵇ موليًا في الجنَّة، فعلقت [¬٢] برأسه شجرة من الجنَّة، فنابها الله [¬٣]: يا آدم، أمنى تفر؟ قال: لا، ولكني استحييتك يا رب، قال: أما كان لك فيما منحتك من الجنَّة وأبحتك منهامشدوحة عما حرمت عليك؟ قال: بلى يا رب، ولكن وعزتك ما حسبت أن أحدًا يحلف بك كاذبًا. قال: وهو قول الله ﷿: ﴿وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾؛ قال: فبعزتي لأهبطنك إلى الأرض، ثم لا تنال العيش إلَّا كدًّا، قال: فأهبط من الجنَّة، وكانا يأكلان منها رغدًا، فأهبط إلى غير رغد من طعام وشراب، فعلم صنعة الحديد، وأمر بالحرث فحرث وزرع، ثم سقى، حتَّى إذا بلغ حصد، ثم داسه، ثم ذرّاه، ثم طحنه، ثم عجنه، ثم خبزه، ثم أكله، فلم يبلعه [¬٤] حتَّى بلغ [¬٥] منه ما شاء الله أن يبلغ [¬٦].\nوقال الثوري (^٢٩): عن ابن أبي ليلى، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﴿وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ قال: ورق التين. صحيح إليه.\nقال مجاهد: جعلا يخصفان عليهما من ورق الجنَّة، قال [¬٧]: كهيئة الثوب.\nوقال وهب بن منبه في قوله: ﴿يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا﴾ قال: كان لباس آدم وحوّاء نورًا على فروجهما، لا يرى هذا عورة هذه، ولا هذه عورة هذا، فلما أكلا من الشجرة بدت لهما سوآتهما.\n_________\n(^٢٩) - أخرجه ابن جرير (١٢/ ١٤٤٠٤) وابن أبي حاتم (٥/ ٨٣٠٢) وابن عساكر في \"تاريخ دمشق\" (٢/ ٦٢٧/ مخطوط) من طريق جعفر بن عون عن سفيان الثوري به، ورواه يحيى بن آدم عن شريك عن ابن أبي ليلى به؛ أخرجه ابن جرير (١٢/ ١٤٤٠٥) وقد صحح المصنف إسناده مع أن ابن أبي ليلى - وهو محمَّد بن عبد الرحمن - ضعف لسوء حفظه، لكن رواه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٢/ ٢٤٤) من طريق معاوية بن هشام عن سفيان أظنه عن عمرو بن قيس الملائي عن المنهال به، لكن معاوية بن هشام: \"صدوق له أوهام\" فأخشى أن يكون ذلك من أوهامه، لا سيما ولم يجزم به، والأثر زاد نسبته في \"الدر المنثور\" (٣/ ١٣٩) إلى الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وأبي الشَّيخ وابن مردوده.\n_________\n[¬١]- سقط من ز.\n[¬٢]- في ز \"وعلقت\".\n[¬٣]- سقط من: خ، ز.\n[¬٤]- في خ، ز: \"يبلغه\".\n[¬٥]- في ت: \"بلغ\".\n[¬٦]- في ت: \"يبلغ\".\n[¬٧]- سقط من: ز.","vol":"6","page":274},{"text":"رواه ابن جرير (^٣٠) بسند [¬١] صحيح إليه.\nوقال عبد الرَّزاق (^٣١): أخبرنا معمر، عن قتادة، قال: قال آدم: أي رب، أرأيت إن تبت واستغفرت؟ قال: إذًا أدخلك الجنَّة، وأمَّا إبليس فلم يسأله التوبة، وسأله النظرة، فأعطى كل واحد منهما الذي سأله.\nوقال ابن جرير (^٣٢): حدّثنا القاسم، حدّثنا الحسين، حدّثنا عباد بن العوام، عن سفيان بن حسين، عن يعلى بن مسلم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: لما أكل آدم من الشجرة، قيل له: لم أكلت من الشجرة التي نهيتك عنها [¬٢]؟ قال: حواء أمرتني؛ قال: فإنّي قد أعقبتها أن لا تحمل إلَّا كَرْهًا، ولا تضع إلَّا كرهًا، قال: فرنت [عند ذلك حواء] [¬٣]، فقيل لها: الرنة عليك وعلى ولدك.\nوقال الضَّحَّاك بن مزاحم في قوله: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾: هي الكلمات التي تلقاها آدم من ربه.\n﴿قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (٢٤) قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ (٢٥)﴾\nقيل: المراد بالخطاب في [¬٤]: ﴿اهْبِطُوا﴾ آدم وحواء وابليس والحية، ومنهم من لم يذكر الحية، والله أعلم.\nوالعمدة في العداوة آدم وابليس، ولهذا قال تعالى في سورة طه، ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا﴾\n_________\n(^٣٠) - تفسير ابن جرير (١٢/ ١٤٤٠٨) وكذا أخرجه ابن عساكر في \"تاريخ دمشق\" (٢/ ٦٢٧/ مخطوط) والحكيم التِّرمذيُّ في \"نوادر الأصول\" وابن أبي حاتم وأبو الشَّيخ كما في \"الدر المنثور\" (٣/ ١٣٨).\n(^٣١) - \" التفسير\" لعبد الرَّزاق (٢/ ٢٢٦).\n(^٣٢) - صحيح موقوف ابن جرير في تفسيره (١٢/ ١٤٤١٠) وأخرجه أبو الشَّيخ في \"العظمة\" (٥/ ١٠٤٨) وابن أبي الدُّنيا في \"كتاب البكاء\" - كما في \"الدر المنثور\" (١/ ١٠٩) - ومن طريقه الحاكم في \"المستدرك\" (٢/ ٣٨١) وقال: \"صحيح الإسناد ولم يخرجاه\" ووافقه الذهبي وهو كما، قالا وزاد نسبته السيوطي إلى ابن منيع وابن المنذر والبيهقيّ في \"الشعب\" وابن عساكر.\n_________\n[¬١]- في ز \"بإسناد\".\n[¬٢]- سقط من: خ، ز.\n[¬٣]- في ز \"حواء عند ذلك\".\n[¬٤]- سقط من: ز.","vol":"6","page":275},{"text":"الآية، وحواء تبع لآدم، والحية إن كان ذكرها صحيحًا فهي تبع لإِبليس.\nوقد ذكر المفسرون الأماكن التي هبط فيها كل منهم، ويرجع حاصل تلك الأخبار إلى الإسرائيليات، والله أعلم بصحتها، ولو كان في تعيين تلك البقاع فائدة تعود على المكلفين في أمر دينهم أو دنياهم، لذكرها الله تعالى في كتابه أو رسوله ﷺ.\nوقوله [¬١]: ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ أي: قرار وأعمار مضروبة إلى آجال معلومة، قد جرى بها القلم، وأحصاها القدر، وسطرت في الكتاب الأوَّل.\nوقال ابن عباس: ﴿مُسْتَقَرٌّ﴾ القبور. وعنه [قال: ﴿مُسْتَقَرٌّ﴾ فوق] [¬٢] الأرض وتحتها. رواهما ابن أبي حاتم (^٣٣).\nوقوله: ﴿قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ﴾ كقوله تعالى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾، يخبر تعالى أنَّه جعل [¬٣] الأرض دارًا لبني آدم مدة الحياة الدُّنيا؛ فيها محياهم، وفيها مماتهم وقبورهم، ومنها نشورهم ليوم القيامة [¬٤] الذي يجمع الله فيه الأولين والآخرين، ويجازي كلًّا بعمله.\n﴿يَابَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (٢٦)﴾\nيمتن تعالى على عباده بما جعل لهم من اللباس والرياش، فاللباس المذكور ها هنا لستر العورات، وهي: السوآت، والرياش والريش: هو [¬٥] ما يتجمل به ظاهرًا، فالأول من الضروريات، والريش من التكملات والزيادات.\nقال ابن جرير [¬٦]: الرياش في كلام العرب: الأثاث، وما ظهر من الثياب.\nوقال على بن أبي طلحة: عن ابن عباس، وحكاه البُخاريّ (^٣٤) عنه: الرياش [¬٧]: المال.\n_________\n(^٣٣) - \" التفسير\" لابن أبي حاتم (٥/ ٨٣٢١، ٨٣٢٢) ياسنادين حسنين عنه، به.\n(^٣٤) - صحيح البُخاريّ، كتاب: التفسير، باب: \"سورة الأعراف\" معلقًا عن ابن عباس، ووصله ابن جرير (١٢/ ١٤٤٢٨) وابن أبي حاتم (٥/ ٨٣٢١) من طريق على بن أبي طلحة عنه، به.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ز \"وجه\".\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- في ز \"يجعل\".\n[¬٤]- في خ، ز: \"المعاد\".\n[¬٥]- سقط من خ.\n[¬٦]- في تفسيره (١٢/ ٣٦٤).\n[¬٧]- في ز \"الريش\".","vol":"6","page":276},{"text":"وهكذا [¬١] قال مجاهد وعروة بن الزُّبير والسدي والضَّحَّاك [وغير واحد] [¬٢].\nوقال العوفي (^٣٥): عن ابن عباس: الرياش: اللباس والعيش والنعيم.\nوقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: الرياش: الجمال.\nوقال الإمام أحمد (^٣٦): حدّثنا يزيد بن هارون، حدّثنا أصبغ، عن أبي العلاء الشَّامي قال: لبس أبو أماَمة ثوبًا جديدًا، فلما بلغ ترقوته قال: الحمد لله الذي كساني ما أواري به عورتي، وأتجمل به في حياتي، ثم قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: قال رسول الله ﷺ: \"من استجد ثوبًا فلبسه، فقال حين يبلغ ترقوته: الحمد لله الذي كساني ما أواري به عورتي وأتجمل به في حياتي، ثم عمد إلى الثوب الخلق [¬٣]- أو: ألقى - فتصدق به - كان في ذمة الله، وفي جوار الله، وفي كنف الله حيًّا وميتًا\".\nورواه التِّرمذيُّ وابن ماجة: من رواية يزيد بن هارون، عن أصبغ - هو ابن زيد الجهني - وقد وثقه يَحْيَى بن معين وغيره، وشيخه أبو العلاء الشَّامي لا يُعرف إلَّا بهذا الحديث، ولكن لم\n_________\n(^٣٥) - أخرجه ابن جرير (١٢/ ١٤٤٣٤) وابن أبي حاتم (٥/ ٨٣٣٣) والعوفي ضعيف.\n(^٣٦) - إسناده ضعيف \"المسند\" (١/ ٤٤) (٣٠٥) - ومن طريقه ابن الجوزي في \"العلل المتناهية\" (٢/ رقم ١١٣٠) - وأخرجه ابن أبي شيبة (٦/ ٥٩)، (٧/ ١٢٢) - وعنه ابن ماجة، كتاب: اللباس، باب: ما يقول الرجل إذا لبس ثوبًا جديدًا (٣٥٥٧) - وعبد بن حميد في \"المنتخب\" (١٨) والترمذي في \"الدعوات\" (٣٥٥٥) وابن السني في \"عمل اليوم والليلة\" (١٠٩، ١١٠) والمزي في \"تهذيب الكمال\" (٣٤/ ١٥٨) من طريق يزيد بن هارون به، وقال التِّرمذيُّ: \"هذا حديث غريب، وقد رواه يَحْيَى بن أيوب عن عبيد الله بن زَحْر عن علي بن زيد عن القاسم عن أبي أمامة\" وقال ابن الجوزي: \"هذا حديث لا يصح، أصبغ هو ابن زيد قال ابن عدي: له أحاديث غير محفوظة، قال ابن حبان، لا يجوز الاحتجاج به إذا انفرد - قلت وثقه غير واحد من الأئمة انظر \"التهذيب\" - قال الدارقطني: \"وأبو العلاء هذا مجهول … \" والطريق الذي أشار إليه التِّرمذيُّ، أخرجه ابن المبارك في \"الزهد\" (٧٤٩) - ومن طريقة الحاكم (٤/ ١٩٣)، والبيهقيّ في \"الشعب\" (٥/ ٦٢٨٦) - والطبراني في \"الدعاء\" (١/ ٣٩٣) من طريق يَحْيَى بن أيوب عن عبيد الله بن زَحْر به، وقال الحاكم: \"هذا حديث لم يحتج الشيخان ﵄ بإسناده .... على أنَّه حديث تفرد به إمام خراسان عبد الله بن المبارك عن أئمة الشَّام ﵃ أجمعين - فآثرت إخراجه ليرغب المسلمون في استعماله\". وذكر له الدارقطني في \"العلل\" (٢/ س ١٦٠) طرقًا أخرى عن عبيد الله بن زحر ثم قال: \"عبيد الله بن زحر ضعيف، والحديث غير ثابت\".\n_________\n[¬١]- في ز \"وكذا\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٣]- في ز \"خلق\" وفي المسند \"الذي أخلق\".","vol":"6","page":277},{"text":"يجرحه [¬١] أحد، والله أعلم.\nوقال الإمام أحمد أيضًا (^٣٧): حدّثنا محمَّد بن عبيد، حدّثنا مختار بن نافع التمار، عن أبي مطر: أنه رأى عليًا ﵁ أتى غلامًا حدّثنا فاشترى منه قميصًا بثلاثة دراهم، ولبسه إلى [¬٢] ما بين الرسغين [¬٣] إليَّ الكعبين، يقول حين [¬٤] لبسه: الحمد لله الذي رزقني من الرياش ما أتجمل به في النَّاس، وأواري به عورتي. فقيل: هذا شيء ترويه عن نفسك أو عن النَّبيِّ [¬٥] ﷺ؟ قال: هذا شيء سمعته من رسول الله، ﷺ، يقول عند الكسوة: \"الحمد لله الذي رزقني من الرياش ما أتجمل به في النَّاس، وأواري به عورتي\".\nوقوله تعالى: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ قرأ بعضهم: (ولباسَ التقوى) بالنصب، وقرأ الآخرون بالرَّفع على الابتداء، و﴿ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ خبره.\nواختلف المفسرون في معناه؛ فقال عكرمة: يقال: هو ما يلبسه المتقون يوم القيامة. رواه ابن أبي حاتم (^٣٨).\nوقال زيد بن علي والسدي وقتادة وابن جريج: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى﴾ الإيمان.\nوقال العوفي (^٣٩): عن ابن عباس: [العمل الصالح.\nوقال زياد بن عمرو (^٤٠): عن ابن عباس] [¬٦]: هو السمت الحسن في الوجه.\n_________\n(^٣٧) - إسناده ضعيف \"المسند\" (١/ ١٥٧، ١٥٨) (١٣٥٤) وأخرجه عبد بن حميد في \"المنتخب\" (٩٦) - ومن طريقه ذكره المصنف في \"البداية والنهاية\" (٨/ ٤، ٥) - ثنا محمَّد بن عبيد به مطولًا وأخرجه عبد الله بن أحمد في \"زوائد المسند\" (١/ ١٥٧) (١٣٥٢) وابن أبي حاتم في تفسيره (٥/ ٨٣٣٢) وأبو يعلى في \"المسند\" (١/ رقم ٢٩٥) والطبراني في \"الدعاء\" (٢/ رقم ٣٩٥) من طرق عن المختار بن نافع به، وذكره الهيثمي في \"المجمع\" (٥/ ١٢١، ١٢٢) وقال: \"رواه أحمد، وأبو يعلى … وفيه مختار بن نافع وهو ضعيف\" قلت: تابعه اثنان عند أبي يعلى (١/ ٣٢٧) والطبراني (١/ ٣٩٤) لكن شيخهم أبا مطر هذا جهله أبو حاتم والذهبي، وقال أبو زرعة: لا يعرف اسمه. والحديث ذكره ابن حجر في \"المطالب العالية\" (١/ ١٢٧٠، ١٣٦٢) وزاد نسبته إلى إسحاق بن راهويه - وزاد السيوطي نسبته في \"الدر المنثور\" (٣/ ١٤١) إلى ابن مردويه.\n(^٣٨) - \" التفسير\" لابن أبي حاتم (٥/ ٨٣٣٧، ٨٣٤١) وإسناده حسن.\n(^٣٩) - أخرجه ابن جرير - (١٢/ ١٤٤٤٤)، وابن أبي حاتم (٥/ ٨٣٣٦) والعوفي ضعيف.\n(^٤٠) - أخرجه ابن جرير (١٢/ ١٤٤٥) وقد تحرف في مخطوطته \"زياد بن عمرو\" إلى =\n_________\n[¬١]- في خ، ز: \"يخرجه\".\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- في ز \"الرصغين\".\n[¬٤]- في خ، ز: \"و\".\n[¬٥]- في ز \"نبي الله\".\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.","vol":"6","page":278},{"text":"وعن عروة بن الزُّبير: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى﴾ خشية الله.\nوقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى﴾ يتقي الله فيواري عورته، فذاك لباس التقوى.\nوكل هذه متقاربة، ويؤيد ذلك الحديث الذي رواه ابن جرير حيث قال (^٤١):\nحدثني المثنى، حدّثنا إسحاق بن الحجاج، حدثني إسحاق بن إسماعيل، عن سليمان بن أرقم، عن الحسن قال: رأيت عثمان بن عفَّان ﵁ على منبر رسول الله ﷺ، عليه [¬١] قميص قوهي [¬٢] محلول الزر، وسمعته يأمر بقتل الكلاب، وينهى عن اللعب بالحمام، ثم قال: يا أيها النَّاس اتقوا الله في هذه السرائر، فإنّي سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"والذي نفس محمَّد بيده، ما عمل أحد قط سرًّا إلَّا ألبسه الله رداء علانية، إن خيرًا فخير [¬٣] وإن شرًّا فشر [¬٤] \". ثم قرأ [¬٥] هذه الآية: (ورياشًا) ولم يقرأ ﴿وريشًا﴾، ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ﴾ قال: السمت الحسن.\nهكذا رواه ابن جرير من رواية سليمان بن أرقم، وفيه ضعف. وقد روى الأئمة الشَّافعي وأحمد والبخاري في كتاب الأدب من طرق صحيحة: عن الحسن البصري: أنَّه سمع أمير المؤمنين عثمان بن عفَّان يأمر بقتل الكلاب، وذبح الحمام يوم الجمعة على المنبر (^٤٢).\n_________\n= \" الدبا بن عمرو\" وفي طبعة الحلبي منه (٨/ ١٤٩) إلى: \"الزباء بن عمرو\" وفي بعض نسخ ابن كثير المطبوعة إلى \"الديال بن عمرو\" ولذلك لم يعرفه الشَّيخ الأديب محمود شاكر فتركه بياضًا في طبعته من ابن جرير والصَّواب المثبت عندنا هنا وقد ترجم له \"البُخاريّ\" في \"التَّاريخ\" (٣/ ٣٦٧)، وابن أبي حاتم في \"الجرح والتعديل\" (٣/ ٥٤٠) وابن حبان في \"الثقات\" (٤/ ٢٥٦) وكذا ابن حجر في \"لسان الميزان\" (٢/ ٥٧٧) وذكروا أنَّه يروي عن ابن عباس، لكنَّه مجهول كما قال أبو حاتم.\n(^٤١) - إسناده ضعيف تفسير ابن جرير (١٢/ ١٤٤٤٦) وأخرجه ابن أبي حاتم (٥/ ٨٣٤٢) من طريق حفص المهرقاني، ثنا إسحاق بن إسماعيل به، وقال ابن جرير (١٢/ ٣٦٣): \"في إسناده نظر\" قلت: علته سليمان بن أرقم هذا: تركه أبو حاتم وأبو داود والترمذي وغير واحد، وقال أبو زرعة: \"ضعيف الحديث، ذاهب الحديث\" وقال ابن عدي: \"عامة ما يرويه لا يتابع عليه\". وقد نفى جماعة سماع الحسن من عثمان، لكنَّه قد صرح بالسماع منه كما في الآتي.\n(^٤٢) - صحيح موقوف، عزاه المصنف لأحمد وهو في \"المسند\" (١/ ٧٢) (٥٢١) من زيادات عبد الله - ومن طريق عبد الله أخرجه ابن عساكر في \"تاريخ دمشق\" ترجمة عثمان بن عفَّان ﵁ =\n_________\n[¬١]- سقط من: خ، ز.\n[¬٢]- في ز \"فوهي\". والقوهي: ثياب بيض. (القاموس المحيط ١٦١٥.\n[¬٣]- في ز \"فخيرًا\".\n[¬٤]- في ز \"فشرًّا\".\n[¬٥]- في ز \"تلا\".","vol":"6","page":279},{"text":"وأمَّا المرفوع منه فقد روى الحافظ أبو القاسم الطّبرانيّ في معجمه الكبير له شاهدًا من وجه آخر حيث قال: حدّثنا [محمود بن محمَّد المروزي، ثنا حامد بن آدم المروزي، ثنا الفضل بن موسى، عن محمَّد بن عبيد الله العرزمي، عن سلمة بن كهيل، عن جندب بن سفيان، قال: قال رسول الله ﷺ: \"ما أسرَّ عبدٌ سريرة إلَّا ألبسه الله رداءها إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر\" .... (^٤٣) [¬١]\n﴿يَابَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (٢٧)﴾\nيقول تعالى محذرًا بني آدم من إبليس وقبيله، ومبينًا لهم عداوته القديمة لأبي البشر آدم ﵇، في سعيه في إخراجه من الجنَّة، التي هي دار النعيم، إلى دار التعب والعناء، والتسبب في هتك عورته بعد ما كانت مستورة عنه، وما هذا إلَّا عن عداوة أكيدة، وهذا كقوله تعالى:\n﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٢٨) قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا\n_________\n= (ص ٢٢١، ٢٢٢) - قال: ثنا شيبان بن أبي شيبة ثنا مبارك بن فضالة ثنا الحسن قال: شهدت عثمان … فذكره، وأخرجه البُخاريّ في \"الأدب المفرد\" (١٣٠١) وابن أبي الدُّنيا في \"ذم الملاهي\" (١٣ أ مخطوط) من طريق مبارك بن فضالة. وذكره الهيثمي في \"المجمع\" (٤/ ٤٥) وقال: \"رواه أحمد - كذا قال وهو من زيادات عبد الله - وإسناده حسن إلَّا أن مبارك بن فضالة مدلس\" لكنَّه صرح بالسماع هنا وقد وثقه غير واحد، وضعفه آخرون وهو متابع عند البُخاريّ وعبد الرَّزاق في \"المصنف\" (١١/ ١٩٧٣٣) - ومن طريقه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٢/ ٤١٣) وفيه تحريفات في المتن - وابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٤/ ٦٣٩) وأعلَّ بعدم سماع الحسن من عثمان حيث قال أبو زرعة: \"رآه رؤية ولم يسمع منه\" لكن قال على بن المدينيّ في \"العلل\" (ص ٦٠): \"سمع الحسن من عثمان بن عفَّان وهو يخطب\" قلت: ونص الأثر هنا يشهد لسماعه هذه. وبالله التوفيق.\n(^٤٣) - ما بين المعكوفتين بياض بالأصل وقد استدركناه من المعجم الكبير للطبراني، وقد جاء بسنده كاملًا عند [آية رقم ٢٩ / من سورة الفتح] ولفظه \"ما أسر عبدٌ سريرة إلَّا ألبسه الله رداءها إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر\" ويخرج في المكان المذكور.\n_________\n[¬١]- بياض بالمخطوطة.","vol":"6","page":280},{"text":"وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (٢٩) فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٠)﴾\nقال مجاهد: كان المشركون يطوفون بالبيت عراة، يقولون: نطوف كما ولدتنا أمهاتنا، فتضع المرأة على فرجها النِّسعة أو الشيء وتقول:\nاليَوْم يَبدُو بَعْضُهُ أَوُ كُلُّهُ … وَمَا بَدَا مِنْهُ فَلَا أُحِلُّهُ\nفأنزل الله: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا﴾ الآية.\nقلت: كانت العرب ما عدا قريشًا [¬١] لا يطوفون بالبيت في ثيابهم التي لبسوها، يتأولون في ذلك أنهم لا يطوفون في ثياب عصوا الله فيها، وكانت قريش وهم الحمس يطوفون في ثيابهم، فمن [¬٢] أعاره أحمسي ثوبًا طاف فيه، ومن معه ثوب جديد طاف فيه ثم يلقيه، فلا يتملكه أحد، فمن لم يجد ثوبًا جديدًا ولا أعاره أحمسي ثوبًا طاف عريانًا، وربما كانت امرأة فتطوف [¬٣] عريانة، فتجعل على فرجها شيئًا ليستره بعض الشيء، وتقول:\nاليَوْمَ يَبدُو بَعْضُهُ أو كُلُّهُ … وَمَا بَدَا مِنْهُ فَلَا أُحِلُّهُ\nوأكثر ما كان النساء بين عراة بالليل، وكان هذا شيئًا قد ابتدعوه من تلقاء أنفسهم، واتبعوا فيه آباءهم، ويعتقدون أن فعل آبائهم مستند إلى أمر من الله وشرع، فأنكر الله تعالى عليهم ذلك، فقال: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا﴾ فقال تعالى ردًّا عليهم: ﴿قُلْ﴾ أي: قل يا محمَّد لمن ادعى ذلك ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ﴾ أي: هذا الذي تصنعونه فاحشة منكرة، والله لا يأمر بمثل ذلك، ﴿أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ أي: أتسندون إلى الله من الأقوال ما لا تعلمون صحته.\nوقوله تعالى: ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ﴾ أي: بالعدل والاستقامة ﴿وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ أي: أمركم بالاستقامة [¬٤] في عبادته في محالها، وهي متابعة المرسلين المؤيِّدين بالمعجزات فيما أخبروا به عن الله، وما جاءوا به من الشرائع، وبالإخلاص له في عبادته، فإنَّه تعالى لا يتقبل العمل حتَّى يجمع هذين الركنين: أن يكون صوابًا موافقًا للشريعة، وأن يكون خالصًا من الشرك.\n_________\n[¬١]- في ز \"قريش\".\n[¬٢]- في ز \"ومن\".\n[¬٣]- في ز \"تطوف\".\n[¬٤]- في ز \"بالاستعانة\".","vol":"6","page":281},{"text":"وقوله تعالى: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ إلى قوله: ﴿الضَّلَالَةَ﴾ اختلف في معنى قوله: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾.\nفقال ابن أبي نجيح: عن مجاهد: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾: يحييكم بعد موتكم.\nوقال الحسن البصري: كما بدأكم في الدُّنيا، كذلك تعودون يوم القيامة أحياء.\nوقال قتادة: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ قال: بدأ فخلقهم ولم يكونوا شيئًا، ثم ذهبوا، ثم يعيدهم.\nوقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: كما بدأكم أولًا كذلك يعيدكم آخرًا.\nواختار هذا القول أبو جعفر بن جرير (^٤٤)، وأيده بما رواه: من حديث سفيان الثوري وشعبة ابن الحجاج كلاهما، عن المغيرة بن النُّعمان، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قام فينا رسول الله ﷺ بموعظة، فقال: \"يا أيها الناس، إنكم تحشرون إلى الله حفاة عراة غرلًا، ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ \".\nوهذا الحديث مخرج في الصحيحين: من حديث شعبة، وفي صحيح [¬١] البُخاريّ أيضًا: من حديث الثوري به.\n[وقال وقاء [¬٢] بن إياس أبو يزيد: عن مجاهد: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ قال: يبعث المسلم مسلمًا، والكافر كافرًا.\nوقال أبو العالية ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾: ردّوا إلى علمه فيهم] [¬٣].\n_________\n(^٤٤) - تفسير ابن جرير (١٢/ ٣٨٥، ٣٨٦) وأخرج الحديث (/ ١٢ رقم ١٤٥٠٢) وأحمد (١/ ٢٣٥، ٢٥٣) والبخاري كتاب: التفسير، باب: \"وكنت عليهم شهيدًا ما دمت فيهم … \" (٤٦٢٥)، وباب: \"كما بدأنا أول خلق نعيده … \" سورة الأنبياء (٤٧٤٠)، وكاناب: الرقاق، باب: الحشر (٦٥٢٦)، ومسلم، ك: الجنَّة وصفة نعيمها وأهلها، ب: فناء الدُّنيا وكان الحشر يوم القيامة (٥٨) (٢٨٦٠)، والترمذي، كتاب: صفة القيامة، باب: ما جاء في شأن الحشر (٢٤٢٥)، كتاب: تفسير القرآن، باب: ومن سورة الأنبياء ﵈ (٣١٦٦) والنَّسائيُّ (٤/ ١١٧) من طريق شعبة عن المغيرة به وأخرجه ابن جرير (١٢/ رقم ١٤٥٠٠، ١٤٥٠١) وأحمد (١/ ٢٢٣، ٢٢٩) والبخاري كتاب: الأنبياء، باب: قول الله تعالى ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ (٣٣٤٩) - وانظر أطرافه ثمة - والترمذي (٢٤٢٥) والنَّسائيُّ (٤/ ١١٤) من طريق سفيان عن المغيرة به.\n_________\n[¬١]- في خ \"حديث\".\n[¬٢]- في خ، ز: \"ورقاء\".\n[¬٣]- سقط من: خ، ز.","vol":"6","page":282},{"text":"وقال سعيد بن جبير: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾: كما كتب عليكم تكونون. وفي رواية: كما كنتم تكونون عليه تكونون.\nوقال محمَّد بن كعب القرظي في قوله تعالى: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾: من ابتدأ الله خلقه على الشقاوة، صار إليَّ [ما ابتدئ عليه خلقه] [¬١]، وإن عمل بأعمال أهل السعادة [كما أن إبليس عمل بأعمال أهل السعادة، ثم صار إلى ما ابتدئ عليه خلقه] [¬٢]، ومن ابتدأً خلقه على السعادة صار إلى ما ابتدئ خلقه عليه، وإن [¬٣] عمل بأعمال أهل الشقاء، كما أن السحرة عملوا [¬٤] بأعمال أهل الشقاء، ثم صاروا إلى ما ابتدئوا [¬٥] عليه.\nوقال السدي: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ فَرِيقًا هَدَى [وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ﴾ يقول: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾] [¬٦]: كما خلقناكم [¬٧] طريق مهتدون، وفريق ضلال، كذلك تعودون وتخرجون من بطون أمهاتكم.\nوقال على بن أبي طلحة (^٤٥)، عن ابن عباس قوله: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ﴾، قال: إن الله تعالى بدأ خلق ابن آدم مؤمنًا وكافرًا؛ كما قال: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ ثم يعيدهم يوم القيامة كما بدأهم مؤمنًا وكافرًا.\nقلت: ويتأيد هذا القول بحديث ابن مسعود في صحيح البُخاريّ (^٤٦): \" فوالذي لا إله غيره، إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنَّة حتَّى ما يكون بينه وبينها إلَّا باع أو ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتَّى ما يكون بينه وبينها إلَّا باع أو ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل الجنَّة فيدخل الجنة\".\nوقال أبو القاسم البغوي (^٤٧): حدّثنا على بن الجعد، حدّثنا أبو غسان [¬٨]، عن أبي حازم، عن\n_________\n(^٤٥) - أخرجه ابن جرير (١٢/ ١٤٤٧٨) وابن أبي حاتم (٥/ ٨٣٦٤) وابن المنذر؛ كما في \"الدر المنثور\" (٣/ ١٤٤).\n(^٤٦) - صحيح البُخاريّ كتاب: الخلق، باب: ذكر الملائكة … (٣٢٠٨) مغايرا في بعض الأحرف لسياق المصنف، ويذكره المصنف مطولًا عند [آية رقم ١٤/ من سورة المؤمنون] ويأتي تخريجه ثمة.\n(^٤٧) - صحيح ومن طريق أبي القاسم البغوي أخرجه أبو محمَّد البغوي في \"شرح السنة\" (١/ رقم ٨٠) =\n_________\n[¬١]- في ت: \"ما ابتدأ الله خلقه عليه\".\n[¬٢]- سقط من: خ، ز.\n[¬٣]- في ز \"فإن\".\n[¬٤]- في ز \"عملت\".\n[¬٥]- في ز \"ابتدءوا\".\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٧]- في خ، ز: \"خلقكم\".\n[¬٨]- بياض في: خ.","vol":"6","page":283},{"text":"سهل بن سعد، قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن العبد ليعمل فيما يرى النَّاس بعمل أهل الجنَّة، وإنه من أهل النَّار، وإنه ليعمل فيما يرى النَّاس بعمل أهل النَّار، وإنه من أهل الجنَّة، وإنما الأعمال بالخواتيم\".\nهذا قطعة من حديث رواه البُخاريّ: من حديث أبي غسان محمَّد بن مطرف المدني في قصَّة قزمان يوم أحد.\nوقال ابن جرير (^٤٨): حدثني ابن بشار، حدّثنا عبد الرحمن، حدّثنا سفيان، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: \"تبعث كل نفس على ما كانت عليه\".\nوهذا الحديث رواه مسلم وابن ماجة من غير وجه، عن الأعمش به، ولفظه: \"يبعث كل عبد على ما مات عليه\".\nقلت: ولابد من الجمع بين هذا القول إن كان هو المراد من الآية وبين قوله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾، وما جاء في الصحيحين (^٤٩): عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: \"كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه\". وفي صحيح مسلم (^٥٠): عن عياض بن حمار قال: قال رسول الله ﷺ: \"يقول الله تعالى: إنِّي خلقت عبادي حنفاء، فجاءتهم الشياطين، فاجتالتهم عن دينهم\" الحديث. ووجه الجمع على هذا أنَّه تعالى خلقهم؛ ليكون منهم مؤمن وكافر في ثاني الحال، وإن كان قد فطر الخلق كلهم على معرفته وتوحيده\n_________\n= وهو في \"المسند\" لابن الجعد (٢/ ٣٠٣٧) وأخرجه أحمد (٥/ ٣٣٥)، والبخاري، كتاب: الرقاق، باب: الاعمال بالخواتيم، وما يُخافُ منها (٦٤٩٣)، وكتاب: القدر، باب: العمل بالخواتيم (٦٦٠٧) من طرق عن أبي غسان به مطولًا، وأخرجه أحمد (٥/ ٣٣١) والبخاري كتاب: الجهاد، باب: لا يقول فلان شهيد (٢٨٩٨) - وانظر أطرافه ثمة - ومسلم، كتاب: الإيمان، باب: غلظ تحريم قتل الإنسان نفسه (١٧٩) (١١٢) من طرق عن أبي حازم مطولًا دون قوله: \"وإنما الأعمال بالخواتيم\".\n(^٤٨) - صحيح تفسير ابن جرير (١٢/ ١٤٤٨٩) وأخرجه مسلم، كتاب: الجنَّة وصفة نعيمها وأهلها، باب: الأمر بحسن الظن بالله تعالى عند الموت (٨٣) (٢٨٧٨) من طريق (جرير وسفيان) وأحمد (٣/ ٣٣١، ٣٦٦) من طريق سفيان كلاهما جرير سفيان عن الأعمش به بلفظ \"يبعث كل عبد على ما مات عليه\" وأخرجه ابن ماجة، كتاب: الزهد، باب: النيَّة (٤٢٣٠) من طريق شريك عن الأعمش به بلفظ \"يحشر النَّاس على نياتهم\" وشريك هو ابن عبد الله القاضي \"سيئ الحفظ\" وأخرجه أحمد (٣/ ٣١٤) ثنا أبو معاوية ثنا بعض أصحابنا عن الأعمش به ولفظه \"من مات على شيء بعثه الله عليه\".\n(^٤٩) - صحيح تقدم تخريجه [سورة الأنعام/ آية ٧٩].\n(^٥٠) - صحيح تقدم تخريجه [سورة الأنعام/ آية ٧٩].","vol":"6","page":284},{"text":"والعلم بأنه لا إله غيره، كما أخذ عليهم الميثاق بذلك، وجعله في غرائزهم وفطرهم، ومع هذا قدر أن منهم شقيا ومنهم سعيدًا ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾. وفي الحديث (^٥١): \" كل الناس يغدو، فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها\". وقدر الله نافذ في بريته، فإنَّه هو ﴿وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾، و﴿الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾. وفي الصحيحين (^٥٢): \" فأمَّا من كان منكم [¬١] من أهل السعادة فسييسر لعمل أهل السعادة، وأما [¬٢] من كان من أهل الشقاوة فسييسر لعمل أهل [¬٣] الشقاوة\". ولهذا قال تعالى: ﴿فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ﴾، ثم علل ذلك فقال: ﴿إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ [وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ] [¬٤]﴾.\nقال ابن جرير [¬٥]: وهذا من أبين الدلالة على خطأ من زعم: أن الله لا يعذب أحدًا على معصية ركبها، أو ضلالة اعتقدها إلَّا أن يأتيها بعد علم منه بصواب وجهها، فيركبها عنادًا منه لربه فيها؛ لأنَّ ذلك [¬٦] لو كان كذلك لم يكن بين فريق الضلالة الذي ضل وهو يحسب أنَّه هاد وفريق الهدى؛ فرق، وقد فرق الله تعالى بين أسمائهما وأحكامهما في هذه الآية.\n﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (٣١)﴾ هذه الآية الكريمة رد على المشركين فيما كانوا يعتمدونه من الطواف بالبيت عراة؛ كما رواه مسلم والنَّسائيُّ وابن جرير واللفظ له (^٥٣): من حديث شعبة، عن سلمة بن كهيل، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: كانوا يطوفون بالبيت عراة: الرجال والنساء، الرجال بالنهار، والنساء بالليل، وكانت المرأة تقول:\nاليوم يَبدُو بَعضُه أو كُلهُ … وَمَا بَدَا مِنْهُ فَلَا أُحِلُّهُ\nفقال تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾.\n_________\n(^٥١) - صحيح جزء من حديث تقدم تخريجه [سورة المائدة/ آية ٦] من حديث أبي مالك الأشعري.\n(^٥٢) - صحيح يأتي تخريجه [سورة الليل/ آية ٧] من حديث على بن أبي طالب.\n(^٥٣) - تفسير ابن جرير (١٢/ ١٤٥٠٤) وأخرجه أيضًا (١٢/ ١٤٥٠٣، ١٤٥٠٦) ومسلم، كتاب: التفسير، باب: في قوله تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ (٢٥) (٣٠٢٨) والنَّسائيُّ، كتاب: الحج، باب: قوله عز رجل ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ (٥/ ٢٣٣، ٢٣٤).\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- في ت: \"الآية\".\n[¬٥]- في تفسيره (١٢/ ٣٨٨).\n[¬٦]- سقط من: ت.","vol":"6","page":285},{"text":"وقال العوفي (^٥٤): عن ابن عباس في قوله: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ الآية، قال: كان رجال يطوفون بالبيت عراة، فأمرهم الله بالزينة، والزينة: اللباس وهو ما يواري السوأة، وما سوى ذلك من جيد البزِّ والمتاع، فأمروا أن يأخذوا زينتهم عند كل مسجد.\nوكذا قال مجاهد وعطاء وإبراهيم النَّخعيُّ وسعيد بن جبير وقتادة والسدي والضَّحَّاك [ومالك، عن الزُّهريّ] [¬١] وغير واحد من أئمة السلف في تفسيرها: إنَّها نزلت [¬٢] في طواف المشركين بالبيت عراة.\nوقد روى الحافظ ابن مردويه (^٥٥): من حديث سعيد بن بشير والأوزاعي، عن قتادة، عن أنس مرفوعًا: أنَّها أنزلت في الصَّلاة في النعال. ولكن في صحته نظر، والله أعلم.\nولهذه الآية وما ورد في معناها من السنة: يستحب التجمل عند الصَّلاة، ولاسيما يوم الجمعة ويوم العيد، والطيب؛ لأنَّه من الزينة، والسواك؛ لأنَّه من تمام ذلك، ومن أفضل اللباس [¬٣] البياض؛ كما قال الإِمام أحمد (^٥٦):\n_________\n(^٥٤) - أخرجه ابن جرير (١٢/ ١٤٥٠٨) وابن أبي حاتم (٥/ ٨٣٧٧) وابن مردويه كما في \"الدر المنثور\" (٣/ ١٤٥).\n(^٥٥) - إسناده ضعيف جدًا وعزاه لابن مردويه السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ١٤٦) - وأخرجه العقيلي في \"الضعفاء\" (٣/ ١٤٢، ١٤٣) - ومن طريقه ابن الجوزي في \"الموضوعات\" (٢/ ٩٥) - وابن حبان في \"المجروحين\" (٢/ ١٧٢) وتمام في \"فوائده\" (٥/ ١٣٣٩ - الروض البسام\" والسهمي في \"تاريخ جرجان\" (ص ٨٨) والخطيب البغدادي في \"تلخيص المتشابه\" (١/ رقم ٦١٨) وفي \"الجامع لأخلاق الراوى\" (١/ ٦١٤) من طريق عبادة بن جويرية عن الأوزاعي به، قال ابن الجوزي: \"هذا حديث لا يصح ولا يعرف إلَّا بعباد بن جويرية ولا يتابع عليه، قال أحمد - وعنه قاله البُخاريّ - كما في \"اللسان\" لابن حجر (٣/ ٢٧٧) و\"الكامل\" لابن عدي (٤/ ١٦٥٠) -: كذاب\" وقد تعقبه السيوطي في \"اللآلى المصنوعة\" (٢/ ١٧) وتابعه ابن عَراق في \"تنزيه الشريعة\" (٢/ ١٠١): بأن (عَباد بن جُويرية) لم ينفرد بروايته عن الأوزاعي بل تابعه (يَحْيَى بن عبد الله الدّمشقيُّ) أخرج هذه المتابعة الخطيب في \"تاريخ بغداد\" (١٤/ ٢٨٧) وابن عساكر في \"تاريخ دمشق (١٨/ ١٥٠/ مخطوط) من طريق يعقوب بن إسحاق الدعاء ثنا يَحْيَى بن عبد الله الدّمشقيُّ به، ويعقوب ذكره الخطيب، وشيخه ذكره ابن عساكر ولم يحكيا فيهما جرحًا ولا تعديلًا، لكن ذكر السيوطي وابن عراق له شواهد لا يصلح معها الحكم عليه بالوضع، وقال الشوكانى في \"الفوائد المجموعة\" (ص ٢٤) - \"وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة الثابتة عن أكثر من ثلاثين صحابيًّا في الصَّلاة في النِّعال ما لا يحتاج معه إلى أحاديث الكذابين\" وبالله التوفيق.\n(^٥٦) - إسناده جيد \"المسند\" (١/ ٢٤٧) وأخرجه أيضًا (١/ ٢٣١، ٢٧٤، ٣٢٨، ٣٥٥، ٣٦٣) =\n_________\n[¬١]- لم أهتد إليه من هذه الطريق، وإنما أخرجه ابن جرير (١٢/ ١٤٥٢٤) من طريق معمر عن الزهري.\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- في ز \"الثياب\".","vol":"6","page":286},{"text":"حدّثنا على بن عاصم، حدّثنا عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: \"البسوا من ثيابكم البياض، فإنَّها من خير ثيابكم، وكفنوا فيها موتاكم، وإن من خير أكحالكم الإثمد، فإنَّه يجلو البصر ويُنْبتُ الشعر\".\nهذا حديث جيد الإِسناد، رجاله على شرط مسلم، ورواه أبو داود والترمذي وابن ماجة: من حديث عبد الله بن عثمان بن خثيم به. وقال التِّرمذيُّ: حسن صحيح.\nوللإمام أحمد (^٥٧) أيضًا وأهل السنن [¬١] بإسناد جيد: عن سمرة بن جندب قال: قال رسول الله ﷺ: \"عليكم بثياب [¬٢] البياض فالبسوها، فإنها أطهر وأطيب، وكفنوا فيها موتاكم\".\nوروى الطّبرانيّ (^٥٨) بسند صحيح: عن قتادة، عن محمَّد بن سيرين: أن تميما الداري اشترى\n_________\n= وأبو داود، كتاب: الطب، باب: في الأمر بالكحل (٣٨٧٨)، كتاب: اللباس، باب: في البياض (٤٠٦١) والترمذي، كتاب: الجنائز، باب: ما يستحب من الأكفان (٩٩٤) والنسائي، كتاب: الزينة، باب: الكحل (٨/ ١٤٩، ١٥٠) - الشطر الثَّاني منه دون الأوَّل - وابن ماجة، كتاب: الجنائز، باب: ما جاء فيما يستحب من الكفن (١٤٧٢)، كتاب: اللباس، باب: البياض من الثياب (٣٥٦٦) وغيرهم من طرق عن عبد الله بن عثمان به مطولًا ومختصرًا وأعله النسائى فقال عقبه: \"عبد الله بن عثمان بن خثيم لين الحديث\" مع أنَّه وثقه في رواية، وكذا وثقة ابن معين في رواية، وقال أبو حاتم: \"ما به بأس صالح الحديث\" وتكلم فيه ابن المدينيّ وابن حبان وقد صحح حديثه هذا التِّرمذيُّ فقال عقبه: \"حديث حسن صحيح\" وكذا صحَّحه ابن حبان (١٢/ ٥٤٢٣) والحاكم على شرط مسلم (١/ ٣٥٤) ووافقه الذهبي وجود إسناده المصنف وهو أشبه.\n(^٥٧) - صحيح أخرجه أحمد (٥/ ١٠، ١٢ - وفي غير موضع) والترمذي، كتاب: الأدب، باب: ما جاء في لبس البياض (٢٨١١)، والنَّسائيُّ، كتاب: الجنائز، باب: أي الكفن خير (٤/ ٣٤)، كتاب: الزينة، باب: الاُمر بلبس البيض من الثياب (٨/ ٢٠٥) وابن ماجة، كتاب: اللباس، باب: البياض من الثياب (٣٥٦٧) وغيرهم وقال التِّرمذيُّ: \"حديث حسن صحيح\" وصححه الحاكم (٤/ ١٨٥) ووافقه الذهبي، وكذا صحح إسناده ابن حجر في \"الفتح\" (٣/ ١٣٥) وكذا الألباني في \"أحكام الجنائز\" (ص ٨٢).\n(^٥٨) - رجاد رجال الصَّحيح في \"المعجم الكبير\" (٢/ ١٢٤٨) وذكره الهيثمي في \"المجمع\" (٥/ ١٣٨) وقال: \"رواه الطّبرانيّ ورجاله رجال الصَّحيح\" لكن قتادة مدلس، ولم يصرح بالتحديث.\n_________\n[¬١]- كذا قال المصنف، ولم يخرجه أبو داود من بينهم كما قال ابن حجر في \"تلخيص الحبير\" (٢/ ٧٤) وكذا لم يعزه إلى أبي داود السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ١٤٧) وانظر \"تحفة الأشراف\" (٤/ ٨٠، ٨٤، ٨٦) و\"جامع المسانيد\" للمصنف (٥/ ٥٩٠، ٦٠٠)\n[¬٢]- في ز \"بالثياب\".","vol":"6","page":287},{"text":"رداء بألف، وكان [¬١] يصلِّي فيه.\nوقوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا [وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ] [¬٢]﴾، قال بعض السلف: جمع الله الطب كله في نصف آية ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾.\nوقال البُخاريّ (^٥٩): قال ابن عباس: كل ما شئت، والبس ما شئت، ما أخطأتك خصلتان: سرف ومخيلة.\nوقال ابن جرير (^٦٠): حدّثنا محمَّد بن عبد الأعلى، حدّثنا محمَّد بن ثور، عن معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس قال: أحل الله الأكل والشرب ما لم يكن سرفًا أو مخيلة. إسناده صحيح.\nوقال الإِمام أحمد (^٦١): حدّثنا بهز، حدّثنا همام، عن قتادة، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن رسول الله ﷺ قال: \"كلوا واشربوا، والبسوا وتصدقوا، في [¬٣] غير مخيلة ولا سَرَفٍ، فإن الله يُحِبُّ أن يرى نعمته على عبده\".\n_________\n(^٥٩) - إسناده صحيح صحيح البُخاريّ، فاتحة كتاب اللباس (١٠/ ٢٥٢ /فتح) معلقًا، ووصله ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٦/ ٣٦)، وابن حجر في \"تعليق التعليق\" (٥/ ٥٤) من طريق سفيان بن عيينة عن أبراهيم بن ميسرة عن طاوس عن ابن عباس به. وزاد نسبته ابن حجر في \"الفتح\" (١٠/ ٢٥٣) إلى الدينوي في \"المجالسة\"، والسيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ١٤٩) إلى عبد بن حميد، وانظر ما بعده.\n(^٦٠) - إسناده صحيح تفسير ابن جرير (١٢/ ١٤٥٢٩) وأخرجه عبد الرَّزاق في \"المصنف\" - كما في \"تعليق التعليق\" (٥/ ٥٤) و\"الفتح\" (١٠/ ٢٥٣، ٢٥٤) لابن حجر - عن معمر، به.\n(^٦١) - حسن: \"المسند\" (٢/ ١٨٢) (٦٧٠٨) وأخرجه أيضًا (٢/ ١٨١) (٦٦٩٥) والترمذي، كتاب: الأدب، باب: ما جاء أن الله تعالى يحب أن يرى أثر نعمته على عبده (٢٨٢٠) الجزء الأخير منه - والنَّسائيُّ، كتاب: الزكاة، باب: الاختيال في الصدقة، (٥/ ٧٩) وابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٦/ ٣٥، ٣٦) وعنه ابن ماجة، كتاب: اللباس، باب: البس ما شئت ما أخطأك سرف أو مخيلة (٣٦٠٥) وابن أبي الدُّنيا في \"الشكر\" (٥١) - ومن طريقه ابن حجر في \"تغليق التعليق\" (٥/ ٥٣) - وأخرجه ابن أبي الدُّنيا أيضًا في \"التواضع والخمول\" (١٥٧) والبيهقيّ في \"الشعب\" (٥/ ٦١٩٦) وابن مردويه كما في \"التغليق\" و\"الدر المنثور\" (٣/ ١٤٨) - من طرق عن همام به مطولًا ومختصرًا، وصححه الحاكم (٤/ ١٣٥) ووافقه الذهبي وقال التِّرمذيُّ: \"حديث حسن\" وهو أشبه للخلاف المعروف في رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وقد رواه الطيالسي في \"المسند\" (٢٢٦١) - ومن طريقه البيهقي (٥/ ٦١٩٦) وابن حجر في \"التغليق\" (٥/ ٥٢) - عن همام عن رجل عن عمرو بن شعيب به، ورواه تمام في \"الفوائد\" (٣/ ١٠٣٤ - الروض البسام) من طريق سعيد بن بشيرٍ عن قتادة عن عمرو بن شعيب به وهو في صحيح البُخاريّ معلقًا وقد تقدم تخريجه [سورة الأنعام/ آية رقم ١٤١].\n_________\n[¬١]- فى ز \"فكان\".\n[¬٢]- فى ت: \"الآية\".\n[¬٣]- سقط من: خ، ز.","vol":"6","page":288},{"text":"ورواه النَّسائيّ وابن ماجة: من حديث قتادة، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النَّبيِّ ﷺ قال: \"كلوا وتصدقوا والبسوا في غير إسراف ولا مخيلة\".\nوقال الإِمام أحمد (^٦٢): حدّثنا أبو المغيرة، حدّثنا سليمان بن سليم الكناني، حدّثنا يَحْيَى بن جابر الطَّائي [¬١]، سمعت المقدام بن معدي كرب الكندي قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"ما ملأ [ابن آدم] [¬٢] وعاء شرًّا من بطنه [¬٣]، حسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه، فإن كان فاعلًا لا محالة، فثلث لطعامه [¬٤] وثلث لشرابه [¬٥]، وثلث لنفسه\".\nورواه النَّسائيّ والترمذي من طرق، عن يَحْيَى بن جابر به. وقال التِّرمذيُّ: حسن. وفي نسخة: حسن صحيح.\nوقال الحافظ أبو يعلى الموصلي في مسنده (^٦٣): حدّثنا [سويد بن عبد العزيز] [¬٦]، حدّثنا بقية، عنٍ يوسف بن أبي كثير، عن نوح بن ذكوان، عن الحسن، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن من السرف أن تأكل كل ما اشتهيت\".\n_________\n(^٦٢) - صحيح \"المسند\" (٤/ ١٣٢) وأخرجه التِّرمذيُّ، كتاب: الزهد، باب: ما جاء في كراهية كثرة الأكل (٢٣٨١)، والنَّسائيُّ في الوليمة من \"الكبرى\" (٤/ ١٧٧، ١٧٨) وقال التِّرمذيُّ: \"حديث حسن صحيح\" وصححه ابن حبان (٢/ ٦٧٤)، واستدركه الحاكم على الشيخين (٤/ ١٢١) وسكت عنه في النسخة التى بين يديَّ، ونقل تصحيحه عنه الحافظ في \"الفتح\" (٩/ ٥٢٨) و(١٣/ ٢٤٨) - وكذا صحَّحه الذهبي في \"تلخيص المستدرك\" - وحسنه ابن حجر، وأعله أبو حاتم - كما في \"المراسيل\" لابنه (ص ٢٤٤) - بالإرسال بين يَحْيَى بن جابر والمقدام - وقد صرح يَحْيَى بن جابر بسماعه من المقدام كما في مسند أحمد هنا وانظر \"الإرواء\" للألباني (٧/ رقم ١٩٨٣)، وللحديث طريق آخر عن المقدام عند ابن ماجه (٣٣٤٩) لكن في إسناده جهالة، وطريق ثالث عند النسائي وابن حبان (١٢/ ٥٢٣٦) والبيهقيّ في \"الأدب\" (٧٠١) وفى إسناده صالح بن يَحْيَى بن المقدام وهو \"ليّن\" كما في \"التقريب\"، فالمعول على الإسناد الأوَّل، وقد صح ولله الحمد.\n(^٦٣) - موضوع \"المسند\" لأبي يعلى (٥/ ٢٧٦٥) وعن أبي يعلى ابن حبان في \"المجروحين\" (٣/ ٤٧) وأخرجه ابن ماجة، كتاب: الأطعمة، باب: من الإسراف أن تأكل كل ما اشتهيت (٣٣٥٢) وابن أبي الدُّنيا في \"كتاب الجوع\" (رقم ١٨١) وابن عدي في \"الكامل\" (٧/ ٢٥٠٨، ٢٥٠٩) والدارقطني في \"الأفراد\" - كما في \"اللآلئ المصنوعة\" للسيوطي (٢/ ٢٠٩) ومن طريقه المزي في \"تهذب الكمال\" (٣٠/ ٥٠) وكذا من طريقه وطريق غيره ابن الجوزي في \"الموضوعات\" (٣/ ٣٠) =\n_________\n[¬١]- في ز \"الطاري\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز \"آدمي\".\n[¬٣]- في ز \"بطن\".\n[¬٤]- في ز \"طعام\".\n[¬٥]- في ز \"شراب\".\n[¬٦]- في جميع النسخ: \"سويد بن عبد العزيز\" وهو خطأ صوابه: \"سويد بن سعيد\" كما في مسند أبي يعلى وكتب الرجال.","vol":"6","page":289},{"text":"ورواه الدارقطني في الأفراد، وقال: هذا حديث غريب، تفرد به بقية.\nوقال السدي: كان الذين يطوفون بالبيت عراة يحرمون عليهم الودك [¬١] ما أقاموا في الموسم، فقال الله تعالى لهم: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا [إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ] [¬٢]﴾، يقول: لا تسرفوا في التحريم.\nوقال مجاهد: أمرهم أن يأكلوا ويشربوا مما رزقهم الله.\nوقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: ﴿وَلَا تُسْرِفُوا﴾ يقول: ولا تأكلوا حرامًا، ذلك الإِسراف.\nوقال عطاء الخراساني (^٦٤): عن ابن عباس قوله: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ في الطعام والشَّراب.\nوقال ابن جرير [¬٣]: وقوله: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ يقول الله تعالى: إن الله لا يحب المتعدين [¬٤]، حدّه في حلال أو حرام، الغالين فيما أحل أو حرم، بإحلال الحرام أو بتحريم الحلال، ولكنه يحب أن يحلل ما أحل ويحرم ما حرم، وذلك العدل الذي أمر به.\n﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ\n_________\n=وأبو نعيم في \"الحلية\" (١٠/ ٢١٣) والبيهقيّ في \"الشعب\" (٥/ ١٤٦) كلهم من طريق سويد بن سعيد وغيره عن بقية به، ورواه سليمان بن عمر عن بقية ثنا شعبة عن يوسف بن أبي كثير به رواها البيهقي في \"الشعب\" وقال أبو نعيم: \"غريب من حديث الحسن عن أنس لا أعلم رواه عنه إلَّا نوح\" قلت: وهو المتهم به فقد قال البوصيري في \"الزوائد\": \"هذا إسناد ضعيف؛ لأنَّ نوح بن ذكران متَّفقٌ على تضعيفه، وقال الدميري: هذا الحديث مما أنكر عليه\" وهو كما قال فقد ذكر له ابن عدي هذا الحديث وغيره ثم قال: \"نوح بن ذكوان يروى عنه يوسف بن أبي كثير، وعن يوسف يرويه بقية وهذه الأحاديث عن الحسن عن أنس ليست بمحفوظة\" ولذلك كان من نصيب \"الضعيفة\" للعلامة الألباني (١/ رقم ٢٤١) وقد حكم عليه بالوضع لعلل أخرى فيه - انظرها إن شئت ثمة - وزاد نسبته السيوطي في \"اللآلئ\" إلى الخرائطي في \"اعتلال القلوب\" وفي \"الدر المنثور\" (٣/ ١٤٨) إلى ابن مردويه.\n(^٦٤) - أخرجه ابن جرير (١٢/ ١٤٥٣٠) وابن أبي حاتم (٥/ ٨٣٨٠) وعطاء الخراساني لم يسمع من ابن عباس.\n_________\n[¬١]- \" الودك\" دسم اللحم ودهنه الذي يستخرج منه. \"والموسم\" مجتمع النَّاس في أيَّام الحج.\n[¬٢]- في ت: \"الآية\".\n[¬٣]- في تفسيره (١٢/ ٣٩٥).\n[¬٤]- في ز \"المعتدين\".","vol":"6","page":290},{"text":"يَعْلَمُونَ (٣٢)﴾.\nيقول تعالى ردًّا على من حرم شيئًا من المآكل أو [¬١] المشارب أو [¬٢] الملابس، من تلقاء نفسه من غير شرع من الله: ﴿قُلْ﴾ يا محمد لهؤلاء المشركين الذين يحرمون ما يحرمون بآرائهم الفاسدة وابتداعهم ﴿مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ [وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا] [¬٣]﴾، أي: هي مخلوقة لمن آمن بالله، وعبده في الحياة الدُّنيا، وإن شركهم فيها الكفار حسًّا في الدُّنيا، فهي لهم خاصة يوم القيامة، لا يشركهم فيها أحد من الكفار، فإن الجنَّة محرمة على الكافرين.\nقال أبو القاسم الطّبرانيّ (^٦٥): حدّثنا أبو حصين محمَّد بن الحسين القاضي، حدّثنا يَحْيَى الحماني، حدّثنا يعقوب القمي، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: كانت قريش يطوفون بالبيت وهم عراة، يصفرون ويصفقون، فأنزل الله: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ﴾ فأمروا بالثياب.\n﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٣)﴾\nقال الإمام أحمد (^٦٦): حدّثنا أبو معاوية، حدّثنا الأعمش، عن شقيق، عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا أحد أغير من الله؛ [فلذلك حرم الفواحش ما ظهر\n_________\n(^٦٥) - إسناده ضعيف في \"المعجم الكبير\" (١٢/ ١٢٣٢٤) - وتحرف فيه محمَّد بن الحسين إلى محمَّد بن الحصين فليضبط انظر \"السير\" (١٣/ ٥٦٩) - وذكره الهيثمي في \"المجمع\" (٧/ ٢٦) وقال: \"رواه الطّبرانيّ وفيه يَحْيَى الحماني وهو ضعيف\".\n(^٦٦) - صحيح \"المسند\" (١/ ٣٨١) (٣٦١٦) وأخرجه أيضًا (١/ ٤٢٥) (٤٠٤٤) والبخاري، كتاب: النكاح، باب: الغَيرة (٥٢٢٠)، وك: التَّوحيد، باب: قول الله تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ (٧٤٠٣) ومسلم، كتاب: التوبة، باب: غيرة الله تعالى، وتحريم الفواحش (٣٢، ٣٣) (٢٧٦٠) والنَّسائيُّ في \"التفسير\" (٦/ ١١١٨٣) من طرق عن الأعمش به، وأخرجه أحمد (١/ ٤٣٦) (٤١٥٣) والبخاري، كتاب: النفسير، كتاب: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ (٤٦٣٤) وباب: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ (٤٦٣٧) ومسلم (٣٤) (٢٧٦٠) والترمذي، كتاب: الدعوات، باب: لا أحد أغير من الله (٣٥٢٠) والنَّسائيُّ في \"التفسير\" من \"الكبرى\" (٦/ ١١١٧٣) من طرق عن شعبة عن عمرو بن مرَّة عن شقيق أبي وائل، به.\n_________\n[¬١]- في ز \"و\".\n[¬٢]- في ز \"و\".\n[¬٣]- في ت: \"الآية\".","vol":"6","page":291},{"text":"منها وما بطن، ولا أحد أحب إله المدح من الله\"] [¬١] أخرجاه في الصحيحين: من حديث سليمان بن مهران الأعمش، عن [شقيق أبي وائل] [¬٢]، عن عبد الله بن مسعود به [¬٣]. وتقدم الكلام على ما يتعلق بالفواحش ما ظهر منها وما بطن في سورة الأنعام.\nوقوله: ﴿وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ قال السدي: أما الإثم فالمعصية، والبغي أن تبغي على النَّاس بغير الحق.\nوقال مجاهد: الإِثم: المعاصي كلها، وأخبر أن الباغي بغيه كائن على نفسه.\nوحاصل ما فسر [¬٤] به الإثم أنَّه الخطايا المتعلقة بالفاعل نفسه، والبغي هو التعدي إلى النَّاس، فحرم الله هذا وهذا.\nوقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾ أي: تجعلوا له شركاء [¬٥] في عبادته ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [] [¬٦] من الافتراء والكذب من دعوى أن له ولذا، ونحو ذلك مما لا علم لكم به؛ كقوله: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ [وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ] [¬٧]﴾.\n﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (٣٤) يَابَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٥) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٣٦)﴾\nيقول تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ﴾ أي [¬٨]: قرن وجيل ﴿أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ﴾ أي: ميقاتهم المقدر لهم ﴿لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً﴾ عن ذلك ﴿وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾.\nثم أنذر تعالى بني آدم بأنه [¬٩] سيبعث إليهم رسلًا يقصون عليهم آياته، وبشر وحذر، فقال: ﴿فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ﴾ أي: ترك المحرمات وفعل الطاعات ﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ\n_________\n[¬١]- سقط من: خ، ز.\n[¬٢]- في خ، ت: \"شقيق عن أبي وائل\".\n[¬٣]- سقط من: ت.\n[¬٤]- في ز \"فسرا\".\n[¬٥]- في ز \"شريكًا\".\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين في ز \"عليه\".\n[¬٧]- في ت: \"الآية\".\n[¬٨]- سقط من: ز.\n[¬٩]- في خ \"أنَّه\".","vol":"6","page":292},{"text":"وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا﴾ أي: كذبت بها قلوبهم، واستكبروا عن العمل بها ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ أي: ماكثون فيها مكثًا مخلدًا.\n﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُوا أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ (٣٧)﴾\nيقول: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ﴾ أي: لا أحد أظلم ممن افترى الكذب على الله أو كذب بآياته [¬١] المنزلة.\n﴿أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ﴾ اختلف المفسرون في معناه، فقال العوفي (^٦٧): [عن ابن عباس] [¬٢]: ينالهم ما كتب عليهم، وكتب لمن يفتري على الله أن وجهه مسَودٌ.\nوقال على بن أبي طلحة (^٦٨): عن ابن عباس يقول: نصيبهم من الأعمال، من عمل خيرًا جُزِي به، ومن عمل شرًّا جُزِي به.\nوقال مجاهد: ما وعدوا فيه من خير وشر.\nوكذا قال قَتَادَةُ والضَّحَّاك وغير واحد واختاره ابن جرير [¬٣].\nوقال محمَّد بن كعب القرظي: ﴿أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ﴾ قال: عمله ورزقه وعمره.\nوكذا قال الرَّبيع بن أنس وعبه الرحمن بن زيد بن أسلم.\nوهذا القول قوي في المعنى، والسياق يدل عليه، وهو قوله: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ﴾ ويصير [¬٤] المعنى في هذه الآية كما في قوله: ﴿قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ * مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾،\n_________\n(^٦٧) - أخرجه ابن جرير (١٢/ ١٤٥٨٨) والعوفي ضعيف.\n(^٦٨) - أخرجه ابن جرير (١٢/ ١٤٥٧٣) وابن أبي حاتم (٥/ ٨٤٣٨) وابن المنذر كما في \"الدر المنثور\" (٣/ ١٥٣).\n_________\n[¬١]- في ز \"بآيات الله\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٣]- في تفسيره (١٢/ ٤١٤).\n[¬٤]- في ت \"نظير\".","vol":"6","page":293},{"text":"وقوله: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَلَا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٢٣) نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ (٢٤)﴾.\nوقوله: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ [قَالُوا أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا] [¬١]﴾، يخبر تعالى أن الملائكة إذا توفت المشركين، تفزعهم عند الموت وقبض أرواحهم إلى النَّار، يقولون لهم: أين الذين كنتم تشركون بهم في الحياة الدُّنيا، وتدعونهم وتعبدونهم من دون الله، ادعوهم يخلصوكم مما أنتم فيه، قالوا: ﴿ضَلُّوا عَنَّا﴾ أي: ذهبوا عنا، فلا نرجو نفعهم ولا خيرهم ﴿وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ أي: أقروا واعترفوا على أنفسهم ﴿أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ﴾.\n﴿قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ (٣٨) وَقَالَتْ أُولَاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (٣٩)﴾\nيقول تعالى مخبرًا عما يقول لهؤلاء المشركين به، المفترين عليه، المكذبين بآياته: ﴿ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ﴾ أي: من أشكالكم وعلى صفاتكم ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ أي: من الأمم السالفة الكافرة.\n﴿مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ﴾ يحتمل أن يكون بدلًا من قوله: ﴿فِي أُمَمٍ﴾، ويحتمل أن يكون ﴿فِي أُمَمٍ﴾ أي: مع أمم.\nوقوله: ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾، كما قال الخليل ﵇: ﴿ثُمَّ يَوْمَ\nالْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا] [¬٢]﴾، وقوله تعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ (١٦٦) وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ (١٦٧)﴾.\nوقوله: ﴿حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا﴾ أي: اجتمعوا فيها كلهم ﴿قَالَتْ أُخْرَاهُمْ\n_________\n[¬١]- في ت: \"الآية\".\n[¬٢]- في ت: \"الآية\".","vol":"6","page":294},{"text":"لِأُولَاهُمْ﴾ أي: آخرهم دخولًا - وهم الأتباع لأولادهم وهم المتبوعون لأنهم أشد جرمًا من أتباعهم، فدخلوا قبلهم، فيشكوهم الأتباع إلى الله يوم القيامة؛ لأنهم هم الذين أضلوهم عن سواء السبيل، فيقولون: ﴿رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ﴾ أي: أضعف عليهم العقوبة؛ كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَالَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا (٦٦) وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا (٦٧) رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا (٦٨)﴾.\nوقوله: ﴿قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ أي: قد فعلنا ذلك، وجازينا كلا بحسبه؛ كقوله: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا [فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ] [¬١]﴾، وقوله: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾، وقوله: ﴿وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ [أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ] [¬٢]﴾.\n﴿وَقَالَتْ أُولَاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ﴾ أي: قال المتبوعون للأتباع ﴿فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ﴾ قال السدي: فقد ضللتم كما ضللنا.\n﴿فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ وهذا الحال كما أخبر الله [¬٣] تعالى عنهم في حال محشرهم في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ (٣١) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ (٣٢) وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٣٣)﴾\n﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ (٤٠) لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٤١)﴾\nقوله: ﴿لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ﴾ قيل: المراد لا يرفع لهم منها عمل صالح ولا دعاء.\nقاله مجاهد وسعيد بن جبير، ورواه العوفي وعليّ بن أبي طلحة: عن ابن عباس. وكذا رواه\n_________\n[¬١]- في ت: \"الآية\".\n[¬٢]- في ت: \"الآية\".\n[¬٣]- سقط من: ز.","vol":"6","page":295},{"text":"الثوري: عن ليث، عن عطاء، عن ابن عباس (^٦٩).\nوقيل: المراد لا تفتح لأرواحهم أبواب السماء.\nرواه الضَّحَّاك (^٧٠) عن ابن عباس، وقاله السدي وغير واحد، ويؤيده ما قال ابن جرير (^٧١):\nحدّثنا أبو كريب، حدّثنا أبو بكر بن عياش، عن الأعمش، عن المنهال - هو ابن عمرو -، عن زاذان، عن البراء: أن رسول الله، ﷺ، ذكر قبض روح الفاجر، وأنَّه يصعد بها إلى السماء، قال [¬١]: \"فيصعدون بها فلا يمرون [¬٢] على ملأ من الملائكة إلَّا قالوا: ما هذه الروح الخبيثة، فيقولون: فلان، بأقبح أسمائه التي كان يدعى بها في الدُّنيا، حتى ينتهوا [¬٣] بها إلى السماء، فيستفتحون بابها له، فلا يفتح له\". ثم قرأ رسول الله ﷺ: ﴿لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ [وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ] [¬٤]﴾.\nهكذا رواه، وهو قطعة من حديث طويل رواه أبو داود والنَّسائيُّ وابن ماجة من طرق: عن المنهال بن عمرو، به. وقد رواه الإِمام أحمد بطوله فقال (^٧٢):\nحدّثنا أبو معاوية، حدّثنا الأعمش، عن المنهال [¬٥] بن عمرو، عن زاذان، عن البراء بن عازب قال: خرجنا مع رسول الله، ﷺ، في جنازة رجل من الأنصار، فانتهينا إلى القبر ولما يُلحد، فجلس رسول الله، ﷺ، وجلسنا حوله كأن على رءوسنا المطر، وفي يده عود ينكت [¬٦] به في الأرض، فرفع رأسه فقال: \"استعيذوا بالله من عذاب\n_________\n(^٦٩) - أخرجه من طرقه الثلاثة ابن جرير (١٢/ ١٤٦٠٦، ١٤٦٠٧، ١٤٦٠٨) وابن أبي حاتم (٥/ ٨٤٦٠، ٨٤٦١، ٨٤٦٢) والرواية الأولى فيها عطية العوفي وهو ضعيف، والثانية فيها إرسال بين ابن عباس وعليّ بن أبي طلحة، والثالثة فيها ليث وهو ابن أبي سليم ضعيف لاختلاطه، وعطاء في هذه الطَّريق هو ابن أبي رباح.\n(^٧٠) - أخرجه ابن جرير (١٢/ ١٤٦٠٣) وابن أبي حاتم (٥/ ٨٤٥٩) وعبد بن حميد وأبو الشَّيخ - كما في \"الدر المنثور\" (٣/ ١٥٥) - والضَّحَّاك لم يلق ابن عباس كما في \"جامع التحصيل\" للعلائي (ص ٢٠٠) لكنَّه أفاد أن بينهما سعيد بن جبير.\n(^٧١) - صحيح تفسير ابن جرير (١٢/ ١٤٦١٤) وانظر ما بعده.\n(^٧٢) - صحيح وهو في \"المسند\" (٤/ ٢٨٧، ٢٨٨) وعنه ابنه عبد الله في \"السنة\" (٢/ رقم ١٤٣٨) وأخرجه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" كتاب: الجنائز، باب: في نفس المؤمن كيف تخرج ونفس الكافر =\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- في خ، ز: \"تمر\".\n[¬٣]- في ز \"ينتهى\".\n[¬٤]- في ت: \"الآية\".\n[¬٥]- في ز \"منهال\".\n[¬٦]- في ز \"يكنث\".","vol":"6","page":296},{"text":"القبر\" - مرتين أو ثلاثًا، ثم قال: \"إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال إلى [¬١] الآخرة، نزل إليه ملائكة من السماء، بيض الوجوه كأن وجوههم الشمس، معهم كفن من أكفان الجنة، وحنوط من حنوط الجنة، حتى يجلسوا منه مد البصر، ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه، فيقول: أيتها النفس المطمئنة، اخرجي إلى منفرة من الله ورضوان\".\nقال: \"فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من فيِّ السقاء، فيأخذها، فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين، حتى يأخذوها [¬٢] فيجعلوها في ذلك الكفن، وفي ذلك الحنوط، ويخرج منها كأطيب نفحة مسك وجدت على وجه الأرض، فيصعدون بها، فلا يمرون - يعني بها - على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذه [¬٣] الروح الطيبة [¬٤]؟ فيقولون: فلان بن فلان بأحسن أسمائه التي كانوا يسمونه بها في الدنيا، حتى ينتهوا به إلى السماء الدنيا، فيستفتحون له\n_________\n(٣/ ٢٥٦، ٢٥٧) - ومن طريقه الآجري فى \"الشريعة\" (٢ / رقم ٩١٩) - وهنَّاد فى \"الزهد\" (١/ رقم ٣٣٩) ومن طريقه أبو داود، كتاب: السنة، باب: في المسألة فى القبر، وعذاب القبر (٤٧٥٣) والآجري (٩٢٠) والبيهقي فى \"عذاب القبر\" (٢١) - والمروزي فى \"زوائد الزهد\" (١٢١٩) ومن طريقه الآجري أيضًا (٩٢١) - والحاكم (١/ ٣٧، ٣٨) والبيهقي فى \"الشعب\" (١/ ٣٩٥) كلهم من طريق أبى معاوية به، وقال الحاكم: \"ورواه سفيان بن سعيد - كما عند أحمد (٤/ ٢٩٧) - وشعبة بن الحجاج ورائدة بن قدامة - كما عند أحمد أيضًا (٤/ ٢٨٨) - وهم الأئمة الحفاظ عن الأعمش - \" ثم أخرج بإسناده هذه الطرق وقال: \"حديث صحيح على شرط الشيخين، فقد احتجا جميعًا بالمنهال بن عمرو وزاذان أبي عمر الكندي، وفي هذا الحديث فوائد كثيرة لأهل السنة وقمع للمبتدعة ولم يخرجاه بطوله\" وأقره الذهبى، قلت: ورواه أيضًا عن الأعمش، عبد الله بن نمير عند أحمد في \"المسند\" (٨/ ٢٨٨) - وعنه ابنه عبد الله فى \"السنة\" (٢ / رقم ١٤٣٩) - وأبي داود (٤٧٥٤) وابن أبي حاتم فى تفسير (٥/ ٨٤٦٥) - وجرير بن عبد الحميد عند أبي داود (٤٧٥٣) - ومن طريقه البيهقي في \"إثبات عذاب القبر\" (٢١) ومحمد بن فضيل عند الحاكم (١/ ٣٨)، وأبو عوانة عند الطيالسي (٧٥٣) والروياني في مسنده (١/ رقم ٣٩٢) وابن جرير فى \"التفسير\" (١٣/ ٢١٧) وقال البيهقي: \"هذا حديث كبير صحيح الإسناد رواه جماعة من الأئمة الثقات عن الأعمش\" وبنحوه قال في \"الشعب\" وأعله أبو حاتم بن حبان في صحيحه (٧/ ٣٨٧) فقال: \"خبر الأعمش عن المنهال بن عمروٍ، عن زاذان، عن البراء؛ سمعه الأعمش عن الحسن بن عمارة، عن المنهال بن عمروٍ، وزاذان لم يسمعه من البراء، فلذلك لم أخرجه\" وكذا أعله ابن حزم فقال: \"ولم يرو أحد في عذاب القبر أن الروح ترد إلى الجسد إلا المنهال بن عمروٍ، وليس بالقوي .... \" نقله ابن القيم فى \"تهذيب السنن\" (٧/ ١٣٩، ١٤٠) ثم قال: \"ولم أعلم أحدًا طعن في هذا الحديث إلا أبا حاتم البستي وابن حزم، ومجموع ما ذكراه ثلاث علل: إحداها: ضعف المنهال، والثانية: أن الأعمش لم يسمعه من المنهال، والثالثة: أن زاذان لم يسمعه من البراء، وهده علل واهية جدًّا … \" ثم شرع فى تفصيل الرد على هذه العلل، فأجاد فيه أيما إجادة - فارجع إليه إن شئت.\n_________\n[¬١]- في ت: \"من\".\n[¬٢]- في ز \"أخذوها\".\n[¬٣]- في ز \"هذا\"\n[¬٤]- في ز \"الطيب\".","vol":"6","page":297},{"text":"فيفتح له، فيشيعه من كل سماء مقربوها إلى السماء التي تليها، حتى يُنتهى بها إلى السماء السابعة، فيقول الله ﷿: اكتبوا كتاب عبدي في عليين، وأعيدوه إلى الأرض، فإني منها خلقتهم، وفيها أعيدهم، ومنها أخرجهم تارة أخرى\".\nقال: \"فتعاد روحه، فيأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له: من ربك؟ فيقول: ربي الله. فيقولان له: ما دينك؟ فيقِول: ديني الإسلام. فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هو رسول الله صلى الله علية وسلم، فيقولان له: وما علمك؟ فيقول: قرأت كتاب الله فآمنت به وصدقت. فينادي مناد من السماء: أن صدق عبدي فأفرشوه من الجنة، وألبسوه من الجنة، وافتحوا له بابًا إلى الجنة. فيأتيه من روحها وطِيبها، ويفسح له في قبره مد البصر [¬١].\nقال: \"ويأتيه رجل حسن الوجه، حسن الثياب، طيب الريح، فيقول: أبشر بالذي يسرك، هذا يومك الذي كنت توعد. فيقول له: من أنت فوجهك الوجه [¬٢] يجيء بالخير؟ فيقول: أنا عملك الصالح. فيقول: رب أقم الساعة، رب أقم الساعة حتى أرجع إلى أهلي ومالي.\nقال: \"وإن العبد الكافر إذا كان في انْقطاع من الدنيا، وإقبال من الآخرة، نزل إليه من السماء ملائكة سود الوجوه معهم المسوح، فيجلسون منه مد البصر، ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه، فيقول: أيتها [¬٣] النفس الخبيثة، اخرجي إلى سخط من الله وغضب. قال: فتفرق [¬٤]، في جسده، فينتزبها كما ينتزع السفود من الصوف المبلول، فيأخذها، فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين، حتى يجعلوها في تلك المسوح، ويخرج منها كأنتن ريح جيفة وجدت على وجه الأرض، فيصعدون بها فلا يمرون بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذه [¬٥]، الووح الخبيثة [¬٦]؟ فيقولون: فلان بن فلان. بأقبح أسمائه التى كان يسمى بها في الدنيا، [حتى ينتهى به إلى السماء الدنيا] [¬٧]، فيستفتح له، فلا يفتح [] [¬٨]، ثم قرأ رسول الله ﷺ: ﴿لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ فيقول الله ﷿: اكتبوا كتابة في سجين في الأرض السفلى. فتطرح روحه طرحًا. ثم قرأ: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾، فتعاد روحه في جسده، ويأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له: من ربك؟ فيقول: هاه هاه لا أدري. فيقولان: ما دينك؟ فيقول:\n_________\n[¬١]- فى ز \"بصره\".\n[¬٢]- فى ز \"اليوم\".\n[¬٣]- فى ز \"أيها\".\n[¬٤]- في ز \"فيفرق\".\n[¬٥]- فى ز \"هذا\".\n[¬٦]- فى ز \"الخبيث\".\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٨]- فى ز: له.","vol":"6","page":298},{"text":"هاه هاه لا أدرى. فيقولان: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هاه هاه لا أدري. فينادي مناد من السماء: أن كذب عبدي [¬١]، فافرشوه من النار، وافتحوا له بابًا إلى [¬٢] النار، فيأتيه من حرها وسمومها، ويضيق علية قبره حتى تختلف فيه أضلاعه، ويأتيه رجل، قبيح الوجه قبيح الثياب، منتن الريح، فيقول: أبشر بالذي يسوؤك، هذا يومك الذي كنت توعد. فيقول: من أنت؟ فوجهك الوجه يجيء بالشر، فيقول: أنا عملك الخبيث. فيقول: رب لا تقم الساعة\".\nوقال الإمام [¬٣] أحمد أيضًا (^٧٣): حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن يونس بن خباب، عن المنهال بن عمرو، عن زاذان، عن البراء بن عازب قال: خرجنا مع رسول الله، ﷺ، إلى جنازة … فذكر نحوه.\nوفيه: \"حتى إذا خرج روحه صلى عليه كل ملك بين السماء والأرض، وكل ملك في السماء، وفتحت له أبواب السماء، ليس من أهل باب إلا وهم يدعون الله ﷿: أن يرج بروحه من قبلهم\".\nوفي آخره: \"ثم يقيض له أعمى أصم أبكم، في يده مرزبة، لو ضرب بها جبل كان ترابًا، فيضربه ضربة فيصير ترابًا، ثم يعيده الله ﷿ كما كان، فيضربه ضربة أخرى،\n_________\n(^٧٣) - \" المسند\" (٤/ ٢٩٥، ٢٩٦) وعنه ابنه عبد الله في \"السنة\" (٢/ ١٤٤٢) ومن طريقه الحاكم (١/ ٣٩) - وهو في \"المصنف\" لعبد الرزاق (٣/ رقم ٦٧٣٧) وأخرجه عبد الله بن أحمد في \"زوائد المسند\" (٤/ ٢٩٦) وفي \"السنة\" (٢/ ١٤٤١) وابن ماجه في \"السنن\"، كتاب: الجنائز، باب: ما جاء في الجلوس في المقابر (١٥٤٨) من طريق حماد بن زيد - وسماه ابن القيم في \"تهذيب السنن\" (٧/ ١٤٠) حماد بن سلمة فأخشى أن يكون وهمًا والله أعلم - عن يونس بن خباب بهذا الإسناد ويونس بن خباب \"صدوق يخطئ\" كما في \"التقريب\" وقد رواه الحاكم (١/ ٣٩) من طريق شعيب بن صفران ثنا يونس بن خباب به غير أنه زاد بين زاذان والبراء: \"أبا البختري الطائي\" قال الحاكم: \"ذكْر أبي البختري في هذا الحديث وهم من شعيب بن صفوان لإجماع الأئمة الثقات على روايته عن يونس بن خباب عن المنهال بن عمرو، عن زاذان أنه سمع البراء … ثم قال: هذا هو الصحيح المحفوظ من حديث يونس بن خباب، وهكذا رواه أبو خالد الدالاني، وعمرو بن قيس الملائي، والحسن بن عبيد الله النخعى، عن المنهال بن عمرو\" ثم شرع في إخراج هذه الطرق وطريق عمرو بن قيس أخرجها النسائي (٤/ ٧٨) وابن ماجة (١٥٤٩) وتابعهم أيضًا محمد بن سلمة عن المنهال به أخبرجه عبد الله بن أحمد في \"السنة\" (٢/ ١٤٤٤) لكن في إسناده ضعف وقد صح من طريق الأعمش ولله الحمد، ورواه عدي بن ثابت عن البراء به أخرجه البيهقي في \"الشعب\" (١/ ٣٩٦) وابن منده - كما قال ابن القيم في \"تهذيب السنن\" (٧/ ١٤١).\n_________\n[¬١] سقط من: ز.\n[¬٢]- في ز \"من\".\n[¬٣] سقط من: ز.","vol":"6","page":299},{"text":"فيصيح صيحة يسمعها كل شيء إلا الثقلين\". قال البراء: ثم يفتح له باب من النار، ويمهد له من فرش النار.\nوفي الحديث الذي رواه الإمام أحمد والنسائي وابن ماجة وابن جرير - واللفظ له (^٧٤) -: من حديث محمد بن عمرو بن عطَاء، عن سعيد بن يسار، عن أبي هريرة أن رسول الله، ﷺ، قال: \"الميت تحضره الملائكة، فإذا كان الرجل الصالح، قالوا: اخرجي أيتها النفس الطيبة [¬١]، كانت في الجسد الطيب، اخرجي حميدة، وابشري بروح وريحان، ورب غير غضبان [¬٢]. فيقولون ذلك حتى يعرج بها إلى السماء، فيستفتح لها، فيقال: من هذا؟ فيقولون: فلان. فيقال: مرحبًا بالنفس الطيبة التي كانت في الجسد الطيب، ادخلي حميدة، وأبشري بروح وريحان، ورب غير غضبان. فيقال [¬٣] لها ذلك حتى يُنتهى بها إلى السماء التي فيها الله ﷿، وإذا كان الرجل السوء قالوا: اخرجي أيتها النفس الخبيثة، كانت في الجسد الخبيث، اخرجي ذميمة، وأبشري بحميم وغساق، وآخر من من شكله أزواج، فيقولون ذنك حتى تخوج، ثم يعرج بها إلى السماء، فيستفتح لها، فيقال: من هذا، فيقولون: فلان. فيقولون: لا مرحبًا بالنفس الخبيثة، التي [¬٤] كانت في الجسد الخبيث، ارجعى ذميمة، فإنه لم تفتح [¬٥] لك أبواب السماء، كرسل بين السماء والأرض: فتصير إلى القبر\".\nوقد قال ابن جريج في قوله: ﴿لا تفتح لهم أبواب السماء﴾ قال [¬٦]: لا تفتح لأعمالهم ولا لأرواحهم.\nوهذا فيه جمع بين القولين، والله أعلم.\nوقوله تعالى: ﴿ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط﴾ هكذا قرأه [¬٧] الجمهور، وفسروه: بأنه البعير.\nقال ابن مسعود (^٧٥): هو الجمل ابن الناقة. وفي رواية: زوج الناقة.\n_________\n(^٧٤) - صحيح تفسير ابن جرير (١٢/ ١٤٦١٥) وقد تقدم تخريجه [سورة الأنعام/ آية ٦٢].\n(^٧٥) - أخرجه سعيد بن منصور - كما في \"الدر المنثور\" (٣/ ١٥٧) - ومن طريقه الطبراني في \"الكبير\" (٩/ ٨٦٩١) - وعبد الرزاق في تفسيره (٢/ ٢٢٩) وابن جرير (١٢/ ٤٢٨) من طريق\n_________\n[¬١] في خ، ز: \"المطمئنة\" والمثبت من تفسير ابن جرير.\n[¬٢] بعده في خ، ز: \"قال: فيقال: من هذا\".\n[¬٣] في ز \"فيقول\".\n[¬٤]- سقط من: ز.\n[¬٥] في ز \"يفتح\".\n[¬٦]- زيادة من: ز.\n[¬٧] في خ، ز: \"فسره\".","vol":"6","page":300},{"text":"وقال الحسن البصري: حتى يدخل البعير في خرق [¬١] الإِبرة.\nوكذا قال أبو العالية والضحاك، وكذا روى على بن أبي طلحة والعوفي: عن ابن عباس.\nوقال مجاهد وعكرمة، عن ابن عباس: إنه كان يقرؤها: (يلج الجُمّل في سم الخياط) بضم الجيم وتشديد الميم، يعني: الحبل الغليظ في خرم الإِبرة.\nوهذا اختيار سعيد بن جبير، و[¬٢] في رواية: أ نه قرأ (حتى يلج الجُمّلُ) يعني قلوس السفن، وهي الحبال الغلاظ.\nوقوله: ﴿لهم من جهنم مهاد﴾ [قال محمد بن كعب القرظي: ﴿لهم من جهنم مهاد﴾] [¬٣] قال: الفريق ﴿ومن فوقهم غواش﴾ قال: اللحف.\nوكذا قال الضحاك بن مزاحم والسدي، ﴿وكذلك نجزي الظالمين﴾.\n﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٤٢) وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٤٣)﴾\nلما ذكر تعالى حال [¬٤] الأشقياء عطف بذكر حال السعداء، فقال: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ أي: آمنت قلوبهم، وعملوا الصالحات بجوارحهم، ضد أولئك الذين كفروا\n_________\n= إبراهيم النخعي عن عبد الله بن مسعود به، وأخرجه سعيد بن منصور ومن طريقه الطبراني أيضًا (٩/ ٨٦٩٢) عن عمرو بن ثابت عن أبيه عن سعيد بن جبير عن ابن مسعود به، وعمرو بن ثابت ضعيف رُمي بالرفض - كما في \"التقريب\" - والأثر ذكره الهيثمي في \"المجمع\" (٧/ ٢٦) وقال: \"رواه الطبراني من طريقين ورجال أحدهما رجال الصحيح إلا أن إبراهيم النخعي لم يدرك ابن مسعود، والأخرى ضعيفة\"، وزاد نسبته السيوطي في \"الدر المنثور\" إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وأبي الشيخ.\n_________\n[¬١]- وفي تفسير ابن جرير (١٢/ ٤٢٩): \"خُرت الإبرة\" وقال محققه: \"خرت الأبرة\" (بضم الخاء أو فتحها أو سكون الراء): هو ثقبها وأشار إلى تصويب لفظة \"خرق\" التي هنا.\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٤]- في ز \"مآل\".","vol":"6","page":301},{"text":"بآيات الله واستكبروا عنها.\nوينبه تعالى على أن الإيمان والعمل به سهل؛ لأنه تعالى قال [¬١]: ﴿لَا نُكَلِّفُ [¬٢] نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٤٢) وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ﴾ أي: من حسد وبغض [¬٣]؛ كما جاء في صحيح البخاري (^٧٦): من حديث قتادة، عن أبي المتوكل الناجي، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: [\"إذا خلص المؤمنون من النار] [¬٤]، حبسوا على قنطرة بين الجنة والنار، فاقتُصَّ لهم مظالم كانت بينهم في الدنيا، حتى إذا هُذِّبوا ونُقُّوُا، أذِنَ لهم في دخول الجنة، فوالذي نفسي بيده، إن أحدهم بمنزله في الجنة أدل منه بمسكنه كان في الدنيا\".\nوقال السدي في قوله: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ﴾ الآية: إن أهل الجنة إذا سيقوا إلى الجنة فبلغوا [¬٥]، وجدوا عند بابها شجرة في أصل ساقها عينان، فشربوا من إحداهما، فينزع ما في صدورهم من غل، فهو الشراب الطهور، واغتسلوا من الأخرى، فجرت عليهم نضرة النعيم، فلم يشعثوا، ولم يشحبوا بعدها أبدًا. وقد روى أبو إسحاق (^٧٧): [عن عاصم] [¬٦]، عن أمير المؤمنين على بن أبي طالب نحوا من هذا؛ كما سيأتي في قوله تعالى: ﴿وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرًا﴾ إن شاء الله، وبه الثقة وعليه التكلان.\nوقال قتادة: قال علي ﵁: إني لأرجو أن أ كون أنا وعثمان وطلحة والزبير من الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿ونزعنا ما في صدورهم من غل﴾. رواه ابن جرير (^٧٨).\nوقال عبد الرزاق (^٧٩): أخبرنا ابن عيينة، عن إسرائيل، قال: سمعت الحسن يقول: قال على: فينا واللَّه أهل بدر نزلت: ﴿ونزعنا ما في صدورهم من غل﴾.\n_________\n(^٧٦) - صحيح البخاري كتاب: المظالم، باب: قصاص الظالم (٢٤٤٠) وأخرجه أحمد (٣/ ١٣) ووقع فيه \"عن أبي الصديق الناجي عن أبي سعيد به\" وجاء على الصواب في (٣/ ١٢، ٥٧، ٦٣، ٧٤).\n(^٧٧) - يأتي تخريجه [سورة الزمر/ آية ٧٤].\n(^٧٨) - تفسير ابن جرير (١٢/ ١٤٦٦٢) هن طريق محمد بن ثور عن معمر عن قتادة، به وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٢/ ٢٢٩) - ومن طريقه ابن أبي حاتم (٥/ ٨٤٦٧) - عن معمر عن قتادة به، وفيه انقطاع بين قتادة وعلى بن أبي طالب.\n(^٧٩) - إسناده منقطع بين الحسن - وهو البصرى - وعلى بن أبي طالب=\n_________\n[¬١] سقط من: ز.\n[¬٢] فى ز \"يكلف\".\n[¬٣] في ز \"وبغضاء\".\n[¬٤] سقط من: خ، ز.\n[¬٥] سقط من: خ، ز\n[¬٦] ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.","vol":"6","page":302},{"text":"وروى النسائي وابن مردويه - واللفظ له (^٨٠) -: من حديث أبي بكر بن عياش، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"كل أهل الجنة يرى مقعده من النار، فيقول: لولا أن الله هداني، فيكون له شكرًا، وكل أهل النار يرى مقعده من الجنة، فيقول: لو أن الله هداني، فيكون له حسرة\".\nولهذا لما أورثوا مقاعد أهل النار من الجنة نودوا: ﴿أن تلكم الجنة [¬١] أورثتموها بما كنتم تعملون﴾، أي: بسبب أعمالكم [نالتكم الرحمة، فدخلتم الجنة، وتبوّأتم منازلكم بحسب أعمالكم] [¬٢]. وإنما وجب الحمل على هذا؛ لما ثبت فى الصحيحين (^٨١) عن رسول الله ﷺ [أنه قال] [¬٣]: \"واعلموا أن أحدكم لن يدخله عمله الجنة\". قالوا: ولا أنت يا رسول الله. قال: \"ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل\".\n﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ\n_________\n= \"التفسير\" لعبد الرزاق (٢/ ٢٢٩) ومن طريقه ابن جرير (١٢/ ١٤٦٦١) وابن أبى حاتم (٥/ ٨٤٦٦)، وأخرجه ابن جرير (١٢/ ١٤٦٦٠) من طريق ابن المبارك عن ابن عيينة به، وزاد نسبته السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ١٥٨) إلى ابن النذر وأبي الشيخ وفي (٤/ ١٨٨) إلى سعيد بن منصور وابن مردويه.\n(^٨٠) - صحيح أخرجه النسائي في \"التفسير\" من \"الكبرى\" (٦/ ١١٤٥٤) وأحمد في \"المسند\" (٢/ ٥١٢) وابن الي الدنيا في \"صفة النار\" (٢٥٨) وابن أبى حاتم - ذكره الصنف من طريقه عند [آية رقم ٧٢/ من سورة الزخرف]-، والحاكم في \"المستدرك\" (٢/ ٢٣٥، ٢٣٦) وعنه البيهقي في \"البعث والنشور\" (٢٤٣) كلهم من حديث أبي بكر بن عياش به، وصححه الحماكم على شرط الشيخين ووافقه الذهبى، وذكره الهيثمي في \"المجمع\" (١٠/ ٤٠٢) وعزاه إلى أحمد وقال: \"رجاله رجال الصحيح\" ورواه ابن جرير في تفسيره (١٢/ ١٤٦٦٥) والخطيب فى \"تاريخ بغداد\" (٥/ ٢٤) من طريق محمد بن يزيد أبي هاشم الرفاعي ثنا أبو بكر بن عياش به غير أنه جعل صحابيَّهُ أبا سعيد الخدري وهو وهم من أبي هاشم الرفاعي حيث خالف الثقات فيه مع ضعفه، وفد قال فيه أبو حاتم ابن حبان: \"يخطئ ويخالف\" وفي \"التقريب\": \"ليس بالقوي … \" والحديث عزاه السيوطى في \"الدر المنثور\" (٣/ ١٥٨) إلى ابن مردويه ورواه البخاري في صحيحه (٦٥٦٩) من طريق أبيّ الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة مرفوعًا بلفظ \"لا يدخل أحد الجنة إلا أُرِىَ مقعَدَه من النار لو أساء، ليزدادَ شكرًا، ولا يدخل النار أحدٌ إلا أُري مقعده من الجنة لو أحسن، ليكون عليه حسرة\".\n(^٨١) - أخرجه البخاري، كتاب: الرقاق، باب: القصد والمداومة على العمل (٦٤٦٣)، ومسلم، كتاب: صفات المنافقين وأحكامهم، باب: لن يدخل أحدٌ الجنة بعمله، بل برحمة الله تعالى (٢٨١٦) من حديث أبي هريرة وفي الباب عن عائشة عند البخاري (٦٤٦٤) ومسلم (٧٨) (٢٨١٨) أيضًا.\n_________\n[¬١] زيادة من: ز.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٣] ما بين المعكوفتين سقط من: ز.","vol":"6","page":303},{"text":"﴿رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (٤٤) الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كَافِرُونَ﴾\nيخبر تعالى بما يخاطب به [¬١] أهل الجنة أهل النار وذلك [¬٢] على وجه التقريع والتوبيخ إذا استقروا في منازلهم ﴿أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقًّا﴾ ﴿أن﴾ هاهنا مفسرة للقول المحذوف، و﴿قد﴾ للتحقيق، أي: قالوا لهم: قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقًا، فهل وجدتم ما وعدكم [¬٣] ربكم حقا؟ قالوا: نعم. كما أخبر تعالى في سورة الصافات عن الذي كان له قرين من الكفار: ﴿فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ (٥٥) قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ (٥٦) وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (٥٧) أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ (٥٨) إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ أي: ينكر عليه مقالته التي يقولها في الدنيا، ويقرعه بما صار إليه من العذاب والنكال، وكذلك [¬٤] تقرعهم [¬٥] الملائكة يقولون لهم: ﴿هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (١٤) أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ (١٥) اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، وكذلك قرع رسول الله، ﵌، قتلى القليب يوم بدر، فنادى: \"يا أبا جهل بن هشام، ويا عتبة بن ربيعة، ويا شيبة بن ربيعة - وسمى رءوسهم -: هل وجدتم ما ومحمد ربكم حقًّا؟ فإني وجدت ما وعدني ربي حقًّا\". وقال عزَّ: يا رسول الله، تخاطب قومًا قد جيفوا! فقال: \"والذي نفسي يده، ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، ولكن لا يستطيعون أن يجيبوا\" (^٨٢).\nوقوله تعالى: ﴿فأذن مؤذن بينهم﴾ أي: أعلم معلم، ونادى مناد: ﴿أن لعنة الله على الظالمين﴾ أي: مستقرة عليهم.\nثم وصفهم بقوله: ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ أي: يصدّون الناس عن اتباع سبيل الله وشرعه، وما جاءت به الأنبياء، ويبغون أن تكون السبيل [¬٦] معوجة غير مستقيمة، حتى لا يتبعها أحد، ﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كَافِرُونَ﴾ أي: وهم بلقاء الله في الدار\n_________\n(^٨٢) - أخرجه أحمد في \"المسند\" (٣/ ١٠٤، ١٨٢، ومواضع أخر) ومسلم، كتاب: الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب: عرض مقعد الميت من الجنة أو النار عليه، وإثبات عذاب القبر والتعوذ منه (٧٧) (٢٨٧٤) من حديث أنس بن مالك وبنحوه أخرجه أحمد (٤/ ٢٩) والبخاري، كتاب: المغازي (حديث رقم ٣٩٧٦) وكذا مسلم (٧٨) (٢٨٧٥) من حديث أبي طلحة.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- سقط من: ت.\n[¬٣]- في ز \"وعد\".\n[¬٤] في ز \"كذا\".\n[¬٥]- سقط من: خ، وفي ز \"يقرعهم\".\n[¬٦] فى ز \"السبل\".","vol":"6","page":304},{"text":"الآخرة كافرون، أي: جاحدون مكذبون بذلك، لا يصدقونه ولا يؤمنون به، فلهذا لا يبالون بما [¬١] يأتون من منكر من القول والعمل؛ لأنهم لا يخافون حسابًا عليه ولا عقابًا، فهم شر الناس أقوالًا وأعمالًا.\n﴿وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ (٤٦) وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٤٧)﴾\nلما ذكر تعالى مخاطبة أهل الجنة مع أهل النار، نبه أن بين الجنة والنار حجابًا [¬٢]، وهو الحاجز المانع من وصول أهل النار إلى الجنة.\nقال ابن جرير [¬٣]: وهو السور الذي قال الله تعالى: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ وهو الأعراف، الذي قال اللَّه تعالى: ﴿وعلى الأعراف رجال﴾ ثم روى بإسناده عن السدي أنه قال في قوله تعالى: ﴿وبينهما حجاب﴾: وهو السور، وهو [¬٤]، الأعراف.\nوقال مجاهد: الأعراف حجاب بين الجنة والنار، سور له باب.\nقال ابن جرير (^٨٣): والأعراف جمع عُرْف، وكل مرتفع من الأرض عند العرب يسمى عُرْفًا، وإنما قبل لعرف الديك عرفًا لارتفاعه.\nوحدثنا سفيان بن وكيع، حدثنا ابن عيينة، عن عبيد [¬٥] الله بن أبي يزيد، سمع ابن عباس يقول: [الأعراف هو الشيء الشرف.\n_________\n(^٨٣) - تفسير ابن جرير (١٢/ ١٤٦٧٣) ورجاله ثقات رجال الشيخين غير سفيان بن وكيع ضعيف، لكنه توبع فأخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٢/ ٢٢٩، ٢٣٠) وعنه السنن جرير أيضًا (١٢/ ٤٦٧٤) - عن ابن عيينة به، وأخرجه ابن المبارك في \"الزهد\" (١٣٦٩) وابن أبي حاتم في تفسيره (٥/ ٨٤٩٣) والبيهقي في \"البعث والنشور\" (٩٩) من طرق عن سفيان به، وزاد نسبته السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ١٦٠) إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن أبي شيبة وابن المنذر وأبي الشيخ.\n_________\n[¬١] في ز \"ما\".\n[¬٢]- فى ز \"حجاب\".\n[¬٣]- في تفسيره (١٢/ ٤٤٩).\n[¬٤]- بعده فى خ، ز: \"على\".\n[¬٥] فى ز \"عبد\".","vol":"6","page":305},{"text":"وقال الثوري (^٨٤)، عن جابر، عن مجاهد، عن ابن عباس قال] [¬١]: الأعراف سور كعرف الديك.\nوفي رواية (^٨٥) عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه، الأعراف: تَلُّ بين الجنة والنار، حُبس عليه ناس من أهل الذنوب بين الجنة والنار. وفي رواية عنه (^٨٦): هو سور بين الجنة والنار: وكذا قال الضحاك وغير واحد من علماء التفسير.\nوقال السدي: إنما سمي الأعراف أعرافًا؛ لأن أصحابه يعرفون الناس.\nواختلفت عبارات المفسرين في أصحاب الأعراف من هم؟ وكلها قريبة ترجع إلى معنى واحد؛ وهو أنهم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم. نص عليه حذيفة وابن عباس وابن مسعود وغير واحد من السلف والخلف ﵏، وقد جاء في حديث مرفوع رواه الحافظ أبو بكر بن مردويه (^٨٧):\nحدثنا عبد الله بن إسماعيل، حدثنا عبيد بن الحسين، حدثنا سليمان بن داود، حدثنا [¬٢] النعمان بن عبد السلام، حدثنا شيخ لنا يقال له: أبو عباد، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر بن عبد الله قال: سئل رسول الله ﷺ عمن استوت حسناته وسيئاته؟ فقال: \"أولئك أصحاب الأعراف لم يدخلوها وهم يطمعون\".\nوهذا حديث غريب من هذا الوجه.\nورواه من وجه آخر (^٨٨) عن سعيد بن سلمة بن أبي الحسام، عن محمد بن المنكدر، عن رجل\n_________\n(^٨٤) - أخرجه هَنَّاد في \"الزهد\" (١/ رقم ٢٠٤) وابن جرير (١٢/ ١٤٦٧٥، ١٤٦٧٦) من طريقين عن سفيان الثوري به وأخرجه ابن جرير أيضًا (١٢/ ١٤٦٨) وابن أبي حاتم (٥/ ٨٤٩١) من طريق إسرائيل عن جابر به، وجابر هو ابن يزيد الجعفي \"ضعيف\" والأثر زاد نسبته السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ١٦٠) إلى الفريابي وعبد بن حميد وأبي الشيخ.\n(^٨٥) - أخرجه ابن جرير (١٢/ ١٤٦٧٧) من طريق عبيد الله بن أبي يزيد أنه سمع ابن عباس يقول: … فذكره.\n(^٨٦) - يأتي تخريجها برقم (٩٤).\n(^٨٧) - إسناده ضعيف جدًا وعزاه لابن مردويه السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ١٦٢) وزاد عزوه إلى أبي الشيخ وابن عساكر - وفي إسناده جهالة شيخ النعمان بن عبد السلام، وسليمان بن داود هو الشاذكوني متهم بالكذب.\n(^٨٨) - وعزاه لابن مردويه من هذا الوجه السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ١٦٤) وزاد عزوه إلى أبي الشيخ=\n_________\n[¬١]- سقط من: خ، ز.\n[¬٢]- في ز \"بن\".","vol":"6","page":306},{"text":"من مزينة قال: سئل رسول الله ﷺ عن [أصحاب الأعراف] [¬١]؟ فقال: \"إنهم قوم خرجوا عصاة بغير إذن آبائهم، فقتلوا في سبيل الله\".\nوقال سعيد بن منصور (^٨٩): حدثنا أبو معشر، حدثنا يحيى بن شبل، عن يحيى بن عبد الرحمن المزني، عن أبيه قال: سئل رسول الله، ﷺ، عن أصحاب الأعراف؟ فقال: \"هم ناس قتلوا في سبيل الله بمعصية آبائهم، فمنعهم من دخول الجنة معصية آبائهم، ومنعهم من النار قتلهم في سبيل الله\".\nوهكذا رواه ابن مردويه وابن جرير وابن أبي حاتم من طرق عن أبي معشر، به، وكذا [¬٢] رواه\n_________\n= وسعيد بن سلمة بن أبي الحسام، \"صدوق صحيح الكتاب يخطئ من حفظه\" - كما في \"التقريب\" وهو هكذا يحتمل التحسين، لكن لم نقف على من دون سعيد بن سلمة، ومن المحتمل أن يكون فيهم ضعيف أو متكلم فيه، ومما يؤيد ذلك قول المصنف في آخر هذه الأحاديث: \" … والله أعلم بصحة هذه الأخبار المرفوعة، وقصاراها أن تكون موقوفة\" ثم إن الغالب على تفردات ابن مردويه الضعف.\n(^٨٩) - إسناده ضعيف لضعف أبي معشر وعزاه لسعيد بن منصور السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ١٦٣) - ومن طريق سعيد بن منصور أخرجه البيهقي في \"البعث والنشور\" (١٠٦) غير أنه قال: \"عن عمرو بن عبد الرحمن المزنى عن أبيه\" - وضعف إسناده - وأخرجه البيهقي أيضًا (١٠٥) من طريق آدم، أبنا أبو معشر به، وأخرجه الحارث بن أبي أسامة (٧١١) والبيهقي (١٠٧) من طريق هوذة، وابن أبي حاتم في تفسيره (٥/ ٨٤٩٨) وابن الأثير في \"أسد الغابة\" (٣/ ٤٧٠) من طريق يزيد بن هارون، وابن أبى عاصم في \"الآحاد والمثانى\" (٢/ رقم ١١٢٣) من طريق المغيرة بن عبد الرحمن، والخرائطي في \"مساوئ الأخلاق\" (رقم ٢٥٢) من طريق يَسَرَة بن صفوان أربعتهم (هوذة، يزيد بن هارون، المغيرة بن عبد الرحمن، يَسَرَة بن صفوان) عن أبي معشر به، ومنهم من قال: \"عن عمرَ بن عبد الرحمن عن أبيه\" ومنهم من قال: \"عمرو بن عبد الرحمن\" واختلف فيه على \"يزيد بن هارون\" فرواه بعضهم عنه وقال فيه عن \"عمر\" وقال بعضهم \"عن عمرو\" - كما في الطريق السابق - ورواه ابن جرير في تفسيره (١٢/ ١٤٧٠٥) من طريق إسحاق عن يزيد بن هارون به غير أنه قال فيه \"عن محمد بن عبد الرحمن عن أبيه\" وتابع ويزيد بن هارون على هذه التسمية هشام بن عبد الملك عن أبي معشر به أخرجه البيهقي (١٠٤) وأفاد ابن عبد البر - كما في \"الإصابة\" (٦/ ٣٣٠) أن تسميته بـ \"محمد بن عبد الرحمن\" هو الصواب، قال ابن حجر - وذكر طرقه - \" … والاضطراب فيه عن أبي معشر، وهو نجيج بن عبد الرحمن، فإنه ضعيف - وبه أعله الهيثمي في \"المجمع\" (٧/ ٢٧) وعزاه للطبراني - وقد رواه سعيد بن أبي هلال، عن يحيى بن شبل، فخالف أبا معشر في سنده: أخرجه ابن جرير - (١٢/ ١٤٧٠٤) - وابن شاهين من طريق الليث، عن خالد بن يزيد، عن سعيد عن يحيى بن شبل، أن رجلًا من بنى نضر أخبره عن رجل من بني هلال عن أبيه، أنه سأل النبي ﷺ فذكر نحوه، وأخرجه ابن مردويه، من طريق ابن لهيعة، عن خالد بن يزيد به، لكن لم يقل عن أبيه، ورواية الليث أوصل\"، لكن في إسناده جهالة وزاد نسبته السيوطي إلى عبد بن حميد وابن منيع وابن الأنباري في \"كتاب الأضداد\" وأبي الشيخ وابن مردويه.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في خ، ز: \"من استوت حسناته الأعراف\".\n[¬٢]- فى ز \"وكذلك\".","vol":"6","page":307},{"text":"ابن ماجة (^٩٠) مرفوعًا من حديث أبي سعيد الخدري وابن عباس، والله أعلم بصحة هذه الأخبار المرفوعة، وقصاراها أن تكون موقوفة، وفيه دلالة على ما ذكر.\nوقال ابن جرير (^٩١): حدثني يعقوب، حدثنا هشيم، أخبرنا حصين، عن الشعبي، عن حذيفة: أنه سُئل عن أصحاب الأعراف؟ قال: فقال: هم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم، فقصرت [¬١]، بهم سيئاتهم عن الجنة، وخلَّفت بهم حسناتهم عن النار. قال: فوقفوا هنالك على السور حتى يقضي الله فيهم.\nوقد رواه من وجه آخر أبسط من هذا، فقال (^٩٢):\nحدثنا ابن حميد، حدثنا يحيى بن واضح، حدثنا يونس بن أبي إسحاق، قال: قال الشعبي: أرسل الي عبد الحميد بن عبد الرحمن، وعنده أبو الزناد عبد الله بن ذكوان مولى قريش، وإذا هما قد ذكرا من أصحاب الأعراف ذكرًا، ليس كما ذكرا، فقلت لهما: إن شئتما أنبأتكما بما ذكر حذيفة؛ فقالا: هات. فقلت: إن حذيفة ذكر أصحاب الأعراف، فقال: هم قوم تحاوزت بهم حسناتهم النار، وقصرت [¬٢] بهم سيئاتهم عن الجنة، فإذا صرفت أبصارهم\n_________\n(^٩٠) - غير موجودين في \"السنن\" ولعلهما في تفسيره - وذكرهما السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ١٦٣، ١٦٤) وعزاهما إلى ابن مردويه وزاد عزو الأول إلى الطبراني وهو في \"الأوسط\" (٥/ ٤٦٤٤) و\"الصغير\" (١/ ٢٣٨) من طريق محمد بن مخلد الرُّعَيني ثنا عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد فذكر الحديث وقال الهيثمي فى \"المجمع\" (٧/ ٢٦): \"فيه محمد مخلد الرعيني وهو ضعيف\" قلت: وشيخه عبد الرحمن بن زيد مثله وإن كان التلميذ أسوأ حالًا من شيخه، انظر ترجمة محمد بن مخلد هذا في \"اللسان\" لابن حجر.\n(^٩١) - تفسير ابن جرير (١٢/ ١٤٦٨٦) وأخرجه أيضًا (١٢/ ١٤٦٨٧) والمروزي في \"زوائد الزهد\" (١٣٧٠) وهناد في \"الزهد\" (١/ رقم ٢٠١) من طرق عن حصين به، وهذا إسناد رجاله ثقات رجال الشيخين، غير أنهم لم يذكروا حذيفة فيمن روى عنهم عامر وأفاد البيهقي في \"البعث والنشور\" (ص ١٠٥) أن روايته عنه مرسلة، وأخرجه ابن جرير أيضًا (١٢/ ١٤٦٨٨، ١٤٦٨٩) وهناد (٢٠٢) وابن أبي حاتم (٥/ ٨٤٩٩) من طريقين عن عامر الشعبي به وانظر ما بعده.\n(^٩٢) - تفسير ابن جرسر (١٢/ ١٤٦٨٥) وأخرجه البيهقي في \"البعث والنشور\" (١٠٢) من طريق شيبان ثنا يونس به، وقال: \"هذا مرسل موقوف\" ووصله الحاكم في \"المستدرك\" (٢/ ٣٢٠) - وعنه البيهقي (١٠١) من طريق عبيد الله بن موسى أنبا يونس بن أبي إسحاق عن الشعبي، عن صلة بن زفر عن حذيفة به، وقال الحاكم: \"حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه\" ووافقه الذهبي وقال البيهقي: \"هذا موصول موقوف .. وروي مرسلًا مرفوعًا فيما يتوهم راويه\" ثم أخرجه (١٠٣) من طريق مطرف عن الشعبي عن حذيفة به مرفوعًا، وأخرجه المروزي في \"زوائد الزهد\" (١٣٦٧) من طريق إسماعيل بن أبي خالد يحدث عمن سمع الشعبي عامرًا يقول: … فذكره موقوفًا.\n_________\n[¬١]- فى خ، ز: \"فقعدت\".\n[¬٢]- فى خ، ز: \"وقعدت\".","vol":"6","page":308},{"text":"تلقاء أصحاب النار: ﴿قالوا ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين﴾ فبينما [¬١] هم كذلك، اطلع عليهم ربك فقال لهم: اذهبوا فادخلوا الجنة، فإني قد غفرت لكم.\nوقال عبد الله بن المبارك، عن أبي بكر الهذلي، قال: قال سعيد بن جبير وهو يحدث ذلك عن ابن مسعود، قال: يحاسب الناس يوم القيامة؛ فمن كانت حسناته أكثر من سيئاته بواحدة دخل الجنة، ومن كانت سيئاته أكثر من حسناته بواحدة دخل النار، ثم قرأ قول الله: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ [فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٢) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ] [¬٢]﴾. ثم قال: إن الميزان يخف بمثقال حبة ورجح. قال: ومن استوت حسناته وسيئاته كان من أصحاب الأعراف، فوقفوا على الصراط، ثم عرفوا أهل الجنة وأهل النار، فإذا نظروا إلى أهل الجنة نادوا سلام عليكم، إذا صرفوا أبصارهم إلى يسارهم نظروا أصحاب النار: ﴿قالوا ربنا لا تجعلنا القوم الظالمين﴾ فتعوذوا [¬٣] بالله من منازلهم. قال: فأما أصحاب الحسنات فإنهم يعطون نورًا، فيمشون به بين أيديهم وبأيمانهم، ويعطى كل عبد يومئذ نورًا، وكل أمة نورًا، فإذا أتوا على الصراط سلب الله نور كل منافق ومنافقة، فلما رأى أهل الجنة ما لقي المنافقون، قالوا: ﴿ربنا أتمم لنا نورنا﴾، وأما أصحاب الأعراف فإن النور كان بأيديهم [¬٤]، فلم ينزع، فهنالك [¬٥] يقول الله تعالى: ﴿لم يدخلوها وهم يطمعون﴾ فكان الطمع دخولًا. قال: وقال ابن مسعود: على [¬٦] أن العبد إذا عمل حسنة كتب [¬٧] له بها عشر [¬٨] وإذا عمل سيئة لم تكتب إلا واحدة. ثم يقول: هلك من [غلب وُحدَانُه] [¬٩] أعشاره.\nرواه ابن جرير (^٩٣). وقال أيضًا (^٩٤):\nحدثني ابن وكيع، وابن حميد قال: حدثنا جرير، عن منصور، عن حبيب بن أبي ثابت،\n_________\n(^٩٣) - تفسير ابن جرير (١٢/ ١٤٦٩٠) وأخرجه ابن أبي حاتم (٥/ ٨٥٠١) من طريق ابن المبارك به مختصرًا وأبو بكر الهذلي \"أخباري متروك الحديث\".\n(^٩٤) - تفسير ابن جرير (١٢/ ١٤٦٩٣) وأخرجه هناد في \"الزهد\" (١/ رقم ٢٠٠) ثنا عبيدة عن منصور به غير أنه أدخل لكن حبيب وعبد الله بن الحارث \"مجاهدًا\"، وأخرجه ابن أبي حاتم (٥/ ٨٥٠٢) من طريق يحيى بن المغيرة أنبا جرير به بإسناد ابن جرير، وزاد نسبته السيوطي (٣/ ١٦٣) إلى عبد بن حميد وأبي الشيخ وانظر ما بعده.\n_________\n[¬١] في ز \"فبينا\".\n[¬٢]- في ت: \"الآيتين\".\n[¬٣] في: ت \"تعوذوا\"\n[¬٤]- فى ز \"في أيديهم\".\n[¬٥] في خ \"فهناك\".\n[¬٦]- زيادة من: ز.\n[¬٧] فى ز \"كتبت\".\n[¬٨]- فى ز \"عشرًا\".\n[¬٩] ما بين المعكوفتين في خ، ز: \"غلبت واحدته\".","vol":"6","page":309},{"text":"عن عبد الله بن الحارث، عن ابن عباس قال: الأعراف السور الذي بين الجنة والنار، وأصحاب الأعراف بذلك المكان، حتى إذا بدا لله أن يعافيهم؛ انطلق بهم إلى نهر يقال له: نهر [¬١] الحياة، حافتاه قصب الذهب، مكلل باللؤلؤ، ترابه المسك، فألقوا فيه [¬٢] حتى تصلح ألوانهم، وتبدو في نحورهم شامة بيضاء. يعرفون بها، حتى إذا صلحت ألوانهم؛ أتى بهم الرحمن ﵎ فقال: \"تمنوا ما شئتم\". فيتمنون، حتى إذا انقطعت أُمنيتهم، قال لهم: \"لكم الدي تمنيتم وحله سبعون ضعفًا\". فيدخلون الجنة وفي نحورهم شامة بيضاء يعرفون بها، يسمون: مساكين أهل الجنة.\nوكذا رواه ابن أبي حاتم، عن أبيه، عن يحيى بن المغيرة، عن جرير به. وقد رواه سفيان الثوري (^٩٥)، عن حبيب بن أبي ثابت، عن مجاهد، عن عبد الله بن الحارث من قوله. وهذا أصح والله أعلم. وكذا [¬٣] روي عن مجاهد والضحاك وغير واحد.\nوقال سنيد بن داود (^٩٦): حدثني جرير، عن عمارة بن القعقاع، عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير، قال: سئل رسول الله، ﷺ، عن أصحاب الأعراف؟ قال: \"هم آخر من يفصل بينهم من العباد؛ فإذا في رب العالمين من الفصل [¬٤] بين العباد، قال: أنتم قوم أخرجتكم حسناتكم من النار، ولم تدخلوا الجنة، فأنتم عتقائي، فارعوا من الجنة حيث شئتم\" وهذا مرسل حسن.\nوقيل: هم أولاد الزنا. حكاه القرطبي [¬٥].\nوروى الحافظ ابن عساكر في ترجمة الوليد بن موسى (^٩٧)، عن [منبه بن عثمان] [¬٦]، عن\n_________\n(^٩٥) - أخرجه هناد في \"الزهد\" (١٩٨، ١٩٩) وابن جرير (١٢/ ١٤٦٩٤، ١٤٦٩٥) من طرق عن سفيان الثوري به، وزاد نسبته السيوطي (٣/ ١٦٣) إلى أبن أبي شيبة والفريابي وعبد بن حميد وأبن المنذر وأبي الشيخ.\n(^٩٦) - مرسل ومن سنيد بن داود ابن جرير فى تفسيره (١٢/ ١٤٧١) حدثني القاسم عنه به، ومع كونه مرسلًا فإن سنيدًا هذا ضعف مع إمامته، لكن تابعه محمد بن عيسى ثنا جرير به: أخرجه ابن أبي حاتم (٥/ ٨٥٠٠) وزاد نسبته السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ١٦٢) إلى ابن المنذر.\n(^٩٧) - إسناده ضعيف جدًا من كتابه \"تاريخ دمشق\" (١٧/ ٩١٠ / مخطوط) من طريق البيهقي - وهو فى \"البعث والنشور\" له (رقم ١٠٨) والوليد بن موسى فواه أبو حاتم، وقال غيره: متروك=\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- زيادة من: خ، ز.\n[¬٣]- في ز \"هكذا\".\n[¬٤]- في ز \"فصل\".\n[¬٥]- في \"الجامع لأحكام القرآن\" (٧/ ٢١٢) عن ابن عباس.\n[¬٦]- في جميع النسخ: \"شيبة بن عثمان\" والتصويب من تاريخ دمشق و\"البعث\" للبيهقي وهو مترجم في \"الجرح والتعديل\" (٨/ ٤١٩) و\"الثقات\" لابن حبان (٩/ ١٨٩).","vol":"6","page":310},{"text":"عروة بن رويم، عن الحسن، عن أنس بن مالك، عن النبي، ﷺ: \"أن مؤمني الجن لهم ثواب وعلهم عقاب\". فسألناه عن ثوابهم [وعن مؤمنيهم] [¬١]؟ فقال: \"على الأعراف، وليسوا في الجنة مع أمة محمد ﷺ\". فسألناه وما الأعراف؟ فقال: \"حائط الجنة تجري فيه الأنهار، وكتبت فيه الأشجار والثمار\".\nرواه البيهقي: عن ابن بشران، عن علي بن محمد المصري، عن يوسف بن يزيد، عن الوليد ابن موسى به. وقال سفيان الثوري، عن خصيف، عن مجاهد قال: أصحاب الأعراف قوم صالحون فقهاء علماء.\nوقال ابن جرير (^٩٨): حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن علية، عن سليمان التيمي، عن أبي مجلز في قوله تعالى: ﴿وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ﴾ قال: هم رجال من الملائكة يعرفون أهل الجنة وأهل النار. قال: ﴿وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ (٤٦) وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٤٧) وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا﴾ [في النار] [¬٢] ﴿يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ (٤٨) أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ﴾ قال: فهذا [¬٣] حين يدخل [¬٤] أهل الجنة الجنة: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾.\nوهذا صحيح إلى أبي مجلز؛ لاحق بن حميد أحد التابعين. وهو غريب من قوله، وخلاف الظاهر من السياق. وقول الجمهور مقدم على قوله، لدلالة [¬٥] الآية على ما ذهبوا إليه (^٩٩) -.\n_________\n= وقال الدارقطني: منكر الحديث، ووهَّاه العقيلي وابن حبان، وقال الحاكم: \"أحاديثه موضوعة\" انظر ترجمته في \"ميزان الاعتدال\" للذهبي و\"لسان الميزان\" لابن حجر.\n(^٩٨) - تفسير ابن جرير (١٢/ ١٤٧٠٧) - وقد سقط منه \"عن سليمان التيمي\" ولم ينتبه له محققه مع أن ابن جرير أخرجه بعده من طريق (جرير، ومحمد بن أبى عدي وسفيان وخالد) عن التيمي عن أبي مجلز به مختصرًا ثم وجدته أخرجه من هذه القريق على الصواب (١٢/ ١٤٧٤١) ورواه المروزي في \"زوائد الزهد\" (١٣٦٦) من طريق معتمر بن سليمان وإسماعيل بن علية قال: ثنا سليمان التيمي به، ورواه سعيد ابن منصور - كما في \"الدر المنثور\" (٣/ ١٦٤) - ومن طريقه البيهقي في \"البعث والنشور\" (١١٢) عن معتمر بن سليمان وابن أبي حاتم (٥/ ٨٥٠٩) من طريق زهير بن معاوية كلاهما عن سليمان التيمي به، وزاد نسبته السيوطي إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن الأنباري في \"الأضداد\" وأبي الشيخ.\n(^٩٩) - وكذا رد ابن جرير قول أبي مجلز فقال في تفسيره (١٢/ ٤٦٠، ٤٦١): \"والصواب من القول في أصحاب الأعراف أن يقال كما قال الله جل ثناؤه فيهم: هم رجال يعرفون كُلًّا من أهل الجنة=\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ت.\n[¬٢]- زيادة من ز.\n[¬٣]- في ز: فهلا.\n[¬٤] في ز \"دخل\".\n[¬٥]- في خ \"بدلالة\".","vol":"6","page":311},{"text":"وكذا قول مجاهد: إنهم قوم صالحون علماء فقهاء، فيه غرابة أيضًا، والله أعلم.\nوقد حكى القرطبي وغيره فيهم اثني عشر قولًا، منها: [أنهم شهدوا] [¬١] أنهم صلحاء تفرعوا من فرع الآخرة، ودخلوا [¬٢]، يطلعون على أخبار الناس.\nوقيل: هم أنبياء، وقيل: هم [¬٣] ملائكة.\nوقوله تعالى: ﴿يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ﴾، قال على بن أبي طلحة (^١٠٠)، عن ابن عباس قال: يعرفون أهل الجنة ببياض الوجوه، واهل النار بسواد الوجوه. وكذا روى الضحاك عنه.\nوقال العوفى، عن ابن عباس: أنزلهم الله تلك [¬٤] المنزلة؛ ليعرفوا من في الجنة والنار، وليعرفوا أهل النار بسواد الوجوه [¬٥]، ويتعوذوا بالله أن يجعلهم مع القوم الظالمين، وهم فى ذلك يحيون أَهل الجنة بالسلام، لم يدخلوها وهم يطمعون أن يدخلوها، وهم داخلوها إن شاء الله.\nوكذا قال مجاهد والضحاك والسدي والحسن وعبد الرحمن به. زيد في أسلم وغيرهم [¬٦].\nوقال معمر، عن الحسن أنه تلا هذه الآية: ﴿لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾ قال: والله ما جعل ذلك الطمع فى قلوبهم إلا لكرامة يريدها بهم.\nوقال قتادة: أنبأ كم الله بمكانهم من الطمع.\nوقوله: ﴿وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ وقال الضحاك، عن ابن عباس: إن أصحاب الأعراف إذا نظروا إلى أهل النار، و[¬٧]، عرفوهم، قالوا: ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾.\n_________\n= وأهل النار بسيماهم، ولا خبر عن رسول الله ﷺ يصح سنده، ولا أنه متفق على تأويلها، ولا إجماع من الأمهْ على أنهم ملائكة. فإذ كان ذلك كذلك، وكان ذلك لا يدرك قياسًا، وكان المتعارف بين أهل لسان العرب أن \"الرجال\" اسم يجمع ذكور بنى آدم دون إناثهم ودون سائر الخلق غيرهم، كان بيِّنًا أن ما قاله أبو مجلز من أنهم ملائكة، قول لا معنى له، وأن الصحيح في القول في ذلك ما قاله سائر أهل التأويل غيره. هذا مع من قال بخلافه من أصحاب رسول الله ﷺ، ومع ما روى عن رسول الله - صلى الله محله وسلم - في ذلك من الأخبار، وإن كان في أسانيدها ما فيها\".\n(^١٠٠) - أخرجه ابن جرير في تفسيره - مع ما بعده من آثار عن ابن عباس (١٢/ ٤٦٢، ٤٦٣، ٤٦٦).\n_________\n[¬١] ما بين المعكوفتين زيادة من: ز.\n[¬٢] في ز \"حلوا\".\n[¬٣] سقط من: ز.\n[¬٤] في ز \"بتلك\".\n[¬٥] في ز \"وجوه\".\n[¬٦] سقط من: خ، ز.\n[¬٧] سقط من: ز.","vol":"6","page":312},{"text":"وقال السدي: وإذا مروا بهم يعني - بأصحاب الأعراف بزمرة يذهب بها إلى النار، قالوا: ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾.\nوقال عكرمة: تحرد [¬١] وجوههم للنار [¬٢]، فإذا رأوا أصحاب الجنة ذهب ذلك عنهم.\nوعن [¬٣] عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله: ﴿وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ فرأوا وجوههم مسودة، وأعينهم مزرقة ﴿قَالُوا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾.\n﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ (٤٨) أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (٤٩)﴾\nيقول الله تعالى مخبرًا عن تقريع أهل الأعراف لرجال من صناديد المشركين وقادتهم، يعرفونهم في النار بسيماهم: ﴿مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ﴾ أي: كثرتكم، ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ أي: لا ينفعكم كثرتكم ولا جموعكم من عذاب الله، بل صريح إلى ما صرتم فيه من العذاب والنكال.\n﴿أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ﴾ قال علي بن أبي طلحة (^١٠١)، عن ابن ياس: يعني أصحاب الأعراف ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾.\nوقال ابن جرير (^١٠٢): حدثني محمد بن سعد، [قال: حدثني أبي] [¬٤] حدثني عمي [¬٥]، حدثني أبي [¬٦]، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ﴾، قال: فلما قالوا [¬٧] لهم الذي قضى الله أن يقولوا - يعني: أصحاب الأعراف\n_________\n(^١٠١) - أخرجه ابن جرير (١٢/ ٤٧٤٣٢) وأخرجه أيضًا (١٢/ ١٤٧٤٥) وابن أبي حاتم (٥/ ٨٥٢٨) من طريق العوفى عنه به.\n(^١٠٢) - ابن جرير في تفسيره (١٢/ ١٤٧٤٥) وهذا إسناد مسلسل بالضعفاء أولهم الراوي عن السنن عباس وهو عطية العونى.\n_________\n[¬١]- في خ، ز: \"تحدد\"، والمثبت من تفسير ابن جرير (١٢/ ٤٧٣٦٢) وابن أبي حاتم (٥/ ٨٥١٨).\n[¬٢]- في ز \"في النار\".\n[¬٣]- في ز \"وقال\".\n[¬٤]- زيادة من تفسير ابن جرير.\n[¬٥]- في خ: \"أبي\"، وفى ز: \"أبي، حدثني يحيى\".\n[¬٦]- في خ: \"يحيى\"\n[¬٧]- في ز \"قال\".","vol":"6","page":313},{"text":"لأهل الحنة وأهل النار - قال الله لأهل التكبر والأموال: ﴿أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾.\nوقال [¬١] حذيفة (^١٠٣): إن أصحاب الأعراف قوم تكافأت أعمالهم، فقصرت بهم حسناتهم عن الجنة، وقصَّرت بهم سيئاتهم عن النار، فجعلوا على الأعراف، يعرفون الناس بسيماهم، فلما قضى الله بين العباد، أذن لهم في طلب الشفاعة، فأتوا آدم، فقالوا: يا آدم أنت أبونا فاشفع لنا عند ربك. فقال: على تعلمون أن أحدًا خلقه الله بيده، ونفخ فيه من روحه، وسبقت رحمته إليه غضبه، وسجدت له الملائكة، غيري؟ فيقولون: لا. فيقول: ما عملت كنهه، ما أستطيع أن أشفع لكم، ولكن ائتوا ابني إبراهيم، فيأتون إبراهيم ﷺ، فيسألونه [¬٢] أن يشفع لهم عند ربهم، فيقول: تعلمون من أحد اتخذه الله خليلًا، هل تعلمون أن أحدًا أحرقه [¬٣] قومه في النار في الله، غيري؟ فيقولون: لا. فيقول: ما عملت كنهه، ما أستطيع أن أشفع لكم، ولكن ائتوا ابني موسى، فيأتون موسى ﵇، فيقول: هل تعلمون من أحد كلمه الله تكليمًا وقربه نجيًّا، غيري؟ فيقولون: لا، فيقول: ما عملت كنهه، ما أستطع أن أشفع لكم، ولكن ائتوا عيسى، فيأتونه ﵇، فيقولون له: اشفع لنا عند ربك. فيقول: هل تعلمون أحدًا خلقه الله من غير أب غيري [¬٤]؟ فيقولون: لا. فيقول: هل تعلمون من أحد كان يبرئ الأكمه والأبرص ويحيى الموتى بإذن الله غيري؟ قال: فيقولون: لا. فيقول: أنا حجيج نفسي، ما عملت كنهه، ما أستطيع أن أشفع لكم، ولكن ائتوا محمدًا ﷺ. فيأتونني، فأضرب بيدي على صدري، ثم أقول: أنا لها. ثم أمشي حتى أقف بين يدي العرش، [فأثني على] [¬٥] ربي ﷿، فيفتح لي من الثناء ما لم يسمع السامعون بمثله قط، ثم أسجد، فيقال لي: يا محمد، ارفع رأسك، وسل تعطه، واشفع تشفع. فأرفع رأسي، فأقول: ربي أمتي. فيقول: هم لك. فلا يبقى نبي مرسل ولا منك مقرب، إلا غبطني بذلك المقام، وهو المقام المحمود، فآتي بهم الجنة، فأستفتح فيفتح لي ولهم فيذهب بهم إلى نهر يقال له: نهر الحيوان، حافتاه قصب مكلل باللؤلؤ، ترابه المسك، وحصباؤه الياقوت، فيغتسلون منه فتعود إليهم ألوان أهل الجنة، وريح [أهل الجنة] [¬٦]، فيصيرون كأنهم الكواكب الدرية، ويبقى في صدورهم شامات بيض يعرفون بها، يقال لهم [¬٧]: مساكين أهل الجنة.\n_________\n(^١٠٣) - أخرجه ابن جرير فى تفسيره ١٢/ ١٤٧٤٦) وفى إسناده انقطاع، وللفظه شواهد كثيرة تأتي في سورة [الإسراء /آية ٧٩].\n_________\n[¬١]- في ز \"فقال\".\n[¬٢]- في ز \"فيسألون\".\n[¬٣]- في ز \"حرفه\".\n[¬٤]- سقط من: خ، ز.\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين في خ، ز: \"فآتي\" والمثبت من تفسير ابن جرير.\n[¬٦]- ما ينن المعكوفتين سقط من: خ، ز\n[¬٧]- سقط من: خ، ز.","vol":"6","page":314},{"text":"﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ (٥٠) الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (٥١)﴾\nيخبر تعالى عن ذلة أهل النار، وسؤالهم أهل الجنة من شرابهم وطعامهم، وأنهم لا يجابون إلى ذلك.\nقال السدي: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ يعني: الطعام. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم يستطعمونهم ويستسقونهم.\nوقال الثوري (^١٠٤)، عن عثمان الثقفي، عن سعيد بن جبير في هذه الآية، قال: ينادي الرجل أباه أو أخاه، فيقول له [¬١]: قد احترقت، فأفض [¬٢] على من الماء. فيقال لهم: أجيبوهم. فيقولون: ﴿إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ﴾.\nوروى من وجه آخر عن سعيد، عن ابن عباس مثله سواء [¬٣].\nوقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ﴿إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ يعني: طعام الجنة وشرابها.\nوقال ابن أبي حاتم (^١٠٥): حدثنا أبي، حدثنا نصر بن علي، أخبرنا موسى بن المغيرة، حدثنا ﷺ\n_________\n(^١٠٤) - أخرجه ابن جرير (١٢/ ١٤٧٥٢) حدثني المثنى، وابن أبي حاتم (٥/ ٨٥٣٢) ثنا أبي قال (المثنى وأبو حاتم): حدثنا ابن دكين - وهو الفضل أبو نعيم ثقة ثبت - ثنا الثوري به وخالفه وكيع فرواه عن الثوري به نمى به، إلى ابن عباس، لكن راويه عن وكيع هو ابنه سفيان وهو ضعيف أخرجه ابن جرير (١٢/ ١٤٧٥١) ورواه زيد بن الحباب - أخرجه ابن أبي حاتم (٥/ ٨٥٣٨) - عن الثوري به إلى ابن عباس، لكن زيد بن الحباب، \"صدوق يخطئ في حديث الثوري\" كما في \"التقريب\" ومن حديث ابن عباس زاد نسبته السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ١٦٦) إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وأبي الشيخ.\n(^١٠٥) - إسناده فيه جهالة، \"التفسير\" لابن أبي حاتم (٥/ ٨٥٣٣) وأخرجه أبو يعلى في \"المسند\" (٥/ ٢٦٧٣) ثنا نصر بن علي به، والبيهقي في \"شعب الإيمان\" (٣/ ٣٣٨٠) والذهبي في \"ميزان الاعتدال\" (٥/ ٣٤٩ ت ٨٩٢٩) من طريق محمد بن أبي بكر المقدمي ثنا موسى بن المغيرة - =\n_________\n[¬١]- سقط من: خ، ز.\n[¬٢]- في ز \"أفض\".\n[¬٣]- سقط من: خ، ز.","vol":"6","page":315},{"text":"أبو موسى الصفار في دار عمرٍو [¬١] بن مسلم، قال: سألت ابن عباس أو سئل: أي الصدقة أفضل؟ فقال: قال رسول الله صلى الله عايه وسلم: \"أفضل الصدقة الماء، ألم تسمع إلى أهل النار [لما استغاثوا بأهل الجنة] [¬٢]، قالوا [¬٣]: ﴿أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾.\nوقال أيضًا (^١٠٦): حدثنا أحمد بن سنان، حدثت أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن أبي صالح، قال: لما مرض أبو طالب، قالوا له: لو أرسلت إلى اليمن أخيك هذا، فيرسل إليك بعنقود من الجنة؛ لعله أن يشفيك به. فجاءه الرسول، وأبو بكر عند النبي ﷺ فقال أبو بكر: ﴿إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ﴾.\nثم وصف تعالى الكافرين بما كانوا يعتمدونه [¬٤] فى الدنيا، من اتخاذهم الدين لهوًا ولعبًا، واغترارهم بالدنيا وزينتها وزخرفها، عفا أمروا به من العمل للدار الآخرة.\nقوله: ﴿فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا﴾ أي: نعاملهم معاملة من نسيهم؛ لأنه تعالى لا يشذ عن علمه شيء، ولا ينساه؛ كما قال تعالى: ﴿فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾.\nوإنما قال تعالى هذا من باب المقابلة؛ كقوله: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾. وقال: ﴿كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾. وقال تعالى: ﴿وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾.\n_________\n= تصحف في \"الشعب\" إلى موسى بن عبد العزيز - به، وضعفه الذهبي فقال \"موسى بن المغيرة، عن أبي موسى الصفار، مجهول، وشيخه لا يعرف\" وذكره الهيثمي في \"المجمع\" (٣/ ١٣٤، ١٣٥) وقال: \"رواه أيو يعلى والطبراني في \"الأوسط\" - ولم أجده في المطبوع منه والله أعلم - وفيه موسى بن المغيرة وهو مجهول\" وعزاه السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ١٦٦) إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبي الشيخ والبيهقي في \"شعب الإيمان\"؛ وله شاهد من حديث سعد بن عبادة عند أبي داود (١٦٧٩، ١٦٨٠) والنسائي (٦/ ٢٥٤) وابن ماجه (٣٦٨٤) وأحمد (٥/ ٢٨٥)، (٦/ ٧) وصححه ابن حبان (٨/ ٣٣٤٨) والحاكم (١/ ٤١٤) - على شرط الشيخين، لكن في إسناده انقطاع، ولذلك تعقب الذهبي الحاكم فيه فقال: \"غير متصل\" وانظر - إن شئت - \"تلخيص الحبير\" لابن حجر (٢/ ٣١٠).\n(^١٠٦) - \" التفسير\" لابن أبي حاتم (٥/ ٨٥٣٦) وهذا مرسل، وزاد نسبته السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ١٦٦) إلى ابن أبي شيبة.\n_________\n[¬١] في ت: \"عمرَ\".\n[¬٢] ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٣] في ز \"قال\".\n[¬٤] فى خ \"يتتمدونه\".","vol":"6","page":316},{"text":"وقال العوفي (^١٠٧)، عن ابن عباس [في قوله] [¬١]: ﴿فاليوم [ننساهم كما نسوا لقاء يومهم] [¬٢] هذا] قال: نسيهم الله من الخير، ولم ينسهم من الشر.\nوقال على بن أبي طلحة (^١٠٨)، عن ابن عباس قال: نتركهم كما تركوا لقاء يومهم هذا.\n[وقال مجاهد: نتركهم في النار. وقال السدي: نتركهم من الرحمة، كما تركوا أن يعملوا للقاء يومهم هذا] [¬٣].\nوفي الصحيح (^١٠٩) أن الله تعالى يقول للعبد يوم القيامة: \"ألم أزوجك؟ ألم أكرمك؟ ألم أسَخّرْ لك الحيل والإبل وأذَرْك تَرأسُ وتَربَعُ؟ \" فيقول: بلى. فيقول: \"أظننت أنك مُلاقِيَّ\" فيقول: لا. فيقول الله تعالى: \"فاليوم أنساك كما نسيتني\".\n﴿وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥٢) هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٥٣)﴾\nيقول تعالى مخبرًا عن إعذاره إلى المشركين، بإرسال الرسول إليهم بالكتاب الذي جاء به الرسول، وأنه كتاب مفصل مبين، كقوله: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ [مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ] [¬٤]﴾.\nوقوله: ﴿فصلناه على علم﴾ أي: على علم منا بما فصلناه به، كقوله: ﴿أنزله بعلمه﴾.\n_________\n(^١٠٧) - أخرجه ابن جرير (١٢/ ١٤٧٥٩) وابن أبي حاتم (٥/ ٨٥٤٦).\n(^١٠٨) - أخرجه ابن جرير (١٢/ ١٤٧٥٨) وابن أبي حاتم (٥/ ٨٥٤٣) والبيهقي في \"الأسماء والصفات\" وابن المنذر - كما في \"الدر المنثور\" (٣/ ١٦٧).\n(^١٠٩) - تقدم تخريجه [سورة البقرة/ آية ٤٦].\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز \"ننساكم كما نسيتم لقاء يومكم\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٤]- في ت: \"الآية\".","vol":"6","page":317},{"text":"قال ابن جرير [¬١]: وهذه الآية مردودة على قوله: ﴿كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ [لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ] [¬٢]﴾، ﴿ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم﴾.\nوهذا الذي قاله فيه نظر، فإنه قد طال الفصل، ولا دليل علن ذلك، وإنما لما أخبر بما صاروا إليه من الخسارة [¬٣] في الدار [¬٤] الآخرة، ذكر أنه قد [¬٥] أزاح عللَّهم في الدار الدنيا؛ بإرسال الرسل وإنزال الكتب؛ كقوله: ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولًا﴾. ولهذا قال: ﴿هل ينظرون إلا تأويله﴾ أي: ما [وعدوا به] [¬٦] من العذاب والنكال والجنة والنار، قاله مجاهد وغير واحد.\n[وقال مالك] [¬٧]: ثوابه.\nوقال الربيع: لا يزال يجيء من تأويله أمر، حتى يتم يوم الحساب، حتى يدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، فيتم تأويله يومئذ.\nوقوله [¬٨]: ﴿يوم يأتي تأويله﴾ أي: يوم القيامة. قاله ابن عباس. ﴿يقول الذين نسوه من قبل﴾ أي: تركوا العمل به، وتناسوه [¬٩] في الدار الدنيا: ﴿قد جاءت رسل ربنا بالحق فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا﴾ أي: في خلاصنا مما نحن فيه، ﴿أو نرد﴾ إلى الدار [¬١٠] الدنيا: ﴿فنعمل غير الذي كنا نعمل﴾، كقوله: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَالَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٧) بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾، كما قال هاهنا: ﴿قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ أي: خسروا أنفسهم بدخولهم النار وخلودهم فيها ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾] [¬١١] أي: ذهب عنهم ما كانوا يعبدونهم من دون الله؛ [فلا يشفعون لهم ولا ينصرونهم] [¬١٢] ولا ينقذونهم مما هم فيه.\nإنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ\n_________\n[¬١]- في تفسيره (١٢/ ٤٧٧).\n[¬٢]- في ت: \"الآية\".\n[¬٣]- في ز \"الخسار\"\n[¬٤]- سقط من: ت.\n[¬٥]- سقط من: ز\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٧]- لم أر ذكرًا لمالك عند هذه الآية وأخرج هذا التفسير ابن جرير (١٢/ ١٤٧٦١) وابن أبي حاتم (٥/ ٨٥٥٧) من قول قتادة والله أعلم.\n[¬٨]- سقط من: ز\n[¬٩]- في ز \"تلبسوه\".\n[¬١٠]- زيادة من: ز\n[¬١١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬١٢]- ما بين المعكوفتين في ز \"ينصرونهم ولا يشفعون فيهم\".","vol":"6","page":318},{"text":"بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾\nيخبر تعالى بأنه خالق [¬١] العالم سماواته وأرضيه، وما بين ذلك فى ستة أيام، كما أخبر بذلك فى غير ما آية من القرآن، والستة أيام [¬٢] هي: الأحد والإثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس والجمعة، وفيه اجتمع الخلق كله، فيه خلق آدم ﵇، واختلفوا في هذه الأيام: هل كل يوم منها كهذه الأيام، كما هو المتبادر إلى الأذهان، أو كل يوم كألف سنة، كما نص على ذلك مجاهد والإِمام أحمد بن حنبل؟ ويروى ذلك من [¬٣] رواية الضحاك عن ابن عباس، فأما يوم السبت فلم يقع فيه خلق؛ لأنه اليوم السابع، ومنه سمي السبت، وهو القطع.\nفأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد في مسنده حيث قال (^١١٠): حدثنا حجاج، حدثنا ابن جريج، أخبرني إسماعيل بن أمية، عن أيوب بن خالد، عن عبد الله بن رافع مولى أم سلمة، عن أبي هريرة قال: أخذ رسول الله ﷺ بيدي فقال: \"خلق الله التربة يوم السبت، وخلق الجبال فيها يوم الأحد، وخلق الشجر فيها يوم الإثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الأربعاء، وبث فيها الدواب يوم الخميس، وخلق آدم بعد العصر يوم الجمعة، آخر الخلق في آخر ساعة من ساعات الجمعة، فيما بين العصر إلى الليل\".\nفقد رواه مسلم بن الحجاج في صحيحه، والنسائي من غير وجه، عن حجاج وهو ابن محمد الأعور، عن ابن جريج به. وفيه استيعاب الأيام السبعة، والله تعالى قد قال: ﴿في ستة أيام﴾ ولهذا تكلم البخاري وغير واحد من الحفاظ فى هذا الحديث، وجعلوه من رواية أبي هريرة عن كعب الأحبار ليس مرفوعًا، والله أعلم.\nوأما قوله تعالى: ﴿ثم استوى على العرش﴾ فللناس في هذا المقام مقالات كثيرة جدًا ليس هذا موضع بسطها، وإنما يسلك في هذا المقام مذهب السلف الصالح: مالك والأوزاعي والثوري والليث بن سعد والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وغيرهم من أئمة المسلمين قديمًا وحديثًا، وهو: إمرارها كما جاءت من غير تكييف ولا تشبيه ولا تعطيل. والظاهر المتبادر إلى أذهان المشبهين منفي عن الله، فإن الله لا يشبهه شيء من خلقه، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾. بل الأمر كما قال الأئمة: منهم نعيم بن حماد الخزاعي شيخ البخاري قال [¬٤]: من شبه الله بخلقه فقد كفر، ومن جحد ما وصف الله به نفسه فقد كفر، وليس فيما وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيه [¬٥]، فمن أثبت لله تعالى ما وردت به الآيات الصريحة\n_________\n(^١١٠) - \" المسند\" (٢/ ٣٢٧) وتقدم تخريجه [البقرة/ آية ٢٩].\n_________\n[¬١]- في ز \"خلق هذا\".\n[¬٢]- في ز \"الأيام\".\n[¬٣]- في ز \"عن\".\n[¬٤]- سقط من: ز.\n[¬٥]- في ز \"تشبيها\".","vol":"6","page":319},{"text":"والأخبار الصحيحة، على الوجه الذي يليق بجلال الله تعالى، ونفى عن الله تعالى النقائص، فقد سلك سبيل الهدى.\nوقوله تعالى: ﴿يغشي الليل النهار يطلبه حثيثًا﴾ أي: يذهب ظلام هذا بضياء هذا، وضياء هذا بظلام هذا، وكل منهما يطلب الآخر طلبها حثيثًا أي: سريعًا لا يتأخر عنه، بل إذا ذهب هذا جاء هذا وإذا جاء هذا ذهب هذا، كقوله: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ (٣٧) وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٣٨) وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (٣٩) لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٤٠)﴾. فقوله: ﴿وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ﴾ أي: لا يفوته بوقت يتأخر عنه، بل هو في أثره لا واسطة بينهما، ولهذا قال: ﴿يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ﴾ منهم من نصب، ومنهم من رفع، وكلاهما [¬١] قريب المعنى. أي: الجميع تحت قهره وتسخيره ومشيئته، ولهذا قال منبهًا: ﴿ألا له الخلق والأمر﴾ أي: له الملك والتصرف. ف ﴿تبارك الله رب العالمين﴾، كقوله: ﴿تبارك الذي جعل في السماء بروجًا [وجعل فيها سراجًا وقمرًا منيرًا] [¬٢]﴾.\nوقال ابن جرير (^١١١): حدثني المثنى، حدثنا إسحاق، حدثنا هشام أبو عبد الرحمن، حدثنا بقية بن الوليد، حدثنا [عبد الغفار بن عبد العزيز الأنصاري] [¬٣]، عن عبد العزيز الشامي، عن أبيه وكانت له صحبة قال: قال رسول الله ﷺ: \"من لم يحمد الله على ما عمل من عمل صالح، وحمد نفسه فقد كفر، وحبط عمله، ومن زعم أن الله جعل للعباد من الأمر شيئًا فقد كفر بما أنزل الله على أنبيائه، لقوله [¬٤]: ﴿ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب\n_________\n(^١١١) - إسناده هالك، تفسير ابن جرير (١٢/ ١٤٧٧٦) وأخرجه ابن أبي عاصم (٥/ رقم ٢٧٥٧) ومن طريقه ابن الأثير فى \"أُسد الغابة\" (٦/ ٢٠٢) عن كثير بن عبيد عن بقية به مختصرًا وهذا إسناد هالك عبد الغفور بن عبد العزيز هذا هو أبو الصبَّاح الواسطي، قال يحيى بن معين: ليس حديثه بشيء، وقال ابن حبان: كان ممن يضع الحديث، وقال البخاري: تركوه، وذكر له ابن عدي عدة أحاديث يرويها بهذا الإسناد ثم قال: \"وبهذا الإسناد اثنان وعشرون حديثًا … وعبد الغفور هذا الضَّعفُ على حديثه ورواياته بيِّن، وهو منكر الحديث\".\n_________\n[¬١]- في ز \"وكلا\".\n[¬٢]- في ت: \"الآية\".\n[¬٣]- كذا جاءت تسميته هكذا في جميع النسخ المخطوطة وكذا هو في \"التفسير\" لابن جرير ونقله عن ابن جرير الحافظ ابن حجر في \"الإصابة\" (٤/ ١٢٩) وسماه أيضًا \"عبد الغفار بن عبد العزيز\" ولكن كل هذا مخالف لما أطبقت عليه كتب التراجم والكتب الأخرى التى خرجته حيث جاء تسميته \"عبد الغفور بن عبد العزيز\" وكنوه \"أبا الصباح الواسطي\" انظر \"لسان الميزان\" (٢/ ٤٧) وابن عدي \"الكامل\" (٥/ ١٩٦٦) وانظر \"هامش تفسير ابن جرير\" (١٢/ ٤٨٤).\n[¬٤]- في ز \"كقوله\".","vol":"6","page":320},{"text":"العالمين﴾ \".\nوفي الدعاء المأثور، عن أبي الدرداء، وروي مرفوعًا (^١١٢): \" اللَّهم لك الملك كله، ولك الحمد كله، وإليك يرجع الأمر كله؛ أسألك من الخير كله، وأعوذ بك من الشر كله\".\n﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٥٥) وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦)﴾\nأرشد ﵎ عباده إلى دعائه، الذي هو صلاحهم في دنياهم وأخراهم، فقال: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ معناه: تذللًا واستكانة، ﴿وخفية﴾ كما قال: ﴿واذكر ربك في نفسك﴾ الآية. وفي الصحيحين (^١١٣) عن أبي موسى الأشعري، قال: رفع الناس أصواتهم بالدعاء، فقال رسول الله ﷺ: \"أيها الناس اربَعُوا على أنفسكم؛ فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبًا، إن الذي تدعونه [سميع قريب] [¬١] \". الحديث.\nوقال ابن جريج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس في قوله: ﴿تضرعًا وخفية﴾ قال: السر.\nوقال ابن جرير [¬٢]: ﴿تضرعًا﴾ تذللًا واستكانة لطاعته، ﴿وخفية﴾ يقول: بخشوع قلوبكم، وصحة اليقين بوحدانيته وربوبيته فيما بينكم وبينه، لا جهارًا و[¬٣] مراءاة.\n_________\n(^١١٢) - ضعيف المرفوع روي من حديث أبي سعيد الخدري أخرجه البيهقي في \"الشعب\" (٤/ رقم ٤٤٠٠) والديلمي في \"مسند الفردوس\" (٦٨١٧) من طريق خالد بن يزيد عن بن أبي ذئب عن زيد ابن أسلم عن عطاء ابن يسار عن أبي سعيد رفعه، وقال البيهقي: \"قال أبو عبد الله - يعني شيخه الحاكم - تفرد به خالد بن يزيد العمرى عن ابن أبي ذئب\" قلت: خالد بن يزيد هذا كذبه أبو حاتم ويحيى وقال ابن حبان: \"يروي الموضوعات عن الإثبات\"، واستنكر له ابن عدي في في \"الكامل\" (٣/ ٨٩٠) عدة أحاديث ثم قال: \"ولخالد العمري، عن الثوري وابن أبي ذئب وغيرهم غير ما ذكرت أحاديث، وعامتها مناكير\" وفي الباب عن حذيفة عند أحمد (٥/ ٣٩٦) وفي إسناده جهالة، وعن سعد بن أبي وقاص عند البيهقي في \"الشعب\" أيضًا (٤/ ٤٣٩٩) وفي إسناده أبو بلج يحيى بن سليم وثقه جماعة وضعفه آخرون وقال البخاري \"فيه نظر\".\n(^١١٣) - تقدم تخريجه [سورة البقرة/ آية ١٨٦].\n_________\n[¬١] ما بين المعكوفتين في ز \"سميعًا قريبًا\".\n[¬٢]- في تفسيره (١١٢/ ٤٨٥).\n[¬٣] سقط من: ز.","vol":"6","page":321},{"text":"وقال عبد الله بن المبارك، عن المبارك بن فضالة، عن الحسن قال: إن [¬١] كان الرجل لقد جمع القرآن وما يشعر به جاره الناس، وإن كان الرجل لقد فقه الفقه الكثير وما يشعر به الناس، وإن كان الرجل ليصلى الصلاة الطويلة في بيته، وعنده الزَّوْر [¬٢]، وما يشعرون به. ولقد أدركنا أقوامًا ما كان على الأرض من عمل يقدرون أن يعملوه في السر فيكون علانية أبدًا، ولقد كان المسلمون يجتهدون في الدعاء، وما يسمع لهم صوت، إن كان إلا همسًا بينهم وبين ربهم، وذلك أن الله تعالى يقول: ﴿ادعوا ربكم تضرعًا وخفية﴾ وذلك أن الله ذكر عبدًا صالحًا رضي فعله، فقال: ﴿إذ نادى ربه نداء خفيًّا﴾.\nوقال ابن جريج: يكره رفع الصوت والنداء والصياح في الدعاء، ويؤمر بالتضرع والاستكانة. ثم روى عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس في قوله: ﴿إنه لا يحب المعتدين﴾ في الدعاء، ولا في غيره.\nوقال أبو مجلز: ﴿إنه لا يحب المعتدين﴾ لا يسأل منازل الأنبياء.\nوقال الإمام أحمد بن حنبل (^١١٤) ﵀: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا شعبة، عن زياد بن مخراق، سمعت أبا عيلة [¬٣]، عن مولى لسعد: أن سعدًا سمع ابنًا له يدعو وهو [¬٤] يقول: اللَّهم، إني أسألك الجنة ونعيمها وإستبرقها، ونحوًا من هذا، وأعوذ بك من النار وسلاسلها وأغلالها، فقال: لقد سألت الله خيرًا كثيرًا [¬٥]، وتعوذت به [¬٦] من شر كثير، وإني سمعت رسول الله، ﷺ، يقول: \"إنه سيكون قوم يعتدون في الدعاء\". وقرأ هذه\n_________\n(^١١٤) - \" المسند\" (١/ ١٧٢) (١٤٨٣) وأخرجه أحمد أيضًا (١/ ١٨٣) (١٥٨٤) من طريق أبي النضر ومحمد بن جعفر، وأبو يعلى في مسنده (٢/ رقم ٧١٥) من طريق شبابة بن سوَّار، وابن أبي حاتم في تفسيره (٥/ ٨٥٩٥) من طريق آدم بن أبي إياس أربعتهم (أبو النضر، ومحمد بن جعفر، وشبابة، وآدم) ثنا شعبة به، وانظر ما بعده.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- في خ، ت \"الزوار\"، والمثبت من ز، و\"الزور\" (بفتح فسكون) جمع \"زائر\"، مثل \"صاحب\" و\"صحب\".\n[¬٣]- كذا في خ، ز: \"عيلة\"، والصواب أبا نعامة كما في \"التهذيب\" لكن الذي في \"المسند\" في هذا الموضع هو \"أبا عَبَاية\" ولذا ذكره الحافظ في \"تعجيل المنفعة\" (رقم ١٣١٩) وقال: \"أبو عباية عن مولى لسعد بن أبي وقاص، وهو قيس بن عباية وهو من رجال \"التهذيب\" وأيد ذلك الشيخ أحمد شاكر ثم قال: \"ولكن كنية قيس \"أبو نعامة\" فلعل بعض الرواة وهم أو قال: \"ابن عباية\" ثم صحف خطأ، وقيس بن عباية: تابعى، بصري ثقة عند جميعهم\".\n[¬٤]- سقط من: ز.\n[¬٥]- سقط من: ز.\n[¬٦]- في ز \"بالله\".","vol":"6","page":322},{"text":"الآية: ﴿ادعوا ربكم تضرعًا وخفية إنه لا يحب المعتدين﴾. وإن بحسبك أن تقول: اللَّهم إني أسألك الجنة وما قرب إليها من قول أو عمل، وأعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول أو عمل.\nورواه أبو داود (^١١٥) من حديث شعبة، عن زياد بن مخراق، عن أبي نعامة، عن ابن لسعد، عن سعد. فذكره، والله أعلم.\nوقال الإمام أحمد (^١١٦): حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، أخبرنا الجريري، عن أبي نعامة: أن عَبد الله بن مغفل سمع ابنه يقول: اللهم، إني أسألك القصر الأبيض عن يمين الجنة، إذا دخلتها، فقال: يا بنى، سل الله الجنة وعُذْ به من النار، فإني سمعت رسول الله، ﷺ، يقول: \"يكون قوم يعتدون في الدعاء والطهور\".\nوهكذا رواه ابن ماجه، عن أبي بكر بن أبى شيبة، عن عفان، به.\nوأخرجه أبو داود (^١١٧)، عن موسى بن إسماعيل، عن حماد بن سلمة، عن سعيد بن إياس الجريري، عن أبي نعامة - واسمه قيس بن عباية الحنفي البصري -، وهو إسناد حسن لا بأس\n_________\n(^١١٥) - \" السنن\" لأبي داود، كتاب: الصلاة، باب: الدعاء (١٤٨٠) والطبراني في \"الدعاء\" (١/ رقم ٥٦) من طريق مسدد ثنا يحيى - ابن سعيد - عن شعبة به، وًاخرجه الطيالسي في \"مسنده\" (رقم ٢٠٠) ثنا شعبة أخبرني زياد بن مخراق قال: سمعت أبا عباية - شك أبو داود - أن سعدًا سمع ابنًا له يقول ....، فذكره وأخرجه ابن أبي شيبة فى \"المصنف\" (٧/ ٦٥) ثنا عبيد بن سعد عن شعبة به مختصرًا ليس فيه ذكر لابن سعد، وأخرجه الطبراني في \"الدعاء\" (١/ رقم ٥٥) من طريق عاصم بن علي ثنا شعبة، أخبرني زياد بن مخراق، قال: سمعت قيس بن عباية مولى لسعد أن ابنا لسعد كان يدعو … فذكره هكذا، وعاصم بن علي، \"صدوق ربما وهم\" - كما فى \"التقريب\" - وقد خالفه عبد الرحمن بن مهدي وغيره في هذا الإسناد - كما تقدم في السابق - والحديث أعله أحمد بأن زياد بن مخراق لم يُقم إسناده حيث رواه غيره عن أبي نعامة أن عبد الله بن مغفل سمع ابنه … الحديث - ويأتي بعد هذا - انظر \"تهذيب الكمال\" (٩/ ٥١٠)، وقال المنذري في \"مختصر سنن أبي داود\" (٢/ ١٤٢): \"سعد هذا - هو ابن أ بي وقاص - وابنه هذا لم يسم، فإن كان عمر، فلا يحتج به\" لكن يشهد له ما بعده.\n(^١١٦) - صحيح \"المسند\" (٥/ ٥٥) مقرونًا بـ \"عفان\"،\"عبد الصمد\" ومن طريق عفان - وهو ابن مسلم - أخرجه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٧/ ٦٥) وعنه ابن ماجه، كتاب: الدعاء، باب: كراهية الاعتداء في الدعاء (٣٨٦٤) وانظر ما بعده.\n(^١١٧) - \" السنن\" لأبي داود كتاب: الطهارة، باب: الإسراف في الماء (٩٦) ومن طريق موسى بن إسماعيل، أخرجه الحاكم (١/ ١٦٢، ٥٤٠) وعنه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (١/ ١٩٦، ١٩٧) وصححه الحاكم ووافقه الذهبي فى الموضع الثاني، بينما قال في الأول: \"فيه إرسال\"!! وأخرجه أحمد (٤/ ٨٧) وابن حبان (١٥/ ٦٧٦٤) والطبراني فى \"الدعاء\" (٥٩) من طرق عن حماد بن سلمة به، وأخرجه أحمد أيضًا (٤/ ٨٦) وعبد بن حميد فى \"المنتخب\" (٥٠٠)، والطبراني (٥٨) =","vol":"6","page":323},{"text":"به، والله أعلم.\nوقوله تعالى: ﴿ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها﴾ ينهى تعالى عن الإفساد فى الأرض، وما [¬١] أضره بعد الإصلاح! فإنه إذا كانت الأمور ماشية على السداد، ثم وقع الإفساد بعد ذلك، كان أضر ما يكون على العباد؛ فنهى تعالى عن ذلك، وأمر بعبادته ودعائه والتضرع إليه والتذلل لديه، فقال: ﴿وادعوه خوفًا وطمعًا﴾ أي: خوفًا مما عنده من وبيل العقاب، وطمعًا فيما عنده من جزيل الثواب.\nثم قال: ﴿إن رحمت الله قريب من المحسنين﴾ أي: إن رحمته مرصدة للمحسنين الذين يتبعون أوامره، ويتركون زواجره، كما قال تعالى: ﴿ورحمتى وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون [ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتا يؤمنون الذين يتبعون الرسول النبي الأمي] [¬٢]﴾.\nوقال: ﴿قريب﴾ ولم يقل قريبة؛ لأنه ضمّن الرحمة معنى الثواب، أو لأنها مضافة إلى الله، فلهذا قال: ﴿قريب من المحسنين﴾.\nوقال مطر الوراق: تنجزوا موعود الله بطاعته؛ فإنه قضى أن رحمته قريب من المحسنين. رواه ابن أبي حاتم (^١١٨).\n﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٥٧) وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ (٥٨)﴾\nلما ذكر تعالى أنه خالق السموات والأرض، وأنه المتصرف الحاكم المدبر المسخر، وأرشد إلى دعائه؛ لأنه على ما يشاء قادر، نبه تعالى على أنه الرزاق، وأنه يعيد الموتى يوم القيامة، فقال:\n_________\n= من طرق عن حماد بن سلمة عن يزيد الرقاشي عن أبي نعامة، ويزيد ضعيف لكنه متابع وصححه ابن حبان أيضًا (٦٧٦٣) من طريق أبي الوليد الطيالسي عن حماد بن سلمة عن الجُريري عن أبي العلاء قال: سمع عبد الله بن المغُفَّل ابنًا له - فذكر الحديث، قال أبو حاتم بن حبان (١٥/ ص ١٦٧/ الإحسان): \"سمع هذا الخبر الجريري عن فى يد بن عبد الله الشخير وأبي نَعَامَة، فالطريقان جميعًا محفوظان\".\n(^١١٨) - \" التفسير\" لابن أبي حاتم (٥/ ٨٦٠٤) وزاد نسبته السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ١٧٢) إلى أبي الشيخ.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- من: ز، وفي ت: \"الآية\".","vol":"6","page":324},{"text":"﴿وهو الذي يرسل الرياح نشرًا [¬١]﴾ أي: ناشرة بين يدي السحاب الحامل للمطر، ومنهم من قرا: (بشرًا) كقوله: ﴿ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات﴾.\nوقوله: ﴿بين يدي وحمته﴾ أي: بين يدي المطر، كما قال: ﴿وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا وينشر رحمته وهو الولي الحميد﴾، وقال: ﴿فانظر إلى آثار رحمة الله كيف يحيى الأرض بعد موتها إن ذلك لمحيي الموتى وهو على كل شيء قدير﴾.\nوقوله: ﴿حتى إذا أقلت سحابًا ثقالًا﴾ أي: حملت الرياح سحابًا ثقالًا، أي: من كثرة ما فيها من الماء، تكون ثقيلة قريبة من الأرض مدلهمة، كما قال زيد بن عمرو بن نفيل ﵀:\nوأسْلمْتُ وَجْهِي لِمَنْ أَسْلَمَتْ … لَهُ المزنُ تَحْمِلُ عَذْبًا زُلالًا\nوَأسْلمْتُ وَجهِي لِمَنْ أسْلَمَتْ … لَهُ الأرضُ تَحْمِلُ صَخْرَا ثقالًا\nوقوله: ﴿سقناه لبلد ميت﴾ أي: إلى أرض ميتة مجدبة [¬٢] لا نبات فيها، كقوله: ﴿وآية لهم الأرض الميتة أحييناها [وأخرجنا منها حبًّا فمنه يأكلون] [¬٣]﴾، ولهذا قال: ﴿فأخرجنا به من كل الثمرات كذلك نخرج الموتى﴾ أي: كما أحيينا هذه الأرض بعد موتها، كذلك نحيي الأجساد بعد صيرورتها رميمًا يوم القيامة، ينزل الله ﷾ ماءً من السماء، فتمطر الأرض أربعين يومًا، فتنبت منه الأجساد في قبورها، كما ينبت الحب في الأرض، وهذا المعنى كثير في القرآن، يضرب الله مثلًا [ليوم القيامة] [¬٤] بإحياء الأرض بعد موتها، ولهذا قال: ﴿لعلكم تذكرون﴾.\nوقوده: ﴿والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه﴾ أي: والأرض الطيبة يخرج نباتها سريعًا حسنًا، كقوله: ﴿فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتًا حسنًا﴾.\n﴿والذي خبث لا يخرج إلا نكدًا﴾ قال مجاهد وغيره: كالسباخ ونحوها.\nوقال على بن أبي طلحة، عن ابن عباس فما هذه الآية: هذا مثل ضربه الله للمؤمن والكافر.\nوقال البخاري (^١١٩): حدثنا محمد بن العلاء، حدثنا حماد بن أسامة، عن بُرَيد [¬٥] بن عبد الله، عن أبي بردة، عن أبي موسى، ﵁، قال: قال رسول الله، صلى الله عليه\n_________\n(^١١٩) - صحيح البخاري، كتاب: العلم، باب: فَضلِ مَن عَلِمَ وعَلَّم (٧٩)، وأخرجه أحمد (٤/ ٣٩٩)، ومسلم، كتاب: الفضائل، باب: دِان مثل ما بعث النبي - على الله عليه وسلم - من الهدى والعلم (١٥) (٢٢٨٢)، والنسائي في \"الكبرى\" (٣/ ٥٨٤٣) من طرق عن أبي أسامة حماد ابن أسامة، به.\n_________\n[¬١] فى ت: \"بشرًا\".\n[¬٢]- في ز \"أي: مجذبة\".\n[¬٣]- فى ت: \"الآية\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين في خ، ز: \"للقيامة\".\n[¬٥]- فى ز \"يزيد\".","vol":"6","page":325},{"text":"وسلم: \"مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم، كمثل الغيث الكثير أصاب أرضًا [¬١]، فكان [¬٢] منها نقية [¬٣] قبلت الماء، فأنبتت [¬٤] الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها أجادب، أمسكت الماء، فنفع الله بها الناس: فشربوا وسقوا وزرعوا، وأصاب منها طائفة أخرى إنما هى قيعان [¬٥]: لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ، فذلك مثل [¬٦]، من فَقُه فى دين الله ونفعه ما [¬٧] بعثني الله به، فَعِلمَ وَعلَّم [¬٨]، ومثل من لم يرفع بذلك رأسًا، ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به\".\nرواه مسلم والنسائى: من طرق، عن أبي أسامة حماد بن أسامة، به\n﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٥٩) قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٦٠) قَالَ يَاقَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦١) أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٦٢)﴾\nلما ذكر تعالى قصة آدم في أول السورة، وما يتعلق بذلك، وما [¬٩] يتصل به، وفرغ منه شرع تعالى في ذكر [¬١٠] قصص الأنبياء ﵈؛ الأول فالأول، فابتدأ بذكر نوح ﵇؛ فإنه أول رسول [بعثه الله] [¬١١] إلى أهل الأرض، بعد آدم ﵇ وهو نوح بن لامك [¬١٢] ابن متوشلح [¬١٣] بن خنوخ - وهو إدريس النبي ﵇ فيما - يزعمون، وهو أول من خط بالقلم - ابن برد بن مهليل بن قنين بن يانش بن شيث بن آدم ﵇.\nهكذا نسبه ابن إسحاق وغير واحد من أئمة النسب. قال محمد بن إسحاق: ولم يلق نبي\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- في خ، ز: \"فكانت\".\n[¬٣]- في ز \"بقية\".\n[¬٤]- في ز \"وأنبتت\".\n[¬٥]- سقط من: خ، ز.\n[¬٦]- سقط من: ز.\n[¬٧]- في ز \"بما\".\n[¬٨]- سقط من: خ، ز.\n[¬٩]- سقط من: ز.\n[¬١٠]- شط من: خ، ز.\n[¬١١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬١٢]- في ز \"لمك\".\n[¬١٣]- في ز \"متوشلخ\".","vol":"6","page":326},{"text":"من قومه من الأذى مثل نوح إلا نبي قتل.\nوقال يزيد الرقاشي: إنما سمي نوحًا [¬١]؛ لكثرة ما ناح على نفسه.\nوقد كان بين آدم إلى زمان نوح ﵉ عشرة قرون، كلهم على الإِسلام.\nقال عبد الله بن عباس وغير واحد من علماء التفسير: وكان أول ما عبدت الأصنام؛ أن قومًا صالحين ماتوا، فبنى قومهم عليهم مساجد، [وصورا صور] [¬٢] أولئك فيها؛ ليتذكروا حالهم وعبادتهم فيتشبهوا بهم، فلما طال الزمان جعلوا تلك الصور أجسادًا على تلك الصور، فلما تمادى الزمان عبدوا تلك الأصنام، وسموها بأسماء أولئك [¬٣] الصالحين: [ودًّا وسواعًا] [¬٤] ويغوث ويعوق ونسرًا، فلما تفاقم الأمر بعث الله ﷾ وله الحمد والمنة - رسوله نوحًا، يأمرهم بعبادة الله وحده لا شريك له، فقال: ﴿يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ أي: من عذاب يوم القيامة، إذا لقيتم الله وأنتم مشركون به. ﴿قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ﴾ أي: الجمهور والسادة والقادة والكبراء منهم: ﴿إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ أي: في دعوتك إيانا إلى ترك عبادة هذه الأصنام، التي وجدنا آباءنا عليها، وهكذا حال الفجار، إنما يرون الأبرار في ضلالة، كقوله: ﴿وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ﴾، ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\n﴿قَالَ يَاقَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ أي: ما أنا ضال [¬٥]، ولكن أنا رسول من [رب العالمين] [¬٦]، رب كل شيء ومليكه، ﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ وهذا شأن الرسول أن يكون بليغًا فصيحًا ناصحًا عالما [¬٧] بالله، لا يدركهم أحد من خلق الله في هذه الصفات، كما جاء في صحيح مسلم (^١٢٠): أن رسول الله، ﷺ، قال لأصحابه يوم عرفة وهم أوفر ما كانوا وأكثر جمعًا: \"أيها الناس، إنكم مسئولون عني، فما أنتم قائلون؟ \" قالوا: نشهد أنك قد [¬٨] بلغت وأديت ونصحت [¬٩]، فجعل يرفع أصبعه إلى السماء، وينكتها عليهم، ويقول: \"اللَّهم اشهد! اللَّهم اشهدا\".\n_________\n(^١٢٠) - صحيح مسلم كتاب: الحج، باب: حجة النبي ﷺ (١٤٧) (١٢١٨) من حديث جابر بن عبد الله، وتقدم ذكره في [سورة المائدة/ آية ٦٧].\n_________\n[¬١]- في ز \"نوح\".\n[¬٢]- في ز \"صوروا صورة\".\n[¬٣]- في ز \"تلك\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٥]- في ز \"ضالًا\".\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٧]- سقط من: خ، ز.\n[¬٨]- سقط من: ز.\n[¬٩]- سقط من: خ، ز.","vol":"6","page":327},{"text":"﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٦٣) فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ (٦٤)﴾\nيقول تعالى إخبارًا عن نوح أنه قال لقومه: ﴿أَوَعَجِبْتُمْ [أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ] [¬١]﴾، أي: لا تعجبوا من هذا؛ فإن هذا ليس بعجب، أن يوحي الله إلى رجل منكم رحمة بكم، ولطفا وإحسانًا إليكم؛ لينذركم [¬٢] ولتتقوا نقمة الله، ولا تشركوا به، ﴿وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾.\nقال الله تعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ﴾ أي: فتمادوا على تكذيبه ومخالفته، وما آمن معه منهم إلا قليل، كما نص عليه تعالى في موضع آخر: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ﴾ وهي السفينة، كما قال: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾، كما قال: ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصَارًا﴾.\nوقوله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ﴾ أي: عن الحق، لا يبصرونه ولا يهتدون له.\nفبين تعالى في هذه القصة أنه انتقم لأوليائه من أعدائه، وأنجى رسوله والمؤمنين، وأهلك أعداءهم من الكافرين، كقوله: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا﴾ الآية إلى قوله: ﴿وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾.\nوهذه سنة الله في عباده في الدنيا والآخرة، أن العاقبة فيها [¬٣] للمتقين، والظفر والغلب لهم، كما أهلك قوم نوح بالغرق، ونجى [¬٤] نوحًا وأصحابه المؤمنين.\nو[¬٥] قال مالك، عن زيد بن أسلم: كان قوم نوح قد ضاق بهم السهل والجبل.\nوقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: ما عذب الله قوم نوح إلا والأرض ملأى بهم، وليس بقعة من الأرض إلا ولها مالك وحائز.\nوقال ابن وهب: بلغنى عن ابن عباس: أنه نجا مع نوح في السفينة ثمانون رجلًا، أحدهم\n_________\n[¬١] في ت: \"الآية\".\n[¬٢] في ز \"لإنذاركم\".\n[¬٣] سقط من: ز.\n[¬٤] في ز \"نجا\".\n[¬٥] سقط من: ز.","vol":"6","page":328},{"text":"جرهم، وكان لسانه عربيًّا. رواهن ابن أبي حاتم (^١٢١)، وقد روي هذا الأثر الأخير من وجه آخر متصلًا [¬١] عن ابن عباس ﵄.\n﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٦٥) قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٦٦) قَالَ يَاقَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٧) أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ (٦٨) أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٦٩)﴾\nيقول تعالى: وكما أرسلنا إلى قوم نوح نوحًا، كذلك أرسلنا إلى عاد أخاهم هودًا.\nقال محمد بن إسحاق: هم ولد عاد بن إرم بن عوص بن سام بن نوح.\n(قلت): وهؤلاء هم عاد الأولى، الذين ذكرهم الله، وهم أولاد عاد بن إرم الذين كانوا يأوون إلى [¬٢] العمد في البر، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ﴾ وذلك لشدة بأسهم وقوتهم، كما قال تعالى: ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾.\nوقد كانت مساكنهم باليمن بالأحقاف وهي جبال الرمل.\nقال محمد بن إسحاق، عن محمد بن عبد الله بن أبي سعيد الخزاعي، عن أبي الطفيل عامر\n_________\n(^١٢١) - \" التفسير\" لابن أبي حاتم (٥/ ١٥٠٦، ١٥٠٧) والأثر الأخير رواه موصولًا (٥/ رقم ٨٦٣٥/ ص ١٥٠٦) من طريق الحسين بن واقد عن أبي نَهيك عن ابن عباس به، وأبو نهيك اسمه \"عثمان بن نهيك\" وثقه أبو أحمد الحاكم وابن حبان، وقال ابن عبد البر: \"مجهول\" واضطربت فيه عبارة الحافظ في \"التقريب\" فوثقه في الكنى وقال في الأسماء: \"عثمان بن نهيك … مقبول\".\n_________\n[¬١]- في ز \"متصل\".\n[¬٢]- سقط من: ز.","vol":"6","page":329},{"text":"ابن واثلة، سمعت على بن أبي طالب يقول لرجل من حضرموت: هل رأيت كثيبًا أحمر [¬١] تخالطه مدرة حمراء، ذا أراك وسدر كثير، بناحية كذا وكذا من أرض حضرموت، هل رأيته؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، واللَّه إنك لتنعته نعت رجل قد رآه. قال: لا، ولكني قد حدثت عنه. فقال الحضرمي: وما شأنه يا أمير المؤمنين؟ قال: فيه قبر هود ﵇.\nرواه ابن جرير (^١٢٢). وهذا فيه فائدة: أن مساكنهم كانت باليمن؛ وأن هودًا ﵇ دفن هناك، وقد كان من أشرف قومه نسبًا؛ لأن الرسل إنما يبعثهم الله من أفضل القبائل وأشرفهم، ولكن كان قومه كما شدد خلقهم شدد على قلوبهم، وكانوا من أشد الأم تكذيبًا للحق، ولهذا دعاهم هود ﵇ إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وإلى طاعته وتقواه.\n﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ﴾ والملأ: هم الجمهور والسادة والقادة منهم: ﴿إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ أي: في ضلالة حيث دعوتنا إلى ترك عبادة الأصنام، والإقبال على [¬٢] عبادة الله وحده، كما تعجب الملأ من قريش من الدعوة إلى إله واحد، فقالوا [¬٣]: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ] [¬٤]﴾.\n﴿قَالَ يَاقَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ أي: لست كما تزعمون، بل جئتكم بالحق من الله الذي خلق كل شيء، فهو رب كل شيء ومليكه ﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ﴾ وهذه الصفات التي يتصف بها الرسل: البلاغة والنصح والأمانة.\n﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ﴾ أي: لا تعجبوا أن بعث الله إليكم رسولًا من أنفسكم؛ لينذركم أيام الله ولقاءه، بل احمدوا الله على ذاكم ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ أي: واذكروا نعمة الله عليكم إذ جعلكم من ذرية نوح، الذي أهلك الله أهل الأرض بدعوته، لما خالفوه وكذبوه ﴿وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً﴾ أي: زاد طولكم على الناس ﴿بَسْطَةً﴾ أي: جعلكم أطول من أبناء جنسكم؛ كقوله في قصة طالوت: ﴿وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾، ﴿فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ﴾ أي: نعمته [¬٥] ومنته عليكم ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾.\n_________\n(^١٢٢) - تفسير ابن جرير (١٢/ ١٤٨٠٣) وأخرجه البخاري في \"التاريخ الكبير\" (١/ ١٣٥/ ترجمة محمد ابن عبد الله بن أبي سعيد) وصرح عنده ابن إسحاق بالتحديث، لكن محمد بن عبد الله هذا لم يوثقه غير ابن حبان \"الثقات\" (٥/ ٣٧٦).\n_________\n[¬١] فى ز \"أحمرا\".\n[¬٢] سقط ز \"إلى\".\n[¬٣] سقط من: ز.\n[¬٤] في ت: \"الآية\".\n[¬٥] في ز \"نعمه\".","vol":"6","page":330},{"text":"﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٧٠) قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (٧١) فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَمَا كَانُوا مُؤْمِنِينَ (٧٢)﴾\nيقول تعالى مخبرًا عن تمردهم وطغيانهم، وعنادهم: إنكارهم على هود ﵇: ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ [وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ] [¬١]﴾، كما قال الكفار من قريش: ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾.\nوقد ذكر محمد بن إسحاق وغيره: أنهم كانوا يعبدون أصنامًا؛ فصنم يقال له: صُداء، وآخر يقال له: صمود [¬٢]، وآخر يقال له: الهباء.\nولهذا قال هود [¬٣] ﵇: ﴿قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ﴾ أي: قد وجب عليكم بمقالتكم هذه من ربكم ﴿رِجْسٌ﴾ قيل: هو مقلوب من رجز، وعن ابن عباس: معناه [سخط وغضب] [¬٤].\n﴿أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ﴾ أي: أتحاجوني في هذه الأصنام التي سميتموها أنتم وآباؤكم آلهة، وهي لا تضر ولا تنفع، ولا جعل الله لكم على عبادتها حجة ولا دليلًا؛ ولهذا قال: ﴿مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾.\nوهذا تهديده ووعيد من الرسول لقومه؛ ولهذا عقب بقوله: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَمَا كَانُوا مُؤْمِنِينَ﴾.\nوقد ذكر الله سبحانه صفة إهلاكهم في أماكن أخر من القرآن، بأنه أرسل عليهم الريح العقيم ما تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم، كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا\n_________\n[¬١]- فى ت: \"الآية\".\n[¬٢]- في ز \"صمرد\".\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- في ز \"السخط والغضب\".","vol":"6","page":331},{"text":"بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ * سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا * فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ * فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ﴾، لما تمردوا وعتوا أهلكهم الله بريح عاتية، فكانت تحمل الرجل منهم فترفعه في الهواء ثم تنكسه على أم رأسه فتثلغ رأسه حتى تبينه من بين [¬١] جثته؛ ولهذا قال: ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾.\nوقال محمد بن إسحاق: كانوا يسكنون باليمن بين [¬٢] عمان وحضرموت، وكانوا مع ذلك قد فشوا في الأرض، وقهروا أهلها بفضل قوّتهم التي آتاهم الله، وكانوا أصحاب أوثان يعبدونها من دون الله، فبعث الله إليهم هودًا ﵇ وهو من أوسطهم نسبًا وأفضلهم موضعًا، فأمرهم أن يوحدوا الله ولا يجعلوا معه إلهًا غيره، وأن يكفوا عن ظلم الناس، فأبوا عليه وكذبوه، وقالوا: من أشد منا قوة؟! واتبعه منهم ناس وهم يسير مكتتمون بإيمانهم، فلما عتت عاد على الله وكذبوا نبيه، وأكثروا في الأرض الفساد، وتجبروا وبنوا بكل ريع آية عبثًا بغير نفع، كلمهم هود، فقال: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ * وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ * وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ * فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾، ﴿قَالُوا يَاهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ * إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ﴾ أي: بجنون ﴿قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ * إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.\nقال محمد بن إسحاق: فلما أبوا إلا الكفر به، أمسك الله عنهم القطر ثلاث سنين، فيما يزعمون، حتى جهدهم ذلك. قال: وكان الناس إذا جهدهم أمر في ذلك الزمان، فطلبوا من الله الفرج فيه، إنما يطلبونه بحَرَمِه [¬٣] ومكان [¬٤] بيته، وكان معروفًا عند المِلَل، وبه العماليق مقيمون، وهم من سلالة عمليق بن لاوذ [¬٥] بن سام بن نوح، وكان سيدهم إذ ذاك رجلًا [¬٦] يقال له: معاوية بن بكر، وكانت له أم من قوم عاد واسمها: كلهدة [¬٧] بنة الخيبزي. قال: فبعثت عاد وفدًا قريبًا من سبعين رجلًا إلى الحرم؛ ليستسقوا لهم عند الحرم، فمروا بمعاوية بن بكر بظاهر مكة، فنزلوا عليه فأقاموا عنده شهرًا، يشربون الخمر وتغنيهم الجرادتان - قينتان لمعاوية - وكانوا قد وصلوا إليه في شهر، فلما طال مقامهم عنده، وأخذته شفقة على قومه، واستحيا منهم أن يأمرهم بالانصراف، عمل شعرًا يعرض لهم بالانصراف، وأمر القينتين أن تغنياهم [¬٨]\n_________\n[¬١]- سقط من: خ، ز.\n[¬٢]- في ز \"من\".\n[¬٣]- في ت \"بحرمة\".\n[¬٤]- في ت \"مكانة\".\n[¬٥]- في ز \"لاوم\".\n[¬٦]- في ز، خ \"رجل\"\n[¬٧]- في ز \"جلهدة\".\n[¬٨]- في ز \"تغنيهم\".","vol":"6","page":332},{"text":"به، فقال:\nألا يا قَيْل ويحَك قم فَهَيْنِم … لعلَّ اللَّه يُصْبِحنَا غمامًا\nفيسقي أرضَ عادٍ إنْ عادًا … قد امسوا لا يُبِينُون الكلاما\nمن العطش الشديد فليس نرجو [¬١] … به الشيخَ الكبيرَ ولا الغلاما\nوقد كانت نساؤهم بخير … فقد أمستْ نساؤهم عَيَاما\nوإن الوحش تأتيهم جهارا … ولا تخشى لعاديٍّ سهاما\nوأنتم هاهنا فيما اشتهيتم … نهاركم وليلكم التماما\nفقُبِّح وَفْدُكم من وفد قومٍ … ولا لُقُّوا التحيَّةَ والسَّلاما\nقال: فعند ذلك تنبه القوم لما جاءوا له، فنهضوا إلى الحرم، ودعوا لقومهم، فدعا داعيهم، وهو: قيل بن عنز، فأنشأ الله سحابات ثلاثًا؛ بيضاء وسوداء وحمراء، ثم ناداه مناد [من السماء: اختر لنفسك أو لقومك من هذا السحاب. فقال: اخترت هذه السحابة السوداء، فإنها أكثر السحاب ماء. فناداه مناد] [¬٢]:\nاخترت رمادًا رمددًا، لا تبقي [¬٣] من عاد أحدًا، لا [¬٤] والدًا تترك ولا ولدًا، إلا جعلته همدًا\nإلا بني اللوذية المهندًا.\nقال: وبنو اللوذية بطن من عاد مقيمون [¬٥] بمكة، فلم يصبهم ما أصاب قومهم. قال: وهم من بقي من أنسالهم وذراريهم عاد الآخرة. قال: وساق الله السحابة السوداء فيما يذكرون، التي اختارها قيل بن عنز، بما فيها من النقمة إلى عاد، حتى تخرج عليهم من واد يقال له: المغيث، فلما رأوها استبشروا، وقالوا: ﴿هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾. يقول: ﴿بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ * تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ [أي: تهلك كل شيء مرت به] [¬٦]، فكان أول من أبصر ما [¬٧] فيها، وعرف أنها ريح، فيما يذكرون، امرأة من عاد يقال لها: مهدد [¬٨]؟ فلما تبينت ما فيها صاحت، ثم صعقت، فلما أفاقت قالوا: ما رأيت يا مهدد [¬٩]؟ قالت: ريحًا فيها شهب النار، أمامها رجال يقودونها. فسخرها الله عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسومًا، كما قال الله تعالى، والحسوم: الدائمة، فلم تدع من عاد أحدًا إلا\n_________\n[¬١]- في ز \"يرجو\".\n[¬٢]- سقط من: خ، ز.\n[¬٣]- في ز: \"يبقي\".\n[¬٤]- في ز: \"ولا\".\n[¬٥]- في ز: \"مقمين\".\n[¬٦]- سقط من: خ، ز.\n[¬٧]- سقط من: ت.\n[¬٨]- في خ، ز: \"مميد\".\n[¬٩]- في خ، ز: \"مميد\".","vol":"6","page":333},{"text":"هلك، واعتزل هود ﵇ فيما ذكر لى ومن معه من المؤمنين في حظيرة، ما يصيبه ومن معه إلا ما [¬١] تلين عليه الجلود، وتلتذ [¬٢] الأنفس، وإنها لتمر على عاد بالطعن ما بين السماء والأرض، وتدمغهم بالحجارة.\nوذكر تمام القصة بطولها، وهو سياق غريب، فيه فوائد كثيرة، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾.\nوقد ورد في الحديث الذي رواه الإِمام أحمد [في مسنده قريب مما أورده محمد بن إسحاق بن يسار ﵀. قال الإِمام أحمد] [¬٣] (^١٢٣): حدثنا زيد بن الحباب، حدثني أبو المنذر سلام ابن سليمان النحوي، حدثنا عاصم بن أبي النجود، عن أبي وائل، عن الحارث البكري، قال: خرجت أشكو العلاء بن الحضرمي إلى رسول الله، ﷺ، فمررت بالربذة، فإذا عجوز من بني تميم منقطع بها، فقالت لي [¬٤]: يا عبد الله، إن لي إلى رسول الله، ﷺ، حاجة، فهل أنت مبلغي إليه؟ قال: فحملتها فأتيت المدينة، فإذا المسجد غاص بأهله، وإذا راية سوداء تخفق، وإذا بلال متقلد بسيف بين يدي رسول الله ﷺ، فقلت: ما شأن الناس؟ قالوا [¬٥]: يريد أن يبعث عمرو بن العاص وجهًا. قال: فجلست. قال [¬٦]: فدخل منزله - أو قال: رحله - فاستأذنت عليه، فأذن لي، فدخلت\n_________\n(^١٢٣) - \" المسند\" (٣/ ٤٨٢) وأخرجه الترمذي، كتاب: تفسير القرآن، باب: ومن سورة الذاريات (٣٢٧٠) ثنا عبد بن حميد، وابن جرير في تفسيره (١٢/ ١٤٨٠٦) ثنا أبو كريب، كلاهما (عبد بن حميد، وأبو كريب) ثنا زيد بن الحباب، به. وأخرجه أحمد (٣/ ٤٨١، ٤٨٢) - ومن طريقه ابن الأثير في \"أسد الغابة\" (٢/ ٣٨٧) - وابن أبي شيبة في مسنده (٢/ رقم ٦٥٩) وابن سعد في \"الطبقات\" (٦/ ١٠٩) والنسائي في \"الكبرى\" (٥/ رقم ٨٦٠٧)، والطبراني في \"الكبير\" (٣/ ٣٣٢٥) من طريق عفان ابن مسلم - مقرونًا به محمد بن مخلد الحضرمي عند الطبراني - وأخرجه ابن أبي عاصم في \"الآحاد والمثاني\" (٣/ رقم ١٦٦٧) والترمذي (٣٢٦٩) والطبراني (٣/ ٣٣٢٦) والأزدي في \"كتاب المخزون في علم الحديث\" (ت ٥٢) من طريق سفيان بن عيينة ثلاثتهم (عفان ومحمد وسفيان) عن سلام أبي المنذر به وفي رواية سفيان عند الترمذي (عن أبي وائل عن رجل من ربيعة) - وأخرجه أحمد (٣/ ٤٨١)، ومن طريقه - وطريق إبراهيم بن الحسن والعلاء بن عمرو وإسحاق بن راهويه -: أخرجه الطبرانى (٣/ ٣٣٢٧: ٣٣٢٩) - وابن أبي شيبة (٢/ ٦٥٨) وعنه البخاري في \"التاريخ الكبير\" (٢/ ٢٦١) وابن أبي عاصم (٣/ ١٦٦٦) وابن ماجة، كتاب: الجهاد، باب: الرايات والألوية (٢٨١٦) - وابن جرير (١٢/ ١٤٨٠٥) عن أبى كريب، الأموي، ويحيى الحماني وعبد الحميد ابن صالح - كما في \"أسد الغابة\" كلهم (أحمد بن حنبل، وإبراهيم بن الحسن والعلاء بن عمرو وإسحاق ابن راهوية وأبو بكر بن أبي شيبة وأبو كريب، وسعيد الأموي ويحيى الحماني وعبد الحميد بن صالح) عن أبي بكر بن عياش عن عاصم -\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- في خ: \"وتتلذ\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٤]- سقط من: خ، ز.\n[¬٥]- في ز: \"فقالوا\".\n[¬٦]- سقط من: ز.","vol":"6","page":334},{"text":"فسلمت، فقال: هل بينكم وبين تميم شيء؟ قلت: نعم، وكانت لنا الدَّبَرة عليهم، ومررت بعجوز من بني تميم منقطع بها، فسألتني أن أحملها إليك، وها هي بالباب. فأذن لها فدخلت، فقلت: يا رسول الله، إن رأيت أن تجعل بيننا وبن تميم حاجزًا فاجعل الدهناء. فحميت العجوز واستوفزت [¬١]، فقالت: يا رسول الله، فإلي أين يضطر مضرك؟. قال: قلت: إن مثلي ما قال الأول: \"معْزَى حملت حتفها\"، حملت هذه ولا أشعر أنها كانت لي خصمًا، أعوذ بالله وبرسوله أن أكون كوافد عاد. قال: \"هيه، ومما وافد عاد؟ \". وهو أعلم بالحديث منه، ولكن يستطعمه [¬٢]. قلت: إن عادًا قحطوا، فبعثوا وافدًا لهم يقال له: قيل، فمر بمعاوية بن بكر، فأقام عنده شهرًا يسقيه الخمر، وتغنيه [¬٣] جاريتان يقال لهما: الجرادتان، فلما مضى الشهر خرج إلى [جبال مهرة] [¬٤]، فقال: اللَّهم إنك تعلم أنى لم أجئ إلى مريض فأداويه، ولا إلى أسير فأفاديه، اللَّهم اسق عادًا ما كنت تسقيه. فمرت به سحابات سود، فنودي منها: اختر، فأومأ إلى سحابة منها سوداء، فنودي منها: خذعا رمادًا رِمْدِدًا، لا تبقي من عاد أحدًا. قال: فما بلغني أنه بُعث عليهم من الريح، إلا قَدْر ما يجري في خاتمي هذا حتى هلكوا - قال أبو وائل: وصدق - قال: وكانت المرأة والرجل إذا بعثوا وافدًا لهم قالوا: لا تكن كوافد عاد.\nهكذا رواه الإمام أحمد في المسند، ورواه الترمذي: عن عبد بن حميد، عن زيد بن الحباب به نحوه، ورواه النسائي: من حديث سلام أبي المنذر، عن عاصم - وهو ابن بهدلة -. ومن طريقه رواه ابن ماجة أيضًا [¬٥]: عن أبي وائل، عن الحارث بن حسان البكري، به.\n_________\n= عن الحارث بن حسان به مختصرًا ومطولًا، وليس فيه \"أبو وائل\" وقال الأزدي: \"روى هذا الحديث سلام القاري، عن عاصم عن أبي وائل، عن الحارث بن حسان وهو الصحيح، وسلام قد حمل الناس عنه ورواه أبو بكر بن عياش وهو من الثقات عن عاصم عن الحارث بن حسان ولم يذكر أبا وائل، وقول سلام في هذا عن أبي وائل أثبت وأصح وإن كان أبو بكر بن عياش ثقة إلا أنه بشر يقع عليه السهو\" وصحح ابن عبد البر في \"الاستيعاب\" والمزي في \"تهذيب الكمال\" وابن حجر في \"التهذيب\" -[كلهم في ترجمة الحارث ابن حسان]- صححوا رواية من رواه بإثبات \"أبي وائل\" في الإسناد ويؤيده قول حماد بن سلمة: \"سلام أبو المنذر أحفظ لحديث عاصم من حماد بن زيد\" لكن سلام متكلم فيه، وقال ابن عدي في \"الكامل\" (٣/ ١١٥٩): \"عامة ما يرويه حسان إلا أنه لا يتابع عليه\" ولذلك قال المصنف وذكر الحديث عند [سورة الأحقاف/ آية ٢١]: \"هو غريب جدًّا من غرائب الحديث وأفراده\".\n_________\n[¬١]- \" حميت\": غضبت، وأخذتها الحمية والأنفة والغيظ، و\"استوفز الرجل في قعدته\" إذا قعد قعودًا منتصبًا غير مطمئن، ولم يستو قائمًا كالمتهيئ للوثوب، وذلك عند الشر والخصام والجدال والمماحكة. [هامش تفسير ابن جرير (١٢/ ٥١٧)].\n[¬٢]- في خ، ز: \"يستعظمه\".\n[¬٣]- في ز: \"وتغبيه\".\n[¬٤]- في ز: \"حبال مهره\".\n[¬٥]- رواية ابن ماجة ليس فيها \"أبو وائل\" وانظر \"تحفة الأشراف\" (٣/ رقم ٣٢٧٧).","vol":"6","page":335},{"text":"ورواه ابن جرير: عن أبي كريب، عن زيد بن حباب، به. ووقع عنده: [عن الحارث بن يزيد البكري] [¬١] فذكره. ورواه أيضًا: عن أبي كريب، عن أبي بكر بن عياش، عن عاصم، عن الحارث بن حسان البكري فذكره. ولم أر في النسخة أبا وائل، والله أعلم.\n﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٣) وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٧٤) قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ (٧٥) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (٧٦) فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُوا يَاصَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٧٧) فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٧٨)﴾\nقال علماء التفسير والنسب: ثمود بن عاثر بن إرم بن سام بن نوح، وهو أخو جديس بن عاثر، وكذلك قبيلة طسم، كل هؤلاء كانوا أحياء من العرب العاربة قبل إبراهيم الخليل ﵇، وكانت ثمود بعد عاد، ومساكنهم مشهورة فيما بين الحجاز والشام إلى وادي القرى وما حوله، وقد مر رسول الله، ﷺ، على قراهم ومساكنهم، وهو ذاهب إلى تبوك في [¬٢] سنة تسع.\n_________\n[¬١]- اختلف في اسمه فقيل \"الحارث بن حسان البكرى\" وقيل: \"الحارث بن يزيد البكرى\" وقيل اسمه \"حريث\" وصحح ابن عبد البر في \"الاستيعاب\" أن اسمه \"الحارث بن حسان\" فقال: \"والأكثرون يقولون: الحارث بن حسان البكري وهو الصحيح إن شاء الله\".\n[¬٢]- سقط من: ز.","vol":"6","page":336},{"text":"قال الإمام أحمد (^١٢٤): حدثنا عبد الصمد، حدثنا صخر بن جُوَيْريَة، عن نافع، عن ابن عمر قال: لما نزل رسول الله، ﷺ، بالناس عام [¬١] تبوك، نزل بهم الحجر عند بيوت ثمود، فاستقى [¬٢] الناس من الآبار التي كانت تشرب منها ثمود، فعجنوا منها ونصبوا منها القدور، فأمرهم النبي، ﷺ، فأهراقوا [¬٣] القدور، وعلفوا العجين الإِبل، ثم ارتحل بهم، حتى نزل بهم على البئر التي كانت تشرب منها الناقة، ونهاهم أن يدخلوا عَلى القوم الذين عذبوا، وقال [¬٤]: \"إني أخشى أن يصيبكم مثل ما أصابهم فلا تدخلوا عليهم\".\nوقال أحمد أيضًا (^١٢٥): حدثنا عفان، حدثنا عبد العزيز بن مسلم، حدثنا عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله، ﷺ، وهو بالحجر: \"لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين، إلا أن تكونوا باكين، فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم، أن يصيبكم مثل ما أصابهم\".\nوأصل هذا الحديث مخرج في الصحيحين من غير وجه.\nوقال الإِمام أحمد أيضًا (^١٢٦): حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا [¬٥] المسعودي، عن إسماعيل ابن\n_________\n(^١٢٤) - \" المسند\" (٢/ ١١٧) (٥٩٨٤) - وذكره المصنف في \"البداية والنهاية\" (٥/ ١٤، ١٥) من طرتى أحمد هذه وصححه على شرط الشيخين، وأخرجه ابن حبان في صحيحه (١٤/ ٦٢٠٣) من طريق أبي الوليد - هشام بن عبد الملك، قال: حدثنا صخر بن جويرية به، والبخاري، كتاب: الأنبياء، باب: قول الله تعالى: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾ (٣٣٧٩)، ومسلم، كتاب: الزهد والرقائق، باب: لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم إلا أن تكونوا باكين (٤٠) (٢٩٨١) من طريق عبيد الله بن عمر عن نافع به مختصرًا.\n(^١٢٥) - \" المسند\" (٢/ ٧٤) (٥٤٤١) وأخرجه أيضًا (٢/ ٩، ٥٨، ٧٢، ٩١، ١١٣، ١٣٧) والبخاري: كتاب، الصلاة، باب: الصلاة في مواضع الخسف والعذاب (٤٣٣)، كتاب: المغازي، باب: نزول النبي ﷺ الحِجْرَ (٤٤٢٠)، كتاب: التفسير، باب: ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ﴾ (٤٧٠٢) ومسلم، كتاب: الزهد والرقائق، باب: لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم، إلا أن تكونوا باكين (٣٨) (، ٢٩٨)، والنسائي في \"التفسير\" من \"الكبرى\" (٦/ ١١٢٧٤) في طرق عن عبد الله بن دينار له، وأخرجه أحمد (٦٦/ ٢، ٩٦) والبخاري، كتاب: الأنبياء باب: قول الله تعالى ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾ (٣٣٨٠، ٣٣٨١) وك: المغازي، باب: نزول النبي ﷺ الحجر (٤٤١٩) ومسلم (٣٩) (٢٩٨٠) والنسائي (٦/ ١١٢٧٠) من طريق الزهري عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه، به.\n(^١٢٦) - إسناده حسن \"المسند\" (٤/ ٢٣١) وذكره المصنف في \"البداية والنهاية\" (١/ ١٥٩) (٥/ ١٥) =\n_________\n[¬١]- في خ، ز: \"على\".\n[¬٢]- في ت: \"فاستسقى\".\n[¬٣]- في خ، ز: \"فأهرقوا\".\n[¬٤]- سقط من: ز.\n[¬٥]- سقط من: ز، خ.","vol":"6","page":337},{"text":"أوسط، عن محمد بن أبي كبشة الأنماري، عن أبيه قال: لما كان في غزوة تبوك، تسارع الناس إلى أهل الحجرى يدخلون عليهم، فبلغ ذلك رسول الله، ﷺ، فنادى في الناس: \" الصلاةَ جامعة\". قال: فأتيت رسول الله، ﷺ، وهو ممسك بعيره [¬١]، وهو يقول: \"ما تدخلون على قوم غضب الله عليهم\". فناداه رجل منهم: نعجب منهم يا رسول الله. قال: \"أفلا أنبئكم بأعجب من ذلك: رجل من أنفسكم ينبئكم بما كان قبلكم، وبما هو كائن بعدكم، فاستقيموا وسددوا، فإن الله لا يعبأ بعذابكم شيئًا، وسيأتي قوم لا يدفعون عن أنفسهم شيئًا\".\nلم يخرجه أحد من أصحاب السنن [¬٢]، وأبو كبشة: اسمه عمرو [¬٣] بن سعد، ويقال: عامر ابن سعد، والله أعلم.\nوقال الإِمام أحمد (^١٢٧): حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن أبي الزبير، عن جابر قال: لما مر رسول الله، ﷺ، بالحجر، قال: \"لا تسألوا الآيات، فقد سألها قوم صالح فكانت - يعني الناقة - ترد من هذا الفج،\n_________\n= من هذه الطريق وقال: \"إسناده حسن، ولم يخرجوه\" وأخرجه أحمد أيضًا والبيهقي في \"الدلائل\" (٥/ ٢٣٥) من طريق هاشم بن القاسم وابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٨/ ٥٦٣،٥٦٢) - ومن طريقه الطبراني (٢٢/ ٨٥٢) - عن جعفر بن عون والطبراني أيضًا (٢٢/ رقم ٨٥١، ٨٥٢) من طريق عبد الله بن رجاء وعمرو بن مرزوق وإسماعيل بن عياش خمستهم عن المسعودي به، وذكره الهيثمي في موضعين بن \"المجمع\" (٦/ ١٩٧) (١٠/ ٢٩٣، ٢٩٤) وقال في الأول: \"رواه أحمد وفيه عبد الرحمن بن عبد الله المسعودي وقد اختلط\" - قلت: وقد روى عنه بعد الاختلاط يزيد بن هارون وهاشم بن القاسم أبو النضر، لكن روى عنه جعفر بن عون، وعبد الله بن رجاء وعمرو بن مرزوق بعد الاختلاط؛ انظر \"الكواكب النيرات\" لابن الكيال (ص ٢٨٢) - ولذلك قال الهيثمي في الموضع الثاني: \"رواه الطبراني وأحمد بأسانيد وأحدها حسن\" والحديث عزاه السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ١٨٣) إلى أحمد وابن المنذر.\n(^١٢٧) - إسناد على شرط مسلم \"المسند\" (٣/ ٢٩٦) وذكره المصنف في \"البداية والنهاية\" (١/ ١٥٧) كما هنا. والحديث عند عبد الرزاق في تفسيره (٢/ ٢٣١، ٢٣٢) ومن طريقه أيضًا أخرجه ابن جرير في تفسيره (١٢/ ١٤٨١٧) والحاكم في \"المستدرك\" (٢/ ٣٢٠)، وأخرجه البزار (٢ / رقم ١٨٤٤/ كشف) وابن حبان في صحيحه (١٤/ ٦١٩٧) والحاكم (٢/ ٣٤٠، ٣٤١) من طريق مسلم بن خالد عن ابن خثيم به، وابن أبى حاتم (٥/ ٨٦٨٦) من طريق ابن عياش عن ابن خثيم به، والطبراني في \"الأوسط\" (٩/ ٩٠٦٩) من طريق ابن لهيعة عن أبي الزبير، به وصحح إسناده الحاكم ووافقه الذهبي، وحسن إسناده الحافظ ابن حجر في \"الفتح\" (٦/ ٢٧٠) وأبو الزبير - وهو محمد بن مسلم - مدلس وقد عنعن، لكنه صرح بالسماع في رواية عند الحاكم (٢/ ٥٦٧) مختصرة وصرح بالتحديث أيضًا في رواية مطولة عند ابن أبي الدنيا في \"العقوبات\" (رقم ١٤٨) لكن في إسناده يحيى بن سليم، وهو \"صدوق سيئ الحفظ\" والحديث ذكره الهيثمي في \"المجمع\" (٦/ ١٩٧) وقال: \"رواه البزار والطبراني في \"الأوسط\"=\n_________\n[¬١]- في خ: \"بعنزة\".\n[¬٢]- في خ، ز: \"السنة\".\n[¬٣]- في خ، ز: \"عمر\".","vol":"6","page":338},{"text":"وتصدر من هذا الفج، فعتوا عن أمر ربهم فعقروها، وكانت تشرب ماءهم يومًا، ويشربون لبنها يومًا، فعقروها، فأخذتهم صيحة أهمد الله من تحت أديم السماء منهم، إلا رجلًا واحدًا كان في حرم الله\". فقالوا: من هو يا رسول الله؟ قال: \"أبو رِغَال، فلما خرج من الحرم أصابه ما أصاب قومه\".\nوهذا الحديث ليس في شئ من الكتب الستة، وهو على شرط مسلم.\nفقوله تعالى: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾ أي: ولقد أرسلنا إلى قبيلة ثمود أخاهم صالحًا ﴿قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ فجميع [¬١] الرسل يدعون [¬٢] إلى عبادة الله وحده لا شريك له، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي [¬٣] إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾، وقال: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾.\nوقوله: ﴿قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً﴾ أي: قد جاءتكم حجة من الله على صدق ما جئتكم به، وكانوا هم الذين سألوا صالحًا أن يأتيهم بآية، واقترحوا عليه بأن [¬٤] تخرج لهم من صخرة صماء عينوها بأنفسهم، وهي صخرة منفردة في ناحية الحجر، يقال لها: الكاتبة، فطلبوا منه أن يُخرج لهم منها ناقة عشراء تمخض، فأخذ عليهم صالح العهود والمواثيق: لئن أجابهم الله إلى سؤالهم، وأجابهم إلى طلبتهم، ليؤمنن به وليتبعنه، فلما أعطوه على ذلك عهودهم ومواثيقهم، قام صالح ﵇ إلى صلاته، ودعا الله ﷿ فتحركت تلك الصخرة، ثم انصدعت عن ناقة جوفاء وبراء، يتحرك جنينها بين جنبيها كما سألوا، فعند ذلك آمن رئيس القوم وهو: جندع بن عمرو، ومن كان معه على أمره، وأراد بقية أشراف ثمود أن يؤمنوا، فصدهم ذؤاب بن عمرو بن لبيد والحباب صاحب أوثانهم، ورباب [¬٥] بن صمعر [¬٦] ابن جلهس [¬٧]، وكان لجندع بن عمرو ابن عم يقال [¬٨] له: شهاب بن خليفة بن مخلاة [¬٩] ابن لبيد بن جواس، وكان من أشراف ثمود وأفاضلها، فأراد أن يسلم أيضًا، فنهاه أولئك الرهط، فأطاعهم، فقال في ذلك رجل من مؤمني ثمود، يقال له: مِهْوس [¬١٠] ابن عِنمة بن الدميل [¬١١]، ﵀:\n_________\n= وأحمد بنحوه ورجال أحمد رجال الصحيح، وبنحوه قامه فى موضع آخر من \"المجمع\" (٧/ ٤٠، ٤١) والحديث زاد نسبته السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ١٨٣) إلى ابن المنذر وأبي الشيخ وابن مردويه.\n_________\n[¬١]- في. ز: \"جميع\".\n[¬٢]- في ز: \"تدعوا\".\n[¬٣]- في ز: \"يوحى\".\n[¬٤]- في ز: \"أن\".\n[¬٥]- في ز، خ: \"وزبان\".\n[¬٦]- في خ: \"صحر\".\n[¬٧]- في خ، ز: \"جلمس\".\n[¬٨]- سقط من: ز.\n[¬٩]- في ز: \"محلاة\".\n[¬١٠]- في ز: \"مهوش\".\n[¬١١]- في ز: \"الزميل\".","vol":"6","page":339},{"text":"وكانت عصبة من آل عمرو … إلى دين النبي دعوا شهابا\nعزيز ثمود كلهم جميعًا … فَهَمَّ بأن يجيب فلو أجابا\nلأصبح صالح فينا عزيزًا … وما عدلوا [¬١] بصاحبهم ذؤابا\nولكن الغواة من آل حجر … تولوا بعد رشدهم ذئابًا [¬٢]\nفأقامت الناقة وفصيلها بعدما وضعته بين أظهرهم مدة، تشرب ماء بئرها يومًا، وتدعه لهم يومًا، وكانوا يشربون لبنها يوم شربها، يحتلبونها فيملئون ما شاءوا من أوعيتهم وأوانيهم، كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ﴾، وقال تعالى: ﴿هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾، وكانت تسرح في بعض تلك الأدوية، ترد من فج وتصدر من غيره ليسعها؛ لأنها كانت تتضلع [¬٣] من الماء، وكانت - على ما ذكر - خلقًا هائلًا ومنظرًا رائعًا، إذا مرت بأنعامهم نفرت منها، فلما طال عليهم ذلك، واشتد تكذيبهم لصالح النبي ﵇ عزموا على قتلها، ليستأثروا بالماء كل يوم؛ فيقال: إنهم اتفقوا كلهم على قتلها.\n. قال قتادة: بلغني أن الذي قتل الناقة، طاف عليهم كلهم أنهم راضون بقتلها، حتى على النساء في خدورهن، وعلى الصبيان.\nقلت: وهذا هو الظاهر؛ لأن الله يقول: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا﴾، وقال: ﴿وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا﴾، وقال: ﴿فَعَقَرُوا النَّاقَةَ﴾ فأسند ذلك إلى مجموع القبيلة، فدل على رضى جميعهم بذلك، والله أعلم.\nوذكر الإِمام أبو جعفر بن جرير وغيره من علماء التفسير في سبب قتل الناقة: أن امرأة منهم، يقال لها: عنيزة بنة غنم بن مجلز [¬٤] وتكنى أم غنم [¬٥] كانت عجوزًا كافرة، وكانت من أشد الناس عداوة لصالح ﵇، وكانت لها بنات حسان ومال جزيل، وكان زوجها ذؤاب بن عمرو أحد رؤساء ثمود، وامرأة أخرى يقال لها: صدوف بنة المحيا بن [دهر بن المحيا] [¬٦]، ذات حسب ومال [¬٧] وجمال، وكانت تحت رجل مسلم من ثمود ففارقته، فكانتا تجعلان لمن التزم لهما بقتل الناقة، فدعت صدوف رجلًا يقال له: الحباب، فعرضت [¬٨] عليه نفسها إن هو عقر الناقة فأبى عليها، فدعت ابن عم لها يقال له: مصدع بن مهرج بن المحيا فأجابها إلى ذلك،\n_________\n[¬١]- في ز: \"عذلوا\".\n[¬٢]- في الطبري: ذبابًا.\n[¬٣]- في ز: \"تضلع\".\n[¬٤]- في ز: \"مجلزم\".\n[¬٥]- في خ، ز: \"عثمان\".\n[¬٦]- في خ، ز: \"زهير بن المختار\".\n[¬٧]- سقط من: خ، ز.\n[¬٨]- سقط من: ز.","vol":"6","page":340},{"text":"ودعت عنيزةُ بنت غنم قدارَ بن سالف بن جُنْدع [¬١]، وكان رجلًا أحمر أزرق قصيرًا، يزعمون أنه كان [¬٢] ولد زَنْية، وأنه لم يكن من أبيه الذي ينسب إليه - وهو [¬٣] سالف - وإنما هو من رجل يقال له: صهياد [¬٤]، ولكن ولد على فراش سالف، وقالت له: أعطيك أي بناتي شئت على أن تعقر الناقة، فعند ذلك انطق قدار بن سالف ومصدع ابن مهرج، فاستنفرا [¬٥] غواة من ثمود، فاتبعهما سبعة نفر فصاروا تسعة رهط، وهم الذين قال الله تعالى: ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾، وكانوا رؤساء في قومهم، فاستمالوا القبيلة الكافرة بكمالها، فطاوعتهم على ذلك، فانطلقوا، فرصدوا الناقة حين صدرت عن [¬٦] الماء، وقد كمن لها قدار [بن سالف] [¬٧] في أصل صخرة على طريقها، وكمن لها مصدع في أصل أخرى، فمرت على مصدع، فرماها بسهم، فانتظم به عضلة ساقها، وخرجت أم غنم عنيزة، وأمرت ابنتها - وكانت من أحسن الناس وجهًا - فسفرت عن وجهها لقدار [¬٨] وذمَّرته، فشد على الناقة بالسيف فكشف [¬٩] عن عرقوبها، فخرت ساقطة إلى الأرض، ورغت رغاة واحدة تحذر سَقْبَها [¬١٠]، ثم طعن في لبتها فنحرها، وانطلق سقبها [¬١١]- وهو فصيلها - حتى أزى جبلًا منيعًا، فصعد أعلى صخرة فيه ورغا. فروى عبد الرزاق: عن معمر، عمن سمع الحسن البصري أنه قال: يارب، أين أمي. ويقال: إنه رغا ثلاث مرات، وإنه دخل في صخرة فغاب فيها. ويقال: إنهم [¬١٢] اتبعوه فعقروه مع أمه، فالله أعلم.\nفلما فعلوا ذلك وفرغوا من عقر الناقة، بلغ الحبر صالحًا ﵇، فجاءهم وهم مجتمعون، فلما رأى الناقة بكى، وقال: ﴿تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾، وكان قتلهم الناقة يوم الأربعاء، فلما أمسى أولئك التسعة الرهط، عزموا على قتل صالح، وقالوا: إن كان صادقًا عجلناه قبلنا، وإن كان كاذبًا ألحقناه بناقته: ﴿قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (٤٩) وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٠) فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ (٥١) فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا﴾.\nفلما عزموا على ذلك وتواطئوا عليه، وجاءوا من الليل، ليفتكوا بنبي الله صالح، أرسل الله\n_________\n[¬١]- في ز: \"جذع\".\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- في خ، ز: \"صبيان\".\n[¬٥]- في خ، ز: \"فاستغووا\"، والمثبت من الطبري.\n[¬٦]- في خ: \"على\" وفي ت: \"من\".\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٨]- في ز: \"لقذار\".\n[¬٩]- في خ: \"فكسف\".\n[¬١٠]- في ز: \"سقيها\".\n[¬١١]- في ز: \"سقيها\".\n[¬١٢]- في ز: \"بل\".","vol":"6","page":341},{"text":"﷾ وله العزة ولرسوله - عليهم حجارة، فرضختهم سلفًا وتعجيلًا قبل قومهم [¬١]، وأصبح ثمود يوم الخميس، وهو اليوم الأول من أيام النظرة ووجوههم مصفرة كما وعدهم صالح ﵇، وأصبحوا في اليوم الثاني من أيام التأجيل وهو يوم الجمعة، ووجوههم محمرة، وأصبحوا في اليوم الثالث من أيام المتاع وهو صوم السبت، ووجوههم مسودة، فلما أصبحوا من يوم الأحد وقد تحنطوا، وقعدوا ينتظرون نقمة الله وعذابه - عياذًا بالله من ذلك -، لا يدرون ماذا يفعل بهم، ولا كيف يأتيهم العذاب، وأشرقت الشمس، جاءتهم صيحة من السماء، ورجفة شديدة من أسفل منهم، ففاضت الأرواح، وزهقت النفوس في ساعة واحدة ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ [¬٢] جَاثِمِينَ﴾ أي: صرعى لا أرواح فيهم، ولم يفلت منهم أحد: لا صغير ولا كبير، ولا [¬٣] ذكر ولا أنثى، قالوا: إلا جارية كانت مقعدة، اسمها: كلبة [¬٤] بنة السلق، ويقال لها: الذريقة، وكانت كافرة شديدة العداوة لصالح ﵇، فلما رأت ما رأت من العذاب أطلقت رجلاها، فقامت تسعى كأسرع شيء، فأتت حيًّا من الأحياء، فأخبرتهم بما رأت وما حل بقومها [¬٥]، ثم استسقتهم من الماء، فلما شربت ماتت.\nقال علماء التفسير: ولم يبق من ذرية ثمود أحد سوى صالح ﵇ ومن اتبعه ﵃ إلا أن رجلًا [] [¬٦] يقال له: أبو رغال، كان لما وقعت النقمة بقومه مقيمًا في الحرم، فلم يصبه شيء، فلما خرج في بعض الأيام إلى الحل، جاءه حجر من السماء فقتله.\nوقد تقدم في أول القصة حديث جابر بن عبد الله في ذلك، وذكروا أن أبا رغال هذا هو والد ثقيف، الذين كانوا يسكنون الطائف.\nقال عبد الرزاق (^١٢٨): قال معمر، أخبرني إسماعيل بن أمية: أن النبي ﷺ مر بقبر أبي رِغال، فقال: \"أتدرون من هذا؟ \". قالوا [¬٧]: الله ورسوله أعلم. قال: \"هذا قبر أبي رغال؛ رجل من ثمود، كان في حرم الله فمنعه حرمُ الله عذابَ الله؛ فلما خرج أصابه ما أصاب قومة، فدفن هاهنا، ودفن معه غصن من ذهب، فنزل القوم فابتدروه بأسيافهم، فبحثوا [¬٨] عنه فاستخرجوا الغصن\".\n_________\n(^١٢٨) - إسناده معضل \"التفسير\" لعبد الرزاق (٢/ ٢٣٢) وفي \"المصنف\" (١١/ ٢٠٩٨٩) ومن طريقه ابن جرير (١٢/ ١٤٨١٨، ١٤٨١٩) وأخرجه ابن جرير أيضًا (١٢/ ١٤٨٢٣) من طريق محمد بن ثور عن معمر به هكذا معضلًا وانظر ما بعده.\n_________\n[¬١]- فى ز: \"يومهم\".\n[¬٢]- فى ز: \"ديارهم\".\n[¬٣]- في ت: \"لا\".\n[¬٤]- في ز: \"كلب\".\n[¬٥]- في ت: \"بقومهم\".\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين في ز: \"كان\".\n[¬٧]- فى ز: \"فقالوا\".\n[¬٨]- في ز: \"فحثوا\".","vol":"6","page":342},{"text":"و[¬١] قال عبد الرزاق: قال معمر: قال الزهري: أبو رغال أبو ثقيف.\nهذا مرسل من هذا الوجه، وقد روي متصلًا من وجه آخر، كما قال محمد بن إسحاق: عن إسماعيل بن أمية، عن بجير بن أبي بجير قال: سمعت عبد الله بن عمرو يقول: سمعت رسول الله، ﷺ، يقول، حين خرجنا معه إلى الطائف فمررنا بقبر فقال: \"هذا قبر أبى وغال، وهو أبو ثقيف، وكان من ثمود، وكان بهذا الحرم، فدفع عنه، فلما خرج أصابته النقمة التي أصابت قومه بهذا المكان فدفن شيه، وآية ذلك أنه دفن معه غصن من ذهب إن أنتم نبشتم عنه أصبتموه\" فابتدره الناس، فاستخرجوا منه الغصن.\nوهكذا رواه أبو داود (^١٢٩): عن يحيى بن معين، عن وهب بن جرير بن حازم، عن أبيه، عن ابن [¬٢] إسحاق به [¬٣]. قال شيخنا أبو الحجاج المزي: وهو حديث حسن عزيز.\n(قلت): تفرد بوصله بجير بن أبي بجير هذا، وهو شيخ لا يعرف إلا بهذا الحديث، قال يحيى بن معين: ولم أسمع أحدًا روى عنه غير إسماعيل بن أمية.\n(قلت): وعلى هذا فيخشى أن يكون وهم في رفع هذا الحديث، وإنما يكون من كلام عبد الله بن عمرو، مما أخذه من الزاملتين.\n_________\n(^١٢٩) - إسناده فيه جهالة وأُعِلَّ بالوقف. بُجَيْر بن أبي بُجَيْر، قال يحيى بن معين: له إسمع أحدًا يُحدِّث عنه غير إسماعيل وكذا قال النسائي، وأما ابن المديني، فقال: بجير بن سالم أبو عُبْيد، روى عنه إسماعيل ابن أمية، وروح بن القاسم حديث أبي رغال وهو من أهل الطائف، مجهول لم يرو عنه غيرهما، قال أبو داود: حدَّث رَوُح بن القاسم عن إسماعيل عن بجير، فتبين أنه ليس له راوٍ غير إسماعيل … وذكره ابن حبان في \"الثقات\" (٤/ ٨٢) - وجهله ابن القطان\" انظر \"التهذب\". \"السنن\"، لأبي داود كتاب: الخراج والإمارة والفيء، باب: نبش القبور العاديَّة يكون فيها المال (٣٠٨٨)، وأخرجه البيهقي في \"الدلائل\" (٦/ ٢٩٧) والمزي في \"تهذيب الكمال\" (٤/ ١١) والذهبي في \"السير\" (٩/ ٤٤٤، ٤٤٥) وفي \"ميزان الاعتدال\" (١/ ت ١١٢٤) من طريق يحيى ابن معين به، وتابعه أبو الأزهر ثنا وهب بن جرير به أخرجه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٤/ ١٥٦)، قال الذهبي في \"الميزان\": \"انفرد ابن إسحاق به\" كذا قال: وتابعه روح بن القاسم عن إسماعيل بن أمية به أخرجه ابن حبان (١٤/ ٦١٩٨) والطبراني في \"الأوسط\" (٣/ ٢٧٨٨)، (٨/ ٨٥٣٣) والبيهقي في مصدريه السابقين وقال المزي: \"حديث حسن عزيز\" وراجع في ذلك المصنف فرجع!! قال في \"البداية والنهاية\" (١/ ١٥٨): \"تفرد به بجير بن أبي بجير هذا ولا يعرف إلا بهذا الحديث ولم يرو عنه سوى إسماعيل بن أمية، قال شيخنا - المزي - فيحتمل أنه وهم في رفعه، وإنما يكون من كلام عبد الله بن عمرو من زاملتيه والله أعلم، قلت - المصنف - لكن في المرسل - السابق (١٢٧) - وفي حديث جابر - (١٢٦) - أيضًا شاهدٌ له\".\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- فى خ، ز: \"أبي\".\n[¬٣]- سقط من: ز.","vol":"6","page":343},{"text":"قال شيخنا أبو الحجاج بعد أن عرضت عليه ذلك: وهذا محتمل، والله أعلم.\n﴿فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَاقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لَا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ (٧٩)﴾\nهذا تقريع من صالح ﵇ لقومه، لما أهلكهم الله بمخالفتهم إياه، وتمردهم على الله، وإبائهم عن قبول الحق، وإعراضهم عن الهدى إلى العمى، قال لهم صالح ذلك بعد هلاكهم تقريعًا وتوبيخًا، وهم يسمعون ذلك، كما ثبت في الصحيحين (^١٣٠): أن رسول الله ﷺ لما ظهر على أهل بدر، أقام هناك ثلاثًا، ثم أمر براحلته فشدت بعد ثلاث من آخر الليل فركبها، ثم سار حتى وقف على القليب قليب بدر، فجعل يقول: \"يا أبا جهل بن هشام، يا عتبة بن ربيعة، يا شيبة بن ربيعة، ويا فلان بن فلان، هل وجدتم ما وعد ربكم حقًّا؟ فإني وجدت ما وعدني ربي حقًا\". فقال له عمر: يا رسول الله، ما تكلم من أقوام قد جيفوا. فقال: \"والذي نفسي بيده، ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، ولكن لا يجيبون\".\nوفي السيرة (^١٣١): أنه ﵇ قال لهم: \"بئس عشيرة النبي كنتم لنبيكم! كذبتموني وصدقني الناس، وأخرجتموني وآواني الناس، وقاتلتموني ونصرني الناس، فبئس عشيرة النبي كنتم لنبيكم\".\nوهكذا [¬١] صالح ﵇ قال لقومه: ﴿لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ﴾ أي: فلم تنتفعوا بذلك؛ لأنكم لا تحبون الحق ولا تتبعون ناصحًا؛ ولهذا قال: ﴿وَلَكِنْ لَا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ﴾.\nوقد ذكر بعض المفسرين: أن كل نبي هلكت أمته، كان يذهب فيقيم في الحرم: حرم مكة، والله أعلم.\n_________\n(^١٣٠) - تقدم تخريجه هنا برقم (٨٢).\n(^١٣١) - إسناده معضل \"السيرة\" لابن هشام (٢/ ٤٦٧) قال ابن إسحاق - وذكره عنه الحافظ في \"الفتح\" (٧/ ٣٠٢) - وحدثني بعض أهل العلم: أن رسول الله ﷺ قال هذه المقالة بأصل القليب - فذكره هكذا معضلًا، وأخرج أحمد (٦/، ١٧) من طريق إبراهيم النخعي عن عائشة مرفوعًا \"جزاكم الله شرًّا من قوم نبي، ما كان أسوأ الطرد وأشد التكذيب\" ورجاله ثقات إلا أن إبراهيم النخعي لم يسمع من عائشة قاله غير واحد، انظر \"جامع التحصيل\" للعلائي (ص ١٤١، ١٤٢).\n_________\n[¬١]- في ز: \"هذا\".","vol":"6","page":344},{"text":"وقد قال الإمام أحمد (^١٣٢): حدثنا وكيع، حدثنا زَمْعَة بن صالح، عن سلمة بن وهرام، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: لما مر رسول الله ﷺ بوادي عُسْفَانَ حين حج، قال: \"يا أبا بكر، أيُّ وادٍ هذا؟ \". قال: هذا وادي عسفان. قال: \"لقد مَرّ به هودٌ وصالح ﵉، على بَكَراتٍ حُمْر [¬١] خُطُمها اللّيفُ، أُزُرُهم العباء، وأرديتهم النِّمار، يُلبُّون يَحُجُون البيت العتيق\".\nهذا حديث غريب من هذا الوجه، لم يخرجه أحد منهم.\n﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ (٨٠) إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (٨١)﴾\nيقول تعالى: ﴿وَ﴾ لقد أرسلنا ﴿لُوطًا﴾ أو [¬٢] تقديره: ﴿وَ﴾ اذكر ﴿لُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ ولوط: هو ابن هاران بن آزر، وهو ابن أخي إبراهيم الخليل ﵉، وكان قد آمن مع إبراهيم ﵇، وهاجر معه إلى أرض الشام، فبعثه الله إلى أهل سدوم وما حولها من القرى، يدعوهم إلى الله ﷿، ويأمرهم بالمعروف، وينهاهم عما كانوا يرتكبونه من المآثم والمحارم والفواحش التي اخترعوها، لم يسبقهم بها أحد من بني آدم ولا غيرهم، وهو إتيان الذكور [دون الإِناث] [¬٣]، وهذا شيء لم\n_________\n(^١٣٢) - إسناده ضعيف \"المسند\" (١/ ٢٣٢) (٢٠٦٧) وأخرجه البيهقي في \"شعب الإيمان\" (٣/ ٤٠٠٣) من طريق أبي كريب نا وكيع به، وذكره المصنف في \"البداية والنهاية\" (١/ ١٥٨) كما هنا - وقال: \"إسناد حسن، وقد تقدم (١/ ١٣٥) في قصة نوح ﵇ من رواية الطبراني وفيه نوح وهود وابراهيم\" والذي تقدم عنده في الوضع المذكور إنما هو من رواية الحافظ أبي يعلى ثنا سفيان بن وكيع ثنا أبي به، دون ذكر نبي الله صالح ﵇ وقال عقبه: \"فيه غرابة\" قلت: وهذا أشبه وتحسين إسناده بعيد، فإن سلمة بن وهرام وإن وثقه ابن معين، فقد قال فيه أحمد \"روى عنه زمعة بن صالح، أحاديث مناكير أخشى أن يكون حديثه ضعيفًا\" وقال العقيلي في \"الضعفاء\" (٢/ ١٤٧): \"له عن عكرمة أحاديث لا يتابع منها على شيء\" وزمعة بن صالح ضعفه أحمد وابن معين وأبو حاتم وغيرهم، والحديث ذكره الهيثمي في \"المجمع\" (٣/ ٢٢٣) وقال: \"رواه أحمد وفيه زمعة بن صالح وفيه كلام وقد وثق\" وعزاه السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ١٧٦) إلى البيهقي في \"شعب الإيمان\" وابن عساكر، وغفل عن عزوه لأحمد!!\n_________\n[¬١]- سقط من: خ، ز.\n[¬٢]- في ز: \"و\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.","vol":"6","page":345},{"text":"يكن بنو آدم تعهده ولا تألفه ولا يخطر ببالهم، حتى صنع ذلك أهل سدوم عليهم لعائن الله!\nقال عمرو بن دينار في [¬١] قوله: ﴿مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ قال: ما نزا ذكر على ذكر حتى كان قوم لوط.\nوقال الوليد بن عبد الملك الخليفة الأموي باني جامع دشق: لولا أن الله ﷿ قص علينا خبر قوم لوط، ما ظننت أن ذكرًا يعلو ذكرًا.\nولهذا قال لهم لوط ﵇: ﴿أَتَأْتُونَ [¬٢] الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ (٨٠) إِنَّكُمْ [¬٣] لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ﴾ أي: عدلتم عن النساء، وما خلق لكم ربكم منهن إلى الرجال، وهو [¬٤] إسراف منكم وجهل؛ لأنه وضع الشيء في غير محله؛ ولهذا قال لهم في الآية الأخرى: ﴿هَؤُلَاءِ بَنَاتِي إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾، فأرشدهم إلى نسائهم، فاعتذروا إليه بأنهم لا يشتهونهن ﴿قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ﴾ أي: لقد علمت أنه لا أرب لنا في النساء ولا إرادة، وإنك لتعلم مرادنا من أضيافك.\nوذكر المفسرون: أن الرجال كانوا قد استغنى [¬٥] بعضهم ببعض، وكذلك نساؤهم كن [¬٦] قد استغنين [¬٧] بعضهن ببعض [¬٨] أيضًا.\n﴿وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (٨٢)﴾\nأي: ما أجابوا لوطًا إلا أن [¬٩] هموا بإخراجه ونفيه ومن معه من بين أظهرهم، فأخرجه الله تعالى سالمًا، وأهلكهم في أرضهم صاغرين مهانين.\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ قال قتادة: عابوهم بغير عيب.\nوقال مجاهد: ﴿إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ من أدبار الرجال وأدبار النساء. وروي مثله عن ابن عباس أيضًا.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- في ز: \"أئنكم لتأتون\".\n[¬٣]- في ز: \"أئنكم\".\n[¬٤]- في ز: \"هذا\".\n[¬٥]- في ز: \"اغتنى\".\n[¬٦]- سقط من: ز.\n[¬٧]- في ز: \"استغنى\".\n[¬٨]- في ز: \"بعضًا\".\n[¬٩]- في ز: \"بأن\".","vol":"6","page":346},{"text":"﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (٨٣) وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (٨٤)﴾\nيقول تعالى: فأنجينا لوطًا وأهله، ولم يؤمن به أحد منهم سوى أهل بيته فقط، كما قال تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾، إلا امرأته فإنها لم تؤمن به، بل كانت على دين قومها تمالئهم عليه، وتعلمهم بمن يَقْدم عليه من ضيفانه باشارات بينها وبينهم، ولهذا لما أمر لوط ﵇ أن يسري بأهله أمر أن لا يعلم امرأته ولا يخرجها من البلد، ومنهم من يقول: بل اتبعتهم، فلما جاء العذاب التفتت هي فأصابها ما أصابهم. والأظهر: أنها لم تخرج من البلد، ولا أعلمها لوط، بل بقيت معهم؛ ولهذا قال هاهنا: ﴿إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ أي: الباقين، ومنهم من فسر ذلك (من الغابرين): الهالكين، وهو تفسير باللازم.\nوقوله: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا﴾ مفسر [¬١] بقوله: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ (٨٢) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾؛ ولهذا قال ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ﴾ أي: انظر يا محمد، كيف كانت [¬٢] عاقبة من تجهرم على معاصي الله ﷿ وكذب رسله.\nوقد ذهب الإمام أبو حنيفة ﵀ إلى أن اللائط يلقى من شاهق، ويتبع بالحجارة، كما فعل بقوم لوط، وذهب آخرون من العلماء إلى أنه يرجم، سواء كان محصنًا أو غير محصن، وهو أحد قولي الشافعي ﵀، والحجة ما رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجة من حديث الدراوردي، عن عمرو بن أبي عمرو، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: \"من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط، فاقتلوا الفاعل والمفعول به (^١٣٣) \".\nوقال آخرون: هو كالزاني؛ فإن كان محصنًا رجم، وإن لم يكن محصنًا جلد مائة جلدة.\n_________\n(^١٣٣) - صحيح أخرجه أحمد (١/ ٣٠٠) وأبو داود، كتاب: الحدود، باب: فيمن عمل عمل قوم لوط (٤٤٦٢)، والترمذي، كتاب: الحدود، كتاب: ما جاء في حد اللوطي (١٤٥٦)، وابن ماجه، كتاب: الحدود، باب: من عمل عمل قوم لوط (٢٥٦١)، وانتقاه ابن الجارود \"المنتقى\" (٨٢٠) وغيرهم من طريق عبد العزيز بن محمد الدَّراوردي وصححه الحاكم (٤/ ٣٥٥) - من طريق سليمان ابن بلال عن عمرو ابن أبي عمرو به - ووافقه الذهبي، وكذا صححه الألباني، فانظر - غير مأمور - \"الإرواء\" (٨/ ٢٣٥٠).\n_________\n[¬١]- في ز: \"مفسرًا\".\n[¬٢]- في ز: \"كان\".","vol":"6","page":347},{"text":"وهو القول الآخر للشافعي، وأما إتيان النساء في الأدبار فهو اللوطية الصغرى، وهو حرام بإجماع العلماء، إلا قولا شاذًّا لبعض السلف، وقد ورد في النهي عنه أحاديث كثيرة عن رسول الله ﷺ، وقد تقدم الكلام عليها في سورة البقرة.\n﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٨٥)﴾\nقال محمد بن إسحاق: هم من سلالة مدين بن مديان بن إبراهيم، وشعيب هو ابن ميكيل ابن يشجر [¬١]. قال: واسمه بالسريانية \"يثرون [¬٢] \".\n(قلت): \"مدين\" تطلق [¬٣] على القبيلة وعلى المدينة، وهي التي بقرب \"مَعَان\" من طريق الحجاز. قال الله تعالى: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ﴾ وهم أصحاب الأيكة، كما سنذكره إن شاء الله وبه الثقة.\n﴿قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ هذه دعوة الرسل كلهم ﴿قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ أي: قد أقام اللَّه الحجج والبينات على صدق ما جئتكم به، ثم وعظهم في معاملتهم الناس، بأن يوفوا المكيال والميزان، ولا يبخسوا الناس أشياءهم، أي: لا يخونوا [¬٤] الناس في أموالهم، ويأخذوها [¬٥] على وجه البخس وهو نقص المكيال والميزان خفية وتدليسًا، كما قال تعالى: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ إلى قوله: ﴿لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ وهذا تهديد شديد، ووعيد أكيد، نسأل اللَّه العافية منه.\nثم قال تعالى إخبارًا عن شعيب، الذي يقال له: خطب الأنبياء، لفصاحة عبارته، وجزالة موعظته.\n﴿وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ\n_________\n[¬١]- في خ، ز: \"يشجن\".\n[¬٢]- في ز: \"بثرون\".\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- في ز: \"تحونوا\".\n[¬٥]- في ز: \"تأخذوها\".","vol":"6","page":348},{"text":"بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (٨٦) وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (٨٧)﴾\nينهاهم شعيب ﵇ عن قطع الطريق الحسي والمعنوي، بقوله: ﴿وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ﴾ أي: تتوعدون الناس بالقتل إن لم يعطوكم أموالهم.\nقال السدي وغيره: كانوا عشارين. وعن ابن عباس، ومجاهد، وغير واحد: ﴿وَ[¬١] لَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ﴾ أي: تتوعدون المؤمنين الآتين إلى شعيب ليتبعوه.\nوالأوَّل أظهر؛ لأنه قال: ﴿بِكُلِّ صِرَاطٍ﴾: هي الطرق، وهذا الثاني هو قوله: ﴿وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ أي: وتودّون أن تكون [¬٢] سبيل الله عوجًا مائلة ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ﴾ أي: كنتم مستضعفين لقلتكم، فصرتم أعزة لكثرة عددكم [¬٣]، فاذكروا نعمة الله عليكم في ذلك ﴿وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ أي: من الأمم الخالية والقرون الماضية، وما حل بهم من العذاب والنكال باجترائهم على معاصي الله وتكذيب رسله.\nوقوله ﴿وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا﴾ أي: قد [¬٤] اختلفتم عليَّ ﴿فَاصْبِرُوا﴾ أي: انتظروا ﴿حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا﴾ وبينكم، أي: يفصل ﴿وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾ فإنه سيجعل العاقبة للمتقين، والدمار على الكافرين.\n﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَاشُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ (٨٨) قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- في ز: \"يكون\".\n[¬٣]- في ز: \"عدوكم\".\n[¬٤]- سقط من: ز.","vol":"6","page":349},{"text":"وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ (٨٩)﴾\nهذا إخبار من الله تعالى عما واجهت به الكفار نبيه [¬١] شعيبًا ومن معه من المؤمنين، في توعدهم إياه ومن معه بالنفي من [¬٢] القرية أو [¬٣] الإكراه على الرجوع فى ملتهم والدخول معهم فيما هم فيه، وهذا خطاب مع الرسول، والمراد: أتباعه الذين كانوا معه على الملة.\nوقوله: ﴿أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ﴾ يقول: أو أنتم فاعلو ذلك ولو [¬٤] كنا كارهين ما تدعونا إليه، فإنا إن رجعنا إلى ملتكم، ودخلنا معكم فيما أنتم فيه، فقد أعظمنا الفرية على اللَّه في جعل الشركاء معه أندادًا، وهذا تنفير [¬٥] منه عن اتباعه ﴿وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا﴾ وهذا رد إلى المشيئة، فإنه يعلم كل شيء، وقد أحاط بكل شيء علمًا ﴿عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا﴾ أي: في أمورنا ما نأتي منها وما نذر ﴿رَبَّنَا افْتَحْ [¬٦] بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقّ﴾ أي: افصل بيننا وبين قومنا وانصرنا عليهم ﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ﴾ أي: خير الحاكمين، فإنك العادل الذي لا يجور [¬٧] أبدًا.\n﴿وَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ (٩٠) فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٩١) الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ (٩٢)﴾\nيخبر تعالى عن شدة كفر قوم شعيب، وتمردهم وعتوهم، وما هم فيه من الضلال، وما جبلت عليه قلوبهم من المخالفة للحق؛ ولهذا أقسموا وقالوا: ﴿لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ﴾؛ فلهذا عقب ذلك بقوله: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ أخبر تعالى هاهنا أنهم أخذتهم الرجفة، [وذلك كما] [¬٨] أرجفوا شعيبًا وأصحابه وتوعدوهم بالجلاء، كما أخبر عنهم في سورة هود، فقال: ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا [¬٩] مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ والمناسبة فى ذلك - والله أعلم - أنهم لما تهكموا [بنبي الله شعيب] [¬١٠] في قولهم: ﴿أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أن\n_________\n\n_________\n[¬١]- فى ز: \"نبي الله\".\n[¬٢]- فى ت: \"عن\".\n[¬٣]- فى ز: \"و\".\n[¬٤]- فى ز: \"إن\".\n[¬٥]- فى خ، ز: \"تعبير\".\n[¬٦]- فى ز: \"احكم\".\n[¬٧]- في ز: \"تجوز\".\n[¬٨]- في ز: \"لما\"، وفي خ: \"كما\".\n[¬٩]- سقط من: ز.\n[¬١٠]- ما بين المعكوفتين في ت: \"به\".","vol":"6","page":350},{"text":"نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾، فجاءت الصيحة فأسكتتهم [¬١].\nوقال تعالى إخبارًا عنهم في سورة الشعراء: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ وما ذاك إلا لأنهم قالوا له في سياق القصة: ﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾، فأخبر أنه أصابهم عذاب يوم الظلة، وقد اجتمع عليهم ذلك كله أصابهم، ﴿عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ﴾ وهي سحابة أظلتهم فيها شرر من نار، ولهب [¬٢] ووهج عطم، ثم جاءتهم صيحة من السماء، ورجفة من الأرض شديدة من أسفل منهم، فزهقت الأرواح، وفاضت النفوس، وخمدت الأجسام [¬٣] ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾.\nثم قال تعالى: ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾ أي: كأنهم لما أصابتهم النقمة، لم يقيموا بديارهم التي أرادوا إجلاء الرسول وصحبه منها.\nثم قال تعالى مقابلًا لقيلهم: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ﴾.\n﴿فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَاقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ (٩٣)﴾\nأي: فتولى عنهم شعيب ﵇ بعد ما أصابهم ما أصابهم من العذاب والنقمة والنكال، وقال مقرعًا لهم وموبخًا: ﴿يَاقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ﴾ أي: قد أديت إليكم ما أرسلت به، فلا أسفة عليكم وقد كفرتم بما جئتكم به؛ ولهذا قال: ﴿فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾.\n﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ (٩٤) ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٩٥)﴾\nيقول تعالى مخبرًا عما اختبر به الأمم الماضية، الذين أرسل إليهم الأنبياء ﴿بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾، يعني بالبأساء: ما يصيبهم في أبدانهم من أمراض وأسقام، والضراء: ما يصيبهم\n_________\n[¬١]- في ز: \"أسكتتهم\".\n[¬٢]- في ز: \"لهيب\".\n[¬٣]- في ز: \"الأجساد\".","vol":"6","page":351},{"text":"من فقر وحاجة ونحو ذلك؛ ﴿لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ﴾ أي: يدعون ويخشعون، ويبتهلون إلى الله تعالى في كشف ما نزل بهم.\nوتقدير الكلام: أنه ابتلاهم بالشدة ليتضرعوا، فما فعلوا شيئًا من الذي أراد الله [¬١] منهم، فقدب عليهم [¬٢] الحال إلى الرخاء ليختبرهم فيه؛ ولهذا قال: ﴿ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ﴾ أي: حولنا الحال من شدة إلى رخاء، ومن مرض وسقم إلى صحة وعافية، ومن فقر إلى غنى، ليشكروا على ذلك فما فعلوا.\nوقوله: ﴿حَتَّى عَفَوْا﴾ أي: كثروا وكثرت أموالهم وأولادهم. يقال: عفا الشيء إذا كثر. ﴿وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ يقول تعالى: ابتليناهم [¬٣] بهذا وهذا؛ ليتضرعوا وينيبوا إلى الله، فما نجع فيهم لا هذا ولا هذا، ولا انتهوا [¬٤] بهذا ولا بهذا، بل قالوا: قد مسنا من البأساء والضراء ثم بعده من الرخاء، مثل ما أصاب آباءنا في قديم الدهر، وإنما هو الدهر تارات وتارات، ولم يتفطوا لأمر الله فيهم ولا استشعروا ابتلاء الله لهم في الحالين، وهذا بخلاف حال المؤمنين، الذين يشكرون الله على السراء، ويصبرون على الضراء، كما ثبت في الصحيحين (^١٣٤): \" عجبًا للمؤمن، لا يقضي الله له قضاء إلا كان خيرًا له، إن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له، وإن أصابته سراء شكر فكان خيرا له\". فالمؤمن من [¬٥] يتفطن لما ابتلاه الله به من الضراء والسراء، ولهذا جاء في الحديث (^١٣٥): \" لا يزال البلاء بالمؤمن حتى يخرج نقيّا من ذنوبه، والمنافق مثله كمثل الحمار، لا يدري فيم ربطه\n_________\n(^١٣٤) - كذا عزاه للصحيحين وهو وهم، تنبه له المصنف نفسه عند [آية رقم ٥/ من سورة إبرهيم] وعزاه للصحيح فقط، وهو في صحيح مسلم، كتاب: الزهد والرقائق، ب: المؤمن أمره كله خير (٦٤) (٢٩٩٩) من حديث صهيب وكذا عزاه الحافظ ابن حجر في \"الفتح\" (١٠/ ١٠٩) إلى مسلم فحسب، وانظر [سورة يونس آية/١٢].\n(^١٣٥) - لم أهتد إليه بهذا اللفظ، وأخرجه أحمد (٢/ ٢٨٧، ٤٥٠) والبخاري في \"الأدب المفرد\" (٤٩٤) والترمذي، كتاب: الزهد، باب: ما جاء في الصبر على البلاء (٢٤٠١) وغيرهم من حديث أبي هريرة مرفوعًا بلفظ \"ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في نفسه وولده وماله حتى يلقى الله وما عليه خطيئة\" وقال الترمذي: \"حديث حسن صحيح\" وصححه الحاكم (١/ ٣٤٦) (٤/ ٣١٤) على شرط مسلم ووافقه الذهبي، وإسناده حسن فقط - انظر \"الصحيحة\" للألباني (٥/ ٢٢٨٠) - والجزء الأخير وقفت عليه موقوفًا من كلام سلمان الفارسي بإسناد صحيح أخرجه البخاري في \"الأدب المفرد\" (٤٩٣) وهناد السري فى \"الزهد\" (١/ رقم ٤١٤) ومن طريقه أبو نعيم في \"الحلية\" (١/ ٢٠٦) - ومن طريق أبي نعيم المزي في \"تهذيب الكمال\" (١١/ ٩٨) - والبيهقي في \"شعب الإيمان\" (٧/ ٩٩١٤، ٩٩١٥).\n_________\n[¬١]- زيادة من: ز.\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- في ز: \"ابتلاهم\".\n[¬٤]- في ز: \"ينتهوا\".\n[¬٥]- سقط من: ز.","vol":"6","page":352},{"text":"أهله، ولا فيم أرسلوه\". أو [¬١] كما قال.\nولهذا عقب هذه الصفة بقوله: ﴿فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ أي: أخذناهم بالعقوبة بغتة، أي: على بغتة وعدم شعور منهم، أي: أخذناهم فجأة، كما في الحديث (^١٣٦): \" موت الفجأة رحمة للمؤمن، وأخذه أسف للكافر\".\n﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٦) أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ (٩٧) أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٩٨) أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ (٩٩)﴾\n[يخبر تعالى] [¬٢] عن قلة إيمان أهل القرى الذين أرسل فيهم الرسل؛ كقوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ أي: ما آمنت قرية بتمامها إلا قوم يونس فإنهم آمنوا، وذلك بعد ما عاينوا العذاب، كما قال تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (١٤٧) فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾.\nوقوله [¬٣] تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا﴾ أي: آمنت قلوبهم بما جاءتهم به\n_________\n(^١٣٦) - صحيح ورد من حديث عائشة وعبيد بن خالد السلمي وأنس بن مالك وعبد الله بن مسعود. أما حديث عائشة، فاخرجه أحمد (٦/ ١٣٧) من طريق وكيع، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٣/ ٣٧٩) وفي\"شعب الإيمان\" (٧/ ١٠٢١٨) من طريق أبي إسحاق، كلاهما (وكيع وأبو إسحاق) عن عبيد الله بن الوليد عن عبد الله بن عبيد بن عمير عن عائشة مرفوعًا به، وصحح إسناده العراقي في \"تخريج أحاديث الإحياء\" (٦/ ٣٩٣٦ /المستخرج) وكذا السخاوي في \"المقاصد الحسنة\" (ص ٤٣٦) والعجلوني في \"كشف الخفا\" (٢/ ٢٩٠) وأعله البيهقي فقال: \"رواه الثوري عن عبيد الله موقوفًا عن عائشة ﵂ \" قلت: وعبيد الله بن الوليد هذا ضعفه ابن معين وأبو زرعة وأبو حاتم، وتركه عمرو بن علي، والنسائي، وقال ابن عدي: \"هو ضعيف جدًّا، يتبين ضعفه على حديثه\" والحديث ذكره الهيثمي في \"المجمع\" (٢/ ٣٢١) وقال: \"رواه أحمد والطبراني في \"الأوسط\" وفيه قصة وفيه\n_________\n[¬١]- فى ز: \"و\".\n[¬٢]- في ز: \"يقول تعالى مخبرًا\".\n[¬٣]- في ز: \"وكذا قال\".","vol":"6","page":353},{"text":"الرسل، وصدقت به واتبعوه [¬١]، واتقوا بفعل الطاعات وترك المحرمات ﴿لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: قطر السماء ونبات الأرض. قال تعالى: ﴿وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ أي: ولكن كذبوا رسلهم فعاقبناهم بالهلاك على ما كسبوا من المآثم\n_________\n= عبيد الله بن الوليد الوصَّافي وهو متروك\" قلت: وطريق \"الأوسط\" ليس فيه الوَصَّافى، فقد أخرجه (٣/ ٣١٢٩) وابن الجوزي في \"العلل المتناهية\" (٢/ رقم ١٤٩٣) من طريق سعيد بن منصور، قال: نا صالح بن موسى الطلحي عن عبد الملك بن عمير عن موسى بن طلحة عنها به، وقال الطبراني: \"لم يرو هذا الحديث عن عبد الملك إلا صالح\" قال ابن عساكر في \"الإجابة\" (ص ٩٧): \"وهو ضعيف عندهم\" - يعنى صالح بن موسى - وبه أعله ابن الجوزي أيضًا وكذا ابن حجر قال: \"حديث غريب فيه صالح بن موسى وهو ضعيف لكن له شواهد\" [\"فيض القدير\" للمناوي (٦/ ٢٤٦)، وأخرجه عبد الرزاق في \"المصنف\" (٣/ ٦٧٨١) وإسحاق بن راهوية في \"المسند\" (٣/ رقم ١١٩٧) من طريقين عنها، وفي الأول يحيى بن العلاء أبو عمرو الرازي، رمي بالوضع، وفى الثاني ليث بن أبي سليم ترك حديثه لاختلاطه وعدم تميز صحيح حديثه من سقيمه والله أعلم.\nوأما حديث عبيد بن خالد فأخرجه أحمد (٣/ ٤٢٤) (٤/ ٢١٩) - وعنه المزي في \"تهذيب الكمال\" (١٩/ ٢٠١) - وأبو داود، كتاب: الجنائز، ب: موت الفجأة (٣١١٠) - ومن طريقه وطريق آخر البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٣/ ٣٧٨) - من طريق يحيى بن سعيد، وأخرجه البيهقي وابن عدي فى \"الكامل\" (٢/ ٦٤٩) من طريق روح ومحمد بن جعفر، وأخرجه أحمد أيضًا وابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٣/ ٢٤٧) من طريق محمد بن جعفر ثلاثتهم (يحيى وروح ومحمد) عن شعبة حدثني منصور عن تميم بن سلمة أو سعد بن عبيدة - وبعضهم لم يذكر سعد بن عبيدة - عن عبيد بن خالد السلمي وكان من أصحاب النبي ﷺ قال: \"موت الفجأة أخذة أسف\" وحدث به مرة عن النبي ﷺ قال المنذري في \"مختصر سنن أبي داود\" (٤/ ٢٨٢): \"رجال إسناده ثقات، والوقف فيه لا يؤثر، فإن مثله لا يؤخذ بالرأي، فكيف؟ وقد أسنده الراوي مرة والله أعلم\". وصحح إسناده النووي في \"الخلاصة\" - كما فى \"تخريج الكشاف\" للزيلعي (٢/ ٣٥٤) وقال ابن حجر في \"تخريج المختصر\" - نقله عنه المناوى فى \"فيض القدير\" -: \"إسناده صحيح وليس في الباب حديث صحيح غيره\".\nوأما حديث أنس فأخرجه ابن الجوزي في \"العلل المتناهية\" (٢/ ١٤٨٩، ١٤٩٠، ١٤٩١) من طرق ثلاثة عنه ثم قال: وفي الطريق الأول: \"يزيد الرقاشي وهو غاية في الضعف عندهم، وفيه درست: قال يحيى: لا شيء، وقال ابن حبان: لا يحل الاحتجاج به، وفي الطريق الثاني: سمعان وهو مجهول منكر الحديث، وفي الطريق الثالث الحسن بن عمارة قال شعبة: كان الحسن يحدث بأحاديث وقد وضعها\".\nوحديث عبد الله بن مسعود علقه البيهقي في \"الكبرى\" (٣/ ٣٧٩) من طريق الحجاج عن زبيد عن مرة عنه مرفوعًا والحجاج هو ابن أرطأة ضعيف، وخالفه الأعمش واختلف عليه فيه، فرواه أبو بكر بن عياش عنه عن زبيد عن مرة عن عبد الله من قوله - أخرجه البيهقي في \"الكبرى\" (٣/ ٣٧٩) - ورواه أبو شهاب الحناط - صدوق يهم - عنه عن زبيد عن أبي الأحوص عن عبد الله وعائشة موقوفًا أخرجه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٣/ ٢٤٧) والبيهقي في \"الكبرى\".\n_________\n[¬١]- فى ز: \"واتبعته\".","vol":"6","page":354},{"text":"والمحارم.\nثم قال تعالى مخوفًا ومحذرًا من مخالفة أوامره، والتجرؤ على زواجره: ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى﴾ أي: الكافرة ﴿أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا﴾ أي: عذابنا ونكالنا ﴿بَيَاتًا﴾ أي: ليلًا ﴿وَهُمْ نَائِمُونَ (٩٧) أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ أي: في حال شغلهم وغفلتهم ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ﴾ أي: بأسه ونقمته وقدرته عليهم، وأخذه إياهم فى حال سهوهم وغفلتهم ﴿فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾، ولهذا قال الحسن البصرى ﵀: المؤمن يعمل بالطاعات وهو مشفق وجل خائف، والفاجر يعمل بالمعاصي وهو آمن.\n﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (١٠٠)﴾\nقال ابن عباس ﵄ في قوله: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا﴾: أو لم نبين لهم أن لو نشاء أصبناهم بذنوبهم.\nوقال أبو جعفر بن جرير [¬١] في تفسيرها: يقول تعالى أو لم يَبن [¬٢] للذين يستخلفون في الأرض من بعد إهلاك [¬٣] آخرين قبلهم كانوا أهلها، فساروا سيرتهم وعملوا أعمالهم، وعتوا على ربهم. ﴿أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ﴾ يقول: أن لو نشاء فعلنا بهم كما فعلنا بمن قبلهم ﴿وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ يقول ونختم على قلوبهم ﴿فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ موعظة ولا تذكيرًا.\n(قلت): وهكذا قال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى﴾، وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ أَفَلَا يَسْمَعُونَ﴾، وقال: ﴿أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ (٤٤) وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ﴾. وقال تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا [] [¬٤] قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا﴾ أي: هل ترى لهم شخصًا، أو تسمع لهم صوتًا، وقال تعالى: ﴿[أَو أَلَمْ] [¬٥] يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ\n_________\n[¬١]- ابن جرير في تفسيره (١٢/ ٥٧٩).\n[¬٢]- في ز: نبين، والمثبت من تفسير ابن جرير.\n[¬٣]- في ز: \"هلاك\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين في ز: \"من\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين في ز: \"ألم\".","vol":"6","page":355},{"text":"وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾، وقال تعالى بعد ذكره إهلاك عاد: ﴿فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى [¬١] إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (٢٥) وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٢٦) وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى وَصَرَّفْنَا الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢٧)﴾، وقال تعالى: ﴿وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا بَلَغُوا مِعْشَارَ مَا آتَيْنَاهُمْ فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾، وقال تعالى: ﴿فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ (٤٥) ﴿(٤٥) أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (٤٦)﴾ وقال تعالى: ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ إلى غير ذلك من الآيات الدالة على حلول نقمه بأعدائه، وحصول نعمه لأوليائه، ولهذا عقب ذلك بقوله وهو أصدق القائلين ورب العالمين.\n﴿تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ (١٠١) وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ (١٠٢)﴾\nلما قص تعالى على نبيه، ﷺ، خبر قوم نوح وهود وصالح ولوط وشعيب، وما كان من إهلاكه الكافرين وإنجائه المؤمنين، وأنه تعالى أعذر إليهم بأن بين لهم الحق [¬٢] بالحجج [¬٣] على ألسنة الرسل، صلوات الله عليهم أجمعين، قال تعالى: ﴿تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ﴾ أي: يا محمد ﴿مِنْ أَنْبَائِهَا﴾ أي: من أخبارها ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ أي: بالحجج على صدقهم فيما أخبروهم به، كما قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾، وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ (١٠٠) وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾.\nوقوله تعالى: ﴿فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ﴾ الباء سببية، أي: فما كانوا ليؤمنوا بما جاءتهم به الرسل بسبب تكذيبهم بالحق أول ما ورد عليهم. حكاه ابن عطية ﵀، وهو متجه حسن، كقوله: ﴿وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠٩) وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ﴾\n_________\n[¬١]- في ز: \"ترى\".\n[¬٢]- سقط من: خ، ز.\n[¬٣]- في ز: \"الحجج\".","vol":"6","page":356},{"text":"كما لم يؤمنوا به أول مرة [﴿وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ] [¬١]﴾.\nولهذا قال هنا: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ (١٠١) وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ﴾ أي: لأكثر الأمم الماضية ﴿مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ﴾ أي: ولقد وجنا أكثرهم فاسقين، خارجين عن الطاعة والامتثال، والعهد الذي أخذه هو ما [¬٢] جبلهم عليه وفطرهم عليه، وأخذ عليهم في [¬٣] الأصلاب: أنَّه ربهم ومليكهم، وأنه لا إله إلَّا هو، فأقروا بذلك، وشهدوا على أنفسهم به، فخالفوه وتركوه وراء ظهورهم، وعبدوا مع الله غيره بلا دليل ولا حجة، لا من عقل ولا شرع، وفي الفطر السليمة خلاف ذلك، وجاءت الرسل الكرام من أولهم إلى آخرهم بالنهي عن ذلك، كما جاء في صحيح مسلم (^١٣٧): يقول الله تعالى: \"إني خلقت عبادي حنفاء، فجاءتهم الشياطين فجالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم\". وفي الصحيحين (^١٣٨): \" كل مولود يولد على الفطرة، فأَبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه\" الحديث. وقال تعالى في كتابه العزيز: (﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي [¬٤] إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾، وقوله تعالى: (﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\nوقد قيل في تفسير قوله تعالى: ﴿فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ﴾ [ما روى] [¬٥] أَبو جعفر الرازي (^١٣٩): عن الربيع بن أَنس، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب في قوله: ﴿فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ﴾ قال: كان في علمه تعالى يوم أقروا له بالميثاق. أي: فما كانوا ليؤمنوا لعلم الله منهم ذلك. وكذا لحال الربيع بن أنس: واختاره ابن جرير [¬٦].\nوقال السدي: ﴿فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ﴾ فال: ذلك يوم أخذ منهم الميثاق، فآمنوا كرهًا.\nوقال مجاهد في قوله: ﴿فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ﴾: هذا كقوله: ﴿وَلُوْ\n_________\n(^١٣٧) - تقدم تخريجه [سورة الأنعام/ آية ٧٩].\n(^١٣٨) - تقدم تخريجه [سورة الأنعام/ آية ٧٩].\n(^١٣٩) - ومن طريق أبي جعفر الرازي أخرجه ابن جرير (١٣/ ١٤٩٠٢) وابن أبي حاتم (٥/ ٨٧٧٨) وأَبو جعفر الرازي \"صدوق سيئ الحفظ\" والأثر زاد نسبته السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ١٩٤) إلى ابن المنذري وأبي الشيخ.\n_________\n[¬١]- من ز: وفي ت: \"الآية\".\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- في ز: \"من\".\n[¬٤]- في ز: \"يوحى\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين في خ، ز: \"فقال\".\n[¬٦]- ابن جرير فى تفسيره (١٣/ ٩).","vol":"6","page":357},{"text":"رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ \".\n﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَظَلَمُوا بِهَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (١٠٣)﴾\nيقول تعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ أي: الرسل المتقدم ذكرهم، كنوح وهود وصالح ولوط وشعيب، صلوات الله وسلامه عليهم وعلى سائر أنبياء الله أجمعين ﴿مُوسَى بِآيَاتِنَا﴾ أي: بحججنا ودلائلنا البينة إلى فرعون، وهو ملك مصر في زمان موسى ﴿وَمَلَئِهِ﴾ أي: قومه ﴿فَظَلَمُوا بِهَا﴾ أي: جحدوا وكفروا بها ظلما منهم وعنادًا، كقوله تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ أي: الذين صدوا عن سبيل الله وكذبوا رسله، أي: انظر يا محمد، كيف فعلنا بهم، وأغرقناهم عن آخرهم بمرأى من موسى وقومه، وهذا أبلغ فى النكال بفرعون وقومه، وأشفى لقلوب أولياء الله: موسى وقومه من المؤمنين به.\n﴿وَقَالَ مُوسَى يَافِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٠٤) حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لَا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٠٥) قَالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (١٠٦)﴾\nيخبر تعالى عن مناظرة موسى لفرعون، لالجامه إياه بالحجة، لاظهاره الآيات البينات بحضرة فرعون وقومه من قبط مصر، فقال تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى يَافِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ أي: أرسلني الذي هو خالق كل شيء وربه ومليكه.\n﴿حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لَا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ فقال بعضهم: معناه حقيق بأن لا أقول على الله إلَّا الحق، أي: جدير بذلك وحري به.\nقالوا: \"والباء\" \"وعلى\" يتعاقبان، فيقال: رميت بالقوس وعلى القوس، وجاء على حال حسنة وبحال حسنة.\nوقال بعض المفسرين: معناه: حريص على أن لا أقول على الله إلا الحق.\n_________","vol":"6","page":358},{"text":"وقرأ [¬١] آخرون من أهل المدينة: (حقيق عليَّ) بمعنى واجب وحق على ذلك: أن لا أخبر عنه إلَّا بما هو حق وصدق لما أعلم من جلاله وعظيم سلطانه [¬٢].\n﴿قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ أي: بحجة قاطعة من الله أعطانيها دليلًا على صدقي فيما جئتكم به ﴿فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ أي: أطلقهم من أسرك وقهرك، ودعهم وعبادة ربك وربهم، فإنهم من سلالة نبي كريم إسرائيل، وهو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خليل الرحمن.\n﴿قَالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ أي: قال فرعون: لست بمصدقك فيما قلت، ولا بمطيعك [¬٣] فيما طلبت، فإن كانت معك حجة فأظهرها لنراها، إن كنت صادقًا فيما ادعيت.\n﴿فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ (١٠٧) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ (١٠٨)﴾\nقال على بن أبي طلحة: عن ابن عبَّاس في قوله: ﴿ثُعْبَانٌ مُبِينٌ﴾ الحية الذكر. وكذا قال السدي والضحاك.\nوفي حديث الفتون (^١٤٠) من رواية - يزيد بن هارون أخبرنا [¬٤] الأصبغ بن زيد، عن القاسم بن أبي أيوب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبَّاس قال: ﴿فَأَلْقَى [¬٥] عَصَاهُ﴾ فتحولت حية عظيمة فاغرة فاها مسرعة إلى فرعون، فلما رأى [¬٦] فرعون أنها قاصدة إليه اقتحم عن سريره، واستغاث بموسى أن يكفها عنه، ففعل.\nوقال قَتَادة: تحولت حية عظيمة مثل المدينة.\nوقال السدي في قوله: ﴿فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ﴾ والثعبان: الذكر من الحيات، فاتحة فاها واضعة لحيها الأسفل في الأرض، والآخر على سور القصر، ثم توجهت نحو فرعون لتأخذه، فلما رآها ذعر منها ووثب وأحدث، ولم يكن بحدث قبل ذلك، وصاح: يا موسى، خذها وأنا أومن بك، وأرسل معك بني إسرائيل. فأخذها موسى ﵇، فعادت عصًا.\nوروي عن عكرمة، عن ابن عبَّاس نحو هذا.\n_________\n(^١٤٠) - يأتي تخريجه [سورة طه/ آية ٤٠].\n_________\n[¬١]- في ز: \"وقرأه\".\n[¬٢]- في ت: \"شأنَّه\".\n[¬٣]- في ت: \"بمعطيك\".\n[¬٤]- في خ، ز: \"أبا\". وفي ت: \"بن\".\n[¬٥]- في ز: \"ألقى\".\n[¬٦]- في ت: \"رآها\".","vol":"6","page":359},{"text":"وقال وَهْب بن منبه: لما دخل موسى على فرعون قال له فرعون: أعرفك. قال: نعم. قال: ﴿قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا﴾. قال: فردَّ إليه موسى الذي ردَّ. وقال فرعون: خذوه. فبادره موسى: ﴿فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ﴾ فحملت على الناس فانهزموا منها، فمات منهم خمسة وعشرون ألفًا قتل بعضهم بعضًا، وقام فرعون منهزمًا حتَّى دخل البيت.\nرواه ابن جرير والإِمام أحمد في كتابه \"الزهد\"، وابن أبي حاتم (^١٤١)، وفيه غرابة فى سياقه، والله أعلم.\nوقوله: ﴿وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ﴾ أي: أخرج [¬١] يده [] [¬٢] من درعه بعد ما أدخلها فيه، فخرجت بيضاء تتلألأ من غير برص ولا مرض، كما قال تعالى: ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾.\n[وقال ابن عبَّاس في حديث الفتون (^١٤٢): ﴿مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾] [¬٣] يعني: من غير برص، ثم أعادها إلى كمه فعادت إلى لونها الأول. وكذا قال مجاهد وغير واحد.\n﴿قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (١٠٩) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ (١١٠)﴾\nأي: قال الملأ وهم الجمهور والسادة من قوم فرعون، موافقين لقول فرعون فيه، بعد ما رجع إليه روعه [¬٤]، واستقر على سرير مملكته، بعد ذلك قال للملأ حوله: ﴿إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ﴾ فوافقوه وقالوا كمقالته، وتشاوروا في أمره، وماذا [¬٥] يصنعون في أمره، وكيف تكون حيلتهم في إطفاء نوره وإخماد كلمته، وظهور كذبهم وافترائهم، وتخوفوا [] [¬٦] أن يستميل الناس [إليه] [¬٧] بسحره فيما يعتقدون، فيكون ذلك سببًا لظهوره عليهم، وإخراجه إياهم من أرضهم، والذي خافوا منه وقعوا فيه، كما قال تعالى: ﴿وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا\n_________\n(^١٤١) - أخرجه ابن جرير (١٣/ ١٤٩١٥) وابن أبي حاتم (٥/ ٨٧٩٢) مختصرًا، وأحمد في \"الزهد\" (ص ٧٩: ٨٤) مطولًا، من طريق إسماعيل بن عبد الكريم، عن عبد الصمد بن معقل، قال: سمعت وَهْب بن منبه فذكره وإسناده حسن إلى وَهْب، لكن \"فيه غرابة في سياقه\" كما قال المصنف.\n(^١٤٢) - يأتي تخريجه [سورة طه/ آية ٤٠].\n_________\n[¬١]- في ز: \"نزع\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز: \"أخرجها\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٤]- في خ: \"روعهم\".\n[¬٥]- في ت: \"كيف\".\n[¬٦]- في ز: \"من معرته\".\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين سقط من خ.","vol":"6","page":360},{"text":"يَحْذَرُونَ﴾، فلما تشاوروا في شأنه، وائتمروا فيه، اتفق رأيهم على ما حكاه الله [¬١] تعالى عنهم في قوله تعالى:\n﴿قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (١١١) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ (١١٢)﴾\nقال ابن عبَّاس: ﴿أَرْجِهْ﴾: أَخِرْه. وقال قَتَادة: احبسه. ﴿وَأَرْسِلْ﴾ أي: ابعث ﴿فِي الْمَدَائِنِ﴾ أي: في الأقاليم ومعاملة ملكك ﴿حَاشِرِينَ﴾ أي: من يحشر لك السحرة من سائر البلاد ويجمعهم.\nوقد كان السحر في زمانهم غالبا كثيرًا ظاهرًا، واعتقد من اعتقد منهم، وأوهم من أوهم منهم، أن ما جاء به موسى ﵇ من قبيل ما تشعبذه سحرتهم؛ فلهذا جمعوا له السحرة، ليعارضوه بنطر ما أراهم من البينات، كما أخبر تعالى عن فرعون حيث قال: ﴿قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَامُوسَى (٥٧) فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لَا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنْتَ مَكَانًا سُوًى (٥٨) قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى (٥٩) فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى﴾، وقال تعالى هاهنا:\n﴿وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالُوا إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (١١٣) قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (١١٤)﴾\nيخبر تعالى عما تشارط عليه فرعون والسحرة، الذين استدعاهم لمعارضة موسى ﵇، إن غلبوا موسى ليثيبنهم وليعطينهم عطاءً جزيلًا، فوعدهم ومناهم ان يعطهم ما أرادوا، وليجعلنهم من جلسائه والمقربين عنده، فلما توثقوا من فرعون لعنه الله.\n﴿قَالُوا يَامُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ (١١٥) قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ (١١٦)﴾\nهذه مبارزة من السحرة لموسى ﵇ في قولهم: ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ﴾ أي: قبلك؛ كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى﴾. فقال لهم موسى ﵇: ﴿أَلْقُوا﴾ أي: أنتم أولًا قبلي [¬٢] والحكمة في هذا والله أعلم؛\n_________\n==\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- في ت: \"قيل\".","vol":"6","page":361},{"text":"ليرى الناس صنيعهم ويتأطوه، فإذا فُرِغَ من بهرجهم ومحالهم جاءهم الحق الواضح الجلي بعد التطب له والانتظار منهم لمجيئه، فيكون أوقع في النفوس، وكذا كان؛ ولهذا قال تعالى: ﴿فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ﴾ أي: خيلوا إلى الأبصار أن ما فعلوه له حقيقة في الخارج، ولم يكن إلا مجرد صنعة [¬١] وخيال؛ كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى (٦٦) فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى (٦٧) قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى (٦٨) وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾.\nقال سفيان بن عيينة (^١٤٣): حدَّثنا أَبو سعد [¬٢]، عن عكرمة، عن ابن عبَّاس: ألقوا حبالًا غلاظًا وخشبًا طوالًا. قال: فأقبلت يخيل [¬٣] إليه من سحرهم أنَّها تسعى.\nوقال محمد بن إسحاق: صف خمسة عشر ألف ساحر مع كل ساحر، حباله وعصيه، وخرج موسى ﵇، معه أخوه [¬٤] يتكئ على عصاه، حتَّى أتى الجمع وفرعون في مجلسه مع أشراف أهل مملكته، ثم قالت [¬٥] السحرة: ﴿قَالُوا يَامُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى (٦٥) قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ﴾ فكان أول ما اختطفوا بسحرهم بصر موسى وبصر فرعون، ثم أبصار الناس بعد، ثم ألقى كل رجل منهم ما في يده من الحبال والعصي، فإذا حيات كأمثال الجبال، قد ملأت الوادي يركب بعضها بعضًا.\nوقال السدي: كانوا بضعة وثلاثين [¬٦] ألف رجل، ليس رجل منهم إلا ومعه حبل وعصا ﴿فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ﴾ يقول: فرقوهم، أي: من الفرق.\nوقال ابن جرير (^١٤٤): حدَّثنا يعقوب بن إبراهيم، حدَّثنا ابن علية، عن هشام الدستوائي، حدَّثنا القاسم بن أبي بزَّة، قال: جمع فرعون سبعين ألف ساحر فألقوا سبعين ألف حبل، وسبعين ألف عصا، حتَّى جعل يخيل إليه من سحرهم أنَّها تسعى.\nولهذا قال تعالى: ﴿وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾.\n﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ (١١٧) فَوَقَعَ﴾\n_________\n(^١٤٣) - أخرجه ابن جرير (١٣/ ١٤٩٣٩) وأَبو سعد هو البَقَّال، سعيد بن المرزبان، \"ضعيف مُدلِّس\".\n(^١٤٤) - تفسير ابن جرير (١٣/ ١٤٩٤١) وإسناده صحيح إلى القاسم بن أبي بزَّة.\n_________\n[¬١]- في ز: \"صيغة\".\n[¬٢]- في ز: \"سعيد\".\n[¬٣]- في ز: \"تخيل\".\n[¬٤]- في ز: \"أخاه\".\n[¬٥]- في خ، ز: \"قال\"، والمثبت من تفسير ابن جرير (١٢/ ١٤٩٤٠).\n[¬٦]- في ز: \"ثلاثون\".","vol":"6","page":362},{"text":"﴿الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١١٨) فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ (١١٩) وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (١٢٠) قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ (١٢٢)﴾\nيخبر تعالى أنَّه أوحى إلى عبده ورسوله موسى ﵇ في ذلك الموقف العظيم، الذي فرق الله تعالى فيه بين الحق والباطل، يأمره بأن يلقي ما فى يمينه، وهي عصاه ﴿فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ أي: قال ﴿مَا يَأْفِكُونَ﴾ أي: ما يلقونه، ويوهمون أنَّه حق وهو باطل.\nقال ابن عبَّاس: فجعلت لا تمر بشيء من حبالهم ولا من خشبهم إلا التقمته، فعرفت السحرة أن هذا أمر من السماء و[¬١] ليس هذا بسحر، فخروا سجدًا، وقالوا: ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾.\nوقال محمد بن إسحاق: جعلت تبتلع [¬٢] تلك الحبال والعصي واحدة واحدة، حتَّى ما يرى [¬٣] بالوادي قليل ولا كثير مما ألقوا، ثم أخذها موسى، فإذا هي عصا في يده كما كانت، ووقع السحرة سجدًا ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾، لو كان هذا ساحرًا [¬٤]، ما غلبنا.\nوقال القاسم بن أبي بزَّة: أوحى الله إليه أن ألق عصاك، [فألقى عصاه] [¬٥]، فإذا هي ثعبان [] [¬٦]، فاغر فاه يبتلع حبالهم وعصيهم، فألقي السحرة عند ذلك سجدًا، فما رفعوا رءوسهم حتَّى رأوا الجنَّةَ والنار وثواب أهلهما [¬٧].\n﴿قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (١٢٣) لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (١٢٤) قَالُوا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ (١٢٥) وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ (١٢٦)﴾\nيخبر تعالى عما توعد به فرعون - لعنه الله - السحرةَ لما آمنوا بموسى ﵇، وما أظهره\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- في خ، ز: \"تتبع\".\n[¬٣]- في ز: \"ترى\".\n[¬٤]- في ز: \"ساحر\".\n[¬٥]- سقط من: خ، ز.\n[¬٦]- في ت: \"مبين\".\n[¬٧]- في خ، ز: \"أهلها\".","vol":"6","page":363},{"text":"للناس من كيده ومكره في قوله: ﴿أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا﴾ أي: إن غَلَبَه لكم في يومكم هذا، إنما كان عن تشاور منكم ورضا منكم لذلك؛ كقوله في الآية الأخرى: ﴿إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ﴾ وهو يعلم وكل من له لب أن هذا الذي قاله من أبطل الباطل، فإن موسى ﵇ بمجرد ما جاء من مدين دعا فرعون إلى الله، وأظهر المعجزات الباهرة والحجج القاطعة على صدق ما جاء به، فعند ذلك أرسل فرعون في مدائن ملكه ومعاملة سلطته، فجمع سحرة متفرقين من سائر الأقاليم ببلاد مصر، ممن اختار هو من قومه وأحضرهم عنده، ووعدهم بالعطاء الجزيل؛ و[¬١] قد كانوا من [¬٢] أحرص الناس على ذلك، وعلى الظهور في مقامهم ذلك، والتقدم عند فرعون. وموسى ﵇ لا يعرف أحدًا منهم، ولا رآه ولا اجتمع به، وفرعون يعلم ذلك، وإنما قال هذا [¬٣] تسترًا وتدليسًا على رعاع دولته وجهلتهم، كما قال تعالى: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ﴾، فإن قويًّا صدقوه فى قوله: ﴿فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ من أجهل خلق الله وأضلهم.\nوقال السدي في تفسيره بإسناده المشهور (^١٤٥): عن ابن مسعود وابن عبَّاس وغيرهما من الصحابة في قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ﴾ قال [¬٤]: التقى موسى ﵇ وأمير السحرة، فقال له موسى: أرأيتك إن غلبتك أتؤمن بي، وتشهد أن ما جئت به حق؟ قال الساحر: لآتين غذا بسحر لا يغلبه سحر، والله لئن غلبتني لأومن بك ولأشهدن أنك حق. وفرعون ينظر إليهما. قالوا: فلهذا قال ما قال.\nوقوله: ﴿لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا﴾ أي: تجتمعوا أنتم وهو، و[تكون لكم] [¬٥] دولة وصولة، وتخرجوا منها الأكابر والرؤساء، وتكون الدولة والتصرف لكم ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ أي: ما أصنع بكم.\nثم فسر هذا الوعيد بقوله: ﴿لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ﴾ يعني: يقطع يد الرجل اليمنى ورجله اليسرى، أو [¬٦] بالعكس ﴿لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ وقال في الآية الأخرى: ﴿فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ أي: على الجذوع.\nقال ابن عبَّاس: وكان أول من صلب، وأول من قطع الأيدي والأرجل من خلاف فرعون.\n_________\n(^١٤٥) - ومن طريق السُّدي أخرجه ابن جرير في تفسيره (١٢/ ١٤٩٥٥) عن أبي مالك وعلى بن أبي طلحة عن ابن عبَّاس وعن مرة عن ابن مسعود وعن ناس من أصحاب رسول الله ﷺ فذكره.\n_________\n[¬١]- فى ت: \"ولهذا\".\n[¬٢]- زيادة من: خ، ز.\n[¬٣]- فى ز: \"ذلك\".\n[¬٤]- فى ز: \"قالوا\".\n[¬٥]- في ز: \"يكون لهم\".\n[¬٦]- فى ز: \"و\".","vol":"6","page":364},{"text":"وقول السحرة: ﴿قَالُوا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ (١٢٥)﴾ أي: قد تحققنا أنا إليه راجعون، وعذابه أشد من عذابك، ونكاله على ما تدعونا إليه وما أكرهتنا عليه من السحر أعظم من نكالك، فلنصبرن [¬١] اليوم على عذابك؛ لنخلص من عذاب الله؛ ولهذا قالوا [¬٢]: ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا﴾ أي: عمنا بالصبر على دينك والثبات عليه ﴿وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾ أي: متابعين لنبيك موسى ﵇، وقالوا لفرعون: ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٧٢) إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (٧٣) إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى (٧٤) وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى﴾ كانوا في أول النهار سحرة، فصاروا في آخره [¬٣] شهداء بررة.\nقال ابن عبَّاس وعبيد بن عمير وقَتَادة [وابن جريج] [¬٤]: كانوا فى أول النهار سحرة، وفى آخره شهداء.\n﴿وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ (١٢٧) قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (١٢٨) قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (١٢٩)﴾\nيخبر تعالى عما تمالأ عليه فرعون وملؤه، وما أظهروه لموسى ﵇ وقومه من الأذى والبغضة: ﴿وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ﴾ أي: لفرعون ﴿أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ﴾ أي: أتدعهم ليفسدوا في الأرض، أي: يفسدوا [¬٥] أهل رعيتك ويدعوهم ابن عبادة ربهم دونك. يالله للعجب [¬٦]! صار هؤلاء يشفقون [¬٧] من إفساد موسى وقومه! ألا إن فرعون وقومه هم المفسدون\n_________\n[¬١]- في ز: \"فلنصبر\".\n[¬٢]- في ز: \"قال\".\n[¬٣]- فى ز: \"آخر النهار\".\n[¬٤]- إنما رواه ابن جريج عن مجاهد قوله - كما في \"التفسير\" لابن جرير (١٣/ ١٤٩٦٠) ولم أجد من عزاه لابن جريج، والله أعلم.\n[¬٥]- في ز: \"يفسدون\".\n[¬٦]- في ز: \"العجب\".\n[¬٧]- في ز: \"لا يشفقون\".","vol":"6","page":365},{"text":"ولكن لا يشعرون، ولهذا قالوا: ﴿وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾ قال بعضهم: الواو هاهنا [¬١] حالية، أي: أتذره وقومه يفسدون في الأرض وقد ترك عبادتك؟ وقرأ ذلك أبي بن كعب: (وقد تركوك أن يَعْبُدُوك [¬٢] وَآلِهَتَكَ)، حكاه ابن جرير [¬٣].\nوقال آخرون: هي عاطفة، أي: لا تدع موسى يصنع هو وقومه من الفساد ما قد أقررتهم عليه وعلى ترك آلهتك.\nوقرأ بعضهم: (إلاهتك). أي: عبادتك، وروي ذلك عن ابن عبَّاس ومجاهد.\nوعلى القراءة الأولى قال بعضهم: كان لفرعون إله يعبده. قال الحسن البصري: كان لفرعون إله يعبده في السر.\nوقال في رواية أخرى: [كان له جمانة] [¬٤] في عنقه معلقة يسجد لها.\nوقال السدي في قوله تعالى: ﴿وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾: وآلهته، فيما زعم ابن عبَّاس [كانت البقر] [¬٥] كانوا إذا رأوا بقرة حسناء أمرهم فرعون أن يعبدوها، فلذلك أخرج لهم عجلا جسدًا.\nفأجابهم فرعون فيما سألوا بقوله: ﴿سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ﴾، وهذا أمر ثان بهذا الصنيع، وقد كان نكل بهم قبل ولادة موسى ﵇ حذرًا من وجوده، فكان [¬٦] خلاف ما رامه وضد ما قصده فرعون، وهكذا عومل فى صنيعه [هذا] [¬٧] أيضًا إنما أراد قهر بني إسرائيل وإذلالهم، فجاء الأمر على خلاف ما أراد، نصرهم الله عليه وأذله، وأرغم أنفه، وأغرقه وجنوده.\nولما صمم فرعون على ما ذكره من المساءة لبني إسرائيل ﴿قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا﴾ ووعدهم بالعاقبة، وأن الدار ستصير لهم فى قوله: ﴿إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (١٢٨) قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا﴾ أي: قد جرى علينا مثل ما رأيت من الهوان والإِذلال عن قبل ما جئت يا موسى ومن بعد ذلك، فقال منبهًا لهم على حالهم الحاضرة، وما يصيرون إليه في ثاني الحال: ﴿قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾، وهذا تحضيض لهم على العزم على الشكر عند حلول النعم وزوال النقم.\n_________\n==\n[¬١]- في ز: \"هنا\".\n[¬٢]- في خ: \"يعبدوا\".\n[¬٣]- ابن جرير في تفسيره (١٣/ ٣٧).\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين في ز: \"جنانة\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٦]- في ز: \"وكان\".\n[¬٧]- سقط من خ.","vol":"6","page":366},{"text":"﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (١٣٠) فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٣١)﴾\nيقول تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ﴾ أي: اختبرناهم وامتحناهم وابتليناهم ﴿بِالسِّنِينَ﴾ وهي سني الجوع بسبب قلة الزروع ﴿وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ قال مجاهد: وهو دون ذلك.\nوقال أبو إسحاق: عن رجاء بن حيوة: كانت النخلة لا تحمل إلا ثمرة واحدة.\n﴿لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (١٣٠) فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ﴾ أي: صت الخصب والرزق ﴿قَالُوا لَنَا هَذِهِ﴾ أي: هذا لنا بما نستحقه ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾ أي: جدب [¬١] وخط ﴿يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ﴾ أي: هذا بسببهم وما جاءوا به.\n﴿أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [قال على بن أبي طلحة: عن ابن عباس ﴿أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾ يقول:] [¬٢] مصائبهم عند الله قال الله [¬٣]: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾.\nوفال ابن جريج: عن ابن عباس قال: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أي [¬٤]: الأمر [¬٥] من قِبَل الله.\n﴿وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (١٣٢) فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ (١٣٣) وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا يَامُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٣٤) فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ\n_________\n[¬١] في ز: \"جذب\".\n[¬٢] ما بين المعكوفتين سقط من: ز\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤] في ز: \"قال\".\n[¬٥] في خ، \"ألا\"، والمثبت من تفسير ابن جرير (١٣/ ١٤٩٨٧).","vol":"6","page":367},{"text":"يَنْكُثُونَ (١٣٥)﴾\nهذا إخبار من الله ﷿ عن تمرّد قوم فرعون وعتوّهم وعنادهم للحق، وإصرارهم على الباطل في [¬١] قولهم: ﴿وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ يقولون: أي آية جئتنا بها، ودلالة وحجة أقمتها رددناها، فلا نقبلها منك، ولا نؤمن بك، ولا بما جئت به. قال الله تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ﴾.\nاختلفوا في معناه؛ فعن ابن عباس في رواية: كثرة الأمطار المغرقة المتلفة للزروع والثمار. وبه قال الضحاك بن مزاحم.\nوقال ابن عباس في رواية أخرى: هو كثرة الموت. وكذا قال عطاء.\nوقال مجاهد: الطوفان: الماء والطاعون على كل حال.\nوقال ابن جرير (^١٤٦): حدثنا أبو هشام الرفاعي، حدثنا يحيى بن يمان [¬٢]، حدثنا المنهال بن خليفة، عن الحجاج، عن الحكم بن ميناء، عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: \"الطوفان: الموت\".\nوكذا رواه ابن مردويه: من حديث يحيى بن يمان [¬٣] به، وهو حديث غريب.\nوقال ابن عباس في رواية أخرى: هو أمر من الله طاف بهم، ثم قرأ: ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ﴾.\nوأما الجراد فمعروف مشهور، وهو مأكول؛ لما ثبت في الصحيحين (^١٤٧) عن أبي يعفور قال:\n_________\n(^١٤٦) - إسناده ضعيف تفسير ابن جرير (١٣/ ١٤٩٩٦) وأخرجه ابن أبي حاتم (٥/ ٨٨٥٥) من طريق الحماني، ثنا يحيى بن يمان به، وذكره المصنف في \"البداية والنهاية\" (١/ ٣٠٧) وعزاه إلى ابن جرير وابن مردويه وقال: \"وهو غريب\" قلت: علته المنهال بن خليفة هذا: ضعفه ابن معين والنسائي، وقال البخاري: \"فيه نظر\" وقال في موضع آخر: \"حديثه منكر\" وهو مترجم في \"التهذيب\". والحجاج هو ابن أرطاة: صدوق كثير الخطأ والتدليس وقد عنعنه، واضطرب فيه المنهال بن خليفة فرواه عن عطاء عن عائشة به كما عند ابن أبي حاتم (٥/ ٨٨٥٦) ورواه عن حجاج عن رجل عنها به كما عند ابن جرير (١٣/ ١٥٠٠٠)، وذكره الحافظ ابن حجر في \"الفتح\" (٨/ ٣٠٠) وعزاه إلى \"ابن مردويه بإسنادين ضعيفين\" وزاد نسبته السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ٢٠٣) إلى أبي الشيخ.\n(^١٤٧) - أخرجه البخاري، كتاب: الذبائح والصيد، باب: أكل الجراد (٥٤٩٥)، ومسلم، =\n_________\n[¬١]- فى ز: \"و\".\n[¬٢]- في ز: \"ثمان\".\n[¬٣]- في ز: \"ثمان\".","vol":"6","page":368},{"text":"سألت عبد الله بن أبي أوفى عن الجراد، فقال: غزونا مع رسول الله، ﷺ، سبع غزوات نأكل الجراد.\nوروى الشافعي وأحمد بن حنبل وابن ماجة (^١٤٨): من حديث عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن ابن عمر، عن النبي، ﷺ، قال: \"أحلت لنا متتان ودمان؛ الحوت والجراد، والكبد والطحال\".\nورواه أبو القاسم البغوي (^١٤٩): عن داود بن رشيد، عن سويد بن عبد العزيز، [عن أبي هشام [¬١] الأبلي [¬٢]، عن زيد بن أسلم، عن ابن عمر مرفوعًا مثله.\nوروى أبو داود (^١٥٠): عن محمد بن الفرج، عن محمد بن الزبرقان الأهوازي، عن سليمان\n_________\n= كتاب: الصيد والذبائح، باب: إباحة الجراد (٥٢) (١٩٥٢) وكذا أخرجه أحمد (٤/ ٣٥٣، ٣٥٧، ٣٨٠) وأبو داود، كتاب: الأطعمة، باب: في أكل الجراد (٣٨١٢) والترمذي، كتاب: الأطعمة، باب: ما جاء في أكل الجراد (١٨٢٢، ١٨٢٣)، والنسائي، كتاب: الصيد والذبائح، باب: الجراد (٧/ ٢١٠) من طرق عن أبي يعفور به، وبعض الرواة عن أبي يعفور قال: \"ست غزوات\" وبعضهم رواه بالوجهين وانظر \"الفتح\" (٩/ ٦٢١).\n(^١٤٨) - صحيح موقوفًا تقدم تخريجه [سورة المائدة/ آية ٣] وانظر ما بعده.\n(^١٤٩) - وأخرجه أبن مردويه في تفسيره [تفسير سورة الأنعام]- كما في \"نصب الراية\" للزيلعي (٤/ ٢٠٢) و\"تلخيص الحبير\" لابن حجر (١/ ٢٨) - ثنا عبد الباقى بن قانع، ثنا محمد بن بشر بن مطر ثنا داود بن راشد - كذا وصوابه \"رُشَيد\" كما هنا وانظر ترجمته في \"التهذيب\" - عن سويد بن عبد العزيز به، وأبو هشام الأبلي وهو كثير بن عبد الله، فال البخاري: \"منكر الحديث\"، وقال النسائي: \"متروك\" وقال الدارقطني: ضعيف، وذهب ابن حبان إلى أن هذا وكثير بن سليم واحد، وليس هذا بشيء، وقال أبو حاتم: \"كثير بن عبد الله منكر الحديث، وشبه المتروك\" \"ميزان الاعتدال\" (٤/ ت ٦٩٤٢) واستنكر له ابن عدي فى \"الكامل\" (٦/ ٢٠٨٦) عدة أحاديث ثم قال: \"وفي بعض رواياته ما ليس بمحفوظ، وبه أعل هذه الطريق ابن حجر في \"التلخيص\".\n(^١٥٠) - ضعيف \"السنن\" لأبي داود كتاب: الأطعمة، باب: في أكل الجراد (٣٨١٣) - ومن طريقه وطريق آخر البيهقي فى \"السنن الكبرى\" (٩/ ٢٥٧) - وأخرجه الطبراني فى \"الكبير\" (٦ / رقم ٦١٢٩) والخطيب البغدادي فى \"تاريخ بغداد\" (١٤/ ٧٢) وابن عساكر في \" تاريخ دمشق\" (٧/ ٣٨٩ /مخطوط) من طرق ثلاثة عن محمد بن الفرج به، وأخرجه البزار في مسنده (٦/ رقم ٢٥٠٩، ٢٥١٠) وأبو الشيخ فى \"العظمة\" (٥/ ١٢٩٤) من طريقين عن محمد بن الزبرقان به، وقال الدارقطني فى \"الأفراد\" - كما فى \"أطراف الغرائب\" (٢/ ١٤٠ مخطوط): \"تفرد به أبو همام محمد بن الزبرقان=\n_________\n[¬١]- في خ، ز، وفي جميع النسخ \"عن أبي تمام\" وهو مصحف، وصوابه ما أثبتناه كما في \"نصب الراية\" (٤/ ٢٠٢) و\"تلخيص الحبير\" (١/ ٢٨)، وانظر \" ميزان الاعتدال\" (٤/ ت ٦٩٤٢).\n[¬٢]- في خ، ز \"الأيلي\".","vol":"6","page":369},{"text":"التيمي، عن أبي عثمان، عن سلمان قال: سئل رسول الله، ﷺ، عن الجراد فقال: \"أكثر [¬١] جنود الله، لا آكله ولا أحرمه\".\nوإنما تركه ﵇ لأنه كان يعافه، كما عافت نفسه الشريفة أكل الضب وأذن فيه (^١٥١).\nوقد روى الحافظ ابن عساكر في جزء جمعه في الجراد (^١٥٢): من حديث أبي سعيد الحسن بن\n_________\n= عن سليمان التيمي عنه\" قلت: وأبو همام وإن وثقه ابن المديني والدارقطني وقال النسائي: ليس به بأس وقال أبو حاتم وأبو زرعة \"صالح\" -: إلا أن ابن معين قال: \"لم يكن صاحب حديث ولكن لا بأس به\"، وذكره ابن حبان في \"الثقات\" (٧/ ٤٤١) وقال: \"ربما أخطأ\" وفي \"التقريب\" صدوق يهم، وقد عد وصل هذا الحديث من أخطائه أو أوهامه حيث قال أبو داود: \"رواه المعتمر عن أبيه - أخرجه عبد الرزاق فى \"المصنف\" (٤/ رقم ٨٧٥٧) - عن أبي عثمان، عن النبي ﷺ لم يذكر سلمان\" قلت: وتابعه الأنصاري محمد بن عبد الله فأخرجه فى \"جزء من حديثه\" (رقم ٧) ثنا سليمان التيمي به، لم يذكر سلمان وتابعهما يزيد بن هارون عند ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٥/ ٨٧٣)، ومعتمر والأنصاري ويزيد ثقات فضلا عن أن المعتمر \"أعلم الناس بحديث أبيه ولم يكن أحد من الناس يقوم في سليمان مقامه\" قاله يحيى ابن معين - وتابع سليمان التيمي فيه: (أبو العوام، فائد بن كيسان الباهلي وعثمان بن غياث) فأما طريق أبي العوام فقد اختلف عليه فيه فرواه زكريا بن يحيى بن عُمارة الذَّراع - \"صدوق يخطئ\" - عنه عن أبي عثمان النهدي به موصولًا، أخرجه أبو داود (٣٨١٤) - ومن طريقه البيهقي - وابن ماجه، كتاب: الصيد، ب: صيد الحيتان والجراد (٣٢١٩) والطبراني في \"الكبير\" (٦/ ٦١٤٩) ومن طريقه المزي في \"تهذيب الكمال\" (٢٣/ ١٤١/ ت ٤٧٠٥) - وأبو الشيخ (١٢٩٥) ورواه حماد بن سلمة عن أبى العوام عن أبي عثمان عن النبى ﷺ لم يذكر سلمان علقه أبو داود ومن طريقه البيهقي في \"السنن\"، وقال ابن أبي حاتم في \"العلل\" (٢ /رقم ١٤٩٥): \"سألت أبي عن حديث رواه فائد أبو العوام عن أبي عثمان عن سلمان عن النبى ﷺ في الجراد فذكره - قال أبي: هذا خطأ، والصحيح مرسل وليس فيه سلمان\". وتابع التيمي فيه أيضًا عثمان بن غياث - ثقة رمي بالإرجاء - حدثني أبو عثمان النهدي، أن رسول الله ﷺ قال فذكره ليس فيه سلمان، أخرجه الأنصاري في \"جزء حديثه\" (٩٠)، ورواه الطيالسي في مسنده (رقم ٦٥٣) ثنا شعبة عمن سمع أبا عثمان قال: ذكر الجراد عند النبي ﷺ فذكر الحديث وقال: روى هذا الحديث أبو العوام عن أبي عثمان. وصوب المرسل ابن حجر في \"الفتح\" (٩/ ٦٢٢) والألباني - ولذا أودعه فى \"الضعيفة\" (٤/ رقم ١٥٣٣) - ومال إلى ذلك البيهقي، والله الموفق.\n(^١٥١) - أخرج ذلك البخاري، ك: الأطعمة، باب: ما كان النبي ﷺ لا يأكل حتى يسمى له فيعلم ما هو (٥٣٩١)، ومسلم، كتاب: الصيد والذبائح، باب: إباحة الضب (٤٤) (١٩٤٦) وغيرهما من حديث خالد بن الوليد.\n(^١٥٢) - لم أقف على هذا \"الجزء\" ولم أهتد للحديث فى غير هذا الموضع.\n_________\n[¬١]- في ز: \"كثر\".","vol":"6","page":370},{"text":"على العدوي حدثنا نصر بن يحيى بن سعيد، حدثنا يحيى بن خالد، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس قال: كان رسول الله، ﷺ، لا يأكل الجراد ولا الكلوتين ولا الضب من غير أن يحرمها، أما الجراد فرجز وعذاب، وأما الكلوتان فلقربهما من البول، وأما الضب فقال: \"أتخوف أن يكون مسخًا\". ثم قال: غريب لم أكتبه إلا من هذا الوجه.\nوقد كان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ يشتهيه ويحبه، فروى عبد الله بن دينارًا [¬١] عن ابن عمر: أن عمر سئل عن الجراد، فقال: ليت أن عندنا منه قفعة أو قفعتين [¬٢] نأكله.\nوروى ابن ماجة (^١٥٣): حدثنا أحمد بن منيع، عن سفيان بن عيينة، عن أبي سعد سعيد بن المرزبان البقال، سمع أنس بن مالك يقول: كان [¬٣] أزواج النبي ﷺ يتهادين الجراد على الأطباق.\nوقال أبو القاسم البغوي (^١٥٤): حدثنا داود بن رشيد، حدثنا بقية بن الوليد، عن نمير [¬٤] بن\n_________\n(^١٥٣) - ضعيف أخرجه ابن ماجه، كتاب: الصيد، باب: صيد الحيتان والجراد (٣٢٢٠)، وأخرجه ابن عدي في \"الكامل\" (٣/ ١٢٢٠) والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٩/ ٢٥٨) والخطيب البغدادي فى \"موضح أوهام الجمع والتفريق\" (٢/ ١٢٩، ١٣٠) من طرق عن أبي سعيد البقال به قال البوصيري فى \"الزوائد\" (٣/ ٦٤): \"في إسناده أبو سعد البقال، واسمه سعيد بن المرزبان العبسي الكوفى وهو ضعيف\" ضعفه النسائى والعجلي، وقال البخاري: \"منكر الحديث\" وقال أبو حاتم: \"لا يحتج بحديثه وتركه الدارقطني والفلاس\" قلت: وأخرجه عبد الرزاق فى \"المصنف\" (٤/ ٨٧٦٣) عن ابن عيينة عن أبي يعفور - كذا - عن أنس به وهذا الإسناد لا شك أنه محرف، فإن الحديث لا يعرف إلا لأبي سعد البقال والله تعالى أعلم.\n(^١٥٤) - ضعيف أخرجه ابن قتيبة في \"غريب الحديث\" (١/ ١٨٢) والحربي في \"غريب الحديث\" (٢/ ٥٨١) والطبراني فى \"الكبير\" (٨/ رقم ٧٦٣١) والبيهقي فى \"السنن الكبرى\" (٩/ ٢٥٨) ومن طريقه ابن عساكر في \"تاريخ دمشق\" (١٩/ ٥٣١/ مخطوط) - والذهبي في \"الميزان\" (٥/ ت ٩٠٧١) من طرق عن بقية به، وفي أكثرها تصريح بقية بالتحديث، لكن شيخه نُمير بن يزيد القيني، قال أبو الفتح الأزدي: ليس بشيء، وفى \"التقريب\": \"مجهول\" وأبوه لا يعرف أيضًا، قال الذهبي: \"هذا الإسناد على ركاكة متنه أنظف من الأول - يعني حديث أبي هريرة الآتي - ويريبنى فيه هذا الدعاء، فإنها ما =\n_________\n[¬١]- أخرجه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٩/ ٥٨) من طريق مالك عن عبد الله بن دينار به وعبد الرزاق في \"المصنف\" (٤/ ٨٧٥١) من طريق سالم وابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٥/ ٥٧١) من طريق نافع كلاهما (سالم ونافع) عن ابن عمر به.\n[¬٢]- قال أبو عبيد: القفعة شيء يشبه بالزنبيل ليس بالكبير كمل من خوص وليست له عرى. \"السنن الكبرى\" للبيهقي (٩/ ٢٥٨).\n[¬٣]- في ز: \"كن\".\n[¬٤]- في خ، ز: \"يحيى\".","vol":"6","page":371},{"text":"يزيد القَيْني [¬١]، حدثني أبي، عن صدي بن عجلان، وهو [¬٢] أبو [¬٣] أمامة قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن مريم بنت عمران ﵍ سألت ربها ﷿ أن يطعمها لحمًا لا دم له، فأطعمها الجراد، فقالت: اللهم أعشه بغير رضاع، وتابع بينه بغير شياع\". وقال نمير: الشياع: الصوت [¬٤].\nوقال أبو بكر بن أبي داود (^١٥٥): حدثنا [أبو تقي] [¬٥] هشام بن عبد الملك اليَزَني [¬٦]، حدثنا\n_________\n= كانت لتدعو بأمر واقع، ومازال الجراد بلا رضاع ولا شياع\" قال الحافظ في \"اللسان\": \"وهذا الإشكال غير مشكل لجواز أن يكون الجراد ما كان موجودًا قبل\" والحديث ذكره الهيثمي في \"المجمع\" (٤/ ٤٢) وقال: \"رواه الطبراني في \"الكبير\" وفيه بقية وهو ثقة ولكنه مدلس ويزيد القيني - في الأصل \"العينى\" وهو تحريف - لم أعرفه، وبقية رجاله ثقات\"، تقدم أن بقية صرح بالتحديث، فأمنا تدليسه، وبقى إعلال الحديث بالجهالة، وفي الباب عن أبي هريرة عند العقيلي في \"الضعفاء\" (٤/ ٢٨٧) وتمام في \"الفوائد\" (٣ / رقم ٩٥٣/ الروض البسام) وأبي الشيخ في \"العظمة\" (٥/ ١٣٠٣) وابن عساكر والذهبي وفي إسناده النضر بن عاصم أبو عباد، قال العقيلي: \"لا يتابع عليه، ولا يعرف إلا به\" والنضر هذا تركه الأزدي - كما في \"الميزان\" وبه أعل الحديث الألباني، فكان من نصيب \"الضعيفة\" (٤/ رقم ١٩٩٢).\n(^١٥٥) - وأخرجه أبو الشيخ في \"العظمة\" (٥/ ١٢٩٣) من طريق أبي التقي هشام بن عبد الملك به، وأخرجه ابن أبي عاصم في \"الآحاد والمثانى\" (٣/ رقم، ١٤٤) والبيهقي في \"الشعب\" (٧/ رقم ١٠١٢٧) - وفي إسناده سقط يستدرك من هنا - من طريق عبد الوهاب بن نجدة الحوطي وأبو الشيخ أيضًا من طريق العباس بن الهيثم الأنطاكي، والطبراني فى \"الكبير\" (٢٢/ رقم ٧٥٧) من طريق محمد بن إسماعيل بن عياش، وسليمان بن عبد الرحمن الدمشقي، وفي \"الأوسط\" (٩/ رقم ٩٢٧٧) من طريق أبي صالح عبد الغفار بن داود، (وأبو محمد المخلدي في \"الفوائد\" (ق ٢/ ٢٨٩) وأبو عبد الله بن منده في \"معرفة الصحابة\" (٣٧/ ٢٠١/ ١) عن سعيد بن عمرو الحضرمي، وابن منده أيضًا (٢/ ٢٤٣/ ١) عن عبد الوهاب بن الضحاك/ نقلًا عن الألبانى من \"الصحيحة\" (٢٤٢٨١٥) ثمانيتهم (بقية، عبد الوهاب بن نجدة، العباس، محمد، سليمان، عبد الغفار، سعيد، عبد الوهاب بن الضحاك) عن إسماعيل بن عياش به، وقال الطبرانى: \"لا يُرْوى هذا الحديث عن أبي زهير إلا بهذا الإسناد، تفرد به إسماعيل بن عياش\" قلت: وهو ثقة في روايته عن الشاميين وهذه منها، وضمضم بن زرعة وإن ضعفه أبو حاتم فقد وثقه ابن معين وابن نمير، وفي \"التقريب\": صدوق يهم ولذا جود إسناده الألبانى، لكن توقف فيه البيهقي فقال: \"وهذا إن صح فإنما أراد به - والله أعلم - إذا لم يتعرض لإفساد المزارع، فإذا تعرض له جاز دفعه بما يقع به الدفع من القتال والقتل، أو أراد به تعذر مقاومته بالقتال والقتل\" وأما إعلال الهيثمي الحديث بمحمد بن إسماعيل - حيث قال في \"المجمع\" (٤/ ٤٢): \"رواه الطبراني في \"الكبير\" و\"الأوسط\" وفيه محمد ابن إسماعيل بن عياش وهو ضعيف\" - فمردود بمتابعة سَبْعَةٍ لمحمد بن إسماعيل بن عياش فتنبه!!\n_________\n[¬١]- في ز: \"القبتي\".\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- في خ، ز: \"أبي\"\n[¬٤]- فى خ، ز: \"الصوب\".\n[¬٥]- في خ، ز: \"أبو بقي\" وهو خطأ والصواب ما أثبتناه من كتب الرجال.\n[¬٦]- فى خ، ز: \"المزنى\".","vol":"6","page":372},{"text":"بقية بن الوليد، حدثنا إسماعيل بن عياش، عن ضمضم بن زرعة، عن شريح بن عبيد، عن أبي زهير النميري قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا تقاتلوا [¬١] الجراد، فإنه جند الله الأعظم\". غريب جدًا.\nوقال ابن أبي نجيح: عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ﴾ قال: كانت تأكل مسامير أبوابهم وتدع الخشب.\nوروى ابن عساكر (^١٥٦): من حديث على بن زيد الخرائطي [¬٢]، عن محمد بن كثير، سمعت الأوزاعي يقول: خرجت إلى الصحراء، فإذا أنا برِجْل من جراد في السماء، وإذا [¬٣] برجل راكب على جرادة منها وهو شاك في الحديد، وكلما قال بيده هكذا مال الجراد مع يده وهو يقول: الدنيا باطل، باطل ما فيها، الدنيا باطل، باطل مما فيها، الدنيا باطل، باطل ما فيها.\nوروى الحافظ أبو الفرج المعافى بن زكريا الجريري [¬٤]: حدثنا محمد بن الحسن بن زياد، حدثنا أحمد بن عبد الرحيم، أخبرنا وكيع، عن الأعمش، أنبأنا عامر قال: سئل شريح القاضي عن الجراد، فقال: قبح الله الجرادة، فيها خلقة سبعة جبابرة، رأسها رأس فرس، وعنقها عنق ثور، وصدرها صدر أسد، وجناحها جناح نسر، ورجلاها رجلا جمل. وذنبها ذنب حية، وبطنها بطن عقرب.\nوقدمنا عند قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ (^١٥٧) حديث حماد بن سلمة، [عن أبي المهزم، عن أبي هريرة] [¬٥] قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في حج أو عمرة، فاستقبلنا رِجْل جراد، فجعلنا نضربه بالعصي ونحن محرمون، فسألنا رسول الله، ﷺ، فقال: \"لا بأس بصيد البحر\".\nوروى ابن ماجة (^١٥٨): عن هارون الحمال [¬٦]، عن هاشم [¬٧] بن القاسم، عن زياد بن عبد الله بن\n_________\n(^١٥٦) - والقصة ذكرها أبو الشيخ في \"العظمة\" (٥/ ١٣٠٢) عن الأوزاعي بنحو ماهنا.\n(^١٥٧) - تقدم تخريجه [سورة المائدة/ آية ٩٦].\n(^١٥٨) - ضعيف رواه ابن ماجه كتاب: الصيد، باب: صيد الحيتان والجراد (٣٢٢١)، وأخرجه =\n_________\n[¬١]- في ز: \"تقابلوا\".\n[¬٢]- في ز \"الفرايطني\".\n[¬٣]- فى ت: \"فإذا\".\n[¬٤]- في خ، ز: \"الحريري\" وهو خطأ وصوابه المثبت وهو مترجم في \"سير أعلام النبلاء\" (١٦/ ٥٤٤) وهو \"الجريري\" نسبة إلى رأي ابن جرير الطبري.\n[¬٥]- سقط من: خ، ز.\n[¬٦]- في ز: الحماني، وهو تحريف\n[¬٧]- في ز: \"هشام\".","vol":"6","page":373},{"text":"علاثة [] [¬١] عن موسى بن [] [¬٢] محمد بن إبراهيم التيمي، عن ًا بيه، عن أنس وجابر عن رسول الله، ﷺ، أنه كان إذا دعا على الجراد قال: \"اللَّهم أهلك كباره واقتل صغاره، وافسد بيضه واقطع دابره، وخذ بأفواهه عن معايشنا وأرزاقنا، إنك سميع الدعاء\". فقال له جابر: يا رسول الله أتدعو على جند من أجناد الله بقطع دابره؟ فقال: \"إنما هو نثرة [¬٣] حوت في البحر\". قال هاشم: أخبرني زياد: أنه أخبره من رآه ينثره [¬٤] الحوت، قال من حقق ذلك: إن السمك إذا باض فى ساحل البحر فنضب الماء [¬٥] عنه وبدا للشمس، أنه يفقس كله جرادًا طيارًا.\nوقدمنا عند قوله: ﴿إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ (^١٥٩) حديث عمر ﵁: \"أن الله خلق ألف أمة؛ ستمائة في البحر وأربعمائة في البر، وإن أولها هلاكًا الجراد\".\nوقال أبو بكر بن أبي داود (^١٦٠): حدثنا نريد بن المبارك، حدثنا عبد الرحمن بن قيس،\n_________\n= الخطيب في \"تاريخ بغداد\" (٨/ ٤٧٨، ٤٧٩) - ومن طريقه ابن الجوزي في \"الموضوعات\" (٣/ ١٤) وكذا ذكره من طريقه السيوطي في \"اللآلئ المصنوعة\" - من طريق هارون بن عبد الله به، وذكره المصنف عند [آية رقم ٩٦/ سورة المائدة] كما هنا وقال: \"تفرد به ابن ماجه\" كذا قال، وأخرجه الترمذي، كتاب: الأطعمة، باب: ما جاء في الدعاء على الجراد (١٨٢٤ ط دعاس) - وقد عزاه للترمذي المزي في \"التحفة\" (١/ رقم ١٤٥١) - وقال الترمذي: \"حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وموسى بن محمد بن إبراهيم التيمي قد تكلم فيه، وهو كثير الغرائب والمناكير، وأبوه محمد بن إبراهيم ثقة، وهو مدني\" وقال ابن الجوزي: \"هذا لا يصح عن رسول الله ﷺ قال يحيى: موسى بن محمد ليس بشيء، ولا يكتب حديثه، وقال النسائي: منكر الحديث، وقال: الدارقطني، متروك\" واستنكره له الذهبي في \"الميزان\" (٥/ ت ٨٩١٤) وضعف إسناده ابن حجر في \"الفتح\" (١/ ٦٢١) وعزاه إلى ابن ماجه فحسب. وانظر - غير مأمور - \"تنزيه الشريعة\" لأبي الحسن الكناني (٢/ ٢٥٢) و\"تذكرة الموضوعات\" للفتنى (ص ١٥٤، ١٥٥) و\"الفوائد المجموعة\" للشوكاني (١٧٤) و\"الضعيفة\" للاُلباني (١/ رقم ١١٢) وفي الباب عن ابن عمر عند الحاكم في \"تاريخ نيسابور\" - كما في \"تنزيه الشريعة\" وزاد نسبته إلى الطبراني - وعن الحاكم أخرجه البيهقى في \"الشعب\" (٧/ ١٠١٣٠) وفي إسناده محمد بن عثمان القيسي، جهله البيهقي، واستنكر الحديث وبه أعل الحديث السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ٢٠٥) ..\n(^١٥٩) -[آية رقم ٣٨/ سورة الأنعام].\n(^١٦٠) - إسناده ضعيف بمرَّة، وآفته سلم بن سالم هذا وهو البلخي الزاهد ضعفه ابن معين، وقال مرة: ليس بشيء، وقال أحمد: ليس بذاك، وقال أبو زرعة: لا يكتب حديثه … وقال النسائي: ضعيف =\n_________\n[¬١]- فى ز: \"عن أبي المهزم، عن أبي هريرة\". وكأن الناسخ انتقل نظره، فنقلها من الإسناد الذي أعلاه إلى هنا، والله أعلم.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز: \"أبي\"\n[¬٣]- في ز: \"بثرة\".\n[¬٤]- في ز: \"يستره\".\n[¬٥]- في ز: \"الباء\".","vol":"6","page":374},{"text":"[حدثنا سلم] [¬١] بن سالم، حدثنا أبو المغيرة الجوزجاني محمد بن مالك، عن البراء بن عازب قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا وَبَاء [¬٢] مع السيف، ولا نَجَاءَ [¬٣] مع الجراد\". حديث غريب.\nوأما القمل، فعن ابن عباس: هو السوس الذي يخرج من الحنطة. وعنه: أنه الدبى [¬٤]. وهو الجراد الصغار الذي لا أجنحة له، وبه قال مجاهد وعكرمة وقتادة.\nوعن الحسن وسعيد بن جبير: القمل دواب سود صغار.\nوقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: القمل البراغيث.\nوقال ابن جرير: القمل جمع واحدتها قُمَّلة، وهي دابة تشبه القمل تأكلها الإبل فيما بلغني، وهي التي عناها الأعشى [¬٥] بقوله:\n[قَوْمٌ تُعَالجُ [¬٦] قُمَّلًا أَبْنَاؤُهُمْ [¬٧] … وَسَلاسِلًا أُجُدًا وَبَابًا مُؤْصَدًا] [¬٨]\nقال: وكان بعض أهل العلم بكلام العرب من أهل البصرة يزعم أن القمل عند العرب: الحَمنان [¬٩]، واحدتها حمنانة [¬١٠]، وهي صغار القِرْدان فوق القَمْقَامة [¬١١].\n_________\n= وقال ابن المبارك - فيما رواه أبو زرعة عن بعض الخراسانيين عنه -: اتق حيات سلم لا تلسعك … وقال الخليلي: أجمعوا على ضعفه انظر \"لسان الميزان\" (٣/ ت ٣٨٥٢) والحديث عزاه الهندي في \"الكنز\" (٣٠٨٧١) والسيوطي فى \"الجامع الصغير\" (٦/ ٤٣٩ - فيض القدير) إلى ابن صَصْرى في \"أماليه\" ورمز له بالضعف، وأقره المناوي، وكذا الألبانى فأودعه في \"ضعيف الجامع الصغير\" (٦/ ٦٣٣٠). قال المناوي: \"الوباء مرض عام، وقد جرت العادة الإلهية أنه لا يجتمع مع القتال بالسيف فى قطر واحد، فإن وقع الوباء فى قطر لا يقع السيف معه وعكسه، والجراد إذا وقع بأرض لا نبات للزرع معه لأنه كجرد الأرض بأكله ما فيها فتصير جردًا لا نبات فيها ولذلك سمي جرادًا\".\n_________\n[¬١]- في خ، ز: \"سالم\".\n[¬٢]- في خ: \"دباء\"، وفي ز: \"دبا\".\n[¬٣]- في ز: \"لجا\".\n[¬٤]- في خ، ز: \"الدبا\".\n[¬٥]- في ز: \"الأعمش\".\n[¬٦]- نى ز: \"تقابح\".\n[¬٧]- سقط من: ز.\n[¬٨]- البيت في خ: هكذا \"قوم تقابح قملا وسلاسلا أبعدا وبابا موصدا\".\n[¬٩]- في خ: \"الحمان\".\n[¬١٠]- في خ: \"الحمانة\".\n[¬١١]- القمقامة: صغار القردان (جمع قراد) وهو أول ما يكون صغيرًا، لا يكاد يرى من صغره، وهو أيضًا ضرب من القمل شديد التشبث بأصول الشعر [نقلًا عن \"هامش تفسير ابن جرير\" (١٣/ ٥٦)].","vol":"6","page":375},{"text":"وقال الإمام أبو جعفر بن جرير (^١٦١): حدثنا ابن حميد الرازي، حدثنا يعقوب القمي، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير قال: لما أتى موسى ﵇ فرعون قال له: أرسل معي بنى إسرائيل [فأبى عليه] [¬١]، فأرسل الله عليهم الطوفان وهو المطر، فصب عليهم منه شيئًا، خافوا أن يكون عذابًا، فقالوا لموسى: ادع لنا ربك يكشف عنا المطر، فنؤمن لك ونرسل معك بني إسرائيل، فدعا ربه، فلم يؤمنوا ولم يرسلوا معه بني إسرائيل، فأنبت لهم في تلك السنة شيئًا لم ينبته قبل ذلك من الزروع والثمار [¬٢] والكلأ، فقالوا: هذا ما كنا نتمنى، فأرسل اللَّه عليهم الجراد فسلطه على الكلأ، فلما رأوا أثره في [¬٣] الكلأ عرفوا أنه لا يبقي الزرع، فقالوا: يا موسى ادع لنا ربك يكشف عنا الجراد فنؤمن لك ونرسل معك بني إسرائيل، فدعا ربه فكشف عنهم الجراد، فلم يؤمنوا ولم يرسلوا معه بني إسرائيل، فداسوا وأحرزوا في البيوت، فقالوا: قد أحرزنا، فأرسل الله عليهم القمل وهو السوس الذي يخرج منه، فكان الرجل يخرج عشرة أجربة إلى الرحى، فلا يرد منها ثلاثة أقفزة، فقالوا لموسى ادع لنا ربك يكشف عنا القمل، فنؤمن لك ونرسل معك بني إسرائيل، فدعا ربه فكشف عنهم، فأبوا أن يرسلوا معه بني إسرائيل، فبينما هو جالس عند فرعون إذ سمع نقيق ضفدع، فقال لفرعون: ما تلقى أنت وقومك من هذا؟ فقال [¬٤]: وما عسى أن يكون كيد هذا؟ فما أمسوا حتى كان الرجل يجلس إلى ذقنه في الضفادع، ويهم أن يتكلم فيثب الضفدع في فيه، فقالوا لموسى: ادع لنا ربك يكشف عنا هذه الضفادع، فنؤمن لك ونرسل معك بني إسرائيل، [فدعا ربه، فكشف عنهم فلم يؤمنوا] [¬٥] وأرسل الله عليهم الدم، فكان [¬٦] ما استقوا من الأنهار والآبار وما كان في أوعيتهم وجدوه دمًا عبيطًا [¬٧]، فشكوا إلى فرعون فقالوا: إنا قد ابتلينا بالدم وليس لنا شراب، فقال: إنه قد سحركم، فقالوا: من أين سحرنا؟ ونحن لا نجد في أوعيتنا شيئًا من الماء إلا وجدناه دمًا عبيطًا [¬٨]، فأتوه وقالوا: يا موسى ادع لنا ربك يكشف عنا هذا الدم، فنؤمن لك [¬٩] ونرسل معك بني إسرائيل، فدعا ربه فكشف عنهم، فلم يؤمنوا ولم يرسلوا معه بني إسرائيل.\nوقد روي نحو هذا عن ابن عباس والسدي وقتادة وغير واحد من علماء السلف.\n_________\n(^١٦١) - تفسير ابن جرير (٤٣/ ١٥٠١١) وأخرجه ابن أبي حاتم (٥/ ٨٨٦٤، ٨٨٧١، ٨٨٧٦، ٨٨٨٠) من طريقين عن يعقوب القمي به مفرقًا، وزاد نسبته السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ٢٠٤) إلى ابن المنذر.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز، ت، وأثبتناه من تفسير ابن جرير (١٣/ ١٥٠١٤).\n[¬٢]- فى ز: \"الثمر\"\n[¬٣]- فى ز: \"على\".\n[¬٤]- نى ز: \"قال\".\n[¬٥]- سقط من: خ، ز.\n[¬٦]- في ز: \"فكانوا\"\n[¬٧]- في ز: \"غبيطًا\".\n[¬٨]- في ز: \"غبيطًا\".\n[¬٩]- في ز: \"بك\".","vol":"6","page":376},{"text":"وقال محمد بن إسحاق بن يسار ﵀ (^١٦٢): فرجع عدو الله فرعون حين آمنت السحرة مغلوبًا مغلولًا، ثم أبى إلا الإِقامة على الكفر والتمادي في الشر، فتابع الله عليه [الآيات وأخذه] [¬١] بالسنين، فأرسل عليه الطوفان، ثم الجراد، ثم القمل، ثم الضفادع، ثم الدم، آيات مفصلات. فأرسل [¬٢] الطوفان - وهو الماء - ففاض على وجه الأرض ثم ركد لا يقدرون على أن يحرثوا ولا يعملوا شيئًا حتى جُهِدوا جوعًا، فلما بلغهم ذلك ﴿قَالُوا يَامُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ [بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ] [¬٣] لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾، فدعا موسى ربه فكشف عنهم، فلم يفوا له بشيء [مما قالوا] [¬٤]، فأرسل الله عليهم الجراد فأكل الشجر فيما بلغني، حتى إن كان ليأكل مسامير الأبواب من الحديد حتى تقع دورهم ومساكنهم، فقالوا مثل ما قالوا، فدعا ربه فكشف عنهم، فلم يفوا له بشيء مما قالوا، فأرسل الله عليهم القمل، فذُكر لي أن موسى ﵇ أمر أن يمشي إلى كثيب حتى يضربه بعصاه، فمشى إلى كثيب أهيل عظيم، فضربه بها فانثال [¬٥] عليهم قملًا حتى غلب على البيوت والأطعمة ومنعهم النوم والقرار، فلما جهدهم، قالوا له مثل ما قالوا له، فدعا ربه فكشف [¬٦] عنهم، فلم يفوا له بشيء مما قالوا، فأرسل الله عليهم الضفادع، فملأت البيوت والأطعمة والآنية، فلا يكشف أحد ثوبًا ولا طعامًا إلا وجد فيه الضفادع قد غلبت [¬٧] عليه، فلما جهدهم ذلك قالوا له مثل ما قالوا، فسأل ربه فكشف عنهم، فلم يفوا له بشيء مما قالوا، فأرسل الله عليهم الدم، فصارت مياه آل فرعون دمًا، لا يستقون من بئر ولا نهر، ولا يغترفون من إناء إلا عاد دمًا عبيطًا [¬٨].\nوقال ابن أبي حاتم (^١٦٣): حدثنا أحمد بن منصور المروزي، أنا النضر، أنا [¬٩] إسرائيل، أنا جابر بن يزيد [¬١٠]، عن عكرمة، عن [¬١١] عبد [¬١٢] الله بن عمرو قال [¬١٣]: لا تقتلوا الضفادع، فإنها لما أرسلت على [قوم فرعون] [¬١٤] انطلق ضفدع منها فوقع في تنور فيه نار\n_________\n(^١٦٢) - ورواه من طريق محمد بن إسحاق ابن جرير في تفسيره (١٣/ ١٥٠٢٣).\n(^١٦٣) - \" التفسير\" لابن أبي حاتم (٥/ ٨٨٧٩) وجابر بن يزيد هو الجعفي ضعيف.\n_________\n[¬١]- في ز: \"بالآيات فواخذه\".\n[¬٢]- في ز: \"فأصل\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٥]- في ز: \"فأسال\".\n[¬٦]- في ز: \"فكسفه\".\n[¬٧]- في ز: \"غلب\".\n[¬٨]- في ز: \"غبيطًا\".\n[¬٩]- في ز: \"أبا\".\n[¬١٠]- في ز: \"زيد\".\n[¬١١]- في ز: \"قال\".\n[¬١٢]- في ت: \"عبيد\".\n[¬١٣]- سقط من: ز.\n[¬١٤]- مما بين المعكوفتين في ز: \"بني إسرائيل\" وكذا المطبوع من ابن أبي حاتم (٥/ ٨٨٧٩) وهو خطأ.","vol":"6","page":377},{"text":"يطلب [¬١] بذلك مرضاة الله، فأبدلهن الله [من هذا] [¬٢] أبرد شيء يعلمه من الماء، وجعل نقيقهن التسبيح. وروي من طريق عكرمة، عن ابن عباس نحوه.\nوقال زيد بن اسلم: يعني بالدم الرعاف. رواه ابن أبي حاتم (^١٦٤).\n﴿فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ (١٣٦) وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ (١٣٧)﴾\nيخبر تعالى أنهم لما عتوا وتمردوا مع ابتلائه إياهم بالآيات المتواترة واحدة بعد واحدة [أنه] [¬٣]، انتقم منهم بإغراقه إياهم في اليم، وهو البحر الذي فَرَقه لموسى فجاوزه وبنو إسرائيل معه، ثم وَرَدَهُ فرعون وجنوده على أثرهم، فلما استكملوا فيه ارتطم عليهم، فغرقوا عن آخرهم، وذلك بسبب تكذيبهم بآيات الله وتغافلهم عنها.\nوأخبر تعالى أنه أورث القوم الذين [¬٤] كانوا يستضعفون - وهم بنو إسرائيل -[﴿مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا﴾ [¬٥]، كما قال تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (٥) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٢٥) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٢٦) وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ (٢٧) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ﴾.\nوعن الحسن البصري وقتادة في قوله: ﴿مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ يعني: الشام.\nوقوله: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا﴾ قال مجاهد وابن جرير [¬٦]: وهي قوله تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (٥) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ [¬٧] مَا كَانُوا\n_________\n(^١٦٤) - \" التفسير\" لابن أبي حاتم (٥/ ٨٨٨٣) وكذا رواه ابن جرير في تفسيره (١٣/ ١٥٠٢٨).\n_________\n[¬١]- في ز: \"طلب\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من خ.\n[¬٤]- في خ: \"الذي\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٦]- ابن جرير في تفسيره (١٣/ ٧٧).\n[¬٧]- سقط من: ز.","vol":"6","page":378},{"text":"يَحْذَرُونَ﴾.\nوقوله: ﴿وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ﴾ [أي: وخربنا ما كان فرعون وقومه يصنعونه من العمارات والمزارع] [¬١] ﴿وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ﴾ قال ابن عباس ومجاهد: ﴿يَعْرِشُونَ﴾: يبنون.\n﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَامُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (١٣٨) إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٣٩)﴾\nيخبر تعالى عما قاله جَهَلَةُ بني إسرائيل لموسى ﵇ حين جاوزوا البحر، وقد رأوا من آيات الله وعظيم سلطانه ما رأوا ﴿فَأَتَوْا﴾ أي: فمروا ﴿عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ﴾ قال بعض المفسرين: كانوا من الكنعانيين. وقيل: كانوا من لخم.\nقال ابن جريج [¬٢]: وكانوا يعبدون أصنامًا على صور البقر، فلهذا أثار [¬٣] ذلك شبهة لهم في عبادتهم العجل بعد ذلك فقالوا: ﴿يَامُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾.\nأي: تجهلون عظمة الله وجلاله، وما يجب أن ينزه عنه من الشريك والمثيل.\n﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ﴾ أي: هالك ﴿وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.\nوروى الإِمام أبو جعفر بن جرير في تفسير هذه الآية (^١٦٥): من حديث محمد بن إسحاق وعقيل ومعمر، كلهم عن الزهري، عن سنان بن أبي سنان، عن أبي واقد [¬٤] الليثي: أنهم خرجوا من مكة مع رسول الله، ﵌، إلى حنين، قال: وكان للكفار سدرة يعكفون عندها ويعلقون بها أسلحتهم، يقال لها: ذات أنواط، قال: فمررنا بسدرة\n_________\n(^١٦٥) - صحيح تفسير ابن جرير (١٣/ ١٥٠٥٧، ١٥٠٥٨، ١٥٠٥٦) ومن طريق ابن إسحاق أخرجه ابن هشام في \"السيرة\" (٤/ ٨٩٣) والطبراني في \"الكبير\" (٣/ ٣٢٩٣) والبيهقي في \"الدلائل\" (٥/ ١٢٤، ١٢٥) ومن طريق عقيل - وهو ابن خالد، أخرجه أحمد في \"المسند\" (٥/ ٢١٨) والبخاري في \"التاريخ الكبير\" (٤/ ١٦٣) وطريق معمر هو الآتي.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٢]- في ت: \"جرير\".\n[¬٣]- في ز: \"أثر\".\n[¬٤]- في ز: \"وافد\".","vol":"6","page":379},{"text":"خضراء عظيمة، قال: فقلنا: يا رسول الله! اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط. فقال: \"قلتم - والذي نفسي بيده- كما قال قوم موسى لموسى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (١٣٨) إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ \".\nوقال الإِمام أحمد (^١٦٦): حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن الزهري، عن سنان بن أبي سنان الديلي [¬١]، عن أبي واقد الليثي قال: خرجنا مع رسول الله، ﷺ، قبل حنين فمررنا بسدرة فقلت: يا نبي الله! اجعل لنا هذه [¬٢] ذات أنواط، كما للكفار ذات أنواط، وكان الكفار ينوطون سلاحهم بسدرة، ويعكفون حولها، فقال النبي، ﷺ: \"الله أكبر، هذا كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ إنكم تركبون سنن من قَبْلَكم\".\nورواه ابن أبي حاتم (^١٦٧): من حديث كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني، عن أبيه، عن جده مرفوعًا.\n﴿قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (١٤٠) وَإِذْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ\n_________\n(^١٦٦) - \" المسند\" (٥/ ٢١٨) - والحديث عند عبد الرزاق في \"التفسير\" (٢/ ٢٣٥) وفي \"المصنف\" (١١/ ٢٠٧٦٣) - ومن طريق عبد الرزاق أخرجه النسائي في \"التفسير من الكبرى\" (٦/ ١١١٨٥) والطبراني في \"الكبير\" (٣/ ٣٢٩٠) وأخرجه الطيالسي (١٣٤٦) - وفيه سقط يستدرك من هنا- والحميدي (٨٤٨) - ومن طريقه الطبراني (٣/ ٣٢٩٢) - وأحمد (٥/ ٢١٨) والترمذي، كتاب: الفتن، باب: ما جاء لتركبن سنن من كان قبلكم (٢١٨١) وابن أبي عاصم في \"السنة\" (١/ رقم ٧٦) وأبو يعلى في \"المسند\" (٣/ ١٤٤١)، وابن أبي حاتم في \"التفسير\" (٥/ ٨٩٠٦) وابن حبان (١٥/ ٦٧٠٢) والطبراني (٣/ ٣٢٩١، ٣٢٩٤) والبيهقي في \"الدلائل\" (٥/ ١٢٥) من طرق عن الزهري بهذا الإسناد. وقال الترمذي: \"حديث حسن صحيح\"، وسنده صحيح على شرط مسلم، رجاله كلهم ثقات، وأبو واقد الليثي صحابي جليل مشهور بكنيته واختلف في اسمه، فقيل اسمه الحارث بن مالك وقيل ابن عوف وقيل: اسمه عوف بن الحارث.\n(^١٦٧) - إسناده ضعيف \"التفسير\" لابن أبي حاتم (٥/ ٨٩١٠) وكذا أخرجه الطبراني في \"الكبير\" (١٧/ رقم ٢٧) وزاد نسبته السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ٢١٣) إلى ابن مردويه، وكثير بن عبد الله ضعفه ابن معين ويعقوب بن سفيان، وابن البرقي، وقال أحمد: \"منكر الحديث ليس بشيء\" وقال أبو حاتم: ليس بالمتين، وقال أبو زرعة: واهي الحديث، ليس بقوي، وتركه النسائي والدارقطني، وقال ابن عدي: \"عامة ما يرويه لا يتابع عليه\" \"تهذيب الكمال\" (٢٤/ ت ٤٩٤٨) والحديث ذكره الهيثمي في \"المجمع\" (٧/ ٢٧) وقال: \"رواه الطبراني وفيه كثير بن عبد الله وقد ضعفه الجمهور وحسن الترمذي حديثه\".\n_________\n[¬١]- سقط من: خ، ز.\n[¬٢]- سقط من: ت.","vol":"6","page":380},{"text":"وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (١٤١)﴾\nيذكرهم موسى ﵇ بنعمة الله عليهم، من إنقاذهم من أسر فرعون وقهره، وما كانوا فيه من الهوان والذلة. وما صاروا إليه من العزة والاشتفاء من عدوهم والنظر إليه في حال هوانه وهلاكه وغرقه ودماره [¬١]، وقد تقدم تفسيرها في البقرة.\n﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ (١٤٢)﴾\nيقول تعالى ممتنًّا على بني إسرائيل بما حصل لهم من الهداية بتكليمه موسى ﵇، وإعطائه التوراة وفيها أحكامهم وتفاصيل شرعهم، فذكر تعالى أنه واعد موسى ثلاثين ليلة.\nقال المفسرون: فصامها موسى ﵇ فلما تم الميقات استاك بلحاء شجرة، فأمره الله تعالى أن يكمل بعشرة أربعين.\nوقد اختلف المفسرون في هذه العشر: ما هي؟ فالأكثرون على أن الثلاثين هي ذو القعدة، والعشر عشر ذي الحجة. قاله مجاهد ومسروق وابن جريج، وروي عن ابن عباس وغيره [¬٢]. فعلى هذا يكون قد كمل الميقات [¬٣] يوم النحر، وحصل فيه التكليم لموسى ﵇، وفيه أكمل الله الدين لمحمد ﷺ كما قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾.\nفلما تم الميقات وعزم موسى على الذهاب إلى الطور؛ كما قال تعالى: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ﴾ الآية، فحينئذ استخلف موسى على بني إسرائيل أخاه هارون، وأوصاه بالإِصلاح وعدم الإِفساد، وهذا تنبيه وتذكير، وإلا فهارون ﵇ نبي شريف كريم على الله، وله وجَاهة وجلالة، صلوات الله وسلامه عليه وعلى سائر الأنبياء [¬٤].\n﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي\n_________\n[¬١]- في ز: \"وذماره\".\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- في ز: \"الميثاق\".\n[¬٤]- في ز: \"أنبياء الله\".","vol":"6","page":381},{"text":"وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (١٤٣)﴾\nيخبر تعالى عن موسى ﵇ أنه لما جاء لميقات الله تعالى وحصل له التكليم من اللَّه سأل الله تعالى أن ينظر إليه فقال: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي﴾.\nوقد أشكل حرف (لن) هاهنا على كثير من العلماء؛ لأنها موضوعة لنفي التأبيد، فاستدل به المعتزلة على نفي الرؤية في الدنيا والآخرة، وهذا أضعف الأقوال؛ لأنه قد تواترت الأحاديث عن رسول اللَّه ﷺ بأن المؤمنين يرون الله في الدار الآخرة؛ كما سنوردها عند قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [¬١].\nوقوله تعالى إخبارًا عن الكفار: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾.\nوقيل: إنها لنفي التأبيد في الدنيا، جمعًا بين هذه الآية وبين الدليل القاطع على صحة الرؤية [¬٢] في الدار الآخرة.\nو[¬٣] قيل: إن هذا الكلام في هذا المقام كالكلام في قوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾. وقد تقدم ذلك في الأنعام.\nوفي الكتب المتقدمة: أن الله تعالى قال لموسى ﵇: \"يا موسى! إنه لا يراني حي إلا مات، ولا يابس إلا تدهْده\"؛ ولهذا قال تعالى: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾.\nقال أبو جعفر بن جرير الطبري في تفسير هذه الآية (^١٦٨): حدثنا أحمد بن سهيل الواسطي،\n_________\n(^١٦٨) - إسناده فيه جهالة وهو حديث صحيح رواه ابن جرير (١٣/ ١٥٠٨٦) وأخرجه ابن مردويه في تفسيره - كما في \"اللآلئ المصنوعة\" (١/ ٣٠) - من طريق شعيب بن عبد الحميد الطحان عن قرة بن عيسى به، وفوق جهالة الراوي عن أنس، فإن شيخ ابن جرير وشيخ شيخه لم يوجد لهما ترجمة - أفاده محقق تفسير ابن جرير - قلت: أما شيخ شيخ ابن جرير فَمُسلّم، لكن شيخه تُرجم له في \"اللسان\" =\n_________\n[¬١]- وانظر أيضًا تفسيره لقوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ …﴾ [آية رقم ٢٦/ من سورة يونس].\n[¬٢]- في ز: \"الرواية\".\n[¬٣]- سقط من: ز.","vol":"6","page":382},{"text":"حدثنا قُرَّة بن عيسى، حدثنا الأعمش، عن رجل، عن أنس عن النبي، ﷺ، قال: \"لما تجلى ربه للجبل أشار بأصبعه، فجعله دكًّا\". وأرانا أبو إسماعيل بأصبعه السبابة.\nهذا الإِسناد فيه رجل مبهم لم يسم، ثم قال (^١٦٩):\nحدثني المثنى، حدثنا الحجاج [¬١] بن منهال، حدثنا حماد، [عن ليث] [¬٢]، عن أنس: أن النبي، ﷺ، قرأ هذه الآية ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ قال [¬٣] هكذا بأصبعه - ووضع النبي، ﷺ، أصبعه الإِبهام على المفصل الأعلى من الخنصر، فساخ الجبل.\nهكذا وقع في هذه الرواية: حماد بن سلمة [] [¬٤]، عن ليث، عن أنس. والمشهور: حماد ابن سلمة، عن ثابت، عن أنس، كما قال ابن جرير (^١٧٠):\nحدثني المثنى، حدثنا هدبة بن خالد، حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس قال: قرأ رسول الله، ﷺ: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ قال: \"وضع\n_________\n= (١/ رقم ٥٩٤) وقال فيه أبو أحمد الحاكم: في حديثه بعض مناكير، لكن ذكره ابن حبان في \"الثقات\" (٨/ ٥١) وقال: \"يروى عن صلة بن سليمان، ثنا عنه حبيش بن عبد الله النيلى بواسط\". وأخرجه ابن عدي في \"الكامل\" (١/ ٣٤٢) ومن طريقه ابن الجوزي في \"الموضوعات\" (١/ ١٢١) من طريق أيوب بن خوط عن قتادة عن أنس مرفوعًا بلفظ \"لما تجلى ربه للجبل أشار بأصبعه فمن نورها جعله دكا\" وقال ابن الجوزي: \"وهذا ليس بصحيح، قال يحيى بن معين: لا يكتب حديث ايوب، ليس بشيء، وقال الفلاس وأبو حاتم الرازي، والنسائي والسعدي والدارقطني: متروك، وقال ابن حبان: منكر الحديث جدًّا، روى المناكير عن المشاهير فكان مما عملت يداه\" لكنه متابع يأتي برقم (١٧٥).\n(^١٦٩) - تفسير ابن جرير أيضًا (١٣/ ١٥٠٨٧).\n(^١٧٠) - تفسير ابن جرير أيضًا (١٣/ ١٥٠٨٨) ومن طريق هدبة بن خالد أخرجه أبو القاسم البغوي - ذكره المصنف هنا يأتي برقم (١٧٣) ونقل عن أبي القاسم البغوي قال: \"إسناده صحيح لا علة فيه\" - وابن أبي عاصم في \"السنة\" (١/ رقم ٤٨٠)، وابن عدي في \"الكامل\" (٢/ ٦٧٧) ومن طريقه ابن الجوزي في \"الموضوعات\" (١/ ١٢٢)، والحاكم في \"المستدرك\" (١/ ٢٥) (٢/ ٥٧٧) - وصححه =\n_________\n[¬١]- في ز: \"حجاج\".\n[¬٢]- كذا نقله عن ابن جرير والذي في تفسير ابن جرير (١٣/ ١٥٠٨٧/ شاكر): \" … ثنا حماد عن ثابت عن أنس\" ونقل محقق تفسير ابن جرير هذا الإسناد كما هنا عن هذا الموضع ثم قال: \"وليس ذلك كما نقل، فإن الثابت في المخطوطة والمطبوعة، \"حماد، عن ثابت، عن أنس\" ليس فيها \"ليث\" فلا أدرى كيف وقع هذا للحافظ ابن كثير ولا من أين؟؟ وأخرجه ابن خزيمة في \"التوحيد\" (١/ ٢٦٣) من طريق الحجاج بن منهال به على الجادة.\n[¬٣]- قال هنا بمعنى أشار. انظر النهاية (٤/ ١٢٤).\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين في: ت، ز: عن ثابت.","vol":"6","page":383},{"text":"الإِبهام قريبًا من طرف خنصره، قال: فساخ الجبل\"، قال حميد لثابت: تقول [¬١] هذا؟ فرفع ثابت يده فضرب صدر حميد وقال: يقوله رسول الله ﷺ ويقوله أنس، وأنا أكتمه؟.\nوهكذا رواه الإِمام أحمد في مسنده (^١٧١): حدثنا أبو المثنى معاذ بن معاذ العنبري، حدثنا حماد بن سلمة، حدثنا ثابت البناني، عن أنس بن مالك، عن النبي، ﷺ، في قوله: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾ قال: قال: \"هكذا\"، يعني: أنه أخرج طرف الخنصر. قال أحمد: أرانا معاذ، فقال له حميد الطويل: ما تريد إلى هذا يا محمد؟ قال: فضرب صدره ضربة شديدة، وقال: من أنت يا أبا [¬٢] حميد؟! وما أنت يا أبا حميد؟! يحدثني به أنس ابن مالك عن النبي، ﷺ، [فتقول أنت] [¬٣]: ما تريد إليه؟.\nوهكذا رواه الترمذي في تفسير هذه الآية: عن عبد الوهاب بن الحكم الوراق، عن معاذ بن معاذ به. وعن عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، عن سليمان بن حرب، عن حماد به، ثم قال: هذا حديث حسن صحيح غريب، لا نعرفه إلا من حديث حماد.\nوهكذا رواه الحاكم في مستدركه (^١٧٢) من طرق، عن حماد بن سلمة، به، وقال: \"هذا\n_________\n= على شرط مسلم ووافقه الذهبي، وقال ابن الجوزي: \"هذا حديث لا يثبت، قال ابن عدي الحافظ: \"كان ابن أبي العرجاء ربيب حماد بن سلمة فكان يدس في كتبه هذه الأحاديث\" كذا قال، وتعقبه السيوطي في \"اللآلئ المصنوعة\" (١/ ٣٠) فقال: \"هذا الحديث صحيح رواه خلق عن حماد، وأخرجه الأئمة من طرق عنه وصححوه … وقال ابن طاهر في \"تذكرة الحفاظ\" - (٢/ رقم ١٥٢٣) - أورد ابن عدي هذا الحديث في ترجمة حماد بن سلمة، ولعله أشار إلى تفرده به وحماد إمام ثقة\" وفي تلخيص موضوعات الجوزقاني للذهبي: \"هذا حديث غريب، ولا يحل أن يذكر في الموضوعات\" \"تنزيه الشريعة\" (١/ ١٤٥).\n(^١٧١) - \" المسند\" (٣/ ١٢٥) وعنه ابنه عبد الله في \"السنة\" (١/ رقم ٥٠٠) وأخرجه الترمذي، كتاب: التفسير، باب: ومن سورة الأعراف (٣٠٧٦) وابن أبي عاصم في \"السنة\" (١/ رقم ٤٨١) وابن خزيمة في \"التوحيد\" (١/ رقم ١٦٢) وابن أبي حاتم في \"التفسير\" (٥/ ٨٩٣٦) من طريق معاذ بن معاذ به، وأخرجه الترمذي أيضًا وعبد الله بن أحمد في (١/ ٥٠٣) وابن خزيمة (١/ ص ٢٦٣) والحاكم (٢/ ٣٢٠، ٣٢١) من طريق سليمان بن حرب - مقرونا به محمد بن كثير عند عبد الله بن أحمد - عن حماد بن سلمة به، وقال الترمذي: \"حديث حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من حديث حماد بن سلمة\".\n(^١٧٢) - \" المستدرك\" (١/ ٢٥) (٢/ ٣٢٠، ٣٢١، ٥٧٧) وأخرجه أحمد (٣/ ٢٠٩) وابنه عبد الله في \"السنة\" (١/ رقم ٥٠٢)، وابن خزيمة (١/ ص ٢٦٠، ٢٦١، ٢٦٢) وابن أبي حاتم (٥/ ٨٩٤٠) =\n_________\n[¬١]- في ز: \"يقول\".\n[¬٢]- زيادة من: ز.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في ز: \"يقول\".","vol":"6","page":384},{"text":"حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه\".\nورواه أبو محمد الحسن بن محمد الخلال (^١٧٣)، عن محمد بن علي بن سويد، عن أبي القاسم البغوي، عن هدبة [¬١] بن خالد، عن حماد بن سلمة، فذكره وقال: هذا إسناد صحيح لا علة فيه.\nوقد رواه داود بن المحبر [¬٢] (^١٧٤)، عن شعبة، عن ثابت، عن أنس مرفوعًا بنحوه [¬٣]، وأسنده ابن مردويه (^١٧٥) من طريقين، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس مرفوعًا بنحوه.\n[وأسنده ابن مردويه (^١٧٦)، من طريق ابن البيلماني، عن أبيه، عن ابن عمر مرفوعًا] [¬٤]، ولا يصح أيضًا.\nوقال السدي: عن عكرمة، عن ابن عباس في قول الله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾ قال: ما تجلى منه إلا قدر الخنصر ﴿جَعَلَهُ دَكًّا﴾ قال: ترابا ﴿وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ قال:\n_________\n= وابن الأعرابي في \"معجمه\" (٣/ رقم ٤٠٥) وابن منده في \"الرد على الجهمية\" (رقم ٧٠) وابن مردويه والبيهقي في \"كتاب الرؤية\" والضياء المقدسي في \"المختارة\" وصححه - كما في \"اللآلئ المصنوعة\" (١/ ٣٠) - من طرق عن حماد بن سلمة، به.\n(^١٧٣) - انظر رقم (١٧٠).\n(^١٧٤) - وداود بن المحبر متروك - كما في \"التقريب\" لكن وتابعه سعيد بن عامر عن شعبة به أخرجه ابن منده في \"الرد على الجهمية\" (رقم ٥٩) أخبرنا أحمد بن محمد بن زياد ثنا أحمد بن محمد الصيدلاني البغدادي ثنا سعيد بن عامر به، ورجاله ثقات سوى أحمد بن محمد الصيدلاني ترجم له الخطيب (٥/ ١٣٧) ولم يذكر فيه شيئًا، وقال ابن منده: \"وهو من حديث شعبة غريب مرفوع\".\n(^١٧٥) - ومن طريق سعيد بن أبي عروبة أخرجه ابن أبي عاصم في \"السنة\" (١/ رقم ٤٨٢، ٤٨٣) - وصحح إسناده الألباني - وعبد الله بن أحمد في \"السنة\" (١/ رقم ٥٠١) ومن طريقه ابن منده في \"الرد على الجهمية\" معلقًا (٦٠) ووصله عند رقم (٧١) والطبراني في \"السنة\" - كما في \"اللآليء المصنوعة\" (١/ ٢٩) - كلهم من طريق سعيد بن أبي عروبة به وعزاه السيوطي في \"اللآليء المصنوعة\" إلى أبي الشيخ في \"التفسير\" من طريق أحمد بن محمد الصيدلاني ثنا إسحاق بن داود بن المحبر ثنا همام عن قتادة به وقال ابن منده: \"هذا حديث مشهور، وقد روي من طرق عن أنس بن مالك\".\n(^١٧٦) - وعزاه لابن مردويه السيوطي في \"اللآليء المصنوعة\" (١/ ٣٠) - من طريق المسيب بن شريك عن ابن البيلماني به، وهذا إسناد مسلسل بالضعفاء، ابن البيلماني هو محمد بن عبد الرحمن، ضعيف هو وأبوه والابن أشد ضعفًا - مترجم لهما في \"التهذيب\" - والمسيب بن شريك، قال أحمد: ترك الناس حديثه، وقال البخاري: سكتوا عنه، وقال مسلم وجماعة: \"متروك\" وهو مترجم له في \"اللسان\".\n_________\n[¬١]- في ز: \"هدية\".\n[¬٢]- في ز: \"المحير\".\n[¬٣]- زيادة من: ز.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.","vol":"6","page":385},{"text":"مغشيًّا عليه.\nرواه ابن جرير (^١٧٧).\nوقال قتادة: ﴿وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ قال: ميتًا.\nوقال سفيان الثوري: ساخ الجبل في الأرض حتى وقع في البحر، فهو يذهب معه.\nوقال سنيد: عن حجاج بن محمد الأعور، عن أبي بكر الهذلي ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾: انقعر فدخل تحت الأرض، فلا يظهر إلى يوم القيامة.\nوجاء في بعض الأخبار: أنه ساخ في الأرض، فهو يهوي فيها إلى يوم القيامة. رواه ابن مردويه.\nوقال ابن أبي حاتم (^١٧٨): حدثنا عمر بن شبة، حدثنا محمد بن يحيى أبو غسان الكناني، حدثنا عبد العزيز بن عمران، عن معاوية بن عبد الله، عن الجلد بن أيوب، [عن معاوية] [¬١] بن قرة، عن أنس بن مالك: أن النبي، ﷺ، قال: \"لما تجلى الله للجبال طارت لعظمته ستة أجبل، فوقعت ثلاثة بالمدينة وثلاثة بمكة؛ بالمدينة: أحد وَوَرِقان [¬٢] ورضوى. ووقع بمكة: حراء [¬٣] وثَبِير وثور\".\n_________\n(^١٧٧) - تفسير ابن جرير (١٣/ ١٥٠٧٨) وكذا أخرجه ابن أبي عاصم في \"السنة\" (١/ رقم ٤٨٤) وعبد الله بن أحمد في \"السنة\" (١/ رقم ٥٠٤) وابن أبي حاتم في \"التفسير\" (٥/ ٨٩٣٧) من طريق عمرو بن محمد العنقزي - تحرف عند ابن جرير إلى محمد بن عمرو - ثنا أسباط عن السدي، به.\n(^١٧٨) - موضوع \"التفسير\" لابن أبي حاتم (٥/ ٨٩٣٩) وأخرجه ابن حبان في \"المجروحين\" (١/ ٢١١) والمحاملي في \"الأمالي\" (١/ ١٧٢/ ١) - نقلًا عن \"الضعيفة\" للألباني (١/ رقم ١٦٢) - ومن طريقه الخطيب البغدادي في \"تاريخ بغداد\" (١٠/ ٤٤٠، ٤٤١)، ومن طريق البغدادي ابن الجوزي في \"الموضوعات\" (١/ ١٢٠) - وابن الأعرابي في \"معجمه\" - كما في \"الضعيفة\" أيضًا - وأبو الشيخ وابن مردويه - كما في \"اللآلئ المصنوعة\" (١/ ٢٨) - كلهم من طريق عبد العزيز بن عمران به، قال ابن حبان: \"موضوع لا أصل له\" وقال البغدادي: \"هذا الحديث غريب جدًّا\" ونقل ابن الجوزي كلام ابن حبان وأبان علة الحكم عليه بالوضع فقال: \"عبد العزيز بن عمران يروي المناكير عن المشاهير، وقال يحيى بن معين: ليس بثقة، وقال البخاري: منكر الحديث لا يكتب حديثه، وقال النسائي: متروك الحديث\" وأورده الذهبي في ترجمته في \"الميزان\" (٣/ ت ٥١١٩) وتعقب السيوطي ابن الجوزي في الحكم عليه بالوضع - بما لا يقوى، وانظر \"تنزيه الشريعة\" لابن عراق (١/ ١٤٣، ١٤٤)، \"والفوائد المجموعة\" للشوكاني (ص ٤٤٥) و\"الضعيفة\" للألباني.\n_________\n[¬١]- سقط من: خ، ز.\n[¬٢]- في خ: \"ورقاء\"، وفي ز: \"ورقا\".\n[¬٣]- في ز: \"حرى\".","vol":"6","page":386},{"text":"وهذا حديث غريب، بل منكر.\nوقال ابن أبي حاتم (^١٧٩): ذُكر عن محمد بن عبد الله بن أبي الثلج، حدثنا الهيثم بن خارجة، حدثنا عثمان بن حصين بن علاق، عن عروة بن رُوَيم قال: كانت الجبال قبل أن يتجلى الله لموسى على الطور صُمًّا مُلْسًا، فلما تجلى الله لموسى على الطور دُكَّ، وتفطرت الجبال، فصارت الشقوق والكهوف.\nوقال الربيع بن أنس: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾، وذلك أن الجبل حين كشف الغطاء، ورأى النور صار مثل دك من الدكَّات [¬١]. وقال بعضهم: ﴿جَعَلَهُ دَكًّا﴾ أي: فتَّته.\nوقال مجاهد في قوله: ﴿وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾، فإنه أكبر منك وأشد خلقًا، ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾ فنظر إلى الجبل لا يتمالك، وأقبل الجبل فَدُكَّ على أوله، ورأى موسى ما يصنع الجبل، فخر صعقًا.\nوقال عكرمة ﴿جَعَلَهُ دَكًّا﴾ قال: نظر الله إلى الجبل فصار صحراء [¬٢] ترابًا.\nوقد قرأ بهذه القراءة بعض القراء [¬٣]، واختارها ابن جرير، وقد ورد فيها حديث مرفوع رواه ابن مردويه (^١٨٠).\nوالمعروف أن الصعق هو الغَشْي هاهنا، كما فسره ابن عباس وغيره، كما فسره قتادة بالموت، وإن كان ذلك صحيحًا في اللغة، كقوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾، فإن هنا قرينة تدل على الموت كما أن هناك قرينة تدل على الغشي، وهي قوله: ﴿فَلَمَّا أَفَاقَ﴾ والإِفاقة إنما تكون من [¬٤] غشي.\n_________\n(^١٧٩) - \" التفسير\" لابن أبي حاتم (٥/ ٨٩٤٣).\n(^١٨٠) - وعزاه لابن مردويه السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ٢٢٢) - ولم أقف على إسناده وما ينفرد به ابن مردوده الغالب عليه الضعف، وقد أُخرج ما يخالفه أيضًا - عزاه له السيوطي - وصححه الحاكم على شرط مسلم (٢/ ٢٣٩) ووافقه الذهبي، من حديث أنس أيضًا، أن النبي ﷺ قرأ ﴿دَكًّا﴾ منونة ولم يمدد.\n_________\n[¬١]- في خ، ز: \"الدكاك\" والمثبت من تفسير ابن جرير (١٢/ ١٥٠٨٩).\n[¬٢]- في ز: \"صخرا\".\n[¬٣]- هي قراءة حمزة، والكسائي، كما في السبعة لابن مجاهد ص ٢٩٣.\n[¬٤]- ساقطة من: ت.","vol":"6","page":387},{"text":"﴿قَالَ سُبْحَانَكَ﴾ تنزيهًا وتعظيمًا وإجلالًا أن وراه أحد في الدنيا إلا مات.\nوقوله: ﴿تُبْتُ إِلَيْكَ﴾ قال مجاهد: أن أسألك الرؤية.\n﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قال ابن عباس ومجاهد: من بني إسرائيل. واختاره ابن جرير، وفي رواية أخرى عن ابن عباس: ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أنه لا يراك أحد، وكذا قال أبو العالية: قد كان قبله مؤمنون، ولكن يقول: أنا أوّل من آمن بك أنه لا يراك أحد من خلقك إلى يوم القيامة.\nوهذا قول حسن له اتجاه، وقد ذكر محمد بن جرير في تفسيره هاهنا [¬١] أثرًا طويلًا فيه غرائب وعجائب عن محمد بن إسحاق بن يسار، وكأنه تلقاه من الإِسرائيليات والله أعلم.\n[] [¬٢] وقوله: ﴿وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ فيه أبو سعيد وأبو هريرة عن النبي ﷺ؛ فأما حديث أبي سعيد فأسنده [البخاري في صحيحه] [¬٣] هاهنا (^١٨١) فقال:\nحدثنا [¬٤] محمد بن يوسف، حدثنا سفيان، عن عمرو [¬٥] بن يحيى المازني، عن أبيه، عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: جاء رجل من اليهود إلى النبي ﷺ قد لُطم وجهُه، فقال: يا محمد إن رجلًا من أصحابك من الأنصار [لطم وجهي] [¬٦]. قال [¬٧]: \"ادعُوه\". فدعَوه، قال [¬٨]: \"لم لطمت وجهه؟ \". قال [¬٩]: يا رسول الله! إني مررت باليهود [¬١٠] فسمعته يقول: والذي اصطفي موسى على البشر. قال: [قلت: و] [¬١١] على محمد؟. فأخذتني غضبة، فلطمته. قال: \"لا تخيروني من بين الأنبياء، فإن الناس يصعقون يوم القيامة فأكون أول من يفيق، فإذا أنا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش، فلا أدري أفاق قبلي أم جُوزي بصعقة الطور\".\n_________\n(^١٨١) - صحيح البخاري كتاب: \"التفسير\" باب ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا﴾ (٤٦٣٨) - وانظره بأطرافه عند فاتحة كتاب، الخصومات (٢٤١٢) - وأخرجه أحمد (٣/ ٣١، ٣٣، ٤٠) ومسلم، كتاب: الفضائل، باب: من فضائل موسى ﵇ (١٦٢، ١٦٣) (٢٣٧٤)، وأبو داود، كتاب: السنة، باب: في التخيير بين الأنبياء ﵈ (٤٦٦٨) من طرق عن عمرو ابن يحيى، به.\n_________\n[¬١]- ابن جرير في تفسيره (١٣/ ١٥٠٧٧).\n[¬٢]- في خ، ز \"وقال البخاري في صحيحه\".\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- سقط من: خ، ز.\n[¬٥]- في ز: \"عمر\".\n[¬٦]- في ز: \"لطف وجهه\".\n[¬٧]- في ز: \"فقال\".\n[¬٨]- في ز: \"فقال\".\n[¬٩]- في ز: \"فقال\".\n[¬١٠]- في ت: \"باليهودي\".\n[¬١١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.","vol":"6","page":388},{"text":"وقد رواه البخاري في أماكن كثيرة من صحيحه، ومسلم في أحاديث الأنبياء من صحيحه، وأبو داود في كتاب السنة من سننه من طرق عن عمرو بن يحيى بن عمارة بن أبي الحسن المازني الأنصاري المدني، عن أبيه، عن أبي سعيد سعد بن مالك بن سنان الخدري به.\nوأما حديث أبي هريرة، فقال الإِمام أحمد في مسنده (^١٨٢):\nحدثنا [¬١] أبو كامل، حدثنا إبراهيم بن سعد، حدثنا ابن شهاب، عن أبى سلمة بن عبد الرحمن وعبد الرحمن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁ قال [¬٢]: استب رجلان: رجل من المسلمين ورجل من اليهود، فقال المسلم: والذي اصطفي محمدًا على العالمين، وقال اليهودي: والذي اصطفي موسى على العالمين، فغضب المسلم على اليهودي فلطمه، فأتى اليهودي رسول الله ﷺ فأخبره، فدعاه رسول الله ﷺ فسأله فاعترف بذلك، فقال رسول الله، صلى الذ عليه وسلم: \"لا تخيروني على موسى، فإن الناس يُصعَقون يوم القيامة فأكون أول من يفيق. فأجد [¬٣] موسى ممسكًا بجانب العرش، فلا أدري أكان ممن صعق فأفاق قبلي، أم كان ممن استثناه الله ﷿\".\nأخرجاه في الصحيحين من حديث الزهري به.\nوقد روى الحافظ أبو بكر بن أبي الدنيا (^١٨٣) ﵀: أن الذي لطم اليهودي في هذه القضية هو أبو بكر الصديق رضي الذ عنه، ولكن تقدم (^١٨٤) في الصحيحين: أنه رجل من\n_________\n(^١٨٢) - \" المسند\" (٢/ ٢٦٤) (رقم ٧٥٧٦/ شاكر) وأخرجه البخارى، فاتحة كتاب الخصومات (٢٤١١)، وكتاب: الرقاق، باب. نفخ الصور (٦٥١٧)، وكتاب: التوحيد، باب: في المشيئة والإرادة (٧٤٧٢) ومسلم، كتاب: الفضائل، باب: من فضائل موسى ﷺ (١٦٠) (٢٣٧٣) وأبو داود، كتاب: السنة باب في التخيير في الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام (٤٦٧١)، والنسائي في \"الكبرى\" كتاب: النعوت (٤/ ٧٧٥٨). من طرق عن إبراهيم بن سعد بهذا الإسناد، وانظر ما تقدم [سورة البقرة/ آية ٢٥٣].\n(^١٨٣) - في \"كتاب البعث\" - كما في \"فتح الباري\" للحافظ ابن حجر (٦/ ٤٤٣) - من طريق سفيان ابن عيينة - وهو في \"جامعه\" - عن عمرو بن دينار عن عطاء وابن جدعان عن سعيد بن المسيب قال: كان بين رجل من أصحاب النبي ﷺ وبين رجل من اليهود كلام في شيء - فقال عمرو بن دينار: هو أبو بكر الصديق \"فقال اليهودي: والذي اصطفى موسى على البشر. فلطمه المسلم … الحديث، وهذا مرسل قوي.\n(^١٨٤) - تقدم هنا برقم (١٨١).\n_________\n[¬١]- سقط من ز.\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- في ز \"فأجد\".","vol":"6","page":389},{"text":"الأنصار، وهذا هو أصح وأصرح، والله أعلم.\nوالكلام في قوله ﵇: \"لا تخيروني على موسى\" كالكلام على قوله: \"لا تفضلوني على الأنبياء، ولا على يونس بن متى\" (^١٨٥)، قيل: من باب التواضع، وقيل: قبل أن يعلم بذلك، وقيل: نهى أن يفضل بينهم على وجه الغضبية والتعصب، وقيل: على وجه القول بمجرد الرأي والتشهي، والله أعلم.\nوقوله: \"فإن الناس يصعقون يوم القيامة\"، الظاهر: أن هذا الصعق يكون في عَرَصَات القيامة، يحصل أمر يصعقون منه، والله أعلم به، وقد يكون ذلك إذا جاء الرب ﵎ لفصل القضاء، وتجلى للخلائق الملك الديان، كما صُعق موسى من تجلي الرب ﵎؛ ولهذا قال ﵇: \"فلا أدري: أفاق قبلي أم جُوزي بصعقة الطور\".\nوقد روى القاضي عياض في أوائل كتابه (الشفاء) بسنده (^١٨٦): عن محمد بن محمد بن مرزوق، [حدثنا قتادة] [¬١]، حدثنا الحسن، عن قتادة، عن يحيى بن وَثَّاب، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: \"لما تجلى الله لموسى ﵇ كان يبصر النملة على الصفا في الليلة الظلماء مسيرة عشرة فراسخ\". ثم قال: ولا يبعد على هذا أن يختص\n_________\n(^١٨٥) - أخرجه البخاري، كتاب: الأنبياء، باب: قول الله تعالى ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ (٣٤١٤)، ومسلم، كتاب: الفضائل، كتاب: من فضائل موسى ﷺ (١٥٩) (٢٣٧٣) والنسائي في \"التفسير\" من \"الكبرى\" (٦/ ١١٤٦١) من طريق عبد الله بن الفضل عن الأعرج عن أبي هريرة به مطولًا.\n(^١٨٦) - إسناده ضعيف كتاب \"الشفاء\" للقاضي عياض (ص ٦٨، ٦٩) بسنده عن \"محمد بن مرزوق ثنا همام - كذا وهو محرف، وكذا تحرف عند المصنف هنا ويأتي ذكر الصواب - ثنا الحسن به بهذا الإسناد\" وقال العلامة الشمني في ذيله على كتاب \"الشفا\": \"قوله (حدثنا همام) كذا في كثير من النسخ وصوابه هانئ وهو هانئ بن يحيى السلمي، أخذ عن الحسن بن أبي جعفر الجعفري أحد الضعفاء، قال الطبراني - لم أهتد إليه في معاجمه الثلاثة -: لم يروه عن قتادة إلا الحسن بن أبي جعفر تفرد به هانئ ابن يحيى\" وهو \"يخطئ\" - قاله ابن حبان في \"الثقات\" (٩/ ٢٤٧) - وشيخه \"ضعيف\" الحديث مع عبادته وفضله\" وهو مترجم له في \"التهذيب\" والراوى عن هانئ، صدوق له أوهام وهو من رجال \"التهذيب\" أيضًا، ومن هذا تعلم أن قول ابن كثير \"لا يخلو رجال إسناده من مجاهيل لا يعرفون\" غير مضبوط إذ رجاله مترجم لهم ومعروفون ولكن تحرف الإسناد عند ابن كثير ولهذا لم يعرف بعضهم وبالله التوفيق.\nوالحديث اكتفى السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ٢٢٢) بعزوه إلى أبي الشيخ.\n_________\n[¬١]- كذا في جميع النسخ والذي في \"كتاب الشفاء\" [ثنا همام] وهو خطأ أيضًا وصوابه هانئ\" انظر تخريج الحديث.","vol":"6","page":390},{"text":"نبينا بما ذكرناه من هذا الباب بعد الإسراء والحُظْوة بما رأى من آيات ربه الكبرى.\nانتهى ما قاله، وكأنه صحح هذا الحديث، وفي صحته نظر، ولا يخلو رجال إسناده من مجاهيل لا يعرفون، ومثل هذا إنما يقبل من رواية [¬١] العدل الضابط عن مثله حتى ينتهي إلى منتهاه، والله أعلم.\n﴿قَالَ يَامُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (١٤٤) وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ (١٤٥)﴾\nيذكر تعالى أنه خاطب موسى بأنه اصطفاه على عالمي زمانه برسالاته وكلامه [¬٢]، ولا شك أن محمدًا ﷺ سيد ولد آدم من الأولين والآخرين، ولهذا اختصه [¬٣] الله بأن جعله خاتم الأنبياء والمرسلين، التي تستمر شريعته إلى قيام الساعة، وأتباعه أكثر من أتباع سائر [¬٤] الأنبياء والمرسلين كلهم، وبعده في الشرف والفضل إبراهيم الخليل ﵇، ثم موسى [بن عمران] [¬٥] كليم الرحمن ﵇؛ ولهذا قال الله تعالى له: ﴿فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ﴾ أي: من الكلام والمناجاة ﴿وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ أي: على ذلك، ولا تطلب ما لا طاقة لك به.\nثم أخبر تعالى أنه كتب ﴿لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ قيل: كانت الألواح من جوهر، وإن الله تعالى كتب له فيها مواعظ وأحكامًا مفصلة مبينة للحلال و[¬٦] الحرام، وكانت هذه الألواح مشتملة على التوراة التي قال الله تعالى فيها: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ﴾.\nوقيل: الألواح أعطيها موسى قبل التوراة. فالله أعلم. وعلى كل تقدير كانت كالتعويض له عما سأل من الرؤية ومُنع منه [¬٧]، والله أعلم.\nوقوله: ﴿فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ﴾ أي: بعزم على الطاعة ﴿وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا﴾ قال\n_________\n[¬١]- في ز: \"رواته\".\n[¬٢]- في ت: \"بكلامه\".\n[¬٣]- في ز: \"اختصر\".\n[¬٤]- سقط من: ز.\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٦]- في ز: \"من\".\n[¬٧]- في ت: \"منها\".","vol":"6","page":391},{"text":"سفيان بن عيينة (^١٨٧): ثنا أبو سعد [¬١]، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: أمر موسى ﵇ أن يأخذ بأشد ما أمِر قومه.\nوقوله: ﴿سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ﴾ أي: سترون [¬٢] عاقبة من خالف أمري وخرج عن طاعتي كيف يصير إلى الهلاك والدمار والتباب؟\nقال ابن جرير [¬٣]: وإنما قال: ﴿سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ﴾ كما يقول القائل لمن يخاطبه: (سأوريك [¬٤] غدًا إلام يصير إليه حال من خالف أمري)، على وجه التهديد [¬٥] والوعيد لمن عصاه وخالف أمره.\nثم نقل معنى ذلك عن مجاهد والحسن البصري.\nوقيل: معناه ﴿سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ﴾ أي: من أهل الشام، وأعطيكم اياها. وقيل: منازل قوم فرعون، والأول أولى، والله أعلم؛ لأن هذا كان بعد انفصال موسى وقومه عن بلاد مصر، وهو خطاب لبني إسرائيل قبل دخولهم التيه، والله أعلم.\n_________\n(^١٨٧) - أخرجه ابن جرير في تفسيره (١٣/ ١٥١١٢) وأبو سعد هو البقَّال، شعيد بن المرزوبان: ضعيف.\n_________\n[¬١]- في خ، ز: \"سعيد\".\n[¬٢]- في ز: \"ستروا\".\n[¬٣]- ابن جرير في تفسيره (١٣/ ١١٠).\n[¬٤]- في ز: \"سأريك\".\n[¬٥]- في تفسير ابن جرير (١٣/ ١١٠): \"التهدُّد\".","vol":"6","page":392},{"text":"سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ (١٤٦) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٤٧)﴾\nيقول تعالى: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ أي: سأمنع فهمَ الحُجَج والأدلة الدالة على عظمتي وشريعتي وأحكامي قلوبَ المتكبرين عن طاعتى، ويتكبرون على الناس بغير حق، أي: كما استكبروا بغير حق أذلهم الله بالجهل، كما قال تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾، وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾.\nوقال بعض السلف (^١٨٧): لا ينال العلم حَيِيٌّ ولا مستكبر.\nوقال آخر: من لم يصبر على ذل التعلم [¬١] ساعة بقي في ذل الجهل أبدًا.\nوقال سفيان بن عيينة في قوله: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ قال: أنزع عنهم فهم القرآن، وأصرفهم عن آياتي.\nقال ابن جرير [¬٢]: وهذا يدل على أن هذا خطاب لهذه الأمة.\nقلت: ليس هذا بلازم؛ لأن ابن عيينة إنما أراد أن هذا مطرد في حق كل أمة، ولا فرق بين أحد وأحد في هذا، والله أعلم.\n_________\n(^١٨٧) - علقه البخاري في صحيحه، كتاب: العلم، باب: الحياء في العلم من كلام مجاهد بلفظ: \"لا يتعلَّمُ العلم، مُسْتحي ولا مُسْتكبرٌ\" وقال الحافظ في \"الفتح\" (١/ ٢٢٩): \"وصله أبو نعيم في \"الحلية\" (٣/ ٢٨٧) من طريق على بن المديني، عن ابن عيينة، عن منصور\" كذا وفي \"الحلية\" مسعر، عن مجاهد، ورواه من طريق إسماعيل بن سعيد الكسائي، ثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد به، وقد رواه منصور عن مجاهد أيضًا في غير \"الحلية\" انظر \"تغليق التعليق\" لابن حجر (٢/ ٩٣).\n_________\n[¬١]- في ز: \"التعليم\".\n[¬٢]- ابن جرير في تفسيره (١٣/ ١١٣).","vol":"6","page":393},{"text":"وقوله: ﴿وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا﴾ كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾.\nوقوله: ﴿وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا﴾ أي: وإن ظهر لهم ﴿سَبِيلَ الرُّشْدِ﴾ أي: طريق النجاة لا يسلكوها، وإن ظهر لهم طريق الهلاك والضلال ﴿يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا﴾.\nثم علل مصيرهم إلى هذه الحال [¬١] بقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ أي: كذبت بها قلوبهم ﴿وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ﴾ أي: لا يعلمون شيئًا مما فيها.\nوقوله: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ أي: من فعل منهم ذلك واستمر عليه إلى الممات حبط عمله.\nوقوله: ﴿هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أي: إنما نحازيهم بحسب أعمالهم التي أسلفوها؛ ان خيرًا فخير وإن شرًّا فشر، وكما تَدين تُدان.\n﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ (١٤٨) وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (١٤٩)﴾\nيخبر تعالى عن ضلال من ضل من بني إسرائيل في عبادتهم العجل، الذي اتخذه لهم السامري من حُليٍّ القبط، الذي كانوا استعاروه منهم، فشكل لهم منه عجلا، ثم ألقى فيه القبضة من التراب التي أخذها من أثر فرس جبريل ﵇، فصار عجلا جسدًا له خُوار، والخوار: صوت البقر، وكان هذا منهم بعد ذهاب موسى لميقات ربه تعالى، وأعلمه الله تعالى بذلك وهو على الطور، حيث يقول تعالى إخبارًا عن نفسه الكريمة: ﴿قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ﴾.\nوقد اختلف المفسرون في هذا العجل: هل صار لحمَّا ودمًا له خوار؟ أو استمر على كونه من ذَهَبٍ إلا أنه يدخل فيه الهواء [¬٢] فيصوِّت كالبقر؟ على قولين، والله أعلم.\n_________\n[¬١]- سقط من: خ، ز.\n[¬٢]- في ز: \"الهوى\".","vol":"6","page":394},{"text":"ويقال: إنهم لما صَوَّت لهم العجل رقصوا حوله وافتتنوا به قالوا [١] ﴿هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ﴾، فقال الله تعالى: ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾.\nوقال في هذه الآية الكريمة: ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا﴾ ينكر تعالى عليهم في ضلالهم بالعجل، وذُهُولهم عن خالق السماوات والأرض ورب كل شيء ومليكه، أن عبدوا معه عجلا جسدًا له خوار لا يكلمهم ولا يرشدهم إلى خير، ولكن غَطَّى على أعين بصائرهم عمى الجهل والضلال، كما تقدم من رواية الإمام أحمد وأبي داود، عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ: \"حبك الشَّيء [٢] يُعْمي وَيُصِمّ\" [¬١٨٨].\nوقوله: ﴿وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ﴾ أي: ندموا على ما فعلوا ﴿وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا﴾ وقرأ بعضهم [٣]: (لئن لم ترحمنا [٤]) بالتاء المثناة من فوق [٥]، ﴿رَبُّنَا﴾ منادى ﴿وَيَغْفِرْ [٦] لَنَا﴾، ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ أي: من الهالكين، وهذا اعتراف منهم بذنبهم، والتجاء إلى الله ﷿.\n﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (١٥٠) قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (١٥١)﴾\nيخبر تعالى أن موسى ﵇ رجع إلى قومه من مناجاة ربه تعالى وهو غضبان أسف. قال أبو الدرداء: والأسَف: أشد الغضب.\n﴿ا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي﴾ يقول: بئس ما صنعتم في عبادتكم العجل بعد أن ذهبت وتركتكم!\n_________\n[¬١٨٨]- ضعيف تقدم تخريجه [سورة البقرة/ آية ٩٣].\n_________\n[١]- في ز: \"وقال\".\n[٢]- في ز: \"للشيء\".\n[٣]- وهي قراءة حمزة، والكسائي، السبعة لابن مجاهد (ص ٢٩٤).\n[٤]- في ز: \"تغفر لنا\".\n[٥]- في ز: \"فوقها\".\n[٦]- في ت: \"ويغفر\".","vol":"6","page":395},{"text":"[وقوله: ﴿أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ﴾ يقول: استعجلتم مجيئي إليكم، وهو مقدَّر من الله تعالى] [¬١].\nوقوله: ﴿وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ﴾ قيل: كانت الألواح من زُمُرُّد، وقيل: من ياقوت، وقيل: من برد. وفي هذا دلالة على ما جاء في الحديث (^١٨٩): \" ليس الخبر كالمعاينة\".\nثم ظاهر السياق: أنه إنما ألقى الألواح غضبًا على قومه، وهذا قول جمهور العلماء سلفًا وخلفًا، وروى ابن جرير (^١٩٠) عن قتادة في هذا قولا غريبًا، لا يصح إسناده إلى حكاية قتادة، وقد رده ابن عطية وغير واحد من العلماء، وهو جدير بالرد، وكأنه تلقاه قتادة عن بعض أهل الكتاب، وفيهم كذابون ووضاعون وأفاكون وزنادقة.\nوقوله: ﴿وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ﴾ خوفًا أن يكون قد قصر في نهيهم، كما قال في الآية الأخرى ﴿قَالَ يَاهَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا (٩٢) أَلَّا تَتَّبِعَنِ [¬٢] أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي (٩٣) قَالَ يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾، وقال هاهنا: ﴿[قَالَ] [¬٣] ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ أي: لا تشقني [¬٤] مَسَاقهم، ولا تخلطنى [¬٥] معهم، وإنما قال: ﴿ابْنَ أُمَّ﴾ لتكون أرأف وأنجع عنده، وإلا فهو شقيقه لأبيه وأمه، فلما تحقق موسى ﵇ براءة ساحة هارون ﵇؛ [¬٦] كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ يَاقَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي﴾ فعند ذلك قال موسى: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾.\n_________\n(^١٨٩) - يأتي تخريجه برقم (١٩١)\n(^١٩٠) - \" التفسير\" لابن جرير (١٣/ ١٥١٣٢) وسيذكره المصنف هنا عند قوله ﴿وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ …﴾ (رقم ١٩٣) وقال ابن جرير: \"والذى هو أولى بالصواب من القول في ذلك، أن يكون سبب إلقاء موسى الألواح، كان من أجل غضبه على قومه لعبادتهم العجل؛ لأن الله - جل ثناؤه - بذلك أخبر في كتابه فقال ﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ﴾.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٢]- في ز: \"تتبعنى\".\n[¬٣]- سقط من خ.\n[¬٤]- في ز: \"لا تسوقنى\".\n[¬٥]- في ز: \"تخلطنى\".\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين في ز: \"قال:\".","vol":"6","page":396},{"text":"قال ابن أبي حاتم (^١٩١): حدثنا الحسن بن محمَّد بن الصباح، ثنا عفان، ثنا أبو عوانة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: \"يرحم الله موسى! ليس المعاين كالمخبر، أخبره وبه ﷿ أن قومة فتنوا بعده فلم يلق الألواح، فلما رآهم وعاينهم ألقى الألواح\".\n﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ (١٥٢) وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِهَا وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٥٣)﴾\nأما الغضب الذي نال بني إسرائيل في عبادة العجل، فهو أن الله تعالى لم يقبل لهم توبة حتى نتل بعضهم بعضًا، كما تقدم في سورة البقرة: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾.\nوأما الذلة فأعقبهم ذلك ذلًا [¬١] وصغارًا في الحياة الدنيا.\nوقوله: ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ﴾ نائلة لكل من افترى بدعة، فإن ذل البدعة ومخالفة الرسالة متصلة من قلبه على كتفيه، كما قال الحسن البصري: إن ذل البدعة على أكتافهم وإن\n_________\n(^١٩١) - إسناده صحيح: \"التفسير\" لابن أبي حاتم (٥/ ٨٩٩٨) وأخرجه البزار (١/ رقم ٢٠٠ كشف الأستار) وابن حبان (١٤/ ٦٢١٤ - إحسان) والطبراني في \"الكبير\" (١٢/ ١٢٤٥١) وابن عدي في \"الكامل\" (٧/ ٢٥٩٦) والحاكم في \"المستدرك\" (٢/ ٣٨٠) والخطيب البغدادي في \"موضح أوهام الجمع والتفريق\" (١/ ٥٣٠) من طرق عن أبي عوانة به مطولًا ومختصرًا، وصححه الحاكم على شرط الشيخين ووافقه الذهبي. وأخرجه أحمد (١/ ٢١٥، ٢٧١) وابن حبان (١٤/ ٦٢١٣) والطبراني في \"الأوسط\" (١/ رقم ٢٥)، وابن عدي والقضاعي في \"مسند الشهاب\" (٢/ ١١٨٢، ١١٨٣) وأبو الشيخ في \"الأمثال\" (رقم ٥) والحاكم (٢/ ٣٢١)، والخطيب في \"تاريخ بغداد\" (٦/ ٥٦) من طرق عن هشيم عن أبي بشر به، وصححه الحاكم أيضًا على شرط الشيخين ووافقه الذهبي، واختاره الضياء - \"المختارة\" - (١٠/ رقم ٧٣: ٧٦) لكن قيل: \"إن هشيمًا لم يسمعه من أبي بشر، وإنما سمعه من أبي عوانة عنه، فدلسه\" قال السخاوي في \"المقاصد الحسنة\" (ص ٣٥٢): \"وقول ابن عدي - نسبه السخاوي لابن عدي وإنما ذكره ابن عدي عن غيره وبصيغة التمريض - إن هشيمًا لم يسمعه من أبي بشر، وإنما سمعه من أبي عوانة عنه فدلسه، لا يمنع صحته … \".\n_________\n[¬١]- في ز: \"ذلة\".","vol":"6","page":397},{"text":"هَمْلَجَت [¬١] بهم البغلات، وَطْقَطَقَتْ بهم البراذين [¬٢].\nوهكذا روى أيوب السختياني: عن أبي قلابة الجرمي أنه قرأ هذة الآية: ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ﴾ فقال [¬٣]: هي والله لكل مفتر إلى يوم القيامة.\nوقال سفيان بن عيينة: كلُّ صاحب بدعة ذليل.\nثم نبه تعالى عباده وأرشدهم إلى أنه يقبل توبة عباده من أي ذنب كان، حتى ولو كان من كفر أو شرك أو نفاق أو شقاق، ولهذا عقب هذه القصة بقوله: ﴿وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِهَا وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ﴾ أي: يا محمَّد يا رسول الرحمة ونبي النور ﴿مِنْ بَعْدِهَا﴾ أي: من بعد تلك الفعلة ﴿لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.\nوقال ابن أبي حاتم (^١٩٢): حدثنا أبي، حدثنا مسلم بن إبراهيم، ثنا أبان، ثنا قتادة، عن عزرة [¬٤]، عن الحسن العرني، عن علقمة، عن عبد الله بن مسعود: أنه سئل عن ذلك - يعني - عن الرجل يزني بالمرأة ثم يتزوجها - فتلا هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِهَا وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فتلاها عبد الله عشر مرات، فدم يأمرهم بها ودم ينههم عنها.\n﴿وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ (١٥٤)﴾\nيقول تعالى: ﴿وَلَمَّا سَكَتَ﴾ أي: سكن ﴿عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ﴾ أي: غضبه على قومه ﴿أَخَذَ الْأَلْوَاحَ﴾ أي: التي كان ألقاها من شدة الغضب على عبادتهم العجل غيرةً لله وغضبًا له ﴿وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ﴾.\n_________\n(^١٩٢) - \" التفسير\" لابن أبي حاتم (٥/ ٩٠١٠) وإسناده صحيح، أبان هو ابن يزيد العطار وعزرة هو ابن عبد الرحمن معروف بـ \"صاحب قتادة\" وثقه ابن معين وابن المديني. والحسن العُرني هو ابن عبد الله العرني وثقه أبو زرعة وابن سعد والعجلي، وقال ابن معين: \"صدوق ليس به بأس\" وعلقمة هو ابن قيس النخعي.\n_________\n[¬١]- هملجت الدابة: سارت سيرًا حسنًا في سرعة.\n[¬٢]- جمع برذون: ويطلق على غير العربي من الخيل والبغال.\n[¬٣]- في ز: \"قال\".\n[¬٤]- في ز: \"عروة\".","vol":"6","page":398},{"text":"يقول كثير من المفسرين: إنها لما ألقاها تكسرت ثم جمعها بعد ذلك؛ ولهذا قال بعض السلف: فوجد فيها هدى ورحمة، وأما التفصيل فذهب، وزعموا أن رُضاضها [¬١] لم يزل موجودًا في خزائن الملوك لبني إسرائيل إلى الدولة الإسلامية، والله أعلم بصحة هذا. وأما الدليل القاطع على أنها تكسرت حين ألقاها، وهي من جوهر [من] [¬٢] الجنة، فقد [¬٣] أخبر تعالى أنه لما أخذها بعد ما ألقاها وجد فيها ﴿هُدًى وَرَحْمَةٌ﴾.\n﴿لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ ضمَّن الرهبة معنى الخضوع، ولهذا عداها باللام.\nوقال قتادة (^١٩٣) في قوله تعالى: ﴿أَخَذَ الْأَلْوَاحَ﴾ قال: \"ربِّ، إني [¬٤] أجد في الألواح أمة، خير أمةً أخرجت للناس، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، فاجعلهم [¬٥] أمتي، قال: تلك أمة أحمد [¬٦]، قال: رب، إنى أجد في الألواح أمة هم الآخرون - أي: آخرون فما الخلق - السابقون [¬٧] في دخول الجنة، رب اجعلهم أمتي، قال: تلك أمة أحمد، قال: رب إني أجد في الألواح أمة أناجيلهم في صدورهم يقرءونها [] [¬٨] وكان من قبلهم يقرءون كتابهم نظرًا، حتى إذا رفعوها لم يحفظوا شيئًا ولم يعرفوه\" [قال قتادة] [¬٩]: وإن الله أعطاكم [أيتها الأمة] [¬١٠] من الحفظ شيئًا لم يعطه أحدًا من الأم قال: \"رب اجعلهم أمتي، قال: تلك أمة أحمد، قال: رب إني أجد في الألواح أمة يؤمنون بالكتاب الأول وبالكتاب الآخر ويقاتلون فضول [¬١١] الضلالة [¬١٢] حتى يقاتلوا الأعور الكذاب، فاجعلهم أمتي، قال: تلك أمة أحمد، قال: رب، إني أجد في الألواح أمة صدقاتهم يأكلونها في بطونهم ويؤجرون عليها - وكان من قبلهم [من الأمم] [¬١٣] إذا تصدق بصدقة فقبلت منه بعث الله عليها [¬١٤] نارًا فأكلتها [¬١٥] وإن ردت عليه تركت، فقال لها السباع والطير وإن الله أخذ صدقاتكم من غنيكم لفقيركم - قال: رب! اجعلهم أمتي، قال:\n_________\n(^١٩٣) - أخرجه ابن جرير في تفسيره (١٣/ ١٥١٣٢، ١٥١٣٣) من طريقين عن قتادة مطولًا ومختصرًا واستغرب المصنف هذا الأثر لقتادة وقال: \"لا يصح إسناده إلى حكايته قتادة … \" وانظر رقم (١٩٠).\n_________\n[¬١]- الرُّضاض: الفتات.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين زيادة من ز.\n[¬٣]- في ز: \"وقد\".\n[¬٤]- سقط من: ز.\n[¬٥]- في ز: \"اجعلهم\".\n[¬٦]- في خ: \"محمَّد\".\n[¬٧] في ز: \"سابقون\".\n[¬٨]- في خ:، ز \"كتابهم\".\n[¬٩] ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬١٠]- ما بين المعكوفتين سقط من خ.\n[¬١١]- في خ، ز: \"فصول\".\n[¬١٢]- في ز: \"الصلاة\".\n[¬١٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬١٤]- سقط من: ت.\n[¬١٥]- في ز: \"فأكلته\".","vol":"6","page":399},{"text":"تلك أمة أحمد.\n[قال: رب إني أجد في الألواح أمة إذا همَّ أحدهم بحسنة ثم لم يعملها كتبت له حسنة، فإن عملها كتبت له عشر أمثالها إلى سبعمائة، رب اجعلهم أمتي، قال: تلك أمة أحمد، قال: رب إني أجد في الألواح أمة إذا همَّ أحدهم بسيئة لم تكتب حتى يعملها، فإذا عملها كتبت له سيئة واحدة، فاجعلهم أمتي. قال: تلك أمة أحمد. قال: ربِّ! إني أجد في الألواح أمة هم المستجيبون والمستجاب لهم، فاجعلهم أمتي. قال: تلك أمة أحمد. قال: رب! إني أجد في الألواح أمة هم المشفَّعون والمشفوع لهم، فاجعلهم أمتي، قال: تلك أمة أحمد\"] [¬١]. قال قتادة: فذكر لنا أن نبي الله موسى نبذ الألواح، وقال: \"اللهم اجعلني [¬٢] من أمة أحمد\".\n﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ (١٥٥)﴾\nقال على بن أبي طلحة: عن ابن عباس في تفسير هذه الآية: كان الله أمره أن يختار من قومه سبعين رجلا، فاختار سبعين رجلًا، فبرز بهم [¬٣] ليدعوا ربهم، فكان فيما دَعَوُا الله قالوا: اللهم أعطا ما لم تعط أحدًا قبلنا ولا تعطيه [¬٤] أحدًا بعدنا. فكره الله ذلك من دعائهم فأخذتهم الرجفة قال موسى: ﴿رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ﴾ الآية.\nوقال السدي: إن الله أمر موسى أن يأتيه في ناس من بني إسرائيل، يعتذرون إليه من عبادة العجل، ووعدهم موعدًا واختار موسى [من] [¬٥] قومه سبعين رجلًا على عينه، ثم ذهب بهم ليعتذروا، فلما أتوا ذلك المكان قالوا: لن نؤمن لك يا موسى حتى نرى الله جهرة فإنك قد كلمته، فأرناه. فأخذتهم الصاعقة فماتوا، فقام موسى يبكي [¬٦]، ويدعو الله، ويقول: رب! ماذا أقول لبني إسرائيل إذا لقيتهم وقد أهلكت خيارهم؟ رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٢]- في ز: \"اجعله\".\n[¬٣]- في ز: \"فبررهم\".\n[¬٤]- في خ: \"تعطه\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين زيادة من ز.\n[¬٦]- سقط من: خ، ز.","vol":"6","page":400},{"text":"وقال محمَّد بن إسحاق: اختار موسى من بني إسرائيل سبعين رجلًا الخيِّر فالخير، وقال: انطلقوا إلى الله فتوبوا إليه مما صنعتم، وسلوه [¬١] التوبة على من تركتم وراءكم من قومكم، صوموا وتطهروا وطهروا ثيابكم، فخرج بهم إلى طور سيناء لميقات وقَّته له ربه، وكان لا يأتيه إلا بإذن منه وعلم. فقال له السبعون - فيما ذكر لي، حين صنعوا ما أمرهم به وخرجوا معه للقاء ربه - لموسى: اطلب لنا نسمع كلام ربنا، فقال: أفعل، فلما دنا موسى من الجبل وقع عليه عمود الغمام، حتى تغشى الجبل كله، ودنا موسى فدخل فيه، وقال للقوم: ادنوا، وكان موسى إذا كلمه الله وقع على جبهة موسى نور ساطع، لا يستطع أحد من بني آدم أن ينظر إليه، فضرب دونه بالحجاب، ودنا القوم، حتى إذا دخلوا في الغمام وقعوا سجودًا، فسمعوه وهو يكلم موسى، يأمره وينهاه: افعل، ولا تفعل. فلما فرغ إليه من أمره [] [¬٢] انكشف عن موسى الغمام، فأقبل إليهم، فقالوا لموسى: لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتهم الرجفة وهي: الصاعقة، فافْتُلِتَتْ [¬٣] أرواحهم، فماتوا جميعًا، فقام موسى يناشد ربه ويدعوه ويرغب إليه ويقول: رب، لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي، قد سفهوا، أفتهلك [¬٤] من ورائي من بني إسرائيل.\nوقال سفيان الثوري (^١٩٤): حدثني أبو إسحاق، عن عمارة بن عبد [¬٥] السَّلولي، عن علي ابن أبي طالب ﵁ قال: انطلق موسى وهارون وشبر وشبير، فانطقوا إلى سفح جبل، فنام [¬٦] هارون على سرير فتوفاه الله ﷿، فلما رجع موسى إلى بني إسرائيل قالوا له: أين\n_________\n(^١٩٤) - أخرجه ابن جرير (١٣/ ١٥١٥٧) وابن أبي حاتم (٥/ ٩٠١٨)، وأخرجه ابن جرير (١٣/ ١٥١٥٨) من طريق شعبة عن أبي إسحاق، عن رجل من بني سلول لم يسمه - والثوري إمام وقد سماه فلا يعله ذلك - أنه سمع عليًّا، ﵁، يقول: … فذكره، ورجاله ثقات، رجال الصحيح غير عمارة بن عبد السلولي الكوفي قال إبراهيم بن يعقوب الجُوزجانيُّ عن أحمد بن حنبل: \"مستقيم الحديث، لا يروي عنه غير أبي إسحاق\" وقال أبو حاتم - في \"الجرح والتعديل\" (٦/ ٢٠٣٣) - \"شيخ مجهول، لا يحتج بحديثه\" - وذكره ابن حبان في \"الثقات\" (٥/ ٢٤٤) - وروى له النسائي حديثًا واحدًا في \"مسند علي\" - انظر \"تهذيب الكمال\" (٢١/ ت ٤١٩٠) وأفاد ابن سعد في \"الطبقات\" (٦/ ٢٤٨) أنه روى عن حذيفة أيضًا، وقال العجلي في \"الثقات\" (ت ١٢١٤): \"كوفى، تابعي، ثقة … \". وقال ابن حجر في \"التقريب\" مقبول. والأثر زاد نسبته السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ٢٣٧) إلى عبد ابن حميد وابن أبي الدنيا في كتاب \"من عاش بعد الموت\" وأبي الشيخ.\n_________\n[¬١]- في ز: \"واسلوه\".\n[¬٢]- زيادة من: ز.\n[¬٣]- في ز: \"فالتقت\".\n[¬٤]- في ز: \"أتهلك\".\n[¬٥]- في خ، ت: \"عيد\".\n[¬٦]- في ز: \"فقام\".","vol":"6","page":401},{"text":"هارون؟ قال: توفاه الله ﷿ [¬١]، قالوا: أنت قتلته، حسدتنا على خلقه ولينه - أو كلمة نحوها. قال: فاختاروا من شئتم. قال: فاختاروا سبعين رجلًا، قال: فذلك قوله تعالى: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا﴾، فلما انتهوا إليه قالوا: يا هارون! من قتلك؟ قال: ما قتلني أحد [¬٢]، ولكن توفاني [¬٣] الله، قالوا: يا موسى، لن تعصى بعد اليوم، قال: فأخذتهم الرجفة. قال: فجعل [¬٤] موسى ﵇ يرجع يمينًا وشمالا وقال: يا ﴿رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ﴾ قال: فأحياهم الله وجعلهم أنبياء كلهم.\nهذا أثر غريب جدًّا، وعمارة بن عبد هذا لا أعرفه [¬٥]، وقد رواه شعبة: عن أبي إسحاق، عن رجل من بني سلول، [عن علي] [¬٦]، فذكره.\nوقال ابن عباس وقتادة ومجاهد وابن جريج: إنما أخذتهم الرجفة؛ لأنهم لم يزايلوا قومهم في عبادتهم العجل، ولا نهوهم.\nويتوجه هذا القول يقول موسى: ﴿أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا﴾.\nوقوله: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ﴾ أي: ابتلاؤك واختبارك وامتحانك. قاله ابن عباس وسعيد بن جبير وأبو العالية والربيع [¬٧] بن أنس وغير واحد من علماء السلف والخلف، ولا معنى له غير ذلك، يقول: إِنِ الأمرُ إلا أمرُك، وإن الحكم إلا لك، فما شئت كان، تضل من تشاء، وتهدي من تشاء، ولا هادي لمن أضللت، ولا مضل لمن هديت، ولا معطي لما منعت، ولا مانع لما أعطيت، فالملك كله لك، والحكم كله لك، لك الخَلْق والأمر.\nوقوله: ﴿أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ﴾ الغفر: هو الستر وترك المؤاخذة بالذنب، والرحمة إذا قرنت مع الغَفْر يراد بها أن لا يوقعه [¬٨] في مثله في المستقبل ﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ﴾ أي: لا يغفر الذنوب إلا أنت ﴿وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ﴾ هناك الفصل الأول من الدعاء في دفع المحذور، وهذا لتحصيل المقصود. ﴿وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ﴾ أي: أوجب لنا وأثبت لنا فيهما [¬٩] حسنة، وقد تقدم\n_________\n[¬١]- بعده في خ: \"فلما رجع موسى إلى بني إسرائيل\".\n[¬٢]- سقط من: ز\n[¬٣]- في ز: \"توافاني\".\n[¬٤]- في خ، ز: \"فرجع\".\n[¬٥]- هو معروف، ومترجم في \"التهذيب\" انظر (ح رقم ١٩٤).\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز\n[¬٧]- في خ: \"وربيع\".\n[¬٨]- في ز: \"يرفعه\".\n[¬٩]- في ز: \"فيها\".","vol":"6","page":402},{"text":"ذلك في سورة البقرة.\n﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ أي: تبنا ورجعنا وأنبنا إليك، قاله ابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد وأبو العالية والضحاك وإبراهيم التيمي والسدي وقتادة وغير واحد، وهو كذلك لغة.\nوقال ابن جرير (^١٩٥): حدثنا ابن وكيع، حدثنا أبي، عن شريك، عن جابر، عن عبد الله ابن نجَن، عن علي قال: إنما سميت اليهود؛ لأنهم قالوا: ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾.\nجابر هو ابن يزيد الجُعْفي، ضعيف.\n﴿وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (١٥٦)﴾\nيقول تعالى مجيبًا لموسى في قوله: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ﴾، قال: ﴿عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْء﴾ أي: أفعل ما أشاء، وأحكم ما أريد، ولي الحكمة والعدل في كل ذلك، سبحانه لا إله إلا هو.\nوقوله تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ آية عظيمة الشمول والعموم، كقوله تعالى إخبازا عن حَمَلة العرش ومن حوله أنهم يقولون: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾.\nوقال الإِمام أحمد (^١٩٦): حدثنا عبد الصمد، حدثنا أبي، حدثنا الجُرَيري، عن أبي عبد الله الجُشَمي، حدثنا جندب - هو ابن عبد الله البجلى ﵁ قال: جاء أعرابي فأناخ راحلته ثم عَقَلها ثم صلى خلف رسول الله، ﷺ، فلما صلى رسول الله صلى\n_________\n(^١٩٥) - تفسير ابن جرير (١٣/ ١٥١٩٩) وتصحف فيه \"عبد الله بن نُجَىٍّ\" إلى \"عبد الله بن يحيى\"، \"وعبد الله بن نُجَيٍّ\" هذا وثقه النسائي، لكن قال البخاري وأبو أحمد بن عدي: \"فيه نظر\"، وقال ابن معين: لم يسمع من علي، بينه وبينه أبوه، وأثبت سماعه من على البزار وابن حبان، وقال الدارقطني: \"ليس بقوي في الحديث\" وجهله الشافعي - انظر \"التهذيب\" - وشريك في الإسناد هو ابن عبد الله القاضي النخعي وجابر هو ابن يزيد الجعفي ضعيف.\n(^١٩٦) - إسناده فيه جهالة \"المسند\" (٤/ ٣١٢) وأخرجه أبو داود، كتاب: الأدب، باب: من ليست له غيبة (٤٨٨٥)، والروياني في \"مسنده\" (٢/ رقم ٩٥٧)، والطبراني في \"المعجم الكبير\" (٢/ ١٦٦٧) - ومن طريقه المزي في \"تهذيب الكمال\" (٣٤/ ت ٧٤٧٢ أبو عبد الله الجُشميّ) كلهم عن عبد الصمد بن عبد الوارث به، وأخرجه الحاكم في \"المستدرك\" =","vol":"6","page":403},{"text":"الله عليه وسلم أتى راحلته فأطلق عقالها ثم ركبها ثم نادى: اللهم ارحمني ومحمدًا، ولا تشرك في رحمتنا أحدًا. فقال رسول الله، ﷺ: \"أتقولون [¬١] هذا أضل أم بعيره؟ ألم تسمعوا ما قال؟ \". قالوا: بلى. قال: \"لقد حَظَرْتَ رحمة واسعة، إن الله ﷿ خلق مائة رحمة، فأنزل رحمة واحدة [¬٢] يتعاطف بها الخلق جنها وإنسها وبهائمها، وأخَّر عنده تسعًا وتسعين [¬٣] رحمة، أتقولون [¬٤] هو أضل أم بعيره؟ \".\nورواه أحمد [¬٥] وأبو داود: عن علي بن نصر، عن عبد الصمد بن عبد الوارث، به.\nوقال أحمد أيضًا (^١٩٧): حدثنا يحيى بن سعيد، عن سليمان، عن أبي عثمان، عن سلمان، عن النبي، ﷺ، قال: \"إن لله ﷿ مائة رحمة؛ فمنها رحمة يتراحم بها الخلق، وبها تعطف الوحوش على أولادها، وأخَّر تسعة وتسعين إلى يوم القيامة\".\nتفرد [¬٦] بإخراجه مسلم فرواه من حديث سليمان - هو ابن طرخان - وداود بن أبي هند، كلاهما عن أبي عثمان - واسمه عبد الرحمن بن مِلّ - عن سلمان - هو الفارسي [عن النبي ﷺ به] [¬٧].\nوقال الإِمام أحمد (^١٩٨): حدثنا عفان، حدثنا [¬٨] حماد، عن عاصم بن بهدلة، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، أن النبي، ﷺ، قال: \"إن [¬٩] لله مائة رحمة؛ عنده\n_________\n= (٤/ ٢٤٨) من طريق يزيد بن هارون أنبأ سعيد بن إياس الجريري به - غير أنه تصحف عنده \"أبي عبد الله الجشمي\" إلى \"أبي عبد الله الحيري\" - وقال الحاكم: \"صحيح الإسناد ولم يخرجاه\" ووافقه الذهبي كذا قالا، وأبو عبد الله الجشمي هذا لم يرو عنه غير الجريري، وجهله الحافظان: الذهبي، وابن حجر، والحديث ذكره الهيثمي في \"المجمع\" (١٠/ ٢١٦، ٢١٧) وقال: \"رواه أبو داود باختصار - رواه أحمد والطبراني ورجال أحمد رجال الصحيح غير أبي عبد الله الجشمي، ولم يضعفه أحدٌ\"، وأصل الحديث عند البخاري (٦٠١٠) وغيره من حديث أبي هريرة مختصرًا.\n(^١٩٧) - \" المسند\" (٥/ ٤٣٩) وأخرجه مسلم، كتاب: التوبة، باب: في سعة رحمة الله تعالى، وأنها سبقت غضبه (٢٠، ٢١) (٢٧٥٣)، وانظر [سورة الأنعام/ آية ٥٤].\n(^١٩٨) - حديث صحيح \"المسند\" (٣/ ٥٥) وأخرجه أيضًا (٢/ ٥٢٦) ثنا مؤمل، ثنا حماد به =\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- في ز: \"تسعون\".\n[¬٤]- في ز: \"تقولون\".\n[¬٥]- سقط من: ز.\n[¬٦]- في ز: \"انفرد\".\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٨]- في ز: \"بن\".\n[¬٩]- سقط من: ز.","vol":"6","page":404},{"text":"تسعة وتسعون، وجعل عندكم واحدة تتراحمون بها بين الجن والإِنس وبين الخلق، فإذا كان يوم القيامة ضمها إليه\". تفرد به أحمد من هذا الوجه.\nوقال أحمد (^١٩٩): حدثنا عفان [¬١]، حدثنا عبد الواحد، حدثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله، ﷺ: \"لله مائة رحمة؛ فقسم منها جزءًا واحدًا بين الخلق، فيه يتراحم الناس والوحش والطير\".\nورواه ابن ماجه من حديث أبي معاوية، عن الأعمش، به.\nوقال الحافظ أبو القاسم الطبراني (^٢٠٠) [¬٢]: حدثنا محمَّد بن عثمان بن أبي شيبة، حدثنا\n_________\n= وأخرجه الخطيب البغدادي في \"تاريخ بغداد\" (٨/ ٣٢٤) من طرقى الأعمش عن أبي صالح به، وأخرجه البخاري (٦٠٠٠) ومسلم (٢٧٥٢) من طريق سعيد بن المسيب، والبخاري (٦٤٦٩) من طريق سعيد بن أبي سعيد المقبري، وأحمد (٢/ ٤٣٤) ومسلم (١٩) (٢٧٥٢) وابن ماجه (٤٢٩٣) من طريق عطاء ابن أبي رباح، وأحمد (٤/ ٥١٢) من طريق محمَّد بن سيرين وخلاس ابن عمرو - وتقدم [سورة الأنعام/ آية ١٦٥]- من طريق عبد الرحمن بن يعقوب، سبعتهم (أبو صالح، سعيد بن المسيب، سعيد بن أبي سعيد، عطاء، محمَّد، خلاس، عبد الرحمن) عن أبي هريرة به مطولًا ومختصرًا. وانظر [سورة الأنعام/ آية ١٢].\n(^١٩٩) صحيح \"المسند\" (٣/ ٥٥) وأخرجه أبو يعلى (٢/ رقم ١٠٩٨) ثنا العباس بن الوليد، ثنا عبد الواحد بن زياد له، وعبد الواحد بن زياد ثقة، روى له الجماعة، لكن حديثه عن الأعمش فيه مقال، ولم ينفرد؛ فقد تابعه أبو معاوية محمَّد بن خازم الضرير وهو من أحفظ الناس لحديث الأعمش، أخرجه من هذه الطريق ابن ماجه، كتاب: الزهد، باب: ما يرجى من رحمة الله قوم القيامة (٤٢٩٤). وقال البوصيري في \"مصباح الزجاجة\" (٣/ ٣١٨): \"حديث أبي سعيد صحيح، رجاله ثقات\".\n(^٢٠٠) - إسناده ضعيف وقال المصنف: \"حديث غريب جدًّا، وسعد هذا لا أعرفه\" قلت: سعد هذا عرفه غير واحد - كما يأتي - والحديث في \"المعجم الكبير\" (٣/ ٣٠٢١) وذكره الهيثمي في \"المجمع\" (١٠/ ٢١٩) وقال: \"رواه الطبراني في \"الكبير\" و\"الأوسط\" وزاد … وفي إسناد \"الكبير\" سعد بن طالب أبو غيلان وثقه أبو زرعة وابن حبان وفيه ضعف، وبقية رجال \"الكبير\" ثقات\" قلت: الذي نقله ابن أبي حاتم في \"الجرح والتعديل\" (٤/ ت ٣٨٠) عن أبي زرعة أنه قال فيه: \"لا بأس به\" وقد نقل فيه عن أبيه قال: \"شيخ صالح، في حديثه صنعة\" كذا وقع في نسخة \"الجرح والتعديل\" المطبوعة، وقد نقل تضعيفه عن أبي حاتم ابن الجوزي في \"الضعفاء والمتروكين\" (١/ ت ١٣٥٥) والذهبي في \"الميزان\" وعنه ابن حجر في \"اللسان\" فأخشى أن يكون قوله: \"في حديثه صنعة\" تصحف عندهم إلى \"في حديثه ضعف\" =\n_________\n[¬١]- في ز: \"عثمان\".\n[¬٢]- في ز: \"الطبري\".","vol":"6","page":405},{"text":"أحمد ابن يونس، حدثنا سعد أبو غيلان الشيباني، عن حماد بن أبي سليمان، عن إبراهيم، عن صِلة ابن زُفر، عن حذيفة بن اليمان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"والذي نفسي بيده يدخلن الجنة [¬١] الفاجرُ في دينه الأحمق في معيشته، والذي نفسي بيده ليدخلن الجنة الذي قد مَحَشته النار بذنبه [¬٢]، والذي نفسي بيده ليغفرن الله يوم القيامة مغفرة يتطاول لها إبليس رجاء أن تصيبه\".\nهذا حديث غريب جدًّا، وسعد هذا لا أعرفه.\nوقوله: ﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ [إلى آخرها] [¬٣]، يعني: فسأوجب حصول رحمتي منة مني، وإحسانا إليهم؛ كما قال تعالى: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾.\nوقوله: ﴿لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ أي: سأجعلها للمتصفين بهذه الصفات، وهم أمة محمَّد ﷺ ﴿الَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ أي: الشرك والعظائم من الذنوب.\nقوله [¬٤]: ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ قيل: زكاة النفوس، وقيل: الأموال، ويحتمل [¬٥] أن تكون عامة لهما، فإن الآية مكية.\n﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ﴾ أي: يصدقون.\n﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي\n_________\n= لا سيما وأن صدر كلامه يؤيد أن أبا حاتم قوَّاه لا ضعفه فالله أعلم بالصواب. وأخرجه الطبراني في \"الأوسط\" (٥/ ٥٢٢٧) وابن عدي في \"الكامل\" (٥/ ١٩٥٤) من طريق عبد الأعلى ابن أبي المساور عن حماد به، وقال الطبراني: \"لم يرو هذا الحديث عن حماد إلا عبد الأعلى بن أبي المساور، وسعد أبو غيلان\" قلت: وعبد الأعلى هذا ضعفه غير واحد وتركه النسائي وابن نمير، وقال البخاري والساجي \"منكر الحديث\" وهو مترجم له في \"التهذيب\".\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- في خ، ز: \"بدينه\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في ت: \"الآية\".\n[¬٤]- سقط من: ز.\n[¬٥]- في ز: \"وتحتمل\".","vol":"6","page":406},{"text":"أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٥٧)﴾\n﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ وهذه صفة محمد، ﷺ، في كتب الأنبياء بشروا [¬١] أممهم ببعثه، وأمروهم بمتابعته، ولم تزل صفاته موجودة في كتبهم، يعرفها علماؤهم وأحبارهم؛ كما قال الإِمام أحمد (^٢٠١): حدَّثنا إسماعيل، عن الجُرَيري، عن أبي صخر العقيلي، حدثني رجل من الأعراب، قال: جلبت جَلُوبة [¬٢] إلى المدينة في حياة رسول الله، ﷺ، فلما فرغت من بيعتي قلت: لألقين هذا الرجل فلأسمعن منه، قال: فتلقاني بين أبي بكر وعمر يمشون، فتبعتهم [في أقفائهم] [¬٣]. حتَّى أتوا على رجل من اليهود ناشرًا [¬٤] التوراة يقرؤها يعزي بها نفسه عن ابن له في الموت كأحسن الفتيان وأجمله، فقال رسول الله ﷺ: \"أنشدك بالذي أنزل التوراة، هل تجد [¬٥]، في كتابك ذا صفتي ومخرجي؟ \". فقال برأسه:\n_________\n(^٢٠١) - \" المسند\" (٥/ ٤١١) وذكره الهيثمي في \"المجمع\" (٨/ ٢٣٧) وقال: \"رواه أحمد وأَبو صخر لم أعرفه! وبقية رجاله رجال الصحيح\" قال الحافظ ابن حجر ﵀ في \"التعجيل\" (ت ١٣١٤): \"أَبو صخر العقيلي … اسمه عبد الله بن قدامة، وهو مختلف في صحبته، وجزم البخاري ومسلم وابن حبان وغيرهم أن له صحبة، واختلف على الجريري في إسناده، فقال ابن علية - إسماعيل - عنه هكذا عند أحمد … ورواه عبد الوهاب بن عطاء عن الجريري عن عبد الله بن قدامة عن رجل أعرابي، ورواه سالم بي نوح عن الجريري عن عبد الله بن شقيق عن أبي صخر - رجل من بنى عقيل وربما قال: عبد الله بن قدامة - عزاه في \"الإصابة (٤/ ١٠٧) من هذه الطريق إلى ابن خزيمة في \"صحيحه\" وهو غير موجود في المطبوع - والحسن بن سفيان في مسنده وكذا هو في \"الكنى\" لأبي أحمد الحاكم (١/ ٢٥٩ / أ) - قال: قدمت المدينة على عهد النبي ﷺ بجارية أبيعها، الحديث ..... \" ورواه ابن سعد في \"الطبقات\" (١/ ١٤٥) أخبرنا على بن محمد عن الصلت بن دينار عن عبد الله بن شقيق عن أبي صخر قال: خرجت إلى المدينة … الحديث، وحسنه ابن الأثير في \"أسد الغابة\" (٦/ ١٧١) وذكره المصنف في \"البداية والنهاية\" (٢/ ٣٩٥) كما هنا وقال: \"إسناد جيد، وله شواهد في \"الصحيح\" عن أَنس بن مالك ﵁\".\nوالشاهد المشار إليه عند البخاري: كتاب، الجنائز، باب: إذا أسلم الصبي فمات هل يصلى عليه (١٣٥٦).\n_________\n[¬١]- في ز: \"يبشروا\".\n[¬٢]- فى ز: \"حلوه\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٤]- فى ز: \"ناشر\".\n[¬٥]- في خ، ز: \"تجدني\".","vol":"6","page":407},{"text":"هكذا، أي: لا. فقال ابنه: إي والذي أنزل التوراة إنا لنجد في كتابنا صفتك ومخرجك، وإني أشهد [¬١] أن لا اله إلا الله، وأشهد أنك رسول الله. فقال: \"أقيموا اليهودي عن أخيكم\". ثم وَلِى كفنه [¬٢] والصلاة عليه.\nهذا حديث جيد قوي، له شاهد فى الصحيح، عن أَنس.\nوقال الحاكم صاحب المستدرك (^٢٠٢): أخبرنا [أَبو محمد بن عبد الله] [¬٣] بن إسحاق البغوي، حدَّثنا إبراهيم ابن الهيثم البلدي، حدَّثنا عبد العزيز بن مسلم بن إدريس، [حدَّثنا عبد الله بن إدريس] [¬٤]، عن شرحبيل بن مسلم [¬٥]، عن أبي أمامة الباهلى، عن هشام بن العاص الأموي قال: بعثت أنا ورجل آخر إلى هرقل صاحب الروم ندعوه إلى الإِسلام، فخرجنا حتَّى قدمنا الغَوطة - يعنى: غوطة دمشق - فنزلنا على جبلة بن الأيهم الغساني، فدخلنا عليه، فإذا هو على سرير له، فأرسل إلينا برسول نكلمه، فقلنا: والله لا نكلم رسولًا، و[¬٦] إنما بعثنا إلى الملك، فإن أذن لنا كلمناه، وإلَّا لم نكلم الرسول، فرجع إليه الرسول فأخبره بذلك، قال: فأذن لنا، فقال: تكلموا، فكلمه هشام بن العاص، ودعاه إلى الإسلام، فإذا عليه ثياب سواد [¬٧]، فقال له هشام: وما هذه التي عليك؟ فقال: لبستها وحلَفت أن لا أنزعها حتَّى أخرجكم من الشام، قلنا: ومجلسك هذا، والله [¬٨] لنأخذنَّه منك، ولنأخذنّ مُلك الملَك الأعظم إن شاء الله، أخبرنا بذلك نبينا محمد [¬٩]، ﷺ، قال: لستم بهم؛ بل\n_________\n(^٢٠٢) - ومن طريق الحاكم إجازة أخرجه البيهقي في \"الدلائل\" (١/ ٣٨٥: ٣٩٠) وذكر القصة الحافظ ابن حجر - مختصرة في \"الإصابة\" (٣/ ٦٠٤، ٦٠٥) وقال: \"وتقدم في ترجمة عدي ابن كعب نحو هذه القصة، لكن فيها أنَّه هشام بن العاص السهمي والله أعلم\" وقال في ترجمة عدي بن كعب - \"الإصابة\" (٢/ ٤٧١): \"روى المعافى في \"الجليس\" من طريق محمد بن أبي بكر الأنصاري عن عبادة بن الصامت قال: بعثنى أَبو بكر إلى ملك الروم ومعى عمرو بن العاص وأخوه هشام وعدي بن كعب ونعيم بن عبد الله، فخرجنا حتَّى قدمنا على جبلة بن الأيهم بدمشق … فذكر قصة طويلة في ورقتين وإسناده ضعيف، وقد أخرجها البيهقي في \"الدلائل\" من وجه آخر … \" قلت: وسند البيهقي رجاله ثقات غير عبد العزيز بن مسلم بن إدريس هذا فلم أجد له ترجمة، وأخشى أن يكون مصحفًا، والله تعالى أعلم.\n_________\n\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- بعده في خ، ز: \"وحسه\".\n[¬٣]- في خ، ز: محمد بن عبد الله والمثبت من \"دلائل النبوة\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٥]- في ت: \"مسلمة\".\n[¬٦]- سقط من: ز.\n[¬٧]- في خ: \"سود\".\n[¬٨]- في ز: \"فوالله\"\n[¬٩]- سقط من: ز.","vol":"6","page":408},{"text":"هم قوم يصومون بالنهار ويقومون بالليل، فكيف صومكم؟، فأخبرناه فملئ وجهه سوادًا فقال: قوموا، وبعث معنا رسولًا إلى الملك، فخرجنا حتَّى إذا كنا قريبًا من المدينة قال لنا الذي معنا: إن دوابكم هذه لا تدخل مدينة الملك، فإن شئتم حملناكم على براذين وبغال، قلنا: والله لا ندخل إلَّا عليها. فأرسلوا إلى الملك أنهم يأَبون ذلك، فدخلنا على رواحلنا متقلدين سيوفنا حتَّى انتهينا إلى غرفة، فأنخنا في أصلها وهو ينظر إلينا، فقلنا: لا إله إلَّا الله والله أكبر، فالله يعلم لقد تنَفَّضَت [¬١] الغرفة حتَّى صارت كأنها عذق تصفّقه الرياح، فأرسل إلينا: ليس لكم أن تجهروا علينا بدينكم، وأرسل إلينا: أن ادخلوا، فدخلنا عليه، وهو على فراش له، وعنده بطارقته من الروم، وكل شيء في مجلسه أحمر، وما حوله حمرة، وعليه ثياب من الحمرة، فدنونا منه، فضحك فقال: ما [كان] [¬٢] عليكم لو حييتموني بتحيتكم فيما بينكم؟ وإذا عنده رجل فصيح بالعربية كثير الكلام، فقلنا: إن تحيتنا فيما بيننا لا تحل لك، وتحيتك التي تحيا بها لا يحل [¬٣] لنا أن نحييك بها، قال: كيف [¬٤] تحيتكم فيما بينكم؟ قلنا: السلام عليك، قال: وكيف تحيون ملككم؟ قلنا: بها، قال: فكيف [¬٥] يرد عليكم؟ قلنا: بها، قال: فما أعظمُ كلامكم؟ قلنا: لا إله إلَّا الله والله أكبر، فلما تكلمنا بها، والله يعلم، لقد تنفضت الغرفة حتَّى رفع رأسه إليها، [قال: فهذه] [¬٦] الكلمة التي قلتموها حيث تنفضت الغرفة، كلما قلتموها في بيوتكم تنفضت عليكم غرفكم [¬٧]؟ قلنا: لا، ما رأيناها فعلت هذا قطُّ إلَّا عندك، قال: لوددت أنكم كلما قلتم تنفض كل شئ عليكم، وأني قد [¬٨] خرجت من نصف ملكي، قلنا: لم؟ قال: لأنه كان أيسر لشأنها، وأجدر أن لا تكون من أمر النبوة، وأنها تكون من حيل الناس، ثم سألنا عما أراد فأخبرناه، ثم قال: كيف صلاتكم وصومكم؟ فأخبرناه، فقال: قوموا. فقمنا [¬٩]: فأمر لنا بمنزل حسن ونُزُل كثير [¬١٠]، فأقمنا ثلاثًا.\nفأرسل إلينا ليلا فدخلنا عليه، فاستعاد قولنا، فأعدناه، ثم دعا بشيء كهيئة الرَّبْعَة العظيمة [¬١١] مُذَهبة، فيها بيوت صغار عليها أَبواب، ففتح بيتًا وقفلًا، فاستخرج حريرة سوداء، فنشرها، فإذا فيها صورة حمراء، وإذا فيها رجل ضخم العينين عظيم الأليتين، لم أر مثل طول عنقه، وإذا ليست له لحية، وإذا له ضفيرتان [¬١٢] أحسن ما خلق الله، قال: أتعرفون هذا؟ قلنا: لا، قال: هذا آدم ﵇، وإذا هو أكثر الناس شعرًا.\n_________\n[¬١]- في ز: \"تَنَقَّضَت\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٣]- في ز: \"تحل\".\n[¬٤]- سقط من: ز.\n[¬٥]- في ز: \"وكيف\".\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين في ز: \"فقال: هذه\".\n[¬٧]- سقط من: ز.\n[¬٨]- سقط من: ز.\n[¬٩]- سقط من: ز.\n[¬١٠]- سقط من: ز.\n[¬١١]- في ز: \"الفطيمة\".\n[¬١٢]- في ز: \"طفيرتان\".","vol":"6","page":409},{"text":"ثم فتح بابًا آخر، فاستخرج منه حريرة سوداء، وإذا فيها صورة بيضاء، وإذا له شعر كشعر [¬١] القطط، أحمر العينين، ضخم الهامة، حسن اللحية، فقال: هل تعرفون هذا؟ قلنا: لا، قال: هذا نوح ﵇.\nثم فتح بابًا آخر، فاستخرج حريرة سوداء، وإذا فيها رجل شديد البياض، حسن العينين، صَلْت الجبين، طويل الخد، أبيفى اللحية كأنه يبتسم [¬٢]، فقال: هل تعرفون هذا؟ قلنا: لا، قال: هذا إبراهيم ﵇.\nثم فتح بابًا آخر، فإذا فيه [¬٣] صورة بيضاء، وإذا والله رسول الله ﷺ، فقال: أتعرفون هذا؟ قلنا: نعم، محمد رسول الله، ﷺ، قال: وبكينا، قال - والله يعلم أنَّه قام قائمًا ثم جلس، وقال -: والله إنه لهو، قلنا: نعم إنه لهو؟ كأنك تنظر إليه، فأمسك ساعة ينظر إليها، ثم قال: أما إنه كان آخر البيوت، ولكني عَجَّلته لكم لأنظر ما عندكم.\nثم فتح بابًا آخر، فاستخرج منه حريرة سوداء، فإذا [¬٤] فيها صورة آدماء سحماء، وإذا رجل جعد قَطط، غائر العينين، حديد النظر، عابس [متراكب الأسنان] [¬٥] مقلص الشفة كأنه غضبان، فقال: هل تعرفون هذا؟ قلنا: لا، قال: هذا موسى ﵇، وإلى جانبه صورة تشبهه إلا أنَّه مُدْهَان الرأس، عريض الجبين، في عينيه قَبَل، فقال: هل تعرفون هذا؟ قلنا: لا، قال: هذا هارون بن عمران ﵇.\nثم فتح بابًا آخر، فاستخرج منه حريرة بيضاء، فإذا فيها صورة رجل آدم سَبط ربعة، كأنه غضبان، فقال: هل تعرفون هذا؟ قلنا: لا، قال: هذا لوط ﵇.\nثم فتح بابًا آخر، فاستخرج منه حريرة بيضاء، فإذا فيها صورة رجل أبيض مُشْرب حمرة، أقْنى، خفيف العارضين، حسن الوجه، فقال: هل تعرفون هذا؟ قلنا: لا، قال: هذا إسحاق ﵇.\nثم فتح بابًا آخر، فاستخرج حريرة بيضاء، فإذا فيها صورة تشبه إسحاق، إلا أنَّه على شفته [¬٦] خَال، فقال: هل تعرفون هذا؟ قلنا: لا، قال: هذا يعقوب ﵇.\nثم فتح بابًا آخر، فاستخرج منه حريرة سوداء، فيها صورة رجل أبيض، حسن الوجه، أقنى\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- في ز: \"يتبسم\".\n[¬٣]- في ز: \"فيها\".\n[¬٤]- في ز: \"وإذا\".\n[¬٥]- في ز: \"متاكب\".\n[¬٦]- في \"دلائل النبوة\": \"شفته السفلى\".","vol":"6","page":410},{"text":"الأنف، حسن القامة، يعلو وجهه نور، يعرف في وجهه الخشوع، يضرب إلى الحمرة، قال: هل تعرفون هذا؟ قلنا: لا، قال: هذا إسماعيل جد نبيكم ﵉.\nثم فتح دابًا آخر، فاستخرج حريرة بيضاء، فيها صورة كأنَّها صورة [¬١] آدم ﵇، كأن وجهه الشمس، فقال: هل تعرفون هذا؟ قلنا: لا، قال: هذا يوسف ﵇.\nثم فتح بابًا آخر، فاستخرج حريرة بيضاء، فإذا فيها صورة رجل أحمر حَمْش الساقين، أخفش العينين، ضخم البطن ربعة متقلد سيفًا، فقال: هل تعرفون هذا؟ قلنا: لا، قال: هذا داود ﵇.\nثم فتح بابًا آخر، فاستخرج حريرة بيضاء، فيها صورة رجل ضخم الأليتين، طويل الرجلين، راكب فرسًا، فقال: هل تعرفون هذا؟ قلنا: لا، قال: هذا سليمان بن داود ﵉.\nثم فتح بابًا آخر، فاستخرج منه حريرة سوداء، فيها صورة بيضاء، وإذا شابٌّ [¬٢] شديد سواد اللحية، كثير الشعر، حسن العينين، حسن الوجه، فقال: هل تعرفون هذا؟ قلنا: لا، قال: هذا عيسى ابن مريم ﵇.\nقلنا من أين لك هذه الصور؟ لأنا نعلم أنَّها على ما صُوّرت عليه الأنبياء ﵈ لأنا رأينا صورة نبينا ﵇ مثله، فقال: إن آدم ﵇ سأل ربه أن يريه الأنبياء من ولده، فأنزل عليه صورهم، فكان في خزانة آدم ﵇ عند مغرب الشمس، فاستخرجها ذو القرنين من مغرب الشمس، فدفعها إلى دانيال، ثم قال: أما والله إن نفسي طابت بالخروج من مُلكي، وإني كنت عبدًا لأشركم [¬٣] ملكة حتَّى أموت، ثم أجازنا فأحسن جائزتنا وسرحنا، فلما أتينا أبا بكر الصديق ﵁، [فحدثناه بما أرانا وبما قال لنا وما أجازنا قال: فبكى أبو بكر] [¬٤]، وقال: مسكين! لو أراد الله به خيرًا لفعل، ثم قال: أخبرنا رسول الله، ﷺ، أنهم واليهود يجدون نعت محمد، ﷺ، عندهم.\nهكذا أورده الحافظ الكبير أَبو بكر البيهقي ﵀ فى كتاب \"دلائل النبوَّة\" عن\n_________\n[¬١]- سقط من: ت.\n[¬٢]- في \"دلائل النبوة\": \"رجل شابٌّ\".\n[¬٣]- في خ: \"لأشر\"، وفي \"الدلائل\": \"لا يترك\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.","vol":"6","page":411},{"text":"الحاكم إجازة، فذكره، وإسناده لا بأس به.\nوقال ابن جرير (^٢٠٣): [حدثنا ابن المثنى] [¬١]، حدَّثنا عثمان بن عمر، حدَّثنا فليح، عن هلال ابن علي، عن عطاء بن يسار قال: لقيت عبد الله بن عمرو فقلت: أخبرني عن صفة رسول الله، ﷺ، في التوراة. قال: أجل والله، إنه لموصوف في التوراة كصفته في القرآن: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ وحرزًا للأميين، أنت عبدي ورسولي، أسميتك [¬٢] المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ [ولا صخاب في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح] [¬٣]، ولن يقبضه الله حتَّى يقيم به الملة العوجاء بأن يقولوا: لا إله إلا الله، ويفتح به قلوبًا غلفا، وآذانًا صمًّا، وأعينًا عميًا. قال عطاء: ثم لقيت كعبًا فسألته عن ذلك، فما اختلف حرفًا، إلَّا أن كعبًا قال بلغته، قال: قلوبًا غُلُوفيا، وآذانا صُمُوميا، وأعينًا عموميًا.\nوقد رواه البخاري في صحيحه: عن محمد بن سنان، عن فليح، عن هلال بن علي، فذكر بإسناده نحوه، وزاد بعد قوله: ليس بفظ ولا غليظ: ولا صخاب في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويصفح.\nويقع في كلام كثير من السلف إطلاق \"التوراة\" على كتب أهل الكتاب، وقد ورد في بعض الأحاديث ما يشبه هذا، والله أعلم.\nوقال الحافظ أَبو القاسم الطبراني (^٢٠٤): حدَّثنا موسى بن هارون، حدَّثنا محمد بن إدريس - ورّاق [¬٤] الحميدي - حدَّثنا محمد بن عمر بن إبراهيم من ولد جبير بن مطعم قال: حدثتنى أم\n_________\n(^٢٠٣) - تفسير ابن جرير (١٣/ ١٥٢٢٥) وأخرجه البخاري، كتاب: البيوع، باب: كراهية السَّخَب في الأسواق، (٢١٢٥) ثنا محمد بن سنان ثنا فليح به، وأخرجه أحمد في \"المسند\" (٢/ ١٧٤) من طريق فليح به، وأخرجه البخاري، كتاب: التفسير، سورة الفتح، باب: (٣) ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ (٤٨٣٨) ثنا عبد الله بن مسلمة ثنا عبد العزيز بن أبي سلمة عن هلال بن أبي هلال به مختصرًا، ويقال له هلال بن علي، انظر \"الفتح\" (٤/ ٣٤٣)\n(^٢٠٤) - إسناده به جهالة في \"المعجم الكبير\" (٢/ رقم ١٥٣٧) وفي \"الأوسط\" (٨/ ٨٢٣١) وقال في \"الأوسط\": \"لا يروى هذا الحديث عن جبير بن مطعم إلَّا بهذا الإسناد، تفرد به: محمد بن إدريس وراق الحميدي\" وهو \"صدوق\" - كما قال ابن أبي حاتم \"الجرح والتعديل\" (٧/ ٢٠٤) لكن أم عثمان بنت سعيد لم أجد من ترجم لها، وإنَّما ذكرها ابن أبي حاتم عرضًا =\n_________\n[¬١]- في خ، ز: \"حدَّثنا المثنى\" وهو خطأ وصوابه المثبت من تفسير ابن جرير.\n[¬٢]- في خ، ز: \"اسمك\" والمثبت من تفسير ابن جرير.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز\n[¬٤]- سقط من: خ، وفي ز: \"بن\".","vol":"6","page":412},{"text":"عثمان بنت سعيد وهي جدتي، عن أبيها سعيد بن محمد بن جبير، عن أبيه محمد بن جبير، عن أبيه جبير بن مطعم قال: خرجت تاجرًا إلى الشام، فلما كنت بأدنى الشام لقيني رجل من أهل الكتاب فقال: هل عندكم رجل تنبأ [¬١]؟ قلت: نعم. قال: هل تعرف صورته إذا رأيتها؟ قلت: نعم، فأدخلني بيتًا فيه صور، فلم أر صورة النبي ﷺ، فبينما أنا كذلك إذ دخل رجل منهم علينا فقال: فيم أنتم؟ فأخبرناه، فذهب بنا إلى منزله، فساعة ما دخلتُ نظرتُ إلى صورة النبي، ﷺ، وإذا رجل آخذ بعَقِبِ النبيّ ﷺ، قلت: من هذا الرجل القابض على عقبه؟ قال: إنه لم يكَن [نبي إلَّا كان] [¬٢] بعده نبي، إلَّا [¬٣] هذا النبيّ [¬٤] فإنه لا نبي بعده، وهذا الخليفة بعده، وإذا صفة أبي بكر، ﵁.\nوقال أَبو داود (^٢٠٥): حدَّثنا [حفص بن عمر] [¬٥] أَبو عمر [¬٦] الضرير، حدَّثنا حمَّاد بن سلمة: أن سعيد بن إياس الجريري أخبرهم، عن عبد الله بن شقيق العقيلي، عن الأقرع مؤذن عمر بن الخطاب قال: بعثني عمر إلى الأسقف، فدعوته، فقال له عمر: هل تجدني في الكتاب؟ قال: نعم، قال: كيف تجدني؟ قال: أجدك قرنًا، قال [¬٧]: فرفع عمر الدرّة وقال: [قرن مه؟ قال] [¬٨]: قرن حديد، أمير [¬٩] شديد، قال: فكيف تجد الذي بعدي؟ قال: أجد خليفة صالحًا، غير أنَّه يؤثر قرابته، قال عمر: يرحم الله عثمان، ثلاثًا، قال: كيف\n_________\n= في ترجمة محمد بن عمر - ولم يذكر في محمد هذا جرحًا ولا تعديلًا، والحديث ذكره الهيثمي في \"المجمع\" (٨/ ٢٣٦،٢٣٧) وقال: \"رواه الطبراني في \"الكبير\" و\"الأوسط\" وفيه من لم أعرفهم\".\n(^٢٠٥) - كسابقه \"السنن\" لأبي داود، كتاب: السنة، باب: في الخلفاء (٤٦٥٦)، وأخرجه اللالكائي في \"شرح أصول الاعتقاد\" (٢٦٥٨) من طريق حجاج بن المنهاج وداود بن شبيب عن حمَّاد بن سلمة به، ورجاله ثقات رجال الصحيح غير الأقرع مؤذن عمر وثقه العجلي وابن حبان، لكن قال الذهبي في \"الميزان\": \"لا يعرف، تفرد عنه شيخ\" يريد عبد الله بن بن شقيق وهو ثقة لكن كان فيه نصب، نسأل الله السلامة.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: نبيًّا، وأثبتنا ما في \"المعجم الكبير والأوسط\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- سقط من: ز.\n[¬٥]- في خ، ز: \"عمر بن حفص\" وهو خطأ صوابه المثبت من \"سنن أبي داود\" و\"كتب الرجال\".\n[¬٦]- في ز: \"عمرو\".\n[¬٧]- سقط من: ت.\n[¬٨]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٩]- في سنن أبي داود: \"أمين\".","vol":"6","page":413},{"text":"تجد الذي بعده؟ قال: أجده [¬١] صَدَأ حديد، قال: فوضع عمر يده على رأسه، وقال: يا دَفْراه، يا دَفْرَاه! قال: يا أمير المؤمنين، إنه خليفة صالح، ولكنه يُستخلَف حين يُستخلَف والسيف مسلول، والدم مُهْرَاق.\nوقوله تعالى: ﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ هذه صفة الرسول، صلى الله تعالى علىه وسلم، في الكتب المتقدمة، وهكذا كانت [¬٢] حاله ﵊، لا يأمر إلَّا بخير، ولا ينهى إلا عن شر؛ كما قال عبد الله بن مسعود (^٢٠٦): إذا سمعت الله يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فَأرْعها سمعك، فإنه خير يأمر به أو شر ينهى عنه. ومن أهم ذلك وأعظمه ما بعثه الله به من الأمر بعبادته وحده لا شريك له، والنهي عن عبادة من سواه، كما أرسل به جميع الرسل قبله، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾.\nوقال الإمام أحمد (^٢٠٧): حدثنا أَبو عامر - هو العَقَدي عبد الملك بن عمرو - حدَّثنا سليمان - هو ابن بلالَ - عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن عبد الملك بن سعيد، عن أبي حميد وأبي أسيد ﵄ أن رسول الله، ﷺ قال: \"إذا سمعتم الحديث عني تعرفه قلوبكم، وتلين له أشعاركم وأبشاركم، وترون أنَّه منكم قريب، فأنا أولاكم به. وإذا سمعتم الحديث عني تنكره قلوبكم، وتنفر منه أشعاركم وأبشاركم، وترون أنَّه منكم بعيد فأنا أبعدكم منه\".\nهذا حديث [¬٣] جيد الإسناد، لم يخرجه أحد من أصحاب الكتب.\n_________\n(^٢٠٦) - تقدم في [سورة البقرة/ آية ١٠٥].\n(^٢٠٧) - صحيح \"المسند\" (٣/ ٤٩٧)، (٥/ ٤٢٥) وأخرجه البزار (٩/ ٣٧١٨/ البحر الزخار) وابن حبان (١/ ٦٣ إحسان) من طريقين عن أبي عامر العقدي، به، وأخرجه ابن سعد في \"الطبقات\" (١/ ٢٩٥) أخبرنا عبد الله بن مسلمة بن قعنب، قال: أخبرنا سليمان بن بلال به، وقال البزار: \"لا نعلمه يروى عن رسول الله ﷺ من وجه أحسن من هذا الوجه\" وذكره الهيثمي في \"المجمع\" (١/ ١٥٤، ١٥٥) وقال: \"رواه أحمد والبزار ورجاله رجال الصحيح\" وسيذكره المصنف [سورة هود/ آية ٨٨] كما هنا وقال: \"إسناد صحيح، وقد أخرج مسلم بهذا السند حديث: إذا دخل أحدكم المسجد فليقل: اللَّهم: افتح لي أَبوب رحمتك .... \" وللحديث شاهد مرسل قوي، انظره - غير مأمور - في \"الصحيحة\" للألباني (٢/ ٧٣٢).\n_________\n[¬١]- في ز: \"أجد\".\n[¬٢]- في ز: \"كان\".\n[¬٣]- زيادة من ز.","vol":"6","page":414},{"text":"وقال الإِمام أحمد (^٢٠٨): حدَّثنا أَبو معاوية، حدَّثنا الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن أبي البختري، عن علي ﵁ قال: إذا سمعتم [¬١] عن رسول الله، ﷺ، حديثا فظنوا به الذي هو أهدى، والذي هو أهنى، والذي هو أتقى.\nثم رواه عن يحيى بن سعيد، عن مسعر، عن عمرو بن مرة، عن أبي البختري [¬٢]، عن أبي عبد الرحمن، عن علي ﵁ قال: إذا حدثتم عن رسول الله ﷺ حديثًا، فظنوا به الذي هو أهداه، وأهناه، وأتقاه.\nوقوله: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ أي: يحل لهم مما كانوا حرموه على أنفسهم من البحائر والسوائب والوصائل والحام ونحو ذلك، مما كانوا ضيقوا به على أنفسهم.\n﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾. قال على بن أبي طلحة: عن ابن عبَّاس: كلحم الخنزير، والربا، ومما كانوا يستحلونه من المحرمات من المآكل التي حرمها الله تعالى.\nوقال بعض العلماء: كل ما أحل الله تعالى فهو طيب نافع في البدن والدين، وكل ما حرمه فهو خبيث ضار في البدن والدين.\nوقد تمسك بهذه الآية الكريمة من يرى التحسين والتقبيح العقليين، وأجيب عن ذلك بما لا يتسع هذا الموضع له.\nوكذا احتج بها من ذهب من العلماء إلى أن المرجع في حِلِّ المأكل التي لم ينص على تحليلها ولا تحريمها إلى ما استطابته العرب في حال رفاهيتها، وكذا في جانب التحريم إلى ما استخبثته، وفيه كلام طويل أيضًا.\nوقوله: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ أي: أنَّه جاء بالتيسير والسماحة؛ كما ورد الحديث من طرق عن رسول الله، ﷺ، أنَّه قال (^٢٠٩):\n_________\n(^٢٠٨) - \" المسند\" (١/ ١٢٢) (رقم ٩٨٥) ورجاله ثقات إلا أن أبا البختري - واسمه سعيد بن فيروز - لم يسمع من علي بن أبي طالب، قاله ابن معين وغيره، ورواه أحمد أيضًا موصولًا: ثنا يحيى ابن سعيد عن مسعر ح ثنا محمد بن جعفر ثنا شعبة - وابن ماجة في \"المقدمة\" (٢٠) ثنا محمد ابن بشار ثنا يحيى بن سعيد عن شعبة، قالا (مسعر وشعبة) ثنا عمرو بن مرة عن أبي البختري عن أبي عبد الرحمن السُّلمي عن علي قال .... فذكره وهذا إسناد صحيح.\n(^٢٠٩) - أخرجه بهذا اللفظ الخطيب البغدادي في \"تاريخ بغداد\" (٧/ ٢٠٩) من حديث جابر =\n_________\n[¬١]- في ز: \"حدثتم\".\n[¬٢]- في ز: \"البحتري\".","vol":"6","page":415},{"text":"\"بعثتُ بالحَنيفية السمحة\".\nوقال ﷺ لأميريه معاذ وأبي موسى الأشعري لما بعثهما إلى اليمن: \"بشرا ولا تنفرا، ويسرا ولا تعسرا، وتطاوعا ولا تختلفا\" (^٢١٠). وقال صاحبه أَبو برزة الأسلمي: إنى صحبت رسول الله ﷺ وشهدت تيسيره (^٢١١).\nوقد كانت الأم الذين قبلنا في شرائعهم ضيق عليهم، فوسع الله على هذه الأمة أمورها وسهلها لهم؛ ولهذا قال رسول الله ﷺ: \"إن الله تجاوز لأمتي ما حدَّثتْ به أنفسها ما لم تقل أو تعمل\" (^٢١٢). وقال: \"رُفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه\" (^٢١٣). ولهذا [] [¬١] أرشد الله هذه الأمة أن يقولوا: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾. وثبت في صحيح مسلم (^٢١٤): أن الله تعالى قال بعد كل سؤال من هذه \"قد فعلتُ قد فعلتُ\".\nوقوله: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ﴾ أي: عظموه ووقروه ﴿وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ﴾ [أي: القرآن والوحي الذي جاء به مبلغًا إلى الناس] [¬٢]، ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ أي: فى الدنيا والآخرة.\n﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ\n_________\n= ابن عبد الله وإسناده ضعيف ورواه أحمد في \"المسند\" (٥/ ٢٦٦) - ومن طريقه الخطيب في \"الفقيه والمتفقه\" (٨/ ١٢١٢) - والطبراني في \"الكبير\" (٨/ رقم ٧٨٦٨) من حديث أبي أمامة وفي إسناده على بن زيد بن جدعان وهو ضعيف، وقد صح من طرق أخرى بنحو هذا اللفظ انظر ما تقدم [سورة الأنعام/آية ١٦٥].\n(^٢١٠) - تقدم تخريجه [سورة البقرة/ آية ١٨٥].\n(^٢١١) - أخرجه أحمد (٤/ ٤٢٠، ٤٢٣) والبخارى، كتاب: العمل في الصلاة، باب: إذا انفلتت الدَّابة في الصلاة (١٢١١).\n(^٢١٢) - تقدم تخريجه [سورة البقرة/ آية ٢٨٤].\n(^٢١٣) - تقدم تخريجه [سورة الأنعام/ آية ٦٨].\n(^٢١٤) - صحيح مسلم كتاب: الإيمان، باب: بيان أنَّه ﷾ لم يكلف إلَّا ما يطاق (٢٠٠) (١٢٦) وانظر ما تقدم [سورة البقرة/ آية ٢٨٤].\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ز: \"قال\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.","vol":"6","page":416},{"text":"السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾\nيقول تعالى لنبيه ورسوله محمد، ﷺ ﴿قل﴾ يا محمد: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾ وهذا خطاب للأحمر والأسود والعربي والعجمي ﴿إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ أي: جميعكم، وهذا من شرفه وعظمته، ﷺ، أنه خاتم النبيين، وأنه مبعوث إلى الناس كافة، كما قال تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾، وقال تعالى: ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ﴾ والآيات في هذا كثيرة، كما أن الأحاديث في هذا أكثر من أن تحصر، وهو معلوم من دين الإِسلام ضرورة أنه - صلوات الله وسلامه عليه - رسول الله إلى الناس كلهم.\nقال البخاري ﵀ في تفسير هذه الآية (^٢١٥): حدثنا عبد الله، حدثنا سليمان بن عبد الرحمن وموسى بن هارون قالا: حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا عبد الله بن العلاء بن زَبْر، حدثني بُسر [¬١] بن عبيد الله، حدثني أبو إدريس الخولاني قال: سمعت أبا الدرداء ﵁ يقول: كانت بين أبي بكر وعمر ﵄ محاورة، فأغضب أبو بكر عمر، فانصرف عمر عنه مغضبًا، فاتبعه أبو بكر يسأله [¬٢] أن يستغفر له، فلم يفعل حتى أغلق بابه في وجهه، فأقبل أبو بكر إلى رسول الله ﷺ فقال أبو الدرداء: ونحن عنده فقال رسول الله ﷺ: \"أما صاحبكم هذا فقد غَامَرَ\". [أي: غاضب وحاقد] [¬٣]، قال: وندم\n_________\n(^٢١٥) - صحيح البخاري كتاب: التفسير، سورة الأعراف، باب: (٣) قوله تعالى ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا …﴾ (٤٦٤٠)، وأخرجه، كتاب: فضائل الصحابة، باب: قول النبي ﷺ: \"لو كنت متخذًا خليلًا\" (٣٦٦١) ثنا هشام بن عمار ثنا صدقة ابن خالد ثنا زيد بن واقد عن بسر بن عبيد الله، به.\n_________\n[¬١]- في ز: \"بشر\".\n[¬٢]- في ز: \"فسأله\".\n[¬٣]- هذا من تفسير الحافظ ابن كثير، وقد فسر البخاري هذه اللفظة بخلاف ذلك فقال: \"غامر: أي سبق بالخير\"، وقال ابن حجر في \"الفتح\" (٧/ ٢٥): قوله (فقد غامر) بالغين المعجمة: أي خاصم، والمعنى دخل في غمرة الخصومة، والغامر الذي يرمى بنفسه في الأمر العظيم كالحرب وغيره، وقيل هو من الغمر بكسر المعجمة وهو العقد، أي: صنع أمرًا اقتضى له أن يحقد على بن صنعه معه، ويحقد الآخر عليه، ووقع في تفسير الأعراف في رواية أبي ذر وحده: \"قال أبو عبد الله - وهو المصنف - غامر أي سبق بالخير … \" وهو تفسير مستغرب والأول أظهر، وقد عزاه المحب الطبري لأبي عبيدة بن المثنى أيضًا، فهو سلف البخاري فيه\" اهـ.","vol":"6","page":417},{"text":"عمر على ما كان منه، فأقبل حتى سلم وجلس إلى النبي ﷺ وقص على رسول الله ﷺ [الخبر. قال أبو الدرداء: وغضب رسول الله ﷺ] [¬١] وجعل أبو بكر يقول: والله يا رسول الله لأنا كنت أظلم. فقال رسول الله ﷺ: \"هل أنتم تاركوا لي صاحبى؟ إني قلت: يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعًا. فقلتم: كذبت. وقال أبو بكر: صدقت\". انفرد به البخاري.\nوقال الإِمام أحمد (^٢١٦): حدثنا عبد الصمد، حدثنا عبد العزيز بن مسلم، حدثنا يزيد بن أبي زياد، عن مقسم، عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: \"أعطيت خمسًا لم يعطهن نبي قبلي، ولا أقوله [¬٢] فخرًا: بعثتُ إلى الناس كافة: الأحمر والأسود، ونُصرتُ بالرعب مسيرة شهر، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وجعلتْ لي الأرض مسجدا وطهورا، وأعطيتُ الشفاعة فأخرتها لأمتي [يوم القيامة] [¬٣]، فهي لمن لا يشرك بالله شيئًا\". إسناد جيد، ولم يخرجوه.\nوقال الإِمام أحمد أيضًا (^٢١٧): حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا بكر بن مُضَر، عن ابن [¬٤]\n_________\n(^٢١٦) - \" المسند\" (١/ ٣٠١) (٢٧٤٢) وأخرجه أيضًا (١/ ٢٥٠) (٢٢٥٦) من طريق على بن عاصم وابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٧/ ٤١٠) - وعنه عبد بن حميد في \"المنتخب\" (٦٤٣) ومن طريق محمد بن فضيل، كلاهما (على ومحمد) عن يزيد بن أبي زياد به، مقرونًا بـ \"مقسم\" \"مجاهد\"، ويزيد بن أبي زياد \"ضعيف كبر فتغير وصار يتلقن وكان شيعيًّا\" كما في \"التقريب\"، ورواه الطبراني في \"الكبير\" (١١/ ١١٠٤٧) من طريق ابن أبي ليلى عن الحكم عن مجاهد به، وابن أبي ليلى هو محمد بن عبد الرحمن \"سيئ الحفظ جدًّا\"، ورواه الطبراني أيضًا (١١/ ١١٠٨٥) من طريق سلمة بن إبراهيم بن إسماعيل بن يحيى بن سلمة بن كهيل حدثني أبي عن أبيه عن جده عن سلمة بن كهيل عن مجاهد به، وإبرهيم بن إسماعيل ضعيف وأبوه وجده: \"متروكان\"، وقد اضطربوا فيه، فرواه البزار (١/ رقم ١٩٤/ زوائد ابن حجر) وكذا الطبراني (١٢/ ١٣٥٢٢) من طريق إبراهيم بن إسماعيل بهذا الإسناد غير أنهم جعلوه من مسند \"عبد الله بن عمر\" وقال البزار: \"لا نعلمه يروى عن ابن عمر إلا بهذا الإسناد، وقد رواه يزيد ابن أبي زياد عن مجاهد ومقسم عن ابن عباس\" وذكره الهيثمي في \"المجمع\" (٨/ ٢٦١) وقال: \"رواه أحمد والبزار والطبراني بنحوه … ورجال أحمد رجال الصحيح غير يزيد بن أبي زياد وهو حسن الحديث\". وانظر ما يأتي بعده.\n(^٢١٧) - إسناده حسن \"المسند\" (٢/ ٢٢٢) (٧٠٦٨) وذكره الهيثمي في \"المجمع\" (١٠/ ٣٧٠) مختصرًا من وسطه وقال: \"رواه أحمد ورجاله ثقات\" وصحح إسناده المنذري في =\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٢]- في المسند: \"أقولهن\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٤]- في ز: \"أبي\".","vol":"6","page":418},{"text":"الهاد، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن رسول الله ﷺ عام غزوة تبوك، قام من الليل يصلي [¬١]، فاجتمع وراءه رجال من أصحابه يحرسونه، حتى إذا صلى انصرف إليهم فقال لهم: \"لقد أعطيت الليلة خمسًا ما أعطيهن أحد قبلي: أما أنا فأرسلت إلى الناس كلهم عامة، وكان من قبلي إنما يُرسَل إلى قومه، ونصرت على العدو بالرعب، ولو كان بيني وبينهم مسيرة شهر لمُلئَ مني رعبًا، وأحلت لي الغنائم آكلها، وكان مَن قبلي يعظمون أكلها، كانوا يحرقونها، وجعلت لي الأرض مساجد وطهورًا، أينما أدركتني الصلاة تمسَّحتُ وصليت، وكان من قبلي يعظمون ذلك، إنما كانوا يصلون في بِيَعهم وكنائسهم، والخامسة هي ما هي، قيل لي: سل؛ فإن كل نبي قد سأل، فأخرت مسألتي إلى يوم القيامة، فهي لكم ولمن شهد أن لا إله إلا الله\". إسناد جيد قوي أيضًا، ولم يخرجوه.\nوقال [¬٢] أيضًا (^٢١٨): حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن أبي موسى الأشعري ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: \"من سمع بي من أمتي أو يهودي أو نصراني فلم يؤمن بي لم يدخل الجنة\".\nوهذا الحديث في صحيح مسلم (^٢١٩) من وجه آخر عن أبي موسى قال: قال رسول الله ﷺ: \"والذي نفسي بيده لا يسمع بي رجل من هذه الأمة: يهودي ولا نصراني، ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار\".\nوقال الإِمام أحمد (^٢٢٠): حدثنا حسن، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا أبو يونس، وهو سليم بن\n_________\n= \"الترغيب والترهيب\" (٤/ ٤٣٢) وإسناده حسن للخلاف المشهور في رواية \"عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده\".\n(^٢١٨) - \" المسند\" (٤/ ٣٩٦) وأخرجه أيضًا (٤/ ٣٩٨) ثنا عفان، ثنا شعبة بهذا الإسناد، ويأتي تخريجه بأطول من هذا عند [سورة هود/ آية ١٧] وانظر ما بعده.\n(^٢١٩) - كذا قال الحافظ ابن كثير - رحمه الله تعالى - وكرر مثل هذا عند [آية رقم ١٧/ سورة هود] وبينَّا عند هذا الموضع أن عزو الحديث لمسلم - من حديث أبي موسى - خطأ، فانظر بيان ذلك ثمة.\n(^٢٢٠) - \" المسند\" (٢/ ٣٥٠) وقول المصنف \"تفرد به أحمد\" إن كان يعني بهذا الإسناد بتمامه وإلا فقد أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب: الإيمان، باب: وجوب الإيمان برسالة نبينا محمد ﷺ إلى جميع الناس ونسخ الملل بملته (٢٤٠) (١٥٣) حدثني يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وهب، قال: وأخبرني عمرو؛ أن أبا يونس حدَّثه عن أبي هريرة … فذكر الحديث.\n_________\n[¬١]- في ز: \"فصلى\".\n[¬٢]- بياض في ز.","vol":"6","page":419},{"text":"جبير، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ[أنه قال] [¬١]: \"والذي نفسي بيده، لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي أو نصراني، ثم يموت ولا يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار\". تفرد به أحمد.\nوقال الإِمام أحمد (^٢٢١): حدثنا حسين بن محمد، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، [عن أبي بردة، عن أبي موسى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"أعطيت خمسًا: بعثت إلى الأحمر والأسود، وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا وأحلت لي الغنائم ولم تحل لمن كان قبلي، ونصرت بالرعب شهرًا، وأعطيت الشفاعة، وليس من نبي إلا و[¬٢] قد سأل الشفاعة، وإني قد اختبأت شفاعتي، ثم جعلتها لمن مات من أمتي لم يشرك بالله شيئًا\".\nوهذا أيضًا إسناد صحيح، ولم أرهم خرجوه، والله أعلم، وهذا الحديث ثابت في الصحيحين أيضًا من حديث [¬٣] جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: \"أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي ﷺ يبعث إلى قومه وبعثت إلى الناس عامة\" (^٢٢٢).\nوقوله: ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ صفة الله تعالى في قوله: ﴿رسول الله﴾: أي: إن [¬٤] الذي أرسلني هو خالق كل شيء وربه ومليكه، الذي بيده الملك والإِحياء والإماتة، وله الحكم.\n_________\n(^٢٢١) \" المسند\" (٤/ ٤١٦) وأخرجه الروياني في \"مسنده\" (١/ رقم ٤٨٥) نا محمد بن معمر، نا عبيد الله بن موسى، نا إسرائيل به، ورواه أحمد أيضًا ثنا أبو أحمد الزبيري، قال: ثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي بردة، قال: قال رسول الله ﷺ فذكر معناه ولم يسنده، وحسين بن محمد وعبيد بن موسى وأبو أحمد الزبيري - واسمه محمد بن عبد الله - ثقات، وعبيد الله ابن موسى أوثقهم في إسرائيل. والحديث ذكره الهيثمي في \"المجمع\" (٨/ ٢٦١) وقال: \"رواه أحمد متصلًا ومرسلًا والطبراني ورجاله رجال الصحيح\".\n(^٢٢٢) - أخرجه البخاري، فاتحة كتاب التيمم (رقم ٣٣٥) ومسلم، فاتحة كتاب المساجد ومواضع الصلاة (٣) (٥٢١) وكذا أخرجه أحمد (٣/ ٣٠٤) والنسائي (١/ ٢٠٩، ٢١٠، ٢١١) و(٢/ ٥٦).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- في ز: \"رواية\".\n[¬٤]- سقط من: ز.","vol":"6","page":420},{"text":"وقوله: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ﴾ أخبرهم أنه رسول الله إليهم، ثم أمرهم باتباعه والإيمان به ﴿النبي الأمي﴾ أي: الذي وُعِدتم به وبشرتم به في الكتب المتقدمة، فإنه منعوت بذلك في كتبهم؛ ولهذا قال: ﴿الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ﴾ أي: يصدق قوله عمله، وهو يؤمن بما أنزل إليه من ربه ﴿وَاتَّبِعُوهُ﴾ أي: اسلكوا طريقه واقتفوا أثره ﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ أي: إلى الصراط المستقيم.\n﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (١٥٩﴾\nيقول تعالى مخبرًا عن بني إسرائيل إن منهم طائفة يتبعون الحق ويعدلون به، كما قال تعالى: ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (١١٣)﴾، وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (١٩٩)﴾، وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (٥٢) وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (٥٣) أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا﴾ الآية، وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ الآية، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا * وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا] [¬١] وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾.\nوقد ذكر ابن جرير في تفسيرها خبرًا عجيبًا فقال (^٢٢٣): حدثنا القاسم، حدثنا الحسين، حدثنا حجاج، عن ابن جريج قوله: ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (١٥٩)﴾ قال: بلغني أن بني إسرائيل لما قتلوا أنبياءهم وكفروا وكانوا اثني عشر سبطًا، تبرأ سبط منهم مما صنعوا، واعتذروا، وسألوا الله ﷿ أن يفرق بينهم وبينهم، ففتح الله لهم نفقًا في الأرض، فساروا فيه حتى خرجوا من وراء الصين، فهم هنالك حنفاء مسلمون [¬٢] يستقبلون قبلتنا. قال ابن جربج: قال ابن عباس: فذلك قوله: ﴿وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا (١٠٤)﴾ و﴿وعد الآخرة﴾ عيسى بن مريم - قال ابن جريج: قال ابن عباس: ساروا في السرب سنة ونصفًا.\n_________\n(^٢٢٣) - \" التفسير\" لابن جرير (١٣/ ١٥٢٥١) وزاد نسبته السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ٢٥٠) إلى ابن المنذر وأبي الشيخ.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٢]- في خ، ز: \"مسلمين، والمثبت من تفسير ابن جرير.","vol":"6","page":421},{"text":"وقال ابن عيينة: عن صدقة أبي الهذيل، عن السدي: ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (١٥٩)﴾ قال: قوم بينكم وبينهم نهر من شهْد [¬١].\n﴿وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١٦٠) وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (١٦١) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ (١٦٢)﴾\nتقدم تفسير هذا كله في سورة البقرة، وهي مدنية، وهذا السياق مكي، ونبهنا على الفرق بين هذا السياق وذاك بما أغنى عن إعادته، ولله الحمد والمنة.\n﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٣)﴾\nهذا السياق هو بسط لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (٦٥)﴾. يقول تعالى لنبيه صلوات الله وسلامه عليه: ﴿وَاسْأَلْهُمْ [¬٢]﴾ أي: واسأل [¬٣] هؤلاء اليهود الذين [¬٤] بحضرتك عن قصة أصحابهم الذين خالفوا أمر الله،\n_________\n[¬١]- في ز، ت: \"شُهُ\".\n[¬٢]- في ز: \"وسلهم\".\n[¬٣]- في ز: \"سل\".\n[¬٤]- سقط من: ز.","vol":"6","page":422},{"text":"ففاجأتهم [¬١] نقمته على صنيعهم واعتدائهم واحتيالهم في المخالفة، وحذر هؤلاء من كتمان صفتك التي يجدونها في كتبهم، لئلا يحل بهم ما حل بإخوانهم وسَلَفهم، وهذه القرية هي \"أيلة\"، وهي على شاطئ بحر القلزم.\nقال محمد بن إسحاق (^٢٢٤): عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ﴾ قال: هي قرية يقال لها: \"أيلة\" بين مدين والطور.\nوكذا قال عكرمة ومجاهد وقتادة والسدّي. وقال عبد الله بن كثير القارئ: سمعنا أنها أيلة.\nوقيل: هي مدين، وهو رواية عن ابن عباس. وقال ابن زيد: هي قرية يقال لها: \"مقنا\" [¬٢] بين مدين وعينونا [¬٣].\nوقوله: ﴿إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ﴾ أي: يعتدون فيه ويخالفون أمر الله فيه لهم بالوصاة به إذ ذاك.\n﴿إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا﴾ قال الضحاك: عن ابن عباس، أي: ظاهرة على الماء.\nوقال العوفي: عن ابن عباس: ﴿شُرَّعًا﴾: من كل مكان.\nقال ابن جرير [¬٤]: وقوله: ﴿وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ﴾ أي: نختبرهم بإظهار السمك لهم على ظهر الماء في اليوم المحرم عليهم صيده، وإخفائه [¬٥] عنهم في اليوم المحلل لهم صيده ﴿كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ﴾ نختبرهم ﴿بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ يقول: بفسقهم عن طاعة الله وخروجهم عنها.\nوهؤلاء قوم احتالوا على انتهاك محارم الله، بما تعاطوا من الأسباب الظاهرة التي معناها في الباطن تعاطي الحرام.\n_________\n(^٢٢٤) - أخرجه ابن جرير (١٣/ ١٥٢٥٢) وابن أبي حاتم (٥/ ٨٤٤١).\n_________\n[¬١]- في ز: \"ففجأتهم\".\n[¬٢]- في خ، ز: \"متنا\".\n[¬٣]- في ت: \"وعيدوني\"، و\"عينونا\" وتكب أيضًا و\"عينون\" كلمة عبرانية وهي علم على قرية من قرى بيت المقدس وقيل: قرية من وراء البثنية من دون القلزم في طرف الشام \"معجم البلدان\" (٤/ ٢٠٣، ٢٠٤).\n[¬٤]- ابن جرير في تفسيره (١٣/ ١٨٣ - ١٨٤).\n[¬٥]- في ز: \"إخفائها\".","vol":"6","page":423},{"text":"وقد قال الفقيه الإمام أبو عبد الله بن بطة ﵀ (^٢٢٥): حدثنا أحمد بن محمد بن مسلم، حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح الزعفراني، حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة: أن رسول الله، ﷺ، قال: [\"لا ترتكبوا ما ارتكبت] [¬١] اليهود، فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيَل\".\nوهذا إسناد جيد، فإن أحمد بن محمد بن مسلم هذا ذكره الخطيب في تاريخه ووثقه، وباقي رجاله مشهورون ثقات، ويصحح الترمذي بمثل هذا الإِسناد كثيرًا.\n﴿وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٦٤) فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٥) فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (١٦٦)﴾\nيخبر تعالى عن أهل هذه القرية أنهم صاروا إلى ثلاث فرق: فرقة ارتكبت المحذور، واحتالوا على اصطياد السمك يوم السبت، كما تقدم بيانه في سورة البقرة، وفرقة نهت عن ذلك واعتزلتهم، وفرقة سكتت فلم تفعل ولم تنه ولكنها قالت للمنكرة: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ أي: لمَ تنهون [¬٢] هؤلاء وقد علمتم أنهم هلكوا واستحقوا العقوبة من الله؟ فلا فائدة في نهيكم إياهم، قالت لهم المنكرة: ﴿مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ﴾ قرأ بعضهم بالرفع [¬٣]، كأنه على تقدير: هذه معذرة، وقرا آخرون بالنصب [¬٤] أي: نفعل ذلك\n_________\n(^٢٢٥) - \" جزء في الخلع وإبطال الحيل\" (ص ٢٤) لأبي عبد الله بن بطة - كما في \"إرواء الغليل\" (٥/ رقم ١٥٣٥) وقال الألباني: \"وإسناده رجاله ثقات معروفون من رجال \"التهذيب\" غير أبي الحسن أحمد بن محمد بن مسلم وهو المخرمي كما جاء منسوبًا في أكثر من موضع في كتابه الآخر \"الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية … \" ثم نقل الألباني كلام ابن كثير الذي عقب به هذا الحديث وقال -: \"ولكني لم أجد ترجمة ابن مسلم هذا في \"تاريخ بغداد\" والله أعلم\". قلت: هو مترجم في \"تارخ بغداد\" (٥/ ٩٨، ٩٩) ولكن لم يذكر فيه الخطيب جرحًا أو تعديلًا، ومع هذا فقد جوَّد المصنف إسناده وحسن إسناده السخاوري كما في \"الفتاوي الحديثية\" (ص ٢٣٦).\n_________\n[¬١]- في خ: \"لا تركبوا ما ارتكب\".\n[¬٢]- في ز: \"تنهوا\".\n[¬٣]- وهم ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وحمزة، والكسائي.\n[¬٤]- وهي قراءة عاصم. انظر السبعة في القراءات لابن مجاهد (ص ٢٩٦).","vol":"6","page":424},{"text":"﴿مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ﴾ أي: فيما أخذ علينا من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ يقولون: ولعل بهذا الإِنكار يتقون ما هم فيه ويتركونه، ويرجعون إلى الله تائبين، فإذا تابوا تاب الله عليهم ورحمهم.\nقال تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ أي: فلما أبي الفاعلون المنكرَ قبول النصيحة ﴿أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أي: ارتكبوا المعصية ﴿بِعَذَابٍ بَئِيسٍ﴾ فنص على نجاة الناهين وهلاك الظالمين، وسكت عن الساكتين؛ لأن الجزاء من جنس العمل، فهم لا يستحقون مدحًا فيمدحوا، ولا ارتكبوا عظيمًا فيذموا، ومع هذا فقد اختلف الأئمة فيهم هل كانوا من الهالكين أو من الناجين؟ على قولين:\nقال على بن أبي طلحة: عن ابن عباس ﴿وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾: هي قرية على شاطئ البحر بين مكة [¬١] والمدينة يقال لها: \"أيلة\" فحرم الله عليهم الحيتان يوم سبتهم، وكانت الحيتان تأتيهم يوم سبتهم شرعًا في ساحل البحر، فإذا مضى يوم السبت لم يقدروا عليها، فمضى على ذلك ما شاء الله، ثم إن طائفة منهم أخذوا الحيتان يوم سبتهم فنهتهم طائفة وقالوا: تأخذونها وقد حرمها الله عليكم يوم سبتكم، فلم يزدادوا إلا غيًّا، وعتوًّا، وجعلت طائفة أخرى تنهاهم، فلما طال ذلك عليهم قالت طائفة من النهاة: تعلموا [¬٢] أن هؤلا قوم قد [¬٣] حق عليهم العذاب ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ﴾ وكانوا أشد غضبًا لله من الطائفة الأخرى فقالوا: ﴿مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ وكلٌّ قد كانوا ينهون، فلما [¬٤] وقع عليهم غضب الله نجت الطائفتان اللتان قالوا: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ﴾ والذين قالوا: ﴿مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ﴾ وأهلك [¬٥] الله أهل معصيته الذين أخذوا الحيتان فجعلهم قردة.\nوروى العوفي عن ابن عباس قريبًا من هذا.\nوقال حماد بن زيد: عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس: ﴿وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ قال: ما أدري أنجا الذين قالوا: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ﴾ أم لا؟ قال: فلم أزل به حتى عرَّفته أنهم قد نجوا، فكساني حُلة.\n_________\n[¬١]- في ح، ز: \"مصر\" والمثبت من تفسير ابن جرير (١٣/ ١٥٢٦٦).\n[¬٢]- في ج، ز: \"تعلمون\" وهو تحريف؛ لأنه فعل أمر بمعنى اعلموا.\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- في ز: \"لما\".\n[¬٥]- في ز: \"أهلكهم\".","vol":"6","page":425},{"text":"وقال عبد الرزاق (^٢٢٦): أخبرنا ابن جريج، حدثني رجل، عن عكرمة قال: جئت ابن عباس يومًا وهو يبكي، وإذا المصحف في حجره، فأعظمت أن أدنو، ثم لم أزل على ذلك حتى تقدمت، فجلست، فقلت: ما يبكيك يا أبا عباس، جعلني الله فداك؟ قال: فقال: هؤلاء الورقات. قال: وإذا هو [¬١] في سورة الأعراف قال: تعرف أيلة؟ قلت: نعم. قال: فإنه كان بها حي من اليهود [¬٢]، سيقت الحيتان إليهم يوم السبت، ثم غاصت [¬٣] لا يقدرون عليها [¬٤] حتى يغوصوا [¬٥] بعد كد ومؤنة شديدة، كانت تأتيهم هم السبت شرعًا بيضًا سمانا كأنها الماخض تتبطَّح [¬٦] ظهورها لبطونها بأفنيتهم، فكانوا كذلك برهة من الدهر، ثم إن الشيطان أوحى إليهم فقال: إنما نهيتم [¬٧] عن أكلها يوم السبت، فخذوها فيه وكلوها في غيره من الأيام، فقالت ذلك طائفة منهم، وقالت طائفة: بل نهيتم عن أكلها وأخذها وصيدها يوم السبت. فكانوا كذلك حتى جاءت الجمعة المقبلة، فغدت طائفة بأنفسها وأبنائها ونسائها، واعتزلت طائفة ذات اليمين، و[تنحت واعتزلت] [¬٨] طائفة ذات اليسار وسكتت، وقال الأيمنون: [ويلكم. الله] [¬٩] اللهَ، [ننهاكم أن] [¬١٠] تتعرضوا لعقوبة الله. وقال الأيسرون: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾. قال الأيمنون: ﴿مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾، إن ينتهوا فهو أحب إلينا أن لا يصابوا ولا يهلكوا، وإن لم ينتهوا فمعذرة إلى ربكم. فمضوا على الخطيئة، وقال الأيمنون: فقد فعلتم يا أعداء الله، والله لا نُبايِتُكم الليلة في مدينتكم، والله ما نراكم تصبحون حتى يصبحكم الله بخسف أو قذف أو بعض ما عنده من العذاب، فلما أصبحوا ضربوا عليهم الباب، ونادوا، فلم يجابوا، فوضعوا سلمًا، فأعلوا [¬١١] بسور المدينة رجلًا، فالتفت إليهم فقال: أي عباد الله، قردةٌ والله تَعَاوَى [¬١٢]، لها أذناب. قال: ففتحوا، فدخلوا عليهم، فعرفت القرود أنسابها من الإنس، ولا تعرف الإنس أنسابها من القردة، فجعلت القرود يأتيها نسيبها من الإنس فتشم ثيابه وتبكي، فيقول [¬١٣]: ألم ننهكم عن كذا؟ فتقول برأسها: أي نعم. ثم قرأ ابن عباس: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ﴾ قال: فأرى [¬١٤] الذين نهوا قد نجوا، ولا أرى الآخرين ذكروا، ونحن نرى\n_________\n(^٢٢٦) - \" التفسير\" لعبد الرزاق (٢/ ٢٤٠، ٢٤٢) ومن طريقه ابن جرير (١٣/ ١٥٢٧٢).\n_________\n[¬١]- سقط من: خ، ز.\n[¬٢]- في ز: \"يهود\".\n[¬٣]- في ز: \"عاصت\".\n[¬٤]- في ت: \"عليه\".\n[¬٥]- في ز: \"يعصوا\".\n[¬٦]- في ز: \"تنتطح\".\n[¬٧]- في ز: \"نهيتكم\".\n[¬٨]- في تفسير عبد الرزاق \"نهت واعترضت\".\n[¬٩]- سقط من: خ، ز.\n[¬١٠]- في ز: \"ينهاكم عن لا\".\n[¬١١]- في ت: \"أعلوا\".\n[¬١٢]- في ز: \"تعادى\".\n[¬١٣]- في ز: \"فتقول لهم\".\n[¬١٤]- في ز: \"قاري\".","vol":"6","page":426},{"text":"أشياء ننكرها ولا نقول فيها، قال: قلت: أي [¬١] جعلني الله فداك، ألا ترى أنهم قد كرهوا ما هم عليه وخالفوهم وقالوا: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ﴾؟ قال: فأمر لي [¬٢]، فَكسِيتُ ثوبين غليظين.\nوكذا روى مجاهد عنه.\nوقال ابن جرير (^٢٢٧): حدثنى يونس، أخبرنا أشهب بن عبد العزيز، عن مالك قال: زعم ابن رُومان أن قوله تعالى: ﴿إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ﴾ قال: كانت تأتيهم يوم السبت، فإذا كان المساء ذهبت، فلا يُرى منها شيء إلى يوم السبت الآخر، فاتخذ لذلك رجل خيطًا ووتدًا، فربط حوتًا منها في الماء يوم السبت، حتَّى إذا أمسوا [¬٣] ليلة الأحد أخذه فاشتواه، فوجد الناس ريحه، فأتوه فسألوه عن ذلك، فَجَحَدهم، فلم يزالوا به حتَّى قال لهم: فإنه جلد حوت وجدناه. فلما كان السبت الآخر فعل مثل ذلك ولا أدري لعله قال: ربط حوتين فلما أمسى من ليلة الأحد أخذه فاشتواه، فوجدوا رائحة، فجاءوا فسألوه، فقال لهم: لو شئتم صنعتم كما أصنع. فقالوا له: ومما صنعت؟ فأخبرهم، ففعلوا مثل مما فعل حتَّى كثر ذلك، وكانت لهم مدينة لها ربض يغلقونها عليهم، فأصابهم من المسخ ما أصابهم، فغدوا عليهم جيرانهم ممن كانوا [¬٤] حولهم، يطلبون منهم ما يطلب الناس، فوجدوا المدينة مغلقة عليهم، فنادوا فلم يجيبوهم، فتسوروا عليهم، فإذا هم قردة، فجعل القرد يدنو يتمسح بمن كان يعرف قبل ذلك، ويدنو منه ويتمسح به.\nوقد قدمنا في سورة \"البقرة\" من الآثار في خبر هذه القرية ما فيه مَقْنَعٌ وكفاية، ولله الحمد والمنة.\n(القول الثاني): أن الساكتين كانوا من الهالكين:\nقال محمد بن إسحاق (^٢٢٨): عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عبَّاس أنَّه قال: ابتدعوا السبت فابتلوا فيه، فحرمت عليهم فيه الحيتان، فكانوا إذا كان يوم السبت شرعت لهم\n_________\n(^٢٢٧) - تفسير ابن جرير (١٣/ ١٥٢٧٧).\n(^٢٢٨) - تفسير ابن جرير (١٣/ ١٥٢٧٨) وجود إسناده المصنف مع أن داود بن الحصين متكلم فيه لا سيما في عكرمة، ومحمد بن إسحاق مدلس وقد عنعن، لكن وجدت تصريح ابن إسحاق به، عند ابن أبي حاتم في تفسيره (٥/ ٨٤٥٤) فانتفت شبهة تدليسه: وبقيت علة ضعف داود بن الحصين في عكرمة، والله أعلم.\n_________\n[¬١]- زيادة من: ز.\n[¬٢]- في ز: \"بي\".\n[¬٣]- في خ: \"أتوا\".\n[¬٤]- في ز: \"كان يكون\".","vol":"6","page":427},{"text":"الحيتان ينظرون إليها في البحر، فإذا انقضى السبت ذهبت، فلم تُر حتَّى السبت المقبل، فإذا جاء السبت جاءت شرعًا، فمكثوا ما شاء الله أن يمكثوا كذلك، ثم إن رجلًا منهم أخذ حوتًا فخزمه بأنفه ثم ضرب له وتدًا في الساحل، وربطه وتركه في الماء، فلما كان الغد أخذه فشواه فأكله، ففعل ذلك وهم ينظرون ولا ينكرون، ولا ينهاه منهم أحد، إلا عصبة منهم نهوه، حتَّى ظهر ذلك في الأسواق، فَفُعِلَ علانية، قال: فقالت طائفة للذين ينهونهم: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ﴾ فقالوا: نسخط أعمالهم ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٦٤) فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ في قوله: ﴿قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ قال ابن عبَّاس: كانوا أثلاثًا: ثلث نهوا، وثلث قالوا: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ﴾، وثلث أصحاب الخطيئة، فما نجا إلا الذين نهوا وهلك سائرهم.\nوهذا إسناد جيد عن ابن عباس، ولكن رجوعه إلى قول عكرمة في نجاة الساكتين أولى من القول بهذا؛ لأنه تبين حالهم بعد ذلك، والله أعلم.\nوقوله تعالى: ﴿وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ﴾ فيه دلالة بالمفهوم على أن الذين بقوا نجوا.\nو﴿بَئِيسٍ﴾ فيه قراءات كثيرة [¬١]، ومعناه في قول مجاهد: الشديد، وفي رواية: أليم، وقال قتادة موجع، والكل متقارب، والله أعلم.\nوقوله ﴿خَاسِئِينَ﴾: أي ذليلين حقيرين مُهَانين.\n﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٦٧)﴾\n﴿تَأَذَّنَ﴾ تفعَّل من الأذان أي: أعلم. قاله [¬٢] مجاهد، [] [¬٣] وقال غيره: أمر.\nوفي قوة الكلام ما يفيد معنى القسم من هذه اللفظة؛ ولهذا تُلُقِّيَت باللام في قوله: ﴿لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ﴾ أي: على اليهود ﴿إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾ أي: بسبب عصيانهم ومخالفتهم أوامر الله وشرعه، واحتيالهم على المحارم.\nويقال: إن موسى ﵇ ضرب عليهم الخراج سبع سنين، وقيل: ثلاث عشرة\n_________\n[¬١]- انظر هذه القراءات في كتاب السبعة في القراءات لأبي بكر بن مجاهد (ص ٢٩٦، ٢٩٧).\n[¬٢]- في ز -: \"وقال\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في ز: \"قال\".","vol":"6","page":428},{"text":"سنة، وكان أول من ضرب الخراج، ثم كانوا في قهر الملوك من اليونانيين والكُشْدانيين والكُلدانيين، ثم صاروا إلى [¬١] قهر النصارى وإذلالهم إياهم، وأخذهم منهم الجِزَى والخراج، ثم جاء الإِسلام ومحمد ﷺ، فكانوا تحت صَغَاره [¬٢] وذمته يؤدون الخراج والجِزَى.\nقال العوفي: عن ابن عبَّاس في تفسير هذه الآية قال: هي المسكنة وأخذ الجِزيَةَ منهم.\nوقال على بن أبي طلحة: عنه: هي الجِزيَةَ، والذين [¬٣] يسومونهم سوء العذاب: محمد رسول الله ﷺ، وأمته، إلى يوم القيامة.\nوكذا قال سعيد بن جبير وابن جريج [¬٤] والسدي وقَتَادة.\nوقال عبد الرزاق: عن معمر، عن عبد الكريم الجزري، عن سعيد بن المسيب قال: يستحب أن تبعث الأنباط في الجِزيَةَ.\nقلت: ثم آخر أمرهم أنهم يخرجون أنصار [¬٥] الدجال، فيقتلهم المسلمون مع عيسى ابن مريم ﵇، وذلك آخر الزمان.\nوقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ﴾ أي: لمن عصاه وخالف شرعه ﴿وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أي: لمن تاب [¬٦] إليه وأناب.\nوهذا من باب قرن الرحمة مع العقوبة؛ لئلا يحصل اليأس، فيقرن تعالى بين الترغيب والترهيب كثيرًا؛ لتبقى النفوس بين الرجاء والخوف.\n﴿وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (١٦٨) فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٦٩) وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ\n_________\n==\n[¬١]- في ز: \"في\".\n[¬٢]- في ز: \"صفاره\".\n[¬٣]- في خ: \"الذي\".\n[¬٤]- في ز: \"جرير\".\n[¬٥]- في خ: \"أنصارًا\".\n[¬٦]- في ز: \"ثاب\".","vol":"6","page":429},{"text":"بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ (١٧٠).\nيذكر تعالى أنَّه فرقهم في الأرض أممًا، أي: طوائف وفِرَقًا، كما قال: ﴿وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا﴾.\n﴿مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ﴾ أي: فيهم الصالح وغير ذلك، كما قالت الجن: ﴿وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا﴾، ﴿وَبَلَوْنَاهُمْ﴾ أي: اختبرناهم ﴿بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ﴾ أي: بالرخاء والشدة، والرغبة والرهبة، والعافية والبلاء، ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾.\nثم قال تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ﴾، يقول تعالى ﴿فَخَلَفَ﴾ من بعد ذلك الجيل الذي [¬١] فيهم الصالح والطالح ﴿خَلْفٌ﴾ آخر لا خير فيهم، وقد ﴿وَرِثُوا﴾ دراسة ﴿الْكِتَابَ﴾ وهو التوراة - وقال مجاهد: هم النصارى - وقد يكون أعم من ذلك ﴿يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى﴾ أي: يعتاضون عن بذل الحق ونشره بعرض الحياة الدنيا، ويسوِّفون أنفسهم وَيِعدُونها بالتوبة، وكلما لاح لهم مثل الأول وقعوا فيه؛ ولهذا قال: ﴿وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ﴾، كما قال سعيد بن جبير: يعملون بالذنب [¬٢] ثم يستغفرون الله منه، فإن عرض ذلك الذنب أخذوه.\nوقال مجاهد في قوله تعالى: ﴿يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى﴾ قال: لا يشرف لهم شيء من الدنيا إلَّا أخذوه، حلالًا كان أو حرامًا، ويتمنون المغفرة ﴿وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ [يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ] [¬٣]﴾.\nوقال قَتَادة في قوله: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾: إي والله، لخلف سوء ﴿وَرِثُوا الْكِتَابَ﴾ بعد أنبيائهم ورسلهم، ورثهم الله وعَهِد إليهم، وقال الله تعالى في آية [¬٤] أخرى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ﴾. قال: ﴿يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا﴾ تمنوا على الله أماني وغرة يغترون بها ﴿وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ﴾، لا [¬٥] يشغلهم شيء عني شيء، ولا ينهاهم شيء عن ذلك، كلما هف لهم شيء من الدنيا أكلوه، ولا يبالون [¬٦] حلالًا كان أو حرامًا.\n_________\n[¬١]- في خ: \"الذين\".\n[¬٢]- في ت: \"الذنب\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في ز: \"يجدوا عرضًا مثله يأخذونه\".\n[¬٤]- سقط من: ز.\n[¬٥]- سقط من: ز.\n[¬٦]- في خ: \"ولا يسألون\".","vol":"6","page":430},{"text":"وقال السدي: قوله: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾ إلى قوله: ﴿وَدَرَسُوا مَا فِيهِ﴾ قال: كانت بنو إسرائيل لا يستقضون قاضيًا إلَّا ارتشى في الحكم، وإن خيارهم اجتمعوا [¬١]، فأخذ بعضهم على بعض العهود أن لا يفعلوا ولا يرتشوا [¬٢]. فجعل الرجل منهم إذا استُقضي ارتشى، فيقال له: ما شأنك ترتشي في الحكم؟ فيقول: سيغفر [¬٣] لي، فيمن عليه البقية الآخرون من بني إسرائيل فيما صنع، فإذا مات أو نزع وجعل مكانه رجل ممن كان يمن عليه فيرتشي، يقول: وإن يأت الآخرين عرض الدنيا يأخذوه.\nقال الله تعالى: ﴿أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ﴾، يقول تعالى منكرًا عليهم في صنيعهم هذا، مع ما أخذ عليهم من الميثاق ليبينن الحق للناس ولا يكتمونه، كقوله [¬٤]: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾.\nوقال ابن جريج: قال ابن عبَّاس ﴿أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ قال: فيما يوجبون على الله من غفران ذنوبهم التي لا يزالون يعودون فيها ولا يتوبون منها.\nوقوله تعالى: ﴿وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ [¬٥]﴾، يرغبهم تعالى في جزيل ثوابه، ويحذرهم من وبيل عقابه، أي: وثوابي و[] [¬٦] ما عندي خير لمن اتقى المحارم، وترك هوى نفسه، وأقبل على طاعة ربه.\n﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [¬٧] يقول أفليس لهؤلاء الذين اعتاضوا بِعَرَض الدنيا عما عندي، عقل يردعهم عما هم [¬٨] فيه من السفه والتبذير، ثم أثنى تعالى على من تمسك بكتابه الذي يقوده إلى اتباع رسوله محمد ﷺ، كما هو مكتوب فيه، فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ﴾ أي: اعتصموا به، واقتدوا بأوامره، وتركوا زواجره ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾.\n﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧١)﴾\n_________\n[¬١]- في ز: \"أجمعوا\".\n[¬٢]- في ز: \"يرتشي\".\n[¬٣]- في ز: \"فيغفر\".\n[¬٤]- سقط من: ز.\n[¬٥]- في ز: \"يعقلون\".\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين في ز: خير.\n[¬٧]- في ز: \"يعقلون\".\n[¬٨]- زيادة من: ز.","vol":"6","page":431},{"text":"قال علي بن أبي طلحة: عن ابن عبَّاس قوله: ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ﴾ يقول: رفعناه، وهو قوله: ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ﴾.\n[قال سفيان الثَّوري: عن الأعمش، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبَّاس] [¬١]: رفعته الملائكة فوق رؤوسهم.\nوقال القاسم بن أبي أيوب: عن سعيد بن جبير، عن ابن عبَّاس قال: ثم سار بهم موسى ﵇ متوجهًا نحو الأرض المقدسة، وأخذ الألواح بعد ما سكت عنه الغضب، فأمرهم بالذي أمره [¬٢] الله أن يبلغهم من الوظائف، فثقلت عليهم، وأَبوا أن يقربوها حتَّى نتق الله الجبل فوقهم ﴿كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ﴾ قال: رفعته الملائكة فوق رءوسهم. رواه النَّسائي بطوله (^٢٢٩).\nوقال سنيد بن داود في تفسيره (^٢٣٠): عن حجاج بن محمد، عن أبي بكر بن عبد الله قال: هذا كتاب، أتقبلونه بما فيه؟ فإن فيه بيان ما أحل لكم وما حرم عليكم، وما أمركم رما نهاكم. قالوا: انشر علينا ما فيها، فإن كانت فرائضها يسيرة [¬٣]، وحدودها خفيفة قبلناها. قال: اقبلوها بما فيها. قالوا: لا، حتَّى نعلم ما فيها، كيف حدودها وفرائضها. فراجعوا موسى مرارًا، فأوحى الله إلى الجبل فانقلع فارتفع في السماء، حتَّى إذا كان بين رءوسهم وبين السماء قال لهم موسى: ألا ترون ما يقول ربي ﷿، لئن لم تقبلوا التوراة بما فيها لأرمينكم بهذا الجبل [¬٤]. قال: فحدثني الحسن البصري قال: لما نظروا إلى الجبل خر كل رجل ساجدًا على حاجبه الأيسر، ونظر بعينه اليمنى إلى الجبل، فَرقًا من أن يسقط عليهم [¬٥]، فلذلك [¬٦] ليس اليوم في الأرض يهودي يسجد إلَّا على حاجبه الأيسر، يقولون: هذه السجدة التي رفعت بها العقوبة. قال أَبو بكر: فلما نشر الألواح فيها كتاب الله كتبه بيده، لم يبق على وجه الأرض جبل ولا شجر ولا حجر إلا اهتز، فليس اليوم يهودي على وجه الأرض صغير ولا كبير تقرأ عليه التوراة إلا اهتز ونغض [¬٧] لها رأسه [أي: حوّل، كما قال تعالى: ﴿فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ\n_________\n(^٢٢٩) - هو جزء من حديث الفتون يأتي تخريجه [سورة طه/ آية ٤٠].\n(^٢٣٠) - ومن طريق سُنَيْد أخرجه ابن جرير (١٣/ ١٥٣٣٧).\n_________\n[¬١]- أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (٥/ ٨٥١٦) ثم أخرجه (٥/ ٨٥٢٤) من طريق (سفيان عن الأعمش عن مسلم البطين عن سعيد بن جبير عن ابن عبَّاس فذكره هكذا بزيادة \"مسلم البطين والأعمش سمع من سعيد ومسلم\".\n[¬٢]- في خ: \"أمر\".\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- في خ، ز: \"الحيط\".\n[¬٥]- ساقطة من: ت.\n[¬٦]- في خ، ز: \"فكذلك\" والمثبت من تفسير ابن جرير.\n[¬٧]- في ز: \"نفض\".","vol":"6","page":432},{"text":"رُءُوسَهُمْ﴾ والله أعلم] [¬١].\n﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (١٧٢) أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ (١٧٣) وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (١٧٤)﴾\nيخبر تعالى أنَّه استخرج ذرية بنى آدم من أصلابهم، شاهدين على أنفسهم أن الله ربهم ومليكهم، وأنه لا إله إلا هو، كما أنَّه تعالى فطرهم علن ذلك وجبلهم عليه، قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾، وفي الصحيحين (^٢٣١) عن أبي هريرة، ﵁، قال: قال رسول الله، ﷺ: \"كل مولود يولد على الفطرة\" - وفي رواية (^٢٣٢): \" على هذه الملة - فأَبواه يهوِّدانه وينصرانه ويمجسانه، كما تولد البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء [¬٢]؟ \" وفي صحيح مسلم (^٢٣٣)، عن عياض بن حمار قال: قال رسول الله، ﷺ: \"يقول الله إني خلقت عبادي حنفاء، فجاءتهم [¬٣] الشياطين، فاجتالتهم [¬٤] عن دينهُم، وحرَّمت عليهم ما أحللت لهم\".\nوقال الإِمام أَبو جعفر بن جرير ﵀ (^٢٣٤): حدَّثنا يونس بن عبد الأعلى، حدَّثنا ابن\n_________\n(^٢٣١) - تقدم تخريجه [سورة الأنعام/ آية ٧٩].\n(^٢٣٢) - وهي عند مسلم، كتاب: القدر، باب: معنى كل مولود يولد على الفطرة ..... (٢٣) (٢٦٥٨) وانظر ما يأتي [سورة هود/ آية ١٧].\n(^٢٣٣) - تقدم تخريجه [سورة الأنعام/ آية ٧٩].\n(^٢٣٤) - تفسير ابن جرير (١٣/ ١٥٣٥٣) وأخرجه أحمد (٤/ ٢٤) من طريق محمد بن جعفر، والبخاري في \"التاريخ الكبير\" (١/ ٤٤٥) وفي \"الصغير\" (١/ ١١٤، ١١٥) من طريق مسلم ابن إبراهيم الفراهيدي، كلاهما (محمد ومسلم) عن السري بن يحيى به، وفيه تصريح الحسن ابن أبي الحسن بسماعه من الأسود بن سريع، وأخرجه ابن سعد في \"الطبقات\" (٧/ ٣٠) والطحاوي في \"مشكل الآثار\" (رقم ١٣٩٤، ١٣٩٥) وابن حبان في صحيحه (١/ رقم ١٣٢) =\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٢]- في ز: \"جذعاء\".\n[¬٣]- في ز: \"فجتالتهم\".\n[¬٤]- في ز: \"فاختالتهم\".","vol":"6","page":433},{"text":"وَهْب، أخبرني السري بن يحيى: أن الحسن بن أبي الحسن حدثهم، عن الأسود بن سريع من بني سعد قال: غزوت مع رسول الله ﷺ أربع غزوات قال: فتناول القوم الذرية بعد ما قتلوا المقاتلة، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فاشتد عليه ثم قال: \"ما بال أقوام يتناولون الذرية\"؟ فقال رجل: يا رسول الله أليسوا أبناء المشركين؟ فقال: \"إن خياركم أبناء المشركين، ألا إنها ليست نسمة تُولَد إلَّا وُلدت على الفطرة، فما تزال عليها حتى يبين عنها لسانها [¬١]، فأَبواها يهوِّدانها أو ينصرانها\". قال الحسن: والله لقد قال الله في كتابه: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ [¬٢]﴾ الآية.\nوقد رواه الإِمام أحمد (^٢٣٥): عن إسماعيل بن علية، عن يونس بن عبيد، عن الحسن البصري به، وأخَرجه النَّسائي في سننه (^٢٣٦): من حديث هشيم، عن [¬٣]، يونس بن عبيد، عن\n_________\n= والطبراني في \"الكبير\" (١/ رقم ٨٢٧) والإسماعيلي في \"كتاب المعجم\" (٢/ رقم ٣٧٦) والضياء في \"المختارة\" (٤/ ١٤٤٦) من طريق السرى بن يحيى، وليس فيه تصريح الحسن بالسماع من الأسود وانظر ما بعده.\n(^٢٣٥) - \" المسند\" (٣/ ٤٣٥) وأخرجه الدارمي (٢٤٦٦) وأبو نعيم في \"الحلية\" (٨/ ٢٦٣) من طريق أبي إسحاق الفزاري، وابن أبي عاصم في \"الآحاد والمثاني\" (٢/ ١١٦٠) والطبراني في \"الكبير\" (١/ رقم ٨٢٩) من طريق يزيد بن زريع، والطبراني أيضًا (١/ ٨٣٢) من طريق سعيد بن أبي عروبة، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٩/ ٧٧) من طريق عبد الوهاب بن عطاء الخفاف، أربعتهم (أَبو إسحاق، ويزيد، وسعيد، وعبد الوهاب) عن يونس بن عبيد به، وليس فيه ذكر السماع بين الحسن والأسود، وقد سقط \"الحسن\" من \"الحلية\" فليستدرك، وقال أَبو نعيم: \"حديث الأسود مشهور ثابت\" وانظر ما بعده.\n(^٢٣٦) - \" الكبرى\"، كتاب: السير، باب: النهي عن قتل ذراري المشركين (٥/ ٨٦١٦) - ومن طريقه الطحاوي في \"مشكل الآثار\" (٢/ ١٦٣)، ومن طريق هُشَيم أخرجه المحاملي في \"أماليه\" (الجزء الأول ١١ ب - ١٢ أ رواية عبد الواحد الفارسي) - ومن طريق المحاملي الخطيب في \"تاريخ بغداد\" (٨/ ٤٨٠) والضياء في \"المختارة\" (٤/ ١٤٤٤) والحاكم في \"المستدرك\" (٢/ ١٢٣) - ومن طريقه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٩/ ٧٧) وعند جميعهم تصريح الحسن بالسماع من الأسود بن سريع، وصححه الحاكم على شرط الشيخين ووافقه الذهبي.\nوله طرق أخرى عن الحسن انظر \"الآحاد والمثاني\" (٢/ ١١٦١، ١١٦٢) و\"المعجم الكبير\" (١/ ص ٢٨٣: ٢٨٥) وقد أعله جماعة بالانقطاع بين الحسن والأسود بن سريع، فنفى سماع الحسن من الأسود، كل من: ابن معين في \"تاريخه\" (رقم ٤٠٩٤، ٤٥٩٩) وأَبو داود \"سؤالات الآجري\" (رقم ٣٨٠) والبزار \"نصب الراية\" (١/ ٩٠) وغيرهم - وسئل على بن المديني =\n_________\n[¬١]- في ز: \"نساها\".\n[¬٢]- في ز: \"ذرياتهم\".\n[¬٣]- في ز: \"بن\".","vol":"6","page":434},{"text":"الحسن قال: حدثني الأسود بن سريع، فذكره، ولم يذكر قول الحسن البصري واستحضاره الآية عند ذلك.\nوقد وردت أحاديث في أخذ الذرِّية من صلب آدم ﵇، وتمييزهم إلى أصحاب اليمين وأصحاب الشمال، وفي بعضها: الاستشهاد عليهم بأن الله ربهم.\nقال الإِمام أحمد (^٢٣٧): حدَّثنا حجاج، حدَّثنا شعبة، عن أبي عمران الجوني، عن أَنس بن مالك ﵁، عن النبي ﷺ قال: \"يقال للرجل من أهل النار يوم القيامة: أرأيت لو كان لك ما على الأرض [¬١] من شيء أكنت مفتديًا به؟ قال: فيقول: نعم. فيقول: قد أردت منك أهون من ذلك، قد أخذت عليك في ظهر آدم أن لا تشرك بي شيئًا، فأبيت إلَّا أن تشرك بي\".\nأخرجاه في الصحيحين، من حديث شعبة، به.\n(حديث آخر) وقال الإِمام أحمد (^٢٣٨): حدَّثنا حسين بن محمد، حدثنا جرير يعني ابن\n_________\n= عن هذا الحديث فقال: \"إسناده منقطع، رواية الحسن عن الأسود بن سريع والحسن عندنا لم يسمع من الأسود؛ لأن الأسود خرج من البصرة أيام على وكان الحسن بالمدينة\" \"العلل\" لعلي بن المديني (رقم ١٣)، لكن صحح حديث الحسن عن الأسود ابن حبان والحاكم وأَبو نعيم والضياء والله أعلم. وانظر ما يأتي [سورة هود/ آية ١٧].\n(^٢٣٧) - \" المسند\" (٣/ ١٢٧) وأخرجه أيضًا (٣/ ١٢٩) البخارى، كتاب: الأنبياء، باب: خلق آدم وذريته (٣٣٣٤)، ومسلم، كتاب: صفات المنافقين وأحكامهم، باب: طلب الكافر الفداء بِمِلء الأرض ذهبًا (٥١٩) (٢٨٠٥) من طرق عن شعبة به نحوه.\n(^٢٣٨) - \" المسند\" (١/ ٢٧٢) (رقم ٢٤٥٥) وذكره المصنف في \"البداية والنهاية\" (١/ ١٠٠) كما هنا وقال: \"إسناده قوي على شرط مسلم، رواه النَّسائي وابن جرير والحاكم في مستدركه من حديث حسين محمد المروزي به، وقال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، إلَّا أنَّه اختلف فيه على كلثوم بن جبر؛ فروي عنه مرفوعًا وموقوفًا .... \" إلى آخره بنحو كلامه هنا - ومن طريق الضياء أحمد أخرجه في \"المختارة\" (١٠/ رقم ٣٦٦) - وأخرجه ابن أبي عاصم في \"السنة\" (١/ رقم ٢٠٢) ثنا سليمان بن عبد الجبار، والنَّسائي في \"التفسير\" من \"الكبرى\" (٦/ ١١١٩١) أنا محمد بن عبد الرحيم، وابن جرير في تفسيره (١٣/ ١٥٣٣٨) حدثني أحمد بن محمد الطوسي، وابن منده في \"الرد على الجهمية\" (٢٩) من طريق محمد بن إبراهيم، والحاكم في \"المستدرك\" (٢/ ٥٤٤) - وعنه البيهقي في \"الأسماء والصفات\" (٢/ رقم ٧١٤) - والضياء (١٠/ ٣٦٧) من طريق جعفر بن محمد الصائغ، وكذا الضياء (١٠/ ٣٦٨، ٣٦٩) من طريق إسحاق الحربي وسليمان بن عبد الجبار؛ كلهم (أحمد بن حنبل، وسليمان =\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.","vol":"6","page":435},{"text":"حازم - عن كلثوم بن جبر [¬١]، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبَّاس عن النبي، ﷺ، قال: \"إن الله أخذ الميثاق من ظهر آدم ﵇ بنَعْمَان، يعني [¬٢] عرفة، فأخرج من صلبه كل ذرّية ذرأها، فنثرها بين يديه، ثم كلمهم قِبَلًا [¬٣] قال: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (١٧٢) أَوْ تَقُولُوا﴾ إلى قوله ﴿الْمُبْطِلُونَ﴾.\nوقد روى هذا الحديث النسائي في كتاب التفسير من سننه: عن محمد بن عبد الرحيم صاعقة، عن حسين بن محمد المروزي، به.\nورواه ابن جرير وابن أبي حاتم، من حديث حسين بن محمد به، إلَّا أن ابن أبي حاتم جعله موقوفًا. وأخرجه الحاكم في مستدركه، من حديث حسين بن محمد وغيره، عن جرير بن حازم، عن كلثوم بن جبر [¬٤] به، وقال: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، وقد احتج مسلم بكلثوم بن جبر [¬٥]. هكذا قال، وقد رواه عبد الوارث (^٢٣٩)، عن كلثوم بن جبر [¬٦]، عن سعيد\n_________\n= ومحمد بن عبد الرحيم - صاعقة - وأحمد بن محمد، ومحمد بن إبراهيم وجعفر بن محمد وإسحاق) ثنا الحسين بن محمد به، وأخرجه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٥/ ٨٥٢٩) ثنا أَبو يعقوب إسحاق بن إبراهيم البغوي، ثنا حسين بن محمد به موقوفا، وأعله النَّسائي بضعف كلثوم بن جبر فقال عقبه \"كلثوم هذا ليس بالقوي، وحديثه ليس بالمحفوظ\"، وأجيب بأن كلثوم هذا وثقه أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين وابن حبان وقال ابن سعد: \"كان معروفًا وله أحاديث\"، وفي \"التقريب\": \"صدوق يخطئ\" ولا يبعد أن يكون قد أخطأ في رفع هذا الحديث وقد أعله بالوقف المصنف وكذا ابن مندة فقال: \"هذا حديث تفرد به حسين المروزي\" - كذا قال - وهو متابع كما يأتي عن جرير بن حازم وهو أحد الثقات، ورواه حمَّاد بن زيد وعبد الوراث وابن علية وربيعة بن كلثوم كلهم عن كلثوم بن جبر، عن سعيد بن جبير عن ابن عبَّاس موقوفًا، وكذلك رواه حبيب بن أبي ثابت وعلى بن بذيمة، وعطاء بن السائب كلهم عن سعيد بن جبير عن ابن عبَّاس مثله، وزاد عطاء في حديثه قال \"أهبط الله ﷿ آدم بدخنا ومسح اللَّه ظهره\" وقد تابع حسينًا المروزيُّ وهبُ ابن جرير عن أبيه جرير بن حازم به مرفوعًا أخرجه الحاكم (١/ ٢٧) ومن طريقه وطريق آخر البيهقي (١/ ٤٤١) (٢/ ٧١٤) وقال الحاكم: \"هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، وقد احتج مسلم بكلثوم بن جبر\" ووافقه الذهبي على هذا وصحح رفعه أيضًا الألباني في \"الصحيحة\" (٤/ ١٦٢٣) وانظر ما بعده.\n(^٢٣٩) - أخرجه ابن جرير في تفسيره (١٣/ ١٥٣٣٩) وفي \"التاريخ\" (١/ ٦٧) ثنا عمران =\n_________\n[¬١]- في ز: \"جبير\".\n[¬٢]- في خ، ز: \"يوم\".\n[¬٣]- في ز: \"فتلا\".\n[¬٤]- في ز: \"جبير\".\n[¬٥]- في ز: \"جبير\".\n[¬٦]- في ز: \"جبير\".","vol":"6","page":436},{"text":"ابن جبير، عن ابن عباس، فوقفه، وكذا رواه إسماعيل بن علية ووكيع، عن ربيعة بن كلثوم، عن جبير، عن [¬١] أبيه به. وكذا رواه عطاء بن السائب وحبيب بن أبي ثابت وعلى بن بذيمة: عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قوله [¬٢]. وكذا رواه العوفي وعلى بن أبي طلحة، عن ابن عباس. فهذا أكثر وأثبت، والله أعلم.\nوقال ابن جرير (^٢٤٠): حدثنا ابن وكيع، حدثنا أبي، عن أبي هلال، عن أبي جمرة [¬٣] الضبعي، عن ابن عباس قال: أخرج الله ذرّية آدم من ظهره كهيئة الذر وهو في آذيّ من الماء [¬٤].\nوقال أيضًا (^٢٤١): حدثنا على بن سهل، حدثنا ضمرة بن ربيعة، حدثنا أبو مسعود، عن\n_________\n= ابن موسى ثنا عبد الوارث به، ورواه إسماعيل بن علية عن كلثوم بن جبر به موقوفًا؛ أخرجه ابن سعد في \"الطبقات\" (١/ ٢٥) وابن جرير (١٣/ ١٥٣٤٠) وكذا رواه ابن علية ووكيع عن ربيعة بن كلثوم عن أبيه به أخرجه ابن سعد (١/ ٢٦) وابن جرير (١٣/ ١٥٣٥١) ورواه حماد بن زيد عن كلثوم بن جبر به موقوفًا أيضًا أخرجه ابن سعد، وقد رواه عطاء بن السائب، وحبيب بن أبي ثابت وعلى بن بذيمة عن سعيد بن جبير به موقوفًا.\nوحديث عطاء عند ابن سعد وابن جرير (١٣/ ١٥٣٤٢، ١٥٣٤٣، ١٥٣٤٦، ١٥٣٤٧).\nوحديث حبيب عند ابن جرير (١٣/ ١٥٣٤٤، ١٥٣٤٥) وابن أبي حاتم (٥/ ٨٥٣١) وابن بطة في \"الإبانة\" (١/ رقم ١٣٣٤، ١٣٣٨) والآجري في \"الشريعة\" (١/ رقم ٤٨١) وابن مندة في \"الرد على الجهمية\" (رقم ٣٤) وحديث على بن بذيمة عند ابن جرير (١٣/ ١٥٣٤٨، ١٥٣٤٩) وابن بطة في \"الإبانة\" (١/ رقم ١٣٣٦، ١٣٤١) ورواه ابن جريج عن الزبير بن موسى عن سعيد ابن جبير به موقوفًا أخرجه ابن بطة (٥/ ١٣٤٠) والآجرى (١/ ٤٨٢) وابن جرير (١٣/ ١٥٣٦٢) وابن مندة (٣٥) وطريق العوفي وعلى بن أبي طلحة عن ابن عباس أخرجهما ابن جرير (١٣/ ١٥٣٦١، ١٥٣٦٠).\n(^٢٤٠) - تفسير ابن جرير (١٣/ ١٥٣٥١) وأخرجه ابن أبي حاتم (٥/ ٨٥٣٤) من طريق موسى بن إسماعيل، وابن منده في \"الرد على الجهمية\" (رقم ٣١) من طريق شيبان، كلاهما (موسى وشيبان) عن أبي هلال به وقد تحرف عند ابن منده \"أبي جمرة\" إلى \"أبى حمزة\" فليصحح، والأثر ذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ٢٥٩) وزاد نسبته إلى عبد بن حميد وأبى الشيخ.\n(^٢٤١) - تفسير ابن جرير (١٣/ ١٥٣٥٢).\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- زيادة من: ز.\n[¬٣]- في ز: \"حمزة\".\n[¬٤]- قوله: \"آذي من الماء\" الآذيّ - بالمد والتشديد: الموج الشديد، ويجمع على أواذي \"النهاية\" (١/ ٣٤).","vol":"6","page":437},{"text":"جويبر قال [¬١]: مات ابن للضحاك [¬٢] بن مزاحم، ابن ستة أيام، قال:\nفقال: يا جابر، إذا أنت رضعت ابني في لحده فأبرز وجهه رحُل عنه عقده، فإن ابني مُجْلَسٌ ومسئول، ففعلت به الذي أمر [¬٣]، فلما فرغت قلت: يرحمك الله، عم يُسال] ابنك؟ من يسأله إياه؟ قال: يُسأل عن الميثاق الذي أقر به في صلب آدم. قلت: يا أبا القاسم، وما [¬٤] هذا الميثاق الذي أقر به [¬٥]، في صلب آدم؟ قال: حدثني ابن عباس: ان الله مسح صلب آدم، فاستخرج منه كل نسمة هو خالقها إلى يوم القيامة، فأخذ منهم الميثاق: أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا، وتكفل لهم بالأرزاق، ثم أعادهم في صلبه، فلن تقوم الساعة حتى يولد من أعطى الميثاق يومئذ، فمن أدرك منهم الميثاق الآخر فوفى به نفعه الميثاق الأول، ومن أدرك الميثاق الآخر، فلم يف [¬٦] به لم ينفعه الميثاق الأول، ومن مات صغيرًا قبل أن يدرك الميثاق الآخر مات على الميثاق الأول على الفطرة.\nفهذه الطرق كلها مما تقوي وقف هذا على ابن عباس، والله أعلم.\n(حديث آخر): وقال ابن جرير (^٢٤٢): حدثنا عبد الرحمن بن الوليد، حدثنا أحمد بن أبي طيبة، عن سفيان بن سعيد، عن الأجلح، عن الضحاك عن منصور، عن مجاهد، عن عبد الله\n_________\n(^٢٤٢) - \" التفسير\" لابن جرير (١٣/ ١٥٣٥٤) وذكره السيوطي في\"الدر المنثور\" (٣/ ٢٦١) وعزاه إلى ابن جرير وابن مندة في \"كتاب الرد على الجهمية\" - وهو عند ابن منده (ص ٦٣، ٦٤) معلقًا عن مجاهد عن ابن عمر - كذا وهو مصحف - به موقوفًا، وأخرجه ابن جرير أيضًا (١٣/ ١٥٣٥٥) من طريق يحيى بن سعيد، وابن أبي حاتم (٥/ ٨٥٣٢) من طريق يحيى بن يمان، كلاهما (يحيى بن سعيد ويحيى بن يمان) عن سفيان - مقرونًا به شريك عند ابن أبي حاتم عن منصور به موقوفًا، ورواية عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان المشار إليها هنا، لم أهتد إليها والله أعلم.\nورواه ابن جرير أيضًا (١٣/ ١٥٣٥٦) ثنا ابن وكيع وابن حميد قالا: ثنا جرير عن منصور به موقوفًا.\nوقد أعل ابن جرير رواية أحمد بن أبي طيبة المرفوعة، بهذه الروايات الموقوفة فقال: \"لا أعلمه صحيحًا؛ لأن الثقات الذين يعتمد على حفظهم وإتقانهم، حدَّثوا بهذا الحديث عن الثوري، فوقفوه على عبد الله بن عمرو، ولم يرفعوه، ولم يذكروا في الحديث هذا الحرف الذي ذكره أحمد بن أبي طيبة عنه - يعني من قوله: \"فقال لهم ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ …﴾ إلى آخر الحديث، لان لم يكن ذلك عنه صحيحًا فالظاهر يدلُّ على أنه خبر من الله عن قِيل بنى آدم بعضهم لبعض، لأنه جل ثناؤه قال: ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا﴾ فكأنه=\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- فى ز: \"الضحاك\".\n[¬٣]- فى تفسير ابن جرير \"أمرني\".\n[¬٤]- في ت: \"ومال\".\n[¬٥]- زيادة من: ز.\n[¬٦]- في خ: \"يقر\".","vol":"6","page":438},{"text":"ابن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ [¬١]﴾ قال: أخذوا [¬٢] من ظهره كما يؤخذ بالمشط من الرأس، فقال لهم: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ قالت الملائكة: ﴿شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾.\nأحمد بن أبي طيبة هذا هو أبو محمد الجرجاني قاضي قومس [¬٣]، كان أحد الزهاد، أخرج له النسائي في سننه، وقال أبو حاتم الرازي: يكتب حديثه، وقال ابن عدي: حدّث بأحاديث أكثرها [¬٤] غرائب.\nوقد روى هذا الحديث عبد الرحمن [] [¬٥] بن مهدي، عن سفيان الثوري، عن منصور، عن مجاهد، عن عبد الله بن عمرو قوله، وكذا [رواه جرير، عن منصور] [¬٦] به، وهذا أصح، والله أعلم.\n(حديث آخر): قال الإِمام أحمد (^٢٤٣): حدثنا روح - هو ابن عبادة - حدثنا مالك.\nوحدثنا إسحاق، حدثنا [¬٧] مالك، عن زيد بن أبي أنيسة: أن عبد الحميد بن عبد الرحمن ابن زيد بن الخطاب أخبره، عن مسلم بن يسار الجُهَني: أن عمر بن الخطاب سُئل عن هذه الآية: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ [¬٨] وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ\n_________\n= قيل: \"فقال الذي شهدوا على المقرِّين حين أقروا فقالوا \"بلى\" شهدنا عليكم بما أقررتم به على اُنفسكم كيلا تقولوا يوم القيامة: إنا كنا عن هذا غافلين\".\n(^٢٤٣) - \" المسند\" (١/ ٤٤) (٣١١) وفيه قال أبو عبد الرحمن عبد الله بن أحمد: وحدثنا مُصْعَبٌ الزبيري حدثني مالك به، والحديث عند مالك في \"الموطأ\"، كتاب: القدر، باب: النهي عن القول بالقدر (ح رقم ٢)، وأخرجه ابن جرير (١٣/ ١٥٣٥٧) والحاكم في المستدرك (١/ ٢٧) من طريق روح ابن عبادة مقرونًا به - عند ابن جرير: سعد بن عبد الحميد بن جعفر - عن مالك به، وأخرجه أبو داود، كتاب: السنة، باب: في القدر (٤٧٠٣)، والحاكم (١/ ٢٧)، (٢/ ٣٢٤، ٥٤٤) وعنه البيهقي في\"الأسماء والصفات\" (٢/ ٧١٠) من طريق القعنبي، والترمذي كتاب: التفسير، باب: ومن سورة الأعراف (٣٠٧٧) والفريابي في \"كتاب القدر\" (٢٨) من طريق معن، والنسائي في \"التفسير\" من \"الكبرى\" (٦/ ١١١٩٠) والفريابي (رقم ٢٧) وعنه الآجري في \"الشريعة\" (١/ رقم ٣٦٢) من طريق قتيبة بن سعيد وابن أبي حاتم في تفسيره (٥/ ١٦١٢) =\n_________\n[¬١]- في ز: \"ذرياتهم\".\n[¬٢]- في خ، ز: \"أخذ\".\n[¬٣]- في ز: \"قرمس\".\n[¬٤]- في ز: \"كثيرة\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين في ز: \"حمزة\".\n[¬٦]- في خ، ز: \"رواه ابن جرير عن منصور\" وهو خطأ صوابه المثبت.\n[¬٧]- في ز \"بن\".\n[¬٨]- في ز: \"ذرياتهم\".","vol":"6","page":439},{"text":"بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ الآية، فقال عمر بن الخطاب: سمعت رسول الله ﷺ سئل عنها فقال: \"إن الله خلق آدم ﵇ ثم مسح ظهره بيمينه، فاستخرج منه ذرية، [قال. خلقت هولاء للجنة، وبعمل أهل الجنة يعملون، ثم مسح ظهره، فاستخرج منه ذرية] [¬١]، قال: خلقت هؤلاء للنار، وبعمل أهل النار يعملون\". فقال رجل [¬٢]: يا رسول الله، ففيم العمل؟ قال رسول الله ﷺ: \"إذا خلق الله العبد [¬٣] للجنة استعمله بأعمال أهل الجنة حتى يموت على عمل من أعمال أهل الجنة فيدخله به الجنة، وإذا\n_________\n= من طريق ابن وهب وابن حبان في صحيحه (١٤/ ٦١٦٦) والبغوي في \"شرح السنة\" (١/ ٧٧) والضياء في \"المختاره\" (١/رقم ٢٨٩) من طريق أحمد بن أبي بكر أبي مصعب الزهري، وابن أبي عاصم في \"السنة\" (١/ رقم ١٩٦) من طريق عبد الأعلى بن حماد النرسي، وابن منده في \"الرد على الجهمية\" (٢٨) من طريق سعيد بن عفير ويحيى بن بكير، والحاكم (٢/ ٥٤٤) من طريق يحيى بن بكير، وأيضًا (٢/ ٣٢٤) وعنه البيهقي (٢/ ٧٠١) من طريق إسحاق بن سليمان واللالكائي في \"شرح أصول الاعتقاد\" (٣/ ٩٩٠) من طريق عبد الرحمن بن القاسم؛ كلهم (روح وإسحاق بن عيسى، ومصعب الزبيري، وسعد، والقعنبي، ومعن، وقتيبة، وابن وهب، وأبو مصعب الزهرى، وعبد الأعلى، وسعيد بن عفير، ويحيى بن بكير، وإسحاق بن سليمان، وعبد الرحمن بن القاسم) كلهم عن مالك به، وصححه الحاكم على شرط الشيخين، فتعقبه الذهبي - في الموضع الأول - قائلًا \"فيه إرسال\" ووجهه الانقطاع بين مسلم بن يسار وعمر كما قال الترمذي وأبو حاتم وأبو زرعة، وغيرهم ثم إن مسلمًا هذا لم يوثقه غير ابن حبان والعجلي وهما مشهوران بالتساهل في ذلك!! وقد ووي موصولًا أخرجه أبو داود (٤٧٠٤) - ومن طريقه الضياء في \"المختارة\" (١/ ٢٩٠) وابن جرير (١٣/ ١٥٣٥٨) من طريق عمر بن جُعثم القرشي، والبخاري في \"التاريخ الكبير\" (٨/ ٩٧) وأبن أبي عاصم في \"السنة\" (١/ ٢٠١) ومحمد بين نصر في كتاب \"الرد على محمد بن الحنفية\" - كما في \"النكت الظراف\" (٨/ ١١٣) - من طريق يزيد ابن سنان، وابن عبد البر في \"التمهيد\" (٦/ ٤، ٥) من طريق أبي عبد الرحيم الحراني ثلاثتهم) عمر بن جعثم، ويزيد بن سنان، وأبو عبد الرحيم) عن زيد بن أبي أنيسة عن عبد الحميد بن عبد الرحمن عن مسلم بن يسار عن نعيم بن ربيعة قال: كنت عند عمر بن الخطاب … فذكر الحديث، وقال الدارقطني في \"العلل\" (٢/ ٢١٢) \"هذا أولى بالصواب\" ومع هذا فإن إسناده لا تقوم به الحجة لجهالة نعيم بن ربيعة هذا قال ابن عبد البر في \"التمهيد\" (٦/ ٦): \"وجملة القول في هذا الحديث، أنه حديث ليس إسناده بالقائم؛ لأن مسلم بن يسار ونعيم بن ربيعة جميعًا غير معروفين بحمل العلم، ولكن معنى هذا الحديث قد صح عن النبي، ﷺ، من وجوه كثيرة ثابتة بطول ذكرها … \" ثم ذكر بعض الأحاديث - فانظرها إن شئت - مع كتاب \"شفاء العليل\" لابن قيم الجوزية (ص ١٩: ٢٦) وبالله التوفيق.\n_________\n[¬١] ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- سقط من: ز.","vol":"6","page":440},{"text":"خلق العبد للنار استعمله بأعمال [¬١] أهل النار، حتى يموت على عمل من أعمال أهل النار، فيدخله به النار\".\nوهكذا رواه أبو داود عن القعنبي، والنسائي عن قتيبة، والترمذي عن إسحاق بن موسى عن معن، وابن أبي حاتم، عن يونس بن عبد الأعلى، عن ابن وهب، وابن جرير [من حديث] [¬٢] روح بن عبادة وسعد [¬٣] بن عبد الحميد بن جعفر، وأخرجه ابن حبان في صحيحه من رواية [أبي مصعب الزهري] [¬٤]، كلهم، عن الإِمام مالك بن أنس به.\nقال الترمذي: \"وهذا حديث حسن، ومسلم بن يسار لم يسمع عمر [¬٥]. و[¬٦] كذا قاله أبو حاتم وأبو زرعة، زاد أبو حاتم: وبينهما نعيم بن ربيعة.\nوهذا الذي قاله أبو حاتم رواه أبو داود في سننه عن محمد بن مصفى، عن بقية، [عن عمر ابن جُعْثم [¬٧] القرشي، عن زيد بن أبي أنيسة] [¬٨]، عن [¬٩] عبد الحميد بين عبد الرحمن ابن زيد ابن الخطاب، عن مسلم بن يسار الجهني، عن نعيم بن ربيعة قال: كنت عند عمر بن الخطاب، وقد سئل عن هذه الآية: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ [¬١٠]﴾ فذكره.\nوقال الحافظ الدارقطني [¬١١]: وقد تابع عمرَ بن [جعثم يزيدُ] [¬١٢] بن سنان أبو فروة الرهاوي، وقولهما أولي بالصواب من قول مالك، والله أعلم.\nقلت: الظاهر أن الإِمام مالكًا إنما أسقط ذكر نعيم بن ربيعة عمدًا لما جهل حاله ولم يعرفه، فإنه غير معروف إلا في هذا الحديث، وكذلك [¬١٣] يسقط ذكر جماعة ممن لا يرتضيهم؛ ولهذا\n_________\n[¬١]- في ز: \"بعمل\".\n[¬٢]- سقط من: ت.\n[¬٣]- في خ، ز: \"سعيد\" وصوابه المثبت كما في تفسير ابن جرير وكتب الرجال.\n[¬٤]- في خ، ز: \"أبي مصعب الزبيري\" وهو خطأ صوابه المثبت كما في صحيح ابن حبان وكتب الرجال.\n[¬٥]- في ز: \"عمرو\".\n[¬٦]- سقط من: ز.\n[¬٧]- في ز: \"جعتم\".\n[¬٨]- هكذا هنا وفي \"السنن\" (حدثني عمر بن جعثم القرشي قال: حدثني زيد بن أبي أنيسة عن عبد الحميد بن عبد الرحمن، به\".\n[¬٩]- سقط من: ز.\n[¬١٠]- في ز: \"ذرياتهم\".\n[¬١١]- في كتابه القيم \"العلل\" (٢/ ٢٢٢، ٢٢٣) الذي لم ير مثله في بابه.\n[¬١٢]- ما بين المعكوفتين في ز: \"جعتم بن زيد\".\n[¬١٣]- في خ: \"لذلك\".","vol":"6","page":441},{"text":"يرسل كثيرًا من المرفوعات، ويقطع كثيرًا من الموصولات [¬١]، والله أعلم.\n(حديث آخر) قال الترمذي (^٢٤٤) عند تفسير هذه الآية: حدثنا عبد بن حميد، حدثنا أبو نعيم، حدثنا هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"لما خلق الله آدم مسح ظهره، فسقط من ظهره كل نسمة هو خالقها من ذريته إلى يوم القيمة، وجعل بين عيني كل إنسان منهم وبيصًا من نور، ثم عرضهم على آدم فقال: أي رب، من هؤلاء؟ قال: هؤلاء ذريتك، فرأى رجلا منهم فأعجبه وبيص [¬٢] ما بين عينيه فقال: أيْ رب، من هذا؟ قال: هذا رجل من آخر الأمم من ذريتك، يقال له: داود، قال: رب، وكم جعلت عمره؟ قال: ستين سنة. قال: أي رب، [قد وهبت له] [¬٣] من عمري أربعين سنة، فلما انقضى عمر آدم، جاءه ملك الموت، قال: أو [¬٤] لم يبق من عمري أربعون سنة، قال: أو لم تعطها ابنك داود؟ قال [¬٥]: فجحد آدم [¬٦] فجحدت ذريته، ونسي آدم فنسيت ذريته، وخطئ آدم فخطئت ذريته\".\nثم قال الترمذي: هذا حديث حسن [¬٧] صحيح. وقد رُوي من غير وجه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ.\n_________\n(^٢٤٤) - \" الجامع\" للترمذي، كتاب: تفسير القرآن، باب: ومن سورة الأعراف (٣٠٧٨) وأخرجه الحاكم (٢/ ٣٢٥) من طريق أبي نعيم به، وابن سعد في \"الطبقات\" (١/ ٢٤، ٢٥) اخبرنا خلاد بن يحيى، وإسحاق بن راهوية - كما في \"شفاء العليل\" لابن القيم (ص ٢٢) - من طريق جعفر بن عون، وأبو يعلى (١٢/ ٦٦٥٤) من طريق القاسم بن الحكم العُرني، أربعتهم (أبو نعيم وخلاد وجعفر والقاسم) عن هشام بن سعد به، وقال الترمذي: \"حديث حسن صحيح، وقد روي من غير وجه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ\" وصححه الحاكم على شرط مسلم ووافقه الذهبي. وانظر ما بعده.\n_________\n[¬١]- لكن قال ابن عبد البر فى \"التمهيد\" (٦/ ٥، ٦): \"زيادة من زاد في هذا الحديث نعيم بن ربيعة ليست حجة لأن الذي لم يذكره أحفظ - يعني مالكًا - وإنما تقبل الزيادة من الحافظ المتقن\" كذا قال مع أن الدارقطني صوب زيادة \"نعيم بن ربيعة\" في الإسناد وكذا الحافظ ابن كثير هنا وأشار إلى ذلك الترمذي وهو أشبه بالصواب، فإن عمر بن جعثم ويزيد بن سنان وإن كان غير ثقتين لكن تابعهما أبو عبد الرحيم الحراني وهو ثقة روى له مسلم وغيره. وعلى كلا الحالين فلا يصح إسناده كما بينا في تخريجه وبالله التوفيق.\n[¬٢]- فى ز: \"ومص\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في خ، ز: \"زده\".\n[¬٤]- في ز: \"و\".\n[¬٥]- سقط من: ز.\n[¬٦]- سقط من: ز.\n[¬٧]- زيادة من: ز. وكذا فى \"سنن الترمذي\".","vol":"6","page":442},{"text":"ورواه الحاكم في مستدركه: من حديث أبي نعيم الفضل بن دكين به، وقال: صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه.\nورواه ابن أبي حاتم في تفسيره (^٢٤٥)، من حديث عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه أنه حدث [¬١]، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ، فذكر نحو ما تقدم، إلى أن قال: \"ثم عرضهم على آدم فقال: يا آدم، هؤلاء ذريتك وإذا فيهم الأجذم والأبرص والأعمى وأنواع الأسقام [¬٢]، فقال آدم: يارب، لم فعلت هذا بذريتي؟ قال: كي تشكر نعمتي، وقال آدم: يارب، من هؤلاء الذين أراهم أظْهَرَ الناس نورًا. قال: هؤلاء الأنبياء يا آدم من ذريتك\". ثم ذكر قصة داود، كنحو ما تقدم.\n(حديث آخر) (^٢٤٦): قال عبد الرحمن بن قتادة النصري [¬٣]، عن أبيه، عن هشام بن حكيم ﵁: إن رجلًا سأل النبي، ﷺ، فقال: يارسول الله -، أتبدأ الأعمال، أم قد قُضي القضاء؟ قال: فقال رسول الله ﷺ: \"إن الله قد أخذ ذرية آدم من ظهورهم، ثم أشهدهم على أنفسهم، ثم أفاض بهم في كفيه، ثم قال: هؤلاء في الجنة وهؤلاء في النار، فأهل الجنة ميسرون لعمل أهل الجنة، وأهل النار ميسرون [¬٤] لعمل\n_________\n(^٢٤٥) - \" التفسير\" لابن أبي حاتم (٥/ ٨٥٣٥) أخبرنا العباس بن الوليد ثنا محمد بن شعيب أخبرني عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه به، وأخرجه أبو الشيخ في \"العظمة\" (٥/ رقم ١٠١٥) من طريق دحيم، وابن عساكر في \"تاريخ دمشق\" (٢/ ٦٢٤/ مخطوط) من طريق العباس بن الوليد أيضًا، كلاهما (العباس ودحيم) ثنا محمد بن شعيب، قال: حدثني عبد الرحمن بن زيد به، ورواية دحيم مختصرة، وعبد الرحمن بن زيد هذا أجمعوا على ضعفه، ورواه ابن وهب حدثني هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة به، أخرجه أبو يعلى في مسنده (١١/ ٦٣٧٧) ثنا أبو همام ثنا ابن وهب به، قال ابن أبي حاتم في \"العلل\" (٢/ رقم ١٧٥٧) \"سئل أبو زرعة عن حديث رواه ابن وهب عن هشام بن سعد فذكره\" - ورواه أبو نعيم عن هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن أبي صالح .... - الطريق السابق - قلت لأبي زرعة: \"أيهما أصح؟ قال: حديث أبي نعيم أصح، وهم ابن وهب في حديث\" - وقد توبع أبو نعيم أيضًا كما تقدم -.\n(^٢٤٦) - هذا الحديث رواه راشد بن سعد عن عبد الرحمن بن قتادة واختلف فيه على راشد بن سعد:\n١ - فقيل: عن راشد بن سعد عن عبد الرحمن بن قتادة عن أبيه عن هشام بن حكيم.\n_________\n[¬١]- في ز: \"حدثه\".\n[¬٢]- في ز: \"الأقسام\".\n[¬٣]- في خ، ر: \"البصرى\".\n[¬٤]- في ز: \"ميسورون\".","vol":"6","page":443},{"text":"أهل النار\".\nرواه ابن جرير وابن مردويه من طرق عنه.\n_________\n=أخرجه إسحاق بن راهويه - كما في \"شفاء العليل\" لابن القيم (ص ٢١)، و\"المطالب العالية المسندة\" (٧/ ٣٢٥٣ /ط: قرطبة) - ومن طريقه البيهقي في \"الأسماء والصفات\" (٢/ ٧١١) - والبخاري في \"التاريخ الكبير\" (٨/ ١٩١، ١٩٢) من طريق خطاب بن عثمان، وابن جرير في تفسيره (١٣/ ١٥٣٧٧) ثنا أحمد بن الفرج الحمصي و(١٣/ ١٥٣٧٨) حدثني محمد بن عوف قال: حدثنا حيوة ويزيد، والطبراني في \"الكبير\" (٢٢/ رقم ٤٣٥) من طريق محمد بن المبارك الصوري، ستتهم (إسحاق وخطاب وأحمد ومحمد وحيوة بن شريح ويزيد بن هارون) ثنا بقية ابن الوليد، حدثني الزبيدي عن راشد بن سعد به، غير أن إسحاق بن راهويه سمى \"عبد الرحمن بن قتادة\" \"عبد الرحمن بن أبي قتادة\" وتابع بقية عبدُ الله بن سالم عن الزبيدي به غير أنه قال: \"عبد الرحمن بن أبي قتادة\" أخرج هذه المتابعة البخاري في \"التاريخ الكبير\" (٥/ ٣٤١) وابن أبي عاصم في \"السنة\" (١/ رقم ١٦٩) وابن جرير (١٣/ ١٥٣٧٩)، وعبد الرحمن بن قتادة هذا هو السلمي، رجح الحافظ في \"الإصابة\" أنه صحابي، ووالده \"قتادة\" ترجم له البخاري في \"التاريخ الكبير\" (٧/ ١٨٥) وابن أبي حاتم في \"الجرح والتعديل\" (٧/ ١٣٥) باسم \"قتادة النصري الشامي\" وذكرا أنه روى عن هشام بن حكيم، وروى عنه ابنه عبد الرحمن، ولم يذكرا أنه صحابي ولم يترجم له ابن حجر في \"الإصابة\" وهذا غريب جدًّا، وهشام بن حكيم - وهو ابن حزام - صحابي معروف [وانظر \"حاشية\" الأديب محمود شاكر على هذا الحديث في تفسير ابن جرير]، وقد قال الحافظ ابن حجر في \"المطالب\" عقب هذا الإسناد: \"هذا حديث غريب\" وقال البوصيري: \"هذا إسناد ضعيف غريب\" قلت: ووجهه ما فيه من الاضطراب - كما يأتي.\n٢ - وقيل عن راشد بن سعد عن عبد الرحمن بن قتادة عن هشام بن حكيم.\nأخرجه الفريابي في كتاب \"القدر\" (رقم ٢٢) ثنا عمرو بن عثمان وأبو أنس مالك أبن سليمان - وعنه من الطريق الأولى الآجري في \"الشريعة\" (١/ ٣٦٨) - وابن أبي عاصم في \"السنة\" (١/ رقم ١٦٨) وفي \"الآحاد والمثاني\" (٢/ رقم ٥٩٩) من طريق عبد الوهاب بن نجدة الحوطي وعمرو بن عثمان وابن مصفى، أربعتهم (عمرو، ومالك، وعبد الوهاب وابن مصفى) ثنا بقية ثنا الزبيدي عن راشد، به.\n٣ - وقد رواه معاوية بن صالح عن راشد بن سعد، واختلف فيه على معاوية بن صالح. فرواه عبد الله بن صالح كاتب الليث عنه عن راشد بن سعد عن عبد الرحمن بن قتادة عن هشام بن حكيم به أخرجه الفريابي (٢٤) وابن جرير (١٣/ ١٥٣٨٠) والطبراني (٢٢/ ٤٣٤)، وعبد الله بن صالح ضُعِّفَ وخالفه الثقات، فرواه الليث بن سعد عند أحمد (٤/ ١٨٦) وابن وهب عند ابن حبان (٢/ رقم ٣٣٨) والحاكم (١/ ٣١) وابن عساكر في \"تاريخ دمشق\" (٦/ ١٧٤/ مخطوط)","vol":"6","page":444},{"text":"(حديث آخر): - روي جعفر بن الزبير - وهو ضعيف - عن القاسم، عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ: \"لما خلق الله الخلق، وقضى القضية، أخذ أهل اليمين بيمينه وأهل الشمال بشماله، فقال: يا أصحاب اليمين، فقالوا: لبيك وسعديك، قال: ألست بربكم؟ قالوا: بلى. قال: يا أصحاب الشمال، قالوا: لبيك وسعديك، قال: ألست بربكم؟ قالوا: بلى. ثم خلط بينهم، فقال قائل: يارب، لم خلطت بينهم؟ قال: لهم أعمال من دون ذلك هم لها عاملون، أن يقولوا يوم القيمة إنا كنا عن هذا غافلين، ثم ردهم في صلب آدم\". رواه ابن مردويه (^٢٤٧).\n(أثر آخر): قال أبو جعفر الرازي: عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ [¬١]﴾ الآية والتي بعدها، قال: فجمعهم له يومئذ جميعًا، ما هو كائن منه إلى يوم القيامة، فجعلهم ثم [¬٢] صورهم، ثم استنطقهم فتكلموا، وأخذ عليهم العهد والميثاق، وأشهدهم على أنفسهم: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ الآية، قال: فإني أشهد عليكم السماوات السبع، - والأرضين السبع، وأشهد\n_________\n=ومعن بن عيسى عند الفريابي (٢٥) واين سعد في \"الطبقات\" (٧/ ٢٩٢) وابن شاهين كما في \"الإصابة\" (٦/ ٣١٦) - وحماد بن خالد الخياط عند ابن سعد (١/ ٢٧) أربعتهم (الليث وابن وهب ومعن وحماد) عن معاوية بن صالح عن راشد بن سعد قال: حدثني عبد الرحمن بن قتادة السلمي، وكان من أصحاب النبي ﷺ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول … فذكر الحديث. وقد رواه عبد الله بن صالح أيضًا على الجادة كرواية الليث وغيره أخرجه الفريابي (٢٦) وصححه الحاكم ووافقه الذهبي؛ لكن أعل البخاري هذه الرواية فقال في \"التاريخ\" (٥/ ٣٤١): \"وقال معاوية مرة: عبد الرحمن بن قتادة سمعت النبي ﷺ وهو خطأ\" وكذا أعله بالاضطراب ابن السكن - كما في \"الإصابة\" (٦/ ٣١٦) - لكن رد ذلك ابن حجر وأثبت الصحبة لعبد الرحمن بن قتادة ثم قال: \"لا يضر بعد ذلك إن كان سمع الحديث من النبي ﷺ أو بينهما واسطة\" والله أعلم.\n(^٢٤٧) - عزاه لابن مردويه السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ٢٦٢) - وأخرجه الطيالسي في \"مسنده\" (رقم ١١٣٠) مختصرًا والطبراني في \"المعجم الكبير\" (٨/ رقم ٧٩٤٣) وابن عدي في\"الكامل\" (٧/ ٢٧٢٣) من طريق جعفر بن الزبير به، وجعفر هذا تركه غير واحد، بل نقل ابن الجوزي الإجماع على أنه \"متروك\" انظر \"التهذيب\". وقال ابن عدي: \"لجعفر أحاديث عن القاسم وعامتها لا يتابع عليه والضعف على حديثه بين\". وبه أعل هذه الطريق بن الهيثمي في \"المجمع\" (٧/ ١٩٢) - لكنه قصر فى تضعيف جعفر هذا - فقال: \"فيه جعفر بن الزبير وهو ضعيف\" وتابعه - من هو مثله فأخرجه الدارمي فى \"الرد على الجهمية\" (ص ١١) والعقيلي=\n_________\n[¬١]- فى ز: \"ذرياتهم\".\n[¬٢]- سقط عن: ت.","vol":"6","page":445},{"text":"عليكم أباكم آدم، أن تقولوا يوم القيامة: لم نعلم بهذا، اعلموا أنه لا إله غيري، ولا رب غيري، فلا [¬١] تشركوا بي شيئا، وإني سأرسل إليكم رسلًا يذكرونكم [¬٢] عهدي وميثاقي، وأنزل عليكم كتبي، قالوا: نشهد أنك ربنا وإلهنا، لا رب لنا غيرك [ولا إله لنا غيرك] [¬٣]. فأقروا له يومئذ بالطاعة، ورفع أباهم آدم فنظر إليهم، فرأى فيهم الغني والفقير، وحسن الصورة ودون ذلك، فقال: يارب، لو سويت بين عبادك؟ قال: إني أحببت أن أشكر. ورأى فيهم الأنبياء مثل السُّرُج عليهم النور، وخصوا بميثاق آخر من الرسالة والنبوة، فهو الذي يقول تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ [وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا] [¬٤]﴾، وهو الذي يقول: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ [الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ] [¬٥]﴾ ومن ذلك قال: ﴿هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى﴾، ومن ذلك قال: ﴿وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ [وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ] [¬٦]﴾.\nرواه عبد الله بن الإِمام أحمد في مسند أبيه (^٢٤٨)، ورواه ابن أبي حاتم وابن جرير وابن مردويه\n_________\n= في \"الضعفاء\" (١/ ١٣٩، ١٤٠) وأبو الشيخ في \"العظمة\" (٢/ ٢٢٨) وابن أبى شيبة في مسنده - كما في \"المطالب العالية المسندة\" (٧/ ٣٢٥٧) من طريق بشر بن نمير عن القاسم عن أبي أمامة به وبشر بن نمير هذا أجمعوا على ضعفه، وقال ابن عدي: \"عامة ما يرويه عن القاسم وعن غيره لا يتابع عليه\" - مترجم له في \"التهذيب\".\nوله طريق آخر عن أبي أمامة أخرجه الطبراني أيضًا في \"الأوسط\" (٧/ ٧٦٣٢) من طريق سلم بن سالم عن عبد الرحمن عن سليمان التيمي عن أبى عثمان النهدي عن أبي أمامة به مرفوعًا وقال الطبراني: \"لم يرو هذا الحديث عن سليمان التيمي إلا عبد الرحمن أظنُّه: ابن عمر المكي - تفرَّد به سلم بن سالم\" قلت: هو البلخي الزاهد ضعفه ابن معين وغيره - ترجمته في \"اللسان\" وبه أعل هذه الطريق الهيثمي فقال: \"فيه سلم بن سالم وهو ضعيف\".\nوالحديث زاد نسبته السيوطي في \"الدر المنثور\" إلى عبد بن حميد والحكيم الترمذي في \"نوادر الأصول، وبالله التوفيق.\n(^٢٤٨) - \" المسند\" (٥/ ١٣٥) - ومن طريقه الضياء في \"المختارة\" (٣/ ١١٨٥) - نا محمد بن يعقوب الربالي، نا المعتمر بن سليمان، قال: سمعت أبى يُحدّثُ عن الربيع بن أنس به، وأخرجه الدولابي في \"الكنى\" (٢/ ٢٠) من طريق يحيى بن حبيب، وابن منده في \"الرد على الجهمية\" (٣٠) من طريق روح بن أسلم كلاهما (يحيى وروح) عن معتمر بن سليمان به وإسناده صحيح، وذكره الهيثمي في \"المجمع\" (٧/ ٢٧، ٢٨) وقال: \"رواه عبد الله بن أحمد عن شيخه=\n_________\n[¬١]- في ز: \"ولا\".\n[¬٢]- فى ز: \"ينذرونكم\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٤]- فى ت: \"الآية\".\n[¬٥]- في ت: \"الآية\".\n[¬٦]- في ت: \"الآية\".","vol":"6","page":446},{"text":"في تفاسيرهم، من رواية أبي جعفر الرازي به، ورُوي عن مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير والحسن وقتادة والسدي وغير واحد من علماء السلف سياقات توافق هذه الأحاديث، اكتفينا بإيرادها عن التطويل بتلك الآثار كلها، وبالله المستعان.\nفهذه الأحاديث دالة على أن الله ﷿ استخرج ذرية آدم من صلبه، وميز بين أهل الجنة وأهل النار، وأما الإِشهاد عليهم هناك بأنه ربهم فما هو إلا في حديث كلثوم بن جبر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس [¬١]. وفي حديث عبد الله بن عمرو [¬٢]- وقد بينا أنهما موقوفان لا مرفوعان، كما تقدم، ومن ثم قال قائلون من السلف والخلف: إن المراد بهذا الإِشهاد إنما هو فَطْرهم على التوحيد، كما تقدم في حديث أبي هريرة [¬٣]، وعياض بن حمار المجاشعي [¬٤]، ومن رواية الحسن البصرى عن الأسود بن سريع [¬٥]، وقد فسر الحسن البصري الآية بذلك، قالوا: ولهذا قال: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ﴾ ولم يقل: من آدم، ﴿مِنْ ظُهُورِهِمْ﴾ ولم يقل: من ظهره ﴿ذُرِّيَّتَهُمْ [¬٦]﴾ أي: جعل نسلهم جيلا بعد جيل، وقرنًا بعد قرن، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ﴾، وقال: ﴿وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ﴾، وقال: ﴿كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ﴾.\nثم قال: ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ أي: أوجدهم شاهدين بذلك، قائلين له حالًا وقالًا، والشهادة تارة تكون بالقول، كقوله [¬٧]: ﴿قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا﴾ الآية، وتارة تكون حالا؛ كما قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ﴾ أي: حالهم شاهد عليهم بذلك، لا أنهم قائدون ذلك، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ﴾، كما أن السؤال تارة يكون بالقال [¬٨]، وتارة يكون بالحال؛ كقوله: ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ﴾ قالوا: ومما يدل على أن المراد بهذا\n_________\n= محمد ابن يعقوب الربالي - وهو مستور - وقد توبع كما ترى - وبقية رجاله رجال الصحيح\" وأخرجه ابن جرير في تفسيره (١٣/ ١٥٣٦٣) وابن أبي حاتم (٥/ ٨٥٣٧) وابن مردويه - كما في \"الدر المنثور\" (٣/ ٢٦٠) - ومن طريقه الضياء (٣/ ١١٥٩) - واللالكائي في \"شرح أصول الاعتقاد\" (٣/ رقم ٩٩١) من طريق أبي جعفر الرازي - عيسى بن عبد الله بن ماهان - عن الربيع ابن أنس به، وصححه الحاكم (٢/ ٣٢٣، ٣٢٤) ووافقه الذهبي، وزاد نسبته السيوطي إلى عبد بن حميد وأبي الشيخ والبيهقي في \"الأسماء والصفات\" وابن عساكر في تاريخه.\n_________\n[¬١]- تقدم برقم (٢٣٨، ٢٣٩).\n[¬٢]- تقدم برقم (٢٤٢).\n[¬٣]- تقدم برقم (٢٣١).\n[¬٤]- تقدم برقم (٢٣٢).\n[¬٥]- تقدم برقم (٢٣٤).\n[¬٦]- في ز: \"ذرياتهم\".\n[¬٧]- في ز: \"كما قال\".\n[¬٨]- في ت: \"بالمقال\".","vol":"6","page":447},{"text":"هذا، أن جعل هذا الإِشهاد حجة عليهم في الإِشراك، فلو كان قد وقع هذا كما قاله من قال [¬١] لكان كل أحد يذكره، ليكون حجة عليه، فإن قيل: إخبار الرسول ﷺ به كاف في وجوده، فالجواب: أن المكذبين من المشركين يكذبون بجميع ما جاءتهم به الرسل من هذا وغيره، وهذا جعل حجة مستقلة عليهم، فدل على أنه على الفطرة التي فطروا عليها من الإِقرار بالتوحيد؛ ولهذا قال: ﴿أَنْ تَقُولُوا [¬٢]﴾ أي: لئلا تقولوا [¬٣] يوم القيامة: ﴿إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا﴾ أي: التوحيد ﴿غَافِلِينَ (١٧٢) أَوْ تَقُولُوا [¬٤] إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا﴾ الآية.\n﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (١٧٥) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (١٧٦) سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ (١٧٧)﴾\nقال عبد الرزاق (^٢٤٩): عن سفيان الثوري، عن الأعمش ومنصور، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن عبد الله بن مسعود ﵁ في قوله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا﴾ الآية، قال: هو رجل من بني إسرائيل يقال له: بلعم بن آبَرَ. وكذا رواه شعبة وغير واحد، عن منصور، به.\nوقال سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن ابن عباس: هو صيفي بن الراهب.\n_________\n(^٢٤٩) - \" التفسير\" لعبد الرزاق (٢/ ٢٤٣) ومن طريقه وطرق أخرى ابن جرير (١٣/ ١٥٣٨٩، ١٥٣٨٣، ١٥٣٨٨) وابن أبي حاتم (٥/ ٨٥٤١) والطبراني في \"الكبير\" (٩/ ٩٠٦٤) من طرق عن سفيان به، وأخرجه النسائي في \"التفسير\" من \"الكبرى\" (٦/ ١١١٩٣) وابن جرير (١٣/ ١٥٣٨١، ١٥٣٨٥) من طرق عن شعبة وابن جرير أيضًا (١٣/ ١٥٣٨٢، ١٥٣٨٤، ١٥٣٨٦) من طريق جرير وعمرو، أربعتهم (سفيان وشعبة وجرير وعمرو) عن منصور - مقرونًا به في بعض الروايات الأعمش - به، وذكره الهيثمي في \"المجمع\" (٧/ ٢٨) وقال: \"رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح\" وزاد نسبته السيوطي (٣/ ٢٦٥) إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وأبي الشيخ وابن مردويه.\n_________\n[¬١]- في خ: \"قال\".\n[¬٢]- في ز: \"يقولوا\".\n[¬٣]- في ز: \"يقولوا\".\n[¬٤]- في ز: \"يقولوا\".","vol":"6","page":448},{"text":"قال قتادة: وقال كعب [¬١]: كان رجلًا من أهل البلقاء، وكان يعلم الاسم الأكبر، وكان مقيمًا ببيت المقدس مع الجبارين.\nوقال العوفي، عن ابن عباس ﵁: هو رجل من أهل اليمن، يقال له: بلعم، آتاه الله آياته فتركها.\nوقال مالك بن دينار: كان من علماء بني إسرائيل، وكان مجاب الدعوة، يقدمونه في الشدائد، بعثه نبي الله موسى ﵇ إلى ملك مَدْين يدعوه إلى الله، فأقطعه وأعطاه، فتبع دينه وترك دين موسى ﵇.\n[وقال سفيان بن عيينة] [¬٢]، عن حصين، عن عمران [¬٣] بن الحارث، عن ابن عباس: هو بلعم بن باعر. وكذا قال مجاهد وعكرمة.\nوقال ابن جرير (^٢٥٠): حدثني الحارث، حدثنا عبد العزيز، حدثنا إسرائيل، عن مغيرة، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: هو بلعام. وقالت ثقيف: هو أمية بن أبي الصلت.\nوقال شعبة (^٢٥١)، عن يعلى بن عطاء، عن نافع بن عاصم، عن عبد الله بن عمرو في قوله:\n_________\n(^٢٥٠) - تفسير ابن جرير (١٣/ ١٥٣٩٩) وفي حاشيته: هذه الجملة \"وقالت ثقيف … \" حذفت من المطبوعة وهي ثابتة في المخطوطة ولا أدرى أهي من كلام أبي جعفر، أم كلام ابن عباس، أو من كلام بعض رواة خبر ابن عباس، والأرجح أنها من قول بعض رواة الخبر.\n(^٢٥١) - أخرجه النسائي في \"التفسير\" من \"الكبرى\" (٦/ ١١١٩٢) وابن جرير (١٣/ ١٥٤٠٣، ١٥٤٠٤، ١٥٤٠٦) وابن أبي حاتم (٥/ ٨٥٤٢) من طرق عن شعبة به، ورجاله ثقات غير نافع ابن عاصم وهو ابن عروة بن مسعود الثقفي روى عنه اثنان ووثقه العجلي، وذكره ابن حبان في \"الثقات\" (٥/ ٤٦٩) وقال عنه الحافظ في \"التقريب\": \"صدوق\" وله طرق أخرى صحيحة انظر \"تفسير ابن جرير\" (١٣/ ٢٥٥، ٢٥٦، ٢٥٧) وذكره الهيثمي في \"المجمع\" (٧/ ٢٨) وقال: \"رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح\" وزاد نسبته السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ٢٦٦) إلى عبد بن حميد وابن المنذر وأبي الشيخ وابن مردويه.\n_________\n[¬١]- في تفسير ابن أبي حاتم (٥/ ٨٥٤٦) \"هو بلعم بن باعورة وكان رجلًا من أهل البلقاء … \".\n[¬٢]- كذا في المطبوعة والمخطوط، والذي في تفسير ابن جرير (١٣/ ١٥٣٨٧) ثنا ابن وكيع قال: ثنا عمران بن عيينة عن حصين به، وعمران هذا - وهو أخو سفيان بن عيينة - ضعفه أبو زرعة وقال أبو حاتم: لا يحتج بحديثه لأنه يأتي بالمناكير وضعفه ابن معين في رواية ابن محرز، وفي رواية الدوري قال: \"صالح الحديث\" وذكره ابن حبان في \"الثقات\" (٧/ ٢٤٠) وقال عنه ابن حجر في \"التقريب\": صدوق له أوهام.\n[¬٣]- في خ، ز: \"عثمان\".","vol":"6","page":449},{"text":"﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا﴾ الآية. قال: هو صاحبكم أمية بن أبي الصلت.\nوقد روي من غير وجه عنه، وهو صحيح إليه، وكأنه إنما أراد أن أمية بن أبي الصلت يشبهه، فإنه كان قد اتصل إليه علم كثير من علم الشرائع المتقدمة، ولكنه لم ينتفع بعلمه، فإنه أدرك زمان رسول الله ﷺ وبلغته أعلامه وآياته ومعجزاته، وظهرت لكل من له بصيرة، ومع هذا اجتمع به ولم يتبعه، وصار إلى موالاة المشركين ومناصرتهم وامتداحهم، ورثى أهل بدر من المشركين بمرثاة بليغة، قبحه الله. وقد جاء في بعض الأحاديث: \"أنه ممن آمن لسانه ولم يؤمن قلبه\" (^٢٥٢)، فإن له أشعارًا ربانية وحكمًا وفصاحة، ولكن لم يشرح الله صدره للإِسلام.\nوقال ابن أبي حاتم (^٢٥٣): حدثنا أبي، حدثنا ابن أبي عمر [¬١]، حدثنا سفيان، [عن أبي سعد] [¬٢] الأعور، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا﴾ قال: هو رجل أعطي ثلاث دعوات يستجاب له فيهن، وكانت [¬٣] له امرأة له منها ولد، فقالت: اجعل لي منها واحدة. قال: فلك واحدة، فما الذي تريدين؟ قالت: ادع الله أن يجعلني أجمل امرأة في بني إسرائيل، فدعا الله، فجعلها أجمل امرأة في بني إسرائيل، فلما علمت أن ليس فيهم مثلها رغبت عنه، وأرادت شيئًا آخر، فدعا الله أن يجعلها كلبة، فصارت كلبة، فذهبت دعوتان، فجاء بنوها فقالوا: ليس بنا على هذا قرار، قد صارت أمنا كلبة يعيرنا الناس بها، فادع الله أن يردها إلى الحال التي كانت عليها، فدعا الله، فعادت كما كانت، فذهبت الدعوات الثلاث، وسُمِّيت البسوس. غريب\nوأما المشهور في سبب نزول هذه الآية الكريمة فإنما هو رجل من المتقدمين في زمن [¬٤] بني إسرائيل؛ كما قال ابن مسعود وغيره من السلف.\n_________\n(^٢٥٢) - ضعيف يأتي تخريجه [سورة الرعد/ آية ٢].\n(^٢٥٣) - \" التفسير\" لابن أبي حاتم (٥/ ١٦١٧) (٨٥٤٩) وأخرجه ابن عساكر في \"تاريخ دمشق\" (٣/ ٤٢٧، ٤٢٨/ مخطوط) من طريق الحميدي ثنا سفيان بن عيينة به، وأبو سعد الأعور هو سعيد بن المرزبان ضعيف، ولذلك استغربه المصنف، والأثر زاد نسبته السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ٢٦٦) إلى أبي الشيخ.\n_________\n[¬١]- في ز: \"نمر\".\n[¬٢]- في خ، ز: \"عن أبي سعيد\" والمثبت من ابن أبي حاتم وكتب الرجال وأبو سعد هذا اسمه سعيد بن المرزبان، مترجم له في \"التهذيب\".\n[¬٣]- في ز: \"فكانت\".\n[¬٤]- في ز: \"زمان\".","vol":"6","page":450},{"text":"وقال على بن أبي طلحة، عن ابن عباس: هو رجل من مدينة الجبارين يقال له: بلعام [¬١]، وكان يعلم اسم الله الأكبر.\nوقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغيره من علماء السلف: كان مجاب الدعوة، ولا يسأل الله [¬٢] شيئًا إلا أعطاه إياه.\nوأغرب، بل أبعد، بل أخطأ من قال: كان قد أوتي النبوة فانسلخ منها. حكاه ابن جرير [¬٣]، عن بعضهم، ولا يصح.\nوقال على بن أبي طلحة، عن ابن عباس: لما نزل موسى بهم - يعني بالجبارين ومن معه - أتاه يعني بلعام [¬٤] أتاه بنو عمه وقومه، فقالوا: إن موسى رجل حديد، ومعه جنود كثيرة [¬٥]، وإنه إن يظهر علينا يهلكنا، فادع الله أن يرد عنا موسى ومن معه، قال: إني إن دعوت الله أن [¬٦] يرد موسى ومن معه ذهبت دنياي وآخرتي، فلم يزالوا به حتى دعا عليهم، فسلخه الله [¬٧] ما كان عليه، فذلك قوله تعالى: ﴿فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ [فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ] [¬٨]﴾.\nوقال السدي: إن الله لما انقضت الأربعون سنة [¬٩] التي قال الله: ﴿فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ بعث يوشع بن نون نبيًّا، فدعا بني إسرائيل، فأخبرهم أنه نبي، وأن الله أمره أن يقاتل الجبارين، فبايعوه وصدقوه، وانطلق رجل من بني إسرائيل يقال له: بلعم، وكان عالما، يعلم الاسم الأعظم المكتوم [¬١٠]، فكفر لعنه الله وأتى الجبارين وقال لهم: لا ترهبوا بني إسرائيل، فإني إذا خرجتم تقاتلونهم أدعو عليهم دعوة فيهلكون، وكان عندهم فيما شاء من الدنيا، غير أنه كان لا يستطع أن يأتي النساء [من عظمهن] [¬١١]، فكان [¬١٢] ينكح أتانًا له، وهو الذي قال الله تعالى: ﴿فَانْسَلَخَ مِنْهَا﴾.\nوقوله تعالى: ﴿فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ﴾ أي: استحوذ عليه وغلبه على أمره، فمهما أمره امتثل وأطاعه؛ ولهذا قال: ﴿فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ أي: من الهالكين الحائرين البائرين.\n_________\n[¬١]- في ز: \"بعلم\".\n[¬٢]- سقط من: خ، ز.\n[¬٣]- ابن جرير في تفسيره (١٣/ ٢٥٩).\n[¬٤]- في تفسير ابن جرير: بلعم.\n[¬٥]- في ز: \"كثير\".\n[¬٦]- سقط من: ز.\n[¬٧]- سقط من: ز.\n[¬٨]- في ت: \"الآية\".\n[¬٩]- في ز: \"السنة\".\n[¬١٠]- سقط من: خ، ز.\n[¬١١]- في خ، ز: \"يعظمهن\" والمثبت من تفسير ابن جرير (١٢/ ١٥٤١١).\n[¬١٢]- في ز: \"وكان\".","vol":"6","page":451},{"text":"وقد ورد في معنى هذه الآية حديث رواه الحافظ أبو يعلى الموصلي في مسنده حيث قال (^٢٥٤): حدثنا محمد بن مرزوق، حدثنا محمد بن بكر، عن الصلت بن بهرام، حدثنا الحسن، حدثنا جندب البجلي في هذا المسجد: أن حذيفة - يعني: ابن اليمان ﵁ حدثه قال: قال [¬١] رسول الله ﷺ: \"إن مما أتخوف عليكم رجل قرأ القرآن، حتى إذا رؤيت [¬٢] بهجته عليه وكان رِدْء [¬٣] الإسلام اعتراه [¬٤] إلى ما شاء الله: انسلخ منه ونبذه وراء ظهره، وسعى على جاره بالسيف ورماه بالشرك\". قال: قلت: يا نبي الله أيهما أولى بالشرك: المرمي أو الرامي؟ قال: \"بل الرامي\".\nهذا إسناد جيد، والصلت بن بهرام كان من ثقات الكوفيين، ولم يرم بشيء سوى الإِرجاء، وقد وثقه الإِمام أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وغيرهما.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ يقول تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا﴾ أي: لرفعناه من التدنس عن قاذورات الدنيا بالآيات التي آتيناه إياها ﴿وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ﴾ أي: مال إلى زينة الحياة [¬٥] الدنيا وزهرتها، وأقبل على لذاتها ونعيمها، وغرته كما غرت غيره من غير أولي البصائر والنهى.\nوقال أبو الزاهرية [¬٦] في قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ﴾ قال: تراءى [¬٧] له الشيطان على غلوة [¬٨] من قنطرة بانياس فسجدت الحمارة لله، وسجد بلعام للشيطان. وكذا قال عبد الرحمن بن جبير بن نفير وغير واحد.\n_________\n(^٢٥٤) - ومن طريق أبي يعلى أخرجه ابن حبان في صحيحه (١/ رقم ٨١/ إحسان)، وأخرجه البزار في مسنده (٧/ ٢٧٩٣ البحر الزخار) ثنا محمد بن مرزوق والحسين بن أبي كبيشة - كذا والصواب: كبشة - قالا أخبرنا محمد بن بكر به، والبخاري في \"التاريخ الكبير\" (٤/ ٣٠١) قال لنا على - هو ابن المديني - ثنا محمد بن بكر به مختصرًا وقال البزار: \"هذا الحديث بهذا اللفظ لا نعلمه يروى إلا عن حذيفة بهذا الإسناد، وإسناده حسن، والصلت هذا رجل مشهور من أهل البصرة وما بعده فقد استغنينا عن تعريفهم لشهرتهم\" وذكره الهيثمي في \"المجمع\" (١/ ١٩٢، ١٩٣) وقال: \"رواه البزار وإسناده حسن، وأورده ابن حجر في \"مختصر زوائد البزار\" (١/ رقم ١٣١) وذكر كلام البزار السابق ثم قال: \"هو ابن عمران - يعني الصلت كذا تحرف في \"الزوائد\" ابن بهرام إلى ابن عمران - ذكره ابن حبان في \"الثقات\" (٦/ ٤٧١) \" قلت: وترجم له الحافظ نفسه في \"التهذيب\" و\"اللسان\" معًا فتنبه!!\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- في ز: \"ربت\".\n[¬٣]- في ز: \"رد\".\n[¬٤]- عند ابن حبان من طريق أبي لعلى: \"غَيَّرهُ\".\n[¬٥]- سقط من: ز.\n[¬٦]- في ز: \"الراهويه\".\n[¬٧]- في ز: \"تزايا\".\n[¬٨]- في ز: \"علوة\".","vol":"6","page":452},{"text":"وقال الإِمام أبو جعفر بن جرير (^٢٥٥) ﵀: وكان من قصة هذا الرجل: ما حدثنا محمد ابن عبد الأعلى، حدثنا المعتمر، عن أبيه: أنه سئل عن هذه الآية: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا﴾ فحدث عن سيار: أنه كان رجلا يقال له: بلعام [وكان قد أوتي النبوة] [¬١]، وكان مجاب الدعوة، قال: وإن موسى أقبل في بني إسرائيل يريد الأرض التي فيها بلعام - أو قال: الشام - قال: فَرعب الناس منه رعبًا شديدًا، قال: فأتوا بلعام، فقالوا: ادع الله على هذا الرجل وجيشه، قال: حتى أوامر ربي - أو حتى أؤامر - قال: فَوَامر في الدعاء عليهم، فقيل له: لا تدع عليهم فإنهم عبادي، وفيهم نبيهم، قال: فقال لقومه: إني قد وامرت ربي في الدعاء عليهم، وإني قد نهيت، فأهدوا له هدية فقبلها، ثم راجعوه فقالوا: ادع عليهم، فقال: حتى أوامر، فوامر [¬٢] [فلم يَحُر إليه] [¬٣] شيء [¬٤]، فقال: قد وامرت فلم [يحر إلىّ شيء] [¬٥]، [قال] [¬٦] فقالوا: لو كره ربك أن تدعو عليهم لنهاك كما نهاك المرة الأولى، قال: فأخذ يدعو عليهم، فإذا دعا عليهم جرى على لسانه الدعاء على قومه، وإذا أراد [أن يدعو] [¬٧] أن يُفتح لقومه، دعا أن يفتح لموسى وجيشه أو نحوًا [¬٨] من ذلك [¬٩] إن شاء الله - قال: فقالوا: ما نراك تدعو إلا علينا، قال: ما يجرى على لساني إلا هكذا، ولو دعوت عليه أيضًا ما استجيب لي، ولكن سأدلكم على أمر عسى أن يكون فيه هلاكهم، إن الله يبغض الزنا، وإنهم إن وقعوا [في الزنا] [¬١٠] هلكوا، ورجوت أن يهلكهم الله، فأخرجوا النساء يَسْتقبلنَهم [¬١١]، فإنهم قوم مسافرون، فعسى أن [¬١٢] يزنوا فيهلكوا، قال: ففعلوا، فأخرجوا النساء يَسْتقبلنَهم [¬١٣]، قال: وكان للملك ابنة، فذكر من عظمها ما الله أعلم به، قال: فقال أبوها أو بلعام: لا تمكني نفسك إلا من موسى، قال: ووقعوا [¬١٤] في الزنا، قال: وأتاها رأس سبط من أسباط بني إسرائيل، فأرادها على نفسه [¬١٥]، فقالت: ما أنا بممكنة نفسي إلا من موسى، قال: فقال: إن\n_________\n(^٢٥٥) - تفسير ابن جرير (١٣/ ١٥٤٢٠) وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ٢٦٨) مختصرًا وزاد نسبته إلى أبي الشيخ.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٢]- في خ: \"فآمر\".\n[¬٣]- قوله \"فلم يحر إليه شيء\" أي: لم يرجع إليه شيء. \"حار إليه يحور حورّا\" رجع إليه، ومنه \"حاوره محاورة حوارًا\" في الكلام [مستفاد من هامش تفسير ابن جرير (١٣/ ٢٦٢)].\n[¬٤]- في خ: \"بشيء\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين في ت: \"يأمرني\".\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين زيادة من ز.\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٨]- في ز: \"نحو\".\n[¬٩]- في ز: \"ذا\".\n[¬١٠]- ما بين المعكوفتين في ز: \"بالزنا\".\n[¬١١]- في ز: \"تستقبلهم\".\n[¬١٢]- سقط من: ز.\n[¬١٣]- في ز: \"تستقبلهم\".\n[¬١٤]- في ز: \"وأوقعوا\".\n[¬١٥]- في خ، ز: \"نفسها\".","vol":"6","page":453},{"text":"منزلتي كذا وكذا، وإن من حالي كذا وكذا، [] [¬١] فأرسلت إلى أبيها تستأمره، قال: فقال لها: فأمكنيه، قال: ويأتيهما رجل من بني هارون ومعه الرمح فيطعنهما، قال: وأيده الله بقوة، فانتظمهما جميعًا، ورفعهما على رمحه، فرآهما الناس أو كما حدث قال: وسلط الله عليهم الطاعون، فمات منهم سبعون ألفا.\nقال أبو [¬٢] المعتمر: فحدثني سيار: أن بلعاما ركب حمارة له حتى أتى علولي [¬٣]. أو قال: طريقًا من علولي [¬٤]. جعل يضربها ولا تُقدم، وقامت عليه فقالت: علام تضربني؟ أما ترى هذا الذي بين يديك؟ فإذا الشيطان بين يديه، قال: فنزل وسجد له، قال الله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا﴾ إلى قوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾.\nقال: فحدثني بهذا سيار، ولا أدري لعله قد دخل فيه شيء من حديث غيره.\n(قلت): هو بلعام. ويقال: بلعم بن باعوراء ويقال: ابن أبر، ويقال: ابن باعور بن شهوم ابن قوشتم بن ماب بن لوط بن هاران. ويقال: ابن حران بن آزر، وكان يسكن قرية من قرى البلقاء.\nقال ابن عساكر [¬٥]: وهو الذي كان يعرف اسم الله الأعظم، فانسلخ من دينه، له ذكر في القرآن. ثم أورد من قصته نحوًا مما ذكرنا هاهنا، أورده عن وهب وغيره، والله أعلم.\nوقال محمد بن إسحاق بن يسار (^٢٥٦)، عن سالم أبي النضر: أنه حدث: أن موسى ﵇ لما نزل في أرض بني كنعان من أرض الشام، أتى قوم بلعام إليه، فقالوا له: هذا موسى ابن عمران في بني إسرائيل، قد جاء [¬٦] يخرجنا من بلادنا ويقتلنا ويحلها بني إسرائيل، وإنا قومك، وليس لنا منزل، وأنت رجل مجاب الدعوة، فاخرج فادع الله عليهم، قال: ويلكم، نبي الله معه الملائكة والمؤمنون [¬٧]، كيف أذهب أدعو عليهم، وأنا أعلم من الله ما أعلم؟! قالوا له: ما لنا من منزل، فلم يزالوا به يرققونه [¬٨] ويتضرعون إليه، حتى فتنوه فافتُتِنَ، فركب حمارة [¬٩] له متوجهًا [¬١٠] إلى الجبل الذي يطلعه على عسكر بني إسرائيل، وهو جبل حُسْبان،\n_________\n(^٢٥٦) - أخرجه ابن جرير في \"التفسير\" (١٣/ ١٥٤٢٢).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ز: \"قال\".\n[¬٢]- سقط من: خ، ز.\n[¬٣]- في خ: \"العولى\"، وفي ز: \"العلولى\".\n[¬٤]- في خ، ز: \"العلولى\".\n[¬٥]- في \"تاريخ دمشق\" لابن عساكر (٣/ ٤٢٦ مخطوط).\n[¬٦]- سقط من: خ.\n[¬٧]- في ز: \"والمنون\".\n[¬٨]- في ز: \"يرفقونه\".\n[¬٩]- في ز: \"حمارًا\".\n[¬١٠]- في ز: \"موجهًا\".","vol":"6","page":454},{"text":"فلما سار عليها غير كثير، ربضت به، فنزل عنها فضربها، حتى إذا أذلقها قامت فركبها، فلم تسر به كثيرًا حتى ربضت به فضربها، حتى إذا أذلقها أذن الله لها فكلمته حجة عليه، فقالت: ويحك يا بلعم، أين تذهب؟ أما ترى الملائكة أمامي تردني عن وجهي هذا؟ أتذهب [¬١] إلى نبي الله والمؤمنين لتدعو عليهم؟ فلم ينزع عنها يضربها [¬٢]، فخلى الله سبيلها حين فعل بها ذلك، فانطلقت به حتى إذا أشرفت به على رأس حسبان، على عسكر موسى وبني إسرائيل، جعل يدعو عليهم، ولا يدعو عليهم بشر إلا صرف به [¬٣] لسانه إلى قومه، ولا يدعو لقومه بخير إلا صرف لسانه إلى بني إسرائيل، فقال له قومه: أتدري يا بلعم ما تصنع؟ إنما تدعو لهم وتدعو علينا، قال: فهذا مالا أملك، هذا شيء قد غلب الله عليه، قال: واندلع لسانه فوقع على صدره، فقال لهم: قد ذهبت مني الآن الدنيا والآخرة، ولم يبق إلا المكر والحيلة، فسأمكر لكم وأحتال. جمّلوا النساء وأعطوهن السلع، ثم أرسلوهن إلى العسكر يبعنها فيه، ومُرُوهن فلا تمنع امرأة نفسها من رجل أرادها، فإنهم إن زنى رجل منهم واحد كُفِيتُموهم، ففعلوا، فلما دخل النساء العسكر، مرت امرأة من الكنعانيين اسمها كسبى [¬٤] ابنة صور رأس أمته [¬٥] برجل من عظماء بني إسرائيل، وهو \"زمري [¬٦] بن شلوم\"، رأس سبط [] [¬٧] شمعون [¬٨] بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ﵈[فقام إليها، فأخذ بيدها حين أعجبه جمالها، ثم أقبل بها حتى وقف بها على موسى ﵇] [¬٩]، فقال: إني أظنك ستقول هذا حرام عليك؟ قال: أجل، هى حرام عليك، لا تقربها قال: فوالله لا نطيعك في هذا، ثم دخل بها قبته فوقع عليها، وأرسل الله ﷿ الطاعون في بني إسرائيل، وكان فنحاص بن العيزار بن هارون، صاحب أمر موسى، وكان غائبًا حين صنع زمري بن شلوم ما صنع، فجاء و[¬١٠] الطاعون يجوس في بني إسرائيل، فأخبر الخبر، فأخذ حربته وكانت من حديد كلها، ثم دخل القبة وهما متضاجعان، فانتظمهما بحربته، ثم خرج بهما رافعهما إلى السماء، والحربة قد أخذها بذراعه، واعتمد بمرفقه على خاصرته، وأسند الحربة إلى لَحْيَيْه [¬١١]- وكان بكر العيزار - وجعل يقول: اللهم هكذا نفعل بمن يعصيك، ورفع الطاعون، فحُسِب من هلك من بني إسرائيل في الطاعون فيما بين أن أصاب زمري المرأة إلى أن قتله فنحاص، فوجدوه قد هلك منهم سبعون ألفًا - والمقلل لهم يقول: عشرون ألفًا في ساعة من النهار، فمن هنالك تعطي بنو إسرائيل\n_________\n[¬١]- في ز: \"تذهب\".\n[¬٢]- في ز: \"فضرها\".\n[¬٣]- في ز: \"بها\".\n[¬٤]- في ز: \"كسبتى\".\n[¬٥]- في ز: \"أمنه\".\n[¬٦]- في ز: \"ربري\".\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين في ز: \"بني\".\n[¬٨]- في خ، ز: \"سمعان\" والمثبت من تفسير ابن جرير (١٣/ ٢٦٦).\n[¬٩]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬١٠]- سقط من: ز.\n[¬١١]- في ز: \"لحيته\".","vol":"6","page":455},{"text":"ولد فنحاص من كل ذبيحة ذبحوها القَبَة والذراع واللحْي. [لاعتماده بالحربة على خاصرته، وأخذه إياها بذراعه، وإسناده إياها إلى لحييه] [¬١] والبكر من كل أموالهم وأنفسهم؛ لأنه كان بكر أبيه العيزار، ففي بلعام بن باعوراء أنزل الله: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا﴾ إلى قوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾.\nوقوله تعالى: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ﴾ اختلف المفسرون في معناه [¬٢]؛ فأما على سياق ابن إسحاق، عن سالم أبي النضر: أن بلعامًا اندلع لسانه على صدره، فتشبيهه [¬٣] بالكلب في لَهْثه [¬٤] في كلتا حالتيه إن زجر وإن ترك. وقيل: معناه: فصار مثله في ضلاله، واستمراره فيه، وعدم انتفاعه بالدعاء إلى الإِيمان، وعدم الدعاء كالكلب في لَهْثه [¬٥] في حالتيه، إن حملت عليه وإن تركته، هو يلهث في الحالين، فكذلك هذا لا ينتفع بالموعظة والدعوة إلى الإِيمان ولا عدمه، كما قال تعالى: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾. ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ [إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ] [¬٦] يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ ونحو ذلك.\nوقيل: معناه أن قلب الكافر والمنافق والضال ضعيف فارغ من الهدى، فهو كثير الوجيب، فعبر عن هذا بهذا. نقل نحوه عن الحسن البصري وغيره.\nوقوله تعالى: ﴿فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾، يقول تعالى لنبيه محمد ﷺ: ﴿فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ﴾ أي: لعل بني إسرائيل العالمين بحال بلعام، وما جرى له في إضلال الله إياه وإبعاده من رحمته؛ بسبب أنه استعمل نعمة الله عليه [¬٧] في تعليمه الاسم الأعظم، الذي إذا سئل به أعطى، وإذا دُعِيَ به أجاب - في غير طاعة ربه، بل دعا به على حزب الرحمن؛ وشَعْب الإِيمان، أتباع عبده ورسوله في ذلك الزمان، كليم الله موسى بن عمران ﵇، ولهذا قال: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ أي: فيحذروا أن يكونوا مثله، فإن الله قد أعطاهم علمًا، وميزهم على من عداهم من الأعراب، وجعل بأيديهم صفة محمد ﷺ يعرفونها كما يعرفون أبناءهم، فهم أحق الناس وأولاهم باتباعه ومناصرته ومؤازرته كما أخبرتهم أنبياؤهم بذلك وأمرتهم به؛ ولهذا من خالف منهم ما في كتابه وكتمه فلم يعلم به العباد أحل الله به ذلًّا في الدنيا موصولًا بذلِّ الآخرة.\nوقوله: ﴿سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ﴾ يقول تعالى:\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٢]- في ز: \"معنى هذا\".\n[¬٣]- في ز: \"فتشبيه\".\n[¬٤]- في ز: \"لهيثه\".\n[¬٥]- في ز: \"لهيثه\".\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين في ز: \"لن\".\n[¬٧]- في ت: \"عليهم\".","vol":"6","page":456},{"text":"ساء [¬١] مثلًا مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا، أي: ساء مثلهم أن شُبِّهوا بالكلاب التي [¬٢] لا همة لها [¬٣] إلا في تحصيل أكلة أو شهوة، فمن خرج عن حيز العلم والهدى، وأقبل على شهوة نفسه، واتبع هواه، صار شبيهًا بالكلب، وبئس المثل مثله، ولهذا ثبت في الصحيح (^٢٥٧) أن رسول الله ﷺ قال: \"ليس لنا مثل السوء، العائد [في هبته] [¬٤]، كالكلب يعود في قيئه\".\nوقوله: ﴿وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ﴾ أي: ما ظلمهم الله، ولكن هم ظلموا أنفسهم بإعراضهم عن اتباع الهدى، وطاعة المولى، إلى الركون إلى دار البلى، والإِقبال على تحصيل اللذات وموافقة الهوى.\n﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (١٧٨)﴾\nيقول تعالى: من هداه الله فإنه لا مضل له، ومن أضله فقد خاب وخسر وضل لا محالة، فإنه تعالى ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن؛ ولهذا جاء في حديث ابن مسعود: \"إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله\".\nالحديث بتمامه رواه الإِمام أحمد وأهل السنن وغيرهم (^٢٥٨).\n_________\n(^٢٥٧) - أخرجه البخاري، كتاب: الهبة، باب: لا يَحلُّ لأحد أن يرجع في هبته وصدقته (٢٦٢٢)، وكذا أخرجه أحمد (١/ ٢١٧) والترمذي، كتاب: البيوع، باب: ما جاء في الرجوع في الهبة (١٢٩٨) والنسائي كتاب: الهبة، باب: ذكر الاختلاف لخبر عبد الله بن عباس فيه (٦/ ٢٦٦، ٢٦٧).\n(^٢٥٨) - أخرجه الترمذي، كتاب: النكاح، باب: ما جاء في خطبة النكاح (١١٠٥) والنسائي، كتاب: النكاح، باب: ما يستحب من الكلام عند النكاح (٦/ ٨٩) من طريق عبثر عن الأعمش، وابن ماجه، كتاب: النكاح، باب: خطبة النكاح (١٨٩٢) من طريق عيسى بن يونس ثنا أبي كلاهما (الأعمش، ويونس بن أبي إسحاق) عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن عبد الله قال: علمنا رسول الله ﷺ التشهد في الصلاة والتشهد في الحاجة … \" فذكر الحديث. وقال الترمذى: \"حديث عبد الله حديث حسن رواه الأعمش عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن عبد الله عن النبي ﷺ ورواه شعبة عن أبي إسحاق،=\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- في ز: \"الذين\".\n[¬٣]- في ز: \"لهم\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.","vol":"6","page":457},{"text":"﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٧٩)﴾\nيقول تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا﴾ أي: خلفنا وجعلنا ﴿لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ أي: هيأناهم لها، وبعمل أهلها يعملون، فإنه تعالى لما أراد أن يخلق الخلق علم ما هم عاملون قبل كونهم، فكتب ذلك عنده في كتاب قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة كما ررد في صحيح مسلم (^٢٥٩)، عن عبد الله بن عمرو: أن رسول الله ﷺ قال: \"إن الله قدّر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء\".\nوفي صحيح مسلم أيضًا (^٢٦٠)، من حديث عائشة بنت طلحة، عن خالتها عائشة أم المؤمنين ﵂ أنها قالت: دُعِيَ النبي صلى الله عليه ومسلم إلى جنازة صبي من الأنصار، فقلت: يا رسول الله طوبى له، عصفور من عصافير الجنة، لم يعمل السوء ولم يدركه. فقال رسول الله صلى الله عليه ومسلم: \"أَوَ غير ذلك، يا عائشة؟ إن الله خلق الجنة وخلق لها أهلًا، وهم في أصلاب آبائهم، وخلق النار وخلق لها أهلًا وهم في أصلاب آبائهم\".\n_________\n= عن أبي عبيدة عن عبد الله، عن النبي ﷺ وكلا الحديثين صحيح؛ لأن إسرائيل جمعهما فقال: عن أبي إسحاق عن أبى الأحوص، وأبي عبيدة عن عبد الله بن مسعود عن النبي ﷺ\" وطريق شعبة أخرجها أحمد (١/ ٣٩٢، ٣٩٣) والنسائي (٤/ ١٠٣) وطريق إسرائيل أخرجها أحمد أيضًا (١/ ٤٣٢) وأبو داود (٢١١٨) ولم ينفرد إسرائيل بجمع الإسنادين معًا عن أبى إسحاق، فقد جمعهما شعبة عن أبي إسحاق أيضًا في رواية عند أحمد (١/ ٣٩٣) وكل هذه الروايات ليست فيها لفظة: \"ونستهديه\" وللحديث طرق أخرى أعرضنا عنها اختصارًا، ومن أراد زيادة تفصيل فليراجع رسالة الألباني \"خطبة الحاجة\" وبالله التوفيق.\n(^٢٥٩) - أخرجه مسلم، كتاب: القدر، باب: حجاج آدم وموسى ﵉ (١٦) (٢٦٥٣) بلفظ \"كتب الله مقادير الخلائق .... \" وأخرجه الترمذي، كتاب: القدر، باب: (رقم ١٨) (ح ٢١٥٧) وأحمد (٢/ ١٦٩) بلفظ \"قدر الله المقادير … \" دون قوله: \"وكان عرشه على الماء\" وقال الترمذي: \"حديث حسن صحيح\".\n(^٢٦٠) - أخرجه مسلم، كتاب: القدر، باب: معنى كل مولود يولد على الفطرة (٣٠، ٣١) (٢٦٦٢)، وسوف يعيده المصنف [سورة الإسراء/ آية ١٥] ويخرج هناك بأوسع مما هنا.","vol":"6","page":458},{"text":"وفي الصحيحين (^٢٦١) من حديث ابن مسعود: \"لم يبعث الله [¬١] إليه الملك، فيؤمر بأربع كلمات، فيكتب: رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أم سعيد\".\nوتقدم أن الله لما استخرج ذرية آدم من صلبه، وجعلهم فريقين: أصحاب اليمين وأصحاب الشمال قال: \"هؤلاء للجنة ولا أبالي، وهؤلاء للنار ولا أبالي\" (^٢٦٢).\nوالأحاديث في هذا كثيرة، ومسألة القَدَر كبيرة ليس هذا موضع بسطها.\nوقوله تعالى: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا﴾ يعني: ليس ينتفعون بشيء من هذه الجوارح التي جعلها الله سببًا للهداية، كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾. الآية. وقال تعالى: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾، هذا في حق المنافقين، وقال في حق الكافرين: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾، ولم يكونوا صمًّا و[¬٢] بكمًا و[¬٣] عميًا إلا عن الهدى، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾، وقال: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾، وقال: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (٣٦) وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾.\nوقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ﴾ أي: هؤلاء الذين لا يسمعون الحق ولا يَعُونه ولا يبصرون الهدى كالأنعام [¬٤] السارحة التي لا تنتفع [¬٥] بهذه الحواس منها إلا في الذي يعيشها في ظاهر الحياة الدنيا، كقوله تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً﴾، أي: ومثلهم في حال دعائهم إلى الإِيمان، كمثل الأنعام إذا دعاها راعيها، لا تسمع إلا صوته، ولا تفقه ما يقول؛ ولهذا قال في هؤلاء: ﴿بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ أي: من الدواب؛ لأن الدواب قد تستجيب مع ذلك لراعيها إذا أبَسَّ [¬٦] (^٢٦٣) بها، وإن لم تفقه كلامه، بخلاف هؤلاء، ولأن الدواب تفقه ما خلقت له إما بطبعها وإما بتسخيرها، بخلاف الكافر فإنه إنما خلق\n_________\n(^٢٦١) - اْخرجه البخاري، كتاب: بدء الخلق، باب: ذكر الملائكة (٣٢٠) ومسلم، فاتحة كتاب القدر (٢٦٤٣) ويأتي تخريجه بأوسع مما هنا [سورة الرعد/ آية ٨].\n(^٢٦٢) - تقدم برقم (٢٤٦).\n(^٢٦٣) - أبَّس الراعي الإبل، وأبس بها: زجرها بقوله: بِسْ، بِسْ.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- سقط من: ت.\n[¬٣]- سقط من: ت.\n[¬٤]- في ز: \"والأنعام\".\n[¬٥]- في ز: \"ينتفع\".\n[¬٦]- في ز: \"أيس\".","vol":"6","page":459},{"text":"ليعبد الله ويوحده، فكفر بالله وأشرك به؛ ولهذا من أطاع الله من البشر كان أشرف من مثله من الملائكة في معاده، ومن كفر به من البشر، كانت الدواب أتم منه؛ ولهذا قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾.\n﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠)﴾\nعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ \"إن لله تسعةً وتسعين اسمًا [مائة إلا واحدًا] [¬١]، من أحصاها دخل الجنة، وهو وتر يحب الوتر\".\nأخرجاه في الصحيحين (^٢٦٤)، من حديث سفيان بن عيينة، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عنه. ورواه البخاري (^٢٦٥)، عن أبى اليمان، عن شعيب بن أبي حمزة، عن أبي الزناد به. وأخرجه الترمذي [في جامعه] [¬٢] (^٢٦٦)، عن الجوزجاني، عن صفوان بن صالح، عن الوليد بن مسلم، عن شعيب، فذكر بسنده مثله، وزاد بعد قوله: \"يحب الوتر: هو الله الذي لا إله إلا هو الرحمن الرحيم، الملك، القدوس، السلام، المؤمن، المهيمن، العزيز، الجبار، المتكبر، الخالق، البارئ، المصور، الغفار، القهار، الوهاب، الرزاق، الفتاح، العليم، القابض، الباسط، الخافض، الرافع، المعز، المذل، السميع، البصير، الحكم، العدل، اللطيف، الخبير، الحليم، العظيم، الغفور، الشكور، العلي، الكبير، الحفيظ، المقيت، الحسيب، الجليل، الكريم، الرقيب، المجيب، الواسع، الحكيم، الودود، المجيد، الباعث، الشهيد، الحق، الوكيل، القوي، المتين، الولي، الحميد، المحصي، المبدئ، المعيد، المحيي، المميت، الحي، القيوم، الواجد، الماجد، الواحد، الأحد، الفرد، الصمد، القادر، المقتدر، المقدم، المؤخر، الأول، الآخر، الظاهر، الباطن، الوالي،\n_________\n(^٢٦٤) - أخرجه البخاري، كتاب: الدعوات، باب: لله مائة اسم غير واحدة (٦٤١٠)، ومسلم، كتاب: الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب: في أسماء الله تعالى، وفضل من أحصاها (٥) (٢٦٧٧)، وكذا أخرجه الترمذي، كتاب: الدعوات، باب (رقم ٨٣) (ح ٣٥٠٨) من طرق عن سفيان بن عيينة، به.\n(^٢٦٥) - البخاري، كتاب: الشروط، باب: المكاتب، وما لا يَحلُّ من الشروط التي تخالف كتاب الله … (٢٧٣٦)، وك: التوحيد، باب: إن لله مائة اسم إلا واحدة (٧٣٩٢).\n(^٢٦٦) - جامع الترمذي، كتاب: الدعوات، باب: (رقم ٨٣) (ح ٣٥٠٧) وأخرجه ابن خزيمة في صحيحه كما في \"تلخيص الحبير\" (١٩٥/ ٤) - ومن طريقه البغوي في \"شرح السنة\" =\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.","vol":"6","page":460},{"text":"المتعالي، البر، التواب، المنتقم، العفو، الرءوف، مالك الملك، ذو الجلال والإِكرام، المقسط، الجامع، الغني، المغني، المانع، الضار، النافع، النور، الهادي، البديع، الباقي، الوارث، الرشيد، الصبور\".\nثم قال الترمذي: هذا حديث غريب، وقد روي من غير وجه عن أبي هريرة، ولا نعلم فى كثير من الروايات ذكر الأسماء إلا فى هذا الحديث.\nورواه ابن حبان في صحيحه، من طريق صفوان به. وقد رواه ابن ماجة فى سننه من طريق آخر، عن موسى بن عقبة، عن الأعرج، عن أبي هريرة مرفوعًا، فسرد الأسماء كنحو ما تقدم بزيادة ونقصان.\nوالذي عوّل عليه جماعة من الحفاظ أن سرد الأسماء في هذا الحديث مُدرج فيه، وإنما ذلك\n_________\n= (٥/ رقم ١٢٥٧) نا إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني، به، وأخرجه ابن حبان (٣/ رقم ٨٠٨) أخبرنا الحسن بن سفيان ومحمد بن الحسن بن قتيبة ومحمد بن أحمد بن عبيد بن فياض بدمشق، والطبراني في \"الدعاء\" (١/ رقم ١١١) ثنا أحمد بن المعلى الدمشقي، وورد بن أحمد بن لبيد البيروتي، والحاكم (١/ ١٦) من طريق موسى بن أيوب ومحمد بن أحمد بن الوليد الكرابيسي، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (١٠/ ٢٧) من طريق جعفر بن محمد، وفي \"شعب الإيمان\" (١/ رقم ١٠٢) من طريق الحسن بن سفيان، وفي \"الأسماء والصفات\" (١/ رقم ٦) من طريق الحسن بن سفيان وجعفر محمد بن المستفاض، كلهم (الجوزجاني والحسن والمحمدان وأحمد وورد وموسى والكراييسى وجعفر) عن صفوان بن صالح به، وقال الترمذي: \"هذا حديث غريب، حدثنا به غير واحد عن صفوان بن صالح، ولا نعرفه إلا من حديث صفوان بن صالح، وهو ثقة عند أهل الحديث، وقد روي هذا الحديث من غير وجهٍ عن أبي هريرة عن النبيِّ ﷺ ولا نَعْلَمُ في كثير شيء من الروايات له إسناد صحيح ذكر الأسماء إلا في هذا الحديث، وقد روى آدم بن الي إياس هذا الحديث بإسنادٍ غير هذا عن أبي هريرة عن النبي ﷺ وذكر فيه الأسماء وليس له إسناد صحيح\".\nوقال الحاكم: \"هذا حديث قد خرجاه في الصحيحين بأسانيد صحيحة دون ذكر الأسامي فيه، والعلة فيه عندهما أن الوليد بن مسلم تفرد بسياقته بطوله، وذكر الأسامي فيه ولم يذكرها غيره، وليس هذا بعلة - يأتي تعقيب الحافظ على هذا الكلام - فإني لا أعلم اختلافًا بين أئمة الحديث أن الوليد بن مسلم أوثق وأحفظ وأعلم وأجل من أبي اليمان، وبشر بن شعيب، وعلى بن عياش وأقرانهم من أصحاب شعيب، وللحافظ ابن حجر كلام نفيس على هذا الحديث في \"الفتح\" (١١/ ٢١٤: ٢٢٧) وفي \"تلخيص الحبير\" (٤/ ١٩٠: ١٩٢) ننقل بعضه للإفادة، قال في \"الفتح\": \"هذا الحديث رواه عن الأعرج أيضًا موسى بن عقبة عند ابن ماجه - (٣٨٦١) - من رواية زهير بن محمد عنه … وسرد الأسماء، ورواه عن أبي الزناد أيضًا شعيب بن أبي حمزة =","vol":"6","page":461},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=تقدمت هذه الراوية هنا برقم (٢٦٤) - وأخرجه الترمذي من رواية الوليد بن مسلم عن شعيب … وسرد الأسماء، ومحمد بن عجلان عند أبي عوانة، ومالك عند ابن خزيمة والنسائي - \"السنن الكبرى\" (٤/ ٧٦٥٩) - والدارقطني في \"غرائب مالك\" وقال: صحيح عن مالك وليس في \"الموطأ\" قدر ما عند أبى نعيم في طرق الأسماء الحسنى، وعبد الرحمن بن أبي الزناد عند الدارقطني وأبو عوانة ومحمد بن إسحاق عند أحمد وابن ماجه - لم أهتد إلا لطريق محمد بن إسحاق عند أحمد (٢/ ٢٥٨) - وموسى بن عقبة عند أبي نعيم من رواية حفص بن ميسرة عنه، ورواه عن أبي هريرة أيضًا همام بن منبه عند مسلم (٦) (٢٦٧٧) - وأحمد (٢/ ٢٦٧، ٢٧٧، ٣١٤) - ومحمد بن سيرين عند مسلم - (٦) (٢٦٧٧) - والترمذي - (٣٥٠٦) - والطبراني في \"الدعاء\" - (٢/ ٨٢٦، ٨٢٧) - وجعفر الفريابي فى \"الذكر\" وأبو رافع عند الترمذي - (٣٥٠٦) - وأبو سلمة بن عبد الرحمن عند أحمد (٢/ ٥٠٣) - وابن ماجه (٣٨٦٠) - وعطاء ابن يسار وسعيد المقبري وسعيد بن المسيب وعبد الله بن شقيق ومحمد بن جبير بن مطعم والحسن البصري أخرجها أبو نعيم بأسانيد عنهم كلها ضعيفة، وعراك بن مالك عند البزار لكن شك فيه، ورويناها في\"جزء المعالى\" وفي \"أمالى الجرفي\" من طريقه بغير شك، ورواه عن النبي ﷺ مع أبي هريرة سلمان الفارسي، وابن عباس وابن عمر وعلى وكلها عند أبى نعيم أيضًا بأسانيد ضعيفة، وحديث على في \"طبقات الصوفية\" لأبي عبد الرحمن السلمي، وحديث ابن عباس وابن عمر معًا في الجزء الثالث عشر من \"أمالي القاسم بن بشران\" وفي \"فوائد أبى عمر بن حيويه\" انتقاء الدارقطني، هذا جميع ما وقفت عليه من طرقه، وقد أطلق ابن عطية في تفسيره أنه تواتر عن أبى هريرة فقال: \"في سرد الأسماء نظر، فإن بعضها ليس في القرآن، ولا في الحديث الصحيح، ولم يتواتر الحديث من أصله وإن خرج في \"الصحيح\"، ولكنه تواتر عن أبي هريرة\" كذا قال، ولم يتواتر عن أبي هريرة أيضًا، بل غاية أمره أن يكون مشهورًا، ولم يقع في شيء من طرقه سرد الأسماء إلا في رواية الوليد بن مسلم عند الترمذي، وفي رواية زهير بن محمد عن موسى بن عقبة عند ابن ماجة، وهذان الطريقان رجعان إلى رواية الأعرج، وفيهما اختلاف شديد في سرد الأسماء والزيادة والنقص على ما سأشير إليه، ووقع سرد الأسماء أيضًا في طريق ثالثة أخرجها الحاكم في \"المستدرك\" - (١/ ١٧) - وجعفر الفريالي في \"الذكر\" من طريق عبد العزيز بن الحصين عن أيوب - مقرونًا به هشام بن حسان - عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة - قال في \"تلخيص الحبير\" (٤/ ١٩٠): \"المحفوظ عن أيوب وهشام بدون ذكر الأسامي، قال الحاكم: وعبد العزيز ثقة، قلت: - الحافظ ابن حجر -: بل متفق على تضعيفه وهاه البخاري ومسلم وابن معين وقال البيهقي: ضعيف عند أهل النقل، قال البيهقي: ويحتمل أن يكون التفسير وقع من بعض الرواة. ولهذا الاحتمال ترك الشيخان إخراج حديث الوليد في الصحيح .... \" واختلف العلماء في سرد الأسماء هل هو مرفوع أو مدرج في الخبر من بعض الرواة، فمشى كثير منهم على الأول، واستدلوا به على جواز تسمية الله تعالى بما لم يرد في القرآن بصيغة الاسم؛ لأن كثيرًا من هذه الأسماء كذلك، وذهب آخرون إلى أن التعيين مدرج لخلو أكثر الروايات عنه - ونقله عبد العزيز النخشبي عن كثير من العلماء - ثم ذكر كلام الحاكم المذكور آنفًا وقال: يشير - أي الحاكم","vol":"6","page":462},{"text":"كما رواه الوليد بن مسلم وعبد الملك بن محمد الصنعاني [¬١]، عن زهير بن محمد: أنه بلغه عن غير واحد من أهل العلم أنهم قالوا ذلك، أي: أنهم جمعوها من القرآن، كما ورد عن جعفر ابن محمد وسفيان بن عيينة وأبي [¬٢] زيد اللغوي [¬٣]، والله أعلم.\nثم ليعلم أن الأسماء الحسنى ليست منحصرة في التسعة والتسعين، بدليل ما رواه الإِمام أحمد في مسنده (^٢٦٧)، عن يزيد بن هارون، عن فضيل بن مرزوق، عن أبي سلمة [¬٤] الجهني، عن\n_________\n= إلى أن بشرًا وعليًّا وأبا اليمان رووه عن شعيب بدون سياق الأسماء فرواية أبي اليمان عند المصنف - يعني \"البخارى\" - تقدمت برقم (٢٦٤) - ورواية على عند النسائي - \"الكبرى\" (٤/ ٧٦٥٩) - ورواية بشر عند البيهقي - \"السنن الكبرى\" (١٠/ ٢٧) - وليست العلة عند الشيخين تفرد الوليد فقط بل الاختلاف فيه والاضطراب وتدليسه واحتمال الإدراج … - ثم نقل كلام الحافظ الترمذي السابق وقال: \"ولم ينفرد به صفوان فقد أخرجه البيهقي - \"الأسماء والصفات\" ١/ رقم ٦) - من طريق موسى بن أيوب النصيبي - وهو ثقة - عن الوليد أيضًا، وقد اختلف في سنده على الوليد .... ورواية الوليد تشعر بأن التعيين مدرج - ثم ذكر الخلاف بين الروايات في سرد الأسماء - ثم نقل قول الحاكم: \"إنما أخرجت رواية عبد العزيز بن الحصين شاهدًا لرواية الوليد عن شعبة لأن الأسماء التى زادها على الوليد كلها في القرآن\"، وتعقبه ابن حجر بقوله كذا قال: وليس كذلك، وإنما تؤخذ من القرآن بضرب من التكلف لا أن جميعها ورد فيه بصورة الأسماء … ثم نقل تضعيف إسناد الأحاديث الواردة في سرد الأسماء، وقال: وقد استضعف الحديث أيضًا جماعة فقال الداودي لم يثبت أن النبي ﷺ عين الأسماء المذكورة، وقال ابن العربي: يحتمل أن تكون الأسماء تكملة الحديث المرفوع، ويحتمل أن تكون من جمع بعض الرواة وهو الأظهر عندي - وذكر الحافظ عن الفخر الرازي أنه نقل عن أبي زيد البلخي تضعيف هذا الحديث - ثم قال الحافظ: وإذا تقرر رجحان أن سرد الأسماء ليس مرفوعًا فقد اعتنى جماعة بتتبعها من القرآن من غير تقييد بعدد .... \" ا. هـ.\n(^٢٦٧) - \" المسند\" (١/ ٣٩١، ٤٥٢) (٣٧١٢، ٤٣١٨) وأخرجه ابن أبي شيبة فى=\n_________\n[¬١]- رواية عبد الملك بن محمد الصنعاني عن زهير بن محمد أخرجها ابن ماجه (٣٨٦١) وابن أبي عاصم والحاكم - كما في \"فتح الباري\" لابن حجر (١١/ ٢١٥).\n[¬٢]- في ت: \"أبو\".\n[¬٣]- قال الحافظ في \"الفتح\" (١١/ ٢١٥): \"أخرج أبو نعيم عن الطبراني عن أحمد بن عمرو الخلال عن ابن أبي عمرو \"حدثنا محمد بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين سألت أبا جعفر بن محمد الصادق عن الأسماء الحسنى فقال: هي في القرآن وروينا في \"فوائد تمام\" (٤/ رقم ١٥٦٧ - الروض البسام) - من طريق أبي الطاهر بن السرح عن حبان بن نافع عن سفيان بن عيينة الحديث، يعني حديث \"إن لله تسعة وتسعين اسمًا\" قال: فوعدنا سفيان أن يخرجها لنا من القرآن فأبطأ فأتينا أبا زيد فأخرجها لنا فعرضناها على سفيان فنظر فيها أربع مرات وقال: \"نعم هي هذه\".\n[¬٤]- في خ، ز: \"مسلم\".","vol":"6","page":463},{"text":"القاسم بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن عبد الله بن مسعود ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: \"ما أصاب أحدًا قطٌّ همٌّ ولا حَزَنٌ فقال: اللهم! إني عبدك، ابن عبدك، ابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماض فيَّ حكمك، عَدْلٌ في قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك سَمَّيْتَ به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدًا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن العظيم [¬١] ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همي، إلا أذهب الله همه وحزنه وأبدله [¬٢] مكانه فرحًا\". فقيل: يا رسول الله، أفلا نتعلمها؟ فقال: \"بلى، ينبغي [لكل من] [¬٣] سمعها أن يتعلمها\".\nوقد أخرجه الإِمام أبو حاتم بن حبان البستي في صحيحه بمثله.\nوذكر الفقيه الإِمام أبو بكر بن العربي أحد أئمة المالكية في كتابه \"عارضة الأحوذي في شرح الترمذي\" أن بعضهم جمع من [¬٤] الكتاب والسنة من أسماء الله ألف اسم، فالله أعلم.\nوقال العوفي عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ قال:\n_________\n= \"المصنف\" (٧/ ٤٧) والحارث بن أبي أسامة (١٠٦٣/ زوائد الهيثمي) والشاشي فى مسنده (١/ رقم ٢٨٢) وأبو يعلي فى مسنده (٩/ ٥٢٩٧) - وعنه ابن حبان في صحيحه (٣/ ٩٧٢) - من طريق يزيد بن هارون، والطبراني فى \"الكبير\" (١٠/ ١٠٣٥٢) وفى \"كتاب الدعاء\" (٢/ ١٠٣٥) من طريق عاصم بن علي، والحاكم في \"المستدرك\" (١/ ٥٠٩) وعنه البيهقي في \"الأسماء والصفات\" (١/ رقم ٧) من طريق سعيد بن سليمان الواسطي، ثلاثتهم (يزيد وعاصم وسعيد) ثنا فضيل بن مرزوق، به وقال الحاكم: \"حديث صحيح على شرط مسلم إن سلم من إرسال عبد الرحمن بن عبد الله عن أبيه فإنه مختلف فى سماعه عن أبيه\" قلت: أثبت سماعه من أبيه سفيان الثوري وابن المديني وابن معين في رواية والبخاري وأبو حاتم، وروى البخاري في \"التاريخ الصغير\" بإسناد لا بأس به - كما قال ابن حجر في \"التهذيب\" - عن القاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله ابن مسعود عن أبيه قال: لما حضر عبد الله الوفاة قال له ابنه عبد الرحمن: يا أبت أوصني، قال: \"ابك على خطيئتك\" لكن أعل الذهبي الحديث بعلة أخرى فقال: \"أبو سلمة لا يدرى من هو ولا رواية له في الكتب الستة\" كذا قال: واستقرب الشيخ شاكر فى \"تحقيق المسند\" - وجزم به الألباني فى \"الصحيحة\" (١/ رقم ١٩٩) بأنه موسى بن عبد الله أو ابن عبد الرحمن الجهني، ويكنى أبا سلمة وهو ثقة من رجال مسلم، ثم إن أبا سلمة هذا متابع، تابعه عبد الرحمن بن إسحاق عند البزار (٥/ ١٩٩٤ / البحر الزخار) وابن السني في \"عمل اليوم والليلة\" (٣٤٢) والبيهقي (١/ ٨) لكن عبد الرحمن هذا - وهو أبو شيبة الواسطي - متفق على تضعيفه، وله شاهد من حديث أبي موسى الأشعري، انظره في \"الصحيحة\" وانظر \"العلل\" للدارقطني (٥/ س ٨١٩).\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- في خ: \"أبدل\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في ز: \"لمن\".\n[¬٤]- في ز: \"في\".","vol":"6","page":464},{"text":"[إلحاد الملحدين: أن دعوا اللات في أسمائه] [¬١].\n[وقال ابن جريج، عن مجاهد: ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ] [¬٢]﴾ قال: اشتقوا \"اللات\" من الله، [واشتقوا] [¬٣] \" [] [¬٤] العزى\" من العزيز.\nوقال قتادة: ﴿يُلْحِدُونَ﴾: يشركون. وقال على بن أبي طلحة، عن ابن عباس: الإِلحاد: التكذيب.\nوأصل الإِلحاد في كلام العرب: العدول [¬٥] عن القصد؛ والميل والجور والانحراف، ومنه اللحد في القبر، لانحرافه إلى جهة القبلة عن سمت الحفر.\n﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (١٨١)﴾\nيقول تعالى: ﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنَا﴾ أي: ومن الأم ﴿أُمَّةٌ﴾ قائمة بالحق، قولًا وعملًا ﴿يَهْدُونَ بِالْحَقِّ﴾ يقولونه ويدعون إليه، ﴿وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ يعملون ويقضون.\nوقد جاء في الآثار أن المراد بهذه الأمة المذكورة في الآية هي هذه الأمة المحمدية.\nقال سعيد (^٢٦٨)، عن قتادة في تفسير هذه الآية: بلغنا أن النبي ﷺ كان يقول إذا قرأ هذه الآية: \"هذه لكم، وقد أعطي القوم بين أيديكم مثلها ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ \".\nوقال أبو جعفر الرازي (^٢٦٩)، عن الربيع بن أنس في قوله تعالى: ﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ قال: فال رسول الله ﷺ: \"إن من أمتي قومًا على الحق، حتى ينزل عيسى ابن مريم متى ما نزل\".\n_________\n(^٢٦٨) - أخرجه ابن جرير (١٣/ ١٥٤٦٠) ثنا بشر، ثنا يزيد، ثنا سعيد به، ورجاله ثقات غير أنه مرسل، وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ٢٧٢) وعزاه إلى عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر.\n(^٢٦٩) - أخرجه ابن أبي حاتم (٥/ ٨٥٨٩) ثنا على بن الحسين، ثنا محمد بن أبى حماد، ثنا مهران عن أبي جعفر به، وابو جعفر الرازي \"صدوق سيئ الحفظ\" والحديث معضل الإسناد، وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ٢٧٢) ولم يعزه لغير ابن أبى حاتم.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من خ.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين في خ: و.\n[¬٥]- في ز: \"العدل\".","vol":"6","page":465},{"text":"وفي الصحيحين (^٢٧٠)، عن معاوية بن أبى سفيان قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم، حتى تقوم الساعة\". وفي رواية: \"حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك\". وفي رواية: \"وهم بالشام\".\n﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (١٨٢) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (١٨٣)﴾\nيقول تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾ ومعناه: أنه يفتح لهم أبواب الرزق ووجوه المعاش في الدنيا، حتى يغتروا بما هم فيه ويعتقدوا أنهم على شيء، كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (٤٤) فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ﴾ أي: وسأملي لهم، أي: أطول لهم ما هم فيه ﴿إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ أي: قوي شديد.\n﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (١٨٤)﴾\nيقول تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا﴾ هؤلاء المكذبون بآياتنا ﴿مَا بِصَاحِبِهِمْ﴾ يعني: محمدًا ﷺ ﴿مِنْ جِنَّةٍ﴾ أي: ليس به جنون، بل هو رسول الله حقًّا، ودعا إلى حق ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ أي: ظاهر لمن كان له لب وقلب يعقل به ويعي به؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ﴾، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾، يقول: إنما أطلب منكم أن تقوموا لله قيامًا خالصًا [] [¬١]، ليس فيه تعصب ولا عناد، ﴿مَثْنَى وَفُرَادَى﴾ أي: مجتمعين ومتفرقين، ﴿ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا﴾ فى هذا الذي جاءكم بالرسالة من الله: أبه [¬٢] جنون أم لا؟ فإنكم إذا فعلتم ذلك بأن لكم وظهر أنه رسول الله حقًّا وصدقًا.\n_________\n(^٢٧٠) - أخرجه البخاري، كتاب: المناقب، باب: (رقم ٢٨) (ح ٣٦٤١)، ومسلم، كتاب: الإمارة، باب: قوله ﷺ: \"لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين … \" (١٧٤، ١٧٥) (١٠٣٧) مغايرًا في بعض الأحرف لسياق المصنف وقوله \"وهم بالشام\" عند البخاري فقط، من كلام معاذ بن جبل، وانظر \"الصحيحة\" للألباني (١/ ٢٧٥) (٤/ ١٩٥٥، ١٠٦٢).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ز: \"لله\".\n[¬٢]- في ز: \"أنه\".","vol":"6","page":466},{"text":"وقال قتادة بن دعامة (^٢٧١): ذكر لنا أن نبي الله، ﷺ، كان على الصفا، فدعا قريشًا فجعل يُفخِّذهم فخذًا فخذًا [¬١]: يابني فلان يابني فلان، فحذرهم بأس الله ووقائع الله، فقال قائلهم: إن صاحبكم هذا لمجنون، بات يصوت إلى الصباح أو حتى أصبح، فأنزل الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [الأعراف: ١٨٤].\n﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (١٨٥)﴾\nيقول تعالى ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا﴾ هؤلاء الكذبون [¬٢] بآياتنا، في ملك الله وسلطانه في السموات والأرض، وفيما خلق من شيء فيهما، فيتدبروا ذلك ويعتبروا به، ويعلموا أن ذلك لمن لا نظير له ولا شبيه، ومن فِعْل من لا ينبغي أن تكون العبادة والدين الخالص إلا له، فيؤمنوا به، ويصدقوا رسوله، وينيبوا إلى طاعته، ويخلعوا الأنداد والأوثان، ويحذروا أن تكون آجالهم قد اقتربت، فيهلكوا على كفرهم، ويصيروا إلى عذاب الله وأليم عقابه.\nوقوله: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ يقول: فبأي تخويف وتحذير وترهيب - بعد تحذير محمَّد، ﷺ، وترهيبه، الذي أتاهم به من عند الله في آى كتابه - يصدقون؟ إن لم يصدقوا بهذا الحديث الذي جاءهم به محمَّد من عند الله ﷿.\nوقد روى الإِمام ًا حمد (^٢٧٢)، عن حسن بن موسى وعفان [¬٣] بن مسلم وعبد الصمد بن\n_________\n(^٢٧١) - أخرجه ابن جرير (١٣/ ١٥٤٦١) وابن أبي حاتم (٥/ ٨٥٩٢) من طريقين عن يزيد بن زريع ثنا سعيد عن قتادة به، هكذا مرسلًا، وزاد نسبته السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ٢٧٣) إلى عبد بن حميد وابن المنذر وأبي الشيخ.\n(^٢٧٢) - \" المسند\" (٣/ ٣٥٣، ٣٦٣) - ومن طريقه المزي في \"تهذيب الكمال\" (٣٣/ ت ٧٤٤٤) وأخرجه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٨/ ٤٤٦) - وعنه مختصرًا ابن ماجه، كتاب: التجارات، باب: التغليظ في الربا (٢٢٧٣) - ثنا الحسن بن موسى به، وأخرجه ابن أبي حاتم - سوف يذكره المصنف في [سورة الإسراء/ آية ١/ ح ٨١]- ثنا أبي ثنا حجاج بن منهال، ثنا حماد بن سلمة به، قال البوصيري في \"مصباح الزجاجة\" (٢/ ١٩٧): \"إسناده ضعيف، لضعف على بن زيد\" وذكره الهيثمي في \"المجمع\" (٤/ ١٢٠) وقال: رواه الإِمام أحمد … ورواه =\n_________\n[¬١]- أي: يناديهم فخذًا فخذًا. وهم أقرب العشيرة إليه، وأول العشيرة: \"الشعب\" ثم \"القبيلة\"، ثم \"الفصيلة\"، ثم \"العمارة\"، ثم \"البطن\"، ثم \"الفخذ\" كذا قال الجوهري، النهاية (٣/ ٤١٨).\n[¬٢]- في ز: \"المكذبين\"\n[¬٣]- في ز: \"عثمان\".","vol":"6","page":467},{"text":"عبد الوارث، كلهم [¬١] عن حماد بن سلمة، عن علي بن زيد بن جدعان [¬٢]، عن أبي الصلت، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"رأيت ليلة أسري بي، لما [¬٣] انتهينا إلى السماء السابعة، فنظرت فوقي، فهذا أنا برعد وبرق وصواعق، قال: وأتيت على قوم بطونهم كالبيوت فيها الحيات ترى من خارج بطونهم، قلت: من هؤلاء [¬٤]، يا جبريل؟ قال: هؤلاء أكلة الربا، فلما نزلت إلى السماء الدنيا فنظرت إلى أسفل مني، فهذا أنا برهج ودخان وأصوات فقلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: هؤلاء [¬٥]، الشياطين يحومون [¬٦] على أعين بني آدم أن لا يتفكروا في ملكوت السموات والأرض، ولولا ذلك لرأوا العجائب\".\nعلى بن زيد بن جدعان [¬٧] له منكرات. ثم قال تعالى:\n﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾\nيقول تعالى: من كتب عليه الضلالة فإنه لا يهديه أحد، ولو نظر لنفسه فيما نظر، فإنه لا يجزي عنه شيئًا ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾، وكما [¬٨] قال تعالى: ﴿قل انظروا ماذا في السموات والأرض وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون﴾.\n﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (١٨٧)﴾\nيقول تعالى: ﴿يسألونك عن الساعة﴾، كما قال تعالى: ﴿يسألك الناس عن الساعة﴾.\n_________\n= ابن ماجه باختصار، وفيه على بن زيد، وفيه كلام والغالب عليه الضعف وكذا أعله المصنف بـ \"على بن زيد\" وهو مُعَلٍّ قبله بشيخه أبي الصلت هذا فلم يرو عنه إلا على بن زيد، وقد جهله الحافظان: الذهبي في \"الميزان\" وابن حجر في \"التقريب\"، والحديث ذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ٢٧٣)، (٤/ ٢٨١) وزاد نسبته في الموضع الثاني إلى ابن مردويه.\n_________\n[¬١] سقط من: ز.\n[¬٢]- في ز: \"جذعان\".\n[¬٣]- في ز: \"فلما\".\n[¬٤]- في خ: \"هذه\".\n[¬٥]- في ز: \"هذه\".\n[¬٦]- في خ، ز: \"يحرقون\".\n[¬٧]- في ز: \"جذعان\".\n[¬٨]- سقط من: ز.","vol":"6","page":468},{"text":"قيل: نزلت في قريش. وقيل: في نفر من اليهود، والأول أشبه؛ لأن الآية مكية، وكانوا يسألون عن وقت الساعة، استبعادًا لوقوعها، وتكذيبًا بوجودها، كما قال تعالى: ﴿ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين﴾.\nوقال تعالى: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ أَلَا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ (١٨)﴾.\nوقوله: ﴿أيان مرساها﴾ قال على بن أبي طلحة، عن ابن عباس: منتهاها، أي: متى محطها، وأيان آخر مدة الدنيا الذي [هو أقل وقت الساعة] [¬١] ﴿قل إنما علمها عند ربي لا يجليها لوقتها إلا هو﴾ أمر تعالى رسوله، ﷺ، إذا سئل عن وقت الساعة، أن يرد علمها إلى الله تعالى، فإنه هو الذي يجليها لوقتها، أي: يعلم جلية [¬٢] أمرها، ومتى يكون على التحديد، لا يعلم ذلك إلا هو تعالى، ولهذا قال: ﴿ثقلت في السموات والأرض﴾.\nقال عبد الرزاق (^٢٧٣)، عن معمر، عن قتادة في قوله: ﴿ثقلت في السموات والأرض﴾ قال: ثقل علمها على أهل السموات والأرض، إنهم لا يعلمون.\nقال معمر: قال الحسن: إذا جاءت ثقلت على أهل السموات والأرض، يقول: كَبُرت عليهم.\nوقال الضحاك، عن ابن عباس في قوله: ﴿ثقلت في السموات والأرض﴾ قال: ليس شيء من الخلق إلا يصيبه من ضرر يوم القيامة.\nوقال ابن جريج: ﴿ثقلت في السموات والأرض﴾ قال: إذا جاءت انشقت السماء، وانتثرت النجوم، وكورت الشمس، وسيرت الجبال، وكان ما قال الله ﷿، فذلك ثقلها.\nواختار ابن جرير ﵀ [¬٣]: أن المراد ثَقُلَ علم وقتها على أهل السموات والأرض، كما قال قتادة.\n_________\n(^٢٧٣) - \" التفسير\" لعبد الرزاق (٢/ ٢٤٤، ٢٤٥) ومن طريقه ابن جرير (١٣/ ١٥٤٧٣، ١٥٤٧٤) وابن أبي حاتم في تفسيره (٥/ ٨٦١١) وزاد نسبته السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ٢٧٤) إلى ابن المنذر.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ت.\n[¬٢]- في ز: \"جليته\"\n[¬٣]- ابن جرير في تفسيره (١٣/ ٢٩٦، ٢٩٧).","vol":"6","page":469},{"text":"وهو كما قالاه؛ كقوله تعالى: ﴿لا تأتيكم إلا بغتة﴾، ولا ينفي ذلك ثقل مجيئها على أهل السموات والأرض، والله أعلم.\nوقال السدي: ﴿ثقلت في السموات والأرض﴾، يقول: خفيت في السموات والأرض، فلا [¬١] يعلم قيامها - حين تقوم ملك مُقَرَّبٌ ولا نبي مرسل.\n﴿لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً﴾ يبغتهم قيامها، تأتيهم على غفلة.\nوقال قتادة (^٢٧٤) في قوله تعالى: ﴿لا تأتيكم إلا بغتة﴾: قضى الله أنها ﴿لا تأتيكم إلا بغتة﴾ - قال: وذكر لنا أن نبي الله، ﷺ، قال: \"إن الساعة تهيج بالناس والرجل يصلح حوضه، والرجل يسقي ماشيته، والرجل يقيم سلعته في السوق، ويخفض ميزانه ويرفعه\".\nوقال البخاري (^٢٧٥): حدثنا أبو اليمان، أنبأنا شعيب، أنبأنا [¬٢] أبو الزناد، عن عبد الرحمن، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: \"لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت فرآها الناس آمنوا أجمعون، فذلك حين لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرًا، ولتقومن الساعة وقد نشر الرجلان ثوبهما بينهما فلا يتبايعانه ولا يطويانه، ولتقومن الساعة وقد انصرف الرجل بلبن لقحته فلا يطعمه، ولتقومن الساعة وهو يليط حوضه فلا يسقي فيه، ولتقومن الساعة والرجل قد رفع أكْلَته إلن فيه فلا يطعمها\".\nوقال مسلم في صحيحه (^٢٧٦): حدثني زهير بن حرب، حدثنا سفيان بن عيينة، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة يبلغ به النبي، ﷺ، قال: \"تقوم الساعة\n_________\n(^٢٧٤) - أخرجه ابن جرير (١٣/ ١٥٤٧٩) ثنا بشر قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد عن قتادة به، هكذا مرسلًا، وذكره السيوطي \"الدر المنثور\" (٣/ ٢٧٤) وعزاه إلى عبد بن حميد وابن جرير وزاد نسبته في [(٤/ ٤٩٨/ سورة يس/ آية ٤٩)] إلى ابن أبي حاتم وانظر الحديثين اللذين بعد هذا.\n(^٢٧٥) - البخاري في صحيحه، كتاب: الرقاق، باب (رقم ٤٠)، (ح ٦٥٠٦) وانظر ما تقدم [سورة الأنعام/ آية ١٥٨].\n(^٢٧٦) - صحيح مسلم، كتاب: الفتن وأشراط الساعة، باب: قرب الساعة (١٤٠) (٢٩٥٤) وانظر ما قبله.\n_________\n[¬١]- في ز: \"فلم\".\n[¬٢]- في: \"ثنا\".","vol":"6","page":470},{"text":"والرجل يحلب لقحته [¬١]، فما يصل الإناء إلى فيه حتى تقوم الساعة، والرجلان يتبايعان الثوب، فما يتبايعانه حتى تقوم الساعة [¬٢]، والرجل يلوط حوضه، فما يصدر حتى تقوم\".\nوقوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا﴾، اختلف المفسرون في معناه؛ فقيل: معناه كما [] [¬٣] قال العوفي، عن ابن عباس: ﴿يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا﴾ يقول: كأن بينك وبينهم مودّة، كأنك صديق لهم. قال ابن عباس: لما سأل الناس محمدًا، ﷺ، عن الساعة، سألوه سؤال قوم كأنهم يرون أن محمدًا حفي بهم، فأوحى الله إليه: إنما علمها عنده، استأثر بعلمها فلم يطلع الله عليها ملكا مقربًا ولا رسولًا.\nوقال قتادة: قالت قريش لمحمد ﷺ: إن بيننا وبينك قرابة، فأسر إلينا متى الساعة؟ فقال الله ﷿: ﴿يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا﴾.\nوكذا روي عن مجاهد وعكرمة وأبي مالك والسدي، وهذا قول. والصحيح عن مجاهد - من رواية ابن أبي نجيح وغيره -: ﴿يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا﴾ قال: استحفيت [¬٤] (^٢٧٧) عنها السؤال، حتى علمت وقتها.\nوكذا قال الضحاك، عن ابن عباس: ﴿يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا﴾ يقول: كأنك عالم بها، لست تعلمها، ﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ﴾.\nوقال معمر [¬٥]، عن بعضهم: ﴿كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا﴾: كأنك عالم بها.\n[وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: ﴿كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا﴾ كأنك عالم بها] [¬٦]، وقد أخفى الله علمها على خلقه، وقرأ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ الآية.\nوهذا القول أرجح في المعنى من الأول، والله أعلم.\nولهذا قال: ﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾.\nولهذا لما جاء جبريل ﵇ في صورة أعرابي، ليعلم الناس أمر دينهم، فجلس من رسول الله، ﷺ، مجلس السائل المسترشد، وسأله، ﷺ، عبئ الإِسلام، ثم عن الإِيمان، ثم عن الإِحسان، ثم قال: فمتى الساعة؟ قال له رسول الله، صلى الله\n_________\n(^٢٧٧) - استحفى عن الشيء: بالغ في الاستخبار عنه.\n_________\n[¬١]- في ز: \"اللقحة\"\n[¬٢]- سقط من: خ، ز.\n[¬٣]- في ز: \"كأنك حفي وقال: \".\n[¬٤]- في ز: \"استخفيت\".\n[¬٥]- في ز: \"يعمر\".\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.","vol":"6","page":471},{"text":"عليه وسلم: \"ما المسئول عنها بأعلم من السائل\". أي: لست أعلم بها منك، ولا أحد أعلم بها من أحد، ثم قرأ النبي ﷺ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ الآية.\nوفي رواية: \"فسأله عن أشراط الساعة، فبين له أشراط الساعة، ثم قال: \"في خمس لا يعلمهن إلا الله\"، وقرأ هذه الآية. وفي هذا كله يقول له بعد كل جواب: صدقت؛ ولهذا عجيب الصحابة من هذا السائل يسأله وصدقه، ثم لما انصرف قال رسول الله ﷺ: \"هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم\" (^٢٧٨).\nوفي رواية قال (^٢٧٩): \" وما أتاني في صورة إلا عرفته فيها، إلا صورته هذه\".\nوقد ذكرت هذا الحديث بطرقه وألفاظه من الصحاح والحسان والمسانيد في أول شرح صحيح [¬١] البخاري، ولله الحمد والمنة.\nولما سأله ذلك الأعرابي وناداه بصوت جَهْوَرِيّ، فقال: يا محمَّد. قال [¬٢] له رسول الله ﷺ: \"هَاؤم [¬٣] \" - على نحو من صوته - قال: يا محمَّد! متى الساعة؟ قال له رسول الله ﷺ: \"ويحك، إن الساعة آتية، فما أعددت لها\"؟ قال: ما [¬٤] أعددت لها كبير صلاة ولا صيام، ولكني أحب الله ورسوله. فقال له رسول الله ﷺ: \"المرء مع من أحب\" (^٢٨٠). فما فرح المسلمون بشيء فرحهم بهذا الحديث.\n_________\n(^٢٧٨) - أخرجه البخاري، كتاب: الإيمان، باب: سؤال جبريل النبي ﷺ عن الإيمان … (رقم ٥٠) ومسلم، كتاب: الإيمان، ب: بيان الإيمان والإِسلام والإحسان … (٥) (٩) من حديث أبي هريرة.\n(^٢٧٩) - أخرج هذه الرواية أحمد في مسنده (١/ ٥٢، ٥٣) من حديث ابن عمرو وصحح إسناده الشيخ أحمد شاكر (رقم ٣٧٤) وكذا أخرجه الطبراني في \"المعجم الكبير\" (١٢/ ١٣٥٨١) وذكره الهيثمي في \"المجمع\" (١/ ٤٥، ٤٦) وقال: \"رواه الطبراني في \"الكبير\" - وغفل عن عزوه لأحمد - ورجاله موثقون\" وانظر \"فتح الباري\" (١/ ١٢٤).\n(^٢٨٠) - أخرجه البخاري، كتاب: فضائل الصحابة، باب: مناقب عمر بن الخطاب أبي حفص القرشي العَدويّ ﵁ (٣٦٨٨) ومسلم، كتاب: البر والصلة والآداب، كتاب: المرء مع من أحب (١٦١: ١٦٤) (٢٦٣٩) من طرق عن أنس بن مالك وهو مغاير في بعض =\n_________\n[¬١]- زيادة من: ز.\n[¬٢]- في ز: \"فقال\".\n[¬٣]- في ت: \"هاء\"، وقال أبو حاتم بن حبان \"الصحيح\" (٢/ ٣٢٢ / إحسان) رحمه الله تعالى: قوله ﷺ: \"هاؤم\" أراد به رفع الصوت فوق صوت الأعرابي، لئلا يأثم الأعرابي برفع صوته على رسول الله ﷺ\".\n[¬٤]- سقط من: ز.","vol":"6","page":472},{"text":"وهذا له طرق متعددة (^٢٨١) في الصحيحين وغيرهما عن جماعة من الصحابة، عن رسول الله ﷺ أنه قال: \"المرء مع من أحب\". وهي متواترة عند كثير من الحفاظ المتقنين.\nففيه أنه ﵇ أنه [¬١] كان إذا سئل عن هذا الذي لا يحتاجون إلى علمه، أرشدهم إلى ما هو الأهم في حقهم، وهو الاستعداد لوقوع ذلك، والتهيؤ له قبل نزوله، وإن لم يعرفوا تعيين وقته.\nولهذا قال مسلم في صحيحه (^٢٨٢): حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو كريب قالا: حدثنا أبو أسامة، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة، ﵂، قالت: كانت الأعراب إذا قدموا على رسول الله، ﷺ، سألوه عن الساعة: متى الساعة؟ فينظر إلى أحدث إنسان [¬٢] منهم فيقول [¬٣]: \"إن يعش هذا لم يدركه الهَرَم حتى قامت ساعتكم\".\nيعني بذلك: موتهم الذي يفضي بهم إلى الحصول في برزخ الدار الآخرة.\nثم قال مسلم (^٢٨٣): وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا يونس بن محمَّد، عن حماد بن\n_________\n= الأحرف لسياق المصنف، وأقرب لفظ لسياق المصنف، هو ما أخرجه ابن حبان في صحيحه (١/ رقم ١٠٥) من طريق المعتمر بن سليمان ثنا حميد الطويل عن أنس - فذكر الحديث، وكذا حديث صفوان بن عسال المرادي عند الترمذي (٣٥٣٥) وقال: \"حديث حسن صحيح\" وكذا صححه ابن حبان (٢/ ٥٦٢).\n(^٢٨١) - منها حديث أبي موسى الأشعرى عند البخاري (٦١٧٠) ومسلم (٢٦٤١) وحديث عبد الله ابن مسعود عندهما أيضًا؛ البخاري (٦١٦٨)، ومسلم (١٦٥) (٢٦٤٠)، وحديث أبي ذر عند أبي داود (٥١٢٦) والبخاري في \"الأدب المفرد\" (٣٥١) وأحمد (٥/ ١٥٦، ١٦٦) وصححه ابن حبان (٢/ ٥٥٦) وهذا الحديث في عداد المتواتر كما قال المصنف وغيره، وقال الحافظ ابن حجر في \"الفتح\" (١٠/ ٥٦٠): قوله \"المرء مع من أحب\" قد جمع أبو نعيم طرق هذا الحديث في جزء سماه \"كتاب المحبين مع المحبوبين\" وبلغ الصحابة فيه نحو العشرين\".\n(^٢٨٢) - صحيح مسلم، كتاب: الفتن وأشراط الساعة، باب: قرب الساعة (١٣٦) (٢٩٥٢) وكذا أخرجه البخاري، كتاب: الرقاق، باب: سكرات الموت (٦٥١١) حدثني صدقة أخبرنا عبدة عن هشام، به.\n(^٢٨٣) - صحيح مسلم، كتاب: الفتن وأشراط الساعة، باب: قرب الساعة (١٣٧) (٢٩٥٣) وكذا أخرجه أحمد في \"المسند\" (٣/ ٢٢٨، ٢٦٩) من طريق يونس وحسن بن موسى =\n_________\n[¬١]- زيادة من: ز.\n[¬٢]- في خ، ز: \"أسنان\".\n[¬٣]- في ز: \"فقال\".","vol":"6","page":473},{"text":"سلمة، عن ثابت، عن أنس: أن رجلًا سأل رسول الله، ﷺ، عن الساعة، [وعنده غلام من الأنصار يقال له: محمَّد] [¬١]، فقال رسول الله، ﷺ: \"إن يعش هذا الغلام فعسى أن لا يدركه الهرم حتى تقوم الساعة\". انفرد به مسلم.\nوحدثني حجاج بن الشاعر (^٢٨٤)، حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا حماد بن زيد، [حدثنا معبد بن هلال العَنَزي] [¬٢]، عن أنس بن مالك ﵁: أن رجلًا سأل النبي ﷺ قال: متى الساعة؟ فسكت رسول الله ﷺ هُنَيْهة، ثم نظر إلى غلام بين يديه من أزد شنوءة فقال: \"إن عُمِّرَ هذا لم يدركه الهرم حتى تقوم الساعة\". قال أنس: ذلك الغلام من أترابي.\nوقال: حدثنا هارون بن عبد الله، حدثنا عفان بن مسلم، حدثنا همام، حدثنا قتادة، عن أنس قال: مر غلام للمغيرة بن شعبة - وكان [من أقراني] [¬٣]- فقال النبي ﷺ: \"إن يؤخر هذا لم يدركه الهرم حتى تقوم الساعة\" [] [¬٤].\nورواه البخاري في كتاب الأدب من صحيحه، عن عمرو بن عاصم، عن همام بن يحيى، عن قتادة، عن أنس: أن رجلًا من أهل البادية قال: يا رسول الله؛ متى الساعة؟ فذكر الحديث، وفي آخره: فمر غلام للمغيرة بن شعبة، وذكره.\nوهذا الإِطلاق في هذه الروايات محمول على التقييد بـ\"ساعتكم\" في حديث عائشة ﵂.\nوقال ابن جريج: أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: سمعت رسول الله، ﷺ، يقول قبل أن يموت بشهر [] [¬٥]: \"تسألوني عن الساعة، وإنما علمها عند الله، وأقسم بالله ما على ظهر الأرض اليوم من نفس منفوسة تأتي [¬٦] عليها مائة سنة\". رواه\n_________\n= وعفان عن حماد ابن سلمة، به.\n(^٢٨٤) - هذا الحديث والذي بعده رواهما مسلم في صحيحه، كتاب: الفتن وأشراط الساعة، باب: قرب الساعة (١٣٧: ١٣٩) (٢٩٥٣) والثاني أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب: الأدب، باب: ما جاء في قول الرجل: ويلك! (٦١٦٧) حدثنا عمرو بن عاصم حدثنا همام به مطولًا، وانظر ما تقدم برقم (٢٧٨).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٢]- في خ، ز: \"سعيد بن أبي هلال المصري\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في ز: \"ابن أبي\".\n[¬٤]- في ز، خ: قال أنس: ذلك الغلام لي.\n[¬٥]- في ز: قال.\n[¬٦]- في ز: \"يأتي\".","vol":"6","page":474},{"text":"مسلم (^٢٨٥).\nوفي الصحيحين (^٢٨٦) عن ابن عمر مثله. قال ابن عمر [¬١]: وإنما أراد رسول الله ﷺ انخرام ذلك القرن.\nوقال الإِمام أحمد (^٢٨٧): حدثنا هشيم، أنبأنا العوام، عن جبلة بن سحيم، عن مؤثر بن عفازة [¬٢]، عن ابن مسعود ﵁ عن النبي، ﷺ، قال: \"لقيت ليلة أسري بي إبراهيم وموسى وعيسى، قال: فتذاكروا أمر الساعة، قال: فردوا أمرهم إلى إبراهيم ﵇ فقال: لا علم لي بها، فردوا أمرهم [¬٣] إلى موسى، فقال: لا علم لي بها، فردوا أمرهم إلى عيسى، فقال عيسى: أما وجبتها فلا يعلم بها أحد إلا الله عز\n_________\n(^٢٨٥) - صحيح مسلم، كتاب: \"فضائل الصحابة\" باب: قوله ﷺ \"لا تأتي مائة سنة وعلى الأرض نفس منفوسة اليوم\" (٢١٨) (٢٥٣٨).\n(^٢٨٦) - البخاري، كتاب: العلم، باب: السمر في العلم (١١٦)، ومسلم، كتاب: فضائل الصحابة، باب: قوله ﷺ \"لا تأتي مائة سنة وعلى الأرض نفس منفوسة اليوم\" (٢١٧) (٢٥٣٧).\n(^٢٨٧) - \" المسند\" (١/ ٣٧٥) (٣٥٥٦) وأخرجه ابن جرير في تفسيره [(١٧/ ٩١) / سورة الأنبياء / آية ٩٦] حدثني أحمد بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم بن بشير به، وكذا رواه من طريق أصبغ بن زيد عن العوام بن حوشب به، وأخرجه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٨/ ٦٦٠) وابن ماجه، كتاب: الفتن، باب: فتنة الدجال وخروج عيسى بن مريم وخروج يأجوج ومأجوج (٤٠٨١)، وأبو يعلى في مسنده (٩/ ٥٢٩٤) والحاكم في \"المستدرك\" (٢/ ٣٨٤) (٤/ ٤٨٨، ٥٤٥ - ٥٤٦) من طريق يزيد بن هارون ثنا العوام بن حوشب به موقوفًا على عبد الله بن مسعود وقال الحاكم: \"حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، فأما مؤثر فليس بمجهول، قد روى عن عبد الله بن مسعود والبراء بن عازب، وروى عنه جماعة من التابعين\" وقال البوصيري في \"مصباح الزجاجة\" (٣/ ٢٦١، ٢٦٢): \"هذا إسناد صحيح رجاله ثقات، مؤثر بن عفازة ذكره ابن حبان في \"الثقات\" - (٥/ ٤٦٣) - وباقي رجال الإسناد ثقات .... ورواه الحاكم وقال: حديث صحيح الإسناد\".\nقلت: ومُؤْثر وثقه العجلي أيضًا في ثقاته (رقم ١٦٤٩) وقال ابن حجر في \"التقريب\": \"مقبول\" وصحح إسناده الشيخ شاكر في حاشية \"المسند\" ومثله حديثه يحتمل التحسين، ووقف يزيد بن هارون له لا يضره لأن لفظه لا يقال من قبل الرأي والاجتهاد والله أعلم، والحديث زاد نسبته السيوطي في \"الدر المنثور\" (٤/ ٢٨٠) إلى سعيد بن منصور وابن المنذر وابن مردويه والبيهقي في \"البعث والنشور\".\n_________\n[¬١]- في ز: \"عمرو\".\n[¬٢]- في خ، ز: \"عفان\".\n[¬٣]- سقط من: ز.","vol":"6","page":475},{"text":"وجل، وفيما عهد إليَّ ربي ﷿ أن الدجال خارج، قال: ومعي قضيبان، فإذا رآني ذاب كما يذوب الرصاص، قال: فيهلكه الله ﷿ إذا رآني، حتى إن الحجر والشجر يقول: يا مسلم، إن تحتي كافرًا فتعال [¬١] فاقتله، قال: فيهلكهم الله ﷿، ثم يرجع الناس إلى بلادهم وأوطانهم، قال: فعند ذلك يخرج يأجوج ومأجوج، وهم من كل حدب ينسلون فيطئون بلادهم، لا يأتون على شيء إلا أهلكوه، ولا يمرون على ماء إلا شربوه، قال: ثم يرجع الناس إليّ فيشكونهم، فأدعو الله ﷿ عليهم، فيهلكهم ويميتهم، حتى تَجوَى الأرض من نتن ريحهم - أي: تنتن - قال: فينزل الله ﷿ المطر، فيجترف [¬٢] أجسادهم حتى يقذفهم [¬٣] في البحر\".\nقال الإِمام أحمد: قال يزيد بن هارون: \"ثم تنسف الجبال، وتُمَدُّ الأرض مد الأديم - ثم رجع إلى حديث هشيم قال: \"ففيما عهد إلى ربي ﷿ أن ذلك إذا كان كذلك، فإن الساعة كالحامل المُتِم، لا يدري أهلها متى تَفْجَؤُهم بولادها ليلًا أو نهارًا\".\nورواه ابن ماجة، عن بندار، عن يزيد بن هارون، عن العوام بن حوشب بسنده، نحوه.\nفهؤلاء أكابر أولي العزم من المرسلين ليس عندهم علم بوقت الساعة على التعيين، وإنما ردوا الأمر إلى عيسى ﵇ فتكلم على أشراطها؛ لأنه ينزل في آخر هذه الأمة منفذًا لأحكام رسول الله ﷺ، ويقتل المسيح الدجال، ويجعل الله هلاك يأجوج ومأجوج ببركة دعائه، فأخبر بما أعلمه الله تعالى به.\nوقال الإِمام أحمد (^٢٨٨): حدثنا يحيى بن أبي بكير، حدثنا [عبيد الله بن إياد] [¬٤] بن لقيط قال: سمعت أبي يذكر، عن حذيفة قال: سُئل رسول الله، ﷺ، عن الساعة، فقال: \"علمها عند ربي، لا يجليها لوقتها إلا هو، ولكن سأخبركم [¬٥] بمشاريطها\n_________\n(^٢٨٨) - \" المسند\" (٥/ ٣٨٩) وذكره الهيثمي في \"المجمع\" (٧/ ٣١٢) وقال: \"رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح\" وهو كما قال غير أنهم لم يذكروا إياد بن لقيط في الرواة عن حذيفة، وقد روى إياد عن بعض الصحابة المتأخرين موتًا مثل البراء بن عازب - توفي سنة اثنتين وسبعين - وغيره، وحذيفة متقدم موتًا، فقد توفي في أول خلافة على سنة ست وثلاثين والله أعلم.\nوالحديث ذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ٢٧٤) ولم يعزه لغير أحمد.\n_________\n[¬١]- في ز: \"تعال\".\n[¬٢]- في المسند: \"فَتَجْرُف\".\n[¬٣]- في ز: \"يقذفها\".\n[¬٤]- في ز، خ: [عبد الله بن زياد] وهو تحريف.\n[¬٥]- في ز: \"أخبركم\".","vol":"6","page":476},{"text":"وما يكون بين يديها، إن بين يديها فتنة وهرجًا\". قالوا: يا رسول. الله، الفتنة قد عرفناها، فالَهَرج [¬١]، ما هو؟ قال: \"بلسان الحبشة القتل\". قال: \"ويُلقى بين الناس التناكر، فلا يكاد [¬٢] أحد يعرف أحدًا\". لم يروه أحد من أصحاب الكتب الستة [¬٣] من هذا الوجه.\nوقال وكيع (^٢٨٩): حدثنا ابن أبي خالد، عن طارق بن شهاب قال: كان رسول الله ﷺ لا يزال يذكر من شأن الساعة حتى نزلت ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾ الآية.\nورواه النسائي، من حديث عيسى بن يونس، عن إسماعيل بن أبي خالد، به. وهذا إسناد جيد قوي.\nفهذا النبي الأمي سيد الرسل وخاتمهم - صلوات الله عليه وسلامه - نبي الرحمة، ونبي التوبة، ونبي الملحمة، والعاقب، والمُقَفِّي، والحاشر الذي تحشر الناس على قدميه، مع قوله فيما ثبت عنه في الصحيح (^٢٩٠) من حديث أنس وسهل بن سعد ﵄: \"بعثت أنما\n_________\n(^٢٨٩) - أخرجه ابن جرير في تفسيره [(٣٠/ ٤٩) سورة النازعات/ آية ٤٣] ثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع به، ورواه النسائي في \"التفسير\" من الكبرى (٦/ ١١٦٤٥) من طريق عيسى بن يونس عن إسماعيل بن أبي خالد به، وقال المصنف على هذا الإسناد \"جيد قوي\"، ورواه الطبراني في \"المعجم الكبير\" (٨/ ٨٢١٠) ثنا إسحاق بن داود الصواف التستري، وابن عدي في \"الكامل\" (٥/ ١٨٤٨) ثنا على بن أحمد بن علي بن عمران، كلاهما (إسحاق وعلى) ثنا محمد بن موسى الحَرَشي - صحف في الموضعين إلى الجرشي - ثنا مروان بن معاوية عن \"على بن أبي الوليد\" - تصحف عند الطبراني إلى \"على بن الوليد\" - عن إسماعيل بن أبي خالد به، وذكره الهيثمي في \"المجمع (٧/ ١٣٦) وقال: \"رواه الطبراني، وفيه من لم أعرفه\" قلت: وهو يعني بذلك شيخ الطبراني، فإني لم أجد له ترجمة، وباقي رجال إسناد الطبراني كلهم من رجال \"التهذيب\"، وللطبراني شيخ يسمى \"الحسين بن إسحاق بن إبراهيم التُسْتَرى\" ترجم له الذهبي في \"السير\" (١٤/ ٥٧) وقال: \"أكثر عنه أبو القاسم الطبراني\" فالله أعلم، وقد زاد نسبة الحديث السيوطي في \"الدر المنثور\" (٦/ ٥١٥) إلى عبد بن حميد وابن مردويه ولم يعزه لابن عدي!! وللحديث شاهد من حديث عائشة عند البزار (رقم ٢٢٧٩/ كشف الأستار) وابن جرير (٣٠/ ٤٩) وصححه الحاكم (٢/ ٥١٣) على شرط الشيخين ووافقه الذهبي، لكن صحح أبو زرعة إرساله - كما في \"العلل\" لابن أبي حاتم (٢/ ١٦٩٣).\n(^٢٩٠) - أخرجهما البخاري في صحيحه (٦٥٠٤، ٤٩٣٦) ومسلم (١٣٣: ١٣٥) (٢٩٥١)، (١٣٢) (٢٩٥٠) على الترتيب.\n_________\n[¬١]- في ز: \"الهَرَج\".\n[¬٢]- سقط من: خ، ز.\n[¬٣]- سقط من: خ، ز.","vol":"6","page":477},{"text":"والساعة كهاتين\"، وقرن بين أصبعيه السبابة والتي تليها، ومع هذا كله قد أمره الله تعالى أن يرد عدم وقت الساعة إليه إذا سئل عنها فقال: ﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾.\n﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١٨٨)﴾\nأمره الله تعالى أن يفوّض الأمور إليه، وأن يخبر عن نفسه أنه لا يعلم الغيب، ولا اطلاع له على شيء من ذلك إلا بما أطلعه الله عليه، كما قال تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) [إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا] [¬١]﴾.\nوقوله: ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ﴾، قال عبد الرزاق (^٢٩١)، عن الثوري، عن منصور، عن مجاهد ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ﴾ قال: لو كنت أعلم متى أموت لعملت عملًا صالحًا.\nوكذا [¬٢] روى ابن أبي نجيح عن مجاهد، وقال مثله ابن جريج.\nوفيه نظر؛ لأن عمل رسول الله ﷺ كان ديمة، وفي رواية: كان إذا عمل عملًا أثبته (^٢٩٢)، فجميع عمله كان على منوال واحد، كأنه ينظر إلى الله ﷿ في جميع أحواله، اللهم إلا أن يكون المراد أن يرشد غيره إلى الاستعداد لذلك، والله أعلم.\nوالأحسن في هذا ما رواه الضحاك، عن ابن عباس ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ﴾ أي: من المال، وفي رواية: لعلمت إذا اشتريت شيئًا ما أربح فيه، فلا أبيع شيئًا إلا ربحت فيه، [وما مسني السوء، قال] [¬٣] \": ولا يصيبني الفقر.\n_________\n(^٢٩١) - غير موجود في تفسيره المطبوع ومن طريقه أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (٥/ ٨٦٢٥).\n(^٢٩٢) - أخرج الرواية الأولى البخارى، كتاب: الصوم، باب: هل يَخُصُّ شيئًا من الأيام (١٩٨٧) ومسلم، كتاب: صلاة المسافرين وقصرها، باب: فضيلة العمل الدائم من قيام الليل وغيره … (٢١٧) (٧٨٣) من حديث عائشة، والرواية الثانية أخرجها أبو داود (١٣٦٨) وأحمد (٦/ ٤٠) بإسناد صحيح، وهي عند مسلم (٢١٥) (٧٨٢) بلفظ آخر.\n_________\n[¬١]- من: ز، وفي ت: \"الآية\".\n[¬٢]- في ز: \"كذلك\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.","vol":"6","page":478},{"text":"وقال ابن جرير [¬١]: وقال آخرون: معنى ذلك: لو كنت أعلم الغيب لأعددت للسنة المجدبة [¬٢] من الخصبة، ولعرفتُ [¬٣] الغلاء من الرخص، فاستعددت له من الرخص.\nوقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ﴿وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ قال: لاجتنبت ما يكون من الشر قبل أن يكون واتقيته [¬٤].\nثم أخبر أنه إنّما هو ﴿نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ﴾ أي: نذيرا من العذاب، وبشيرا للمؤمنين بالجنات كما قال تعالى: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾.\n﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (١٨٩)﴾\nينبه تعالى على أنه خلق جميع الناس من آدم ﵇ وأنه خلق منه زوجه حواء، ثم انتشر الناس [¬٥] منهما، كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ الآية.\nوقال في هذه الآية الكريمة: ﴿وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ أي: ليألفها ويسكن بها؛ كما قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾، فلا ألفة بين روحين [¬٦] أعظم مما بين الزوجين؛ ولهذا ذكر تعالى أن الساحر ربما توصل بكيده الن التفرقة بين المرء وزوجه.\n﴿فَلَمَّا تَغَشَّاهَا﴾ أي: وطئها ﴿حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا﴾ وذلك أول الحمل لا تجد المرأة له ألمًا، إنّما هي النطفة ثم العَلَقة، ثم المضغة.\nوقوله: ﴿فَمَرَّتْ بِهِ﴾ قال مجاهد: استمرت بحمله. وروي عن الحسن وإبراهيم النخعي والسدي نحوه.\nوقال ميمون بن مهران، عن أبيه: استخفته.\n_________\n. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n[¬١]- ابن جرير في تفسيره (١٣/ ٣٠٢).\n[¬٢]- في ز: \"المجذبة\".\n[¬٣]- في ز: \"لوقت\".\n[¬٤]- في خ: \"وأتقيه\".\n[¬٥]- سقط من: ز.\n[¬٦]- في ز: \"زوجين\".","vol":"6","page":479},{"text":"وقال أيوب: سألت الحسن عن قوله: ﴿فَمَرَّتْ بِهِ﴾ قال: لو كنت رجلًا عربيًّا لعرفت ما هي؟، إنما هي فاستمرت به.\nوقال قتادة: ﴿فَمَرَّتْ بِهِ﴾ و[¬١] استبان حملها.\nوقال ابن جرير [¬٢]: استمرت بالماء: قامت به وقعدت.\nوقال العوفي عن ابن عباس: استمرت به، فشكَّت؛ أحملت أم لا؟\n﴿فَلَمَّا أَثْقَلَتْ﴾ أي: صارت ذات ثقل بحملها.\nوقال السدي: كبر الولد في بطنها.\n﴿دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا﴾ أي [¬٣]: بَشَرًا سويًّا، كما قال الضحاك، عن ابن عباس: أشفقا أن يكون بهيمة.\nوكذلك قال أبو البختري وأبو مالك: أشفقا أن لا يكون إنسانًا.\nوقال الحسن البصري: لئن آتيتنا غلامًا.\n﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (١٨٩) فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ذكر المفسرون هاهنا آثارًا وأحاديث [¬٤] سأوردها وأبين ما فيها، ثم نتبع ذلك ببيان الصحيح في ذلك إنّ شاء الله، وبه الثقة.\nقال الإمام أحمد في مسنده (^٢٩٣): حدثنا عبد الصمد، حدثنا عمر بن إبراهيم، حدثنا قتادة، عنَ الحسن، عن سمرة، عن النبي ﷺ قال: \"لما ولدت حواء طاف بها إبليس - وكان لا يعيش لها ولد - فقال: سميه عبد الحارث، فإنه يعيش، فسمته عبد الحارث فعاش، وكان ذلك من وحي الشيطان وأمره\".\n_________\n(^٢٩٣) - \" المسند\" (٥/ ١١) وأخرجه الترمذي، كتاب: تفسير القرآن، باب: ومن سورة الأعراف (٣٠٧٧)، والبزار في مسنده (الكتانية/ ٢٥٤)، والروياني في مسنده (٢/ ٨١٦) وابن جرير في \"التاريخ\" (١/ ١٤٨) وفي تفسيره (١٣/ ١٥٥١٣)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٥/ ٨٦٣٧، ٨٦٤١)، والطبراني في \"المعجم الكبير\" (٧/ ٦٨٩٥)، وابن عدى في \"الكامل\" (٥/ ١٧٠٠)، والحاكم في \"المستدرك\" (٢/ ٥٤٥)، وأبو القاسم عبد الملك بن محمد بن بشران =\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- ابن جرير في تفسيره (١٣/ ٣٠٤).\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤] في ز: \"حديثًا\".","vol":"6","page":480},{"text":"وهكذا رواه ابن جرير، عن محمد بن بشار، [] [¬١] بندار، عن عبد الصمد بن عبد الوارث به.\nورواه الترمذي في تفسير هذه الآية عن محمد بن المثنى، عن عبد الصمد به. وقال: هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث عمر بن إبراهيم [عن قتادة] [¬٢]، ورواه بعضهم عن عبد الصمد ولم يرفعه.\nورواه الحاكم في مستدركه، من حديث عبد الصمد مرفوعًا، ثم قال: هذا حديث صحيح الإِسناد، ولم يخرجاه.\nورواه الإِمام أبو محمد بن أبى حاتم في تفسيره، عن أبي زرعة الرازي، عن هلال بن فياض، عن عمر بن إبراهيم به مرفوعًا.\nوكذا رواه الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسيره، من حديث شاذ بن فياض، عن عمر بن إبراهيم به مرفوعًا.\nقلت: و\"شاذ\" هو: هلال، وشاذ لقبه، والغرض أن هذا الحديث معلول من ثلاثة أوجه: (أحدها) أن عمر بن إبراهيم هذا هو البصري [¬٣]، وقد وثقه ابن معين، ولكن قال أبو حاتم\n_________\n=\"في \"أماليه\" (١٥٨/ ٢) - كما في \"الضعيفة\" للألبانى (١/ رقم ٣٤٢) - وابن مردويه - كما قال المصنف هنا، وعزاه له السيوطي أيضًا في \"الدر المنثور\" (٢٧٧١٣) - كلهم من طريق عمر بن إبراهيم عن قتادة، به وقال الترمذي عقبه: \"حديث حسن غريب لا نعرفه مرفوعًا إلا من حديث عُمر بن إبراهيم عن قتادة. ورواه بعضهم عن عبد الصمد ولم يرفعه، وعمر بن إبراهيم شيخ بصري\" قال البزار: \"ولا نعلم هذا الحديث رواه أحد إلا سمرة، ولا نعلم رواه عن قتادة غير عمر ابن إبراهيم\" وقال ابن عدي: \"وهذا لا أعلم يرويه عن قتادة غير عمر بن إبراهيم … وحديثه عن قتادة خاصة مضطرب\" وقال ابن حبان في \"المجروحين\" (٨٩١٢): \"كان ممن ينفرد عن قتادة بما لا يشبه حديثه فلا يعجبني الاحتجاج به إذا انفرد، فأما فيما وافق الثقات فإن اعتبر به معتبر لم أر بذلك بأسًا\". ومع هذا فقد حسنه الترمذي وصحح إسناده الحاكم، ووافقه الذهبي في \"تلخيصه\" مع أنه قال في \"الميزان\" (٤ / ت ٦٠٤٢) عقب هذا الحديث، \"هو حديث منكم كما ترى\"!! وللحديث علل أخرى انظر كلام المصنف أعلاه.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في: خ، ز \"عن\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٣]- في ز: \"المصري\".","vol":"6","page":481},{"text":"الرازي: لا يحتج به. ولكن رواه ابن مردويه [¬١] من حديث المعتمر، عن أبيه، عن الحسن، عن سمرة مرفوعًا. فالله أعلم.\n(الثاني) أنه قد روي من قول سمرة نفسه، ليس مرفوعًا، كما قال ابن جرير (^٢٩٤): حدثنا ابن عبد الأعلى، حدثنا المعتمر، عن أبيه، و[¬٢] حدثنا [ابن علية] [¬٣]، عن سليمان التيمي، عن أبي العلاء بن الشخير، عن سمرة بن جندب قال: سمى آدم ابنه عبد [¬٤] الحارث.\n(الثالث) أن الحسن نفسه فسر الآية بغير هذا، فلو كان هذا عنده عن سمرة مرفوعًا، لما عدل عنه.\nقال ابن جرير (^٢٩٥): حدثنا ابن وكيع، حدثنا سهل بن يوسف، عن عمرو، عن الحسن: ﴿جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾ قال: كان هذا في بعض أهل الملل، ولم يكن بآدم.\nوحدثنا محمد بن عبد الأعلى، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، قال: قال الحسن: عني بها ذرية آدم، ومن أشرك منهم بعده، يعني: ﴿جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾.\nوحدثنا بشر، حدثنا يزيد، حدثنا سعيد، عن قتادة قال: كان الحسن يقول: هم اليهود والنصارى، رزقهم الله أولادًا فهوَّدوا ونصروا.\nوهذه أسانيد صحيحة عن الحسن ﵁، أنه فسر الآية بذلك، وهو بن أحسن التفاسير، وأولى ما حملت عليه الآية، ولو كان هذا الحديث عنده محفوظًا عن رسول الله، ﷺ، لما عدل عنه [¬٥] هو ولا غيره، لا سيما مع تقواه لله وورعه. فهذا يدلك على أنه موقوف على الصحابي، ويحتمل أنه تلقاه من بعض أهل الكتاب من آمن منهم؛ مثل كعب أو وهب بن منبه وغيرهما، كما سيأتى بيانه إنّ شاء الله، إلا أننا [¬٦] برئنا من عهدة المرفوع، والله أعلم.\n_________\n(^٢٩٤) - ابن جرير فى تفسيره (١٣/ ١٥٥١٤، ١٥٥١٥).\n(^٢٩٥) - ابن جرير في تفسيره (١٣/ ١٥٥٢٦، ١٥٥٢٧، ١٥٥٢٨).\n_________\n[¬١]- فيه عنعنة الحسن البصري، وفي سماعه من سمرة لغير حديث العقيقة خلاف مشهور، بالإضافة إلى أننا لا نعرف حال من دون المعتمر، وما أظنه إلا من لا تقوم به حجة ولا اعتبار، لا سيما والحديث محفوظ بإسنادٍ آخر عن المعتمر موقوفًا، ويأتي قريبًا.\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في ز: \"بكر بن عبد الله\"، والذي يقول هنا [وحدثنا ابن علية] هو محمد بن عبد الأعلى شيخ ابن جرير، فابن علية متابع للمعتمر بن سليمان على أبيه.\n[¬٤]- سقط من: ز.\n[¬٥]- سقط من: ز.\n[¬٦]- فى ز: \"أنما\".","vol":"6","page":482},{"text":"فأما الآثار فقال محمد بن إسحاق بن يسار، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: كانت حواء تلد لآدم ﵇ أولادًا فيعبّدهم لله، ويسميهم [¬١]: عبد الله، وعبيد الله، ونحو ذلك، فيصيبهم الموت، [فأتاها إبليس وآدمَ] [¬٢] فقال: إنكما لو تُسميانه بغير الذي تسميانه به لعاش [¬٣]، قال: فولدت له رجلًا فسماه عبد الحارث، ففيه أنزل الله يقول: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ إلى قوله: ﴿جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾ إلى آخر الآية.\nوقال العوفي عن ابن عباس: قوله في آدم: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ إلى قوله ﴿فَمَرَّتْ بِهِ﴾ شكت: حملت [¬٤] أم لا؟ ﴿فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ فأتاهما الشيطان، فقال: هل تدريان ما يولد لكما؟ أم هل تدريان ما يكون؟ أبهيمة يكون ة [¬٥] أم لا؟ وزين لهما الباطل، إنه غوي مبين، وقد كانت قبل ذلك ولدت ولدين فماتا، فقال لهما الشيطان: إنكما إن لم تسمياه بي لم يخرج سويًّا، ومات كما مات الأولان [¬٦] فسميا ولدهما عبد الحارث؛ فذلك قول الله تعالى: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾ الآية.\nوقال عبد الله بن المبارك، عن شريك، عن خصيف، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾ قال: قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا﴾ آدم، ﴿حَمَلَتْ﴾ آتاهما إبليس لعنه الله، فقال: إني صاحبكما الذي أخرجتكما من الجنة؛ لتطيعانِّي [¬٧] أو لأجعلن له قرني أبل [¬٨]، فيخرج من بطك فيشقه، ولأفعلن ولأفعلن، يخوفهما، فسمياه عبد الحارث، فأبيا أن يطيعاه فخرج ميتًا، ثم حملت، [يعني الثانية، فأتاهما أيضًا فقال: أنا صاحبكما الذي فعلت ما فعلت، لتفعلن أو لأفعلن - يخوفهما - فأبيا أن يطيعاه، فخرج ميتًا، ثم [¬٩] حملت الثالثة، فأتاهما أيضًا فذكر لهما، فأدركهما حب الولد، فسمياه عبد الحارث؛ فذلك قوله تعالى: ﴿جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾. رواه ابن أبي حاتم (^٢٩٦).\n_________\n(^٢٩٦) - ابن أبي حاتم في تفسيره (٥/ ٨٦٥٤) وشريك وخصيف ضعيفان.\n_________\n[¬١]- فى ز: \"يسميه\".\n[¬٢]- فى ت: \"فأتاها إبليس\".\n[¬٣]- في ز: \"فعاش\".\n[¬٤]- فى ز: \"أحبلت\".\n[¬٥]- زيادة من الطبري.\n[¬٦]- في ز: \"الأول\".\n[¬٧]- فى ز: \"لتطيعني\".\n[¬٨]- في خ، ز: \"أيل\" والمثبت من تفسير ابن أبي حاتم (٥/ ٨٦٥٤).\n[¬٩]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.","vol":"6","page":483},{"text":"وقد تلقى هذا الأثر عن ابن عباس جماعة من أصحابه؛ كمجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة. ومن الطبقة الثانية قتادة: السدي وغير واحد من السلف، وجماعة من الخلف، ومن المفسرين من المتأخرين جماعات لا يحصون كثرة، وكأنه - والله أعلم - أصله مأخوذ من أهل الكتاب؛ فإن ابن عباس رواه عن أبي بن كعب، كما رواه ابن أبي حاتم (^٢٩٧):\nحدّثنا أبي، حدثنا أبو الجماهر، حدثنا سعيد، يعني ابن بشير، عن عقبة، عن قتادة، عن مجاهد، عن ابن عباس، عن أبي بن كعب قال: لما حملت حواء أتاها الشيطان؛ [فقال لها] [¬١]: أتطعيني ويسلم لك ولدك؟ سميه عبد الحارث، فلم تفعل، فولدت فمات، ثم حملت، فقال لها مثل ذلك، فلم تفعل، ثم حملت الثالثة، فجاءها، فقال: إن تطيعيني يسلم؛ وإلا فإنه يكون بهيمة، فهيبهما؛ فأطاعا.\nوهذه الآثار يظهر عليها - والله أعلم - أنها من آثار أهل الكتاب، وقد صح الحديث عن رسول الله، ﷺ، أنه قال: \"إذا حدّثكم أهل الكتاب؛ فلا تصدّقوهم ولا تكذبوهم\" (^٢٩٨).\nثم أخبارهم على ثلاثة أقسام: فمنها ما علمنا صحته بما دل عليه الدليل من كتاب الله أو سنة رسوله، ومنها ما علمنا كذبه بما دل على خلافه من الكتاب والسنة أيضًا، ومنها ما هو مسكوت عنه، فهو المأذون في روايته، بقوله ﵇: \"حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج\" (^٢٩٩). وهو الذي لا يصدق ولا يكذب، لقوله: \"فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم\".\n_________\n(^٢٩٧) - ابن أبى حاتم فى تفسيره (٥/ ٨٦٥٣).\n(^٢٩٨) - أخرجه أحمد (٤/ ١٣٦) وأبو داود، كتاب: العلم، باب: رواية حديث أهل الكتاب (٣٦٤٤) وغيرهما من حديث أبي نملة الأنصاري وصححه ابن حبان (١/ رقم ١١٠/ موارد) وإسناده جيد، وفي الباب عن أبي هريرة عند البخاري في صحيحه، كتاب: التفسير، سورة البقرة، باب: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ (٤٤٨٥) مرفوعًا إلى النبي ﷺ قال: \"لا تُصدِّقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم، وقولوا ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ …﴾ الآية. وقد تقدم بإسناده عند المصنف [آية ١٣٦/ سورة البقرة].\n(^٢٩٩) - أخرجه البخاري، كتاب: الأنبياء، باب: ما ذكر عن بني إسرائيل (٣٤٦١)، والترمذي، كتاب: العلم، باب: ما جاء شب الحديث عن بني إسرائيل (٢٦٦٩) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، وأخرحه أحمد فى \"المسند\" (٣/ ٤٦) من حديث أبى سعيد الخدري مطولًا وحديث أبي سعيد عند مسلم (٧٢) (٣٠٠٤) والنسائى في \"الكبرى\" (٥/ ٨، ٨٠) مختصرًا وليس فيه اللفظ المقصود هنا.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.","vol":"6","page":484},{"text":"وهذا الأثر هو من القسم الثانى أو الثالث؛ فيه نظر، فأما من حدث به من صحابي أو تابعي، فإنه يراه من القسم الثالث، وأما نحن فعلى مذهب الحسن البصري ﵀ في هذا، وأنه ليس المراد من هذا السياق آدم وحواء، وإنما المراد من ذلك المشركون من ذريته، ولهذا قال الله: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ثم قال: [فذكر آدم وحواء أولًا كالتوطئة لما بعدهم من الوالدين، وهو كالاستطراد من ذكر الشخص إلى الجنس، كقوله: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾ الآية. ومعلوم أن المصابيح وهي النجوم التي زينت بها السماء ليست هي التي يرمي بها، وإنما هذا استطراد من شخص المصابيح إلى جنسها، ولهذا نظائر في القرآن، والله أعلم] [¬١].\n﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٩٠) أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (١٩١) وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (١٩٢) وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَتَّبِعُوكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ (١٩٣) إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٩٤) أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنْظِرُونِ (١٩٥) إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ (١٩٦) وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (١٩٧) وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَسْمَعُوا وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (١٩٨)﴾\nهذا إنكار من الله على المشركين الذين عبدوا مع الله غيره من الأنداد والأصنام والأوثان، وهي مخلوقة لله مربوبة مصنوعة، لا تملك شيئًا من الأمر ولا تضر ولا تنفع، [] [¬٢] ولا تنتصر لعابديها، بل هي جماد لا تتحرك ولا تسمع ولا تبصر، و[¬٣] عابدوها أكمل منها بسمعهم\n_________\n. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين فى خ: ولا تبصر.\n[¬٣]- سقط من: ز.","vol":"6","page":485},{"text":"وبصرهم وبطشهم؛ ولهذا قال: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ أي: أتشركون به من المعبودات ما لا يخلق شيئًا، ولا يستطيع ذلك؛ كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ [¬١] مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (٧٣) مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ أخبر تعالى [أن آلهتهم لو اجتمعوا كلهم] [¬٢] ما استطاعوا خلق ذبابة، بل لو سلبتهم [¬٣] الذبابة شيئًا من حقير المطاعم وطارت لما استطاعوا [استنقاذ ذلك] [¬٤] منها، فمن هذه صفته وحاله كيف يعبد ليرزق ويستنصر؟ ولهذا قال تعالى: ﴿لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ أي: بل هم مخلوقون مصنوعون كما قال الخليل: ﴿قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ [وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ] [¬٥]﴾.\nثم قال تعالى: ﴿وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا﴾ أي: لعابديهم، ﴿وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ﴾ يعني: ولا لأنفسهم ينصرون ممن أرادهم بسوء، كما كان الخليل ﵊ يكسر أصنام قومه، ويهينها غاية الإِهانة، كما أخبر تعالى عنه في قوله: ﴿فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ﴾ وقال تعالى: ﴿فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ﴾ وكما كان معاذ ابن عمرو بن الجموح ومعاذ بن جبل ﵄ وكانا شابين قد أسلما، لما قدم رسول الله، ﷺ، المدينة فكانا يعدوان في الليل على أصنام المشركين، يكسرانها ويتلفانها ويتخذانها حطبًا للأرامل؛ ليعتبر قومهما بذلك، ويرتَئوا لأنفسهم. فكان لعمرو بن الجموح - وكان سيدًا في قومه -[كان له] [¬٦] صنم يعبده ويطبه، فكانا يجيئان في الليل، فينكسانه على رأسه، ويلطخانه بالعذرة، فيجيء عمرو بن الجموح فيرى ما صنع به فيغسله ويطيبه ويضع عنده سيفًا ويقول له: انتصر. ثم يعودان لمثل ذلك، ويعود إلى صنيعه أيضًا، حتى أخذاه مرة، [فقرنا معه جرو] [¬٧] كلب ميت، ودلياه في حبل في بئر هناك، فلما جاء عمرو بن الجموح ورأى ذلك، نظر فعلم أن ما كان عليه من الدين باطل، وقال:\nتالله لو كنت إلها مستدن … لم تَكُ والكلبُ جميعًا في قرن (^٣٠٠) [¬٨]\n_________\n(^٣٠٠) - أخرج هذه القصة ابن إسحاق في \"المغازي\" - كما في سيرة ابن هشام =\n_________\n[¬١]- فى ز: \"تعبدون\".\n[¬٢]- في ز: \"أنه لو اجتمعت آلهتهم كلها\".\n[¬٣]- في ز: \"استلبتهم\".\n[¬٤]- مما بين المعكوفتين في ت: \"إنقاذه\".\n[¬٥]- في ت: \"الآية\".\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين زيادة من: ز.\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين فى ت: \"فقرناه مع\".\n[¬٨]- هذا البيت في جميع مصادر التخريج رسمه هكذا:\nواللَّه لَوْ كُنْت إلهًا لم تَكُنْ … أنت وكَلْبٌ وسْطَ بئرٍ في قَرَنْ\nوبعده","vol":"6","page":486},{"text":"ثم أسلم فحسن إسلامه، وقتل يوم أحد شهيدًا ﵁ وأرضاه، وجعل جنة الفردوس مأواه.\nوقوله: ﴿وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَتَّبِعُوكُمْ [سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ] [¬١]﴾. يعني: أن هذه الأصنام لا تسمع دعاء من دعاها، وسواء لديها من دعاها ومن دحاها. كما قال إبراهيم: ﴿يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ ثم ذكر تعالى أنَّها عبيد مثل عابديها، أي مخلوقات مثلهم، بل الأناسي [¬٢] أكمل منها؛ لأنها تسمع وتبصر وتبطش، وتلك لا تفعل شيئًا من ذلك.\nوقوله: ﴿قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنْظِرُونِ﴾ \". أي: استنصروا بها على، فلا تؤخروني طرفة عين، واجهدوا جهدكم، ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ﴾ أي: الله حسبي وكافيَّ [¬٣]، وهو نصيري، وعليه متكلي، واليه ألجأ، وهو وليي في الدنيا والآخرة، وهو ولي كل صالح بعدي، وهذا كما قال هود ﵇ لما [¬٤] قال له قومه: ﴿إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٥٤) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ (٥٥) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. وكقول الخليل: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٧٥) أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (٧٦) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ (٧٧) الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ﴾ الآيات. وكقوله لأبيه وقومه: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ (٢٧) وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾.\nوقوله: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ [¬٥] مِنْ دُونِهِ﴾ إلى آخر الآية، مؤكد [¬٦] لما تقدم، إلا أنَّه بصيغة الخطاب، وذاك [¬٧] بصيغة الغيبة، ولهذا قال: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (١٩٧)﴾.\n_________\n= (٢/ ٤٧٤، ٤٧٥) و\"الإصابة\" لابن حجر ﵀ (٩٤/ ٧، ٥٥) - ومن طريق ابن إسحاق أخرجه ابن الأثير في \"أسد الغابة\" (٤/ ٢٠٧، ٢٠٨) - قال ابن إسحاق: وكان عمرو بن الجموح سيدًّا من سادة بني سلمة .... فذكر القصة هكذا معضلًا.\n_________\nأُفٍّ لِمَلْقاك إلهًا مُستَدنْ … الآنَ فتَّشنَاك عن سَوْء الغَبَنْ\n[¬١]- في ت: \"الآية\".\n[¬٢]- فى ت: \"الإناس\".\n[¬٣]- في ز: \"كافي\".\n[¬٤]- فى ز: \"كما\".\n[¬٥]- في ز: \"يدعون\".\n[¬٦]- في ز: \"مؤكدًا\".\n[¬٧]- في ز: \"ذلك\".","vol":"6","page":487},{"text":"وقوله: ﴿وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَسْمَعُوا وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ كقوله تعالى: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ [وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ] [¬١]﴾.\nوقوله: ﴿وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾. إنما قال: ﴿يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ﴾ أي: يقابلونك بعيون مصورة كأنها ناظرة وهي جماد، ولهذا عاملهم معاملة من يعقل؛ لأنها على صور مصورة كالإِنسان، وتراهم ينظرون اليك فعبر عنها بضمير من يعقل.\nوقال السدي: المراد بهذا: المشركون، وروي عن مجاهد نحوه. والأول أولى. وهو اختيار ابن جرير، وقاله قَتَادة.\n﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩) وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٠٠)﴾\nقال على بن أبي طلحة عن ابن عبَّاس: قوله: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ يعني: خذ ما عفى [¬٢] لك من أموالهم، وما أتوك به من شئ فخذه. وكان هذا قبل أن تنزل براءة بفرائض الصدقات وتفصيلها، وما انتهت إليه الصدقات. قاله السدي.\nوقال الضحاك: عن ابن عبَّاس: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ أنفق الفضل.\nوقال سعيد بن جبير: عن ابن عبَّاس: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ قال: الفضل.\nوقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ أمره الله بالعفو والصفح عن المشركين عشر سنين، ثم أمره بالغلظة [¬٣] عليهم واختار هذا القول ابن جرير.\nوقال غير واحد. عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ قال: من أخلاق الناس وأعمالهم [من غير تجسس] [¬٤].\nوقال هشام بن عروة، عن أبيه: أمر الله رسوله، ﷺ، أن يأخذ العفو من أخلاق الناس. وفي رواية قال: خذ ما عفي [¬٥] لك من أخلاقهم.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين من: ز، وفي ت: \"الآية\".\n[¬٢]- في ز: \"عفا\".\n[¬٣]- في ز: \"بالغلظ\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين في ز: \"بغير تجسيس\".\n[¬٥]- في ز: \"عفا\".","vol":"6","page":488},{"text":"وفي صحيح البخاري (^٣٠١)، عن هشام، عن أبيه عروة، عن أخيه عبد الله بن الزُّبَير، قال: إنما أنزل ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ من أخلاق الناس، وفي رواية (^٣٠٢) لغيره: عن هشام، عن أبيه، عن ابن عمر، وفي رواية (^٣٠٣): عن هشام، عن أبيه، عن عائشة أنهما قالا مثل ذلك. والله أعلم.\n_________\n(^٣٠١) - صحيح البخاري، كتاب: التفسير، سورة الأعراف، باب: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ (٤٦٤٣) حدثني يحيى حدَّثنا وكيع عن هشام به ولفظه ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ \"ما أنزل اللهُ إلا في أخلاق الناس\"، وأخرجه أيضًا (٤٦٤٤) وقال عبد الله بن بَرَّاد: حدَّثنا أبو أسامة قال هشام به، ولفظه: \"أمر الله نبيه ﷺ أن يأخذ العفو من أخلاق الناس\"، وأخرجه أَبو داود، كتاب: الأدب، باب: في التجاوز في الأمر (٤٧٨٧) - ومن طريقه البيهقي في \"دلائل النبوة\" (١/ ٣١٠) - حدَّثنا يعقوب بن إبراهيم، ثنا محمد بن عبد الرحمن الطفاوي عن هشام بن عروة به، بنحو اللفظ الثاني، والنَّسائي في \"التفسير\" من \"الكبرى\" (٦/ ١١١٩٥) - وعنه أبو جعفر النحاس في \"الناسخ والمنسوخ\" (ص ٤٤٨) - أنا هارون بن إسحاق، نا عَبدةُ عن هشام به ولفظه \"إنما أنزل الله ﵎ ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾، من أخلاق الناس\" وأخرجه ابن جرير في تفسيره (١٣/ ١٥٥٤١) من طريق سفيان بن وكيع ثنا عبدة بن سليمان به - كذا، وعزاه الحافظ في \"الفتح\" (٨/ ٣٠٥) إلى ابن جرير من طريق ابن وكيع عن أبيه - ثنا عبدة بن سليمان، به.\nوأخرجه ابن أبي شيبة في \"المصنف\"، كتاب: الزهد، باب: كلام ابن الزُّبَير ﵁ (٨/ ٢٠٥) ثنا عبد الله بن نمير قال: أخبرنا هشام بن عروة به - وقد عزاه له الحافظ فى \"الفتح\" من طريهق وكيع عن هشام ولم أجده في مظانه من \"المصنف\" من هذه الطَّرِيقِ والله أعلم. وزاد نسبته السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ٢٨٠) إلى سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم - والذي فيه بإسناد آخر يأتي بعد هذا - والطبراني وأبي الشيخ، وأبن مردويه. وانظر ما بعده.\n(^٣٠٢) - أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (٥/ ٨٦٧٥)، والحاكم في \"المستدرك\" (١/ ١٢٤) من طريق عمرو بن محمد الناقد، والطبراني في \"الأوسط\" (٢/ ١٢١٦) من طريق عثمان بن حفص التُّومَني كلاهما (عمرو وعثمان) عن محمد بن عبد الرحمن الطَّفاوي عن هشام بن عروة به وقال الطبراني: \"لم يرو هذا الحديث عن هشام، عن أبيه، عن ابن عمر إلَّا الطفاوي\" كذا قال وتابعه عبيد الله بن عمر عن هشام به - ذكره الحافظ في \"الفتح\" (٨/ ٣٠٥) وعزاه إلى البزار والطبراني ثم قال: \"وهي شاذة، وكذا رواية حمَّاد بن سلمة عن هشام عن أبيه عن عائشة عند ابن مردويه، ومع هذا فقد صححه الحاكم على شرط البخاري ووافقه الذهبي، وأجاد الهيثمي حينما قال في \"المجمع\" (٧/ ٢٨): \" … رجاله ثقات\" إذ إن هذا لا يعني تصحيحه لاسيما وقد حكم عليه الحافظ ابن حجر ﵀ بالشذوذ وإن كان في كلام الهيثمي السابق بعض التجوز، إذ إن محمد بن عبد الرحمن الطفاوي متكلم فيه، ثم إنه قد رواه الطفاوي على الجادة كما تقدم في الحديث السابق، وزاد السيوطى نسبة حديث ابن عمر إلى أبي الشيخ وابن مردويه، وبالله التوفيق.\n(^٣٠٣) - عزاه الحافظ ابن حجر في \"الفتح\" (٨/ ٣٠٥) وكذا السيوطى في \"الدر المنثور\" =\n_________","vol":"6","page":489},{"text":"وفي رواية سعيد بن منصور (^٣٠٤)، عن أبي معاوية، عن هشام، عن وَهْب بن كيسان، عن ابن [¬١] الزُّبَير ﴿خُذِ الْعَفْو﴾ قال: من أخلاق الناس؛ والله لآخذنه منهم ما صحبتهم.\nوهذا أشهر الأقوال [¬٢]، ويشهد له ما، رواه ابن جرير وابن أبي حاتم جميعًا (^٣٠٥): حدَّثنا يونس، حدَّثنا سفيان - هو ابن عيينة - عن أُميّ قال: لما أنزل الله ﷿ على نبيه ﷺ: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ قال رسول الله ﷺ: \"ما هذا يا جبريل؟ قال: إن الله أمرك أن كعفو عمن ظلمك، وتعطي من حرمك، وتصل من قطعك\".\nوقد رواه ابن أبي حاتم أيضًا (^٣٠٦)، عن أبي يزيد القراطيسي كتابةً، عن أصبغ بن الفرج، عن سفيان، عن [¬٣] أُميّ، عن الشعبي نحوه، وهذا مرسل على كل حال. وقد روي له شواهد [¬٤]\n_________\n= (٣/ ٢٨١) إلى ابن مردويه وأخرجه تمام في فوائده (٤/ ١٣٤١) من طريق الزُّهْريّ قال: سمعت عروة ابن الزُّبَير يقول: سمعت عائشة تقول .... الحديث، وفي إسناده إلى الزُّهْريّ يحيى بن كثير البصري وهو ضعيف، وفي الإسناد جهالة أيضًا، وقد حكم الحافظ على هذه الرواية بالشذوذ، فانظر السابق.\n(^٣٠٤) - وعزاه إلى سعيد بن منصور الحافظ بن حجر في \"الفتح\" (٨/ ٣٠٥) والسيوطي في \"الدر المنثو\" (٣/ ٢٨٠)، وأخرجه ابن جرير في تفسيره (١٣/ ١٥٥٤٠) ثنا سفيان بن وكيع ثنا أبو معاوية به، قال الحافظ ابن حجر \"وأما رواية أبي معاوية فشاذة أيضًا مع احتمال أن يكون لهشام فيه شيخان … \".\n(^٣٠٥) - أخرجه ابن جرير (١٣/ ١٥٥٤٨) وابن أبي حاتم (٥/ ٨٦٨٢) وهذا إسناد معضل، وأُمَيَّ هو ابن ربيعة المُرادي الصَّيْرفي وثقه ابن عيينة وابن معين وابن سعد وأَبو داود وغيرهم.\nوأخرجه ابن جرير (١٣/ ١٥٥٤٧) من طريق حسين الجعفي عن سفيان بن عيينة عن رجلٍ قد سماه قال ..... فذكره بنحو هذا، وانظر ما بعده.\n(^٣٠٦) - \" التفسير\" لابن أبي حاتم (٥/ ٨٦٨٣) وهذا مرسل، وقد ذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ٢٨٠) وزاد نسبته إلى ابن أبي الدنيا في \"مكارم الأخلاق\" وابن جرير وابن المنذر وأبي الشيخ - والذي في تفسير ابن جرير الطَّرِيقِ السابق دون هذا.\n_________\n[¬١]- في خ، ز: \"أبي الزبير\" وهو خطأ والمثبت من مصادر التخريج.\n[¬٢]- وقال النحاس في \"الناسخ والمنسوخ\" (ص ٤٤٨): \"وهذا أولى ما قيل في الآية لصحة إسناده، وأنه عن صحابي يُخْبرُ بنزول الآية، وإذا جاء الشيء هذا المجيء لم يسع أحدًا مخالفته، والمعنى عليه ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ أى السهل من أخلاق الناس، ولا تغلظ عليهم، ولا تعنف بهم، وكذا كانت أخلاقه ﷺ\".\n[¬٣] في ز: \"بن\".\n[¬٤]- في خ، ز: \"شاهد\".","vol":"6","page":490},{"text":"من وجوه أخر، وقد روي مرفوعًا عن جابر وقيس بن سعد بن عبادة، عن النبي ﷺ. أسندهما ابن مردويه (^٣٠٧).\nوقال الإِمام أحمد (^٣٠٨): حدَّثنا أَبو المغيرة، [] [¬١]، حدَّثنا معان [¬٢] بن رفاعة، حدثني على ابن يزيد، عَن القاسم عن أبي أمامة الباهلي، عن عقبة بن عامر ﵁ قال: لقيت رسول الله ﷺ فابتدأته فأخذت بيده، فقلت: يا رسول الله أخبرني بفواضل الأعمال فقال: \"يا عقبة، صل من قطعك، وأعط من حرمك، وأعرض عمن ظلمك\". وروى التِّرمِذي نحوه، من طريق عبيد الله [] [¬٣] بن زَحْر، عن علي بن يزيد به. وقال: حسن.\nقلت: ولكن على بن يزيد، وشيخه القاسم أَبو عبد الرحمن فيهما ضعف.\n_________\n(^٣٠٧) - وذكرهما السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ٢٨٠، ٢٨١) وعزاهما إلى ابن مردويه فحسب.\n(^٣٠٨) - \" المسند\" (٤/ ١٤٨) مطولًا وسيذكره المصنف بطوله عند [تفسيره سورة الإخلاص] وأخرجه الطبراني في \"الكبير\" (١٧/ رقم ٧٣٩) وفي \"مكارم الأخلاق\" له (رقم ٥٦) من طريق أبي المغيرة به، ومُعان بن رفاعة وعلى بن يزيد والقاسم بن عبد الرحمن فيهم ضَعْفٌ، وذكره الهيثمي في \"المجمع\" (٨/ ١٩١) وقال: \"رواه أحمد والطبراني وأحد إسنادى أحمد رجاله ثقات\" والإسناد الثاني الذي أشار إليه الهيثمي أخرجه أحمد (٤/ ١٥٨) من طريق حسين بن محمد، وهناد في \"الزهد\" (٤٦٠، ١٠١٤، ١١٢٦) والبيهقي في \"الشعب\" (٦/ ٨٠٧٩) من طريق عبد الوهاب - وهو الحوطي - وثلاثتهم (حسين وهناد وعبد الوهاب) ثنا إسماعيل بن عياشى نا أسيد بن عبد الرحمن الخثعمي عن فروة بن مجالد اللخمي عن عقبة بن عامر به مطولا ولفظ هناد مختصر، قال الألباني في \"الصحيحة\" (٢/ رقم ٨٩١/ ص ٥٨٣): \"وهذا إسناد صحيح، رجاله كلهم ثقات معروفون، غير فروة بن مجاهد - كذا وهو ابن مجالد - وقد ذكره ابن حبان في \"الثقات\" (٧/ ٣٢١) - وروى عنه جماعة، وقال البخاري - \"التاريخ الكبير\" (٧/ ١٢٧) كانوا لا يشكون أنَّه من الأبدال\".\nوروالة التِّرمِذي التي أشار إليها المصنف، أخرجها في \"الجامع\" كتاب: الزهد، باب: ما جاء في حفظ اللسان (٢٤٠٦) بإسناده عن عقبة بن عامر قال: قلت: يا رسول الله، ما النجاة؟ قال: \"أمسك عليك لسانك، وليسعك بيتك، وابك على خطيئتك\" وهذا اللفظ جزء من الحديث المطول الذي يذكره المصنف عند تفسير سورة الإخلاص\".\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ت: [حدَّثنا شعبة].\n[¬٢]- في خ، ز، والمسند \"معاذ\" والمثبت من مصادر التخريج - وراجع ترجمته في \"التهذيب\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في ت: \"عن علي بن زحر\".","vol":"6","page":491},{"text":"وقال البخاري (^٣٠٩): قوله: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ العرف المعروف؛ حدَّثنا أَبو اليمان، حدَّثنا شعيب، عن الزُّهْريّ، أخبرني عبيد الله بن عبد الله [بن عتبة] [¬١]، أن ابن عبَّاس ﵄ قال: قدم عيينة بن حصن بن حذيفة، فنزل [¬٢] على ابن أخيه الحر بن قيس، وكان من النفر الله - من يدنيهم عمر، وكان القراء أصحاب مجالس عمر ومشاورته كهولًا كانوا أو [¬٣] شبانًا؛ فقال عيينة لابن أخيه: يا ابن أخى، لك وجه عند هذا الأمير، فاستأذن لي عليه، قال: سأستأذن لك عليه، قال ابن عبَّاس: فاستأذن الحر لعيينة، فأذن له عمر، [فلما دخل] [¬٤] عليه، قال: هِيّ يا ابن الخطاب، فوالله ما تعطينا الجزل، ولا تحكم بيننا بالعدل. فغضب عمر حتَّى هم أن يوقع به، فقال له الحر: يا أمير المؤمنين، [إن الله تعالى قال] [¬٥] لنبيه ﷺ: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾، وإن هذا من الجاهلين. والله ما جاوزها عمر حين تلاها عليه، وكان وقّافًا عند كتاب الله ﷿. انفرد بإخراجه البخاري.\nوقال ابن أبي حاتم (^٣١٠): حدَّثنا يونس بن عبد الأعلى قراءة، أخبرنا ابن وَهْب، أخبرني مالك بن أنس، عن عبد الله بن نافع، أن سالم بن عبد الله بن عمر مر على عير لأهل الشام، وفيها جرس، فقال: إن [¬٦] هذا منهي [¬٧] عنه؛ فقالوا نحن أعلم بهذا منك، إنما يكره الجلجل الكبير، فأما مثل هذا فلا بأس به. فسكت سالم وقال: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾.\nوقول البخاري العرف المعروف نص عليه عروة بن الزُّبَير والسدي وقَتَادة وابن جرير وغير واحد، وحكى ابن جرير أنه يقال: أوليته [معروفًا] [¬٨] وعارفا وعارفة، كل ذلك بمعنى المعروف. قال: وقد أمر الله نبيه، ﷺ، أن يأمر عباده بالمعروف، ويدخل في ذلك جميع الطاعات، وبالإِعراض عن الجاهلين وذلك وإن كان أمرًا لنبيه، ﷺ، فإنه تأديب\n_________\n(^٣٠٩) - صحيح البخاري، كتاب: التفسير، باب: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ (٤٦٤٢)، كتاب: الاعتصام، باب: الاقتداء بسنن رسول الله ﷺ ..... (٧٢٨٦).\n(^٣١٠) - \" التفسير\" لابن أبي حاتم (٥/ ٨٦٨٨) ولم يعزه السيوطي في \"الدر المنثور\" (٢٨١١٣) لغير ابن أبي حاتم.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٢]- في ز: \"ونزل\".\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين في ت: \"فدخل\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين فى ز: \"قال الله\".\n[¬٦]- سقط من: ز.\n[¬٧]- في ز: \"منها\".\n[¬٨]- في تفسير ابن جرير (١٣/ ٣٣١) [عُرْفًا].","vol":"6","page":492},{"text":"لخلقه باحتمال من ظلمهم واعتدى عليهم، لا بالإِعراض عمن جهل الحق الواجب من حق الله، ولا بالصفح عمن كفر بالله وجهل وحدانيته، وهو للمسلمين حرب.\nوقال سعيد بن أبي عروبة، عن قَتَادة في قوله: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ قال: هذه أخلاق أمر الله بها نبيه، ﷺ، ودله عليها وقد أخذ بعض الحكماء هذا المعنى فسبكه في بيتين فيهما [¬١] جناس فقال:\nخُذِ العفوَ وَأْمُرْ بعُرْفٍ [¬٢] كما … أُمِرْتَ وَأَعْرِض عن الجاهلينْ\nوَلِنْ في الكلام لكل الأنام … فمستحسنٌ مِن ذَوِي الجاه لين\nوقال بعض العلماء: الناس رجلان: فرجل محسن، فخذ ما عفا لك من إحسانه، ولا تكلفه فوق طاقته، ولا ما يحرجه. وإما مسيء، فمره بالمعروف، فإن تمادى على ضلاله واستعصى عليك واستمر في جهله فأعرض عنه؛ فلعل ذلك أن يرد كيده، كما قال تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ (٩٦) وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (٩٧) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾، [وقال تعالى: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ] [¬٣] * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ أي هذه الوصية. ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾، [وقال في هذه السورة الكريمة أيضًا: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾] [¬٤] فهذه الآيات الثلاث في الأعراف، والمؤمنون، وحم السجدة، لا رابع لهن، فإنه تعالى يرشد فيهن إلى معاملة المعاصي من الإنس [¬٥] بالمعروف فالتي [¬٦] هي أحسن، فإن ذلك يكفه عما هو فيه من التمرد بإذنه تعالى، [ولهذَا قال: ﴿فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾، ثم يرشد تعالى إلى الاستعاذة به] [¬٧] من شيطان الجان، فإنه لا [يكفه عنك] [¬٨] الإحسان، وإنَّما يريد هلاكك ودمارك بالكلية، فإنه عدو مبين لك ولأبيك من قبلك.\nقال ابن جرير في تفسير قوله: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ﴾ وإما يغضبنك من الشيطان غضب، يصدك عن الإِعراض عن الجاهلين [¬٩]، ويحملك على مجازاتهم ﴿فَاسْتَعِذْ\n_________\n[¬١]- في ز: \"فيها\".\n[¬٢]- فى ز: \"بالعرف\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٥]- فى ز: \"الأمر\".\n[¬٦]- فى ز: \"والتي\".\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٨]- في ز: \"يكفيه منك\".\n[¬٩]- فى خ، ز: \"الجاهل\" والمثبت من تفسير ابن جرير.","vol":"6","page":493},{"text":"بِاللَّهِ﴾ يقول: فاستجر بالله من نزغه ﴿إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾، [يقول: إن الله الذي تستعيذ به من نزغ الشيطان] [¬١] سميع لجهل الجاهل عليك، والاستعاذة به من نزغه، ولغير [¬٢] ذلك من [كلام خلقه] [¬٣]، لا يخفى عليه منه شيء، عليم بما يذهب عنك نزغ الشيطان، وغير ذلك من أمور خلقه.\nوقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم (^٣١١): لما نزل: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ قال [رسول إنله ﷺ] [¬٤]: \"يا رب كيف بالغضب\"؟ فأنزل الله: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.\nقلت: وقد تقدم (^٣١٢) في أول الاستعاذة حديث الرجلين اللذين تسابا بحضرة النبي ﷺ فغضب أحدهما حتَّى جعل أنفه يتمزع [¬٥] غضبًا، فقال رسول الله ﷺ: \"إني لأعلم كلمة لو قالي لذهب عنه ما يجد: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم\" فقيل له، فقال: ما بي من جنون.\nوأصل \"النزغ\" الفساد، إما بالغضب أو غيره، قال الله تعالى: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ﴾. و\"العياذ\" الالتجاء والاستناد والاستجارة من الشر. وأما \"الملاذ\" ففي طلب الخير، كما قال [الحسن بن المتنبي] [¬٦] في شعره] [¬٧]\nيا مَنْ ألوذ به فيما أُؤَمِّلُهُ … ومن أعوذ به مما أحاذره\nلا يجبر الناسُ عَظْمًا أنت كاسره … ولا يَهِيضون عظمًا أنت جابره\nوقد قدمنا أحاديث الاستعاذة في أول التفسير، بما أغنى عن إعادته هاهنا.\n﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ\n_________\n(^٣١١) - أخرجه ابن جرير (١٣/ ١٥٥٥٣) - حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وَهْب قال: قال ابن زيد … فذكره هكذا مرسلًا، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم ضعيف، والحديث ذكره السيوطي في \"الدرر المنثور\" (٣/ ٢٨٣) ولَم يعزه لغير ابن جرير.\n(^٣١٢) - تقدم [سورة الفاتحة/ الاستعاذة].\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط: خ، ز.\n[¬٢]- في ز: لم \"بغير\".\n[¬٣]- في ز: \"الكلام لخلقه\".\n[¬٤]- سقط من: ت.\n[¬٥]- في ز: \"يتمرغ\":\n[¬٦]- كذا في ز، خ: وهو تحريف، والصواب: أحمد بن الحسين المتنبي، والبيتان في ديوانه (٢/ ٢٧٢) بشرح البرقوقي.\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين سقط من: ت.","vol":"6","page":494},{"text":"﴿مُبْصِرُونَ (٢٠١) وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ (٢٠٢)﴾\nيخبر تعالى عن المتقين من عباده الذين أطاعوه فيما أمر، وتركوا ما عنه زجر، أنهم ﴿إِذَا مَسَّهُمْ﴾ أي: أصابهم (طيف)، وقرأ الآخرون [¬١] ﴿طَائِفٌ﴾ (^٣١٣)، وقد جاء فيه حديث (^٣١٤)، وهما قراءتان مشهورتان، فقيل: بمعنى واحد، وقيل: بينهما فرق، ومنهم من فسر ذلك بالغضب، ومنهم من فسره بمس الشيطان بالصح ونحوه، ومنهم من فسره بالهم بالذنب، ومنهم من فسره بإصابة الذنب.\nوقوله: ﴿تَذَكَّرُوا﴾ أي: عقاب الله وجزيل ثوابه، ووعده ووعيده، فتابوا وأنابوا، واستعاذوا [¬٢] بالله ورجعوا إليه من قريب، ﴿فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ أي: قد استقاموا وصحوا مما كانوا فيه.\nوقد أورد الحافظ أبو بكر بن مردويه (^٣١٥) هاهنا حديث محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁ قال: جاءت امرأة إلى النبيّ ﷺ وبها طيف فقالت: يا رسول الله، ادع الله أن يشفيني، فقال: \"إن شئت دعوت الله فشفاك، وإن شئت\n_________\n(^٣١٣) - أخرجه ابن مردويه - كما في \"الدر المنثور\" (٣/ ٢٨٤) - من حديث جابر بن عبد الله قال: سمعت رسول الله ﷺ يقرأ ﴿إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ﴾ بالألف، ولم أهتد لإسناده، والغالب على انفرادات ابن مردويه الضعف، فاحفظ هذا.\n(^٣١٤) - قرأ نافع وعاصم، وابن عامر، وحمزة ﴿طَائِفٌ﴾ بألفٍ وهمرة، وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو والكسائي ﴿طيف﴾ بغير الف.\n(^٣١٥) - وأخرجه أحمد (٢/ ٤٤١) (٩٦٨٧) وابن حبان (٧/ ٢٩٠٩) والبغوي في \"شرح السنة\" (٥/ ١٤٢٤)، من طريق محمد بن عبيد مقرونًا به عبدة بن سليمان عند ابن حبان، وأخرجه البزار (١/ رقم ٥٣٤/ الزوائد لابن حجر) من طريق عمرو بن خليفة، والحاكم (٤/ ٢١٨) من طريق عبد العزيز بن مسلم، وابن عدي في \"الكامل\" (٦/ ٢٢٧١) من طريق محمد بن يعلى السلمي، خمستهم (المحمدان وعبدة وعمرو وعبد العزيز) عن محمد بن عمرو، به، واستنكره ابن عدي لمحمد بن يعلى هذا وقال: \"يروي عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة، عن أبي هريرة أحاديث لا يتابع عليها\" قلت: وهو متابع هنا، وقد صححه الحاكم على شرط مسلم، ووافقه الذهبي، وحسن إسناده الهيثمي في \"المجمع\" (٢/ ٣١٠) وعزاه إلى البزار، وغفل عن عزوه لأحمد وقد ذكره ابن حجر ﵀ في \"الفتح\" (١٠/ ١١٥) وعزاه إلى البزار وابن حبان فحسب.\n_________\n[¬١]- في ز: \"آخرون\".\n[¬٢]- في ز: \"استعانوا\".","vol":"6","page":495},{"text":"فاصبري ولا حساب عليك\". فقالت: بل أصبر ولا حساب عليَّ.\nورواه غير واحد من أهل السنن (^٣١٦) وعندهم: قالت: يا رسول الله، إني أُصْرَعُ وأتكشَّف؛ فادع الله أن يشفيني. فقال: \"إن شئت دعوت الله أن يشفيك، إن شئت صبرت ولك الجنَّةَ\" فقالت: بل أصبر ولي الجنَّةَ، ولكن ادع الله أن لا أتكشف، فدعا لها، فكانت لا تتكشف [¬١].\nوأخرجه الحاكم في مستدركه، وقال: صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه.\nوقد ذكر الحافظ ابن عساكر في ترجمة \"عمرو بن جامع\" من تاريخه [¬٢]: أن شابًّا كان يتعبد في المسجد، فَهَويته امرأة، فدعته إلى نفسها، فما [¬٣] زالت به حتَّى كاد يدخل معها المنزل؛ فذكر هذه الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ [¬٤] مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ فخرَّ مغشيًّا عليه، ثم أفاق فأعادها، فمات، فجاء عُمَر فعزَّى فيه أباه، وكان قد دفن ليلًا، فذهب فصلى على قبره بمن معه، ثم ناداه عمر فقال: يا فتى ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾، فأجابه الفتى من داخل القبر: يا عمر، قد أعطانيهما [¬٥] ربي ﷿ في الجنَّةَ مرتين.\nوقوله تعالى: ﴿وَإِخْوَانُهُمْ﴾ أي: وإخوان الشياطين من الإِنس، كقوله: ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾ [من الإنس] [¬٦] وهم أتباعهم، والمستمعون [¬٧] لهم، القابلون [¬٨] لأوامرهم، ﴿يَمُدُّونَهُمْ [¬٩] فِي الْغَيِّ﴾ أي: تساعدهم الشياطين على المعاصي وتسهلها عليهم وتحسنها لهم.\nوقال ابن كثيم [¬١٠]: \"المد\": الزِّيادة، يعني: يزيدونهم في الغي، يعني: الجهل والسفه.\n_________\n(^٣١٦) - كذا عزاه المصنف لغير واحد من أهل السنن، وإنما أخرجه النَّسائي في \"السنن الكبرى\" (٤/ ٧٤٩٠) فحسب من حديث ابن عبَّاس، وكذا أخرج حديث ابن عبَّاس هذا، البخاري، كتاب: المرضى، باب: فضل من يصرع من الريح (٥٦٥٢)، ومسلم، كتاب: البر =\n_________\n[¬١]- في ز: \"تنكشف\".\n[¬٢]- \"تاريخ دمشق\" (١٣/ ٤١١، ٤١٢/ مخطوط).\n[¬٣]- في ز: \"وما\".\n[¬٤]- في ز: \"طيف\".\n[¬٥]- في ز: \"أعطانيها\".\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: ت.\n[¬٧]- في ز: \"المستمعين\".\n[¬٨]- في ز: \"القابلين\".\n[¬٩]- في ز: \"يهدونهم\".\n[¬١٠]- هو عبد الله بن كثير الدَّاريُّ المكيُّ، أَبو معبد القارئ ثقة مترجم له في \"التهذيب\"، والأثر أخرجه ابن جرير (١٣/ ١٥٥٦٧).","vol":"6","page":496},{"text":"﴿ثم لا يقصرون﴾ قيل معناه: إن الشياطين [تمد، و] [¬١] الإِنس لا تقصر [¬٢] في أعمالهم بذلك، كما قال على بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: ﴿وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ (٢٠٢)﴾ الآية قال: لا الإِنس يقصرون عما يعملون [من السيئات] [¬٣]، ولا الشياطين تمسك عنهم.\nوقيل: معناه كما رواه العوفي، عن ابن عباس في قوله: ﴿يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ (٢٠٢)﴾ قال: هم [¬٤] الجن يوحون إلى أوليائهم من الإِنس ﴿ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ﴾، يقول: لا يسأمون.\nوكذا قال السُّدي وغيره: يعني [¬٥] إن الشياطين يمدون [¬٦] أولياءهم من الإنس، ولا تسأم من إمدادهم من الشر؛ لأن ذلك طبيعة لهم وسجية لا تفتر [¬٧] فيه ولا تَبْطُل [¬٨] عنه، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾ قال ابن عباس وغيره: تزعجهم إلى المعاصي إزعاجًا.\n﴿وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٢٠٣)﴾\nقال على بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا﴾، يقول: لولا تلقيتها. وقال مرة أخرى: لولا أحدَثْتها فأنشأتها.\nوقال ابن جرير (^٣١٧)، عن عبد الله بن كثير، عن مجاهد في قوله: ﴿وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا﴾ قال: لولا اقتضبتها [¬٩]، قالوا: تخرجها من نفسك. وكذا قال قتادة والسدي وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، واختاره ابن جرير.\n_________\n= والصلة والآداب، باب: ثواب المؤمن فيما يصيبه من مرض (٥٤) (٢٥٧٦).\n(^٣١٧) - أخرجه ابن جرير في تفسيره (١٣/ ١٥٥٧٢) حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج عن ابن جرير عن عبد الله بن كثير، به.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ز: \"يمدوا\".\n[¬٢]- في ز: \"يقصر\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٤]- سقط من: ز.\n[¬٥]- زيادة من: ز.\n[¬٦]- في ز: \"يمدوا\".\n[¬٧] في ز: \"تفر\".\n[¬٨]- في ز: \"يَبْطُل\".\n[¬٩]- اقتضب الكلام: تكلم به على غير إعداد وتهيئة.","vol":"6","page":497},{"text":"وقال العوفي، عن ابن عباس: ﴿لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا﴾ يقول: تلقيتها من الله تعالى.\nوقال الضحاك: ﴿لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا﴾ يقول: لولا أخذتها أنت فجئت بها من السماء.\nومعنى قوله تعالى: ﴿وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ﴾ أي: معجزة وخارق، كما قال تعالى: ﴿إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ (٤)﴾، يقولون للرسول ﷺ: لا تجهد نفسك في طلب الآيات حتى نراها ونؤمن بها، قال الله تعالى له: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي﴾ أي: أنا لا أتقدم إليه تعالى في شيء [¬١]، وإنما أتبع ما أمرني به، فأمتثل ما يوحيه إلي؛ فإن بعث آية قبلتها، وإن منعها لم أسأله ابتداءً إياها، إلا أن يأذن لي في ذلك، فإنه حكيم عليم.\nثم أرشدهم إلى أن هذا القرآن هو أعظم المعجزات، وأبين الدلالات، وأصدق الحجج والبينات، فقال: ﴿هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾.\n﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٢٠٤)﴾\nلما ذكر تعالى أن القرآن بصائر للناس وهدًة ورحمة، أمر تعالى بالإنصات عند تلاوته إعظامًا له واحترامًا، لا كما كان يعتمده [¬٢] كفار قريش المشركون [¬٣] في قولهم: ﴿لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ﴾. ولكن يتأكد ذلك في الصلاة المكتوبة إذا جهر الإِمام بالقراءة، كما ورد الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه (^٣١٨) من حديث أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"إنما جعل الإِمام ليؤتم به؛ فإذا كبر فكبروا، وإذا\n_________\n(^٣١٨) - صحيح مسلم، كتاب: الصلاة، باب: التشهد في الصلاة (٦٣) (٤٠٤)، وكذا أخرجه أحمد (٤/ ٤١٥) وأبو داود، كتاب: الصلاة، باب: التشهد (٩٧٣) والنسائي، كتاب: الافتتاح، باب: نوع آخر من التشهد (٢/ ٢٤٢) وابن ماجه، كتاب: إقامة الصلاة والسنة فيها، باب: إذا قرأ الإمام فأنصتوا (٨٤٧) وغيرهم من طريق سليمان التيمي عن قتادة عن أبي غلاب يونس بن جبير عن حطان بن عبد الله الرقاشي، قال: قال أبو موسى … فذكر حديثًا مطولًا، ورواه بعضهم مختصرًا، قال البزار في مسنده (٨/ ٦٦): \"روي هذا الحديث جماعة عن قتادة بهذا الإسناد ولا نعلم أحدًا قال فيه: \"وإذا قرأ الإمام فأنصتوا\" إلا التيمي إلا حديثا - ثم أسند إلى سالم بن نوح عن عمرو بن عامر - عن قتادة بالإسناد السابق بنحو حديث التيمي، وفي صحيح مسلم عقب هذا الحديث: \"قال أبو إسحاق - صاحب مسلم وراوي الكتاب عنه =\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- في خ: \"يتعمده\".\n[¬٣] في ز: \"المشركين\".","vol":"6","page":498},{"text":"قرأ فأنصتوا\". وكذا رواه أهل السنن [¬١] من حديث أبي هريرة (^٣١٩)، وصححه مسلم بن الحجاج\n_________\n= قال أبو بكر ابن أخت أبي النضر في هذا الحديث. فقال مسلم: تريدُ أحفظ من سليمان؟ … \" لكن قال أبو داود السجستاني عقبه: قوله: \"فأنصتوا\" ليس بمحفوظ، لم يجئ به إلا سليمان التيمي في هذا الحديث وقال الدارقطني في \"السنن\" (٢/ ٣٣١): \"رواه هشام الدستوائي وسعيد وشعبة وهمام وأبو عوانة وأبان وعدي بن أبي عمارة كلهم عن قتادة، فلم يقل أحد منهم \"وإذا قرأ فأنصتوا\" وهم أصحاب قتادة والحفاظ\" وذكر طرق هذا الحديث في \"العلل\" (٧ / س ١٣٣٣) وقال: (… سليمان التيمي من الثقات، وقد زاد عليهم قوله \"وإذا قرأ فأنصتوا\"، ولعله شبه عليه لكثرة من خالفه من الثقات .... \" وقال النووي في \"شرح صحيح مسلم\" (٤/ ١٦٢): قوله: \"وإذا قرأ فأنصتوا\" مما اختلف الحفاظ في صحته فروي البيهقي في \"السنن الكبير\" (٢/ ١٥٦) عن أبي داود السجستاني أن هذه اللفظة ليست بمحفوظة، وكذلك رواه عن يحيي بن معين وأبي حاتم الرازي والدارقطني والحافظ أبي على النيسابوري شيخ الحاكم أبي عبد الله، قال البيهقي: قال أبو على الحافظ: هذه اللفظة غير محفوظة قد خالف سليمان التيمي فيها جميع أصحاب قتادة، واجتماع هؤلاء الحافظ على تضعيفها مقدم على تصحيح مسلم، لاسيما ولم يروها مسندة في صحيحه والله أعلم\".\nوقد مال إلى تصحيح هذه الزيادة ابن التركماني فقال في \"الجوهر النقي\" (٢/ ١٥٥): \"التيمي جليل القدر، قال شعبة: ما رأيت أحدًا أصدق منه، وفي \"علل الخلال\" قلت يعني لابن حنبل -: يقولون أخطأ التيمي؟ قال: \"من قال أخطأ التيمي فقد بهت التيمي\" ولا نُسَلُم أنه خالفهم بل زاد عليهم وزيادة الثقة مقبولة … وقد تابعه على روايته سعيد بن أبي عروبة وعمر بن عامر فروياه عن قتادة؛ كذلك أخرجه البيهقي (٢/ ١٥٦) من حديث سالم بن نوح عنهما فبطل قول أبي على (خالف أصحاب قتادة كلهم)، وسالم هذا وإن قال الدارقطني: (ليس بالقوي) فقد أخرج له مسلم وكذلك ابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما: أبو داود، والترمذي، والنسائي وقال ابن حنبل: ما بحديثه بأس، وقال: أبو زعة صدق ثقة، فهذا كما تقدم زيادة ثقة وترك من ترك لا يكون علة في زيادة من حفظ … \" اهـ.\n(^٣١٩) - ذكر أبو الحسن الدارقطني حديث أبي هريرة هذا في \"العلل\" (٨/ ١٥٠١) وقال: \"هو حديث اختلف فيه على محمد بن عجلان، فرواه أبو خالد الأحمر عن محمد بن عجلان عن زيد بن إسلم عن أبي صالح عن أبي هريرة، وقال إسماعيل بن أبان الغنوي عن ابن عجلان عن زيد بن أسلم ومصعب بن شراحبيل عن أبي صالح عن أبي هريرة، وقال أبو سعد الصاغاني: عن ابن عجلان عن أبيه عن أبي هريرة، وقال محمد بن سعد الأشهلي: عن ابن عجلان زيد بن أسلم أيضًا، وكلهم قال فيه \"وإذا قرأ فأنصتوا\"، وقال الليث، عن ابن عجلان عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة، ولم يقل فيه: \"وإذا قرأ فأنصتوا\" ورواء يحيى بن العلاء الرازي في زيد بن أسلم عن أبي هريرة عن وقال فيه: \"فإذا قرأ فأنصتوا\" وهذا الكلام =\n_________\n[¬١]- هذا فيه بعض التجوز، فإن الحديث، بهذه الزيادة ليس عند الترمذي. انظر التخريج.","vol":"6","page":499},{"text":"أيضًا، ولم يخرجه في كتابه. وقال إبراهيم بن مسلم الهجري (^٣٢٠)، عن أبي عياض، عن أبي\n_________\n= ليس بمحفوظ في هذا الحديث\".\n* فأما رواية أبي خالد الأحمر فأخرجها ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (١/ ٤١٤) - ومن طريقه أحمد في \"المسند\" (٢/ ٤٢٠) وكذا ابنه عبد الله، وابن ماجه (٨٤٦) والدارقطني في \"السنن\" (١/ ٣٢٧) وفي \"العلل\" (٨/ ١٨٧، ١٨٨) - وأبو داود (٦٠٤) والنسائي (٢/ ١٤١، ١٤٢) والطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (١/ ٢١٧) وتمام في \"فوائده\" (١/ ٢٩٦/ الروض البسام) وقال أبو داود: \"وهذه الزيادة \"وإذا قرأ فأنصتوا\" ليست بمحفوظة، الوهم عندنا من أبي خالد\" كذا قال، وقد تابعه غير واحد عن ابن عجلان، وزادوا تلك الزيادة - كما يأتي - وقد تعقب أبا داود المنذري في إلصاق هذا الوهم بأبي خالد الأحمر، فانظر \"مختصر سنن أبي داود\" (١/ ٣١٣).\n* وأما رواية إسماعيل بن أبان الغنوي: فأخرجها الدارقطني في \"السنن\" (١/ ٣٢٩) والبيهقي في \"الكبرى\" (٢/ ١٥٦)، وقال الدارقطني: \"إسماعيل بن أبان ضعيف\".\n* وأما رواية أبي سعد الصاغاني فأخرجها أحمد (٢/ ٣٧٦) والدارقطني في \"السنن\" (١/ ٣٣٠) وقال: \"أبو سعد الصاغاني - محمد بن مُيَسَّر - ضعيف\".\n* وأما رواية محمد بن سعد الأشهلي، فأخرجها النسائي (٢/ ١٤٢) - ومن طريقه الدارقطني (١/ ٣٢٨) - والخطيب البغدادي في \"تاريخ بغداد\" (٥/ ٣٢٠) وقال النسائي أبو عبد الرحمن: \"كان المخرمي يقول: هو ثقة يعني محمد بن سعد\".\n* وأما رواية الليث فأخرجها أبو العباس السَّراج في مسنده - كما في \"النكت الظراف\" لابن حجر (٩/ ٣٤٣، ٣٤٤) - وقد أخرجه البخاري (٧٣٤) من طريق شعيب بن أبي حمزة، ومسلم (٨٦) (٤١٤) من طريق المغيرة الحزامي، كلاهما (شعيب والمغيرة) عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة به وليس فيه قوله \"وإذا قرأ فأنصتوا\".\n* ورواية يحيي بن العلاء الرازي ذكرها البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٢/ ١٥٧) وقال: \"ويحيي بن العلاء متروك\".\nوجعل البيهقي الوهم في هذا الحديث من ابن عجلان، وسبقه إلى ذلك أبو حاتم في \"العلل\" (١/ رقم ٤٦٥) - فأسند البيهقي عن العباس بن محمد الدُّوري قال: سمعت يحيى بن معين يقول في حديث ابن عجلان: \"إذا قرأ فأنصتوا\" قال: ليس بشيء، ثم أسند عن ابن أبي حاتم قال في \"العلل\": \"قال أبي: ليس هذه الكلمة بالمحفوظ وهو من تخاليط ابن عجلان، وقد رواه خارجة ابن مصعب أيضًا، وتابع ابن عجلان، وخارجة أيضًا ليس بالقوي\".\nلكن قد صحح مسلم هذه الزيادة في حديث أبي هريرة ففي صحيحه أن أبا بكر ابن أخت أبي النضر قال له: \"فحديث أبي هريرة؟ فقال: هو صحيحٌ: يعني: \"وإذا قرأ فأنصتوا\" فقال: هو عندي صحيح - فقال: لِمَ لَمْ تضعه هاهنا؟ - يعني في الصحيح - قال: ليس كُلُّ شيءِ عندي = صحيح وضعته هاهنا إنما وضعت هاهنا ما أجمعوا عليه\". ونقل ابن عبد البر في \"التمهيد\" عن أحمد بن حنبل أنه صحح الحديثين يعني حديث أبي موسى وحديث أبي هريرة، وكذا صحح حديث ابن عجلان ابن حزم في \"المحلى\" (٣/ ٢٤٠) وصحح الخبر جملة ابن جرير في تفسيره (١٣/ ٣٥٢).\n(^٣٢٠) - أخرجه ابن جرير (١٣/ ١٥٥٨٢) وابن أبي حاتم (٥/ ٨٧٢٨) والبيهقي في \"السنن الكبري\" (٢/ ١٥٥) من طرق عن إبراهيم بن مسلم الهجري به، وإبراهيم بن مسلم هذا ضعيف، والخبر زاد نسبته السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ٢٨٦) إلى إبن أبي شيبة في \"المصنف\" - ولم أجده في مظانه - وابن المنذر وأبي الشيخ وابن مردويه.","vol":"6","page":500},{"text":"هريرة قال: كانوا يتكلمون في الصلاة، فلما نزلت هذه الآية: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾، والآية الأخرى، أمروا بالإِنصات.\nوقال ابن جرير (^٣٢١): حدثنا أبو كريب، حدثنا أبو بكر بن عياش، عن عاصم، عن المسيب ابن رافع، قال ابن مسعود: كنا [يسلم بعضنا على] [¬١]- بعض في الصلاة، فجاء القرآن ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٢٠٤)﴾.\nوقال أيضًا (^٣٢٢): حدثنا أبو كريب، حدثنا المحاربي، عن داود بن أبي هند، عن [يسير] [¬٢] ابن جابر، قال: صلي ابن مسعود فسمع ناسًا يقرءون مع الإِمام، فلما انصرف قال: أما آن لكم أن تفهموا أما آن لكم أن تعقلوا ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾، كما أمركم الله.\nقال (^٣٢٣): وحدثني أبو السائب، حدثنا حفص، عن أشعث، عن الزهري قال: نزلت هذه\n_________\n(^٣٢١) - تفسير ابن جرير (١٣/ ١٥٥٨١) وعاصم هو ابن أبي النجود، والمسيب بن رافع لم يسمع من عبد الله بن مسعود شيئًا قاله أحمد وأبو حاتم؛ انظر \"جامع التحصيل\" و\"التهذيب\". والأثر لم يعزه السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ٢٨٦) لغير ابن جرير.\n(^٣٢٢) - تفسير ابن جرير (١٣/ ١٥٥٨٤) وهذا إسناد منقطع بين داود بن أبي هند ويسير - ويقال أسير - بن جابر وقد وصله ابن أبي حاتم (٥/ ٨٧٣٠) ثنا أبو سعيد الأشج، ثنا ابن فضيل وأبو خالد عن داود بن أبي هند عن أبي نضرة عن أسير بن جابر به نحوه، وهذا إسناد صحيح متصل، والخبر زاد نسبته السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ٢٨٥) إلى عبد بن حميد وأبي الشيخ.\n(^٣٢٣) - تفسير ابن جرير (١١٣/ ٥٥٨٣) وحفص هو ابن غياث، \"ثقة فقيه، تغير حفظه =\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ز: \"نسلم على بعضنا\".\n[¬٢]- في خ، ز: \"بشير\" وكذا تحرف في تفسير ابن جرير ولذلك فقد أعيا الشيخ الأديب محمود شاكر فلم يعرفه، والصواب ما أثبتناه هنا ولله الحمد، وانظر ترجمة يسير أو أسير في \"التهذيب\" وغيره.","vol":"6","page":501},{"text":"الآية في فتي من الأنصار كان رسول الله ﷺ كلما قرأ شيئًا قرأه؛ فنزلت: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾.\nوقد روي الإِمام أحمد وأهل السنن (^٣٢٤)، من حديث الزهري، عن أبي أكيمة [¬١] الليثي، عن أبي هريرة أن رسول الله، ﷺ، انصرف من صلاة جَهَرَ فيها بالقراءة، فقال: \"هل قرأ أحد منكم معي آنفًا\" [قال رجل: نعم، يا رسول الله، قال: \"إني أقول مالي أُنازَع القرآن] [¬٢] \". قال: فانتهي الناس عن القراءة مع رسول الله، ﷺ، [فيما جهر فيه سول الله، ﷺ] [¬٣] بالقراءة من الصلوات، حين سمعوا ذلك من رسول الله ﷺ.\nوقال الترمذي: هذا حديث حسن. [وصححه أبو حاتم الرازي] [¬٤].\nوقال عبد الله بن المبارك، عن يونس، عن الزهري قال: لا يقرأ مَن وراء الإِمام فيما يجهر به الإِمام، تكفيهم قراءة الإِمام، وإن لم يسمعهم صوته، ولكنهم يقرءون [¬٥] فيما لا يجهر به سرًّا\n_________\n= قليلًا\" وأشعث هو ابن سَوَّار: \"ضعيف\" والخبر أيضًا مرسل، وقد ذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ٢٨٦) ولم يعزه لغير ابن جرير.\n(^٣٢٤) - أخرجه أحمد (٢/ ٢٨٤، ٢٨٥، ٣٠١، ٤٨٧) وأبو داود، كتاب: الصلاة، باب: من كره القراءة بفاتحة الكتاب إذا جهر الإمام (٨٢٦، ٨٢٧)، والترمذي، كتاب: الصلاة، باب: ما جاء في ترك القراءة خلف الإمام إذا جهر الإمام بالقراءة (٣١٢)، والنسائي، كتاب: الافتتاح، باب: ترك القراءة خلف الإمام فيما جهر به (٢/ ١٤٠، ١٤١)، وابن ماجه، كتاب: إقامة الصلاة والسنة فيها، باب: إذا قرأ الإمام فأنصتوا (٨٤٨، ٨٤٩) وغيرهم من طرق عن الزهري به وحسنه الترمذي، وصححه أبو حاتم بن حبان (٥/ ١٨٤٣، ١٨٤٩) وأعله الحميدي والبيهقي - كما في \"السنن الكبرى\" له (٢/ ١٥٩) - بجهالة ابن أكيمة واسمه عمارة وقيل عمرو بن مسلم وهذا مردود فقد وثقه ابن معين، وقال أبو حاتم: \"صحيح الحديث، حديثه، مقبول\" وذكره ابن حبان في \"الثقات\" (٥/ ٢٤٢) وقال يعقوب بن سفيان، هو من مشاهير التابعين بالمدنية، ووثقه ابن حجر في \"التقريب\".\n_________\n[¬١]- في ز: \"أكتمة\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. قال الحافظ ابن حجر في \"التلخيص\" (١/ ٢٤٦): قوله\" فانتهي الناس\" إلى آخره مدرج في الخبر من كلام الزهري بينه الخطيب، واتفق عليه البخاري في \"التاريخ\" وأبو داود ويعقوب بن سفيان والذهلي والخطابي وغيرهم\".\n[¬٤]- قال في: \"الجرح والتعديل\" [(٦/ ت عمارة بن أكيمة رقم (٢٠٠٢)]: \"هو صحيح الحديث، حديثه مقبول.\n[¬٥]- في ز: \"يجهرون\".","vol":"6","page":502},{"text":"في أنفسهم، ولا يصلح لأحد خلفه أن يقرأ معه فيما يجهر به سرًّا ولا علانية، فإن الله تعالى قال: ﴿وَإِذَا [¬١] قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٢٠٤)﴾.\nقلت: هذا مذهب طائفة من العلماء: أن المأموم لا يجب عليه في الصلاة الجهرية قراءة فيما جهر فيه الإِمام، لا الفاتحة ولا غيرها، وهو أحد قولي الشافعي [¬٢]، وهو القديم، كمذهب مالك، ورواية عن أحمد بن حنبل، لما ذكرناه من الأدلة المتقدمة. و[¬٣] قال في الجديد: يقرأ الفاتحة فقط في سكتات الإِمام. وهو قول طائفة من الصحابة والتابعين فمن بعدهم. وقال أبو حنيفة وأحمد بن حنبل: لا يجب على المأموم قراءة أصلًا في السرية ولا الجهرية؛ لما ورد في الحديث \"من كان له إمام فقراءته له قراءة\". وهذا الحديث رواه الإمام أحمد في مسنده عن جابر مرفوعًا، وهو في موطأ مالك عن وهب بن كيسان، عن جابر موقوفًا، وهذا أصح (^٣٢٥) وهذه المسألة مبسوطة في غير هذا الموضع، وقد أفرد لها الإمام أبو عبد الله البخاري [¬٤] مصنفًا على حدة، واختار وجوب القراءة خلف الإِمام في السرية والجهرية أيضًا، والله أعلم.\nوقال على بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾، يعني: في الصلاة المفروضة. وكذا روي عن عبد الله بن المغفل.\nوقال ابن جرير (^٣٢٦): حدثنا حميد بن مسعدة، حدثنا بشر بن المفضل، حدثنا الجريري، عن طلحة بن عبيد الله بن كريز قال: رأيت عبيد بن عمير وعطاء بن أبي رباح يتحدثان، والقاص يقص، فقلت: ألا تستمعان [¬٥] [إلى الذكر] [¬٦] وتستوجبان الموعود؟ قال: فنظرا إليّ، ثم أقبلا على حديثهما، قال: فأعدت، فنظرا إلى وأقبلا على حديثهما، قال: [فأعدت الثالثة] [¬٧] فنظرا إلي فقالا: إنما ذلك في الصلاة: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾.\nوقال سفيان الثوري، عن أبي هاشم إسماعيل بن كثير، عن مجاهد في قوله: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ قال: في الصلاة. وكذا رواه غير واحد عن مجاهد.\nوقال عبد الرزاق، عن الثوري، عن ليث، عن مجاهد قال: لا بأس إذا قرأ الرجل في غير\n_________\n(^٣٢٥) - تقدم تخريجه [في أول سورة الفاتحة].\n(^٣٢٦) - تفسير ابن جرير (١٣/ ١٥٥٨٥).\n_________\n[¬١]- في ز: \"فإذا\".\n[¬٢]- في ت: \"الشافعية\".\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- وسماه \"القراءة خلف الإمام\" وهو مطبوع.\n[¬٥]- في ز: \"تسمعان\".\n[¬٦]- سقط من: ز.\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.","vol":"6","page":503},{"text":"الصلاة أن يتكلم.\nوكذا قال سعيد بن جبير والضحاك وإبراهيم النخعي وقتادة والشعبي والسدي وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم: أن المراد بذلك في الصلاة.\nوقال شعبة، عن منصور، سمعت [إبراهيم بن أبي حُرَّة] [¬١] يحدث، أنه سمع مجاهدًا يقول في هذه الآية: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ قال: في الصلاة والخطبة يوم الجمعة.\nوكذا روي ابن جريج عن عطاء مثله.\nوقال هشيم، عن الربيع بن صبيح، عن الحسن قال: في الصلاة وعند الذكر.\nوقال ابن المبارك، عن بقية، سمعت ثابت بن عجلان يقول: سمعت سعيد بن جبير يقول في قوله: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ قال: الإِنصات يوم الأضحي، ويوم الفطر، ويوم الجمعة، وفيما يجهر به الإِمام من الصلاة.\nوهذا اختيار ابن جرير [¬٢]، أن المراد بذلك خلف الإمام وحال الخطة.\nوقال عبد الرزاق، عن الثوري، عن ليث، عن مجاهد، أنه كره إذا مر الإِمام بآية خوف، أو بآية رحمة، أن يقول أحد من خلفه شيئًا، قال: السكوت.\nوقال مبارك بن فضالة، عن الحسن: إذا جلست إلى القرآن فأنصت له.\nوقال الإِمام أحمد (^٣٢٧): حدثنا أبو سعيد مولي بني هاشم، حدثنا عباد بن ميسرة، عن\n_________\n(^٣٢٧) - \" المسند\" (٢/ ٣٤١) (٨٤٧٥) وعزاه له العراقي وقال: \"فيه ضعف\" وانقطاع\" [المستخرج تخريج أحاديث \"إحياء علوم الدين\" (٢/ ٨٤٤)، وعلة الضعف هو ما أشار إليها تلميذه الهيثمي حيث قال في \"المجمع\" (٧/ ١٦٥) بعد أن عزاه لأحمد - \"فيه عباد بن ميسرة ضعفه أحمد وغيره، وضعفه ابن معين في رواية ووثقه في أخرى، ووثقه ابن حبان\" وعلة الانقطاع هي ما أشار إليه المنذري في \"الترغيب والترهيب\" (٢/ ٣٤٥) حيث قال: لا والجمهور على أن الحسن لم يسمع من أبي هريرة\" والحديث رمز لضعفه السيوطي في \"الجامع الصغير\" مع أنه حسن إسناده في \"الدر المنثور\" (٣/ ٢٨٧) وزاد عزوه إلى البيهقي في \"الشعب\"، وأخرج\n_________\n[¬١]- تصحف في تفسير ابن جرير (١٣/ ١٥٦١١) إلى \"إبراهيم بن أبي حمزة\" ولم ينبه على ذلك محققه وإبراهيم هذا وثقه أحمد وابن معين وأبو حاتم وهو مترجم في \"التاريخ الكبير\" (٢/ ٢٨١) \"والجرح والتعديل\" (٢/ ٩٦) وفي \"الثقات\" لابن حبان (٦/ ٩).\n[¬٢]- ابن جرير في تفسيره (٣/ ٣٥٢، ٣٥٣).","vol":"6","page":504},{"text":"الحسن، عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: \"من استمع إلى آية من كتاب الله كبت له حسنة مضاعفة، ومن تلاها كانت له نورًا يوم القيامة\". تفرد به الإمام أحمد رحمه الله تعالى.\n﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ (٢٠٥) إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ (٢٠٦)﴾\nيأمر تعالى بذكره أول النهار وآخره، كما أمر بعبادته في هذين الرقتين في قوله: ﴿وَسَبِّحْ [¬١] بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾. وقد كان هذا [¬٢] قبل أن تفرض الصدوات الخمس ليلة الإسراء وهذه الآية مكية.\nوقال هاهنا: ﴿بِالْغُدُوِّ﴾ وهو أول [¬٣] النهار، ﴿وَالْآصَالِ﴾ جمع أصيل، كما أن الأيمان جمع يمين.\nوأما قوله: ﴿تَضَرُّعًا وَخِيفَةً [¬٤]﴾ أي: اذكر ربك في نفسك، [رهبة ورغبة] [¬٥] وبالقول لا جهرًا، ولهذا قال: ﴿وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ﴾، وهكذا يُستحب أن يكون الذكر، لا يكون نداء وجهرًا بليغًا، ولهذا لما سألوا رسول الله ﷺ فقالوا (^٣٢٨): أقريب ربنا فنناجيه أم بعيد فنناديه؟؟ فأنزل الله ﷿: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ] [¬٦]﴾.\nوفي الصحيحين (^٣٢٩) عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: رفع الناس أصواتهم\n_________\n= عبد الرزاق في \"المصنف\" (٣/ ٦٠١٢) أخبرنا ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس قال: \"من استمع آيةً من كتاب الله كانت له نورًا يوم القيامة\" ورجاله ثقات، رجال الشيخين، غير أن ابن جريج مدلس وقد عنعنه.\n(^٣٢٨) - انظر ما تقدم [سورة البقرة/ آية ١٨٦].\n(^٣٢٩) - تقدم تخريجه [سورة البقرة/ آية ١٨٦].\n_________\n[¬١] في ز: \"فسبح\".\n[¬٢]- زيادة من: ز.\n[¬٣]- في ز: \"أوائل\".\n[¬٤]- في ت: \"خفية\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ت.\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين في ز: \"الداعي إذا دعاني\".","vol":"6","page":505},{"text":"بالدعاء في بعض الأسفار؛ فقال لهم النبي ﷺ: \"يا [¬١] أيها الناس؛ أربعوا على أنفسكم؛ فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبًا، إن الذي تدعونه سميع قريب\".\nوقد يكون المراد من هذه الآية كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾، فإن المشركين كانوا إذا سمعوا القرآن سبوه، وسبوا من أنزله ومن جاء به، فأمره [¬٢] الله تعالى أن لا يجهر به؛ لئلا ينال منه المشركون، ولا يخافت به [¬٣] عن أصحابه فلا يسمعهم، وليتخذ سبيلًا بين الجهر والإِسرار، وكذا قال في هذه الآية الكريمة: ﴿وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ (٢٠٥)﴾.\nوقد زعم ابن جرير [¬٤]، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم قبله: أن المراد بهذه الآية: أمر السامع للقرآن في حال استماعه بالذكر على هذه الصفة، وهذا بعيد مناف للإِنصات المأمور به، ثم إن [¬٥] المراد [] [¬٦] بذلك في الصلاة كما تقدم، أو في [¬٧] الصلاة والخطبة، ومعلوم أن الإِنصات إذ ذاك أفضل من الذكر [باللسان، سواء كان سرًّا أو جهرًا، فهذا الذي قالاه لم يتابعا عليه، بل المراد الحض على كثرة الذكر] [¬٨] من العباد بالغدو والآصال؛ لئلا يكونوا من الغافلين، ولهذا مدح الملائكة الذين يسبحون الليل والنهار لا يفترون؛ فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾. وإنما ذكرهم بهذا ليُتشَبَّه بهم في كثرة طاعتهم وعبادتهم؛ ولهذا شرع [¬٩] لنا السجود هاهنا لما ذكر سجودهم لله ﷿، كما جاء في الحديث (^٣٣٠): \" ألا تَصفّون كما تصف الملائكة [¬١٠] عند ربها، يُتمون الصفوف الأوَل، ويتراصون في الصف\".\n_________\n(^٣٣٠) - أخرجه مسلم، كتاب: الصلاة، باب: الأمر بالسكون في الصلاة … (١١٩) (٤٣٠)، وأبو داود، كتاب: الصلاة، باب: تسوية الصفوف (٦٦١)، والنسائي، كتاب: الإمامة، باب: حث الإمام عل رصِّ الصفوف والمقاربة بينها (٢/ ٩٢) وابن ماجه، كتاب: إقامة الصلاة والسنة فيها، باب: إقامة الصفوف (٩٩٢) وأحمد في \"المسند\" (٥/ ١٠١) من حديث جابر بن سمرة.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢] في ز: \"فأمر\".\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- ابن جرير في تفسيره (١٣/ ٣٥٣، ٣٥٤).\n[¬٥]- سقط من: ز.\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين في ز: \"بهذه\".\n[¬٧]- سقط من: ز.\n[¬٨]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٩]- في ز: \"يشرع\".\n[¬١٠]- سقط من: ز.","vol":"6","page":506},{"text":"وهذه أول سجدة فى القرآن، مما يشرع لتاليها ومستمعيها السجود بالإجماع، وقد ورد في حديث رواه ابن ماجة (^٣٣١) عن أبي الدرداء، عن النبي صلى الله عليه: سلم، أنه عدها في\n_________\n(^٣٣١) - أخرجه ابن ماجه، كتاب: إقامة الصلاة والسنة فيها، باب: عدد سجود القرآن (١٠٥٦) ثنا محمد بن يحيى - وهو الذهلي - ثنا سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي ثنا عثمان بن فائد، ثنا عاصم بن رجاء بن حيوة، عن المهدي بن عبد الرحمن بن عيينة بن خاطر، قال: حدثتني عمتي أُمُّ الدرداء عن أبي الدرداء قال: سجدت مع النبي ﷺ إحدى عشرة سجدة، ليس فيها من المفصل شيء: الأعراف والرعد والنحل وبني إسرائيل ومريم والحج وسجدة الفرقان وسليمان سورة النمل - وتحرفت إلى النحل - والسجدة وفي ص وسجدة الحواميم\" وقال البوصيري في \"الزوائد\" (١/ ٣٥٣): \"هذا إسناد ضعيف لضعف عثمان بن فائد\" قلت: هو متابع، قال المزي في \"تهذيب الكمال\" (٢٨/ ٥٩١): \"رواه - يعني ابن ماجه - عن محمد بن يحيى الذهلي ثم ساق هذا الإسناد وقال: (تابعه - يعني ابن ماجه - أبو بكر محمد بن يحيى بن سَهَل المُطرز عن الذهلي … - وهذه المتابعة عند البيهقى في \"السنن الكبرى\" (٢/ ٣١٣) - وقال: \"ورواه عثمان بن خُرَّزاذ الأنطاكيُّ، عن سليمان عبد الرحمن، عن عثمان بن خُلَيْد عن عاصم بن رجاء بن حَيوَة عن المهدي بن عبد الرحمن بن حاضر - كذا ضبطه وهو مختلف في اسمه - ورواه أبو بكر بن أبي داود، عن يعقوب بن سفيان عن سيمان بن عبد الرحمن، عن إسماعيل بن عياش عن عاصم بن رجاء بن حيوة عن المهدي بن عبد الرحمن بن عبيدة … \" ومهدي بن عبد الرحمن هذا مختلف في اسمه وجهله ابن حجر وقال الذهبي في \"الميزان\" (٤/ ت ٨٨٢٥): \"لا يعرف إلا من رواية عاصم بن رجاء عنه\" وترجم له العقيلي في \"الضعفاء\" (٤/ ٢٦٣) وسماه مُهَنَّد وقال\" مُهَنَّد بن عبد الرحمن عن أمِّ الدرداء حديثه غير محفوظ ولا يعرف إلا بهذا الإسناد، ثم ساق له من حديث عاصم أيضًا عنه عن أم الدرداء عن أبي الدرداء مرفوعًا \"الخال وارث من لا وارث له\" وأخرجه أحمد (٥/ ١٩٤) ثنا سريج بن النعمان، وابن ماجه (١٠٥٥) والمزي في \"تهذيب الكمال\" (٢١/ ٣١٣) من طريق حرملة بن يحيى، والترمذي (٥٦٨) ثنا سفيان بن وكيع ثلاثتهم (سريج وحرملة وسفيان) عن عبد الله بن وهب عن عمرو بن الحارث عن سعيد بن أبي هلال عن عمر الدمشقي عن أم الدرداء عن أبي الدرداء قال: \"سجدت مع رسول الله ﷺ إحدى عشرة سجدة، منها التي في النجم\" وأخرجه أحمد (٦/ ٤٤٢) من طرى رشدين بن سعد، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٢/ ٣١٣) من طريق عبد الله بن وهب، كلاهما (رشدين وابن وهب) عن عمرو بن الحارث عن سعيد بن أبى هلال عمَّن أخبره عن أبي الدرداء أنه سجد مع النبي ﷺ الحديث بنحو اللفظ السابق، وقد رواه الترمذي (٥٦٩) بنحو هذا الإسناد من طريق الليث بن سعد عن خالد بن يزيد عن سعيد بن أبي هلال عن عمر -: هو ابن حيَّان الدمشقي قال: سمعت مخبرًا يخبر عن أم الدرداء عن أبي الدرداء عن النبي ﷺ نحوه بلفظه.\nوقال الترمذي: \"وهذا أصح من حديث سفيان بن وكيع عن عبد الله بن وهب .. … وحديث =","vol":"6","page":507},{"text":"سجدات القرآن.\nآخر سورة الأعراف، ولله الحمد والمنة\n* * *\n\nانتهى بحمد الله وحسن توفيقه المجلد السادس\nويليه إن شاء الله تعالى المجلد السابع\nوأوله سورة الأنفال\n_________\n= أبي الدرداء حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث سعيد بن أبي هلال عن عمر الدمشقي\". وقال البخاري في \"التاريخ الكبير\" (٦/ الترجمة ٢١٨٦): \"عمر الدمشقي عن أم الدرداء، روى عنه سعيد بن أبي هلال، منقطع\" وقال أبو داود في \"السنن\" كتاب: الصلاة، باب: تفريع أبواب السجود وكم سجدة في القرآن (١/ ٥٨): \"روي عن أبي الدرداء عن النبي ﷺ إحدى عشرة سجدة وإسناده واهٍ\".\nتنبيه: عزا البوصيري في \"مصباح الزجاجة\" حديث أبى الدرداء من طريق سفيان بن وكيع إلى أبي داود في سننه وما أخاله إلا وهمًا فإن أحدًا لم يعز هذا الحديث لأبي داود، وانظر \"تحفة الأشراف\" (٨/ ١٠٩٩٣، ١٠٩٩٧) و\"جامع المسانيد\" للمصنف (١٣/ ٦٦٥، ٦٦٦) وبالله التوفيق.","vol":"6","page":508},{"text":"<span data-type='title' id=toc-110>تفسير سورة الأنفال</span>\nوهي مدنية\nآياتها: سبعون [¬١] وست آيات، كلماتها: ألف كلمة، وستمائة كلمة، وإحدى وثلاثون كلمة، حروفها: خمسة آلاف ومئتان، وأربعة وتسعون حرفًا، والله أعلم.\n﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١)﴾\nقال البخاري (^١): قال ابن عباس: ﴿الْأَنْفَالِ﴾ الغنائم. حدثنا محمد بن عبد الرحيم، حدثنا سعيد بن سليمان، أخبرنا [¬٢] هُشيم، أخبرنا أبو بشر، عن سعيد بن جبير، قال: قلت لابن عباس، ﵄: سورة الأنفال؟ قال: نزلت في بدر. أما ما علَّقه عن ابن عباس، فكذلك رواه على بن أبي طلحة، عن ابن عباس (^٢) أنه قال: ﴿الْأَنْفَالِ﴾ الغنائم، كانت لرسول الله، ﷺ، خالصة، ليس لأحد منها شيء. وكذا قال مجاهد، وعكرمة، وعطاء، والضحاك، وقتادة، وعطاء الخراساني، ومقاتل بن حيان، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغير واحد: إنها الغنائم (^٣). وقال الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس (^٤) أنه قال: ﴿الْأَنْفَالِ﴾ المغانم [¬٣]، قال فيها لبيد [¬٤]:\nإنّ تقوى ربنا خيرُ نَفَلْ … وبإذن الله رَيثي وَعَجَلْ (^٥)\nوقال ابن جرير (^٦): حدثني يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرني مالك بن أنس، عن ابن\n_________\n(^١) - رواه البخاري، كتاب التفسير برقم (٤٦٤٥).\n(^٢) - تفسير ابن جرير (٣/ ١٥٦٣٣).\n(^٣) - تفسير ابن جرير (٣/ ١٥٦٢٨: ١٥٦٣٧).\n(^٤) - إسناده ضعيف جدًّا؛ من أجل الكلبي. والأثر أخرجه ابن أبي شيبة، وابن المنذر فيما عزاه إليهما السيوطي في الدر (٣/ ٢٩٥).\n(^٥) - البيت في تفسير ابن جرير (١٣/ ٣٦٦) ولسان العرب مادة (نفل).\n(^٦) - رواه مالك في الموطأ (٢/ ٣٦٣) ومن طريقه ابن جرير في تفسيره برقم ١٥٦٤٦ - (١٣/ ٣٦٤).=\n_________\n[¬١]- في خ: \"أربعون\".\n[¬٢]- في خ: \"ثنا\".\n[¬٣]- في خ: \"الغنائم\".\n[¬٤]- في خ: \"لبيب\".","vol":"7","page":5},{"text":"شهاب، عن القاسم بن محمد قال: سمعت رجلًا يسأل ابن عباس عن ﴿الْأَنْفَالِ﴾ فقال ابن عباس، ﵄: الفرس من النَّفَل، والسلَب من النفل. ثم عاد لمسألته، فقال ابن عباس ذلك أيضًا. ثم قال الرجل: ﴿الْأَنْفَالِ﴾ التي قال الله في كتابه، ما هي؟ قال القاسم: فلم يزل يسأله حتى كاد يُحرجه، فقال ابن عباس: أتدرون ما مثل هذا؟ مثل صبيغ الذي ضربه عمر بن الخطاب.\nوقال عبد الرزاق (^٧): أخبرنا معمر، عن الزهري، عن القاسم بن محمد قال: قال ابن عباس: كان عمر بن الخطاب، ﵁، إذا سئل عن شيء قال: لا آمرك ولا أنهاك. ثم قال ابن عباس: والله ما بعث الله نبيه، ﷺ، إلا زاجرًا آمرًا محلًّا محرمًا. قال القاسم: فسُلِّط على ابن عباس رجل، يسأله [¬١] عن الأنفال، فقال ابن عباس: كان الرجل يُنَفَّل فرس الرجل وسلاحه، فأعاد عليه الرجل، فقال له مثل ذلك، ثم أعاد عليه حتى أغضبه، فقال ابن عباس: أتدرون ما مَثَل هذا؟ مثل صبيغ الذي ضربه عمر ابن الخطاب، حتى سالت الدماء على [¬٢] عقبيه - أو على رجليه - فقال الرجل: أما أنت فقد انتقم الله لعمر منك.\nوهذا إسناد صحيح إلى ابن عباس، أنه فسر النفل بما ينفله الإِمام لبعض الأشخاص من سَلَب أو نحوه، بعد قَشم أصل المغنم، وهو المتبادر إلى فهم كثير من الفقهاء من لفظ النفَل، والله أعلم.\nوقال ابن أبي نجيح (^٨): عن مجاهد: إنهم سألوا رسول الله، ﷺ، عن الخُمْس بعد الأربعة الأخماس، فنزلت: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾.\nوقال ابن مسعود ومسروق: لَا نفَل يوم الزحف، إنما النفل قبل التقاء الصفوف [¬٣]. رواه ابن أبي حاتم عنهما.\nوقال ابن المبارك وغير واحد، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء بن أبي رباح:\n_________\n= وعزاه السيوطي في الدر المنثور إلى: ابن أبي شيبة، وأبي عبيد، وعبد بن حميد، والنحاس، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ، وابن مردويه.\n(^٧) - تفسير عبد الرزاق (١/ ٢٣١) وصبيغ هو \"ابن عسل\" ويقال: \"ابن سهل \" التميمي. انظر قصته في: الإصابة (٢/ ١٩٨).\n(^٨) - رواه ابن جرير في تفسيره (١٣/ ١٥٦٤٩).\n_________\n[¬١]- في خ: \"فسأله\".\n[¬٢]- في خ: \"في\".\n[¬٣]- في خ: \"الصوف\".","vol":"7","page":6},{"text":"﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ قال: يسألونك فيما شذ من المشركين إلى المسلمين في غير قتال، من دابة، أو عبد، أو أمة، أو متاع، فهو نفل للنبي، ﷺ، يصنع به ما يشاء.\nرهذا يقتضي أنه فسر الأنفال بالفيء وهو ما أخذ من الكفار من غير قتال.\nقال ابن جرير (^٩): وقال آخرون: هي أنفال السرايا.\nحدثني الحارث، حدثنا عبد العزيز، حدثنا على بن صالح بن حيّ قال: بلغني في قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ قال: السرايا.\nويعني هذا ما ينفله الإمام لبعض السرايا زيادة على قَشمهم مع بقية الجيش، وقد صرح بذلك الشعبي، واختار ابنَ جرير أنها الزيادات على القسم، ويشهد لذلك ما ورد في سبب نزول الآية، وهو ما رواه الإِمام أحمد حيث قال (^١٠):\nحدثنا أبو معاوية، حدثنا أبو إسحاق الشيباني، عن محمد بن عبيد الله الثقفي، عن سعد بن أبي وقاص قال: لما كان يوم بدر، وقتل أخي عمير، وقتلت سعيد بن العاص وأخذت سيفه، وكان يسمى: \"ذا الكتيفَة (^١١) \"، فأتيت به النبي، ﷺ، فقال: \"اذهب فاطرحه في القَبَض (^١٢) \"، قال: فرجعت ربي ما لا يعلمه إلا الله، من قتل أخي وأخذ سلبي، قال: فما حاوزت إلا يسيرًا، حتى نزلت سورة الأنفال، فقال لي رسول الله، صلى الله عليه ومسلم، \"اذهب فخذ سيفك\".\nوقال الإمام أحمد أيضًا (^١٣): حدثنا أسود بن عامر، أخبرنا أبو بكر، عن عاصم بن أبي النجود، عن مصعب بن سعد، عن سعد بن مالك قال: قلت: يا رسول الله، قد شفانى الله اليوم من المشركين، فهب لي هذا السيف، فقال: \"إن هذا السيف لا لك ولا لي، ضعه\" قال: فوضعته، ثم رجعت فقلت. عسى أن يعطي هذا السيف اليوم من\n_________\n(^٩) - تفسير ابن جرير (٣/ ١٥٦٣٨).\n(^١٠) - المسند ١٥٥٦ - (١/ ١٨٠)، ومحمد بن عبيد الله الثقفي أبو عون: ثقة، ولكنه لم يدرك سعدًا، قاله ابن أبي حاتم في المراسيل (٦٧). ورواه أبو عبيد القاسم بن سلام في الأموال (٣٠٣)، وعزاه في الدر المنثور لابن أبي شيبة، وأحمد، وابن جرير ١٥٦٥٩ - (١٣/ ٣٧٣)، وابن مردويه.\n(^١١) - الكتيف: السيف الصفيح، أي العريض.\n(^١٢) - القَبَض: بمعنى المقبوض، وهو ما جمع من الغنيمة قبل أن تقسم.\n(^١٣) - المسند ١٥٣٨ - (١/ ١٧٨) ورواه أبو داود في الجهاد برقم (٢٧٤٠)، والترمذي في التفسير برقم (٣٠٧٩)، والنسائي في السنن الكبرى برقم (١١١٩٦).","vol":"7","page":7},{"text":"لا يبلي بلائي، قال: إذا [¬١] رجل يدعوني من ورائي، قال: قلت: قد أنزل الله في شيئًا؟ قال: كنت سألتني السيف، وليس هو لي، وإنه قد وهب لي، فهو لك. قال: وأنزل الله هذه الآية: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾.\nورواه أبو داود، والترمذي، والنسائي، من طرق عن أبي بكر بن عياش، به. وقال الترمذي: حسن صحيح.\nوهكذا رواه أبو داود الطيالسي (^١٤): أخبرنا شعبة، أخبرنا سماك بن حرب، قال: سمعت مصعب بن سعد، يحدث عن سعد، قال: نزلت فيَّ أربع آيات: أصبت سيفًا يوم بدر، فأتيت النبي، ﷺ، فقلت: نَفِّلْنِيهِ، فقال: \"ضعه من حيث أخذته\"، مرتين، ثم عاودته فقال النبي ﷺ: \"ضعه من حيث أخذته\"، فنزلت هذه الآية: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾.\nوتمام الحديث في نزول: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا﴾، وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾، وآية الوصية. وقد رواه مسلم في صحيحه من حديث شعبة به (^١٥).\nوقال محمد بن إسحاق (^١٦): حدثني عبد الله بن أبي بكر، عن بعض بنى ساعدة قال: سمعت أبا أسيد مالك بن ربيعة يقول: أصبت سيف ابن عائذ يوم بدر، وكان السيف يدعى بالمرزبان، فلما أمر رسول الله، ﷺ، الناس أن يردوا ما في أيديهم من النفَل، أقبلت به فألقيته في النفل، وكان رسول الله، ﷺ، لا يمنع شيئًا يُسأله، فرآه الأرقم بن أبي الأرقم المخزومي، فسأله رسول الله، ﷺ، فأعطاه، إياه.\nورواه ابن جرير من وجه آخر (^١٧).\n_________\n(^١٤) - مسند الطيالسي برقم (٢٠٨).\n(^١٥) - رواه مسلم من حديث محمد بن جعفر، عن شعبة، عن سماك بن حرب، عن مصعب بن سعد، عن أبيه، نحوه، برقم ٣٤ - (١٧٤٨).\n(^١٦) - رواه ابن جرير في تفسيره ١٥٦٦٠ - (١٣/ ٣٧٤) من طريق ابن إسحاق، به.\n(^١٧) - رواه ابن جرير من حديث يحيى بن جعفر، قال: حدثنا أحمد بن أبي بكر، عن يحيى بن عمران، عن جده عثمان بن الأرقم، وعن عمه، عن جده قال: قال رسول الله، ﷺ يوم بدر: \"ردُّوا ما كان من الأنفال … \" الحديث برقم ١٥٦٦١ - (١٣/ ٣٧٥).\n_________\n[¬١]- سقط من: ت.","vol":"7","page":8},{"text":"(سبب آخر في نزول الآية)\nوقال الإِمام أحمد (^١٨): حدثنا محمد بن سلمة، عن ابن إسحاق، عن عبد الرحمن، عن سليمان بن موسى، عن مكحول، عن أبي أمامة قال: سألت عبادة عن الأنفال، فقال: فينا - أصحاب بدر - نزلت، حين اختلفنا في النفل، وساءت فيه أخلاقنا، فانتزعه الله من أيدينا، وجعله إلى رسول الله، ﷺ، فقسمه رسول الله، ﷺ، بين المسلمين عن بواء - يقول: عن سواء.\nوقال الإِمام أحمد أيضًا (^١٩): حدثنا معاوية بن عمرو، أخبرنا أبو إسحاق، عن عبد الرحمن بن الحارث بن عبد الله بن عياش [¬١] بن أبي ربيعة، عن سليمان بن موسى، عن أبي سلام، عن أبي أمامة، عن عبادة بن الصامت قال: خرجنا مع رسول الله، ﷺ، فشهدت معه بدرًا، فالتقى الناس، فهزم الله تعالى العدو، فانطلقت طائفة في آثارهم يهزمون ويقتلون، وأكَبَّت طائفة على العسكر يحوونه ويجمعونه، وأحدقت طائفة برسول الله، ﷺ، لا يصيب العدو منه غرة، حتى إذا كان الليل، وفاء الناس بعضهم إلى بعض، قال الذين جمعوا الغنائم: نحن حويناها، فليس لأحد فيها نصيب، وقال الذين خرجوا في طلب العدو: لستم بأحق به منا، نحن منعنا عنها العدو وهزمناهم، وقال الذين أحدقوا برسول الله ﷺ: [لستم أحق بها منا، نحن أحدقنا برسول الله ﷺ، و] [¬٢] خفنا أن يصيب العدو منه غرة، فاشتغلنا به، فنزلت: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾، فقسمها رسول الله، ﷺ، بين المسلمين، وكان رسول الله، ﷺ، إذا أغار في أرض العدو نفل الربع، فإذا أقبل -[وكلّ الناس] [¬٣]- راجعًا، نفل الثلث، وكان يكره الأنفال [ويقول: \"ليرد قَويُّ المؤمنين على ضعيفهم] [¬٤] \".\n_________\n(^١٨) - المسند ٢٢٨٥٢ - (٥/ ٣٢٢)، وأورده الهيثمي (٧/ ٢٦) وقال: رواه أحمد ورجال الطريقين - يعني هذا، والحديث التالي - ثقات.\n(^١٩) - عبد الرحمن بن الحارث بن عياش بن أبي ربيعة: صدوق له أوهام، روى له البخاري في الأدب المفرد والأربعة. فهو ليس من رجال مسلم. والحديث في المسند ٢٢٨٦٧ - (٥/ ٣٢٤)، وأورده الهيثمي والحديث الذي قبله (٧/ ٢٦) وقال: رجال الطريقين ثقات. ورواه ابن جرير في تفسيره ١٥٦٥٤، ١٥٦٥٥ - (١٣/ ٣٦٩).\n_________\n[¬١]- في خ: \" عباس\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.","vol":"7","page":9},{"text":"ورواه الترمذي (^٢٠) وابن ماجة، من حديث سفيان الثوري، عن عبد الرحمن بن الحارث، له نحوه. وقال الترمذي: هذا حديث حسن.\nورواه ابن حبان في صحيحه، والحاكم في مستدركه، من حديث عبد الرحمن بن الحارث، وقال الحاكم: صحيح الإِسناد على شرط مسلم ولم يخرجاه.\nوروى أبو داود، والنسائي، وابن جرير، وابن مردويه (^٢١) - واللفظ له - وابن حبان، والحاكم من طرق، عن داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: لما كان يوم بدر، قال رسول الله ﷺ: \"من صنع كذا وكذا فله كذا وكذا\" فتسارع [¬١] في ذلك شبان الرجال، وبقي الشيوخ تحت الرايات، فلما كانت المغانم جاءوا يطبون الذي جعل لهم، فقال الشيوخ: لا تستأثروا علينا، فإنا كنَّا ردءًا لكم، لو انكشفتم لفئتِم إلينا، فتنازعوا، فأنزل الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ إلى قوله: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.\nوقال الثوري (^٢٢)، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس قال: لما كان يوم بدر، قال رسول الله، ﷺ: \"من قتل قتيلًا فله كذا وكذا، ومن أتى بأسير فله كذا وكذا\" فجاء أبو اليسر بأسيرين، فقال: في رسول الله! وعدتنا، فقام سعد ابن عبادة فقال: يارسول الله! إن أعطيت هؤلاء لم يبق لأصحابك شيء، وإنه لم يمنعنا من هذا زهادة في الأجر، ولا [¬٢] جبن عن العدو، وإنما قمنا هذا المقام محافظةً عليك، نخاف أن يأتوك من ورائك، فتشاجروا، ونزل القرآن: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ قال: ونزل القرآن: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ إلى آخر الآية.\nوقال الإِمام أبو عبيد القاسم بن سلام ﵀ (^٢٣) في كتاب \"الأموال الشرعية وبيان\n_________\n(^٢٠) - الحديث رواه الترمذي برقم (١٥٦١)، وابن ماجة برقم (٢٨٥٢)، وابن حبان برقم (١٦٩٣) \"موارد\"، والحاكم في المستدرك (٢/ ١٣٦)، ومن طريقه البيهقي (٦/ ٢٩٢) مطولًا، ومختصرًا، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه.\n(^٢١) - رواه أبو داود في كتاب الجهاد، باب: النفل برقم (٢٧٣٧)، والنسائي في الكبرى برقم (١١١٩٧)، وابن جرير في تفسيره ١٥٦٥٠، ١٥٦٥٣ - (١٣/ ٣٦٨)، والحاكم في المستدرك (٢/ ٣٢٦)، والبيهقي في الكبرى (٦/ ٣١٥).\n(^٢٢) - إسناده ضعيف جدًّا، رواه عبد الرزاق في المصنف برقم (٩٤٨٣) عن الثوري، به.\n(^٢٣) - الأموال (ص ٤٣١).\n_________\n[¬١]- في خ: \"فتنازع\".\n[¬٢]- سقط من: خ، ز.","vol":"7","page":10},{"text":"جهاتها ومصارفها\": أما الأنفال فهى المغانم، وكل نيل ناله المسلمون من أموال أهل الحرب، فكانت الأنفال الأولى [لرسول الله] [¬١] ﷺ، يقول الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾، فقسمها يوم بدر على ما أراه الله من غير أن يخمسها على ما ذكرناه في حديث سعد، ثم نزلت بعد ذلك آية الخمس، فنسخت الأولى.\nقلت: هكذا روى على بن أبي طلحة، عن ابن عباس سواء، وبه قال مجاهد وعكرمة والسدي.\nوقال ابن زيد: ليست منسوخة بل هي محكمة.\nقال أبو عبيد: وفي ذلك آثار … والأنفال أصلها جماع الغنائم، إلا أن الخمس منها مخصوص لأهله، على ما نزل به الكتاب وجرت به السنة، ومعنى الأنفال في كلام العرب: كل إحسان فعله فاعل تفضلًا من غير أن يجب ذلك عليه، فذلك النفل الذي أحله الله للمؤمنين من أموال عدوهم، وإنما [هو شيء] [¬٢] خصهم الله [¬٣] به تطولًا منه عليهم، بعد أن كانت المغانم محرمة على الأم قبلهم، فنفلها الله تعالى هذه الأمة. فهذا أصل النفل.\nقلت: شاهد هذا فى الصحيحين عن جابر ﵁ أن رسول الله، ﷺ، قال: \"أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد قبلي\" فذكر الحديث إلى أن قال: \"وأحلت لي الغنائم، ولم تحل لأحد قبلي\" وذكر تمام الحديث (^٢٤)\nثم قال أبو عبيد: ولهذا سُمي ما جعل الإِمام للمقاتلة نفلًا، وهو تفضيله بعض الجيش على بعض بشيء سوى سهامهم، يفعل ذلك بهم على قدر الغناء عن الإِسلام والنكاية في العدو، وفي النفل الذي ينفله الإِمام سنن أربع، لكل واحدة منهن موضع غير موضع الأخرى:\n(فإحداهن): في النفل لا خمس فيه، وذلك السلب.\n(والثانية): في [¬٤] النفل الذي يكون من الغنيمة بعد إخراج الخمس، وهو أن يوجه الإِمام السرايا في أرض الحرب، فتأتي بالغنائم، فيكون للسرية مما جاءت به الربع أو الثلث [بعد\n_________\n(^٢٤) - تقدم تخريج هذا الحديث عند تفسير الآية: ٤٣ من سورة النساء.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"إلى النبي\".\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.","vol":"7","page":11},{"text":"الخمس] [¬١].\n(والثالثة): في النفل من الخمس نفسه، وهو أن تحاز الغنيمة كلها، ثم تخمس، فإذا صار الخمس في يدي الإِمام نفل منه على قدر ما ورى.\n(والرابعة): في النفل في جملة الغنيمة قبل أن يخمس منها شئ، وهو أن يعطي الأدلاء ورعاة الماشية والسُّوَّاق لها، وفي كل ذلك اختلاف.\nقال الربيع: قال الشافعي: الأنفال أن لا يخرج [¬٢] من رأس الغنيمة قبل الخمس شيء غير السلب.\nقال أبو عبيد: والوجه الثاني من النفل: هو شيء زيدوه غير الذي كان لهم، وذلك من خمس النبي، ﷺ، فإن له خمس الخمس من كل غنيمة، فينبغي للإِمام أن يجتهد، فإذا كثر العدو، واشتدّت شوكتهم، وقل من بإزائه من المسلمين، نفل منه اتباعًا لسنة رسول الله، ﷺ، وإذا لم يكن ذلك لم ينفل.\n(والوجه الثالث) من النفل: إذا بعث الإِمام سرية أو جيشًا، فقال لهم قبل اللقاء: من غنم شيئًا [فهو له] [¬٣] بعد الخمس، فذلك لهم على ما شرط الإِمام؛ لأنهم على ذلك غزوا، وبه رضوا. انتهى كلامه.\nوفيما تقدّم من كلامه، وهو قوله: إن غنائم بدر لم تخمس - نظر، ويرد عليه حديث على بن أبي طالب في شارفيه الذين حصلا له من الخمس يوم بدر، وقد بينت ذلك في كتاب السيرة بيانًا شافيًا (^٢٥). ولله الحمد والمنة [¬٤].\nوقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ أي: اتقوا الله في أموركم، وأصلحوا فيما بينكم، ولا تظالموا، ولا تخاصموا، ولا تشاجروا، فما آتاكم الله من الهدى والعلم خير مما تختصمون بسببه. ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ أي: في قسمه بينكم على ما أراده [¬٥] الله، فإنه إنما [¬٦] قسمه كما أمره الله من العدل والإِنصاف.\nوقال ابن عباس (^٢٦): هذا تحريج من الله [على المؤمنين] [¬٧] أن يتقوا ويصلحوا ذات\n_________\n(^٢٥) - السيرة لابن كثير (٢/ ٤٦٦).\n(^٢٦) - رواه ابن جرير (١٣/ ١٥٦٨١).\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في ز: \"تخرج\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"فله\".\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- في ز، خ: \"أراه\".\n[¬٦]- سقط من: ت.\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"7","page":12},{"text":"بينهم. وكذا قال مجاهد.\nوقال السدي: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ أي: لا تستبوا.\nولنذكر هاهنا حديثًا [¬١] أورده الحافظ أبو يعلى أحمد بن علي بن المثنى الموصلي، ﵀، في مسنده فإنه قال (^٢٧): حدثنا مجاهد بن موسى، حدثنا عبد الله بن بكر [¬٢]، حدثنا عباد بن شيبة الحبطي [¬٣]، عن سعيد بن أنس، عن أنس ﵁ قال: بينا رسول الله ﷺ جالس، إذ رأيناه ضحك حتى بدت ثناياه، فقال عمر: ما أضحكك يا رسول الله؟ بأبي أنت وأمي! فقال: \"رجلان جثيا من أمّتي بين يدي رب العزة ﵎، فقال أحدهما: يا رب خذ لي مظلمتي من أخي. قال الله تعالى: أعط أخاك مظلمته، قال: يا رب، لم يبق في حسناتي شيء. قال: رب، فليحمل عني من أوزاري\" قال: وفاضت عينا رسول الله، ﷺ، بالبكاء، ثم قال: \"إن ذلك ليوم عظيم، يوم يحتاج الناس إلى من [¬٤] يتحمل عنهم من أوزارهم، فقال الله تعالى للطالب: ارفع بصرك فانظر في الجنان، فرفع رأسه فقال: يارب، أرى مدائن من فضة، وقصورًا [¬٥] من ذهب، مكللة باللؤلؤ، لأيِّ نبي هذا؟ لأي صديق هذا؟ لأي شهيد هذا؟ قال: هذا لمن أعطى الثمن، قال: يا رب، ومن يملك ذلك؟ قال: أنت تملكه، قال: ماذا يارب؟ قال: تعفو عن أخيك، قال: يارب، فإني قد\n_________\n(^٢٧) - لم نقف عليه في المطبوع من مسند أبي يعلى، وقد رواه الحاكم في المستدرك (٤/ ٥٧٦) من طريق عباد بن شيبة الحبطي، عن سعيد بن أنس، به. وكذا رواه ابن أبي الدنيا في كتاب حسن الظن بالله، رقم (١١٨) ص ١٠٩.\nوقال الحاكم: \"صحيح الإسناد ولم يخرجاه\" وتعقبه الذهبي فقال: \"عباد بن شيبة الحبطي، عن سعيد، والأول ضعيف، وشيخه لا يعرف\".\nوعزاه صاحب كنز العمال للخرائطي في مكارم الأخلاق، وذكره المنذري في الترغيب (٣/ ٢١٠) وعزاه أيضًا للبيهقي في البعث والنشور.\nوقال البخاري في التاريخ الكبير (٣/ ٤٥٩): سعيد بن أنس، عن أنس، عن النبي ﷺ في المظالم، لا يتابع عليه، وأورده ابن أبي حاتم (٣/ ٤) ولم يذكر فيه جرحًا. وذكره العقيلي (٢/ ٩٨) وقال: مجهول في النقل، وأورد قول البخاري.\nوعباد بن شيبة ذكره ابن حبان في المجروحين (٢/ ١٧١) وقال: يروي عن سعيد بن أنس، روى عنه عبد الله ابن بكر السهمي: منكر الحديث جدًّا، على قلة روايته، لا يجوز الاحتجاج به؛ لما انفرد به من المناكير.\n_________\n[¬١]- فى ز: \"حديث\".\n[¬٢]- فى ز، خ: \"بكير\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"الحنظلي\".\n[¬٤]- في خ: \"أن\".\n[¬٥]- في ز: \"قصور\".","vol":"7","page":13},{"text":"عفوت عنه، قال الله تعالى: خذ بيد أخيك فأدخله الجنة\". ثم قال رسول الله ﷺ: \"فاتقوا الله، وأصلحوا ذات بينكم، فإن الله تعالى يصلح بين المؤمنين يوم القيامة\".\n﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾\nقال على بن أبي طلحة، عن ابن عباس في [¬١] قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ قال: المنافقون، لا يدخل قلوبهم شيء من ذكر الله عند أداء [¬٢] فرائضه، ولا يؤمنون بشيء من آيات الله، ولا يتوكلون، ولا يصلون إذا غابوا، ولا يؤدّون زكاة أموالهم، فأخبر الله تعالى أنهم ليسوا بمؤمنين، ثم وصف الله [¬٣] المؤمنين فقال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ فأدَّوْا فرائضه - ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ يقول: تصديقًا ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ يقول: لا يرجون غيره.\nوقال مجاهد: ﴿وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ فرقت، أي: فزعت وخافت. وكذا قال السدي وغير واحد.\nوهذه صفة المؤمن حق المؤمن، الذي إذا ذكر الله وجل قلبه، أي خاف منه، ففعل أوامره، وترك زواجره، كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾. وكقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾. ولهذا قال سفيان الثوري: سمعت السدي يقول في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ قال: هو الرجل يريد أن يظلم - أو قال: يهم بمعصية - فيقال له: اتق الله فَيَجِلُ قلبه.\nوقال الثوري أيضًا، عن عبد الله بن عثمان بن خُثَيْم، عن شهر بن حوشب، عن أمِّ الدرداء في قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ قالت: الوجل في\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.","vol":"7","page":14},{"text":"القلب كإحراق [¬١] السعفة، أما تجد لها [¬٢] قشعريرة؟ قال: بلى. قالت: إذا وجدت ذلك، فادع الله عند ذلك، فإن الدعاء يذهب ذلك.\nوقوله: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾، كقوله: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾.\nوقد استدل البخاري وغيره من الأئمة بهذه الآية وأشباهها على زيادة الإِيمان وتفاضله في القلوب، كما هو مذهب جمهور الأمة [¬٣]. بل قد حكى الإِجماع على ذلك غير واحد من الأئمة، كالشافعي وأحمد بن حنبل وأبي عبيد، كما بينا ذلك مستقصى في أول شرح البخاري، ولله الحمد والمنة.\n﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ أي: لا يرجون سواه، ولا يقصدون إلا إياه، ولا يلوذون إلا بجنابه، ولا يطلبون الحوائج إلا منه، ولا يرغبون إلا إليه، ويعلمون أن [¬٤] ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، وأنه المتصرف في الملك، وحده لا شريك له، ولا معقب لحكمه، وهو سريع الحساب، ولهذا قال سعيد بن جبير: التوكل على الله جماع الإِيمان.\nوقوله: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾، ينبه تعالى بذلك على أعمالهم، بعد ما ذكر اعتقادهم. وهذه الأعمال تشمل أنواع الخير كلها، وهو إقامة الصلاة، وهو حق الله تعالى.\nوقال قتادة: إقامة الصلاة: المحافظة على مواقيتها، ووضوئها، وركوعها، وسجودها.\nوقال مقاتل بن حيان: إقامتها: المحافظة على مواقيتها، وإسباغ الطهور فيها [¬٥]، وتمام ركوعها وسجودها، وتلاوة القرآن فيها، والتشهد، والصلاة على النبي ﷺ هذا إقامتها.\nوالإِنفاق مما رزقهم الله: يشمل إخراج الزكاة وسائر الحقوق للعباد، من واجب ومستحب، والخلق كلهم عيال الله فأحبهم إلى الله أنفعهم لخلقه.\nقال قتادة في قوله: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ فأنفقوا مما أعطاكم الله، فإنما هذه الأموال عَواري وودائع عندك يا بن آدم، أوشكت أن تفارقها.\n_________\n[¬١]- في ت: \"كاحتراق\".\n[¬٢]- في ت: \"له\".\n[¬٣]- فى خ: \"الأئمة\".\n[¬٤]- فى ز: \"أنه\".\n[¬٥]- فى ز: \"منها\".","vol":"7","page":15},{"text":"وقوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ أي: المتصفون بهذه الصفات، هم المؤمنون حق الإِيمان.\nوقال الحافظ أبو القاسم الطبراني (^٢٨): حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي، حدثنا أبو كريب، حدثنا زيد بن الحباب، حدثنا ابن لهيعة، عن خالد بن يزيد السكسكي، عن سعيد بن أبي هلال، عن محمد بن أبي الجهم، عن الحارث بن مالك الأنصاري أنه مر برسول الله، ﷺ، فقال له: \"كيف أصبحت في حارث؟ \" قال: أصبحت مؤمنًا حقًّا. قال: \"انظر ماذا تقول؛ فإن لكل شيء حقيقة، فما حقيقة إيمانك؟ فقال: عزفت نفسي عن الدنيا، فأسهرت ليلي، وأظمأت نهاري، وكأني أنظر إلى عرش ربي بارزًا، وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون فيها، وكأني أنظر إلى أهل النار يتضاغون [¬١] فيها. فقال: \"في حارث، عرفت فالزم\" ثلاثًا.\n_________\n(^٢٨) - المعجم الكبير (٣/ ٢٦٦)، وقال الهيثمي في المجمع (١/ ٥٧): \"رواه الطبراني وفيه ابن لهيعة وفيه من يحتاج إلى الكشف عنه\".\nوروى هذا الحديث ابن المبارك في الزهد، عن معمر، عن صالح بن مسمار أن النبي ﷺ قال: \"يا حارث … \" فذكره، وكذا أخرجه عبد الرزاق، عن معمر، عن صالح بن مسمار وجعفر بن برقان أن النبي ﷺ قال للحارث .... فذكره، وأخرجه في التفسير - يعني عبد الرزاق - عن الثوري.\nورواه البزار كما في مختصر زوائد البزار (٢٣) فقال البزار: حدثنا أحمد بن محمد الليثي، ثنا يوسف بن عطة، عن ثابت، عن أنس أن النبي ﷺ … فذكره إلا أنه سماه حارثة وقال البزار: تفرد به يوسف، وهو لين الحديث.\nقال الحافظ في الإصابة: وجاء موصولًا من طريق أخرى، وأخرجه الطبراني ٣٣٦٧ - (٢/ ٣٠٣) من طريق سعيد بن أبي هلال، عن محمد بن أبي الجهم. وابن منده من طريق سليمان بن سعيد، عن الربيع بن لوط - كلاهما - عن الحارث بن مالك أنه جاء إلى النبي ﷺ فقال … فذكره.\nقال ابن منده: ورواه زيد بن أبي أنيسة، عن عبد الكريم بن الحارث، عن الحارث بن مالك.\nورواه جرير بن عتبة بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أنس أن النبي ﷺ دخل المسجد فإذا الحارث بن مالك، فحركه برجله .... فذكر الحديث.\nوروى البيهقي في الشعب من طريق يوسف بن عطية الصفار، وهو ضعيف جدًّا، عن أنس أن النبي ﷺ لقي الحارث يومًا فقال: \"كيف أصبحت؟ … \" الحديث بطوله.\nقال البيهقي: هذا منكر، وقد خبط فيه يوسف فقال مرة: الحارث، وقال مرة: حارثة.\nوقال أبو عاصم بن خشيش بن أصرم في كتاب الاستقامة له: حدثنا عبد العزيز بن أبان، أخبرنا مالك=\n_________\n[¬١]- في ز: \"يتظاغون\". ومعنى يضاغون: أي: يتصايحون ويبكون؛ يقال: ضغا يضغوا ضغوًا وضغاءً إذا صاح وضجَّ.","vol":"7","page":16},{"text":"وقال عمرو بن مرة في قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾، إنما أنزل القرآن بلسان العرب، كقولك: فلان سيد حقًّا، وفي القوم سادة، وفلان تاجر حقًّا، وفي القوم تجار. وفلان شاعر حقًّا [وفي القوم] [¬١] شعراء.\nوقوده: ﴿لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ أي: منازل و[¬٢] مقامات ودرجات في الجنات. كما قال تعالى: ﴿هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾.\n﴿وَمَغْفِرَةٌ﴾ أي: يغفر لهم السيئات، ويشكر لهم الحسنات.\nوقال الضحاك في قوله: ﴿لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾: أهل الجنة بعضهم فوق بعض، فيرى [¬٣] الذي هو فوق فضله على الذي هو أسفل منه، ولا يرى الذي هو أسفل منه أنه فُضِّل عليه أحد.\nولهذا جاء في الصحيحين (^٢٩)، أن رسول الله، ﷺ، قال: \"إن أهل عليين ليراهم من أسفل منهم، كما ترون [¬٤] الكوكب الغابر [¬٥] في أفق من آفاق السماء\". قالوا: يا رسول الله، تلك منازل الأنبياء، لا ينالها غيرهم؟ فقال: \"بلى، والذي نفسي بيده، رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين\".\nوفي الحديث الآخر الذي رواه الإِمام أحمد وأهل السنن (^٣٠) من حديث عطية، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسملم: \"إن أهل الجنة ليتراءون أهل [¬٦]\n_________\n=ابن مغول، عن فضل بن غزوان قال: أغير على سرح المدينة، فخرج الحارث بن مالك فقتل منهم ثمانية، ثم قال: وهو الذي قال له النبي ﷺ: \"كيف أصبحت يا حارثة؟ \" ورواه ابن أبي شيبة، عن ابن نمير، عن مالك بن مغول بالمرفوع، ولم يذكر فضيل بن غزوان. قال ابن صاعد بعد أن أخرجه عن الحسين بن الحسن المروزي، عن ابن المبارك: لا أعلم صالح بن مسمار أسند إلا حديثًا واحدًا، لا يثبت موصولًا اهـ من الإصابة (١/ ٥٩٧).\n(^٢٩) - صحيح البخاري، كتاب بدء الخلق، باب: صفة الجنة … برقم (٣٢٥٦)، وصحيح مسلم برقم (٢٨٣١) (من حديث أبي سعيد الخدري) ﵁.\n(^٣٠) - إسناده ضعيف لضعف عطية العرفى، ورواه أحمد، ١١٢٢٠، ١١٢٢٧، ١١٦٠٤ (٣/ ٢٦، ٢٧، ٦١) وأخرجه أبو داود - كتاب الحروف والقراءات، (٣٩٨٧). والترمذى - كتاب المناقب، باب: مناقب أبي بكر الصديق - (٣٦٥٩). وابن ماجه - في المقدمة، باب: في فضائل أصحاب - رسول الله ﷺ (٩٦). والحميدى - (٧٥٥)، وعبد بن حميد (٨٨٧)، وأبو يعلى=\n_________\n[¬١]- مكررة في ز.\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في ز، خ: \"فترى\".\n[¬٤]- في خ: \"يرون\".\n[¬٥]- في ز: \"العابر\".\n[¬٦]- سقط من: ز، خ.","vol":"7","page":17},{"text":"الدرجات العلى، كما ترون الكوكب الغابر في أفق السماء، وإن أبا بكر وعمر منهم وأنعما\".\n﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ (٥) يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (٦) وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ (٧) لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (٨)﴾\nقال الإِمام أبو جعفر الطبري: اختلف المفسرون في السبب الجالب لهذه \"الكاف\" في قوله: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ﴾ فقال بعضهم: شُبّه به في الصلاح للمؤمنين، اتقاؤهم ربهم، وإصلاحهم ذات بينهم، وطاعتهم لله [¬١] ورسوله.\nثم روي عن عكرمة نحو هذا.\nومعنى هذا أن الله تعالى يقول: كما أنكم لما اختلفتم في المغانم، وتشاححتم فيها، فانتزعها الله منكم، وجعلها إلى قَسْمه وقَسْم رسوله، ﷺ، فقسمها على العدل والتسوية، فكان هذا هو المصلحة التامة لكم، وكذلك لما كرهتم الخروج إلى الأعداء من قتال ذات الشوكة - وهم النفير الذين خرجوا لنصر دينهم، وإحراز عيرهم - فكان عاقبة كراهتكم للقتال - بأن قدّره لكم، وجمع به بينكم وبين عدوكم على غير ميعاد - رَشَدًا وهدى، ونصرًا وفتحًا، كما قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ\n_________\n= (١١٣٠، ١١٧٨، ١٢٧٨). والطبراني في الأوسط - (٢٩٥١،٣٤٢٧)، وأبو نعيم في الحلية - (٧/ ٢٥٠). والبغوى في شرح السنة (٣٨٩٣،٣٨٩٢)، والبيهقي في البعث (٢٥٠) وغيرهم.\nوهو عند أحمد أيضًا برقم (١١٤٨٣، ١١٧٠٧، ١١٨٩٨، ١١٩٥٦) (٣/ ٥٠، ٧٢، ٩٣، ٩٨). من طرق عن عطية العوفى، به. وأخرجه ابن عدي في الكامل (٦/ ٢٠٩٨) من طريق كوثر بن حكيم عن أبى سعيد به. وكوثر هذا ضعفه أبو زرعة، وقال أحمد: أحاديثه بواطيل، ليس بشيء. وقال ابن عدي: عامة ما يرويه غير محفوظ. وقال الدارقطني: متروك الحديث [انظر لسان الميزان لابن حجر ت (٦٧٦٨) (٤/ ٥٧٩)]\n_________\n[¬١]- فى ز، خ: \"الله\".","vol":"7","page":18},{"text":"لَا تَعْلَمُونَ﴾.\nقال ابن جرير: وقال آخرون: معنى ذلك: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ﴾ على كره من فريق من المؤمنين، كذلك هم كارهون للقتال، فهم يجادلونك فيه بعدما تبين لهم. ثم روى نحوه عن مجاهد، أنه قال: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ﴾ قال: كذلك يجادلونك في الحق.\nوقال السدي: أنزل الله في خروجه إلى بدر ومجادلتهم إياه، فقال: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ﴾ لطلب المشركين، ﴿يُجَادِلُونَكَ [فِي الْحَقِّ] [¬١] بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ﴾.\nوقال بعضهم: يسألونك عن الأنفال مجادلة؛ كما جادلوك يوم بدر فقالوا: أخرجتنا للعير، ولم تعلمنا قتالًا فنستعدَّ له.\nقلت: رسول الله، ﷺ، إنما خرج من المدينة طالبًا لعير أبي سفيان، التي بلغه خبرها أنها صادرة من الشام، فيها أموال جزيلة لقريش، فاستنهض رسول الله، ﷺ، المسلمين من [¬٢] خَفَّ منهم، فخرج في ثلاثمائة وبضعة عشر رجلًا، وطلب نحو الساحل من على طريق بدر، وعلم أبو سفيان بخروج رسول الله، ﷺ، في طلبه، فبعث ضمضم بن عمرو نذيرًا إلى مكة، فنهضوا في قريب من ألف مُقَنَّع ما بين التسعمائة إلى الألف، وتيامن أبو سفيان بالعير إلى سيف البحر فنجا، وجاء النفير فوردوا ماء بدر، وجمع الله بين [¬٣] المسلمين والكافرين على غير ميعاد، لما يريد الله تعالى من إعلاء كلمة المسلمين، ونصرهم على عدوهم، والتفرقة بين الحق والباطل، كما سيأتي بيانه.\nوالغرض أن رسول الله، ﷺ، لما بلغه خروج النفير، أوحى الله إليه يَعِدُه إحدى الطائفتين، إما العير وإما النفير، ورغب كثير من المسلمين إلى العير؛ لأنه كسب بلا قتال، كما قال تعالى: ﴿وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ﴾.\nقال الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسيره (^٣١): حدثنا سليمان بن أحمد الطبراني،\n_________\n(^٣١) - رواه الطبراني في المعجم الكبير (٤/ ١٧٤).\nوأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ٧٤) وقال: إسناده حسن، ورواه البيهقي في دلائل النبوة (٢/ ٣٢٣) مختصرًا.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في ز، خ: \"في\".\n[¬٣]- سقط من: ز.","vol":"7","page":19},{"text":"حدثنا بكر بن سهل، حدثنا عبد الله بن يوسف، حدثنا ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أسلم بن [¬١] أبي عمران حدثه أنه سمع أبا أيوب الأنصاري يقول: قال رسول الله، ﷺ، ونحن [¬٢] بالمدينة: \"إني أخبرت عن عير أبي سفيان أنها مقبلة، فهل لكم أن نخرج قبل هذه العير، لعل الله أن [¬٣] يُغْنمناها؟ \" فقلنا: نعم، فخرج وخرجنا، فلما سرنا يومًا أو يومين قال لنا: \"ما ترون في قتال القوم، فإنهم قد أخبروا بمخرجكم؟ \" فقلنا: لا والله، ما لنا طاقة بقتال العدو، ولكنا أردنا العير. ثم قال: \"ما ترون في قتال القوم؟ \" فقلنا مثل ذلك، فقال المقداد بن عمرو: إذًا لا نقول، لك يا رسول الله؛ كما قال قوم موسى لموسى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾. قال: فتمنينا - معشر الأنصار - أن لو قلنا كما قال المقداد، أحب إلينا من [¬٤] أن يكون لنا مال عظيم. قال: فأنزل الله على رسوله ﷺ: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ﴾. وذكر تمام الحديث. ورواه ابن أبي حاتم، من حديث ابن لهيعة بنحوه.\nوروى ابن مردويه أيضًا من حديث محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي، عن أبيه، عن جده، قال: خرج رسول الله، ﷺ، إلى بدر، حتى إذا كان بالروحاء، خطب الناس فقال: \"كيف يرون؟ \" فقال أبو بكر رضي الله تعالى عنه: يا رسول الله، بلغنا أنهم [بمكان كذا] [¬٥] وكذا. قال: ثم خطب الناس فقال: \"كيف ترون؟ \"؟ فقال عمر مثل قول أبي بكر، ثم خطب الناس فقال: \"كيف ترون\" فقال سعد بن معاذ: يا رسول الله، إيانا تريد؟ فوالذي أكرمك وأنزل عليك الكتاب، ما سلكتها قط، ولا لي بها علم، ولئن سرت حتى تأتي (برك الغماد) من ذي يمن لنسيرن معك، ولا نكون كالذين قالوا لموسى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكم متبعون، ولعلك أن تكون خرجت لأمر، وأحدث الله [¬٦] إليك غيره، فانظر الذي أحدث الله إليك، فامض له، فَصِلْ حبال من شئت، واقطع حبال من شئت، وَعَادِ من شئت، وسالم من شئت، وخذ من أموالنا ما شئت، فنزل القرآن\n_________\n= وبكر بن سهل: قال في اللسان: حمل الناس عنه، وهو مقارب الحال. وقال النسائي: ضعيف، وقال مسلمة بن قاسم: تكلم الناس فيه، ووضعوه من أجل الحديث الذي حدث به عن سعيد بن كثير، عن يحيى بن أيوب، عن مجمع بن كعب، عن مسلمة بن مخلد رفعه \"اعروا النساء يلزمن الحجاب\". قال الحافظ: حديث مسلمة أخرجه الطبراني عنه.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- سقط من: ت.\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- في ز، خ: \"بكذا\".\n[¬٦]- سقط من: ز، خ.","vol":"7","page":20},{"text":"على قول سعد: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ﴾ الآيات.\nوقال العوفي (^٣٢)، عن ابن عباس: لما شاور النبي، ﷺ، في لقاء العدو، وقال له سعد بن عبادة ما قال، وذلك يوم بدر، أمر الناس فعبئوا [¬١] للقتال، وأمرهم بالشوكة، فكره ذلك أهل الإِيمان، فأنزل الله ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ (٥) يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾.\n[وقال مجاهد: ﴿يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ﴾، في القتال. وقال محمد بن إسحاق: ﴿يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ﴾] [¬٢] أي: كراهية للقاء المشركين، وإنكارًا لمسير قريش حين ذكروا لهم.\nوقال السدي: ﴿يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ﴾ أي: بعد ما تبين لهم [أنك لا] [¬٣] تفعل إلا ما أمرك الله به.\nقال أبن جرير: وقال آخرون: عنى بذلك المشركين.\nحدثنا يونس، أنبأنا ابن وهب؛ قال: قال ابن زيد في قوله تعالى: ﴿يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾، قال: هؤلاء المشركون جادلوه في الحق، ﴿كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ﴾ حين يدعون إلى الإسلام ﴿وَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾ قال: وليس هذا من صفة الآخرين. هذه صفة مبتدأة لأهل الكفر.\nثم قال ابن جرير: ولا معنى لما قاله؛ لأن الذي قبل قوله: ﴿يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ﴾ خبر عن أهل الإِيمان، والذي يتلوه خبر عنهم، والصواب قول ابن عباس وابن إسحاق: إنه خبر عن المؤمنين.\nوهذا الذي نصره ابن جرير هو الحق، وهو الذي يدل عليه سياق الكلام. والله أعلم.\nوقال الإِمام أحمد ﵀ (^٣٣): حدثنا يحيى بن أبي بكير وعبد الرزاق؛ قالا: حدثنا\n_________\n(^٣٢) - إسناده ضعيف جدًّا، وهو عند الطبري برقم (١٣/ ١٥٧١٢).\n(^٣٣) - إسناده صحيح، وهو المسند ٢٠٢٢ - (١/ ٢٢٩) من رواية يحيى بن أبي بكير و٢٨٧٥ - (١/ ٣١٤) من رواية عبد الرزاق. ورواه الترمذى ٣٠٨٠ - (٥/ ٢٦٩) وقال: حديث حسن.\nورواه الحاكم =\n_________\n[¬١]- فى ز: \"فتعبوا\"، خ: \"فتعبئوا\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين فى ز: \"لما\".","vol":"7","page":21},{"text":"إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: قيل لرسول الله ﷺ حين فرغ من بدر، عليك بالعير ليس دونها شيء، فناداه العباس بن عبد المطلب - قال عبد الرزاق: وهو أسير في وثاقه - ثم اتفقا: أنه لا يصلح لك. قال: \"ولم؟ \" قال: لأن الله ﷿ إنما وعدك إحدى الطائفتين، وقد أعطاك ما وعدك.\nإسناد جيد، ولم يخرجوه [¬١].\nومعنى قوله تعالى: ﴿وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾ أي: يحبون أن الطائفة التي لا حَدَّ لها ولا منعة ولا قتال تكون لهم، وهي العير، ﴿وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ﴾ أي: هو يريد أن يجمع بينكم وبين الطائفة التي لها الشوكة والقتال؛ ليظفركم بهم وينصركم عليهم، ويظهر دينه، ويرفع كلمة الإِسلام، ويجعله غالبًا على الأديان، وهو أعلم بعواقب الأمور، وهو الذي يدبركم بحسن تدبيره، وإن كان العباد يحبون خلاف ذلك فيما يظهر لهم، كما قال: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ﴾.\nوقال محمد بن إسحاق ﵀ (^٣٤): حدثنى محمد بن مسلم الزهري، وعاصم بن عمر بن قتادة، وعبد الله بن أبي بكر، ويزيد بن رومان، عن عروة بن الزبير وغيرهم من علمائنا، عن عبد الله بن عباس - كل قد حدثني بعض هذا الحديث، فاجتمع حديثهم فيما سقت من حديث بدر - قالوا: لما سمع رسول الله، ﷺ، بأبي سفيان مقبلًا من الشام ندب المسلمين إليهم. وقال: \"هذه عِيرُ قريش فيها أموالهم فاخرجوا إليها [¬٢]؛ لعل الله أن ينفلكموها\"، فانتدب الناس فخف بعضهم وثقل بعضهم، وذلك أنهم لم يظنوا أن رسول الله، ﷺ، يلقى حربًا، وكان أبو سفيان قد استنفر حين دنا من الحجاز يتجسس الأخبار، ويسأل من لقي من الركبان، تخوفًا على أمر الناس، حتى أصاب خبرًا من بعض الركبان: أن محمدًا قد استنفر أصحابه لك ولعيرك، فَحَذِرَ عند ذلك فاستأجر ضمضم بن عمرو الغفاري، فبعثه إلى أهل [¬٣] مكة، وأمره أن يأتي قريشًا، فيستنفرهم إلى أموالهم، ويخبرهم أن محمدًا قد عرض لها في أصحابه، فخرج\n_________\n= (٢/ ٣٥٧ العلمية). ونسبه السيوطي في الدر المنثور (٣/ ١٦٩) للفريابي، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وأبي يعلى ٢٣٧٣ - (٤/ ٢٦١)، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني ١١٧٣٣ - (١١/ ٢٧٩)، وأبي الشيخ، وابن مروديه.\n(^٣٤) - رواه ابن جرير في تفسيره (١٣/ ١٥٧٢٠). وهو في السيرة لابن هشام (٢/ ٢٥٧، ٢٥٨ ثم ٢/ ٢٦٦، ٢٦٧) وتاريخ الطبري (٢/ ٢٧٠، ٢٧٣).\n_________\n[¬١]- في ت: \"يخرجه\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"إليه\".\n[¬٣]- سقط من: ز.","vol":"7","page":22},{"text":"ضمضم بن عمرو سريعًا إلى مكة، وخرج رسول الله ﷺ في أصحابه، حتى بلغ واديًا يقال له \"ذَفران\"، فخرج منه، حتى إذا كان ببعضه نزل، وأتاه الخبر عن قريش بمسيرهم ليمنعوا عيرهم، فاستشار رسول الله، ﷺ، الناس، وأخبرهم عن قريش، فقام أبو بكر ﵁ فقال فأحسن، ثم قام عمر ﵁ فقال فأحسن، ثم قام المقداد بن عمرو فقال: يا رسول الله، امض لما أمرك الله به؛ فنحن معك، والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا، إنا معكما [¬١] مقاتلون، فو الذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى \"برك الغماد\" - يعني مدينة الحبشة - لجالدنا معك من دونه، حتى تبلغه. فقال له رسول الله، صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، خيرًا، ودعا له بخير. ثم قال رسول الله ﷺ: \"أشيروا علي أيها الناس\"، وإنما يريد الأنصار، وذلك أنهم كانوا عدد الناس، وذلك أنهم [] [¬٢] حين بايعوه بالعقبة قالوا: يا رسول الله، إنا برآء من ذمامك حتى تصل إلى دارنا، فإذا وصلت إلينا فأنت في ذمامنا نمنعك مما نمنع منه أبناءنا ونساءنا. فكان رسول الله ﷺ يتخوف أن لا تكون الأنصار ترى عليها نصرته إلا ممن دهمه بالمدينة من عدوه، وأن ليس عليهم أن يسير بهم إلى عدو من بلادهم، فلما قال رسول الله ﷺ ذلك، قال له سعد بن معاذ: والله لكأنك تريدنا يا رسول الله؟ قال: \"أجل\". فقال: قد [¬٣] آمنا بك وصدقناك، وشهدنا أن ما جئت له هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، فامض يا رسول الله لما أردتَ، فوالذي بعثك بالحق، إن استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك، ما يتخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدًا، إنا لصُبُرٌ عند الحرب، صُدق عند اللقاء، ولعل الله يريك منا ما تقر به عينك، فَسِر بنا على بركة الله، فَسُرَّ رسول الله ﷺ بقول سعد، ونشَّطه ذلك، ثم قال: \"سيروا على بركة الله، وأبشروا، فإن الله قد [¬٤] وعدني إحدى الطائفتين، والله لكأني الآن أنظر إلى مصارع القوم\".\nوروى العوفي عن ابن عباس نحو هذا، وكذلك قال السدي وقتادة وعبد الرحمن بن زيد ابن أسلم وغير واحد من علماء السلف والخلف، اختصرنا أقوالهم اكتفاء بسياق محمد بن إسحاق.\n﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"معكم\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز: \"كانوا\".\n[¬٣]- في خ: \"فقد\".\n[¬٤]- سقط من: ت.","vol":"7","page":23},{"text":"مُرْدِفِينَ (٩) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (١٠)﴾\nقال الإِمام أحمد (^٣٥): حدثنا أبو نوح قراد، حدثنا عكرمة بن عمار، حدثنا سماك الحنفي أبو زُمَيل، حدثني ابن عباس، حدثني عمر بن الخطاب ﵁، قال: لما كان يوم بدر نظر النبي، ﷺ، إلى أصحابه، وهم ثلاثمائة ونيف، ونظر إلى المشركين فإذا هم ألف وزيادة، فاستقبل النبي، ﷺ، القبلة [ثم مَدَّ يديه] [¬١]، وعليه رداؤه وإزاره ثم قال: \" [اللهم، أين ما وعدتني] [¬٢]. اللهم، [أنجز لي ما وعدتني] [¬٣] اللهم؛ إن تهلك هذه العصابة من أهل الإِسلام فلا تعبد في الأرض أبدًا\". قال: فما زال يستغيث ربه ويدعوه حتى سقط رداؤه، فأتاه أبو بكر، فأخذ [رداءه فردَّاه] [¬٤]- ألبسه [¬٥]- ثم التزمه من ورائه، ثم قال: يا نبي الله؛ كفاك [¬٦] مناشدتك ربك، فإنه سينجز لك ما وعدك. فأنزل الله ﷿: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾. فلما كان يومئذ التقوا، فهزم الله المشركين، فقُتل منهم سبعون رجلًا، وأسر منهم سبعون رجلًا، واستشار رسول الله ﷺ أبا بكر وعمر وعليًّا، فقال أبو بكر:\nيا رسول الله، هؤلاء بنو العم [] [¬٧] والعشيرة والإِخوان، وإني أرى أن تأخذ منهم الفدية؛ فيكون ما أخذناه منهم قوة لنا على الكفار، وعسى أن يهديهم الله فيكونوا لنا عضدًا. فقال رسول الله ﷺ: \"ما ترى يا بن الخطاب\" قال: قلت: والله [¬٨] ما أرى ما رأى أبو بكر، ولكني أرى أن تمكنني من فلان - قريب لعمر - فأضربَ عنقه، وتمكن عليًّا من عقيل فيضرب عنقه، وتمكن حمزة من فلان - أخيه - فيضرب عنقه، حتى يعلم الله أن ليس هي قلوبنا هوادة للمشركين، هؤلاء صناديدهم وأئمتهم وقادتهم. فَهَوِي رسول الله ﷺ ما قال أبو بكر، ولم يهو ما قلت، وأخذ منهم الفداء. فلما كان من الغد - قال عمر: - فغدوت [¬٩] إلى النبي، صلى الله عليه\n_________\n(^٣٥) - رواه أحمد في المسند (١/ ٣٠) ومسلم برقم (١٧٦٣) وأبو داود برقم (٢٦٩٠) والترمذي برقم (٣٠٨١)، وابن جرير (١٣/ ١٥٧٣٤).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- مكررة في: ز.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٥]- سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- في ز: \"كذلك\".\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين في ز: \"والعم\".\n[¬٨]- سقط من: ز، خ.\n[¬٩]- في خ: \"فغدوا\".","vol":"7","page":24},{"text":"وسلم، وأبي [¬١] بكر وهما يبكيان، فقلت: يا رسول الله، ما [¬٢] يبكيك أنت وصاحبك؟ فإن وجدت بكاء بكيتُ، وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما. قال النبي ﷺ: \"الذي [¬٣] عرض على أصحابك [¬٤] مولى أخذهم الفداء، قد عرض عليّ عذابكم أدنى من هذه الشجرة\" لشجرة قريبة، وأنزل الله ﷿: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ﴾ من الفداء، ثم أحلَّ لهم الغنائم. فلما كان يوم أحد من العام المقبل، عوقبوا بما صنعوا يوم بدر، من أخذهم الفداء، فقتل منهم سبعون، وفر أصحاب النبي ﷺ عن النبي ﷺ، وكسرت رباعيته، وهُشمت البيضة على رأسه، وسال الدم على وجهه، فأنزل الله: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، بأخذكم الفداء.\nورواه مسلم وأبو داود والترمذي وابن جرير وابن مردويه من طرق، عن عكرمة بن عمار به. وصححه على بن المديني والترمذي، وقالا: لا يعرف إلا من حديث عكرمة بن عمار اليمامي [¬٥] \".\nوهكذا روى على بن أبي طلحة والعوفي، عن ابن عباس؛ أن هذه الآية الكريمة، قوله: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ﴾ أنها في دعاء النبي، ﷺ، وكذا قال يزيد بن تبيع والسدي وابن جريج.\nوقال أبو بكر بن عياش (^٣٦)، عن أبي حصين، عن أبي صالح، قال: لما كان يوم بدر جعل النبي، ﷺ، يناشد ربه أشد النِّشدَة، يدعو، فأتاه عمر بن الخطاب ﵁، فقال: يا رسول الله، بعض نِشْدَتك، فوالله ليفين الله لك بما وعدك.\nوقال البخاري (^٣٧) في \"كتاب المغازي\" باب قول الله تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ حدثنا أبو نعيم، حدثنا إسرائيل، عن مخارق، عن طارق [بن شهاب] [¬٦]؛ قال: سمعت ابن مسعود يقول: شهدت من المقداد بن الأسود مشهدًا؛ لأن أكون صاحبه أحب إليّ مما عُدل به، أتى النبي\n_________\n(^٣٦) - رواه ابن جرير في تفسيره (١٣/ ١٥٧٤١).\n(^٣٧) - صحيح البخاري برقم (٣٩٥٢).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"وأبو\".\n[¬٢]- في ز: \"ماذا\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"للذي\". والمثبت من المسند.\n[¬٤]- في خ: \"أصاحبك\".\n[¬٥]- في ت: \"اليماني\".\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.","vol":"7","page":25},{"text":"ﷺ وهو يدعو على المشركين فقال: لا نقول كما قال قوم موسى لموسى [¬١]: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا﴾، ولكن نقاتل عن يمينك، وعن شمالك، وبين يديك وخلفك، فرأيت النبي ﷺ أشرق وجهه وسره، [يعني: قوله] [¬٢].\nوحدثنا محمد بن عبد الله بن حَوشب (^٣٨)، حدثنا عبد الوهاب، حدثنا خالد الحذاء، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: قال النبي ﷺ يوم بدر: \"اللهم، أنشدك عهدك ووعدك. اللهم، إن شئت لم [¬٣] تُعْبَد\". فأخذ أبو بكر بيده، فقال: حسبك. فخرج وهو يقول: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾.\nورواه النسائي، عن بندار، عن عبد الوهاب بن [¬٤] عبد المجيد الثقفي.\nوقوله تعالى: ﴿بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ أي: يردف بعضهم بعضًا، كما قال هارون بن عنترة [¬٥]، عن ابن عباس: ﴿مُرْدِفِينَ﴾ متتابعين.\nويحتمل أن المراد ﴿مُرْدِفِينَ﴾ لكم، أي: نجدة لكم، كما قال العوفي عن ابن عباس: ﴿مُرْدِفِينَ﴾، يقول: المدد، كما تقول ايت [¬٦] الرجل فزده كذا وكذا.\nوهكذا قال مجاهد وابن كثير القارئ وابن زيد: ﴿مُرْدِفِينَ﴾: مُمدّين.\nوقال أبو كُدَينة، عن قابس [¬٧]، عن أبيه، عن ابن عباس ﴿مُمِدُّكُمْ [¬٨] بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾، قال: وراء كل مَلَكٍ ملك.\nوفي رواية بهذا الإِسناد: ﴿مُرْدِفِينَ﴾، قال: بعضهم على أثر بعض. وكذا قال أبو ظبيان والضحاك وقتادة.\nوقال ابن جرير (^٣٩): حدثني المثنى، حدثنا إسحاق، حدثنا يعقوب بن محمد الزهري،\n_________\n(^٣٨) - صحيح البخاري برقم (٣٩٥٣) وسنن النسائي الكبرى برقم (١١٥٥٧).\n(^٣٩) - رواه ابن جرير (١٣/ ١٥٧٥٦)، وعبد العزيز بن عمران قال البخاري: منكر الحديث، لا يكتب حديثه، وقال ابن أبي حاتم: منكر الحديث جدًّا. والزمعي: هو موسى بن يعقوب الزمعي: ثقة تكلم فيه. وأبو معاوية: هو عبد الرحمن بن معاوية بن الحويرث: ثقة، متكلم فيه حتى قالوا: لا يحتج به.\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- فى ز، خ: \"أن\".\n[¬٤]- في ز: \"عن\".\n[¬٥]- في ز، خ: \"هبيرة\".\n[¬٦]- في ز: \"أنت\".\n[¬٧]- فى ز، خ: \"قابوس\".\n[¬٨]- بعده في خ: \"ربكم\".","vol":"7","page":26},{"text":"حدثني عبد العزيز بن عمران [¬١]، عن الزمعي، عن أبي الحويرث، عن محمد بن جبير، عن علي ﵁ قال: نزل جبريل [في ألف] [¬٢] من الملائكة عن ميمنة النبي، ﷺ، [وفيها أبو بكر، ونزل ميكائيل في ألف من الملائكة عن ميسرة النبي، ﷺ] [¬٣]، وأنا في الميسرة.\nوهذا يقتضي - لو صح إسناده - أن الألف مردفة بمثلها؛ ولهذا قرأ بعضهم: ﴿مُرْدِفِينَ﴾ بفتح الدال، فالله أعلم.\nوالمشهور ما رواه على بن أبي طلحة، عن ابن عباس؛ قال: وأمد الله نبيه، ﷺ، والمؤمنين بألف من الملائكة، فكان جبريل في خمسمائة من الملائكة مُجَنِّبة، وميكائيل في خمسمائة مجنبة.\nوروى الإمام أبو جعفر بن جرير ومسلم (^٤٠)، من حديث عكرمة بن عمار، عن أبي زُمَيل سماك بن وليد الحنفي، عن ابن عباس، عن عمر الحديث المتقدم. ثم قال أبو زميل: حدثني ابن عباس قال: بينا رجل من المسلمين يشتد في أثر رجل من المشركين أمامه، إذ سمع ضربة بالسوط فوقه، وصوت الفارس [¬٤] [يقول: \"أقدم حيزوم\". إذ نظر إلى المشرك أمامه، فخر مستلقيًا، قال] [¬٥]: فنظر إليه، فإذا هو قد خطم أنفه [¬٦]، وشق وجهه كضربة السوط، فاخضر [¬٧] ذلك أجمع، فجاء الأنصاري، فحدث ذلك رسول الله ﷺ، فقال: \"صدقت، ذلك من مدد السماء الثالثة\"، فَقَتلوا يومئذ سبعين وأسروا سبعين.\nوقال البخاري (^٤١): \" باب شهود الملائكة بدرًا\": حدثنا إسحاق بن إبراهيم، حدثنا جرير، عن يحيى بن سعيد، عن معاذ بن رفاعة بن رافع الزرقي، عن أبيه - وكان أبوه من أهل بدر - قال: جاء جبريل إلى النبي، ﷺ، فقال: ما تعدون أهل بدر فيكم؟ قال: \"من أفضل المسلمين\" أو كلمة نحوها، قال: وكذلك من شهد بدرًا من الملائكة.\n_________\n(^٤٠) - ابن جرير (١٢/ ١٥٧٣٤) وهو عند مسلم في الجهاد والسير برقم (١٧٦٣).\n(^٤١) - صحيح البخاري، كتاب المغازي برقم (٣٩١٢).\n_________\n[¬١]- في ز: \"عهران\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز: \"بألف\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- سقط من: خ.\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- سقط من: خ.\n[¬٧]- في ز: \"فاحضر\".","vol":"7","page":27},{"text":"انفرد بإخراجه البخاري، وقد رواه الطبراني (^٤٢) في المعجم الكبير من حديث رافع بن خديج وهو خطأ، والصواب رواية البخاري، والله أعلم.\nوفي الصحيحبن (^٤٣) أن رسول الله، ﷺ، قال لعمر، لما شاوره في قتل حاطب بن أبي بلتعة: \"إنه قد شهد بدرًا، وما يدريك لعل الله قد [¬١] اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم\".\nقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾. أي: وما جعل الله بعث الملائكة وإعلامه إياكم بهم إلا بشرى، ﴿وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ﴾، وإلا فهو تعالى قادر على نصركم على أعدائكم، بدون ذلك؛ ولهذا قال ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾، كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا [¬٢] لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ (٤) سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ (٥) وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾، وقال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ [¬٣] [] [¬٤] الظَّالِمِينَ (١٤٠) وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾.\nفهذه حكمٌ شَرَع الله جهاد الكفار بأيدي المؤمنين لأجلها، وقد كان تعالى إنما يعاقب الأمم السالفة المكذبة للأنبياء بالقوارع التي تعم تلك الأمة المكذبة، كما أهلك قوم نوح بالطوفان، وعادًا الأولى بالدّبُور، وثمود بالصيحة، وقوم لوط بالخسف والقلب وحجارة السجيل [¬٥]، وقوم شعيب بيوم الظلة، فلما بعث الله تعالى موسى، وأهلك عدوه فرعون وقومه بالغرق في اليم، ثم أنزل على موسى التوراة، شرع فيها قتال الكفار، واستمر الحكم في بقية الشرائع بعده على ذلك، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى بَصَائِرَ﴾، وقتل المؤمنين للكافرين أشد إهانة [¬٦] للكافرين، وأشفى لصدور المؤمنين، كما قال تعالى للمؤمنين من هذه الأمة: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾.\n_________\n(^٤٢) - المعجم الكبير رقم ٤٤١٢ - (٤/ ٢٧٧).\n(^٤٣) - البخاري في الجهاد والسير، باب: الجاسوس، برقم (٣٠٠٧)، ومسلم في فضائل الصحابة، برقم (٢٤٩٤).\n_________\n[¬١]- سقط من: ت.\n[¬٢]- في ز: \"وإذا\".\n[¬٣]- في ز: \"يهدي\".\n[¬٤]- في ز، خ: \"القوم\".\n[¬٥]- في ز: \"السجين\".\n[¬٦]- في ز: \"أهنة\".","vol":"7","page":28},{"text":"ولهذا كان قتل صناديد قريش بأيدي أعدائهم الذين ينظرون إليهم بأعين ازدرائهم أنكى لهم وأشفى لصدور حزب الأِيمان، فَقَتْلُ [¬١] أبي جهل في معركة القتال وحومة الوغى أشد إهانة [¬٢] له من أن يموت على فراشه بقارعة أو صاعقة أو نحو ذلك، كما مات أبو لهب - لعنه الله - بالعَدَسة (^٤٤)، بحيث لم يقربه أحد من أقاربه، وإنما غسلوه بالماء قذفًا من بعيد، ورجموه حتى دفنوه، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ أي: له العزة ولرسوله وللمؤمنين بهما في الدنيا والآخرة، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (٥١)﴾ [غافر: ٥١]. ﴿حَكِيمٌ﴾ فيما شرعه من قتال الكفار، مع القدرة على دمارهم وإهلاكهم بحوله وقوته، ﷾.\n﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ (١١) إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ (١٢) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (١٣) ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ (١٤)﴾\nيذكرهم الله تعالى بما أنعم به عليهم من إلقائه النعاس عليهم، أمانًا من خوفهم الذي حصل لهم من كثرة عدوهم وقلة عددهم، وكذلك فعل تعالى بهم يوم أحد، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾. قال أبو طلحة: كنت ممن أصابه النعاس يوم أحد، ولقد سقط السيف من يدي مرارًا يسقط وآخذه، ويسقط وآخذه، ولقد نظرت إليهم يميدون وهم تحت الحجف.\nوقال الحافظ أبو يعلى (^٤٥): حدثنا زهير، حدثنا ابن مهدي، عن شعبة، عن أبي\n_________\n(^٤٤) - قال ابن الأثير في النهاية (٣/ ١٩٠) في حديث أبي رافع: \"أن أبا لهب رماه الله بالعدسة\" وهي بثرة تشبه العدسة تخرج في مواضع من الجسد، من جنس الطاعون، تقتل صاحبها غالبًا\".\n(^٤٥) - إسناده صحيح، وهو في مسند أبي يعلى ٢٨٠ - (١/ ٢٤٢) ورواه أحمد في مسنده (١/ ١٢٥) من طريق عبد الرحمن بن مهدي، بهذا الإسناد، ورواه ابن حبان في صحيحه من طريق ابن خزيمة برقم (١٦٩٠ موارد).\n_________\n[¬١]- في خ: \"كقتل\".\n[¬٢]- في ز: \"أهنة\".","vol":"7","page":29},{"text":"إسحاق، عن حارثة بن [¬١] مضرب، عن علي ﵁، قال: ما كان فينا فارس يوم بدر غير المقداد، ولقد رأيتنا وما فينا إلا نائم إلا رسول الله ﷺ يصلي تحت شجرة، ويبكي حتى أصبح.\nوقال سفيان الثوري، عن عاصم، عن أبي رزين، عن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه قال: النعاس في القتال أمنة من الله، وفي الصلاة من الشيطان.\nوقال قتادة: النعاس في الرأس، والنوم في القلب.\nقلت: أما النعاس فقد أصابهم يوم أحد، وأمر ذلك مشهور جدًا، وأما يوم بدر فهذه الآية الشريفة إنما هي في سياق قصة بدر، وهي دالة على وقوع ذلك أيضًا، وكأن ذلك كان سجية للمؤمنين عند شدة البأس؛ لتكون [¬٢] قلوبهم آمنة مطمئنة بنصر الله، وهذا من فضل الله ورحمته بهم ونِعَمِه عليهم، وكما قال تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾، ولهذا جاء [¬٣] في الصحيح أن رسول الله، ﷺ، لما كان يوم بدر في العريش مع الصديق ﵁، وهما يدعوان، أخذت رسول الله ﷺ سِنَة من النوم، ثم استيقظ متبسمًا، فقال: \"أبشر يما أبي بكر، هذا جبرِيل على ثناياه النَّقْعُ\". ثم خرج من باب العريش وهو يتلو قوله تعالى: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (٤٥)﴾ [القمر: ٤٥].\nوقوله: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾، قال على بن أبي طلحة، عن ابن عباس؛ قال: نزل النبي ﷺ يعني: حين [¬٤] سار إلى بدر - والمسلمون [¬٥] بينهم وبين الماء رملة دعْصَة، فأصاب المسلمين ضعف شديد، وألقى الشيطان في قلوبهم الغيظ، يوسوس بينهم: تزعمون أنكم أولياء الله تعالى وفيكم رسوله، وقد غلبكم المشركون على الماء، وأنتم تصلون مُجْنبين؛ فأمطر الله عليهم مطرًا شديدًا، فشرب المسلمون وتطهروا، وأذهب الله عنهم رجز الشيطان، وأنشف الرمل حين أصابه المطر ومشى الناس عليه والدواب، فساروا إلى القوم، وأمد الله نبيه ﷺ والمؤمنين بألف من الملائكة؛ فكان جبريل في خمسمائة مجنبة، وميكائيل في خمسمائة مجنبة.\nوكذا قال العوفي عن ابن عباس: إن المشركين من قريش لما خرجوا لينصروا العير وليقاتلوا عنها، نزلوا على الماء يوم بدر فغلبوا المؤمنين عليه؛ فأصاب المؤمنين الظمأ، فجعلوا يصلون\n_________\n[¬١]- في ز: \"عن\".\n[¬٢]- في ز: \"تكون\".\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- سقط من: ز.\n[¬٥]- في ز، خ: \"والمشركون\".","vol":"7","page":30},{"text":"مجنبين محدثين، حتى تعاطوا ذلك في صدورهم، فأنزل الله من السماء ماء، حتى سال الوادي، فشرب المؤمنون، وملئوا الأسقية، وسقوا الركاب، واغتسلوا من الجنابة، فجعل الله في ذلك طهورًا، وثبت الأقدام، وذلك أنه كانت بينهم وبين القوم رملة، فبعث الله المطر عليها فضربها حتى اشتدت، وثبتت [¬١] عليها الأقدام.\nونحو ذلك رُوي عن قتادة والضحاك والسدي.\nوقد رُوي عن سعيد بن المسيب والشعبي والزهري وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم أنه طَش أصابهم يوم بدر.\nوالمعروف أن رسول الله، ﷺ، لما سار إلى بدر، نزل على أدنى ماء هناك، أي: أول ماء وجده فتقدم إليه الحباب بن المنذر، فقال: يا رسول الله، هذا المنزل الذي نزلته منزل أنزلكه الله؛ فليس لنا أن نجاوزه، أو منزل نزلته للحرب والمكيدة؟ فقال: \"بل منزل نزلته للحرب والمكيدة\". فقال: يا رسول الله، إن هذا ليس بمنزل، ولكن سِرْ بنا حتى ننزل على أدنى ماء يلي القوم، ونُغَوِّر ما وراءه [¬٢] من القُلُب، ونستقي الحياض، فيكون لنا ماء وليس لهم ماء، فسار رسول الله ﷺ ففعل كذلك.\nوفي مغازي \"الأموي\" (^٤٦) أن الحباب لما قال ذلك، نزل ملك من السماء، وجبريل جالس عند رسول الله ﷺ فقال ذلك الملك: يا محمَّد؛ إن ربك يقرئك [¬٣] السلام، ويقول لك: إن الرأي ما أشار به \"الحباب بن المنذر\"، فالتفت رسول الله، ﷺ، إلى جبريل ﵇ فقال: \"هل تعرف هذا؟ \" فنظر إليه فقال: ما كل الملائكة أعرفهم؛ لأنّه ملك وليس بشيطان.\nوأحسن ما في هذا ما رواه الإِمام محمَّد بن إسحاق بن يسار صاحب \"المغازي\" ﵀ (^٤٧) - حدثني يزيد بن رُومان، عن عروة بن الزبير؛ قال: بعث الله السماء، وكان الوادي دَهْسًا، فأصاب رسول الله، ﷺ، وأصحابه ما لبَّد لهم الأرض، ولم يمنعهم من المسير، وأصاب قريشا ما لم يقدروا على أن يرتحلوا معه.\n_________\n(^٤٦) - ورواه الواقدي في المغازي (١/ ٥٤) إلى هذا الموضع. فقال: \"حدثني ابن أبي حبيبة، عن رواد بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: نزل جبريل .. فذكره\".\n(^٤٧) - السيرة النبوية لابن هشام (١/ ٦٢٠).\n_________\n[¬١]- في ز: \"وثبت\".\n[¬٢]- في ز: \"وراءنا\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"يقرأ عليك\".","vol":"7","page":31},{"text":"وقال مجاهد: أنزل الله عليهم المطر قبل النعاس؛ فأطفأ بالمطر الغبار، وتلبدت به الأرض، وطابت نفوسهم وثبتت به أقدامهم.\nوقال ابن جرير (^٤٨): حدثنا هارون بن إسحاق، حدثنا مصعب بن المقدام، حدثنا إسرائيل، حدثنا أبو إسحاق، عن حارثة [¬١]، عن علي ﵁ قال: أصابنا من الليل طَشَّ من المطر - يعني الليلة التي كانت في صبيحتها وقعة بدر - فانطلقنا تحت الشجر والحجف، نستظل تحتها من المطر، وبات رسول الله، ﷺ، [يدعو ربه: \"اللهم، إن تهلك هذه العصابة لا تُعبد في الأرض\". فلما أن طلع الفجر نادى: \"الصلاة، عباد الله! \" فجاء الناس من تحت الشجر والحجف، فصلى بنا رسول الله ﷺ] [¬٢]، وحرض على القتال.\nوقوله: ﴿لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ أي: من حدث أصغر أو أكبر، وهو تطهر الظاهر [¬٣]، ﴿وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ﴾ أي: من وسوسة أو خاطر سيئ وهو تطهير الباطن، كما قال تعالى في حق أهل الجنة: ﴿عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ﴾ فهذا زينة الظاهر [¬٤]، ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ أي: مطهرًا لما كان من غل أو حسد أو تباغض، وهو زينة الباطن وطهارته.\n﴿وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ﴾ أي: بالصبر والإِقدام على مجالدة الأعداء، وهو شجاعة الباطن. ﴿وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ﴾ وهو شجاعة الظاهر، والله أعلم.\nوقوله: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وهذه نعمة خفية أظهرها الله تعالى لهم ليشكروه عليها، وهو أنّه - تعالى وتقدّس وتبارك وتمجد - أوحى [¬٥] إلى الملائكة الذين أنزلهم لنصر نبيه ودينه وحزبه المؤمنين، يوحي إليهم فيما بينه وبينهم أن يثبتوا الذين آمنوا.\nقال ابن إسحاق: وازرُوهم. وقال غيره: قاتلوا معهم. وقيل: كثَّروا سَوَادهم. وقيل: كان ذلك بأن الملَك كان يأتي الرجل من أصحاب النبي ﵌، يقول: سمعت هؤلاء القوم يعني المشركين يقولون: والله لئن حملوا علينا لننكشفن، فيحدِّث المسلمون بعضهم بعضًا بذلك؛ فتقوى أنفسهم. حكاه ابن جرير، وهذا لفظه بحروفه.\n_________\n(^٤٨) - رواه ابن جرير (١٣/ ١٥٧٦٤).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"جارية\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في ز: \"الطاهر\".\n[¬٤]- في ز: \"الطاهر\".\n[¬٥]- سقط من: ز.","vol":"7","page":32},{"text":"وقوله: ﴿سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ أي: ثبتوا أنتم المؤمنين [¬١]، وقووا أنفسهم على أعدائهم، عن أمري لكم بذلك، سألقي الرعب والمذلة والصغار على من خالف أمري، وكذب رسولي؛ ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ أي: اضربوا الهام ففلقوها، واحتزوا الرقاب فقطعوها، وقطعوا الأطراف منهم، وهي أيديهم وأرجلهم.\nوقد اختلف المفسرون في معنى: ﴿فَوْقَ الْأَعْنَاقِ﴾ فقيل: معناه اضربوا الرءوس. قاله عكرمة.\nوقيل: معناه ﴿فَوْقَ الْأَعْنَاقِ﴾ أي على الأعناق، وهي الرقاب. قاله الضحاك وعطية العوفي.\nويشهد لهذا المعنى أن الله تعالى أرشد المؤمنين إلى هذا في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ﴾.\nوقال وكيع (^٤٩)، عن المسعودى، عن القاسم، قال: قال النبي ﷺ: \"إني لم أبعث لأعذب بعذاب الله، إنما بعثت بضرب الرقاب، [وشد الوثاق] [¬٢] \".\nواختار ابن جرير أنها [] [¬٣] تدل على ضرب الرقاب وفلق الهام.\nقلت: وفي مغازي الأموي أن رسول الله، ﷺ، جعل يمر بين القتلى يوم بدر، فيقول: \"نُفَلِّقُ [¬٤] هامًا … \".\nفيقول أبو بكر:\n… من رجال أعزة … علينا وهم كانوا أعق وأظلما (^٥٠)\nفيبتدئ رسول الله ﷺ بأول البيت، ويستطعم أبا بكر ﵁ إنشاد آخره؛ لأنه كان لا يحسن إنشاد الشعر، كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾.\n_________\n(^٤٩) - إسناده ضعيف لإرساله، ورواه ابن جرير في تفسيره (١٣/ ١٥٧٨٤) وابن أبي شيبة في المصنف (١٢/ ٣٩٠) من طريق وكيع بهذا الإسناد.\n(^٥٠) - البيت للحصين بن الهمام المري، وهو في \"الشعر والشعراء\" لابن قتيبة (٢/ ٦٤٨).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"المسلمين\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في ز: \"قد\".\n[¬٤]- في ز: \"يفلق\".","vol":"7","page":33},{"text":"وقال الربيع بن أنس: كان الناس يوم بدر يعرفون قتلى الملائكة ممن قتلوهم [¬١]، بضرب فوق الأعناق وعلى البنان، مثل سمة النار قد أحرق به.\nوقوله: ﴿وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ قال ابن جرير: معناه: واضربوا من عدوكم أيها المؤمنون كل طرف ومَفصل، من أطراف أيديهم وأرجلهم، والبنان: جمع بنانة، كما قال الشاعر (^٥١):\nألا ليتني قطعْتُ مني بنانة … ولاقيته [¬٢] في البيت يقظان حاذرًا [¬٣]\nوقال على بن أبي طلحة (^٥٢)، عن ابن عباس: ﴿وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ يعني بالبنان الأطراف. وكذا قال الضحاك وابن جريج.\nوقال السدي: البنان الأطراف، ويقال: كل مفْصَل.\nوقال عكرمة وعطية العوفي والضحاك في رواية أخرى: كل مفصل.\nوقال الأوزاعي في قوله تعالى: ﴿وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ قال: اضرب منه الوجه والعين، وارمه بشهاب من نار، فإذا أخذته حرم ذلك كله عليك.\nوقال العوفي، عن ابن عباس، فذكر قصة بدر إلى أن قال: فقال أبو جهل: لا تقتلوهم قتلًا، ولكن خذوهم أخذًا، حتى تعرفوهم الذي صنعوا من طعنهم [¬٤] في دينكم، ورغبتهم عن اللات والعزم. فأوحى الله إلى الملائكة: ﴿أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾، فقتل أبو جهل (لعنه الله) في تسعة وستين رجلًا، وأسر عقبة بن أبي معيط فقتل صبرًا، فوفى ذلك سبعين، يعني: قتيلًا.\nولهذا قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾: خالفوهما فساروا في شق، وتركوا الشرع والإيمان به واتباعه في شق، وهو مأخوذ أيضًا من شق العصا، وهو جعلها فرقتين، ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ أي: هو الطالب الغالب لمن خالفه وناوأه، لا يفوته شيء، ولا يقوم لغضبه شيء، ﵎ لا إله\n_________\n(^٥١) هو العباس بن مرداس السلمي، والبيت في تفسير ابن جرير (١٣/ ٤٣١)، ولسان العرب مادة (بنن).\n(^٥٢) - رواه ابن جرير (١٣/ ١٥٧٩٢).\n_________\n[¬١]- في ز: \"قتلواهم\".\n[¬٢]- في ز: \"لافيته\".\n[¬٣]- في ز: \"جادرًا\".\n[¬٤]- في ز: \"طغيهم\".","vol":"7","page":34},{"text":"[غيره، ولا رب] [¬١] سواه.\n﴿ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ﴾ هذا خطاب للكفار، أي: ذوقوا هذا العذاب والنكال في الدنيا، واعلموا أيضًا أن للكافرين عذاب النار في الآخرة.\n﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ (١٥) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦)﴾\nيقول تعالى متوعدًا على الفرار من الزحف بالنار لمن فعل ذلك: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا﴾ أي: تقاربتم منهم ودنوتم منهم [¬٢]. ﴿فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ﴾ أي: تفروا وتتركوا أصحابكم. ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ﴾ أي: يفر بين يدي قرنه مكيدة، ليريه أنه قد [¬٣] خاف منه فيتبعه، ثم يكر عليه فيقتله، فلا بأس عليه في ذلك، نص عليه سعيد بن جبير والسدي.\nوقال الضحاك: أن يتقدم عن أصحابه ليرى غرة من العدّو فيصيبها.\n﴿أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ﴾ أي: ذر من هاهنا إلى فئة أخرى من المسلمين؛ يعاونهم ويعاونوه، فيجوز له ذلك حتى لو [¬٤] كان في سرية، ففر إلى أميره أو إلى الإِمام الأعظم، دخل في هذه الرخصة.\nقال الإِمام أحمد (^٥٣): حدثنا حسن، حدثنا زهير، حدثنا يزيد بن أبي زياد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن عبد الله بن عمر ﵄، قال: كنت في سرية من سرايا رسول الله، ﷺ، فحاص الناس حيصة، وكنت فيمن حاص [¬٥]، فقلنا كيف نصنع وقد فررنا من الزحف وبؤنا بالغضب [¬٦]؟ ثم قلنا: لو دخلنا المدينة فبتنا، ثم قلنا: لو عرضنا أنفسنا على رسول الله، ﷺ، فإن كانت لنا توبة وإلا ذهبنا، فأتيناه قبل صلاة الغداة، فخرج فقال: \"من القوم؟ \" فقلنا: نحن\n_________\n(^٥٣) - إسناده ضعيف، يزيد بن أبي زياد تكلم فيه غير واحد من الأئمة، وهو في المسند ٥٣٨٤ - (٢/ ٧٠) وسنن أبي داود برقم (٢٦٤٧) وسنن الترمذي برقم (١٧١٦) وسن ابن ماجة برقم (٣٧٠٤).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في م: \"إليهم\".\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- في ز: \"ولو\".\n[¬٥]- سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- في ز، خ: \"بغضب\".","vol":"7","page":35},{"text":"الِفرارون. فقال: \"لا، بل أنتم العكارون (*)، أنا فيكم، وأنا فئة المسلمين\". قال: فأتيناه حتى قبلنا يده، وهكذا رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه من طرق: عن يزيد بن أبي زياد، وقال الترمذي: حسن لا نعرفه إلا من [حديث ابن أبي زياد] [¬١].\nورواه ابن أبي حاتم من حديث يزيد بن أبي زياد به، وزاد في آخره: وقرأ رسول الله، ﷺ، هذه الآية: ﴿أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ﴾.\nقال أهل العلم: معنى قوله: \"العكارون\" أي: العطافون، وكذلك قال عمر بن الخطاب: ﵁[في أبي عبيدة] [¬٢]، لما قتل على الجسر [¬٣] بأرض فارس، لكثرة الجيش من ناحية المجوس، فقال عمر: لو انحاز إليّ كنت له فئة. هكذا رواه محمَّد ابن سيرين، عن عمر (^٥٤).\nوفي رواية أبي عثمان النهدي، عن عمر قال: لما قتل أبو عبيدة [¬٤]، قال عمر: أيها الناس، أنا فئتكم (^٥٥).\nوقال مجاهد: قال عمر: أنا فئة كل مسلم.\nوقال عبد الملك بن عمير، عن عمر: أيها الناس، لا تغرنكم هذه الآية، فإنما كانت يوم بدر، وأنا [¬٥] فئة كل [¬٦] مسلم.\nوقال ابن أبي حاتم (^٥٦): حدثنا أبي، حدثنا حسان بن عبد الله المصري، حدثنا خلاد ابن سليمان الحضرمي، حدثنا نافع أنه سأل ابن عمر، قلت: إنا قوم لا نثبت عند قتال عدونا، ولا ندري من الفئة: إمامنا أو عسكرنا؟ فقال: إن الفئة رسول الله صلى الله عليه\n_________\n(*) العكارون: أي الكرارون إلى الحرب، والعطافون نحوها، يقال للرجل يولي عن الحرب ثم يكر راجعًا إليها: عكر، واعتكر، وعكرت عليه إذا حملت. النهاية ٣/ ٢٨٣)\nوحاص المسلمون حيصة: أي جالوا جولة يطلبون الفرار، والمحيص: المهرب، والمحيد، ويروى بالجيم، والضاد المعجمة (النهاية ١/ ٤٦٨).\n(^٥٤) رواه ابن جرير في تفسيره (١٣/ ١٥٨١٤).\n(^٥٥) - رواه ابن جرير (١٣/ ١٥٨١٤).\n(^٥٦) - رواه ابن أبي حاتم (٥/ ٨٨٩٧)\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"حديثه\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"عن أبي عبيد\".\n[¬٣]- في ز: \"الحر\".\n[¬٤]- في خ: \"عبيد\".\n[¬٥]- في ز، خ: \"أنه\".\n[¬٦]- في ز: \"لكل\".","vol":"7","page":36},{"text":"وسلم. فقلت: إن الله يقول: ﴿إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ﴾. فقال: إنما نزلت هذه الآية في يوم بدر، لا قبلها ولا بعدها.\nوقال الضحاك في قوله: ﴿أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ﴾ المتحيز الفار إلى النبي وأصحابه، وكذلك من فر اليوم إلى أميره أو أصحابه.\nفأما إن كان الفرار لا عن سبب من هذه الأسباب؛ فإنه حرام وكبيرة من الكبائر، لما رواه البخاري ومسلم في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال (^٥٧): قال رسول الله ﷺ: \"اجتنبوا السبع الموبقات\" قيل: يا رسول الله، وما هن؟ قال: \"الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات\".\n[ولهذا الحديث] [¬١] شواهد من وجوه أخر، ولهذا قال تعالى: ﴿فَقَدْ بَاءَ﴾ أي: رجع ﴿بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ﴾ أي: مصيره ومنقلبه يوم ميعاده [] [¬٢] ﴿جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾.\nوقال الإمام أحمد (^٥٨): حدثنا زكريا بن عدي، حدثنا عبيد الله بن عمرو الرقي، عن زيد بن أبي أنيسة، حدثنا جبلة بن سحيم، عن أبي المثنى العبدي، سمعت السدوسي - يعني ابن الخصاصية [¬٣]- وهو بشير بن معبد - قال: أتيت، النبي ﷺ، لأبايعه؛ فاشترط عليَّ شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن أقيم الصلاة، وأن أؤدي الزكاة، وأن أحج حجة الإِسلام، وأن أصوم شهر رمضان، وأن أجاهد في سبيل الله. فقلت يا رسول الله، أما اثنتَان [¬٤] فوالله لا أطيقهما؛ الجهاد: فإنهم زعموا أنه [¬٥] من ولى الدبر، فقد جاء بغضب من الله، فأخاف إن حضرت ذلك خشعت نفسي وكرهت الموت. والصدقة: فوالله مالي إلا غنيمة وعشر ذَوْد هن رَسَل أهلي\n_________\n(^٥٧) - صحيح البخاري في الوصايا برقم (٢٧٦٦)، وصحيح مسلم في الإيمان برقم (٨٩).\n(^٥٨) - المسند برقم ٢٢٠٤٧ - (٥/ ٢٢٤). ورواه الطبراني في الكبير (٢/ ٤٤، ٤٥ رقم ١٢٣٣، ١٢٣٤)، وفي الأوسط كما في مجمع البحرين (١/ ٨٤ رقم ٤٠) من طرقي عن عبيد الله بن عمرو به. وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ٤٢) وقال: رواه أحمد، والطبراني في الكبير، والأوسط، واللفظ للطبراني، ورجال أحمد موثقون.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ت: \"وله\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في خ، ز: \"مأواه\".\n[¬٣]- في ز: \"الحضاضية\".\n[¬٤]- في خ: \"اثنتين\".\n[¬٥]- في ت: \"أن\".","vol":"7","page":37},{"text":"وحمولتهم. فقبض رسول الله ﷺ يده، ثم حرك يده، ثم قال: \"فلا [¬١] جهاد ولا صدقة، فبم تدخل الجنة إذًا؟ \" فقلت [¬٢]: يا رسول الله، أنا [¬٣] أبايعك. فبايعته عليهن كلهن.\nهذا حديث غريب من هذا الوجه، ولم يخرجوه في الكتب الستة.\nوقال الحافظ أبو القاسم الطبراني (^٥٩): حدثنا أحمد بن محمَّد بن يحيى بن حمزة، حدثنا إسحاق بن إبراهيم أبو النضر، حدثنا يزيد بن ربيعة، حدثنا أبو الأشعث، عن ثوبان، عن النبي، ﷺ، قال: \"ثلاثة لا ينفع معهن عمل: الشرك بالله، وعقوق الوالدين، والفرار من الزحف\".\nوهذا أيضًا حديث غريب جدًا.\nوقال الطبراني أيضًا (^٦٠): حدثنا العباس بن الفضل [¬٤] الأسفاطي، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حفص بن عمر الشني [¬٥]، حدثني عمرو بن مرة، قال: سمعت بلال بن يسار بن زيد مولى رسول الله، ﷺ، قال: سمعت أبي يحدث عن جدي، قال: قال رسول الله ﷺ: \"من قال: أستغفر الله الذي لا إله إلا هو وأتوب إليه، غفر له وإن كان قد فر من الزحف\".\nوهكذا رواه أبو داود عن موسى بن إسماعيل به. [وأخرجه الترمذي عن البخاري، عن موسى بن إسماعيل به] [¬٦]. وقال: غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه.\n_________\n(^٥٩) - إسناده ضعيف، وهو في المعجم الكبير (٢/ ٩٥)، وقال الهيثمي في المجمع (١/ ١٠٤): \"فيه يزيد ابن ربيعة ضعيف\". وأحمد بن محمَّد بن يحيى: ضعفه ابن حبان.\n(^٦٠) - المعجم الكبير ٤٦٧٠ - (٥/ ٨٩)، وهو في سنن أبي داود، في الصلاة، باب: الاستغفار، برقم (١٥١٧)، وسنن الترمذي في الدعوات برقم (٣٥٧٧). وقال المنذري: وإسناده جيد متصل، فقد ذكر البخاري في تاريخه الكبير أن بلالًا سمع من أبيه يسار، وأن يسار سمع من أبيه زيد مولى رسول الله، ﷺ، وقد اختلف في يسار والد بلال هل هو بالباء الموحدة أو بالياء المثناة تحت.\nورواه الحاكم من حديث ابن مسعود وقال: صحيح على شرطهما؛ إلا أنه قالها ثلاثًا. ورواه الطبراني في الصغير (٢/ ٩١) من حديث على بن حميد، عن عمرو بن فرقد، عن عبد الله بن المختار، عن أبي إسحاق، عن البراء بن عازب، وقال: لم يروه عن أبي إسحاق إلا عبد الله بن المختار البصري، ولا عن عبد الله إلا عمرو بن فرقد، تفرد به على بن حميد، ورواه في الكبير من حديث ابن مسعود.\n_________\n[¬١]- في ت: \"لا\".\n[¬٢]- في ت: \"قلت\".\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- في ز: \"المفضل\".\n[¬٥]- في ز، خ: \"السني\".\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"7","page":38},{"text":"قلت: ولا يعرف لزيد مولى النبي ﷺ عنه سواه.\nوقد ذهب ذاهبون إلى أن الفرار إنما كان حرامًا على الصحابة؛ لأنه [يعني الجهاد] [¬١] كان فرض عين عليهم، وقيل: على الأنصار خاصة؛ لأنهم بايعوا على السمع والطاعة في المنشط والمكره. وقيل: المراد بهذه الآية أهل بدر خاصة، يروى هذا عن عمر، وابن عمر، وابن عباس، وأبي هريرة، وأبي سعيد، وأبى نضرة، ونافع مولى ابن عمر، وسعيد ابن جبير، والحسن البصري، وعكرمة، وقتادة، والضحاك وغيرهم.\nوحجتهم في هذا: أنه لم تكن عصابة لها شوكة يفيئون إليها سوى [¬٢] عصابتهم تلك، كما قال النبي ﷺ: \"اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تُعبد في الأرض (^٦١). ولهذا قال عبد الله بن المبارك (^٦٢)، عن مبارك بن فضالة، عن الحسن في قوله: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ قال: ذلك يوم بدر، فأما اليوم فإن انحاز إلى فئة أو مصر - أحسبه قال: فلا بأس عليه.\nوقال ابن المبارك أيضًا (^٦٣)، عن ابن لهيعة، حدثني يزيد بن أبي حبيب قال: أوجب الله تعالى لمن فر يوم بدر النار، قال: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾، فلما كان يوم أحد بعد ذلك، قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا﴾ إلى قوله: ﴿وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ﴾، ثم كان يوم حنين بعد ذلك بسبع سنين، قال: ﴿ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ * ﴿ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾.\nوفي سنن أبي داود، والنسائي، ومستدرك الحاكم، وتفسير ابن جرير، وابن مردويه من حديث داود بن أبي هند، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد (^٦٤) أنه قال في هذه الآية: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ إنما أنزلت في أهل بدر.\nوهذا كله لا ينفي أن يكون الفرار من الزحف حرامًا على غير أهل بدر؛ وإن كان [¬٣]\n_________\n(^٦١) - رواه مسلم في الجهاد والسير، برقم (١٧٦٣)، والترمذي فى التفسير، سورة الأنفال برقم (٣٠٨١)، وأحمد برقم (٢٢١) من حديث عمر.\n(^٦٢) - رواه الطبري (١٣/ ١٥٨٠٩).\n(^٦٣) - رواه ابن جرير برقم (١٣/ ١٥٨١١).\n(^٦٤) - رواه أبو داود في الجهاد، باب: التولي يوم الزحف، برقم (٢٦٤٨)، والنسائي في الكبرى برقم (١١٢٠٣)، والحاكم في المستدرك (٢/ ٣٢٧)، وابن جرير (١٣/ ١٥٨٠٠).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ\n[¬٢]- في ت: \"إلا\".\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.","vol":"7","page":39},{"text":"سبب [نزول الآية] [¬١] فيهم، كما دل عليه حديث أبي هريرة المتقدم، من أن الفرار من الزحف من الموبقات، كما هو مذهب الجماهير، والله أعلم.\n﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٧) ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ (١٨)﴾\nيبين تعالى أنه خالق أفعال العباد، وأنه المحمود على جميع ما صدر عنهم من خير؛ لأنه هو الذي وفقهم لذلك، وأعانهم عليه [¬٢]، ولهذا قال: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ﴾ أي: ليس بحولكم وقوتكم قتلتم أعداءكم، مع كثرة عددهم وقلة عددكم، أي [¬٣]: بل هو الذي أظفركم عليهم، كما قال: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. وقال تعالى: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾، يعلم ﵎ أن النصر ليس عن [¬٤] كثرة العدد، ولا بلبس اللأمة والعدد، وإنما النصر من [عند الله] [¬٥] تعالى، كما قال تعالى: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾.\nثم قال تعالى لنبيه ﷺ أيضًا: في شأن القبضة من التراب، التي حصب بها وجوه المشركين [¬٦] يوم بدر، حين خرج من العريش، بعد دعائه وتضرعه واستكانته، فرماهم بها، وقال: \"شاهت الوجوه\"، ثم أمر أصحابه أن يصدقوا الحملة إثرها ففعلوا، فأوصل الله تلك الحصباء إلى أعين المشركين، فلم يبق أحد منهم إلا ناله منها ما شغله عن حاله، ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ أي: هو الذي بلغ ذلك إليهم وكبتهم بها لا أنت.\nقال على بن أبي طلحة (^٦٥)، عن ابن عباس: رفع رسول الله، ﷺ، يديه - يعني يوم بدر - فقال: \"يارب، إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد في الأرض أبدًا\". فقال له جبريل: خذ قبضة من التراب، فارم بها في وجوههم، [فأخذ قبضة من\n_________\n(^٦٥) - رواه ابن جرير برقم (١٣/ ١٥٨٢٧).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ز: \"النزول\".\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- في خ: \"على\".\n[¬٥]- في خ: \"عنده\".\n[¬٦]- في ت: \"الكافر\".","vol":"7","page":40},{"text":"التراب، فرمى بها في وجوههم] [¬١]، فما من المشركين أحد إلا أصاب عينيه ومنخريه وفمه تراب من تلك القبضة فولوا مدبرين.\nوقال السدي: قال رسول الله، ﷺ، لعليٍّ ﵁ يوم بدر: \"أعطي حصبًا من الأرض\". فناوله [¬٢] حصبًا عليه تراب، فرمى به في وجوه القوم، فلم يبق مشرك إلا دخل في عينيه من ذلك التراب شئ، ثم [¬٣] ردفهم المؤمنون يقتلونهم ويأسرونهم، وأنزل الله: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾.\nوقال أبو معشر المدني (^٦٦)، عن محمد بن قيس ومحمد بن كعب القرظي قالا: لما دنا القوم بعضهم من بعض، أخذ رسول الله، ﷺ، قبضة من تراب فرمى بها في وجوه القوم، وقال: \"شاهت الوجوه\". فدخلت في أعينهم كلهم، وأقبل أصحاب رسول الله، ﷺ، يقتلونهم ويأسرونهم، وكانت هزيمتهم في رمية رسول الله، ﷺ، فأنزل الله: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾.\nوقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ قال: هذا يوم بدر، أخذ رسول الله، ﷺ، ثلاث حصيات [¬٤]، فرمى بحصاة [¬٥] ميمنة القوم، وحصاة [¬٦] في ميسرة القوم، وحصاة [¬٧] بين أظهرهم، وقال: \"شاهت الوجوه\". فانهزموا.\nوقد روي في هذه القصة (^٦٧)، عن عروة [بن الزبير و] [¬٨] مجاهد، وعكرمة، وقتادة وغير واحد من الأئمة: أنها نزلت في رمية النبي ﷺ يوم بدر، وإن كان [¬٩] قد فعل ذلك يوم حنين أيضًا.\n_________\n(^٦٦) - رواه ابن جرير برقم (١٣/ ١٥٨٢٣).\n(^٦٧) - انظر: تفسير ابن جرير (١٣/ ٤٤٣ - ٤٤٥).\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في ز، خ: \"فناولته\".\n[¬٣]- في ز: \"و\"، سقط من: خ.\n[¬٤]- في ز: \"حصبات\".\n[¬٥]- في ز: \"بحصبات\"، خ: \"بحصيات\".\n[¬٦]- في ز: \"حصبات\"، خ: \"وحصيات\".\n[¬٧]- في ز: \"حصبات\"، خ: \"وحصيات\" والمثبت من تفسير الطبري.\n[¬٨]- في خ: \"عن\".\n[¬٩]- سقط من: ز.","vol":"7","page":41},{"text":"وقال أبو جعفر بن جرير (^٦٨): حدثنا أحمد بن منصور، حدثنا يعقوب بن محمد، حدثنا عبد العزيز بن عمران، حدثنا موسى بن يعقوب بن عبد الله بن زمعة [¬١]، عن يزيد ابن عبد الله، عن أبي بكر بن سليمان بن أبي حثمة [¬٢]، عن حكيم بن حزام قال: لما كان يوم بدر سمعنا صوتًا وقع من السماء، كأنه صوت حصاة وقعت في طست، ورمى رسول الله، ﷺ، تلك الرمية فانهزمنا.\nغريب من هذا الوجه، وهاهنا قولان آخران غريبان جدًا:\n(أحدهما):\nقال ابن جرير (^٦٩): حدثنا محمد بن عوف الطائي، حدثنا أبو المغيرة، حدثنا صفوان بن عمرو [¬٣]، حدثنا عبد الرحمن بن جبير: أن رسول الله، ﷺ يوم ابن أبي الحقيق بخيبر - دعا بقوس فأتي بقوس طويلة، وقال: \"جيئوني بقوس غيرها\" فجاءوه بقوس كبداء (^٧٠)، فرمى النبي، ﷺ، الحصن، فأقبل السهم يهوي، حتى قتل ابن أبي الحقيق وهو في فراشه، فأنزل الله ﷿: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾.\nوهذا غريب، وإسناده جيد إلى عبد الرحمن بن جبير بن نفير، ولعله اشتبه عليه، أو أنه أراد أن الآية تعم هذا كله، وإلا فسياق الآية في سورة الأنفال في قصة بدر لا محالة، وهذا مما لا يخفى على أئمة العلم، والله أعلم.\n(والثاني): روى ابن جرير أيضًا، والحاكم في مستدركه (^٧١)، بإسناد صحيح إلى سعيد بن المسيب والزهري أنهما قالا: أنزلت في رمية النبي، ﷺ، يوم أحد أبي بن خلف بالحربة، وهو في لأمته فخدشه في ترقوته، فجعل يتدأدأ (^٧٢) عن فرسه\n_________\n(^٦٨) - تفسير ابن جرير (١٣/ ١٥٨٢٢) وهو ضعيف لضعف عبد العزيز بن عمران. وأورده الهيثمي فى مجمع الزوائد (٦/ ٨٤) وقال: رواه الطبراني في الكبير، والأوسط، وإسناده حسن.\n(^٦٩) - رواه ابن أبي حاتم (٥/ ٨٩١١)، ورواه الواحدي في أسباب النزول (١٧٤) وقد سقط هذا الأثر والذي يليه من نص ابن جرير وأثبته المحقق في الهامش (١٣/ ٤٤٦).\n(^٧٠) - أي: معتدلة جيدة.\n(^٧١) - المستدرك (٢/ ٣٢٧).\n(^٧٢) - أي: تدحرج وسقط.\n_________\n[¬١]- في ز: \"ربيعة\".\n[¬٢]- فى ز: \"حتمة\".\n[¬٣]- في خ: \"عمر\".","vol":"7","page":42},{"text":"مرارًا، حتى كانت وفاته بعد أيام، قاسى فيها العذاب الأليم، موصولًا بعذاب البرزخ المتصل بعذاب الآخرة.\nوهذا القول عن هذين الإِمامين غريب أيضًا جدًا، ولعلهما أرادا: أن الآية تتناوله بعمومها، لا أنها نزلت فيه خاصة، كما تقدم، والله أعلم.\nوقال محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن جعفر بن الزبير، عن عروة بن الزبير في قوله: ﴿وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا﴾ أي: ليعرّف المؤمنين [من] [¬١] نعمته عليهم؛ من إظهارهم على عدوهم، مع كثرة عدوهم وقلة عددهم، ليعرفوا بذلك حقه، ويشكروا بذلك نعمته (^٧٣).\nوهكذا فسر ذلك [¬٢] ابن جرير أيضًا، وفي الحديث: \"وكل بلاء حسن أبلانا\".\nوقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ أي: سميع الدعاء، عليم بمن يستحق النصر والغلب.\nوقوله: ﴿ذَلِكُمْ [¬٣] وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ﴾ هذه بشارة أخرى مع ما حصل من النصر، أنه أعلمهم تعالى بأنه مضعف كيد الكافرين فيما يستقبل، مصغر أمرهم، وأنهم كل ما لهم في تبار ودمار، ولله الحمد والمنة.\n﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ (١٩)﴾\nيقول تعالى للكفار: ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا﴾ أي: تستنصروا وتستقضوا الله، وتستحكموه أن يفصل بينكم وبين أعدائكم المؤمنين، فقد جاءكم ما سألتم، كما قال محمد بن إسحاق وغيره، عن الزهري، عن عبد الله بن ثعلبة بن صُعير [¬٤]؛ أن أبا جهل قال يوم بدر: اللهم أقطعنا للرحم، وآتانا بما لا نعرف، فأحنْه الغداة. وكان ذلك [¬٥] استفتاحًا منه، فنزلت: ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ﴾ إلى آخر الآية.\n_________\n(^٧٣) - تفسير ابن جرير (١٣/ ١٥٨٣٠).\n_________\n[¬١]- سقط من خ.\n[¬٢]- سقط من: ت.\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- في ز: \"صغير\".\n[¬٥]- سقط من: ت.","vol":"7","page":43},{"text":"وقال الإمام أحمد (^٧٤): حدثنا يزيد - يعنى: ابن هارون - أخبرنا محمد بن إسحاق، حدثني الزهري، عن عبد الله بن ثعلبة، أن أبا جهل قال حين التقي القوم: اللهم، أقطعنا للرحم، وآتانا بما لا نعرف، فأحنْه الغداة. فكان المستفتح.\nوأخرجه النسائي في التفسير من حديث صالح بن كيسان، عن الزهري، به. وكذا رواه الحاكم في مستدركه، من طريق الزهري به، وقال: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه. وروي نحو [¬١] هذا عن ابن عباس ومجاهد، والضحاك وقتادة، ويزيد بن رومان وغير واحد.\nوقال السدي: كان المشركون حين خرجوا من مكة إلى بدر، أخذوا بأستار الكعبة، فاستنصروا الله، وقالوا: اللهم، انصر أعلى الجندين، وأكرم الفئتين، وخير القبيلتين. فقال الله ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ﴾ يقول: قد نصرت ما قلتم، وهو محمد ﷺ.\nوقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: هو قوله تعالى إخبارًا عنهم: ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾.\nوقوله: ﴿وَإِنْ تَنْتَهُوا﴾ أي: عما أنتم فيه من الكفر بالله والتكذيب لرسوله، ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ أي: في الدنيا والآخرة.\n[وقوله تعالى] [¬٢]: ﴿وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ﴾، [] [¬٣] كقوله: ﴿وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا﴾ معناه: وإن عدتم إلى ما كنتم فيه من الكفر والضلالة، نعد لكم بمثل هذه الوقعة [¬٤].\nوقال السدي: ﴿وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ﴾ أي: إلى الاستفتاح ﴿نَعُدْ﴾ أي [¬٥]: إلى الفتح لمحمد ﷺ، والنصر له، وتظفيره على أعدائه، والأول أقوى.\n﴿وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ﴾ أي: ولو جمعتم من الجموع ما عسى أن تجمعوا، فإن من كان الله معه، فلا غالب له، فإن الله مع المؤمنين، وهم الحزب النبوي والجناب المصطفوي.\n﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ (٢٠) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (٢١) إِنَّ شَرَّ\n_________\n(^٧٤) - المسند ٢٣٧٧٢ - (٥/ ٤٣١) وسنن النسائي الكبرى برقم (١١٢٠١) والمستدرك (٢/ ٣٢٨).\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في ز: \"أي\".\n[¬٤]- فى ت: \"الواقعة\".\n[¬٥]- سقط من: ز.","vol":"7","page":44},{"text":"الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (٢٢) وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٣)﴾\nيأمر تعالى عباده المؤمنين بطاعته وطاعة رسوله، ويزجرهم عن مخالفته، والتشبه بالكافرين به المعاندين له، ولهذا قال: ﴿وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ﴾ أي: تتركوا طاعته وامتثال أوامره، وترك زواجره ﴿وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ﴾ أي: بعد ما علمتم ما دعاكم إليه.\n﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ قيل: المراد المشركون. و[¬١] اختاره ابن جرير.\nوقال ابن إسحاق: هم المنافقون؛ فإنهم يظهرون أنهم قد سمعوا واستجابوا، وليسوا كذلك.\nثم أخبر تعالى أن هذا الضرب من بني آدم شر الخلق والخليقة، فقال: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ﴾ أي: عن سماع الحق، ﴿الْبُكْمُ﴾ عن فهمه؛ ولهذا قال: ﴿الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾ فهؤلاء شر البرية؛ لأن كل دابة مما سواهم مطيعة لله فيما خلقها له، وهؤلاء خلقوا للعبادة فكفروا، ولهذا شبههم بالأنعام في قوله: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾، وقال في الآية الأخرى: ﴿أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾.\nوقيل: المراد بهؤلاء المذكورين نفر من بني عبد الدار من قريش. روي عن ابن عباس ومجاهد، واختاره ابن جرير.\nوقال محمد بن إسحاق: هم المنافقون.\nقلت: ولا منافاة بين المشركين والمنافقين في هذا؛ لأن كلا منهم مسلوب الفهم الصحيح، والقصد إلى العمل الصالح.\nثم أخبر تعالى بأنهم لا فهم لهم صحيح، ولا قصد لهم صحيح، لو فرض أن لهم فهمًا، فقال: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ﴾ أي: لأفهمهم، وتقدير الكلام ولكن لا خير فيهم، فلم يفهمهم؛ لأنه يعلم أنه ﴿وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ﴾ أي: أفهمهم ﴿لَتَوَلَّوْا﴾ عن ذلك قصدًا وعنادًا بعد فهمهم ذلك. ﴿وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ عنه.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.","vol":"7","page":45},{"text":"﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٤)﴾\nقال البخاري (^٧٥): ﴿اسْتَجِيبُوا﴾ أجيبوا ﴿لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ لما يصلحكم. حدثنا [¬١] إسحاق، حدثنا روح، حدثنا شعبة، عن خصيب بن عبد الرحمن؛ قال: سمعت حفص ابن عاصم يحدث، عن أبي سعيد بن المعلى ﵁ قال: كنت أصلي، فمر [بي النبى] [¬٢] ﷺ فدعاني، فلم آته حتى صليت، ثم أتيته، فقال: \"ما منعك أن تأتيني؟ ألم يقل الله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ \". ثم قال: \"لأعلمنك أعظم سورة في القرآن قل أن أخرج\". فذهب رسول الله ﷺ ليخرج، فذكرت له - وقال معاذ: حدثنا شعبة، عن خبيب بن عبد الرحمن، سمع حفص بن عاصم، سمع أبا سعيد رجلًا من اْصحاب النبي، ﷺ، بهذا - وقال: هي [¬٣] ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ السبع المثاني.\nهذا لفظه بحروفه، وقد تقدم الكلام على هذا الحديث بذكر طرقه في أول تفسير الفاتحة.\nوقال مجاهد في قوله: ﴿لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ قال: الحق [¬٤].\nوقال قتادة: ﴿لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ قال: هو هذا القرآن، فيه النجاة والتقاة واحياة.\nوقال السدي: ﴿لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ ففي الإِسلام إحياؤهم بعد مرتهم بالكفر.\nوقال محمد بن إسحاق (^٧٦)، عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عروة بن الزبير: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ أي: للحرب التي أعزكم الله تعالى بها بعد الذل، وقواكم بها بعد الضعف، ومنعكم من عدوكم بعد القهر منهم لكم.\n_________\n(^٧٥) - البخاري في تفسير القرآن، باب: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ …﴾ برقم (٤٦٤٧).\n(^٧٦) - رواه ابن جرير موقوفًا على ابن إسحاق - قوله - رقم ٠١٢ م ١٥٨٧٣).\n_________\n[¬١]- في: \"حدثني\".\n[¬٢]- سقط ز: \"رسول الله\".\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- في ت: \"للحق\".","vol":"7","page":46},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ قال ابن عباس: يحول بين المؤمن وبين الكفر، وبين الكافر وبين الإِيمان (^٧٧).\nرواه الحاكم في مستدركه موقوفًا (^٧٨)، وقال: صحيح ولم يخرجاه. ورواه ابن مردويه من وجه آخر مرفوعًا (^٧٩)، ولا يصح؛ لضعف إسناده، والموقوف أصح. وكذا قال مجاهد وسعيد وعكرمة والضحاك وأبو صالح وعطية ومقاتل بن حيان والسدي في رواية عن مجاهد في قوله: ﴿بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ حتى تركه لا يعقل.\nوقال السدي: يحول بين الإِنسان وقلبه، فلا يستطع أن يؤمن ولا يكفر إلا بإذنه.\nوقال قتادة: هو كقوله: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾.\nوقد وردت الأحاديث عن رسول الله، ﷺ، بما يناسب هذه الآية.\nوقال الإمام أحمد (^٨٠): حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن أنس بن مالك ﵁ قال: كان النبي، ﷺ، يكثر أن يقول: (يا مقلب القلوب، ثبت قلبي على دينك\". [قال] [¬١] فقلنا: يا رسول الله، آمنا بك، وبما جئت به، فهل تخاف علينا؟. قال: \"نعم، إن القلوب بين أصبعين من أصابع الله تعالى يقلبها\".\nوهكذا رواه الترمذي في كتاب القدر من جامعه، عن هناد بن السري، عن أبي معاوية محمد بن حازم الضرير، عن الأعمش - واسمه سليمان بن مهران - عن أبي سفيان - واسمه طلحة بن نافع - عن أنس، ثم قال: حسن.\nوهكذا روي عن غير واحد، عن الأعمش، ورواه بعضهم عنه، عن أبي سفيان، عن جابر، عن النبي، ﷺ، وحديث أبي سفيان عن أنس أصح (^٨١).\n_________\n(^٧٧) - رواه ابن جرير (١٣/ ١٥٨٨٩).\n(^٧٨) - المستدرك (٢/ ٣٢٨) ولفظه: \"يحول بين الكافر، وبين الإيمان، ويحول بين المؤمن وبين المعاصي\".\n(^٧٩) - ذكره السيوطي في الدر المنثور (٤/ ٤٥).\n(^٨٠) - رواه أحمد في المسند ١٢١٢٧ - (٣/ ١١٢)، ١٢٧٢٢ - (٢٥٧/ ٣) عن عفان عن عبد الواحد عن الأعمش به، والترمذي برقم (٢١٤٠). ورواه الحاكم مختصرًا (١/ ٥٢٦)، ورواه أبو يعلى ٣٦٨٧ - (٦/ ٣٥٩)، و٣٦٨٨ - (٦/ ٣٦٠) وروى الطبراني من حديث ثابت عن أنس: أن النبي ﷺ كان يدعو: يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك.\n(^٨١) - رواه الحاكم في المستدرك (٢/ ٢٨٨) من طريق الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، ﵁، وقال: وقد أخرج مسلمٌ حديث عبد الله بن عمرو في قلوب بني آدم. ورواه أبو يعلى ٢٣١٨ - (٤/ ٢٠٧).\n_________\n[¬١]- سقط من خ.\n.","vol":"7","page":47},{"text":"(حديث آخر) [قال الإمام أحمد] [¬١]، وقال عبد بن حميد في مسنده (^٨٢): حدثنا عبد الملك بن عمرو، حدثنا شعبة عن الحكم، عن ابن أبي ليلى، عن بلال ﵁ أن النبي ﷺ كان يدعو: \"يا مقلب القلوب، ثبت فلبي على دينك\" هذا حديث جيد الإِسناد إلا أن فيه انقطاعًا، وهو مع ذلك على شرط أهل السنن، ولم يخرجوه.\n(حديث آخر قال [¬٢] الإمام أحمد (^٨٣): حدثنا الوليد بن مسلم قال: سمعت ابن جابر يقول: حدثني بسر [¬٣] بن عبَد الله الحضرمي، أنه سمع أبا إدريس الخولاني يقول: سمعت النواس بن سمعان الكلابي ﵁ يقول: سمعت النبي، ﷺ، يقول: \"ما من قلب إلا وهو بين أصبعين من أصابع الرحمن رب العالمين، إذا شاء أن يقيمه أقامه، وإذا شاء أن يزيغه أزاغه\". وكان يقول: \"يا مقلب القلوب، ثبت قلوبنا على دينك\". قال: \"والميزان بيد الرحمن، يخفضه ويرفعه\".\nوهكذا رواه النسائي وابن ماجة، من حديث عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، فذكر مثله.\n(حديث آخر) قال الإمام أحمد (^٨٤): حدثنا يونس، حدثنا حماد بن زيد، عن المعلي ابن زياد، عن الحسن؛ أن عائشة قالت: دعوات كان رسول الله، ﷺ، يدعو بها: \"يا مقلب القلوب، ثبت قلبي على دينك\". قالت: فقلت: يا رسول الله، إنك تكثر أن تدعو بهذا الدعاء. فقال: \"إن قلب الآدمي بين أصبعين من أصابع الله؛ فإذا شاء أزاغه؛ وإذا شاء أقامه\" ..\n(حديث آخر) قال الإِمام أحمد (^٨٥): حدثنا هاشم، حدثنا عبد الحميد، حدثني [¬٤]\n_________\n(^٨٢) - رواه أحمد، وعبد بن حميد كما في المنتخب برقم (٣٥٩).\n(^٨٣) - المسند ١٧٦٦٧ - (٤/ ١٨٢) وسنن النسائي الكبرى برقم (٧٧٣٨) وسنن ابن ماجة برقم (١٩٩).\n(^٨٤) - المسند (٦/ ٩١). وروى الطبراني معناه في الأوسط (٢/ ٣١٩) رقم ١٥٥٣، من حدث مبارك بن فضالة، عن علي بن زيد، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة، وقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن مبارك إلا معلى، تفرد به إبراهيم.\n(^٨٥) - المسند (٦/ ٣٠١)، ورواه الترمذي في السنن برقم (٣٥٢٢) من طريق شهر بن حوشب، به. قال الترمذي: \"هذا حديث حسن\". ورواه الطبراني (٢٣/ ٣٣٨) رقم ٦٧٨٥ ورواه الطبراني أيضًا من حدث الحسن، عن أمه، عن أم سلمة (٢٣/ ٣٦٦) رقم ٨٦٥.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ت.\n[¬٢]- في ز: \"وقال\".\n[¬٣]- في خ: \"بشر\".\n[¬٤]- في خ: \"حدثنا\".","vol":"7","page":48},{"text":"شهر، سمعت أم سلمة تحدث؛ أن رسول الله، ﷺ، كان يكثر في دعائه، يقول: \"اللهم يا مقلب القلوب، ثبت قلبي على دينك\". قالت: فقلت [¬١]: يا رسول الله، أو إن القلوب لتقلب؟ قال: \"نعم، ما خلق الله من بشر من بني آدم، إلا أن قلبه بين أصبعين من أصابع الله ﷿؛ فإن شاء أقامه، وإن شاء أزاغه، فنسأل الله ربنا أن لا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا، ونسأله أن يهب لنا من لدنه رحمة، إنه هو الوهاب\". قالت: فقلت [¬٢]: يا رسول الله؛ ألا تعلمنى دعوة أدعو بها لنفسي؟ قال: \"بلى، قولي: اللهم رب النبي محمَّد، اغفر لي ذنبي، وأذهب غيظ قلبي، وأجرني من مضلات الفتن ما أحييتني\".\n(حديث آخر): قال الإِمام أحمد (^٨٦): حدثنا أبو عبد الرحمن، حدثنا حيوة، أخبرني أبو هانئ، أنه سمع أبا عبد الرحمن الحبلي، أنه سمع عبد الله بن عمرو، أنه سمع رسول الله، ﷺ، يقول: \"إن قلوب بني آدم بين أصبعين من أصابع الرحمن، كقلب واحد، يصرف كيف شاء\". ثم قال رسول الله ﷺ: \"اللهم مصرف القلوب، صرف قلوبنا إلى طاعتك\".\nانفرد [¬٣] بإخراجه مسلم عن البخاري، فرواه مع النسائي من حديث حيوة بن شريح المصري به.\n﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾\nيحذر تعالى عباده المؤمنين ﴿فتنة﴾، أي: اختبارًا ومحنة يعم بها المسيئ وغيره، لا يخص بها أهل المعاصي، ولا من باشر الذنب، بل يعمها [¬٤] حيث لم تدفع وترفع، كما قال الإمام أحمد (^٨٧): حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم، حدثنا شداد بن سعيد، حدثنا\n_________\n(^٨٦) - المسند ٦٥٦٩ (٢/ ١٦٨)، وصحيح مسلم برقم (٢٦٤٥)، وسنن النسائي الكبرى برقم (٧٨٦١).\n(^٨٧) - المسند (١/ ١٦٥، ١٦٧).\n_________\n[¬١]- في ز: \"قلت\".\n[¬٢]- في ز: \"قلت\".\n[¬٣]- في خ: \"تفرد\".\n[¬٤]- في خ: \"يعمهما\".","vol":"7","page":49},{"text":"غيلان بن جرير، عن مطرف؛ قال: قلنا للزبير: يا أبا عبد الله؛ ما جاء بكم؟ ضيعتم الخليفة الذي قتل، ثم جئتم تطلبون بدمه؟ فقال الزبير ﵁: إنا قرأنا على عهد رسول الله، ﷺ، وأبي بكر وعمر وعثمان ﵃: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ لم نكن نحسب أنا أهلها، حتى وقعت منا حيث وقعت.\nوقد رواه البزار (^٨٨)، من حديث مطرف، عن الزبير. وقال: لا نعرف مطرّفًا روى عن الزبير غير هذا الحديث.\nوقد روى النسائي (^٨٩)، من حديث جرير [¬١] بن حازم، عن الحسن، عن الزبير نحو هذا.\nو[¬٢] روى ابن جرير (^٩٠)، حدثني الحارث، حدثنا عبد العزيز، حدثنا مبارك بن فضالة، عن الحسن قال: قال الزبير: لفد خوفنا بها [¬٣]، يعني قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾، ونحن مع رسول الله، ﷺ، وما ظننا أنا خصصنا بها خاصة.\nوكذا رواه حميد، عن الحسن، عن الزبير، ﵁ (^٩١).\nوقال داود بن أبي هند، عن الحسن في هذه الآية، قال: نزلت في على وعمار وطلحة والزبير ﵃ (^٩٢).\nوقال سفيان الثوري، عن الصلت بن دينار، عن عقبة بن صهبان [¬٤]، سمعت الزبير يقول: لقد قرأت هذه الآية زمانًا، وما أرانا من أهلها، فإذا نحن المعنيون بها: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (^٩٣).\n_________\n(^٨٨) - مسند البزار برقم (٩٧٦)، وفي إسناده الحجاج بن نصير، وهو ضعيف.\n(^٨٩) - وسنن النسائي الكبرى برقم (١١٢٠٦).\n(^٩٠) - تفسير ابن جرير (١٣/ ١٥٩١٣).\n(^٩١) - رواه ابن جرير (١٣/ ١٥٩٠٥)، وفي إسناده زيد بن عوف: ضعيف.\n(^٩٢) - رواه ابن جرير (١٣/ ١٥٩٠٣).\n(^٩٣) - رواه ابن جرير (١٢/ ١٥٩٠٦).\n_________\n[¬١]- في ز: \"جابر\".\n[¬٢]- في م: \"وقد\".\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- في ز: \"ضبيان\".","vol":"7","page":50},{"text":"وقد روي من غير وجه، عن الزبير بن العوّام.\nوقال السدي: نزلت في أهل بدر خاصة، فأصابتهم يوم الجمل فاقتتلوا.\nوقال على بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ يعني أصحاب النبي، ﷺ، خاصة.\nوقال في رواية له [¬١]، عن ابن عباس في تفسير هذه الآية: أمر الله المؤمنين أن لا يقروا المنكر بين ظهرانيهم، فيعمهم الله بالعذاب.\nوهذا تفسير حسن جدًّا، ولهذا قال مجاهد في قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾: هي أيضًا لكم. وكذا قال الضحاك ويزيد بن أبي حبيب وغير واحد.\nوقال ابن مسعود: ما منكم من أحد إلا وهو مشتمل على فتنة، إن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾، فأيكم استعاذ فليستعذ بالله من مضلات الفتن. رواه ابن جرير.\nوالقول بأن هذا التحذير يعم الصحابة وغيرهم، وإن كان الخطاب معهم - هو الصحيح؛ ويدل [على ذلك] [¬٢] الأحاديث الواردة في التحذير من الفتن؛ ولذلك كتاب مستقل يوضح فيه إن شاء الله تعالى، كما فعله الأئمة وأفردوه بالتصنيف؛ ومن أخص ما يذكر ها هنا، ما رواه الإِمام أحمد حيث قال (^٩٤): حدثنا أحمد بن الحجاج، أخبرنا عبد الله - يعني: ابن المبارك - أنبأنا سيف بن أبي سليمان، سمعت عدي بن عدي الكندي يقول، حدثني مولى لنا أنه سمع جدي - يعني: عدي بن عميرة - يقول: سمعت رسول الله، ﷺ، يقول: \"إن الله ﷿ لا يعذب العامّة بعمل الخاصة؛ حتى يروا المنكر بين ظهرانيهم، وهم قادرون على أن ينكروه، فلا ينكروه، فإذا فعلوا ذلك عذب الله الخاصة والعامة\".\n_________\n(^٩٤) - إسناده ضعيف، لجهالة الراوي عن عدي بن عميرة، وهو في المسند ١٧٧٧ - (٤/ ١٩٢)، ورواه أحمد ١٧٧٧٣ - (٤/ ١٩٢)، والحديث أخرجه الطبراني في الكبير (١٧/ ١٣٨ - ١٣٩) حديث (٣٤٣، ٣٤٤)، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ٢٧١) وقال: رواه أحمد من طريقين - إحداهما هذه، والأخرى: حدثني عدي بن عدي، حدثني مولى لنا … وهو الصواب - وكذا رواه الطبراني، وفيه رجل لم يسم، وبقية رجال أحد الأسانيد ثقات.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"عنه\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في ت: \"عليه\".","vol":"7","page":51},{"text":"فيه رجل مبهم [¬١]، ولم يخرجوه في الكتب الستة، ولا واحد منهم، والله أعلم.\n(حديث آخر) قال الإِمام أحمد (^٩٥): حدثنا سليمان الهاشمي، حدثنا إسماعيل - يعني: ابن جعفر - أخبرني عمرو بن أبي عمرو [¬٢]، عن عبد الله بن عبد الرحمن الأشهل، عن حذيفة بن اليمان؛ أن رسول الله، ﷺ، قال: \"والذي نفسي بيده، لتأمرن بالمعروف، ولتنهونّ عن المنكر، أو [¬٣] ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابًا من عنده، ثم لتدعنه فلا يستجيب لكم\".\nورواه عن أبي سعيد (^٩٦)، عن إسماعيل بن جعفر، وقال: \"أو ليبعثن الله عليكم قومًا، ثم تدعونه فلا يستجيب لكم\".\nوقال الإِمام [¬٤] أحمد (^٩٧): حدثنا عبد الله بن نمير، حدثنا رزين [¬٥] بن حبيب الجهني، حدثني أبو الرقاد، قال: خرجت مع مولاي، فدفعت إلى حذيفة، وهو يقول: إن كان الرجل ليتكلم بالكلمة، على عهد رسول الله ﷺ فيصير منافقًا، وإني لأسمعها من أحدكم في المقعد الواحد أربع مرات؛ لتأمرن بالمعروف، و[¬٦] لتنهون عن المنكر، ولتحاضن على الخير، أو ليسحتنكم الله جميعًا بعذاب، أو ليؤمرن عليكم شراركم؛ ثم يدعو [¬٧] خياركم فلا يستجاب لهم.\n(حديث آخر) قال الإِمام أحمد أيضًا (^٩٨): حدثني [¬٨] يحيى بن سعيد، عن زكريا، حدثنا عامر ﵁؛ قال: سمعت النعمان بن بشير ﵁ يخطب يقول - وأومأ بأصبعيه إلى أذنيه [¬٩]- يقول: مثل القائم على حدود الله، والواقع فيها، والمدهن\n_________\n(^٩٥) - المسند ٢٣٤٠٨ - (٥/ ٣٨٨)، ورواه الترمذي في كتاب الفتن، باب: ما جاء في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (٤/ ٤٦٨/ رقم: ٢١٦٩).\n(^٩٦) - المسند ٢٣٤٣٤ - (٥/ ٣٩١).\n(^٩٧) - المسند ٢٣٤١٩ - (٥/ ٣٩٠). والحديث ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٢٩٧) وعزاه لأحمد وقال: \"وفيه أبو الرقاد الجهني، ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات\".\n(^٩٨) - المسند ١٨٤٢٢ - (٤/ ٢٦٩)، وصحيح البخاري برقم (٢٤٩٣)، (٢٦٨٦) وسنن الترمذي برقم (٢١٧٣).\n_________\n[¬١]- في ز: \"منهم\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"عمر\".\n[¬٣]- في ز: \"و\".\n[¬٤]- سقط من: ز.\n[¬٥]- في ز، خ: \"ز\".\n[¬٦]- في ز: \"أو\".\n[¬٧]- في ز: \"يدعوا\".\n[¬٨]- في خ: \"حدثنا\".\n[¬٩]- في خ: \"أذنه\".","vol":"7","page":52},{"text":"فيها؛ كمثل قوم ركبوا سفينة، فأصاب بعضهم أسفلها وأوعرها وشرها، وأصاب بعضهم أعلاها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا الماء، مروا على من فوقهم فآذوهم؛ فقالوا: لو خرقنا في نصيبنا خرقًا فاستقينا منه، ولم نؤذ من فوقنا. فإن تركوهم وأمرهم هلكوا جميعًا؛ وإن أخذوا على أيديهم نجوا جميعًا.\nانفرد بإخراجه البخاري دون مسلم، فرواه في الشركة والشهادات، والترمذي في الفتن، من غير وجه، عن سليمان بن مهران الأعمش، عن عامر بن شراحيل الشعبي، به.\n(حديث آخر) قال الإِمام أحمد (^٩٩): حدثنا حسين، حدثنا خلف بن خليفة، عن ليث، عن علقمة بن مرثد، عن المعرور بن سويد، عن أمِّ سلمة زوج النبي، ﷺ، قالت: سمعت رسول الله، ﷺ، يقول: \"إذا ظهرت المعاصي في أمَّتي عمهم الله بعذاب من عنده\". فقلت: يا رسول الله، أما فيهم أناس صالحون؟ قال: \"بلى\" قالت: فكيف يصنع أولئك؟ قال: \"يصيبهم ما أصاب الناس، ثم يصيرون إلى مغفرة من الله ورضوان\".\n(حديث آخر) قال الإِمام أحمد (^١٠٠): حدثنا حجاج بن محمَّد، حدثنا [¬١] شريك، عن أبي إسحاق، عن المنذر بن جرير، عن أبيه قال: قال رسول الله، ﷺ: \"ما من قوم يعملون بالمعاصي [¬٢]، وفيهم رجل أعز منهم وأمنع لا يغيرون - إلا عمهم الله بعقاب، أو أصابهم العقاب\".\nورواه أبو داود: عن مسدد، عن أبي الأحوص، عن أبي إسحاق، به.\nوقال الإِمام أحمد أيضًا (^١٠١): حدثنا محمَّد بن جعفر، حدثنا شعبة، سمعت أبا إسحاق يحدث، عن عبيد الله بن جرير، عن أبيه؛ أن رسول الله، ﷺ، قال:\n_________\n(^٩٩) - المسند ٢٦٧٠٥ - (٦/ ٣٠٤)، ورواه بإسنادٍ آخر ٢٦٦٣٧ - (٦/ ٢٩٤)، ورواه الطبراني في المعجم الكبير برقم ٧٤٧ - (٢٣/ ٣٢٥)، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ٢٦٨) وقال: رواه أحمد بإسنادين رجال أحدهما رجال الصحيح.\n(^١٠٠) - المسند ١٩٢٤٨ - (٤/ ٣٦١)، ورواه أبو داود برقم (٤٣٣٩)، وأبو يعلى في مسنده ٧٥٠٨ - (١٣/ ٤٩٧)، والطبراني في الكبير ٢٣٧٩ - (٢/ ١٣٣١)، وعبد الرزاق في مصنفه ٢٠٧٢٣ - (١١/ ٣٤٨)، وابن حبان ٣٠٠ - (١/ ٥٣٦)، والبيهقي (١٠/ ٩١).\n(^١٠١) - المسند ١٩٢٨٥ - (٤/ ٣٦٤)، و١٩٣٠٩ - (٣/ ٣٦٦)، وانظر الحديث السابق.\n_________\n[¬١]- في ز: أخبرنا.\n[¬٢]- في ز: \"المعاصي\".","vol":"7","page":53},{"text":"\"ما من قوم يعمل فيهم بالمعاصي هم أعز وأكثر ممن يعمله [¬١]، ثم [¬٢] لم يغيروه، إلا عمهم الله بعقاب\".\nثم رواه أيضًا، عن وكيع، عن إسرائيل. وعن عبد الرزاق، عن معمر، وعن أسود، عن شريك ويونس كلهم، عن أبي إسحاق السبيعي، به.\nوأخرجه ابن ماجة عن علي بن محمَّد، عن وكيع، به (^١٠٢).\nوقال الإِمام أحمد (^١٠٣): حدثنا سفيان، حدثنا جامع بن أبي راشد، عن منذر، عن الحسن بن محمَّد، عن امرأته، عن عائشة تبلغ به النبي ﷺ: \"إذا ظهر السوء في الأرض؛ أنزل الله بأهل الأرض بأسه\". فقالت [¬٣]: وفيهم أهل طاعة الله؟ قال: \"نعم، ثم يصيرون إلى رحمة الله\".\n﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٢٦)﴾\nينبه تعالى عباده المؤمنين على نعمه عليهم، وإحسانه إليهم، حيث كانوا قليلين فكثرهم، ومستضعفين خائفين فقواهم ونصرهم، وفقراء عالة فرزقهم من الطيبات، واستشكرهم فأطاعوه، وامتثلوا جميع ما أمرهم. وهذا كان حال المؤمنين حال مقامهم بمكة، قليلين مستخفين مضطرين، يخافون أن يتخطفهم [¬٤] الناس من سائر بلاد الله، من مشرك ومجوسي ورومي، كلهم أعداء لهم؛ لقلتهم وعدم قوتهم، فلم يزل ذلك دأبهم، حتى أذن الله لهم في الهجرة إلى المدينة، فآواهم إليها، وقيض لهم أهلها؛ آووا ونصروا يوم بدر وغيره، وآسوا بأموالهم، وبذلوا مهجهم في طاعة الله وطاعة رسوله ﷺ.\nقال قتادة بن دعامة السدوسي ﵀ (^١٠٤) في قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ\n_________\n(^١٠٢) - سنن ابن ماجه، كتاب الفتن، باب: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر برقم (٤٠٠٩).\n(^١٠٣) - المسند ٤٢٢٤٢ - (٦/ ٤١)، ورواه الحاكم في المستدرك (٤/ ٥٢٣) من طريق الحسن بن محمَّد عن مولاة لرسول الله ﷺ قالت: دخل النبي ﷺ على عائشة أو على بعض أزواج النبي ﷺ وأنا عنده فقال … فذكر الحديث، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ٢٦٨) وقال: \"رواه أحمد وفيه امرأة لم تسم\".\n(^١٠٤) - رواه ابن جرير في تفسيره (١٣/ ٤٧٨).\n_________\n[¬١]- في ز: \"يعملوه\".\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- في ز: \"قالت\".\n[¬٤]- في ز: \"تخطفهم\".","vol":"7","page":54},{"text":"مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ قال: كان هذا الحي من العرب أذل الناس ذلًّا، وأشقاه عيشًا، وأجوعه بطونًا، وأعراه جلودًا، وأبينه ضلالًا، [مكعومين على رأس حجر بين الأسدين: فارس والروم، ولا والله ما في بلادهم يومئذ من شيء يحسدون عليه] [¬١]، من عاش منهم عاش شقيًّا، ومن مات منهم ردي في النار، يؤكلون ولا يأكلون، والله ما نعلم قبيلًا من حاضر أهل الأرض يومئذ كانوا أشر منزلًا منهم، حتى جاء الله بالإِسلام، فمكن به في البلاد، ووسع به في الرزق، وجعلهم به ملوكًا على رقاب الناس، وبالإِسلام أعطى الله ما رأيتم، فاشكروا [لله نعمه] [¬٢]؛ فإن ربكم منعم يحب الشكر، وأهل الشكر في مزيد من الله.\n﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٧) وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (٢٨)﴾\nقال [عبد الله] [¬٣] بن أبي قتادة والزهري (^١٠٥): أنزلت في أبي لبابة بن عبد المنذر، حين بعثه رسول الله، ﷺ، إلى بني قريظة؛ لينزلوا على حكم رسول الله، ﷺ، فاستشاروه في ذلك، فأشار عليهم بذلك، وأشار بيده إلى حلقه، أي: إنه الذبح، ثم فطن أبو لبابة، ورأى أنه قد خان الله ورسوله؛ فحلف لا يذوق ذواقًا [حتى يموت] [¬٤]، أو يتوب الله عليه. وانطلق إلى مسجد المدينة، فربط نفسه في سارية منه [¬٥]، فمكث كذلك تسعة أيام، حتى كان يخر [¬٦] مغشيًّا عليه من الجهد، حتى أنزل الله توبته على رسوله؛ فجاء الناس يبشرونه بتوبة الله عليه، وأرادوا [أن يحلوه] [¬٧] من السارية، فحلف لا يحله منها إلا رسول الله، ﷺ، بيده، فحله، فقال [¬٨]: يا رسول الله؛ إني كنت نذرت أن أنخلع من مالي صدقة. فقال: \"يجزيك الثلث أن تصدق به\".\n_________\n(^١٠٥) - رواه ابن جرير في تفسيره (١٣/ ١٥٩٢٣).\n_________\n[¬١]- ما بين المكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في م: \"الله على نعمه\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"عبد الرزاق\".\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- سقط من: ز.\n[¬٦]- سقط من: ز، خ.\n[¬٧]- في ز، خ: \"ليحلوه\".\n[¬٨]- في ز: \"وقال\".","vol":"7","page":55},{"text":"وقال ابن جرير (^١٠٦): حدثني الحارث، حدثنا عبد العزيز، حدثنا يونس بن الحارث الطائفي، حدثنا محمَّد بن عبيد الله أبو [¬١] عون الثقفي، عن المغيرة بن شعبة، قال: نزلت هذه الآية في قتل عثمان ﵁: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ الآية.\nوقال ابن جرير أيضًا (^١٠٧): حدثنا القاسم بن بشر بن معروف، حدثنا شبابة بن سوار، حدثنا محمَّد بن المحرم، قال لقيت عطاء بن أبي رباحِ فحدثني، قال: حدثني جابر بن عبد الله؛ أن أبا سفيان خرج من مكة، فأتى جبريل رسول الله، ﷺ، فقال: إن أبا سفيان [كذا وكذا. فقال النبي، ﷺ، لأصحابه: \"إن أبا سفيان] [¬٢] في موضع كذا وكذا؛ فاخرجوا إليه واكتموا\". فكتب رجل من المنافقين إليه: إن محمدًا يريدكم، فخذوا حذركم. فأنزل الله ﷿: ﴿لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ﴾ الآية.\nهذا حديث غريب جدًّا، وفي سنده وسياقه نظر.\nوفي الصحيحين قصة حاطب بن أبي بلتعة (^١٠٨)، أنه كتب إلى قريش يعلمهم بقصد رسول الله، ﷺ، إياهم عام الفتح، فأطلع الله رسوله على ذلك، فبعث في إثر الكتاب فاسترجعه، واستحضر حاطبًا فأقر بما صنع، فقام عمر بن الخطاب فقال: يا رسول الله، ألا أضرب عنقه؛ فإنه قد خان الله ورسوله والمؤمنين؟ فقال: \"دعه، فإنه قد شهد بدرًا، وما [¬٣] يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم؛ فقد غفرت لكم\".\nقلت: والصحيح أن الآية عامة، وإن صح أنها وردت على سبب خاص، فالأخذ بعموم اللفظ لا بخصوص السبب عند الجماهير من العلماء، والخيانة تعم الذنوب الصغار والكبار، اللازمة والمتعدية.\nوقال على بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ﴾ الأمانة: الأعمال التي ائتمن الله عليها العباد، يعني: الفريضة، يقول: لا تخونوا: لا تنقضوها.\n_________\n(^١٠٦) - تفسير ابن جرير (١٣/ ١٥٩٢٥).\n(^١٠٧) - تفسير ابن جرير (١٣/ ١٥٩٢٢).\n(^١٠٨) - تقدم تخريجه عند تفسير الآية: ٩ من هذه السورة.\n_________\n[¬١]- في تفسير الطبري: ابن.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في خ: \"ما\".","vol":"7","page":56},{"text":"وقال في رواية: ﴿لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ يقول: بترك [¬١] سنته، وارتكاب معصيته.\nوقال محمَّد بن إسحاق: حدثني محمَّد بن جعفر بن الزبير، عن عروة بن الزبير في هذه الآية، أي: لا تظهروا له من الحق ما يرضى به منكم، ثم تخالفوه في السر إلى غيره؛ فإن ذلك هلاك لأماناتكم، وخيانة لأنفسكم.\nوقال السدي: إذا خانوا الله والرسول فقد خانوا أماناتهم.\nوقال أيضًا: كانوا يسمعون من النبي، ﷺ، الحديث، فيفشونه حتى يبلغ المشركين.\nوقال عبد الرحمن بن زيد: نهاكم أن تخونوا الله والرسول كما صنع المنافقون.\nوقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ أي: اختبار وامتحان منه لكم إذ أعطاكموها؛ ليعلم أتشكرونه [¬٢] عليها، وتطيعونه [¬٣] فيها أو تشتغلون بها عنه، وتعتاضون بها منه، كما قال تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾، وقال: ﴿وَنَبْلُوكُمْ [بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ] فِتْنَةً﴾، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾. وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾ الآية.\nوقوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ أي: ثوابه وعطاؤه وجناته، خير لكم من الأموال والأولاد؛ فإنه قد يوجد منهم عدو، وأكثرهم لا يغني عنك شيئًا، والله سبحانه هو المتصرف المالك للدنيا والآخرة، ولديه الثواب الجزيل يوم القيامة.\nوفي الأثر يقول الله [¬٤] تعالى: \"يا بن آدم، اطلبني تجدني، فإن وجدتني وجدت كل شيء، وإن فتك فاتك كل شيء، وأنا أحب إليك من كل شيء\".\nوفي الصحيح (^١٠٩) عن رسول الله، ﷺ، [أنه قال] [¬٥]: \"ثلاثٌ من\n_________\n(^١٠٩) - رواه البخاري في كتاب الإيمان، باب: حلاوة الإيمان، حديث ١٦. ومسلم في كتاب الإيمان من صحيحه برقم ٦٧ - (٤٣) من حديث أنس بن مالك، ﵁.\n_________\n[¬١]- في ز: \"ترك\".\n[¬٢]- في ز: \"أتشكروه\".\n[¬٣]- في ز: \"وتطيعوه\".\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- سقط من: خ.","vol":"7","page":57},{"text":"كن فيه وجد بهن [¬١] حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله، ومن كان [] [¬٢] أن يلقى في النار أحب إليه من [¬٣] أن يرجع إلى الكفر بعد إذ أنقذه الله منه\".\nبل حب رسول الله، ﷺ، مقدم على الأولاد والأموال والنفوس، كما ثبت في الصحيح (^١١٠) أنه، ﷺ، قال: \"والذي نفسي بيده، لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه وأهله وماله والناس أجمعين\".\n﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢٩)﴾\nقال ابن عباس والسدي، ومجاهد، وعكرمة، والضحاك، وقتادة، ومقاتل بن حيان: ﴿فُرْقَانًا﴾: مخرجًا [¬٤]. زاد مجاهد: في الدنيا والآخرة.\nوفي رواية عن ابن عباس: ﴿فُرْقَانًا﴾: نجاة. وفي رواية عنه: نصرًا.\nوقال محمَّد بن إسحاق: ﴿فُرْقَانًا﴾ أي: فصلًا بين الحق والباطل.\nوهذا التفسير من ابن إسحاق أعم مما تقدم، وهو [¬٥] يستلزم ذلك كله؛ فإن من اتقى الله بفعل أوامره، وترك زواجره، وفق لمعرفة الحق من الباطل، فكان ذلك سبب نصره ونجاته ومخرجه من أمور الدنيا، وسعادته يوم القيامة، وتكفير ذنوبه وهو ومحوها، وغفرها و[¬٦] سترها عن الناس - سببًا لنيل ثواب الله الجزيل، كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.\n﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٣٠)﴾\n_________\n(^١١٠) - صحيح البخاري برقم (١٤).\n_________\n[¬١]- سقط من: ت.\n[¬٢]- في ز، خ: يحب.\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- في خ: \"نجاة\".\n[¬٥]- في ز: \"وقد\".\n[¬٦]- سقط من: ز، خ.","vol":"7","page":58},{"text":"قال ابن عباس ومجاهد وقتادة: ﴿لِيُثْبِتُوكَ﴾ ليقيدوك [¬١]. وقال عطاء وابن زيد: ليحبسوك. وقال السدي: الإثبات هو الحبس والوثاق.\nوهذا يشمل ما قاله هؤلاء وهؤلاء، وهو مجمع الأقوال، وهو الغالب من صنيع من أراد غيره بسوء.\nوقال سُنَيْد (^١١١)، عن حجاج، عن ابن جريج، قال عطاء: سمعت عُبيد بن عُمير يقول: لما ائتمروا بالنبي، ﷺ، ليثبتوه أو يقتلوه أو يخرجوه، قال له عمه أبو طالب: هل تدري ما ائتمروا بك؟ قال: \"يريدون أن يسحروني [¬٢] أو يقتلوني أو يخرجوني\". فقال من أخبرك [¬٣] بهذا؟ قال: \"ربي\". قال: نِعْم الرب ربك، استوص به خيرًا. قال [¬٤]: \"أنا أستوصي به! بل هو يستوصي بي\".\nوقال أبو جعفر بن جرير (^١١٢): حدثني محمد بن إسماعيل البصري [¬٥] المعروف بالوساوسي، أخبرنا عبد الحميد بن أبي روَّاد [¬٦]، عن ابن جريج، عن عطاء، عن عبيد بن عمير، عن المطلب بن أبي وداعة، أن أبا طالب قال لرسول اللَّه ﷺ: ما يأتمر بك قومك؟ قال: \"يريدون أن يسحروني [¬٧] أو يقتلوني أو يخرجوني\". فقال: من أخبرك [¬٨] بهذا؟ قال: \"ربي\". قال: نعم الرب ربك، فاستوص به خيرًا. قال: \"أنا أستوصي به؟! بل هو يستوصي بي\". قال: فنزلت: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ﴾ الآية.\nوذِكْرُ أبي طالب في هذا غريب جدًّا؛ بل منكر؛ لأن هذه الآية مدنية، ثم إن هذه القصة، واجتماع قريش على هذا الائتمار والمشاورة على الإِثبات أو النفي أو القتل، إنما كان ليلة الهجرة سواء، وكان ذلك بعد موت أبي طالب بنحو من ثلاث سنين، لا تمكنوا منه واجترءوا عليه بعد [¬٩] موت عمه أبي طالب، الذي كان يحوطه وينصره ويقوم بأعبائه، والدليل على صحة ما قلنا - ما رواه الإِمام محمد بن إسحاق بن يسار صاحب المغازي، عن عبد اللَّه بن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: وحدثني الكلبي، عن باذان\n_________\n(^١١١) - رواه ابن جرير في تفسيره (١٣/ ١٥٩٦٤).\n(^١١٢) - تفسير ابن جرير (١٣/ ١٥٩٦٣).\n_________\n[¬١]- في ز: \"ليعتدوك\".\n[¬٢]- في خ: \"يسجنوني\".\n[¬٣]- في ز: \"خبرك\".\n[¬٤]- في ز: \"فقال\".\n[¬٥]- في ز: \"المصري\".\n[¬٦]- في ز: \"داود\".\n[¬٧]- في خ: \"يسجنوني\".\n[¬٨]- في ز: \"خبرك\".\n[¬٩]- في ت: \"بسبب\".","vol":"7","page":59},{"text":"مولى أم هانئ عن ابن عباس، أن نفرًا من قريش من أشراف كل قبيلة، اجتمعوا ليدخلوا دار الندوة، فاعترضهم إبليس في صورة شيخ جليل، فلما رأوه قالوا له: من أنت؟ قال: شيخ من أهل [¬١] نجد، سمعت أنكم اجتمعتم، فأردت أن أحضركم، ولن يعدمكم رأى ونصحي. قالوا: أجل، ادخل. فدخل معهم، فقال: انظروا في شأن هذا الرجل، والله ليوشكن أن يواثبكم في أمركم بأمره. قال: فقال قائل منهم: احبسوه في وثاق، ثم تربصوا به ريب [¬٢] المنون حتى يهلك، كما هلك من كان قبله من الشعراء: زهير والنابغة، إنما هو كأحدهم. قال: فصرخ عدو اللَّه الشيخ النجدي فقال: والله ما هذا لكم برأي، واللَّه ليخرجنه ربه من محبسه إلى أصحابه، فليوشكن أن يثبوا عليه حتى يأخذوه من أيديكم، فيمنعوه منكم، فما آمن عليكم أن يخرجوكم من بلادكم. قال: فانظروا في غير [¬٣] هذا.\nقال: [فقال] [¬٤] قائل منهم: أخرجوه من بين أظهركم فتستريحوا [¬٥] منه، فإنه إذا خرج بين يضركم ما صنع وأين وقع، إذا غاب عنكم أذاه واسترحتم، وكان أمره في غيركم. فقال [¬٦] الشيخ النجدي: واللَّه ما هذا لكم برأي، ألم تروا حلاوة قوله [¬٧]، وطلاوة [¬٨] لسانه، وأخذ [¬٩] القلوب ما تسمع [¬١٠] من حديثه واللَّه لئن فعلتم [ثم استعرض العرب] [¬١١] ليجتمعن عليكم، ثم [¬١٢] ليأتين إليكم [¬١٣] حتى يخرجكم من بلادكم، ويقتل أشرافكم. قالوا: صدق والله. فانظروا بابًا [¬١٤] غير هذا.\nقال: فقال أبو جهل لعنه اللَّه: واللَّه لأشيرن عليكم برأي ما أراكم تصرمونه بعد، [لا أرى] [¬١٥] غيره. قالوا: وما هو؟ قال: نأخذ من كل قبيلة غلامًا شابًّا وسيطًا نهدًا، ثم يعطى كل غلام منهم سيفًا صارمًا، ثم يضربونه ضربة رجل واحد فإذا قتلوه تفرق دمه في القبائل، فما أظن هذا الحي من بني هاشم يقوون على حرب قريش كلها، فإنهم إذا رأوا ذلك قبلوا العقل واسترحنا، وقطعنا عنا أذاه.\nقال: فقال الشيخ النجدي: هذا واللَّه الرأي، القول ما قال الفتى لا رأي غيره. قال:\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من خ.\n[¬٥]- في ز: \"تستريحوا\"، وفي خ: \"لتستريحوا\".\n[¬٦]- في ز: \"وقال\".\n[¬٧]- سقط من: ز.\n[¬٨]- في خ: \"وطلاقاة\".\n[¬٩]- في ز: \"وأجد\".\n[¬١٠]- في ز: \"تشبع\".\n[¬١١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬١٢]- سقط من: ز.\n[¬١٣]- سقط من: ز، ت.\n[¬١٤]- في ت: \"رأيها\".\n[¬١٥]- في ز: \"ما رأى\".","vol":"7","page":60},{"text":"فتفرقوا على ذلك، وهم مجمعون له، فأتى جبريل النبي، ﷺ، فأمره أن لا يبيت فى مضجعه الذي كان يبيت فيه، وأخبره بمكر القوم؛ فلم يبت رسول اللَّه ﷺ في بيته تلك الليلة، وأذن اللَّه له عند ذلك بالخروج، وأنزل اللَّه عليه بعد قدومه المدينة الأنفال، يذكر نعمه عليه، وبلاءه عنده: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾. وأنزل فى قولهم: تربصوا به [ريب المنون] [¬١] حتى يهلك كما هلك من كان قبله من الشعراء: ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ﴾، وكان ذلك اليوم يسمى يوم الزحمة؛ للذي [¬٢] اجتمعوا عليه من الرأي (^١١٣).\nوعن السدي نحو هذا السياق، وأنزل اللَّه في إرادتهم إخراجه قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا﴾.\nوكذا روى العوفي، عن ابن عباس. وروي عن مجاهد وعروة بن الزبير وموسى بن عقبة وقتادة ومقسم وغير واحد نحو ذلك.\nوقال يونس بن بكير، عن ابن إسحاق: فأقام رسول اللَّه، ﷺ، ينتظر أمر اللَّه، حتى إذا اجتمعت قريش فمكرت به، وأرادوا به ما أرادوا، أتاه جبريل ﵇ فأمره أن لا يبيت في مكانه [الذي كان يبيت فيه] [¬٣]، فدعا [¬٤] رسول اللَّه ﷺ على بن أبي طالب، فأمره أن يبيت على فراشه، وأن يتسجى ببرد له أخضر، ففعل، ثم خرج رسول اللَّه ﷺ على القوم، وهم على بابه، وخرج معه بحفنة من تراب؛ فجعل يذرها على رءوسهم، وأخذ اللَّه أبصارهم عن نبيه محمد، ﷺ، وهو يقرأ: ﴿يس وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ [إلى قوله] [¬٥]: ﴿فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾.\nو[¬٦] قال الحافظ أبو بكر البيهقي (^١١٤): وروي عن [¬٧] عكرمة ما يؤكد هذا.\n_________\n(^١١٣) - رواه ابن جرير في تفسيره (١٣/ ١٥٩٦٥) من طريق ابن إسحاق به.\n(^١١٤) - دلائل النبوة للبيهقي (٢/ ٤٦٩، ٤٧٠).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في ز: \"الذي\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٤]- في ز: \"دعا\".\n[¬٥]- سقط من: خ.\n[¬٦]- سقط من: ز.\n[¬٧]- سقط من: خ.","vol":"7","page":61},{"text":"وقد روى ابن حبان فى صحيحه (^١١٥)، والحاكم في مستدركه، من حديث عبد اللَّه بن عثمان بن خثيم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: دخلت فاطمة على رسول اللَّه، ﷺ، وهي تبكي، فقال: \"ما يبكيك يا بنية؟ \" قالت: يا أبت، ومالي لا أبكي، وهؤلاء الملأ من قريش في الحجر، يتعاقدون [¬١] باللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى، لو قد رأوك لقاموا إليك فيقتلونك، وليس منهم إلا من قد عرف نصيبه من دمك. فقال: \"يا بنية، ائتني بوضوء\"، فتوضأ رسول اللَّه، ﷺ، ثم خرج إلى المسجد، فلما رأوه قالوا [¬٢]: إنما هو ذا. فطأطأوا رءوسهم، وسقطت أذقانهم بين أيديهم، فلم يرفعوا أبصارهم، فتناول رسول اللَّه ﷺ قبضة من تراب فحصبهم بها، وقال: \"شاهت الوجوه\". فما أصاب رجلًا منهم حصاة من حصياته، إلا قتل يوم بدر كافرًا.\nثم قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، ولا أعرف له علة.\nوقال الإِمام أحمد (^١١٦): حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، أخبرنى عثمان الجزري [¬٣]، عن مقسم مولى ابن عباس، أخبره عن ابن عباس في قوله: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ﴾ قال: تشاورت قريش ليلة [¬٤] بمكة، فقال بعضهم: إذا أصبح فأثبتوه بالوثاق. يريدون النبى ﷺ. وقال بعضهم: بل اقتلوه. وقال بعضهم: بل أخرجوه. فاطلع اللَّه نبيه، ﷺ، على ذلك، فبات علي ﵁ على فراش رسول اللَّه، ﷺ، وخرج النبي ﷺ حتى لحق بالغار، وبات المشركون يحرسون عليًّا يحسبونه النبي، ﷺ، فلما أصبحوا ثاروا إليه؛ فلما رأوا عليًّا ردّ اللَّه تعالى مكرهم، فقالوا: أين صاحبك هذا؟ قال: لا\n_________\n(^١١٥) - صحيح ابن حبان برقم (١٦٩١ موارد) والمستدرك (٣/ ١٥٧). والحديث في إسناده مسلم بن خالد الزنجي؛ إلا أنه توبع، ورواه أبو نعيم في دلائل النبوة (١٣٩)، وأخرجه سعيد بن منصور (٢/ ٣٧٨٩ رقم (٢٩١٣) من طريق إسماعيل بن عياش، وأحمد (١/ ٣٠٣) من طريق إسحاق بن عيسى، حدثنا يحيى ابن سليم، و(١/ ٣٦٨) من طريق عبد الرزاق، عن معمر، والبيهقي في الدلائل (٦/ ٢٤٠) من طريق أبي نعيم، عن بكر بن عياش - جميعهم - عن عبد اللَّه بين عثمان بين خثيم بهذا الإسناد. وأخرجه أيضًا الحاكم (٣/ ١٥٧) من طريق أبي بكر بن عياش، عن عبد اللَّه بن عثمان بن خثيم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن فاطمة مختصرًا وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.\n(^١١٦) - المسند (١/ ٣٤٨) وأورده الهيثمي في المجمع (٢٧/ ٧) وقال: \"فيه عثمان بن عمرو الجزري وثقه ابن حبان وضعفه غيره، وبقية رجاله رجال الصحيح\".\n_________\n[¬١]- فى م: \"يتعاهدون\".\n[¬٢]- فى ز: \"فقالوا\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"الجريري\".\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.","vol":"7","page":62},{"text":"أدري. فاقتصوا أثره، فلما بلغوا الجبل اختلط عليهم، فصعدوا في الجبل، فمرّوا بالغار، فرأوا على بابه نسج العنكبوت، فقالوا: لو دخل هاهنا لم يكن نسج العنكبوت على بابه. فمكث فيه ثلاث ليال.\nوقال محمد بن إسحاق (^١١٧)، عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عروة بن الزبير في قوله: ﴿وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ أي: فمكرت بهم [¬١] بكيدي المتين حتى خلصتك منهم.\n﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٣١) وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٢) وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (٣٣)﴾\nيخبر تعالى عن كفر قريش وعتوهم وتمردهم وعنادهم ودعواهم الباطل عند سماع آياته، حين [¬٢] تتلى عليهم؛ أنهم يقولون: ﴿قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا﴾. وهذا منهم قول بلا فعل، وإلا فقد تحدّوا غير ما مرة أن يأتوا بسورة من مثله، فلا يجدون إلى ذلك سبيلًا، وإنما هذا القول منهم يغرون به أنفسهم ومن تبعهم [¬٣] على باطلهم.\nوقد قيل: إن القائل لذلك هو النضر بن الحارث، لعنه اللَّه، كما قد نص على ذلك سعيد بن جبير والسدي وابن جريج وغيرهم، فإنه لعنه اللَّه كان قد ذهب إلى بلاد فارس، وتعلم من أخبار ملوكهم رستم واسفنديار [¬٤]، ولما قدم وجد رسول اللَّه، ﷺ، قد بعثه اللَّه، وهو يتلو على الناس القرآن، فكان إذا قام، ﷺ، من مجلس جلس فيه النضر فيحدثهم [¬٥] من أخبار أولئك، ثم يقول: بالله أينا [¬٦] أحسن\n_________\n(^١١٧) - رواه ابن جرير موقوفًا على ابن إسحاق (١٣/ ١٥٩٧٥).\n==\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في خ: \"إذا\".\n[¬٣]- في ز: \"اتبعهم\".\n[¬٤]- في ز: \"اسفنذياد\"، خ: \"اسفنذيار\".\n[¬٥]- في ت: \"فحدثهم\".\n[¬٦]- في ز، خ: \"أيهما\".","vol":"7","page":63},{"text":"قصصًا: أنا أو محمد؟ ولهذا لما أمكن الله تعالى منه يوم بدر، ووقع في الأسارى؛ أمر رسول اللَّه ﷺ أن تضرب رقبته صبرًا بين يديه، ففعل ذلك ولله الحمد، وكان الذي أسره المقداد بن الأسود ﵁ كما قال ابن جرير:\nحدثنا محمد بن بشار (^١١٨)، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير؛ قال: قتل النبيُّ ﷺ يوم بدر صبرًا عقبة بن أبي معيط، وطعيمة بن عدي، والنضر بن الحارث، وكان المقداد أسر النضر، فلما أمر بقتله قال المقداد: يا رسول اللَّه، أسيري. فقال رسول اللَّه ﷺ: \"إنه كان يقول في كتاب اللَّه ﷿ ما يقول\". فأمر رسول اللَّه، ﷺ، بقتله، فقال المقداد: يارسول اللَّه؛ أسيري. فقال رسول اللَّه ﷺ \"اللهم، أغن المقداد من فضلك\"، فقال المقداد: هذا الذي أردت. قال: وفيه أنزلت هذه الآية: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾.\nوكذا رواه هشيم (^١١٩)، عن أبي بشر جعفر بن أبي وحشية [¬١]، عن سعيد بن جبير، أنه قال: المطعم بن عدي بدل طعيمة وهو غلط؛ لأن المطعم بن عدي لم يكن حيًّا يوم بدر؛ ولهذا قال رسول اللَّه، ﷺ، يومئذ: \"لو كان المطعم حيًّا، ثم سألني في هؤلاء النَّتَنَى لوهبتهم له\" (^١٢٠)\nيعني [] [¬٢] الأسارى؛ لأنه كان قد أجار رسول اللَّه ﷺ يوم رجع من الطائف.\nومعنى ﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ وهو جمع أسطورة، أي: كتبهم اقتبسها فهو يتعلم منها، ويتلوها على الناس، وهذا هو الكذب البحت كما أخبر اللَّه عنهم في الآية الأخرى: ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ أي: لمن تاب إليه وأناب، فإنه يتقبل منه ويصفح عنه.\n_________\n(^١١٨) - تفسير ابن جرير (١٣/ ١٥٩٧٩).\n(^١١٩) - تفسير ابن جرير (١٣/ ١٥٩٨٠).\n(^١٢٠) - رواه البخاري، في كتاب فرض الخمس، باب: ما منَّ النبي ﷺ على الأسارى من غير الخمس، برقم (٣١٣٩) من حديث جبير بن مطعم، ﵁.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"حية\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"عن\".","vol":"7","page":64},{"text":"وقوله: ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ هذا من كثرة جهلهم وعتوهم وعنادهم وشدة تكذيبهم وهذا مما عيبوا به، وكان الأولى لهم أن يقولوا: اللهم، إن كان هذا هو الحق من عندك فاهدنا له ووفقنا لاتباعه، ولكن استفتحوا على أنفسهم، واستعجلوا العذاب، وتقديم العقوبة؛ كما قال تعالى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾. ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ﴾. ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ * لِلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ * مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ﴾. وكذلك قال الجهلة من الأمم السالفة، كما قال قوم شعيب له: ﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾. وقال هؤلاء: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾.\nقال شعبة، عن عبد الحميد صاحب الزيادي، عن أنس بن مالك، قال: هو أبو جهل ابن هشام؛ قال: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ فنزلت: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ الآية.\nرواه البخاري (^١٢١) عن أحمد ومحمد بن النضر، كلاهما عن عبيد اللَّه بن معاذ، عن أبيه، عن شعبة به.\nوأحمد هذا هو أحمد بن النضر بن عبد الوهاب، قاله الحاكم أبو أحمد، والحاكم أبو عبد اللَّه النيسابوري، واللَّه أعلم.\nوقال الأعمش، عن رجل، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله: ﴿[وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ] [¬١] فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ قال: هو النضر بن الحارث بن كَلَدَة قال: فأنزل اللَّه: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ لِلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ﴾. وكذا قال مجاهد وعطاء وسعيد بن جبير والسدي: إنه النضر بن الحارث. زاد عطاء: فقال الله تعالى: ﴿وَقَالُوا [¬٢] رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ﴾ وقال [¬٣]: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ وقال ﴿سَأَلَ\n_________\n(^١٢١) - صحيح البخارى في كتاب تفسير القرآن، باب: قوله: ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ﴾ برقم (٤٦٤٨) وطرفه (٤٦٤٩).\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.","vol":"7","page":65},{"text":"سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ لِلْكَافِرِينَ﴾ قال عطاء: ولقد أنزل اللَّه فيه بضع عشرة آية من كتاب اللَّه ﷿.\nوقال ابن مردويه: حدثنا محمد بن إبراهيم، حدثنا الحسن بن أحمد بن الليث، حدثنا أبو غسان [¬١]، [حدثنا أبو تميلة] [¬٢]، حدثنا الحسين، عن ابن بريدة، عن أبيه قال: رأيت عمرو بن العاص واقفًا يوم أحد على فرس، وهو يقول: اللهم، إن كان ما يقول محمد [¬٣] حقًّا، فاخسف بي وبفرسي.\nوقال قتادة في قوله: ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ﴾ الآية. قال: قال ذلك سفهة هذه الأمة وجهلتها، فعاد اللَّه بعائدته ورحمته على سفهة هذه الأمة وجهلتها.\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾.\nقال ابن أبي حاتم (^١٢٢): حدثنا أبي، حدثنا أبو حذيفة موسى بن مسعود، حدثنا عكرمة ابن [¬٤] عمار، عن أبي زميل سماك الحنفى، عن ابن عباس، قال: كان المشركون يطوفون بالبيت، ويقولون: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك، فيقول النبي ﷺ: \" قد قد \". ويقولون: [لبيك اللهم لبيك، لبيك] [¬٥] لا شريك لك، إلا شريكا هو لك، تملكه وما ملك، ويقولون: غفرانك غفرانك. فأنزل اللَّه: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾. قال ابن عباس: كان فيهم أمانان: النبي ﷺ، والاستغفار، فذهب النبي ﷺ، وبقي الاستغفار.\nوقال ابن جرير (^١٢٣): حدثني الحارث حدثنا عبد العزيز، حدثنا أبو معشر، عن يزيد بن رومان، ومحمد بن قيس، قالا: قالت قريش بعضها لبعض: محمد أكرمه اللَّه من بيننا: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾. فلما أمسوا [¬٦] ندموا على ما قالوا، فقالوا: غفرانك اللهم، فأنزل\n_________\n(^١٢٢) - تفسير ابن أبي حاتم (٥/ ٩٠١٧) ورواه ابن جرير في تفسيره (١٣/ ١٦٠٠٠) من طريق أبي حذيفة موسى بن مسعود، به.\n(^١٢٣) - تفسير ابن جرير (١٣/ ١٦٠٠١)\n_________\n[¬١]- في ز: \"عسان\".\n[¬٢]- في خ: \"عبيدة\".\n[¬٣]- في ز: \"محمدا\".\n[¬٤]- في ز: \"عن\".\n[¬٥]- ما ينن المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- في ز: \"أمنوا\".","vol":"7","page":66},{"text":"اللَّه: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾.\nوقال على بن أبي طلحة، عن ابن عباس ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ يقول: ما كان اللَّه ليعذب قومًا، وأنبياؤهم بين أظهرهم، حتى يخرجهم. ثم قال: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ يقول: وفيهم من قد سبق له من اللَّه الدخول في الإِيمان، وهو الاستغفار ﴿يَسْتَغْفِرُونَ﴾ يعني يصلون، يعني بهذا أهل مكة.\nوروي عن مجاهد وعكرمة وعطية العوفي وسعيد بن جبير والسدي - نحو ذلك.\nوقال الضحاك وأبو مالك: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ يعني المؤمنين الذين كانوا بمكة.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثني أبي، حدثنا عبد الغفار بن داود، حدثنا النضر بن عربي [¬١]؛ قال: قال ابن عباس: إن اللَّه جعل في هذه الأمة أمانين لا يزالون معصومين مجارين [¬٢] من قوارع العذاب، ما داما بين أظهرهم، فأمان قبضه اللَّه إليه، وأمان بقي فيكم. قوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾.\nوقال أبو صالح عبد الغفار: حدثني بعض أصحابنا، أن النضر بن عربي حدثه هذا الحديث، عن [¬٣] مجاهد، عن ابن عباس.\nوروى ابن مردويه وابن جرير (^١٢٤) عن أبي موسى الأشعري نحوًا [¬٤] من هذا، وكذا روي عن قتادة، وأبي العلاء النحوي المقرئ.\nوقال الترمذي (^١٢٥): حدثنا سفيان بن وكيع، حدثنا ابن نمير، عن إسماعيل بن إبراهيم ابن مهاجر، عن عباد بن يوسف، عن أبي بردة بن أبي موسى، عن أبيه؛ قال: قال رسول اللَّه ﷺ: \"أنزل اللَّه [¬٥] على أمانين لأمتي: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ\n_________\n(^١٢٤) - تفسير ابن جرير (١٣/ ١٦٠٠٣).\n(^١٢٥) - سنن الترمذي برقم (٣٠٨٢)، وقال الترمذي: \"هذا حديث غريب، وإسماعيل بن مهاجر يضعف في الحديث\". وعباد بن يوسف: مجهول.\n_________\n[¬١]- في خ: \"عدى\".\n[¬٢]- في ز: \"محبورين\".\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- في ز: \"نحو\".\n[¬٥]- سقط من: ز.","vol":"7","page":67},{"text":"لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾، فإذا مضيت تركت فيهم الاستغفار [إلى يوم القيامة] [¬١] \".\nويشهد لهذا ما رواه الإِمام أحمد في مسنده، والحاكم في مستدركه (^١٢٦)، من حديث عبد اللَّه بن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، عن دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد؛ أن رسول اللَّه، ﷺ، قال: \"إن الشيطان قال: وعزتك يارب، لا أبرح أغوي عبادك ما دامت أرواحهم في أجسادهم. فقال الرب: وعزتي وجلالي، لا أزال أغفر لهم ما استغفروني\".\nثم قال الحاكم: صحيح الإِسناد، ولم يخرجاه.\nوقال الإِمام أحمد (^١٢٧): حدثنا معاوية بن عمرو، حدثنا رشدين - هو ابن سعد - حدثني معاوية بن سعد التجيبي، عمن حدثه، عن فضالة بن عبيد، عن النبي، ﷺ، أنه قال: \"العبد آمن من عذاب اللَّه ما استغفر اللَّه ﷿\".\n﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا\n_________\n(^١٢٦) - إسناده ضعيف، وهو في المسند ١١٢٥٣ - (٣/ ٢٩)، والمستدرك (٤/ ٢٦١) وأخرجه أبو يعلى - (١٣٩٩) حدثنا زهير، عن الحسن بن موسى، عن ابن لهيعة به. وأخرجه عبد بن حميد في \"المنتخب\" (٩٣٢) والبغوي في شرح السنة (١٢٣٩) والبيهقي في \"الأسماء والصفات\" (ص ١٣٣ - ١٣٤) ورواه أحمد (١١٧٤٦) (٣/ ٧٦) من طرق، عن ابن لهيعة به، وزاد: \"وارتفاع مكاني\" وهى زيادة منكرة تفرد بها ابن لهيعة، حيث رواه عن دراج عمرو بن الحارث بدونها. أخرجه الحاكم (٤/ ٢٦١) من طريق عبد اللَّه بن وهب أخبرني عمرو بن الحارث عن دراج به. وقال صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وليس كما قالا لضعف دراج لاسيما في رواية عن أبي الهيثم. وأخرجه أبو يعلى (١٢٧٣)، والطبراني في الأوسط (٨٧٨٨) (٨/ ٣٣٣).\nورواه أحمد (١١٢٦٠، ١١٣٨٣) (٣/ ٢٩، ٤١) من طريق الليث بن سعد عن يزيد بن الهاد عن عمرو بن أبي عمرو عن أبي سعيد به نحوه. قال الشيخ الألباني في الصحيحة - (١/ ١٦٤): \"هذا إسناد رجاله ثقات رجال الشيخين لكنه منقطع بين عمرو - وهو ابن أبي عمرو مولى المطلب - وبين أبي سعيد الخدري؛ فإنهم لم يذكروا لعمرو رواية عن أحد من الصحابة غير أنس بن مالك … ..\nوالحديث ذكره الهيثمي في \"المجمع\" - (١٠/ ٢١٠) وقال: رواه أحمد وأبو يعلى بنحوه. والطبراني في الأوسط، وأحد إسنادي أحمد رجاله رجال الصحيح، وكذلك أحد إسنادي أبي يعلى.\n(^١٢٧) - المسند ٢٣٩٩٩ - (٦/ ٢٠). وإسناده ضعيف لضعف رشدين بن سعد وجهالة شيخ معاوية بن سعد.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.","vol":"7","page":68},{"text":"أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٣٤) وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٣٥)\nيخبر تعالى أنهم أهل لأن يعذبهم، ولكن لم يوقع ذلك بهم؛ لبركة مقام الرسول، ﷺ، بين أظهرهم؛ ولهذا لما خرج من بين أظهرهم أوقع اللَّه بهم بأسه يوم بدر، فقتل صناديدهم، وأسرت سراتهم، وأرشدهم تعالى إلى الاستغفار من الذنوب، التي هم متلبسون بها من الشرك والفساد.\nقال قتادة والسدي وغيرهما [¬١]: لم يكن القوم يستغفرون، ولو كانوا يستغفرون ما عذبوا.\nواختاره ابن جرير؛ فلولا ما كان بين أظهرهم من المستضعفين من المؤمنين المستغفرين؛ لأوقع [¬٢] بهم البأس الذي لا يرد، ولكن دفع عنهم بسبب أولئك، كما قال تعالى في يوم الحديبية: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾.\nقال ابن جرير (^١٢٨): حدثنا ابن حميد، حدثنا يعقوب، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن ابن أبزى، قال: كان النبي، ﷺ، بمكة، فأنزل اللَّه: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾. قال: فخرج النبي، ﷺ، إلى المدينة، فأنزل اللَّه: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾. قال: وكان أولئك البقية من المسلمين [¬٣] الذين بقوا فيها، يستغفرون - يعنى: بمكة - فلما خرجوا أنزل اللَّه: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ﴾ قال: فأذن اللَّه في فتح مكة، فهو العذاب الذي وعدهم.\nوروي عن ابن عباس وأبي مالك والضحاك وغير واحد - نحو هذا.\nوقد قيل: إن هذه الآية ناسخة لقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ\n_________\n(^١٢٨) - رواه ابن جرير (١٣/ ١٥٩٩٠).\n_________\n[¬١]- في ز: \"وغيرهم\".\n[¬٢]- في ت: \"لوقع\".\n[¬٣]- في ز: \"المؤمنين\".","vol":"7","page":69},{"text":"يَسْتَغْفِرُونَ﴾ على أن يكون المراد صدور الاستغفار منهم أنفسهم.\nقال ابن جرير (^١٢٩): حدثنا ابن حميد، حدثنا يحيى بن واضح، عن الحسين بن واقد، عن يزيد النحوي، عن عكرمة والحسن البصري، قالا: قال في الأنفال: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾، فنسختها الآية التي تليها: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ﴾ إلى قوله: ﴿فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ فقوتلوا [¬١] بمكة، فأصابهم فيها الجوع والضر.\nوكذا رواه ابن أبي حاتم، من حديث أبي تميلة [¬٢] يحيى بن واضح.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح، حدثنا حجاج بن محمد، عن ابن جريج وعثمان بن عطاء، عن عطاء، عن ابن عباس: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ ثم استثنى أهل الشرك فقال: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾.\nوقوله: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾. أي: وكيف لا يعذبهم اللَّه، وهم يصدون عن المسجد الحرام، أي: الذي بمكة، يصدون المؤمنين الذين هم أهله عن الصلاة عنده والطواف به؛ ولهذا قال: ﴿وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ﴾ أي هم ليسوا أهل المسجد الحرام، وإنما أهله النبي، ﷺ، وأصحابه، كما قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ [¬٣] اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾، وقال تعالى: ﴿وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ الآية.\nوقال الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسير هذه الآية (^١٣٠): حدثنا سليمان بن أحمد - هو الطبراني - حدثنا جعفر بن إلياس بن - صدقة المصري، حدثنا نعيم بن حماد، حدثنا نوح ابن أبي مريم، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن أنس بن مالك ﵁ قال:\n_________\n(^١٢٩) - رواه ابن جرير (١٢/ ١٦٠١٧).\n(^١٣٠) - رواه الطبراني في المعجم الأوسط برقم (٥٠٠٢) \"مجمع البحرين\" وقال: \"لم يروه عن يحيى إلا نوح تفرد به نعيم\". وقال الهيثمي في المجمع (١٠/ ٢٦٩): \"فيه نوح بن أبي مريم وهو ضعيف\".\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"فقاتلوا\".\n[¬٢]- فى خ: \"عمرو\".\n[¬٣]- في ز: \"مسجد\".","vol":"7","page":70},{"text":"سئل رسول اللَّه، ﷺ، من آلُك؟ قال: \"كل تقي\". وتلا رسول اللَّه ﷺ ﴿إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ﴾.\nوقال الحاكم في مستدركه (^١٣١): حدثنا أبو بكر الشافعي، حدثنا إسحاق بن الحسن، حدثنا أبو حذيفة، حدثنا سفيان، عن عبد اللَّه بن عثمان بن خثيم [¬١]، عن إسماعيل بن عبيد بن رفاعة، عن أبيه، عن جده قال: جمع رسول اللَّه، صلى اللَّه عليه وملم، قريشًا [¬٢] فقال: \"هل فيكم من غيركم؟ \". فقالوا: فينا ابن أختنا [¬٣]، وفينا حليفنا، وفينا مولانا. فقال: \"حليفنا منا، وابن أختنا [¬٤] منا، ومولانا منا، إن أوليائي منكم المتقون\".\nثم قال: هذا صحيح، ولم يخرجاه.\nوقال عروة والسدي ومحمد بن إسحاق في قوله تعالى: ﴿إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ﴾ قال: هم محمد ﷺ وأصحابه ﵃.\nوقال مجاهد: هم المجاهدون من كانوا، وحيث كانوا.\nثم ذكر تعالى ما كانوا يعتمدونه عند المسجد الحرام، وما كانوا يعاملونه به؛ فقال: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾.\nقال عبد اللَّه بن عمر [¬٥]، وابن عباس، ومجاهد وعكرمة، وسعيد بن جبير وأبو رجاء العطاردي، ومحمد بين كعب القرظي، وحجر بن عنبس، ونبيط بن شريط، وقتادة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم: هو الصفير. وزاد مجاهد: وكانوا يدخلون أصابعهم في أفواههم.\nوقال السدي: المكاء: الصفير، على نحو طير أبيض، يقال له: المكاء [¬٦]، ويكون بأرض الحجاز، والتصدية [¬٧]: [التصفيق [¬٨]].\n_________\n(^١٣١) - المستدرك (٢/ ٣٢٨)، ورواه أحمد من حديث وكيع، عن سفيان، عن ابن خثيم به نحوه وفيه زيادة.\n_________\n[¬١]- في ز: \"حسم\".\n[¬٢]- في ز: \"غيركم\".\n[¬٣]- في ز: \"أخينا\".\n[¬٤]- في ز: \"أخينا\".\n[¬٥]- في ز، خ: \"عمرو\".\n[¬٦]- في ز: \"المكائلون\".\n[¬٧]- في ز: \"وتصدية\".\n[¬٨]- سقط من: خ.","vol":"7","page":71},{"text":"قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو خلاد شمان بن خلاد، حدثنا يونس بن محمد المؤدب، حدثنا يعقوب - يعني ابن عبد اللَّه الأشعري - حدثنا جعفر بن [أبي [¬١]] المغيرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن - عباس في قوله: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾ قال: كانت قريش تطوف بالكعبة [¬٢] عراة تصفر وتصفق. والمكاء: الصفير. وإنما شبهوا بصفير الطير وتصدية التصفيق.\nوهكذا روى على بن أبي طلحة والعوفي، عن ابن عباس. وكذا روي عن ابن عمر ومجاهد، ومحمد بن كعب، وأبى سلمة بن عبد الرحمن، والضحاك وقتادة، وعطية العوفي، وحجر بن عَنْبَس [¬٣]، وابن أبزى نحو هذا.\nوقال ابن جرير (^١٣٢): حدثنا ابن بشار، حدثنا أبو عامر [¬٤]، حدثنا قرة، عن عطية، عن ابن عمر في قوله: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾ قال: المكاء: التصفير [¬٥]، والتصدية: التصفيق. قال قرة: وحكى لنا عطية فعل ابن عمر، فصفر ابن عمر، وأمال خده، وصفق بيديه.\nوعن ابن عمر أيضًا أنه قال: إنهم [¬٦] كانوا يضعون خدودهم على الأرض، ويصفقون ويصفرون. رواه ابن أبي حاتم في تفسيره بسنده عنه.\nوقال عكرمة: كانوا يطوفون بالبيت على الشمال.\nقال مجاهد: وإنما كانوا يصنعون ذلك ليخلطوا بذلك على النبي، ﷺ، صلاته.\nوقال الزهري: يستهزئون بالمؤمنين.\nوفي سعيد بن جبير، وعبد الرحمن بن زيد ﴿وَتَصْدِيَةً﴾ قال: صدُّهم الناس عن سبيل اللَّه ﷿.\nقوله: ﴿فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ قال الضحاك، وابن جريج، ومحمد بن إسحاق: هو ما أصابهم يوم بدر من القتل والسبي. واختاره ابن جرير ولم يحك غيره.\n_________\n(^١٣٢) - رواه ابن جرير (١٣/ ١٦٠٢٩).\n_________\n[¬١]- سقط من: ر، خ.\n[¬٢]- في خ: بالبيت.\n[¬٣]- فى خ: \"عبس\".\n[¬٤]- فى ز: \"عمر\" والمثبت من ابن جرير، وخ.\n[¬٥]- فى ز، خ: \"الصفير\".\n[¬٦]- سقط من: ز.","vol":"7","page":72},{"text":"وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد؛ قال: عذاب أهل الإِقرار بالسيف، وعذاب أهل التكذيب بالصيحة والزلزلة.\n﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (٣٦) لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٣٧)﴾\nقال محمد بن إسحاق (^١٣٣): حدثني الزهري ومحمد بن يحيى بن حَبَّان [¬١]، وعاصم ابن عمر بن قتادة، والحصين [¬٢] بن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد [¬٣] بن معاذ، قالوا: لما أصيبت [¬٤] قريش يوم بدر، ورجع فَلُّهم إلى مكة، ورجع أبو سفيان بعيره - مشى عبد اللَّه ابن أبي ربيعة، وعكرمة بن أبي جهل، وصفوان بن أمية في رجال من قريش، أصيب آباؤهم وأبناؤهم وإخوانهم ببدر، فكلموا أبا سفيان بن حرب، ومن كانت له في تلك [¬٥] العير من قريش تجارة، فقالوا: يا معشر قريش، إن محمدًا قد وتركم، وقتل خياركم؛ فأعينونا بهذا المال على حربه، لعلنا أن ندرك منه ثأرًا بمن [¬٦] أصيب منا! ففعلوا. قال: ففيهم [¬٧]- كما ذكر عن ابن عباس - أنزل اللَّه ﷿: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ إلى قوله [¬٨]: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾.\nوهكذا [¬٩] روي عن مجاهد، وسعيد بن جبير، والحكم بن عتيبة، وقتادة، والسدي، وابن أبزى: أنها نزلت في أبي سفيان ونفقته الأموال في أحد لقتال رسول اللَّه ﷺ.\n_________\n(^١٣٣) - ورواه ابن جرير في تفسيره (١٣/ ١٦٠٦٣)، وهو في السيرة لابن هشام (٣/ ٦٤).\n_________\n[¬١]- في خ: \"حسان\".\n[¬٢]- في ز: \"والحصن\".\n[¬٣]- في خ: \"سعيد\".\n[¬٤]- في ز: \"أصيب\".\n[¬٥]- في ز، خ: \"ذلك\".\n[¬٦]- في ز: \"بن\".\n[¬٧]- في ز: \"فيهم\".\n[¬٨]- سقط من: ز، خ.\n[¬٩]- في خ: \"وكذا\".","vol":"7","page":73},{"text":"وقال الضحاك: نزلت فى أهل بدر.\nوعلى كل تقدير فهي عامة، وإن كان سبب نزولها خاصًّا، فقد أخبر تعالى أن الكفار ينفقون أموالهم ليصدوا عن اتباع طريق الحق، فسيفعلون ذلك، ثم [¬١] تذهب أموالهم، ﴿ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً﴾ أي ندامة حيث لم تُجْدِ شيئًا؛ لأنهم أرادوا إطفاء نور اللَّه، وظهور كلمتهم على كلمة الحق، والله متم نوره ولو كره الكافرون، وناصر دينه، ومعلن كلمته، ومظهر دينه على كل دين، فهذا الخزي لهم في الدنيا، ولهم في الآخرة عذاب النار؛ فمن عاش منهم رأى بعينه وسمع بأذنه ما يسوءه، ومن قتل منهم أو مات فإلى الخزي الأبدي والعذاب السرمدي؛ ولهذا قال: ﴿فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾.\nوقوله تعالى: ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾، قال على بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾: فيميز أهل السعادة من أهل الشقاء. وقال السدي: يميز المؤمن من الكافر. وهذا يحتمل أن يكون هذا التمييز في الآخرة، كقوله: ﴿ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ﴾. وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾، وقال في الآية الأخرى ﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾.\nويحتمل أن يكون هذا التمييز في الدنيا، بما يظهر من أعمالهم للمؤمنين، وتكون اللام معللة لما جعل اللَّه للكفار [¬٢] من مال، ينفقونه في الصد عن سبيل اللَّه، أي: إنما أقدرناهم على ذلك: ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ أي: من يطيعه بقتال أعدائه الكافرين؛ أو يعصيه بالنكول عن ذلك، كقوله: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ * وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ﴾ الآية، وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ﴾ الآية، وقال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾. ونظيرتها في براءة أيضًا.\nفمعنى الآية على هذا إنما ابتليناكم بالكفار يقاتلونكم، وأقدرناهم على إنفاق الأموال وبذلها في ذلك؛ ليميز اللَّه [¬٣] الخبيث من الطيب ويجعل [¬٤] الخبيث بعضه على بعض\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في خ: \"للكافرين\".\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- في ز: \"فيجعل\".","vol":"7","page":74},{"text":"[﴿فَيَرْكُمَهُ﴾ أي: يجمعه كله، وهو جمع الشيء بعضه على بعض،] [¬١] كما قال تعالى في السحاب: ﴿ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا﴾ أي: متراكما متراكبًا، ﴿فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ أي: هؤلاء هم الخاسرون في الدنيا والآخرة.\n﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ (٣٨) وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٣٩) وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (٤٠)\nيقول تعالى لنبيه محمد ﷺ: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا﴾ أي [¬٢]: عما هم فيه من الكفر والمشاقة والعناد، ويدخلوا في الإِسلام والطاعة والإنابة، يغفر لهم ﴿مَا قَدْ سَلَفَ﴾، أي: من كفرهم وذنوبهم وخطاياهم، كما جاء في الصحيح (^١٣٤) من حديث أبي وائل عن ابن مسعود ﵁؛ أن رسول اللَّه، ﷺ، قال: \"من أحسن في الإسلام لم يؤاخذ بما عمل في الجاهلية، ومن أساء في الإِسلام أخذ بالأول والآخر\".\nوفي الصحيح أيضًا (^١٣٥) أن رسول اللَّه ﷺ قال: \"الإِسلام يَجُبّ ما قبله، والتوبة تجب ما كان قبلها\".\nوقوله: ﴿وَإِنْ يَعُودُوا﴾ أي: يستمروا على ما هم فيه ﴿فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ﴾ أي: فقد مضت سنتنا في الأولين، أنهم إذا كذبوا، واستمروا على عنادهم، أنا نعاجلهم بالعذاب والعقوبة.\nقال مجاهد في قوله: ﴿فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ﴾ أي: في قريش يوم بدر، وغيرها من الأم. وقال السدي ومحمد بن إسحاق: أي: ويوم بدر.\nوقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ قال\n_________\n(^١٣٤) - صحيح البخارى، كتاب استتابة المرتدين برقم (٦٩٢١)، وصحيح مسلم، كتاب الإيمان برقم (١٢٠).\n(^١٣٥) - رواه أحمد من حديث عمرو بن العاص.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- سقط من: ز.","vol":"7","page":75},{"text":"البخاري (^١٣٦): حدثنا الحسن بن عبد العزيز [¬١]، حدثنا عبد اللَّه بن يحيى، حدثنا حَيْوَة بن شريح، عن بكر بن عمرو [¬٢]، عن بكير، عن نافع، عن ابن عمر، أن رجلًا جاءه فقال: يا أبا عبد الرحمن، ألا تسمع [¬٣] ما ذكر اللَّه في كتابه: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ الآية. فما يمنعك أن لا تقاتل، كما ذكر اللَّه في كتابه؟ فقال: يا بن أخي، أعير بهذه الآية ولا أقاتل أحب إلى من أن أعير بالآية التي يقول اللَّه، ﷿ ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ إلى آخر الآية. قال: فإن اللَّه تعالى يقول: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ قال ابن عمر: قد فعلنا على عهد رسول اللَّه، ﷺ، إذ كان الإِسلام قليلًا، وكان الرجل يفتن في دينه، إما أن يقتلوه، وإما أن يوثقوه، حتى كثر الإِسلام فلم تكن فتنة. فلما رأى أنه لا يوافقه فيما يريد، قال: فما قولك في على وعثمان؟ قال ابن عمر: أما قولي في على وعثمان؟ أما عثمان فكان اللَّه قد عفا عنه، وكرهتم أن يعفو اللَّه [¬٤] عنه، وأما على فابن عم رسول اللَّه، ﷺ، وخَتَنُه - وأشار بيده [¬٥]- وهذه ابنته - أو بنته - حيث ترون.\nوحدثنا أحمد بن يونس (^١٣٧)، حدثنا زهير، حدثنا بيان، أن وبرة حدثه، قال: حدثني سعيد بن جبير، قال: خرج علينا أو: إلينا ابن عمر ﵄ فقال رجل [¬٦]: كيف ترى في قتال الفتنة؟ فقال: وهل تدري ما الفتنة؟ كان محمد، ﷺ، يقاتل المشركين، وكان الدخول عليهم فتنة، وليس بقتالكم على الملك.\nهذا كله سياق البخاري رحمه اللَّه تعالى.\nوقال عبيد اللَّه، عن نافع، عن ابن عمر، أنه أتاه رجلان في فتنة ابن الزبير، فقالا: إن الناس قد صنعوا ما ترى، وأنت ابن عمر بن الخطاب، وأنت صاحب رسول اللَّه ﷺ، فما يمنعك أن تخرج؟ قال: يمنعني أن اللَّه حرم علي دم أخي المسلم؟ قالوا: أو لم يقل اللَّه: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ قال: قد قاتلنا حتى لم تكن فتنة، وكان الدين كله لله، وأنتم تريدون أن تقاتلوا حتى تكون فتنة، ويكون الدين لغير اللَّه.\n_________\n(^١٣٦) - صحيح البخاري، كتاب تفسير القرآن برقم (٤٦٥٠).\n(^١٣٧) - رواه البخارى برقم (٤٦٥١).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"الرحمن\".\n[¬٢]- في ت: \"عمر\".\n[¬٣]- في خ: \"تصنع\".\n[¬٤]- سقط من: ز.\n[¬٥]- في ز: \" بيديه \".\n[¬٦]- سقط من: ز، خ.","vol":"7","page":76},{"text":"وكذا رواه حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن أيوب بن عبد اللَّه اللخمي، قال: كنت عند عبد اللَّه بن عمر، ﵄، فأتاه رجل، فقال: إن اللَّه يقول: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾.\nفقال ابن عمر: قاتلت أنا وأصحابي حتى كان الدين كله لله، وذهب الشرك، ولم تكن فتنة، ولكنك وأصحابك تقاتلون حتى تكون فتنة، ويكون الدين لغير اللَّه. رواهما ابن مردويه.\nوقال أبو عوانة، عن الأعمش، عن إبراهيم التيمى، عن أبيه؛ قال: قال ذو البطين - يعني أسامة بن زيد: لا أقاتل رجلًا يقول: لا إله إلا اللَّه أبدًا. قال [¬١]: [فقال سعد بن مالك: وأنا والله، لا أقاتل رجلًا يقول: لا إله إلا اللَّه أبدًا] [¬٢]. فقال رجل: ألم يقل اللَّه: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ فقالا: قد قاتلنا حتى لم تكن خعنة، وكان الدين كله لله. رواه ابن مردويه.\nوقال الضحاك، عن ابن عباس: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ يعني: لا يكون شرك.\nوكذا قال أبو العالية، ومجاهد، والحسن، وقتادة، والربيع بن أنس، والسدي، ومقاتل ابن حيان [¬٣]، وزيد بن أسلم.\nوقال محمد بن إسحاق: بلغني عن الزهري، عن عروة بن الزبير وغيره من علمائنا: ﴿حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾: حتى لا يفتن مسلم عن دينه.\nوقوله: ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ قال الضحاك، عن ابن عباس في هذه الآية، قال.\n: يخلص التوحيد لله.\nوقال الحسن وقتادة وابن جريج: ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾: أن يقال: لا إله إلا اللَّه.\nوقال محمد بن إسحاق: ويكون التوحيد خالصًا لله، ليس فيه شرك، ويخلع ما دونه من الأنداد.\nوقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ لا يكون مع دينكم\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في خ: \" حبان \".","vol":"7","page":77},{"text":"كفر.\nويشهد لهذا [¬١] ما ثبت في الصحيحين (^١٣٨) عن رسول اللَّه، ﷺ، أنه قال: \"أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا اللَّه، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على اللَّه ﷿\".\nوفي الصحيحين (^١٣٩) عن أبي موسى الأشعري؛ قال: سئل رسول اللَّه، ﷺ، عن الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حمية، ويقاتل رياء، أي ذلك في سبيل اللَّه ﷿؟ فقال: \"من قاتل لتكون كلمة اللَّه هي العليا، فهو في سبيل اللَّه ﷿\".\nوقوله: ﴿فَإِنِ انْتَهَوْا﴾ [أي: بقتالكم عما هم فيه من الكفر، فكفوا عنهم، وإن لم تعلموا بواطنهم] [¬٢]، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾، كقوله: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. وفي الآية الأخرى: ﴿فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾. وقال: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾.\nوفي الصحيح (^١٤٠) أن رسول اللَّه، ﷺ، قال لأسامة لما علا ذلك الرجل بالسيف، فقال: لا إله إلا اللَّه. فضربه فقتله، فذكر ذلك لرسول اللَّه، ﷺ، فقال لأسامة: \"أقتلته بعد ما قال: لا إله إلا اللَّه؟ وكيف تصنع بلا إله إلا اللَّه يوم القيامة؟ \". فقال: يا رسول اللَّه، إنما قالها تعوذًا. قال: \"هلا شققت عن قلبه؟ \". وجعل يقول ويكرر عليه: \"من لك بلا إله إلا اللَّه يوم القيامة؟ \" قال أسامة: حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت إلا ذلك اليوم.\nوقوله: ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ أي: وإن استمروا على خلافكم ومحاربتكم، فاعلموا أن اللَّه مولاكم و[¬٣] سيدكم وناصركم على أعدلكم، فنعم المولى ونعم النصير.\n_________\n(^١٣٨) - رواه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان برقم (٢٥)، ومسلم في صحيحه، كتاب الإيمان برقم (٢٢) من حديث عبد اللَّه بن عمر بن الخطاب، ﵄.\n(^١٣٩) - صحيح البخاري، كتاب الجهاد والسير برقم (٢٨١٠)، وصحيح مسلم، كتاب الإمارة برقم (١٩٠٤).\n(^١٤٠) - صحيح البخاري، كتاب المغازي برقم (٤٢٦٩)، وصحيح مسلم، كتاب الإيمان برقم (٩٦).\n_________\n[¬١]- في ز: \"له\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٣]- سقط من: ز.","vol":"7","page":78},{"text":"وقال محمد بن جرير (^١٤١): حدثني عبد الوارث بن عبد الصمد، حدثنا أبي، حدثنا أبان العطار، حدثنا هشام بن عروة، عن عروة، أن عبد الملك بن مروان كتب إليه يسأله عن أشياء، فكتب إليه عروة: سلام عليك؛ فإنى أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو. أما بعد، فإنك كتبت إلى تسألني عن مخرج رسول الله، ﷺ، من مكة، وسأخبرك به، ولا حول ولا قوة إلا بالله: كان من شأن خروج [¬١] رسول الله ﷺ من مكة، أن الله أعطاه النبوة، فنعم النبي، ونعم السيد، ونعم العشيرة، فجزاه الله خيرًا، وعرفنا وجهه في الجنة، وأحيانا على ملته، [وأماتنا عليها] [¬٢]، وبعثنا عليها، وأنه لما دعا قومه لما بعثه الله له [¬٣] من الهدى والنور الذي أنزل عليه، لم يبعدوا منه أول ما دعاهم إليه [¬٤]، وكادوا يسمعون منه، حتى إذا [¬٥] ذكر طواغيتهم، وقدم ناس من الطائف من قريش لهم أموال، أنكر ذلك عليه ناس، واشتدوا عليه، وكرهوا ما قال، وأغروا به من أطاعهم، فانصفق عنه عامة الناس فتركوه، إلا من حفظه الله منهم، وهم قليل، فمكث بذلك ما قدر الله أن يمكث، ثم ائتمرت رءوسهم بأن يفتنوا من اتبعه عن دين الله، من أبنائهم وإخوانهم وقبائلهم، فكانت فتنة شديدة الزلزال، فافتتن من افتتن، وعصم الله من شاء منهم، فلما فُعِل ذلك بالمسلمين، أمرهم رسول الله، ﷺ، أن يخرجوا إلى أرض الحبشة، وكان بالحبشة ملك صالح يقال له: النجاشي، لا يظلم أحد بأرضه، وكان يُثنَى عليه مع ذلك، وكانت أرض الحبشة متجرًا لقريش يتجرون فيها، وكانت مَسْكَنًا لتجارهم، يجدون [¬٦] فيها رفاغا [¬٧] من الرزق، وأمنًا ومتجرًا حسنًا، فأمرهم [¬٨] بها النبي، ﷺ، فذهب إليها عامتهم لما قهروا بمكة، وخاف عليهم الفتن، ومكث هو فلم يبرح، فمكث بذلك سنوات يشتدون على من أسلم منهم، ثم إنه فشا الإِسلام فيها، ودخل فيه رجال من أشرافهم ومنعتهم.\nفلما رأوا ذلك استرخوا استرخاءة [¬٩] عن رسول الله، ﷺ، وعن\n_________\n(^١٤١) - تفسير ابن جرير (١٣/ ٥٣٩ - ٥٤٣) رقم (١٦٠٨٣).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"مخرج\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في ت: \"به\".\n[¬٤]- سقط من: خ.\n[¬٥]- سقط من: ت.\n[¬٦]- في ز: \"يتخذون\".\n[¬٧]- في ز: \"رفاعا\"، خ: \"رقاعًا\".\n[¬٨]- في ز: \"وأمرهم\".\n[¬٩]- سقط من: ز، خ.","vol":"7","page":79},{"text":"أصحابه، وكانت الفتنة الأولى هي التي [¬١] أخرجت من خرج [¬٢] من أصحاب رسول الله ﷺ قِبَل أرض الحبشة مخافتها، وفرارًا مما كانوا فيه من الفتن والزلزال، فلما استرخي عنهم، ودخل في [¬٣] الإسلام من دخل منهم، تحدث باسترخائهم عنهم، فبلغ ذلك من كان بأرض الحبشة من أصحاب رسول الله، ﷺ، أنه قد استرخي عمن كان منهم بمكة، وأنهم لا يفتنون. فرجعوا إلى مكة، وكادوا يأمنون بها، وجعلوا يزدادون [¬٤] ويكثرون، وأنه أسلم من الأنصار بالمدينة ناس كثير، وفشا الإسلام بالمدينة، وطفق أهل المدينة يأتون رسول الله، ﷺ، بمكة، فلما رأت قريش ذلك تآمرت على أن يفتنوهم ويشتدوا، فأخذوهم فحرصوا على أن يفتنوهم، فأصابهم جهد شديد، فكانت الفتنة الأخيرة؛ فكانت فتنتان، فتنة أخرجت من خرج منهم إلى أرض الحبشة، حين أمرهم النبي، ﷺ، بها، وأذن لهم في الخروج إليها. وفتنة لما رجعوا ورأوا من يأتيهم من أهل المدينة.\nثم إنه جاء رسول الله، ﷺ، من المدينة سبعون نقيبًا، رءوس الذين أسلموا فوافوه بالحج، فبايعوه بالعقبة، وأعطوه عهودهم و[] [¬٥]، على أنا منك وأنت منا، وعلى أن [¬٦] من جاء من أصحابك أو جئتنا، فإنا نمنعك مما نمنع منه أنفسنا. فاشتدت عليهم قريش عند ذلك، فأمر رسول الله، ﷺ، أصحابه أن يخرجوا إلى المدينة، وهي الفتنة الآخرة التي أخرج فيها رسول الله، ﷺ، أصحابه، وخرج هو. وهي التي أنزل الله ﷿ فيها: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾.\nثم رواه عن يونس بن عبد الأعلى (^١٤٢)، عن ابن وهب، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، عن عروة بن الزبير أنه كتب إلى الوليد - يعني ابن عبد الملك بن مروان - بهذا … فذكر مثله. وهذا صحيح إلى عروة، ﵀.\nوَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى﴾\n_________\n(^١٤٢) - تفسير ابن جرير (١٣/ ٥٤٢). رقم (١٦٠٨٤).\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢] في ز: \"أخرجت\".\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- في ز: \"يزادون\".\n[¬٥]- في ت: ومواثيقهم.\n[¬٦]- في ز: \"أنه\".","vol":"7","page":80},{"text":"عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤١)﴾\nيبين تعالى تفصيل ما شرعه مخصصًا لهذه الأمة الشريفة، من بين سائر الأمم المتقدمة [من إحلال المغانم] [¬١]. والغنيمة هي المال المأخوذ من الكفار بإيجاف الخيل. والركاب والفيء ما أخذ منهم بغير ذلك؛ كالأموال التي يصالحون عليها، أو يتوفون عنها ولا وارث لهم، والجزية والخراج ونحو ذلك، هذا مذهب الإمام الشافعي في طائفة من علماء [¬٢] [] [¬٣] السلف والخلف.\nومن العلماء من يطلق الفيء على ما تطلق عليه الغنيمة والغنيمة على الفيء أيضًا؛ ولهذا ذهب قتادة إلى أن هذه الآية ناسخة لآية الحشر: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ﴾.\nقال: فنسخت آية الأنفال تلك، وجعلت الغنائم أربعة أخماسها [¬٤] للمجاهد [¬٥]، وخمسًا منها لهؤلاء المذكورين، وهذا الذي قاله بعيد؛ لأن هذه الآية نزلت بعد وقعة بدر، وتلك نزلت في بني النضير، ولا خلاف بين علماء السير والمغازي قاطبة أن بني النضير بعد بدر، وهذا أمر لا يشك فيه ولا يرتاب، فمن يفرق بين معنى الفيء والغنيمة يقول: تلك نزلت في أموال الفيء، وهذه في المغانم. ومن يجعل أمر المغانم والفيء راجعًا [¬٦] إلى رأي الإمام يقول: لا منافاة بين آية الحشر وبين التخميس، إذا رآه الإمام، والله أعلم.\nفقوله [¬٧] تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ توكيد لتخميس كل قليل وكثير، حتى الخيط والخيط، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾.\nوقوله: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ اختلف المفسرون هاهنا، فقال بعضهم: لله نصيب من الخمس، يجعل في الكعبة.\nقال أبو جعفر الرازي (^١٤٣)، عن الربيع، عن أبي العالية الرياحي، قال: كان رسول. الله، ﷺ، يؤتى بالغنيمة، فيقسمها [¬٨] على خمسة، تكون أربعة أخماس\n_________\n(^١٤٣) - رواه ابن جرير في تفسيره (١٣/ ٥٥٠) رقم (١٦١٠٢).\n_________\n[¬١]- في خ: \"بإحلال الغنائم\".\n[¬٢]- في ز: \"العلماء\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين فى ز: \"من\".\n[¬٤] في ت: \"أخماس\".\n[¬٥]- سقط من: ز، خ.\n[¬٦] في ز: \"راجع\".\n[¬٧]- فى ز: \"وقوله\".\n[¬٨]- فى ت: \"فيخمسها\".","vol":"7","page":81},{"text":"لمن شهدها، ثم يأخذ الخمس فيضرب بيده فيه، فيأخذ منه الذي قبض كفه، فيجعله للكعبة، وهو سهم الله، ثم يقسم ما بقي على خمسة أسهم؛ فيكون سهم للرسول، وسهم لذوي القربى، وسهم لليتامى، وسهم للمساكين، وسهم لابن السبيل.\nوقال آخرون: ذكر اللَّه هاهنا استفتاح كلام للتبرك، وسهم لرسوله ﵇.\nقال الضحاك، عن ابن عباس ﵄: كان رسول الله، ﷺ، إذا بعث سرية فغنموا، خمس الغنيمة؛ فضرب ذلك الخمس في خمسة [¬١]، ثم قرأ: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ مفتاح كلام: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾، فجعل سهم الله وسهم الرسول، ﷺ، واحدًا، وهكذا قال إبراهيم النخعي، والحسن بن محمد ابن الحنفية، والحسن البصري والشعبي، وعطاء بن أبي رباح، وعبد الله بن بريدة، وقتادة ومغيرة وغير واحد: إن سهم الله ورسوله واحد.\nويؤيد هذا ما رواه الإِمام الحافظ أبو بكر البيهقي بإسناد صحيح (^١٤٤)، عن عبد [¬٢] الله بن شقيق، عن رجل [من بلقين (*)] [¬٣] قال: أتيت النبي، ﷺ، وهو بوادي القرى، وهو يعرض فربما، فقلت: يا رسول الله، ما تقول في الغنيمة؟ فقال: \"لله خمسها، وأربعة أخماسها للجيش\". قلت: فما أحد أولى به من أحد؟ قال: \"لا، ولا السهم تستخرجه من جيبك ليس أنت أحق به من أخيك المسلم\".\nوقال ابن جرير (^١٤٥): حدّثنا عمران بن موسى، حدثنا عبد الوارث، حدثنا أبان، عن الحسن، قال: أوصى [أبو بكر] [¬٤] بالخمس من ماله، وقال: ألا أرضى من مالي بما رضي الله لنفسه.\nثم اختلف قائلوا هذا القول، فروى على بن أبي طلحة، عن ابن عباس؛ قال: كانت الغنيمة تقسم [¬٥] على خمسة أخماس، فأربعة منها بين من قاتل عليها، وخمس واحد يقسم على أربعة أخماس: فربع لله وللرسول [ﷺ، ولذي القربى - يعني قرابة\n_________\n(^١٤٤) - السنن الكبرى (٦/ ٣٢٤).\n(^١٤٥) - تفسير ابن جرير (١٣/ ٥٥٠) رقم (١٦٠٩٩).\n(*) - بلقين: أصله: بنو القين، حي من بني أسد، تخفف العرب ذلك كما قالوا: بلحارث وبلهجيم. يعنون بني الحارث وبني الهجيم. تاج العروس.\n_________\n[¬١]- في ت: \"خمس\".\n[¬٢]- في ز: \"عبيد\".\n[¬٣]- في الدر: من بلقين عن ابن عم له.\n[¬٤]- في خ: \"الحسن\".\n[¬٥]- في ت: \" تخمس\".","vol":"7","page":82},{"text":"النبي ﷺ] [¬١] فما كان لله وللرسول فهو لقرابة النبي، ﷺ، ولم يأخذ النبى، ﷺ، من الخمس شيئًا، [والربع الثاني لليتامى، والربع الثالث للمساكين، والربع الرابع لابن السبيل] [¬٢].\nوقال ابن أبي حاتم: ثنا أبي، ثنا أبو معمر المنقري، ثنا عبد الوارث بن سعيد، عن حسين المعلم، عن عبد الله بن بريدة في قوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ قال: الذي لله فلنبيه، والذي للرسول لأزواجه.\nوقال عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء بن أبي رباح؛ قال: خمس الله والرسول واحد، كان [¬٣] يحمل منه ويصنع [¬٤] فيه ما شاء، يعني النبى ﷺ (^١٤٦).\nوهذا أعم وأشمل، وهو [أن الرسول] [¬٥]، ﷺ، يتصرف في الخمس الذي جعله الله له بما شاء، ويرده في أمته كيف شاء، ويشهد لهذا ما رواه الإِمام أحمد حيث قال (^١٤٧): حدثنا إسحاق بن عيسى، حدثنا إسماعيل بن عياش، عن أبي بكر بن عبد الله بن أبي مريم، عن أبي سلام [¬٦] الأعرج، عن المقدام بن معد يكرب الكندي، أنه جلس مع عبادة بن الصامت، وأبي الدرداء، والحارث بن معاوية الكندي ﵃ فتذاكروا حديث رسول الله، ﷺ، فقال أبو الدرداء لعبادة: يا عبادة، كلمات رسول الله، ﷺ، في غزوة كذا وكذا في شأن الأخماس. فقال عبادة: إن رسول الله، ﷺ، صلى بهم في غزوة إلى بعير من المغنم، فلما سلم قام\n_________\n(^١٤٦) - تفسير ابن جرير (١٣/ ٥٥٠) رقم (١٦١٠٠).\n(^١٤٧) - المسند (٤/ ٣١٥، ٣١٦) رقم (٢٢٧٨٣، ٢٢٨٠٢) وإسناده ضعيف من أجل أبي بكر بن عبد الله بن أبي مريم. والحديث أخرجه الطبراني في الأوسط كما في مجمع البحرين (٥/ ١٣/ رقم: ٢٦٢٤) من طريق محمد بن عبد الله الحضرمي، عن عبد الله بن سالم، عن عبيدة بن الأسود، عن القاسم بن الوليد، عن أبى صادق، عن ربيعة بن ناجد، عن عبادة بن الصامت. وأخرجه ابن أبى عاصم في الجهاد حديث (٥) بنفس الإسناد، وأخرجه من طرق أخرى حديث (٦ و٧). وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد مفرقًا بعضه في (٥/ ٢٧٢) وعزاه لأحمد والطبراني في الكبير والأوسط بأطول من هذا، وقال: \"وأحد أسانيد أحمد وغيره ثقات\". وفي (٥/ ٣٣٨) وعزاه لأحمد وقال: \"وفيه أبو بكر بن أبي مريم، وهو ضعيف\".\n_________\n[¬١]-[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- زيادة عن ابن جرير.\n[¬٤]- في تفسير ابن جرير: يضع.\n[¬٥]- في خ: \"أنه\".\n[¬٦]- في خ: \"إسلاح\".","vol":"7","page":83},{"text":"رسول الله ﷺ فتناول وبرة بين أنملتيه، فقال: \"إن هذه من غنائمكم، وإنه ليس لي فيها إلا نصيبي معكم، إلا [¬١] الخمس، والخمس مردود عليكم؛ فأدوا الخيط والمخيط، وأكبر من ذلك وأصغر، ولا تغلّوا؛ فإن الغلول عار ونار على أصحابه في الدنيا والآخرة، وجاهدوا الناس في الله القريب والبعيد، ولا تبالوا في الله لومة لائم، وأقيموا حدود الله في السفر والحضر؛ [] [¬٢] وجاهدوا في [سبيل] [¬٣] الله، فإن الجهاد باب من أبواب الجنة، ينجي الله به من الهم والغم\".\nهذا حديث حسن عظيم، ولم أره في شيء من الكتب الستة من هذا الوجه، ولكن روى الإمام أحمد أيضًا، وأبو داود، والنسائي من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده عبَد الله بن عمرو (^١٤٨)، عن رسول الله، ﷺ، نحوه في قصة الخمس، والنهي عن الغلول.\nوعن عمرو بن عبسة [¬٤]، أن رسول الله، ﷺ، صلى بهم إلى بعير من المغنم فلما سلم، أخذ وبرة من هذا [¬٥] البعير، ثم قال: \"ولا يحل لى من [¬٦] غنائمكم مثل هذه إلا الخمس، والخمس مردود فيكم\". رواه أبو داود والنسائي (^١٤٩).\nوقد كان للنبي، ﷺ، من المغانم [¬٧] شيء يصطفيه لنفسه: عبد [¬٨] أو أمة، أو فرس [¬٩]، أو سيف [¬١٠]، أو نحو ذلك. كما نص عليه محمد بن سيرين، وعامر الشعبي، وتبعهما على ذلك أكثر العلماء.\nوروى الإِمام أحمد، والترمذي - وحسنه - عن ابن عباس (^١٥٠): أن رسول الله، صلى\n_________\n(^١٤٨) - المسند (٢/ ١٨٤) وسنن أبي داود، كتاب الجهاد، باب: فداء الأسير بالمال برقم (٢٦٩٤). والنسائي فى الهبة (٣٦٨٨)، وفى قسم الفيء (٤١٣٩).\n(^١٤٩) - سنن أبي داود، كتاب الجهاد برقم (٢٧٥٥) من حدث الوليد بين عتبة، عن الوليد بن مسلم قال: حدثنا عبد الله بن العلاء أنه سمع أبا إسلام الأسود قال: سمعت عمرو بن عبسة فذكره، والوليد بن مسلم ثقة إلا أنه يدلس ويسوي، وقد صرح بالتحديث والسماع فى كافة الإسناد فانتفت العلتان.\n(^١٥٠) - المسند (١/ ٢٧١)، وسنن الترمذى برقم (١٥٦١)، وابن ماجه حدث (٢٨٠٨)،=\n_________\n[¬١]- سقط من: ت.\n[¬٢]- في ز: \"وجاهدوا في الله\".\n[¬٣]- سقط من: خ.\n[¬٤]- في ز، خ: \"عنبسة\".\n[¬٥]- في خ: \"ذلك\".\n[¬٦]- في ز، خ: \"في\".\n[¬٧]- في ز، خ: \"الغنيمة\".\n[¬٨]- في ز، خ: \"عبدًا\".\n[¬٩]- في ز، خ: \"فرسًا\".\n[¬١٠]- في ز، خ: \"سيفًا\".","vol":"7","page":84},{"text":"الله عليه وسلم، تنفل سيفه ذا [¬١] الفقار يوم بدر، وهو الذي رأى فيه الرؤيا يوم أحد\nوعن عائشة، ﵂ قالت: كانت صفية من الصفي. رواه أبو داود في سننه (^١٥١).\nوروى أيضًا بإسناده (^١٥٢)، والنسائي أيضًا عن يزيد بن عبد الله قال: كنا بالمربد، إذ دخل رجل معه قطعة أديم، فقرأناها فإذا فيها: \"من محمد رسول الله إلى بني زهير بن أقيش، إنكم إن شهدتم أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وأقمتم الصلاة، وآتيتم الزكاة، وأديتم الخمس من المغنم، وسهم النبي ﷺ، وسهم الصفي؛ أنتم آمنون بأمان الله ورسوله\"، فقلنا: من كتب لك هذا؟ فقال: رسول الله ﷺ.\nفهذه أحاديث جيدة تدل على تقرير هذا وثبوته، ولهذا جعل ذلك كثيرون من الخصائص له صلوات الله وسلامه عليه، وقال آخرون: إن الخمس يتصرف فيه الإِمام بالمصلحة للمسلمين، كما يتصرف في مال الفيء.\nوقال شيخنا اللإِمام العلامة ابن تيمية ﵀: وهذا قول مالك وأكثر السلف، وهو أصح الأقوال.\nفإذا ثبت هذا وعلم، فقد اختلف أيضًا في الذي كان يناله ﵇ من الخمس، ماذا صنع به من بعده؟ فقال قائلون: يكون لمن يلي الأمر من بعده. روي هذا عن أبي بكر، وعلى، وقتادة وجماعة. وجاء فيه حديث مرفوع (^١٥٣).\nوقال آخرون: يصرف في مصالح المسلمين.\nوقال آخرون: بل هو مردود على بقية الأصناف: ذوي القربى، واليتامى، والمساكين، وابن السبيل. اختاره ابن جرير.\n_________\n= وقال الترمذى: هذا حديث حسن غريب، إنما نعرفه من هذا الوجه من حديث ابن أبي الزناد، وقد اختلف أهل العلم في النفل من الخمس.\n(^١٥١) - سنن أبي داود، كتاب الخراج والإمارة والفيء، باب: ما جاء في سهم الصفي برقم (٢٩٩٤).\n(^١٥٢) - سنن أبي داود، كتاب الخراج والإمارة والفيء، باب: ما جاء في سهم الصفي حديث (٢٩٩٩)، والنسائي (٧/ ١٣٤).\n(^١٥٣) - رواه البيهقي في السنن الكبرى (٦/ ٣٠٣) من طريق الوليد بن جميع عن أبي الطفيل: لما سألت فاطمة أبا بكر عن الخمس فقال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"إذا أطعم الله نبيًّا طعمة ثم قبضه كانت للذي يلي بعده\" فلما وليت رأيت أن أرده على المسلمين.\n_________\n[¬١]- في خ: \"ذو\".","vol":"7","page":85},{"text":"وقال آخرون: بل سهم النبي ﷺ، وسهم ذوي القربى مردودان على اليتامى، والمساكين، وابن السبيل. قال ابن جرير: وذلك قول جماعة من أهل العراق.\nوقيل: إن الخمس جميعه لذوي القربى، كما رواه ابن جرير (^١٥٤): حدثنا الحارث، حدثنا عبد العزيز، حدثنا عبد الغفار، حدثنا المنهال بن عمرو: سألت عبد الله بن محمد بن علي، وعلى بن الحسين عن [¬١] الخمس، فقالا: هو لنا. فقلت لعلي: فإن الله يقول: ﴿وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ فقالا: يتامانا ومساكيننا.\nوقال سفيان الثوري، وأبو نعيم، وأبو أسامة، عن قيس بن مسلم، سألت الحسن بن محمد ابن الحنفية [¬٢] رحمه الله تعالى، عن قول الله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾، فقال: هذا مفتاح كلام الله، الدنيا والآخرة. ثم اختلف الناس في هذين السهمين بعد وفاة رسول الله، ﷺ، فقال قائلون: سهم النبي ﷺ تسليمًا للخليفة من بعده، وقال قائلون: لقرابة النبي ﷺ. وقال قائلون [¬٣]: سهم القرابة لقرابة الخليفة، [واجتمع رأيهم] [¬٤] أن يجعلوا هذين السهمين فى الخيل والعدة في سبيل الله، فكانا على ذلك فى خلافة أبي بكر وعمر ﵄.\n[قال الأعمش، عن إبراهيم: كان أبو بكر وعمر] [¬٥] يجعلان سهم النبي، ﷺ في الكراع والسلاح؛ فقلت لإبراهيم: ما كان على يقول فيه؟ قال: كان أشدهم فيه.\nوهذا قول طائفة كثيرة من العلماء ﵏.\nوأما سهم ذوي القربى، فإنه يصرف إلى بني هاشم وبني المطلب؛ لأن بني المطلب وازروا بني هاشم فى الجاهلية، [وفي أول الإِسلام] [¬٦]، ودخلوا معهم فى الشعب غضبًا لرسول الله، ﷺ، وحماية له: مسلمهم طاعة لله ولرسوله، وكافرهم حمية للعشيرة وأنفة، وطاعة لأبي طالب عم رسول الله ﷺ. وأما بنو عبد شمس وبنو نوفل، وإن كانوا بني [¬٧] عمهم، فلم يوافقوهم على ذلك، بل حاربوهم\n_________\n(^١٥٤) - التفسير (١٣/ ١٦١٢٨).\n_________\n[¬١]- في ز: \"على\".\n[¬٢]- في ت: \"الحنيفة\".\n[¬٣]- فى ت: \"آخرون\".\n[¬٤]- في ز: \"فاجتمع قولهم على\".\n[¬٥]- سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٧]- في ز: \"ابنا\"، خ: \"أبناء\".","vol":"7","page":86},{"text":"ونابذوهم ومالئوا [¬١] بطون قريش على حرب الرسول، ولهذا كان ذم أبي طالب لهم [¬٢] في قصيدته اللامية أشد من غيرهم؛ لشدة قربهم، ولهذا يقول في أثناء قصيدته:\nجزى الله عنا عبد شمس ونوفلا … [عقوبة [¬٣] [شر عاجل] [¬٤] غير آجل] [¬٥]\nبميزان قسط لا يخيس شعيرة … له شاهد من نفسه غير عائل\nلقد سفهت أحلام قوم تبدلوا … بني [¬٦] خَلفَ قيضًا بنا والغياطل\nونحن الصميم من ذؤابة هاشم … وآل قصي في الخطوب الأوائل\nوقال جبير [¬٧] بن مطعم بن عدي [بن نوفل] [¬٨]: مشيت أنا وعثمان بن عفان يعني ابن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس إلى رسول الله، ﷺ، فقلنا: يا رسول الله، أعطيت بني المطلب من خمس خيبر، وتركتنا ونحن وهم منك بمنزلة واحدة. فقال: \"إنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد\". رواه مسلم (^١٥٥).\nوفي بعض روايات هذا الحديث: \"إنهم لم يفارقونا في جاهلية ولا إسلام\" (^١٥٦).\nوهذا قول جمهور العلماء، إنهم بنو هاشم وبنو المطلب.\nقال ابن جرير: وقال آخرون: هم بنو هاشم. ثم روى عن خصيف عن مجاهد قال: علم الله أن في بني هاشم فقراء، فجعل لهم الخمس مكان الصدقة.\nوفي رواية عنه، قال: هم قرابة رسول الله، ﷺ، الذين لا تحل لهم الصدقة.\nثم روى عن علي بن الحسين نحو ذلك.\nقال ابن جرير (^١٥٧): وقال آخرون بل هم قريش كلها.\n_________\n(^١٥٥) - رواه البخاري في فرض الخمس، باب: من الدليل على أن الخمس للإمام حديث (٣١٤٠)، وأبو داود (٢٩٧٨، ٢٩٧٩، ٢٩٨٠) والنسائي في قسم الفيء (٤١٣٦، ٤١٣٧)، وابن ماجه في الجهاد (٢٨٨١) وأحمد (١٦٢٩٩ ط: إحياء التراث) ولم نقف عليه عند مسلم.\n(^١٥٦) - سنن النسائي، باب: قسم الفيء (٧/ ١٣٠) رقم (٤١٣٧).\n(^١٥٧) - تفسير ابن جرير (١٣/ ٥٥٥) رقم (١٦١١٧).\n_________\n[¬١]- في ز: \"قالوا\".\n[¬٢]- سقط من: ت.\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- في ز: \"بشر عاجلًا\".\n[¬٥]- في حاشية (ز): \"عقوبة سوء من غرام مماثل\".\n[¬٦]- في خ: \"بنو\".\n[¬٧]- في ز، خ: \"ابن جبير\".\n[¬٨]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.","vol":"7","page":87},{"text":"[حدثني يونس بن عبد الأعلى، حدثني عبد الله بن نافع، عن أبي معشر، عن سعيد المقبري] [¬١] قال: كتب نجدة إلى عبد الله بن عباس يسأله عن ذوي القربى؛ فكتب إليه ابن عباس كنا نقول: إنا هم، فأبى علينا ذلك قومنا، وقالوا: قريش كلها ذوو قربى.\nوهذا الحديث [] [¬٢] صحيح، رواه [¬٣] مسلم (^١٥٨) وأبو [¬٤] داود، والترمذي، والنسائي من حديث سعيد المقبري، [عن يزيد بن هرمز، أن نجدة كتب إلى ابن عباس يسأله عن ذوي القردى] [¬٥] فذكره، إلى قوله: فأبى ذلك [¬٦] علينا قومنا.\nوالزيادة من أفراد أبي معشر نجيح بن عبد الرحمن المدني، وفيه ضعف.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا إبراهيم [¬٧] بن مهدي المصيصي، حدثنا المعتمر ابن سليمان، عن أبيه، عن حنش، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال رسول الله، ﷺ: \"رغبت لكم عن غسالة الأيدي؛ لأن لكم من خمس الخمس ما يغنيكم \"أو \"يكفيكم\".\nهذا حديث حسن الإسناد، وإبراهيم بن مهدي هذا وثقه أبو حاتم، وقال يحيى بن معين: يأتي بمناكير (^١٥٩)، واللَّه أعلم [¬٨].\nوقوله: ﴿وَالْيَتَامَى﴾ أي أيتام المسلمين، واختلف العلماء هل يختص بالأيتام الفقراء، أو يعم الأغنياء والفقراء؟ على قولين.\nوالمساكين هم المحاويج، الذين لا يجدون ما يسد خلتهم ومسكنتهم.\n﴿وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ هو المسافر أو المريد للسفر إلى مسافة تقصر فيها الصلاة، وليس له ما ينفقه في سفره ذلك. و[¬٩] سيأتي تفسير ذلك في آية الصدقات من [¬١٠] سورة براءة إن شاء الله وبه الثقة وعليه التكلان.\n_________\n(^١٥٨) - صحيح مسلم برقم (١٨١٢) وسنن أبي داود برقم (٢٩٨٢)، وسنن الترمذي برقم (١٥٥٦) وسنن النسائي (٧/ ١١٢٨)، وهو عند أبي داود والنسائي من حديث الزهري عن يزيد.\n(^١٥٩) - انظر: ميزان الاعتدال للذهبي (١/ ٦٨).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين مكرر في: خ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز: \"في\".\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- في ز: \"وأبي\".\n[¬٥]- سقط: من: ز، خ.\n[¬٦]- سقط من: ز، خ.\n[¬٧]- سقط من: ت.\n[¬٨]- سقط من: ز.\n[¬٩]- سقط من: خ.\n[¬١٠]- في ز: \"في\".","vol":"7","page":88},{"text":"وقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ أي: امتثلوا ما شرعنا لكم من الخمس في الغنائم، إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر، وما أنزل على رسوله، ولهذا جاء في الصحيحين من حديث عبد الله بن عباس (^١٦٠)، في حديث وفد عبد القيس، أن رسول الله، ﷺ، قال لهم: \"وآمركم بأربع وأنهاكم عن أربع: آمركم بالإيمان بالله\" ثم قال: \"هل تدرون ما الإيمان بالله؟ شهادة أن لا إله إلَّا الله وأن محَمدًا رسول الله، وإقام الصَّلاة وإيتاء الزكاَة، وأن تؤدوا الخمس من المغنم\" الحديث بطوله، فجعل أداء الخمس من جملة الإيمان، وقد بوب البُخاريّ على ذلك في كتاب الإيمان من صحيحه، فقال: \"باب أداء الخمس من الإيمان\" ثم أورد حديث ابن عباس هذا، وقد بسطنا الكلام عليه [¬١] في شرح البُخاريّ، ولله الحمد والمنة (^١٦١).\nوقال مقاتل بن حيان [¬٢]: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا [يَوْمَ الْفُرْقَانِ﴾ أي: في القسمة. وقوله ﴿يَوْمَ الْفُرْقَانِ] [¬٣] يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ينبه تعالى على نعمته وإحسانه إلى خلقه، بما فرق به بين الحق والباطل ببدر، ويسمى الفرقان؛ لأنَّ الله تعالى أعلى فيه كلمة الإِيمان على كلمة الباطل، وأظهر دينه ونصر نبيه وحزبه.\nقال على بن أبي طلحة والعوفي عن ابن عباس: يوم الفرقان يوم بدر، فرق الله فيه بين الحق والباطل. رواه الحاكم.\nوكذا قال مجاهد، ومقسم، وعبيد الله بن عبد الله والضَّحَّاك وقتادة ومقاتل بن حيان وغير واحد: إنَّه يوم بدر.\nوقال عبد الرَّزاق، عن معمر، عن الزُّهريّ، عن عروة بن الزُّبير في قوله: ﴿يَوْمَ الْفُرْقَانِ﴾ يوم فرق الله بين الحق والباطل، وهو يوم بدر، وهو أول مشهد شهده رسول الله، ﷺ، وكان رأس المشركين عتبة بن ربيعة؛ فالتقوا يوم الجمعة لتسع عشرة أو سبع عشرة مضت من رمضان، وأصحاب رسول الله، ﷺ، يومئذٍ ثلاثمائة وبضعة عشر رجلًا، والمشركون بين الألف والتسعمائة، فهزم الله المشركين، وقتل منهم زيادة على السبعين، وأسر منهم مثل ذلك.\n_________\n(^١٦٠) - صحيح البُخاريّ كتاب الإيمان، باب: أداء الخمس من الإيمان برقم (٥٣) وصحيح مسلم، كتاب الإيمان برقم (١٧).\n(^١٦١) - وانظر كلام الحافظ ابن حجر في: فتح الباري (١/ ١٢٩ - ١٣٥).\n_________\n[¬١]- سقط من: ت.\n[¬٢]- في خ: \"حبان\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"7","page":89},{"text":"وقد روى الحاكم في مستدركه (^١٦٢)، من حديث الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن ابن مسعود قال في ليلة القدر: تحررها لإحدى عشرة يبقين، فإن في [¬١] صبيحتها يوم بدر؛ وقال: على شرطهما.\nوروي مثله عن عبد الله بن الزُّبير أيضًا، من حديث جعفر بن برقان، عن رجل عنه.\nوقال ابن جرير (^١٦٣): حدّثنا ابن حميد، حدثنا يحيى بن واضح، حدّثنا يَحْيَى بن يعقوب أبو طالب، عن ابن عون، عن محمَّد بن عبد الله الثَّقفيُّ، عن أبي عبد الرحمن السلمي قال: قال [] [¬٢] الحسن بن علي: كانت ليلة الفرقان، يوم التقى الجمعان، لسبع عشرة [¬٣] من رمضان، إسناد جيد قوي.\nورواه ابن مردويه، عن أبي عبد الرحمن عبد الله بن حبيب، عن علي قال: كانت ليلة الفرقان ليلة التقى الجمعان في صبيحتها ليلة الجمعة، لسبع عشرة مضت من شهر رمضان.\nوهو الصَّحيح عند أهل المغازي والسير.\nوقال يزيد بن أبي حبيب [¬٤] إمام أهل الديار المصرية في زمانه: كان [يوم بدر] [¬٥] يوم الإثنين. ولم يتابع على هذا، وقول الجمهور مقدم عليه، والله أعلم.\n﴿إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ (٤٢)﴾\nقول تعالى [مخبرًا عن] [¬٦] يوم الفرقان: ﴿إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا﴾ أي: إذ أنتم\n_________\n(^١٦٢) - المستدرك (٣/ ٢٠).\n(^١٦٣) - تفسير ابن جرير (١٣/ ٥٦٢) رقم (١٦١٣٥) ويحيى بن يعقوب: منكر الحديث.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- في ز، خ: \"كان\".\n[¬٣]- في م: \"عشر\".\n[¬٤]- في (ز) الكلمة غير واضحة وهي تشبه بـ \"سعيد\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ت.\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"7","page":90},{"text":"نزول بعدوة الوادي الدُّنيا القريبة إلى المدينة، ﴿وَهُمْ﴾ أي: المشركين نزول ﴿بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى﴾ أي: البعيدة [من المدينة إلى] [¬١] ناحية مكّة، ﴿وَالرَّكْبُ﴾ أي: العير الذي فيه أبو سفيان بما معه من التجارة، ﴿أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾ أي: مما يلي سيف البحر، ﴿وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ﴾ [أي: أنتم والمشركون إلى مكان] [¬٢] ﴿لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ﴾.\nقال محمَّد بن إسحاق: وحدثني يَحْيَى بن عباد بن عبد الله بن الزُّبير عن أبيه في هذه الآية، قال: ولو كان ذلك عن ميعاد منكم ومنهم، ثم بلغكم كثرة عددهم وقلة عددكم؛ ما لقيتموهم، ﴿وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾ أي: ليقضي الله ما أراد بقدرته، من إعزاز الإسلام وأهله، وإذلال الشرك وأهله من [¬٣] غير ملأ منكم، ففعل ما أراد من ذلك بلطفه.\nوفي حديث كعب بن مالك قال (^١٦٤): إنَّما خرج رسول الله، ﷺ، والمسلمون يريدون عير قريش حتَّى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد.\nوقال ابن جرير (^١٦٥): حدثني يعقوب، حدثني ابن علية، عن ابن عون، عن عمير بن إسحاق قال: أقبل أبو سفيان في الركب من الشَّام، وخرج أبو جهل ليمنعه من رسول الله، ﷺ، وأصحابه، فالتقوا ببدر، ولا يشعر هؤلاء بهؤلاء ولا هؤلاء بهؤلاء حتَّى التقت السقاة، ونهد النَّاس بعضهم لبعض.\nوقال محمَّد بن إسحاق في السيرة (^١٦٦): ومضى رسول الله، ﷺ، على وجهه ذلك، حتَّى إذا كان قريبًا من الصفراء، بعث بسبس بن عمور [¬٤]، وعدي بن أبي الزغباء الجهنيين يلتمسان الخبر عن أبي سفيان؛ فانطلقا حتَّى إذا وردا بدرًا فأناخا بعيريهما إلى تل من البطحاء، فاستقيا في شن لهما من الماء فسمعا جاريتين تختصمان [¬٥]: تقول إحداهما [¬٦] لصاحبتها: اقضيني حقي، وتقول الأخرى: إنَّما تأتي [¬٧] العير غدًا أو بعد غد؛ فأقضيك حقك، فخلص بينهما مجدي بن عمرو، وقال: صدقت، فسمع ذلك [¬٨] بسبس\n_________\n(^١٦٤) - رواه البُخاريّ في صحيحه، كتاب المغازي، باب: قصَّة غزوة بدر برقم (٣٩٥١).\n(^١٦٥) - تفسير ابن جرير (١٣/ ٥٦٧) رقم (١٦١٤٨).\n(^١٦٦) - انظر: السيرة النبوية لابن هشام (١/ ٦١٧).\n_________\n[¬١]- في ز: \"التي من\" وسقط من: خ.\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في ز: \"عن\".\n[¬٤]- في خ: \"عمر\".\n[¬٥]- في ز، خ: \"تختصما\".\n[¬٦]- في ز: \"إحديهما\".\n[¬٧]- في خ: \"تأت\".\n[¬٨]- في خ: \"بذلك\".","vol":"7","page":91},{"text":"وعدي، فجلسا على بعيريهما حتَّى أتيا رسول الله ﷺ، فأخبراه الخبر.\nوأقبل أبو سفيان حين وليا وقد حدر، فتقدم أمام عيره، وقال لمجدي بن عمرو: هل أحسست على هذا الماء من أحد تنكره؟ فقال: لا والله، إلَّا أني قد رأيت راكبين أناخا إلى هذا التل، فاستقيا في شن لهما، ثم انطلقا. فجاء أبو سفيان إلى مناخ بعيريهما، فأخذ من أبعارهما ففته، فإذا فيه النوى، فقال: هذه والله علائف يثرب، ثم رجع سريعًا فضرب وجه عيره، فانطلق بها، فساحل حتَّى إذا رأى أنَّه قد أحرز عيره [بعث] [¬١] إلى قريش فقال: إن الله قد نجى عيركم وأموالكم ورجالكم فارجعوا.\nفقال أبو جهل: والله، لا نرجع حتى نأتي بدرًا - وكانت بدر سوقًا من أسواق العرب - فنقيم بها ثلاثًا، فنطعم بها الطَّعام، وننحر بها الجزر، ونسقي بها الخمر، وتعزف علينا القيان، وتسمع بنا العرب وبمسيرنا؛ فلا يزالون يهابوننا بعدها أبدًا.\nفقال الأخنس بن شريق: يا معشر بنى زهرة، إن الله قد نجى [¬٢] أموالكم ونجى صاحبكم فارجعوا؛ فأطاعوه [¬٣] فرجعت بنو زهرة، فلم يشهدوها ولا بنو عدي.\nقال محمَّد بن إسحاق (^١٦٧): وحدثني يزيد بن رومان، عن عروة بن الزُّبير قال: وبعث رسول الله ﷺ حين دنا من بدر على بن أبي طالب، وسعد بن أبي وقاص، والزبير بن العوام في نفر من أصحابه، يتجسسون له الخبر، فأصابوا سقاة لقريش؛ غلامًا لبني سعيد بن العاص، وغلامًا لبني الحجاج، فأتوا بهما رسول الله، ﷺ، فوجدوه يصلِّي، فجعل أصحاب رسول الله، ﷺ، يسألونهما: لمن أنتما؟ فيقولان: نحن سقاة لقريش، بعثونا نسقيهم من الماء، فكره القوم خبرهما، ورجوا أن يكونا لأبي سفيان، فضربوهما فلما أزلقوهما قالا: نحن لأبي سفيان؛ فتركوهما. وركع رسول الله ﷺ، وسجد سجدتين [¬٤]، ثم سلم وقال: \"إذا صدقاكم ضربتموهم وإذا كذباكم تركتموهما، صدقا والله إنهما لقريش، أخبراني عن قريش\". قالا: هم وراء هذا الكثيب الذي ترى بالعدوة القصوى، والكثيب: العقنقل، فقال لهما رسول الله ﷺ: \"كم القوم؟ \" قالا: كثير. قال: \"ما عدتهم؟ \" قالا: ما ندري. قال \"كم ينحرون كل يوم؟ \" قالا: يومًا تسعًا، ويوما عشرًا. قال رسول الله ﷺ: \"القوم ما بين التسعمائة إلى\n_________\n(^١٦٧) - انظر: السيرة النبوية لابن هشام (١/ ٦١٦).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٢]- حتى خ: \"أ نجى\".\n[¬٣]- سقط من: م.\n[¬٤]- في ز: \"سجدتيه\".","vol":"7","page":92},{"text":"الألف\"، ثم قال لهما: \"فمن فيهم من أشراف قريش؟ \" قالا: عتبة [¬١] بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأبو البختري [¬٢] بن هشام، وحكيم بن حزام، ونوفل بن خويلد، والحارث بن عامر بن نوفل، وطعيمة بن عدي بن [نوفل والنضر بن الحارث وزمعة بن الأسود وأبو جهل بن هشام وأمية بن] [¬٣] خلف ونبيه ومنبه ابنا الحجاج وسهيل بن عمرو وعمرو بن عبد ودّ، فأقبل رسول الله، ﷺ، على النَّاس فقال: \"هذه مكّة قد ألقت إليكم أفلاذ كبدها\".\nقال محمَّد بن إسحاق رحمه الله تعالى (^١٦٨): وحدثني عبد الله بن أبي بكر بن حزم أن سعد بن معاذ قال لرسول الله، ﷺ، لما التقى النَّاس يوم بدر: يا رسول الله، ألا نبنى لك عريشًا تكون فيه، وننيخ إليك ركائبك، ونلقى عدونا، فإن أظهرنا [¬٤] الله عليهم وأعزنا فذاك ما نحب، وإن تكن الأخرى فتجلس على ركائبك، وتلحق بمن وراءنا من قومنا، فقد والله تخلف عنك أقوام ما نحن بأشد لك حبًّا منهم، لو علموا أنك تلقى حربًا ما تخلفوا عنك، ويوازرونك وينصرونك. فأثنى عليه رسول الله، ﷺ، خيرًا ودعا له به، فبنى له عريش، فكان فيه رسول الله، ﷺ، وأبو بكر ما معهما غيرهما.\nقال ابن إسحاق (^١٦٩): وارتحلت قريش حين أصبحت، فلما أقبلت و[¬٥] رآها رسول الله، ﷺ، تصوب من العقنقل، وهو الكثيب الذي جاءوا منه إلى الوادي، فقال: \"اللَّهم هذه قريش قد أقبلت بخيلائها وفخرها؛ تحادّك وتكذب رسولك، اللَّهم أحنهم الغداة\".\nوقوله: ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ قال محمَّد بن إسحاق: أي ليكفر من كفر بعد الحجة، لما رأى من الآية والعبرة، ويؤمن من آمن على مثل ذلك. وهذا تفسير جيد، وبسط ذلك أنَّه تعالى يقول: إنما جمعكم مع عدوّكم في مكان واحد على غير ميعاد؛ لينصركم عليهم، ويرفع كلمة الحق على الباطل، ليصير الأمر ظاهرًا، والحجة قاطعة، والبراهين ساطعة، ولا يبقى لأحد حجة ولا شبهة، فحينئذ يهلك\n_________\n(^١٦٨) - انظر: السيرة النبوية لابن هشام (١/ ٢٦٠).\n(^١٦٩) - انظر: السيرة النبوية لابن هشام (١/ ٦٢١).\n_________\n[¬١]- في ز: \"علبة\"، خ: \"علية\".\n[¬٢]- في ز: \"البحتري\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- في خ: \"أظفرنا\".\n[¬٥]- سقط من: ز.","vol":"7","page":93},{"text":"من هلك أي: يستمر في الكفر من استمر فيه على بصيرة من أمره، أنَّه مبطل لقيام الحجة عليه، ﴿وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ﴾ أي: يؤمن [¬١] من آمن ﴿عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ أي: حجة وبصيرة. والإِيمان هو حياة القلوب، قال الله تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ﴾ وقالت عائشة في قصَّة الإِفك: فيَّ هلك من هلك؛ أي: قال فيها ما قال من [الكذب و] [¬٢] البهتان والإفك.\nوقوله: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ﴾ أي: لدعائكم وتضرعكم واستغاثتكم به. ﴿عَلِيمٌ﴾ أي: بكم، وأنكم [¬٣] تستحقون النصر على أعدائكم الكفرة المعاندين.\n﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٤٣) وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٤٤)﴾\nقال مجاهد: أراه [¬٤] الله إياهم [¬٥] في منامه قليلًا، وأخبر [¬٦] النبي ﷺ أصحابه بذلك، فكان تثبيتًا لهم. وكذا قال ابن إسحاق وغير واحد. وحكى ابن جرير عن بعضهم، أنه رآهم بعينه التي ينام بها.\nوقد روى ابن أبي حاتم: حدّثنا أبي، حدّثنا يوسف بن موسى المدبر، حدّثنا أبو قتيبة، عن سهل السراج، عن الحسن في قوله: ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا﴾ قال: بعينك.\nوهذا القول غريب، وقد صرح بالمنام ها هنا، فلا حاجة إلى التأويل الذي لا دليل عليه.\nوقوله: ﴿وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ﴾ أي: لجبنتم عنهم، واختلفتم فيما بينكم، ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ﴾ أي: من ذلك بأن أراكهم قليلًا ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ أي: بما تحته الضمائر، وتنطوي عليه الأحشاء؛ فـ ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾.\n_________\n[¬١]- في خ: \"يومئذ\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين زيادة من: ز.\n[¬٣]- في ز: \"فإنكم\".\n[¬٤]- في ز: \"أراهم\".\n[¬٥]- سقط من: ز.\n[¬٦]- في ز: \"فأخبر\".","vol":"7","page":94},{"text":"وقوله: ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ [¬١] قَلِيلًا﴾ وهذا أيضًا من لطفه تعالى بهم؛ إذ [¬٢] أراهم إياهم قليلًا في رأي العين؛ فيجرئهم [¬٣] عليهم، ويطمعهم فيهم.\nقال أبو إسحاق السبيعي (^١٧٠)، عن أبي عبيدة، عن عبد الله بن مسعود ﵁، قال: لقد قللوا في أعيننا يوم بدر، حتَّى قلت لرجل إلى جنبي [¬٤]: تراهم سبعين؟ قال: لا، بل هم [¬٥] مائة حتَّى أخذنا رجلًا منهم فسألناه فقال [¬٦]: كُنَّا ألفًا. رواه ابن أبي حاتم وابن جرير.\nوقوله: ﴿وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ﴾ قال ابن أبي حاتم (^١٧١): [حدّثنا أبي] [¬٧]، حدّثنا سليمان بن حرب، حدّثنا حماد بن زيد، عن الزبير بن الخريت، عن عكرمة: ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ﴾. قال: حضض [¬٨] بعضهم على بعض. إسناد صحيح.\nوقال محمَّد بن إسحاق (^١٧٢): حدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزُّبير، عن أبيه في قوله تعالى: ﴿لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾ أي: [ليلقي بينهم الحرب] [¬٩] للنقمة ممن أراد الانتقام منه، والإِنعام على من أراد تمام النعمة عليه من أهل ولايته.\nومعنى هذا أنَّه تعالى أخرى كلا من الفريقين بالآخر، وقلله في عينه ليطمع فيه، وذلك عند المواجهة، فلما التحم القتال، وأيد الله المؤمنين [] [¬١٠] بألف من الملائكة مردفين، بقي حزب الكفار [¬١١] يرى حزب [الإيمان ضعفيه] [¬١٢]، كما قال تعالى: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ\n_________\n(^١٧٠) - تفسير ابن جرير (١٣/ ٥٧٢) رقم (١٦١٥٦).\n(^١٧١) - تفسير ابن أبي حاتم (٥/ ٩١٢٨).\n(^١٧٢) - تفسير ابن جرير (١٣/ ٥٧٣) رقم (١٦١٦٠).\n_________\n[¬١]- في ز: \"أعينهم\".\n[¬٢]- في ز: \"إن\".\n[¬٣]- في ت: \"فيجرؤهم\".\n[¬٤]- في ز: \"جانبي\".\n[¬٥]- سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- في ز: \"قال\".\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٨]- في ز: \"حصص\".\n[¬٩]- عند ابن جرير: \"ليؤلف بينهم على الحرب\".\n[¬١٠]- في ز: \"بالملائكة\".\n[¬١١]- في ز: \"الإيمان\".\n[¬١٢]- في ز: \"الكفر ضعيف\".","vol":"7","page":95},{"text":"بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ وهذا هو الجمع بين هاتين الآيتين؛ فإن كلًّا منها حق وصدق ولله الحمد والمنة.\n﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٤٥) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (٤٦)﴾\nهذا تعليم من الله [تعالى لعباده] [¬١] المؤمنين، آداب اللقاء، وطريق الشجاعة عند مواجهة [¬٢] الأعداء فقال [¬٣]: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا﴾.\nثبت في الصحيحين (^١٧٣)، عن عبد الله بن أبي أوفى، عن [¬٤] رسول الله، ﷺ، أنَّه [¬٥] انتظر في بعض أيامه التي لقي فيها العدوّ، حتى إذا مالت الشَّمس، قام فيهم فقال: \"يا أيها الناس لا تتمنوا لقاء العدوّ، واسألوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا، واعلموا أن الجنَّة تحت ظلال السيوف\". ثم قام النَّبي، ﷺ، وقال: \"اللَّهم منزل الكتاب، ومجري السحاب، وهازم الأحزاب، اهزمهم وانصرنا عليهم\".\nوقال عبد الرَّزاق (^١٧٤): عن سفيان الثوري، عن عبد الرحمن بن زياد، عن عبد الله بن زيد، عن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا تتمنوا لقاء العدوّ، واسألوا [¬٦] الله العافية، فإذا لقيتموهم فاثبتوا، واذكروا الله، فإن [أجلبوا وضجوا] [¬٧] فعليكم بالصمت [¬٨] \".\n_________\n(^١٧٣) - صحيح البُخاريّ رقم (٢٩٣٣، ٢٩٦٦، ٣٠٢٤، ٤١١٥، ٦٣٩٢، ٧٤٨٩) وصحيح مسلم، كتاب: الجهاد والسير رقم (١٧٤٢).\n(^١٧٤) - مصنف عبد الرزاق برقم (٩٥١٨) ورواه البيهقي في السنن الكبرى (٩/ ١٥٣) من طريق ابن وهب، وابن أبي شيبة في المصنف (١٢/ ٤٦٣) من طريق عبدة بن سليمان، كلاهما عن عبد الرحمن بن زياد به.\n_________\n[¬١]- في ز: \"عباده\".\n[¬٢]- في ز: \"مواجهته\".\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- في خ: \"أن\".\n[¬٥]- سقط من: ت.\n[¬٦]- في ز: \"وسلوا\".\n[¬٧]- في ز: \"جلبوا وصبحوا\".\n[¬٨]- في ز: \"الصمت\".","vol":"7","page":96},{"text":"وقال الحافظ أبو القاسم الطّبرانيّ (^١٧٥): حدّثنا إبراهيم بن هاشم البغوي، حدّثنا أميَّة بن بسطام، حدّثنا معتمر بن سليمان، حدّثنا [¬١] ثابت بن زيد، عن رجل، عن زيد بن أرقم، عن النَّبيِّ، ﷺ، مرفوعًا [¬٢] قال: \"إن الله يحب الصمت عند ثلاث: عند تلاوة القرآن، وعند الزحف، وعند الجنازة\".\nوفي الحديث الآخر المرفوع (^١٧٦) يقول الله تعالى: \"إن عبدي كل عبدي الذي يذكرني، وهو مناجز قرنه\" أي: لا يشغله ذلك الحال عن ذكري ودعائي واستعانتي.\nوقال سعيد بن أبي عروبة: عن قتادة في هذه الآية، قال [¬٣]: افترض الله ذكره عند أشغل ما يكون، عند الضرب [¬٤] بالسيوف.\nوقال ابن أبي حاتم (^١٧٧): حدّثنا أبي، حدّثنا عبدة بن سليمان، حدّثنا ابن المبارك، عن ابن جريج، عن عطاء، قال: وجب الإِنصات [وذكر الله] [¬٥] عند الزحف، ثم تلا هذه الآية، قلت: يجهرون بالذكر؟ قال: نعم.\nوقال أيضًا (^١٧٨): [قرئ على] [¬٦] يونس بن عبد الأعلى، أنبأنا ابن وهب، أخبرني عبد الله بن [] [¬٧] [عياش] [¬٨]، عن يزيد بن قوذر [¬٩]، عن كعب الأحبار قال: ما من شيء أحب إلى الله تعالى من قراءة القرآن والذكر، ولولا [¬١٠] ذلك ما أمر النَّاس بالصلاة والقتال؛ ألا ترون أنَّه أمر النَّاس بالذكر عند القتال، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾.\nقال الشَّاعر:\n_________\n(^١٧٥) - المعجم الكبير (٥/ ٢١٣) وفيه راوٍ لم يسم.\n(^١٧٦) - رواه التِّرمذيُّ في السنن برقم (٣٥٨٠) من طريق عفير بن معدان، عن أبي دوس اليحصبي، عن ابن عائذ، عن عمارة بن زعكرة مرفوعًا، وقال: هذا حديث غريب لا نعرفه إلَّا من هذا الوجه، ليس إسناده بالقوي، ولا نعرف لحصارة بن زعكرة عن النَّبيِّ ﷺ إلَّا هذا الحديث الواحد\".\n(^١٧٧) - تفسير ابن أبي حاتم (٥/ ٩١٣٣).\n(^١٧٨) - تفسير ابن أبي حاتم (٥/ ٩١٣٢).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"بن\".\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- في ز: \"وقال\".\n[¬٤]- في ز: \"الضراب\".\n[¬٥]- في ز: \"والذكر\".\n[¬٦]- في خ: \"قرأ عليَّ\".\n[¬٧]- ما بين المعكوفين في ت: \"عبد الله\".\n[¬٨]- في ز: \"عباس\".\n[¬٩]- في ز: \"فوذر\".\n[¬١٠]- في ز: \"وأولى\".","vol":"7","page":97},{"text":"ذكرتك والخطيُّ يخطر بيننا … وقد نهلت فينا المثقفة السمر\nوقال عنترة:\nولقد ذكرتك والرماح نواهل [¬١] … مني [¬٢] وبيض [¬٣] الهند تقطر من دمي\nفأمر تعالى بالثبات عند [¬٤] قتال الأعداء، والصبر على مبارزتهم، فلا يفروا، ولا ينكلوا، ولا يجبنوا، وأن يذكروا الله في تلك الحال، ولا ينسوه، بل يستعينوا به ويتوكلوا [¬٥] عليه، ويسألوه [¬٦] النصر على أعدائهم، وأن يطيعوا الله ورسوله في حالهم ذلك: فما أمرهم الله تعالى به ائتمروا، وما نهاهم عنه انزجروا، ولا يتنازعوا فيما بينهم أيضًا فيختلفوا، فيكون سببًا لتخاذلهم وفشلهم.\n﴿وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ أي: قوتكم [¬٧] وحدتكم، وما كنتم فيه من الإقبال، ﴿وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾.\nوقد كان للصحابة [¬٨]﵃ في باب الشجاعة والائتمار [بما أمرهم الله ورسوله] [¬٩] وامتثال ما أرشدهم إليه، ما لم يكن لأحد من الأمم والقرون قبلهم، ولا يكون لأحد ممن بعدهم، فإنهم ببركة الرسول، ﵌، وطاعته فيما أمرهم، فتحوا القلوب والأقاليم شرقًا وغربًا في المدة اليسيرة، مع قلة عددهم بالنسبة إلى جيوش سائر الأقاليم من الروم والفرس والترك والصقالبة والبربر والحبوش وأصناف السودان والقبط وطوائف بني آدم. قهروا الجميع حتَّى علت كلمة الله وظهر دينه على سائر الأديان، وامتدت الممالك الإسلامية في مشارق الأرض ومغاربها، في أقل من ثلاثين سنة، فرضي الله عنهم وأرضاهم أجمعين، وحشرنا في زمرتهم إنَّه كريم وهاب.\n﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (٤٧) وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ\n_________\n[¬١]- في ز: \"شواحر\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"فينا\".\n[¬٣]- في ز: \"فبيض\".\n[¬٤]- في ز، خ: \"في\".\n[¬٥]- في ز: \"ويتكلوا\".\n[¬٦]- في ز: \"يسالونه\".\n[¬٧]- في ز: \"قربكم\".\n[¬٨]- في ز، خ: \"الصّحابة\".\n[¬٩]- في ز: \"بأوامر الله\"، خ: \"بما أمر الله\".","vol":"7","page":98},{"text":"الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٤٨) إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٤٩)﴾\nيقول تعالى بعد أمره المؤمنين بالإخلاص في القتال في سبيله، وكثرة ذكره، ناهيًا لهم عن التشبه بالمشركين في خروجهم من ديارهم ﴿بَطَرًا﴾، أي: دفعًا للحق، ﴿وَرِئَاءَ النَّاسِ﴾ وهو المفاخرة والتكبر عليهم، كما قال أبو جهل لما قيل له: إن العير قد نجا فارجعوا، فقال: لا [¬١] والله، لا نرجع حتى نرد ماء بدر، وننحر الجزر، ونشرب الخمر وتعزف علينا القيان، وتتحدث العرب بمكاننا [فيها يومنا] [¬٢] أبدًا؛ فانعكس ذلك عليه أجمع؛ لأنهم لما وردوا ماء بدر وردوا به الحِمام، ورموا [¬٣] في أطواء [¬٤] بدر مهانين أذلاء؛ صغرة أشقياء في عذاب سرمدي أبدي، ولهذا قال: ﴿وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ أي: عالم بما جاءوا به وله، ولهذا جازاهم عليه [¬٥] شر الجزاء لهم.\nقال ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، والضَّحَّاك، والسدي في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ﴾ قالوا: هم المشركون الذين قاتلوا رسول الله، ﷺ، يوم بدر. وقال محمَّد بن كعب: لما خرجت قريش من مكّة إلى بدر خرجوا بالقيان والدفوف، فأنزل الله: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾.\nوقوله تعالى: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ﴾ الآية، حسن لهم، لعنه الله، ما جاءوا له، وما هموا به، وأطمعهم أنَّه لا غالب لهم اليوم من النَّاس، ونفى عنهم الخشية من أن يؤتوا في ديارهم من عدوهم بني بكر، فقال: إنِّي [¬٦] جار لكم، وذلك أنَّه تبدى لهم في صورة سراقة بن مالك بن جعشم\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين كذا في الأصول، لعل الصواب: \"فيهابوننا\"، كما سبق في (ص ٨١) من هذا الجزء.\n[¬٣]- في ت: \"وركموا\".\n[¬٤]- في خ: \"أطوار\".\n[¬٥]- في ز: \"على ذلك\".\n[¬٦]- في ز: \"أنا\".","vol":"7","page":99},{"text":"سيد بني مدلج، كبير تلك الناحية، وكل ذلك منه كما قال تعالى عنه: ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾.\nقال ابن جريج [¬١]: قال ابن عباس في هذه الآية: لما كان يوم بدر سار إبليس [¬٢] برايته وجنوده مع المشركين، وألقى في قلوب المشركين أن أحدًا لن يغلبكم، وإني جار لكم، فلما التقوا، ونظر الشَّيطان إلى إمداد الملائكة ﴿وَنَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ قال: رجع مدبرًا، وقال: ﴿إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ﴾ الآية.\nوقال على بن أبي طلحة، عن ابن عباس قال: جاء إبليس يوم بدر، في جند من الشياطين، معه رايته في صورة رجل من بني [¬٣] مدلج، والشيطان في صورة سراقة بن مالك ابن جعشم، فقال الشَّيطان للمشركين: لا غالب لكم اليوم من النَّاس، وإني جار لكم، فلما اصطف النَّاس أخذ رسول الله، ﷺ، قبضة من التُّراب، فرمى بها في وجوه المشركين، فولوا مدبرين، وأقبل جبريل ﵇ إلى إبليس، فلما رآه، وكانت يده في يد رجل من المشركين انتزع يده، ثم ولى مدبرًا هو [¬٤] وشيعته، فقال الرجل: يا سراقة، أتزعم أنك لنا جار فقال: ﴿إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾، وذلك حين رأى الملائكة.\nوقال محمَّد بن إسحاق: حدثني الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، أن إبليس خرج مع قريش في صورة سراقة بن مالك بن جعشم، فلما حضر القتال ورأى الملائكة ﴿نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ﴾ فتشبث به الحارث بن هشام، فنخر [¬٥] في وجهه فخر صعقًا، فقيل له: ويلك يا سراقة، على هذه الحال تخذلنا وتبرأ منا، فقال: ﴿إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾.\nوقال محمَّد بن عمر الواقدي (^١٧٩): أخبرني عمر بن عقبة، عن شعبة مولى ابن عباس، عن ابن عباس قال: لما تواقف النَّاس أغمي على رسول الله، ﷺ، ساعة، ثم كشف عنه، فبشر الناس بجبريل في جند من الملائكة ميمنة النَّاس، وميكائيل في جند آخر ميسرة النَّاس، وإسرافيل في جند آخر ألف، وإبليس قد تصور في صورة سراقة ابن مالك بن جعشم المدلجي يدبر المشركين، ويخبرهم أنَّه لا غالب لهم اليوم من النَّاس،\n_________\n(^١٧٩) - المغازي للواقدي (١/ ٧٠).\n_________\n[¬١]- في ت: \"جرير\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"الجيش\".\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- في ز: \"فبحر\".","vol":"7","page":100},{"text":"فلما أبصر عدو الله الملائكة ﴿نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ﴾ فتشبث به الحارث بن هشام، وهو يرى أنَّه سراقة لما سمع من كلامه، فضرب في صدر الحارث، فسقط الحارث، وانطلق إبليس لا يرى حتَّى سقط في البحر، ورفع ثوبه، وقال: يارب موعدك الذي وعدتني.\nوفي الطّبرانيّ (^١٨٠) عن رفاعة بن رافع قريب من هذا [¬١] السياق، و[¬٢] أبسط منه ذكرناه في السيرة.\nوقال محمَّد بن إسحاق (^١٨١): حدثني يزيد بن رومان، عن عروة بن الزُّبير، قال: لما أجمعت [¬٣] قريش المسير [¬٤] ذكرت الذي بينها وبين بني بكر من الحرب؛ فكاد ذلك أن يثنيهم، فتبدى لهم إبليس في صورة سراقة بن مالك بن جعشم المدلجي، وكان من أشراف بني كنانة، فقال: أنا جار لكم أن تأتيكم كنانة بشئ تكرهونه؛ فخرجوا سراعًا.\nقال محمَّد بن إسحاق (^١٨٢): فذكر لي أنهم كانوا يرونه في كل منزل في صورة سراقة ابن مالك، لا ينكرونه حتَّى إذا كان هم بدر، والتقى الجمعان، كان الذي رآه حين نكص الحارث بن هشام أو عمير بن وهب، فقال: أين [أي] [¬٥] سراقة؟ ومثل [¬٦] عدو الله فذهب. قال: فأوردهم ثم أسلمهم، قال: ونظر عدو الله إلى جنود الله قد أيد الله بهم رسوله والمؤمنين ﴿نَكَصَ [¬٧] عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ﴾ وصدق عدو الله، وقال: ﴿إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾، وهكذا روي عن السدي، والضَّحَّاك، والحسن البصري، ومحمد بن كعب القرظي وغيرهم ﵏.\nوقال قتادة: وذكر لنا أنَّه رأى جبريل ﵇، تنزل معه الملائكة؛ فعلم عدو الله أنَّه لا يدان له بالملائكة؛ فقال: ﴿إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ﴾ وكذب عدو الله.\nوالله ما به مخافة الله ولكن علم أنَّه لا قوة له، ولا منعة، وتلك عادة عدو الله لمن\n_________\n(^١٨٠) - المعجم الكبير (٥/ ٤٢) من طريق عبد العزيز بن عمران عن رفاعة بن يَحْيَى بن معاذ بن رفاعة عن رفاعة بن رافع، ﵁، وقال الهيثمي في المجمع (٦/ ٨٢): \"وفيه عبد العزيز بن عمران وهو ضعيف\".\n(^١٨١) - تفسير الطبري (١٤/ ٨) رقم (١٦١٨٥).\n(^١٨٢) - السيرة النبوية (١/ ٦١٣) وتفسير ابن جرير (١٤/ ٨، ٩) رقم (١٦١٨٥، ١٦١٨٦).\n_________\n[¬١]- في ت: \"هذه\".\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- في ز، خ: \"اجتمعت\".\n[¬٤]- في ز: \"للمسير\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين في ز: \"أين\".\n[¬٦]- في ز، خ: \"وميل\".\n[¬٧]- في ز: \"انتكص\".","vol":"7","page":101},{"text":"أطاعه واستقاد له، حتَّى إذا التقى الحق والباطل أسلمهم شر مسلم، وتبرأ منهم عند ذلك.\nقلت: يعني بعادته لمن أطاعه قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.\nوقال يونس بن بكير (^١٨٣)، عن محمَّد بن إسحاق، حدثني عبد الله بن أبي بكر بن عمرو [¬١] بن حزم، عن بعض بني ساعدة قال: سمعت أبا أسيد مالك بن ربيعة بعد ما كف [¬٢] بصره يقول: لو كنت معكم الآن ببدر [¬٣]، ومعي بصري، لأخبرتكم بالشعب الذي خرجت منه الملائكة، لا أشك ولا أتمارى.\nفلما نزلت [¬٤] الملائكة، ورآها إبليس، وأوحى الله إليهم أني معكم فثبتوا الذين آمنوا، وتثبيتهم أن الملائكة كانت تأتي الرجل في صورة الرجل يعرفه، فيقول له: أبشر فإنهم ليسوا بشيء، والله معكم، كروا [¬٥] عليهم، فلما رأى إبليس الملائكة ﴿نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ﴾ وهو في صورة سراقة، وأقبل أبو جهل يحضض [¬٦] أصحابه ويقول: لا يهولنكم خذلان سراقة إياكم؛ فإنَّه كان على موعد من محمَّد وأصحابه. ثم قال: واللات والعزى لا نرجع حتى نقرن محمدًا وأصحابه في الحبال؛ فلا تقتلوهم وخذوهم أخذًا. وهذا من أبي جهل - لعنه الله - يقول فرعون للسحرة لما أسلموا: ﴿إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا﴾. وكقوله: ﴿إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ﴾ وهو من باب البهت والافتراء؛ ولهذا كان أبو جهل فرعون هذه الأمة.\nوقال مالك بن أنس (^١٨٤)، عن إبراهيم بن أبي عبلة [¬٧]، عن طلحة بن عبيد الله بن كريز: أن رسول الله، ﷺ، قال: \"ما رؤي [¬٨] إبليس يومًا [¬٩] هو فيه\n_________\n(^١٨٣) - انظر: السيرة النبوية لابن هشام (١/ ٦٣٣).\n(^١٨٤) - الموطأ كتاب الحج (١/ ٤٢٢) حديث (٢٤٥).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"عمر\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"أصيب\".\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- في ت: \"أنزلت\".\n[¬٥]- في خ: \"فكروا\".\n[¬٦]- في خ: \"عضض\".\n[¬٧]- في ز، خ: \"علية\" وهو تحريف.\n[¬٨]- في ز: \"رأى\".\n[¬٩]- في ز: \"في يوم\".","vol":"7","page":102},{"text":"أصغر، ولا أحقر، ولا أدحر، ولا أغيظ [منه في] [¬١] يوم عرفة، وذلك مما يرى من تنزل [¬٢] الرحمة، والعفو عن [¬٣] الذنوب، إلَّا ما رأى [¬٤] يوم بدر\" قالوا: يا رسول الله، وما رأى يوم بدر؟ قال: \"أما إنَّه رأى جبريل ﵇ بين الملائكة\".\nهذا مرسل من هذا الوجه.\nوقوله: ﴿إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ﴾ قال على بن أبي طلحة، عن ابن عباس في هذه الآية: قال: لما دنا القوم بعضهم من بعض، قلل الله المسلمين في أعين المشركين، وقلل المشركين في أعين المسلمين، فقال المشركون: غرَّ هؤلاء دينهم؛ وإنَّما قالوا ذلك من قلتهم في أعينهم، فظنوا [¬٥] أنهم سيهزمونهم لا يشكون في ذلك، فقال الله: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾.\nوقال قتادة رأوا عصابة من المؤمنين تشدّدت لأمر الله، وذكر لنا أن أبا جهل عدو الله، لما أشرف على محمَّد، ﷺ، وأصحابه قال: والله لا يعبدون [¬٦] الله بعد اليوم - قسوة وعتوًّا.\nوقال ابن جريج في قوله: ﴿إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾: هم قوم كانوا من المنافقين [] [¬٧] بمكة قالوه يوم بدر.\nوقال عامر الشعبي: كان ناس من أهل مكّة قد تكلموا بالإسلام، فخرجوا مع المشركين يوم بدر؛ فلما رأوا قلة المسلمين قالوا: غرّ هؤلاء دينهم.\nوقال مجاهد في قوله ﷿: ﴿إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ﴾ قال: فئة من قريش، أبو [¬٨] قيس بن الوليد بن المغيرة، وأبو قيس بن الفاكه ابن المغيرة والحارث بن زمعة بن الأسود بن المطلب، وعلى بن أميَّة بن خلف، والعاص بن منبه بن الحجاج خرجوا مع قريش من مكّة، وهم على الارتياب فحبسهم ارتيابهم، فلما رأوا قلة أصحاب رسول الله، ﷺ، قالوا: غر هؤلاء دينهم، حتَّى قدموا على ما قدموا عليه مع قلة عددهم وكثرة عدوهم.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"من\".\n[¬٢]- في خ: \"نزول\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"من\".\n[¬٤]- في ز: \"رى\".\n[¬٥]- في ز: \"وظنوا\".\n[¬٦]- في ز: \"يعبدوا\"، وسقط من: خ.\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين في ز: \"كانوا\".\n[¬٨]- سقط من: ز، خ.","vol":"7","page":103},{"text":"وكذا [¬١] قال محمَّد بن إسحاق بن يسار سواء.\nوقال ابن جرير (^١٨٥): حدّثنا محمَّد بن عبد الأعلى [¬٢]، حدّثنا محمَّد بن ثور، عن معمر، عن الحسن في هذه الآية، قال: هم قوم لم يشهدوا القتال يوم بدر فسموا منافقين، قال معمر: وقال [¬٣] بعضهم: هم قوم كانوا أقروا بالإِسلام وهم [] [¬٤] بمكة، فخرجوا مع المشركين يوم بدر، فلما رأوا قلة المسلمين، قالوا: غر هؤلاء دينهم.\nوقوله: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ أي: يعتمد على جنابه، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ أي: لا يضام من التجأ إليه، بأن الله عزيز منيع الجناب عظيم السلطان ﴿حَكِيمٌ﴾ في أفعاله لا يضعها إلَّا في مواضعها، فينصر من يستحق النصر، ويخذل من هو أهل لذلك.\n﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (٥٠) ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (٥١)﴾\nيقول تعالى: ولو عاينت يا محمَّد، حال توفي الملائكة أرواح الكفار؛ لرأيت أمرًا عظيمًا هائلًا فظيعًا منكرًا إذ ﴿يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾ [ويقولون لهم] [¬٥]: ﴿ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾.\nقال ابن جريج، عن مجاهد: ﴿وَأَدْبَارَهُمْ﴾ أستاههم، قال: يوم بدر.\nقال ابن جريج: قال ابن عباس: إذا أقبل المشركون بوجوههم إلى المسلمين؛ ضربوا وجوههم بالسيوف، وإذا ولوا أدركتهم [¬٦] الملائكة فضربوا [¬٧] أدبارهم.\nو[¬٨] قال ابن أبي نجيح عن مجاهد في [¬٩] قوله: ﴿إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾ يوم بدر.\n_________\n(^١٨٥) - تفسير ابن جرير (١٤/ ١٣ - ١٤) حديث (١٦١٩٦).\n_________\n[¬١]- في ز: \"هكذا\".\n[¬٢]- في ز: \"الا\"، خ: \"الألي\".\n[¬٣]- في ز: \"قال\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين في ز: \"قوم\".\n[¬٥]- سقط من خ.\n[¬٦]- في خ: \"ضربتهم\".\n[¬٧]- في خ: \"يضربون\".\n[¬٨]- سقط من: ز.\n[¬٩]- سقط من: ز، خ.","vol":"7","page":104},{"text":"وقال وكيع، عن سفيان الثوري، عن أبي هاشم إسماعيل بن كثير، عن مجاهد، و[¬١] عن شعبة، عن يعلى بن مسلم، عن سعيد بن جبير ﴿يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾ قال: وأستاههم، ولكن الله يكني.\nوكذا قال عمر مولي غفرة [¬٢].\nوعن الحسن البصري قال: قال رجل: يا رسول الله، إني رأيت بظهر أبي جهل مثل الشراك [¬٣]، قال: [ما ذاك؟] [¬٤] قال: \"ذاك [¬٥] ضرب الملائكة\".\nرواه ابن جرير (^١٨٦) وهو مرسل.\nوهذا السياق وإن كان سببه وقعة بدر ولكنه عام في حق كل كافر، ولهذا لم يخصصه تعالى بأهل بدر. بل [¬٦] قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾ وفي سورة القتال مثلها، وتقدم في سورة الأنعام قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ﴾ أي: باسطو أيديهم بالضرب فيهم يأمرونهم، إذا [¬٧] استصعبت أنفسهم، وامتنعت من الخروج من الأجساد، أن تخرج قهرًا، وذلك إذ [¬٨] بشروهم بالعذاب والغضب من الله، كما في حديث البراء: أن ملك الموت إذا جاء الكافر عند احتضاره في تلك الصورة [¬٩] المنكرة يقول: اخرجي أيتها النَّفس الخبيثة، إلى سموم وحميم وظل من يحموم؛ فتفرق في بدنه، فيستخرجونها من جسده، كما يخرج السفود من الصوف المبلول، فتخرج [¬١٠] معها العروق والعصب. ولهذا أخبر تعالى أن الملائكة تقول لهم: ﴿ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾.\n[وقوله تعالى] [¬١١]: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ أي: هذا الجزاء بسبب ما عملتم من الأعمال السيئة في حياتكم الدُّنيا، جزاكم [¬١٢] الله بها هذا الجزاء ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ أي: لا يظلم أحدًا من خلقه، بل هو الحكم العدل الذي لا يجور تبارك\n_________\n(^١٨٦) - تفسير ابن جرير (١٤/ ١٦ - ١٧) رقم (١٦٢٠٥).\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- في ز: \"عفرة\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"الشوك\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٥]- سقط من: ز.\n[¬٦]- سقط من: ت.\n[¬٧]- في خ: \"إذ\".\n[¬٨]- في خ: \"إذا\".\n[¬٩]- في ز، خ: \"الصور\".\n[¬١٠]- في ز: \"فيخرج\".\n[¬١١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬١٢]- في ت: \"جازاكم\".","vol":"7","page":105},{"text":"وتعالى وتقدس وتنزه الغني الحميد؛ ولهذا جاء في الحديث الصَّحيح عند مسلم (^١٨٧) ﵀ من رواية أبي ذر ﵁، عن رسول الله ﷺ: \"إن الله تعالى يقول: \"يا عبادي، إنِّي حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرمًا؛ فلا تظالموا، يا عبادي، إنَّما هي أعمالكم أحصيها لكم؛ فمن وجد خيرًا؛ فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك؛ فلا يلومن إلَّا نفسه\" ولهذا قال تعالى:\n﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٥٢)﴾\nيقول تعالى: فعل هؤلاء [المشركون المكذبون] [¬١]، بما أرسلت به يا محمَّد، كما فعل الأمم المكذبة قبلهم؛ ففعلنا بهم ما هو دأبنا؛ أي: عادتنا وسنتنا في أمثالهم من المكذبين من آل فرعون ومن قبلهم من الأمم المكذبة بالرسل، الكافرين بآيات الله: ﴿فَأَخَذَهُمُ [¬٢] اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾ أي: بسبب ذنوبهم] [¬٣] [أهلكهم، وأخذهم أخذ عزيز مقتدر] [¬٤]، ﴿إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ أي [¬٥]: لا يغلبه غالب ولا يفوته هارب.\n﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٥٣) كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ كَانُوا ظَالِمِينَ (٥٤)﴾\nيخبر تعالى عن تمام عدله وقسطه في حكمه، بأنه تعالى لا يغير نعمة أنعمها على أحد إلَّا بسبب ذنب ارتكبه، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ﴾. [وقوله: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ أي] [¬٦]: كصنعه بآل فرعون وأمثالهم، حين كذبوا بآياته أهلكهم بسبب ذنوبهم، وسلبهم تلك النعم التي أسداها [¬٧] إليهم، من جنات وعيون وزروع وكنوز ومقام\n_________\n(^١٨٧) - صحيح مسلم برقم (٢٥٧٧).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"المشركين المكذبين\".\n[¬٢]- في ز: \"أخذهم\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- سقط من: ز.\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٧]- في خ: \"أزداها\".","vol":"7","page":106},{"text":"كريم، ونعمة كانوا فيها فاكهين، وما ظلمهم الله في ذلك؛ بل كانوا هم الظالمين.\n﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٥٥) الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ (٥٦) فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (٥٧)﴾\nأخبر تعالى أن شر مادب على وجه الأرض، هم الذين كفروا، فهم لا يؤمنون. الذين كما عاهدوا عهدًا نقضوه [¬١]، وكلما أكدوه بالأيمان نكثوه، ﴿وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ﴾ أي: لا يخافون من الله في شيء ارتكبوه من الأيَّام.\n﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ﴾ أي: تغلبهم وتظفر بهم في حرب: ﴿فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ﴾ أي: نكل بهم، قاله ابن عباس، والحسن البصري، والضَّحَّاك، والسدي، وعطاء الخراساني وابن عيينة، ومعناه: غلظ عقوبتهم، وأثخنهم قتلًا؛ ليخاف من سواهم من الأعداء من العرب وغيرهم، ويصيروا لهم عبرة: ﴿لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾.\nو[¬٢] قال السدي: يقول: لعلهم يحذرون أن ينكثوا [¬٣]؛ فيصنع بهم مثل ذلك.\n﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ (٥٨)﴾\nيقول تعالى لنبيه ﷺ: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ﴾ قد عاهدتهم ﴿خِيَانَةً﴾، أي: نقضًا لما بينك وبينهم من المواثيق والعهود، ﴿فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ﴾ أي: عهدهم ﴿عَلَى سَوَاءٍ﴾، أي: أعلمهم بأنك قد نقضت عهدهم، حتَّى يبقى علمك وعلمهم بأنك حرب لهم، وهم حرب لك، وأنَّه لا عهد بينك وبينهم على السواء، أي: تستوي أنت وهم في ذلك قال الراجز: فاضرب وجوه الغدر للأعداء [¬٤] … حتَّى يجيبوك إلى السواء (^١٨٨) وعن الوليد بن مسلم أنَّه قال في قوله تعالى: ﴿فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ أي: على\n_________\n(^١٨٨) - الرجز في تفسير ابن جرير (١٤/ ٢٧).\n_________\n[¬١]- في خ: \"نبذوه\".\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- في ز: \"ينكبوا\".\n[¬٤]- في ز: \"الأعداء\".","vol":"7","page":107},{"text":"مهل. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ أي: حتَّى ولو في حق الكفار [¬١] لا يحبها أيضًا.\nقال الإِمام أحمد (^١٨٩): حدّثنا محمَّد بن جعفر، حدّثنا شعبة، عن أبي الفيض، عن سليم بن عامر قال: كان معاوية يسير في أرض الروم وكان بينه وبينهم أمد [¬٢]، فأراد أن يدنو منهم، فإذا انقضي الأمد؛ غزاهم، فإذا شيخ على دابة يقول: الله أكبر الله أكبر وفاءً لا غدرًا [¬٣]؛ أن رسول الله ﷺ قال: \"ومن كان بينه وبين قوم عهد؛ فلا يحلن عقدة، ولا يشدها حتَّى ينقضي أمدها، أو ينبذ إليهم على سواء\" قال: فبلغ ذلك معاوية، فرجع؛ فإذا [¬٤] الشَّيخ [¬٥] عمرو بن عبسة [¬٦]﵁.\nوهذا الحديث رواه أبو داود الطيالسي عن شعبة، وأخرجه أبو داود والترمذي والنَّسائيُّ وابن حبان في صحيحه، من طرق، عن شعبة به. وقال التِّرمذيُّ: حسن صحيح.\nوقال الإمام أحمد أيضًا (^١٩٠): حدّثنا محمَّد بن عبد الله الزبيري، حدّثنا إسرائيل، عن عطاء بن السائب، عن أبي البختري [¬٧]، عن سلمان - يعني الفارسي ﵁ أنَّه انتهى إلى حصن أو مدينة، فقال لأصحابه: دعوني [¬٨] أدعوهم [¬٩]؛ كما رأيت رسول الله، ﷺ، يدعوهم؛ فقال: إنَّما كنت رجلًا منكم، فهداني الله ﷿ للإسلام، فإن أسلمتم فلكم مالنا، وعليكم ما علينا، وإن أبيتم فأدوا الجزية وأنتم صاغرون، وإن [¬١٠] أبيتم نابذناكم على سواء: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ يفعل ذلك بهم ثلاثة أيَّام، فلما كان اليوم الرابع غدًا النَّاس إليها ففتحوها بعون الله.\n_________\n(^١٨٩) - مسند أحمد (٤/ ١١١) رقم (١٧٠٦٥)، ومسند الطيالسي برقم (١١٥٥) وسنن أبي داود، كتاب الجهاد، باب: الإمام يكون بينه وبين العدو عهد فيسير إليه برقم (٢٧٥٩) وسنن التِّرمذيُّ كتاب السير، باب: ما جاء في الغدر (٤/ ١٢١) حديث (١٥٨٠). وقال أبو عيسى: حسن صحيح، والنَّسائيُّ في السنن الكبرى برقم (٨٧٣٢) ورواه البيهقي (٩/ ٢٣١). وصححه الألباني في صحاح السنن المذكورة.\n(^١٩٠) - المسند (٥/ ٤٤٠) رقم (٢٣٨٣٣) ورواه التِّرمذيُّ في السنن كتاب السير، باب: ما جاء في الدعوة قبل القتال برقم (١٥٤٨) من طريق أبي عوانة، عن عطاء بن السَّائب، عن أبي البختري به نحوه، وقال: \"حديث سلمان حديث حسن لا نعرفه إلَّا من حديث عطاء بن السَّائب، وسمعت محمدًا يقول: أبو البختري لم يدرك سلمان؛ لأنَّه لم يدرك عليًّا، وسلمان مات قبل علي\".\n_________\n[¬١]- في ز: \"الكافرين\".\n[¬٢]- في ز: \"أمدًا\".\n[¬٣]- في ز: \"غدر\".\n[¬٤]- في ز: \"وإذا\".\n[¬٥]- في خ: \"بالشَّيخ\".\n[¬٦]- في ز، خ: \"عنبسة\".\n[¬٧]- في ز: \"البحتري\".\n[¬٨]- في ز، خ: \"ادعوني\".\n[¬٩]- في خ: \"ادعوكم\".\n[¬١٠]- في ز: \"فإن\".","vol":"7","page":108},{"text":"﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ (٥٩) وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (٦٠)﴾\nيقول تعالى لنبيه ﷺ: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ﴾ - يا محمد - ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا﴾، أي: فاتونا فلا نقدر عليهم، بل هم [¬١] تحت قَهْر قدرتنا وفي قبضة مشيئتنا فلا يعجزوننا، كما قال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾، أي: بطون، وقال تعالى: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ وقال تعالى: [] [¬٢] ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (١٩٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ ثم أمر تعالى بإعداد آلات الحرب لمقاتلتهم حسب الطاقة والإمكان والاستطاعة، فقال: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾، أي: مهما أمكنكم، ﴿مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾.\nقال [¬٣] الأمام أحمد (^١٩١): حدثنا هارون بن معروف، حدثنا ابن وهب، أخبرني عمرو ابن الحارث، عن أبي على ثمامة بن شُفَيّ [¬٤]، [أنه سمع] [¬٥] عقبة بن عامر يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول وهو عدى المنبر: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾، ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي.\nرواه مسلم، عن هارون بن معروف، وأبو داود عن سعيد بن منصور، وابن ماجه عن يونس بن عبد الأعلى، ثلاثتهم عن عبد الله بن وهب، به.\nولهذا الحديث طرق أخر (^١٩٢) عن عُقْبَة بن عامر، منها ما رواه الترمذي، من حديث\n_________\n(^١٩١) - المسند (٤/ ١٥٦) رقم (١٧٤٧٩)، وصحيح مسلم كتاب الإمارة، باب: فضل الرمي والحث عليه برقم (١٩١٧)، وسنن أبي داود، كتاب الجهاد، باب: في الرمي برقم (٢٥١٤)، وسنن ابن ماجه، كتاب الجهاد، باب: الرمي في سبيل الله (٢/ ٩٤٠) حديث (٢٨١٣). والدارمي في كتاب الجهاد، باب: في فضل الرمي والأمر به (٢/ ٢٠٤). وأبو داود الطيالسي في مسنده (١١٨٢).\n(^١٩٢) - سنن الترمذي، كتاب التفسير، باب: ومن سورة الأنفال (٥/ ٢٥٢) حديث (٣٠٨٣).=\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في ر: \"و\".\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- في ز: \"سقى\".\n[¬٥]- في ز: \"ابن\"، خ: \"أخى\".","vol":"7","page":109},{"text":"صالح بن كيسان، عن رجل، عنه.\nوروى الامام أحمد وأهل السنن (^١٩٣)، عنه قال: قال رسول الله، ﷺ: \"ارموا واركبوا، وأن تَرمُوا خَيرٌ [¬١] من أن تركبوا\".\nوقال الإمام مالك (^١٩٤)، عن زيد بن أسلم، عن أبى صالح السَّمان، عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله، ﷺ، قال: (الخيل لثلاثة: لرجل أجر، ولرجل ستر، وعلى رجل وزر، فأما الذي له أجر فرجل رَبَطَها في سبيل الله، فأطال لها في مَرْج [¬٢] أو روضة، فما أصابت في طيلَها ذلك من [¬٣] المرج أو [¬٤] الروضة كانت له حسنات، ولو أنها قَطَعت طيلَها فاستنت شَرَفَا أو شَرَفين، كانت آثارها وأرواثها حسنات له، ولو أنها مرت بنهر فشربت منه، ولم يُرِد أن يَسقى به، كان ذلك حسنات له، فهى لذلك الرجل أجر. ورجل ربطها تَغنيّا [¬٥] وتعففًا، ولم ينس حق الله في رقابها ولا ظهورها، فهى له ستر. ورجل ربطها فخرًا ورياء ونواء فهي على ذلك وِزر\".\nوسئل رسول الله ﷺ عن الحمر فقال: \"ما أنزل الله على فيها شيئًا إلا هذه الآية الجامعة الفاذة [¬٦]: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾.\nرواه البخاري - وهذا لفظه - ومسلم، كلاهما من حديث مالك.\nوقال الإمام أحمد (^١٩٥): حدثنا حجاج، أخبرنا شريك، عن الركين [¬٧] بن الربيع، عن القاسم بن حسان، عن عبد الله بن مسعود، عن النبي، ﷺ، قال: \"الخيل ثلاثة: ففرس للرحمن، وفرس للشيطان، وفرس للإنسان، فأما فرس الرحمن\n_________\n= وقال: \"صالح بن كيسان لم يدرك عقبة بن عامر، وقد أدرك ابن عمر\".\n(^١٩٣) - المسند (٤/ ١٤٤) رقم (١٧٣٤٨)، ورواه الترمذي حديث (١٦٣٧). وابن ماجه في كتاب الجهاد، باب: الرمي في سبيل الله (٢/ ٩٤٠) حديث (٢٨١١)، والحاكم في المستدرك في كتاب الزكاة (١/ ٤١٧ - ٤١٨).\n(^١٩٤) - الموطأ (٤/ ٤١٢) ومن طريقه البخاري في صحيحه برقم (٢٣٧١) وأما مسلم فرواه من طريق حفص بن ميسرة، عن زيد بن أسلم عن أبي صالح به برقم (٩٨٧).\n(^١٩٥) - المسند (١/ ٣٩٥).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"خيرًا\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"مرح\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"في\".\n[¬٤]- في ز: \"و\".\n[¬٥]- في ز، خ: \"بغناء\".\n[¬٦]- في ز: \"الفادة\".\n[¬٧]- في ز: \"الدكين\".","vol":"7","page":110},{"text":"فالذي يربط في سبيل الله، فعلفه وروثه وبوله، وذكر ما شاء الله. وأما فرس الشيطان فالذي يقامر أو يراهن عليه، وأما فرس الإنسان فالفرس يرتبطها الإنسان يلتمس بطنها، فهي ستر من فَقر\".\nوقد ذهب أكثر العلماء إلى أن الرمي أفضل من ركوب الخيل، وذهب الإمام مالك ﵁ إلى أن الركوب أفضل من الرمي، وقول الجمهور أقوى للحديث، والله أعلم.\nوقال الإمام أحمد (^١٩٦): حدثنا حجاج وهشام قالا: حدثنا ليث، حدثني يزيد بن أبى حبيب، عن ابن شُماسة، أن معاوية بن حُديج [¬١] مَرّ على أبي ذَرّ، وهو قائم عند فرس له، فسأله ما تعالج من فرسك هذا؟ فقال: إني أظن أن هذا الفرس قد استجيب له دعوته! قال: وما دعاء بهيمة من البهائم؟ قال: والذي نفسي بيده، ما من فرس إلا وهو يدعو كل سحر فيقول: اللهم، أنت خَولتني عبدًا من عبادك، وجعلتَ رزقي بيده، فاجعلني أحبّ إليه من أهله وماله وولده.\nقال: وحدثنا يحيى بن سعيد، عن عبد الحميد بن جعفر، حدثني يزيد بن أبي حبيب، عن سويد بن قيس، عن معاوية بن حُديج [¬٢]، عن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"إنه ليس من فرس عربي إلا يؤذن له مع كل فجر، يدعو بدعوتين، يقول: اللهم، إنك خولتني من خولتني من بني آدم، فاجعلني من أحب أهله وماله إليه - أو: أحب أهله وماله إليه\".\nرواه النسائي (^١٩٧)، عن عمرو بن علي الفَلاس، عن يحيى القطان، به.\nوقال أبو القاسم الطبراني (^١٩٨): حدثنا الحسين بن إسحاق التُستريّ، حدثنا هشام بن عمار، حدثنا يحيى بن حمزة، حدثنا المطعم بن المقدام الصنعاني، عن الحسن بن أبى الحسن أنه قال لابن الحنظلية - يعني سهلًا -: حَدثنا حديثا سمعته من رسول الله، ﷺ، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"الخيل معقود في نواصيها الخيرُ إلى يوم القيامة، وأهلها معانون عليها، ومن ربط فرسًا في سبيل الله كانت النفقة عليه، كالمادّ يده بالصدقة لا يقبضها\".\n_________\n(^١٩٦) - المسند (٥/ ١٦٢) رقم (٢١٥٢٣).\n(^١٩٧) - المسند (٥/ ١٧٠) رقم (٢١٥٧٨) وسنن النسائي (٦/ ٢٢٣).\n(^١٩٨) - المعجم الكبير (٦/ ٩٨).\n_________\n[¬١]- في خ: \"خديج\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"خديج\".","vol":"7","page":111},{"text":"والأحاديث الواردة في فضل ارتباط الخيل كثيرة، وفي صحيح البخاري، عن عُزوَةَ بن أبي الجعد البارقي، أن رسول الله، ﷺ، قال: (الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة: الأجرُ والمغنم\" (^١٩٩).\nوقوله: ﴿تُرْهِبُونَ﴾، أي: تخوفون ﴿بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ أي: من الكفار ﴿وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ﴾ - قال مجاهد: يعني \"قريظة\". وقال السدي: \"فارس\"، وقال سفيان الثوري: قال ابن يمان [¬١]: \"هم الشاطين التي في الدور\". وقد ورد حديث بمثل ذلك، قال ابن أبي حاتم\" (^٢٠٠):\nحدثنا أبو عتبة ًا حمد بن الفرج الحمصي، حدثنا أبو حيْوَة - يعنى شُرَيح بن يزيد المقرى - حدثنا سَعيد بن سنَان، عن ابن عَريب [¬٢]- يعني - يزيد بن عبد الله بن عرَيب [¬٣]- عن أبيه، عن جده، أن رسول الله، ﷺ، كان يقول فى قوله: ﴿وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ﴾، قال: هم الجن.\nورواه الطبراني (^٢٠١)، عن إبراهيم بن دُحَيم؛ عن أبيه، عن محمد بن شعيب، عن سنان ابن سعيد بن سنان، عن يزيد بن عبد الله بن عَرِيب [¬٤] به [¬٥]. وزاد: قال رسول الله ﷺ: \"لا يُخْبل بيت فيه عتيق من الخيل\".\nوهذا الحديث منكر، لا يصح إسناده ولا مَتْنه.\nوقال مقاتل بن حيان، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم: هم المنافقون.\nوهذا أشبه الأقوال، ويشهد له قوله: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾.\nوقوله: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾، أي:\n_________\n(^١٩٩) - صحيح البخاري برقم (٢٨٥٠).\n(^٢٠٠) - ورواه الحارث بن أبي أسامة في مسنده برقم (٦٥٠) \"بغية الباحث\" حدثنا دأود بن رشيد عن أبي حيوة، به.\n(^٢٠١) - المعجم الكبير (١٧/ ١٨٨) ورواه أبو الشيخ فى العظمة برقم (١٠٨٩): حدثنا ابن أبي عاصم عن دحيم به نحوه.\n_________\n[¬١]- في خ: \"غاز\".\n[¬٢]- في ز: \"غريب\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"غريب\".\n[¬٤]- في ز، خ: \"غريب\".\n[¬٥]- سقط من: ز.","vol":"7","page":112},{"text":"مهما أنفقتم في الجهاد، فإنه يوفى إليكم على التمام والكمال؛ ولهذا جاء في حديثٍ رواه أبو داود (^٢٠٢)، أن الدرهم يضاعف ثوابه في سبيل الله إلى سبعمائة ضعف، كما تقدم في قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾.\nوقال ابن أبي حاتم (^٢٠٣): حدثنا أحمد بن القاسم بن عطية، حدثنا أحمد بن عبد الرحمن الدَّشْتكي، حدثنا أبي، عن أبيه، حدثنا الأشعث بن إسحاق، عن جعفر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن النبي، ﷺ، أنه كان يأمر أن لا يتصدق إلا على أهل الإسلام، حتى نزلت: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ﴾، فأمر بالصدقة بعدها على كل من سألك من كل دين.\nوهذا أيضًا غريب.\n﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦١) وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (٦٢) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٣)﴾\nيقول تعالى: إذا خفت من قوم خيانة فانبذ إليهم عهدهم على سواء، فإن استمروا على حربك ومنابذتك فقاتلهم، ﴿وَإِنْ جَنَحُوا﴾، أي: مالوا ﴿لِلسَّلْمِ﴾، أي: المسألة والمصالحة والمهادنة، ﴿فَاجْنَحْ لَهَا﴾، أي: فمل إليها، واقبل منهم ذلك، ولهذا لما طلب المشركون عام الحديبية الصلح، ووضع الحرب بينهم وبين رسول الله، ﷺ، تسع سنين؛ أجابهم إلى ذلك مع ما اشترطوا من الشروط الأخر.\nوقال عبد الله بن الإمام أحمد (^٢٠٤): حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي، حدثنا فضيل بن سليمان - يعني النميري - حدثنا محمد بن أبي يحيى، عن إياس بن عمرو الأسلمي، عن\n_________\n(^٢٠٢) - سنن أبي داود برقم (٢٤٩٨) ولفظه: \"إن الصلاة والصيام والذكر تضاعف على النفقة في سبيل الله بسبعمائة ضعف\" وقد تقدم نحو هذا اللفظ عند تفسير الآية: ٢٦١ من سورة البقرة من حديث عمران ابن حصين.\n(^٢٠٣) - تفسير ابن أبي حاتم (٥/ ٩١١٤).\n(^٢٠٤) - زوائد المسند (١/ ٩٠) وقال الهيثمي فى المجمع (٧/ ٢٣٤): \"رجاله ثقات\".","vol":"7","page":113},{"text":"عليّ بن أبي طالب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"إنه سيكون [بعدي] [¬١] اختلاف - أو: أمر - فإن استطعت أن يكون السّلم، فافعل\".\nوقال مجاهد: نزلت في بني قريظة.\nوهذا فيه نظر؛ لأن السياق كله في وقعة بدر، وذكرها مكتنف لهذا كله.\nوقَول ابن عباس، ومجاهد، وزيد بن أسلم، وعطاء الخراساني، وعكرمة، والحسن، وقتادة: (ن هذه الآية منسوخة بآية السيف في \"براءة\": ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ …﴾ الآية - فيه نظر أيضًا، لأن آية براءة فيها الأمر بقتالهم إذا أمكن ذلك، فأما إذا كان العدو كثيفًا، فإنه تجوز مهادنتهم، كما دلت عليه هذه الآية الكريمة، وكما فعل النبي ﷺ يوم الحديبية، فلا منافاة ولا نسخ ولا تخصيص، والله أعلم.\nوقوله: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾، أي: صالحهم وتوكل على الله، فإن الله كافيك وناصرك، ولو كانوا يريدون بالصلح خديعة ليتقووا ويستعدوا، ﴿فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ﴾، أي: كافيك وحده.\nثم ذكر نعمته عليه بما أيده به من المؤمنين المهاجرين والأنصار، فقال: ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (٦٢) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾، أي: جمعها على الإيمان بك، وعلى طاعتك ومناصرتك ومُوازرتك. ﴿لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾، أي: لما كان بينهم من العداوة والبغضاء، فإن الأنصار كانت بينهم حروب كميرة فى الجاهلية، بن الأوس والخزرج، وأمور يلزم منها التسلسل في الشر، حتى قطع الله ذلك بنور الإيمان، كما قال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾.\nوفي الصحيحين (^٢٠٥) أن رسول الله، ﷺ، لما خَطَب الأنصار في شأن غنائم حُنَين قال لهم: (يا معشر الأنصار، ألم أجدكم ضلالًا فهداكم الله بي، وعالة فأغناكم الله بي، وكنتم متفرقين فَألَّفَكم الله بي\" - كلما قال شيئًا قالوا: الله ورسوله أمَن.\n_________\n(^٢٠٥) - صحيح البخاري برقم (٤٣٣٠) وصحيح مسلم برقم (١٠٦١) من حديث عبد الله بن زيد بن عاصم، ﵁.\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.","vol":"7","page":114},{"text":"ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾، أي: عزيز الجناب. فلا يَخيب رجاء من توكل عليه، حكيم في أفعاله وأحكامه.\nقال الحافظ اْبو بكر البيهقي (^٢٠٦): اْخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنبأنا [¬١] على بن بشر الصيرفي القزويني في منزلنا، أنبأنا أبو عبد الله محمد بن الحُسَين [¬٢] القنْديلي الأسترابادي، حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن النعمان الصفار، حدثنا ميمون بن الحكم، حدثنا بكر بن الشرود، عن محمد بن مسلم الطائفي، عن إبراهيم بن ميسرة، عن طاوس، عن ابن عباس، قال: قرابة الرحم تقطع، ومنة النعمة تكفر، ولم ير مثل تقارب القلوب، يقول الله تعالى: ﴿لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾، وذلك موجود في الشعر:\nإذا مَتّ [¬٣] ذُو القُربَى إليك برحْمه … فَغَشَّك واستَغْنى فَليس بذي رحْم\nولكن ذا القربى الذي إن دعوته … أجاب ومن يرمي [¬٤] العدو الذي تَرْمي\nقال: ومن ذلك قول القائل:\nوَلَقد صَحبتُ الناس ثُم سَبَرْتُهم … وَبَلوت ما وَصَلوا من الأسْبَاب\nفَإذَا القَرَابةُ لا تُقَرّبُ قَاطعًا … وإِذا المَوَدَّةُ أقْرَبُ الأسْبَاب\nقال البيهقي: لا أدري هذا موصولًا بكلام ابن عباس، أو هو من قول من دونه من الرواة.\nوقال أبو إسحاق السَّبِيعي، عن أبي الأحوص، عن عبد الله بن مسعود ﵁، سمعته يقول: ﴿لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ …﴾ الآية. قال: هم المتحابون في الله - وفي رواية: نزلت في المتحابين في الله.\nرواه النسائي والحاكم في مستدركه، [وقال: \"صحيح] [¬٥] \" (^٢٠٧).\nوقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: إن الرحم لتقطع، وإن النعمة لتكفر؛ وإن الله إذا قارب بين القلوب لم يزحزحها شيء، ثم قرأ: ﴿لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾.\n_________\n(^٢٠٦) - شعب الإيمان للبيهقي برقم (٩٠٣٤).\n(^٢٠٧) - النسائي في السنن الكبرى برقم (١١٢١٠) والمستدرك (٢/ ٣٢٩).\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- في خ: \"الحسن\".\n[¬٣]- في خ: \"بت\".\n[¬٤]- في خ: \"وأن يرمى\".\n[¬٥]- سقط من: خ.","vol":"7","page":115},{"text":"رواه الحاكم أيضًا (^٢٠٨).\nوقال أبو عمرو الأوزاعي (^٢٠٩): حدثني عبدة بن أبي لبابة، عن مجاهد - ولقيته فأخذ بيدي فقال: إذا تراءى المتحابان في الله، فأخذ أحدهما بيد صاحبه، وضحك إليه، تحاتَّت خطاياهما كما يتَحات [¬١] ورق الشجر. قال عبدة: فقلت له: إن هذا ليسير!. فقال: لا تقل ذلك، فإن الله تعالى يقول: ﴿لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾!. قال عبدة: فعرفت أنه أفقه مني.\nوقال ابن جرير (^٢١٠): حدثنا أبو كريب، حدثنا ابن يمان، عن إبراهيم الخوزيّ، عن الوليد بن أبي مغيث، عن مجاهد قال: إذا التقى المسلمان فتصافحا غُفر لهما، قال: قلت لمجاهد: بمصافحةٍ يغفر لهما؟ فقال مجاهد: أما سمعته يقول ﴿لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾؟ فقال الوليد لمجاهد: أنت أعلم مني.\nوكذا روى طلحة بن مصرف، عن مجاهد.\nوقال ابن عون، عن عمير بن إسحاق قال: كنا نُحدث: أول ما يرفع من الناس - أو قال: عن الناس - الألفة.\nوقال الحافظ أبو القاسم سليمان ببن أحمد الطبراني (^٢١١) ﵀ حدثنا الحسين بن إسحاق التستري، حدثنا عبيد [¬٢] الله بن عمر القواريري، حدثنا سالم بن غيلان، سمعت جعدًا أبا عثمان، حدثني أبو عثمان النهدي، عن سلمان الفارسي أن رسول الله، ﷺ، قال: \"إن المسلم إذا لقي أخاه المسلم، فأخذ بيده، تَحَاتَّت عنهما ذنوبهما، كما يَتَحات الورق عن الشجرة اليابسة في يوم ريح عاصف، وإلا غفر لهما ولو كانت ذنوبهما مثل زَبَد البحار [¬٣] \".\n﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٦٤) يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ\n_________\n(^٢٠٨) - المستدرك (٢/ ٣٢٩).\n(^٢٠٩) - رواه ابن جرير في تفسيره (١٤/ ٤٦) رقم (١٦٢٦٠).\n(^٢١٠) - تفسير ابن جرير (١٤/ ٤٦) (١٦٢٥٩).\n(^٢١١) - المعجم الكبير (٦/ ٢٥٦) وفيه: \"مثل زبد البحر\" وقال الهيثمي في المجمع (٨/ ٣٧): \"رجاله رجال الصحيح غير سالم بن غيلان وهو ثقة\".\n_________\n[¬١]- في خ: \"تحات\".\n[¬٢]- في خ: \"عبد\".\n[¬٣]- في خ: \"البحر\".","vol":"7","page":116},{"text":"﴿الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (٦٥) الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (٦٦)﴾\nيحرض تعالى نبيه - صلوات الله وسلامه عليه - والمؤمنين على القتال ومناجزة الأعداء ومبارزة الأقران، ويخبرهم أنه حسبهم، أي: كافيهم وناصرهم ومؤيدهم على عدوهم، وإن كثرت أعدادهم وترادفت امدادهم، ولو قل عدد المؤمنين.\nقال ابن أبي حاتم (^٢١٢): حدثنا أحمد بن عثمان بن حكيم، حدثنا عبيد الله بن موسى، أنبأنا سفيان، عن [¬١] شوذب، عن الشعبي في قوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، قال: حسبك الله، وحسب من شهد معك.\nقال: وروي عن عطاء الخراساني، وعبد الرحمن بن زيد مثله.\nولهذا قال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ﴾، أي: حثهم وذمِّر [¬٢] عليه، ولهذا كان رسول الله، ﷺ، يحرّض على القتال عند صفهم ومواجهة العدو، كما قال لأصحابه يوم بدر، حين أقبل المشركون في عَددِهم وعُدَدهم: \"قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض\". فقال عمير بن الحمام: عرضها السموات والأرض؟! فقال رسول الله ﷺ: \"نعم\". فقال: بَخ بَخ، فقال: ما يحملك على قولك \"بخ بخ؟ \" قال: رجاء أن أكون من أهلها! قال: \"فإنك من أهلها\" فتقدم الرجل فكسر جفن سيفه، وأخرج ثمرات فجعل يأكل منهن، ثم ألقى بقيتهن من يده، وقال: لئن أنا حييِتُ حتى أكلهن إنها لحياة طويلة! ثم تقدم فقاتل حتى قتل، ﵁ (^٢١٣).\nوقد رُوي عن سعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، أن هذه الآية نزلت حين أسلم عمر\n_________\n(^٢١٢) - تفسير ابن أبي حاتم (٥/ ٩١٣٤).\n(^٢١٣) - رواه مسلم في صحيحه برقم (١٩٠١) من حديث أنس، ﵁.\n_________\n[¬١]- بعدها في خ: \"ابن\".\n[¬٢]- سقط من: خ.","vol":"7","page":117},{"text":"ابن الخطاب، وكمل به الأربعون.\nوفي هذا نظر؛ لأن هذه الآية مدنية، وإسلام عمر كان بمكة بعد الهجرة إلى أرض الحبشة وقبل الهجرة إلى المدينة، والله أعلم.\nثم قال تعالى مُبَشرَا للمؤمنين وآمرًا: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، كل واحد بعشرة [¬١]. ثم نسخ هذا الأمر وبقيت البشارة.\nقال عبد الله بن المبارك، حدثنا جرير بن حازم، حدثني الزبير بن الخرّيت [¬٢]، عن عكرمة، عن ابن عباس؟ قال: لما نزلت: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾، شق ذلك على المسلمين حين فرض الله عليهم أن لا يفر واحد من عشرة، ثم جاء التخفيف، فقال: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ …﴾ إلى قوله: ﴿يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾، قال: خفف الله عنهم من العدة، ونقص من الصبر بقدر ما خفف عنهم.\nوروى البخاري من حديث ابن المبارك نحوه (^٢١٤).\nوقال سعيد بن منصور: حدثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس في هذه الآية قال: كتب عليهم أن لا يفر عشرون من مائتين، ثم خفف الله عنهم، فقال: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا﴾، فلا ينبغي لمائة أن يفروا من مائتين.\nوروى البخاري (^٢١٥)، عن علي بن عبد الله، عن سفيان، به نحوه [¬٣].\nوقال محمد بن إسحاق: حدثني ابن أبي نجيح، عن عطاء، عن ابن عباس، قال: لما نزلت هذه الآية ثقلت على المسلمين، وأعظموا أن يقاتل عشرون مائتين، ومائة ألفا، فخفف الله عنهم، فنسخها بالآية الأخرى فقال: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا﴾ … الآية، فكانوا إذا كانوا على الشطر من عدو لهم لم ينبغ لهم أن يفروا من عدوهم، وإذا كانوا دون ذلك، لم يجب عليهم قتالهم، وجاز لهم أن يتحوزوا [¬٤] عنهم.\nوروى علي بن أبي طلحة والعوفي، عن ابن عباس نحو ذلك. قال ابن أبي حاتم: وروي عن مجاهد، وعطاء، وعكرمة، والحسن، وزيد بن أسلم، وعطاء الخراساني، والضحاك نحو\n_________\n(^٢١٤) - صحيح البخاري برقم (٤٦٥٣).\n(^٢١٥) - صحيح البخاري برقم (٤٦٥٢).\n_________\n[¬١]- في خ: \"لعشرة\".\n[¬٢]- في خ: \"الحارث\".\n[¬٣]- في ز: \"ونحوه\".\n[¬٤]- في خ: \"يتجوزوا\".","vol":"7","page":118},{"text":"ذلك.\nوروى الحافظ أَبو بكر بن مردويه، من حديث المسيب بن شريك، عن ابن عون، عن نافع، عن ابن عمر ﵄: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ قال: نزلت فينا أصحاب محمد ﷺ.\nوروى الحاكم في مستدركه (^٢١٦)، من حديث أبي عمرو بن العلاء، عن نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله، ﷺ، قرأ: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا﴾، رفع. ثم قال: \"صحيح الإسناد ولم يخرجاه\".\n﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٧) لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٦٨) فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٦٩)﴾\nقال الإِمام أحمد (^٢١٧): حدَّثنا على بن عاصم، عن حميد، عن أنس ﵁ قال: استشار رسول الله، ﷺ، الناس في الأسارى يوم بدر، فقال: إن الله قد أمكنكم منهم. فقام عمر بن الخطاب، فقال: يا رسول الله، اضرب أعناقهم. فأعرض عنه النبي، ﷺ، ثم عاد رسول الله، ﷺ، فقال: \"يا أيها الناس، إن الله قد أمكنكم منهم، وإنما هم إخوانكم بالأمس\" فقام عمر فقال: يا رسول الله، اضرب أعناقهم. فأعرض عنه النبي ﷺ، ثم عاد النبي ﷺ فقال للناس مثل ذلك، فقام أبو بكر الصديق ﵁ فقال: يا رسول الله، نرى أن تعفو عنهم، وأن تقبل منهم الفداء. قال: فذهب عن وجه رسول الله، ﷺ، ما كان فيه في الغم، فعفا عنهم، وقبل منهم الفداء. قال: وأنزل الله ﷿: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ … الآية.\nوقد سبق في أول السورة حديث ابن عبَّاس في صحيح مسلم بنحو ذلك.\nوقال الأعمش (^٢١٨)، عن عمرو بن مرة، عن أبي عبيدة، عن عبد الله؛ قال: لما كان\n_________\n(^٢١٦) - المستدرك (٢/ ٢٣٩).\n(^٢١٧) - المسند (٣/ ٢٤٣) رقم (١٣٥٨١).\n(^٢١٨) - المسند (١/ ٣٨٣) وسنن التِّرمِذي برقم (٣٠٨٤)، والمستدرك (٣/ ٢١)، وقال التِّرمِذي: \"هذا حديث حسن وأَبو عبيدة بن عبد الله لم يسمع من أبيه\".","vol":"7","page":119},{"text":"يوم بدر قال رسول الله، ﷺ: ما تقولون في هؤلاء الأسارى؟. قال: فقال أَبو بكر: يا رسول الله، قومك وأهلك، استبقهم واستتبهم، لعل الله أن يتوب عليهم. قال: وقال عمر: يا رسول الله، أخرجوك، وكذبوك، فقدمهم فاضرب أعناقهم. قال: وقال عبد الله بن رواحة: [يا رسول الله] [¬١]، أنت في وادٍ كثير الحطب، فأضرم الوادي عليهم نارًا، ثم ألقهم فيه. [قال: فقال العباس: قطعت رحمك] [¬٢] قال: فسكت رسول الله، ﷺ، فلم يرد عليهم شيئًا، ثم قام فدخل فقال ناس: يأخذ بقول أبي بكر. وقال ناس: يأخذ بقول عمر. وقال ناس: يأخذ بقول عبد الله بن رواحة. ثم خرج عليهم رسول الله، ﷺ، فقال: إن الله ليلين قلوب رجال حتَّى تكون ألين من اللبن، وإن الله ليشدد قلوب رجال فيه حتَّى تكون أشد من الحجارة، وإن مثلك يا أبا بكر كمثل إبراهيم ﵇ قال: ﴿فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، وإن مثلك يا أبا بكر كمثل عيسى ﵇ قال: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾، وإن مثلك يا عمر مثل موسى ﵇ قال: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾، وإن مثلك يا عمر كمثل نوح ﵇ قال: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾، أنتم عالة فلا ينفلتن [¬٣] أحد منهم إلا بفداء أو ضربة عنق. قال ابن مسعود: قلت: يا رسول الله، إلا سهيل بن بيضاء، فإنه يذكر الإسلام، فسكت رسول الله، ﷺ، فما رأيتني في يوم أخوف أن تقع على حجارة من السماء مني في ذلك اليوم، حتَّى قال رسول الله، ﷺ: إلا سهيل [¬٤] بن بيضاء. فأنزل الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى﴾ … إلى آخر الآية.\nرواه الإِمام أحمد والترمذي، من حديث أبي معاوية، عن الأعمش، والحاكم في مستدركه، وقال: \"صحيح الإسناد ولم يخرجاه\".\nوروى الحافظ أَبو بكر بن مردويه، عن عبد الله بن عمر، وأبي هريرة ﵄ عن النبي، ﷺ، نحوه، وفي الباب عن أبي أيوب الأنصاري.\nوروى ابن مردويه أيضًا - واللفظ له - والحاكم في مستدركه (^٢١٩)، من حديث عبيد الله ابن موسى: حدثنا إسرئيل، عن إبراهيم بن مهاجر، عن مجاهد، عن ابن عمر [¬٥]؛ قال: لما\n_________\n(^٢١٩) - المستدرك (٢/ ٣٢٩) وقال الذهبي: \"على شرط مسلم\".\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- في خ: \"ينفكن\".\n[¬٤]- في خ: \"سهل\".\n[¬٥]- بعده في خ: \"عن رسول الله ﷺ\".","vol":"7","page":120},{"text":"أسر الأسارى يوم بدر، أسر العباس فيمن أسر، أسره رجل من الأنصار، قال: وقد أوعدته الأنصار أن يقتلوه. فبلغ ذلك النبي ﷺ، فقال رسول الله ﷺ: \"إني لم أنم الليلة من أجل عمي العباس، وقد زعمت الأنصار أنهم قاتلوه\" فقال له عمر: أفآتهم؟ قال: نعم. فأتى عمر الأنصار فقال لهُم: أرسلوا العباس. فقالوا: لا، والله لا نرسله. فقال لهم عمر: فإن كان لرسول الله، ﷺ، رضا؟ قالوا: فإن كان لرسول الله، ﷺ، رضا فخذه. فأخذه عمر فلما صار في يده قال له: يا عبَّاس، أسلم، فوالله لأن تسلم أحب إليَّ من أن يسلم الخطاب، وما ذاك إلَّا لا رأيت رسول الله ﷺ يعجبه إسلامك، قال: فاستشار رسول الله، ﷺ، أبا بكر، فقال أَبو بكر: عشيرتك. فأرسلهم، فاستشار عمر، فقال: اقتلهم. ففاداهم رسول الله ﷺ، فأنزل الله: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ الآية.\nقال الحاكم: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه.\nوقال سفيان الثَّوري، عن هشام - هو ابن حسان - عن محمد بن سيرين، عن عبيدة، عن عليٍّ ﵁ قال: جاء جبريل إلى النبي، ﷺ، يوم بدر فقال: خَيِّر أصحابك في الأسارى: إن شاءوا الفداء، وإن شاءوا القتل على أن يقتل منهم مقبلًا مثلهم. قالوا: الفداء ويقتل منا.\nرواه التِّرمِذي، والنسائي، وابن حبان في صحيحه من حديث الثَّوري به (^٢٢٠). وهذا حديث غريب جدًّا.\nوقال ابن عون، عن عبيدة، عن علي، قال (^٢٢١): قال رسول الله، ﷺ، في أسارى يوم بدر: \"إن شئتم قتلتموهم، وإن شئتم فاديتموهم واستمتعتم بالفداء، واستشهد منكم بعدتهُم\" قال: فكان آخر السبعين ثابت بن قيس، قتل يوم اليمامة، ﵁.\nومنهم من روى هذا الحديث عن عبيدة مرسلًا، فالله أعلم (^٢٢٢).\n_________\n(^٢٢٠) - سنن التِّرمِذي برقم (١٥٦٧) والنَّسائي في السنن الكبرى برقم (٨٦٦٢) وقال التِّرمِذي: (هذا حديث غريب من حديث الثَّوري لا نعرفه إلَّا من حديث ابن أبي زائدة\".\n(^٢٢١) - رواه الحاكم في المستدرك (٢/ ١٤٠) والبيهقي فى دلائل النبوة (٣/ ١٣٩) من طريق إبراهيم بن عرعرة قيل: أخبرنا أزهر، عن ابن عون، عن محمد، عن عبيدة، عن علي به، وقال ابن عرعرة: \"رددت هذا على أزهر فأبى إلَّا أن يقول: عبيدة عن علي\" وصححه الحاكم وقال: \"على شرط الشيخين\".\n(^٢٢٢) - رواه ابن جرير في تفسيره (١٤/ ٦٧) من طريق ابن علية عن ابن عون عن ابن سيرين عن عبيدة به مرسلًا.","vol":"7","page":121},{"text":"وقال محمد بن إسحاق، عن ابن أبي نجيح، عن عطاء، عن ابن عبَّاس: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى﴾، فقرأ حتَّى بلغ: ﴿عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾، قال: غنائم بدر قبل أن يحلها لهم، يقول: لولا أني لا أعذب من عصاني حتَّى أتقدم إليه، لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم.\nوكذا روى ابن أبي نجيح، عن مجاهد.\nوقال الأعمش: سَبَق منه أن لا يعذب أحدًا شهد بدرًا. وروي نحوه عن سعد بن أبي وقاص، وسعيد بن جبير، وعطاء.\nوقال شعبة، عن أبي هاشم، عن مجاهد: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾، أي: لهم بالمغفرة. ونحوه عن سفيان الثوري ﵀.\nوقال على بن أبي طلحة، عن ابن عبَّاس في قوله: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾، يعني: في أم الكتاب الأول أن المغانم والأسارى حلال لكم، ﴿لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ﴾ من الأسارى ﴿عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾، قال الله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ ....﴾ الآية. وكذا روى العوفي، عن ابن عبَّاس. وروي مثله عن أبي هريرة، وابن مسعود، وسعيد بن جبير، وعطاء، والحسن البصري، وقَتَادة، والأعمش أيضًا، أن المراد ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ لهذه الأمة بإحلال الغنائم. وهو اختيار ابن جرير ﵀.\nويستشهد لهذا القول بما أخرجاه في الصحيحين (^٢٢٣)، عن جابر بن عبد الله، ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: \"أعطيت خمسًا، لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه وبعثت إلى الناس عامة\".\nوقال الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁ قال (^٢٢٤): قال رسول الله ﷺ: \"لم تحل الغنائم لسود الرءوس غيرنا\".\nولهذا قال الله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، فعند ذلك أخذوا من الأسارى الفداء.\n_________\n(^٢٢٣) - صحيح البخاري برقم (٣٣٥) وصحيح مسلم برقم (٥٢١).\n(^٢٢٤) - رواه التِّرمِذي في السنن برقم (٣٠٨٥) من طريق معاوية بن عمرو عن زائدة، عن الأعمش به نحوه، وقال التِّرمِذي: \"هذا حديث حسن صحيح غريب من حديث الأعمش\".","vol":"7","page":122},{"text":"وقد روى الإمام أَبو داود في سننه (^٢٢٥)؛ حدَّثنا عبد الرحمن بن المبارك العيشي [¬١]، حدَّثنا سفيان بن حبيب، حدَّثنا شعبة، عن أبي العنبس، عن أبي الشعثاء، عن ابن عبَّاس؛ أن رسول الله، ﷺ، جعل فداء أهل الجاهلية يوم بدر أربعمائة.\nوقد استقر الحكم في الأسرى عند جمهور العلماء؛ أن الإمام مخير فيهم، إن شاء قتل - كما فعل ببني قريظة - وإن شاء فادى بمال - كما فعل بأسرى بدر - أو بمن أسر من المسلمين - كما فعل رسول الله ﷺ فى تلك الجارية وابنتها اللتين كانتا في سبي سلمة بن الأكوع، حيث ردهما وأخذ في مقابلتهما من المسلمين الذين كانوا عند المشركين، وإن شاء استرق من أسر. هذا مذهب الإِمام الشَّافعي وطائفة من العلماء، وفي المسألة خلاف آخر بين الأئمة مقرر في موضعه من كتب الفقه.\n﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٠) وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٧١)\nقال محمد بن إسحاق: حدثني العباس بن عبد الله بن مغفل، عن بعض أهله، عن عبد الله ابن عبَّاس ﵄ أن رسول الله، ﷺ، قال يوم بدر: \"إني قد عرفت أن أناسًا من بني هاشم وغيرهم، قد أخرجوا كرهًا، لا حاجة لهم بقتالنا، فمن لقي منكم أحدًا منهم - أي: من بني هاشم فلا يقتله، ومن لقي أبا البختري بن هشام فلا يقتله، ومن لقي العباس بن عبد المطلب فلا يقتله، فإنه إنما أخرج مستكرها\" فقال أَبو حذيفة بن عتبة: أنقتل آباءنا وأبناءنا وإخواننا وعشائرنا ونترك العباس؟! والله لئن لقيته لألجمنه بالسيف! فبلغت رسول الله، ﷺ، فقال لعمر بن الخطاب: \"يا أبا حفص\" - قال عمر: والله إنه لأول يوم كناني فيه رسول الله ﷺ \"أيضرب وجه عم رسول الله بالسيف؟ \" فقال عمر: يا رسول الله؛ ائذن لي فأضرب عنقه، فوالله لقد نافق. فكان أَبو حذيفة يقول بعد ذلك: والله ما آمن من تلك الكلمة التى قلت، ولا أزال منها خائفًا، إلا أن يكفرها الله عني بشهادة. فقتل يوم اليمامة شهيدًا ﵁.\nوبه، عن ابن عبَّاس قال: لما أمسى رسول الله، ﷺ، يوم بدر،\n_________\n(^٢٢٥) - سنن أبي داود برقم (٢٦٩١).\n_________\n[¬١]- في خ: \"العبسي\".","vol":"7","page":123},{"text":"والأسارى محبوسون بالوثاق، بات رسول الله، ﷺ، ساهرًا أول الليل، فقال له أصحابه: يا رسول الله، ما لك لا تنام؟ - وقد أسر العباسَ رجلٌ من الأنصار - فقال رسول الله ﷺ: سمعت أنين عمي العباس في وثاقه فأطلقوه. فسكت فنام رسول الله ﷺ.\nقال محمد بن إسحاق: وكان أكثر الأسارى يوم بدر فداء العباس بن عبد المطلب، وذلك أنَّه كان رجلًا موسرًا\" فافتدى نفسه بمائة أوقية ذهبًا.\nوفي صحيح البخاري (^٢٢٦)، من حديث موسى بن عقبة، قال ابن شهاب: حدثني أَنس ابن مالك، أن رجالًا من الأنصار استأذنوا رسول الله، ﷺ، فقالوا: ائذَنْ لنا فَلْنترُك لابن أختنا عبَّاس فداءه. قال: \"لا، والله لا تَذَرون منه درهمًا\".\nوقال يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق، عن يزيد بن رُومان، عن عروة - وعن الزُّهْريّ، عن جماعة سماهم قالوا: بعثت قريش إلى رسول الله، ﷺ، في فداء أسراهم، ففدى كل قوم أسيرهم بما رضوا، وقال العباس: يا رسول الله، قد كنت مسلمًا! فقال رسول الله صلى الله [¬١] عليه وسلم: \"الله أعلم بإسلامك، فإن يكن كما تقول فإن الله يجزيك، وأما ظاهرك فقد كان علينا، فافتد نفسك وابني أخيك: نوفل بن الحارث بن عبد المطلب، وعَقيل بن أبي طالب بن عبد المطلب، وحليفك عتبة بن عمرو أخي بني الحارث ابن فهر\" قال: ما ذاك عندي يا رسول الله\" قال: فأين المال الذى دفنته أنت وأم الفضل؟ فقلت لها: إن أصبتُ في سفري هذا، فهذا المال الذي دفنته لبَني: الفضل، وعبد الله، وقُثم؟ قال: والله يا رسول الله، إني لأعلم أنك رسول الله، إن هذا لشيء ما علمه أحد غيري وغير أم الفضل، فاحسب لي يا رسول الله؛ ما أصبتم مني: عشرين أوقية من مال كان معي؟ فقال رسول الله ﷺ: \"لا، ذاك شيء أعطانا الله تعالى منك. ففدى نفسه وابني أخويه وحليفه\"، وأنزل الله ﷿ فيه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٠)﴾، قال العباس: فأعطاني الله مكان العشرين الأوقية في الإسلام عشرين عبدًا، كلهم في يده مال يضرب به، مع ما أرجو من مغفرة الله، ﷿.\nوقد روى ابن إسحاق أيضًا، عن ابن أبي نَجيح، عن عطاء، عن ابن عبَّاس في هذه الآية بنحو مما تقدم.\n_________\n(^٢٢٦) - صحيح البخاري برقم (٤٠٢٦).\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.","vol":"7","page":124},{"text":"وقال أَبو جعفر بن جرير (^٢٢٧): حدَّثنا ابن وكيع، حدَّثنا ابن إدريس [عن ابن إسحاق] [¬١] عن ابن أبي نَجيح، عن مجاهد، عن ابن عبَّاس، قال: قال العباس: فيّ نزلت: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾، فأخبرت النبي، ﷺ، بإسلامي، وسألته يحاسبنى بالعشرين الأوقية التي أخذ مني، فأبى، فأبدلني الله بها عشرين عبدًا، كلهم تاجر، مالي فى يده.\nوقال ابن إسحاق أيضًا (^٢٢٨): حدثني الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عبَّاس، عن جابر ابن عبد الله بن رئاب، قال: كان العباس بن عبد المطلب يقول: في نزلت - والله - حين ذكرت لرسول الله، ﷺ، إسلامي - ثم ذكر نحو الحديث كالذي قبله.\nوقال ابن جُرَيج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عبَّاس: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى﴾: عبَّاس وأصحابه، قال: قالوا للنبي ﷺ؛ آمنا بما جئت به، ونشهد أنك رسول الله، لننصحن لك على قومنا. فأنزل الله: ﴿إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ﴾، إيمانًا وتصديقًا، يخلف لكم خيرًا مما أخذ منكم ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ الشرك الذى كنتم عليه. قال: فكان العباس يقول: ما أحب أن هذه الآية لم تنزل فينا، وأن لي الدنيا، لقد قال: ﴿يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ﴾، فقد أعطاني خيرًا مما أخذ مني مائة ضعف، وقال: ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾، وأرجو أن يكون غُفر لي.\nوقال على بن أبي طلحة، عن ابن عبَّاس في الآية: كان العباس أسر يوم بدر، فافتدى نفسه بأربعين أوقية من ذهب، فقال العباس حين قرئت هذه الآية: لقد أعطانا الله ﷿ خَصلتين، ما أحب أن لي بهما الدنيا، إني أسرت يوم بدر فَفَدَيت نفسي بأربعين أوقية، فآتاني أربعين عبدًا، وأنا أرجو المغفرة التى وعدنا الله جل ثناؤه.\nوقال قَتَادة في تفسير هذه الآية: ذُكر لنا أن رسول الله، ﷺ، لما قدم عليه مال البحرين ثمانون ألفًا، وقد توضأ لصلاة الظهر، فما أعطى يومئذ ساكتًا ولا حرم سائلًا، وما صلى يومئذ حتَّى فرقه، فأمر العباس أن [¬٢] يأخذ منه ويحتثي فأخذ. قال: فكان العباس يقول: هذا خير مما أخذ منا، وأرجو المغفرة.\nوقال يعقوب بن سفيان (^٢٢٩): حدَّثنا عمرو بن عاصم، حدَّثنا سليمان بن المغيرة، عن\n_________\n(^٢٢٧) - تفسير الطَّبري (١٤/ ٧٣٤) رقم (١٦٣٢١).\n(^٢٢٨) - تفسير الطَّبري (١٤/ ٧٣) رقم (١٦٣٢٢).\n(^٢٢٩) - ورواه الحاكم في المستدرك (٣/ ٢٩٣) من طريق هاشم بن القاسم عن سليمان بن المغيرة به نحوه، وقال: \"هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه\".\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٢]- سقط من: خ.","vol":"7","page":125},{"text":"حميد بن هلال، قال: بعث ابن الحضرمي إلى رسول الله، ﷺ، من البحرين ثمانين ألفًا، ما أتاه مال أكثر منه لا قَبلُ ولا بَعدُ. قال [¬١]: فنثرت على حصير ونُودي بالصلاة. قال: وجاء رسول الله، ﷺ، فمثل قائمًا على المال، وجاء أهل المسجد فما كان يومئذ عَدَدٌ ولا وَزْنٌ، ما كان إلَّا قَبضًا، وجاء العباس بن عبد المطلب يحثى في خميصة عليه، وذهب يقوم فلم يستطع، قال: فرفع رأسه إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، ارفع [¬٢] علي. قال: فتبسم رسول الله، ﷺ، حتَّى خرج ضاحكه - أو: نابه - وقال له: \"أعدْ من [¬٣] المال طائفة، وقم بما تطيق\". قال: ففعل، وجعل العباس يقول - وهو منطلق -: أمّا إحدى اللتين وعدنا الله فقد أنجزنا، وما ندري ما يصنع في الأخرى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى﴾ … الآية، ثم قال: هذا خير مما أخذ منا، ولا أدري ما يصنع الله في الأخرى، فما زال رسول الله، ﷺ، ماثلًا على ذلك المال، حتَّى ما بقي منه درهم، وما بعث إلى أهله بدرهم، ثم أتى الصلاة فصلَّى.\nحديث آخر في ذلك، قال الحافظ أَبو بكر البيهقي (^٢٣٠): أنبأنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني أَبو الطيب محمد بن محمد بن عبد الله الشعيري [¬٤]، حدَّثنا مَحْمش بن عصام، حدَّثنا حفص بن عبد الله، حدثنا إبراهيم بن طهمان، عن عبد العزيز بن صهيب، عن أنس ابن مالك؛ قال: أُتي رسول الله، ﷺ، بمال من البحرين، فقال: انثروه في المسجد قال: وكان أكثر مال أتي به رسول الله ﷺ، فخرج إلى الصلاة ولم يلتفت إليه، فلما قضي الصلاة جاء فجلس إليه، فما كان يرى أحدًا إلَّا أعطاه، إذ جاء العباس فقال: يا رسول الله، أعطني فإني [¬٥] فاديت نفسي، وفاديت عَقيلًا، فقال له رسول الله ﷺ: \"خذ\". فحثا في ثوبه، ثم ذهب يُقلّه فلم يستطع، فقال: مُرْ بعضهم يرفعه إليّ. قال: \"لا\". قال: فارفعه أنت عليَّ. قال: \"لا\". فنثر منه ثم احتمله على كاهله، ثم انطلق، فما زال رسول الله ﷺ يتبعه بصره حتَّى خَفِيَ عنه، عَجَبًا من حِرصْه، فما قام رسول الله، ﷺ، وثَمَّ منها درهم.\nوقد رواه البخاري في مواضع من صحيحه تعليقًا بصيغة الجزم (^٢٣١)، يقول: \"وقال إبراهيم بن طهمان\" ويسوقه وفي بعض السياقات أتم من هذا.\n_________\n(^٢٣٠) - السنن الكبرى (٦/ ٣٥٦).\n(^٢٣١) - صحيح البخاري برقم (٤٢١، ٣٠٤٩، ٣١٦٥).\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- في خ: \"في\".\n[¬٤]- في خ، ت: \"السعيدي\"\n[¬٥]- سقط من: خ.","vol":"7","page":126},{"text":"وقول: ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ﴾، أي: فيما أظهروا لك من الأقوال، ﴿فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ﴾، أي: من قبل بدر بالكفر به، ﴿فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ﴾، أي: بالإسار [¬١] يوم بدر، ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾، أي: عليم بما يفعله، حكيم فيه.\nقال قَتَادة: نزلت في عبد الله بن سعد بن أبي سرح الكاتب حين ارتد، ولحق بالمشركين.\nوقال ابن جريج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عبَّاس: نزلت في عبَّاس وأصحابه، حين قالوا: \"لننصحن لك على قومنا\".\nوفسرها السدي على العموم، وهو أشمل وأظهر، والله أعلم.\n﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٧٢)﴾\nذكر تعالى أصناف المؤمنين، وقسمهم إلى مهاجرين: خرجوا من ديارهم وأموالهم، وجاءوا لنصر الله ورسوله، وإقامة دينه، وبذلوا أموالهم وأنفسهم في ذلك. وإلى أنصار، وهم: المسلمون من أهل المدينة إذ ذاك، آووا إخوانهم المهاجرين في منازلهم، وواسوهم في أموالهم، ونصروا الله ورسوله بالقتال معهم، فهؤلاء بعضهم [أولياء بعض] [¬٢] أي: كل منهم أحق بالآخر من كل أحد. ولهذا آخى رسول الله، ﷺ، بين المهاجرين والأنصار، كل اثنين أخَوَان، فكانوا يتوارثون بذلك إرثًا مقدمًا على القرابة، حتَّى نسخ الله تعالى ذلك بالمواريث، ثبت ذلك في صحيح البخارى (^٢٣٢)، عن ابن عبَّاس.\nورواه العَوْفي، وعليٌّ بن أبي طلحة، عنه (^٢٣٣).\nوقال به مجاهد، وعكرمة، والحسن، وقَتَادة وغيرهم.\n_________\n(^٢٣٢) - صحيح البخاري، كتاب الفرائص، باب: ذوات الأرحام برقم (٦٧٤٧).\n(^٢٣٣) - رواه ابن جرير في تفسيره (١٤/ ٧٨، ٧٩) رقم (١٦٣٣١، ١٦٣٣٢).\n_________\n[¬١]- في خ: \"بالأسارى\".\n[¬٢]- في خ: \"أولى ببعضٍ\".","vol":"7","page":127},{"text":"قال الإِمام أحمد (^٢٣٤): حدَّثنا وكيع، عن شريك، عن عاصم، عن أبي وائل، عن جرير - هو ابن عبد الله البجلي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"المهاجرون والأنصار [أولياء بعضهم لبعض] [¬١] والطلقاء من قريش والعتقاء من ثقيف بعضهم أولياء بعض إلى يوم القيامة. تفرد به أحمد.\nوقال الحافظ أَبو يعلى (^٢٣٥): حدَّثنا شيبان، حدَّثنا عكرمة - يعني ابن إبراهيم الأزدي، حدَّثنا عاصم، عن شقيق، عن ابن مسعود، قال: سمعت رسول الله، ﷺ يقول: \"المهاجرون والأنصار والطلقاء من قريش والعتقاء من ثقيف بعضهم أولياء بعض في الدنيا والآخرة\". هكذا رواه في مسند عبد الله بن مسعود.\nوقد أثنى الله ورسوله على المهاجرين والأنصار في غير ما آية في كتابه، فقال: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ ....﴾ الآية، وقال: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ .....﴾ الآية. وقال تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (٨) وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ....﴾ الآية.\nوأحسن ما قيل في قوله: ﴿وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا﴾، أي: لا يحسدونهم على فضل ما أعطاهم الله على هجرتهم، فاٍ ن ظاهر الآيات تقديم المهاجرين على الأنصار، وهذا أمر مجمع عليه بين العلماء، لا يختلفون في ذلك، ولهذا قال الإمام أَبو بكر أحمد [¬٢] بن عمرو بن عبد الخالق البزار في مسنده (^٢٣٦)، حدَّثنا محمد بن معمر، حدَّثنا مسلم بن إبراهيم، حدَّثنا [¬٣] حمَّاد بن سلمة، عن عليِّ بن زيد، عن سعيد بن المسيب، عن حذيفة قال: \"خيَّرني رسولُ الله، ﷺ، بين الهجرة والنصرة، فاخترت الهجرة\".\nثم قال: لا نعرفه إلَّا من هذا الوجه.\n_________\n(^٢٣٤) - المسند (٤/ ٣٦٣) (١٧٢٦٩) والطبراني في الكبير (٢/ ٣١٤ ح ٢٣١١)، (٢/ ١٦٣ / ح / ٢٣١٤).\n(^٢٣٥) - مسند أبي يعلى (٨/ ٤٤٦) وفيه عكرمة بن إبراهيم، ضعيف.\n(^٢٣٦) - مسند البزار - رقم (٢٧١٨) \"كشف الأستار\" وفيه علي بن زيد، ضعيف.\n_________\n[¬١]- في خ: \"بعضهم أولياء بعضٍ\".\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- في خ: \"ابن\".","vol":"7","page":128},{"text":"وقوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ﴾، [قرأ حمزة: ولايتهم بالكسر، والباقون بالفتح، وهما واحد كالدِّالة والدَّلالة] [¬١] ﴿مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾، هذا هو الصنف الثالث من المؤمنين، وهم الذين آمنوا ولم يهاجروا، بل أقاموا في بَوَاديهم، فهؤلاء ليس لهم في المغانم نَصِيبٌ، ولا في خُمسها إلَّا ما حضروا فيه القتال، كما قال الإمام أحمد (^٢٣٧):\nحدَّثنا وكيع، حدَّثنا سفيان، عن علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بُرَيدة عن أبيه: بُرَيدة ابن الحُصَيب الأسلمي ﵁ قال: كان رسول الله، ﷺ، إذا بعث أميرًا على سرية أو جيش، أوصاه في [¬٢] خاصة نفسه بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيرًا، وقال: \"اغزوا باسم الله في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، إذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى إحدى [¬٣] ثلاث خصال - أو: خلال - فأيتهن ما أجابوك إليها فأقبل منهم، وكف عنهم: ادعهم إلى الإسلام، فإن أجابوك فأقبل منهم، وكف عنهم. ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين، وأعلمهم إن فعلوا ذلك أن لهم ما للمهاجرين، وأن عليهم ما على المهاجرين، فإن أَبوا واختاروا دارهم فأعلمهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين، يجري عليهم حكم الله الذي يجري على المؤمنين، ولا يكون لهُم في الفيء والغنيمة نصيب، إلَّا أن يجاهدوا مع المسلمين، فإن هم أَبوا فادعهم إلى إعطاء الجزية، فإن أجابوا فاقبل منهم وكف عنهم، فإن أَبوا فاستعن بالله ثم قاتلهم\".\nانفرد به مسلم، وعنده زيادات أخر.\nوقوله: ﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾.\nيقول تعالى: وإن استنصروكم هؤلاء الأعراب، الذين لم يهاجروا في قتال ديني، على عدوّ لهم فانصروهم، فإنه واجب عليكم نصرهم؛ لأنهم إخوانكم في الدين، إلا أن يستنصروكم على القوم من الكفار ﴿بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾، أى: مهادنة إلى مدة، فلا تخفروا [¬٤] ذمتكم، ولا تنقضوا أيمانكم مع الذين عاهدتم. وهذا مروي عن ابن عبَّاس ﵁.\n_________\n(^٢٣٧) - المسند (٥/ ٣٥٢) وصحيح مسلم برقم (١٧٣١).\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- في خ: \"باسم الله\".\n[¬٤]- في خ: \"تحقروا\".","vol":"7","page":129},{"text":"﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ (٧٣)﴾\nلما ذكر تعالى أن المُؤمنين بعضهم أولياء بعض قطع الموالاة بينهم وبين الكفار، كما قال الحاكم في مستدركه (^٢٣٨):\nحدَّثنا محمد بن صالح بن هانئ، حدَّثنا أبو سعيد يحيى بن منصور الهروي، حدَّثنا محمد بن أبان، حدَّثنا محمد بن في يد، وسفيان بن حسين، عن الزُّهْريّ، عن علي بن الحسين، عن عمرو بن عثمان، عن أسامة، عن النبي، ﷺ، قال: \"لا يتوارث أهل ملتين، ولا يرث مسلم كافرًا، ولا كافر مسلمًا ثم قرأ ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾. ثم قال الحاكم: صحيح الإِسناد ولم يخرجاه.\nقلت: الحديث في الصحيحين من رواية أسامة بن زيد قال (^٢٣٩): قال رسول الله ﷺ: \"لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم\".\nوفي المسند والسنن من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال (^٢٤٠): قال رسول الله ﷺ: \"لا يتوارث أهل ملتين شتى\". وقال التِّرمِذي: حسن صحيح.\nوقال أَبو جعفر بن جرير (^٢٤١): حدَّثنا محمد [عن محمد بن ثور] [¬١] عن معمر، عن الزُّهْريّ أن رسول الله ﷺ أخذ على رجل دخل في الإِسلام فقال: \"تقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتحج البيت وتصوم رمضان، وأنك لا ترى نار مشرك إلا وأنت له حرب\".\nوهذا مرسل من هذا الوجه، وقد روي متصلًا من وجه آخر عن رسول الله صلى الله\n_________\n(^٢٣٨) - المستدرك (٢/ ٢٤٠).\n(^٢٣٩) - صحيح البخاري برقم (٦٧٦٤)، وصحيح مسلم برقم (١٦١٤).\n(^٢٤٠) - المسند (٢/ ١٩٥) وسنن أبي داود برقم (٢٩١١) ولم أقع عليه في سنن التِّرمِذي، وإنما أشار إليه عند حديث أسامة بن زيد، والله أعلم.\n(^٢٤١) - تفسير ابن جرير (١٤/ ٨٢).\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.","vol":"7","page":130},{"text":"عليه وسلم أنَّه قال: \"أنا بريء من كل مسلم بين ظهراني المشركين\". ثم قال: \"لا يتراءى ناراهما\" (^٢٤٢).\nوقال أَبو داود في آخر كتاب الجهاد (^٢٤٣): حدَّثنا محمد بن داود بن سفيان، أخبرنى يحيى بن حسان [¬١]، أنبأنا سليمان بن موسى أَبو داود، حدَّثنا جعفر بن سعد بن سمرة [ابن جندب، حدثني خبيب بن سليمان عن أبيه سليمان بن سمرة] [¬٢] عن سمرة بن جندب: أما بعد، قال رسول الله ﷺ: \"من جامع المشرك وسكن معه فإنه مثله\".\nوذكر الحافظ أَبو بكر بن مردويه من حديث حاتم بن إسماعيل، عن عبد الله بن هرمز، عن محمد وسعيد ابني عبيد، عن أبي حاتم المزني؛ قال: قال رسول الله ﷺ: \"إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه، إلَّا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد عريض [¬٣] \". [قالوا: يا رسول الله، وإن كان …؟. قال: \"إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه\". ثلاث مرات.\nأخرجه أَبو داود والتِّرمِذي من حديث حاتم بن إسماعيل به بنحوه (^٢٤٤).\nثم روي من حديث عبد الحميد بن سليمان، عن ابن عجلان، عن ابن وثيمة النصري، عن أبي هريرة ﵁ قال (^٢٤٥): قال رسول الله ﷺ: \"إذا أتاكم من ترضون خلقه ودينه فزوجوه، إلَّا تفعلوا تكن فتنة فى الأرض وفساد عريض\"] [¬٤].\nومعنى قوله؛ ﴿إلَّا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير﴾ أي: إن لم تجانبوا المشركين وتوالوا المؤمنين وإلَّا وقعت فتنة في الناس وهو التباس الأمر واختلاط المؤمنين\n_________\n(^٢٤٢) - رواه أَبو داود في السنن برقم (٢٦٤٥) والتِّرمِذي في السنن برقم (١٦٠٤) والنَّسائي فى السنن (٨/ ٣٦) من حديث جرير بن عبد الله، ﵁.\n(^٢٤٣) - سنن أبي داود برقم (٢٧٨٧).\n(^٢٤٤) - رواه أَبو داود في المراسيل برقم (٢٢٤) والترمذى في السنن برقم (١٠٨٥).\n(^٢٤٥) - ورواه الترمذى في السنن برقم (١٠٨٤) من طريق عبد الحميد بن سليمان به، وقال: \"حديث أبي هريرة قد خولف عبد الحميد بن سليمان في هذا الحديث، ورواه اللَّيث بن سعد عن ابن عجلان عن أبي هريرة عن النبي صلى إلله عليه وسلم مرسلًا ثم قال: وحديث اللَّيث أشبه، ولم يعد حديث عبد الحميد محفوظًا\".\n_________\n[¬١]- في خ: \"حبان\".\n[¬٢]- سقط من -: خ.\n[¬٣]- في خ: \"كبير\".\n[¬٤]- زيادة من: خ.","vol":"7","page":131},{"text":"بالكافرين فيقع بين الناس فساد منتشر عريض طويل.\n﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٧٤) وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٧٥)﴾\nلما ذكر تعالى حكم المؤمنين في الدنيا عطف بذكر ما لهم في الآخرة، فأخبر عنهم بحقيقة الإِيمان كما تقدم فى أول السورة، وأنه سبحانه سيجازيهم بالمغفرة والصفح عن الذنوب إن كانت، وبالرزق الكريم وهو الحسن الكثير الطيب الشريف دائم مستمر أبدًا لا ينقطع ولا ينقضي ولا يسأم ولا يمل لحسنه وتنوعه.\nثم ذكر أن الأتباع لهم في الدنيا على ما كانوا عليه من الإيمان والعمل الصالح فهم معهم في الآخرة، كما قال: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ .......﴾ الآية، وقال: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ الآية. وفي الحديث المتفق عليه بل المتواتر من طرق صحيحه عن رسول الله ﷺ أنَّه قال: \"المرء من أحب\". وفى الحديث الآخر: \"من أحب قومًا [فهو منهم\". وفي رواية] [¬١]: \"حشر معهم\" (^٢٤٦).\nوقال الإِمام أحمد (^٢٤٧): حدَّثنا وكيع، عن شريك، عن عاصم، عن أبي وائل، عن جرير؛ قال: قال رسول الله ﷺ: \"المهاجرون والأنصار أولياء بعض لبعض، والطلقاء من قريش والعتقاء من ثقيف بعضهم أولياء بعض إلى يوم القيامة\" قال شريك: فحدثنا الأعمَش، عن تميم بن سلمة، عن عبد الرحمن بن هلال، عن جرير، عن النبي ﷺ مثله.\n_________\n(^٢٤٦) - جاء من حديث أبي قرصافة وجابر، أما حديث جابر فرواه الطبراني في المعجم الكبير (٣/ ١٩) من طريق زياد عن عزة بنت عياض عن أبي قرصافة مرفوعًا بلفظ: \"من أحب قومًا حشره الله في زمرتهم\"، وفي إسناده من لا يعرف. رواه الخطيب في تاريخه (٥/ ١٩٦) من طريق إسماعيل بن يحيى عن سفيان عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن جابر مرفوعًا بلفظ: \"من أحب قويًّا على أعمالهم. حشر يوم القيامة في زمرتهم، فحوسب بحسابهم وإن لم يعمال أعمالهم\" وإسماعيل بن يحيى، ضعيف.\n(^٢٤٧) - المسند (٤/ ٣٤٣).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.","vol":"7","page":132},{"text":"تفرد به أحمد من هذين الوجهين.\nوأما قوله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ أي: في حكم الله وليس المراد بقوله ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ﴾ خصوصية ما يطلقه علماء الفرائض على القرابة الذين لا فرض لهم ولاهم [¬١] عصبة، بل يدلون بوارث كالخالة والخال والعمة وأولاد البنات وأولاد الأخوات ونحوهم - كما قد يزعمه بعضهم ويحتج بالآية، ويعتقد ذلك صريحًا في المسألة، بل الحق أن الآية عامة تشمل جميع القرابات، كما نص عليه ابن عبَّاس ومجاهد وعكرمة والحسن وقَتَادة وغير واحد على أنَّها ناسخة للإرث بالحلف والإِخاء اللذين كانوا يتوارثون بهما أولًا، وعلى هذا فتشمل ذوي الأرحام بالاسم الخاص، ومن لم يورثهم يحتج بأدلةٍ، من أقواها حديث: \"إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث\". قالوا: فلو كان له حق لكان ذا فرض في كتاب الله مسمى، فلما لم يكن كذلك لم يكن وارثًا، والله أعلم.\nآخر تفسير سورة الأنفال ولله الحمد والمنة\nوعلبه التكلان وهو حسبنا ونعم الوكيل.\n_________\n==\n[¬١]- سقط من: خ.","vol":"7","page":133},{"text":"<span data-type='title' id=toc-112>تفسير سورة التوبة [¬١] وهي مدنية</span>\n﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١) فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ (٢)﴾\nهذه السورة الكريمة من أواخر ما نزل على رسول الله ﷺ، كما قال البخاري: حدَّثنا أَبو [¬٢] الوليد، حدَّثنا شعبة، عن أبي إسحاق، قال: سمعت البراء يقول: آخر آية نزلت ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾، وآخر سورة نزلت براءة (^١).\nوإنما لا يبسمل في أولها لأن الصحابة لم يكتبوا البسملة في أولها في المصحف الإِمام، [بل اقتدوا] [¬٣] في ذلك بأمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ وأرضاه كما قال التِّرمِذي (^٢): حدَّثنا محمد بن بشار، حدَّثنا يحيى بن سعيد، ومحمد بن [¬٤] جعفر، وابن أبي عدي، وسهل بن يوسف؛ قالوا: حدَّثنا عوف بن أبي جميلة، أخبرني يزيد الفارسي، أخبرني ابن عبَّاس، قال: قلت لعثمان بن عفان: ما حملكم أن عمدتم إلى الأنفال وهي من المثاني، وإلى براءة وهي من المئين [¬٥] وقرنتم [¬٦] بينهما ولم تكتبوا بينهما سطر [¬٧] بسم\n_________\n(^١) - رواه البخاري في التفسير برقم (٤٦٥٤) وطرفه (٤٣٦٤). ورواه مسلم في الفرائض حديث ١١، ١٢ - (١٦١٨)، وابن أبي شيبة، والنَّسائي (٢٣٢ التفسير)، وابن الضريس (١٩، ٢٠)، وابن المنذر، والنحاس في ناسخه ص (٤٨٤)، وأَبو الشيخ، وابن مردويه (الدر المنثور ٣/ ٣٧٥).\n(^٢) - ضعيف، يزيد الفارسي هذا اختلفوا فيه، أهو يزيد بن هرمز أم غيره؟ قال البخاري في التاريخ الكبير (٨/ ٣٦٧): قال لي علي: قال عبد الرحمن: - يزيد الفارسي هو ابن هرمز. قال: فذكرته ليحيى فلم يعرفه. قال: وكان يكون مع الأمراء، وذكر البخاري ذلك أيضًا فى كتابه الضعفاء ص (١٢٢). وقال ابن أبي حاتم فى الجرح والتعديل (٩/ ٢٩٣): قال أَبو محمد: اختلفوا فى يزيد بن هرمز أنَّه يزيد الفارسي أم لا؟ فقال عبد الرحمن بن مهدي وأحمد: - يزيد الفارسي هو يزيد بن هرمز، وأنكر يحيى بن سعيد أن يكونا واحدًا، وسمعت أبي يقول: - يزيد بن هرمز هذا ليس يزيد الفارسي، هو سواه. وقال التِّرمِذي عقب روايته للحديث: ويزيد الفارسي قد روى عن ابن عبَّاس غير حديث ويقال: هو ابن هرمز، ويزيد الرقاشي هو يزيد بن أبان الرقاشي ولم يدرك ابن عبَّاس، إنما يروى عن أَنس بن مالك، وكلاهما من أهل البصرة، ويزيد الفارسي أقدم من يزيد الرقاشي. وقال أحمد شاكر فى تعليقه على المسند: فى إسناده نظر كثير، =\n_________\n[¬١]- في ز: \"براءة\".\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في ز: \"والاقتداء\".\n[¬٤]- بعده في ز، خ: \"أبي\".\n[¬٥]- في ز: \"المبين\".\n[¬٦]- في ز: \"ففرقتم\".\n[¬٧]- في ز: \"سطرا\".","vol":"7","page":135},{"text":"الله الرحمن الرحيم، ووضعتموها في السبع الطول، ما حملكم على ذلك؟ فقال عثمان: كان رسول الله ﷺ مما يأتى عليه الزمان وهو ينزل عليه السور ذوات العدد، فكان إذا نزل عليه الشيء دعا بعض من كان يكتب فيقول: \"ضعوا هذه الآيات في السورة [¬١] التى يذكر فيها كذا وكذا\". فإذا نزلت عليه الآية فيقول: \"ضعوا هذه الآية في السورة [¬٢] التي يذكر فيها كذا وكذا\". وكانت الأنفال من أول ما نزل [¬٣] بالمدينة، وكانت براءة من آخر [ما نزل من] [¬٤] القرآن، وكانت قصتها شبيهة بقصتها، وحسبت أنَّها منها، وقبض رسول الله ﷺ ولم يبين لنا أنَّها منها، فمن أجل ذلك قرنت [¬٥] بينهما ولم أكتب بينهما سطر [¬٦] بسم الله الرحمن الرحيم، ووضعتها [¬٧] في السبع الطول.\nوكذا رواه الإمام أحمد، وأَبو داود، والنَّسائي، وابن حبان في صحيحه، والحاكم في مستدركه، من طرق أخر عن عوف الأعرابي به. وقال الحاكم: صحيح الإِسناد ولم يخرجاه.\nوأول هذه السورة الكريمة نزل على رسول الله ﷺ لما رجع من غزوة تبوك وهم بالحج، ثم ذكر أن المشركين يحضرون عامهم هذا الموسم على عادتهم في ذلك، وأنهم يطوفون بالبيت عراة، فكره مخالطتهم، وبعث أبا بكر الصديق ﵁ أميرًا على الحج هذه السنة، ليقيم للناس مناسكهم، ويعلم المشركين أن لا يحجوا بعد عامهم هذا، وأن ينادي في الناس ببراءة، فلما قفل أتبعه بعلي بن أبي طالب ليكون مبلغًا عن رسول الله ﷺ لكونه عصبة له، كما سيأتي بيانه.\nفقوله تعالى: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ أي: هذه براءة أي: تبرؤ من الله ورسوله\n_________\n= بل هو عندي ضعيف جدًّا، بل هو حديث لا أصل له. وضعفه الألباني في ضعيف أبي داود (١٦٨) وضعيف التِّرمِذي (٥٩٩).\nوالحديث رواه التِّرمِذي في التفسير برقم (٣٠٨٦)، وقال: حسن، وفي بعض النسخ: حسن صحيح.\nوأحمد في المسند حديث ٣٩٩، ٤٩٩ - (١/ ٥٧، ٦٩)، وأَبو داود في الصلاة، باب: الجهر بها - يعني: البسملة - برقم (٧٨٦)، والنسائي في السنن الكبرى برقم (٨٠٠٧)، وابن حبان (٤٣)، والحاكم في المستدرك (٢/ ٢٢١، ٣٣٠)، والبيهقي في سننه (٢/ ٤٢). وزاد السيوطي نسبته إلى ابن أبي شيبة، وابن أبي داود في المصاحف، والنحاس في ناسخه ص (٤٧٧ - ٤٧٨)، وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل، وابن المنذر.\n_________\n[¬١]- في خ: \"السور\".\n[¬٢]-في خ: \"السور\".\n[¬٣]- في ز: \"نزلت\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٥]- في ز: \"قربت\".\n[¬٦]- في: \"سطرا\".\n[¬٧]-في ز: \"فوضعتها\".","vol":"7","page":136},{"text":"﴿إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١) فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾.\nاختلف المفسرون هاهنا اختلافًا كثيرًا، فقال قائلون: هذه الآية لذوي العهود المطلقة غير المؤقتة، أو من له عهد دون أربعة أشهر، فيكمل له أربعة أشهر، فأما من كان له عهد مؤقت فأجده إلى مدته مهما كان، لقوله تعالى: ﴿فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾، ولما سيأتي في الحديث، ومن كان بينه وبين رسول الله ﷺ من عهد فعهده إلى مدته، وهذا أحسن الأقوال وأقواها، وقد اختاره ابن جرير ﵀، ورُوي عن الكلبي ومحمد بن كعب القرظي وغير واحد.\nوقال على بن أبي طلحة عن ابن عبَّاس في قوله: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١) فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ الآية [¬١] قال: حدَّ الله للذين عاهدوا رسوله أربعة أشهر يسيحون في الأرض حيثما [¬٢] شاءوا، وأجَّل أجَل من ليس له عهد انسلاخ الأشهر الحرم [] [¬٣] [من يوم النحر إلى انسلاخ المحرم] [¬٤]، فذلك خمسون ليلة (^٣).\n[وقال الضحاك] [¬٥]: فأمر الله نبيه إذا انسلخ المحرم أن يضع السيف فيمن لم يكن بينه وبينه عهد يقتلهم حتَّى يدخلوا في الإِسلام، وأمر بمن كان له عهد إذا انسلخ أربعة أشهر من يوم النحر إلى عشر خلون من ربيع الآخر أن يضع فيهم السيف أيضًا حتَّى يدخلوا في الإسلام (^٤).\nوقال أَبو معشر المدني (^٥): حدَّثنا محمد بن كعب القرظي وغيره قالوا: بعث رسول الله، ﷺ، أبا بكر أميرًا على الموسم سنة تسع، وبعث على بن أبي طالب بثلاثين آية أو أربعين آية من براءة فقرأها على الناس، يؤجل المشركين أربعة أشهر يسيحون في الأرض، فقرأها عليهم يوم عرفة أجل المشركين عشرين من ذي الحجة والمحرم وصفر وشهر ربيع الأول وعشرًا من ربيع الآخر، وقرأها عليهم في منازلهم وقال: \"لا يحجن بعد عامنا هذا مشرك ولا يطوفن بالبيت عريان\".\n_________\n(^٣) - عزاه في الدر (٣/ ٨٠٣) لابن المنذر، وابن أبي حاتم.\n(^٤) - تفسير الطبري (١٤/ ٩٨ - ٩٩) رقم ١٦٣٥٩.\n(^٥) - تفسير الطبري (١٤/ ١٠٠) رقم ١٦٣٦٢.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- فى ت: حيث.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين فى ز: \"أمره بأن يضع السيف فيمن لا عهد له، وكذا رواه العوفى عن ابن عبَّاس وقال بعد قوله\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.","vol":"7","page":137},{"text":"وقال ابن أبي نجيح (^٦): عن مجاهد ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ إلى أهل العهد خزاعة ومدلج ومن كان له عهد أو غيرهم، أقبل [¬١] رسول الله ﷺ من تبوك حين فرغ، فأراد رسول الله ﷺ الحج ثم قال: \"إنما يحضر المشركون فيطوفون عراة فلا أحب أن أحج حتَّى لا يكون ذلك\". فأرسل أبا بكر وعليًّا ﵄ فطافا بالناس في ذي المجاز وبأمكنتهم التي كانوا يتبايعون بها وبالمواسم كلها فآذنوا أصحاب العهد بأن يؤمنوا أربعة أشهر: فهي الأشهر المتواليات عشرون من ذي الحجة إلى عشر يخلون من ربيع الآخر ثم لا عهد لهم وآذن الناس كلهم بالقتال إلا أن يؤمنوا.\nوهكذا روي عن السدي وقَتَادة.\nقال [¬٢] الزُّهْريّ: كان ابتداء التأجيل من شوال وآخره سلخ المحرم.\nوهذا القول غريب، وكيف يحاسبون بمدة لم يبلغهم حكمها! وإنما ظهر لهم أمري يوم النحر حين نادى أصحاب رسول الله ﷺ بذلك، ولهذا قال تعالى:\n﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣)﴾\nيقول تعالى: وإعلام ﴿مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ وتقدم، وإنذار إلى الناس ﴿يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ﴾ وهو [يوم النحر] [¬٣] الذي هو أفضل أيام المناسك، وأطهرها [¬٤] وأكثرها جمعًا ﴿أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ أي: بريء منهم أيضًا، ثم دعاهم إلى التوبة إليه فقال ﴿فَإِنْ تُبْتُمْ﴾ أي: مما أنتم فيه من الشرك والضلال ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾ أي: استمررتم على ما أنثم عليه ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ﴾ بل هو قادر عليكم وأنتم في قبضته وتحت قهره ومشيئته ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ أي: في الدنيا بالخزي والنكال، وفي الآخرة بالمقامع والأغلال.\nقال البخاري (^٧) ﵀: حدَّثنا عبد الله بن يوسف [¬٥]، حدَّثنا اللَّيث، حدثني\n_________\n(^٦) - تفسير الطَّبري (١٤/ ١٠٠) رقم ١٦٣٦٤.\n(^٧) - صحيح البخاري، تفسير سورة براءة، برقم (٤٦٥٥).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"إقبال\".\n[¬٢]- في ز: \"وقال\".\n[¬٣]- في ز: \"اليوم\".\n[¬٤]- في ز: \"أطهرها\".\n[¬٥]- في ز، خ: \"موسى\".","vol":"7","page":138},{"text":"عقيل، عن ابن شهاب قال: أخبرني حميد بن عبد الرحمن أن أبا هريرة قال: بعثني أبو بكر ﵁ في تلك الحجة في المؤذنين الذين [¬١] بعثهم يوم النحر يؤذنون بمنى أن لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف [¬٢] بالبيت عريان. قال حميد: ثم أردف النبي ﷺ بعلي بن أبي طالب فأمره أن يؤذن ببراءة. قال أبو هريرة: فأذن معنا على في أهل منى يوم النحر ببراءة وأن [¬٣] لا يحج بعد هذا [¬٤] العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان.\nورواه البخاري أيضًا (^٨): حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، عن الزهري، أخبرني حميد ابن عبد الرحمن: أن أبا هريرة قال: بعثني أبو بكر فيمن يؤذن يوم النحر بمنى: لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف [¬٥] بالبيت عريان. ويوم الحج الأكبر: يوم النحر، وإنما قيل الأكبر من أجل قول الناس: الحج الأصغر، فنبذ أبو بكر إلى الناس في ذلك العام فلم يحج عام حجة الوداع الذي حج فيه رسول الله ﷺ مشرك.\nهذا [¬٦] لفظ البخاري في كتاب الجهاد.\nوقال عبد الرزاق عن معمر (^٩)، عن الزهري، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة ﵁ في قوله: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ قال: لما كان النبي ﷺ زمن حنين اعتمر من الجعرانة ثم أمّر أبا بكر على تلك الحجة قال معمر: قال الزهري: وكان أبو هريرة يحدث أن أبا بكر أمر أبا هريرة أن يؤذن ببراءة في حجة أبي بكر. قال أبو هريرة: ثم أتبعنا النبي ﷺ عليًّا وأمَرَهُ أن يؤذن ببراءة، وأبو بكر على الموسم كما هو أو قال: على [¬٧] هيئته.\nوهذا السياق فيه غرابة من جهة أن أمير الحج كان سنة عمرة الجعرانة إنما هو عتاب بن أسيد، فأما أبو بكر إنما كان أميرًا سنة تسع.\nوقال الإِمام [¬٨] أحمد (^١٠): حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن مغيرة، عن\n_________\n(^٨) - رواه البخاري في كتاب الجهاد، باب: كيف ينبذ إلى أهل العهد، برقم (٣١٧٧)، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن مردويه.\n(^٩) - رواه عبد الرزاق، وابن أبي حاتم، وابن المنذر كما في الدر (٣/ ٣٧٨).\n(^١٠) - المسند (٢/ ٢٩٩).\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- في ز، خ: \"يطوفن\".\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- في ز، خ: \"يطوفن\".\n[¬٦]- في ز: \"ولهذا\".\n[¬٧]- سقط من: ز، خ.\n[¬٨]- سقط من: ز.","vol":"7","page":139},{"text":"الشعبي، عن محرر [¬١] بن أبي هريرة، عن أبيه، قال: كنت مع على بن أبي طالب حين بعثه رسول الله ﷺ إلى أهل مكة ببراءة. فقال: ما كنتم تنادون؟ قال [¬٢]: كنا ننادي أنه [¬٣] لا يدخل الجنة إلا مؤمن، ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان بينه وبين رسول الله ﷺ عهد فإن أجله أو أمده التي أربعة أشهر، فإذا مضت الأربعة الأشهر فإن الله بريء من المشركين ورسولُهُ، ولا يحج هذا البيت بعد العام مشرك، قال: فكنت أنادي حتى صحل صوتي.\nوقال الشعبي: حدثني محرر [¬٤] بن أبي هريرة، عن أبيه، قال: كنت مع على [¬٥] بن أبي طالب، ﵁ حين بعثه رسول الله ﷺ ينادي، فكان إذا صحل ناديت. فقلت [¬٦]: بأي شيء كنتم تنادون؟ قال: بأربع، لا يطوف [¬٧] بالكعبة عريان، ومن كان له عهد مع رسول الله ﷺ فعهده إلى مدته، ولا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة، ولا يحج بعد عامنا مشركٌ. رواه ابن جرير من غير ما وجه عن الشعبي (^١١).\nورواه شعبة عن مغيرة عن الشعبي به، إلا أنه قال: ومن كان بينه وبين رسول الله ﷺ عهد فعهده إلى أربعة أشهر. وذكر تمام الحديث.\nقال ابن جرير (^١٢): وأخشى أن يكون وهمًا من بعض نقلته؛ لأن الأخبار متظاهرة [¬٨] في الأجل بخلافه.\nوقال الإِمام أحمد (^١٣): حدثنا عفان، حدثنا حماد، عن سماك، عن أنس بن مالك ﵁؛ أن رسول الله ﷺ بعث ببراءة مع أبي بكر، فلما بلغ ذا الحليفة قال: \"لا يبلغها إلا أنما أو رجل من أهل بيتي\". فبعث بها مع على بن أبي طالب ﵁.\nورواه الترمذي في التفسير، عن بندار، عن عفان وعبد الصمد، كلاهما عن حماد بن\n_________\n(^١١) - تفسير الطبري (١٤/ ١٠٣ - ١٠٥) رقم: (١٦٣٦٨، ١٦٣٦٩).\n(^١٢) - تفسير الطبري (١٤/ ١٠٥).\n(^١٣) - إسناده حسن، وهو في المسند (٣/ ٢٨٣) حديث (١٤٠٥٧)، و(٣/ ٢١٢) حديث (١٣٢٣٨) من حديث عفان وعبد الصمد به. ورواه الترمذى في كتاب التفسير، باب: من صورة التوبة، حديث ٣٠٩٠. وأبو يعلى حديث ٣٠٩٥ - (٥/ ٤١٢).\n_________\n[¬١]- في ز: \"محرز\".\n[¬٢]- في ز: \"قالوا\".\n[¬٣]- في ز: \"أن\".\n[¬٤]- في ز، خ: \"محرز\".\n[¬٥]- سقط من: ز.\n[¬٦]- في ز: \"قلت\".\n[¬٧]- في ز: \"يطف\".\n[¬٨]- في ز: \"متضافرة\"، وفي خ: \"قضافرة\". والمثبت موافق لما في التفسير.","vol":"7","page":140},{"text":"سلمة به. ثم قال: حسن غريب من حديث أنس ﵁.\nوقال عبد الله بن أحمد بن حنبل (^١٤): حدثنا محمد بن سليمان [¬١]- لوين - حدثنا محمد بن جابر، عن سماك، عن حنش، عن علي ﵁؛ قال: لما نزلت عشر آيات من براءة على النبي ﷺ، دعا النبي ﵌ أبا [¬٢] بكر، فبعثه بها ليقرأها على أهل مكة، ثم دعاني فقال: \"أدرك أبا بكر فحيثما لحقته فخذ الكتاب منه، فاذهب إلى أهل مكة فاقرأه عليهم\". فلحقته بالجحفة فأخذت الكتاب منه، ورجع أبو بكر إلى النبي ﷺ، فقال: يا رسول الله؛ نزل فيَّ شيء؟ فقال: \"لا، ولكن جبريل جاءني فقال لن يؤدي عنك إلا أنت أو رجل منك\". هذا إسناد فيه ضعف.\nوليس المراد أن أبا بكر ﵁ رجع من فوره، بل [¬٣] بعد قضائه المناسك التي أمّره عليها رسول الله ﷺ، كما جاء مبيَّنًا في الرواية الأخرى.\nوقال عبد الله أيضًا (^١٥): حدثني أبو بكر، حدثنا عمرو بن حماد، عن أسباط بن نصر، عن سماك، عن حنش، عن علي ﵁؛ أن رسول الله ﷺ حين بعثه ببراءة، قال: يا نبي الله؛ إني لست باللسن ولا بالخطيب. قال: \"ما [¬٤] بد لي أن أذهب [¬٥]، بها أنا أو تذهب [¬٦] بها أنت\". قال: فإن كان ولابد فسأذهب أنا. قال: \"انطلق فإن الله يثبت لسانك ويهدي قلبك\" قال: ثم وضع يده على فيه.\nوقال الإمام أحمد (^١٦): حدثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن زيد [بن يثيع] [¬٧]- رجل من همدان -: سألنا عليًا: بأي شيء بعثت؟ - يعني يوم بعثه النبي ﷺ مع أبي بكر في الحجة - قال: بعثت بأربع: لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة، ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان [¬٨] بينه وبين النبي ﷺ عهدٌ فعهده إلى مدته، ولا يحج المشركون\n_________\n(^١٤) - زوائد المسند (١/ ١٥١) حديث (١٢٩٦). والحديث في مجمع الزوائد (٧/ ٢٩) وقال: رواه عبد الله بن أحمد، وفيه محمد بن جابر السحيمي وهو ضعيف وقد وثق.\n(^١٥) - زوائد المسند (١/ ١٥٠) حديث (١٢٨٦) وفي إسناده أسباط بن نصر، سئل عنه أحمد كيف حديثه؟ قال: ما أدري. وكأنه ضعفه. وضعفه أبو نعيم. وقال البخاري في الأوسط: صدوق. وذكره ابن حبان في الثقات. واختلفت الرواية فيه عن ابن معين بين تضعيف وتوثيق. وحنش بن المعتمر متكلم فيه أيضًا.\n(^١٦) - المسند (١/ ٧٩) حديث (٥٩٤)، وسنن الترمذي برقم (٣٠٩٢) وزيد بن يثيع: ثقة، ويقال في اسم أبيه: أثيغ.\n_________\n[¬١]- بعده في خ: \"ثنا\".\n[¬٢]- في ز: \"أبو\".\n[¬٣]- سقط من: خ.\n[¬٤]- في م: \"لا\".\n[¬٥]- في ز: \"يذهب\".\n[¬٦]- في ز: \"يذهب\".\n[¬٧]- في ز، خ: \"بن أبي ثليع\".\n[¬٨]- في ز: \"كانت\".","vol":"7","page":141},{"text":"والمسلمون بعد عامهم هذا.\nورواه الترمذي عن قلابة [¬١]، عن سفيان بن عيينة، به، وقال: حسن صحيح. كذا قال. ورواه شعبة عن أبي إسحاق، فقال عن زيد [بن أثيل] [¬٢]، وهم فيه. ورواه الثوري عن أبي إسحاق، عن بعض أصحابه، عن علي، ﵁.\nوقال ابن جرير (^١٧): حدثنا ابن وكيع، حدثنا أبو [¬٣] أسامة، عن زكريا، عن أبي إسحاق، عن زيد بن يُثَيع، عن علي قال: بعثني رسول الله ﷺ حين أنزلت براءة بأربع: أن لا يطوف بالبيت عريان، ولا يقرب المسجدَ الحرام مشركٌ بعد عامهم هذا، ومن كان [¬٤] بينه وبين رسول الله ﷺ عهدٌ فهو إلى مدتهِ، ولا يدخل الجنةَ إلا نفسٌ مؤمنة.\nثم رواه ابن جرير (^١٨) - عن محمد بن عبد الأعلى، عن أبي [¬٥] ثور، عن معمر، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي؛ قال: أمرت بأربع … فذكره.\nوقال إسرائيل (^١٩) عن أبي إسحاق، عن زيد بن يُثَيع؛ قال: نزلت براءة فبعث رسول الله، ﷺ، أبا بكر ثم أرسل علما فأخذها منه [¬٦]، فلما رجع أبو بكر قال: نزل فيَّ شيءٌ؟ قال: \"لا، ولكن أمرت أن أبلغها أنا أو رجل من أهل بيتي\". فانطلق إلى أهل مكة فقام فيهم بأربع: لا يدخل مكةَ مشركٌ بعد عامه هذا، ولا يطوف بالبيت عريان، ولا يدخل الجنة إلا نفسٌ مسلمة، ومن كان بينه وبين رسول الله ﷺ عهدٌ فعهده إلى مدته [] [¬٧].\nوقال محمد بن إسحاق (^٢٠)، عن حكيم بن حكيم بن عباد بن حنيف، عن أبي جعفر\n_________\n(^١٧) - تفسير الطبري (١٤/ ١٠٦) رقم ١٦٣٧٣.\n(^١٨) - تفسير الطبري (١٤/ ١٠٥) رقم ١٦٣٧١. والحارث هو الأعور ضعيف جدًا.\n(^١٩) - رواه الطبري في تفسيره (١٤/ ١٠٦) رقم ١٦٣٧٢ من طريق إسرائيل به.\n(^٢٠) - السيرة لابن هشام (١٩٠/ ٤، ١٩١)، وتفسير الطبري (١٤/ ١٠٧، ١٠٨) رقم ١٦٣٧٧.\n_________\n[¬١]- كذا في ز، خ، وجميع النسخ المطبوعة، وهو تحريف، والصواب: عن ثلاثة، فإن الترمذي رواه عن على بن خشرم ونصر بن علي ومحمد بين يحيى بن أبي عمر، عن سفيان بن عيينة، ولعل هذا هو مراد الحافظ إن شاء الله تعالى وبه التوفيق.\n[¬٢]- في ز: \"عن أسهل\"، في خ: \"عن أشهل\" وكلاهما خطأ، والمثبت من سنن الترمذي [٥/ ٢٧٧].\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- في ز: \"كانت\".\n[¬٥]- في ز، خ: \"ابن\".\n[¬٦]- سقط من: ز، خ.\n[¬٧]- في ز، خ \"هنا\".","vol":"7","page":142},{"text":"محمد بن علي بن الحسين بن علي؛ قال: لما نزلت براءة على رسول الله ﷺ، وقد كان بعث أبا بكر ليقيم الحج للناس، فقيل: يا رسول الله؛ لو بعثت إلى أبي بكر. فقال: \"لا يؤدي عني إلا رجل من أهل بيتي\". ثم دعا عليًّا فقال: \"اخرج بهذه القصة من صدر براءة وأذن في الناس يوم النحر إذا اجتمعوا بمنى أنه لا يدخل الجنة كافر، ولا يحج بعد العام مشرك، ولا يطف بالبيت عريان، ومن كان له عهد عند رسول الله ﷺ فهو له إلى مدته\". فخرج عليٌّ ﵁ على ناقة رسول الله ﷺ العضباء، حتى أدرك أبا بكر في الطريق، فلما رآه [أبو بكر قال] [¬١]: أمير أو مأمور؟ فقال [¬٢]: بل مأمور. ثم مضيا فأقام أبو بكر للناس الحج، والعرب [¬٣] إذ ذاك في تلك السنة على منازلهم من الحج التي كانوا عليها في الجاهلية، حتى إذا كان يوم النحر قام عليّ بن أبي طالب، فأذن في الناس بالذي أمره رسول الله ﷺ فقال: يا أيها الناس؛ إنه لا يدخل الجنة كافر ولا يحج بعد العام مشرك، ولا يطف بالبيت عريان، ومن كان له عهد عند رسول الله ﷺ فهو إلى مدته. فلم يحج بعد ذلك العام مشرك، ولم يطف بالبيت عريان، ثم قدما على رسول الله ﷺ فكان هذا من براءة فيمن كان من أهل الشرك من أهل العهد العام وأهل المدة إلى الأجل المسمى.\nوقال ابن جرير (^٢١): حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، أخبرنا أبو زرعة وهب الله بن راشد، أخبرنا حيوة بن شريح، أخبرنا أبو [¬٤] صخر؛ أنه سمع أبا معاوية البجلي، من أهل الكوفة؛ يقول: سمعت أبا الصهباء البكري وهو يقول: سألت عليَّ بن أبي طالب عن [¬٥] يوم الحج الأكبر؟ فقال [¬٦]: إن رسول الله ﷺ بعث أبا بكر بن أبي قحافة يقيم للناس الحج، وبعثني معه بأربعين آية من براءة، حتى أتى عرفة فخطب الناس يوم عرفة، فلما قضى خطبته التفت إليَّ فقال: قم يا علي؛ فأدّ رسالة رسول الله ﷺ، فقمت فقرأت عليهم أربعين آية من براءة، ثم صدرنا فأتينا منى فرميت الجمرة، ونحرت البدنة، ثم حلقت رأسي، وعلمت أن أهل الجمع لم يكونوا [حضروا كلهم] [¬٧] خطبة أبي بكر يوم عرفة، فطفت أتتبع بها الفساطيط أقرأها عليهم، فمن ثم إخال حسبتم [¬٨] أنه يوم النحر ألا وهو يوم عرفة.\n_________\n(^٢١) - تفسير الطبري (١٤/ ١١٣) رقم (١٦٣٨٢).\n_________\n[¬١]- في ز: \"فقال\".\n[¬٢]- في ز: \"قال\".\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- في ز: \"ابن\".\n[¬٥]- سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- في ز: \"قال\".\n[¬٧]- في خ: \"كلهم حضروا\".\n[¬٨]- في ز، خ: \"حسبتهم\".","vol":"7","page":143},{"text":"وقال عبد الرزاق (^٢٢)، عن معمر، عن أبي إسحاق: سألت أبا جحيفة عن يوم الحج الأكبر؟ قال: يوم عرفة. فقلت: أمن عندك أم من أصحاب محمد ﷺ؟ قال: كلٌّ في ذلك.\nوقال عبد الرزاق أيضًا، عن ابن [¬١] جريج، عن عطاء؛ قال: يوم الحج الأكبر يوم عرفة.\nوقال عمر بن الوليد الشَّنِّي: حدثنا شهاب بن عباد العصري، عن أبيه؛ قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: هذا يوم عرفة، هذا يوم الحج الأكبر، فلا يصومنه أحد. قال: فحججت بعد أبي، فأتيت المدينة، فسألت عن أفضل أهلها، فقالوا: سعيد بن المسيب. فأتيته فقلت: إني سألت عن أفضل أهل المدينة فقالوا: سعيد بن المسيب، فأخبرني عن صوم يوم عرفة. فقال: أخبرك عمن هو أفضل منى مائة ضعف: عمر - أو [¬٢] ابن عمر - كان ينهى عن صومه ويقول: هو يوم الحج الأكبر (^٢٣).\nرواه ابن جرير وابن أبي حاتم (^٢٤)، وهكذا رُوي عن ابن عباس، وعبد الله بن الزبير، ومجاهد، وعكرمة، وطاوس؛ أنهم قالوا: يوم عرفة هو [¬٣] يوم الحج الأكبر.\nوقد ورد في ذلك [¬٤] حديث مرسل (^٢٥) رواه ابن جريج - أُخبرت [¬٥] عن محمد بن قيس ابن مخرمة؛ أن رسول الله ﷺ خطب يوم عرفة فقال: \"هذا يوم الجح الأكبر\".\nورُوي من وجه آخر عن ابن جريج، عن محمد بن قيس، عن المسور بن مخرمة، عن رسول الله ﷺ، أنه خطبهم بعرفات فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: \"أما بعد، فإن هذا يوم الحج الأكبر\".\nوالقول الثاني: أنه يوم النحر.\nقال هشيم عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي، عن علي ﵁ قال: يوم الحج الأكبر يوم النحر. وقال أبو إسحاق السبيعي عن الحارث الأعور: سألت عليًّا ﵁ عن يوم الحج الأكبر؟ فقال: هو [¬٦] يوم النحر.\n_________\n(^٢٢) - تفسير عبد الرزاق (١/ ٢٤١) وهو عند الطبري (١٤/ ١١١) رقم (١٦٣٨٣).\n(^٢٣) - تفسير الطبري (١٤/ ١١٣) رقم (١٦٣٨٦).\n(^٢٤) - تفسير الطبري (١٤/ ١١٤) رقم (١٦٣٨٦).\n(^٢٥) - تفسير الطبري (١٤/ ١١٦) رقم (١٦٣٩٣).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من ت.\n[¬٢]- في ز: \"و\".\n[¬٣]- سقط من: خ.\n[¬٤]- في خ: \"فيه\".\n[¬٥]- مكررة في ز.\n[¬٦]- سقط من: ز، خ.","vol":"7","page":144},{"text":"وقال شعبة، عن الحكم: سمعت يحيى بن الجزار يحدث عن علي، ﵁: أنه خرج يوم النحر على بغلة بيضاء يريد الجبانة، فجاء رجل فأخذ بلجام دابته فسأله عن الحج الأكبر فقال: هو يومك هذا خل سبيلها.\nوقال عبد الرزاق، عن سفيان، وشعبة، عن عبد الملك بن عمير، عن عبد الله بن أبي أوفى؛ أنه قال: يوم الحج الأكبر يوم النحر.\nوروى شعبة وغيره عن عبد الملك بن عمير به نحوه، وهكذا رواه هشيم وغيره، عن الشيباني، عن عبد الله بن أبي أوفى.\nوقال الأعمش، عن عبد الله بن سنان؛ قال: خطبنا المغيرة بن شعبة يوم الأضحى على بعيرٍ، فقال: هذا يوم الأضحى، وهذا يوم النحر، وهذا يوم الحج الأكبر.\nوقال حماد بن سلمة، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس؛ أنه قال: الحج الأكبر يوم النحر.\nوكذا رُوي عن أبي جحيفة، وسعيد بن جبير، وعبد الله بن شداد بن الهاد، ونافع بن جبير بن مطعم، والشعبي، وإبراهيم النخعي، ومجاهد، وعكرمة، وأبي جعفر الباقر، والزهري، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، أنهم قالوا: يوم الحج الأكبر هو يوم النحر. واختاره ابن جرير، وقد تقدم الحديث عن أبي هريرة في صحيح البخاري، أن أبا بكر بعثهم يوم النحر يؤذنون بمنى.\nوقد ورد في ذلك أحاديث أخر؛ كما قال الإمام أبو جعفر بن جرير (^٢٦): حدثني سهل ابن محمد السجستاني [¬١]، حدثنا أبو جابر الحرمي [¬٢]، حدثنا هشام بن الغاز [¬٣] الجرشي، عن نافع، عن ابن عمر، قال: وقف رسول الله ﷺ يوم النحر عند الجمرات في حجة الوداع؛ فقال: \"هذا يوم الحج الأكبر\".\nوهكذا رواه ابن أبي حاتم، وابن مردويه من حديث أبي جابر، واسمه محمد بن عبد الملك، به.\nورواه ابن مردويه أيضًا من حديث الوليد بن مسلم، عن هشام بن الغاز [¬٤] به. ثم رواه\n_________\n(^٢٦) - تفسير الطبري (١٤/ ١٢٤) رقم (١٦٤٤٧).\n_________\n[¬١]- في ز: \"الحسباني\"، وفى خ: غير واضحة.\n[¬٢]- في ز: \"الحري\".\n[¬٣]- في ز: \"الغارَ\".\n[¬٤]- في ز: \"الغارَ\".","vol":"7","page":145},{"text":"من حديث سعيد بن عبد العزيز عن نافع، به.\nوقال شعبة عن عمرو بن مرة [عن مرة] [¬١] الهمداني، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ قال (^٢٧): قام فينا رسول الله ﷺ على ناقة حمراء مخضرمة؛ فقال: \"أتدرون أي يوم [¬٢] يومكم هذا؟ \". قالوا: يوم النحر. قال: \"صدقتم يوم الحج الأكبر\".\nوقال ابن جرير (^٢٨): حدثنا أحمد بن المقدام، حدثنا يزيد بن زريع، حدثنا ابن عون، عن محمد بن سيرين، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه؛ قال: لما كان ذلك اليوم قعد رسول الله ﷺ على بعير له، وأخذ الناس بخطامه - أو زمامه - فقال: \"أي يوم هذا؟ \" قال: فسكتنا حتى ظننا أنه سيسميه سوى اسمه، فقال: \"أليس هذا يوم الحج الأكبر؟ \".\nوهذا إسناد صحيح، وأصله مخرج في الصحيح.\nوقال أبو الأحوص [¬٣] عن شبيب بن [¬٤] غرقدة، عن سليمان بن عمرو بن الأحوص [¬٥]، عن أبيه؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ في حجة الوداع فقال: \"أي يوم هذا؟ \". فقالوا: يوم [¬٦] الحج الأكبر.\nوعن سعيد بن المسيب أنه قال: يوم الحج الأكبر اليوم الثاني من يوم النحر. رواه ابن أبى حاتم.\nوقال مجاهد أيضًا: يوم الحج الأكبر أيام الحج كلها.\nوكذا قال أبو عبيد، قال سفيان: يوم الحج، ويوم الجمل، ويوم صفين، أي: أيامه كلها.\nوقال سهل السراج: سئل الحسن البصري عن يوم الحج الأكبر، فقال: ما لكم وللحج\n_________\n(^٢٧) - تفسير الطبري (١٤/ ١٢٥) رقم (١٦٤٤٨) وأصله في صحيح البخاري، كتاب المغازي برقم (٤٤٠٦)، وصحيح مسلم، كتاب القسامة والمحاربين برقم (١٦٧٩).\n(^٢٨) - تفسير ابن جرير (١٤/ ١٢٣) (١٦٤٤٦) رواه الترمذي في السنن، كتاب الفتن برقم (٢١٥٩) عن هناد، عن أبي الأحوص به بأطول منه، وابن ماجه في المناسك (٣٠٥٥)، وقال الترمذي: \"هذا حديث حسن صحيح\".\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في ز: \"الأخوص\".\n[¬٤]- في ز، خ: \"عن\".\n[¬٥]- في ز: \"االأخوص\".\n[¬٦]- في ز: \"اليوم\".","vol":"7","page":146},{"text":"الأكبر؟ ذاك عام حجَّ فيه أبو بكر الذي استخلفه رسول الله ﷺ فحج بالناس. رواه ابن أبي حاتم.\nوقال ابن جرير (^٢٩): حدثنا ابن وكيع، حدثنا أبو أسامة، عن ابن عون: سألت محمدًا يعني ابن سيرين عن يوم الحج الأكبر؟ فقال [¬١]: كان يومًا وافق فيه حج رسول الله ﷺ حج [¬٢] أهل الوبر.\n﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٤)﴾\nهذا استثناء من ضرب مدة التأجيل بأربعة أشهر لمن له عهد مطلق ليس بمؤقت، فأجله أربعة أشهر يسيح في الأرض يذهب فيها لينجوَ بنفسه حيث شاء، إلا من له عهد مؤقت فأجله إلى مدته المضروبة التي عوهد عليها، وقد تقدمت الأحاديث، ومن كان له عهد مع رسول الله ﷺ فعهده إلى مدته، وذلك بشرط أن لا ينقض [¬٣] المعاهد عهده، ولم يظاهر على المسلمين أحدًا - أي: يمالئ عليهم من سواهم فهذا الذي يوفَّى له بذمته وعهده إلى مدته؛ ولهذا حرض تعالى على الوفاء بذلك فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ أي: الموفين بعهدهم.\n﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥)﴾\nاختلف المفسرون في المراد بالأشهر الحرم هاهنا ما هي؛ فذهب ابن جرير إلى أنها المذكورة في قوله تعالى: ﴿مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾. الآية. قاله أبو جعفر الباقر، ولكن قال ابن جرير: آخر الأشهر الحرم في حقهم المحرم.\nوهذا الذي ذهب إليه حكاه على بن أبي طلحة عن ابن عباس، وإليه ذهب الضحاك\n_________\n(^٢٩) - تفسير الطبري (١٤/ ١٢١) رقم (١٦٤٢٨).\n_________\n[¬١]- في ز: \"قال\".\n[¬٢]- في ز: \"وحج\".\n[¬٣]- في ز: \"ينقص\".","vol":"7","page":147},{"text":"أيضًا، وفيه نظر. والذي يظهر من حيث السياق ما ذهب إليه ابن عباس، في رواية العوفي عنه، وبه قال مجاهد، وعمرو بن شعيب، ومحمد بن إسحاق، وقتادة، والسدي، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم؛ أن المراد بها أشهر التسيير الأربعة المنصوص عليها في قوله [¬١]: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾. ثم قال: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ﴾. أي: إذا انقضت الأشهر الأربعة [التي حرمنا عليكم فيها قتالهم وأجلناهم فيها فحيثما وجدتموهم فاقتلوهم؛ لأن عود العهد على مذكور أولى من مقدر، ثم إن الأشهر الأربعة] [¬٢] المحرمة سيأتي بيان حكمها في آية أخرى بعد [] [¬٣] في هذه السورة الكريمة.\nوقوله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ أي: من الأرض، وهذا عامٌّ والمشهور تخصيصه بتحريم القتال في الحرم بقوله: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾.\nوقوله: ﴿وَخُذُوهُمْ﴾ أي: وَأْسروهم إن شئتم قتلًا وإن شئتم أسرًا.\nوقوله: ﴿وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ أي: لا تكتفوا بمجرد وجدانكم لهم، بل اقصدوهم [¬٤] بالحصار في معاقلهم وحصونهم، والرصد في طرقهم ومسالكهم، حتى تضيقوا عليهم الواسع، وتضطروهم إلى القتل أو الإِسلام؛ ولهذا قال: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.\nولهذا اعتمد الصديق ﵁ في قتال مانعي الزكاة على هذه الآية الكريمة وأمثالها، حيث حرمت [¬٥] قتالهم بشرط هذه الأفعال، وهي الدخول في الإِسلام، والقيام بأداء واجباته، ونبه بأعلاها على أدناها، فإن أشرف [أركان الإِسلام] [¬٦] بعد الشهادتين [¬٧] الصلاة التي هي حق الله ﷿ وبعدها أداء الزكاة التي هي نفع متعدٍ [¬٨] إلى الفقراء والمحاويج، وهي أشرف الأفعال المتعلقة بالمخلوقين؛ ولهذا كثيرًا ما يقرن الله بين الصلاة والزكاة، وقد جاء في الصحيحين عن ابن عمر ﵄ عن رسول الله ﷺ، أنه قال: \"أمرت أن [¬٩] أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة … \" الحديث.\nوقال أبو إسحاق عن أبي عبيدة، عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: أمرتم بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، ومن لم يترك فلا صلاة له.\n_________\n[¬١]- في خ: \"بقوله\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في ز: \"هذا\"، خ: \"هنا\".\n[¬٤]- في ز: \"تقصدوهم\".\n[¬٥]- سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- في ز: \"الأركان\".\n[¬٧]- في ز: \"الشهادة\".\n[¬٨]- في ز: \"متعدي\".\n[¬٩]- في م: \"أنا\".","vol":"7","page":148},{"text":"وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: أَبَى الله أن يقبل الصلاةَ إلا بالزكاةِ. وقال: يرحم الله أبا بكر! ما كان أفقههُ.\nوقال الإمام أحمد: حدثنا على بن إسحاق، أنبأنا عبد الله بن المبارك، أنبأنا حميد الطويل، عن أنس، أن رسول الله ﷺ قال: \"أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا إلاَّ، وأن محمدًا رسول الله، فإذا شهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول إلاَّ، واسقبلوا قبلتنا، وأكلوا ذبيحتنا، وصلوا صلاتنا، فقد حرمت علينا دماؤهم وأموالهم إلا بحقها، لهم ما للمسلمين وعليهم ما [¬١] عليهم\".\nورواه البخاري في صحيحه (^٣٠) وأهل السنن إلا ابن ماجه من حديث عبد الله بن المبارك به.\nوقال الإِمام أبو جعفر بن جرير (^٣١): حدثنا عبد الأعلى بن واصل الأسدي، حدثنا عبيد الله بن موسى، أخبربا أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس [عن أنس] [¬٢]؛ قال: قال رسول الله، ﷺ: \"من فارق الدنيا على الإخلاص لله وحده، وعبادته لا يشرك به شيئًا [¬٣]، فارقها والله عنه راضٍ\".\nقال: وقال أنس: هو دين الله الذي جاءت به الرسل وبلغوه عن ربهم، قبل هرج الأحاديث واختلاف الأهواء، وتصديق ذلك في كتاب الله في آخر ما أنزل، قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ قال: توبتهم خلع الأوثان، وعبادة ركهم، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، ثم قال في آية أخرى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾. ورواه ابن مردويه.\nورواه محمد بن نصر المروزي في كتاب الصلاة له (^٣٢): حدثنا إسحاق بن إبراهيم،\n_________\n(^٣٠) - المسند (٣/ ١٩٩)، وصحيح البخاري، كتاب الصلاة برقم (٣٩٢)، وسنن أبي داود، كتاب: الجهاد برقم (٢٦٤١)، وسنن الترمذي، كتاب الإيمان برقم (٢٦٠٨)، وسنن النسائي (٨/ ١٠٩).\n(^٣١) - تفسير الطبري (١٤/ ١٣٥) (١٦٤٧٥) ورواه ابن ماجة في السنن، في المقدمة برقم (٧٠) من طريق عبيد الله بن موسى بنحوه، وقال البوصيرى في الزوائد (١/ ٥٦): \"هذا إسناد ضعيف، الربيع بن أنس ضعيف هنا\". ورواه أبو يعلى الموصلي في مسنده. ورواه الحاكم في المستدرك من طريق أبي جعفر الرازي وقال: صحيح الإسناد. وانظر ما بعده.\n(^٣٢) - تعظيم قدر الصلاة برقم (١) وإسناده ضعيف لضعف أبي جعفر الرازي، ولضعف الربيع أنس وأورده الألباني في ضعيف الجامع (٥/ ٢٢٣).\n_________\n[¬١]- في م: \"وما\"\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- سقط من: خ.","vol":"7","page":149},{"text":"أنبأنا حَكِّام بن سَلْم [¬١]، حدثنا أبو جعفر الرازي به سواء.\nوهذه الآية الكريمة هي آية السيف التي قال فيها الضحاك بن مزاحم: إنها نسخت كل عهد بين النبي ﷺ وبين أحد من المشركين، وكل عهد، وكل مدة.\nوقال العوفي، عن ابن عباس في هذه الآية: لم يبق لأحد من المشركين عهد ولا ذمة، منذ نزلت براءة وانسلاخ الأشهر الحرم، ومدة من كان له عهد من المشركين قبل أن تنزل [] [¬٢] أربعة أشهر، من يوم أذن ببراءة إلى عشر من أول شهر ربيع الآخر.\nوقال على بن أبي طلحة، عن ابن عباس في هذه الآية؛ قال: أمره الله تعالى أن يضع السيف فيمن عاهد إن لم يدخلوا في الإسلام؛ ونقض ما كان سمى لهم من العهد والميثاق؛ وأذهب الشرط الأول.\nوقال ابن أبي حاتم (^٣٣): حدثنا أبي، حدثنا إسحاق بن موسى الأنصاري؛ قال: قال سفيان [بن عيينة] [¬٣]: قال على بن أبي طالب: بعث النبي ﷺ بأربعة أسياف: سيف في المشركين من العرب، قال الله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾.\nهكذا رواه مختصرًا، وأظن أن السيف الثاني هو قتال أهل الكتاب؛ [في قوله] [¬٤] تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢٩)﴾. والسيف الثالث: قتال المنافقين في قوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ …﴾ الآية [¬٥]. والرابع قتال الباغين في قوله: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا [¬٦] عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾. ثم اختلف المفسرون في آية السيف هذه؛ فقال الضحاك والسدي: هي منسوخة بقوله تعالى: ﴿فإما منًّا بعد وإما فداء﴾، وقال قتادة بالعكس.\n﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ (٦)﴾\n_________\n(^٣٣) - تفسير ابن أبي حاتم (٥/ ٩٢٥٤).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"سلمة\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"براءة\".\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين في ت: \"لقوله\".\n[¬٥]- سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- فى ز: \"أحديهما\".","vol":"7","page":150},{"text":"يقول تعالى لنبيه - صلوات اللَّه وسلامه عليه -: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الذين أمرتك بقتالهم، وأحللت لك استباحة نفوسهم وأموالهم] [¬١] ﴿استجارك﴾ أي: استأمنك فأجبه إلى طلبته حتى يسمع كلام الله. أي [القرآن] [¬٢]: تقرؤه عليه، وتذكر له شيئًا من الدين تقيم عليه به حجة الله ﴿ثم أبلغه مأمنه﴾ أي: وهو امن مستمر الأمان، حتى يرجع إلى بلاده وداره ومأمنه ﴿ذلك بأنهم قوم لا يعلمون﴾ أي: إنما شرعنا أمان مثل هؤلاء، ليعلموا دين الله، وتنتشر [¬٣] دعوة الله في عباده.\nوقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد في تفسير هذه الآية - قال: إنسان يأتيك يسمع ما تقول وما أنزل عليك فهو آمن حتى يأتيك فيسمع كلام الله، وحتى يبلغ مأمنه حيث جاء.\nومن هذا كان رسول الله ﷺ يعطي الأمان لمن جاءه مسترشدًا أو في رسالة، كما [¬٤] جاءه يوم الحديبية جماعة من الرسل من قريش منهم: عروة بن مسعود، ومكرز بن حفص، وسهيل بن عمرو وغيرهم، واحدًا بعد واحد يتردّدون في قضية [¬٥] بينه وبين المشركين، فراوا من إعظام المسلمين رسول الله ﷺ ما بهرهم، و[¬٦] ما لم يشاهدوه عند ملك ولا قيصر، فرجعوا إلى قومهم وأخبروهم [¬٧] بذلك، وكان ذلك وأمثاله من أكبر أسباب هداية أكثرهم.\nولهذا أيضًا لما قدم رسولُ مسيلمةَ الكذاب على رسول الله ﷺ، قال له: \" أتشهد أن مسيلمة رسول الله؟ \" قال: نعم. فقال رسول الله ﷺ: \"لولا أن الرسلَ لا تُقْتَلُ لضربتُ عنقَك\" (^٣٤).\nوقد قيض الله له ضرب العنق في إمارة ابن مسعود على الكوفة، وكان يقال له ابن النواحة، ظهر عنه في زمان ابن مسعود أنه يشهد لمسيلمة بالرسالة، فأرسل إليه ابن مسعود فقال له: إنك الآن لست في رسالة، وأمر به فضربت عنقُه لا ﵀ ولعنه!\nوالغرض أن من قدم من دار الحرب إلى دار الإسلام في أداء رسالة، أو تجارة، أو طلب صلح أو مهادنة، أو حمل جزية، أو نحو ذلك من الأسباب، وطلب [¬٨] من الإمام أو نائبه\n_________\n(^٣٤) - رواه أحمد في المسند (٣/ ٤٨٧) وأبو داود في السنن، كتاب الجهاد برقم (٢٧٦١) من طريق سلمة ابن الفضل عن محمد بن إسحاق عن سعد بن طارق عن سلمة بن نعيم عن أيبه قال: كنت عند النبي ﷺ حين جاءه رسل مسيلمة، فذكر نحوه.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٢]- سقط من: ت.\n[¬٣]- في ز: \"وينشر\".\n[¬٤]- في ز: \"أو\".\n[¬٥]- في ز: \"القضية\".\n[¬٦]- سقط من: ز.\n[¬٧]- في ز: \"فأخبروهم\".\n[¬٨]- في ز: \"فطلب\".","vol":"7","page":151},{"text":"أمانًا [¬١] [] أعطي أمانًا ما دام متردّدًا في دار الإسلام، وحتى يرجع إلى مأمنه ووطنه، لكن قال العلماء: لا يجوز أن يمكن من الإِقامة في دار الإسلام سنة، ويجوز أن يمكن من إقامة أربعة أشهر. وفيما بين ذلك فيما زاد على أربعة أشَهر ونقص عن سنة قولان عن الإمام الشافعي وغيره من العلماء ﵏.\n﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٧)﴾\nيبين تعالى حكمته في البراءة من المشركين ونظرته إياهم أربعة أشهر، ثم بعد ذلك السيف المرهف أين ثقفوا فقال تعالى: ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ [¬٢] عَهْدٌ﴾ وأمان ويتركون فيما هم فيه وهم مشركون بالله كافرون [¬٣] به وبرسوله ﴿إِلَّا الَّذِينَ [¬٤] عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ يعني يوم الحديبية، كما قال تعالى: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾. الآية.\n﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾ أي: مهما تمسكوا بما عاقدتموهم عليه وعاهدتموهم من ترك الحرب بينكم وبينهم عشر سنين ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ وقد فعل رسول الله ﷺ ذلك والمسلمون. استمر العقد والهدنة مع أهل مكة من ذي القعدة في سنة ست إلى أن نقضت قريش العهد ومالئوا حلفاءهم [وهم بنو] [¬٥] بكر على خزاعة أحلاف رسول الله ﷺ فقتلوهم معهم في الحرم، أيضًا، فعند ذلك غزاهم رسول الله، ﷺ، في رمضان سنة ثمان، ففتح الله عليه البلد الحرام، ومكنه من نواصيهم، ولله الحمد والمنة. فأطلق من أسلم منهم بعد القهر والغلبة عليهم فسموا الطلقاء، وكانوا قريبًا من ألفين، ومن استمر على كفره وفرّ من رسول الله ﷺ بعث إليه بالأمان والتسيير في الأرض أربعة أشهر يذهب حيث شاء، [] [¬٦] منهم صفوان بن أمية، وعكرمة بن أبي جهل وغيرهما، ثم هداهم الله بعد ذلك إلى الإسلام التام، والله المحمود على جميع ما بقدره ويفعله.\n_________\n[¬١]- في ز: \"أو مهادنة أو حمل جزية أو نحو ذلك من الأسباب فطلب من الإمام أو نائبه أمانًا.\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- في ز، خ: \"كافرين\".\n[¬٤]- في ز، خ: \"من\"\n[¬٥]- في ز، خ: \"بنى\".\n[¬٦]- ما بين المعكوفين في خ: \"و\".","vol":"7","page":152},{"text":"﴿كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ (٨)﴾\nيقول تعالى محرضًا للمؤمنين على معاداة المشركين والتبري منهم، ومبينًا أنهم لا يستحقون أن يكون لهم عهد لشركهم بالله تعالى وكفرهم برسول الله ﷺ، [ولأنهم لو] [¬١] ظهروا على المسلمين وأديلوا عليهم لم يبقوا [¬٢] ولم يذروا ولا راقبوا فيهم إلا ولا ذمة.\nقال على بن أبي طلحة، وعكرمة، والعوفي عن ابن عباس: الإل: القرابة، والذمة: العهد. وكذا قال الضحاك والسدي كما قال تميم بن مقبل:\nأفسد الناسَ خلوفٌ خلفوا … قطعوا الإِل وأعراق الرحمْ (^٣٥)\nوقال حسان بن ثابت ﵁:\nوجدناهم كاذبًا [إلّهُم … وذو] [¬٣] الإلّ والعهد لا يكذب (^٣٦)\nوقال ابي أبي نجيح عن مجاهد: ﴿لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا﴾ قال: الله. وفي رواية: لا يرقبون الله ولا غيره.\nوقال ابن جرير (^٣٧): حدثني يعقوب؛ حدثنا ابن علية، عن سليمان، عن أبي مجلز في قوله تعالى: ﴿لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً﴾ مثل قوله جبريل ميكائيل إسرافيل، كأنه [يضيف \"جبر\" و\"ميكا\" و\"إسراف\" إلى \"إيل\"] [¬٤] [يقول: عبد الله ﴿لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا﴾ كأنه] [¬٥] يقول: لا يرقبون الله.\n_________\n(^٣٥) - البيت في تفسير الطبري (١٤/ ١٤٨).\n(^٣٦) - قال المعلق على طبعة الشعب: هكذا نسبه ابن كثير إلى حسان بن ثابت، ولم نجده في ديوانه. والبيت في تفسير الطبري غير منسوب (١٥/ ١٤٨) وأما بيت حسان الذي استشهد به الطبري فهو:\nلعمرك إن إلك من قريش … كإل الشقب من رأل النعام\nوهذا البيت في ديوان حسان (ص ٣٣٦)، واللسان، مادة \"ألل).\n(^٣٧) - التفسير (١٤/ ١٤٦) رقم (١٦٥٠٠)\n_________\n[¬١]- في ز: \"لو أنهم\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"يتقوا\".\n[¬٣]- في ز، ح: \"لهم وذو\".\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.","vol":"7","page":153},{"text":"والقول الأول أشهر وأظهر وعليه الأكثر.\n[وعن مجاهد أيضًا الإِلّ العهد] [¬١]. وقال قتادة: الإِل الحلف.\n﴿اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩) لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ (١٠) فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (١١)﴾\nيقول تعالى ذمًّا للمشركين وحثًّا للمؤمنين على قتالهم ﴿اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ يعني: أنهم اعتاضوا عن اتباع آيات الله بما التهوا به من أمور الدنيا الخسيسة ﴿فصدوا عن سبيله﴾ أي: منعوا المؤمنين من اتباع الحق ﴿إنهم ساء ما كانوا يعملون لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة﴾ تقدم تفسيره وكذا الآية التي بعدها ﴿فإن تابوا وأقاموا الصلاة﴾ إلى آخرها تقدمت.\nوقال الحافظ أبو بكر البزار (^٣٨): حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا يحيى بن أبي بكر، حدثنا أبو جعفر الرازي، حدثنا الربيع بن أنس، قال: سمعت أنس بن مالك يقول: قال رسول الله ﷺ: \"من فارق الدنيا على الإخلاص لله وعبادته لا [يشرك به] [¬٢]، وأقام الصلاة وآتى الزكاة فارقها والله عنه راض\". وهو دين الله الذي جاءت به الرسل وبلغوه عن ربهم قبل هرج الأحاديث، واختلاف الأهواء، وتصديق ذلك في كتاب الله ﴿فإن تابوا﴾ يقول: فإن خلعوا الأوثان وعبادتها ﴿وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم﴾. وقال في آية أخرى: ﴿فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين﴾.\nثم قال الزار: آخر الحديث عندي والله أعلم فارقها وهو عنه راض، وباقيه عندي من كلام الربيع بن أنس.\n_________\n(^٣٨) - ورواه الحاكم في المستدرك (٢/ ٣٣١) من طريق أحمد بن مهران عن عبيد الله بن موسى بنحوه، ولم يفرق بين المرفوع والموقوف، وقال الحاكم: \"صحيح الإسناد\" وتعقبه الذهبي قلت: \"صدر الحديث مرفوع وسائره مدرج فيما أرى\".\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٢]- في ز، خ: \"شريك له\".","vol":"7","page":154},{"text":"﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ (١٢)﴾\nيقول تعالى: ﴿وإن نكثوا [¬١]﴾ هؤلاء المشركون الذين عاهدتموهم على مدة معينة ﴿أيمانهم﴾ أي: عهودهم ومواثيقهم ﴿وطعنوا في دينكم﴾ أي: عابوه وانتقصوه، ومن هاهنا أخذ قتل من سب الرسول - صلوات الله: سلامه عليه - أو من طعن في دين الإِسلام أو ذكره بتنقص، ولهذا قال: ﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ﴾ أي: يرجعون عما هم فيه من الكفر والعناد والضلال.\nوٍ قد قال قتادة وغيره: أئمة الكفر كأبي جهل، وعتبة، وشيبة، وأمية بن خلف، وعدَّد رجالًا.\nوعن مصعب بن سعد بن أبي وقاص قال: مرَّ سعد برجل من الخوارج فقال الخارجي: هذا من أئمة الكفر. فقال سعد: كذبت، بل أنا قاتلت أئمة الكفر. رواه ابن مردويه.\nوقال الأعمش: عن زيد بن وهب، عن حذيفة أنه قال: ما قوتل أهل هذه الآية بعدُ.\nوروي عن علي بن أبي طالب ﵁ مثله.\nوالصحيح أن الآية عامة وإن كان سبب نزولها مشركي قريش فهي عامة لهم ولغيرهم، والله أعلم.\nوقال الوليد بن مسلم (^٣٩): حدثنا صفوان بن عمرو، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير: أنه كان في عهد أبي بكر ﵁ إلى الناس حين وجههم إلى الشام قال: إنكم ستجدون قويًّا محَوَّقَة رءوسهم فاضربوا معاقد الشيطان منهم بالسيوف، فوالله لأن أقتل رجلًا منهم أحب إليَّ من أن أقتل سبعين من غيرهم، وذلك بأن الله يقول ﴿فقاتلوا أئمة الكفر﴾. رواه ابن أبي حاتم.\n﴿أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾\n_________\n(^٣٩) - تفسير ابن أبي حاتم (٥/ ١٠٠٢٠).\n_________\n[¬١]- في ز: \"نكث\".","vol":"7","page":155},{"text":"﴿(١٣) قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (١٤) وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٥)﴾\nوهذا أيضًا تهييح وتحضيض وإغراء على قتال المشركين الناكثين لأيمانهم الذين هموا بإخراج الرسول من مكة، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٣٠)﴾.\nوقال تعالى: ﴿يخرجون الرسول وإياكم أن تؤمنوا بالله ربكم﴾ الآية. وقال تعالى: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا (٧٦)﴾.\nوقوله: ﴿وهم بدءوكم أول مرة﴾ قيل: المراد بذلك يوم بدر حين خرجوا لنصر عيرهم، فلما نجت وعلموا بذلك استمروا [¬١] على وجوههم [¬٢] طلبًا للقتال بغيًا وتكبرًا كما تقدم بسط ذلك.\nوقيل: المراد نقضهم العهد وقتالهم مع حلفائهم بني بكر لخزاعة أحلاف رسول الله، ﷺ، حتى سار إليهم رسول الله ﷺ عام الفتح وكان ما كان، ولله الحمد والمنة [¬٣].\nوقوله: ﴿أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ يقول تعالى: لا تخشوهم واخشون فأنا أهل أن يخشى العباد من سطوتي، وعقوبتي؛ فبيدي الأمر، وما شئت كان، وما لم أشأ لم يكن.\nثم قال تعالى عزيمة على المؤمنين، وبيانًا لحكمته فيما شرع لهم من الجهاد مع قدرته على إهلاك الأعداء بأمر من عنده ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾. وهذا عام في المؤمنين كلهم.\nوقال مجاهد، وعكرمة، والسدي في هذه الآية ﴿وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾ يعني خزاعة، وأعاد [¬٤] الضمير فى قوله: ﴿وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ﴾ عليهم أيضًا.\n_________\n[¬١]- في ز: \"واستمروا\".\n[¬٢]- في خ: \"وجههم\".\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- في ز: \"أعادوا\".","vol":"7","page":156},{"text":"وقد ذكر ابن عساكر (^٤٠) في ترجمة مؤذن لعمر بن عبد العزيز ﵁ عن مسلم ابن يسار، عن عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ كان إذا غضبت أخذ بأنفها وقال: \"يا عويش، قولي: اللهم رب النبي محمد، اغفر ذنبي، وأذهب غيط قلبي، وأجرني من مضلات الفتن\".\nساقه من طريق أبي أحمد الحاكم، عن الباغندي، عن هشام بن عمار، حدثنا عبد الرحمن ابن أبي الجون [¬١] عنه.\n﴿ويتوب اللَّه على من يشاء﴾ أي: من عباده ﴿والله عليم﴾ أي: بما يصلح عباده ﴿حكيم﴾ في أفعاله، وأقواله الكونية، والشرعية، فيفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، وهو العادل الحاكم الذي لا يجور أبدًا ولا يضيع مثقال ذرة من خير وشر، بل يجازي عليه في الدنيا والآخرة.\n﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٦)﴾\nيقول تعالى: أم حسبتم أيها المؤمنون، أن نترككم مهملين لا نختبركم بأمور يظهر فيها أهل العزم الصادق من الكاذب؛ ولهذا قال: ﴿ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ولم يتخذوا من دون اللَّه ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة﴾ أي: بطانة ودخيلة، بل هم في الظاهر والباطن على النصح لله ولرسوله، فاكتفى بأحد القسمين عن الآخر، كما قال الشاعر:\nوما أدري إذا يممت أرضًا … أريد الخير أيهما يليني\nوقد قال الله تعالى في الآية الأخرى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (٣)﴾، وقال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ (١٤٢)﴾، وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ﴾ الآية.\n_________\n(^٤٠) - تاريخ دمشق (١٩/ ٣٣٥ \"المخطوط\") ورواه ابن السني في عمل اليوم والليلة من طريق أبي العميس عن القاسم بن محمد بن أبي بكر عن عائشة ومن طريق سلمة بن علي عن هشام بن عروة عن عائشة.\n_________\n[¬١]- في خ: \"الجوز\".","vol":"7","page":157},{"text":"والحاصل: أنه تعالى لما شرع [لعباده الجهاد] [¬١] بين أن له فيه حكمة وهو اختبار عبيده من يطيعه ممن بعصيه، وهو تعالى العالم بما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف كان يكون، فيعلم الشئ قبل كونه ومع كونه على ما هو عليه، لا إله إلا هو ولا رب سواه، ولا راد [¬٢] لما قدّره وأمضاه.\n﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ (١٧) إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (١٨)﴾\nيقول تعالى: ما ينبغي للمشركين بالله أن يعمروا مساجد الله التي بنيت على اسمه وحده لا شريك له، ومن قرأ \"مسجد الله\" فأراد به المسجد الحرام أشرف المساجد فى الأرض، الذي بني من أول يوم على عبادة الله وحده لا شريك له، وأسسه خليل الرحمن، هذا وهم شاهدون على أنفسهم بالكفر أي: بحالهم وقالهم كما قال السدي: لو سألت النصراني: ما دينك؟ لقال نصراني، [ولو سألت] [¬٣] اليهودي: ما دينك؟ لقال [¬٤]: يهودي، والصابئ [¬٥]؟ لقال: صابئ، والمشرك لقال: مشرك ﴿أولئك حبطت أعمالهم﴾ أي: بشركهم ﴿وفي النار هم خالدون﴾، و[¬٦] قال تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٣٤)﴾، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ فشهد تعالى بالإِيمان لعمار المساجد، كما قال الإمام أحمد: حدثنا سريج [¬٧]، حدثنا ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، أن دراجًا أبا السمَح حدثه، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري: أن رسول الله ﷺ قال: \"إذا رأيتم الرجل يعتاد المسجد فاشهدوا له بالإِيمان\"، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾.\nورواه الترمذي وابن مردويه والحاكم في مستدركه من حديث عبد الله بن وهب،\n_________\n[¬١]- في ز: \"الجهاد لعباده\".\n[¬٢]- في ز: \"رادًا\".\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- في ز: \"قال\".\n[¬٥]- في خ: \"الصابئي\".\n[¬٦]- في ز: \"كما\"\n[¬٧]- في ز، خ: \"شريح\".","vol":"7","page":158},{"text":"به (^٤١)\nوقال عبد بن حميد في مسنده (^٤٢): حدثنا يونس بن محمَّد، حدثنا صالح المري، عن ثابت البناني، عن ميمون بن سياه وجعفر بن زيد، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله ﷺ: \"إنما عمار المساجد هم أهل الله\".\nورواه الحافظ أبو بكر البزار (^٤٣): عن عبد الواحد بن غياث، عن صالح بن بشير المري، عن ثابت، عن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ: \"إنما عمار المساجد هم أهل الله\".\nثم قال: لا نعلم رواه عن ثابت غير صالح.\nوقد روى الدارقطني في الأفراد من طريق حكامة بنت عثمان بن دينار، عن أبيها، عن أخيه مالك بن دينار، عن أنس مرفوعًا: \"إذا أراد الله بقوم عاهة نظر إلى أهل المساجد فصرف عنهم\". ثم قال: غريب.\nوروى الحافظ البهائي [¬١] في المستقصى (^٤٤) عن أبيه بسنده إلى أبي أمية الطرسوسي، حدثنا منصور بن صقير، حدثنا صالح المري، عن ثابت، عن أنس مرفوعًا يقول الله: وعزتي وجلالي، إني لأهم بأهل الأرض عذابا فإذا نظرت إلى عمار بيوتي، وإلى المتحابين في، والتي المستغفرين بالأسحار صرفت ذلك عنهم. ثم قال ابن عساكر: حديث غريب.\nوقال الإِمام أحمد (^٤٥): حدثنا روح، حدثنا سعيد، عن قتادة، حدثنا العلاء بن زياد،\n_________\n(^٤١) - المسند (٣/ ٦٨) وسنن الترمذي برقم (٣٠٩٣) والمستدرك (٢/ ٣٣٢) ودراج عن أبي الهيثم ضعيف.\n(^٤٢) - فيه صالح المري وهو ضعيف، وقد اختلف فيه كما سيأتي في رواية البزار.\n(^٤٣) - مسند البزار برقم (٤٣٣) \"كشف الأستار\" ورواه البيهقي في السنن الكبرى (٣/ ٦٦) من طريق هاشم بن القاسم عن صالح المري، به، وقال الهيثمي في \"المجمع (٢/ ٢٣): \"فيه صالح المري وهو ضعيف\".\n(^٤٤) - وفيه منصور بن صقر، قال أبو حاتم: ليس بالقوي. وقال العقيلي: في حديثه بعض الوهم، ورواه ابن عدي في الكامل (٤/ ٦١) من طريق سعيد بن أشعث عن صالح المري به نحوه، ورواه البيهقي في شعب الإيمان برقم (٩٠٥١) من طريق عبدان عن معاذ بن خالد بن شقيق عن صالح المري به نحوه، وصالح المري ضعيف.\n(^٤٥) - المسند (٥/ ٢٣٢) وقال الهيثمي في \"المجمع (٢/ ٢٣): \"العلاء بن زياد لم يسمع من معاذ\".\n_________\n[¬١]- في ز: \"البهاء\" خ: \"البهاد\".","vol":"7","page":159},{"text":"عن معاذ بن جبل: أن النبي ﷺ قال: \"إن الشيطان كذئب الإنسان، كذئب الغنم يأخذ الشاة القاصية والناحية، فإياكم والشعاب وعليكم بالجماعة والعَامة والمسجد\".\nوقال عبد الرزاق (^٤٦): عن معمر، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون الأودي قال: أدركت أصحاب النبي ﷺ وهم يقولون: إن المساجد بيوت الله في الأرض، وإنه حق على الله أن يكرم من زاره فيها.\nوقال المسعودي: عن حبيب بن أبي ثابت وعدي بن ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄ قال: من سمع النداء بالصلاة، ثم لم يجب و[¬١] يأتي المسجد ويصلي فلا صلاة له، وقد عصى الله ورسوله، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾. الآية. رواه ابن مردويه.\nوقد رُوي مرفوعًا من وجه آخر، وله شواهد من وجوه أخر، ليس هذا موضع بسطها. وقوله: ﴿وَأَقَامَ الصَّلَاةَ﴾ أي: التي هي أكبر عبادات البدن ﴿وَآتَى الزَّكَاةَ﴾ أي: التي هي أفضل الأعمال المتعدية إلى بر الخلائق وقوله [¬٢]: ﴿وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ﴾ أي: ولم يخف إلا من الله تعالى ولم يخش سواه ﴿فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾.\nقال [على] [¬٣] بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ يقول: من وحّد الله وآمن باليوم الآخر، يقول: من آمن بما أنزل الله ﴿وَأَقَامَ الصَّلَاةَ﴾ يعني: الصلوات الخمس ﴿وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ﴾ قوله: لم يعبد إلا الله. ثم قال: ﴿فَعَسَى أُولَئِكَ [أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ] [¬٤]﴾ يقول تعالى: إن أولئك هم المفلحون كقوله لنبيه ﷺ: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [يقول: إن ربك سيبعثك مقامًا] [¬٥] محمودًا [¬٦] وهي الشفاعة، وكل عسى في القرآن فهي واجبة.\nوقال محمَّد بن إسحاق بن يسار ﵀: وعسى من الله حق.\n﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ\n_________\n(^٤٦) - رواه البيهقي في شعب الإيمان برقم (٩٠٥٢) من طريق أحمد بن منصور عن عبد الرزاق عن معمر عن رجل من قريش رفع الحديث، فذكر نحوه، وهو معضل.\n_________\n[¬١]- في ت: \"ولم يأتي\".\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- ما ينن المعكوفتين سقط من خ.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- سقط من: ز.","vol":"7","page":160},{"text":"جَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٩) الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (٢٠) يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ (٢١) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (٢٢)﴾\nقال العوفي في تفسيره عن ابن عباس في تفسير هذه الآية قال: أن المشركين قالوا: عمارة بيت الله، وقيام على السقاية خيرٌ ممن آمن وجاهد. وكانوا يفخرون بالحرم ويستكبرون به من أجل أنهم أهله وعمّاره. فذكر الله استكبارهم وإعراضهم فقال لأهل الحرم من المشركين: ﴿قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ (٦٦) مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ﴾ يعني: أنهم كانوا يستكبرون بالحرم، قال: ﴿بِهِ سَامِرًا﴾ كانوا يسمرون به ويهجرون القرآن والنبي ﷺ، فخير الله الإِيمان والجهاد مع النبي [¬١]ﷺ على عمارة المشركين البيت وقيامهم على السقاية، ولم يكن ينفعهم عند الله مع الشرك به، وإن كانوا يعمرون بيته ويخدمونه [¬٢] به. قال الله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ يعني: الذين زعموا أنهم أهل العمارة فسماهم الله ظالمين بشركهم فلم تغن عنهم العمارة شيئًا.\nوقال على بن أبي طلحة عن ابن عباس في تفسير هذه الآية [¬٣]، قال: قد [¬٤] نزلت في العباس بن عبد المطلب حين أسر ببدر [¬٥] قال: لئن كنتم سبقتمونا بالإِسلام والهجرة والجهاد لقد كنا نعمر المسجد الحرام ونسقي الحاج [¬٦] ونفك العاني [¬٧]، قال الله ﷿ ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ﴾ إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ يعني: أن ذلك كله [¬٨] كان في الشرك ولا أقبل ما كان في الشرك.\nوقال الضحاك بن مزاحم: أقبل المسلمون على العباس وأصحابه الذين أسروا يوم بدر يعيرونهم بالشرك، فقال العباس: أما والله لقد كنا نعمر المسجد الحرام، ونفك العاني،\n_________\n[¬١]- في ز: \"نبي الله\".\n[¬٢]- في ز: \"ويحرمون\"، خ: \"ومحرمون\".\n[¬٣]- في خ: \"إن المشركين قالوا:\".\n[¬٤]- سقط من: ز.\n[¬٥]- في ز، خ: \"بعد بدر\".\n[¬٦]- سقط من: ر.\n[¬٧]- في خ: \"الغان\".\n[¬٨]- سقط من: ز، خ.","vol":"7","page":161},{"text":"ونحجب البيت، ونسقي الحاج فأنزل الله ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ﴾ الآية.\nوقال عبد الرزاق: أخبرنا ابن عيينة، عن إسماعيل، عن الشعبي، قال: نزلت في علي والعباس ﵄ تكلما في ذلك.\nوقال ابن جرير (^٤٧): حدثني يونس، أخبرنا ابن وهب، أُخبرت [¬١] عن أبي صخر، قال: سمعت محمَّد بن كعب القرظي يقول: افتخر طلحة بن شيبة من بني عبد الدار، وعباس بن عبد المطلب، وعلى بن أبي طالب، فقال [] [¬٢] طلحة: أنا صاحب البيت معي مفتاحه ولو أشاء [¬٣] بت فيه، وقال العباس: أنا صاحب السقاية والقائم عليها ولو أشاء بت في المسجد، فقال على ﵁: ما أدري ما تقولان [¬٤]، لقد صليت إلى القبلة ستة أشهر قبل الناس وأنا صاحب الجهاد، فأنزل الله ﷿ ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ﴾. الآية كلها.\nوهكذا قال السدي إلا أنه قال: افتخر على، والعباس، وعثمان [¬٥] وشيبة بن عثمان، وذكر نحوه.\nوقال عبد الرزاق (^٤٨): أخبرنا معمر، عن عمرو، عن الحسن، قال: نزلت في على، وعباس وعثمان، وشيبة تكلموا في ذلك، فقال العباس: ما [أراني إلَّا] تارك سقايتنا، فقال رسول الله ﷺ: \"أقيموا على سقايتكم فإن لكم فيها خيرًا\".\nورواه محمَّد بن ثور، عن معمر، عن الحسن فذكر [¬٦] نحوه [] [¬٧].\nوقد ورد في تفسير هذه الآية حديث مرفوع فلابد من ذكره ها هنا:\nقال عبد الرزاق (^٤٩): أخبرنا معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن النعمان بن بشير ﵁: أن رجلًا قال: ما أبالي أن أعمل عملًا بعد الإِسلام [إلا أن أسقي الحاج.\n_________\n(^٤٧) - تفسير الطبري (١٤/ ١٧١) رقم (١٦٥٦٣).\n(^٤٨) - تفسير عبد الرزاق (١/ ٢٤٣) وهو عند ابن جرير برقم (١٦٥٦١).\n(^٤٩) - تفسير عبد الرزاق (١/ ٢٤٣) وهو عند ابن جرير برقم (١٦٥٦٠).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"أخبرني ابن لهيعة … \".\n[¬٢]- في حاشية ز: \"لعله عثمان بن طلحة\".\n[¬٣] في ز: \"أشأ\".\n[¬٤]- في ز: \"يقولان\".\n[¬٥]- سقط عن: ز\n[¬٦]- في ت: \"فذكره\".\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين في ز: \"إلا أنه قال: فقال رسول الله ﷺ: \"أقيموا على سقايتكم فإن لكم فيها خيرًا\".","vol":"7","page":162},{"text":"وقال آخر: ما أبالي أن لا [¬١] أعمل عملًا بعد الإِسلام] [¬٢] إلا أن أعمر المسجد الحرام. وقال آخر: الجهاد في سبيل الله أفضل مما قلتم. فزجرهم عمر ﵁ وقال: لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله ﷺ وذلك يوم الجمعة، ولكن إذا صلينا الجمعة دخلنا على [¬٣] [النبي ﷺ فسألناه] [¬٤]. فنزلت: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ إلى قوله: ﴿لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ﴾.\n(طريق أخرى) قال الوليد بن مسلم: حدثني معاوية بن سلام، [عن جده أبي سلام الأسود] [¬٥]، عن النعمان بن بشير الأنصاري قال: كنت عند منبر رسول الله ﷺ في نفر من أصحابه فقال رجل منهم: ما أبالى أن لا أعمل لله عملًا بعد الإِسلام إلا أن أسقي الحاج، وقال آخر: بل عمارة المسجد الحرام. وقال آخر: بل الجهاد في سبيل الله خير مما قلتم فزجرهم عمر بن الخطاب ﵁ وقال: لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله، ﷺ، وذلك [¬٦] يوم الجمعة، ولكن إذا صليت الجمعة دخلت على رسول الله، ﷺ فاستفتيه [¬٧] فيما اختلفتم فيه. قال: ففعل فأنزل الله ﷿ ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ إلى قوله ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾.\nرواه مسلم في صحيحه (^٥٠)، وأبو داود، وابن جرير وهذا لفظه وابن مردويه، وابن أبي حاتم في تفاسيرهم وابن حبان في صحيحه.\n﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٣) قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي\n_________\n(^٥٠) - صحيح مسلم في الإمارة برقم (١٨٧٩) وتفسير الطبري (١٤/ ١٦٩) رقم (١٦٥٥٧) ولم أجده في سنن أبي داود، ولم يعزه المزي له في تحفة الأشراف.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- في ز: \"عليه\".\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- سقط من: خ.\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٦]- في ز: \" وهو\".\n[¬٧]- في ز: \"فاستفتيته\".","vol":"7","page":163},{"text":"الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (٢٤)﴾\nأمر تعالى بمباينة الكفار به وإن كانوا آباء أو أبناء، ونهى عن موالاتهم إن [¬١] استحبوا أي: اختاروا الكفر على الإيمان، وتوعد على ذلك، كقوله: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ الآية.\nوروى الحافظ البيهقي (^٥١) من حديث عبد الله بن شوذب قال: جعل أبو أبي عبيدة بن الجراح ينعت له الآلهة يوم، بدر، وجعل أبو عبيدة يحيد عنه، فلما أكثر الجراح قصده ابنه أبو عبيدة فقتله، فأنزل الله فيه هذه الآية ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الآية.\nثم أمر تعالى رسوله أن يتوعد من آثر [¬٢] أهله وقرابته [¬٣] وعشيرته على الله [¬٤] رسوله\nوجهاد في سبيله فقال: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا﴾ أي: اكتسبتموها وحصلتموها ﴿وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا [¬٥]﴾ أي: تحبوتها لطيبها وحسنها، أي إن كانت هذه الأشياء ﴿أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا﴾ أي: فانتظروا ماذا يحل بكم من عقابه ونكاله بكم، ولهذا قال: ﴿حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾.\nوقال الإِمام أحمد (^٥٢): حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا ابن لهيعة، عن زهرة بن معبد، عن جده قال: كنا مع رسول الله ﷺ وهو آخذ بيد عمر بن الخطاب فقال: والله يا رسول الله؛ لأنت أحب إلى من كل شيء إلا من نفسي. فقال رسول الله ﷺ: \"لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه\". فقال عمر: فأنت الآن والله أحب الي من نفسي. فقال رسول الله: \"الآن يا عمر\".\n_________\n(^٥١) - رواه الحاكم (٣/ ٢٩٦) من طريق الربيع بن سليمان، عن أحد بن موسى، عن ضمرة بن ربيعة، عن عبد الله بن شوذب، ومن طريق الحاكم رواه البيهقي في الكبرى (٩/ ٢٧) وقال البيهقي: \"هذا منقطع\".\n(^٥٢) - المسند (٤/ ٣٣٦) رقم (١٩٠١٤).\n_________\n[¬١]- في ز: \"إذا\".\n[¬٢]- في ز: \"أحب\".\n[¬٣]- في ز: \"قراباته\".\n[¬٤]- في ز: \"وعلى\".\n[¬٥]- في ز: \"ترضوها\".","vol":"7","page":164},{"text":"انفرد بإخراجه البخاري (^٥٣) فرواه عن يحيى بن سليمان، عن ابن وهب، عن حيوة بن شريح، عن أبي عقيل زهرة بن معبد أنه سمع جده عبد الله بن هشام، عن النبي ﷺ بهذا.\nوقد ثبت في الصحيح (^٥٤) عنه ﷺ أنه قال: \"والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين\".\nوروى الإِمام أحمد وأبو داود واللفظ له (^٥٥) من حديث أبي عبد الرحمن الخراساني، عن عطاء الخراساني، عن نافع، عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم بأذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد، سلط الله عليكم ذلّا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم\".\nوروى الإِمام أحمد أيضًا (^٥٦)، عن يزيد بن هارون، عن أبي جناب [¬١]، عن شهر بن حوشب؛ أنَه سمع عبد الله بن عمرو، عن رسول الله ﷺ بنحو ذلك، وهذا شاهد للذي قبله، والله أعلم.\n﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (٢٥) ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (٢٦) ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٧)﴾\n_________\n(^٥٣) - صحيح البخاري، كتاب الأيمان والنذور، باب: كيف كان يمين النبي ﷺ برقم (٦٦٣٢).\n(^٥٤) - صحيح البخاري، كتاب الإيمان برقم (١٤) دون قوله: \"والناس أجمعين\" من حديث أبي هريرة ﵁. ورواه مسلم في الإيمان (٤٤) دون قوله: \"الذي نفسي بيده\" من حديث أنس.\n(^٥٥) - المسند (٢/ ٤٢)، وسن أبي داود، باب البيوع، باب: النهي عن العينة برقم (٣٤٦٢). وفي إسناده إسحاق بن أسيد أبو عبد الرحمن الخراساني نزيل بمصر لا يحتج بحديثه، وفيه أيضًا عطاء الخراساني وفيه مقال.\n(^٥٦) - المسند (٢/ ٨٤)، وأبو جناب: يحيى بن أبي حية: ضعفوه لكثرة تدليسه، وشهر بن حوشب: صدوق كثير الإرسال والأوهام.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"حباب\".","vol":"7","page":165},{"text":"قال ابن جريج، عن مجاهد: هذه أول آية نزلت من براءة، يذكر تعالى للمؤمنين فضله عليهم، وإحسانه لديهم، في نصره إياهم في مواطن كثيرة من غزواتهم مع رسوله، وأن ذلك من عنده تعالى، وبتأييده وتقديره لا بعَددهم [¬١]، ولا بعُددهم، ونبههم على أن النصر من عنده سواء قل الجمع أو كثر، فإن يوم حنين أعجبتهم كثرتهم، ومع هذا ما أجدى ذلك عنهم شيئًا، فولوا مدبرين إلا القليل منهم مع رسول الله ﷺ، ثم أنزل نصره وتأييده على رسوله وعلى المؤمنين الذين معه كما سنبينه إن شاء الله تعالى مفصلًا، ليعلمهم أن النصر من عنده تعالى وحده، وبإمداده وإن قل الجمع، فكم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله، والله مع الصابرين.\nوقد قال الإِمام أحمد (^٥٧): حدثنا وهب بن جرير، حدثنا أبي، سمعت يونس يحدث عن الزهريّ، عن عبيد الله، عن ابن عباس؛ قال: قال رسول الله ﷺ: \"خير الصحابة أربعة، وخير السرايا أربعمائة، وخير الجيوش أربعة آلاف، ولن تغلب اثنا عشر ألفًا من قلة\".\nوهكذا رواه أبو داود والترمذي، ثم قال: هذا حديث حسن غريب [لا يسنده كبير] [¬٢] أحد غير جرير بن حازم، وإنما روي عن الزهريّ عن النبي ﷺ مرسلًا.\nوقد رواه ابن ماجه والبيهقي وغيره (^٥٨)، عن أكثم بن الجون، عن رسول الله ﷺ بنحوه، والله أعلم.\nوقد كانت وقعة حنين بعد فتح مكة في شوال سنة ثمان من الهجرة، وذلك لما فرغ ﷺ من فتح مكة، وتمهدت أمورها، وأسلم عامة أهلها، وأطلقهم رسول الله ﷺ، فبلغه أن هوازن جمعوا له ليقاتلوه، وأن [¬٣] أميرهم مالك بن عوف النضري، ومعه ثقيف بكمالها، وبنو جشم، وبنو سعد بن بكر، وأوزاع من بني هلال، وهم قليل، وناس من بني عمرو بن عامر، وعوف بن عامر، وقد أقبلوا ومعههم النساء والولدان والشاء والنعم، وجاءوا [بقضهم وقضيضهم] [¬٤]، فخرج إليهم رسول الله ﷺ في جيشه الذي\n_________\n(^٥٧) - المسند (١/ ٢٩٤) رقم (٢٦٨٢)، وسنن أبي داود برقم (٢٦١١)، وسنن الترمذي برقم (١٥٥٥). ورواه ابن خزيمة في صحيحه (٤/ ١٤٠)، وابن حبان، (١٧/ ١١)، والحاكم (١/ ٦١١، ٢/ ١١٠)، وأبو يعلى (٤/ ٤٥٩).\n(^٥٨) سنن ابن ماجة برقم (٢٨٢٧)، وسنن البيهقي الكبرى (٩/ ٢٦٣) من طريق أبي سلمة العاملى عن الزهريّ، عن أنس: أن رسول الله، ﷺ، قال لأكثم بن جون … فذكر نحو حديث =\n_________\n[¬١]- في ز: \" عَددهم\".\n[¬٢]- في خ: \"كبير لا يسنده كبير\".\n[¬٣]- سقص من: ز.\n[¬٤]- في ز: \"بفضهم وفضيفهم\".","vol":"7","page":166},{"text":"جاء معه للفتح، وهو عشرة آلاف من المهاجرين والأنصار وقبائل العرب، ومعه الذين أسلموا من أهل مكة، وهم الطلقاء في ألفين أيضًا [¬١]، فسار بهم إلى العدو، فالتقوا بواد بين مكة والطائف يقال له حنين، فكانت فيه الوقعة في أول النهار في غلس الصبح، انحدروا في الوادي، وقد كمنت فيه هوازن، فلما تواجهوا لم يشعر المسلمون إلا بهم قد ثاوروهم [¬٢]، ورشقوا بالنبال، وأصلتوا السيوف، وحملوا حملةَ رجلٍ واحد، كما أمرهم ملكهم، فعند ذلك ولى المسلمون مدبرين، كما قال الله ﷿ وثبت رسول الله ﷺ وهو راكب يومئذ بغلته الشهباء يسوقها إلى نحر العدو، والعباس عمه آخذ بركابها الأيمن، وأبو سفيان ابن الحارث بن عبد المطلب آخذ بركابها الأيسر يثقلانها لئلا تسرع السير، وهو ينوه باسمه ﵊ ويدعو المسلمين إلى الرجعة، \"أين يا عباد الله؟ إليَّ أنا رسول الله\". ويقول في تلك الحال:\n\"أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب\".\nوثبت معه من أصحابه قريب من مائة، ومنهم عن قال: ثمانون، فمنهم: أبو بكر وعمر، ﵄ والعباس، وعلي، والفضل بن عباس، وأبو سفيان بن الحارث، وأيمن بن أم أيمن، وأسامة بن زيد وغيرهم ﵃ ثم أمر [رسول الله] [¬٣]ﷺ عمه العباس وكان جهير الصوت أن ينادي بأعلى صوته: يا أصحاب الشجرة - يعني شجرة بيعة الرضوان التي بايعه المسلمون من المهاجرين والأنصار تحتها، على أن لا يفروا عنه - فجعل ينادي بهم: يا أصحاب السمرة، ويقول تارة: يا أصحاب سورة البقرة؛ فجعلوا يقولون: يا لبيك، يا لبيك، وانعطف الناس، فجعلوا يتراجعون إلى رسول الله ﷺ، حتى إن الرجل منهم إذا لم يطاوعه بعيره على الرجوع لبس درعه ثم انحدر عنه، وأرسله ورجع بنفسه إلى رسول الله، ﷺ، فلما اجتمعت [¬٤] شرذمة منهم، [عند رسول الله ﷺ] [¬٥] أمرهم ﵇ أن يصدقوا الحملة، وأخذ قبضة من التراب بعد ما دعا ربه واستنصره، وقال: \"اللهم، أنجز لي ما وعدتني\".\nثم رمى القوم بها، فما بقي إنسان منهم إلا أصابه منها في عينيه وفمه ما شغله عن القتال، ثم انهزموا فاتبع المسلمون أقفاءهم يقتلون: يأسرون، وما تراجع بقية الناس إلا\n_________\n= ابن عباس. وقال البوصيري في الزوائد (٢/ ٤١٢): \"هذا إسناد ضعيفٌ لضعف أبي سلمة العاملي الأزدي وعبد الملك بن محمَّد الصنعاني\". وقال الألباني: ضعيفٌ جدًا لكن شطره الثاني صحيح من وجه آخر.\n_________\n[¬١]- سقط من: ت.\n[¬٢]- في ت: بادروهم.\n[¬٣]- زيادة من ز.\n[¬٤]- في ز: \"رجعت\"، وفي خ: \"رجعة\".\n[¬٥]- ما بين \"المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"7","page":167},{"text":"والأسرى [¬١] مجدلة [¬٢] بين يدي رسول الله ﵌.\nوقال الإِمام أحمد (^٥٩): حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، أخبرنا يعلى بن عطاء، عن عبد [¬٣] الله بن يسار [] [¬٤] أبي [¬٥] همام، عن أبي عبد الرحمن الفهري - واسمه - يزيد ابن أسيد، ويقال: يزيد بن أنيس، ويقال: كرز - قال: كنت مع رسول الله، ﷺ في غزوة حنين، فسرنا في يوم قائظ شديد الحر، فنزلنا تحت ظلال الشجر، فلما زالت الشمس لبست لأمَتي وركبت فرسي، فانطلقت إلى رسول الله، ﷺ، وهو في فسطاطه، فقلت: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته [¬٦]، حان الرواح؟ فقال: \"أجل\". فقال: \"يا بلال\". فثار من تحت سمرة كأن ظلها [¬٧] ظل طائر، فقال: لبيك وسعديك وأنا فداؤك. فقال: \"أسرج لي فرسي\". فأخرج سرجًا دفتاه من ليف ليف فيهما أشر ولا بطر.\nقال: فأسرج فركب وركبنا فصاففناهم عشيتنا وليلتنا، فتشامت الخيلان فولى المسلمون مدبرين، كما قال الله ﷿: ﴿[ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ] [¬٨]﴾، فقال رسول الله ﷺ: \"يا عباد الله، أنا عبد الله ورسوله\". ثم قال: \"يا معشر المهاجرين، أنا عبد الله ورسوله\". قال: ثم اقتحم رسول الله، ﷺ، عن فرسه، فأخذ كفًّا من تراب، فأخبرني الذي كان أدنى إليه مني أنه ضرب به وجوههم، وقال: \"شاهت الوجوه! \". فهزمهم الله تعالى. قال يعلي بن عطاء: فحدثني أبناؤهم عن آبائهم أنهم قالوا: لم يبق منا أحد إلا امتلأت عيناه وفمه ترابًا، وسمعنا صلصلة بين السماء والأرض كإمرار الحديد على الطَّسْت [¬٩]، الحديد [¬١٠].\nوهكذا رواه الحافظ البيهقي في دلائل النبوة من حديث أبي داود الطيالسي عن حماد بن\n_________\n(^٥٩) - المسند (٥/ ٢٨٦) ودلائل النبوة (٥/ ١٤١). وعبد الله بن يسار: مجهول. قاله الحافظ \"في التقريب ٣٧٤٢\". وأخرجه أبو داود في كتاب الأدب في باب: الرجل ينادي الرجل فيقول: لبيك (٤/ ٣٦٠، ٣٦١/ رقم: ٥٢٣٣). من طريق موسى بن إسماعيل، عن حماد بن سلمة به. وأخرجه أيضًا البزار كما في كشف الأستار (٢/ ٣٥٠، ٣٥١ / رقم: ١٨٣٣). والطبراني في الكبير (٢٢/ ٢٨٨، ٢٨٩/ رقم: ٧٤٠، ٧٤١). وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ١٨١، ١٨٢) وقال: \"روى أبو داود منه إلى قوله: ليس فيه أشر ولا بطر. ورواه البزار والطبراني، ورجالهما ثقات\". والحديث حسنه الشيخ الألباني في صحيح أبي داود حديث ٤٣٦٠/ ٥٢٣٣.\n_________\n[¬١] في ز: \"الأسارى\".\n[¬٢]- في ت: \"مجندلة\".\n[¬٣]- في ت: \"عبيد\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفين في ت: عن. وهو خطأ؛ لأن عبد الله بن يسار هو أبو همام.\n[¬٥]- في ز: \"أي\".\n[¬٦]- سقط من: ز، خ.\n[¬٧]- في ز: \"ظله\".\n[¬٨]- سقط من: خ.\n[¬٩]- في ز، خ: \"الطشت\".\n[¬١٠]- في خ: \"الجديد\".","vol":"7","page":168},{"text":"سلمة، به.\nوقال محمَّد بن إسحاق: حدثني عاصم بن عمر بن قتادة، عن عبد الرحمن بن جابر، عن أبيه جابر بن عبد الله، قال: فخرج مالك بن عوف بمن معه إلى حنين، فسبق رسول الله، ﵌، إليه فأعدوا وتهيئوا في مضايق الوادي وأحنائه، وأقبل رسول الله، ﵌، وأصحابه حتى انحط بهم الوادي في عماية الصبح، فلما انحط الناس ثارت في وجوههم الخيل فشدت [¬١] عليهم وانكفأ الناس منهزمين لا يقبل أحد على أحد، وانحاز رسول الله صلى الله [عليه] [¬٢] وآله وسلم ذات اليمين يقول: \"أيها الناس، هلموا إليَّ أنا رسول الله، أنا رسول الله، أنا محمد بن عبد الله\". فلا شيء وركبت الإبل بعضها بعضًا، فلما رأى رسول الله ﵌ أمر الناس قال: \"يا عباس، اصرخ: يا معشر الأنصار يا أصحاب السمرة\". فأجابوا [¬٣] لبيك! لبيك! فجعل الرجل يذهب ليعطف بعيره فلا يقدر على ذلك فيقذف درعه في عنقه ويأخذ سيفه وقوسه ثم يؤم الصوت، حتى اجتمع إلى رسول الله، ﷺ، منهم مائة، فاستعرض الناس فاقتتلوا وكانت الدعوة أول ما كانت بالأنصار، ثم جعلت آخرًا بالخزرج، وكانوا صُبُرًا عند الحرب، وأشرف رسول الله، ﷺ، في ركائبه [¬٤]، فنظر إلى مجتلد القوم فقال: \"الآن حمي الوطيس\".\nقال: فو الله ما راجعه الناس إلا والأسارى عند رسول الله، ﷺ، ملقون، فقتل الله منهم من قتل، وانهزم منهم من [¬٥] انهزم، وأفاء الله على رسوله أموالهم وأبناءهم.\nوفي الصحيحين (^٦٠) من حديث شعبة، عن أبي إسحاق، عن البراء بن عازب ﵄[أن رجلًا قال له] [¬٦]: يا أبا عمارة؛ أفررتم عن رسول الله، ﷺ، يوم حنين؟ فقال: لكن رسول الله، ﷺ، لم يفر، إن هوازن كانوا قومًا رماة، فلما لقيناهم وحملنا عليهم انهزموا، فأقبل الناس على الغنائم فاستقبلونا بالسهام فانهزم الناس، فلقد رأيت رسول الله ﷺ - وأبو سفيان بن الحارث آخذ بلجام - بغلته [¬٧] البيضاء - وهو يقول: \"أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب\".\nقلت: وهذا في غاية ما يكون من الشجاعة التامة، أنه في مثل هذا اليوم في حومة\n_________\n(^٦٠) - صحيح البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب: من قاد دابة غيره في الحرب برقم (٢٨٦٤)، وصحيح مسلم، كتاب الجهاد والسير برقم (١٧٧٦).\n_________\n[¬١]- في ز: \"فاشتدت\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٣]- في ز: \"فأجابوه\".\n[¬٤]- في ز: \"ركابه\".\n[¬٥]- في خ: \"ما\".\n[¬٦]- في ز: \"أنه قال له رجل\".\n[¬٧]- في ز: \"بغلة رسول الله ﷺ\".","vol":"7","page":169},{"text":"الوغى، وقد انكشف عنه جيشه، وهو مع هذا [¬١] على بغلة وليست سريعة الجري، ولا تصلح لفر ولا لكر ولا لهرب، وهو مع هذا [¬٢] أيضًا يركضها إلى وجوههم، وينوّه باسمه ليعرفه من لم يعرفه - صلوات الله وسلامه عليه - دائمًا إلى يوم الدين، وما هذا كله إلا ثقة بالله، وتوكل عليه، وعلمٌ منه بأنه سينصره ويتم ما أرسله به، ويظهر دينه على سائر الأديان؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ أي: طمأنينته وثباته على رسوله ﴿وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: الذين معه ﴿وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ وهم الملائكة.\nكما قال الإِمام أبو جعفر بن جرير: [حدثنا القاسم قال] [¬٣]: حدثني الحسن بن عرفة، قال: حدثني المعتمر بن سليمان، عن عوف - هو ابن أبي جميلة [¬٤] الأعرابي - قال: سمعت عبد الرحمن مولى ابن بُرثن، حدثني رجل كان مع [¬٥] المشركين يوم حنين، قال: لما [] [¬٦] التقينا نحن وأصحاب رسول الله ﷺ يوم حنين لم يقوموا لنا حَلَبَ شاة، قال: فلما كشفناهم جعلنا نسوقهم في آثارهم حتى انتهينا إلى صاحب البغلة البيضاء فإذا هو رسول الله ﷺ، قال: فتلقانا عنده رجال بيض حسان الوجوه، فقالوا لنا: شاهت الوجوه، ارجعوا، قال: فانهزمنا وركبوا أكتافنا، فكانت إياها.\nوقال الحافظ أبو بكر البيهقي (^٦١): أنبأنا أبو عبد الله الحافظ، حدثني محمَّد بن أحمد بن بَالُويه، حدثنا إسحاق بن الحسن الحربي، حدثنا عفان بن مسلم، حدثنا عبد الواحد بن زياد، حدثنا الحارث بن حصيرة، حدثنا القاسم بن عبد الرحمن، عن أبيه، قال: قال ابن مسعود ﵁: كنت مع رسول الله ﷺ يوم حنين، فولى عنه الناس، وبقيت معه في ثمانين رجلًا من المهاجرين والأنصار، قدمنا ولم نولهم الدبر، وهم الذين أنزل الله عليهم السكينة، قال: ورسول الله ﷺ على بغلته البيضاء [¬٧] يمضي قُدُمًا، فحادت بغلته، فمال عن السرج، فقلت: ارتفع رفعك الله. قال: \"ناولني كفًّا من التراب\". فناولته، قال: فضرب به وجوههم فامتلأت أعينهم ترابًا، قال: \"أين المهاجرون والأنصار؟ \". قلت: هم هناك. قال: \"اهتف بهم\". فهتفت بهم فجاءوا، وسيوفهم بأيمانهم كأنها الشهب، وولى المشركون أدبارهم.\n_________\n(^٦١) - دلائل النبوة (٥/ ١٤٣) والمسند (١/ ٤٥٤).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"ذلك\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"ذلك\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- في ز: \"حميلة\".\n[¬٥]- في ز: \"من\".\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين في ز: \"كان\".\n[¬٧]- سقط من: ز.","vol":"7","page":170},{"text":"ورواه الإِمام أحمد في مسنده، عن عفان به نحوه.\nوقال الوليد بن مسلم: حدثني عبد الله بن المبارك، عن أبي بكر الهذلي، عن عكرمة مولى ابن عباس، عن شيبة بن عثمان، قال: لما رأيت رسول الله ﷺ يوم حنين قد عري ذكرت أبي وعمي وقتل علي وحمزة إياهما، فقلت: اليوم أدرك ثأري منه.\nقال: فذهبت لأجيئه عن يمينه، فإذا أنا بالعباس بن عبد المطلب قائمًا [¬١] عليه درع بيضاء كأنها فضة يكشف عنها العجاج، فقلت: عمه ولن يخذله. قال: فجئته عن يساره، فإذا أنا بأبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، فقلت: ابن عمه ولن يخذله، فجئته من خلفه فلم يبق إلا أن أسوره سورة بالسيف، إذ رفع لي شواظ من نار بيني وبينه كأنه برق فخفت أن تمحشني، فوضعت يدي على بصري ومشيت القهقرى، فالتفت رسول الله ﷺ، وقال: \"يا شيب يا شيب؛ ادن مني. اللهم؛ أذهب عنه الشيطان\". قال: فرفعت إليه بصري ولهو أحب إلي من سمعي وبصري، فقال: \"يا شيب؛ قاتل الكفار\".\nرواه البيهقي من حديث الوليد فذكره (^٦٢)، ثم روى من حديث أيوب بن جابر، عن صدقة بن سعيد، عن مصعب بن شيبة، عن أبيه، قال: خرجت مع رسول ﷺ يوم حنين، والله ما أخرجني إسلام ولا معرفة به، ولكنني [¬٢] أبيت [¬٣] أن تظهر هوازن على قريش، فقلت وأنا واقف معه: يا رسول الله، إني أرى خيلًا بُلقًا [¬٤] فقال: \"يا شيبة، إنه لا يراها إلا كافر\".\nفضرب [يده في] [¬٥] صدري ثم قال \"اللَّهُمّ، اهد شيبة\"، ثم ضربها الثانية ثم قال: \"اللَّهُمَّ، اهد شيبة\"، ثم ضربها الثالثة ثم قال: \"اللَّهُمَّ، اهد شيبة\". قال: فو الله ما رفع يده عن [¬٦] صدري في الثالثة حتى ما كان أحد من خلق الله أحبَّ إليَّ منه.\nوذكر تمام الحديث ثم [¬٧] التقاء [¬٨] الناس، وانهزام المسلمين، ونداء العباس، واستنصار رسول الله ﷺ حتى هزم الله المشركين.\n_________\n(^٦٢) - دلائل النبوة للبيهقي (٥/ ١٤٥).\n_________\n[¬١]- في ز: \"قائم\".\n[¬٢]- في ز: \"ولكنى\".\n[¬٣]- في ز: \"أتيت\".\n[¬٤]- بلق الفرس يبلق بلقًا: كان فيه سواد وبياض، فهو أبلق.\n[¬٥]- في خ: \"بيده على\".\n[¬٦]- في ز: \"من\".\n[¬٧]- في ت: \"في\".\n[¬٨]- في خ: \"التقى\".","vol":"7","page":171},{"text":"[وقال] [¬١] محمَّد بن إسحاق: حدثني والدي إسحاق بن يسار، عمن حدثه، عن جبير ابن مطعم ﵁ قال: إنا لمع رسول الله ﷺ يوم حنين، والناس يقتتلون، إذ نظرت إلى مثل البجاد [¬٢] الأسود يهوي من السماء حتى وقع بيننا وبين القوم، فإذا نمل منثور قد ملأ الوادي، فلم يكن إلا هزيمة القوم، فما كنا نشك أنها الملائكة.\nوقال سعيد بن السائب بن يسار، عن أبيه قال: سمعت يزيد بن عامر السوائي، وكان شهد حنينًا مع المشركين ثم أسلم بعد، فكنا نسأله عن الرعب الذي ألقى الله في قلوب المشركين يوم حنين - فكان يأخذ الحصاة فيرمي بها في الطست فيطن [¬٣] فيقول: كنا نجد في أجوافنا مثل هذا.\nوقد تقدم له شاهد من حديث يزيد بن أبي أسيد، فالله أعلم.\nوفي صحيح مسلم (^٦٣) عن محمَّد بن رافع، عن عبد الرزاق، أنبأنا معمر، عن همام؛ قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة [قال: قال] [¬٤] رسول الله ﷺ[]: [¬٥] \"نصرت بالرعب وأوتيت جوامع الكلم\". ولهذا قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ [¬٦] اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾.\nوقوله: ﴿ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ قد تاب الله على بقية هوازن وأسلموا [¬٧] وقدموا عليه مسلمين، ولحقوه وقد قارب مكة عند الجعرانة، وذلك بعد الوقعة بقريب من عشرين يومًا، فعند ذلك خيره بين سبيهم وبين أموالهم، فاختاروا سبيهم، وكانوا ستة آلاف أسير مِن [¬٨] بين صبي وامرأة، فرده عليهم وقسم أموالهم [¬٩] بين الغانمين، ونفل أناسًا من الطلقاء؛ ليتألف قلوبهم على الإِسلام، فأعطاهم مائة مائة من الإِبل، وكان من جملة من أعطى مائة مالك بن عوف النضري واستعمله على قومه كما كان، فامتدحه بقصيدته التي يقول فيها:\nمَا إِنْ رَأَيْتُ وَلَا سَمِعْتُ بِمِثْلِهِ … في النَاسِ كُلِّهمُ بمثْلِ محمدِ\n_________\n(^٦٣) - صحيح مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة برقم (٥٢٣).\n_________\n[¬١]- في خ: \"قال\".\n[¬٢]- البجاد: كساء مخطط، وجمعه بُجُد. أراد الملائكة الذين أيدهم الله بهم.\n[¬٣]- في ز، خ: \"فتطن\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين في ت: \"أن\".\n[¬٥]- في ت: \"قال\".\n[¬٦]- في خ: \"فأنزل\".\n[¬٧]- في ت: \"فأسلموا\".\n[¬٨]- في خ: \"ما\".\n[¬٩]- في خ: \"الأموال\".","vol":"7","page":172},{"text":"أَوْفَى وَأَعْطَى لِلْجَزِيلِ إذَا [اجْتَدَى … ومتى] [¬١] تشَأْ يُخْبِرْكَ عَمَّا في غَدِ\nوَإذَا [الكَتِيبَةُ عَرّدَتْ] [¬٢] أَنْيَابُهَا … بالسَّمْهَريِّ وضَرْبِ كُلِّ مُهَنَّدِ\nفَكَأَنَّهُ لَيثٌ عَلَى أَشْبَالِهِ [¬٣] … وَسْطَ الهبَاءَةِ [¬٤] خَادِرٌ في مَرْصَدِ [¬٥]\n﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٨) قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢٩)﴾\nأمر تعالى عباده المؤمنين الطاهرين دينًا وذاتًا بنفي المشركين الذين هم نجس دينًا عن المسجد الحرام، وألا يقربوه بعد نزول هذه الآية، وكان نزولها في سنة تسع، ولهذا بعث رسول الله، ﷺ، عليًّا صحبة أبي [¬٦] بكر، ﵄، عامئذ، وأمره أن ينادي في المشركين؛ أن لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريانٌ، فأتم الله ذلك وحكم به شرعًا وقدرًا.\nوقال عبد الرزاق (^٦٤): أخبرنا ابن جريج، أخبرني أبو الزبير، أنه سمع جابر بن، عبد الله يقول في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾: إلا أن يكون عبدًا أو أحدًا من أهل الذمة.\nوقد روي مرفوعًا من وجه آخر، فقال الإِمام أحمد (^٦٥): حدثنا حسن [¬٧]، حدثنا شريك، عن الأشعث - يعني ابن سوار - عنَ الحسن، عن جابر؛ قال: قال رسول الله -\n_________\n(^٦٤) - تفسير عبد الرزاق (٢/ ٢٧١) وهو عند ابن جرير (١٤/ ١٦٦١٠).\n(^٦٥) - أشعث بن سوار، روى له مسلم متابعة. ضعفه أحمد، وابن معين، والدارقطني. وقد وثقه ابن معين مرة. وقال النسائي (٨/ ٦٩): أشعث بن سوار، ضعيف. قال الذهبي: صدوق، لينه أبو زرعة. وقال ابن حجر في التقريب: ضعيف. والحسن لم يسمع من جابر. وشريك ضُعف لسوء حفظه =\n_________\n[¬١]- في ز: \"احتدى ما\".\n[¬٢]- في ز: \"الكثيبة غردت\".\n[¬٣]- في خ: \"أسباطه\".\n[¬٤]- في ز: \"المساة\"، خ: \"المساءة\".\n[¬٥]- بعده في خ: \"قوله تعالى\".\n[¬٦]- في ز: \"أبو\".\n[¬٧]- في خ: \"حسين\".","vol":"7","page":173},{"text":"ﷺ: \"لا يدخل مسجدنا هذا [¬١] بعد عامنا هذا مشركٌ إلا أهل العهد وخدمكم [¬٢] \".\nتفرد به الإِمام [¬٣] أحمد مرفوعًا، والموقوف أصحُّ إسنادًا.\nوقال الإِمام أبو عمرو الأوزاعي: كتب عمر بن عبد العزيز ﵁: أن امنعوا اليهودَ والنصارى من دخول مساجد المسلمين، وأتبع نهيه قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ (^٦٦).\nوقال عطاء: الحرم كله مسجد؛ لقوله تعالى: ﴿فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾.\nودلَّت هذه الآية الكريمة على نجاسة المشرك، كما دلَّت [على طهارة المؤمن] [¬٤]؛ لما [¬٥] ورد [] [¬٦] في الصحيح: \"المؤمن لا ينجس\" (^٦٧). وأما [¬٧] نجاسة بدنه فالجمهور على أنه ليس بنجس البدن والذات؛ لأن الله تعالى أحل طعام أهل الكتاب، وذهب بعض الظاهرية إلى [¬٨] نجاسة أبدانهم.\nوقال أشعث عن الحسن: عن صافحهم فليتوضأ. رواه ابن جرير (^٦٨).\nوقوله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾. قال محمد [¬٩] بن إسحاق: وذلك أن الناس قالوا: لتنقطعن عنا الأسواق، ولتهلكن التجارة، وليذهبن عنا [¬١٠] ما كنا نصيب فيها عن المرافق، فنزلت [¬١١]: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ من وجه غير ذلك ﴿إِنْ شَاءَ﴾ إلى قوله [¬١٢]: ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ أي:\n_________\n= والحديث في المسند (٣/ ٣٩٢) رقم (١٥٢٦٣) وقال الهيثمي في \"المجمع (٤/ ١٠): \"فيه أشعث بن سوار، وفيه ضعف، وقد وثق\".\n(^٦٦) - تفسير ابن جرير (١٤/ ١٦٥٩٥).\n(^٦٧) - صحيح البخاري، كتاب الغسل، باب: الجنب يخرج ويمشي في السوق وغيره، رقم (٢٨٥) ومسلم في الحيض حديث (٣٧١).\n(^٦٨) - تفسير ابن جرير (٤/ ١٦٥٩٦).\n_________\n[¬١]- سقط من: ت.\n[¬٢]- في ت: \"خدمهم\".\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- سقط من: ز.\n[¬٦]- في ز، خ: \"الحديث\".\n[¬٧]- في ت: \"وإنما\".\n[¬٨]- في ز، خ: \"على\".\n[¬٩]- سقط من: ز، خ.\n[¬١٠]- سقط من: ز، خ.\n[¬١١]- في ت: \"فأنزل الله\".\n[¬١٢]- في ز: \"غيره\".","vol":"7","page":174},{"text":"[إن] [¬١] هذا عوض ما تخوفتم من قطع تلك الأسواق، فعوضهم الله بما قطع [عنهم من] [¬٢] أمر الشرك ما أعطاهم من أعناق [¬٣] أهل الكتاب من الجزية.\nوهكذا روي عن ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير، وقتادة والضحاك وغيرهم.\n﴿إن الله عليم﴾ أي: بما يصلحكم ﴿حكيم﴾ أي: فيما بأمر به وينهى عنه؛ لأنه الكامل في أفعاله وأقواله، العادل في خلقه وأمره ﵎، ولهذا عوضهم عن تلك المكاسب بأموال الجزية التي يأخذونها من أهل الذمة، فقال [¬٤]: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢٩)﴾ فهم في نفس الأمر لما [¬٥] كفروا بمحمد، ﷺ، لم يبق لهم إيمان صحيح بأحد [¬٦] من الرسل ولا بما جاءوا به، وإنما يتبعون آراءهم وأهواءهم وآباءهم فيما هم فيه، لا لأنه شرع الله ودينه؛ لأنهم لو كانوا مؤمنين بما بأيديهم إيمانًا صحيحًا لقادهم ذلك إلى الإِيمان بمحمد، ﷺ؛ لأن جميع الأنبياء بشروا به وأمروا باتباعه، فلما جاء وكفروا به - وهو أشرف الرسل - عُلِمَ أنهم ليسوا متمسكين بشرع الأنبياء [والأقدمين] [¬٧]؛ لأنه من عند [¬٨] الله، بل لحظوظهم وأهوائهم، فلهذا لا ينفعهم إيمانهم ببقية الأنبياء وقد كفروا بسيدهم وأفضلهم وخاتمهم وأكملهم، ولهذا قال:\n﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ وهذه الآية الكريمة [نزلت] [¬٩] أول الأمر بقتال أهل الكتاب، بعد ما تمهدت أمور المشركين ودخل الناس في دين الله أفواجًا فلما [¬١٠] استقرت [¬١١] جزيرة العرب، أمَرَ الله رسوله بقتال أهل الكتابين؛ اليهودِ والنصارى، وكان ذلك في سنة تسع، ولهذا تجهز رسول الله، ﷺ، لقتال الروم ودعا الناس إلى ذلك وأظهره لهم، وبعث إلى أحياء العرب حول المدينة فندبهم، فأوعبوا [¬١٢] معه، واجتمع من المقاتلة نحو [من] [¬١٣] ثلاثين ألفًا [¬١٤]، وتخلف بعض الناس من أهل المدينة ومن حولها من\n_________\n[¬١]- سقط من ت.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٣]- في ز: \"أعتاق\".\n[¬٤]- في ت: \"وقوله تعالى\".\n[¬٥]- في ز، خ: \"كما\".\n[¬٦]- في خ: \"يأخذ\".\n[¬٧]- في خ: \"الأقدمين\".\n[¬٨]- سقط من خ.\n[¬٩]- سقط من ز، خ، وأثبتناها لحاجة السياق إليها.\n[¬١٠]- سقط من: ز، خ.\n[¬١١]- في ز، خ: \"واستقامت\".\n[¬١٢]- أوعبَ القومُ: خرجوا جميعًا.\n[¬١٣]- سقط من خ.\n[¬١٤]- في خ: (ألف).","vol":"7","page":175},{"text":"المنافقين وغيرهم، وكان ذلك في عام جدب ووقت قيظ [¬١] وحر، وخرج رسول الله، ﷺ، يريد الشام؛ لقتال الروم، فبلغ تبوك فنزل بها وأقام على مائها [¬٢] قريبا من عشرين يوما، ثم استخار الله في الرجوع فرجع عامه ذلك؛ لضيق الحال وضعف الناس، كما [¬٣] سيأتي بيانه بعدُ إن شاء الله تعالى.\nوقد استدل بهذه الآية الكريمة من يرى أنه لا تؤخذ الجزية إلا من أهل الكتاب أو من أشبههم كالمجوس، كما صحَّ فيهم الحديث أن رسول الله، ﷺ، أخذها من مجوس [¬٤] هجر، وهذا مذهب الشافعي وأحمد في المثمهور عنه، وقال أبو حنيفة، ﵀: بل تؤخذ من جميع الأعاجم سواء كانوا من أهل الكتاب أو من المشركين ولا تؤخذ من العرب إلا من أهل الكتاب.\nوقال الإِمام مالك: بل يجوز أن تضرب الجزية على جميع الكفار، من: كتابي، ومجوسي، ووثني وغير ذلك. ولمآخذ هذه المذاهب وذكر أدلتها مكانٌ غير هذا، والله أعلم.\nوقوله: ﴿حتى يعطوا الجزية﴾ أي: إن لم يسلموا ﴿عن يد﴾ أي: عن قهر لهم وغلبة ﴿وهم صاغرون﴾ أي: ذليلون حقيرون مهانون، فلهذا لا يجوز إعزاز [¬٥] أهل الذمة ولا رفعهم على المسلمين، بل هم أذلاء صغرة أشقياء، كما جاء في صحيح مسلم (^٦٩): عن أبي هريرة، ﵁، أن النبي ﷺ، قال: \"لا تبدءوا اليهود والنصارى بالسلام، وإذا لقيتم أحدهم في طريق فاضطروه إلى أضيقه\"؛ ولهذا اشترط عليهم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، رضي الله، عنه - تلك الشروط المعروفة في إذلالهم وتصغيرهم وتحقيرهم، وذلك مما رواه الأئمة الحفاظ من رواية عبد الرحمن بن غنم الأشعري قال: كتبت لعمر بن الخطاب، رضي الله، عنه - حين صالح نصارى من أهل الشام: \"بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب لعبد الله عمر أمير المؤمنين من نصارى مدينة كذا وكذا، إنكم لما قدمتم علينا سألناكم الأمان لأنفسنا وذرارينا وأموالنا وأهل ملتنا، وشرطنا لكم على أنفسنا ألا نحدث في مدينتنا ولا فيما حولها ديرًا، ولا كنيسة، ولا قلاية (*)،\n_________\n(^٦٩) - صحيح مسلم، كتاب السلام رقم (٣/ ٢١٦٧).\n(*) قال في النهاية [٤/ ١٠٥]: القَليَّة: كالصومعة؛ كذا وردت، واسمها عند النصارى: القلَّاية، وهو تعرب كلَّادة، وهي من بيوت عباداتهم.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"قنط\".\n[¬٢]- في خ: \"بابها\".\n[¬٣]- في ت: \"لما\".\n[¬٤]- سقط من: خ.\n[¬٥]- في خ: \"إذلال\".","vol":"7","page":176},{"text":"ولا صومعة راهب، ولا نجدد ما خرب منها ولا نحصي منها، ما كان خِططًا (*) للمسلمين، وألَّا نمنع كنائسنا أن ينزلها أحد من المسلمين في ليل ولا نهار، وأن نوسع أبوابها للمارة وابن السبيل، وأن ننزل من مرَّ بنا من المسلمين ثلاثة أيام نطعمهم، ولا نؤوي في كنائسنا ولا منازلنا جاسوسًا [¬١]، ولا نكتم غشًّا للمسلمين، ولا نعلم أولادنا القرآن، ولا تظهر شركًا، ولا ندعو إليه أحدًا، ولا نمنع أحدًا من ذوي قرابتنا الدخول في الإِسلام إن أرادوه، وأن نوقر المسلمين، وأن نقوم لهم من مجالسنا إن أرادوا الجلوس، ولا نتشبه بهم في شيء من ملابسهم في قلنسوة، ولا عمامة، ولا نعلين، ولا فرق شعر، ولا نتكلم بكلامهم، ولا نكتني بكناهم، ولا نركب السروج، ولا نتقلد السيوف، ولا نتخذ شيئًا من السلاح ولا نحمله معنا، ولا ننقش خواتيمنا بالعربية، ولا نبيع الخمور، وأن نجز مقاديم رءوسنا، وأن نلزم زينا حيثما كنا، وأن نشد الزنانير على أوساطنا، وألَّا نظهر الصليب على كنائسنا، وألَّا نظهر صلبنا ولا كتبنا في شيء من طرق المسلمين ولا أسواقهم، ولا نضرب نواقيسنا في كنائسنا إلا ضربًا خفيًّا، وألَّا نرفع أصواتنا بالقراءة في كنائسنا في شيء من حضرة المسلمين، ولا نخرج سعانين (**) ولا باعوثًا، ولا نرفع أصواتنا مع موتانا، ولا نظهر النيران معهم في شيء من طرق المسلمين ولا أسواقهم، ولا نجاورهم [¬٢] بموتانا، ولا نتخذ من الرقيق ما جرى عليه سهام المسلمين، وأن نرشد المسلمين، ولا نطلع عليهم في منازلهم\".\nقال: فلما أتيت عمر بالكتاب زاد فيه: ولا نضرب أحدًا من المسلمين، شرطنا لكم ذلك على أنفسنا وأهل ملتنا، وقبلنا عليه الأمان، فإن نحن خالفنا في شيء مما شرطناه لكم، ووظفنا على أنفسنا فلا ذمّة لنا، وقد حل لكم منا ما يحل من أهل المعاندة والشقاق.\n﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٣٠) اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا﴾.\n_________\n(*) الخِطط: جمع خطة، وهي الأرض يختطها الإنسان لنفسه، بأن يعلم عليها علامة وخط عليها خطًا ليعلم أنه قد احتازها.\n(**) سعانين: عيد للنصارى معروف، قبل عيدهم الكبير بأسبوع.\n(* * *) الباعوث للنصارى: كالاستسقاء للمسلمين، وهو اسم سرياني.\n_________\n[¬١]- في خ: \"داسوسًا\".\n[¬٢]- نجاونهم: كذا في خ.","vol":"7","page":177},{"text":"﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣١)﴾\nوهذا إغراء من الله تعالى للمؤمنين على قتال المشركين الكفار من اليهود والنصارى، لمقالتهم هذه المقالة الشنيعة والفرية على الله تعالى، فأما اليهود فقالوا في العزير: إنه ابن الله، تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا. وذكر السدي وغيره: أن الشبهة التي حصلت لهم في ذلك: أن العمالقة لما غلبت على بني إسرائيل، فقتلوا علماءهم وسبوا كبارهم، بقي العزير يبكي على بني إسرائيل وذهاب العلم منهم، حتى سقطت جفون عينيه، فبينا [¬١] هو ذات يوم إذ مر على جبانة، وإذا امرأة تبكي عند قبر وهي تقول: وامطعماه! واكاسياه! فقال لها: ويحك! من كان يطعمك قبل هذا؟ قالت: الله. قال: فإن الله حي لا يموت. قالت: يا عزير، فمن كان يعلم العلماء قبل بني إسرائيل؟ قال: الله. قالت: فلم تبكي عليهم؟! فعرف أنه شيء قد وعظ به، ثم قيل له: اذهب إلى نهر كذا فاغتسل منه وصل هناك ركعتين، فإنك ستلقى هناك شيخًا فما أطعمك فكله، فذهب ففعل ما أمر به، فإذا الشيخ [¬٢] فقال له: افتح فمك، ففتح فمه فألقى فيه شيئًا كهيئة الجمرة العظيمة ثلاث مرات، فرجع عزير وهو من أعلم الناس بالتوراة، [فقال: يا بني إسرائيل، قد جئتكم بالتوراة] [¬٣]. فقالوا: يا عزيرُ، ما كنت كذابًا! فعمد فربط على أصبع من أصابعه قلمًا، وكتب التوراة بأصبعه كلَّها، فلما تراجع الناس من عدوهم، ورجع العلماء أخبروا بشأن عزير، فاستخرجوا النسخ التي كانوا أودعوها في الجبال وقابلوها [¬٤] بها، فوجدوا ما جاء به صحيحًا، فقال بعض جهلتهم: إنما صنع هذا لأنه ابن الله!!\nوأما ضلال النصارى في المسيح فظاهر، ولهذا كذب الله سبحانه الطائفتين فقال: ﴿ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ أي: لا مستند لهم فيما ادّعوه سوى افتراء لهم واختلاقهم [¬٥] ﴿يُضَاهِئُونَ﴾ أي: يشابهون ﴿قول الذين كفروا من قبل﴾ أي: من قبلهم من الأمم، ضلوا كما ضل هؤلاء [] [¬٦] ﴿قَاتَلَهُمُ اللَّهُ﴾ قال ابن عباس: العنهم لله ﴿أَنَّى يُؤْفَكُونَ؟﴾ أي: كيف يضلون عن الحق وهو ظاهر، ويعدلون إلى الباطل؟\n_________\n[¬١]- في خ: \"فبينما\".\n[¬٢]- في ز: \"شيخ\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٤]- في ز: \"وقابلوه\".\n[¬٥]- في ز، خ: \"واختلافهم\".\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين في ز: \"من\".","vol":"7","page":178},{"text":"وقوله [¬١]: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾.\nروى الإِمام أحمد والترمذي وابن جرير (^٧٠): من طرق، عن عدي بن حاتم، ﵁: أنه لما بلغته دعوة رسول الله، ﷺ، فرَّ إلى الشام وكان قد تنصر في الجاهلية فأسرت أخته وجماعة من قومه، ثم منّ رسول الله، ﷺ، على أخته وأعطاها، فرجعت إلى أخيها ورغبته [¬٢] في الإِسلام، وفي القدوم على رسول الله، ﷺ، فقدم عدي إلى [¬٣] المدينة، وكان رئيسًا في قومه طيئ، وأبوه حاتم الطائي المشهور بالكرم، فتحدث الناس بقدومه، فدخل على رسول الله، ﵌ وفي عنق عدي صليب من فضة - فقرأ رسول الله ﷺ هذه الآية ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ قال: فقلت: إنهم لم يعبدوهم. فقال: \"بلى، إنهم حرموا عيهم الحلال، وحللوا [¬٤] لهم الحرام فاتبعوهم، فذلك عبادتهم إياهم\".\nوقال رسول الله، ﷺ: \"يا عدي، ما تقول؟ أَيُفِرُّك أن يقال: الله أكبر؟ فهل تعلم شيئًا أكبر من الله؟ ما يفرك؟ أيفرك أن يقال: لا إله إلا الله؟ فهل تعلم [مِنْ إله إلا] [¬٥] الله؟ \". ثم دعاه إلى الإِسلام، فأسلم وشهد شهادة الحق، قال: فلقد رأيت وجهه استبشر ثم قال [¬٦]: \"إن اليهود مغضوب عليهم، والنصارى ضالون\".\nوهكذا قال حذيفة بن اليمان، وعبد الله بن عباس وغيرهما في تفسير: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: إنهم اتبعوهم فيما حللوا وحرموا.\nوقال السدي: استنصحوا الرجال وتركوا كتاب الله وراء ظهورهم.\nولهذا قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا﴾ أي: الذي إذا حرم الشيء فهو الحرام، وما حلله [فهو الحلال] [¬٧]، وما شرعه اتبع، وما حكم به نفذ.\n_________\n(^٧٠) - سنن الترمذي برقم (٣٠٩٥) وتفسير الطبري (١٤/ ٢٠٩ - ٢١١) (١٤/ ١٦٦٣١، ١٦٦٣٣) من طريق عبد السلام بن حرب، عن غطيف بن أعين، عن مصعب بن سعد، عن عدي بن حاتم، ﵁، وقال الترمذي: \"هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث عبد السلام بن حرب، وغطيف بن أعين ليس بمعروف في الحديث\". وضعف - غطيف - الدارقطني.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في خ: \"فرغبته\".\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- في خ: \"وأحلوا\".\n[¬٥]- في ت: \"إلها غير\".\n[¬٦]- سقط من: ز، خ.\n[¬٧]- في ز: \"حل\"، خ: \"خل\".","vol":"7","page":179},{"text":"﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ [¬١] سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ أي: تعالى وتقدس وتنزه عن الشركاء والنظراء، والأعوان، والأضداد، والأولاد، لا إله إلا هو ولا ربَّ سواه.\n﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (٣٢) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٣٣)﴾\nيقول تعالى: يريد هؤلاء الكفار من المشركين وأهل الكتاب ﴿[أَنْ يُطْفِئُوا] [¬٢] نُورَ اللَّهِ﴾ أي: ما بعث به رسول الله، ﷺ، من الهدى ودين الحق، بمجرد جدالهم وافترائهم، فمثلهم في ذلك كمثل من يريد أن يطفئ شعاع الشمس، أو نورَ القمر بنفخة، وهذا لا سبيل إليه، فكذلك ما أرسل به رسول الله، ﷺ، لابد أن يتم ويظهر؛ ولهذا قال تعالى مقابلًا لهم فيما راموه وأرادوه ﴿وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾.\nوالكافر: هو الذي يستر الشيء ويغطيه، ومنه سمي الليل كافرًا [¬٣]؛ لأنه يستر الأشياء، والزارع كافرًا [¬٤]؛ لأنه يغطي الحَبَّ في الأرض، كما قال (يعجب الكفار نباته).\nثم قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ﴾ فالهدى: هو ما جاء به من الإِخبارات [¬٥] الصادقة، والإِيمان الصحيح، والعلم النافع، ودين الحق: هو [¬٦] الأعمال الصالحة [¬٧] الصحيحة النافعة في الدنيا والآخرة.\n﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ أي: على سائر الأديان، كما ثبت في الصحيح عن رسول الله، ﵌، أنه قال: \"إن الله زوى (*) لي الأرض مشارقها ومغاربها، وسيبلغ ملك أمتي ما زوي لي منها\" (^٧١).\n_________\n(^٧١) - صحيح مسلم، كتاب الفتن وأشراط الساعة برقم ١٩ - (٢٨٨٩) من حديث ثوبان ﵁.\n(*) أي: جمع. وفعله: زويته أزويه زَيًّا.\n_________\n[¬١]- في ز: \"الله\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز: \"ليطفئوا\".\n[¬٣]- في ز: \"كافر\".\n[¬٤]- في ز: \"كافر\".\n[¬٥]- في خ: \"الأخبار\".\n[¬٦]- في ز، خ: \"هي\".\n[¬٧]- سقط من: ز، خ.","vol":"7","page":180},{"text":"وقال الإِمام أحمد (^٧٢): حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة عن محمد بن أبي يعقوب، سمعت شقيق بن حيان [¬١] يحدث، عن مسعود بن قبيصة - أو قبيصة بن مسعود - يقول: صلى هذا الحي من محارب [¬٢] الصبح، فلما صلَّوا قال شاب منهم: سمعت رسول الله، ﵌، يقول: \"إنه سيفتح [¬٣] لكم مشارق الأرض ومغاربها، وإن عمالها في النار إلا من اتقى الله وأدّى الأمانة\".\nوقال الإِمام أحمد (^٧٣): حدثنا أبو المغيرة، حدثنا صفوان، حدثنا سليم بن عامر، عن تميم الداري، ﵁، قال: سمعت رسول الله، ﷺ، يقول: \"ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيتَ مدرٍ (*) ولا وبر إلا أدخله هذا الدينَ، بعزِّ عزيزٍ أو بذلِ ذليلٍ، عزًّا يُعِزُّ الله به الإِسلامَ، وذلًّا يذل الله به الكفر\". فكان تميم الداري يقول: قد عرفت ذلك في أهل بيتي، لقد أصاب من أسلم منهم الخير والشرف والعز، ولقد أصاب من كان [منهم كافرًا] الذل والصغار والجزية.\nوقال الإِمام أحمد (^٧٤): حدثنا يزيد بن عبد ربه، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثني ابن جابر، سمعت سليم بن عامر، قال: سمعت المقداد بن الأسود، يقول: سمعت رسول الله، ﷺ، يقول: \"لا يبقى على وجه الأرض بيت مدر ولا وبر إلا أدخله اللَّه [¬٤] كلمة الإِسلام، بعز عزيزٍ [أو ذلّ] [¬٥] ذليلٍ، إما يعزهم الله فيجعلهم من أهلها، أو [¬٦] يذلهم\n_________\n(^٧٢) - المسند (٥/ ٣٦٦) رقم (٢٣٢١٥). وشقيق بن حيان: ذكره ابن حبان في الثقات، وقال غيره: مجهول. ومسعود بن قبيصة أو قبيصة بن مسعود: ذكره البخاري بالشك، ولم يذكر فيه جرحًا، وقال أبو حاتم: مجهول. وذكره ابن حبان فيمن اسمه قبيصة من ثقات التابعين فقال: يروي عن أبي هريرة، روى عنه شقيق بن حبان. (التعجيل ت ٨٧٨، التاريخ الكبير ٧/ ١٦٧، الجرح ٧/ ١٢٦، والثقات ٥/ ٣١٨). وله شاهد من حديث الحسن مرسلًا رواه أبو نعيم في الحلية (٦/ ١٩٩). والحديث ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٥/ ٢٣٣) وعزاه لأحمد وقال: \"وفيه شقيق بن حيان قال أبو حاتم مجهول\".\n(^٧٣) - المسند (٤/ ١٠٣) رقم (١٧٠٠٧)، وأخرجه الحاكم (٤/ ٤٣٠ - ٤٣١). والطبراني في الكبير (٢/ ٥٨) حديث (١٢٨٠). والبيهقي (٩/ ١٨١). وقال الهيثمي في المجمع (٦/ ١٤): \"رواه أحمد والطبراني ورجال أحمد رجال الصحيح\". والحديث صححه الشيخ الألباني في السلسلة الصحيحة حديث (٣).\n(*) - المدر: الطين اللزج المتماسك، أو القطعة منه. وأهل المدر: سكان البيوت المبنية، خلاف البدو سكان الخيام.\n(^٧٤) - المسند (٦/ ٤) رقم (٢٣٩٢٦)، والوليد بن مسلم: مدلس ويسوي؛ إلا أنه قد صرح بالتحديث =\n_________\n[¬١]- في خ: \"حباب\".\n[¬٢]- في خ: \"مجارب\".\n[¬٣]- في خ: \"ستفتح\".\n[¬٤]- سقط من: ز.\n[¬٥]- في خ: \"وبذل\".\n[¬٦]- في خ: \"وإما\".","vol":"7","page":181},{"text":"فيدينون لها\".\nوفي المسند أيضًا (^٧٥): حدثنا محمد بن أبي عدي، عن ابن عون، عن ابن سيرين، عن أبي حذيفة، عن عدي بن حاتم سمعه يقول: دخلت على رسول الله، ﷺ، فقال: \"يا عدي، أسلم تسلم\". فقلت: إني من أهل دين. قال: \"أنا أعلم بدينك منك\". فقلت: أنت أعلم بديني مني؟! قال: \"نعم، ألست من الركوسية، وأنت تأكل مرباع قومك؟ \". قلت: بلى! قال: \"فإن هذا لا يحل لك في دينك\".\nقال: فلم يعدُ أن قالها فتواضعتُ لها. قال \"أما إني أعلم ما الذي يمنعك من الإِسلام، تقول: إنما اتبعه ضَعَفَةُ الناس ومَنْ لا قوّة له، وقد رمتهم العرب، أتعرف الحيرة؟ \". قلت: لم أرها وقد سمعت بها. قال: \"فو الذي نفسي بيده ليتمَّنّ الله هذا الأمر، حتى تخرج الظَّعينة من الحيرة حتى تطوف بالبيت من [¬١] غير جوار أحد، ولتفتحن كنوز كسرى بن هرمز\".\nقلت: كسرى بن هرمز؟! قال: \"نعم، كسرى بن هرمز، وليبذلن المال حتى لا يقبله أحد\" قال عدي بن حاتم: فهذه الظعينة تخرج من الحيرة فتطوف بالبيت من [¬٢] غير جوار أحد [¬٣]، ولقد كنت فيمن فتح كنوز كسرى بن هرمز، والذي نفسي بيده، لتكونن الثالثة؛ لأن رسول الله، ﷺ، قد قالها.\nوقال مسلم (^٧٦): حدثنا أبو معن زيد بن يزيد الرقاشي، حدثنا خالد بن الحارث، حدثنا عبد الحميد بن جعفر، عن الأسود بن العلاء، عن أبي سلمة، عن عائشة، ﵂، قالت: سمعت رسول الله، ﷺ، يقول: \"لا يذهب الليل والنهار حتى تعبد اللات والعزى\". فقلت: يا رسول الله، إن كنت لأظن - حين أنزل الله ﷿ ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ﴾. إلى قوله: ﴿وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [¬٤]- أن\n_________\n= وكذلك شيخه فمن فوقه صرحوا بالسماع. وسليم بن عامر: ثقة. روى له البخاري في الأدب والباقون. وابن جابر: هو عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، ثقة، روى له الجماعة. والحديث أخرجه الطبراني في الكبير (٢٠/ ٣٥٤/ رقم: ٦٠١). وابن حبان في الإحسان (١٥/ ٩١ - ٩٤/ رقم: ٦٦٩٩، ٦٧٠١). والحاكم في المستدرك (٤/ ٤٣٠). والبيهقي في السنن (٩/ ١٨١). كلهم من طريق عبد الرحمن بن يزيد بن جابر به. وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ١٤) وقال: \"ورجال الطبراني رجال الصحيح\".\n(^٧٥) - المسند (٤/ ٣٧٧، ٣٧٨) رقم (١٩٤٣٥) مطولًا.\n(^٧٦) - صحيح مسلم، كتاب الفتن وأشراط الساعة، رقم (٢٩٠٧).\n_________\n[¬١]- في ز: \"في\".\n[¬٢]- في: \"في\".\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- في ت: الآية.","vol":"7","page":182},{"text":"ذلك تام.\nقال: \"إنه سيكون من ذلك ما شاء الله ﷿، ثم يبعث الله ريحًا طيبة، [فيتوفى كل من كان في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان] [¬١]، فيبقى من لا خير فيه، فيرجعون إلى دين آبائهم\".\n﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٤) يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ (٣٥)﴾\nقال السدي: الأحبار من اليهود، والرهبان من النصارى. وهو كما قال؛ فإن الأحبار هم علماء اليهود؛ كما قال تعالى: ﴿لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ﴾ والرهبان: عباد النصارى، والقسيسون: علماؤهم؛ كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾.\nوالمقصود: التحذير من علماء السوء وعباد الضلالة [¬٢]، كما قال سفيان بن عيينة: من فسد من علمائنا كان فيه شبه من اليهود، ومن فسد من عبادنا كان فيه شبه من النصارى. وفي الحديث الصحيح (^٧٧): \" لتركبن سَنَنَ من كان قبلكم حَذْوَ القُذَّةِ (*) بالقذة\". قالوا: اليهود والنصارى؟ قال: \"فمن؟ \" وفي رواية: فارس والروم؟ قال: \"فمن [¬٣] الناس إلا هؤلاء؟ \".\nوالحاصل: التحذير من التشبه بهم في [أحوالهم وأقوالهم]؛ ولهذا قال تعالى:\n_________\n(^٧٧) - رواه بمعناه ونحوه البخاري في صحيحه برقم (٣٤٥٦) ومسلم في صحيحه برقم (٢٦٦٩).\n(*) في النهاية [٤/ ٢٨]: القُذَد: ريش السهم، واحدتها قُذَّة - أي: كما تقدر كل واحدة منهما على قدر صاحبتها وتقطع. يضرب مثلًا للشيئين يستويان ولا يتفاوتان.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في خ: \"الضلال\".\n[¬٣]- في ز: \"وفي\".","vol":"7","page":183},{"text":"﴿لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وذلك أنهم يأكلون الدنيا بالدين ومناصبهم ورياستهم في الناس يأكلون أموالهم بذلك، كما كان لأحبار اليهود على أهل الجاهلية شرف، ولهم [¬١] عندهم خَرْجٌ (*) وهدايا وضرائب تجيء إليهم، فلما بعث الله رسوله، ﷺ استمروا على ضلالهم وكفرهم وعنادهم؟ طمعًا منهم أن تبقى لهم تلك الرياسات، فأطفأها الله بنور النبوّة، وسلبهم إياها، وعوضهم [الذل والصغار] [¬٢]، وباءوا بغضبٍ من الله تعالى.\nوقوله تعالى: ﴿وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي: وهم - مع أكلهم الحرام - يصدون الناس عن اتباع الحق، ويلبسون الحق بالباطل، ويظهرون لمن اتبعهم من الجهلة أنهم يدعون إلى الخير، وليسوا كما يزعمون، بل هم دعاة إلى النار، ويوم القيامة لا ينصرون.\nوقوله: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾. هؤلاء هم القسم الثالث من رءوس الناس، فإن الناس عالة [¬٣] على العلماء، وعلى العباد، وعلى أرباب الأموال، فإذا فسدت أحوال هؤلاء فسدت أحوال الناس، كما قال [ابن المبارك] [¬٤]:\nوهل أفسد الدِّينَ إِلَّا الملُوكُ … وأحبارُ سُوءٍ ورُهْبانُها\nوأما الكنز: فقال مالك، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر [أنه قال] [¬٥]: هو المال الذي لا تؤدى منه زكاة [¬٦].\nوروى الثوري وغيره (^٧٨)، عن عبيد [¬٧] الله، عن نافع، عن ابن عمر قال: ما أدي زكاته فليس بكنز وإن كان تحت سبع أرضين، وما كان ظاهرًا لا تؤدى زكاته فهو كنز.\nوقد روي هذا عن ابن عباس، وجابر، وأبي هريرة موقوفًا ومرفوعًا (^٧٩)، وقال [¬٨] عمر ابن الخطاب نحوه: أيما مال أديت زكاته فليس بكنز، وإن كان مدفونًا في الأرض، وأيما\n_________\n(*) الخرج: الإتاوة السنوية.\n(^٧٨) - رواه البيهقي في السنن الكبرى (٤/ ٨٢) من طريق سفيان عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر مرفوعًا وقال: \"ليس هذا بمحفوظ، وإنما المشهور عن سفيان عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر موقوفًا\".\n(^٧٩) - أما حديث ابن عباس، فرواه الطبري في تفسيره (١٤/ ٢٢٥) رقم (١٦٦٦٩) من طريق على =\n_________\n[¬١]- سقط من ز، خ.\n[¬٢]- في ز: \"بالذلة والمسكنة\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"عيلة\".\n[¬٤]- في ز، خ: \"بعضهم\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من خ.\n[¬٦]- في ز: \"الزكاة\".\n[¬٧]- في ز، خ: \"عبد\".\n[¬٨]- سقط من: ز.","vol":"7","page":184},{"text":"مال لم تؤد زكاته فهو كنز يكوى به صاحبه وإن كان على وجه الأرض.\nوروى البخاري (^٨٠): من حديث الزهري، عن خالد بن أسلم قال: خرجنا مع عبد الله ابن عمر فقال: هذا قبل أن تنزل الزكاة، فلما نزلت جعلها الله طُهْرَةً [¬١] للأموال.\nوكذا قال عمر بن عبد العزيز وعراك بن مالك: نسخها [] [¬٢] قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾. الآية.\nوقال سعيد عن محمد بن زياد، عن أبي أمامة أنه قال: حلية السيوف من الكنز، ما أحدثكم إلا ما سمعت [من رسول الله، ﷺ] [¬٣].\nوقال الثوري، عن أبي حصين، عن أبي الضحى، عن جعدة بن هبيرة، عن علي، ﵁، قال: أربعة آلاف فما دونها نفقة، فما كان أكثر [من ذلك] [¬٤] فهو كنز.\nوهذا غريب، وقد جاء في مدح التقلل من الذهب والفضة، وذم التكثر منهما [¬٥] أحاديث كثيرة، ولنورد منها هنا طرفًا يدل على الباقي: قال [¬٦] عبد الرزاق (^٨١): أخبرنا الثوري، أخبرني أبو حصين، عن أبي الضحى، عن جعدة بن هبيرة، عن علي، ﵁، في قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾. قال النبي، ﷺ: \"تبًّا للذهب تبًّا للفضة\" يقولها ثلاثًا، قال: فشق ذلك على أصحاب رسول الله، ﷺ، وقالوا: فأي مال نتخذ؟ فقال عمر ﵁: أنا أعلم لكم ذلك. فقال: يا رسول الله، إن أصحابك قد شق عليهم،\n_________\n=ابن أبي طلحة عن ابن عباس موقوفًا، وأما حديث جابر، فرواه ابن عدي في الكامل (٧/ ١٨٩) من طريق يحيى بن أبي أنيسة عن أبي الزبير عن جابر مرفوعًا، ورواه الخطيب في تاريخ بغداد (٨/ ١٢) من طريق خصيف عن أبي الزبير عن جابر مرفوعًا. وأما حديث أبي هريرة، فرواه الترمذي في السنن برقم (٦١٨) قال العراقي: \"إسناده جيد\".\n(^٨٠) - صحيح البخاري، كتاب الزكاة، باب: ما أدي زكاته فليس بكنز، رقم (١٤٠٤).\n(^٨١) - ذكره الزيلعي في تخريج الكشاف (٢/ ٧١) وعزاه لعبد الرزاق في تفسيره بعد أن ذكره من حديث ثوبان وعمر، ثم قال: \"الحاصل أنه حديث ضعيف لما فيه من الاضطراب\".\n_________\n[¬١]- في ز: \"طهرًا\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفين في خ: \"في\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين في ز: \"منه\".\n[¬٥]- في خ: \"منها\".\n[¬٦]- في ز: \"فقال\".","vol":"7","page":185},{"text":"و[¬١] قالوا: فأي المال نتخذ؟ قال: \"لسانًا ذاكرًا، وقلبًا شاكرًا، وزوجة تعين أحدكم على دينه\".\n(حديث آخر) قال الإِمام أحمد (^٨٢): حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، حدثني [سالم بن عبد الله] [¬٢]، أخبرنا عبد الله بن أبي الهذيل، حدثني صاحب لي، أن رسول الله، ﵌، قال: \"تبًّا للذهب والفضة\". قال: فحدثني [¬٣] صاحبي أنه انطلق مع عمر بن الخطاب، فقال: يا رسول الله، قولك: \"تبًّا للذهب والفضة\" ماذا ندخر؟ قال رسول الله، ﷺ: \"لسانًا ذاكرًا، وقلبًا شاكرًا، وزوجة تعين على الآخرة\".\n(حديث آخر) قال الإِمام أحمد (^٨٣): حدثنا وكيع، حدثنا عبد الله بن عمرو بن مرة، عن أبيه، عن سالم بن أبي الجعد، عن ثوبان قال: لما نزل في [الفضة والذهب] [¬٤] ما نزل، قالوا: فأي المال نتخذ؟ [قال عمر: أنا أعلم ذلك لكم، فأوضع (*) على بعير فأدركه - وأنا في أثره - فقال: يا رسول الله، أي المال نتخذ؟] [¬٥] قال: \"ليتخذ أحدكم قلبًا شاكرًا، ولسانًا ذاكرًا، وزوجة تعين أحدكم على [¬٦] أمر الآخرة\".\nورواه الترمذي وابن ماجة: من غير وجه، عن سالم بن أبي الجعد وقال الترمذي: حسن. وحكى عن البخاري أن سالمًا لم يسمعه من ثوبان.\nقلت: ولهذا رواه بعضهم عنه مرسلًا، والله أعلم.\n(حديث آخر) قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا حميد بن مالك، حدثنا يحيى ابن يعلى [¬٧]، المحاربي، حدثنا أبي، حدثنا غيلان بن جامع المحاربي، عن عثمان أبي اليقظان، عن جعفر بن إياس [¬٨]، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾. الآية، كَبُرَ ذلك على المسلمين، وقالوا: ما\n_________\n(^٨٢) - المسند (٥/ ٣٦٦) رقم (٢٣٢٠٧).\n(^٨٣) - المسند (٥/ ٢٨٢) رقم (٢٢٥٣٩) والترمذي في كتاب تفسير القرآن، باب: ومن سورة التوبة (٥/ ٢٧٧، ٢٧٨/ رقم: ٣٠٩٤). وابن ماجة في كتاب النكاح، باب: أفضل النساء (١/ ٥٩٦/ رقم:١٨٥٦).\n(*) أوضع الراكبُ الدابة: حملها على السير السريع.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٣]- في خ: \"وحدثني\".\n[¬٤]- في خ: \"الذهب والفضة\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- في خ: \"على\".\n[¬٧]- سقط من: خ.\n[¬٨]- في ز، خ: \"أبي إياس\".","vol":"7","page":186},{"text":"يستطيع أحد منا [أن يترك لولده] [¬١] مالًا يبقى بعده. فقال عمر: أنا أفرج عنكم. فانطلق عمر واتبعه ثوبان، فأتى النبي، ﷺ، فقال: يا نبي الله، إنه قد كبر على أصحابك هذه الآية. فقال رسول الله، ﵌: \"إن الله لم يفرض الزكاة إلا ليطيب بها ما بقي من أموالكم، وإنما فرض المواريث من أموال تبقى بعدكم\". قال: فكبر عمر، ثم قال له النبي، ﷺ: \"ألا أخبرك بخير ما يكنز المرء؛ المرأة الصالحة التي إذا نظر إليها سرته، وإذا أمرها أطاعته، وإذا غاب عنها حفظته\".\nورواه أبو داود، والحاكم في مستدركه، وابن مردويه من حديث يحيى بن يعلى، به، وقال الحاكم: صحيح على شرطهما ولم يخرجاه (^٨٤).\n(حديث آخر) قال الإِمام أحمد (^٨٥): حدثنا روح، حدثنا الأوزاعي، عن حسان ابن عطية قال: كان شداد بن أوس، ﵁، في سفر، فنزل منزلا فقال لغلامه: ائتنا بالشفرة (*) نعبث [¬٢] بها، فأنكرت عليه، فقال: ما تكلمت بكلمه منذ أسلمت إلا وأنا أخطمها وأزمها غير كلمتي هذه، فلا تحفظوها على واحفظوا ما أقول لكم، سمعت رسول الله، ﷺ، يقول: \"إذا كنز الناس الذهب والفضة فاكنزوا هؤلاء الكلمات: اللهم؛ إني أسألك الثبات في الأمر، والعزيمة على الرشد، وأسألك شكرَ نعمتِك، وأسألك حسنَ عبادتك، وأسألك قلبًا سليمًا، وأسألك لسانًا صادقًا، وأسألك من خير ما تعلم، وأعوذ بك من شرِّ ما تعلم، وأستغفرك لما تعلم، إنك أنت علام الغيوب\".\nوقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ أي: يقال لهم هذا الكلام تبكيتًا\n_________\n(^٨٤) سنن أبي داود برقم (١٦٦٤) والمستدرك (٢/ ٣٣٣) قال الذهبي: \"وعثمان لا أعرفه والخبر عجيب\".\n(^٨٥) - المسند (٤/ ١٢٣) (١٧١٦٥) والحديث أخرجه الترمذي في كتاب الدعوات، باب: ما جاء فيمن يقرأ القرآن عند المنام. (٥/ ٤٤٤) حديث (٣٤٠٧). مقتصرًا على المرفوع. والنسائي في الصلاة (٣/ ٥٤). وفي عمل اليوم والليلة حديث (٨١٢). وابن السني في عمل اليوم والليلة. والطبراني الكبير (٧/ ٣٥١) حديث (٧١٧٥) - (٧١٨٠). وقال أبو عيسى: هذا حديث إنما نعرفه من هذا الوجه. والحلية ومصنف ابن أبي شيبة، وتاريخ ابن عساكر، وصحيح ابن حبان، والترمذي.\n(*) كذا في ز، خ، والمسند: الشفرة (بالشين) ولكن وردت في تاريخ ابن عساكر وترجمة شداد بن أوس - وصحيح ابن حبان، والحلية وغيرها: السفرة (بالسين المهملة). والسفرة: طعام المسافر. ولكن كلا اللفظين غير ملائم للسياق، فلعل باللفظة تحريفًا. ولكن جاء في النهاية: \"كان أنس شفرة القوم في سفرهم\" وفسر ابن الأثير الشفرة هنا بمعنى الخادم، فلعلها هاهنا أيضًا بهذا المعنى.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ز: \"بولده\".\n[¬٢]- في ز: \"بعثت\".","vol":"7","page":187},{"text":"وتقريعًا وتهكّمًا، كما في قوله: ﴿ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ (٤٨) ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ أي: هذا بذاك، وهو الذي كنتم تكنزون لأنفسكم؛ ولهذا يقال: من أحب شيئًا، وقدمه على طاعة الله عذب به، وهؤلاء لما كان جمع هذه الأموال آثر عندهم من رضا الله عذبوا بها، كما كان أبو لهب - لعنه الله - جاهدًا في عداوة [الرسول] [¬١]، ﷺ، وامرأته تعينه في ذلك، كانت يوم القيامة عونًا على عذابه أيضًا، ﴿فِي جِيدِهَا﴾ أي: عنقها ﴿حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾ أي: تجمع من الحطب في النار، وتلقي عليه؛ ليكون ذلك أبلغ في عذابه ممن [¬٢] هو أشفق عليه [كان] [¬٣] في الدنيا، كما أن هذه الأموال لما كانت أعز الأشياء [¬٤] على أربابها، كانت أضر الأشياء عليهم في الدار الآخرة، فيحمى عليها في نار جهنم - وناهيك بحرها - فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم.\nقال سفيان (^٨٦)، عن الأعمش، عن عبد الله بن مرة، عن مسروق، عن عبد الله بن مسعود: والله الذي لا إله غيره، لا يكوى عبد بكنز فيمس دينار دينارًا ولا درهم درهمًا، ولكن يوسع [¬٥] جلده فيوضع كل دينار ودرهم على حدته.\nوقد رواه ابن مردويه عن أبي هريرة مرفوعًا ولا يصح رفعه، والله أعلم.\nوقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، قال: بلغني أن الكنز يتحول يوم القيامة شجاعًا يتبع صاحبه، وهو يفر منه ويقول: أنا كنزك، لا يدرك منه شيئًا إلا أخذه.\nوقال الإِمام أبو جعفر بن جرير (^٨٧): حدثنا بشر، حدثنا يزيد، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن سالم بن أبي الجعد، عن معدان بن أبي طلحة، عن ثوبان، أن رسول الله، ﷺ، كان يقول: \"من ترك بعده كنزًا، مُثِّل له يوم القيامة شجاعًا أقرع، له زبيبتان يتبعه و[¬٦] يقول: ويلك! ما أنت؟ فيقول: أنا كنزك الذي تركته بعدك. ولا يزال يتبعه حتى يلقمه يده فيقضمها [¬٧]، ثم يتبعها سائر جسده\".\n_________\n(^٨٦) - رواه الطبري في تفسيره (١٤/ ٢٣٣) رقم (١٦٦٨٢) من طريق سفيان، به.\n(^٨٧) - تفسير الطبري (١٤/ ٢٣٢) رقم (١٦٦٨٠) وصحيح ابن حبان برقم (٨٠٣) \"موارد\" ورواه ابن خزيمة في صحيحه برقم (٢٢٥٥) من طريق بشر بن معاذ، به.\n_________\n[¬١]- في خ: \"رسول الله\".\n[¬٢]- في ز: \"من\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين زيادة من: ز.\n[¬٤]- في م: \"الأموال\".\n[¬٥]- في ز: \"يتوسع\".\n[¬٦]- سقط من: ز.\n[¬٧]- في ز: \"فيفصفصها\"، خ: \"فيقصقصها\"، والمثبت من تفسير الطبري.","vol":"7","page":188},{"text":"ورواه ابن حبان في صحيحه: من حديث يزيد، عن سعيد، به، وأصل هذا الحديث في الصحيحين (^٨٨): من رواية أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، ﵁.\nو[¬١] في صحيح مسلم (^٨٩): من حدث سهيل بت أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة: أن رسول الله، ﷺ، قال: \"ما من رجل لا يؤدي زكاة ماله، إلا جعل له [¬٢] يوم القيامة صفائح من نار، يكوى [¬٣] بها جنبه وجهته وظهره، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يقضى بين الناس [¬٤]، ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار\".\nوذكر تمام الحديث.\nوقال البخاري في تفسير هذه الآية (^٩٠): حدثنا قتيبة [بن سعيد] [¬٥]، حدثنا جرير، عن حصين، عن زيد [¬٦] بن وهب، قال: مررت على أبي ذر بالربذة فقلت: ما أنزلك بهذه الأرض؟ فقال [¬٧]: كنا بالشام فقرأت ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٤)﴾ فقال معاوية: ما هذا [¬٨] فينا، ما هذه إلا في أهل الكتاب. قال: قلت: إنها لفينا وفيهم.\nورواه ابن جرير (^٩١): من حديث عبثر بن القاسم، عن حصين، عن زيد بن وهب، عن أبي ذر، ﵁ … فذكره وزاد: فارتفع في ذلك بيني وبينه القول، فكتب إلى عثمان يشكوني [¬٩]، فكتب إليَّ عثمان أن [¬١٠] أقبل إليه. قال: فأقبلتُ، فلمّا قدمت المدينة ركبني الناس كأنهم لم يروني قبل يومئذ، فشكوت [¬١١] ذلك إلى عثمان فقال لي: تنح قريبًا. قلت: والله لن أدع ما كنت أقول.\n_________\n(^٨٨) - صحيح البخاري، كتاب تفسير القرآن، رقم (٤٦٥٩) ولم أعثر عليه في صحيح مسلم من هذا الطريق.\n(^٨٩) - صحيح مسلم، كتاب الزكاة رقم (٩٨٧).\n(^٩٠) - صحيح البخاري، كتاب تفسير القرآن رقم (٤٦٦٠).\n(^٩١) - تفسير الطبري (١٤/ ٢٢٧) رقم (١٦٦٧١).\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- في ت: \"فيكوى\".\n[¬٤]- في ت: \"العباد\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- في ز، خ: \"يزيد\".\n[¬٧]- في ت: \"قال\".\n[¬٨]- في خ: \"هذه\".\n[¬٩]- في خ: \"يسلوني\".\n[¬١٠]- في ز: \"أني\".\n[¬١١]- في ت: \"فشكون\".","vol":"7","page":189},{"text":"(قلت): كان من مذهب أبي ذر ﵁ تحريم ادخار ما زاد على نفقة العيال، وكان يفتي بذلك، ويحثهم عليه، ويأمرهم به، ويغلظ في خلافه، فنهاه معاوية فلم ينته، فخشي أن يضر بالناس في هذا، فكتب يشكوه إلى أمير المؤمنين عثمان، وأن يأخذ [الذي يأخذه] [¬١] إليه، فاستقدمه عثمان إلى المدينة، وأنزله بالربذة وحده، وبها مات ﵁ في خلافة عثمان.\nوقد اختبره معاوية ﵁ وهو عنده هل يوافق عمله قوله؟ فبعث إليه بألف دينار، ففرقها من ورمه. ثم بعث إليه الذي أتاه بها فقال: إن معاوية إنما بعثني إلى غيرك فأخطأت فهات الذهب. فقال: ويحك! إنها خرجت، ولكن إذا جاء مالي حاسبناك به.\nوهكذا روى على بن أبي طلحة، عن ابن عباس أنها عامة.\nوقال السدي: هي في أهل القبلة.\nوقال الأحنف بن قيس: قدمت المدينة، فبينا أنا في حلقة فيها ملأ من قريش، إذ جاء رجل أخشن الثياب، أخشن الجسد، أخشن الوجه، [فقام عليهم] [¬٢] فقال: بشر الكانزين [¬٣] برضف (*) يحمى عليه في نار جهنم، فيوضع على حلمة ثدي أحدهم، حتى يخرج من نغض كتفه، [ويوضع على نغض كتفه] [¬٤] حتى يخرج من حلمة ثديه يتزلزل.\nقال: فوضع القوم رءوسهم، فما رأيت أحدًا منهم رجع إليه شيئًا، قال: وأدبر فاتبعته حتى جلس إلى سارية، فقلت: ما رأيت هؤلاء إلا كرهوا ما قلت لهم.\nفقال: إن هؤلاء لا يعلمون شيئًا.\nوفي الصحيح (^٩٢) أن رسول الله، ﷺ، قال لأبي ذر: \"ما يسرني أن عندي مثل أُحد ذهبًا، يمر عليه [¬٥] [ثلاثة] [¬٦] وعندي منه شيء، إلا دينار أرصده لدين\".\nفهذا - والله أعلم - هو الذي حدا [¬٧] بأبي ذر على القول بهذا.\n_________\n(*) الرضف: الحجارة المحماة على النار.\n(^٩٢) - صحيح مسلم، كتاب الزكاة رقم (٩٩١) من حديث أبي هريرة.\n_________\n[¬١]- سقط من: ت.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٣]- في خ: \"الكنازين\".\n[¬٤]- سقط من: خ.\n[¬٥]- في خ: \"على\".\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين في خ: \"ثلاث أيام\".\n[¬٧]- في ز: \"حذا\".","vol":"7","page":190},{"text":"وقال الإِمام أحمد (^٩٣): حدثنا عفان، حدثنا همام، حدثنا قتادة، عن سعيد بن أبي الحسن، عن عبد الله بن الصامت ﵁ أنه كان مع أبي ذر، فخرج عطاؤه، ومعه جارية، فجعلت تفضي حوائجه، ففضلت معها سبعة، فأمرها أن تشتري به فلوسًا (*).\nقال: قلت: لو ادخرته لحاجة تنوبك [¬١] وللضيف ينزل بك. قال: إن خليلي عهد إليَّ أن \"أيما ذهب أو فضة أوكئ عليه، فهو جمر على صاحبه حتى يفرغه في سبيل الله ﷿\".\nورواه (^٩٤) عن يزيد عن همام به، وزاد: إفراغًا.\nوقال [¬٢] الحافظ ابن عساكر (^٩٥) بسنده إلى أبي بكر الشبلي، في ترجمته، عن محمد ابن مهدي، حدثنا عمرو بن أبي سلمة، عن صدقة بن عبد الله، عن طلحة بن زيد، عن أبي فروة الرهاوي، عن عطاء، عن أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول الله، ﷺ: \"اتق اللهَ فقيرًا ولا تلقه غنيًّا\". قال: يا رسول الله، كيف لي بذلك؟ قال: \"ما سئلت فلا تمنع، وما رزقت فلا تختبئ\". قال: يا رسول الله، كيف لي بذلك؟ قال رسول الله ﷺ: \"هو ذاك وإلا فالنار\". إسناده ضعيف.\nوقال الإمام أحمد (^٩٦): حدثنا عفان، حدثنا جعفر بن سليمان، حدثنا عُتَيبة، عن بُرَيْد ابن الصرمَ؛ قال: سمعت عليًّا ﵁ يقول: مات رجل من أهل الصفة، وترك دينارين أو درهمين، فقال رسول الله، ﵌: \"كيَّتان! صلوا على صاحبكم\".\nوقد روي هذا من طرق أخر (^٩٧).\nوقال قتادة، عن شهر بن حوشب، عن أبي أمامة صُدَي بن عجلان، قال: مات رجل\n_________\n(^٩٣) - المسند (٥/ ١٥٦) رقم (٢١٤٦٣).\n(*) الفلوس: جمع فَلْس، وهي عملة يتعامل بها مضروبة من غير الذهب والفضة.\n(^٩٤) - المسند (٥/ ١٧٥) وقال الهيثمي في المجمع (١٠/ ٢٤٠): \"رجاله رجال الصحيح\".\n(^٩٥) - انظر: مختصر تاريخ دمشق لابن منظور (٢٨/ ١٦٨) ورواه الخطيب في تاريخ بغداد (١٤/ ٣٩٠) في ترجمة الشبلي من طريق محمد بن مهدي المصري، به.\n(^٩٦) - المسند (١/ ١٠١).\n(^٩٧) - رواه أحمد في مسنده (١/ ١٣٧، ١٣٨) من طريق قطن بن نسير ومحمد بن عبيد وحبان بن هلال =\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"بيوتك\".\n[¬٢]- في ت: \"قال\".","vol":"7","page":191},{"text":"من أهل الصفة، فوجد في مئزره دينار، فقال رسول الله، ﷺ: \"كية\". ثم توفي رجل آخر فوجد في مئزره ديناران، فقال رسول الله، ﷺ: \"كيتان\" (^٩٨).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو النضر إسحاق بن إبراهيم الفراديسي، حدثنا معاوية بن يحيى الأطْرَابُلسِي، حدثني أرطاة، حدثنا أبو عامر الهوزني، سمعت ثوبان مولى رسول الله، ﷺ، قال: \"ما من رجل يموت وعنده أحمر أو أبيض، إلا جعل الله بكل قيراط صفحة من نار، يكوى بها من قدمه إلى ذقنه\".\nوقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا محمود بن خداش، حدثنا سيف بن محمد الثوري، حدثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله، ﷺ: \"لا يوضع الدينار على الدينار، ولا الدرهم على الدرهم، ولكن يوسع جلده، فيكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم، هذا ما كنزتم لأنفسكم، فذوقوا ما كنتم تكنزون\". سيفٌ هذا كذابٌ متروك.\n﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (٣٦)﴾\nقال الإمام أحمد (^٩٩): حدثنا إسماعيل، أخبرنا أيوب، أخبرنا محمد بن سيرين، عن أبي بكرة؛ أن النبي، ﷺ، خطب في حجته، فقال: \"ألا إن الزمان قد استتدار كهيئته\n_________\n= كلهم عن جعفر بن سليمان به نحوه، وجاء من حديث عبد الله بن مسعود رواه أحمد في مسنده (١/ ٤١٢)، وجاء من حديث سلمة بن الأكوع رواه أحمد في مسنده (٤/ ٤٧) من حديث طويل، وجاء من حديث أبي هريرة رواه أحمد في مسنده (٢/ ٤٢٩).\n(^٩٨) - رواه أحمد في مسنده (٥/ ٢٥٣،٢٥٢) والطبراني في الكبير (٨/ ١٤٨، ٣١٠، ٣١١/ رقم: ٧٥٧٣، ٧٥٧٤، ٨٠٠٨، ٨٠١١) من طرق عن أبي أمامة الباهلي. والطبري في تفسيره (١٤/ ٢٢٢) من طريق قتادة، به. وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد في موضعين: الأول (٣/ ١٢٥) وعزاه للطبراني وحده وقال: \"وبعض طرقه رجاله رجال الصحيح غير شهر بن حوشب، وهو ثقة، وفيه كلام\". والثاني في (١٠/ ٢٤٠) وعزاه لأحمد وحده وقال: \"رواه كله بأسانيد، ورجال بعضها رجال الصحيح، غير شهر بن حوشب وقد وثق\".\n(^٩٩) - المسند (٥/ ٣٧) (٢٠٤٣٨). ورواه البخاري في كتاب العلم، باب: قول النبي صلى الله=","vol":"7","page":192},{"text":"يوم خلق الله السموات والأرض، السنة اثنا عشر شهرًا منها أربعة [حرم ثلاثة متواليات] [¬١]: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم. ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان\". ثم قال: \"ألا أي يوم هذا؟ \" قلنا: الله ورسوله أعلم. فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، قال: \"أليس يوم النحر؟ \" قلنا: بلى. ثم قال: \"أي شهر هذا؟ \" قلنا: الله ورسوله أعلم. فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، قال: \"أليس ذا الحجة؟ \" قلنا: بلى. ثم قال: \"أي بلد هذا؟ \" قلنا: الله ورسوله أعلم. [قال:] [¬٢] فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، قال: \"أليس [¬٣] البلدة؟ \" قلنا: بلى. قال: \"فإن دماءكم وأموالكم - وأحسبه قال وأعراضكم - عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، وستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم، ألا لا ترجعوا [¬٤] بعدي ضلالًا يضرب بعضكم رقاب بعض، ألا هل بلغت؟ ألا ليبلغ الشاهد منكم [¬٥] الغائب؛ فلعل من يبلغه يكون أوعى له من بعض من يسمعه [¬٦] \".\nرواه البخاري في التفسير وغيره، ومسلم من حديث أيوب، عن محمد [وهو] [¬٧] ابن سيرين، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه، به.\nوقد قال ابن جرير (^١٠٠): حدثنا محمد بن معمر، حدثنا روح، حدثنا أشعث، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، ﵁؛ قال: قال رسول الله، ﷺ: \"إن الزمان قد استدار كهيئتة يوم خلق الله السموات والأرض، وإن عدة الشهور عند الله اثنا\n_________\n= عليه وسلم \"رب مبلغ أوعى من سامع\". (رقم: ٦٧) وأطرافه في (١٠٥، ١٧٤١، ٣١٩٧، ٤٤٠٦، ٤٦٦٢، ٥٥٥٠، ٧٠٧٨، ٧٤٤٧). ومسلم في كتاب القسامة، باب: تغليظ تحريم الدماء والأعراض والأموال (رقم: ١٦٧٩). وأبو داود في كتاب الحج، باب: الأشهر الحرم (رقم: ١٩٤٧/ ١٩٤٨). والترمذي في كتاب الأضاحى، باب: رقم (٢١) (١٥٢٠). والنسائي في كتاب تحريم الدم، باب: تحريم القتل. (٧/ ١٢٧/ رقم: ٤١٣٠). وكتاب الضحايا، باب: الكبس (٧/ ٢٢٠/ رقم: ٤٣٨٩). وفي الكبرى في كتاب الحج، باب: الخطبة يوم النحر (٢/ ٤٤٢، ٤٤٣/ رقم: ٤٠٩١، ٤٠٩٢، ٤٠٩٢). وباب: الأشهر الحرم (٢/ ٤٦٩، ٤٧٠/ رقم: ٤٢١٥). وفي كتاب العلم، باب: ذكر قول النبي ﷺ: \"رب مبلغ أوعى من سامع\" (٣/ ٤٣٢، ٤٣٣/ رقم: ٥٨٥٠، ٥٨٥١). وابن ماجة: المقدمة، باب: من بلغ علمًا (١/ ٨٥/ رقم: ٢٣٣).\n(^١٠٠) - تفسير الطبري (١٤/ ٢٣٥) رقم (١٦٦٨٥).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ز: \"متوالية\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين زيادة من: خ.\n[¬٣]- في خ: \"أليست\".\n[¬٤]- في ز: \"ترجعون\".\n[¬٥]- سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- في خ: \"سمعه\".\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.","vol":"7","page":193},{"text":"عشر شهرًا في كتاب الله يوم خلق السموات والأرض، منها أربعة حرم؛ ثلاثة متواليات: [ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، و] [¬١] رجب مضر الذي [¬٢] بين جمادى وشعبان\".\nورواه البزار عن محمد بن معمر، به، ثم قال: [لا يروى] [¬٣] عن أبي هريرة إلا من هذا الوجه. وقد رواه ابن عون وقرة، عن ابن سيرين، عن عبد الرحمن بن [¬٤] أبي بكرة، عن أبيه، به.\nوقال ابن جرير أيضًا (^١٠١): حدثني موسى بن عبد الرحمن المسروقي [¬٥]، حدثنا زيد بن حباب، حدثنا موسى بن عبيدة الربذي، حدثني صدقة بن يسار، عن ابن عمر؛ قال: خطب رسول الله، ﷺ، في حجة الوداع بمنى، في أوسط أيام التشريق، فقال: \"أيها الناس، إن الزمان قد استدار فهو اليوم كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض، وإن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرًا، منها أربعة حرم؛ أولهن: رجب مضر بين جمادى وشعبان. وذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم\".\nوروى ابن مردويه من حديث موسى بن عبيدة، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، مثله أو نحوه.\nوقال حماد بن سلمة (^١٠٢): حدثني على بن زيد، عن أبي حرة: حدثني [¬٦] الرقاشي، عن عمه - وكانت له صحبة - قال: كنت آخذًا بزمام ناقة رسول الله، ﷺ، في أوسط أيام التشويق، أذود الناس عنه، فقال رسول الله ﷺ: \"ألا إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض [¬٧]، وإن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرًا في كتاب الله يوم خلق السموات والأرض، منها أربعة حرم، فلا تظلموا فيهن أنفسكم\".\nوقال سعيد بن منصور: حدثنا أبو معاوية، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس في قوله: ﴿منها أربعة حرم﴾ قال: محرم، ورجب، وذو القعدة، وذو الحجة.\nوقوله ﷺ، في الحديث: \"إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات\n_________\n(^١٠١) - تفسير الطبري (١٤/ ٢٣٤) رقم (١٦٦٨٤) وموسى بن عبيدة ضعيف.\n(^١٠٢) - رواه أحمد في مسنده (٥/ ٧٢، ٧٣) من طريق حماد بن سلمة بأطول منه.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- في ز: \"عن\".\n[¬٥]- في ز: \"المروقي\".\n[¬٦]- سقط من: ر، خ.\n[¬٧]- بعده في خ: \"منها أربعة حرم\".","vol":"7","page":194},{"text":"والأرض\". تقريرٌ منه، صلوات الله وسلامه عليه، وتثبيت للأمر على ما جعله الله تعالى في أول الأمر، من غير تقديم ولا تأخير، ولا زيادة ولا نقص، ولا نسيء ولا تبديل، كما قال في تحريم مكة: \"إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السموات والأرض، فهو حرام بحرمة الله تعالى إلى يوم القيامة\". وهكذا قال هاهنا: \"إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض\".\nأي الأمر اليوم شرعًا كما ابتدأ الله ذلك في كتابه يوم خلق السموات والأرض.\nوقد قال بعض المفسرين والمتكلمين على هذا الحديث: إن المراد بقوله: \"قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض\" أنه اتفق أن حج رسول الله، ﷺ، في تلك السنة في ذي الحجة، وأن العرب قد كانت نسأت النسيء يحجون في كثير من السنين - بل أكثرها - في غير ذي الحجة، وزعموا أن حجة الصديق في سنة تسع كانت في ذي القعدة، وفي هذا نظر كما سنبينه إذا تكلمنا على النسيء.\nوأغرب منه ما رواه الطبراني عن بعض السلف في جملة حديث: أنه اتفق حج المسلمين واليهود والنصارى في يوم واحد، وهو يوم النحر عام حجة الوداع، والله أعلم.\n(فصل) ذكر الشيخ علم الدين السخاوي في جزء جمعه سماه: (المشهور في أسماء الأيام والشهور) أن المحرم سمي بذلك لكونه شهرًا محرمًا - وعندي أنه سمي بذلك تأكيدًا لتحريمه؛ لأن العرب كانت تتقلب [¬١] به، فتحله عامًا وتحرمه عامًا - قال: ويجمع على محرمات ومحارم ومحاريم.\nوصفر سمي بذلك؛ لخلو بيوتهم منهم حين يخرجون للقتال والأسفار، يقال: صفر المكان إذا خلا، ويجمع على أصفار كجمل وأجمال.\nو[¬٢] شهر ربيع الأول سمي بذلك لارتباعهم فيه، والارتباع: الإقامة في [¬٣] عمارة الربع، ويجمع على أربعاء، كنصيب وأنصباء، وعلى أربعة، كرغيف وأرغفة. وربيع الآخر كالأول.\nوجمادى سمي بذلك لجمود الماء فيه. قال: وكانت الشهور في حسابهم لا تدور، وفي هذا نظر، إذ كانت شهورهم منوطة بالأهلة، [ولا بد] [¬٤] من دورانها، فلعلهم سموه بذلك [أول ما] [¬٥] سمي عند جمود الماء في البرد، كما قال الشاعر:\n_________\n[¬١]- في ز: \"تتغلب\".\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- في ز: \"من\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين في ت: \"فلابد\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين في ز: \"أو\".","vol":"7","page":195},{"text":"وَلَيلَةٍ مِنْ جُمَادَى ذَاتِ أنْدِيَة … لَا يُبصِر العَبدُ في طَلْمَائِهَا الطَّنَبَا\nلَا يَنْبَحُ الكَلْبُ فِيهَا غَيْرَ وَاحِدَةٍ … حَتى يَلِفَّ عَلَىَ خُرطُومِهِ الذَّنبَا\nوتجمع [¬١] على جماديات كحبارى وحباريات، وقد يذكر ويؤنث، فيقال: جمادى الأولى والأول [¬٢]، وجمادى الآخر [¬٣] و[¬٤] الآخرة.\nرجب من الترجيب وهو التعظيم، ويجمع على أرجاب ورجاب ورجبات.\nو[¬٥] شعبان من تشعب القبائل وتفرقها للغارة، ويجمع على شعابين وشعبانات.\nو[¬٦] رمضان من شدة الرمضاء وهو الحر، يقال: رمضت الفصال إذا عطشت. ويجمع على رمضانات ورماضين وأرمضة. قال: وقول من قال: إنه اسم من أسماء الله خطأ، لا يعرج عليه، ولا يلتفت إليه.\nقلت: قد ورد فيه حديث ولكنه ضعيف، وبينته في أول كتاب الصيام.\nشوال من شالت الإبل بأذنابها للطراق، قال: ويجمع على شواول وشواويل وشوالات.\nالقَعدة بفتح القاف - قلت: وكسرها - لقعودهم فيه عن القتال والترحال، ويجمع على ذوات القعدة.\nالحجة بكسر الحاء - قلت: وفتحها - سمي بذلك لإِيقاعهم الحج فيه، ويجمع على ذوات الحجة.\nأسماء الأيام: أولها الأحد: ويجمع على آحاد وأُحاد ووحود. ثم يوم الإثنين، ويجمع على أثانين. الثلاثاء يمد [¬٧] ويذكر ويؤنث، ويجمع على ثلاثاوات وأثالث. ثم الأربعاء: بالمد، ويجمع على أربعاوات وأرابيع. والخميس: يجمع على أخمسة وأخامس. ثم الجمعة بضم الميم وإسكانها وفتحها أيضًا، ويجمع على جُمَع وجُمْعَات [¬٨].\nالسبت: مأخوذ من السبت وهو القطع؛ لانتهاء العدد عنده، وكانت العرب تسمي الأيام: أول، ثم أهون، ثم جبار، ثم دبار، ثم مؤنس، ثم العروبة، ثم شيار، قال الشاعر من العرب العرباء العاربة المتقدمين:\n_________\n[¬١]- في خ: \"ويجمع\".\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- سقط من: ز.\n[¬٥]- سقط من: ز.\n[¬٦]- سقط من: ز.\n[¬٧]- في ز: \"فيمد\".\n[¬٨]- في ز، خ: \"وجماعات\".","vol":"7","page":196},{"text":"أُرَجى أَنْ أَعِيشَ وإِن يَومِي … بِأَوَّل أَوْ بأَهْون أَوْ جبَار\nأوِ التالِي دبَار فإنْ أَفُتْهُ [¬١] … فَمُؤنس أَوْ عروبة أوْ شيار\nوقوله تعالى: ﴿منها أربعة حرم﴾ فهذا مما كانت العرب أيضًا في الجاهلية تحرمه، وهو الذي كان عليه جمهورهم إلا طائفة منهم، يقال لهم: البسل، كانوا يحرمون من السنة ثمانية أشهر تعمقًا وتشديدًا.\nوأما قوله: \"ثلاثة متواليات: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب مُضَر الذي بين جمادى وشعبان\" [فإنما أضافه إلى مضر ليبين صحة قولهم في رجب: إنه الشهر الذي بين جمادى وشعبان] [¬٢]، لا كما كانت تظنه ربيعة من أن رجب المحرم هو الشهر الذي بين شعبان وشوال وهو رمضان اليوم، فبين، ﷺ، أنه رجب مضر لا رجب ربيعة، وإنما كانت الأشهر المحرمة أربعة، ثلاثة سرد وواحد فرد؛ لأجل أداء مناسك الحج والعمرة، فحرم قبل شهر الحج شهر [¬٣] وهو ذو القعدة؛ لأنهم يقعدون فيه عن القتال، وحرم شهر ذي [¬٤] الحجة؛ لأنهم يوقعون فيه الحج ويشتغلون بأداء المناسك، وحرم بعده شهر آخر وهو المحرم ليرجعوا [¬٥] فيه إلى نائي [¬٦] أقصى بلادهم آمنين، وحرم رجب في وسط الحول؛ لأجل زيارة البيت والاعتمار به لمن يقدم إليه من أقصى جزيرة العرب، فيزوره ثم يعود إلى وطنه فيه آمنًا.\nوقوله: ﴿ذلك الدين القيم﴾ أي: هذا هو الشرع المستقيم، من امتثال أمر الله فيما جعل من الأشهر الحرم، والحذو بها على ما سبق في كتاب الله الأول.\nوقال [¬٧] تعالى: ﴿فلا تظلموا فيهن أنفسكم﴾ أي: في هذه الأشهر المحرمة؛ لأنها [¬٨] أكد وأبلغ في الإثم من غيرها، كما أن المعاصي في البلد الحرام تضاعف؛ لقوله تعالى: ﴿ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم﴾، وكذلك الشهر الحرام تغلظ فيه الآثام، ولهذا تغلظ فيه الدية في مذهب الشافعي وطائفة كثيرة من العلماء، وكذا في حق من قتل في الحرم أو قتل ذا محرم.\nوقال حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس في\n_________\n[¬١]- في ز: \"أفنه\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في خ: \"شهرًا\".\n[¬٤]- سقط من: ز.\n[¬٥]- في ز: \"ليرجعون\".\n[¬٦]- في ز، خ: \"تالي\".\n[¬٧]- في خ: \"قال\".\n[¬٨]- في ز: \"لأنه\".","vol":"7","page":197},{"text":"قوله: ﴿فلا تظلموا فيهن أنفسكم﴾ قال: في الشهور كلها.\nوقال على بن أبي طلحة، عن ابن عباس: قوله: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا﴾. الآية. ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ في كلهن، ثم اختص من ذلك أربعة أشهر، نجعلهن حرامًا وعظم حرماتهن، وجعل الذنب فيهن أعظم. والعمل الصالح والأجر أعظم.\nوقال قتادة في قوله: ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ إن الظلم في الأشهر الحرم أعظم خطيئة ووزرًا من الظلم [فيما سواها] [¬١]، وإن كان الظلم على كل حال عظيمًا، ولكن الله يعظم من أمره ما يشاء، وقال: إن الله اصطفى صفايا من خلقه؛ اصطفى من الملائكة رسلًا ومن الناس رسلًا، واصطفى من الكلام ذكره، واصطفى من الأرض المساجد، واصطفى من الشهور رمضان والأشهر الحرم، واصطفى من الأيام يوم الجمعة، واصطفى من الليالي ليلة القدر، فعظموا ما عظم الله. فإنما يُعَظِّمُ [¬٢] الأمورَ [¬٣] ما [¬٤] عظمها الله به عند أهل الفهم وأهل العقل.\nوقال الثوري، عن قيس بن مسلم، عن الحسن، عن [¬٥] محمد بن الحنفية: بأن لا تحرموهن كحرمتهن.\nوقال محمد بن إسحاق: ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ أي: لا تجعلوا حرامها حلالًا، ولا [¬٦] حلالها حرامًا، كما فعل أهل الشرك، فإنما النسيء الذي كانوا يصنعون من ذلك زيادة في الكفر ﴿يضل به الذين كفروا﴾. الآية.\nوهذا القول اختيار ابن جرير.\nوقوله: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾ أي: جميعكم ﴿كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ أي: جميعهم ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾.\nوقد اختلف العلماء في تحريم ابتداء القتال في الشهر الحرام هل هو منسوخ أو محكم؟ على قولين:\nأحدهما - وهو الأشهر - أنه منسوخ؛ لأنه تعالى قال هاهنا: ﴿فلا تظلموا فيهن\n_________\n[¬١]- في ز: \"مما سواه\".\n[¬٢]- في ت: \"تعظم\".\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- في ت: \"بما\".\n[¬٥]- في ز: \"بن\".\n[¬٦]- سقط من: ز.","vol":"7","page":198},{"text":"أَنْفُسَكُمْ﴾ وأمر بقتال المشركين، وظاهر السياق مشعرٌ بأنه أمر بذلك أمرًا عامًّا، فلو [¬١] كان محرمًا في الشهر الحرام لأوشك أن يقيده بانسلاخها؛ ولأن رسول اللَّه، ﷺ، حاصر أهل الطائف في شهر حرام وهو ذو القعدة، كما ثبت في الصحيحين أنه خرج إلى هوازن، في شوال، فلما كسرهم واستفاء أموالهم ورجع فَلُّهم فلجئُوا [¬٢] إلى الطائف - عمد إلى الطائف فحاصرهم أربعين يومًا وانصرف ولم يفتتحها، فثبت أنه حاصَرَ في الشهر الحرام.\nوالقول الآخر أن ابتداء القتال فى الشهر الحرام حرام، وأنه لم ينسخ تحريم الشهر الحرام، لقوله [¬٣] تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾. وقال: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ الآية. وقال: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ الآية.\nوقد تقدم أنها الأربعة المقررة في كل سنة، لا أشهر التسيير على أحد القولين. وأما قوله تعالى ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ فيحتمل أنه منقطع عما قبله، وأنه حكم مستأنف، ويكون من باب التهييج والتحضيض، أي: كما يجتمعون لحربكم إذا حاربوكم، فاجتمعوا أنتم أيضًا لهم إذا حاربتموهم، وقاتلوهم [¬٤] بنظير ما يفعلون. ويحتمل أنه أذن للمؤمنين بقتال المشركين فى الشهر الحرام إذا كانت البداءة منهم، كما قال تعالى: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾. وقال تعالى: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾ الآية. وهكذا الجواب عن حصار رسول اللَّه، ﷺ، أهل الطائف، واستصحابه الحصار إلى أن دخل الشهر الحرام، فإنه من تتمة قتال هوازن وأحلافها من ثقيف، فإنهم هم الذين ابتدءوا القتال، وجمعوا الرجال، ودعوا إلى الحرب والنزال، فعندها قصدهم رسول الله ﷺ، كما تقدم، فلما تحصنوا بالطائف ذهب إليهم لينزلهم من حصونهم، فنالوا من المسلمين وقتلوا جماعة، واستمر الحصار بالمجانيق وغيرها قريبًا من أربعين يومًا، وكان ابتداؤه في شهر حلال، ودخل الشهر الحرام فاستمر فيه أيامًا، ثم قفل عنهم؛ لأنه يغتفر فى الدوام ما لا يغتفر فى الابتداء، وهذا أمر مقرر وله نظائر كثيرة، والله أعلم. ولنذكر الأحاديث الواردة في ذلك. وقد حررنا ذلك في السيرة، والله أعلم [¬٥].\n﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا\n_________\n[¬١]- في خ: \"ولو\".\n[¬٢]- في خ: \"لجئوا\".\n[¬٣]- في ت: \"لقول\".\n[¬٤]- في خ: \"وقاتلتموهم\".\n[¬٥]- بعده فى ز، خ: \"بياضٌ يسع ستة أسطر\".","vol":"7","page":199},{"text":"وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٣٧)﴾\nهذا مما ذم الله تعالى به المشركين من تصرفهم في شرع الله بآرائهم الفاسدة، وتغييرهم أحكام الله بأهوائهم الباردة، وتحليلهم ما حرم الله، وتحريمهم ما أحل الله.\nفإنهم كان فيهم من القوّة الغضبية والشهامة والحميّة ما استطالوا به مدّة الأشهر الثلاثة في التحريم المانع لهم من قضاء أوطارهم من قتال أعدائهم، فكانوا قد أحدثوا قبل الإِسلام بمدة تحليل المحرم وتأخيره [¬١] إلى صفر، فيحلون الشهر الحرام، ويحرمون الشهر الحلال، ليواطئوا عدة [] [¬٢] الأشهر الأربعة، كما قال شاعرهم وهو عمير بن قيس المعروف بحذل [¬٣] الطعان:\nلَقَدْ عَلِمَتْ مَعَدٌّ أنَّ [¬٤] قَوْمِي … كِرَامُ الناس إِنَّ لَهُمْ كِرَامَا\nألسْنَا النَّاسِئين عَلى مَعَدّ … شُهُورَ الحِل نجْعَلُهَا حَرَامَا\nفَأَيَّ النَّاسِ لَمْ نُدْرِكْ بِوتْرٍ؟ … وَأيَّ النَّاسِ لَمْ نُعْلِكْ [¬٥] لِجامًا (^١٠٣)؟\nقال على بن أبي طلحة، عن ابن عباس في [¬٦] قوله: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ قال: النسيء: أن جنادة بن عوف بن أمية الكناني كان يوافي [¬٧] الموسم في كل عام، وكان يكنى أبا ثمامة، [] [¬٨] فينادي: ألا إن أبا ثمامة لا يحاب ولا يعاب، ألا وإن صَفَرَ العام الأولِ العامَ حلالٌ، فيحله للناس، فيحرم صفرًا عامًا ويحرم المحرم عامًا، فذلك قول الله: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْر﴾ [إلى قوله: ﴿الْكَافِرِينَ﴾ وقوله: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ [¬٩] يقول: يتركون المحرم عامًا، وعامًا يحرمونه.\nوروى العوفي عن ابن عباس نحوه.\nوقال ليث بن أبي سليم، عن مجاهد: كان رجل من بني كنانة يأتي كل عام إلى الموسم على حمار له، فيقول: يأيها الناس، إني لا أعاب ولا أحاب [¬١٠]، ولا مردَّ لما\n_________\n(^١٠٣) - انظر: السيرة النبوية لابن هشام (١/ ٤٥).\n_________\n[¬١]- في خ: \"فأخروه\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في خ: \"ما حرم\".\n[¬٣]- في ز: \"بجدل\".\n[¬٤]- في خ: \"بأن\".\n[¬٥]- في ز: \"يعلل\".\n[¬٦]- سقط من: ز.\n[¬٧]- في ز، خ: \"يوالي\".\n[¬٨]- في ز: \" فيوافى الموسم - كل عام\".\n[¬٩]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬١٠]- في ز، خ: \"أجاب\".","vol":"7","page":200},{"text":"أقول، إنا قد حرّمنا المحرم وأخرنا صفر. ثم يجيء العام المقبل بعده فيقول مثل مقالته، ويقول: إنا قد حرمنا صفرًا [¬١] وأخرنا المحرم فهو قوله [¬٢]: ﴿لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ﴾ قال: يعني الأربعة، فيحلوا [¬٣] ما حرم الله بتأخير هذا الشهر الحرام.\nوروي عن أبي وائل والضحاك وقتادة نحو هذا.\nوقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْر﴾ الآية. قال: هذا رجل من بني كنانة يقال له: القَلَمَّس، وكان في الجاهلية، وكانوا في الجاهلية لا يُغِيرُ بعضهم على بعض في الشهر الحرام، يَلْقَي الرجل قاتل أبيه ولا يمد إليه يده، فلما كان هو قال: اخرجوا بنا، قالوا له: هذا المحرم. قال [¬٤]: ننسئه العام هما العام صفران، فإذا كان العام القابل قضينا [¬٥] جعلناهما محرمين، قال: ففعل ذلك، فلما كان عام قابل قال: لا تغزوا فى صفر حرّموه مع المحرم هما محرمان.\nفهذه صفة غريبة في النسيء، وفيها نظر؛ لأنهم [¬٦] في عام إنما يحرمون على هذا ثلاثة أشهر فقط، وفي العام الذي يليه يحرمون خمسة أشهر، فأين هذا من قوله تعالى: ﴿يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ﴾؟.\nوقد روي عن مجاهد صفة أخرى غريبة أيضًا، فقال عبد الرزاق: أنا معمر، عن [ابن] [¬٧] أبي نجيح، عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْر﴾ الآية. قال: فرض الله، ﷿، الحج في ذي الحجة، قال: وكان المشركون يسمون الأشهر [¬٨]: ذا الحجة، و[¬٩] المحرم، وصفر، وربيع الأول [¬١٠] وربيع، وجمادى، وجمادى، ورجب، وشعبان، ورمضان، وشوّالًا [¬١١] وذا [¬١٢] القعدة وذا [¬١٣] الحجة يحجون فيه مرة أخرى، ثم يسكتون [¬١٤] عن المحرّم ولا يذكرونه، ثم يعودون فيسمون صفرًا [¬١٥] صفرًا [¬١٦]، ثم يسمون رجبًا جمادى الآخرة، ثم يسمون شعبان رمضان، ثم يسمون شوّالًا رمضان، ثم يسمون ذا القعدة شوّالًا، ثم يسمون ذا الحجة ذا القعدة، ثم\n_________\n[¬١]- في خ: \"صفر\".\n[¬٢]- في ز: \"كقوله\".\n[¬٣]- في ز: \"فيجعلوا\".\n[¬٤]- سقط من: ز.\n[¬٥]- سقط من: خ.\n[¬٦]- في ز: \"لأنهما\".\n[¬٧]- سقط من: خ.\n[¬٨]- سقط من: ز.\n[¬٩]- سقط من: ز.\n[¬١٠]- سقط من: ز.\n[¬١١]- في خ: \"شوال\".\n[¬١٢]- في ز: \"وذو\".\n[¬١٣]- في ز: \"وذو\".\n[¬١٤]- في ز: \"يسكنون\".\n[¬١٥]- في ت: \"صفر صفر\".\n[¬١٦]- سقط من ز.","vol":"7","page":201},{"text":"يسمون المحرم ذا الحجة فيحجون فيه واسمه عندهم ذو [¬١] الحجة، ثم عادوا بمثل هذه الصفة [¬٢] فكانوا يحجون فى كل شهر عامين، حتى وافق حجة أبي بكر الآخر من العامين في ذي [¬٣] القعدة، ثم حج النبي: ﷺ، حجته التي حج فوافق ذا الحجة، فذلك حين يقول النبي، ﷺ، في خطته: \"إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض\".\nوهذا الذي قاله مجاهد فيه نظر أيضًا، وكيف تصح حجة أبي بكر وقد وقعت فى ذي القعدة وأنى هذا؟ وقد قال الله تعالى: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾. الآية. وإنما نودي بذلك [¬٤] في حجة أبي بكر، فلو لم تكن فى ذي الحجة لما قال تعالى: ﴿يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ﴾ ولا يلزم من فعلهم النسيء هذا الذي ذكره من دوران السنة عليهم، وحجهم في كل شهر عامين، فإن النسيء حاصل بدون هذا، فإنهم لما كانوا يحلون شهر المحرم عامًا يحرمون عوضه صفرًا، وبعده ربيع وربيع إلى [آخر السنة بحالها على نظامها وعدّتها وأسماء شهورها، ثم في السنة الثانية يحرمون المحرّم ويتركونه على تحريمه، وبعده صفر وربيع وربيع إلى] [¬٥] آخرها، فيحلونه عامًا، ويحرمونه عامًا؛ ليواطئوا عدّة ما حرم اللَّه، فيحلوا ما حرم اللَّه أي [¬٦]: فى تحريم أربعة أشهر من السنة، إلا أنهم تارة يقدّمون تحريم الشهر الثالث من الثلاثة المتوالية وهو المحرم، وتارة ينسئونه إلى صفر أي: يؤخرونه، وقد قدمنا الكلام على قوله، ﷺ: \"إن الزمان قد استدار [كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض، السنة اثنا عشر شهرًا، منها أربعة حرم؛ ثلاث متوالية: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، ورجب مضر] \". [] [¬٧]؛ أي: إن الأمر في عدة الشهور، وتحريم ما هو محرم منها، على ما سبق في كتاب الله من العدد والتوالي، لا كما تعتمده جهلة العرب من فصلهم تحريم بعضها بالنسيء عن بعض، والله أعلم.\nوقال ابن أبي حاتم (^١٠٤): حدثنا صالح بن بشر بن سلمة الطبراني، حدثنا مكي بن إبراهيم، حدثنا موسى بن عبيدة، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر أنه قال: وقف رسول الله ﷺ بالعقبة، فاجتمع إليه من شاء الله من المسلمين، فحمد اللَّه وأثنى عليه بما هو له أهل، ثم قال: \"وإنما النسئ من الشيطان زيادة في الكفر، يضل به الذين كفروا\n_________\n(^١٠٤) - إسناده ضعيف من أجل موسى بن عبيدة، تفسير ابن أبي حاتم (٦/ ١٠٠١٩) وجاء فيه: (صالح ابن بشير) بدل (صالح بن بشر) ورواه أبو الشيخ الأصبهاني كما في الدر المنثور (٥/ ١٨٨).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"ذا\".\n[¬٢]- في ز: \"القصة\".\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- في ت: \"به\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- سقط من: ز.\n[¬٧]- في ت: الحديث.","vol":"7","page":202},{"text":"يحلونه عامًا ويحرمونه عامًا\". فكانوا يحرمون المحرم عامًا ويستحلون صفر، ويستحلون المحرم وهو النسيء.\nوقد تكلم الإِمام محمد بن إسحاق على هذا في كتاب السيرة كلامًا جيدًا مفيدًا حسنًا فقال: كان أول من نسأ الشهور على العرب، فأحل منها ما حرم الله وحرم منها ما أحل الله ﷿ القلمس، وهو حذيفة بن عبد فقيم بن عدي بن عامر بن ثعلبة بن الحارث ابن مالك بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان، ثم قام بعده على ذلك ابنه عباد، ثم من بعد عباد ابنه قلع بن عباد، ثم ابنه أمية بن قلع، ثم ابنه عوف بن أمية، ثم ابنه أبو ثمامة جنادة بن عوف وكان آخرهم وعليه قام الإِسلام، فكانت العرب إذا فرغت من حجها اجتمعت إليه، فقام فيهم خطيبًا فحرم رجبًا وذا القعدة وذا الحجة، ويحل المحرم عامًا ويجعل مكانه صفر، ويحرمه عامًا ليواطئ عدة ما حرم الله فيحل ما حرم الله، يعني: ويحرم ما أحل الله، [والله أعلم] [¬١].\n﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ (٣٨) إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾\nهذا شروع في عتاب من تخلف عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، حين طابت الثمار والظلال في شدة الحر وحمارَّة (*) [¬٢] القيظ، فقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي: إذا دعيتم إلى الجهاد في سبيل الله ﴿اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ﴾ أي: تكاسلتم وملتم إلى المقام في الدعة والخفض (**) [¬٣] وطيب الثمار ﴿أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ﴾ [أي: ما لكم فعلتم هكذا؟ أرِضّى منكم بالدنيا بدلًا من الآخرة] [¬٤]؟.\n_________\n(*) حمارَّة القيظ: ضدة الحر.\n(**) يقال: هو في خفض من العيش؛ أي: فى دعة وراحه.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في ز، خ: \"وجمارة\".\n[¬٣]- في ز: \"الحفظ\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"7","page":203},{"text":"ثم زهد ﵎ في الدنيا، ورغب فى الآخرة فقال: ﴿فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ كما قال الإِمام أحمد (^١٠٥): حدثنا وكيع ويحيى بن سعيد قالا: حدثنا إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس، عن المستورد أخي بني فهر قال: قال رسول اللَّه، ﷺ: \"ما الدنيا في الآخرة إلا كما يجعل أحدكم أصبعه هذه في اليم، فلينظر بم ترجح؟ \" وأشار بالسبابة. انفرد بإخراجه مسلم.\nوقال ابن أبي حاتم (^١٠٦): حدثنا بشر بن مسلم بن عبد الحميد الحمصي بحمص، حدثنا الربيع بن روح، حدثنا محمد بن خالد الوهبي، حدثنا زياد - يعنى الجصاصَ - عن أبي عثمان قال: قلت: يا أبا هريرة سمعت من [¬١] إخواني بالبصرة أنك تقول: سمعت نبي الله، ﷺ، يقول: \"إن الله يجزي بالحسنة ألف ألف حسنة\". قال أبو هريرة: بل سمعت رسول الله ﷺ، يقول [¬٢]: \"إن الله يجزي بالحسنة ألفي ألف حسنة\". ثم تلا هذه الآية: ﴿فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾.\n[فالدنيا: ما مضى منها، وما بقي منها - عند الله قليل.\nوقال الثوري، عن الأعمش في الآية ﴿فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ [¬٣]﴾ قال: كزاد الراكب.\nوقال عبد العزيز بن أبي حازم، عن أبيه: [قال:] [¬٤] لما حضرت عبد العزيز بن مروان الوفاةُ، قال: ائتوني بكفني الذي أكفن فيه أنظر إليه، فلما وضع بين يديه نظر إليه فقال: أما لي من كبير ما أخلف من الدنيا إلا هذا؟ ثم ولى ظهره فبكى وهو يقول: أف [¬٥] لك من دار، إن كان كثيرك لقليل، وإن كان قليلك لقصير، وإن كنا منك لفي غرور.\nثم توعد تعالى على ترك الجهاد فقال: ﴿إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ قال ابن عباس: استنفر رسول الله، ﷺ، حيًّا من العرب فتثاقلوا عنه، فأمسك اللَّه عنهم القطر فكان عذابهم.\n﴿وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ أي: لنصرة نبيه وإقامة دينه، كما قال تعالى: ﴿وإن\n_________\n(^١٠٥) - المسند (٤/ ٢٢٨) وصحيح مسلم، كتاب الجنة وصفة نعيمها برقم (٢٨٥٨).\n(^١٠٦) - تفسير ابن أبي حاتم (٦/ ١٠٠٣).\n_________\n[¬١]- سقط من: ر، خ.\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٥]- فى ز: \"أفي\".","vol":"7","page":204},{"text":"تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾.\n﴿وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا﴾ أي: ولا تضروا الله شيئا بتوليكم عن الجهاد، ونُكُولِكُم وتثاقلكم عنه ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أي: قادر على الانتصار من الأعداء بدونكم.\nوقد قيل: إن هذه الآية وقوله: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ وقوله: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ﴾: إنهن منسوخات بقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾ روي هذا عن ابن عباس وعكرمة والحسن وزيد بن أسلم، ورده ابن جرير وقال: إنما هذا فيمن دعاهم رسول الله، ﷺ، إلى الجهاد، فتعين عليهم ذلك، فلو تركوه لعوقبوا عليه، وهذا له اتجاه، والله ﷾ أعلم بالصواب [¬١].\n﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٤٠)\nيقول تعالى: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ﴾ أي: تنصروا رسوله، فإن الله ناصره ومؤيده وكافيه وحافظه كما تولى نصره ﴿إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ﴾ أي: عام الهجرة لما هَمَّ المشركون بقتله أو حبسه أو نفيه، فخرج منهم هاربًا صحبة صَدِيقِهِ وَصِدِّيقِهِ [¬٢] وصاحبه أبي بكر بن أبى قحافة، فلجأ إلى غار ثور ثلاثة أيام، ليرجع الطلب الذين خرجوا في آثارهم، ثم يسيرا [¬٣] نحو المدينة، فجعل أبو بكر، ﵁، يجزع أن يطلع عليهم أحد، فيخلص إلى الرسول، ﵊، منهم أذى، فجعل النبي، ﷺ، يسكنه ويثبته ويقول: \"يا أبا بكر، ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟ \". كما قال الإِمام أحمد (^١٠٧):\n_________\n(^١٠٧) - المسند (١/ ٤)، وصحيح البخاري، كتاب المناقب، باب: مناقب المهاجرين وفضلهم رقم (٣٦٥٣)، وصحيح مسلم، كتاب فضائل الصحابة رقم (٢٣٨١).\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- سقط من: ت.\n[¬٣]- في خ: \"يسيروا\".","vol":"7","page":205},{"text":"حدثنا عفان، حدثنا همام، أنبأنا ثابت، عن أنس: أن أبا بكر حدثه قال: قلت للنبي، ﷺ، ونحن في الغار: لو أن أحدهم نظر الي قدميه لأبصرنا تحت قدميه. قال: فقال: \"يا أبا بكر، ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟ \". أخرجاه في الصحيحين.\nولهذا قال تعالى: ﴿فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ﴾ أي: تأييده ونصره عليه، أي: على الرسول، ﷺ، في أشهر القولين، وقيل: على أبي بكر، وروي عن ابن عباس وغيره قالوا؛ لأن الرسول، ﷺ، لم تزل معه سكينة. وهذا لا ينافي تجدد سكينة خاصة بتلك الحال؛ ولهذا قال: ﴿وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا﴾ أي: الملائكة ﴿وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا﴾.\nقال ابن عباس: يعني بكلمة الذين كفروا الشرك، وكلمة الله هي لا إله إلا الله.\nوفي الصحيحين (^١٠٨) عن أبي موسى الأشعري، ﵁، قال: سئل رسول اللَّه، ﷺ، عن الرجل يقاتل شجاعة ويقاتل حمية ويقاتل رياء، أي ذلك في سبيل الله؟ فقال: \"من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله\".\nوقوله: ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ﴾ أي: فى انتقامه وانتصاره، منيع الجناب لا يضام من لاذ ببابه، واحتمى بالتمسك بخطابه ﴿حَكِيمٌ﴾ في أقواله وأفعاله.\n﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤١)﴾\nقال سفيان الثوري عن أبيه، عن أبي الضحى مسلم بن صبيح: هذه الآية ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ أول ما نزل من سورة براءة.\nوقال معتمر بن سليمان، عن أبيه قال: زعم حضرمي أنه ذكر له أن ناسًا كانوا عسى أن يكون أحدهم عليلًا أو [¬١] كبيرًا، فيقول: إني لا آثم.\nفأنزل الله ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾. الآية.\nأمر الله تعالى بالنفير العام مع [الرسول﴾ ﷺ، عام غزوة تبوك، لقتال أعداء الله من الروم الكفرة من أهل الكتاب، وحتم على المؤمنين في الخروج معه على كل حال، في المنشط\n_________\n(^١٠٨) صحيح البخاري، كتاب الجهاد والسير رقم (٢٨١٠) وصحيح مسلم، كتاب الإمارة رقم (١٩٠٤).\n_________\n[¬١]- في ز: \"و\".","vol":"7","page":206},{"text":"والمكره، والعسر واليسر، فقال: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾.\nقال [¬١] على بن زيد، عن أنس، عن أبي طلحة: كهولًا وشبانًا [¬٢]، ما أسمع [¬٣] الله عذر أحدًا، ثم خرج إلى الشام فقاتل حتى قتل.\nوفي رواية: قرأ أبو طلحة سورة براءة فأبى على هذه الآية ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ فقال: أرى ربنا يستنفرنا [¬٤] شيوخًا وشبانًا [¬٥]، جهزوني يا بني. فقال بنوه: يرحمك الله، قد غزوت مع رسول الله ﷺ، حتى مات، ومع أبي بكر حتى مات، ومع عمر حتى مات، فنحن نغزو عنك. فأبى فركب البحر فمات، فلم يجدوا له جزيرة يدفنوه بها [¬٦] إلا بعد تسعة أيام، فلم يتغير فدفنوه بها.\nوهكذا روي عن ابن عباس، وعكرمة، وأبي صالح، والحسن البصري، وشمر [¬٧] بن عطية ومقاتل بن حيان، والشعبى وزيد بن أسلم: أنهم قالوا في تفسير هذه الآية ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ قالوا [¬٨]: كهولًا وشبانًا، وكذا قال عكرمة، وألضحاك، ومقاتل بن حيان وغير واحد.\nوقال مجاهد: شبانًا [¬٩] وشيوخًا وأغنياء ومساكين، وكذا قال أبو صالح وغيره.\nوقال الحكم بن عتيبة [¬١٠]: مشاغيل وغير مشاغيل.\nوقال العوفي عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ يقول: انفروا نشاطًا وغير نشاط. وكذا قال قتادة.\nوقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ قالوا: فإن فينا الثقيل وذا الحاجة والضيعة [¬١١] والشغل والتيسر به أمره، فأنزل الله - وأبى أن يعذرهم [¬١٢] دون أن ينفروا - ﴿خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ أي] [¬١٣]: على ما كان منهم.\n_________\n[¬١]- في خ: \"وقال\".\n[¬٢]- في ز: \"شابّا\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"سمع\".\n[¬٤]- في خ: \"استنفرنا\".\n[¬٥]- في ز: \"شبابًا\".\n[¬٦]- في: ت \"فيها\".\n[¬٧]- في ز: \"وسمير\".\n[¬٨]- سقط من: ت.\n[¬٩]- في ز: \"شبابًا\".\n[¬١٠]- في ز: \"عيينة\".\n[¬١١]- في ز، خ: \"الصنعة\".\n[¬١٢]- في ز: \"يعدبهم\"، خ: \"يعذبهم\".\n[¬١٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"7","page":207},{"text":"وقال الحسن بن أبي الحسن البصري أيضًا: فى العسر واليسر. وهذا كله من مقتضيات العموم [في الآية] [¬١]، وهذا اختيار ابن جرير.\nوقال الإمام أبو عمرو الأوزاعي: إذا كان النفير إلى دروب الروم نفر الناس إليها خفافًا وركبانا، وإذا كان النفير إلى هذه السواحل نفروا إليها خفافًا وثقالًا و[¬٢] ركبانًا ومشاة. وهذا تفصيل في المسألة.\nوقد روي عن ابن عباس، ومحمد بن كعب، وعطاء الخراسانى وغيرهم: أن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾ وسيأتي الكلام على ذلك، إن شاء الله.\nوقال السدي: قوله: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ يقول: غنيًّا وفقيرًا، وقويًّا وضعيفًا، فجاءه رجل يومئذ - زعموا [¬٣] أنه المقداد - وكان عظيمًا سمينًا، فشكى إليه وسأله أن يأذن له، فأبى فنزلت يومئذ: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ فلما نزلت هذه الآية اشتد على الناس شأنها، فنسخها الله فقال: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾.\nوقال ابن جرير (^١٠٩): حدثني يعقوب، حدثنا ابن علية، حدثنا أيوب، عن محمد قال: شهد أبو أيوب مع رسول الله ﷺ، بدرًا، ثم لم يتخلف عن غزاة للمسلمين إلا [وهوٍ في آخرين إلا] عامًا واحدًا، قال: وكان أبو أيوب يقول: قال الله تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ فلا أجدني إلا خفيفًا أو ثقيلًا.\nوقال ابن جرير (^١١٠): حدثني سعيد بن عمرو السكوني [¬٤]، حدثنا بقية، حدثنا حريز، حدثني عبد الرحمن بن ميسرة، حدثني أبو راشد الحبراني [¬٥] قال: وافيت المقداد بن الأسود فارس رسول الله، ﵌، جالسًا على تابوت من توابيت الصيارفة بحمص - وقد فضل عنها من عِظَمِهِ - يريد الغزو، فقلت له: قد أعذر الله إليك. فقال: أتت علينا سورة البحوث (*) [¬٦] ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾.\n_________\n(^١٠٩) - تفسير الطبري (١٤/ ٢٦٧) رقم (١٦٧٥٤).\n(^١١٠) - تفسير الطبري (١٤/ ٢٦٨) رقم (١٦٧٥٦).\n(*) يعني سورة التوبة؛ سميت بها لما تضمنت من البحث عن أسرار المنافقين، وهو إثارتها والتفتيش عنها. النهاية [١/ ٩٩].\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ز: \"بالآية\".\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- في ز: \"السكوكي\".\n[¬٥]- في ز: \"الحراني\".\n[¬٦]- في ز، خ: \"البعوث\".","vol":"7","page":208},{"text":"[وبه] [¬١] قال ابن [¬٢] جرير (^١١١): حدثني حبان [¬٣] بن زيد الشرعبي قال: نفرنا مع صفوان بن عمرو، وكان واليًا على حمص، قبل الأفسوس (*) [¬٤]، إلى الجراجمة (**)، فلقيت [¬٥] شيخًا كبيرًا هِمًّا (* * *) قد سقط حاجباه على عينيه، من أهل دمشق على راحلته فيمن أغار، فأقبلت إليه فقلت: يا عم، لقد أعذر الله إليك. قال: فرفع حاجبيه [¬٦] فقال: يا ابن أخي، استنفرَنا الله خفافًا وثقالًا، [] [¬٧] إنه من يحبه الله يَبْتَلِهِ، ثم يعيده الله فيبقيه، وإنما يبتلي الله من عباده من شكر وصبر وذكر، ولم يعبد إلا الله ﷿.\nثم رغب تعالى في النفقة في سبيله، وبذل المُهَج في مرضاته ومرضاة رسوله، فقال: ﴿وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي: هذا خير لكم في الدنيا والآخرة؛ لأنكم تغرمون في النفقة قليلًا، فيغنمكم الله أموال عدوكم في الدنيا، مع ما يدخر لكم من الكرامة في الآخرة، كما قال النبي، ﷺ: \"تكفل [¬٨] الله للمجاهد في سبيله؛ إن [¬٩] توفاه أن يدخله الجنة، أو يرده إلى منزله نائلًا ما نال من أجر أو غنيمة\" (^١١٢).\nولهذا قال الله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٢١٦)﴾.\nومن هذا القبيل ما رواه الإمام أحمد (^١١٣): حدثنا محمد بن أبي عدي، عن حميد، عن أنس: أن رسول الله، ﵌، قال لرجل: \"أسلمْ\". قال: أجدني كارهًا. قال: \"أسلم وإن [¬١٠] كنت كارهًا\".\n_________\n(^١١١) - رواه الطبري في تفسيره (١٤/ ٢٦٤) رقم (١٦٧٤٥).\n(*) الأفسوس: بلدة بثغور طرسوس بالشام. ويقال: إنها بلدة أصحاب الكهف.\n(**) الجراجمة: قوم من العَجَم بالجزيرة أو نبط الشام.\n(* * *) الشيخ الهِمْ: الفاني.\n(^١١٢) - رواه البخاري في صحيحه، كتاب التوحيد، باب: قول الله تعالى: ﴿قل لو كان البحر مدادًا … .﴾ رقم (٧٤٦٣)، ومسلم في صحيحه، كتاب الإمارة رقم (١٨٧٦) من حديث أبي هريرة ﵁.\n(^١١٣) - صحيح - رجاله كلهم ثقات. المسند (٣/ ١٠٩، ١٨١) رقم (١٢٠٧٩، ١٢٨٩١). =\n_________\n[¬١]- في خ: \"و\".\n[¬٢] سقط من: ز.\n[¬٣]- في ت: \"حيان\".\n[¬٤]- في ز: \"الأفسون\".\n[¬٥]- في خ: \"فرأيت\".\n[¬٦]- في ز: \"حاجبه\".\n[¬٧]- بين المعكفوين في ت: \"ألا\".\n[¬٨]- في ز: \"وتكفل\".\n[¬٩]- في ز: \"بإن\".\n[¬١٠]- في ت: \"ولو\".","vol":"7","page":209},{"text":"﴿لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (٤٢)﴾\nيقول تعالى موبخًا للذين تخلفوا عن النبي، ﷺ، في غزوة تبوك، وقعدوا عن النبي، ﷺ، بعد ما استأذنوه في ذلك، مظهرين أنهم ذوو أعذار ولم يكونوا كذلك فقال: ﴿لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا﴾ قال ابن عباس: غنيمة قريبة ﴿وَسَفَرًا قَاصِدًا﴾ أي: قريبًا أيضًا ﴿لَاتَّبَعُوكَ﴾ أي: لكانوا جاءوا معك لذلك [¬١]- ﴿وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ﴾ أي: المسافة إلى الشام ﴿وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ﴾ أي: لكم إذا رجعتم إليهم ﴿لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ﴾ أي: لو لم تكن [¬٢] لنا أعذار لخرجنا معكم [¬٣]. قال الله تعالى: ﴿يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾.\n﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ (٤٣) لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (٤٤) إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ (٤٥)﴾\nقال ابن أبي حاتم (^١١٤): حدّثنا أبي، حدثنا أبو حصين [] [¬٤] بن سليمان الرازي، حدثنا سفيان بن عيينة، عن مسعر، عن عون قال: هل سمعتم بمعاتبة أحسن من هذا؟ بدأ بالعفو قبل المعاتبة فقال: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾.\n_________\n= ورواه أبو يعلي حديث ٣٧٦٥ - (٦/ ٤٠٦). و٣٨٧٩ - (٦/ ٤٧١). وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٥/ ٣٠٥) وقال: رواه أحمد وأبو يعلي ورجالهما رجال الصحيح.\n(^١١٤) - التفسير (٦/ ١٠٠٧٥).\n_________\n[¬١]- في ز: \"كذلك\".\n[¬٢]- في خ: \"يكن\".\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- في ت: ابن يحيى.","vol":"7","page":210},{"text":"وكذا قال مورق العجلي وغيره.\nوقال قتادة: عاتبه كما تسمعون، ثم أنزل التي في سورة النور، فرخص له في أن يأذن لهم إن شاء، فقال [¬١]: ﴿فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ﴾. الآية [¬٢]. وكذا روي عن عطاء الخراساني.\nوقال مجاهد: نزلت هذه الآية في أناس قالوا: استأذنوا رسول الله، ﷺ، فإن أذن لكم فاقعدوا، وإن لم يأذن لكم فاقعدوا.\nولهذا قال تعالى: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ أي: في إبداء الأعذار ﴿وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ﴾ يقول تعالى: هلا تركتهم لما استأذنوك فلم تأذن لأحد منهم في القعود، لتعلم الصادق منهم في إظهار طاعتك من الكاذب، فإنهم قد كانوا مصرين على القعود عن الغزو [وإن لم تأذن لهم فيه.\nولهذا أخبر تعالى أنه لا يستأذنه في القعود عن الغزو] [¬٣] أحد يؤمن بالله ورسوله، فقال: ﴿لَا يَسْتَأْذِنُكَ﴾ أي: في القعود عن الغزو ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [¬٤] وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾؛ [لأن أولئك] [¬٥] يرون الجهاد قربة، ولما ندبهم إليه بادروا وامتثلوا ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (٤٤) إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ﴾ أي: في القعود ممن لا عذر له ﴿الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ أي: لا يرجون ثواب الله في الدار الآخرة على أعمالهم ﴿وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ أي: شكت في صحة ما جئتهم به ﴿فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾ أي: يتحيرون، يقدمون رِجْلًا ويؤخرون أخرى، وليست لهم قدم ثابتة في شيء، فهم قوم حياري هلكي، لا إلى هؤلاء، ولا إلى هؤلاء، ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلًا.\n﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ (٤٦) لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٤٧)﴾\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- في خ: \"بالله ورسوله\".\n[¬٥]- في ت: \"لأنهم\".","vol":"7","page":211},{"text":"يقول تعالى: ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ﴾ أي: معك إلى الغزو ﴿لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً﴾ أي: لكانوا تأهبوا له ﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ﴾ أي: أبغض أن يخرجوا معك [¬١]- قدرًا ﴿فَثَبَّطَهُمْ﴾ أي: أخرهم ﴿وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾ أي: قدرًا.\nثم بين تعالى وجه كراهيته لخروجهم مع المؤمنين فقال: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا﴾ أي [¬٢]؛ لأنهم جبناء مخذولون [¬٣] ﴿وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ﴾ أي: ولأسرعوا السير والمشي بينكم بالنميمة والبغضاء والفتنة ﴿وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾ أي: مطيعون لهم، ومستحسنون لحديثهم وكلامهم، يستنصحونهم [¬٤] وإن كانوا لا يعلمون حالهم؛ فيؤدي هذا إلى وقوع شر بين المؤمنين وفساد كبير.\nوقال مجاهد، وزيد بن أسلم، وابن جرير ﴿وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾ أي: عيون يسمعون لهم الأخبار و[¬٥]، ينقلونها إليهم، وهذا لا يبقي له اختصاص بخروجهم [¬٦] معهم، بل هذا عام في جميع الأحوال، والمعنى الأول أصهر في المناسبة بالسياق، وإليه ذهب قتادة وغيره من المفسرين.\nوقال محمد بن إسحاق (^١١٥): كان [الذين استأذنوا] فيما بلغني من ذوي الشرف منهم: عبد الله بن أبي ابن سلول، والجد بن قيس، وكانوا أشرافا في قومهم، فثبطهم الله؛ لعلمه بهم، أن يخرجوا معه فيفسدوا عليه جنده، وكان في جنده قوم أهل محبة لهم، وطاعة فيما يدعونهم إليه؛ لشرفهم فيهم، فقال: ﴿وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾.\nثم أخبر تعالى عن تمام علمه فقال: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ فأخبر بأنه يعلم ما كان، وما يكون، وما لم يكن، لو كان كيف كان يكون، ولهذا قال تعالى: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا﴾ فأخبر عن حالهم كيف يكون لو خرجوا؛ ومع هذا ما خرجوا، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (٢٨)﴾، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٣)﴾، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (٦٦) وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا\n_________\n(^١١٥) - رواه الطبري في تفسيره (١٤/ ٢٨١) رقم (١٦٧٨١).\n_________\n[¬١]- في ت: \"معكم\".\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في ز، خ: \"مخذولين\".\n[¬٤]- في ز: \"تستنصحونهم\".\n[¬٥]- سقط من: ز.\n[¬٦]- في ز: \"لخروجهم\".","vol":"7","page":212},{"text":"أَجْرًا عَظِيمًا (٦٧) وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ والآيات في هذا كثيرة.\n﴿لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ (٤٨)﴾\nيقول تعالى محرضًا لنبيه، ﵇، على المنافقين ﴿لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ﴾ أي: لقد أعملوا فكرهم، وأجالوا آراءهم في كيدك وكيد أصحابك، وخذلان دينك وإخماله [¬١] مدة طويلة؛ وذلك أول مقدم النبي، ﷺ، المدينة رمته العرب عن قوس واحدة [¬٢]، وحاربته يهود المدينة ومنافقوها، فلما نصره الله يوم بدر وأعلى كلمته، قال عبد الله بن أُبيٍّ وأصحابه: هذا أمر قد توجه، فدخلوا في الإسلام طاهرًا، ثم كلما أعز الله الإسلام وأهله أغاظهم [¬٣] ذلك وساءهم، ولهذا قال تعالى: ﴿حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ﴾.\n﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ (٤٩)﴾\nيقول تعالى: ومن المنافقين من يقول لك يا محمد: ﴿ائذن لي﴾ في القعود ﴿وَلَا تفتني﴾ بالخروج معك بسبب الجواري من نساء الروم. قال الله تعالى: ﴿أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا﴾ أي: قد سقطوا في الفتنة بقولهم هذا، كما قال محمد بن إسحاق، عن الزهري، ويزيد بن رومان، وعبد الله بن أبي بكر، وعاصم [بن عمر] [¬٤] بن قتادة، وغيرهم (^١١٦) قالوا: قال رسول الله، ﵌، ذات يوم، وهو في جهازه للجد بن قيس أخي بني سلمة: \"هل لك لك جدّ العام في جلاد بني الأصفر؟ \" فقال: يا رسول الله، أو تأذن لي ولا تفتني، فوالله لقد عرف قومي ما رجل أشد عجبًا بالنساء مني، وإني أخشى إن رأيت نساء بني الأصفر أن لا أصبر عنهن. فأعرض عنه رسول الله، ﷺ، وقال: \"قد أذنت لك\".\nففي الجد بن قيس نزلت هذه: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي﴾ الآية. أي:\n_________\n(^١١٦) - رواه عنهم الطبري في تفسيره (١٤/ ٢٨٧).\n_________\n[¬١]- في ت: \"وإخماده\".\n[¬٢]- في ز: \"واحد\".\n[¬٣]- في خ: \"غاطهم\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.","vol":"7","page":213},{"text":"إن كان إنما يخشى من نساء بني الأصفر وليس ذلك به، [فما سقط] [¬١] فيه من الفتنة بتخلفه عن رسول الله ﷺ، والرغبة بنفسه عن نفسه - أعظم.\nوهكذا روي عن ابن عباس، ومجاهد، وغير واحد أنها نزلت في الجد بن قيس، وقد كان الجد بن قيس هذا من أشراف بني سلمة. وفي الصحيح: أن رسول الله، ﷺ، قال لهم: \"من سيدكم [يا بني سلمة] [¬٢]؟ \" قالوا: الجد بن قيس على أنَّا نبخله. فقال رسول الله، ﷺ: \"وأي داء أدوأ من البخل؟ ولكن سيدكم الفتى [الأبيض الجعد] [¬٣]: بشر بن البراء بن معرور\".\nوقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ أي: لا محيد لهم عنها، ولا محيص ولا مهرب.\n﴿إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ (٥٠) قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (٥١)﴾\nيعلم ﵎ نبيه، ﷺ، بعداوة هؤلاء له؛ لأنه مهما أصابه من حسنة أي: فتح، ونصر، وظفر على الأعداء، مما يَسُرُّه ويَسُرُّ أصحابه ساءهم ذلك ﴿وَإِنْ تُصِبْكَ [¬٤] مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ﴾ أي: قد احترزنا من متابعته [¬٥] من قبل هذا ﴿وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ﴾ فأرشد الله تعالى رسوله، ﷺ، إلى جوابهم في عداوتهم هذه التامة فقال: ﴿قل﴾ أي: لهم ﴿لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ أي: نحن تحت مشيئة الله وقدره ﴿هُوَ مَوْلَانَا﴾ أي: سيدنا وملجؤنا ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ أي: ونحن متوكلون عليه، وهو حسبنا ونعم الوكيل.\n﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ (٥٢) قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ز: \"فأسقط\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في خ: \"الجعد الأبيض\".\n[¬٤]- في ز: \"يصبك\".\n[¬٥]- في ز، خ: \"مبايعته\".","vol":"7","page":214},{"text":"فَاسِقِينَ (٥٣) وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ (٥٤)﴾\nيقول تعالى: ﴿قُلْ﴾ لهم يا محمد: ﴿هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا﴾ أي: تنتظرون بنا ﴿إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ شهادة أو ظفر بكم؛ قاله ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، وغيرهم ﴿وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ﴾ [أي: ننتظر بكم] [¬١] ﴿أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا﴾ [] [¬٢] أي: ننتظر بكم هذا [أو هذا] [¬٣]، إما أن يصيبكم الله بقارعة [¬٤] من عنده، أو بأيدينا بسبي أو بقتل ﴿فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ﴾.\nوقوله تعالى: ﴿قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾ أي: مهما أنفقتم من نفقة طائعين، أو مكرهين ﴿لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾.\nثم أخبر تعالى عن سبب ذلك وهو أنهم لا يتقبل منهم ﴿لأِنَهُمْ كَفَرُوا باللَّهِ وَبِرَسُولِهِ [¬٥]﴾ [أي: والأعمال إنما تصح بالإِيمان] [¬٦] ﴿وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى﴾ أي: ليس لهم قصد صحيح، ولا همة في العمل ﴿وَلَا يُنْفِقُونَ﴾ نفقة ﴿إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ﴾.\nوقد أخبر الصادق المصدوق، ﷺ، أن \"الله لا يملُّ حتى تملوا، [وإنه] [¬٧] طيب لا يقبل إلا طيبًا\". فلهذا لا يتقبل [¬٨] الله من هوُلاء نفقة ولا عملًا؛ لأنه إنما يتقبل من المتقين.\n﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ (٥٥)﴾\nيقول تعالى لرسوله، ﷺ: ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ﴾ كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في خ: \"فتربصوا\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- في ت: \"بعذاب\".\n[¬٥]- في ز: \"ورسوله\".\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين في خ: \"وإن الله\".\n[¬٨]- في خ: \"يقبل\".","vol":"7","page":215},{"text":"خَيْرٌ وَأَبْقَي﴾. وقال: ﴿أَيَحْسَبُونَ [أَنَّ مَا] [¬١] نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٦)﴾.\nوقوله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ قال الحسن البصري: بزكاتها [¬٢] والنفقة منها في سبيل الله.\nوقال قتادة: هذا من المقدم والمؤخر تقديره: فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم [في الحياة الدنيا] [¬٣]، إنما يريد الله ليعذبهم بها [في الآخرة] [¬٤].\nواختار ابن جرير قول الحسن، وهو القول القوي الحسن.\nوقوله: ﴿وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ أي: ويريد أن يميتهم حين يميتهم على الكفر؛ ليكون ذلك أنكى لهم وأشد لعذابهم، عياذًا بالله! من ذلك، وهذا يكون من باب الاستدراج لهم فيما هم فيه.\n﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ (٥٦) لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلًا لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ (٥٧)﴾\nيخبر الله [¬٥] تعالى نبيه، ﷺ، عن جزعهم وفزعهم وفَرَقِهم وهَلَعهم أنهم ﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ﴾ يمينًا مؤكدة ﴿وما هم منكم﴾ أي: في نفيس الأمر ﴿ولكنهم قوم يفرقون﴾ أي: فهو الذي حملهم على الحلف. ﴿لو يجدون ملجأ﴾ أي: حصنًا يتحصنون به، وحرزًا يحترزون [¬٦] به ﴿أو مغارات﴾ وهي التي في الجبال ﴿أو مدخلًا﴾ وهو السرب في الأرض والنفق، قال ذلك في الثلاثة: ابن عباس، ومجاهد، وقتادة ﴿لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ﴾ أي: يسرعون في ذهابهم [عنكم؛ لأنهم إنما] [¬٧] يخالطونكم [¬٨] [كرهًا لا محبة، وودوا أنهم] [¬٩] لا يخالطونكم، ولكن للضرورة أحكام؛ ولهذا لا يزالون في هم وحزن وغم؛ لأن الإِسلام وأهله لا يزال في عز ونصر ورفعة؛ فلهذا كلما سُرَّ المؤمنون [¬١٠] ساءهم ذلك، فهم يودون أن لا يخالطوا المؤمنين، ولهذا قال: ﴿لو\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ز: \"أنما\".\n[¬٢]- في ز: \"بركابها\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- سقط من: ز.\n[¬٦]- في خ: \"يتحرزون\".\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٨]- سقط من: ز، خ: \"لا يخالطونكم\".\n[¬٩]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬١٠]- في خ: \"المسلمون\".","vol":"7","page":216},{"text":"يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلًا لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ﴾.\n﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ (٥٨) وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ (٥٩)﴾\nيقول تعالى: ﴿ومنهم﴾ أي: ومن المنافقين ﴿من يلمزك﴾ أي: يعيب [¬١] عليك ﴿في﴾ قسم ﴿الصدقات﴾ إذا فرقتها، ويتهمك في ذلك، وهم المتهمون المأبونون، وهم مع هذا لا ينكرون للدين، وإنما ينكرون لحظ أنفسهم؛ ولهذا إن أعطوا من الزكاة رضوا ﴿وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون﴾ أي: يغضبون لأنفسهم.\nقال ابن جريج: أخبرني داود بن أبي عاصم قال: أتي النبي، ﷺ، بصدقة فقسمها هاهنا وهاهنا حتى ذهبت، قال: ووراءه [¬٢] رجل من الأنصار، فقال: ما هذا بالعدل: فنزلت هذه الآية.\nوقال قتادة في قوله: ﴿ومنهم من يلمزك في الصدقات﴾ يقول: ومنهم من يطعن عليك في الصدقات، وذكر لنا أن رجلًا من أهل [¬٣] البادية حديث عهد بأعرابية، أتي النبي، ﷺ، وهو يقسم ذهبًا وفضة، فقال: يا محمد، والله لئن كان الله أمرك أن تعدل ما عدلت. فقال نبي الله، ﷺ: \"ويلك! فمن ذا الذي [¬٤] يعدل عليك بعدي؟ \" ثم قال نبي الله: \"احذروا هذا وأشباهه، فإن في أمتي أشباه هذا يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم، فإذا خرجوا فاقتلوهم، ثم إذا خرجوا فاقتلوهم، ثم إذا خرجوا فاقتلوهم\". وذكر لنا أن نبي الله، ﷺ، كان يقول: \"والذي نفسي بيده، ما أعطيكم شيئًا ولا أمنعكموه [¬٥]، إنما أنا خازن\".\nوهذا الذي ذكره قتادة [شبيه بما] [¬٦] رواه الشيخان (^١١٧) من حديث الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي سعيد في قصة ذي الخويصرة - واسمه حُرْقُوص - لما اعترض على النبي، ﷺ، حين قسم غنائم حنين، فقال له: اعدل فإنك لم تعدل. فقال: \"لقد خبتُ\n_________\n(^١١٧) - صحيح البخاري، كتاب المناقب، باب: علامات النبوة في الإسلام رقم (٣٦١٠)، وصحيح مسلم، كتاب الزكاة رقم (١٠٦٤).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"يعتب\".\n[¬٢]- في ر: \"رآه\"، خ: \"وراءه\".\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- سقط من: ز.\n[¬٥]- في ت: \"أمنعكم\".\n[¬٦]- في ت: \"يشبه ما\".","vol":"7","page":217},{"text":"وخسرتُ إن لم أكن أعدل\". ثم قال رسول الله، ﷺ، وقد رآه مُقَفيًا (*): \"إنه يخرج من ضِئْضِئ (**) هذا قوم يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، يمرقون من الدين مروق السهم من الرمِيَّة، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإنه شر قتلى تحت أديم السماء\". وذكر بقية الحديث.\nثم قال تعالى منبهًا لهم على ما هو خير [من ذلك لهم] [¬١]، فقال: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾ فتضمنت هذه الآية [¬٢] الكريمة أدبًا [¬٣] عطيمًا وسرًّا شريفًا، حيث جعل الرضا بما آتاه الله ورسوله، والتوكل على الله وحده وهو قوله: ﴿وقالوا حسبنا الله﴾ وكذلك الرغبة إلى الله وحده - في التوفيق لطاعة الرسول، ﷺ، وامتثال أوامره، وترك زواجره، وتصديق أخباره، والاقتفاء بآثاره.\n﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٦٠)﴾\nلما ذكر تعالى اعتراض المنافقين الجهلة على النبي، ﷺ، ولمزهم إياه في قسم الصدقات، بَيَّن تعالى أنه هو الذي قسمها، وبين حكمها، وتولى أمرها بنفسه، ولم يَكِلْ قسمها إلى أحد غيره، فجزَّأها لهؤلاء المذكورين، كما رواه الإِمام أبو داود في سننه من حديث عبد الرحمن بن زياد بن أنعم - وفيه ضعف - عن زياد بن نعيم، عن زياد بن الحارث الصدائي، ﵁، قال: أتيت النبي، ﷺ، فبايعته، فأتي رجل فقال: أعطني من الصدقة. فقال له: \"إن الله لم يرض بحكم نبي، ولا غيره في الصدقات، حتى حكم فيها هو، فجزأها ثمانية أصناف، فإن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك\" (^١١٨).\nفقد اختلف العلماء في هذه الأصناف الثمانية: هل يجب استيعاب الدفع إليها، أو إلى ما أمكن منها؟ على قولين: أحدهما: أنه يجب ذلك، وهو قول الشافعي وجماعة.\n_________\n(*) أي: مولِّيًا؛ كأنه من ولَّي وأعطانا قفاه.\n(**) الضئضئ: أصل الشيء.\n(^١١٨) - سنن أبي داود، كتاب الزكاة، باب: من يعطي من الصدقة، وفضل الغني برقم (١٦٣٠).\n_________\n[¬١]- في خ: \"لهم من ذلك\".\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- في ز: \"إذنًا\".","vol":"7","page":218},{"text":"والثاني: أنه لا يجب استيعابها، بل يجوز الدفع إلى واحد منها، ويُعْطَى جميع الصدقة مع وجود الباقين، وهو قول مالك وجماعة من السلف والخلف، منهم عمر، وحذيفة، وابن عباس وأبو العالية، وسعيد بن جبير، وميمون بن مهران.\nقال ابن جرير: وهو قول عامة أهل العلم، وعلى هذا فإنما ذكرت الأصناف هاهنا لبيان المصرف لا لوجوب استيعاب الإِعطاء.\nولوجوه الحجاج والمآخذ مكان غير هذا، والله أعلم.\nوإنما قدم الفقراء هاهنا [] [¬١]؛ لأنهم أحوج من البقية [¬٢] على المشهور، [و] [¬٣] لشدة فاقتهم وحاجتهم. وعند أبي حنيفة أن المسكين اسوأ حالًا من الفقير، وهو كما قال.\nقال ابن جرير (^١١٩): حدثني يعقوب، حدثنا ابن علية، أنبأنا ابن عون، عن محمد قال: قال عمر ﵁: الفقير ليس بالذي لا مال له، ولكن الفقير الأخلق (*) الكسب. قال ابن علية: الأخلق: المُحارَف (**) [¬٤] عندنا.\nوالجمهور على خلافه.\nوروي عن ابن عباس، ومجاهد، والحسن البصري، وابن زيد (* * *) - و[اختاره] [¬٥] ابن جرير - وغير واحد: أن الفقير هو المتعفف الذي لا يسأل الناس شيئًا، والمسكين هو الذي يسأل ويطوف يتبع الناس.\nوقال قتادة: الفقير من به زَمَانة، والمسكين الصحيح الجسم.\n_________\n(^١١٩) - تفسير الطبري (١٤/ ٣٠٨) رقم (١٦٨٣٣).\n(*) يقال: حجر أخلق: أي: أملس مُصْمَت لا يؤثر فيه شيء. أراد أن الفقر الأكبر هو فقر الآخرة، وأن فقر الدنيا أهون الفقرين. ومعنى وصف الكسب بذلك أنه وافر منتظم، لا يقع فيه وكس ولا شطط … وهو مثل للرجل الذي لا يصاب في ماله ولا ينكب فيثاب على صبره، فإذا لم يصب فيه ولم ينكب كان فقيرًا من الثواب.\n(**) المُحارف - بفتح الراء - هو المحروم المجدود، الذي إذا طلب لا يرزق.\n(* * *) انظر هذه الآثار فى تفسير الطبري [١٤/ ٣٠٥، ٣٠٦].\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين فى ت: \"على البقية\".\n[¬٢]- في ت: \"غيرهم\".\n[¬٣]- في ت: \"و\".\n[¬٤]- في ز: \"المحارب\".\n[¬٥]- في ز، خ: واختار.","vol":"7","page":219},{"text":"وقال الثوري، عن منصور عن إبراهيم: هم فقراء المهاجرين، قال سفيان الثوري: يعني: ولا يعطى الأعراب منها شيئًا.\nوكذا روي عن سعيد بن جبير، وسعيد بن عبد الرحمن بن أبزى.\nوقال عكرمة: و[¬١] لا تقولوا لفقراء المسلمين مساكين، إنما المساكين مساكين [¬٢] أهل الكتاب.\nولنذكر أحاديث تتعلق بكل من الأصناف الثمانية.\nفأما الفقراء فعن ابن عمرو [¬٣] قال: قال رسول الله، ﷺ: \"لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مِرَّة سوي (*) \" رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي (^١٢٠).\nولأحمد أيضًا والنسائي، وابن ماجة، عن أبي هريرة مثله (^١٢١).\nوعن عبيد الله بن عدي بن الخيار، أن رجلين أخبراه أنهما أتيا النبي، ﷺ، يسألانه من الصدقة، فقلَّب (**) فيهما البصر، فرآهما جلدين (* * *) فقال: \"إن شئتما أعطيتكما، ولا حظ فيها [¬٤] لغنيٍّ ولا لقوي مكتسب\".\nرواه أحمد، وأبو داود، والنسائي بإسنادٍ جيد قوي (^١٢٢).\nوقال ابن أبي حاتم في كتاب الجرح [والتعديل: أبو بكر العبسي قال: قرأ عمر ﵁: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ قال: هم أهل الكتاب] [¬٥]. روى عنه عمر بن\n_________\n(^١٢٠) - المسند (٢/ ١٦٤) وسنن أبي داود، كتاب الزكاة، باب: من يعطى من الصدقة وهو غني، رقم (١٦٣٤) وسنن الترمذي، كتاب الزكاة رقم (٦٥٢).\n(^١٢١) - المسند (٢/ ٣٧٧) وسنن النسائي (٥/ ٩٩) وسنن ابن ماجه، كتاب الزكاة، باب: من سأل عن ظهر غنى برقم (١٨٣٩).\n(*) المِرَّة: القوة والشدة. والسوي: الصحيح الأعضاء.\n(**) أي دقق فيهما النظر.\n(* * *) جلدين: أي قويين.\n(^١٢٢) - المسند (٤/ ٢٢٤) رقم (١٨٠٢٧) وسنن أبي داود، كتاب الزكاة رقم (١٦٣٣) وسنن النسائي (٥/ ٩٩).\n_________\n[¬١]- سقط من: ت.\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- فى ز: \"عمر\".\n[¬٤]- في خ: \"بينهما\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"7","page":220},{"text":"نافع سمعت أبي يقول ذلك.\nقلت: وهذا قول غريب جدًّا بتقدير صحة الإسناد، فإن أبا بكر هذا، وإن لم ينص أبو حاتم على جهالته لكنه في حكم المجهول.\nوأما المساكين فعن أبي هريرة، ﵁، أن رسول الله، ﷺ، قال: \"ليس المسكين بهذا الطَّوَّاف الذي يطوف على الناس، فترده اللقمة واللقمتان، والتمرة والتمرتان\". قالوا: فما المسكين يا رسول الله؟ قال: \"الذي لا يجد غنى يغنيه، ولا يُفْطَنُ له فيتصدق عليه، ولا يسأل الناس شيئًا\". رواه الشيخان: البخاري ومسلم (^١٢٣).\nوأما العاملون عليها: فهم الجُبَاة والسعاة يستحقون منها قسطًا على ذلك، ولا يجوز أن يكونوا من أقرباء رسول الله، ﷺ، الذين تحرم عليهم الصدقة، لما ثبت في صحيح مسلم عن عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث أنه انطق هو والفضل بن العباس يسألان رسول الله، ﷺ، ليستعملهما على الصدقة، فقال: \"إن الصدقة لا تحل لمحمد، ولا لآل محمد، إنما هي أوساخ الناس\" (^١٢٤).\nوأما المؤلفة قلوبهم فأقسام:\nمنهم: من يعطى لِيُسْلِم، كما أعطى النبي، ﵌، صفوان بن أمية من غنائم حنين، وقد كان شهدها مشركًا، قال: فلم يزل يعطيني حتى صار أحب الناس إليَّ بعد أن كان أبغض الناس إلي، كما قال الإِمام أحمد: حدثنا زكريا بن عدي، أنا ابن المبارك، عن يونس، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن صفوان بن أمية قال: أعطاني رسول الله، ﷺ، يوم حنين، وإنه لأبغض الناس إليَّ، فما زال يعطيني حتى [صار، و] [¬١] إنه لأحب الناس إلي.\nورواه مسلم والترمذي من حديث يونس عن الزهري، به (^١٢٥).\nومنهم: من يعطى ليحسن إسلامه ويثبت قلبه، كما أعطى يوم حنين أيضًا جماعة من\n_________\n(^١٢٣) - صحيح البخاري، كتاب الزكاة رقم (١٤٧٩) وصحيح مسلم، كتاب الزكاة رقم (١٠٣٩).\n(^١٢٤) - صحيح مسلم، كتاب الزكاة برقم (١٠٧٢).\n(^١٢٥) - المسند (٦/ ٤٦٥) رقم (٢٧٧٤٦)، وصحيح مسلم، كتاب الفضائل رقم (٢٣١٣) وسنن الترمذي، كتاب الزكاة برقم (٦٦٦).\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.","vol":"7","page":221},{"text":"صناديد الطلقاء، وأشرافهم مائة من الإبل، مائة من الإبل، وقال: \"إني لأعطي الرجل وغيره أحب إلى منه، مخافة [¬١] أن يكُبَّه الله على وجهه في نار جهنم\" (^١٢٦).\nوفي الصحيحين (^١٢٧) عن أبي سعيد: أن عليًّا بعث إلى النبي، ﵌، بِذُهَيْبَةٍ فى تربتها من اليمن، فقسمها بين أربعة نفر: الأقرع بن حابس، وعيينة بن بدر، وعلقمة بن علاثة، وزيد الخير، وقال: \"أتألفهم\".\nومنهم: من يعطى لما يرجى من إسلام نظرائه.\nومنهم: من يعطى ليجبي [¬٢] الصدقات ممن يليه، أو ليدفع عن حوزة المسلمين الضرر من أطراف البلاد، ومحل تفصيل هذا فى كتب الفروع، والله أعلم.\nوهل تعطى المؤلفة على الإِسلام بعد النبي، ﷺ؟ فيه خلاف، فروي عن عمر [وعامر الشعبي] [¬٣] وجماعة أنهم لا يعطون بعده؛ لأن الله قد أعز الإِسلام وأهله، ومكن لهم في البلاد، وأذل لهم رقاب العباد.\nوقال آخرون: بل يعطون؛ لأنه، ﵊، قد أعطاهم بعد فتح مكة وكَسْر هوازن، وهذا أمر قد يحتاج إليه فيصرف إليهم.\nوأما الرقاب، فروي عن الحسن البصري، ومقاتل بن حيان، وعمر بن عبد العزيز، وسعيد بن جبير، والنخعي، والزهري، وابن زيد: أنهم المكاتبون، وروي عن أبي موسى الأشعري نحوه، وهو قول الشافعي والليث، ﵄.\nوقال ابن عباس والحسن: لا بأس أن تعتق الرقبة من الزكاة.: هو مذهب [الإمام أحمد ابن حنبل]، ومالك، وإسحاق، أي: أن الرقاب أعم من أن يعطي المكاتب، أو يشتري رقبة فيعتقها استقلالًا، وقد ورد في ثواب الإِعتاق، وفك الرقبة أحاديث كثيرة، وأن الله يعتق بكل عضو منها عضوًا من معتقها حتى الفرج بالفرج، وما ذاك إلا لأن الجزاء من جنس العمل ﴿وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.\nوعن أبي هريرة، ﵁، أن النبي، ﷺ، قال \"ثلاثة حق على الله عونهم:\n_________\n(^١٢٦) - صحيح البخاري، كتاب الزكاة برقم (١٤٧٨) من حديث سعد بن أبي وقاص ﵁.\n(^١٢٧) - صحيح البخاري، كتاب المناقب برقم (٣٣٤٤) وصحيح مسلم، كتاب الزكاة برقم (١٠٦٤).\n_________\n[¬١]- في ت: \"خشية\".\n[¬٢]- في خ: \"لتجى\".\n[¬٣]- في ت: \"عامر والشعبي\".","vol":"7","page":222},{"text":"الغازي [¬١] في سبيل الله، والمكاتب الذي [¬٢] يريد الأداء، والناكح الذي يريد العفاف\".\nرواه الإِمام أحمد وأهل السنن إلا أبا داود (^١٢٨).\nوفي المسند عن البراء بن عازب، قال: جاء رجل فقال: يا رسول الله، دُلَّني على عمل يقربني من الجنة ويباعدني من النار. فقال: \"أعتق النسمة وفك الرقبة\". فقال: يا رسول الله، أو ليسا واحدًا؟ قال: \" لا، عتق النسمة أن تفرد بعتقها، وفك الرقبة أن تعين في ثمنها\" (^١٢٩).\nوأما الغارمون فهم أقسام:\nفمنهم من تحمل [¬٣] حمالة (*) أو [¬٤] ضمن دينًا فلزمه، فأجحف بماله، أو غرم في أداء دينه، أو في معصية ثم تاب، فهؤلاء يدفع إليهم. والأصل في هذا الباب حديث قبيصة بن مخارق الهلالي، قال: تحملت حمالة فأتيت رسول الله، ﷺ، أسأله فيها فقال: \"أقم حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها\". قال: ثم قال: \"يا قبيصة، إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة: رجل تحمل حمالة فحلت له المسألة حتى يصيبها ثم يمسك، ورجل أصابته جائحة اجتاحت ماله، فحلت له المسألة حتى يصيب قوامًا من عيش - أو قال سدادًا من عيش - ورجل أصابته فاقة حتى يقوم ثلاثة من ذوي الحجا من [] [¬٥] قومه، قولون: لقد أصابت فلانًا فاقة فحلت له المسألة، حتى يصيب قوامًا من عيش - أو قال [¬٦] سدادًا من عيش - ففي سواهن من المسألة سُحْتٌ، يأكلها صاحبها سحتًا\". رواه مسلم (^١٣٠).\n_________\n(^١٢٨) - المسند (٢/ ٢٥١)، وسنن الترمذي برقم (١٦٥٥)، وسنن النسائي (٦/ ٦١)، وسنن ابن ماجه برقم (٢٥١٨)، وقال الترمذي: \"هذا حديث حسن\".\n(^١٢٩) - المسند (٤/ ٢٩٩) رقم (١٨٧٠١)، وأخرجه البخاري في \"الأدب المفرد\" (٦٩)، والطيالسي (٧٣٩)، وابن حبان فى \"صحيحه\" (٣٧٤) (٢/ ٩٧ - ٩٨)، وفي الموارد (١٢٠٩) (٨/ ١١٨ - ١١٩). والحاكم في \"مستدركه\" (٢/ ٢١٧)، والبيهقي في الكبرى (١٠/ ٢٧٢ - ٢٧٣). والبغوي في \"شرح السنة\" (٢٤١٩) (٩/ ٣٥٤). من طريق عيسى بن عبد الرحمن البجلي عن طلحة اليامي به. وقال الحاكم: حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وهو كما قالا. وذكره الهيثمي فى المجمع (٤/ ٢٤٣) وقال: رواه أحمد، ورجاله ثقات.\n(*) الحَمَالة: ما يتحمله الإنسان عن غيره من دية أو غرامة، مثل أن يقع حرب بين فريقين، تسفك فيها الدماء، فيدخل بينهم رجل يتحمل ديات القتلى ليصلح ذات البين.\n(^١٣٠) - صحيح مسلم، كتاب الزكاة برقم (١٠٤٤).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"المغازي\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"والمدين\".\n[¬٣]- فى ز، خ: \"يحمل\".\n[¬٤]- في ز: \"إن\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين فى ت: \"قرابة\".\n[¬٦]- سقط من: ز.","vol":"7","page":223},{"text":"وعن أبي سعيد قال: أصيب رجل في عهد رسول الله، ﵌، في ثمار ابتاعها، فكثر دينه، [فقال النبي، ﷺ: \"تصدقوا عليه\". فتصدق الناس عليه، فلم يبلغ ذلك وفاء دينه] [¬١]، فقال النبي، ﷺ لغرمائه: \" خذوا ما وجدتم، وليس لكم إلا ذلك\". رواه مسلم (^١٣١).\nوقال الإِمام أحمد (^١٣٢): حدثنا عبد الصمد، أنبأنا صدقة بن موسى، عن أبي عمران الجوني، عن قيس بن زيد، عن قاضي المصرين، عن عبد الرحمن بن أبي بكر؛ قال: قال رسول الله، ﷺ: \"يدعو الله بصاحب الدَّيْن يوم القيامة، حتى يوقف بين يديه فيقول: يا ابن آدم، فيم أخذت هذا الدين، وفيم ضيعت حقوق الناس [¬٢]؟ فيقول: يا رب، [إنك تعلم] [¬٣] أني أخذته، فلم آكل ولم أشرب ولم أضيع، ولكن أتى على يدي إما حرق وإما سرق وإما وضيعة. فيقول الله: صدق عبدي، أنا أحق من قضى عنك اليوم، فيدعو الله بشيء فيضعه في كفة ميزانه، فترجح حسناته على سيئاته، فيدخل الجنة بفضل الله ورحمته\".\nوأما ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، فمنهم الغزاة الذين لا حق لهم في الديوان، وعند الإِمام أحمد والحسن وإسحاق: والحج من سبيل الله، للحديث.\nوكذلك ﴿ابْنِ السَّبِيلِ﴾، وهو المسافر المجتاز في بلد، ليس معه شيء يستعين به على سفره، فيعطى من الصدقات ما يكفيه إلى بلده، وإن كان له مال، وهكذا الحكم فيمن أراد إنشاء سفرٍ من بلده وليس معه شيء، فيعطى من مال الزكاة كفايته في ذهابه وإيابه. والدليل على ذلك الآية، وما رواه الإمام أبو داود وابن ماجه من حديث معمر، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد ﵁ (^١٣٣)، قال: قال رسول الله، ﷺ: \"لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة: العامل عليها، أو رجل اشتراها بماله، أو غارم، أو غازٍ في سبيل الله، أو مسكين تُصُدِّقَ عليه منها فأهدى لغني\".\nوقد رواه السفيانان، عن زيد بن أسلم، عن عطاء مرسلًا، ولأبى داود عن عطية\n_________\n(^١٣١) - صحيح مسلم، كتاب المساقاة برقم (١٥٥٦).\n(^١٣٢) - المسند (١/ ١٩٧، ١٩٨).\n(^١٣٣) - سنن أبي داود، كتاب الزكاة، باب: من يجوز له أخذ الصدقة وهو غني رقم (١٦٣٥) وسنن ابن ماجه، كتاب الزكاة برقم (١٨٤١).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في خ: \"أنت أعلم\".","vol":"7","page":224},{"text":"العوفي، عن أبي سعيد الخدري (^١٣٤)، قال: قال رسول الله، ﷺ: \"لا تحل الصدقة لغني إلا في سبيل الله، وابن السبيل، أو جار فقير فيهدي [¬١] لك أو يدعوك\".\nوقوله: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾ أي: حكمًا [مقدرًا بتقدير] [¬٢] الله وفرضه وقسمته [¬٣] ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ أي: عليم بظواهر الأمور وبواطنها وبمصالح عباده ﴿حَكِيمٌ﴾ فيما [يفعله ويقوله] [¬٤] ويشرعه ويحكم به، لا إله إلا هو ولا رب سواه.\n﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦١)﴾\nيقول تعالى: ومن المنافقين قوم يؤذون رسول الله، ﷺ، بالكلام فيه ﴿وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ﴾ أي: من قال له شيئًا [¬٥] صدقه، و[¬٦] من حدثه فينا صدقه، فإذا جئناه [¬٧] وحلفنا له صدقنا. روي معناه عن ابن عباس ومجاهد وقتادة. قال الله تعالى: ﴿قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ﴾ أي: هو أذن خير، يعرف الصادق من الكاذب ﴿يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: ويصدق المؤمنين ﴿وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ﴾ أي: فهو حجة على الكافرين؛ ولهذا قال: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.\n﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ (٦٢) أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ (٦٣)﴾\nقال قتادة في قوله تعالى: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ﴾ الآية - قال: ذكر لنا أن رجلًا من المنافقين قال: والله، إن هؤلاء لخيارنا وأشرافنا، وإن كان ما يقول محمد حقًّا [¬٨]\n_________\n(^١٣٤) - سنن أبي داود، كتاب الزكاة، باب: من يجوز له أخذ الصدقة وهو غني رقم (١٦٣٧) وعطية العوفي ضعيف.\n_________\n[¬١]- في ز: \"فيهوي\".\n[¬٢]- في ز: \"مقررًا بتقرير\".\n[¬٣]- في خ: \"وقسمه\".\n[¬٤]- في خ: \"يقوله ويفعله\".\n[¬٥]- في ز: \"شيء\".\n[¬٦]- سقط من: ز.\n[¬٧]- في ز: \"جئنا\".\n[¬٨]- في ز: \"لحقًّا\".","vol":"7","page":225},{"text":"لهم شرٌّ من الحمير. قال: فسمعها رجل من المسلمين فقال: والله، إن ما يقول محمد لحق، ولأنت أشر من الحمار. قال: فسعى بها الرجل إلى نبي الله [¬١]، ﷺ، فأخبره، فأرسل إلى الرجل فدعاه، فقال: \"ما حملك على الذي قلت؟ \" فجعل يلتعن ويحلف بالله ما قال ذلك، وجعل الرجل المسلم يقول: اللهم صَدِّقِ الصادق وكَذِّب الكاذب، فأنزل الله ﷿: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ﴾.\nوقوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا﴾. أي: ألم يتحققوا ويعلموا أنه من حاد الله ﷿، أي: شاقه وحاربه وخالفه، وكان في حد والله ورسوله في حد ﴿فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا﴾ أي: مهانًا معذبًا و[¬٢] ﴿ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ﴾ أي: وهذا هو الذل العظيم، والشقاء الكبير.\n﴿يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ (٦٤)﴾\nقال مجاهد: يقولون القول بينهم، ثم يقولون: عسى الله أن لا يفشي علينا سرنا هذا.\nوهذه الآية شبيهة بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾، وقال في هذه الآية: ﴿قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ﴾ أي: إن الله سينزل على رسوله ما يفضحكم به، ويبين له أمركم، كقوله تعالى: [﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ﴾ إلى قوله] [¬٣]: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ﴾ ولهذا قال قتادة: كانت [¬٤] تسمى هذه السورة الفاضحة؛ فاضحة المنافقين.\n﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ (٦٦)﴾\nقال أبو معشر المديني، عن محمد بن كعب القرظي وغيره قالوا: قال رجل من\n_________\n[¬١]- في خ: \"النبي\".\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- في ز: \"وكانت\".","vol":"7","page":226},{"text":"المنافقين: ما أرى قراءنا هؤلاء إلا أرغبنا بطونًا، وأكذبنا ألسنة، وأجبننا عند اللقاء. فرفع ذلك إلى رسول الله، ﷺ، فجاء إلى رسول الله، ﵌، وقد ارتحل وركب ناقته، فقال: يا رسول الله، إنما كنا نخوض ونلعب. فقال: ﴿أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ إلى قوله: ﴿كَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ وإن رجليه لتنسفان (*) [¬١] الحجارة، وما يلتفت إليه رسول الله، ﷺ، وهو متعلق بنِسْعَة (**) [¬٢] رسول الله، ﵌.\nوقال عبد الله بن وهب: أخبرني هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن عبد الله بن عمر؛ قال: قال رجل في غزوة تبوك في مجلس يومًا: ما [¬٣] رأيت مثل قرائنا هؤلاء: أرغب بطونًا، ولا أكذب ألسنًا، ولا أجبن عند اللقاء. فقال رجل في المسجد: كذبت، ولكنك منافق، لأخبرنَّ رسول الله، ﷺ. فبلغ ذلك رسول الله، ﷺ، ونزل القرآن. قال [¬٤] عبد الله بن عمر: وأنا رأيته متعلقًا بحَقَب (* * *) ناقة رسول الله، ﷺ، تنكبه [¬٥] الحجارة، وهو يقول: يا رسول الله، إنما كنا نخوض ونلعب. ورسول الله، ﵌، يقول: ﴿أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ الآية [¬٦].\nوقد رواه الليث عن هشام بن سعد بنحو من هذا (^١٣٥).\nوقال ابن إسحاق (^١٣٦): وقد كان جماعة من المنافقين منهم: وديعة بن ثابت أخو بنى أمية بن زيد [بن] [¬٧] عمرو بن عوف، ورجل من أشجع حليف لبني سلمة يقال له مُخَشِّن [¬٨] بن حُمَيِّر، يُشيرُون [¬٩] إلى رسول الله، ﷺ، وهو منطق إلى تبوك، فقال بعضهم لبعض: أتحسبون جلاد بني الأصفر كقتال العرب بعضهم بعضًا، والله، لكأنا بكم\n_________\n(*) نَسَف الشيء: فرقه وأذراه.\n(**) النسعة: سَيْر مضفور. يجعل زمامًا للبعير وغيره. وقد تنسج عريضة تجعل على صدر البعير.\n(* * *) الحقَب: الحزام الذي يلي حقو البعير.\n(^١٣٥) - رواه الطبري في تفسيره (١٤/ ٣٣٣، ٣٣٤) رقم (١٦٩١٢).\n(^١٣٦) - السيرة النبوية لابن هشام (٢/ ٥٢٤).\n_________\n[¬١]- في ز: \"ليسفعان\".\n[¬٢]- في ز: \"بنسفة\".\n[¬٣]- فى ت: \"ما\"، خ: \"ما يومًا\".\n[¬٤]- في خ: \"فقال\".\n[¬٥]- فى ز: \"تركبه\".\n[¬٦]- سقط من: ز، خ.\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين في ت: \"من بنى\".\n[¬٨]- في ز: \"فحش\".\n[¬٩]- في ز: \"يسيرون\".","vol":"7","page":227},{"text":"غدًا مقرنين في الحبال [¬١]؛ إرجافا وترهيبًا للمؤمنين، فقال مُخَشِّن [¬٢] بن حُمَيِّر: والله، لوددت أني أقاضَى على أن يضرب كل رجل منا مائة جلدة، وإننا ننفلت [¬٣] أن ينزل فينا قرآن لمقالتكم [¬٤] هذه. وقال رسول الله، ﷺ، فيما بلغني لعمار بن ياسر: \"أدرك القوم، فإنهم قد احترقوا، فسلهم [¬٥] عما قالوا، فإن أنكروا فقل: بلى، قلتم كذا وكذا\". فانطق إليهم عمار، فقال ذلك لهم [¬٦]، فأتوا رسول الله، ﷺ، يعتذرون إليه، فقال وديعة بن ثابت، ورسول الله، ﷺ، واقف على راحلته، فجعل يقول وهو آخذ بحقبها: يا رسول الله، إنما كنا نخوض ونلعب. [فنزلت الآية] [¬٧] [فقال مُخَشِّن] [¬٨] بن حُمَيِّر: يا رسول الله، قعد بي اسمي واسم أبي. فكان الذي عفي [¬٩] عنه في هذه الآية مخشن [¬١٠] بن حمير فتسمى عبد الرحمن، وسأل الله أن يقتله [¬١١] شهيدًا لا يعلم بمكانه، فقتل يوم اليمامة، فلم [¬١٢] يوجد له أثر.\nوقال قتادة ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾ قال: فبينما النبي، ﵌، فى غزوة تبوك، ورَكْبٌ من المنافقين يسيرون بين يديه، فقالوا: يظن هذا أن يفتح قصور الروم وحصونها هيهات! هيهات! فأطلع الله نبيه، ﵌، على ما قالوا، فقال:! عليَّ بهؤلاء النفر\". فدعاهم فقال: \"قلتم كذا وكذا\" فحلفوا ما كنا إلا نخوض ونلعب.\nوقال عكرمة فى تفسير هذه الآية: كان رجل ممن إن شاء الله عفا عنه يقول: اللهم إني أسمع آية أنا أعنى بها، تقشعر منها الجلود، و[تحب منها القلوب] [¬١٣]، اللهم؛ فاجعل وفاتي قتلًا في سبيلك، لا يقول [¬١٤] أحد أنا غسلت، أنا كفنت، أنا دفنت. قال: فأصيب يوم اليمامة فما أحد من المسلمين إلا وقد وُجِدَ غَيْرَهُ.\nوقوله: ﴿لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ أي: بهذا المقال الذي استهزأتم به ﴿إِنْ\n_________\n[¬١]- في خ: \"الجبال\".\n[¬٢]- في ز: \"فحش\".\n[¬٣]- في ز: \"نتقلب\".\n[¬٤]- في ز: \"لمقاتلتكم\".\n[¬٥]- في خ: \"فاسألهم\".\n[¬٦]- سقط من: ز.\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٨]- ما بين المعكوفتين في ز: \"وقال فحش\".\n[¬٩]- سقط من: ز، خ.\n[¬١٠]- في ز: \"فحش\".\n[¬١١]- في خ: \"يقتل\".\n[¬١٢]- في خ: \"ولم\".\n[¬١٣]- في ز: \"يجب منها القلب\".\n[¬١٤]- في ز: \"يقل\".","vol":"7","page":228},{"text":"نَعْفُ [¬١] عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ [¬٢] طَائِفَةً﴾ أي: لا يعفى عن جميعكم، ولابد من عذاب بعضكم ﴿بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ [أي مجرمين] [¬٣] بهذه المقالة الفاجرة الخاطئة.\nالْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٦٧) وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (٦٨)\nيقول تعالى منكرًا على المنافقين الذين هم على خلاف صفات المؤمنين، ولما كان المؤمنون يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، كان هؤلاء ﴿يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ﴾ أي: عن الإِنفاق في سبيل اللَّه ﴿نَسُوا اللَّهَ﴾ أي: نسوا ذكر اللَّه ﴿فَنَسِيَهُمْ﴾ أي: عامدهم معامدة من نسيهم، كقوله تعالى: ﴿[وَقِيلَ الْيَوْمَ] [¬٤] نَنْسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ أي: الخارجون عن صريق الحق، الداخلون في طريق الضلالة.\nوقوله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ﴾ أي: على هذا الصنيع الذي ذكر عنهم ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أي: ماكثين فيها مخلدين هم والكفار ﴿هِيَ حَسْبُهُمْ﴾ أي: كفايتهم في العذاب ﴿وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾ أي: طردهم وأبعدهم ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾.\nكَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٦٩)\n_________\n[¬١]- في ز: \"يعف\".\n[¬٢]- في ز: \"تعذب\".\n[¬٣]- فى ز: \"مجرمين\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين فى ز: \"فاليوم\".","vol":"7","page":229},{"text":"يقول تعالى: أصاب هؤلاء من عذاب اللَّه تعالى في الدنيا والآخرة، كما أصاب من قبلهم، وقد كانوا أشد منهم قوة، وأكر أموالًا وأولادًا، وقوله [¬١]: ﴿فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ﴾ قال الحسن البصري: بدينهم. وقوله [¬٢]: ﴿كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا﴾ أي: في الكذب والباطل ﴿أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ أي: بطت مساعيهم، فلا ثواب لهم عليها؛ لأنها فاسدة ﴿فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾؛ لأنهم لم يحصل لهم عليها ثواب.\nقال ابن جريج، عن عمر [¬٣] بن عطاء، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله: ﴿كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ …﴾ الآية، قال ابن عباس: ما أشبه الليلة بالبارحة! ﴿كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ هؤلاء بنو إسرائيل شُبِّهْنَا لهم، لا أعلم إلا أنه قال: \"والذي نفسي بيده، لتتبعُنَّهم حى لو دخل الرجل منهم [¬٤] جحر ضَبٍّ لدخلتموه\" (^١٣٧).\nقال ابن جريج (^١٣٨): وأخبرني زياد بن سعد، عن محمد بن زيد [¬٥] بن مهاجر، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة، ﵁، قال: قال رسول اللَّه، ﷺ: \"والذي نفسي بيده، لتتبعن سنن الذين من قبلكم، شبرًا بشبر، وذراعًا بذراع، وباعًا بباع، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه\". قالوا: ومن هم يا رسول اللَّه؟ [] [¬٦] أهل الكتاب؟! قال: \"فمه! \".\nوهكذا رواه أبو معشر (^١٣٩)، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، عن النبي، ﷺ … فذكره. وزاد: قال أبو هريرة: اقرءوا إن شئتم القرآن ﴿كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾. قال أبو هريرة: الخلاق: الدين، ﴿وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا﴾ قالوا: يا رسول اللَّه، كما صنعت فارس والروم؟ قال: \"فهل الناس إلا هم؟! \".\n_________\n(^١٣٧) - رواه الطبرى في تفسيره (١٤/ ٣٤١) رقم (١٦٩٣١).\n(^١٣٨) - رواه الطبرى في تفسيره (١٤/ ٣٤٢) رقم (١٦٩٣٢).\n(^١٣٩) - رواه الطبري في تفسره (١٤/ ٣٤١) رقم (١٦٩٣٠) وإسناده ضعيف من أجل أبي معشر وهو نحيح بن عبد الرحمن السندي.\n_________\n[¬١]-[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في ز، خ: \"عمرو\".\n[¬٤]- سقط من: خ.\n[¬٥]- في ز: \"زياد\".\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين في ز: \"قال\".","vol":"7","page":230},{"text":"وهذا الحديث له شاهد في الصحيح (^١٤٠).\n﴿أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٧٠)﴾\nيقول تعالى واعظًا لهؤلاء المنافقين المكذبين للرسل ﴿أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أي: ألم تخبروا خبر من كان قبلكم من الأمم المكذبة للرسل ﴿قَوْمِ نُوحٍ﴾ وما أصابهم من الغرق العام لجميع أهل الأرض، إلا من آمن بعبده ورسوله نوح ﵇، ﴿وَعَادٍ﴾ كيف أهلكوا بالريح العقيم، لما كذبوا هودًا ﵇، ﴿وَثَمُودَ﴾ كيف أخذتهم الصيحة، لما كذبوا صالحًا ﵇، وعقروا الناقة ﴿وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ﴾ كيف نصره اللَّه عليهم، وأيده بالمعجزات [¬١] الظاهرة عليهم، وأهلك ملكهم النمرود [¬٢] بن كنعان بن كوش الكنعاني لعنه اللَّه، ﴿وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ﴾ وهم قوم شعيب ﵇، وكيف أصابتهم [¬٣] الرجفة والصيحة وعذاب يوم [¬٤] الظلة ﴿وَالْمُؤْتَفِكَاتِ﴾ قوم لوط، وقد كانوا يسكنون في مدائن، وقال في الآية الأخرى: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى﴾ أي: الأمة المؤتفكة، وقيل: أم قراهم: وهي سدوم.\nوالغرض أن اللَّه تعالى أهلكهم عن آخرهم بتكذيبهم نبي اللَّه لوطًا ﵇، وإتيانهم الفاحشة التي لم يسبقهم بها أحد من العالمين.\n﴿أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ أي: بالحجج والدلائل القاطعات ﴿فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾ أي: بإهلاكه إياهم؛ لأنه أقام عليهم الحجة بإرسال الرسل وإزاحة العلل ﴿وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ أي: بتكذيبهم الرسل، ومخالفتهم الحق، فصاروا إلى ما صاروا إليه من العذاب والدمار.\n﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ\n_________\n(^١٤٠) - صحيح البخاري، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة رقم (٧٣١٩) من طريق محمد بن أبي ذئب عن سعيد المقبري عن أبي هريرة ﵁.\n_________\n[¬١]- في ز: \"بالمعجزة\".\n[¬٢]- في خ: \"نمروذ\".\n[¬٣]- في ز: \"أصابهم\".\n[¬٤]- في ز، خ: \"تلك\".","vol":"7","page":231},{"text":"الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٧١)﴾\nلما ذكر تعالى صفات المنافقين الذميمة، عطف بذكر صفات المؤمنين المحمودة، فقال ﴿[وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ] [¬١] بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ أي: يتناصرون ويتعاضدون، كما جاء في الصحيح (^١٤١): \" المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعفعه بعضًا\" وشبك بين أصابعه، وفي الصحيح أيضًا (^١٤٢): \" مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر\".\nوقوله: ﴿يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ كقوله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾.\nوقوله: ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ أي: يطيعون اللَّه ويحسنون إلى خلقه ﴿وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ أي: فيما أمر، أو [¬٢] ترك ما عنه زجر ﴿أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ﴾ أي: سيرحم اللَّه من اتصف بهذه الصفات ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ أي: عزنر و[¬٣] من أطاعه [أعزه] [¬٤]، بأن العزة للَّه ولرسوله وللمؤمنين ﴿حَكِيمٌ﴾ في قسمته هذه الصفات لهؤلاء، وتخصيصه المنافقين بصفاتهم المتقدمة، فإن له الحكمة في جميع ما يفعله ﵎.\n﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٧٢)﴾\n_________\n(^١٤١) - صحيح البخاري، كتاب الصلاة، باب: تشبيك الأصابع في المسجد وغيره برقم (٤٨١)، وصحيح مسلم، كتاب البر والصلة والآداب رقم (٢٥٨٥) من حديث أبي موسى الأشعرى، ﵁.\n(^١٤٢) - صحيح البخارى، كتاب الأدب، رقم (٦٠١١)، وصحيح مسلم، كتاب البر والصلة والآداب رقم (٢٥٨٦) من حديث النعمان بن بشير، ﵁.\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- في خ: \"و\".\n[¬٣]- في خ: \"يعز\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.","vol":"7","page":232},{"text":"يخبر تعالى بما أعده للمؤمنين به والمؤمنات، من الخيرات والنعيم القيم في ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أي: ماكثين فيها أبدًا ﴿وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً﴾ أي: حسنة البناء طيبة القرار، كما جاء فى الصحيحين (^١٤٣): من حديث أبي عمران الجوني، عن أبي بكر بن أبي موسى عبد اللَّه بن قيس الأشعري، عن أبيه قال: قال رسول اللَّه، ﷺ: \"جنتان من ذهب، آنيتهما وما فيهما، وبختان من فضة، آنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن\".\nوبه [قال:] [¬١] قال رسول اللَّه، ﷺ: \"إن للمؤمن في الجنة لخيمة من لؤلؤة واحدة مجوفة، طولها ستون ميلًا في السماء، للمؤمن فيها أهلون يطوف عليهم لا يرى بعضهم بعضًا\". أخرجاه (^١٤٤).\nوفي الصحيحين أيضًا عن أبي هريرة (^١٤٥) قال: قال رسول اللَّه، ﷺ \"من آمن بالله ورسوله، وأقام الصلاة، وصام رمضان، فإن حقًّا على اللَّه أن يدخله الجنة، هاجر في سبيل اللَّه، أو جلس [¬٢] في أرضه التي ولد فيها\". قالوا: يا رسول اللَّه، أفلا نخبر الناس؟ قال: \"إن في الجنة مائة درجة، أعدها اللَّه للمجاهدين في سبيله، بين كل درجتين كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم [¬٣] اللَّه فاسألوه [¬٤] الفردوس، فإنه أعلى الجنة وأوسط الجنة، ومنه تفجر أنهار الجنة، وفوقه عرش الرحمن\".\nوعند الطبراني والترمذي وابن ماجة، من رواية زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن معاذ بن جبل، ﵁: سمعت رسول اللَّه، ﷺ، يقول … فذكر مثله (^١٤٦).\n_________\n(^١٤٣) - صحيح البخاري، كتاب تفسير القرآن رقم (٤٨٧٨) وصحيح مسلم، كتاب الإيمان رقم (١٨٠).\n(^١٤٤) - صحيح البخاري، كتاب تفسير القرآن رقم (٤٨٧٩) وصحيح مسلم، كتاب الجنة وصفة نعيمها رقم (٢٨٣٨).\n(^١٤٥) - صحيح البخاري، كتاب الجهاد والسير رقم (٢٧٩٠) من طريق فليح عن هلال، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة ﵁.\n(^١٤٦) - المعجم الكبير (٢٠/ ١٥٨)، وسنن الترمذي برقم (٢٥٣٠)، وعند ابن ماجه القمة الثانية منه برقم (٤٣٣١)، وقد أشار الحافظ إلى الاختلاف على عطاء بن يسار.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٢]- في ز: \"حبس\".\n[¬٣]- في ز: \"سألتموا\".\n[¬٤]- في ز: \"فسلوه\".","vol":"7","page":233},{"text":"وللترمذي عن عبادة بن الصامت مثله (^١٤٧).\nوعن أبي حازم، عن سهل بن سعد، قال: قال رسول اللَّه، ﷺ: \"إن أهل الجنة ليتراءون الغرفة في الجنة كما تراءون [¬١] الكوكب في السماء\". أخرجاه في الصحيحين (^١٤٨).\nثم ليعلم أن أعلى منزلة في الجنة مكان يقال له الوسيلة؛ لقربه من العرش، وهو مسكن رسول اللَّه، ﷺ، من الجنة، كما قال الإِمام أحمد (^١٤٩): حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا سفيان، عن ليث، عن كعب، عن أبي هريرة: أن رسول اللَّه، ﷺ، قال: \"إذا صليتم عليَّ فاسألوا [¬٢] اللَّه لي الوسيلة\". قيل: يا رسول اللَّه؛ وما الوسيلة؟ قال: \"أعلى درجة في الجنة، لا ينالها إلا رجل واحد، وأرجو أن أكون أنا هو\".\nوفي صحيح مسلم (^١٥٠)، من حديث كعب بن علقمة، عن عبد الرحمن بن جبير، عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص؛ أنه سمع النبي، ﷺ، يقول: \"إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، لم صلوا عليّ، فإنه من صلى على صلاة واحدة [¬٣] صلى اللَّه عليه بها عشرًا، ثم سلوا لي الوسية، فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد اللَّه، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل لي الوسيلة حلت عليه الشفاعة يوم القيامة\".\nوقال الحافظ أبو القاسم الطبراني (^١٥١): حدثنا أحمد بن علي الأبار، حدثنا الوليد بن عبد الملك الحراني، حدثنا موسى بن أعين، عن ابن أبي ذئب، عن محمد بن عمرو بن عطاء، عن ابن عباس، قال: قال رسول اللَّه، ﷺ: \"سلوا اللَّه لي الوسيلة، فإنه لم يسألها لي عبد في الدنيا إلا كنت له شهيدًا أو شفيعًا يوم القيامة\". [] [¬٤].\nوفي مسند الإِمام أحمد (^١٥٢)، من حديث سعد أبي مجاهد الطائي، عن أبي المُدِلَّة،\n_________\n(^١٤٧) - سننن الترمذي، كتاب صفة الجنة، باب: ما جاء في درجات الجنة رقم (٢٥٣١).\n(^١٤٨) - صحيح البخارى برقم (٦٥٥٥) وصحيح مسلم، كتاب الجنة وصفة نعيمها برقم (٢٨٣٠).\n(^١٤٩) - المسند (٢/ ٢٥٦).\n(^١٥٠) - صحيح مسلم، كتاب الصلاة برقم (٣٨٤).\n(^١٥١) - المعجم الأوسط برقم (٦٣٩) \"مجمع البحرين\".\n(^١٥٢) - المسند (٢/ ٣٠٤، ٣٠٥).\n_________\n[¬١]- فى خ: \"ترون\".\n[¬٢]- في ز: \"فسلوا\".\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين في ت: رواه الطبراني.","vol":"7","page":234},{"text":"عن أبي هريرة، ﵁، قال: قلنا: يا رسول اللَّه، حدثنا عن الجنة ما بناؤها؟ قال: \"لبنة ذهب ولبنة فضة، وملاطها (*) المسك، وحصباؤها اللؤلؤ والياقوت، وكرابها الزعفران، من يدخلها ينعم لا ييأس [¬١]، ويخلد لا يموت، لا تبلى ثيابه، ولا يفنى شبابه\".\nوروي عن ابن عمر مرفوعًا نحوه (^١٥٣).\nوعند الترمذي من حديث عبد الرحمن بن إسحاق، عن النعمان بن سعد، عن علي، ﵁، قال: قال رسول اللَّه، ﷺ: \"إن في الجنة لغرفًا يرى ظهورها [¬٢] من بطونها [¬٣]، وبطونها [¬٤] من ظهورها [¬٥] \". فقام أعرابي فقال: يا رسول اللَّه، لمن هي؟ فقال: \"لمن طيب الكلام، وأطعم الطعام، وأدام الصيام، وصلى بالليل والناسُ نيامٌ\" (^١٥٤).\nثم قال: حديث غريب.\nورواه الطبراني من حديث عبد اللَّه بن عمرو، وأبي مالك الأشعري، كل [¬٦] منهما عن النبي، ﷺ، بنحوه (^١٥٥)، وكل من الإِسنادين جيد حسن، وعنده أن السائل هو أبو مالك الأشعري [¬٧]، فاللَّه أعلم.\nوعن أسامة بن زيد قال: قال رسول اللَّه، ﷺ: \"ألا هل مشمر إلى الجنة؟ فإن الجنة لا خَطَر [¬٨] لها، هي - ورب الكعبة - نور يتلألأ، وريحانة تهتز، وقصر مشيد، ونهر مطرد، وثمن نضيجة، وزوجة حسناء جميلة، وحلل كثيرة، ومقام في أبد في دار\n_________\n(*) الملاط: الطين يُطْلى به الحائط، وطينٌ يُجعل بين كل لبنتين أو آجرتين أو حجرين في البناء.\n(^١٥٣) - رواه أبو نعيم في صفة الجنة برقم (٩٦) من طريق عمر بن ربيعة عن الحسن البصري عن ابن عمر، ﵁، مرفوعًا نحو حديث أبي هريرة.\n(^١٥٤) - سنن الترمذى، كتاب صفة الجنة رقم (٢٥٢٧).\n(^١٥٥) - أما حديث عبد اللَّه بن عمرو بن العاص، فرواه أيضًا الإمام أحمد في مسنده (٢/ ١٧٣) من طريق حيي بن عبد اللَّه عن أبي عبد الرحمن الحبلي عن عبد اللَّه بن عمرو، ﵄. وأما حديث أبي مالك الأشعرى فهو في المعجم الكبير (٣/ ٣٠١) وسيأتي عند تفسير الآية: ٢٠ من سورة الزمر.\n_________\n[¬١]- في خ: \"ييأس\".\n[¬٢]- في خ: \"ظاهرها\".\n[¬٣]- في خ: \"باطنها\".\n[¬٤]- في خ: \" باطنها\".\n[¬٥]- في خ: \"ظاهرها\".\n[¬٦]- في خ: \"كلًّا\".\n[¬٧]- سقط من: ز، خ.\n[¬٨]- في ز: \"حصر\".","vol":"7","page":235},{"text":"سليمة، وفاكهة وخضرة وحبرة، ونعمة في محلة عالية بهية\". قالوا: نعم يا رسول اللَّه، نحن المشمرون لها. قال: \"قولوا: إن شاء اللَّه\". فقال القوم: إن شاء اللَّه. رواه [¬١] ابن ماجه (^١٥٦).\nوقوله تعالى: ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَر﴾ أي: رضا اللَّه عنهم أكبر وأجل وأعظم مما هم فيه من النعيم، كما قال الإمام مالك ﵀ عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري، ﵁، أن رسول اللَّه، ﷺ، قال: \"إن اللَّه ﷿ يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة، فيقولون: لبيك ربنا وسعديك، والخير في يديك. فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى يارب وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدًا من خلقك؟!. فيقول: ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟ فيقولون: يا رب، وأي شيء أفضل من ذلك؟ فيقول: أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدًا\". أخرجاه من حديث مالك (^١٥٧).\nوقال أبو عبد اللَّه الحسين بن إسماعيل المحاملي: حدثنا الفضل الرخامي، حدثنا الفريابي، عن سفيان، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد اللَّه، قال: قال رسول اللَّه، ﷺ: \"إذا دخل أهل الجنة الجنة، قال اللَّه ﷿: هل تشتهون شيئًا فأزيدكم؟ قالوا: يا ربنا، ما خير مما [¬٢] أعطيتنا؟! قال: رضواني أكبر\".\nورواه البزار (^١٥٨) في مسنده من حديث الثوري، وقال الحافظ الضياء المقدسي في كتابه \"صفة الجنة\": هذا عندي على شرط الصحيح، واللَّه أعلم.\n﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٧٣) يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ\n_________\n(^١٥٦) - سنن ابن ماجه، كتاب الزهد، باب: صفة الجنة رقم (٤٣٣٢) من طريق الضحاك المعافري، عن سليمان بن موسى، عن كريب، عن أسامة بن زيد، به.\nوقال البوصيرى في الزوائد (٣٢٥/ ٣): \"هذا إسناد فيه مقال\".\n(^١٥٧) - صحيح البخاري، كتاب الرقاق، باب: صفة الجنة والنار، رقم (٦٥٤٩)، وصحيح مسلم، كتاب صفة الجنة رقم (٢٨٢٩).\n(^١٥٨) - ورواه أبو نعيم في صفة الجنة برقم (٢٨٣)، والحاكم في المستدرك (١/ ٨٢) من طريق محمد بن يوسف الفريابي به نحوه، وقال الحاكم: \"صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه\".\n_________\n[¬١]- في ز: \"ورواه\".\n[¬٢]- في ز: \"ما\".","vol":"7","page":236},{"text":"فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (٧٤)﴾\nأمر تعالى رسوله، ﷺ، بجهاد الكفار والمنافقين، والغلظة عليهم، كما أمره بأن يخفض جناحه لمن اتبعه من المؤمنين، وأخبره أن مصير الكفار والمنافقين إلى النار في الدار الآخرة.\nوقد تقدم عن أمير المؤمنين على بن أبي طالب أنه قال: بعث رسول اللَّه، ﷺ، بأربعة أسياف: سيفٍ للمشركين ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ وسيفٍ لكفار أهل الكتاب ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ وسيفٍ للمنافقين ﴿جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ وسيف للبغاة ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾.\nوهذا يقتضي أنهم يجاهَدون بالسيوف إذا أظهروا النفاق، وهو اختيار ابن جرير.\nوقال ابن مسعود في قوله: ﴿جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ قال: بيده، [فإن لم يستطع] [¬١] [فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه] [¬٢]، [فإن لم يستطع] [¬٣] فليكفهر في وجهه.\nوقال ابن عباس: أمره اللَّه تعالى بجهاد الكفار بالسيف، والمنافقين باللسان، وأذهب الرفق عنهم.\nوقال الضحاك: جَاهِد الكفار بالسيف، واغْلُظْ على المنافقين بالكلام وهو مجاهدتهم. وعن مقاتل والربيع مثله. وقال الحسن وقتادة: مجاهدتهم إقامة الحدود عليهم.\nوقد يقال: إنه لا منافاة بين هذه الأقوال؛ لأنه تارة يؤاخذهم بهذا، وتارة بهذا، بحسب الأحوال، والله أعلم.\nوقوله: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ [¬٤] قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ﴾. قال قتادة: نزلت في عبد اللَّه بن أبي، وذلك أنه اقتتل رجلان جهني وأنصاري، فعلا\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٤]- في ز: \" قد \".","vol":"7","page":237},{"text":"الجهني على الأنصاري، فقال عبد اللَّه للأنصار: ألا تنحرون أخاكم؟ واللَّه ما مثلنا ومثل محمد إلا كما قال القائل: سَمِّن كلبك يأكلك. وقال: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل. فسعى بها رجل من المسلمين إلى النبي، ﷺ، فأرسل إليه فسأله، فجعل يحلف باللَّه ما قاله، فأنزل اللَّه فيه هذه الآية (^١٥٩).\nوروى إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة، عن عمه [¬١] موسى بن عقبة، قال: فحدثني عبد اللَّه بن الفضل، أنه سمع أنس بن مالك، ﵁، يقول: حزنت على من أصيب بالحرة من قومي، فكتب إليَّ زيد بن أرقم، وبلغه شدة حزني، يذكر أنه سمع رسول اللَّه، ﷺ، يقول: \"اللهم، اغفر للأنصار، ولأبناء الأنصار\". وشك ابن الفضل في \"أبناء أبناء الأنصار\" قال ابن الفضل: \"فسأل أنسًا] [¬٢] بعضُ من كان عنده عن زيد برقم؟ فقال: هو الذي يقول له رسول اللَّه، ﷺ: \"أوفى اللَّه له بأُذُنِه\". وذلك [¬٣] حين سمع رجلًا من المنافقين يقول ورسول اللَّه، ﷺ، يخطب: لئن كان هذا صادقًا فنحن شر من الحمير، فقال زيد بن أرقم: فهو واللَّه صادق، ولأنت شر من الحمار. ثم رفع ذلك إلى رسول اللَّه، ﷺ، فجحده القائل، فأنزل اللَّه هذه الآية تصديقًا لزيد. يعني قوله: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا﴾ الآية.\nرواه البخاري في صحيحه (^١٦٠)، عن إسماعيل بن أبي أويس، عن إسماعيل بن إبراهيم ابن عقبة، إلى قوله: هذا الذي أوفى اللَّه له بأُذُنِه. ولعل ما بعده من قول موسى بن عقبة. وقد رواه محمد بن فليح، عن موسى بن عقبة بإسناده، ثم قال: قال ابن شهاب … فذكر ما بعده، عن موسى، عن ابن شهاب.\nوالمشهور في هذه القصة أنها كانت في غزوة بني المصطلق، فلعل الراوي وهم في ذكر الآية، وأراد أن يذكر غيرها فذكرها، واللَّه أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-113>[حاشية]</span> [¬٤]\nقال الأموي في مغازيه (^١٦١): حدثنا محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن كعب بن مالك، عن أبيه، عن جده؛ قال: لما قدم رسول اللَّه، ﷺ،\n_________\n(^١٥٩) - رواه الطبري في تفسيره (١٤/ ٣٦٤) رقم (١٦٩٧٤، ١٦٩٧٥).\n(^١٦٠) - صحيح البخاري، كتاب تفسير القرآن رقم (٤٩٠٦).\n(^١٦١) - انظر: السيرة النبوية لابن هشام (١/ ٥١٩).\n_________\n[¬١]- في ز: \"عم\".\n[¬٢]- في ز: \"قال أنس\".\n[¬٣]- في ز: \"قال: وذاك\".\n[¬٤]- سقط من: خ.","vol":"7","page":238},{"text":"أخذني قومي، فقالوا: إنك امرؤ شاعر، فإن شئت أن تعتذر إلى رسول الله، ﷺ، ببعض العلة، ثم يكون ذنبًا تستغفر [¬١] الله منه … وذكر الحديث بطوله إلى أن قال: وكان ممن تخلف من المنافقين، ونزل فيه القرآن منهم، ممن كان مع النبي، ﷺ: الجلاس بن سويد ابن الصامت، وكان على أم عمير بن سعد، وكان عمير في حجره، فلما نزل القرآن، وذكرهم الله بما ذكر مما أنزل في المنافقين، قال الجلاس: والله لئن كان هذا الرجل صادقًا فيما يقول لنحن شر من الحمير. فسمعها عمير بن سعد فقال: والله يا جلاس، إنك لأحب الناس إلى، وأحسنهم عندي بلاء، وأعزهم على أن يصله شيء يكرهه [¬٢]، ولقد قلت مقالة لئن [¬٣] ذكرتُها لتفضحنك [¬٤]، ولئن كتمتها لتهلكني، ولإحداهما أهون عليَّ من الأخرى، فمشى إلى رسول الله، ﷺ، فذكر له ما قال الجلاس، فلما بلغ ذلك الجلاس خرج حتى أتى [¬٥] النبي، ﷺ، فحلف بالله ما قال ما قال عمير بن سعد، ولقد كذب عليَّ، فأنزل الله ﷿ فيه: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ﴾ إلى آخر الآية، فوقفه رسول الله، ﷺ، عليها، فزعموا أن الجلاس تاب فحسنت توبته، ونزع فأحسن النزوع. هكذا جاء هذا مدرجًا في الحديث متصلًا به، وكأنه - والله أعلم - من كلام ابن إسحاق نفسه، لا من كلام كعب بن مالك.\nوقال عروة بن الزبير: نزلت [¬٦] هذه الآية في الجلاس بن سويد بن الصامت، أقبل هو وابن امرأته مصعب من قباء، فقال الجلاس: إن كان ما جاء به محمد حقًّا، فنحن أشر من حُمُرِنا هذه التي نحن عليها. فقال مصعب: أما والله يا عدو الله، لأخبرن رسول الله، ﷺ، بما قلتَ. فأتيت النبي، ﷺ، وخفت أن ينزل في القرآن، أو تصيبني قارعة، أو أن أخلط بخطيئة [فقلت] [¬٧]: يا رسول الله، أقبلت أنا والجلاس من قباء، فقال كذا وكذا، ولولا مخافة أن أخلط بخطيئة أو تصيبني قارعة ما أخبرتك. قال: فدعا الجلاس، فقال [¬٨]: \"يا جلاس، أقلت الذي قاله مصعب؟ \" فحلف فأنزل الله: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ﴾.\nوقال محمد بن إسحاق: كان الذي قال تلك المقالة - فيما بلغني - الجلاس بن سويد ابن الصامت، فرفعها عليه رجل كان في حجره يقال له: عمير بن سعيد، فًا نكرها فحلف بالله ما قالها، فلما نزل فيه القرآن تاب ونزع وحسنت توبته فيما بلغني.\n_________\n[¬١]- في ز: \"نستغفر\".\n[¬٢]- في ز: \"تكرهه\".\n[¬٣]- في خ: \"لأن\".\n[¬٤]- في ز: \"لتفضحني\".\n[¬٥]- في ز: \"يأتي\".\n[¬٦]- في ز: \"نزل\".\n[¬٧]- في ز: \"قلت\".\n[¬٨]- في خ: \"قال\".","vol":"7","page":239},{"text":"وقال الإِمام أبو جعفر بن جرير (^١٦٢): حدثني أيوب بن إسحاق بن إبراهيم، حدثنا عبد الله بن رجاء، حدثنا إسرائيل، عن سماك، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس؛ قال: كان رسول الله، ﷺ، جالسًا في ظل شجرة، فقال: \"إنه سيأتيكم إنسان فينظر [¬١]، إليكم بعيني [¬٢] الشيطان، فإذا جاء فلا تكلموه\". فلم يلبثوا أن طلع رجل أزرق، فدعاه رسول الله، ﷺ فقال: \"علام تشتمني أنت وأصحابك؟ \". فانطلق الرجل فجاء بأصحابه، فحلفوا بالله ما قالوا حتى تجاوز عنهم، فأنزل الله ﷿: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا﴾ الآية.\nوقوله: ﴿وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا﴾ قيل: نزلت [¬٣] في الجلاس [بن سويد] [¬٤]، وذلك أنه هم بقتل ابن امرأته حين قال: لأخبرن رسول الله، ﷺ، وقيل: في عبد الله بن أبي، هَمَّ بقتل رسول الله، ﷺ.\nوقال السدي: نزلت في أناس أرادوا أن يتوجوا عبد الله بن أبي، وإن لم يرض رسول الله، ﷺ.\nوقد ورد أن نفرًا من المنافقين هموا بالفتك [¬٥] بالنبى، ﷺ، وهو في غزوة تبوك في بعض تلك الليالي في حال السير، وكانوا [¬٦] بضعة عشر رجلًا. قال الضحاك: ففيهم نزلت هذه الآية.\nوذلك بيّنٌ فيما رواه الحافظ أبو بكر البيهقي في كتاب \"دلائل النبوة\" (^١٦٣) من حديث محمد بن إسحاق، عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن أبي [¬٧] البختري [¬٨]، عن حذيفة بن اليمان، ﵁، قال: كنت آخذًا [¬٩] بخطام ناقة رسول الله، ﷺ، أقود به، وعمار يسوق الناقة، أو أنا أسوقه وعمار يقوده، حتى إذا كنا بالعقبة، فإذا أنا باثني عشر راكبًا قد اعترضوه فيها، قال: فأنبهت رسول الله، ﷺ، بهم [¬١٠] فصرخ بهم فولوا مدبرين، فقال لنا رسول الله، ﷺ: \"هل عرفتم القوم؟ \" قلنا: لا يا رسول الله، قد كانوا متلثمين،\n_________\n(^١٦٢) - تفسير الطبري (١٤/ ٣٦٣) رقم (١٦٩٧٣).\n(^١٦٣) - دلائل النبوة (٥/ ٢٦٠).\n_________\n[¬١]- في ز: \"ينظر\".\n[¬٢]- في ت: \"بعين\".\n[¬٣]- في خ: \"أنزلت\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفين سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- في ز، خ: \"بالقتل\".\n[¬٦]- في ز، خ: \"في\".\n[¬٧]- سقط من: ز، خ.\n[¬٨]- في ز: \"البحتري\".\n[¬٩]- في ز: \"آخذ\".\n[¬١٠]- سقط من: ز.","vol":"7","page":240},{"text":"ولكنا قد عرفنا الركاب. قال: \"هؤلاء المنافقون إلى يوم القيامة، وهل تدرون ما أرادوا؟ \" قلنا: لا. قال: \"أرادوا أن يزحموا [¬١] رسول الله، ﷺ، في العقبة فيلقوه منها\". قلنا: يا رسول الله، أو لا [¬٢] تبعث إلى عشائرهم حتى يبعث إليك كل قوم برأس صاحبهِم؟ قال: \"لا، أكره أن تتحدث العرب بينها أن محمدًا قاتل بقوم، حتى إذا [¬٣] أظهره الله [بهم، أقبل] [¬٤] عليهم يقتلهم. ثم قال اللهم ارمهم [¬٥]، بالدبيلة\". قلنا: يا رسول الله؛ وما الدبيلة؟ قال: \"شهاب من نار، يقع على نياط قلب أحدهم فيهلك\".\nوقال الإمام أحمد (^١٦٤) ﵀، حدثنا يزيد، أخبرنا الوليد بن عبد الله بن جميع، عن أبي الطفيل قال: لما أقبل رسول الله، ﷺ، من غزوة تبوك، أمر مناديًا فنادى: إن رسول الله، ﷺ، أخذ العقبة فلا يأخذها أحد، فبينما رسول الله، ﷺ، يقوده حذيفة ويسوقه عمار، إذ أقبل رهط متلثمون على الرواحل، فغشوا [¬٦] عمارًا وهو يسوق برسول الله، ﷺ، فأقبل [¬٧] عمار، ﵁، يضرب وجوه الرواحل، فقال رسول الله، ﷺ، لحذيفة: \"قد قد\" حتى هبط رسول الله، ﷺ، [فلما هبط] [¬٨] نزل ورجع عمار، فقال: \"يا عمار، هل عرفت القوم؟ \" فقال: لقد عرفت عامة الرواحل، والقوم متلثمون. قال: \"هل تدرى ما أرادوا؟ \" قال: الله ورسوله أعلم، قال: \"أرادوا أن ينفروا برسول الله، ﷺ، راحلته [¬٩] فيطرحوه\" قال: فسأل [¬١٠] عمار رجلًا من أصحاب رسول الله، ﷺ، فقال: نشدتك بالله، كم تعلم كان [¬١١] أصحاب العقبة؟ قال: أربعة عشر رجلًا [¬١٢]. فقال: إن كنت منهم فقد كانوا خمسة عشر. قال: فعذر رسول الله، ﷺ، منهم ثلاثة قالوا: والله ما سمعنا منادي رسول الله، ﷺ، وما علمنا ما أراد القوم، فقال عمار: أشهد أن الاثني عشر الباقين حرب لله ولرسوله في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد.\nوهكذا روى ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة بن الزبير نحو هذا، وأن رسول الله، صلى\n_________\n(^١٦٤) - المسند (٥/ ٤٥٣) رقم (٢٣٨٩٩)، وقال الهيثمي في المجمع (٦/ ١٩٥): \"رجال رجال=\n_________\n[¬١]- في خ: \"يزاحموا\".\n[¬٢]- في خ: \"أفلا\".\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- سقط من: خ.\n[¬٥]- في ز: \"ارميهم\".\n[¬٦]- في ز: \"فعينوا\".\n[¬٧]- في ز: \"وأقبل\".\n[¬٨]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٩]- سقط من: ز، خ.\n[¬١٠]- في ز، خ: \"فسار\" وفى المسند: فساب.\n[¬١١]- في ز، خ: \"كانوا\".\n[¬١٢]- سقط من: ز، خ.","vol":"7","page":241},{"text":"الله عليه وسلم، أمر أن يمشي الناس في بطن الوادي، وصعد هو وحذيفة وعمار العقبة، فتبعهم هؤلاء النفر الأرذلون وهم متلثمون، فأرادرا سلوك العقبة، فأطلع الله على مرادهم رسول الله، ﷺ، فأمر حذيفة فرجع إليهم فضرب وجوه رواحلهم، ففزعوا ورجعوا مقبوحين [¬١]، وأعلم رسول الله، ﷺ، حذيفة وعمارًا بأسمائهم، وما كانوا هموا به من الفتك به - صلوات الله وسلامه عليه - وأمرهما أن يكتما [¬٢] عليهم (^١٦٥).\nوكذا [¬٣] روى يونس بن بكير عن ابن إسحاق، إلا أنه سمى جماعة منهم، فالله أعلم (^١٦٦).\nوكذا قد حكي في معجم الطبراني. قاله البيهقي.\nويشهد لهذه القصة بالصحة ما رواه مسلم (^١٦٧):\nحدثنا زهير بن حرب، حدثنا أبو أحمد الكوفي، حدثنا الوليد بن جُمَيع، حدثنا أبو الطفيل قال: كان بين [¬٤] رجل من أهل العقبة [وبين حذيفة بعضُ ما يكون بين الناس، فقال: أنشدك بالله، كم كان أصحاب العقبة؟] [¬٥] قال: فقال [¬٦] له القوم: أخبره إذ سألك. قال: كنا نخبر أنهم أربعة عشر، فإن كنت منهم فقد كان القوم خمسة عشر، وأشهد بالله أن اثني عشر منهم حرب لله ولرسوله في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد، وعذر ثلاثة قالوا: ما سمعنا منادي رسول الله ﷺ، ولا علمنا بما أراد القوم، وقد كان في حرة فمشى فقال: \"إن الماء قليل، فلا يسبقني إليه أحد\". فوجد قومًا قد سبقوه فلعنهم يومئذ.\nوما رواه مسلم أيضًا (^١٦٨): من حديث قتادة، عن أبي نضرة، عن قيس بن عباد، عن عمارِ بن ياسر قال: أخبرني حذيفة، عن النبي، ﷺ، أنه قال: \"في أصحابي اثنا عشر منافقًا، لا يدخلون الجنة ولا يجدون ريحها حتى يلج الجمل [¬٧] في سم الحياط، ثمانية\n_________\n= \"الصحيح\".\n(^١٦٥) - رواه البيهقي في دلائل النبوة (٥/ ٢٥٦).\n(^١٦٦) - دلائل النبوة للبيهقي (٥/ ٢٥٧).\n(^١٦٧) - صحيح مسلم، كتاب صفات المنافقين وأحكامهم رقم (٢٧٧٩).\n(^١٦٨) - صحيح مسلم، كتاب صفات المنافقين وأحكامهم رقم (٢٧٧٩).\n_________\n[¬١]- في ز: \"منوخين\".\n[¬٢]- في ز: \"كتما\".\n[¬٣]- في ز: \"وكذلك\".\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- في ز، خ: \"يقال\".\n[¬٧]- سقط من: ز.","vol":"7","page":242},{"text":"منهم تكفيكهم الدبيلة [¬١]: سراج من نار يظهر بين أكتافهم حتى ينجم من صدورهم\". ولهذا كان حذيفة يقال له: صاحب السر الذي لا يعلمه غيره، أي: من تعيين جماعة من المنافقين وهم هؤلاء، قد أطلعه [] [¬٢] عليهم رسول الله، ﷺ، دون غيره، والله أعلم.\nوقد ترجم الطبراني في مسند حذيفة تسمية أصحاب العقبة، ثم روى عن عَلى بن عبد العزيز، عن الزبير بن بكار، أنه قال: هم معتب بن قشير [¬٣]، ووديعة بن ثابت، وجد بن عبد الله بن نبتل [¬٤] بن الحارث من بني عمرو بن عوف، والحارث بن يزيد الطائي، وأوس بن قيظي، والحارث بن سويد، وسعد بن زرارة [¬٥]، وقيس بن فهد، وسويد وداعس من بنى الحبلي، وقيس بن عمرو بن سهل، وزيد بن اللصيت، وسلالة بن الحمام وهما من بني قينقاع أظهروا [¬٦] الإسلام (^١٦٩).\nوقوله تعالى ﴿وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ أي: وما للرسول عندهم ذنب إلا أن الله أغناهم ببركته [ويمن سِفارته] [¬٧]، ولو تمت عليهم السعادة لهداهم الله لما جاء به، كما قال، ﷺ، للأنصار: \"ألم أجدكم ضلالًا فهداكم الله بي، وكنتم متفرقين فألفكم الله بي، وعالة فأغناكم الله بي\" كلما قال شيئًا قالوا: الله ورسوله [¬٨] أمنّ.\nوهذه الصيغة تقال حيث لا ذنب، كما قال تعالى: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ الآية [¬٩]. وكما قال ﵇: \"ما ينقم ابن جميل إلا أن كان فقيرًا فأغناه الله\".\nثم دعاهم الله ﵎ إلى التوبة فقال: ﴿فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ أي: وإن يستمروا على طريقهم ﴿يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي﴾ أي: بالقتل والهم والغم، ﴿وَالْآخِرَةِ﴾ أي: بالعذاب والنكال والهوان والصغار ﴿وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ أي: وليس لهم أحد يسعدهم ولا ينجدهم، ولا يحصل لهم خيرًا، ولا يدفع عنهم شرًّا.\n_________\n(^١٦٩) - المعجم الكبير (٣/ ١٦٥ - ١٦٧).\n_________\n[¬١]- في ز: \"الذبيلة\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"الله\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"فير\". غير معجمة.\n[¬٤]- في ز، خ: \"نبيل\".\n[¬٥]- في ز، خ: \"وراة\".\n[¬٦]- في خ: \"أظهر\".\n[¬٧]- في خ \"وبمن سعادته\".\n[¬٨]- سقط من: خ.\n[¬٩]- سقط من: خ.","vol":"7","page":243},{"text":"﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥) فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٧٦) فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (٧٧) أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (٧٨)﴾\nيقول تعالى: ومن المنافقين من أعطى الله عهده وميثاقه، لئن أغناه من فضله ليصدقن من ماله، وليكونن من الصالحين، فما وفى بما قال، ولا صدق فيما ادعى، فأعقبهم هذا الصنيع نفاقًا سكن في قلوبهم، إلى يوم يلقون الله ﷿ يوم القيامة، عياذا بالله [من ذلك] [¬١].\nوقد ذكر كثير من المفسرين، منهم ابن عباس والحسن البصري، أن سبب نزول هذه الآية الكريمة في ثعلبة بن حاطب الأنصاري.\nوقد ورد فيه حديث رواه ابن جرير هاهنا وابن أبي حاتم من حديث معان بن رفاعة، عن علي بن يزيد، عن أبي عبد الرحمن القاسم بن عبد الرحمن مولى عبد الرحمن بن يزيد بن معاوية، عن أبي أمامة الباهلي، عن ثعلبة بن حاطب الأنصاري: أنه قال لرسول الله، ﷺ، ادع الله أن يرزقني مالا. قال [¬٢]: فقال رسول الله، ﷺ: \"ويحك يا ثعلبة! قليل تؤدي [¬٣] شكره، خير من كثير لا تطيقه\".\nقال: ثم قال مرة أخرى، فقال: \"أما ترضى أن تكون مثل نبي الله؟ فو الذي نفسي بيده، لو شئت أن تسير معي الجبال ذهبًا وفضة لسارت\". قال: والذي بعثك بالحق، لئن دعوت الله فرزقني مالًا لأعطين كل ذي حق حقه. فقال رسول الله، ﷺ: \"اللهم ارزق ثعبة مالًا\".\nقال: فاتخذ غنمًا فنمت كما ينمو الدود، فضاقت عليه المدينة، فتنحى عنها فنزل واديًا من أوديتها، حتى جعل يصلي الظهر والعصر في جماعة ويترك ما سواهما، ثم نمت وكثرت فتنحى حتى ترك الصلوات إلا الجمعة، وهى تنمو كما ينمو الدود حتى ترك الجمعة، فطفق يتلقى الركبان [¬٤] يوم الجمعة يسألهم عن الأخبار، فقال رسول الله، ﷺ: \"ما فعل\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في ز: \"فقال\".\n[¬٣]- في ز: \"يؤدى\".\n[¬٤]- في ز: \"الركاب\".","vol":"7","page":244},{"text":"ثعلبة؟ \" فقالوا: يا رسول الله، اتخذ غنمًا فضاقت عليه المدينة فأخبروه بأمره، فقال: \"ياويح ثعلبة! ياويح ثعلبة! ياويح ثعلبة! \".\nوأنزل الله جل ثناؤه: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ الآية. قال ونزلت عليه فرائض الصدقة، فبعث رسول الله، ﷺ، رجلين على الصدقة: رجلًا من جهينة، ورجلًا من سليم، وكتب لهما كيف يأخذان الصدقة من المسلمين، وقال لهما: \"مُرَّا بثعلبة وبفلان - رجل من بني سليم - فخذا صدقاتهما\".\nفخرجا حتى أتيا ثعلبة، فسألاه الصدقة، وأقرآه كتاب رسول الله، ﷺ، فقال: ما هذه إلا جزية، ما هذه إلا أخت الجزية، ما أدري ما هذا؟ انطلقا حتى تفرغا ثم عودا إليَّ، فانطلقا. وسمع بهما السلمي، فنظر إلى خيار أسنان إبله فعزلها للصدقة، ثم استقبلهما بها، فلما رأوها قالوا: ما يجب عليك هذا، وما نريد أن نأخذ هذا منك. قال [¬١]: بلى، فخذوها فإن نفسي بذلك طيبة وإنما هي لي، فأخذاها [¬٢] منه. فلما فرغا من صدقاتهما رجعا حتى مرا بثعلبة [] [¬٣] فقال: أرونى كتابكما، فنظر فيه فقال: ما هذه إلا أخت الجزية، انطلقا حتى أرى رأي، فانطلقا حتى أتيا النبي، ﷺ، فلما رآهما قال: \"يا ويح ثعلبة! \". قبل أن يكلمهما، ودعا للسلمي بالبركة، فأخبراه بالذي صنع ثعلبة والذي صنع السلمي، فأنزل الله ﷿ ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ﴾ إلى قوله: ﴿وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ الآية [¬٤]. قال: وعند رسول الله، ﷺ، رجل من أقارب ثعلبة، فسمع ذلك فخرج حتى أتاه فقال: ويحك يا ثعلبة!! قد أنزل الله فيك كذا وكذا. فخرج ثعلبة حتى أتى النبي، ﷺ، فسأله أن يقبل منه صدقته، فقال: \"إن الله منعني أن أقبل منك صدقتك\". فجعل يحثو على رأسه التراب، فقال له رسول الله، ﷺ: \"هذا [¬٥]، عملك قد أمرتك فلم تطعني\". فلما أبى [رسول الله، ﵌، أن يقبض] [¬٦] صدقته [¬٧] رجع إلى منزله، فقُبض رسول الله، ﵌، ولم يقبل منه شيئا، ثم أتى أبا بكر، ﵁، حين استخلف، فقال: قد علمت منزلتي من رسول الله، وموضعي من الأنصار، فاقبل صدقتي. فقال أبو بكر: لم يقبلها منك رسول الله، ﷺ، وأبى أن يقبلها، فقبض أبو بكر ولم يقبلها، فلما\n_________\n[¬١]- في خ: \"فقال\".\n[¬٢]- في ز: \"فأخذوها\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في ت: \"أخذا الصدقات، ثم رجعا إلى ثعلبة\".\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- سقط من: ز.\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين في ز: \"أن يقبض رسول الله ﷺ\".\n[¬٧]- سقط من: ز، خ.","vol":"7","page":245},{"text":"ولي عمر، ﵁، أتاه فقال: يا أمير المؤمنين، اقبل صدقتي. فقال له [¬١]: لم يقبلها رسول الله، ﷺ، ولا أبو بكر وأنا أقبلها منك؟! فقبض ولم يقبلها، فلما ولي عثمان، ﵁، [أتاه فقال: اقبل صدقتي] [¬٢]. فقال: لم يقبلها رسول الله، ﷺ، ولا أبو بكر ولا عمر وأنا أقبلها منك؟! فلم يقبلها منه، وهلك ثعلبة في خلافة عثمان (١٧).\nوقوله تعالى ﴿بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾. [] [¬٣] أي: أعقبهم النفاق في قلوبهم؛ بسبب إخلافهم الوعد وكذبهم، كما جاء في الصحيحين [¬٤] (^١٧١) عن رسول الله، ﷺ، أنه قال: \"آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان\". وله شواهد كثيرة، والله أعلم.\nوقوله: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾. يخبرهم [¬٥] تعالى أنه يعلم السر وأخفى، وأنه أعلم بضمائرهم، وإن أظهروا أنه إن حصل لهم أموال تصدقوا منها وشكروا عليها، [فإنه] [¬٦] أعلم بهم من أنفسهم؛ لأنه تعالى علام الغيوب، أي: يعلم كل غيب وشهادة، وكل سر ونجوى، ويعلم ما ظهر وما بطن.\n﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ\n_________\n١٧٠) - تفسير الطبري (١٤/ ٣٧٠) رقم (١٦٩٨٧) ومعان بن رفاعة: لين الحديث، يكتب حديثه ولا يحتج به. وعلى بن يزيد الألهاني: قال البخارى: منكر الحديث. وقال النسائي: ليس بثقة. وقال أبو زرعة: ليس بقوي. وقال الدارقطني: متروك. والقاسم بن عبد الرحمن أبو عبد الرحمن: قال الإمام أحمد: روى عنه على بن يزيد أعاجيب، وما أراها إلا من قِبَل القاسم. وقال الأثرم: ذكر لأبي عبد الله حديث عن القاسم الشامي عن أبي أمامة: أن الدباغ طهور؛ فأنكره وحمل على القاسم. وقال ابن حبان: كان القاسم أبو عبد الرحمن يزعم أنه لقي أربعين بدريًا، كان ممن يروي عن أصحاب رسول الله ﷺ المعضلات، ويأتي عن الثقات بالمقلوبات حتى يسبق إلى القلب أنه كان المتعمد لها. قال الذهبي: قد وثقه ابن معين من وجوه عنه. وقال الجوزجاني: كان خيارًا فاضلًا، أدرك أربعين من المهاجرين والأنصار. وقال الترمذي: ثقة. وقال يعقوب بن شيبة: منهم من يضعفه. وقد أنكر كثير من العلماء هذه القصة وقالوا ببطلانها.\n(^١٧١) - صحيح البخاري، كتاب الإيمان، باب: علامة المنافق رقم (٣٣)، وصحيح مسلم، كتاب الإيمان رقم (٥٩) من حديث أبي هريرة، ﵁.\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- فى خ: \"فسأله أن يقبل منه صدقته\".\n[¬٣]- في ت: الآية.\n[¬٤]- في ز، خ: \"الصحيح\".\n[¬٥]- في خ: \"يخبر\".\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين في خ: \"فإن الله\".","vol":"7","page":246},{"text":"﴿يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٩)﴾\nوهذه أيضًا من صفات المنافقين لا يسلم أحد من عيبهم، ولمزهم في جميع الأحوال، حتى ولا المتصدقون يسلمون منهم، إن جاء أحد منهم بمال جزيل قالوا: هذا مُرَاءٍ، وإن جاء بشيء يسيرٍ قالوا: إن الله لغني عن صدقة هذا.\nكما قال [¬١] البخاري (^١٧٢): حدثنا عبيد الله بن سعيد [¬٢]، حدثنا أبو النعمان البصري، حدثنا شعبة، عن سليمان، عن أبي وائل، عن أبي مسعود، ﵁، قال: لما نزلت آية الصدقة، كنا نحامل [¬٣] على ظهورنا، فجاء رجل فتصدق بشيء كثير، فقالوا: مرائي، وجاء رجل فتصدق بصاع فقالوا: إن الله لغنى عن صدقة هذا. فنزلت [¬٤]: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ﴾ الآية.\nوقد [¬٥] رواه مسلم أيضًا في صحيحه من حديث شعبة، به.\nوقال الإمام أحمد (^١٧٣): حدثنا يزيد ثنا [¬٦] الجريري [¬٧]، عن أبي السليل قال: وقف علينا رجل في مجلسنا بالبقيع فقال: حدثني أبي أو عمي: أنه رأى رسول الله، ﷺ، بالبقيع، وهو يقول: \"من يتصدق بصدقة أشهد له بها يوم القيامة؟ \". قال: فحللت من عمامتي لوثا أو لوثين، وأنا أريد أن أتصدق بهما، فأدركني ما يدرك ابنَ آدم فعقدت [¬٨] على عمامتي، فجاء رجل لم أر بالبقيع رجلًا أشد منه سوادًا، [ولا أصغر] [¬٩] منه ولا أَدَمَّ [بعين منه]، ببعير ساقه، لم أر بالبقيع ناقة أحسن منها [¬١٠]، فقال: يا رسول الله،\n_________\n(^١٧٢) - صحيح البخاري، كتاب الزكاة، باب: اتقوا النار رقم (١٤١٥)، وصحيح مسلم، كتاب الزكاة رقم (١٠١٨).\n(^١٧٣) - المسند (٥/ ٣٤) رقم (٢٠٤١٢) والجريري: ثقة، روى له البخاري ومسلم؛ إلا أنه اختلط، وسمع منه يزيد بن هارون بعد الاختلاط. وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ١٢١) وعزاه لأحمد وقال: \"وفيه رجل لم يسم\"\n_________\nzzz.\n[¬١] -  في ت: \"روى\".\n[¬٢]- في خ: \"سعد\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"نتحامل\".\n[¬٤]- في ز: \"فنزل\".\n[¬٥]- في خ: \"قد\".\n[¬٦]- سقط من: ت.\n[¬٧]- في ز: \"الحريري\".\n[¬٨]- في ز: \"فقعدت\".\n[¬٩]- في ما بين المعكوفتين في ت: \"أقصر\"، خ: \"لصغر\" وفي مسند أحمد (٥/ ٣٤): \"أصفر\"، وفي إحدى نسخ المسند: \"أصعر\".\n[¬١٠]- في ت: \"منه\".","vol":"7","page":247},{"text":"أصدقة؟ فقال [¬١]: \"نعم\". قال: دونك هذه الناقة. قال: فلمزه رجل فقال: هذا يتصدق بهذه، فو الله، لهي خير منه. قال: فسمعها رسول الله، ﷺ، فقال: \"كذبت، بل هو خير منك ومنها\". ثلاث مرات. ثم قال: \"ويل لأصحاب المئين من الإبل\" ثلاثًا، قالوا: إلا من يا رسول الله؟ قال: \" [إلا - من قال] [¬٢] بالمال هكذا وهَكذا\". وجمع بين كفيه عن يمينه وعن شماله، ثم قال: \"قد أفلح المزهد المجهد\" ثلاثًا. المزهد: في العيش، المجهد: في العبادة.\nوقال على بن أبي طلحة عن ابن عباس في هذه الآية قال: جاء عبد الرحمن بن عوف بأربعين أوقية من ذهب! إلى رسول الله، ﷺ، وجاءه رجل من الأنصار بصاع من طعام، فقال بعض المنافقين: والله، ما جاء عبد الرحمن بما جاء به إلا رياءً، وقالوا: إن كان [¬٣] الله ورسوله لغنيين عن هذا الصاع (^١٧٤).\nوقال العوفي، عن ابن عباس: إن رسول الله خرج إلى الناس يومًا، فنادى فيهم أن اجمعوا صدقاتكم، فجمع الناس صدقاتهم، ثم جاء رجل من آخرهم بصاع من تمر، فقال: يا رسول الله، هذا صاع من تمر، [بت ليلتي أجر بالجرير الماء حتى نلت صاعين من تمر] [¬٤]، فأمسكت أحدهما وأتيتك بالآخر. فأمره رسول الله، ﷺ، أن ينثره في الصدقات، فسخر منه رجال وقالوا: إن الله ورسوله لغنيان عن هذا، وما يصنعان [¬٥] بصاعك من شيء. ثم إن عبد الرحمن بن عوف قال [لرسول الله، ﷺ: هل بقي أحد من أهل الصدقات. فقال: له رسول الله ﷺ: \"لم يبق أحد غيرك\". فقال له عبد الرحمن بن عوف: فإن] [¬٦] عندي مائة أوقية من ذهب [¬٧] في الصدقات. فقال له عمر بن الخطاب ﵁ أمجنون أنت؟! قال: ليس بي جنون. قال: أفعلت [¬٨] ما فعلت؟! قال: نعم [¬٩]، مالي ثمانية آلاف: أما أربعة آلاف فأقرضها ربي، وأما أربعة آلاف فلي. فقال له رسول الله، ﷺ: \"بارك الله لك فيما أمسكت وفيما أعطيت [¬١٠] \". ولمزه المنافقون فقالوا: والله ما أعطى عبد الرحمن عطيته إلا رياء، وهم كاذبون، إنما كان به متطوعًا، فأنزل الله ﷿ عذره [¬١١] وعذر صاحبه المسكين الذي\n_________\n(^١٧٤) - رواه الطبري في تفسيره (١٤/ ٣٨٢) رقم (١٧٠٠٣).\n_________\n[¬١]- في خ: \"قال\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- في ز، خ: \"يصنعون\".\n[¬٦]- ما لين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٧]- في ت: \"الذهب\".\n[¬٨]- في ز: \"فحلت\".\n[¬٩]- سقط من: ز، خ.\n[¬١٠]- في ز، خ: \"أبقيت\".\n[¬١١]- سقط من: ز، خ.","vol":"7","page":248},{"text":"جاء بالصاع من التمر، فقال تعالى في كتابه: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ الآية.\nوكذا روي عن مجاهد وغير [¬١] واحد.\nوقال ابن إسحاق: كان من [¬٢] المطوعين من المؤمنين في الصدقات عبد الرحمن بن عوف، تصدق بأربعة آلاف درهم، وعاصم بن عدي أخو [¬٣] بني العجلان: وذلك أن رسول الله، ﷺ، رغب في الصدقة وحض عليها، فقام عبد الرحمن بن عوف فتصدق بأربعة آلاف، وقام عاصم [بن عدي] [¬٤] وتصدق [¬٥]، بمائة وسق من تمر، فلمزوهما وقالوا [¬٦]: ما هذا إلا رياءٌ، وكان الذي تصدق بجهده أبو عقيل أخو بني أنيف الأراشي حليف بني عمرو بن عوف، أتى بصاع من تمر فأفرغه في الصدقة، فتضاحكوا به وقالوا: إن الله لغني عن صاع أبي عقيل.\nوقال الحافظ أبو بكر البزار (^١٧٥): حدثنا طالوت بن عباد، حدثنا أبو عوانة، عن عمر [¬٧] ابن أبي سلمة، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله، ﷺ: \"تصدقوا فإني أريد أن أبعث بعثًا\". قال: فجاء عبد الرحمن بن عوف فقال: يا رسول الله، عندى أربعة آلاف، ألفين أقرضهما ربي، وألفين لعيالي. فقال رسول ﷺ: \"بارك الله لك فيما أعطيت، وبارك لك فيما أمسكت\".\nوبات رجل من الأنصار فأصاب صاعين من تمر، فقال: يا رسول الله، أصبت صاعين من تمر؛ صاعًا أقرضه لربي، وصاعًا لعيالى. قال: فلمزه المنافقون وقالوا: ما أعطى الذي أعطى ابن عوف إلا رياء. وقالوا: ألم يكن الله ورسوله غنيين عن صاع هذا؟ فأنزل الله: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ﴾.\nثم رواه (^١٧٦) عن أبي كامل، عن أى عوانة، عن عمر بن أبي سلمة، عن أبيه مرسلًا،\n_________\n(^١٧٥) - مسند البزار برقم (٢٢١٦) \"كشف الأستار\" وقال الهيثمي في المجمع (٧/ ٣٢): (وفيه عمر بن أبي سلمة، وثقه العجلي وأبو خيثمة وابن حبان، وضعفه شعبة وغيره، وبقية رجالهما - أي: هذا الطريق والذي بعده - ثقات\".\n(^١٧٦) - مسند البزار برقم (٢٢١٦) \"كشف الأستار\" قال الحافظ ابن حجر في الفتح (٨/ ٣٣٢) بعد =\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في ز: \"أخا\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- سقط من: ز.\n[¬٦]- في خ: \"قالوا\".\n[¬٧]- في ز، خ: \"عمرو\".","vol":"7","page":249},{"text":"قال: ولم يسنده أحد إلا طالوت.\nوقال الإمام أبو جعفر بن جرير (^١٧٧): حدثنا ابن وكيع، حدثنا زيد بن الحباب، عن موسى بن عبيدة، حدثني خالد بن يسار، عن ابن أبي عقيل، عن أبيه؛ قال: بت أجر الجرير (*) على ظهري على صاعين من تمر، فانقلبت بأحدهما إلى أهلى يتبلغون به، وجئت بالآخر أتقرب به [¬١] إلى رسول الله، ﵌، فأتيته [¬٢] فأخبرته فقال: \"انثره في الصدقة\". قال: فسخر القوم وقالوا: لقد كان الله غنيًّا عن صدقة هذا المسكين! فأنزل الله: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ الآيتين.\nوكذا رواه الطبراني (^١٧٨) من حديث زيد بن الحباب، به، وقال: اسم أبي [¬٣] عقيل: حباب (*) ويقال: عبد الرحمن بن عبد الله بن ثعلبة.\nوقوله: ﴿فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ﴾ هذا [¬٤] من باب المقابلة على سوء صنيعهم واستهزائهم بالمؤمنين؛ لأن الجزاء من جنس العمل، فعاملهم معاملة من سخر منهم؛ انتصارًا للمؤمنين في الدنيا، وأعد للمنافقين في الآخرة عذابًا أليمًا؛ [لأن الجزاء من جنس العمل] [¬٥].\n_________\n= أن ساق هذه الرواية المرسلة: \"وكذلك أخرجه عبد بن حميد، عن يونس بن محمد، عن أبي عوانة، وأخرجه ابن أبي حاتم والطبري وابن مردويه من طرق أخرى عن أبي عوانة مرسلًا\".\n(^١٧٧) - تفسير الطبري (١٤/ ٣٨٨) رقم (١٧٠١٤) وإسناده ضعيف جدًّا من أجل موسى بن عبيدة، (*) الجرير: الحبل.\n(^١٧٨) - المعجم الكبير (٤/ ٤٥) وقد وقع فيه \"عن زيد بن الحباب عن خالد بن يسار\" فأسقط موسى بن عبيدة في رواية، ولذا قال الهيثمي في المجمع (٧/ ٣٣): \"رجاله ثقات إلا أن خالد بن يسار لم أجد من وثقه ولا جرحه\" لكن الزيلعي في تخريج الكشاف (٢/ ٨٨) عزاه للطبراني في معجمه من طريق موسى بن عبيدة عن خالد بن يسار، فلعله سقط من نسخ الطبراني أو توهم فيه الزيلعي.\n(**) - تنبيه: كذا وقع هنا وعند الطبراني: \"اسم أبي عقيل حباب\"، قال الحافظ ابن حجر في الإصابة (١/ ٣٨٩): \"كذا وقع عند الطبراني، والصواب حَبْحَاب\".\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في ز: \"فأتيت رسول الله ﷺ\".\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- في ز: \"وهذا\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"7","page":250},{"text":"﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (٨٠)﴾\nيخبر تعالى نبيه، ﷺ، بأن هؤلاء المنافقين ليسوا أهلًا [¬١] للاستغفار، وأنه لو استغفر لهم، ولو [¬٢] سبعين مرة [فإن الله لا يغفر] [¬٣] لهم.\nوقد قيل: إن السبعين إنما ذكرت حسمًا لمادة الاستغفار لهم؛ لأن العرب في أساليب كلامها تذكر السبعين في مبالغة كلامها، ولا تريد التحديد بها، ولا أن يكون ما زاد عليها بخلافها.\nوقيل: بل لها مفهوم، كما روى العوفي، عن ابن عباس، أن رسول الله، ﷺ، قال لما نزلت هذه الآية: \"أسمع ربي قد رخص لي فيهم، فوالله، لأستغفرن لهم [¬٤] أكثر من سبعين مرة؛ لعل الله أن يغفر لهم\" .. فقال الله من شدة غضبه عليهم: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ [لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ] إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ (^١٧٩).\nوقال الشعبي: لما ثقل عبد الله بن أبي، انطلق ابنه إلى النبي، ﷺ، فقال: ان أبي قد احتضر، فأحب أن تشهده وتصلي عليه. فقال له [¬٥] النبي، ﷺ: \"ما اسمك؟ \". قال: الحباب بن عبد الله. قال: \"بل أنت عبد الله بن عبد الله، إن الحباب اسم شيطان [¬٦] \" [قال] [¬٧] فانطق معه حتى شهده، وألبسه قميصه وهو عرق، وصلى عليه، فقيل له: أتصلي عليه [وهو منافق] [¬٨]؟ فقال: \"إن الله قال: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً﴾ ولأستغفرن لهم سبعين وسبعين وسبعين\".\nوكذا روي عن عروة بن الزبير، ومجاهد بن جبر [¬٩]، وقتادة بن دعامة، رواها [¬١٠] ابن جرير بأسانيده (^١٨٠).\n_________\n(^١٧٩) - تفسير ابن جرير (١٤/ ٣٨٨ - ٣٨٩) (١٧٠١٤).\n(^١٨٠) - تفسير ابن جرير (١٤/ ٣٩٥ - ٣٩٧).\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- سقط من: ت.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في ت: \"فلن يغفر الله\".\n[¬٤]- سقط من: ز.\n[¬٥]- سقط من: ز.\n[¬٦]- في ت: \"الشيطان\".\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٨]- سقط من: خ.\n[¬٩]- في ز: \"جبير\".\n[¬١٠]- في خ: \"ورواه\".","vol":"7","page":251},{"text":"﴿فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ (٨١) فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٨٢)﴾\nيقول تعالى ذامًّا للمنافقين المتخلفين عن صحابة رسول الله، ﷺ [بغزوة] [¬١] تبوك، وفرحوا بمقعدهم [¬٢] بعد خروجه ﴿وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا﴾ معه ﴿بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا﴾ أي: [بعضهم لبعض] [¬٣]: ﴿لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ﴾ وذلك أن الخروج في غزوة تبوك كان في شدة الحرّ، عند طيب الظلال والثمار؛ فلهذا قالوا: ﴿لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ﴾ قال الله تعالى لرسوله، ﷺ: ﴿قُلْ﴾ لهم: ﴿نَارُ جَهَنَّمَ﴾ التي تصيرون إليها [بسبب مخالفتكم] [¬٤] ﴿أَشَدُّ حَرًّا﴾ مما فررتم منه من الحر، بل أشد حرًّا من النار، كما قال الإمام مالك عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة: إن رسول الله ﷺ قال: \"نار بني آدم التي [يوقدون بها جزءًا من سبعين جزءًا] [¬٥] [من نار جهنم\". فقالوا: يا رسول الله، إن كانت لكافية. فقال: \" [إنها] فضلت عليها بتسعة وستين جزءًا\"] [¬٦]. أخرجاه في الصحيحين من حديث مالك، به (^١٨١).\nوقال الإمام أحمد (^١٨٢): حدثنا سفيان، عن أبي الزناد، عن الأعرج عن أبي هريرة، عن النبي، ﷺ، قال: \"إن ناركم هذه جزء من سبعين جزءًا من نار جهنم، وضربت بالبحر [¬٧] مرتين، ولولا ذلك ما جعل الله [¬٨] فيها منفعة لأحد\". وهذا أيضًا إسناد [¬٩] صحيح.\n_________\n(^١٨١) - الموطأ، كتاب جهنم، باب: صفة ما جاء فى صفة جهنم (٢/ ٩٩٤)، وصحيح البخاري، كتاب بدء الخلق، باب: صفة النار وأنها مخلوقة رقم (٣٢٦٥)، ورواه مسلم في صحيحه، كتاب الجنة وصفة نعيمها برقم (٢٨٤٣) من طريق المغيرة بن عبد الرحمن عن أبي الزناد به.\n(^١٨٢) - المسند (٢/ ٢٤٤) رقم (٧٣٢٣).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في خ: \"في غزوة\".\n[¬٢]- في خ: \"بقعودهم\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في ز: \"لبعضهم بعضا\".\n[¬٤]- فى ت: \"بمخالفتك\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين فى ت: \"توقدونها جزء من سبعين جزءًا\".\n[¬٦]- سقط من ز، خ.\n[¬٧]- في خ: \"في البحر\".\n[¬٨]- سقط من: ز.\n[¬٩]- في خ: \"إسناده\".","vol":"7","page":252},{"text":"وقد روى الإِمام أبو عيسى الترمذي وابن ماجه (^١٨٣) عن [¬١] عباس الدوري عن [¬٢] يحيى ابن أبي بكير، عن شريك، عن عاصم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، ﵁، قال: قال رسول الله، ﷺ: \"أوقد [] [¬٣]، على النار ألف سنة حتى احمرَّت، ثم أوقد عليها ألف سنة حتى ابيضّت، ثم أوقد عليها ألف سنة حتى اسودّت، فهي سوداء كالليل المظلم\". ثم قال الترمذي: لا أعلم أحدًا رفعه غير يحيى.\nكذا قال. وقد رواه الحافظ أبو بكر بن مردويه، عن إبراهيم بن محمد، عن محمد بن الحسين بن مكرم، عن عبيد الله بن سعيد، عن عمه، عن شريك - وهو ابن عبد الله النخعى - به.\nوروى أيضًا ابن مردويه، من رواية مبارك بن فضالة، عن ثابت، عن أنس، قال: تلا رسول الله، ﷺ: ﴿نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ قال: \"أوقد عليها ألف عام حتى ابيضّت، وألف عام حتى احمرّت، وألف عام حتى اسودّت، فهي سوداء كالليل المظلم [¬٤] لا يضيء لهبها\" (^١٨٤).\nوروى الحافظ أبو القاسم الطبراني (^١٨٥) من حديث تمام بن نجيح - وقد اختلف فيه - عن الحسن، عن أنس مرفوعًا [¬٥]: \"لو أن شرارة [¬٦] بالمشرق - أي: من نار جهنم - لوَجَدَ حرَّها مَن [¬٧] بالمغرب\".\nوروى الحافظ أبو يعلى (^١٨٦) عن إسحاق بن أبي إسرائيل، عن أبي عبيدة الحداد، عن هشام بن حسان، عن محمد بن شبيب، عن جعفر بن أبي وحشية، عن سعيد بن جبير،\n_________\n(^١٨٣) - سنن الترمذي، أبواب: صفة جهنم، رقم (٢٥٩١) وسنن ابن ماجه، كتاب الزهد، باب: صفة النار رقم (٤٣٢٠) وقال الترمذي: \"حديث أبي هريرة في هذا موقوف أصح، ولا أعلم أحدا رفعه غير يحيى بن أبي بكير عن شريك\".\n(^١٨٤) - ورواه البيهقي في شعب الإيمان برقم (٧٩٩) من طريق سهل بن حماد عن مبارك بن فضالة به نحوه.\n(^١٨٥) - المعجم الأوسط برقم (٤٨٤١) \"مجمع البحرين\"، وأشار الحافظ هنا إلى الاختلاف في حال تمام ابن نجيح، قال المنذري في الترغيب والترهيب (٤/ ٣٦٢) \"في إسناده احتمال للتحسين\".\n(^١٨٦) - مسند أبي يعلى (١٢/ ٢٢) ورواه أبو نعيم في الحلية (٤/ ٣٠٧) من طريق إسحاق بن أبي إسرائيل به، وقال المنذري في الترغيب والترهيب (٤/ ٣٦٣): \"إسناده حسن، وفى متنه نكارة\".\n_________\n[¬١]- بعده في خ: \"ابن\".\n[¬٢]- في خ: وعن.\n[¬٣]- مما بين المعكوفين في ت: الله.\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- في خ: \"رفعه\".\n[¬٦]- في ز: \"شررة\".\n[¬٧]- سقط من: ز، خ.","vol":"7","page":253},{"text":"عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله، ﷺ: \"لو كان في هذا المسجد مائة ألف أو يزيدون، وفيهم رجل من أهل النار، فتنفس فأصابهم نفسه لاحترق المسجد ومن فيه\". غريب.\nوقال الأعمش عن أبى إسحاق، عن النعمان بن بشير؛ قال: قال رسول الله، ﷺ: \"إن أهون أهل النار عذابًا يوم القيامة لمن له نعلان وشراكان من نار جهنم [¬١]، يغلي منهما دماغه، كما يغلي المرجل، لا يرى أن أحدًا من أهل النار أشدُّ عذابًا منه، وإنه أهونهم عذابًا\". أخرجاه في الصحيحين من حديث الأعمش (^١٨٧).\nوقال مسلم أيضًا: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا يحيى بن أبي بُكَير [¬٢]، حدثنا زهير بن محمد، عن سهيل بن أبي صالح، عن النعمان بن أبي عياش، عن أبي سعيد الخدري، أن رسول الله، ﷺ، قال: \"إن أدنى أهل النار عذابًا يوم القيامة ينتعل بنعلين من نار، يغلي دماغه من حرارة نعليه\" (^١٨٨).\nوقال الإمام أحمد (^١٨٩): حدثنا يحيى، عن ابن عجلان، سمعت أبي، عن أبي هريرة، عنَ النبي، ﷺ، قال: \"إن أدنى أهل النار عذابًا رجل يجعل له نعلان يغلي منهما دماغه\".\nوهذا إسناد جيد قوي، رجاله على شرط مسلم، والله أعلم.\nوالأحاديث والآثار النبوية في هذا كثيرة.\nوقال الله تعالى في كتابه العزيز: ﴿كَلَّا إِنَّهَا لَظَى (١٥) نَزَّاعَةً لِلشَّوَى﴾، وقال تعالى: ﴿يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ (١٩) يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ (٢٠) وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ (٢١) كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾.\nوقال تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ﴾ أي: لو أنهم يفقهون ويفهمون لنفروا مع الرسول في سبيل الله في الحر؛ ليتقوا به من حر جهنم\n_________\n(^١٨٧) - صحيح مسلم، كتاب الإيمان برقم (٢١٣). ولم أقف عليه عند البخاري من حديث الأعمش وقد رواه من طرق أخرى انظر حديث (٦٥٦٢).\n(^١٨٨) - صحيح مسلم، كتاب الإيمان رقم (٢١١).\n(^١٨٩) - المسند (٢/ ٤٣٨).\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- في ز: \"كثير\".","vol":"7","page":254},{"text":"الذي هو أضعاف أضعاف هذا، ولكنهم كما قال الآخر:\n...... … كَالمسْتَجيرِ مِنَ الرَّمضَاءِ بِالنَّارِ (^١٩٠)\nوقال الآخر:\nعُمرُكَ بالحمْيةِ أَفنَيتَهُ … مَخَافَةَ [] [¬١] البَارِدِ وَالحَارِّ\nوَكَانَ أَوْلَى بِكَ أَنْ تَتَّقِي … مِنَ المعَاصِي حَذَرَ النَّارِ\n[ثم قال تعالى] [¬٢] ﷻ متوعدًا لهؤلاء [¬٣] المنافقين على [¬٤] صنيعهم هذا ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾.\nقال ابن أبي طلحة، عن ابن عباس: الدنيا قليل فليضحكوا [¬٥] فيها ما شاءوا، فإذا انقمت الدنيا وصاروا إلى الله ﷿، استأنفوا بكاء لا ينقطع أبدًا. وكذا قال أبو رزين والحسن وقتادة والربيع بن خثيم، وعون العقيلي [¬٦]، وزيد بن أسلم.\nوقال الحافظ أبو يعلى الموصلي (^١٩١): حدثنا عبد الله بن عبد الصمد بن أبي خداش، حدثنا محمد بن حميد [¬٧]، عن ابن المبارك، عن عمران بن زيد، حدثنا يزيد الرقاشى، عن أنس بن مالك؛ قال: سمعت رسول الله، ﷺ، يقول: \"يأيُّها الناس ابكوا، فإن لم تبكوا فتباكوا، فإن أهل النار يبكون حتى تسيل دموعهم في وجوههم كأنها جداول، حتى تنقطع الدموع فتسيل الدماء [¬٨] فتقرح [¬٩] العيون، فلو أن سُفُنًا أرخيت [¬١٠] فيها لجرت\". ورواه ابن ماجة من حديث الأعمش، عن يزيد الرقاشي، به.\n_________\n(^١٩٠) - وصدر البيت: والمستجير بعمرو عند كربته. وذكره داود الأنطاكي فى مصارع العشاق (ص ٢١٩).\n(^١٩١) - مسند أبي يعلى (٧/ ١٦٢،١٦١) وسنن ابن ماجه، كتاب الزهد، باب: صفة النار رقم (٤٣٢٤) وقال البوصيري في الزوائد (٣/ ٣٢٣): \"هذا إسناد فيه يزيد بن أبان الرقاشي وهو ضعيف\".\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ت: \"من\".\n[¬٢]- مطموسة في ز، وفي خ: \"يقول تعالى\".\n[¬٣]- في خ: \"هؤلاء\".\n[¬٤]- في ز، خ: \"في\".\n[¬٥]- بياض في خ.\n[¬٦]- في ز: \"العقلي\".\n[¬٧]- في ز، خ: \"جبر\". وهو تحريف. والمثبت من مسند أبي يعلى. وهو محمد بن حميد بن حبان الرازي.\n[¬٨]- سقط من: ز، خ.\n[¬٩]- في ز: \"فيقرح\".\n[¬١٠]- فى خ: \"أزجيت\".","vol":"7","page":255},{"text":"وقال الحافظ أبو بكر بن عبد الله بن محمد بن أبي الدنيا: حدثنا محمد بن العباس، حدثنا حماد الجزري، عن زيد بن رفيع - رفعه - قال: \"إن أهل النار إذا دخلوا النار بكوا الدموع زمانًا، ثم بكوا القيح زمانًا، قال: فتقول لهم الخزنة: يا معشر الأشقياء، تركتم البكاء في الدار المرحوم فيها أهلها في الدنيا، هل تجدون اليوم من تستغيثون به؟ قال: فيرفعون أصواتهم: يا أهل الجنة، يا معشر الآباء والأمهات والأولاد، خرجنا من القبور عطاشًا، وكنا طول الموقف عطاشًا، ونحن اليوم عطاش، فأفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله، فيدعون أربعين سنة لا يجيبهم ثم يجيبهم ﴿إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ فييأسون من كل خير\".\n﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ (٨٣)﴾\nيقول تعالى آمرًا لرسوله، ﵊: ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ﴾ أي: ردك الله من غزوتك هذه ﴿إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ﴾ قال قتادة: ذكر لنا أنهم كانوا اثني عشر رجلًا ﴿فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ﴾ أي: معك إلى غزوة أخرى ﴿فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا﴾ أي: تعزيزًا لهم وعقوبة، ثم علل ذلك بقوله: ﴿إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ وهذا كقوله تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾. فإن جزاء السيئة السيئة بعدها، كما أن [] [¬١] ثواب الحسنة الحسنة بعدها، كقوله في عمرة الحديبية: ﴿سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ﴾.\nوقوله تعالى: ﴿فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ﴾ قال ابن عباس: أي: الرجال الذين تخلفوا عن الغزاة. وقال قتادة: ﴿فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ﴾ أي: مع النساء.\nقال ابن جرير (^١٩٢): وهذا لا يستقيم؛ لأن جمع النساء لا يكون بالياء والنون، ولو\n_________\n(^١٩٢) - تفسير الطبري (١٤/ ٤٠٥).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من خ.","vol":"7","page":256},{"text":"أريد النساء لقال: فاقعدوا مع الخوالف أو الخالفات، ورجح قول ابن عباس ﵄.\n﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ (٨٤)﴾\nأمر الله تعالى رسوله، ﷺ، أن يبرأ من المنافقين، وألَّا يصلي [¬١] على أحد منهم إذا مات، وألَّا يقوم على قبره يستغفر [¬٢] له أو يدعو له؛ لأنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا عليه، وهذا حكم عام في كل من عرف نفاقه، وإن كان سبب نزول الآية في عبد الله بن أبي ابن سلول رأس المنافقين، كما قال البخاري:\nحدثنا عبيد بن إسماعيل، عن أبي أسامة، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر؛ قال: لما توفي عبد الله -[¬٣] ابن أبي - جاء ابنه عبد الله بن عبد الله إلى رسول الله، ﷺ، فسأله أن يعطيه قميصه يكفن فيه أباه فأعطاه، ثم سأله أن يصلي عليه، فقام رسول الله، ﷺ، ليصلي عليه، فقام عمر فأخذ بثوب رسول الله، ﷺ، فقال: يا رسول الله، تصلي عليه وقد نهاك ربك أن تصلي عليه؟ فقال رسول الله، ﷺ: \"إنما خيرنى الله فقال: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ وسأزيده على السبعين\". قال: إنه منافق. قال: فصلى عليه [رسول الله، ﷺ] [¬٤]، فأنزل الله ﷿ آية: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾.\nوكذا رواه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة عن أبي أسامة حماد بن أسامة، به (^١٩٣).\nثم رواه البخاري، عن إبراهيم بن المنذر، عن أنس بن عياض، عن عبيد الله - وهو ابن عمر العمري - به. وقال: فصلى [¬٥] عليه وصلينا معه، وأنزل الله: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾. الآية.\nوهكذا رواه الإمام أحمد، عن يحيى بن سعيد القطان، عن عبيد الله، به (^١٩٤).\n_________\n(^١٩٣) - صحيح البخاري، كتاب تفسير القرآن رقم (٤٦٧٠)، وصحيح مسلم، كتاب صفات المنافقين رقم (٢٧٧٤).\n(^١٩٤) - صحيح البخاري، كتاب التفسير رقم (٤٦٧٢)، والمسند (٢/ ١٨).\n_________\n[¬١]- في خ: \"يصل\".\n[¬٢]- في خ: \"ليستغفر\".\n[¬٣]- في ز، خ: هو.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٥]- في ز: \"فصلينا\".","vol":"7","page":257},{"text":"وقد روي من حديث عمر بن الخطاب نفسه أيضًا بنحو من هذا، فقال الإِمام أحمد: حدثنا يعقوب، حدثنا أبي، عن ابن إسحاق، حدثني الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس؛ قال: سمعت عمر بن الخطاب، ﵁، يقول: لما توفي [عبد الله بن أبي] [¬١]، [دُعِيَ رسول الله، ﷺ، للصلاة عليه فقام إليه، فلما وقفِ عليه يريد الصلاة، تحولت حتى قمت في صدره، فقلت: يا رسول الله] [¬٢]، [أَعَلَى عدو اللَّه عبد الله بن أبي] [¬٣] القائل يوم كذا: كذا وكذا - يعدد أيامه -؟ قال: ورسول الله، ﷺ، يتبسم [¬٤]، حتى إذا أكثرت عليه قال: \" أخر عني يا عمر، إني خيرت فاخترت، قد قيل لي: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ لو أعلم أني إن [¬٥] زدت على السبعين غفر له لزدت\". قال: ثم صلى عليه ومشى معه، وقام على قبره حتى فرغ منه، قال: [فعجبت من] [¬٦] جرأتى على رسول الله، ﷺ، والله ورسوله أعلم. قال: فوالله ما كان إلا يسيرًا حتى نزلت هاتان الآيتان ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾. فما صلى رسول الله، ﷺ، بعده على منافق ولا قام على قبره حتى قبضه الله، ﷿.\nوهكذا رواه الترمذي في التفسير من حديث محمد بن إسحاق عن الزهري، به (^١٩٥)، وقال: حسن صحيح.\nورواه البخاري (^١٩٦)، عن يحيى بن بكير، عن الليث، عن عقيل، عن الزهري به، فذكر مثله وقال: \"أخر عني يا عمر\". فلما أكثرت عليه قال: \"إني [¬٧] خيرت فاخترت، ولو أعلم أني إن زدت على السبعين غفر [¬٨] له لزدت عليها\". لحال: فصلى عليه رسول الله، ﷺ، ثم انصرف، فلم يلبث إلا يسيرًا حتى نزلت الآيتان من براءة: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾. الآية.\n_________\n(^١٩٥) - المسند (١/ ١٦)، وسنن الترمذي، باب: ومن سورة التوبة برقم (٣٠٩٧).\n(^١٩٦) - صحيح البخاري، تفسير القرآن رقم (٤٦٧١).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٤]- في خ: \"يبتسم\".\n[¬٥]- في خ: \"لو\".\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين في ز: \"فعجب إلى\".\n[¬٧]- سقط من: خ.\n[¬٨]- في ز: \"لغفر\".","vol":"7","page":258},{"text":"فعجبت بعد من جرأتي على رسول الله، ﷺ، ورسول الله، ﷺ، أعلم.\nوقال الإِمام أحمد (^١٩٧): حدَّثنا محمد بن عبيد، حدَّثنا عبد الملك، عن أبي الزُّبَير، عن جابر، قال: لما مات عبد الله بن أبي، أتى ابنه النبيَّ، ﷺ، فقال: يا رسول الله، إنك إن لم تأته لم نزل نعير بها [¬١]. فأتاه النبي، ﷺ، فوجده قد أدخل في حفرته، فقال: \"أفلا قبل أن تدخلوه؟ \" فأخرج من حفرته، وتفل عليه [من ريقه] [¬٢] من قرنه إلى قدمه، وألبسه قميصه.\nورواه النَّسائي عن أبي داود الحراني، عن يعلى بن عبيد، عن عبد الملك - وهو ابن أبي سليمان - به.\nوقال البخاري (^١٩٨): حدَّثنا عبد الله بن عثمان، أخبرنا ابن عيينة، عن عمرو، سمع [¬٣] جابر بن عبد الله، قال: أتى النبي، ﷺ، عبدَ الله بن أبي بعد ما أدخل في [¬٤] قبره، فأمر به فأخرج ووضع على ركبتيه، ونفث عليه من ريقه وألبسه قميصه. والله أعلم.\nوقد رواه أيضًا في غير موضع مع [¬٥] مسلم والنسائي من غير وجه عن سفيان بن عيينة به (^١٩٩) ..\nوقال الإِمام أَبو بكر أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البزار في مسنده (^٢٠٠): حدَّثنا عمرو ابن علي، حدَّثنا يحيى، حدَّثنا مجالد، حدَّثنا عامر، حدَّثنا جابر (ح).\nوحدثنا يوسف بن موسى، حدَّثنا عبد الرحمن بن مغراء الدوسى، حدَّثنا مجالد، عن الشعبي، عن جابر، قال: لما [¬٦] مات رأس المنافقين - قال يحمس بن سعيد: بالمدينة -\n_________\n(^١٩٧) - المسند (٣/ ٣٧١) والنَّسائي في السنن الكبرى برقم (٩٦٦٥).\n(^١٩٨) - صحيح البخاري، كتاب اللباس، باب: لبس القميص رقم (٥٧٩٥).\n(^١٩٩) - صحيح البخاري، كتاب الجنائز، رقم (١٢٧٣، ١٣٥٠) وكتاب الجهاد والسير رقم (٣٠٠٨) وصحيح مسلم، كتاب صفات المنافقين وأحكامهم برقم (٢٧٧٣) وسنن النسائى، كتاب الجنائز (٤/ ٣٧، ٣٨).\n(^٢٠٠) - ورواه ابن ماجة في السنن برقم (١٥٢٤) من طريق يحيى بن سعيد عن مجالد به نحوه.\n_________\n[¬١]- في ت: \" بهذا\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٣]- في ز: \"وسمع\".\n[¬٤]- سقط من: ز.\n[¬٥]- سقط من: ت.\n[¬٦]- سقط من: ز، خ.","vol":"7","page":259},{"text":"فأوصى أن يصلي عليه النبي، ﷺ، فجاء ابنه إلى النبي، ﷺ، فقال: إن أبي أوصى أن يكفن [في قميصك] [¬١]- وهذا الكلام في حديث عبد الرحمن بن مغراء، قال يحيى في حديثه -: فصلى عليه وألبسه قميصه - فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ وزاد عبد الرحمن: وخلع النبي، ﷺ، قميصه فأعطاه إياه، ومشى فصلى عليه وقام على قبره، فأتاه جبريل، ﵇، لما ولى قال: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ وهذا إسناد [¬٢] لا بأس به، وما قبله شاهد له.\nوقال الإِمام أَبو جعفر الطبري (^٢٠١): \" حدَّثنا أحمد بن إسحاق] [¬٣]، حدَّثنا أَبو أحمد، حدَّثنا حمَّاد بن سلمة، عن - يزيد الرقاشي، عن أَنس، أن رسول الله، ﷺ، أراد أن يصلي على عبد الله بن أبي، فأخذ جبريل بثوبه، وقال: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾.\nورواه الحافظ أَبو يعلى في مسنده من حديث يزيد الرقاشي وهو ضعيف (^٢٠٢).\nوقال قَتَادة: أرسل عبد الله بن أبي إلى رسول الله، ﷺ، وهو مريض، فلما دخل عليه قال له النبي، ﷺ: \" أهلكك حب يهود\". قال: يا رسول الله، إنما أرسلت إليك لتستغفر لي، ولم أرسل إليك لتؤنبني. ثم سأله عبد الله أن يعطيه قميصه [] [¬٤] يكفن فيه أبا [¬٥]، فأعطاه إياه وصلى عليه وقام على قبره، فأنزل الله ﷿ ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾.\nوقد ذكر بعض السلف أنَّه إنما ألبسه [¬٦] قميصه؛ لأن عبد الله بن أبي لما قدم العباس طُلِب له قميصٌ، فلم يوجد على تفصيله إلا ثوب عبد الله بن أبي؛ لأنه كان ضخمًا طويلًا، ففعل ذلك به رسول الله، ﷺ، مكافأة له، فالله أعلم.\nولهذا كان رسول الله، ﷺ، بعد نزول هذه الآية الكريمة عليه لا يصلي على أحد من المنافقين، ولا يقوم على قبره.\n_________\n(^٢٠١) - تفسير الطبري (١٤/ ٤٠٧) رقم (٥٣، ١٧).\n(^٢٠٢) - مسند أبي يعلى (٧/ ١٤٥).\n_________\n[¬١]- في خ: \"بقميصك\".\n[¬٢]- في خ: \"وإسناده\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين في ز: \"أن\".\n[¬٥]- سقط من: ز.\n[¬٦]- فى خ: \"كساه\".","vol":"7","page":260},{"text":"كما قال الإِمام أحمد (^٢٠٣): حدَّثنا يعقوب، حدَّثنا أبي، عن أبيه، حدثني عبد الله بن أبي قَتَادةَ عن أبيه، قال: كان رسول الله، ﷺ، إذا دعى [لجنازة] [¬١] سأل عنها، فإن أثنى عليها خيرًا [¬٢] قام فصلى عليها، وإن [أثنى عليها] [¬٣] غير ذلك قال لأهلها: \"شأنكم بها [¬٤] \". ولم يصل عليها.\nوكان عمر بن الخطاب لا يصلي على جنازة من جهل حاله، حتَّى يصلي عليها حذيفة بن اليمان؛ لأنه كان يعلم أعيان المنافقين [¬٥]، قد أخبره بهم رسول الله، ﷺ، ولهذا كان يقال له: صاحب السر الذي لا يعلمه غيره، أي: من الصحابة.\nوقال أَبو عبيد في كتاب الغريب [¬٦] في حديث عمر: إنه أراد أن يصلي على جنازة رجل فمرزه حذيفة، كأنه أراد أن يصده عن الصلاة عليها. ثم حكى عن بعضهم: أن المرز بلغة أهل اليمامة هو القرص بأطراف الأصابع.\nولما نهى الله، ﷿، عن الصلاة على المنافقين، والقيام على قبورهم للاستغفار لهم، كان هذا الصنيع من أكبر القربات في حق المؤمنين فشرع ذلك، وفي فعله الأجر الجزيل، كما ثبت في الصحاح (^٢٠٤) وغيرها من حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله، ﷺ، قال: \"من شهد الجنازة حتى يصلى عليها فله قيراط، ومن شهدها حتَّى تدفن فله قيراطان\". قيل: وما القيراطان؟ قال: \"أصغرهما مثل أحد\".\nوأما القيام عند قبر المؤمن إذا مات، فقد قال أَبو داود: حدَّثنا إبراهيم بن موسى الرازي، أخبرنا هشام، عن عبد الله بن بحير، عن هانئ - وهو أَبو سعيد البربري، مولى عثمان بن عفان عن عثمان، ﵁، قال: كان رسول الله، ﷺ، إذا فرغ من دفن الرجل [¬٧] وقف عليه وقال: - \"استغفروا لأخيكم، واسألوا له التثبيت، فإنه الآن يسأل\".\nانفرد بإخراجه أَبو داود (^٢٠٥)، ﵀.\n_________\n(^٢٠٣) - المسند (٥/ ٢٩٩) رقم (٢٢٦٥٨) وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ٣، ٤) وعزاه لأحمد وقال: \"ورجاله رجال الصحيح\".\n(^٢٠٤) - رواه البخاري في صحيحه، كتاب الجنائز رقم (١٣٢٥) ومسلم في، كتاب الجنائز رقم (٩٤٥).\n(^٢٠٥) - سنن أبي داود، كتاب الجنائز، باب: الاستغفار عند القبر للميت رقم (٣٢٢١).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في خ: \"إلى جنازة\".\n[¬٢]- في ز: \"خير\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في ت: \"كان\".\n[¬٤]- في ت: \"به\".\n[¬٥]- في ز: \"منافقين\".\n[¬٦]- غريب الحديث لأبي عبيد [٢/ ٣٦].\n[¬٧]- في خ: \"الميت\".","vol":"7","page":261},{"text":"﴿وَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ (٨٥)﴾ [التوبة: ٨٥]\n[وقد] [¬١] تقدَّم [نظير تفسير] [¬٢] هذه الآية الكريمة (^٢٠٦)، ولله الحمد والمنة [¬٣].\n﴿وَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ (٨٦) رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ (٨٧)﴾ [التوبة: ٨٦، ٨٧]\nيقول تعالى منكرًا وذامًّا للمتخلفين عن الجهاد، الناكلين عنه مع القدرة عليه، ووجود السعة والطَّول [¬٤]، واستأذنوا الرسول في القعود وقالوا: ﴿ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾ ورضوا لأنفسهم بالعار والقعود في البلد مع النساء، وهن الخوالف بعد خروج الجيش، فإذا وقع الحرب كانوا أجبن الناس، وإذا كان أَمْنٌ كانوا أكثر الناس كلامًا، كما قال تعالى عنهم في الآية الأخرى: ﴿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ﴾ أي: علت ألسنتهم بالكلام الحدِّ القوي فى الأمن، وفي الحرب أجبن شيء، وكما قال الشاعر (^٢٠٧):\nأَفيِ السَّلْمِ أعْيَارًا جَفَاءً وغِلْظَة … وَفي الْحَرْبِ أَشْبَاهُ النِّسَاءِ الْعَوَارِكِ\nوقال تعالى في الآية الأخرى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ (٢٠) طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ الآية.\nوقوله: ﴿وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ ﴿فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ﴾ أي: بسبب نكولهم عن الجهاد، والخروج مع الرسول في سبيل الله ﴿فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ﴾ أي: لا يفهمون ما فيه صلاح لهم فيفعلوه، ولا ما فيه\n_________\n(^٢٠٦) - انظر تفسير الآية: ٥٥ من هذه السورة.\n(^٢٠٧) - البيت فى السيرة النبوية لابن هشام (١/ ٦٥٦) منسوبًا إلى هند بنت عتبة، والأعيار: جميع عير وهو الحمار، والعرارك: هن الحوائض.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٢]- فِي: \"تفسير نظير\".\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- الطِّوْل\": الغنى.","vol":"7","page":262},{"text":"مضرة لهم فيجتنبوه.\n﴿لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨٨) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٨٩)﴾\nلما ذكر تعالى ذم المنافقين، بين ثناءه [¬١] على [¬٢] المؤمنين، وما لهم في آخرتهم، فقال: ﴿لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا﴾ إلى آخر الآيتين من بيان حالهم ومآلهم.\nوقوله: ﴿وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ﴾ أي: فى الدار الآخرة في جنات الفردوس والدرجات العلى.\n﴿وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٩٠)﴾\nثم بين تعالى حال ذوي الأعذار فى ترك الجهاد، الذين جاءوا رسول الله، ﷺ، يعتذرون إليه، ويبينون له ما هم فيه من الضعف وعدم القدرة على الخروج، وهم من أحياء العرب ممن حول المدينة.\nقال الضحاك، عن ابن عبَّاس: إنه كان يقرأ ﴿وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ﴾ بالتخفيف ويقول: هم أهل العذر. وكذا روي [عن] [¬٣] ابن عيينة، عن حميد، عن مجاهد سواء.\nقال ابن إسحاق: وبلغني أنهم نفر من بني غفار منهم [¬٤]: خُفَافُ [¬٥] بنُ إيماء بن رَحَضَة.\nوهذا القول هو الأظهر [¬٦] في معنى الآية؛ لأنه قال بعد هذا: ﴿وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ أي: لم يأتوا فيعتذروا.\nوقال ابن جريج، عن مجاهد ﴿وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ﴾ قال: نفر من بني غفار\n_________\n[¬١]- في ز: \"ثناء\".\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- في ز: \"حُفَافُ\".\n[¬٦]- في ز: \"أظهر\".","vol":"7","page":263},{"text":"جاءوا فاعتذروا فلم يعذرهم الله. وكذا قال الحسن وقَتَادة ومحمد بن إسحاق. والقول الأول أظهر - والله أعلم - لما قدمنا من قوله بعده: ﴿وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ أي: وقعد آخرون من الأعراب عن المجيء للاعتذار، ثم أوعدهم بالعذاب الأليم فقال: ﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.\n﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩١) وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ (٩٢) إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٩٣)﴾\nثم بين تعالى الأعذار التي لا حرج على من قعد معها [¬١] عن القتال، فذكر منها: [ما هو لازم] [¬٢] للشخص لا ينفك عنه وهو الضعف في التركيب الذي لا يستطيع معه الجلاد في الجهاد، ومنه العمى والعرج ونحوهما؛ ولهذا بدأ به، ومنها [¬٣] ما هو عارض بسبب مرض عنّ له في بدنه شغله عن الخروج فى سبيل الله، أو بسبب فقره لا يقدر على التجهز [¬٤] للحرب، فليس على هؤلاء حرج اٍ ذا قعدوا ونصحوا في حال قعودهم، ولم يرجفوا بالناس، ولم [¬٥] يثبطوهم، وهم محسنون في حالهم هذا؛ ولهذا قال: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.\nوقال سفيان الثَّوري، عن عبد العزيز بن رفيع، عن أبي ثمامة، ﵁، قال: قال الحواريون: يا روح الله، أخبرنا عن الناصح لله؟ قال: الذي يؤثر حق الله على حق الناس، وإذا حدث له أمران، أو بدا له أمر الدنيا وأمر الآخرة، بدأ بالذي للآخرة، ثم تفرغ [¬٦] للذي للدنيا.\nوقال الأوزاعي: خرج الناس للاستسقاء، فقام فيهم بلال بن سعد، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: يا معشر من حضر، ألستم مقرين بالإِساءة؟ قالوا: اللهم، نعم. فقال:\n_________\n[¬١]- في خ: \"فيها\".\n[¬٢]- في ز: \"لازمًا\".\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- فى خ: \"التجهيز\".\n[¬٥]- في ز: \"ولا\".\n[¬٦]- في ت: \"يفزع\".","vol":"7","page":264},{"text":"اللهم إنا نسمعك تقول: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ اللهم، وقد أقررنا بالإساءة؛ فاغفر لنا وارحمنا واسقنا. ورفع يديه ورفعوا أيديهم، فسقوا.\nوقال قَتَادة: نزلت هذه الآية في عائذ بن عمرو المزني.\nوقال [¬١] ابن أبي حاتم (^٢٠٨): حدَّثنا أَبى، حدَّثنا هشام بن عبيد الله الرازي، حدَّثنا ابن جابر، عن أبي فروة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن زيد بن ثابت، قال: كنت أكتب لرسول الله، ﷺ، فكنت أكتب براءة، فإني لواضع القلم على أذني اذ أمرنا بالقتال، فجعل رسول الله، ﷺ، ينظر ما ينزل عليه، اذ جاء أعمى فقال: كيف بي يا رسول الله، وأنا أعمى؟! فنزلت ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى﴾ [¬٢] [إلى آخر] [¬٣] الآية.\nوقال العوفي، عن ابن عبَّاس في هذه الآية: وذلك أن رسول الله، ﷺ، أمر الناس أن ينبعثوا غاز - من معه، فجاءته عصابة من أصحابه - فيهم عبد الله بن مُغَفل [] [¬٤] المزني - فقالوا: يا رسول الله، احملنا. فقال لهم: \"والله، لا أجد ما أحملكم عليه\". فتولوا [ولهم بكاء] [¬٥]، وعز عليهم أن يجلسوا عن الجهاد، ولا يجدون نفقة ولا محملًا، فلما رأى الله حرصهم على محبته ومحبة رسوله - أنزل عذرهم في كتابه فقال: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ﴾ إلى قوله: ﴿فَهُمْ لَا يَعْمَلُونَ﴾.\nوقال مجاهد في قوله: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ﴾: نزلت في بني مقرن من مزينة.\nوقال محمد بن كعب (^٢٠٩): كانوا سبعة نفر، من بني عمرو بن عوف: سالم بن عوف، ومن بني واقف: [هرمي] بن عمرو، ومن بني مازن بن النجار: عبد الرحمن بن كعب، ويكنى أبا ليلى، ومن بني المعلى: [سلمان بن صخر، ومن بني حارثة: عبد الرحمن بن يزيد أَبو عبلة وهو الذي تصدق بعرضه فقبله الله منه] [¬٦]؛ ومن بني\n_________\n(^٢٠٨) - ورواه الدارقطني فى الأفراد كما في الأطراف لابن طاهر (ق ١٣٤) وقال: \"غريب من حديث أبي فروة - مسلم بن سالم عنه - أي ابن أبي ليلى - عن زيد، تفرد به محمد بن جابر عنه، وهو غريب من حديث ابن أبي ليلى لا يحلم حدث به عنه غير أبي فروة\".\n(^٢٠٩) - تفسير الطبري (١٤/ ٤٢٣) رقم (١٧٠٨٨)\n_________\n[¬١]- مكانها بياض في: ز، وفي خ: \"حدَّثنا\".\n[¬٢]- في ز: \"فأنزل الله\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من خ.\n[¬٤]- في ز، خ: ابن مقرن وهو خطأ.\n[¬٥]- في خ: \"وهم يبكون\".\n[¬٦]- في ز، خ: \"فضل أصله\". والمثبت من تفسير الطبري.","vol":"7","page":265},{"text":"سلمة: عمرو بن عَنَمة [¬١] وعبد الله بن عمرو المزني.\nوقال محمد بن إسحاق في سياق غزوة تبوك: ثم إِن رجالًا من المسلمين أتوا رسول الله ﷺ وهم البكاءون، وهم سبعة نفر من الأنصار وغيرهم، من بني عمرو بن عوف: سالم بن عمير، وعَلْبة [¬٢] بن زيد أخو بني حارثة، وأبو ليلى عبد الرحمن بن كعب أخو بني مازن بن النجار، وعمرو بن الحمام بن الجموح أخو بني سلمة، وعبد الله بن المغفل المزني، وبعض الناس يقول: بل هو عبد الله بن عمرو المزني، وهَرَميّ [¬٣] بن عبد الله أخو بني واقف، وعرْباض [¬٤] بن سارية الفزاري، فاستحملوا [¬٥] رسول الله، ﷺ، وكانوا أهل حاجة، فقال: \" ﴿لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا [¬٦] وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ﴾ (^٢١٠).\nوقال ابن أبي حاتم: حدَّثنا عمر بن الأودي، حدَّثنا وكيع، عن الربيع، عن الحسن، قال: قال رسول الله، ﷺ: \"لقد خلفتم بالمدينة أقوامًا، ما أنفقتم من نفقة، ولا قطعتم واديًا، ولا نلتم من عدو نيلًا، إلا وقد شركوكم في الأجر\". ثم قرأ: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ﴾. الآية.\nوأصل [هذا] [¬٧] الحديث فى الصحيحين (^٢١١) من حديث أنس [¬٨]، أن رسول الله، ﷺ، قال: \"إن بالمدينة أقوامًا مما قطعتم واديًا، ولا سرتم سيرًا إلَّا وهم معكم\". قالوا: وهم بالمدينة؟! قال: \"نعم، حبسهم العذر\".\nوقال الإِمام أحمد (^٢١٢): حدَّثنا وكيع، حدَّثنا الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، قال: قال رسول الله، ﷺ: \" لقد خلفتم بالمدينة رجالًا، ما قطعتم واديًا، ولا سلكتم طريقًا إلَّا شركوكم في الأجر، حبسهم المرض\".\n_________\n(^٢١٠) - السيرة النبوة لابن هشام (٢/ ٥١٨).\n(^٢١١) - صحيح البخاري رقم (٢٨٣٩)، ولم يروه مسلم من حديث أَنس، وإنَّما رواه من حديث جابر، كتاب الإمارة رقم (١٩١١).\n(^٢١٢) - المسند (٣/ ٣٠٠) رقم (١٤٢٤٩)، ورواه مسلم في كتاب الجهاد، باب: ثواب من حبس عن الغزو، حديث ١٥٩ - (١٩١١). وابن ماجة في كتاب الجهاد، باب: من حبسه العذر عن الجهاد، حديث ٢٧٦٥.\n_________\n[¬١]- في ز: \"عتمة\".\n[¬٢]- في ز: \"علية\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"حرمي\".\n[¬٤]- في خ: \"وعياض\".\n[¬٥]- أي: طلبوا منه أن يوفر لهم ما يركبونه.\n[¬٦]- في ز: \"فولوا\".\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين سقط من خ.\n[¬٨]- بياض في: ز، خ.","vol":"7","page":266},{"text":"ورواه مسلم وابن ماجة من طرق، عن الأعمش، به.\nثم ردّ تعالى الملامة على الذين يستأذنون في القعود: هم أغنياء، وأنبهم في رضاهم بأن يكونوا مع النساء الخوالف في الرحال ﴿وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾.\n﴿يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لَا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٩٤) سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٥) يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (٩٦)﴾\nأخبر تعالى عن المنافقين بأنهم إذا رجعوا إلى المدينة أنهم يعتذرون إليهم ﴿قُلْ [لَا تَعْتَذِرُوا] [¬١] لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ﴾ أي: لن نصدقكم ﴿قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ﴾ أي: قد أعلمنا الله أحوالكم ﴿وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ﴾ أي: سيظهر أعمالكم للناس فى الدنيا ﴿ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي: فيخبركم بأعمالكم، خيرِها وشرِّها، ويجزيكم عليها.\nثم أخبر عنهم أنهم سيحلفون لكم [¬٢] معتذرين ﴿لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ﴾ فلا تؤنبوهم ﴿فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ﴾ احتقارًا لهم ﴿إِنَّهُمْ رِجْسٌ﴾ أي: خبثاءُ، نجس بواطنهم واعتقاداتهم، ﴿وَمَأْوَاهُمْ﴾ في آخرتهم (﴿جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ أي: من الآثام والخطايا، وأخبر أنهم وإن [¬٣] رضوا عنهم بحلفهم [¬٤] لهم ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ أي: الخارجين عن طاعة الله وطاعة رسوله، فإن الفسق هو الخروج، ومنه سميت الفأرة فويسقة، لخروجها من جحرها للإِفساد، ويقال: فسقت الرطبة إذا خرجت من أكمامها.\n﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- في خ: \"إن\".\n[¬٤]- في ز: \"بحلفانهم\".","vol":"7","page":267},{"text":"رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٩٧) وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٩٨) وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩٩)﴾\nأخبر تعالى أن في الأعراب [كفارًا ومنافقين ومؤمنين] [¬١]، وأن كفرهم ونفاقهم أعظم من غيرهم وأشد ﴿وَأَجْدَرُ﴾ أي: أحرى ﴿أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ كما قال الأعمَش، عن إبراهيم؛ قال: جلس أعرابي إلى زيد بن صوحان وهو يحدث أصحابه، وكانت يده قد أصيبت يوم \"نهاوند\"، فقال الأعرابي: والله إن حديثك ليعجبني، وإن يدك لتريبني. فقال زيد: ما يريبك من يدي إنها الشمال؟ فقال الأعرابى: والله ما أدري اليمين يقمون أو الشمال. فقال زيد بن صوحان: صدق الله [] [¬٢] ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾.\nوقال الإِمام أحمد (^٢١٣): حدَّثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدَّثنا سفيان، عن أبي موسى، عن وَهْب بن مُنَبِّه، عن ابن عبَّاس، عن رسول الله، ﷺ، قال: \"من سكن البادية جفا، ومن اتبع الصيد غفل، ومن أتى السلطان افتتن\".\nورواه أَبو داود والتِّرمِذي والنَّسائي من طرق عن سفيان الثوري، به. وقال التِّرمِذي: حسن غريب لا نعرفه إلَّا من حديث الثَّوري.\nولما كانت الغلظة والجفاء في أهل البوادي، لم يبعث الله منهم رسولًا، وإنما كانت البعثة من أهل القرى، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ [¬٣] قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي [¬٤] إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾. ولما أهدى ذلك الأعرابي تلك الهدية لرسول الله، ﷺ،\n_________\n(^٢١٣) - المسند (١/ ٢٥٧)، وسنن أبي داود، كتاب الصيد، باب: اتباع الصيد رقم (٢٨٥٩)، وسنن الترمذي، كتاب الفتن رقم (٢٢٥٦)، وسنن النسائي كتاب الصيد والذبائح (٧/ ١٩٥).\n_________\n[¬١]- في ز: \"كفار ومنافقون ومؤمنون\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في ت: ورسوله.\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- في ز: \"يوحى\".","vol":"7","page":268},{"text":"فرد عليه أضعافها حتى رضى، قال: \"لقد هممت ألاَّ أقبل هدية إلا من قرشى أو ثقفي أو أنصاري أو دَوسِي\" (^٢١٤)؛ لأن هؤلاء كانوا يسكنون المدن [¬١]: مكة والطائف والمدينة واليمن، فهم ألطف أخلاقًا من الأعراب؛ لما في طباع الأعراب من الجفاء.\n(حديث [الأعرابي في تقبيل الولد) قال مسلم: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو كريب، قال: ثنا أبو أسامة وابن نمير، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة قالت: قدم ناس من الأعراب على رسول الله، ﷺ، فقالوا: أتقبلون صبيانكم؟ قالوا: نعم. قالوا: لكنا والله ما نقبل. فقال رسول الله، ﷺ: \"وأملِكُ إن كان الله نزع منكم الرحمة\". وقال ابن نمير: \"من قلبك الرحمة\" (^٢١٥)] [¬٢].\nوقوله: ﴿والله عليم حكيم﴾ أي: عليم بمن يستحق أن يعلمه الإِيمان والعلم، حكيم فيما قسم بين عباده من العلم والجهل، والإِيمان والكفر والنفاق، لا يسأل عما يفعل لعلمه وحكمته.\nوأخبر تعالى أن منهم ﴿من يتخذ [¬٣] ما ينفق﴾ أي: في سبيل الله ﴿مَغْرَمًا﴾ أي: غرامة وخسارة ﴿وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ﴾ أي: ينتظر بكم [¬٤] الحوادث والآفات ﴿عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾ أي: هي منعكسة عليهم، والسوء دائر عليهم ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ أي: سميع لدعاء عباده، عليم بمن يستحق النصر ممن يستحق الخذلان.\nوقوله: ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ﴾ هذا هو القسم الممدوح من الأعراب وهم: الذين يتخذون ما ينفقون في سبيل الله قربة يتقربون بها عند الله، ويبتغون بذلك دعاء الرسول لهم ﴿ألا إنها قربة لهم﴾ أي: ألا إن ذلك حاصل لهم ﴿سيدخلهم الله في رحمته إن الله غفور رحيم﴾.\n﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)﴾\n_________\n(^٢١٤) - رواه الترمذي فى المناقب، باب: في ثقيف وبني حنيفة، حديث (٣٩٤٥)، والنسائي فى العمرى حديث (٣٧٥٩)، وأحمد (٧٨٥٨)، ورواه بمعناه أبو داود في البيوع (٣٥٣٧).\n(^٢١٥) - صحيح مسلم، كتاب الفضائل رقم (٢٣١٧).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"الملل\"\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في ز: \"يجد\"\n[¬٤]- في ز: \"لهم\".","vol":"7","page":269},{"text":"يخبر تعالى عن رضاه عن السابقين من المهاجرين والأنصار، والتابعين لهم بإحسان، ورضاهم عنه بما أعد لهم من جنات النعيم، والنعيم المقيم. قال الشعبي: السابقون الأوّلون من المهاجرين والأنصار: من أدرك بيعة الرضوان عام الحديبية.\nوقال أبو موسى الأشعري، وسعيد بن المسيب، ومحمد بن سيرين، والحسن، وقتادة: هم الذين صلوا إلى القبلتين مع رسول الله، ﷺ.\nوقال محمد بن كَعب القرظي [¬١]: مر عمر بن الخطاب برجل يقرأ [] [¬٢] ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾ فأخذ عمرَ بيده فقال: من أقرأك هذا؟ فقال: أبيُّ بن\nكعب. فقال: لا تفارقني حتى أذهب بك إليه. فلما جاءه قال عزَّ: أنت أقرأت هذا هذه الآية هكذا؟ قال: نعِم. قال: وسمعتها من رسول الله ﷺ؟ قال: نعم. قال لقد كنت أرى أنا رُفِعْنَا رفعة لا يبلغها أحد بعدنا. فقال أبي: تصديق هذه الآية في أول سورة الجمعة: ﴿وآخرين منهم لما يلحقوا بهم وهو العزيز الحكيم﴾ وفي سورة الحشر: ﴿والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان﴾، وفي الأنفال ﴿والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم﴾. [إلى آخر] [¬٣] الآية.\nورواه ابن جرير قال (^٢١٦): وذكر عن الحسن البصري أنه كان يقرؤها برفع ﴿الأنصار﴾ عطفًا على [] [¬٤] ﴿السابقون الأوّلون﴾.\nفقد أخبر الله العظيم أنه قد رضي عن السابقين الأوّلين من المهاجرين والأنصار، والذين اتبعوهم بإحسان، فيا ويلَ من أبغضهم أو سبّهم، أو أبغض أو سب بعضهم، ولا سيما سيد الصحابة بعد الرسول وخيرهم وأفضلهم، أعني الصديق الأكبر والخليفة الأعظم أبا بكر ابن أبى قحاقة ﵁ فإن الطائفة المخذولة من الرافضة يعادون أفضل الصحابة ويبغضونهم ويسبونهم، عياذًا بالله من ذلك.\nوهذا يدل على أن عقولهم معكوسة، وقلوبهم منكوسة، فأنى هؤلاء من الإيمان بالقرآن إذ يسبون من ﵃؟ وأما أهل السنة فإنهم يترضون عمن ﵁، ويسبون من سبه الله ورسوله، ويوالون من يوالي الله، ويعادون من يعادي الله وهم متبعون\n_________\n(^٢١٦) - تفسير الطبري (١٤/ ٤٣٨) رقم (١٧١١٧).\n_________\n[¬١]- بعده في ز، خ: \"قال\".\n[¬٢]- في ت: \"هذه الآية\".\n[¬٣]- ما رق المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين في خ: \"و\".","vol":"7","page":270},{"text":"لا مبتدعون، ويقتدون [] [¬١] لا يبتدون، ولهذا هم حزب الله المفلحون، وعباده المؤمنون.\n﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ (١٠١)﴾\nيخبر تعالى رسوله، صلوات الله وسلامه عليه، أن في أحياء العرب ممن حول المدينة منافقين، وفي أهل المدينة أيضًا منافقون ﴿مردوا على النفاق﴾ أي: مرنوا واستمروا عليه، ومنه يقال: شيطان مريد ومارد، ويقال: تمرد فلان على الله، أي: عتا وتجبر.\nوقوله: ﴿لا تعلمهم نحن نعلمهم﴾ لا ينافي قوله تعالى: ﴿ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنهم في لحن القول﴾ الآية؛ لأن هذا من باب التوسم فيهم بصفات يعرفون بها، لا أنه يعرف جميع من عنده من أهل النفاق والريب على التعيين، وقد كان يعلم أن في بعض من يخالطه من أهل المدينة نفاقًا، وإن كان يراه صباحًا ومساء، وشاهد هذا بالصحة ما رواه الإِمام أحمد في مسنده حيث قال:\nحدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن النعمان بن سالم، عن رجل، عن جبير بن مطعم ﵁؛ قال: قلت: يا رسول الله، إنهم يزعمون أنه ليس لنا أجر بمكة. فقال: \"لتأتينكم أجوركم ولو كنتم في جحر ثعلب\". وأصغى إليَّ رسول الله، ﷺ، برأسه فقال: \"إن في أصحابي منافقين\" (^٢١٧).\nومعناه: أنه قد يبوح [¬٢] بعض المنافقين والمرجفين من الكلام بما [¬٣] لا صحة له، ومن مثلهم صدر هذا الكلام الذي سمعه جبير بن مطعم، وتقدم في تفسير قوله: ﴿وهموا بما لم ينالوا﴾ أنه، ﷺ، أعلم حذيفة بأعيان أربعة عشر أبي خمسة عشر منافقًا، وهذا تخصيص لا يقتضي أنه أطلع على أسمائهم وأعيانهم كلهم، والله أعلم.\nوروى الحافظ ابن عساكر في ترجمة أبي عمر البيروتي، من طريق هشام بن عمار، حدثنا صدقة بن خالد، حدثنا ابن جابر، حدثني شيخ ببيروت يكنى أبا عمرَ أظنه حدثني عن أبي الدرداء، أن رجلًا يقال له حرملة أتى النبيَّ، ﷺ، فقال: الإِيمان هاهنا وأشار بيده إلى لسانه، والنفاق هاهنا وأشار بيده إلى قلبه، ولم يذكر الله إلا قليلًا.\n_________\n(^٢١٧) - المسند (٤/ ٨٣) رقم (١٦٨١٤). وفي إسناده رجل مجهول.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفين في خ: و.\n[¬٢]- في ز: \"ينوج\".\n[¬٣]- في ز: \"ما\".","vol":"7","page":271},{"text":"فقال رسول الله، ﷺ: \"اللهم؛ اجعل له لسانًا ذاكرًا، في قلبًا شاكرًا، وارزقه حبي وحب من يحبني، وصير أمره إلى خير\". فقال: يا رسول الله، إنه كان في أصحاب من المنافقين، في كنت رأسًا فيهم أفلا آتيك بهم؟ قال: \"من أتانا استغفرنا له، ومن أصر على دينه فالله أولى به، ولا تخرقن على أحد سترًا\" (^٢١٨).\nقال: وكذا رواه أبو أحمد الحاكم عن أبي بكر الباغندي عن هشام بن عمار، به.\nوقال عبد الرزاق (^٢١٩): أخبرنا معمر، عن قتادة في هذه الآية أنه قال: ما بال أقوام يتكلفون علم الناس، فلان في الجنة وفلان في النار، فإذا سألت أحدهم عن نفسه قال: لا أدري، لعمري أنت بنفسك [¬١] أعلم منك بأحوال الناس! ولقد تكلفت شيئًا ما تكلفه الأنبياء قبلك، قال نبي الله نوح ﵇: ﴿وما علمي بما كانوا يعملون﴾. وقال نبي الله شعيب ﵇: ﴿بقية الله خير لكم إن كنتم مؤمنين وما أنا عليكم بحفيظ﴾. وقال الله تعالى لنبيه، ﵌: ﴿لا تعلهم نحن نعلمهم﴾.\nوقال السدي (^٢٢٠)، عن أبي مالك، عن ابن عباس في هذه الآية قال: قام رسول الله، ﵌، خطبًا يوم الجمعة فقال: \"اخرج يا فلان؛ فإنك منافق، واخرج يا فلان؛ فإنك منافق\". فأخرج من المسجد ناسًا منهم فضحهم [¬٢]، فجاء عمر وهم يخرجون من المسجد، فاختبأ منهم حياء أنه لم يشهد الجمعة، وظن أن الناس قد انصرفوا، واختبئوا هم من عمر ظنوا أنه قد علم بأمرهم، فجاء عمر فدخل المسجد، فإذا الناس لم يصلوا، فقال له رجل من المسلمين: أبشر [¬٣] [يا عمر] [¬٤]؛ قد فضح الله المنافقين اليوم. قال ابن عباس: فهذا العذاب الأول حين أخرجهم من المسجد، والعذاب الثانى عذاب القبر.\nوكذا قال الثوري، عن السدي، عن أبي مالك نحو هذا.\nوقال مجاهد في قوله: ﴿سنعذبهم مرتين﴾ يعني: القتل والسباء.\n_________\n(^٢١٨) - انظر: مختصر تاريخ دمشق لابن منظور (٢٩/ ٧٦).\n(^٢١٩) - تفسير عبد الرزاق (١/ ٢٥٣).\n(^٢٢٠) - رواه الطبري في تفسيره (١٤/ ٤٤١) رقم (١٧١٢٢).\n_________\n[¬١]- في ز: \"بنصيبك\".\n[¬٢]- في ز: \"فضحتهم\".\n[¬٣]- في ت: \"فأبشر\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.","vol":"7","page":272},{"text":"وقال في رواية: بالجوع وعذاب القبر، ثم يردون إلى عذاب عظيم.\nوقال ابن جريج: عذاب في [¬١] الدنيا وعذاب في [¬٢] القبر ﴿ثم يردون إلى عذاب عظيم﴾ النار.\nوقال الحسن البصري: عذاب في الدنيا وعذاب في القبر.\nوقال عبد الرحمن بن زيد: أما عذاب في الدنيا فالأموال والأولاد، وقرأ [قول الله] [¬٣]: ﴿فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا﴾ فهذه المصائب لهم عذاب وهي للمؤمنين أجر، وعذاب في الآخرة في النار ﴿ثم يردون إلى عذاب عظيم﴾ قال: النار.\nوقال: محمد بن إسحاق ﴿سنعذبهم مرتين﴾ قال: هو - فيما بلغنى - ما هم فيه من أمر الإسلام، وما يدخل عليهم من غيظ [¬٤] ذلك على غير حسبة، ثم عذابهم في القبور إذا صاروا إليها، ثم العذاب العظيم الذي يردون إليه عذاب الآخرة والخلد فيه.\nوقال سعيد، عن قتادة في قوله: ﴿سنعذبهم مرتين﴾ عذاب الدنيا وعذاب القبر ﴿ثم يردّون إلى عذاب عظيم﴾ و[¬٥] ذكر لنا أن نبي الله، ﷺ، أسرَّ إلى حذيفة باثني عشر رجلًا من المنافقين، فقال: \"ستة منهم تكفيكهم الدبيلة [¬٦] (*): سراج من نار جهنم يأخذ في كتف أحدهم حتى يفضى إلى صدره، وستة يموتون موتًا\"، وذكر لما أن عمر ابن الخطاب، ﵁، كان إذا مات رجل ممن يرى أنه منهم، نظر إلى حذيفة، فإن صلى عليه وإلا [¬٧] تركه، وذكر لنا أن عمر قال لحذيفة: أنشدك بالله، أمنهم أنا؟ قال: لا، ولا أومِن [¬٨] منها أحدًا بعدك (^٢٢١).\n﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٠٢)﴾\n_________\n(^٢٢١) - رواه الطبرى في تفسيره (١٤/ ٤٤٣) رقم (١٧١٣٠).\n(*) - الديبلة: خراج ودمل كبير يظهر في الجوف فيقتل صاحبه غالبًا.\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- زيادة من: ت.\n[¬٣]- في خ: \"قوله تعالى\".\n[¬٤]- في ز: \"غليظ\"، خ: \"غليط\".\n[¬٥]- سقط من: ز.\n[¬٦]- في ز: \"الذبيلة\".\n[¬٧]- في ز: \"ولا\".\n[¬٨]- في ز: \"أمن\".","vol":"7","page":273},{"text":"لما بين تعالى حال المنافقين المتخلفين عن الغزاة رغبة عنها وتكذيبا وشكًا - شرع في بيان حال المذنبين الذين تأخروا عن الجهاد كسلًا وميلًا إلى الراحة، مع إيمانهم وتصديقهم بالحق فقال: ﴿وآخرون اعترفوا بذنوبهم﴾ أي: أقروا بها، واعترفوا فيما بينهم وبين ربهم، ولهم أعمال أخر صالحة، خلطوا هذه بتلك، فهؤلاء تحت عفو الله وغفرانه.\nوهذه الآية وإن كانت نزلت فى أناس معينين، إلا أنها عامة في كل المذنبين الخطائين المخلطين المتلوثين.\nوقد قال مجاهد: إنها نزلت في أبي لبابة لما قال لبني قريظة: إنه الذبح، وأشار بيده إلى حلقه.\nوقال ابن عباس: ﴿وآخرون﴾ نزلت في أبي لبابة وجماعة من أصحابه، تخلفوا عن [رسول الله، ﷺ، في] [¬١] غزوة تبوك. فقال بعضهم: أبو لبابة وخمسة معه، وقيل: وسبعة معه، وقيل: وتسعة معه؛ فلما رجع رسول الله، ﷺ، من غزوته ربطوا أنفسهم بسواري المسجد، وحلفوا لا يحلهم إلا رسول الله، ﷺ، فلما أنزل الله هذه الآية ﴿وآخرون اعترفوا بذنوبهم﴾ أطلقهم رسول الله، ﷺ، وعفا عنهم.\nوقال البخاري: حدثنا مؤمل بن هشام، حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، حدثنا عوف، حدثنا أبو رجاء، حدثنا سمرة بن جندب؛ قال: قال رسول الله، ﷺ، لنا: \"أتاني الليلة آتيان فابتعثاني فانتهينا إلى مدينة مبنية بلَبن ذهب ولَبن فضة، فتلقانا رجال، شطرٌ من خلقهم كأحسن ما أنت راءٍ [¬٢]، وشطر كَأقبح ما أنتَ راءٍ [¬٣]، قالا لهم: اذهبوا فقعوا في ذلك النهر، فوقعوا فيه، ثم رجعوا إلينا قد ذهب ذلك السوء عنهم، فصاروا في أحسن سورة، قالا [¬٤] لي: هذه جنة عدن، وهذا منزلك. قال: [] [¬٥] أما القوم الذين كانوا شطر منهم حسن وشطر فيم قيح، فإنهم خلطوا عملًا صالحا وآخر سيئًا فتجاوز الله عنهم\".\nهكذا رواه البخاري [¬٦] مختصرًا في تفسير هذه الآية (^٢٢٢).\n_________\n(^٢٢٢) - صحيح البخاري، كتاب تفسير القرآن رقم (٤٦٧٤).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في ز: \"رائى\".\n[¬٣]- في ز: \"رائى\".\n[¬٤]- في خ: \"قال\".\n[¬٥]- في خ: \"و\".\n[¬٦]- سقط من: ز.","vol":"7","page":274},{"text":"﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٠٣) أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٠٤)﴾\nأمر الله تعالى رسوله، ﷺ، بأن [¬١] يأخذ من أموالهم صدقة يطهرهم ويزكيهم بها، وهذا عام وإن أعاد بعضهم الضمير في أموالهم إلى ﴿الذين اعترفوا بذنوبهم وخلطوا عملًا صالحًا وآخر سيئًا﴾ ولهذا اعتقد بعض مانعي الزكاة من أحياء العرب أن دفع الزكاة إلى الإِمام لا يكون، وإنما كان هذا خاصًّا [برسول الله] [¬٢]، ﷺ، ولهذا احتجوا بقوله تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم﴾، وقد رد عليهم هذا التأويل والفهم الفاسد [الصديق أبو بكر] [¬٣] وسائر الصحابة، وقاتلوهم حتى أدوا الزكاة إلى الخليفة كما كانوا يؤدونها إلى رسول الله، ﷺ، حتى قال الصديق: والله لو منعوني عناقًا - وفي رواية عقالا - كانوا يؤدونه إلى رسول الله، ﷺ، لأقاتلنهم على منعه (^٢٢٣).\nوقوله: ﴿وصل عليهم﴾ أي: ادع لهم واستغفر لهم، كما رواه مسلم في صحيحه: عن عبد الله بن أبي أوفى؛ قال: كان النبي، ﷺ، إذا أتى بصدقة قوم صلى عليهم، فأتاه أبي بصدقته فقال: \"اللهم؛ صلّ على آل أبي أوفي\" (^٢٢٤). وفي الحديث الآخر: أن امرأة قالت: يا رسول الله؛ صل علي وعلى زوجي. فقال: \"صلى الله عليك وعلى زوجك\" (^٢٢٥).\nوقوله؛ ﴿إن صلاتك سكن لهم﴾ قرأ بعضهم: (صلواتك) على الجمع [¬٤]،\n_________\n(^٢٢٣) - رواه البخاري فى صحيحه، كتاب الزكاة (١٤٠٠، ١٤٥٧) وفي استثابة المرتدين (٦٩٢٤) بلفظ (عناقًا) وفي الاعتصام رقم (٧٢٨٥،٧٢٨٤) بلفظ: \"عقالا\" قال: \"وقال ابن بكير وعبد الله عن الليث: \"عناقا وهو أصح\".\n(^٢٢٤) - صحيح البخاري، كتاب الزكاة رقم (١٤٩٧)، ومسلم فى الزكاة رقم (١٠٧٨).\n(^٢٢٥) - رواه أبو داود في كتاب الصلاة رقم (١٥٣٣) والنسائي في الكبرى برقم (١٠٢٥٦) من حديث جابر بن عبد الله، ﵁.\n_________\n[¬١]- في ز: \"أن\"\n[¬٢]- في خ: \"بالرسول\".\n[¬٣]- في خ: \"أبو بكر الصديق\".\n[¬٤]- وهىِ قراءة ابن كثير وأبى عمرو ونافع وابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر.","vol":"7","page":275},{"text":"وآخرون قرءوا: ﴿إن صلاتك﴾ [¬١] على الإِفراد ﴿سكن لهم﴾ قال ابن عباس: رحمةٌ لهم. وقال قتادة: وقارٌ.\nوقوله: ﴿والله سميع﴾ أي: لدعائك ﴿عليم﴾ أي: بمن يستحق ذلك منك ومن هو أهل له.\nقال الإمام أحمد (^٢٢٦): حدثنا وكيع، حدثنا أبو العميس، عن أبي بكر بن عمرو بن [¬٢] عتبة، عن ابنٍ لحذيفة [¬٣]، عن أبيه؛ أن النبي، ﷺ، كان إذا دعا لرجل أصابته وأصابت ولده وولد ولده.\nثم رواه عن أبي نعيم، عن مسعر، عن أبي بكر بن عمرو بن عتبة، عنٍ ابن لحذيفة [¬٤]- قال مسعر: وقد ذكره مرة عن حذيفة -: أن صلاة النبي، ﷺ، لتدرك الرجل وولده وولد ولده (^٢٢٧).\nوقوله: ﴿ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات﴾ هذا تهييج إلى التوبة والصدقة اللتين كل منهما يحط الذنوب ويمحصها ويمحقها.\nوأخبر تعالى أنه [¬٥] كل من تاب إليه تاب عليه، ومن تصدق بصدقة من كسب حلال فإن الله تعالى يتقبلها بيمينه، فيربيها لصاحبها حتى تفسير التمرة مثل أحد، كما جاء بذلك الحديث عن رسول الله، ﷺ؛ كما قال الثوري ووكيع، كلاهما عن عباد ابن منصور، عن القاسم بن محمد؛ أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله، ﷺ: \"إن الله يقبل الصدقة ويأخذها بيمينه، فيربيها لأحدكم كما يربي أحدكم مهره، حتى إن اللقمة لتصير [¬٦] مثل أحد\". وتصديق ذلك في كتاب الله ﷿: ﴿ألم يعلموا أن الله هو [] [¬٧] يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات﴾، وقوله [¬٨]: ﴿يمحق الله الربا ويربي الصدقات﴾ (^٢٢٨).\n_________\n(^٢٢٦) - المسند (٥/ ٣٨٥).\n(^٢٢٧) - المسند (٥/ ٤٠٠).\n(^٢٢٨) - رواه الطبري في تفسيره (١٤/ ٤٦١) رقم (١٧١٦٩) تنبيه: وقع خطأ في الآية هنا وعند الطبري، وما أثبتناه هو الصواب.\n_________\n[¬١]- وهي قراءة حمزة والكسائي وعاصم في رواية حفص.\n[¬٢]- في ز: \"عن\"\n[¬٣]- في ت: \"الحذيفة\".\n[¬٤]- في ت: \"الحذيفة\".\n[¬٥]- في خ: \"أن\"\n[¬٦]- في ت: \"لتكون\".\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين في ز: \"الذي\".\n[¬٨]- سقط من: ز.","vol":"7","page":276},{"text":"وقال الثوري والأعمش، كلاهما عن عبد الله بن السائب، عن عبد الله بن أبي قتادة؛ قال: قال عبد الله بن مسعود، ﵁: إن الصدقة تقع في يد الله ﷿ قبل أن تقع في يد السائل، ثم قرأ هذه الآية ﴿ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عبادة ويأخذ الصدقات\".\nوقد روى ابن عساكر في تاريخه (^٢٢٩) في ترجمة عبد الله بن الشاعر السكسكي الدمشقي، وأصله حمصي، وكان أحد الفقهاء، روى عن معاوية وخيره، وحكى عنه حوشب بن سيف السكسكي الحمصي؛ قال: غزا الناس في زمان معاوية؛ ﵁، وعليهم عبد الرحمن، بن خالد بن الوليد، فَغَلَّ رجل من المسلمين مائة دينار رومية، فلما قفل الجيش ندم وأتى الأمير فأبى أن يقبلها منه، وقال: قد تفرق الناس، ولن أقبلها منك حتى تأتي الله بها يوم القيامة. فجعل الرجل يستقرئ الصحابة فيقولون له مثل ذلك، فلما قدم دمشق ذهب إلى معاوية ليقبلها منه فأبى عليه، فخرج من عنده وهو يبكي ويسترجع، فمر بعبد الله بن الشاعر السكسكي، فقال له: ما يبكيك؟ فذكر له أمره، فقال له [¬١]: [أمطيعني] [¬٢] أنت؟ فقال: نعم. فقال: اذهب إلى معاوية فقل له اقبل مني خُمسَك، فادفع إليه عشرين دينارًا، وانظر [] [¬٣] الثمانين الباقية فتصدق بها عن ذلك الجيش، فإن الله يقبل التوبة عن عباده، وهو أعلم بأسمائهم ومكانهم، ففعل الرجل، فقال معاوية ﵁؛ لأن أكون أفتيته بها أحب إلى من كل شيء أملكه، أحسن الرجل!\n﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٠٥)﴾\nقال مجاهد: هذا وعيد. يعني: من الله تعالى للمخالفين أوامره، بأن أعمالهم ستعرض عليه ﵎، وعلى الرسول، ﷺ، وعلى المؤمنين، وهذا كائن لا محالة يوم القيامة: كما قال: ﴿يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية﴾، وقال تعالى: ﴿يوم تبلى السرائر﴾، وقال: ﴿وحُصِّل ما في الصدور﴾، وقد يظهر الله تعالى ذلك للناس في الدنيا، كما قال الإمام أحمد:\nحدثنا حسن بن موسى، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي\n_________\n(^٢٢٩) - تاريخ دمشق (٩/ ٤٠١) \"المخطوط\".\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في خ: \"أمطيعوني\".\n[¬٣] ما بين العكوفين في ت: إلى.","vol":"7","page":277},{"text":"سعيد [] [¬١]، عن رسول الله، ﷺ، أنه قال: \"لو أن أحدكم [¬٢] يعمل في صخرة صماء، ليس لها باب ولا كُوَّةّ (*)، لأخرج الله عمله للناس كائنا ما كان\" (^٢٣٠).\nوقد ورد أن أعمال الأحياء تعرض على الأموات من الأقرباء والعشائر في البرزخ، كما قال أبو داود الطيالسي (^٢٣١): حدثنا الصلت بن دينار، عن الحسن، عن جابر بن عبد الله؛ قال: قال رسول الله، ﷺ: \"إن أعمالكم تعرض على أقربائكم وعشائركم في قبورهم، فإن كان خيرًا استبشروا به، وإن كان غير ذلك قالوا: اللهم؛ ألهمهم أن يعملوا بطاعتك\".\nوقال الإِمام أحمد (^٢٣٢): أخبرنا عبد الرزاق، عن سفيان، عمن سمع أنسًا يقول: قال النبي ﷺ: \"إن أعمالكم تعرض على أقاربكم وعشائركم من الأموات، فإن كان خيرًا استبشروا به، وإن كان غير ذلك قالوا: اللهم، لا تمتهم حتى تهديهم كما هديتنا\".\nوقال البخاري (^٢٣٣): قالت عائشة، ﵂: إذا أعجبك حسن عمل امرئ مسلم [¬٣]، فقل ﴿اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون﴾.\nوقد ورد في الحديث شبيه بهذا؛ قال الإمام أحمد (^٢٣٤): حدثنا يزيد، حدثنا حميد،\n_________\n(^٢٣٠) - المسند (٣/ ٢٨) (١١٢٤٤) وأخرجه أبو يعلى - (١٣٧٨) حدثنا زهير، حدثنا الحسن بن موسى به. وابن حبان في صحيحه - (٥٦٧٨)، وفي الموارد - (١٩٤٢) مطولًا والحاكم - (٤/ ٣١٤) من طريقين عن عمرو بن الحارث به.\nوقال الحاكم: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه ووافقه الذهبى.\nوقال الهيثمي في المجمع - (١٠/ ٢٢٨): رواه أحمد وأبو يعلى وإسنادهما حسن.\nوليس كما قالوا؛ فإن دراجًا هذا ضعيف لا سيما في روايته عن أبي الهيثم، وابن لهيعة مشهور بضعفه.\n(*) - الكُوَّة (تُفْتَح وتضم): الثقْبَة في الحائط، وجمع المفتوح على لفظه: كَوَّات، وكوِاء بالكسر والمدِّ. وجمع المضموم: كُوى (بالضم والقصر)، مثل: مُديَهْ ومُدَى. المصباح المنيِر [٢/ ٥٤٥] ..\n(^٢٣١) - مسند الطيالسى برقم (١٧٩٤).\n(^٢٣٢) - المسند (٣/ ١٦٤) (١٢٧٠٦)، وقال الهيثمي في المجمع (٢/ ٢٢٨): \"وفيه رجل لم يُسم\".\n(^٢٣٣) - صحيح البخاري، كتاب التوحيد (١٣/ ٥٠٣ \"فتح\").\n(^٢٣٤) - المسند (٣/ ١٢٠) (١٢٢٣٤) والحديث ذكره الهيثمى فى مجمع الزوائد (٧/ ٢١١) وقال:=\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفين فى ت: مرفوعًا.\n[¬٢]- في ز: \"هم\".\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.","vol":"7","page":278},{"text":"عن أنس؛ أن رسول الله، ﷺ، قال: \"لا عليكم أن تعجبوا بأحد حتى تنظروا بما يختم له، فإن العامل يعمل زمانًا من عمره - أو برهة من دهره - بعمل صالح لو مات عليه لدخل [¬١]، الجنة، ثم يتحول فيعمل عملًا سيئًا، وإن العبد ليعمل البرهة من دهره بعمل سيئ لو مات عليه دخل النار، ثم يتحول فيعمل عملًا [¬٢]، صالحًا، وإذا أراد اللَّه بعبده خيرًا استعمله قبل موته\". قالوا: يا رسول اللَّه، وكيف يستعمله؟ قال: \"يوفقه لعمل صالح ثم يقبضه عليه\". تفرد [به الإِمام] [¬٣] أحمد من هذا الوجه.\n﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٠٦)﴾ [التوبة: ١٠٦]\nقال ابن عباس ومجاهد وعكرمة والضحاك وغير واحد: هم الثلاثة الذين خلفوا. أي: عن التوبة، وهم: مرارة بن الربيع، وكعب بن مالك، وهلال بن أمية، قعدوا عن [¬٤] غزوة تبوك فى جملة من قعد كسلًا وميلًا إلى الدعة والحفظ، وطيب الثمار والظلال، لا شكا ونفاقًا، فكانت منهم طائفة ربطوا أنفسهم بالسواري كما فعل أبو لبابة وأصحابه، وطائفة لم يفعلوا ذلك، وهم هؤلاء الثلاثة المذكورون، فنزلت توبة أولئك قبل هؤلاء، وأرجئ هؤلاء عن التوبة حتى نزلت الآية الآتية، وهي قوله: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾ الآية، ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ﴾ الآية، كما سيأتي بيانه فى حديث كعب بن مالك.\nوقوله: ﴿إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٦] أي: هم تحت عفو اللَّه إن شاء فعل بهم هذا، وإن شاء فعل بهم ذاك، ولكن رحمته تغلب غضبه، ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ أي: عليم بمن يستحق العقوبة ممن يستحق العفو، حكيم فى أفعاله وأقواله، لا إله إلا هو ولا رب سواه.\n﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا\n_________\n= رواه أحمد وأبو يعلى والبزار والطبراني في الأوسط، ورجاله رجال الصحيح.\nوطرفه الثاني رواه ابن المبارك في الزهد ٩٧٠. ورواه الترمذي في القدر ٢١٤٣. وابن حبان برقم ٣٣٥. والحاكم (١/ ٣٤٠) وصححه ووافقه الذهبى. ورواه ابن أبي عاصم في السنة (١/ ١٧٤) حديث ٣٩٣. وأبو يعلى حديث ٣٧٥٦، ٣٨٢٩، ٣٨٤٠ - (٦/ ٤١٠، ٤٤٣، ٤٥٢).\n_________\n[¬١]- في خ: \"دخل\".\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٤]- في خ: \"في\".","vol":"7","page":279},{"text":"لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١٠٧) لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ (١٠٨)﴾\nسبب نزول هذه الآيات الكريمات أنه كان بالمدينة قبل مقدم رسول اللَّه، ﷺ، إليها رجل من الخزرج يقال له: أبو عامر الراهب، وكان قد تنصر في الجاهلية، وقرأ علم أهل الكتاب، وكان فيه عبادة في الجاهلية، وله شرف في الخزرج كبير، فلما قدم رسول اللَّه، ﷺ، مهاجرًا إلى المدينة، واجتمع المسلمون عليه، وصارت للإِسلام كلمة عالية، وأظهرهم اللَّه يوم بدر شَرِق [¬١] اللعين أبو عامر بريقه، وبارز بالعدواة وظاهر بها، وخرج فارًّا إلى كفار مكة من مشركي قريش فألبهم [¬٢] على حرب رسول اللَّه، ﷺ، فاجتمعوا بمن وافقهم من أحياء العرب، وقدموا عام أحد، فكان من أمر المسلمين ما كان، وامتحنهم اللَّه ﷿، وكانت العاقبة للمتقين.\nوكان هذا الفاسق قد حفر حفائر فيما بين الصفين، فوقع في إحداهن رسول اللَّه، صلى الَّه عليه وسلم، وأصيب ذلك اليوم، فجرح في وجهه، وكسرت رَباعِيَّتُه [¬٣] اليمنى السفلى، وشُجَّ رأسه، صلوات اللَّه وسلامه عليه، وتقدم أبو عامر في أول المبارزة إلى قومه من الأنصار، فخاطبهم واستمالهم إلى نصره وموافقته، فلما عرفوا كلامه قالوا: لا أنعم اللَّه بلث عينًا يا فاسق يا عدو اللَّه، ونالوا منه وسبوه، فرجع وهو يقول: واللَّه لقد أصاب قومي بعدي شر.\nوكان رسول اللَّه، ﷺ، قد دعاه إلى اللَّه قبل فراره وقرأ عليه من القرآن، فأبى أن يسلم وتّمرد؛ فدعا عليه رسول اللَّه أن يموت بعيدًا طريدًا فنالته هذه الدعوة؛ وذلك أنه لما فرغ الناس من أحد، ورأى أمر الرسول ﷺ [] [¬٤] في ارتفاعٍ وظهور، ذهب إلى هرقل ملك الروم يستنصره على النبي، ﷺ، فوعده ومناه وأقام عنده، وكتب إلى جماعة من قومه من الأنصار من أهل النفاق والريب، يعدهم ويمنيهم أنه سيقدم بجيش يقاتل به رسول اللَّه، ﷺ، ويغلبه، ويرده عما هو فيه، وأمرهم أن يتخذوا له معقلًا يقدم عليهم فيه من يقدم من عنده لأداء كتبه، ويكون مرصدًا له إذا قدم عليهم بعد ذلك.\n_________\n[¬١]- شَرِقَ برِيقه: امتلأ فضاق.\n[¬٢]- في ت: \"يمالئهم\".\n[¬٣]- السِّن بين الثنية والناب، وهي أربع: رباعيتان في الفك الأعلى، رباعيتان في الفك الأسفل.\n[¬٤]- في ز: \"كلما له\".","vol":"7","page":280},{"text":"فشرعوا في بناء مسجد مجاور لمسجد قباء، فبنوه وأحكموه وفرغوا منه قبل خروج رسول اللَّه، ﷺ، إلى تبوك، وجاءوا فسألوا رسول اللَّه، ﷺ، أن يأتي إليهم فيصلي في مسجدهم؛ ليحتجوا بصلاته [﵇] فيه على تقريره وإثباته، وذكروا أنهم إنما بنوه للضعفاء منهم وأهل العلة في الليلة الشاتية، فعصمه اللَّه من الصلاة فيه، وقال [¬١]: \"إنا على سفر، ولكن إذا وجعنا إن شاء اللَّه\". فلما قفل ﵇ راجعًا إلى المدينة من تبوك، ولم يبق بينه وبينها إلا يوم أو بعض يوم، نزل عليه الوحي [¬٢] بخبر مسجد الضرار، وما اعتمده بانوه من الكفر والتفريق بين جماعة المؤمنين في مسجدهم: مسجد قباء الذي أسس من أول يوم على التقوى، فبعث رسول اللَّه، ﷺ، إلى ذلك المسجد مَنْ هَدَمَه قبل مقدمه المدينة.\nكما قال على بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا﴾: هم أناس من الأنصار ابتنوا [¬٣] مسجدًا، فقال لهم أبو عامر: ابنوا مسجدًا واستعدوا بما [¬٤] استطعتم من قوة ومن سلاح، فإني ذاهب إلى قيصر ملك الروم، فآتي بجند من الروم، وأخرج محمدًا وأصحابه، فلما فرغوا من مسجدهم أتوا النبي، ﷺ، فقالوا له [¬٥]: قد فرغنا من بناء مسجدنا فنحب أن تصلي فيه، وتدعو لنا بالبركة. فأنزل اللَّه ﷿: ﴿لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا﴾ إلى قوله: ﴿الظَّالِمِينَ﴾.\nوكذا روي عن سعيد بن جبير، ومجاهد، وعروة بن الزبير، وقتادة وغير واحد من العلماء.\nوقال محمد بن إسحاق بن يسار، عن الزهري، ويزيد بن رومان، وعبد اللَّه بن أبي بكر، وعاصم بن عمر بن قتادة، وغيرهم قالوا: أقبل رسول اللَّه، ﷺ يعني من تبوك - حتى نزل بذي أوان - بلد بينه وبين المدينة - ساعة من نهار، وكان أصحاب مسجد الضرار قد كانوا أتوه وهو يتجهز إلى تبوك، فقالوا: يا رسول اللَّه، إنا قد بنينا مسجدًا لذي العلة والحاجة والليلة المطيرة والليلة الشاتية، وإنا نحب أن تأتينا فتصلي لنا فيه. فقال: \"إني على جناح سفرٍ وحال شغل\" - أو كما قال رسول اللَّه، ﷺ \"ولو قد قدمنا إن شاء اللَّه تعالى أتيناكم فصلينا لكم فيه\". فلما نزل بذي أوان أتاه خبر المسجد، فدعا رسول اللَّه، ﷺ، مالك بن الدخشم أخا بني سالم بن عوف، ومعن بن عدي، أو أخاه عامر بن عدي أخا بلعجلان [¬٦]، فقال: \"انطلقا إلى هذا المسجد الظالم أهله فاهدماه وحرّقاه\".\n_________\n[¬١]- في خ: \"فقال\".\n[¬٢]- في خ: \"جبريل\".\n[¬٣]- في خ: \"بنوا\".\n[¬٤]- في ز: \"ما\".\n[¬٥]- سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- أي: بني العجلان، على لغة بعض العرب.","vol":"7","page":281},{"text":"فخرجا سريعين حتى أتيا بني سالم بن عوف، وهم رهط مالك بن الدخشم، فقال مالك لمعن: أنظرني حتى أخرج إليك بنار من أهلي، فدخل أهله، فأخذ سعفًا من النخل، فأشعل فيه نارًا، ثم خرجا يشتدان حتى دخلا المسجد وفيه أهله، فحرقاه وهدماه وتفرقوا عنه، ونزل فيهم من القرآن ما نزل: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا﴾ إلى آخر القصة، وكان الذين بنوه اثني عشر رجلًا: خِذَام [¬١] بن خالد، من بني عبيد [¬٢] بن زيد أحد بني عمرو بن عوف، ومن داره أخرج مسجد الشقاق، وثعلبة بن حاطب من بني عبيد، وهو إلى بني أمية [بن زيد، ومعتب بن قشير من بني ضبيعة بن زيد، وأبو حبيبة ابن الأزعر من بني ضُبَيْعة بن زيد، وعباد بن حنيف أخو سهل بن حنيف من بني عمرو بن عوف، وجارية بن عامر، وابناه. مجمع بن جارية، وزيد بن جارية ونبتل [بن] [¬٣] الحارث وهم من بني ضبيعة، وبحزج وهو من بني ضبيعة، وبجاد بن عثمان وهو من بني ضبيعة، ووديعة بن ثابت وهو إلى بني أمية] [¬٤] رهط أبي لبابة بن عبد المنذر (^٢٣٥).\nوقوله: ﴿وَلَيَحْلِفُنَّ﴾ أي: الذين بنوه ﴿إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى﴾ أي: ما أردنا ببنيانه إلا خيرًا ورفقًا بالناس، قال اللَّه تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ أي: فيما قصدوا وفيما نووا، وإنما بنوه ضرارًا لمسجد قباء، وكفرًا باللَّه، وتفريقًا بين المؤمنين، وإرصادًا لمن حارب اللَّه ورسوله [من قبل] [¬٥]، وهو: أبو عامر الفاسق الذي يقال له الراهب لعنه اللَّه.\nوقوله: ﴿لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا﴾ نهْي [من الله لرسوله] [¬٦]، ﷺ، والأمّة تبع له في ذلك، عن أن يقوم فيه، أي: يصلي فيه أبدًا.\nثم حثه على الصلاة بمسجد قباء: الذي أسس من أول يوم بنائه على التقوى، وهي طاعة اللَّه وطاعة رسوله، وجمعًا لكلمة المؤمنين، ومعقلًا وموئلًا للإسلام وأهله؛ ولهذا قال تعالى: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ﴾ والسياق إنما هو في معرض مسجد قباء؛ ولهذا جاء في الحديث الصحيح، أن رسول اللَّه، ﷺ، [قال: \"صلاة في مسجد قباء كعمرة\" (^٢٣٦).\n_________\n(^٢٣٥) - السيرة النبوية لابن هشام (٢/ ٥٣٠) ورواه الطبري في تفسيره (١٤/ ٤٦٨).\n(^٢٣٦) - رواه الترمذي في السنن برقم (٣٢٤)، وابن ماجه في إقامة الصلاة والسنة فيها رقم (١٤١١) =\n_________\n[¬١]- في ز: \"خدام\".\n[¬٢]- في ز: \"عبد\".\n[¬٣]- زيادة من تفسير الطبري [١٤/ ٤٦٩].\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين في ت: \"له\".","vol":"7","page":282},{"text":"وفي الصحيح: أن رسول اللَّه، ﷺ] [¬١]، كان يزور مسجد قباء راكبًا وماشيًا (^٢٣٧)، وفي الحديث أن رسول اللَّه، صلى اللَّه عليه ومسلم، لما بناه وأسسه أول قدومه ونزوله على بني عمرو [¬٢] بن عوف، كان جبريل هو الذي عين له جهة القبلة (^٢٣٨)، فاللَّه أعلم.\nوقال أبو داود: حدثنا محمد بن العلاء، حدثنا معاوية بن هشام، عن يونس بن الحارث، عن إبراهيم بن أبي ميمونة، عن أبى صالح، عن أبي هريرة، ﵁، عن النبى، ﷺ؛ قال: \"نزلت هذه الآية في أهل قباء، فيه رجال يحبون أن يتطهروا\". قال: كانوا يستنجون بالماء فنزلت فيهم هذه الآية.\nورواه [¬٣] الترمذي وابن ماجة، من حديث يونس بن الحارث وهو ضعيف، وقال الترمذي: غريب من هذا الوجه.\nوقال الطبراني (^٢٣٩): حدثنا الحسن بن علي المعمري [¬٤]، حدثنا محمد بن حميد\n_________\n= من طريق أبي أسامة، عن عبد الحميد بن جعفر، عن أبي الأبرد مولى بنى الخطمة - عن أسيد بن ظهير الأنصاري ﵁، به.\nوقال الترمذي - كما في تحفة الأشراف (١/ ٢٧٥): \"حديث حسن صحيح، ولا نعرف لأسيد بن ظهير شيئًا يصح غير هذا الحديث، ولا نعرفه إلا من حديث أبي أسامة\".\nقال الذهبي في الميزان في ترجمة زياد أبي الأبرد: روى عن أسيد بن ظهير، صحح له الترمذي حديثه وهو: \"صلاة في مسجد قباء كعمرة\" وهذا حديث منكر. روى عنه عبد الحميد بن جعفر فقط\" اهـ.\nقال المبارك فوري: لا أدري ما وجه كونه منكرًا.\nوأبو الأبرد؛ قال الترمذي: اسمه زياد.\nقال الحافظ في التهذيب: أبو الأبرد المديني مولى بني خطمة - تبع المصنف في ذلك كلام الترمذي وهو وهم، وكأنه اشتبه عليه بأبي الأبرد الحارثي؛ فإن اسمه زياد كما قال ابن معين وأبو أحمد الحاكم وأبو بشر الدولابي وغيرهم، والمعروف أن أبا الأبرد لا يعرف اسمه، وقد ذكره في من لا يعرف اسمه أبو أحمد الحاكم في الكنى وابن أبي حاتم وابن حبان، وأما الحاكم أبو عبد الله فقال في المستدرك: اسمه موسى بن سليم. اهـ.\n(^٢٣٧) - رواه البخاري في كتاب الجمعة، باب: إتيان مسجد قباء ماشيًا وراكبًا. ومسلم في الحج رقم (١٣٩٩).\n(^٢٣٨) - سنن أبي داود برقم (٤٤) وسنن الترمذي برقم (٣١٠٠)، وسنن ابن ماجة برقم (٣٥٧).\n(^٢٣٩) - المعجم الكبير (١/ ٦٧١) وفيه محمد بن حميد وهو ضعيف، وابن إسحاق مدلس وقد عنعن.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في ز: \"عمر\".\n[¬٣]- في خ: \"رواه\".\n[¬٤]- في خ: \"العمري\".","vol":"7","page":283},{"text":"الرازي، حدثنا سلمة بن الفضل، عن محمد بن إسحاق، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس؛ قال: لما [¬١] نزلت هذه الآية ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ بعث رسول اللَّه، ﷺ، إلى عويم بن ساعدة، فقال: \"ما هذا الطهور الذي أثنى اللَّه عليكم؟ \" فقال: يا رسول اللَّه، ما خرج منا رجل ولا امرأة من الغائط إلا غسل فرجه - أو قال: مقعدته - فقال [¬٢] النبي، ﷺ: \"هو هذا\".\nوقال الإِمام أحمد (^٢٤٠): حدثنا حُسَينُ [¬٣] بن محمد، حدثنا أبو أويس، حدثنا شرحبيل، عن عويم بن ساعدة الأنصاري أنه حدثه؛ أن النبي، ﷺ، أتاهم في مسجد قباء فقال: \"إن اللَّه تعالى قد أحسن [عليكم الثناء] [¬٤] في الطهور في قصة مسجدكم، فما هذا الطهور الذي تطهرون به؟ \" قالوا [¬٥]: واللَّه يا رسول اللَّه، ما نعلم شيئًا إلا أنه كان لنا جيران من اليهود، فكانوا يغسلون أدبارهم من الغائط، فغسلنا كما غسلوا.\nورواه ابن خزيمة في صحيحه.\nوقال هشيم، عن عبد الحميد المدني، عن إبراهيم بن المعلى الأنصاري؛ أن رسول اللَّه، ﷺ، قال لعويم بن ساعدة: \"ما هذا الذي أثنى اللَّه عليكم ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾؟ \". قالوا [¬٦]: يا رسول اللَّه، إنا نغسل الأدبار بالماء (^٢٤١).\nوقال ابن جرير: حدثني محمد بن عمارة الأسدي، حدثنا محمد بن سعد، ثنا إبراهيم ابن محمد، عن شرحبيل بن سعد؛ قال: سمعت خزيمة بن ثابت يقول: نزلت هذه الآية ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ قال: كانوا يغسلون أدبارهم من\n_________\n(^٢٤٠) - المسند (٣/ ٤٢٢) (١٥٥٢٧)، وابن خزيمة (٥٨٣، وأخرجه الحاكم في المستدرك (١/ ١٥٥). والطبرانى في الكبير (١٧/ ١٤٠) حديث (٣٤٨). وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ٢١٧) وقال: رواه أحمد والطبراني في الثلاثة وقال: وفيه شرحبيل بن سعد ضعفه مالك، وابن معين، وأبو زرعة، ووثقه ابن حبان. اهـ. وذكره الشيخ الألباني كشاهد في الإرواء (١/ ٨٥) لحديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: \"نزلت هذه الآية في أهل قباء ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ قال: كان يستنجون بالماء فنزلت فيهم هذه الآية\". وقد صححه.\n(^٢٤١) - تفسير الطبري (١٤/ ٤٨٧).\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في خ: \"قال\".\n[¬٣]- في ز: \"حسن\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- في خ: \"فقالوا\".\n[¬٦]- في تفسير الطبري: قال.","vol":"7","page":284},{"text":"الغائط (^٢٤٢).\n(حديث آخر) (^٢٤٣) قال [¬١] الإِمام أحمد بن حنبل: حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا مالك - يعني: ابن مغول - سمعت سيارًا أبا الحكم، عن شهر بن حوشب، [عن محمد ابن عبد اللَّه بن سلام] [¬٢] قال: لَقَد [¬٣] قدم رسول اللَّه، ﵌ يعني قباء - فقال: \"إن اللَّه ﷿ قد أثنى عليكم في الطهور خيرًا، أفلا تخبروني؟ \" يعني قوله: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ فقالوا: يا رسول اللَّه، إنا نجده مكتوبًا علينا في التوراة: الاستنجاء بالماء.\nوقد صرح [بأنه مسجد قباء جماعة من السلف] [¬٤]. رواه على بن أبي طلحة، عن ابن عباس، ورواه عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن عروة بن الزبير. وقاله عطية العوفي، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم والشعبي، والحسن البصري، ونقله البغوي عن سعيد بن جبير وقتادة.\nوقد ورد في الحديث الصحيح أن مسجد رسول اللَّه، ﷺ، الذي [هو] [¬٥] في جوف المدينة هو المسجد الذي أسس على التقوى، وهذا صحيح، ولا منافاة لين الآية وبين هذا؛ لأنه إذا كان مسجد قباء قد أسس على التقوى من أول يوم، فمسجد رسول اللَّه، ﷺ، بطريق الأولى والأحرى؛ ولهذا قال الإِمام أحمد بن حنبل في مسنده:\nحدثنا أبو نعيم، حدثنا عبد اللَّه بن عامر الأسلمي، عن عمران بن أبي أنس، عن سهل\n_________\n(^٢٤٢) - تفسير الطبري (١٤/ ٤٨٧).\n(^٢٤٣) - المسند (٦/ ٦) (٢٣٩٤٥). وسيار أبو الحكم: ثقة، روى له الجماعة. وأبوه يكنى أبا سيار، واسمه وردان، وقيل: ورد، وقيل غير ذلك. وشهر بن حوشب: صدوق كثير الإرسال والأوهام، تقدم مرارًا. ومحمد بن عبد اللَّه بن سلام: ذكره ابن حبان في ثقات التابعين، وقال: يقال له صحبة. وقال ابن عبد البر: له رؤية ورواية محفوظة. وقال ابن مندة: رأى النبي ﷺ وسمع منه. والحديث رواه ابن أبي شيبة في المصنف (١/ ١٥٣) من طريق شهر أيضًا. والبخاري في تاريخه (١/ ١٨). وذكر البخاري الاختلاف على شهر فيه، وقول من قال: عنه، عن رجل من الأنصار من أهل قباء. وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ٢١٣) وقال: \"رواه أحمد عن محمد بن عبد اللَّه بن سلام ولم يقل: عن أبيه، كما قال الطبراني، وفيه شهر أيضًا\".\n_________\n[¬١]- في ز: \"وقال\".\n[¬٢]- تكررت هذه العبارة في: ز، خ.\n[¬٣]- في ت: \"لما\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين في ت: \"جماعة من السلف بأنه مسجد قباء\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من خ.","vol":"7","page":285},{"text":"ابن سعد، عن أبي بن كعب؛ أن النبي، ﷺ، قال: \"المسجد الذي أسس على التقوى مسجدي هذا\". تفرد به أحمد (^٢٤٤).\n(حديث آخر) قال الإِمام أحمد (^٢٤٥): حدثنا وكيع، حدثنا ربيعة بن عثمان التيمي، عن عمران بن أبي أنس [¬١]، عن سهل بن سعد الساعدي؛ قال: اختلف رجلان على عهد رسول اللَّه، ﷺ، في المسجد الذي أسس على التقوى، فقال أحدهما: هو مسجد [الرسول، ﷺ]. وقال الآخر: هو مسجد قباء، فأتيا النبي، ﷺ، فسألاه، فقال: \"هو مسجدي هذا\". تفرد به أحمد أيضًا.\n(حديث آخر) قال الإِمام أحمد (^٢٤٦): حدثنا موسى بن داود، حدثنا ليث، عن عمران بن أبي أنس، عن سعيد بن أبي سعيد الخدري، ﵁، قال: تمارى رجلان في المسجد الذي أسس على التقوى [من أول يوم] [¬٢]، فقال أحدهما: هو مسجد قباء، وقال الآخر: هو مسجد رسول اللَّه، ﷺ، فقال رسول اللَّه، ﷺ: \"هو مسجدي هذا\". تفرد به أحمد.\n(طريق أخرى) قال الإِمام أحمد (^٢٤٧): حدثنا إسحاق بن عيسى، حدثنا ليث، حدثني عمران بن أبي أنس، عن ابن أبي سعيد، عن أبيه أنه قال: تمارى رجلان في المسجد الذي أسس على التقوى من أول يوم، فقال أحدهما [¬٣]: هو مسجد قباء، وقال الآخر: هو مسجد رسول اللَّه، ﷺ، فقال رسول اللَّه، ﷺ: \"هو مسجد\".\n_________\n(^٢٤٤) - المسند (٥/ ١١٦) (٢١١٨٤) ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٤/ ١٠) وقال: \"رواه أحمد وفيه عبد الله بن عامر الأسلمي، وهو ضعيف\".\n(^٢٤٥) - المسند (٥/ ٣٣١) (٢٢٩١٣)، وأخرجه الطبراني في الكبير (٦/ ٢٠٧/ رقم: ٦٠٢٥). من نفس طريق أحمد. وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٤/ ١٠) و(٧/ ٣٤) وعزاه لأحمد والطبراني وقال: \"ورجالهما رجال الصحيح\".\n(^٢٤٦) - المسند (٣/ ٨٩) رقم (١١٨٦٢).\n(^٢٤٧) - المسند (٣/ ٧) رقم (١١٠٦٠).\nإسحاق بن عيسى: ابن نجيح البغدادي أبو يعقوب بن الطباع، قال البخاري: مشهور الحديث، وقال صالح بن محمد: لا بأس به، صدوق. وقال أبو حاتم: أخوه محمد أحب إليَّ منه وهو صدوق. وذكره ابن حبان في الثقات. (التهذيب: ٢٤٥١١) وفي التقريب: صدوق.\n_________\n[¬١]- في ز: \"أنيس\".\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- في ز، خ: \"الرجل\".","vol":"7","page":286},{"text":"وكذا رواه الترمذي والنسائى، عن قتيبة، عن الليث، وصححه الترمذي، ورواه مسلم كماسيأتي.\n(طريق أخرى) قال الإِمام أحمد: حدثنا يحيى، عن أنيس بن أبي يحيى، حدثني أبي قال: سمعت أبا سعيد الخدري قال: اختلف رجلان، رجل من بني خدرة، ورجل من بني عمرو بن عوف - في المسجد الذي أسس على التقوى، فقال الخدري: هو مسجد رسول اللَّه ﷺ، وقال العمري: هو مسجد قباء، فأتيا رسول اللَّه، صلى اللَّه تعالى عليه وسلم، فسألاه عن ذلك، فقال: \"هو هذا المسجد\". لمسجد رسول اللَّه، صلى اللَّه تعالى عليه وسلم، وقال: \"في ذلك [خير كثير\"] [¬١]. يعني مسجد قباء (^٢٤٨).\n_________\n= وليث: هو ابن سعد، أبو الحارث المصري. وعمران بن أبي أنس: ثقة، روى له مسلم والبخاري في الأدب والأربعة. وابن أبي سعيد: قال ابن حجر في ترجمة سعيد بن أبي سعيد (التعجيل: ١/ ٥٨١): وثقه ابن حبان (٤/ ٢٧٨): وقال: حديثه في المسجد الذي أسس على التقوى. والحديث أخرجه الترمذي - كتاب تفسير القرآن - باب \"ومن سورة التوبة\". (٣٠٩٩). والنسائي - كتاب المساجد - باب: ذكر المسجد الذي أسس على التقوى - (٢/ ٣٦)، وفي الكبرى - كتاب التفسير - باب: قوله تعالى: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ﴾ - (١١٢٢٨) (٦/ ٣٥٩). والطبري في تفسيره (٧/ ٢٨)، وابن حبان في صحيحه (١٦٠٦) (٤/ ٤٨٣ - ٤٨٤). وأخرجه الترمذي - كتاب الصلاة - باب: ما جاء في المسجد الذي أسس على التقوى - (٣٢٣) وقال: حديث حسن صحيح، والطبري في تفسيره (٧/ ٢٨ - ٢٩). والبغوي في شرح السنة (٤٥٥) (٢/ ٣٤٠ - ٣٤١). وأبو يعلى في مسنده (٩٨٥) (٢/ ٢٧٢ - ٢٧٣) وعنه ابن حبان في صحيحه (١٦٢٦) (٤/ ٥٠٦) والمزى في تهذيب الكمال (١٢/ ١٣٨) ويأتي - (١١١٩٢، ١١٨٨٠) (٣/ ٢٣، ٩١). من طرق عن أنيس بن أبي يحيى حدثني أبي قال: سمعت أبا سعيد الخدري يقول: فذكره وأنيس هذا ثقة، لكن أبوه \"أبو يحيى هذا\" واسمه سمعان؛ روى له الأربعة وذكره ابن حبان في الثقات، وقال النسائي: ليس به بأس. وذكره ابن خلفون في الثقات [انظر تهذيب الكمال (١٢/ ١٣٨)] وقال الحافظ في التقريب ت (٢٦٣٣): لا بأس به. وتابع \"أنيس\" أخوه محمد بن أبي يحيى عند الحاكم (٢/ ٣٣٤) ومحمد هذا صدوق كما في التقريب ت (٦٣٩٥).\nوأخرجه مسلم - كتاب الحج، باب: بيان أن المسجد الذي أسس على التقوى هو مسجد النبي ﷺ بالمدينة - (٥١٤) (١٣٩٨) ويأتي - (١١٢٠١) (٣/ ٢٤).\nمن طريق يحيى بن سعيد عن حميد الخراط قال: سمعت أبا سلمة بن عبد الرحمن قال: مرَّ بي عبد الرحمن بن أبي سعيد .... فذكره.\nوأخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (٢/ ٣٧٢) ومن طريقه الحاكم (٢/ ٣٣٤) عن وكيع عن أسامة بن زيد عن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري عن أبيه به.\n(^٢٤٨) - المسند (٣/ ٢٣) رقم (١١١٩٢). أنيس بن أبي يحيى الأسلمي، ثقة، واسم أبي يحيى =\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"7","page":287},{"text":"(طريق أخرى) قال أبو جعفر بن جرير: حدثنا ابن بشار، حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا حميد الخراط المدني، سألت أبا سلمة بن عبد الرحمن بن أبي سعيد، فقلت: كيف سمعت أباك يقول في المسجد الذي أسس على التقوى؟ فقال: [قال] [¬١] أبي [¬٢]: أتيت رسول اللَّه، ﷺ، فدخلت عليه في بيت لبعض نسائه، فقلت: يا رسول اللَّه، أين المسجد الذي أسس على التقوى؟ قال: فأخذ كفًّا من حصباء فضرب به الأرض، ثم قال: \"هو مسجدكم هذا\". ثم قال: [فقلت له: هكذا] [¬٣] سمعت أباك يذكره.\nرواه مسلم منفردًا به (^٢٤٩)، عن محمد بن حاتم، عن يحيى بن سعيد، به.\nوروه عن أبي بكر بن أبي شيبة وغيره، عن حاتم بن إسماعيل، عن حميد الخراط، به (^٢٥٠).\nوقد قال بأنه مسجد النبي، ﷺ، جماعةٌ من السلف والخلف، وهو مرويَّ عن عمر بن الخطاب وابنه عبد اللَّه، وزيد بن ثابت وسعيد بن المسيب، واختاره ابن جرير.\nوقوله: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ دليل على استحباب الصلاة في المساجد القديمة المؤسسة من أول بنائها على عبادة اللَّه وحده لا شريك له، وعلى استحباب الصلاة مع جماعة [¬٤] الصالحين، والعباد العاملين، المحافظين على إسباغ الوضوء، والتنزه عن [¬٥] ملابسة القاذورات.\nوقد قال الإِمام أحمد (^٢٥١) حدّثنا محمد بن جعفر، عن شعبة، عن عبد الملك بن\n_________\n= سمعان. قال الترمذي: حدثنا أبو بكر، عن علي بن عبد اللَّه قال: سألت يحيى بن سعيد، عن محمد بن أبي يحيى الأسلمي؟ فقال: لم يكن به بأس، وأخوه أنيس بن أبي يحيى، أثبت منه.\nوأبوه سمعان أبو يحيى الأسلمي، المدني، قال ابن حجر: لا بأس به.\n(^٢٤٩) - تفسير الطبري (١٤/ ٤٧٧) رقم (١٧٢٠٦) وصحيح مسلم، كتاب الحج رقم (١٣٩٨).\n(^٢٥٠) - صحيح مسلم، كتاب الحج رقم (١٣٩٨).\n(^٢٥١) - المسند (٣/ ٤٧١، ٤٧٢) (١٥٩١٨) ورواه النسائي في كتاب الافتتاح، باب: القراعة في=\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من ز، خ، وأثبتناه من صحيح مسلم وتفسير الطبري.\n[¬٢]- في ز، خ: \"إني\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- في خ: \"الجماعة\".\n[¬٥]- في ز: (من).","vol":"7","page":288},{"text":"عمير، سمعت شبيبًا أبا روح، يحدث عن رجل من أصحاب رسول اللَّه، ﷺ، أن رسول اللَّه، ﷺ، صلى بهم الصبح فقرأ بهم الروم فأوْهَم [¬١] [¬٢] فلما انصرف قال: \"إنه يلبس علينا القرآن، إن أقوامًا منكم يصلون معنا لا يحسنون الوضوء، فمن شهد الصلاة معنا فليحسن الوضوء\".\nثم رواه من طريقين آخرين، عن عبد الملك بن عمير، عن شبيب أبى روح، عن [¬٣] ذي الكلاع؛ أنه صلى مع النبي، ﷺ … فذكره، فدل هذا على أن [¬٤] إكمال الطهارة يسهل القيام في العبادة، ويعين على إتمامها وإكمالها، والقيام بمشروعاتها.\nوقال أبو العالية في قوله: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾: إن الطهور بالماء لحسن، ولكنهم المطهرون من الذنوب.\nوقال الأعمش: التوبة من الذنب، والتطهير [¬٥] من الشرك.\nوقد ورد في الحديث المروي من طرق في السنن وغيرها، أن رسول اللَّه، صلى اللَّه عليه وسدم، قال لأهل قباء: \"قد أثنى اللَّه عليكم في الطهور، فماذا تصنعون؟ \". فقالوا: نستنجي بالماء.\nوقد قال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا عبد اللَّه بن شبيب، حدثنا أحمد بن محمد بن عبد العزيز؛ قال: وجدته في كتاب أبى، عن الزهري، عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه، عنِ ابن عباس؛ قال: نزلت هذه الآية في أهل قباء ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ فسألهم رسول اللَّه ﷺ فقالوا: إنا نتبع الحجارة الماء [¬٦].\n[رواه البزار] [¬٧]، ثم قال: تفرد به محمد بن عبد العزرز، عن الزهري، ولم يرو عنه سوى ابنه (^٢٥٢).\n_________\n= الصبح بالروم (٢/ ١٥٦)، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ٢٤٦) وقال: رواه أحمد عن أبي روح عن رجل ورجاله رجال الصحيح. اهـ ..\n(^٢٥٢) - مسند البزار برقم (٢٤٧) وقال الهيثمي في المجمع (١/ ٢١٢): \"فيه محمد بن عبد العزيز بن عمر الزهري ضعفه البخاري والنسائي وهو الذي أشار بجلد مالك\".\n_________\n[¬١]- في خ: \" فأواهم \".\n[¬٢]- يقال: أوهمتُ الشيء: إذا ترممنه، وأوهمت فى الكلام والكتاب، إذا أسقطت منه شيئًا.\n[¬٣]- في ز: \" من \".\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- في ت: \" والتطهر \".\n[¬٦]- في ت: \" والماء \".\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.","vol":"7","page":289},{"text":"قلت: وإنما ذكرته بهذا اللفظ؛ لأنه مشهور بين الفقهاء، ولم يعرفه كثير من المحدثين المتأخرين أو كلهم، واللَّه أعلم.\n﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠٩) لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١١٠)﴾\nيقول تعالى: لا يستوي من أسس بنيانه على تقوى من اللَّه ورضوان، ومن بنى مسجدًا ضرارًا وكفرًا، وتفريقًا بين المؤمنين، وإرصادًا لمن حارب اللَّه ورسوله من قبل. فإنما بنى هؤلاء بنيانهم على شفا جرف هار أي: طرف حفيرة [مُنْثالة] ﴿فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ أي: لا يصلح عمل المفسدين.\nقال جاببر بن عبد اللَّه: رأيت المسجد الذي بني ضرارًا يخرج منه الدخان على عهد رسول اللَّه ﷺ.\nوقال ابن جريج: ذكر لنا أن رجالًا حفروا فوجدوا الدخان يخرج منه. وكذا قال قتادة.\nوقال خلف بن ياسين الكوفي: رأيت مسجد المنافقين الذي ذكره اللَّه تعالى فى القرآن، وفيه جحر يخرج منه الدخان، وهو اليوم مزبلة. رواه [] [¬١] ابن جرير ﵀ (^٢٥٣).\nوقوله تعالى: ﴿لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ﴾ أي: شكًّا ونفاقًا؛ بسبب إقدامهم على هذا الصنيع الشنيع، أورثهم نفافا في قلوبهم، كما أشرب عابدو العجل حُبَّه.\nوقوله: ﴿إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ﴾ أي: بموتهم. قاله ابن عباس ومجاهد، وقتادة وزيد ابن أسلم، والسدي وحبيب بن أبي ثابت، والضحاك، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وغير واحد من علماء السلف.\n﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾ أي: بأعمال خلقه ﴿حَكِيمٌ﴾ في مجازاتهم عنها من خير وشر.\n_________\n(^٢٥٣) - تفسير الطبري (١٤/ ٤٩٤) رقم (١٧٢٥٠).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ز: \" عن \".","vol":"7","page":290},{"text":"﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١١١)﴾\nيخبر تعالى أنه عاوض [] [¬١] عباده المؤمنين عن أنفسهم وأموالهم اذ بذلوها في سبيله بالجنة، وهذا من فضله وكرمه وإحسانه، فإنه قَبِلَ العوض عما [¬٢] يملكه بما تفضل به على عباده الممعين له؛ ولهذا قال الحسن البصري وقتادة: بايعهم - واللَّه - فأغلى ثمنهم.\nوقال شمر بن عطية: ما من مسلم إلا وللَّه ﷿ في عنقه بيعة، وَفَّى بها أو مات عليها، ثم تلا هذه الآية، ولهذا يقال: من حمل في سبيل اللَّه بايع اللَّه، أي: قبل هذا العقد ووفَّى به.\nوقال محمد بن كعب القرظى وغيره: قال عبد اللَّه بن رواحة، ﵁، لرسول اللَّه، ﷺ، يعني ليلة العقبة -: اشترط لربك ولنفسك ما شئت، فقال: \"أشترط لربي أن كعبدوه [¬٣] ولا تشركوا به شيئًا، وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأموالكم\". قالوا: فما لنا إذا فعلنا ذلك؟ قال: \"الجنة\". قالوا: ربح البيع لا نقيل ولا نستقيل، فنزلت ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ﴾ الآية.\nوقوله: ﴿يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ﴾ أي: سواء قَتَلُوا [أو قُتِلُوا] [¬٤]، أو اجتمع لهم هذا وهذا فقد وجبت لهم الجنة؛ ولهذا جاء في الصحيحين: \"وتكفل اللَّه لمن خرج في سبيله، لا يخرجه إلا جهاد في سبيلي وتصديق برسلي [¬٥]- بأن توفاه أن يدخله الجنة، أو يرجعة إلى مسكنه [¬٦] الذي خرج منه، نائلًا ما نال من أجر أو غنيمة\" (^٢٥٤).\n_________\n(^٢٥٤) - صحيح البخاري، كتاب فرض الخمس رقم (٣١٢٣)، وصحيح مسلم كتاب الإمارة رقم (١٨٧٦).\n_________\n[¬١]- في خ: من.\n[¬٢]- في ز: \"كما\".\n[¬٣]- في ز: \"تصدقوه\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- في ز، خ: \"رسولي\".\n[¬٦]- فى ت: \" منزله \".","vol":"7","page":291},{"text":"وقوله: ﴿وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ﴾ تأكيد لهذا [¬١] الوعد، وإخبار بأنه قد كتبه على نفسه الكريمة، وأنزله على رسله في كتبه الكبار، وهي التوراة المنزلة على موسى، والإنجيل المنزل على عيسى، والقرآن المنزل على محمد، صلوات اللَّه وسلامه عليهم أجمعينَ.\nوقوله: ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ﴾ فإنه لا يخلف الميعاد، وهذا [¬٢] كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾؛ ولهذا قال: ﴿فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ أي: فليستبشر من قام بمقتضى هذا العقد، ووَفى بهذا العهد، بالفوز العطم والنعيم المقيم.\n﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (١١٢)﴾\nهذا نعت المؤمنين الذين اشترى اللَّه منهم أنفشهم وأموالهم، بهذه الصفات الجميلة والخلال الجليلة ﴿التَّائِبُونَ﴾ من الذنوب كلها، التاركون للفواحش ﴿الْعَابِدُونَ﴾ أي: القائمون بعبادة ربهم محافظين عليها، وهي الأقوال [¬٣] والأفعال، فمن أخص الأقوال: الحمد، فلهذا قال: ﴿الْحَامِدُونَ﴾ ومن أفضل الأعمال: الصيام، وهو ترك الملاذ من الطعام والشراب والجماع، وهو المراد بالسياحة هاهنا؛ ولهذا قال: ﴿السَّائِحُونَ﴾ كما وصف أزواج النبي، ﷺ، بذلك في قوله تعالى: ﴿سَائِحَاتٍ﴾ أي: صائمات، وكذا الركوع والسجود وهما عبارة عن الصلاة؛ ولهذا قال: ﴿الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ﴾ وهم مع ذلك ينفعون خلق اللَّه، ويرشدونهم إلى طاعة اللَّه بأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، مع العلم بما ينبغي فعله ويجب تركه، وهو حفظ حدود اللَّه في تحليله وتحريمه، علمًا وعملًا، فقاموا بعبادة الحق ونصح الخلق؛ ولهذا قال: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾؛ لأن الإِيمان يشمل هذا كله، والسعادة كل السعادة لمن اتصف به.\n\n<span data-type='title' id=toc-114>(بيان أن المراد بالسياحة الصيام)</span>\nقال سفيان الثوري عن عاصم، عن زر، عن عبد اللَّه بن مسعود قال: ﴿السَّائِحُونَ﴾\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \" هذا \".\n[¬٢]- في ت: \"هذا\".\n[¬٣]- في خ: \" بالأقوال \".","vol":"7","page":292},{"text":"الصائمون. وكذا رُوِي عن سعيد بن جبير، والعوفي عن ابن عباس.\nوقال على بن أبي طلحة، عن ابن عباس: كل ما ذكر اللَّه في القرآن السياحة هم الصائمون. وكذا قال الضحاك ﵀.\nوقال إلى جرير (^٢٥٥): حدثنا أحمد بن إسحاق، حدثنا أبو أحمد، حدثنا إبراهيم بن يزيد، عن الوليد بين عبد اللَّه، عن عائشة، ﵂، قالت: سياحة هذه الأمة الصيام.\nوهكذا قال مجاهد وسعيد بن جبير، وعطاء، وأبو [¬١] عبد الرحمن السلمي، والضحاك ابن مزاحم، وسفيان بين عيينة، وغيرهم: إن المراد بالسائحين الصائمون.\nوقال الحسن البصري: ﴿السَّائِحُونَ﴾: الصائمون شهر رمضان.\nوقال أبو عمرو العبدي: ﴿السَّائِحُونَ﴾: الذين يديمون الصيام من المؤمنين.\nوقد ورد في حديث مرفوع نحو هذا. فقال [¬٢] ابن جرير (^٢٥٦): حدثني محمد بن عبد اللَّه ابن بزيع، حدثنا حكيم بن حزام، حدثنا سليمان، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه، ﷺ: \"السائحون هم الصائمون\". وهذا الموقوف أصح.\nوقال أيضًا (^٢٥٧): حدثني يونس، عن ابن وهب، عن عمر بن الحارث، عن عمرو بن دينار، عن عبيد بن عمير قال: سئل النبي، ﷺ، عن السائحين فقال: \" هم الصائمون \".\nوهذا مرسل جيّد، فهذا [¬٣] أصحّ الأقوال وأشهرها، وجاء ما يدل على أن السياحة الجهاد، وهو ما روى أبو داود في سننه من حديث أبي أمامة؛ أن رجلًا قال: يا رسول اللَّه، ائذن لى في السياحة؛ فقال النبى، ﷺ: \"سياحه أمتي الجهاد في سبيل اللَّه\" (^٢٥٨).\n_________\n(^٢٥٥) - تفسير الطبري (١٤/ ٥٠٥) رقم (١٧٣١٣).\n(^٢٥٦) - تفسير الطبري (١٤/ ٥٠٣) رقم (١٧٢٨٧).\n(^٢٥٧) - تفسير الطبري (١٤/ ٥٠٢) رقم (١٧٢٨٦).\n(^٢٥٨) - سنن أبي داود، كتاب الجهاد رقم (٢٤٨٦)، وفي إسناده القاسم بن عبد الرحمن قال المنذري=\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- في خ: \" وقال \".\n[¬٣]- في خ: \" وهذا \".","vol":"7","page":293},{"text":"وقال ابن المبارك، عن ابن لهيعة: أخبرني عمارة بن غزية؛ أن السياحة ذكرت عند رسول اللَّه، ﷺ، فقال رسول اللَّه، ﷺ: \"أبدلنا اللَّه بذلك الجهاد في سبيل اللَّه، والتكبير على كل شَرَفٍ\" (^٢٥٩).\nوعن عكرمة أنه قال: هم طلبة العلم. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: هم المهاجرون. رواهما ابن أبي حاتم.\nوليس المراد من السياحة ما قد يفهمه بعض من يتعبد بمجرد السياحة في الأرض، والتفرد في شواهق الجبال والكهوف والبراري، فإن هذا ليس بمشروع إلا في أيام الفتن والزلازل في الدين، كما ثبت فى صحيح البخاري عن أبي سعيد الخدرِي: أن رسول اللَّه، ﷺ قال: \"يوشك أن يكون خير مال الرجل غنَم يتبع بها شعف [¬١] الجبال، ومواقع القطر، يفر بدينه من الفتن\" (^٢٦٠).\nوقال العوفي، وعلى بن أبي طلحة، عن ابن عباس فى قوله: ﴿وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ﴾ قال: القائمون بطاعة اللَّه، وكذا قال الحسن البصري، وعنه رواية ﴿وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ﴾ قال: لفرائض اللَّه. وفي رواية: القائمون على أمر اللَّه.\n﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١١٣) وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ (١١٤)﴾\nقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن الزهري، عن ابن المسيب، عن أبيه قال: لما حضرت أبا طالب الوفاة، دخل عليه النبي، ﷺ، وعنده أبو جهل وعبد اللَّه بن أبي أمية، فقال: \"أي عم، قل: لا إله إلا اللَّه، كلمة أحاج لك بها عند اللَّه ﷿\". فقال أبو جهل، وعبد اللَّه بن أبي أمية: يا أبا طالب،\n_________\n=: تكلم فيه غير واحد. والعلاء بن الحارث: صدوق رمي بالقدر وقد اختلط.\n(^٢٥٩) - هذا منقطع، فإن عمارة بن غزية لم يدرك أحدًا من الصحابة.\n(^٢٦٠) - صحيح البخاري، كتاب الإيمان رقم (١٩).\n_________\n[¬١]- جمع شَعَفَة، وهي من كل شئ أعلاه.","vol":"7","page":294},{"text":"أترغب عن ملة عبد المطلب؟ [قال: فلم يزالا يكلّمانه حتى قال آخر شئ كلمهم به: أنا على ملة عبد المطلب] [¬١]. فقال النبي، ﷺ: \"لأستغفرن لك ما لم أنه عنك\". فنزلت ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى [¬٢] مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ قال: ونزلت فيه ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾. أخرجاه (^٢٦١).\nوقال الإِمام أحمد (^٢٦٢): حدثنا يحيى بن آدم، أخبرنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن أبي الخليل، عن علي، ﵁، قال: سمعت رجلًا يستغفر لأبويه وهما مشركان، فقلت: أيستغفر الرجل لأبويه وهما مشركان؟! فقال: أو لم يستغفر إبراهيم لأبيه؟!. فذكرت ذلك للنبي، ﷺ، فنزلت: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ إلى قوله: ﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ﴾] [¬٣] الآية [¬٤]. قال: لما مات. فلا أدري قاله سفيان أو قاله إسرائيل، أو هو في الحديث: \" لما مات \".\n(قلت): هذا ثابت عن مجاهد أنه قال: لما مات.\nوقال الإِمام أحمد (^٢٦٣): حدثنا الحسن بن موسى، حدثنا زهير، حدثنا زبيد بن الحارث اليامي، عن محارب بن دثار، عن ابن بريدة، عن أبيه قال: كنا مع النبي، ﷺ، [ونحن في سفر] [¬٥]، فنزل بنا ونحن [معه] [¬٦] قريب من ألف راكب فصلّى ركعتين، ثم أقبل علينا بوجهه وعيناه تذرفان، فقام إليه عمر بن الخطاب، وفداه بالأب والأم وقال: يا رسول اللَّه؛ ما لَكَ؟! قال: \"إني سألت ربي ﷿ في الاستغفار [¬٧] لأمي فلم يأذن لي، فدمعت عيناي رحمة لها من النار، وإني كنت نهيتكم عن ثلاث:\n_________\n(^٢٦١) - المسند (٥/ ٤٣٣) (٢٣٧٨٠) وأخرجه البخاري في كتاب الجنائز، باب: إذا قال المشرك عند الموت لا إله إلا الله (/ ٣/ ٢٦٣ رقم: ١٣٦٠). وأطرافه (٣٨٨٤)، ٤٦٧٥، ٤٧٧٢، ٦٦٨١). ومسلم في كتاب الإيمان، باب: الدليل على صحة إسلام من حضرة الموت ما لم يشرع في النزع وهو الغرغرة (١/ ٣٤/ رقم: ٢٤). والنسائي في كتاب الجنائز، باب النهى عن الاستغفار للمشركين (٤/ ٩٠، ٩١ رقم: ٢٠٣٥).\n(^٢٦٢) - المسند (١/ ٩٩).\n(^٢٦٣) - المسند (٥/ ٣٥٥) رقم (٢٣١٠٩).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من خ.\n[¬٤]- سقط من ز.\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط عن: ز، خ.\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من خ.\n[¬٧]- في ز، خ: \"استغفار\".","vol":"7","page":295},{"text":"نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها؛ لتذكركم زيارتها خيرًا، ونهيتكم عن لحوم الأضاحي بعد ثلاث فكلوا وأمسكوا ما شئتم، ونهيتكم عن الأشربة في الأوعية فاشربوا في أي وعاء شئتم، ولا تشربوا مسكرًا\".\nوروى ابن جرير (^٢٦٤) من حديث علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه: أن النبي، ﷺ، لما قدم مكة أتى رسم قبر فجلس إليه فجعل يخاطب، ثم قام مستعبرًا، فقلنا: يا رسول اللَّه، إنا رأينا ما صنعت! قال: \"إني استأذنت ربي في زيارة قبر أمي فأذن لي، واستأذنته في الاستغفار لها فلم يأذن لي\". فما رُئيَ باكيًا أكثر من يومئذ.\nوقال ابن أبي حاتم في تفسيره (^٢٦٥): حدثنا أبي، حدثنا خالد بن خداش، حدثنا عبد اللَّه بن وهب، عن ابن جريج، عن أيوب بن هانئ عن مسروق، عن عبد اللَّه بن مسعود قال: خرج رسول اللَّه ﷺ، يومًا إلى المقابر فاتبعناه، فجاء حتى جلس إلى قبر منها فناجاه طويلًا، ثم بكى فبكينا لبكائه [¬١]، ثم قام فقام إليه عمر بن الخطاب فدعاه، ثم دعانا فقال: \" ما أبكاكم؟ \" فقلنا: بكينا لبكائك؟ قال: \"إن القبر الذي جلست عنده قبر آمنة، وإني استأذنت ربي في زيارتها فأذن لي\".\n[ثم أورده من وجه آخر، ثم ذكر من حديث ابن مسعود قريبًا منه، وفيه] [¬٢]: \"وإني استأذنت ربي في الدعاء لها فلم يأذن لي وأنزل عليَّ ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى﴾ الآية. فأخذني ما يأخذ الولد للوالد [¬٣]، وكنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها؛ فإنها تذكر الآخرة\".\n(حديث آخر في معناه) قال الطبراني: حدثنا محمد بن علي المروزي، حدثنا أبو الدرداء عبد العزيز بن منيب [¬٤]، حدثنا إسحاق بن عبد اللَّه بن كيسان، عن أبيه، عن عكرمة، عن ابن عباس أن رسول اللَّه، ﷺ، لما أقبل من غزوة تبوك واعتمر، فلما هبط من ثنية عسفان أمر أصحابه: \"أن [¬٥] استندوا [¬٦] إلى العقبة حتى أرجع\n_________\n(^٢٦٤) - تفسير الطبري (١٤/ ٥١٢) رقم (١٧٣٣٠) ورواه البيهقي في دلائل النبوة (١/ ١٨٩) من طريق سفيان عن علقمة بن مرثد به نحوه.\n(^٢٦٥) - ورواه الحاكم في المستدرك من طريق بحر ابن نصر عن ابن وهب به نحوه (٢/ ٣٣٦) ومن طريقه البيهقي في دلائل النبوة (١/ ١٨٩).\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في خ: \"الوالد\".\n[¬٤]- في ز: \"مثبت\"، خ: \"ثبت\".\n[¬٥]- سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- في ز: \"استسندوا\".","vol":"7","page":296},{"text":"إليكم\". فذهب فنزل على قبر أمه، فناجى ربه طويلًا، ثم إنه بكى فاشتد بكاؤه، وبكى هؤلاء لبكائه، وقالوا: ما بكى نبي اللَّه بهذا المكان إلا وقد أحدث في أمته شيء لا تطيقه، فلما بكى هؤلاء قام فرجع إليهم، فقال: \"ما يبكيكم؟ \" قالوا: يا نبي اللَّه، بكينا لبكائك؛ قلنا [¬١] لعله أحدلط في أمتك شئ لا تطيقه، قال: \"لا، وقد كان بعضه، ولكن نزلت على قبر أمي فدعوت [¬٢] اللَّه أن يأذن لي في شفاعتها [¬٣] يوم القيامة فأبى اللَّه أن يأذن لي، فرحمتها وهي أمي فبكيت، لم جاءني جبريل فقال: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾ فتبرأ أنت من أمك، كما تبرأ إبراهيم من أبيه، فرحمتها وهي أمي، ودعوت ربي أن يرفع عن أمتي أربعًا، فرفع عنهم اثنتين، وأبى أن ووفع عنهم اثنتين: دعوت ربي أن يرفع عنهم الرجم من السماء، والغرق من الأرض، وأن لا يلبسهم شيئًا، وأن لا يذيق بعضهم بأس بعض، فرفع اللَّه عنهم الرجم من السماء، والغرق من الأرض، وأبى اللَّه أن يرفع عنهم القتل والهرج\". وإنما عدل إلى قبر أمه؛ لأنها كانت مدفونة تحت كداء، وكانت عسفان لهم (^٢٦٦).\nوهذا حديث غريب، وسياق عجيب، وأغرب منه وأشد نكارة ما رواه الخطيب البغدادي في كتاب \"السابق واللاحق\" بسند مجهول عن عائشة في حديث فيه قصة: أن اللَّه أحيا أمَّهُ فآمنت ثم عادت. وكذلك ما رواه السهيلي في الروض (^٢٦٧) بسند فيه جماعة مجهولون، أن اللَّه أحيا له أباه وأمه فآمنا به.\nوقد قال الحافظ ابن دحية: [هذا حديث موضوع يرده القرآن والإِجماع قال تعالى: ﴿وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّار﴾.\nوقال القرطبي (^٢٦٨): إن مقتضى هذا الحديث … وردَّ على ابن دحية] [¬٤] في هذا الاستدلال بما حاصله: أن هذه حياة جديدة، كما رجعت الشمس بعد غيبوبتها فصلى عليٌّ العصر.\n_________\n(^٢٦٦) - المعجم الكبير (١١/ ٣٧٤).\n(^٢٦٧) - الروض الأنف (١/ ١١٣).\n(^٢٦٨) - ساقه القرطبي في \"التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة (ص ١٦) وقال: خرجه أبو بكر أحمد بن علي الخطيب في كتاب السابق واللاحق، وأبو حفص عمر بن شاهين في الناسخ والمنسوخ،=\n_________\n[¬١]- في خ: \"فقلنا\".\n[¬٢]- في خ: \"فسألت\".\n[¬٣]- في خ: \"شفاعتهما\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"7","page":297},{"text":"قال الطحاوي: وهو حديث ثابت. يعني: حديث الشمس.\nقال القرطبي (^٢٦٩): فليس إحياؤهما يمتنع عقلًا ولا شرعًا. قال: وقد سمعت أن اللَّه أحيا عمه أبا طالب فآمن به.\n(قلت): وهذا كله متوقف على صحة الحديث، فإذا صح فلا مانع منه، واللَّه أعلم.\nوقال العوفي عن ابن عباس في قوله: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾. الآية: إن [¬١] النبي [¬٢]، ﷺ، أراد أن يستغفر لأمه فنهاه اللَّه ﷿ عن ذلك، فقال: \"فإن [¬٣] إبراهيم خليل اللَّه [ﷺ، قد استغفر لأبيه\". فأنزل اللَّه: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ﴾ الآية.\nوقال على بن أبي طلحة، عن ابن عباس في هذه الآية: كانوا يستغفرون لهم حتى نزلت هذه الآية، فلما [نزلت أمسكوا عن الاستغفار لأمواتهم ولم ينهوا أن يستغفروا للأحياء حتى يموتوا] [¬٤]، ثم [¬٥] أنزل اللَّه: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ …﴾ الآية.\nوقال قتادة في هذه [¬٦] الآية: ذكر لنا أن رجالًا من أصحاب النبي، ﵌، قالوا: يا نبي اللَّه، إن من آبائنا من كان يحسن الجوار، ويصل الأرحام، ويفك العاني، ويوفي بالذم، أفلا نستغفر لهم؟! قال: فقال النبي، ﷺ: \"بلى، والله إني لأستغفر لأبي كما استغفر إبراهيم لأبيه\". فأنزل اللَّه: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ حتى بلغ قوله [¬٧]: ﴿الْجَحِيمِ﴾، ثم عذر اللَّه تعالى إبراهيم ﵇ فقال: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾. قال: وذكر لنا أن نبي اللَّه، صلى اللَّه عليه وآله\n_________\n= ولا يصح الحديث. لمخالفته ما في صحيح مسلم برقم (٩٧٦) من حديث أبي هريرة قال: زار النبي ﷺ قبر أمه فبكى وأبكى من حوله. فقال: \"استأذنت ربي في أن أستغفر لها فلم يأذن لي، واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي، فزوروا القبور فإنها تذكر الموت\" ولضعف إسناده.\n(^٢٦٩) - التذكرة (ص ١٧).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"فإن\".\n[¬٢]- في خ: \"رسول اللَّه\".\n[¬٣]- في ت: \"إن\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- في ز: \"فلما\"، وسقط من: خ.\n[¬٦]- سقط من: ت.\n[¬٧]- سقط من: ز، خ.","vol":"7","page":298},{"text":"وسلم، قال: \" [أوحي إليَّ] [¬١] كلمات، فدخلن في أذني ووقرن في قلبي: أمرت أن لا أستغفر لمن مات مشركًا، ومن أعطى فضل ماله فهو خير له، ومن أمسك فهو شر له، ولا يلوم الله على كفاف\".\nوقال الثوري، عن الشيباني، عن سعيد بن جبير، قال: مات رجل يهودي وله ابن مسلم فلم يخرج معه، فذكر ذلك لابن عباس؛ فقال [¬٢]: فكان ينبغي له أن يمشي معه ويدفنه، ويدعو له بالصلاح ما دام حيًّا، فإذا مات وكله إلى شأنه، ثم قال: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ (١١٤)﴾: لم يَدْعُ.\nوهذا يشهد له بالصحة [¬٤] ما رواه أبو داود وغيره: عن علي بن أبي طالب، ﵁، قال: لما مات أبو طالب قلت: يا رسول الله، إن عمك الشيخ الضال [قد مات] [¬٥]. قال: \"اذهب فواره ولا [¬٦] تحدثن شيئًا [¬٧] حتى تأتيني … \" وذكر [¬٨] تمام الحديث (^٢٧٠).\nويُرْوَى [أن رسول الله] [¬٩]، ﷺ، لما مرت به جنازة عمه أبي طالب قال: \"وصلتك رحم يا عم\" (^٢٧١).\nوقال عطاء بن أبي رباح: ما كنت لأدع الصلاة على أحد من أهل القبلة، ولو كانت حبشية حُبلى من الزنا؛ لأني لم أسمع الله حجب الصلاة إلا عن المشركين، يقول الله ﷿: ﴿ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين﴾ الآية.\n_________\n(^٢٧٠) - سنن أبي داود، كتاب الجنائز، باب: الرجل يموت له قرابة مشرك رقم (٣٢١٤). ورواه النسائي في الجنائز (٢٠٠٦).\n(^٢٧١) - ورواه ابن عدي في الكامل (١/ ٢٦٠) من طريق الفضل بن موسى، عن إبراهيم بن عبد الرحمن - وهو ضعيف - عن ابن جريج عن عطاء، عن ابن عباس مرفوعًا ولفظه: \"وصلت رحم وجزيت خيرًا يا عم\". وإبراهيم بن عبد الرحمن قال ابن عدي: \"أحاديثه عن كل من روى ليست بمستقيمة\" ثم قال: \"وعامة أحاديثه غير محفوظة\".\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفين في خ: قد أوحى الله إلى.\n[¬٢]- في ز: \"قال\".\n[¬٣]- غير واضحة فى ز، خ.\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- في ز: \"لا\".\n[¬٧]- سقط من: ت.\n[¬٨]- في خ: \"فذكر\".\n[¬٩]- في خ: \"أنه\".","vol":"7","page":299},{"text":"وروى ابن جرير (^٢٧٢) عن ابن وكيع، عن أبيه، عن عصمة بن زامل [¬١]، عن أبيه قال: سمعت أبا هريرة يقول: رحم الله رجلًا استغفر لأبي هريرة ولأمه. قلت: ولأبيه. قال: لا. قال: إن أبي مات مشركًا.\nوقوله: ﴿فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه﴾ قال ابن عباس: ما زال إبراهيم يستغفر لأبيه حتى مات، فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه. وفي رواية: لما [¬٢] مات تبين له أنه عدو لله.\nوكذا قال مجاهد، والضحاك، وقتادة، وغيرهم ﵏.\nوقال [عبيد بن عمير]، وسعيد بن جبير: إنه يتبرأ منه [في] [¬٣] يوم القيامة، حين يلقى أباه وعلى وجه أبيه [الغبرة والقترة] [¬٤]، فيقول: يا إبراهيم، إني كنت أعصيك، وإني اليوم لا أعصيك. فيقول: أي رب، ألم تعدني أن لا تخزني [¬٥] يوم يبعثون؟ فأي خزي أخزى من أبي الأبعد؟! فيقال: انظر إلى ما وراءك، فإذا هو بذِيخ [¬٦] [¬٧] متلطِّخ، أي: قد مسخ ضبعًا، ثم [¬٨] يسحب [¬٩] بقوائمه ويلقى في النار.\nوقوله: ﴿إن إبراهيم لأواه حليم﴾ قال سفيان الثوري وغير واحد، عن عاصم بن بهدلة، عن زر [¬١٠] بن حبيش، عن عبد الله بن مسعود أنه قال: الأواه: الدعَّاء. وكذا رُوِيَ من غير وجه عن ابن مسعود.\nوقال ابن جرير (^٢٧٣): حدثني المثنى، حدثنا الحجاج بن منهال، حدثني عبد الحميد بن بهرام، حدثنا شهر بن حوشب، عن عبد الله بن شداد بن الهاد؛ قال: بينما [رسول الله] [¬١١]، ﷺ، جالس، قال رجل: يا رسول الله، ما الأوّاه؟ قال: \"المتضرع\". قال: ﴿إن إبراهيم لأواه حليم﴾.\n_________\n(^٢٧٢) - تفسير الطبري (١٤/ ٥١٧) رقم (١٧٣٣٩).\n(^٢٧٣) - تفسير الطبري (١٤/ ٥٣١) رقم (١٧٤١٦).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"رامل\".\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من خ.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين في: \"القترة والغبرة\".\n[¬٥]- في ت: \"تحزني\".\n[¬٦]- في ز، خ: \"بذبح\".\n[¬٧]- الذِيخ: ذَكَر الضباع، والأنثى ذيخة.\n[¬٨]- في ز: \"نايم\".\n[¬٩]- فى حاشية ز: \"يشخب\".\n[¬١٠]- في خ: \"زيد\".\n[¬١١]- في خ: \"النبي\".","vol":"7","page":300},{"text":"ورواه [¬١] ابن أبي حاتم من حديث ابن المبارك، عن عبد الحميد بن بهرام، به. ولفظه [¬٢]: قال: \"الأواه [¬٣]: المتضرع الدعاء\".\nوقال الثوري، عن سلمة بن كهيل، عن مسلم البطين، عن [أبي العُبَيْدَيْنِ] [¬٤] أنه سأل ابن مسعود عن الأواه فقال: هو الرحيم.\nوبه قال مجاهد، وأبو [¬٥] ميسرة عمرو [¬٦] بن شرحبيل، والحسن البصرى، وقتادة: إنَّه الرحيم، أي: بعباد الله.\nوقال ابن المبارك، عن خالد، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: الأوّاه: الموقن، بلسان الحبشة. وكذا قال العوفي عن ابن عباس: إنه الموقن، وكذا قال مجاهد، والضحاك، وقال على بن أبي طلحة ومجاهد، عن ابن عباس: الأوّاه: المؤمن. زاد على بن أبي طلحة عنه: [] [¬٧] المؤمن التواب. وقال العوفي عنه: هو المؤمن، بلسان الحبشة. وكذا قال ابن جريج: هو المؤمن، بلسان الحبشة.\nوقال الإمام أحمد (^٢٧٤): حدثنا موسى، حدثنا ابن لهيعة، عن الحارث بن يزيد [¬٨]، عن علي بن رباح، عن عقبة بن عامر أن رسول الله، ﷺ، قال لرجل يقال له: ذو البجادين [¬٩]: \"إنه أوّاه\" وذلك أنه رجل [كثير الذكر لله] [¬١٠] في القرآن ويرفع [¬١١] صوته في الدعاء [¬١٢]. ورواه ابن جرير.\nوقال سعيد بن جبير والشعبي: الأوّاه: المسبح. وقال ابن وهب، عن معاوية بن\n_________\n(^٢٧٤) - المسند (٤/ ١٥٩) (١٧٥٠١) وتفسير الطبري (١٤/ ٥٣٣) رقم (١٧٤١٨) وأخرجه الطبراني في الكبير (١٧/ ٢٩٥) حديث (٨١٣). وذكره الهيثمي في المجمع (٩/ ٣٧٢) وقال: رواه أحمد والطبراني وإسنادهما حسن.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"وروى\".\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- في ز: \"أبي القدير\"، في خ: \"أبي الغدير\".\n[¬٥]- في ز: \"أبي\".\n[¬٦]- في خ: \"عمر\".\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين في ت: \"هو\".\n[¬٨]- في ز، خ: \"مرثد\".\n[¬٩]- في ز: \"النجادين\".\n[¬١٠]- ما بين المعكوفتين في ز: \"كثيرًا لذكر الله\"، ت: \"كان إذا ذكر الله\".\n[¬١١]- فى ت: \"رفع\".\n[¬١٢]- في خ: \"بالدعاء\".","vol":"7","page":301},{"text":"صالح، عن أبي الزاهرية [¬١]، [] [¬٢] عن جبير بن نفير، عن أبي الدرداء، ﵁، قال: [لا يحافظ] على سبحة [¬٣] الضحى [إلا أوّاه].\nوقال شُفَيُّ [¬٤] بن ماتع [¬٥]، عن أبي أيوب: الأواه الذي إذا ذكر خطاياه استغفر منها.\nوعن مجاهد: الأوّاه: الحفيظ الوجل، يذنب الذنب سرًّا ثم يتوب منه سرًّا.\nذكر ذلك كله ابن أبي حاتم ﵀.\nوقال ابن جرير: حدثنا ابن وكيع، حدثنا المحاربي، عن حجاج، عن الحكم، عن الحسن بن مسلم بن يَنَّاق [¬٦]: أن رجلًا كان يكثر ذكر الله ويسبح، فذكر ذلك للنبي، ﷺ، فقال: \"إنه أوَّاه\" (^٢٧٥).\nوقال أيضًا: حدثنا أبو كريب، حدثنا ابن هانئ (*)، حدثنا المنهال بن خليفة، عن حجاج بن أرطاة، عن عطاء، عن ابن عباس أن النبي، ﷺ، دفن ميتًا فقال: \"رحمك الله، إن كنت لأواهًا\". يعني: تلاء للقرآن (^٢٧٦).\nوقال شعبة عن أبي يونس الباهلي قال: سمعت رجلًا بمكة - وكان أصله روميًّا، وكان قاصًّا - يحدث عن أبي ذر قال: كان رجل يطوف بالبيت الحرام، ويقول في دعائه: أوَّه أوَّه. فذكر ذلك للنبي، ﷺ، فقال: \"إنه أوَّاه\". قال: خرجت ذات ليلة فإذا رسول الله، ﷺ، يدفن ذلك الرجل ليلًا ومعه المصباح.\nهذا حديث غريب (^٢٧٧)، رواه ابن جرير ومشاه [¬٧].\nوروي عن كعب الأحبار أنه قال: سمعت ﴿إن إبراهيم لأوّاه﴾ قال: كان إذا ذكر النار قال: أوه من النار.\n_________\n(^٢٧٥) - تفسير الطبري (١٤/ ٥٢٩) رقم (١٧٧٠٧).\n(^٢٧٦) - تفسير الطبري (١٤/ ٥٣٠) رقم (١٧١١٠).\n(^٢٧٧) - تفسير الطبري (١٤/ ٥٣٠) رقم (١٧٤١١). ورواه الحاكم في المستدرك (١/ ٣٦٨) من طريق شعبة به، وقال: \"إسناده معضل\".\n_________\n[¬١]- في ز: \"الزاهر\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز: \"به\".\n[¬٣]- في ز: \"مسبحة\".\n[¬٤]- في ز: \"سقى\".\n[¬٥]- في ز، خ: \"مانع\".\n[¬٦]- في ز، خ: \"بيان\".\n(*) عند ابن جرير: ابن يمان.\n[¬٧]- سقط من: ت.","vol":"7","page":302},{"text":"وقال [¬١] ابن جريج عن ابن عباس ﴿إن إبراهيم لأواه﴾ قال: فقيه.\nقال: الإِمام العَلَم أبو جعفر بن جرير (^٢٧٨): وأولى الأقوال قول من قال: إنه الدَّعَّاء، وهو المناسب للسياق، وذلك أن الله تعالى لما ذكر أن إبراهيم إنما استغفر لأبيه عن موعدة وعدها إيّاه، وقد كان إبراهيم كثيرَ الدعاء، حليمًا عمن ظلمه وأناله مكروهًا؛ ولهذا استغفر لأبيه مع شدة أذاه له في قوله: ﴿قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَاإِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا (٤٦) قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا (٤٧)﴾ فحلم عنه مع أذاه له، ودعا له واستغفر، ولهذا قال تعالى: ﴿إن إبراهيم لأواه حليم﴾.\n﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١٥) إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (١١٦)﴾\nيقول تعالى مخبرًا عن نفسه الكريمة وحكمه [¬٢] العادل: إنه لا يضل قومًا [إلا] بعد بلاغ الرسالة [إليهم] [¬٣]، حتى يكونوا قد قامت عليهم الحجة، كما قال تعالى: ﴿وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى﴾ الآية.\nوقال مجاهد في قوله تعالى: ﴿وما كان الله ليضل قومًا بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون﴾. قال: بيان الله ﷿ للمؤمنين [¬٤] في ترك [¬٥] الاستغفار للمشركين خاصة، وفي بيانه [لهم في] [¬٦] [طاعته ومعصيته] عامة، فافعلوا أو ذروا.\nوقال ابن جرير: يقول الله تعالى: وما كان الله ليقضي عليكم في استغفاركم لموتاكم المشركين بالضلال، بعد إذ رزقكم الهداية، ووفقكم للإِيمان به وبرسوله، حتى يتقدم إليكم بالنهي عنه فتتركوا، فأمّا قبل أن يبين لكم كراهته ذلك بالنهي عنه، [ثم تتعدوا] [¬٧] نهيه إلى ما نهاكم عنه؛ فإنه لا يحكم عليكم بالضلال؛ فإن الطاعة والمعصية إنما يكونان من المأمور والمنهي، فأما [¬٨] من لم يؤمر، ولم ينه فغير كائن [] مطيعًا [كان] [¬٩] أو عاصيًا\n_________\n(^٢٧٨) - تفسير الطبري (١٤/ ٥٣٢).\n_________\n[¬١]- في خ: \"قال\".\n[¬٢]- في خ: \"وحلمه\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من خ.\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٧]- في ت: \"فلم تضيعوا\".\n[¬٨]- في خ: \"أما\".\n[¬٩]- ما بين المعكوفتين سقط من خ.","vol":"7","page":303},{"text":"فيما [¬١] لم يؤمر به ولم ينه عنه [¬٢].\nوقوله تعالى: ﴿إن الله له ملك السموات والأرض يحيى ويميت وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير﴾ قال ابن جرير: هذا تحريض من الله تعالى لعباده المؤمنين في قتال المشركين وملوك الكفر، أن [¬٣] يثقوا بنصر الله [¬٤] مالك السموات والأرض، ولا يرهبوا من أعدائه، فإنه لا ولي لهم من دون الله، ولا نصير لهم سواه.\nوقال ابن أبي حاتم (^٢٧٩): حدثنا على بن أبي دلامة البغدادي، حدثنا عبد الوهاب بن عطاء، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن صفوان بن محرز، عن حكيم بن حزام قال: بينا رسول الله، ﷺ، بين أصحابه إذ قال لهم: \"هل تسمعون ما أسمع؟ \" قالوا: ما نسمع من شيء. فقال رسول الله، ﷺ: \"إني لأسمع أَطِيط [¬٥] السماء، وما تلام أن تئط، وما فيها من موضع شبر إلا وعليه ملك ساجد أو قائم\".\nوقال كعب الأحبار: ما من موضع خرمة إبرة من الأرض، إلا وملك موكل بها، يرفع علم ذلك إلى الله، وإن ملائكة السماء لأكثر من عدد التراب، وإن حملة العرش ما بين كعب أحدهم إلى مخه مسيرة مائة عام.\n﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١١٧)﴾\nقال مجاهد وغير واحد: نزلت هذه الآية في غزوة تبوك، وذلك أنهم خرجوا إليها في شدة من الأمر، في سنة مجدبة وحر شديد، وعسر من الزاد والماء.\nقال قتادة: خرجوا إلى الشام عام تبوك في لهبان الحر، على ما يعلم الله من الجهد،\n_________\n(^٢٧٩) - ورواه الطبراني في المعجم الكبير (٣/ ٢٠١) وأبو نعيم في الحلية (٢/ ٢١٧) من طريق عبد الوهاب ابن عطاء به نحوه، وقال أبو نعيم: \"هذا حديث غريب من حديث صفوان بن محرز عن حكيم تفرد به عن قتادة سعيد بن أبي عروبة\".\n_________\n[¬١]- في ز: \"فما\".\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- في خ: \"أنهم\"\n[¬٤]- سقط من: ز.\n[¬٥]- الأطيط: تصويت الظهر من ثقل الحِمْل، وأطيط الإبل: أنينها إذا تعبت من ثقل الحمل.","vol":"7","page":304},{"text":"أصابهم فيها جهد شديد، حتى لقد ذكر لنا: أن الرجلين [¬١] كانا يشقان التمرة بينهما، وكان النفر يتداولون التمرة بينهم، يمصها هذا، ثم يشرب عليها، ثم يمصما هذا، و[¬٢] يشرب عليها، فتاب الله عليهم وأقفلهم من غزوتهم.\nوقال ابن جرير (^٢٨٠): حدثني يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، عن سعيد بن أبي هلال، عن عتبة بن أبي عتبة، عن نافع بن جبير بن مطعم، عن عبد الله بن عباس: أنه قيل لعمر بن الخطاب في شأن العسرة، فقال عمر بن الخطاب: خرجنا مع رسول الله، ﷺ، إلى تبوك في قيظ [¬٣] شديد، فنزلنا منزلًا فأصابنا فيه عطش، حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع، [حتى إن] [¬٤] كان [¬٥] الرجل [¬٦] [ليذهب يلتمس الماء فلا يرجع حتى يظن أن رقبته ستنقطع] [¬٧]، [وحتى إن الرجل] [¬٨] لينحر بعيره فيعصر فرثه فيشربه، ويجعل ما بقي على كبده، فقال [¬٩] أبو بكر الصديق: يا رسول الله، إن الله ﷿ قد عودك في الدعاء خيرًا فادع لنا. فقال [¬١٠]: \"تحب ذلك؟ \" قال: نعم. فرفع يديه فلم يرجعهما حتى مالت السماء فأهطلت [¬١١]، ثم سكبت فملئوا ما معهم، ثم ذهبنا ننظر فلم نجدها جاوزت العسكر.\nوقال ابن جرير في قوله: ﴿لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة﴾ أي: من النفقة والظهر والزاد والماء ﴿من بعد ما كاد يزيغ [¬١٢] قلوب فريق منهم﴾ أي: عن الحق، ويشك في دين [رسول الله] [¬١٣]، ﷺ، ويرتاب بالذي [¬١٤] نالهم من المشقة والشدة في [سفره وغزوه] [¬١٥] ﴿ثم تاب عليهم﴾ يقول: ثم رزقهم الإنابة إلى ربهم، والرجوع إلى الثبات على دينه ﴿إنه بهم رءوف رحيم﴾.\n_________\n(^٢٨٠) - تفسير الطبري (١٤/ ٥٤١) رقم (١٧٤٢٩) ورواه ابن حبان في صحيحه برقم (١٧٠٧) \"موارد\" والحاكم في المستدرك (١/ ١٥٩) من طريق حرملة بن يحيى، ورواه البزار في مسنده كما في \"كشف الأستار\" (١٨٤١) من طريق أصبغ بن الفرج - كلاهما عن ابن وهب به، نحوه. وقال الحاكم: \"هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه\". قال المصنف في السيرة (٤/ ١٦): \"إسناده جيد، ولم يخرجوه من هذا الوجه\".\n_________\n[¬١]- في ز: \"رجلين\".\n[¬٢]- في ت: ثم.\n[¬٣]- في ز: \"قبض\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٥]- سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- سقط من: خ.\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٨]- ما بين المعكوفين سقط من: ز.\n[¬٩]- في خ: \"قال\".\n[¬١٠]- في ز: \"قال\".\n[¬١١]- في الطبري: فأظلت.\n[¬١٢]- في ز: \"تزيغ\".\n[¬١٣]- في خ: \"الرسول\".\n[¬١٤]- في خ: \"للذي\".\n[¬١٥]- ما بين المعكوفتين في خ: \"سفرهم وغزوهم\".","vol":"7","page":305},{"text":"﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١١٨) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١١٩)﴾\nقال الإِمام أحمد (^١): حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن أخي الزهرى محمد بن عبد الله، عن عمه محمد بن مسلم الزهري، أخبرني عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب ابن مالك، أن [عبد الله] [¬١] بن كعب بن مالك - وكان قائد كعب من بنيه [¬٢] حين عَمِيَ - قال: سمعت كعب بن مالك يحدث حديثه حين تخلف عن رسول الله، ﷺ، في غزرة [¬٣] تبوك، فقال كعب بن مالك: لم أتخلف عن رسول الله، ﷺ، في غزاة غزاها قط إلا في غزرة تبوك، غير أني كنت تخلفت في غزاة بدر، ولم يعاتب أحد تخلف عنها، إنما [¬٤] خرج رسول الله، ﷺ، يريد عير (^٢) قريش، حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد، ولقد شهدت مع رسول الله، ﷺ، ليلة العقبة حين توافقنا [¬٥] على الإسلام، وما أحب أن لي بها مشهد بدر، وإن كانت بدر أذكر في الناس منها وأشهر، وكان من خبري حين تخلفت عن رسول الله، ﷺ، في غزرة تبوك: أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنه في تلك الغزاة، والله ما جمعت قبلها راحلتين قط حتى جمعتهما في تلك الغزاة، وكان رسول الله، ﷺ، قلما يريد غزرة يغزرها\n_________\n(^١) - المسند (٣/ ٤٥٦ - ٤٥٩) (١٥٨٣١) وقصة تخلف كعب بن مالك رواه البخاري حديث ٢٧٥٧ وأطرافه ٢٩٤٧، ٢٩٤٨، ٢٩٤٩، ٢٩٥٠، ٣٠٨٨، ٣٥٥٦، ٣٨٨٩، ٣٩٥١، ٤٤١٨، ٤٦٧٣، ٤٦٧٦، ٤٦٧٧، ٤٦٧٨، ٦٢٥٥، ٦٦٩٠، ٧٢٢٥ مطولًا ومختصرًا. ومسلم (١٧/ ١٣٦: ١٥٠). حديث ٥٣، ٥٤، ٥٥ - (٢٧٦٩) بشرح النووي. والطبراني في الكبير (١٩/ ٢٢: ٥٩) حديث (٩١: ١٠٣).\n(^٢) - عِيرَ: العِيرُ: الإبلُ بأحمالها، فِعْلٌ من عار يعير إذا سار. نهاية [٣/ ٣٢٩].\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"عبيد الله\".\n[¬٢]- في ز: \"بيته\".\n[¬٣]- في ز: \"غزاة\".\n[¬٤]- في خ: \"وإنما\".\n[¬٥]- في خ: \"تواثقنا\".","vol":"7","page":306},{"text":"إلا ورَّى [¬١] بغيرها، حتى كانت تلك الغزوة فغزاها رسول الله، ﷺ، في حر شديد، واستقبل سفرًا بعيدًا ومفازًا (^١)، واستقبل [¬٢] عدوًّا كثيرًا، فَجَلَّى [¬٣] للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة عدوهم، فأخبرهم وجهه الذي يريد، والمسلمون مع رسول الله، ﷺ، كثير لا يجمعهم كتاب حافظ - يريد الديوان.\nقال [¬٤] كعب: فقل رجل يريد أن يتغيب إلا ظن أن ذلك سيخفى له، ما لم ينزل فيه وحي من الله ﷿، وغزا رسول الله، ﷺ، تلك الغزاة حين طابت الثمار والظل [¬٥]، وأنا إليها أصعر [¬٦] (^٢) - أميل [¬٧]- فتجهز إليها رسول الله، ﷺ، والمؤمنون معه، وطفقت [¬٨] أغدو لكي أتجهز معهم، فأرجع ولم أقض من جهازي شيئًا، فأقول لنفسي: أنا قادر على ذلك إذا أردت، فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى شمر [¬٩] (^٣) بالناس الجد، فأصبح رسول الله، ﷺ، غاديًا والمسلمون معه، ولم أقض من جهازي شيئًا، وقلت: الجهاز [¬١٠] بعد يوم أو يومين ثم ألحقه، فغدوت بعد ما فَصَلوا [¬١١] (^٤) لأتجهز، فرجعت ولم أقض [¬١٢] [شيئًا] [¬١٣] من جهازي [] [¬١٤]، ثم غدوت فرجعت ولم أقض شيئًا، فلم يزل ذلك [¬١٥] يتمادى بي حتى أسرعوا وتفارط [¬١٦] (^٥) الغزو، فهممت أن أرتحل فأدركهم [¬١٧]- وليت أني فعلت - ثم لم يقدر ذلك لي، فطفقت إذا خرجت في الناس بعد خروج [¬١٨] رسول الله، صلى الله عليه\n_________\n(^١) مفازًا: المفَاز والمفَازة: البَرَّيَّه القَفْر. والجمع: المفاوز، سُمِّيت بذلك لأنها مُهْلِكة، من فَوَّز إذا مات. وقيل: سُمَّيت تفاؤلًا من الفَوْز: النَّجاة. نهاية [٣/ ٤٧٨].\n(^٢) أَصْعَرُ؛ أي: أَمْيَلُ. نهاية [٣/ ٣١].\n(^٣) شَمَّر بالناس الجدُّ: أى.\n(^٤) فصلوا؛ فَصَل القوم عن البلد: خرجوا، وقد فَصَل يَفْصُل فُصولًا. المعجم الوسيط بتصرف [٢/ ٧١٧].\n(^٥) تفارط الغَزو أي: فات وقته وتقدم. نهاية [٣/ ٤٣٥].\n_________\n[¬١]- ورَّى عن الشيء: أراده وأظهر غيره.\n[¬٢]-في ز: \"استقبل\".\n[¬٣]- في خ: \"فخلَّى\".\n[¬٤]- في ز: \"فقال\".\n[¬٥]- في ت: \"والظلال\".\n[¬٦]- في ز، خ: \"أصغر\".\n[¬٧]- سقط من: ز، خ.\n[¬٨]- في خ: \"فطفقت\".\n[¬٩]- في.، خ: \"استمر\".\n[¬١٠]- في ت: \"أتجهز\".\n[¬١١]- في ز، خ: \"صلوا\".\n[¬١٢]- في خ: \"أفضي\".\n[¬١٣]- ما بين المعكوفتين سقط من خ.\n[¬١٤]- في ت: شيئًا.\n[¬١٥]- سقط من:، خ.\n[¬١٦]- أي: فات وقته وتقدم.\n[¬١٧]- في ت: \"فألحقهم\".\n[¬١٨]- سقط من: ز، خ.","vol":"7","page":307},{"text":"وسلم، [فطفت فيهم] [¬١] يحزنني أن [¬٢] لا أرى إلا رجلًا مغموصًا (^١) عليه في النفاق، أو رجلًا ممن عذره الله ﷿، ولم يذكرني رسول الله، ﷺ، حتى بلغ تبوك، فقال وهو جالس في القوم بتبوك: \"ما فعل كعب ابن مالك؟ \" فقال رجل من بني سلمة: حبسه يا رسول الله برداه والنظر في عطفيه (^٢). فقال له معاذ بن جبل: بئسما قلت! والله يا رسول الله؛ ما علمنا عليه إلا خيرًا. فسكت رسول الله ﷺ.\nقال كعب بن مالك: فلما بلغني أن رسول الله ﷺ قد توجه قافلًا من تبوك حضرني بثي (^٣)، وطفقت أتفكر [¬٣] الكذب، وأقول: بماذا أخرج من سخطه غدًا؟ أستعين على ذلك كل ذي رأي من أهلي، فلما قيل: إن رسول الله، ﷺ، قد أظل قادمًا زاح عني الباطل، وعرفت أني لم أنج منه بشيء أبدًا، فأجمعت (^٤) صدقه، فأصبح [¬٤] رسول الله، ﷺ، وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فركع [¬٥] ركعتين ثم جلس للناس، فلما فعل ذلك جاءه المتخلفون، فطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له، وكانوا [¬٦] بضعة وثمانين رجلًا، فقبل [¬٧] منهم رسول الله، ﷺ، علانيتهم ويستغفر لهم، ويكل سرائرهم إلى الله تعالى، حتى [¬٨] جئت. فلما سلمت عليه تبسم تبسم المُغْضَب (^٥)، ثم قال لي: \"تعال\". فجئت أمشى حتى جلست بين [¬٩] يديه، فقال لي: \"ما خلَّفك، ألم تك [¬١٠] قد اشتريت ظهرك [¬١١]؟ \". [قال] [¬١٢] فقلت: يا رسول الله، إني لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أن أخرج\n_________\n(^١) مغموصًا عليه؛ أي: مطعون في دينه، متهم بالنفاق وقيل معناه: مُستَحْقرًا. تقول: غمصت فلانا إذا استحقرته. نهاية [٣/ ٣٨٦]، فتح الباري [٨/ ١١٨].\n(^٢) عطفيه؛ العِطْفُ بكسر العين المهملة وكنى بذلك عن حسنه وبهجته، والعرب تصف الرداء بصفة الحسن وتسميه عِطْفًا، لوقوعه على عطفي الرجل. فتح الباري بتصرف [٨/ ١١٨].\n(^٣) بِثِّي أي: أشد الحزن الذي لا يصبر عليه صاحبه فيفشيه ويظهره. المعجم الوسيط بتصرف [١/ ٣٩].\n(^٤) أجْمَعْتُ أي: عزمت عليه، يقال: أجمع أمره وعلى أمره، وعزم عليه بمعنًى. شرح النووي على صحيح مسلم [١٧/ ١٤٠].\n(^٥) المُغْضَب هو بفتح الضاد: الغضبان. شرح النووي على صحيح مسلم [١٧/ ١٤٠].\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في ت: \"أني\".\n[¬٣]- في خ: \"أتذكر\".\n[¬٤]- في ز: \"وصبح\".\n[¬٥]- في خ: \"فصلى\".\n[¬٦]- في ز: \"وكان\".\n[¬٧]- في ت: \"فيقبل\".\n[¬٨]- سقط من: ز، خ.\n[¬٩]- سقط من: خ.\n[¬١٠]- في خ: \"تكن\".\n[¬١١]- في خ: \"ظهرًا\".\n[¬١٢]- ما بين المعكوفتين سقط من خ.","vol":"7","page":308},{"text":"من سخطه بعذر؛ لقد أعطيت جدلًا (^١)، ولكنه [¬١] والله لقد علمت لئن حدثتك اليوم بحديث [¬٢] كذب ترضى به عني - ليوشكن الله أن [¬٣] يسخطك عليَّ، ولئن حدثتك يصدق تجد عليَّ فيه، إني لأرجو أقرب عقبى ذلك [¬٤] من الله ﷿، والله ما كان لي عذر، والله ما كنت قط أفرغ ولا أيسر مني حين تخلفت عنك. قال: فقال رسول الله، ﷺ: \"أما هذا فقد صدق، فقم حتى يقضي الله فيك\". فقمت وبادرني رجال من بني سلمة واتبعوني، فقالوا لي: والله ما علمناك كنت أذنبت ذنبًا قبل هذا، ولقد عجزت ألا تكون اعتذرت إلى رسول الله، ﷺ، بما اعتذر به المتخلفون، فقد كان كافيك [من ذنبك] [¬٥] استغفارُ رسول الله، ﷺ، لك [¬٦]. قال: فوالله ما زالوا يؤنبوني [¬٧] حتى أردت أن أرجع فأكذب نفسي. قال: ثم قلت لهم: هل لقي [هذا معي] [¬٨] أحد؟ قالوا: نعم، [لقيه معك] [¬٩] رجلان قالا مثل [¬١٠] ما قلت، وقيل لهما مثل ما قيل لك، فقلت [¬١١]: فمن هما؟ قالوا: مرارة بن الربيع [¬١٢] العامري، وهلال بن أمية الواقفي: فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدا بدرًا، لي فيهما أسوة. قال: فمضيت حين ذكروهما لي.\nفقال: ونهى رسول الله، ﷺ، المسلمين عن كلامنا أيّها الثلاثة (^٢) من بين من تخلف عنه [¬١٣]، فاجتنبنا الناس وتغيروا لنا، حتى تنكرت لي في نفسي الأرضُ، فما هي بالأرض التي كنت أعرف، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة، فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان، وأما أنا فكنت أشد القوم وأجلدهم، فكنت أشهد الصلاة مع المسلمين وأطوف بالأسواق فلا يكلمني أحد، وآتِي رسول الله، ﷺ، وهو في مجلسه بعد الصلاة فأسلم، وأقول في نفسي: أحَرَّكَ [¬١٤] شفتيه برد السلام\n_________\n(^١) جدلًا، أى: فصاحة وقوة كلام بحيث أخرج عن عهدة ما ينسب إليَّ بما يُقْبَل ولا يُرد. فتح الباري [٨/ ١١٩].\n(^٢) أيها الثلاثة: قال القاضي: هو بالرفع، وموضعه نصب على الاختصاص. قال سيبويه نقلًا عن العرب: اللهم اغفر لنا أيتها المصيبة. شرح النووي على صحيح مسلم [١٧/ ١٤٢].\n_________\n[¬١]- في خ: \"لكني\".\n[¬٢]- في ز: \"حديث\".\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- سقط من: ز.\n[¬٥]- سقط من: خ.\n[¬٦]- في خ: \"قالوا\".\n[¬٧]- فى ز: \"يؤانبوني\".\n[¬٨]- في خ: \"معي هذا\".\n[¬٩]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز\n[¬١٠]- سقط من: ز، خ.\n[¬١١]- في ز: \"قلت\".\n[¬١٢]- في ز: \"ربيع\".\n[¬١٣]- سقط من: ز.\n[¬١٤]- في ز: \"حَرَّكَ\".","vol":"7","page":309},{"text":"عليَّ [¬١] أم لا؟ ثم أصلي قريبًا منه وأسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتي نظر إليَّ، فإذا التفت نحوه أعرض عني، حتى إذا طال عليَّ ذلك من هجر المسلمين، مشيت حتى تسورت [] [¬٢] حائط أبي قتادة - وهو ابن عمي وأحب الناس إليَّ - فسلمت عليه، فوالله ما رد عليَّ السلام، فقلت له: يا أبا قتادة، أنشدك الله [¬٣] هل تعلم أني أحب الله ورسوله؟ قال: فسكت، قال: فعدت له [¬٤] فنشدته [فسكت، فعدت له فنشدته فسكت] [¬٥]، فقال: الله ورسوله أعلم. قال ففاضت عيناي، وتوليت حتى تسورت الجدار.\nفبينا [¬٦] أنا أمشي بسوق المدينة، إذا [أنا بنبطي] [¬٧] من أنباط الشام ممن قدم بطعام يبيعه بالمدينة، يقول: من يدل على كعب بن مالك. قال: فطفق الناس يشيرون له إليَّ حتى جاء، فدفع إليَّ كتابًا من ملك غسان، وكنت كاتبًا، فإذا فيه: أما بعد، فقد بلغنا أن صاحبك قد جفاك، [ولم يجعلك الله بدار] [¬٨] هوان ولا مضيعة (^١)، فالحق بنا نواسك. قال: فقلت حين قرأتها [¬٩]: وهذا أيضًا من البلاء. قال: فتيممت بها [¬١٠] التنور فسجرته بها [¬١١] (^٢).\nحتى إذا مضت أربعون ليلة من الخمسين، إذا برسول رسول [¬١٢] الله، ﷺ، يأتيني [فقال: إن] [¬١٣] رسول الله، ﷺ، يأمرك [¬١٤] أن تعتزل امرأتك. قال: فقلت: أطلقها أم ماذا أفعل؟ فقال: بل اعتزلها ولا تقربها. قال: وأرسل إلى صاحبي بمثل ذلك. قال: فقلت لامرأتي: الحقي بأهلك، فكوني عندهم حتى يقضي الله فى هذا الأمر [ما يشاء] [¬١٥]. قال: فجاءت امرأة هلال بن أمية رسول الله، صلى\n_________\n(^١) مضيعة المضيعة فيها لغتان؛ إحداهما: كسر الضاد وإسكان الياء. والثانية: بإسكان الضاد وفتح الياء أي: في موضع وحال يضاع فيه حقك. شرح النووي على صحيح مسلم [١٧/ ١٤٤].\n(^٢) فسجرته بها أحرقته. المرجع السابق. شرح مسلم للنووي [١٧/ ١٤٤].\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- في ت: علوت.\n[¬٣]- في ز.: \"بالله\".\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- في ز: \"وبينا\".\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين في ز: \"نبطي\".\n[¬٨]- في ت: \"وإن الله لم يجعلك في دار\".\n[¬٩]- في ت: \"قرأته\".\n[¬١٠]- في خ: \"به\".\n[¬١١]- في خ: \"به\".\n[¬١٢]- سقط من: خ.\n[¬١٣]- ما بين المعكوفتين في م: \"يقول يأمرك\".\n[¬١٤]- سقط من: ت.\n[¬١٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.","vol":"7","page":310},{"text":"الله عليه وسلم، فقالت له: يا رسول الله، إن هلالًا شيخ ضائع [¬١] (^١) ليس له خادم، فهل تكره أن أخدمه؟ قال: \"لا، ولكن لا يقربنك\". قالت: وإنه والله ما به [] [¬٢] حركة إلى شيء. [] [¬٣] والله ما يزال [¬٤] يبكي [من لدن أن كان من أمرك] [¬٥] ما كان إلى يومه هذا. قال: فقال لي بعض أهلى: لو استأذنت رسول الله، ﷺ، في امرأتك فقد أذن لامرأة هلال بن أمية أن تخدمه. قال: فقلت: والله لا أستأذن فيها رسول الله، ﷺ، وما أدري ما يقول [] [¬٦] رسول الله، ﷺ، إذا استأذنته وأنا رجل شاب.\nقال: فلبثنا [بعد ذلك] [¬٧] عشر ليال، فكمل لنا خمسون ليلة من حين نهى عن كلامنا. قال: ثم صليت صلاة الفجر [¬٨] صباح خمسين ليلة على ظهر بيت من بيوتنا، فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر الله تعالى منا قد ضاقت عليّ نفسي، وضاقت علىَّ الأرض بما رحبت، سمعت صارخًا أوفى على جبل سَلْع يقول بأعلى صوته: [] [¬٩] يا كعب بن مالك [أبشر] [¬١٠]. قال: فخررت ساجدًا وعرفت أن قد جاء [الفرج من الله ﷿ بالتوبة علينا] [¬١١]، فآذن رسول الله، ﷺ، بتوبة الله علينا حين صلى الفجر، فذهب الناس يبشروننا، وذهب قِبَلَ صاحبي مبشرون، وركض إليَّ رجل فرسا، وسعى ساع من أسلم وأوفى على الجبل، فكان الصوت أسرع من الفرس، فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني فنزعت [¬١٢] له [¬١٣] ثوبي فكسوتهما إياه ببشارته لي، والله ما أملك [يومئذ غيرهما]، واستعرت ثوبين فلبستهما، وانطلقت أؤم رسول الله، ﷺ، ويلقاني [¬١٤] الناس فوجًا فوجًا [¬١٥] يهنئوني [بتوبة الله] [¬١٦] يقولون: ليَهنك [¬١٧] توبة الله عليك. حتى دخلت المسجد، فإذا رسول الله، صلى الله\n_________\n(^١) ضائع أي: ذا ضَيَاعٍ من فَقْر أو عيالٍ أو حالٍ قَصَّر عن القيام بها. نهاية [٣/ ١٠٧].\n_________\n[¬١]- في خ: \"ضعيف\".\n[¬٢]- في خ: من.\n[¬٣]- في خ: وإنه.\n[¬٤]- في خ: \"زال\".\n[¬٥]- في خ: \"منذ كان من أمره\".\n[¬٦]- في خ: فيها.\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٨]- في خ: \"الصبح\".\n[¬٩]- في خ: أبشر.\n[¬١٠]- سقط من خ.\n[¬١١]- ما بين المعكوفتين في خ: \"فرج\".\n[¬١٢]- في ت: \"نزعت\".\n[¬١٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬١٤]- في خ: \"تلقاني\".\n[¬١٥]- في ز: \"بعد فوج\".\n[¬١٦]- في خ: \"بالتوبة\".\n[¬١٧]- في ز: \"لتهنك\".","vol":"7","page":311},{"text":"عليه وسلم، جالس في المسجد [حوله الناس] [¬١]، فقام إليَّ طلحة بن عُبَيْد الله يهرول حتى صافحني وهنأني، والله ما قام إليَّ رجل من المهاجرين غيره. قال: فكان [¬٢] كعب لا ينساها لطلحة.\nقال كعب: فلما سلمت على رسول الله، ﷺ، قال وهو يبرق وجهه من السرور: \"أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك\". قال: قلت: أمن عندك يا رسول الله أم من عند الله؟ قال: \"لا، بل من عند الله\". قال: وكان رسول الله، ﷺ، إذا سر استنار وجهه، حتى كأنه قطعة قمر، حتى يعرف ذلك منه، فلما جلست بين يديه قلت: يا رسول الله، [إن من] [¬٣] توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسوله. قال: \"أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك\". قال: فقلت: فإني أمسك سهمي الذي بخيبر، وقلت: يا رسول الله، إنما نجاني الله بالصدق، وإن من توبتي أن لا أحدث إلا صدقًا ما بقيت. قال: فوالله ما أعلم أحدًا من المسلمين أبلاه الله من الصدق في الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول الله، ﷺ، أحسن مما [¬٤] أبلاني الله تعالى، والله ما تعمدت كذبةً منذ قلت ذلك لرسول الله ﷺ إلى يومي هذا، وإني لأرجو أن يحفظني الله ﷿ فيما بقي.\nقال: وأنزل الله تعالى ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ [¬٥] قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١١٧) وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١١٨) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١١٩)﴾. [] [¬٦] قال كعب: فوالله\nما أنعم الله عليَّ من نعمة قط بعد أن هداني للإسلام، أعظم في نفسي من صدقي رسول\nالله، ﷺ، يومئذ؛ أن لا أكون كذبته فأهلك كما هلك الذين كذبوه\n[حين كذبوه] [¬٧]، فإن الله تعالى قال للذين كذبوه حين أنزل الوحي شر ما قال لأحد،\nفقال [¬٨] الله تعالى: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٥) يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (٩٦)﴾ قال: وكنا [خُلِّفْنَا أيها الثلاثة] [¬٩]\n_________\n[¬١]- في خ: \"والناس حوله\".\n[¬٢]- في ز: \"وكان\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"أمن\".\n[¬٤]- في ز: \"ما\".\n[¬٥]- في ز: \"تزيغ\".\n[¬٦]- في ت: \"إلى آخر الآيات\".\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٨]- في ز: \"قال\".\n[¬٩]- ما بين المعكوفتين في خ: \"أيها الثلاثة الذين خُلِّفْنَا\".","vol":"7","page":312},{"text":"عن أمر أولئك الذين قبل منهم رسول الله، ﵌، حين حَلَفُوا فبايعهم واستغفر لهم، وأرجأ رسول الله أمرنا حتى قضى الله فيه، فبذلك [¬١] قال الله ﷿: ﴿وعلى الثلاثة الذين خلفوا﴾ وليس تخليفه إيانا وإرجاؤه أمرنا الذي ذكر مما خلفنا بتخلفنا عن الغزو، وإنما هو عمن حلف له واعتذر إليه فقبل منه.\nهذا حديث صحيح ثابت متفق على صحته، رواه صاحبا الصحيح: البخاري ومسلم من حديث الزهري بنحوه، فقد تضمن هذا الحديث تفسير هذه الآية الكريمة بأحسن الوجوه وأبسطها، وكذا روي عن غير واحد من السلف في تفسيرها، كما رواه الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر بن عبد الله في قوله تعالى: ﴿وعلى الثلاثة الذين خلفوا﴾ قال: هم كعب ابن مالك، وهلال بن أمية، ومرارة بن الربيع [¬٢]، وكلهم من الأنصار.\nوكذا قال مجاهد والضحاك وقتادة والسدي وغير واحد، وكلهم قال: مرارة بن ربيعة، وفي رواية عن سعيد بن جبير: ربيع بن مرارة.\nوقال الحسن [البصري] [¬٣]: [ربيع بن مرارة بن ربيع] [¬٤] [وكذا في مسلم: ربيعة في بعض نسخه وفي بعضها مرارة بن الربيع] [¬٥].\nوفي رواية عن الضحاك: مرارة بن الربيع، كما وقع في الصحيحين وهو الصواب.\nوقوله: فسمَّوا رجلين شهدا بدرًا، قيل: إنه خطأ من الزهري، فإنه لا يعرف شهود واحد من هؤلاء الثلاثة بدرًا، والله أعلم.\nولما ذكر تعالى ما فرج به عن هؤلاء الثلاثة من الضيق والكرب، من هجر المسلمين إياهم نحوًا من خمسين ليلة بأيامها، وضاقت عليهم أنفسهم، وضاقت عليهم الأرض بما رحبت - أي: مع سعتها - فسددت عليهم المسالك والمذاهب، فلا يهتدون ما يصنعون، فصبروا لأمر الله واستكانوا لأمر الله، وثبتوا حتى فرج الله عنهم بسبب صدقهم رسول الله، ﷺ، في تخلفهم، وأنه كان عن غير عذر، فعوقبوا على ذلك هذه المدة ثم تاب الله عليهم، فكان عاقبة صدقهم خيرًا لهم وتوبة عليهم؛ ولهذا قال: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين﴾ أي: اصدقوا والزموا الصدق تكونوا مع أهله، وتنجوا من المهالك، ويجعل لكم فرجًا من أموركم ومخرجًا.\n_________\n[¬١]- في خ: \"فلذلك\".\n[¬٢]- في ز: \"ربيعة\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من خ.\n[¬٤]- في ز: \"ربيع بن مرار، أو مرار بن ربيع\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.","vol":"7","page":313},{"text":"وقد قال الإِمام أحمد: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن شقيق، عن عبد الله - هو ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله، ﷺ: \"عليكم بالصدق؛ فإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وما [¬١] يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صدّيقًا، وإياكم والكذب؛ فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وما [¬٢] يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذّابًا\". أخرجاه في الصحيحين (^٢٨٢).\nوقال شعبة، عن عمرو بن مرة، سمع أبا عبيدة يحدّث، عن عبد الله بن مسعود، ﵁، أنه قال: الكذب لا يصلح منه جد ولا هزل، اقرءوا إن شئتم ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا من [¬٣] الصادقين﴾. هكذا قرأها، ثم قال: فهل تجدون لأحد فيه رخصة؟\nوعن عبد الله بن عمر [في قوله] [¬٤]: ﴿اتقوا الله وكونوا مع الصادقين﴾ قال [¬٥]: مع محمد، ﷺ وأصحابه.\nوقال الضحاك: مع أبي بكر وعمر وأصحابهما [¬٦].\nوقال الحسن البصري: إن أردت أن تكون مع الصادقين فعليك بالزهد في الدنيا، والكف عن أهل الملة.\n﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (١٢٠)﴾\n_________\n(^٢٨٢) - المسند (١/ ٣٨٤) وصحيح البخاري، كتاب الأدب، رقم (٦٠٩٤) وصحيح مسلم، كتاب البر والصلة رقم (٢٦٠٧).\n_________\n[¬١]- في ت: \"ولا\".\n[¬٢]- فى ت: \"ولا\".\n[¬٣]- في خ: \"مع\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٥]- سقط من: ز.\n[¬٦]- في خ: \"وأصحابهم\".","vol":"7","page":314},{"text":"يعاتب ﵎ المتخلفين عن رسول الله، ﷺ، في غزوة تبوك، من أهل المدينة، ومن حولها من أحياء العرب، ورغبتهم بأنفسهم عن مواساته فيما حصل له [¬١] من المشقة، فإنهم نقصوا أنفسهم من الأجر؛ لأنهم ﴿لا يصيبهم ظمأ﴾ وهو العطش ﴿ولا نصب﴾ وهو التعب ﴿ولا مخمصة﴾ وهي المجاعة ﴿ولا يطئون موطئًا يغيظ الكفار﴾ أي: ينزلون منزلًا يرهب عدوهم ﴿ولا ينالون﴾ منه ظفرًا وغلبة عليه إلا كتب الله لهم بهذه الأعمال التي ليست داخلة تحت قدرهم، وإنما هي ناشئة عن أفعالهم - أعمالًا صالحة وثوابًا جزيلًا ﴿إن الله لا يضيع أجر المحسنين﴾ كقوله: ﴿إنا لا نضيع أجر من أحسن عملًا﴾.\n﴿وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢١)﴾\nيقول تعالى: ﴿ولا ينفقون [¬٢]﴾ هؤلاء الغزاة في سبيل الله ﴿نفقة صغيرة ولا كبيرة﴾ أي: قليلًا ولا كثيرًا ﴿ولا يقطعون واديًا﴾ أي: في السير إلى الأعداء ﴿إلا كتب لهم﴾ ولم يقل هاهنا به؛ لأن هذه أفعال صادرة عنهم، ولهذا قال: ﴿ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون﴾.\nوقد حصل لأمير المؤمنين عثمان بن عفان من هذه الآية الكريمة حظ وافر ونصيب عظيم، وذلك أنه أنفق في هذه الغزوة النفقات الجليلة والأموال الجزيلة، كما قال عبد الله بن الإِمام أحمد (^٢٨٣):\nحدثنا أبو موسى العَنَزِي [¬٣]، حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، حدثني سكن [¬٤] بن المغيرة، حدثني الوليد بن أبي هشام [¬٥]، عن فرقد أبي طلحة، عن عبد الرحمن بن\n_________\n(^٢٨٣) - زوائد المسند (٤/ ٧٥) (١٦٧٤٦) وإسناده ضعيف - لجهالة فرقد أبو طلحة. وأبو موسى العنزي: هو محمد ابن المثنى، ثقة ثبت، روى له الجماعة. وسكن بن المغيرة: صدوق، روى له الترمذي. والوليد بن أبي هشام: قال أحمد: ثقة الحديث جدًا، ووثقه أبو داود، وأبو حاتم. روى له مسلم وغيره. وفرقد أبو طلحة: مجهول. والحديث رواه الترمذي حديث ٣٧٠١. وقال الترمذي: غريب من هذا الوجه. وضعفه الألباني في ضعيف الترمذي ٧٦٤/ ٣٩٦٦.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- في خ: \"ولا ينفق\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"الغنوي\".\n[¬٤]- في ز: \"سكر\".\n[¬٥]- في ز، خ: هاشم. وهو تحريف.","vol":"7","page":315},{"text":"خبّاب [¬١] السلمي؛ قال: خطب رسول الله، ﷺ، فحث على جيش العسرة، فقال [¬٢] عثمان بن عفان ﵁: عليَّ مائة بعير بأحلاسها وأقتابها، قال: ثم حث، فقال عثمان: عليّ مائة بعير [¬٣] أخرى بأحلاسها وأقتابها، قال: ثم نزل مرقاة من المنبر ثم حث فقال عثمان بن عفان: عليّ مائة أخرى بأحلاسها وأقتابها. قال: فرأيت رسول الله، ﷺ، يقول [¬٤] بيده هكذا يحركها - وأخرج عبد الصمد يده كالمتعجب -: \"ما على عثمان ما عمل بعد هذا!!! \".\nوقال عبد الله أيضًا (^٢٨٤): حدثنا هارون بن معروف، حدثنا ضمرة، حدثنا عبد الله بن شوذب، عن عبد الله بن القاسم، عن كثير مولى عبد الرحمن بن سمرة، عن عبد الرحمن ابن سمرة؛ قال: جاء عثمان، ﵁، إلى النبي، ﷺ، بألف دينار في ثوبه حين [¬٥] جهز النبي ﷺ جيش العسرة، قال: فصبها في حجر النبي، ﷺ، فجعل [¬٦] النبي، ﵌، يقلبها بيده ويقول: \"ما ضر ابن عفان ما عمل بعد اليوم!!! \" يرددها مرارًا.\nوقال قتادة في قوله تعالى: ﴿ولا يقطعون واديًا إلا كتب لهم﴾ الآية. ما ازداد قوم [من أهليهم في سبيل الله بعدًا] [¬٧] إلا ازدادوا قربًا من الله.\n﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (١٢٢)﴾\nهذا بيان من الله تعالى لما أراد من نفير الأحياء مع الرسول، ﷺ، في غزوة تبوك، فإنه قد ذهبت طائفة من السلف إلى أنه كان يجب النفير على كل مسلم إذا خرج رسول الله، ﷺ؛ ولهذا قال تعالى: ﴿انفروا خفافًا وثقالا﴾، وقال:\n_________\n(^٢٨٤) - زوائد المسند (٥/ ٦٣) (٢٠٧٨٦) وأخرجه الترمذي في كتاب المناقب، باب: في مناقب عثمان ابن عفان ﵁ (٥/ ٦٢٦ / رقم: ٣٧٠١) من طريق محمد بن إسماعيل، عن الحسن بن واقع، عن ضمرة به. وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه.\n_________\n[¬١]- في ز: \"حباب\".\n[¬٢]- في ز: \"وقال\".\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- في خ: \"قال\".\n[¬٥]- في ز: \"حتى\".\n[¬٦]- في ت: \"فرأيت\".\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين في خ: \"في سبيل الله بعدًا من أهليهم\".","vol":"7","page":316},{"text":"﴿ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله﴾، قالوا: فنسخ ذلك بهذه الآية.\nوقد يقال: [إنها] [¬١] بيان لمراده تعالى من نفير الأحياء كلها، وشرذمة من كل قبيلة إن لم يخرجوا كلهم؛ ليتفقه الخارجون مع الرسول بما ينزل من الوحي عليه، وينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم بما كان من أمر العدو، فيجتمع لهم الأمران في هذا النفير المعين، وبعده، ﷺ، تكون الطائفة النافرة من الحي إما للتفقه، وإما للجهاد فإنه فرض كفاية على الأحياء.\nوقال على بن أبي طلحة، عن ابن عباس [في الآية] [¬٢] ﴿وما كان المؤمنون لينفروا كافة﴾. يقول: ما كان المؤمنون لينفروا جميعًا ويتركوا النبي، ﷺ، وحده ﴿فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة﴾ يعنى: عصبة، يعني: السرايا، ولا يسيروا إلا بإذنه، فإذا رجعت السرايا وقد نزل [¬٣] بعدهم قرآن تعلمه القاعدون مع النبي، ﷺ، وقالوا: إنّ الله قد أنزل على نبيكم قرآنا وقد تعلمناه، فتمكث السرايا يتعلمون ما أنزل الله على نبيهم بعدهم، ويبعث سرايا أخرى، فذلك قوله: ﴿ليتفقهوا في الدين﴾ يقول: ليتعلموا ما أنزل الله [¬٤] على نبيهم، وليعلموا السرايا إذا رجعت إليهم ﴿لعلهم يحذرون﴾.\nوقال مجاهد: نزلت هذه الآية في أناس من أصحاب محمد [¬٥]، ﷺ، خرجوا في البوادي فأصابوا من الناس معروفًا، ومن الخصب [¬٦] ما ينتفعون به؛ ودعوا من وجدوا من الناس إلى الهدى، فقال الناس لهم: ما نراكم إلا وقد تركتم أصحابكم وجئتمونا، فوجدوا في أنفسهم من ذلك [تحرجًا، وأقبلوا] [¬٧] من البادية كلهم حتى دخلوا على النبي، ﷺ، فقال الله ﷿: ﴿فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة﴾ يبتغون [¬٨] الخير ﴿ليتفقهوا في الدين﴾ وليسمعوا [¬٩] ما في الناس، وما أنزل الله بعدهم [¬١٠]، ﴿ولينذروا قومهم﴾ الناس كلهم ﴿إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون﴾.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في خ: \"إن هذا\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٣]- في ت: \"أنزل\".\n[¬٤]- سقط من: ز.\n[¬٥]- في خ: \"النبي\".\n[¬٦]- في ز: \"الخطب\".\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين في ز: \"تحرجوا، وأضلوا\".\n[¬٨]- في خ: \"يبغون\".\n[¬٩]- في خ: \"ليستمعوا\".\n[¬١٠]- في ز: \"فعذرهم\".","vol":"7","page":317},{"text":"وقال قتادة في هذه الآية: هذا إذا بعث رسول الله، ﷺ، الجيوش، أمرهم الله أن لا [¬١] [يُعَرُّوا نبيه] [¬٢]، ﷺ، وتقيم طائفة مع رسول الله تتفقه في الدين، وتنطلق طائفة تدعو قومها وتحذرهم وقائع الله فيمن خلا قبلهم.\nوقال الضحاك: كان رسول الله، ﷺ، إذا غزا بنفسه لم يحل لأحد من المسلمين أن يتخلف عنه إلا أهل العذر [¬٣]، وكان إذا قام فاسترت السرايا لم يحل لهم [¬٤] أن ينطلقوا إلا بإذنه، فكان [¬٥] الرجل إذا استرى فنزل بعده قرآن، وتلاه [¬٦] نبي الله، ﷺ، على أصحابه القاعدين [¬٧] معه، فإذا رجعت السرية قال لهم الذين أقاموا مع رسول الله ﷺ: إن الله أنزل بعدكم على نبيه قرآنا، فيقرئونهم ويفقهونهم في الدين، وهو قوله: ﴿وما كان المؤمنون لينفروا كافة﴾ يقول: إذا أقام [¬٨] رسول الله ﴿فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة﴾ يعني بذلك: أنه لا ينبغي للمسلمين أن ينفروا جميعًا ونبي الله، ﷺ، قاعد، ولكن إذا قعد نبي الله فسرت السرايا وقعد معه عُظْم الناس.\nوقال على [¬٩] بن أبي طلحة أيضًا، عن ابن عباس قوله: ﴿وما كان المؤمنون لينفروا كافة﴾ إنها [¬١٠] ليست في الجهاد، ولكن لما دعا رسول الله، ﷺ، على مضر بالسنين أجدبت بلادهم، وكانت القبيلة منهم تقبل بأسرها حتى يحلوا بالمدينة من الجهد، ويعتلوا [¬١١] بالإِسلام وهم كاذبون، فضيقوا على أصحاب رسول الله، ﷺ، وأجهدوهم، فأنزل الله تعالى يخبر رسوله أنهم ليسوا مؤمنين، فردهم رسول الله، ﷺ، إلى عشائرهم، وحذر قومهم [¬١٢] أن يفعلوا فعلهم، فذلك قوله: ﴿ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون﴾.\nوقال العوفي، عن ابن عباس في هذه الآية: كان ينطق من كل حي من العرب\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- في ز: \"يغزوا بنبيه\"، وخ: \"يغذوا\" والمثبت من تفسير الطبري.\n[¬٣]- في ت: \"الأعذار\".\n[¬٤]- في ز: \"لأحد منهم\"، خ: \"لأحد\".\n[¬٥]- فى خ: \"وكان\".\n[¬٦]- في خ: \"تلاه\".\n[¬٧]- في ز، خ: \"القاعدون\".\n[¬٨]- في خ: \"قام\".\n[¬٩]- سقط من: ز، خ.\n[¬١٠]- في ز: \"فإنها\".\n[¬١١]- في ز، خ: \"ويقبلوا\".\n[¬١٢]- في ز، خ: \"قومه\".","vol":"7","page":318},{"text":"عصابة، فيأتون النبي، ﷺ، ويسألونه [¬١] عما يريدون من أمر دينهم، ويتفقهون في دينهم، ويقولون [لنبي الله] [¬٢] ﷺ: ما تأمرنا أن نفعله؛ وأخبرنا أ بما نقول لعشائرنا إذا قدمنا عليهم] [¬٣]. قال: فيأمرهم نبي الله، ﷺ، بطاعة الله وطاعة رسوله، ويبعثهم إلى قومهم بالصلاة والزكاة، وكانوا إذا أتوا [¬٤] قومهم نادوا: إن من أسلم فهو منا، وينذرونهم [ربهم حتَّى] [¬٥] إن الرجل ليفارق أباه وأمه، وكان النبي، ﷺ، يخبرهم وينذرهم قومهم، فإذا رجعوا إليهم يدعونهم إلى الإِسلام، وينذرونهم النار ويبشرونهم بالجنة.\nوقال عكرمة: لما نزلت هذه الآية ﴿إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾، ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١٢٠]. قال المنافقون: هناك أصحاب البدو الذين تخلفوا عن محمد ولم ينفروا معه، وقد [¬٦] كان ناس من أصحاب النبي، ﷺ، خرجوا إلى البدو إلى قومهم يفقهونهم، فأنزل الله ﷿: (﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾ الآية، ونزلت: ﴿وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾.\nوقال الحسن البصري ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ قال: ليتفقه الذين خرجوا بما يريهم [¬٧] الله من الظهور على المشركين والنصرة، وينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم.\n﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (١٢٣)﴾\nأمر الله تعالى المؤمنين أن يقاتلوا الكفار أولًا فأولًا [¬٨]، الأقرب فالأقرب إلى حوزة الإسلام، ولهذا بدأ رسول الله، ﷺ، بقتال المشركين في جزيرة العرب، فلمَا فرغ منهم، وفتح الله عليه مكة والمدينة، والطائف واليمن، واليمامة وهجر، وخيبر وحضرموت، وغير ذلك من أقاليم جزيرة العرب، ودخل الناس من سائر أحياء العرب في\n_________\n[¬١]- في خ: \"فيسألونه\".\n[¬٢]- في خ: \"للنبي\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في ز: \"بعشائرنا إذا انطلقنا إليهم\"، خ: \"ما نقول لعشائرنا إذا انطلقنا إليهم\".\n[¬٤]- فى ز، خ: \"أسر\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- سقط من: ز.\n[¬٧]- في ز، خ: \"يردهم\".\n[¬٨]- سقط من: ز، خ.","vol":"7","page":319},{"text":"دين الله أفواجًا - شرع في قتال أهل الكتاب، فتجهز لغزو الروم الذين هم أقرب الناس إلى جزورة العرب، وأولى الناس بالدعوة إلى الإِسلام؛ لكونهم [¬١] أهل الكتاب، فبلغ تبوك ثم رجع، لأجل جهد الناس وجدب البلاد [¬٢] وضيق الحال، وكان ذلك سنة تسع من هجرته ﵇.\nثم اشتغل في السنة العاشرة [بحجته حجة] [¬٣] الوداع، ثم عاجلته المنية، صلوات الله وسلامه عليه، بعد حجته [¬٤] بأحد وثمانين يومًا، فاختاره الله لما عنده.\nوقام بالأمر بعده وزيره وصديقه وخليفته أَبو بكر الصديق [¬٥]، ﵁، وقد مال الدين ميلة كاد أن ينجفل [¬٦] فثبته الله تعالى به، فوطد [¬٧] القواعد وثبت الدعائم، وردّ شارد الدين وهو راغم، ورد أهل الردة إلى الإِسلام، وأخذ الزكاة ممن منعها من الطغام [¬٨]، وبين الحق لمن جهله، وأدَّى عن الرسول ما حمله، ثم شرع في تجهيز الجيوش الإسلامية إلى الروم عبدة الصلبان، وإلى الفرس عبدة النيران، ففتح الله ببركة سفارته البلَاد، وأرغم أنف كسرى وقيصر ومن أطاعهما من العباد، وأنفق كنوزهما في سبيل الله كما أخبر بذلك رسول الإله [¬٩].\nوكان تمام الأمر على يدي وصيه من بعده، وولي عهده الفاروق الأواب، شهيد المحراب، أبي حفص عمر بن الخطاب، ﵁، فأرغم الله به أنوف الكفرة الملحدين، وقمع الطغاة والمنافقين، واستولى على الممالك شرقًا وغربًا، وحملت إليه خزائن الأموال من سائر الأقاليم بعدًا وقربًا، ففرقها على الوجه الشرعي، والسبيل المرضي.\nثم لما مات شهيدًا، وقد عاش حميدًا، أجمع الصحابة من المهاجرين والأنصار على خلافة أمير المؤمنين عثمان بن عفان، ﵁، شهيد الدار، فكسا الإسلام رياسة حلة سابغة، وامتدت [] [¬١٠] في سائر الأقاليم على رقاب العباد - حجة الله البالغة، فظهر الإِسلام في مشارق الأرض ومغاربها، وعلَتْ كلمة الله وظهر دينُه، وبلغت الأمة [¬١١] الحنيفية من أعداء الله غاية مآربها، فكلما [¬١٢] علوا أمة انتقلوا إلى من بعدهم، ثم الذين\n_________\n[¬١]- في ت: \"لأنهم\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"الناس\".\n[¬٣]- في ت: \"بحجة\".\n[¬٤]- في ز: \"الحجة\".\n[¬٥]- سقط من: خ.\n[¬٦]- انجفل مطاوع جفله، بمعنى جرفه، وأبعده.\n[¬٧]- في خ: \"فاطر\".\n[¬٨]- الطغام: أراذل الناس وسفهاؤه\".\n[¬٩]- في ت: \"الله\".\n[¬١٠]- في ت: الدعوة.\n[¬١١]- في ت: \"الملة\".\n[¬١٢]- في خ: \"وكلما\".","vol":"7","page":320},{"text":"يلونهم من العتاة الفجار، امتثالًا لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ﴾.\nوقوله تعالى: ﴿وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً﴾ [أي: وليجد الكفار منكم غلظة] [¬١] عليهم في قتالكم لهم، فإن المؤمن الكامل هو الذي يكون رفيقًا لأخيه المؤمن، غليظًا على عدوه الكافر، كقوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾، وقوله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ وفي الحديث أن رسول الله، ﷺ، قال: \"أنما الضحوك القتَّال\". يعني: أنَّه ضحوك في وجه وليه، قتال لهامة عدوه.\nوقوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ أي: قاتلوا الكفار، وتوكلوا على الله، واعلموا أن الله معكم إن [¬٢] اتقيتموه وأطعتموه.\nوهكذا الأمر لما كانت القرون الثلاثة الذين هم خير هذه الأمة، في غاية الاستقامة والقيام بطاعة الله تعالى - لم يزالوا ظاهرين على عدوهم، ولم تزل الفتوحات كثيرة، ولم تزل الأعداء في سفال وخسار، ثم لما وقعت الفتن والأهواء والاختلافات بين الملوك، طمع الأعداء في أطراف البلاد، وتقدموا إليها، فلم يمانعوا لشغل الملوك بعضهم ببعض، ثم تقدموا إلى حوزة الإِسلام فأخذوا من الأطراف بلدانا كثيرة، ثم لم يزالوا حتَّى استحوذوا على كثير من بلاد الإِسلام، ولله سبحانه الأمر من قبل ومن بعد!! فكلما قام ملك من ملوك الإسلام، وأطاع أوامر الله وتوكل على الله - فتح الله عليه من البلاد، واسترجع من الأعداء بحسبه وبقدر ما فيه من ولاية الله، والله المسئول المأمول أن يمكن المسلمين من نواصي أعدائه الكافرين، وأن يعلي كلمتهم في سائر الأقاليم، إنه جواد كريم.\n﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ (١٢٥)﴾\nيقول تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ﴾ فمن المنافقين ﴿مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ\n_________\n==\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في ت: \"إذا\".","vol":"7","page":321},{"text":"إِيمَانًا﴾ أي: يقول بعضهم لبعض: أيكم زادته هذه السورة إيمانا، قال الله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾.\nوهذه الآية من أكبر الدلائل على أن الإيمان يزيد وينقص، كما هو مذهب أكثر السلف والخلف من أئمة العلماء، بل قد حكى [الإجماع على ذلك - غيرُ واحد] [¬١] وقد بسط الكلام على هذه المسألة في أول شرح البخَاري ﵀.\n﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ أي: زادتهم شكًّا إلى شكهم، وريبًا إلى ريبهم، كما قال تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾. و[قال تعالى] [¬٢]: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ وهذا من جملة شقائهم، أن ما يهدي القلوب يكون سببًا لضلالهم ودمارهم! كما أن سيئ المزاج لو غذي بما غذي به لا يزيده إلَّا خبالًا ونقصًا.\n﴿أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ (١٢٦) وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (١٢٧)﴾\nيقول تعالى: أو لا يرى هؤلاء المنافقون [¬٣] ﴿أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ﴾ أي: يختبرون ﴿فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ أي: لا يتوبون من ذنوبهم السالفة، ولا هم يذكرون فيما يستقبل من أحوالهم.\nقال مجاهد: يختبرون بالسنة والجوع.\nوقال قَتَادة: بالغزو في السنة مرة أو مرتين.\nوقال شريك، عن جابر - هو الجعفي - عن أبي الضحى عن حذيفة [في قوله] [¬٤]: ﴿أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ﴾ قال: كنا نسمع في كل عام كذبة أو كذبتين، فيضل بها فئام من الناس كثير. رواه ابن جرير.\n_________\n[¬١]- في ت: \"غير واحد الإجماع على ذلك\".\n[¬٢]- في خ: \"قوله\".\n[¬٣]- في خ: \"المنافقين\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"7","page":322},{"text":"وفي الحديث عن أَنس (^٢٨٥): \" لا يزداد الأمر إلَّا شدة، ولا يزداد الناس إلَّا شحًّا، وما هن عام إلَّا والذي بعده شر منه\". سمعته من نبيكم، ﷺ.\nوقوله: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (١٢٧)﴾. هذا أيضًا إخبار عن المنافقين أنهم إذا أنزلت سورة على رسول الله، ﷺ ﴿نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ أي: تلفتوا ﴿هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا﴾ أي: تولوا عن الحق وانصرفوا عنه، وهذا حالهم في الدنيا [¬١]: لا يثبتون عند الحق ولا يقبلونه ولا يفهمونه، كقوله تعالى: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ (٤٩) كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ (٥٠) فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ (٥١)﴾، وقوله تعالى: ﴿فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ (٣٦) عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ﴾ أي: ما لهؤلاء القوم يتفللون عنك يمينًا وشمالًا، هروبًا من الحق وذهابًا إلى الباطل. وقوله: ﴿ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾، كقوله: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ أي: لا يفهمون عن الله خطابه ولا يقصدون لفهمه ولا يريدونه، بل هم في شغل [¬٢] عنه ونفور منه، فلهذا صاروا إلى ما صاروا إليه.\n_________\n(^٢٨٥) - هذا الحديث مركب من حديثين عن أَنس:\nالأول:\nرواه ابن ماجة في السنن، كتاب الفتن، باب: شدة الزمان برقم (٤٠٣٩)، والحاكم في المستدرك (٤/ ٤٤١) من طريق محمد بن خالد الجندي، عن أبان بن صالح، عن الحسن، عن أَنس ﵁: \"لا يزداد الأمر إلَّا شدة، ولا الدنيا إلَّا إدبارًا، ولا الناس إلَّا شحًّا، ولا تقوم الساعة إلَّا على شرار الناس، وما المهدي إلَّا عيسى ابن مريم\".\nومحمد بن خالد الجندي؛ قال الحاكم: مجهول.\nقال البوصيري في الزوائد: قال الحاكم في المستدرك بعد أن روى هذا المتن بهذا الإسناد: هذا حديث يُعد من أفراد الشَّافعي. وليس كذلك فقد حدَّث له غيره. ثم ذكر سند أبي يحيى بن السكن، عن محمد بن خالد الجندي به.\nوقد بسط السيوطى القول فيه وخلاصته ما نُقل عن الحافظ ابن كثير [النهاية (١/ ٣٢)]: أنَّه قال: هذا حديث مشهور بمحمد بن خالد الجندي الصغاني المؤذن شيخ الشَّافعي، وروى عنه غير واحد أيضًا، وليس بمجهول كما زعمه الحاكم، بل رُوي عن ابن معين أنَّه وثقه. ولكن روى بعضهم عنه عن الحسن مرسلًا وذكر المزي في التهذيب: عن بعضهم أنَّه رأى الشَّافعي في المنام وهو يقول: كذب عليَّ يونس بن عبد الأعلى ليس هذا من حديثي. قال ابن كثير: يونس بن عبد الأعلى الصدفي من الثقات لا يطعن فيه بمجرد منام اهـ.\nوأما الثاني: فرواه البخاري في صحيحه، كتاب الفتن برقم (٧٠٦٨) من طريق سفيان، عن الزبير بن عدي قال: أتينا أَنس بن مالك فشكونا إليه ما يلقون من الحجاج، فقال: \"اصبروا فإنه لا يأتي =\n_________\n[¬١]- في ز: \"الدين\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"شك\".","vol":"7","page":323},{"text":"﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (١٢٩)﴾\nيقول تعالى ممتنًّا على المؤمنين بما أرسل إليهم رسولًا من أنفسهم، أي: من جنسهم وعلى لغتهم، كما قال إبراهيم ﵇: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا﴾، وقال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾، قال تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ أي: منكم وبلُغَتِكُم، كما قال جعفر بن أبي طالب، ﵁، للنجاشي، والمغيرة بن شعبة لرسول كسرى: إن الله بعث فينا رسولًا منَّا نعرف نسبه وصفته، ومدخله ومخرجه، وصدقه وأمانته … وذكر الحديث.\nوقال سفيان بن عيينة، عن جعفر بن محمد، عن أبيه في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ قال: لم يصبه شيء من ولادة الجاهلية. وقال ﷺ: \"خرجت من نكاح ولم أخرج من سفاح\".\nوقد وصل هذا من رجه آخر، كما قال الحافظ أَبو محمد الحسن بن عبد الرحمن الرامهرمزي في كتابه الفاصل بين الراوي والواعي: حدَّثنا أَبو أحمد يوسف بن هارون بن زياد، حدَّثنا ابن أبي عمر، حدَّثنا محمد بن جعفر بن محمد، قال: أشهد على أبي لحدثني، عن أبيه، عن جده، عن علي قال: قال رسول الله، ﷺ: \"خرجت من نكاح ولم أخرج من سفاح، من لدن آدم إلى أن ولدني أبي وأمي لم يمسني [¬١] من سفاح الجاهلية شيء [¬٢] \" (^٢٨٦).\nوقوله تعالى: ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ﴾ أي: يعز عليه الشيء الذي يُعنت أمتَه ويشق عليها؛ ولهذا جاء في الحديث المروي من طرق عنه أنَّه قال: \"بعثت بالحنيفية السمحة\" (^٢٨٧).\n_________\n= عليكم زمان إلَّا والذي بعده أشر منه حتَّى تلقوا ربكم\" سمعته من نبيكم ﷺ.\n(^٢٨٦) - المحدث الفاصل (ص ١٣٦) ورواه الطبراني في الأوسط برقم (٣٤٨٣) \"مجمع البحرين\" من طريق عبد الرحمن الرازي، عن محمد بن أبي عمر به، وفيه محمد بن جعفر بن محمد بن علي متكلم فيه.\n(^٢٨٧) - رواه أحمد في مسنده (٥/ ٢٦٦) (٢٢٣٩١) من حديث أبي أمامة، والطبراني في الكبير =\n_________\n[¬١]- في ز: \"يقسى\".\n[¬٢]- سقط من: خ.","vol":"7","page":324},{"text":"وفي الصحيح (^٢٨٨): \" إن هذا الدين يسر\". وشريعته كلها سهلة [¬١] سمحة كاملة، يسيرة على من يسرها الله تعالى عليه.\n﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ﴾ أي: على هدابتكم ووصول النفع الدنيوي والأخروي إليكم.\nوقال الطبراني: حدَّثنا محمد بن عبد الله الحضرمي، حدَّثنا محمد بن عبد الله بن يزيد المقري، حدَّثنا سفيان بن عيينة، عن فطْر، عن أبي الطفيل، عن أبي ذر قال: تركنا رسول الله، ﷺ، وما طائر يقلب جناحيه في الهواء إلَّا وهو [يذكر لنا] [¬٢] منه علمًا. قال: وقال رسول الله، ﷺ: \"ما بقي شيء يقرِّب من الجنَّةَ ويباعد من النار إلَّا وقد بُينِّ لكم\" (^٢٨٩).\nوقال الإِمام أحمد (^٢٩٠): حدَّثنا أبو [¬٣] قطن [¬٤]، حدَّثنا المسعودي، عن الحسن بن سعد، عنَ عبدة النهدي [¬٥]، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن الله لم يحرم حرمة إلَّا وقد علم أنَّه سيطلعها منكم مطلع، ألا وإني آخذ بحجزكم أن تهافتوا في النار كتهافت الفراش أو [¬٦] الذباب\".\nوقال الإِمام أحمد (^٢٩١): حدَّثنا حسن بن موسى، حدَّثنا حمَّاد بن سلمة، عن علي بن زيد بن جدعان، عن يوسف بن مهران، عن ابن عبَّاس: أن رسول الله، ﷺ، أتاه ملكان فيما يرى النائم، ففعد أحدهما عند [¬٧] رجليه، والآخر عند رأسه، فقال الذي عند رجليه للذي عند رأسه: اضرب مثل هذا ومثل أمته. فقال: إن مثله ومثل أمته كمثل قوم سفر انتهوا إلى رأس مفازة، ولم [¬٨] يكن معهم من الزاد ما يقطعون به المفازة،\n_________\n= (٨/ ٢٥٧/ رقم: ٧٨٦٨). من نفس طريق أحمد. وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٥/ ٢٧٩) وعزاه لأحمد الطبراني في الكبير وقال: \"وفيه على بن يزيد الألهاني، وهو ضعيف\". ورواه أحمد (٦/ ٢٣٣) عن عائشة ﵂.\n(^٢٨٨) - صحيح البخاري، كتاب الإيمان، باب: الدين يسر رقم (٣٩) من حديث أبي هريرة ﵁.\n(^٢٨٩) - المعجم الكبير (٢/ ١٥٥) وقال الهيثمي في المجمع (٧/ ٢٦٥): \"رجاله رجال الصحيح غير محمد ابن عبد الله بن يزيد المقري وهو ثقة\".\n(^٢٩٠) - المسند (١/ ٣٩٠) (٣٧٠٤). وصححه العلامة أحمد شاكر - رحمه الله تعالى.\n(^٢٩١) - المسند (١/ ٢٦٧) وعلى بن زيد بن جدعان ضعيف.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في ز، خ: \"يذكرنا\".\n[¬٣]- سقط من: خ.\n[¬٤]- في ت: \"قطن\".\n[¬٥]- في ز، خ: \"الهرلي\".\n[¬٦]- في ز: \"فلم\".\n[¬٧]- في ز: \"عن\".\n[¬٨]- في ز: \"فلم\".","vol":"7","page":325},{"text":"ولا ما يرجعون به، فبينما هم كذلك اذ أتاهم رجل في حلة حبرة فقال: أرأيتم إن وردت [¬١] بكم رياضًا معشبة، وحياضًا رواء تتبعوني؟ فقالوا: نعم!. قال: فانطلق بهم فأوردهم رياضًا معشبة وحياضًا رواء، فأكلوا وشربوا وسمنوا، فقال لهم: ألم ألفكم على تلك الحال، فجعلتم لي إن وردت بكم رياضًا معشبة وحياضًا رواء أن تتبعوني؟ فقالوا: بلى. فقال [¬٢]: فإن بين أيديكم رياضًا هي أعشب من هذه، وحياضًا هي أروى من هذه فاتبعوني. فقالت طائفة: صدق والله لنتبعنه، وقالت طائفة: قد رضينا بهذا نقيم عليه.\nوقال البزار (^٢٩٢): حدَّثنا سلمة بن شبيب، وأحمد بن منصور، قالا: حدَّثنا إبراهيم بن الحكم بن أبان، حدَّثنا أبي، عن عكرمة، عن أبي هريرة، ﵁، أن أعرابيًّا جاء إلى رسول الله، ﷺ، يستعينه في شيء - قال عكرمة: أراه قال في دم - فأعطاه رسول الله، ﷺ، شيئًا ثم قال: \"أحسنت إليك؟ \" قال الأعرابي: لا، ولا أجملت. فغضب بعض المسلمين وهمُّوا أن يقوموا إليه، فأشار رسول الله، ﷺ، إليهم أن كفوا، فلما قام رسول الله ﷺ وبلغ إلى منزله، دعا الأعرابي إلى البيت فقال له: \"إنك جئتنا فسألتنا فأعطيناك، فقلت ما قلت\". فزاده رسول الله، ﷺ، شيئًا وقال: \"أحسنت إليك؟ \" فقال الأعرابي: نعم، فجزاك الله من أهلٍ وعشيرة خيرًا. قال النبي، ﷺ: \"إنك جئتنا تسألنا فأعطيناك فقلت ما قلت، وفي أنفس أصحابي عليك من ذلك شيء، فإذا جئت فقل بين أيديهم ما قلت بين يدي حتَّى يذهب عن صدورهم\". فقال [¬٣]: نعم. فلما جاء الأعرابي، قال [رسول الله، ﷺ] [¬٤]: \"إن صاحبكم كان جاءنا فسألنا فأعطيناه فقال ما قال، وإنا قد دعوناه فأعطيناه فزعم أنَّه قد رضي، [كذلك يا أعرابي] [¬٥]؟ فقال [¬٦] الأعرابي: نعم، فجزاك الله من أهل وعشيرة خيرًا. فقال النبيّ ﷺ: \"إن مثلي ومثل هذا الأعرابي، كمثل رجل كانت له ناقة فشردت عليه، فاتبعها الناس فلم يزيدوها إلَّا نفورًا، فقال لهم صاحب الناقة: خلوا بيني وبين ناقتي، فأنا أرفق بها وأنا [¬٧] أعلم بها، فتوجه إليها وأخذ [¬٨] لها من قتام (*) الأرض،\n_________\n(^٢٩٢) - \" كشف الأستار\" رقم (٢٤٧٦) وقال الهيثمي في المجمع (٩/ ١٥): \"وفيه إبراهيم ابن الحكم ابن أبان، وهو متروك\".\n(*) - القتام: الغبار.\n_________\n[¬١]- في ز: \"رددت\".\n[¬٢]- في ز: \"قال\".\n[¬٣]- في ز: \"قال\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٦]- في ز: \"قال\".\n[¬٧]- سقط من: ز.\n[¬٨]- في ز: \"فأخذ\".","vol":"7","page":326},{"text":"ودعاها حتَّى جاءت واستجابت وشد عليها رحلها، وإني [¬١] لو أطعتكم حيث قال ما قال لدخل النار\". [ثم قال] [¬٢] البزار، [] [¬٣]: لا نعدمه يروى إلَّا من هذا الوجه.\n(قلت): وهو ضعيف بحال إبراهيم بن الحكم بن أبان، والله أعلم.\nوقوله [¬٤]: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ كما قال تعالى: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢١٥) فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (٢١٦) وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ وهكذا أمره تعالى.\nوهذه الآية الكريمة، وهي قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ أي: تولوا عما جئتهم به من الشريعة العظيمة المطهرة الكاملة الشاملة ﴿فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ أي: الله كافيّ لا إله إلَّا هو عليه توكلت - كما قال تعالى: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا﴾.\n﴿وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ أي: هو مالك كل شيء وخالقه؛ لأنه رب العرش العظيم الذي هو سقف المخلوقات، وجميع الخلائق من السموات والأرضين وما فيهما وما بينهما تحت العرش مقهورين، بقدرة الله تعالى، وعلمه محيط بكل شئ، وقدره نافذ في كل شيء، وهو على كل شيء وكيل.\nقال [عبد الله ابن] الإِمام أحمد (^٢٩٣): حدَّثنا محمد بن أبي بكر، حدَّثنا بشر بن عمر، حدَّثنا شعبة، عن علي بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عبَّاس، ﵄، عن أبي بن كعب قال: آخر آية نزلت من القرآن هذه الآية: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ إلى آخر السورة.\n_________\n(^٢٩٣) - زوائد المسند (٥/ ١١٧) (٢١١٩٠) وإسناده ضعيف من أجل علي بن زيد بن جدعان؛ ضُعِفَ لسوء حفظه. ويوسف المكي: هو يوسف بن مهران كما جاء مصرحًا به في رواية الحاكم. ويوسف بن مهران: قال الحافظ المزي: يوسف بن مهران - البصري - هكذا نسبه هنا بصريًا، وفى ذكر الرواة عن ابن عبَّاس قال: يوسف بن مهران المكي - والصحيح أنَّه غير يوسف بن ماهك، قال الميموني عن أحمد: يوسف بن مهران لا يعرف. ولا أعرف أحدًا روى عنه إلَّا على بن زيد. وقال أَبو زرعة: ثقة. وقال أَبو حاتم: لا أعلم روى عنه إلَّا على بن زيد. قال: وروى بعضهم عن علي بن زيد فقال: يوسف أبى ماهك، ويوسف بن مهران أصح. يكتب حديثه ويذاكر به. وقال ابن سعد: كان ثقة قليل الحديث. روى له البخارى فى الأدب حديثًا، والتِّرمِذي آخر. والحديث أخرجه الطبراني في الكبير (١/ ١٩٩/ رقم: ٥٣٣). من طريق على بن عبد العزيز، عن مسلم بن إبراهيم، عن شعبة به. ورواه الحاكم =\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"وإنه\".\n[¬٢]- في خ: \"رواه\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط خ: ثم قال.\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.","vol":"7","page":327},{"text":"وقال عبد الله ابن الإِمام أحمد (^٢٩٤): حدَّثنا روح بن عبد المؤمن، حدَّثنا عمر بن شقيق، حدَّثنا أَبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أَنس، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب، ﵁، أنهم جمعوا القرآن في مصالحف فى خلافة أبي بكر، ﵁، فكان رجال يكتبون ويملي عليهم أبي بن كعب، فلما انتهوا إلى هذه الآية من سورة براءة ﴿صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ﴾. فظنوا أن هذا آخر ما نزل من القرآن، فقال لهم أبي بن كعب: إن رسول الله، ﷺ، أقرأني بعدها آيتي ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ إلى قوله: ﴿هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾. قال: هذا آخر ما نزل من القرآن [] [¬١] فختم بما فتح به - بالله الذي لا إله إلَّا هو - وهو قول اللَّه تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي [¬٢] إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾.\nوهذا [¬٣] غريب أيضًا.\nوقال الإِمام أحمد (^٢٩٥): حدَّثنا على بن بحر، حدَّثنا محمد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن يحيى بن عباد، عن أبيه عباد بن عبد الله بن الزُّبَير، ﵁، قال: أتى الحارث بن خزيمة بهاتين الآيتين من آخر براءة ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ إلى عمر بن الخطاب، فقال: من معك على هذا؟ قال: لا أدري، والله إني أشهد [¬٤] لسمعتها من رسول الله، ﵌، ووعيتها وحفظها. فقال عمر: وأنا أشهد لسمعتها من رسول الله، ﷺ. ثم قال: لو كانت ثلاث آيات لجعلتها سورة على حدة، فانظروا سورة من القرآن فضعوها فيها، فوضعوها في آخر براءة.\nوقد تقدم [] [¬٥] أن عمر بن الخطاب هو الذي أشار على أبي بكر الصديق، ﵄، بجمع القرآن، فأمر زيد بن ثابت فجمعه، وكان عمر يحضرهم وهم يكتبون\n_________\n= (٢/ ٣٣٨). من حديث شعبة، عن يونس بن عبيد، وعلى بن زيد عن يوسف بن مهران، عن ابن عبَّاس به. وقال الحاكم: حديث شعبة عن يونس بن عبيد صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.\nوذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ٣٦) وقال: \"رواه عبد الله بن أحمد. والطبراني، وفيه على بن زيد ابن جدعان، وهو ثقة سيء الحفظ، وبقية رجاله ثقات\".\n(^٢٩٤) - المسند (٥/ ١٣٤) رقم (٢١٣٠٦).\n(^٢٩٥) - المسند (١/ ١٩٩).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ز: \"قال\".\n[¬٢]- في ز: \"يوحى\".\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- في ت: \"لأشهد\" خ: \"أشهر\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين في ت: \"الكلام\".","vol":"7","page":328},{"text":"ذلك. وفي الصحيح أن زيدًا قال: فوجدت آخر سورة براءة مع خزيمة بن ثابت أو أبي خزيمة (^٢٩٦). وقد قدَّمْنا أن جماعة من الصحابة تذكروا [¬١]، ذلك عن [¬٢] رسول الله، ﷺ، كما قال خزيمة بن ثابت حين ابتدأهم بها، والله أعلم.\nوقد روى أَبو داود عن يزيد بن محمد، عن عبد الرزاق بن عمر - وقال كان من ثقات المسلمين من المتعبدين - عن مدرك بن سعد - قال يزيد: شيخ ثقة - عن يونس بن ميسرة، عن أم الدرداء، عن أبي الدرداء قال: من قال إذا أصبح وإذا أمسى: حسبي الله لا إله إلا هو، عليه توكلت وهو رب العرش العظيم - سبع مرات - إلا كفاه الله ما يهمّه [¬٣] (^٢٩٧).\nوقد رواه ابن عساكر في ترجمة عبد الرزاق بن [¬٤] عمر هذا من رواية أبي زرعة الدمشقي عنه، عن أبي سعد مدرك بن أبي سعد الفزاري، عن يونس بن ميسرة بن حلبس، عن أم الدرداء، سمعت أبا الدرداء يقول: ما من عبد يقول: حسبي الله لا إله إلَّا هو، عليه توكلت وهو رب العرش العظيم، سبع مرات - صادقًا كان بها أو كاذبًا - إلَّا كفاه الله ما أهمّه [¬٥] (^٢٩٨).\nوهذه زيادة غريبة، ثم رواه في ترجمة عبد الرزاق أبي محمد، عن أحمد بن عبد الله ابن عبد الرزاق، عن جده عبد الرزاق بن عمر بسنده، فرفعه (^٢٩٩) فذكر مثله بالزِّيادة، وهذا منكر، والله أعلم.\nآخر سورة براءة، والحمد لله وحده\n* * *\n_________\n(^٢٩٦) - صحيح البخاري، كتاب تفسير القرآن رتم (٤٦٧٩).\n(^٢٩٧) - سنن أبي داود، كتاب الأدب، باب ما يقول إذا صبح رقم (٥٠٨١).\n(^٢٩٨) - تاريخ دمشق (١٠/ ٢٩١) \"المخطوط\").\n(^٢٩٩) - تاريخ دمشق (١٠/ ٣١٢) \"المخطوط\").\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"يذكروا\".\n[¬٢]- في خ: \"عند\".\n[¬٣]- في خ: \"يغمه\".\n[¬٤]- في ز، خ: \"عن\".\n[¬٥]- في ز: \"همه\".","vol":"7","page":329},{"text":"<span data-type='title' id=toc-115>[تفسير] سورة يونس ﵇</span>\n[وهي مكية]\n﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ (١) أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ (٢)﴾.\nأما الحَروف المقطعة في أوائل السور فقد تقدم الكلام عليها في أوائل سورة البقرة. وقال أَبو الضحى (^١) عن ابن عبَّاس في قوله تعالى: ﴿الر﴾ أي: أنا الله أرى. وكذا قال الضحاك وغيره.\n﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾ أي: هذه آيات القرآن المحكم المبين. وقال مجاهد: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾ [قال الحسن: التوراة والزبور] [¬١]. وقال قَتَادة ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ﴾ قال: الكتب التي كانت قبل القرآن. وهذا القول لا أعرف وجهه ولا معناه.\nوقوله: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾. يقول تعالى منكرًا على من تعجب من الكفار من إرسال المرسلين من البشر، كما أخبر تعالى عن القرون الماضية [¬٢] من [¬٣] قولهم ﴿أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا﴾، وقول [¬٤] هود وصالح لقومهما: ﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ﴾ وقال تعالى مخبرًا عن كفار قريش انهم قالوا: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ \".\nوقال الضحاك (^٢)، عن ابن عبَّاس: لما بعث الله تعالى محمّدًا ﷺ\n_________\n(^١) - إسناده ضعيف، أخرجه ابن جرير (٧٩/ ١١)، وابن أبي حاتم (٦/ ١٠١٨٤)، والبيهقي في \"الأسماء والصفات\" (١/ رقم ١٦٧) من طريق شريك بن عبد الله، عن عطاء بن السائب، عن أبي الضحى به، وشريك ضعيف، وعطاء مختلط، والأثر زاد نسبته السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ٥٣٤) إلى ابن المنذر وأبي الشيخ وابن النجار في تاريخه.\n(^٢) - كسابقه، أخرجه ابن جرير (١١/ ١٨)، وابن أبي حاتم (٦/ ١٠١٩٣) والضحاك لم يسمع من ابن عبَّاس، وفي إسناده \"بشر بن عمارة\" ضعيف، وزاد نسبنه السيوطي في الدر (٣/ ٥٣٥) إلى أبي الشيخ وابن مردويه.\n_________\n[¬١]- بياض في ز، وسقط من: خ.\n[¬٢]- في خ: \"الماضين\".\n[¬٣]- في ز: \"في\".\n[¬٤]- في خ: \"وقال\".","vol":"7","page":331},{"text":"رسولًا أنكرت العرب ذلك، أو من أنكر منهم فقالوا: الله أعنطم من أن يكون رسوله بشرًا مثل محمد، قال: فأنزل الله ﷿ ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ﴾.\nو[¬١] قوله: ﴿أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ اختلفوا فيه؛ فقال على بن أبي طلحة (^٣)، عن ابن عباس في قوله: ﴿أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ يقول: سبقت لهم السعادة في الذكر الأول.\nوقال العوفي (^٤)، عن ابن عبَّاس: ﴿أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ يقول أجرًا حسنًا بما قدموا. وكذا قال الضحاك، والربيع بن أنس، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وهذا كقوله تعالى ﴿قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا (٢) مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا (٣)﴾.\nوقال مجاهد ﴿أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ قال: الأعمال الصالحة، صلاتهم وصومهم، وصدقتهم، وتسبيحهم. قال: ومحمد ﷺ شفيع [¬٢] لهم. وكذا قال زيد بن أسلم ومقاتل بن حيان.\nوقال قَتَادة: سلف صدق عند ربهم.\nواختار ابن جرير قول مجاهد: إنها [¬٣] الأعمال الصالحة التي قدموها، [قال] [¬٤] كما يقال: له قدم في الإِسلام، [كقول حسان] [¬٥]:\nلنا القدم العليا (*) إليك وخَلْفُنا … لأولِنا في طَاعةِ الله تابِعُ\nوتول ذي الرمَّة:\nلَكُمْ قدم لا يُنْكِرُ الناسُ أنَّها … مَعَ الحَسَب العادِي طَمَّتْ على البَحْرِ\nوقوله تعالى: ﴿قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ﴾ أي: مع أنا بعثنا إليهم رسولًا منهم رجلًا من جنسهم بشيرًا ونذيرًا ﴿قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ﴾ أي: ظاهر\n_________\n(^٣) - أخرجه ابن جرير (١١/ ٨٢) وابن أبي حاتم (٦/ ١٠١٩٦)، وابن المنذر وأَبو الشيخ، كما في \"الدر المنثور\" (٤/ ٥٣٥).\n(^٤) - إسناده ضعيف من أجل العوفي، وأخرجه ابن جرير (١١/ ٨١).\n(*) في ابن جرير: \"الأؤلى\".\n_________\n[¬١]- سقط من ز.\n[¬٢]- في ت: \"يشفع\".\n[¬٣]- في ت: \"إن\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط عن خ.\n[¬٥]- في ز، خ: \"ومنه قول الحسن ﵀\".","vol":"7","page":332},{"text":"وهم الكاذبون في ذلك.\n﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٣)﴾\nيخبر تعالى أنَّه رب العالم جميعه، وأنه خلق السموات والأرض في ستة أيام، قيل: كهذه الأيام، وقيل: كل يوم كألف سنة مما تعدّون، كما سيأتي بيانه. ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ والعرش أعظم المخلوقات وسقفها.\nقال ابن أبي حاتم (^٥): حدَّثنا حجاج بن حمزة، حدَّثنا أَبو أسامة، حدَّثنا إسماعيل بن أبي خالد، قال: سمعت سعدًا الطائي يقول: العرش: ياقوتة حمراء.\nوقال وَهْب بن منبه: خلفه الله من نوره، وهذا غريب.\nوقوله [¬١]: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾ أي: يدبر أمر الخلائق ﴿لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ ولا يشغله شأن عن شأن، ولا تغئطه المسائل، ولا يتبرم بإلحاح الملحين، ولا يلهيه تدبير الكبير عن الصغير في الجبال، والبحار، والعمران، والقفار ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾، ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٥٩)﴾.\nوقال الدراوردي، عن سعد بن إسحاق بن كعب؛ أنَّه قال لما [¬٢] نزلت هذه الآية ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾. لقيهم [¬٣] ركب عظيم لا [يرون\n_________\n(^٥) - تفسير ابن أبي حاتم (٦/ ١٠٢١٤)، وأخرجه أَبو الشيخ في \"العظمة\" (٢/ ٢١٥) من طريق أبي أسامة به، ومحمد بن عثمان بن أبي شيبة في \"كتاب العرش\" (٤٧) من طريق أبي أسامة أيضًا عن إسماعيل بن أبي خالد قال: أخبرت أن العرش ياقوتة حمراء، وأورده الذهبي في \"العلو\" (ص ٥٨) وقال: \"هذا ثابت عن هذا التابعي الإِمام وروي ذلك عن قتادة أيضًا\" أخرجه عبد الرزاق في تفسيره - كما في \"الفتح\" (١٣/ ٤٠٥) - عن معمر عن قتادة في قوله تعالى: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ قال: هذا بدء خلقه قبل أن يخلق السماء، وعرشه من ياقوتة حمراء.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- في ت: \"حين\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"لقي\".","vol":"7","page":333},{"text":"إلَّا] [¬١] أنهم من العرب، فقالوا لهم: من أنتم؟ قالوا: من الجن، خرجنا من المدينة، أخرجتنا هذه الآية. رواه ابن أبي حاتم (^٦).\nوقوله [¬٢]: ﴿مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ﴾ كقوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ\nعِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾، وكقوله تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى (٢٦)﴾ ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى (٢٦)﴾، وقوله: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾.\nوقوله: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ أي: أفردوه بالعبادة وحده لا شريك له ﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ أي: أيها المشركون في أمركم، تعبدون مع الله إلهًا [¬٣] غيره وأنتم تعلمون أنَّه المتفرّد [¬٤] بالخلق، كقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ [مَنْ خَلَقَهُمْ] [¬٥] لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [¬٦]: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ وكذا الآية التى قبلها والتي بعدها.\n﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (٤)﴾\nيخبر تعالى أن إليه مرجع الخلائق يوم القيامة، لا يترك منهم أحدًا حتَّى يعيده كما بدأه، ثم ذكر تعالى أنَّه كما بدأ الخلق كذلك يعيده ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾.\n﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ﴾ أي: بالعدل والجزاء الأوفى ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾ أي: بسبب كفرهم يعذبون كوم القيامة بأنواع العقاب [¬٧]؛ من سموم وحميم، وظل من يحموم ﴿هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ (٥٧) وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾، ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ (٤٣) يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾.\n_________\n(^٦) - \" التفسير\" لابن أبي حاتم (٦/ ١٠٢٠٧).\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- في خ: \"المنفرد\".\n[¬٥]- في خ: \"من خلق السموات والأرض\".\n[¬٦]- بياض في: ز.\n[¬٧]- في ت: \"العذاب\".","vol":"7","page":334},{"text":"﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٥) إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ (٦)﴾\nيخبر تعالى عما خلق من الآيات الدالة على كمال قدرته وعظيم سلطانه، وأنه جعل الشعاع الصادر عن جرم الشمس ضياءٌ، وجعل [¬١] شعاع القمر نورًا، هذا فن وهذا فن آخر، ففاوت بينهما لئلا يشتبها، وجعل سلطان الشمس بالنهار، وسلطان القمر بالليل، وقدر القمر منازل، فأول ما يبدو صغيرًا، ثم يتزايد نوره وجرمه حتَّى يستوسق ويكمل إبداره، ثم يشرع في النقص حتَّى يرجع إلى حاله الأول في تمام شهر، كقوله تعالى: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (٣٩) لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾، [وقوله تعالى] [¬٢]: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾.\nوقال [¬٣] في هذه الآية الكريمة: ﴿وَقَدَّرَهُ﴾ أي: القمر ﴿مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ فبالشمس تعرف الأيام، وبسير القمر تعرف الشهور والأعوام.\n﴿مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ أى: لم يخلقه عبثًا بل له حكمة عظيمة في ذلك، وحجة بالغة، كقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾، وقال تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥) فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾.\nوقوله [¬٤]: ﴿نُفَصِّلُ الْآيَاتِ﴾ أي: نبين [¬٥] الحجج والأدلة ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾.\nوقوله: ﴿إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ أي: تعاقبهما إذا جاء هذا ذهب هذا، وإذا ذهب هذا جاء هذا لا يتأخر عنه شيئًا، كقوله تعالى: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا﴾، وقال: ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ﴾. وقال تعالى: ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- في ز: \"قال\".\n[¬٣]- في ت: \"وقوله\".\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- سقط من: ز.","vol":"7","page":335},{"text":"الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾.\nوقوله: ﴿وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: من الآيات الدالة على عظمته تعالى، كما قال: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ …﴾ [الآية.\nوقوله: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ] [¬١] وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾، وقال: ﴿أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾، وقال: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ أي: العقول، وقال هاهنا: ﴿لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ﴾ أي: عقاب الله وسخطه وعذابه.\n﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ (٧) أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٨)﴾\nيقول تعالى مخبرًا عن حال الأشقياء؛ الذين كفروا بلقاء الله يوم القيامة، ولا يرجون [¬٢] في [لقاء الله] [¬٣] شيئًا، ورضوا بهذه الحياة الدنيا، واطمأنت إليها أنفسهم [¬٤].\nقال الحسن: والله ما زينوها ولا رفعوها حتَّى رضوا بها، وهم غافلون عن آيات الله الكونية [¬٥] فلا يتفكرون فيها، والشرعية [¬٦] فل يأتمرون بها، فإن [¬٧] مأوأهم يوم معادهم النار جزاء على ما كانوا يكسبون في دنياهم من الآثام والخطايا والإِجرام، مع ما هم فيه من الكفر بالله ورسله واليوم الآخر.\n﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٩) دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٠)﴾\nوهذا إخبار عن حال السعداء الذين آمنوا بالله، وصدقوا المرسلين، وامتثلوا ما أمروا به فعملوا الصالحات، بأنه سيهديهم بإيمانهم.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في ت: \"لقائه\".\n[¬٤]- في ت: \"نفوسهم\".\n[¬٥]- في ز، خ: \"الكريمة\".\n[¬٦]- في ز: \"الشارعية\".\n[¬٧]- في ز: \"بأن\".","vol":"7","page":336},{"text":"يحتمل أن تكون الباء هاهنا سببيةً، فتقديره: بسبب إيمانهم في الدنيا يهديهم الله يوم القيامة على الصراط المستقيم [¬١]، حتَّى يجوزوه ويخلصوا إلى الجنَّةَ، ويحتمل أن تكون للاستعانة، كما قال مجاهد في قوله: ﴿يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ﴾ قال: [يكون لهم نورًا يمشون به] [¬٢].\n[وقال ابن جريج في الآية] [¬٣]: يمثل له عمله في صورة حسنة وريح طيبة، إذا قام من قبره يعارض [¬٤] صاحبه ويبشره [¬٥] بكل خير، فيقول له: من أنت؟ فيقول: أنا عملك. فيجعل له نورًا من بين يديه حتَّى يدخله الجنَّةَ، فذلك قوله تعالى: ﴿يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ﴾ والكافر يمثل له عمله في صورة سيئة وريحٍ منتنة، فيلازم [¬٦] صاحبه ويلَازُّه [¬٧] حتَّى يقذفه في النار. وروي نحوه عن قَتَادة مرسلًا، فالله أعلم.\nوقوله: ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ أي: هذا حال أهل الجنَّةَ.\nوقال ابن جريج: أُخبرتُ أن قوله: ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ﴾ [] [¬٨] قال: إذا مر بهم الطير يشتهونه [قالوا: سبحانك اللهم، وذلك دعواهم، فيأتيهم الملك بما يشتهونه، [¬٩]، فيسلم عليهم فيردون عليه، فذلك قوله [¬١٠]: ﴿وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ﴾. قال [¬١١]: فإذا أكلوا حمدوا الله ربَّهم، فذلك قوله: ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.\nوقال مقاتل بن حيان: إذا أراد [¬١٢] أهل الجنَّةَ أن يدعوا [¬١٣] بالطعام، قال أحدهم ﴿سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ﴾ قال: فيقوم على أحدهم عشرة آلاف خادم، مع كل خادم صحفة من ذهب فيها طعام ليس في الأخرى، قال: فيأكل منهن كلهن [¬١٤].\nوقال سفيان الثَّوري: إذا أراد أحدهم أن يدعو بشيء قال: ﴿سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ﴾.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٤]- في ز: \"تعارض\".\n[¬٥]- في ز: \"فيبشر\".\n[¬٦]- في ت: \"فيلزم\".\n[¬٧]- في ز، خ: \"ويُلَاده\". و\"ولازة\": أي: لاصقة.\n[¬٨]- ما بين المعكوفتين في ز: \"وذلك دعواهم فيها سبحانك اللهم\".\n[¬٩]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬١٠]- سقط من: ز.\n[¬١١]- سقط من: ز، خ.\n[¬١٢]- في خ: \"أرادوا\".\n[¬١٣]- في ت: يدعو أحدهم.\n[¬١٤]- في ز: \"كلهم\".","vol":"7","page":337},{"text":"وهذه الآية فيها شبه من قوله: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا (٤٤)﴾. وقوله: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا (٢٥) إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا﴾، وقوله: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾، وقوله: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾.\nوقوله [¬١]: ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ هذا فيه دلالة على أن الله تعالى هو المحمود أبدًا، المعبود على طول المدى؛ ولهذا حمد نفسه عند ابتداء خلقه واستمراره، وفي ابتداء كتابه، وعند ابتداء تنزيله، حيث يقول تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَاب﴾، [﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ الْسَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾] [¬٢] إلى غير ذلك من الأحوال التي يطول بسطها، وأنه المحمود في الأول والآخر، في الحياة الدنيا وفي الآخرة، في جميع الأحوال؛ ولهذا جاء في الحديث: \"إن أهل الجنَّةَ يلهمون التسبيح والتحميد كما يلهمون النفس\" (^٧). وإنَّما يكون ذلك كذلك لما يرون [¬٣] [من تضاعف] [¬٤] نعم الله [¬٥] عليهم [فتكرر وتعاد] [¬٦] وتُزاد فليس لها انقضاء ولا أمد، فلا إله إلَّا هو ولا ربَّ سواه.\n﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١١)﴾\nيخبر تعالى عن حلمه [¬٧] ولطفه بعباده أنَّه لا يستجيب لهم [¬٨] إذا دعوا على أنفسهم أو أموالهم أو أولادهم في حال ضجرهم وغضبهم، وأنَّه يعلم منهم عدم القصد إلى إرادة ذلك، فلهذا لا يستجيب لهم والحالة هذه لطفًا ورحمة، كما يستجيب لهم إذا دعوا لأنفسهم أو لأموالهم أو لأولادهم بالخير والبركة والنماء؛ ولهذا قال: ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ﴾. أي: لو استجاب لهم [¬٩] كلما دعوه به في ذلك لأهلكهم، ولكن لا ينبغي الإِكثار من ذلك، كما جاء في الحديث الذي\n_________\n(^٧) - أخرجه مسلم، كتاب: الجنَّةَ وصفة نعيمها وأهلها، باب: في صفات الجنَّةَ وأهلها، وتسبيحهم فيها بكرة وعشيًّا (١٨، ١٩) (٢٨٣٥)، وأحمد (٤٨١٢) (٣/ ٣٤٩) من حديث جابر بن عبد الله.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- في ز، خ: \"يريدون\".\n[¬٤]- في خ: \"من تزايد\".\n[¬٥]- سقط من: ز.\n[¬٦]- في ز: \"وتكرر فتعاد\".\n[¬٧]- في ز: \"حكمه\".\n[¬٨]- في ز: \"منهم\".\n[¬٩]- في ز، خ: \"منهم\".","vol":"7","page":338},{"text":"رواه الحافظ أبو بكر البزار في مسنده (^٨):\nحدثنا محمد بن معمر، حدثنا يعقوب بن محمد، حدثنا حاتم بن إسماعيل، حدثنا يعقوب بن مجاهد أبو حَزْرَةَ، عن عبادة بن الوليد، حدثنا جابر قال: قال رسول الله، ﷺ: \"لا تدعوا على أنفسكم، لا تدعوا على أولادكم، لا تدعوا على أموالكم، لا توافقوا من الله ساعة فيها إجابة فيستجيب لكم\".\nورواه أبو داود من حديث حاتم بن إسماعيل به.\nقال البزار: وتفرد به عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت الأنصاري، لم يشاركه أحد فيه. وهذا كقوله تعالى: ﴿وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا﴾ الآية.\nوقال مجاهد في تفسير هذه الآية: ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ﴾ الآية: هو [¬١] قول الإِنسان لولده أو [¬٢] ماله إذا غضب عليه: اللهم لا تبارك فيه والعنه. فلو يعجل [¬٣] لهم الاستجابة في ذلك كما يستجاب لهم في الخير لأهلكهم.\n﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢)﴾\nيخبر تعالى عن الإنسان وضجره وقلقه إذا مسه الشر [¬٤] ﴿وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ﴾ أي: كثير وهما في معنى واحد، وذلك لأنه إذا أصابته شدة قلق لها وجزع منها، وأمصر الدعاء عند ذلك فدعا الله في كشفها وزوالها [¬٥]، عنه، في حال [¬٦] اضطجاعه وقعوده، وقيامه وفي جميع أحواله، فإذا فرج الله شدته، وكشف كربته، أعرض ونأى بجانبه، وذهب كأنه ما كان به من ذلك [¬٧] شيء ﴿مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ﴾.\n_________\n(^٨) - صحيح وأخرجه أبو داود، كتاب: الصلاة، باب: النهى عن أن يدعو الإنسان على أهله وماله (١٥٣٢) وقال: هذا الحديث متصل الإسناد فإن عبادة بن الوليد بن عبادة لقى جابرًا. وأخرجه مسلم أيضًا، كتاب: الزهد والرقائق، باب: حديث جابر الطويل وقصة أبى اليسر (٧٤) (٣٠٠٦).\n_________\n[¬١]- في ز: \"وهو\".\n[¬٢]- في ز: \"و\".\n[¬٣]- في ز: \"تعجل\".\n[¬٤]- في خ: \"الضر\".\n[¬٥]- في ت: \"ودفعها\".\n[¬٦]- سقط من: ز، خ.\n[¬٧]- في ز: \"ذاك\".","vol":"7","page":339},{"text":"ثم ذم تعالى من هذه صفته وطريقته [¬١] فقال: ﴿كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ فأما من رزقه الله الهداية والسداد، والتوفيق والرشاد، فإنه مستثنى من ذلك، كقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، وكقول رسول الله ﷺ: \"عجبًا لأمر المؤمن! لا يقضي الله له قضاء إلا كان خيرًا له، إن أصابته ضراء صبر [¬٢] فكان خيرًا له، وإن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن [¬٣] \" (^٩).\n﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (١٣) ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (١٤)﴾\nأخبر تعالى عما أحل بالقرون الماضية في تكذيبهم الرسل فيما جاءوهم به من البينات، والحجج الواضحات، ثم استخلف الله هؤلاء القوم من بعدهم، وأرسل إليهم رسولًا لينظر طاعتهم له، واتباعهم رسوله، وفي صحيح مسلم (^١٠) من حديث أبي نضرة عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها [فناظر] (¬*) ماذا تعملون، فاتقوا الدنيا واتقوا النساء، فإن أول قتنة بني إسرائيل كانت في [¬٤] النساء\".\nوقال ابن جرير (^١١): حدثنى المثنى، حدثنا زيد بن عوف، أبو ربيعة فهد [¬٥]، أنبأنا حماد، عن ثابت البناني، عنّ عبد الرحمن بن أبي ليلى: أن عوف بن مالك قال لأبي بكر: رأيت فيما [¬٦] يرى النائم: كأن سببًا دلى من السماء، فانتشط رسول الله صلى الله\n_________\n(^٩) - صحيح، يأتي من حديث صهيب (سورة إبراهيم/ آية (٥» وفي الباب عن أنس عند أحمد (١٢١٨٠) (٣/ ١١٧)، وأبي يعلى (٧/ ٤٢١٧) وصححه ابن حبان (٢/ ٧٢٨) واختاره الضياء في \"المختارة\" (١/ ٥١٨ مخطوط) وعن سعد بن أبي وقاص بإسناد صحيح عند أحمد (١/ ١٧٣، ١٧٧، ١٨٢)، والنسائي في \"عمل اليوم والليلة\" (١٠٦٧)، الطيالسى (٢١١) وغيرهم.\n(^١٠) - تقدم تخريجه [سورة الأنعام/ آية ١٦٥].\n(¬*) في صحيح مسلم (٢٧٤٢) (٩٨) \"فَيَنْظُرُ كيف تعملون وفى رواية لَيَنْظُرَ\".\n(^١١) - إسناده ضعيف جدًّا، \"التفسير\" لابن جرير (١١/ ٩٤) وزيد بن عوف هذا تركه عمرو بن =\n_________\n[¬١]- في ز: \"طريقه\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"فصبر\".\n[¬٣]- في خ: \"للمؤمنين\".\n[¬٤]- سقط من: خ.\n[¬٥]- في ز: \"سهد\"، سقط من: خ.\n[¬٦]- في ز، خ: \"فيم\".","vol":"7","page":340},{"text":"عليه وسلم، ثم أعيد (*) فانتشط أبو بكر، ثم ذرع الناس حول المنبر، ففضل عمر بثلاث أذرع إلى [¬١] المنبر. فقال عمر: دعنا من رؤياك، لا أرب لنا فيها. فلما استخلف عمر قال: يا عوف رؤياك؟ فقال: وهل لك في رؤياي من حاجة أو لم تنتهرني؟ فقال: ويحك إني كرهت أن تنعى لخليفة رسول الله ﷺ نفسه. فقص عليه الرؤيا، حتى إذا بلغ ذرع الناس إلى المنبر بهذه الثلاث الأذرع، قال: أما إحداهن فإنه كان [¬٢] خليفة، وأما الثانية فإنه لا يخاف في الله لومة لائم، وأما الثالثة فإنه شهيد. قال: فقال: يقول الله تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ فقد استخلفت يا ابن أم عمر، فانظر كيف تعمل؟ وأما قوله: فإني لا أخاف في الله لومة لائم فما شاء الله، وأما قوله: شهيد فأنَّي لعمر الشهادة والمسلمون مطيفون [¬٣] به؟.\n﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥) قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٦)﴾\nيخبر تعالى عن تعنت الكفار من مشركي قريش الجاحدين الحق المعرضين عنه: أنهم إذا قرأ عليهم الرسول ﷺ كتاب الله وحججه [¬٤] الواضحة قالوا له: ﴿ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا﴾ أي: رد هذا وجئنا بغيره من نمط آخر ﴿أَوْ بَدِّلْهُ﴾ إلى وضع آخر، قال الله تعالى لنبيه ﵌: ﴿قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي﴾ أي: ليس هذا إلي، إنما أنا عبد مأمور ورسول مبلغ عن الله ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾.\n_________\n= على الفلاس، وسئل عنه أبو حاتم؟ فقال: \"تعرف وتنكر\" وحرك يده، وكان على بن المديني يتكلم فيه، \"الجرح والتعديل\" (٣/ ٥٧٠)، وقال البخاري \"سكتوا عنه\" \"التاريخ الكبير\" (٢/ ٤٠٤/١) وقد رواه ابن سعد في \"الطبقات\" (٣/ ٢٥٢ - ٢٥٣) بغير هذا اللفظ وإسناده حسن.\n(*) في ابن جرير: \"دُلِّي\".\n_________\n[¬١]- في ت: \"حول\".\n[¬٢]- في ز: \"كائن\".\n[¬٣]- في خ: \"سيطيعون\".\n[¬٤]- في ز: \"حجته\".","vol":"7","page":341},{"text":"ثم قال محتجًّا عليهم في صحة ما جاءهم به: ﴿قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ﴾ أي: هذا إنما جئتكم به عن إذن الله لي في ذلك ومشيئته وإرادته، والدليل على أني لست أتقوَّله من عندي ولا افتريته: أنكم عاجزون عن معارضته، وأنكم تعلمون صدقي وأمانتي منذ نشأت بينكم التي حين بعثني الله ﷿، لا تنتقدون على شيئًا تغمصوني (*) به، ولهذا قال: ﴿فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ أي: أفليس لكم عقول تعرفون بها الحق من الباطل؟ ولهذا لما سأل هرقل ملك الروم أبا [¬١] سفيان ومن معه فيما سأله من صفة النبي ﷺ، قال [هرقل لأبي سفيان] [¬٢]: هل كنتم تتهمونه [¬٣] بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قال أبو سفيان: فقلت: لا. وقد [¬٤] كان أبو سفيان إذ ذاك رأسَ الكفرة وزعيمَ المشركين، ومع هذا اعترف بالحق، والفضل ما شهدت به الأعداءُ، فقال له هرقل: فقد أعرف أنه لم يكن ليدع الكذب على الناس ثم يذهب فيكذب على الله (^١٢).\nوقال جعفر بن أبي طالب للنجاشي ملك الحبشة (^١٣): بعث الله فينا رسولًا نعرف صدقه ونسبه وأمانته. وقد كانت مدة مقامه ﵇ بين أظهرنا قبل النبوة أربعين سنة (^١٤)، وعن سعيد بن المسيب: ثلاثًا [¬٥] وأربعين سنة (^١٥)، والصحيح المشهور الأول.\n﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ\n_________\n(*) - غمصه: احتقره وعابه.\n(^١٢) - تقدم تخريجه [سورة الأنعام/ آية ٥٤].\n(^١٣) - إسناده حسن، أخرجه ابن هشام في \"السيرة\" (١/ ٢٢٢ - ٢٢٥)، وأحمد في المسند (١/ ٢٠٢)، (٥/ ٢٩٠) من طريق محمد بن إسحاق، حدثني محمد بن مسلم الزهري، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي عن أم سلمة ضمن حديث طويل، وهذا إسناد حسن، وقد صرح ابن إسحاق بالتحديث، وأورده الهيثمي في \"المجمع\" (٦/ ٢٧ - ٣٠) وعزاه لأحمد وقال: \"ورجاله رجال الصحيح غير ابن إسحاق، وقد صرح بالسماع\".\n(^١٤) - أخرجه البخاري، كتاب: المناقب، باب: صفة النبي ﷺ (٣٥٤٧)، ومسلم، كتاب: الفضائل، باب: في صفة النبي ﷺ ومبعثه وسنه (١١٣) (٢٣٤٧)، والترمذي، كتاب: المناقب، باب: ما جاء في مبعث النبي ﷺ وابن كم كان حين بعث (٣٦٢٧)، والنسائي في \"الكبرى\" (٤/ ٩٣١٠)، وأحمد (١٣٥٤٤) (٣/ ٢٤٠) من حديث أنس بن مالك.\n(^١٥) - شاذ، أخرجه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٨/ ٤٣٧)، والحاكم (٢/ ٦١٠) شاهدًا من طريقين =\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"لأبي\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في خ: \"تفهمونه\".\n[¬٤]- سقط من ت.\n[¬٥]- في خ: \"ثلاث\".","vol":"7","page":342},{"text":"الْمُجْرِمُونَ (١٧)﴾.\nيقول تعالى: لا أحد أظلم لي لا أعتى ولا أشد إجرامًا ﴿مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ وتقول [¬١] على الله، وزعم أن الله أرسله ولم يكن كذلك، فليس أحد أكبر جرمًا ولا أعظم ظلمًا من هذا، ومثل هذا لا يخفى أمره على الأغبياء، فكيف يشتبه حال هذا بالأنبياء؟ فإن من قال هذه المقالة صادقًا أو كاذبًا، فلابد أن الله ينصب عليه من الأدلة على بره أو فجوره ما هو أظهر من الشمس، فإن الفرق بين محمد ﷺ وبين مسيلمة الكذاب لمن شاهدهما أظهر من الفرق بين وقت الضحى وبين وقت نصف الليل في حندس الظلماء، فمن سيما كل منهما وأفعاله وكلامه يستدل من له بصيرة على صدق محمد ﷺ وكذب مسيلمة الكذاب وسجاح والأسود العنسي.\nقال عبد الله بن سلام (^١٦): لما قدم رسول الله ﷺ المدينة: انجفل (*) الناس فكنت فيمن انجفل، فلما رأيته عرفت أن وجهه ليس بوجه رجل كذاب. قال [¬٢]: فكان أول ما سمعته يقول: \"يا [¬٣] أيها الناس: أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، [وصلوا الأرحام] [¬٤]، وصلّوا بالليل والناس نيامٌ، تدخلوا الجنة بسلام\".\nولما قدم [¬٥] ضمام بن ثعلبة على رسول الله ﷺ في [¬٦] قومه بني سعد بن بكر، قال لرسول الله فيما قال له: من رفع هذه السماء؟ قال: \"الله\". قال: ومن نصب هذه الجبال؟ قال: \"الله\". قال: ومن سطح هذه الأرض؟ قال: \"الله\" قال: فبالذي رفع هذه السماء، ونصب هذه الجبال، وسطح هذه الأرض، آلله أرسلك إلى الناس\n_________\n= عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن سعيد بن المسيب به، وحكم عليه بالشذوذ الحافظ ابن حجر في \"الفتح\" (٦/ ٥٧٠)، وقال النووى في \"شرح صحيح مسلم\" (١٥/ ١٤٦): \" ..... وهذا الذي ذكرناه أنه بعث على رأس أربعين سنة هو الصواب المشهور الذى أطبق عليه العلماء، وحكى القاضي عياض عن ابن عباس وسعيد ابن المسيب رواية شاذة أنه ﷺ بعث على رأس ثلاث وأربعين سنة، والصواب أربعون … \".\n(^١٦) - صحيح، أخرجه الترمذي، كتاب: صفة القيامة، باب: \"أفشوا السلام … \" (٢٤٨٧)، وابن ماجة، كتاب: إقامة الصلاة، باب: ما جاء في قيام الليل (١٣٣٤)، وك: الأطعمة، باب: إطعام الطعام (٣٢٥١)، وأحمد (٢٣٨٩٧) (٥/ ٤٥١) وقال الترمذى: \"حديث صحيح\"، وصححه الحاكم (٣/ ١٣) (٤/ ١٦٠) ووافقه الذهبي وهو كما قالوا.\n(*) - انجفل القوم: انقلعوا فمضوا.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"ويقول\".\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- في ز، خ: \"قدم وفد\".\n[¬٦]- سقط من: ز.","vol":"7","page":343},{"text":"كلهم؟ قال: \"اللهم نعم\". ثم سأله عن الصلاة والزكاة والحج والصيام، ويحلف عند كل واحدة هذه اليمين، ويحلف له [¬١] رسول الله ﷺ، فقال له: صدقت، والذي بعثك بالحق لا أزيد على ذلك ولا أنقص (^١٧).\nفاكتفى هذا الرجل بمجرد هذا، وقد أيقن بصدقه - صلوات الله وسلامه عليه - بما رأى وشاهد من الدلائل الدالة عليه، كما قال حسان بن ثابت:\nلو لم تكن فيه آيات مبينة … كانت بديهته تأتيك بالخبر\nوأما مسيلمة فَمَنْ شاهده من ذوي البصائر علم أمره لا محالة، بأقواله الركيكة التى ليست بفصيحة [¬٢]، وأفعاله غير الحسنة بل القبيحة، وقرآنه الذي يخلد به في النار يوم الحسرة والفضيحة، وكم [¬٣] من فرق بين قوله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ [إلى آخرها]، وبين عُلاك [¬٤] مسيلمة - قبحه الله ولعنه -: يا ضفدع بنت ضفدعين [¬٥]، نقي كم تنقين، لا الماء تكدرنى، ولا الشارب تمنعين. وقوله [قبحه الله] [¬٦]: لقد أنعم الله على الحبلى، إذ أخرج منها نسمة تسعى، من بين صفاق وحشا. وقوله خَدَّرَهُ الله في نار جهنم - وقد فعل -: الفيل وما [أدراك ما] [¬٧] الفيل، له زُلْقُوم [¬٨] طويل. وقوله أبعده الله من رحمته: والعاجنات عجنًا، والخابزات خبزًا، واللاقمات لقمًا، إهالة وسمنًا، إن قريشًا قوم يعتدون. إلى غير ذلك من [الخرافات و] [¬٩] الهذيانات [¬١٠] والخرافات التي يأنف الصبيان أن يتلفظوا بها إلا على وجه السخرية والاستهزاء، ولهذا أرغم الله أنفه، وشرب يوم حديقة الموت حتفه، ومزق شمله، ولعنه صحبه وأهله، وقَدِموا على الصديق تائبين، وجاءوا في دين الله راغبين، فسألهم الصديق خليفة الرسول صلوات الله وسلامه عليه ورضي عنه أن يقرءوا عليه شيئا من قرآن مسيلمة\n_________\n(^١٧) - أخرجه البخاري، كتاب: العلم، باب: ما جاء في العلم (٦٣)، وأبو داود، كتاب: الصلاة، باب: ما جاء في المشرك يدخل المسجد (٤٨٦)، والنسائي، كتاب: الصيام، باب: وجوب الصيام (٤/ ١٢٣)، وابن ماجة كتاب: الصلاة، باب: ما جاء في فرض الصلوات الخمس والمحافظة عليها (١٤٠٢)، وأحمد (١٢٧٤٢) (٣/ ١٦٨) من طريق شريك بن عبد الله وهو ابن أبي نمر عن أنس بن مالك به، وأخرجه مسلم، كتاب: الإيمان، باب: السؤال عن أركان الإسلام (١٠) (١٢)، والبخاري معلقا - عقب =\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- في خ: \"بصحيحة\".\n[¬٣]- في ز: \"وهم\".\n[¬٤]- في ز: \"قول\".\n[¬٥]- في ز: \"الضفدعين\".\n[¬٦]- في ز، خ: \"قبح وأمن\"\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٨]- في ز، خ: \"زلوم\".\n[¬٩]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬١٠]- في: \"الهذايانات\".","vol":"7","page":344},{"text":"لعنه الله، فسألوه أن يعفيهم من ذلك، فأبى عليهم إلا [¬١] أن يقرءوا شيئًا منه؛ ليسمعه من لم يسمعه من الناس، فيعرفوا فضل ما هم عليه من الهدى والعلم، فقرءوا عليه من هذا الذي ذكرناه وأشباهه، فلما فرغوا قال لهم الصديق ﵁: ويحكم! أين كان يذهب بعولكم؟ والله إن هذا لم يخرج من إلٍّ.\nوذكروا أن وفد عمرو بن العاص على مسيلمة، وكان صديقًا له في الجاهلية، وكان عمرو لم يسلم بعد، فقال له مسيلمة: ويحك يا عمرو! وماذا أنزل على صاحبكم - يعني رسول الله ﷺ في هذه المدة؟ فقال: لقد سمعت أصحابه يقرءون سورة عظيمة قصيرة. فقال: وما هي؟ فقال: ﴿وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ إلى آخر السورة، ففكر مسيلمة ساعة، ثم قال: وأنا [¬٢] قد أنزل عَليَّ مثله. فقال: وما هو؟ فقال: ياوبر ياوبر، إنما أنت أذنان وصدر [¬٣]، وسائرك حَقْرٌ نقر. كيف ترى يا عمرو؟ فقال له عمرو: والله إنك لتعلم أني أعلم أنك لتكذب [¬٤] (^١٨).\nفإذا كان هذا من مشرك في حال شركه لم يشتبه عليه [¬٥] حال محمد، ﷺ، وصدقه، وحال مسيلمة لعنه الله وكذبه، فكيف بأولى البصائر والنُّهَى، وأصحاب العقول السليمة المستقيمة والحجا، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ [¬٦] أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾، وقال في هذه الآية الكريمة: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ﴾، وكذلك من كذب بالحق الذي جاءت به الرسل، وقامت عليه الحجج، لا أحد أظلم منه كما جاء في الحديث: \"أعتى الناس على الله رجل قتل نبيًّا أو قتله نبي\" (^١٩).\n﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا\n_________\n= السابق، والترمذي، كتاب: الزكاة، باب: ما جاء إذا أديت الزكاة فقد قضيت ما عليك (٦١٩)، والنسائي (٤/ ١٢١)، وأحمد (١٢٤٧٩) (٣/ ١٤٣) من طريق ثابت عن أنس بنحوه.\n(^١٨) - الأثران أوردهما المصنف في كتاب \"البداية والنهاية\" (٦/ ٣٥٩).\n(^١٩) - أخرجه أحمد (١/ ٤٠٧) - ومن طريقه أورده المصنف (البقرة/ آية ٦١)، والبزار في مسنده (٥/ ١٧٢٨) من حديث عبد الله بن مسعود مرفوعًا بلفظ \"أشد الناس عذابًا يوم القيامة رجل قتله نبي أو قتل نبيًّا .... \" وجوَّد إسناده الألبانى في \"الصحيحة\" (١/ ٢٨١).\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في ز، خ: \"و\".\n[¬٣]- في ز: \"حدر\".\n[¬٤]- في ت: \"تكذب\".\n[¬٥]- سقط من: ز.\n[¬٦]- في ز: \"فمن\".","vol":"7","page":345},{"text":"﴿عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٨) وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١٩)﴾\nينكر تعالى على المشركين الذين عبدوا مع الله غيره، ظانين أن تلك الآلهة تنفعهم شفاعتها عند الله، فأخبر تعالى أنها لا تضر ولا تنفع ولا تملك شيئًا، ولا يقع شيء مما يزعمون فيها ولا يكون هذا أبدًا، ولهذا قال تعالى: ﴿قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾.\nوقال ابن جرير: معناه [¬١] أتخبرون الله بما لا يكون في السموات ولا في الأرض؟\nثم نزه نفسه [] [¬٢] عن شركهم وكفرهم فقال: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾.\nثم أخبر تعالى أن هذا الشرك حادث في الناس، كائن بعد أن لم يكن، وأن الناس كلهم كانوا على دين واحد وهو الإسلام، قال ابن عباس (^٢٠): كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على الإِسلام، ثم وقع الاختلاف بين الناس، وعبدت الأصنام والأنداد والأوثان، فبعث الله الرسل بآياته وبيناته، وحججه البالغة وبراهينه الدامغة ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾.\nوقوله: ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾، أي: لولا ما تقدم من الله تعالى أنه لا يعذب أحدًا إلا بعد قيام الحجة عليه، وأنه قد أجل الخلق إلى\n_________\n(*) في تفسيره (١١/ ٩٨).\n(^٢٠) - ذكره الهيثمي في \"المجمع\" (٦/ ٣٢١ - ٣٢٢) بلفظ \"كان بين آدم ونوح .... كلهم على شريعة من الحق … \"، وقال: \"رواه البزار وفيه عبد الصمد بن النعمان وثقه ابن معين وقال غيره: ليس بالقوى\"، وأخرجه الحاكم (٢/ ٤٤٢) من طريق آخر، وقال: \"حديث صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه\" ووافقه الذهبي، وهو كما قالا، ويذكره المصنف أيضًا برقم (٨٤)، وباللفظ الذي أورده المصنف، أخرجه ابن سعد في \"الطبقات\" (١/ ٤٤) بإسناد حسن عن عكرمة من قوله، وقد صح مرفوعًا من حديث أبي أمامة أن النبي ﷺ سُئل: كم كان بين آدم ونوح؟ فقال: \"عشرة قرون\" أخرجه الطبراني في \"الكبير\" (٨/ ٧٥٤٥)، وفي \"الأوسط\" (١/ ٤٠٣)، وصححه ابن حبان (١٤/ ٦١٩٠)، والحاكم (٢/ ٢٦٢) على شرط مسلم، ووافقه الذهبي وذكره المصنف في \"البداية والنهاية\" (١/ ٩٤) وقال: هذا على شرط مسلم ولم يخرجه.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في ت: \"الكريمة\".","vol":"7","page":346},{"text":"أجل معدود، لقضى [¬١] بينهم فيما اختلفوا فيه فأسعد المؤمنين وأعنت [¬٢] الكافرين.\n﴿وَيَقُولُونَ لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (٢٠)﴾\nأي: ويقول هؤلاء الكفرة الملحدون [¬٣] المكذبون المعاندون: لولا أنزل [¬٤] على محمد آية من ربه، يعنون كما أعطى الله ثمود الناقة، أو أن يحول لهم الصفا ذهبًا، أو [¬٥] يزيح عنهم جبال مكة ويجعل مكانها بساتين وأنهارًا، أو نحو ذلك مما الله عليه قادر، ولكنه حكيم في أفعاله وأقواله، كما قال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا * بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا﴾، وكقوله [¬٦]: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾.\nيقول تعالى إِن سنتي في خلقى أني إذا آتيتهم ما سألوا، فإن آمنوا وإلا عاجلتهم بالعقوبة، ولهذا لما خُيِّر رسول الله ﷺ بين أن يعطى ما سألوا فإن أجابوا [¬٧] وإلا عوجلوا [¬٨]، وبين [أن يتركهم وينظرهم] [¬٩]- اختار إنظارهم، كما حلم عنهم غير مرة رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، ولهذا قال تعالى إرشادًا لنبيه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم إلى الجواب لهم [¬١٠] عما سألوا: ﴿فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ﴾ أي: الأمر كله لله، وهو يعلم العواقب في الأمور ﴿فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾ أي: إن كنتم لا تؤمنون حتى تشاهدوا ما سألتم، فانتظروا حكم الله في وفيكم.\nهذا مع أنهم قد شاهدوا من معجزاته [¬١١] ﷺ أعظم مما سألوا، حين أشار بحضرتهم إلى القمر ليلة إبدراه فانشق باثنتين [¬١٢] فرقة من وراء الجبل وفرقة من دونه (^٢١)\n_________\n(^٢١) - أخرج البخاري، كتاب: المناقب، باب: سؤال المشركين أن يُريهم النبيُّ ﷺ آية. . . (٣٦٣٦)، ومسلم، كتاب: صفات المنافقين وأحكامهم، باب: انشقاق القمر (٤٣، ٤٤، ٤٥) (٢٨٠٠)، وغيرهما من حديث ابن مسعود قال: (انشق القمر على عهد النبي ﷺ شقتين، فقال النبيُّ ﷺ: \"اشهدوا\").\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"ليقضي\".\n[¬٢]- في ز: \"أعتب\".\n[¬٣]- سقط من ت.\n[¬٤]- في ت: \"أنزل الله\".\n[¬٥]- في ز: \"و\".\n[¬٦]- في ز: \"قال تعالى\".\n[¬٧]- في ت: \"آمنوا\".\n[¬٨]- في ت: \"عذبوا\".\n[¬٩]- ما بين المعكوفتين في ت: \"نَظارَهم\"؟\n[¬١٠]- في ز، خ: \"لهم عما\".\n[¬١١]- في ت: \"آياته\".\n[¬١٢]- في ت: \"اثنتين\".","vol":"7","page":347},{"text":"، وهذا أعظم من سائر الآيات الأرضية مما سألوا وما لم يسألوا، ولو علم الله منهم أنهم سألوا ذلك استرشادًا وتثبتًا لأجابهم، ولكن علم أنهم إنما يسألون عنادًا وتعنتًا فتركهم فيما رابهم، [وعلم أنهم لا] [¬١] يؤمن منهم أحد [¬٢]، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا [¬٣] إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ﴾. ولما [¬٤] فيهم من المكابرة كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ﴾. وقال تعالى: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾. فمثل هؤلاء أقل من أن يجابوا إلى ما سألوا؛ لأنه لا فائدة في [جواب هؤلاء] [¬٥]؛ لأنه دائر على تعنتهم وعنادهم لكثرة فجورهم وفسادهم؛ ولهذا قال: ﴿فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾.\n﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آيَاتِنَا قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ (٢١) هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٢٢) فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٣)﴾.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"ولكن من لم\".\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- في ز: \"أنزلنا\".\n[¬٤]- سقط من: ز.\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين في م: \"جوابهم\".","vol":"7","page":348},{"text":"يخبر تعالى أنه إذا أذاق الناس رحمة من بعد ضراء مستهم، كالرخاء بعد الشدة، والخصب بعد الجدب، والمطر بعد القحط ونحو ذلك ﴿إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آيَاتِنَا﴾.\nقال مجاهد: استهزاء وتكذيب. كقوله: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ [¬١] دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ﴾. وفي الصحيح (^٢٢) أن رسول الله ﷺ صلَّى بهم الصبح على إثر سماء [كانت من الليل أى: مطر] [¬٢] ثم قال: \"هل تدرون ماذا قال ربكم الليلة؟ \" قالوا [¬٣]: الله ورسوله أعلم. قال: \"قيل: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته فذاك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا فذاك كافر بي مؤمن بالكوكب\".\nوقوله: ﴿قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا﴾ أي: أشد استدراجًا وإمهالًا، حتى يظن الظان من المجرمين أنه [ليس بمعذب] [¬٤] وإنما هو في مهلة، ثم يؤخذ على غرة منه، والكاتبون الكرام يكتبون عليه جميع ما يفعله ويحصونه [¬٥] عليه، ثم يعرضونه على عالم الغيب والشهادة، فيجازيه على الجليل والحقير والنقير والقطمير.\nثم أخبر تعالى أنه ﴿هُوَ [¬٦] الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ أي: يحيطكم [¬٧] ويكلؤكم بحراسته ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا﴾ أي: بسرعة سيرهم رافقين [¬٨]، فبينما هم كذلك إذ ﴿جَاءَتْهَا﴾ أي: تلك السفن ﴿رِيحٌ عَاصِفٌ﴾ أي: شديدة ﴿وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ﴾ أي: اغتلم البحر عليهم ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ﴾ أي: هلكوا ﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ أي [¬٩]: لا يدعون معه صنمًا ولا وثنًا، بل [¬١٠] يفردونه بالدعاء والابتهال، كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا\n_________\n(^٢٢) - أخرجه البخارى، كتاب: الأذان، باب: يستقبلُ الإمام الناسَ إذا سلم (٨٤٦)، ومسلم، كتاب: الإيمان باب: بيان كفر من قال: مطرنا بالنوء (١٢٥) (٧١)، وأبو داود، كتاب: الطب، باب: في النجوم (٣٩٠٦)، والنسائي، كتاب: الاستسقاء، باب: كراهية الاستمطار بالكوكب (٣/ ١٦٤ - ١٦٥)، وأحمد (٤/ ١١٥) من حديث زيد بن خالد الجهني.\n_________\n[¬١]- في ز: \"ضر\".\n[¬٢]- في ز: \"مطر أصابهم من الليل\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"قلنا\".\n[¬٤]- في ز، خ: \"يعذب\".\n[¬٥]- بعده في ت: عليه.\n[¬٦]- سقط من: ز، خ.\n[¬٧]- في ت: \"يحفظكم\".\n[¬٨]- في ز، خ: \"واقفين\".\n[¬٩]- سقط من: ز، خ.\n[¬١٠]- سقط من: خ.","vol":"7","page":349},{"text":"مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا﴾، وقال هاهنا: ﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ﴾ أي: هذه الحال ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ أي: لا نشرك بك أحدًا، ولنفردنك بالعبادة هناك، كما أفردناك بالدعاء هاهنا، قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ﴾ أي: من تلك الورطة ﴿إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ أي: كأن لم يكن من ذاك شيء ﴿كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ﴾.\nثم قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ أي: إنما يذوق وبال هذا البغي أنتم أنفسكم، ولا تضرون به أحدًا غيركم، كما جاء في الحديث (^٢٣): \" ما من ذنب أجدر أن يعجل اللَّه عقوبته في الدنيا - مع ما يدخر الله لصاحبه في الآخرة - من البغي وقطيعة الرحم\".\nوقوله: ﴿مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ﴾ [أي: إنما لكم متاع في الحياة الدنيا الدنيئة] [¬١] الحقيرة ﴿ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ﴾ أي: مصيركم ومآلكم [¬٢] ﴿فَنُنَبِّئُكُمْ﴾ أي: فنخبركم بجميع أعمالكم ونوفيكم إياها، فمن وجد خيرًا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومنَّ إلا نفسَه.\n﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٢٤) وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٥)﴾\nضرب تعالى مثلا لزهرة الحياة الدنيا وزينتها، وسرعة انقضائها وزوالها، بالنبات الذي [¬٣] أخرجه الله من الأرض بما [¬٤] أنزل من السماء من الماء، مما يأكل الناس من زروع [¬٥] وثمار\n_________\n(^٢٣) - صحيح، أخرجه أبو داود، كتاب: الأدب، باب: في النهي عن البغي (٤٩٠٢)، والترمذي، كتاب: صفة القيامة، باب: \"انظروا إلى من هو أسفل منكم\" (٢٥١٣)، وابن ماجه، كتاب: الزهد=\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في ز: \"ما بكم\".\n[¬٣]- في ز: \"التي\".\n[¬٤]- في ت: \"بماء\".\n[¬٥]- في ز: \"زرع\".","vol":"7","page":350},{"text":"على اختلاف أنواعها وأصنافها، وما تأكل الأنعام من أب وقضب وغير ذلك ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا﴾ أي: زينتها الفانية ﴿وَازَّيَّنَتْ﴾ أي: حسنت بما خرج من [¬١] رباها من زهور نضرة مختلفة الأشكال والألوان ﴿وَظَنَّ أَهْلُهَا﴾ الذين زرعوها وغرسوها ﴿أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا﴾ أي: على جذاذها وحصادها، [فبينما هم] [¬٢] كذلك إذ جاءتها صاعقة [¬٣] أو ريح شديدة [¬٤] باردة، فأيست أوراقها [¬٥] وأتلفت ثمارها؛ ولهذا قال تعالى: ﴿أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا﴾ أي: يبسًا بعد الخضرة والنضارة ﴿كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ﴾ أي: كأنها ما كانت حسناء قبل ذلك.\nوقال قتادة: ﴿كَأَنْ لَمْ تَغْنَ﴾ كأن لم تنعم.\nوهكذا الأمور بعد زوالها كأنها لم تكن، ولهذا جاء في الحديث (^٢٤) [¬٦] \" يؤتى بأنعم أهل الدنيا فيغمس في النار غمسة، فيقال [¬٧] له: هل رأيت خيرًا قط؟ [هل مر بك نعيم قط؟] [¬٨] فيقول: لا. [ويؤتى بأشد الناس عذابًا في الدنيا فيغمس في النعيم غمسة، ثم يقال له: هل رأيت بؤسًا قط؟ فيقول: لا] [¬٩].\nوقال تعالى إخبارًا عن المهلكين: ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٦٧) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾.\nثم قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ﴾ أي: نبين الحجج والأدلة ﴿لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ فيعتبرون بهذا المثل في زوال الدنيا عن [¬١٠] أهلها سريعًا، مع اغترارهم [¬١١] بها وتمكنهم وثقتهم [¬١٢] بمواعيدها [وتفلتها عنهم] [¬١٣]، فإن من طبعها الهرب ممن طلبها،\n_________\n= باب: البغي، وأحمد (٢٠٤٢٦) (٥/ ٣٦)، والبخاري في \"الأدب المفرد\" (٣٩) وغيرهم من حديث أبي بكرة، وقال الترمذي: \"هذا حديث حسن صحيح\"، وصححه ابن حبان (٢/ ٤٥٥، ٤٥٦)، والحاكم (٢/ ٣٥٦)، (٤/ ١٦٣) ووافقه الذهبي وهو كما قالوا.\n(^٢٤) - أخرجه مسلم، كتاب: صفات المنافقين وأحكامهم، (٥٥) (٢٨٠٧)، وأحمد (١٣١٣٥، ١٣٦٨٦) (٣/ ٢٠٣، ٢٥٣) من حديث ثابت البناني عن أنس فذكر الحديث، وقد أورده المصنف هنا بمعناه، وأخرجه أيضًا ابن ماجة، كتاب: الزهد، باب: صفة النار (٤٣٢١) من طريق حميد عن=\n_________\n[¬١]- في ت: \"في\".\n[¬٢]- في خ: \"فبينما هم\".\n[¬٣]- في خ: \"عاصفة\".\n[¬٤]- سقط من: ز.\n[¬٥]- في ز، خ: \"أرزاقها\".\n[¬٦]- في ت: \"الحديث\".\n[¬٧]- في ز: \"ثم يقال\".\n[¬٨]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٩]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬١٠]- في ت: \"من\".\n[¬١١]- في ز: \"إعزازهم\".\n[¬١٢]- سقط من: ز.\n[¬١٣]- ما بين المعكوفتين في ز: \"نقلتها منهم\".","vol":"7","page":351},{"text":"والطلب لمن هرب منها، وقد ضرب الله مثل الحياة [¬١] الدنيا بنبات الأرض في غير ما آية من كتابه العزيز؛ فقال في سورة الكهف: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا﴾. وكذا في سورة الزمر والحديد، يضرب الله [¬٢] بذلك مثل الحياة الدنيا كماء.\nو[¬٣] قال ابن جرير (^٢٥): حدثني الحارث، حدثنا [¬٤] عبد العزيز، حدثنا ابن عيينة، عن عمرو [¬٥] بن دينار، عن عبد الرحمن بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، قال: سمعت مروان - يعني ابن الحكم - يقرأ [¬٦] على المنبر (وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها وما كان الله ليهلكها [¬٧] إلا بذنوب أهلها) قال: قد قرأتها وليست في المصحف. فقال عباس [بن عبد الله] [¬٨] بن عباس: هكذا يقرؤها ابن عباس. فأرسلوا إلى ابن عباس، فقال: هكذا أقرأني أبي بن كعب.\nوهذه قراءة غريبة، وكأنها زيادة [¬٩] للتفسير.\nوقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ﴾. [الآية. لما ذكر تعالى الدنيا وسرعة زوالها، رغب في الجنة ودعا إليها وسماها دار السلام] [¬١٠]، أي: من الآفات والنقائص والنكبات، فقال: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.\nقال أيوب (^٢٦)، عن أبي قلابة، عن النبي ﷺ قال: \"قيل لي: لتتم عينك، وليعقل قلبك، ولتسمع أذنك، فنامت عيني، وعقل [¬١١] قلبي، وسمعت\n_________\n= أنس، وفي إسناده محمد بن إسحاق وهو مدلس وقد عنعنه.\n(^٢٥) - إسناد ضعيف جدًا، وهو في \"التفسير\" لابن جرير (١١/ ١٠٢ - ١٠٣)، وعبد العزيز هذا هو ابن أبان الأموي، متروك وكذبه ابن معين وغيره، وعبد الرحمن بن أبي بكر بن عبد الرحمن هذا لم أقف على ترجمة له فيما بين يدي من الكتب والله أعلم.\n(^٢٦) - مرسل، أخرجه ابن جرير في تفسيره (١١/ ١٠٣) هكذا كما أورده \"المصنف\" عن أبي قلابة مرسلًا، وقد وصله الدارمي في سننه (١١)، والطبراني في \"الكبير\" (٥/ ٤٥٩٧) من طريق ريحان بن سعيد عن عباد بن منصور عن أيوب - أقحم هنا عند الدارمي أبو سلامة - عن أبي قلابة عن عطية أنه=\n_________\n[¬١]- سقط من: ت.\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- سقط من: ت.\n[¬٤]- في ز، خ: \"بن\".\n[¬٥]- في ز، خ: \"عبد\".\n[¬٦]- في ز، خ: \"يقول\".\n[¬٧]- في ز: \"ليهلكهم\".\n[¬٨]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٩]- في ت: \"زيدت\".\n[¬١٠]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬١١]- في خ: \"وسمع\".","vol":"7","page":352},{"text":"أذني، ثم قيل [لي: مثلي ومثل ما جئت كمثل] [¬١] سيد بنى دارًا، ثم صنع مأدبة وأرسل داعيًا، فمن أجاب الداعي دخل الدار وأكل من المأدبة ورضي عنه السيد، ومن لم يجب الداعي لم يدخل الدار ولم يأكل من المأدبة ولم يرض عنه السيد وفالله السيد، والدار الإسلام، والمأدبة الجنة، والداعي محمد ﷺ\".\nوهذا حديث مرسل، وقد جاء متصلًا من حديث الليث، عن خالد بن يزيد [¬٢]، عن سعيد ابن أبي هلال، عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: خرج علينا رسول الله ﷺ يومًا، فقال: \"إني رأيت في المنام كأن جبريل عند رأسي، وميكائيل عند رجلي، يقول أحدهما لصاحبه: اضرب له مثلًا. فقال: اسمع سمعت أذنك، واعقل عقل قلبك، إنما مثلك ومثل أمتك كمثل ملك اتخذ دارًا، ثم بنى فيها بيتًا، ثم جعل فيها مأدبة، ثم بعث رسولًا يدعو الناس إلى طعامه، فمنهم من أجاب الرسول، ومنهم من تركه، فالله الملك، والدار الإسلام، والبيت الجنة، وأنت يا محمد الرسول، فمن أجابك دخل الإِسلام، ومن دخلَ الإِسلام دخل الجنة، ومن دخل الجنة أكل منها\". رواه ابن جرير (^٢٧).\nوقال قتادة: حدثني خليد العصري، عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ: \"ما من يوم طلعت فيه شمسه إلا وبجنبتيها [¬٣] ملكان يناديان [¬٤]، يسمعهما خلق الله كلهم إلا الثقلين: يا أيها الناس؛ هلموا إلى ربكم، إن ما قل وكفى خير مما كثر\n_________\n= سمع ربيعة الجرشي فذكره، وحسن إسناده الهيثمي في \"المجمع\" (٨/ ٢٦٣) وجوَّده الحافظ ابن حجر في \"الفتح\" (١٣/ ٢٥٦)، وربيعة الجرشي، مختلف في صحبته، وريحان وعباد فيهما كلام، وانظر ما بعده.\n(^٢٧) - إسناده فيه انقطاع، ابن جرير في تفسيره (١١/ ١٠٤)، وأخرجه الترمذي، كتاب: الأمثال، باب: ما جاء في مثل الله لعباده (٢٨٦٤)، والبخاري في \"الصحيح\" معلقًا - بالسند دون اللفظ - عقب حديث رقم (٧٢٨١)، والإسماعيلي وأبو نعيم - كما في \"الفتح\" (١٣/ ٢٥٦) من طريق قتيبة، حدثنا الليث به، وقال الترمذي \"هذا حديث مرسل، سعيد بن أبي هلال لم يدرك جابر بن عبد الله\"، قلت: وقد وصله الحاكم في \"المستدرك\" (٢/ ٣٣٨ - ٣٣٩) وعنه البيهقي فى \"الدلائل\" (١/ ٣٧٠) من طريق عبد الله بن صالح حدثني الليث حدثني خالد بن يزيد عن سعيد بن أبي هلال، قال: سمعت أبا جعفر محمد بن علي بن الحسين وتلا هذه الآية: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ. . .﴾ فقال: حدثني جابر ابن عبد الله. . . فذكر الحديث وقال الحاكم: \"صحيح الإسناد ولم يخرجاه\" ووافقه الذهبي، وعبد الله بن صالح، فيه ضعف من قبل حفظه، لكن قال الترمذي: \"وقد روي هذا الحديث من خير وجه عن النبي ﷺ بإسناد أصح من هذا\" قلت: وهو ما أخرجه البخارى، كتاب: الاعتصام بالكتاب والسنة، ب: الاقتداء بسنن رسول الله ﷺ (٧٢٨١) ثنا محمد بن عبادة نا يزيد=\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في ز، خ: \"سويد\".\n[¬٣]- في ز: \"وبجنبيها\".\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.","vol":"7","page":353},{"text":"وألهى\". قال: وأنزل [] [¬١] ذلك في القرآن، في قوله: \"يا أيها الناس هلموا إلى ربكم ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. رواه ابن أبي حاتم وابن جرير (^٢٨).\n﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٦)﴾\nيخبر تعالى أن لمن أحسن العمل في الدنيا بالإيمان والعمل الصالح [أن له] [¬٢] الحسنى في الدار الآخرة، كقوله تعالى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾.\nوقوله: ﴿وَزِيَادَةٌ﴾ يشمل [¬٣] تضعيف ثواب الأعمال بالحسنة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف وزيادة على ذلك أيضًا [¬٤]، ويشمل ما يعطيهم الله في الجنان من القصور والحور والرضا عنهم، وما أخفاه لهم من قرّة أعين، وأفضل من [¬٥] ذلك وأعلاه النظر إلى وجهه [¬٦] الكريم، فإنه زيادة أعظم من جميع ما أعطوه، لا يستحقونها بعملهم بل بفضله ورحمته [¬٧]، وقد رُوِيَ [¬٨] تفسير الزيادة بالنظر إلى وجهه [¬٩] الكريم عن أبي بكر الصديق (^٢٩)، وحذيفة بن\n_________\n= ثنا سليم بن حيان - وأثنى عليه - ثنا سعيد بن ميناء ثنا أو سمعت جابر بن عبد الله يقول، فذكر الحديث بلفظ مقارب من هذا.\n(^٢٨) - صحيح، أخرجه ابن جرير (١١/ ١٠٤) ومختصرًا (٣٠/ ٢٢١) وابن أبي حاتم (٦/ ١٠٣٢٦)، وكذا عزاه الحافظ في \"الفتح\" (٤/ ٣٠٣) إلى ابن أبي حاتم، وأخرجه البيهقي في \"الشعب\" (٣/ ٣٤١٢) من طريق عباد بن راشد عن قتادة به، وأخرجه مختصرًا الطيالسي (٩٧٩)، وأحمد (٢١٨١٢) (٥/ ١٩٧)، والطبراني في \"الأوسط\" (٣/ ٢٨٩١)، وفي \"الكبير\" - كما في \"مجمع الزوائد\" (١٠/ ٢٥٨) - وأبو نعيم في \"الحلية\" (١/ ٢٢٦)، (٢/ ٢٣٢)، (٩/ ٦٠) والقضاعي في \"مسند الشهاب\" (٢/ ٨١٠)، والبغوي في \"شرح السنة\" (١٤/ ٤٠٤٥) وصححه ابن حبان (٢/ ٦٨٦)، (٨/ ٣٣٢٩)، والحاكم (٢/ ٤٤٤ - ٤٤٥) ووافقه الذهبي، وهو كما قالوا. وكذا صححه على شرط مسلم الألبانى في \"الصحيحة\" (١/ ٤٤٣).\n(^٢٩) - صحيح موقوف، أخرجه ابن جرير (١١/ ١٠٤)، وهناد في \"الزهد\" (١٧٠)، وعبد الله بن أحمد في \"السنة\" (٤٧١)، والآجري في \"الشريعة\" (٦٣٠، ٦٣٢)، وابن منده في \"الرد على الجهمية\" (٨٤)، والدارقطني في \"الرؤية\" (١٩٢: ٢٠١) وغيرهم، وصححه الألباني في \"ظلال الجنة\" (٤٧٤) مستشهدًا له بحديث صهيب الآتي برقم (٣٢).\n_________\n[¬١]- في ز: \"في ذلك القرآن\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ت.\n[¬٣]- في ز: \"يشمل\".\n[¬٤]- سقط من: ز.\n[¬٥]- سقط من: ز.\n[¬٦]- في ز: \"وجه الله\".\n[¬٧]- في ز: \"برحمته\".\n[¬٨]- في ز، خ: \"رُوِي فى\".\n[¬٩]- في ز: \"وجه الله\".","vol":"7","page":354},{"text":"اليمان (^٣٠)، وعبد الله بن عباس (^٣١)، وسعيد بن المسيب، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وعبد الرحمن بن سابط، ومجاهد، وعكرمة، وعامر بن سعد، وعطاء، والضحاك، والحسن، وقتادة، والسدي، ومحمد بن إسحاق، وغيرهم من السلف والخلف.\nوقد وردت فيه [¬١] أحاديث كثيرة عن النبي ﷺ.\nفمن ذلك ما رواه الإِمام أحمد (^٣٢): حدثنا عفان، أخبرنا حماد بن سلمة، عن ثابت البناني، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن صهيب ﵁: أن رسول الله ﷺ تلا هذه الآية ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ وقال: \"إذا دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، نادى مناد: يا أهل الجنة، إن لكم عند الله موعدًا يريد أن ينجزكموه. فيقولون: وما هو؟ ألم يثقل موازيننا؟ ألم [¬٢] يبيض وجوهنا، ويدخلنا الجنة، ويزحزحنا من النار؟ قال: فيكشف لهم الحجاب فينظرون إليه، فوالله ما أعطاهم الله شيئًا أحب إليهم من النظر إليه، ولا أقر لأعينهم\".\nوهكذا رواه مسلم وجماعة من الأئمة من حديث حماد بن سلمة به.\nوقال ابن جرير (^٣٣): أخبرنا يونس، قال [¬٣]: أخبرنا ابن وهب، قال [¬٤]: أخبرني شبيب، عن أبان عن أبي تميمة الهجيمي، أنه سمع أبا موسى الأشعري يحدّث، عن رسول الله ﷺ: \"إن الله يبعث يوم القيامة مناديًا ينادي: يا أهل الجنة - بصوت\n_________\n(^٣٠) - صحيح موقوف، أخرجه ابن جرير (١١/ ١٠٥)، وهناد في \"الزهد\" (١٧٠)، وعبد الله بن أحمد في \"السنة\" (٤٧٣)، والدارقطني في \"الرؤية\" (٢٠٢، ٢٠٦) وغيرهم.\n(^٣١) - أخرجه ابن جرير (١١/ ١٠٨)، وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي - كما في \"الدر المنثور\" (٣/ ٥٤٨).\n(^٣٢) - صحيح \"المسند\" (١٨٩٩٤) (٤/ ٣٣٣)، وأخرجه أيضًا (١٨٩٨٨، ١٨٩٨٩) (٤/ ٣٣٢) (٢٤٠٣٠) (٦/ ١٥)، ومسلم، كتاب: الإيمان، باب: إثبات رؤية المؤمنين في الآخرة ربهم ﷾ (٢٩٧، ٢٩٨) (١٨١)، والترمذي، كتاب: صفة الجنة، باب: ما جاء في رؤية الرب ﵎ (٢٥٥٥)، كتاب: تفسير القرآن، باب: ومن سورة يونس (٣١٠٤)، والنسائي في \"الكبرى\" كتاب: النعوت (٤/ ٧٧٦٦)، وفي \"التفسير\" (٦/ ١١٢٣)، وابن ماجة في المقدمة، باب: فيما أنكرت الجهمية (١٨٧) من طرق عن حماد بن سلمة به.\n(^٣٣) - إسناده ضعيف جدًا، ابن جرير في تفسيره (١١/ ١٠٥) وأبان هو ابن أبي عياش متروك الحديث، ومن طريقه أخرجه الدارقطني في \"الرؤية\" (٤٣)، واللالكائى في \"شرح أصول الاعتقاد\" (٣/ ٧٨٢)، وله طريق آخر عن أبي تميمة الهجيمي عن أبي موسى الأشعري له موقوفًا - وهو الآتي.\n_________\n[¬١]- في ز: \"في ذلك\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"و\".\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.","vol":"7","page":355},{"text":"يُسْمِعُ أَوَّلهُمْ وآخِرَهُم - إن الله وعدكم الحسنى وزيادة، فالحسنى [¬١] الجنة، والزيادة [¬٢] النظر إلى وجه الرحمن ﷿\".\nرواه أيضًا ابن أبي حاتم (^٣٤) من حديث أبي بكر الهذلي، عن أبي تميمة الهجيمي به.\nوقال ابن جرير أيضًا (^٣٥): حدثنا ابن حميد، حدثنا إبراهيم بن المختار، عن ابن جريج، عن عطاء، عن كعب بن عجرة، عن النبى ﷺ في قوله: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ قال: \" [الزيادة] [*] النظر إلى وجه الرحمن ﷿\".\nوقال أيضًا (^٣٦): حدثنا ابن عبد الرحيم، حدثنا عمرو بن أبي سلمة، سمعت زهيرًا، عمن سمع أبا العالية، حدثنا أبى بن كعب، أنه سأل رسول الله ﷺ عن قول الله ﷿: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ قال: \"الحسنى الجنة، والزيادة النظر إلى وجه الله ﷿\".\nورواه ابن أبي حاتم أيضًا من حديث زهير به.\n_________\n(^٣٤) - كسابقه، (٦/ ١٠٣٤١) والهذلي أخباري تالف تركوا حديثه، ومن طريقه أخرجه ابن المبارك في \"الزهد\" (٤١٩ - زوائد نعيم بن حماد)، ومن طريق ابن المبارك أخرجه ابن جرير (١١/ ١٠٥)، والدارقطني في \"الرؤية\" (٤٦)، والبيهقي في \"البعث والنشور\" (٤٤٧)، ومن طريق أخرى عن الهذلي أخرجه هناد في \"الزهد\" (١/ ١٦٩)، وابن خزيمة في \"التوحيد\" (ص ١٨٤)، وابن جرير والدارقطني (٤٤، ٤٥)، واللالكائي في \"شرح أصول الاعتقاد\" (٧٨٥، ٧٨٦).\n(^٣٥) - إسناده ضعيف، تفسير ابن جرير (١١/ ١٠٧) ومن طريق ابن حميد أخرجه عبد الله بن أحمد في \"السنة\" (٤٨٤)، واللالكائي في \"شرح أصول الاعتقاد\" (٧٨١)، وأبو نعيم في \"الحلية\" (٥/ ٢٠٤)، وابن حميد - وهو محمد بن حميد الرازي - حافظ ضعيف وكان ابن معين حسن الرأى فيه، وشيخه إبراهيم بن المختار، قال ابن معين: ليس بذلك، وقال البخاري: فيه نظر، وقال أبو داود لا بأس به وقال ابن حبان في \"الثقات\" (٨/ ٦٠): \"يتقى حديثه من رواية ابن حميد عنه\" وعطاء وهو الخراساني روايته عن كعب بن عجرة مرسلة، والحديث زاد نسبته السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ٥٤٧) إلى ابن مردويه، والبيهقي في \"كتاب الرؤية\".\n(*) ما بين المعكوفتين زيادة من ابن جرير.\n(^٣٦) - إسناده فيه جهالة، تفسير ابن جرير (١٠٧/ ١١)، وأخرجه اللالكائي في \"شرح أصول الاعتقاد\" (٣/ ٧٨٠) من طريق الوليد بن مسلم ثنا زهير بن محمد به، وإسناده ضعيف لجهالة الراوي عن أبي العالية، وأخرجه الدارقطني في \"الرؤية\" (١٨٣)، واللالكائي (٨٤٩) من طريقين عن قحطبة بن غدانة - تصحف عند الدارقطني إلى عبدانة - ثنا أبو خلدة عن أبي العالية فذكره، وأبو خَلْدة وهو خالد بن دينار التميمي صدوق، لكن الإسناد إلى قحطبة - عند كليهما - فيه ضعف أو جهالة.\n_________\n[¬١]- في ز: \"الحسنى\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"وزيادة\".","vol":"7","page":356},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ﴾ أي: قتام [¬١] وسواد في عرصات المحشر، كما يعتري وجوه الكفرة الفجرة من القترة والغبرة ﴿وَلَا ذِلَّةٌ﴾ أي [¬٢]: هوان وصغار، أي: لا يحصل لهم إهانة في الباطن ولا فى [¬٣] الظاهر، بل هم كما قال تعالى في حقهم: ﴿فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا﴾ أي: نضرة في وجوههم وسرورًا في قلوبهم، جعلنا الله منهم بفضله ورحمته آمين!\n﴿وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٧)﴾\nلما أخبر تعالى عن حال السعداء الذين يضاعف لهم الحسنات، ويزدادون على ذلك، عطف بذكر حال الأشقياء، فذكر تعالى عدله فيهم، وأنه يجازيهم على السيئة بمثلها لا يزيدهم على ذلك ﴿وَتَرْهَقُهُمْ﴾ أي: تعتريهم وتعلوهم ذلة من معاصيهم وخوفهم منها، كما قال: ﴿وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (٤٢) مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ (٤٣) وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَاب﴾. وقوله: و﴿مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ﴾ أي: مانع ولا واقٍ يقيهم العذاب، كقوله تعالى: ﴿يَقُولُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ (١٠) كَلَّا لَا وَزَرَ (١١) إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ﴾.\nوقوله: ﴿كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا﴾. إخبار عن سواد وجوههم\nفي الدار الآخرة، كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (١٠٦) وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾، وقوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (٣٨) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (٣٩) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ (٤٠) تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ (٤١) أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ﴾.\n﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ (٢٨) فَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِنْ\n_________\n[¬١]- في ز: \"قتار\".\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.","vol":"7","page":357},{"text":"كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ (٢٩) هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٣٠)﴾\nيقول تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ﴾ أي: أهل الأرض كلهم؛ من إنس وجن، وبر وفاجر، كقوله: ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾. ﴿ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ﴾. أي: الزموا أنتم وهم مكانًا معينًا، امتازوا فيه عن مقام المؤمنين، كقوله تعالى: ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾، وقوله: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾، وفي الآية الأخرى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ أي: يصيرون صدعين، وهذا يكون إذا جاء الرب ﵎ لفصل القضاء؛ ولهذا قيل ذلك [] [¬١] يستشفع المؤمنون إلى الله تعالى أن يأتي لفصل القضاء ويريحنا من مقامنا هذا (^٣٧)، وفي الحديث الآخر (^٣٨): \" نحن يوم القيامة على كوم فوق الناس\".\nوقال الله تعالى في هذه الآية الكريمة، إخبارًا عما يأمر به المشركين وأوثانهم يوم القيامة ﴿مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ﴾. أنهم أنكروا عبادتهم وتبرءوا منهم، كقوله: ﴿كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾.\nوقوله: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾، وقوله: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥) وَإِذَا حُشِرَ\n_________\n(^٣٧) - أخرجه أحمد (١٢١٧٣) (٣/ ١١٦)، والبخاري، كتاب: التفسير، باب: سورة البقرة (٤٤٧٦)، ومسلم، كتاب: الإيمان، باب: أدنى أهل الجنة منزلة فيها (٣٢٢) (١٩٣)، والنسائى في الكبرى في \"التفسير\" (٦/ ١٠٩٨٤)، وابن ماجه، كتاب: الزهد، باب: ذكر الشفاعة (٤٣١٢) من حديث أنس بن مالك ﵁.\n(^٣٨) - صحيح، أخرجه أحمد (١٤٧٦٤) (٣/ ٣٤٥) من طريق ابن لهيعة عن أبي الزبير أنه سأل جابرًا عن الورود قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول. . . فذكره، وابن لهيعة سيئ الحفظ، وقد خالفه ابن جريج فقال: أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يُسأل عن الورود فقال - هكذا موقوفًا - \"نجئ نحن يوم القيامة عن كذا وكذا انظر أى ذلك فوق الناس - وقد أفاد النووي في \"شرح صحيح مسلم\" (٣/ ٥٩) نقلا عن القاضي عياض. . . . أن هذا اللفظ فيه تغيير كثير وتصحيف وصوابه \"نجيء يوم القيامة على كوم\" وانظر بقية كلامه هناك - واللفظ الذى أورده المصنف له شاهد من حديث أبي هريرة عند ابن خريمة في \"التوحيد\" (ص ٢٣٥ - ٢٣٦)، وصححه الألباني في \"الصحيحة\" (٢/ ٧٥٦).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين بياض في ز.","vol":"7","page":358},{"text":"الناس كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين﴾.\nوقوله [¬١]- في هذه الآية إخبارًا عن قول الشركاء فيما راجعوا فيه عابديهم عند ادعائهم عبادتهم ﴿فكفى بالله شهيدًا بيننا وبينكم إن كنا عن عبادتكم لغافلين﴾. أي: ما كنا نشعر بها [¬٢] ولا نعلم بها، وإنما أنتم [¬٣] كنتم تعبدوننا من حيث لا ندري بكم، والله شهيد بيننا وبينكم أنا ما دعوناكم إلى عبادتنا، ولا أمرناكم بها، ولا رضينا منكم بذلك.\nوفي هذا تبكيت عظيم للمشركين [¬٤] الذين عبدوا مع الله غيره، ممن لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنهم شيئًا، ولم يأمرهم بذلك ولا رضي به ولا أراده، بل تبرأ منهم في وقت أحوج ما يكونون إليه، وقد تركوا [¬٥] عبادة الحي القيوم السميع البصير القادر على كل شيء، العليم بكل شيء، وقد أرسل رسله وأنزل كتبه، آمرًا بعبادته وحده لا شريك له، ناهيًا عن عبادة ما سواه، كما قال تعالى: ﴿ولقد بعثنا في كل أمة رسولًا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة﴾، وقال تعالى: ﴿وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون﴾، وقال: ﴿واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون؟﴾.\nوالمشركون أنواع وأقسام كثيرون قد ذكرهم الله في كتابه، وبين أحوالهم وأقوالهم، ورد عليهم فيما هم فيه [¬٦] أتم رد.\nوقوله تعالى: ﴿هنالك تبلو كل نفس ما أسلفت﴾ أي: في موقف الحساب يوم القيامة تختبر كل نفس، وتعلم ما أسلفت [¬٧] من خير وشر؛ كقوله تعالى: ﴿يوم تبلى السرائر﴾، وقال تعالى: ﴿ينبأ الإِنسان يومئذ بما قدم وأخّر﴾، وقال تعالى: ﴿ونخرج له يوم القيامة كتابًا يلقاه مَنشورًا * اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبًا﴾.\nوقد قرأ بعضهم: (هنالك تتلوا كل نفس ما أسلفت) وفسرها بعضهم بالقراءة، وفسرها بعضهم بمعنى تتبع ما قدمته [¬٨] من خير وشر، وفسرها بعضهم بحديث (^٣٩):\n_________\n(^٣٩) - أخرجه البخاري، كتاب: الأذان، باب: فضل السجود (٨٠٦)، ومسلم، كتاب: الإيمان، باب: معرفة طريق الرؤية (٢٩٩) (١٨٢)، وأحمد (٢/ ٢٧٥) مطولًا من حديث أبي هريرة ومختصرًا =\n_________\n[¬١]- في ز: \"قال\".\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- سقط من: ت.\n[¬٤]- في ز: \"بالمشركين\".\n[¬٥]- في ز: \"ترك\".\n[¬٦]- بعده في خ: \"من\".\n[¬٧]- في ت: \"سلف من عملها\".\n[¬٨]- في ت: \"قدمت\".","vol":"7","page":359},{"text":"\"تتبع [¬١]، كل أمة ما كانت تعبد، فيتبع من كان يعبد الشمس الشمس، ويتبع من كان يعبد القمر القمر، ويتبع من كان يعبد الطواغيت الطواغيت\". الحديث.\nوقوله: ﴿وردوا إلى الله مولاهم الحق﴾ أي: ورجعت الأمور كلها إلى الله الحكم العدل، ففصلها وأدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار.\n﴿وضل عنهم﴾ أي: ذهب عن المشركين ﴿ما كانوا يفترون﴾ أي: ما كانوا يعبدون من دون الله افتراء عليه.\n﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٣١) فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٣٢) كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٣٣)﴾\nيحتج تعالى على المشركين باعترافهم بوحدانيته وربوبيته على وحدانية الإِله، فقال تعالى: ﴿قل من يرزقكم من السماء والأرض﴾ أي: من ذا [¬٢] الذي ينزل من السماء ماء المطر [¬٣]، فيشق [¬٤] الأرض شقًّا بقدرته ومشيئته، فيخرج منها ﴿حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (٢٨) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (٢٩) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (٣٠) وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (٣١)﴾، ﴿أإله مع الله﴾، ﴿فسيقولون الله﴾ وكذلك قوله: ﴿أمن هذا الذي يرزقكم إن أمسك رزقه﴾. وقوله [¬٥]: ﴿أمّن [¬٦] يملك السمع والأبصار﴾ أي: الذي وهبكم هذه القوة السامعة، والقوة الباصرة، ولو شاء لذهب بها ولسلبكم [¬٧] إياها، كقوله تعالى: ﴿قل: هو الذي أنشاكم وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلًا ما تشكرون﴾. وقال: ﴿قل أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم وختم على قلوبكم من له غير الله يأتيكم به﴾.\n_________\n= عند النسائي (٢/ ٢٢٩)، وابن ماجة (٤٣٢٦)، وأخرجه البخاري، كتاب: التفسير، باب: \"إن الله لا يظلم مثقال ذرة\" (٤٥٨١)، ومسلم (٣٠٢) (١٨٣)، وأحمد (١١١٤١) (٣/ ١٦ - ١٧) من حديث أبي سعيد الخدري.\n_________\n[¬١]- فما ز: \"لتتبع\".\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- في ز، خ: \"و\".\n[¬٤]- في ز: \"يشق\".\n[¬٥]- في ز: \"وكذا قل\"، خ: \"وكذلك قوله\".\n[¬٦]- في ز: \"من\".\n[¬٧]- في ز: \"سلبكم\".","vol":"7","page":360},{"text":"وقوله: ﴿ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي﴾ أي: بقدرته العظيمة ومنته العميمة؛ وقد تقدم ذكر الخلاف في ذلك، وأن الآية عامة في ذلك كله.\nوقوله [¬١]-: ﴿ومن يدبر الأمر﴾ أي: من بيده ملكوت كل شيء، وهو يجير ولا يجار عليه، وهو المتصرف الحاكم الذي لا معقب لحكمه، ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون ﴿يسأله من في السموات والأرض كل يوم هو في شأن﴾ فالملك كله؛ العلوي والسفلي، وما فيهما من ملائكة وإنس وجان، فقيرون إليه، عبيد له، خاضعون لديه. ﴿فسيقولون الله﴾ أي: هم يعلمون ذلك ويعترفون به ﴿فقل أفلا تتقون﴾ أي: أفلا تخافون منه أن تعبدوا معه غيره بآرائكم وجهلكم.\nوقوله: ﴿فذلكم الله ربكم الحق فماذا بعد الحق إلا الضلال فأني تصرفون﴾ أي: فهذا الذي اعترفتم بأنه فاعل ذلك كله هو ربكم وإلهكم الحق، الذي يستحق أن يفرد بالعبادة ﴿فماذا بعد الحق إلا الضلال﴾ أي: فكل معبود سواه باطل، لا إله إلا هو واحد لا شريك له. ﴿فأني تصرفون﴾ أي: فكيف تصرفون عن عبادته إلى عبادة ما سواه، وأنتم تعلمون أنه الرب الذي خلق كل شيء، والمتصرف في كل شيء.\nوقوله: ﴿كذلك حقت كلمة ربك على الذين فسقوا أنهم لا يؤمنون﴾. أي: كما كفر هؤلاء المشركون واستمروا على شركهم، وعبادتهم مع الله غيره، مع أنهم يعترفون بأنه الخالق الرازق المتصرف في الملك وحده، الذي بعث رسله بتوحيده، فلهذا حقت عليهم كلمة الله أنهم أشقياء من ساكني النار، كقوله [¬٢]: ﴿قالوا بلى ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين﴾.\n﴿قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٣٤) قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (٣٥) وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ (٣٦)﴾\nوهذا إبطال لدعواهم فيما أشركوا بالله غيره، وعبدوا من الأصنام والأنداد ﴿قل هل من\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- سقط من: خ.","vol":"7","page":361},{"text":"شركائكم من يبدأ الخلق ثم يعيده﴾ أي: من بدأ خلق هذه السموات والأرض، ثم ينشئ ما فيهما من الخلائق، ويفرق أجرام السموات والأرض ويبدلهما [¬١]-[بفناء ما فيهما] [¬٢]، ثم يعيد الخلق [¬٣] خلقًا جديدًا ﴿قل الله﴾ هو الذي يفعل هذا، ويستقل به وحده لا شريك له ﴿فأني تؤفكون﴾ أي: فكيف تصرفون عن طريق الرشد إلى الباطل.\n﴿قل هل من شركائكم من يهدي إلى الحق قل الله يهدي للحق﴾ أي: أنتم تعلمون أن شركاءكم لا تقدر على هداية ضال، وإنما يهدي الحياري والضلال، ويقلب القلوب من الغي إلى الرشد، الله الذي لا إله إلا هو ﴿أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمّن لا يهدّي إلا أن يهدى﴾ أي: أفيتبع [العبد الذي يهدي إلى الحق، ويُبَصِّر بعد العمي، أم الذي لا يهدي إلى شيء إلا أن] [¬٤] يهدي لعماه وبكمه، كما قال تعالى إخبارًا عن إبراهيم أنه قال: ﴿يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئًا﴾، وقال لقومه: ﴿أتعبدون ما تنحتون والله خلقكم وما تعملون﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\nوقوله: ﴿فما لكم كيف تحكمون﴾ أي: فما بالكم [¬٥] أن [¬٦] يذهب بعقولكم؟! كيف سوّيتم بين الله وبين خلقه، وعدلتم هذا بهذا، وعبدتم هذا وهذا؟ وهلا أفردتم الرب ﷻ المالك الحاكم الهادي من الضلالة - بالعبادة وحده، وأخلصتم إليه الدعوة والإِنابة؟\nثم بين تعالى أنهم لا يتبعون في دينهم هذا دليلًا ولا برهانًا، وإنما هو ظن منهم أي: توهم وتخيل، وذلك لا يغني عنهم شيئًا ﴿إن الله عليم يما يفعلون﴾ تهديد لهم ووعيد شديد؛ لأنه تعالى أخبر [¬٧] أنه سيجازيهم على ذلك أتم الجزاء.\n﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٧) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣٨) بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (٣٩) وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا\n_________\n[¬١]- في ز: \"يبدلها\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في ز: \"الخلائق\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- في ز، خ: \"لكم\".\n[¬٦]- في ز: \"أي\".\n[¬٧]- في ز، خ: \"يخبر\".","vol":"7","page":362},{"text":"يُؤْمِنُ بِهِ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ (٤٠)﴾.\nهذا بيان لإعجاز القرآن، وأنه لا يستطع البشر أن يأتوا بمثله، ولا بعشر سور ولا بسورة [¬١] من مثله؛ لأنه بفصاحته وبلاغته ووجازته وحلاوته، واشتماله على المعاني العزيزة النافعة في الدنيا والآخرة، لا تكون إلا من عند الله الذي لا يشبهه شيء في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله وأقواله، فكلامه [¬٢] لا يشبه كلام المخلوقين؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون الله﴾ أي: مثل هذا القرآن لا يكون إلا من عند الله، ولا يشبه هذا كلام البشر ﴿ولكن تصديق الذي بين يديه﴾ أي: من الكتب المتقدمة، ومهيمنًا عليها [¬٣]، ومبينًا لما وقع فيها من التحريف والتأويل والتبديل.\nوقوله: ﴿وتفصيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين﴾ أي: وبيان الأحكام والحلال والحرام بيانًا شافيًا كافيًا، حقًّا لا مرية فيه من الله رب العالمين، كما تقدم في حديث الحارث الأعور عن علي بن أبي طالب (^٤٠): \" فيه خبر ما قبلكم، ونبأ ما بعدكم، وفصل ما بينكم\". أي: خبر عما [¬٤] سلف وعما سيأتي، وحكم فيما بين الناس بالشرع الذي يحبه الله ويرضاه.\nوقوله: ﴿أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين﴾ أي: إن ادعيتم وافتريتم وشككتم في أن هذا من عند الله، وقلتم كذبًا ومَيْنَا إن هذا من عند محمد، فمحمد بشر مثلكم، وقد جاء فيما زعمتم بهذا القرآن فأتوا أنتم [¬٥] بسورة مثله. أي: من جنس هذا القرآن، واستعينوا على ذلك بكل من قدرتم عليه: من إنس وجان.\nوهذا هو المقام الثالث في التحدي، فإنه تعالى تحداهم ودعاهم إن كانوا صادقين في دعواهم أنه من عند محمد، فلتعارضوه بنظير ما جاء به وحده، واستعينوا [¬٦] بمن شئتم [¬٧]، وأخبر أنهم لا يقدرون على ذلك، ولا سبيل لهم إليه، فقال تعالى: ﴿قل لئن اجتمعت الإِنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرًا﴾ ثم تقاصر معهم إلى عشر سور منه، فقال في أول سورة هود: ﴿أم يقولون افتراه قل فأتوا\n_________\n(^٤٠) - تقدم في \"الفضائل\".\n_________\n[¬١]- في ز: \"سورة\".\n[¬٢]- في ز: \"وكلامه\".\n[¬٣]- في ت: \"عليه\".\n[¬٤]- في ز، خ: \"ما\".\n[¬٥]- في ز، خ: \"فأتوا أنتم\".\n[¬٦]- في ت: \"وليستعينوا\".\n[¬٧]- في ت: \"شاءوا\".","vol":"7","page":363},{"text":"بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين﴾. ثم تنازل إلى سورة، فقال في هذه السورة: ﴿أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين﴾. وكذا في سورة البقرة وهي مدنية تحداهم بسورة منه، وأخبر أنهم لا يستطعون ذلك أبدًا، فقال: ﴿فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار﴾. الآية.\nهذا وقد كانت الفصاحة من سجاياهم، وأشعارهم ومعلقاتهم إليها المنتهى في هذا الباب، ولكن جاءهم من الله ما لا قبل لأحد به، ولهذا آمن من آمن منهم بما عرف من بلاغة [¬١] [هذا الكلام وحلاوته، وجزالته وطلاوته، وإفادته وبراعته] [¬٢]، فكانوا أعلم الناس به، وأفهمهم له، وأتبعهم له، وأشدهم له انقيادًا، كما عرف السحرة لعلمهم بفنون السحر أن هذا الذي فعله موسى ﵇ لا يصدر إلا عن مؤيد مسدد مرسل من الله، وأن هذا لا يستطاع لبشر إلا بإذن الله.\nوكذلك عيسى ﵇ بعث في زمان علماء الطب ومعالجة المرضى، فكان يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتي بإذن الله، ومثل هذا لا مدخل للعلاج والدواء فيه، فعرف من عرف منهم أنه عبد الله ورسوله؛ ولهذا جاء في الصحيح (^٤١) عن رسول الله ﷺ أنه قال: \"ما من نبي من الأنبياء إلا وقد أوتي من الآيات ما آمن على مثله البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيًا أوحاه الله إلي فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا\".\nوقوله: ﴿بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله﴾ يقول: بل كذب هؤلاء بالقرآن ولم يفهموه ولا عرفوه ﴿ولما يأتهم تأويله﴾ أي: ولم يحصِّلوا ما فيه من الهدي ودين الحق إلى حين تكذيبهم به جهلًا وسفهًا ﴿كذلك كذب الذين من قبلهم﴾ أي: من الأمم السالفة ﴿فانظر كيف كان عاقبة الظالمين﴾ أي: فانظر كيف أهلكناهم بتكذيبهم رسلنا ظلمًا وعلوًّا وكفرًا وعنادًا وجهلًا، فاحذروا أيها المكذبون أن يصيبكم ما أصابهم.\nوقوله: ﴿ومنهم من يؤمن به ومنهم من لا يؤمن به وربك أعلم بالمفسدين﴾. أي: ومن هؤلاء الله بعثت إليهم يا محمد من يؤمن بهذا القرآن و[¬٣] يتبعك، وينتفع بما أرسلت\n_________\n(^٤١) - أخرجه البخاري، كتاب: فضائل القرآن، باب: كيف نزل الوحيُ، وأول ما نزل (٤٩٨١)، ومسلم، كتاب: الإيمان، باب: وجوب الإيمان برسالة نبينا محمد ﷺ إلى جميع الناس ونسخ الملل بملته (٢٣٩) (١٥٢)، والنسائي في التفسير من الكبري (٦/ ١١١٢٩)، وأحمد (٢/ ٣٤١، ٤٥١) من حديث أبي هريرة.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- سقط من: ز.","vol":"7","page":364},{"text":"به، ﴿ومنهم من لا يؤمن به﴾ بل يموت على ذلك ويبعث عليه ﴿وربك أعلم بالمفسدين﴾ أي: و[¬١] هو أعلم بمن يستحق الهداية فيهديه، ومن يستحق الضلالة [¬٢] فيضله، وهو العادل الذي لا يجور، بل يعطي كلًّا ما يستحقه ﵎ وتقدس وتنزه لا اله إلا هو.\n﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (٤١) وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ (٤٢) وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُوا لَا يُبْصِرُونَ (٤٣) إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٤)﴾\nيقول تعالى لنبيه ﷺ: وإن كذبك هؤلاء المشركون فتبرأ منهم ومن عملهم ﴿فقل لي عملي ولكم عملكم﴾، كقوله تعالى: ﴿قل يا أيها الكافرون * لا أعبد ما تعبدون﴾ إلى آخرها، وقال إبراهيم الخليل وأتباعه لقومهم المشركين: ﴿إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدًا حتى تؤمنوا بالله وحده﴾.\nوقوله ﴿ومنهم من يستمعون إليك﴾ [أي: ينظرون] [¬٣] أي: يسمعون كلامك الحسن والقرآن العظيم، والأحاديث الصحيحة الفصيحة النافعة في القلوب والأديان والأبدان، وفي هذا كفاية عظيمة، ولكن ليس ذلك إليك ولا إليهم، فإنك لا تقدر على إسماع الأصم وهو الأطرش، فكذلك لا تقدر على هداية هؤلاء إلا أن يشاء الله.\n﴿[ومنهم من ينظر] [¬٤] إليك﴾ وإلى ما أعطاك الله من التؤدة والسمت الحسن والخلق العظيم، والدلالة الظاهرة على نبوّتك لأولي البصائر والنُّهَي، وهؤلاء ينظرون كما ينظر غيرهم ولا يحصل لهم من الهداية شيء كما [¬٥] يحصل لغيرهم، بل المؤمنون ينظرون إليك بعين الوقار، والكافرون [¬٦] ينظرون إليك [¬٧] بعين الاحتقار ﴿وإذا رأوك إن يتخذونك إلا\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- في ز: \"الضلال\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- خ: \"أين ينظرو\".\n[¬٥]- في خ: \"كما\".\n[¬٦]- في ت: \"وهؤلاء الكفار\".\n[¬٧]- سقط من: ز، خ.","vol":"7","page":365},{"text":"هزوًا أهذا الذي بعث الله رسولًا إن كاد ليضلنا عن آلهتنا لولا أن صبرنا عليها وسوف يعلمون حين يرون العذاب من أضل سبيلًا﴾.\nثم أخبر تعالى أنه لا يظلم أحدًا شيئًا وإن كان قد هدى به من هدى، وبصر به من العمي، وفتح به أعينا عميًا، وآذانا صمًّا، وقلوبًا غلفًا، وأضلّ به عن الإِيمان آخرين، فهو الحاكم المتصرف في ملكه بما يشاء، الذي لا يسأل عما يفعل وهم يسألون، لعلمه وحكمته وعدله، ولهذا قال تعالى: ﴿إن الله لا يظلم الناس شيئًا ولكن الناس أنفسهم يظلمون﴾ وفي الحديث: عن أبي ذر، عن النبي ﷺ فيما يرويه عن ربه ﷿: \"يا عبادي، إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرمًا فلا تظالموا - إلى أن قال في آخره - يا عبادي، إنما هي أعمالكم أحصيها لكم، ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيرًا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومنّ إلا نفسه\". رواه مسلم بطوله (^٤٢).\n﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (٤٥)﴾\nيقول تعالى مذكرًا للناس قيام الساعة، وحشرهم من أجداثهم إلى عرصات القيامة كأنهم [¬١] يوم يوافونها لم يلبثوا في الدنيا إلا ساعة من النهار، [كقوله: ﴿كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار﴾،] [¬٢] و[¬٣] كقوله: ﴿كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها﴾. وقال تعالى: ﴿يوم ينفخ في الصور ونحشر المجرمين يومئذ زرقًا* يتخافتون بينهم إن لبثتم إلا عشرًا * نحن أعلم بما يقولون إذ يقول أمثلهم طريقة إن لبثتم إلا يومًا﴾. وقال تعالى: ﴿ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة﴾ الآيتين، وهذا كله دليل على استقصار الحياة الدنيا في الدار الآخرة، كقوله: ﴿قال كم لبثتم في الأرض عدد سنين * قالوا لبثنا يومًا أو بعض يوم فاسأل العادّين * قال إن لبثتم إلا قليلًا لو أنكم كنتم تعلمون﴾.\nوقوله: ﴿يتعارفون بينهم﴾ أي: يعرف الأبناء الآباء، والقرابات بعضهم بعضًا [¬٤] كما كانوا في الدنيا، ولكن كل مشغول بنفسه ﴿فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون﴾. وقال تعالى: ﴿ولا يسأل حميم حميمًا﴾. الآيات.\n_________\n(^٤٢) - كتاب: البر والصلة والآداب، باب: تحريم الظلم (٥٥) (٢٥٧٧).\n_________\n[¬١]- سقط من خ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- في ز، خ: \"لبعض\".","vol":"7","page":366},{"text":"وقوله: ﴿قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله وما كانوا مهتدين﴾ كقوله تعالى: ﴿ويل يومئذ للمكذبين﴾؛ لأنهم خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة، ألا ذلك هو الخسران المبين، فهذه هي الخسارة العظيمة [ولا خسارة أعظم من خسارة] [¬١] من فرق بينه وبين أحبته [¬٢] يوم الحسرة والندامة.\n﴿وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ (٤٦)﴾\nيقول تعالى مخاطبًا لرسوله ﷺ: ﴿وإما نرينك بعض الذي نعدهم﴾ أي: ننتقم منهم [¬٣] في حياتك؛ لتقر عينك منهم ﴿أو نتوفينك فإلينا مرجعهم﴾ أي: مصيرهم ومنقلبهم، والله شهيد على أفعالهم بعدك.\nوقد قال الطبراني (^٤٣): حدثنا عبد الله بن أحمد، حدثنا عقبة بن مكرم، حدثنا أبو بكر الحنفي، حدثنا داود بن الجارود (*)، عن [أبي الطفيل] (**)، عن حذيفة بن أسيد، عن النبي، ﷺ، قال. \"عرضت عليَّ أمتي البارحة لدي هذه الحجرة أولها و[¬٤] آخرها\". فقال رجل: يا رسول الله، [هذا] [¬٥]، عرض عليك من خلق فكيف [عرض عليك] من لم يخلق؟ فقال: \"صوّروا لي في الطين حتى أني لأَعْرَف بالإِنسان منهم من أحدكم بصاحبه\".\nورواه (^٤٤) عن محمد بن عثمان بن أبي شيبة، عن عقبة بن مكرم، عن يونس بن بكير،\n_________\n(^٤٣) - في \"المعجم الكبير\" (٣/ ٣٠٥٥) وانظر ما بعده.\n(*) لم أجد ترجمة في كتب الرجال، وظني والله أعلم - على الرغم من وقوعه في \"المعجم الكبير\" هكذا - أنه تصحيف أو تحريف قديم ولعله يكون هو نفسه زياد بن المنذر - كما في الإسناد الثاني - وكنيته أبو الجارود، وقد ذكر الهيثمي هذا الحديث في \"المجمع\" (١٠/ ٧٢) وضعفه بزياد بن المنذر هذا دون أن يتعرض للإسناد الأول، والله أعلم.\n(**) في (ز، خ) أبي السليل وهو تحريف وصوابه ما أثبتناه كما في \"المعجم الكبير\" (٣/ ٣٠٥٥) وكتب الرجال.\n(^٤٤) - الطبراني أيضًا في \"الكبير\" (٣/ ٣٠٥٤)، وذكره الهيثمي في \"المجمع\" (١٠/ ٧٢) وقال: \"رواه الطبراني وفيه زياد بن المنذر وهو كذاب\"، وقد أورده الألباني في \"ضعيف الجامع الصغير\" =\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في ز، خ: \"أخيه\".\n[¬٣]- سقط من: خ.\n[¬٤]- في ز: \"إلى\".\n[¬٥]- سقط من خ.","vol":"7","page":367},{"text":"عن زياد بن المنذر، عن أبي الطفيل، عن حذيفة بن أسيد به نحوه.\nوقوله: ﴿ولكل أمة رسول فإذا جاء رسولهم﴾ قال مجاهد: يعني يوم القيامة.\n﴿قُضِيَ بينهم بالقسط وهم لا يظلمون﴾. كقوله تعالى: ﴿وأشرقت الأرض بنور ربها ووضع الكتاب وجيء بالنبيين والشهداء وقضي بينهم بالحق وهم لا يظلمون﴾. فكل أمة تعرض على الله بحضرة رسولها، وكتاب أعمالها من خير وشر موضوع شاهد عليهم، وحفظتهم من الملائكة شهود أيضًا، أمة بعد أمة، وهذه الأمة الشريفة وإن كانت آخر الأمم في الخلق، إلا أنها أول الأمم يوم القيامة يفصل بينهم ويقضي لهم، كما جاء في الصحيحين (^٤٥) عن رسول الله ﷺ أنه قال: \"نحن الآخرون السابقون يوم القيامة، المقضي لهم قبل الخلائق\". فأمته إنما حازت قصب السبق بشرف [¬١]- رسولها - صلوات الله وسلامه عليه - دائمًا [¬٢] إلى يوم الدين.\n﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٤٧) وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤٨) قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلَا نَفْعًا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (٤٩) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتًا أَوْ نَهَارًا مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ (٥٠) أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ آلْآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ (٥١) ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (٥٢)﴾\n_________\n= (٤/ ٢٩/ ٣٧٠٣) وزاد نسبته إلى الضياء في \"المختارة\".\n(^٤٥) - صحيح، هكذا أورده المصنف، وعزاه للصحيحين، وإنما أخرجه مسلم، كتاب: الجمعة، ب: هداية هذه الأمة ليوم الجمعة (٢٢) (٨٥٦)، والنساني، كتاب: الجمعة، باب: إيجاب الجمعة (٣/ ٨٧)، وابن ماجة كتاب: إقامة الصلاة والسنة فيها، باب: في فرض الجمعة (١٠٨٣) من حديث حذيفة وأبي هريرة مرفوعًا بلفظ \" … نحن الآخرون من أهل الدنيا والأولون يوم القيامة - المقضي لهم قبل الخلائق\" وفي رواية: \"المقضي بينهم\" والجملة الأولى من الحديث أخرجها البخاري، كتاب: الجمعة، باب: فرض الجمعة (٨٧٦) - وانظر أطرافه عند رقم (٢٣٨) -، ومسلم (٢١) (٨٥٥) وغيرهما من حديث أبي هريرة.\n_________\n[¬١]- في ز: \"لشرف\".\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.","vol":"7","page":368},{"text":"يقول تعالى مخبرًا عن كفر هؤلاء المشركين [¬١] في استعجالهم العذاب، وسؤالهم عن وقته قبل التعيين، مما لا فائدة [لهم فيه]، كقوله: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ﴾. أي؛ كائنة لا محالة، وواقعة وإن لم يعلموا وقتها عينًا، ولهذا أرشد تعالى رسوله ﷺ إلى جوابهم فقال: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾. أي: لا أقول إلا ما علمني، ولا أقدر على شيء مما استأثر به إلا أن يطعني عليه، فأنا عبده ورسوله إليكم، وقد أخبرتكم بمجيء الساعة وأنها كائنة، ولم يطلعني على وقتها ولكن [¬٢] ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ﴾ أي: لكل قرن مدة من العمر مقدرة [¬٣]، فإذا انقضى أجلهم ﴿لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾، كقوله: ﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا﴾. الآية. ثم أخبرهم أن عذاب الله سيأتيهم بغتة، فقال: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتًا أَوْ نَهَارًا﴾ [أي: ليلًا أو نهارًا] [¬٤] ﴿مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ (٥٠) أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ الْآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾] يعني: أنهم إذا جاءهم العذاب قالوا: ﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾. وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (٨٤) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ﴾.\n﴿ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ﴾ أي: يوم القيامة يقال لهم هذا تبكيتًا وتقريعًا، كقوله: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا (١٣) هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (١٤) أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ (١٥) اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.\n﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (٥٣) وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي الْأَرْضِ لَافْتَدَتْ بِهِ وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٥٤)﴾\nيقول تعالى: ويستخبرونك أحق هو؟ أي: المعاد والقيامة من الأجداث بعد صيرورة الأجسام ترابًا ﴿قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ أي: ليس صيرورتكم ترابًا بمعجز الله عن إعادتكم كما بدأكم من العدم، فإنما ﴿أَمْرُهُ [¬٥] إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ\n_________\n[¬١]- فى ز، خ: \"المشركون\".\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في ز: \"مقدر\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- في خ: \"قوله\".","vol":"7","page":369},{"text":"فَيَكُونُ﴾.\nوهذه الآية ليس لها نظير في القرآن إلا آيتان أخريان يأمر الله تعالى رسوله أن يقسم به على من أنكر المعاد فى [¬١] سورة سبأ: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾. وفي التغابن: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾.\nثم أخبر تعالى أنه إذا قامت القيامة يود الكافر لو افتدى من عذاب الله بملء الأرض ذهبًا ﴿وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ أي: بالحق ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾.\n﴿أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَلَا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٥٥) هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٥٦)﴾\nيخبر تعالى أنه مالك السموات والأرض، وأن وعده حق كائن لا محالة، وأنه يحيي ويميت [¬٢] وإليه مرجعهم، وأنه القادر [¬٣] على ذلك، العليم بما تفرق من الأجسام، وتمزَّق في سائر أقطار الأرض والبحار والقفار.\n﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٥٧) قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٥٨)﴾\nيقول تعالى ممتنًّا على خلقه بما ﴿أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ﴾ [¬٤] من القرآن العظيم على رسوله الكريم ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ أي: زاجر عن الفواحش ﴿وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ﴾ أي: من الشبه [¬٥] والشكوك، وهو إزالة ما فيها من رجس ودنس. ﴿وَهُدًى وَرَحْمَةٌ﴾ أي: فحصل لها الهداية والرحمة من الله تعالى، وانما ذلك للمؤمنين به، والمصدقين والموقنين بما فيه، كقوله تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾، وقوله: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في ت: \"الموتى\".\n[¬٣]- في ز: \"قادر\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين في ت: \"أنزله\".\n[¬٥]- في خ: \"التشبه\".","vol":"7","page":370},{"text":"وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾.\nوقوله تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ أي: بهذا الذي جاءهم من الله من [¬١] الهدى ودين الحق فليفرحوا، فإنه أولى ما يفرحون به [﴿هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾] [¬٢] أي: من حطام الدنيا، وما فيها من الزهرة الفانية الذاهبة لا محالة، كما قال ابن أبي حاتم (^٤٦) في تفسير هذه الآية وذكر بسند [¬٣] عن بقية - يعني [¬٤] ابن الوليد عن صفوان بن عمرو: سمعت أيفع [¬٥] بن عبد الكلاعي يقول: لما قدم خراج العراق إلى عمر ﵁ خرج عمر ومولى له، فجعل عمر يعد الإبل، فإذا هي [¬٦] أكثر من ذلك، فجعل عمر يقول: الحمد لله تعالى. ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ﴾ ويقول مولاه: هذا والله من فضل الله ورحمته. فقال عمر: كذبت، ليس هذا، هو الذي يقول الله تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ وهذا مما يجمعون.\nوقد أسنده الحافظ أبو القاسم الطبراني (^٤٧) فرواه عن أبي زرعة الدمشقي، عن حيوة بن شريح، عن بقية فذكره.\n﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ (٥٩) وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ (٦٠)﴾\nقال ابن عباس ومجاهد والضحاك وقتادة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم: وغيرهم [¬٧] نزلت إنكارًا على المشركين فيما كانوا [يحلون ويحرمون] من البحائر والسوائب والوصايل، كقوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا﴾. الآيات.\n_________\n(^٤٦) - تفسير ابن أبي حاتم (٦/ ١٠٤٣٥) معلقًا عن بقية به وبقية يدلس ويسوي ولم يصرح هنا بالتحديث.\n(^٤٧) - لم أهتد إليه.\n_________\n[¬١]- سقط من: ت.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- سقط من: ت.\n[¬٥]- في ز: \"أنفع\".\n[¬٦]- سقط من: ز.\n[¬٧]- سقط من: ز، خ.","vol":"7","page":371},{"text":"وقال الإِمام أحمد (^٤٨): حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق، سمعت أبا الأحوص - وهو عوف [بن مالك] [¬١] بن نضلة - يحدث عن أبيه قال: أتيت رسول الله ﷺ، وأنا قَشِفُ الهيئة (*)، فقال: \"هل لك مال؟ \" [قال] [¬٢] قلت: نعم. قال: \"من أي المال\"؟ قال: قلت: من كل المال؛ من الإبل والرقيق والخيل والغنم [¬٣]. فقال [¬٤]: \"إذا آتاك اللَّه مالًا فليُرَ عليك\". وقال: \"هل تنتج [إبلك] [¬٥] صحاحًا آذانها، فتعمد إلى موسى فتقطع آذانها، فتقول: هذه بُحرٌ (**) وتشقها، أو [¬٦] تشق جلودها وتقول هذه صُرُم (* * *)، وتحرمها عليك وعلى أهلك\". قال: نعم. قال: \"فإن ما آتاك الله ﷿ لك حل، و[¬٧] ساعد الله أشد من ساعدك، وموسى الله أحد من موساك\". وذكر تمام الحديث.\nثم رواه (^٤٩) عن سفيان بن عيينة، عن أبي الزعراء عمرو بن عمرو، عن عمه أبي الأحوص. وعن بهز بن أسد (^٥٠)، عن حماد بن سلمة، عن عبد الملك بن عمير، عن أبي الأحوص به، وهذا حديث جيّد قوي الإِسناد.\n_________\n(^٤٨) - صحيح \"المسند\" (١٥٩٣٣) (٣/ ٤٧٣)، وأخرجه من طرق عن أبي إسحاق به، أحمد (٣/ ٤٧٣)، (٤/ ١٣٧)، وأبو داود، كتاب: اللباس، باب: في غسل الثوب وفي الخلقان، (٤٠٦٣)، والترمذي، كتاب: البر والصلة، باب: ما جاء في الإحسان والعفو (٢٠٠٧)، والنسائي (٨/ ١٨٠ - ١٨١، ١٨١، ١٩٦)، وقال الترمذي: \"حديث حسن صحيح\"، وصححه ابن حبان (١٢/ ٥٤١٦)، والحاكم (٤/ ١٨١) ووافقه الذهبي، وهو كما قالوا.\n(*) - أي تاركًا للتنطيف والغسل. والقشف: يس العيش. النهاية (٤/ ٦٦).\n(**) - جمع بحيرة؛ كانوا إذا ولدت إبلهم سقبا بحروا أذنه: أي شقوها وقالوا: اللهم إن عاش ففتى وإن مات فذكي، فإذا مات أكلوه وسموه البحيرة. وقيل في تعريفها غير ذلك. انظر النهاية (١/ ١٠٠).\n(* * *) - هي جمع صريم، وهو الذي صرمت أذنه: أي قطعت. النهاية (٣/ ٢٦)\n(^٤٩) - كسابقه \"المسند\" (١٧٢٧٧) (٤/ ١٣٦). ومن طريق أحمد أخرجه الطبراني في \"الكبير\" (١٩/ ٦٢٢)، وأخرجه البخاري في \"خلق أفعال العباد\" (٣١٦)، والنسائي (٧/ ١١)، وابن ماجة، كتاب: الكفارات، باب: من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها (٢١٠٩)، والحميدي (٨٨٣) من طرق عن ابن عيينة به مختصرًا.\n(^٥٠) - كسابقه \"المسند\" (١٥٩٣٧) (٣/ ٤٧٣ - ٤٧٤)، وأخرجه الطبراني في \"الكبير\"=\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز: \"قال\".\n[¬٣]- في ز: \"النعم\".\n[¬٤]- فى ز: \"قال\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين في ت: \"إبلك\".\n[¬٦]- في ز: \"و\".\n[¬٧]- سقط من: ز.","vol":"7","page":372},{"text":"وقد [¬١] أنكر [الله] تعالى على من حرم ما أحل [الله]، أو أحل ما حرم، بمجرد الآراء والأهواء التي لا مستند لها ولا دليل عليها، ثم توعدهم على ذلك يوم القيامة فقال: ﴿وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ أي: ما ظنهم أن [¬٢] نصنع بهم يوم مرجعهم إلينا يوم القيامة.\nوقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ﴾ قال ابن جرير: في تركه معاجلتهم بالعقوبة في الدنيا.\nقلت: ويحتمل أن يكون المراد: لذو فضل على الناس فيما أباح لهم مما خلقه من المنافع فى الدنيا، ولم يحرم عليهم إلا ما هو ضار لهم في دنياهم أو دينهم.\n﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ﴾ بل يحرمون ما أنعم الله به [¬٣] عليهم، ويضيقون على أنفسهم، فيجعلون بعضًا حلالا وبعضًا حرامًا، وهذا قد [¬٤] وقع فيه المشركون فيما شرعوه أنفسهم، وأهلُ الكتابِ فيما ابتدعوه في دينهم.\nوقال ابن أبي حاتم في تفسير هذه الآية (^٥١): حدثنا أبي، حدثنا أحمد بن أبي الحواري، حدثنا رباح، حدثنا عبد الله بن سليمان، حدثنا موسى بن [¬٥] الصباح في قول الله ﷿: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ﴾ قال: إذا كان يوم القيامة يؤتى بأهل ولاية الله ﷿، فيقومون بين يدي الله ﷿ ثلاثة أصناف قال [¬٦]: فيؤتى برجل من الصنف الأول فيقول: \"عبدي، لماذا عملت؟ فيقول: يارب، خلقت الجنة وأشجارها، وثمارها وأنهارها، وحورها ونعيمها، وما أعددت لأهل طاعتك فيها، فأسهرت ليلي وأظمأت نهاري، شوقا إليها. قال: فيقول الله تعالى: عبدي، إنما عملت للجنة، هذه الجنة فادخلها، ومن فضلي عليك أن أعتقك [¬٧] [من النار، ومن] [¬٨] [فضلي عليك أن أدخلك جنتي] [¬٩] قال: فيدخل [¬١٠] هو ومن معه الجنة. قال: ثم يؤتى [برجل من\n_________\n= (١٩/ ٦٢٣) من طريق هدبة بن خالد، ثنا حماد بن سلمة به.\n(*) في تفسيره (١١/ ١٢٨).\n(^٥١) - تفسير ابن أبي حاتم (٦/ ١٠٤٤٥).\n_________\n[¬١]- في ز: \"فقد\".\n[¬٢]- في خ: \"ما\".\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- سقط من: خ.\n[¬٥]- في ز، خ: \"ابن أبي\".\n[¬٦]- سقط من: ت.\n[¬٧]- في خ: \"أعتقتك\".\n[¬٨]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٩]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬١٠]- سقط من خ.","vol":"7","page":373},{"text":"الصنف] [¬١] الثاني، [قال] [¬٢] فيقول: عبدي لماذا [¬٣] عملت؟ فيقول: يارب، خلقت نارًا، وخلقت أغلالها وسعيرها، وسمومها ويحمومها، وما أعددت لأعدائك وأهل معصيتك فيها، فأسهرت ليلي وأظمأت نهاري خوفًا منها. فيقول: عبدي، إنما عملت ذلك خوفًا من ناري، فإني قد أعتقتك من النار، ومن فضلي عليك أن أدخلك جنتي. فيدخل هو ومن معه الجنة. ثم يؤتى برجل من الصنف الثالث. فيقول: عبدي لماذا عملت؟ فيقول: رب حبًّا لك، وشوقا إليك، وعزتك، لقد أسهرت ليلي وأظمأت نهاري شوقًا إليك وحبًّا لك. فيقول ﵎: عبدي إنما عملت حُبًّا لي وشوقًا إلى، فيتجلى له الرب ﷻ ويقول: هأنذا [فانظر] [¬٤] إلي. ثم يقول: من فضلي عليك أن أعتقك من النار، وأبيحك جنتي، وأزيرك ملائكتي، وأسلم عليك بنفسي. فيدخل هو ومن معه الجنة.\n﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٦١)﴾\nيخبر تعالى نبيه ﷺ: أنه يعلم جميع أحواله وأحوال أمته وجميع الخلائق، في كل ساعة وآن [¬٥] ولحظة، وأنه لا يعزب عن علمه وبصره مثقالُ ذرّة في حقارتها وصغرها في السموات [ولا في الأرض] [¬٦]، ولا أصغر منها ولا أكبر إلا في كتاب مبين، كقوله: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ فأخبر تعالى أنه يعلم حركة الأشجار وغيرها من الجمادات، وكذلك الدواب السارحة في قوله: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾. وقال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾.\nفإذا [¬٧] كان هذا علمه بحركات هذه الأشياء، فكيف بعلمه [¬٨] بحركات المكلفين المأمورين بالعبادة، كما قال تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (٢١٧) الَّذِي يَرَاكَ حِينَ\n_________\n[¬١]- فى ز: \"بالصنف\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من خ.\n[¬٣]- في ز: \"لما\".\n[¬٤]- في ز: \"انظر\".\n[¬٥]- في ت: \"وأوان\".\n[¬٦]- في ت: \"والأرض\".\n[¬٧]- في خ: \"وإذا\".\n[¬٨]- في خ: \"علمه\".","vol":"7","page":374},{"text":"تَقُومُ (٢١٨) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾، ولهذا قال تعالى ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ أي: إذ تأخذون في ذلك الشئ نحن مشاهدون لكم راءون سامعون، ولهذا قال ﷺ لما سأله جبريل عن الإِحسان (^٥٢): \" أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه، فإنه يراك\".\n﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣) لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٦٤)﴾\nيخبر تعالى أن أولياءه هم الذين آمنوا وكانوا يتقون كما فسرهم ربهم، فكل من كان تقيًّا كان لله وليًّا ذ [¬١] ﴿لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ أي [¬٢]: فيما يستقبلونه [¬٣] من أهوال الآخرة [¬٤] ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ على ما وراءهم في الدنيا.\nوقال عبد الله بن مسعود (^٥٣) وابن عباس (^٥٤) وغير واحد من السلف: أولياء الله الذين إذا رءوا ذكر الله.\nوقد ورد هذا في حديث مرفوع، كما قال البزار (^٥٥):\n_________\n(^٥٢) - صحيح، تقدم تخريجه [سورة الأعراف/ آية ١٨٧].\n(^٥٣) - إسناده ضعيف، أخرجه ابن جرير (١١/ ١٣١) عن سفيان بن وكيع، ثنا زيد بن الحباب عن حبيب ابن أبي ثابت عن أبي وائل عن عبد الله فذكره، وسفيان بن وكيع ساقط الحديث، وقد رواه القاسم بن محمد ابن أبي شيبة عن زيد بن الحباب به مرفوعًا، أخرجه الطبرانى \"المعجم الكبير\" (١٠/ ١٠٤٧٦) والقاسم هذا واه متروك الحديث.\n(^٥٤) - إسناده ضعيف، أخرجه ابن جرير (١١/ ١٣١) وفي إسناده محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى وهو ضعيف.\n(^٥٥) - ذكره الهيثمي في \"المجمع\" (١٠/ ٨١) قال: \"رواه البزار عن شيخه على بن حرب الرازي ولم أعرفه وبقية رجاله وثقوا\"، وأخرجه ابن المبارك في \"الزهد\" (٢١٨) من طريق محمد بن سعيد به، والنسائي في\"التفسير\" (٦/ ١١٢٣٥) من طريق عثمان نا يعقوب به، وأخرجه الطبرانى في \"الكبير\" (١٢/ ١٢٣٢٥) ومن طريقه أبو نعيم في \"أخبار أصبهان\" (١/ ٢٣٠، ٢٣١)، والمقدسي في \"المختارة\" (١٠/ رقم ١٠٤) عن أشعث بن إسحاق عن جعفر بن أبي المغيرة به، ومن هذا الطريق ذكره الهيثمي=\n_________\n[¬١]- في ز: \" أنه\".\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- في ز: \"يستقبلون\".\n[¬٤]- في ز: \"القيامة\".","vol":"7","page":375},{"text":"حدثنا على بن حرب الرازي، حدثنا محمد بن سعيد بن سابق، حدثنا يعقوب بن عبد الله الأشعري وهو القمي، في جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال رجل: يا رسول الله، من أولياء الله؟ قال: \"الذين إذا رءوا ذكر الله\". ثم قال البزار: وقد روي عن سعيد مرسلًا (^٥٦).\nوقال ابن جرير (^٥٧): حدثنا أبو هشام الرفاعي، حدثنا ابن [¬١] فضيل، حدثنا أبي، عن عمارة بن القعقاع، عن أبي زرعة بن [¬٢] عمرو بن جرير البجلي، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن من عباد الله عبادًا يغبطهم الأنبياء والشهداء\". قيل: من هم يا رسول الله، لعلَّنا نحبهم؟ قال: \"هم قوم تحابوا في الله من غير أموال ولا أنساب، وجوههم نور على منابرَ من نور، لا يخافون إذا خاف الناس، ولا يحزنون إذا حزن الناس\". ثم قرأ: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾.\n_________\n= في \"المجمع\" وقال: \"رواه الطبراني ورجاله ثقات\" قلت: جعفر هذا، صدوق بهم - كما في \"التقريب\" - وقد اختلف عليه فيه فروي عنه عن سعيد بن جبير موصولًا - كما تقدم - ومرسلًا - وهو الآتي.\n(^٥٦) - أخرجه ابن جرير (١١/ ١٣١، ١٣٢)، وتابع جعفر بن أبي المغيرة على إرساله سهل أبو أسد القراري الحنفى - وهو ثقة - أخرجه ابن جرير أيضًا وابن المبارك في \"الزهد\" (٢١٧)، وأخرجه أبو نعيم في \"الحلية\" (١/ ٦) (٧/ ٢٣١) من طريق بكير بن الأخنس عن سعيد مرسلًا، وبهذا الإرسال أعل الشيخ الألباني الحديث في \"الصحيحة\" (٤/ ١٧٣٣) - وقد كان حسنه عند رقم (٤/ ١٦٤٦) - لكنه ظن أن طريق البزار ليس فيها - جعفر بن أبي المغيرة، فقال بعد كلام الهيثمي المذكور أولًا - فالظاهر أنه من طريق أخرى غير الأولى فالحديث به يتقوى، وعلى بن حرب الرازي لعله الطائي الرازي فإنه من هذه الطبقة، وهو صدوق فاضل، والله أعلم\"، كذا قال الشيخ، وقد تبين أن إسناد البزار الموصول فيه جعفر بن أبي المغيرة وهو سبب إعلال الحديث، والصحيح في الحديث الإرسال والله أعلم.\n(^٥٧) - \" التفسير\" لابن جرير (١١/ ١٣٢)، وأخراجه النسائى في \"التفسير\" من الكبرى (٦/ ١١٢٣٦)، والبيهقي في \"الشعب\" (٦/ ٨٩٩٧) من طريقين عن محمد بن فضيل به، وقد رواه ابن فضيل عن عمارة بن القعقاع مباشرة دون واسطة أبيه، أخرجه أبو يعلى (١٠/ ٦١١٠)، وعنه ابن حبان (٢/ ٥٧٣ - الإحسان) و(٨/ ٢٥٠٨ - موارد) وهذا إسناد حسن إلا أن البيهقي أعله فقال: \"كذا قال عن أبي هريرة، وهو وهم، والمحفوظ عن أبي زرعة عن عمر بن الخطاب - يأتي بعد هذا الحديث -، وأبو زرعة عن عمر مرسلًا\".\nوله طريق آخر عن أبي هريرة أخرجه البزاز (٢/ ٢٣١٠ - مختصر الزوائد) لكن فى إسناده جهالة كما قال ابن حجر، ومن قبله قال شيخه الهيثمي في \"المجمع\" (١٠/ ٢٨٠): \"فيه من لم أعرفهم\". والحديث زاد نسبته السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ٥٥٧) إلى ابن أبي الدنيا وابن المنذر وأبي الشيخ وابن مردويه.\n_________\n[¬١]- فى ز: \"أبو\".\n[¬٢]- في ت: \"عن\".","vol":"7","page":376},{"text":"ثم رواه أيضًا (^٥٨) أبو [¬١] داود من حديث جرير، عن عمارة بن القعقاع، عن أبي زرعة ابن عمرو بن جرير، عن عمر بن الخطاب ﵁، عن النبي ﷺ بمثله.\nوهذا أيضًا إسناد جيد إلا أنه منقطع بين أبي زرعة وعمر بن الخطاب، والله أعلم.\nوفي حديث الإِمام أحمد (^٥٩): عن أبي النضر، عن عبد الحميد بن بهرام، عن شهر بن حوشب، عن عبد الرحمن بن غنم، عن أبي مالك الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ: \"يأتي من أفناء الناس ونوازع القبائل قوم لم تتصل بينهم أرحام متقاربة، تحابوا في الله وتصافوا في الله، يضع الله لهم يوم [¬٢]، القيامة منابر من نور فيجلسهم عليها، يفزع الناس ولا يفزعون، وهم أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون\". والحديث متطول.\n_________\n(^٥٨) - \" التفسير\" لابن جرير (١١/ ١٣٢)، وأبو داود، كتاب: البيوع، باب: في الرهن (٣٥٢٧)، وابن أبي حاتم (٦/ ١٠٤٥٣)، والبيهقي في \"الشعب\" (٦/ ٨٩٩٨)، وأخرجه البيهقي أيضًا (٨٩٩٩)، وأبو نعيم فى \"الحلية\" (١/ ٥) من طريق قيس بن الربيع ثنا عمارة بن القعقاع به، وأخرجه هناد في \"الزهد\" (٢/ ٤٧٤) من طريق عمرو بن مرة عن طلق عن عمر بن الخطاب فذكره بنحوه، لكن قال أبو زرعة - كما في \"جامع التحصيل\" للعلائي (ص ٢٠٢) -: \"طلق بن حبيب عن عمر ﵁ مرسل\"، والحديث زاد نسبته السيوطي فى \"الدر المنثور\" (٣/ ٥٥٧) إلى ابن مردويه.\n(^٥٩) - \" المسند\" (٢٣٠١٣) (٥/ ٣٤٣)، وأخرجه ابن المبارك في \"الزهد\" (٧١٤)، وابن جرير (١١/ ١٣٢) وابن أبي حاتم (٦/ ١٠٤٥٢) من طريق عبد الحميد بن بهرام به، وأخرجه عبد الرزاق في \"المصنف\" (١١/ ٢٠٣٢٤) ومن طريقه الطبراني في \"الكبير\" (٣/ ٣٤٣٣)، والبيهقي في \"الشعب\" (٦/ ٩٠٠١) عن معمر عن ابن أبى حسين عن شهر بن حوشب عن أبي مالك الأشعري فذكره بنحوه وأخرجه الطبراني (٣٤٣٤) من طريق آخر عن شهر بن حوشب عن أبي مالك وليس فيه عبد الرحمن بن غَنم، وأخرجه أبو يعلى (١٢/ ٦٨٤٢)، والطبراني (٣٤٣٥) من طريق أبي المنهال ثنا شهر بن حوشب قال: كان منا رجل معشر الأشعريين .... يقال له مالك أو ابن مالك ثم ذكر الحديث، وشهر بن حوشب فيه ضعف يسير، قال عنه الحافظ فى \"التقريب\": صدوق كثير الإرسال والأوهام، وذكره المنذري في \"الترغيب والترهيب\" (٤/ ٢٢،٢١) وقال: \"رواه أحمد وأبو يعلى بإسناد حسن والحاكم وقال: صحيح الإسناد\" وذكره الهيثمي في \"المجمع\" (١٠/ ٢٧٩، ٢٨٠) وقال: \"رواه كله أحمد والطبراني بنحوه .... ورجاله وثقوا\" وقال عن رواية أبي يعلى: \" … رجاله رجال الصحيح غير شهر بن حوشب وقد وثقه غير واحد\" والحديث زاد نسبته السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ٥٥٨) إلى ابن أبي الدنيا فى \"كتاب الإخوان\" وابن مردويه.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"وأبو\".\n[¬٢]- في ز: \"في\".","vol":"7","page":377},{"text":"وقال الإمام أحمد (^٦٠): حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا سفيان، عن الأعمش، عن ذكوان أبي صالح، عن رجل، عن أبي الدرداء ﵁، عن النبي ﷺ في قوله: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ قال: \"الرؤيا الصالحة، يراها المسلم أو تُرى له\".\nوقال ابن جرير (^٦١): حدثني أبو السائب، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن عطاء بن يسار، عن رجل من أهل مصر، عن أبي الدرداء في قوله: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ قال: سأل رجل أبا [¬١]، الدرداء عن هذه الآية فقال: لقد سألت عن شئ ما سمعت أحدًا [¬٢] سأل عنه بعد رجل سأل [¬٣] عنه رسول الله ﷺ، فقال [¬٤]: \"هي الرؤيا الصالحة، يراها الرجل المسلم أو تُرى له، بشراه في الحياة الدنيا، وبشراه في الآخرة الجنة [¬٥] \". ثم رواه ابن جرير (^٦٢) [من حديث] [¬٦] سفيان عن ابن [¬٧] المنكدر عن عطاء بن يسار، عن رجل من أهل مصر: أنه سأل أبا الدرداء عن هذه الآية فذكر نحو ما تقدم.\nثم [¬٨] قال ابن جرير (^٦٣): حدثني المثنى، حدثنا حجاج بن منهال، حدثنا حماد بن\n_________\n(^٦٠) - إسناده في جهالة، \"المسند\" (٢٧٦١٧) (٦/ ٤٤٥) ومن طريق عبد الرزاق أخرجه ابن جرير (١١/ ١٣٥)، وانظر ما بعده.\n(^٦١) - كسابقه، تفسير ابن جرير (١١/ ١٣٤)، وأخرجه أحمد (٢٧٦٦٣) (٦/ ٤٥٢) ثنا أبو معاوية به، وأخرجه أيضًا (٢٧٦٢٧) (٦/ ٤٤٧)، وابن جرير (١١/ ١٣٥) وابن أبي شيبة في \"المصنف\" كتاب: الإيمان والرؤيا، باب: ما قالوا في تعبير الرؤيا (٧/ ٢٣٠)، والبيهقي في \"الشعب\" (٤/ ٤٧٥١)، وعلقه ابن عبد البر في \"التمهيد\" (٥/ ٥٩) من طرق عن الأعمش به، وتابعه عبد العزيز بن رفيع عن أبي صالح به أخرجه أحمد (٢٧٦٢٨) (٦/ ٤٤٧)، والترمذي، كتاب: تفسير القرآن، باب: ومن سورة يونس (٣١٠٥)، وابن جرير (١١/ ١٣٦)، والحاكم (٤/ ٣٩١) شاهدًا، والحميدي في مسنده (٣٩١، ٣٩٢) ومن طريقه البيهقي في \"الشعب\" (٤٧٥٢)، وابن عبد البر في \"التمهيد\" وقال: \"هذا حديث حسن في التفسير المرفوع صحيح من نقل أهل المدينة، وفيه جهالة لكن له طريق موصول يأتي (٦٣).\n(^٦٢) - كسابقه، تفسير ابن جرير (١١/ ١٣٤)، وأحمد (٢٧٦٢٨) (٦/ ٤٤٧)، والترمذى، كتاب: الرؤيا، باب: قوله: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ (٢٢٧٤)، (٣١٠٥) وحسنه، وانظر ما بعده، وما قبله.\n(^٦٣) - إسناده حسن من أجل عاصم بن بهدلة، تفسير ابن جرير (١١/ ١٣٦)، وأخرجه أيضًا، وابن=\n_________\n[¬١]- في ز: \"أبو\".\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في ز: \"سألت\".\n[¬٤]- في ز: \"قال\".\n[¬٥]- سقص من: ز، خ.\n[¬٦]- في خ: \"عن\".\n[¬٧]- في خ: \"أبي\".\n[¬٨]- في ز: \"و\".","vol":"7","page":378},{"text":"زيد، عن عاصم بن بهدلة، عن أبي صالح قال: سمعت أبا الدرداء سئل عن [هذه الآية] [¬١] ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣) لَهُمُ الْبُشْرَى﴾ فذكر نحوه سواء.\nوقال الإِمام أحمد (^٦٤): حدثنا عفان حدثنا أبان، حدثنا يحيى، عن أبي سلمة، عن عبادة بن الصامت: أنه سأل رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، أرأيت قول الله تعالى: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ فقال: \"لقد سألتني عن شيء ما سألني عنه أحد من أمّتي - أو قال [¬٢]: \"أحد قبلك\" قال [¬٣]: \"تلك الرؤيا الصالحة، يراها الرجل الصالح أو تُرى له\".\nوكذا رواه أبو داود الطيالسي (^٦٥) عن عمران القطان، عن يحيى بن أبي كثير به.\nورواه الأوزاعي (^٦٦): عن يحيى بن أبي كثير فذكره، ورواه على بن المبارك (^٦٧)، عن يحيى، عن أبي سلمة قال: نبئنا عن عبادة بن الصامت: سأل رسول الله ﷺ عن هذه الآية فذكره.\nوقال ابن جرير (^٦٨): حدثني أبو حميد الحمصي، حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا عمر بن\n_________\n= أبي شيبة في \"المصنف\" (٧/ ٢٣١) ثنا أبو بكر بن عياش، عن عاصم به.\n(^٦٤) - إسناده فيه انقطاع بين أبي سلمة وعبادة، \"المسند\" (٢٢٧٩١) (٥/ ٣١٥)، وأخرجه الدارمي، كتاب: الرؤيا، باب: في قوله تعالى: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ (٢١٤٢)، وابن جرير (١١/ ١٣٤، ١٣٦) من طريق أبان به، وانظر ما بعده.\n(^٦٥) - كسابقه، لم أقف عليه في \"المطبوع\" من مسنده، وأخرجه من طريقه الترمذي، كتاب: الرؤيا، باب: قوله: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ (٢٢٧٦) مقرونًا بـ \"عمران القطان\" حرب بن شداد، وطريق حرب أخرجه الطيالسي (٥٨٣)، وأحمد (٢٢٨٤٥) (٥/ ٣٢١)، والحاكم (٤/ ٣٩١)، والبيهقي في \"الشعب\" (٤/ ٤٧٥٣)، وقال الترمذي: \"حديث حسن\". والحاكم وقال: \"حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه\" ووافقه الذهبي، كذا قالوا، وقد أفاد المزي في ترجمة \"أبي سلمة بن عبد الرحمن\" أنه لم يسمع من عبادة بن الصامت والله تعالى أعلم.\n(^٦٦) - أخرجه ابن جرير (١١/ ١٣٣، ١٣٥).\n(^٦٧) - أخرجه أحمد (٢٢٧٩٠) (٥/ ٣١٥)، وابن ماجة، كتاب: تعبير الرؤيا، باب: الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو تُرى له (٣٨٩٨)، وابن جرير (١١/ ١٣٤، ١٣٦) - وفي المطبوع منه تحريفات مزرية نبه عليها العلامة محمود شاكر عند تحقيقه له (١٧٧٢١) - والحاكم (٢/ ٣٤٠) وقال: \"حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه\" ووافقه الذهبي، وقد تبين لك ما فيه، فانظر ما تقدم قبله.\n(^٦٨) - تفسير ابن جرير (١١/ ١٣٤)، وأخرجه ابن أبي عاصم في \"السنة\" (١/ ٤٨٧) من طريق صفوان =\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- سقط من: ت.","vol":"7","page":379},{"text":"عمرو بن عبد الأحموسي عن حميد بن عبد الله المزني قال: أتى رجل عبادة بن الصامت فقال: آية في كتاب الله أسألك عنها: قول الله تعالى: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾؟ فقال عبادة: ما سألني عنها أحد قبلك، سألت عنها نبي الله؟ فقال مثل ذلك: \"ما سألني عنها أحد قبلك، الرؤيا الصالحة يراها العبد المؤمن في المنام أو تُرى له\".\nثم رواه (^٦٩) من حديث موسى بن عبيدة، عن أيوب بن خالد بن صفوان، عن عبادة بن الصامت؛ أنه قال لرسول الله ﵌: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ فقد عرفنا بشرى الآخرة الجنة، فما بشرى الدنيا؟ قال: \"الرؤيا الصالحة يراها العبد المؤمن [¬١] أو ترى له، وهي جزء من أربعة وأربعين جزءًا أو سبعين جزءًا من النبوة\".\nوقال الإِمام أحمد أيضًا (^٧٠): حدثنا بهز، حدثنا حماد، حدثنا أبو عمران، عن عبد الله ابن الصامت، عن أبي ذر أنه قال: يا رسول الله؛ الرجل يعمل العمل ويحمده الناس عليه، ويثنون عليه به؟ فقال رسول الله ﷺ: \"تلك عاجل بشرى المؤمن\". رواه مسلم.\nوقال أحمد أيضًا (^٧١): حدثنا حسن - يعني الأشيب - حدثنا ابن لهيعة، حدثنا دراج، عن عبد الرحمن بن جبير، عن عبد الله بن عمرو، عن رسول الله ﷺ أنه قال: \" ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ - قال - الرؤيا الصالحة يُبَشَّرُها المؤمن هي جزء [¬٢] من تسعة وأربعين جزءًا من النبوة، فمن رأى ذلك [¬٣] فليخبر بها، ومن\n_________\n= ابن عمرو عن حميد بن عبد الرحمن فذكره بزيادة فيه، كذا وقع \"حميد بن عبد الرحمن\" وهو ثقة، إلا أن الشيخ الألباني أفاد أن راوى هذا الحديث إنما هو حميد بن عبد الله، وأن حميد بن عبد الرحمن خطأ من ناسخ الكتاب، وقد صححه الشيخ أيضًا في \"الصحيحة\" (٤/ ١٧٨٦).\n(^٦٩) - إسناده ضعيف، (١١/ ١٣٥)، وموسى بن عبيدة ضعيف، وأيوب بن خالد، لم أقف على من صرح بأن له رواية عن عبادة بن الصامت، والله أعلم.\n(^٧٠) - صحيح، (٢١٤٥٩) (٥/ ١٥٦)، وأخرجه أيضًا (٢١٥٥٨) (٥/ ١٦٨)، ومسلم، كتاب: البر والصلة والآداب، باب: إذا أثنى على الصالح فهى بشرى ولا تضره (١٦٦) (٢٦٤٢)، وابن ماجة، كتاب: الزهد، باب: الثناء الحسن (٤٢٢٥) من طريق أبي عمران الجوني به.\n(^٧١) - إسناده ضعيف لضعف ابن لهيعة، \"المسند\" (٢/ ٢١٩ - ٢٢٠) وذكره الهيثمي في \"المجمع\" (٧/ ١٧٨) وقال: \"رواه أحمد من طريق ابن لهيعة عن دراج وحديثهما حسن، وفيهما ضعف، =\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.","vol":"7","page":380},{"text":"رأى سوى ذلك فإنما هو من الشيطان ليحزنه، فلينفث عن يساره ثلاثًا، وليسكتْ (*) ولا يخبر بها أحدًا\". لم يخرجوه.\nوقال ابن جرير (^٧٢): حدثني يونس، أنبأنا ابن وهب، حدثني عمرو بن الحارث، أن دراجًا أبا السمح حدثه، عن عبد الرحمن بن جبير، عن عبد الله بن عمرو، عن رسول الله ﷺ أنه قال: \" ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ الرؤيا الصالحة يشربها (**) المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة\".\nوقال أيضًا (^٧٣): حدثني محمد بن حاتم المؤدب، حدثنا عمار بن محمد، حدثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ قال: \"هي في الدنيا الرؤيا الصالحة يراها العبد أو ترى له، وهي في الآخرة الجنة\".\nثم رواه (^٧٤) عن أبي كريب، عن أبي بكر بن عياش، عن أبي حصين، عن أبي صالح، عن أبي هريرة أنه قال: الرؤيا الحسنة بشرى من الله، وهي من المبشرات.\nهكذا رواه من هذه الطريق موقوفًا.\nوقال أيضًا (^٧٥): حدثنا أبو كريب، حدثنا أبو بكر، حدثنا هشام، عن ابن سيرين، عن\n_________\n= وبقية رجاله ثقات\" وانظر ما بعده.\n(*) في (خ، ز): \"وليكبر\"، والمثبت من المسند وهو أشبه بالصواب\".\n(^٧٢) - إسناده حسن من أجل دراج أبي السمح، تفسير ابن جرير (١/ ١٣٧)، وأخرجه البيهقي في \"الشعب\" (٤/ ٤٧٦٤) من طريق ابن وهب به مطولًا، وله طريق آخر عند ابن جرير (١١/ ١٣٥) وفي إسناده رشدين بن سعد وهو ضعيف. وزاد نسبته السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ٥٥٩) إلى أبي الشيخ وابن مردويه.\n(**) في (خ، ز): \"يبشرها\"، والمثبت من ابن جرير.\n(^٧٣) - تفسير ابن جرير (١١/ ١٣٥)، وعمار بن محمد صدوق يخطئ، كما في \"التقريب\"، وأخرجه مسلم، كتاب: الرؤيا (٨) (٢٢٦٣)، وأحمد (٢/ ٤٩٥) من طريق الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة مرفوعًا بلفظ \"رؤيا المسلم يراها أو ترى له، جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة\".\n(^٧٤) - تفسير ابن جرير (١١/ ١٣٥)، وأخرجه ابن أبي شيبة في \"المصنف\"، كتاب: الرؤيا، باب: ما قالوا في تعبير الرؤيا (٧/ ٢٣١) ثنا أبو بكر بن عياش بهذا الإسناد، وأخرج البخاري، كتاب: التعبير، باب: المبشرات (٦٩٩٠) عن أبي هريرة مرفوعًا \"لم يبق من النبوة إلا المبشرات\". قالوا وما المبشرات؟ قال: \"الرؤيا الصالحة\".\n(^٧٥) - صحيح، تفسير ابن جرير (١١/ ١٣٤ - ١٣٥)، وأخرج البخاري (٧٠١٧)، ومسلم (٦) (٢٢٦٣) وغيرهما من طريق محمد بن سيرين عن أبي هريرة مرفوعًا - ضمن حديث طويل -: \" … فالرؤيا الصالحة بشرى من الله .... \".","vol":"7","page":381},{"text":"أبي هريرة؛ قال - قال رسول الله ﷺ: \"الرؤيا الحسنة هي البشرى يراها المسلم أو ترى له\".\nوقال ابن جرير (^٧٦): حدثني أحمد بن حماد الدولابي، حدثنا سفيان، عن عبيد الله بن أبي يزيد، عن أبيه، عن سباع بن ثابت، عن أم كرز الكعبية، سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"ذهبت النبوة وبقيت المبشرات\".\nوهكذا روي عن ابن مسعود (^٧٧) وأبي هريرة (^٧٨)، وابن عباس (^٧٩) ومجاهد، وعروة بن الزبير، ويحيى بن أبي كثير، وإبراهيم النخعي، وعطاء بن أبي رباح وغيرهم [¬١]؛ أنهم فسروا ذلك بالرؤيا الصالحة.\nوقيل: المراد بذلك [¬٢] بشرى الملائكةِ للمؤمن عند احتضاره بالجنة والمغفرة، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾.\nوفي حديث البراء (^٨٠) ﵁ أن المؤمن إذا حضره الموت، جاءه ملائكة بيض الوجوه، بيض الثياب، فقالوا: اخرجي أيتها الروح الطيبة؛ إلى روح وريحان ورب غير غضبان، فتخرج من فمه كما تسيل القطرة من فم السقاء.\nوأما بشراهم في الآخرة فكما قال تعالى: ﴿لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى\n_________\n(^٧٦) - صحيح، تفسير ابن جرير (١١/ ١٣٥)، وأخرجه الحميدي (٣٤٨) - ومن طريقه ابن عبد البر في \"التمهيد\" (٥/ ٥٧)، وأحمد (٢٧٢٥٢) (٦/ ٣٨١)، وابن ماجة، كتاب: تعبير الرؤيا، باب: الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له (٣٨٩٦)، والدارمي (٢١٤٤) من طريق سفيان بن عيينة به وقال البوصيري في \"الزوائد\" (٣/ ٢١٢) \"هذا إسناد صحيح رجاله ثقات\" وصححه ابن حبان (١٣/ ٦٠٤٧)، وأبو زيد والد عبيد الله وهو الملكي لم يرو عنه غير ابنه، ووثقه ابن حبان (٧/ ٦٥٧) والعجلي (ت ٢٠٦٦) وكلاهما معروف بتساهله، لكن يشهد له حديث أبي هريرة المتقدم تخريجه - تحت رقم (٧٤).\n(^٧٧) - صحيح موقوف، أخرجه ابن جرير (١١/ ١٣٧).\n(^٧٨) - تقدم برقم (٧٤).\n(^٧٩) - أخرجه ابن جرير (١١/ ١٣٧)، وابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٧/ ٢٣٢) من طريق جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد بن جبير عنه، وأخرجه ابن جرير من طريق على بن أبي طلحة عنه به.\n(^٨٠) - صحيح، يأتى (سورة إبراهيم/ آية ٢٧).\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في ز: \"من ذلك\".","vol":"7","page":382},{"text":"نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾.\nوقوله: ﴿لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ﴾ أي: هذا الوعد لا يبدل ولا يخلف ولا يغير، بل هو مقرر مثبت كائن لا محالة ﴿ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾.\n﴿وَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦٥) أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (٦٦) هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (٦٧)﴾\nيقول تعالى لرسوله ﷺ: ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ﴾ قول هؤلاء المشركين واستعن بالله عليهم وتوكل عليه، فـ ﴿إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ أي: جميعها له ولرسوله وللمؤمنين ﴿هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ أي: السميع لأقوال عباده، [العليم بأحوالهم] [¬١].\nثم أخبر تعالى أن له ملك السموات والأرض، وأن المشركين يعبدون الأصنام، وهي لا تملك شيئًا، لا ضرًّا ولا نفعًا، ولا دليل لهم على عبادتها، بل إنما يتبعون في ذلك ظنونهم وتخرصهم وكذبهم وإفكهم.\nثم أخبر أنه الذي جعل لعباده الليل ليسكنوا فيه، أي: يستريحون فيه من نصبهم وكلالهم وحركاتهم ﴿وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾ أي: مضيئًا لمعاشهم وسعيهم وأسفارهم ومصالحهم ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ أي: يسمعون هذه الحجج والأدلة فيعتبرون بها، ويستدلون على عظمة خالقها ومقدرها ومسيرها.\n﴿قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٦٨) قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (٦٩) مَتَاعٌ فِي\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ز: \"عليم بهم\".","vol":"7","page":383},{"text":"الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (٧٠)﴾\nيقول تعالى منكرًا على من ادعى أن له ولدًا ﴿سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ﴾ أي: تقدس عن ذلك، هو الغني عن كل ما سواه، وكل شيء فقير إليه ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ أي: فكيف يكون [¬١] له ولد مما خلق، وكل شيء مملوك له عبد له ﴿إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا﴾ أي: ليس عندكم دليل على ما تقولونه من الكذب والبهتان ﴿أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ إنكار ووعيد أكيد وتهديد شديد، كقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (٨٨) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (٨٩) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (٩١) وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (٩٢) إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (٩٤) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾.\nثم توعد تعالى الكاذبين عليه المفترين، ممن زعم أن له ولدًا، بأنهم لا يفلحون في الدنيا ولا في الآخرة، فأما في الدنيا فإنهم إذا استدرجهم وأملى لهم متعهم قليلًا ثم يضطرهم [¬٢] إلى عذاب غليظ، كما قال تعالى هاهنا: ﴿مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا﴾ أي: مدة قريبة ﴿ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ﴾ أي: يوم القيامة ﴿ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ﴾ أي: الموجع المؤلم ﴿بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾ أي: بسبب كفرهم وافترائهم وكذبهم على الله فيما ادعوه من الإِفك والزور.\n﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ (٧١) فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٧٢) فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلَائِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ (٧٣)﴾\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.","vol":"7","page":384},{"text":"يقول تعالى لنبيه - صلوات الله وسلامه عليه -: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ﴾ أي: أخبرهم واقصص ﴿عَلَيْهِمْ﴾، أي: على كفار مكة الذين يكذبونك ويخالفونك ﴿نَبَأَ نُوحٍ﴾ أي: خبره مع قومه الذين كذبوه، كيف أهلكهم الله ودمرهم بالغرق أجمعين عن آخرهم، ليحذر هؤلاء أن يصيبهم من الهلاك والدمار ما أصاب أولئك ﴿إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ﴾ أي: عَظُمَ عليكم ﴿مَقَامِي﴾ أي: فيكم بين أظهركم ﴿وَتَذْكِيرِي﴾ إياكم ﴿بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ أي: بحججه وبراهينه ﴿فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ﴾ أي: فإنى لا أبالي ولا أكف [¬١] عنكم، سواء عظم عليكم أو لا ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ﴾ أي: فاجتمعوا أنتم وشركاؤكم الذين تدعون من دون الله من صنم ووثن ﴿ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً﴾ أي: ولا تجعلوا أمركم عليكم [¬٢] ملتبسًا، بل افصلوا حالكم معي، فإن كنتم تزعمون أنكم محقون ﴿ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ﴾ أي: ولا تؤخروني ساعة واحدة، أي: مهما قدرتم فافعلوا فإني لا أباليكم [¬٣] ولا أخاف منكم؛ لأنكم [¬٤] لستم على شيء، كما قال هود لقومه: ﴿إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٥٤) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ (٥٥) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.\nوقوله [¬٥]: ﴿فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾ أي: كذبتم وأدبرتم عن الطاعة ﴿فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ﴾ أي: لم أطلب منكم على نصحي إياكم شيئًا ﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ أي: [وأنا ممتثل] [¬٦] ما أمرت به من الإِسلام لله ﷿ والإِسلام هو دين جميع الأنبياء من أولهم إلى آخرهم، وإن تنوعت شرائعهم وتعددت مناهجهم، كما قال تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ قال ابن عباس (^٨١): سبيلًا وسنة.\nفهذا نوح يقول: ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾، وقال تعالى عن إبراهيم الخليل: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٣١) وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، وقال يوسف: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾، وقال موسى: ﴿يَاقَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾، وقالت السحرة: ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾، وقالت بلقيس: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ\n_________\n(^٨١) - تقدم (المائدة/ آية ٤٨).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"أفكر\".\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في ز: \"أبالكم\".\n[¬٤]- في ز: \"أنكم\".\n[¬٥]- سقط من: ز.\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين في ز: \"اتل متثل\".","vol":"7","page":385},{"text":"الْعَالَمِينَ﴾، وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا﴾، وقال تعالى: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾، وقال خاتم الرسل وسيد البشر ﷺ: ﴿إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ أي: من هذه الأمة، ولهذا قال في الحديث الثابت عنه (^٨٢): \" نحن - معاشر الأنبياء - أولاد علّات، و[¬١] ديننا واحد\". أي: هو عبادة الله وحده لا شريك له وإن تنوعت شرائعنا، وذلك معنى قوله: \"أولاد علّات\"، وهم الإِخوة من أمّهات شتى والأب واحد.\nوقوله تعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ﴾ أي: على دينه ﴿فِي الْفُلْكِ﴾ وهي السفينة ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ خَلَائِفَ﴾ أي: في الأرض ﴿وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ﴾ أي: يا محمد؛ كيف أنجينا المؤمنين وأهلكنا المكذبين.\n﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ (٧٤)﴾\nيقول تعالى: ثم بعثنا من بعد [] [¬٢] نوح ﴿رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ أي: بالحجج والأدلة والبراهين على صدق ما جاءوهم به ﴿فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ﴾ أي: فما كانت الأم لتؤمن بما جاءتهم به رسلهم؛ بسبب تكذيبهم إياهم أول ما أرسلوا إليهم، كقوله تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾.\nوقوله: ﴿كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ﴾ أي: كما طبع الله على قلوب هؤلاء فما آمنوا بسبب تكذيبهم المتقدم، هكذا يطبع الله على قلوب من أشبههم ممن [¬٣] بعدهم، ويختم على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم.\nوالمراد أن الله تعالى أهلك الأمم المكذبة للرسل، وأنجى من آمن بهم، وذلك من بعد نوح\n_________\n(^٨٢) - أخرجه البخاري، كتاب: الأنبياء، باب: قول الله: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا﴾ (٣٤٤٢)، ومسلم، كتاب: الفضائل، باب: فضائل عيسى ﵇ (١٤٣، ١٤٤، ١٤٥) (٢٣٦٥)، وأحمد (٢/ ٣١٩، ٤٣٧، ٤٦٣، ٤٨٢، ٥٤١) من حديث أبي هريرة.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز: \"قوم\".\n[¬٣]- في ز: \"من\".","vol":"7","page":386},{"text":"﵇ فإن الناس كانوا من قبله من [¬١] زمان آدم ﵇[على الإِسلام] [¬٢]، إلى أن أحدث الناس عبادة الأصنام، فبعث الله إليهم نوحًا ﵇ ولهذا يقول له المؤمنون يوم القيامة: \"أنت أول رسول بعثه اللّه إلى أهل الأرض\" (^٨٣).\nقال [¬٣] ابن عباس (^٨٤): كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على الإِسلام.\nوقال الله تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾. وفي هذا إنذار عظيم لمشركي العرب الذين كذبوا سيد [¬٤] الرسل وخاتم الأنبياء والمرسلين، فإنه إذا كان قد [¬٥] أصاب من كذب بتلك [¬٦] الرسل ما ذكره الله تعالى من العقاب والنكال، فماذا ظن هؤلاء وقد ارتكبوا أكبر من أولئك؟.\n﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى وَهَارُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ بِآيَاتِنَا فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ (٧٥) فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ (٧٦) قَالَ مُوسَى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ أَسِحْرٌ هَذَا وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ (٧٧) قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ (٧٨)﴾\nيقول تعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا﴾ من بعد تلك الرسل ﴿مُوسَى وَهَارُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ﴾ أي: قومه ﴿بِآيَاتِنَا﴾ أي: حججنا وبراهيننا ﴿فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾ أي: استكبروا عن اتباع الحق والانقياد له، [وكانوا قومًا مجرمين] [¬٧] ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ\n_________\n(^٨٣) - أخرجه البخاري، كتاب: التفسير، باب: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ (٤٧١٢)، ومسلم، كتاب: الإيمان، باب: أدنى أهل الجنة منزلة فيها (٣٢٧) (١٩٤)، والترمذي، كتاب: صفة القيامة، باب: ما جاء في الشفاعة (٢٤٣٦)، والنسائي في التفسير من الكبرى (٦/ ١١٢٨٦) وابن ماجة مختصرًا كتاب: الأطعمة، باب: أطايب اللحم (٣٣٠٧)، وأحمد (٢/ ٣٣١، ٤٣٥) من حديث أبي هريرة.\n(^٨٤) - تقدم (سورة البقرة/ آية ٢١٣)، ومن هذه السورة برقم (٢٠).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"إلى\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في ز: \"فقال\".\n[¬٤]- في ز: \"بسيد\".\n[¬٥]- سقط من: ز.\n[¬٦]- في ز: \"تلك\".\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"7","page":387},{"text":"عِنْدِنَا قَالُوا إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾ كأنهم - قبحهم الله - أقسموا على ذلك، وهم يعلمون أن ما قالوه كذب وبهتان، كما قال تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾.\n﴿قَالَ﴾ لهم ﴿مُوسَى﴾ منكرًا عليهم ﴿أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ أَسِحْرٌ هَذَا وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ (٧٧) قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا﴾ أي: تثنينا ﴿عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ أي: الدين الذي كانوا عليه ﴿وَتَكُونَ لَكُمَا﴾ أي: لك ولهارون ﴿الْكِبْرِيَاءُ﴾ أي: العظمة والرياسة ﴿فِي الْأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ﴾.\nوكثيرًا ما يذكر الله تعالى قصة موسى ﵇ مع فرعون في كتابه العزيز؛ لأنها من أعجب القصص، فإن فرعون حذر من موسى كل الحذر، فَسَخَّرَهُ القَدَرُ أَنْ رَبَّى هذا الذي يحذر منه على فراشه ومائدته بمنزلة الولد، ثم ترعرع وعقد الله له سببًا أخرجه من بين أظهرهم، ورزقه النبوة والرسالة والتكليم، وبعثه إليه ليدعوه إلى الله تعالى ليعبده ويرجع إليه، هذا مع ما كان عليه فرعون من عظمة المملكة والسلطان، فجاءه برسالة الله تعالى، وليس له وزير سوى أخيه هارون ﵉ فتمرد فرعون واستكبر، وأخذته الحمية، والنفس الخبيثة الأبية؛ وقوى رأسه وتولى بركنه، وادعى ما ليس له، وتجهرم على الله وعتى وبغى، وأهان حِزْبَ الإِيمان من بني إسرائيل، والله تعالى يحفظ رسوله موسى ﵇ وأخاه هارون، ويحوطهما بعنايته، ويحرسهما بعينه التي لا تنام، ولم تزل المحاجة والمجادلة والآيات تقوم على يد موسى شيئًا بعد شيء، ومرةً [¬١] بعد مرة، مما يبهر العقول، ويدهش الألباب، مما لا يقوم له شيء، ولا يأتي به إلا من هو مؤيد من الله ﴿وَمَا نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا﴾ وصمَّم فرعون وملؤه، قبحهم الله، على التكذيب بذلك كله، والجحد والعناد والمكابرة، حتى أحل الله بهم بأسه الذي لا يرد، وأغرقهم في صبيحة واحدة أجمعين ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.\n﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ (٧٩) فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ (٨٠) فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ (٨١) وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (٨٢)﴾\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"وكرة\".","vol":"7","page":388},{"text":"ذكر الله سبحانه قصة السحرة مع موسى ﵇ في سورة الأعراف، وقد تقدم الكلام عليها هناك، وفي هذه السورة وفي سورة طه وفي الشعراء وذلك أن فرعون - لعنه الله - أراد أن يتهرج على الناس، ويعارض ما جاء به موسى ﵇ من الحق المبين، بزخارف السحرة والمشعبذين، فانعكس عليه النظام، ولم يحصل له ذلك المرام، وظهرت البراهين الإِلهية في ذلك المحفل العام ﴿وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (١٢٠) قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ فظن فرعون [أنه ينتصر] [¬١] بالسحار، على رسول عالم الأسرار، فخاب وخسر الجنة واستوجب النار.\n﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ (٧٩) فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ﴾ وإنما قال لهم ذلك؛ لأنهم لما اصطفوا وقد وعدوا من فرعون بالتقريب والعطاء الجزيل ﴿قَالُوا يَامُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى (٦٥) قَالَ بَلْ أَلْقُوا﴾. فأراد موسى أن تكون البداءة منهم ليرى الناس ما صنعوا، ثم يأتي بالحق بعده فيدمغ [¬٢] باطلهم؛ ولهذا لما ألقوا سحروا أعين الناس واسترهبوهم وجاءوا بسحر عظيم ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى (٦٧) قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى (٦٨) وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ فعند ذلك قال موسى لما ألقوا: ﴿مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ (٨١) وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾.\nوقال ابن أبي حاتم (^٨٥): حدثنا محمد بن عمار بن الحارث، حدثنا عبد الرحمن - يعني الدشتكي - أخبرنا أبو جعفر الرازي عن ليث - وهو ابن أبي سليم - قال: بلغني أن هؤلاء الآيات شفاء من السحر بإذن الله تعالى، تقرأ في إناء فيه ماء، ثم يصب على رأس المسحور؛ الآية التي من سورة يونس ﴿فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ (٨١) وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾. والآية الأخرى: ﴿فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ إلى آخر أربع آيات، وقوله: ﴿إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾.\n﴿فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ (٨٣)﴾\n_________\n(^٨٥) - تفسير ابن أبي حاتم (٦/ ١٠٥١٤) وزاد نسبته السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ٥٦٤) إلى أبي الشيخ.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في خ: \"أن يستنصر\".\n[¬٢]- في ز: \"فيدفع\".","vol":"7","page":389},{"text":"يخبر تعالى أنه لم يؤمن بموسى ﵇ مع ما جاء به من الآيات البينات والحجج القاطعات والبراهين الساطعات، إلا قليل من قوم فرعون من الذرية وهم الشباب، على وجل وخوف منه ومن [¬١] ملئه أن يردوهم إلى ما كانوا عليه من الكفر؛ لأن فرعون [لعنه الله] كان جبارًا عنيدًا، مسرفًا في التمرد والعتو، وكانت له سطوة ومهابة تخاف رعيته منه خوفًا شديدًا.\nقال العوفي (^٨٦)، عن ابن عباس: ﴿فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ﴾ قال: فإن الذرية التي آمنت لموسى من أناس غير بني إسرائيل من قوم فرعون - يسير، منهم امرأة فرعون، ومؤمن آل فرعون، وخازن فرعون وامرأة خازنه.\nوروى على بن أبي طلحة (^٨٧)، عن ابن عباس في قوله: ﴿فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ﴾ يقول: بني إسرائيل. وعن ابن عباس والضحاك وقتادة: الذرية: القليل.\nوقال مجاهد في قوله: ﴿إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ﴾ قال: هم أولاد الذين أرسل إليهم موسى من طول الزمان ومات آباؤهم.\nواختار ابن جرير قول مجاهد في الذرية: أنها [¬٢] من بنى إسرائيل لا من قوم فرعون، لعود الضمير على أقرب المذكورين، وفي هذا نظر؛ لأنه أراد بالذرية الأحداث والشباب وأنهم من بني إسرائيل، فالمعروف أن بني إسرائيل كلهم آمنوا بموسى ﵇ واستبشروا به، وقد كانوا يعرفون نعته وصفته والبشارة به من كتبهم المتقدمة، وأن الله تعالى سينقذهم به من أسر فرعون ويظهرهم عليه، ولهذا لما بلغ هذا فرعون حذر كل الحذر فلم يُجْدِ عنه شيئًا، ولما جاء موسى آذاهم فرعون أشد الأذى و﴿قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾. وإذا تقرر هذا فكيف يكون المراد: إلا ذرية من قوم موسى وهم بنو إسرائيل؟!\n﴿عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ﴾ أي: وأشراف قومه أن يفتنهم، ولم يكن في بني إسرائيل من يخاف منه أن يفتن عن الإِيمان سوى قارون، فإنه كان من قوم موسى فبغى\n_________\n(^٨٦) - إسناده ضعيف، أخرجه ابن جرير (١١/ ١٥٠)، وعطية العوفي، ضعيف، وقد روي عن ابن عباس خلاف ذلك، وهو الآتى.\n(^٨٧) - أخرجه ابن جرير (١١/ ١٥٠)، وابن أبي حاتم (٦/ ١٠٥١٦)، وابن المنذر وأبو الشيخ، كما فى \"الدر المنثور\" (٣/ ٥٦٥).\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- سقط من: ز.","vol":"7","page":390},{"text":"عليهم، لكنه كان طاويًا إلى فرعون متصلًا به متعلقًا بحباله. ومن قال: إن الضمير في قوله: ﴿وَمَلَئِهِمْ﴾ عائد إلى فرعون وعظم الملك من أجل اتباعه أو بحذف [¬١] آل فرعون وإقامة المضاف إليه مقامه - فقد أبعد، دان كان ابن جرير قد حكاهما عن بعض النحاة. ومما يدل على أنه لم يكن في بني إسرائيل إلا مؤمن قوله تعالى:\n﴿وَقَالَ مُوسَى يَاقَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ (٨٤) فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٨٥) وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٨٦)﴾\nيقول تعالى مخبرًا عن موسى أنه قال لبني إسرائيل ﴿يَاقَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ أي: فإن الله كاف من توكل عليه ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾، ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾، وكثيرًا ما يقرن الله تعالى بين العبادة والتوكل، كقوله [¬٢] تعالى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾، ﴿قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا﴾، ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا﴾، وأمر الله تعالى المؤمنين أن يقولوا في كل صلواتهم مرات متعددة: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾.\nوقد امتثل بنو إسرائيل ذلك فقالوا: ﴿عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ أي: [لا تظفرهم] [¬٣] بنا وتسلطهم علينا، فيظنوا أنهم إنما سلطوا لأنهم على الحق ونحن على الباطل فيفتنوا بذلك، هكذا روي عن أبي مجلز وأبي الضحى.\nوقال ابن أبي نجيح وغير واحد، عن مجاهد: لا تعذبنا بأيدي قوم فرعون ولا بعذاب من عندك، فيقول قوم فرعون: لو كانوا على حق ما عذبوا ولا سلطنا عليهم فيفتنوا [¬٤] بنا.\nوقال عبد الرزاق: أنبأنا ابن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ لا تسلطهم علينا فيفتنونا.\nوقوله [¬٥] ﴿وَنَجِّنَا [بِرَحْمَتِكَ﴾ أي: خلصنا] [¬٦] برحمة منك وإحسان ﴿مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ أي: الذين كفروا الحق وستروه، ونحن قد آمنا بك وتوكلنا عليك.\n_________\n[¬١]- في ز: \"بخوف\"، خ: \"تخوف\".\n[¬٢]- في ز: \"كما في قوله\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في ز: \"بظفرهم\".\n[¬٤]- في ز: \"ليفتتنوا\".\n[¬٥]- سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"7","page":391},{"text":"﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (٨٧)﴾\nيذكر الله تعالى سبب إنجائه بني إسرائيل من فرعون وقومه، وكيفية خلاصهم منهم، وذلك أن الله تعالى أمر موسى وأخاه هارون ﵉ أن يتبوَّءا، [أي: يتخذا] [¬١] لقومهما بمصر بيوتًا.\nواختلف المفسرون في معنى قوله تعالى: ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾ فقال الثوري وغيره (^٨٨)، عن خصيف، عن عكرمة، عن ابن عباس ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾ قال: أُمِرُوا أن يتخذوها مساجد.\nوقال الثوري أيضًا، عن ابن منصور، عن إبراهيم ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾ قال: كانوا خائفين، فأمروا أن يصلوا فى بيوتهم.\nوكذا قال مجاهد وأبو مالك، والربيع بن أنس والضحاك، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وأبوه زيد بن أسلم، وكأن هذا - والله أعلم - لما اشتد بهم البلاء من قِبَل فرعون وقومه وضيقوا عليهم، أمروا بكثرة الصلاة، كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ وفى الحديث (^٨٩): كان رسول الله ﷺ إذا حزبه أمر صلى أخرجه أبو داود، ولهذا قال تعالى في هذه الآية: ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: بالثواب والنصر القريب.\nوقال العوفي، عن ابن عباس في تفسير هذه الآية قال: قالت بنو إسرائيل لموسى ﵇: لا نستطع أن نُظهرَ صلاتَنا مع الفراعنة، فأذن الله تعالى لهم أن يصلوا في بيوتهم، وأمروا أن يجعلوا بيوتهم قِبَل القبلة.\nوقال مجاهد: ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾ قال [¬٢]: لما خاف بنو إسرائيل من فرعون أن يقتلوا في الكنائس الجامعة، أمروا أن يجعلوا بيوتهم مساجد مستقبلة الكعبة يصلون فيها سرًّا. وكذا قال قتادة والضحاك، وقال سعيد بن جبير: ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾ أي:\n_________\n(^٨٨) - أخرجه ابن جرير (١١/ ١٥٣)، وابن أبي حاتم (٦/ ١٠٥٢٩)، والفريابي وابن المنذر، وأبو الشيخ وابن مردويه، كما في \"الدر المنثور\" (٣/ ٥٦٦).\n(^٨٩) - حسن، يأتي (سورة الحجر / آية ٩٩).\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- سقط من: ت.","vol":"7","page":392},{"text":"يقابل [¬١] بعضها بعضًا.\n﴿وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٨٨) قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (٨٩)﴾\nهذا إخبار من الله تعالى عما دعا به موسى ﵇ على فرعون وملئه، لما أبوا قبول الحق واستمروا على ضلالهم وكفرهم، معاندين جاحدين ظلمًا وعلوًّا وتكبرًا وعتوًّا قال: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً﴾ أي: من أثاث الدنيا ومتاعها ﴿وَأَمْوَالًا﴾ أي: جزيلة كثيرة ﴿فِي﴾ هذه ﴿الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ﴾ بفتح الياء أي: أعطيتهم ذلك، وأنت تعلم أنهم لا يؤمنون بما أرسلتني به إليهم، استدراجًا منك لهم، كقوله تعالى: ﴿لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾، وقرأ آخرون ﴿لِيُضِلُّوا﴾ بضم الياء أي: ليفتتن بما أعطيتهم من شئت من خلقك، ليظن من أغويته أنك إنما أعطتهم [¬٢] [] [¬٣] هذا لحبِّك إياهم [¬٤] واعتنائك بهم.\n﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ﴾ قال ابن عباس ومجاهد: أي أهلكها. وقال الضحاك وأبو العالية والربيع بن أنس: جعلها الله حجارة منقوشة كهيئة ما كانت.\nوقال قتادة: بلغنا أن زروعهم تحوّلت حجارة.\nوقال محمد بن كعب القرظي: جل سكَّرهم حجارة [¬٥].\nوقال ابن أبي حاتم (^٩٠): حدثنا إسماعيل بن أبي الحارث، حدثنا يحيى بن أبي بكير، عن أبى معشر، حدثني محمد بن قيس؛ أن محمد بن كعب قرأ سورة يونس على عمر ابن عبد العزيز [حتى بلغ] [¬٦] ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي\n_________\n(^٩٠) - إسناده ضعيف لضعف أبي معشر وهو نجيح بن عبد الرحمن.\nالتفسير (٦/ ١٠٥٤٣) وأخرجه ابن المنذر وأبو الشيخ، كما في \"الدر المنثور\" (٣/ ٥٦٦).\n_________\n[¬١]- في ز: \"تقابل\".\n[¬٢]- في خ: \"أعطيت\".\n[¬٣]- في ز، خ: هؤلاء.\n[¬٤]- في ز: \"لهم\".\n[¬٥]- سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"7","page":393},{"text":"الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ إلى قوله: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ﴾. الآية. [فقال له عمر: يا أبا حمزة؛ أي: شيءٍ الطمسُ؟ قال: عادت أموالهم كلها حجارة] [¬١]. فقال [] [¬٢] عمر بن عبد العزيز لغلام له: ائتني بكيس، [فجاءه بكيس] [¬٣] فإذا فيه حمص وبيض قد قُطِّعَ قد حُوِّل حجارة.\nوقوله: ﴿وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ قال ابن عباس: أي: اطبع عليها. ﴿فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾.\nوهذه الدعوة كانت من موسى ﵇ غضبًا لله ولدينه على فرعون وملئه الذين تبين له أنهم لا خير فيهم ولا يجئ منهم شيء، كما دعا نوح ﵇ فقال: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (٢٦) إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾، ولهذا استجاب الله تعالى لموسى ﵇ فيهم هذه الدعوة، التي أمَّن عليها أخوه هارون، فقال تعالى: ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾.\nقال أبو العالية وأبو صالح، وعكرمة ومحمد بن كعب القرظي، والربيع بن أنس: دعا موسى وأمَّن هارون. أي: قد أجبناكما فيما سألتما من تدمير [¬٤] آل فرعون.\nوقد يحتج بهذه الآية من يقول: إن تأمين المأموم على قراءة الفاتحة يتنزل منزلة قراءتها؛ لأن موسى دعا وهارون أمن.\nوقال تعالى: ﴿قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا﴾. [الآية. أي: كما أجيبت دعوتكما فاستقيما] [¬٥] على أمري.\nقال ابن جريج، عن ابن عباس: ﴿فَاسْتَقِيمَا﴾ فامضب لأمري وهي الاستقامة. قال ابن جريج يقولون: إن فرعون مكث بعد هذه الدعوة أربعين سنة.\nوقال محمد بن علي بن الحسين: أربعين يومًا.\n﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩٠) الْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٩١) فَالْيَوْمَ\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين فى ز: \"له\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٤]- فى ز: \"تدمر\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"7","page":394},{"text":"نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ (٩٢)﴾\nيذكر تعالى كيفية إغراقه فرعون وجنودَه؛ فإن بني إسرائيل لما خرجوا من مصر صحبة موسى ﵇ وهم - فيما قيل - ستمائة ألف مقاتل سوى الذرية، وقد كانوا استعاروا من القبط حُليًّا كثيرًا فخرجوا به معهم، فاشتد حنق فرعون عليهم، فأرسل في المدائن حاشرين، يجمعون له جنوده من أقاليمه، فركب وراءهم في أبهة عظيمة وجيوش هائلة لما يريده الله تعالى بهم، ولم يتخلف عنه أحد ممن له دولة وسلطان في سائر مملكته، فلحقوهم وقت شروق الشمس ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ وذلك أنهم لما انتهوا إلى ساحل البحر، [وفرعون وراءهم] [¬١]، ولم يبق إلا أن يتقاتل الجمعان، وألح أصحاب موسى ﵇ في السؤال: كيف المخلص مما نحن فيه؟ فيقول: إنى أمرت أن أسلك هاهنا ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ فعندما ضاق الأمر اتسع، فأمره الله تعالى أن يضرب البحر بعصاه، فضربه فانفلق البحر ﴿فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾ أي: كالجبل العظيم، وصار اثني عشر طريقًا لكل سبط واحد، وأمر الله الريحَ فنشفت أرضَه ﴿فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى﴾. وتخرق الماء بين الطرق كهيئة الشبابيك؛ ليرى كل قوم الآخرين لئلا يظنوا أنهم هلكوا، وجاوزت بنو إسرائيل البحر، فلما خرج آخرهم منه، انتهى فرعون وجنوده إلى حافته من الناحية الأخرى، وهو في مائة ألف أدهم سوى بقية الألوان، فلما رأى ذلك هاله وأحجم وهاب، وهَمَّ بالرجوع وهيهات ولات حين مناص، نفذ القدر، [واستجيبت الدعوة] [¬٢]، وجاء جبريل ﵇ على فرس وديق (*) حائل، فمر إلى جانب حصان فرعون فحمحم إليها، [وتقدم جبريل فاقتحم البحر ودخله، فاقتحم الحصان] [¬٣] وراءه، ولم يبق فرعون يملك من نفسه شيئًا، فتجلد لأمرائه وقال لهم: ليس بنو إسرائيل بأحق بالبحر منَّا، فاقتحموا كلهم عن آخرهم، وميكائيل في ساقتهم لا يترك [منهم أحدًا] إلا ألحقه [¬٤] بهم، فلما استوسقوا فيه وتكاملوا، وهَمَّ أولهم بالخروج منه، أمر الله القديرُ البحرَ أن يرتطم عليهم، فارتطم عليهم فلم ينج منهم أحد، وجعلت الأمواج ترفعهم وتخفضهم، وتراكمت الأمواج فوق فرعون وغشيته سكرات الموت، فقال وهو كذلك:\n_________\n(*) - الوديق: هي التي تشتهي الفحل، والحائل: غير الحامل.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"وأدركهم فرعون\".\n[¬٢]- في ز: \"استجيب للدعوة\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في ت: \"واقتحم جبريل\".\n[¬٤]- فى ز: \"لحقه\".","vol":"7","page":395},{"text":"﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ فآمن حيث لا ينفعه الإيمان ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (٨٤) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ (٨٥)﴾.\nولهذا [¬١] قال الله تعالى في جواب فرعون حين قال ما قال: ﴿الْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ﴾ أي: أهذا الوقت تقول، وقد عصيت الله قبل هذا فيما بينك وبينه ﴿وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ أي: في الأرض، الذين أضلوا الناس ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ﴾.\nوهذا الذي حكى الله تعالى عن فرعون من قوله هذا في حاله ذلك - من أسرار الغيب التي أَعْلَمَ الله بها رسوله ﷺ، ولهذا قال الإِمام أحمد بن حنبل ﵀ (^٩١) -:\nحدثنا سليمان بن حرب، حدثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: \"لما قال فرعون: آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائل - قال - قال لي جبريل: [يا محمد] (*) لو رأيتني وقد أخذت حالًا [¬٢] من حال (**) البحر فدسسته في فيه مخافة أن تنالَهُ الرحمةُ\".\nورواه الترمذي وابن جرير وابن أبي حاتم في تفاسيرهم من حديث حماد بن سلمة به، وقال الترمذي: حديث حسن.\n_________\n(^٩١) - إسناده ضعيف لضعف على بن زيد، \"المسند\" (١/ ٣٠٩)، وأخرجه أيضًا (١/ ٢٤٥) وعبد بن حميد في \"المنتخب\" (٦٦٤) - وعنه الترمذي، كتاب: تفسير القرآن، باب: \"ومن سورة يونس\" (٣١٠٦) -، وابن أبي حاتم (٦/ ١٠٥٦١)، وتمام في فوائده (٥/ ١٦٩٣ - الروض البسام)، والطيالسي (٢٦٩٣)، والحاكم (٤/ ٢٥٠) شاهدًا، وابن جرير (١١/ ١٦٣)، والطبراني في \"الكبير\" (٢/ ١٢٩٣) - ومن طريقه المزي في \"تهذيب الكمال\" (٣٢/ ٤٦٤) وله طريق آخر عنده - والخطيب البغدادي في تاريخه (١٠١/ ٨ - ١٠٢)، وفي \"موضح أوهام الجمع والتفريق\" (١/ ٣٤٣) من طرق عن حماد بن سلمة به، ويوسف بن مهران، قال أحمد: لا يعرف، ولا أعرف أحدًا روى عنه إلا على بن زيد لكن أبو حاتم، يكتب حديثه ويُذاكر به، ووثقه ابن سعد وأبو زرعة. إلا أن على بن زيد وهو ابن جُدْعان، ضعيف، وقد ورد بإسناده آخر فانظر ما بعده.\n(*) ما بين المعكوفتين زيادة من: المسند.\n(**) الحال: الطين الأسود.\n_________\n[¬١]- في ز: \"وهكذا\".\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.","vol":"7","page":396},{"text":"وقال أبو داود الطيالسي (^٩٢): حدثنا شعبة، عن عدي بن ثابت وعطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: \"قال لي جبريل ﵇: لو رأيتني وأنا آخذ من حال البحر فأدسه في فم فرعون مخافة أن تدركَه الرحمةُ\". وقد رواه أبو عيسى الترمذي أيضًا وابن جرير أيضًا من غير وجه عن شعبة به [فذكر مثله] [¬١]، وقال الترمذي: حسن غريب صحيح.\nووقع في روايةٍ عند ابن جرير: عن محمد بن المثنى، عن غندر، عن شعبة، عن عطاء وعدي، عن سعيد، عن ابن عباس، رفعه أحدهما وكأنَّ الآخر لم يرفعه، فالله أعلم.\nوقال ابن أبي حاتم (^٩٣): حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو خالد الأحمر، عن عمر بن عبد الله بن يعلى الثقفي، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: لما أغرق [¬٢] الله فرعون أشار بأصبعه ورفع صوته: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ﴾ قال: فخاف جبريل أن تسبق رحمةُ اللهِ فيه غضبَه، فجعل يأخذ الحال بجناحيه [¬٣] فيضرب به وجهه فيرمسه.\nوكذا رواه ابن جرير (^٩٤): عن سفيان بن وكيع [ثنا أبي] (٥)، عن [أبي] [¬٤] خالد به موقوفًا.\n_________\n(^٩٢) - صحيح، مسند الطيالسي (٢٦١٨) ومن طريقه ابن أبي حاتم (٦/ ١٠٥٦٢)، وأخرجه أحمد (١/ ٢٤٠، ٣٤٠)، والترمذي (٣١٠٧)، والنسائي في التفسير من الكبرى (٦/ ١١٢٣٨)، وابن جرير (١١/ ١٦٣)، ابن حبان (١٤/ ٦٢١٥ - الإحسان)، (٥/ ١٧٤٥ - موارد)، والحاكم (١/ ٥٧)، و(٢/ ٣٤٠) و(٤/ ٢٥٠)، والبيهقي في \"الشعب\" (٧/ ٩٣٩١، ٩٣٩٢، ٩٣٩٣)، والخطيب البغدادي في \"المتفق والمفترق\" (٣/ رقم ١٥٨٩) من طرق عن شعبة به، وقال الترمذي: \"هذا حديث حسن غريب صحيح\" وقال الحاكم في أحد المواضع. \"هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه إلا أن أكثر أصحاب شعبة أوقفوه على ابن عباس\" وأقره الذهبي وقال: \"وعامة أصحاب شعبة أوقفوه\" قلت، وهذا غاية ما فيه ومع ذلك فإن مثله لا يقال من قبل الرأى، وعليه فإن له حكم الرفع، والله تعالى أعلم. ثم إن له شاهدًا من حديث أبي هريرة يأتى (٩٥).\n(^٩٣) - إسناده ضعيف لضعف عمر بن عبد الله بن يعلى، (٦/ ١٠٥٦٣) وعمر بن عبد الله هذا ضعيف، كما في \"التقريب\"، والحديث زاد نسيته السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ٥٦٨) إلى ابن النذر وابن أبي حاتم وأبي الشيخ وابن مردويه، وانظر ما قبله وما بعده.\n(^٩٤) - كسابقه، تفسير ابن جرير (١١/ ١٦٤).\n(*) ما بين المعكوفتين سقط من: (ز، خ) والمثبت من تفسير ابن جرير.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في ز: \"غرق\".\n[¬٣]- في ز: \"بجناحه\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين في ز: \"ابن أبي\".","vol":"7","page":397},{"text":"وقد روي من حديث أبي هريرة أيضًا فقال ابن جرير (^٩٥):\nحدثنا ابن حميد، حدثنا حكام، عن عنبسة - هو ابن [¬١] سعيد - في كثير بن زاذان، عن أبي حازم، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"قال لي جبريل: يا محمد، لو رأيتني وأنا أغطه وأدس من الحال في فيه مخافة أن تدركَه رحمةُ الله فيغفر له\". يعني: فرعون.\nكثير بن زاذان هذا قال ابن معين: لا أعرفه. وقال أبو زرعة وأبو حاتم: مجهول. وباقي رجاله ثقات.\nوقد أرسل [¬٢] هذا الحديث جماعة من السلف؛ قتادة وإبراهيم التيمي وميمون بن مهران، ونقل عن الضحاك بن قيس أنه [¬٣] خطب بهذا للناس، فالله أعلم.\nوقوله: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾ قال ابن عباس وغيره من السلف: إن بعض بني إسرائيل شكَّوا في موت فرعون، فأمر الله تعالى البحر أن يلقيه بجسده سويًّا [¬٤] بلا روح، وعليه درعه المعروفة [على نجوة] [¬٥] من الأرض وهو المكان المرتفع، ليتحققوا موته وهلاكه، ولهذا قال تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ﴾ أي: نرفعك على نشز من الأرض ﴿بِبَدَنِكَ﴾ قال مجاهد: بجسدك. وقال الحسن: بجسم لا روح فيه، وقال عبد الله بن شداد: سويًّا صحيحًا؛ أي: لم يتمزق ليتحققوه ويعرفوه، وقال أبو صخر: بدرعك.\nوكل هذه الأقوال لا منافاة بينها [¬٦] كما تقدم، والله أعلم.\n_________\n(^٩٥) - إسناده فيه جهالة لجهالة كثير بن زاذان، والحديث في تفسير ابن جرير (١١/ ١٦٣)، وأخرجه ابن عدي في \"الكامل\" (٢/ ٧٨٨ - ٧٨٩)، والسهمي في \"تارج جرجان\" (ص ٢٠٦)، والبيهقي في \"الشعب\" (٩٣٩٠/ ٧) من طريق حكام بن سَلْم به، وأخرجه الطبراني في \"الأوسط\" (٦/ ٥٨٢٣) من طريق قيس بن الربيع عن سعيد بن مسروق عن أبي حازم به نحوه، لكن قيس بن الربيع هذا \"صدوق تغير لما كبر وأدخل عليه ابنه ما ليس من حديثه فحدث به\" فأخشى أن يكون هذا الحديث مما أدخله عليه أبنه والله أعلم، ومن طريق الطبراني ذكره الهيثمي فى \"المجمع\" (٣٩١٧) وقال: \" … فيه قيس بن الربيع وثقه شعبة والثوري وضعفه جماعة\".\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"ابن أبي\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"أرسل على\".\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين في ز: \"فيه على نجوة\"، خ: \"فيه على نحوه\".\n[¬٦]- في ز، خ: \"فيها\".","vol":"7","page":398},{"text":"وقوله: ﴿لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾ أي: لتكون لبني إسرائيل دليلًا على موتك وهلاكك، وأن الله هو القادر الذي ناصية كل دابة بيده، وأنه لا يقوم لغضبه شيء، ولهذا قرأ [بعض السلف] [¬١] ﴿لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ (*) آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ﴾ أي: لا يتعظون بها [¬٢] ولا يعتبرون بها، وقد كان [إهلاك فرعون] [¬٣] يوم عاشوراء، كما قال البخاري (^٩٦):\nحدثنا محمَّد بن بشار، حدثنا غندر، حدثنا شعبة عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄ قال: قدم النبي ﷺ المدينة واليهود تصوم يوم عاشوراء، [فقال: \"ما هذا اليوم الذي تصومونه؟ \"] [¬٤] فقالوا: هذا يوم ظهر فيه موسى على فرعون. فقال النبي ﷺ لأصحابه: \"أنتم أحق بموسى منهم فصوموه [¬٥] \".\n﴿وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جَاءَهُمُ الْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾\nيخبر تعالى عما أنعم به على بني إسرائيل من النعم الدينية والدنيوية، [وقوله: مبوأ] [¬٦] صدق قيل: هو بلاد مصر والشام مما يلي بيت المقدس ونواحيه، فإن الله تعالى لما أهلك فرعون وجنوده استقرت يد الدولة الموسوية على بلاد مصر بكمالها، كما قال تعالى: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ﴾. وقال في الآية الأخرى: ﴿فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٧) وَكُنُوزٍ [¬٧]\n_________\n(*) ذكر هذه القراءة أبو حيان في البحر المحيط (٥/ ١٨٩ - ١٩٠)\n(^٩٦) - صحيح البخاري كتاب: التفسير، باب: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ﴾ (٤٦٨٠)، ومسلم، كتاب: الصيام، باب: قوم يوم عاشوراء (١٢٧) (١١٣٠)، وأبو داود، كتاب: الصوم، باب: في قوم يوم عاشوراء (٢٤٤٤)، والنسائي في \"الكبرى\" كتاب: الصيام، باب: صيام يوم عاشوراء (٢/ ٢٨٣٤)، وك: التفسير باب: قوله تعالى: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ﴾ (٦/ ١١٢٣٧)، وأحمد (١/ ٣٤٠)، من طريق أبي بشر به.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ت: \"بعضهم\".\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- في خ: \"إهلاكهم\".\n[¬٤]- مما بين المعكوفيتن سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- في ز، خ: \"فصومو\".\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين في ز: \"فالمبوأ\".\n[¬٧]- في ز: \"زروع\".","vol":"7","page":399},{"text":"وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٥٨) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾، أو قال: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ الآيات] [¬١]. ولكن استمروا مع موسى ﵇ طالبين إلى بلاد بيت المقدس، [وهي بلاد الخليل ﵇ فاستمر موسى بمن معه طالبًا بيت المقدس] [¬٢]، وكان فيه قوم من العمالقة، [فنكل بنو إسرائيل عن قتالهم] [¬٣]، فشردهم الله تعالى في التيه أربعين سنة، ومات فيه [¬٤]، هارون. ثم موسى ﵉ وخرجوا - بعدهما مع يوشع بن نون، ففتح الله عليهم بيت المقدس، واستقرت أيديهم عليها، إلى أن أخذها منهم بختنصر حينا من الدهر، ثم عادت إليهم، ثم أخذها ملوك اليونان فكانت تحت أحكامهم مدة طويلة، وبعث الله عيسى بن مريم ﵇ في تلك المدة، فاستعان اليهود - قبحهم الله! على معاداة عيسى ﵇ بملوك اليونان وكانت تحت أحكامهم، ووشوا عندهم وأوحوا إليهم أن هذا يفسد عليكم الرعايا، فبعثوا من يقبض عليه، فرفعه الله إليه وشبه لهم بعض الحواريين بمشيئة الله وقدره، فأخذوه فصلبوه واعتقدوا أنه هو ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (١٥٧) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾.\nثم بعد المسيح ﵇ بنحو ثلثمائة سنة، دخل قسطنطين أحد ملوك اليونان في دين النصرانية، وكان فيلسوفا قبل ذلك، فدخل في دين النصارى، قيل: تقية، وقيل: حيلة ليفسده، فوضعت له الأساقفة منهم قوانين وشريعة وبدعًا أحدثوها، فبنى لهم الكنائس والبيع الكبار والصغار والصوامع والهياكل والمعابد والقلايات (*)، وانتشر دين النصرانية في ذلك الزمان، واشتهر على ما فيه من تبديل وتغيير وتحريف، ووضع وكذب ومخالفة لدين المسيح، ولم يبق على دين المسيح على الحقيقة منهم إلا القليل من الرهبان، فاتخذوا لهم الصوامع في البراري والمهامة (**) والقفار، واستحوذت يد النصارى على مملكة الشام والجزيرة وبلاد الروم، وبنى هذا الملك [¬٥] المذكور مدينة قسططنية والقمامة وبيت لحم، وكنائس ببلاد [¬٦] بيت المقدس ومدن حوران كبُصرى وغيرها من البلدان - بناءات هائلة محكمة، وعبدوا الصليب من حينئذ، وصلوا إن الشرق، وصوروا الكنائس، وأحلوا لحم الخنزير، وغير ذلك مما أحدثوه من الفروع في دينهم والأصول، ووضعوا له الأمانة [] [¬٧] الحقيرة التي يسمونها الكبيرة، وصنفوا له القوانين، وبسط هذا يطول [¬٨].\n_________\n(*) جمع قلية، وهي كالصومعة، واسمها عند النصارى قلَّاية وهو تعريب؛ كلادة وهي من بيوت عادتهم.\n(**) جمع مهمة وهو المفازة، والبرية: القفر.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز خ.\n[¬٢]- ما لون المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٣]- ما لنن المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- في خ: \" في أثنائها\".\n[¬٥]- سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- سقط من: خ.\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين في ز: \"الكبيرة\".\n[¬٨]- سقط من: خ.","vol":"7","page":400},{"text":"والغرض أن يدهم لم تزل على هذه البلاد إلى أن انتزعها منهم الصحابة ﵃ وكان فتح بيت المقدس على يدي أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ ولله الحمد والمنة.\nوقوله: ﴿وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ أي: الحلال من الرزق، الطيب النافع المستطاب طبعا وشرعا.\nوقوله: ﴿فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جَاءَهُمُ الْعِلْمُ﴾ أي: ما اختلفوا في شيء من المسائل إلا من بعد ما جاءهم العلم، أي: ولم يكن لهم أن يختلفوا، وقد بين الله لهم وأزال عنهم اللبس، وقد ورد في الحديث: \"إن اليهود اختلفوا على إحدى وسبعين فرقة، وإن النصارى اختلفوا على ثنتين [¬١] وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، منها واحدة في الجنة، وثنتان وسبعون في النار\". قيل: من هم يا رسول الله؟ قال: \"ما أنا عليه وأصحابي\".\nرواه الحاكم في مستدركه بهذا اللفظ (^٩٧)، وهو في السنن والمسانيد، ولهذا قال الله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ﴾ أي: يفصل بينهم ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾.\n﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ\n_________\n(^٩٧) - حسن، قلت: لفظ الحاكم في النسخة التي بين أيدينا (١/ ١٢٨): \" .... إن بني إسرائيل افترقوا على إحدى وسبعين ملة، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة كلها في النار إلا ملة واحدة\" فقيل له ما الوحدة؟ قال: \"ما أنا عليه اليوم وأصحابي\"، وأخرجه الترمذي (٢٦٤٣) والآجري في \"الشريعة\" (١/ رقم ٢٣)، والمروزي في \"السنة\" (ص ١٨)، وابن بطة في \"الإبانة\" (١/ ٢٦٤، ٢٦٥)، واللالكائي في \"شرح أصول الاعتقاد\" (١/ ١٤٧) كلهم من حديث عبد الله بن عمرو، وفي إسناده عبد الرحمن بن زياد الإفريقي وهو ضعيف وقد حسنه الترمذي والألباني في \"صحيح الجامع الصغير\" (٥/ ٨٠/ ٥٢١٩) فلعله بشواهده فإن لأوله شاهدًا من حديث أبي هريرة عند أحمد (٢/ ٣٣٢)، أبي داود (٤٥٩٦)، والترمذي (٢٦٤٢)، وابن ماجه (٣٩٩١) وقال الترمذي: \"حديث حسن صحيح\"، وصححه ابن حبان (١٤/ ٦٢٤٧) و(١٥/ ٦٧٣١)، والحاكم (١/ ١٢٨) ووافقه الذهبي، وإسناده حسن، وحديث معاوية بن أبي سفيان عند أبي داود (٤٥٩٧) وغيره وإسناده صحيح، وانظر \"الصحيحة\" للألباني (٢٠٣، ٢٠٤، ١٤٩٢) كما يشهد لقوله: \"ما أنا عليه وأصحابي\" حديث أنس عند الطبراني في \"الأوسط\" (٥/ ٤٨٨٦)، (٨/ ٧٨٤٠)، والعقيلي في \"الضعفاء\" (٢/ ٢٦٢) لكن في إسناده عبد الله ابن سفيان الخزاعي، قال العقيلي: \"لا يتابع على حديثه\".\n_________\n[¬١]- في ت: \"اثنتين\".","vol":"7","page":401},{"text":"لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (٩٤) وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٩٥) إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٩٧)﴾\nقال قتادة بن دعامة (^٩٨): بلغنا أن رسول الله ﷺ قال:، لا أشك ولا أسأل\". وكذا قال ابن عباس، وسعيد بن جبير، والحسن البصري.\nوهذا فيه تثبيت [¬١] للأمة، وإعلام لهم أن صفة نبيهم ﷺ موجودة في الكتب المتقدمة التي بأيدي أهل الكتاب، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾. الآية. ثم مع هذا العلم الذي يعرفونه من كتبهم كما يعرفون أبناءهم، يلبسون ذلكَ ويحرفونه ويبدلونه، ولا يؤمنون به مع قيام الحجة عليهم؛ ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ أي: لا يؤمنون [¬٢] إيمانًا ينفعهم، بل حين لا ينفع نفسًا إيمانُها، ولهذا لما دعا موسى ﵇ على فرعون وملئه قال: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾. كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ﴾. ثم قال تعالى:\n﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ (٩٨)﴾\nيقول تعالى: فهلا كانت قرية آمنت بكمالها من الأمم السالفة الذين بعثنا إليهم الرسل،\n_________\n(^٩٨) - مرسل، أخرجه عبد الرزاق في \"المصنف\" (٦/ ١٠٢١١) وابن جرير (١١/ ١٦٨) عن معمر عنه به، وأخرجه ابن جرير أيضًا من طريق سعيد عنه به، وأخرجه ابن المنذر وابن أبي حاتم (٦/ ١٠٥٨٣) وابن مردويه - كما في \"الدر المنثور\" (٣/ ٥٧١) - واختاره الضياء في \"المختارة\" (١٠/ ٩١) عن ابن عباس ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ﴾ قال: لم يشك رسول الله ﷺ ولم يسأل، وفي الباب عن سعيد بن جبير والحسن - عند ابن جرير - مرسلًا.\n_________\n[¬١]- في ز: \"تثبت\".\n[¬٢]- في خ: \"يؤمنوا\".","vol":"7","page":402},{"text":"بل ما أرسلنا من قبلك يا محمَّد من رسول الله كذبه قومه أو أكثرهم، كقوله تعالى: ﴿يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾، (﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾، ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾. وفي الحديث الصحيح (^٩٩): \" عرض على الأنبياء، فجعل النبي يمر ومعه الفئام من الناس، والنبي يمر [¬١] معه الرجل، والنبي معه الرجلان، والنبي ليس معه أحد\". ثم ذكر كثرة أتباع موسى ﵇ ثم ذكر كثرة أمته - صلوات الله وسلامه عليه - كثرة سدت الخافقين الشرقي والغربي.\nوالغرض أنه لم توجد [¬٢] قرية آمنت بكمالها بنبيهم ممن سلف من القرى إلا قوم يونس وهم أهل نينوى، وما كان إيمانهم إلا خوفًا من وصول العذاب الذي أنذرهم به رسولهم بعد ما عاينوا أسبابه، وخرج رسولهم من بين أظهرهم، فعندها جأروا إلى الله واستغاثوا به وتضرعوا له [¬٣] واستكانوا، وأحضروا أطفالهم ودوابهم ومواشيهم، وسألوا الله تعالى أن يرفع عنهم العذاب الذي أنذرهم به نبيهم، فعندها ﵏ وكشف عنهم العذاب وأخروا، كما قال تعالى: ﴿إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾.\nواختلف المفسرون هل كشف عنهم العذاب الأخروي مع الدنيوي، أو إنما كشف عنهم في الدنيا فقط؟ على قولين؛ أحدهما: إنما كان ذلك في الحياة الدنيا كما هو مقيد في هذه الآية، والقول الثاني: فيهما: لقوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (١٤٧) فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ فأطلق عليهم الإِيمان، والإيمانُ منقذ من العذاب الأخروي، وهذا هو الظاهر، والله أعلم.\n_________\n(^٩٩) - لم أقف على اللفظ الذي أورده المصنف، وبنحوه أخرجه البخاري، كتاب: الطب، باب: الحلق من الأذى (٥٧٠) - وانظر أطرافه عند رقم (٣٤١٠) - ومسلم، كتاب: الإيمان\" باب: الدليل على دخول طوائف من المسلمين الجنة بغير حساب ولا عذاب (٣٧٤) (٢٢٠)، والترمذي، كتاب: صفة القيامة، باب: أمة محمَّد ﷺ سواد عظيم يوم القيامة .. (٢٤٤٨)، والنسائي في الكبرى، كتاب: الطب (٤/ ٧٦٠٤)، وأحمد (١/ ٢٧١، ٣٢١) من حديث ابن عباس، وفي الباب عن عمران بن حصين عند الطبرانى في \"الكبير\" (١٨/ ٦٠٥)، وصححه ابن حبان (١٣/ ٦٠٨٩)، وعبد الله ابن مسعود عند أحمد (١/ ٤٠١، ٤٢٠)، وأبي يعلى (٩/ ٥٣٣٥)، وصححه ابن حبان (١٦/ ٧٣٤٦).\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- في ز: \"يوجد\".\n[¬٣]- في خ: \"لديه\".","vol":"7","page":403},{"text":"وقال قتادة في تفسير هذه الآية: لم ينفع قرية كفرت، ثم آمنت حين حضرها العذاب فتركت، إلا قوم يونس لما فقدوا نبيهم، وظنوا أن [¬١] العذاب قد دنا منهم، قذف الله في قلوبهم التوبة، ولبسوا المسوح، وفرقوا بين كل بهيمة وولدها، ثم عجوا إلى الله أربعين ليلة، فلما عرف الله منهم الصدق من قلوبهم، والتوبة والندامة على ما مضى منهم، كشف الله عنهم العذاب بعد أن تدلى عليهم، قال قتادة: وذكر أن قوم يونس كانوا [¬٢] بنينوى أرض الموصل.\nوكذا روي عن ابن مسعود ومجاهد، وسعيد بن جبير وغير واحد من السلف، وكان ابن مسعود يقرؤها: (فهلا كانت قرية آمنت).\nوقال أبو عمران، عن أبي الجلد قال: [لما نزل بهم] [¬٣] (*) العذاب جعل يدور على رءوسهم كقطع الليل المظلم، فمشوا إلى رجل من علمائهم، فقالوا: علمنا دعاء ندعو به، لعل الله يكشف عنا العذاب. فقال: قولوا: يا حي حين لا حي، يا محيي الموتى، لا إله إلا أنت، قال: فكشف عنهم العذاب.\nوتمام القصة سيأتي مفصلًا في سورة والصافات إن شاء الله.\n﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٩٩) وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (١٠٠)﴾\nيقول تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ﴾ يا محمَّد لأذن لأهل الأرض كلهم في الإيمان بما جئتهم به فآمنوا كلهم، ولكن له حكمة فيما يفعله تعالى، كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾، وقال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا﴾ ولهذا قال تعالى: ﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ﴾ [أي: تلزمهم وتلجئهم] [¬٤] ﴿حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ أي: ليس ذلك عليك ولا إليك،\n_________\n(*) في ابن جرير (١١/ ١٧٢)، \"لما غشى قوم يونس\".\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في ت: \"كان\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"نزل بقوم يونس\"\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n.","vol":"7","page":404},{"text":"بل الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾، ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾، ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾، ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾، ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾، ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أن الله تعالى هو الفعال لما يريد، الهادي من يشاء، المضل لمن يشاء، لعلمه وحكمته وعدله؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ﴾ وهو الخبال والضلال ﴿عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾ أي: حجج الله وأدلته، وهو العادل في كل ذلك في هداية من هدى وإضلال من ضل.\n﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠١) فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (١٠٢) ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ (١٠٣)﴾\nيرشد تعالى عباده إلى التفكر في آلائه، وما خلق الله [¬١] في السموات والأرض من الآيات الباهرة لذوي الألباب، مما [¬٢] في السموات [¬٣] من كواكب نيرات، ثوابت وسيارات، والشمس والقمر والليل والنهار واختلافهما، وإيلاج أحدهما في الآخر حتى يطول هذا ويقصر هذا، ثم يقصر هذا ويطول هذا، وارتفاع السماء واتساعها وحسنها وزينتها، وما أنزل الله منها من مطر فأحيا به الأرض بعد موتها، وأخرج فيها من أفانين الثمار والزروع والأزاهير وصنوف النبات، وما ذرأ فيها من دواب مختلفة الأشكال والألوان والمنافع، وما فيها من جبال وسهول وقفار وعمران وخراب؛ وما في البحر من العجائب والأمواج، وهو مع هذا مسخر [¬٤] مذلل للسالكين، يحمل سفنهم ويجري بها برفق بتسخير [¬٥] القدير [له]، لا إله إلا هو ولا رب سواه.\nوقوله: ﴿وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ أي: رأي شيء نجدي [¬٦] الآيات السماوية والأرضية والرسل، بآياتها وحججها وبراهينها [الدالة] على صدقها - عن\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- في ز: \"بما\".\n[¬٣]- في ز: \"السماء\".\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- سقط من: ز.\n[¬٦]- في خ: \"تغني\".","vol":"7","page":405},{"text":"قوم لا يؤمنون، كقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾.\nوقوله: ﴿فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أي: فهل ينتظر هؤلاء المكذبون لك يا محمَّد؛ من النقمة والعذاب إلا مثل أيام الله في الذين خلوا من قبلهم من الأمم الماضية [¬١] المكذبة لرسلهم ﴿قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (١٠٢) ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي: ونهلك المكذبين بالرسل ﴿كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: حقا أوجبه الله تعالى على نفسه الكريمة، كقوله ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾، وكما جاء في الصحيحين عن رسول الله ﷺ أنه قال (^١٠٠): \" إن الله كتب [¬٢] كتابًا فهو عنده فوق العرش: إن رحمتي سبقت غضبي\".\n﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلَا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠٤) وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٥) وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ (١٠٦) وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (١٠٧)﴾\nيقول تعالى لرسوله محمَّد ﷺ: قل: يا أيها الناس؛ إن كنتم في شك من صحة ما جئتكم به من الدين الحنيف، الذي أوحاه الله إلى، فها أنا لا أعبد الذين تعبدون من دون الله، ولكن أعبد الله وحده لا شريك له، وهو الذي يتوفاكم كما أحياكم\n_________\n(^١٠٠) - أخرجه البخاري، كتاب: بدء الخلق، باب: ما جاء في قول الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ …﴾ (٣١٩٤)، ومسلم، كتاب: التوبة، باب: في سعة رحمة الله تعالى، وأنها سبقت غضبه (١٤، ١٥، ١٦) (٢٧٥١)، والترمذي، ك: الدعوات، باب: رحمة الله غلبت غضبه (٣٥٣٧)، والنسائي في \"النعوت\" من الكبرى (٤/ ٧٧٥٠، ٧٧٥١)، وابن ماجه في المقدمة، باب: فيما أنكرت الجهمية (١٨٩)، كتاب: الزهد، باب: ما يرجى من رحمة الله يوم القيامة (٤٢٩٥)، وأحمد (٢/ ٢٤٢، ٢٥٧، ٢٥٩، وفي مواضع أخر) من حديث أبي هريرة، وانظر [سورة الأنعام/ آية ١٢] و[سورة الأعراف/ آية ١٥٦].\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- سقط من: خ.","vol":"7","page":406},{"text":"ثم إليه مرجعكم، فإن كانت آلهتكم التي تدعون من دون الله حقًا فأنا لا أعبدها [¬١]، فادعوها فلتضرني فإنها لا تضر ولا تنفع، وإنما الذي بيده الضر والنفع هو الله وحده لا شريك له، وأمرت أن أكون من المؤمنين.\nوقوله: ﴿وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِين﴾. أي: أخلص العبادة لله وحده ﴿حَنِيفًا﴾ أي: منحرفًا عن الشرك، ولهذا قال: ﴿وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ وهو معطوف على قوله: ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.\nوقول: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ﴾. الآية [¬٢]. فيه [¬٣] بيان لأن الخير والشر والنفع والضر إنما هو راجع إلى الله تعالى وحده، لا يشاركه [¬٤] في ذلك أحد، فهو الذي يستحق العبادة وحده لا شريك له.\nروى الحافظ ابن عساكر في ترجمة صفوان بن سليم (^١٠١)، من طريق عبد الله بن وهب، أخبرني يحيى بن أيوب، عن عيسى بن موسى، عن صفوان بن سليم، عن أنس ابن مالك؛ أن رسول الله ﷺ قال: \"اطلبوا الخير دهركم كله، وتعرضوا لنفحات رحمة ربكم، فإن لله نفحات من رحمته، يصيب بها من يشاء من عباده، واسألوه أن يستر عوراتكم، ويؤمن روعاتكم\".\n_________\n(^١٠١) - إسناده ضعيف وفيه انقطاع، \"تاريخ دمشق\" لابن عساكر (٨/ ٣٢٨ - مخطوط)، وأخرجه البغوي في \"شرح السنة\" (٥/ ١٣٧٨)، والبيهقي في \"الشعب\" (٢/ ١١٢١) من طريق عبد الله بن وهب به، وأخرجه الطبراني في \"الكبير\" (١/ ٧٢٠) وفي كتاب الدعاء (٢٦) - وعنه أبو نعيم في \"الحلية\" (٣/ ١٦٢) - والقضاعي في \"مسند الشهاب\" (١/ ٧٠١)، والبيهقي في \"الشعب\" (١١٢٢)، وابن عبد البر في \"التمهيد\" (٥/ ٣٣٩) وعلقه ابن عساكر، كلهم من طريق عمرو بن الربيع بن طارق عن يحيى بن أيوب به، وأخرجه البيهقي في \"الأسماء والصفات\" (عى ١٥٠) من طريق سعيد بن أبي مريم أخبرني يحيى بن أيوب به، وذكره الهيثمي في \"المجمع\" (١٠/ ٢٣٤) وقال: رواه الطبراني وإسناده رجاله رجال الصحيح غير عيسى بن موسى … وهو ثقة\"، قلت: اعتمد الهيثمي على توثيق ابن حبان له في \"الثقات\" (٥/ ٢١٦) (٧/ ٢٣٤) وابن حبان معروف بتساهله، وقد ضعفه أبو حاتم - كما في \"الجرح والتعديل\" (٦/ ٢٨٥) - ثم إن صفوان بن سليم لم ير أنسًا، ولم تصح روايته عنه، كما قال أبو حاتم - انظر \"تهذيب التهذيب\" (٤/ ٣٧٤) والحديث زاد نسبته السيوطي في \"الجامع الصغير\"، وفي \"الدر المنثور\" (٤/ ٤٦) إلى ابن أبي الدنيا في \"كتاب الفرج بعد الشدة\"، والحكيم الترمذي في \"نوادر الأصول\"، وانظر ما بعده.\n_________\n[¬١]- في خ: \"أعبد\".\n[¬٢]- في ز: \"آخرها\".\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- في ز: \"يشركه\".","vol":"7","page":407},{"text":"ثم رواه (^١٠٢) من طريق الليث، عن عيسى بن موسى، عن صفوان، عن رجل من أشجع، عن أبي هريرة مرفوعا بمثله سواء [¬١].\nوقوله: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ أي: لمن تاب إليه وتوكل عليه، ولو من أي ذنب كان، حتى من الشرك به فإنه يتوب عليه.\n﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (١٠٨) وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (١٠٩)﴾\nيقول تعالى آمرًا لرسوله ﷺ أن يخبر الناس أن الذي جاءهم به من عند الله هو الحق الذي لا مرية فيه ولا شك، فمن اهتدى به واتبعه فإنما يعود نفع ذلك الإتباع [¬٢] على نفسه، أو من ضل عنه فإنما يرجع وبال ذلك عليه] [¬٣] ﴿وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾ أي: وما أنا موكل بكم حتى تكونوا مؤمنين به [¬٤]، و[¬٥] إنما أنا نذير لكم، والهداية على الله تعالى.\nوقوله: ﴿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ﴾ أي: تمسك بما أنزل الله عليك وأوحاه إليك [¬٦]، واصبر على مخالفة من خالفك من الناس ﴿حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ﴾ أي: يفتحَ بينك وبينهم ﴿وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾ أي: خير الفاتحين بعدله وحكمته.\n* * *\n_________\n(^١٠٢) - إسناده ضعيف وفيه جهالة، \"تاريخ دمشق\" لابن عساكر (٨/ ٣٢٨ - مخطوط)، وأخرجه الطبراني في \"الدعاء\" (٢٧)، والبيهقي في \"الشعب\" (٢/ ١١٢٣) من طريق الليث به، وأعل البيهقي الطريق السابق به فقال: \"وهذا هو المحفوظ دون الأول\".\n_________\n[¬١]- في ز: \"سواء\".\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- سقط من: ت.\n[¬٥]- سقط من: ز.\n[¬٦]- سقط من: ز، خ.","vol":"7","page":408},{"text":"<span data-type='title' id=toc-116>تفسير سورة هود</span>\nوهي مكية\nقال الحافظ أبو يعلى (^١): حدثنا خلف بن هشام البزار، حدثنا أبو الأحوص، عن أبي إسحاق، عن عكرمة؛ قال: قال أبو بكر: سألت رسول اللَّه ﷺ ما شيبك؟ قال: \"شيبتني هود، والواقعة، وعم يتساءلون، وإذا الشمس كورت\".\n[وقال أبو عيسى الترمذي (^٢): حدثنا أبو كريب محمد بن العلاء، حدثنا معاوية بن هشام، عن شيبان، عن أبى إسحاق، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال أبو بكر: يا رسول اللَّه، قد شبت! قال: \"شيبتني هود، والواقعة، والمرسلات، وعم يتساءلون، وإذا الشمس كورت\". وفي رواية: \"هود وأخواتها\"] [¬١].\nوقال الطبراني (^٣): حدثنا عبدان بن أحمد، حدثنا حماد [¬٢] بن الحسن، حدثنا سعيد بن سلام، حدثنا عمر بن محمد، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد؛ قال: قال رسول\n_________\n(^١) - إسناده منقطع بين عكرمة وأبي بكر، وهو حديث صحيح، والحديث في مسند أبي يعلى الموصلي (١/ رقم ١٠٧)، وأخرجه أيضًا برقم (١٠٨)، وابن سمد في \"الطبقات\" (١/ ٣٣٦)، وأبو بكر المروزي في \"مسند أبي بكر\" (٣١) من طرق عن أبي الأحوص، وهذا إسناد منقطع بين عكرمة وأبي بكر، ووصله الحاكم في \"المستدرك\" (٢/ ٤٧٦) من طريق أبي الأحوص، عن أبي إسحاق، عن عكرمة، عن عبد اللَّه بن عباس قال: قال أبو بكر … فذكره، وقال: \"صحيح على شرط البخاري\" ووافقه الذهبي، لكن أعله أبو حاتم في \"العلل\" (٢/ ١١٠) فقال: \"هذا خطأ، ليس فيه ابن عباس\" وانظر ما بعده.\n(^٢) - صحيح، رواه الترمذي في كتاب تفسير القرآن، باب: ومن سورة الواقعة (٣٢٩٣)، وفي الشمائل (٤١)، وأخرجه ابن سعد فى \"الطبقات\" (١/ ٣٣٥) والمروزي في مسند أبي بكر (٣٠)، والدارقطني في \"العلل\" (١/ ٢٠٠)، وأبو نعيم فى \"الحلية\" (٤/ ٣٥٠) من طريق شيبان به، وقال الترمذي: \"هذا حديث غريب\". وفي رواية: \"حسن غريب … \"، وصححه الحاكم على شرط البخاري (٢/ ٣٤٤) ووافقه الذهبي، واختاره الضياء فى \"المختارة\" (٦٦/ ٧٥/ ١)، وكذا صححه الشيخ الألباني فى \"الصحيحة\" (٢/ ٩٥٥)، على خلاف فى إسناده مُبَيَّن هناك فانظره ثمة.\n(^٣) - إسناده ضعيف جدًّا، \"المعجم الكبير\" (٦/ ٥٨٠٤)، وذكره الهيثمي في \"المجمع\" (٧/ ٤٠) وقال: \"رواه الطبراني وفيه سعيد بن سلام العطار وهو كذاب\" قلت: وشيخه عمر بن محمد وقيل ابن صُهْبان، ضعيف، كما في \"التقريب\"، والحدث زاد نسبته السيوطي فى \"الدر المنثور\" (٣/ ٥٧٧) إلى ابن مردويه.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين زيادة من: ز.\n[¬٢]- فى (خ، ز) حجاج بن الحسن، وهو تحريف أو خطأ من الناسخ؛ ولم أجد من اسمه حجاج بن الحسن، والمثبت من \"المعجم الكبير\" وكتب الرجال.","vol":"7","page":409},{"text":"اللَّه، ﷺ: \"شيبتني هود وأخواتها: الواقعة، والحاقة، وإذا الشمس كورت\". وفما رواية: \"هود وأخواتها\".\nوقد روي من حديث ابن مسعود نحوه [¬١]:\nفقال الحافظ أبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني في معجمه الكبير (^٤): حدثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة، حدثنا أحمد بن طارق الرائشي [¬٢]، حدثنا عمرو بن ثابت، عن أبي إسحاق، عن عبد اللَّه بن مسعود ﵁ أن أبا بكر قال: يا رسول اللَّه، ما شيبك؟ قال: \"هود والواقعة\".\nعمرو بن ثابت متروك، وأبو إسحاق لم يدرك ابن مسعود [¬٣]، واللَّه أعلم.\n﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (١) أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ (٢) وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ (٣) إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤)﴾\nقد تقدم الكلام على حروف الهجاء في أول سورة البقرة بما أغنى عن إعادته هاهنا [¬٤] وباللَّه التوفيق.\n_________\n(^٤) - إسناده ضعيف جدًّا من أجل عمرو بن ثابت، والحديث في \"المعجم الكبير\" (١٠/ ١٠٠٩٢) ورواه أيضًا الدارقطني في \"العلل\" (١/ ٢١٠) من طرق عن محمد بن عثمان به، وذكره الهيثمي فى \"المجمع\" (٧/ ٤٠) وقال: \"رواه الطبراني وفيه عمرو بن ثابت وهو متروك\". ومن هذا الطريق زاد نسبته السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ٥٧٧) إلى ابن مردويه. وفى الباب عن عقبة بن عامر عند الطبراني (١٧/ ٧٩٠) وإسناده صحيح، وعن أبى جحيفة عن الترمذي في (الشمائل) (٤٢)، وأبي يعلى في مسنده (٢/ ٨٨٠) وفي إسناده ضعف، وانظر \"الدر المنثور\".\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في المعجم: \"الوابشي\" ولم أقف على ترجمة له.\n[¬٣]- هذه علة صحيحة إن كان الإسناد كما أورده الحافظ ابن كثير - دون إثبات أبى الأحوص في الإسناد - لكن تبين لنا - فيما وقفنا عليه من مصادر - أن بين أبي إسحاق وابن مسعود \"أبو الأحوص وهو عوف ابن مالك\".\n[¬٤]- في خ: \"هنا\".","vol":"7","page":410},{"text":"وأما قوله: ﴿أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾ أي: هي محكمة في لفظها، مفصلة في معناها، فهو كامل صورة ومعنى؛ هذا معنى ما روي عن مجاهد وقتادة، واختاره ابن جرير.\nوقوله: ﴿مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ أي: من عند اللَّه الحكيم في أقواله وأحكامه، الخبير بعواقب الأمور.\n﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ﴾ أي: نزَّل هذا القرآن المحكم المفصل لعبادة اللَّه وحده لا شريك له، كقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي [¬١] إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾، وقال [¬٢]: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾.\nوقوله: ﴿إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ﴾ أي: إني لكم نذير من العذاب إن خالفتموه، وبشير بالثواب إن أطعتموه، كما جاء في الحديث الصحيح (^٥)، أن رسول اللَّه ﷺ صعد الصفا، فدعا بطون قريش الأقرب ثم الأقرب، فاجتمعوا فقال: \"يا معشر قريش؛ أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلًا تصبحكم ألستم مصدقيّ؟ \" فقالوا: ما جربنا عليك كذبًا. قال: \"فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد\".\nوقوله: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾ أي: وآمركم بالاستغفار من الذنوب السالفة، والتوبة منها إلى اللَّه ﷿ فيما تستقبلونه، وأن تستمروا على ذلك ﴿يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا﴾ أي: في الدنيا ﴿[إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى] [¬٣] وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾ أي: في الدار الآخرة. قاله قتادة. كقوله: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. وقد جاء في الصحيح (^٦) أن رسول اللَّه ﷺ قال لسعد: \"وإنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه اللَّه إلا أجرت\n_________\n(^٥) - أخرجه البخاري: كتاب: التفسير، باب: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ (٤٧٧٠) - وانظر أطرافه عند رقم (١٣٩٤) - ومسلم، كتاب: الإيمان، باب: في قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ (٣٥٥، ٣٥٦) (٢٠٨)، والترمذى، كتاب: تفسير القرآن، باب: ومن سورة تَبَّت (٣٣٦٠)، والنسائي في الكبرى (٦/ ١٠٨١٩، ١١٧١٤)، وأحمد (١/ ٢٨١، ٣٠٧). كلهم من حديث عبد اللَّه بن عباس.\n(^٦) - هو قطعة من حديث طويل، أخرجه البخاري، كتاب: الجنائز، باب: رثاء النبي ﷺ سعد بن خَولَة (١٢٩٥) - وانظر أطرافه عند رقم (٥٦) - ومسلم، كتاب: الوصية،=\n_________\n[¬١]- في ز: \"يوحي\".\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- سقط من: خ.","vol":"7","page":411},{"text":"بها، حتى ما تجعل في فيِّ امرأتك\".\nوقال ابن جرير (^٧): حدثني [¬١] [¬٢] المسيب بن شريك، عن أبي بكر، عن سعيد بن جبير، عن ابن مسعود ﵁ في قوله: ﴿وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾ قال: من عمل سيئة كتبت عليه سيئة، ومن عمل حسنة كتبت له عشر حسنات، فإن عوقب بالسيئة التي كان عملها في الدنيا بقيت له عشر حسنات، وإن لم يعاقب بها في الدنيا أخذ من الحسنات العشر واحدة وبقيت له تسمع حسنات، ثم يقول: هلك من غلب آحاده على أعشاره.\nوقوله: ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ﴾ هذا تهديد شديد لمن تولى عن أوامر اللَّه تعالى وكذب رسله، فإن العذاب يناله يوم معاده [¬٣] لا محالة ﴿إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ﴾ أي: معادكم ومرجعكم يوم القيامة ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أي: وهو القادر على ما يشاء من إحسانه إلى أوليائه، وانتقامه من أعدائه، وإعادته [¬٤] الخلائق يوم القيامة، وهذا مقام الترهيب كما أن الأول مقام [¬٥] ترغيب.\n﴿أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٥)﴾\nقال ابن عباس: كانوا يكرهون أن يستقبلوا السماء بفروجهم وحال وقاعهم، فأنزل اللَّه هذه الآية. رواه البخاري (^٨) من حديث ابن جريج، عن [¬٦] محمد بن عباد بن جعفر، أن\n_________\n= باب: الوصية بالثلث (١٦٢٨)، وأبو داود، كتاب: الوصايا، باب: ما جاء في ما لا يجوز للموصي في ماله (٢٨٦٤)، والترمذي، كتاب: الوصايا، باب: ما جاء في الوصية بالثلث (٢١١٧) والنسائي كتاب: الوصايا، باب الوصية بالثلث (٦/ ٢٤١: ٢٤٢) وابن ماجة (٢٧٠٨)، وأحمد (١/ ١٦٨، ١٧٢، ١٧٦ وفي مواضع أخر) بروايات مطولة ومختصرة.\n(^٧) - إسناده ضعيف جدًّا، وفيه انقطاع، والحديث في تفسير ابن جرير (١١/ ١٨٢)، والمسيب بن شريك هذا، قال أحمد: ترك الناس حديثه، وقال ابن معين: لا شيء، وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث كأنه متروك [\"الجرح والتعديل\" (٨/ ٢٩٤)]، وقال البخاري: \"سكتوا عنه\" [\"التاريخ الكبير\" (٧/ ٤٠٨)].\n(^٨) - صحيح البخاري، كتاب: التفسير، باب: \"ألا إنهم يثنون صدورهم .... \" (٤٦٨٢).\n_________\n[¬١]- في تفسير ابن جرير \"حُدثت عن المسيب بن شريك\".\n[¬٢]- في ز: \"عن ابن\".\n[¬٣]- في خ: \" القيامة \".\n[¬٤]- في ت: \"إعادة\".\n[¬٥]- سقط من: ز.\n[¬٦]- في \"الصحيح\": أخبرني.","vol":"7","page":412},{"text":"ابن عباس قرأ: (ألا إنهم تَثْنَوْني [¬١] صدورهم) الآية.\nقلت [¬٢]: يا أبا العباس، ما تثنوني [¬٣] صدورهم؟ قال: [كان الرجل] [¬٤] يجامع امرأته فيستحي أو يتخلى فيستحي، فنزلت: (ألا إنهم تَثْنَوْني [¬٥] صدورهم). وفى لفظ آخر له (^٩) قال ابن عباس: أناس كانوا يستحيون أن يتخلوا فيفضوا إلى السماء، وأن يجامعوا نساءهم [فيفضوا إلى السماء] [¬٦]، فنزل ذلك فيهم.\nقال البخاري: وقال غيره عن ابن عباس: ﴿يَسْتَغْشُونَ﴾ يغطون رءوسهم.\n[ثم قال (^١٠): حدثنا الحميدي، حدثنا سفيان، حدثنا عمرو قال: قرأ [¬٧] ابن عباس ﴿أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ [¬٨]﴾.\nوقال ابن عباس في رواية أخرى في تفسير هذه الآية (^١١): يعني به الشك في اللَّه، وعمل السيئات. وكذا روي عن مجاهد والحسن وغيرهم، أي: أنهم كانوا يثنون صدورهم إذا قالوا شيئًا أو عملوه، يظنون [¬٩] أنهم يستخفون من اللَّه بذلك، فأعلمهم [¬١٠] اللَّه تعالى أنهم حين يستغشون ثيابهم عند منامهم في ظلمة الليل ﴿يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ﴾ من القول ﴿وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ أي: يعلم مما تكن صدورهم من النيات والضمائر والسرائر، وما أحسن ما قال زهير بن أبي سلمى في معلقته المشهورة:\nفَلا تَكْتُمُنَّ اللَّه ما في نفوسِكم [¬١١] … [ليخفى فمهما يُكتم] [¬١٢] اللَّه يَعْلمِ\nيُؤَخَّرْ فَيُوضَعْ في كتاب فَيُدَّخرْ [¬١٣] … ليوم حسابٍ [¬١٤] أو يُعَبلْ فَيُنْقَمِ\n_________\n(^٩) - صحيح البخاري رقم (٤٦٨١).\n(^١٠) - صحيح البخاري رقم (٤٦٨٣).\n(^١١) - إسناده فيه انقطاع، أخرجه ابن جرير (١١/ ١٨٥)، وابن أبي حاتم في تفسيره (٦/ ١١٠٦٥٧).\n_________\n[¬١]- في خ: \"يثنون\".\n[¬٢]- في خ: \"فقلت\".\n[¬٣]- في ز، خ: \" يثنون \".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين في ز: \"الرجل\" والمثبت من الصحيح.\n[¬٥]- في خ: \" يثنون \".\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٧]- سقط من: ز.\n[¬٨]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: مكانها قبل الفقرة التي قبلها.\n[¬٩]- فى خ: \" فيظنون \".\n[¬١٠]- فى ت: \" فأخبرهم \".\n[¬١١]- في ت: \" قلوبكم \".\n[¬١٢]- في ز: \" لتخفى فمهما تكتمُ \".\n[¬١٣]- في ز: \" ليدخر\".\n[¬١٤]- في ز: \" الحساب \".","vol":"7","page":413},{"text":"فقد اعترف هذا الشاعر الجاهلي بوجود الصانع، وعلمه بالجزئيات وبالمعاد وبالجزاء، وبكتابة الأعمال في الصحف ليوم القيامة.\nوقال عبد اللَّه بن شداد (^١٢): كان أحدهم إذا مر برسول اللَّه، ﷺ، ثنى صدره وغطن رأسه، فأنزل اللَّه ذلك.\nوعود الضمير [] [¬١] على اللَّه أولى لقوله: ﴿أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾.\nوقرأ ابن عباس (^١٣) [¬٢]: (ألا إنهم تَثْنَوْنِي صدورُهم) برفع الصدور على الفاعلية، وهو قريب المعنى.\n﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٦)﴾\nأخبر تعالى أنه متكفل بأرزاق المخلوقات من سائر دواب الأرض؛ صغيرها وكبيرها، بحريها وبريها، وأنه يعلم مستقرها ومستودعها، أي: يعلم أين منتهى سيرها في الأرض، وأين تأوي إليه من وكرها، وهو مستودعها.\nوقال على بن أبى طلحة وغيره، عن ابن عباس (^١٤) ﴿وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا﴾ أي: حيث تأوي ﴿وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾ حيث تموت.\nوعن مجاهد: ﴿مُسْتَقَرَّهَا﴾ في الرحم ﴿وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾ في الصلب كالتي في الأنعام. وكذا روي عن ابن عباس والضحاك وجماعة، وذكر ابن أبي حاتم أقوال المفسرين هاهنا كما ذكره عند تلك الآية، فالله أعلم. وأن جميع ذلك مكتوب في كتاب عند اللَّه مبين عن جميع ذلك، كقوله ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾، وقوله: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ\n_________\n(^١٢) - مرسل، أخرجه ابن جرير (١١/ ١٨٣)، وابن أبي حاتم (٦/ ١٠٦٥٩) وسعيد بن منصور وابن المنذر وأبو الشيخ - كما في \"الدر المنثور\" (٣/ ٥٧٩).\n(^١٣) - صحيح، تقدم (٨، ٩).\n(^١٤) - صحيح، أخرجه ابن جرير (١٢/ ٢)، وابن أبي حاتم (٦/ ١٠٦٧٧)، وعبد الرزاق، وابن المنذر، وأبو الشيخ؛ كما في \"الدر المنثور\" (٣/ ٥٨١).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ز: \" أولًا \".\n[¬٢]- في ز: \"مسعود\".","vol":"7","page":414},{"text":"الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾.\n﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (٧) وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ أَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٨)﴾\nيخبر تعالى عن قدرته على كل شيء، وأنه خلق السموات والأرض في ستة أيام، وأن عرشه كان على الماء قبل [¬١] ذلك، كما قال الإِمام أحمد (^١٥):\nحدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن جامع بن شداد، عن صفوان بن مُحْرز، عن عمران بن حصين؛ قال: قال رسول اللَّه ﷺ: \"اقبلوا البشرى يا بني تميم\". قالوا: قد بشرتنا فأعطنا. قال: \"اقبلوا البشرى يا أهل اليمن\". قالوا: قد قبلنا. فأخبرنا عن أول هذا الأمر كيف كان؟ قال: \"كان اللَّه قبل كل شيء، وكان عرشه على الماء، ومحب في اللوح المحفوظ ذكر كل شيء\". قال: فأتاني آت فقال: يا عمران، انحلت ناقتك من عقالها. قال: فخرجت فى إثرها فلا أدري ما كان بعدي.\nوهذا الحديث مخرج في صحيحي البخاري ومسلم [¬٢] بألفاظ كثيرة؛ فمنها: قالوا: جحناك نسألك عن أول هذا الأمر. فقال: \"كان اللَّه ولم يكن شيء قبله\" (^١٦)، وفى\n_________\n(^١٥) - إسناده صحيح، \"المسند\" (١٩٩٢٩) (٤/ ٤٣١)، وأخرجه أيضًا (١٩٨٧٤، ١٩٩٣٩، ١٩٩٦٤) (٤/ ٤٢٦، ٤٣٣، ٤٣٦)، والبخاري، كتاب: بدء الخلق، باب: ما جاء في قول اللَّه تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ …﴾ (٣١٩٠)، والترمذي، كتاب: المناقب، باب: في ثقيف وبني حنيفة (٣٩٤٦)، والنسائي في \"التفسير\" من الكبرى (٦/ ١١٢٤٠) من طرق عن جامع بن شداد، به مطولًا ومختصرًا.\n(^١٦) - أخرجه البخاري، كتاب: التوحيد، باب: ﴿وكان عرشه على الماء وهو رب العرش العظيم﴾ (٧٤١٨).\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- كذا قال، ولم يعزه المزيُّ في \"التحفة\" (٦/ ١٠٨٢٩)، والحافظ ابن حجر في \" النكت الظراف \" إلا إلى البخاري والترمذي والنسائي دون مسلم، وكذا ذكره المصنف في \"البداية والنهاية\" (١/ ١٧)،","vol":"7","page":415},{"text":"رواية: \" غيره \" (^١٧)، وفي رواية: \" معه \" (^١٨) - \" وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر كل شيء، ثم خلق السموات والأرض \".\nوفي صحيح مسلم (^١٩) عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص؛ قال: قال رسول اللَّه، ﷺ: \"إن اللَّه قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء\".\nوقال البخاري في تفسير هذه الآية (^٢٠): حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، حدثنا أبو الزناد، عن الأعرج، فيِ أبي هريرة ﵁ أن رسول اللَّه، ﷺ، قال: \" قال اللَّه ﷿: أَنفقْ أُنفقْ عليك \". وقال: \" يد اللَّه ملأى لا يغيضها (*) نفقة، سَحَّاءُ (**) الليلَ والنهارَ\". وقال: \"أفرأيتم ما أنفق منذ خلق السموات والأرض، فإنه لم يفض ما في يده، وكان عرشه على الماء، وبيده الميزان يخفض ويرفع\".\nوقال الإِمام أحمد (^٢١): حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا حماد بن سلمة، عن يعلى بن\n_________\n(^١٧) - أخرجه البخاري كتاب: بدء الخلق، باب: ما جاء في قول اللَّه تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ (٣١٩١)، والنسائي في \"التفسير\" (٦/ ١١٢٤٠).\n(^١٨) - هذه الرواية ذكرها الحافظ ابن حجر في \"الفتح\" (٦/ ٢٨٩) ونسبها إلى غير البخاري، وكلامه يشعر بأنه لم يقف عليها، فقد قال: تنبيه: وقع في بعض الكتب في هذا الحديث \"كان اللَّه ولا شيء معه، وهو الآن على ما عليه كان\" وهي زيادة ليست في شيء من كتب الحديث، نبه على ذلك العلامة تقي الدين ابن تيمية، وهو مسلم في قوله: \"وهو الآن\" إلى آخره، وأما لفظ \" ولا شيء معه \" فرواية الباب بلفظ: \"ولا شيء غيره\" بمعناها.\n(^١٩) - تقدم تخريجه [سورة الأعراف / آية ١٧٩].\n(^٢٠) - صحيح البخاري، كتاب: التفسير، باب: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ (٤٦٨٤)، وأخرجه مسلم، كتاب: الزكاة، باب: الحث على النفقة وتبشير المنفق بالخلف (٣٦، ٣٧) (٩٩٣)، والترمذي كتاب: تفسير القرآن، باب: ومن سورة المائدة (٣٠٤٨)، والنسائى فى \"التفسير\" من الكبرى (٦/ ١١٢٣٩)، وابن ماجه في المقدمة، باب: فيما أنكرت الجهمية (١٩٧)، كتاب: الكفارات، باب: النهي عن النذر (٢١٢٣)، وأحمد (٢/ ٢٤٢، ٣١٣، ٣١٤) مطولًا ومختصرًا.\n(^٢١) - صحيح، (٤/ ١١)، وأخرجه أيضًا (٤/ ١٢) وابنه عبد اللَّه في \"السنة\" (١/ ٤٥٠)، والترمذي=\n_________\n(٥/ ٥٠٨٢) وعزاه إلى البخاري والترمذي، النسائى، ولم يذكر مسلمًا.\n(*) أي: لا ينقصها.\n(**) أي: دائمة الصَّبِّ والهطل بالعطاء.","vol":"7","page":416},{"text":"عطاء، عن وكيع بن عُدُس [¬١]، عن عمه أبي رزين - واسمه لقيط بن عامر بن المنتفق [¬٢] العَقِيلى - قال: قلت: يا رسول اللَّه، أين كان ربنا قبل أن يخلق خلقه؟ قال: \"كان في عَمَاءٍ - سحاب [¬٣]- ما تحته هواء وما فوقه هواء، ثم خلق العرش بعد ذلك\".\nوقد رواه الترمذي في التفسير، وابن ماجة في السنة [¬٤] من حديث يزيد بن هارون، به. وقال الترمذي: هذا حديث حسن.\nوقال مجاهد: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ قبل أن يخلق شيئًا. وكذا قال وهب ابن منبه، وضمرة بن [حبيب] [¬٥]، وقاله قتادة وابن جرير وغير واحد.\nوقال قتادة في قوله: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ ينبئكم كيف كان بدء خلقه قبل أن يخلق السموات والأرض.\nوقال الربيع بن أنس: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ فلما خلق السموات والأرض قسم ذلك الماء قسمين؛ فجعل نصفا تحت العرش وهو البحر المسجور.\nوقال ابن عباس (^٢٢): إنما سمي العرش عرشًا لارتفاعه.\nوقال إسماعيل بن أبي خالد: سمعت سعدًا الطائي يقول (^٢٣): العرش ياقوتة حمراء.\n_________\n= كتاب: تفسير القرآن، باب: ومن سورة هود (٣١٠٨)، وابن ماجه، في المقدمة، باب: فيما أنكرت الجهمية (١٨٢)، والطيالسي في مسنده (١٠٩٣) ومحمد بن عثمان بن الي شيبة فى \"كتاب العرش\" (٧)، وابن أبي عاصم في السنة (٦١٢)، وابن جرير في \"التفسير\" (٤/ ١٢)، وأبو الشيخ في \"العظمة\" (١/ ٨٣، ٨٤)، وابن أبي زَمَنِين في \"أصول السنة\" (٣١)، والطبراني في \"الكبير\" (١٩/ ٤٦٨)، والبيهقي في \"الأسماء والصفات\" (٢/ ٨٠١) من طرق عن حماد بن سلمة به، ووكيع بن عدس - وقيل: حدس - وثقه ابن حبان \"الثقات\" (٥/ ٤٩٦)، وذكره في \"مشاهير علماء الأمصار\" (٩٧٣) وقال: \"من الأثبات وباقي رجاله ثقات من رجال \"التهذيب\" والحديث قال فيه الترمذي: \"حديث حسن\"، وصححه ابن حبان (١٤/ ٦١٤١)، وصححه أبو عبيد القاسم بن سلام، ونقل تصحيح أصحاب الحديث له كما في كتاب \" النزول \" للدارقطني (ص ٦٨).\n(^٢٢) - لم أهتد إليه.\n(^٢٣) - تقدم [(سورة يونس آية ٣].\n_________\n[¬١]- قال الترمذي: هكذا يقول حماد بن سلمة: وكيع بن حدس، ويقول: شعبة وأبو عوانة وهشيم: وكيع بن عَدَس، وهو أصح.\n[¬٢]- في ز، خ: \"المنفق\".\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- في ت: \"السنن\".\n[¬٥]- سقط من ز، خ. والمثبت من تفسير الطبري.","vol":"7","page":417},{"text":"وقال محمد بن إسحاق في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ فكان كما وصف نفسه تعالى، إذ ليس إلا الماء و[¬١] عليه العرش، وعلى العرش ذو الجلال والإِكرام، والعزة والسلطان، والملك والقدرة، والحلم والعلم، والوحمة والنعمة، الفعالُ لما يريد.\nوقال الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير؛ قال: سئل ابن عباس عن قول اللَّه: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ على أي شيء كان الماء؟ قال: على متن الريح (^٢٤).\nوقوله تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ أي: خلق السموات والأرض لنفع عباده الذين خلقهم ليعبدوه وحده [لا شريك له] [¬٢]، ولم يخلق ذلك عبثًا، كقوله ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾، وقال تعالى ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾، وقال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾.\nوقوله: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ﴾ أي: ليختبركم ﴿أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ ولم يقل: أكثر عملًا، بل أحسن عملًا، و[لا يكون] [¬٣] العمل حسنًا حتى يكون خالصًا للَّه ﷿ على شريعة رسول اللَّه، ﷺ، فمتى فَقَدَ العمل واحدًا من هذين [¬٤] الشرطين بطل وحبط.\nوقوله: ﴿وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ يقول تعالى: ولئن أخبرت يا محمد هؤلاء المشركين أن اللَّه سيبعثهم بعد\n_________\n(^٢٤) - صحيح موقوف، أخرجه ابن أبي عاصم في \"السنة\" (١/ ٥٨٤)، والدارمي في \"الرد على المريسي\" (ص ٨٧)، وابن أبي حاتم (٦/ ١٠٦٩٧)، وإبن جرير (١٢/ ٥)، وأبو الشيخ في \" العظمة \" (٢/ ٢١٠)، ومحمد بن عثمان بن أبي شيبة في \" كتاب العرش \" (رقم ٢)، والحاكم في \" المستدرك \" (٢/ ٣٤١)، والبيهقي في \" الأسماء والصفات \" (٢/ ٨٠٢) من طرق عن سفيان، به.\nوقال الحاكم: \" حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه \" ووافقه الذهبي. وقال الألباني في ظلال الجنة: \"إسناده جيد موقوت، وليس له حكم المرفوع؛ لاحتمال أن يكون ابن عباس تلقاه عن أهل الكتاب\".\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- في ت: \" ولا يشريكوا به شيئًا \".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في ز: \" لم يكن \".\n[¬٤]- في ز، خ: \" هذا \".","vol":"7","page":418},{"text":"مماتهم كما بدأهم، مع أنهم يعلمون أن الله تعالى هو الذي خلق السموات والأرض، [كما قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾، ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ] [¬١] وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾، وهم مع هذا ينكرون البعث والمعاد يوم القيامة، الذي هو بالنسبة إلى القدرة أهون [¬٢] من البداءة، كما قال تعالى ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾، وقال تعالى: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾.\nوقولهم: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ أي: يقولون كفرًا وعنادًا: ما نصدقك على وقوع البعث، وما يذكر [¬٣] ذلك إلا من سَحَرتَه فهو يتبعك على ما تقول.\nوقوله: ﴿وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ﴾ يقول تعالى: ولئن أخرنا العذاب والمؤاخذة عن هؤلاء المشركين إلى أجل معدود، وأمد محصور، وأوعدناهم به إلى مدة مضروبة، ليقولن تكذيبًا واستعجالًا: ﴿ما يحبسه﴾ أي: يؤخر هذا العذاب عنا، فإن سجاياهم قد ألفت التكذيب والشك، فلم يبق لهم محيص عنه ولا محيد.\nوالأمة تستعمل في القرآن والسنة في معان متعددة؛ فيراد بها الأمد، كقوله في هذه الآية: ﴿إلى أمة معدودة﴾، وقوله في يوسف: ﴿وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾، وتستعمل في الإمام المقتدى به، كقوله: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾، وتستعمل في الملة والدين، كقوله اخبارًا عن المشركين أنهم قالوا: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾، وتستعمل في الجماعة؛ كقوله: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ﴾، وقال تعالى [¬٤]: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾، وقال تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ والمراد من الأمة هاهنا الذين يبعث فيهم الرسول؛ مؤمنهم وكافرهم، كما في صحيح مسلم (^٢٥): \" والذي نفسي بيده، لا يسمع بي أحد من [¬٥] هذه الأمة؛ يهودي ولا نصراني، ثم لا\n_________\n(^٢٥) - صحيح مسلم، كتاب: الإيمان، باب: وجوب الإيمان برسالة نبينا محمد ﷺ إلى جميع الناس ونسخ الملل بملته (٢٤٠) (١٥٣)، لكنه مغاير في بعض الأحرف لسياق المصنف.\nوأخرجه أحمد أيضًا (٢/ ٣١٧، ٣٥٠)، كلاهما من حديث أبي هريرة. وانظر [سورة الأعراف آية ١٥٨].\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في ز: \"يذكره من\"، خ: \"يذكره\".\n[¬٤]- في ت: \"قوله\".\n[¬٥]- في خ: \"في\".","vol":"7","page":419},{"text":"يؤمن بي إلا دخل النار\".\nوأما أمة الأتباع فهم المصدقون للرسل، كما قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾، وفي الصحيح (^٢٦): \" فأقول: أُمتي! أمتي! \".\nوتستعمل الأمة في الفرقة والطائفة؛ كقوله تعالى: ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾، وكقوله: ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾.\n﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ (٩) وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ (١٠) إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (١١)﴾\nيخبر تعالى عن الإنسان وما فيه من الصفات الذميمة، إلا من رحم الله من عباده المؤمنين: أنه [¬١] إذا أصَابته شدة بعد نعمة، حصل له إياس [¬٢] وقنوط من الخير بالنسبة إلى المستقبل، وكفر وجحود لماضي الحال، كأنه لم ير خيرًا ولم يرج بعد ذلك [¬٣] فرجًا، وهكذا إذا [¬٤] أصابته نعمة بعد نقمة ﴿ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي﴾ أي: يقول ما بقي ينالني بعد هذا ضيم ولا سوء ﴿إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾ أي: فرح بما في يده، بطر فخور على غيره، قال الله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ [أي: في [¬٥] الشدائد والمكاره] [¬٦] ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ أي: في الرخاء والعافية ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ أي: بما يصيبهم من الضراء ﴿وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ بما أسلفوه في زمن الرخاء، كما جاء في الحديث (^٢٧):\n_________\n(^٢٦) - أخرجه البخاري، كتاب: التوحيد، باب: كلام الرب ﷿ يوم القيامة مع الأنبياء وغيرهم (٧٥١٠)، ومسلم: كتاب: الإيمان، باب: أدنى أهل الجنة منزلة فيها (٣٢٦) (١٩٣)، والنسائي في \"التفسير\" من الكبرى (٦/ ١١١٣١) من حديث أنس بن مالك.\n(^٢٧) - أخرجه البخاري، كتاب: المرضى، باب: ما جاء في كفارة المرض (٥٦٤١، ٥٦٤٢)، ومسلم، كتاب: البر والصلة والآداب، باب: ثواب المؤمن فيما يصيبه من مرض (٥٢) (٢٥٧٣)، والترمذي، كتاب: الجنائز، باب: ما جاء في ثواب المريض (٩٦٦)، وأحمد (١١٠٢٠، ١١١٥٥) =\n_________\n[¬١]- في ز: \"فإنه\".\n[¬٢]- في ت: \"يأس\".\n[¬٣]- في ز: \"تلك\".\n[¬٤]- في ت: \"إن\".\n[¬٥]- في ت: \"على\".\n[¬٦]- سقط من: خ.","vol":"7","page":420},{"text":"\"والذي نفسي بيده، لا يصيب المؤمن هم ولا غم، ولا نصب ولا وصب ولا حزن [حتى الشوكة يُشاكُها] [¬١]، إلا كفر الله عنه بها من خطاياه\". وفي الصحيحين (^٢٨): \" والذي نفسي بيده، لا يقضي الله للمؤمن قضاء إلا كان خيرا له: إن أصابته سراء فشكر كان خيرًا له، وإن أصابته ضراء فصبر كان خيرًا له، وليس ذلك لأحد غير المؤمن\". ولهذا [¬٢] قال الله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا إِلَّا الْمُصَلِّينَ﴾.\n﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٢) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٣) فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٤)﴾\nيقول تعالى مسليًا لرسوله، ﷺ، عما كان يتعنت به المشركون، فيما كانوا يقولونه عن الرسول، كما أخبر تعالى عنهم [في قوله] [¬٣]: ﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا * أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾، فأمر الله تعالى رسوله، صلوات الله وسلامه عليه، وأرشده إلى أن لا يضيق بذلك منهم صدره، ولا يهيدنه [¬٤] ذلك ولا يثنيه عن دعائهم إلى الله ﷿، آناء الليل وأطراف النهار، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ. فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ. وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾. وقال هاهنا: ﴿﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا﴾ أي: لقولهم ذلك، فإنما أنت نذير، ولك\n_________\n= (٣/ ٤، ١٨ وفي مواضع أخر) من حديث أبي هريرة وأبي سعيد - وعن أحمد في الموضع الأول عن أبي سعيد فقط - بنحو اللفظ الذي أورده المصنف.\n(^٢٨) - صحيح. انظر ما تقدم [سورة يونس/ آية ١٣] وما يأتي [سورة إبراهيم/ آية ٥٩].\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"وقعت بعد قوله: \"خطاياه\".\n[¬٢]- في ز: \"هكذا\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- في خ: \"يهدنه\".","vol":"7","page":421},{"text":"أسوة بإخوانك من الرسل قبلك، فإنهم كذبوا وأوذوا فصبروا حتى أتاهم نصر الله ﷿. ثم بين تعالى إعجاز القرآن، وأنه لا يستطيع [البشر الإتيان] [¬١] بمثله، ولا بعشر سور مثله، ولا بسورة من مثله؛ لأن كلام الرب تعالى لا يشبهه [¬٢] كلام المخلوقين، كما أن صفاته لا تشبه صفات المحدثات، وذاته لا يشبهها شيء، تعالى وتقدس وتنزه، لا إله إلا هو ولا رب سواه.\nثم قال تعالى: ﴿فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ﴾ أي: فإن لم يأتوا بمعارضة ما دعوتموهم [¬٣] إليه، فاعلموا أنهم عاجزون عن ذلك، وأن هذا الكلام منزل من عند الله، متضمنًا علمه وأمره ونهيه، ﴿وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾.\n﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (١٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٦)﴾\nقال العوفي عن ابن عباس في هذه الآية (^٢٩): إن أهل الرياء يعطون بحسناتهم في الدنيا، وذلك أنهم لا يظلمون نقيرًا، يقول: من عمل صالحًا التماس الدنيا؛ صومًا أو صلاة أو تهجدًا بالليل، لا يعمله إلا لالتماس [¬٤] الدنيا، يقول الله تعالى: أوفيه الذي التمس في الدنيا من المثابة، وحبط عمله الذي كان يعمله لالتماس [¬٥] الدنيا، وهو في الآخرة من الخاسرين.\nوهكذا روي عن مجاهد والضحاك وغير واحد.\nوقال أنس بن مالك (^٣٠)، والحسن: نزلت في اليهود والنصارى.\n_________\n(^٢٩) - إسناده ضعيف، لضعف العوفي، أخرجه ابن جرير (١٢/ ١١)، وابن أبي حاتم (٦/ ١٠٧٣٩).\n(^٣٠) - أخرجه ابن جرير (١٢/ ١٢)، وابن أبي حاتم (٦/ ١٠٧٣٦)، ورجاله ثقات، إلا أن فيه عنعنة قتادة، وزاد نسبته السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ٥٨٤) إلى أبي الشيخ وابن مردويه.\n_________\n[¬١]- في ت: \"أحد أن يأتي\".\n[¬٢]- في خ: \"يشبه\".\n[¬٣]- في ز: \"دعوتهم\".\n[¬٤]- في خ: \"التماس\".\n[¬٥]- في ز: \"التماس\".","vol":"7","page":422},{"text":"وقال مجاهد وغيره: نزلت في أهل الرياء.\nوقال قتادة: من كانت الدنيا همه وسدمه (^٣١) [¬١]، جازاه الله بحسناته في الدنيا، ثم يفضي إلى الآخرة وليس له حسنة يعطى بها جزاء، وأما المزمن فيجازى بحسناته في الدنيا ويثاب عليها في الآخرة.\nوقد ورد في الحديث المرفوع نحو من هذا (^٣٢).\nوقال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا * وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا * كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا * انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا﴾، وقال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾.\n﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ (١٧)﴾\nيخبر تعالى عن حال المؤمنين الذين هم على فطرة الله تعالى التي فطر عليها عباده بن الاعتراف له بأنه لا إله إلا هو، كما قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾. وفي الصحيحين [¬٢] عن أبي\n_________\n(^٣١) - السَدَم: الولوع بالشيء واللهج به، والغم بطلبه والندم على فوته.\n(^٣٢) - في هذا الباب حديث أنس عند الطبراني في \"الأوسط\" (٥٩٩٠، ٨٨٨٢) بإسنادين وكلاهما ضعيف جدًّا، وهو عند الترمذي (٢٤٦٧) وفيه ضعف أيضًا، وعن زيد بن ثابت عند ابن ماجه (٤١٠٥)، وفي الزوائد: \"إسناده صحيح، رجاله ثقات\"، وصححه ابن حبان (٢/ ٦٨٠)، وانظر: \"مجمع الزوائد\" (١٠/ ٢٥٠).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"سدته\".\n[¬٢]- في ز: \"الصحيح\"، والمثبت من: خ.","vol":"7","page":423},{"text":"هريرة قال (^٣٣): قال رسول الله، ﷺ: \"كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه و[¬١] ينصرانه و[¬٢] يمجسانه، كما تولد البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء؟ \" الحديث [¬٣].\nوفي صحيح مسلم (^٣٤) عن عياض بن حمار، عن رسول الله، ﷺ، قال: \"يقول الله تعالى: إني خلقت عبادي حنفاء، فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرّمت عليهم ما أحللت لهم، [وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانًا] [¬٤] \".\nوفي المسند والسنن (^٣٥) (^٣٦): \" كل مولود يولد على هذه الملة، حتى يعرب عنه لسانه\". الحديث. فالمؤمن باق على هذه الفطرة.\n[وقوله: ﴿ويتلوه شاهد منه﴾ أي] [¬٥]: وجاءه شاهد من الله، وهو ما أوحاه إلى الأنبياء من الشرائع المطهرة المكملة المعظمة، المختتمة بشريعة محمد، صلوات الله وسلامه [عليه و] [¬٦] عليهم أجمعين، ولهذا قال ابن عباس (^٣٧)، ومجاهد وعكرمة، وأبو العالية، والضحاك، وإبراهيم النخعي، والسدي وغير واحد في قوله تعالى: ﴿ويتلوه شاهد منه﴾: إنه جبريل ﵇.\n_________\n(^٣٣) - تقدم تخريجه [سورة الأنعام/ آية ٧٩].\n(^٣٤) - تقدم تخريجه [سورة الأنعام/ آية ٧٩].\n(^٣٥) - صحيح، أخرجه أحمد (١٥٦٣٠) (٣/ ٤٣٥ - وفي مواضع أخر)، وعبد الرزاق في \"المصنف\" (١١/ ٢٠٠٩٠)، وأبو يعلى (٢/ ٩٤٢)، والطبراني في \"الكبير\" (١/ ٢٨٣، ٢٨٥)، وفي \"الأوسط\" (١٩٨٤، ٤٩٤١) وغيرهم من حديث الأسود بن سريع، وصححه ابن حبان (١/ ١٣٢)، والحاكم (٢/ ١٢٣) على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، وأقرهما الألباني في \"الصحيحة\" (١/ ٤٠٢)، وانظر ما تقدم [سورة الأعراف/ آية ١٧٤]، وفي الباب عن جابر بن عبد الله عند أحمد (١٤٨٤٨) (٣/ ٣٥٣) وفي إسناده ضعف.\n(^٣٦) - كذا قال، ولم يعزه صاحب \"التحفة\" (١/ ٧٠) إلا إلى النسائي في \"السير\" (٥/ ٨٦١٦) من الكبرى بلفظ آخر. حديث الأسود بن سريع وفي الباب عن جابر بن عبد الله عند أحمد فقط. انظر الهامش (٣٥).\n(^٣٧) أخرجه ابن جرير (١٢/ ١٦) وابن أبي حاتم (٦/ ١٠٧٥٩)، وابن المنذر، وأبو الشيخ، وابن مردويه - كما في \"الدر المنثور\" (٣/ ٥٨٧) -.\n_________\n[¬١]-[¬٢]- في ت: \"أو\".\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين زيادة من: ز.","vol":"7","page":424},{"text":"وعن علي (^٣٨) ﵁ والحسن وقتادة: هو محمد ﷺ.\nوكلاهما قريب في المعنى؛ لأن كلًّا من جبريل ومحمد، صلوات الله عليهما، بلغ رسالة الله تعالى، فجبريل إلى محمد ومحمد إلى الأمة.\nوقيل: هو على، وهو ضعيف لا يثبت له قائل، والأول والثاني هو الحق، وذلك أن المؤمن عنده من الفطرة ما يشهد للشريعة من حيث الجملة، والتفاصيل تؤخذ من الشريعة، والفطرة تصدقها وتؤمن بها، ولهذا قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ﴾ وهو القرآن، بلغه جبريل إلى النبي، ﷺ، وبلغه النبي محمد، ﷺ، إلى أمته.\nثم قال تعالى: ﴿ومن قبله كتاب موسى﴾ أي: ومن قبل القرآن كتاب موسى وهو التوراة ﴿إمامًا ورحمة﴾ أي: أنزله الله تعالى إلى تلك الأمة إمامًا لهم، وقدوة يقتدون بها، ورحمة من الله بهم، فمن آمن بها حق الإيمان قاده ذلك إلى الإيمان بالقرآن؛ ولهذا قال تعالى: ﴿أولئك يؤمنون به﴾.\nثم قال تعالى متوعدًا لمن كذب بالقرآن أو بشيء منه: ﴿ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده﴾ أي: ومن كفر بالقرآن من سائر أهل الأرض؛ مشركيهم و[¬١] أهل الكتاب، وغيرهم من سائر طوائف بني آدم، على اختلاف ألوانهم وأشكالهم وأجناسهم ممن بلغه القرآن، كما قال تعالى: ﴿لأنذركم ومن بلغ﴾، وقال تعالى: ﴿قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعًا﴾، وقال تعالى: ﴿ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده﴾. وفي صحيح مسلم (^٣٩) من حديث شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن أبي موسى الأشعري ﵁: أن رسول الله، ﷺ، قال:\n_________\n(^٣٨) - صحيح، أخرجه ابن جرير (١٢/ ١٤)، وابن أبي حاتم (٦/ ١٠٧٥٩)، وإسناده قوي، وأخرجه الطبراني في \"الأوسط\" (٧/ ٦٨٢٨) لكن في إسناده خُليد بن دَعْلج وهو ضعيف، وزاد نسبته السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ٥٨٦) إلى ابن المنذر وأبي الشيخ.\n(^٣٩) - صحيح، كذا عزاه المصنف هنا إلى صحيح مسلم، وقد ذكره في \"جامع المسانيد\" (٥/ ٢٨٤ - مخطوط)، وكذا المزي في \"التحفة\" (٦/ ٨٩٩٥) ولم ينسباه إلا إلى النسائي. وفد أخرجه النسائي في \"التفسير\" من الكبرى (٦/ ١١٢٤١) أنا محمد بن عبد الأعلى، نا خالد عن شعبة بهذا الإسناد، وأخرجه أيضًا أحمد (١٩٥٩٣، ١٩٦١٩) (٤/ ٣٩٦، ٣٩٨)، والطيالسي (٥٠٩) - ومن طريقه أبو نعيم في \"الحلية\" (٤/ ٣٠٨) - والبزار في مسنده (٨/ ٣٠٥٠)، والرويانى في مسنده (١/ ٥٢٦)، وابن جرير في تفسيره (١٢/ ٢٠) من طرق عن شعبة، به. =\n_________\n[¬١]- سقط من: ت.","vol":"7","page":425},{"text":"\"والذي نفسي بيده [¬١]، لا يسمع بي أحد من هذه الأمة؛ يهودي أو نصراني، ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار\".\nوقال أيوب [¬٢] السختياني، عن سعيد بن جبير قال (^٤٠): كنت لا أسمع بحديث عن النبي، ﷺ، على وجهه إلا وجدت [¬٣] مصداقه - أو قال: تصديقه - في القرآن، فبلغني أن النبي، ﷺ، قال: \"لا يسمع بي أحد من هذه الأمة؛ ولا [¬٤] يهودي ولا نصراني، فلا يؤمن بي إلا دخل النار\"، فجعلت أقول: أين مصداقه في كتاب الله؟ قال: وقلما سمعت عن رسول الله، ﷺ، إلا وجدت له تصديقًا في القرآن، حتى وجدت هذه الآية: ﴿ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده﴾ قال [¬٥]. من الملل كلها.\nوقوله: ﴿فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾. أي: القرآن حق من الله لا مرية ﴿فيه ولا شك﴾، كما قال تعالى: ﴿الم * تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، وقال تعالى: ﴿الم * ذلك الكتاب لا ريب فيه﴾.\nوقوله: ﴿ولكن أكثر الناس لا يؤمنون﴾؛ كقوله تعالى: ﴿وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين﴾، وقال تعالى: ﴿وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله﴾، وقال تعالى: ﴿ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقًا من المؤمنين﴾.\n﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ\n_________\n= وذكره الهيثمي في \"المجمع\" (٨/ ٢٦٤) وقال: \"رواه الطبراني … وأحمد بنحوه … ورجال أحمد رجال الصحيح … \" وهو كذلك إلا أن سعيد بن جبير، لم يسمع من أبي موسى على الراجح. وقد زاد نسبته السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ٥٨٧) إلى سعيد بن منصور وابن المنذر وابن مردويه، وأخرج مسلم في صحيحه (٢٤٠) (١٥٣) من طريق عمرو - وهو ابن الحارث بن يعقوب - أن أبا يونس حدثه عن أبي هريرة عن رسول ﷺ أنه قال: \"والذي نفس محمد بيده، لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهوديٍّ ولا نصرانيٍّ، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به، إلا كان من أصحاب النار\".\n(^٤٠) - صحيح، أخرجه ابن جرير (١٢/ ١٩)، وابن أبي حاتم (٦/ ١٠٧٦٩)، وقد وصله الحاكم (٢/ ٣٤٢) من حديث ابن عباس، وقال: \"صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه\" ووافقه الذهبي.\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- في ز، خ: \"أبو\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"سمعت\".\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- سقط من: ز، خ.","vol":"7","page":426},{"text":"الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (١٨) الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (١٩) أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ (٢٠) أُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٢١) لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ (٢٢) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾\nبين تعالى حال المفترين عليه، وفضيحتهم في الدار الآخرة على رءوس الخلائق؛ من الملائكة والرسل والأنبياء [¬١] وسائر البشر والجان، كما قال الإِمام أحمد (^٤١):\nحدثنا بهز وعفان؛ قالا: أخبرنا همام، حدثنا قتادة، عن صفوان بن محرز [¬٢] قال: كنت آخذًا بيد ابن عمر، إذ [¬٣] عرض له رجل قال: كيف سمعت رسول الله، ﷺ، يقول في النجوى يوم القيامة؟ قال: [سمعت رسول الله، ﷺ] [¬٤]، يقول: \"إن الله ﷿ يدني المؤمن، فيضع عليه كنفه، ويستره من الناس، ويقرره بذنوبه، ويقول له: أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ حتى إذا قرره بذنوبه، ورأى في نفسه أنه قد هلك، قال: فإني قد سترتها عليك في الدنيا، وإني أغفرها لك اليوم. ثم يعطى كتاب حسناته، وأما الكفار والمنافقون فـ ﴿يَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ \".\nأخرجه البخاري ومسلم في الصحيحين: من حديث قتادة، به [¬٥].\n_________\n(^٤١) - صحيح، \"المسند\" (٢/ ٧٤) وأخرجه أيضًا (٢/ ١٠٥) ثنا عبد الوهاب بن عطاء، نا سعيد عن قتادة به، وأخرجه البخاري، كتاب: المظالم، باب: قول الله تعالى: ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ (٢٤٤١)، مسلم كتاب: التوبة، باب: قبول توبة القاتل، وإن كثر قتله (٥٢) (٢٧٦٨)، والنسائي في \"التفسير\" (٦/ ١١٢٤٢)، وابن ماجه في المقدمة، باب: فيما أنكرت الجهمية (١٨٣) من طرق عن قتادة، به.\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- في ز: \"محزر\".\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين في ت: \"سمعته\".\n[¬٥]- سقط من: ت.","vol":"7","page":427},{"text":"وقوله: ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ [أي: يردون الناس عن اتباع الحق، وسلوك طريق الهدى الموصلة إلى الله ﷿، ويجنبونهم الجنة ﴿وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا [¬١]﴾ أي: ويريدون أن يكون طريقهم [¬٢] عوجًا غير معتدلة ﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كَافِرُونَ﴾ أي: جاحدون بها مكذبون بوقوعها وكونها.\n﴿أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾ أي: بل كانوا تحت قهره وغلبته، وفي قبضته وسلطانه، وهو قادر على الانتقام منهم في الدار الدنيا قبل الآخرة ﴿إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾، وفي الصحيحين (^٤٢): \" إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته\"، ولهذا قال تعالى: ﴿يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ﴾. أي: يضاعف عليهم العذاب، وذلك أن الله تعالى جعل لهم سمعًا وأبصارًا وأفئدة، فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم، بل كانوا صمًّا عن سماع الحق، عميًّا عن اتباعه، كما أخبر تعالى عنهم حين دخولهم النار، كقوله [¬٣]: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾، وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ﴾، ولهذا يعذبون على كل أمر تركوه، وعلى كل نهي ارتكبوه، ولهذا كان أصح الأقوال أنهم مكلفون بفروع الشرائع؛ أمرها ونهيها، بالنسبة إلى الدار الآخرة.\nوقوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ أي: خسروا أنفسهم؛ لأنهم دخلوا [¬٤] نارًا حامية فهم معذبون فيها، لا يفتر عنهم من عذابها طرفة عين، كما قال تعالى: ﴿كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا﴾.\n﴿وضل عنهم﴾ أي: ذهب عنهم ﴿ما كانوا يفترون﴾ من دون الله من الأنداد والأصنام، فلم تجد عنهم شيئًا، بل ضرتهم كل الضرر، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾، وقال تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا * كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾، وقال\n_________\n(^٤٢) - أخرجه البخاري، كتاب: التفسير، باب: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ …﴾ (٤٦٨٦)، ومسلم، كتاب: البر والصلة والآداب، باب: تحريم الظلم (٦١) (٢٥٨٣)، والترمذي، كتاب: تفسير القرآن، باب: ومن سورة هود (٣١٠٩)، والنسائي في \"التفسير\" (٦/ ١١٢٤٥)، وابن ماجه، كتاب: الفتن، باب: العقوبات (٤٠١٨) من حديث أبي موسى الأشعري.\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- في ز، خ: \"طريق\".\n[¬٣]- سقط من: خ.\n[¬٤]- في خ: \"أدخلوا\".","vol":"7","page":428},{"text":"الخليل لقومه: ﴿إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾، وقوله: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ إلى غير ذلك من الآيات الدالة على خسرهم ودمارهم، ولهذا قال:\n﴿لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ﴾ يخبر تعالى عن حالهم أنهم أخسر الناس صفقة في الدار الآخرة؛ لأنهم استبدلوا الدركات [¬١] عن الدرجات، واعتاضوا عن نعيم الجنان بحميم آن، وعن شرب الرحيق المختوم بسموم وحميم وظلّ من يحموم، وعن الحور العين بطعام من غسلين، وعن القصور العالية بالهاوية، وعن قرب الرحمن ورؤيته بغضب الديان وعقوبته، فلا جرم أنهم في الآخرة هم الأخسرون.\n﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٣) مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾\nلما ذكر تعالى حال الأشقياء ثَنَّى بذكر السعداء، وهم الذين آمنوا وعملوا الصالحات، فآمنت قلوبهم، وعملت جوارحهم الأعمال الصالحة، قولا وفعلًا، من الإِتيان بالطاعات، وترك المنكرات، وبهذا ورثوا الجنات، المشتملة على الغرف العاليات، والسرر المصفوفات، والقطوف الدانيات، والفرش المرتفعات، والحسان الخيرات، والفواكه المتنوعات، والمآكل المشتهيات، والمشارب المستلذات، والنظر إلى خالق الأرض والسموات، وهم في ذلك خالدون لا يموتون، ولا يهرمون ولا يمرضون، ولا [¬٢] ينامون ولا يتغوطون، ولا يبصقون ولا يتمخطون، ان هو إلا رشح مسك يعرقون.\nثم ضرب تعالى مثل الكافرين والمؤمنين فقال: ﴿مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ﴾ أي: الذين وصفهم أولًا بالشقاء، والمؤمنين السعداء، فأولئك كالأعمى والأصم، وهؤلاء كالبصير والسميع، فالكافر: أعمى عن [¬٣] وجه الحق في الدنيا وفي الآخرة، لا يهتدي إلى خير ولا يعرفه، أصم عن سماع الحجج، فلا يسمع ما ينتفع به ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾. وأما المؤمن: ففطن ذكي لبيب، بصير بالحق يميز بينه وبين الباطل، فيتبع الخير ويترك الشر، سميع للحجة يفرق بينها وبين الشبهة فلا يروج\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"بالدركات\".\n[¬٢]- سقط من: ت.\n[¬٣]- في ز، خ: \"من\".","vol":"7","page":429},{"text":"عليه [¬١] باطل، فهل يستوي هذا وهذا؟ ﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ أفلا تعتبرون فتفرقون [¬٢] بين هؤلاء وهؤلاء، كما قال في الآية الأخرى: ﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾، وقال [¬٣] ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ (١٩) وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ (٢٠) وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ (٢١) وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٢٢) إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ (٢٣) إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾.\n﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢٥) أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ (٢٦) فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ (٢٧)﴾\nيخبر تعالى عن نوح، ﵇ وكان أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض من المشركين عبدة الأصنام - أنه قال لقومه: ﴿إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ أي: ظاهر النذارة لكم من عذاب الله إن أنتم عبدتم غير الله، ولهذا قال: ﴿أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ﴾ [] [¬٤]. ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾ أي: إن استمررتم على ما أنتم عليه عذبكم الله عذابا أليمًا موجعًا شاقًّا في الدار الآخرة.\n﴿فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ﴾ والملأ: هم السادة والكبراء من الكافرين منهم [﴿مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا﴾ أي: لست بملك ولكنك بشر، فكيف أوحي إليك من دوننا، ثم] [¬٥] ما نراك اتبعك إلا [الذين هم] [¬٦] أراذلنا، كالباعة والحاكة وأشباههم، ولم يتبعك الاشراف ولا الرؤساء منا [¬٧]، ثم هؤلاء الذين اتبعوك لم يكن عن تروٍّ منهم ولا فكر [¬٨] ولا نظر، بل بمجرد [¬٩] ما دعوتهم أجابوك فاتبعوك، ولهذا قالوا [¬١٠]: ﴿وَمَا [¬١١]\n_________\n[¬١]- في ت: \"إليه\".\n[¬٢]- في ز: \"وتفرقون\".\n[¬٣]- في خ: \"كقوله\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفين في ت: وقوله.\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٧]- سقط من: ز، خ.\n[¬٨]- في ز: \"فكرة\".\n[¬٩]- في خ: \"مجرد\".\n[¬١٠]- في ز: \"قال\".\n[¬١١]- في ز: \"إنما\".","vol":"7","page":430},{"text":"نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ﴾ أي: في أول بادئ الرأي، [] [¬١] ﴿وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ﴾ يقولون: ما رأينا لكم علينا فضيلة في خَلْقٍ، ولا خلق ولا رزق ولا حال، لما دخلتم في دينكم هذا ﴿بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ﴾ أي: فيما تدعونه لكم من البر والصلاح والعبادة، والسعادة في الدار الآخرة إذا صرتم إليها.\nهذا اعتراض الكافرين على نوح ﵇ وأتباعه، وذلك [¬٢] دليل على جهلهم وقلة علمهم وعقلهم، فإنه ليس بعار على الحق رذالة من اتبعه، فإن الحق في نفسه صحيح، سواء اتبعه الأشراف أو الأراذل، بل الحق الذي لا شك فيه: أن أتباع الحق هم الأشراف ولو كانوا فقراء، والذين يأبونه هم الأراذل ولو كانوا أغنياء، ثم الواقع غالبًا أن ما يتبع الحق ضعفاء الناس، والغالب على الأشراف والكبراء مخالفته، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾، ولما سأل هرقل ملك الروم [أبا سفيان] [¬٣] صخر بن حرب عن صفات النبي، ﷺ، قال له فيما قال: أشراف الناس اتبعوه أو ضعفاؤهم؟ قال: بل ضعفاؤهم. فقال هرقل: هم أتباع الرسل (^٤٣).\nوقولهم: ﴿بَادِيَ الرَّأْيِ﴾ ليس [¬٤] بمذمة ولا عيب؛ لأن الحق إذا وضح لا يبقى للرأي [¬٥]، ولا للفكر مجال، بل لا بد من اتباع الحق - والحالة هذه - لكل ذي زكاء وذكاء، بل [¬٦] لا يفكر هاهنا إلا عيي أو غبي، والرسل، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، إنما جاءوا بأمر جلي واضح. وقد جاء في الحديث أن رسول الله، ﷺ، قال (^٤٤): \" ما دعوت أحدًا إلى الإسلام إلا كانت له كبوة، غير أبي بكر، فإنه لم يتلعثم\" أي: ما تردد ولا تروى؛ لأنه رَأى أمرًا جليًّا عظيمًا واضحًا فبادر إليه وسارع. وقوله [¬٧]: ﴿وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ﴾ هم لا يرون ذلك؛ لأنهم عُمْي عن الحق لا يسمعون ولا يبصرون، بل هم في ريبهم يترددون، في ظلمات الجهل يعمهون، وهم الأفاكون الكاذبون، الأقلون الأرذلون، وفي الآخرة هم الأخسرون.\n﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ (٢٨)﴾\n_________\n(^٤٣) - صحيح، تقدم [سورة الأنعام/ آية ٥٤]، [سورة يونس/ آية ١٦].\n(^٤٤) - أخرجه ابن هشام في \"السيرة\" (١/ ٢٦٧)، والبيهقي في \"الدلائل\" (٢/ ١٦٤)، وابن الأثير في \"أسد الغابة\" (٣/ ٣١٠)، وذكره المصنف في \"البداية والنهاية\" (٣/ ٣٧) كلهم من طريق ابن إسحاق؛ قال حدثني محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن الحصين التميمي أن رسول الله ﷺ قال … فذكره هكذا مرسلًا، وفي هذا الباب ما أخرجه البخاري في صحيحه (٣٦٦١) من حديث أبي الدرداء مرفوعًا: \"إن الله بعثني إليكم، فقلتم: كذبت، وقال أبو بكر: صدق … \".\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ز: \"ثم\".\n[¬٢]- في ت: \"وهو\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"لأبي سفيان\".\n[¬٤]- في ز: \"ليست\".\n[¬٥]- في خ: \"للروي\".\n[¬٦]- في ز: \"و\".\n[¬٧]- في خ: \"قولهم\".","vol":"7","page":431},{"text":"يقول تعالى مخبرًا [عمَّا ردّ به] [¬١] نوح [] [¬٢] على قومه في ذلك ﴿أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾ أي: على يقين وأمر جلي ونبوة صادقة، وهي الرحمة العظيمة من الله به وبهم ﴿فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ﴾ أي: خفيت عليكم فلم تهتدوا إليها، ولا عرفتم قدرها، بل بادرتم إلى تكذيبها وردها ﴿أَنُلْزِمُكُمُوهَا﴾ أي: نغصبكم بقبولها وأنتم لها كارهون.\n﴿وَيَاقَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ (٢٩) وَيَاقَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٣٠)﴾\nيقول لقومه: لا أسألكم على نصحي لكم مالًا أجرة آخذها منكم، إنما أبتغي الأجر من [¬٣] الله ﷿ ﴿وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ كأنهم طلبوا منه أن يطرد المؤمنين عنه احتشامًا ونفاسة منهم أن يجلسوا معهم، كما سأل أمثالهم خاتم [¬٤] الرسل، ﷺ، أن يطرد عنهم جماعة من الضعفاء، ويجلس معهم مجلسًا خالصًّا، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ الآية. [﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ [¬٥] يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ﴾] [¬٦] وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ الآية.\n﴿وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (٣١)﴾\nيخبرهم أنه رسول من الله، يدعو إلى عبادة الله وحده لا شريك له، بإذن الله له في ذلك، ولا يسألهم على ذلك أجرًا، بل هو يدعو من لقيه من شريف ووضيع، فمن استجاب له فقد نجا، ويخبرهم أنه لا [يقدر] [¬٧] على التصرف في خزائن الله، ولا يعلم\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ز: \"عن\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز: \"ماردَّ\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"على\".\n[¬٤]- فى ز: \"لخاتم\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٧]- في ت: \"قدرة له\".","vol":"7","page":432},{"text":"من الغيب إلا ما أطلعه الله عليه، وليس هو بملك من الملائكة، بل هو بشر مرسل مؤيد بالمعجزات، ولا أقول عن هؤلاء الذين تحتقرونهم وتزدرونهم [: إنهم] [¬١] ليس لهم عند الله ثواب على أعمالهم، الله أعلم بما في أنفسهم، فإن كانوا مؤمنين باطنًا - كما هو الظاهر من حالهم - فلهم جزاء الحسنى، ولو قطع لهم أحد بشر بعد ما آمنوا لكان ظالمًا قائلًا ما لا علم له به.\n﴿قَالُوا يَانُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٣٢) قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شَاءَ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (٣٣) وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٣٤)﴾\nيقول تعالى مخبرًا عن استعجال قوم نوح نقمة الله وعذابه وسخطه - والبلاء موكل بالمنطق - ﴿قَالُوا يَانُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا﴾ أي: حاججتنا فأكثرت من ذلك، ونحن لا نتبعك ﴿فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا﴾ أي: من النقمة والعذاب، ادع علينا بما شئت فليأتنا ما تدعو به ﴿إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٣٢) قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شَاءَ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ أي: إنما الذي يعاقبكم ويعجلها لكم الله الذي لا يعجزه شئ ﴿وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ أيْ [¬٢]: أَيُّ شيء يجدي عليكم إبلاغي لكم، وإنذاري إياكم ونصحي ﴿إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ أي [¬٣]: إغواءكم ودماركم ﴿هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ أي: هو مالك أزمة الأمور، المتصرف الحاكم العادل الذي لا يجور، له الخلق وله الأمر، وهو المبدئ المعيد، مالك الدنيا والآخرة.\n﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ (٣٥)﴾\nهذا كلام معترض في وسط هذه القصة مؤكد لها و[¬٤] مقرر شأنها [¬٥]، يقول تعالى [لنبيه محمد] [¬٦]، ﷺ: أم يقول هؤلاء الكافرون الجاحدون: افترى هذا\n_________\n[¬١]- في ت: \"إنه\".\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- سقط من: ت.\n[¬٥]- في ت: \"لها\"، خ: \"لشأنها\".\n[¬٦]- في ت: \"لمحمد\".","vol":"7","page":433},{"text":"وافتعله من عنده ﴿قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي﴾ أي: فإثم ذلك على ﴿وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ﴾ أي: ليس ذلك مفتعلًا ولا مفترًى؛ لأني أعلم ما عند الله من العقوبة لمن كذب عليه.\n﴿وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٣٦) وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (٣٧) وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ (٣٨) فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ (٣٩)﴾\nيخبر تعالى أنه أوحى إلى نوح لما استعجل قومه نقمة الله بهم وعذابه لهم، فدعا عليهم نوح دعوته التى قال الله تعالى مخبرًا عنه أنه قال: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾، ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾ فعند ذلك أوحى الله تعالى إليه: ﴿أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾ فلا تحزن عليهم ولا يهمنك أمرهم.\n﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ﴾ يعني: السفينة ﴿بِأَعْيُنِنَا﴾ أي: بمرأًى منا ﴿وَوَحْيِنَا﴾ أي: وتعليمنا لك ماذا تصنعه ﴿وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ﴾.\nفقال بعض السلف: أمره الله تعالى أن يغرز الخشب ويقطعه وييبسه، فكان ذلك في مائة سنة، ونجرها في مائة سنة أخرى، وقيل: في أربعين سنة، فالله أعلم.\nوذكر محمد بن إسحاق عن التوراة، أن الله أمره أن يصنعها من خشب الساج، وأن يجعل طولها ثمانين ذراعًا، وعرضها خمسين ذراعًا، [وأن يطلي باطنها وظاهرها بالقار، وأن يجعل لها جؤجؤًا (٥) أزورًا يشق الماء.\nوقال قتادة: كان طولها ثلثمائة ذراع فى عرض خمسين] [¬١].\nوعن الحسن: طولها ستمائة ذراع، وعرضها ثلثمائة [ذراع] [¬٢].\n_________\n(*) جؤجؤ السفينة: صدرها.\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين زيادة من: ز.","vol":"7","page":434},{"text":"وعنه مع ابن عباس: طولها ألف ومائتا ذراع في عرض ستمائة.\nوقيل: طولها ألفا ذراع وعرضها مائة ذراع، فالله أعلم.\nقالوا كلهم: وكان ارتفاعها في السماء ثلاثين ذراعًا [¬١]، ثلاث طبقات كل طبقة عشرة أذرع، فالسفلى للدواب والوحوش، والوسطى للإِنس، والعليا للطيور، وكان بابها في عرضها، ولها غطاء من فوقها مطبق عليها.\nوقد ذكر الإِمام أبو جعفر بن جرير أثرًا غريبًا (^٤٥) من حديث على بن زيد بن جدعان، عن يوسف بن مهران، عن عبد الله بن عباس، أنه قال. قال الحواريون لعيسى ابن مريم: لو بعثت لنا رجلًا شهد السفينة فحدثنا عنها. قال: فانطلق بهم حتى انتهى [¬٢] بهم إلى كثيب من تراب، فأخذ كفًّا من ذلك التراب بكفه، قال [¬٣]: أتدرون ما هذا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال هذا كعب حام بن نوح. قال: فضرب [¬٤] الكثيب بعصاه، قال: قم بإذن الله. فإذا هو قائم ينفض التراب عن رأسه قد شاب. قال له عيسى ﵇: هكذا [¬٥] هلكت؟ قال: لا، ولكني مت وأنا شاب، ولكنني ظننت أنها الساعة فمن ثم شبت. قال: حَدِّثْنَا عن سفينة نوح؟ قال: كان طولها ألف ذراع ومائتي ذراع، وعرضها ستمائة ذراع، وكانت ثلاث طبقات، فطبقة فيها الدواب والوحش [¬٦]، وطبقة فيها الإِنس، وطبقة فيها الطير، فلما كثر أرواث الدواب، أوحى الله ﷿ إلى نوح ﵇ أن اغمز ذَنَبَ الفيل، فغمزه فوقع منه خنزير وخنزيرة فأقبلا على الروث، فلما وفع الفأر بخرز السفينة يقرضه [¬٧] وحبالها [¬٨]، أوحى الله [إلى نوح] [¬٩] أن اضرب بين\n_________\n(^٤٥) - إسناده ضعيف لضعف على بن زيد، تفسير ابن جرير (١٢/ ٣٥ - ٣٦) وهو في تاريخه (١/ ٩٢،٩١)، وانظر الأثر الآتي برقم (٤٧).\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- في ز: \"أتى\".\n[¬٣]- في خ: \"فقال\".\n[¬٤]- في ز: \"وضرب\".\n[¬٥]- في خ: \"أهكذا\".\n[¬٦]- في خ: \"الوحوش\"، والمثبت من ز.\n[¬٧]- في خ: \"يقرضها\"، والمثبت من: ز.\n[¬٨]- سقط من: ز، خ.\n[¬٩]- في خ: \"إليه\"، والمثبت من: ز.","vol":"7","page":435},{"text":"عيني الأسد، فضرب [¬١] فخرج من منخره سِنَّوْر وسِنَّوْرة فأقبلا على الفأر. فقال له عيسى ﵇: كيف علم نوح أن البلاد قد غرقت؟ قال: بعث الغراب يأتيه بالخبر، فوجد جيفة فوفع عليها، فدعا عليه بالخوف فلذلك لا يألف البيوت. قال: ثم بعث الحمامة فجاءت بورق زيتون بمنقارها وطين برجليها، فعلم أن البلاد قد غرقت قال فطوقها الخضرة التي في عنقها، ودعا لها أن تكون في أنس وأمان، فمن ثم تألف البيوت. قال: فقلنا: يا رسول الله، ألا ننطلق به إلى أهلينا فيجلس معنا ويحدّثنا؟ قال: كيف يتبعكم من لا رزق له؟ قال: فقال له: عد بإذن الله، فعاد ترابًا.\nوقوله: ﴿وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ﴾ أي: يطنزون (٥) به، ويكذبون [¬٢] بما يتوعدهم به من الغرق ﴿قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ (٣٨) فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾. وعيد شديد وتهديد أكيد ﴿مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ﴾ أي: يهينه في الدنيا ﴿وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ أي: دائم مستمر أبدًا [¬٣].\n﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ (٤٠)﴾\nهذه مواعدة [¬٤] من الله تعالى لنوح ﵇ إذا جاء أمر الله من الأمطار المتتابعة والهَتَّان الذي لا يقلع ولا يفتر، بل هو كما قال تعالى: ﴿فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ (١١) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (١٢) وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ (١٣) تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ﴾.\nوأما قوله: ﴿وَفَارَ التَّنُّورُ﴾ فعن ابن عباس: التنور: وجه الأرض. أي: صارت الأرض عيونًا تفور، حتى فار الماء من التنانير التي هي مكان النار صارت تفور ماء، وهذا قول جمهور السلف وعلماء الخلف.\nوعن علي بن أبى طالب ﵁: التنور: فلق الصبح، وتنوير الفجر وهو ضياؤه وإشراقه. والأول أظهر.\nوقال مجاهد والشعبي: كان هذا التنور بالكوفة. وعن ابن عباس: عين بالهند. وعن قتادة: عين بالجزيرة يقال لها عين الوردة. وهذه أقوال غريبة.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n(*) - طنزبه: سخر واستهزأ.\n[¬٢]- مكانه في خ: بياض.\n[¬٣]- في ز: \" أبداد\".\n[¬٤]- في خ: \"موعدة\".","vol":"7","page":436},{"text":"فحينئذ أمر الله نوحًا ﵇ أن يحمل معه في السفينة من كلٍّ زوجين اثنين [¬١] من صنوف المخلوقات ذوات الأرواح، قيل: وغيرها من النباتات اثنين: ذكرًا وأنثى، فقيل: كان أول من أدخل من الطور الدُّرَّة (٥)، وآخر من أدخل من الحيوانات الحمار، فدخل إبليس متعلقًا بذنبه، [فدخل بيده] [¬٢]، وجعل يريد أن ينهض فيثقله إبليس وهو متعلق بذنبه، فجعل يقول له نوح ﵇: مالك؟ ويحك! ادخل، فينهض ولا يقدر، فقال: ادخل وإن كان إبليس معك، فدخلا في السفينة.\nوذكر [أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود] [¬٣] أنهم لم يستطعوا أن يحملوا معهم الأسد حتى ألقيت عليه الحمى.\nوقال ابن أبي حاتم (^٤٦): حدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن صالح كاتب الليث، حدثني الليث، حدثني هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، [عن أبيه] [¬٤] أن رسول الله، ﷺ، قال: \"لما حمل نوح في السفينة من كل زوجين اثنين قال أصحابه: وكيف [نطمئن أو تطمئن المواشي] ومعنا الأسد؟ فسلط الله عليه الحمى فكانت أول حمى نزلت في [¬٥] الأرض، ثم شكوا الفأرة فقالوا: الفويسقة تفسد علينا طعامنا ومتاعنا [¬٦]، فأوحى الله إلى الأسد فعطس فخرجت الهرة منه فتخبأت الفأرة منها.\nوقوله: ﴿وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ﴾ أي: واحمل فيها أهلك - وهم أهل بيته وقرابته - إلا من سبق عليه القول منهم ممن [¬٧] لم يؤمن بالله، فكان منهم ابنه يام الذي انعزل وحده وامرأة نوح وكانت كافرة بالله ورسوله.\nوقوله: ﴿وَمَنْ آمَنَ﴾ أي: من قومك ﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ أي: نزر يسير مع طول المدة والمقام بين أظهرهم ألف سنة إلا خمسين عامًا، فعن ابن عباس: كانوا ثمانين\n_________\n(^٤٦) - مرسل، تفسير ابن أبي حاتم (٦/ ١٠٨٧١)، وذكره المصنف في \"البداية والنهاية\" (١/ ١٢٦) وقال: \"هذا مرسل\".\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n(*) الدرة: الببغاء الصغيرة.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ت.\n[¬٣]- في ت: \"بعض السلف\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- سقط من: ز.\n[¬٦]- سقط من: ت.\n[¬٧]- فى ز، خ: \"فيمن\".","vol":"7","page":437},{"text":"نفسًا منهم نساؤهم، وعن كعب الأحبار كانوا اثنتين وسبعين نفسًا، وقيل: كانوا عشرة، وقيل: إنما كانوا نوح وبنوه الثلاثة: سام، وحام، ويافث، وكنائنه الأربع نساء هؤلاء الثلاثة [¬١]، وامرأة يام، [] [¬٢]، وقيل: بل امرأة نوح كانت معهم في السفينة، وهذا فيه نظر، بل الظاهر أنها هلكت؛ لأنها كانت على دين قومها، فأصابها ما أصابهم، كما أصاب امرأة لوط ما أصاب قومها، والله أعلم وأحكم.\n﴿وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (٤١) وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَابُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ (٤٢) قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ (٤٣)﴾\nيقول تعالى إخبارًا عن نوح ﵇ إنه قال للذين أمر بحملهم معه في السفينة: ﴿ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾ أي: باسم الله يكون جريها على وجه الماء، و[¬٣] باسم الله يكون منتهى سيرها وهو رسوّها، وقرأ أبو رجاء العطاردي ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾.\nوقال الله تعالى: ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢٨) وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾؛ ولهذا تستحب التسمية في ابتداء الأمور عند الركوب على السفينة وعلى الدابة؛ كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ (١٢) لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (١٣) وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ﴾.\nوجاءت السنة بالحث على ذلك والندب إليه، كما سيأتي فى سورة الزخرف إن شاء الله وبه الثقة.\n_________\n[¬١]- سقط من: ت.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين فى ت: \"وقيل كانوا عشرة\" ..\n[¬٣]- سقط من: ز.","vol":"7","page":438},{"text":"وقال أبو القاسم الطبراني (^٤٧): [] [¬١] حدثنا إبراهيم بن هاشم البغوي، حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي.\nوحدثنا زكريا بن يحيى الساجي، حدثنا محمد بن موسى الحرشي قالا: حدثنا. عبد الحميد بن الحسن الهلالي، عن نهشل بن سعيد، عن الضحاك بن مزاحم، عن ابن عباس، عن النبي، ﷺ؛ قال: \"أمان أمتي من الغرق إذا ركبوا في السفن أن يقولوا: باسم الله الملك ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧)﴾. ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.\nوقوله: ﴿إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ مناسب عند ذكر الانتقام من الكافرين بإغراقهم أجمعين، فذكر أنه غفور رحيم، كقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وقال: ﴿وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم وإن ربك لشديد العقاب﴾ إلى غير ذلك من الآيات التي يقرن [¬٢] فيها انتقامه ورحمته. وقوله: ﴿وهي تجري بهم في موج كالجبال﴾ أي: السفينة سائرة بهم على وجه الماء الذي قد طبق جميع الأرض حتى طفت على رءوس الجبال وارتفع عليها بخمسة عشر ذراعًا وقيل بثمانين ميلًا، وهذه السفينة جارية [¬٣]، على وجه الماء سائرة بإذن الله وتحت كنفه وعنايته وحراسته وامتنانه؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ (١١) لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ وقال تعالى: ﴿وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ (١٣) تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ (١٤) وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾.\nوقوله: ﴿ونادى نوح ابنه وكان فى معزل يا بني اركب معنا ولا تكن مع الكافرين﴾ هذا هو الابن الرابع واسمه يام وكان كافرًا، دعاه أبوه عند ركوب السفينة أن يؤمن ويركب معهم ولا يغرق مثلما يغرق الكافرون ﴿قال: سآوي إلى جبل يعصمني من الماء﴾: قيل:\n_________\n(^٤٧) - إسناده ضعيف جدًّا، \"المعجم الكبير\" (١٢/ ١٢٦٦١) وأخرجه أيضًا في \"الأوسط\" (٦/ ٦١٣٦) وفي \"الدعاء\" (٢/ ٨٠٤) من طريق نهشل بن سعيد به وذكره الهيثمي في \"المجمع\" (١٠/ ١٣٥) وقال: \"وفيه نهشل بن سعيد وهو متروك\" وكذبه إسحاق بن راهويه كما في \"التقريب\" وزاد نسبته السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ٦٠٢) إلى ابن أبي حاتم وابن مردويه.\nوفي الباب عن الحسين بن علي عند أبي يعلى (١٢/ ٦٧٨١)، والطبراني في \"الدعاء\" (٨٠٣)، وابن عدي في \"الكامل\" (٧/ ٢٦٥٥)، وابن السني في \"عمل اليوم والليلة\" (٥٠٠) وإسناده ضعيف أيضًا.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ز: \"حدثنا إبراهيم\".\n[¬٢]- في ز: \"يفرق\".\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.","vol":"7","page":439},{"text":"إنه اتخذ له مركبًا من زجاج وهذا من الإسرائيليات، والله أعلم بصحته.\nوالذي نص عليه القرآن أنه قال: ﴿سآوي إلى جبل يعصمني من الماء﴾ اعتقد بجهله أن الطوفان لا يبلغ إلى رءوس الجبال، وأنه لو تعلق في رأس جبل لنجاه ذلك من الغرق، فقال له أبوه نوح ﵇: ﴿لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم﴾ أي: ليس شيء يعصم اليوم من أمر الله، وقيل: إن [¬١] عاصمًا بمعنى معصوم، كما يقال: طاعم وكاسٍ بمعنى مطعوم ومكسوّ ﴿وحال بينهما الموج فكان من المغرقين﴾.\n﴿وَقِيلَ يَاأَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَاسَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٤٤)﴾\nيخبر تعالى أنه لما غرق [¬٢] أهل الأرض كلهم [¬٣] إلا أصحاب السفينة، أمر الأرض أن تبلع ماءها الذي نبع منها واجتمع عليها، وأمر السماء أن تقلع عن المطر ﴿وغيض الماء﴾ أي: شرع في النقص ﴿وقضي الأمر﴾ أي: فرغ ميت أهل الأرض قاطبة، ممن كفر بالله و[¬٤] لم يبق منهم ديار ﴿واستوت﴾ السفينة بمن فيها ﴿على الجودي﴾ قال مجاهد: وهو جبل بالجزيرة، تشامخت الجبال يومئذ من الغرق وتطاولت، وتواضع هو لله ﷿ فلم يغرق، وأرست عليه سفينة نوح ﵇.\nوقال قتادة: استوت عليه شهرًا [¬٥] حتى نزلوا منها. قال قتادة: وقد أبقى الله سفينة نوح ﵇[على الجودي] [¬٦] [¬٧] من أرض الجزيرة عبرة وآية، حتى رآها أوائل هذه الأمة، وكم من سفينة قد كانت بعدها فهلكت وصارت رمادًا [¬٨].\nوقال الضحاك: الجودي جبل بالموصل. وقال بعضهم: هو الطور.\nوقال ابن أبي حاتم (^٤٨): حدثنا أبي، حدثنا عمرو بن رافع، حدثنا محمد بن عبيد، عن توبة بن سالم [- ويقال أبو سالم -] [¬٩]، قال: رأيت زر بن حبيش يصلي في الزاوية\n_________\n(^٤٨) - تفسير ابن أبي حاتم (٦/ ١٠٨٨٩) ورجاله ثقات إلا توبة بن سالم - ويقال أبو سالم - لم يوثقه غير ابن حبان (٦/ ١٢١)، وذكره ابن أبي حاتم في \"الجرح والتعديل\" (٢/ ٤٤٦)، والبخاري في=\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"أي\".\n[¬٢]- في خ: \"أغرق\".\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- سقط من: ز.\n[¬٥]- بعده في ز، خ: \"يعني\".\n[¬٦]- في خ: \"ما يروى\".\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين في ز: \"بيافدوي\".\n[¬٨]- في ز: \"رمددًا\".\n[¬٩]- سقط من: خ.","vol":"7","page":440},{"text":"حين يدخل من أبواب كندة على يمينك، فسألته: إنك لكثير الصلاة هاهنا يوم الجمعة. قال: بلغني أن سفينة نوح أرست من هاهنا.\nوقال علباء [¬١] بن أحمر، عن عكرمة، عن ابن عباس؛ قال (^٤٩): كان مع نوح في السفينة ثمانون رجلًا معهم أهلوهم، وإنهم كانوا [في السفينة] [¬٢] مائة وخمسين يومًا، وإن الله وجه السفينة إلى مكة، فدارت [¬٣] بالبيت أربعين يومًا، ثم وجهها الله إلى الجودي فاستقرت عليه، فبعث نوح الغراب ليأتيه بخبر الأرض، فذهب فوقع على الجيف فأبطأ عليه، فبعث الحمامة فأتته بورق الزيتون ولطخت [¬٤] رجليها بالطين، فعرف نوح ﵇ أن الماء قد نصّب، فهبط إلى أسفل الجودي، فابتنى قرية وسماها [¬٥] ثمانين.\nفأصبحوا ذات يوم وقد تبلبلت ألسنتهم على ثمانين لغة، إحداها اللسان [¬٦] العربي، فكان بعضهم لا يفقه كلام بعض، فكان نوح ﵇ يعبر عنهم.\nوقال كعب الأحبار: إن السفينة طافت ما بين المشرق والمغرب قبل أن تستقر على الجودي.\nوقال قتادة وغيره: ركبوا في عاشر شهر رجب، فساروا مائة وخمسين يومًا، واستقرت بهم على الجودي شهرًا، وكان خروجهم من السفينة في يوم عاشوراء من المحرم. وقد ورد نحو هذا في حديث مرفوع رواه ابن جرير (^٥٠).\nوأنهم صاموا يومهم ذلك [¬٧]، والله أعلم.\n_________\n= \"التاريخ الكبير\" (٢/ ١٥٦) ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا.\n(^٤٩) - إسناده حسن، أخرجه ابن أبي حاتم (٦/ ١٠٨٨٢، ١٠٩١٩)، وابن عساكر في تاريخه (١٧/ ٦٦٤ - مخطوط) من طريق على بن عثمان ثنا داود بن أبي الفرات عن علباء - تحرف عند ابن أبي حاتم إلى على - ابن أحمر به، وزاد نسبته السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ٦٠٢) إلى ابن المنذر.\n(^٥٠) - تفسير ابن جرير (١٢/ ٤٧)، وفي \"التاريخ\" (١/ ٩٦)، وإسناده تالف.\n_________\n[¬١]- في ز: \"على\".\n[¬٢]- في خ: \"فيها\"، والمثبت في ز.\n[¬٣]- في ت: \"فطافت\".\n[¬٤]- في خ: \"فلطخت\"، والمثبت من: ز.\n[¬٥]- في ز: \"فسماها\".\n[¬٦]- في ز: \"لسان\".\n[¬٧]- في ز: \"ذاك\".","vol":"7","page":441},{"text":"وقال الإِمام أحمد (^٥١): حدثنا أبو جعفر، حدثنا عبد الصمد بن حبيب الأزدي، عن أبيه حبيب بن عبد الله، عن شُبَيل، عن أبي هريرة؛ قال: النبي، ﷺ، بأناس من اليهود وقد صاموا يوم عاشوراء، فقال [¬١]: \"ما هذا من [¬٢] الصوم؟ \". قالوا [¬٣]: هذا اليوم الذي نجى الله موسى وبني إسرائيل من الفرق وغرق فيه فرعون، وهذا هوم استوت فيه السفينة على الجودى، فصام [¬٤] نوح وموسى ﵉ شكرًا لله ﷿. فقال النبي، ﷺ: \"أنا أحق بموسى وأحق بصوم هذا اليوم\". فصام وقال لأصحابه: \"من كان أصبح منكم صائمًا فليتم صومه، ومن كان أصاب من غذاء أهله فليتم بقية يومه\".\nوهذا حديث غريب من هذا الوجه، ولبعضه شاهد في الصحيح.\nوقوله: ﴿وقيل بعدًا للقوم الظالمين﴾ أي: [هلاكًا وخسارا] [¬٥] لهم وبعدًا [¬٦] من رحمة الله، فإنهم قد هلكوا عن آخرهم فلم يبق لهم بقية.\nوقد روى الإمام أبو جعفر بن جرير، والحبر أبو محمد بن أبي حاتم في تفسيرهما (^٥٢) [¬٧]،\nمن حديث [موسى بن يعقوب] [¬٨] الزمعي، عن فائد مولى عبيد الله بن أبي رافع أن إبراهيم ابن عبد الرحمن بن أبي ربيعة، أخبره أن عائشة زوج النبي، ﵌، أخبرته أن النبي، ﷺ، قال: \"لو رحم الله من قوم نوح أحدًا لرحم أم الصبي\". قال رسول الله، ﷺ: \"كان نوح ﵇ مكث في قومه ألف سنة [إلا خمسين عامًا] [¬٩]، [يدعوهم إلى الله] (*) وغرس مائة\n_________\n(^٥١) - إسناده ضعيف، \"المسند\" (٨٧٠٢ ط/ شاكر، وأيضا: ٨٧٠١) (٢/ ٣٥٩)، وحبيب بن عبد الله الأزدي مجهول كما في التقريب، وابنه عبد الصمد ضعفه أحمد، وقال ابن معين: لا بأس به، وقد ذكر المصنف هذا الحديث في \"البداية والنهاية\" (١/ ١٣٢) من نفس الطريق، وقال: وهذا الحديث له شاهد في الصحيح من وجه آخر والمستغرب ذكر نوح أيضًا والله أعلم. وانظر ما تقدم [سورة يونس/آية ٩١]\n(^٥٢) - محتمل للتحسين، أخرجه ابن جرير (١٢/ ٣٥)، وفي تاريحه (١/ ٩١)، وابن أبي حاتم (٦/ ١٠٨٤٨) والحاكم (٢/ ٣٤٢، ٥٤٧) من طريق موسى بن يعقوب، به.\nوقال الحاكم: \"صحيح الإسناد ولم يخرجاه\" وتعقبه الذهبي فقال: \"إسناده مظلم، وموسى ليس بذاك\" قلت: إبراهيم بن عبد الرحمن وثقه ابن حبان وابن خلفون وروى له البخاري حديثًا واحدًا (٥٤٤٣)، وفائد مولى عبيد الله وثقه ابن معين وقال أحمد: لا بأس به. وأما موسى بن يعقوب فوثقه يحيى بن معين وابن القطان، وقال أبو داود: صالح، وذكره ابن حبان في \"الثقات\" (٧/ ٤٥٨)، وقد ضعفه=\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"فقالوا\".\n[¬٢]- سقط من: م\n[¬٣]- في ز: \"قال\".\n[¬٤]- في المسند: \"فصامه\"\n[¬٥]- في ز: \"هلاك وخسار\".\n[¬٦]- في ز: \"وبعد\"\n[¬٧]- في ت: \" تفسيريهما\".\n[¬٨]- في خ: \"يعقوب بن موسى\".\n[¬٩]- سقط من: خ.\n(*) في الأصل: يعني، والمثبت من تفسير ابن جرير وابن أبي حاتم.","vol":"7","page":442},{"text":"سنة الشجر، فعظمت وذهبت كل مذهب، ثم قطعها، ثم جعلها سفينة، ويمرون عليه ويسخرون منه [¬١]، ويقولون: تعمل سفينة في البر فكيف تجري؟ قال: سوف تعلمون. فلما فرغ ونبع الماء وصار في السكك، خشيت أم الصبي عليه، وكانت تحبه حيًا شديدًا، فخرجت إلى الجبل حى بلغت ثلثه، [فلما بلغها الماء ارتفعت حتى بلغت ثلثيه] [¬٢]، فلما بلغها الماء خرجت به حتى استوت على الجبل، فلما بلغ الماء رقبتها رفعته بيدبها ففرقا، فلو رحم الله منهم أحدًا لرحم أم الصبي\".\nوهذا حديث غريب من بهذا الوجه، وقد روي عن كعب الأحبار ومجاهد بن جبر [¬٣] قصة هذا الصبي وأمه بنحو من هذا.\n﴿وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (٤٥) قَالَ يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٤٦) قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٤٧)﴾\nهذا سؤال استعلام وكشف من نوح ﵇ عن حال ولده الذي غرق ﴿قال: رب إن ابني من أهلي﴾ أي: وقد وعدتني بنجاة أهلي، ووعدك الحق الذي لا يخلف، فكيف غرق وأنت أحكم الحاكمين؟ ﴿قال يا نوح إنه ليس من أهلك﴾ أي: الذين وعدت إنجاءهم؛ لأني إنما وعدتك بنجاة من امن من أهلك، ولهذا قال: ﴿وأهلك\n_________\n= ابن المديني، وقال النسائي: ليس بالقوي، وفي \"التقريب\" صدوق سيئ الحفظ، والحديث ذكره الهيثمي في \"المجمع\" (٨/ ٢٠٣) وقال: رواه الطبراني في \"الأوسط\" وفيه موسى بن يعقوب الزمعي وثقه ابن معين وغيره، وضعفه ابن المديني، وبقية رجاله ثقات\". وزاد نسبته السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ٥٩٣) إلى أبى الشيخ وابن مردويه.\nوذكره المصنفى في \"البداية والنهاية\" (١/ ١٢٩) وقال: \"وأحرى بهذا الحديث أن يكون موقوفًا متلقى عن مثل كعب الأحبار والله أعلم\"، وله شاهد من حديث ابن عباس بإسناد ضعيف، يأتي (سورة نوح/ آية ٢٨].\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- في خ: \"جبير\".","vol":"7","page":443},{"text":"إلا من سبق عليه القول منهم﴾ فكان هذا الولد ممن سبق عليه القول بالغرق؛ لكفره ومخالفته أباه نبي الله نوحًا ﵇.\nوقد نصَّ غير واحد من الأئمة على تخطئة من ذهب في تفسير هذا إلى أنه ليس بابنه وإنما كان ابن زنية، ويحكى القول بأنه ليس بابنه وإنما كان ابن امرأته عن مجاهد والحسن، وعبيد بن عمير وأبي جعفر الباقر، وابن جريج، واحتج بعضهم بقوله: ﴿إنه عمل غير صالح﴾، وبقوله: ﴿فخانتاهما﴾ فممن قاله الحسن البصري: احتج بهاتين الآيتين، وبعضهم يقول: ابن امرأته، وهذا يحتمل أن يكون أراد ما أراد الحسن، أو أراد أنه نسب إليه مجازا، لكونه كان ربيبًا عنده، فالله أعلم.\nوقال ابن عباس (^٥٣) وغير واحد من السلف: ما زنت امرأة نبي قط. قال: وقوله: ﴿إنه ليس من أهلك﴾ أي: الذين وعدتك نجاتهم.\nوقول ابن عباس في هذا هو الحق الذي لا محيد عنه، فإن الله تعالى أغير من أن يمكن من امرأة نبي هذه الفاحشة؛ لأنهذا غضب الله على الذين رموا أم المؤمنين عائشة بنت الصديق زوج النبي، ﷺ، وأنكر على المؤمنين الذين تكلموا بهذا وأشاعوه، ولهذا قال تعالى: ﴿إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم لكل امرئ منهم ما اكتسب من الإثم والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم﴾ إلى قوله: ﴿إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم وتحسبونه هينًا وهو عند الله عظيم﴾.\nوقال عبد الرزاق (^٥٤): أخبرنا معمر، عن قتادة وغيره، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: هو ابنه غير أنه خالفه في العمل والنية. قال عكرمة في بعض الحروف: إنه عمل عملًا غير صالح. والخيانة تكون على غير باب.\nوقد ورد في الحديث أن رسول الله، ﵌، قرأ بذلك، فقال الإمام أحمد (^٥٥): حدثنا يزيد بن هارون، ثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن شهر بن\n_________\n(^٥٣) - صحيح، أخرجه ابن جرير (١٢/ ٥١)، (٢٨/ ١٧٠)، وابن أبي حاتم (٦/ ١٠٩٢٩)، والحاكم (٢/ ٥٣٨) من طرق عن ابن عباس، وقال الحاكم: \"صحيح الإسناد ولم يخرجاه\" ووافقه الذهبي.\nوزاد نسبته السيوطي في \"الدر المنثور\" (٦/ ٣٧٧) إلى عبد الرزاق والفريابي، وسعيد بن منصور، وعبد بن حميد وابن أبي الدنيا وابن المنذر.\n(^٥٤) - كسابقه، ومن طريق عبد الرزاق أخرجه ابن جرير (١٢/ ٥١)، وابن أبي حاتم (٦/ ١٠٩٢٧).\n(^٥٥) - صحيح لشواهده، \"المسند\" (٢٧٦٧٧) (٦/ ٤٥٤)، وأخرجه أيضًا (٢٧٧٠٣، ٢٧٧١٤) (٦/ ٤٥٩، ٤٦٠)، والطيالسي (١٦٣١)، وأبو داود، أول كتاب الحروف والقراءات (٣٩٨٢)، والحاكم (٢/ ٢٤٩) من طريق حماد بن سلمة، به - ورواية الحاكم مقتصره على آية الزمر - وقال الحاكم:=","vol":"7","page":444},{"text":"حوشب، عن أسماء بنت يزيد قالت: سمعت رسول الله، ﵌، يقرأ: (إنه عَمِل غير صالح) وسمعته يقول: (يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله ان الله يغفر الذنوب جميعًا ولا يبالي إنّه هو الغفور الرحيم).\nوقال أحمد أيضًا (^٥٦): ثنا وكيع، ثنا هارون النحوي، عن ثابت البناني، عن شهر بن حوشب، عن أم سلمة: أن رسول الله، ﷺ، قرأها: (إنّه عَمِل غير صالح).\nأعاده أحمد أيضًا في مسند أم سلمة هي أم المؤمنين، والظاهر - والله أعلم - أنها أسماء بنت يزيد، فإنها تكنى بذلك أيضًا.\nوقال عبد الرزاق أيضًا (^٥٧): أنا الثوري وابن عيينة، عن موسى بن أبي عائشة، عن سليمان بن قتة قال: سمعت ابن عباس سئل - وهو إلى جنب الكعبة - عن قول الله: ﴿فخانتاهما﴾ قال: أما إنّه لم يكن بالزنا، ولكن كانت هذه تخبر الناس أنه مجنون، وكانت هذه تدل على الأضياف، ثم قرأ ﴿إنه عمل غير صالح﴾. قال ابن عيينة: وأخبرني عمار الدهني أنه سأل سعيد بن جبير عن ذلك فقال: كان ابن نوح، إن الله لا يكذب، قال تعالى: ﴿ونادى نوح ابنه﴾. قال: وقال بعض العلماء: ما فجرت امرأة نبي قط.\nوكذا روي عن مجاهد أيضًا، وعكرمة، والضحاك، وميمون بن مهران، وثابت بن الحجاج، وهو اختيار أبي جعفر بن جرير، وهو الصواب الذي لا شك فيه.\n_________\n= \"حديث غريب عال ولم أذكر فى كتابي هذا عن شهر غير هذا الحديث الواحد\" ووافقه الذهبي. وانظر ما بعده.\n(^٥٦) - كسابقه، \"المسند\" (٢٦٦٢٨، ٢٦٨٤٢) (٦/ ٢٩٤، ٣٢٢)، وأخرجه أبو داود (٣٩٨٣)، والترمذي، كتاب: القراءات، باب: ومن سورة هود (٢٩٣٢، ٢٩٣٣)، والطيالسي (١٥٩٤)، وأبو يعلى (١٢/ ٧٠٢٠)، وأبو نعيم في \"الحلية\" (٨/ ٣٠١) من طرق عن ثابت، به، وقال: وقد روي هذا الحديث أيضًا عن شهر بن حوشب عن أسماء بنت يزيد قال: وسمعت عبد بن حميد يقول: أسماء بنت يزيد هي أم سلمة الأنصارية وكلا الحديثين عندي واحد، وقد روى شهر بن حوشب غير حديث عن أم سلمة الأنصارية، وهي أسماء بنت يزيد، وقد روي عن عائشة عن النبي، ﷺ. وحديث عائشة المشار إليه أخرجه البخاري فى \"التاريخ\" (١/ ٢٨٦ - ٢٨٧) (٢/ ٢٥٢)، والطبرانى فى \"الأوسط\" (٤/ ٤٣٠٠)، والحاكم (٢/ ٢٤١) وسكت عنه، وقال الذهبي: إسناد مظلم، وصححه الشيخ الألباني فى \"الصحيحة\" (٦/ ٩/ ٢٨٠٢) مستشهدًا له بحديث أسماء السابق وأثر لابن عباس - عند ابن جرير (١٢/ ٥٣) وفي إسناده ضعف - وأثر عكرمة المتقدم برقم (٥٣).\n(^٥٧) - إسناده صحيح، \"التفسير\" لعبد الرزاق (٢/ ٣١٠) ومن طريق عبد الرزاق أخرجه ابن جرير (١٢/ ٥١).","vol":"7","page":445},{"text":"﴿قِيلَ يَانُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (٤٨)﴾\nيخبر تعالى عما قيل لنوح ﵇ حين أرست السفينة على الجودي، من السلام عليه وعلى من معه من المؤمنين، وعلى كل مؤمن من ذريته إلى يوم القيامة، كما قال محمد بن كعب: دخل في هذا السلام كل مؤمن ومؤمنة إلى يوم القيامة، وكذلك في العذاب والمتاع كل كافر وكافرة إلى يوم القيامة.\nوقال محمد بن إسحاق (^٥٨): لما أراد الله أن يكف الطوفان أرسل ريحًا على وجه الأرض، فسكن الماء وانسدت ينابيع الأرض الغمر الأكبر وأبواب السماء، يقول الله تعالى: ﴿وقيل يا أرض ابلعي ماءك﴾ الآية. فجعل الماء ينقص ويغيض وبدبر، وكان استواء الفلك على الجودي - فيما يزعم أهل التوراة - في الشهر السابع لسبع عشرة ليلة مضت منه، وفي أول يوم من الشهر العاشر رأى رءوس الجبال، فلما مضى بعد ذلك أربعون يومًا فتح نوع كوة الفُلكِ التي ركب فيها، ثم أرسل الغراب لينظر له ما صنع الماء فلم يرجع إليه، فأرسل الحمامة فرجعت إليه لم تجد لرجليها موضعًا، فبسط يده للحمامة فأخذها فأدخلها، ثم مضى سبعة أيام ثم أرسلها لتنظر له، فرجعت حين أمست وفي فيها ورق زيتون، فعلم نوح أن الماء قد قل عن وجه الأرض، ثم مكث سبعة أيام ثم أرسلها فلم ترجع، فعلم نوح أن الأرض قد برزت، فلما كملت السنة فيما بين أن أرسل الله الطوفان إلى أن أرسل نوع الحمامة، ودخل يوم واحد من الشهر الأول من سنة اثنتين، برز وجه الأرض وظهر اليبس، وكشف نوح غطاء الفلك، وفي الشهر الثاني من سنة اثنتين في سبع وعشرسن ليلة منه ﴿قيل يا نوح اهبط بسلام منا﴾ الآية.\n﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ (٤٩)﴾\nيقول تعالى لنبيه، ﷺ: هذه القصة وأشباهها ﴿من أنباء الغيب﴾ يعني من أخبار الغيوب السالفة نوحيها إليك على وجهها كأنك شاهدها ﴿نوحيها إليك﴾ أي: نعلمك بها وحيًا منا إليك ﴿ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا﴾ أي: لم يكن عندك ولا عند أحد من قومك علم بها، حتى يقول من يكذبك: إنك تعلمتها منه، بل أخبرك الله بها مطابقة لما كان عليه الأمر الصحيح، كما تشهد به كتب الأنبياء قبلك،\n_________\n(^٥٨) - أورده المصنف في \"البداية والنهاية\" (١/ ١٣٢).","vol":"7","page":446},{"text":"فاصبر على تكذيب من كذبك من قومك وأذاهم لك، فإنا سننصرك ونحوطك بعنايتنا، ونجعل العاقبة لك ولأتباعك فى الدنيا والآخرة، كما فعلنا بالمرسلين حيث نصرناهم على أعدائهم ﴿إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا﴾ الآية.: قال تعالى: ﴿ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون﴾ الآية.: قال تعالى: ﴿فاصبر إن العاقبة للمتقين﴾.\n﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ (٥٠) يَاقَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٥١) وَيَاقَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ (٥٢)﴾\nيقول تعالى ﴿و﴾ لقد أرسلنا ﴿إلى عاد أخاهم هودًا﴾ آمرًا لهم بعبادة الله وحده لا شريك له، ناهيًا لهم عن الأوثان التي افتروها، واختلقوا لها أسماء الآلهة، وأخبرهم أنه لا يريد منهم أجرة على هذا النصح والبلاغ من الله، إنما يبغي ثوابه من الله الذي فطره. ﴿أفلا تعقلون﴾ من يدعوكم إلى ما يصلحكم في الدنيا والآخرة من غير أجرة.\nثم أمرهم بالاستغفار الذي فيه تكفير الذنوب السالفة، وبالتوبة عما يستقبلون، ومن اتصف بهذه الصفة يسر الله عليه رزقه، وسهل عليه أمره، وحفظ شأنه، ولهذا قال: ﴿يرسل السماء عليكم مدرارًا﴾. وفي الحديث (^٥٩): \" من لزم الاستغفار، جعل الله له من كل همَّ فرجًا، ومن كل ضيقٍ مخرجًا، ورزقه من حيثُ لا يحتسب\".\n﴿قَالُوا يَاهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (٥٣) إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ﴾\n_________\n(^٥٩) - إسناده فيه جهالة، أخرجه أحمد (١/ ٢٤٨)، وأبو داود، كتاب: الصلاة، باب: في الاستغفار (١٥١٨)، والنسائي فى \"عمل اليوم والليلة\" من الكبرى (٦/ ١٠٢٩٠)، وابن ماجة، كتاب: الأدب، باب: الاستغفار (٣٨١٩)، وغيرهم من حديث ابن عباس، وصححه الحاكم (٤/ ٢٦٢) وفي إسناده الحكم بن مصعب، وهو مجهول كما في \"التقريب\"، وبه تعقب الذهبي الحاكم، فقال: \"الحكم بن مصمب فيه جهالة\".","vol":"7","page":447},{"text":"﴿وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٥٤) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ (٥٥) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٦)﴾\nيخبر تعالى أنهم قالوا لنبيهم: ﴿ما جئنتا ببينة﴾ أي: بحجة وبرهان على ما تدعيه ﴿وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك﴾ أي: بمجرد قولك اتركوهم نتركهم ﴿وما نحن لك بمؤمنين﴾ بمصدقن ﴿إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء﴾ يقولون: ما نظن إلا أن بعض الآلهة أصابك بجنون وخبل في عقلك؛ بسبب نهيك عن عبادتها وعيبك لها ﴿قال إني أشهد الله واشهدوا أني بريء مما تشركون * من دونه﴾ يقول: إني بريء من جميع الأنداد والأصنام ﴿فكيدوني جميعًا﴾ أي: أنتم وآلهتكم إن كانت حقّا ﴿ثم لا تنظرون﴾ أي: طرفة عين.\nوقوله: ﴿إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها﴾ أي: تحت قهره وسلطانه، وهو الحاكم العادل الذي لا يجوز في حكمه، فإنه على صراط مستقيم.\nقال الوليد بن مسلم، عن صفوان بن عمرو، عن أيفع بن عبد الكلاعي (^٦٠): أنه قال في قوله تعالى: ﴿ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم﴾ قال: فيأخذ بنواصي عباده [فيلقن المؤمن] [¬١] حتى يكون له ألين من الوالد لولده، ويقال للكافر ﴿ما غرك بربك الكريم﴾.\nوقد تضمن هذا المقام حجة بالغة ودلالة قاطعة على صدق ما جاءهم به، وبطلان ما هم عليه من عبادة الأصنام، التي لا تنفع ولا تضر، بل هي جماد لا تسمع ولا تبصر، ولا توالي ولا تعادي، وإنما يستحق إخلاص العبادة الله وحده لا شريك له، الذي بيده الملك وله التصرف، وما من شيء إلا تحت ملكه وقهره وسلطانه، فلا إله إلّا هو ولا رب سواه.\n_________\n(^٦٠) - أثر صحيح، أخرجه أبو نعيم في \"الحلية\" (٥/ ١٣١ - ١٣٢) من طريق إسماعيل بن عياش عن صفوان بن عمرو به نحوه، وأخرجه أيضًا من حديث الوليد بن مسلم ثنا صفوان بن عمرو عن أيفع … فذكر حديثا طويلًا، ليس فيه هذا اللفظ المذكور هنا، وتابع إسماعيل بن عياش على هذه اللفظة أبو المغيرة؛ أخرجه عبد الله بن أحمد في \"كتاب السنة\" (٢/ ١٢٠٨) حدثني أبى نا أبو المغيرة له نحوه.\n_________\n[¬١]- لعلها \"فيلين للمؤمن\"، وبنحو ذلك جاءت في الحلية (٥/ ١٣٢).","vol":"7","page":448},{"text":"﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (٥٧) وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ (٥٨) وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (٥٩) وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ﴾ [هود: ٥٧ - ٦٠]\nيقول لهم هود: فإن تولوا عما جئتكم به من عبادة الله ربكم وحده لا شريك له، فقد قامت عليكم الحجة بإبلاغي إياكم رسالة الله التي بعثني بها ﴿وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ يعبدونه وحده لا يشركون به، ولا يبالي بكم، فإنكم لا تضرونه بكفركم، بل يعود وبال ذلك عليكم ﴿إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾ أي: شاهد وحافظ لأقوال عباده وأفعالهم، ويجزيهم عليها إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا﴾ وهو الريح العقيم فأهلكهم الله عن آخرهم، ونجى هودًا وأتباعه من عذاب غليظ برحمته تعالى ولطفه.\n﴿وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ﴾ كفروا بها، وعصوا رسل الله، وذلك أن من كفر بنبي فقد كفر بجميع الأنبياء؛ لأنه لا فرق بين أ حد منهم في وجوب الإيمان به، فعاد كفروا بهود فنزل كفرهم منزلة من كفر بجميع الرسل ﴿وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾ تركوا اتباع رسولهم الرشيد، واتبعو أمر كل جبار عنيد، فلهذا أتبعوا في هذه الدنيا لعنة من الله، ومن العباد المؤمنين كلما ذكروا، وينادى عليهم يوم القيامة على رءوس الأشهاد ﴿أَلَا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ﴾. الآية.\nقال السدي: ما بعث نبي بعد عاد إلا لعنوا على لسانه.\n﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾\nيقول تعالى: ولقد أرسلنا إلى ثمود، وهم الذين كانوا يسكنون مدائن الحجر بين تبوك\n_________","vol":"7","page":449},{"text":"والمدينة، وكانوا بعد عاد، فبعث الله منهم أخاهم صالحًا، فأمرهم بعبادة الله وحده؛ ولهذا قال: ﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ أي: ابتدأ خلقكم منها، خلق منها أباكم آدم ﴿وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ أي: جعلكم عمارًا تعمرونها وتستغلونها ﴿فَاسْتَغْفِرُوهُ﴾ لسالف ذنوبكم ﴿ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ فيما تستقبلونه ﴿إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾. الآية.\n﴿قَالُوا يَاصَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (٦٢) قَالَ يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ﴾\nيذكر تعالى ما كان من الكلام بين صالح ﵇ وبين قومه، وما كان عليه قومه من الجهل والعناد في قولهم ﴿قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا﴾ أي: كنا نرجوك في عقلك قبل أن تقول ما قلت ﴿أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ وما كان عليه أسلافنا ﴿وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ أي: شك كثير.\n﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾ فيم أرسلني به إليكم على يقين وبرهان ﴿وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ﴾ وتركت دعوتكم إلى الحق وعبادة اللَّه وحده، فلو تركته لما نفعتموني ولما زدتموني ﴿غَيْرَ تَخْسِيرٍ﴾ أي: خسارة.\n﴿وَيَاقَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ (٦٤) فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ (٦٥) فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (٦٦) وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٦٧) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِثَمُودَ﴾\nتقدم الكلام عليها في سورة الأعراف بما أغنى عن إعادته، فلله الحمد والمنة.","vol":"7","page":450},{"text":"﴿وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ (٦٩) فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ (٧٠) وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ (٧١) قَالَتْ يَاوَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ (٧٢) قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ [هود: ٦٩ - ٧٣]\nيقول تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا﴾ وهم الملائكة ﴿إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى﴾ قيل: تبشره بإسحاق، وقيل: بهلاك قوم لوط، ويشهد للأول قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ (٧٤)﴾. ﴿قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ﴾ أي: عليكم.\nقال علماء البيان: هذا أحسن مما حيَّوه به؛ لأن الرفع يدل على الثبوت والدوام.\n﴿فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ أي: ذهب سريعًا فأتاهم بالضيافة، وهو عجل؛ فتى البقر، حنيذ: مشوي على الرضف وهي الحجارة المحماة.\nهذا معنى ما روي عن ابن عباس وقتادة وغير واحد، كما قال في الآية الأخرى: ﴿فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ (٢٦) فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ﴾.\nوقد تضمنت هذه الآية آداب الضيافة من وجوه كثيره.\nوقوله: ﴿فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ﴾ تنكرهم ﴿وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً﴾ وذلك أن الملائكة لا همة لهم إلى الطعام، ولا يشتهونه ولا يأكلونه، فلهذا رأى حالهم معرضين عما جاءهم به، فارغين عنه بالكلية، فعند ذلك نكرهم ﴿وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً﴾.\nقال السدي: لما بعث الله الملائكة لقوم لوط، أقبلت تمشي في صور رجال شبان، حتى نزلوا على إبراهيم فتضيفوه، فلما رآهم أجَلَّهم ﴿فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ﴾ فذبحه، ثم شواه في الرضف، وأتاهم به فقعد معهم، وقامت سارة تخدمهم، فذلك حين يقول: (وامرأته قائمة وهو جالس) - في قراءة ابن مسعود - ﴿فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ﴾ قالوا: يا إبراهيم إنا لا نأكل طعامًا إلا بثمن. قال: فإن لهذا ثمنًا. قالوا: وما","vol":"7","page":451},{"text":"ثمنه؟ قال: تذكرون اسم الله على أوله وتحمدونه على آخره. فنظر جبريل إلى ميكائيل فقال: حُقَّ لهذا أن يتخذه ربه خليلًا. ﴿فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ﴾ يقول: فلما رآهم لا يأكلون فزع منهم وأوجس منهم خيفة، فلما نظرت إليه سارة أنه قد أكرمهم، وقامت هي تخدمهم ضحكت وقالت: عجبًا لأضيافنا هؤلاء نخدمهم بأنفسنا كرامة لهم، وهم لا يأكلون طعامنا!.\nوقال ابن أبي حاتم (^٦١): حدثنا على بن الحسين، ثنا نصر بن علي، ثنا نوح بن قيس، عن عثمان بن محصن، في ضيف إبراهيم قال: كانوا أربعة: جبريل، وميكائيل، وإسرافيل، ورفائيل. قال نوح بن قيس: فزعم عون [¬١] بن أبي شداد أنه لما دخلوا على إبراهيم، فقرّب إليهم العجل، مسحه جبريل بجناحيه، فقام يدرج حتى لحق بأمه وأم العجل في الدار.\nوقوله تعالى إخبارًا عن الملائكة: ﴿قَالُوا لَا تَخَفْ﴾ أي: قالوا: لا تخف منا، إنا ملائكة أرسلنا إلى قوم لوط لنهلكهم، فضحكت سارًة استبشارًا بهلاكهم لكثرة فسادهم وغلظ كفرهم وعنادهم؛ فلهذا جوزيت بالبشارة بالولد بعد الإياس.\nوقال قتادة: ضحكت وعجبت أن قومًا يأتيهم العذاب وهم في غفلة.\nوقوله: ﴿وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ قال العوفي، عن ابن عباس ﴿فَضَحِكَتْ﴾ أي: حاضت.\nوقول محمد بن قيس: إنها إنما ضحكت من أنها ظنت أنهم يريدون أن يعملوا كما يعمل قوم لوط. وقول الكلبي: إنها إنما ضحكت لما رأت من الروع بإبراهيم - ضعيفان جدًّا. وإن كان ابن جرير قد رواهما بسنده إليهما، فلا يلتفت إلى ذلك، والله أعلم.\nوقال وهب بن منبه: إنما ضحكت لما بشرت بإسحاق. وهذا مخالف لهذا السياق؛ فإن البشارة صريحة مرتبة على ضحكها.\n﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ أي: بولد لها يكون له ولد وعقب ونسل، فإن يعقوب ولد إسحاق، كما قال فى سورة البقرة: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾.\n_________\n(^٦١) - \" التفسير\" لابن أبي حاتم (٦/ ١١٠١٢).\n[¬١]- في ز، خ: \"نوح\" والمثبت من ابن أبي حاتم (٦/ ١١٠١٢) وهو الصواب.","vol":"7","page":452},{"text":"ومن هاهنا استدل من استدل بهذه الآية على أن الذبيح إنما هو إسماعيل، وأنه يمتنع أن يكون إسحاق؛ لأنه وقعت البشارة به وأنه سيولد له يعقوب، فكيف يؤمر إبراهيم بذبحه وهو طفل صغير، ولم يولد له بعد يعقوب الموعود بوجوده، ووعد الله حق لا خلف فيه، فيمتنع أن يؤمر بذبع هذا والحالة هذه، فتعين أن يكون هو إسماعيل، وهذا من أحسن الاستدلال وأصحه وأبينه، ولله الحمد.\n﴿قَالَتْ يَاوَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا﴾ الآية. حكى قولها في هذه الآية كما حكى فعلها في الآية الأخرى، فإنها ﴿قَالَتْ يَاوَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ﴾، وفي الذاريات: ﴿فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ﴾ كما جرت به عادة النساء في أقوالهن وأفعالهن عند التعجب ﴿قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ أي: قالت الملائكة لها: لا تعجبي من أمر الله، فإنه إذا أراد شيئًا أن يقول له: كن؛ فيكون. فلا تعجبي من هذا وإن كنت عجوزًا عقيمًا وبعلك شيخًا كبيرًا، فإن الله على ما يشاء قدير.\n﴿رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ أي: هو الحميد في جميع أفعاله وأقواله، محمود ممجد في صفاته وذاته؛ ولهذا ثبت في الصحيحين (^٦٢) أنهم قالوا: قد علمنا السلام عليك فكيف الصلاة عليك يا رسول الله؟ قال: \"قولوا: اللهم، صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد\".\n﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ (٧٤) إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ (٧٥) يَاإِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ (٧٦)﴾ [هود: ٧٤ - ٧٦]\nيخبر تعالى عن إبراهيم ﵇ أنه لما ذهب عنه الروع، وهو ما أوجس من الملائكة خيفة حين لم يأكلوا، وبشروه بعد ذلك بالولد، وأخبروه بهلاك قوم لوط، أخذ يقول كما قال سعيد بن جبير في الآية قال (^٦٣): لما جاءه جبريل ومن معه قالوا له: ﴿إنا\n_________\n(^٦٢) - أخرجه البخاري، كتاب: الأنبياء، باب: (١٠)، (٣٣٧٠)، ومسلم، كتاب: الصلاة، باب: الصلاة على النبي ﷺ بعد التشهد (٤٠٧)، وأبو داود (٩٧٦، ٩٧٧، ٩٧٨)، والترمذي (٤٨٣)، والنسائى (٣/ ٤٧)، وابن ماجة (٩٠٤)، وأحمد (١٨١٥٧) (٤/ ٢٤١) من حديث كعب بن عجرة، وسياق المصنف، مغاير في بعض الأحرف.\n(^٦٣) - أخرجه ابن أبي حاتم (٦/ ١١٠٤٠).","vol":"7","page":453},{"text":"﴿مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ﴾ قال لهم: أتهلكون قرية فيها ثلثمائة مؤمن؟ قالوا: لا. قال: أفتهلكون قرية فيها مائتا مؤمن؟ قالوا: لا. قال: أفتهلكون قرية فيها أربعون مؤمنًا؟ قالوا: لا. قال: ثلاثون؟ قالوا: لا. حتى بلغ خمسة قالوا: لا؟ قال: أرأيتكم إن كان فيها رجل واحد مسلم أتهلكونها؟ قالوا: لا. فقال إبراهيم ﵇ عند ذلك: ﴿إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ﴾ الآية. فسكت عنهم واطمأنت نفسه. وقال قتادة وغيره قريبًا من هذا، زاد ابن إسحاق: أفرأيتم إن كان فيها مؤمن واحد؟ قالوا: لا. قال: فإن كان فيها لوط يدفع به عنهم العذاب؟ قالوا: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا﴾ الآية.\nوقوله: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ﴾ مدح لإِبراهيم بهذه الصفات الجميلة، وقد تقدم تفسيرها.\nوقوله تعالى: ﴿يَاإِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾ أي: إنه قد نفذ فيهم القضاء، وحقت عليهم الكلمة بالهلاك وحلول البأس الذي لا ورد عن القوم المجرمين.\n﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ (٧٧) وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ قَالَ يَاقَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ (٧٨) قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ﴾\nيخبر تعالى عن قدوم رسله من الملائكة بعد ما أعلموا إبراهيم بهلاكهم، وفارقوه وأخبروه بإهلاك الله قوم لوط هذه الليلة، فانطلقوا من عنده فأتوا لوطًا، ﵇، وهو - على ما قيل - في أرض له، وقيل في منزله، ووردرا عليه وهم في أجمل صورة تكون؛ على هيئة شبان حسان الوجوه، ابتلاء من الله وله الحكمة والحجة البالغة، فساءه شأنهم وضاقت نفسه بسببهم، وخشي إن لم يضفهم أن يضيفهم أحد من قومه فينالهم بسوء ﴿وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾.\nقال ابن عباس وغير واحد: شديد بلاؤه. وذلك أنه علم أنه سيدافع عنهم ريشق عليه ذلك.\nوذكر قتادة: أنهم أتوه وهو في أرض له فتضيفوه، فاستحيا منهم فانطلق أمامهم، وقال","vol":"7","page":454},{"text":"لهم في أثناء الطريق كالمعرض لهم بأن ينصرفوا عنه: إنه والله يا هؤلاء، ما أعلم على وجه الأرض أهل بلد أخبث من هؤلاء، ثم مشى قليلًا ثم أعاد ذلك عليهم حتى كرره أربع مرات، قال قتادة: وقد كانوا أمروا أن لا يهلكوهم حتى يشهد عليهم نبيهم بذلك.\nوقال السدي: خرجت الملائكة من عند إبراهيم نحو قرية لوط، فبلغوا نهر سدوم نصف النهار، ولقوا بنت لوط تسقى فقالوا: يا جارية، هل من منزل؟ فقالت: مكانكم حتى آتيكم، وفَرَقَتْ عليهم من قومها، فأتت أباها فقالت: يا أبتاه؛ أدرك فتيانًا على باب المدينة، ما رأيت وجوه قوم أحسن منهم لا يأخذهم قومك فيفضحوهم. وكان قومه نهوه أن يضيف رجلًا، فقالوا: خل عنا فلنضيف الرجال، فجاء بهم فلم يعلم بهم أحد إلا أهل بيته، فخرجت امرأته فأخبرت قومها، فجاءوا يهرعون إليه.\nوقوله: ﴿يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ﴾ أي: يسرعون ويهرولون من فرحهم بذلك.\nوقوله: ﴿وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾ أي: لم يزل هذا من سجيتهم، حتى أخذوا وهم على ذلك الحال.\nوقوله: ﴿قَالَ يَاقَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾ يرشدهم إلى نسائهم، فإن النبي للأمة بمنزلة الوالد، فأرشدهم إلى ما هو أنفع لهم في الدنيا والآخرة، كما قال لهم في الآية الأخرى: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (١٦٥) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ﴾، وقوله في الآية الأخرى: ﴿قَالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ أي: ألم ننهك عن ضيافة الرجال ﴿قَالَ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (٧١) لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾، وقال في هذه الآية الكريمة: ﴿هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾ قال مجاهد: لم يكن بناته، ولكن كن من أمته، وكل نبي أبو أمته. وكذا روي عن قتادة وغير واحد.\nوقال ابن جريج: أمرهم أن يتزوجوا النساء، ولم يعرض عليهم سفاحًا.\nوقال سعيد بن جبير: يعني نساءهم هن بناته هو وهو أب لهم نبيهم. ويقال في بعض القراءات: (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وأزواجه أمهاتهم وهو أب لهم).\nوكذا روي عن الربيع بن أنس، وقتادة، والسدي، ومحمد بن إسحاق وغيرهم.\nوقوله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي﴾ أي: اقبلوا ما آمركم به من الاقتصار على نسائكم ﴿أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ أي: فيه خير يقبل ما آمره به، ويترك ما أنهاه عنه؟\n﴿قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ﴾ أي: إنك لتعلم أن نساءنا لا أرب لنا فيهن ولا نشتهيهن ﴿وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ﴾ أي: ليس لنا غرض إلا في الذكور وأنت تعلم","vol":"7","page":455},{"text":"ذلك، فأي حاجة في تكرار القول علينا في ذلك؟ قال السدي: ﴿وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ﴾ إنما نريد الرجال.\n﴿قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ (٨٠) قَالُوا يَالُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾\nيقول تعالى مخبرًا عن نبيه لوط ﵇ إن لوطًا توعدهم بقوله: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً﴾. الآية. أي: لكنت نكلت بكم، وفعلت بكم الأفاعيل بنفسي وعشيرتي؛ ولهذا ورد في الحديث (^٦٤) من طريق محمد بن عمرو بن علقمة، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة أن رسول الله، ﷺ، قال: \"رحمة الله على لوط! لقد كان يأوي إلى ركن شديد - يعني الله ﷿ فما بعث اللَّه بعده من نبي إلا في ثَرْوة (*) من قومه\".\nفعند ذلك أخبرته الملائكة أنهم رسل الله إليه، وأنهم لا وصول لهم إليه ﴿قَالُوا يَالُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ﴾ وأمروه أن يسري بأهله من آخر الليل، وأن يتبع أدبارهم، أي: يكون ساقة لأهله ﴿وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ﴾ أي: إذا سمعت ما نزل بهم، ولا تهولنكم تلك الأصوات المزعجة، ولكن استمروا ذاهبين. ﴿إِلَّا امْرَأَتَكَ﴾ قال الأكثرون، هو استثناء من المثبت وهو قوله: ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ﴾ تقديره: ﴿إِلَّا امْرَأَتَكَ﴾ وكذلك قرأها ابن مسعود، ونصب هؤلاء امرأتك؛ لأنه من مثبت فوجب نصبه عندهم.\nوقال آخرون من القراء والنحاة: هو استثناء من قوله ﴿وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا﴾\n_________\n(^٦٤) - حسن، أخرجه أحمد (٢/ ٣٣٢ - وفي مواضع أخر)، والبخاري في \"الأدب المفرد\" (٦٠٥)، والترمذي، كتاب: تفسير القرآن، باب: ومن سورة يوسف (٣١١٥)، والنسائي في \"التفسير\" (٦/ ١١٢٥٤)، وابن جرير (١٢/ ٨٧)، وابن أبى حاتم (٦/ ١١٠٧٦)، وتمام في فوائده (٤/ ١٤٤١، ١٤٤٢ - الروض)، والطحاوي فى \"مشكل الآثار\" (٣٣٠) بروايات مطولة ومختصرة، وقال الترمذي: \"حديث حسن\"، وصححه ابن حبان (١٤/ ٦٢٠٦، ٦٢٠٧)، والحاكم (٢/ ٣٤٧، ٥٦١، ٥٧١) على شرط مسلم، ووافقه الذهبي، ومحمد بن عمرو لم يخرج له مسلم في أصل الصحيح، وإنما أخرج له متابعة، والجزء الأول منه عند البخاري (٣٣٧٢)، ومسلم (٢٣٨) (١٥١) من حديث أبي هريرة أيضًا. وفي بعض رواياته لفظة منكرة نبهت عليها عند [سورة يوسف/ آية ٤٢].\n(*) الثروة: العدد الكثير.","vol":"7","page":456},{"text":"﴿امْرَأَتَكَ﴾ فجوزوا الرفع والنصب، وذكر هؤلاء أنها خرجت معهم وأنها لما سمعت الوجبة، التفتت وقالت: واقوماه! فجاءها حجر من السماء فقتلها.\nثم قربوا له هلاك قومه تبشيرًا له؛ لأنه قال لهم أهلكوهم الساعة فقالوا: ﴿إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾. هذا وقوم لوط وقوف على الباب عكوف، قد جاءوا يهرعون إليه من كل جانب، ولوط واقف على الباب يدافعهم ويردعهم وينهاهم عما هم فيه، وهم لا يقبلون منه، بل يتوعدونه ويتهددونه، فعند ذلك خرج عليهم جبريل ﵇ فضرب وجوههم بجناحه، فطمس أعينهم فرجعوا وهم لا يهتدون الطريق، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ﴾ الآية.\nوقال معمر (^٦٥)، عن قتادة، عن حذيفة بن اليمان قال: كان إبراهيم، ﵇، يأتي قوم لوط فيقول: أنهاكم الله أن تَعَرَّضوا لعقوبته! فلم يطيعوه، حتى إذا بلغ الكتاب أجله انتهت الملائكة إلى لوط وهو يعمل في أرض له، فدعاهم إلى الضيافة فقالوا: إنا ضيوفك الليلة، وكان الله قد عهد إلى جبريل ألا يعذبهم حتى يشهد عليهم لوط ثلاث شهادات، فلما توجه بهم لوط إلى الضيافة ذكر ما يعمل قومه من الشر، فمشى معهم ساعة ثم التفت إليهم، فقال: أما تعلمون ما يعمل أهل هذه القرية؟ ما أعلم على وجه الأرض شرًّا منهم، أين أذهب بكم؟ إلى قومي وهم من أشر خلق الله؟ فالتفت جبريل إلى الملائكة، فقال: احفظوها هذه واحدة، ثم مشى معهم ساعة، فلما توسط القرية، وأشفق عليهم واستحيا منهم، قال: أما تعلمون ما يعمل أهل هذه القرية؟ ما أعلم على وجه الأرض أشر منهم، إن قومي أشر خلق الله، فالتفت جبريل إلى الملائكة، فقال: احفظوها هاتان اثنتان، فلما انتهى إلى باب الدار بكى حياء منهم وشفقة عليهم، فقال: إن قومي أشر خلق الله، أما تعلمون ما يعمل أهل هذه القرية؟ ما أعلم على وجه الأرض أهل قرية شرًّا منهم. فقال جبريل للملائكة: احفظوا هذه ثلاث قد حق العذاب، فلما دخلوا ذهبت عَجُوزُه عجوز السوء، فصعدت فلوحت بثوبها، فأتاها الفساق يهرعون سراعًا قالوا: ما عندك؟ قالت: ضيف لوطٌ قومًا ما رأيت قط أحسن وجوهًا منهم، ولا أطيب ريحًا منهم، فهرعوا يسارعون إلى الباب، فعالجهم لوط على الباب فدافعوه طويلًا، وهو داخل وهم خارج، يناشدهم الله ويقول: ﴿هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾ فقام الملك فلز بالباب - يقول: فسَدَّه - واستأذن جبريل في عقوبتهم فأذن الله له، فقام في الصورة التي يكون فيها في السماء، فنشر جناحه - ولجبريل جناحان - وعليه وشاح من در منظوم،\n_________\n(^٦٥) - إسناده منقطع، أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره (٢/ ٣٠٧) ومن طريقه ومن طريق آخر عن معمر، أخرجه ابن جرير (١٢/ ٩٠، ٩١، ٩٢)، وقتادة لم يسمع من حذيفة، ومن طريق آخر عن حذيفة أخرجه ابن أبي حاتم (٦/ ١١٠٨٩) مختصرًا وفيه انقطاع أيضًا. وراد نسبته السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ٦٢٢) إلى ابن المنذر.","vol":"7","page":457},{"text":"وهو براق الثنايا أجلى الجبين، ورأسه حبك حبك مثل المرجان، وهو اللؤلؤ كأنه الثلج، ورجلاه إلى الخضرة، فقال: يا لوط، ﴿إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ﴾ امض يا لوط، عن الباب ودعني وإياهم، فتنحى لوط عن الباب، فخرج إلىهم فنشر جناحه، فضرب به وجوههم ضربة شدخ أعينهم، فصاروا عميًا لا يعرفون الطريق، ولا يهتدون إلى بيوتهم ثم أمر لوط فاحتمل بأهله في ليلته قال: ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾.\nوروي عن محمد بن كعب وقتادة والسدي نحو هذا.\n﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ (٨٢) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾\nيقول تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا﴾ وكان ذلك عند طلوع الشمس ﴿جَعَلْنَا عَالِيَهَا﴾ وهي سدوم ﴿سَافِلَهَا﴾، كقوله: ﴿فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى﴾ أي: أمطرنا عليها حجارة من سجيل، وهي بالفارسية حجارة من طين، قاله ابن عباس وغيره.\nوقال بعضهم: أي: من سنك وهو الحجر، وكل وهو الطين، وقد قال في الآية الأخرى: ﴿حِجَارَةً مِنْ طِينٍ﴾ أي: مستحجرة قوية شديدة، وقال بعضهم: مشوية، وقال البخاري (^٦٦): سجيل الشديد الكبير، سجيل وسجين، اللام والنون أختان، وقال تميم ابن مقبل:\nوَرَجْلَة يَضْرِبُونَ البيضَ ضاحيةً … ضربًا تواصى [¬١] بهِ الأبطالُ سجينا\nوقوله: ﴿مَنْضُودٍ﴾ قال بعضهم: منضودة في السماء، أي: معدة لذلك.\nوقال آخرون: ﴿مَنْضُودٍ﴾ أي: يتبع بعضها بعضًا في نزولها عليهم.\nوقوله: ﴿مُسَوَّمَةً﴾ أي: معلمة مختومة عليها أسماء أصحابها، كل حجر مكتوب عليه اسم الذي ينزل عليه، وقال قتادة وعكرمة: ﴿مُسَوَّمَةً﴾ مطوقة بها نضح من حمرة.\nوذكروا أنها نزلت على أهل البلد وعلى المتفرقين في القرى مما حولها، فبينا أحدهم يكون عند الناس يتحدث، إذ جاءه حجر من السماء فسقط عليه من بين الناس فدمره، فتتبعهم الحجارة من سائر البلاد حتى أهلكتهم عن آخرهم، فلم يبق منهم أحد.\n_________\n(^٦٦) - صحيح البخاري كتاب التفسير، سورة هود (١١)، باب: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾.\n[¬١]- في ز، خ: تواصت.","vol":"7","page":458},{"text":"وقال مجاهد: أخذ جبريل قوم لوط من سرحهم ودورهم، حملهم بمواشيهم وأمتعتهم ررفعهم حتى سمع أهل السماء نُباح كلابهم ثم أكفأهم، وكان حملهم على حوافي جناحه الأيمن. قال: ولما قلبها كان أول ما سقط منها شذانها.\nوقال قتادة: بلغنا أن جبريل أخذ بعروة القرية الوسطى، ثم ألوى بها إلى جوّ السماء حتى سمع أهل السماء ضواغي (*) كلابهم، ثم دمّر بعضها على بعض، ثم أتبع شذاذ القوم صخرًا. قال: رذكر لنا أنهم كانوا أربع قرى، في كل قرية مائة ألف، وفي رواية: ثلاث قرى، الكبرى منها سدرم. قال: وبلغنا أن إبراهيم، ﵇، كان يشرف على سدوم ويقول: سدوم، يوم ما لَكِ.\nرفي رواية عن قتادة وغيره بلغنا أن جبريل، ﵇، لما أصبح نشر جناحه، فانتسف به أرضهم بما فيها من قصورها ودوابها وحجارتها وشجرها وجميع ما فيها، فضمها في جناحه فحواها وطواها في جوف جناحه، ثم صعد بها إلى السماء الدنيا، حتى سمع سكان السماء أصوات الناس والكلاب، وكانوا أربعة آلاف ألف، ثم قلبها فأرسلها إلى الأرض منكوسة، ودمدم بعضها على بعض، فجعل عاليها سافلها، ثم أتبعها حجارة من سجيل.\nوقال محمد بن كعب القرظي: كانت قرى قوم لوط خمس قريات: سدرم، رهي العظمى، وصعبة، وصعوة، وعثرة، ودوما، احتملها جبريل بجناحه، ثم صعد بها حتى أن أهل السماء الدنيا ليسمعون نابحة كلابها وأصوات دجاجها، ثم كفأها على وجهها، ثم أتبعها الله بالحجارة، يقول الله تعالى: ﴿جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ﴾ فأهلكها الله وما حولها من المؤتفكات.\nوقال السدّي: لما أصبح قوم لوط نزل جبريل فاقتلع الأرض من سبع أرضين، فحملها حتى بلغ بها السماء، حتى سمع أهل السماء الدنيا نباح كلابهم وأصوات ديوكهم، ثم قلبها فقتلهم، فذلك قوله: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى﴾ ومن لم يمت حين سقط للأرض، أمطر الله عليه وهو تحت الأرض الحجارة، ومن كان منهم شاذًّا في الأرض يتبعهم في القرى، فكان الرجل يتحدّث فيأتيه الحجر فيقتله، فذلك قوله عز رجل: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ﴾ أي: في القرى حجارة من سجيل. هكذا قال السدي.\nوقوله: ﴿وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ أي: وما هذه النقمة ممن تشبه بهم في ظلمهم ببعيد عنه.\n_________\n\n_________\n(*) جمع ضاغية: وهي الصائحة.","vol":"7","page":459},{"text":"وقد ورد في الحديث المروي في السنن عن ابن عباس مرفوعًا (^٦٧): \" من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به\".\nوذهب الإمام الشافعي في قول عنه، وجماعة من العلماء: إلى أن اللائط يقتل، سواء كان محصنًا أو غير محصن، عملًا بهذا الحديث.\nوذهب الإِمام أبو حنيفة إلى أنه يلقى من شاهق ويتبع بالحجارة، كما فعل الله بقوم لوط، والله ﷾ أعلم بالصواب.\n﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ (٨٤)﴾\nيقول تعالى: ولقد أرسلنا إلى مدين، وهم قبيلة من العرب كانوا يسكنون بين الحجاز والشام قريبًا من بلاد معان في بلدٍ يعرف بهم، يقال لها مدين، فأرسل الله إليهم شعيبًا وكان من أشرفهم نسبًا؛ ولهذا قال: ﴿أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾ يأمرهم بعبادة الله تعالى وحده لا شريك له، وينهاهم عن التطفيف في الكيال والميزان ﴿إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ﴾ أي: في معيشتكم ورزقكم، وإني أخاف أن تسلبوا ما أنتم فيه بانتهاككم محارم الله ﴿وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ﴾ أي: في الدار الآخرة.\n﴿وَيَاقَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٨٥) بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (٨٦)﴾\nينهاهم أولًا عن نقص المكيال والميزان إذا أعطوا الناس، ثم أمرهم بوفاء الكيل والوزن بالقسط آخذين ومعطين، ونهاهم عن العيث في الأرض بالفساد وقد كانوا يقطعون الطريق.\nوقوله: ﴿بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ قال ابن عباس (^٦٨): رزق الله خير لكم.\n_________\n(^٦٧) - صحيح، تقدم تخريجه [سورة الأعراف/ آية ٨٤].\n(^٦٨) - إسناده فيه جهالة، أخرجه ابن جرير (١٢/ ١٠١).","vol":"7","page":460},{"text":"وقال الحسن: رزق الله خير لكم من بخسكم الناس.\nوقال الربيع بن أنس: وصية الله خير لكم.\nوقال مجاهد: طاعة الله، وقال قتادة حظكم من الله خير كم، وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: الهلاك في العذاب والبقية في الرحمة.\nوقال أبو جعفر بن جرير (^٦٩): ﴿بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ أي: ما يفضل لكم من الربح بعد وفاء الكيل واليزان خير لكم من أخذ أموال الناس، وقال: وقد روي هذا عن ابن عباس.\nقلت: ويشبه قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ﴾ الآية.\nوقوله: ﴿وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾ أي: برقيب ولا حفيظ، أي: افعلوا ذلك لله ﷿، لا تفعلوه ليراكم الناس، بل لله ﷿.\n﴿قَالُوا يَاشُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ (٨٧)﴾\nيقولون له على سبيل التهكم - قبحهم الله -: ﴿أَصَلَاتُكَ﴾ قال الأعمش: أي: قرآنك ﴿تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ أي: الأوثان والأصنام ﴿أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ﴾ فنترك التطفيف عن [¬١] قولك، وهى أموالنا نفعل فيها ما نريد.\n[قال الحسن في قوله: ﴿أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ أي: والله إن صلاته لتأمرهم أن يتركوا ما كان يعبد آباؤهم] [¬٢].\nوقال الثوري في قوله: ﴿أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ﴾ يعنون الزكاة.\n[وقولهم] ﴿إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ قال ابن عباس وميمون بن مهران وابن جريج وابن أسلم وابن جرير: يقولون ذلك أعداء الله على سبيل الاستهزاء، قبحهم الله\n_________\n(^٦٩) - تفسير ابن جرير (١٢/ ١٠٠) وقال: \"وهذا قول روي عن ابن عباس بإسناد غير مرتضى عند أهل النقل\" ولم يذكر الإسناد.\n_________\n[¬١]- في ز: \"على\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.","vol":"7","page":461},{"text":"ولعنهم عن رحمته وقد فعل.\n﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (٨٨)﴾\nيقول لهم: ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ يا قوم ﴿إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾ أي: على بصيرة فيما أدعو إليه ﴿وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا﴾ قيل: أراد النبوة، وقيل: أراد الرزق الحلال، ويحتمل الأمرين.\n[وقال الثوري] [¬١]: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾ أي: لا أنهاكم عن شيء [¬٢] وأخالف أنا في السر فأفعله خفية عنكم، كما قال قتادة في قوله: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾ يقول: لم أكن لأنهاكم [¬٣] عن امر وأرتكبه [¬٤] ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ﴾ أي: فيما آمركم وأنهاكم، إنما مرادي [¬٥] إصلاحكم جهدي وطاقتي ﴿وَمَا تَوْفِيقِي﴾ أي: في إصابة الحق فيما أريده ﴿إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ في جميع أموري ﴿وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ أي: أرجع؛ قاله مجاهد وغيره.\nقال الإمام أحمد (^٧٠): حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، حدثنا أبو قزعة سويد بن حُجَير الباهلي، عن حكيم بن معاوية، عن أبيه أن أخاه مالكًا قال: يا معاوية، إن محمدًا أخذ جيراني، فانطلق إليه فإنه قد عرفك وكلمك. فانطلقت معه فقال: دع لي جيراني فقد [¬٦] كانوا أسلموا. فأعرض عنه، فقام متمعطًا [¬٧] فقال: أما والله لئن فعلت، إن الناس يزعمون أنك تأمر [¬٨] بالأمر وتخالف إلى غيره. وجعلت أجرّه وهو يتكلم، فقال رسول الله: \"ما تقول؟ \" فقال: إنك والله لئن فعلت ذلك [¬٩] إن الناس ليزعمون أنك لتأمر\n_________\n(^٧٠) - حسن، \"المسند\" (٢٠٠٦٨) (٤/ ٤٤٧) وإسناده رجاله ثقات إلا حكيم بن معاوية فلم يوثقه غير ابن حبان (٤/ ١٦١)، لكن للحديث طريق آخر - وهو الآتي.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٢]- في ت: \"الشيء\".\n[¬٣]- في ت: \"أنهاكم\".\n[¬٤]- في ز: \"وأركبه\".\n[¬٥]- في ت: \"أريد\".\n(*) أي: متسخطًا متغضبًا. النهاية [٤/ ٣٤٣].\n[¬٦]- في المسند: \"فإنهم قد\".\n[¬٧]- غير واضحة في \"ز\".\n[¬٨]- في خ: \"لتأمرنا\"، والمثبت من: ز.\n[¬٩]- سقط من: ز.","vol":"7","page":462},{"text":"بالأمر وتخالف إلى غيره. قال: فقال: \"أو قد قالوهما؟ - أو [¬١]: قائلهم - ولئن فعلت ذاك ما ذاك إلا على، وما عليهم من [¬٢] ذلك من شيء، أرسلوا له جيرانه\".\nوقال أحمد أيضًا (^٧١): حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده قال: أخذ النبي، ﷺ، ناسًا من قومي في تهمة فحبسهم، فجاء رجل من قومي إلى رسول الله، ﷺ، وهو يخطب، فقال: يا محمد، علام تحبس جيرتي [¬٣]؟ فصمت رسول الله، ﷺ، فقال: إن ناسًا ليقولون إنك تنهى عن الشيء [¬٤] وتستخلي به. فقال النبي، ﷺ: \"ما يقول؟ \" قال: فجعلت أعَرِّضُ بينهما بالكلام [¬٥]، مخافة أن يسمعها فيدعو على قومي دعوة لا يفلحون بعدها أبدًا، فلم يزل رسول الله، ﷺ، به [¬٦] حتى فهمها، فقال: \" [أو] [¬٧] قد قالوها؟ \" - أو \"قائلها منهم - والله لو فعلت لكان عليَّ وما كان عليهم، خلوا له [¬٨] عن جيرانه\".\nومن هذا القبيل الحديث الذي رواه الإِمام أحمد (^٧٢) حدثنا أبو عامر، ثنا سليمان بن بلال، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن عبد الملك بن سعيد بن سويد الأنصاري قال: سمعت أبا حميد وأبا أسيد يقولان قال رسول الله، ﷺ: \"إذا سمعتم الحديث عني تعرفه قلوبكم، وتلين له أشعاركم وأبشاركم، وترون أنه منكم قريب - فأنا أولاكم به، وإذا سمعتم الحديث عني تنكره قلوبكم، وتنفر منه أشعاركم وأبشاركم [¬٩]،\n_________\n(^٧١) - كسابقه، \"المسند\" (٥/ ٢) وهو عند عبد الرزاق في \"المصنف\" (١٠/ ١٨٨٩١) ومن طريقه أيضًا أخرجه أبو داود، كتاب: الأقضية، باب: في الحبس فى الدين وغيره (٣٦٣٠) مختصرًا جدًّا، والطبراني فى \"الكبير\" (١٩/ ٩٩٦)، وأخرجه أحمد (٢٠٠٦٧، ٢٠٠٩٠) (٥/ ٢، ٤)، وأبو داود (٣٦٣١)، والترمذي، كتاب: الديات، باب: ما جاء في الحبس في التهمة (١٤١٧)، والنسائي، كتاب: قطع السارق، باب: امتحان السارق بالضرب والحبس (٨/ ٦٦، ٦٧)، والطبراني (١٩/ ٩٩٨) من طريق بهز ابن حكيم به مختصرًا ومطولًا، وقال الترمذي: \"حديث حسن\".\n(^٧٢) - صحيح، \"المسند\" (١٦١٠٦) (٣/ ٤٩٧)، (٢٣٧١٦) (٥/ ٤٢٥)، وأخرجه البزار (١/ ١٨٧ - كشف)، وابن سعد في \"الطبقات\" (١/ ٢٩٥) من طريق سليمان بن بلال، به، وصححه ابن حبان (١/ ٦٣)، والألباني \"الصحيحة\" (٢/ ٧٣٢). وتقدم عند المصنف (الأعراف/ آية ١٥٧).\n_________\n[¬١]- في ت: \"أي\".\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- في خ: \"جيراني\"، والمثبت من ز.\n[¬٤]- في المسند: \"الشر\".\n[¬٥]- في خ: \"كلامًا\"، والمثبت من ز.\n[¬٦]- سقط من: ز.\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين زيادة من: ز.\n[¬٨]- زيادة من: ز.\n[¬٩]- سقط من: ز.","vol":"7","page":463},{"text":"وترون أنه منكم بعيد [¬١]- فأنا أبعدكم منه\".\n[وهذا] [¬٢] إسناده صحيح. و[¬٣] قد أخرج مسلم (^٧٣) بهذا السند حديث: \"إذا دخل أحدكم المسجد فليقل: اللهم، افتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج فليقل: اللهم إني أسألك من فضلك\".\nومعناه - والله أعلم -: مهما بلغكم عني من خير فأنا أولاكم به، ومهما يكن من مكروه فأنا أبعدكم منه ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾.\nوقال قتادة (^٧٤)، عن عَزْرَة [¬٤]، عن الحسن العرني [¬٥]، عن يحيى بن الجزار، عن مسروق أن [¬٦]: [امرأة جاءت] إلى [¬٧] ابن مسعود فقالت: أتنهى عن الواصلة؟ قال: نعم، فقالت المرأة: فلعله في بعض نسائك. فقال ما حفظت إذًا وصية العبد الصالح ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾.\nوقال عثمان بن أبي شيبة (^٧٥): حدثنا جرير، عن أبي سليمان الضبي [¬٨]، قال: كانت تحيئنا كتب عمر بن عبد العزيز فيها الأمر والنهي، فيكتب في آخرها: وما كنت من ذلك\n_________\n(^٧٣) - صحيح مسلم، كتاب: صلاة المسافرين وقصرها، باب: ما يقول إذا دخل المسجد (٦٨) (٧١٣)، وأخرجه أبو داود، كتاب: الصلاة، باب: فيما يقوله الرجل عند دخوله المسجد (٤٦٥)، والنسائي، كتاب: المساجد، باب: القول عند دخول المسجد وعند الخروج منه (٢/ ٥٣)، وابن ماجة، كتاب: المساجد والجماعات، باب: الدعاء عند دخول المسجد (٧٧٢)، وأحمد (٣/ ٤٩٧)، (٥/ ٤٢٥) من حديث أبي حميد أو أبي أسيد، ورواية ابن ماجه من حديث أبي حميد فحسب.\n(^٧٤) - إسناده حسن، أخرجه ابن أبي حاتم (٦/ ١١١٤٥) ثنا يحيى بن أبي طالب، ثنا عبد الوهاب بن عطاء، ثنا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة به، وأخرجه أحمد (١/ ٤١٥)، والنسائي (٨/ ١٤٦) من طريق قتادة بهذا الإسناد مطولًا، وليس عند النسائي الجزء الذي أورده المصنف هنا، وأصل الحديث عند البخاري (٤٨٨٦)، ومسلم (٢١٢٥) وغيرهما.\n(^٧٥) - علقه ابن أبي حاتم في تفسيره (٦/ ١١١٤٧) ذكر عن عثمان بن أبي شيبة، به.\n_________\n[¬١]- في ز: \"بعيدًا\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين زيادة من: ز.\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- في ز، خ: \"عزوة\"، والمثبت من ابن أبي حاتم.\n[¬٥]- في ز: \"البصري\".\n[¬٦]- في خ: \"قال\".\n[¬٧]- سقط من: ز.\n[¬٨]- في خ، ز: \"العتبي\". والمثبت من تفسير ابن أبي حاتم. ولم أهتد لترجمة أبي سليمان هذا.","vol":"7","page":464},{"text":"إلا كما قال العبد الصالح: ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.\n﴿وَيَاقَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ (٨٩) وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ (٩٠)﴾\nيقول لهم: ﴿وَيَاقَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي﴾ أي: لا [¬١] تحملنكم عداوتي وبغضي على الإِصرار على ما أنتم عليه من الكفر والفساد، فيصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح، وقوم هود، وقوم صالح، وقوم لوط من النقمة والعذاب، وقال قتادة: ﴿وَيَاقَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي﴾ يقول: لا يحملنكم فراقي - وقال السدي: عداوتي - على أن تتمادوا في الضلال والكفر فيصيبكم من العذاب ما أصابهم.\nوقال ابن أبي حاتم (^٧٦): ثنا [محمد] [¬٢] بن عوف الحمصي، ثنا أبو المغيرة عبد القدوس ابن الحجاج، ثنا ابن أبي [¬٣] غنية، حدثني عبد الملك بن أبي سليمان، عن أبي ليلى الكندي قال: كنت مع مولاي أمسك دابته وقد أحاط الناس بعثمان بن عفان، إذ أشرف علينا من داره فقال: ﴿وَيَاقَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ﴾ يا قوم، لا تقتلوني، إنكم إن تقتلوني [¬٤] كنتم هكذا. وشبك بين أصابعه.\nوقوله: ﴿وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ﴾ [قيل: المراد في الزمان، قال قتادة] [¬٥]: يعني إنما هلكوا بين أيديكم بالأمس، وقيل: في المكان، ويحتمل الأمران ﴿وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ [أي: استغفروه] [¬٦] من سالف الذنوب ﴿ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ فيما تستقبلونه من الأعمال السيئة، وقوله: ﴿إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ﴾ أي: لمن تاب وأناب.\n﴿قَالُوا يَاشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ\n_________\n(^٧٦) - إسناده حسن، \"التفسير\" لابن أبي حاتم (٦/ ١١١٥٤)، وزاد نسبته السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ٩٢٦) إلى ابن أبي شيبة.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ت.\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- في خ: \"قتلتموني\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٦]- زيادة من: ز.","vol":"7","page":465},{"text":"لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ (٩١) قَالَ يَاقَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (٩٢)﴾\nيقولون ﴿يَاشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ [كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ﴾ أي:] ما نفهم كثيرًا من قولك وفي آذاننا وقر، ومن بيننا وبينك حجاب. ﴿وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا﴾.\nقال سعيد بن جبير والثوري: وكان ضرير البصر. و[¬١] قال الثوري: كان [¬٢] يقال له خطيب الأنبياء.\n[قال السدي: ﴿وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا﴾ قال: أنت واحد.\nوقال أبو روق: يعنون ذليلًا؛ لأن عشيرتك ليسوا على دينك] [¬٣].\n﴿وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ﴾ أي: قومك وعشيرتك، لولا عزة قومك [¬٤] علينا لرجمناك، قيل: بالحجارة، وقيل: لسببناك ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ﴾ أي: ليس لك عندنا معزة.\n﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ﴾ يقول: أتتركوني لأجل قومي، ولا تتركوني إعظامًا لجناب [الرب ﵎] [¬٥] أن تنالوا نبيه بمساءة، وقد اتخذتم جانب الله ﴿وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا﴾ أي: نبذتموه خلفكم لا تطيعونه ولا تعظمونه [¬٦] ﴿إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ أي: هو يعلم جميع أعمالكم وسيجزيكم بها.\n﴿وَيَاقَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ (٩٣) وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٩٤) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- في ز: \"وكان\".\n[¬٣] ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٤]- في ت: \"معزتهم\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين في ز: \"الله\".\n[¬٦]- في ز: \"تعطونه\".","vol":"7","page":466},{"text":"بَعِدَتْ ثَمُودُ (٩٥)﴾\nلما يئس نبي الله شعيب من [استجابة قومه] [¬١] له قال: ﴿يَاقَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ﴾ أي: على طريقتكم، وهذا تهديد ووعيد شديد ﴿إِنِّي عَامِلٌ﴾ على طريقتي ومنهجى فـ ﴿سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ﴾ أي: في الدار الآخرة ﴿وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ﴾ أي: مني ومنكم ﴿وَارْتَقِبُوا﴾ أي: انتظروا ﴿إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ﴾.\nقال الله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾ [وهم قومه] [¬٢] ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ [وقوله: ﴿جَاثِمِينَ﴾] [¬٣] أي: هامدين لا حراك بهم، وذكر هاهنا أنه أتتهم صيحة، وفي الأعراف: رجفة، وفي الشعراء: عذاب يوم الظلة، وهم أمة واحدة اجتمع عليهم يوم عذابهم هذه النقم كلها، وإنما ذكر [في] [¬٤] كل سياق ما يناسبه؛ ففي الأعراف لما قالوا: ﴿لَنُخْرِجَنَّكَ يَاشُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا﴾ ناسب أن يذكر هناك [¬٥] الرجفة، فرجفت بهم الأرض التي ظلموا بها وأرادوا إخراج نبيهم منها، وههنا لما أساءوا الأدب في مقالتهم على نبيهم [ناسب] [¬٦] ذكر الصيحة التي أسكتتهم وأخمدتهم، وفي الشعراء لما قالوا: ﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ قال: ﴿فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ وهذا من الأسرار الغريبة الدقيقة، ولله الحمد والمنة كثيرًا دائمًا.\nوقوله: ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾ أي: يعيشوا في دارهم قبل ذلك ﴿أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾ وكانوا جيرانهم قريبًا منهم في الدار، وشبيهًا بهم في الكفر وقطع الطريق، وكانوا عربًا شبههم [¬٧].\n﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٩٦) إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ (٩٧) يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ (٩٨) وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ\n_________\n[¬١]- في خ: \"استجابتهم\".\n[¬٢]- زيادة من: ز.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٥]- في ز: \"هنا\".\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٧]- في خ: \"مثلهم\".","vol":"7","page":467},{"text":"الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ (٩٩)﴾\nيقول تعالى: مخبرًا عن إرساله [¬١] موسى، ﵇، بآياته وبيناته وحججه ودلالاته الباهرة القاطعة، إلى [فرعون، لعنه الله، وهو ملك ديار مصر على أمة] [¬٢] القبط وملئه ﴿فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ﴾ أي: مسلكه ومنهجه وطريقته في الغي [والضلال] [¬٣] ﴿وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ أي: ليس فيه رشد ولا هدى، وإنما هو جهل وضلال وكفر وعناد، وكما أنهم اتبعوه فى الدنيا وكان مقدمهم ورئيسهم، كذلك هو يقدمهم يوم القيامة إلى نار جهنم فأوردهم إياها، وشربوا من حياض رداها، وله فى ذلك الحظ الأوفر من العذاب الأكبر، كما قال تعالى: ﴿فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا﴾ وقال تعالى: ﴿فَكَذَّبَ وَعَصَى (٢١) ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى (٢٢) فَحَشَرَ فَنَادَى (٢٣) فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (٢٤) فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى (٢٥) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾، وقال تعالى: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ﴾ وكذلك شأن المتبوعين يكونون موفرين في العذاب يوم الميعاد، كما قال تعالى: ﴿قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ﴾، وقال تعالى إخبارًا عن الكفرة أنهم يقولون في النار: ﴿رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا (٦٧) رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا﴾، وقال الإِمام أحمد (^٧٧): حدثنا هشيم، حدثنا [أبو الجهم] [¬٤]، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال [¬٥]: قال رسول الله، ﷺ: \"امرؤ القيس حامل لواء شعراء الجاهلية إلى النار\".\n_________\n(^٧٧) - إسناده ضعيف جدًّا، (٧١٢٧/ شاكر) (٢/ ٢٢٨) ومن طريقه أخرجه ابن الجوزي في \"العلل المتناهية\" (١/ ٢٠٠)، وأخرجه ابن عدي في \"الكامل\" (٤/ ١٤٠٤) و(٧/ ٢٥٩٨، ٢٧٥٥)، والبزار (٢/ ٢٠٩١)، وابن حبان في \"المجروحين\" (٣/ ١٥٠) وابن الجوزي في \"العلل\" من طرق عن هشيم، به.\nوقال ابن عدي: \"هذا منكر بهذا الإسناد\"، وذكره الهيثمي في \"المجمع\" (٨/ ١٢٢) وقال: رواه أحمد والبزار، وفي إسناده أبو الجهيم شيخ هشيم بن بشير ولم أعرفه، وبقية رجاله رجال الصحيح\". قلت: قال أبو زرعة في أبى الجهيم هدا: \"واهٍ\" وقال ابن عدي \"شيخ مجهول لا يعرف له اسم\".\nوللحديث طريق آخر عند الخطيب في \"التاريخ\" (٩/ ٣٧٠)، وابن الجوزى (١/ ٢٠١) وفي إسناده أبو هفان الشاعر، قال ابن الجوزي: \"لا يُعَوَّل عليه، والحديث أورده الألباني في \"ضعيف الجامع الصغير\" وانظر تعليق العلامة أحمد شاكر في \"المسند\".\n_________\n[¬١]- في خ: \"إرسال\".\n[¬٢]- في خ: \"فرعون ملك\".\n[¬٣]- سقط من: خ.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين في المسند: \"أبو الجهيم\"، وكلاهما صواب.\n[¬٥]- سقط من: ز.","vol":"7","page":468},{"text":"وقوله: ﴿وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ﴾، أي؛ أتبعناهم زيادة على [ما جازيناهم من] [¬١] عذاب النار لعنة في الدنيا ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ﴾.\nقال مجاهد: زيدوا لعنة يوم القيامة؛ فتلك لعنتان.\nوقال على بن أبي طلحة (^٧٨)، عن ابن عباس ﴿بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ﴾ قال: لعنة الدنيا والآخرة. وكذا قال الضحاك وقتادة، أو هكذا قوله تعانى] [¬٢]: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ (٤١) وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾، وقال تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾.\n﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ (١٠٠) وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ (١٠١)﴾\nلما ذكر تعالى خبر هؤلاء الأنبياء، وما جرى لهم مع أممهم، وكيف أهلك الكافرين ونجى المؤمنين، قال: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى﴾ أي: [من أخبارها] [¬٣] ﴿نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ﴾ أي: عامر ﴿وَحَصِيدٌ﴾ أي: هالك داثر ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ﴾ أي: إذ أهلكناهم ﴿وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ بتكذيبهم رسلنا وكفرهم بهم ﴿فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ﴾ [أي أصنامهم و] [¬٤] أوثانهم التي [كانوا] [¬٥] يعبدونها ويدعونها ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ أي: ما نفعوهم ولا أنقذوهم لما جاء أمر الله بإهلاكهم ﴿وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾. قال مجاهد وقتادة وغيرهما: أي: غير تخسير. وذلك أن سبب هلاكهم ودمارهم إنما كان [¬٦] باتباعهم تلك الآلهة وعبادتهم إياها، فبهذا [¬٧] أصابهم ما أصابهم\n_________\n(^٧٨) - أخرجه ابن جرير (١٢/ ١١١)، وابن أبي حاتم (٦/ ١١١٩٨)، وابن المنذر كما في \"الدر المنثور\" (٣/ ٦٣١).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفين سقط من: ح.\n[¬٢]- في خ: \"وهو كقوله\".\n[¬٣]- في خ: \"أخبارهم\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفين سقط من: ت.\n[¬٥]- ما بين المعكوفين سقط من: ت.\n[¬٦]- في ز: \"كانوا\".\n[¬٧]- في خ: \"فلهذا\".","vol":"7","page":469},{"text":"وخسروا [بهم] [¬١] في الدنيا والآخرة.\n﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (١٠٢)﴾\nيقول تعالى: وكما أهلكنا أولئك القرون الظالمة المكذبة لرسلنا، كذلك نفعل بنظائرهم وأشباههم [¬٢] وأمثالهم ﴿إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾، وفي الصحيحين (^٧٩): عن أبي موسى الأشعري، ﵁، قال: قال رسول الله، ﷺ:، إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته\". ثم قرأ رسول الله، ﷺ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾.\n﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ (١٠٣) وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ (١٠٤) يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ (١٠٥)﴾\nيقول تعالى: إن في إهلاكنا الكافرين ونصرة الأنبياء وإنجائنا المؤمنين ﴿لَآيَةً﴾ أي: عظة [¬٣] واعتبارًا على صدق موعودنا في [الدار] [¬٤] الآخرة ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾، وقال تعالى: ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ (١٣) وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ (١٤) وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾.\nوقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ﴾ أي: أولهم وآخرهم فلا يبقى منهم أحد، كقوله: ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾.\n﴿وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ أي: يوم عظيم تحضره الملائكة كلهم، ويجتمع فيه الرسل جميعهم، وتحشر فيه الخلائق بأسرهم، من الإنس والجن، والطير والوحوش والدواب، ويحكم فيهم العادل الذي لا يظلم مثقال ذرة، وإن تك حسنة يضاعفها.\nوقوله: ﴿وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ﴾ أي: ما نؤخر إقامة القيامة إلا أنه قد سبقت كلمة الله وقضاؤه وقدره في وجود أناس معدودين من ذرية آدم، وضرب مدة معينة إذا\n_________\n(^٧٩) - تقدم برقم (٤٠).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ت.\n[¬٢]- في خ: \"وبأشباههم\".\n[¬٣]- في ز: \"عظمة\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.","vol":"7","page":470},{"text":"انقضت وتكامل وجود أولئك القدر خروجهم من ذرية [آدم أقام الله] [¬١] الساعة، ولهذا قال: ﴿وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ﴾ أي: لمدة مؤقتة لا يزاد عليها ولا ينقص [¬٢] منها ﴿يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ أي [¬٣]: يوم يأتي [هذا اليوم وهو] [¬٤] يوم القيامة لا يتكلم أحد [يومئذ] [¬٥] إلا بأذن الله، كقوله: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا﴾، وقال: ﴿وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا﴾. وفي الصحيحين عن رسول الله في [¬٦] حديث الشفاعة (^٨٠) [الطويل] [¬٧]: \"ولا يتكلم يومئذ إلا الرسل، ودعوى الرسل يومئذ: اللهم سلم سلم! \".\nوقوله: ﴿فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ أي: فمن أهل الجمع شقي ومنهم سعيد، كما قال: ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾.\nوقال الحافظ أبو يعلى في مسنده (^٨١): ثنا موسى بن حيان، ثنا عبد الملك بن عمرو، ثنا سليمان بن سفيان، ثنا عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، عن عمر قال: لما نزلت ﴿فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ سألت النبي، ﷺ، فقلت [¬٨]: يا رسول الله: علام [¬٩] نعمل؟ على شيء قد فرغ منه، أم على شيء ثم يفرغ منه؟ فقال [¬١٠] \"على\n_________\n(^٨٠) - صحيح، تقدم هنا برقم (٢٦) وانظر ما يأتي [سورة الإسراء/ آية ٧٩].\n(^٨١) - إسناده ضعيف، وهو حديث صحيح، لم أقف عليه في المطبوع من مسند أبي يعلى، وسليمان بن سفيان المدني، \"ضعيف\" كما في \"التقريب\"، ومن طريقه أخرجه الترمذي، كتاب: تفسير القرآن، باب: وهن سورة هود (٣١١٠)، وعبد بن حميد في \"المنتخب\" (٢٠) وابن أبي عاصم في \"السنة\" (١/ ١٧٠)، والبزار في مسنده (١/ ١٦٨)، وابن جرير في تفسيره (١٢/ ١١٧)، وابن أبي حاتم (٦/ ١١٢٢١)، وابن عدي في \"الكامل\" (٣/ ١١٢١)، وحسنه الترمذي، وهو كذلك لشواهده - إن لم يكن صحيحًا - فقد أخرجه أحمد (١/ ٢٩، ٥٢/ ٢، ٧٧)، وابن أبي عاصم (١٦٣)، والبزار (١٢١)، وأبو يعلى (٩/ ٥٤٦٣، ٥٥٧١)، والطيالسي (ص ٤)، والآجري في \"الشريعة\" (١/ ٣٦٤) من طريق عاصم بن عبيد الله عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أنس عن عمر به نحوه، لكن عاصم بن عبيد الله - وهو العدوي المدني - \"ضعيف\" وللحديث طريق آخر أخرجه ابن أبي عاصم (١٦٥)، والآجري (١/ ٣٦٣)، والبزار (٣/ ٢١٣٧ - كشف)، وصححه ابن حبان (١/ ١٠٨)، وإسناده حسن، وللحديث شواهد كثيرة انظرها في \"السنة\" لابن أبي عاصم بتحقيق أبي عبد الرحمن الألباني.\n_________\n[¬١]- في خ: \"قامت\".\n[¬٢]- في خ: \"ينتقص\".\n[¬٣]- في ز: \"يقول\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٦]- في خ: \"من\".\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين زيادة من: ز.\n[¬٨]- في ز: \"قلت\".\n[¬٩]- في ز: \"ما\".\n[¬١٠]- في ز: \"قال\".","vol":"7","page":471},{"text":"شيء قد فرغ منه يا عمر وجرت به الأقلام، ولكن كل ميسر لما خلق له\".\nثم بين تعالى حال الأشقياء وحال السعداء فقال.\n﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (١٠٦) خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (١٠٧)﴾\nيقول تعالى ﴿لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ﴾ قال ابن عباس: الزفير في الحلق، والشهيق في الصدر. أي: تنفسهم زفير وأخذهم النفس شهيق، لما هم [¬١] فيه من العذاب، عياذًا بالله من ذلك.\n﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ قال الإِمام أبو جعفر بن جرير: من عادة العرب إذا أرادت أن تصف الشيء بالدوام أبدًا قالت: هذا دائم دوام السموات والأرض، وكذلك يقولون: هو باق ما اختلف الليل والنهار، وما سمر ابنا سمير، وما لألأت العُفْرُ بأذنابها، يعنون بذلك كلمة أبدًا، فخاطبهم جل ثناؤه بما يتعارفونه بينهم فقال: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾.\nقلت ويحتمل أن المراد بـ \"ما دامت السموات والأرض\" الجنس؛ لأنه لا بد في عالم الآخرة من سموات وأرض، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾؛ ولهذا قال الحسن البصري في قوله: ﴿مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ قال: تبدل سماء غير هذه السماء، وأرض غير هذه الأرض، فما دامت تلك السماء وتلك الأرض. وقال ابن أبي حاتم (^٨٢): ذكر عن سفيان بن حسين، عن الحكم، عن مجاهد، عن ابن عباس قوله: ﴿مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ قال: لكل جنة سماء وأرض.\nوقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ما دامت الأرض أرضًا والسماء سماء.\nوقوله: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾، كقوله: ﴿النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾.\nوقد اختلف المفسرون في المراد من هذا الاستثناء على أقوال كثيرة، حكاها الشيخ أبو الفرج بن الجوزي في كتابه \"زاد المسير\"، وغيره من علماء التفسير، ونقل كثيرًا منها\n_________\n(^٨٢) - إسناده فيه انقطاع، تفسير ابن أبي حاتم (٦/ ١١٢٢٩).\n_________\n[¬١]- في ز: \"لهم\".","vol":"7","page":472},{"text":"الإِمام أبو جعفر بن جرير ﵀ في كتابه، واختار هو ما نقله عن خالد بن معدان والضحاك وقتادة وأبي سنان، ورواه ابن أبي حاتم عن ابن عباس والحسن أيضًا: أن الاستثناء عائد على العصاة من أهل التوحيد، ممن يخرجهم الله من النار بشفاعة الشافعين، من الملائكة والنبيين والمؤمنين، حين يشفعون في أصحاب الكبائر، ثم تأتي رحمة أرحم الراحمين، فتخرج من النار من لم يعمل خيرًا قط، وقال يوما من الدهر: لا إله إلا الله، كما وردت بذلك الأخبار الصحيحة المستفيضة عن رسول الله، ﷺ، بمضمون ذلك؛ من حديث أنس (^٨٣) وجابر (^٨٤) وأبي سعيد (^٨٥) وأبي هريرة (^٨٦) وغيرهم من الصحابة، ولا يبقى بعد ذلك في النار إلا من وجب عليه الخلود فيها ولا محيد له عنها، وهذا الذي عليه كثير من العلماء قديما وحديثا في تفسير هذه الآية الكريمة.\nوقد روي في تفسيرها في أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، وابن مسعود، وابن عباس، وأبي هريرة، وعبد الله بن عمرو، وجابر، أبي يسعيد من الصحابة، وعن أبي مجلز والشعبي وغيرهما من التابعين، وعن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم وإسحاق بن راهويه وغيرهما من الأئمة - أقوال غريبة، وورد حديث غريب في معجم الطبراني الكبير (^٨٧): عن أبي أمامة صدي بن عجلان الباهلي، ولكن سنده ضعيف، والله أعلم.\nو[¬١] قال قتادة: الله أعلم بثنياه. وقال السدي: هي منسوخة بقوله: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾.\n﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (١٠٨)﴾\nيقول تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا﴾ وهم أتباع الرسل ﴿فَفِي الْجَنَّةِ﴾ [أي:\n_________\n(^٨٣) - صحيح، يأتي في [الإسراء/ آية ٧٩].\n(^٨٤) - تقدم تخريجه [سورة يونس/ آية ٢٨].\n(^٨٥) - صحيح، يأتي تخريجه [سورة القيامة/ آية ٢٣].\n(^٨٦) - صحيح، يأتي [الإسراء/ آية ٧٩].\n(^٨٧) - إسناده ضعيف جدًا،، المعجم الكبير\" (٨/ ٧٩٦٩)، ولفظه \"ليأتين على جهنم يوم كأنها زرع هاج وأحمر تخفق أبوابها\" وفي إسناده عبد الله بن مسعر: جعفر بن الزبير وكلاهما متروك، وانظر \"الضعيفة\" للألباني (٢/ ٦٠٦، ٦٠٧)، والعقيدة الطحاوية (ص ٤٢٨).\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.","vol":"7","page":473},{"text":"فمأواهم الجنة] [¬١] ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أي: ماكثين فيها أبدًا ﴿مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ معنى [¬٢] الاستثناء ها هنا: أن دوامهم فيما هم فيه من النعيم ليس أمرًا واجبًا بذاته، بل هو موكول إلى مشيئة الله تعالى، فله المنة عليهم دائما [¬٣]، ولهذا \"يلهمون التسبيح والتحميد كما يلهمون النفس\" (^٨٨).\nوقال الضحاك والحسن البصري: هي في حق عصاة [¬٤] الموحدين، الذين كانوا في النار ثم أخرجوا منها، وعقب ذلك بقوله: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ أي: غير مقطوع، قاله ابن عباس، ومجاهد، وأبو العالية وغير واحد، لئلا يتوهم متوهم بعد ذكره المشيئة أن ثَمَّ انفطاعًا أو [لَبسًا أو شيئًا]، بل ختم له بالدوام وعدم الانقطاع، كما بين هناك أن عذاب أهل النار في النار دائما مردود إلى مشيئته، وأنه بعدله وحكمته عذبهم، ولهذا قال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾، كما قال: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ وهنا طيب القلوب وثبت المقصود بقوله: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾.\nوقد جاء في الصحيحين (^٨٩): \" يؤتى بالموت في صورة كبش أملح فيذبح بين الجنة والنار، ثم يقال: يا أهل الجنة خلود بلا [¬٥] موت، ويا أهل النار خلود بلا [¬٦] موت\".\nوفي الصحيح أيضًا (^٩٠): \" فيقال [¬٧]: يا أهل الجنة، إن لكم أن تعيشوا فلا تموتوا [¬٨] أبدًا، وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبدًا، وإن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبدًا، وإن لكم أن تنعموا فلا تبأسوا أبدًا\".\n﴿فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلَاءِ مَا يَعْبُدُونَ إِلَّا كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ\n_________\n(^٨٨) - ورد ذلك في حديث صحيح تقدم [سورة يونس/ آية ١٠].\n(^٨٩) - أخرجه البخاري، كتاب: التفسير، باب: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ﴾ (٤٧٣٠)، ومسلم، كتاب: الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب: النار يدخلها الجبارون والجنة يدخلها الضعفاء (٢٨٤٩)، والترمذي كتاب: تفسير القرآن، باب: ومن سورة مريم (٣١٥٥)، والنسائي في \"التفسير\" (٦/ ١١٣١٦)، وأحمد (١١٠٨٠) (٣/ ٩) من حديث أبي سعيد الخدري.\n(^٩٠) - صحيح، يأتي تخريجه [سورة الحجر/ آية ٤٨].\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٢]- في ز: \"يعني\".\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- سقط س: ز.\n[¬٥]-[¬٦]- في خ: \"فلا\".\n[¬٧]- في ز: \"فقال\".\n[¬٨]- في ز: \"تموتون\".","vol":"7","page":474},{"text":"وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ (١٠٩) وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (١١٠) وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١١١)﴾\nيقول تعالى: ﴿فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلَاءِ﴾ المشركون، إنه باطل وجهل وضلال، فإنهم إنما يعبدون ما يعبد آباؤهم من قبل، أي: ليس لهم مستند فيما هم فيه إلا اتباع الآباء في الجهالات، وسيجزيهم الله على ذلك أتم الجزاء، فيعذب كافرهم عذابًا لا يعذبه أحدًا من العالمين، وإن كان لهم حسنات فقد وفاهم الله إياها في الدنيا قبل الآخرة.\nقال سفيان الثوري (^٩١)، عن جابر الجعفي، عن مجاهد، عن ابن عباس ﴿وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ﴾ قال: ما وعدوا فيه من خير أو شر.\nوقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: لموفوهم من العذاب نصيبهم [¬١] غير منقوص.\nثم ذكر تعالى أنه آتى موسى الكتاب فاختلف الناس فيه، فمن مؤمن به ومن كافر به، ذلك بمن سلف من الأنبياء قبلك يا محمَّد أسوة، [فلا يغيظنك] [¬٢] تكذيبهم لك، ولا يهيدنك ذلك ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾.\nقال ابن جرير: لولا ما تقدم من تأجيله العذاب [¬٣] إلى أجل معلوم لقضى الله بينهم.\nويحتمل أن يكون المراد بالكلمة: أنه لا يعذب أحدًا إلا بعد قيام الحجة عليه وإرسال الرسول إليه، كما قال: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾، فإنه قد قال في الآية الأخرى: ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى (١٢٩) فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾ ثم أخبر أن الكافرين في شك مما جاءهم به الرسول قوي فقال: ﴿وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ﴾.\nثم أخبر تعالى أنه سيجمع الأولين والآخرين من الأمم، ويجزيهم بأعمالهم إن خيرًا فخير، وإن شرّا فشر، فقال: ﴿وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾\n_________\n(^٩١) - إسناده ضعيف لضعف جابر الجعفي، أخرجه عبد الرزاق (٢/ ٣١٣)، وابن جرير (١٢/ ١٢٢)، وابن أبي حاتم (٦/ ١١٢٤٨)، وابن المنذر وأبو الشيخ كما في \"الدر المنثور\" (٣/ ٦٣٧).\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- في ز: \"ولا يغيظهم\".\n[¬٣]- في ز: \"العباد\".","vol":"7","page":475},{"text":"أي: عليم [بأعمالهم جميعًا؛ جليلها] [¬١] وحقيرها، صغيرها وكبيرها، وفي هذه الآية قراءات كثيرة، يرجع [¬٢] معناها إلى هذا الذي ذكرناه، كما في قوله تعالى ﴿وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾.\n﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٢) وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (١١٣)﴾\nيأمر تعالى رسوله وعباده المؤمنين بالثبات والدوام على الاستقامة، وذلك من أكبر العون على النصر على الأعداء ومخالفة الأضداد، ونهى عن الطغيان، وهو البغي، فإنه مصرعة حتى ولو كان على مشرك، وأعلم تعالى أنه بصير بأعمال العباد، لا يغفل عن شيء، ولا يخفى عليه شيء.\nوقوله: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ قال على بن أبي طلحة، عن ابن عباس: لا تُدْهِنُوا.\nوقال العوفى، عن ابن عباس: هو الركون إلى الشرك.\nوقال أبو العالية: لا ترضوا بأعمالهم.\nوقال ابن جرير، عن ابن عباس: ولا تميلوا إلى الذين ظلموا.\nوهذا القول حسن، أي: لا تستعينوا بالظلمة فتكونوا كأنكم قد رضيتم بباقي صنيعهم ﴿فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾ أي: ليس لكم من دونه من ولي [ينقذكم] [¬٣] ولا ناصر يخلصكم من عذابه.\n﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ (١١٤) وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (١١٥)﴾\nقال على بن أبي طلحة: عن ابن عباس ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾ قال: يعني الصبح والمغرب.\n_________\n[¬١]- في ز: \"بأعمالها جليها\".\n[¬٢]- قوله ز: \"ويرجع\".\n[¬٣]- سقط من: ت.","vol":"7","page":476},{"text":"وكذا قال الحسن وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم.\nوقال الحسن في رواية وقتادة والضحاك وغيرهم: هي الصبح والعصر.\nوقال مجاهد: هي الصبح في أول النهار، والظهر والعصر من آخره. وكذا قال محمَّد بن [كعب] [¬١] القرظي والضحاك في رواية عنه.\n[وقوله] [¬٢] ﴿وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ قال ابن عباس ومجاهد والحسن وغيرهم: يعني صلاة العشاء.\nوقال الحسن في رواية ابن المبارك عن مبارك بن فضالة عنه: ﴿وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ يعني: المغرب والعشاء، قال رسول الله، ﷺ: \"هما زُلْفَتَا الليل المغرب والعشاء\" (^٩٢). وكذا قال مجاهد ومحمد بن كعب وقتادة والضحاك إنها صلاة المغرب والعشاء.\nوقد يحتمل أن تكون هذه الآية نزلت قبل فرض الصلوات الخمس ليلة الإسراء، فإنه إنما كان يجب من الصلاة صلاتان؛ صلاة قبل طلوع الشمس، وصلاة قبل غروبها، وفي أثناء الليل قيام عليه وعلى الأمة، ثم نسخ في حق الأمّة وثبت وجوبه عليه، ثم نسخ عنه أيضًا في قول، والله أعلم.\nوقوله: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ يقول: أن فعل الخيرات يكفر الذنوب السالفة، كما جاء في الحديث الذي رواه الإِمام أحمد وأهل السنن (^٩٣): عن أمير المؤمنين على بن أبي طالب قال: كنت إذا سمعت من رسول الله حديثًا نفعني الله بما شاء أن ينفعني منه، وإذا حدّثني عنه أحد استحلفته، فإذا حلف لي صدقته، وحدثني أبو بكر -\n_________\n(^٩٢) - مرسل، أخرجه ابن جرير (١٢/ ١٣٠، ١٣١١) وفي إسناده - فوق الإرسال - مبارك بن فضالة وهو مدلس وقد عنعن.\n(^٩٣) - حسن، أخرجه أحمد (١/ ٩ - ١٠)، وأبو داود، كتاب: الصلاة، باب: في الاستغفار (١٥٢١)، والترمذي، كتاب: الصلاة، باب: ما جاء في الصلاة عند التوبة (٤٠٦)، كتاب: التفسير، باب: ومن سورة آل عمران (٣٠٠٩)، والنسائي في \"عمل اليوم والليلة\" (٦/ ١٠٢٤٧: ١٠٢٥٠)، وفي \"التفسير\" (٦/ ١١٠٧٨)، وابن ماجه، كتاب: إقامة الصلاة والسنة فيها، باب: ما جاء في أن الصلاة كفارة (١٣٩٥) وغيرهم، وقال الترمذي: \"حديث حسن\"، وصححه ابن حبان (٢/ ٦٢٣) وجود وإسناده الحافظ ابن حجر في \"التهذيب\" (١/ ٢٣٥)، وقال ابن عدي في \"الكامل\" (١/ ٤٢١): \"هذا الحديث طريقه حسن وأرجو أن يكونا صحيحًا\". وتقدم تحسين المصنف له [آل عمران/ آية ١٣٥].\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- سقط من: خ.","vol":"7","page":477},{"text":"وصدق أبو بكر -: أنه سمع رسول الله، ﷺ، يقول: \"ما من مسلم يذنب ذنبًا، فيتوضأ ويصلي ركعتين إلا غفر له\".\nوفي الصحيحين (^٩٤) عن أمير المؤمنين عثمان بن عفان: أنه توضّأ لهم كوضوء رسول الله، ﷺ، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله، ﷺ، يتوضأ، وقال: \"من توضأ نحو وضوئي هذا، ثم صلى ركعتين لا يحدّث فيهما نفسه، غفر له ما تقدم من ذنبه\".\nوروى الإِمام أحمد وأبو جعفر بن جرير (^٩٥) من حديث أبي عقيل زهرة بن معبد، أنه سمع الحارث مولى عثمان يقول: جلس عثمان يوما وجلسنا معه، فجاءه المؤذن فدعا عثمان بماء في إناء - أظنه سيكون فيه قدر مد - فتوضأ، ثم قال: رأيت رسول الله، ﷺ، يتوضأ وضوئي هذا، ثم قال: \"من توضأ وضوئي هذا، ثم قام فصلى صلاة الظهر، غفر له ما كان بينه وبين صلاة الصبح، ثم صلى العصر غفر له ما بينه وبين صلاة الظهر، ثم صلى المغرب غفر له ما بينه وبين صلاة العصر، ثم صلى العشاء غفر له ما بينه وبين صلاة المغرب، ثم لعله يبيت يتمرغ ليلته، ثم إن قام فتوضأ وصلى الصبح غفر له ما بينها وبين صلاة العشاء، وهنّ الحسنات يذهبن السيئات\".\nوفي الصحيح (^٩٦): عن أبي هريرة، عن رسول الله، ﷺ، أنه قال:\n_________\n(^٩٤) - أخرجه البخاري، كتاب: الوضوء، باب: الوضوء ثلاثًا ثلاثًا (١٥٩)، ومسلم، كتاب: الطهارة، باب: صفة الوضوء وكماله (٣، ٤) (٢٢٦)، وأخرجه أيضًا أحمد (١/ ٥٩، ٦٠)، وأبو داود، كتاب: الطهارة، باب: صفة وضوء النبي ﷺ (١٠٦)، والنسائي، كتاب: الطهارة، باب: المضمضة والاستنشاق (١/ ٦٤).\n(^٩٥) - إسناده صحح، أخرجه أحمد (٥١٣/ شاكر) (١/ ٧١)، وابن جرير (١٢/ ١٣٢ - ١٣٣)، وابن أبي حاتم (٦/ ١١٢٧٢)، والبزار في مسنده (٢/ ٤٠٥)، وذكره الهيثمي في \"المجمع\" (١/ ٣٠٢) وقال: \"في الصحيح بعضه، رواه أحمد وأبو يعلى والبزار، ورجاله رجال الصحيح غير الحارث بن عبد الله - كذا وقال العلامة/ أحمد شاكر: خطأ من الناسخ، وصوابه \"ابن عبد أو ابن عبيد\" دون لفظ الجلالة - مولى عثمان بن عفان وهو ثقة\" ومن طريق أبي يعلى وأحمد، اختاره الضياء في \"المختارة\" (١/ ٣٢٣، ٣٢٤)، وصحح إسناده السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ٦٤٠) وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن مردويه ويأتي عند \"المصنف\" [الكهف / آية ٤٦].\n(^٩٦) - أخرجه البخاري، كتاب: مواقيت الصلاة، باب: الصلوات الخمس كفارة (٥٢٨)، ومسلم، كتاب: المساجد ومواضع الصلاة، باب: المشي إلى الصلاة تمحى به الخطايا وترفع به الدرجات (٢٨٣) (٦٦٧)، والترمذي، كتاب: الأمثال، باب: مثل الصلوات الخمس (٢٨٧٢)، والنسائي، كتاب: الصلاة، باب: فضل الصلوات الخمس (١/ ٢٣٠ - ٢٣١)، وأحمد (٢/ ٣٧٩).","vol":"7","page":478},{"text":"\" أرأيتم لو أن بباب أحدكم [نهرًا غمرًا [¬١]] [¬٢] يغتسل فيه كل يوم خمس مرات، هل يبقى من درنه شيء [¬٣]؟ \"قالوا: لا، يا رسول الله. قال: \"كذلك الصلوات الخمس، يمحو الله بهنّ الذنوب والخطايا\".\nوقال مسلم في صحيحه (^٩٧): حدثنا أبو الطاهر، وهارون بن سعيد، قالا: حدثنا ابن وهب، عن أبي صخر، أن عمر بن إسحاق مولى زائدة حدثه، عن أبيه، عن أبي هريرة: أن رسول الله، ﷺ، كان يقول: \"الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات ما [¬٤] بينهنّ إذا اجتنبت الكبائر\".\nوقال الإِمام أحمد (^٩٨): حدثنا الحكم بن نافع، حدثنا إسماعيل بن عَياش، عن ضمضم ابن زرعة، عن شريح بن عبيد، أن أبا رهم السمعي كان يحدث، أن أبا أيوب الأنصاري حدثه، أن رسول الله، ﷺ، كان يقول: \"إن كل صلاة تحط ما بين يديها من خطيئة\".\nوقال أبو جعفر بن جرير (^٩٩): حدثنا محمَّد بن عوف، حدثنا محمَّد بن إسماعيل،\n_________\n(^٩٧) - صحيح مسلم، كتاب: الطهارة، باب: الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن ما اجتنبت الكبائر (١٦) (٢٣٣)، وأخرجه أحمد (٢/ ٤٠٠) ثنا هارون بن معروف عن ابن وهب، به.\n(^٩٨) - إسناده حسن، \"المسند\" (٢٣٦١٠) (٥/ ٤١٣) وهذا إسناد حسن، ضمضم بن زرعة وثقه ابن معين وابن نمير وابن حبان، وضعفه أبو حاتم. وإسماعيل بن عياش إنما يتقى من حديثه ما رواه عن غير أهل بلده، لكن شيخه هنا حمصي مثله، وأخرجه الطبرانى في \"الكبير\" (٤/ ٣٨٧٩) من طريق آخر عن إسماعيل بن عياش به، وأخرجه الطبراني أيضًا (٤/ ٣٨٨٠، ٣٨٨١)، وابن عدي في \"الكامل\" (٢/ ٨٠٢)، وأبو نعيم في \"الحلية\" (٥/ ١٩٠)، وتمام في فوائده (١/ ٢٣٤، ٢٣٥) من طريقين عن مكحول عن أبي رُهم به، وإسناده إلى مكحول حسن.\nوالحديث ذكره الهيثمي في \"المجمع\" (١/ ٣٠٣) وعزاه لأحمد فقط، وقال: \"إسناده حسن\"، وزاد نسبته السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ٦٤٠) إلى ابن مردويه.\n(^٩٩) - إسناده ضعيف لانقطاعه، تفسير ابن جرير (١٢/ ١٣٣)، وأخرجه الطبراني في \"الكبير\" (٣/ ٣٤٦٠) ثنا هاشم بن مرثد، ثنا محمَّد بن إسماعيل بن عياش به، وذكره الهيثمي في \"المجمع\" (١/ ٣٠٤) وقال: \"رواه الطبراني في \"الكبير\" وفيه محمَّد بن إسماعيل بن عياش، قال أبو حاتم: لم يسمع من أبيه شيئًا، قلت: وهنا من روايته عن أبيه، وبقية رجاله موثقون\". وزاد نسبته السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ٦٤٠) إلى ابن مردويه.\n_________\n[¬١]- هذه اللفظة ليست في البخاري وهي عند أحمد (٢/ ٤٢٦) من حديث أبي هريرة، وعند مسلم (٢٨٤) (٦٦٨) من حديث جابر بن عبد الله.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز: \"نهر غمر\".\n[¬٣]- في ز: \" شيئًا\".\n[¬٤]- في خ: \"لما\".","vol":"7","page":479},{"text":"حدثنا أبي، عن ضمضم بن زرعة، عن شريح بن عبيد، عن أبي مالك الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ:، جعلت الصلوات كفارات ما [¬١] بيهن، فإن الله قال ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾.\nوقال البخاري (^١٠٠): حدثنا قتيبة بن سعيد، ثنا يزيد بن زريع، عن سليمان التيمي، عن أبي عثمان النهدي، عن ابن مسعود: أن رجلًا أصاب من امرأة قبلة، فأتى النبي، ﷺ، فأخبره، فأنزل الله. ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ فقال الرجل: \"يا رسول الله، الي هذا]؟ قال: \"لجميع أمتي كلهم\".\nهكذا رواه في كتاب الصلاة، وأخرجه في التفسير: عن مسدد، عن يزيد بن زريع بنحوه، ورواه مسلم وأحمد وأهل السنن إلا أبا داود: من طرق، عن أبي عثمان النهدي واسمه عبد الرحمن بن مل [¬٢]، به.\nورواه [¬٣] الإِمام أحمد ومسلم [وأبو داود] [¬٤] والترمذي والنسائي وابن جرير - وهذا لفظه (^١٠١) -: من طرق، عن سماك بن حرب، أنه سمع إبراهيم بن يزيد يحدّث، عن علقمة والأسود، عن ابن مسعود قال: \"جاء رجل إلى رسول الله، ﷺ، فقال: يا رسول الله، إني وجدت امرأة في بستان، ففعلت بها كل شيء غير أني لم أجامعها، قبلتها ولزمتها ولم أفعل غير ذلك، فافعل بي ما شئت. فلم يقل رسول الله،\n_________\n(^١٠٠) - صحيح البخاري، كتاب: مواقيت الصلاة، باب: الصلاة كفارة (٥٢٦)، كتاب: التفسير، باب: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ …﴾ (٤٦٨٧)، وأخرجه مسلم، كتاب: التوبة، باب: قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ (٣٩، ٤٠، ٤١) (٢٧٦٣)، وأحمد (١/ ٣٨٥، ٤٣٠)، والترمذي، كتاب: تفسير القرآن، باب: \"ومن سورة هود\" (٣١١٢)، والنسائي في \"الكبرى\" (١/ ٣٢٦) (٤/ ٧٣٢٦) (٦/ ١١٢٤٧)، وابن ماجه، كتاب: إقامة الصلاة والسنة فيها، باب: ما جاء في أن الصلاة كفارة (١٣٩٨)، كتاب: الزهد، باب: ذكر التوبة (٤٢٥٤).\n(^١٠١) - صحيح، أخرجه ابن جرير (١٢/ ١٣٤)، وأخرجه أحمد (٤٤٥/ ١، ٤٤٩)، ومسلم، كتاب: التوبة، باب. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ (٤٢) (٢٧٦٣)، وأبو داود، كتاب: الحدود، باب: في الرجل يصيب من المرأة دون الجماع فيتوب قبل أن يأخذه الإِمام (٤٤٦٨)، والترمذي كتاب: تفسير القرآن، باب: ومن سورة هود (٣١١١)، والنسائي في \"الكبرى\" (٦/ ٧٣٢٣) ولم يسموا الذي سأل النبي - صلى الله عليه سلم - إلا أحمد فوقع عنده إنّه عمر.\n_________\n[¬١]- في خ: \"لما\".\n[¬٢]- في ز: \"عكّ\".\n[¬٣]- في ز: \"وروى\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.","vol":"7","page":480},{"text":"ﷺ، شيئًا، فذهب الرجل، فقال عمر: لقد ستر الله عليه لو ستر على نفسه. فأتبعه رسول الله بصره، [ثم قال] [¬١]: \" ردوه على\". فردوه عليه، فقرأ عليه: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾. فقال معاذ - وفي رواية عمر: - يا رسول الله، أله وحده أم [¬٢] للناس كافة؟ فقال: \"بل للناس كافة\".\nوقال الإِمام أحمد (^١٠٢): حدثنا محمَّد بن عبيد، ثنا أبان بن إسحاق، عن الصباح بن محمَّد، عن مرة الهمداني، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله، ﷺ: \"إن الله قسم بينكم أخلاقكم كما قسم بينكم أرزاقكم، وإن الله يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب، ولا يعطي الديت [¬٣] إلا من أحب، فمن أعطاه الله الدين فقد أحبه، والذي نفسي بيده، لا يسلم عبد حتى يسلم قلبه ولسانه، ولا يؤمن حتى يأمن جاره بوائقه\". قال: قلنا: وما بوائقه يا نبي الله؟ قال \"غُشْمُهُ وظلمه، ولا يكسب عبد مالًا من حرام فينفق منه يبارك له فيه، ولا يتصدق به فيقبل منه، ولا يترك خلف ظهره إلا كان زاده إلى النار، [إن الله لا] [¬٤] يمحو السيئ بالسيئ، ولكن يمحو السيئ بالحسن، إن الخبيث لا يمحو الخبيث\".\nوقال ابن جرير (^١٠٣): حدثنا أبو السائب، ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم\n_________\n(^١٠٢) - إسناده ضعيف، وهو صحيح موقوفا، \"المسند\" (١/ ٣٨٧) ومن طريقه أخرجه أبو نعيم في \"الحلية\" (٤/ ١٦٦)، وأخرجه محمَّد بن يحيى العدني في \"كتاب الإيمان\" (٦٤) وابن أبي الدنيا في \"كتاب إصلاح المال\" (٤٢) والبزار في مسنده (٥/ ٢٠٢٦)، والحاكم (١/ ١٦٥، ٤٤٧/ ٢)، والبيهقي في \"الشعب\" (٤/ ٥٥٢٤)، والبغوي في \"شرح السنة\" (٨/ ٢٠٣٠) من طريق أبان بن إسحاق به - مطولًا ومختصرا، وقال الحاكم: \"صحيح الإسناد\" ووافقه الذهبي، وليس كما قالا، فإن الصباح بن محمَّد هذا ضعيف، وبه أعله الحافظ ابن حجر فقال: - على \"هامش المجمع\" (١٠/ ٢٩٥) متعقبًا الهيثمي عندما قال: \"رواه البزار وفيه من لم أعرفهم\" - \"كلهم معروف، والآفة من الصباح\"، لكن تابعه زبيد عن مرة به مرفوعًا وموقوفًا، أخرجه الدارقطني في \"العلل\" (٥/ ٢٧١) - ومن طريقه ابن الجوزى في \"المتناهية\" (٢/ ١٤٠١) - وأبو نعيم (٤/ ١٦٥، ١٦٦) (٥/ ٣٥)، والحاكم (١/ ٣٣، ٣٤) - وعنه البيهقي (١/ ٦٠٧) - وابن المبارك في \"الزهد\" (١١٣٤)، وأبو داود في \"كتاب الزهد\" (١٥٧)، والطبراني في \"الكبير\" (٩/ ٨٩٩٠)، وقال العقيلي في \"الضعفاء\" (٢/ ٢١٣): \"والموقوف أولى\"، وقال الدارقطني: \"والصحيح موقوف\".\n(^١٠٣) - مرسل، (١٢/ ١٣٥) وذكره الحافظ ابن حجر في \"الفتح\" (٨/ ٣٥٦) من هذا الطريق، وقال: (وأخرجه ابن أبي خيثمة لكن قال: \"إن رجلًا من الأنصار يقال له متعب\").\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ز: \"فقال\".\n[¬٢]- في ز: \"ألم\".\n[¬٣]- في ز: \"الآخرة\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين في ز: \"لا يمحو\".","vol":"7","page":481},{"text":"قال: كان [¬١] فلان بن معتب رجلًا من الأنصار، فقال: يا رسول الله، دخلت على امرأة فنلت [¬٢] منها ما ينال الرجل من أهله، إلا أني لم أواقعها [¬٣]. فلم يدر رسول الله ما يجيبه حتى نزلت هذه الآية: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ فدعاه رسول الله فقرأها عليه.\nوعن ابن عباس (^١٠٤): أنه عمرو بن غزية الأنصاري التَّمار، وقال مقاتل: هو أبو [¬٤] نفيل عامر بن قيس الأنصاري، وذكر الخطيب البغدادي: أنه أبو اليسر كعب بن عمرو.\nوقال الإِمام أحمد (^١٠٥): حدثنا يونس وعفان، قالا: حدثنا حماد - يعني ابن سلمة - عن علي بن زيد - قال عفان: أنبأنا على بن زيد - عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس: أن رجلًا أتى عمر قال [¬٥]: امرأة جاءت تبايعه فأدخلتها الدَّوْلَجَ (٥)، فأصبت منها ما دون الجماع. فقال: ويحك، لعلها مغيبة [¬٦] في سبيل الله؟ قال: أجل. قال: فأت أبا بكر فسله [¬٧]. قال: فأتاه فسأله فقال: لعلها، مغيبة [¬٨] في سبيل الله؟ فقال مثل قول عمر. ثم أتى النبي، ﷺ، فقال له مثل ذلك، قال: \"فلعلها مغيبة في سبيل الله؟ \" ونزل القرآن: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ إلى آخر الآية، فقال: يا رسول الله، ألي خاصة أم للناس عامة؟ فضرب - يعني عمر - صدره بيده [وقال: لا] [¬٩] ولا نُعمَة عَينْ، بل للناس عامة. فقال رسول الله، ﷺ: \"صدق عمر! \".\n_________\n(^١٠٤) - إسناده ضعيف جدًا، أخرجه الكلبي في تفسيره - كما في \"الإصابة\" (٧/ ١٣٣) - ومن طريقه ابن منده كما في \"الفتح\"، والكلبي متهم بالكذب.\n(^١٠٥) - إسناده ضعيف لضعف على بن زيد، والحديث في \"المسند\" (١/ ٢٤٥)، وأخرجه أيضًا (١/ ٢٦٩)، والطبراني في \"الكبير\" (١٢/ ١٢٩٣١) والحارث بن أبي أسامة في مسنده (٧١٤/ زوائد) من طريق حماد بن سلمة به، وذكره الهيثمي في \"المجمع\" (٧/ ٤١)، وقال: \"رواه أحمد والطبراني في الكبير … ورواه في الأوسط باختصار كثير وفي إسناد أحمد والكبير على بن زيد وهو سيئ الحفظ ثقة، وبقية رجاله ثقات، وإسناد الأوسط ضعيف\". واستنكر ابن عدي في \"الكامل (٥/ ١٨٤٣) هذا الحديث بعينه لعلي بن زيد، وزاد نسبته السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ٦٣٩) إلى ابن جرير وابن مردويه.\n_________\n[¬١]- في ابن جرير: \"جاء\" (١١/ ١٣٥).\n[¬٢]- في ز: \"فقبلت\".\n[¬٣]- في ز: \"أجامعها\".\n[¬٤]- في ز: \"ابن\".\n[¬٥]- في خ: \"فقال\".\n(*) الدولج: المخدع. وهو البيت الصغير داخل البيت الكبير. النهاية [٢/ ١٤١].\n[¬٦]- في المسند: \"مُغِيث\".\n[¬٧]- في ز: \" مُغِيب\".\n[¬٨]- في ز: \"فسأله\".\n[¬٩]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.","vol":"7","page":482},{"text":"وروى الإِمام أبو جعفر بن جرير (^١٠٦): من حديث قيس بن الربيع، عن عثمان بن موهب [¬١]، عن موسى بن طلحة، عن أبي اليسر كعب بن عمرو الأنصاري قال: أتتني امرأة تبتاع مني بدرهم تمرًا، فقلت: أن في البيت تمرًا أطيب وأجود من هذا، فدخلت فأهويت إليها فقبلتها، فأتيت عمر فسألته، فقال: اتق الله واستر على نفسك، ولا تخبرن أحدًا، فلم أصبر حتى أتيت أبا بكر فسألته، فقال: اتق الله واستر على نفسك، ولا تخبرن أحدًا، قال: فلم أصبر حتى أتيت النبي، ﷺ، فأخبرته فقال: \"أخلفت رجلًا غازيا في سبيل الله في أهله بمثل هذا؟ \" حتى ظننت إني من أهل النار، حتى تمنيت أني أسلمت ساعتئذ، فأطرق رسول الله ساعة. فنزل جبريل، فقال أين [¬٢] أبو اليسر\" فجئت، فقرأ على [رسول الله] [¬٣]: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾. فقال إنسان: يا رسول الله، ألهُ خاصة أم للناس عامة؟ قال: \"للناس عامة\".\nوقال الحافظ أبو الحسن الدارقطني (^١٠٧): حدثنا الحسين بن إسماعيل المحاملي، ثنا يوسف ابن موسى، ثنا جرير، عن عبد الملك بن عمير، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن معاذ ابن جبير: أنه كان قاعدا عند النبي، ﷺ، فجاءه [¬٤] رجل، فقال: يا رسول الله، ما تقول في رجل أصاب من امرأة لا تحل له، فلم يدع شيئًا يصيبه الرجل من امرأته إلا قد أصابه منها، غير أنه لم يجامعها؟ فقال له النبي، ﷺ: \"توضأ وضوءًا حسنًا ثم قم فصل [¬٥] \". قال: [¬٦] فأنزل الله ﷿ هذه الآية، يعني\n_________\n(^١٠٦) - حسن، تفسير ابن جرير (١٢/ ١٣٧) ومن طريق قيس بن الربيع أخرجه الترمذي، كتاب: تفسير القرآن، باب: ومن سورة هود (٣١١٤)، والطبراني في \"الكبير\" (١٩/ ٣٧١)، والهيثم بن كليب في مسنده (١٥٣٠)، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب، وقيس بن الربيع ضعفه وكيع وغيره، وروى شريك عن عثمان بن عبد الله هذا الحديث مثل رواه؛ قيس بن الربيع، قلت: طريق شريك - وهو القاضي - أخرجه النسائي في \"الكبرى\" (٤/ ٧٣٢٧)، (٦/ ١١٢٤٨)، والبزار في مسنده (٦/ ٢٣٠٠)، وابن بشكوال في \"الغوامض والمبهمات\" (٢٨٠) وشريك بن عبد الله القاضي، صدوق يخطئ كثيرًا، لكن الحديث بطريقيه حسن وأصل القصة صحيح من غير وجه - كما تقدم ويأتي - وقد زاد نسبته السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ٦٣٨) إلى ابن مردويه.\n(^١٠٧) - إسناده ضعيف، لانقطاعه بين عبد الرحمن بن أبي ليلي، ومعاذ بن جبل، والحديث في \"سنن الدارقطني\" كتاب: الطهارة، باب: صفة ما ينقض الوضوء .. (١/ ١٣٤) ومن طريق ابن الجوزي =\n_________\n[¬١]- في ز: \"وهب\".\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٤]- في خ: \"فجاء\".\n[¬٥]- في خ: \" فصلي\".\n[¬٦]- سقط من: خ.","vol":"7","page":483},{"text":"قوله: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ فقال معاذ: أهي له خاصة أم للمسلمين عامة؟ قال: \"بل للمسلمين عامة\".\nورواه ابن جرير [من طرق] [¬١]: عن عبد الملك بن عمير، به.\nوقال عبد الرزاق (^١٠٨): أخبرنا محمَّد بن مسلم، عن عمرو بن دينار، عن يحيى بن جعدة: أن رجلًا من أصحاب النبي، ﷺ، ذكر امرأة وهو جالس مع رسول الله، فاستأذنه لحاجة فأذن له، فذهب يطلبها فلم يجدها، فأقبل الرجل يريد أن يبشر النبي، ﷺ، بالمطر، فوجد المرأة جالسة على غدير، فدفع في صدرها وجلس بين رجليها، فصار ذكره مثل الهُدْبة، فقام نادما حتى أتى النبي، ﷺ، فأخبره بما صنع، فقال له: \"استغفر ربك وصل أربع ركعات\". قال: وتلا عليه: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾.\nوقال ابن جرير (^١٠٩): حدثني عبد الله بن أحمد بن شبوية [¬٢]، ثنا إسحاق بن إبراهيم، حدثني عمرو بن الحارث، حدثني عبد الله بن سالم، عن الزبيدي [¬٣]، عن سليم [¬٤] بن\n_________\n= في \"التحقيق\" (١/ ٢٥٤) وقال الدارقطني عقبه: \"صحيح\"، وأخرجه الترمذي (٣١١٣)، وأحمد (١١٢٢٢) (٥/ ٢٤٤)، وابن جرير (١٢/ ١٣٦)، والحاكم (١/ ١٣٥)، - وعنه البيهقي في \"الكبرى\" (١/ ١٢٥) - والطبراني في \"الكبير\" (٢٠/ ٢٧٧، ٢٧٨) من طريقين عن عبد الملك بن عمير به، وصححه الحاكم وسكت عنه الذهبي وقال الترمذي: هذا حديث ليس إسناده بمتصل، عبد الرحمن بن أبي ليلى لم يسمع من معاذ بن جبل، ومعاذ بن جبل مات في خلافة عمر، وقُتل عمر وعبد الرحمن بن أبي ليلى غلام صغير، ابن ست سنين، وقد روى عن عمر ورآه، وروى شعبة هذا الحديث عن عبد الملك بن عمير عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن النبي ﷺ مرسلًا، قلت: أخرجه ابن جرير (١٥/ ١٨٦٧٩، ١٨٦٨٠ - شاكر) مرسلًا، وأخرجه النسائي في \"الكبرى\" (٤/ ٧٣٢٨) عن شعبة به مسندًا؛ كذا وقع في المطبوع من \"السنن الكبرى\" ولعله خطأ؛ فإن المصنف أشار إلى رواية النسائي هذه عند تفسير آية (٤٣) من سورة النساء وأفاد أن رواية النسائي مرسلة، والله أعلم. والحديث زاد نسبته السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ٦٣٨) إلى أبي الشيخ وابن مردويه.\n(^١٠٨) - \" التفسير\" لعبد الرزاق (٢/ ٣١٥) ومن طريقه ابن جرير (١٢/ ١٣٦، ١٣٧)، ومحمد بن مسلم هو الطائفي، \"صدوق يخطئ من حفظه\" كما في التقريب.\n(^١٠٩) - صحيح، تفسير ابن جرير (١٢/ ١٣٦)، وأخرجه الطبراني في \"الكبير\" (٨/ ٧٦٧٥) من طرق ثلاثة عن إسحاق بن إبراهيم به، وأخرجه مسلم، كتاب: التوبة، باب: قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ (٤٥) (٢٧٦٥)، وأبو داود، كتاب: الحدود، باب: في الرجل يعترف بحد ولا يسميه (٤٣٨١)، والنسائي في الكبرى (٤/ ٧٣١٣، ٧٣١٦)، وأحمد (٢٢٢٦٣، ٢٢٣٦٦، ٢٢٣٨٦) (٥/ ٢٥١، ٢٦٢، ٢٦٥) من طريقين عن شداد بن عبد الله عن أبي أمامة فذكره بنحوه.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٢]- في ز: \"سيبويه\".\n[¬٣]- في ز: \"الترمذي\".\n[¬٤]- في ز: \"سليمان\".","vol":"7","page":484},{"text":"عامر، أنه سمع أبا أمامة يقول: إن رجلًا أتى النبي، ﷺ، فقال: يا رسول الله، أقم في حد الله - مرة أو اثنتين [¬١]- فأعرض عنه رسول الله، ثم أقيمت الصلاة، فلما فرغ النبي، ﷺ، من الصلاة قال: \"أين هذا الرجل القائل: أقم في حد الله؟ \" قال: أنا ذا. قال: \"هل أتممت الوضوء وصليت معنا آنفًا؟ \". قال: نعم. قال: \"فإنك من خطيئتك كما [¬٢] ولدتك أمك، فلا [¬٣] تعد\". وأنزل الله على رسول الله: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾.\nوقال الإمام أحمد (^١١٠): حدثنا عفان، ثنا حماد بن سلمة، أنبأنا على بن زيد، عن أبي عثمان قال: كنت مع سلمان الفارسي تحت شجرة، فأخذ منها غصنًا يابسًا فهزه حتى تحات ورقه، ثم قال: يا [أبا عثمان] [¬٤]، ألا تسألني لم أفعل هذا؟ فقلت [¬٥]: و[¬٦] لم تفعله؟ فقال: هكذا فعل بي رسول الله، ﷺ، وأنا معه تحت شجرة فأخذ منها غصنا يابسًا فهزه حتى تحاتّ ورقه فقال: \"يا سلمان، ألا تسألني لم أفعلُ هذا؟ \" قلتُ: ولم تفعله؟ فقال: \"إن المسلم إذا توضأ فأحسن الوضوء، ثم صلى الصلوات الخمس تحات [¬٧] خطاياه كما تحات [¬٨] هذا الورق\". وقال: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾.\nوقال الإِمام أحمد (^١١١): حدثنا وكيع، ثنا سفيان، عن حبيب بن [¬٩] أبي ثابت، عن\n_________\n(^١١٠) - إسناده ضعيف لضعف على بن زيد، (٢٣٨٢٠) (٥/ ٤٣٧)، وأخرجه أحمد أيضًا (٢٣٨٢٩) (٥/ ٤٣٨)، والدارمي (٧٢٥)، والطيالسي (٦٥٢)، وابن جرير (١٢/ ٣٣١، ١٣٥)، والطبراني في \"الكبير\" (٦/ ٦١٥١) من طريق على بن زيد به، وذكره الهيثمي في \"المجمع\" (١/ ٣٠٢ - ٣٠٣) وقال: \"رواه أحمد والطبراني في الأوسط والكبير، وفي إسناد أحمد: على بن زيد وهو مختلف في الاحتجاج به، وبقية رجاله رجال الصحيح\".\nوزاد نسبته السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ٦٤٠) إلى البغوي في معجمه، وابن مردويه، كما عزاه المنذري في \"الترغيب والترهيب\" (١/ ٢٣٧) إلى النسائي، وله شاهد من حديث أبي ذر بإسناد حسن عند أحمد (٢١٣٣٩) (٥/ ١٧٩) وبهذا الشاهد حسن الألباني حديث سلمان في \"صحيح الترغيب والترهيب\" (٣٥٩).\n(^١١١) - إسناده منقطع بين ميمون بن أبي شبيب ومعاذ، \"المسند\" (٢٢٠٨٤) (٥/ ٢٢٨) والحديث =\n_________\n[¬١]- في ز: \"ثنتين\".\n[¬٢]- في خ: \"كيوم\".\n[¬٣]- في ز: \"ولا\".\n[¬٤]- في خ: \"يا سلمان\".\n[¬٥]- في خ: \"قلت\".\n[¬٦]- سقط من: ز.\n[¬٧]- في خ: \"تحاتت\".\n[¬٨]- في خ: \"تيحات\".\n[¬٩]- في ز: \"عن\".","vol":"7","page":485},{"text":"ميمون بن أبي شبيب، عن معاذ ﵁: أن رسول الله، ﷺ، قال له: \"يا معاذ، أتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن\".\nوقال الإمام أحمد (^١١٢): حدثنا وكيع، ثنا سفيان، عن حبيب، عن ميمون بن أبي شبيب، عنَ أبي ذر: أن رسول الله، ﷺ، قال: \"اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن\".\nوقال أحمد (^١١٣): حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن شمر بن عطية، عن أشياخه، عن أبي ذر قال: قلت: يا رسول الله، أوصني. قال:، إذا عملت سيئة فأتبعها [حسنة تمحها] [¬١] \". قال: قلت: يا رسول الله، أمن الحسنات لا إله إلا الله؟ قال: \"هي أفضل الحسنات\".\n_________\n= في كتاب \"الزهد لوكيع ١/ ٩٤) ومن طريقه أيضًا أخرجه الترمذي، كتاب: البر والصلة، باب: ما جاء في معاشرة الناس (١٩٨٨) ثنا سفيان، وأخرجه أحمد أيضًا (٢٢١٥٨) (٥/ ٢٣٦) والهيثم بن كليب (٢/ ١٦٦)، والطبراني في \"الكبير\" (٢٠/ ٢٩٥: ٢٩٨)، وفي \"الصغير\" (١/ ١٩٢)، وأبو نعيم في \"الحلية\" (٤/ ٣٧٦) وغيرهم من طرق عن حبيب بن أبي ثابث - مقرونا به الحكم بن عتيبة عند أبي نعيم - به، وهذا إسناد رجاله ثقات، إلا أن رواية ميمون بن أبي شبيب عن معاذ بن جبل وأبي ذر - تأتي رواية أبي ذر بعد هذه - مرسلة، كما قال أبو حاتم في \"الجرح والتعديل\" (٨/ ت ١٠٥٤). وانظر ما بعده.\n(^١١٢) - إسناده منقطع بين ميمون بن أبي شبيب وأبي ذر، \"المسند\" (٢١٤٣٤) (٥/ ١٥٣) وقال أحمد: قال وكيع: وقال سفيان مرة: عن معاذ - فوجدت في كتابي: عن أبي ذر وهو السماع الأول، وأخرجه أحمد أيضًا (٢١٤٨٣، ٢١٦١٩) (٥/ ١٥٨، ١٧٧)، والترمذي (١٩٨٨)، والدارمي (٢٧٩٤)، وأبو نعيم في \"الحلية\" (٤/ ٣٧٨)، والطبراني في \"مكارم الأخلاق\" (١٣) والقضاعى في \"مسند الشهاب\" (١/ ٦٥٢) وغيرهم من طرق عن سفيان به، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح، ونقل عن شيخه محمود بن غيلان قال: \"الصحيح حديث أبي ذر\"، وصححه الحاكم (١/ ٥٤) على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، وتعقبه ابن رجب في \"جامع العلوم والحكم\" فقال: \"وهو وهم من وجهين أحدهما: أن ميمون بن أبي شبيب - ويقال ابن شبيب - لم يخرج له البخاري في صحيحه شيئًا ولا مسلم إلا في مقدمة كتابه عن المغيرة، والثاني أن ميمون بن شبيب لم يصح سماعه من أحد من الصحابة … \" وقال الألباني في \"الصحيحة\" (٣/ ٣٦٢) وهو على الوجهين منقطع لأن ميمونًا لم يسمع من معاذ وأبي ذر\".\n(^١١٣) - حسن، \"المسند\" (٢١٥٦٨) (٥/ ١٦٩)، وفي \"الزهد\" (ص ٣٥)، وأخرجه الطبراني في \"الدعاء\" (٣/ ١٥٠٠) والبيهقي في الأسماء والصفات (١/ ٢٠٢) من طريق أبي معاوية به، وتابعه أبو خالد الأحمر وجرير عن الأعمش، به، أخرجه هناد في الزهد (٢/ ١٠٧١)، والطبراني (١٤٩٩)، قال الألباني في \"الصحيحة\" (٣/ ٣٦١): \"إسناد حسن رجاله ثقات غير أشياخ شمر فلم يسموا، لكنهم جمع ينجبر الضَّعف بعددهم كما قال السخاوي في غير هذا الحديث\"، وأخرجه ابن جرير (١٢/ ٢٧٩ /شاكر، والطبراني (١٤٩٨، ١٥٠١)، وأبو نعيه في \"الحلية\" (٤/ ٢١٧) من طريق الفضل بن دكين وسفيان =\n_________\n[¬١]- في خ: \"بحسنة تمحوها\".","vol":"7","page":486},{"text":"وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي (^١١٤): حدثنا هذيل بن إبراهيم الجُمَّاني، ثنا عثمان بن عبد الرحمن الزهريّ من ولد سعد بن أبي وقاص، عن الزهريّ. عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله، ﷺ: \"ما قال عبد: لا إله إلا الله في ساعة من ليل أو نهار، إلا طمست ما في صحيفته من السيئات حتى يسكن إلى مثلها من الحسنات\".\nعثمان بن عبد الرحمن - يقال له الوقاصي - فيه ضعف.\nوقال الحافظ أبو بكر البزار (^١١٥): حدثنا بشر بن آدم وزيد بن أخزم، قالا: حدثنا الضحاك بن مخلد، حدثنا مستور بن عباد، عن ثابت، عن أنس: أن رجلًا قال: يا رسول الله، ما تركت من حاجة ولا داجة. فقال رسول الله، ﷺ: \" [أليس] (*) تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله؟ \" قال: بلى. قال: \"فإن هذا يأتي على ذلك\".\nتفرد به من هذا الوجه مستور.\n﴿فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ (١١٦) وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ (١١٧)﴾\n_________\n= الثوري عن الأعمش به، إلا أن الفضل قال عن \"شيخ من التيم\" وقال الثوري \"عن رجل من التيم\"، وأخرجه أبو نعيم (٤/ ٢١٨)، والبيهقي (١/ ٢٠١) من طريق يونس بن بكير عن الأعمش عن إبراهيم التيمي عن أبيه عن أبي ذر به نحوه، قال الألباني: \"وهذا إسناد جيد رجاله كلهم ثقات رجال مسلم\" - قلت: أعله الدارقطني في \"العلل\" (٦/ ١١٢٦) فقال: \"وهم فيه - يعني يونس بن بكير - على الأعمش، والصواب ما رواه الثوري وغيره .... \".\n(^١١٤) - إسناده ضعيف جدًا، أخرجه أبو يعلى في مسنده (٦/ ٣٦١١)، وذكره الهيثمي في \"المجمع\" (١٠/ ٨٥) وقال: \"رواه أبو يعلى وفيه عثمان بن عبد الرحمن الزهريّ، وهو متروك\".\n(^١١٥) - إسناده صحيح، أخرجه البزار (٤/ ٣٠٦٧ - كشف)، وأخرجه أبو يعلى (٦/ ٣٤٣٣)، والطبراني في \"الأوسط\" (٧/ ٧٠٧٧)، وفي \"الصغير\" (٢/ ٩٣) من طريق الضحاك بن مخلد به، وقال البزار، \"لا نعلم روى مستور - تصحف عند أبي يعلى وفي \"الصغير\" إلى مستورد - عن ثابت إلا هذا\" وقال الطبراني: \"لم يرو هذا الحديث عن ثابت البناني إلا مستور بن عباد\"، قلت: وهو ثقة =\n_________\n(*) سقط من: ز، خ. وهو خطأ. والصواب إثباتها كما عند أبي يعلى والطبراني في الصغير.","vol":"7","page":487},{"text":"يقول تعالى: فهلا وجد من القرون الماضية بقايا من أهل الخير، ينهون عما كان يقع بينهم من الشرور والمنكرات والفساد في الأرض.\nوقوله: ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ أي: قد وجد منهم من هذا الضرب قليل لم يكونوا كثيرًا، وهم الذين أنجاهم الله عند حلول غِيرَه (*) وفجأة نِقَمِهِ، ولهذا أمر الله تعالى هذه الأمة الشريفة أن يكون فيها من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، كما قال تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾، وفي الحديث (^١١٦): \" إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك أن يعمهم الله بعقاب\".\nولهذا قال تعالى: ﴿فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ﴾.\nوقوله: ﴿وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ﴾ أي: استمروا على ما هم فيه من المعاصي والمنكرات، ولم يلتفتوا إلى إنكار أولئك حتى فجأهم العذاب ﴿وَكَانُوا مُجْرِمِينَ﴾.\nثم أخبر تعالى أنه لم يهلك قرية إلا وهي ظالمة لنفسها [¬١]، ولم يأت قرية مُصْلِحَة بأسُه وعذابُه قط حتى يكونوا هم الظالمين، كما قال تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾، وقال: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾.\n﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١١٩)﴾\nيخبر تعالى أنه قادر على جعل الناس كلهم أمة واحدة من إيمان أو [¬٢] كفران، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾.\nوقوله [¬٣]: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ أي: ولا يزال الخلف بين\n_________\n= كما في \"التقريب\"، وذكره الهيثمي في \"المجمع\" (١٠/ ٨٦) قال: \"رواه أبو يعلى والبزار بنحوه والطبراني في \"الصغير\" و\"الأوسط\" ورجالهم ثقات\".\n(^١١٦) - صحيح، تقدم [المائدة/ آية ١٠٥].\n_________\n(*) الغِيَر: غِيَر الدهر: أحواله وأحداثه المتغيرة. قيل مفرده: غيرة، وقيل: هو مفرد.\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- في ز: \"و\".\n[¬٣]- سقط من: ز.","vol":"7","page":488},{"text":"الناس في أديانهم، واعتقادات مللهم [¬١] ونحلهم ومذاهبهم وآرائهم.\nوقال عكرمة: مختلفين في الهدى. وقال الحسن البصري: مختلفين في الرزق يُسَخِّر [¬٢] بعضهم بعضًا. والمشهور الصحيح الأول.\nوقوله: ﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ أى: إلا المرحومين من أتباع الرسل، الذين تمسكوا بما أمروا به من الدين، أخبرتهم به رسل الله إليهم، ولم يزل ذلك دأبهم حتى كان النبي الأمِيّ خاتم الرسل والأنبياء، فاتبعوه وصدقوه ونصروه ووازروه، ففازوا بسعادة الدنيا والآخرة؛ لأنهم الفرقة الناجية، كما جاء في الحديث المروي في المسانيد والسنن من طرق يشد [¬٣] بعضها بعضًا (^١١٧): \" إن اليهود افترقت على إحدى وسبعين فرقة، وإن النصارى افترقوا [¬٤]، على ثنتين وسبعين فرقة، وستفترق [أمتي] [¬٥] على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا فرقة واحدة\". قالوا: ومن هم يا رسول الله؟ قال: \"ما أنا عليه وأصحابي\".\nرواه الحاكم في مستدركه بهذه الزيادة.\nوقال عطاء: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ يعنى اليهود والنصارى والمجوس ﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ يعني الحنيفية.\nوقال قتادة: أهل رحمة الله أهل الجماعة وإن تفرقت ديارهم وأبدانهم، وأهل معصيته أهل فرقة وإن اجتمعت ديارهم وأبدانهم.\nوقوله: ﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ قال الحسن البصري في رواية عنه: وللاختلاف خلقهم.\nوقال عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس (^١١٨): خلقهم فريقين، كقوله: ﴿فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾. وقيل: للرحمة خلقهم.\nقال ابن وهب (^١١٩): أخبرني مسلم بن خالد، عن ابن أبي نجيح، عن طاوس: أن\n_________\n(^١١٧) - حسن، تقدم [يونس/ آية ٩٣].\n(^١١٨) - أخرجه ابن جرير (١٢/ ١٤٣)، وابن أبي حاتم (٦/ ١١٢٩٢).\n(^١١٩) - أخرجه ابن أبي حاتم (٦/ ١١٢٩٣)، ومسلم بن خالد هو الزَّنْجي، ففيه صدوق كثير الأوهام كما في \"التقريب\" - وعزاه السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ٦٤٦) إلى أبي الشيخ.\n_________\n[¬١]- في ز: \"ما لهم\".\n[¬٢]- في ز: \"ينحر\".\n[¬٣]- في ز: \"شد\".\n[¬٤]- في خ: \"افترقت\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين في خ: \"هذه الأمة\".","vol":"7","page":489},{"text":"رجلين اختصما إليه [¬١] فأكثرا، فقال طاوس: اختلفتما فأكثرتما [¬٢]. فقال أحد الرجلين: لذلك خلقنا. فقال طاوس: كذبت! فقال: أليس الله يقول: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾. قال: لم يخلقهم ليختلفوا ولكن خلقهم للجماعة والرحمة. كما قال الحكم بن أبان (^١٢٠)، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: للرحمة خلقهم ولم يخلقهم للعذاب. وكذا قال مجاهد والضحاك وقتادة، ويرجع معنى هذا القول إلى قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾.\nوقيل: بل المراد وللرحمة والاختلاف خلقهم، كما قال الحسن البصري في رواية عنه في قوله: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ قال: الناس مختلفون [¬٣] على أديان شتى ﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ فمن رحم ربك غير مختلف. قيل [¬٤] له: فلذلك [¬٥] خلقهم. قال: خلق هؤلاء لجنته وخلق هؤلاء لناره، وخلق هؤلاء لرحمته، وخلق هؤلاء لعذابه.\nوكذا قال عطاء بن أبي رباح والأعمش.\nوقال ابن وهب: سألت مالكًا عن قوله تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ قال: فريق في الجنة وفريق في السعير.\nوقد اختار هذا القول ابن جرير وأبو عبيدة والفراء.\nوعن مالك فيما رويناه [¬٦] عنه من التفسير ﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ قال: للرحمة. وقال قوم: للاختلاف.\nوقوله: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ يخبر تعالى أنه قد سبق في قضائه وقدره، لعلمه التام وحكمته النافذة - أن ممن [¬٧] خلقه من يستحق الجنة، ومنهم من يستحق النار، وأنه لابد أن يملأ جهنم من هذين الثقلين؛ الجن والإِنس، وله الحجة البالغة والحكمة التامة، وفي الصحيحين (^١٢١) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله،\n_________\n(^١٢٠) - إسناده ضعيف، أخرجه ابن جرير (١٢/ ١٤٤) حدثني سعد بن عبد الله، ثنا حفص بن عمر ثنا الحكم بن أبان به، وحفص بن عمر هو العدني الصنعاني، ضعيف.\n(^١٢١) - أخرجه البخاري، كتاب: التفسير، باب: ﴿وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ (٤٨٤٩)، ومسلم =\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- في خ: \"وأكثرتما\".\n[¬٣]- في ز: \"يختلفون\".\n[¬٤]- في خ: \"فقيل\".\n[¬٥]- في خ: \"لذلك\".\n[¬٦]- في خ: \"روينا\".\n[¬٧]- في ز: \"من\".","vol":"7","page":490},{"text":"ﷺ: \"اختصمت الجنة والنار، فقالت الجنة: ما لي لا يدخلني إلا ضَعَفَةُ الناس وسقطهم. وقالت النار: أوثرت بالمتكبرين والمتجبرين. فقال الله ﷿ للجنة: أنت رحمتي أرحم بك من أشاء، وقال للنار: أنت عذابي أنتقم بك ممن أشاء، ولكل واحدة منكما ملؤها. فأما الجنة فلا يزال فيها فضل حتى ينشئ الله لها خلقًا يسكن فضل الجنة، وأما النار فلا تزال تقول هل من مزيد؟ حتى يضع عليها رب العزة قدمه فتقول: قط قط وعزتك\".\nوَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (١٢٠)\nيقول تعالى: و[¬١] كل أخبار نقصها عليك من أنباء الرسل المتقدمين من قبلك مع أممهم، وكيف جرى لهم من المحاجات والخصومات، وما احتمله الأنبياء من التكذيب والأذى، وكيف نصر الله حزبه المؤمنين وخذل أعداءه الكافرين، كل هذا مما نثبت به فؤادك يا محمد، أي: قلبك، ليكون لك بمن مضى من إخوانك المرسلين أسوة.\nوقوله ﴿وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ﴾ أي: هذه السورة، قاله ابن عباس ومجاهد وجماعة من السلف، وعن الحسن - في رواية عنه - وقتادة: في هذه الدنيا.\nوالصحيح: في هذه السورة المشتملة على قصص الأنبياء، وكيف نَجَّاهُم الله والمؤمنين بهم وأهلك الكافرين، جاءك فيها قصص حق ونبأ صدق، وموعظة يرتدع بها الكافرون، وذكرى يَتَوَقّر بها المؤمنون.\n﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ (١٢١) وَانْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ (١٢٢)﴾\nيقول تعالى آمرًا رسوله: أن يقول للذين لا يؤمنون بما جاء به من ربه على وجه التهديد: ﴿اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ﴾ أي: على طريقتكم ومنهجكم ﴿إِنَّا عَامِلُونَ﴾ أي: على\n_________\n= كتاب: الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب: النار يدخلها الجبارون، والجنة يدخلها الضعفاء (٢٨٤٦)، والترمذي، كتاب: صفة الجنة، باب: ما جاء في احتجاج الجنة والنار (٢٥٦٤)، والنسائي في الكبرى (٦/ ١١٥٢٢)، وأحمد (٢/ ٢٧٦، ٣١٤، ٤٥٠) من طرق عن أبى هريرة مطولًا ومختصرًا.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.","vol":"7","page":491},{"text":"طريقتنا ومنهجنا ﴿وَانْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ﴾ أي: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾.\nوقد أنجز الله لرسوله وعده، ونصره وأيده، وجعل كلمته هي العليا، وكلمة الذين كفروا السفلى، والله عزيز حكيم.\n﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٢٣)﴾\nيخبر تعالى أنه عالم غيب السموات والأرض، وأنه إليه المرجع والمآب، وسيوفّي كل عامل عمله يوم الحساب، فله الخلق والأمر، فأمر تعالى بعبادته والتوكل عليه، فإنه كاف من توكل عليه وأناب إليه.\nوقوله: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ أي: ليس يخفى عليه ما عليه مكذبوك يا محمد، بل هو عليم بأحوالهم وأقوالهم، وسيجزيهم على ذلك أتم الجزاء في الدنيا والآخرة، وسينصرك وحزبك عليهم في الدارين\nوقال ابن جرير (^١٢٢): حدثنا ابن وكيع، حدثنا زيد بن الحباب، عن جعفر بن سليمان، عن أبي عمران الجوني، عن عبد الله بن رباح، عن كعب قال: خاتمة التوراة خاتمة هود.\n[آخر تفسير سورة هود ولله الحمد] [¬١]\n* * *\n_________\n(^١٢٢) - أثر صحيح تفسير ابن جرير (٧/ ١٤٤) (١٢/ ١٤٨)، وأخرجه ابن الضريس في \"فضائل القرآن\" (٢٠٢) أخبرنا يحيى بن عبد الحميد الحمَّاني ثنا جعفر بن سليمان به، وأخرجه الدارمي (٣٤٠٥)، وابن الضُّريس (١٩٩)، وأبو نعيم في \"الحلية\" (٥/ ٣٧٨) من طريقين عن همام قال: سمعت أبا عمران الجوني يحدث عن عبد الله بن رباح قال: سمعت كعبًا - والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات - فذكره، وزاد نسبته السيوطي في \"الدر المنثور\" (٣/ ٦٤٦) إلى عبد الله بن أحمد في \"زوائد الزهد\"، وأبي الشيخ.\n_________\n[¬١]- بعده في ز: ويتلوه في الرابع تفسير سورة يوسف والحمد لله وحده وصلواته على خير خلقه، محمد وآله وصحبه وسلم كثيرًا].","vol":"7","page":492},{"text":"انتهى بحمد الله تعالى وتوفيقه المجلد السابع\nويليه إن شاء الله تعالى المجلد الثامن وأوله تفسير سورة يوسف\n* * *","vol":"7","page":493},{"text":"<span data-type='title' id=toc-117>تفسير سورة يوسف ﵇</span>\n[وهي مكية] [¬١]\nروى الثعلبي وغيره من طريق سلام بن سلم - ويقال: سليم - المدائني، وهو متروك، عن هارون بن كثير - وقد نص على جهالته أبو حاتم (^١) - عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن أبي أمامة، عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله، ﷺ: \"علموا أرقاءكم سورة يوسف، فإنه أيما مسلم تلاها أو علّمها أهله أو ما ملكت يمينه، هون الله عليه سكرات الموت، وأعطاه من القوة أن لا يحسد مسلمًا\" (^٢).\nوهذا من هذا الوجه لا يصح؛ لضعف إسناده بالكلية، وقد ساق له الحافظ ابن عساكر متابعًا، من طريق القاسم بن الحكم، عن هارون بن كثير به، ومن طريق شبابة، عن [مخلد بن عبد الواحد البصري] [¬٢]، عن علي بن زيد بن [¬٣] جدعان، وعن عطاء بن أبي ميمونة، عن زر بن حبيش، عن أبي بن كعب، عن النبي، ﷺ، فذكر نحوه، وهو منكر من سائر طرقه.\nوروى البيهقي في الدلائل (^٣): أن طائفة من اليهود حين سمعوا رسول الله، ﷺ، يتلو هذه السورة أسلموا؛ لموافقتها ما عندهم. وهو من رواية الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس.\n_________\n(^١) - \" الجرح والتعديل\" (٩/ ٩٤/ ت ٣٩١).\n(^٢) - رواه الواحدي في الوسيط (٢/ ٥٩٩) من طريق أحمد بن يونس، عن سلام بن سليم، به. وقال ابن عدي في الكامل (٧/ ٢٥٨٨): \"هارون بن كثير شيخ ليس بمعروف، روى عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن أبي أمامة، عن أبي بن كعب، عن النبي ﷺ فضائل القرآن، سورة سورة، حدث بذلك عنه سلام الطويل بطوله: أخبرنا إبراهيم بن شريك الآمدي، عن أحمد بن يونس عنه، ورواه عن هارون بن كثير القاسم بن الحكم العُرَني بطوله، سورة سورة، ورواه عن هارون يوسف بن عطية الكوفي لا البصري بعضه، وهارون غير معروف، ولم يحدث به عن زيد بن أسلم غيره، وهذا الحديث غير محفوظ عن زيد\".\n(^٣) - إسناده ضعيف جدًّا والحديث في الدلائل (٦/ ٢٧٦)، والكلبي متهم بالكذب، ورمي بالرفض.\n_________\n[¬١]- سقط من خ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفين في ز، خ: محمد بن عبد الواحد النضري. وهو تحريف وتصحيف وما أثبتناه هو الصواب، كما في الجرح والتعديل [٨/ ٣٤٨]، والميزان [٥/ ٢٠٨] وغيرهما.\n[¬٣]- في ز، خ: \"عن\".","vol":"8","page":5},{"text":"﷽\n﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (١) إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢) نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ (٣)﴾\nأما الكلام على الحروف المقطعة فقد تقدم في أوّل سورة البقرة.\nوقوله: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ﴾ أي: هذه آيات الكتاب: وهو القرآن المبين، أي: الواضح الجلي، الذي يفصح عن الأشياء المبهمة، ويفسرها ويبينها.\n﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ وذلك لأن [¬١] لغة العرب أفصح اللغات وأبينها، وأوسعها، وًا كثرها تأدية للمعاني التي تقوم بالنفوس، فلهذا أنزل أشرف الكتب بأشرف اللغات، على أشرف الرسل بسفارة أشرف الملائكة، وكان ذلك في أشرف بقاع الأرض، وابتدئ إنزاله في أشرف شهور السنة وهو رمضان، فكمل من كل الوجوه؛ ولهذا قال تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ﴾ بسبب إيحائنا إليك هذا القرآن.\nوقد ورد في سبب نزول هذه الآيات ما رواه ابن جرير (^٤): حدثني نصر بن عبد الرحمن الأودي، حدثنا حَكّام الرازي، عن أيوب، عن عمرو - هو ابن قيس الملائي - عن ابن عباس قال: قالوا: يا رسول الله، لو قصصت علينا؟ فنزلت ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾. ورواه من وجه آخر عن عمرو بن قيس مرسلًا. وقال أيضًا (^٥): حدثنا محمَّد ابن [سعيد العطار] [¬٢]، حدثنا عمرو بن محمَّد، [أنبأنا خلاد] [¬٣] الصفار، عن عمرو\n_________\n(^٤) - إسناده ضعيف جدًّا، والحديث في التفسير (١٢/ ١٥٠) وأيوب هو ابن سَيَّار الزهريّ المدني، ضعفه غير واحد، وتركه النسائي، وقال البخاري: \"منكر الحديث\" انظر \"لسان الميزان\" (١/ ت ١٤٩٥).\n(^٥) - إسناده حسن، والحديث في التفسير (١٢/ ١٥٠ - ١٥١) وإسناده متصل، ورجاله ثقات غير خلاد وهو ابن عيسى، ويقال: ابن مسلم - الصفار، وثقه ابن معين في رواية\" وفي أخرى قال: ليس به بأس. وذكره ابن حبان في \"الثقات ٦/ ٢٦٨\" وقال أبو حاتم في \"الجرح والتعديل\" (٣/ ٢٦٧): حديثه متقارب، وقال الذهبي في \"المغني ت ١٩٢٦\": \"ثقة مشهور، حسن الحديث\" وفي \"التقريب\": لا بأس به.=\n_________\n[¬١]- في خ: \"لأنه\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"سعد القطان\".\n[¬٣]- في خ: \"أبا خالد\".","vol":"8","page":6},{"text":"بن قيس، عن عمرو بن مرة، عن مصعب بن سعد، عن أبيه [¬١] قال: أنزل على النبي، ﷺ، القرآن، قال: فتلا [¬٢] عليهم زمانًا، فقالوا: يا رسول الله، لو قصصت علينا؟ فأنزل الله عز جل: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ إلى قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ الآية، ثم تلاه [¬٣] عليهم زمانًا، فقالوا: يا رسول الله، لو حدثتنا؟ فأنزل الله ﷿: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ﴾ الآية، وذكر الحديث.\nورواه الحاكم من حديث إسحاق بن راهويه، عن عمرو بن محمَّد القرشي العنقزيّ به.\nوروى ابن جرير (^٦) بسنده عن المسعودي، عن عون بن عبد الله قال: مل أصحاب رسول الله، ﷺ، ملة، فقالوا: يا رسول الله، حدثنا. فأنزل الله: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ﴾ ثم ملوا ملة أخرى، فقالوا: يا رسول الله! حدثنا فوق الحديث ودون القرآن - يعنون القصص - فأنزل الله ﷿: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (١) إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢) نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ الآية، فأرادوا [¬٤] الحديث، فدلهم على أحسن الحديث، وأرادوا [¬٥] القصص، فدلهم على أحسن القصص.\nومما يناسب ذكره عند هذه الآية الكريمة المشتملة على مدح القرآن، وأنه [¬٦] كافٍ عن كل ما سواه من الكتب - ما رواه [¬٧] الإِمام أحمد (^٧):\n_________\n= وأخرجه إسحاق بن راهويه في مسنده (كما في المطالب حديث ٤٠١٣ ط/ قرطبة) ومن طريقه الواحدي في \"أسباب النزول\" (ص ١٨٢، ٢٤٨، ٢٧٢) وابن مردويه - كما في هامش \"المطالب العالية\" (٣/ ٣٦٥٢) - وصححه ابن حبان (١٤/ ٦٢٠٩ - إحسان)، (٥/ ١٧٤٦ - موارد) والحاكم (٢/ ٣٤٥) ووافقه الذهبي، واختاره الضياء في \"المختارة\" (٣/ ١٠٦٩)، وأخرجه البزار في مسنده (٣/ ١١٥٣) وأبو يعلى في مسنده (٢/ ٧٤٠) وفي \"المعجم\" (١٤٩) وأبو حاتم في \"التفسير\" (٧/ ١١٣٢٣) من طرق عن عمرو بن محمَّد به، وقال الحافظ في \"المطالب\": \"حديث حسن\" وزاد نسبته السيوطي في \"الدر المنثور\" (٤/ ٥): إلى ابن المنذر وأبي الشيخ.\n(^٦) - مرسل والحديث في التفسير (١٢/ ١٥٠) وأخرجه ابن أبي حاتم في \"التفسير\" (٧/ ١١٣٢٥) من طريق المسعودي عن القاسم بن عبد الرحمن بنحوه مرسلًا.\n(^٧) - حسن والحديث في المسند (٣/ ٣٨٧)، ونقله \"المصنف\" - كما هنا - في \"البداية والنهاية\" (٢/ ١٥٨ - ١٥٩) وقال: \"تفرد به أحمد وإسناده على شرط مسلم\" قلت: لكن مجالد بن سعيد =\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"سعد\".\n[¬٢]- في الطبري: \"فتلاه\".\n[¬٣]- في خ: \"تلا\".\n[¬٤]- في ز، خ: \"فأورد\".\n[¬٥]- في ز، خ: \"وأورد\".\n[¬٦]- في ز، خ: \"فإنه\".\n[¬٧]- في ز، خ: \"قال\".","vol":"8","page":7},{"text":"حدثنا سُرَيْج [¬١] بن النعمان، نا هشيم، أنبأنا مجالد، عن الشعبي، عن جابر بن عبد الله: أن عمر بن الخطاب أتى النبي، ﷺ، بكتاب أصابه من بعض أهل الكتاب، فقرأه على النبي، ﷺ، قال [¬٢]: فغضب، وقال: \"أمتهوكون [¬٣] فيها يا ابن الخطاب؟ والذي نفسي بيده، لقد جئتكم بها بيضاء نقية، لا تسألوهم عن شيء فيخبروكم بحق فتكذبونه، أو بباطل فتصدقونه، والذي نفسي بيده، لو أن موسى كان حيًا لما [¬٤] وسعه إلا أن يتبعني\".\nوقال الإِمام أحمد (^٨): حدثنا عبد الرزاق، أنا سفيان، عن جابر، عن الشعبي، عن عبد الله بن ثابت قال: جاء عمر إلى رسول الله، ﷺ، فقال: يا رسول الله، إني مررت بأخ لي من قريظة، فكتب لي جوامع من التوراة، ألا أعرضها عليك؟ قال: فتغير وجه رسول الله، ﷺ، قال عبد الله بن ثابت: فقلت له: ألا ترى ما بوجه رسول الله، ﷺ؟ فقال عمر: رضينا بالله ربا، وبالإِسلام دينًا، وبمحمد رسولا. قال: فسُرِّيَ عن النبي، ﷺ، وقال: \"والذي نفس محمد بيده، لو أصبح فيكم موسى ثم اتبعتموه وتركموني لضللتم [¬٥]، إنكم حظي من الأمم، وأنا حظكم من النبيين\".\n_________\n= ليس بالقوي وقد تغير في آخر عمره. ومن طريقه أخرجه أحمد أيضًا (١٤٦٧٣) (٣/ ٣٣٨)، وابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٦/ ٢٢٨)، والدارمي (٤٤١)، والبزار (١٢٤ - كشف)، وأبو يعلى (٤/ ٢١٣٥)، والبيهقي في \"الكبرى\" (٢/ ١٠ - ١١) وفي \"الشعب\" (١/ ١٧٩)، وابن أبي عاصم في \"السنة\" (١/ ٥٠) وابن عبد البر في \"جامع بيان العلم وفضله\" (٢/ ١٤٩٧)، والبغوي في \"شرح السنة\" (١/ ١٢٦) وذكره الهيثمي في \"المجمع\" (١/ ١٧٨ - ١٧٩) وقال: \" ..... فيه مجالد بن سعيد ضعفه أحمد ويحيى ابن سعيد وغيرهما\" وببعض ألفاظ الحديث عنون البخاري به بابا في \"الصحيح\" داخل كتاب الاعتصام، فقال: باب: قول النبي ﷺ: \"لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء\" وقال ابن حجر في \"الفتح\" (١٣/ ٣٣٤): \"هذه الترجمة لفظ حديث أخرجه أحمد وابن أبي شيبة والبزار .... ورجاله موثقون إلا أن في مجالد ضعفًا\" قلت: لكن للحديث شواهد تقويه، فانظر ما بعده، وانظر أيضًا \"الإرواء\" للألباني (٦/ ١٥٨٩).\n(^٨) - إسناده ضعيف لضعف جابر الجعفي، رواه في المسند (١٥٩٠٨) (٣/ ٤٧٠)، (١٨٣٨٨) (٤/ ٢٦٥)، والحديث في \"المصنف\" لعبد الرزاق (٦/ ١٠١٦٤) (١٠/ ٣١٣) ومن طريقه أخرجه أيضًا ابن عبد البر في \"جامع بيان العلم\" (١٤٩٥) وأخرجه ابن الضريس في \"فضائل القرآن\" (٩٠) من =\n_________\n[¬١]- في خ: \"شريح.\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- التهوّك: كالتهوّر؛ وهو الوقوع في الأمر بغير روية. والمتهوك: الذي يقع في كل أمر. وقيل: هو التحيُّر. النهاية [٥/ ٢٨٢].\n[¬٤]- في ت: \"ما\".\n[¬٥]- في ز: \"أضللتم\".","vol":"8","page":8},{"text":"وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي (^٩): حدثنا عبد الغفار بن عبد الله بن الزبير، حدثنا على ابن مُسهر، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن خليفة بن قيس، عن خالد بن عُرفطة قال: كنت جالسًا عند عمر، إذ أتي برجل من عبد القيس مسكنه بالسوس، فقال له عمر: أنت فلان بن فلان العبدي؟ قال: نعم. قال: وأنت النازل بالسوس؟ قال: نعم. فضربه بقناة معه، قال: فقال الرجل: مالي يا أمير المؤمنين؟ فقال له عمر: اجلس، فجلس. فقرأ عليه ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ * إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ إلى قوله ﴿لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ فقرأها عليه ثلاثًا، وضربه ثلاثًا، فقال له الرجل: ما لي يا أمير المؤمنين؟ فقال: أنت الذي نسخت كتاب دانيال؟ قال: مرني بأمرك أتبعه. قال: انطلق فامحه بالحميم والصوف الأبيض، ثم لا تَقرأه، ولا تُقرئه أحدًا من الناس، فلئن بلغني عنك أنك قرأته، أو أقرأته أحدًا من الناس لأنهكنك عقوبة. ثم قال له: اجلس. فجلس بين يديه، فقال: انطلقتُ أنا، فانتسخت كتابًا من أهل الكتاب، ثم جئت به في أديم، فقال لي رسول الله، ﷺ: \"ما هذا في يدك يا عمر؟ \". قال: قلت: يا رسول الله، كتاب نسخته لنزداد به علما إلى علمنا. فغضب رسول الله، ﷺ، حتى احمرت وجنتاه، ثم نودي بالصلاة جامعة، فقالت الأنصار: أغضب نبيكم، ﷺ؟ السلاح السلاح. فجاءوا حتى أحدقوا بمنبر رسول الله، ﷺ، فقال: \"يا أيها الناس، إني قد أوتيت جوامع الكلم وخواتيمه، واختصر لي اختصارًا، ولقد أتيتكم بها بيضاء نقية فلا تتهوكوا [¬١]، ولا يغرنكم المتهوكون\". قال عمر: فقمت\n_________\n= طريق سفيان به، والبزار (١٢٥ - كشف) من طريق الجعفي عن عبد الله بن ثابت به مختصرا، وذكره الهيثمي في \"المجمع\" (١/ ١٧٨) وقال: \"رواه أحمد والطبراني ورجاله رجال الصحيح إلا أن فيه جابرًا الجعفي وهو ضعيف\" وبه أيضًا ضعف إسناده الحافظ في \"الفتح\" (١٣/ ٣٣٤).\n(^٩) - إسناده ضعيف جدًا ولم أقف عليه في المطبوع من \"المسند\" لأبي يعلى، ومن طريقه اختاره الضياء في \"المختارة\" (١/ ١١٥)، وأخرجه ابن أبي حاتم (٧/ ١١٣٢٤) والعقيلى في \"الضعفاء\" (٢/ ٢١) وعلقه الذهبي في \"الميزان\" (٢/ ١٨٩) من طريق على بن مسهر به مختصرًا. ووهم فيه الضياء: فقال عقبه: \"عبد الرحمن بن إسحاق أخرج له مسلم وابن حبان\" قلت: وليس كما قال، فإن الذي هنا هو عبد الرحمن بن إسحاق الواسطي الكوفي أبو شيبة ضعفه غير واحد من الأئمة، كما أشار إلى ذلك المصنف. وأما الذي أخرج له مسلم فهو عبد الرحمن بن إسحاق بن عبد الله بن الحارث المدني وهو صدوق. ووثقه غير واحد، والحديث ذكره الهيثمي في \"المجمع\" (١/ ١٨٧، ١٧٨) وقال: رواه أبو يعلى وفيه عبد الرحمن بن إسحاق الواسطي ضعفه أحمد وجماعة\" ثم إن الحديث مُعل أيضًا بخليفة بن قيس، فقد ذكره البخاري في \"التاريخ الكبير\" (٣/ ١٩٢) وقال: \"يعد في الكوفيين، لم يصح حديثه\" وزاد في \"الضعفاء الصغير\" (ص ٨٤): \"وفي حديثه نظر\" وزاد نسبته السيوطي في \"الدر المنثور \" (٤/ ٥) إلى ابن المنذر ونصر المقدسي في \"الحجة\".\n_________\n[¬١]- في خ: \"تهتوكوا\".","vol":"8","page":9},{"text":"فقلت: رضيت بالله ربا، وبالإِسلام دينًا، وبك رسولًا. ثم نزل رسول الله، ﷺ.\nوقد رواه ابن أبي حاتم في تفسيره مختصرًا: من حديث عبد الرحمن بن إسحاق [به. وهذا حديث غريب من هذا الوجه، وعبد الرحمن بن إسحاق] [¬١] هو أبو شيبة الواسطي، وقد ضعفوه وشيخَه، قال البخاري: [لا يصح] [¬٢] حديثه.\nقلت: وقد رُوي له شاهد من وجه آخر، فقال الحافظ أبو بكر أحمد بن إبراهيم الإسماعيليّ (^١٠): أخبرني الحسن بن سفيان، حدثنا يعقوب بن سفيان، حدثنا إسحاق بن إبرَاهيم بن العلاء الزبيدي، حدثني عمرو بن الحارث، حدثنا [¬٣] عبد الله بن سالم الأشعري، عن الزبيدي، حدثنا سليم بن عامر، أن جبير بن نفير حدثهم: أن رجلين كانا بحمص في خلافة عمر، ﵁، فأرسل إليهما فيمن أرسل من أهل حمص، وكانا قد اكتتبا من اليهود تلاصفتين [¬٤]، فأخذاها معهما يستفتيان فيها أمير المؤمنين ويقولون: إن رضيها لنا أمير المؤمنين ازددنا فيها رغبة، وإن نهانا عنها رفضناها، فلما قدما عليه قالا: إنا بأرض أهل الكتابين، وانا نسمع منهم كلامًا تقشعر منه جلودنا أفنأخذ منه أو نترك؟ فقال: لعلكما كتبتما منه شيئًا. فقالا: لا. قال: سأحدثكما: انطلقت في حياة النبي، ﷺ، حتى أتيت خيبر، فوجدت يهوديًا يقول قولًا أعجبني، فقلت: هل أنت مكتبي ما [¬٥] تقول؟ قال: نعم. فأتيت بأديم، فأخذ يملي عليَّ حتى كتبت في الأكرع، فلما رجعت قلت: يا نبي [¬٦] الله … وأخبرته، قال: \"ائتني به\". فانطلقت أرغب عن المشي رجاء أن أكون أتيت [¬٧] رسول الله، ﷺ، ببعض ما يحب، فلما أتيت به قال: \"اجلس اقرأ علي\". فقرأت ساعة، ثم نظرت إلى وجهه؛ فإذا هو\n_________\n(^١٠) - إسناد ضعيف، وأخرجه أبو نعيم في \"الحلية\" (٥/ ١٣٥ - ١٣٦) من طريق إسحاق بن إبراهيم به ورجاله ثقات غير إسحاق هذا؛ قال فيه ابن معين: لا بأس به، وقال أبو حاتم: شيخ، وقال النسائي: إسحاق ليس بثقة إذا روى عن عمرو بن الحارث وهذه الرواية منها، وقال أبو داود: ليس هو بشيء، انظر: \"تهذيب الكمال\" وهامشه (٢/ ت ٣٣٠) وقال الحافظ في \"التقريب\": صدوق يهم كثيرًا، وأطلق محمَّد بن عوف أنه يكذب.\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- سقط من: خ.\n[¬٤]- كذا في: ز، خ. وفي ت: صلاصفتين. وأغلب الظن أنه تحريف. ولعل الصواب: ملء صنفين، كما هو في الحلية لأبي نعيم. والصفن: الخريطة تكون للراعي، فيها طعامه وزناده وما يحتاج إليه.\n[¬٥]- في خ: مما\n[¬٦]- في خ: \"رسول\".\n[¬٧]- في ت: \"جئت\".","vol":"8","page":10},{"text":"يتلون، فتحيرت من الفرق [¬١] فما استطعت أن [¬٢] أجيز منه حرفًا، فلما رأى الذي بي دفعه [¬٣]، ثم جعل يتبعه رسمًا رسمًا، فيمحوه بريقه، وهو يقول: \"لا تتبعوا هؤلاء؛ فإنهم قد هوكوا [¬٤] وتهوكوا\". حتى محا آخره حرفًا حرفًا، قال عمر ﵁: فلو علمت أنكما كتبتما منه شيئًا جعلتكما نكالًا لهذه الأمّة. قالا: والله ما نكتب منه شيئًا أبدًا. فخرجا بصفنيهما [¬٥] فحفرا لها، فلم يألوا أن يعمقا ودفناها، فكان آخر العهد منها.\nوكذا روى الثوري عن جابر بن يزيد الجعفي، عن الشعبي، عن عبد الله بن ثابت الأنصاري، عن عمر بن الخطاب بنحوه، وروى أبو داود في المراسيل (^١١): من حديث أبي قلابة، عن عمر نحوه والله أعلم.\n﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ (٤)﴾\nيقول تعالى: اذكر لقومك يا محمَّد في قصصك عليهم من [¬٦] قصة يوسف؛ إذ قال لأبيه، وأبوه هو يعقوب [بن إسحاق بن إبراهيم، عليهم الصلاة والسلام] [¬٧]، كما قال الإِمام أحمد (^١٢):\nثنا عبد الصمد، ثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار، عن أبيه، عن ابن عمر: أن رسول الله، ﷺ، قال: \"إن الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم\".\nانفرد بإخراجه البخاري، فرواه عن عبد الله بن محمَّد، عن عبد الصمد، به (^١٣).\n_________\n(^١١) - إسناده منقطع بين أبي قلابة وعمر، والحديث في المراسيل برقم (٤٥٥) ثنا محمَّد بن عبيد، ثنا حماد عن أيوب عن أبي قلابة، به.\n(^١٢) - صحيح، المسند (٢/ ٩٦) وأخرجه البخاري، كتاب الأنبياء، باب: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ﴾ (٣٣٨٢)، وباب: قول الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ﴾ (٣٣٩٠) من طريقين عن عبد الصمد، به، وانظر ما بعده.\n(^١٣) - صحيح البخاري كتاب: التفسير، باب: ﴿وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ ....﴾\n_________\n[¬١]- الفرق: \"الخوف.\n[¬٢]- سقط من ز.\n[¬٣]- في خ: \"دفعته\".\n[¬٤]- في خ: \"هولوا\".\n[¬٥]- في ت: \"بصلاصفتيهما\".\n[¬٦]- في خ: \"في\".\n[¬٧]- في خ: \"﵇\".","vol":"8","page":11},{"text":"وقال البخاري أيضًا (^١٤):\nثنا محمَّد، أنا عبدة، عن عبيد الله، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة، ﵁، قال: سئل رسول الله، ﷺ: أي الناس أكرم؟ قال: \"أكرمهم عند الله أتقاهم\". قالوا: ليس عن هذا نسألك. قال: \"فأكرم الناس: يوسف نبي الله ابن نبي الله ابن نبي الله ابن خليل الله\". قالوا: ليس عن هذا نسألك. قال: \"فعن معادن العرب تسألوني؟ \" قالوا: نعم. قال: \"فخياركم في الجاهلية خياركم في الإِسلام إذا فقهوا\". ثم قال: تابعه أبو [¬١] أسامة عن عبيد الله.\nوقال ابن عباس (^١٥): رؤيا الأنبياء وحي.\nوقد تكلم المفسرون على تعبير هذا المنام: أنّ الأحد عشر كوكبًا عبارة عن إخوته، وكانوا أحد عشر رجلًا سواه [¬٢]، والشمس والقمر عبارة عن [أبيه وأمه]. روي هذا عن ابن عباس (^١٦)، والضحاك، وقتادة، وسفيان الثوري، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم،\n_________\n(^١٤) - صحيح البخاري كتاب: التفسير، باب: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ﴾ (٤٦٨٩) وأخرجه أيضًا: كتاب الأنبياء، (٣٣٧٤، ٣٣٨٣)، والنسائي في \"التفسير\" (٦/ ١١٢٥٠)، وأخرجه البخاري كتاب: الأنبياء، باب: قول الله تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ (٣٣٥٣) وفي \"المناقب\" (٣٤٩٠) ومسلم، كتاب: الفضائل، باب: من فضائل يوسف ﵇ (١٦٨) (٢٣٧٨)، والنسائي (٦/ ١١٢٤٩) وأحمد (٢/ ٤٣١) من طريق عبيد الله عن سعيد بن أبي سعيد عن أبيه، به.\n(^١٥) - حسن، أخرجه ابن أبي حاتم (٧/ ١١٣٢٨)، وابن جرير (١٢/ ١٥١)، والطبراني في \"الكبير\" (١٢/ ١٢٣٠٢) والحاكم (٢/ ٤٣١) من طريق سماك بن حرب عن سعيد بن جبير عنه به، وقال الحاكم: \"حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه\" ووافقه الذهبي، وإسناده حسن على شرط مسلم فحسب فإن سماكا هذا صدوق، وإنما روي له البخاري تعليقًا، وقد صححه الحاكم على شرط مسلم في موضع آخر (٤/ ٣٩٦). وأخرجه البخاري، كتاب: الوضوء، باب: \"التخفيف في الوضوء\" (١٣٨)، كتاب الأذان، باب: (وضوء الصبيان) (١٥٩) بسنده عن عبيد بن عمير من قوله، وقال الحافظ في \"الفتح\" (١/ ٢٣٩): \"قوله: \"رؤيا الأنبياء وحي\" رواه مسلم مرفوعًا وسيأتي في التوحيد - (٧٥١٧) - من رواية شريك عن أنس\". ولم أقف عليه في مسلم بهذا اللفظ، ولعل الحافظ أراد معناه، والله أعلم - فانظر (١٢٥) (٧٣٨) من صحيح مسلم، وأثر ابن عباس زاد نسبته السيوطي في \"الدر المنثور\" (٦/ ٤) إلى ابن المنذر وأبي الشيخ وابن مردويه ويأتي من طريق آخر عنه مرفوعا (سورة الصافات/ آية/ رقم ١٠٢)، وعزاه الحافظ في \"المطالب العالية\" (٣/ ٢٨٢٤) إلى أحمد بن منيع وقال محققه: قال البوصيري: \"رواته ثقات\".\n(^١٦) - أخرجه ابن المنذر - كما في \"الدر المنثور\" (٤/ ٦).\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.","vol":"8","page":12},{"text":"وقد وقع تفسيرها بعد أربعين سنة، وقيل: ثمانين سنة، وذلك حين رفع أبويه على العرش وهو سريره، وإخوته بين يديه ﴿وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا﴾.\nوقد جاء في حديث تسمية هذه الأحد عشر كوكبًا، فقال الإمام أبو جعفر بن جرير (^١٧):\nحدثني على بن سعيد الكندي، ثنا الحكم بن ظهير، عن السدي، عن عبد الرحمن بن سابط، [عن جابر] [¬١] قال: أتى النبي، ﷺ، رجل من يهود يقال له: بستانة اليهودي، فقال له: يا محمد، أخبرني عن الكواكب التي رآها يوسف أنها ساجدة له ما أسماؤها؟ قال: فسكت النبي، ﷺ، ساعة فلم يجبه بشيء، ونزل عليه جبريل ﵇ فأخبره بأسمائها، قال: فبعث رسول الله، ﷺ، إليه فقال: \"هل أنت مؤمن إن أخبرتك بأسمائها؟ \" فقال: نعم. قال: \"جربان [¬٢]، والطارق، والذيّال، وذو الكنفات [¬٣]، وقابس، ووثاب، وعمودان، والفليق [¬٤]، والمصبح، والضروح، وذو الفرغ، والضياء، والنور\". فقال اليهودي: إي والله إنها لأسماؤها.\nورواه البيهقي في الدلائل من حديث سعيد بن منصور عن الحكم بن ظهير. وقد روى هذا الحديث الحافظان أبو يعلى الموصلي، وأبو بكر البزار في مسنديهما، وابن أبي حاتم في\n_________\n(^١٧) - إسناده ضعيف جدًا تفسير ابن جرير (١٢/ ١٥١) وأخرجه سعيد بن منصور - كما في \"الدر المنثور\" (٤/ ٦) - ومن طريقه العقيلي في \"الضعفاء\" (١/ ٢٥٩)، والبيهقي في \"الدلائل\" (٦/ ٢٧٧)، وابن الجوزي في \"الموضوعات\" (١/ ١٤٥ - ١٤٦) وأخرجه أبو يعلى - كما في \"المطالب العالية\" (٨/ ٤٠١٥) طبعة قرطبة - وعنه ابن حبان في \"المجروحين\" (١/ ٢٥٠ - ٢٥١)، وأخرج، ابن أبي حاتم في \"التفسير\" (٧/ ١١٣٣٢)، والبزار (٣/ ٢٢٢٠ - كشف) (٢/ ١٤٧٣ - مختصر الزوائد لابن حجر) كلهم من طريق الحكم بن ظهير به، وقال العقيلي: \"لا يصح\"، وقال ابن حبان: \"لا أصل له من حديث رسول الله، ﷺ\"، وذكره الهيثمي في \"المجمع\" (٧/ ٤٢) وقال: \"رواه البزار وفيه الحكم بن ظهير وهو متروك\" قلت: لكن أخرجه الحاكم (٤/ ٣٩٦) من طريق أسباط بن نصر عن السدي به وقال: حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه\" وسكت عنه الذهبي، وفي إسناده جهالة، وللحديث علة أخرى وهي عدم سماع عبد الرحمن بن سابط من جابر كما قال غير واحد، ولكن أثبت ابن أبي حاتم له السماع من جابر فالله أعلم، وأعله أيضًا ابن الجوزي بـ \"السدي\" ظنا منه أنه محمَّد ابن مروان وليس كذلك وإنما هو إسماعيل بن عبد الرحمن وهذا صدوق، وذاك كذاب والأخير في طبقة نازلة عن الأول (انظر \"تهذيب الكمال\" (٧/ ت ١٤٣٠)، والحديث زاد نسبته السيوطي في \"الدر المنثور\" (٦/ ٤) إلى ابن المنذر وأبي الشيخ وأبي نعيم في \"الدلائل\".\n_________\n[¬١]- سقط من ز.\n[¬٢]- في ز، خ: \"حرثان\".\n[¬٣]- في خ: \"الكتفان\".\n[¬٤]- في ت: \"الفيلق\".","vol":"8","page":13},{"text":"تفسيره، أمّا أبو يعلى فرواه عن أربعة من شيوخه (^١٨) عن الحكم بن ظهير به، وزاد: قال رسول الله، ﷺ: \"لما رآها يوسف قصها على أبيه يعقوب، فقال له أبوه: هذا أمر متشتت يجمعه الله من بعد\" قال: \"والشمس أبوه، والقمر أمّه\".\nتفود به الحكم بن ظهير الفزاري، وقد ضعفه الأئمة، وتركه الأكثرون، وقال الجوزجاني ساقط، وهو صاحب حديث حُسْنِ يوسف.\nقَ ﴿قَالَ يَابُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٥)﴾\nيقول تعالى مخبرًا عن قول [¬١] يعقوب لابنه يوسف حين قص عليه ما رأى من هذه الرؤيا، التي تعبيرها خضوع إخوته له، وتعظمهم إياه تعظيمًا زائدًا، بحيث يخرّون له ساجدين إجلالًا واحترامًا وإكرامًا، فخشي يعقوب ﵇ أن يحدّث بهذا المنام أحدًا من إخوته فيحسدوه [¬٢] على ذلك، فيبغوا [¬٣] له الغوائل حسدًا منهم له، ولهذا قال له: ﴿لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا﴾ أي: يحتالوا لك حيدة ودونك فيها؛ ولهذا ثبتت السنة عن رسول الله، ﷺ، أنه قال (^١٩): \" إذا رأى أحدكم ما يحب فليحدّث به، وإذا رأى ما يكره فليتحوّل إلى جنبه الآخر، وليتفل عن يساره ثلًاثا، وليستعذ بالله من شرها، ولا يحدّث بها أحدًا، فإنها لن تضره\". وفي الحديث الآخر الذي رواه الإِمام أحمد، وبعض أهل السنن (^٢٠): من رواية\n_________\n(^١٨) - وهم: زكريا بن يحيى، وأحمد بن إبراهيم الموصلي، ومحمد بن حاتم المؤدب، والمعلي بن مهدي - كما في \"المطالب العالية\"، (٨/ ٤٠١٥ - طبعة قرطبة).\n(^١٩) - وهذه الرواية ملفقة من ثلاثة أحاديث، الأول: حديث أبي سعيد الخدري عند البخاري (٦٩٨٥)، والترمذي (٣٤٤٩)، والنسائي في \"الكبرى\" (٤/ ٧٦٥٢)، وأحمد (١١٠٦٨) (٣/ ٨)، والثاني: حديث جابر بن عبد الله عند مسلم (٥) (٢٢٦٢)، وأبي داود (٥٠٢٢)، والنسائي (٣/ ٧٦٥٣)، (٦/ ١٠٧٤٨) وابن ماجه (٣٩٠٨) وأحمد (١٤٨٢٣) (٣/ ٣٥٠)، والثالث: حديث أبي قتادة عند البخاري (٣٢٩٢) ومسلم (٢٢٦١)، وأبي داود (٥٠٢١)، والترمذي (٢٢٧٨)، والنسائي (٦/ ١٠٧٣٢ - - ١٠٧٣٧)، وابن ماجه (٣٩٠٩)، وأحمد (٢٢٦٢٧) (٥/ ٢٩٦).\n(^٢٠) - كذا جعله \"المصنف\" من مسند معاوية بن حيدة، وأخرجه أحمد (٤/ ١٣،١٢،١٠)، وعنه - أبو داود، كتاب: الأدب، باب: \"ما جاء في الرؤيا\" (٥٠٢٠) - والترمذي، كتاب: الرؤيا، باب: \"ما جاء في تعبير الرؤيا\" (٢٢٧٩، ٢٢٨٠) وابن ماجه، كتاب: تعبير الرؤيا، باب: \"الرؤيا إذا =\n_________\n[¬١]- في خ: \"قيل\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"فيحسدونه\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"فيبغون\".","vol":"8","page":14},{"text":"معاوية بن حَيْدَةَ القشيري أنه قال: قال رسول الله، ﷺ: \"الرؤيا على رجل طائر ما لم تعبر، فإذا عُبرت وقعت\". ومن هذا يؤخذ الأمر بكتمان النعمة حتى توجد وتظهر، كما ورد في حديث (^٢١):، استعينوا على قضاء الحوائج بكتمانها، فإن كل ذي نعمة محسود\".\n﴿وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٦)﴾\nيقول تعالى مخبرًا عن قول يعقوب لولده يوسف: إنه كما اختارك ربك، وأراك هذه الكواكب مع الشمس والقمر ساجدة لك ﴿وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ﴾ أي: يختارك ويصطفيك لنبوّته ﴿وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾ قال مجاهد وغير واحد: يعني تعبير الرؤيا.\n﴿وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾ أي: بإرسالك والإيحاء إليك. ولهذا قال: ﴿كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ﴾ وهو الخليل ﴿وَإِسْحَاقَ﴾ ولده، وهو الذبيح في قول، وليس\n_________\n= عبرت وقعت … \" (٣٩١٤) والدارمي (٢١٥٤) وغيرهم من حديث أبي رزين العقيلي - وكذا أورده \"المصنف\" في كنابه (جامع المسانيد ﷺ ٣/ ورقة ٧٣) ولم يذكر هذا الحديث في مسند معاوية بن حيدة انظر (٣/ ورقة ١٧٠) - وقال الترمذي: \"حديث حسن صحيح\".\nوصححه ابن حبان (١٣/ ٦٠٤٩، ٦٠٥٠)، والحاكم (٤/ ٣٩٠) ووافقه الذهبي، وحسن إسناده الحافظ ابن حجر في \"الفتح\" (١٢/ ٤٣٢) إذ إن في إسناده وكيع بن حدس - ويقال: عدس - لم يوثقه غير ابن حبان (٥/ ٤٩٦) وقال عنه في مشاهير علماء الأمصار\" (٩٧٣): \"من الأثبات، وصحح له أبو عبيد القاسم بن سلام وغيره الحديث المتقدم في (سورة هود/ رقم ٢١) وجهله ابن القطان، وقال الذهبي: لا يعرف، وفي \"التقريب\": مقبول، والحديث سيذكره إلمصف هنا برقم (٧٢) منسوبًا إلى معاوية بن حيدة أيضًا فالله أعلم.\n(^٢١) - رُوى هذا الحديث من طرق عن سعيد بن سلام العقار، عن ثور بن يزيد الشامي، عن خالد بن معدان، عن معاذ بن جبل به مرفوعا، ولا يصح شيء منها، رواه العقيلي في الضعفاء (٢/ ١٠٩)، وابن عدي في الكامل (٣/ ١٠٤)، وأبو نعيم في الحلية (٦/ ٩٦)، وأورده ابن الجوزي في الموضوعات (٢/ ١٦٥)، وقال أبو حاتم في العلل (٢/ ٢٥٥) بعد إيراده عن حديث خالد بن معدان، عن النبي بمعناه: حديث منكر، وقال: هذا الحديث لا يعرف له أصل\". وروي أيضًا عن حديث على بن أبي طالب، وعبد الله بن عباس، وأبي بردة مرسلًا، وأسانيدها ضعيفة جدًا؛ لكنه ورد من حديث أبي هريرة بإسناد جوَّده الألبانى في \"الصحيحة\" (٣/ ١٤٥٣)، فانظر تخريج الحديث ثمة.","vol":"8","page":15},{"text":"بالرجيح ﴿إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ أي: هو أعلم حيث يجعل رسالته كما قال في الآية الأخرى.\n﴿لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ (٧) إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٨) اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ (٩) قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (١٠)﴾\nيقول تعالى: لقد كان فى قصة يوسف وخبره مع إخوته آيات، أي: عبرة ومواعظ للسائلين عن ذلك المستخبرين عنه، فإنه خبر عجيب يستحق أن يستخبر عنه ﴿إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا﴾ أي: حلفوا فيما يطون: والفه، ليوسف وأخوه - يعنون بنيِامين، وكان شقيقه لأمه - ﴿أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ أي: جماعة فكيف أحَبَّ ذينك الاثنين أكثر من الجماعة ﴿إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ يعنون في تقديمهما علينا، ومحبته إياهما أكثر منا.\nواعلم أنه لم يقم دليل على نبوة إخوة يوسف، وظاهر هذا السياق يدل على خلاف ذلك، ومن الناس من يزعم أنهم [¬١] أوحي إليهم بعد ذلك، وفي هذا نظر، ويحتاج مدعي ذلك إلى دليل، ولم يذكروا سوى قوله تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ﴾ وهذا فيه احتمال؛ لأن بطون بنى إسرائيل يقال لهم: الأسباط، كما يقال للعرب قبائل، وللعجم شعوب، يذكر تعالى أنه أوحى إلى الأنبياء من أسباط بني إسرائيل، فذكرهم إجمالًا؛ لأنهم كثيرون، ولكن كل سبط من نسل رجل من إخوة يوسف، ولم يقم دليل على أعيان هؤلاء أنهم أوحي إليهم، والله أعلم.\n﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ﴾ يقولون: هذا الذي يزاحمكم في محبة أبيكم لكم اعدموه من وجه أبيكم؛ ليخلو لكم وحدكم، اما بأن تقتلوه، أو تلقوه في أرض عن الأراضى تستريحوا منه، وتختلوا [¬٢] أنتم بأبيكم وتكونوا من بعد إعدامه قومًا صالحين، فأضمروا التربة قبل الذنب ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ﴾ قال قتادة،\n_________\n[¬١]- في ت: \"أنه\".\n[¬٢]- في خ: \"تخلوا\".","vol":"8","page":16},{"text":"ومحمد بن إسحاق: وكان أكبرهم واسمه روبيل.\nوقال السدي: الذيما قال ذلك يهوذا. وقال مجاهد: هو شمعون.\n﴿لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ﴾ أي: لا تصلوا فى عداوته وبغضه إلى قتله، ولم يكن لهم سبيل إلى قتله؛ لأن اللَّه تعالى كان يريد منه أمرًا لابد من إمضائه، إتمامه: من الإِيحاء إليه بالنبوة، ومن التمكين [¬١] له ببلاد مصر والحكم بها، فصرفهم اللَّه عنه بمقالة روبيل فيه، وإشارته عليهم بأن يلقوه فى غيابة الجب وهو أسفله. قال قتادة: وهي بئر بيت المقدس.\n﴿يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ﴾ أي: المارة من المسافرت، فتستريحوا منه بهذا، ولا حاجة إلى قتله.\n﴿إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾ أي: إذ كنتم عازمين على ما تقولون.\nقال محمد بن إسحاق بن يسار: لقد اجتمعوا على أمر عظيم من قطعة الرحم، وعقوق الوالد، وقلة الرأفة بالصغير الضرع الذي لا ذنب له، وبالكبير الفاني ذي الحق والحرمة والفضل، وخطره عند اللَّه، مع حق الوالد على ولده؛ ليفرقوا بينه وبين أبيه وحبيبه، على كبر سنه، ورقة [¬٢] عظمه، مع مكانه من اللَّه فيمن أحبه طفلًا صغيرًا، وبين ابنه [¬٣] على ضعف قوته وصغر سنه، وحاجته إلى لطف والده وسكونه إليه، يغفر اللَّه لهم وهو أرحم الراحمين، فقد احتملوا أمرًا عظيمًا.\nرواه ابن أبي حاتم (^٢٢) من طريق سلمة بن الفضل عنه.\n﴿قَالُوا يَاأَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ (١١) أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (١٢)﴾\nلما تواطئوا على أخذه وطرحه فى البئر كما أشار به عليهم أخوهم روبيل، جاءوا أباهم يعقوب، ﵇، فقالوا: ﴿يَاأَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ﴾ وهذه توطئة وسلف ودعوى وهم يريدون خلاف ذلك؛ لما له في قلوبهم من الحسد حب أبيه له ﴿أَرْسِلْهُ مَعَنَا﴾ أي: ابعثه معنا ﴿غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ﴾ [¬٤] وقرأ بعضهم بالياء\n_________\n(^٢٢) - في \"التفسير\" (٧/ ١١٣٦٠) ثنا محمد بن العباس، ثنا عبد الرحمن بن سلمة ثنا سلمة بن الفضل به، وسلمة بن الفضل صدوق كثير الخضأ - كما في \"التقريب\".\n_________\n[¬١]- في ز: التمكن.\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- في ز، خ \"أبيه\".\n[¬٤]- هذه قراءة أبي عمر وابن عامر.","vol":"8","page":17},{"text":"﴿يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ﴾ [¬١].\nقال ابن عباس (^٢٣): يسعى وينشط. وكذا قال قتادة، والضحاك [¬٢]، والسدي، وغيرهم.\n﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ يقولون: ونحن نحفظه، ونحوطه من أجلك.\n﴿قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ (١٣) قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ (١٤)﴾\nيقول تعالى مخبرًا عن نبيه يعقوب أنه قال لبنيه في جواب ما سألوا من إرسال يوسف معهم إلى الرعي في الصحراء: ﴿إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ﴾ أي: يشق عليَّ مفارقته مدة ذهابكم به إلى أن يرجع، وذاسك لفرط محبته له، لما يتوسم فيه من الخير العظيم، وشمائل النبوة، والكمال في الخَلق والخُلق، صلوات اللَّه وسلامه عليه.\nوقوله: ﴿وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ﴾ يقول: وأخشى أن تشتغلوا عنه برميكم ورعيتكم، فيأتيه ذئب، فيأكله وأنتم لا تشعرون، فأخذوا من فمه هذه الكلمة وجعلوها عذرهم فيما فعلوه، وقالوا مجيبين له [¬٣] عنها في الساعة الراهنة ﴿لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ﴾ يقولون: لئن عدا عليه الذئب فأكله من بيننا ونحن جماعة، إنا إذًا لهالكون عاجزون.\n﴿فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (١٥)﴾\nيقول تعالى: فلما ذهبت به إخوته من عند أبيه بعد مراجعتهم له في ذلك ﴿وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ﴾ هذا فيه تعظيم لما فعلوه، أنهم اتفقوا كلهم على إلقائه فى\n_________\n(^٢٣) - إسناده ضعيف، أخرجه ابن جرير (١٢/ ١٥٨) من طريق عطية العوفي عنه به، وعطية ضعيف، وله إسناد آخر عنده لكنه منقطع، وزاد نسبته السيوطي في \" الدر المنثور \" (٤/ ١٣) إلى ابن أبى حاتم.\n_________\n[¬١]- وهي قراءة عاصم وحمزة والكسائي.\n[¬٢]- سقط من ز.\n[¬٣]- سقط من ز.","vol":"8","page":18},{"text":"أسفل ذلك الجب، وقد أخذوه من عند أبيه فيما يظهرونه له، إكرامًا له، وبسطًا، وشرحًا لصدره، وإدخالًا للسرور عليه، فيقال: إن يعقوب [¬١]﵇ لما بعثه معهم ضمه إليه وقبله ودعا له.\n[وذكر السدي و] [¬٢] غيره: أنه [¬٣] لم يكن بين إكرامهم له، وبين إظهار الأذى له إلا أن غابوا عن عين أبيه وتواروا عنه، ثم شرعوا يؤذونه بالقول من شتم ونحوه، والفعل من ضرب ونحوه، ثم جاءوا به إلى ذلك الجب الذي اتفقوا على رميه فيه، فربطوه بحبل ودلوه فيه، فجعل [¬٤] إذا لجأ إلى واحد منهم لطمه وشتمه، وإذا تثبث بحافات البئر ضربوا على يديه، ثم قطعوا به الحبل من نصف المسافة، [فسقط في الماء] [¬٥] فغمره، فصعد إلى صخرة تكون في وسطه يقال لها: الراغوفة فقام فوقها.\nوقوله: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ يقول تعالى ذاكرًا لطفه ورحمته وعائدته، وإنزاله اليسر في حال العسر: إنه أوحى إلى يوسف فى ذلك الحال الضيق؛ تطيبًا لقلبه وتثبيتًا له: إنك لا تحزن مما أنت فيه، فإن لك من ذلك فرجًا ومخرجًا حسنًا، وسينصرك اللَّه عليهم ويعليك ويرفع درجتك، وستخبرهم بما فعلوا معك من هذا الصنيع.\nوقوله ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ قال [مجاهد و] [¬٦] قتادة: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ بإيحاء اللَّه إليه.\nوقال ابن عباس: ستنبئنهم [¬٧] بصنيعهم هذا في حقك، وهم لا يعرفونك، ولا يستشعرون بك. كما قال ابن جرير (^٢٤): حدثني الحارث، ثنا عبد العزيز، ثنا صدقة بن عبادة الأسدي، عن أبيه، قال: سمعت ابن عباس يقول: لما دخل إخوة يوسف [على يوسف] [¬٨] فعرفهم وهم له منكرون، قال: جيء بالصوامع فوضعه على يده، ثم نقره فطن، فقال: إنه\n_________\n(^٢٤) - التفسير (١٢/ ١٦٢)، وأخرجه ابن أبى حاتم (٧/ ١١٧٢٩) من طريق يونس بن محمد، ثنا صدقة به، وصدفة وأبوه ذكرهما البخاري في \"التاريخ الكبير\" (٤/ ٢٩٧) (٦/ ٩٦) وابن أبى حاتم فى \"الجرح والتعديل\" (٤/ ٤٣٣) (٦/ ٩٦)، ولم يذكرا فيهما جرحًا ولا تعديلًا.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: يوسف.\n[¬٢]- في ز، وخ: قال.\n[¬٣]- في خ: \"إنه\".\n[¬٤]- في خ: فكان.\n[¬٥]- سقط من ز، خ.\n[¬٦]- سقط عن ز.\n[¬٧]- في خ: ستنبئهم.\n[¬٨]- في ت: عليه.","vol":"8","page":19},{"text":"ليخبرني هذا الجام [¬١] أنه كان لكم أخ عن أبيكم يقال له: يوسف، يدنيه دونكم، وأنكم انطلقتم به فألقيتموه في غيابة الجب. قال: ثم نقره فطن، قال: فأتيتم أباكم، فقلتم: إن الذئب أكله، وجئتم على قميصه بدم كذب. قال: فقال بعضهم لبعض إن هذا الجام ليخبره بخبركم.\nقال ابن عباس [﵄] فلا [¬٢] نرى هذه الآية نزلت إلا فيهم ﴿لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾.\n﴿وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ (١٦) قَالُوا يَاأَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ (١٧) وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (١٨)﴾\nيقول تعالى مخبرًا عن الذي اعتمده إخوة يوسف بعد ما ألقوه في غيابة الجب: أنهم [¬٣] رجعوا إلى أبيهم في ظلمة الليل يبكون، ويظهرون الأسف والجزع على يوسف، ويتغممون لأبيهم، وقالوا معتذرين عما وقع فيما زعموا: ﴿إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ﴾ أي: نترامى ﴿وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا﴾ أي: ثيابنا وأمتعتنا ﴿فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ﴾ وهو الذي كان قد جزع منه وحذر عليه.\nوقولهم: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ تلطف عظيم في تقرير ما يحاولونه، يقولون: ونحن نعلم أنك لا تصدقنا والحالة هذه لو كنا عندك صادقين، فكيف وأنت تتهمنا في ذلك؛ لأنك خشيت أن يأكله الذئب فأكله الذئب، فأنت معذور في تكذيبك لنا؛ لغرابة ما وقع، وعجيب ما اتفق لنا في أمرنا هذا.\n﴿وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾ أي: مكذوب مفترى، وهذا من الأفعال التي يؤكدون بها ما تمالئوا عليه من المكيدة، وهو أنهم عمدوا إلى سَخْلَة [¬٤] فيما ذكره مجاهد، والسدي وغير واحد - فذبحوها، ولطخوا ثوب يوسف بدمها، موهمين أن هذا قميصه\n_________\n[¬١]- الجام: إناء للشراب أو الطعام يصنع من الفضة ونحوها.\n[¬٢]- في خ: \"لا\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"ثم\".\n[¬٤]- السخلة: الذكر والأنثى من ولد الضأن والمعز ساعة يولد.","vol":"8","page":20},{"text":"الذي أكله فيه الذئب، وقد أصابه من دمه، ولكنهم نسوا أن يخرقوه؛ فلهذا لم يرج هذا الصنيع على نبي اللَّه يعقوب، بل قال لهم معرضا عن كلامهم إلى ما وقع في نفسه من تمالئهم عليه ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ أي: فسأصبر صبرًا جميلًا على هذا الأمر الذي اتفقتم عليه، حتى يفرجه اللَّه بعونه ولطفه ﴿وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ أي: على ما تذكرون من الكذب والمحال.\nوقال الثوري (^٢٥)، عن سماك، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾ قال [¬١]: لو أكله السبع لخرق الفميص. وكذا قال الشعبي، والحسن، وقتادة، وغير واحد.\nوقال مجاهد: الصبر الجميل الذي لا جزع فيه.\nوروى هشيم (^٢٦)، عن عبد الرحمن بن يحيى (^٢٧)، عن حبان بن أبي جبلة قال: سُئل رسول اللَّه، ﷺ، عن قوله: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ فقال: \"صبر لا شكوى فيه\". وهذا مرسل.\nوقال عبد الرزاق (^٢٨): قال الثوري عن بعض أصحابه: أنه قال: ثلاث من الصبر؛ أن لا تحذث بوجعك، ولا بمصيبتك، ولا تزكي نفسك.\nوذكر البخاري (^٢٩) هاهنا حديث عائشة، ﵂، في الإفك، حتى ذكر قولها: واللَّه، لا أجد لي ولكم مثلًا إلا أبا يوسف ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾.\n_________\n(^٢٥) - إسناده حسن أخرجه ابن جرير (١٢/ ١٦٤)، وابن أبي حاتم (٧/ ١١٣٩٠)، والفريابي، وابن النذر، وأبو الشيخ - كما في \"الدر المنثور\" (٤/ ١٦).\n(^٢٦) - مرسل أخرجه ابن جرير (١٢/ ١٦٦)، وابن أبي حاتم (٧/ ١١٣٩٧)، وزاد نسبته السيوطي في \"الدر المنثور\" (٤/ ١٧) إلى ابن أبي الدنيا في \"كتاب الصبر\" وابن المنذر.\n(^٢٧) - كذا قال هشيم، وصوابه يحيى بن عبد الرحمن أبو شيبة المصري، قال البخاري وغيره: كان هشيم يغلط يقول: عبد الرحمن بن يحيى. \"انظر تهذيب الكمال\" (٣١/ ت ٦٨٧١).\n(^٢٨) - أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٢/ ٣١٩)، ومن طريقه ابن جرير (١٢/ ١٦٦)، وزاد نسبته السيوطي في \"الدر المنثور\" (٤/ ١٧) إلى ابن النذر.\n(^٢٩) - كتاب: التفسير، باب: ﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ (٤٦٩٠، ٤٦٩١). وانظر (سورة النور آية الإفك).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"فقال\".","vol":"8","page":21},{"text":"﴿وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ قَالَ يَابُشْرَى هَذَا غُلَامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (١٩) وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ (٢٠)﴾\nيقول تعالى مخبرًا عما جرى ليوسف ﵇ حين ألقاه إخوته، وتركوه في ذلك الجب فريدًا وحيدًا، فمكث في البئر ثلاثة أيام بم فيما قاله أبو بكر بن عياش (^٣٠).\nوقال محمد بن إسحاق (^٣١): لما ألقاه إخوته جلسوا حول البئر يومهم ذلك، ينظرون ماذا [¬١] يصنع وما يصنع به، فساق اللَّه له سيارة فنزلوا قريبًا من تلك البئر، وأرسلوا واردهم، وهو الذي يتطلب لهم الماء، فلما جاء ذلك البئر وأدلى دلوه فيها، تشبث يوسف، ﵇، فيها، فأخرجه واستبشر به وقال: ﴿يَا بُشْرَى [¬٢] هَذَا غُلَامٌ﴾.\nوقرأ بعض القراء: ﴿يَا بُشْرَى [¬٣]﴾، فزعم السدي: أنه اسم رجل ناداه ذلك الرجل الذي أدلى دلوه، مُعْلِمًا له أنه أصاب غلامًا، وهذا القول من السدي غريب؛ لأنه لم يُسبق إلى تفسير هذه القراءة بهذا إلا في رواية عن ابن عباس (^٣٢)، والله أعلم. وإنما معنى القراءة على هذا النحو يرجع إلى القراءة الأخرى، ويكون قد أضاف البشرى إلى نفسه، وحذف ياء الإِضافة وهو يريدها [¬٤]، كما تقول العرب: يا نفس اصبري، ويا غلام أقبل، بحذف [¬٥] حرف الإِضافة، ويجوز الكسر حينئذ والرفع، وهذا منه، وتفسرها القراءة الأخرى (يا بشراي) واللَّه أعلم.\nوقوله ﴿وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً﴾ أي: وأسره الواردون من بقية السيارة، وقالوا: اشتريناه وتبضعناه من أصحاب الماء، مخافة أن يشاركوهم فيه إذا علموا خبره، قاله مجاهد، والسدي، وابن جرير؛ هذا قول.\n_________\n(^٣٠) - أخرجه ابن أبي حاتم (٧/ ١١٣٦٥) وابن مردويه - كما في \"الدر المنثور\" (٤/ ١٥).\n(^٣١) - أخرجه ابن أبي حاتم (٧/ ١١٤٠٣).\n(^٣٢) - أخرجه ابن جرير عنه (١٢/ ١٦٩) بإسناد ضعيف.\n_________\n[¬١]- في خ: \"ما\".\n[¬٢]- كذا قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر.\n[¬٣]- وهي قراءة عاصم وحمزة والكسائى.\n[¬٤]- في خ: \"يؤيدها\".\n[¬٥]- في خ: \" لحذف \".","vol":"8","page":22},{"text":"وقال العوفي عن ابن عباس (^٣٣) قوله: ﴿وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً﴾ يعني إخوة يوسف أسروا شأنه، وكتموا أن يكون أخاهم، وكتم يوسف شأنه مخافة أن يقتله إخوته، واختار البيع، فذكره إخوته لوارد القوم، فنادى أصحابه ﴿يَا بُشْرَى هَذَا غُلَامٌ﴾ يباع، فباعه إخوته.\nوقوله: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ أي: عليم [¬١] بما يفعله إخوة يوسف ومشتروه، وهو قادر على تغيير ذلك ودفعه، ولكن له حكمة وقدر سابق، فترك ذلك ليمضي ما قدره وقضاه ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾.\nوفي هذا تعريض لرسوله محمد، ﷺ، وإعلام له بأني عالم بأذى قومك لك، وأنا قادر على الإنكار عليهم، ولكني سأملي لهم، ثم أجحل لك العاقبة والحكم عليهم، كما جعلت ليوسَف الحكم، والعاقبة على إخوته.\nوقوله ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾ يقول تعالى: وباعه إخوته بثمن قليل؛ قاله مجاهد، وعكرمة.\nوالبخس: هو النقص؛ كما قال تعالى: ﴿فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا﴾ أي: اعتاض عنه إخوته بثمن دُونٍ قليلِ، وكانوا مع ذلك فيه من الزاهدين، أي: ليس لهم رغبة فيه بل لو سألوه بلا شيء لأجابوا [¬٢].\nقال ابن عباس، ومجاهد، والضحاك: ان الضمير في قوله ﴿وَشَرَوْهُ﴾ عائد على إخوة يوسف. وقال قتادة: بل هو عائد على السيارة.\n[والأول أقوى؛ لأن قوله ﴿وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ﴾ إنما أراد إخوته لا أولئك السيارة؛ لأن السيارة] [¬٣] استبشروا به وأسروه بضاعة، ولو كانوا فيه زاهدين لما اشتروه، فترجح من هذا أن الضمير في ﴿وَشَرَوْهُ﴾ إنما هو لإخوته.\nوقيل: المراد بقوله: ﴿بَخْسٍ﴾ الحرام، وقيل: الظلم، وهذا وإن كان كذلك، لكن ليس هو المراد هنا؛ لأن هذا معلوم يعرفه كل أحد: أن ثمنه حرام على كل حال وعلى كل أحد؛ لأنه نبي ابن نبي ابن نبي ابن خليل الرحمن، فهو الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم، وإنما المراد هنا بالبخس الناقص، أو الزيوف، أو كلاهما، أي: إنهم إخوته وقد\n_________\n(^٣٣) - انظر السابق.\n_________\n[¬١]- في خ: \"يعلم\" ..\n[¬٢]- فى خ: \"جابوا\".\n[¬٣]- سقط من: خ.","vol":"8","page":23},{"text":"باعوه ومع هذا بأنقص الأثمان؛ ولهذا قال: ﴿دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾ فعن ابن مسعود ﵁ (^٣٤): باعوه بعشرين درهمًا.\nوكذا قال ابن عباس (^٣٥)، ونوف البكالي، والسدي، وقتادة، وعطة العوفي، وزاد: اقتسموها درهمين درهمين. وقال مجاهد: اثنان وعشرون درهما. وقال محمد بن إسحاق وعكرمة: أربعون درهما.\nوقال الضحاك في قوله: ﴿وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ﴾ وذلك. أنهم لم يعلموا نبوته ومنزلته عند اللَّه ﷿.\nوقال مجاهد: لما باعوه جعلوا يتبعونهم، ويقولون لهم: استوثقوا منه لا يأبق، حتى وقفوه بمصر فقال: من يبتاعني وليبشر؟ فاشتراه الملك وكان مسلمًا.\n﴿وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٢١) وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٢٢)﴾\nيخبر تعالى بألطافه بيوسف ﵇: أنه [¬١] قيض له الذي اشتراه من مصر، حتى اعتنى به وأكرمه، وأوصى أهله به، وتوسم فيه الخير والفلاح [¬٢]، فقال لامرأته: ﴿أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾ وكان الذي اشتراه من مصر عزيزها وهو الوزير، بها. [قال] [¬٣] العوفي، عن ابن عباس (^٣٦): وكان اسمه قطفير.\n_________\n(^٣٤) - إسناده منقطع أخرجه ابن جرير (١٢/ ١٧٢) من طريق أبي عبيدة عنه به، وذكره الهيثمي في \"المجمع\" (٧/ ٤٢) وقال: \"رواه الطبرانى ورجاله رجال الصحيح إلا أن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه ومع هذا فقد صححه الحاكم (٢/ ٥٧٢) ووافقه الذهبي، وزاد نسبته السيوطي في \"الدر المنثور\" (٤/ ١٨) إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر.\n(^٣٥) - أخرجه ابن جرير (١٢/ ١٧٣) وابن أبي حاتم (٧/ ١١٤٢٤) من طريقين عنه به، والأول إسناده منقطع، والثاني في إسناده مسلم بن كيسان الملائي وهو ضعيف، وزاد نسبته السيوطي (٤/ ١٩) إلى ابن المنذر وأبي الشيخ.\n(^٣٦) - إسناده ضعيف لضعف العوفي، أخرجه أبن جرير (١٢/ ١٧٤ - ١٧٥) وابن أبي حاتم (٧/ ١١٤٣٣).\n_________\n[¬١]- في خ: \" أن \".\n[¬٢]- في خ: \"الصلاح\".\n[¬٣]- مما بين المعكوفين بياض في ز.","vol":"8","page":24},{"text":"وقال محمد بن إسحاق: اسمه أطفير [¬١] بن روحيب وهو العزيز، وكان على خزائن مصر، وكان الملك يومئذ الريان بن الوليد رجل من العماليق. قال: واسم امرأته راعيل بنت رعائيل [¬٢].\nوقال غيره: اسمها زَليخا.\nوقال محمد بن إسحاق أيضًا (^٣٧)، عن محمد بن السائب، عن أبي صالح، عن ابن عباس: كان الذي باعه بمصر مالك بن ذعر بن بُوَيْب [¬٣] بن عفقان بن مديان بن إبراهيم. فالله أعلم.\nوقال أبو إسحاق: عن أبي عبيدة، عن عبد اللَّه بن مسعود أنه قال (^٣٨): أفرس الناس ثلاثة؛ عزيز مصر حين قال لامرأته: ﴿أَكْرِمِي مَثْوَاهُ﴾، والمرأة التي قالت لأبيها عن برسى: ﴿يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ﴾ الآية، وأبو بكر الصديق حين استخلف عمر بن الخطاب ﵄.\nيقول تعالى: وكما أنقذنا ورسف من إخوته ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ﴾ يعني: بلاد مصر ﴿وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾ قال مجاهد والسدي: هو تعبير الرؤيا ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ﴾ أي: إذا أراد شيئًا فلا يرد، ولا يمانع، ولا يخالف، بل هو الغالب [¬٤] لما سواه.\nقال سعيد بن جبير في قوله: ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ﴾ أي: فعال لما يشاء.\n_________\n(^٣٧) - أخرجه ابن جرير (١٢/ ١٧٥).\n(^٣٨) - صحيح بطرقه، أخرجه ابن جرير (١٢/ ١٧٦) وابن أبي حاتم (٧/ ١١٤٣٨) واللالكائي في \"شرح أصول الاعتقاد\" (٧/ ٢٥٢٥) وصححه الحاكم (٣/ ٩٠) ووافقه الذهبي، وأبو عبيدة لم يسمع من أبيه، لكن أخرجه الطبراني في \"الكبير\" (٩/ ٨٨٢٩) من طريق محمد بن كثير، ثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد اللَّه، به، وتابع محمدَ بنَ كثير، وكيعٌ عن سفيان، به، أخرجه ابن جرير (١٢/ ١٧٥) وصححه الحاكم (٢/ ٣٤٥ - ٣٤٦) من هذا الطريق على شرط الشيخين ووافقه الذهبي، وأخرجه سعيد بن منصور، ومن طريقه الطبراني (٨٨٣٠) ثنا أبو الأحوص عن أبى إسحاق ثنا ناس من أصحاب عبد اللَّه فذكره، وذكره الهيثمي في \" المجمع \" (١٠/ ٢٧١) وقال: \"رواه الطبراني بإسنادين ورجال أحدهما رجال الصحيح إن كان محمد بن كثير هو العبدي، وإن كان هو الثقفي فقد وثق على ضعف كثير فيه\" - وعلى كل فهو متابع كما تقدم - والأثر زاد نسبته السيوطي في \" الدر المنثور \" (٤/ ١٩) إلى ابن سعد وابن أبي شيبة وابن المنذر وأبي الشيخ.\n_________\n[¬١]- في ز: أظفير.\n[¬٢]- في ز: رعابيل.\n[¬٣]- في خ: \" قريب \".\n[¬٤]- في خ: \"غالب\".","vol":"8","page":25},{"text":"وقوله: ﴿ولكن أكثر الناس لا يعلمون﴾ يقول: لا يدرون حكمته في خلقه، وتلطفه [وفعله] [¬١] لما يريده [¬٢].\nوقوله: ﴿ولما بلغ﴾ أي: يوسف ﵇ ﴿أشده﴾ أي: استكمل عقله [¬٣]، وتم خلقه ﴿آتيناه حكمًا وعلمًا﴾ يعني: النبوة، أنه حباه بين أولئك الأقوام ﴿وكذلك نجزي المحسنين﴾ أي: إنه كان محسنًا في عمله عاملًا بطاعة الله [¬٤] تعالى، وقد اختلف في مقدار المدة التي بلغ فيها أشده؛ فقال ابن عباس (^٣٩) ومجاهد وقتادة: ثلاث وثلاثون سنة [¬٥]، وعن ابن عباس (^٤٠): بضع وثلاثون، وقال الضحاك: عشرون، وقال الحسن: أربعون سنة، وقال عكرمة: خمس وعشرون سنة، وقال السدي: ثلاثون سنة، وقال سعيد بن جبير: [ثماني عشرة] [¬٦] سنة، وقال الإمام مالك وربيعة بن زيد بن أسلم والشعبي: الأشُدّ: الحلم، وقيل غير ذلك والله أعلم.\n﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٢٣)﴾\nيخبر تعالى عن امرأة العزيز التي كان يوسف في بيتها بمصر، وقد أوصاها زوجها به وبإكرامه، فراودته [¬٧] عن نفسه، أي: حاولته على نفسه ودعته إليها، وذلك أنها أحبته حبًّا شديدًا، لجماله وحسنه وبهائه، فحملها ذلك على أن تجملت له، وغلقت عليه الأبواب، ودعته إلى نفسها ﴿وقالت هيت لك﴾ فامتنع من ذلك أشد الامتناع و﴿قال معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي﴾ وكانوا يطلقون الرب على السيد والكبير، أي: إن بعلك ربي\n_________\n(^٣٩) - إسناده حسن، أخرجه ابن أبي حاتم (٧/ ١١٤٤٣) من طريق عبد الله بن إدريس - وهو ثقة فقيه عابد كما في \"التقريب - عن عبد الله بن عثمان - وهو صدوق - عن مجاهد عنه، به، وأخرجه الطبراني في \"الأوسط\" (٧/ ٦٨٢٩) من طريق صدقة بن يزيد عن عبد الله بن عثمان عن سعيد بن جبير عنه به، وصدقة بن يزيد، قال أحمد: حديثه ضعيف \"الجرح والتعديل\" (٤/ ت ١٨٩٣)، وزاد نسبته السيوطي (٤/ ٢٠) إلى سعيد بن منصور وابن جرير - انظر ما بعده - وابن الأنباري في \"كتاب الأضداد\"، وابن مردويه.\n(^٤٠) - في شده انقطاع، وأخرجه ابن جرير (١٢/ ١٧٧)، وانظر ما قبله.\n_________\n[¬١]- سقط من خ.\n[¬٢]- في ت: \"يريد\".\n[¬٣]- في ز: خلقه.\n[¬٤]- في خ: \"ربه\".\n[¬٥]- سقط من: خ.\n[¬٦]- في ت: \"ثمانية عشر\".\n[¬٧]- سقط من: خ.","vol":"8","page":26},{"text":"أحسن مثواي، أي: منزلي، وأحسن إلى؛ فلا أقابله بالفاحشة في أهله ﴿إنه لا يفلح الظالمون﴾ قال ذلك مجاهد، والسدي، ومحمد بن إسحاق، وغيرهم.\nوقد اختلف القراء في قراءة ﴿هيت لك﴾ فقرأه كثيرون: بفتح الهاء، وإسكان الياء، وفتح التاء [¬١]-، وقال ابن عباس، ومجاهد، وغير واحد: معناه أنها تدعوه إلى نفسها.\nوقال على بن أبي طلحة، والعوفي، عن ابن عباس ﴿هيت لك﴾ تقول: هلم لك.\nوكذا قال زر بن حبيش، وعكرمة، والحسن، وقتادة. قال عمرو بن [عبيد] [¬٢]، عن الحسن: وهي كلمة بالسريانية أي: عليك. وقال السدي ﴿هيت لك﴾ أي: هلم لك، وهي بالقبطية. وقال مجاهد: هي لغة غريبة تدعوه بها. وقال البخاري (^٤١): وقال عكرمة: ﴿هيت لك﴾ أي: هلم لك بالحورانية.\nهكذا ذكره معلقًا، وقد أسنده الإِمام أبو جعفر بن جرير (^٤٢): حدثني أحمد بن سهيل [¬٣] الواسطي، حدثنا قرة بن عيسى، حدثنا النضر بن عربي الجزري، عن عكرمة مولي ابن عباس في قوله ﴿هيت لك﴾ قال: هلم لك؛ قال: هي بالحورانية.\nوقال أبو عبيد القاسم بن سلام: وكان الكسائي يحكي [¬٤] هذه القراءة، يعني ﴿هيت لك﴾ ويقول: هي لغة لأهل حوران وقعت إلى أهل الحجاز، ومعناها: تعال. وقال أبو عبيد [¬٥]: سألت شيخًا عالمًا من أهل حوران فذكر أنها لغتهم يعرفها.\n_________\n(^٤١) - كتاب: \"التفسير\"، باب: \"وراودته التي هو في بيتها عن نفسه وغلقت الأبواب وقالت هيت لك\" وانظر ما بعده.\n(^٤٢) - حسن، والحديث في التفسير (١٢/ ١٧٩) وتصحف هناك - \"النضر بن عربي\" إلى \"النضر بن علي\"، وصوبه العلامة محمود شاكر في طبعته (١٦/ ١٨٩٧٢) وأفاد بأنه لم يجد في الرواة من يسمى بـ \"قرة بن عيسى\" ولكن الذي يروي عن \"النضر بن عربي\" هو: \"بشر بن عبيس بن مرحوم العطار\" وهو مترجم في \"التهذيب\". وشيخ ابن جرير ذكره ابن حبان في \"الثقات\" (٨/ ٥١)، وقال أبو أحمد الحاكم: \"في حديثه بعض المناكير\" \"انظر لسان الميزان\" (١/ ت ٥٩٤) وقد أخرجه عبد بن حميد - كما في \"تغليق التعليق\" لابن حجر (٤/ ٢٢٩) - ثنا جعفر بن عون عن النضر بن عربي به وهذا إسناد حسن، النضر بن عربي وثقه يحيى بن معين وأبو زرعة وابن نمير، وجعفر بن عون، صدوق - كما في \"التقريب\".\n_________\n[¬١]- وهي قراءة عاصم، وأبي عمرو، وحمزة، والكسائي.\n[¬٢]- في ز، خ: \"عتبة\".\n[¬٣] في ز، خ: \"سهل\".\n[¬٤]- في ز: يحب.\n[¬٥]- في خ: \"عبيدة\".","vol":"8","page":27},{"text":"واستشهد الإِمام ابن جرير على هذه القراءة بقول [¬١]- الشاعر لعلي بن أبي طالب ﵁:\nأبْلغ أمير المؤمنيـ … ــــــــــــــــن أخا [¬٢] العراق إذا أتيتا\nأنَّ العراق وأهله … عُنُقٌ [¬٣] إليك فهيت هيتا\nيقول: فتعال واقترب.\nوقرأ ذلك آخرون: (هِئْتُ لك) [¬٤] بكسر الهاء، والهمزة، وضم التاء، بمعنى: تهيأت لك، من قول القائل: هئت للأمر أهيء هيئةً، وممن روي عنه هذه القراءة، ابن عباس، وأبو عبد الرحمن السلمي، وأبو وائل، وعكرمة، وقتادة، وكلهم يفسرها بمعنى: تهيأت لك.\nقال ابن جرير: وكان أبو عمرو، والكسائي ينكران هذه القراءة.\nوقرأ عبد الله بن إسحاق: (هَيتِ) بفتح الهاء وكسر التاء، وهي غريبة.\nوقرأ آخرون منهم عامة أهل المدينة: (هَيتُ) بفتح الهاء وضم التاء، وأنشد قول الشاعر:\nليس قومي بالأبعدين إذا ما … قال داعٍ من العشيرة هَيْتُ\nقال عبد الرزاق (^٤٣): أنبأنا الثوري، عن الأعمش، عن أبي وائل قال: قال ابن مسعود: قد سمعت القَرَأَةَ فسمعتهم متقاربين: فاقرءوا كما عُلِّمتم، وإياكم والتنطع [¬٥] والاختلاف، وإنما هو كقول أحدكم: هلم وتعال. ثم قرأ عبد الله ﴿هَيْتَ لك﴾ فقلت: يا أبا عبد الرحمن، إن ناسًا يقرءونها (هَيْتُ). فقال عبد الله: إني أقرؤها كما عُلِّمت أحبُّ إلى.\n_________\n(^٤٣) - صحيح، رواه عبد الرزاق في تفسيره (٢/ ٣٢٠) ومن طريقه ابن جرير (١٦/ ١٨٩٩٨ - شاكر) وابن أبي حاتم (٧/ ١١٤٦٥)، وأخرجه البخاري، كتاب: التفسير، باب: ﴿وراودته التي هو في بيتها عن نفسه …﴾ (٤٦٩٢) وأبو داود، كتاب: الحروف والقراءات، (٤٠٠٤، ٤٠٠٥)، من طرق عن سليمان الأعمش به مختصرًا.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"قول\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"إذا\".\n[¬٣]- في ز: عتق.\n[¬٤]- وهي قراءة لابن عامر.\n[¬٥]- في خ: \"التمطع والتنطع\".","vol":"8","page":28},{"text":"وقال ابن جرير (^٤٤): حدثنا ابن وكيع، قال حدثنا ابن عيينة، عن منصور، عن أبي وائل قال: قال عبد الله ﴿هَيْتَ لك﴾ فقال له مسروق: إن ناسًا يقرءونها ﴿هَيْتُ لَكَ﴾. فقال: دعوني، فإني أقرأ كما أقرئت أحبُّ إليّ.\nوقال أيضًا (^٤٥): حدثني المثني؛ قال: حدثنا آدم بن أبي إياس، قال: حدثنا شعبة [عن الأعمش] [¬١]، عن شقيق، عن ابن مسعود؛ قال: ﴿هَيْتَ لك﴾ بنصب الهاء والتاء وبلا همز.\nوقرأ [¬٢] آخرون: (هِيتُ لك) بكسر الهاء، وإسكان الياء، وضم التاء.\nقال أبو عبيدة معمر بن المثني: هيت لا تثني، ولا تجمع، ولا تؤنث، بل يخاطب الجميع بلفظ واحد، فيقال: هيت لكَ، وهيت لكِ، وهيت لكما، وهيت لكم، وهيت لهن.\n﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ (٢٤)﴾\nاختلفت [¬٣] أقوال الناس وعباراتهم في هذا المقام؛ وقد زوي عن ابن عباس، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وطائفة من السلف في ذلك ما ذكره [¬٤] ابن جرير، وغيره والله أعلم.\n[وقال بعضهم] [¬٥]: المراد بهمه بها هَمٌّ خطرات وحديث النفس، حكاه البغوي (^٤٦)\n_________\n(^٤٤) - إسناده ضعيف لضعف سفيان بن وكيع، وهو حديث صحيح. التفسير (١٦/ ١٩٠٠٠)، وانظر ما قبله، وما بعده.\n(^٤٥) - صحيح، التفسير (١٦/ ١٩٠٠١)، وأخرجه الحاكم (٢/ ٣٤٦) من طريق إبراهيم بن الحسين، ثنا آدم بن أبي إياس به، وقال: \"حديث صحيح على شرط الشيخين\" ووافقه الذهبي وهو كما قالا، وانظر ما قبله.\n(^٤٦) - وأخرجه أيضًا في \"شرح السنة\" (١٤/ ٤١٤٨)، وأحمد (٢/ ٣١٥)، ومسلم: كتاب الإيمان، باب: \"إذا هم العبد بحسنة كتبت وإذا هم بسيئة لم تكتب\" (٢٠٥) (١٢٩)، وابن حبان (٢/ ٣٧٩) وابن مندة في \"الإيمان\" (٣٧٦) من طريق عبد الرزاق بهذا الإسناد، وسياقه مغاير في بعض الأحرف للسياق الذي أورده المصنف، وأقرب منه لسياق المصنف ما أخرجه أحمد (٢/ ٢٤٢) والبخاري، كتاب التوحيد، باب: قول الله تعالى: ﴿يريدون أن يبدلوا كلام الله﴾ (٧٥٠١)، ومسلم (١٢٨) =\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفين زيادة من ابن جرير و\"المستدرك\" وشعبة لا يروي عن شقيق مباشرة.\n[¬٢]- في خ: وقال.\n[¬٣]- في ز، خ: \"اختلف\".\n[¬٤]- في ت: \"رواه\".\n[¬٥]- في ت: \"وقيل\".","vol":"8","page":29},{"text":"عن بعض أهل التحقيق، ثم أورد البغوي هاهنا حديث عبد الرزاق، عن معمر، عن همام، عن أبي هريرة، ﵁، قال: قال رسول الله، ﷺ: \"يقول الله تعالى: إذا هم عبدي بحسنة فاكتبوها له حسنة، فإن عملها فاكتبوها له بعشر أمثالها، وإن هم بسيئة فلم يعملها فاكتبوها حسنة، فإنما تركها من جرائي، فإن عملها فاكتبوها بمثلها\".\nوهذا الحديث مخرج في الصحيحين وله ألفاظ كثيرة هذا منها.\nوقيل: هم بضربها. وقيل: تمناها زوجة. وقيل: هم بها لولا أن رأي برهان ربه، أي: فلم يهم بها، وفي هذا القول نظر من حيث العربية؛ ذكره [¬١] ابن جرير وغيره.\nوأما البرهان الذي رآه ففيه أقوال أيضًا؛ فعن ابن عباس (^٤٧)، ومجاهد، وسعيد بن جبير، ومحمد بن سيرين، والحسن، وقتادة، وأبي صالح، والضحاك، ومحمد بن إسحاق، وغيرهم: رأي صورة أبيه يعقوب [﵇] عاضًّا على أصبعه بفمه. وقيل عنه في رواية: فضرب في صدر يوسف.\nوقال العوفي (^٤٨)، عن ابن عباس: رأي [¬٢] خيال الملك - يعني: سيده، وكذا قال محمد بن إسحاق فيما حكاه عن بعضهم: إنما هو خيال أطفير [¬٣] سيده حين دنا من الباب.\nوقال ابن جرير (^٤٩): حدثنا أبو كريب؛ قال: حدثنا وكيع، عن أبي مودود، قال: سمعت من محمد بن كعب القرظي قال: رفع يوسف رأسه إلى سقف البيت، فإذا كتاب\n_________\n= والترمذي كتاب: تفسير القرآن، باب: \"ومن سورة الأنعام\" (٣٠٧٥)، والنسائي في \"التفسير\" (٦/ ١١١٨١) لكن من طريق أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة، به. وانظر ما تقدم (سورة البقرة /آية ٢٨٤).\n(^٤٧) - صحيح، أخرجه عبد الرزاق وابن جرير (١٦/ ٤١، ٤٢ / شاكر) وابن أبي حاتم (٧/ ١١٤٧٧، ١١٤٧٨، ١١٤٧٩)، وصححه الحاكم على شرط الشيخين (٢/ ٣٤٦) ووافقه الذهبي، وزاد نسبته السيوطي في \"الدر المنثور\" (٤/ ٢٢) إلى الفريابي وسعيد بن منصور وابن المنذر وأبي الشيخ.\n(^٤٨) - إسناده ضعيف لضعف العوفي، وأخرجه ابن جرير (١٦/ ١٩٠٨٩).\n(^٤٩) - إسناده صحيح، التفسير (١٦/ ١٩٠٨٤) وأبو مودود اسمه عبد العزيز بن أبي سليمان الهُذَلِيُّ، وثقه أحمد، وابن معين، وأبو داود، وابن المديني، وابن نمير مطلقًا، وقصر به الحافظ ابن حجر عن مرتبته، فقال في \"التقريب\": مقبول. وانظر ما بعده.\n_________\n[¬١]- في ت: \"حكاه\".\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في ز، خ: \"أظفير\".","vol":"8","page":30},{"text":"في حائط البيت: ﴿لا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة [] [¬١]- وساء سبيلًا﴾. وكذا رواه أبو معشر المدني (^٥٠) عن محمد بن كعب.\nوقال عبد الله بن وهب (^٥١): أخبرني نافع بن يزيد [¬٢]، عن أبي صخر، قال: سمعت القرظي يقول في البرهان الذي رأه [¬٣] يوسف: ثلاث آيات من كتاب الله ﴿إن عليكم لحافظين﴾ الآية، وقوله: ﴿وما تكون في شأن﴾ الآية، وقوله: ﴿أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت﴾.\nقال نافع: سمعت أبا هلال يقول مثل قول القرظي، وزاد آية رابعة: ﴿ولا تقربوا الزنا﴾. وقال الأوزاعي: رأي آية من كتاب الله في الجدار تنهاه عن ذلك.\nقال ابن جرير: والصواب أن يقال: إنه رأى من آيات الله ما زجره عما كان هم به، وجائز أن يكون صورة يعقوب، وجائز أن يكون صورة الملك، وجائز أن يكون ما رآه مكتوبًا من الزجر عن ذلك، ولا حجة قاطعة على تعيين شيء من ذلك، فالصواب أن يطلق كما قال الله تعالى.\nقال: وقوله: ﴿كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء﴾ أي: كما أريناه برهانًا صرفه عما كان فيه، كذلك نقيه السوء والفحشاء في جميع أموره.\n﴿إنه من عبادنا المخلصين﴾ أي: من المجتبين المطهرين المختارين المصطفين الأخيار، صلوات الله وسلامه عليه.\n﴿وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٥) قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ\n_________\n(^٥٠) - إسناده ضعيف: لضعف أبي معشر، أخرجه ابن جرير (١٦/ ١٩٠٨٦)، وابن أبي حاتم (٧/ ١١٤٨٧)، وأبو معشر المدني هو نجيح بن عبد الرحمن السَّندي، ضعيف، والأثر زاد نسبته السيوطي في \"الدر المنثور\" (٤/ ٢٤) إلى ابن أبي شيبة، وابن المنذر وأبي الشيخ.\n(^٥١) - أخرجه ابن جرير (١٦/ ١٩٠٨٧)، وابن أبي حاتم (٧/ ١١٤٨٩) وأبو صخر هو حميد بن يزيد المدني صدوق يهم، كما في \"التقريب\".\n_________\n[¬١]- في ز، خ: ومقتًا. وهو سهو من الناسخ.\n[¬٢]- في ز، خ: \"سريد\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"رآي\".","vol":"8","page":31},{"text":"فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٢٦) وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٧) فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (٢٨) يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ (٢٩)﴾\nيخبر تعالى عن حالهما حين خرجا يستبقان إلى الباب، يوسف هارب، والمرأة تطلبه ليرجي إلى البيت، فلحقته في أثناء ذلك، فأمسكت بقميصه [من ورائه] [¬١]، فقدته قدًّا فظيعًا يقال: إنه سقط عنه، واستمر يوسف هاربًا ذاهبًا وهي في إثره، فألفيا سيدها وهو زوجها عند الباب، فعند ذلك خرجت مما هي فيه بمكرها وكيدها، وقالت لزوجها متنصلة وقاذفة يوسف بدائها: ﴿ما جزاء من أراد بأهلك سوءًا﴾ أي: فاحشة ﴿إلا أن يسجن﴾ أي: يحبس ﴿أو عذاب أليم﴾ أي: يضرب ضربًا شديدًا موجعًا، فعند ذلك انتصر يوسف، ﵇، بالحق، وتبرأ مما رمته به من الخيانة، و﴿قال﴾ بارًّا صادقًا: ﴿هي راودتني عن نفسي﴾ وذكر أنها اتبعته تجذبه إليها حتى قدت قميصه ﴿وشهد شاهد من أهلها إن كان قميصه قد من قبل﴾ أي: من قدامه ﴿فصدقت﴾ أي: في قولها إنه [أرادها] [¬٢] [على] [¬٣] نفسها؛ لأنه يكون لما دعاها وأبت عليه، دفعته في صدره فقدت قميصه، فيصح ما قالت ﴿وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين﴾ وذلك يكون كما وقع، لما هرب منها، وتطلبته أمسكت بقميصه من ورائه لترده إليها، فقدت قميصه من ورائه.\nوقد اختلفوا في هذا الشاهد: هل هو صغير أو كبير؟ على قولين لعلماء السلف؛ فقال عبد الرزاق (^٥٢):\nأخبرنا إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس ﴿وشهد شاهد من أهلها﴾\n_________\n(^٥٢) - إسناده ضعيف، تفسير عبد الرزاق (٢/ ٣٢٢) ومن طريقه ابن جرير (١٦/ ١٩١٢١)، وابن أبي حاتم (٧/ ١١٥٠٤)، وأخرجه ابن جرير (١٦/ ١٩١١٩،١٩١٢٢) من طريقين عن إسرائيل، به، ورواية سماك عن عكرمة مضطربة، وزاد نسبته السيوطي في \"الدر المنثور\" (٤/ ٢٦) إلى الفريابي وابن المنذر وأبي الشيخ وابن مردويه.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في خ: \"راودها\".\n[¬٣]- في ت: عن.","vol":"8","page":32},{"text":"قال: ذو لحية.\nوقال الثوري (^٥٣)، عن جابر، عن ابن أبي مليكة، عن ابن عباس: كان من خاصة الملك.\nوكذا قال مجاهد وعكرمة، والحسن، وقتادة، والسدي، ومحمد بن إسحاق، وغيرهم: إنه كان رجلًا.\nوقال زيد بن أسلم، والسدي: كان ابن عمها.\nوقال ابن عباس (^٥٤): كان من خاصة الملك.\nوقد ذكر ابن إسحاق: أن زليخا كانت بنت أخت الملك الريان بن الوليد.\nوقال العوفي (^٥٥): عن ابن عباس في قوله ﴿وشهد شاهد من أهلها﴾ قال: كان صبيًّا في المهد.\nوكذا روي عن أبي هريرة (^٥٦)، وهلال بن يساف، والحسن، وسعيد بن جبير، والضحاك بن مزاحم: انه كان صبيًّا في الدار، واختاره ابن جرير.\nوقد ورد فيه حديث مرفوع؛ فقال ابن جرير (^٥٧): حدثنا الحسن بن محمد، حدثنا عفان، حدثنا حماد - هو ابن سلمة - أخبرني عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير،\n_________\n(^٥٣) - إسناده ضعيف لضعف جابر وهو الجعفي، وأخرجه ابن جرير (١٦/ ١٩١١٢)، وابن أبي حاتم (٧/ ١١٥٠٩) من طرق عن الثوري به، وزاد نسبته السيوطي في \"الدر المنثور\" (٤/ ٢٦) إلى الفريابي وأبي الشيخ.\n(^٥٤) - انظر السابق.\n(^٥٥) - إسناده ضعيف، أخرجه ابن جرير (١٦/ ١٩١١٠)، والعوفي ضعيف، وأخرجه ابن أبي حاتم (٧/ ١١٥٠٣) من طريق آخر عن ابن عباس، وضعفه ابن حجر في \"الفتح\" (٦/ ٤٨٠) إذ إن في إسناده أبا سعد البقال واسمه سعيد بن المَرْزُبان، وهو ضعيف مدلس، وعزاه السيوطي (٤/ ٢٥) إلى أبي الشيخ، وانظر الآتي برقم (٦١، ٦٢).\n(^٥٦) - إسناده ضعيف جدًّا، أخرجه ابن جرير (٦/ ١٩١٠٠) عن أبي هريرة موقوفًا، وفي إسناده أبو بكر الهذلي، أخباري متروك الحديث، وله طريق آخر مرفوع عند الحاكم (٢/ ٥٩٥) وصححه على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، لكن لفظه باطل، كما حققه الألباني في \"الضعيفة\" (٢/ ٨٨٠) وانظر ما تقدم (سورة آل عمران/ آية ٤٦).\n(^٥٧) - التفسير (١٦/ ١٩١٠٨) وأخرجه أحمد (١/ ٣٠٩) - عقب طريق أبي عمر الضرير الآتية في التخريج رقم (٥٨) الموقوفة وقال فذكر نحوه موقوفًا. والبزار (١/ رقم ٥٤) والحاكم (٢/ ٤٩٦ - ٤٩٧) - ومن طريقه البيهقي في \"الشعب\" (٢/ ١٦٣٦) - ومن طريق آخر في \"دلائل النبوة\" (٢/ ٣٨٩) =","vol":"8","page":33},{"text":"عن ابن عباس، عن النبي، ﷺ، قال: \"تكلم أربعة وهم صغار … \"، فذكر فيهم شاهد يوسف.\nورواه غيره (^٥٨) عن حماد بن سلمة، عن عطاء، عن سعيد [بن جبير] [¬١]، عن ابن عباس أنه قال: \"تكلم أربعة وهم صغار؛ ابن ماشطة بنت فرعون، وشاهد يوسف، وصاحب جريج، وعيسي بن مريم\".\nوقال ليث بن أبي سليم، عن مجاهد: كان من أمر الله تعالى ولم يكن إنسيًّا. وهذا قول غريب.\nوقوله ﴿فلما رأي قميصه قدّ من دبر﴾ أي: لما تحقق زوجها صدق يوسف، وكذبها فيما قذفته ورمته به ﴿قال إنه من كيدكن﴾ أي: إن هذا البهت واللطخ الذي لطخت عرض هذا الشاب به من جملة كيدكن ﴿إن كيدكن عظيم﴾.\nثم قال آمرًا ليوسف ﵇ بكتمان ما وقع: ﴿يوسف أعرض عن هذا﴾ أي: اضرب عن هذا الأمر صفحًا، أي: فلا تذكره لأحد ﴿واستغفري لذنبك﴾ يقول لامرأته وقد كان لين العريكة سهلًا، أو أنه عذرها؛ لأنها رأت مالا صبر لها عنه، فقال لها:\n_________\n= كلهم من طريق عفان بن مسلم به مرفوعًا وقال الحاكم: \"صحيح الإسناد\" ووافقه الذهبي، كذا قالا، وخالف عفان جمع من الثقات فأوقفوه على ابن عباس، فانظر ما بعده.\n(^٥٨) - أخرجه أحمد (١/ ٣٠٩ - ٣١٠) ومن طريقه الطبراني في \"الكبير\" (١١/ ١٢٢٨٠) عن أبي عمر الضرير، وأخرجه الطبراني أيضًا (١٢٢٧٩) ومن طريقه اختاره الضياء في \"المختارة\" (١/ ٢٨٩، ٢٩٠) من طريق أبي عمر الضرير، وآدم بن أبي إياس وأبي نصر التمار، وأخرجه أحمد (١/ ٣٠١)، وأبو يعلي (٤/ ٢٥١٧) - ومن طريقه الضياء (٢٨٨) وابن حبان (٧/ ٢٩٠٤) والبيهقي في \"الدلائل\" (٢/ ٣٨٩) من طريق هدبة بن خالد، ونسي هدبة أن يسمى أحد الأربعة وهو \"صاحب يوسف\".\nوأخرجه أحمد، وابن حبان (٢٩٠٣) من طريق حسن بن موسى ويزيد بن هارون - ضمن حديث طويل دون قول ابن عباس - كلهم (أبو عمر الضرير، وآدم، وأبو نصر، وهدبة، وحسن، ويزيد) عن حماد بن سلمة، به موقوفًا، ومثل هذا له حكم الرفع، وقد ذكره الهيثمي في \"المجمع\" (١/ ٧٠) وقال: \"رواه أحمد والبزار والطبراني في الكبير والأوسط - لم أقف عليه في المطبوع من الأوسط (*) - وفيه عطاء بن السائب وهو ثقة ولكنه اختلط\" قلت: وقد روي عنه حماد بن سلمة قبل الاختلاط؛ كما قال ابن معين وأبو داود والطحاوي وغيرهم، انظر \"الكواكب النيرات\" لابن الكيال (٣٩) و\"تهذيب التهذيب\" (٣/ ١٠٣) والحديث صححه ابن حبان والحاكم والضياء - كما تقدم - وصححه أيضًا السيوطي كما =\n_________\n[¬١]- سقط من ز، خ.\n(*) وعلى هامش (م) من نسخ \"المعجم\" حسنه الحافظ شمس الدين السخاوي وقال: \"الذي في الأوسط الذي قبله.","vol":"8","page":34},{"text":"﴿استغفري لذنبك﴾ أي: الذي وقع منك من إرادة السوء بهذا الشاب، ثم قذفه بما هو بريء منه، استغفري من [¬١] هذا الذى وقع منك ﴿إنك كنت من الخاطئين﴾.\n﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٣٠) فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ (٣١) قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ (٣٢) قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٣٣) فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٤)﴾\nيخبر تعالى أن خبر يوسف وامرأة العزيز شاع فى المدينة، وهي مصر، حتى تحدث [به الناس] [¬٢] ﴿وقال نسوة في المدينة﴾ مثل نساء الكبراء والأمراء، ينكرن على امرأة العزيز وهو الوزير، ويعبن ذلك عليها ﴿امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه﴾ أي: تحاول غلامها عن نفسه، وتدعوه إلى نفسها ﴿قد شغفها حبًّا﴾ أي: قد وصل حبه إلى شغاف قلبها وهو غلافه.\nقال الضحاك (^٥٩)، عن ابن عباس: الشغف الحب القاتل، والشعف دون ذلك، والشغاف حجاب القلب.\n﴿إنا لنراها في ضلال مبين﴾ أي: في صنيعها هذا من حبها فتاها، ومراودتها إياه عن نفسه.\n_________\n= في \"الدر المنثور\" (٤/ ٢٧٧) وزاد نسبته إلى: \"النسائي وابن مردويه، وصححه أيضًا العلامة أحمد شاكر في \"المسند\" وأعاده المصنف - مطولًا - (الإسراء / آية ١) وقال: \"إسناه لا بأس به، ولم يخرجوه\".\n(^٥٩) - أخرجه ابن أبي حاتم (٧/ ١١٥٢٣) وفي إسناده بشر بن عمارة الخثعمي، ضعيف، وعزاه السيوطى في \"الدر المنثور\" (٤/ ٢٧) إلى أبي الشيخ\n_________\n[¬١]- سقط من: ت.\n[¬٢]- في خ: \"الناس به\".","vol":"8","page":35},{"text":"﴿فلما سمعت بمكرهن﴾ قال بعضهم: بقولهن، وقال محمد بن إسحاق: بل بلغهن حُسْنُ ورسف فأحببن أن يرينه، فقلن ذلك ليتوصلن إلى رؤيته ومشاهدته، فعند ذلك ﴿أرسلت إليهن﴾ أي [¬١]: دعتهن إلى منزلها لتضيفهن ﴿وأعدت لهن متكأ﴾. قال ابن عباس، وسعيد بن جبير، ومجاهد، والحسن، والسدي، وغيرهم: هو المجلس المعد، فيه مفارش ومخاد وطعام، فيه ما يقطع بالسكاكين من أترج ونحوه؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وآتت كل واحدة منهن سكينا﴾ وكان هذا مكيدة منها، ومقابلة لهن في احتيالهن على رؤيته ﴿وقالت اخرج عليهن﴾ وذلك أنها كانت قد خبأته في مكان آخر ﴿فلما﴾ خرج و﴿رأينه أكبرنه﴾ أي: أعْظمنَ شأنه، وأجللن قدره، وجعلن يقطعن أيديهن دهشًا برؤيته، وهن يظنن أنهن يقطعن الأترج بالسكاكين، والمراد: أنهن حززن أيديهن بها؛ قاله غير واحد.\nوعن مجاهد وقتادة: قطعن أيديهن حتى ألقينها، فالله أعلم.\nوقد ذُكر عن زيد بن أسلم أنها قالت لهن بعد ما أكلن وطابت أنفسهن، ثم وضعت بين أيديهن أترجًا وآتت كل واحدة منهن سكينًا: هل لكن في النظر إلى يوسف؟ قلن: نعم. فبعثت إليه تأمره أن اخرج إليهن، فلما رأينه جعلن يقطعن أيديهن، ثم أمرته أن يرجع ليرينه مقبلًا ومدبرًا، فرجع وهن يحززن في أيديهن، فلما أحسسن بالألم جعلن يولولن، فقالت [¬٢]: أنتن من نظرة واحدة فعلتن هذا، فكيف ألامُ أنا؟ ﴿فقلن حاش لله ما هذا بشرًا إن هذا إلا ملك كريم﴾ ثم قلن لها: وما نرى عليك من لوم بعد هذا الذي رأينا. لأنهن لم يرين في البشر شبهه [¬٣] ولا قريبًا منه، فإنه، ﵇، كان قد أعطي شطر الحسن، كما ثبت ذلك في الحديث الصحيح في حديث الإِسراء (^٦٠): أن رسول الله، ﷺ، مر بيوسف، ﵇، في السماء الثالثة قال: \"فإذا هو قد أعطي شطر الحسن\".\nوقال حماد بن سلمة (^٦١)، عن ثابت، عن أنس قال: قال، ﷺ: \"أعطي يوسف وأمه شطر الحسن\".\n_________\n(^٦٠) - صحيح، وسيأتي في (الإسراء/ آية ١). وانظر ما بعده.\n(^٦١) - أخرجه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٧/ كتاب الفضائل، باب (١٣) حديث ٤)، وابن جرير (١٦/ ١٩٢٢٨)، وابن عدي في \"الكامل\" (٥/ ٢٠٢١)، والحاكم (٢/ ٥٧٠)، والذهبي في =\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- في خ: \"فقال\".\n[¬٣]- في خ: شبيهه.","vol":"8","page":36},{"text":"وقال سفيان الثوري (^٦٢)، [عن أبي إسحاق] [¬١]، عن أبي الأحوص، عن عبد الله بن مسعود قال: أعطي يوسف وأمه ثلث الحسن.\nوقال أبو إسحاق أيضًا (^٦٣): عن أبي الأحوص، عن عبد الله قال: كان وجه يوسف مثل البرق، وكانت المرأة إذا أتته لحاجة غطى وجهه مخافة أن تفتن به.\nورواه الحسن البصري مرسلًا عن النبي، ﷺ، أنه قال (^٦٤): \" أعطي يوسف وأمه ثلث حسن أهل الدنيا، وأعطي الناس الثلثين\". أو قال: \"أعطي يوسف، وأمه الثلثين، والناس الثلث\".\n_________\n= \"الميزان\" (ت/ عفان ٥٦٧٨) معلقًا، وابن عساكر في \"التاريخ\" (١٩/ ٢١٨/ ١) من طريق عفان بن مسلم ثنا حماد ابن سلمة به مرفوعًا، وسمي بعضهم أمه فقال: \"يعني سارة\"، وأخرجه أحمد (٣/ ٢٨٦) ثنا عفان به دون ذكر \"أمه\" وقال ابن عدي: هدا الحديث ما أعلم رفعه أحد غير عفان وغيره أوقفه عن حماد بن سلمة، وعفان أشهر وأوثق وأصدق من أن يقال فيه شيء مما ينسب إلى الضعف، وصححه الحاكم على شرط مسلم، ووافقه الذهبي، والموقوف المشار إليه أخرجه ابن أبي حاتم (٧/ ١١٥٥٩) وأبو يعلي في بعض نسخه - كما أثار إلى ذلك محققه لكنه أثبت المرفوع - (٦/ ٣٣٧٣) من طريق سليمان بن المغيرة وشيبان عن حماد به، وليس فيه ذكر \"أمه\"، وبدون هذه الزيادة أخرجه مسلم: كتاب الإيمان، باب: الإسراء برسول الله ﷺ إلى السماوات .. (٢٥٩) (١٦٢)، وأحمد (١٢٥٢٦) (٣/ ١٤٨) من طريقين عن حماد بن سلمة به مرفوعًا - ضمن حديث طويل.\n(^٦٢) - أخرجه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٧/ ك الفضائل، ب (١٣) ح ٥)، وابن جرير (١٦/ ١٩٢٢٤، ١٩٢٢٧)، والطبراني في \"الكبير\" (٩/ ٨٥٥٦) من طرق عن سفيان الثوري به، وأخرجه ابن جرير (١٩٢٢٥، ١٩٢٢٦) من طريق شعبة عن أبي إسحاق به نحوه وأخرجه الطبراني (٨٥٥٥) من طريق شعبة هذه لكن بلفظ: \"أعطي يوسف وأمه ثلثي الحسن\" وانظر ما بعده.\n(^٦٣) - أخرجه ابن أبي حاتم (٧/ ١١٥٦١)، والطبراني (٩/ ٨٥٥٧) من طريق زهير ثنا أبو إسحاق به، وزاد في أوله \"أعطي يوسف وأمه ثلثي - عند ابن ابي حاتم ثلث - الحسن\" - وذكره الهيثمي في \"المجمع\" (٨/ ٢٠٦): وقال: \"رواه الطبراني موقوفًا ورجاله رجال الصحيح، ورواه الطبراني أيضًا - السابق - فقال: \"أعطي يوسف وأمه ثلث الحسن\" والظاهر أنه وهم والله أعلم\". وزاد نسبته السيوطي في \"الدر المنثور\" (٤/ ٣٠) إلى ابن سعد والحكيم الترمذي في \"نوادر الأصول\" وابن المنذر وأبي الشيخ.\n(^٦٤) - منكر، أخرجه ابن جرير (١٦/ ١٩٢٢٩) ثنا ابن حميد قال: ثنا حَكام، عن أبي معاذ عن يونس عنه به، ومع إرساله ففيه علل أخرى؛ قال الألباني في \"الصحيحة\" (٣/ ١٤٨١): \"هو منكر باطل بهذا اللفظ، لمخالفته للحديث الصحيح - المتقدم (٦٢) - ولأن إسناده واهٍ جدًّا، فإنه مع إرساله، فيه أبو معاذ واسمه سليمان بن أرقم وهو متروك، وابن حميد اسمه محمد الرازي ضعيف\" وعزاه السيوطي في \"الدر المنثور\" (٤/ ٣٠) إلى أبي الشيخ.\n_________\n[¬١]- سقط من ز، خ.","vol":"8","page":37},{"text":"وقال سفيان (^٦٥)، عن منصور، عن مجاهد، عن ربيعة الجرشي قال: قسم الحسن نصفين؛ فأعطي يوسف وأمه سارة نصف الحسن، والنصف الآخر بين سائر الخلق.\nوقال الإِمام أبو القاسم السهيلي: معناه أن يوسف، ﵇، كان على النصف من حسن آدم، ﵇، فإن الله خلق آدم بيده على أكمل صورة وأحسنها، ولم يكن في ذريته من يوازيه في جماله، وكان يوسف قد أعطي شطر حسنه.\nفلهذا قال هؤلاء النسوة عند رؤيته: ﴿حاش لله﴾ قال مجاهد وغير واحد: معاذ الله! ﴿ما هذا بشرًا﴾، وقرأ بعضهم ﴿ما هذا بِشِرًى﴾. أي: بمشتري بشراء [¬١]- ﴿إن هذا إلا ملك كريم* قالت فذلكن الذي لمتنني فيه﴾ تقول هذا معتذرة إليهن بأن هذا حقيق بأن [¬٢] يحب لجماله وكماله.\n﴿ولقد راودته عن نفسه فاستعصم﴾ أي: فامتنع، قال بعضهم: لما رأين جماله الظاهر [¬٣] أخبرتهن بصفاته الحسنة التي تخفى عنهن، وهي العفة مع هذا الجمال، ثم قالت تتوعده: ﴿ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن وليكونًا من الصاغرين﴾ فعند ذلك استعاذ يوسف، ﵇، من شرهن وكيدهن، وقال: ﴿رب السجن أحب إليَّ مما يدعونني إليه﴾ أي: من الفاحشة ﴿وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن﴾ أي: إن وكلتني إلى نفسي فليس لي منها [¬٤] قدرة، ولا أملك لها ضرًّا، ولا نفعًا، إلا بحولك، وقوتك، أنت المستعان، وعليك التكلان، فلا تكلني إلى نفسي.\n﴿أصب إليهن وأكن من الجاهلين * فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن إنه هو السميع العليم﴾ وذلك أن يوسف، ﵇، عصمه الله عصمة عظيمة وحماه، فامتنع منها أشد الامتناع، واختار السجن على ذلك، وهذا في غاية مقامات الكمال: أنه مع شبابه وجماله وكماله، تدعوه سيدته، وهي امرأة عزيز مصر، وهي مع هذا في غاية الجمال والمال والرياسة، ويمتنع من ذلك، ويختار السجن على ذلك؛ خوفًا من الله\n_________\n(^٦٥) - إسناده صحيح موقوف، أخرجه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٧/ ك الفضائل، ب (١٣) ح ٢)، وابن أبي حاتم (٧/ ١١٥٦٠)، وابن جرير (١٦/ ١٩٢٣٠) من طريقين عن سفيان به، وتابعه جرير عن منصور به، أخرجه ابن جرير أيضًا (١٦/ ١٩٢٣٢) وربيعة الجرشي مختلف في اسم أبيه، وفي صحبته، فقيل هو ابن عمرو، وقيل: ابن الغاز، قال ابن عساكر: الأول أصح، ذكره ابن سعد فيمن نزل الشام من الصحابة، وقال أبو حاتم: ليس له صحبة، وقال الدارقطني: في صحبته نظر. انظر \"الإصابة\" (٣/ ت ١٩٠٦).\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في خ: أن.\n[¬٣]- في ز: الطاهر.\n[¬٤]- في خ: \"من نفسي\".","vol":"8","page":38},{"text":"ورجاء [¬١] ثوابه.\nولهذا ثبت في الصحيحين (^٦٦) أن رسول الله، ﷺ، قال: \"سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله؛ إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجل قلبه معلق بالمسجد إذا خرج منه حتى يعود إليه، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وافترقا [¬٢] عليه، ورجل تصدّق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما أنفقت يمينه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله، ورجل ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه\".\n﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ (٣٥)﴾\nيقول تعالى: ثم ظهر لهم من المصلحة فيما رأوه أنهم يسجنونه إلى حين، أي: إلى مدة، وذلك بعد ما عرفوا براءته، وظهرت الآيات وهي الأدلة على صدقه في عفته ونزاهته، وكأنهم، والله أعلم، إنما سجنوه لما شاع الحديث؛ إيهامًا أنه راودها عن نفسها، وأنهم سجنوه على ذلك، ولهذا لما طلبه [¬٣] الملك الكبير في آخر المدة امتنع من الخروج حتى تتبين براءته مما نسب إليه من الخيانة، فلما تقرّر ذلك خرج وهو نقي العرض، صلوات الله عليه وسلامه.\nوذكر السدي: أنهم إنما سجنوه؛ لئلا يشيع ما كان منها في حقه، ويبرئ عرضه فيفضحها.\n﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٣٦)﴾\nقال قتادة: كان أحدهما ساقي الملك، والآخر خبازه. قال محمد بن إسحاق: كان اسم الذي على الشراب: بنوا، والآخر: مجلث.\n_________\n(^٦٦) - أخرجه البخاري، كتاب الأذان، باب: من جلس في المسجد ينتظر الصلاة، وفضل المساجد (٦٦٠)، ومسلم، كتاب: الزكاة، باب: فضل إخفاء الصدقة (٩١) (١٠٣١) من حديث أبي هريرة، وسياق المصنف مغاير للفظه عندهما في بعض الأحرف، وقد تقدم بسياق آخر (البقرة/ آية ٢٧١).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"رجاء\".\n[¬٢]- في ت: \"وتفرقا\".\n[¬٣]- في خ: \"طلب\".","vol":"8","page":39},{"text":"قال السدي: وكان سبب حبس الملك إياهما أنه توهم أنهما تمالآ على سمه في طعامه وشرابه.\nوكان يوسف، ﵇، قد اشتهر في السجن بالجود والأمانة، وصدق الحديث وحسن السمت، وكثرة العبادة، صلوات الله عليه وسلامه، ومعرفة التعبير، والإِحسان إلى أهل السجن، وعيادة مرضاهم، والقيام بحقوقهم، ولما دخل هذان الفتيان إلى السجن تآلفا به، وأحباه حبًّا شديدًا، وقالا له (^٦٧): والله، لقد أحببناك حبًّا زائدًا. فقال [¬١]: بارك الله فيكما، إنه ما أحبني أحد إلا دخل عليَّ من محبته ضرر؛ أحبتني عمتي، فدخل عليَّ الضرر بسببها؛ وأحبني أبي فأوذيت بسببه، وأحبتني امرأة العزيز فكذلك، فقالا: والله، ما نستطع إلا ذلك، ثم إنهما رأيا منامًا، فرأي الساقي أنه يعصر خمرًا، يعني: [] [¬٢] عنبًا، وكذلك هي في قراءة عبد الله بن مسعود: (إني أراني أعصر عنبًا) ورواه ابن أبي حاتم (^٦٨): عن أحمد بن سنان، عن يزيد بن هارون، عن شريك، عن الأعمش، عن زيد ابن وهب، عن ابن مسعود: أنه قرأها: (أعصر عنبًا).\nوقال الضحاك في قوله ﴿إني أراني أعصر خمرًا﴾ يعني: عنبًا؛ قال: وأهل عمان يسمون العنب خمرًا.\nوقال عكرمة: [قال له: إني] [¬٣] رأيت - فيما يرى النائم - أني غرست حبلة من عنب، فنبتت فخرج فيها عناقيد فعصرتهنّ، ثم سقيتهن [¬٤] الملك. فقال: تمكث في السجن ثلاثة أيام ثم تخرج فتسقيه خمرًا.\nوقال الآخر وهو الخباز: ﴿إي أراني أحمل فوق رأسي خبزًا تأكل الطير منه نبئنا بتأويله﴾ الآية.\n_________\n(^٦٧) - أخرجه ابن أبي حاتم (٧/ ١١٥٩٨)، وابن جرير (١٦/ ١٩٢٧٢) بسندهما عن مجاهد موقوفًا.\n(^٦٨) - التفسير (٧/ ١١٥٩٩) وحسن إسناده الحافظ ابن حجر في \"الفتح\" (١٢/ ٣٨٢). وشريك هو ابن عبد الله القاضي \"صدوق يخطئ كثيرًا\"، وأخرجه البخاري في \"التاريخ الكبير\" (١/ ٢٧٤ - ٢٧٥) وابن جرير (١٦/ ١٩٢٧٣) من طريق وكيع عن أبي سلمة الصائغ عن إبراهيم بن بشير الأنصاري عن محمد بن الحنفية قال: في قراءة ابن مسعود \"إني أراني أعصر عنبًا\". وأبو سلمة الصائغ ترجم له البخاري في \"التاريخ\" (٣/ ٢٩٨)، وابن أبي حاتم (٣/ ٤٨٥) ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا، وإبراهيم بن بشير الأنصاري لم يوثقه غير ابن حبان (٦/ ٩)، والأثر زاد نسبته السيوطي في \"الدر المنثور\" (٤/ ٣٤) إلى ابن المنذر، وابن الأنباري، وأبي الشيخ، وابن مردويه.\n_________\n[¬١]- في خ: قال.\n[¬٢]- ما بين المعكوفين في ت: خمرًا.\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- في خ: \"سقيت\".","vol":"8","page":40},{"text":"والمشهور عند الأكثرين ما ذكرناه: أنهما رأيا منامًا، وطلبا تعبيره.\nوقال ابن جرير (^٦٩): حدثنا ابن وكيع وابن حميد؛ قالا: حدثنا جرير، عن عمارة بن القعقاع، عن إبراهيم، عن عبد الله [بن مسعود،]؛ قال: ما رأي صاحبا يوسف شيئًا إنما كانا تحالما ليجربا عليه.\n﴿قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (٣٧) وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (٣٨)﴾\nيخبرهما يوسف، ﵇، أنهما مهما رأيا في منامهما من حلم، فإنه [¬١] عارف بتفسيره، ويخبرهما بتأويله قبل وقوعه، ولهذا قال: ﴿لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ﴾.\nقال مجاهد: يقول ﴿لا يأتيكما طعام ترزقانه﴾ [في نومكما] [¬٢] ﴿إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما﴾ وكذا قال السدي، وقال ابن أبي حاتم ﵀ (^٧٠): حدثنا على بن الحسين، حدثنا محمد بن العلاء، حدثنا محمد بن يزيد شيخ له، [عن رشدين] [¬٣] عن الحسن بن ثوبان، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: ما أدري لعل يوسف\n_________\n(^٦٩) - صحيح، التفسير (١٦/ ١٩٢٩٨) ورواه أيضًا (١٩٢٩٦) من طريق سفيان عن عمارة به، وإبراهيم هو ابن في يد النخعي، لم يسمع من ابن مسعود، إلا أن الأعمش قال: قلت لإبراهيم: أسند لي عن ابن مسعود، فقال إبراهيم: إذا حدثتكم عن رجل عن عبد الله فهو الذي سمعت، وإذا قلت: قال عبد الله فهو عن غير واحد عن عبد الله \"التهذيب\" (١/ ١٥٥)، وقد وصله محمد بن فضيل عن عمارة عن إبراهيم عن علقمة - وهو ابن قيس النخعي - عن عبد الله به نحوه، أخرجه ابن جرير (١٩٢٩٧)، وابن أبي حاتم (٧/ ١١٦٣٢)، وله طريق آخر عن ابن مسعود عند ابن أبي حاتم (١١٦٣١) لكنه من رواية أبي عبيدة عنه وهو لم يسمع منه، وزاد نسبته السيوطي (٤/ ٣٦) إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وأبي الشيخ.\n(^٧٠) - إسناده ضعيف، التفسير (٧/ ١١٦٠٧)، ومحمد بن يزيد لم أجد له ترجمة، وشيخه رشدين بن سعد، ضعيف، ولذلك استغربه المصنف.\n_________\n[¬١]- في خ: \"كأنه\".\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- زيادة من المطبوع وهو من الرواة عن الحسن بن ثوبان انظر \" تهذيب الكمال\" [٦/ ١٢٠٨].","vol":"8","page":41},{"text":"﵇ كان يعتاف (^٧١) وهو كذلك؛ لأني أجد في كتاب الله حين قال للرجلين: ﴿لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله﴾ قال: إذا جاء الطعام حلوًا، أو مرًّا اعتاف عند ذلك. ثم [¬١] قال ابن عباس: إنما عُلِّمَ فَعَلِمَ. وهذا أثر غريب.\nثم قال: وهذا إنما هو من تعليم الله إياي؛ لأني اجتنبت ملة الكافرين بالله واليوم الآخر، فلا يرجون ثوابًا، ولا عقابًا في المعاد ﴿واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب﴾ الآية، يقول: هجرت طريق الكفر والشرك، وسلكت طريق هؤلاء المرسلين [¬٢]، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وهكذا [¬٣] يكون حال من سلك طريق الهدي، واتبع طريق [¬٤] المرسلين، وأعرض عن طريق الظالمين، [فإن الله] [¬٥] يهدي قلبه، ويعلمه ما لم يكن يعلم، ويجعله إمامًا يقتدى به في الخير، وداعيًا إلى سبيل الرشاد.\n﴿ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس﴾ هذا التوحيد: وهو الإقرار بأنه لا إله إلا الله [¬٦] وحده لا شريك له ﴿من فضل الله علينا﴾ أي: أوحاه إلينا، وأمرنا به ﴿وعلى الناس﴾ إذ جعلنا دعاة لهم إلى ذلك ﴿ولكنّ أكثر الناس لا يشكرون﴾ أي: لا يعرفون نعمة الله عليهم لإرسال الرسل إليهم، بل ﴿بدّلوا نعمة الله كفرًا وأحلوا قومهم دار البوار﴾.\nوقال ابن أبي حاتم (^٧٢): حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا أبو معاوية، حدثنا حجاج، عن عطاء، عن ابن عباس: أنه كان يجعل الجد أبًا، ويقول: والله، لمن شاء لاعنّاه عند الحجر، ما ذكر الله جدا ولا جدة، قال الله تعالى - يعني [¬٧] إخبارًا عن يوسف -: ﴿واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب﴾.\n﴿يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٣٩) مَا\n_________\n(^٧١) - اعتاف: مارس العِيافَة، والعيافة تطلق على الظَّنّ والحدس، وليس المراد أن يوسف كان يتعاطي العيافة كما كان يتعاطاها أهل الجاهلية، وإنما هو كما يقال للذي يصيب بظنه: ما هو إلّا كاهن، وللبليغ: ما هو إلا ساحر. وانظر النهاية لابن الأثير (٣/ ٣٣٠).\n(^٧٢) - إسناده ضعيف، التفسير (٧/ ١١٦١٢) وحجاج هو ابن أرطاة وهو صدوق كثير الخطأ والتدليس، ولم يصرح بالتحديث.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في خ: \"المسلمين\".\n[¬٣]- في خ: \"وهذا\".\n[¬٤]- سقط من ز.\n[¬٥]- في خ: \"فإنه\".\n[¬٦]- في خ: \"هو\".\n[¬٧]- سقط من: ت.","vol":"8","page":42},{"text":"تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٤٠)﴾\nثم إنّ يوسف، ﵇، أقبل على الفتيين بالمخاطبة، والدعاء لهما إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وخلع ما سواه من الأوثان التي يعبدها قومهما، فقال: ﴿أأرباب متفرّقون خير أم الله الواحد القهار﴾ أي [¬١]: الذي وَليَ كل شيء بعز [¬٢] جلاله وعظمة سلطانه.\nثم بيّن لهما أن التي يعبدونها، ويسمونها آلهة إنما هو جهل منهم، وتسمية من تلقاء أنفسهم تلقاها خلفهم عن سلفهم، وليس لذلك مستند من عند الله؛ ولهذا قال: ﴿ما أنزل الله بها من سلطان﴾ أي: حجة ولا برهان.\nثم أخبرهم أنّ الحكم والتصرف والمشيئة والملك كله لله، وقد أمر عباده قاطبة: أن لا يعبدوا إلا إياه، ثم قال تعالى: ﴿ذلك الدين القيم﴾ أي: هذا الذي أدعوكم إليه من توحيد الله وإخلاص العمل له هو الدين المستقيم، الذي أمر الله به وأنزل به الحجة والبرهان، الذي يحبه ويرضاه ﴿ولكن أكثر الناس لا يعلمون﴾ أي: فلهذا كان أكثرهم مشركين ﴿وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين﴾.\nوقد قال ابن جرير: إنما عدل بهم يوسف عن تعبير الرؤيا إلى هذا؛ لأنه عرف أنها ضارة لأحدهما، فأحب أن يشغلهما بغير ذلك؛ لئلا يعاودوه فيها، فعاودوه فأعاد عليهم الموعظة.\nوفي هذا الذي قاله نظر؛ لأنه قد وعدهما أوّلًا بتعبيرها، ولكن جعل سؤالهما له على وجه التعظيم والاحترام وصلة، وسببًا إلى دعائهما إلى التوحيد والإِسلام، لما رأي في سجيتهما من قبول الخير والإِقبال عليه [¬٣] والإِنصات إليه؛ ولهذا لا فرغ من دعوتهما شرع في تعبير رؤياهما من غير تكرار سؤال فقال:\n﴿يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ (٤١)﴾\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في ت: لعز.\n[¬٣]- في ز، خ: \"له\".","vol":"8","page":43},{"text":"يقول لهما: ﴿يا صاحبي السجن أما أحدكما فيسقي ربه خمرًا﴾ وهو الذي رأي أنه يعصر خمرًا، ولكنه لم يعينه؛ لئلا يحزن ذاك، ولهذا أبهمه في قوله ﴿وأما الآخر فيصلب فتأكل الطير من رأسه﴾ وهو في نفس الأمر الذي رأى أنه يحمل فوق رأسه خبزًا.\nثم أعلمهما أن هذا قد فرغ منه وهو واقع لا محالة؛ لأن الرؤيا على رجل طائر ما لم تعبر، فإذا عبرت وقعت، وقال الثوري (^٧٣)، عن عمارة بن القعقاع عن [إبراهيم عن] [¬١] عبد الله؛ قال: لما قالا ما قالا وأخبرهما، قالا: ما رأينا شيئًا. فقال: ﴿قضي الأمر الذي فيه تسفتيان﴾.\nورواه محمد بن فضيل (^٧٤)، عن عمارة، عن إبراهيم، عن علقمة، عن ابن مسعود، به.\nوكذا فسره مجاهد، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وغيرهم، وحاصله: أن من تحلم بباطل وفسره فإنه يلزم بتأويله، والله تعالى أعلم، وقد ورد في الحديث الشريف [¬٢] الذي رواه الإِمام أحمد: عن معاوية بن حيدة (^٧٥)، عن النبي، ﷺ، قال: \"الرؤيا على رجل طائر ما لم تعبر، فإذا عبرت وقعت\".\nوفي مسند أبي يعلي (^٧٦): من طريق يزيد الرقاشي، عن أنس مرفوعًا: \"الرؤيا لأول عابر\".\n﴿وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ (٤٢)﴾\nلما ظن يوسف، ﵇، [نجاة أحدهما، وهو الساقي] [¬٣]، قال له يوسف خفية\n_________\n(^٧٣) - أخرجه ابن جرير (١٦/ ١٩٢٢٥، ١٩٢٢٦) وانظر ما تقدم برقم (٧٢).\nوإبراهيم لم يسمع من عبد الله، وقد ورد موصولًا عند الحاكم (٢/ ٣٤٦) فأخرجه من طريق سفيان به، غير أنه أدخل بين إبراهيم وعبد الله الأسود وهو ابن يزيد النخعي، وقال الحاكم: \"حديث صحيح\" وسقط من تلخيص الذهبي.\n(^٧٤) - انظر ما تقدم برقم (٧٢).\n(^٧٥) - تقدم تخريجه (٢٠).\n(^٧٦) - إسناده ضعيف، لضعف يزيد الرقاشي، (٧/ ٤١٣١) وأخرجه ابن أبي شيبة في \"المصنف =\n_________\n[¬١]- سقط من ز.\n[¬٢]- سقط من ز، خ.\n[¬٣]- في خ: أن الساقي ناج.","vol":"8","page":44},{"text":"عن الآخر - والله أعلم - لئلا يشعره أنه المصلوب قال له -: ﴿اذكرني عند ربك﴾ يقول: اذكر قضيتي [¬١] عند ربك وهو الملك، فنسي ذلك الموصَى أن يذكر مولاه الملك [¬٢] بذلك، وكان من جملة مكايد الشيطان؛ لئلا يطلع نبي الله من السجن.\nهذا هو الصواب أن الضمير في قوله ﴿فأنساه الشيطان ذكر ربه﴾ عائد على الناجي، كما قاله مجاهد ومحمد بن إسحاق وغير واحد، ويقال: إن الضمير عائد على يوسف، ﵇، رواه ابن جرير عن ابن عباس ومجاهد أيضًا وعكرمة وغيرهم، وأسند ابن جرير هاهنا حديثًا فقال (^٧٧):\nحدثنا ابن وكيع، حدثنا عمرو بن محمد، عن إبراهيم بن يزيد، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس؛ قال: قال النبي، ﷺ: \"لو لم يقل - يعني يوسف - الكلمة التي قال ما لبث في السجن طول ما لبث حيث يبتغي الفرج من عند غير الله\".\n_________\n= (٧/ ك: الإيمان والرؤيا، ب (١١) ح ٣) وابن ماجة، كتاب: تعبير الرؤيا، باب: \"علام تعبر به الرؤيا\" (٣٩١٥) من طريق يزيد الرقاشي به، وقال البوصيري في \"الزوائد\": \"في إسناده يزيد بن أبان الرقاشي، وهو ضعيف\" وقال ابن حجر في \"الفتح\" (١٢/ ٤٣٢): \"وهو حديث ضعيف، فيه يزيد الرقاشي\".\n(^٧٧) - ضعيف جدًّا، التفسير (١٦/ ١٩٣١٥)، وأخرجه الطبراني في \"الكبير\" (١١/ ١١٦٤٠) من طريق إسحاق بن راهويه، أنا عمرو بن محمد به، وقال الهيثمي في \"المجمع\" (٧/ ٤٣): \"فيه إبراهيم بن يزيد القرشي المكي وهو متروك\"، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٢/ ٣٢٣) ومن طريقه ابن جرير (١٦/ ١٩٣١٢) عن ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن عكرمة به مرسلًا - ويذكره المصنف هنا برقم (٨٨) لكن بلفظ آخر - وزاد نسبته السيوطي في \"الدر المنثور\" (٤/ ٣٧) إلى ابن أبي الدنيا في \"كتاب العقوبات\" وابن مردويه. ولفظ الحديث ورد أيضًا من حديث أبي هريرة، فقال ابن حبان (١٤/ ٦٢٠٦): أخبرنا الفضل بن الحباب الجُمحيُّ ثنا مسدد بن مسرهد، حدثنا خالد بن عبد الله، ثنا محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عنه مرفوعًا: \"رحم الله يوسف، لولا الكلمة التي قالها - اذكرني عند ربك - ما لبث في السجن ما لبث … \" لكن قال المصنف في \"البداية والنهاية\" (١/ ٢٣٩): \"حديث منكر من هذا الوجه، ومحمد بن عمرو بن علقمة له أشياء ينفرد بها، وفيها نكارة، وهذه اللفظة من أنكرها وأشدها، والذي في الصحيحين - (انظر ما تقدم، سورة هود/ آية ٨٠/ رقم ٦٢) - يشهد بغلطها والله أعلم\". قال الألباني في \"الصحيحة\" (٤/ ١٨٦٧/ ٤٨٤): \"ويحتمل عندي أن تكون النكارة من شيخ ابن حبان: الفضل بن الحباب، فإن فيه بعض الكلام … \" قلت: قد تابعه أبو حاتم الرازي - وهو من هو في الحفظ والإتقان - ثنا مسدد به بهذه الزيادة، رواه عنه ابنه في \"التفسير\" (٧/ ١١٦٣٤) وعليه فقد عادت النكارة والانفراد إلى محمد بن عمرو - كما قال المصنف ولم تنسب إلى خالد بن عبد الله الواسطي؛ لأنه ثقة ثبت، والله تعالى أعلم.\n_________\n[¬١]- في خ: قصتي.\n[¬٢]- سقط من ز.","vol":"8","page":45},{"text":"وهذا الحديث ضعيف جدًّا؛ لأن سفيان بن وكيع ضعيف، وإبراهيم بن يزيد هو الخُوْزي أضعف منه أيضًا، وقد روي عن الحسن (^٧٨) وقتادة (^٧٩) مرسلًا عن كل منهما، وهذه المرسلات هاهنا لا تقبل لو قبل المرسل من حيث هو في غير هذا الموطن، والله أعلم.\nوأما البضع: فقال مجاهد وقتادة: هو ما بين الثلاث إلى التسع. وقال وهب بن منبه: مكث أيوب في البلاء سبعًا، ويوسف في السجن سبعًا، وعذاب بختنصر سبعًا.\nوقال الضحاك (^٨٠)، عن ابن عباس ﵄ ﴿فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾ قال: ثنتا عشرة سنة. وقال الضحاك: أربع عشرة سنة.\n﴿وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ (٤٣) قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ (٤٤) وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ (٤٥) يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ (٤٦) قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ (٤٧) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ (٤٨) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ (٤٩)﴾\nهذه الرؤيا من ملك مصر مما قدر اللَّه تعالى أنها كانت سببًا لخروج يوسف، ﵇، من السجن معززًا مكرمًا، وذلك أن الملك رأى هذه الرؤيا فهالته، وتعجب من\n_________\n(^٧٨) - أخرجه أحمد في \"الزهد\" (ص ١٥٣)، وابن جرير (١٦/ ٤٩٣١٣، ١٩٣١٤)، وابن أبي حاتم (١١٦٣٥/ ٧)، وابن المنذر وأبو الشيخ - كما في \"الدر المنثور\" (٤/ ٣٧).\n(^٧٩) - أخرجه ابن جرير (١٦/ ١٩٣١٧)، وأبو الشيخ - كما في \"الدر المنثور\" (٤/ ٣٧).\n(^٨٠) - إسناده ضعيف، أخرجه ابن أبي حاتم (٧/ ١١٦٤٥) وفي إسناده بشر بن عمارة: \"ضعيف\".","vol":"8","page":46},{"text":"أمرها وما يكون تفسيرها، فجمع الكهنة والحزاة [¬١] وكبار دولته وأمراءه، وقص [¬٢] عليهم ما رأى، وسألهم عن تأويلها فلم يعرفوا ذلك، واعتذروا إليه [بأن هذا] [¬٣] ﴿أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ﴾ أي: أخلاط اقتضت [¬٤] رؤياك هذه ﴿وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ﴾ أي: ولو [¬٥] كانت رؤيا صحيحة من أخلاط، لما كان لنا معرفة بتأويلها وهو تعبيرها، فعند ذلك تذكر [ذلك] [¬٦] الذي نجا من ذينك الفتيين اللذين كانا في السجن مع يوسف، وكان الشيطان قد أنساه ما وصاه به يوسف من ذكر أمره للملك، فعند ذلك تذكر بعد أمة، أي: مدة، وقرأ بعضهم: (بعد أَمَهٍ) أي: بعد نسيان، فقال [لهم أي] [¬٧]: للملك والذين جمعهم لذلك: ﴿أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ﴾ أي: بتأويل هذا المنام ﴿فَأَرْسِلُونِ﴾ أي: فابعثون إلى يوسف الصديق إلى السجن، ومعنى الكلام: فبعثوه [¬٨] فجاءه فقال: ﴿يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا﴾ وذكر المنام الذي رآه اللك، فعند ذلك ذكر له يوسف، ﵇، تعبيرها، من غير تعنيف [لذلك الفتى] [¬٩] في نسيانه ما وصاه به، ومن غير اشتراط للخروج قبل ذلك، بل قال: ﴿تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا﴾ أي: يأتيكم الخصب والمطر سبع سنين متواليات، ففسر البقر بالسنين؛ لأنها تثير الأرض التى تستغل منها الثمرات والزروع وهن السنبلات الخضر، ثم أرشدهم إلى ما يعتمدونه في تلك السنين، فقال: ﴿فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ﴾ أي: مهما استغللتم [¬١٠] في هذه السبع السنين الخصب، فاخزنوه في سنبله؛ ليكون أبقى له وأبعد عن إصراع الفساد إليه، إلا المقدار الذي تأكلونه، وليكن قليلًا قليلًا لا تسرفوا فيه؛ لتنتفعوا في السبع الشداد، وهن السبع السنين المحل التي تعقب هذه السبع المتواليات [¬١١]، وهن البقرات العجاف اللاتي يأكلن السمان؛ لأن سني [¬١٢] الجدب يؤكل فيها ما جمعوه في سنى [¬١٣] الخصب وهن السنبلات اليابسات.\nوأخبرهم أنهن لا ينبتن شيئًا، وما بذروه فلا يرجعون منه إلى شيء، ولهذا قال: ﴿يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ﴾.\n_________\n[¬١]- جمع حازٍ، اسم فاعل من حزا يحزو حزوًا: إذا تكهن، أو قدر.\n[¬٢]- في خ: فقضى.\n[¬٣]- في خ: بأنها.\n[¬٤]- في خ: اقتضته.\n[¬٥]- في خ: لو.\n[¬٦]- سقط من خ.\n[¬٧]- سقط من: ز، خ.\n[¬٨]- في ز: فبعثوا.\n[¬٩]- في خ: للفتى.\n[¬١٠]- في ز: استغليتم.\n[¬١١]- في ز\" متواليات.\n[¬١٢]- في ز، خ: \"سنين\".\n[¬١٣]- في خ: \"سنين\".","vol":"8","page":47},{"text":"ثم بشرهم بعد الجدب العام المتوالي: بأنه [¬١] يعقبهم بعد ذلك عام فيه يغاث الناس، أي: يأتيهم الغيث وهو المطر، وتغل البلاد، ويعصر الناس ما كانوا يعصرون على عادتهم من زيت ونحوه وسكر ونحوه، حتى قال بعضهم: يدخل فيه حلب اللبن أيضًا.\nقال على بن أبي طلحة (^٨١)، عن ابن عباس: ﴿وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ يحلبون.\n﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ (٥٠) قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٥١) ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ (٥٢) وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥٣)﴾\nيقول تعالى إخبارًا عن الملك لما رجعوا إليه بتعبير رؤياه التي كان رآها بما أعجبه وأينقه [¬٢] فعرف فضل يوسف ﵇ وعلمه وحسن أخلاقه على من ببلده من رعاياه فقال ﴿ائْتُونِي بِهِ﴾ أي: أخرجوه من السجن وأحضروه، فلما جاءه الرسول بذلك امتنع من الخروج حتى يتحقق الملك ورعيته براءة ساحته، ونزاهة عرضه مما نسب إليه من جهة امرأة العزيز، وأن هذا السجن لم يكن على أمر يقتضيه بل كان ظلمًا وعدوانًا، فقال ﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ﴾ الآية\nوقد وردت السنة بمدحه على ذلك والتنبيه على فضله وشرفه وعلو [¬٣] قدره وصبره،\n_________\n(^٨١) - أخرجه ابن جرير (١٦/ ١٩٣٩١)، وابن أبي حاتم (٧/ ١١٦٨٢)، من طريقين عن الفرج بن فضالة عن علي بن أبي طلحة به، والفرج بن فضالة \"ضعيف\"، وأخرجه ابن جرير (١٩٣٩٠) من طريق الحسين ابن داود - الملقب \"سنيد\" - حدثني فضالة عن علي بن أبي طلحة به، كذا وتع في نسخة شاكر وفي نسخة الحلبي (١٢/ ٢٣٣): فضالة، ولم أجد في شيوخ سنيد من اسمه فضالة، لكن من شيوخه \"فرج بن فضالة\" فلعل فيه سقطًا قديمًا والله تعالى أعلم، و\"سنيد\" هذا ضعفه غير واحد من الأئمة.\n_________\n[¬١]- في ز: بأنهم.\n[¬٢]- أي: أعجبه.\n[¬٣]- في ز، خ: \" علي \".","vol":"8","page":48},{"text":"صلوات اللَّه وسلامه عليه، ففي المسند والصحيحين (^٨٢) من حديث الزهري، عن سعيد وأبي سلمة، عن أبي هريرة، ﵁، قال: قال رسول اللَّه، ﷺ: \"نحن أحق بالشك من إبراهيم إذ قال ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾ الآية ويرحم اللَّه لوطًا لقد كان يأوي إلى ركن شديد، ولو لبثتُ في السجن ما لبث يوسف لأجبت الداعي\"\n[وقال الإمام أحمد أيضًا] [¬١] (^٨٣) حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، حدثنا محمد ابن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي، ﷺ، في قوله: ﴿فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾ فقال رسول اللَّه، ﷺ: \"لو كنت أنا لأسرعتُ الإِجابة وما ابتغيتُ العذر\"\nوقال عبد الرزاق (^٨٤) أخبرنا ابن عيينة، عن عمرو بن دينار [عن عكرمة] [¬٢]؛ قال: قال رسول اللَّه، ﷺ: \"لقد عجبتُ من يوسف وصبره وكرمه واللَّه يغفر له - حين سئل عن البقرات العجاف والسمان، ولو كنت مكانه ما أجبتهم حتى أشترط أن يخرجوني، ولقد عجبت من يوسف وصبره وكرمه - واللَّه يغفر له - حين أتاه الرسول، ولو كنتُ مكانه لبادرتهم الباب، ولكنه أراد أن يكون له العذر\". هذا حديث مرسل.\nوقوله تعالى: ﴿قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ﴾ إخبارٌ عن الملك حين جمع النسوة اللاتي قطعن أيديهن عند امرأة العزيز فقال مخاطبًا لهن كلهن وهو يريد امرأة وزيره [] [¬٣] العزيز: ﴿مَا خَطْبُكُنَّ﴾ أي: شأنكن وخبركن ﴿إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ\n_________\n(^٨٢) - صحيح، أخرجه أحمد (٢/ ٣٢٦)، والبخاري، كتاب: الأنبياء، باب: قول اللَّه ﷿ ﴿وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ﴾ (٣٣٧٢)، ومسلم، كتاب: الإيمان، باب: \"زيادة طمأنينة القلب بتظاهر الأدلة (٢٣٨) (١٥١)، وابن ماجه، كتاب، الفتن، باب: \"الصبر على البلاء\" (٤٠٢٦)، وقد تقدم الحديث (البقرة/ آية ٢٦٠).\n(^٨٣) - إسناده حسن، أخرجه أحمد (٢/ ٣٤٦، ٣٨٩) وابن جرير (١٦/ ١٩٤٠١) من طريق عفان به، ابن أبي حاتم (٧/ ١١٦٨٥)، من طريق موسى بن إسماعيل ثنا حماد به، وذكره الهيثمي في \"المجمع\" (٧/ ٤٣) وقال: \"رواه أحمد، وفيه محمد بن عمرو وهو حسن الحديث\". وعزاه السيوطي في \"الدر المنثور\" (٤/ ٤٢) إلى ابن المنذر وأبي الشيخ والحاكم وصححه - والذي في الحاكم (٢/ ٣٤٦ - ٣٤٧) ليس لهذا اللفظ.\n(^٨٤) - مرسل، أخرجه عبد الرزاق (٢/ ٣٢٣) ومن طريقه ابن جرير (١٦/ ١٩٤٠٣)، وأخرجه =\n_________\n[¬١]- في ت: وفي لفظ لأحمد.\n[¬٢]- سقط من ز.\n[¬٣]- في ت: وهو.","vol":"8","page":49},{"text":"نَفْسِهِ﴾ يعني يوم الضيافة ﴿قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ﴾ أي: قالت النسوة جوابًا للملك: حاش لله! أن يكون يوسف متهما، واللَّه ما علمنا عليه من سوء. فعند ذلك ﴿قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ﴾ قال ابن عباس ومجاهد وغير واحد: تقول [¬١] [الآن تبين الحق] وظهر وبرز.\n﴿أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ أي: في قوله: ﴿هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي﴾ ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾ تقول: إنما اعترفت بهذا على نفسي ليعلم [] [¬٢] زوجي أني لم أخنه بالغيب [¬٣] في نفس الأمر ولا وقع المحذور الأكبر، وإنما راودتُ هذا الشاب مراودة فامتنع، فلهذا اعترفت ليعلم أني بريئة ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ * وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾ تقول المرأة: ولست أبرئ نفسي؛ فإن النفس تتحدث وتتمنى ولهذا راودته [لأنها أمارة] [¬٤] بالسوء إلا ما رحم ربي، أي: إلا من عصمه اللَّه تعالى ﴿إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.\nوهذا القول هو الأشهر والأليق والأنسب بسياق القصة ومعاني الكلام، وقد حكاه الماوردي فى تفسيره وانتدب لنصره الإمام العلامة [¬٥] أبو العباس بن تيمية، ﵀، فأفرده بتصنيف على حدة.\nوقد قيل: إن ذلك من كلام يوسف، ﵇، من قوله: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ﴾ [فى زوجته] [¬٦] ﴿بِالْغَيْبِ﴾ الآيتين، أي إنما رددت الرسول ليعلم الملك براءتي وليعدم العزيز ﴿أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ﴾ فى زوجته ﴿بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ﴾ الآية، وهذا القول هو الذي لم يحك ابن جرير ولا ابن أبي حاتم سواه.\nقال [¬٧] ابن جرير (^٨٥): حدثنا أبو كريب، حدثنا وكيع، عن إسرائيل، عن سماك، عن\n_________\n- ابن أبي حاتم (٧/ ١١٦٨٦) ثنا أبي، ثنا محمد بن أبي عمر العدني، ثنا سفيان به، وذكره ابن حجر في \" الفتح \" (١٢/ ٣٨٢) وقال: \" هذا مرسل \" وزاد نسبته السيوطي (٤/ ٤٠) إلى ابن المنذر، وصححه موصولا الشيخ الألباني في الصحيحة (٤/ ١٩٤٥) من حديث ابن عباس، وانظر ما تقدم برقم (٨١).\n(^٨٥) - إسناده ضعيف، أخرجه ابن جرير (١٦/ ١٩٤٢٨)، وأخرجه (١٩٤٢٩) ثنا ابن وكيع ثنا أبي، وأخرجه أيضًا (١٩٤٣٠) وابن أبي حاتم (٧/ ١١٦٩٣) من طريقين عن إسرائيل به، ورواية سماك عن عكرمة مضطربة، وأخرجه الحاكم (٢/ ٣٤٦) والبيهقي في \" الشعب \" (٥/ ٧٢٩٠)، وفي \"الزهد\" (٣٦١) من طريق إسرائيل عن خصيف عن عكرمة به نحوه، وخصيف هو إلى عبد الرحمن الجزري=\n_________\n[¬١]- في ز: يقول.\n[¬٢]- في ز: ذلك.\n[¬٣]- سقط من ز.\n[¬٤]- في ت: \"لأن النفس لأمارة\".\n[¬٥]- سقط من: ت.\n[¬٦]- ساقطة من: خ.\n[¬٧]- في ز، خ: \"وقال\".","vol":"8","page":50},{"text":"عكرمة، عن ابن عباس قال: لما جمع الملك النسوة، فسألهن: هل راودتن يوسف عن نفسه؟ ﴿قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ﴾ الآية، قال يوسف: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾ الآية قال [¬١]: فقال له جبري ﵇: ولا يوم هممت بما هممت به؟ فقال: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾ الآية.\nوهكذا قال مجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة وابن أبي الهذيل والضحاك والحسن وقتادة والسدي، والقول الأول أقوى وأظهر؛ لأن سياق الكلام كله من كلام امرأة العزيز بحضرة الملك، ولم يكن يوسف، ﵇، عندهم، بل بعد ذلك أحضره الملك.\nوَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ (٥٤) قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (٥٥)\nيقول تعالى إخبارًا عن الملك حين تحقق براءة يوسف، ﵇، ونزاهة عرضه مما نسب إليه قال: ﴿ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي﴾ أي: أجعله من أخصائي [¬٢] وأهل مشورتى ﴿فَلَمَّا كَلَّمَهُ﴾ أي: خاطبه الملك وعرفه، ورأى فضله وبراعته، وعلم ما هو عليه من خُلق وخَلْق وكمال، قال له الملك: ﴿إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ﴾ أي: إنك عندنا قد بقيت ذا مكانة وأمانة، فقال يوسف ﵇: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ مدح نفسه، ويجوز للرجل ذلك إذا جهل أمره للحاجة، وذكر أنه ﴿حَفِيظٌ﴾ أي: خازن أمين ﴿عَلِيمٌ﴾ ذو علم وبصر بما يتولاه.\nوقال شيبة بن نعامة: حفيظ لما استودعتني، عليم بِسني [¬٣] الجدب. رواه ابن أبي حاتم (^٨٦).\nوسأل العمل لعلمه بقدرته عليه، ولما [في ذلك] [¬٤] من المصالح للناس، وإنما سأل [¬٥]\n_________\n= صدوق سيئ الحفظ. وزاد نسبته السيوطي (٤/ ٤٢) إلى الفريابي وابن المنذر وأبي الشيخ.\n(^٨٦) - التفسير (٧/ ١١٧١٧) ثنا على بن الحسين، ثنا محمد بن أبي حماد، ثنا إبراهيم بن مختار عنه به، وأخرجه ابن جرير (١٦/ ١٩٤٥٧) ثنا ابن حميد ثنا إبراهيم بن المختار به، وإبراهيم بن المختار، صدوق ضعيف الحفظ - كما في \"التقريب\" وصاحب القول شبية بن نعامة، ضعفه يحيى بن معين وابن الجارود وقال البزار: كانت عنده أخبار، وهو بين الحديث، انظر \"لسان الميزان\" (٢/ ٣٧٦٦).\n_________\n[¬١]- سقط من: ت.\n[¬٢]- في ت: \" خاصتي \".\n[¬٣]- في ز، خ: \"سنين\".\n[¬٤]- في ت: \"فيه\".\n[¬٥]- في خ: سأله.","vol":"8","page":51},{"text":"أن يجعل [¬١] على خزائن الأرض: وهي الأهرام التي يجمع فيها الغلات، لما يستقبلونه [¬٢] من السنين التي أخبرهم بشأنها، ليتصرف [¬٣] لهم على الوجه الأحوط والأصلح والأرشد، فأجيب إلى ذلك رغبة فيه وتكرمة له، ولهذا [¬٤] قال تعالى:\n﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦) وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٥٧)﴾\nيقول تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: أرض مصر ﴿يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ﴾. قال السدي وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم: يتصرف فيها كيف يشاء.\nوقال ابن جرير: يتخذ منها منزلًا حيث شاء [¬٥] بعد الضيق والحبس والإسار ﴿نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ أي: وما أضعنا صبر يوسف عَلى أذى إخوته وصبره على الحبس بسبب امرأة العزيز، فلهذا أعقبه اللَّه ﷿ السلامة والنصر والتأييد ﴿وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ * وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ يخبر تعالى: أن ما ادخره اللَّه تعالى لنبيه يوسف، ﵇، في الدار الآخرة أعظم وأكثر وأجل مما خوله من التصرف والنفوذ في الدنيا، كقوله [¬٦] في حق سليمان، ﵇: ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ * وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾.\nوالغرض: أن يوسف، ﵇، ولَّاه ملك مصر الريان بن الوليد الوزارة في بلاد مصر، مكان الذي اشتراه من مصر زوج التي راودته، وأسلم الملك على يدي يوسف، ﵇؛ قاله مجاهد.\nوقال محمد بن إسحاق (^٨٧): لما قال يوسف للملك: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ قال الملك: قد فعلتُ، فولاه فيما ذكروا عمل أطفير، وعزل [¬٧] أطفير عما كان عليه، يقول اللَّه ﷿: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ قال: فذكر لي - والله أعلم -:\n_________\n(^٨٧) - أخرجه ابن جرير (١٦/ ١٩٤٥٩) وابن أبي حاتم (٧/ ١١٧٢٣) من كلام ابن إسحاق.\n_________\n[¬١]- في خ: يجعله.\n[¬٢]- في خ: \"يستقبلوه\".\n[¬٣]- في خ: فيتصرف.\n[¬٤]- في خ: \"ولذلك\".\n[¬٥]- في خ: يشاء.\n[¬٦]- في خ: \"كما قال تعالى\".\n[¬٧]- في خ: \"عمل\".","vol":"8","page":52},{"text":"أن أطفير هلك في تلك الليالي، وأن الملك الريان بن الوليد زوّج يوسف امرأة أطفير راعيلَ، وأنها حين دخلت عليه قال لها: أليس هذا خيرًا كما ترى كنت تريدين؟ قال: فيزعمون أنها قالت: أيها الصديق، لا تلمني، فإني كنت امرأة كما ترى حسناء جميلة، ناعمة في ملك ودنيا، وكان صاحبي لا يأتي النساء، وكنتَ كما جعلك اللَّه في حسنك وهيئتك [¬١] على ما رأيت. فيزعمون أنه وجدها عذراء فأصابها، فولدت له رجلين؛ أفرائيم ابن يوسف وميشا بن يوسف، وولد لأفرائيم نون والد يوشع بن نون، ورحمة امرأة أيوب ﵇.\nوقال الفضيل بن عياض: وقفت امرأة العزيز على ظهر الطريق حتى مر يوسف فقالت: الحمد لله الذي جعل العبيد ملوكا بطاعته، والملوك عبيدًا بمعصيته.\n﴿وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (٥٨) وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (٥٩) فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلَا تَقْرَبُونِ (٦٠) قَالُوا سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ (٦١) وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٦٢)﴾\nذكر السدي ومحمد بن إسحاق وغيرهما من المفسرين: أن السبب الذي أقدم إخوة يوسف بلاد مصر، أن يوسف، ﵇، لما باشر الوزارة بمصر، ومضت السبع سنين الخصبة، ثم تلتها [سنينُ الجدب] [¬٢]، وعم القحط بلاد مصر بكمالها، ووصل إلى بلاد كنعان، وهي التي فيها يعقوب، ﵇، وأولاده، وحينئذٍ احتاط يوسف، ﵇، للناس في غلاتهم، وجمعها أحسن جمع، فحصل من ذلك مبلغ عظيم، وأهراء [¬٣] متعددة هائلة، وورد عليه الناس من سائر الأقاليم والمعاملات، يمتارون لأنفسهم وعيالهم، فكان لا يعطي الرجل أكثر من حمل بعير في السنة، وكان، ﵇، لا يشبع نفسه، ولا يأكل هو والملك وجنودهما إلا أكلة واحدة في وسط النهار، حتى يتكفى الناس بما في أيديهم مدّة السبع سنين، وكان رحمة من اللَّه على أهل مصر.\n_________\n[¬١]- في ز: وهيبتك.\n[¬٢]- في ت: \"السبع سنين المجدبة\".\n[¬٣]- في خ: \"وأهدا\".","vol":"8","page":53},{"text":"وما ذكره بعض المفسرين من أنه باعهم في السنة الأولى بالأموال، وفي الثانية بالمتاع، وفي الثالثة بكذا، وفي الرابعة بكذا، حتى [باعهم بأنفسهم وأولادهم] [¬١] بعد ما تملك عليهم جميع ما يملكون، ثم أعتقهم وردّ عليهم أموالهم كلها - اللَّه أعلم بصحة ذلك، وهو من الإِسرائيليات التي لا تصدق ولا تكذب.\nوالغرض: أنه كان في جملة من ورد للميرة إخوة يوسف عن أمر أبيهم لهم في ذلك، فإنه بلغهم أن عزيز مصر يعطي الناس المام بثمنه، فأخذوا معهم بضاعة يعتاضون بها طعامًا، وركبوا عشرة نفر، واحتبس يعقوب، ﵇، عنده ابنه بنيامين شقيق يوسف ﵇، وكان أحب ولده إليه بعد يوسف، فلما [دخلوا على يوسف] [¬٢] وهو جالس في أبهته ورياسته وسيادته، عرفهم حين نظر إليهم ﴿وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ أي: لا يعرفونه؛ لأنهم فارقوه وهو صغير حديث، وباعوه للسيارة ولم يدروا أين يذهبون به، ولا كانوا يستشعرون في أنفسهم أن يصير إلى ما صار إليه، فلهذا لم يعرفوه، وأما هو فعرفهم.\nفذكر السدي وغيره: أنه شرع يخاطبهم فقال لهم كالمنكر عليهم: ما أقدمكم بلادي؟ فقالوا: أيها العزيز، إنا قدمنا للميرة. قال: فلعلكم عيون؟ قالوا: معاذ اللَّه! قال: فمن أين أنتم؟ قالوا: من بلاد كنعان، وأبونا يعقوب نبي اللَّه. قال: وله أولاد غيركم؟ قالوا: نعم، كنا اثني [¬٣] عشر، فذهب أصغرنا هلك في البرية، وكان أحبنا إلى أبيه، وبقي شقيقه فاحتبسه أبوه ليتسلى به عنه. فأمر بإنزالهم وإكرامهم.\n﴿وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ﴾ أي: وفّاهم كيلهم، وحمل لهم أحمالهم، قال: ائتوني بأخيكم هذا الذي ذكرتم؛ لأعلم صدقكم فيما ذكرتم ﴿أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾ يرغبهم في الرجوع إليه، ثم رهبهم فقال: ﴿فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلَا تَقْرَبُونِ﴾ الآية، أي: إن لم تقدموا به معكم في المرة الثانية فليس لكم عندي ميرة ﴿وَلَا تَقْرَبُونِ * قَالُوا سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ﴾ أي: سنحرص على مجيئه إليك بكل ممكن، ولا نبقي مجهودًا لتعلم صدقنا فيما قلناه.\nوذكر السدي أنه أخذ منهم رهائن حتى يقدموا به معهم، وفي هذا نظر؛ لأنه أحسن إليهم ورغبهم كثيرًا، وهذا لحرصه على رجوعهم.\n﴿وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ [¬٤]﴾ أي: لغلمانه [¬٥] ﴿اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ﴾ أي: التي قدموا بها\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- في خ: \"فلما دخلوا عليه\".\n[¬٣]- في خ: \"اثنا\".\n[¬٤]- كذا في ز، خ. وهي قراءة نافع وأبي عمرو وعبد اللَّه بن كثير وابن عامر.\n[¬٥]- في ت: \" غلمانه \".","vol":"8","page":54},{"text":"ليمتاروا عوضًا عنها ﴿فِي رِحَالِهِمْ﴾ أي: في أمتعتهم من حيث لا يشعرون ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ بها.\nقيل: خشي يوسف، ﵇، أن لا يكون عندهم بضاعة أخرى يرجعون للميرة بها، وقيل: تذمم أن يأخذ من أبيه وإخوته عوضًا عن الطعام.\nوقيل: أراد أن يردهم إذا وجدوها في متاعهم تحرجًا وتورعًا؛ لأنه يعلم [ذلك منهم]، واللَّه أعلم.\n﴿فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى أَبِيهِمْ قَالُوا يَاأَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٦٣) قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٦٤)﴾\nيخبر تعالى عنهم أنهم لما [¬١] رجعوا إلى أبيهم ﴿قَالُوا يَاأَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ﴾ يعنون بعد هذه المرة إن لم ترسل معنا أخانا بنيامين، ﴿فأرسله معنا نكتل﴾ قرأ بعضهم بالياء [¬٢] أي: يكتل هو ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ أي: لا تخف عليه فإنه سيرجع إليك، وهذا كما قالوا له في يوسف: ﴿أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾، ولهذا قال لهم: ﴿قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ﴾ أي: هل أنتم صانعون به إلا كما صنعتم بأخيه من قبل، تغيبونه عني وتحولون بيني وبينه؟ ﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا﴾ [¬٣] وقرأ بعضهم: ﴿حَافِظًا﴾ [¬٤]، ﴿وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ أي: هو أرحم الراحمين بي، وسيرحم كبري وضعفي ووجدي بولدي، وأرجو من اللَّه أن ورده عليَّ، ويجمع شملي به، إنه أرحم الراحمين.\nوَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قَالُوا يَاأَبَانَا مَا نَبْغِي هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذَلِكَ\n_________\n[¬١]- زيادة من ز.\n[¬٢]- وهم حمزة والكسائي.\n[¬٣]- كذا، وهي قراءة نافع وأبي عمرو وابن كثير وابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر.\n[¬٤]- وهي قراءة حفص عن عاصم وحمزة والكسائي.","vol":"8","page":55},{"text":"كَيْلٌ يَسِيرٌ (٦٥) قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ (٦٦)﴾\nيقول تعالى: ولما فتح إخوة يوسف متاعهم وجدوا بضاعتهم ردت إليهم، وهي التي كان أمر يوسف فتيانه بوضعها في رحالهم، فلما وجدوها في متاعهم ﴿قَالُوا يَاأَبَانَا مَا نَبْغِي﴾ أي: ماذا نريد ﴿هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا﴾ كما قال قتادة: ما نبغي وراء هذا: إنّ بضاعتنا ردت الينا وقد أوفى لنا الكيل.\n﴿وَنَمِيرُ أَهْلَنَا﴾ أي: إذا أرسلت أخانا معنا نأتي بالميرة إلى أهلنا ﴿وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ﴾ ذلك أن يوسف، ﵇، كان يعطي كل رجل حمل بعير، وقال مجاهد: حمل حمار، وقد يسمى فى بعض اللغات بعيرًا كذا قال.\n﴿ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ﴾ هذا من تمام الكلام وتحسينه، أي: ان هذا يسير في مقابلة أخذ أخيهم، ما يعدل هذا [هذا] [¬١] ﴿قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ﴾ أي: تحلفون بالعهود والمواثيق ﴿لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾ إلا أن تغلبوا كلكم ولا تقدرون على تخليصه [¬٢] ﴿فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ﴾ أكده عليهم فقال: ﴿اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾.\nقال ابن إسحاق: وإنما فعل ذلك لأنه لم يجد بدًّا من بعثهم لأجل الميرة التي لا غنى لهم [¬٣] عنها فبعثه معهم.\n﴿وَقَالَ يَابَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (٦٧) وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٦٨)﴾\nيقول تعالى إخبارًا عن يعقوب، ﵇،: أنه أمر بنيه لما جهزهم مع أخيهم بنيامين\n_________\n. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n[¬١]- سقط من خ.\n[¬٢]- لي ز، خ: \"تحصيله\".\n[¬٣]- في ز: بهم.","vol":"8","page":56},{"text":"إلى مصرَ أن لا يدخلوا كلهم من باب واحد، وليدخلوا من أبواب متفرقة، فإنه كما قال ابن عباس (^٨٨) ومحمد بن كعب ومجاهد والضحاك وقتادة والسدي [وغير واحد] [¬١]: إنه خشي عليهم العين، وذلك أنهم كانوا ذوي جمال وهيئة حسنة ومنظر وبهاء، فخشي عليهم أن يصيبهم الناس بعيونهم، فإن العين حق تستنزل الفارس عن فرسه.\nوروى ابن أبي حاتم (^٨٩): عن إبراهيم النخعي في الآية في قوله: ﴿وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ﴾ قال: علم أنه سيلقى إخوته في بعض تلك الأبواب.\nوقوله: ﴿وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ أي: إن هذا الاحتراز لا يردّ قضاء الله وقدره، فإن الله إذا أراد شيئًا لا يخالف ولا يمانع ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (٦٧) وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا﴾ قالوا: هي دفع إصابة العين لهم ﴿وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ﴾.\nقال قتادة والثوري: لذو [عمل بعلمه] [¬٢].\nوقال ابن جرير: لذو علم لتعليمنا إياه ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾.\n﴿وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ قَالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٦٩)﴾\nيخبر تعالى عن إخوة يوسف لما قدموا على يوسف، ومعهم أخوه شقيقه بنيامين، فأدخلهم [¬٣] دار كرامته، ومنزل ضيافته، وأفاض عليهم الصلة والألطاف والإحسان، واختلى بأخيه فأطلعه على شأنه، وما جرى له وعرفه أنه أخوه، وقال له: لا تبتئس أي: لا تأسف على ما صنعوا بي، وأمره بكتمان ذلك عنهم، وأن لا يطلعهم على ما أطلعه عليه من أنه أخوه، وتواطأ معه أنه سيحتال على أن يبقيه عنده معززًا مكرّمًا معظمًا.\n﴿فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ\n_________\n(^٨٨) - أخرجه ابن جرير (١٦/ ١٩٤٩٠) من طريق عطية العوفى عنه، وعطية ضعيف.\n(^٨٩) - (٧/ ١١٧٦٩) وفي إسناده يحيى بن عبد الحميد الحماني، اتهم بسرقة الحديث.\n_________\n[¬١]- سقط من ز.\n[¬٢]- فى ت: علم يعلمه.\n[¬٣]- في خ: وأدخلهم.","vol":"8","page":57},{"text":"إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ (٧٠) قَالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ مَاذَا تَفْقِدُونَ (٧١) قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ (٧٢)﴾\nلما جهزهم وحمّل لهم أبعرتهم طعامًا، أمر بعض فتيانه أن يضع السقاية: وهي إناء من فضة في قول الأكثرين، وقيل: من ذهب - قاله ابن زيد - كان يشرب فيه، ويكيل للناس به من عزة الطعام إذ ذاك؛ قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك وعبد الرحمن بن زيد.\nوقال شعبة (^٩٠)، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﴿صُوَاعَ الْمَلِكِ﴾ قال: كان من فضة يشربون فيه وكان مثل المكوك، وكان للعباس مثله في الجاهلية. فرضعها في متاع بنيامين من حيث لا يشعر أحد، ثم نادى مناد بينهم: ﴿أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾ فالتفتوا إلى المنادي، وقالوا: ﴿مَاذَا تَفْقِدُونَ (٧١) قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ﴾ أي: صاعه الذي يكيل به ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ﴾ وهذا من باب الجعالة ﴿وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ وهذا من باب الضمان والكفالة.\n﴿قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ (٧٣) قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ (٧٤) قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٧٥) فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ (٧٦)﴾\nلما اتهمهم [¬١] أولئك الفتيان بالسرقة، قال لهنم إخوة يوسف: ﴿قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا\n_________\n(^٩٠) - إسناده صحيح، أخرجه أحمد - كما في \"الفتح\" لابن حجر (٨/ ٣٥٩) - ومن طريقه اختاره الضياء في \"المختارة\" (١٠/ ٩٣) من طريق محمد بن جعفر ثنا شعبة، به، وأخرجه ابن جرير (١٦/ ١٩٥٢٥، ١٩٥٢٦، ١٩٥٣٢)، وابن أبي حاتم (٧/ ١١٨٠٠) من طرق عن شعبة به، وعزاه الحافظ ابن حجر إلى ابن منده في \"غرائب شعبة\" وابن مردويه وابن أبي شيبة، وقال: \"إسناده صحيح\"، وزاد نسبته السيوطي (٤/ ٥٠) إلى ابن المنذر وابن الأنباري وأبي الشيخ.\n_________\n[¬١]- في ز: اتهم.","vol":"8","page":58},{"text":"لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ﴾ أي: لقد تحققتم وعلمتم منذ عرفتمونا؛ لأنهم شاهدوا منهم سيرة حسنة - أنَّا ما جئنا للفساد [¬١] في الأرض ﴿وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ﴾.\nأي: ليست سجايانا تقتضي هذه الصفة، فقالت [¬٢] لهم الفتيان: ﴿فَمَا جَزَاؤُهُ﴾ أي: السارق إن كان فيكم ﴿إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ﴾ أي: أيُّ شيء يكون عقوبته إن وجدنا [فيكم] [¬٣] من أخذه؟ ﴿قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾.\nوهكذا كانت شريعة إبراهيم ﵇: أن السارق يدفع إلى المسروق منه، وهذا هو الذي أراد يوسف، ﵇، ولهذا بدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه، أي: فتشها قبله تورية ﴿ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ﴾ فأخذه منهم بحكم اعترافهم والتزامهم، وإلزامًا لهم بما يعتقدونه، ولهذا قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ﴾ وهذا من الكيد المحبوب المراد، الذي يحبه الله ويرضاه، لما فيه من الحكمة والمصلحة المطلوبة.\nوقوله: ﴿مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾ أي: لم يكن له أخذه في حكم ملك مصر، قاله الضحاك وغيره، وإنما قيض الله له أن التزم له إخوته بما التزمره، وهو كان يعلم ذلك من شريعتهم، ولهذا مدحه الله تعالى فقال: ﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ﴾، كما قال تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ﴾ الآية.\n﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ قال الحسن البصري: ليس عالم إلا فوقه عالم حتى ينتهي إلى الله ﷿. وكذا روى عبد الرزاق (^٩١): عن سفيان الثوري، عن عبد الأعلى الثعلبي، عن سعيد بن جبير قال: كنا عند ابن عباس فتحدث [¬٤] بحديث عجيب، فتعجب رجل فقال: الحمد لله! فوق كل ذي علم عليم. فقال ابن عباس: بئس ما قلت! الله العليم وهو فوق كل عالم. وكذا روى سماك (^٩٢)، عن عكرمة، عن ابن عباس\n_________\n(^٩١) - إسناده ضعيف لضعف عبد الأعلى وهو ابن عامر، التفسير (٣/ ٣٢٦، ٣٢٧) ومن طريقه ابن جرير (١٦/ ١٩٥٨٤)، وابن أبي حاتم (٧/ ١١٨٢٩)، وأخرجه ابن جرير (١٩٥٨٢، ١٩٥٨٣) من طريقين عن سفيان به، وأخرجه سعيد بن منصور - ومن طريقه ابن جرير (١٩٥٨٦) - عن أبي الأحوص عن عبد الأعلى به، وأخرجه ابن جرير (١٩٥٨٧) والبيهقي في \"الأسماء والصفات\" (١/ ٢٣٦) من طريق إسرائيل عن عبد الأعلى به، وعبد الأعلى هو ابن عامر الثعلبي، ضعيف، وزاد نسبته السيوطي في \"الدر المنثور\" (٤/ ٥٢) إلى ابن المنذر وأبي الشيخ، وانظر ما بعده.\n(^٩٢) - أخرجه ابن جرير (١٦/ ١٩٥٨٥ شاكر) (١٢/ ٢٧ - حلبي) ووقع هناك \"إسرائيل عن سالم =\n_________\n[¬١]- في ت: \"لنفسد\".\n[¬٢]- في خ: فقال.\n[¬٣]- في ز، خ: \"فيه\".\n[¬٤]- في خ: فحدث.","vol":"8","page":59},{"text":"﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ قال: يكون هذا أعلم من هذا، وهذا أعلم من هذا، والله فوق كل عالم. وهكذا قال عكرمة.\nوقال قتادة: وفوق كل ذي علمٍ عليم حتى ينتهي العلم إلى الله، منه بُدئ وتعلمت العلماء وإليه يعود، وفي قراءه عبد الله: (وفوق كل عالم عليم).\n﴿قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ (٧٧)﴾\nوقال إخوة يوسف لما رأوا الصواع قد أخرج من متاع بنيامين: ﴿إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ يتنصلون إلى العزيز من التشبه به، ويذكرون أن هذا فعل كما فعل أخ له من قبل، يعنون به يوسف، ﵇.\nقال سعيد بن جبير، عن قتادة: كان يوسف قد سرق صنمًا لجده أبي أمه فكسره.\nوقال محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبي نجيح، عن مجاهد قال (^٩٣): كان أول ما دخل على يوسف من البلاء - فيما بلغني -: أن عمته ابنة إسحاق، وكانت أكبر ولد إسحاق، وكانت إليها [¬١] مِنْطَقَةُ [¬٢] إسحاق، وكانوا يتوارثونها بالكبر، وكان [¬٣] من اختبأها [¬٤] ممن وليها كان له سلمًا لا ينازع فيه يصنع فيه ما شاء [¬٥]، وكان يعقوب حين ولد له يوسف قد حضنته عمته، فكان منها [¬٦] وإليها فلم [¬٧] يُحب أحد شيئًا من الأشياء حبها إيّاه، حتى إذا [¬٨] ترعرع وبلغ سنوات، [وقعت] [¬٩] نفس يعقوب، ﵇، فأتاها فقال: يا أخية، سلمي إليَّ يوسف؛ فوالله، ما أقدر على أن يغيب عنى ساعة.\n_________\n= عن عكرمة\" والظاهر أنه تحريف - والله أعلم - فقد أخرجه ابن أبي حاتم (٧/ ١١٨٣٠) وعلقه النحاس في \"معاني القرآن الكريم\" (٣/ ٤٤٩) والقرطبي في \"الجامع لأحكام القرآن\" (٩/ ٢٣٨) من طريق \"إسرائيل عن سماك به\" ثم إن إسرائيل كثير الرواية عن سماك بن حرب، وقد روى أيضًا عن سالم بن عجلان الأفطس، لكن لم نقف على من ذكر أن سالمًا هذا وروى عن عكرمة، والله أعلم.\n(^٩٣) - أخرجه ابن جرير (١٦/ ١٩٦٠٥) وابن أبي حاتم (٧/ ١١٨٣٧).\n_________\n[¬١]- في خ: \"لها\".\n[¬٢]- المنطقة شيء يشد به الوسط.\n[¬٣]- في خ: \"فكان\".\n[¬٤]- في ابن جرير وابن أبي حاتم: اختانها، وهى بمعنى سرقها.\n[¬٥]- في خ: يشاء.\n[¬٦]- في ز، خ: \"معها\".\n[¬٧]- سقط من: خ.\n[¬٨]- سقط من: خ.\n[¬٩]- في خ: تاقت إليه.","vol":"8","page":60},{"text":"قالت: فوالله ما أنا بتاركته. ثم قالت: فدعه عندي أيامًا أنظر إليه وأسكن عنه، لعل ذلك يسليني عنه. أو كما قالت، فلما خرج من عندها يعقوب، عمدت إلى منطقة إسحاق فحزمتها على يوسف من تحت ثيابه، ثم قالت: فقدت منطقة إسحاق، ﵇، فانظروا من أخذها ومن أصابها؟ والتمست [¬١]، ثم قالت: كشفوا أهل البيت، فكشفوهم فوجدوها مع يوسف، فقالت: والله إنه [¬٢] لي لسلم أصنع فيه ما شئت، فأتاها يعقوب فأخبرته الخبر، فقال لها: أنت وذاك إن كان فعل ذلك فهو سلم لك، ما أستطيع غير ذلك، فأمسكته فما قدر عليه بعقوب حتى ماتت. قال: فهو الذي يقول إخوة يوسف حين صنع بأخيه ما صنع حين أخذه ﴿إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ﴾.\nوقوله: ﴿فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ﴾ يعني الكلمة التي بعدها، وهي قوله: ﴿أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ﴾ أي: تذكرون، قال هذا في نفسه ولم يبده لهم، وهذا من باب الإِضمار قبل الذكر، وهو كثير كقول الشاعر:\nجزى بنوه أبا الغيلان عن كبر … وحسن فعل [¬٣] كما يُجزى سنمَّار [¬٤]\nوله شواهد كثيرة من [¬٥] القرآن والحديث واللغة؛ في منثورها وأخبارها وأشعارها، قال العوفي، عن ابن عباس ﴿فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ﴾ قال: أسر في نفسه ﴿أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ﴾.\n﴿قَالُوا يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٧٨) قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ (٧٩)﴾\nلما تعين أخذ بنيامين، وتقرر تركه عند يوسف بمقتضى اعترافهم - شرعوا يترققون له ويعطفونه عليهم فقالوا: ﴿يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا﴾ يعنون: وهو يحبه حبًّا شديدًا، ويتسلى به عن ولده الذى فقده ﴿فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ﴾ أي: بدله يكون عندك عوضا عنه ﴿إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ أي: من [¬٦] العادلين المنصفين القابلين للخير ﴿قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ﴾ أي: كما قدتم واعترفتم ﴿إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ﴾ أي: إن أخذنا بريئًا بسقيم.\n_________\n. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n[¬١]- في ت: \"فالتمست\".\n[¬٢]- في خ: \"إني\"، وفي ز: إن.\n[¬٣]- في ز، خ: \"ظن\".\n[¬٤]- في خ: \"سمارة\".\n[¬٥]- في ت: \"في\".\n[¬٦]- سقط من خ.","vol":"8","page":61},{"text":"﴿فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (٨٠) ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَاأَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ (٨١) وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (٨٢)﴾\nيخبر تعالى عن إخوة يوسف: أنهم لما يئسوا من تخليص أخيهم بنيامين، الذي قد التزموا لأبيهم برده إليه وعاهدره على ذلك، فامتنع عليهم ذلك ﴿خَلَصُوا﴾ أي: انفردوا عن الناس ﴿نَجِيًّا﴾ [¬١] يتناجون فيما بينهم.\n﴿قَالَ كَبِيرُهُمْ﴾ وهو روبيل، وقيل: يهوذا، وهو الذي أشار عليهم بإلقائه فى البئر عندما هموا بقتله، قال لهم: ﴿أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ﴾ لتردنه إليه، فقد رأيتم كيف تعذر عليكم ذلك مع ما تقدم لكم من إضاعة يوسف عنه ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ﴾ أي: لن أفارق هذه البلدة ﴿حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي﴾ في الرجوع إليه راضيًا عني ﴿أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي﴾ قيل: بالسيف، وقيل: بأن يمكنني من أخذ أخى ﴿وَهُوَ خَيْرُ [¬٢] الْحَاكِمِينَ﴾.\nثم أمرهم أن يخبروا أباهم بصورة ما وقع، حتى يكون عذرًا لهم [¬٣] عنده، ويتنصلوا إليه ويبرءوا مما وقع بقولهم [] [¬٤]: ﴿وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ﴾ قال قتادة وعكرمة: ما نعلم [¬٥] أن ابنك يسرق [¬٦].\nوقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: ما علمنا في الغيب أنه يسرق له شيئًا، إنما سألنا: ما جزاء السارق؟ ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا﴾ قيل: المراد مصر، فاله قتادة، وقيل: غيرها ﴿وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا﴾ أي: التى رافقناها [¬٧] عن صدقنا وأمانتنا وحفظنا وحراستنا\n_________\n. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في ز، خ: \"أحكم\".\n[¬٣]- سقط من ز.\n[¬٤]- في ز: وقوله.\n[¬٥]- في ت: \"علمنا\".\n[¬٦]- في ت: \"سرق\".\n[¬٧]- في ز، خ: \"وافقناها\".","vol":"8","page":62},{"text":"﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ فيما أخبرناك به من أنه سرق وأخذوه بسرقته.\n﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٨٣) وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَاأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ (٨٤) قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ (٨٥) قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨٦)﴾\nقال لهم كما قال لهم حين جاءوا على قميص يوسف بدم كذب: ﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾.\nقال محمد بن إسحاق: لما جاءوا يعقوب وأخبروه بما جرى اتهمهم، وظن [¬١] أنها كفعلتهم بيوسف، قال: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾.\n[وقال بعض الناس: لما كان صنيعهم هذا مرتبًا على فعلهم الأول، سحب حكم الأول عليه، وصح قوله: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾] [¬٢].\nثم ترجى من الله أن يرد عليه أولاده الثلاثة: يوسف، وأخا [¬٣] بنيامين، وروبيل الذي أقام بديار مصر ينتظر أمر الله فيه، إما أن يرضى عنه أبوه فيأمره بالرجوع إليه، وإما أن يأخذ أخاه خفية، ولهذا قال: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ [¬٤]﴾ أي: العليم بحالي ﴿الْحَكِيمُ﴾ في أفعاله وقضائه وقدره.\n﴿وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَاأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾ أي: أعرض عن بنيه، وقال متذكرًا حزن يوسف القديم الأول [¬٥] ﴿يَاأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾ جدد له حزن الابنين الحزن الدفين.\nقال عبد الرزاق (^٩٤): أنا الثوري، عن سفيان العصفري [¬٦]، عن سعيد بن جبير أنه قال:\n_________\n(^٩٤) - إسناده صحيح، التفسير (٢/ ٣٢٧)، ومن طريقه ابن جرير (١٦/ ١٩٦٥٨) وأخرجه وكيع =\n_________\n[¬١]- في ت: \"فظن\".\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في خ: \"وأخوه\".\n[¬٤]- سقط من ز.\n[¬٥]- سقط من: ت.\n[¬٦]- في خ: \"الصفري\".","vol":"8","page":63},{"text":"لم يعط أحد غير هذه الأمة الاسترجاع، ألا تسمعون إلى قول يعقوب ﵇: ﴿يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ أي: ساكت لا يشكو أمره إلى مخلوق. قاله قتادة وغيره.\nوقال الضحاك: ﴿فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ كميد حزين.\nوقال ابن أبي حاتم (^٩٥): حدثنا أبي [ثنا أبو سلمة] [¬١]، حدثنا حماد بن سلمة، عن على بن زيد، عن الحسن، عن الأحنف بن قيس: أن النبي، ﷺ، قال: \"إن داود، ﵇، قال: يا رب، إن بني إسرائل يسألونك بإبراهيم وإسحاق ويعقوب فاجعلني لهم رابعًا، فأوحى الله تعالى إليه: أن يا داود، إن إبراهيم ألقي في النار بسببي فصبر، وتلك بلية لم تنلك، وإن إسحاق بذل مهجة دمه بسببي فصبر، وتلك بلية لم تنلك، وإن يعقوب أخذت منه حبيبه فابيضت عيناه من الحزن فصبر، وتلك بلية لم تنلك\" وهذا مرسل [¬٢] وفيه نكارة؛ فإن الصحيح أن إسماعيل هو الذبيح، ولكن على بن زيد [¬٣] بن جدعان له مناكير وغرائب كثيرة، والله أعلم.\nوأقرب ما في هذا أن الأحنف بن قيس، ﵀، حكاه عن بعض بني إسرائيل ككعب ووهب ونحوهما والله أعلم، فإن [بني إسرائيل] [¬٤] ينقلون أن بعقوب كتب إلى يوسف لما احتبس أخاه بسبب السرقة، يتلطف له في رد ابنه، ويذكر له أنهم أهل بيت مصابون بالبلاء، فإبراهيم ابتلي بالنار، وإسحاق بالذبح، ويعقوب بفراق يوسف، في حديث طويل لا يصح والله أعلم، فعند ذلك رق له بنوه، وقالوا له على سبيل الرفق به والشفقة عليه: ﴿تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾ أي: لا تفارق تذكر يوسف ﴿حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا﴾ أي: ضعيف الجسم ضعيف القوّة ﴿أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ﴾ يقولون: إن استمرّ بك هذا الحال خشينا عليك الهلاك والتلف.\n﴿قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ أي: أجابهم عما قالوا بقوله: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو\n_________\n= كما في \"الدر المنثور\" (١/ ٢٨٦) - ومن طريقه ابن أبي حاتم (٧/ ١١٨١) عن سفيان الثوري به، وأخرجه البيهقي في \"الشعب\" (٧/ ٩٦٩١) من طريق أبي عامر عن الثوري، به، وسفيان العصفري هو ابن زياد - ويقال ابن دينار - أبو الورقاء، ثقة. والأثر زاد نسبته السيوطي في \"الدر المنثور\" (١/ ٢٨٦)، (٤/ ٥٧) - إلى ابن المنذر وعبد بن حميد.\n(^٩٥) - مرسل وفيه نكارة والحديث في التفسير (٧/ ١١٨٨٢)، وقد روي موصولًا من حديث العباس بن عبد المطب لكن إسناده ضعيف جدًّا ويأتي تخريجه (الصافات/ آية ١١٣).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفين زيادة من \"التفسير\".\n[¬٢]- في خ: \"منكر\".\n[¬٣]- في خ: \"يزيد\".\n[¬٤]- في خ: \"الإسرائيلين\".","vol":"8","page":64},{"text":"بَثِّي وَحُزْنِي﴾ أي: همي وما أنا فيه ﴿إِلَى اللَّهِ﴾ وحده ﴿وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ أي: أرجو منه كل خير.\nوعن ابن عباس (^٩٦): ﴿وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ أعلم أن رؤيا يوسف صادقة، وأني سوف أسجد له.\nوقال ابن أبي حاتم (^٩٧): حدثنا الحسن بن عرفة، حدثنا يحيى بن عبد الملك بن أبي غنية [¬١]، عن حفص بن عمر بن أبي الزبير، عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"كان ليعقوب النبي، ﵇، أخ مؤاخ له، فقال له ذات يوم: ما الذي أذهب بصرك وقوّس ظهرك؟ قال: أمَّا [¬٢] الذي أذهب بصري فالبكاء [¬٣] على يوسف، وأما الذي قوّس [¬٤] ظهري فالحزن على بنيامين. فأتاه جبريل، ﵇، فقال: [يا يعقوب] [¬٥]، إن الله يقرئك السلام، ويقول لك: أما تستحي أن تشكوني إلى غيري؟ فقال يعقوب: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾. فقال جبريل، ﵇، الله أعلم بما تشكو\".\n_________\n(^٩٦) - إسناده ضعيف، أخرجه ابن جرير (١٦/ ١٩٧١٥) وابن أبي حاتم (٧/ ١١٩٠٨) من طريق عطية العوفي عنه، به.\n(^٩٧) - (٧/ ١١٩٠١) وأخرجه الحاكم (٢/ ٣٤٨) وعنه البيهقي في \"الشعب\" (٣/ ٣٤٠٣) من طريق أبي بكر بن أبي شيبة ثنا يحيى بن عبد الملك عن حفص بن عمر بن أبي الزبير به، وقال: هكذا في سماعي بخط يد \"حفص بن عمر بن الزبير، وأظن الزبير وهمًا من الراوي، فإنه حفص بن عمر بن عبد الله بن أبي طلحة الأنصاري ابن أخي أنس بن مالك، فإن كان كذلك فالحديث صحيح. وأخرجه الطبراني في \"الأوسط\" (٦/ ٦١٠٥)، وفي \"الصغير\" (٢/ ٣٣) ثنا محمد بن أحمد الباهلي عن وهب بن بقية نا يحيى بن عبد الملك عن حصين بن عمر، عن أبي الزبير - كذا وقع - به، وقد ذكره الهيثمي في \"المجمع\" (٧/ ٤٣) وقال: \"رواه الطبراني في الصغير والأوسط عن شيخه محمد بن أحمد الباهلي البصرى وهو ضعيف جدًّا وذكر الحافظ ابن حجر في \"لسان الميزان\" (٢/ ٢٨٩٠)، حفص بن عمر بن أبي الزبير هذا وقال: \"ضعفه الأزدي، فلعله عن أبي الزبير، أو كأنه حفص بن عمر بن كيسان بن أبي يزيد، عن ابن الزبير لا عن أبي الزبير، ولا يعرف من ذا … \" وأخرجه إسحاق بن راهويه في تفسيره ومن طريقه الحاكم وعن الحاكم البيهقي (٣٤٠٤) من طريق زافر بن سليمان عن يحيى بن عبد الملك عن أنس به هكذا منقطعًا ورواه البيهقي أيضًا (٣٤٠٥) عن يحيى بن عبد الملك عن رجاء - هكذا وهو خطأ، وصوابه أبو رجاء الهروي انظر \"تهذيب الكمال\" (٣١/ ت ٦٨٧٥) - عن أنس له، وهذا منقطع أيضًا بين أبي رجاء وأنس، ثم إن الحديث في متنه نكارة كما قال المصنف.\n_________\n[¬١]- في خ: \"بحينة\".\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في ز: البكاء.\n[¬٤]- سقط من: خ.\n[¬٥]- في خ: \"ليعقوب\".","vol":"8","page":65},{"text":"وهذا حديث غريب فيه نكارة.\n﴿يَابَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ (٨٧) فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ (٨٨)﴾\nيقول تعالى مخبرًا عن يعقوب ﵇: إنه ندب بنيه على الذهاب في الأرض يستعلمون أخبار يوسف وأخيه بنيامين.\nوالتحسس يكون في الخير، والتجسس يستعمل [¬١] في الشر.\nونهضهم وبشرهم، وأمرهم أن لا ييأسوا من روح الله، أي: لا يقطعوا رجاءهم وأملهم من الله فيما يرومونه و[يقصدون له] [¬٢]، فإنه لا يقطع الرجاء ويقطع الإِياس من روح [¬٣] الله إلا القوم الكافرون.\nوقوله ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ﴾ تقدير الكلام: فذهبوا فدخلوا مصر ودخلوا على يوسف ﴿قَالُوا يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ﴾ يعنون من الجدب والقحط وقلة الطعام ﴿وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ﴾ أي: ومعنا ثمن الطعام الذي نمتاره وهو ثمن قليل، قاله مجاهد والحسن وغير واحد.\nوقال ابن عباس (^٩٨): الرديء الذي لا ينفق مثل خَلَقِ [¬٤] الغِرَارة [¬٥] والحبل والشيء.\nوفي رواية عنه: الدراهم الرديئة التي لا تجوز إلا بنقصان. وكذا قال قتادة والسدي.\nوقال سعيد بن جبير: هي الدراهم الفسول. وقال أبو صالح: هو الصنوبر وحبة الخضراء. وقال الضحاك: كاسدة لا تنفق. وقال أبو صالح: جاءوا بحب البطم الأخضر\n_________\n(^٩٨) - ورد من طرق عن ابن عباس: انظر تفسير ابن جرير (١٦/ ١٩٧٤١: ١٩٧٤٧)، وابن أبي حاتم (٧/ ١٩٩١٩، ١٩٩٢٢) و\"الدر المنثور\" (٤/ ٦٧).\n_________\n[¬١]- فى خ: يكون.\n[¬٢]- في خ: يقصدونه.\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- في ز: حلق.\n[¬٥]- الخلق البالي. والغِرارة: وعاء من الخيش ونحوه، يوضع فيه القمح ونحوه.","vol":"8","page":66},{"text":"والصنوبر.\nوأصل الإِزجاء: الدفع لضعف الشيء، كما قال حاتم الطائي:\nلِيَبْكِ عَلَى مِلْحَانَ ضَيْفٌ مُدَفَّعُ … وَأَرْمَلَةٌ تُزْجِي مَعَ اللَّيلِ أَرْمَلَا\nوقال أعشى بني ثعلبة:\nالواهبُ المِئةِ الهِجانِ وعَبْدِها … عُوذا تُزَجِّي خَلْفَهَا أطْفَالَها\nوقوله إخبارًا عنهم ﴿فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ﴾ أي: أعطنا بهذا الثمن القليل ما كنت تعطينا قبل ذلك، وقرأ ابن مسعود (^٩٩): فأوقر [¬١] ركابنا وتصدق علينا.\nوقال [¬٢] ابن جريج: ﴿وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا﴾ برد أخينا إلينا.\nوقال سعيد بن جبير والسدي: ﴿وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا﴾ يقولون: تصدق علينا بقبض هذه البضاعة المزجاة وتجوز [¬٣] فيها.\nوسئل سفيان بن عيينة: هل حرّمت الصدقة على أحد من الأنبياء قبل النبي، ﷺ؟ فقال: ألم تسمع قوله: ﴿فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ﴾؟\nرواه ابن جرير (^١٠٠): عن الحارث، عن القاسم عنه.\nوقال ابن جرير (^١٠١) حدثني الحارث، حدثنا القاسم، حدثنا مروان بن معاوية، عن عثمان بن الأسود قال: سمعت مجاهدًا وسئل هل يكره أن يقول الرجل في دعائه: اللهم تصدق عليَّ؟ قال [¬٤]: نعم، إنما الصدقة لمن يبتغي الثواب.\n﴿قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ (٨٩) قَالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ\n_________\n(^٩٩) - أخرجه ابن جرير (١٦/ ١٩٧٥٤، ١٩٧٥٦).\n(^١٠٠) - التفسير (١٦/ ١٩٧٨٦).\n(^١٠١) - التفسير (١٦/ ١٩٧٨٨) وعزاه السيوطي في \"الدر المنثور\" (٤/ ٦٣) إلى أبي عبيد وابن المنذر.\n_________\n[¬١]- في خ: \"فأوقد\".\n[¬٢]- في خ: \"قال\"\n[¬٣]- في خ: \"ويجوز\".\n[¬٤]- في خ: \"فقال\".","vol":"8","page":67},{"text":"وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٩٠) قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ (٩١) قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾\nيقول تعالى مخبرًا [¬١] عن يوسف ﵇: أنه لما ذكر له إخوته ما أصابهم من الجهد والضيق، وقلة الطعام وعموم الجدب، وتذكر أباه وما هو فيه من الحزن لفقد ولديه، مع ما هو [¬٢] فيه من الملك والتصرف والسعة، فعند ذلك أخذته رقة ورأفة، ورحمة وشفقة على أبيه وإخوته، وبدره البكاء فتعرف إليهم، فيقال [¬٣]: إنه رفع التاج عن جبهته وكان فيها شامة، وقال: ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ﴾ يعني: كيف فرّقوا يينه وبين أخيه [¬٤] ﴿إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ﴾ أي: إنما حملكم [¬٥] على هذا الجهل بمقدار هذا الذي ارتكبتموه، كما قال بعض السلف (^١٠٢): كل من عصى الله فهو جاهل، وقرأ: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ﴾ الآية [¬٦].\nوالظاهر - والله أعلم -: أنّ يوسف، ﵇، إنما تعرف إليهم بنفسه بإذن الله تعالى له في ذلك، كما أنه إنما أخفى منهم نفسه في المرّتين الأوليين بأمر الله تعالى له في ذلك والله أعلم، ولكن لما ضاق الحال واشتد الأمر، فرّج الله تعالى من ذلك الضيق، كما قال تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ فعند ذلك قالوا. ﴿أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ﴾.\nوقرأ أبي بن كعب: (أو أنت [¬٧] يوسف)، وقرأ ابن محيصن: ﴿إنك [لأنت] [¬٨] يوسف﴾ والقراءة المشهورة هي الأولى؛ لأن الاستفهام يدل على الاستعظام، أي أنهم تعجبوا من ذلك أنهم يتردّدون إليه من سنتين وأكثر وهم لا يعرفونه، وهو مع هذا يعرفهم ويكتم نفسه، فلهذا قالوا على سبيل الاستفهام: ﴿أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ\n_________\n(^١٠٢) - تقدم ذلك عن مجاهد وغير واحد (سورة النساء/آية ١٧).\n_________\n[¬١]- سقط من ز.\n[¬٢]- سقط من ز.\n[¬٣]- في خ: \"وقال\".\n[¬٤]- في ز، خ: \"بنيه\".\n[¬٥]- فى خ: \"حملهم\".\n[¬٦]- في خ: إلى قوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.\n[¬٧]- سقط من ز، خ.\n[¬٨]- في خ: \"أنت\".","vol":"8","page":68},{"text":"وَهَذَا أَخِي﴾.\nوقوله [¬١]: ﴿قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾ أي: بجمعه بيننا بعد التفرقة وبعد المدة ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٩٠) قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾ الآية [¬٢]، يقولون معترفين له بالفضل والأثرة عليهم في الخلق والخُلق، والسعة والملك والتصرف، والنبوّة أيضًا على قول من لم يجعلهم أنبياء، وأقرّوا له بأنهم أساءوا إليه وأخطئوا في حقه.\n﴿قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾ يقول: لا تأنيب عليكم ولا عتب عليكم اليوم [¬٣]، ولا أعيد عليكم [¬٤] ذنبكم فى حقى بعد اليوم.\nثم زادهم الدعاء لهم بالمغفرة فقال: ﴿يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾.\nقال السدي: اعتذروا إلى يوسف، فقال: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾ يقول: لا أذكر لكم ذنبكم.\nوقال ابن إسحاق والثوري: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ﴾ أي: لا تأنيب عليكم اليوم عندي فيما صنعتم ﴿يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ﴾ أي: يستر الله عليكم فيما فعلتم ﴿وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾.\n﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ (٩٣) وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ (٩٤) قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ (٩٥)﴾\nيقول: اذهبوا بهذا القميص ﴿فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا﴾ وكان قد عمي من كثرة البكاء ﴿وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ أي: بجميع بني يعقوب.\n﴿وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ﴾ أي: خرجت من مصر ﴿قَالَ أَبُوهُمْ﴾ يعني يعقوب، ﵇، لمن بقي عنده من بنيه ﴿إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ﴾ تنسبوني إلى الفند والكبر.\nقال عبد الرزاق (^١٠٣): أنبأنا إسرائيل، عن أبي سنان، عن عبد الله بن أبي الهذيل قال:\n_________\n(^١٠٣) - إسناده صحيح، التفسير (٢/ ٣٢٩) ومن طريقه ابن جرير (١٦/ ١٩٨١٢)، وأخرجه=\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- سقط من ز.","vol":"8","page":69},{"text":"سمعت ابن عباس يقول: ﴿وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ﴾ قال: لما خرجت العير هاجت ريح، فجاءت يعقوب بريح قميص يوسف، فقال: ﴿إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ﴾ قال: فوجد ريحه من مسيرة ثمانية أيام.\nوكذا رواه سفيان الثوري وشعبة وغيرهما عن أبي سنان به، وقال الحسن وابن جريج: كان بينهما ثمانون فرسخًا، وكان بينه وبينه منذ افترقا ثمانون سنة.\nوقوله: ﴿لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ﴾ قال ابن عباس ومجاهد وعطاء وقتادة وسعيد بن جبير: تسفهون.\nوقال مجاهد أيضًا والحسن: تهرِّمون.\nوقولهم: ﴿إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ﴾ قال ابن عباس (^١٠٤): لفي خطئك القديم.\nوقال قتادة: أي من حب يوسف لا تنساه ولا تسلاه، قالوا لوالدهم كلمة غليظة، لم يكن ينبغي لهم أن يقولوها لوالدهم، ولا لنبي الله ﷺ. وكذا قال السدي وغيره.\n﴿فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٩٦) قَالُوا يَاأَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ (٩٧) قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٩٨)﴾\nقال ابن عباس (^١٠٥) والضحاك: ﴿الْبَشِيرُ﴾ البريد.\nوقال مجاهد والسدي: كان يهوذا بن يعقوب.\n_________\n= ابن جرير أيضًا (١٩٨٠٢، ١٩٨٠٣)، وابن أبي حاتم (٧/ ١١٩٥٩) من طريقين عن إسرائيل به، وأخرجه ابن جرير (١٩٨٠٤، ١٩٨١١) وابن أبي حاتم (٧/ ١٩٦١: ١١٩٦٤) من طرق عن أبي سنان به، وأبو سنان هو ضرار بن مرة الشيباني الأكبر، ثقة ثبت، وعبد الله بن أبي الهذيل ثقة، وعزاه السيوطي فى \"الدر المنثور\" (٤/ ٦٦) إلى الفريابي وأحمد في \"الزهد\" وابن المنذر وأبي الشيخ وابن مردويه.\n(^١٠٤) - أخرجه ابن جرير (١٩٨٤٩)، وابن أبي حاتم (٧/ ١١٩٧٠) من طريق على بن أبي طلحة عنه، به.\n(^١٠٥) - أخرجه ابن جرير (١٦/ ١٩٨٥٧) وابن أبي حاتم (٧/ ١١٩٧٧) من طريق العوفى عنه، به.","vol":"8","page":70},{"text":"قال السدي: إنما جاء به لأنه هو الذي جاء بالقميص وهو ملطخ بدم كذب، فأراد أن يغسل ذاك بهذا، فجاء بالقميص فألقاه على وجه أبيه فرجع بصيرًا.\nوقال لبنيه عند ذلك: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ أي: أعلم أن الله سيرده إليَّ، وقلت لكم: ﴿إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ﴾ فعند ذلك قالوا لأبيهم مترفقين له: ﴿يَاأَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ (٩٧) قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾، أي: من تاب إليه تاب عليه.\nقال ابن مسعود وإبراهيم التيمي وعمرو بن قيس وابن جريج وغيرهم: أرجأهم إلى وقت السحر. وقال ابن جرير (^١٠٦): حدثنى أبو السائب، حدثنا ابن إدريس، سمعت عبد الرحمن بن إسحاق يذكر، عن محارب بن دثار قال: كان [عمٌّ لي] يأتى المسجد فسمع إنسانا يقول: اللهم دعوتني فأجبت، وأمرتني فأطعت، وهذا سَحَرٌ فاغفر لي. قال: فاستمع الصوت فإذا هو من دار عبد الله بن مسعود، فسأل عبد الله عن ذلك فقال: إن يعقوب أخر بنيه إلى السحر بقوله: ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي﴾.\nوقد ورد في حديث [¬١] أن ذلك كان ليلة جمعة [¬٢]، كما قال ابن جرير أيضًا (^١٠٧): حدثنى المثنى، حدثنا سليمان بن عبد الرحمن أبو أيوب الدمشقي، حدثنا الوليد بن مسلم، أنبأنا ابن جريج، عن عطاء وعكرمة، عن ابن عباس، عن رسول الله، ﷺ: ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي﴾ يقول: \"حتى تأتي ليلة الجمعة وهو قول أخي\n_________\n(^١٠٦) - إسناده ضعيف لضعف عبد الرحمن بن إسحاق، والحديث في التفسير (١٦/ ١٩٨٧٠) وأخرجه أيضًا (١٩٨٧١) وابن أبي حاتم (٧/ ١١٩٨٣) وسنيد - كما في تفسير القرطبي (٩/ ٢٦٣) من طرق عن عبد الرحمن بن إسحاق به، وعبد الرحمن بن إسحاق هو ابن سعد أبو شيبة الواسطي، \"ضعيف\"، وعزاه السيوطي (٤/ ٦٨) إلى أبي عبيد وسعيد بن منصور وابن المنذر والطبراني.\n(^١٠٧) - منكر، والحديث في التفسير (١٦/ ١٩٨٧٥) وأخرجه أيضًا (١٩٨٧٦)، والترمذي، كتاب: الدعوات، باب: في دعاء الحفظ (٤٥٦٥)، والحاكم (١/ ٣١٦ - ٣١٧) من طريق سليمان بن عبد الرحمن به مطولًا، وقال الترمذي: \"هذا حديث حسن غريب\" وقال الحاكم: \"هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه\". فتعقبه الذهبي قائلًا: هذا حديث منكر شاذ، أخاف أن يكون موضوعًا، وقد حيرني والله جودة سنده … \" وقد زالت هذه الحيرة من عنده فقال في \"السير\" (٩/ ت ٦٠/ ص ٢١٨): \"هذا عندي موضوع والسَّلام) ولعل الآفة دخلت على سليمان ابن بنت شُرَحبيل فيه، فإنه منكر الحديث، وإن كان حافظًا، فلو كان قال فيه: عن ابن جريج، لراج، ولكن صرح بالتحديث، فقويت الريبة … \" وأخرجه الطبراني في \"الكبير\" (١١/ ١٢٠٣٦) ومن طريقه ابن الجوزي=\n_________\n[¬١]- في ت: \"الحديث\".\n[¬٢]- في خ: الجمعة.","vol":"8","page":71},{"text":"يعقوب لبنيه\".\nوهذا غريب من هذا الوجه، وفي رفعه [¬١] نظر، والله أعلم.\n﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ (٩٩) وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (١٠٠)﴾\nيخبر تعالى عن ورود يعقوب، ﵇، على يوسف، ﵇، وقدومه ببلاد [¬٢] مصر لما كان يوسف قد تقدم [إلى إخوته] [¬٣] اأن يأتوه بأهلهم أجمعين، فتحملوا عن آخرهم وترحلوا من بلاد كنعان قاصدين ديار [¬٤] مصر، فلما أخبر يوسف، ﵇، باقترابهم خرج لتلقيهم [¬٥]، وأمر الملك [¬٦] أمراءه وأكابر الناس بالخروج [مع يوسف] [¬٧] لتلقي نبي الله يعقوب، ﵇، ويقال: إن الملك خرج أيضًا لتلقيه وهو الأشبه.\nوقد أشكل قوله: ﴿آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ﴾ على كثير من المفسرين؛\n_________\n= في \"الموضوعات\" (٢/ ١٣٨) عن هشام بن عمار، ثنا محمد بن إبراهيم القرشي، ثنا أبو صالح، عن عكرمة، عن ابن عباس به، وقال ابن الجوزي: هذا حديث لا يصح، ومحمد بن إبراهيم مجروح، وأبو صالح لا نعلمه إلا إسحاق بن نجيح وهو متروك\"، وقد أخرجه الدارقطني في \"الأفراد\" ومن طريقه ابن الجوزي (٣/ ١٣٨ - ١٣٩) - ثنا محمد بن الحسن بن محمد المقري النقاش ثنا الفضل بن محمد العطار ثنا هشام بن عمار ثنا الوليد بن مسلم عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس فذكر الحديث؛ قال ابن الجوزي عقب هذا الإسناد: \"أنا لا أتهم به إلا النقاش، شيخ الدارقطني، قال طلحة بن محمد بن جعفر: كان النقاش يكذب، وقال البرقاني: كل حديثه منكر، وقال الخطيب: أحاديثه مناكير بأسانيد مشهورة. وانظر \"تنزيه الشريعة\" للكناني (رقم ٩١).\n_________\n[¬١]- في ز: وجهه.\n[¬٢]- في خ: بلاد.\n[¬٣]- في خ: لإخوته.\n[¬٤]- في خ: بلاد.\n[¬٥]- في خ: \"ليلقهم\".\n[¬٦]- في ز: بها.\n[¬٧]- سقط من ز.","vol":"8","page":72},{"text":"فقال بعضهم: هذا [¬١] من المقدم والمؤخر، ومعنى الكلام: وقال ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين وآوى إليه أبويه ورفعهما على العرش.\nوقد رد [¬٢] ابن جرير هذا وأجاد في ذلك، ثم اختار ما حكاه عن السدي: أن يوسف آوى إليه أبويه لما تلقاهما، ثم لما وصلوا باب البلد قال: ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾.\nوفي هذا نظر أيضًا؛ لأن الإيواء إنما يكون في المنزل، كقوله: ﴿آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ﴾ وفي الحديث: \"من آوى محدثا\" (^١٠٨)، وما المانع أن يكون قال لهم بعد ما دخلوا عليه وآواهم إليه: ادخلوا مصر، وضمنه اسكنوا مصر إن شاء الله آمنين، أي: مما كنتم فيه من الجهد والقحط؟ ويقال - والله أعلم -: إن الله تعالى رفع عن أهل مصر بقية السنين المجدبة ببركة قدوم يعقوب عليهم، كما رفع بقية السنين التى دعا بها رسول الله، ﷺ، على أهل مكة حين قال (^١٠٩): \" اللهم [¬٣]، أعني عليهم بسبع كسبع يوسف\" ثم لما تضرعوا إليه واستشفعوا لديه وأرسلوا أبا سفيان في ذلك فدعا لهم، فرفع عنهم بقية ذلك ببركة دعائه ﵇.\nوقوله: ﴿آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ﴾ قال السدي وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم: إنما كان أباه وخالته، وكانت أمه قد ماتت قديمًا.\nوقال محمد بن إسحاق وابن جرير: كان أبوه وأمه يعيشان.\nقال ابن جريرـ: ولم يقم دليل على موت أمه، وظاهر القرآن يدل على حياتها.\nوهذا الذي نصره هو المتصور الذى يدل عليه السياق.\n_________\n(^١٠٨) - صحيح، جزء من حديث أخرجه مسلم، كتاب: الأضاحي، باب: \"تحريم الذبح لغير الله تعالى، ولعن فاعله (١٩٧٨)، والنسائي، كتاب: \"الأضاحي، باب: من ذبح لغير الله ﷿ (٧/ ٢٣٢)، وأحمد (١/ ١١٨، ١٥٢) من حديث على بن أبي طالب.\n(^١٠٩) - أخرجه البخارى، كتاب: التفسير، باب: \"سورة الروم\" (٤٧٧٤) - وانظر أطرافه عند رقم (١٠٠٧) ومسلم، كتاب: صفات المنافقين وأحكامهم، باب: \"الدخان\" (٣٩) (٢٧٩٨)، والترمذى، كتاب: تفسير القرآن، باب: ومن سورة الدخان (٣٢٥١)، والنسائي في التفسير من الكبرى (٦/ ١١٢٠٢، ١١٤٨١، ١١٤٨٣)، وأحمد (١/ ٣٨٠،٤٣١، ٤٤١) من حديث عبد الله بن مسعود.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في خ: وقد روى.\n[¬٣]- سقط من: خ.","vol":"8","page":73},{"text":"وقوله: ﴿وَرَفَعَ [¬١] أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ﴾ قال ابن عباس (^١١٠) ومجاهد وغير واحد: يعني السرير. أي: أجلسهما معه على سريره.\n﴿وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾ أي: سجد له أبواه [¬٢] وإخوته الباقون وكانوا أحد عشر رجلًا ﴿وَقَالَ يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ﴾ أي: التي كان قصها على أبيه [من قبل] [¬٣] ﴿إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا﴾ الآية.\nوقد كان هذا سائغًا في شرائعهم: إذا سلموا على الكبير يسجدون له، ولم يزل هذا جائزا من لدن آدم إلى شريعة عيسى، ﵇، فحرم هذا في هذه الملة، وجعل السجود مختصًا بجناب الرب ﷾.\nهذا مضمون قول قتادة وغيره.\nوفي الحديث (^١١١): أن معاذًا قدم الشام فوجدهم يسجدون لأساقفتهم، فلما رجع سجد لرسول الله، ﷺ، فقال: \"ما هذا يا معاذ؟ \" فقال: إني رأيتهم يسجدون لأساقفتهم، وأنت أحق أن يسجد لك يا رسول الله. فقال: \"لو كنت آمرًا أحدا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة [¬٤] أن تسجد لزوجها؛ [من عظم] [¬٥] حقه عليها\".\nوفي حديث آخر (^١١٢): أن سلمان لقي النبي، ﷺ، في بعض طرق المدينة، وكان سلمان حديث عهد [¬٦] بالإِسلام. فسجد للنبي، ﷺ، فقال: \"لا تسجد لي يا سلمان، واسجد للحي الذي لا يموت\".\nوالغرض: أن هذا كان جائزًا في شريعتهم، ولهذا خروا له سجدًا، فعندها قال يوسف: ﴿يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا﴾ أي: هذا ما آل إليه الأمر،\n_________\n(^١١٠) - أخرجه ابن جرير (١٦/ ١٩٨٩٥) وابن أبي حاتم (٧/ ١١٩٩٢) من طريقين عنه، وفي كل منهما ضعف.\n(^١١١) - إسناده حسن، أخرجه أحمد (١٩٤٦١) (٤/ ٣٨١)، وابن ماجة، كتاب: النكاح، باب: حق الزوج على المرأة (١٨٥٣) والبيهقي في \"الكبرى\" (٧/ ٢٩٢) وصححه ابن حبان (٩/ ٤١٧١) من حديث عبد الله بن أبي أوفى وإسناده حسن، وفي الباب عن عدد من الصحابة، انظر في ذلك \"الإرواء\" للألباني (٧/ ١٩٩٨).\n(^١١٢) - سيأتي تخريجه - إن شاء الله - في سورة الفرقان.\n_________\n[¬١]- في خ: \"ورفع على\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"أبوه\".\n[¬٣]- سقط من: خ.\n[¬٤]- في ز، خ: \"الزوجة\".\n[¬٥]- في ت: \"لعظم\".\n[¬٦]- في خ: \"السن\".","vol":"8","page":74},{"text":"فإن التأويل يطلق على ما يصير إليه الأمر، كما قال تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ﴾ أي: يوم القيامة يأتيهم ما وعدوا به [¬١] من خير وشر.\nوقوله: ﴿قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا﴾ أي: صحيحة صدقًا، يذكر نعم الله عليه ﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ﴾ أي: البادية.\nقال ابن جريج [¬٢] وغيره: كانوا من أهل بادية وماشية. وقال: كانوا يسكنون بالعربات من أرض فلسطين من غور الشام. قال: وبعض يقول: كانوا بالأولاج من ناحية شعب أسفل من حِشمَى، وكانوا أصحاب بادية وشاء وإبل.\n﴿مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ﴾ أي: إذا أراد أمرًا قيض له أسبابًا وقدره ويسره ﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ﴾ بمصالح [¬٣] عباده ﴿الْحَكِيمُ﴾ في أقواله وأفعاله وقضائه وقدره وما يختاره ويريده.\nقال أبو عثمان النهدي (^١١٣)، عن سلمان: كان [¬٤] بين رؤيا يوسف وتأويلها أربعون سنة.\nقال عبد الله بن شداد: [وإليها ينتهي] [¬٥] أقصى الرؤيا. رواه ابن جرير (^١١٤).\nوقال أيضًا (^١١٥): حدثنا عمرو بن علي، حدثنا عبد الوهاب الثقفي، حدثنا هشام، عن الحسن؛ قال: [كان منذ] فارق يوسف يعقوب إلى أن التقيا ثمانون سنة، لم يفارق الحزن قلبه، ودموعه تجري على خديه، وما على وجه الأرض يومئذٍ عبد أحب إلى الله من\n_________\n(^١١٣) - إسناده صحيح، أخرجه ابن جرير (١٦/ ١٩٩٠٧، ١٩٩٠٩، ١٩٩١٧، ١٩٩٢٠) وابن أبي حاتم (٧/ ١١٩٩٨) والحاكم (٤/ ٣٩٦) والبيهقي في \"الشعب\" (٤/ ٤٧٨٠) من طرق عن سليمان التيمي عن أبي عثمان به، وسكت عنه الحاكم، وقال الذهبي: \"على شرط البخاري ومسلم\" وزاد نسبته السيوطي في \"الدر المنثور\" (٤/ ٧١)، إلى الفريابي وابن أبي شيبة وابن أبي الدنيا في \"كتاب العقوبات\" وابن المنذر وأبي الشيخ.\n(^١١٤) - إسناده صحيح، أخرجه ابن جرير (١٩٩١٠، ١٩٩١٦، ١٩٩٢١)، والبيهقي في \"الشعب\" (٤/ ٤٧٨١) من طريق سفيان بن عيينة عن أبي سنان عنه به، وزاد نسبته السيوطي (٤/ ٧١) إلى ابن أبي شيبة وأبي الشيخ.\n(^١١٥) - (١٦/ ١٩٩٢٢).\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في ت: \"جرير\".\n[¬٣]- سقط من: خ.\n[¬٤]- سقط من: خ.\n[¬٥]- في ز، خ: \"وإليه تنتهي\".","vol":"8","page":75},{"text":"يعقوب.\nوقال هشيم (^١١٦)، عن يونس، عن الحسن، ثلاث وثمانون سنة.\nوقال مبارك بن فضالة (^١١٧)، عن الحسن: ألقي يوسف في الجب وهو ابن سبع عشرة سنة، فغاب عن أبيه ثمانين سنة، وعاش بعد ذلك ثلاثا وعشرين سنة [¬١]، فمات وله عشرون ومائة سنة، وقال قتادة: كان بينهما خمس وثلاثون سنة.\nوقال محمد بن إسحاق: ذُكر - والله أعلم - أن غيبة يوسف عن يعقوب كانت ثمانى عشرة سنة.\nقال: وأهل الكتاب يزعمون أنها كانت أربعين سنة أو نحوها، وأن يعقوب، ﵇، بقي مع يوسف بعد أن قدم عليه مصر سبع عشرة سنة ثم قبضه الله إليه.\nوقال أبو إسحاق السبيعي (^١١٨)، عن أبي عبيدة، عن عبد الله بن مسعود قال: دخل بنو إسرائيل مصر وهم ثلاثة وستون إنسانًا وخرجوا منها وهم ستمائة ألف وسبعون ألفًا.\nوقال أبو إسحاق، عن مسروق: دخلوا وهم ثلاثمائة وتسعون من [¬٢] بين رجل وامرأة. فالله أعلم.\nوقال موسى بن عبيدة (^١١٩)، عن محمد بن كعب القرظي، عن عبد الله بن شداد: اجتمع آل يعقوب إلى يوسف بمصر وهم ستة وثمانون إنسانًا صغيرهم وكبيرهم، وذكرهم وأنثاهم، وخرجوا منها [¬٣] وهم ستمائة ألف ونيف.\n_________\n(^١١٦) - أخرجه ابن جرير (١٦/ ١٩٩٢٦).\n(^١١٧) - أخرجه ابن جرير (١٦/ ١٩٩٢٨) حدثني الحارث، قال: حدثنا عبد العزيز قال: حدثنا مبارك بن فضالة به، وأخرجه أحمد في \"الزهد\" (ص ١٠٣) وابن أبي حاتم (٧/ ١٢٠١) من طريق ابن علية عن يونس عن الحسن به، لكن وقع عند أحمد \" … ثم جمع له شمله فعاش ثلاثًا وخمسين سنة\" وأخرجه مختصرًا الحاكم (٢/ ٥٧١) من طريق حماد بن سلمة عن يونس عن عبيد عنه به، وعزاه السيوطي (٤/ ٧٢) إلى ابن أبي شيبة وابن عبد الحكم في \"فتوح مصر\" وابن المنذر وأبي الشيخ وابن مردويه.\n(^١١٨) - أخرجه ابن جرير (١٦/ ١٩٩٣٦، ١٩٩٣٧) من طريق إسرائيل والمسعودي عن أبي إسحاق به، وأبو عبيدة لم يسمع من أبيه عبد الله، وأخرجه ابن أبي حاتم (٧/ ١١٩٥٧) من طريق زهير بن واقد، ثنا أبو إسحاق، عن عبد الله به هكذا منقطعًا، وعزاه السيوطي في \"الدر المنثور\" (الشعراء/ آية ٥٤/ ١٥٧/٥) إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر.\n(^١١٩) - إسناده ضعيف لضعف موسى بن عبيدة، أخرجه ابن جرير (١٦/ ١٩٩٣٥) ثنا ابن وكيع=\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- ساقطة من: \"ت\".\n[¬٣]- سقط من: خ.","vol":"8","page":76},{"text":"﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (١٠١)﴾\nهذا دعاء من يوسف الصديق، دعا به ربه ﷿ لما تمت [النعمة] [¬١] عليه، باجتماعه بأبويه وإخوته، وما مَن الله [به عليه] من النبوة والملك، سأل ربه ﷿ كما أتم نعمته عليه في الدنيا أن يستمر بها عليه في الآخرة، وأن يتوفاه مسلمًا حين يتوفاه، قاله الضحاك، وأن يلحقه بالصالحين وهم إخوته [¬٢] من النبيين والمرسلين، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.\nوهذا الدعاء يحتمل أن يوسف، ﵇، قاله عند احتضاره، كما ثبت في الصحيحين (^١٢٠): عن عائشة، ﵂: أن رسول الله، ﷺ، جعل يرفع أصبعه عند الموت ويقول: \"اللهم في الرفيق الأعلى [اللهم في الرفيق الأعلى! اللهم في الرفيق الأعلى!] [¬٣] \".\nويحتمل أنه سأل الوفاة على الإسلام واللحاق بالصالحين إذا حان أجله وانقضى عمره، لا أنه سأله ذلك منجزًا، كما يقول الداعي لغيره: أماتك الله على الإسلام! ويقول الداعي: اللهم أحينا [¬٤] مسلمين وتوفنا مسلمين وألحقنا بالصالحين!\nويحتمل أنه سأل ذلك منجزًا، وكان ذلك سائغًا في ملتهم، كما قال قتادة قوله (^١٢١): ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾، لما جمع الله شمله وأقر عينه، وهو يومئذٍ مغموس\n_________\n= قال: ثنا زيد بن الحباب، وعمرو بن محمد عن موسى بن عبيدة به، وموسى بن عبيدة هو الرَّبذي، ضعيف.\n(^١٢٠) - أخرجه البخاري، كتاب: المغازي، كاب: مرض النبي، ﷺ، ووفاته (٤٤٣٧) - وانظر أطرافه (٨٩٠)، ومسلم، كتاب: فضائل الصحابة، باب: في فضل عائشة ﵂ (٢٤٤٤) وغيرهما.\n(^١٢١) - أخرجه ابن جرير (١٦/ ١٩٩٤٢) ثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد عنه به، وأخرجه ابن أبي حاتم (٧/ ١٢٠١١) من طريق أبي الجماهر ثنا سعيد بن بشير به مختصرًا، وسعيد بن بشير ضعفه الجمهور، لكن أخرجه ابن جرير (١٩٩٤٣) من طريق آخر صحيح، دون قول ابن عباس.\n_________\n[¬١]- في ت: \"نعمة الله\".\n[¬٢]- في ت: \"إخوانه\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في ت: \"ثلاثًا\".\n[¬٤]- في ز، خ: \"أمتنا\".","vol":"8","page":77},{"text":"في نبت الدنيا وملكها وغضارتها، واشتاق إلى الصالحين قبله، وكان ابن عباس يقول: ما تمنى نبي قط الموت قبل يوسف، ﵇.\nوكذا ذكر ابن جرير والسدي عن ابن عباس: أنه أول نبي دعا بذلك، وهذا يحتمل أنه أول من سأل الوفاة على الإسلام، كما أن نوحًا أول من قال: ﴿رب اغفر لي ولوالدي ولمن دخل بيتي مؤمنًا﴾.\nويحتمل أنه أول من سأل إنجاز ذلك، وهو ظاهر سياق قول قتادة، ولكن هذا لا يجوز في شريعتنا.\nقال الإِمام أحمد بن حنبل ﵀ (^١٢٢): حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، حدثنا عبد العزيز بن صهيب، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله، ﷺ: \"لا يتمنى أحدكم الموت لضر نزل به، فإن كان ولابد متمنيًا الموت فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرًا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرًا لي\".\n[وأخرجاه في الصحيحين، وعندهما (^١٢٣): \" لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به، إمّا محسنًا فيزداد، وإمّا مسيئًا فلعله يستعتب، ولكن ليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرًا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرًا لي] [¬١] \".\nوقال الإمام أحمد (^١٢٤): حدثنا أبو المغيرة، حدثنا معان بن رفاعة، حدثني على بن\n_________\n(^١٢٢) - المسند (٣/ ١٠١) وأخرجه البخاري، كتاب: الدعوات، باب: الدعاء بالموت والحياة (٦٣٥١)، ومسلم كتاب: الذكر والدعاء ..، باب: كراهة تمني الموت لضر نزل به (١٠) (٢٦٨٠)، والترمذي، كتاب: الجنائز باب: ما جاء في النهي عن التمنى للموت (٩٧١) والنسائي، كتاب الجنائز، باب: تمني الموت (٤/ ٣)، من طرق عن إسماعيل بن إبراهيم به، وأخرجه أحمد (١٤٠٣٢) (٣/ ٢٨١) وأبو داود، كتاب: الجنائز، باب: في كراهية تمني الموت (٣١٠٨) والنسائي في \"الكبرى\" (٦/ ١٠٨٩٨) وابن ماجة: كتاب: الزهد، باب: \"ذكر الموت والاستعداد له\" (٤٢٦٥) من طريقين عن عبد العزيز، به.\n(^١٢٣) - لم أقف عليه بهذا اللفظ من حديث أنس، وإنما أخرجه البخاري، كتاب: المرضى، باب: تمني المريض الموت (٥٦٧٣)، وكتاب: الفتن، باب: ما يكره من التمني (٧٢٣٥)، والنسائي (٤/ ٢)، وأحمد (٢/ ٣٠٩، ٥١٤) من حديث أبي هريرة مرفوعًا بلفظ \"لا يتمنى - وفي رواية يتمنين - أحدكم الموت، إما محسنًا فلعله أن يزداد، وإما مسيئًا فلعله يستعتب\" وهو عند مسلم (١٣) (٢٦٨٢) بمعناه، وانظر الحديث الآتي برقم (١٢٩) وراجع تعليق العلامة أحمد شاكر على هذا الحديث في \"المسند\" (٧٥٦٨).\n(^١٢٤) - إسناده ضعيف، المسند (٢٢٣٩٣) (٥/ ٢٦٧) وذكره \"المصنف\" بنفس الإسناد في=\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.","vol":"8","page":78},{"text":"يزيد، عن القاسم أبي عبد الرحمن، عن أبي أمامة قال: جلسنا إلى رسول الله، ﷺ، فذكرنا ورققنا، فبكى سعد بن أبى وقاص فأكثر البكاء، وقال: يا ليتني مِت! فقال النبي، ﷺ: \" يا سعد، أعندي تتمنى الموت؟ \" فردد ذلك ثلاث مرات، ثم قال: \"يا سعد، إن كنت خلقت للجنة، [فما طال من] [¬١] عمرك، و[¬٢] حسن من [¬٣] عملك، فهو خير لك\".\nوقال الإمام أحمد (^١٢٥): حدثنا حسن، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا أبو يونس - هو سليم ابن جبير - عن أبي هريرة، عن النبي، ﷺ، أنه قال: \"لا يتمنى أحدكم الموت، ولا يدعو به من قبل أن يأتيه، إلا أن يكون قد وثق بعمله، فإنه إن مات أحدكم انقطع عنه عمله، وإنه لا يزيد المؤمن عمره [¬٤] إلا خيرًا\". تفرد [¬٥] به أحمد.\nوهذا فيما إذا كان الضر خاصًّا به، وأما إذا كان فتنة في الدين، فيجوز سؤال الموت، كما قال الله تعالى إخبارًا عن السحرة، لما أرادهم فرعون عن دينهم وتهددهم بالقتل: ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٢٥٠)﴾، وقالت مريم لما جاءها المخاض، وهو الطلق، إلى جذع النخلة: ﴿يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيًا منسيًا﴾ لما تَعلَم من أن الناس يقذفونها بالفاحشة؛ لأنها لم تكن ذات زوج، وقد حملت وولدت وقد قالوا: ﴿يَامَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا (٢٧) يَاأُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ فجعل الله لها من ذلك الحال فرجًا ومخرجًا، وأنطق الصبي في المهد بأنه عبد الله ورسوله، فكان آية عظيمة ومعجزة باهرة صلوات الله وسلامه عليه.\n_________\n= \"البداية والنهاية\" (٨/ ٨٢) وتحرف هناك معان إلى معاذ ومن طريق أحمد أخرجه ابن عساكر في \"التاريخ\" (٧/ ١٦١ - مخطوط)، وأخرجه الطبرانى في \"الكبير\" (٨/ ٧٨٧٠) ثنا أحمد بن عبد الوهاب ثنا أبو المغيرة بهذا الإسناد، وعلقه الذهبي في \"الميزان\" (٤/ ت ٦٨١٧) من طريق هشام بن عمار ثنا عمرو بن واقد عن علي بن يزيد به، وذكره الهيثمي في \"المجمع\" (١٠/ ٢٠٦) وقال: \"رواه أحمد والطبراني وزاد .... وفيه على بن يزيد الألهاني وهو ضعيف\" قلت: ومعان بن رفاعة، لين الحديث كثير الإرسال - كما في التقريب، ولين إسناده الحافظ ابن حجر في \"الفتح\" (١٠/ ١٣٠).\n(^١٢٥) - حديث صحيح، المسند (٨٥٩٢) (٢/ ٣٥٠) وقول المصنف: \"تفرد به أحمد\" يعني بهذا الإسناد، وإلا فقد أخرجه مسلم في صحيحه كتاب: الذكر والدعاء ....، باب: كراهة تمني الموت لضر نزل به (١٣) (٢٦٨٢) ثنا محمد بن رافع، ثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر عن همام بن منبه قال: =\n_________\n[¬١]- في ز: فأطال.\n[¬٢]- في ز: أو.\n[¬٣]- سقط من ز.\n[¬٤]- في ز، خ: \"عمله\".\n[¬٥]- في خ: \"انفرد\".","vol":"8","page":79},{"text":"وفي حديث معاذ الذي رواه الإمام أحمد والترمذي في قصة المنام والدعاء الذي فيه (^١٢٦): \" وإذا أردت بقوم فتنة فتوفَّني إليك غير مفتون\".\nوقال الإمام أحمد (^١٢٧): حدثنا أبو سلمة، أنا عبد العزيز بن محمد، عن عمرو، عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن محمود بن لبيد: أن النبي، ﷺ، قال: \"اثنتان يكرههما ابن آدم؛ يكره الموت، والموت خير للمؤمن [من الفتنة] [¬١]، ويكره قلة المال، وقلة المال أقل للحساب\".\nفعند حلول الفتن في الدين يجوز سؤال الموت، ولهذا قال على بن أبي طالب، ﵁، في آخر خلافته، لما رأى أن [¬٢] الأمور لا تجتمع له، ولا يزداد الأمر إلا شدة، فقال (^١٢٨): اللهم خذنى إليك فقد سئمتهم وسئموني.\nوقال البخاري ﵀ لما وقعت له تلك المحن، وجرى له مع أمير خراسان [ما جرى] [¬٣]، قال: اللهم توفني إليك.\nوفي الحديث (^١٢٩): \" إن الرجل ليمر بالقبر - أي في زمان الدجال - فيقول يا ليتني مكانك! \" لما يرى من الفتن والزلازل والبلابل، والأمور الهائلة التي هي فتنة لكل مفتون.\nقال أبو جعفر بن جرير: وذكر أن بني يعقوب الذين فعلوا بيوسف ما فعلوا استغفر لهم [¬٤]\n_________\n= هذا ما حدثنا أبو هريرة عن رسول الله ﷺ … فذكر الحديث، وانظر الحديث المتقدم. ويأتي عند المصنف (سورة المؤمنون آية ٩٥).\n(^١٢٦) - صحيح، أخرجه أحمد (٢٢٠٨) (٥/ ٢٤٣) والترمذي، كتاب: تفسير القرآن، باب: ومن سورة \"ص\" (٣٢٣٣) وقال الترمذي: \"حديث حسن صحيح\" سألت محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث، فقال: \"هذا الحديث حسن صحيح .... \".\n(^١٢٧) - صحيح، المسند (٢٣٧٣٥، ٢٣٧٣٧) (٥/ ٤٢٧، ٤٢٨) وأخرجه أيضًا (٢٣٧٣٦) (٥/ ٢٣٧) والبغوي في \"شرح السنة\" (١٤/ ٤٠٦٦) من طريقين عن إسماعيل بن جعفر عن عمرو بن أبي عمرو به، وذكره الهيثمي في \"المجمع\" في موضعين الأول: (٢/ ٣٢٤) وقال: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح، والثاني: (١٠/ ٢٦٠) وقال: \"رواه أحمد بإسنادين ورجال أحدهما رجال الصحيح\" وجوَّد إسناده الألباني في \"الصحيحة\" (٢/ ٨١٣).\n(^١٢٨) - أورد المصنف نحو ذلك عنه في كتابه \"البداية والنهاية\" (٨/ ١٣).\n(^١٢٩) - أخرجه مالك في \"الموطأ\" كتاب: الجنائز ج ٥٣، ومن طريقه أحمد (٢/ ٢٣٦) والبخاري كتاب: الفتن، باب: لا تقوم الساعة حتى يغبط أهل القبور (٧١١٥)، ومسلم، كتاب: =\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- سقط من: خ.\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.","vol":"8","page":80},{"text":"أبوهم، فتاب الله [¬١] عليهم وعفا عنهم وغفر لهم ذنوبهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-118>(ذكر من قال ذلك)</span>\nحدثنا القاسم (^١٣٠)، حدثنا الحسين، حدثني حجاج، عن صالح المري، عن يزيد الرقاشي، عن أنس بن مالك، قال: ان الله ﵎ لما جمع ليعقوب شمله [وأقر عينه] [¬٢]، خلا ولده نجيًّا، فقال بعضهم لبعض: ألستم قد علمتم ما صنعتم، وما لقي منكم الشيخ وما لقي منكم يوسف؟ قالوا: بلى. قال: فيغركم عفوهما عنكم فكيف لكم بربكم؟ فاستقام أمرهم على أن أتوا الشيخ، فجلسوا بين يديه ويوسف إلى جنب أبيه قاعدًا، قالوا: يا أبانا، إنا أتيناك [في أمر] [¬٣] لم نأتك في [¬٤] مثله قط، ونزل بنا أمر لم ينزل بنا مثله قط، حتى حركوه، والأنبياء ﵈ أرحم البرية، فقال: ما لكم يا بني؟ قالوا: ألست قد علمت ما كان منا إليك، وما كان منا إلى أخينا يوسف؟ قال: بلى. قالوا: أفلستما قد عفوتما لنا [¬٥]؟ قالا: بلى. قالوا: فإن عفوكما لا يغني [عنا] [¬٦] شيئًا إن كان الله لم يعف عنا. قال: فما تريدون يا بني؟ قالوا: نريد أن تدعو الله لنا [¬٧]، فإذا جاءك الوحي من الله بأنه قد عفا عما صنعنا [¬٨] قرّت أعيننا، واطمأنت قلوبنا، وإلا فلا قرة عين في الدنيا لنا أبدًا. قال: فقام الشيخ فاستقبل القبلة، وقام يوسف خلف أبيه، وقاموا خلفهما أذلة خاشعين. قال: فدعا وأمّن يوسف، فلم يجب فيهم عشرين سنة. قال صالح المري: يخيفهم. قال: حتى إذا كان على رأس العشرين، نزل جبريل، ﵇، على يعقوب فقال: إن الله تعالى قد بعثني إليك أبشرك بأنه قد أجاب دعوتك في ولدك، و[أنه] [¬٩] قد عفا عما صنعوا، وأنه قد اعتقد مواثيقهم من بعدك على النبوة.\nهذا الأثر موقوف عن أنس، ويزيد الرقاشي وصالح المري ضعيفان جدًّا.\n_________\n= الفتن وأشراط الساعة (٥٣) (١٥٧) من حديث أبي هريرة مرفوعًا بلفظ: \"لا تقوم الساعة حتى يمرَّ الرجل بقبر الرجل فيقول: يا ليتني مكانه\" وبلفظ آخر بنحو السابق أخرجه مسلم (٥٤) (١٥٧)، وابن ماجه، كتاب الفتن، باب: شدة الزمان (٤٠٣٧).\n(^١٣٠) - إسناده ضعيف جدًّا؛ لضعف يزيد الرقاشى وصالح المري، التفسير (١٦/ ٢٨١/ رقم ١٩٩٤٨).\n_________\n[¬١]- سقط من: ت.\n[¬٢]- في ز، خ: \"بعينيه\".\n[¬٣]- في ت: \"لأمر\".\n[¬٤]- في خ: \"أمر\".\n[¬٥]- سقط من: خ، ز.\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين في ت: \"عما صنعنا\".\n[¬٧]- سقط من: خ، ز.\n[¬٨]- سقط من: ت.\n[¬٩]- في ت: \"أن الله تعالى\".","vol":"8","page":81},{"text":"وذكر السدي: أن يعقوب، ﵇، لما حضره الموت أوصى إلى يوسف لأن يدفن عند إبراهيم وإسحاق، فلما مات صبره وأرسله إلى الشام فدفن عندهما، عليهم [¬١] السلام.\n﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ (١٠٢) وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (١٠٣) وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (١٠٤)﴾\nيُقَرُ تعالى لمحمد، ﷺ، لما قص عليه نبأ إخوة يوسف، وكيف رفعه الله عليهم، وجعل له العاقبة والنصر والملك والحكم، مع ما أرادوا به من السوء والهلاك والإعدام -: هذا وأمثاله يا محمد من أخبار الغيوب السابقة ﴿نوحيه إليك﴾ ونعلمك به يا محمد؛ لما فيه من العبرة لك، والاتعاظ لمن خالفك ﴿وما كنت لديهم﴾ حاضرًا عندهم ولا مشاهدًا لهم ﴿إذ أجمعوا أمرهم﴾ أي: على إلقائه في الجب ﴿وهم يمكرون﴾ به، ولكنا أعلمناك به وحيًا إليك، وإنزالًا عليك، [كما قال تعالى] [¬٢]: ﴿وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم﴾ الآية، وقال تعالى: ﴿وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر﴾ الآية [إلى أن قال] [¬٣]: ﴿وما كنت بجانب الطور إذ نادينا﴾ الآية، وقال: ﴿وما كنت ثاويًا في أهل مدين تتلو عليهم آياتنا﴾ الآية.\nوقال: ﴿مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٦٩) إِنْ يُوحَى إِلَيَّ إِلَّا أَنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٧٠)﴾.\n[يقرر تعالى أنه] [¬٤] رسوله، وإنه قد أطلعه على أنباء ما قد سبق، مما فيه عبرة للناس، ونجاة لهم في دينهم ودنياهم ومع هذا ما آمن أكثر الناس؛ ولهذا قال: ﴿وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين﴾، وقال: ﴿وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله﴾، [كقوله: ﴿إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين﴾ [¬٥] إلى غير ذلك من الآيات.\nوقوله: ﴿وما تسألهم عليه من أجر﴾ أي: وما تسألهم يا محمد على هذا النصح والدعاء إلى الخير والرشد من أجر [¬٦]، أي من جعالة ولا أجرة [على ذلك، بل تفعله ابتغاء\n_________\n[¬١]- في ت: \"عليه\".\n[¬٢]- في ت: \"كقوله\".\n[¬٣]- في ت: \"إلى قوله\".\n[¬٤]- في ت: \"يقول تعالى إنه\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٦]- في خ: \"خير\".","vol":"8","page":82},{"text":"وجه الله ونصحًا لخلقه] [¬١].\n﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ أي: يتذكرون به ويهتدون، وينجون به في الدنيا والآخرة.\n﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ (١٠٥) وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (١٠٦) أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (١٠٧)﴾\nيخبر تعالى عن غفلة [¬٢] أكثر الناس عن التفكر في آيات الله ودلائل توحيده، بما خلقه الله في السموات والأرض من كواكب زاهرات ثوابت، وسيارات وأفلاك دائرات، والجميع مسخرات وكم في الأرض من قطع متجاورات، وحدائق وجنات، وجبال راسيات، وبحار زاخرات، وأمواج متلاطمات، وقفار شاسعات، وكم من أحياء وأموات، وحيوانات ونبات، وثمرات متشابهة ومختلفات، في الطعوم والروائح والألوان والصفات، فسبحان الواحد الأحد، خالق أنواع المخلوقات، المتفرد [¬٣] بالدوام والبقاء والصمدية، ذي الأسماء والصفات.\nوقوله: ﴿وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون﴾ قال ابن عباس (^١٣١): من إيمانهم أنهم [¬٤] إذا قيل لهم: من خلق السموات؟ ومن خلق الأرض؟ ومن خلق الجبال؟ قالوا: الله، وهم يشركون [¬٥] به.\nوكذا قال مجاهد وعطاء وعكرمة والشعبي وقتادة والضحاك وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم.\nوهكذا [¬٦] في الصحيحين (^١٣٢): أن المشركين كانوا يقولون في تلبيتهم: لبيك لا شريك\n_________\n(^١٣١) - أخرجه ابن جرير (١٦/ ١٩٩٥٤) ثنا ابن وكيع، ثنا عمران بن عيينة، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير عنه به، وعطاء بن السائب مختلط، وسفيان بن وكيع ضعيف، وأخرجه ابن أبي حاتم (٧/ ١٢٠٣٤) من طريق سماك، عن عكرمة بنحوه، ورواية سماك، عن عكرمة مضطربة.\n(^١٣٢) - لم أقف عليه في صحيح البخاري وانظر ما بعده.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٢]- سقط من ز، خ.\n[¬٣]- في خ: \"المنفرد\".\n[¬٤]- سقط من ز، خ.\n[¬٥]- في ت: \"مشركون\".\n[¬٦]- في ت: \"و\".","vol":"8","page":83},{"text":"لك إلا شريكًا هو لك، تملكه وما ملك. وفى [صحيح مسلم] (^١٣٣) [¬١]: أنهم كانوا إذا قالوا: لبيك لا شريك لك، يقول [¬٢] رسول الله، ﷺ: \"قد قد\". أي: حسب، حسب، لا تزيدوا على هذا.\nوقال الله تعالى: ﴿إن الشرك لظلم عظيم﴾ وهذا هو الشرك الأعظم الذي [¬٣] يعبد مع الله غيره، كما في الصحيحين (^١٣٤) عن ابن مسعود: قلت: يا رسول الله، أي الذنب أعظم؟ قال: \"أن تجعل لله ندًّا وهو خلقك\".\nوقال الحسن البصري في قوله: ﴿وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون﴾ قال: ذلك المنافق يعمل، إذا عمل، رياء الناس وهو مشرك بعمله ذلك، يعني قوله تعالى: ﴿إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلًا﴾ [وَثمّ شرك] [¬٤] خفي، لا يشعر به غالبًا فاعله، كما روى حماد ابن سلمة (^١٣٥)، عن عاصم بن أبي النجود، عن عروة قال: دخل حذيفة [¬٥] على مريض، فرأى في عضده سيرًا فقطعه - أو انتزعه - ثم قال: ﴿وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون﴾.\nوفي الحديث: \"من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك\". رواه الترمذي (^١٣٦) وحسنه من رواية ابن عمر.\n_________\n(^١٣٣) - صحيح مسلم كتاب: الحج، باب: \"التلبية وصفتها ووقتها\" (٢٢) (١١٨٥).\n(^١٣٤) - صحيح، تقدم (سورة البقرة / آية ٢٢).\n(^١٣٥) - صحيح، أخرجه ابن أبي حاتم (٧/ ١٢٠٤٠) ثنا محمد بن الحسين بن إبراهيم بن إشكاب، ثنا يونس بن محمد ثنا حماد بن سلمة به، غير أنه تصحف عنده عروة إلى عزرة، وإسناده رجاله ثقات، غير أني لم أجد من صرح بسماع عروة من حذيفة، وقد سمع عروة من عدد كبير من الصحابة، وأخرجه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٥ / كتاب الطب / باب (٧) رقم (٨،٧) بإسناد صحيح من طريقين عن حذيفة بنحوه.\n(^١٣٦) - صحيح، الجامع للترمذي كتاب: النذور والأيمان، باب: ما جاء في كراهية الحلف بغير الله (١٥٣٥)، وأخرجه أبو داود كتاب: الأيمان والنذور، باب: في كراهية الحلف بالآباء (٣٢٥١)، وأحمد (٢/ ٣٤، ٦٩، ٨٦، ١٢٥) وقال الترمذي \"هذا حديث حسن\"، وصححه ابن حبان (١٠/ ٤٣٥٨) والحاكم (١/ ١٨، ١٢٥)، (٤/ ٢٩٧)، ووافقه الذهبي، وصححه أيضًا الألباني في \"الإرواء\" (٨/ ٢٥٦١).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"الصحيح\".\n[¬٢]- في ت: \"قال\".\n[¬٣]- سقط من: ت.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين في خ: \"شرك\".\n[¬٥]- في خ: \"عروة\".","vol":"8","page":84},{"text":"وفي الحديث الذي رواه أحمد وأبو داود وغيره: عن ابن مسعود ﵁ قال (^١٣٧): قال رسول الله ﵌: \"إن الرقى والتمائم والتِّوَلَةَ شرك\" [¬١].\nوفي لفظ لهما (^١٣٨): \" الطيرة [¬٢] شرك\"، وما منا إلا [¬٣]، ولكن الله يذهبه بالتوكل. ورواه الإمام أحمد بأبسط من هذا فقال (^١٣٩): حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن يحيى [بن] الجزار، عن ابن أخي زينب، [عن زينب] [¬٤] امرأة عبد الله بن مسعود؛ قالت: كان عبد الله إذا جاء من حاجة فانتهى إلى الباب تنحنح وبزق؛ كراهية أن يهجم منا على شيء يكرهه، قالت: وإنه جاء ذات يوم فتنحنح، وعندي عجوز\n_________\n(^١٣٧) - صحيح، يأتي تخريجه برقم (١٤٣).\n(^١٣٨) - صحيح، أخرجه أحمد (١/ ٣٨٩، ٤٣٨، ٤٤٠)، وأبو داود، كتاب الطب، باب: في الطيرة (٣٩١٠)، والترمذي كتاب: السير، باب: ما جاء في الطيرة (١٦١٤)، وابن ماجه، كتاب: الطب، باب: من كان يعجبه الفأل ويكره الطيرة (٣٥٣٨)، والبخاري في \"الأدب المفرد\" (٩٠٩)، وغيرهم من حديث ابن مسعود، وقال الترمذي: \"حديث حسن صحيح\"، وصححه ابن حبان (١٣/ ٦١٢٢)، والحاكم (١/ ١٧ - ١٨، ١٨) ووافقه الذهبي، لكن قال الترمذي: سمعت محمد بن إسماعيل يقول: كان سليمان بن حرب يقول في هذا الحديث: \"وما منا\" قال سليمان: هذا عندي قول عبد الله ابن مسعود وما منا\". وكذا قال الحافظ الهيثمي في \"موارد الظمآن\" (٤/ ١٤٢٧) والحافظ ابن حجر في \"الفتح\" (١٠/ ٢١٣) لكن رد ذلك ابن القطان بأن كل كلام مسوق في سياق، لا يقبل دعوى درجه إلا بحجة، انظر \"الصحيحة\" للألباني (١/ ٤٢٩).\n(^١٣٩) - صحيح، (٣٦١٥/ شاكر) (١/ ٣٨١) وأخرجه أبو داود، كتاب: الطب، باب: في تعليق التمائم (٣٨٨٣)، ومن طريقه البيهقي في \"الكبرى\" (٩/ ٣٥٠) - مختصرًا، والبغوي في \"شرح السنة\" (١٢/ ٣٢٤٠) من طريقين عن أبي معاوية به، وأخرجه ابن ماجه، كتاب: الطب، باب: تعليق التمائم (٣٥٣٠)، وأبو يعلى (٩/ ٥٢٠٨) من طريق الأعمش به مطولًا ومختصرًا، إلا أنهما قالا \"عن ابن أخت زينب\" وأفاد المنذري في \"الترغيب والترهيب\" (٤/ ٣٠٩): أن في بعض نسخ ابن ماجه \"عن ابن أخي زينب\" ثم قال: \"وهو على كلا التقديرين مجهول\" لكن قال عنه الحافظ في \"التقريب\": \"كأنه صحابي، ولم أره مسمى\" وقد تابعه عبد الله بن عتبة بن مسعود عند الحاكم (٤/ ٤١٧ - ٤١٨) =\n_________\n[¬١]- التمائم جمع تميمة، وهي خرزات كانت العرب تعلقها على أولادهم يتَّقون بها العين - في زعمهم - فأبطها الإسلام. وأما التولة: فهي ما يُحبِّب المرأة إلى زوجها من السحر وغيره. النهاية [١/ ١٩٧، ٢٠٠].\n[¬٢]- الطيرة: هو التشاؤم بالشيء، وأصله: التطير بالسوانح والبوارح من الطير والظباء وغيرهما. وجعلها شركًا لأنهم كانوا يعتقدون أن التطير يجلب لهم نفعًا أو يدفع عنهم ضرًّا.\n[¬٣]- كذا بدون ذكر المستثنى، والمعنى: إلا وقد يعتريه التطير وتسبق إلى قلبه الكراهة. فحذف اختصارًا واعتمادًا على فهم السامع. النهاية [٣/ ١٥٢].\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.","vol":"8","page":85},{"text":"ترقيني في الحُمرة [¬١]. فأدخلتها تحت السرير، قالت: فدخل فجلس إلى جنبي، فرأى في عنقي خيطًا، قال [¬٢]: ما هذا الخيط؟ قالت: قلت: خيط [¬٣] رقيَ لي فيه. قالت [¬٤] فأخذه فقطه، ثم قال: إن آل عبد الله لأغنياء عن الشرك، سمعت رسول الله، صلى الله - عليه وسلم، يقول: \"إن الرقى والتمائم والتولة شرك\". قالت: فقلت له: لم تقول هذا وقد كانت عيني تقذف، فكنت أختلف إلى فلان اليهودي يرقيها، وكان إذا رقاها سكنت؟ قال: إنما ذلك عمل الشيطان؛ كان ينخسها بيده، فإذا رقيتها كف عنها، إنما كان يكفيك أن تقولي كما قال النبي، ﷺ: \"أذهب البأس، رب الناس، اشف أنت الشافي [¬٥] لا شفاء إلَّا شفاؤك شفاء لا يغادر سقمًا\".\nوفي حديث آخر رواه الإِمام أحمد (^١٤٠) عن وكيع، ثنا ابن أبي ليلى، عن عيسى بن عبد الرحمن قال: دخلنا [¬٦] على عبد الله بن عكيم وهو مريض نعوده، فقيل له: لو تعلقت شيئًا؟ فقال: أتعلق شيئًا وقد قال رسول الله، ﷺ: \"من تعلق\n_________\n= وقال: \"صحيح الإسناد على شرط الشيخين\" ووافقه الذهبي، وصححه أيضًا (٢١٧/ ٤) من طريق آخر عن ابن مسعود، ووافقه الذهبي وأقرهما الألباني في \"الصحيحة\" (١/ ٣٣١)، وأخرجه ابن حبان (١٣/ ٦٠٩٠) والطبراني في \"الكبير\" (١٠/ ١٠٥٠٣) من طريق فضيل بن عمرو عن يحيى بن الجزار قال: دخل عبد الله على امرأة … فذكر الحديث، هكذا منقطعًا بين يحيى بن الجزار وابن مسعود، وله طرق أخرى عن عبد الله عند ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٥/ ٤٢٧) والطبراني (٩/ ٨٨٦٣) والحاكم (٤/ ٢١٧ - ٢١٦).\n(^١٤٠) - حسن، المسند (١٨٨٣٥) (٤/ ٣١٠) ومن طريق وكيع أخرجه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٥/ ك: الطب، باب: تعليق التمائم والرقى (٧) رقم ٢) والبيهقي في \"الكبرى\" (٩/ ٣٥١)، وأخرجه أحمد (١٨٨٤٠) (٤/ ٣١١) والتِّرمِذي، كتاب: الطب، باب: ما جاء في كراهية التعليق (٢٠٧٣)، وابن أبي عالم في \"الآحاد والمثاني\" (٥/ ٢٥٧٦) والحاكم (٤/ ٢١٧) من طريق عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى به، وسكت عنه الحاكم والذهبي، وقال التِّرمِذي: \"عبد الله بن عكيم لم يسمع من النبي، ﷺ … \" قلت: ومحمد بن عبد الرحمن، سيئ الحفظ جدًّا، ولذا علقه البغوي في \"شرح السنة\" (١٢/ ١٦٠) بصيغة التمريض، فقال: \"وروى عن عبد الله بن عكيم … \" لكن للحديث شاهد مرسل بإسناد صحيح عن الحسن البصري عند ابن وَهْب في \"الجامع\" (ص ١١٣)، وبهذا المرسل حسن الألباني الحديث في \"غاية المرام\" (رقم ٢٩٧) وقد روي هذا المرسل متصلًا - وهو الآتي.\n_________\n[¬١]- الحُمْرة: مرض جلدي مُعْدٍ، يحمرُّ فيه موضع الإصابة، تصحبه حُمَّى عالية. المعجم الوسيط [١/ ٢٠٣].\n[¬٢]- في ت: \"فقال\".\n[¬٣]- في خ: \"هذا\".\n[¬٤]- سقط من ت.\n[¬٥]- في ت: \"الشاف\".\n[¬٦]- في ت: \"دخلت\".","vol":"8","page":86},{"text":"شيئًا وُكِلَ إليه\". ورواه النَّسائي (^١٤١) عن أبي هريرة.\nوفي مسند الإِمام أحمد (^١٤٢): [عن] [¬١] عقبة بن عامر قال: قال رسول الله، ﷺ: \"من علق تميمة فقد أشرك\". وفي رواية (^١٤٣): \" من علق تميمة فلا أتم الله له، ومن تعلق ودعة فلا ودع الله له\".\nوعني العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة، ﵁، قال: سمعت رسول الله، ﷺ، يقول: \"قال [¬٢] الله: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك فيه معي غيري تركه وشركه\" رواه مسلم (^١٤٤).\nوعن أبي سعيد بن أبي فضالة قال: سمعت رسول الله، ﷺ، يقول: \"إذا جمع الله الأوّلين والآخرين ليوم لا ريب فيه، ينادي مناد: من كان أشرك في عمل\n_________\n(^١٤١) - إسناده ضعيف منقطع، سنن النَّسائي الصغرى كتاب: تحريم الدم، باب: \"الحكم في السحرة\" (٧/ ١١٢) ثنا عمرو بن علي، ثنا أَبو داود، ثنا عباد بن ميسرة المنْقَرِيُّ، عن الحسن، عن أبي هريرة مرفوعًا بلفظ: \"من عقد عقدة ثم نفث فيها فقد سحر، ومن سحر فقَد أشرك، ومن تعلق شيئًا وكل إليه\" والحسن لم يسمع من أبي هريرة عند الجمهور - كما قال المنذري فى \"الترغيب والترهيب\" (٤/ ٣٢)، وعباد بن ميسرة بين الحديث عابد، وقد استنكر له الحافظ ابن عدي هذا الحديث، فأورده في \"الكامل\" (٤/ ١٦٤٨)، وانظر ما قبله.\n(^١٤٢) - صحيح، المسند (١٧٤٦٩) (٤/ ١٥٦)، وأخرجه الحارث بن أبي أمامة (٥٣٨ زوائده) والطبرانى فى \"الكبير\" (١٧/ ٨٨٥) من طريق عبد العزيز بن مسلم - تحرف فى \"الصحيحة\" للألباني (١/ ٤٩٢) إلى عبد العزيز بن منصور - ثنا يزيد بن أبي منصور عن دخين الحجري عن عقبة به وذكره الهيثمى فى \"المجمع\" (٥/ ١٠٦) وقال: \"رواه أحمد والطبراني ورجال أحمد ثقات\"، وقال الألباني \"إسناد صحيح رجاله ثقات .... \". وأخرجه الحاكم (٤/ ٢١٩) من طريق آخر عن عقبة وسكت عنه هو والذهبي، وانظر ما بعده.\n(^١٤٣) - أخرجه أحمد (١٧٤٥١) (٤/ ١٥٤) وأَبو يعلى (٣/ ١٧٥٩) والروياني في مسنده (١/ رقم ٢١٧) والطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (٤/ ٣٢٥) والطبراني فى \"الكبير\" (١٧/ ٨٢٠) والحاكم (٤/ ٢١٦، ٤١٧) من طريق حيوة بن شريح، عن خالد بن عبيد عن مشرح عن عقبة به، وقال الحاكم: \"صحيح الإسناد\" ووافقه الذهبي، وقال الهيثمي في \"المجمع\" (٥/ ١٠٦): رواه أحمد والطبراني ورجال أحمد ثقات، وقال المنذري فى \"الترغيب والترهيب\" (٤/ ٣٠٦): رواه أحمد وأَبو يعلي بإسناد جيد والحاكم وقال: صحيح الإسناد. قلت: خالد بن عبيد لم يوثقه غير ابن حبان (٦/ ٢٦٢) وأورده ابن أبي حاتم في كتابه (٣/ ٣٤٢) ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا.\n(^١٤٤) - صحيح مسلم كتاب: الزهد والرقائق، باب: من أشرك فى عمله غير الله (٤٦) (٢٩٨٥)، وأخرجه أيضًا أحمد (٢/ ٣٠١، ٤٣٥)، وابن ماجة، كتاب: الزهد، باب: الرياء والسمعة (٤٢٠٢).\n_________\n[¬١]- في ت: \"من حديث\".\n[¬٢]- سقط من: ت.","vol":"8","page":87},{"text":"عمله لله، فليطلب ثوابه من عند غير الله، فإن الله أغنى الشركاء عن الشرك\". رواه الإِمام أحمد (^١٤٥).\nوقال الإِمام أحمد (^١٤٦): حدَّثنا يونس، حدَّثنا ليث، عن يزيد - يعني ابن الهاد - عن عمرو، عن محمود بن لبيد: أن رسول الله، ﷺ، قال: \"إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر\". قالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟ قال: \"الرياء، يقول الله ﷿ لهم يوم القيامة إذا جزى الناس بأعمالهم: اذهبوا إلى الذين كنتم تراءون في الدنيا، فانظروا هل تجدون عندهم جزاء؟ \".\nوقد رواه إسماعيل بن جعفر (^١٤٧)، عن عمرو بن أبي عمرو مولى المطلب، عن عاصم ابن عمر بن قتادة، عن محمود بن لبيد، به.\n_________\n(^١٤٥) - حسن، المسند (١٥٨٨١) (٣/ ٤٦٦) (١٧٩٤٣) (٥/ ٢١٤)، وسيذكره المصنف بإسناد أحمد فى (سورة الكهف آية ١١٠) ورواه أيضًا التِّرمِذي، كتاب: تفسير القرآن، باب: ومن سورة الكهف (٣١٥٢)، وابن ماجة، كتاب: الزهد، باب: \"الرياء والسمعة\" (٤٢٠٣)، والبخاري في \"الكنى\" من التاريخ الكبير (٨/ ٣٦)، والدولابي في \"الكنى\" (١/ ٣٥)، والطبراني في \"الكبير\" (٢٢/ ٧٧٨)، والبيهقي في \"شعب الإيمان\" (٥/ ٦٨١٧)، والمزي في \"تهذيب الكمال\" (٣٣/ ت ٧٣٨٣) كلهم من طريق محمد بن بكر نا عبد الحميد بن جعفر، أخبرنى أبي عن زياد بن ميناء عن أبي سعيد - وقيل أبي سعد - ابن أبي فضالة، به وقال التِّرمِذي: \"هذا حديث غريب - وفي بعض النسخ: حسن غريب - لا نعرفه إلَّا من حديث محمد بن بكر\" قلت: تابعه فرات بن خالد عند البخاري، ونقل ابن حجر ﵀ في \"الإصابة\" (٤/ ٨٦) عن علي بن المديني قال: \"سنده صالح\"، وصححه ابن حبان (٢/ ٤٠٤) (١٦/ ٧٣٤٥).\n(^١٤٦) - إسناده جيد، المسند (٢٣٧٤٢) (٥/ ٤٢٨) وسيعيده المصنف (سورة الكهف /آية ١١٠)، وذكره الهيثمي في \"المجمع\" (١/ ١٠٧) وقال: \"رجاله رجال الصحيح\" وجود إسناده المنذري فى \"الترغيب والترهيب\" (١/ ٦٨) وقال الألباني في \"الصحيحة\" (٢/ ٩٥١)، \"إسناده جيد، رجاله كلهم ثقات، رجال الشيخين غير محمود بن لبيد، فإنه من رجال مسلم وحده قال الحافظ: وهو صحابي صغير، وَجل روايته عن \"الصحابة\" وانظر ما بعده.\n(^١٤٧) - كسابقه، أخرجه البغوي في \"شرح السنة\" (١٤/ ٤١٣٥) من طريق على بن حجر نا إسماعيل بن جعفر به، وأخرجه أحمد (٢٣٧٤٣، ٢٣٧٤٨) (٥/ ٤٢٨، ٤٢٩) والبيهقي في \"الشعب\" (٥/ ٦٨٣١) من طرق عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن عمرو بن أبي عمرو، به، وعبد الرحمن بن أبي الزناد صدوق تغير حفظه لما قدم بغداد، وهو متابع كما ترى، وأخرجه الطبراني في \"الكبير\" (٤/ ٤٣٠١) من رواية محمود بن لبيد عن رافع بن خديج به نحوه، وقال الهيثمي في \"المجمع\" (١٠/ ٢٢٥): \"رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح غير عبد الله بن شبيب بن خالد وهو ثقة\" كذا قال: وابن شبيب هذا ضعفه غير واحد وقال ابن حجر في \"اللسان\" أخباري علامة لكنه واهٍ.","vol":"8","page":88},{"text":"وقال الإِمام أحمد (^١٤٨): حدَّثنا حسن، أنبأنا ابن لهيعة، أنبأنا ابن هبيرة، عن أبي عبد الرحمنَ الحبلي، عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله، ﷺ: \"من ردَّته الطيرة عن [¬١] حاجةٍ فقد أشرك\". قالوا: يا رسول الله ما كفارة ذلك؟ قال: \"أن يقول أحدهم: اللهم لا خير إلَّا خيرك، ولا طير إلَّا طيرك، ولا إله غيرُك\".\nوقال الإِمام أحمد (^١٤٩): حدَّثنا عبد الله بن نمير، حدَّثنا عبد الملك بن أبي سليمان العرزمي، عَن أبي على - رجل من بني كاهل - قال [¬٢]: خطنا أَبو موسى الأشعري فقال: يا [¬٣] أيها الناس، اتقوا هذا الشرك فإنه أخفى من دبيب النمل. فقام عبد الله بن حَزْن وقيس بن المضارب فقالا: والله، لتخرجن مما قلت، أو لنأتين عمر مأذونًا لنا أو غير مأذون. قال: بل أخرج مما قلت، خطبنا رسول الله، ﷺ، ذات يوم فقال: \"يا [¬٤] أي الناس، اتقوا هذا الشرك فإنه أخفى من دبيب النمل\". فقال له من شاء [¬٥] الله أن يقول: فكيف نتقيه وهو أخفى من دبيب النمل يا رسول الله؟ قال: قولوا: \"اللهم، إنا نعوذ بك من أن نشرك بك شيئًا نعلمه، ونستغفرك لما لا نعلمه\".\nوقد روي من وجه آخر، وفيه أن السائل في ذلك هو الصديق، كما رواه الحافظ أَبو يعلى الموصلي (^١٥٠): من حديث عبد العزيز بن مسلم، عن ليث بن أبي سليم، عن أبي\n_________\n(^١٤٨) - صحيح، المسند (٧٠٤٥) (٢/ ٢٢٠) وذكره الهيثمي في \"المجمع\" (٥/ ١٠٨) وقال: \"رواه أحمد والطبراني في الكبير وفيه ابن لهيعة وحديثه حسن وفيه ضعف، وبقية رجاله ثقات\" قلت: لكن رواه عبد الله بن وَهْب في \"الجامع\" (ص ١١٠) - ومن طرف ابن السني في \"عمل اليوم والليلة\" (٢٨٧) - عن ابن لهيعة به، وحديث ابن لهيعة يصحح إذا كان من رواية أحد العبادلة عنه، ولذلك أورده الألباني في \"الصحيحة\" (٣/ ١٠٦٥).\n(^١٤٩) - المسند (١٩٦٦١) (٤/ ٤٠٣) وأخرجه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" كتاب: الدعاء، باب: في التعوذ من الشرك، ما يقوله الرجل حين يبرأ منه (٧/ ٨٨»، والبخاري في \"الكنى\" من \"التاريخ الكبير\" (٨/ ٥٨)، والطبرانى في \"الأوسط\" (٤/ ٣٤٧٩) من طريق عبد الله بن نمير بهذا الإسناد، وقال الهيثمي في \"المجمع\" (٣/ ٢٢٦ - ٢٢٧): \"رواه أحمد ....... ورجال أحمد رجال الصحيح غير أبي على ووثقه ابن حبان \"الثقات\" (٥/ ٥٦٢) \" وقال المنذري في \"الترغيب والترهيب\" (١/ ٧٦): \"رواه أحمد والطبراني ورواته إلى أبي على محتج بهم في الصحيح، أَبو على وثقه ابن حبان، ولم أر أحدًا جرحه\". ويشهد له ما بعده.\n(^١٥٠) - إسناده ضعيف، \"مسند أبي يعلى\" (٦٠، ٦١) حدَّثنا موسى بن محمد بن حَيَّان، حدثنا روح ابن أسلم وفهد، قالا: حدَّثنا عبد العزيز بن مسلم به، وأخرجه أيضًا (٥٨)، والمروزي في \"مسند أبي بكر\" (٥٣: ٥٥)، وابن السني فى \"عمل اليوم والليلة\" (٢٨١). من طريق ابن جريج في قوله تعالى: =\n_________\n[¬١]- في خ: \" من \".\n[¬٢]- في خ: \"قالو\".\n[¬٣]- سقط من: خ.\n[¬٤]- سقط عن: خ.\n[¬٥]- في خ: \"يشأ\".","vol":"8","page":89},{"text":"محمد، عن معقل بن يسار قال: شهدت النبي، ﷺ أو قال: حدّثني أبو بكر الصديق، عن رسول الله، ﷺ، أنَّه - قال: \"الشرك أخفى فيكم من دبيب النمل\". فقال أَبو بكر: وهل الشرك إلَّا من دعا مع الله إلهًا آخر؟ فقال رسول الله، ﷺ: \"الشرك فيكم أخفى من دبيب النمل\". ثم قال: \"ألا أدلك على ما يذهب عنك صغير ذلك وكبيره؟ قل: اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم، وأستغفرك مما لا أعلم\".\nوقد رواه الحافظ أبو القاسم البغوي (^١٥١): عن شيبان بن فروخ [¬١]، عن يحيى بن كثير، عن الثَّوري، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن أبي بكر الصديق، قال: رسول الله، ﷺ: \"الشرك أخفى في أمتي من دبيب النمل على الصفا\" قال: فقال أَبو بكر: يا رسول الله، فكيف النجاة والمخرج من ذلك؟ فقال: \"ألا أخبرك بشيء إذا قلته برئت من قليله وكبيره وصغيره وكبيره؟ \" قال: بلى يا رسول الله. قال: \"قل: اللهم، إني أعوذ أن أشرك بكَ وأنا أعلم، واستغفرك لما لا أعلم\".\nقال الدارقطني: يحيى [بن كثير] [¬٢] هذا يقال له: أبو النضر، متروك الحديث.\nوقد روى الإِمام أحمد وأَبو داود والترمذى - وصححه - والنَّسائي (^١٥٢): من حديث يعلى بن عطاء، سمعت عمرو بن عاصم، سمعت أبا هريرة قال: قال أَبو بكر الصديق:\n_________\n= ﴿أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ﴾ أخبرني ليث بن أبي سليم عن أبي محمد عن حذيفة عن أبي بكر به نحوه، وليث بن أبي سليم، صدوق اختلط بأخرة ولم يتميز حديثه فترك، وشيخه أَبو محمد، مجهول، وذكره الهيثمي في \"المجمع\" (١٠/ ٢٢٧) وقال: \"رواه أَبو يعلى من رواية ليث بن أبي سليم عن أبي محمد عن حذيفة، وليث مدلس وأَبو محمد إن كان هو الذي روى عن ابن مسعود أو الذي روى عن عثمان بن عفان فقد وثقه ابن حبان \"الثقات\" (٥/ ٥٨٦) وإن كان غيرهما فلم أعرفه، وبقية رجاله رجال الصحيح\" وانظر ما بعده.\n(^١٥١) - إسناده ضعيف جدًّا، ومن طريق شيبان بن فروخ به، أخرجه ابن حبان في \"المجروحين\" (٣/ ١٣٠) وابن عدي في \"الكامل\" (٧/ ٢٦٩٥)، وأَبو نعيم في \"الحلية\" (٧/ ١١٢) قال الدارقطني في \"العلل\" (١/ ١٩٣): \"ولا يصح عن إسماعيل، ولا عن الثَّوري، ويحيى بن كثير هذا متروك الحديث\" وأخرجه أَبو يعلى (٥٩) عن شيخه عمرو بن الحصين من حديث معقل بن يسار، لكن شيخه هذا متروك، كما قال الهيثمي في \"المجمع\" (١٠/ ٢٢٧) وانظر السابق.\n(^١٥٢) - صحيح، أخرجه بهذا اللفظ أَبو داود، كتاب: الأدب، باب: ما يقول إذا أصبح (٥٠٦٧)، والنَّسائي في \"الكبرى\" (٤/ ٧٦٩٩)، (٦/ ١٠٤٠٢) والبخاري فى \"خلق أفعال العباد\" (١٤٠، ١٤١) وفي \"الأدب المفرد\" (١٢٠٣)، وأَبو يعلى في \"المسند\" (٧٧)، وصححه الحاكم (١/ ٥١٣) =\n_________\n[¬١]- في خ: \"فرح\".\n[¬٢]- في ت: \"ابن أبي كثير\". وهو خطأ.","vol":"8","page":90},{"text":"يا رسول الله، علمني شيئًا أقوله إذا أصبحت وإذا أمسيت، وإذا أخذت مضجعي. قال: \"قل: اللهم فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، رب كل شئ ومليكه، أشهد أن لا إله إلَّا أنت، أعوذ بك من شر نفسي، وشر الشيطان وشركه\".\nوزاد الإِمام أحمد في رواية له (^١٥٣): من حديث ليث بن أبي سليم، عن مجاهد، عن أبي بكر الصديق قال: أمرني رسول الله، ﷺ، أن أقول … فذكر هذا [¬١] الدعاء وزاد في آخره: \"وأن أقترف على نفسي سوءًا أو أجره إلى مسلم\".\nوقوله: \" ﴿أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ﴾ الآية، أي: أفأمن هؤلاء المشركون بالله [¬٢] أن يأتيهم أمر يغشاهم من حيث لا يشعرون، كقوله تعالى: ﴿أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (٤٥) أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ (٤٦) أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾، و[قال تعالى] [¬٣]: ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ (٩٧) أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٩٨) أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾.\n﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)﴾\nيقول تعالى [لعبده ورسوله] [¬٤]، ﷺ، إلى الثقلين؛ الجن والإِنس، آمرًا له أن يخبر الناس أن هذه سبيله، أي طريقه [¬٥] ومسلكه وسنته، وهي الدعوة إلى شهادة\n_________\n= ووافقه الذهبي، كلهم من طريق هُشَيم، أنبأنا يعلى بن عطاء به، وأخرجه الدارمي (٢٦٩٢) وأحمد (١/ ٩) من طريق سعيد بن عامر وبهز بن أسد، عن شعبة، عن يعلى بن عطاء به بهذا اللفظ، لكن رواه غيرهم عن شعبة بلفظ: \"قل اللهم عالم الغيب والشهادة، فاطر السماوات والأرض .... \" أخرجه أحمد (١/ ٩، ١٠) (٢/ ٢٩٧)، والبخاري في \"الأدب المفرد\" (١٢٠٢)، وفي \"خلق أفعال العباد\" (١٣٨، ١٣٩، ٥٨٣) والطيالسي (ص ٤) - ومن طريقه الترمذي (٣٣٨٩) - والنَّسائي في \"الكبرى\" (٦٤/ ٧٧) (٦/ ٩٨٣٩) وقال الترمذى: \"هذا حديث حسن صحيح\"، وصححه ابن حبان (٣/ ٩٦٢).\n(^١٥٣) - صحيح، المسند (٨١) (١/ ١٤) ومجاهد لم يسمع من أبي بكر، وليث بن أبي سليم ضعيف، لكن يشهد لهذه الزِّيادة حديث عبد الله لن عمرو عند أحمد (٦٨٥١) (٢/ ١٩٦) والتِّرمِذي =\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- سفط من ز، خ.\n[¬٣]- في ت: \"وقوله\".\n[¬٤]- في ت: \"لرسوله\".\n[¬٥]- في ت: \"طريفته\".","vol":"8","page":91},{"text":"أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يدعو إلى الله بها على بصيرة من ذلك ويقين وبرهان، هو وكل من اتبعه يدعو إلى ما دعا إليه رسول الله ﷺ على بصيرة ويقين وبرهان؛ شرعي وعقلي.\nوقوله: ﴿وَسُبْحَانَ اللَّهِ﴾ أي: وأنزه الله وأجله وأعظمه وأقدسه عن أن يكون له شريك أو نظير، أو عديل أو نديد، أو ولد أو والد، أو صاحبة [أو وزير] [¬١] أو مشير، تبارك وتقدس وتنزه، وتعالى عن ذلك كله علوًا كبيرًا [¬٢] ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤٤)﴾.\n﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٠٩)﴾\nيخبر تعالى أنَّه إنما أرسل رسله من الرجال لا من النساء، وهذا قول جمهور العلماء، كما دل عليه سياق هذه الآية الكريمة: أنَّ الله تعالى لم يوح ابن امرأة من بنات بني آدم وحي تشريع.\nوزعم بعضهم: أن سارة امرأة الخليل، وأمّ موسى، ومريم [بنت عمران] [¬٣] أمِّ عيسى نبيات، واحتجوا بأن الملائكة بشرت سارة بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب، وبقوله: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ الآية، وبأن الملك جاء ابن مريم وبشرها بعيسى، ﵇، وبقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَةَرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ (٤٢) يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾.\nوهذا القدر حاصل لهنّ، ولكن لا يلزم من هذا أن يكن نبيات بذلك، فإن أراد القائل بنبوّتهن هذا القدر من التشريف، فهذا لا شك فيه، ويبقى الكلام [¬٤] معه في أن هذا هل\n_________\n= (٣٥٢٦) وقال: \"حديث حسن غريب\" وشاهد آخر من حديث أبي مالك الأشعري عند أبي داود (٥٠٨٣)، والطبراني في \"الكبير\" (٣/ ٣٤٥٠) إلَّا أن فيه انقطاعًا، وانظر \"الصحيحة\" للألباني (٦/ ٢٧٦٣).\n_________\n[¬١]- سقط من ز، خ.\n[¬٢]- في خ: \"كثيرًا\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من ز، خ.\n[¬٤]- سقط من ز، خ.","vol":"8","page":92},{"text":"يكفي في الانتظام في سلك النبوّة بمجرّده أم لا؟ الذي عليه أهل السنة والجماعة، وهو الذي نقله الشيخ أَبو الحسن على بن إسماعيل الأشعري؛ عنهم أنَّه ليس في النساء نبية وإنَّما فيهنّ صدِّيقات، كما قال تعالى مخبرًا عن أشرفهنّ مريم بنت عمران حيث قال تعالى: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ﴾ فوصفها في أشرف مقاماتها بالصدّيقية، فلو كانت نبية لذكر ذلك في مقام التشريف والإِعظام، فهي صدِّيقة بنص القرآن.\nوقال الضحاك (^١٥٤)، عن ابن عبَّاس في قوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾، أي: ليسوا من أهل السماء كما قلتم. وهذا القول من ابن عبَّاس يعتضد بقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ (٨) ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْنَاهُمْ وَمَنْ نَشَاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ﴾ الآية.\nوقوله: ﴿مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ المراد بالقرى: المدن، لا أنهم من أهل البوادي، الذين هم [] [¬١] أجفى الناس طباعًا وأخلاقًا وهذا هو المعهود المعروف: أن أهل المدن أرق طباعًا وألطف من أهل سوادهم، وأهل الريف والسواد أقرب حالًا من الذين يسكنون في البوادي، ولهذا قال تعالى: ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾.\nوقال قَتَادة في قوله: ﴿مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ لأنهم أعلم وأحلم من أهل [¬٢] العمود. وفي الحديث الآخر (^١٥٥): أن رجلا من الأعراب أهدى لرسول الله، ﷺ، ناقة، فلم يزل يعطه ويزيده حتَّى رضى، فقال رسول الله، ﷺ: \"لقد هممت أن لا أتهب هبة إلَّا من قرشي أو أنصاري أو ثقفي أو دوسي\".\n_________\n(^١٥٤) - إسناده ضعيف، أخرجه ابن أبي حاتم (١٢٠٥١) (٧/ ٢٢١٠) وفي إسناده بشر بن عمارة وهو ضعيف.\n(^١٥٥) - صحيح، أخرجه أحمد (١/ ٢٩٥)، والطبراني في \"الكبير\" (١١/ ١٠٨٩٨)، والبزار (٢/ ١٩٣٨ - كشف)، وصححه ابن حبان (١٤/ ٦٣٨٤)، واختاره الضياء في \"المختارة\" (٦٢/ ٢٨١/ ٢) من حديث عبد الله بن عبَّاس، وأخرجه أحمد (٢/ ٢٤٧، ٢٩٢)، وأَبو داود (٣٥٣٧)، والتِّرمِذي (٣٩٤٠، ٣٩٤١)، والنَّسائي (٦/ ٢٧٩ - ٢٨٠) والبخاري فى \"الأدب المفرد\" (٥٩٦) من حديث أبي هريرة وقال التِّرمِذي: \"حديث حسن\" وصححه ابن حبان (١٦/ ٦٣٨٣) والحاكم على شرط مسلم - كما فى \"تلخيص الحبير\" لابن حجر (٣/ ٨٤).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفين في ت: من.\n[¬٢]- سقط من: خ.","vol":"8","page":93},{"text":"وقال الإِمام أحمد (^١٥٦): حدثنا حجاج، حدثنا شعبة، عن الأعمَش، عن يحيى بن وثاب، عن شيخ من أصحاب رسول الله، ﷺ، قال الأعمَش: هو ابن [¬١] عمر - عن النبي ﷺ أنَّه قال: \" [] [¬٢] المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من الذي [لا يخالطهم ولا يصبر على أذاهم] \".\nوقوله: [﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ يعنى: هؤلاء المكذبين لك يا محمد في الأرض ﴿فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أي: من الأم المكذبة للرسل، كيف دمر الله عليهم وللكافر - من أمثالها] [¬٣] ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾ الآية، فإذا استمعوا خبر ذلك رأوا أن الله قد أهلك الكافرين ونجى المؤمنين، وهذه كانت سنته تعالى في خلقه، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا [¬٤]﴾ أي: وكما أنجينا المؤمنين في الدنيا كذلك كتبنا لهم النجاة في الدار الآخرة أيضًا [¬٥] وهي خير لهم من الدنيا بكثير، [كما قال تعالى] [¬٦]: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (٥١) يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾.\n_________\n(^١٥٦) - صحيح، المسند (٥٠٢٢) (٢/ ٤٤) مقرونًا ب \"حجاج\" محمد بن جعفر به معناه، وهذا إسناد صحيح، رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين وجهالة الصحابي لا تضر، وجاء مصرحًا به في بعض الروايات، وأخرجه الترمذى، كتاب: صفة القيامة، باب: مخالطة الناس مع الصبر على أذاهم خير من عدمها (٢٥٠٩)، والبغوي في \"شرح السنة\" (١٣/ ٣٥٨٥) من طريقين عن شعبة بهذا الإسناد، وأخرجه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" كتاب: الأدب، باب: في مخالطة الناس ومخالفتهم\" (٦/ ٢٠٠) والبيهقي في \"الكبرى\" (١٠/ ٨٩) من طريق محمد بن عبيد ثنا الأعمَش، به - مقرونًا بيحيى بن وثاب أبو صالح عند البيهقي - وأخرجه أحمد (٥/ ٣٦٥) (٢٣٢٠٤) من طريق بن سفيان بن سعيد عن الأعمَش به، وقال التِّرمِذي: \"قال ابن أبي عدي - أحد الرواة عن شعبة -: كان شعبة هى أنَّه ابن عمر\" قلت: وقد جاء تصريح ذلك في بعض الروايات عنه، فأخرجه البخاري في \"الأدب المفرد\" (٣٨٨)، والبيهقى في \"الشعب\" (٦/ ٨١٠٢) من طريق آدم بن أبي إياس، وأخرجه البيهقي في \"الكبرى\" (١٠/ ٨٩) من طريق عمار بن عبد الجبار كلاهما عن شعبة، حدثني الأعمَش، عن يحيى، عن ابن عمر فذكره، وتابع شعبة على التصريح بذلك داود الطائي عند أبي نعيم في الحلية\" (٧/ ٣٦٥)، وإسحاق بن يوسف عند ابن ماجة (٤٠٣٢) وحسن إسناده ابن حجر في \"الفتح\" (١٠/ ٥١٢).\n_________\n[¬١]- سقط من ز، خ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في خ: هو.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٤]- في خ: \"يتقوك\".\n[¬٥]- سقط من: ت.\n[¬٦]- في ت: \"كقوله\".","vol":"8","page":94},{"text":"وأضاف الدار إلى الآخرة فقال: ﴿وَلَدَارُ الْآخِرَةِ﴾ كما تقول [¬١]: صلاة الأولى، ومسجد الجامع، وعام الأول، وبارحة الأولى، ويوم الخميس قال الشاعر:\nأَتْمدح فَقْعَسًا وتَذُمُّ عَبْسا … ألا لله أُمُّكَ مِنْ هَجِيِن\nولو أَقْوَتْ [¬٢] عَلَيْكَ دِيارُ عَبْسٍ … عرفت الله عِرْفَانَ اليَقيِن\n﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (١١٠)﴾\nيخبر [¬٣] تعالى أن نصره ينزل على رسله، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، عند ضيق الحال وانتظار الفرج من الله تعالى [¬٤] في أحوج الأوقات إلى ذلك، [كما في قوله] [¬٥] تعالى: ﴿وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾، وفي قوله: ﴿كُذِبُوا﴾ قراءتان، إحداهما: بالتشديد ﴿قَدْ كُذِبُوا﴾ [¬٦]، وكذلك كانت عائشة ﵂ تقرؤها قال البخاري (^١٥٧): حدَّثنا عبد العزيز بن عبد الله، حدَّثنا إبراهيم بن سعد، عن صالح، عن ابن شهاب، قال: أخبرني عروة بن الزُّبَير، عن عائشة: أنَّها قالت له وهو يسألها عن قول الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ﴾ قال: قُلْتُ: أَكُذِبُوا أم كُذِّبُوا؟ قالت عائشة: ﴿كُذِبُوا﴾ فقلت: قد [¬٧] استيقنوا أن قومهم قد كذبوهم [¬٨] فما هو بالظن؟ قالت [¬٩] أجل لعمري لقد استيقنوا بذلك. فقلت: لها ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ [قَدْ] كُذِبُوا﴾ فقالت [¬١٠]: معاذ الله! لم تكن الرسل تظن ذلك بربها، قلت: فما هذه الآية؟ قالت: هم أتباع الرسل الذين آمنوا بربهم وصدقوهم، فطال عليهم البلاء واستأخر عنهم النصر ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ﴾ ممن كذبهم من قومهم، وظنت الرسل أن أتباعهم قد كذبوهم، جاءهم نصر الله عند ذلك.\nحدَّثنا أَبو اليمان، أخبرنا شعيب [¬١١]، عن الزُّهْريّ، قال: أخبرنى عروة: فقلت: لعلها\n_________\n(^١٥٧) - صحيح البخاري كتاب التفسير، باب: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ﴾ (٤٦٩٥، ٤٦٩٦).\n_________\n[¬١]- في ت: \"قال\".\n[¬٢]- فى ز، خ: \"أقرت\".\n[¬٣]- في ت: \"يذكر\".\n[¬٤]- سقط من: ت.\n[¬٥]- في ت: \"كقوله\".\n[¬٦]- وهي قراءة عبد الله بن كثير، ونافع، وأبي عمرو، وابن عامر.\n[¬٧]- في ت: \"فقد\".\n[¬٨]- في ز، خ: \"كذبوا\".\n[¬٩]- في خ: \"قال\".\n[¬١٠]- في ت: \"قالت\".\n[¬١١]- في خ: \"شعبة\".","vol":"8","page":95},{"text":"﴿قَدْ كُذِبُوا﴾ مخففة؟ قالت: معاذ الله! انتهى ما ذكره.\nوقال ابن جريج (^١٥٨): أخبرني ابن أبي مليكة: أن ابن عباس قرأها: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾ خفيفة. قال عبد الله - هو ابن أبي مليكة -: ثم قال لي ابن عباس: كانوا بشرًا! [ثم تلا] [¬١]: ﴿حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾. قال ابن جريج: وقال لي ابن أبي مليكة: وأخبرني عروة، عن عائشة: أنها خالفت ذلك وأبته، وقالت: ما وعد الله محمدًا، ﷺ، من شيء إلا قد علم أنه سيكون حتى مات، ولكنه لم يزل البلاء بالرسل، حتى ظنوا أن من معهم من المؤمنين قد كذبوهم. قال ابن أبي مليكة في حديث عروة: كانت عائشة تقرؤها ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِّبُوا﴾ مثقلة، للتكذيب.\nوقال ابن أبي حاتم (^١٥٩): أنا يونس بن عبد الأعلى - قراءة - أنا ابن وهب، أخبرني سليمان بن بلال، عن يحيى بن سعيد قال: جاء إنسان إلى القاسم بن محمد فقال: إن محمد بن كعب القرظى يقول [¬٢] هذه الآية: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾ فقال القاسم: أخبره عنى: أنى سمعت عائشة زوج النبى، ﷺ، تقول: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِّبُوا﴾ تقول: كذبتهم أتباعهم. إسناد صحيح أيضًا.\nوالقراءة الثانية: بالتخفيف [¬٣] واختلفوا في تفسيرها؛ فقال ابن عباس ما تقدم.\nوعن ابن مسعود فيما رواه سفيان الثوري (^١٦٠)، عن الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن عبد الله: أنه قرأ ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾ مخففة، قال عبد الله: هو الذي تكره.\n_________\n(^١٥٨) - صحيح، أخرجه ابن جرير (١٦/ ٢٠٠٣٠) وبنحوه مختصرًا أخرجه أيضًا (١٦/ ٢٠٠٢٩) والبخارى، كتاب التفسير، باب: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ﴾ إلى ﴿قَرِيبٌ﴾ (٤٥٢٥،٤٥٢٤)، والنسائي في \"الكبرى\" كتاب: التفسير، (٦/ ١١٢٥٥، ١١٢٥٦).\n(^١٥٩) - إسناده صحيح، تفسير ابن أبي حاتم (٧/ ١٢٠٦٣).\n(^١٦٠) - كسابقه، أخرجه ابن جرير (١٦/ ٢٠٠٢٥، ٢٠٠٢٦) من طريقين عن سفيان الثوري، به.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"وقال ابن عباس\".\n[¬٢]- في ت: \"قرأ\".\n[¬٣]- وبها قرأ عاصم وحمزة والكسائي.","vol":"8","page":96},{"text":"وهذا عن ابن مسعود وابن عباس، ﵄، مخالف لما رواه آخرون عنهما.\nأما ابن عباس: فروى الأعمش (^١٦١)، عن مسلم عن ابن عباس في قوله: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾ قال: لما أيست الرسل أن يستجيب لهم قومهم، وظن قومهم أن الرسل قد كذبوهم جاءهم النصر على ذلك ﴿فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ﴾.\nوكذا رُوي عن سعيد بن جبير وعمران بن الحارث السلمي وعبد الرحمن بن معاوية وعلى ابن أبي طلحة والعوفي عن ابن عباس بمثله.\nوقال ابن جرير (^١٦٢): حدثني المثنى، حدثنا عارم أبو النعمان، حدثنا حماد بن زيد، حدثنا شعيب، حدثني إبراهيم بن أبي حرة [¬١] الجزري قال: سأل فتى من قريش سعيد بن جبير فقال [¬٢]: يا أبا عبد الله، كيف تقرأ هذا الحرف، فإني إذا أتيت عليه تمنيت أن لا أقرأ هذه السورة ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾. قال: نعم، حتى إذا استيأس الرسل من قومهم أن يصدِّقوهم، وظن المرسَلُ إليهم أن الرسل قد [¬٣] كَذبوا. قال: فقال الضحاك بن مزاحم: ما رأيت كاليوم قط رجلًا يُدعَى إلى علم فيتلكأ، لو رحلت إلى اليمن في هذه كان قليلًا.\nثم روى ابن جرير (^١٦٣) أيضًا من وجه آخر: أن مسلم بن يسار سأل سعيد بن جبير عن ذلك فأجابه بهذا الجواب، فقام إلى سعيد فاعتنقه وقال: فرج الله عنك كما فرجت عني\nوهكذا رُوي من غير وجه عن سعيد بن جبير أنه فسرها كذلك. وكذا فسرها مجاهد بن جبر وغير واحد من السلف، حتى أن مجاهدًا قرأها ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾ بفتح الذال. رواه ابن جرير (^١٦٤)، إلا أن بعض من فسرها كذلك يعيد الضمير في قوله ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾ إلى أتباع الرسل من المؤمنين، ومنهم من يعيده إلى الكافرين منهم، أي: وظن الكفار أن الرسل قد كذِبوا - مخففة - فيما وعدوا به من النصر.\n_________\n(^١٦١) - أخرجه ابن جرير (١٦/ ١٩٩٨٧، ١٩٩٨٨) من طريقين عن أبي معاوية عن الأعمش، به.\n(^١٦٢) - إسناده صحيح، التفسير (١٦/ ٢٠٠٠٨): و\"إبراهيم بن أبي حُرة الجزري\" ضعفه الساجى، لكن وثقه أحمد وابن معين وأبو حاتم وزاد \"لا بأس به\" انظر \"لسان الميزان\" (ت / ١٠٠)، وشعيب هو ابن الحباب الأزدي: \"ثقة\" وانظر ما بعده.\n(^١٦٣) - التفسير (١٦/ ٢٠٠٠٩) حدثني المثنى: قال: حدثنا الحجاج، قال: حديث ربيعة بن كلثوم، قال: حدثني أبي أن مسلم بن يسار. . . فذكر الحديث.\n(^١٦٤) - التفسير (١٦/ ٢٠٠١١، ٢٠٠١٢).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"حمزة\".\n[¬٢]- في ت: \"قال\".\n[¬٣]- زيادة من: ت.","vol":"8","page":97},{"text":"وأما ابن مسعود؛ فقال ابن جرير (^١٦٥): حدثنا القاسم، حدثنا الحسين، حدثنا محمد ابن فضيل، عن جحش [¬١] بن زياد الضبي، عن تميم بن حذلم [¬٢] قال: سمعت عبد الله بن مسعود يقول فى هذه الآية: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ﴾ من إيمان قومهم أن يؤمنوا لهم [¬٣]، وظن قومهم حين أبطأ الأمر أنهم قد [¬٤] كذبوا [مخففة] [¬٥].\nفهاتان روايتان عن كل من ابن مسعود وابن عباس، وقد أنكرت ذلك عائشة على من فسرها بذلك، وانتصر لها ابن جرير وَوَجَّه المشهور عن الجمهور، وزيَّف القول [¬٦] الآخر بالكلية، ورده وأباه ولم يقبله ولا ارتضاه، والله أعلم.\n﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١١١)﴾\nيقول تعالى: لفد كان في خبر المرسلين مع قومهم، وكيف أنجينا [¬٧] المؤمنين وأهلكنا الكافرين ﴿لَعِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ وهي العقول ﴿مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى﴾ أي: وما كان لهذا القرآن أن يفترى من دون الله، أي: يكذب ويختلق ﴿وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ أي: من الكتب المنزلة من السماء، وهو يصدق ما فيها من الصحيح، وينفي ما وقع فيها من تحريف وتبديل وتغيير، ويحكم عليها بالنسخ أو التقرير ﴿وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ من تحليل وتحريم ومحبوب ومكروه، وغير ذلك من الأمر بالطاعات والواجبات والمستحبات، والنهي عن المحرمات وما شاكلها من المكروهات، والإخبار عن الأمور الجلية، وعن الغيوب المستقبلة؛ المجملة والتفصيلية، والإخبار عن الرب ﵎ بالأسماء [¬٨] والصفات [¬٩]، وتنزيهه عن مماثلة المخلوقات، فلهذا كان ﴿وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ تهتدي به قلوبهم من الغي إلى الرشاد، ومن الضلالة [¬١٠] إلى السداد، ويبتغون به الرحمة\n_________\n(^١٦٥) - التفسير (١٦/ ٢٠٠١٨).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"محش\".\n[¬٢]- في خ: \"حزم\".\n[¬٣]- في ت: \"بهم\".\n[¬٤]- زيادة من: ت.\n[¬٥]- في ت: بالتخفيف.\n[¬٦]- في خ: \"المقول\".\n[¬٧]- في خ: نجينا.\n[¬٨]- ساقطة من: خ.\n[¬٩]- في خ: \"بالصفات\".\n[¬١٠]- في ت: \"الضلال\".","vol":"8","page":98},{"text":"من رب العباد، في هذه الحياة الدنيا ويوم [¬١] المعاد، فنسأل الله العظيم أن يجعلنا منهم في الدنيا والآخرة، يوم يفوز بالربح المبيضةُ وجوهُهم الناضرة، ويرجع المسوّدة وجوههم بالصفقة الخاسرة.\nآخر تفسير سورة يوسف، ولله الحمد والمنة، وبه المستعان، [وعليه التكلان وهو حسبنا ونعم الوكيل] [¬٢].\n_________\n[¬١]- ساقط من: خ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من خ.","vol":"8","page":99},{"text":"<span data-type='title' id=toc-119>تفسير سورة الرعد</span>\nوهي مكية\n﴿المر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ (١)﴾\nأما الكلام على الحروف المقطعة في أوائل السور فقد تقدم في أول سورة البقرة، وقدمنا أن كل سورة تبتدئ بهذه الحروف ففيها الانتصار للقرآن، وتبيان [أن نزوله] [¬١] من عند الله حق لا شك فيه ولا مرية ولا ريب، ولهذا قال: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ﴾ أي: هذه آيات الكتاب وهو القرآن، وقيل: التوراة والإِنجيل، قاله: مجاهد وقتادة، وفيه نظر، بل هو بعيد ثم عطف على ذلك عطف صفات، فقال [¬٢]: ﴿وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ أي: يا محمد ﴿مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ﴾ خبر تقدم مبتدؤه وهو قوله: ﴿وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ هذا هو الصحيح المطابق لتفسير مجاهد وقتادة، واختار ابن جرير أن تكون الواو زائدة، أو عاطفة صفة على صفة، كما قدمنا، واستشهد بقول الشاعر:\nإلى الملَكِ القَرْمِ [¬٣] وابْنِ الهُمَامِ … وَلَيثَ الكَتِيبَةِ في المُزدَحَمْ\nوقوله [¬٤]: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ﴾، كقوله: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ أي: مع هذا البيان والجلاء والوضوح لا يؤمن أكثرهم، لما فيهم من الشقاق والعناد والنفاق.\n﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ (٢)﴾\nيخبر الله تعالى عن كمال قدرته وعظيم سلطانه: أنه [¬٥] الذي بإذنه وأمره رفع السموات بغير عمد، بل بإذنه وأمره وتسخيره رفعها عن الأرض بعدًا لا تنال [ولا يدرك] [¬٦] مداها،\n_________\n[¬١]- في ز: أنه نزل.\n[¬٢]- في ز، خ: \"قوله\".\n[¬٣]- في خ: \"بلا نقط\".\n[¬٤]- سقط من: خ.\n[¬٥]- سقط من: خ.\n[¬٦]- في ز: ولا تدرك.","vol":"8","page":101},{"text":"فالسماء الدنيا محيطة بجميع الأرض وما حولها؛ من الماء والهواء، من جميع نواحيها وجهاتها وَأرجائها، مرتفعة عليها من كل جانب على السواء، وبعد ما بينها وبين الأرض عن كل ناحية مسيرة خمسمائة عام، وسمكها [فى نفسها مسيرة] [¬١] خمسمائة عام، ثم السماء الثانية محيطة بالسماء الدنيا وما حوت، وبينهما من البعد مسيرة خمسمائة عام، وسمكها خمسمائة عام، وهكذا الثالثة والرابعة والخامسة والسادسة والسابعة، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ الآية.\nوفى الحديث (^١): \" ما السموات السبع وما فيهنّ وما بينهنّ في الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة، والكرسي في العرش المجيد [¬٢] كتلك الحلقة في تلك الفلاة\".\nوفي رواية (^٢): \" والعرش لا يقدر قدره إلا اللَّه ﷿\".\nوجاء عن بعض السلف (^٣): أن بعد ما بين العرش إلى الأرض مسيرة خمسين ألف سنة، وبعد ما بين قطريه مسيرة خمسين ألف سنة، وهو من ياقوتة حمراء.\nوقوله: ﴿بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ روي عن ابن عباس (^٤) ومجاهد والحسن وقتادة [وغير واحد] [¬٣] أنهم قالوا: لها عمد ولكن لا ترى.\nوقال إياس بن معاوية: السماء مقبَّبة [¬٤] على الأرض مثل القبة. يعني: بلا عمد، وكذا روي عن قتادة، وهذا هو اللائق بالسياق، والظاهر من قوله تعالى: ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ فعلى هذا يكون قوله: ﴿تَرَوْنَهَا﴾ ذلك، أي: هي مرفوعة بغير عمد كما ترونها وهذا هو الأكمل فى القدرة، وفي شعر أمية بن أبي الصلت: الذي آمن شعره وكفر قلبه كما ورد فى الحديث (^٥)، ويروى لزيد بن عمرو بن\n_________\n(^١) - تقدم تخريجه (سورة البقرة / آية ٢٥٥)، (سورة النساء / آية ١٦٤).\n(^٢) - تقدم تخريجه (سورة البقرة / آية ٢٥٥).\n(^٣) - جاء ذلك بإسناد صحيح عن وهب بن منبه من كلاهه فيما أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره (٢/ ٣١٥) - ومن طريقه أبو الشيخ في \"العظمة\" (٢/ ٢٨٩) - وابن أبي شيبة في \"كتاب العرش\" (٦٢)، وانظر ما تقدم (سورة يونس/ آية ٣).\n(^٤) - أخرجه عبد الرزاق (٢/ ٣٣١) وابن جرير (١٦/ ٣٢٣، ٣٢٤) وابن أبى حاتم (٧/ ١٢٠٨٩) وابن أبى شيبة وابن المنذر وأبو الشيخ - كما في \"الدر المنثور\" (٤/ ٨١) - من طرق عن ابن عباس.\n(^٥) - أخرجه ابن عبد البر في \"التمهيد\" (٤/ ٧) وابن عساكر فى \"التاريخ\" (٣/ ١١٧ - مخطوط) =\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٤]- زيادة من تفسير ابن جرير (١٦/ ٢٠٠٥٥٩).","vol":"8","page":102},{"text":"نفيل (^٦) ﵁:.\nوأنتَ الذي مِنْ فَضْلِ منٍّ وَرَحْمَةٍ … بَعَثْتَ إلى مُوسَى رَسُولًا مُناديا\nفقلت له يا اذهَبْ وهارونَ فادعُوَا … إلى اللهِ فرعونَ الذي كانَ طاغيا\nوقُولَا لَهُ هَلْ أَنْتَ سَوَّيت هَذه … [بلا وتدٍ حتى اطْمَأنَّتْ كَمَا هِيا] [¬١]\n[وقولا له آأنت رفَّعت هذه] [¬٢] … بلا عمد أرفِقْ [¬٣] إذا بك بانيا\nوقولا له هل أنت سويت وسْطها … منيرًا إذا ما جنَّك الليل هاديا\n[وقولا له من يُرْسِلُ الشمس غُدْوةً … فيصبح ما مَسَّت من الأرض ضَاحيا] [¬٤]\nوقُولا له من يُنْبِتُ الحبَّ في الثَّرَى … فيصْبِح منه البَقْلُ يَهْتَزُّ رابيا\nويُخْرِجُ منه حبَّه فى رُءوسِهِ … ففىِ ذاكَ آياتٌ لِمن كانَ وَاعِيَا\nوقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ تقدم تفسيره [¬٥] في سورة الأعراف، وأنه يمرر كما جاء من غير تكييف ولا تشبيه ولا تعطل ولا تمثيل، تعالى الله علوًّا كبيرا.\nوقوله: ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ قيل: المراد أنهما يجريان إلى انقطاعهما بقيام الساعة، كما في قوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ] [¬٦]﴾.\nوقيل: المراد إلى مستقرهما؛ وهو تحت العرش مما يلي بطن [¬٧] الأرض من الجانب الآخر، فإنهما وسائر الكواكب إذا وصلوا هنالك يكونون أبعد ما يكون عن العرش؛ لأنه [على الصحيح] [¬٨] الذي تقوم عليه الأدلة: قبة مما يلي العالم من هذا الوجه، وليس بمحيط كسائر الأفلاك؛ لأن [¬٩] له قوائم وحملة يحملونه، ولا يتصور [هذا في\n_________\n= من حديث ابن عباس، وفي إسناده أبو بكر الهذلي: أخباري متروك، وعزاه الحافظ في \"الفتح\" (٧/ ١٥٣) إلى الفاكهي وابن منده، ونقل المصنف في \"البداية والنهاية\" (٢/ ٢٨٧) عن أبي محمد بن صاعد قال: \". . . وأما الذي يروى رسول الله ﷺ قال في أمية: \"آمن شعره وكفر قلبه\" فلا أعرفه\" والحديث في \"الضعيفة\" للألباني (٤/ رقم ١٥٤٦). وأخرج البخاري (٣٨٤١) ومسلم (٣) (٢٢٥٦) من حديث أبي هريرة مرفوعًا \"كاد أمية بن أبي الصلت أن يسلم\".\n(^٦) - هذه الأبيات في \"السيرة\" لابن هشام (١/ ١٤٩).\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- سقط من: خ.\n[¬٤]- سقط من: خ.\n[¬٥]- في خ: \"تفسير ذلك\".\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: ت.\n[¬٧]- سقط من ز.\n[¬٨]- في خ: \"الفصيح\".\n[¬٩]- في ز؛ لأنه.","vol":"8","page":103},{"text":"الفلك] [¬١] المستدير، وهذا واضح لمن تدبر ما وردت به الآيات والأحاديث الصحيحة ولله الحمد والمنة.\nوذكر الشمس والقمر؛ لأنهما أظهر الكواكب السيارة السبعة، التي هي أشرف وأعظم من الثوابت، فإذا كان قد سخر هذه فلأن يدخل في التسخير سائر الكواكب بطريق الأولى والأحرى، كما نبه بقوله تعالى: ﴿لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ مع أنه قد صرح بذلك [¬٢] بقوله: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾.\nوقوله: ﴿يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ﴾ أي: يوضح الآيات والدلالات الدالة على [¬٣] أنه لا إله إلا هو، وأنه يعيد الخلق إذا شاء كما ابتدأ خلقه.\n﴿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٣) وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٤)﴾\nلما ذكر تعالى العالم العلوي، شرع في ذكر قدرته وحكمته وإحكامه للعالم السفلي، وقيل: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ﴾ أي: جعلها متسعة ممتدة في الطول والعرض، وأرساها بجبال راسيات شامخات، وأجرى فيها الأنهار والجداول والعيون؛ ليسقي [¬٤] ما جعل فيها من الثمرات المختلفة الألوان والأشكال، واليوم والروائح ﴿مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ أي: من كل شكل صنفان.\n﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ﴾ أي: جعل كلًّا منهما يطلب الآخر طلبًا حثيثًا، فإذا ذهب هذا غشيه هذا، وإذا انقضى هذا جاء الآخر، فيتصرف أيضًا في الزمان كما يتصرف [¬٥] أيضًا [¬٦] في المكان والسكان.\n_________\n[¬١]- هذه العبارة مكررة في: خ.\n[¬٢]- في خ: \"ذلك\".\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- في ز: لسقي.\n[¬٥]- سقط من: خ. في ز: تصرف.\n[¬٦]- زيادة من: خ.","vol":"8","page":104},{"text":"﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ أي: في آلاء الله وحكمته ودلائله.\nوقوله: ﴿وَفِي [¬١] الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ﴾ أي: أراض [¬٢] يجاور بعضها بعضًا، مع [¬٣] أن هذه طيبة [¬٤] تنبت ما ينتفع به الناس، وهذه سبخة مالحة لا تنبت شيئًا. هكذا روي عن ابن عباس (^٧) ومجاهد وسعيد بن جبير والضحاك [وغيرهم].\nوكذا يدخل [¬٥] في هذه الآية اختلاف ألوان بقاع الأرض، فهذه تربة حمراء وهذه بيضاء، وهذه صفراء وهذه سوداء، وهذه محجرة وهذه سهلة وهذه مرملة، وهذه سميكة وهذه رقيقة، والكل متجاورات، فهذه بصفتها [¬٦] وهذه بصفتها [¬٧] الأخرى، فهذا كله مما يدل على الفاعل المختار لا إله إلا هو ولا رب سواه.\nوقوله: ﴿وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ﴾ يحتمل أن تكون [¬٨] عاطفة على جنات فيكون [¬٩] ﴿وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ﴾ مرفوعين [¬١٠]، ويحتمل أن يكون معطوفًا على أعناب فيكون مجرورًا، ولهذا قرأ بكل منهما طائفة من الأئمة.\nوقوله: ﴿صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ﴾ الصنوان: هي الأصول المجتمعة في منبت واحد، كالرمان والتين وبعض النخيل ونحو ذلك، وغير الصنوان: ما كان على أصل واحد كسائر الأشجار، ومنه سمي عم الرحل صنو أبيه كما جاء في الصحيح أن رسول الله ﷺ قال لعمر: \"أما شعرت أن عم الرجل صنو أبيه\" (^٨).\nوقال سفيان الثوري وشعبة، عن أبي إسحاق، عن البراء ﵁: الصنوان هي النخلات في أصل واحد، وغير الصنوان المتفرقات (^٩). وقاله ابن عباس ومجاهد والضحاك\n_________\n(^٧) - أخرجه ابن جرير (١٦/ ٣٣١) وابن أبي حاتم (٧/ ١٢١٢) من طرق عنه بأسانيد ضعيفة، وعزاه السيوطي في \"الدر المنثور\" (٤/ ٨٣) إلى ابن المنذر وأبى الشيخ.\n(^٨) - أخرجه مسلم، كتاب: الزكاة، باب: في تقديم الزكاة ومنعها (١١) (٩٨٣)، وأبو داود، كتاب: الزكاة، باب: في تعجيل الزكاة (١٦٢٣)، والترمذي، كتاب: المناقب، باب: مناقب العباس بن عبد المطب (٣٧٦٤) وأحمد (٢/ ٣٢٢) من حديث أبي هريرة، وانظر \"الصحيحة\" للألباني (٢/ ٨٠٦).\n(^٩) - إسناده صحيح، أخرجه ابن جرير (١٦/ ٣٣٥، ٣٣٦) وابن أبي حاتم (٧/ ١٢١٢٤) والأخير من طريق سفيان فقط وله طرق أخرى عن أبي إسحاق عند ابن جرير وزاد نسبته السيوطي في \"الدر=\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- في خ: \"أرض\".\n[¬٣]- في خ: \"من\"\n[¬٤]- في خ: \"مطيبة\".\n[¬٥]- في خ: \"يدل\".\n[¬٦]- في خ: \"نصفها\".\n[¬٧]- في خ: \"نصفها\".\n[¬٨]- في خ: \"يكون\".\n[¬٩]- في خ: \"فتكون\".\n[¬١٠]- في خ: \"مرفوعتين\".","vol":"8","page":105},{"text":"وقتادة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم.\nوقوله ﴿يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ﴾ قال الأعمش، عن أبى صالح، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ ﴿وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ﴾ قال: \"الدقل والفارسي والحلو والحامض\" (^١٠). رواه الترمذي وقال: حسن غريب.\nأي: هذا الاختلاف في أجناس الثمرات والزروع، في أشكالها وألوانها، وطعومها وروائحها، وأوراقها وأزهارها [¬١]، فهذا في غاية الحلاوة، وذا في غاية الحموضة، وذا في غاية المرارة وذا عفص، وهذا عذب، وهذا جمع هذا وهذا ثم يستحيل إلى طعم آخر بإذن الله تعالى، وهذا أصفر وهذا أحمر وهذا أبيض وهذا أسود وهذا أزرق، وكذلك الزهورات مع أنها [¬٢] كلها تستمد من طبيعة واحدة [¬٣] وهو الماء، مع هذا الاختلاف الكثير الذي لا ينحصر ولا ينضبط، ففي ذلك آيات لمن كان واعيًا، وهذا من أعظم الدلالات على الفاعل المختار، الذي بقدرته فاوت بين الأشياء، وخلقها على ما يريد، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾.\n﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ\n_________\n= المنثور\" (٤/ ٨٣) إلى الفريابي وسعيد بن منصور، وابن المنذر وأبي الشيخ وابن مردويه.\n(^١٠) - ضعيف، أخرجه الترمذي، كتاب: تفسير القرآن، باب: \"ومن سورة الرعد\" (٣١١٧)، وابن جرير (١٦/ ٢٠١٢٦) وأبو يعلى في \"المعجم\" (٣٠١) وابن عدي في \"الكامل\" (٣/ ١٢٧٠) والخطيب البغدادي في \"تاريخ بغداد\" (٩/ ٢٢٦) وابن الجوزي في \"العلل المتناهية\" (٢/ ١٠٩٢) والعقيلي في \"الضعفاء (١/ ١٣٢) والمزي في \"تهذيب الكمال\" (١٢/ ٣٣١) من طريق محمود بن خداش ثنا سيف بن محمد الثوري عن الأعمش به، وسيف بن محمد هذا كذبه يحيى بن معين وأبو داود وتركه النسائي والدارقطني، ولذا قال ابن الجوزي: \"هذا حديث لا يصح عن رسول الله ﷺ وسيف متفق على كذبه، قال أحمد بن حنبل: كان يضع الحديث. وقد تابعه زيد بن أبي أنيسة عن الأعمش به أخرجه ابن جرير (١٦/ ٢٠١٢٧) وابن عدي والعقيلي من طريق سليمان بن عبيد الله الخطاب عن عبيد الله ابن عمرو عن زيد به وقال العقيلي: لم يأت به - يعني لهذا الإسناد - غير سليمان\" قلت: وهو ليس بالقوى - كما قال النسائي، وقال ابن معين: ليس بشيء، وقد أخطأ في هذا الإسناد فقال أبو حاتم في \"العلل\" (٢/ ٨٠/ ١٧٣٣): \"حَدَّث سليمان بهذا الحديث وأنا بالكوفة فلم يقض لي السماع منه ثم رجع عنه، فقال: حدثنا به سيف بن محمد بن أخت سفيان أخو عمار، وسيف ضعيف الحديث\"، والحديث زاد نسبته السيوطي في \"الدر المنثور\" (٤/ ٥٨) إلى البزار وإبن المنذر وأبي الشيخ وابن مردويه.\n_________\n[¬١]- في خ: \"وزهورها\".\n[¬٢]- في خ: \"أن\".\n[¬٣]- في خ: \"واحد\".","vol":"8","page":106},{"text":"هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٥)﴾\nيقول تعالى لرسوله محمد ﷺ: ﴿وَإِنْ تَعْجَبْ﴾ من تكذيب هؤلاء المشركين بأمر المعاد، مع ما يشاهدونه من آيات الله سبحانه، ودلالاته في خلقه على أنه القادر على ما يشاء، ومع ما يعترفون به من أنه ابتدأ خلق الأشياء، فكونها بعد أن لم تكن شيئًا مذكورًا، ثم هم بعد هذا كذبون خبره في أنه سيعيد العالمين خلفا جديدًا، وقد اعترفوا وشاهدوا ما هو أعجب مما كذبوا به، فالعجب من قولهم: ﴿أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ وقد علم كل عالم وعاقل: أن خلق السموات والارض أكبر من خلق الناس، وأن من بدأ الخلق فالإعادة سهلة عليه، كما قال تعالى: [﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ] [¬١]﴾.\nثم نعت المكذبين بهذا فقال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ﴾ أي: يسحبون بها في النار] [¬٢] ﴿وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ أي: ماكثون فيها أبدًا لا يحولون عنها ولا يزولون.\n﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ (٦)﴾\nيقول تعالى ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ﴾ أي: هؤلاء المكذبون ﴿بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ﴾ أي: بالعقوبة، كما أخبر عنهم في قوله: ﴿وَقَالُوا يَاأَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ (٦) لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٧) مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ (٨)﴾ وقال تعالى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ﴾ الآيتين.\nوقال تعالى: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ﴾، وقال: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ﴾، ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا﴾ الآية، أي: عقابنا وحسابنا، كما قال مخبرًا عنهم: ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ﴾ الآية، فكانوا [من شدة تكذيبهم وعنادهم وكفرهم] يطلبون [] [¬٣] أن\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يحيى الموتى بلى إنه على كل شيء قدر\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٣]- فى ز: من الرسول.","vol":"8","page":107},{"text":"يأتيهم بعذاب الله.\nقال الله تعالى: ﴿وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ﴾ أي: قد أوقعنا نقمنا بالأمم الخالية، وجعلناهم مثلة [¬١] عبرة وعظة [لمن اتعظ] بهم.\nثم أخبر تعالى: أنه لولا حلمه وعفوه لعاجلهم بالعقوبة، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ [بِمَا كَسَبُوا] [¬٢] مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾.\nوقال تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ﴾ أي: [أنه تعالى] ذو عفو وصفح وستر للناس مع أنهم يظلمون ويخطئون بالليل والنهار، ثم قرن هذا الحكم بأنه شديد العقاب؛ ليعتدل الرجاء والخوف، كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾، وقال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، وقال: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾ إلى أمثال ذلك من الآيات التي تجمع الرجاء والخوف.\nوقال ابن أبي حاتم (^١١): حدثنا أبي، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد، عن على بن زيد، عن سعيد بن المسيب قال: لما نزلت هذه الآية ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ﴾ الآية، قال رسول الله ﵌ \"لولا عفو اللّه وتجاوزه ما هنأ [أحدًا العيش] [¬٣]، ولولا وعيده وعقابه لاتكل كل أحدٍ\".\nوروى الحافظ ابن عساكر (^١٢) في ترجمة الحسن بن عثمان أبي حسان الزيادي [¬٤]: أنه رأى رب العزة في النوم، ورسول الله ﷺ واقفٌ بين يديه يشفع في رجل من أمته، فقال له: ألم يكفك أني أنزلت عليك في سورة الرعد: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ﴾ قال: ثم انتبهت.\n_________\n(^١١) - مرسل وإسناده ضعيف تفسير ابن أبي حاتم (٧/ ١٢١٤٥)، وعلى بن زيد هو ابن جدْعان، ضعيف وأخرج البزار (٤/ ٣٢٥٦ - كشف) من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعًا \"لو تعلمون قدر رحمة الله ﷿، لاتَّكلتم وما عملتم من عمل ولو علمتم قدر غضبه ما نفعكم شيء\" وحسنه الألباني \"الصحيحة\" (٥/ ٢١٦٧).\n(^١٢) - \" تاريخ دمشق\" (٤/ ٤٧١ - مخطوط).\n_________\n[¬١]- سقط من: ت.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"بظلمهم\".\n[¬٣]- في خ: \"لأحد عيشًا\".\n[¬٤]- في ز، خ: \"الرمادي\".","vol":"8","page":108},{"text":"﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ (٧)﴾\nقول تعالى إخبارًا عن المشركين: أنهم يقولون كفرًا وعنادًا لولا يأتينا بآية [من ربه] [¬١] كما أرسل الأولون، كما تعنتوا عليه أن يجعل لهم الصفا ذهبًا، وأن يزيل عنهم الجبال ويجعل مكانها مروجًا وأنهارًا [قال تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ﴾ الآية] [¬٢]. قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ﴾ أي: إنما عليك أن تبلغ رسالة الله التي أمرك بها [¬٣]، و﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾.\nوقوله: ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ قال على بن أبي طلحة (^١٣)، عن ابن عباس: أي ولكل قوم داع.\nوقال [¬٤] العوفي (^١٤)، عن ابن عباس في تفسيرها: يقول الله تعالى: أنت يا محمد منذر وأنا هادي كل قوم.\nو[¬٥] كذا قال مجاهد [¬٦] وسعيد بن جبير والضحاك [وغير واحد] [¬٧].\nوعن مجاهد: ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ أي: نبي. كقوله: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ وبه قال قتادة وعبد الرحمن بن زيد.\nوقال أبو صالح ويحيى بن رافع: ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ أي: قائد، وقال أبو العالية: الهادي: القائد، والقائد: الإِمام، والإِمام: العمل.\nوعن عكرمة وأبي الضحى: ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ قالا: هو محمد ﷺ.\nوقال مالك: ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ مَن يدعوهم إلى الله ﷿.\n_________\n(^١٣) - أخرجه ابن جرير (١٦/ ٢٠١٦٢)، وعلى بن أبي طلحة يرسل عن ابن عباس، ولم يره لكن أفاد أبو حاتم أن بينهما مجاهد والقاسم بن محمد \"جامع التحصيل\" للعلائي (ص ٢٤١).\n(^١٤) - أخرجه ابن جرير (١٦/ ٢٠١٤٦)، وعطية العوفي، ضعيف.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين زيادة من: ت\n[¬٣]- في خ \"الله\".\n[¬٤]- في ز، خ: \"قال\".\n[¬٥]- سقط من: ت.\n[¬٦]- في خ: \"محمد\".\n[¬٧]- زيادة من: ت.","vol":"8","page":109},{"text":"وقال أبو جعفر بن جرير (^١٥): حدثني أحمد بن يحيى الصوفي، حدثنا الحسن بن الحسين الأنصاري، حدثنا معاذ بن مسلم، بياع [¬١] الهروي، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄ قال: لما نزلت ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ قال: وضع رسول الله ﵌ يده على صدره، وقال: \"أنا المنذر ولكل قوم هاد\" وأومأ بيده إلى منكب عليٍّ. فقال: \"أنت الهادي يا على، بك يهتدي المهتدون من بعدي\".\nوهذا الحديث فيه نكارة شديدة.\nوقال ابن أبي حاتم (^١٦): حدثنا على بن الحسين، حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا المطب بن زياد، عن السدي، عن عبد خير، عن علي ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ قال: الهادي رجل من بني هاشم. قال الجنيد: هو على بن أبي طالب ﵁.\nقال ابن أبي حاتم: وروي عن ابن عباس في إحدى الروايات، وعن أبي جعفر محمد بن على نحو ذلك.\n﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ\n_________\n(^١٥) - منكر تفسير ابن جرير (١٦/ ٢٠١٦١) وأخرجه ابن الأعرابي، ومن طريقه ابن عساكر فى تاريخه (١٢/ ٣٠٦ مخطوط) من طريق الفضل بن يوسف، الجعفى، ثنا الحسن بن الحسين الأنصاري به، والحسن هذا، قال فيه أبو حاتم: لم يكن بصدوق عندهم، وكان من رؤساء الشيعة، وقال ابن عدي: لا يشبه حديثه حديث الثقات، وقال ابن حبان: يأتي عن الأثبات بالملزقات، ويروى المقلوبات\"، ومعاذ بن مسلم، قال أبو حاتم مجهول، وقال الذهبي فى \"الميزان\" عقب هذا الخبر: \"ومعاذ نكرة، فلعل الآفة منه\". قلت: بل الآفة من كليهما، الحسن ومعاذ وأستغربه ابن حجر في \"الفتح\" (٨/ ٣٧٦) غير أنه حسن إسناده، مع أنه استنكره للحسن بن الحسين وقال في معاذ بن مسلم: \"مجهول وله عن عطاء بن السائب خبر باطل\" انظر \"لسان الميزان\" (٢/ ت ٢٤٤٥)، (٦ / ت، ٨٥١) وأخرجه الضياء في \"المختارة\" (١٠/ ١٥٨) من طريق آخر عن سعيد بن جبير به نحوه، وفي إسناده من لم أجد لهم ترجمة.\n(^١٦) - تفسير ابن أبي حاتم (٧/ ١٢١٥٢) وأخرجه عبد الله بن أحمد فى زوائد \"المسند\" (١٠٤١) (١/ ١٢٦) والطبراني فى \"الأوسط\" (٢/ ١٣٦١) وفي \"الصغير\" (١/ ٢٦١) والخطيب البغدادي فى \"تاريخ بغداد\" (١٢/ ٣٧٢) وابن عساكر في \" تاريخ دمشق\" (١٢/ ٣٠٦ - مخطوط) من طريق عثمان بن أبي شيبة به، والحديث ذكره الهيثمي في \"المجمع\" (٧/ ٤٤) وقال: \"رواه عبد الله بن أحمد والطبراني فى \"الصغير\" و\"الأوسط\" ورجال المسند ثقات، وصحح إسناده الشيخ أحمد شاكر في حاشيته =\n_________\n[¬١]- في خ: \"حدثنا\".","vol":"8","page":110},{"text":"عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ (٨) عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ (٩)﴾\nيخببر تعالى عن تمام علمه الذي لا يخفي عليه شيء، وأنه محيط بما تحمله الحوامل من كل إناث الحيوانات، كما قال تعالى: ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ﴾ أى: ما حملت من ذكر أو [¬١] أثنى، أو حسن أو قبيح، أو شقي أو سعيد، أو طويل العمر أو قصيره، كما قال تعالى: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ﴾ الآية.\nوقال تعالى: ﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ﴾ أي: خلقكم طورًا من بعد طور، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (١٤)﴾، وفي الصحيحين عن ابن مسعود قال (^١٧): قال رسول الله ﵌: \"إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يومًا، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث إليه ملكٌ [¬٢] فيؤمر بأربع كلمات: يكتب رزقه وعمره وعمله وشقي أو سعيد\" وفي الحديث الآخر (^١٨): \" فيقول الملك: أي رب، أذكر أم أنثى؟ أي رب، أشقي أم سعيد؟ فما الرزق؟ فما الأجل؟ فيقول الله ويكتب الملك\".\n_________\n= على \"المسند\" مع أنه من طريق السُّدي واسمه إسماعيل بن عبد الرحمن وهو صدوق يهم، ورمى بالتشيع، ومثله لا يحتمل مثل هذا المتن كما يعلم من أقوال بعض النقاد فيه انظر \"التهديب\". وأخرجه الحاكم (٣/ ١٢٩ - ١٣٠) وابن عساكر من طريق حسين بن حسن الأشقر ثنا منصور بن أبي الأسود عن الأعمش عن المنهال بن عمرو عن عباد بن عبد الله الأسدي عن علي به نحوه وقال الحاكم: (صحيح الإسناد ولم يخرجاه\" فتعقبه الذهبي بقوله: \"بل كذب قبح الله واضعه\".\nقلت: عباد الأسدى، ضعفه ابن المديني، وقال البخاري، فيه نظر، وحسين الأشقر، قال البخاري: فيه نظر وعنده مناكير، وقال أبو زرعة: منكر الحديث وقال أبو حاتم والنسائي والدارقطني: ليس كالقوى، فالآفة منهما، لاسيما وفيهما تشيع غال نسأل الله السلامة.\n(^١٧) - أخرجه البخاري: كتاب: بدء الخلق، باب: ذكر الملائكة (٣٢٠٨)، ومسلم، كتاب: القدر، باب: كيفية الخلق الآدمي .. (٢٦٤٣) ولفظ المصنف مغاير له في بعض الأحرف، وأقرب له لفظ أبي داود، كتاب: السنة، كتاب: القدر (٤٧٠٨)، والحديث أخرجه أيضًا الترمذي، كتاب: القدر، باب: ما جاء في أن الأعمال كالخواتيم (٢١٣٨) والنسائي في \"التفسير\" (٦/ ١١٢٤٦) وابن ماجة في \"المقدمة\": باب: في القدر (٧٦) وأحمد (١/ ٣٨٢، ٤٣٠).\n(^١٨) - يأتي تخريجه (سورة المؤمنون آية ١٦).\n_________\n[¬١]- في ت: \"و\".\n[¬٢]- في خ: \"الملك\".","vol":"8","page":111},{"text":"وقوله: ﴿وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ﴾ قال البخاري (^١٩): حدثنا إبراهيم بن المنذر، حدثنا معن، حدثنا مالك، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ قال: \"مفاتيح الغيب خمس لا يعلمها [¬١] إلا الله، لا يعلم ما في غد إلا اللَّه ولا يعلم ما تغيض الأرحام إلا الله، ولا يعلم متى يأتي المطر أحد إلا الله، ولا تدري نفس بأي أرض تموت، ولا يعلم قى تقوم الساعة إلا الله\".\nوقال العوفي (^٢٠)، عن ابن عباس: ﴿وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ﴾ يعني السِّقْط ﴿وَمَا تَزْدَادُ﴾ يقول: ما زادت الرحم في الحمل على ما غاضت حتى ولدته تمامًا، وذلك أن من النساء من تحمل عشرة أشهر ومنهن من تحمل تسعة أشهر، ومنهن من تزيد في الحمل ومنهن من تنقص، فذلك الغيض والزيادة التي ذكر الله تعالى، وكل ذلك بعلمه تعالى.\nوقال الضحاك (^٢١): عن ابن عباس في قوله: ﴿أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ﴾ قال: ما نقصت عن تسعة وما زاد عليها.\nوقال الضحاك: وضعتني أمي وقد حملتني في بطنها سنتين، وولدتني وقد نبتت ثنيتي.\nوقال ابن جريج (^٢٢): عن جميلة بنت سعد، عن عائشة قالت: لا يكون الحمل أكثر من سنتين قدر ما يتحرك [¬٢] ظل مغزل.\nوقال مجاهد: ﴿أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ﴾ قال: ما ترى من الدم في حملها،\n_________\n(^١٩) - صحيح البخاري كتاب: التفسير، باب: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ﴾ (٤٦٩٧)، وأخرجه أيضًا كتاب الاستسقاء، باب: لا يدري متى يجييء المطر إلا الله - (١٠٣٩)، كتاب: التوحيد، باب: قول الله تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا …﴾ (٧٣٧٩) والنسائي في التفسير من \"الكبرى\" (٦/ ١١٢٥٨) وأحمد (٢/ ٢٤، ٥٢، ٥٨) من طرق عن عبد الله بن دينار به، وانظر ما تقدم (سورة الأنعام / آية ٥٩) وما يأتي (سورة لقمان/ آية ٣٤).\n(^٢٠) - أخرجه ابن جرير (١٦/ ٢٠١٦٤) وعطية العوفي، ضعيف.\n(^٢١) - أخرجه ابن أبي حاتم (٧/ ١٢١٦٢) والضحاك لم يسمع من ابن عباس، لكن أفاد غير واحدٍ أن بينهما سعيد بن جبير.\n(^٢٢) - إسناده فيه جهالا أخرجه سعيد بن منصور في \"السنن\" (٢ / رقم ٢٠٧٧) - ومن طريقه البيهقي في \"الكبرى\" (٧/ ٤٤٣) - وابن جرير في تفسيره (١٦/ ٢٠١٩١) والدارقطني في \"السنن\"، (٣/ ٣٢٢،٣٢١) من طريق داود بن عبد الرحمن عن ابن جريج به وعلقه ابن حزم في \"المحلى\" (١٠/ ٣١٦) من طريق سعيد بن منصور، وقال: \"جميلة بنت سعد مجهولة، لا يدري من هى\" قلت: أفاد =\n_________\n[¬١]- في خ: \"يعلمهن\".\n[¬٢]- في ابن جرير وغيره: يتحول. وهو الأشبه.","vol":"8","page":112},{"text":"وما تزداد على تسعة أشهر. وبه قال عطية العوفي والحسن البصري وقتادة والضحاك.\nوقال مجاهد أيضًا: إذا رأت المرأة الدم دون التسعة زاد على التسعة مثل أيام الحيض. وقاله [¬١] عكرمة وسعيد بن جبير وابن زيد.\nوقال مجاهد أيضًا: ﴿وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ﴾ إراقة المرأة حتى يخسَّ [¬٢] الولد ﴿وَمَا تَزْدَادُ﴾ إن لم تهرق المرأة تم الولد وعظم.\nوقال مكحول: الجنين في بطن أمه لا يطلب ولا يحزن ولا يغتم، وإنما يأتيه رزقه في بطن أمه من دم حيضتها، فمن ثم لا تحيض الحامل، فإذا وفع إلى الأرض استهل، واستهلاله استنكار [¬٣] لمكانه، فإذا قطعت سرته حول الله رزقه إلى ثدي أمه، حتى لا يحزن ولا يطب ولا يغتم، ثم يصير طفلًا يتناول الشيء بكفه فيأكله، فإذا هو بلغ قال: هو الموت أو القتل أنى لي بالرزق؟ فقال مكحول: يا ويلك! غذاك وأنت في بطن أمك وأنت طفل صغير، حتى إذا اشتددت وعقلت قلتَ: هو الموت أو القتل أنى لي بالرزق؟ ثم قرأ مكحول: ﴿اللَّهُ [¬٤] يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى﴾ الآية.\nوقال قتادة: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ أي: بأجل، حفظ أرزاق خلقه وآجالهم، وجعل لذلك أجلًا معلومًا. وفى الحديث الصحيح (^٢٣): أن إحدى بنات النبي ﷺ بعثت إليه أن ابنًا لها في الموت، وأنها تحب أن يحضره [¬٥]، فبعث إليها يقول: \"إن لله ما أخد وله [¬٦] ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى، فمروها فلتصبر ولتحتسب\". الحديث بتمامه.\nوقوله: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ أي: يعلم كل شيء مما يشاهده العباد ومما يغيب\n_________\n= الدارقطني أنها أخت عبيد بن سعد - وهو أبو امرأة ابن جريج كما في \"الجرح والتعديل\" (٧/ ٤٠٥) لكنه لم يتكلم فيها بجرح ولا تعديل فهى مجهولة الحال وفي الإسناد. أيضًا عنعنة ابن جريج.\n(^٢٣) - أخرجه البخاري، كتاب: التوحيد، باب: قول الله ﵎ ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ (٧٣٧٧) - وانظره بأطرافه عند رقم (١٢٨٤) - ومسلم: كتاب: الجنائز، باب: البكاء على الميت (١١) (٩٢٣) وأبو داود، كتاب: الجنائز، باب: في البكاء على الميت (٣١٢٥)، النسائي: كتاب: الجنائز: باب الأمر بالاحتساب والصبر عند نزول المصيبة (٤/ ٢١ - ٢٢)، وابن ماجه، كتاب: الجنائز، باب: ما جاء في البكاء على الميت (١٥٨٨) وأحمد (٢١٨٦٧) (٤/ ٢٠٥) وفي مواضع أخر من حديث أسامة بن زيد.\n_________\n[¬١]- في خ: \"وقال\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"يحسن\".\n[¬٣]- في ابن أبي حاتم (٧/ ١٢١٧٠): استنكارًا.\n[¬٤]- سقط من: خ.\n[¬٥]- في خ: \"تحضره\".\n[¬٦]- في خ: \"ولله\".","vol":"8","page":113},{"text":"عنهم، ولا يخفى عليه منه شيء ﴿الْكَبِيرُ﴾ الذي هو أكبر من كل شيء ﴿الْمُتَعَالِ﴾ أي: على كل شيء ﴿قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ وقهر كل شيء فخضعت له الرقاب، ودان له العباد طوعا وكرهًا.\n﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ (١٠) لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ (١١)﴾\nيخبر تعالى عن إحاطة علمه بجميع خلقه، و[¬١] سواء منهم من أسر قوله أو جهر به، نإنه يسمعه لا يخفي عليه شئ، كقوله: ﴿وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾، وقال: ﴿وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾، وقالت عائشة ﵂ (^٢٤): سبحان الذي وسع سمعه الأصوات، والله لقد [¬٢] جاءت المجادلة تشتكي زوجها إلى رسول الله ﷺ، وأنا [¬٣] في جنب البيت وإنه ليخفى على بعض كلامها، فأنزل الله: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾.\nوقوله: ﴿وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ﴾ أي: مختف في قعر بيته في ظلام الليل ﴿وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾ أي: ظاهر ماش في بياض النهار وضيائه، فإن كليهما [¬٤] في علم الله على السواء، كقوله تعالى: ﴿أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ [يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ] [¬٥]﴾، وقوله [¬٦] تعالى: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾.\nوقوله: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ أي: للعبد ملائكة يتعاقبون عليه، حرس بالليل وحرس بالنهار، يحفظونه من الأسواء والحادثات، كما\n_________\n(^٢٤) - صحيح، ويأتي تخريجه (سورة المجادلة/ آية ١).\n_________\n[¬١]- في ت: \"وأنه\".\n[¬٢]- فى خ: \"قد\".\n[¬٣]- زيادة من: ت.\n[¬٤]- في خ: \"كلاهما\".\n[¬٥]- ما بينن المعكوفتين زيادة من: خ.\n[¬٦]- فى ز، خ: \"وقال\".","vol":"8","page":114},{"text":"يتعاقب ملائكة آخرون لحفظ الأعمال، من خير أو شر، ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، فاثنان عن اليمين والشمال يكتبان الأعمال، صاحب اليمين يكتب الحسنات، وصاحب الشمال يكتب السيئات، وملكان آخران يحفظانه ويحرسانه، واحد من ورائه وآخر من قدامه، فهو بين أربعة أملاك بالنهار، وأربعة آخرين بالليل بدلًا حافظان وكاتبان كما جاء في الصحيح (^٢٥): \" يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار ويجتمعون في صلاة الصبح وصلاة العصر فيصعد إليه الذين باتوا فيكم، فيسألهم وهو أعلم بكم [¬١] كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: أتياهم وهم يصلون، وتركناهم وهم يصلون\". وفي الحديث الآخر (^٢٦): \" إن معكم من لا يفارقكم إلا عند الخلاء وعند الجماع، فاستحيوهم [¬٢] وأكرموهم\".\nوقال على بن أبي طلحة (^٢٧)، عن ابن عباس [في قوله] [¬٣]: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ والمعقبات [] [¬٤] من أمر [¬٥] الله وهي الملائكة.\nوقال عكرمة (^٢٨)، عن ابن عباس: ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ قال: ملائكة يحفظونه\n_________\n(^٢٥) - أخرجه مالك في الموطأ، كتاب: قصر الصلاة في السفر: كتاب: جامع الصلاة (٨٢) ومن طريقه البخاري، كتاب: مواقيت الصلاة، باب: فضل صلاة العصر (٥٥٥)، ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب: فضل صلاتي الصبح والعصر والمحافظة عليهما (٢١٠) (٦٣٢) والنسائي، كتاب: الصلاة، باب: فضل صلاة الجماعة (١/ ٢٤٠ - ٢٤١) وفي الكبرى (١/ ٤٥٩) و(٤/ ٧٧٦٠) وأحمد (٢/ ٤٨٦) عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة مرفوعًا به ولفظ المصنف مغاير في بعض الأحرف لنص الحديث عندهم.\n(^٢٦) - ضعيف، أخرجه الترمذي، كتاب: الأدب، باب: ما جاء في الاستتار عند الجماع (٢٨٠١) من طريق ليث - ابن أبي سليم - عن نافع عن ابن عمر مرفوعًا فذكره وقال الترمذي. \"حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه\" قلت: علته ليث هذا: قال الحافظ في \"التقريب\" صدوق اختلط جدًّا، ولم يتميز حديثه فترك\" واضطرب فيه فأخرجه البيهقي في \"الشعب\" (٦/ ٧٧٣٩) هن طريقه عن محمد بن عمرو عن الله عن زيد بن ثابت مرفوعًا به، وضعفه البيهقي، وعلقه البغوي في \"شرح السنة\" (٩/ ٢٥) بصيغة التمريض مستغربًا إسناده.\n(^٢٧) - أخرجه ابن جرير (١٦/ ٢٠٢١٥) وابن أبي حاتم (٧/ ١٢١٩٨).\n(^٢٨) - أخرجه ابن جرير (١٦/ ٢٠٢١٦، ٢٠٢١٧) وابن أبي حاتم (٧/ ١٢١٩٦) وعبد الرزاق (٢/ ٣٣٢) من رواية سحاق عن عكرمة به وهذه رواية مضطربة وزاد نسبته السيوطى في \"الدر المنثور\" (٤/ ٩١) إلى الفريابي وابن المنذر.\n_________\n[¬١]- كذا، وفي جميع المصادر التي وقفت عليها: \"بهم\". وهو الأشبه بالصواب.\n[¬٢]- في خ: \"فاستحيوا\".\n[¬٣]- سقط من: خ.\n[¬٤]- في تفسير ابن جرير: [هن].\n[¬٥]- سقط من: خ.","vol":"8","page":115},{"text":"من بين يديه ومن خلفه، فإذا جاء قدر الله خَلَّوا عنه.\nوقال مجاهد: ما من عبد إلا له [¬١] ملك موكل يحفظه في نومه ويقظته من الجنّ والإِنس والهوامّ، فما منها [¬٢] شيء يأتيه يريده إلا قال له الملك: وراءك، إلا شيء [¬٣] [أذن الله فيه] [¬٤] فيصيبه.\nوقال الثوري (^٢٩)، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس [في قوله] [¬٥]: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ﴾ قال: ذلك ملك من ملوك الدنيا، له حرس من دونه حرس.\nوقال العوفي (^٣٠)، عن ابن عباس: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ﴾ يعني ولي الشيطان يكون عليه الحرس. وقال عكرمة في تفسيرها: هؤلاء الأمراء المواكب من بين يديه ومن خلفه. وقال الضحاك في الآية: هو السلطان المحترس [¬٦] من أمر [¬٧] الله وهم [¬٨] أهل الشرك. والظاهر والله أعلم أن مراد ابن عباس وعكرمة والضحاك بهذا أن حرس الملائكة للعبيد يشبه حرس هؤلاء لملوكهم وأمرائهم.\nوقد روى الإِمام أبو جعفر بن جرير هاهنا حديثًا غريبًا جدًّا فقال (^٣١): حدثني المثنى، حدثنا إبراهيم بن عبد السلام بن صالح القشيري، حدثنا على بن جرير، عن حماد بن سلمة، عن عبد الحميد بن جعفر، عن كنانة العدوي قال: دخل عثمان بن عفان على رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، أخبرني عن العبد كم معه من ملك؟ فقال: \"ملك عن [¬٩] يمينك [] [¬١٠] على حسناتك، وهو آمر [¬١١] على الذي على الشمال، فإذا [¬١٢] عملت حسنة كتبت عشرًا، وإذا [¬١٣] عملت سيئة قال الذي على\n_________\n(^٢٩) - أخرجه ابن جرير (١٦/ ٢٠٢٢٦) ورجاله ثقات، رجال الشيخين إلا أن حبيب بن أبي ثابت كثير الإرسال والتدليس.\n(^٣٠) - أخرجه ابن جرير (١٦/ ٢٠٢٢٧) وعطية العوفي، ضعيف.\n(^٣١) - إسناده فيه جهالة وانقطاع تفسير ابن جرير (١٦/ ٢٠٢١١) وكنانة وهو ابن نعيم العدوي، لم =\n_________\n[¬١]- في خ: \"به\".\n[¬٢]- في ابن جرير (١٦/ ٢٠٢٤٥): منهم.\n[¬٣]- في ابن جرير شيئًا.\n[¬٤]- في خ: \"يأذن الله\".\n[¬٥]- سقط من: ت.\n[¬٦]- في خ: \"الحرس\".\n[¬٧]- ساقطة من ابن جرير (١٦/ ٢٠٢٣٠).\n[¬٨]- في خ: \"وهو\".\n[¬٩]- في ت: \"على\".\n[¬١٠]- في ز، خ: وملك.\n[¬١١]- في ابن جرير: أمين.\n[¬١٢]- في ز، خ: \"إذا\".\n[¬١٣]- في ز، خ: \"فإذا\".","vol":"8","page":116},{"text":"الشمال للذي على اليمين: أكتب؟ قال: لا؛ لعله يستغفر الله ويتوب، فيستأذنه ثلاث مرات، فإذا قال ثلاثًا قال: نعم اكتب [¬١] أراحنا الله منه فبئس القرين، ما أقل مراقبته لله وأقل استحياءه منا، يقول اللّه ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ وملكان من بين يديك ومن خلفك، يقول الله تعالى ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ [يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ] [¬٢]﴾، وملك قابض على ناصيتك فإذا تواضعت لله رفعك، وإذا تجبرت على الله قصمك، وملكان على شفتيك ليس يحفظان عليك إلا الصلاة على محمد ﷺ؛ وملك قائم على فيك لا يدع أن تدخل الحية في فيك، وملكان على عينيك، فهؤلاء عشرة أملاك على [كل آدمي] [¬٣]، ينزلون [¬٤] ملائكة الليل على ملائكة النهار؛ لأن ملائكة الليل سوى ملائكة النهار، فهؤلاء عشرون ملكًا على [كل آدمي] [¬٥]، وإبليس بالنهار وولده بالليل\".\nوقال الإِمام أحمد ﵀ (^٣٢): حدثنا أسود بن عامر، حدثنا سفيان، حدثني [¬٦] منصور، عن سالم بن أبي الجعد، عن أبيه، عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: \"ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن وقرينه من الملائكة\". قالوا: وإياك يا رسول الله؟ قال: \"وإياي، ولكن أعانني الله عليه فلا يأمرني إلا بخير\". انفرد بإخراجه مسلم.\nوقوله: ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [قيل: المراد حفظهم له من أمر الله] [¬٧]، رواه على بن أبي طلحة وغيره عن ابن عباس، وإليه ذهب مجاهد وسعيد بن جبير وإبراهيم النخعي وغيرهم وقال قتادة: ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ قال: وفي بعض القراءات يحفظونه\n_________\n= يذكر أنه أدرك عثمان بن عفان أو روى عنه، وإبراهيم بن عبد السلام لم أجد له ذكرًا في كتب الرجال، وشيخه على بن جرير لا يدرى من هو أيضًا إلا أن ابن أبي حاتم ترجم في \"الجرح والتعديل\" (٦/ ١٧٨): \"على بن جرير البارودي روى عن … - كذا بياض بالأصل - سئل أبي عن علي بن جرير البارودي، فقال: صدوق\".\n(^٣٢) - صحيح \"المسند\"، (١/ ٣٩٧) إلا أن لفظه مغاير في بعض الأحرف لما هنا، وأقرب منه ما أخرجه أحمد أيضًا (١/ ٤٠١) لكن من طريق عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان به وأخرجه أيضًا (١/ ٣٨٥، ٤٦٠) ومسلم، كتاب: صفات المنافقين وأحكامهم، باب: تحريش الشيطان، وبعثه سراياه لفتنة الناس … (٦٩) (٢٨١٤) من طريق سفيان وغيره عن منصور به.\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ت.\n[¬٣]- في خ: \"بني آدم\".\n[¬٤]- في خ: \"يبدلون\".\n[¬٥]- في خ: \"بني آدم\".\n[¬٦]- في المسند: عن.\n[¬٧]- سقط من: خ.","vol":"8","page":117},{"text":"بأمر الله. وقال كعب الأحبار: لو تجلى لابن آدم كل سهل وحزن لرأى على [¬١] كل شيء من ذلك شياطين [¬٢]، لولا أن الله وكَّل بكم ملائكة يذبُّون عنكم في مطعمكم ومشربكم وعوراتكم إذًا لتُخُطِّفتم. وقال أبو أمامة: ما من آدمي إلا ومعه ملك موكَّل [¬٣] يذود عنه حتى يسلمه للذي قُدِّر له.\nوقال أبو مجلز: جاء رجل من مُرادٍ إلى على، ﵁، وهو يصلي، فقال: احترس؛ فإن ناسًا من مراد يريدون قتلك؛ فقال: إن مع كل رجل ملكين يحفظانه مما لم يقدَّر، فإذا جاء القدرُ خلَّيا بينه وبينه، إن الأجل جُنَّةٌ حصينةٌ.\nوقال بعضهم: ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ بأمر الله، كما جاء في الحديث أنهم قالوا: يا رسول الله، أرأيت رقى نسترقي بها هل ترد من قدر الله شيئًا؟ فقال: \"هي من قدر الله\" (^٣٣).\nوقال ابن أبي حاتم (^٣٤): حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا حفص بن غياث، عن\n_________\n(^٣٣) - أخرجه الترمذي (٢١٤٩) وابن ماجه (٣٤٣٧) وأحمد (١٥٥١٣) (٣/ ٤٢١) من طريق سفيان بن عيينة عن الزهري عن ابن أبي خِزامة عن أبي خزامة فذكره وقال الترمذي: \"هذا حديث لا نعرفه إلا من حديث الزهري، وقد روى غير واحد هذا عن سفيان عن الزهري عن أبي خزامة عن أبيه - واسمه يعمر السعدي - وهذا أصح .. \" ومن هذا الطريق أخرجه الترمذي، كتاب: الطب، باب: ما جاء في الرقى والأدوية (٢٠٦٦) وأحمد (١٥٥١٦) (٣/ ٤٢١) والحاكم في \"المستدرك\" - كما في \"التهذيب\" لابن حجر (١٢/ ٩٣) - وقال أحمد: \"وهو الصواب\"، وقال الترمذي: \"حديث حسن صحيح\" قلت: وقد رواه غير واحد عن الزهري بهذا الإسناد، أخرجه أحمد (١٥٥١٤، ١٥٥١٥) (٣/ ٤٢١) وابن أبي عاصم في \"الآحاد والمثاني\" (٥/ ٢٦١٠) وانظر \"تحفة الأشراف\" (٩/ ١١٨٩٨)، وأخرجه البغوي وابن شاهين - كما في \"الإصابة\" (١/ ٣٨٦) - من طريق عثمان بن عمر عن الزهري عن أبي خزامة الحارث بن سعد أنه قال … فذكر الحديث، قال ابن معين: أخطأ عثمان بن عمر فيه، وإنما هو عن الزهري عن أبي خزامة أحد بنى الحارث بن سعد عن أبيه\"، قال ابن حجر: \"وهو الصواب واسم والد أبي خزامة يعمر\" وقد خفى هذا التحريف على الهيثمي، فقال في \"المجمع\" (٥/ ٨٨) - بعد أن ذكر الحديث من رواية الحارث بن سعد عن أبيه - \"رواه الطبراني والحارث لم أعرفه، وبقية رجاله رجال الصحيح غير أبي خزامة\" وقال ابن عبد البر في \"الاستيعاب\"، أبو خزامة ذكره بعضهم في الصحابة لحديث أخطأ فيه راويه عن الزهري وهو تابعي وحديثه مضطرب\" قلت وابن أبي خزامة وأبو خزامة جهلهما الذهبي وابن حجر. وللحديث شاهد من حديث حكيم بن حزام عند الطبراني في \"الكبير\" (٣/ ٣٠٩٠) والحاكم (٤/ ٤٠٢ - ٤٠٣) وزاد نسبته الحافظ في \"الفتح\" (١١/ ٥٨٠) إلى أبي داود والله أعلم، وسكت عنه الحاكم والذهبي، وفي إسناده صالح بن أبي الأخضر وهو ضعيف.\n(^٣٤) - إسناده ضعيف تفسير ابن أبي حاتم (٧/ ١٢٢٠١) وإبراهيم هو ابن يزيد النخعي، أبو عمران =\n_________\n[¬١]- زيادة من ابن جرير (١٦/ ٢٠٢٤٦).\n[¬٢]- في خ: غير واضحة.\n[¬٣]- زيادة من ابن جرير (١٦/ ٢٠٢٤٨).","vol":"8","page":118},{"text":"أشعث، عن جهم، عن إبراهيم قال: أوحى الله ﷿ إلى نبي من أنبياء بني إسرائيل أن قل لقومك: إنه ليس مِن أهل قرية ولا أهل بيت، يكونون على طاعة الله فيتحولون منها إلى معصية الله، إلا تحوَّل الله لهم [¬١] مما يحبون إلى ما يكرهون. ثم قال: إن مصداق [¬٢] ذلك في كتاب الله ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾.\nوقد ورد هذا في حديث مرفوع؛ فقال الحافظ محمد بن عثمان بن أبي شيبة في كتابه \"صفة العرش\" (^٣٥): حدثنا الحسن بن علي، حدثنا الهيثم بن الأشعث السلمي، حدثنا أبو حنيفة اليمامي الأنصاري، عن عمير بنِ [عبد الملك] [¬٣] قال: خطبنا على بن أبي طالب على منبر الكوفة قال: كنت إذا سَكتُّ عن رسول الله، ﷺ، ابتدأني، وإذا سألته عن الخبر أنبأني، وإنه حدثني عن ربه ﷿ قال: \"قال الرب: وعزتي وجلالي، وارتفاعي فوق عرشي ما من قرية ولا أهل بيت كانوا على ما كرهت من معصيتي، ثم تحولوا عنها إلى ما أحببت من طاعتي إلا تحولت لهم عما يكرهون من عذابي إلى ما يحبون من رحمتي\" [وهذا غريب وفي إسناده من لا أعرفه] [¬٤].\n﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ (١٢) وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ (١٣)﴾\nيخبر تعالى: أنه هو الذي يسخر البرق: وهو ما يرى من النور اللامع ساطعًا من خلل السحاب.\nوروى ابن جرير (^٣٦): أن ابن عباس كتب إلى أبي الجلد يسأله عن البرق فقال: البرق\n_________\n= الكوفي الفقيه، \"ثقة إلا أنه يرسل، ويدلس\" وجهم هو ابن دينار ويقال هو ابن أبي سبرة، قال ابن أبي حاتم في \"الجرح والتعديل\" (٢/ ٥٢٢/ ت ٢١٦٧) عن أبيه: \"هو من قدماء أصحاب النخعي، قلت: هو صدوق؟ قال: نعم\" وأشعث هو ابن سوّار الكندي: ضعيف.\n(^٣٥) - إسناده فيه جهالة كتاب \"صفة العرش\" (رقم ١٩) والهيثم بن الأشعث السلمي، قال الذهبي في \"المغني\" (٢/ ٧١٧) وابن حجر في \"اللسان\" (٦/ ت ٩٠٣١) \"مجهول\" وأبو حنيفة اليمامي ذكره البخاري في \"الكنى\" (ت ٢٠٣) والحديث نسبه السيوطي في \"الدر المنثور\" إلى أبي الشيخ وابن مردويه. وذكره أبو أحمد الحاكم في \"الكنى\" (ت ١٨٥٣) ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا.\n(^٣٦) - تفسير ابن جرير (١/ ٤٣٤)، (١٦/ ٢٠٢٥١) ثني المثنى، ثنا حجاج، ثنا حماد أخبرنا موسى =\n_________\n[¬١]- ساقطة من المطبوع من ابن أبي حاتم.\n[¬٢]- في ابن أبي حاتم: تصديق.\n[¬٣]- كذا وفي صفة العرش: عبد الله.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين زيادة من: خ.","vol":"8","page":119},{"text":"الماء.\nوقوله: ﴿خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ قال قتادة: خوفًا للمسافر يخاف أذاه ومشقته، وطمعًا للمقيم يرجو بركته ومنفعته، ويطمع في رزق الله.\n﴿وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ﴾ أي: ويخلقها منشأة جديدة، وهي لكثرة مائها ثقيلة قريبة إلى الأرض قال مجاهد: والسحاب الثقال الذي فيه الماء.\nقال [¬١]: ﴿وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ﴾، كقوله: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾.\nوقال الإِمام أحمد (^٣٧): حدثنا يزيد، حدثنا إبراهيم بن سعد، أخبرني أبي، قال: كنت جالسًا إلى جنب حميد بن عبد الرحمن في المسجد، فمر [شيخ من بني غفار] [¬٢]، فأرسل إليه حميد، فلما أقبل قال: يا ابن أخي، وسع [¬٣] له [¬٤] فيما بيني وبينك، فإنه قد صحب رسول الله ﷺ، فجاء حتى جلس فيما بيني وبينه، فقال له [¬٥] حميد: ما الحديث الذي حدثتني عن رسول الله ﷺ. فقال له الشيخ: سمعت النبي ﷺ، يقول: \"إن الله ينشئ السحاب فينطق أحسن النطق، ويضحك أحسن الضحك\".\n_________\n= ابن سالم أبو جهضم مولى ابن عباس قال .... فذكره، وموسى بن سالم روايته عن ابن عباس مرسلة، وأخرجه أيضًا (١/ ٤٤٣،٤٣٧) من طريق بشر بن إسماعيل عن أبي كثير قال: كنت عند أبي الجلد إذ جاءه رسول ابن عباس بكتاب إليه، فكتب إليه: \"كتبت تسألني عن الرعد - وفي رواية: - البرق فالرعد الريح - وفي رواية أخرى \"البرق\" الماء\" قال الشيخ أحمد شاكر: \"هو إسناد مشكل - ما وجدت ترجمة \"بشر ابن إسماعيل\" وما عرفت من هو، ثم لم أعرف من \"أبو كثير\" الراوى عن أبي الجلد\" وأخرجه أبو الشيخ في \"العظمة\" (٤/ ٧٦٩) من طريق بشير بن سلمان - تصحف إلى سليمان - حدثنا أبو كثير بنحو السابق.\n(^٣٧) - صحيح \"المسند\"، (٢٣٧٩٨) (٥/ ٤٣٥) وأخرجه العقيلي في \"الضعفاء\" (١/ ٣٥ - ٣٦) والرامهرمزي في \"الأمثال\" (ص ١٥٤) والبيهقي في \"الأسماء والصفات\" (٢/ ٩٨٨) من طريق إبراهيم ابن سعد به، وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين، وجهالة الصحابي لا تضر، وأخرجه أبو الشيخ في \"العظمة\" (٤/ ٧١٨) من طريق عبد الواحد بن أبي عون عن سعد بن إبراهيم به مختصرًا، ومن طريق الأعرج عن حميد بن عبد الرحمن عن الغفاري به، لكن في إسناده محمد بن إسحاق، ولم يصرح في الإسناد الثاني بالسماع وأخرجه العقيلي والرامهرمزي وابن مردويه - كما في \"الدر المنثور\" (٤/ ٩٥) =\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- في المسند: \"شيخ جميل من بني غفار وفي أذنيه صمم\".\n[¬٣]- في المسند: أوسع.\n[¬٤]- في خ: \"الله\".\n[¬٥]- سقط من: خ.","vol":"8","page":120},{"text":"والمراد والله أعلم: أن نطقها الرعد وضحكها البرق.\nوقال موسى بن عبيدة (^٣٨)، عن سعد بن إبراهيم قال: يبعث الله الغيث فلا أحسن منه مضحكا، ولا آنس منه منطقا، فضحكه البرق ومنطقة الرعد.\nوقال ابن أبي حاتم (^٣٩): حدثنا أبي، حدثنا هشام بن عبيد اللَّه الرازي، عن محمد بن مسلم قال: بلغنا أن البرق ملك له أربعة وجوه: وجه إنسان، ووجه ثور، ووجه نسر، ووجه أسد، فإذا مصع (*) بذنبه فذاك البرق.\nوقال الإِمام أحمد (^٤٠): حدثنا عفان، حدثنا عبد الواحد بن زياد، حدثنا الحجاج، حدثنا أبو مَطَرٍ، عن سالم، عن أبيه قال: كان رسول الله، ﷺ، إذا سمع الرعد والصواعق قال: \"اللهم لا تقتلنا بغضبك، ولا تهلكنا بعذابك وعافنا قبل ذلك\".\nورواه الترمذي، والبخاري في كتاب الأدب، والنسائي في اليوم والليلة والحاكم في مستدركه: من حديث الحجاج بن أرطاة، عن أبي مطر، ولم يسم [¬١] به.\n_________\n= من حديث أبي هريرة وفي إسناده عمرو بن الحصين متروك، وأمية بن سعيد الأموي مجهول، والحديث زاد نسبته السيوطي إلى ابن أبي الدنيا في \"كتاب المطر\" وصرح بأن صاحبه هو أبو ذر الغفاري، وهو خلاف ما وقفنا عليه من مصادر حيث لم نقف على التصريح بذلك والله أعلم، والحديث صححه الألباني في \"الصحيحة\" (٤/ ١٦٦٥).\n(^٣٨) - موسى بن عبيدة الرَّبذي ضعيف، لكن تابعه سليمان بن داود الهاشمي - وهو ثقة جليل عند أبي الشيخ في \"العظمة\" (٤/ ٧١٩) به مختصرًا وقد عزاه السيوطي \"الدر المنثور\" (٤/ ٩٥) إلى أحمد وابن أبي الدنيا في \"كتاب المطر\" وأبي الشيخ في \"العظمة\" والبيهقي في \"الأسماء والصفات\" - وسبق تخريجه من مسند أحمد وغيره من المصادر ولم يرد فيها قول: إبراهيم هذا، وقد وردت هذه الزيادة في حديث أبي هريرة - المشار إليه سابقًا بلفظ \" .. منطقه الرعد وضحكه البرق\". لكن إسناده لا تقوم به حجة كما بينا والله أعلم.\n(^٣٩) - وأورده المصنف أيضًا في \"البداية والنهاية\" (١/ ٤١) - كما هنا ومحمد بن مسلم هو ابن عثمان أبو عبد الله بن وَارة الحافظ ثقة مترجم له في \"التهذيب\" وهشام بن عبيد الله الرازي قال أبو حاتم: صدوق\" وقال ابن حبان: \"كان يهم ويخطئ على الثقات\" مترجم له في \"اللسان\".\n(*) - مصعت الدابة بذنبها: حركته.\n(^٤٠) - إسناده فيه جهالة، \"مسند\" (٥٧٦٣) (٢/ ١٠٠ - ١٠١) ومن طريق عفان به أخرجه الحاكم (٤/ ٢٨٦) - وسقط عنده الحجاج والصواب إثباته كما صرح به ابن حجر في \"التهذيب\" (١٢/ ٢٥٩) - والبيهقي في \"الكبرى\" (٣/ ٣٦٢) - وتصحف عنده أبو مطر إلى أبي مظفر - وأخرجه الترمذي (٣٤٤٦) والبخاري في \"الأدب المفرد\" (٧٢١) والنسائي في \"الكبرى\" كتاب: عمل اليوم والليلة: =\n_________\n[¬١]- في خ: \"يسر\".","vol":"8","page":121},{"text":"وقال أبو جعفر بن جرير (^٤١): حدثنا أحمد بن إسحاق، حدثنا أبو أحمد، حدثنا إسرائيل، عن أبيه، عن رجل، عن أبي هريرة رفع الحديث أنه كان إذا سمع الرعد قال: \"سبحان من يسبح الرعد بحمده\".\nوروي عن علي (^٤٢) ﵁ أنه كان إذا سمع صوت الرعد قال: سبحان من سَبَّحتَ له. وكذا روي عن ابن عباس (^٤٣) وطاوس والأسود بن يزيد: أنهم كانوا يقولون كذلك.\nوقال الأوزاعي (^٤٤): كان ابن أبي زكريا يقول: من قال حين يسمع الرعد: سبحان الله وبحمده لم تصبه [¬١] صاعقة. وعن عبد الله بن الزبير: أنه كان إذا سمع الرعد ترك الحديث، وقال: سبحان الذي يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته. ويقول: إن هذا لوعيد شديد لأهل الأرض. رواه مالك في موطئه [¬٢] والبخاري في كتاب الأدب (^٤٥).\n_________\n= (٦/ ١٠٧٦٤) وأبو يعلى في مسنده (٩/ ٥٥٠٧) وفي \"المعجم\" (٣٠٩) ومن طريقه أبو الشيخ في \"العظمة\" (٤/ ٧٨١) وابن السني في \"عمل اليوم والليلة\" (٢٩٨) .. والدولابي في \"الكنى\" (٢/ ١١٧) والطبراني في \"الكبير\" (١٢/ ١٣٢٣٠) - ومن طريقه المزي في \"تهذيب الكمال\" (٣٤/ ٢٩٨) - من طرق عن عبد الواحد بن زياد به، ورواه النسائي (١٠٧٦٣) من طريق سيار بن حاتم عن عبد الواحد، ولم يذكر حجاجًا، وسيار صدوق له أوهام والله تعالى أعلم. وقال الحاكم: \"صحيح الإسناد\" ووافقه الذهبي، مع أنه قال في \"الميزان\" (٦/ ٢٤٨) \"أبو مطر لا يدرى من هو\" وكذا جهله الحافظ ابن حجر، ولذلك قال الترمذي \"حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه\" والحديث زاد نسبته السيوطي في \"الدر المنثور\" إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن مردويه والخرائطي في \"مكارم الأخلاق\".\n(^٤١) - إسناده فيه جهالة، تفسير ابن جرير (١٦/ ٢٠٢٦٠) وزاد نسبته السيوطي في \"الدر المنثور\" (٤/ ٩٧) إلى ابن مردويه.\n(^٤٢) - إسناده ضعيف جدًّا أخرجه ابن جرير (١٦/ ٢٠٢٦١) وفي إسناده مَسْعَدة بن اليسَع الباهلي، هالك وكذبه أبو داود وقال أحمد بن حنبل: خرقنا حديثه منذ دهر، وقال أبو حاتم: هو ذاهب منكر الحديث: لا يشتغل به .. \"الجرح والتعديل\" (٨/ ٣٧٠) و\"لسان الميزان\" (٩/ ٢٨».\n(^٤٣) - إسناده حسن، أخرجه البخاري في \"الأدب المفرد\" (٧٢٢) وابن جرير في تفسيره (١/ ٤٣٦) (١٦/ ٢٠٢٦٢)، وفي إسناده الحكم بن أبان، صدوق عابد وله أوهام - كما في \"التقريب\" - وزاد نسبته السيوطي في \"الدر المنثور\" (٤/ ٦٦) إلى ابن أبي الدنيا في \"كتاب المطر\".\n(^٤٤) - أخرجه ابن جرير (١٦/ ٢٠٢٦٥)، وأخرجه أبو الشيخ في \"العظمة\" (٤/ ٧٨٥) من طريق آخر عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر عن عبد الله بن أبي زكريا قال: بلغني أنه من سمع الرعد فقال: \"سبحان الله وبحمده\" لم تصبه صاعقة، وزاد نسبته السيوطي في \"الدر المنثور\" (٤/ ٩٨) إلى ابن أبي شيبة.\n(^٤٥) - إسناده صحيح، أخرجه مالك في \"الموطأ\"، كتاب: الكلام، باب: القول إذا سمعت الرعد (٢٦) عن عامر بن عبد الله بن الزبير عن أبيه - سقط من طبعة عبد الباقي عن أبيه فليستدرك - فذكره =\n_________\n[¬١]- في خ: يصبه.\n[¬٢]- في خ: \"الموطأ\".","vol":"8","page":122},{"text":"وقال الإِمام أحمد (^٤٦): حدثنا سليمان بن داود الطيالسي، حدثنا صدقة بن موسى، حدثنا محمد بن واسع، عن شُتَيْر [¬١] بن نهار، عن أبي هريرة، أن رسول الله، ﷺ، قال: \"قال ربكم ﷿: لو أن عبيدي أطاعوني لأسقيتهم المطر بالليل وأطلعت عليهم الشمس بالنهار،، ولما أسمعتهم صوت الرعد\".\nوقال الطبراني (^٤٧): حدثنا زكريا بن يحيى الساجي، حدثنا أبو كامل الجحدري [¬٢]، حدثنا يحيى بن كثير أبو النضر، حدثنا عبد الكريم، حدثنا عطاء، عن ابن عباس قال: قال رسول الله، ﷺ: \"إذا سمعتم الرعد فاذكروا الله؛ فإنه لا يصيب ذاكرًا\".\nوقوله تعالى: ﴿وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ﴾ أي: يرسلها نقمة ينتقم بها ممن يشاء، ولهذا تكثر [¬٣] في آخر الزمان، كما قال الإِمام أحمد (^٤٨): حدثنا محمد بن\n_________\n= ومن طريق مالك أخرجه البخاري في \"الأدب المفرد\" (٧٢٤) وأحمد في \"الزهد\" (صـ ٢٤٩) وأبو الشيخ في \"العظمة\" (٤/ ٧٨٣) والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٣/ ٣٦٢)، وزاد نسبته السيوطي في \"الدر المنثور\" (٤/ ٩٨) إلى ابن سعد وابن أبي شيبة وابن المنذر والخرائطي.\n(^٤٦) - إسناده ضعيف \"المسند\" (٨٦٩٣) (٢/ ٣٥٩)، والحديث في \"مسند الطيالسي\" (٢٥٨٦) ومن طريقه أيضًا البزار (١/ رقم ٦٦٤ - كشف) والحاكم (٤/ ٢٥٦)، وأخرجه الحاكم أيضًا (٢/ ٣٤٩) وعنه البيهقي في \"الزهد الكبير\" (٧١٩) عن موسى بن إسماعيل ثنا صدقة بن موسى به وقال الحاكم في الموضعين \"حديث صحيح الإسناد\" وتعقبه الذهبي في الموضعين فقال في الأول \"بل صدقة بن موسى واهٍ\" وقال في الثاني: \"صدقة ضعفوه\" وبه أعله الهيثمي أيضًا فقال في \"المجمع\" (٢/ ٢١٤): \"رواه أحمد والبزار وزاد … قلت: ومداره على صدقة بن موسى الدقيقى ضعفه ابن معين وغيره وقال مسلم بن إبراهيم حدثنا صدقة الدقيقي وكان صدوقًا\" قلت: وتضعيفه هو الأولى فقد ضعفه أيضًا النسائي والساجي والدولابي وقال الترمذي: ليس عندهم بذاك القوى، وقال أبو حاتم: لين الحديث، يكتب حديثه ولا يحتج به (\"التهذيب\" لابن حجر) وقد روي الحديث من مسند أبي سعيد الخدري، أخرجه الدارقطني في \"العلل\" (١١/ س ٢٣٠٦) ومن طريقه ابن الجوزي في \"المتناهية\" (٢/ ١٣٢١) - والبيهقي في \"الزهد\" (٧١٨) - وأفاد أن رواية أبي هريرة هى الصحيحة - وقال الدارقطني: \"والحديث غير ثابت\".\n(^٤٧) - إسناده ضعيف \"المعجم الكبير\" (١١/ ١١٣٧١) وأخرجه أبو الشيخ في \"العظمة\" (٤/ ٧٨٢) ثنا زكريا الساجي به وذكره الهيثمي في \"المجمع\" (١٠/ ١٣٩) وقال: \"رواه الطبراني وفيه يحيى بن كثير أبو النضر وهو ضعيف\" وزاد نسبته السيوطي في \"الدر المنثور\" (٤/ ٩٨) إلى ابن مردويه.\n(^٤٨) - إسناده ضعيف \"المسند\" (١١٦٣٧) (٣/ ٦٤ - ٦٥) وأخرجه الحاكم (٤/ ٤٤٤) من طريق محمد ابن مصعب به وقال: \"هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه\" فتعقبه الذهبي قائلًا \"عمارة ثقة لم يخرجوا له\" قلت: وهذا ليس إعلالًا له، والأصل أن يعل بمحمد بن مصعب فإنه صدوق =\n_________\n[¬١]- في خ: \"معمر\".\n[¬٢]- في خ: \"الجدري\".\n[¬٣]- في خ: \"يكثر\".","vol":"8","page":123},{"text":"مصعب، حدثنا عمارة عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري ﵁، أن النبي، ﷺ، قال: \"تكثر الصواعق عند اقتراب الساعة، حتى يأتي الرجل القوم فيقول: من صعق تلكم [¬١] الغداة فيقولون: صعق فلان وفلان وفلان\".\nوقد روي في سبب نزولها ما رواه الحافظ أبو يعلى الموصلي (^٤٩):\nحدثنا إسحاق -[ابن أبي إسرائيل] [¬٢]- حدثنا على بن أبي سارة الشيباني، حدثنا ثابت عن أنس: أن رسول الله، ﷺ، بعث رجلًا مرة إلى رجل من فراعنة العرب، فقال: \"اذهب فادعه لي\". قال: فذهب إليه فقال: يدعوك رسول الله ﷺ. فقال له: مَنْ رسول الله؟ وما الله؟ أمن ذهب هو، أم من فضة هو، أم من نحاس هو؟ قال فرجع إلى رسول الله، ﷺ، فأخبره، فقال: يا رسول الله، قد أخبرتك أنه أعتى من ذلك، قال لي كذا وكذا. فقال لي: \"ارجع إليه الثانية\" - أراه - فذهب فقال له مثلها، فرجع إلى رسول الله ﷺ، فقال: يا رسول الله، قد أخبرتك أنه أعتى من ذلك. فقال [¬٣]: \"ارجع إليه فادعه\". فرجع إليه الثالثة، قال: فأعاد عليه ذلك الكلام، فبينما هو يكلمه إذ بعث الله ﷿ سحابة حيال رأسه، فرعدت فوقعت منها صاعقة فذهبت بقحف رأسه، فأنزل الله ﷿: ﴿وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ﴾ الآية.\nورواه ابن جرير من حديث على بن أبي سارة به. ورواه الحافظ أبو بكر البزار: عن عبدة بن عبد الله عن يزيد بن هارون، عن ديلم بن غزوان، عن ثابت، عن أنس فذكر\n_________\n= كثير الخطأ، وبه أعله الهثيمي في \"المجمع\" (٨/ ١٢) فقال: \"رواه أحمد عن محمد بن مصعب وهو ضعيف\"، وقد أعل الذهبي نفسه أحاديث في \"المستدرك\" بمحمد هذا. فانظر (٣/ ١٧٦ - ١٧٧).\n(^٤٩) - حسن، مسند أبي يعلى (٦/ ٣٣٤٢) بالإسناد دون اللفظ، وأخرجه النسائي في \"التفسير\" (٦/ ١١٢٥٩) والعقيلي في \"الضعفاء\" (٣/ ٢٣٢ - ٢٣٣) وابن جرير (١٦/ ٢٠٢٧٠) والطبراني في \"الأوسط\" (٢/ ٢٦٠٣) والواحدي في \"أسباب النزول\" (صـ ٢٠٥) من طريق على بن أبي سارة به وهذا إسناد ضعيف، وعلته على هذا، قال البخاري: في حديثه نظر وقال أبو حاتم: شيخ ضعيف الحديث، ولكن تابعه ديلم بن غزوان - وهو صدوق عن ثابت به أخرجه ابن أبي عاصم في \"السنة\" (١/ ٦٩٢) والبزار (٣/ ٢٢٢١) وأبو يعلى (٣٣٤١) والبيهقي في \"الدلائل\" (٦/ ٢٨٣)، وذكره الهيثمي في \"المجمع\" (٧/ ٤٥) وقال: \"رواه أبو يعلى والبزار بنحوه … وبنحو هذا رواه الطبراني في الأوسط … ورجال البزار رجال الصحيح غير ديلم بن غزوان وهو ثقة وفي رجال أبي يعلى والطبراني على بن أبي سارة وهو ضعيف\" وزاد نسبته السيوطي إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبي الشيخ وابن مردويه، وانظر ما بعده.\n_________\n[¬١]- في خ: \"قبلكم\".\n[¬٢]- زيادة من مسند أبي يعلى.\n[¬٣]- في خ: \"قال\".","vol":"8","page":124},{"text":"نحوه.\nوقال (^٥٠): حدثنا الحسن بن محمد، حدثنا عفان، حدثنا أبان بن يزيد، حدثنا أبو [¬١] عمران الجوني، عن عبد الرحمن بن صحار العبدي أنه بلغه: أن النبي ﷺ بعث إلى جبار يدعوه، فقال: أرأيتم [¬٢] ربكم أذهب هو؟ أم فضة هو؟ أم لؤلؤ هو؟ قال فبينما هو يجادلهم إذ بعث الله سحابة فرعدت، فأرسل الله [¬٣] عليه صاعقة فذهبت بقحف رأسه، ونزلت هذه الآية.\nوقال أبو بكر بن عياش (^٥١)، عن ليث بن أبي سليم، عن مجاهد قال: جاء يهودي فقال: يا محمد، أخبرني عن ربك [من أي شيء هو] [¬٤]، من نحاس هو، أم [¬٥] من لؤلؤ أو ياقوت؟ قال: فجاءت صاعقة فأخذته، وأنزل الله: ﴿وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ﴾ الآية.\nوقال قتادة (^٥٢): ذكر لنا أن رجلًا أنكر القرآن وكذب النبي ﷺ، فأرسل الله صاعقة فأهلكته، وأنزل الله ﴿وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ﴾ الآية.\nوذكروا (^٥٣) في سبب نزولها قصة عامر بن الطفيل وأربد [¬٦] بن ربيعة لما قدما على رسول الله، ﷺ، المدينة، فسألاه أن يجعل لهما نصف الأمر، فأبى عليهما رسول الله ﷺ، فقال له عامر بن الطفيل لعنه الله: أما والله لأملأنها عليك\n_________\n(^٥٠) - مرسل، ابن جرير في تفسيره (١٦/ ٢٠٢٦٦)، ورجاله ثقات، رجال الصحيح غير عبد الرحمن بن صحار العبدي، فقد ترجم له الحافظ ابن حجر في \"تعجيل المنفعة\" (٦٢٩) وقال: \"روى عن أبيه - وله صحبة - وعنه أبو العلاء الشخير، قال الحسيني: ليس بالمشهور وكذا قال وقد ذكره ابن حبان في ثقات التابعين (٥/ ٩٥). وزاد نسبته السيوطي في \"الدر المنثور\" (٤/ ٩٩) إلى الخرائطي في \"مكارم الأخلاق\" وانظر ما قبله.\n(^٥١) - إسناده ضعيف، أخرجه ابن جرير (١٦/ ٢٠٢٦٧، ٢٠٢٦٨) من طريقين عن أبي بكر بن عياش به، وليث بن أبي سليم \"صدوق اختلط جدًّا ولم يتميز حديثه فترك\"، وعزاه السيوطي إلى الحكيم الترمذي وابن المنذر وابن أبي حاتم. وانظر ما قبله.\n(^٥٢) - أخرجه ابن جرير (١٦/ ٢٠٢٧١) بإسناد حسن إلى قتادة.\n(^٥٣) - أخرجه ابن جرير (١٦/ ٢٠٢٥٠) حدثني يونس نا ابن وهب قال: قال ابن زيد في قوله فذكر الحديث وعزاه السيوطي إلى أبي الشيخ، وانظر ما بعده.\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- في خ: \"أرأيتكم\".\n[¬٣]- زيادة من ابن جرير.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٥]- سقط من: خ.\n[¬٦]- في خ: \"وزايد\".","vol":"8","page":125},{"text":"خيلًا جردًا ورجالًا مردًا. فقال له رسول الله ﷺ: \"يأبى الله عليك ذلك وأبناء [¬١] قيلة\" يعني: الأنصار، ثم إنهما هما بالفتك برسول الله ﷺ، فجعل أحدهما يخاطبه والآخر يستل سيفه ليقتله من ورائه، فحماه الله تعالى [¬٢] منهما وعصمه، فخرجا من المدينة فانطلقا في أحياء العرب يجمعان [¬٣] الناس لحربه عليه الصلاة [¬٤] والسلام، فأرسل الله [¬٥] على أربد سحابة فيها صاعقة فأحرقته، وأما عامر بن الطفيل فأرسل الله عليه الطاعون، فخرجت فيه غدة عظيمة، فجعل يقول: يا آل عامر، غدة كغدة البكر وموت في بيت سلولية. حتى ماتا لعنهما الله. وأنزل الله في مثل ذلك: ﴿وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ﴾. وفي ذلك يقول لبيد بن ربيعة أخو أربد يرثيه:\nأَخْشَى عَلَى أَرْبَدَ الحُتُوفَ وَلَا … أَرْهَبُ نَوْءَ السِّماكِ والأَسَدِ\nفَجَّعنِي الرَّعدُ [¬٦] والصّواعِقُ بالـ … ـفَارِس يَوْمَ الكَرِيهَةِ النَّجُدِ\nوقال الحافظ أبو القاسم الطبراني (^٥٤): حدثنا مَسْعَدةُ بن سعد [¬٧] العطار، حدثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي، حدثني عبد العزيز بن عمران، حدثني عبد الرحمن وعبد الله ابنا زيد بن أسلم، عن أبيهما، عن عطاء بن يسار، عن ابن عباس: أن أربد بن قيس بن [جُزَيِّ بن خالد] [¬٨] بن جعفر بن كلاب، وعامر بن الطفيل بن مالك، قدما المدينة على رسول الله ﷺ، فانتهيا إليه وهو جالس، فجلسا بين يديه فقال عامر بن الطفيل: يا محمد، ما تجعل لي إن أسلمت؟ فقال رسول الله ﷺ: \"لك [¬٩] ما\n_________\n(^٥٤) - إسناده ضعيف \"المعجم الكبير\" (١٠/ ١٠٧٦٠) وفي \"الأوسط\" (٩/ ٩١٢٧) ومن طريقه أبو نعيم في \"الدلائل\" (ص ١٦٢ - ١٦٣) وذكره الهيثمي في \"المجمع\" (٧/ ٤٤، ٤٥) وقال: \"رواه الطبراني في الأوسط والكبير بنحوه … وفي إسناده عبد العزيز بن عمران وهو ضعيف\" وقال عنه الحافظ في \"التقريب\": \"متروك احترقت كتبه فحدث من حفظه فاشتد غلطه\" وزاد نسبته السيوطي في \"الدر المنثور\" (٤/ ٨٩) إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه، وأصل قصة عامر عند البخاري في صحيحه: كتاب: المغازي، باب: غزوة الرجيع (٤٠٩١) وأحمد (١٣٢١٩) (٣/ ٢١٠) من حديث أنس بن مالك.\n_________\n[¬١]- كذا وقع في طبعة الحلبي من ابن جرير (١٢/ ١٢٠)، وأفاد العلامة محمود شاكر في طبعته (١٦/ ٢٠٢٥٠) أن الذي في \"المخطوطة\" \"وابنا\" على التثنية، وصوبه، وقال: \"وقيلة\" أم الأوس والخزرج.\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- في خ: \"يجمعون\".\n[¬٤]- سقط من: خ.\n[¬٥]- سقط من: خ.\n[¬٦]- في ابن جرير: البرق. (١٦/ ٢٠٢٧٢).\n[¬٧]- في ز: سعيد. والمثبت من المعجم الكبير والأوسط، وكذا أورده المصنف في \"البداية والنهاية\" (٥/ ٧١).\n[¬٨]- في ز: \"جزء بن جليد\".\n[¬٩]- سقط من: خ.","vol":"8","page":126},{"text":"للمسلمين وعليك ما عليهم\". قال عامر بن الطفيل: أتجعل لي الأمر إن أسلمت من بعدك؟ قال رسول الله، ﷺ: \"ليس ذلك لك ولا لقومك، ولكن لك أعنة الخيل\". قال: أنا الآن في أعنة خيل نجد، اجعل لي الوبر ولك المدر. قال رسول الله ﷺ: \"لا\". فلما قفلا [¬١] من عنده، قال عامر: أما والله لأملأنها عليك خيلًا ورجالًا. فقال له رسول الله، ﷺ: \"يمنعك الله\". فلما خرج أربد وعامر، [قال عامر: يا أربد] [¬٢]، أنا أشغل عنك محمدًا بالحديث فاضربه بالسيف، فإن الناس إذا قتلت محمدًا لم يزيدوا على أن يرضوا بالدية، ويكرهوا الحرب [فنعطيهم الدية] [¬٣]. قال أربد: أفعل. فأقبلا راجعين إليه، فقال عامر: [يا محمد] [¬٤] قم معي أكلمك. فقام معه رسول الله، ﷺ، فجلسا [¬٥] إلى الجدار، ووقف معه رسول الله، ﷺ، يكلمه، وسل أربد السيف، فلما وضع يده على قائم [¬٦] السيف يبست يده على قائم السيف، فلم يستطع سل السيف، فأبطأ أربد على عامر بالضرب، فالتفت رسول الله، ﷺ، فرأى أربد وما يصنع، فانصرف عنهما، فلما خرج عامر وأربد من عند رسول الله ﷺ حتى إذا كانا بالحرة -حرة واقم- نزلا فخرج إليهما سعد بن معاذ وأسيد بن حضير، فقالا: اشخصا يا عدوي [¬٧] الله لعنكما الله. فقال عامر: مَنْ هذا يا سعد؟ قال: هذا أسيد بن حضير الكتائب [¬٨]. فخرجا حتى إذا كانا بالرقم، أرسل الله [¬٩] على أربد صاعقة فقتلته، وخرج عامر حتى إذا كان بالخُرَيمِ [¬١٠] أرسل الله قرحة فأخذته، فأدركه الليل في بيت امرأة من بني سلول، فجعل يمس قرحته في حلقه ويقول: غدة كغدة الجمل في بيت سلولية. يرغب أن يموت في بيتها، ثم ركب فرسه فأحضره حتى مات عليه راجعًا، فأنزل الله فيهما: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى﴾ إلى قوله: ﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ﴾ قال: المعقبات من أمر الله يحفظون محمدًا ﷺ، ثم ذكر أربد وما قتله به، فقال: ﴿وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ﴾ الآية.\nوقوله: ﴿وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ﴾ أي: يشكون في عظمته وأنه لا إله إلا هو ﴿وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾.\n_________\n[¬١]- في خ: \"قفا\".\n[¬٢]- في خ: \"قال أربد: يا عامر\".\n[¬٣]- زيادة في ت.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين زيادة من: خ.\n[¬٥]- في الطبراني: فخليا.\n[¬٦]- سقط من: ز.\n[¬٧]- في خ: \"عدو\".\n[¬٨]- في خ: \"العاتب\". وفي المعجم الكبير: الكاتب.\n[¬٩]- زيادة من: خ.\n[¬١٠]- في الكبير: بالحر.","vol":"8","page":127},{"text":"قال [¬١] ابن جرير: شديدة مماحلته في عقوبة من طغى عليه وعتا وتمادى في كفره.\nوهذه الآية شبيهة بقوله: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٠) فَانْظُرْ كَيفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ﴾.\nوعن علي (^٥٥) ﵁: ﴿وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾ أي: شديد الأخذ، وقال مجاهد شديد القوّة.\n﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيءٍ إلا كَبَاسِطِ كَفَّيهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إلا فِي ضَلَالٍ (١٤)﴾\nقال علي بن أبي طالب ﵁: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ﴾ قال: التوحيد. رواه ابن جرير (^٥٦).\nوقال ابن عباس (^٥٧) وقتادة ومالك عن محمد بن المنكدر: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ﴾: لا إله إلا الله.\n﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ﴾ الآية، أي: ومثل الذين يعبدون آلهة غير الله ﴿كَبَاسِطِ كَفَّيهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ﴾ قال علي بن أبي طالب (^٥٨): كمثل الذي يتناول الماء من طرف البئر بيده، وهو لا يناله أبدًا فكيف يبلغ فاه؟.\nوقال مجاهد: ﴿كَبَاسِطِ كَفَّيهِ﴾ يدعو الماء بلسانه ويشير إليه فلا يأتيه أبدًا.\nوقيل: المراد كقابض يده على الماء، فإنه لا يحكم منه على شيء، كما قال الشاعر:\n_________\n(^٥٥) - أخرجه ابن جرير (١٦/ ٢٠٢٧٣)، وفي إسناده سيف بن عمر الضبي، قال ابن حجر في \"التقريب\": \"ضعيف الحديث عمدة في التاريخ أفحش ابن حبان القول فيه\".\n(^٥٦) - تفسير ابن جرير (١٦/ ٢٠٢٨٢) وفيه علة الأثر السابق، وزاد نسبته السيوطي (٤/ ١٠١) إلى أبي الشيخ.\n(^٥٧) - أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٢/ ٣٣٤)، وابن جرير (١٦/ ٢٠٢٨٠) من رواية سماك عن عكرمة عنه وهي رواية مضطربة، لكن أخرجه ابن جرير (٢٠٢٨١) والبيهقي في \"الأسماء والصفات\" (٦/ ٢٠١) من طرق أخر وفيه انقطاع وزاد نسبته السيوطي (٤/ ١٠١) إلى الفريابي، وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبي الشيخ في \"الأسماء والصفات\".\n(^٥٨) - أخرجه ابن جرير (١٦/ ٢٠٢٨٦) وبه علة الأثر المتقدم برقم (٥٤).\n_________\n[¬١]- في خ: \"وقال\".","vol":"8","page":128},{"text":"فإنِّي وإيَّاكُمْ وَشَوْقًا إِلَيكُمُ … كَقَابِضِ ماءٍ لَمْ تَسِقْهُ أَنَامِلُهْ\nوقال الآخر:\nفَأَصْبَحْتُ مِمَّا [¬١] كانَ بَينِي وَبَينَها … مِنَ الوُدِّ مِثْلَ القَابِضِ الماءَ باليَدِ\nومعنى الكلام: أن هذا الذي يبسط يده إلى الماء؛ إمَّا قابضًا، وإما متناولًا له من بعد، كما أنه لا ينتفع بالماء الذي لم يصل ابن فيه الذي جعله محلًّا للشرب، فكذلك هؤلاء المشركون الذين يعبدون مع الله إِلهًا غيره لا ينتفعون بهم أبدًا في الدنيا ولا في الآخرة، ولهذا قال: ﴿وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إلا فِي ضَلَالٍ﴾.\n﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (١٥)﴾\nيخبر تعالى عن عظمته وسلطانه الذي قهر كل شيء، ودان له كل شيء، ولهذا يسجد له كل شيء طوعًا من المؤمنين، وكرهًا من الكافرين [¬٢] ﴿وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ﴾ أي: البُكُر ﴿وَالْآصَالِ﴾ وهو جمع أصيل: وهو آخر النهار، كقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ﴾ الآية.\n﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (١٦)﴾\nيقرَّر تعالى أنه لا إله إلا هو، لأنهم معترفون بأنه هو الذي خلق السموات والأرض، وهو ربها ومدبرها، وهم مع هذا قد اتخذوا من دونه أولياء يعبدونهم، وأولئك هم [¬٣] الآلهة لا تملك لنفسها ولا لعابديها بطريق الأولى نفعًا ولا ضرا، أي: لا تحصل منفعة ولا تدفع مضرة، فهل يستوي من عبد هذه الآلهة مع الله، ومن عبد الله وحده لا شريك له وهو على نور من ربه؟ ولهذا قال ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوي\n_________\n[¬١]- في خ: \"ما\".\n[¬٢]- في خ: \"المشركين\".\n[¬٣]- زيادة من: خ.","vol":"8","page":129},{"text":"الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيهِمْ﴾ أي: أجَعل هؤلاء المشركون مع الله آلهة تناظر الرب وتماثله في الخلق، فخلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم، فلا يدرون أنها مخلُوقة من مخلوق غيره، أي: ليس الأمر كذلك، فإنه لا يشابهه شيء ولا يماثله، ولا ند له، ولا عدل له، ولا وزير له، ولا ولد ولا صاحبة تعالى الله عن ذلك علوا كبيرًا، وإنما عبد هؤلاء المشركون معه آلهة هم معترفون أنها مخلوقة له عبيد له، كما كانوا يقولون في تلبيتهم: لبيك لا شريك لك إلا شريكًا هو لك تملكه وما ملك (^٥٩). وكما [¬١] أخبر تعالى عنهم في قوله: ﴿مَا [¬٢] ﴿نَعْبُدُهُمْ إلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ فأنكر تعالى عليهم ذلك حيث اعتقدوا ذلك، وهو تعالى لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إلا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ الآية، وقال [¬٣]: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إلا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (٩٤) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ فإذا كان الجميع عبيدًا فَلِمَ يعبد بعضهم بعضًا بلا دليل ولا برهان. بل بمجرَّد الرأي والاختراع والابتداع، ثم قد أرسل رسله من أولهم إلى آخرهم تزجرهم عن ذلك، وتنهاهم عن عبادة من سوى الله، فكذبوهم وخالفوهم، فحقت عليهم كلمة العذاب لا محالة ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾.\n﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَال (١٧)﴾\nاشتملت هذه الآية الكريمة على مثلين مضروبين للحق في ثباته وبقائه، والباطل في اضمحلاله وفنائه، فقال تعالى: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ أي: مطرًا [¬٤] ﴿فَسَالتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾ أي: أخذ كل واحد بحسبه، فهذا كبير وسع كثيرًا من الماء، وهذا صغير فوسع بقدره، وهو إشارة إلى القلوب وتفاوتها، فمنها ما يسع علمًا كثيرًا ومنها ما لا يتسع لكثير من العلوم بل يضيق عنها ﴿فَاحْتَمَلَ السَّيلُ زَبَدًا رَابِيًا﴾ أي: فجاء على وجه الماء الذي سال في هذه الأودية زبد عال عليه، هذا مثل، وقوله: ﴿وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيهِ فِي النَّارِ\n_________\n(^٥٩) - تقدم تخريج ذلك (سورة يوسف / الآية ١٠٦).\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- في خ: \"إنما\".\n[¬٣]- سقط من: خ.\n[¬٤]- في خ: \"مطرت\".","vol":"8","page":130},{"text":"ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ﴾ الآية، هذا هو المثل الثاني: وهو ما يسبك في النار من ذهب أو فضة ابتغاء حلية، [أي: ليجعل] [¬١] حلية نحاس أو حديدٍ فيجعل متاعا، فإنه يعلوه زيد منه كما يعلو ذلك زيد منه ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ﴾ أي: إذا اجتمعا لا ثبات للباطل ولا دوام له، كما أن الزبد لا يثبت مع الماء، ولا مع الذهب ونحوه مما يسبك في النار، بل يذهب ويضمحل، ولهذا قال: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً﴾ أي: لا ينتفع به، بل يتفرق ويتمزق ويذهب في جانبي الوادي، ويعلق بالشجر، وتنسفه الرياح، وكذلك خبث الذهب والفضة والحديد والنحاس يذهب لا يرجع منه [] [¬٢]، شيء، [ولا يبقى إلا الماء] [¬٣] وذلك [¬٤] الذهب ونحوه ينتفع به، ولهذا قال: ﴿وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَال﴾، كقوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إلا الْعَالِمُونَ﴾.\nوقال [¬٥] بعض السلف (^٦٠): كنت إذا قرأت مثلًا من القرآن فلم فهمه بكيت على نفسي، لأن الله تعالى يقول: ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إلا الْعَالِمُونَ﴾.\nقال علي بن أبي طلحة (^٦١)، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾ الآية: هذا مثل ضربه الله احتمدت منه القلوب على قدر يقينها وشكها، فأما الشك فلا ينفع معه العمل، وأما اليقين فينفع الله به أهله، وهو قوله: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ﴾ [وهو الشك] [¬٦] ﴿فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾ وهي اليقين، وكما يُجْعل الحلي في النار، فيؤخذ خالصُه ويترك خَبَثُه في النار، فكذلك يقبل الله اليقين ويترك الشك.\nوقال العوفي (^٦٢)، عن ابن عباس قوله: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيلُ زَبَدًا رَابِيًا﴾ يقول: احتمل السيل ما في الوادي من عود ودمنة [¬٧] ﴿وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيهِ فِي النَّارِ﴾ فهو الذهب والفضة والحلية والمتاع والنحاس والحديد، فللنحاس\n_________\n(^٦٠) - ورد نحو ذلك عن عمرو بن مرة انظر (العنكبوت / آية ٤٣).\n(^٦١) - أخرجه ابن جرير (١٦/ ٢٠٣١١) وزاد نسبته السيوطي (٤/ ١٠٤) إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبي الشيخ.\n(^٦٢) - أخرجه ابن جرير (١٦/ ٢٠٣١٢) وزاد نسبته السيوطي (٤/ ١٠٤) إلى ابن أبي حاتم.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في خ: \"أو\".\n[¬٢]- في خ: إلى.\n[¬٣]- في خ: \"ويبقى الماء\".\n[¬٤]- خ: \"كذلك\".\n[¬٥]- في خ: \"قال\".\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٧]- سقط من: خ.","vol":"8","page":131},{"text":"والحديد خبث فجعل الله مثل خبثه كزبد الماء، فأما ما ينفع الناس فالذهب والفضة، وأما ما ينفع الأرض فما شربت من الماء فأنبتت، فجعل ذاك مثل العمل الصالح يبقى لأهله، والعمل السيئ يضمحل عن أهله كما يذهب هذا الزبد، وكذلك الهدى والحق جاء [¬١] من عند الله فمن عمل بالحق كان له، وبقي كما يبقى ما ينفع الناس في الأرض، وكذلك الحديد لا يستطاع أن يعمل [¬٢] منه سكين ولا سيف حتى يدخل في النار، فتأكل خبثه ويخرج جيده فينتفع به، فكذلك [¬٣] يضمحل الباطل، فإذا [¬٤] كان يوم القيامة وأقيم الناس وعرضت الأعمال، فيزيغ [¬٥] الباطل ويهلك، وينتفع أهل الحق بالحق.\nوهكذا روي في تفسيرها عن مجاهد والحسن البصري وعطاء وقتادة وغير واحد من السلف والخلف.\nوقد ضرب ﷾ في أول سورة البقرة للمنافقين مثلين، ناريًّا ومائيًّا وهما قوله: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ﴾ الآية، ثم قال: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ﴾ الآية، وهكذا ضرب للكافرين في سورة النور مثلين؛ أحدهما قوله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ [بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً] [¬٦]﴾ الآية، والسراب إنما يكون في شدة الحر، ولهذا جاء في الصحيحين (^٦٣): فيقال لليهود يوم القيامة فما تريدون؟ فيقولون: أي ربنا عطشنا فاسقنا. فيقال: ألا تردون؟ فيردون النار فإذا هي كسراب [¬٧] يحطم بعضها بعضًا.\nثم قال تعالى في المثل الآخر: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ [يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ] [¬٨]﴾ الآية، وفي الصحيحين (^٦٤) عن أبي موسى الأشعري [﵁، أن] [¬٩] رسول الله، ﷺ، قال: \"إن مثل مما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضًا، فكان [¬١٠] منها طائفة طيبة [¬١١] قبلت الماء،\n_________\n(^٦٣) - أخرجه البخاري، كتاب: التفسير، باب: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَال ذَرَّةٍ﴾ (٤٥٨١)، ومسلم كتاب: الإيمان، باب: معرفة طريق الرؤية (٣٠٢) (١٨٣) من حديث أبي سعيد الخدري.\n(^٦٤) - تقدم تخريجه (سورة الأعراف / آية ٥٨).\n_________\n[¬١]- في خ: \"جاء\".\n[¬٢]- في ابن جرير: تجعل.\n[¬٣]- في خ: \"كذلك\".\n[¬٤]- في خ: \"إذا\".\n[¬٥]- في خ: \"فيرفع\".\n[¬٦]- زيادة من: خ.\n[¬٧]- في خ: \"السراب\".\n[¬٨]- ما بين المعكوفتين زيادة من: خ.\n[¬٩]- في خ: \"قال: قال\".\n[¬١٠]- في الصحيحين: فكانت.\n[¬١١]- سقط من: ز.","vol":"8","page":132},{"text":"فأنبتت [¬١] الكلأ والعشب الكير، وكانت منها أجادبُ أمسكت الماء، فنفع الله بها الناس [فشربوا ورعوا وسقوا وزرعوا] [¬٢]، وأصابت طائفة منها أخرى إنما هي قيعان: لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فقه في دين الله، ونفعه الله بما بعثني، ونفع به فعَلِم وعَلَّم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسًا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به\".\nفهذا مثل مائي، وقال في الحديث الآخر الذي رواه الإِمام أحمد (^٦٥):\nحدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن همام بن منبه، قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة، عن رسول الله، ﷺ، أنه قال: \"مثلي ومثلكم [¬٣]: كمثل رجل استوقد نارًا، فلما أضاءت ما حولها [¬٤] جعل [¬٥] الفَراشُ وهذه الدوابُّ التي يقعن في النار يقعن فيها، وجعل يحْجزُهُنَّ وَيغلِبنَه [¬٦] فيتقحمن [¬٧] فيها -قال- فذلكم مثلي ومثلكم: أنا آخِذٌ بِحُجَزكُمْ عن النار هَلمَّ عن النار [هلم عن النار] [¬٨]، هلم، فتغلبوني فتقتحمون فيها\". وأخرجاه في الصحيحين أيضًا، فهذا مثل ناري.\n﴿لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (١٨)﴾\n_________\n(^٦٥) - صحيح \"المسند\" (٨١٠٢) (٢/ ٣١٢)، وأخرجه مسلم، كتاب: الفضائل، باب: شفقته ﷺ على أمته، ومبالغته في تحذيرهم مما يضرهم (١٨) (٢٢٨٣) حدثنا محمد بن رافع حدثنا عبد الرزاق به وأخرجه أحمد (٧٣١٨) (٢/ ٣٤٤)، والبخاري، كتاب: الأنبياء، باب: قول الله تعالى ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ (٣٤٢٦)، وفي الرقاق، باب: الانتهاء عن المعاصي (٦٤٨٣)، ومسلم (١٧) (٢٢٨٤)، والترمذي، كتاب: الأمثال، باب: ما جاء في مثل ابن آدم وأجله وأمله (٢٨٧٧) من طريق أبي الزناد عن عبد الرحمن الأعرج عن أبي هريرة به نحوه.\n_________\n[¬١]- في خ: \"وأنبتت\".\n[¬٢]- الذي في صحيح مسلم: \"فشربوا منها وسقوا ورعوا\". وفي صحيح البخاري: \"فشربوا وسقوا وزرعوا\".\n[¬٣]- سقط من المسند.\n[¬٤]- في ز: \"حوله\".\n[¬٥]- في خ: \"جعل الله\".\n[¬٦]- في خ: \"ويغلبهن\".\n[¬٧]- في خ: \"ويقتحمن\". وفي المسند فتتقحَّمُ.\n[¬٨]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.","vol":"8","page":133},{"text":"يخبر تعالى عن مآل السعداء والأشقياء، فقال: ﴿لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ﴾ أي: أطاعوا الله ورسوله، وانقادوا لأوامره، وصدقوا أخباره الماضية والآتية، فلهم ﴿الْحُسْنَى [¬١]﴾ وهو الجزاء الحسن، كقوله تعالى مخبرًا عن ذي القرنين أنه قال: ﴿قَال أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا (٨٧) وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا﴾ وقال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾.\nوقوله: ﴿لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ﴾ أي: لم يطيعوا الله ﴿لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ أي: في الدار الآخرة لو أن يمكنهم أن يفتدوا من عذاب الله بملء الأرض ذهبًا ومثله معه لافتدوا به، ولكن لا يتقبل منهم؛ لأنه تعالى لا يقبل منهم يوم القيامة صرفًا ولا عدلًا ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ﴾ أي: في الدار الآخرة، أي: يناقشون على النقير والقطمير والجليل والحقير، \"ومن نوقش الحساب عذب\" (^٦٦)، ولهذا قال: ﴿وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾.\n﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (١٩)﴾\nيقول تعالى: لا يستوي من يعلم من الناس أن الذي ﴿أُنْزِلَ إِلَيكَ﴾ يا محمد ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾ هو الحق الذي لا شك فيه ولا مرية، ولا لبس بن فيه ولا اختلاف فيه، بل هو كله [¬٢] حق يصدق بعضه بعضًا، لا يضاد شيء منه شيئًا آخر، فأخباره كلها حق، وأوامره ونواهيه عدل، كما قال تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ [¬٣] رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ أي: صدقًا في الإِخبار، وعدلًا في الطب، فلا يستوي من تحقق صدق ما جئت به يا محمد، ومن هو أعمى لا يهتدي إلى خير ولا يفهمه، ولو فهمه ما انقاد له ولا صدقه ولا اتبعه، كقوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ وقال في هذه [¬٤] الآية الكريمة: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى﴾ أي: أفهذا كهذا؟ لا استواء.\n_________\n(^٦٦) - صحيح، صح ذلك مرفوعًا إلى النبي ﷺ. ويأتي تخريجه (سورة الإنشقاق / آية).\n_________\n[¬١]- في خ: \"الحسن\".\n[¬٢]- في خ: \"كلمة\".\n[¬٣]- في خ: \"كلمات\".\n[¬٤]- سقط من: خ.","vol":"8","page":134},{"text":"وقوله: ﴿إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [أي: إنما يتعظ ويعتبر ويعقل] [¬١] أولو العقول السليمة الصحيحة، جعلنا الله منهم.\n﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ (٢٠) وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ (٢١) وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ (٢٢) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ (٢٤)﴾\nيقول تعالى مخبرًا عمن اتصف بهذه الصفات الحميدة: بأن لهم عقبى الدار، وهي العاقبة والنصرة في الدنيا والآخرة.\n﴿الَّذِينَ [يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَ] [¬٢] لَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ﴾ وليسوا كالمنافقين الذين \"إذا عاهد أحدهم غدر، وإذا خاصم فجر، وإذا حدث كذب، وإذا ائتمن خان\" (^٦٧).\n﴿وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾ من صلة الأرحام، والإحسان إليهم وإلى الفقراء والمحاويج، وبذل المعروف ﴿وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ أي: فيما يأتونَ وما يذرون من الأعمال، يراقبون الله في ذلك، ويخافون سوء الحساب في الدار الآخرة، فلهذا أمرهم على السداد والاستقامة في جميع حركاتهم وسكناتهم، وجميع أحوالهم القاصرة والمتعدية.\n﴿وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ﴾ أي: عن المحارم والمآثم ففطموا أنفسهم عنها لله ﷿ ابتغاء مرضاته وجزيل ثوابه ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ بحدودها ومواقيتها وركوعها وسجودها وخشوعها، على الوجه الشرعي المرضي ﴿وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾ أي: على الذين يجب عليهم الإِنفاق لهم، من زوجات [¬٣] وقرابات وأجانب، من فقراء ومحاويج ومساكين ﴿سِرًّا وَعَلَانِيَةً﴾ أي: في السر والجهر، لم يمنعهم من ذلك حال من\n_________\n(^٦٧) - نص حديث يأتي برقم (٧٢، ٧٣).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- في خ: \"زوجاتهم\".","vol":"8","page":135},{"text":"الأحوال، في [¬١] آناء الليل وأطراف النهار ﴿وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾ أي: يدفعون القبيح بالحسن، فإذا آذاهم أحد قابلوه بالجميل صبرًا واحتمالًا وصفحًا وعفوًا، كقوله تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَينَكَ وَبَينَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤) وَمَا يُلَقَّاهَا إلا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إلا ذُو حَظٍّ عَظِيم﴾ ولهذا قال مخبرًا عن هؤلاء السعداء المتصفين بهذه الصفات الحسنة: بأن لهم عقبى الدار، ثم فسر ذلك بقوله ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ والعدن: الإِقامة، أي: جنات إقامة يخلدون فيها.\nوعن عبد الله بن عمرو (^٦٨) أنه قال: إن في الجنة قصرًا يقال له عدن، حوله البروج والمروج، فيه خمسة آلاف باب على كل باب خمسة آلاف حِبَرة، لا يدخله إلا نبي أو صديق أو شهيد. وقال الضحاك في قوله: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ مدينة الجنة فيها الرسل والأنبياء والشهداء وأئمة الهدي، [والناس حولهم بعد والجنات] [¬٢] حولها. رواهما ابن جرير.\nوقوله: ﴿وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ﴾ أي: يجمع بينهم وبين أحبابهم فيها؛ من الآباء والأهلين والأبناء، ممن هو صالح لدخول الجنة من المؤمنين؛ لتقرّ أعينهم بهم، حتى أنه ترفع درجة الأدنى إلى درجة الأعلى [من غير تنقيص للأعلى عن درجته] [¬٣] بل امتنانًا من الله وإحسانًا،، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ [¬٤] بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ [¬٥]﴾ الآية.\nوقوله: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ أي: وتدخل عليهم الملائكة من ها هنا ومن ها هنا للتهنئة بدخول [¬٦] الجنة، فعند\n_________\n(^٦٨) - أخرجه ابن جرير (١٦/ ٢٠٣٤٢) حدثني المثنى، قال: حدثنا إسحاق قال ثنا علي بن جرير، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن يعلى بن عطاء عن نافع بن عاصم عن عبد الله بن عمرو فذكره، قال الشيخ محمود شاكر \"وهذا إسناد صحيح إلى عبد الله بن عمرو، لولا ما فيه من جهالة \"علي بن جرير\"- انظر الأثر المتقدم برقم (٣٠) وهو موقوف على عبد الله بن عمرو، لم أجد من رفعه\".\nقلت: أخرجه البزار (٢/ ١٥٩١ - كشف)، (١/ ١٢٤٠ - مختصر الزوائد) - ومن طريقه أبو نعيم في كتاب \"العادلين\" ومن طريق أبي نعيم الديلمي في مسنده -كما في \"تخريج أحاديث العادلين\" للسخاوي (ص ٦٩) - من طريق آخر عن عبد الله بن عمرو مرفوعًا وقال البزار \"لا نعلمه يروى عن=\n_________\n[¬١]- في خ: \"من\".\n[¬٢]- وقع في تفسير ابن جرير: \"والناس حولها بعدد الجنات\" وما في الدر المنثور (٤/ ١٠٨) يوافق ما ها هنا وزاد نسبته إلى أبي الشيخ.\n[¬٣]- سقط من: خ.\n[¬٤]- في خ: \"ذرياتهم\".\n[¬٥]- في خ: \"ذرياتهم\".\n[¬٦]- في خ: \"ودخول\".","vol":"8","page":136},{"text":"دخولهم إياها تفد عليهم الملائكة مسلمين، مهنئين لهم بما حصل لهم من الله من التقريب والإِنعام، والإِقامة في دار السلام في جوار الصديقين والأنبياء والرسل الكرام.\nوقال الإِمام أحمد ﵀ (^٦٩): حدثنا أبو عبد الرحمن، حدثني سعيد بن أبي أيوب، حدثنا معروف بن سويد الجذامي، عن أبي عُشانة المَعَافِري، عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ عن رسول الله، ﷺ، أنه قال: \"هل تدرون أول من يدخل الجنة من خلق الله؟ \" قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: \"أول من يدخل الجنة من خلق الله الفقراء و[¬١] المهاجرون، الذين تُسَدّ بهم الثُّغور، وتتقى بهم المكارِهُ، ويموت أحدُهم وحاجتُه في صدره لا يستطيع لها قَضاءً، فيقول الله تعالى لمن يشاء من ملائكته: ائتوهم فَحَيُّوهُمِ. فتقول الملائكة: نحن سُكَّانُ سمائِك وخِيَرَتُك من خلقك، أفتأمُرُنا أن نأتيَ هؤلاء فنُسَلِّمَ عليهم؟ فيقول: إنهم كانوا عبادًا يعبدونني لا يشركون بي شيئًا، وتُسَدُّ بهم الثُّغور وتتقى [¬٢] بهم المكاره، ويموت أحدهم وحاجتة في صدره لا يستطيع لها قضاء -قال- فتأتيهم الملائكة عند ذلك فيدخلون عليهم من كل باب ﴿سَلَامٌ عَلَيكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ \".\nورواه أبو القاسم الطبراني (^٧٠): عن أحمد بن رشدين [¬٣]، عن أحمد بن صالح، عن\n_________\n= عبد الله بن عمرو إلا من هذا الوجه\" قال الهيثمي في \"المجمع\" (٥/ ١٩٩): \"وفيه عبد الله بن مسلم بن هرمز وهو ضعيف\" والحديث زاد نسبته السيوطي في \"الدر المنثور\" (٤/ ١٠٧) إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٦٩) - صحيح، معروف بن سويد ترجم له البخاري في \"التارخ الكبير\" (٧/ ٤٤٤) وابن أبي حاتم في \"الجرح والتعديل\" (٨/ ٣٢٣) ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا ووثقه ابن حبان (٧/ ٤٩٩) وقد روى عنه جماعة من \"الثقات\" ولذلك قال الذهبي في \"الكاشف\" (٣/ ١٦٢): \"ثقة\" وقد توبع كما يأتي وباقي رجاله ثقات رجال الشيخين غير أبي عشانة -وهو ابن يؤمن- روى له أصحاب السنن وهو ثقة.\nوالحديث في \"المسند\" (٦٥٧٠) (٢/ ١٦٨) وأخرجه ابن أبي عاصم في \"الأوائل\" (٥٧) وعبد بن حميد في \"المنتخب\" (٣٥٢) والبزار (٤/ ٣٦٦٥ - كشف) وأبو نعيم في \"الحلية\" (١/ ٣٤٧) وفي \"صفة الجنة\" (٨١) والبيهقي في \"البعث والنشور\" (٤١٤) كلهم من طريق أبي عبد الرحمن المقرئ به وصححه ابن حبان (١٦/ ٧٤٢١ - إحسان)، (٨/ ٢٥٦٥ - موارد)، وذكره الهيثمي في \"المجمع\" (١٠/ ٢٦٢) وقال: \"رواه أحمد والبزار والطبراني … ورجالهم ثقات\" وزاد نسبته السيوطي (٤/ ١٠٩) إلى ابن أبي حاتم وابن مردويه وانظر ما بعده.\n(^٧٠) - صحيح، رجاله ثقات: غير أحمد بن رشدين شيخ الطبراني وهو أحمد بن محمَّد بن الحجاج، قال ابن عدي: كذبوه وأنكرت عليه أشياء، وقال ابن أبي حاتم: سمعت منه بمصر ولم أحدث عنه لما=\n_________\n[¬١]- زيادة من المسند.\n[¬٢]- في المسند: فتتقى.\n[¬٣]- في خ: \"رشد\".","vol":"8","page":137},{"text":"عبد الله بن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن أبي عشانة، سمع عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ قال: \"أول ثلة [¬١] يدخلون الجنة فقراء المهاجرين، الذين تتقى بهم المكاره، وإذا أمروا سمعوا وأطاعوا، وإن كانت لرجل منهم حاجة إلى سلطان لم تقض حتى يموت وهي في صدره، وإن الله يدعو يوم القيامة الجنة فتأتي بزخرفها وزينتها، فيقول: أين عبادي الذين قاتلوا في سبيلي وأوذوا في سبيلي وجاهدوا في سبيلي؟ ادخلوا الجنة بغير عذاب ولا حساب وتأتي الملائكة فيسجدون ويقولون: ربنا نحن [نسبح بحمدك] [¬٢] الليل والنهار، ونقدس لك، من هؤلاء الذين آثرتهم علينا؟ فيقول الرب ﷿: هؤلاء عبادي الذين جاهدوا في سبيلي وأوذوا في سبيلي. فتدخل عليهم الملائكة من كل باب ﴿سَلَامٌ عَلَيكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾.\nوقال عبد الله بن المبارك: عن بقية بن الوليد، حدثنا أرطاة بن المنذر، قال: سمعت رجلًا من مشيخة الجند يقال له أبو الحجاج، يقول: جلست إلى أبي أمامة فقال: إن المؤمن ليكون متكئًا على أريكته إذا دخل الجنة، وعنده سِمَاطان من خَدَم، وعند طرف السماطين بابٌ مبوَّبٌ، فيقبل الملك فيستأذن، فيقول أقصى الخدم للذي يليه: ملك يستأذن، ويقول الذي يليه للذي يليه: ملك يستأذن، حتى يبلغ المؤمن، فيقول: ائذنوا، فيقول: أقربهم للمؤمن: ائذنوا له، ويقول الذي يليه للذي يليه: ائذنوا له، [فكذلك] [¬٣] حتى يبلغ أقصاهم الذي عند الباب، فيفتح له فيدخل فيسلم ثم ينصرف. رواه ابن جرير (^٧١).\nورواه ابن أبي حاتم: من حديث إسماعيل بن عياش، عن أرطاة بن المنذر، عن أبي الحجاج [¬٤] يوسف الألهاني، قال: سمعت أبا أمامة فذكر نحوه.\n_________\n= تكلموا فيه. وقال ابن يونس: كان من حفاظ الحديث؛ وقال مسلمة: حدثنا عنه غير واحد وكان ثقة عالمًا بالحديث (انظر \"الميزان\" (١/ ٥٣٨) و\"اللسان\" (١/ ٨١٣» قلت: وقد توبع، فأخرجه ابن جرير (٤/ ٢١٦ / سورة آل عمران / آية ١٩٥) والحاكم (٢/ ٧١ - ٧٢) والبيهقي في \"الشعب\" (٧/ ١٠٣٨٠) من طرق عن عبد الله بن وهب به وقال الحاكم: \"صحيح الإسناد\" ووافقه الذهبي وذكره الهيثمي في \"المجمع\" (١٠/ ٢٦٢) وقال: \"رجال الطبراني رجال الصحيح غير أبي عُشانة وهو ثقة\" وأخرجه أحمد (٦٥٧١) (٢/ ١٦٨) ثنا حسن ثنا ابن لهيعة ثنا أبو عُشَّانة به نحوه، وزاد نسبته السيوطي في \"الدر المنثور\" (٤/ ١٩٨ / آل عمران / ١٩٨) إلى أبي الشيخ، وانظر ما قبله.\n(^٧١) - تفسير ابن جرير (١٦/ ٢٠٣٤٤) - والحديث رواه ابن المبارك -كما في \"زوائد الزهد\" لنعيم بن حماد (٢٣٧) وأبو الحجاج هذا أو أبو الضحاك. لا يعرف حاله.\n_________\n[¬١]- في خ: \"ثلاثة\".\n[¬٢]- في خ: \"نسبحك\".\n[¬٣]- زيادة من ابن جرير.\n[¬٤]- كذا ومثله في تفسير ابن جرير، وأفاد الشيخ محمود شاكر أنه \"أبو الضحاك\" لا \"أبو الحجاج\" استنادًا إلى ما في \"الجرح والتعديل\"، \"والتاريخ الكبير\" للبخاري.","vol":"8","page":138},{"text":"وقد جاء في الحديث (^٧٢) أن رسول الله ﷺ كان يزور قبور الشهداء في رأس كل حول، فيقول لهم: \"سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار\". وكذلك أبو بكر وعمر وعثمان.\n﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (٢٥)﴾\nهذا حال الأشقياء وصفاتهم، وذكر ما لهم في الدار الآخرة، ومصيرهم إلى خلاف ما صار إليه المؤمنون، كما أنهم اتصفوا بخلاف صفاتهم في الدنيا، فأولئك كانوا يوفون بعهد الله ويصلون ما أمر الله به أن ووصل، وهؤلاء: ﴿يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ كما ثبت في الحديث (^٧٣): \" آية المنافق ثلاث؛ إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان\". [وفي رواية (^٧٤): \" و] [¬١]، إذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر\". ولهذا قال: ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾ وهي الإبعاد عن الرحمة ﴿وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ وهي سوء العاقبة والمآل ﴿وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾.\nوقال أبو العالية في قوله [تعالى: ﴿وَ] [¬٢] الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ﴾ الآية، قال: هي ست خصال في [¬٣] المنافقين، إذا كان فيهم الظهرة على الناس أظهروا هذه الخصال، إذا حدثوا كذبوا، وإذا وعدوا أخلفوا، وإذا ائتمنوا خانوا، ونقضوا عهد الله من بعد ميثاقه،\n_________\n(^٧٢) - ضعيف، أخرجه ابن جرير (١٦/ ٢٠٣٤٥) حدثني المثنى قال: حدثنا سويد، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن إبراهيم بن محمَّد عن سهيل بن أبي صالح عن محمَّد بن إدراهيم قال: كان النبي ﷺ يأتي قبور الشهداء … فذكره هكذا مرسلًا، وأخرجه عبد الرزاق في \"المصنف\" (٣/ ٦٧١٦) عن رجل من أهل المدينة عن سهيل بن أبي صالح به ووصله البيهقي في \"الدلائل\" (٣/ ٣٠٦) ومن طريقه ذكره المصنف في \"البداية والنهاية\" (٤/ ٥١) من طريق موسى بن يعقوب عن عباد بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة به مرفوعًا، وعباد بن أبي صالح -ويقال عبد الله بن أبي صالح- لين الحديث، كما في \"التقريب\"- وموسى بن يعقوب \"صدوق سيء الحفظ\" وعزاه السيوطي (٤/ ١٠٩) إلى ابن المنذر وابن مردويه من حديث أنس.\n(^٧٣) - تقدم تخريجه (سورة البقرة / آية ١٧٧).\n(^٧٤) - تقدم تخريجه (سورة البقرة / آية-١٧٧).\n_________\n[¬١]- في خ: \"في رواية\".\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- في خ: \"من\".","vol":"8","page":139},{"text":"وقطعوا ما أمر الله به أن يوصل، وأفسدوا في الأرض، وإذا كانت الظهرة عليهم أظهروا الثلاث خصال: إذا حدثوا كذبوا، وإذا وعدوا أخلفوا وإذا اؤتمنوا خانوا.\n﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إلا مَتَاعٌ (٢٦)﴾\nيذكر تعالى: أنه هو الذي يوسع الرزق على من يشاء، ويُقَتّره على من يشاء، لما له في ذلك من الحكمة والعدل، وفرح هؤلاء الكفار بما أوتوا في الحياة الدنيا استدراجًا لهم وإمهالًا، كما قال: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ﴾.\nثم حقر الحياة الدنيا بالنسبة إلى ما ادخره تعالى لعباده المؤمنين في الدار الآخرة، فقال: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إلا مَتَاعٌ﴾، كما قال: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ وقال: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيرٌ وَأَبْقَى﴾ (^٧٥): حدثنا وكيع، ويحيى بن سعيد، قالا: حدثنا إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس، عن المستورد [¬١] أخي بني فهو قال: قال رسول الله ﷺ: \"ما الدنيا في الآخرة إلا كمثل ما يجعل أحدكم أصبعه هذه في اليم، فلينظر بم ترجع\". وأشار بالسبابة. رواه مسلم في صحيحه.\nوفي الحديث الآخر (^٧٦): أن رسول الله ﷺ مر بِجَدْي أَسَكٍّ ميت -والأسك: الصغير الأذنين- فقال: \"والله للدنيا أهون على الله من هذا على أهله حين ألقوه\".\n﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ\n_________\n(^٧٥) - صحيح \"المسند\" (١٨٠٦٣، ١٨٠٦٩) (٤/ ٢٢٨، ٢٢٩) وأخرجه أيضًا (١٨٠٦٤، ١٨٠٦٧) (٤/ ٢٢٩) ومسلم: كتاب: الجنة وصفة نعيمهما وأهلها، باب: فناء الدنيا، وبيان الحشر هم القيامة، (٥٥) (٢٨٥٨) والترمذي، كتاب: الزهد، باب: قياس الدنيا بالنسبة للآخرة (٢٣٢٤)، والنسائي في الرقاق من الكبرى -كما في تحفة الأشراف (١١٢٥٥) (٨/ ٣٧٥) - وابن ماجة كتاب: الزهد، باب: مثل الدنيا (٤١٠٨) من طرق عن إسماعيل بن أبي خالد به.\n(^٧٦) - أخرجه مسلم، فاتحة كتاب الزهد والرقائق (٢) (٢٩٥٧)، وأبو دواد، كتاب: الطهارة، باب: ترك الوضوء من مس الميتة (١٨٦)، وأحمد (١٤٩٧٣) (٣/ ٣٦٥) من حديث جابر بن عبد الله.\n_________\n[¬١]- في خ: \"المسور\".","vol":"8","page":140},{"text":"وَيَهْدِي إِلَيهِ مَنْ أَنَابَ (٢٧) الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨) الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ (٢٩)﴾\nيخبر تعالى عن قيل المشركين ﴿لولا﴾ أي: هلا ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ كقولهم [¬١]: ﴿فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ﴾ وقد تقدم الكلام على هذا غير مرة، وإن الله قادر على إجابة ما سألوا، وفي الحديث (^٧٧): إن الله أوحى إلى رسوله لما سألوه أن يحول لهم الصفا ذهبًا، وأن يجري لهم ينبوعًا، وأن يزيح الجبال من حول مكة فيصير مكانها مروج وبساتين: إن شئت يا محمَّد أعطيتهم ذلك، فإن كفروا فإني أعذبهم عذابًا لا أعذبه أحدًا من العالمين، وإن شئت فتحت عليهم باب التوبة والرحمة، فقال: \"بل تفتح لهم باب التوبة والرحمة\". ولهذا قال لرسوله: ﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيهِ مَنْ أَنَابَ﴾ أي [¬٢]: هو المضل والهادي، سواء بعث الرسول بآية على وفق ما اقترحوا، أو لم يجبهم إلى سؤالهم، فإن الهداية والإضلال ليس منوطًا بذلك ولا عدمه، كما قال: ﴿وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾، وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾، وقال: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيهِمْ كُلَّ شَيءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ﴾، ولهذا قال: ﴿قُلْ [¬٣] إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيهِ مَنْ أَنَابَ﴾ أي: ويهدي إليه من أناب إلى الله، ورجع إليه [¬٤]، واستعان به وتضرع لديه.\n﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ﴾ أي: تطيب وتركن إلى جانب الله، وتسكن عند ذكره، وترضى به مولى ونصيرًا، ولهذا قال: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ أي: هو حقيق بذلك.\nوقوله [¬٥]: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ﴾ قال ابن أبي\n_________\n(^٧٧) - صحيح، (تقدم / الإسراء / آية ٥٩).\n_________\n[¬١]- في خ: \"فقالوا\".\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- سقط من: خ.\n[¬٤]- سقط من: خ.\n[¬٥]- سقط من: خ","vol":"8","page":141},{"text":"طلحة، عن ابن عباس: فرحٌ وقُرَّةُ عينٍ (^٧٨). وقال عكرمة: نِعْمَ ما لهم.\nوقال الضحاك: غبطةٌ لهم.\nوقال إبراهيم النخعي: خيرٌ لهم.\nوقال كعادة: هي كلمة عربية يقول الرجل: طولى لك، أي: أصبت خيرًا. وقال في رواية: ﴿طُوبَى لَهُمْ﴾: حُسْنَى لهم.\n﴿وَحُسْنُ مَآبٍ﴾ أي: مرجع.\nوهذه الأقوال شيء واحد لا منافاة بينها.\nوقال سعيد بن جبير (^٧٩)، عن ابن عباس ﴿طُوبَى لَهُمْ﴾ قال: هي أرض [الجنة بالحبشية] [¬١].\nوقال سعيد بن مسجوح [¬٢]: طوبى اسم الجنة بالهندية. وكذا روى السدي عن عكرمة ﴿طُوبَى لَهُمْ﴾ أي: الجنة. وبه قال مجاهد.\nوقال العوفي (^٨٠)، عن ابن عباس: لما خلق الله الجنة وفرغ منها، قال: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ﴾ وذلك حين أعجبته.\nوقال ابن جرير (^٨١): حدثنا ابن حميد، حدثنا يعقوب، عن جعفر، عن شهر بن حوشب قال: (طوبى)، شجرة في الجنة، كل شجر الجنة منها، أغصانها من وراء سور الجنة.\nوهكذا رُوِيَ عن أبي هريرة (^٨٢)، وابن عباس، ومغيث بن سُمَيَّ، وأبي إسحاق السبيعي\n_________\n(^٧٨) - أخرجه ابن جرير (١٦/ ٢٠٣٦٩) وزاد نسبته السيوطي (٤/ ١١٠) إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبي الشيخ.\n(^٧٩) - أخرجه ابن جرير (١٦/ ٢٠٣٧٤، ٢٠٣٧٥).\n(^٨٠) - أخرجه ابن جرير (١٦/ ٢٠٣٨١) والعوفي ضعيف.\n(^٨١) - تفسير ابن جرير (١٦/ ٢٠٣٨١) وشيخ ابن جرير وهو محمَّد بن حميد الرازي، حافظ ضعيف.\n(^٨٢) - يأتي تخريجه برقم (٩١).\n_________\n[¬١]- في خ: \"الحبشة\".\n[¬٢]- وقيل: ابن مشجوج، وقيل: ابن مسجوع، هكذا جاء مختلفًا في المخطوطة عند ابن جرير أفاده الشيخ شاكر في نسخته. (١٦/ ٢٠٣٧٦). وأثبت ابن مشجوج.","vol":"8","page":142},{"text":"وغير واحد من السلف: أن طوبى شجرة في الجنة، في كل دار منها غصن منها.\nوذكر بعضهم أن الرحمن ﵎ غَرَسها بيده من حبَّة لؤلؤة، وأمرها أن تمتد، فامتدت إلى حيث يشاء الله ﵎، وخرجت من أصلها ينابيع أنهار الجنة، من عسل وخمر وماء ولبن. وقد قال عبد الله بن وهب (^٨٣): حدثنا عمرو بن الحارث، أن دَرَّاجًا أبا السَّمْح حدثه، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري ﵁[مرفوعًا: (طوبى): شجرة في الجنة مسيرة مائة سنة، ثياب أهل الجنة تخرج من أكمامها.\nوقال الإِمام أحمد (^٨٤): حدثنا حسن بن موسى، سمعت عبد الله بن لهيعة، حدثنا دَرَّاج أبو السمح، أن أبا الهيثم حدثه، عن أبي سعيد الخدري] [¬١] عن رسول الله ﷺ: أن رجلًا قال: [يا رسول الله] [¬٢]، طوبى لمن رآك وآمن بك. قال: \"طوبى لمن رآني وآمن بي، ثم طوبى، ثم طوبى، ثم طوبى لمن آمن بي ولم يرني [¬٣]. قال له وجل: وما طوبى؟ قال: شجرة في الجنة مسيرة مائة عام، ثياب أهل الجنة تخرج من أكمامها.\nوروى البخاري ومسلم جميعًا (^٨٥)، عن إسحاق بن راهويه، عن مغيرة المخزومي، عن وُهَيب، عن أبي حازمٍ، عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله، ﷺ: \"إن في الجنة شجرةً يسير الراكب في ظلها مائةَ عام لا يقطَعُهَا\" قال: فَحَدّثت به النعمان بن أبي عياش الزّرَقَي، فقال: حدثني أبو سعيد الخُدْري، عن النبي، ﷺ قال: \"إن في الجنة شجرة يسير الراكبُ الجَوَادَ المُضَمَّرَ السريعَ مائةَ عامٍ ما يقطعُها\".\n_________\n(^٨٣) - إسناده ضعيف وهو صحيح، أخرجه ابن جرير (١٦/ ٢٠٣٩) وابن أبي داود في \"البعث\" (٦٨)، وابن حبان في صحيحه (٦/ ٧٤١٣) - وهو في \"الموارد\" (٨/ ٢٦٢٥) - والآجري في \"الشريعة\" (٢/ ٦٦٦) من طرق عن ابن وهب به، وهذا إسناد ضعيف، لضعف دراج لا سيما في روايته عن أبي الهيثم لكن له شواهد يصح بها، انظر \"الصحيحة\" للألباني (٤/ ١٩٨٥)، وانظر ما بعده.\n(^٨٤) - كسابقه \"المسند\" (١١٦٩٠) (٣/ ٧٠ - ٧١) وأبو يعلى (٢/ ١٣٧٤) والخطيب في \"تاريخ بغداد\" (٩١/ ٤) من طريق ابن لهيعة به، ولجزئه الأول شواهد، انظرها في \"الصحيحة\" للألباني (٣/ ١٢٤١)، وانظر ما قبله.\n(^٨٥) - أخرجه البخاري، كتاب: الرقاق، باب: صفة الجنة والنار (٦٥٥٢، ٦٥٥٣)، ومسلم، كتاب: الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب: إن في الجنة شجرة … (٢٨٢٧، ٢٨٢٨).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين زيادة من: ت.\n[¬٢]- في خ: \"لرسول الله\".\n[¬٣]- في ت: \"يراني\".","vol":"8","page":143},{"text":"وفي صحيح البخاري (^٨٦)، من حديث يزيد بن زُرَيع، عن سعيد، عن قتادة، عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ في قول الله: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ قال: \"في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها\".\nوقال الإمام أحمد (^٨٧): حدثنا سريج، حدثنا فليح، عن هلال بن علي، عن عبد الرحمن بن أبي عمرة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة سنة [¬١]، اقرءوا إن شئتم: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾. اخرجاه في الصحيحين.\nوقال أحمد أيضًا (^٨٨): حدثنا محمَّد بن جعفر وحجاج قالا: حدثنا شعبة، سمعت أبا الضحاك يحدث عن أبي هريرة، عن النبي، ﷺ أنه قال: \"إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها سبعين -أو: مائة سنة- هي شجرة الخلد\".\nوقال محمَّد بن إسحاق، عن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله هـ عنها قالت: سمعت رسول الله، ﷺ، وذكر سِدْرةَ المنتهى، قال: \"يسيرُ في ظل الفَنَن [¬٢] منها الراكبُ مائة سنة -أو: قال- يستظِل\n_________\n(^٨٦) - أخرجه البخاري، كتاب: بدء الخلق، باب: ما جاء في صفة الجنة وأنها مخلوقة (٣٢٥١)، دون ذكر الآية، وكذلك أخرجه أحمد (٣/ ١١٠، ١٨٥، ٢٠٧، ٢٣٤) من طرق عن قتادة به، دون ذكر الآية أيضًا، وأخرجه عبد بن حميد في \"المنتخب\" (١١٨٣) وعنه الترمذي: كتاب: تفسير القرآن، باب: \"ومن سورة الواقعة\" (٣٢٨٩) وأحمد (٣/ ١٦٤) عن عبد الرزاق عن معمر عن قتادة بنحو لفظ \"المصنف\" وقال الترمذي: \"حديث حسن صحيح\".\n(^٨٧) - صحيح \"المسند\" (٢/ ٤٨٢) وأخرجه البخاري، كتاب: بدء الخلق، باب: ما جاء في صفة الجنة وأنها مخلوقة (٣٢٥٢) وأخرجه أحمد (٢/ ٢٥٧، ٤١٨) والبخاري، كتاب: التفسير، باب: \"وظل ممدود\" (٤٨٨١)، ومسلم، كتاب: الجنة وصفة نعيمها … باب: إن في الجنة شجرة …) (٧) (٢٨٢٦) وأخرجه أحمد (٢/ ٤٥٢)، ومسلم (٦/ ٢٨٢٦) والترمذي، كتاب: صفة الجنة، باب: ما جاء في صفة شجر الجنة (٢٥٢٥) والنسائي في \"التفسير\" من \"الكبرى\" (٦/ ١١٥٦٤) من طريق أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة به نحوه وانظر ما بعده.\n(^٨٨) - \" المسند\" (٢/ ٤٥٥، ٤٦٢) وأخرجه الطيالسي (٢٥٤٧) وعبد بن حميد في \"المنتخب\" (١٤٥٧) والدارمي (٢٨٤٢) وابن ماجة في \"التفسير\" -كما في تهذيب الكمال\" (٣٣/ ٤٣٣) وابن جرير (٢٧/ ١٨٣) وأبو نعيم في \"صفة الجنة\" (٣ / رقم ٤٠٣) من طرق عن شعبة به في بعض الروايات \"مائة عام\" بغير شك، وشيخ شعبة، قال فيه أبو حاتم \"لا أعلم روى عنه غير شعبة\" \"الجرح والتعديل\" (٩/ ٣٩٥) وقال الذهبي في \"الميزان\" (٦ / ت ١٠٣٢٥): \"حدث عنه شعبة، لا يعرف، لكن شيوخ شعبة جياد\"، وانظر ما قبله.\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- في خ: \"الغصن\".","vol":"8","page":144},{"text":"في الفتن منها مائة راكب، فيها فرايق الذهب، كأن ثمرها القِلالُ\" (^٨٩) رواه الترمذي.\nوقال إسماعيل بن عياش (^٩٠)، عن سعيد بن يوسف، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلام الأسود قال: سمعت أبا أمامة الباهلي قال: قال رسول الله، صلى الله عليه بسلم: \"ما منكم من [¬١] أحد يدخل الجنة إلا انطلق به إلى طوبى، ففتح له أكمامها، يأخذ [¬٢] من أي ذلك يشاء، إن يشاء أبيض، وإن يشاء أصفر، وإن يشاء أصفر، وإن يشاء أسود، مثل شقائق النعمان وأرق وأحسن\".\nوقال الإمام أبو جعفر بن جرير (^٩١): حدثنا محمَّد بن عبد الأعلى، حدثنا محمَّد بن ثور، عن معمر، عن أشعث بن عبد الله، عن شهر بن حوشب، عن أبي هريرة ﵁ قال: طوبى شجرة في الجنة، يقول الله لها: \"تفتَّقي لعبدي عمّا شاء؛ فتفتق له عن الخيل بسروجها ولجمها، وعن الإبل بأزمتها، وعما شاء من الكسوة\".\nوقد روى ابن جرير (^٩٢) عن وهب بن منبه ها هنا أثرًا غريبا عجيبًا، قال وهب ﵀: إن في الجنة شجرة يقال لها: \"طوبى\"، يسير الراكب في ظلها بمائة عام لا يقطعها، زهرها رياط، وورقها بُرود، وقضبانها عنبر، وبطحاؤها ياقوت، وترابها كافور، ووحَلَها مسك،\n_________\n(^٨٩) - حسن \"الجامع\" للترمذي كتاب: صفة الجنة، باب: ما جاء في صفة ثمار أهل الجنة (٢٥٤٤) ثنا أبو كريب ثنا يونس بين بكير عن محمَّد بن إسحاق به وأخرجه أبو يعلى -كما في \"النهاية\" للمصنف (٢/ ٤٢٠ - ٤٢١) - والطبراني في \"الكبير\" (٢٤/ ٢٣٤)، وابن جرير (٢٧/ ٥٤) النجم آية ١٤ وأبو نعيم في \"صفة الجنة\" (٣/ ٤٣٥) من طريق يونس بن بكير عن محمَّد بين إسحاق به وقال الترمذي: \"حديث حسن صحيح\" وصححه الحاكم على شرط مسلم (٢/ ٤٦٩) ووافقه الذهبي، قلت: ومسلم لم يخرج ليحيى بن عباد شيئًا، وأخرج لمحمد بن إسحاق متابعة ثم إنه مدلس وقد عنعن، إلا أنه صرح بالتحديث عند هناد في \"الزهد\" (١ / رقم ١١٥) أضف إلى ذلك أن الزبير بن بكار أفاد في \"جمهرة أنساب قريش\" (صـ ٧٦) أنه كان مكثر الحديث عن شيخه يحيى بين عباد.\n(^٩٠) - إسناده ضعف، أخرجه ابن أبي الدنيا -كما في \"حادي الأرواح\" لابن القيم (ص ٢٩١ - ٢٩٢) - ثنا محمَّد بن إدريس الحنظلي، ثنا أبو عتبة ثنا إسماعيل بن عياش به، وذكره المصنف في \"النهاية\" (٢/ ٤٤٧) وقال: \"غريب حسن\" وسعيد بن يوسف - وهو الرَّحبي، - قال أحمد ليس بشيء وصعفه ابن معين والنسائي. ويحيى بين أبي كثير مشهور بالتدليس، والحديث عزاه السيوطي (٤/ ١١٢) إلى ابن أبي شيبة في \"صفة الجنة\" وابن أبي حاتم.\n(^٩١) - تفسير ابن جرير (١٦/ ٢٠٣٨٤) وأخرجه أيضًا (٢٠٣٨٦) من طريق آخر وعبد الرزاق في تفسيره (٢/ ٣٣٦) عن معمر به، وشهر بن حوشب ضعفه جماعة، ووثقه آخرون، والأثر زاد نسبته السيوطي (٤/ ١١١) إلى ابن أبي الدنيا في \"صفة الجنة\" وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٩٢) - تفسير ابن جرير (١٦/ ٢٠٣٩٠).\n_________\n[¬١]- سقط من خ.\n[¬٢]- في خ: \"فيأخذ\".","vol":"8","page":145},{"text":"يخرج من أصلها أنهار الخمر واللبن والعسل، وهي مجلس لأهل الجنة؛ فبينا هم في مجلسهم إذ أتتهم ملائكة من ربهم يقودون نُجُبًا مزمومة بسلاسل من ذهب، وجوهها كالمصابيح حسنًا [¬١]، ووبرها كخز المزعِزي من لينه، عليها رحال ألواحها من ياقوت، ودفوفها من ذهب، وثيابها من سندس وإستبرق، [فينيخونها ويقولون] [¬٢]: \"إن ربنا أرسلنا إليكم لتزوروه وتسلموا عليه\". قال: فيركبونها، فهي أسرع من الطائر، وأوطأ من الفرايق، نجبًا من غير مَهَنة، يسير الرجل إلى جنب أخيه وهو يكلمه ويناجيه، لا تصيب أذُنُ راحلة منها أذنَ الأخرى، ولا [بَرْك راحلة] [¬٣] بركَ الأخرى] [¬٤]، حتى إن الشجرة لتتنحَّى عن طريقهم [¬٥]؛ لئلا تفرق بين الرجل وأخيه، قال: فيأتون إلى الرحمن الرحيم فيسفر لهم عن وجهه الكريم حتى ينظروا إليه، فإذا رأوه قالوا: \"اللهم، أنت السلام ومنك [¬٦] السلام، وحق لك الجلال والإكرام\". قال: فيقول تبارك تعالى: [عند ذلك] [¬٧]: \"أنا السلام ومني السلام، وعليكم حقت رحمتي ومحبتي، مرحبًا بعبادي الذين خشوني بغيب وأطاعوا أمري\". قال: فيقولون: \"ربنا إنا [¬٨] لم نعبدك حق عبادتك، ولم نقدرك حق قَدرك، فأذن لنا في السجود قُدامك\". قال: فيقول الله: \"إنها ليست بدار نصب ولا عبادة، ولكنها دار مُلْك ونعيم، وإني قد رفعت عنكم نَصَب العبادة، فسلوني ما شئتم، فإن لكل رجل منكم أمنيته\". فيسألونه، حتى إن أقصرهم أمنية ليقول: \"رب، تنافس أهل الدنيا في دنياهم فتضايقوا فيها، رب فآتني مثل كل شيء كانوا فيه من يوم خلقتها إلى أن انتهت الدنيا\" فيقول الله تعالى: \"لقد قصرت بك أمنيتك، ولقد سألت دون منزلتك، هذا لك مني، [وسأتحفك بمنزلتي] [¬٩]، لأنه ليس في عطائي نكد ولا تَصْريدٌ\". قال: ثم يقول: \"اعرضوا على عبادي ما لم يبلغ أمانيهم، ولم يخطر لهم على بال\". قال: فيعرضون عليهم حتى [تَقْصر بهم [¬١٠]] [¬١١] أمانيهم التي في أنفسهم، فيكون فيما يعرضون عليهم براذين [¬١٢] مُقرَّنة، على كل أربعة منها سرير من ياقوتة واحدة، على كل سرير منها قبة من ذهب مُفرغة، في كل قبة منها فُرش من فُرش الجنة مُتظاهرة، في كل\n_________\n[¬١]- في ابن جرير: من حسنها.\n[¬٢]- في خ: \"فيفتحونها يقولون\".\n[¬٣]- في خ: \"يزل راحلة\".\n[¬٤]- كذا في ابن جرير، ورجح العلامة / محمود شاكر أنه مصحف من [ولا ورك راحلة ورك صاحبتها].\n[¬٥]- في ابن جرير: طرقهم.\n[¬٦]- في خ: \"وإليك\".\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٨]- زيادة من ابن جرير.\n[¬٩]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬١٠]- سقط من: خ.\n[¬١١]- في ابن جرير: يقضوهم.\n[¬١٢]- في خ: \"برادين\".","vol":"8","page":146},{"text":"قبة منها جاريتان من الحور العين، على كل جارية منهن ثوبان من ثياب الجنة، وليس في الجنة لون إلا وهو فيهما، ولا ريح طيبة [¬١] إلا قد [عبقتا به، ينفذ ضوء] [¬٢] وجوههما غلظ القبة، حتى يظن من يراهما أنهما دون القبة، يرى مخهما من فوق سوقهما، كالسلك الأبيض في [¬٣] ياقوتة حمراء، يريان له من الفضل على صاحبته كفضل الشمس على الحجارة أو أفضل، ويرى هو لهما مثل ذلك، ويدخل إليهما فيحييانه ويقبلانه [ويتعلقان به] [¬٤]، ويقولان له: \"والله ما ظننا أن الله يخلق مثلك\". ثم يأمر الله تعالى الملائكة فيسيرون بهم صفًّا في الجنة، حتى ينتهى بكل رجل منهم إلى منزلته التي أعدت له.\nوقد روى هذا الأثر ابن أبي حاتم بسنده (^٩٣)، عن وهب بن منبه، وزاد: فانظروا إلى موهوب ربكم الذي وهب لكم، فإذا هو بقباب في الرفيق الأعلى، وغُرف مبنية من الدر والمرجان، وأبوابها من ذهب، وسررها من ياقوت، وفرشها من سندس وإستبرق، ومنابرها من نور، يَفُور من أبوابها وعراصها [¬٥] نور مثل شعاع الشمس، عنده مثل الكوكب الدري في النهار المضيء، وإذا بقصور شامخة في أعلى عليين من الياقوت يزهو نورها، فلولا أنه مسخر إذا لالتمع الأبصارَ، فما كان من تلك القصور من الياقوت الأبيض [¬٦]، فهو مفروش [بالحرير الأبيض، وما كان فيها من الياقوت الأحمر فهو مفروش بالعبقري الأحمر، وما كان فيها من الياقوت الأخضر، فهو مفروش] [¬٧] بالسندس الأخضر، وما كان فيها [¬٨] من الياقوت الأصفر، فهو مفروش بالأرجوان الأصفر [¬٩] منزه [¬١٠] بالزمرد الأخضر، والذهب الأحمر، والفضة البيضاء، قوائمها [¬١١] وأركانها من الجوهر، وشُرُفها قباب من لؤلؤ، وبروجها غُرَف من المرجان، فلما انصرفوا إلى ما أعطاهم ربهم قُرّبت لهم براذين منِ ياقوت أبيض، منفوخ فيها الروح، تجنبها الولدان المخلدون، بيد كل وليد منهم حَكَمة برْذون من تلك البراذين، ولجمها وأعنتها من فضة بيضاء، منظومة بالدر والياقوت، سُروجها سرُرُ موضونة، مفروشة بالسندس والإستبرق، فانطلقت بهم تلك البراذين تَزفُّ بهم ببطن [¬١٢]\n_________\n(^٩٣) - وأورده السيوطي في \"الدر المنثور\" (٤/ ١١٣ - ١١٤).\n_________\n[¬١]- في خ: \"طلبت\".\n[¬٢]- في خ: \"عبقت بتعرض\".\n[¬٣]- في ابن جرير: من.\n[¬٤]- في ابن جرير: يعانقانه.\n[¬٥]- في الدر المنثور (٤/ ١١٤): \"وأعراصها\".\n[¬٦]- في خ: \"الأحمر\".\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٨]- في خ: \"منها\".\n[¬٩]- في ابن أبي حاتم: مبوبة.\n[¬١٠]- في خ: \"الأحمر\".\n[¬١١]- في ابن أبي حاتم: \"قواعدها\".\n[¬١٢]- في الدر: \"وتطأ\".","vol":"8","page":147},{"text":"رياض الجنة. فلما انتهوا إلى منازلهم، وجدوا الملائكة قُعُودًا على منابر من نور، ينتظرونهم ليزوروهم ويصافحوهم ويهنئوهم كرامَةَ ربهم. فلما دخلوا قصورهم وجدوا فيها جميع ما تَطَاولَ به عليهم وما سألوا وتمنوا، وإذا على باب كل قصر من تلك القصور أربعة جنان، جنتان [¬١] ذواتا أفنان، وجنتان مُدْهامتان، وفيهما عينان نضاختان، وفيهما من كل فاكهة زوجان، وحور مقصورات في الخيام، فلما تَبَيَّنوا [¬٢]، منازلهم واستقروا قرارهم قال لهم ربهم: هل وجدتم ما وعدتكم حقًّا؟ قالوا: نَعَم، ورَبنا. قال: هل رضيتم ثواب ربكم؟ قالوا: ربنا، رضينا فارض عنا. قال: برضاي [¬٣] عنكم حللتم داري، ونظرتم إلى وجهي، وصافحتكم [¬٤] ملائكتي، فهنيئًا هنيئًا لكم، ﴿عَطَاءً غَيرَ مَجْذُوذٍ﴾، ليس فيه تنغيص ولا تصريد. فعند ذلك قالوا: الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن، وأدخلنا دار المقامة من فضله، لا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيها لغوب، إن ربنا لغفور شكور.\nوهذا سياق غريب، وأثر عجيب ولبعضه شواهد، ففي الصحيحين (^٩٤): أن الله تعالى يقول لذلك الرجل الذي يكون آخر أهل الجنة دخولا الجنة: \"تمن\"، فيتمنى، حتى إذا انتهت به الأماني يقول الله تعالى: \"تمن من كذا، وتَمَنّ من كذا\" يذكره ثم يقول: \"ذلك لك، وعشرة أمثاله\".\nوفي صحيح مسلم (^٩٥)، عن أبي ذر عن رسول الله ﷺ، عن الله ﷿: \"يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم، قاموا في صعيد واحد، فسألوني، فأعطيت كل إنسان مسألته، ما نقص ذلك من ملكي شيئًا، إلا كما ينقص المخيَطُ إذا أدخل في البحر\" … الحديث بطوله.\nوقال خالد بن معدان: إن في الجنة شجرة يقال لها: طوبى، لها [¬٥] شروع كلها تُرضع صِبيانَ أهل الجنة، وإن سَقَط المرأة يكون في نهر من أنهار الجنة، يتقلب فيه حتى تقوم القيامة، فيبعث ابن أربعين سنة. رواه ابن أبي حاتم (^٩٦).\n_________\n(^٩٤) - أخرجه البخاري، كتاب: الأذان، باب: فضل السجود (٨٠٦)، ومسلم: كتاب: الإيمان، باب: معرفة طريق الرؤية (٢٩٩) (١٨٢)، وأحمد (٢/ ٢٧٥، ٢٩٣، ٥٣٤) ضمن حديث الرؤية الطويل من مسند أبي هريرة وأبي سعيد، وأخرجه مختصرًا النسائي (٢/ ٢٢٩) وفي الكبرى (٦/ ١١٤٨٨، ١١٦٣٧) وابن ماجة (٤٣٢٦).\n(^٩٥) - تقدم تخريجه (يونس / آية ٤٤).\n(^٩٦) - وزا نسبته السيوطي في \"الدر المنثور\" (٤/ ١١٢) إلى ابن أبي الدنيا في \"العزاء\".\n_________\n[¬١]- سقط من: خ\n[¬٢]- في الدر: \"تبوأوا\".\n[¬٣]- في خ: \"رضاى\".\n[¬٤]- في الدر: \"وصافحتم\".\n[¬٥]- سقط من: خ.","vol":"8","page":148},{"text":"كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ لِتَتْلُوَ عَلَيهِمُ الَّذِي أَوْحَينَا إِلَيكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إلا هُوَ عَلَيهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيهِ مَتَابِ (٣٠)﴾\nيقول تعالى: وكما أرسلناك يا محمد في هذه الأمة ﴿لِتَتْلُوَ عَلَيهِمُ الَّذِي أَوْحَينَا إِلَيكَ﴾، أي: تبلغهم رسالة الله إليهم، كذلك أرسلنا في الأمم الماضية الكافرة بالله، وقد كُذّب الرسل من قَبلك، فلك فيهم أسوة، وكما أوقعنا بأسنا ونقمتنا بأولئك، فليحذر هؤلاء من حلول النقم بهم، فإن تكذيبهم لك أشدّ من تكذيب غيرك من المرسلين، قال الله تعالى: ﴿تَاللَّهِ [¬١] لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيطَانُ أَعْمَالهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾، أي: كيف نصرناهم، وجعلنا العاقبة لهم ولأتباعهم في الدنيا والآخرة.\nوقوله: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾، أي: هذه الأمة [¬٢] التي بعثناك فيهم يكفرون بالرحمن، لا يقرون به، لأنهم كانوا يأنفون [¬٣] من وصف الله بالرحمن الرحيم، ولهذا أنفوا يوم الحديبية أن يكتبوا \"بسم الله الرحمن الرحيم\" وقالوا: ما ندرى ما الرحمن الرحيم؟ قاله [¬٤] قتادة، والحديث في صحيح البخاري (^٩٧)، وقد قال الله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَو ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾، وفي صحيح مسلم (^٩٨) عن عبد الله بنِ عمر قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن أحب الأسماء إلى الله عبد الله وعبد الرحمن\".\n_________\n(^٩٧) - صحيح البخاري كتاب: الشروط، كتاب: الشروط في الجهاد … (٢٧٣١، ٢٧٣٢) - وانظر أطرافه عند رقم (١٦٩٤) - وأخرجه أحمد (١٨٩٦٣، ١٨٩٨١) (٤/ ٣٢٣، ٣٢٨) وأبو داود (٢٧٦٥، ٤٦٥٥)، والنسائي (٥/ ١٦٩، ١٧٠) من حديث المسور بن مخرمة.\n(^٩٨) - صحيح مسلم كتاب: الآداب، باب: النهي عن التكني بأبي القاسم وبيان ما يستحب من الأسماء (٢) (٢١٣٢) وأخرجه أيضًا أحمد (٢/ ٢٤) وأبو داود، كتاب: الأدب، باب: في تغير الأسماء (٤٩٤٩)، والترمذي كتاب: الأدب، باب: ما جاء ما يستحب من الأسماء (٢٨٣٥، ٢٨٣٦) وابن ماجه كتاب: الأدب، باب: ما يستحب من الأسماء (٣٧٢٨).\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- في خ: \"يأبون\".\n[¬٤]- في خ: \"قال\".","vol":"8","page":149},{"text":"﴿قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إلا هُوَ﴾ أي: هذا الذي تكفرون به أنا مؤمن به معترف مقر له بالربوية والإلهية هو ربي لاإله إلا هو] [¬١]، ﴿عَلَيهِ تَوَكَّلْتُ﴾، أي [¬٢]: في جميع أموري، ﴿وَإِلَيهِ مَتَابِ﴾، أي: إليه أرجع وأنيب، فإنه لا يستحق ذلك أحد سواه.\n﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا أَفَلَمْ يَيأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (٣١)﴾\nيقول تعالى مادحًا للقرآن الذي أنزله على محمد ﷺ، ومفضلا له على سائر الكتب المنزلة قبله: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ﴾ أي: لو كان في الكتب الماضية كتاب تسير به الجبال] [¬٣] عن أماكنها، أو تقطع به الأرض وتنشق، أو تكلم به الموتى في قبورها، لكان هذا القرآن هو المتصف بذلك دون غيره، أو [¬٤] بطريق الأولى أن يكون كذلك، لما فيه من الإعجاز الذي لا يستطيع الإنس [¬٥] والجن عن آخرهم إذا اجتمعوا أن يأتوا بمثله، ولا بسورة من مثله، ومع هذا فهؤلاء المشركون كافرون به جاحدون له، ﴿[بَلْ لِلَّهِ] [¬٦] الْأَمْرُ جَمِيعًا﴾، أي: مرجع الأمور كلها إلى الله ﷿، ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، ومن يضلل الله [¬٧] فلا هادي له، ومن يهد الله [فلا مضل له] [¬٨].\nوقد يطلق اسم القرآن على كل من الكتب المتقدمة، لأنه مشتق من الجميع [¬٩]، قال الإمام أحمد (^٩٩):\nحدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن همام بن منبه قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة قال:\n_________\n(^٩٩) - صحيح \"المسند\" (٢/ ٣١٤)، وأخرجه البخاري، كتاب: الأنبياء، باب: قوله تعالى ﴿وَآتَينَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ (٣٤١٧) حدثنا عبد الله بن محمد ثنا عبد الرزاق به، ويذكره المصنف (سورة الإسراء / آية ٥٥) من طريق آخر للبخاري.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٤]- في ت: \"أبو\".\n[¬٥]- في خ: \"الإنسان\".\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين في خ: \"فلله\".\n[¬٧]- سقط من: ت.\n[¬٨]- في خ: \"فماله من مضل\".\n[¬٩]- في خ: \"الجمع\".","vol":"8","page":150},{"text":"قال رسول الله، ﷺ: \"خفّفَت [¬١] على داود ﵇ القراءة، فكان [¬٢] يأمر بدابته [أن تُسرج] [¬٣]، فكان يقرأ القرآن من [¬٤] قبل أن تُسرج دابته، وكان لا يأكل إلا من عمل يديه\". انفرد بإخراجه البخاري.\nوالمراد بالقرآن هنا الزبور.\nوقوله: ﴿أَفَلَمْ يَيأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾، أي: من إيمان جميع الخلق ويعلموا أو يتبينوا ﴿أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا﴾، فإنه ليس ثَمّ حجة ولا معجزة أبلغ ولا أنجع في النفوس والعقول من هذا القرآن، الذي لو أنزله الله على جبل لرأيته خاشعًا متصدعًا من خشية الله، وثبت في الصحيح (^١٠٠) أن رسول الله ﷺ قال: \"ما من نبي إلا وقد أوتي ما آمن على مثله البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيًّا أوحاه الله إليَّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة\"، معناه أن معجزة كل نبي انقرضت بموته، وهذا القرآن حجة باقية على الآباد، لا تنقضى عجائبه، ولا يَخْلَقُ عن كثرة الردّ، ولا يشبع منه العلماء، هو الفصل ليس بالهزل. من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله.\nوقال ابن أبي حاتم (^١٠١): حدثنا أبو زرعة، حدثنا منجاب بن الحارث، أنبأنا بشر بن عمارة، حدثنا عمر بن حسان، عن عطية العوفي قال: قلت له: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ﴾ … الآية قالوا لمحمد ﷺ: لو سيرت لنا جبال مكة حتى تتسع فنحرث فيها، أو قطعت لنا الأرض كما كان سليمان يقطع لقومه بالريح، أو أحييت لنا الموتى كما كان عيسى يحيى الموتى لقومه؟ فأنزل الله هذه الآية. قال: قلت: هل تروون هذا الحديث عن أحد من أصحاب النبي ﷺ؟ قال: نعم، عن أبي سعيد، عن النبي ﷺ.\nوكذا روى عن [¬٥] ابن عباس (^١٠٢)، والشعبي، وقتادة، والثوري، وغير واحد في سبب\n_________\n(^١٠٠) - صحيح، تقدم تخريجه (سورة يونس / آية ٣٨).\n(^١٠١) - عطية العوفي، وبشر بن عمارة ضعيفان، والحديث زاد نسبته السيوطي (٤/ ١١٧) إلى أبي الشيخ وابن مردويه.\n(^١٠٢) - أخرجه ابن جرير (١٦/ ٢٠٣٩٩) من طريق عطية العوفي أيضًا عنه بنحو السابق، وعزاه السيوطي إلى ابن مردويه.\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- في المسند: \"وكان\".\n[¬٣]- في المسند: \"فتسرج\".\n[¬٤]- ساقطة من المسند.\n[¬٥]- سقط من: ت.","vol":"8","page":151},{"text":"نزول هذه الآية، فالله أعلم.\nوقال قتادة: لو فعل هذا بقرآن غير قرآنكم، فُعل بقرآنكم.\nوقوله: ﴿بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا﴾، قال ابن عباس (^١٠٣): لا يصنع من ذلك إلا ما يشاء، ولم يكن ليفعل. رواه ابن إسحاق بسنده عنه، وقاله ابن جرير أيضًا.\nوقال غير واحد من السلف في قوله: ﴿أَفَلَمْ يَيأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾، أفلم يعلم الذين آمنوا. وقرأ آخرون، (أفلم يتبين الذين آمنوا أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعًا).\n[وقال أبو العالية: قد يئس الذين آمنوا أن يهدوا، ولو يشاء الله لهدى الناس جميعًا] [¬١].\nوقوله: ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ﴾، أي: بسبب تكذيبهم لا تزال القوارع تصيبهم في الدنيا، أو تصيب من حولهم ليتعظوا ويعتبروا، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى وَصَرَّفْنَا الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾، وقال: ﴿أَفَلَا [¬٢] يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾.\nقال قتادة، عن الحسن: ﴿أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ﴾، أي القارعة. وهذا هو الظاهر من السياق.\nوقال أبو داود الطيالسي (^١٠٤): حدثنا المسعودي، عن قتادة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ﴾، قال: سرية، ﴿أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ﴾، قال: محمد ﷺ، ﴿حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ﴾، قال: فتح مكة.\nوهكذا قال عكرمة، وسعيد بن جبير، ومجاهد، في رواية.\n_________\n(^١٠٣) - لم أهتد إليه.\n(^١٠٤) - حسن، أخرجه من طريقه ابن جرير (١٦/ ٢٠٤١٨) وأخرجه البيهقي في \"الدلائل\" (٤/ ١٦٨) من طريق عاصم بن علي عن المسعودي به، والمسعودي -واسمه عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة بن عبد الله بن مسعود- صدوق لكنه اختلط، وقد سمع منه الطيالسي وعاصم بن علي بعد الاختلاط، لكن رواه ابن جرير (١٦/ ٢٠٤١٩، ٢٠٤٢٠) من طريق وكيع وأبو قطن عمرو بن الهيثم عنه به وكلاهما سمع منه قبل الاختلاط (انظر \"الكواكب النيرات\" (ص ٢٨٢»، وزاد نسبته السيوطي في الدر المنثور (٤/ ١١٩) إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبي الشيخ وابن مردويه.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٢]- في خ: \"أفلم\".","vol":"8","page":152},{"text":"وقال العوفي (^١٠٥)، عن ابن عباس: ﴿تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ﴾، قال: عذاب من السماء ينزل عليهم- ﴿أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ﴾، يعني نزول رسول الله ﷺ بهم وقتاله إياهم.\nوكذا قال مجاهد، وقتادة، وقال عكرمة في رواية عنه، عن ابن عباس: ﴿قَارِعَةٌ﴾، أي: نكبة.\nكلهم قال: ﴿حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ﴾، يعني فتح مكة. وقال الحسن البصري: يوم القيامة.\nوقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ أي: لا ينقض [¬١] وعده لرسله بالنصرة لهم ولأتباعهم في الدنيا والآخرة، ﴿فَلَا [¬٢] تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾.\n﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَمْلَيتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيفَ كَانَ عِقَابِ﴾.\nيقول تعالى مسليًا لرسوله ﷺ في تكذيب من كذبه من قومه: ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾، أي: فلك فيهم أسوة، ﴿فَأَمْلَيتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾، أي: أنظرتهم وأجلتهم، ﴿ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ﴾ أخذةً رابية، فكيف بلغك ما صنعت بهم وعاقبتهم؟، كما قال تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ [¬٣] مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾، وفي الصحيحين (^١٠٦): \" إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته\"، ثم قرأ رسول الله، ﷺ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾.\n﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ\n_________\n(^١٠٥) - أخرجه ابن جرير (١٦/ ٢٠٤٢٣٢)، والعوفي ضعيف، وزاد نسبته السيوطي (٤/ ١٩) إلى ابن مردويه.\n(^١٠٦) - صحيح، تقدم تخريجه (سورة هود / آية ١٩).\n_________\n[¬١]- في خ: \"ينقص\".\n[¬٢]- في خ: \"ولا\".\n[¬٣]- في ت: \"كأين\".","vol":"8","page":153},{"text":"تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٣٣)\nيقول تعالى: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ [بِمَا كَسَبَتْ] [¬١]﴾، أي: حفيظ عليم رقيب على كل نفس منفوسة، يعلم ما يعمل العاملون من خير وشر، ولا يخفى عليه خافية، ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إلا كُنَّا عَلَيكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾، وقال تعالى: ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إلا يَعْلَمُهَا﴾، وقال: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إلا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾، وقال: ﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾، وقال: ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾، وقال: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَينَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ … أفمن هو هكذا كالأصنام التي يعبدونها، لا تسمع ولا تبصر ولا تعقل، ولا تملك [¬٢] نفعًا لأنفسها ولا لعابديها، ولا كشف ضر عنها ولا عن عابديها؟ وحذف هذا الجواب اكتفاء بدلالة السياق عليه، وهو قوله: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ﴾، أي: عبدوها معه، من أصنام وأنداد وأوثان.\n﴿قُلْ سَمُّوهُمْ﴾، أي: أعلمونا بهم، واكشفوا عنهم حتى يُعرَفوا، فإنهم لا حقيقة لهم، ولهذا قال: ﴿أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ﴾، أي: لا وجود له؛ لأنه لو كان له وجود في الأرض لعلمه، لأنه لا تخفى عليه خافية.\n﴿أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ﴾ - قال مجاهد: بظن من القول.\nوقال الضحاك وقتادة: بباطل من القول.\nأي: إنما عبدتم هذه الأصنام بظن منكم أنها تنفع وتضر، وسميتموها آلهة، ﴿إِنْ هِيَ إلا أَسْمَاءٌ سَمَّيتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إلا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾.\n﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ﴾، قال مجاهد: قولهم. أي: ما هم عليه من الضلال والدعوة إليه آناء الليل وأطراف النهار كما قال تعالى: ﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَينَ أَيدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ﴾.\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- سقط من: خ.","vol":"8","page":154},{"text":"﴿وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ﴾، من قرأها بفتح الصاد، معناه أنهم لما زين لهم ما هم [¬١] فيه وأنه حق دَعوا إليه [¬٢] وصَدّوا الناس عن اتباع طريق الرسل، ومن قرأها: ﴿وَصُدُّوا﴾، أي: بما زين لهم من صحة ما هم عليه صُدّوا به عن سبيل الله، ولهذا قال: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾، كما قال: ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيئًا﴾ وقال: ﴿إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾.\n﴿لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ﴾ * مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ (٣٥)\nذكر تعالى عقاب الكفار وثواب الأبرار: فقال بعد إخباره عن حال المشركين وما هم عليه من الكفر والشرك: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾، أي: بأيدي المؤمنين قتلًا وأسرًا، ﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ﴾، أي: المدّخَر مع هذا الخزي في الدنيا ﴿أَشَقُّ﴾، أي: من هذا بكثير كما قال رسول الله ﷺ للمتلاعنين (^١٠٧): \" إن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة\". وهو كما قال -صلوات الله وسلامه عليه- فإن عذاب الدنيا له انقضاء، وذاك دائم أبدًا في نار هي بالنسبة إلى هذه سبعون ضعفًا ووثاق لا يتصور كثافته وشدته، كما قال تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ (٢٥) وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾، وقال تعالى: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا (١١) إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا (١٢) وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا (١٣) لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا (١٤) قُلْ أَذَلِكَ خَيرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءً وَمَصِيرًا﴾.\nولهذا قرن هذا بهذا، فقال: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾، أي: صفتها ونعتها، ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾، أي: سارحة في أرجائها وجوانبها، وحيث شاء أهلها، يفجرونها تفجيرًا، أي: يصرفونها كيف شاءوا وأين شاءوا كما قال تعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾.\n_________\n(^١٠٧) - يأتي تخريجه (سورة النور / آية رقم ١٠).\n_________\n[¬١]- سقط من: ت.\n[¬٢]- في خ: \"الله\".","vol":"8","page":155},{"text":"وقوله: ﴿أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا﴾، أي: فيها المطاعم [¬١] والفواكه والمشارب، لا انقطاع ولا فناء.\nوفي الصحيحين (^١٠٨)، من حديث ابن عباس في صلاة الكسوف، وفيه قالوا [¬٢]: قالوا: يا رسول الله، رأيناك تناولتَ شيئًا في مقامك هذا، ثم رأيناك تَكَعْكعت [¬٣] فقال: \"إني رَأيت الجنة -أو: أريت الجنة - فتناولت منها عنقودًا، ولو أخذته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا\".\nوقال الحافظ أبو يعلى (^١٠٩): حدثنا أبو خيثمة، حدثنا عبد الله بن جعفر، حدثنا عبيد الله، حدثنا أبو عقيل، عن جابر قال: بينما نحن في صلاة الظهر، إذ تقدم رسولُ الله ﷺ فتقدمنا، ثم تناول شيئًا ليأخذه ثم تأخر. فلما قضى الصلاة قال له أُبيُّ بن كعب: يا رسول الله، صنعت اليوم في الصلاة شيئًا ما رأيناك كنت تصنعه. فقال: إني عرضت عليَّ الجنة وما فيها من الزهرة والنضرة، فتناولت منها قطْفًا من عنب لآتيكم به، فحيل بيني وبينه، ولو أتيتكم به لأكل منه من بين السماء والأرض لا يَنْقُصُونه\".\nوروى مسلم (^١١٠) من حديث أبي الزبير، عن جابر، شاهدًا لبعضه.\n_________\n(^١٠٨) - أخرجه البخاري، كتاب: الكسوف، باب: صلاة الكسوف جماعة (١٠٥٢) - وانظر أطرافه عند رقم (٢٩) - ومسلم، كتاب: الكسوف، باب: ما عرض على النبي ﷺ في صلاة الكسوف من أمر الجنة والنار (١٧) (٩٠٧) - من طريق مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن ابن عباس به وهو في \"الموطأ\" كتاب: صلاة الكسوف: باب: العمل في صلاة الكسوف (٢) ومن طريقه أحمد (١/ ٢٩٨، ٣٥٨) وأبو داود (١١٨٩) والنسائي (٣/ ١٤٦) مطولا ومختصرًا، وأخرجه مسلم أيضًا من طريق حفص بن ميسرة عن زيد بن أسلم به.\n(^١٠٩) - لم أقف عليه في المطبوع من مسنده، وسيعيده المصنف -كما هنا- في (سورة الواقعة) وأخرجه عبد بن حميد في \"المنتخب\" (١٠٣٦) وأحمد (١٤٨٤٣) (٣/ ٣٥٢)، (٢١٣٢٩) (٥/ ١٣٧) - ومن طريقه اختاره الضياء في \"المختارة\" (٣/ ١١٩٣) - من طرق ثلاثة عن عبيد الله بن عمرو به، وذكره الهثيمي في \"المجمع\" (٢/ ٩٠ - ٩١) وقال: \"رواه أحمد -ولم يعزه لأبي يعلى- وروى عن أبي بن كعب عن النبي ﷺ قال بمثله، وفي الإسنادين عبد الله بن محمد بن عقيل وفيه ضعف وقد وثق\" قلت: وحديث أُبيٍّ الذي أشار إليه الهيثمي، أخرجه أحمد أيضًا (٢١٣٣٠) (٥/ ١٣٨) - ومن طريقه الضياء (١١٩٤) - والحاكم (٤/ ٦٠٤ - ٦٠٥) عن عبيد الله بن عمرو عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن الصفيل بن أبي بن كعب عن أبيه بنحوه وقال الحاكم: \"صحيح الإسناد\" ووافقه الذهبي، وانظر بعده.\n(^١١٠) - صحيح مسلم كتاب: الكسوف، باب: ما عرض على النبي ﷺ في =\n_________\n[¬١]- في خ: \"الطعام\".\n[¬٢]- زيادة من: ت.\n[¬٣]- في خ: \"تكعلت\".","vol":"8","page":156},{"text":"وعن عتبة بن عبدٍ السلمي: أن أعرابيًّا سأل النبي ﷺ عن الجنة، فقال: فيها عنب؟ \"قال: نعم\"، قال: فما عظَم العنقود؟ قال: \"مسيرة شهر للغراب الأبقع ولا يفتر\". رواه أحمد (^١١١).\nوقال الطبراني (^١١٢): حدثنا معاذ بن المثنى، حدثنا علي بن المديني، حدثنا ريحان بن سعيد، عن عباد بن منصور، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي أسماء، عن ثوبان قال: قال رسول الله، ﷺ: \"إن الرجل إذا نزع ثمرة [¬١]، من الجنة عادت مكانها أخرى\".\nوعن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله، ﷺ: \"يأكل أهل الجنة ويشربون ولا يتمخطون [¬٢] ولا يتغوّطون ولا يبولون، طعامهم جُشاء كريح المسك، ويلهمون التسبيح والتقديس كما يلهمون النفس\"، رواه مسلم (^١١٣).\n_________\n= صلاة الكسوف من أمر الجنة والنار، (٩/ ٩٠٤)، وأخرجه أيضًا أحمد (١٥٠٦١) (٣/ ٣٧٤) وأبو داود (١١٧٩)، والنسائي (٣/ ١٣٦) من طريق أبي الزبير عن جابر ببعضه، وانظر ما قبله.\n(^١١١) - صحيح، \"المسند\" (١٧٦٩٣) (٤/ ١٨٤) مطولًا وأخرجه ابن جرير (١٦/ ٢٠٣٩٣)، والطبراني في \"الكبير\" (١٧ / رقم ٣١٢٣١٣) وفي \"الأوسط\" (١/ ٤٠٢) - ومن طريقه أبو نعيم في \"صفة الجنة\" (٢/ ٣٤٦)، والفسوي في \"المعرفة والتاريخ\" (٢/ ٣٤١ - ٣٤٢)، والبيهقي في \"البعث\" (٢٧٤) وابن عبد البر في \"التمهيد\" (٣/ ٣٢٠ - ٣٢١) مطولًا ومختصرًا، وصححه ابن حبان (١٤/ ٦٤٥٠)، (١٦/ ٧٢٤٧، ٧٤١٤، ٧٤١٦)، وفي إسناده عامر بن زيد البكالي قال الهيثمي في \"المجمع\" (١٠/ ٤١٧): \"ذكره ابن أبي حاتم - (٦ / ت ٧٩٢) - ولم يجرحه ولم يوثقه، وبقية رجاله ثقات\" قلت: وكذا ذكره البخاري في \"التاريخ الكبير\" (٦/ ٤٥٢)، ووثقه ابن حبان \"الثقات\" (٥/ ١٩١) وقال ابن كثير في \"نهاية البداية\" (٢/ ١٥٧): \"قال الحافظ الضياء لا أعلم لهذا الإسناد- إسناد الطبراني- علة\" وأخرج ابن أبي عاصم في \"السنة\" (٢/ ٧١٥، ٧١٦) جزءًا من الحديث الطويل بنفس الإسناد غير أنه وقع عنده عمرو بن زيد البكالي وأفاد الألباني نقلًا عن ابن حجر أن عمرًا هذا صحابي (وذهب الألباني: إلى أن عامرًا محرف أو خطأ من بعض الرواة ثم قال: \"وغاية ما في الأمر أن الرواة اختلفوا في اسمه\".\n(^١١٢) - إسناده ضعيف، \"المعجم الكبير\" (٢/ ١٤٤٩)، وذكره الهيثمي في \"المجمع\" (١٠/ ٤١٧) وقال: \"رواه الطبراني والبزار … ورجال الطبراني وأحد إسنادي البزار ثقات\" ويعيده المصنف (سورة الواقعة / آية ٢١) وذكره في \"صفة الجنة\" كما هنا وقال: \"قال الحافظ الضياء: عباد تكلم فيه بعض العلماء\" قلت: ضعفه ابن المديني وابن معين والنسائي وقال أبو زرعة: لين وقال ابن سعد: ضعيف له أحاديث منكرة، ومع ضعفه فهو مدلس وقد عنعن، والراوي عنه: صدوق ربما أخطأ كما في \"التقريب\" وأروده الألباني في \"ضعيف الجامع الصغير\" (١/ ١٤٤٦).\n(^١١٣) - صحيح، تقدم تخريج (سورة يونس / آية ١٠).\n_________\n[¬١]- ساقطة من المطبوع من المعجم \"الكبير\".\n[¬٢]- في ت: \"يمتخطون\".","vol":"8","page":157},{"text":"وروى الإمام أحمد والنسائي (^١١٤)، من حديث الأعمش، عن ثمامة [¬١] بن عقبة، سمعت زيد بن أرقم قال: جاء رجل من أهل الكتاب فقال: يا أبا القاسم، تزعم أن أهل الجنة يأكلون ويشربون؟ قال: \"نعم، والذي نفس محمد يده، [إن الرجل منهم] [¬٢] ليعطى قوة مائة رجل في الأكل والشرب والجماع والشهوة\". قال: فإن الذي يأكل ويشرب تكون له الحاجة، وليس في الجنة أذى؟ قال: \"حاجة أحدهم رشح يفيض من جلودهم، كريح [¬٣] المسك، فيضمر بطنه\".\nوقال الحسن بن عرفة (^١١٥): حدثنا خلف بن خليفة، عن حميد الأعرج، عن عبد [¬٤] الله ابن الحارث عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال لي [¬٥] رسول الله صلى الله\n_________\n(^١١٤) - إسناده صحيح، أخرجه أحمد (١٩٣٢٤، ١٩٣٦٩) (٤/ ٣٦٧، ٣٧١) والنسائي في \"التفسير\" (٦/ ١١٤٧٨) والمروزي في زيادات \"الزهد\" لابن المبارك (١٤٥٩) وابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٨/ ٧٣ / رقم ٤١) وهناد في \"الزهد\" (١/ ٦٢، ٩٠) وعبد بن حميد في \"المنتخب\" (٢٦٣) والدارمي في \"السنن\" (٢٨٢٨) والبزار (٣/ ٣٥٢٢، ٣٥٢٣ - كشف) وصححه ابن حبان (١٦/ ٧٤٢٤)، والطبراني في \"الكبير (٥/ ١٧٧، ١٧٨) وفي \"الأوسط\" (٢/ ١٧٢٢) (٨/ ٨٨٧٦) وأبو نعيم في \"الحلية\" (٧/ ٣١٦) (٨/ ١١٦) وفي \"صفة الجنة\" (٣/ ٣٢٩) والبيهقي في \"البعث\" (٣١٧) والمزي في \"تهذيب الكمال\" (٤/ ٤٠٨) ترجمة / ثمامة بن عقبة) كلهم من طرق عن الأعمش به وأخرجه الطبراني في \"الكبير\" (٥ / رقم ٥٠١٠) و\"الأوسط\" (٧/ ٧٧٤١) من طريق هارون بن سعد عن ثمامة به نحوه وسمى الرجل الذي سأله \"ثَعْلَبة بن الحارث\"، وذكره الهيثمي في (١٠/ ٤١٩) بالروايتين- وقال: \"رواه كله الطبراني في الأوسط وفي الكبير بنحوه وأحمد … ورواه البزار ورجال أحمد والبزار رجال الصحيح غير ثمامة بن عقبة وهو ثقة\" وذكره المصنف في \"صفة الجنة\" (٨٦) ونقل عن الضياء المقدسي قال: \"هذا عندي على شرط مسلم، لأن ثمامة ثقة، وقد صرح بسماعه من زيد بن أرقم\".\n(^١١٥) - إسناده ضعيف، لضعف حميد الأعرج. الحسن بن عرفة في جزئه (صـ ٥٣) (٢٢) ومن طريقه البزار في مسنده (٥/ ٢٠٣٢) والمروزي في زوائد \"الزهد\" لابن المبارك (١٤٥٢) والبيهقي في \"البعث\" (٣١٨)، وأخرجه ابن أبي الدنيا في \"صفة الجنة\" (٣٢٩) وأبو يعلى -كما في \"المطالب العالية\" (١٠/ ٥٢٠٠) - ومن طريقه ابن عدي في \"الكامل\" (٢/ ٦٨٩) ت: حميد الأعرج) - والعقيلي في \"الضعفاء\" (١/ ٢٦٨)، والهيثم بن كليب في مسنده (٨٥٨) وأبو نعيم في \"صفة الجنة\" (٣/ ٣٤١)، والمروزي والبيهقي، من طرق عن خلف بن خليفة به وذكره الهيثمي في \"المجمع\" (١٠/ ٤١٧) وقال: \"رواه البزار وفيه حميد بن عطاء الأعرج وهو ضعيف\" قلت: ضعفه أحمد ووهاه أبو زرعة وقال الدارقطني والذهبي: \"متروك\" وقال ابن حبان: \"يروى عن ابن الحارث، عن ابن مسعود، نسخة موضوعة\". وعبد الله بن الحارث لم يسمع من ابن مسعود شيئًا، قاله علي بن المديني \"جامع التحصيل\" للعلائي (ص ٢٠٨). =\n_________\n[¬١]- في ز: \"تمام\". والمثبت من مصادر التخريج.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٣]- في خ: \"كرشح\".\n[¬٤]- في خ: \"عبيد\".\n[¬٥]- سقط من: خ.","vol":"8","page":158},{"text":"عليه وسلم: \"إنك لتنظر إلى الطير في الجنة، فيخر بين يديك مشويًّا\".\nوجاء في بعض الأحاديث (^١١٦): أنه إذا فُرغ منه عاد طائرًا [كما كان] [¬١] بإذن الله تعالى.\nوقد قال تعالى: ﴿وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ﴾، وقال: ﴿وَدَانِيَةً عَلَيهِمْ ظِلَالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا﴾.\nوكذلك ظلها لا يزول ولا يقلص، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا﴾.\nوقد تقدم في الصحيحين (^١١٧) من غير وجه أن رسول الله ﷺ قال: \"إن في الجنة شجرة يسير الراكب المجد الجواد المضمر السريع في ظلها مائة عام لا يقطعها\"، ثم قرأ: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾.\nوكثيرًا ما يقرن الله تعالى [¬٢] بين صفة الجنة وصفة النار، ليرغب في الجنة ويحذّر من النار، ولهذا لما ذكر صفة الجنة بما ذكر، قال بعده: ﴿تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ﴾، كما قال تعالى: ﴿لَا يَسْتَوي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾.\nوقال بلال بن سعد خطيب دمشق في بعض خطبه: [عباد الله] [¬٣]، هل جاءكم مخبر يخبركم أن شيئًا من عبادتكم تُقُبلت منكم، أو أن شيئًا في خطاياكم غفرت لكم؟ ﴿أَفَحَسِبْتُمْ [¬٤] أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَينَا لَا تُرْجَعُونَ﴾، والله لو عُجّل لكم الثواب في\n_________\n= والحديث زاد نسبته السيوطي في \"الدر المنثور\" (٦/ ٢٢٥) سورة الواقعة / آية ٢١) إلى ابن مردويه والحديث يذكره المصنف (سورة ق آية ٣٥، سورة الواقعة آية ٢١).\n(^١١٦) - ورد ذلك من حديث أبي سعيد الخدري عند هناد في \"الزهاد\" (١/ ١١٩) وإسناده ضعيف، وعنده أيضًا (١١٨) عن الحسن مرسلًا، وفي الباب عن ابن مسعود عند ابن مردويه -كما في \"الدر المنثور\" (٦/ ٢٢١) - وعن ميمونة عند ابن أبي الدنيا -كما في \"الدر المنثور\" و\"الترغيب والترهيب\" للمنذري (٤/ ٥٢٧) - وعن كعب الأحبار موقوفًا يأتي (سورة الواقعة / آية ٢١) وعن مُغيث بن سمى من قوله عند هناد (١٢٠) وابن المبارك (زيادات نعيم ٢٦٨) وأبو نعيم في \"الحلية\" (٦/ ٦٨).\n(^١١٧) - صحيح تقدم برقم (٨٥) وانظر أيضًا رقم (٨٦، ٨٧).\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- في خ: \"عباد الرحمن\".\n[¬٤]- في خ: \"أم حسبتم\".","vol":"8","page":159},{"text":"الدنيا لاستقللتم كلكم ما افتُرض عليكم، أو ترغبون في طاعة الله لتعجيل دنياكم، ولا تنافسون في جنة ﴿أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ﴾. رواه ابن أبي حاتم (^١١٨).\n﴿وَالَّذِينَ آتَينَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيكَ وَمِنَ الْأَحْزَابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيهِ أَدْعُو وَإِلَيهِ مَآبِ (٣٦) وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا وَاقٍ (٣٧)﴾\nيقول تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آتَينَاهُمُ الْكِتَابَ﴾، وهم قائمون بمقتضاه، ﴿يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيكَ﴾، أي: من القرآن لما في كتبهم من الشواهد على صدقه والبشارة به، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَينَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾. وقال تعالى: ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا﴾، أي: إن كان ما وعدنا الله به في كتبنا من إرسال محمد ﷺ لحقًّا وصدقًا مفعولًا لا محالة، وكائنًا، فسبحانه ما أصدق وعده، فله الحمد وحده، ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾.\nوقوله: ﴿وَمِنَ الْأَحْزَابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ﴾، أي: ومن الطوائف من يكذّب ببعض ما أنزل إليك.\nوقال مجاهد: ﴿وَمِنَ الْأَحْزَابِ﴾: اليهود والنصارى، من ينكر بعض ما جاءك من الحق. وكذا قال قتادة، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم.\nوهذا كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾.\n﴿قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا أُشْرِكَ بِهِ﴾، أي: إنما بعثت بعبادة الله وحده لا\n_________\n(^١١٨) - رواه أيضًا أبو نعيم في \"الحلية (٥/ ٢٣١ - ٢٣٢) وابن عساكر في \"تاريخ دمشق\" (٣/ ٤٨٢ - مخطوط) بإسناد حسن.","vol":"8","page":160},{"text":"شريك له، كما أرسل الأنبياء من قبلي، ﴿إِلَيهِ أَدْعُو﴾، أي: إلي سبيله أدعو الناس، ﴿وَإِلَيهِ مَآبِ﴾، أي: مرجعي ومصيري.\nوقوله: ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا﴾، أي: وكما أرسلنا قبلك المرسلين، وأنزلنا عليهم الكتب من السماء، كذلك أنزلنا عليك القرآن محكمًا معربًا، شرّفناك به وفضلناك على من سواك بهذا الكتاب المبين الواضح الجلي الذي ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَينِ يَدَيهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾.\nوقوله: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ﴾، أي: آراءهم، ﴿بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾، أي: من الله تعالى، ﴿مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا وَاقٍ﴾. وهذا وعيد لأهل العلم أن يتبعوا سبل أهل الضلالة بعد ما صاروا إليه من سلوك السنة النبوية والمحجة المحمدية، على من جاء بها أفضل الصلاة والسلام.\n﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إلا بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ (٣٨) يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ (٣٩)﴾.\nيقول تعالى: وكما أرسلناك يا محمد رسولًا بشريًّا كذلك بعثنا المرسلين قبلك بَشَرًا يأكلون الطعام، ويمشون في الأسواق ويأتون الزوجات، ويولد لهم، وجعلنا لهم أزواجًا وذرية، وقد قال تعالى لأشرف الرسل وخاتمهم: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ﴾.\nوفي الصحيحين (^١١٩): أن رسول الله، ﷺ، قال: \"أما أنا فأصوم وأفطر، وأقوم وأنام، وآكل الدّسم وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني\".\nوقال الإمام أحمد (^١٢٠): حدثنا يزيد، أنبأ الحجاج بن أرطاة، عن مكحول قال: قال أبو أيوب: قال رسول الله ﷺ: \"أربع من سنن المرسلين: التعطر، والنكاح،\n_________\n(^١١٩) - أخرجه البخاري: كتاب: النكاح، باب: الترغيب في النكاح (٥٠٦٣)، ومسلم: كتاب النكاح، باب: استحباب النكاح لمن تاقت نفسه إليه ووجد مؤنة. . . (٥) (١٤٠١) والنسائي، كتاب: النكاح، باب: النهي عن التبتل (٦/ ٦٠)، وأحمد (٣/ ٢٤١، ٢٨٥، ٢٥٩) من حديث أنس بن مالك، وليس فيه \"وآكل الدسم … \".\n(^١٢٠) - إسناده ضعيف \"المسند\" (٢٣٦٨٩) (٥/ ٤٢١) مقرونًا بـ\"يزيد بن هاون\" محمد بن زيد\" عن حجاج به، وأخرجه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (كتاب: الطهارة، باب: ما ذكر في السواك (١/ ١٩٧) وعبد بن حميد في \"المنتخب\" (٣٢٠) ثنا يزيد بن هارون به وأخرجه عبد الرزاق في \"المصنف\" =","vol":"8","page":161},{"text":"والسواك، والحناء [¬١] \".\nوقد رواه أبو عيسى الترمذي (^١٢١)، عن سفيان بن وكيع، عن حفص بن غياث، عن الحجاج، عن مكحول، عن أبي الشمال [¬٢]، عن أبي أيوب … فذكره، ثم قال: وهذا أصح من الحديث الذي لم يذكر فيه أبو الشِّمال [¬٣].\nوقوله: ﴿وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إلا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾، أي: لم يكن يأتي قومَه بخارق إلا إذا أن له فيه، ليس ذاك إليه، بل إلى الله ﷿ يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد.\n﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾، أي: لكل مُدة مضروبة كتاب مكتوب بها، وكل شيء عنده بمقدار، ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾.\nوكان الضحاك بن مزاحم يقول في قوله: ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾، أي: لكل كتاب أجل يعني لكل كتاب أنزله من السماء مدة مضرربة عند الله ومقدار معين، فلهذا يمحو ما يشاء منها ويثبت، يعني حتى نسخت كلها بالقرآن الذي أنزله الله على رسوله، صلوات الله وسلامه عليه.\n_________\n= (٦/ ١٠٣٩٠) عن يحيى بن العلاء عن الحجاج به بلفظ \"الختان والسواك والتعطر والنكاح من سنتي\" وفيه عنعنة الحجاج بن أرطأة، والانقطاع بين مكحول وأبي أيوب، وقد روى موصولًا- وهو الآتي.\n(^١٢١) - كسابقه \"الجامع\" للترمذي كتاب: النكاح، باب: ما جاء في فضل التزويج والحث عليه (١٠٨٠) وقال \"حديث أبي أيوب حسن غريب\"، وأخرجه أيضًا عن محمود بن خِداش البغدادي ثنا عباد بن العوام عن الحجاج به نحو حديث حفص ومن طريق حفص وعباد أخرجه الطبراني في \"الكبير\" (٤/ ٤٠٨٥) وأخرجه البيهقي في \"الشعب\" (٦/ ٧٧١٩) من طريق عباد، وأبو الشمال هذا، قال فيه أبو زرعة: لا يعرف إلا بهذا الحديث، ولهذا جهله الحافظان الذهبي وابن حجر، وقد أشار الدارقطني في \"العلل\" (٦ / س ١٠٢٢) أن الاختلاف في إسناد الحديث من حجاج بن أرطأة لأنه كثير الوهم\"، وانظر إرواء الغليل\" للألباني (١/ ٧٥/ ١١٦: ١١٩).\n_________\n[¬١]- وقع في المسند: \"الحياء\" وعند عبد الرزاق: \"الختان\"، وعند ابن أبي شيبة وعبد بن حميد: \"الحناء\"، وقال الألباني في \"الإرواء\" (١/ ١١٧): \"الحياء\" بالمثناة التحتية، وكذلك وقع عند الترمذي وأحمد، ووقع عند المحاملي: \"الختان\" بالمثناة الفوقية ثم نون، وهو الذي جزم بتصويبه الحافظ والعراقي وغيرهما، كما في فيض القدير، ولعله ترجيح من جهة المعنى، وإلا فهناك حديثان آخران باللفظ الأول: الحياء.\n[¬٢]-[¬٣]- في خ: \"السماك\".","vol":"8","page":162},{"text":"وقوله: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾، اختلف المفسرون في ذلك، فقال الثوري (^١٢٢)، ووكيع، وهشيم، عن ابن أبي ليلى، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: يدبر أمر السنة، فيمحو ما يشاء، إلا الشقاء والسعادة، والحياة والموت، وفي رواية: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾، [قال: كل شيء] [¬١]، إلا الحياة والموت، والشقاء والسعادة فإنهما قد فرغ منهما.\nوقال مجاهد: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾، إلا الحياة والموت، والشقاء والسعادة، فإنهما لا يتغيران.\nوقال منصور: سألت مجاهدًا فقلت: أرأيت دعاءَ أحدِنا يقول: \"اللهم إن كان اسمى في السعداء فأثبته فيهم، وإن كان في الأشقياء فامحه عنهم [¬٢] واجعله في السعداء\". فقال: حَسنٌ. ثم لقيته [¬٣] بعد ذلك بحَوْلٍ أو أكثر، فسألته عن ذلك، فقال: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾، قال يُقْضى في ليلة القدر ما يكون في السَّنة من رزق أو مصيبة، ثم يقدم ما يشاء ويؤخر ما يشاء، فأما كتاب الشقاوة والسعادة فهو ثابتٌ لا يُغيَّر.\nوقال الأعمش، عن أبي وائل شقيق بن سلمة: إنه كان يكثر أن يدعو بهذا الدعاء: \"اللهم إن كنت كتبتا أشقياء فامحه [¬٤] واكتبنا سعداء، وإن كنت كتبتنا سعداء فأثبتنا، فإنك تمحو ما تشاء وتثبت وعندك أم الكتاب\". رواه ابن جرير (^١٢٣).\n_________\n(^١٢٢) - أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٢/ ٣٣٨) وعبد الله بن أحمد في \"السنة\" (٢/ ٨٩٧، ١١٢٩) وابن جرير (١٦/ ٢٠٤٦١: ٢٠٤٦٦) واللالكائي في \"شرح أصول الاعتقاد\" (٣/ ٩٧٤) وأخرجه البيهقي في الشعب من طريق عبيد الله بن موسى أنا ابن أبي ليلى، وابن أبي ليلى: هو محمد بن عبد الرحمن، وهو صدوق سيئ الحفظ جدًّا، وزاد نسبته السيوطي (٤/ ١٢٢) إلى الفريابي وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^١٢٣) - تفسير ابن جرير (١٦/ ٢٠٤٧٧) حدثنا عمرو قال، حدثنا وكيع قال، حدثنا الأعمش عن أبي وائل قال: كان مما يكثر أن يدعو بهؤلاء الكلمات … فذكر الحديث: قال الشيخ محمود شاكر في حاشية تفسير ابن جرير قوله: \"كان يكثر أن يدعو\" الضمير في ذلك إلى عبد الله بن مسعود وساقه ابن كثير في تفسيره مساقًا يوهم أنه شقيق بن سلمة نفسه الذي كان يكثر أن يدعو، وقد أساء، لأنه هو الذي غير لفظ الخبر\" قلت: وقد ورد الخبر أيضًا من كلام شقيق نفسه، فأخرجه ابن جرير (٢٠٤٧٦) وعبد الله في زوائد \"الزهد\" (ص ٤٢٩) من طريق الأعمش أيضًا قال -سياق عبد الله- سمعت شقيقًا يقول …، فذكره بنحوه وأثر ابن مسعود يأتي برقم (١٢٥، ١٢٦).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٢]- في ابن جرير (١٦/ ٢٠٤٧٢): منهم.\n[¬٣]- في ابن جرير (١٦/ ٢٠٤٧٢): أتيته.\n[¬٤]- في ابن جرير: \"فامحنا\".","vol":"8","page":163},{"text":"وقال ابن جرير أيضًا (^١٢٤): حدثنا عمرو بن عليٍّ، حدثنا معاذ بن هشام، حدثني أبي، عن أبي حكيمة عصْمة، عن أبي عثمان النهدي: أن عمر بن الخطاب ﵁ قال وهو يطوف بالبيت وهو يبكي: اللهم، إن كنت كتبت عليَّ شقوة أو ذنبًا فامحه، فإنك تمحو ما تشاء وتثبت، وعندك أم الكتاب، فاجعله سعادة ومغفرة.\nوقال حماد (^١٢٥): عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن ابن مسعو ﵁: أنه كان يدعو بهذا الدعاء أيضًا.\nورواه شريك (^١٢٦)، عن هلال بن حميد، عن عبد الله بن عُكَيم، عن ابن مسعود بمثله.\nوقال ابن جرير (^١٢٧): حدثني [المثنى، حدثنا] [¬١] حجاج، حدثنا خصاف [¬٢]، عن أبي حمزة، عن إبراهيم، أن كعبًا قال لعمر بن الخطاب: يا أمير المؤمنين، لولا آية في كتاب الله لأنبأتك بما هو كائن التي يوم القيامة. قال: وما هي؟ قال: قول الله تعالى ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ الآية.\n_________\n(^١٢٤) - إسناده حسن تفسير ابن جرير (١٦/ ٢٠٤٧٨) وأخرجه أيضًا (٢٠٤٧٩: ٢٠٤٨١) والبخاري في \"التاريخ الكبير\" (٧/ ٦٣) والدولابي في \"الكنى\" (٤/ ٢١٠ / ت ١٨٧٨) وابن بطة في \"الإبانة\" (٢/ ١٥٦٥) واللالكائي في \"شرح أصول الاعتقاد\" (٤/ ١٢٠٦، ١٢٠٧) من طرق عن أبي حكيمة به وأبو حكيمة هذا وثقه ابن حبان (٧/ ٢٩٨)، وقال أبو حاتم \"الجرح والتعديل\" (٧/ ٢٠): \"محله الصدق\" والأثر عزاه السيوطي في (١/ ١٢٣) إلى عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر، وأفاد الحافظ ابن حجر في \"المطالب العالية\" (٣/ ٣٦٥٩) أن عبد الله بن أحمد رواه في \"كتاب الزهد\" لكن موقوفًا على \"شعيب\".\n(^١٢٥) - إسناده فيه انقطاع، أخرجه ابن جرير (١٦/ ٢٠٤٨٢)، والطبراني في \"الكبير\" (٩/ ٨٨٤٧) من طريق الحجاج بن المنهال، قال: ثنا حماد -وهو ابن سلمة- به وذكره الهيثمي في \"المجمع\" (١٠/ ١٨٨) وقال: \"رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح إلا أن أبا قلابة لم يدرك ابن مسعود\" وزاد نسبته السيوطي (٤/ ١٢٥) إلى ابن المندر وقد روى بإسناد آخر وهو الآتي:\n(^١٢٦) - رجاله ثقات، حاشا شريك النخعي ففيه مقال:\nوالأثر أخرجه ابن جرير (١٦/ ٢٠٤٨٤) وانظر ما قبله.\n(^١٢٧) - إسناده ضعيف جدًّا تفسير ابن جرير (١٦/ ٢٠٤٨٥)، وأبو حمزة هو \"ميمون\" الأعور التمار، صاحب إبراهيم النخعي ضعيف لا سيما في إبراهيم انظر \"تهذيب الكمال\" (٢٩ / ت ٦٣٤٦).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٢]- كذا وقع، وفي ابن جرير حماد، ورجح الشيخ محمود شاكر أن حماد هو الصواب.","vol":"8","page":164},{"text":"ومعنى هذه الأقوال: أن الأقدار ينسخ الله ما يشاء منها ويثبت منها ما يشاء، وقد يستأنس لهذا القول بما رواه الإمام أحمد (^١٢٨):\nحدثنا وكيع، حدثنا سفيان -هو الثوري- عن عبد الله بن عيسى، عن عبد الله بن أبي الجعد، عن ثوبان قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه، ولا يرد القدر إلا الدعاء، ولا يزيد في العمر إلا البر\".\nورواه النسائي وابن ماجه من حديث سفيان الثوري به.\nوثبت في الصحيح (^١٢٩) أن صلة الرحم تزيد في العمر، وفي حديث آخر (^١٣٠): \" إن\" [¬١] الدعاء والقضاء ليعتلجان بين السماء والأرض\".\n_________\n(^١٢٨) - \" المسند\" (٥/ ٢٧٧، ٢٨٢) - ومن طريقه المزي في \"تهذيب الكمال\" (١٤/ ٣٦٦) - وأخرجه أحمد أيضًا (٥/ ٢٨٠) والنسائي في الرقاق من الكبرى -كما في \"التحفة\" (٢/ ٢٠٩٣) - وابن ماجة (٩٠، ٤٠٢٢) وابن المبارك في \"الزهد\" (٨٦) وأبو يعلى في \"المعجم\" (٢٨٢) وغيرهم من طريق سفيان بهذا الإسناد، وصححه ابن حبان (٣/ ٨٧٢) والحاكم (١/ ٤٩٣) ووافقه الذهبي، وقال البوصيري في \"الزوائد\" (١/ ٦٢): سألت شيخنا أبا الفضل العراقي ﵀ عن هذا الحديث. فقال: \"حديث حسن\" وقال المنذري المنذري في \"الترغيب\" (٢/ ٤٨١): \"رواه النسائي بإسناد صحيح … \" قلت: عبد الله بن أبي الجعد لم يوثقه غير ابن حبان (٥/ ٢٠) وجهله ابن القطان، وقال الذهبي في \"الميزان\" (٣/ ١١٤): \"إن كان قد وثق ففيه جهالة\". وجاء في بعض الروايات سالم بن أبي الجعد، فإن كان كذلك فالإسناد ضعيف أيضًا لأن فيه انقطاعًا بين سالم وثوبان وإن كان الآخر ففي الإسناد جهالة. وقد أخرجه ابن عدي في \"الكامل\" (٢/ ٤٤٨) من طريق راشد بن سعد عن ثوبان، لكن في إسناده بشر بن عبيد أبو علي الدارسي، قال ابن عدي: \"منكر الحديث عن الأئمة بَيِّنُ الضعف\" لكن للطرف الثاني والثالث شاهد عن سلمان عند الترمذي (٢١٣٩) وحسنه، وصححه الألباني بشاهد حديث ثوبان في \"الصحيحة\" (١/ ١٥٤).\n(^١٢٩) - ورد ذلك من حديث أنس بن مالك، يأتي تخريجه (سورة فاطر / آية ١١).\n(^١٣٠) - ورد ذلك من حديث عائشة وأبي هريرة، أما حديث عائشة فأخرجه الطبراني في \"الأوسط\" (٣/ ٢٤٩٨) وفي \"الدعاء\" (٢/ ٨٠٠) رقم (٣٣) والبزار (٢/ ١٦١٢ - زوائد ابن حجر) وابن عدي في \"الكامل\" (٣/ ١٠٦٨) وابن الصِّيداوي في \"معجم الشيوخ\" (صـ ١٠٥). والخطيب في \"تاريخ بغداد\" (٨/ ٤٥٣) والحاكم (١/ ٤٩٢) وقال: \"صحيح الإسناد\" قلت: في إسناده زكريا بن منظور ضعفه ابن المديني وابن معين والنسائي وأبو حاتم وغيره، وقال البخاري: منكر الحديث، ولذا تعقب الذهبي الحاكم فقال: \"زكريا مجمع على ضعفه\"، وبه أعله الهيثمي في \"المجمع\" (٧/ ٢١٢)، (١٠/ ١٤٩) وأورده ابن الجوزي في \"العلل المتناهية\" (٢/ ٨٤٣)، وأما حديث أبي هريرة فأخرجه البزار أيضًا (٢/ ١٦١١، ٢١٣٧)، وفي إسناده إبراهيم بن خثيم بن عراك، متروك وقد أعله الهيثمي به في \"المجمع\".\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.","vol":"8","page":165},{"text":"وقال ابن جرير (^١٣١): حدثني محمد بن سهل بن عسكر، حدثنا عبد الرزاق، أنا ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس قال: أن لله [﷿] [¬١] لوحًا محفوظًا مسيرة خمسمائة عام، من درة بيضاء، لها دفتان من ياقوت -والدفتان لوحان- لله ﷿[كل يوم] [¬٢] ثلاثمائة وستون لحظة، يمحو ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب.\nوقال الليث بن سعد: عن زيادة [¬٣] بن محمد، عن محمد بن كعب القرظي، عن فضالة بن عبيد، عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ: \" [إن الله] [¬٤] يفتح الذكر في ثلاث ساعات يَبْقَيْن من الليل، في الساعة الأولى منها ينظر في الذكر الذي لا ينظر فيه أحد غيره، فيمحو ما يشاء ويثبت\" وذكر تمام الحديث، رواه ابن جرير (^١٣٢).\nوقال الكلبي (^١٣٣): ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ قال: يمحو من الرزق ويزيد فيه، ويمحو من الأجل ويزيد فيه، فقيل له: من حدثك بهذا؟ فقال: أبو صالح، عن جابر بن عبد الله بن رئاب، عن النبي ﷺ، ثم سئل بعد ذلك عن هذه الآية\n_________\n(^١٣١) - تفسير ابن جرير (١٦/ ٢٠٥٠٤) ورجاله رجال الشيخين، غير شيخ ابن جرير فمن رجال مسلم، وفي الإسناد عنعنة ابن جريج والأثر ذكره السيوطي (٤/ ١٢٢) ولم ينسبه لغير ابن جرير.\n(^١٣٢) - إسناده ضعيف جدًّا، تفسير ابن جرير (١٤/ ١٦٩٤٣)، (١٦/ ٢٠٥٠٢) حدثني محمد بن سهل بن عسكر حدثنا ابن أبي مريم، ثنا الليث بن سعد به وأخرجه الدارمي في \"الرد على الجهمية\" (٣٩)، وابن خزيمة في \"التوحيد\" (صـ ١٣٥) من طريق سعيد بن أبي مريم به، وأخرجه العقيلي في \"الضعفاء\" (٢/ ٩٣) - ومن طريقه ابن الجوزي في \"العلل المتناهية\" (١/ ٣٨ - ٣٩) -واللالكائي في \"شرح أصول الاعتقاد\" (٣/ ٧٥٦) وابن خزيمة من طريق أبي صالح عبد الله بن صالح عن الليث به وأخرجه الدارقطني في \"كتاب النزول\" (٧٣) وابن خزيمة معلقًا من طريق يحيى بن بكير نا الليث به: قال ابن الجوزي: \"هذا الحديث من عمل زيادة بن محمد، لم يتابعه عليه أحد قال البخاري-\"التاريخ الكبير\" (٣/ ٤٤٦) -: هو منكر الحدث، وقال ابن حبان-\"المجروحين\" (١/ ٣٠٤) -: هو منكر الحديث جدًّا، يروى المناكير عن المشاهير فاستحق الترك\" وبه أعله الذهبي في \"الميزان\" (٢/ ٢٨٨) - فذكر الحديث بطوله وقال: \"هذه ألفاظ منكرة لم يأت بها غير زيادة\" وذكره الهيثمي في \"المجمع\" (١٠/ ٤١٥) وقال: \"رواه البزار وفيه زيادة بن محمد وهو ضعيف\" وعزاه السيوطي (٤/ ١٢٢) إلى ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه والطبراني.\n(^١٣٣) - إسناده ضعيف جدًّا، أخرجه ابن جرير (١٦/ ٢٠٤٨٧)، وابن سعد في \"الطبقات\" (٣/ ٢ / ١١٤) مختصرًا والحارث بن أبي أسامة في مسنده (٧١٦ - زوائد) والكلبي -وهو محمد بن السائب- النسابة المفسر، متهم بالكذب ورمى بالرفض، وزاد نسبته السيوطي (٤/ ١٢٣) إلى ابن مردويه.\n_________\n[¬١]- سقط من: ت.\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- في ز: \"زياد\".\n[¬٤]- سقط من: خ.","vol":"8","page":166},{"text":"فقال: يكتب القول كله، حتى إذا كان يوم الخميس، طرح منه كل شيء ليس فيه ثواب ولا عليه [¬١] عقاب، مثل قولك: أكلت وشربت ودخلت وخرجت، ونحو ذلك من الكلام وهو صادق، ويثبت مما كان فيه الثواب وعليه العقاب.\nوقال عكرمة (^١٣٤)، عن ابن عباس: الكتاب كتابان؛ فكتاب يمحو الله منه ما بشاء ويثبت وعنده أم الكتاب.\nوقال العوفي (^١٣٥)، عن ابن عباس في قوله: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ يقول: هو الرجل يعمل الزمان بطاعة الله، ثم يعود لعصية الله، فيموت علي ضلاله فهو الذي يمحو، والذي يثبت الرجل يعمل بمعصية الله، وقد كان سبق له خير، حتى يموت وهو في طاعة الله وهو الذي يثبت.\nوروي عن سعيد بن جبير أنها بمعنى ﴿فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ﴾.\nوقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس (^١٣٦): ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ يقول: يبدل ما يشاء فينسخه، ويثبت ما يشاء فلا يبدله. ﴿وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ وجملة ذلك عنده في أم الكتاب، الناسخ والمنسوخ [¬٢]، وما يبدل وما يثبت كل ذلك في كتاب.\nوقال قتادة في قوله: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ كقوله: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا﴾ الآية.\nوقال ابن أبي نحيح، عن مجاهد في قوله: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ قال: قالت كفار قريش حين أنزلت ﴿وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إلا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ ما نرى محمدًا يملك [من شيء ولقد] [¬٣] فرغ من الأمر، فأنزلت هذه الآية تخويفًا ووعيدًا لهم: إنا إن\n_________\n(^١٣٤) - صحيح، أخرجه ابن جرير (١٦/ ٢٠٤٧٣) والحاكم (٢/ ٢٤٩) من طريق حماد بن سلمة عن سليمان التيمي عن عكرمة به وقال الحاكم: \"احتج مسلم بحماد واحتج البخاري بعكرمة وهو غريب صحيح من حديث سليمان التيمي\" ووافقه الذهبي وزاد نسبته السيوطي (٤/ ١٢٢) إلى محمد بن نصر وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^١٣٥) - أخرجه ابن جرير (٢٦/ ٢٠٤٨٣)، والعوفي ضعيف، وزاد نسبته السيوطي (٤/ ١٢٢) إلى ابن أبي حاتم.\n(^١٣٦) - أخرجه ابن جرير (١٦/ ٢٠٤٨٩) وزاد نسبته السيوطي (٤/ ١٢٥) إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم=\n_________\n[¬١]- زيادة من ابن جرير.\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- في ت: \"شيئًا وقد\".","vol":"8","page":167},{"text":"شئنا أحدثنا له من أمرنا ما شئنا، ونحدث في كل رمضان، فنمحو ما نشاء ونثبت ما نشاء، من أرزاق الناس ومصائبهم وما نعطيهم وما نقسم لهم.\nوقال الحسن البصري: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ قال: من جاء أجله فذهب، ويثبت الذي هو حي يجري إلي أجله.\nوقد اختار هذا القول أبو جعفر بن جرير ﵀.\nوقوله ﴿وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ قال: الحلال والحرام.\nوقال [¬١] قتادة: أي جملة الكتاب وأصله.\nوقال الضحاك: ﴿وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ قال: كتاب عند رب العالمين.\nوقال سنيد بن داود (^١٣٧): حدثني معتمر، عن أبيه، عن سيّار [¬٢]، عن ابن عباس: أنه سأل كعبًا عن أم الكتاب فقال: علم الله ما هو خالق وما خلقه عاملون، [ثم قال] [¬٣] لعلمه كن كتابًا فكان كتابًا.\n[قال] ابن (^١٣٨) جريج: قال ابن عباس: ﴿وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ قال: الذكر.\n﴿وَإِنْ مَا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيكَ الْبَلَاغُ وَعَلَينَا الْحِسَابُ (٤٠) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٤١)﴾\n_________\n= والبيهقي في \"المدخل\".\n(^١٣٧) - أخرجه ابن جرير (١٦/ ٢٠٥١٦) وسَيَّار هو القرشي الأموي مولى معاوية بن أبي سفيان ويقال: مولى خالد بن يزيد بن معاوية وثقه ابن حبان (٤/ ٣٣٥) وروى عنه أكثر من واحد، وفي \"التقريب\" صدوق لكن سنيد بن داود واسمه حسين وسنيد لقب-ضُعِّف مع إمامته ومعرفته، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٢/ ٣٣٨) وعن معتمر-. هو ابن سليمان التيمي-عن أبيه قال-: سئل ابن عباس عن أم الكتاب، فقال: قال كعب فذكره، سليمان التيمي لم يسمع من ابن عباس.\n(^١٣٨) - منقطع، أخرجه ابن جرير (١٦/ ٢٠٥١٣) حديث القاسم قال حدثنا الحسين قال، حدثنا حجاج -قال أبو جعفر: لا أدري فيه ابن جريج أم لا- قال، قال ابن عباس فذكره.\n_________\n[¬١]- في خ: \"قال\".\n[¬٢]- في خ: \"يسار\".\n[¬٣]- في خ: \"فقال\".","vol":"8","page":168},{"text":"يقول تعالى لرسوله: ﴿وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ﴾ يا محمد بعض الذي نعد [¬١] أعداءك من الخزي [¬٢] والنكال في الدنيا ﴿أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾ أي: قبل ذلك ﴿فَإِنَّمَا عَلَيكَ الْبَلَاغُ﴾ أي: إنما أرسلناك لتبلغهم رسالة الله وقد بلغت [¬٣] ما أمرت به ﴿وَعَلَينَا الْحِسَابُ﴾ أي: حسابهم وجزاؤهم، [كقوله تعالى] [¬٤]: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيهِمْ بِمُصَيطِرٍ (٢٢) إلا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ (٢٣) فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ (٢٤) إِنَّ إِلَينَا إِيَابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَينَا حِسَابَهُمْ﴾.\nوقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ قال ابن عباس (^١٣٩): أو لم يروا أنا نفتح لمحمد ﷺ الأرض بعد الأرض.\nوقال في رواية (^١٤٠): أو لم يروا إلى القرية تخربُ حتى يكون العُمرانُ في ناحية.\nوقال مجاهد وعكرمة ﴿نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ قال: خرابها.\nوقال الحسن والضحاك: هو ظهور المسلمين على المشركين.\nوقال العوفي (^١٤١)، عن ابن عباس: نقصان أهلها وبركتها.\nوقال مجاهد: نقصان الأنفس والثمرات وخراب الأرض.\nوقال الشعبي: لو كانت الأرض تُنْقَص لضاق عليك حُشُّك، ولكن تُنْقَصُ الأنفُس والثمرات. وكذا قال عكرمة: لو كانت الأرض تنقص لم تجد مكانًا تقعد فيه ولكن هو الموت.\nوقال ابن عباس في رواية (^١٤٢): خرابها بموت علمائها وفقهائها وأهل الخير منها. وكذا\n_________\n(^١٣٩) - أخرجه ابن جرير (١٦/ ٢٠٥١٤) بإسناده صحيح عنه وأخرجه بنحوه أيضًا (٢٠٥١٥) لكن من طريق عطية العوفي عنه، وعطية ضعيف.\n(^١٤٠) - أخرجه ابن جرير (١٦/ ٢٠٥١٩)، وفي إسناده علي بن عاصم بن صهيب الواسطي، صدوق يخطئ ويُصِرُّ ورمي بالتشيع، وزاد نسبته السيوطي (٤/ ١٢٧) إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^١٤١) - أخرجه ابن جرير (١٦/ ٢٠٥٢٣) من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس به، وزاد نسبته السيوطي (٤/ ١٢٧) إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم، فلعله عند أحدهما أو كليهما من هذا الطريق والله تعالى أعلم.\n(^١٤٢) - إسناده ضعيف جدًّا، أخرجه ابن جرير (١٦/ ٢٠٥٣٣) والحاكم (٢/ ٣٥٠) وصححه والخطيب البغدادي في \"الفقيه والمتفقه\" (١٥٤، ١٥٥) من طريق طلحة بن عمرو عن عطاء عنه به وطلحة هذا ضعفه جماعة وقال البخاري: \"ليس بشيء\" وتركه أحمد والنسائي، ولذا تعقب الذهبي الحاكم فقال:=\n_________\n[¬١]- في خ: \"نعدهم أي بعد\".\n[¬٢]- في خ: \"الحزن\".\n[¬٣]- في ت: \"فعلت\".\n[¬٤]- في خ: \"كما قال تعالى\".","vol":"8","page":169},{"text":"قال مجاهد أيضًا: هو موت العلماء.\nوفي هذا المعنى روى الحافظ ابن عساكر في ترجمة أحمد بن عبد العزيز، أبي القاسم المصري الواعظ، سكن أصبهان: حدثنا أبو محمد طلحة بن أسد المرئي [¬١] بدمشق، أنشدنا أبو بكر الآجري بمكة، قال أنشدنا أحمد بن غزال لنفسه.\nالأرض تحيا إذا ما عاش عالمها … متى يمت عالم منها يمت طرف\nكالأرض تحيا إذا ما الغيث حل بها … وإن أبى عاد في أكنافها التلف\nوالقول الأول أولى وهو ظهور الإِسلام على الشرك قرية بعد قرية، [كقوله: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى﴾ الآية، وهذا اختيار ابن جرير] [¬٢].\n﴿وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ (٤٢)﴾\nيقول تعالى: ﴿وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ برسلهم، وأرادوا إخراجهم من بلادهم، فمكر الله بهم، وجعل العاقبة للمتقين، كقوله [¬٣]: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيرُ الْمَاكِرِينَ﴾، [وقوله تعالى] [¬٤]: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٠) فَانْظُرْ كَيفَ كَانَ عَاقِبَةُ [مَكْرِهِمْ أَنَّا] [¬٥] دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ (٥١) فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاويَةً بِمَا ظَلَمُوا﴾ الآيتين [¬٦].\nوقوله: ﴿يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ﴾ أي: أنه تعالى عالم بجميع السرئر والضمائر، وسيجزي كل عامل بعمله (وسيعلم الكافر) والقراءة الأخرى ﴿الْكُفَّارُ﴾ ﴿لِمَنْ عُقْبَى\n_________\n= \"طلحة بن عمرو، قال أحمد: متروك\"، وقد اضطرب فيه، فرواه عن عطاء لم ينمُ به إلى ابن عباس، أخرجه وكيع في \"الزهد\" (٣٩) ومن طريقه ابن عبد البر في \"التمهيد\" (١/ ١٠٣٠)، لكن أخرجه أبو نعيم في \"أخبار أصبهان\" (١/ ٣٣٢) من طريق إسماعيل بن عياش عن سلمة بن كلثوم عن عطاء به وسلمة صدوق، شامي ورواية إسماعيل عن أهل بلده من الشاميين صحيحة وأثر ابن عباس زاد نسبته السيوطي (٤/ ١٢٦) إلى عبد الرزاق -ولم أجده في تفسيره- وابن أبي شيبة ونعيم بن حماد في \"الفتن\"، وابن المنذر وابن أبي حاتم، وأثر مجاهد أخرجه عبد الرزاق (٢/ ٣٣٩) ووكيع (٣٨) - ولفظة وكيع \"الموت\" دون تقييده وابن جرير (٢٠٥٣٤) وإسناده صحيح إلى مجاهد.\n_________\n[¬١]- في ز: المدني.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٣]- في خ: \"كما قال تعالى\".\n[¬٤]- في خ: \"وقال تعالى\".\n[¬٥]- في خ: \"الذين من قبلهم\".\n[¬٦]- في ز، خ: \"الآية\".","vol":"8","page":170},{"text":"الدَّارِ﴾ لمن تكون الدائرة والعاقبة، لهم أو لأتباع الرسل؟ كلا، بل هي لأتباع الرسل في الدنيا والآخرة، ولله الحمد والمنة.\n﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَينِي وَبَينَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ (٤٣)﴾\nيقول تعالى: يكذبك هؤلاء الكفار ويقولون ﴿لَسْتَ مُرْسَلًا﴾ أي: ما أرسلك الله ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَينِي وَبَينَكُمْ﴾ أي: حسبي الله وهو الشاهد علي وعليكم، شاهد علي فيما بلغت عنه من الرسالة، وشاهد عليكم أيها المكذبون فيما تفترونه من البهتان.\nوقول: ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾ قيل: نزلت في عبد الله بن سلام. قاله مجاهد.\nوهذا القول غريب؛ لأن هذه الآية مكية وعبد الله بن سلام إنما أسلم في أول مقدم النبي ﷺ المدينة، والأظهر في هذا ما قاله العوفي (^١٤٣)، عن ابن عباس قال: هم من اليهود والنصارى.\nوقال قتادة: منهم ابن سلام وسلمان وتميم الداري.\nوقال مجاهد في رواية عنه: هو الله تعالى.\nركان سعيد بن جبير ينكر أن يكون المراد بها عبد الله بي سلام، ويقول: هي مكية، وكان يقرؤها (ومن عندِه عُلِمَ الكتاب) ويقول: من عند الله.\nوكذا قرأها مجاهد والحسن البصري. وقد روى ابن جرير (^١٤٤)؛ من حديث هارون الأعور، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ، قرأها ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾. ثم قال: لا أصل له من حديث الزهري عند الثقات.\nقلت: وقد رواه الحافظ أبو يعلى في مسنده (^١٤٥): من طريق هارون بن موسى [¬١] هذا،\n_________\n(^١٤٣) - أخرجه ابن جرير (١٦/ ٢٠٥٣٧).\n(^١٤٤) - إسناده ضعيف منقطع تفسير ابن جرير (١٦/ ٢٠٥٥٨) حدثنا القاسم قال حدثنا الحسينُ قال، حدثني عباد بن العوام عن هارون الأعور له و\"هارون الأعور\" وهو \"هارون بن موسى الأزدي العتكي\" ثقة إلا أنه لم يسمع من الزهري والحسين هو ابن داود المعروف بـ\"سنيد\" ضُعف مع إمامته ومعرفته، ولذا قال ابن جرير \"في إسناده نظر، وهذا خبر ليس له أصل عند الثقات من أصحاب الزهري\" وانظر ما بعده.\n(^١٤٥) - إسناده ضعيف جدًّا مسند أبي يعلى (٩/ ٥٥٧٤) حدثنا روح بن عبد المؤمن، حدثنا=\n_________\n[¬١]- كذا ولعله سهو أو خطأ؛ فإن أبا يعلى إنما أخرجه من طريق \"عبد الرحيم بن موسى\" كما في المسند=","vol":"8","page":171},{"text":"عن سليمان بن أرقم وهو ضعيف، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه مرفوعًا كذلك ولا يثبت والله أعلم.\nوالصحيح في هذا أن ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ﴾ اسم جنس يشمل [¬١] علماء أهل الكتاب، الذين يجدون صفة محمد ﷺ ونعته في كتبهم المتقدمة من بشارات الأنبياء به، كما قال تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (١٥٦) الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ الآية.\nوقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ الآية. وأمثال ذلك مما فيه من الإِخبار عن علماء بني إسرائيل أنهم بعلمون ذلك من كتبهم المنزلة. وقد ورد في حديث الأحبار عن عبد الله بن سلام بأنه أسلم بمكة قبل الهجرة. قال الحافظ أبو نعيم الأصبهاني في كتاب \"دلائل النبوة\" (^١٤٦) وهو كتاب جليل:\nحدثنا سليمان بن أحمد الطبراني، حدثنا عبدان بن أحمد، حدثنا محمد بن مصفى، حدثنا الوليد بن مسلم عن محمد بن حمزة بن يوسف بن عبد الله بن سلام، عن أبيه، عن جده [¬٢] عبد الله بن سلام: [أنه قال لأحبار] [¬٣] اليهود: إني أردت أن أجدِّدَ [¬٤] بمسجد أبينا إبراهيم وإسماعيل عيدًا [¬٥]، فانطلق إلى رسول الله ﷺ،\n_________\n= عبد الرحيم بن موسى به وأخرجه تمام في فوائده، (٤/ ١٣٨٣ - الروض البسام) من طريق محمد بن الحسن عن سليمان بن أرقم به، وأخرجه ابن عدي في \"الكامل\" (٦/ ٢٢٧٨) من طريق سليمان بن أرقم عن نافع عن ابن عمر عن عمر فذكره، وقال الهيثمي في \"المجمع\" (٧/ ١٥٨) \"رواه أبو يعلى وفيه سليمان بن أرقم وهو متروك\"، وضعف إسناده السيوطي في \"الدر المنثور\" (٤/ ١٢٩) وزاد نسبته إلى ابن مردويه.\n(^١٤٦) - ضعيف \"دلائل النبوة\" لأبي نعيم (ص ٣٠٠) وذكره الهيثمي في \"المجمع\" (٧/ ١٤٩ - ١٥٠)، (٨/ ٢٤٥ - ٢٤٦)، (٩/ ٣٢٩)، وقال: \"رواه الطبراني ورجاله ثقات إلا أن حمزة لم يدرك جده عبد الله بن سلام\" قلت: والوليد بن مسلم مدلس وقد عنعن، وعزاه السيوطي في \"المنثور\" (٤/ ٧٠٥) إلى ابن أبي حاتم والطبراني وأبي نعيم في \"الحلية\"، والحمد لله بنعمته تتم الصالحات.\n_________\n= وقال البوصيري -كما في حاشية \"المطالب العالية\" (٣/ ٣٦٦٠): \"رواه أبو يعلى بسند ضعيف لضعف عبد الرحيم بن موسى\".\nقلت: وعبد الرحيم هذا قال فيه أبو حاتم: \"مجهول\". الجرح والتعديل (٥/ ٣٤١)، وتبعه الذهبي في \"المغني\" (٢/ ٣٦٨٠).\n[¬١]- في خ: \"شمل\".\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- في خ: \"قال الأحبار\".\n[¬٤]- في ز: أحدث.\n[¬٥]- في دلائل النبوة: عهدًا.","vol":"8","page":172},{"text":"وهو بمكة فوافاهم وقد انصرفوا من الحج، فوجد رسول الله ﷺ، بمنى والناس حوله فقام مع الناس، فلما نظر إليه رسول الله، ﷺ، قال: \"أنت عبد الله بن سلام؟ \" قال: قلت: نعم. قال: \"ادن\" قال: فدنوت منه قال: \"أنشدك بالله يا عبد الله بن سلام، أما تجدني في التوراة رسول الله؟ \" فقلت له: انعت ربنا. قال: فجاء جبريل حتى وقف بين يدي رسول الله، ﷺ، فقال له ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ إلى آخرها، فقرأها علينا رسول الله، ﷺ، فقال ابن سلام: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، ثم انصرف ابن سلام إلى المدينة فكتم إسلامه، فلما هاجر رسول الله ﷺ إلى المدينة، وأنا فوق نخلة لي أجُدُّها، فألقيت نفسي، فقالت أمي: لله [¬١] أنت، لو كان موسى بن عمران ما كان لك [¬٢] أنّ تلقي نفسك من رأس [¬٣] النخلة. فقلت: والله لأنا أسر بقدوم رسول الله ﷺ من موسى بن عمران إذ بعث.\nوهذا حديث [¬٤] غريب جدًّا.\n[آخر تفسير سورة الرعد ولله الحمد] [¬٥]\n* * *\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- في دلائل النبوة: تم لك.\n[¬٣]- في خ: نفس.\n[¬٤]- سقط من: ت.\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ت.","vol":"8","page":173},{"text":"<span data-type='title' id=toc-120>[تفسير] سورة إبراهيم ﵇ </span>-\n[وهي مكية]\n﴿الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (١) اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَوَيلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ (٢) الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ (٣)﴾\nقد تقدم الكلام علي الحروف المقطعة في أوائل السور.\n﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيكَ﴾ أي: هذا كتاب أنزلناه إليك يا محمد، وهو القرآن العظيم، الذي هو أشرف كتاب أنزله الله من السماء، على أشرف رسول بعثه الله في الأرض، إلى جميع أهلها عربهم وعجمهم. ﴿لِتُخْرِجَ [¬١] النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ أي: إنما بعثناك يا محمد بهذا الكتاب، لتخرج الناس مما هم فيه من الضلال والغي إلى الهدى والرشد، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾ الآية. وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ الآية. وقوله: ﴿بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾ أي: هو الهادي لمن قدر له الهداية على يدي رسوله المبعوث عن أمره يهديهم ﴿إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ أي: العزيز الذي لا يمانع ولا يغالب، بل هو القاهر لكل ما سواه ﴿الْحَمِيدِ﴾ أي: المحمود في جميع أفعاله وأقواله وشرعه وأمره ونهيه، الصادق في خبره. وقوله: ﴿اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ قرأه بعضهم مستأنفًا مرفوعًا [¬٢]، وقرأه آخرون على الإِتباع صفة للجلالة [¬٣]؛ كقوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ الآية. وقوله: ﴿وَوَيلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ أي: ويل لهم يوم القيامة إذ خالفوك\n_________\n[¬١]- في خ: \"ليخرج\".\n[¬٢]- وهي قراءة نافع وابن عامر.\n[¬٣]- وهي قراءة ابن كثير وأبي عمرو وعاصم وحمزة والكسائي.","vol":"8","page":175},{"text":"يا محمد وكذبوك. ثم وصفهم بأنهم يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة، أي: يقدمونها ويؤثرونها عليها، ويعملون للدنيا، ونسوا الآخرة وتركوها وراء ظهورهم ﴿وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وهي اتباع الرسل ﴿وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ أي: ويحبون أن يكون [¬١] سبيل الله عوجًا مائلة عائلة، وهي مستقيمة في نفسها لا يضرها من خالفها ولا من خذلها، فهم في ابتغائهم ذلك في جهل، وضلال بعيد من الحق، لا يرجى لهم - والحالة هذه - صلاح.\n﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إلا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٤)\nهذا من لطفه تعالى بخلقه أنَّه يرسل إليهم رسلًا منهم بلغاتهم، ليفهموا عنهم ما يريدون وما أرسلوا به إليهم، كما قال [¬٢] الإِمام أحمد (^١) [¬٣]: حدَّثنا وكيع، عن عمر بن ذر، قال قال مجاهد عن أبي ذر قال: قال رسول الله، ﷺ: \"لم يبعث الله، ﷿، نبيًّا إلَّا بلغة قومه\".\nوقوله: ﴿فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ أي: بعد البيان وإقامة الحجة عليهم، يضل تعالى [¬٤] من يشاء عن وجه الهدى، ويهدي من يشاء إلى الحق ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ [¬٥]﴾ الذي ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن ﴿الْحَكِيمُ﴾ في أفعاله، فيضل من يستحق الإضلال، ويهدي من هو أهل لذلك. وقد كانت هذه سنته في خلقه، أنَّه ما بعث نبيًّا فَي أمة إلَّا أن يكون بلغتهم، فاختص كل نبي بإبلاغ رسالته [¬٦] إلى أمته دون غيرهم، واختص محمد بن عبد الله رسول الله، ﷺ، بعموم الرسالة إلى سائر الناس، كما ثبت في الصحيحين (^٢) عن جابر، قال: قال رسول الله، ﵌: \"أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي، نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة [¬٧] وبعثت إلى الناس عامة\". وله\n_________\n(^١) - إسناده ضعيف للانقطاع بين مجاهد وأبي ذر، لكن الآية شاهدة له. وهو في \"المسند\" (٢١٤٩٠) (٥/ ١٥٨)، وذكره الهيثمي في \"المجمع\" (٧/ ٤٦) وقال: \"رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح إلَّا أن مجاهدًا لم يسمع من أبي ذر.\n(^٢) - تقدم تخريجه [سورة الأعراف / آية ١٥٨].\n_________\n[¬١]- في ت: \"تكون\".\n[¬٢]- في ت: \"روى\".\n[¬٣]- زيادة من: ت.\n[¬٤]- في ت: \"الله\".\n[¬٥]- سقط من: خ.\n[¬٦]- في خ: \"رسالاته\".\n[¬٧]- سقط من: ز، خ.","vol":"8","page":176},{"text":"شواهد من وجوه كثيرة (^٣)، وقال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيكُمْ جَمِيعًا﴾.\n﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (٥)﴾\nيقول تعالى: وكما أرسلناك يا محمد وأنزلنا عليك الكتاب، لتخرج الناس كلهم تدعوهم إلى الخروج من الظلمات إلى النور، كذلك أرسلنا موسى في بني إسرائيل بآياتنا.\nقال مجاهد: وهي التسع الآيات.\n﴿أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ﴾ أي: أمرناه قائلين له ﴿أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ أي: ادعهم إلى الخير، ليخرجوا من ظلمات ما كانوا فيه من الجهل والضلال، إلى نور الهدى وبصيرة [¬١] الإِيمان.\n﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾ أي: بأياديه ونعمه عليهم، في إخراجه إياهم من أسر فرعون وقهره وظلمه وغشمه، وإنجائه إياهم من عدوهم، وفلقه لهم البحر، وتظليله إياهم بالغمام، وإنزاله عليهم المنَّ والسلوى، إلى غير ذلك من النعم؛ قال ذلك مجاهد وقَتَادة وغير واحد.\nوقد ورد فيه الحديث المرفوع الذي رواه عبد الله ابن الإِمام أحمد بن حنبل في [مسند أبيه] [¬٢] حيث قال (^٤): حدثني يحيى بن عبد الله مولى بني هاشم، حدَّثنا محمد بن أبان الجعفي، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير، [عن ابن عبَّاس، عن أبي بن كعب، عن النبي، ﷺ، في قوله تعالى: ﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾ قال: \"بنعم الله ﵎\".\n_________\n(^٣) - منها حديث حذيفة وحديث أبي هريرة عند مسلم ٤، ٥ - (٥٢٢، ٥٢٣)، وحديث أبي موسى عند أحمد (٤/ ٤١٦) وقد تقدم تخريجه [سورة الأعراف / آية ١٥٨].\n(^٤) - إسناده ضعيف لضعف محمد بن أبان، لكنه حديث صحيح، وهو في \"المسند\" (٢١٢٠٨) (٥/ ١٢٢)، وأخرج مسلم (١٧٢) (٢٣٨٠) من حديث أُبَيِّ أيضًا مرفوعًا \" … أيامُ الله نَعْمَاؤُهُ وبلاؤُهُ … \".\n_________\n[¬١]- في ز: \"نصر\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"مسنده\".","vol":"8","page":177},{"text":"ورواه ابن جرير (^٥)] [¬١] وابن أبي حاتم من حديث محمد بن أبان، به. ورواه عبد الله ابنه (^٦) [¬٢] أيضًا موقوفًا وهو أشبه.\nوقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ أي: إن [¬٣] فيما صنعنا بأوليائنا بني إسرائيل حين أنقذناهم من يد فرعون، وأنجيناهم مما كانوا فيه من العذاب المهين - لعبرةً لكل صبار، أي: في الضراء، ﴿شَكُورٍ [¬٤]﴾ أي: في السراء، كما قال قَتَادة: نعم العبد عبد إذا ابتلي صبر، وإذا أعطي شكر.\n[وكذا جاء، في الصحيح] [¬٥] (^٧) عن رسول الله، ﷺ، أنَّه قال: \"إن أمر المؤمن كله عجب، لا يقضي الله له قضاء إلَّا كان خيرًا له، إن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له، وإن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له\".\n﴿وَإِذْ قَال مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيكُمْ إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (٦) وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ (٧) وَقَال مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ (٨)\nيقول تعالى مخبرًا عن موسى حين ذكر قومه بأيام الله عندهم، ونعمه عليهم إذ أنجاهم\n_________\n(^٥) - كسابقه، تفسير ابن جرير (١٣/ ١٨٤) وابن أبي حاتم (٧/ ١٢٢١١)، وكذا أخرجه الطيالسي (٥٣٨) وعبد بن حميد في \"المنتخب\" (١٦٨) من طريق محمد بن أبان له، وأخرجه النَّسائي في \"التفسير\" كما في \"التحفة\" (١/ ٢٧) من طريق زيد بن أبي أنيسة عن إسحاق، به.\n(^٦) - إسناده ضعيف، \"المسند\" (٢١٢٠٩) (٥/ ١٢٢) من طريق محمد بن أبان أيضًا لكنه موقوف، وقد صح مرفوعًا عند مسلم كما تقدم رقم (٣).\n(^٧) - أخرجه مسلم كتاب الزهد والرقائق، باب: المؤمن أمره كله خير (٦٤) (٢٩٩٩) من حديث صهيب. والمصنف أورده بمعناه وليس بلفظه. وانظر ما تقدم [سورة الأعراف / آية ٩٥] و[سورة يونس / آية ١٣].\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في ز: \"ابن\".\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- في ز: \"شكور\".\n[¬٥]- في ت: كذا جاء وفي الصحيح.","vol":"8","page":178},{"text":"من آل فرعون، وما كانوا يسومونهم به من العذاب والإِذلال، حين كانوا يذبحون من وجد من أبنائهم ويتركون إناثهم، فأنقذ الله بني إسرائيل من ذلك، وهذه نعمة عظيمة؛ ولهذا قال: ﴿وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ أي: نعمة عظيمة منه عليكم في ذلك، أنتم عاجزون عن القيام بشكرها.\nوقيل: وفيما كان يصنعه بكم قوم فرعون من تلك الأفاعيل ﴿بَلَاءٌ﴾ أي: اختبار عطم، ويحتمل أن يكون المراد هذا، وهذا - والله أعلم - كقوله تعالى: ﴿وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾.\nوقوله: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ﴾ أي: آذنكم وأعلمكم بوعده لكم، ويحتمل أن يكون المعنى: وإذ أقسم ربكم وآلى بعزته وجلاله وكبريائه، [كما قال] [¬١]: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾.\nوقوو، [¬٢]: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ أي: لئن شكرتم [نعم الله] [¬٣] لأزيدنكم منها ﴿وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ﴾ أي: كفرتم النعم وسترتموها وجحدتموها ﴿إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ وذلك بسلبها عنهم، وعقابه إياهم على كفرها.\nوقد جاء في الحديث (^٨): \" إن العبد يحرم الرزق بالذنب يصيبه\".\nوفي المسند أن رسول الله، ﷺ، مر به سائل، فأعطاه تمرة فتسخطها ولم يقبلها، ثم مر به آخر فأعطاه إياها فقبلها، وقال: تمرة من رسول الله، ﷺ، فأمر له بأربعين درهمًا، أو كما قال [¬٤] الإِمام أحمد (^٩):\nحدَّثنا أسود، حدَّثنا عمارة الصيدلاني، عن ثابت، عن أَنس قال: أتى النبي، صلى\n_________\n(^٨) - تقدم تخرجه [سورة الرعد / آية ٣٩].\n(^٩) - \" المسند\" (٣/ ١٥٥، ٢٦٠)، ووقع في الموضع الثاني \"ثنا إسرائيل\" بين أسود وعمارة، وذكره الهيثمي في موضعين (٣/ ١٠٥) (٨/ ١٨٥) وقال في الأول منهما: \"رواه أحمد والبزار باختصار وفيه عمارة بن زاذان وهو ثقة وفيه كلام لا يضر، وبقية رجاله رجال الصحيح\". وقال في الموضع الثاني: \"رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح غير عمارة بن زاذان وثقه جماعة وضعفه الدارقطني\" قلت: وعمارة بن زاذان وإن وثقه غير واحد وكذا أحمد في رواية إلَّا أنَّه قال - فيما رواه عنه الأثرم، كما في \"التهذيب\" -: \"يروي عن ثابت عن أنس أحاديث مناكير\".\n_________\n[¬١]- في ت: \"كقوله تعالى\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في ت: \"نعمتي عليكم\".\n[¬٤]- مكررة في: ز.","vol":"8","page":179},{"text":"الله عليه وسلم، سائل، فأمر له بتمرة فلم يأخذها أو وَحَّشَ [¬١] [¬٢] بها. قال: وأتاه آخر فأمر له بتمرة، فقال: سبحان الله\" تمرة من رسول الله، ﷺ. فقال للجارية: \"اذهبي [¬٣] إلى أم سلمة فأعطيه الأربعين درهمًا التي عندها\". تفرد به الإِمام أحمد.\nوعمارة بن زاذان وثقه ابن حبان وأحمد ويعقوب بن سفيان [¬٤]، وقال ابن معين: صالح. وقال أَبو زرعة: لا بأس به. وقال أَبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به، ليس بالمتين. وقال البخاري: ربما يضطرب [¬٥] في حديثه. وعن أحمد أيضًا أنَّه قال: روي عنه أحاديث منكرة. وقال أَبو داود: ليس بذلك. وضعفه الدارقطني، وقال ابن عدي: لا بأس به، ممن يكتب حديثه.\n[وقوله تعالى] [¬٦]: ﴿وَقَال مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ أي: هو غني عن شكر عباده، وهو الحميد المحمود وإن كفره من كفره؛ [كما قال تعالى] [¬٧]: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾. [وقال تعالى] [¬٨]: ﴿فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾.\nوفي صحيح مسلم (^١٠): عن أبي ذر، عن رسول الله، ﷺ، فيما يَرْوي عن ربه ﷿ أنَّه قال: \"يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم، كانوا على أتقى قلب رجل واحدٍ [¬٩] منكم، ما زاد ذلك في ملكي شيئًا، يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم [كانوا على أفجر قلب رجل منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئًا، يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم] [¬١٠] قاموا في صعيد واحد فسألوني، فأعطيت كل إنسان مسألته، ما نقص ذلك من ملكي شيئًا، إلَّا كما ينقص المخِيَطُ إذا أُدخِلَ في [¬١١] البحر\". فسبحانه وتعالى الغني الحميد!\n_________\n(^١٠) - صحيح مسلم، كتاب: البر والصلة والآداب، باب تحريم الظلم (٥٥) (٢٥٧٧).\n_________\n[¬١]- في ز: \"رحش\" وغير واضحة في خ.\n[¬٢]-أي: رماها.\n[¬٣]- في ز، خ: \"اذهبوا\".\n[¬٤]- في خ: \"عثمان\".\n[¬٥]- في ز، خ: \"يضرب\".\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٧]- في ت: \"كقوله\".\n[¬٨]- في ت: \"وقوله\".\n[¬٩]- زيادة من: \"مسلم\".\n[¬١٠]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬١١]- سقط من: ت.","vol":"8","page":180},{"text":"﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إلا اللَّهُ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيهِ مُرِيبٍ (٩)﴾\nقال ابن جرير (^١١): هذا من تمام قيل موسى لقومه. يعني: وتذكاره إياهم بأيام الله،\nبانتقامه من الأمم المكذبة للرسل.\nوفيما قال ابن جرير نظر، والظاهر أنَّه خبر [¬١] مستأنف من الله تعالى لهذه الأمة، فإنه قد قيل: إن قصة عاد وثمود ليست في التوراة، فلو كان هذا من كلام موسى لقومه وقصِّهِ عليهم ذلك، فلا شك [¬٢] أن تكون [¬٣] هاتان القصتان في التوراة، والله أعلم. وبالجملة، فالله تعالى قد قص علينا خبر قوم نوح وعاد وثمود، وغيرهم من الأمم المكذبة للرسل، مما لا يحصي عددهم [¬٤] إلا الله ﷿ ﴿جَاءَتْهُمْ [¬٥] رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ أي: بالحجج والدلائل الواضحات الباهرات القاطعات.\nوقال [أبإ إسحاق] (^١٢) [¬٦]، عن عمرو بن ميمون، عن عبد الله أنَّه قال في قوله: ﴿لَا يَعْلَمُهُمْ إلا اللَّهُ﴾: كذب النسابون.\nوقال [¬٧] عروة بن الزُّبَير: ما وجدنا أحدًا يعرف ما بعد معدّ بن عبدنان.\n_________\n(^١١) - تفسير ابن جرير (١٢/ ١٨٧).\n(^١٢) - وقد ورد مرفوعًا من حديث ابن عباس، أخرجه ابن سعد في \"الطبقات\" (١/ ٤٧)، وابن عساكر في \"التاريخ\" (١/ ٣٩٢ مخطوط) من طريق هشام بن محمد بن السائب الكلبي عن أبيه عن ابن عبَّاس به، وهشام متروك، وأَبوه كذاب.\n_________\n[¬١]- في ز: \"خبرا\".\n[¬٢]- في ز: \"ولا شك\".\n[¬٣]- في خ: \"يكون\".\n[¬٤]- في خ: \"عدده\".\n[¬٥]- في ز، خ: \"أتتهم\".\n[¬٦]- في (ز، خ) \"ابن إسحاق\"، والمثبت من \"الطبقات لابن سعد\" (١/ ٤٧)، وتفسير ابن جرير (١٢/ ١٨٧).\n[¬٧]- في ت: \"قال\".","vol":"8","page":181},{"text":"وقوله: ﴿فَرَدُّوا أَيدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ﴾ اختلف المفسررن في معناه، فقيل [¬١]: معناه أنهم أشاروا إلى أفواه الرسل، يأمرونهم بالسكوت عنهم لما دعوهم إلى الله ﷿.\nوقيل: بل وضعوا أيديهم على أفواههم تكذيبًا لهم. وقيل: بل هو عبارة عن سكوتهم عن جواب الرسل.\nوقال مجاهد ومحمد بن كعب وقَتَادة: معناه [¬٢] أنهم كذبوهم وردوا عليهم قولهم بأفواههم.\nقال ابن جرير (^١٣): وتوجيهه أن \"في\"ها هنا [¬٣] بمعنى الباء، قال: وقد سمع من العرب: أدخلك الله بالجنة، يعنون في الجنَّة، وقال الشاعر:\nوأَرْغَبُ فيها عن لَقِيطٍ وَرَهْطِهِ … وَلَكِنَّني عن سِنْبِسٍ لستُ أَرْغَبُ\nيريد: أرغب بها.\nقلت: ويؤيد [¬٤] قول مجاهد تفسير ذلك بتمام الكلام ﴿وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيهِ مُرِيبٍ﴾ فكأن هذا [-والله أعلم-] [¬٥] تفسير لمعنى ﴿فَرَدُّوا أَيدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ﴾.\nوقال سفيان الثَّوري وإسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله في قوله ﴿فَرَدُّوا أَيدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ﴾ قال: عضوا عليها عضًّا [¬٦].\nوقال شعبة، عن أَبي إسحاق عن [هبيرة بن يريم] [¬٧]، عن عبد الله أنَّه قال ذلك أيضًا.\nوقد اختاره عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، ووجهه ابن جرير مختارًا له بقوله تعالى عن المنافقين: ﴿وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيظِ﴾.\nوقال العوفي، عن ابن عبَّاس: لما سمعوا كلام الله عجبوا، ررجعوا بأيديهم إلى أفواههم.\n_________\n(^١٣) - تفسير ابن جرير (١٢/ ١٨٩).\n_________\n[¬١]- في ت: \"قيل\".\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- في ت: \"هنا\".\n[¬٤]- في خ: \"يريد\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- في ت: \"غَليظًا\".\n[¬٧]- في ز، خ: هبيرة بن مريم. وفي ت: أبي هبيرة بن مريم. وكل ذلك تحريف، والصواب ما أثبتناه. وانظر ترجمته في تهذيب التهذيب ٤١/ ٢٦٣، ط الرسالة.","vol":"8","page":182},{"text":"﴿وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيهِ مُرِيبٍ﴾ يقولون: لا نصدقكم فيما جئتم به [¬١]، فإن عندنا فيه شكًّا قويًّا.\n﴿قَالتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إلا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (١٠) قَالتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إلا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١١) وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (١٢)﴾\nيخبر الله تعالى عما دار بين الكفار وبين رسلهم من المجادلة، وذلك أن أممهم لما واجهوهم بالشك فيما جاءوهم به من عبادة الله وحده لا شريك له، قالت [¬٢] الرسل: ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ﴾ وهذا يحتمل شيئين؛ أحدهما: أفي وجوده شك؟! فإن الفِطَرَ شاهدة بوجوده، ومجبولة على الإقرار به، فإن الاعتراف به ضروري في الفطر [¬٣] السليمة، ولكن قد يعرض لبعضها شك واضطراب، فتحتاج إلى [النظر في الدليل] [¬٤] الموصل إلى وجوده، ولهذا قالت لهم الرسل ترشدهم إلى طريق معرفته بأنه: ﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ الذي خلقهما وابتدعهما على غير مثال سبق، فإن شواهد الحدوث [¬٥] والخلق والتسخير ظاهر عليهما، فلا بد لهما [¬٦] من صانع وهو الله لا إله إلَّا هو، خالق كل شيء وإلهه ومليكه.\nوالمعنى الثاني: في قولهم: ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ﴾ أي: أفي إلهيته وتفرده بوجوب العبادة له شك، وهو الخالق لجميع الموجودات، ولا يستحق العبادة إلَّا هو وحده لا شريك له؛ فإن غالب الأمم كانت مقرة بالصانع، ولكن تعبد معه غيره من الوسائط التي يظنونها تنفعهم، أو تقربهم من الله زلفى.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- في ز، خ: \"قال\".\n[¬٣]- في خ: \"البطن\".\n[¬٤]- في ز: \"الدليل في النظر\".\n[¬٥]- في ز، خ: \"الحدث\".\n[¬٦]- في ز: \"لها\".","vol":"8","page":183},{"text":"وقالت لهم رسلهم: [﴿يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ] [¬١] لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ أي: في الدار الآخرة ﴿وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [أي: في الدنيا، كما قال تعالى: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى] [¬٢] وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾] الآية، فقالت لهم الأمم محاجين في مقام الرسالة، بعد تقدير تسليمهم للمقام الأول، وحاصل ما قالوه: ﴿فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ أي: كيف نتبعكم بمجرد قولكم، ولما نر منكم معجزة ﴿فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ أي: خارق نقترحه عليكم.\n﴿قَالتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ أي: صحيح أنا بشر مثلكم في البشرية ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ أي: بالرسالة والنبوة ﴿وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ﴾ على وفق ما سألتم ﴿إلا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ أي: بعد سؤالنا إياه، وإذنه لنا في ذلك ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ أي: في جميع أمورهم.\nثم قالت الرسل: ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ﴾ أي: وما يمنعنا من التوكل عليه وقد هدانا لأقوم الطرق وأوضحها وأبينها ﴿وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيتُمُونَا﴾ أي: من الكلام السيئ والأفعال السخيفة ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾.\n﴿وَقَال الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ (١٣) وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ (١٤) وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (١٥) مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ (١٦) يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ (١٧)﴾\nيخبر تعالى عما توعدت به الأم الكافرة رسلهم من الإخراج من أرضهم، والنفي من بين أظهرهم، كما قال قوم شعيب له ولمن آمن به: ﴿لَنُخْرِجَنَّكَ يَاشُعَيبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا [¬٣] أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا﴾، وكما قال قوم لوط: ﴿أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ\n_________\n[¬١]- في خ: \"الرسل تدعوكم ليغفر\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في ز، خ: \"أرضنا\".","vol":"8","page":184},{"text":"مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾. وقال تعالى إخبارًا عن مشركي قريش: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إلا قَلِيلًا﴾، وقال تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيرُ الْمَاكِرِينَ﴾.\nوكان [¬١] من صنعه تعالى أنَّه أظهر رسوله ونصره، وجعل له بسبب خروجه من مكة أنصارًا وأعوانا، وجندًا يقاتلون في سبيل الله تعالى، ولم يزل يرقيه تعالى من شيء إلى شيء حتَّى فتح له مكة التي أخرجته، ومكن له فيها، وأرغم آناف [¬٢] أعدائه منهم ومن سائر أهل الأرض، حتَّى دخل الناس في دين الله أفواجًا، وظهرت كلمة الله ودينه على سائر الأديان، في مشارق الأرض ومغاربها، في أيسر زمان، ولهذا قال تعالى: ﴿فَأَوْحَى إِلَيهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ (١٣) وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾، وكما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَويٌّ عَزِيزٌ﴾، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾. ﴿قَال مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾، وقال تعالى: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا [وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا] [¬٣] وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ﴾.\nوقوله: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ﴾ أي وعدي [¬٤] هذا [¬٥] لمن خاف مقامه بين يدي يوم القيامة، وخشي من وعيدي وهو تخويفي وعذابي، كما قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ طَغَى (٣٧) وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٣٨) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى (٣٩) [وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى] [¬٦]﴾، وقال: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾.\nوقوله: ﴿وَاسْتَفْتَحُوا﴾ أي: استنصرت الرسل ربها على قومها، قاله ابن عبَّاس ومجاهد وقَتَادة.\nوقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: استفتحت الأمم على أنفسها؛ كما قالوا: ﴿اللَّهُمَّ\n_________\n[¬١]- في خ: \"فكان\".\n[¬٢]- في ت: \"أنوف\".\n[¬٣]- سقط من: خ.\n[¬٤]- في ت: \"وعيدي\".\n[¬٥]- سقط من: ز.\n[¬٦]- سقط من: خ.","vol":"8","page":185},{"text":"إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾.\nويحتمل أن يكون هذا مرادًا وهذا مرادًا، كما أنهم استفتحوا على أنفسهم يوم بدر واستفتح رسول الله، ﷺ، وانتصر [¬١]، وقال الله تعالى للمشركين: ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ الآية، والله أعلم.\n﴿وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾ أي: متجبر في نفسه، [] [¬٢] معاند للحق، كقوله تعالى: ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ (٢٤) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ (٢٥) الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ﴾.\nوفي الحديث (^١٤): \" إنه يؤتى بجهنم يوم القيامة فتنادي الخلائق، فتقول: إني وكلت بكل جبار عنيد … \" الحديث. خاب وخسر حين اجتهد الأنبياء في الابتهال إلى ربها العزيز المقتدر.\nوقوله: ﴿مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ﴾ وراء هنا بمعنى أمام، كقوله تعالى: ﴿وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبًا﴾ وكان ابن عباس يقرؤها: (وكان أمامهم ملك) أي: من وراء الجبار العنيد جهنم، أي: هي [¬٣] له بالمرصاد، يسكنها مخلدًا ورم المعاد، ويعرض عليها غدوًّا وعشيًّا إلى [¬٤] يوم التناد.\n﴿وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ﴾ أي: في النار، ليس له شراب إلا من حميم أو [¬٥] غساق، فهذا حار في غاية الحرارة، وهذا بارد في غاية البرد والنتن، كما قال: ﴿هذا فليذوقوه حميم وغساق * وآخر من شكله أزواج﴾.\nقال مجاهد وعكرمة: الصديد من القيح والدم.\nوقال قتادة: هو ما يسيل من لحمه وجلده. وفي رواية عنه: الصديد ما يخرج من جوف الكافر، قد خالط القيح والدم.\n_________\n(^١٤) - لم أهتد إليه بهذا اللفظ، وأخرج الترمذي، كتاب: صفة جهنم، باب: ما جاء في صفة النار (٢٥٧٤) من حديث أبي هريرة مرفوعًا: \"تخرج عنق من النار يوم القياهة لها عينان تبصران وأذنان تسمعان ولسان ينطق، قوله: إني وكلت بثلاثة: بكل جبار عنيد … \" وفي الباب عن أبي سعيد الخدري عند أحمد (٣/ ٤٠) وفي إسناده عطية العوفي وهو ضعيف.\n_________\n[¬١]- في ت: \"واستنصر\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفين في ت: عنيد.\n[¬٣]- سقط من: خ.\n[¬٤]- في ز: \"أي\".\n[¬٥]- في ت: \"و\".","vol":"8","page":186},{"text":"وفي حديث شهر بن حوشب، عن أسماء بنت يزيد [¬١] بن السكن؛ قالت: قلت: يا رسول الله، ما طينة الخبال؟ قال: \"صديد أهل النار\" (^١٥). وفي رواية: \"عُصارة أهل النار\" (^١٦).\nوقال الإمام أحمد (^١٧): حدثنا علي بن إسحاق، أنبأنا عبد الله، أنا صفوان بن عمرو، عن عبيد الله بن بسر [¬٢] عن أبي أمامة، ﵁، عن النبي، ﷺ، في قوله: ﴿وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ (١٦) يَتَجَرَّعُهُ﴾ قال [¬٣]: \"يقرب إليه فيتكرهه [¬٤]، فإذا أدني منه شوى وجهه، ووقعت فروة رأسه، فإذا شربه قطع أمعاءه حتى يخرج من دبره\". يقول الله تعالى: ﴿وسقوا ماء حميمًا قطع أمعاءهم﴾، ويقول: ﴿وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه بئس الشراب﴾.\nوهكذا رواه ابن جرير (^١٨): من حديث عبد الله بن المبارك، به. ورواه هو وابن أبي حاتم: من حديث بقية بن الوليد، عن صفوان بن عمرو، به.\nوقوله: ﴿يتجرعه﴾ أي: يتغصصه ويتكرهه، أي: يشربه قهرًا وقسرًا [¬٥]، لا يضعه في فيه [¬٦] حتى يضربه الملك بمطراق من حديد، كما قال تعالى: ﴿ولهم مقامع من حديد﴾.\n_________\n(^١٥) - إسناده ضعيف لضعف شهر بن حوشب، أخرجه أحمد (٦/ ٤٦٠)، والطبراني (٢٤ / رقم ٤٢٨) وانظر ما بعده.\n(^١٦) - صحيح، أخرجه ابن ماجة (٣٣٧٧)، وصححه ابن حبان (١٢/ ٥٣٥٧) من حديث عبد الله بن عمرو، وأخرجه أحمد (٥/ ١٧١)، والبزار (٣/ ٢٩٢٦)، والطبراني كما في \"المجمع\" (٥/ ٧٢) من حديث أبي ذر، وفي إسناده ضعف وجهالة، وحديث عبد الله بن عمرو عند أحمد (٢/ ١٨٩)، وصححه الحاكم (٤/ ١٤٥ - ١٤٦) ووافقه الذهبي لكن لفظه \"صديد أهل النار\".\n(^١٧) - إسناده ضعيف لجهالة عبيد الله بن بسر، والحديث في \"المسند\" (٥/ ٢٦٥)، وأخرجه أيضًا الترمذي (٢٥٨٦)، والنسائي في \"الكبرى\" (٦/ ١١٦٦٣) وغيرهم وقال الترمذي: \"هذا حديث غريب وهكذا قال محمد بن إسماعيل -البخاري- عن عبيد الله بن بسر ولا نعرف عبيد الله بن بسر إلا في هذا الحديث\". وانظر ما بعده.\n(^١٨) - كسابقه، تفسير ابن جرير (١٣/ ١٩٨، ١٩٦) والحديث في \"الزهد\" لابن المبارك (٣١٤ / زوائد نعيم بن حماد) وأخرجه أيضًا الطبراني في \"الكبير\" (٨/ ٧٤٦٠)، والحاكم في \"المستدرك\" (٢/ ٣٥١، ٣٦٨ - ٣٦٩) وصححه على شرط مسلم ووافقه الذهبي!! وأخرجه أبو نعيم في \"الحلية\"=\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"زيد\".\n[¬٢]- في (ز، خ): \"بشر\".\n[¬٣]- سقط من ز، خ.\n[¬٤]- في خ: فيكرهه.\n[¬٥]- سقط من: خ.\n[¬٦]- في ت: \"فمه\".","vol":"8","page":187},{"text":"﴿وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ﴾ أي: يردده [¬١] لسوء لونه وطعمه وريحه، وحرارته [¬٢] أو برده الذي لا يستطاع.\n﴿وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ﴾ أي: يألم له جميع بدنه وجوارحه وأعضائه.\nقال ميمون بن مهران: من كل عظم وعصب وعرق، وقال عكرمة: حتى من أطراف شعره.\nوقال إبراهيم التيمي: من موضع كل شعرة، أي: من جسده، حتى من أطراف شعره.\nوقال ابن جرير: ﴿وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ﴾ أي: من أمامه [وخلفه. وفي رواية: و] [¬٣] عن يمينه وشماله، ومن فوقهم [¬٤] ومن تحت أرجلهم [¬٥]، ومن سائر أعضاء جسده.\nوقال الضحاك، عن ابن عباس: ﴿وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ﴾ قال: أنواع العذاب الذي يعذبه الله بها يوم القيامة في نار جهنم، وليس منها نوع إلا [يأتيه الموت] [¬٦] منه لو كان يموت، ولكن لا يموت؛ لأنّ الله تعالى قال: ﴿لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها﴾.\nومعنى كلام ابن عباس، ﵄ [¬٧]: أنه ما من نوع من هذه الأنواع من العذاب إلا إذا ورد عليه اقتضى أن يموت منه لو كان يموت، ولكنه لا يموت ليخلد في دوام العذاب والنكال، ولهذا قال تعالى: ﴿وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ﴾.\nوقوله: ﴿وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ﴾ أي: وله من بعد هذا الحال عذاب آخر غليظ، أي: مؤلم صعب شديد أغلظ من الذي قبله وأدهى [¬٨] وأمر، وهذا كما قال تعالى عن شجرة الزقوم: ﴿إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ (٦٤) طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ (٦٥) فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٦٦) ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ (٦٧) ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ\n_________\n= (٨/ ١٨٢) والبيهقي في \"البعث والنشور\" (٦٠٢) والبغوي في \"شرح السنة\" (٤٤٠٥) كلهم من طريق صفوان بن عمرو، به، وزاد نسبنه السيوطي في \"الدر المنثور\" (٤/ ١٣٨) إلى أبي يعلى وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه.\n_________\n[¬١]- في ت: \"يزدريه\".\n[¬٢]- في خ: \"لحرارته\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"ورائه\".\n[¬٤]- في ت: \"فوقه\".\n[¬٥]- في ت: \"أرجله\".\n[¬٦]- في خ: \"الموت يأتيه\".\n[¬٧]- في خ: \"عنه\".\n[¬٨]- في ز: \"وأوهى\".","vol":"8","page":188},{"text":"لَإِلَى الْجَحِيمِ﴾ فأخبر أنهم تارة يكونون في أكل زقوم، وتارة في شرب حميم، وتارة يردون إلى جحيم [¬١]، عياذًا بالله من ذلك، وهكذا قال تعالى: ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ (٤٣) طَعَامُ الْأَثِيمِ (٤٤) كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ (٤٥) كَغَلْيِ الْحَمِيمِ (٤٦) خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ (٤٧) ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ (٤٨) ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (٤٩) إِنَّ هَذَا مَا كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ﴾، وقال: ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ (٤١) فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ (٤٢) وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ (٤٣) لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ﴾، وقال تعالى: ﴿هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ (٥٥) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمِهَادُ (٥٦) هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ (٥٧) وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾ إلى غير ذلك من الآيات الدالة على تنوع العذاب عليهم، وتكراره وأنواعه وأشكاله مما لا يحصيه إلا الله ﷿ جزاءً وفاقًا ﴿وما ربك بظلام للعبيد﴾.\n﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ (١٨)﴾\nهذا مثل ضربه الله تعالى لأعمال الكفار: الذين عبدوا [مع الله] [¬٢] غيره، وكذبوا رسله، وبنوا أعمالهم على غير أساس صحيح، فانهارت وعدموها أحوج ما كانوا إليها، فقال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ﴾ أي: مثل [أعمال الذين كفروا] [¬٣] يوم القيامة إذا طلبوا ثوابها من الله تعالى، لأنهم كانوا يحسبون أنهم [] [¬٤] على شيء، فلم يجدوا شيئًا، ولا ألفوا حاصلًا إلا كما يتحصل من الرماد إذا اشتدت به الريح العاصفة ﴿في يوم عاصف﴾ أي: ذي ريح شديدة [¬٥] عاصفة قوية، [فلا يقدرون] [¬٦] على [شيء من أعمالهم التي كسبوا في الدنيا، إلا كما يقدرون على] [¬٧] جمع هذا الرماد في هذا اليوم، [كما قال تعالى] [¬٨]: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾، وقال [¬٩] تعالى: ﴿مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ\n_________\n[¬١]- في خ: \"الجحيم\".\n[¬٢]- في ت: \"معه\".\n[¬٣]- في ما بين المعكوفين في ت: \"أعمالهم\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين في ت: كانوا.\n[¬٥]- سقط من: ز.\n[¬٦]- في ت: \"فلم يقدروا\".\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٨]- في ت: \"كقوله تعالى\".\n[¬٩]- في ت: \"وقوله\".","vol":"8","page":189},{"text":"صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾.\nوقوله [¬١] في هذه الآية: ﴿ذلك هو الضلال البعيد﴾ أي: سعيهم وعملهم على غير أساس ولا استقامة، حتى فقدوا ثوابهم أحوج ما كانوا إليه ﴿ذلك هو الضلال البعيد﴾.\n﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (١٩) وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (٢٠)﴾\nيقول تعالى مخبرًا عن قدرته على معاد الأبدان يوم القيامة بأنه خلق السموات والأرض التي هي أكبر من خلق الناس، أفليس الذي قدر على خلق هذه السموات في ارتفاعها واتساعها وعظمتها، وما فيها من الكواكب الثوابت والسيارات، والحركات المختلفات، والآيات الباهرات، وهذه الأرض بما فيها من مهاد ووهاد وأوتاد، وبراري وصحاري، وقفار وبحار، وأشجار ونبات وحيوان، على اختلاف أصنافها ومنافعها وأشكالها وألونها ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٧٧) وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩) الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (٨٠) أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (٨١) إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢) فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾.\nوقوله: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (١٦) وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ أي: بعظيم ولا ممتنع، بل هو سهل عليه إذا خالفتم أمره، [أن يذهبكم ويأت بآخرين على غير صفتكم؛ كما قال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [¬٢] * إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (١٦) وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (١٧)﴾، وقال: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ (٣٨)﴾، وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾، وقال: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾ [أَيُّهَا النَّاسُ] [¬٣] وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا﴾.\n_________\n[¬١]- في خ: \"وقال\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.","vol":"8","page":190},{"text":"﴿وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا فَقَال الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيءٍ قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَينَاكُمْ سَوَاءٌ عَلَينَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ (٢١)﴾\nيقول تعالى [¬١]: ﴿وبرزوا﴾ أي: برزت الخلائق كلها؛ برها وفاجرها لله الواحد القهار، أي: اجتمعوا له في براز من الأرض، وهو المكان الذي ليس [¬٢] فيه شيء يستر أحدًا.\n﴿فقال الضعفاء﴾ وهم الأتباع لقادتهم وسادتهم وكبرائهم ﴿للذين استكبروا﴾ عن عبادة الله وحده لا شريك له، وعن موافقة الرسل فقالوا [¬٣] لهم: ﴿إنا كنا لكم تبعًا﴾ أي: مهما أمرتمونا ائتمرنا وفعلنا ﴿فهل أنتم مغنون عنا من عذاب الله من شيء﴾ أي: فهل تدفعون عنا شيئًا من عذاب الله كما كنتم تعدوننا وتمنوننا؟ فقالت القادة لهم: ﴿لو هدانا الله لهديناكم﴾ ولكن حق علينا قول ربنا، وسبق فينا وفيكم قدر الله، وحقت كلمة العذاب على الكافرين.\n﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ﴾ أي: ليس لنا خلاص مما نحن فيه إن صبرنا عليه أو جزعنا منه.\nقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: إن أهل النار قال بعضهم لبعض: تعالوا فإنما أدرك أهل الجنة الجنة ببكائهم وتضرعهم إلى الله ﷿، تعالوا نبك ونتضرع إلى الله، فبكوا وتضرعوا، فلما رأوا ذلك لا ينفعهم قالوا: [تعالوا فإنما] [¬٤] أدرك أهل الجنة الجنة بالصبر، تعالوا حتى نصبر، فصبروا صبرًا لم ير مثله، فلم ينفعهم ذلك فعند ذلك قالوا: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ﴾.\nقلت: والظاهر أن هذه المراجعة في النار بعد دخولهم إليها، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ (٤٧) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ﴾، وقال\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- في خ: \"يستر\".\n[¬٣]- في ت: \"قالوا\".\n[¬٤]- في ت: \"إنما\".","vol":"8","page":191},{"text":"تعالى: ﴿قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ (٣٨) وَقَالَتْ أُولَاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿[يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَالَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا (٦٦) وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا] [¬١] وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا (٦٧) رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا [¬٢]﴾ \".\nوأما تخاصمهم في المحشر فقال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ (٣١) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ (٣٢) وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ [¬٣] إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.\n﴿وَقَال الشَّيطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إلا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٢) وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ (٢٣)﴾\nيخبر تعالى عما خاطب به إبليس أتباعه بعد ما قضى الله بين عباده، فأدخل المؤمنين الجنات، وأسكن الكافرين الدركات، فقام فيهم إبليس، لعنه الله، يومئذ خطبيًا، ليزيدهم حزنا إلى حزنهم، وغبنا إلى غبنهم، وحسرة إلى حسرتهم، فقال: ﴿إن الله وعدكم وعد الحق﴾ أي: على ألسنة رسله، ووعدكم في اتباعهم النجاة والسلامة، وكان وعدًا\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٢]- في ز، خ: \"كثيرًا\".\n[¬٣]- في خ: \"تجزون\".","vol":"8","page":192},{"text":"حقا وخبرًا صدقًا، وأما أنا فوعدتكم فأخلفتكم؛ كما قال الله [¬١] تعالى: ﴿يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورًا﴾.\nثم قال: ﴿وما كان لي عليكم من سلطان﴾ أي: ما كان لي عليكم فيما دعوتكم إليه من دليل ولا حجة على صدق ما وعدتكم به ﴿إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي﴾ بمجرد ذلك، هذا وقد أقامت عليكم الرسل الحجج والأدلة الصحيحة على صدق ما جاءوكم به، فخالفتموهم فصرتم إلى ما أنتم فيه ﴿فلا تلوموني﴾ اليوم ﴿ولوموا أنفسكم﴾ فإن الذنب لكم لكونكم خالفتم الحجج، واتبعتموني بمجرد ما دعوتكم السنن الباطل ﴿ما أنا بمصرخكم﴾ أي: بنافعكم فمنقذكم [¬٢] ومخلصكم مما أنتم فيه ﴿وما أنتم بمصرخي﴾ أي: بنافعي بإنقاذي مما أنا فيه من العذاب والنكال ﴿إني كفرت بما أشركتمون من قبل﴾.\nقال قتادة: أي: بسبب ما أشركتمون من قبل.\nوقال ابن جرير: يقول: إني جحدت أن [¬٣] أكون شريكًا لله ﷿.\nوهذا الذي قاله هو الراجح، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ (٦)﴾، وقال: ﴿كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾.\nوقوله: ﴿إن الظالمين﴾ أي: في إعراضهم عن الحق، واتباعهم الباطل ﴿لهم عذاب أليم﴾.\nوالظاهر من سياق الآية: أن هذه الخطبة تكون من إبليس بعد دخولهم النار كما قدمنا، ولكن قد ورد في حديث رواه ابن أبي حاتم -وهذا لفظه- وابن جرير (^١٩): من رواية عبد الرحمن بن زياد، حدثني دخين [¬٤] الحجري، عن عقبة بن عامر، عن رسول الله،\n_________\n(^١٩) - إسناده ضعيف لضعف عبد الرحمن بن زياد، أخرجه ابن جرير (١٣/ ٢٠١)، والبخاري في \"خلق أفعال العباد\" (٦٠٦)، والدارمي (٢٨٠٧)، وابن المبارك في \"الزهد\" (٣٧٤ - زوائد نعيم بن حماد)، والطبراني في \"الكبير\" (١٧/ ٨٨٧)، وضعف إسناده السيوطي في \"الدر المنثور\" (٤/ ١٤٠)، وزاد نسبته إلى ابن مردويه وابن عساكر، وقال الهيثمي في \"المجمع\" (١٠/ ٣٧٩): \"رواه الطبراني وفيه عبد الرحمن بن زياد بن أنعم وهو ضعيف\".\n_________\n[¬١]- زيادة من: خ.\n[¬٢]- في خ: \"ومنقذكم\".\n[¬٣]- سقط من: \"ت\".\n[¬٤]- في خ: \"دحين\".","vol":"8","page":193},{"text":"ﷺ، أنه قال: \"إذا جمع الله الأولين والآخرين، فقضى بينهم ففرغ من القضاء، قال المؤمنون: قد قضى بيننا ربنا فمن يشفع لنا؟ فيقولون: انطلقوا بنا إلى آدم- وذكر نوحًا، وإبراهيم، وموسى، وعيسى- فيقول عيسى: أدلكم على النبي الأمي، فيأتوني فيأذن الله لي أن أقوم إليه، فيثور من مجلسي من أطيب ريح شمها أحد قط، حتى آتي ربي فيشفعني، ويجعل لي نورًا من شعر رأسي إلى ظفر قدمي، ثم يقول الكافرون: هذا قد وجد المؤمنون من يشفع لهم فمن يشفع لنا؟ ما هو إلا إبليس هو الذي أضلنا؛ فيأتون إبليس فيقولون: قد وجد المؤمنون من يشفع لهم، فقم أنت فاشفع لنا؛ فإنك أنت أضللتنا، فيقوم فيثور من مجلسه من أنتن ريح شمها أحد قط، ثم [يعظم نحيبهم] ويقول الشيطان لما قضى الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان في عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم\".\nوهذا سياق ابن أبي حاتم. ورواه ابن المبارك، عن رشدين [¬١] بن سعد، عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم، عن دخين [¬٢]، عن عقبة به مرفوعًا.\nوقال محمد بن كعب القرظي ﵀: لما قال أهل النار: ﴿سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص﴾ قال لهم إبليس: ﴿إن الله وعدكم وعد الحق﴾ الآية، فلما سمعوا مقالته مقتوا أنفسهم فنودوا: ﴿لمقت الله أكبر من مقتكم أنفسكم إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون﴾.\nوقال عامر الشعبي: يقوم خطبان [¬٣] يوم القيامة على رءوس الناس، يقول الله تعالى لعيسى ابن مريم: ﴿أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله﴾؟ - إلى قوله- ﴿قال الله هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم﴾ قال: ويقوم إبليس، لعنه الله، فيقول: ﴿ما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي﴾ الآية.\nثم لما ذكر تعالى مآل الأشقياء وما صاروا إليه من الخزي والنكال، وأن خطبهم إبليس، عطف بحال [¬٤] السعداء [وأنهم يدخلون يوم القيامة] [¬٥] جنات تجري من تحتها الأنهار سارحة فيها حيث ساروا وأين ساروا ﴿خالدين فيها﴾ ماكثين أبدًا لا يحولون ولا يزولون\n_________\n[¬١]- في ز: \"رشد\".\n[¬٢]- في خ: \"دحين\".\n[¬٣]- في ز: \"خطبتان\".\n[¬٤]- في ت: \"بمآل\".\n[¬٥]- في ت: \"وأدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات\".","vol":"8","page":194},{"text":"﴿بإذن ربهم تحيتهم فيها سلام﴾، كما قال تعالى: ﴿حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها وقال لهم خزنتها سلام عليكم﴾، وقال تعالى: ﴿والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم﴾، وقال تعالى: ﴿ويلقون فيها تحية وسلاما﴾، وقال تعالى: ﴿دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين﴾.\n﴿أَلَمْ تَرَ كَيفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (٢٤) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَال لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٥) وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ (٢٦)﴾\nقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: ﴿مثلًا كلمة طيبة﴾ شهادة أن لا إله إلا الله ﴿كشجرة طيبة﴾ وهو المؤمن ﴿أصلها ثابت﴾ يقول: لا إله إلا الله في قلب المؤمن ﴿وفروعها في السماء﴾ يقول: يرفع بها عمل المؤمن إلى السماء.\nوهكذا [¬١] قال الضحاك وسعيد بن جبير وعكرمة وقتادة وغير واحد: إن ذلك عبارة عن المؤمن وقوله الطيب وعمله الصالح، وإن المؤمن كشجرة من النخل لا يزال يرفع له عمل صالح في كل حين ووقت، وصباح ومساء.\nوهكذا رواه السدي، عن مرة، عن ابن مسعود قال: هي النخلة.\nوشعبة، عن معاوية بن قرة، عن أنس: هي النخلة.\nوحماد بن سلمة، عن شعيب بن الحَبْحَاب، عن أنس: أن رسول الله، ﷺ، أتي بقناع [¬٢] بُشر فقرأ ﴿مثلًا [¬٣]، كلمة طيبة كشجرة طيبة﴾ قال: \"هي النخلة\" (^٢٠).\n_________\n(^٢٠) - رجاله ثقات، أخرجه النسائي في \"التفسير\" (٦/ ١١٢٦٢) بهذا اللفظ، وبنحوه أخرجه الترمذي كتاب \"التفسير\" باب: ومن سورة إبراهيم ﵇ (٣١١٨)، وأبو يعلى (٧/ ٤١٦٥) - وعنه ابن حبان (٢/ ٤٧٥) -، وابن جرير (١٣/ ٢٠٥)، وابن أبي حاتم- ويأتي برقم (٢٤) -، وصححه الحاكم على شرط مسلم (٢/ ٣٥٢) ووافقه الذهبي، وقد أعل بالوقف فانظر ما بعده.\n_________\n[¬١]- في خ: \"هكذا\".\n[¬٢]- القناع: الطبق يعمل من عُسُبِ النخل.\n[¬٣]- في ز، خ: \"ومثل\".","vol":"8","page":195},{"text":"وروي من هذا الوجه ومن غيره عن أنس موقوفًا (^٢١)؛ وكذا نص عليه مسروق ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير والضحاك وقتادة وغيرهم.\nوقال البخاري (^٢٢): حدثنا عبيد بن إسماعيل، عن أبي أسامة، عن عبيد الله، عن نافع عن ابن عمر؛ قال: كنا عند رسول الله، ﷺ، فقال: \"أخبروني بشجرة تشبه -أو- كالرجل المسلم، لا يتحاتُّ ورقها [لا صيفًا ولا شتاء، و] [¬١] تؤتي أكلها كل [حين بإذن ربها] [¬٢] \". قال ابن عمر: فوقع في نفسي أنها النخلة، ورأيت أبا بكر وعمر لا يتكلمان، فكرهت أن أتكلم، فلما لم يقولوا شيئًا قال رسول الله، ﷺ: \"هي النخلة\". فلما قمنا قلت لعمر [¬٣]: يا أبتاه، والله لقد كان وقع في نفسي أنها النخلة. قال: ما منعك أن تكلم [¬٤]؟ [قلت: لم] [¬٥] أركم تتكلمون [¬٦]، فكرهت أن أتكلم، أو أقول شيئًا، قال عمر: لأن تكون قلتها أحب إلي من كذا وكذا.\nوقال أحمد (^٢٣): حدثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: صحبت ابن عمر إلى المدينة، فلم أسمعه يحدث عن رسول الله، ﷺ، إلا حديثًا واحدًا، قال: كنا عند رسول الله، ﷺ، فأتي بجُمَّار فقال: \"إن من الشجر شجرة مَثَلُها كمثل الرجل المسلم\". فأردتُ أن أقول: هي النخلة، فنظرت فإذا أنا أصغر القوم فسكت [¬٧]، فقال رسول الله، ﷺ: \"هي النخلة\" أخرجاه.\n_________\n(^٢١) - كلام ابن كثير يوحي بأن حماد بن سلمة رواه موقوفًا، ولم أقف على ذلك -والله أعلم- لكن أوقفه غير واحد عن شعيب أخرج ذلك الترمذي (عقب حديث ٣١١٨)، وابن جرير (١٣/ ٢٠٥، ٢١١)، وزاد نسبته السيوطي في \"الدر المنثور\" (٤/ ١٤٣) إلى عبد الرزاق، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والرامهرمزي في \"الأمثال\"، وقال الترمذي: \"وهذا أصح من حديث حماد بن سلمة، وروى غير واحد مثل هذا موقوفًا، ولا نعلم أحدًا رفعه غير حماد بن سلمة، ورواه معمر وحماد بن زيد وغير واحد ولم يرفعوه\".\n(^٢٢) - صحيح البخاري كتاب: \"التفسير\"، سورة إبراهيم (٤٦٩٨)، والحديث عند مسلم: كتاب صفات المنافقين وأحكامهم، باب: مثل المؤمن مثل النخلة (٦٣، ٦٤) (٢٨١١).\n(^٢٣) - صحيح، \"المسند\" (٢/ ١٢)، وأخرجه البخاري كتاب: العلم، باب: الفَهْمِ في العلم (٧٢)، ومسلم (٢٨١١).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- سقط من: خ.\n[¬٤]- في ت: \"تتكلم\".\n[¬٥]- في خ: \"قال: ألم\".\n[¬٦]- في ت: \"تكلمون\".\n[¬٧]- سقط من: ز، خ.","vol":"8","page":196},{"text":"وقال مالك وعبد العزيز (^٢٤): عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر قال: قال رسول الله، ﷺ، يومًا لأصحابه: \"إن من الشجر شجرة لا يطرح ورقها مثل المؤمن\". قال: فوقع الناس في شجر البوادي، ووقع في قلبي أنها النخلة، [فاستحييت حتى قال رسول الله، ﷺ: \"هي النخلة\"] [¬١] أخرجاه أيضًا.\nوقال ابن أبي حاتم (^٢٥): حدثنا أبي حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا أبان -يعني ابن يزيد [¬٢] العطار- حدثنا قتادة: أن رجلًا قال: يا رسول الله، ذهب أهل الدثور [¬٣] بالأجور. فقال: \"أرأيت لو عمد إلى متاع الدنيا، فركب بعضها على بعض أكان [¬٤] يبلغ السماء؟ أفلا أخبرك بعمل أصله في الأرض وفرعه في السماء؟ \" قال: ما هو يا رسول الله؟ قال: \"تقول لا إله إلا الله، والله أكبر، وسبحان الله، والحمد لله، عشر مرات في دبر كل صلاة، فذاك أصله في الأرض وفرعه في السماء\".\nوعن ابن عباس ﴿كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾ قال: هي شجرة في الجنة وقوله: ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ﴾ قيل [¬٥]: غدوة وعشيًّا [¬٦]، وقيل: كل شهر، وقيل: [كل سنة شهرين] [¬٧]، وقيل: كل ستة أشهر، وقيل: كل سبعة أشهر، وقيل: كل سنة.\nوالظاهر من السياق: أن المؤمن مثله كمثل شجرة لا يزال يوجد منها ثمر في كل وقت؛ من صيف أو شتاء، أو ليل أو نهار، كذلك المؤمن لا يزال يرفع له عمل صالح آناء الليل وأطراف النهار، في كل وقت وحين.\n﴿بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾ أي: كاملًا حسنًا كثيرًا طيبًا ﴿وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَال لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ\n_________\n(^٢٤) - صحيح، طريق مالك عند أحمد (٢/ ٦١)، والبخاري كتاب: العلم، باب: الحياء في العلم (١٣١)، والترمذي كتاب: الأمثال، باب: ما جاء في مثل المؤمن القارئ للقرآن وغير القارئ (٢٨٧١). وطريق عبد العزيز عند أحمد (٢/ ١٢٣)، ولم يخرج مسلم أيًّا من الطريقين، فعزو ابن كثير الحديث له سهو. والله تعالى أعلم.\n(^٢٥) - رجاله ثقات رجال الشيخين غير أنه مرسل، ولبعض ألفاظه شاهد عند البخاري (٨٤٣) ومسلم (١٤٢) (٥٩٥) وغيرهما من حديث أبي هريرة مرفوعًا.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في خ: \"زيد\".\n[¬٣]- الدثور: جمع دثر، وهو المال الكثير.\n[¬٤]- في ز: \"لكان\"، خ: \"فكان\".\n[¬٥]- في خ: \"قال\".\n[¬٦]- في خ: \"وعشية\".\n[¬٧]- في ت: \"كل شهرين\".","vol":"8","page":197},{"text":"يَتَذَكَّرُونَ﴾.\nوقوله تعالى [¬١]: ﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ﴾ هذا مثل كفر الكافر [¬٢]، لا أصل له ولا ثبات وشبه بشجرة الحنظل، ويقال لها: الشريان [¬٣]، [رواه شعبة، عن معاوية بن قرة، عن أنس بن مالك \"أنها شجرة الحنظل] [¬٤] \".\nوقال أبو بكر البزار الحافظ (^٢٦): حدثنا يحيى بن محمد بن [¬٥] السكن، حدثنا أبو زيد سعيد بن الربيع، حدثنا شعبة، عن معاوية بن قرة، عن أنس -أحسبه رفعه- قال: ﴿مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾ قال: \"هي النخلة\" ﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ﴾ قال: \"هي الشَّرْيان [¬٦] \".\nثم رواه عن محمد بن المثنى، عن غندر عن شعبة، عن معاوية عن أنس موقوفًا.\nوقال ابن أبي حاتم (^٢٧): حدثنا أبي، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد -هو ابن سلمة- عن شعيب بن الحبحاب، عن أنس بن مالك أن النبي، ﷺ، قال: \" ﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ﴾ هي: الحنظلة\". فأخبرت بذلك أبا العالية فقال: هكذا كنا نسمع.\nورواه ابن جرير (^٢٨): من حديث حماد بن سلمة، به. ورواه أبو يعلى في مسنده بأبسط من هذا فقال (^٢٩):\nحَدَّثنا غسان، عن حماد، عن شعيب، عن أنس: أن رسول الله، ﷺ، أتي بقناع عليه بُسْر فقال: ﴿مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (٢٤) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾ فقال: \"هي النخلة\" ﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ﴾ قال: \"هي الحنظل [¬٧] \" قال\n_________\n(^٢٦) - رجاله ثقات مترجم لهم في \"التهذيب\" لكن الحديث أعل بالوقف، فانظر ما تقدم برقم (١٧، ١٨).\n(^٢٧) - رجاله ثقات، انظر ما تقدم برقم (١٧، ١٨).\n(^٢٨) - كسابقه، تفسير ابن جرير (١٣/ ٢٠٥)، وانظر السابق.\n(^٢٩) - كسابقه، مسند أبي يعلى (٧/ ٤١٦٥)، وانظر السابق.\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- في خ: \"المكلف\".\n[¬٣]- في خ: \"الشربان\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- سقط من: خ.\n[¬٦]- في ز: \"الشربان\".\n[¬٧]- في ت: \"الحنظلة\".","vol":"8","page":198},{"text":"شعيب: فأخبرت بذلك أبا العالية فقال: كذلك كنا نسمع.\nوقوله: ﴿اجْتُثَّتْ﴾ أي: استؤصلت ﴿مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ﴾ أي: لا أصل لها ولا ثبات، كذلك الكفر لا أصل له ولا فرع، ولا يصعد للكافر عمل، ولا يتقبل منه شيء.\n﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ (٢٧)﴾\nقال البخاري (^٣٠): حدثنا أبو الوليد، حدثنا شعبة، أخبرني علقمة بن مرثد، قال: سمعت سعد بن عبيدة، عن البراء بن عازب ﵁، أن رسول الله، ﷺ، قال: \"المسلم إذا سئل في القبر شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فذلك قوله: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾.\nورواه مسلم أيضًا وبقية الجماعة كلهم: من حديث شعبة، به (^٣١).\nوقال الإِمام أحمد (^٣٢): حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن زاذان، عن البراء بن عازب؛ قال: خرجنا مع رسول الله، ﷺ، في جنازة رجل من الأنصار، فانتهينا إلى القبر ولمَّا يُلْحَد، فجلس رسول الله، ﷺ، وجلسنا حوله وكأنّ على رءوسنا الطير، وفي يده عود ينكت [¬١] به في الأرض، فرفع رأسه فقال: \"استعيذوا بالله من عذاب القبر! \". مرتين أو ثلاثًا، ثم قال: \"إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة، نزل إليه ملائكة من السماء\n_________\n(^٣٠) - صحيح البخاري كتاب: \"التفسير\"، باب: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ (٤٦٩٩).\n(^٣١) - أخرجه مسلم، كتاب: الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب: عرض مقعد الميت من الجنة أو النار عليه وإثبات عذاب القبر، والتعوذ منه (٧٣) (٢٨٧١). وأبو داود، كتاب: السنة، باب: في المسألة في القبر وعذاب القبر (٤٧٥٠). والترمذي، كتاب: تفسير القرآن، باب: ومن سورة إبراهيم ﵇ (٣١١٩). والنسائي، كتاب: الجنائز، باب: عذاب القبر (٤/ ١٠١ - ١٠٢). وابن ماجة، كتاب: الزهد، باب: ذكر القبر والبلى (٤٢٦٩).\n(^٣٢) - تقدم تخريجه [سورة الأعراف / آية ٤٠].\n_________\n[¬١]- في خ: \"ينكث\".","vol":"8","page":199},{"text":"بيض الوجوه، كأن وجوههم الشمس، معهم كفن من أكفان الجنة، وحنوط من حنوط الجنة، حتى يجلسوا منه مدّ البصر، ثم يجيء ملك الموت، ﵇، حتى يجلس عند رأسه، فيقول: أيتها النفس الطيبة، اخرجي إلى مغفرة من [¬١] الله ورضوان قال: فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من فيّ السقاء، فيأخذها فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين، حتى يأخذوها فيجعلوها في ذلك الكفن وفي ذلك الحنوط، ويخرج منها كأطيب نفحة مسك وجدت على وجه الأرض، قال: فيصعدون بها فلا يمرون بها يعني على ملإ [¬٢] من الملائكة إلا قالوا: ما هذا [¬٣] الروح الطيب [¬٤]؟ فيقولون: فلان بن فلان، بأحسن أسمائه التي كانوا [¬٥] يسمونه بها في الدنيا، حتى ينتهوا به إلى السماء الدنيا، فيستفتحون له فيفتح له، فيشيعه [¬٦] من كل سماء مقربوها إلى السماء التي تليها، حتى يُنتهى بها إلى السماء السابعة، فيقول الله: اكتبوا كتاب عبدي في عليين، وأعيدوه إلى الأرض، فإني منها خلقتهم وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخرى.\nقال: فتعاد روحه [في جسده] [¬٧]، فيأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له: من ربك؟ فيقول: ربي الله. فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: ديني الإِسلام. فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هو رسول الله فيقولان له: وما علمك؟ فيقول: قرأت كتاب الله فآمنت به وصدقت. فينادي مناد من السماء: أن صدق عبدي فافرشوه من الجنة، وألبسوه من الجنة، وافتحوا له بابا إلى الجنة. قال: فيأتيه من روحها [¬٨] وطيبها، ويفسح له في قبره مد بصره، قال ويأتيه رجل حسن الوجه، حسن الثياب، طيب الريح، فيقول [¬٩]: أبشر بالذي يسرك، هذا يومك الذي كنت توعد، فيقول له: من أنت؟ فوجهك الوجه يجيء [¬١٠]، بالخير. فيقول: أنا عملك الصالح. فيقول: [رب؛ أقم الساعة، رب؛ أقم الساعة، حتى أرجع إلى أهلي ومالي] [¬١١].\nقال: وإن العبد الكافر إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة، نزل إليه [من السماء ملائكة] سود الوجوه، معهم المُسوح، فيجلسون منه مدّ البصر، ثم يجيء ملك الموت [حتى يجلس] [¬١٢] عند رأسه، فيقول: أيتها النفس الخبيثة، اخرجي إلى\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- في ز، خ: \"ملك\".\n[¬٣]- في خ: \"هذه\".\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- سقط من: ز.\n[¬٦]- سقط من: خ.\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٨]- في خ: \"ريحها\".\n[¬٩]- في خ: \"ويقول\".\n[¬١٠]- في ت: \"الذي يأتي\".\n[¬١١]- ما بين المعكوفتين غير مكررة في المسند.\n[¬١٢]- في خ: \"فيجلس\".","vol":"8","page":200},{"text":"سخط من الله وغضب. قال: فتفرق [¬١] في جسده، فينتزعها كما ينتزع السّفّود من الصوف المبلول، فيأخذها، فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين، حتى يجعلوها في تلك المسوح، وتخرج [¬٢] منها كأنتن ريح جيفة وجدت على وجه الأرض، فيصعدون بها فلا يمرون بها على ملإ من الملائكة إلا قالوا: [ما هذا الروح الخبيث] [¬٣]؟ فيقولون: فلان بن فلان، بأقبح أسمائه التي [كانوا يسمونه] [¬٤] بها في الدنيا، [حتى ينتهى بها إلى السماء الدنيا] [¬٥]، فيستفتح له فلا يفتح له. ثم قرأ رسول الله، ﷺ: ﴿لَا [¬٦] تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ فيقول الله: اكتبوا كتابه في سجين في الأرض السفلى، فتطرح روحه طرحًا. ثم قرأ: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيرُ أَوْ تَهْوي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾.\nفتعاد روحه في جسده، ويأتيه ملكان فيجلسانه ويقولان له: من ربك؟ فيقول هاه هاه، لا أدري. فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: هاه هاه لا أدري. فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هاه هاه، لا أدري. فينادي مناد من السماء: أن كذب عبدي [¬٧] فافرشوه من النار، وافتحوا له بابا إلى النار، فيأتيه من حرها وسمومها، ويضيق عليه قبره حتى تختلف فيه أضلاعه، ويأتيه رجل قبيح الوجه، قبيح الثياب، منتن الريح، فيقول: أبشر بالذي يسوءك، هذا يومك الذي كنت توعد. فيقول: ومن أنت فوجهك الوجه [¬٨] يجيء بالشر؟ فيقول: أنا عملك الخبيث. فيقول: رب؛ لا تقم الساعة\".\nورواه أبو داود: من حديث الأعمش، والنسائي وابن ماجه: من حديث المنهال بن عمرو، به.\nوقال [¬٩] الإِمام أحمد (^٣٣): حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن يونس بن خباب [¬١٠]،\n_________\n(^٣٣) - إسناده ضعيف وهو حديث صحيح، \"المسند\" (٤/ ٢٩٥ - ٢٩٦)، ويونس بن خباب، قال البخاري: \"منكر الحديث\"، وقال ابن معين: لا شيء، وقال أبو حاتم: مضطرب الحديث، ليس بالقوي، وقال النسائي: ليس بثقة، لكن تابعه الأعمش كما في الحديث السابق. وقد تقدم تخريج =\n_________\n[¬١]- في ز: \"فيفرق\".\n[¬٢]- في خ: \"ويخرج\".\n[¬٣]- في ت: \"ما هذه الروح الخبيثة\".\n[¬٤]- في ت: \"كان يُسمى\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- في خ: \"فلا\".\n[¬٧]- سقط من: ز، خ.\n[¬٨]- سقط من: خ.\n[¬٩]- مكانها بياض في: \"ز\"، في خ: \"قال\".\n[¬١٠]- في ز، خ: \"حبيب\".","vol":"8","page":201},{"text":"عن المنهال بن عمرو، عن زاذان، عن البراء بن عازب، ﵁، قال: خرجنا مع رسول الله، ﷺ، إلى جنازة … فذكر نحوه، وفيه: \"حتى إذا خرج [¬١] روحه صلى عليه [¬٢] كل ملك بين السماء والأرض، [وكل ملك في السماء] [¬٣]، وفتحت أبواب السماء، ليس من أهل باب إلا وهم [يدعون إلى الله] [¬٤] ﷿ أن يعرج بروحه من قِبَلِهم\".\nوفي آخره: \"ثم يقيض له أعمى أصم أبكم، وفي يده مرزبة لو ضُرب بها جبل [¬٥] كان [¬٦] ترابًا، فيضربه ضربة فيصير ترابًا، ثم يعيده الله ﷿ كما كان، فيضربه ضربة أخرى، فيصيح صيحة يسمعها [¬٧] كل شيء إلا الثقلين\". قال البراء: ثم يفتح له باب إلى النار، ويمهد له [¬٨] [من فرش] [¬٩] النار.\nوقال سفيان الثوري (^٣٤): عن أبيه، عن خيثمة، عن البراء في قوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ قال: عذاب القبر.\nوقال المسعودي (^٣٥)، عن عبد الله بن مخارق، عن أبيه، عن عبد الله قال: إن المؤمن إذا مات أجلس في قبره، فيقال له: من [¬١٠] ربك؟ ما دينك؟ من نبيك؟ فيثبته الله، فيقول: ربي الله، وديني الإسلام، ونبيي محمد، ﷺ. وقرأ عبد الله: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾.\nوقال الإِمام عبد بن حميد ﵀ في مسنده (^٣٦): حدثنا يونس بن محمد، حدثنا شيبان بن عبد الرحمن، عن [¬١١] قتادة، حدثنا أنس بن مالك؛ قال: قال رسول الله،\n_________\n= طريق يونس والأعمش وطرق أخرى في [سورة الأعراف / ٤٠].\n(^٣٤) - أخرجه مسلم (٧٤) (٢٨٧١)، والنسائي (٤/ ١٠١ - ١٠٢).\n(^٣٥) - أخرجه الطبري في تفسيره (١٣/ ١٤٤)، والطبراني في \"الكبير\" (٩/ ٩١٤٥)، والبيهقي في \"عذاب القبر\" (٩)، والمسعودي ثقة، لكنه اختلط، ويشهد له السابق.\n(^٣٦) - صحيح، \"المنتخب\" لعبد بن حميد (١١٨٠)، وانظر ما بعده.\n_________\n[¬١]- في ت: \"خرجت\".\n[¬٢]- في خ: \"الله\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- في ت: \"يدعون الله\".\n[¬٥]- في ز: \"جبلا\".\n[¬٦]- في ت: \"لكان\".\n[¬٧]- في خ: \"فيسمعه\".\n[¬٨]- سقط من: ز.\n[¬٩]- في خ: \"فراش\".\n[¬١٠]- في خ: \"ما\".\n[¬١١]- في ز: \"بن\".","vol":"8","page":202},{"text":"ﷺ: \"إن العبد إذا وضع في قبره، وتولى عنه أصحابه، وإنه ليسمع قرع نعالهم [¬١]، قال: فيأتيه ملكان فيقعدانه، فيقولان له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ قال: فأما المؤمن فيقول: أشهد أنه عبد الله ورسوله. قال: فيقال له: انظر إلى مقعدك من النار، قد أبدلك الله به مقعدًا من الجنة\". قال [نبي الله] [¬٢]، ﷺ: \"فيراهما [¬٣] جميعا\". قال قتادة: وذكر لنا أنه يفسح له في قبره سبعون ذراعًا، ويملأ عليه خضرًا إلى يوم القيامة.\nرواه مسلم عن عبد بن حميد، به. وأخرجه النسائي: من حديث يونس بن محمد المؤدب، به (^٣٧).\nوقال الإِمام أحمد (^٣٨): حدثنا يحيى بن سعيد، عن ابن جريج، أخبرني أبو الزبير: أنه سأل جابر بن عبد الله عن فتاني القبر؟ فقال: سمعت [رسول الله] [¬٤]، ﷺ، يقول: \"إن هذه الأمة تبتلى في قبورها، فإذا أدخل المؤمن قبره، وتولى عنه أصحابه، جاءه ملك شديد الانتهار، فيقول له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ [فيقول المؤمن: أقول] [¬٥]: إنه رسول الله، ﷺ، وعبده. فيقول له الملك: انظر إلى مقعدك الذي كان لك في النار، قد أنجاك الله منه، وأبدلك بمقعدك الذي ترى من النار مقعدك الذي ترى من [¬٦] الجنة. فيراهما كليهما، فيقول المؤمن: دعوني أبشر أهلي. فيقال له: اسكن. وأما المنافق فيقعد إذا تولى عنه أهله، فيقال له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول: لا أدري، أقول كما [¬٧] يقول الناس. فيقال\n_________\n(^٣٧) - أخرجه مسلم، كتاب: الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب: عرض مقعد الميت من الجنة أو النار … (٧٠) (٢٨٧٠)، والنسائي، كتاب: الجنائز، باب: المسألة في القبر (٤/ ٩٧).\nوأخرجه البخاري: كتاب الجنائز، باب: الميت يسمع خفق النِّعال (١٣٣٨)، ومسلم (٧١) (٢٨٧٠)، وأبو داود، كتاب: الجنائز، باب: المشي في النعل بين القبور (٣٢٣١)، والنسائي (٤/ ٩٦ - ٩٧). من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة به نحوه.\n(^٣٨) - هكذا أورد الحافظ ابن كثير -رحمه الله تعالى- هذا الحديث بهذا الإسناد، لكن ورد هذا الحديث في \"المسند\" (٣/ ٣٤٦) وأطرافه لابن حجر (٢/ ١٨٠٥) وفي كتاب السنة لعبد الله ابن الإمام أحمد، ومن طريق أبيه - ورد الإسناد هكذا: حدثنا موسى بن داود حدثنا ابن لهيعة عن أبي الزبير أنه سأل جابر بن عبد الله … فذكره، وهذا إسناد ضعيف من أجل ابن لهيعة، ثم وقفت على هذا الحديث من طريق =\n_________\n[¬١]- في خ: \"أنعالهم\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في ت: \"النبي\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"فرآهما\".\n[¬٤]- في خ: \"النبي\".\n[¬٥]- في ت: \"فأما المؤمن فيقول\".\n[¬٦]- في خ: \"في\".\n[¬٧]- في المسند ما.","vol":"8","page":203},{"text":"له: لا دريت، هذا مقعدك الذي كان لك من الجنة، قد أبدلت مكانه مقعدك من النار\".\nقال جابر: فسمعت النبي، ﷺ، يقول: \"يبعث كل عبد في القبر على ما مات، المؤمن على إيمانه، والمنافق على نفاقه\".\nإسناده صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه.\nوقال الإِمام أحمد (^٣٩) حدثنا أبو عامر، حدثنا عباد بن راشد، عن داود بن أبي هند، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري قال: شهدنا مع رسول الله، ﷺ، جنازة، فقال رسول الله، ﷺ: \"يا أيها الناس، إن هذه الأمة تبتلى في قبورها، فإذا الإنسان دفن، وتفرق عنه أصحابه، جاءه ملك في يده مطراق، فأقعده قال [¬١]: ما تقول في هذا الرجل؟ فإن كان مؤمنًا قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا [عبده ورسوله] [¬٢]. فيقول له: صدقت. ثم يفتح له بابا إلى النار، فيقول: كان هذا منزلك لو كفرت بربك، فأما إذ آمنت فهذا منزلك. فيفتح له بابا إلى الجنة، فيريد أن ينهض إليه، فيقول له: اسكن. ويفسح له في قبره. وإن كان كافرًا أو منافقًا فيقول له: ما تقول في هذا الرجل؟ فيقول: لا أدري، سمعت الناس يقولون شيئًا، فيقول: لا دريت ولا تليت ولا اهتديت. ثم يفتح له بابا إلى الجنة، فيقول له [¬٣]: هذا منزلك لو آمنت بربك، فأما إذ كفرت به فإن الله ﷿ أبدلك به هذا. فيفتح له بابا إلى النار، ثم يقمعه قمعة بالمطراق، [فيصيح صيحة] [¬٤] يسمعها خلق الله ﷿ كلهم غير الثقلين\" فقال بعض القوم: يا رسول الله، ما أحد يقوم عليه\n_________\n= ابن لهيعة أيضًا عند الطبراني في \"الأوسط\" (٩/ ٩٠٧٦) وابن أبي زمنين في \"أصول السنة\" رقم (٨١)، وذكره الهيثمي في \"المجمع\" (٣/ ٥١) وقال: \"رواه أحمد والطبراني في الأوسط وفيه ابن لهيعة، وفيه كلام، وبقية رجاله ثقات\". ولعل هذا يؤكد سهو الحافظ ابن كثير في هذا الإسناد، والله تعالى أعلم وأخرج مسلم في صحيحه (٨٣) (٢٨٧٨) من طريق الأعمش عن أبي سفيان عن جابر قال: \"سمعت النبي ﷺ يقول: \"يبعث كل عبد على ما مات عليه\" وانظر ما تقدم [سورة الأعراف / آية ٣٠].\n(^٣٩) - إسناده حسن، \"المسند\" (١١٠١٣) (٣/ ٣ - ٤)، وأخرجه أيضًا ابن أبي عاصم في \"السنة\" (٨٦٥)، وابن جرير في تفسيره (١٣/ ٢١٤)، وقال الهيثمي في \"المجمع\" (٣/ ٥٠ - ٥١): \"رواه أحمد والبزار … ورجاله رجال الصحيح\".\nوقوله: \"إن هذه الأمة تبتلى في قبورها\" في صحيح مسلم (٦٧) (٢٨٦٧) من حديث أبي سعيد الخدري عن زيد بن ثابت.\n_________\n[¬١]- في ت: \"فقال\".\n[¬٢]- في خ: \"رسول الله\".\n[¬٣]- سقط من ت.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.","vol":"8","page":204},{"text":"ملك في يده مطراق إلا هَبِلَ [¬١] عند ذلك. فقال رسول الله، ﷺ: \" ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ \".\nوهذا أيضًا إسناد لا بأس به، فإن عباد بن راشد التميمي روى له البخاري مقرونًا، ولكن ضعفه بعضهم.\nوقال الإِمام أحمد (^٤٠): حدثنا حسين بن محمد، عن ابن أبي ذئب، عن محمد بن عمرو بن عطاء، عن سعيد بن يسار، عن أبي هريرة، عن النبي، ﷺ، قال [¬٢]: \"إن الميت تحضره الملائكة، فإذا كان الرجل الصالح، قالوا [¬٣]: اخرجي أيتها النفس الطيبة كانت في الجسد الطيب، اخرجي حميدة وأبشري بروح وريحان ورب غير غضبان. قال: فلا يزال يقال لها ذلك حتى تخرج، ثم يعرج بها إلى السماء فيستفتح لها، فيقال: من هذا؟ فيقال: فلان. فيقولون: مرحبًا بالروح الطيبة كانت في الجسد الطيب، ادخلي حميدة وأبشري بروح وريحان ورب غير غضبان. قال: فلا يزال يقال لها ذلك حتى ينتهى بها إلى السماء التي فيها الله ﷿. وإذا كان الرجل السوء قالوا: اخرجي أيتها النفس الخبيثة كانت في الجسد الخبيث، اخرجي ذميمة وأبشري بحميم وغساق وآخر من شكله أزواج، فلا يزال يقال لها ذلك حتى تخرج، ثم يعرج بها إلى السماء فيستفتح لها، فيقال: من هذا؟ فيقال: فلان. فيقال: لا مرحبًا بالنفس الخبيثة كانت في الجسد الخبيث، ارجعي ذميمة فإنه [لا يفتح] لك أبواب السماء، فيرسل من السماء، ثم يصير إلى القبر، فيجلس الرجل الصالح\" فيقال له مثل ما قيل في الحديث الأول - ويجلس الرجل السوء فيقال له مثل ما قيل له في الحديث الأول.\nورواه النسائي وابن ماجه: من طريق ابن أبي ذئب بنحوه.\nوفي صحيح مسلم (^٤١): عن أبي هريرة، ﵁، قال: إذا [¬٤] خرجت روح العبد المؤمن، تلقاها ملكان يصعدان بها. قال حماد: فذكر من طيب ريحها وذكر المسك. قال: ويقول أهل السماء: روح طيبة جاءت [¬٥] من قبل الأرض، صلى الله عليك\n_________\n(^٤٠) - إسناده صحيح، \"المسند\" (٢/ ٣٦٤)، والحديث تقدم تخريجه [سورة الأنعام / آية ٦٢].\n(^٤١) - صحيح مسلم كتاب: الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب: عرض مقعد الميت من الجنة أو النار .. (٧٥) (٢٨٧٢).\n_________\n[¬١]- في ز، \"بدون إعجام\"، خ: \"هدله\" واستعار الهبل ها هنا لفقد الميز والعقل ممَّا يراه.\n[¬٢]- زيادة من: ت.\n[¬٣]- في خ: \"قال\".\n[¬٤]- سقط من: ز.\n[¬٥]- في ز، خ: \"جاء\".","vol":"8","page":205},{"text":"وعلى جسد كنت تعمرينه، فينطلق به إلى ربه ﷿، فيقال [¬١]: انطلقوا به إلى آخر الأجل. وإن الكافر إذا خرجت روحه. قال حماد: وذكر من نتنها وذكر لَعْنًا، ويقول أهل السماء: روح خبيثة جاءت من قبل الأرض، قال [¬٢]: فيقال: انطلقوا به إلى آخر الأجل. قال أبو هريرة: فردَّ رسول الله، ﷺ، رَيطَةً [¬٣] كانت عليه على أنفه هكذا.\nوقال ابن حبان في صحيحه (^٤٢): حدثنا عمر بن محمد الهمداني، حدثنا زيد بن أخزم [¬٤]، حدثنا معاذ بن هشام، حدثني أبي، عن قتادة، عن قسامة [¬٥] بن زهير، عن أبي هريرة، عن رسول الله، ﷺ، قال: \"إن المؤمن إذا قُبِضَ أتته ملائكة الرحمة بحريرة بيضاء، فيقولون: اخرجى إلى روح الله، فتخرج كأطيب ريح مسك، حتى إنهم لَيُناولُهُ بعضُهُم بعضًا يشمونه [¬٦]، حتى يأتون به باب السماء، فيقولون: ما هذه [¬٧] الريح الطيبة التي جاءت من قبل الأرض؟! ولا يأتون سماء إلا قالوا مثل ذلك، حتى يأتون به أرواح المؤمنين، فلهم أشد فرحًا به من أهل الغائب بغائبهم، فيقولون: ما فعل فلان، فيقولون: دعوه حتى يستريح فإنه كان في غم، فيقول: قد مات، أما أتاكم؟ فيقولون: ذُهِبَ به إلى أمه الهاوية، وأما الكافر فيأتيه ملائكة العذاب بمسح، فيقولون: اخرجي إلى غضب الله، فتخرج كأنتن ريح جيفة، فيذهب به إلى باب الأرض\".\nوقد روى أيضًا (^٤٣): من طريق همام بن يحيى عن قتادة عن أبي الجوزاء، عن أبي هريرة، عن النبي، ﷺ، بنحوه قال: \"فيسأل: ما فعل فلان؟ ما فعل فلان؟ ما فعلت فلانة؟ قال: وأما الكافر فإذا قبضت نفسه وذهب بها إلى باب الأرض، تقول [¬٨] خزنة الأرض: ما وجدنا ريحًا أنتن من هذه، فتبلُغ بها إلى الأرض\n_________\n(^٤٢) - إسناده صحيح، صحيح ابن حبان كتاب: الجنائز، باب: ذكر الأخبار بأن الأرواح يعرف بعضها بعضًا بعد موت أجسامها (٧/ ٣٠١٤)، وأخرجه أيضًا النسائي، كتاب: الجنائز، باب: ما يلقى به المؤمن من الكرامة عند خروج نفسه (٤/ ٨ - ٩)، وصححه الحاكم (١/ ٣٥٣) ووافقه الذهبي، وهو كما قالا.\n(^٤٣) - كسابقه، ابن حبان في صحيحه، كتاب: الجنائز، باب: ذكر الأخبار عما يُعْمَلُ بروح المؤمن والكافر إذا قُبِضَا (٧/ ٣٠١٣)، وصححه الحاكم (١/ ٣٥٣)، ووافقه الذهبي وهو كما قالا، وانظر ما قبله.\n_________\n[¬١]- في خ: \"فيقول\".\n[¬٢]- سقط من: ت.\n[¬٣]- الريطة: كل ثوب لين رقيق.\n[¬٤]- في ز، خ: \"أخرم\".\n[¬٥]- في ز: \"قسام\".\n[¬٦]- في خ: \"يسمونه\".\n[¬٧]- في ز: \"هذا\".\n[¬٨]- في خ: \"يقول\".","vol":"8","page":206},{"text":"السفلى\".\nقال قتادة: وحدثني رجل، عن سعيد بن المسيب، عن عبد الله بن عمرو؛ قال: أرواح المؤمنين تجمع بالجابيتين [¬١]، وأرواح الكفار تجمع بِبَرَهُوتَ سبخةٌ بحضرموت [] [¬٢].\nوقال الحافظ أبو عيسى الترمذي، ﵀ (^٤٤): حدثنا يحيى بن خلف، حدثنا بشر بن المفضل، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله، ﷺ: \"إذا قبر الميت -أو قال: أحدكم- أتاه ملكان أسودان أزرقان، يقال لأحدهما المنكر والآخر النكير، فيقولان: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول ما كان يقول: هو عبد الله ورسوله، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، فيقولان: قد كنا نعلم أنك تقول هذا. ثم يفسح له في قبره سبعون ذراعًا في سبعين، ثم ينوّر له فيه، ثم يقال له [¬٣]: نم. فيقول: أرجع إلى أهلي فأخبرهم. فيقولان: نم كنومة العروس الذي [¬٤] لا يوقظه إلا أحب أهله إليه، حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك، وإن كان منافقًا قال: سمعت الناس يقولون فقلت مثله، لا أدري. فيقولان: قد كنا نعلم أنك تقول ذلك. ويقال [¬٥] للأرض: التئمي عليه، فتلتئم عليه فتختلف أضلاعه، فلا يزال فيها [¬٦] معذبًا حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك\". ثم قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب.\nوقال حماد بن سلمة (^٤٥): عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله، ﷺ: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ قال: \"ذاك إذا قيل له في القبر: من ربك؟ وما دينك؟ [ومن نبيك] [¬٧]؟ فيقول: ربي الله، وديني الإِسلام، ونبيى محمد، جاءنا بالبينات\n_________\n(^٤٤) - إسناده قوي، \"الجامع\" للترمذي، كتاب: الجنائز، باب: ما جاء في عذاب القبر (١٠٧١)، وأخرجه أيضًا ابن أبي عاصم في \"السنة\" (٢/ ٨٦٤)، وقال الترمذي: \"حديث حسن غريب\" وصححه ابن حبان (٧/ ٣١١٧) وجَوّد إسناده الألباني في \"الصحيحة\" (٣/ ١٣٩١) إذ إن عبد الرحمن بن إسحاق - وهو العامري - تكلم فيه بعضهم.\n(^٤٥) - إسناده حسن، أخرجه ابن جرير في تفسيره (١٣/ ٢١٥)، وزاد نسبته السيوطي في \"الدر المنثور\" (٤/ ١٥٠) إلى ابن مردويه، وبنحوه أخرجه الطبراني في \"الأوسط\" (٥/ ٤٦٢) وفي إسناده ابن لهيعة.\n_________\n[¬١]- في ت: \"بالجابية\".\n[¬٢]- في خ: \"ثم يضيف عليه قبره\" وضبب عليها في ز.\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- سقط من: ز.\n[¬٥]- في ت: \"فيقال\".\n[¬٦]- سقط من: خ.\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.","vol":"8","page":207},{"text":"من عند الله فآمنت به وصدقت. فيقال له: صدقت، على هذا عشت، وعليه مت، وعليه تُبعث\".\nوقال ابن جرير (^٤٦): حدثنا مجاهد بن موسى والحسن بن محمد، قالا: حدثنا يزيد، أنا محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة [﵁، عن النبي، ﷺ، قال: \"والذي نفسي بيده] [¬١]، إن الميت ليسمع خفق نعالهم [¬٢] حين يولون عنه مدبرين، فإذا [¬٣] كان مؤمنًا كانت الصلاة عند رأسه، والزكاة عن يمينه، والصيام عن يساره، وكان فعل الخيرات من الصدقة والصلة والمعروف والإحسان إلى الناس عند رجليه، فيؤتى من عند [¬٤] رأسه فتقول الصلاة: ما قبلي مدخل، فيؤتى [من] [¬٥] عن يمينه فتقول الزكاة: ما قبلي مدخل، فيؤتى عن يساره فيقول الصيام: ما قبلي مدخل، فيؤتي من [¬٦] عند رجليه فيقول [¬٧] فعل الخيرات: ما قبلي مدخل، فيقال: اجلس، فيجلس قد مثلت [¬٨] له الشمس قد دنت للغروب، فيقال له: أخبرنا عما نسألك، فيقول: [دعني، دعني] [¬٩] حتى أصلي، فيقال له: إنك ستفعل، فأخبرنا عما نسألك، فيقول: عم [¬١٠] تسألوني؟ فيقال: أرأيت هذا الرجل الذي كان فيكم ماذا تقول فيه؟ وماذا تشهد به عليه؟ فيقول: أمحمد؟ فيقال له: نعم، فيقول: أشهد أنه رسول الله، وأنه جاءنا بالبينات من عند الله فصدقناه، فيقال له: على ذلك حييت، وعلى ذلك مت، [وعلى ذلك] [¬١١] تبعث إن شاء الله، ثم يفسح له في قبره سبعون ذراعًا وينوّر له فيه، ويفتح له باب إلى الجنة، فيقال له: انظر إلى ما أعبد الله لك فيها، فيزداد غبطة وسرورًا [¬١٢]، ثم تجعل نسمته في النسم الطيب: [وهي طير\n_________\n(^٤٦) - إسناده حسن، ابن جرير في تفسيره (١٣/ ٢١٥ - ٢١٦)، وأخرجه أيضًا عبد الرزاق في \"المصنف\" (٣/ ٦٧٠٣)، وابن أبي شيبة (٣/ ٢٥٨ - ٢٥٩) عن أبي هريرة موقوفًا، وهو مرفوع عند الطبراني في \"الأوسط\" (٣/ ٢٦٣٠)، وهناد في \"الزهد\" (١/ ٣٣٨)، والبيهقي في \"عذاب القبر\" (٥٨) وحسن إسناده الهيثمي في \"المجمع\" (٣/ ٥٥)، وصححه ابن حبان (٧/ ٣١١٣)، والحاكم (١/ ٣٧٩ - ٣٨٠) ووافقه الذهبي، وهو حسن فحسب، للكلام المعروف في محمد بن عمرو، وهو ابن علقمة بن وقاص الليثي.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"قال\".\n[¬٢]- في خ: \"نعالي\".\n[¬٣]- في خ: \"فإن\".\n[¬٤]- في ت: \"قبل\".\n[¬٥]- سقط من خ.\n[¬٦]- سقط من: ت.\n[¬٧]- في ز: \"فتقول\".\n[¬٨]- في خ: \"تمثلت\"، والمثبت من: ز.\n[¬٩]- في ابن جرير: \"دعوني\".\n[¬١٠]- في خ: \"وعم\".\n[¬١١]- ما بين المعكوفتين في ت: \"وعليه\".\n[¬١٢]- سقط من: ز، خ.","vol":"8","page":208},{"text":"خُضْرٌ تُعلق] [¬١] بشجر الجنة، ويعاد الجسد إلى ما بدئ منه [¬٢] من التراب\". وذلك قول الله [﷿] [¬٣]: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾.\nرواه ابن حبان: من طريق المعتمر بن سليمان، عن محمد بن عمرو، وذكر جواب الكافر وعذابه.\nوقال البزار (^٤٧): حدثنا سعيد بن بحر القراطيسي، حدثنا الوليد بن القاسم، حدثنا يزيد بن كيسان، عن أبي حازم، عن أبي هريرة - أحسبه رفعه - قال: \"إن المؤمن ينزل به الموت، ويعاين ما يعاين، فيود لو خرجت -يعني نفسه - والله يحب لقاءه، وإن المؤمن يُصْعَدُ بِرُوحِهِ إلى السماء، فتأتيه أرواح المؤمنين فتستخبره عن معارفهم من أهل الأرض، فإذا قال: تركت فلانًا في الأرض أعجبهم ذلك، وإذا قال إن فلانًا قد مات، قالوا: ما جيء به إلينا، وإن المؤمن يجلس في قبره فيسأل من ربك [¬٤]؟ فيقول: ربي الله، فيقول [¬٥] من نبيك؟ فيقول: محمد نبيي، فيقول [¬٦]: ما دينك؟ قال: ديني الإسلام، فيفتح له باب في قبره، فيقول أو يقال: انظر إلى مجلسك، ثم يرى القبر فكَأنما كانت رَقدةً، وإذا كان عدو الله نزل به الموت، وعاين ما عاين، فإنه لا يحب أن تخرج روحه أبدًا، والله يبغض لقاءه. فإذا جلس في قبره -أو أجلس- يقال [¬٧] له: من ربك؟ فيقول: لا أدري، فيقال: لا دريت، فيفتح له باب من [¬٨] جهنم، ثم يضرب ضربة يسمع [¬٩] كل دابة إلا الثقلين، ثم يقال له: نم كما ينام المنهوش\" قلت لأبي هريرة: ما المنهوش؟ قال: الذي تنهشه الدّوَاب والحيات ثم يضيق عليه قبره.\nثم قال: لا نعلم رواه إلا الوليد بن القاسم [¬١٠].\n_________\n(^٤٧) - الحديث ذكره الهيثمي في \"المجمع\" (٣/ ٥٥ - ٥٦) وقال: \"في الصحيح طرف منه، رواه البزار ورجاله ثقات خلا سعيد بن بحر القراطيسي؛ فإني لم أعرفه\"، وتعقبه ابن حجر في \"مختصر الزوائد\" (١/ ٥٩٦) فقال: \"هو مُوثق، ولم يتفرد به\" فانظر ما قبله.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ز: \"في طير خضر يعلق\".\n[¬٢]- سقط من خ.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٤]- في ز: \"ربه\".\n[¬٥]- في ت: \"يقال\".\n[¬٦]- في ت: \"يقال\".\n[¬٧]- في ز، خ: \"فقال\".\n[¬٨]- في خ: \"إلى\"، والمثبت من: ز.\n[¬٩]- في ت: \"تسمعها\".\n[¬١٠]- في ز، خ: \"مسلم\".","vol":"8","page":209},{"text":"وقال الإمام أحمد ﵀ (^٤٨): حدثنا حجين بن المثنى، حدثنا عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون، عن محمد بن المنكدر قال: كانت أسماء -يعني بنت الصديق ﵂ تحدث عن النبي، ﷺ، قالت: قال: \"إذا دخل الإنسان [قبره، فإن كان] [¬١] مؤمنًا أحَفَّ به عمله، الصلاةُ والصيامُ، قال: فيأتيه الملك من نحو الصلاة فَتَرُدُّهُ، ومن نحو الصيام فيرده، قال: فيناديه: اجلس، قال: فيجلس، فيقول له: ماذا تقول في هذا الرجل، يعني النبي، ﷺ؟ قال: من؟ قال: محمد، قال: أنا أشهد أنه رسول الله، قال: [يقول] [¬٢] وما يدريك؟ أدركته؟ قال: أشهد أنه رسول الله، قال: يقول: على ذلك عشت، وعليه مت، وعليه تبعث، وإن كان فاجرًا أو كافرًا جاءه الملك ليس بينه وبينه شيء يرده، فأجلسه [فيقول له] [¬٣]: ماذا تقول في هذا الرجل؟ قال: أي رجل؟ قال: محمد، قال: يقول: والله ما أدري، سمعت الناس يقولون شيئًا فقلته، قال: فيقول له الملك: على ذلك عشت، وعليه مت، وعليه تبعث، قال: وتسلط [¬٤] عليه دابة في قبره معها [¬٥] سوط، ثمرته [¬٦] جمرة مثل عرق [¬٧] البعير، تضربه ما شاء الله صماء [¬٨] لا تسمع صوته فترحمه\".\nوقال العوفي عن ابن عباس، ﵄، في هذه الآية قال: إن المؤمن إذا حضره الموت شهدته الملائكة، فسلموا عليه وبشروه بالجنة، فإذا مات مشوا مع جنازته، ثم صلوا عليه مع الناس، فإذا دفن أجلس في قبره فيقال له: من ربك؟ فيقول: ربى الله. [فيقال له: من رسولك؟ فيقول: محمد، ﷺ] [¬٩]. فيقال له: ما شهادتك؟ فيقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله. فيوسع له في قبره مد\n_________\n(^٤٨) - إسناده صحيح، \"المسند\" (٢٧٠٨٨) (٦/ ٣٥٢)، وأخرجه أيضًا الطبراني (٢٤/ ٢٨١) من طريق حجين بن المثنى به مختصرًا، ومن طريق آخر عن أسماء (٢٤/ ٢٣٠)، وقال الهيثمي في \"المجمع\" (٣/ ٥٤): \" … رجال أحمد رجال الصحيح\".\nوأخرجه أيضًا الطبراني في \"الأوسط\" (٢/ ١٣٤٧) حدثنا أحمد بن محمد بن صدقة، قال: نا أحمد بن عثمان به.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٢]- سقط من خ.\n[¬٣]- في خ: يقول اجلس.\n[¬٤]- في ز، خ: \"ويسلط\".\n[¬٥]- في خ: \"معه\".\n[¬٦]- في خ: \"تمرته\".\n[¬٧]- كذا في ز، خ، وبعض مخطوطات المسند. ورسمت في جامع المسانيد لابن كثير: عرب. ولعل الصواب: غارب البعير. وهو ما بين سنامه إلى عنقه. والله أعلم.\n[¬٨]- في خ: \"مما\".\n[¬٩]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.","vol":"8","page":210},{"text":"بصره، وأما الكافر فتنزل عليه الملائكة فيبسطون أيديهم، والبسط: هو الضرب. ﴿يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾ عند الموت، فإذا أدخل قبره أقعد، فقيل له: من ربك؟ فلم يرجع إليهم شيئًا، وأنساه الله ذكر ذلك، وإذا قيل: من الرسول الذي بعث إليك؟ [لم يهتد] [¬١] ولم يرجع إليهم [¬٢] شيئًا ﴿وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ﴾.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن عثمان بن حكيم الأودي [¬٣]، حدثنا شريح بن مسلمة، حدثنا إبراهيم بن يوسف، عن أبيه، عن أبي إسحاق، عن عامر بن سعد البجلي، عن أبي قتادة الأنصاري في قوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ الآية، قال: إن المؤمن إذا مات أجلس في قبره، فيقال له: من ربك؟ فيقول: الله، فيقال له: من نبيك؟ فيقول: محمد بن عبد الله، فيقال له ذلك مرات، ثم يفتح له باب إلى النار، فيقال له: انظر إلى منزلك في [¬٤] النار لو زغت، ثم يفتح له باب إلى الجنة، فيقال له: انظر إلى منزلك [من الجنة إذ] [¬٥] ثبت، [وإذا مات الكافر أجلس في قبره، فيقال له: من ربك؟ من نبيك؟ فيقول: لا أدري، كنت أسمع الناس يقولون، فيقال له: لا دريت] [¬٦]، [ثم يفتح له باب] [¬٧] [إلى الجنة، فيقال له: انظر إلى منزلك لو ثبت] [¬٨]، [ثم يفتح له باب] [¬٩] إلى النار، فيقال له: انظر إلى منزلك إذ زغت، فذلك قوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾.\nوقال عبد الرزاق: عن معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ قال لا إله إلا الله ﴿وَفِي الْآخِرَةِ﴾ المسألة في القبر.\nوقال قتادة: أما الحياة الدنيا فيثبتهم بالخير والعمل الصالح ﴿وَفِي الْآخِرَةِ﴾ في القبر، وكذا روي عن غير واحد من السلف.\nوقال أبو عبد الله الحكيم الترمذي في كتابه \"نوادر الأصول\" (^٤٩): حدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن نافع، عن ابن أبي فديك، عن عبد الرحمن بن عبد الله، عن سعيد بن\n_________\n(^٤٩) - في الأصل المائتان والخمسون في بر الوالدين (٢/ ٢٢٣) في النسخة الغير مسندة.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"لم يهش\".\n[¬٢]- في ز: \"إليه\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"الأزدي\".\n[¬٤]- في ت: \"من\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"لو\".\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٨]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٩]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.","vol":"8","page":211},{"text":"المسيب، عن عبد الرحمن بن سمرة، قال: خرج علينا رسول الله، ﷺ، ذات يوم ونحن في مسجد المدينة، فقال: \"إني رأيت البارحة عجبًا؛ رأيت رجلًا من أمتي [جاءه ملك الموت ليقبض روحه فجاءه بره بوالديه فرد عنه، ورأيت أن رجلًا من أمتي] [¬١] قد بسط عليه عذاب القبر فجاءه وضوءه فاستنقذه من ذلك، ورأيت رجلًا من أمتي قد [¬٢] احتوشته الشياطين فجاءه ذكر الله فخلصه من بينهم، ورأيت رجلًا من أمتي قد احتوشته ملائكة العذاب فجاءته صلاته فاستنقذته من أيديهم، ررأيت رجلًا من أمتي يلهث عطشًا كلما ورد حوضًا منع منه فجاءه صيامه فسقاه وأرواه، ورأيت رجلًا من أمتي والنبيون قعود حلقًا حلقًا كلما دنا لحلقة طردوه فجاءه اغتساله من الجنابة فأخذ بيده فأقعده إلى جنبي، ورأيت رجلًا من [¬٣] أمتي من بين يديه ظلمة، ومن خلفه ظلمة، وعن يمينه ظلمة، وعن شماله ظلمة، ومن فوقه ظلمة، ومن تحته ظلمة، وهو [¬٤] متحير فيها فجاءته حجته وعمرته فاستخرجاه من الظلمة وأدخلاه النور، ورأيت رجلًا من أمتي يكلم المؤمنين فلا يكلمونه فجاءته [¬٥] صلة الرحم فقالت: يا معشر المؤمنين كلموه، فكلموه، ورأيت رجلًا من أمتي يتقي وهج النار وشررها بيده عن وجهه فجاءته صدقته فصارت سترًا على وجهه وظلًا على رأسه، ورأيت رجلًا من أمتي قد أخذته الزبانية من كل مكان فجاءه أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر فاستنقذاه من أيديهم وأدخلاه مع ملائكة الرحمة، ورأيت رجلًا من أمتي جاثيًا على ركبتيه بينه وبين الله حجاب فجاءه حسن خلقه فأخذ بيده فأدخله على الله ﷿، ورأيت رجلًا من أمتي قد هوت صحيفته من قبل شماله فجاءه خوفه من الله فأخذ صحيفته فجعلها في يمينه [¬٦]، [ورأيت رجلًا من أمتي] [¬٧] [قد خف ميزانه فجاءته أفراطه [¬٨] فثقلوا ميزانه] [¬٩]، [ورأيت رجلًا من أمتي] [¬١٠] قائمًا على شفير جهنم فجاءه وجله من الله فاستنقذه من ذلك ومضى، ورأيت رجلًا من أمتي هوى في النار فجاءته دموعه التي بكى من خشية الله في الدنيا فاستخرجته من النار، ورأيت رجلًا من أمتي قائمًا [¬١١] على الصراط [يُرعَدُ كما ترعد السعفة فجاء حسن ظنه بالله فسكن رعدته ومضى، ورأيت رجلًا من أمتي على\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- في ز: \"فهو\".\n[¬٥]- في ز، خ: \"فجاءه\".\n[¬٦]- في خ: \"عينه\".\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٨]- جمع فَرَط، وهو ما قدم من ولد. أي مات له أولاد صغار.\n[¬٩]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬١٠]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬١١]- سقط من: خ.","vol":"8","page":212},{"text":"الصراط] [¬١] يزحف أحيانًا ويحبو أحيانًا فجاءته صلاته عليَّ فأخذت بيده فأقامته ومضى على الصراط، ورأيت رجلًا من أمتي انتهى إلى أبواب [¬٢] الجنة فغلقت الأبواب دونه فجاءته شهادة أن لا إله إلا الله ففتحت له الأبواب وأدخلته الجنة\".\nقال القرطبي بعد إيراده هذا الحديث من هذا الوجه: هذا حديث عظيم، ذكر فيه أعمالًا خاصة تنجي من أهوال خاصة. أورده هكذا في كتابه التذكرة.\nوقد روى الحافظ أبو يعلى الموصلي في هذا حديثًا غريبًا مطولًا فقال (^٥٠): حدثنا أبو عبد الله [¬٣] أحمد بن إبراهيم النكرى، حدثنا محمد بن بكر البرساني أبو عثمان، حدثنا أبو عاصم الحبطي - وكان من خيار أهل البصرة، وكان من أصحاب حزم وسلام بن أبي مطيع - حدثنا بكر بن خُنَيس [¬٤]، عن ضرار بن عمرو، عن يزيد الرقاشي، عن أنس بن مالك، عن تميم الداري، عن النبي، ﷺ، قال: \"يقول الله ﷿ لملك الموت: انطلق إلى وليي فأتني به، فإني قد ضربته بالسراء والضراء فوجدته حيث أُحِبُّ، ائتني به فلأريحنه [¬٥].\nفينطلق إليه ملك الموت ومعه خمسمائة من الملائكة، معهم أكفان وحنوط من الجنة، ومعهم ضبائر [¬٦] الريحان، أصل الريحانة واحد، وفي رأسها عشرون لونًا، لكل لون منها ريح سوى ريح صاحبه، ومعهم الحرير الأبيض فيه المسك الأذفر [¬٧]، [فيجلس ملك الموت عند رأسه، وتحف به الملائكة، ويضع كل ملك منهم يده على عضو من أعضائه، ويبسط ذلك الحرير الأبيض والمسك الأذفر] [¬٨] من تحت ذقنه، ويفتح له باب إلى الجنة، فإن نفسه لتعلَّل [¬٩] عند ذلك بطرف [¬١٠] الجنة، مرة [¬١١] بأزواجها [¬١٢]، ومرة [¬١٣]\n_________\n(^٥٠) - إسناده ضعيف لضعف يزيد الرقاشي وبه أعله المصنف والحديث غير موجود في المطبوع من مسند أبي يعلى فلعله في مسنده \"الكبير\"والله أعلم، وأخرجه من طريق أبي يعلى ابن عساكر في \"التاريخ\" (٣/ ٥٢٨ - ٥٣٠ مخطوط)، وزاد نسبته السيوطي في \"الدر المنثور\" (٦/ ٢٣٦، ٢٣٨) إلى ابن أبي الدنيا في \"ذكر الموت\".\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في خ: \"باب\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"عبد الرحمن\".\n[¬٤]- في ز، خ: \"حبيش\".\n[¬٥]- في ز: \"فلأريحه\".\n[¬٦]- الضبائر: جمع ضبارة وهي الحزمة.\n[¬٧]- الأذفر: الشديد الرائحة.\n[¬٨]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٩]- تعلل بالشيء: اشتغل به.\n[¬١٠]- في خ: \"طرق\"، والمثبت من: ز.\n[¬١١]- في خ: \"تارة\".\n[¬١٢]- في ز: \"وبأزواجها\".\n[¬١٣]- في خ: \"تارة\".","vol":"8","page":213},{"text":"بكسواتها، ومرة بثمارها، كما يعلل الصبي أهله إذا بكى. قال: وإن أزواجه [ليبتهشن [¬١] عند ذلك] [¬٢] ابتهاشًا [¬٣].\nقال: وتنزو [¬٤] الروح - قال البرساني: تريد أن تخرج من العَجل إلى ما تحب [¬٥]- قال: ويقول ملك الموت: اخرجي يا أيتها الروح الطيبة، إلى سدر مخضود، وطلح منضود، وظل ممدود، وماء مسكوب. قال: وَلمَلَكُ الموت أشد به لطفًا من الوالدة بولدها، يعرف أن ذلك الروح حبيب لربه، فهو يلتمس بلطفه تحببًا لديه رضاء للرب عنه، فتسل روحه كما تسل الشعرة من العجين. قال: وقال الله ﷿: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ﴾، وقال: ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٨٨) فَرَوْحٌ وَرَيحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ﴾ قال: روح من جهة الموت، [] [¬٦] وريحان يتلقى به، [] [¬٧] وجنة نعيم تقابله [¬٨].\nقال: فإذا قبض ملك الموت روحه، قالت [¬٩] الروح للجسد: جزاك الله عني خيرًا، فقد كنت سريعًا بي [¬١٠] إلى طاعة الله، بطيئًا بي عن معصية الله، فقد نجيت وأنجيت. قال ويقول الجسد للروح مثل ذلك.\nقال: وتبكي عليه بقاع الأرض التي كان يطيع الله فيها، وكل باب من السماء يصعد منه عمله، وينزل منه رزقه أربعين ليلة.\nقال: فإذا قبض ملك الموت روحه، أقامت الخمسمائة من الملائكة عند جسده، فلا يقلبه [¬١١] بنو آدم لشق إلا قلبته الملائكة قبلهم، وغسلته وكفنته بأكفان قبل أكفان بني آدم، وحنوط قبل حنوط بني آدم، ويقوم من بين [¬١٢] باب بيته إلى باب قبره صفان من الملائكة، يستقبلونه بالاستغفار، فيصيح عند ذلك إبليس صيحة تتصدع منها عظام جسده - قال: ويقول لجنوده: الويل لكم! كيف خَلَصَ هذا العبد منكم؟! فيقولون: إن هذا كان عبدًا معصومًا.\nقال: فإذا صعد ملك الموت بروحه، يستقبله جبريل في سبعين ألفًا من الملائكة، كلّ\n_________\n[¬١]- ابتهش: فرح وابتهج.\n[¬٢]- في خ: \"ليشهين عند ذلك\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"ابتهاش\".\n[¬٤]- في خ: \"وتبدو\" وفي المطالب: وتبرز.\n[¬٥]- في ز، خ: \"يحب\".\n[¬٦]- في ز، خ: \"قال\".\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين في ز: \"قال\".\n[¬٨]- في ز، خ: \"مقابله\".\n[¬٩]- في ز: \"قال\".\n[¬١٠]- سقط من: خ.\n[¬١١]- في خ: \"يغلبه\".\n[¬١٢]- سقط من: خ.","vol":"8","page":214},{"text":"يأتية ببشارة من ربه سوى بشارة صاحبه - قال: فإذا انتهى ملك الموت بروحه إلى العرش، خَر الروح ساجدًا - قال: يقول الله ﷿ لملك الموت: انطلق بروح عبدي فضعه في سدر مخضود، وطلح منضود، وظل ممدود، وماء مسكوب.\nقال: فإذا وضع في قبره، جاءته الصلاة فكانت عن يمينه، وجاءه الصيام فكان عن يساره، وجاءه القرآن فكان عند رأسه، وجاءه مشيه إلى الصلاة فكان عند رجليه، وجاءه الصبر فكان ناحية القبر، قال: فيبعث الله، ﷿، عُنُقًا من العذاب، قال: فيأتيه [¬١] عن يمينه، قال: فتقول الصلاة: وراءك والله ما زال دائبًا [¬٢] عمره كله، وإنما استراح الآن حين وضع في قبره، قال: فيأتيه [¬٣] عن يساره، فيقول الصيام مثل ذلك - قال: ثم يأتيه من عند رأسه، فيقول القرآن والذكر مثل ذلك، قال: ثم يأتيه من عند رجليه، فيقول مشيه إلى الصلاة مثل ذلك. فلا يأتيه العذاب من ناحية يلتمس هل يجد إليه مساغًا، إلا وجدَ ولي الله قد أخذ جنة [¬٤]- قال: فينقمع العذاب عند ذلك فيخرج، قال: ويقول الصبر لسائر الأعمال: أما إنه لم يمنعني أن أباشر أنا بنفسي إلا أني نظرت ما عندكم، فإن عجزتم كنت أنا صاحبه، فأما إذ أجزأتم عنه فأنا له ذخر عند الصراط والميزان.\nقال: ويبعث الله [¬٥] ملكين أبصارهما [¬٦] كالبرق الخاطف، وأصواتهما كالرعد القاصف [¬٧]، وأنيابهما كالصياصي، وأنفاسهما كاللهب، يطآن [¬٨] في أشعارهما، بين منكب كل واحد مسيرة كذا وكذا، قد نزعت منهما الرأفة والرحمة، يقال لهما: \"منكر ونكير\"، في يد كل واحد منهما مطرقة، لو اجتمع عليها ربيعة ومضر لم يُقلوها [¬٩]- قال: فيقولان له: اجلس. قال: فيجلس فيستوي جالسًا. قال: وتقع [¬١٠] أكفانه في حقَويه [¬١١]، قال: فيقولان له: من ربك وما دينك؟ ومن نبيك؟.\nقال: قالوا: يا رسول الله؛ ومن يطيق الكلام عند ذلك، وأنت تصف من الملكين ما تصف؟. قال: فقال رسول الله ﷺ: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾.\nقال: فيقول: ربي الله وحده لا شريك له، وديني الإسلام الذي دانت به الملائكة،\n_________\n[¬١]- في ز: \"فتأتيه\".\n[¬٢]- في خ: \"دانيا\".\n[¬٣]- في ز: \"فتأتيه\".\n[¬٤]- في ز: \"جنته\"، خ: \"حبته\". والجُنة: كل ما وقى من سلاح وغيره.\n[¬٥]- سقط من: ز.\n[¬٦]- في ز، خ: \"أيضًا هما\".\n[¬٧]- في ز: \"العاصف.\n[¬٨]- في ز: \"يطنان\".\n[¬٩]- يقلوها: يرفعوها.\n[¬١٠]- في خ: \"ويقع\".\n[¬١١]- الحَقْو: الخصر.","vol":"8","page":215},{"text":"ونبيي محمد خاتم النبيين. قال: فيقولان له [¬١]: صدقت. قال: فيدفعان القبر فيوسعان من بين يديه أربعين ذراعًا، وعن يمينه أربعين ذراعًا، وعن شماله أربعين ذراعًا، ومن خلفه أربعين ذراعًا، ومن [¬٢] عند رأسه أربعين ذراعًا، ومن عند رجليه أربعين ذراعًا، قال: فيوسعان له مائتي ذراع-.\nقال البرساني: وأحسبه قال أربعون ذراعا تحاط [¬٣] به.\nقال: ثم يقولان له: انظر فوقك، فإذا باب مفتوح إلي الجنة. قال: فيقولان له: وليَّ الله هذا منزلك إذ أطعت الله -فقال رسول الله:- والذي نفس محمد بيده، إنه يصل إلى قلبه عد ذلك فرحة ولا ترتد أبدًا، لم يقال له: انظر الي [¬٤] تحتك. قال: فينظر تحته فإذا باب مفتوح إلى النار. قال: فيقولان: \"وليَّ الله [هذا منزلك لو عصيت] [¬٥]، نجوت آخر ما عليك\" قال: فقال رسول الله، ﷺ: \"إنه ليصل [¬٦] إلى قلبه عند ذلك فرحة لا ترتد [¬٧] أبدًا\" قال: فقالت عائشة: يفتح له سبعة وسبعون بابًا إلى الجنة يأتيه ريحها وبردها حتى يبعثه الله ﷿.\nوبالإِسناد المتقدم إلي النبي، ﷺ، قال: \"ويقول الله تعالى لملك الموت: انطلق إلي عدوي فأتني به، فإني قد بسطت له رزقي، ويسرت له نعمتي، فأبي إلا معصيتي، فأتني به لأنتقم منه.\nقال: فينطلق إليه ملك الموت في أكره صورة رآها أحد من الناس قط، له [اثنتا عشرة] [¬٨] عينًا، ومعه سفود من النار كثير الشوك، ومعه خمسمائة من الملائكة معهم نحاس وجمر من جمر جهنم، ومعهم سياط من نار، لينها لين السياط وهي نار تأجج. قال: فيضربه ملك الموت بذلك السفود ضربة يغيب أصل كل شوكة من ذلك السفود في أصل كل شعرة وعرق وظفر، قال: ثم يلويه ليًّا شديدًا. لال: فينزع روحه من أطفار قدمه. قال: فيلقيها في [¬٩] عقبيه [¬١٠]. فيسكر [¬١١] [عدو الله عند ذلك] [¬١٢]\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- سقط من خ.\n[¬٣]- في ز: \"يحاط\".\n[¬٤]- سقط من: ت.\n[¬٥]- سقط من ز، خ. ت، وأثبتناه من المطالب العالية.\n[¬٦]- في ز، خ: \"لا يصل\".\n[¬٧]- في ز: \"يرتد\".\n[¬٨]- في ز: \"اثني عشر\"، خ: \"اثنا عشر\".\n[¬٩]- سقط من: خ.\n[¬١٠]- في ز: \"ركبتيه\"، وسقط من: خ.\n[¬١١]- في ز: \"ثم يسكر\"، وسقط من: خ.\n[¬١٢]- ما بين المعكوفتين في ز: \"عند ذلك عدو الله\"، وسقط من: خ.","vol":"8","page":216},{"text":"[سكرة فيرفه ملك الموت عنه. قال: وتضرب الملائكة وجهه ودبره بتلك السياط] [¬١]. [قال: ثم] [¬٢]: ينثره [ملك الموت] [¬٣]، نثرة [¬٤]، [فينزغ روحه من عقبيه فيلقيها] [¬٥]، في ركبتيه [قال: فيسكر] [¬٦]، عدو الله عند ذلك سكرة فيرفه ملك الموت عنه. قال: وتضرب [¬٧] الملائكة وجهه ودبره [بتلك السياط] [¬٨]. قال: [فيشده ملك الموت شدة] [¬٩] فينزغ روحة من ركبتيه فيلقيها في حقويه [فيسكر عدو الله عند ذلك سكرة فيرفه ملك الموت عنه قال] [¬١٠]: فتضرب [¬١١] [الملائكة وجهه ودبره بتلك السياط قال] [¬١٢] كذلك إلى صدوه، ثم كذلك إلى حلقه. قال: ثم كبسط الملائكة ذلك النحاس وجمر جهنم تحت ذقنه. قال: ويقول ملك الموت: اخرجي أيتها الروح اللعينة الملعونة إلي سموم وحميم، وظل من يحموم، لا بارد ولا كريم.\nقال: فإذا قبض ملك الموت روحه، قال الروح للجسد: جزاك الله عني شرًّا، فقد كنت سريعًا بي إلي معصية الله، بطيئًا بي عن طاعة الله، فقد هلكت وأهلكت. قال: ويقول الجسد للروح مثل ذلك، وتلعنه بقاع الأرض التي كان يعصي الله عليها، وتنطلق [¬١٣] جنود إبليس إليه فيبشرونه بأنهم قد أوردوا عبدًا من ولد آدم النار.\nقال: فإذا وضع في قبره ضيق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه، حتى تدخل اليمنى في اليسرى، واليسرى في اليمنى. قال: ويبعث الله إليه أفاعي دهمًا كأعناق الإبل، يأخذون [¬١٤] بأرنبته [¬١٥] وإبهامي قدميه فتقرضه حتى يلتقين في وسطه.\nقال: ويبعث الله ملكين أبصارهما كالبرق الخاطف، وأصواتهما كالرعد القاصف،\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٢]- في ت: \"ثم قال\"، وسقط من: خ.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٤]- سقط من: خ.\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين في خ: \"ثم يسكر\".\n[¬٧]- في ت: \"فتضرب\".\n[¬٨]- في خ: \"بالسياط\".\n[¬٩]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، وفي خ: \"ثم ينتره ملك الموت نترة\".\n[¬١٠]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬١١]- سقط من: ز، في خ: \"وتضرب\".\n[¬١٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬١٣]- في ز: \"تنطق\".\n[¬١٤]- في ت: \"يأخذن\".\n[¬١٥]- في خ: \"بأذنيه\".","vol":"8","page":217},{"text":"وأنيابهما كالصياصي، وأنفاسهما كاللهب، يطآن في أشعارهما، بين منكبي كل واحد منهما مسيرة كذا وكذا، قد نزعت منهما الرأفة والرحمة، يقال لهما: منكر ونكير، في يد كل واحد منهما مطرقة، لو اجتمع عليها ربيعة ومضر لم يقلوها؛ قال: فيقولان له: اجلس، [قال] [¬١]: فيستوي جالسًا، قال: وتقع أكفانه في حقويه، قال [¬٢] فيقولان له: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ فيقول: لا أدري. فيقولان له [¬٣]: لا دريت ولا تليت، [قال] [¬٤]، فيضربانه ضربة يتطاير شررها [¬٥] في قبره ثم يعودان. قال: فيقولان: انظر فوقك، فينظر فإذا باب مفتوح [من الجنة] [¬٦]، فيقولان: [عدو الله هذا] [¬٧] منزلك لو أطعت الله\".\nقال رسول الله، ﷺ: \"والذي نفسي بيده، إنه ليصل إلى قلبه عند ذلك حسرة لا تردد أبدًا\" قال: \"ويقولان له: انظر تحتك، فينظر تحته فإذا باب مفتوح إلي النار، فيقولان: عدو الله، هذا منزلك إذ عصيت الله\".\nفقال رسول الله، ﷺ: \"والذي نفسي بيده، إنه ليصل إلي قلبه عند ذلك حسرة لا ترتد أبدًا\".\nقال: وقالت عائشة: ويفتح له سبعة وسبعون بابا إلي النار، يأتيه حرها وسمومها حتى يبعثه الله إليها.\nهذا حديث غريب جدًّا، وسياق عجيب، ويزيد الرقاشي راويه عن أنس له غرائب ومنكرات، وهو ضعيف الرواية عند الأئمة، والله أعلم.\nولهذا قال أبو داود (^٥١): حدثنا إبراهيم بن موسى الرازي، حدثنا هشام -هو ابن يوسف- عن عبد الله بن بحير، عن هانئ مولى عثمان، عن عثمان، ﵁،\n_________\n(^٥١) - إسناده حسن، سنن أبي داود كتاب: الجنائز، باب: الاستغفار عند القبر للميت في وقت الانصراف (٣٢٢١).\nوأخرجه أيضًا البزار في مسنده (٢/ ٤٤٥)، والبيهقي في \"الكبرى\" (٤/ ٥٦)، وصححه الحاكم (١/ ٣٧١)، ووافقه الذهبي، وهانئ مولى عثمان، صدوق كما في \"التقريب\".\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٥]- في ز: \"شراره\"، خ: \"شرره\".\n[¬٦]- سقط من: خ.\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين في خ: \"والله\".","vol":"8","page":218},{"text":"قال: كان النبي، ﷺ، إذا فرغ من دفن الرجل [¬١] وقف عليه فقال [¬٢]: \"استغفروا لأخيكم وسَلَوا له التثبيت [¬٣] فإنه الآن يسأل\". انفرد به أبو داود.\nوقد أورد الحافظ أبو بكر بن مردويه عند قوله تعالى: ﴿ولو تري إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطو أيديهم﴾ الآية حديثًا [¬٤] مطولًا جدًّا: من [طريق غريب] [¬٥]، عن الضحاك، عن ابن عباس مرفوعًا وفيه غرائب أيضًا.\n﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ (٢٨) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ (٢٩) وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ (٣٠)﴾\nقال البخاري (^٥٢): قوله: ﴿ألم تر إلي الذين بدلوا نعمة الله كفرًا﴾ ألم تعلم [¬٦]، كقوله: ﴿ألم تر كيف﴾، ﴿ألم تر إلي الذين خرجوا﴾. البوار: الهلاك، بار يبور بورًا، و﴿قومًا بورًا﴾: هالكين.\nحدثنا علي بن عبد الله، حدثنا سفيان، عن عمرو، عن عطاء، سمع ابن عباس: ﴿ألم تر إلي الذين بدلوا نعمة الله كفرًا﴾ قال: وهم كفار أهل مكة.\nوقال العوفي، عن ابن عباس في هذه الآية: هو جبلة بن الأيهم، والذين اتبعوه من العرب فلحقوا بالروم.\nوالمشهور الصحيح عن ابن عباس هو القول الأول، وإن كان المعنى يعم جميع الكفار، فإن الله تعالى بعث محمدًا، ﷺ، رحمة للعالمين، ونعمة للناس، فمن قبلها وقام بشكرها دخل الجنة، ومن ردها وكفرها دخل النار.\nوقد روي عن علي نحو قول ابن عباس الأول. وقال ابن أبي حاتم (^٥٣):\n_________\n(^٥٢) - صحيح البخاري، كتاب: التفسير، باب: ﴿ألم تر إلى الذي بدلوا نعمة الله كفرًا﴾ (٤٧٠٠).\n(^٥٣) - صحيح، وأخرجه النسائي \"التفسير\" (٦/ ١١٢٦٧)، وابن جرير (١٣/ ٢٢٠، ٢٢١) من =\n_________\n[¬١]- في سنن أبي داود: الميت.\n[¬٢]- في خ: \"وقال\"، والمثبت من: ز.\n[¬٣]- في ز: \"بالتثبيت\".\n[¬٤]- في خ: \"حديث\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين في خ: \"طرق غريبة\".\n[¬٦]- في خ: \"يعلم\".","vol":"8","page":219},{"text":"حدثنا أبي، حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا شعبة، عن القاسم بن أبي بزة [¬١]، عن أبي الطفيل: أن ابن الكواء سأل عليًّا عن ﴿الذين بدلوا نعمة الله كفرًا وأحلوا قومهم دار البوار﴾ قال: هم [¬٢] كفار قريش يوم بدر.\nحدثنا المنذر بن شاذان، حدثنا يعلى بن عبيد، حدثنا بسام -هو الصيرفي- عن أبي الطفيل قال: جاء رجل إلى علي فقال: يا أمير المؤمنين، مَن ﴿الذين بدلوا نعمة الله كفرًا وأحلوا قومهم دار البوار﴾ قال: منافقو قريش.\nوقال ابن أبي حاتم (^٥٤): حدثنا أبي، حدثنا ابن نفيل، قال: قرأت علي معقل، عن ابن أبي حسين، قال: قام علي بن أبي طالب، ﵁، فقال [¬٣]: ألا أحد يسألني عن القرآن، فوالله لو أعلم اليوم أحدًا أعلم به مني -وإن [¬٤] كان من وراء البحار- لأتيته. فقام عبد الله بن الكواء فقال: مَنِ [¬٥] ﴿الذين بدلوا نعمة الله كفرًا وأحلوا قومي دار البوار﴾ فقال [¬٦]: مشركو قريش، أتتهم نعمة الله، الإِيمان فبدلوا نعمة الله كفرًا وأحلوا قومهم دار البوار.\nوقال السدي في قوله: ﴿ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرًا﴾ الآية: ذكر مسلم المستوفي [¬٧] عن علي أنه قال: هم الأفجران من قريش؛ بنو أمية و[¬٨] بنو المغيرة، فأما بينو المغيرة فأحلوا قومهم دار البوار يوم بدر، وأما بينو أمية فأحلوا قومهم دار البوار يوم أحد، وكان أبو جهل يوم بدر، وأبو سفيان يوم أحد، وأما دار البوار فهي جهنم.\n_________\n= طريق شعبة به، وأخرجه ابن جرير (١٣/ ٢٢١)، والحاكم (٢/ ٣٥٢) من طريق بسام الصيرفي به، وقال الحاكم: \"حديث صحيح عال، وبسام بن عبد الرحمن الصيرفي من ثقات الكوفيين ممن يجمع حديثهم ولم يخرجاه\" ووافقه الذهبي، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٢/ ٣٤٢) من طريق وهب بن عبد الله عن أبي الطفيل به، وأخرجه البيهقي في \"الدلائل\" (٣/ ٩٥) من طريق يحيى بن عبد الله بن الأدرع عن أبي الطفيل أنه سمع علي بن أبي طالب يقول … فذكره. وزاد نسبته السيوطي في \"الدر المنثور\" (٤/ ١٥٧) إلي: الفريابي وابن الأنباري في \"المصاحف\" وابن مردويه.\n(^٥٤) - إسناده منقطع بين علي وابن أبي حسين، وهو عبد الله بن عبد الرحمن، ذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" (٤/ ١٥٧).\n_________\n[¬١]- في خ: \"بره\".\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- في خ: \"ولو\".\n[¬٥]- سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- في خ: \"قال\".\n[¬٧]- في خ: \"المستوف\".\n[¬٨]- سقط من: ز.","vol":"8","page":220},{"text":"وقال ابن أبي حاتم ﵀ (^٥٥): حدثنا محمد بن يحيى، حدثنا الحارث بن [¬١] منصور، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عمرو ذي مُرٍّ قال: سمعت عليًّا قرأ هذه الآية ﴿وأحلوا قومهم دار البوار﴾ قال: هم الأفجران من قريش؛ بنو أمية وبنو المغيرة؛ فأما بنو المغيرة فأهلكوا يوم بدر، وأما بينو أمية فمتعوا إلى حين.\nورواه أبو إسحاق: عن عمرو [ذي مُرٍّ] [¬٢]، عن علي نحوه، وروي من غير وجه عنه.\nوقال سفيان الثوري (^٥٦): عن علي بن زيد، عن يوسف بن سعد، عن عمر بن الخطاب في قوله ﴿ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرًا﴾ قال: هم [¬٣] الأفجران من قريش؛ بنو المغيرة وبنو أمية؛ فأما بينو المغيرة فكفيتموهم يوم بدر، وأما بينو أمية [¬٤] فمتعوا إلي حين.\nوكذا رواه حمزة [¬٥] الزيات (^٥٧)، عن عمرو بن مرة قال: قال ابن عباس لعمر بن الخطاب: يا أمير المؤمنين، هذه الآية ﴿[ألم تر إلى] [¬٦] الذين بدلوا نعمة الله كفرًا وأحلوا قومهم دار البوار﴾ قال: هم [¬٧] الأفجران في قريش أخوالي وأعمامك، فأما أخوالي فاستأصلهم الله [¬٨] يوم بدر، وأما أعمامك فأملي الله لهم إلي حين.\nوقال مجاهد وسعيد بن جبير والضحاك وقتادة وابن زيد: هم كفار قريش الذين قتلوا يوم بدر، وكذا رواه مالك في تفسيره: عن نافع، عن ابن عمر.\nوقوله: ﴿وجعلوا لله أندادًا ليضلوا عن سبيله﴾ أي: جعلوا له شركاء عبدوهم معه،\n_________\n(^٥٥) - إسناده فيه جهالة، وأخرجه ابن جرير (١٣/ ٢٢١)، والطبراني في \"الأوسط\" (١/ ٧٧٦)، وابن المنذر وابن مردويه -كما في \"الدر المنثور\" (٤/ ١٥٧) - وصححه الحاكم (٢/ ٣٥٢) ووافقه الذهبي، وفي إسناده عمرو ذو مر، قال الهيثمي في \"المجمع\" (٧/ ٤٧): \"لم يرو عنه غير أبي إسحاق السبيعي … \"، وقال البخاري في \"التاريخ\" (٦/ ٣٣٠): لا يعرف، وذكره ابن أبي حاتم في \"الجرح والتعديل\" (٦/ ٢٣٢) ولم يذكر فيه شيئًا.\n(^٥٦) - إسناده ضعيف لضعف علي بن زيد وهو ابن جدعان، أخرجه ابن جرير (١٣/ ٢١٩)، والبخاري في تاريخه وابن المنذر وابن مردويه -كما في \"الدر المنثور\" (٤/ ١٥٦).\n(^٥٧) - أخرجه ابن جرير (١٣/ ٢١٩) حدثنا المثني، ثنا أبو نعيم الفضل بن دكين؛ قال: أخبرنا حمزة الزيات، به.\n_________\n[¬١]- في ز: \"أبو\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في خ: \"بن مرة\".\n[¬٣]- في ت: \"هما\".\n[¬٤]- في خ: \"أمته\".\n[¬٥]- سقط من: خ.\n[¬٦]- سقط من: خ.\n[¬٧]- في خ: \"هما\".\n[¬٨]- سقط من: خ.","vol":"8","page":221},{"text":"ودعوا الناس إلي ذلك.\nثم قال تعالى متهددًا لهم، ومتوعدهم علي لسان نبيه، ﷺ: ﴿قل تمعتوا فإن مصيركم إلى النار﴾ أي: مهما قدرتم عليه في الدنيا فافعلوا، فمهما يكن من شيء ﴿فإن مصيركم إلى النار﴾: مرجعكم وموئلكم إليها، كما قال تعالى: ﴿نمتعهم قليلا ثم نضطرهم إلى عذاب غليظ﴾، وقال تعالى: ﴿متاع في الدنيا ثم إلينا مرجعهم ثم نذيقهم العذاب الشديد بما كانوا يكفرون﴾.\n﴿قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ (٣١)﴾\nيقول تعالى آمرًا لعباد [¬١] بطاعته، والقيام بحقه، والإحسان إلي خلقه، بأن يقيموا الصلاة وهي عبادة الله وحده لا شريك له، وأن ينفقوا مما رزقهم الله، بأداء الزكوات، والنفقة علي القرابات، والإِحسان إلي الأجانب.\nوالمراد بإقامتها هو المحافظة على وقتها وحدودها وركوعها وخشوعها وسجودها.\nوأمر تعالى بالإِنفاق مما رزق في السر، أي: في الخفية، والعلانية: وهي الجهر، وليبادروا إلي ذلك لخلاص [¬٢] أنفسهم ﴿من قبل أن يأتي يوم﴾ وهو يوم القيامة [وهو يوم] [¬٣]، ﴿لا بيع فيه ولا خلال﴾ أي: لا [¬٤] يقبل من أحد فدية بأن تباع نفسه، كما قال تعالى: ﴿فاليوم لا يؤخذ منكم فدية ولا من الذين كفروا﴾.\nوقوله: ﴿ولا خلال﴾ قال ابن جرير: يقول ليس هناك مخالَّة خليل، فيصفح عمن استوجب العقوبة عن العقاب لمخالَّته [¬٥]، بل هناك [¬٦] العدل والقسط، والخلال [¬٧]: مصدر من قول القائل: خاللت فلانًا فأنا أخاله مخالة وخلالًا؛ ومنه قول امرئ القيس:\nصرفتُ الهوي عَنْهُنَّ من خَشْيَةِ الرَّدَى … وَلَسْتُ بِمَقْلِيّ الخِلالِ ولا قالي [¬٨]\nوقال قتادة: إن الله قد علم أن في الدنيا بيوعًا وخلالًا يتخالون بها في الدنيا، فينظر\n_________\n[¬١]- في ت: \"عباده\".\n[¬٢]- في خ: \"بخلاص\".\n[¬٣]- سقط من: ت.\n[¬٤]- في ت: \"ولا\".\n[¬٥]- في ز: \"لمخاللته\".\n[¬٦]- في خ: \"هنالك\".\n[¬٧]- في خ: \"والخلال\".\n[¬٨]- في ز، خ: \"قال\".","vol":"8","page":222},{"text":"الرجل [¬١]- من يخالل وعلام يصاحب، فإن كان لله فليداوم، وإن كان لغير الله [فإنها ستنقطع] [¬٢].\nقلت: والمراد من هذا أنه يخبر تعالى أنه لا ينفع أحدًا بيع ولا فدية، ولو افتدي بملء الأرض ذهبًا لو وجده؛ ولا ينفعه [¬٣] صداقة أحد ولا شفاعة أحد إذا لقي الله كافرًا، قال الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (١٢٣)﴾، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٥٤)﴾.\n﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ (٣٢) وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَينِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيلَ وَالنَّهَارَ (٣٣) وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (٣٤)﴾\nيعدد تعالى نعمه على خلقه: بأن خلق لهم السموات سقفًا محفوظًا، والأرض فراشًا ﴿وأنزل من السماء ماء فأخرجنا [¬٤] به أزواجًا من نبات شتى﴾ ما بين ثمار وزروع مختلفة الألوان والأشكال والطعوم والروائح والمنافع، وسخر الفلك بأن [¬٥] جعلها طافية على تيار ماء البحر تجري عليه بأمر الله تعالى، وسخر البحر بحملها؛ ليقطع المسافرون بها من إقليم إلى إقليم آخر؛ لجلب ما هنا [¬٦] إلي هناك، وما هناك إلي هاهنا، وسخر الأنهار تشق الأرض من قطر إلي قطر رزقًا للعباد من شربٍ وسقيٍ، وغير ذلك من أنواع المنافع.\n﴿وسخر لكم الشمس والقمر دائبين﴾ أي: يسيران لا يقرَّان ليلًا ولا نهارًا ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ فالشمس والقمر يتعاقبان، والليل والنهار يتعارصان، فتارة\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"رجل\".\n[¬٢]- في ت: \"تنفعه\".\n[¬٣]- في ت: فسيقطع عنه.\n[¬٤]- في ز، خ: \"فأخرج\".\n[¬٥]- في خ: \"و\".\n[¬٦]- في ت: \"هاهنا\".","vol":"8","page":223},{"text":"يأخذ هذا من هذا فيطول، ثم يأخذ الآخر من هذا فيقصر ﴿[يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ] [¬١] وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ﴾.\nوقوله: ﴿وآتاكم من كل ما سألتموه﴾ يقول هيأ لكم كل ما تحتاجون إليه في جميع أحوالكم مما [¬٢] تسألونه بحالكم وقالكم.\nوقال بعض السلف: من كل ما سألتموه وما لم تسألوه.\nوقرأ بعضُهم: (وآتاكم من كل ما سألتموه).\nوقوله ﴿وإن تعدوا [¬٣] نعمة الله لا تحصوها﴾ يخبر تعالى عن عجز العباد في تعداد النعم، فضلًا عن القيام بشكرها، كما قال طلق بن حبيب ﵀: إن حق الله أثقل من أن يقوم به العباد، وإن نعم الله أكثر من أن يحصيها العباد، ولكن أصبحوا توابين وأمسوا توابين.\nوفي صحيح البخاري (^٥٨) أن رسول الله، ﷺ، كان يقول: \"اللهم، لك الحمد غير مكفيٍ ولا مُودع ولا مستغني [¬٤]، عنه ربنا\".\nوقال الحافظ أبو بكر البزار في مسنده (^٥٩): حدثنا إسماعيل بن أبي الحارث، حدثنا داود بن المحبر، حدثنا صالح المري، عن جعفر بن زيد العبدي، عن أنس، عن النبي، ﷺ، انه قال: \"يخرج لابن آدم يوم القيامة ثلاثة دواوين: ديوان فيه العمل الصالح، وديوان فيه ذنوبه، وديوان فيه النعم من الله تعالى عليه، فيقول الله تعالى لأصغر نعمه -أحسبه قال: في دووان النعم-: خذي ثمنك من عمله الصالح، فتستوعب عمله الصالح كله [¬٥]، لم تنحي وتقول: وعزتك ما استوفيت، وتبقي الذنوب\n_________\n(^٥٨) - صحيح البخاري، كتاب: الأطعمة، باب: ما يقول إذا فرغ من طعامه (٥٤٥٨)، وأخرجه أيضًا أبو داود (٣٨٤٩)، والترمذي (٣٤٥٢)، والنسائي في \"عمل اليوم والليلة\" (٢٨٣)، وابن ماجة (٣٢٨٤) من حديث أبي أمامة.\n(^٥٩) - إسناده ضعيف جدًّا، وذكره الهيثمي في \"المجمع\" (١٠/ ٣٦٠) وقال: \"رواه البزار وفيه صالح المري وهو ضعيف\" قلت: والراوي عنه داود بن المُحَبَّر، متروك.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل\".\n[¬٢]- في ز: \"ما\".\n[¬٣]- في خ: \"يعدوا\".\n[¬٤]- في خ: \"ولا مستغن\".\n[¬٥]- سقط من: خ.","vol":"8","page":224},{"text":"والنعم والعمل الصالح، [فتستوعب] [¬١] عمله الصالح كله، فإذا أراد الله أن يرحمه [¬٢]، قال: يا عبدي قد ضاعفت لك حسناتك، وتجاوزت [] [¬٣] عن سيئاتك -أحسبه قال-: ووهبت لك نعمي\". غريب وسنده [¬٤] ضعيف.\nوقد روي في الأثر (^٦٠): أن داود ﵇ قال: يا رب، كيف أشكرك وشكري لك نعمة منك عليَّ؟ فقال الله تعالى: الآن شكرتني يا داود. أي: حين اعترفت بالتقصير عن أداء شكر النعم.\nوقال الإمام [¬٥] الشافعي ﵀: [الحمد لله] [¬٦] الذي لا تؤدي شكر نعمة من نعمه إلا بنعمة حادثة توجب على مؤدي ماضي نعمه بأدائها نعمة حادثة توجب عليه شكره بها.\nوقال القائل في ذلك:\nلو كل [¬٧] جارحة مني لها لغة … تثني عليك بما أوليت من حَسَن\nلكان ما زاد شكري إذ شكرت به … إليك أبلغ في الإِحسان والمنن [¬٨]\n﴿وَإِذْ قَال إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ (٣٥) رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٦)﴾\nيذكر تعالى في هذا المقام محتجًّا على مشركي العرب بأن البلد الحرام مكة إنما وضعت أول ما وضعت علي عبادة الله وحده لا شريك له، وأن إبراهيم الذي كانت [] [¬٩] بسببه آهلة عامرة تبرَّأ ممن عبد غير الله، وأنه دعا لمكة بالأمن فقال: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا﴾ وقد استجاب الله له، فقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾، وقال تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا\n_________\n(^٦٠) - أخرجه البيهقي في \"شعب الإيمان\" (٤/ ٤٤١٤).\n_________\n[¬١]- في خ: ويستوعب.\n[¬٢]- في ز، خ: \"يرحم\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في ت: لك.\n[¬٤]- في خ: \"ومسنده\".\n[¬٥]- سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٧]- في ز، خ: \"كان\".\n[¬٨]- في ت: \"والمن\".\n[¬٩]- ما بين المعكوفتين في ت: \"عامرة\".","vol":"8","page":225},{"text":"وَهُدًى لِلْعَالمِينَ (٩٦) فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾، وقال في هذه القصة: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا﴾ فعرفه كأنه [¬١] دعا به بعد بنائها، ولهذا قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ ومعلوم أن إسماعيل أكبر من إسحاق بثلاث عشرة سنة، فأما حين ذهب بإسماعيل وأمه وهو رضيع إلى مكان مكة، فإنه دعا أيضًا فقال: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا﴾. كما ذكرناه هنالك في سورة البقرة مستقصى مطولًا.\nوقال [¬٢]: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ ينبغي لكل داع أن يدعو لنفسه ولوالديه ولذريته.\nثم ذكر أنه افتتن بالأصنام خلائق من الناس، وأنه بريء [¬٣] ممن عبدها، وردّ أمرهم إلى الله؛ إن شاء عذبهم، وإن شاء غفر لهم، يقول [¬٤] عيسى ﵇: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١١٨)﴾ [المائدة: ١١٨] وليس [في هذا] [¬٥] أكثر من الردّ إلى مشيئة الله تعالى، لا تجويز وقوع ذلك.\nقال عبد الله بن وهب (^٦١): حدثنا عمرو بن الحارث، أن بكر بن سوادة حدثه، عن عبد الرحمن بن جُبَير، عن عبد الله بن عمرو؛ أن رسول الله، ﷺ، تلا قول إبراهيم ﵇ ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٦)﴾ [إبراهيم: ٣٦]، وقول [¬٦]، عيسى ﵇: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾، [فرفع يديه وقال] [¬٧]: \"اللهم أمتي، اللهم أمتي، اللهم أمتي\". وبكى، فقال الله: [يا جبريل، اذهب] إلى محمَّد -وربك أعلم- واسأله ما يبكيه؟ فأتاه جبريل، ﵇، فسأله، فأخبره رسول الله، ﷺ، ما قال، فقال الله: يا جبريل، اذهب إلى محمَّد فقل له [¬٨]: إنا سنرضيك في أمّتك ولا نسوؤك.\n_________\n(^٦١) - صحيح، ولفظ المصنف هو الذي أورده ابن جرير في تفسيره (١٣/ ٢٢٩)، والحديث أخرجه مسلم، كتاب: الإيمان، باب: دعاء النبي - صلى الله عليه وملم- لأمته وبكائه شفقة عليهم (٣٤٦) (٢٠٢)، والنسائي في \"التفسير\" من الكبرى (٦/ ١١٢٦٩).\n_________\n[¬١]- في ت: \"لأنه\".\n[¬٢]- في ت: \"وقوله\".\n[¬٣]- في خ: \"تبرأ\".\n[¬٤]- في خ: \"كما قال\".\n[¬٥]- في ت: \"فيه\".\n[¬٦]- في ز، خ: \"وقال\".\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين في خ: \"وقال\".\n[¬٨]- سقط من: ز.","vol":"8","page":226},{"text":"﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوي إِلَيهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (٣٧)﴾ [إبراهيم: ٣٧]\nوهذا يدل على أن هذا دعاء ثان بعد الدعاء الأول، الذي دعا به عندما [¬١] ولى عن هاجر وولدها، وذلك قبل بناء البيت، وهذا كان بعد بنائه تأكيدًا ورغبة إلى الله ﷿؛ ولهذا قال: ﴿عِنْدَ بَيتِكَ الْمُحَرَّمِ﴾.\nوقوله: ﴿رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ قال ابن جرير: هو متعلق بقوله: ﴿الْمُحَرَّمِ﴾ أي: إنما جعلته محرمًا ليتمكن أهله من إقامة الصلاة عنده.\n﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوي إِلَيهِمْ﴾ قال ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير: لو قال: أفئدة الناس لازدحم عليه فارس والروم واليهود والنصارى والناس كلهم، ولكن قال: ﴿مِنَ النَّاسِ﴾ فاختص به المسلمون.\nوقوله: ﴿وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ أي: ليكون ذلك عونًا لهم على طاعتك، وكما أنه واد غير ذي زرع فاجعل لهم ثمارًا يأكلونها، وقد استجاب الله ذلك كما قال: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا﴾ وهذا من لطفه تعالى وكرمه ورحمته وبركته: أنه ليس في البلد الحرام مكة شجرة مثمرة، وهي تجبى إليها ثمرات مما حولها، استجابة [لخليله إبراهيم] [¬٢]، ﵊.\n﴿رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ (٣٨) الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ (٣٩) رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ (٤٠) رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ (٤١)﴾\n_________\n[¬١]- في خ: \"بعدما\".\n[¬٢]- في ت: \"لدعاء الخليل\".","vol":"8","page":227},{"text":"قال ابن جرير (^٦٢): يقول تعالى مخبرًا عن إبراهيم خليله أنه قال: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ﴾ أي: أنت تعلم قصدي في دعائي، وما أردت بدعائي لأهل هذا البلد، وإنما هو القصد إلى رضاك والإخلاص لك، فإنك تعلم الأشياء كلها ظاهرها وباطنها، ولا يخفى عليك منها شيء في الأرض ولا في السماء.\nثم حمد ربه ﷿ على ما رزقه من الولد بعد الكبر، فقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ أي: إنه ليستجيب [¬١] لمن دعاه، وقد استجاب لي فيما سألته من الولد.\nثم قال: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ﴾ أي: محافظًا عليها مقيمًا لحدودها ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ أي: واجعلهم كذلك مقيمين الصلاة ﴿رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ﴾ أي: فيما سألتك فيه كله.\n﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ﴾ قرأ بعضهم: (ولوالدي) [على الإفراد] [¬٢]، وكان هذا قبل أن يتبرأ من أبيه لما تبين له عداوته لله ﷿ ﴿وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: كلهم ﴿يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾ أي: يوم تحاسب عبادك فتجزيهم بأعمالهم، إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر.\n﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (٤٢) مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ (٤٣)﴾\nيقول تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ﴾ يا محمَّد ﴿غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ أي: لا [¬٣] تحسبه [¬٤] إذا أنظرهم وأجلهم أنه غافل عنهم، مهمل لهم، لا يعاقبهم على صنعهم، بل هو يحصي ذلك عليهم، ويعده عدًّا، [] [¬٥]: ﴿إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾ أي: من شدة الأهوال يوم القيامة.\nثم ذكر تعالى كيفية قيامهم من قبورهم، ومجيئهم إلى قيام المحشر فقال: ﴿مُهْطِعِينَ﴾ أي: مسرعين، كما قال تعالى: ﴿مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ …﴾ الآية، [وقال تعالى:\n_________\n(^٦٢) - في التفسير (١٣/ ٢٣٣).\n_________\n[¬١]- في ت: \"يستجيب\".\n[¬٢]- في ت: \"بالإفراد\".\n[¬٣]- سقط من: خ.\n[¬٤]- في ت: \"تحسبنه\".\n[¬٥]- في ز، خ: أي.","vol":"8","page":228},{"text":"﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ] [¬١] لَا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إلا هَمْسًا﴾، [إلى قوله] [¬٢] ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا﴾ وقال تعالى: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾.\nوقوله: ﴿مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ﴾ قال ابن عباس ومجاهد وغير واحد: رافعي رءوسهم.\n﴿لَا يَرْتَدُّ إِلَيهِمْ طَرْفُهُمْ﴾ أي: [بل] [¬٣] أبصارهم طائرة شاخصة، يديمون [¬٤] النظر لا يطرفون لحظة؛ لكثرة ما هم فيه من الهول والفكرة والمخافة لما يحل بهم، عياذا بالله العظيم من ذلك، ولهذا قال: ﴿وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ﴾ أي: وقلوبهم خاوية خالية [ليس فيها شيء لكثرة الوجل والخوف، ولهذا قال قتادة وجماعة، إن أمكنة أفئدتهم خالية] [¬٥]؛ لأن القلوب لدى الحناجر قد خرجت من أماكنها من شدة الخوف، وقال بعضهم: \"هواء\" خراب لا تعي شيئًا.\nو[¬٦] لشدة ما [أخبر الله تعالى به] [¬٧] عنهم، [] [¬٨] قال تعالى [لرسوله، ﷺ] [¬٩]: [﴿وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ﴾] [¬١٠].\n﴿وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا مِنْ زَوَالٍ (٤٤) وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَال (٤٥) وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ (٤٦)﴾\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٤]- في خ: \"مديمون\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- سقط من: ز.\n[¬٧]- في ت: \"أخبر به تعالى\".\n[¬٨]- في ت: ثم.\n[¬٩]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬١٠]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"8","page":229},{"text":"يقول تعالى مخبرًا عن قيل الذين ظلموا أنفسهم عند معاينة العذاب ﴿رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ﴾ [كما قال تعالى] [¬١]: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَال رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾، وقال تعالى مخبرًا عنهم في حال [¬٢] محشرهم، ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾، وقال: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَاليتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٧) بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾.\nوقال [¬٣] تعالى رادًّا عليهم في قولهم هذا: ﴿أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ﴾ أي: أو لم تكونوا تحلفون من قبل هذه [¬٤] الحال [¬٥]: أنه لا زوال لكم عما أنتم فيه، وأنه لا معاد ولا جزاء، فذوقوا هذا بذاك [¬٦].\nقال مجاهد وغيره: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ﴾ أي: ما لكم من انتقال من الدنيا إلى الآخرة. [كما أخبر عنهم تعالى] [¬٧]: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيهِ حَقًّا﴾.\n﴿وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَال﴾ أي: قد رأيتم وبلغكم ما أحللنا بالأمم المكذبة قبلكم، ومع هذا لم يكن لكم فيهم معتبر، ولم يكن فيما أوقعنا بهم لكم مزدجر ﴿حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ [¬٨] النُّذُرُ﴾.\nوقد روى شعبة (^٦٣)، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن، أن عليها، ﵁، قال في هذه الآية: ﴿وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ [¬٩] الْجِبَالُ﴾ قال: أخذ ذاك الذي حاج\n_________\n(^٦٣) - إسناده فيه جهالة، أخرجه ابن جرير (١٣/ ٢٤٤)، وعبد الرحمن هذا هو ابن دانيال وقيل ابن أذنان وكلاهما ذكرهما ابن أبي حاتم في \"الجرح والتعديل\" ولم يذكر فيهما جرحًا ولا تعديلًا.\n_________\n[¬١]- في ت: \"كقوله\".\n[¬٢]- في خ: \"حالة\".\n[¬٣]- في خ: \"قال\".\n[¬٤]- في خ: \"هذا\".\n[¬٥]- في ت: \"الحالة\".\n[¬٦]- في ت: \"بذلك\".\n[¬٧]- في ت: \"كقوله\"، خ: \"كما أخبر\".\n[¬٨]- في خ: \"تغنى\".\n[¬٩]- في خ: \"منها\".","vol":"8","page":230},{"text":"إبراهيم في ربه نسرين صغيرين فرباهما حتى استغلظا [واستعلجا [¬١] وشبا] [¬٢]، قال: فأوثق رِجْل كل واحد [¬٣] منهما بوتد إلى تابوت وجوعهما، وقعد هو وَرَجُلٌ آخر في التابوت، قال: ورفع في التابوت عصا على رأسه اللحم، قال: فطارا وجعل يقول لصاحبه: انظر ماذا ترى. قال: أرى [¬٤] كذا وكذا، حتى قال: أرى الدنيا كلها كأنها ذباب. قال: [فقال: صوب] [¬٥] العصا فصوبها فهبطا. قال فهو قول الله [¬٦] ﷿ ﴿وَإِنْ كَادَ [¬٧] مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾. قال أبو إسحاق: وكذلك هي في قراءة عبد الله ﴿وَإِنْ كَادَ مَكْرُهُمْ﴾.\nقلت: وكذا [¬٨] روي عن أبي بن كعب وعمر بن الخطاب، ﵄، أنهما قرآ ﴿وإن كاد﴾ كما قرأ علي، وكذا رواه سفيان الثوري وإسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن أذنان [¬٩]، عن علي … فذكر نحوه، وكذا روي عن عكرمة: أن سياق [¬١٠] هذه القصة لنمروذ [¬١١] ملك كنعان: أنه رام أسباب السماء بهذه الحيلة والمكر، كما رام ذلك بعده فرعون ملك القبط في بناء الصرح، فعجزا وضعفا وهما أقل وأحقر وأصغر وأدحر.\nوذكر مجاهد هذه القصة عن بُخْتَنَصَّر، وأنه لما انقطع بصره عن الأرض وأهلها نودي: أيها الطاغية أين تريد؟ فَفَرقَ، ثم سمع الصوت فوقه [فصوب الرماح] [¬١٢]، فصوبت النسور ففزعت الجبال من هدتها، وكادت الجبال أن تزول من حس ذلك، فذلك قوله: ﴿وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾.\nونقل ابن جريج، عن مجاهد أنه قرأها: (لَتزولُ منه الجبال) بفتح اللام الأولى وضم الثانية.\nوروى العوفي، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾ يقول: ما كان مكرهم لتزول منه الجبال. وكذا قال الحسن البصري، ووجهه ابن جرير:\n_________\n[¬١]- استعلج فلان: غلُظ واشتد وضخم بدنه.\n[¬٢]- في ز، خ: \"واستعجلا فشبا\".\n[¬٣]- في خ: \"واحة\".\n[¬٤]- في خ: \"انظر\".\n[¬٥]- في خ: \"فصوب\".\n[¬٦]- في ت: \"قوله\".\n[¬٧]- في خ: \"كان\".\n[¬٨]- في ت: \"كذلك\".\n[¬٩]- في ز، خ: \"رباب\".\n[¬١٠]- في ز: \"شأن\"، خ: \"شاة\".\n[¬١١]- في ز، خ: \"النمرود\".\n[¬١٢]- ما بين المعكوفتين في ز: \"فصوبت الرياح\".","vol":"8","page":231},{"text":"بأن هذا الذي فعلوه بأنفسهم [من كفرهم بالله. وشركهم به] [¬١] ما ضر ذلك شيئًا من الجبال ولا غيرها، وإنما عاد وبال ذلك عليهم.\nقلت: ويشبه هذا إذا [¬٢] [قوله] [¬٣] تعالى: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَال طُولًا﴾.\nوالقول الثاني في تفسيرها ما رواه علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾ يقول: شركهم، كقوله. ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا﴾، وهكذا قال الضحاك وقتادة.\n﴿فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (٤٧) يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (٤٨)﴾\nيقول تعالى مقررًا لوعده ومؤكدًا: ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ﴾ أي: عن نصرتهم في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد.\nثم أخبر تعالى [¬٤] أنه ذو عزة لا يمتنع عليه شيء أراده ولا يغالب [¬٥]، وذو انتقام ممن كفر به وجحده ﴿فَوَيلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾، ولهذا قال: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾ أي: وعده هذا حاصل يوم تبدل الأرض [غير الأرض] [¬٦]، وهي هذه على غير الصفة المألوفة المعروفة، كما جاء في الصحيحين (^٦٤) من حديث أبي حازم، عن سهل بن سعد، قال: قال رسول الله، ﷺ: \"يحشر الناسُ يوم القيامة على أرض بيضاءَ عفراءَ كَقُرْصَةِ النقيِّ، ليس فيها معلم لأحدٍ\".\nوقال الإمام أحمد (^٦٥): حدثنا محمَّد بن أبي عدي، عن داود، عن الشعبي، عن\n_________\n(^٦٤) - أخرجه البخاري، كتاب: الرقاق، باب: يقبض الله الأرض يوم القيامة (٦٥٢١)، ومسلم، كتاب: صفات المنافقين وأحكامهم، باب: في البعث والنشور، وصفة الأرض يوم القيامة (٢٨) (٢٧٩٠).\n(^٦٥) - صحيح، الحديث في \"المسند\" (٢٤١٧٨) (٦/ ٣٥)، وأخرجه مسلم، كتاب: صفات =\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ت: \"من شركهم بالله وكفرهم به\".\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- في خ: \"أن قوله\".\n[¬٤]- زيادة في: ت.\n[¬٥]- في خ: \"يغالبه\".\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.","vol":"8","page":232},{"text":"مسروق، عن عائشة؛ أنها قالت: أنا أول الناس سأل النبي، ﷺ، عن هذه الآية: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّار﴾ قالت: قلت: أين الناس يومئذ يا رسول الله؟ قال: \"على الصراط\". رواه مسلم - منفردًا به دون البخاري - والترمذي وابن ماجه من حديث داود بن أبي هندٍ، به، وقال الترمذي: حسن صحيح [] [¬١].\nورواه أحمد أيضًا (^٦٦): عن عفان، عن وهيب، عن [داود، عن الشعبي] [¬٢]، عنها ولم يذكر مسروقًا، وقال قتادة (^٦٧): عن حسان بن بلال المزني، عن عائشة، ﵂: أنها سألت رسول الله، ﷺ، عن [قول الله] [¬٣]: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾ قال: قالت: يا رسول الله، فأين الناس يومئذ؟ قال: \"لقد سألتني [¬٤] عن شيء ما سألني عنه أحد من أمتي، ذاك إذ الناس على [جسر جهنم] [¬٥] \".\nوروى الإمام أحمد (^٦٨) من حديث حبيب بني أبي عمرة، عن مجاهد، عن ابن عباس، حدثتني عائشة أنها سألت رسول الله، ﷺ، عن قوله تعالى: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْويَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ فأين الناس يومئذ يا رسول الله؟ قال: \"هم على متن جهنم\".\n_________\n= المنافقين وأحكامهم، باب: في البعث والنشور وصفة الأرض يوم القيامة (٢٩) (٢٧٩١)، والترمذي، كتاب: تفسير القرآن، باب: ومن سورة إبراهيم (٣١٢٠)، وباب: ومن سورة الزمر (٣٢٤٣)، وابن ماجه، كتاب: الزهد، باب: ذكر البعث (٤٢٧٩).\n(^٦٦) - صحيح، \"المسند\" (٢٥١٣٥) (٦/ ١٣٤)، وأخرجه أحمد أيضًا (٢٥٩٣٧) (٦/ ٢١٨) ثنا إسماعيل قال: أنا داود، به، ليس فيه مسروق، وانظر السابق.\n(^٦٧) - أخرجه ابن جرير في تفسيره (١٣/ ٢٥٣)، وفي إسناده الوليد بن مسلم وهو كثير التدليس والتسوية ولم يصرح بالتحديث.\n(^٦٨) - صحيح، الحديث في \"المسند\" (٢٤٩٦٨) (٦/ ١١٧)، وأخرجه أيضًا النسائي في \"التفسير\" من الكبرى (٦/ ١١٤٥٣)، والترمذي، كتاب: تفسير القرآن، باب: ومن سورة الزمر (٣٢٤٢) وقال: \"حديث حسن صحيح غريب\"، وصححه الحاكم أيضًا (٢/ ٤٣٦) ووافقه الذهبي.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ز: \"ورواه أحمد أيضًا عن عفان عن وهيب عن داود بن أبي هند به، وقال الترمذي: حسن صحيح\".\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- في ت: \"قوله\".\n[¬٤]- في ز: \"سألتيني\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"خيرهم\".","vol":"8","page":233},{"text":"وقال ابن جرير (^٦٩): حدثنا الحسن، حدثنا علي بن الجعد، أخبرنا القاسم، قال: سمعت الحسن؛ قال: قالت عائشة: يا رسول الله ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيرَ الْأَرْضِ﴾ فأين الناس يومئذ؟ قال: \"إن هذا الشَّيءَ ما سألني عنه أحد\" قال: \"على الصراط يا عائشة\".\nورواه أحمد (^٧٠): عن عفان، عن القاسم بن الفضل، عن الحسن، به.\nوقال الإِمام مسلم بن الحجاج في صحيحه (^٧١): حدثني الحسن بن علي الحُلَّوَانِيُّ، حدثني أبو تَوْبَة [¬١] الربيع بن نافع، حدثنا معاوية بن سلام، عن زيد -يعني أخاه- أنه سمع أبا سلام، حدثني أبو أسماء الرَّحَبِيُّ، أن ثوبان مولى رسول الله، ﷺ، حدثه قال: كنت قائمًا عند رسول الله، ﷺ، فجاء حبر من أحبار اليهود، فقال: السلام عليك يا محمَّد؛ فدفعته دفعة كاد يصرع منها، فقال: لم تدفعني؟ فقلت: ألا تقولُ: يا رسول الله؟ فقال اليهودي: إنما ندعوه باسمه الذي سماه به أهلهُ. فقال رسول الله، ﷺ: \"إن اسمي محمَّد الذي سماني به أهلي\" فقال اليهودي: جئت أسألك. فقال له رسول الله، ﷺ: \"أينفعك شي إن حدثتك\" قيال: أسمع بأذني. فَنَكتَ رسول الله، ﷺ، بعود معه، فقال: \"سَلْ\". فقال اليهودي: أين يكون [¬٢] الناس حين [¬٣] تبدل الأرض غير الأرض والسماوات؟ فقال رسول الله، ﷺ: \"هم في الظلمة دون الجسر\". قال: فمن أول الناس إِجَازَةً؟ قال: \"فقراء المهاجرين\". فقال اليهودي: فما تحفتهم حين يدخُلُون الجنة؟ قال: \"زيادةُ كَبِد الحُوتِ [¬٤] \". قال: فما غِذَاؤُهُمْ في إِثْرِهَا؟ قال: \"يُنْحَر لهم ثَوْرُ الجنة الذي كان يأكُلُ من أطرافها\". قال: فما شرابهم عليه؟ قال: \"من عين فيها [¬٥] تسمى سلسبيلًا\". قال: صدقت.\nقال: وجئت أسألك عن شيء لا يعلمه أحد من أهل الأرض إلا نبي أو رجل أو رجلان.\n_________\n(^٦٩) - إسناده منقطع، تفسير ابن جرير (١٣/ ٢٥٣)، والحسن لم يسمع من عائشة، وانظر ما بعده.\n(^٧٠) - كسابقه، \"المسند\" (٢٤٨٠٩) (٦/ ١٠١) وأخرجه أيضًا ابن أبي الدنيا في \"الأهوال\" (رقم ٦٧) ثنا علي بن الجعد نا القاسم بن الفضل، به.\n(^٧١) - صحيح مسلم، كتاب: الحيض، باب: بيان صفة مني الرجل والمرأة وأن الولد مخلوق من مائهما (٣٤) (٣١٥).\n_________\n[¬١]- في خ: \"ثوبة\".\n[¬٢]- في ز: \"تكون\".\n[¬٣]- في خ: \"يوم\".\n[¬٤]- في خ: \"النون\".\n[¬٥]- زيادة من: ت.","vol":"8","page":234},{"text":"قال: \"أينفعك [¬١] إن حدثتك؟ \" قال: أسمع بأذني. قال: جئت أسألك عن الولد. قال: \"ماء الرجل أبيضُ، وماء المرأة أصفر، فإذا اجتمعا فَعَلا منيُّ الرجلد منيَّ المرأة أَذْكَرا [¬٢] بإذن الله تعالى، وإذا علا منيُّ المرأة منيَّ الرجل آنثا بإذن الله\". قال اليهودي: لقد صدقت، وإنك لنبي. ثم انصرف فذهب، فقال رسول الله، ﷺ: \"لقد سألني هذا عن الذي سألني عنه وما لي عِلْمٌ بشيء منه، حتى أتاني الله به\".\nقال [¬٣] أبو جعفر بن جرير الطبري (^٧٢)، حدثنا ابن عوف، حدثنا أبو المغيرة، حدثنا ابن أبي مريم، حدثنا سعيد بن ثوبان الكلاعي، عن أبي أيوب الأنصاري: أتى النبيَّ، ﷺ حبْرٌ من اليهود، فقال: ارأيت إذ يقول الله تعالى في كتابه: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾ فأين الخلق عند ذلك؟ فقال: \"أضياف الله فلن يعجزهم ما لديه\".\nورواه ابن أبي حاتم: من حديث أبي بكر بن عبد الله بن أبي مريم به.\nوقال شعبة (^٧٣): أخبرنا أبو إسحاق، سمعت عمرو بن ميمون - وربما قال: قال [¬٤] عبد الله، وربما لم يقل - فقلت له: عن عبد الله؟ فقال: سمعت عمرو بن ميمون يقول: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيرَ الْأَرْضِ﴾ قال: أرض كالفضة البيضاء نقية، لم يسفك فيها دم، ولم يعمل عليها خطيئة، ينفذهم البصر، ويسمعهم الداعي، حفاة عراة كما خلقوا. قال: أراه قال: قيامًا حتى يلجمهم العرق.\nوروي من وجه آخر (^٧٤): عن شعبة، عن [¬٥] إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن\n_________\n(^٧٢) - إسناده ضعيف، تفسير ابن جرير (١٣/ ٢٥٣ - ٢٥٤) وابن أبي مريم -وهو أبو بكر بن عبد الله- ضعيف، وشيخه مجهول.\n(^٧٣) - صحيح موقوفًا، أخرجه ابن جرير (١٣/ ٢٤٩)، وأحمد في \"العلل\" (٢/ ١٧٦)، وأخرجه ابن جرير، والحاكم (٤/ ٥٧٠)، وعلقه أحمد في \"العلل\" من طريق شعبة، قال: سمعت أبا إسحاق يقول: سمعت هبيرة بن يريم يقول: سمعت عبد الله بن مسعود … فذكره. وانظر ما بعده.\n(^٧٤) - كسابقه، أخرجه ابن جرير (١٣/ ٢٤٩ - ٢٥٠) وتابع شعبة، عبيد الله بن موسى عن إسرائيل به؛ عند الحاكم (٤/ ٥٧٠)، وأبي الشيخ في \"العظمة\" (٣/ ٥٩٨)، وقال الحاكم عن هذا الإسناد والذي قبله: \"حديث صحيح الإسنادين جميعًا على شرط الشيخين ولم يخرجاه\".\n_________\n[¬١]- في ز: \"ينفعك\".\n[¬٢]- في خ: \"أذكر\".\n[¬٣]- مكانها بياض في: \"ز\" وفي خ: \"حدثنا\".\n[¬٤]- سقط من: ت.\n[¬٥]- في خ: \"وعن\".","vol":"8","page":235},{"text":"ميمون، عن ابن مسعود، بنحوه.\nوكذا رواه عاصم (^٧٥)، عن زر، عن ابن مسعود، به. وقال سفيان الثوري، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون لم يخبر به (^٧٦). أورد ذلك كله ابن جرير.\nوقد قال الحافظ أبو بكر البزار (^٧٧): حدثنا محمد بن عبد اللَّه بن عبيد بن عقيل، حدثنا سهل بن حماد أبو عتاب [¬١]، حدثنا جرير بن أيوب، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون، عن عبد اللَّه، عن النبي، ﷺ، في قول اللَّه ﷿: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيرَ الْأَرْضِ﴾ قال: \"أرض بيضاء لم يسفك [¬٢] عليها دم، أو [¬٣] لم يعمل عليها خطيئة\". ثم قال: لا نعلم رفعه إلا جرير بن أيوب، وليس [¬٤] بالقوي.\nثم قال ابن جرير (^٧٨): حدثنا أبو كريب، ثنا معاوية بن هشام، عن سنان، عن جابر الجعفي، عن أبي جبيرة، عن زيد قال: أرسل رسول اللَّه، ﷺ، إلى اليهود فقال: \"هل تدرون لم أرْسَلْتُ إليهم؟ \" قالوا: اللَّه ورسوله أعلم. قال: \"فإني أرسلتُ إليهم أسألهم عن قول اللَّه: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيرَ الْأَرْضِ﴾ إنها تكون يومئذ بيضاء مثل الفضة\". فلما جاءوا سألهم، فقالوا: تكون بيضاء مثل النقي.\nوهكذا روي عن علي واين عباس وأنس بن مالك ومجاهد بن جبير: أنها [¬٥] تبدل يوم القيامة بأرض من فضة.\nوعن علي ﵁ أنه قال: تصير الأرض فضة، والسماوات ذهبًا.\n_________\n(^٧٥) - كسابقه، أخرجه ابن جرير (١٣/ ٢٥٠)، والطبراني في \"الكبير\" (٩/ ٩٠٠١) وجوَّد إسناده الهيثمي في \"المجمع\" (٧/ ٤٨).\n(^٧٦) - أخرجه ابن جرير (١٣/ ٢٥٠).\n(^٧٧) - إسناده ضعيف جدًّا، والحديث في مسنده (٥/ ٢٤٦) (١٨٥٩)، وأخرجه أيضًا الطبراني في \"الكبير\" (١٠/ ١٠٣٢٣)، وفي \"الأوسط\" (٧/ ٧١٦٧)، وقال الهيثمي في \"المجمع\" (٧/ ٤٨): \"وفيه جرير بن أيوب البجلي وهو متروك\"، وقال أيضًا (١٠/ ٣٤٨): \"رواه البزاو وفيه جرير بن أيوب وهو مجمع على ضعفه\".\n(^٧٨) - إسناده ضعيف لضعف جابر الجعفي، ابن جرير في تفسيره (١٣/ ٢٥٠)، وزاد نسبته السيوطي في \"الدر النثور\" (٤/ ١٦٨) إلى ابن مردويه.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"غياث\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"يسقط\".\n[¬٣]- في خ: \"و\".\n[¬٤]- في ت: \"ليس\".\n[¬٥]- في خ: \"حدثنا\".","vol":"8","page":236},{"text":"وقال الربيع، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب، قال: تصير السماوات جنانًا.\nوقال أبو معشر، عن محمد بن كعب القرظي، عن محمد بن قيس في قوله: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيرَ الْأَرْضِ﴾ قال: خبزة يأكل منها المؤمنون من تحت أقدامهم.\nوكذا روى وكيع، عن [عمر] [¬١] بن بشير الهمداني، عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيرَ الْأَرْضِ﴾ قال: تبدل الأرض [¬٢] خبزة بيضاء يأكل المؤمن من تحت قدميه.\nوقال الأعمش، عن خيثمة، قال: قال عبد اللَّه -هو [¬٣] ابن مسعود-: الأرض كلها يوم القيامة نار، والجنة من ورائها ترى كواعبها وأكوابها، ويلجم الناس العرق، أو [¬٤] يبلغ منهم العرق، ولم يبلغوا الحساب.\nوقال الأعمش أيضًا، عن المنهال بن عمرو [¬٥] عن قيس بن السكن، قال: قال عبد الله: الأرض كلها نار يوم القيامة، والجنة من ورائها ترى أكوابها وكواعبها، والذي نفس عبد اللَّه بيده، إن الرجل ليفيض عرقًا حتى ترسخ في الأرض قدمه، ثم يرتفع حتى يبلغ [¬٦] أنفه وما مسه الحساب. [فقالوا: من ذاك] [¬٧] يا أبا عبد الرحمن؟ قال: مما يرى [¬٨] الناس ويلقون.\nوقال أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن كعب في قوله: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيرَ الْأَرْضِ﴾ قال: تصير السمارات جنانًا، ويصير مكان البحر نارًا، وتبدل الأرض غيرها.\nوفي [¬٩] الحديث الذي رواه أبو داود (^٧٩): \" لا يركب البحر إلا غاز أو حاج أو معتمر، فإن تحت البحر نارًا، أو تحت النار بحرًا\".\n_________\n(^٧٩) - إسناده ضعيف جدًّا، \"السنن\" لأبي داود (٢٤٨٩) لكن بلفظ \"لا يركب البحر إلا حاجٌّ أو معتمر أو غاز في سبيل اللَّه. .\".\nوانظر \"السلسلة الضعيفة\" للألباني (١ / رقم ٤٧٨، ٤٧٩).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"معمر\".\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- سقط من: ت.\n[¬٤]- في ز: \"و\".\n[¬٥]- في ز: \"عمر\".\n[¬٦]- في خ: \"تبلغ\".\n[¬٧]- في ت: \"قالوا: مما ذلك\".\n[¬٨]- في خ: \"ترى\".\n[¬٩]- سقط من: ز، خ.","vol":"8","page":237},{"text":"وفي حديث الصور المشهور المروى عن أبي هريرة (^٨٠)، [عن النبي، ﷺ، أنه قال] [¬١]: \" [يبدل اللَّه الأرض] [¬٢] غير الأرض والسماوات فيبسطها، ويمدها مد الأديم العُكَاظِيِّ، لا ترى فيها عوجًا ولا أمتًا، ثم يَزْجُرُ اللهُ الخَلْقَ زَجْرةً فإذا هم في هذه المُبَدلَةِ\".\nوقوله: ﴿وَبَرَزُوا لِلَّهِ﴾ أي: خرجت الخلائق جميعها من قبورهم للَّه ﴿الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ أي: الذي قهر كل شيء وغلبه، ودانت له الرقاب، وخضعت له الألباب.\n﴿وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (٤٩) سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ (٥٠) لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٥١)﴾\nيقول تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾ وتبرز الخلائق لديَّانها، ترى يا محمد يومئذ المجرمين: وهم الذين أجرموا بفسادهم وكفرهم ﴿مُقَرَّنِينَ﴾ أي: بعضهم إلى بعض، قد جُمِع بين النظراء [¬٣] أو الأشكال منهم، كل صنف إلى صنف، كما قال تعالى: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾، وقال: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾، وقال: ﴿وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا﴾، وقال: ﴿وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (٣٧) وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ﴾.\nوالأصفاد: هي القيود، قاله ابن عباس، وسعيد بن جبير، والأعمش، وعبد الرحمن بن زيد، وهو مشهور في اللغة؛ قال عمرو بن كلثوم:\nفآبوا بالثياب وبالسبايا … وأبنا بالملوك مصفدينا\nوقوله: ﴿سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ﴾ أي: ثيابهم التي يلبسونها عليهم [¬٤] من قطران؛ وهو الذي تهنأ به الإِبل، أي: تطلى، قال [¬٥] قتادة: وهو ألصق شيء بالنار.\nويقال فيه: قطران بفتح القاف وكسر الطاء وتسكينها [¬٦]، وبكسر القاف وتسكين\n_________\n(^٨٠) - إسناده ضعيف مضطرب، تقدم تخريجه [سورة الأنعام / آية ٧٣].\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين مكررة في: خ.\n[¬٢]- في ز، خ: \"تبدل الأرض\".\n[¬٣]- سقط خ: \"النظر\".\n[¬٤]- سقط س: ت.\n[¬٥]- في خ: \"قاله\".\n[¬٦]- في خ: \"وبفتح القاف وتسكين الطاء\".","vol":"8","page":238},{"text":"الطاء، ومنه قول أبي النجم:\nكأن قطرانا إذا تلاها … ترمي [¬١] به الريح إلي مجراها\nوكان ابن عباس يقول: القطران هو النحاس المذاب، وربما قرأها: ﴿سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ﴾ أي: من نحاس حار قد انتهى حوه، وكذا روي عن مجاهد وعكرمة، وسعيد بن جبير، والحسن، وقتادة.\nوقوله: ﴿وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾ كقوله: ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾.\nوقال الإمام أحمد ﵀ (^٨١): حدثنا يحيى بن إسحاق، أنبأنا أبان بن يزيد، عن يحيى بن أبي كثير، عن زلد، عن أبي سلام، عن أبي مالك الأشعري، قال: قال رسول اللَّه، ﷺ: [\"أربع في أمتي] [¬٢] من أمر الجاهلية لا يتركوهن [¬٣]؛ الفخر بالأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة [على الميت] [¬٤]، و[] [¬٥] النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران، ودرع من جرب\". انفرد بإخراجه مسلم.\nوفي حديث القاسم، عن أبي أمامة، ﵁؛ قال: قال رسول اللَّه، ﷺ، [] [¬٦]: [النائحة إذا لم تتب توقف في طريق بين الجنة والنار، سرابيلها [¬٧] من قطران، وتغشى وجهها [¬٨] النار\" (^٨٢).\nوقوله: ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ [كُلَّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ] [¬٩]﴾ أي: [] [¬١٠] يوم القيامة ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾.\n_________\n(^٨١) - صحيح، الحديث في \"المسند\" (٥/ ٣٤٢ - ٣٤٣) ووقع بين يحيى بن إسحاق، وأبان بن يزيد \" ثنا موسى، ولعلها مقحمة، وأخرجه أحمد أيضًا (٥/ ٣٤٤)، ومسلم، كتاب: الجنائز، باب: التشديد في النياحة (٢٩) (٩٣٤) من طريقين عن أبان به، وأخرجه أحمد (٢٣٠١١) (٥/ ٣٤٣) ثنا أبو عامر ثنا علي بن المبارك عن يحيى بن أبي كثير، به.\n(^٨٢) - إسناده ضعيف، أخرجه الطبراني في \"الكبير\" (٨/ ٧٨١٨)، وفي إسناده علي بن يزيد الألهاني وعبيد اللَّه بن زَحْر وكلاهما ضعيف، وإن كان الأخير أحسن حالًا من الذي قبله، وقد أعل الهيثمي =\n_________\n[¬١]- في خ: \"يرمي\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"أربعة\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"يتركهن\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين في خ: والنياحة.\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين في ت: رفعه.\n[¬٧]- في ت: \"وسرابيلها\".\n[¬٨]- في خ: \"وجوههم\".\n[¬٩]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬١٠]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: يقسم.","vol":"8","page":239},{"text":"﴿إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ يحتمل [¬١] أن يكون كقوله تعالى: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ ويحتمل أنه في حال محاسبته لعبده سريع النجاز؛ لأنه يعلم كل شيء ولا يخفى عليه خافية، وإن جميع الخلق بالنسبة إلى قدرته كالواحد منهم، كقوله تعالى: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إلا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ وهذا معنى قول مجاهد: ﴿سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ إحصاء [¬٢].\nويحتمل أن يكون المعنيان [¬٣] مرادين، والله أعلم.\n﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٥٢)﴾\nيقول تعالى: هذا القرآن بلاغ للناس، كقوله: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ أي: هو بلاغ لجميع الخلق؛ من إنس وجان [¬٤]، كما قال في أول السورة: ﴿الر [¬٥] كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾.\n﴿وَلِيُنْذَرُوا بِهِ﴾ أي: يتعظوا [¬٦] به ﴿وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ أي: يستدلوا بما فيه من الحجج والدلالات على أنه لا إله إلا هو ﴿وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ أي: ذوو العقول.\nآخر تفسير سورة إبراهيم ﵊، [والحمد لله] [¬٧] رب العالمين.\n* * *\n_________\n= في \"المجمع\" (٣/ ١٧) الحديث بهذا الأخير، فقال: \"رواه الطبراني في الكبير وفيه عبيد اللَّه بن زحر وهو ضعيف\" لكن يشهد لمعناه الحديث السابق والحمد لله أولًا وآخرًا وظاهرًا وباطنًا.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"ويحتمل\".\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في ز، خ: \"المعنيين\".\n[¬٤]- في ت: \"وجن\".\n[¬٥]- في ز، خ: \"الم\".\n[¬٦]- في خ: \"ليتعظوا\".\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين في خ: \"ولله الحمد\".","vol":"8","page":240},{"text":"<span data-type='title' id=toc-121>سورة الحجر</span>\n﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ (١) رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ (٢) ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٣)﴾\nقد تقدم الكلام على الحروف المقطعة في أوائل السور.\nوقوله تعالى: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾، إخبار عنهم أنهم سيندمون على ما كانوا فيه من الكفر، ويتمنون لو كانوا في الدار الدنيا مع المسلمين.\nونقل السدي في تفسيره بسنده المشهور عن ابن عباس وابن مسعود وغيرهما من الصحابة: أن [الكفار] [¬١] لما عرضوا على النار تمنوا أن لو كانوا مسلمين.\nوقيل: إن [¬٢] المراد أن كل كافر يود عند احتضاره [¬٣] أن لو كان مؤمنًا.\nوقيل: هذا إخبار عن يوم القيامة، كقوله [¬٤] تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَاليتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.\nوقال سفيان الثوري (^١): عن سلمة بن [¬٥] كهيل، عن [¬٦] أبي الزعراء، عن عبد اللَّه في قوله: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ قال: هذا في الجهنميين إذا [¬٧] رأوهم يخرجون من النار.\nوقال [¬٨] ابن جرير (^٢): حدثني المثنى، أخبرنا مسلم بن إبراهيم [، حدثنا القاسم] [¬٩]\n_________\n(^١) - أخرجه ابن جرير في تفسيره (١٤/ ٣) ورجاله ثقات، رجال الشيخين غير أبي الزعراء وهو الكبير واسمه عبد اللَّه بن هانئ الكندي الكوفي، وثقه ابن سعد والعجلي وابن حبان، وقال البخاري: \"لا يتابع في حديثه\"، وقال علي بن المديني: \"عامة رواية أبي الزَّغراء عن عبد اللَّه بن مسعود، ولا أعلم أحدًا روى عنه إلا سلمة بن كهيل\".\n(^٢) - ابن جرير في تفسيره (١٤/ ٣)، وأخرجه ابن المبارك في \"الزهد\" (١٦٠٢) (ص ٥٥٨) من=\n_________\n[¬١]- في ت: \"كفار قريش\".\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في ز، خ: \"إحضاره\".\n[¬٤]- في خ: \"كما في قوله\".\n[¬٥]- في ز، خ: عن.\n[¬٦]- في ز: \"ابن\".\n[¬٧]- سقط من: ت.\n[¬٨]- مكانها بياض في ز.\n[¬٩]- ما بين المعكوفتين سقط من: ت.","vol":"8","page":241},{"text":"حدثنا ابن أبي فروة العبدي: أن ابن عباس وأنس بن مالك كانا يتأولان هذه الآية ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ يتأولانها: يوم يحبس اللَّه أهل الخطايا من المسلمين مع المشركين في النار. قال: فيقول لهم المشركون: ما أغنى عنكم ما كنتم تعبدون في الدنيا. قال: فيغضب اللَّه لهم بفضل رحمته فيخرجهم، فذلك حين يقول: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾.\nوقال عبد الرزاق (^٣): أخبرنا [¬١] الثوري عن حماد، عن إبراهيم، وعن خصيف، عن [¬٢] مجاهد، قالا: يقول أهل النار للموحدين: ما أغنى [عنكم إيمانكم] [¬٣]؟ فإذا قالوا ذلك، قال اللَّه: أخرجوا من كان في قلبه مثقال ذرة [من ايمان] [¬٤] قال: فعند ذلك قوله: ﴿رُبَمَا [¬٥] يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾.\nوهكذا روي عن الضحاك وقتادة وأبي العالية وغيرهم. وقد ورد في ذلك أحاديث مرفوعة، فقال الحافظ أبو القاسم الطبراني (^٤):\nحدثنا محمد بن العباس -هو الأخرم [¬٦]- حدثنا محمد بن منصور الطوسي، حدثنا صالح بن إسحاق الجِهْبِذ [¬٧]-[دلني عليه يحيى بن معين] [¬٨]- حدثنا مُعرّف [¬٩] بن واصل، عن يعقوب [بن نباتة] (*)، عن عبد الرحمن الأغر، عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ: \"إن ناسًا من أهل لا إله إلا اللَّه\n_________\n= طريق القاسم بن الفضل عن عبيد اللَّه بن أبي جروة العبدي، كذا وقع في الزهد، ولعله هو الصواب، فإني لم أقف على من اسمه ابن أبي فروة العبدي في كتب الرجال، ثم إن ابن أبي جروة ذكره البخاري في \"التاريخ الكبير\" (٣٧٦/ ٥)، ووثقه ابن حبان- \"الثقات\" - (٥/ ٦٧)، والأثر أخرجه أيضًا البيهقي في \"البعث\" (٧٦) من طريق القاسم بن الفضل ثنا عبد اللَّه بن أبي جرول -كذا وقع- ولعله محرف من السابق، وزاد نسبته السيوطي في \"الدر المنثور\" (٤/ ١٧٢) إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر.\n(^٣) - \" التفسير\" لعبد الرزاق (٢/ ٣٤٥) وحماد هو ابن أبي سليمان، وإبراهيم هو ابن يزيد النخعي، وخصيف هو بن عبد الرحمن.\n(^٤) - الحديث في \"المعجم الأوسط\" (٧/ ٧٢٩٣) وقال: \"لم يرو هذا الحديث عن معروف -كذا- ابن واصل إلا صالح بن إسحاق الجِهْبذ\" ورواه عن الطبراني أبو نعيم في \"الحلية\" (١٠/ ٢١٧ - ٢١٨)، =\n_________\n[¬١]- في خ: \"أنبأنا\".\n[¬٢]- في خ: \"وعن\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في خ: \"عنكم جمعكم إيمانكم\".\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- في خ: \"الأحزم\".\n[¬٧]- في خ: \"الجهدراي\".\n[¬٨]- في ز: \"رأى علية بن موسى\"، وفي خ: وعلية بن موسى. والمثبت من الأوسط.\n[¬٩]- في ز، خ: \"معروف\".","vol":"8","page":242},{"text":"يدخلون النار بذنوبهم، فيقول لهم أهل اللات والعزى: ما أغنى عنكم قولكم: لا إله إلا اللَّه، وأنتم معنا في النار؟ فيغضب اللَّه لهم [فيخرجُهم، فيلقيهم] [¬١] في نهر الحياة، فيبرءون [¬٢] من حرقهم كما يبرأ القمر من خسوفه [¬٣]، فيدخلون [¬٤] الجنة ويسمون فيها الجهنميين [¬٥] \". فقال رجل: يا أنس، أنت سمعت هذا من رسول اللَّه ﷺ؟ فقال أنس: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: \"من كذب عليَّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النمر\". نعم، أنا سمعت رسول اللَّه ﵌ يقول هذا.\nثم قال الطبراني: تفرد به الجهبذ.\n(الحديث الثاني) وقال الطبراني أيضًا (^٥): حدثنا عبد اللَّه بن أحمد بن حنبل، حدثنا أبو الشعثاء علي بن حسن الواسطي، حدثنا خالد بن نافع الأشعري، عن سعيد بن أبي بردة، عن أبيه، عن أبي موسى ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ: \"إذا اجتمع أهل النار في النار، ومعهم من شاء اللَّه من أهل القبلة، قال الكفار للمسلمين: ألم تكونوا مسلمين؟ قالوا: بلى. قالوا: فما أغنى عنكم الإسلامُ، فقد صرتم معنا في النار؟ قالوا: كانت لنا ذنوب فأخذنا بها. فسمع اللَّه ما قالوا، فأمر بمن\n_________\n= ومن طريق أبي نعيم الخطيب البغدادي في تاريخه (٩/ ٣١١ - ٣١٢)، وقال الهيثمي في \"المجمع\" (٩٠/ ٣٨٣): \"وفيه من لم أعرفهم\". قلت: لم أقف على ترجمة ليعقوب بن أبي نباتة وكذا صالح بن إسحاق.\nوقد رواه أحمد مطولًا بنحوه (٣/ ١٤٤) وإسناد صحيح والجزء الأخير منه عند البخاري (رقم ١٠٨) ومسلم (٢). كلهم من حديث أنس.\n(*) ما بين المعكوفين في المطبوع من الأوسط: \"بن أبي نباتة\".\n(^٥) - أخرجه في \"المعجم الكبير\" كما في \"المجمع\" (٧/ ٤٨)، وأخرجه ابن أبي عاصم في \"السنة\" (٢/ ٨٤٣)، والحاكم (٢/ ٢٤٢)، وعنه البيهقي في \"البعث\" (٧٩) من طريق أبي الشعثاء به، وأخرجه ابن جرير (١٤/ ٢) حدثنا علي بن سعيد بن مسروق ثنا خالد بن نافع به.\nوقال الحاكم: \"صحيح الإسناد ولم يخرجاه\" ووافقه الذهبي، وقال في \"المجمع\": \"فيه خالد بن نافع الأشعري قال أبو داود: متروك. قال الذهبي هذا تجاوز في الحد فلا يستحق الترك؛ فقد حديث عنه أحمد بن حنبل وغيره. وبقية رجاله ثقات\" قلت: وقد ضعف خالدًا هذا أيضًا أبو زرعة والنسائي وقال أبو حاتم: ليس بالقوي، يكتب حديثه [انظر \"لسان الميزان\"]. ويشهد له ما قبله وما يأتي.\n_________\n[¬١]- في خ: \"فيخرجهم في الناس فيلقهم\".\n[¬٢]- في ت: \"فيبرؤن\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"كسوفة\".\n[¬٤]- في ت: \"ويدخلون\".\n[¬٥]- في خ: \"الجهنميّون\".","vol":"8","page":243},{"text":"كان في النار من أهل القبلة فأخرجوا، فلما رأى ذلك من بقي من الكفار قالوا: يا ليتتا كنا مسلمين فنخرج كما خرجوا!! \". قال: ثم قرأ رسول اللَّه ﷺ: أعوذ باللَّه من الشيطان الرجيم: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ (١) رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾.\nورواه ابن أبي حاتم: من حديث خالد بن نافع به، وزاد فيه: بسم اللَّه الرحمن الرحيم، عوض الاستعاذة.\n(الحديث الثالث) قال [¬١] الطبراني أيضًا (^٦): حدثنا موسى بن هارون، حدثنا إسحاق بن راهويه؛ قال: قلت لأبي أسامة: أحدّثكم أبو روق [¬٢] واسمه [¬٣] عطية بن الحارث: حدثني صالح بن أبي طريف؛ قال: سألت أبا سعيد الخدري فقلت له: هل سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول في هذه الآية: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾؟ قال: نعم، سمعته يقول: \"يخرج اللَّه ناسًا من المؤمنين من النار بعدما يأخذ نقمته منهم\". وقال: \"لما أدخلهم اللَّه النار مع المشركين، قال لهم المشركون: تزعمون أنكم أولياء اللَّه في الدنيا فما بالكم معنا في النار؟ فإذا سمع اللَّه ذلك منهم أذن في الشفاعة لهم، فتشفع لهم [¬٤] الملائكة والنبيون، ويشفع المؤمنون حتى يخرجوا بإذن اللَّه، فإذا رأى المشكون ذلك، قالوا: يا ليتنا كنا مثلهم فتدركنا الشفاعة فنخرج معهم!! \" قال: \"فذلك قول اللَّه: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ فيسمون في الجنة الجهنميين من أجل سواد في وجوههم، فيقولون: يارب، أذهب عنا هذا الاسم، فيأمرهم فيغتسلون في نهر الجنة فيذهب ذلك الاسم عنهم\"؟ فأقر به أبو أسامة، وقال: نعم.\n(الحديث الرابع) وقال ابن أبي حاتم (^٧): حدثنا علي بن الحسين، حدثنا العباس ابن [¬٥] الوليد النرسي [¬٦]، حدثنا مسكين أبو فاطمة، حدثني اليمان بن يزيد، عن محمد ابن\n_________\n(^٦) - وعزاه إلى الطبراني السيوطي في \"الدر المنثور\" (٤/ ١٧٢) وكذا إلى إسحاق بن راهوية وأبي مردويه وصححه ابن حبان (١٦/ ٧٤٣٢ / إحسان) و(١٨/ ٢٥٩٩ / موارد) من طريق عبد الله بن عمر بن أبان بن صالح: قال: ثنا أبو أسامة، عن أي روق به.\n(^٧) - وأخرجه ابن الجوزي في \"العلل المتناهية\" (٢/ ١٥٦٨) مطولًا، وأخرجه مختصرًا أيضًا (١٥٦٧)، والدارقطني في \"المؤتلف والمختلف\" (٢/ ٦٦٧)، والخطيب البغدادي في تاريخه (٦/ ١٥٦) من طريق العباس بن الوليد النرسي به، وقال الدارقطني: \"اليمان بن يزيد مجهول ومسكين أبو فاطمة ضعيف=\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"وقال\".\n[¬٢]- في خ: \"رق\".\n[¬٣]- في خ: \"وحدَّثه\".\n[¬٤]- سقط من: ز.\n[¬٥]- في ز، خ: \"عن\".\n[¬٦]- في ز: \"البرسني\"، خ: \"البرسي\".","vol":"8","page":244},{"text":"حِمْيَر (٥)، عن محمد بن [¬١] علي، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول اللَّه ﷺ: \"منهم من تأخذه النار إلى ركبتيه، ومنهم من تأخذه إلى حجزته، ومنهم من تأخذه النار إلى عنقه، على قدر ذنوبهم وأعمالهم، [ومنهم من يمكث فيها شهرًا ثم يخرج منها] [¬٢]، ومنهم من يمكث فيها سنة ثم يخرج منها، وأطولهم فيها مكثًا بقدر الدنيا منذ يوم خلقت إلى أن تفنى، فإذا أراد اللَّه أن يخرجوا [¬٣] منها، قالت اليهود والنصارى ومن في النار من أهل الأديان والأوثان، لمن في النار من أهل التوحيد: آمنتم بالله وكتبه ورسله فنحن وأنتم اليوم في النار سواء؟ فيغضب اللَّه لهم غضبًا لم يغضبه لشيء فيما مضى، فيخرجهم إلى عين في الجنة وهو قوله: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾.\nوقوله: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا﴾ تهديد شديد لهم ووعيد أكيد، كقوله تعالى: ﴿قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ﴾، وقوله: ﴿كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ﴾، ولهذا قال: ﴿وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ﴾ أي: عن التوبة والإِنابة ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ أي: عاقبة أمرهم.\n﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إلا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ (٤) مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ (٥)﴾\nيقول [¬٤] تعالى: إنه ما أهلك قرية إلا بعد قيام الحجة عليها وانتهاء أجلها، وإنه لا يؤخر أمة حان هلاكهم [¬٥] عن ميقاتها، ولا يتقدمون عن مدتهم، وهذا تنبيه لأهل مكة، وإرشاد لهم إلى الإِقلاع عما هم فيه [¬٦] من الشرك والعناد والإِلحاد الذي يستحقون به الهلاك.\n﴿وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ (٦) لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ\n_________\n= الحديث ومحمد بن حمير هذا لا أعرفه إلا في هذا الحديث وهو حديث منكر\"، وقال ابن الجوزي: هذا حديث لا يصح وفيه جماعة مجاهيل\". وقال الذهبي في \"الميزان\" (٦ / ترجمة اليمان بن يزيد): \"عن محمد بن حمير الحمصي بخبر طويل في عذاب الفساق أظنه موضوعًا\" والحديث زاد نسبته السيوطي في \"الدر المنثور\" (٤/ ١٧٣) إلى ابن شاهين في \"السنة\".\n(*) في (ز، خ): \"جبر\"، والمثبت من كتب الرجال.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"أبو\"، وهو خطأ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٣]- في ت: \" يخرجهم\".\n[¬٤]- في ت.: \"يخبر\".\n[¬٥]- في خ: \"هلاكها\".\n[¬٦]- في ت: \"عليه\".","vol":"8","page":245},{"text":"إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٧) مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إلا بِالْحَقِّ وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ (٨) إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾\nيخبر تعالى عن كفرهم وعتوِّهم [¬١] وعنادهم في قولهم ﴿يا أيها الذي نزل عليه الذكر﴾ أي: الذي يدعي [¬٢] ذلك ﴿إنك لمجنون﴾ أي: في دعائك إيانا إلى اتباعك، وترك ما وجدنا عليه آباءنا ﴿لو ما﴾ أي: هلَّا ﴿تأتينا بالملائكة﴾ أي: يشهدون لك بصحة ما جئت به [إن كنت من الصادقين] [¬٣]، كما قال فرعون: ﴿فلولا [¬٤] ألقي عليه أسورة [¬٥]، من ذهب أو جاء معة الملائكة مقترنين﴾، ﴿وقال الذين لا يرجون لقاءنا لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا لقد استكبروا في أنفسهم وعتوا عتوًّا كبيرا * يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ للمجرمين ويقولون حجرا محجورًا﴾، وكذا قال في هذه الآية: ﴿ما ننزل الملائكة إلا بالحق وما كانوا إذًا منظرين﴾.\nوقال مجاهد في قوله: ﴿ما ننزل الملائكة إلا بالحق وما كانوا إذًا منظرين﴾ بالرسالة والعذاب.\nثم قرر تعالى أنه هو الذي أنزل عليه [¬٦] الذكر وهو القرآن، وهو الحافظ له من التغيير والتبديل.\nومنهم من أعاد الضمير في قوله تعالى: ﴿له لحافظون﴾ على النبي ﷺ، كقوله: ﴿والله يعصمك من الناس﴾ والمعنى الأول أولى وهو ظاهر السياق.\n﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ (١٠) وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إلا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (١١) كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (١٢) لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ (١٣)﴾\nيقول تعالى مسلِّيًّا لرسوله ﷺ في تكذيب من كذبه من كفار قريش: إنه أرسل من قبله في [¬٧] الأم الماضية، وإنه ما أتى أمة من [¬٨] رسول [¬٩] إلا كذبوه واستهزءوا\n_________\n[¬١]- سقط من: ت.\n[¬٢]- في ت: \"تدعي\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ت.\n[¬٤]- في خ: \"لولا\".\n[¬٥]- في ز، خ: \"أساورة\".\n[¬٦]- سقط من: ز، خ.\n[¬٧]- في ز، خ: \"من\".\n[¬٨]- سقط من: ز، خ.\n[¬٩]- في خ: \"رسولا\".","vol":"8","page":246},{"text":"به.\nثم أخبر أنه سلك التكذيب في قلوب المجرمين، الذين عاندوا واستكبروا عن اتباع الهدى.\nقال أنس والحسن البصري: ﴿كذلك نسلكه في قلوب المجرمين﴾ يعني: الشرك.\nوقوله: ﴿وقد خلت سنة الأولين﴾ أي: قد علم ما فعل تعالى بمن كذب رسله من الهلاك والدمار، وكيف أنجى الله الأنبياء وأتباعهم في الدنيا والآخرة.\n﴿وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ (١٤) لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ (١٥)﴾\nيخبر تعالى عن قوة كفرهم وعنادهم ومكابرتهم للحق: أنه لو فُتح لهم بابٌ من السماء فجعلوا يصعدون فيه لما صدقوا بذلك، بل قالوا: ﴿سكرت أبصارنا﴾. قال مجاهد وابن كثير والضحاك: سدت أبصارنا. وقال قتادة، عن ابن عباس: أخذت أبصارنا.\nو[¬١] قال العوفي، عن ابن عباس: شبه علينا وإنما سحرنا.\nوقال الكلبي: عميت أبصارنا.\nوقال ابن زيد: ﴿سكرت أبصارنا﴾ السكران الذي لا يعقل.\n﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ (١٦) وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيطَانٍ رَجِيمٍ (١٧) إلا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ (١٨) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَينَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيءٍ مَوْزُونٍ (١٩) وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ (٢٠)﴾\nيذكر تعالى خلقه السماء في ارتفاعها، وما زينها به من الكواكب الثواقب، لمن تأملها وكرر [نظره فيما يرى فيها] [¬٢] من العجائب والآيات الباهرات، ما يحار نظره فيه، ولهذا\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في ت: \"النظر فيما يرى\".","vol":"8","page":247},{"text":"قال مجاهد وقتادة: البروج ها هنا هي الكواكب (قلت): وهذ! كقوله ﵎: ﴿تبارك الذي جعل في السماء بروجًا وجعل فيها سراجًا وقمرًا منيرًا﴾. ومنهم من قال: البروج هي منازل الشمس والقمر.\nوقال عطية العوفي: البروج هاهنا هي قصور الحرس.\nوجعل الشهب حرسًا لها من مردة الشياطين؛ لئلا يَسَّمَّعوا [¬١] إلى الملأ الأعلى. فمن تمرد وتقدم [¬٢] منهم لاستراق [¬٣] السمع جاءه [شهاب مبين] [¬٤] فأتلفه، فربما يكون قد ألقى الكلمة التي سمعها قبل أن يدركه الشهاب إلى الذي هو دونه، فيأخذها الآخر ويأتي بها إلى وليه، كما جاء مصرحًا به في الصحيح كما قال البخاري في تفسير هذه الآية (^٨):\nحدثنا علي بن عبد الله، حدثنا سفيان، عن عمرو، عن عكرمة، عن أبي هريرة، يبلغ به النبي ﷺ قال: \"إذا قضى الله الأمر في السماء، [] [¬٥] ضَرَبَت الملائكة بأجنحتها خضعانًا لقوله كالسلسة على صفوان\". قال علي. وقال غيره [¬٦]: \"صفوان ينفذُهُم ذلك. فإذا فُزع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا للذي قال: الحقَّ وهو العلي الكبير. فيسمعها مسترقو السمع، ومسترقو السمع هكذا واحدٌ فوق الآخر [¬٧]- ووصف سفيان [¬٨] بيده وفرّج بين أصابع يده اليمنى، نَصَبَها بعضَها فوق بعض- فربما أدرك الشهابُ المستمعَ قبل أن يرمِيَ [¬٩] بها إلى صاحبه فيُحرِقَه، وربما لم يدركه حتى يرمي بها إلى الذي يليه، [إلى الذي] [¬١٠] هو أسفل منه، حتى يلقوها إلى الأرض -وربما قال سفيان: حتى تنتهي إلى الأرض- فتلقى [¬١١] على فم الساحر أو الكاهن، فيكذب معها مائة كذبة، فَيَصدُقُ، فيقولون: ألم يخبرنا يوم كذا وكذا يكون كذا وكذا فوجدناه حقًّا؟ للكلمة التي سمعت من السماء\".\nثم ذكر تعالى خلقه الأرض ومده إياها، وتوسيعها [¬١٢] وبسطها، وما جعل فيها من الجبال الرواسي، والأودية والأراضي والرمال، وما أنبت فيها من الزروع والثمار المتناسبة.\n_________\n(^٨) - صحيح البخاري كتاب: التفسير، باب: \"إلا من استرق السمع فأتبعه شهاب مبين\" (٤٧٠١)، وأخرجه أبو داود، كتاب: الحروف والقراءات (٣٩٨٩)، والترمذي، كتاب: التفسير، باب: ومن سورة سبأ (٣٢٢١)، وابن ماجة في المقدمة (١٩٤) مختصرًا ومطولًا.\n_________\n[¬١]- في خ: \"يسمَّعون\".\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في خ: \"واسترق\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين في ز: \"إلا\".\n[¬٦]- في ز: \"غير\".\n[¬٧]- في ز: \"آخر\".\n[¬٨]- في ز: \"صفوان\".\n[¬٩]- في ز: \"يأتي\".\n[¬١٠]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬١١]- في ز: \"فيلقى\".\n[¬١٢]- في ز: \"سعتها\".","vol":"8","page":248},{"text":"و[¬١] قال ابن عباس: ﴿من كل شيء موزون﴾ أي: معلوم. وكذا قال سعيد بن جبير وعكرمة وأبو مالك ومجاهد والحكم بن عُتيبة [¬٢] والحسن بن محمد وأبو صالح وقتادة.\nومنهم من يقول: مقدر بقدر.\nوقال ابن زيد: من كل شيء يوزن ويقدر بقدر. وقال ابن زيد: ما [يزنه أهل] [¬٣] الأسواق.\nوقوله: ﴿وجعلنا لكم فيها معايش ومن لستم له برازقين﴾ يذكر تعالى أنه صرفهم في الأرض في صنوف الأسباب [¬٤] والمعايش؛ وهي جمع معيشة.\nوقوله: ﴿ومن لستم له برازقين﴾ قال مجاهد: و[¬٥] هي الدواب والأنعام، وقال ابن جرير: هم العبيد والإِماء والدواب والأنعام.\nوالقصد: أنه تعالى يمتن عليهم بما يسر لهم من أسباب المكاسب، ووجوه الأسباب، وصنوف المعايش، وبما سخر لهم من الدواب التي يركبونها، والأنعام التي يأكلونها، والعبيد والإماء التي يستخدمونها، ورزقهم على خالقهم لا عليهم، فلهم هم المنفعة، والرزق على الله تعالى.\n﴿وَإِنْ مِنْ شَيءٍ إلا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إلا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢١) وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَينَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ (٢٢) وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ (٢٣) وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ (٢٤) وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (٢٥)﴾\nيخبر تعالى أنه مالك كل شيء، وأن كل شيء سهل عليه يسير لديه، وأن عنده خزائن الأشياء من جميع الصنوف ﴿وما ننزله إلا بقدر معلوم﴾ كما يشاء وكما يريد، ولما له في ذلك من الحكمة البالغة والرحمة بعباد [¬٦]، لا على جهة [¬٧] الوجوب، بل هو كتب على\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- في ز \"قتيبة\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في ز: \"تزنه\".\n[¬٤]- في ز: \"الأصناف\".\n[¬٥]- سقط من خ.\n[¬٦]- في خ: \"لعباده\".\n[¬٧]- سقط من: ز، خ.","vol":"8","page":249},{"text":"نفسه الرحمة.\nقال يزيد بن أبي زياد، عن أبي جحيفة، عن عبد الله: ما من عام بأمطر من عام، ولكن الله يقسمه [] [¬١] حيث شاء، عامًا هاهنا وعامًا هاهنا. ثم قرأ: ﴿وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم﴾. رواه ابن جرير (^٩).\nوقال أيضًا (^١٠): حدثنا القاسم قال: ثنا الحسين [¬٢] حدثنا هشيم، أخبرنا [¬٣] إسماعيل بن سالم، عن الحكم بن عُتيبة [¬٤]. في قوله: ﴿وما ننزله إلا بقدر معلوم﴾ قال: ما عام بأكثر مطرًا من عام ولا أقل، ولكنه يُمطر قوم ويحرم آخرون، وربما كان في البحر. قال [¬٥]: وبلغنا أنه ينزل مع المطر من [¬٦] الملائكة أكثر من عدد ولد إبليس وولد آدم، يحصون كل قطرة حيث تقع وما تُنبت.\nوقال البزار (^١١): حدثنا داود -هو ابن [¬٧] بكر التستري- حدثنا حبان [¬٨] بن أغلب ابن تميم، حدثني أبي، عن هشام، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \" [خزائن الله الكلام، فإذا أراد شيئًا قال له: كن. فكان\"] [¬٩]. ثم قال: لا يرويه إلا أغلب [ولم يكن] [¬١٠] بالقوي، وقد حدث عنه غير واحد من المتقدمين، ولم يروه عنه إلا ابنه.\n_________\n(^٩) - إسناده ضعيف لضعف يزيد بن أبي زياد، ابن جرير في تفسيره (١٤/ ١٩).\n(^١٠) - ابن جرير في تفسيره (١٤/ ١٩)، وأخرجه أبو الشيخ في \"العظمة\" (٣/ ٤٩٣) من طريق هشيم به وزاد نسبته السيوطي في \"الدر المنثور\" (٤/ ١٧٨) إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^١١) - الحديث في \"المسند\" (١/ ٢٧٩، النسخة الأزهرية).\nوأخرجه أبو الشيخ في \"العظمة\" (٢/ ١٥٥) من طريق حبان به، وحبان هذا ضعفه أبو حاتم وغيره، وأبوه أغلب بن تميم، قال فيه البخاري: منكر الحديث.\n_________\n[¬١] ما بين المعكوفتين في ت: \"بينهم\".\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣] في خ: \"أنبأنا\".\n[¬٤] في ز، خ: \"عيينة\".\n[¬٥] سقط من: خ.\n[¬٦] سقط من: خ.\n[¬٧] في ز \"بن موابن\".\n[¬٨] في ت: \"حيان\".\n[¬٩] ما بين المعكوفتين سقط من: ت.\n[¬١٠] في ت: \"ليس\".","vol":"8","page":250},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وأرسلنا الرياح لواقح﴾ أي: تلقح السحاب فتدر ماء، وتلقح الشجر [فتفتح عن] [¬١] أوراقها وأكمامها، و[¬٢] هذه الرياح ذكرها [¬٣] بصيغة الجمع ليكون منها الإنتاج بخلاف الريح العقيم فإنه أفردها، ووصفها بالعقيم وهو عدم الإِنتاج؛ لأنه لا يكون إلا من [¬٤] شيئين فصاعدًا.\nو[¬٥] قال الأعمش (^١٢): عن المنهال بن عمرو، عن قيس بن السكن [¬٦]، عن عبد الله بن مسعود في قوله: ﴿وأرسلنا الرياح لواقح﴾ قال: لواقح [¬٧] ترسل [¬٨] الريح فتحمل [¬٩] الماء من السماء، [ثم تمري] [¬١٠] السحاب حتى تذر كما تدر اللقحة.\nوكذا قال ابن عباس وإبراهيم النخعي وقتادة.\nوقال الضحاك: يبعثها الله على السحاب فتلقحه [¬١١] فيمتلئ ماء.\nوقال عبيد بن عمير الليثي (^١٣): يبعث الله المبشرة فتقم الأرض قمًّا [¬١٢]، ثم يبعث الله المثيرة فتثير [] [¬١٣] السحاب، ثم يبعث الله المؤلفة فتؤاف السحاب، ثم يبعث الله اللواقح فتلقّح الشجر. ثم تلا: ﴿وأرسلنا الرياح لواقح﴾.\nوقد روى ابن جرير (^١٤): من حديث عبيس بن ميمون، عن أبي المهزم، عن أبي\n_________\n(^١٢) - إسناده صحيح، أخرجه الطبراني في \"الكبير\" (٩/ ٩٠٨٠)، وابن جرير في تفسيره (١٤/ ٢٠)، وزاد نسبته السيوطي في \"الدر النثور\" (٤/ ١٧٩) إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم والخرائطي في \"مكارم الأخلاق\".\n(^١٣) - أخرجه ابن جرير (١٤/ ٢١)، وأبو الشيخ في \"العظمة\" (٤/ ٧١٥، ٨٢٦)، وابن المنذر وابن أبي حاتم كما في \"الدر المنثور\" (٤/ ١٧٩).\n(^١٤) - ابن جرير في تفسيره (١٤/ ٢٢)، وأخرجه أيضًا أبو الشيخ في \"العظمة\" (٤/ ٨٠٠، ٨٠١)، وابن أبي الدنيا في \"كتاب السحاب\"، وابن مردويه -كما في \"الدر المنثور\" (٤/ ١٧٩) - وذكره الديلمي في \"مسند الفردوس\" (٣٢٦٢)، وأبو المهزم هذا متروك كما في \"التقريب\".\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في خ: \"فتنفتح\".\n[¬٢]- سقط من \"ت\".\n[¬٣]- في ت: \"وذكرها\".\n[¬٤]- في ت: \"بين\".\n[¬٥]- سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- في ز، خ: \"المسكين\".\n[¬٧]- سقط من: ت.\n[¬٨]- في ز، خ: \"يرسل\".\n[¬٩]- في خ: \"فيحمل\".\n[¬١٠]- ما بين المعكوفتين في خ: \"تمرُّ مرَّ\".\n[¬١١]- في خ: \"قد لقحه\".\n[¬١٢]- سقط من: خ.\n[¬١٣]- في ز، خ: الأرض.","vol":"8","page":251},{"text":"هريرة، عن النبي ﷺ قال: \"الريح الجنوب من الجنة، [وهي الريح اللواقح] [¬١] وهي التي [¬٢] ذكر الله في كتابه، وفيها منافع للناس\" وهذا [¬٣] إسناد ضعيف.\nوقال الإمام أبو بكر عبد الله بن الزبير الحميدي في مسنده (^١٥): حدثنا سفيان، حدثنا عمرو بن دينار، أخبرني يزيد بن جُعدبة [¬٤] الليثي، أنه سمع عبد الرحمن بن مخراق بحدث عن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن اللَّه خلق في الجنة ريحًا بعد الريح بسبع [¬٥] سنين، وإن من دونها بابا مغلقًا، وإنما يأتيكم الريح من خلل ذلك الباب، ولو فتح لأذرت [¬٦] ما بين السماء والأرض من شيء، وهي عند الله الأذيب [¬٧]، وهي فيكم الجنوب\".\nوقوله: ﴿فأسقيناكموه﴾ أي: أنزلناه لكم عذبًا يمكنكم أن تشربوا منه، و[¬٨] لو نشاء لجعلناه [¬٩] أجاجًا، كما ينبه الله على ذلك في الآية الأخرى في سورة الواقعة؛ وهو [¬١٠] قوله تعالى: ﴿أفرأيتم الماء الذي تشربون *أأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون؟ *لو نشاء جعلناه أجاجًا فلولا تشكرون﴾ وفي قوله: ﴿هو الذي أنزل من السماء ماء لكم من شراب ومنه شجر فيه تسيمون﴾.\nوقوله: ﴿وما أنتم له بخازنين﴾ قال سفيان الثوري: بمانعين.\nويحتمل أن المراد: وما أنتم له بحافظين، بل نحن ننزله ونحفظه عليكم، ونجعله معينًا وينابيع في الأرض، ولو شاء تعالى لأغاره وذهب به، ولكن من رحمته أنزله وجعله عذبًا، وحفظه في العيون والآبار رالأنهار وغير ذلك؛ ليبقى لهم في طول السنة يشربون ويسقون\n_________\n(^١٥) - مسند الحميدي رقم (١٢٩)، وأخرجه أيضًا البخاري في \"التاريخ الكبير\" (٥/ ٣٤٧) مختصرًا، وابن عدي في \"الكامل\" (٧/ ٢٧١٨)، والبزار (٢/ ١٨٣٦ - مختصر الزوائد)، وأبو الشيخ في \"العظمة\" (٤/ ٨٤٥)، والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٣/ ٣٦٤) من طرق عن سفيان به، ورواه أيضًا ابن أبي شيبة وإسحاق بن راهويه في مسنديهما -كما في \"الدر المنثور\" (١/ ٣٠١) وعزاه أيضًا في \"الجامع الصغير\" إلى الروياني والضياء في \"المختارة\"، ويزيد بن جعدبة هذا كذبه البزار والهيثمي في \"المجمع\" (٨/ ١٣٨). والحديث أورده الألباني في \"ضعيف الجامع الصغير\" (٢/ ١٦٠٧) وحكم عليه بالوضع.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- في خ: \"وفي هذا\".\n[¬٤]- في خ: \"جعدية\".\n[¬٥]- في ت: \"سبع\".\n[¬٦] في ز، خ: \"لا درب\" وهو تحريف.\n[¬٧]- في ز \"الأديب\".\n[¬٨]- سقط من: ت.\n[¬٩]- في خ: \"جعلناه\".\n[¬١٠]-في ز، خ: \"وهي\".","vol":"8","page":252},{"text":"أنعامهم وزروعهم وثمارهم.\nوقوله: ﴿وإنا لنحن نحيي ونميت﴾ إخبار عن قدرته تعالى على بدء الخلق وإعادته، وأنه هو الذي أحيا الخلق من العلم، ثم يميتهم، ثم يبعثهم كلهم ليوم الجمع.\nوأخبر أنه تعالى يرث الأرض ومن عليها، وإليه يرجعون [¬١].\nثم قال تعالى مخبرًا عن تمام علمه بهم أولهم وآخرهم []: ﴿ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا المستأخرين﴾، قال [¬٢] ابن عباس ﵄: المستقدمون: كل من هلك من لدن آدم ﵇. والمستأخرون: من هو حي ومن سيأتي إلى يوم القيامة.\nوروي نحوه عن عكرمة ومجاهد والضحاك وقتادة: محمد بن كعب والشعبي وغيرهم، وهو اختيار ابن جرير ﵀.\nوقال ابن جرير (^١٦): حدثنا محمد بن عبد الأعلى، حدثنا المعتمر بن سليمان، عن أبيه، [عن رجل] [¬٣]، عن مروان بن الحكم أنه قال: كان أناس يستأخرون في الصفوف من أجل النساء، فأنزل الله: ﴿ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا المستأخرين﴾.\nوقد ورد [في هذا] [¬٤] حديث غريب جدًّا؛ فقال [¬٥] ابن جرير (^١٧):\nحدثني [¬٦] محمد بن موسى الحرشي (*)، حدثنا نوح بن قيس [] [¬٧]، حدثنا عمرو بن مالك، عن أبي الجوزاء، عن ابن عباس ﵄ قال: كانت تصلي خلف النبي\n_________\n(^١٦) - مرسل، وفي إسناده جهالة، ابن جرير في تفسيره (١٤/ ٢٦).\n(^١٧) - ابن جرير في تفسيره (١٤/ ٢٦)، والحديث أخرجه أحمد (١/ ٣٠٥)، والترمذي (٣١٢١) - وأعله بقوله: \"وروى جعفر بن سليمان -انظر ما بعده- هذا الحديث عن عمرو بن مالك عن أبي الجوزاء نحوه، ولم يذكر فيه عن ابن عباس، وهذا أشبه أن يكون أصح من حديث نوح\"- والنسائي (٢/ ١١٨)، وفي \"التفسير\" من الكبرى (٦/ ١١٢٣٧)، وابن ماجة (١٠٤٦)، وصححه ابن خزيمة (١٦٩٦، ١٦٩٧)، وابن حبان (٢/ ٤٠١)، والحاكم (٢/ ٣٥٣)، ووافقه الذهبي، وصححه أيضًا الشيخ الألباني في \"الصحيحة\" (٥/ ٢٤٧٢) فانظره ثمة مع جوابه عن إعلال كل من الترمذي وابن كثير للحديث.\n(*) وقع في \"المطبوع من تفسير ابن جرير \"الحرسى\" وهو تصحيف وصوبه العلامة أحمد شاكر في نسخته عند الحديث رقم (٤٣٨٨).\n_________\n[¬١]- في خ: \"ترجعون\".\n[¬٢]- في ت: فقال.\n[¬٣]- مكانها بياض في ز، خ: \"وقال\".\n[¬٤]- في ز: \"أنا\"، خ: \"أنبأنا\".\n[¬٥]- في ت: \"فيه\"\n[¬٦]- في خ: \"وقال\".\n[¬٧]- في ز، خ: \"حدثنا عمرو بن قيس\".","vol":"8","page":253},{"text":"ﷺ امرأة [] [¬١]. قال ابن عباس: لا والله إن [¬٢] رأيت مثلها قط، وكان بعض المسلمين إذا صلوا استقدموا، يعني: لئلا يروها [¬٣]، وبعض يستأخرون، فإذا سجدوا نظروا إليها من تحت أيديهم، فأنزل الله: ﴿ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا المستأخرين﴾.\nوكذا [¬٤] رواه أحمد وابن أبي حاتم في تفسيره، ورواه [¬٥] الترمذي والنسائي في كتاب التفسير من سننيهما وابن ماجه: من طرق، عن نوع بن قيس الحداني، وقد وثقه أحمد وأبو داود وغيرهما، وحكي عن ابن معين تضعيفه، وأخرج [¬٦] له مسلم وأهل السنن.\nوهذا الحديث فيه نكارة شديدة، وقد رواه عبد الرزاق (^١٨)، عن جعفر بن سليمان، عن عمرو بن مالك- وهو النكري [¬٧]- أنه سمع أبا الجوزاء يفول في قوله: ﴿ولقد علمنا المستقدمين منكم﴾: في الصفوف في الصلاة ﴿والمستأخرين﴾. فالظاهر [¬٨] أنه من كلام أبي الجوزاء فقط، ليس فيه لابن عباس ذكر. وقد قال الترمذي: هذا أشبه من رواية نوح بن قيس. والله أعلم.\nوهكذا روى ابن جرير (^١٩) عن محمد بن أبي معشر، عن أبيه، أنه سمع [عون ابن] [¬٩] عبد الله يذاكر [] [¬١٠] محمد بن كعب في قوله: ﴿ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا المستأخرين﴾ أنها [¬١١] في صفوف الصلاة. فقال محمد بن كعب: ليس هكذا ﴿ولقد علمنا المستقدمين منكم﴾ الميت والمقتول ﴿والمستأخرين﴾ من يخلق بعد ﴿وإن ربك هو يحشرهم إنه حكيم عليم﴾ فقال عون بن عبد الله: وفقك الله وجزاك خيرًا.\n﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإ مَسْنُونٍ (٢٦) وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ\n_________\n(^١٨) - في تفسيره (٢/ ٣٤٨) وزاد نسبته السيوطي في \"الدر المنثور\" (٤/ ١٨٠) إلى ابن المنذر.\n(^١٩) - إسناده ضعيف، لضعف أبي معشر وهو نجيح بن عبد الرحمن ابن جرير في تفسيره (١٤/ ٢٣)، وابن أبي حاتم -كما في \"الدر المنثور\" (٤/ ١٨١).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ت: \"حسناء\".\n[¬٢]- في ت: \"ما\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"يراها\".\n[¬٤]- في ز: \"وهكذا\".\n[¬٥]- سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- في ت: \"أخرجه\".\n[¬٧]- في ز، خ: \"السكرى\".\n[¬٨]- في ز: \"والظاهر\".\n[¬٩]- في خ: \"ابن\".\n[¬١٠]- في ز، خ: عن.\n[¬١١]- في ز، خ: \"وأنها\".","vol":"8","page":254},{"text":"نَارِ السَّمُومِ (٢٧)﴾.\nقال ابن عباس ومجاهد وقتادة: المراد بالصلصال هاهنا التراب البابس.\nوالظاهر أنه كقوله تعالى: ﴿خلق الإنسان من صلصال كالفخار * وخلق الجان من مارج من نار﴾.\nوعن مجاهد أيضًا: ﴿الصلصال﴾ المنتن.\nوتفسير الآية بالآية أولى.\nوقوله: ﴿من حمأ مسنون﴾ أي: الصلصال من حمأ وهو الطين. والمسنون: الأملس، كما قال الشاعر:\nثم خاصرتها [¬١] إلى القبة الخض … راء تمشي في مرمر مسنون\nأي: أملس صقيل.\nولهذا روي عن ابن عباس أنه قال: هو التراب الرطب. وعن ابن عباس ومجاهد والضحاك أيضًا: أن الحمأ المسنون هو المنتن. وقيل: المراد بالمسنون هاهنا المصبوب.\nوقوله: ﴿والجان خلقناه من قبل﴾ أي: من قبل الإِنسان ﴿من نار السموم﴾ قال ابن عباس: هي السموم التي تقتل.\nوقال بعضهم: السموم بالليل والنهار. ومنهم من يقول: السموم بالليل، والحرور بالنهار.\nوقال أبو داود الطيالسي (^٢٠): حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق قال: دخلت على عمرو [¬٢] الأصم أعوده، فقال: ألا أحدثك حديثًا سمعته من عبد الله بن مسعود، يقول: هذه السموم جزء من سبعين جزءًا من السموم التي خلق منها الجان ثم قرأ: ﴿والجان خلقناه من\n_________\n(^٢٠) - أخرجه ابن جرير في تفسيره (١٤/ ٣٠) حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا أبو داود به. وأخرجه الطبراني في \"الكبير\" (٩/ ٩٠٥٧) من طريق أبي إسحاق عن عمرو بن ميمون عن ابن مسعود به، وفي إسناده عبد الله بن محمد بن سعيد بن أبي مريم وهو ضعيف، وأخرجه عبد الرزاق في \"المصنف\" (١١/ ٢٠٣٥٧) عن عمر عن أبي إسحاق عن عمرو بن عاصم عن ابن مسعود به.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"حاصرتها\".\n[¬٢]- في ت: \"عمر\".","vol":"8","page":255},{"text":"قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ﴾.\nوعن ابن عباس: إن الجان خلق من لهب النار. وفي رواية: من أحسن النار.\nوعن عمرو بن دينار: من نار الشمس. وقد ورد في الصحيح (^٢١): \" خلقت الملائكة من نور، وخلقت الجان من مارج من نار، وخلق بنو آدم مما وصف لكم\".\n[ومقصود] [¬١] الآية: التنبيه على شرف آدم ﵇، وطيب عنصره، وطهارة محتده [¬٢].\n﴿وَإِذْ قَال رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإ مَسْنُونٍ (٢٨) فَإِذَا سَوَّيتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (٢٩) فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٣٠) إلا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (٣١) قَال يَاإِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (٣٢) قَال لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإ مَسْنُونٍ (٣٣)﴾\nيذكر تعالى تنويهه بذكر آدم في ملائكته قبل خلقه له [¬٣]، وتشريفه إياه بأمره [¬٤] الملائكة بالسجود له، ويذكر تخلف [¬٥] إبليس عدوه عن السجود له من بين سائر الملائكة، حسدًا وكفرًا وعنادًا واستكبارًا وافتخارًا بالباطل، ولهذا قال: ﴿لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإ مَسْنُونٍ﴾، [كقوله: ﴿أَنَا خَيرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾، وقوله] [¬٦]: ﴿أَرَأَيتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إلا قَلِيلًا﴾ الآية.\nوقد روى ابن جرير هاهنا أثرًا غريبًا عجيبًا (^٢٢): من حديث شبيب بن بشر، عن\n_________\n(^٢١) - أخرجه مسلم، كتاب: الزهد والرقائق، باب: في أحاديث متفرقة (٦٠) (٢٩٩٦)، وأخرجه أحمد (٢٥٣٠٣) (٦/ ١٥٣).\n(^٢٢) - تفسير ابن جرير (١٤/ ٣١).\n_________\n[¬١]- في ت: \"المقصود من\".\n[¬٢]- \"والمَحْتِدُ: الأصل، والطَّبْعُ\". القاموس.\n[¬٣]- سقط من: خ.\n[¬٤]- في ت: \"بأمر\".\n[¬٥]- في خ: \"لخلفا\".\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"كما قال في الآية الأخرى\".","vol":"8","page":256},{"text":"عكرمة، عن ابن عباس قال: لما خلق الله الملائكة، قال: إنّي خالق بشرًا من طين، فإذا أنا خلقته [فاسجدوا له. قالوا: لا نفعل! فأرسل عليهم نارًا فأحرقتهم، ثم خلق ملائكةً أخرى فقال لهم مثل ذلك فقالوا:] [¬١] [لا نفعل! فأرسل عليهم نارًا فأحرقتهم] [¬٢]، [ثم خلق] [¬٣] ملائكة [¬٤] أخرى [¬٥] فقال [] [¬٦]: [إني خالق بشرًا من طين فإذا أنا خلقته فاسجدوا له؛ قالوا: لا نفعل! فأرسل عليهم نارًا فأحرقتهم، ثم خلق ملائكة أخرى، فقال لهم] [¬٧] [مثل ذلك] [¬٨]، فقالوا [¬٩]: سمعنا وأطعنا! إلا إبليس كان من الكافرين الأوّلين.\nوفي ثبوت هذا عنه بعد، والظاهر أنه إسرائيلي، والله أعلم.\n﴿قَال فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (٣٤) وَإِنَّ عَلَيكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ (٣٥) قَال رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٣٦) قَال فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٣٧) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (٣٨)﴾\n[يقول آمرًا] [¬١٠] لإبليس [¬١١] أمرًا كونيًّا لا يخالف: لا يمانع بالخروج من المنزلة التي كان فيها من الملأ الأعلى وأنه رجيم، أي: مرجوم، وأنه قد أتبعه [¬١٢] لعنة لا تزال متصلة به لاحقة له متواترة عليه إلى يوم القيامة.\nوعن سعيد بن جبير أنه قال: لما لعن الله إبليس تغيرت صورته عن صورة الملائكة، ورن رنة فكل رنة في الدنيا إلى يوم القيامه منها. رواه ابن أبي حاتم (^٢٣).\nوأنه لما تحقق الغضب الذي لا مرد له، سأل من تمام حسده لآدم وذريته النَّظِرة إلى يوم القيامة؛ وهو يوم البعث، وأنه أجيب إلى ذلك استدراجًا له وإمهالًا، فلما تحقق النظرة قبحه\n_________\n(^٢٣) - وأخرجه أيضًا أبو الشيخ في \"العظمة\" (٥/ ١١٢٢)، وابن أبي الدنيا في \"مكايد الشيطان\" كما في \"الدر المنثور\" (٤/ ١٨٥).\n_________\n[¬١]- في خ: \"ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين قالوا\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٣]- سقط من: ز، كُرّرت في: خ.\n[¬٤]- سقط من: ز.\n[¬٥]- سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- في خ: لهم.\n[¬٧]- ما بين المعكوفين سقط من: ر، خ.\n[¬٨]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٩]- في ز: \"قالوا\".\n[¬١٠]- ما بين المعكوفتين في ت: \"يذكر تعالى أنه أمر\".\n[¬١١]- في خ: \"إبليس\".\n[¬١٢]- في خ: \"اتبعته\".","vol":"8","page":257},{"text":"الله.\n﴿قَال رَبِّ بِمَا أَغْوَيتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْويَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٣٩) إلا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٤٠) قَال هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ (٤١) إِنَّ عِبَادِي لَيسَ لَكَ عَلَيهِمْ سُلْطَانٌ إلا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوينَ (٤٢) وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ (٤٣) لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ (٤٤)﴾\nيقول تعالى مخبرًا عن إبليس وتمرده وعتوّه: إنه قال للرب: ﴿بِمَا أَغْوَيتَنِي﴾ قال بعضهم: أقسم بإغواء الله له.\n(قلت): ويحتمل أنه: بسبب ما أغويتني وأضللتني ﴿لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ﴾ أي: لذرية آدم ﵇ ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ أي: أحبب إليهم [¬١] المعاصي، وأرغبهم فيها، وأأزهم إليها، وأزعجهم إزعاجًا ﴿وَلَأُغْويَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ أي [¬٢]: كما أغويتني وقدرت على ذلك ﴿أَجْمَعِينَ إلا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ كقوله [¬٣]: ﴿أَرَأَيتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إلا قَلِيلًا﴾.\nقال الله تعالى له متهددًا ومتوعدًا ﴿هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ﴾ أي: مرجعكم كلكم إليَّ فأجازيكم بأعمالكم؟ إن خيرًا فخيرٌ، وإن شرًّا فشرٌّ، كقوله [¬٤] تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾.\nوقيل: طريق الحق مرجعها إلى الله تعالى وإليه تنتهي. قاله مجاهد والحسن وقتادة، كقوله [¬٥]: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾.\nوقرأ قيس بن عُبَاد [¬٦] ومحمد بن سيرين وقتادة ﴿هَذَا [¬٧] صِرَاطٌ عَلَيٌّ مُسْتَقِيمٌ﴾ كقوله: ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَينَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ أي: رفيع، والشهور القراءة الأولى.\nوقوله: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيسَ لَكَ عَلَيهِمْ سُلْطَانٌ﴾ أي: الذين [¬٨] قدرت لهم الهداية،\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- في خ: \"لهم\".\n[¬٣]-[¬٤]-[¬٥]- في خ: \"كما قال\".\n[¬٦]- في ز، خ: \"عبادة\".\n[¬٧]- في ز، خ: \"وهذا\".\n[¬٨]- في خ: \"الذي\".","vol":"8","page":258},{"text":"فلا سبيل لك عليهم، ولا وصول لك إليهم ﴿إلا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوينَ﴾ استثناء منقطع.\nوقد أورد ابن جرير ها هنا (^٢٤): من حديث عبد الله بن المبارك، عن عبد الله بن مَوْهَب، حدثنا يزيد بن قسيط؛ قال: كانت الأنبياء يكون لهم مساجد خارجة من قراهم، فإذا أراد النبي أن يستنبئ ربه عن شيء خرج إلى مسجده [¬١]، فصلى ما كتب الله له [¬٢]، ثم سأل [¬٣] ما بدا له، فبينا نبي في مسجده، إذ جاء عدوّ الله -يعني: إبليس- حتى جلس بينه وبين القبلة، فقال النبي: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم! [فقال عدوّ الله: أرأيت الذي تعوذ منه فهو هو. فقال النبي: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. قال: فرده] [¬٤] [قال فردد] [¬٥] ذلك ثلاث مرات، فقال عدوّ الله: أخبرني بأي شيء تنجو مني؟ فقال النبي: بل أخبرني [بأي شيء] [¬٦] تَغْلِبُ ابنَ آدم مرتين؟ فأخذ كل واحد [¬٧] منهما [¬٨] على صاحبه، فقال النبي: إن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيسَ لَكَ عَلَيهِمْ سُلْطَانٌ إلا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوينَ﴾. قال عدوّ الله: قد سمعت هذا قبل أن تولد. قال النبي: ويقول الله [¬٩]: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ وإني والله ما أحسست بك قط إلا استعذت بالله منك. قال عدوّ الله: صدقت! بهذا تنجو مني. فقال النبي: فأخبرني [¬١٠] بأي شيء تغلب ابن آدم؟ قال: آخذه عند الغضب وعند الهوى.\nوقوله: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ أي: جهنم موعد جميع من اتبع إبديس، كما قال عن القرآن: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾.\nثم أخبر أن لجهنم سبعة أبواب ﴿لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ أي: قد كتب لكل باب منها جزء من أتباع إبليس، يدخلونه لا محيد لهه عنه، أجارنا الله منها! وكل يدخل من باب بحسب عمله، ويستقر في درك بقدر فعله [¬١١].\nقال إسماعيل بن علية وشعبة، كلاهما (^٢٥) عن أبي هارون الغنوي، عن حطان بن عبد الله\n_________\n(^٢٤) - مرسل، ابن جرير في تفسيره (١٤/ ٣٤).\n(^٢٥) - إسناده صحيح، أخرجه ابن جرير (١٤/ ٣٥)، وأخرجه أحمد في \"الزهد\" (ص ١٦٣)، =\n_________\n[¬١]- في ز: \"مسجد\".\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- في ت: \"سأله\".\n[¬٤]- سقط من ز، خ.\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين في ت: \"\".\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٧]- سقط من: ز.\n[¬٨]- سقط من: خ.\n[¬٩]- سقط من: ز.\n[¬١٠]- في خ: \"أخبرني\".\n[¬١١]- في خ: \"عمله\".","vol":"8","page":259},{"text":"أنه قال: سمعت علي بن أبي طالب هو يخطب قال: إن أبواب جهنم هكذا - قال أبو هارون - أطباقًا بعضها فوق بعض.\nوقال إسرائيل (^٢٦)، عن أبي إسحاق عن هبيرة بن أبي يَريم [¬١]، عن علي ﵁ قال: أبواب جهنم سبعة بعضها فوق بعض، فيمتلئ الأول ثم الثاني ثم الثالث، حتى تملأ كلها.\nوقال عكرمة: ﴿سَبْعَةُ أَبْوَابٍ﴾: سبعة أطباق.\nوقال ابن جريج [¬٢]: ﴿سَبْعَةُ أَبْوَابٍ﴾ أولها جهنم، ثم لظى، ثم الحطمة، ثم سعير، ثم سقر، ثم الجحيم، ثم الهاوية.\nورواية [¬٣] الضحاك، عن ابن عباس نحوه، وكذا روي [¬٤] عن الأعمش بنحوه أيضًا.\nوقال قتادة: ﴿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾: هي والله منازل بأعمالهم. رواهنّ ابن جرير.\nوقال جويبر عن الضحاك: ﴿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ قال: باب [لليهود، وباب للنصارى] [¬٥]، وباب للصابئين، وباب للمجوس، وباب للذين أشركوا: وهم كفار العرب، وباب للمنافقين، وباب لأهل التوحيد، [فأهل التوحيد] [¬٦] يرجى لهم، ولا يرجى لأولئك أبدًا.\nوقال الترمذي (^٢٧): حدثنا عبد بن حميد، حدثنا عثمان بن عمر، عن مالك بن مغول، عن جنيد [¬٧]، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ؛ قال: \"لجهنم سبعة أبواب؛\n_________\n= وعلقه البيهقي في \"البعث\" (٤٦٠) من طريق بشر بن الفضل عن أبي هارون الغنوي به. وأخرجه ابن المبارك (٢٩٤ - زوائد نعيم بن حماد) عن أبي هارون الغنوي بنحوه.\n(^٢٦) - إسناده حسن، أخرجه ابن جرير (١٤/ ٣٥)، وأخرجه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٨/ ٩٢)، والبيهقي في \"البعث\" (٤٦٠) من طريقين عن أبي إسحاق بنحوه، وزاد نسبته السيوطي في \"الدر المنثور\" (٤/ ١٨٥) إلى هناد وعبد بن حميد وابن أبي الدنيا في \"صفة النار\" وابن أبي حاتم. وانظر ما قبله.\n(^٢٧) - \" الجامع\" للترمذي كتاب: التفسير، باب: \"ومن سورة الحجر\" (٣١٢٢)، وأخرجه =\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"مريم\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"جرير\".\n[¬٣]- في ت: \"روى\".\n[¬٤]- سقط من: ز.\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين في خ: \"لليهود والنصارى، وباب للنصارى\"، وظاهره التكرير.\n[¬٧] في ز، خ: \"حميد\".","vol":"8","page":260},{"text":"باب منها لمن سل السيف على أمتي، أو قال [¬١]: على أمة محمد\".\nثم قال: لا نعرفه إلا من حديث [مالك بن مغول] [¬٢].\nوقال ابن أبي حاتم (^٢٨): حدثنا أبي، حدثنا عباس بن الوليد الخلال، حدثنا زيد -يعني ابن يحيى- حدثنا سعيد بن بشير، عن قتادة، عن أبي نضرة، عن سمرة بن جندب، عن النبي ﷺ في قوله: ﴿لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ قال: \"إن من [¬٣] أهل النار من تأخذه النار إلى كعبيه، وإن منهم من تأخذه النار إلى حُجْزَتِهِ، ومنهم من تأخذه النار إلى تراقيه، منازل بأعمالهم؛ فذلك قوله: ﴿لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ \".\n﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٤٥) ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ (٤٦) وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ (٤٧) لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ (٤٨) نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ (٥٠)﴾\nلما ذكر تعالى حال أهل النار، عطف على [¬٤] ذكر أهل الجنة، وأنهم في جنات وعيون.\nوقوله: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ﴾ أي: سالمين من الآفات مسلم عليكم ﴿آمِنِينَ﴾ [من كل] [¬٥] خوف وفزع، ولا تخشوا [¬٦] من إخراج ولا انقطاع ولا [¬٧] فناء.\n_________\n= البخاري في تاريخه (٢/ ٢٣٥) مختصرًا، وأحمد (٢/ ٩٤)، ورجاله ثقات غير جنيد هذا فلم يوثقه غير ابن حبان (٤/ ١١٥)، ثم إنه لم يسمع من ابن عمر كما قال ابن أبي حاتم في \"الجرح والتعديل\" (٢/ ٥٢٧)، وكذا قال ابن حجر في \"التقريب\"، والحديث زاد نسبته السيوطي في \"الدر المنثور\" (٤/ ١٨٥) إلى ابن مردويه.\n(^٢٨) - إسناده ضعيف لضعف سعيد بن بشير، وهو حديث صحيح، فأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجنة وصفة نعيهما وأهلها، باب: في شدة حر نار جهنم، وبعد قعرها، وما تأخذ من المعذبين (٣٢، ٣٣) (٢٨٤٥)، وأحمد (٢٠١٥١) (٥/ ١٠) من طريقين عن قتادة بنحوه.\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في خ: \"مغول بن مالك\".\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- في ت: \"عليه\".\n[¬٥]- في ت: أي من.\n[¬٦]- في ز: \"يخشوا\".\n[¬٧]- سقط من: ز، خ.","vol":"8","page":261},{"text":"وقوله: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ روى القاسم، عن أبي أمامة قال (^٢٩): يدخل أهل الجنة الجنة على ما في صدورهم في الدنيا من الشحناء والضغائن، حتى إذا توافوا [¬١] وتقابلوا نزع الله ما في صدورهم في الدنيا من غل، ثم قرأ: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ﴾.\nهكذا في هذه الرواية، والقاسم بن عبد الرحمن في روايته عن أبي أمامة ضعيف.\nوقد روى سُنيد في تفسيره (^٣٠): حدثنا ابن فضالة، عن لقمان، عن أبي أمامة قال: لا يدخل الجنة مؤمن حتى ينزع الله ما في صدورهم من غل، حتى ينزع منه مثل السبع الضاري.\nوهذا موافق لما في الصحيح من رواية قتادة (^٣١): حدثنا أبو المتوكل الناجي، أن أبا سعيد الخدري حدثهم، أن رسول الله ﷺ قال: \"يخلص المؤمنون من النار، فيحبسون على قنطرة بين الجنة والنار، فيُقْتَصُّ لبعضهم من بعض مظالمُ كانت بينهم في الدنيا، حتى إذا هُذّبوا ونُقُّوا أُذن لهم في دخول الجنة\".\nوقال ابن جرير (^٣٢): حدثنا الحسن، حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا هشام، عن محمد -هو ابن سيرين- قال: استأذن الأشتر على عليّ ﵁ وعنده ابن لطلحة، فحبسه ثم أذن له، فلما دخل قال: إني لأراك إنما احتبستني لهذا؟ قال: أجل. قال: إني لأراه لو كان عندك ابن لعثمان لحبستني. قال: أجل، إني لأرجو أن أكون أنا وعثمان ممن قال الله تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ [إِخْوَانًا] [¬٢] عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾.\n[وقال ابن جرير أيضًا (^٣٣)] [¬٣]: حدثنا [¬٤] [الحسن، حدثنا أبو معاوية الضرير، حدثنا\n_________\n(^٢٩) - أخرجه ابن جرير (١٤/ ٣٦)، وابن أبي حاتم وابن مردويه: كما في \"الدر المنثور\" (٤/ ١٨٨).\n(^٣٠) - إسناده ضعيف لضعف فرج بن فضالة، أخرجه ابن جرير (١٤/ ٣٦): وسعيد بن منصور وابن المنذر -كما في (الدر المنثور\" (٤/ ١٨٨).\n(^٣١) - تقدم تخريجه [سورة الأعراف / آية ٤٢].\n(^٣٢) - إسناده منقطع بين محمد بن سيرين وعلي وهو صحيح ومن طريق سنيد أخرجه ابن جرير في تفسيره (١٤/ ٣٧)، وانظر ما بعده.\n(^٣٣) - ابن جرير في تفسيره (١٤/ ٣٧)، وأخرجه أيضًا ابن سعد في \"الطبقات\" (٣/ ١٦٨) وعلقه الذهبي في \"السير\" (١/ ٣٨) من طريق أبي معاوية به، ورجاله ثقات معروفون غير أبي حبيبة هذا فلم أقف على =\n_________\n[¬١]- في خ: تكافوا.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز: \"ويجعلنا\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- سقط من: ز.","vol":"8","page":262},{"text":"أبو مالك الأشجعي، عن أبي حبيبة -مولى لطلحة- قال: دخل عمران بن طلحة على علي ﵁، بعد ما فرغ من أصحاب الجمل، فرحب به وقال: إني لأرجو أن يجعلني الله] [¬١] وأباك [¬٢] [من الذين قال الله: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾] [¬٣]. قال ورجلان جالسان على [¬٤] ناحية البساط، فقالا: الله أعدل من ذلك، تقتلهم بالأمس وتكونون إخوانًا! فقال علي ﵁: قوما أبعدَ أرض وأسحقها فمن هم [¬٥] إذن إن لم أكن أنا وطلحة؟ وذكر أبو معاوية الحديث بطوله.\nوروى وكيع (^٣٤)، عن أبان بن عبد الله البجلي، عن نعيم بن أبي هند، عن ربعي بن حِرَاش، عن علي نحوه، وقال فيه: فقام رجل من همدان فقال: الله أعدل من ذلك [¬٦] يا أمير المؤمنين. قال: فصاح به عليٌّ صيحة، فظننت أن القصر قد [¬٧] تدهده لها، ثم قال: إذا لم نكن [¬٨] نحن فمن هم [¬٩]؟.\nوقال سعيد بن مسروق، عن أبي [¬١٠] طلحة فذكره [¬١١]، وفيه: فقال الحارث الأعور ذلك، فقام إليه علي ﵁ فضربه بشيء كان في يده في رأسه، وقال: فمن هم يا أعور إذا لم نكن نحن؟.\nوقال سفيان الثوري (^٣٥): عن منصور، عن إبراهيم قال: جاء [¬١٢] ابن جرموز قاتل الزبير يستأذن على علي ﵁، فحجبه طويلًا ثم أذن له [¬١٣]، فقال له: أما أهل البلاء فتجفوهم! فقال علي: بفيك التراب! إني لأرجو أن أكون أنا وطلحة والزبير ممن قال الله:\n_________\n= من وثقه، إلا أن البخاري ذكره في \"الكنى\" من تاريخه (ص ٢٤) وقال: \"سمع عليًّا روى عنه سعد بن طارق وطلحة بن يحيى\"، ويشهد له ما قبله وما يأتي.\n(^٣٤) - أخرجه ابن جرير في تفسيره (١٤/ ٣٧) حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي به، وابن وكيع، وهو سفيان ضعيف، ولكنه متابع عند الحاكم (٢/ ٣٥٣ - ٣٥٤)، وابن سعد في \"الطبقات\" (٣/ ١٦٩).\n(^٣٥) - إسناده ضعيف لضعف سفيان بن وكيع؛ أخرجه ابن جرير (١٤/ ٣٧) حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي، عن سفيان به.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٢]- سقط من: ز، في خ: \"وإياك\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٤]- في ز: \"إلى\".\n[¬٥]- في ز، خ: \"هو\".\n[¬٦]- في ز: \"ذاك\".\n[¬٧]- سقط من: ز، خ.\n[¬٨]- في خ: \"تكن\".\n[¬٩]- في ز، خ: \"وهو\".\n[¬١٠]- في ز: \"ابن\".\n[¬١١] في خ: \"وذكره\".\n[¬١٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬١٣]- سقط من: خ.","vol":"8","page":263},{"text":"﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾.\nوكذا روى الثوري (^٣٦)، عن جعفر بن محمد، عن أبيه عن علي بنحوه.\nوقال سفيان بن عيينة (^٣٧) عن إسرائيل، أبي موسى، سمع الحسن البصري يقول: قال علي: فينا والله أهل بدر نزلت هذه الآية: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾.\nوقال كثير النوَّاء (^٣٨) [¬١]: دخلت على أبي جعفر محمد بن علي فقلت: وليي وليكم، وسلمي سلمكم، وعدوي عدوكم، وحربي حربكم، إنّي [¬٢] أسألك بالله، أتبرأ من أبي بكر وعمر؟ فقال: ﴿قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ تولّهما يا كثير، فما أدركك فهو في رقبتي هذه. ثم تلا هذه الآية ﴿إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ قال: أبو بكر وعمر وعلي ﵃ أجمعين.\nوقال الثوري (^٣٩)، عن رجل [¬٣]، عن أبي صالح في قوله: ﴿إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ قال: هم عشرة؛ أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وطلحة، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد، وعبد الله بن مسعود ﵃ أجمعين.\nوقوله: ﴿مُتَقَابِلِينَ﴾ قال مجاهد: لا ينظر بعضهم في قفا بعض.\nوفيه [¬٤] حديث مرفوع؛ قال ابن أبي حاتم (^٤٠):\nحدثنا يحيى بن عبدك القزوينى، حدثنا حسان بن حسان، حدثنا إبراهيم بن بشر،\n_________\n(^٣٦) - كسابقه، أخرجه ابن جرير من طريق ابن وكيع أيضًا.\n(^٣٧) - إسنادده منقطع بين الحسن البصري وعلي، تقدم تخريجه [سورة الأعراف / آية ٤٣].\n(^٣٨) - إسناده ضعيف لضعف كثير النواء، وأخرجه ابن جرير (١٤/ ٣٨)، وابن أبي حاتم وابن عساكر - كما في \"الدر المنثور\" (٤/ ١٨٨).\n(^٣٩) - إسناده فيه جهالة، وأخرجه ابن المنذر وابن أبي حاتم -كما في \"الدر المنثور\" (٤/ ١٨٩).\n(^٤٠) - أخرجه البخاري في \"التاريخ الصغير\" (١/ ٢٥٠)، وفي \"الكبير\" (٣/ ٣٨٦) بهذا الإسناد، وقال البخاري في \"الصغير\": هذا إسناد مجهول، لا يتابع عليه، ولا يُعْرف سماع بعضهم من بعض، رواه بعضهم، عن إسماعيل بن خالد عن عبد الله بن أبي أوفى عن النبي ﷺ ولا أصل =\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"الفراء\".\n[¬٢]- في ت: \"أنا\".\n[¬٣]- في خ: \"زحر\".\n[¬٤]- في ز: \"في\".","vol":"8","page":264},{"text":"حدثنا يحيى بن معين [¬١]، عن إبراهيم القرشي [¬٢]، عن سعيد بن شرحبيل، عن زيد بن أبي أوفى قال: خرج علينا رسول الله ﷺ فتلا هذه الآية: ﴿إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ \"في الله ينظر بعضهم إلى بعض\".\nوقوله: ﴿لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ﴾ يعني: المشقة والأذى، كما جاء في الصحيحين (^٤١): \" إنّ الله أمرني أن أبشر خديجة ببيت في الجنة من قصب، لا صخب فيه ولا نصب\".\nوقول: ﴿وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ كما حاء في الحديث (^٤٢): \" يقال: يا أهل الجنة؟ إن لكم أن تصحُّوا فلا تمرضوا أبدًا، وإن لكم أن تعيشوا فلا تموتوا أبدًا، وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبدًا، وإن لكم أن تقيموا فلا تظعنوا [¬٣] أبدًا\". وقال الله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا﴾.\nوقوله: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾ أي: أخبر يا محمد عبادي أني ذو رحمة وذو عقاب [¬٤] أليم.\nوقد تقدم ذكر نطر هذه الآية الكريمة، وهي دالة على مقامي الرجاء والخوف، وذكر في\n_________\n= له، وأخرجه الطبراني في \"الكبير\" (٥/ ٥١٤٦)، وابن الأثير في \"أسد الغابة\" (٢/ ٢٧٨) من طريق عبد الله بن شرحبيل عن رجل من قريش عن زيد بن أبي أوفى مطولًا، وقال ابن السكن -كما في الإصابة (٤/ ٤٠) -: \"روي حديثه من ثلاث طرق، ليس فيها ما يصح\"، ورواه أيضًا أبو القاسم البغوي وابن مردويه وابن عساكر -كما في \"الدر المنثور\" (٤/ ١٨٩).\n(^٤١) - صحيح بمعناه، وليس بهذا اللفظ، أخرجه البخاري، كتاب: العمرة، باب: متى يحل المعتمر؟ .. (١٧٩٢)، كتاب المناقب، باب: تزويج النبي ﷺ خديجة وفضلها ﵂ (٣٨١٩)، ومسلم، كتاب: فضائل الصحابة، باب: فضائل خديجة أم المؤمنين - رضي الله تعالى عنها - (٧٢) (٢٤٣٣) من حديث عبد الله بن أبي أوفى، وفي الباب عن أبي هريرة وعائشة عندهما أيضًا، وعن عبد الله بن جعفر - بنحو اللفظ الذي أورده ابن كثير - عند أحمد (١/ ٢٠٥) وصححه ابن حبان (١٥/ ٧٠٠٥)، والحاكم (٣/ ١٨٥) ووافقه الذهبي، وإسناده جيد.\n(^٤٢) - أخرجه أحمد (١١٣٤٨) (٣/ ٣٨)، ومسلم، كتاب: الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب: في دوام نعيم أهل الجنة (٢٢) (٢٨٣٧)، والترمذي، كتاب: تفسير القرآن، باب: ومن سورة الزمر (٣٢٤١)، والنسائي في \"التفسير\" من الكبرى، باب: سورة الأعراف (٦/ ١١١٨٤) من حديث أبي هريرة وأبي سعيد بنحوه، دون قوله \"وإن لكم أن تقيموا فلا تظعنوا أبدًا\".\n_________\n[¬١]- في ز: معن.\n[¬٢]- في ز، خ: \"القومسى\".\n[¬٣]- في ز: \"تضعنوا\".\n[¬٤]- في ت: \"عذاب\".","vol":"8","page":265},{"text":"سبب نزولها: ما رواه موسى بن عبيدة، عن [مصعب بن ثابت] [¬١] قال: مر رسول الله ﷺ على ناس من أصحابه. يضحكون، فقال: \"اذكروا الجنة واذكروا النار\". فنزلت: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾. رواه ابن أبي حاتم (^٤٣) وهو مرسل.\nوقال ابن جرير (^٤٤): حدثني المثنى، حدثنا إسحاق، أخبرنا ابن المكي، أخبرنا ابن المبارك، أخبرنا [¬٢] مصعب بن ثابت، حدثنا عاصم بن عبيد الله، عن ابن أبي رباح، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ قال: طلع علينا رسول الله ﷺ من [¬٣] الباب الذي يدخل منه بنو شيبة، فقال: \"ألا أراكم تضحكون\". ثم أدبر حتى إذا كان عند الحجر، رجع إلينا القهقرى فقال: \"إني لما خرجت جاء جبريل ﵇ فقال: يا محمد، إن الله يقول لِمَ [¬٤] تقنط عبادي ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾ \".\nوقال سعيد (^٤٥) [¬٥]، عن قتادة في قوله تعالى: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ قال: بلغنا أن رسول الله ﷺ قال: \"لو يعلم العبد قدر عفو الله لَما تورع من حرام، ولو يعلم [] [¬٦] قدر [عقابه] [¬٧] لبخع نفسه\".\n﴿وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيفِ إِبْرَاهِيمَ (٥١) إِذْ دَخَلُوا عَلَيهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَال إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ\n_________\n(^٤٣) - مرسل، وإسناده ضعيف، وموسى بن عبيدة ضعيف، ومصعب بن ثابت وهو ابن عبد الله بن الزبير لين الحديث، وأخرجه أيضًا ابن المنذر كما في \"الدر المنثور\" (٤/ ١٨٩).\n(^٤٤) - إسناده ضعيف مضطرب، ابن جرير في تفسيره (١٤/ ٣٩) وهو في \"الزهد\" لابن المبارك (٨٩٢)، ومصعب بن ثابت لين كما تقدم، ثم إنه اضطرب فيه فرواه مرسلًا -كما في السابق- وأسنده مرة أخرى إلى جده عبد الله بن الزبير، أخرجه البزار في مسنده (٦/ ٢٢١٦)، والطبراني -كما في \"المجمع\" (٧/ ٤٨ - ٤٩)، وقال: \"فيه موسى بن عبيدة وهو ضعيف\"، وقال البزار، وهذا الحديث لا نعلم أحدًا يرويه بهذا اللفظ عن النبي ﷺ إلا ابن الزبير، ولا نعلم له طريقًا إلا هذا الطريق ولا نعلم أن مصعب بن ثابت سمع من ابن الزبير.\n(^٤٥) - مرسل، أخرجه ابن جرير في تفسيره (١٤/ ٣٩)، وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم كما في \"الدر المنثور\" (٤/ ١٩٠).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"ثابت بن مصعب\".\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- في ز، خ: \"في\".\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- في ت: \"شعبة\".\n[¬٦]- في ت: العبد.\n[¬٧]- في خ: \"عذاب الله\".","vol":"8","page":266},{"text":"﴿(٥٢) قَالُوا لَا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ (٥٣) قَال أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ (٥٤) قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ (٥٥) قَال وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إلا الضَّالُّونَ (٥٦)﴾\nيقول تعالى: وخبرهم [¬١] يا محمَّد عن قصة ضيف إبراهيم - والضيف يطلق على الواحد والجمع كالزور والسفر، وكيف دخلوا عليه ﴿فَقَالُوا سَلَامًا قَال إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ﴾ أي: خائفون.\nوقد ذكر سبب خوفه منهم لما رأى أيديهم لا تصل إلى ما قربه لهم من ضيافة [¬٢]: وهو العجل السمين الحنيذ.\n﴿قَالُوا لَا تَوْجَلْ﴾ أي: لا تخف ﴿وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ﴾ وهو [¬٣] إسحاق ﵇، كما تقدم في سورة هود.\n[فـ ﴿قَال﴾] [¬٤] متعجبًا من كبره وكبر زوجته، ومتحققًا للوعد ﴿أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾ فأجابوه مؤكدين لما بشروه به تحقيقًا، وبشارة بعد بشارة ﴿قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ﴾ وقرأ بعضهم (القَنِطين)، فأجابهم بأنه ليس يقنط، ولكن يرجو من الله الولد، وإن كان قد كبر وأسنت امرأته، فإنه يعلم من قدرة الله ورحمته ما هو أبلغ من ذلك.\n﴿قَال فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (٥٧) قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (٥٨) إلا آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٩) إلا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ (٦٠)﴾\nيقول تعالى إخبارًا عن إبراهيم ﵇ لما ذهب عنه الروع وجاءته البشرى: إنه شرع يسألهم عما جاءوا له، فقالوا: ﴿إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ﴾ يعنون قوم لوط، وأخبروه أنهم سينجون آل لوط من بينهم إلا امرأته فإنها من المُهلَكين، ولهذا قالوا: ﴿إلا امْرَأَتَهُ\n_________\n[¬١]- في خ: \"وأخبرهم\".\n[¬٢]- في خ: \"الضيافة\".\n[¬٣]- في خ: \"أي\".\n[¬٤]- في ت: \"ثم قال\"، خ: \"قال\".","vol":"8","page":267},{"text":"قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ﴾ أي: الباقين المهلكين.\n﴿فَلَمَّا جَاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ (٦١) قَال إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (٦٢) قَالُوا بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ (٦٣) وَأَتَينَاكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (٦٤)﴾\nيخبر تعالى عن لوط لما جاءته الملائكة في صورة شباب حسان الوجوه، فدخلوا عليه داره، قال: ﴿قَال إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (٦٢) قَالُوا بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ يعنون بعذابهم وهلاكهم ودمارهم، الذي كانوا يشكون في وقوعه بهم، وحلوله بساحتهم ﴿وَأَتَينَاكَ بِالْحَقِّ﴾ كقوله [¬١] تعالى: ﴿مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إلا بِالْحَقِّ﴾.\nوقوله [¬٢]: ﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ تأكيد لخبرهم إياه بما أخبروه به من نجاته وإهلاك قومه.\n﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيلِ وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ وَامْضُوا حَيثُ تُؤْمَرُونَ (٦٥) وَقَضَينَا إِلَيهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ (٦٦)﴾\nيذكر تعالى عن الملائكة: أنهم أمروه أن يسري بأهله بعد مضي جانب من الليل، وأن يكون لوط ﵇ يمشي وراءهم ليكون أحفظ لهم.\nوهكذا كان رسول الله ﷺ يمشي في الغزاة، بما [] [¬٣] يكون ساقة يزجي [¬٤] الضعيف، ويحمل المنقطع.\nوقوله: ﴿وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ﴾ أي: إذا سمعتم الصيحة بالقوم فلا تلتفتوا إليهم، وذروهم فيما حل بهم من العذاب والنكال ﴿وَامْضُوا حَيثُ تُؤْمَرُونَ﴾ كأنه كان معهم من يهديهم [¬٥] السبيل.\n﴿وَقَضَينَا إِلَيهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ﴾ أي: تقدمنا إليه في هذا ﴿أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ﴾ أي: وقت الصباح، كقوله [¬٦] في الآية الأخرى: ﴿إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾.\n_________\n[¬١]- في خ: \"كما قال\".\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- في ز: كان.\n[¬٤]- في ز: \"يرجي\".\n[¬٥]- في ز: \"تهديهم\".\n[¬٦]- في خ: \"كما قال\".","vol":"8","page":268},{"text":"وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ (٦٧) قَال إِنَّ هَؤُلَاءِ ضَيفِي فَلَا تَفْضَحُونِ (٦٨) وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ (٦٩) قَالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالمِينَ (٧٠) قَال هَؤُلَاءِ بَنَاتِي إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (٧١) لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (٧٢)﴾\nيخبر تعالى عن مجيء قوم لوط لما علموا بأضيافه وصباحة وجوههم، وأنهم جاءوا مستبشرين بهم فرحين ﴿قَال إِنَّ هَؤُلَاءِ ضَيفِي فَلَا تَفْضَحُونِ (٦٨) وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ﴾.\nوهذا إنما قاله لهم قبل أن يعلم بأنهم رسل الله، كما [] [¬١] في سياق [¬٢] سورة هود، وأما ها هنا فتقدم ذكر أنهم رسل الله، وعطف بذكر مجئ قومه ومحاجته لهم، ولكن الواو لا تقتضي الترتيب، ولا سيما إذا دَلَّ دليل على خلافه، فقالوا له مجيبين: ﴿أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالمِينَ﴾ أي: أو ما نهيناك أن تضيف أحدًا؟ فأرشدهم إلى نسائهم وما خلق لهم ربهم منهن من الفروج المباحة. وقد تقدم إيضاح [¬٣] القول في ذلك بما أغنى عن إعادته.\nهذا كله، وهم غافلون عما يراد بهم، وما قد أحاط بهم من البلاء، وماذا يصبحهم من العذاب المستقر. ولهذا قال تعالى لنبيه [¬٤] ﷺ: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ أقسم تعالى بحياة نبيه صلوات الله وسلامه عليه، وفي هذا تشريف عظيم، ومقام رفيع، وجاه عريض.\nقال عمرو بن مالك النكري [¬٥]، عن أبي الجوزاء، عن ابن عباس أنه قال: ما خلق الله وما ذرأ وما برأ نفسًا أكرم عليه من محمَّد ﷺ، وما سمعت الله أقسم بحياة أحد غيره، قال الله تعالى: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [] [¬٦]. رواه ابن جرير (^٤٦).\n_________\n(^٤٦) - إسناده حسن، ابن جرير في تفسيره (١٤/ ٤٤) حدثني المثنى، قال: ثنا مسلم بن إبراهيم: ثنا سعيد بن زيد، قال: ثنا عمرو بن مالك به. ومن طريق سعيد بن زيد أخرجه البيهقي في \"الدلائل\" (٥/ ٤٨٧ - ٤٨٨)، والحارث بن أبي أسامة (٩٣٨ - الزوائد)، ومن طريقه أبي نعيم في \"الدلائل\" (ص ٢٦ - ٢٧)، وأخرجه ابن جرير وأبو يعلى (٥/ ٢٧٥٤)، وأبو نعيم من طرق ثلاثة عن عمرو بن مالك به، وزاد نسبته السيوطي في \"الدر المنثور\" (٤/ ١٩٢) إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه.\n_________\n[¬١]- في خ: قال:\n[¬٢]- سقط من خ.\n[¬٣]- في ز، خ: \"أيضًا\".\n[¬٤]- في ت: \"لمحمد\".\n[¬٥]- في ز: \"البكري\".\n[¬٦]- في ت: [يقول: وحياتك وعمرك وبقائك في الدنيا ﴿إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾].","vol":"8","page":269},{"text":"وقال قتادة: ﴿فِي سَكْرَتِهِمْ﴾ أي: في ضلالتهم ﴿يَعْمَهُونَ﴾ أي: يلعبون.\nوقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿لَعَمْرُكَ﴾ [¬١] لعيشك ﴿إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ قال: يتمادون [¬٢].\n﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيحَةُ مُشْرِقِينَ (٧٣) فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ (٧٤) إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ (٧٥) وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ (٧٦) إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ (٧٧)﴾\nيقول تعالى: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيحَةُ﴾ وهي ما جاءهم [] [¬٣] من الصوت القاصف عند شروق الشمس وهو طلوعها، وذلك مع رفع بلادهم إلى عنان السماء، ثم قلبها وجعل عاليها سافلها، وإرسال حجارة السجيل عليهم، وقد تقدم الكلام على السجيل في هود بما فيه كفاية.\nوقوله [¬٤]: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ أي أن آثار هذه النقم الظاهرة على تلك البلاد لمن تأمل ذلك وتوسمه بعين بصره وبصيرته، كما قال مجاهد في قوله: ﴿لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ قال: المتفرسين.\nوعن ابن عباس والضحاك: للناظرين. وقال قتادة: للمعتبرين. وقال مالك عن بعض أهل المدينة: ﴿لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ للمتأملين.\nوقال ابن أبي حاتم (^٤٧): حدثنا الحسن بن عرفة، حدثنا محمَّد بن كثير العبدي، عن عمرو بن قيس، عن عطية، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ: \"اتقوا فراسة المؤمن؛ فإنه ينظر بنور الله\". ثم قرأ النبي ﷺ: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾.\nرواه الترمذي وابن جرير من حديث عمرو بن قيس الملائي، وقال الترمذي: لا نعرفه إلا\n_________\n(^٤٧) - إسناده ضعيف، لضعف عطية العوفي، وأخرجه الترمذي، كتاب: تفسير القرآن، باب: ومن سورة الحجر (٣١٢٥) وابن جرير (١٤/ ٤٦) وغيرهم- انظر \"الضعيفة\" للألباني (٤/ ١٨٢١) - من طريق عمرو بن قيس به.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- في ز: \"يتميرون\" وفي خ: يتجبرون.\n[¬٣]- في خ: به.\n[¬٤]- مكانها بياض في ز، سقط من: خ.","vol":"8","page":270},{"text":"من هذا الوجه.\nوقال ابن جرير أيضًا (^٤٨): حدثني أحمد بن محمَّد الطوسي، حدثنا الحسن بن محمَّد، حدثنا الفرات بن السائب، حدثنا ميمون بن مهران، عن ابن [¬١] عمر قال: قال رسول الله ﷺ: \"اتقوا فراسة المؤمن، فإن المؤمن ينظر بنور الله\".\nوقال ابن جرير (^٤٩): حدثني أبو شرحبيل الحمصي، حدثنا سليمان بن سلمة، حدثنا المؤمل بن سعيد بن يوسف الرحبي، حدثنا أبو المعلى أسد بن وداعة الطائي، حدثنا وهب بن منبه، عن طاوس بن كيسان، عن ثوبان قال: قال رسول الله ﷺ: \"احذروا فراسة المؤمن؛ فإنه ينظر بنور الله وينطق [¬٢] بتوفيق الله\".\nوقال أيضًا (^٥٠): حدثنا عبد الأعلى بن واصل، حدثنا سعيد بن محمَّد الجَرْمي، حدثنا عبد الواحد بن واصل، حدثنا أبو بشر المزَلِق، عن ثابت، عن أنس بن مالك قال: قال النبي ﷺ: \"إن لله عبادًا يعرفون الناس بالتوسم\".\nورواه الحافظ أبو بكر البزار (^٥١): حدثنا سهل بن بحر، حدثنا سعيد بن محمَّد الجرمي، حدثنا أبو بشر- يقال له: ابن المزلِقي [¬٣]، قال: وكان ثقة- عن ثابت، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن لله عبادًا يعرفون الناس بالتوسم\".\nوقوله: ﴿وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾ أي: وإن قرية سدوم التي [¬٤] أصابها [ما أصابها] [¬٥]، من القلب الصوري والمعنوي، والقذف بالحجارة حتى صارت بحيرة [¬٦] منتنة خبيثة- لطريق مَهْيَع مسالكه مستمرة إلى اليوم، كقوله: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيلِ أَفَلَا\n_________\n(^٤٨) - إسناده ضعيف جدًّا من أجل الفرات بن السائب، ابن جرير في تفسيره (١٤/ ٤٦)، وأخرجه أيضًا أبو نعيم في \"الحلية\" (٤/ ٩٤) من طريق فرات بن السائب به، وقال: \"غريب من حديث ميمون لم نكتبه إلا من هذا الوجه\". والفرات بن السائب، قال فيه البخاري \"التاريخ الكبير\" (٧/ ١٣٠): \"تركوه، منكر الحديث\".\n(^٤٩) - إسناده واهٍ جدًّا، ابن جرير في تفسيره (١٤/ ٤٦ - ٤٧)، وفيه ثلاث علل- انظرها في \"الضعيفة\" للألباني (٤/ ٣٠١ / ١٨٢١).\n(^٥٠) - إسناده حسن، في تفسيره (١٤/ ٤٦)، وحسنه الألباني في \"الصحيحة\" (٤/ ١٦٩٣).\n(^٥١) - كسابقه، (٢/ ٢٣٠٢ - مختصر الزوائد).\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في خ: \"المزلق\".\n[¬٤]- في ز، خ: \"الذي\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٦]- في ز، خ: \"بحره\".","vol":"8","page":271},{"text":"تَعْقِلُونَ (١٣٨) وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾.\nوقال مجاهد والضحاك: ﴿وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾ قال: معلم. وقال قتادة: بطريق واضح. وقال قتادة أيضًا: بصقع من الأرض واحد.\nوقال السدي: بكتاب مبين. يعني كقوله: ﴿وَكُلَّ شَيءٍ أَحْصَينَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾، ولكن ليس المعنى على ما قال ها هنا، والله أعلم.\nوقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: إن الذي صنعنا بقوم لوط من الهلاك والدمار، وإن جائنا لوطا وأهله، لدلالة واضحة جلية للمؤمنين بالله ورسله.\n﴿وَإِنْ كَانَ أَصْحَابُ الْأَيكَةِ لَظَالِمِينَ (٧٨) فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ (٧٩)﴾\nأصحاب الأيكة: هم قوم شعيب. قال الضحاك وقتادة وغيرهما: الأيكة الشجر الملتف.\nوكان ظلمهم: بشركهم بالله، وقطعهم الطريق، ونقصهم المكيال والميزان، فانتقم الله منهم بالصيحة والرجفة وعذاب يوم الظلة، وقد كانوا قريبًا من قوم لوط، بعدهم في الزمان، ومسامتين لهم في المكان، ولهذا قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ﴾ أي: طريق مبين.\nقال ابن عباس ومجاهد والضحاك وغيره [¬١]: طريق ظاهر. ولهذا لما أنذر شُعيب قومه قال في نذارته إياهم: ﴿وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ﴾.\n﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ (٨٠) وَآتَينَاهُمْ آيَاتِنَا فَكَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (٨١) وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آمِنِينَ (٨٢) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيحَةُ مُصْبِحِينَ (٨٣) فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٨٤)﴾\nأصحاب الحجر: هم ثمود الذين كذبوا صالحًا نبيهم ﵇، ومن كذب برسول فقد كذب بجميع المرسلين [¬٢]، ولهذا أطلق عليهم تكذيب المرسلين.\nوذكر تعالى أنه آتاهم من الآيات ما يدلهم على صدق ما جاءهم به صالح؛ كالناقة التي\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في خ: \"الرسل\".","vol":"8","page":272},{"text":"أخرجها الله لهم بدعاء صالح من صخرة صماء، فكانت [¬١] تسرح في بلادهم، لها شرب ولهم شرب يوم معلوم، فلما عتوا وعقروها قال لهم: ﴿تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيرُ مَكْذُوبٍ﴾، وقال تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَينَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾، وذكر تعالى أنهم: ﴿كَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آمِنِينَ﴾ أي: من غير خوف ولا احتياج إليها، بل أشرًا وبطرًا وعبثًا، كما هو المشاهد من صنيعهم في بيوتهم بوادي الحجر الذي مر به رسول الله ﷺ وهو ذاهب إلى تبوك، فقنع رأسه وأسرع دابته، وقال لأصحابه: \"لا تدخلوا بيوت القوم المعذبين إلا أن تكونوا باكين، فإن لم تبكوا فتباكوا، خشية أن يصيبكم ما أصابهم\" (^٥٢).\nوقوله: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيحَةُ مُصْبِحِينَ﴾ أي: وقت الصباح من اليوم الرابع ﴿فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ أي: ما كانوا يستغلونه [¬٢] من زروعهم وثمارهم، التي ضنوا بمائها عن الناقة حتى عقروها؛ لئلا تضيق [¬٣] عليهم في المياه، فما دفعت عنهم تلك الأموال، ولا نفعتهم [¬٤] لما جاء أمر ربك.\n﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَينَهُمَا إلا بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ (٨٥) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (٨٦)﴾\nيقول تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَينَهُمَا إلا بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لآتِيَةٌ﴾ أي: بالعدل ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾، وقال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَينَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾، وقال تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَينَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥) فَتَعَالى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إلا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ ثم أخبر نبيه بقيام الساعة، وأنها كائنة لا محالة، ثم أمره [¬٥] بالصفح الجميل عن المشركين في أذاهم له، وتكذيبهم ما جاءهم به، كقوله [¬٦]: ﴿فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ قال [¬٧] مجاهد وقتادة وغيرهما: كان هذا قبل القتال. وهو كما قالا، فإن هذه مكية والقتال إنما شرع بعد الهجرة.\n_________\n(^٥٢) - تقدم تخريجه [سورة الأعراف / آية ٧٣].\n_________\n[¬١]- في خ: \"وكانت\".\n[¬٢]- في ز: \"يشتغلونه\".\n[¬٣]- في ز: \"يضيق\".\n[¬٤]- في ز: \"تنفعهم\".\n[¬٥]- في ز، خ: \"أمر\".\n[¬٦]- في خ: \"كما قال تعالى\".\n[¬٧]- في خ: وقال.","vol":"8","page":273},{"text":"وقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾ تقرير للمعاد، وأنه تعالى قادر على إقامة الساعة، فإنه الخلاق الذي لا يعجزه خلق [ما يشاء] [¬١]، وهو العليم بما تمزق من الأجساد، وتفرق في سائر أقطار الأرض، كقوله [¬٢]: ﴿أَوَلَيسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (٨١) إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢) فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيءٍ وَإِلَيهِ تُرْجَعُونَ﴾.\n﴿وَلَقَدْ آتَينَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (٨٧) لَا تَمُدَّنَّ عَينَيكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ (٨٨)﴾\nيقول تعالى لنبيه ﷺ: كما آتيناك القرآن العظيم، فلا تنظرنَّ إلى الدنيا وزينتها، وما متعنا به أهلها من الزهرة الفانية لنفتنهم فيه، [فلا تغبطهم بما هم فيه] [¬٣]، ولا تذهب نفسك عليهم حسرات، حزنًا عليهم في تكذيبهم لك، ومخالفتهم دينك ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ [لِمَنِ اتَّبَعَكَ] مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: ألن لهم جانبك، كقوله [¬٤]: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾.\nوقد اختلف في السبع المثاني ما هي؛ فقال ابن مسعود وابن عمر وابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير والضحاك و[غير واحد] [¬٥]: هي السبع الطول [¬٦]. يعنون: البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنعام والأعراف ويونس، نص عليه ابن عباس وسعيد بن جبير.\nوقال سعيد [¬٧]: بين فيهنّ الفرائض والحدود والقصص والأحكام.\nوقال ابن عباس: بين الأمثال والخبر والعبر.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا ابن أبي عمر قال: قال سفيان: المثاني المثنى [¬٨]، البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنعام والأعراف، والأنفال وبراءة سورة واحدة.\nقال ابن عباس (^٥٣): ولم يعطهن أحد إلا النبي ﷺ، وأعطي موسى\n_________\n(^٥٣) - أخرجه ابن جرير في تفسيره (١٤/ ٥٢)، والبيهقي في \"شعب الإيمان\" (٢/ ٢٣٥٧) من =\n_________\n[¬١]- في ت: \"شيء\".\n[¬٢]- في خ: \"كما قال تعالى\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- في خ: \"كما قال تعالى\".\n[¬٥]- في ت: \"وغيرهم\".\n[¬٦]- في ت: \"الطوال\".\n[¬٧]- في ز، خ: \"شعبة\".\n[¬٨]- في خ: \"المبين\".","vol":"8","page":274},{"text":"منهن ثنتين. رواه هشيم [¬١]، عن الحجاج، عن الوليد بن العيزار [¬٢]، عن سعيد بن جبير عنه.\n[وقال الأعمش (^٥٤)، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس] [¬٣] قال: أوتي النبي ﷺ سبعًا من الثاني: الطول [¬٤]، وأوتي موسى ﵇ ستًّا، فلما ألقى الألواح ارتفع اثنتان وبقيت [¬٥] أربع.\nوقال مجاهد (^٥٥) هي السبع الطُّول [¬٦]. ويقال: هي القرآن العظيم.\nوقال خصيف (^٥٦)، عن زياد بن أبي مريم في قوله تعالى: ﴿سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾ قال: أعطيتك سبعة [¬٧] أجزاء؛ آمر وأنهى وأبشر وأنذر وأضرب الأمثال وأعدد النعم وأنبئك بنبأ القرآن. رواه ابن جرير وابن أبي حاتم.\n(والقول الثاني): أنها الفاتحة وهي سبع آيات، روي ذلك عن عمر وعلي وابن مسعود وابن عباس، وقال [¬٨] [ابن عباس] [¬٩]: والبسملة هي الآية السابعة، وقد خصكم الله بها (^٥٧). وبه قال إبراهيم النخعي وعبد الله بن عبيد بن عمير وابن أبي مليكة وشهر بن حوشب والحسن البصري ومجاهد.\n_________\n= طريق عمرو بن عون عن هشيم به. والحجاج هو ابن أرطأة وهو ضعيف، لكن له إسنادٌ آخر بلفظ آخر هو الآتي.\n(^٥٤) - صحيح، أخرجه أبو داود، كتاب: الصلاة، باب: من قال هي من الطول (فاتحة الكتاب) (١٤٥٩)، والنسائي، كتاب: الافتتاح، باب: تأويل قول الله ﷿: ﴿وَلَقَدْ آتَينَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ (٢/ ١٣٩ - ١٤٠)، وفي \"الكبرى\" (٩٧٨) مختصرًا وابن جرير (١٤/ ٥٢) والحاكم (٢/ ٣٥٤)، ٣٥٥) والبيهقي في \"الشعب\" (٢/ ٢٤١٦) من طرق عن جرير عن الأعمش به، وقال الحاكم: \"صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه\" ووافقه الذهبي وهو كما قالا.\n(^٥٥) - أخرجه ابن جرير (١٤/ ٥٣)، والبيهقي في \"الشعب\" (٢/ ٢٤١٩)، وابن أبي شيبة وابن المنذر- كما في \"الدر المنثور\" (٤/ ١٩٧).\n(^٥٦) - أخرجه ابن جرير (١٤/ ٥٧)، وزاد نسبته السيوطي في \"الدر المنثور\" (٤/ ١٩٧) إلى سعيد بن منصور- ومن طريقه أخرجه البيهقي في \"الشعب\" (٢/ ٢٤٢١) - وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٥٧) - أخرجه ابن جرير (١٤/ ٥٥)، والبيهقي في \"الكبرى\" (٢/ ٤٧ - ٤٨)، وصححه الحاكم (٢/ ٢٥٧)، ووافقه الذهبي، وفي إسناده عبد العزيز بن جريج وهو \"ليّن\" كما في \"التقريب\".\n_________\n[¬١]- في خ: \"ابن هشيم\".\n[¬٢]- في خ: \"القيثرار\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٤]- في ت: \"الطوال\".\n[¬٥]- في ت: \"بقي\".\n[¬٦]- في ت: \"الطوال\".\n[¬٧]- في ز: \"سبع\".\n[¬٨]- مكانها بياض في ز، سقط من: خ.\n[¬٩]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.","vol":"8","page":275},{"text":"وقال [¬١] قتادة: ذكر لنا أنهن فاتحة الكتاب، وأنهن يثنين [¬٢] في كل [¬٣] قراءة [وفي رواية: في كل] [¬٤] ركعة مكتوبة أو تطوّع.\nواختاره ابن جرير، واحتج بالأحاديث الواردة في ذلك، وقد قدمناها في فضائل سورة الفاتحة في أول التفسير والحمد.\nوقد أورد البخاري رحمه الله تعالى ها هنا حديثين: (أحدهما) قال (^٥٨): حدثنا محمد بن بشار، حدثنا غندر، حدثنا شعبة، عن خُبيب بن عبد الرحمن، عن حفص بن عاصم، عن أبي سعيد بن المعلى قال: مر بي النبي ﷺ وأنا أصلي فدعاني، فلم آته حتى صليت [ثم أتيت] [¬٥]، فقال: \"ما منعك أن تأتي؟ \" فقلت: كنت أصلي. فقال: \"ألم يقل الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ﴾؟ \" ثم قال: \"ألا أُعلمك أعظم سورة في القرآن قبل أن أخرج من المسجد\". فذهب النبي ﷺ ليخرج فذكرته [¬٦] فقال: \" ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ﴾ هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته\".\n(الثاني) قال (^٥٩): حدثنا آدم، حدثنا ابن أبي ذئب، حدثنا المقبري، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"أم القرآن هي السبع المثاني والقرآن العظيم\".\nفهذا نص في أن الفاتحة السبع المثاني والقرآن العظيم، ولكن لا ينافي وصف [¬٧] غيرها من السبع الطول [¬٨] بذلك؛ لما فيها من هذه [¬٩] الصفة، كما لا ينافي وصف القرآن بكماله\n_________\n(^٥٨) - صحيح البخاري كتاب: التفسير، باب: ﴿وَلَقَدْ آتَينَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ (٤٧٠٣)، وانظره بأطرافه عند رقم (٤٤٧٤)، وأخرجه أيضًا أبو داود (١٤٥٨)، والنسائي (٢/ ١٣٩)، وابن ماجة (٣٧٨٥)، وأحمد (٣/ ٤٥٠)، (٤/ ٢١١) من طرق عن شعبة به نحوه.\n(^٥٩) - كتاب: التفسير، ب: ﴿وَلَقَدْ آتَينَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ (٤٧٠٤)، وأخرجه أبو داود (١٤٥٧)، والترمذي (٣١٢٣)، وأحمد (٢/ ٤٤٨) من طرق ابن أبي ذئب به.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في ز: \"ثنتين\".\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- في ز، \"ثم أتيته\"، خ: \"فأيته\".\n[¬٦]- في ز: \"فذكرت\".\n[¬٧]- في خ: \"نص\".\n[¬٨]- في ت: \"الطوال\".\n[¬٩]- سقط من: ز، خ.","vol":"8","page":276},{"text":"بذلك أيضًا، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾ فهو مثاني من وجه ومتشابه من وجه، وهو القرآن العظيم أيضًا كما أنه ﵊ لما سئل عن المسجد الذي أسس على التقوى فأشار إلى مسجده (^٦٠)، والآية نزلت في مسجد قباء فلا تنافي، فإن ذكر الشيء لا ينفي ذكر ما عداه إذا اشتركا في تلك الصفة، والله أعلم.\nوقوله: ﴿لَا تَمُدَّنَّ عَينَيكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ﴾ أي: استغن بما آتاك الله من القرآن العظيم عما هم فيه من المتاع والزهرة الفانية.\nومن هاهنا ذهب ابن عيينة إلى تفسير الحديث الصحيح (^٦١): \" ليس منا من لم يتغن بالقرآن\" إلى أنه يستغنى به عما عداه، وهو تفسير صحيح، ولكن ليس هو القصود من الحديث كما تقدم في أول التفسير.\nوقال ابن أبي حاتم (^٦٢): ذكر عن وكيع بن الجراح، حدثنا موسى بن عبيدة، عن يزيد بن [عبد الله] [¬١] بن قسيط، عن أبي رافع صاحب النبي ﷺ قال: ضاف [¬٢] النبي ﷺ ضيف، ولم يكن عند النبي ﷺ شيء [¬٣] يصلحه، فأرسل إلى رجل من اليهود: \"يقول لك محمد رسول الله: أسلفني دقيقًا إلى هلال رجب\". قال: لا، إلا برهن. فأتيت النبي ﵌ فأخبرته [¬٤] فقال: \"أما والله إني لأمين من في السماء، وأمين من في الأرض، ولئن أسلفني\n_________\n(^٦٠) - صحيح البخاري أخرجه مسلم، كتاب: الحج، باب: بيان أن المسجد الذي أسس على التقوى هو مسجد النبي ﷺ بالمدينة (٥١٤) (١٣٩٨)، والترمذي، كتاب: الصلاة، باب: ما جاء في المسجد الذي أسس على التقوى (٣٢٣)، وكتاب: تفسير القرآن، باب: \"ومن سورة التوبة\" (٣٠٩٩)، والنسائي، كتاب: المساجد، ب: ذكر المسجد الذي أسس على التقوى (٢/ ٣٦)، وأحمد (١١٠٦٠) (٣/ ٨) من حديث أبي سعيد الخدري.\n(^٦١) - أخرجه البخاري، كتاب: التوحيد، باب: قول الله تعالى: ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَو اجْهَرُوا بِهِ …﴾ (٧٥٢٧) من حديث أبي هريرة، وأخرجه أبو داود (١٤٦٩، ١٤٧٠)، وأحمد (١/ ١٧٥، ١٧٩)، وصححه ابن حبان (١/ ١٢٠)، والحاكم (١/ ٥٦٩)، ووافقه الذهبي، من حديث سعد بن أبي وقاص.\nوقول سفيان هذا علقه البخاري في صحيحه عقب الحديث رقم (٥٠٢٤).\n(^٦٢) - ضعيف، وأخرجه ابن جرير (١٦/ ٢٣٥) ثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي به، والطبراني في \"الكبير\" (١/ ٩٨٩) من طريق موسى بن عبيدة به، وذكره الهيثمي في \"المجمع\" (٤/ ١٢٩) وقال: \"رواه =\n_________\n[¬١]- في ز: \"عبيد الله\"، خ: \"أبي عبد الله\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"أضاف\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"أمرا\".\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.","vol":"8","page":277},{"text":"أو باعني لأؤدين [¬١] إليه\". فلما خرجت من عنده نزلت هذه الآية: ﴿لَا تَمُدَّنَّ عَينَيكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ إلى آخر الآية، كأنه يعزيه عن الدنيا.\nو[¬٢] قال العوفي، عن ابن عباس: ﴿لَا تَمُدَّنَّ عَينَيكَ﴾ قال: نهى الرجل أن يتمنى مال صاحبه.\nوقال مجاهد: ﴿إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ﴾ هم الأغنياء.\n﴿وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ (٨٩) كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ (٩٠) الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ (٩١) فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٣)﴾\nيأمر تعالى نبيه ﷺ بأن [¬٣] يقول للناس: [أنه] [¬٤] النذير المبين البين النذارة، نذير للناس من عذاب أليم أن يحل بهم على تكذيبه، كما حل بمن تقدمهم من الأم المكذبة لرسلها، وما أنزل الله عليهم من العذاب والانتقام.\nوقوله: ﴿الْمُقْتَسِمِينَ﴾ أي: المتحالفين، أي: تحالفوا على مخالفة الأنبياء وتكذيبهم وأذاهم، كقوله تعالى إخبارًا عن قوم صالح أنهم: ﴿قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ﴾ الآية، أي: نقتلهم ليلًا، قال مجاهد: تقاسموا: تحالفوا. ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ﴾، ﴿أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ﴾.\n﴿أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ﴾ فكأنهم كانوا لا يكذبون بشيء [من الدنيا] [¬٥] إلا أقسموا عليه فسموا مقتسمين.\nقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: المقتسمون [¬٦] أصحاب صالح الذين تقاسموا بالله لنبيتنه وأهله.\n_________\n= الطبراني في \"الكبير\" والبزار وفيه موسى بن عبيدة الربذي وهو ضعيف\"، وتابعه محمد بن كثير - وهو المصيصي- عن عبد الله بن واقد عن يعقوب بن يزيد عن أبي رافع به. ويعقوب بن يزيد هذا لم أقف له على ترجمة ولعله محرف من \"يعقوب بن زيد\" فإن كان هذا الأخير فإن الإسناد منقطع. والله تعالى أعلم.\n_________\n[¬١]- في ز: \"لأدّين\".\n[¬٢]- سقط من خ.\n[¬٣]- في خ: \"أن\".\n[¬٤]- في ت: \"إني أنا\".\n[¬٥]- سقط من ز.\n[¬٦]- في ت: \"المقتسمين\".","vol":"8","page":278},{"text":"وفي الصحيحين (^٦٣): عن أبي موسى، عن النبي ﷺ قال: \"إنما مثلي ومثل ما بعثني الله به؛ كمثل رجل أتى قومًا، فقال: يا قوم إني رأيت الجيش بعيني، وإني أنا [¬١] النذير العريان، فالنجاء النجاء [¬٢]، فأطاعه طائفة من قومه، فأدلجوا وانطلقوا على مهلهم فنجَوا، وكذبت طائفة منهم فأصبحوا مكانهم، فصبحهم الجيش فأهلكهم واجتاحهم، فذلك مثل من أطاعني فاتبع ما جئت به ومثل من عصاني وكذب بما جئت به من الحق\".\nوقوله: ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾ أي: جزءوا كتبهم المنزلة عليهم فآمنوا ببعض وكفروا ببعض.\nقال البخاري (^٦٤): حدثننا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا هشيم، أنبأنا أبو بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾ قال: هم أهل الكتاب جَزَّءوه أجزاء، فآمنوا ببعضه وكفروا ببعضه.\nحدثنا عبيد الله بن موسى، عن الأعمش، عن أبي ظبيان، عن ابن عباس ﴿جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾ قال: هم أهل [¬٣] الكتاب جزَّءوه أجزاء فآمنوا ببعضه وكفروا ببعضه (^٦٥).\nحدثنا عبيد الله بن موسى، عن الأعمش، عن أبي ظبيان، عن ابن عباس [] [¬٤]: ﴿كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ﴾ قال [¬٥]: آمنوا ببعض وكفروا ببعض اليهود والنصارى (^٦٦).\nقال ابن أبي حاتم: وروي عن مجاهد وعكرمة والحسن والضحاك وسعيد بن جبير وغيرهم مثل [¬٦] ذلك.\nوقال الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس: ﴿جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾ قال: السحر.\n_________\n(^٦٣) - أخرجه البخاري، كتاب: الاعتصام بالكتاب والسنة، باب: الاقتداء بسنن رسول الله ﷺ (٧٢٨٣)، وكتاب: الرقاق، باب: الانتهاء عن المعاصى (٦٤٨٢)، ومسلم، كتاب: الفضائل، باب: شفقته ﷺ على أمته ومبالغته في تحذيرهم مما يضرهم (١٦) (٢٢٨٣).\n(^٦٤) - صحيح البخاري كتاب التفسير، باب قوله: ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾ (٤٧٠٥).\n(^٦٥) - لم أقف عليه في \"الصحيح\" هكذا كما أورده، وانظر ما بعده.\n(^٦٦) - أخرجه البخاري، كتاب: التفسير، باب: قوله: ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾ (٤٧٠٦).\n_________\n[¬١]- مكرر في ز.\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- في ت: \"قالوا\".\n[¬٦]- في ت: \"نحو\".","vol":"8","page":279},{"text":"وقال عكرمة: العضة السحر بلسان قريش، يقول للساحرة: إنها العاضهة [¬١].\nوقال مجاهد: عضوه أعضاء، قالوا: سحر [¬٢]! و[¬٣] قالوا: كهانة\" وقالوا: أساطير الأولين!\nوقال عطاء: قال بعضهم: ساحر! وقالوا: مجنون! وقالوا: كاهن\" فذلك العضين. وكذا روي عن الضحاك وغيره.\nوقال محمد بن إسحاق (^٦٧)، عن محمد بن أبي محمد، عن [عكرمة أو سعيد بن جبير] [¬٤]، عن ابن عباس: أن الوليد بن المغيرة اجتمع إليه نفر من قريش، وكان ذا شرف فيهم، وقد حضر الموسم، فقال لهم: يا معشر قريش، إنه قد حضر هذا الموسم، وإن وفود العرب ستقدم عليكم فيه، وقد سمعوا بأمر صاحبكم هذا، فأجمعوا فيه رأيًا واحدًا، ولا تختلفوا فيكذب بعضكم بعضًا، ورد قولكم بعضه بعضًا. فقالوا: وأنت يا أبا عبد شمس فقل، وأقم لنا رأيًا نقول به. قال: بل أنتم قولوا لأسمع. قالوا: نقول كاهن؟ قال [¬٥]: ما هو بكاهن. قالوا: فنقول مجنون؟ قال: ما هو بمجنون. قالوا: فنقول شاعر؟ قال: ما هو بشاعر. قالوا: فنقول ساحر؟ قال: ما هو بساحر. [قالوا: فماذا نقول] [¬٦]؟ قال: والله إن لقوله لحلاوة [¬٧]، فما أنتم بقائلين من هذا شيئًا إلا عرف أنه باطل، وإن [¬٨] أقرب القول أن تقولوا: هو ساحر. فتفرقوا عنه بذلك، وأنزل الله فيهم: ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾ أصنافًا ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أولئك [¬٩] النفر الذين قالوا ذلك لرسول الله.\nوقال عطية العوفي، عن ابن عمر في قوله: ﴿لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ قال: عن لا إله إلا الله.\n_________\n(^٦٧) - إسناده فيه جهالة وهو صحيح، أورده ابن هشام في \"السيرة\" (١/ ١٧٤ - ١٧٥) ومن طريق ابن إسحاق أخرجه البيهقي في \"الدلائل\" (٢/ ١٩٩: ٢٠١)، ومحمد بن أبي محمد هذا مجهول، لكن تابعه أيوب السختياني بنحوه، أخرجه البيهقي (٢/ ١٩٨)، وصححه الحاكم على شرط البخاري (٢/ ٥٠٦ - ٥٠٧) ووافقه الذهبي وهو كما قالا،، وانظر \"الدر المنثور\" (٦/ ٤٥٤).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"الكاهنة\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"اسحروه\".\n[¬٣]- في ت: قال:\n[¬٤]- في خ: \"سعيد أو عكرمة\".\n[¬٥]- في خ: \"قالوا\".\n[¬٦]- سقط من: خ.\n[¬٧]- في ز: \"حلاوة\".\n[¬٨]- في ز: \"إنه\".\n[¬٩]- في ز، خ: \"دوينك\".","vol":"8","page":280},{"text":"وقال عبد الرزاق: أنبأنا الثوري، عن ليث -هو ابن أبي سليم- عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ قال: عن لا إله إلا الله.\nوقد روى الترمذي وأبو يعلى الموصلي وابن جرير وابن أبي حاتم (^٦٨): من حديث شريك القاضي، عن ليث بن أبي سليم، عن بشير بن أبي نهيك (*)، عن أنس، عن النبي ﷺ: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ قال [¬١]: \"عن لا إله إلا الله\".\nورواه ابن إدريس (^٦٩): عن ليث، عن بشير، عن أنس موقوفًا.\nوقال ابن جرير (^٧٠): حدثنا أحمد، حدثنا أبو أحمد، حدثنا شريك، عن هلال، عن عبد الله بن عكيم [¬٢]. قال: قال [¬٣] عبد الله -هو ابن مسعود-: والذي لا إله غيره، ما منكم من أحد إلا سيخلو الله به يوم القيامة، كما يخلو أحدكم [¬٤] بالقمر ليلة البدر، فيقول: ابن آدم ماذا غرك مني بي؟ ابن آدم ماذا عملت [فيما علمت] [¬٥]؟ ابن آدم ماذا\n_________\n(^٦٨) - إسناده ضعيف لضعف ليث بن أبي سليم وشريك القافي، أخرجه ابن جرير في تفسيره (١٤/ ٦٧) ثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد قال: ثنا شريك به، ثم إني لم أره عند الترمذي وأبي يعلى من هذا الطريق، إنما أخرجه الترمذي، كتاب: التفسير، باب: \"ومن سورة الحجر\" (٣١٢٦)، وأبو يعلى (٧/ ٤٠٥٨) من طريق المعتمر بن سليمان وجرير عن ليث بن أبي سليم عن بشر عن أنس بن مالك به، وأخرجه البخاري في \"التاريخ الكبير\" (٢/ ٨٦) من طريق حفص عن ليث به، وأخرجه أبو نعيم في \"الحلية\" (٣/ ٩٥) من طريق ليث بن أبي سليم عن داود بن أبي هند عن أنس به. وقال: \"غريب من حديث داود وليث\".\n(*) هكذا وقع هنا وهو أيضًا في تفسير ابن جرير \"بشير بن أبي نهيك\" وهو تابعي معروف غير أنه لا يعرف له رواية عن أنس، ولا يعرف لليث بن أبي سليم رواية عنه، ووقع عند الترمذي وغيره \"بشر\" غير منسوب، وكذا ذكره المزي في \"تهذيب الكمال\" (٤ / ت ٧١٤) ونسبه البخاري في \"التاريخ الكبير\" (٢/ ٨٦) وابن حبان في \"الثقات\" (٤/ ٦٩) فقالا \"بشر بن دينار\" ووقع عند البخاري في \"التاريخ\" (٨/ ١٣٣ - ١٣٤): \"نسر -بالسين المهملة- عن أنس قال النبي ﷺ ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ قال \"عن لا إله إلا الله\". وانظر التاريخ الكبير (٢/ ٨٦، ٨/ ١٣٣).\n(^٦٩) - إسناده ضعيف، أخرجه ابن جرير (١٤/ ٦٧) حدثنا أبو كريب وأبو السائب، قالا: ثنا ابن إدريس به. وعلقه البخاري في \"التاريخ الكبير\" (٢/ ٨٦)، والترمذي في \"السنن\" (عقب حديث رقم ٣١٢٦) غير أنه وقع عند الأخير \"بشر\" وقد نبهنا على هذا. الاختلاف.\n(^٧٠) - ابن جرير في تفسيره (١٤/ ٦٧)، وأخرجه أسد بن موسى في \"الزهد\" (٩٦) - وتحرف فيه =\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في ز، خ: \"حكيم\".\n[¬٣]- في ت: \"وقال\".\n[¬٤]- في ز: \"أحدهم\".\n[¬٥]- في ز: \"فبما عملت\".","vol":"8","page":281},{"text":"أجبت المرسلين؟.\nوقال أبو جعفر: عن الربيع، عن أبي العالية [في قوله] [¬١]: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ قال: يسأل العباد كلهم عن خلتين يوم القيامة، عما كانوا يعبدون، وماذا أجابوا المرسلين؟.\nوقال ابن عيينة: عن عملك، وعن مالك.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أحمد بن أبي الحواري، حدثنا يونس الحذاء، عن أبي حمزة الشيباني [¬٢]، عن معاذ بن جبل قال: قال لي رسول الله ﷺ: \"يا معاذ، إن المرء [¬٣] يسأل يوم القيامة عن جميع سعيه، حتى كحل عينيه، وعن فتات الطينة بأصبعه، فلا ألفينك يوم القيامة وأحد أسعد بما آتى الله منك\".\nوقال علي بن أبي طلحة (^٧١)، عن ابن عباس في قوله: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ثم قال: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ﴾ قال: لا يسألهم: هل عملتم كذا؟ لأنه أعلم بذلك منهم، ولكن يقول: لم عملتم كذا وكذا؟.\n﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (٩٤) إِنَّا كَفَينَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (٩٥) الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٩٦) وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (٩٧) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (٩٨) وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى\n_________\n= ابن مسعود إلى أبا مسعود، ولم ينتبه له محققه- وابن المبارك في \"الزهد\" (٣٨) ومن طريقه النسائي في الكبرى -كما في \"التحفة\" (٧/ ٩٣٤٥) - وابن خزيمة في \"التوحيد\" ص ١٥٠ - ١٥١، ١٧١، وعبد الله بن أحمد في السنة (٤٧٥) كلهم من طريق شريك بن عبد الله بهذا الإسناد، وشريك فيه مقال، لكن تابعه أبو عوانة وهو ثقة حافظ وعند أحمد في الزهد (ص ٢٠٤)، والطبراني في الكبير (٩/ ٨٨٩٩) وأبي نعيم في \"الحلية\" (١/ ١٣١)، وأخرجه الطبراني في \"الأوسط\" (١/ ٤٤٩) من طريق إسحاق بن عبد الله أبي يعقوب التميمي قال: نا شريك بهذا الإسناد، لكنه رفعه، وقال الطبراني: لم يرو هذا الحدث عن هلال الوَزَّان إلا شريك، تفرَّدَ به إسحاق بن عبد الله، أي مرفوعًا. وقال الهيثمي في \"المجمع\": ورجال الأوسط فيهم شريك أيضًا، وإسحاق بن عبد الله التميمي وثقه ابن حبان (٨/ ١٢٠)، وبقية رجاله رجال الصحيح. والأثر زاد نسبته السيوطي في \"الدر المنثور\" (٥/ ٢٥٧) إلى عبد بن حميد وابن مردويه.\n(^٧١) - أخرجه ابن جرير (١٤/ ٦٧)، وابن أبي حاتم، والبيهقي في البعث -كما في \"الدر المنثور\" (٤/ ١٩٩).\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- في خ: \"المؤمن\".\n[¬٣]- في ز: \"البيساني\".","vol":"8","page":282},{"text":"يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (٩٩)﴾.\nيقول تعالى آمرًا رسوله ﷺ بإبلاغ ما بعثه به، وبإنفاذه [¬١] والصدع به، وهو مواجهة المشركين به، كما قال ابن عباس: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ أي: أمضه. وفي رواية: افعل ما تؤمر.\nوقال مجاهد: هو الجهر بالقرآن في الصلاة.\nوقال أبو عبيدة، عن عبد الله بن مسعود. ما زال النبي ﷺ مستخفيًا حتى نزلت: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ فخرج هو وأصحابه.\nوقوله: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (٩٤) إِنَّا كَفَينَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ أي: بلغ ما أنزل إليك من ربك، ولا تلتفت إلى المشركين الذين [¬٢] يريدون أن يصدوك [¬٣] عن آيات الله ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ ولا تخفهم؛ فإن الله كافيك إياهم وحافظك منهم، كقوله [¬٤] تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾.\nوقال الحافظ أبو بكر البزار (^٧٢): حدثنا يحيى بن محمد بن السَّكن، حدثنا إسحاق بن إدريس، حدثنا عون بن كهمس، عن نريد بن درهم، عن أنس قال: سمعت أنسًا يقول في هذه الآية: ﴿إِنَّا كَفَينَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (٩٥) الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ قال: مر رسول الله ﷺ فغمزه بعضهم فجاء جبريل. قال [¬٥]: أحسبه قال: فغمزهم فوقع في أجسادهم كهبئة الطعنة حتى ماتوا.\nوقال محمد بن إسحاق (^٧٣): كان عظماء المستهزئين -كما حدثني يزيد بن رومان،\n_________\n(^٧٢) - (٢/ ١٤٧٥ - مختصر الزوائد)، وقال البزار: \"تفرد به يزيد بن درهم عن أنس وماله عن أنس غيره، وقد ضعفه ابن معين\" وأخرجه الطبراني في \"الأوسط\" (٧/ ٧١٢٧) من طريق محمد بن عثمان القرشي ثنا يزيد بن درهم به نحوه وقال: لم هو هذا الحديث عن أنس إلا يزيد بن درهم تفرد به محمد بن عثمان القرشي -وهو متابع كما ترى- وذكره الهيثمي في \"المجمع\" (٧/ ٤٩) عن ابن عباس وليس عن أنس وقال: \"رواه الطبراني في الأوسط والبزار بنحوه وفيه يزيد بن درهم ضعفه ابن معين ووثقه الفلاس\" قلت: وذكره ابن حبان في \"الثقات\" (٥/ ٥٣٨) وقال: \"يخطئ كثيرًا\".\n(^٧٣) - مرسل حسن، أخرجه ابن جرير في تفسيره (١٤/ ٦٩ - ٧٠)، وأبو نعيم في \"الدلائل\" =\n_________\n[¬١]- في ز: \"إنفاده\".\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في ز: \"يصدون\".\n[¬٤]- في خ: \"كما قال\".\n[¬٥]- سقط من: ز، خ.","vol":"8","page":283},{"text":"عن عروة بن الزبير - خمسة نفر من قومه، و[¬١] كانوا ذوي أسنان وشرف في قومهم؛ من بني أسد بن عبد العزى بن قصي: الأسود بن المطب أبو زمعة، كان رسول الله ﷺ فيما بلغني قد دعا عليه، لما كان يبلغه من أذاه واستهزائه، فقال: \"اللهم أعم بصره وأثكله ولده\". ومن بني زهرة: الأسود بني عبد يغوث بن وهب بن عبد مناف بن زهرة، ومن بني مخزوم: الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، ومن بني سهم بن عمرو (٥) ابن [] [¬٢] هُصَيص بن كعب بن لؤي: العاص بن وائل بن هشام بن سعيد بن سعد [بن سهم] (**)، ومن خزاعة: الحارث بن الطلاطلة بن عمرو بن الحارث بن [] [¬٣] عمرو بن مَلكْان. فلما تمادوا في الشر، وأكثروا برسول الله ﷺ الاستهزاء، أنزل الله تعالى: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (٩٤) إِنَّا كَفَينَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ إلى قوله: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾. قال ابن إسحاق: فحدّثني يزيد بن رومان، عن عروة بن الزبير أو غيره من العلماء: أن جبريل أتى رسول الله ﷺ وهم يطوفون بالبيت فقام، وقام رسول الله ﷺ إلى جنبه، فمرّ به [الأسود بن المطلب فرمى في وجهه بورقة خضراء فعمى، ومر به] [¬٤] الأسود بن عبد يغوث، فأشار إلى بطنه فاستسقى [¬٥] بطنه فمات منه حَبَنًا [¬٦]، ومر به الوليد بن المغيرة فأشار إلى أثر جرح [¬٧] بأسفل كعب رجله، وكان أصابه قبل ذلك بسنتين وهو يجرّ ازاره، وذلك أنه مرّ برجل من خزاعة يريش نبلًا له، فتعلق سهم من نبله بإزاره، فخدش رجله ذلك الخدش، وليس بشيء فانتقض به فقتله، ومرَّ به العاص بن وائل\n_________\n= (ص ٢٢٢ - ٢٢٣) من طريقين عن ابن إسحاق به، وهذا مرسل حسن، وأخرجه الطبراني في \"الأوسط\" (٥/ ٤٩٨٦)، والبيهقي في \"الدلائل\" (٢/ ٣١٦، ٣١٨)، والضياء في \"المختارة\" (١٠ / رقم ٩٤) من حديث ابن عباس قال: المستهزئون: الوليد بن المغيرة والأسود بن عبد يغوث … فذكر الحديث بنحو حدث عروة، وحسن إسناده السيوطي في \"الدر المنثور\" (٤/ ٢٠٠) وزاد نسبته إلى ابن مردويه وأبي نعيم في \"الدلائل\" والذي في \"دلائل أبي نعيم\" من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس، والكلبي متهم بالكذب والله أعلم.\n(*) في ز: \"عمر\"، خ: \"عبد عمر\"، والمثبت من ابن جرير.\n(**) ما بين المعكوفتين زيادة من ابن جرير (١٤/ ٧٠).\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز: \"مخزوم، ومن بني سهم عمر بن\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في ز: \"عبد\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- في ت: \"فاستقى\".\n[¬٦]- في ز، خ: \"جنبًا\". والحبن: هو ما يعرف اليوم بالاستسقاء. المعجم الوسيط.\n[¬٧]- في ت: \"جراح\".","vol":"8","page":284},{"text":"فأشار إلى أخمص رجله، فخرج على حمار له ريد الطائف، فوُقص على شِبرْقة (*) فدخلت في أخمص رجله [¬١] منها [¬٢] شوكة [¬٣] فقتلته، ومرَّ به الحارث بن الطلاطلة فأشار إلى رأسه فامتخط قيحًا فقتله.\nقال محمد بن إسحاق (^٧٤): حدثني محمد بن أبي محمد، عن رجل، عن ابن عباس قال: كان رأسهم الوليد بن المغيرة وهو الذي جمعهم.\nوهكذا روي عن سعيد بن جبير وعكرمة نحو سياق محمد بن إسحاق [] [¬٤] عن يزيد عن عروة بطوله، إلا أن سعيدًا يقول: الحارث بن عيطلة، وعكرمة يقول: الحارث بن قيس.\nقال الزهري: وصدقا، هو الحارث بن قيس وأمه عيطلة [¬٥].\nوكذا روي عن مجاهد ومقسم وقتادة وغير واحد أنهم كانوا خمسة.\nوقال الشعبي: كانوا سبعة.\nوالمشهور الأول.\nوقوله: ﴿الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ تهديد شديد ووعيد أكيد لمن جعل مع الله معبودًا [¬٦] آخر.\nوقوله: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (٩٧) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ﴾ أي: وإنا لنعلم يا محمد أنك يحصل لك ملأ أذاهم لك انقباض صدر وضيق، فلا يهيدنك [¬٧] ذلك، ولا يثنينك عن إبلاغك رسالة الله، وتوكل عليه فإنه كافيك وناصرك عليهم، فاشتغل بذكر الله وتحميده وتسبيحه وعبادته التي هي الصلاة، ولهذا قال: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ﴾، كما جاء في الحديث الذي رواه الإِمام أحمد (^٧٥):\n_________\n(*) - الشبرقة: واحدة الشبرق، وهو نبات له شوك. النهاية.\n(^٧٤) - إسناده فيه جهالة، وهو عند ابن جرير في تفسيره (١٤/ ٧٠).\n(^٧٥) - صحيح، \"المسند\" (٢٢٥٧١»، وأخرجه أيضًا (٢٢٥٧٦) (٥/ ٢٨٧)، والنسائي في \"الكبرى\" كتاب: الصلاة، باب: الحث على الصلاة أول النهار (١/ ٤٦٨) من طريقين عن معاوية بن =\n_________\n[¬١]- في خ: \"قدمه\".\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- في ز: \"شبرقة\".\n[¬٤]- في ت: به.\n[¬٥]- في خ: \"غيطلة\".\n[¬٦]- في خ: \"إلهًا\".\n[¬٧]- في خ: \"يهذنك\".","vol":"8","page":285},{"text":"حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا معاوية بن صالح، عن أبي الزاهرية، عن كثير بن مرة، عن نعيم بن همار [¬١]، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: \"قال الله تعالى: يا ابن آدم، لا تعجز عن أربع ركعات من أول النهار أكفك آخره\".\nو[¬٢] رواه أبو داود والنسائي (^٧٦) [¬٣]: من حديث مكحول، عن كثير بن مرة بنحوه [¬٤].\nولهذا كان رسول الله ﷺ إذا حزبه أمر صلى (^٧٧).\nوقوله: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ قال البخاري (^٧٨): قال سالم: الموت.\nوسالم هذا هو سالم بن عبد الله بن عمر، كما قال ابن جرير (^٧٩):\nحدثنا محمد بن بشار، حدثنا يحيى بن سعيد، عن سفيان، حدثنا طارق بن عبد الرحمن، عن سالم بن عبد الله ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ قال: الموت.\n_________\n= صالح به، وله طرق أخرى عند أحمد فانظرها ثمة، وانظر ما بعده.\n(^٧٦) - كسابقه، سنن أبي داود كتاب: الصلاة، باب: صلاة الضحى (١٢٨٩)، والنسائي في \"الكبرى\"، كتاب: الصلاة، باب: الحث على الصلاة أوَّلَ النَّهَار (١/ ٤٦٧) ووقع عنده بين كثير بن مرة ونعيم بن هَمَّار، قيس الجُذَامي. ومن طريق قيس الجذامي، أخرجه أحمد (٢٢٥٧٣) (٥/ ٢٨٦) والدارمي (١٤٥٩)، وصححه ابن حبان (٦/ ٢٥٣٣)، وصححه أيضًا (٢٥٣٤) من طريق آخر عن نعيم بن همار، وأخرجه أحمد (١٧٤٣٩، ١٧٨٤٦) (٤/ ١٥٣، ٢٠١)، وأبو يعلى (٣/ ١٧٥٧) من طريق نعيم عن عقبة بن عامر فجعلاه من مسند عقبة، لا من مسند نعيم، وكلاهما له صحبة، فلا يضر ذلك. والله تعالى أعلم.\n(^٧٧) - أخرجه أبو داود، كتاب: الصلاة، باب: وقت قيام النبي ﷺ من الليل (١٣١٩) وأحمد (٢٣٤٠٦) (٥/ ٣٨٨)، وابن نصر في \"تعظيم قدر الصلاة\" (١/ ٢١٢) من حديث حذيفة بن اليمان، وحسنه الألباني في \"صحيح أبي داود\" (١/ ١١٧١).\n(^٧٨) - صحيح البخاري كتاب: التفسير، باب: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ (٨/ ٣٨٣ - فتح).\n(^٧٩) - إسناده صحيح، تفسير ابن جرير (١٤/ ٧٤) ووكيع بن الجراح في \"كتاب الزهد\" (١/ ٤٢) وعنه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" كتاب الزهد، باب: كلام الحسن البصري (٨/ ٢٦٥) ومن طريق وكيع أخرجه ابن جرير أيضًا وابن أبي الدنيا في \"كتاب اليقين\" (١٩) منسوبًا إلى سالم بن عبد الله، بينما أخرجه ابن حجر في \"تغليق التغليق\" (٤/ ٢٣٤) من طريق وكيع ونسبه إلى سالم بن أبي الجعد، وقال الحافظ في \"الفتح\" (٨/ ٣٨٣): وصله الفريابي وعبد بن حميد وغيرهما من طريق طارق بن =\n_________\n[¬١]- في ز: \"عمار\".\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- في ز، خ: \"أي سحره\".","vol":"8","page":286},{"text":"وهكذا قال مجاهد والحسن وقتادة وعبد الرحمن بن يزيد بن أسلم وغيره.\nوالدليل على ذلك قوله تعالى إخبارًا عن أهل النار أنهم قالوا: ﴿لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (٤٥) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (٤٦) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ﴾.\nوفي الصحيح (^٨٠): من حديث الزهري، عن خارجة بن زيد بن ثابت، عن أمّ العلاء امرأة من الأنصار: أن رسول الله ﷺ لما دخل على عثمان بن مظعون وقد مات، [قلت] [¬١]: رحمة الله عليك أبا السائب! فشهادتي عليك لقد أكرمك الله. فقال رسول الله ﷺ: \"وما يدريك أن الله أكرمه؟ \" فقلت: بأبي وأمي يا رسول الله فمن؟ فقال: \"أما هو فقد جاءه اليقين، و[¬٢] إني لأرجو له الخير\".\nويستدل من هذه [¬٣] الآية الكريمة وهي قوله: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ على أن العبادة كالصلاة ونحوها واجبة على الإِنسان ما دام عقله ثابتًا، فيصلي بحسب حاله، كما ثبت في صحيح البخاري (^٨١) عن عمران بن حصين ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: \"صل قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب\".\nويستدل بها على تخطئة من ذهب من الملاحدة إلى أن المراد باليقين: المعرفة، فمتى وصل أحدهم إلى المعرفة سقط عنه التكليف عندهم، وهذا كفر وضلال وجهل، فإن الأنبياء ﵈ كانوا هم وأصحابهم أعلم الناس بالله، وأعرفهم بحقوقه وصفاته، وما يستحق من التعظيم، وكانوا مع هذا أعبد الناس [¬٤] وأكثر الناس عبادة، ومواظبة على فعل الخيرات إلى حين الوفاة، وإنما المراد باليقين هاهنا الموت كما قدمناه، ولله الحمد والمنة، والحمد لله على الهداية، وعليه الاستعانة والتوكل، وهو المسئول أن يتوفانا على أكمل الأحوال وأحسنها، فإنه جواد كريم.\n_________\n= عبد الرحمن عن سالم بن أبي الجعد، والله أعلم بالصواب.\n(^٨٠) - أخرجه البخاري، كتاب: الجنائز، باب: الدُّخول على الميت بعد الموت إذا أدرج في أكفانه (١٢٤٣)، والنسائي في \"التعبير\" من \"الكبرى\" (٤/ ٧٦٣٤)، وأحمد (٦/ ٤٣٦).\n(^٨١) - صحيح البخاري كتاب: تقصير الصلاة، باب: إذا لم يطق قاعدًا صلى على جنب (١١١٧)، وانظره أطرافه عند رقم (١١١٥)، وأخرجه أبو داود (٩٥١، ٩٥٢)، والترمذي (٣٧١، ٣٧٢)، وابن ماجة (١٢٢٣)، وأحمد (٤/ ٤٢٦).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ت: \"قالت أم العلاء\".\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- في خ: \"بهذه\".\n[¬٤]- سقط من ز.","vol":"8","page":287},{"text":"آخر تفسير سورة الحجر، والحمد لله رب العالمين","vol":"8","page":288},{"text":"<span data-type='title' id=toc-122>تفسير سورة النحل وهي مكية</span>\n﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (١)﴾\nيخبر تعالى عن اقتراب الساعة ودنوها، معبرًا بصيغة الماضي الدال على التحقيق والوقوع لا محالة، كقوله [¬١]: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ وقال: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾. وقوله: ﴿فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ أي: قرب ما تباعد ﴿فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾.\nيحتمل أن يعود الضمير على الله، وصحتمل أن يعود على العذاب، وكلاهما متلازم كما قال تعالى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ ﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾.\nوقد ذهب الضحاك في تفسير هذه الآية إلى قول عجيب، فقال في قوله: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾ أي: فرائضه وحدوده. وقد رده ابن جرير فقال: لا نعلم أحدًا استعجل الفرائض [¬٢] والشرائع قبل وجودها، بخلاف العذاب فإنهم استعجلوه قبل كونه استبعادًا وتكذيبًا.\nقلت: كما قال تعالى: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ أَلَا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ﴾.\nوقال ابن أبي حاتم: ذكر عن يحيى بن آدم، عن أبي بكر بن عياش، عن محمد بن عبد الله مولى المغيرة بن شعبة، في كعب بن علقمة، عن عبد الرحمن بن حجيرة، عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله ﷺ: \"تطلع عليكم عند الساعة سحابة سوداء من المغرب مثل الترس، فما تزال ترتفع في السماء ثم ينادي مناد فيها: [يا] [¬٣] أيها الناس، فيقبل الناس بعضهم على بعض، هل سمعتم؟ فمنهم من يقول: نعم، ومنهم من يشك، ثم ينادي الثانية: يا أيها الناس، فيقول الناس بعضهم لبعض: هل سمعتم؛ فيقولون: نعم. ثم ينادي الثالثة: [يا] [¬٤] أيها الناس، أتى أمر الله فلا تستعجلوه\". قال رسول الله [ﷺ]: \"فوالذي نفسي بيده، إن الرجلين لينشران الثوب فما يطويانه أبدًا، وإن الرجل ليمدَّن حوضه فما يسقي فيه شيئًا\n_________\n[¬١]- في خ: \"كما قال تعالى\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"بالفرائض\".\n[¬٣]-[¬٤]- سقط من خ.","vol":"8","page":289},{"text":"أبدًا، وإن الرجل ليحلب ناقته فما يشربه أبدًا - قال: ويشتغل الناس [¬١] \" (^١).\nثم إنه تعالى نزه نفسه عن شركهم [¬٢] به غيره، وعبادتهم معه ما سواه من الأوثان والأنداد، تعالى وتقدس علوًّا كبيرًا، وهؤلاء هم المكذبون بالساعة، فقال [¬٣]: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾.\n﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إلا أَنَا فَاتَّقُونِ (٢)﴾\nيقول تعالى: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ﴾ أي: الوحي، كقوله [¬٤]: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَينَا إِلَيكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ \". وقوله: ﴿عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ وهم الأنبياء، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيثُ يَجْعَلُ رِسَالتَهُ [¬٥]﴾، وقال: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾، وقال: ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ (١٥) يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾.\nوقوله: ﴿أَنْ أَنْذِرُوا﴾ أي: لينذروا ﴿أَنَّهُ لَا إِلَهَ إلا أَنَا فَاتَّقُونِ [¬٦]﴾ [] [¬٧] أي: فاتقوا عقوبتي من خالف أمري وعبد غيري.\n﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعَالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٤)﴾\n_________\n(^١) - أخرجه الطبراني (١٧/ ٣٢٥) حديث (٨٩٩)، والحاكم (٤/ ٥٣٩). وذكره السيوطي في الدر المنثور (٤/ ٢٠٥)، وزاد نسبته إلى ابن مردريه. قال الحاكم: حديث صحيح الإسناد على شرط مسلم ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.\nقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ٣٣٤): رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح غير محمد بن عبد الله مولى المغيرة وهو ثقة.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في ز: \"شركتهم\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"قال\".\n[¬٤]- في خ: \"كما قال تعالى\".\n[¬٥]- في ز، خ: \"رسالاته\".\n[¬٦]- في ز، خ: \"فاعبدوني\".\n[¬٧]- في ز، خ: \"وقال في هذه: فاتقون\".","vol":"8","page":290},{"text":"يخبر تعالى عن خلقه العالم العلوي: وهو السموات، والعالم السفلي: وهو الأرض بما حوت، وأن ذلك مخلوق بالحق لا للعبث، بل ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾.\nثم نزه نفسه عن شرك من عبد معه غيره، وهو المستقل بالخلق وحده لا شريك له، فلهذا يستحق أن يعبد وحده لا شريك له.\nثم نبه على خلق جنس الإِنسان من نطفة، أي: مهينة ضعيفة، فلما استقل ودرج إذا هو يخاصم ربه تعالى ويكذبه ويحارب رسله، وهو إنما خلق ليكون عبدًا لا ضدًّا، [كقوله تعالى] [¬١]: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا (٥٤) وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُهُمْ وَلَا يَضُرُّهُمْ وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا﴾، وقوله [¬٢]: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٧٧) وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَال مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾، وفي الحديث الذي رواه الإمام أحمد (^٢) وابن ماجه، عن [بُسر ابن] [¬٣] جحاش قال: بصق رسول الله [ﷺ] في كفه، ثم قال: \"يقول الله تعالى: ابن آدم، أنَّى تعجزني وقد خلقتك من مثل هذه، حتى إذا سويتك فعدلتك، مشيت بين برديك وللأرض منك وئيد، فجمعت ومنعت حتى إذا بلغت الحلقوم، قلت: أتصدق وأنَّى أوان الصدقة؟ \".\n﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٥) وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ (٦) وَتَحْمِلُ أَثْقَالكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إلا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٧)﴾\nيمتن تعالى على عباده بما خلق [] [¬٤] لهم من الأنعام، وهي الإِبل والبقر والغنم، كما\n_________\n(^٢) - أخرجه أحمد (٤/ ٢١٠) رقم (١٧٨٩٦). وابن ماجة في كتاب الوصايا، باب: النهي عن الإمساك في الحياة والتبذير عند الموت (٢٧٠٧) (٢/ ٩٠٣). قال البوصيري في الزوائد: إسناده صحيح. ورواه الطبراني في الكبير (٢/ ٣٢) حديث (١١٩٣)، (١١٩٤). وحسنه الشيخ الألباني في السلسلة الصحيحة (١٠٩٩) وصحيح ابن ماجه (٢/ ١١١) حديث (٢١٨٨).\n_________\n[¬١]- في خ: \"كما قال تعالى\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"وقال\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في خ: \"بشر أن\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين في ز: \"الله\".","vol":"8","page":291},{"text":"فصلها في سورة الأنعام إلى [¬١] ثمانية أزواج، وبما جعل لهم فيها [¬٢] من المصالح والمنافع؛ من أصوافها وأوبارها وأشعارها يلبسون ويفترشون، ومن ألبانها يشربون، ويأكلون من أولادها، وما لهم فيها من الجمال: وهو الزينة، ولهدا قال: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ [¬٣] حِينَ تُرِيحُونَ﴾ وهو وقت [¬٤] رجوعها عشيًّا من المرعى [¬٥]، فإنها تكون أمده خواصر، وأعظمه ضروعًا وأعلاه أسنمة ﴿وَحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ أي: غدوة حين تبعثونها إلى المرعى.\n﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالكُمْ﴾ وهي الأحمال المثقلة التي تعجزون عن نقلها وحمدها ﴿إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إلا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ﴾ وذلك في الحج والعمرة والغزو والتجارة وما جرى مجرى ذلك، تستعملونها في [¬٦] أنواع الاستعمال من ركوب وتحميل، كقوله [¬٧]: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٢١) وَعَلَيهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿اللَّهُ [¬٨] الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعَامَ لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ [¬٩] (٧٩) وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَلِتَبْلُغُوا عَلَيهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ وَعَلَيهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (٨٠) وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَأَيَّ آيَاتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ﴾ ولهذا قال هاهنا بعد تعداد هذه النعم: ﴿إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ أي: ربكم الذي قيض لكم هذه الأنعام وسخرها لكم، كقوله [¬١٠]: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ (٧١) وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ﴾، وقال: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيتُمْ عَلَيهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (١٣) وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ [¬١١]﴾.\nقال ابن عباس: ﴿لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ﴾ أي: ثياب، والمنافع: ما ينتفعون [¬١٢] به من الأطعمة والأشربة.\nوقال عبد الرزاق: أخبرنا [¬١٣] إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس: ﴿دِفْءٌ وَمَنَافِعُ﴾ نسل كل دابة. وقال مجاهد ﴿لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ﴾ أي [¬١٤]: لباس\n_________\n[¬١]- في ز: \"أي\".\n[¬٢]- في ز: \"فيه\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- في ز: \"الرعي\".\n[¬٦]- سقط من: ز، خ.\n[¬٧]- في خ: \"كما قال تعالى\".\n[¬٨]- سقط من: ز.\n[¬٩]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬١٠]- في خ: \"كما قال تعالى\".\n[¬١١]- في خ: \"منقلبون\".\n[¬١٢]- في خ: \"تنتفعون\".\n[¬١٣]- في خ: \"أنبأنا\".\n[¬١٤]- في ز، خ: \"قال\".","vol":"8","page":292},{"text":"ينسج ﴿وَمَنَافِعُ﴾ تركب ولحم ولبن.\nوقال قتادة: ﴿دِفْءٌ وَمَنَافِعُ﴾ يقول: لكم فيها لباس ومنفعة وبلغة. وكذا قال غير واحد من المفسرين بألفاظ متقاربة.\n﴿وَالْخَيلَ وَالْبِغَال وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨)﴾\nهذا صنف آخر مما خلق ﵎ لعباده يمتن به عليهم؛ وهو الخيل والبغال والحمير، التي جعلها للركوب والزينة بها، وذلك أكبر المقاصد منها، ولما فضلها [¬١] على [¬٢] الأنعام وأفردها بالذكر، استدل [¬٣] من استدل [ممن ذهب من العلماء] إلى تحريم لحوم الخيل بذلك على ما ذهب إليه فيها، كالإِمام أبي حنيفة ﵀ ومن وافقه من الفقهاء بأنه [¬٤] تعالى قرنها بالبغال والحمير وهي حرام، كما ثبتت به السنة النبوية وذهب إليه [¬٥] أكثر العلماء.\nوقد روى الإمام أبو جعفر بن جرير (^٣) حدثني يعقوب، حدثنا ابن علية [¬٦]، أنبأنا هشام الدستوائي، حدَّثنا يحيى بن أبي كثير، عن مولى نافع بن علقمة، عن [¬٧] ابن عباس: أنه [¬٨] كان يكره لحوم الخيل والبغال والحمير، وكان يقول: قال الله تعالى: ﴿وَالْأَنْعَامَ\n_________\n(^٣) - أخرجه الطبري (١٤/ ٨٢).\n_________\n[¬١]- في ز: \"فصَلها\".\n[¬٢]- في ت: \"من\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"دل\".\n[¬٤]- في ز: \"لأنه\".\n[¬٥]- سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- في ز، خ: \"عيينة\".\n[¬٧]- في ش، خ: \"أن\".\n[¬٨]- سقط من: ز، خ.","vol":"8","page":293},{"text":"خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ فهذه للأكل ﴿وَالْخَيلَ وَالْبِغَال وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا﴾ فهذه للركوب.\nوكذا روى من طريق سعيد بن جبير وغيره عن ابن عباس بمثله، وقال مثل ذلك الحكم [¬١] بن عتيبة [¬٢] [أيضًا ﵁]، واستأنسوا بحديث رواه الإِمام أحمد في مسنده (^٤).\nحدثنا يزيد بن عبد ربه، حدثنا بقية بن الوليد، حدثنا ثور بن يزيد، عن صالح بن يحيى بن المقدام بن معد يكرب، عن أبيه، عن جده، عن خالد بن الوليد ﵁ قال: نهى رسول الله ﷺ عن أكل لحوم الخيل والبغال والحمير.\nوأخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه: من حديث صالح بن يحيى بن المقدام وفيه كلام به.\nورواه أحمد (^٥) أيضًا من وجه آخر بأبسط من هذا وأدل منه؛ فقال:\nحدثنا أحمد بن عبد الملك، حدثنا محمد بن حرب، حدثنا سليمان بن سليم، عن صالح بن يحيى بن المقدام، عن جده المقدام بن معد يكرب قال: غزونا مع خالد بن الوليد الصائفة، فقرم [¬٣] أصحابنا إلى اللحم، فسألوني رمكة [¬٤] فدفعتها إليهم فحبلوها، فقلت: مكانكم حتى آتي خالدًا فأسأله. فأتيته فسألته، فقال: غزونا مع رسول الله ﷺ غزوة خيبر، فأسرع الناس في حظائر يهود، فأمرني أن أنادي: الصلاة جامعة ولا يدخل الجنة [¬٥] إلا مسلم. ثم قال: \"أيها الناس: إنكم قد أسرعتم في حظائر يهود، ألا لا يحل أموال المعاهدين إلا بحقها، وحرام عليكم لحوم الأَتُن الأهلية وخيلها وبغالها، وكل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير\".\nوالرمكة: هي الحجرة، وقوله: حبلوها أي: أوثقوها في الحبل ليذبحوها، والحظائر: البساتين القريبة من العمران.\nوكأن هذا الصنيع وقع بعد إعطائهم العهد، ومعاملتهم على الشطر، والله أعلم.\nفلو صح هذا الحديث لكان نصًّا في تحريم لحوم [¬٦] الخيل، ولكن لا يقاوم ما ثبت في\n_________\n(^٤) - أخرجه أحمد (٤/ ٨٩) رقم (١٦٨٦٨). وأبو داود في كتاب الأطعمة، باب في أكل لحوم الخيل، حديث (٣٧٩٠) (٣/ ٣٥٢). والنسائي (٧/ ٢٠٢) كتاب الصيد والذبائح، باب: تحريم أكل لحوم الخيل. وابن ماجة في كتاب الذبائح، باب: لحوم البغال، حديث (٣١٩٨) (٢/ ١٠٦٦).\nوصالح بن يحيى بن المقدام: قال في الميزان: عن أبيه عن جده؛ قال البخاري: فيه نظر، وقال موسى بن هارون: لا يعرف. قلت: روى عنه ثور، ويحيى بن جابر، وسليمان. وقد وثق. ا. هـ وهذا الحديث ضعيف ضعفه الأئمة وعلة هذا الحديث أن خالد بن الوليد له يصح أنه شهد مع النبي ﷺ أي مشهد قبل الفتح.\nثم إن الحديث يعارض حديث جابر: أن النبي ﷺ أذن في لحوم الخيل. وهو حديث متفق عليه. وقال أبو داود والنسائي: إن هذا الحديث منسوخ. وضعفه الدراقطني والخطابي. وترجمه البيهقي فقال: باب: بيان ضعف الحديث الذي روي في النهي عن لحوم الخيل. وقال الشوكاني في نيل الأوطار أيضًا: إن خالد بن الوليد لم يسلم إلا بعد خيبر على الصحيح. قال السندي: قيل: اتفق العلماء على أنه حديث ضعيف، ذكره النووي. وذكر بعضهم أنه منسوخ. وقال بعضهم: لو ثبت؛ لا يعارض حديث جرير. سنن ابن ماجه (/ ١٠٦٦). والحديث ضعفه الألباني في ضعاف السنن المذكورة.\n(^٥) - أخرجه أحمد (٤/ ٨٩ - ٩٠) رقم (١٦٨٦٧).\n_________\n[¬١]- في ز: \"الحاكم\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"عيينة\".\n[¬٣]- في ز: \"فقدم\".\n[¬٤]- في ز: \"دمكة\".\n[¬٥]- سقط من: خ.\n[¬٦]- سقط من: ز.","vol":"8","page":294},{"text":"الصحيحين (^٦): عن جابر بن عبد الله قال: نهى رسول الله ﷺ عن لحوم الحمر الأهلية وأذن في لحوم الخيل.\nورواه الإمام [¬١] أحمد (^٧) وأبو داود: بإسنادين كل منهما على شرط مسلم، عن جابر قال: ذبحنا يوم خيبر الخيل والبغال والحمير، فنهانا رسول الله ﷺ عن البغال والحمير، ولم ينهنا [¬٢] عن الخيل.\nوفي صحيح مسلم (^٨): عن أسماء بنت أبي بكر ﵄ قالت: نحرنا على [¬٣] عهد رسول الله ﷺ فرسًا فأكلناه ونحن بالمدينة.\nفهذه أدل وأقوى وأثبت، وإلى ذلك صار جمهور العلماء: مالك والشافعي وأحمد وأصحابهم وأمصر السلف والخلف، والله أعلم.\nوقال عبد الرزاق: أنبأنا ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن ابن عباس قال: كانت الخيل وحشية فذللها الله لإِسماعيل بن إبراهيم ﵉.\nوذكر وهب بن منبه في إسرائيلياته: أن الله خلق الخيل من ريح الجنوب والله أعلم.\nفقد دل النص على جواز [¬٤] ركوب هذه الدواب ومنها البغال، وقد أهديت إلى رسول الله ﷺ بغلة فكان يركبها، مع أنه قد نهى عن إنزاء الحُمر على الخيل؛ لئلا ينقطع النسل.\n_________\n(^٦) - صحيح البخاري في كتاب المغازي، باب: غزوة خيبر، حديث (٤٢١٩) (٧/ ٤٨١)، وطرفاه في (٥٥٢٠ - ٥٥٢٤). ومسلم في كتاب الصيد والذبائح، باب: في أكل لحوم الخيل، حديث (٣٦، ٣٧/ ١٩٤١) (١٣/ ١٤٠، ١٤١).\n(^٧) - المسند (٣/ ٣٥٦) (١٤٨٨٤)، ورواه أبو داود في الأطعمة، باب: أكل لحوم الخيل، حديث ٣٧٨٩ من حديث حماد عن أبي الزبير عن جابر به.\nورواه مسلم في الصيد والذبائح، باب: أكل لحوم الخيل، حديث ٣٧ - (١٩٤١). من حديث ابن جريج أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابرًا فذكره.\nوالنسائي في الصيد والذبائح، باب: إباحة. أكل لحوم حمر الوحش (٧/ ٢٠٥). وفي الصيد والذبائح، باب: إباحة أكل لحوم حمر الوحش من الكبرى (٣/ ١٦١ - ١٦٢). وابن ماجة في الذبائح، باب: لحوم الخيل، حديث ٣١٩١. جميعهم من حديث ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر.\n(^٨) - صحيح مسلم في كتاب الصيد والذبائح، حديث (٣٨/ ١٩٤٢) (١٣/ ١٤٢).\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- في خ: \"ينهانا\". وهو خطأ.\n[¬٣]- في ز، خ: \"في\".\n[¬٤]- سقط من: خ.","vol":"8","page":295},{"text":"قال الإمام أحمد (^٩): حدثني محمَّد بن عبيد، حدثنا عمر من آل حذيفة، عن الشعبي، عن دحية الكلبي قال: قلت: يا رسول الله، ألا أحمل لك حمارًا على فرس فتنتج لك بغلا فتركبها؟ قال: \"إنما يفعل ذلك الذين لا يعلمون\".\n﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (٩)﴾\nلما ذكر تعالى من الحيوانات ما يسار عليه في السبل الحسية نبه على الطرق المعنوية الدينية، وكثيرًا ما يقع في القرآن العبور من الأمور الحسية إلى الأمور المعنوية النافعة الدينية، كقوله [¬١] تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾، وقال تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيرٌ﴾.\nولما ذكر تعالى في هذه السورة الحيوانات من الأنعام وغيرها، التي يركبونها ويبلغون عليها حاجة في صدورهم، وتحمل أثقالهم إلى البلاد والأماكن البعيدة والأسفار الشاقة، شرع في ذكر الطرق التي يسلكها الناس إليه، فبين أن الحق منها [ما هي] [¬٢] موصلة إليه، فقال: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾، كقوله [¬٣]: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾، وقال: ﴿قَال [¬٤] هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ﴾.\nقال مجاهد [في قوله] [¬٥]: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ قال: [طريق الحق على الله.\nوقال السدي: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾] [¬٦] قال: الإِسلام.\n_________\n(^٩) - المسند (٤/ ٣١١) رقم (١٨٨٤٧)، وهو منقطع؛ ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٥/ ٢٦٥) وقال: رجال أحمد رجال الصحيح خلا عمر بن حسيل من آل أبي حذيفة وثقه ابن حبان (٧/ ١٧١).\nوعمر بن حسيل: قال ابن أبي حاتم: روى عن الشعبي حديثًا مرسلًا: أن دحية قال: يا رسول الله ألا ننزي الحمار على الفرس … الحديث (٦/ ١٠٣).\nوقال البخاري في التاريخ (٦/ ١٤٧): قال إسحاق: أنا عيسى بن يونس، ثنا عمر بن حسيل، عن سعد بن حذيفة، عن الشعبي … مرسل. والحديث رواه أبو داود في سننه في كتاب الجهاد، باب: في كراهية الحمر تنزى على الخيل (٣/ ٢٧ / ح ٢٥٦٥). من حديث علي بن أبي طالب. والنسائي في سننه في كتاب الخيل، باب: التشديد في حمل الحمير على الخيل (٦/ ٢٢٤). والطحاوي في شرح معاني الآثار (٣/ ٢٧١). والبيهقي (١٠/ ٢٢ - ٢٣) من حديث على رضي الله تعالى عنه.\nوفي الباب عن ابن عباس عند البيهقي (١٠/ ٢٣).\n_________\n[¬١]- في خ: \"كما قال\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في خ: \"كما قال\".\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.","vol":"8","page":296},{"text":"وقال العوفي، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ يقول: و[¬١] على الله البيان. أي: تبيين [¬٢] الهدى والضلال [¬٣].\nوكذا روى علي بن أبي طلحة عنه، وكذا قال قتادة والضحاك، وقول مجاهد ها هنا أقوى من حيث السياق؛ لأنّه تعالى أخبر أن ثم طرقًا تسلك [¬٤] إليه، فليس يصل إليه منها إلا طريق الحق، وهي الطريق التي شرعها ورضيها، وما عداها مسدودة والأعمال فيها مردودة، ولهذا قال تعالى: ﴿وَمِنْهَا جَائِرٌ﴾ أي: خائر مائل زائغ عن الحق.\nقال ابن عباس وغيره: هي الطرق المختلفة، والآراء والأهواء [¬٥] المتفرقة، كاليهودية والنصرانية والمجوسية. وقرأ ابن مسعود: (ومنكم جائر).\nثم أخبر تعالى [¬٦] أن ذلك كله كائن عن قدرته ومشيئته، فقال: ﴿وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾، وقال: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إلا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾.\n﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ (١٠) يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (١١)﴾\nلما ذكر تعالى [¬٧] ما أنعم به عليهم من الأنعام والدواب شرع في ذكر نعمته عليهم في إنزال المطر من السماء: وهو العلو، مما لهم فيه بلغة ومتاع لهم ولأنعامهم، فقال: ﴿لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ﴾ أي: جعله عذبًا زلالًا يسوغ لكم شرابه، ولم يجعله ملحًا أجاجًا.\n﴿وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ أي: وأخرج لكم به [¬٨] شجرًا ترعون فيه أنعامكم. كما قال ابن عباس وعكرمة والضحاك وقتادة وابن زيد في قوله: ﴿فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ أي: ترعون.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في خ: \"يبين\".\n[¬٣]- في ز: \"الضلالة\".\n[¬٤]- في خ: \"سلك\".\n[¬٥]- سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- سقط من: خ.\n[¬٧]- في خ: \"سبحانه\".\n[¬٨]- في خ: \"منه\".","vol":"8","page":297},{"text":"ومنه الإِبل السائمة، والسوم: الشرعي.\nوروى ابن ماجه (^١٠): أن رسول الله صلى الله عليه وسأنهى عن السوم قبل طلوع الشمس.\nوقوله: ﴿يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ أي: يخرجها من الأرض بهذا الماء الواحد، على اختلاف صنوفها وطعومها وألوانها وروائحها وأشكالها، ولهذا قال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ أي: دلالة وحجة على أنه لا إله إلا الله، كما قال تعالى: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ [¬١] مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾.\nثم قال تعالى:\n﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٢) وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (١٣)﴾\nينبه تعالى عباده على آياته العظام، ومننه الجسام، في تسخيره الليل والنهار يتعاقبان، والشمس والقمر يدوران، والنجوم الثوابت والسيارات، في أرجاء السموات نورًا وضياء للمهتدين [¬٢] بها في الظلمات، وكل منها يسير في فلكه الذي جعله الله تعالى فيه، يسير بحركة مقدرة لا يزيد عليها ولا ينقص منها، والجميع تحت قهره وسلطانه وتسخيره وتقدير وتسييره، كقوله [¬٣]: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالمِينَ﴾، ولهذا قال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ\n_________\n(^١٠) - أخرجه ابن ماجه في كتاب التجارات، باب: السوم، حديث (٢٢٠٦) (٢/ ٧٤٤) من حديث علي ﵁ قال البوصيري في الزوائد: \"رواه أبو بكر بن أبي شيبة في مسنده، عن عبيد الله بن موسى، عن الربيع، وسياقه أتم. ورواه أبو يعلى حدثنا محمَّد بن المثنى، حدثنا عبيد الله بن موسى كرواية ابن ماجه سواء. وهذا إسناد ضعيف لضعف نوفل بن عبد الملك والربيع بن حبيب\".\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في ت: \"ليهتدي\".\n[¬٣]- في خ: \"كما قال\".","vol":"8","page":298},{"text":"لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ أي: لدلالات على قدرته تعالى الباهرة وسلطانه العظيم لقوم يعقلون عن الله ويفهمون حججه.\nوقوله: ﴿وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ﴾ لما نبه تعالى [¬١] على معالم السموات نبه على ما خلق في الأرض من الأمور العجيبة، الأشياء المختلفة من الحيوانات والمعادن والنباتات والجمادات [¬٢]، على اختلاف ألوانها وأشكالها، وما فيها من المنافع والخواص ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾ أي الاء الله ونعمه فيشكرونها.\n﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٤) وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥) وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (١٦) أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (١٧) وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨)﴾\nيخبر تعالى عن تسخيره البحر المتلاطم الأمواج، ويمتن على عباده بتذليله لهم، وتيسيرهم [¬٣] للركوب فيه، وجعله السمك والحيتان فيه، وإحلاله لعباده لحمها؛ حيها وميتها، في الحل والإِحرام، وما يخلقه فيه بن اللآلئ والجواهر النفيسة، وتسهيله للعباد استخراجها من قرارها حلية يلبسونها، وتسخيره البحر لحمل [¬٤] السفن التي تمخره، أي: تشقه. وقيل: تمخر الرياح، وكلاهما صحيح، [وقيل: تمخره بجؤجئها] [¬٥]: وهو صدرها المسنم، الذي أرشد العباد إلى صنعتها، وهداهم إلى ذلك إرثًا عن أبيهم نوح ﵇، فإنه أول من ركب السفن، وله كان تعليم صنعتها، ثم أخذها الناس عنه قرنا بعد قرن، وجيلا بعد جيل، يسيرون من قطر إلى قطر، ومن [¬٦] بلد إلى بلد، ومن [¬٧] إقليم إلى إقليم، [لجلب ما هناك إلى هنا، وما هنا إلى هناك] [¬٨]، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلِتَبْتَغُوا\n_________\n[¬١]- في خ: \"سبحانه\".\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في ز:، وتيسرهم\".\n[¬٤]- في ز: \"يحمل\".\n[¬٥]- في ز: \"بجؤجرها\"، خ: \"بموخرها\".\n[¬٦]- سقط من: ز، خ.\n[¬٧]- سقط من: ز، خ.\n[¬٨]- في ز، خ: \"تجلب ما هنا إلى هنالك، وما هنالك إلى هنا\".","vol":"8","page":299},{"text":"مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ أي: نعمه وإحسانه.\nوقد قال الحافظ أبو بكر البزار في مسنده (^١١): وجدت في كتابي عن محمَّد بن معاوية البغدادي، حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن [عمر، عن سهيل] [¬١] بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة [] [¬٢] قال: \"كلم الله [هذا] [¬٣] البحر الغربي، وكلم البحر الشرقي، فقال للبحر الغربي: إني حامل فيك عبادًا من عبادي فكيف أنت صانع فيهم؟ قال: أغرقهم. فقال: بأسك في نواحيك، وأحملهم على يدي، وحرمه الحلية والصيد. وكلم [هذا] [¬٤] البحر الشرقي فقال: إني حامل فيك عبادا من عبادي فما أنت صانع بهم؟ فقال: أحملهم على يدي، وأكون لهم كالوالدة لولدها. فأثابه الحلية والصيد\". ثم قال البزار: لا نعلم من [¬٥] رواه عن سهيل [¬٦] غير عبد الرحمن بن عبد الله ابن عمر [¬٧]، وهو منكر الحديث.\nوقد رواه سهيل [¬٨]، عن النعمان بن أبي عياش، عن عبد الله بن [] [¬٩] عمرو موقوفًا.\nثم ذكر تعالى الأرض وما جعل [¬١٠] فيها من الرواسي الشامخات، والجبال الراسيات، لتقر الأرض ولا تميد -أي: تضطرب- بما عليها من الحيوانات [¬١١]، فلا يهنأ لهم عيش بسبب ذلك، ولهذا قال: ﴿وَالْجِبَال أَرْسَاهَا﴾ وقال عبد الرزاق: أنبأنا معمر، عن قتادة، سمعت الحسن يقول: لما خلقت الأرض كانت تميد، فقالوا [¬١٢]: ما هذه بمقرة على ظهرها أحدًا. فأصبحوا وقد خلقت الجبال، فلم [¬١٣] قدر الملائكة مم خلقت الجبال.\nوقال سعيد: عن قتادة، عن الحسن، عن قيس بن عباد [¬١٤]: أن الله لما خلق الأرض جعلت تمور، فقالت الملائكة: ما هذه بمقرة على ظهرها أحدًا. فأصبحت صبحًا وفيها\n_________\n(^١١) - أخرجه البزار كما في كشف الأستار، كتاب الجهاد، حديث (١٦٦٩) (٢/ ٢٦٥).\nقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٥/ ٢٨٥): رواه البزار وجادةً وفيه عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر العمرى وهو متروك.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"سهل، حدثنا\".\n[¬٢]- في كشف الأستار: رفعه.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٤]- سقط من ت.\n[¬٥]- سقط من: ز.\n[¬٦]- في ز، خ: سهل.\n[¬٧]- في ز، خ: \"عمرو\".\n[¬٨]- في ز، خ: \"سهل\".\n[¬٩]- في ز، خ: \"ابن أبي عمرو\".\n[¬١٠]- في ت: \"ألقي\".\n[¬١١]- في ت: \"الحيوانات\".\n[¬١٢]- في ز: \"فقال\".\n[¬١٣]- في ز، خ: \"لم\".\n[¬١٤]- في ز، خ: \"عبادة\".","vol":"8","page":300},{"text":"رواسيها.\nوقال ابن جرير (^١٢): حدثني المثنى، حدثني حجاج بن منهال، حدثنا حماد، عن عطاء بن السائب، عن عبد الله بن حبيب، عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: لما خلق الله الأرض قمصت [¬١]، وقالت: أي رب، تجعل عليَّ بني آدم يعملون [على] [¬٢] الخطايا ويجعلون [¬٣] عليَّ الخبث؟ قال [¬٤]: فأرسى الله فيها من الجبال ما ترون وما لا ترون، فكان إقرارها كاللحم يترجرج.\nوقوله: ﴿وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا﴾ أي: وجعل فيها أنهارا تجري من [] [¬٥] مكان إلى مكان آخر رزقًا للعباد، ينبع في موضع وهو رزق لأهل موضع آخر، فيقطع البقاع والبراري والقفار، ويخترق الجبال والآكام فيصل إلى البلد الذي سخر لأهله، وهي سائرة في الأرض يمنة ويسرة، وجنوبا وشمالًا، وشرقا وغربا، ما [¬٦] بين صغار وكبار، وأودية تجري حينا وتنقطع في وقت، وما بين نبع وجمع، وقوي السير وبطئه، بحسب ما أراد وقدر وسخر ويسر، فلا إله إلا هو ولا رب سواه.\nوكذلك جعل [¬٧] في الأرض سبلًا، أي: طرفًا يسلك فيها من بلاد إلى بلاد، حتى إنه تعالى ليقطع الجبل حتى يكون ما بينهما ممرًّا [¬٨] ومسلكا، كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا﴾ الآية.\nوقوله: ﴿وَعَلَامَاتٍ﴾ أي: دلائل من جبال كبار وأكام صغار ونحو ذلك، يستدل بها المسافرون برا وبحرا إذا ضلوا الطرق.\nوقوله: ﴿وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ أي: في ظلام الليل، قاله ابن عباس.\nوعن مالك في قوله: ﴿وَعَلَامَاتٍ [وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ]﴾ يقول [¬٩]: النجوم وهي الجبال.\nثم [قال تعالى منبهًا] [¬١٠] على عظمته، و[¬١١] أنه لا تنبغي [¬١٢] العبادة إلا له دون ما سواه\n_________\n(^١٢) - أخرجه الطبري (١٤/ ٩٠).\n_________\n[¬١]- في ز: \"فمضت\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من خ.\n[¬٣]- في خ: \"ويعملون\".\n[¬٤]- في ز: \"قالت\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين في ز: \"كل\".\n[¬٦]- سقط من: ز.\n[¬٧]- سقط من: ز، خ.\n[¬٨]- في ز: \"مرا\".\n[¬٩]- في ز: \"يقولون\".\n[¬١٠]- في خ: \"نبه تعالى\".\n[¬١١]- سقط من: ز.\n[¬١٢]- في ز: \"ينبغي\".","vol":"8","page":301},{"text":"من الأوثان، التي لا تخلق شيئًا بل هم يخلقون، ولهذا قال: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾.\nثم نبههم على كثرة نعمه عليهم وإحسانه إليهم، فقال: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أي: يتجاوز عنكم، ولو طالبكم بشكر جميع نعمه لعجزتم عن القيام بذلك، ولو أمركم به لضعفتم وتركتم، ولو عذبكم لعذبكم وهو غير ظالم لكم، ولكنه غفور رحيم، يغفر الكثير، ويجازي على اليسير.\nوقال ابن جرير: يقول إن الله لغفور لما كان منكم من تقصير في شكر بعض ذلك، إذا تبتم وأنبتم إلى طاعته واتباع مرضاته، رحيم بكم أن يعذبكم بعد الإِنابة والتوبة.\n﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (١٩) وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (٢٠) أَمْوَاتٌ غَيرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٢١)﴾\nيخبر تعالى أنه يعلم الضمائر والسرائر كما يعلم الظواهر، وسيجزي كل عامل بعمله يوم القيامة؛ إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر.\nثم أخبر أن الأصنام التي يدعونها من دون الله لا يخلقون [شيئًا وهم يخلقون] [¬١]، كما قال الخليل: ﴿أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (٩٥) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾.\nوقوله: ﴿أَمْوَاتٌ غَيرُ أَحْيَاءٍ﴾ أي: هي جمادات لا أرواح فيها، فلا تسمع ولا تبصر ولا تعقل.\n﴿وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ أي: لا يدرون متى تكون الساعة، فكيف [¬٢] يرتجى عند هذه نفع أو ثواب [¬٣] أو جزاء؟ إنما يرتجى ذلك من الذي يعلم كل شيء وهو خالق كل شيء.\n﴿إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (٢٢) لَا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ (٢٣)﴾\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في ز، خ: \"وكيف\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"صواب\".","vol":"8","page":302},{"text":"يخبر تعالى أنه لا إله إلا هو الواحد الأحد الفرد الصمد، وأخبر أن الكافرين تنكر قلوبهم ذلك، كما أخبر عنهم متعجبين من ذلك ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيءٌ عُجَابٌ﴾.\nوقال تعالى: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾.\nوقوله: ﴿وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾ أي: عن عبادة الله، مع [¬١] إنكار قلوبهم لتوحيده، كما قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾، ولهذا قال ها هنا: ﴿لَا جَرَمَ﴾ أي: حقًّا ﴿أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ أي: وسيجزيهم على ذلك أتم الجزاء ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ﴾.\n﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٢٤) لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ (٢٥)﴾\nيقول تعالى: وإذا قيل لهؤلاء المكذبين ﴿مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا﴾ معرضين عن الجواب ﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ أي: لم ينزل شيئًا، إنما هذا الذي يتلى علينا أساطير الأولين، أي: مأخوذ من كتب المتقدمين، كما قال تعالى: ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ أي: يفترون على الرسول، ويقولون أقوالًا متضادة مختلفة كلها باطلة، كما قال تعالى: ﴿انْظُرْ كَيفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَال فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ وذلك أن كل من خرج عن الحق فمهما قال أخطأ، وكانوا يقولون ساحر وشاعر وكاهن ومجنون، ثم استقر أمرهم إلى ما اختلفه لهم شيخهم الوحيد [المسمى بالوليد] [¬٢] بن المغيرة المخزومي، لما ﴿فَكَّرَ وَقَدَّرَ (١٨) فَقُتِلَ كَيفَ قَدَّرَ (١٩) ثُمَّ قُتِلَ كَيفَ قَدَّرَ (٢٠) ثُمَّ نَظَرَ (٢١) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (٢٢) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (٢٣) فَقَال إِنْ هَذَا إلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ أي: ينقل ويحكى، فتفرقوا عن قوله ورأيه قبحهم الله.\nقال الله تعالى: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيرِ عِلْمٍ﴾ أي: إنما قدرنا عليهم أن يقولوا ذلك، ليتحملوا [¬٣] أوزارهم ومن أوزار الذين يتبعونهم ويوافقونهم، أي: يصير عليهم خطيئة ضلالهم في أنفسهم، وخطيئة إغوائهم\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- في ز، خ: \"ابن الوليد\".\n[¬٣]- في ز: \"فيتحملوا\".","vol":"8","page":303},{"text":"لغيرهم واقتداء أولئك بهم، كما جاء في الحديث: \"من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإِثم مثل آثام من اتبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئًا\" (^١٣).\nوقال تعالى: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾.\nوهكذا روى العوفي، عن ابن عباس في قوله [¬١]: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيرِ عِلْمٍ﴾ أنها كقوله: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾.\nوقال مجاهد: يحملون أثقالهم، ذنوبهم [¬٢] وذنوب من أطاعهم، ولا يخفف عمن أطاعهم من العذاب شيئًا.\n﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيثُ لَا يَشْعُرُونَ (٢٦) ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَينَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ قَال الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ (٢٧)﴾\nقال العوفي: عن ابن عباس في قوله: ﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ قال: هو النمروذ الذي بني الصرح.\nقال ابن أبي حاتم: وروي عن مجاهد نحوه.\nوقال عبد الرزاق: عن معمر، عن زيد بن أسلم: أول جبار كان في الأرض النمروذ، فبعث الله عليه بعوضة، فدخلت [¬٣] في منخره، فمكث أربعمائة سنة يضرب رأسه بالمطارق، وأرحم الناس به من جمع يديه فضرب بهما [¬٤] رأسه، وكان جبارا أربعمائة\n_________\n(^١٣) - أخرجه مسلم في كتاب العلم، باب: من سن سنة حسنة أو سيئة ومن دعاء إلى هدى أو ضلالة، حديث (٢٦٧٤) (١٦/ ٣٤٧) من حديث أبي هريرة ﵁.\n_________\n[¬١]- في ت: \"الآية\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"وذنوبهم\".\n[¬٣]- في ز: \"دخلت\".\n[¬٤]- في ز: \"عنها\".","vol":"8","page":304},{"text":"سنة، فعذبه الله أربعمائة سنة كملكه، ثم أماته الله [¬١] وهو الذي كان بني صرحا [¬٢] إلى السماء، الذي قال الله تعالى: ﴿فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ﴾ (^١٤).\nوقال آخرون: بل هو بختنصر. وذكروا من المكر الذي حكى [¬٣] الله ها هنا كما قال في سورة إبراهيم ﴿وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾.\nوقال آخرون: هذا من باب المثل لإبطال ما صنعه [¬٤] هؤلاء [¬٥] الذين كفروا بالله، وأشركوا في عبادته غيره، كما قال نوح ﵇ ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا﴾ أي: احتالوا في إضلال الناس بكل حيلة، وأمالوهم إلى شركهم بكل وسيلة، كما يقول لهم [¬٦] أتباعهم يوم القيامة: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا﴾ الآية.\nوقوله: ﴿فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ﴾ أي: اجتثه من أصله وأبطل عملهم، وأصلها كقوله [¬٧] تعالى: ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ﴾.\nوقوله: ﴿فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيدِيهِمْ وَأَيدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ﴾.\nوقال الله ها هنا: ﴿فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيثُ لَا يَشْعُرُونَ (٢٦) ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ﴾ أي: يظهر فضائحهم، وما كانت تجنه ضمائرهم، فيجعله علانية، كقوله [¬٨] تعالى: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾ أي: تظهر وتشتهر، كما في الصحيحين (^١٥): عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: \"ينصب لكل غادر لواء يوم القامة عند استه بقدر غدرته [¬٩]، فيقال: هذه غدرة فلان بن فلان\".\n_________\n(^١٤) - أخرجه ابن جرير (١٤/ ٩٧).\n(^١٥) - أخرجه البخاري في كتاب الجزية والموادعة، باب: إثم الغادر للبر والفاجر، حديث (٣١٨٨) (٦/ ٢٨٣) وأطرافه في (٦١٧٧ - ٦١٧٨ - ٦٩٦٦ - ٧١١١). ومسلم في كتاب الجهاد والسير، باب: تحريم الغدر، حديث (١٧٣٧).\n_________\n[¬١]- سقط من: ت.\n[¬٢]- في خ: \"الصرح\".\n[¬٣]- في خ: \"حكاه\".\n[¬٤]- في ز: \"صنفه\".\n[¬٥]- سقط من: خ.\n[¬٦]- سقط من: ز، خ.\n[¬٧]- في خ: \"كما قال\".\n[¬٨]- في خ: \"كما قال\".\n[¬٩]- في ز: \"عورته\".","vol":"8","page":305},{"text":"وهكذا هؤلاء يظهر للناس ما كانوا يسرونه من المكر، ويخزيهم الله على رءوس الخلائق، ويقول لهم الرب ﵎ مقرعًا لهم وموبخًا: ﴿أَينَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ﴾ تحاربون وتعادون في سبيلهم، [] [¬١] أين هم عن نصركم وخلاصكم ها هنا؟ ﴿هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ﴾، ﴿فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ﴾ فإذا توجهت عليهم الحجة، وقامت عليهم الدلالة، وحقت عليهم الكلمة، وأسكتوا عن الاعتذار حين لا فرار ﴿قَال الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ وهم السادة في الدنيا والآخرة، والمخبرون عن الحق في الدنيا والآخرة، فيقولون حينئذ: ﴿إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ أي: الفضيحة والعذاب محيط [¬٢] اليوم بمن كفر بالله، وأشرك به ما لا يضره وما لا ينفعه.\n﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٨) فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (٢٩)﴾ يخبر تعالى عن حال المشركين الظالمي أنفسهم عند احتضارهم، ومجيء الملائكة إليهم لقبض أرواحهم الخبيثة [¬٣] ﴿فَأَلْقَوُا السَّلَمَ﴾ أي: أظهروا السمع والطاعة والانقياد قائلين: ﴿مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ﴾ كما يقولون يوم المعاد: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾، ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ﴾\nقال الله مكذبًا لهم في قيلهم ذلك: ﴿بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٨) فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ أي: بئس المقيل والمقام والمكان من دار هوان، لمن [¬٤] كان متكبرًا عن آيات الله واتباع رسله.\nوهم يدخلون جهنم من يوم مماتهم بأرواحهم، ويأتى [¬٥] أجسادهم في قبورها من حرها وسمومها، فإذا كان يوم القيامة سلكت أرواحهم في آجسادهم، وخلدت في نار جهنم ﴿لَا يُقْضَى عَلَيهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا﴾ كما قال الله تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾.\n﴿وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيرًا لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ\n_________\n[¬١] ما بين المعكوفتين في ز: \"أي\".\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- في ز: \"كمن\".\n[¬٥]- في ت: \"وينال\".","vol":"8","page":306},{"text":"الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ (٣٠) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ (٣١) الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٣٢)﴾\nهذا خبر عن السعداء بخلاف [ما أخبر] [¬١] به عن الأشقياء، فإن أولئك قيل لهم ﴿مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ﴾ فقالوا [¬٢] معرضين عن الجواب: لم ينزل شيئًا إنما هذا أساطير الأولين، وهؤلاء ﴿قَالُوا خَيرًا﴾ أي: أنزل خيرًا، أي: رحمة وبركة وحسنًا لمن اتبعه وآمن به.\nثم أخبروا عما وعد الله عباده فيما أنزله على رسله، فقال [¬٣]: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيرٌ﴾ الآية، كقوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أي: مَن أحسن عمله في الدنيا أحسن الله إليه في [الدنيا والآخرة].\nثم أخبروا بأن دار الآخرة خير، أي: من الحياة الدنيا والجزاء فيها أتم من الجزاء في الدنيا، كقوله [¬٤]: ﴿وَقَال [¬٥] الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيرٌ﴾ الآية، وقال تعالى: ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيرٌ لِلْأَبْرَارِ﴾، وقال تعالى: ﴿وَالْآخِرَةُ خَيرٌ وَأَبْقَى﴾، وقال لرسوله ﷺ ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى﴾.\nثم وصف [¬٦] الدار الآخرة فقال [¬٧]. ﴿وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ﴾.\nوقوله: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ بدل من قوله [¬٨]: ﴿دَارُ الْمُتَّقِينَ﴾، أي: لهم في الآخرة جنات عدن، أي: مقامة [¬٩] يدخلونها ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ أي: بين أشجارها\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٢]- في خ: \"قالوا\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"فقالوا\".\n[¬٤]- في خ: \"كما قال\".\n[¬٥]- سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- في خ: \"وصفوا\".\n[¬٧]- في ز، خ: \"فقالوا\".\n[¬٨]- سقط من: ت.\n[¬٩]- في ت: \"مقام\".","vol":"8","page":307},{"text":"وقصورها ﴿لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ﴾، كقوله [¬١] تعالى: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ [¬٢] الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ وفي الحديث: \"إن السحابة لتمر بالملأ من أهل الجنة، وهم جلوس على شرابهم، فلا يشتهي أحد منهم شيئًا إلا أمطرته عليهم، حتى أن منهم لمن يقول أمطرينا كواعب أترابًا فيكون ذلك\". ﴿كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ﴾ أي: كذلك يجزي الله كل من آمن به واتقاه وأحسن عمله.\nثم أخبر تعالى عن حالهم [¬٣] عند الاحتضار أنهم [¬٤] طيبون [¬٥] أي: مخلصون من الشرك والدنس وكل سوء، وأن [¬٦] الملائكة تسلم عليهم وتبشرهم [¬٧] بالجنة، كقوله [¬٨] تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾.\nوقد قدمنا الأحاديث الواردة في قبض روح المؤمن وروح الكافر عند قوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾.\nهَلْ يَنْظُرُونَ إلا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ\nوَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٣٣) فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٣٤)﴾\nيقول تعالى متهددًا للمشركين على تماديهم في الباطل واغترارهم بالدنيا: هل ينتظر هؤلاء إلا الملائكة أن تأتيهم لقبض أرواحهم، قاله قتادة.\n﴿أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾ أي: يوم القيامة وما يعاينونه [¬٩] من الأهوال.\nوقوله: ﴿كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أي: هكذا تمادى في شركهم أسلافهم ونظراؤهم وأشباههم من المشركين حتى ذاقوا بأس الله، وحلوا فيما هم فيه من العذاب\n_________\n[¬١]- في خ: \"كما قال\".\n[¬٢]- في ز: \"تشتهي\".\n[¬٣]- في ز: \"مآلهم\".\n[¬٤]- في ز: \"وهم\".\n[¬٥]- سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- في ز: \"بأن\".\n[¬٧]- في ز، خ: \"ويبشرونهم\".\n[¬٨]- في خ: \"كما قال\".\n[¬٩]- في ز: \"يعاينوه\".","vol":"8","page":308},{"text":"والنكال ﴿وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ﴾ لأنه تعالى أعذر إليهم، وأقام حججه عليهم؛ بإرسال رسله، وإنزال كتبه ﴿وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ أي: بمخالفة الرسل والتكذيب بما جاءوا به، فلهذا أصابتهم عقوبة الله على ذلك ﴿وَحَاقَ بِهِمْ﴾ أي: أحاط بهم من العذاب الأليم ﴿مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ أي: يسخرون من الرسل إذا توعدوهم بعقاب الله، فلهذا يقال لهم يوم القيامة: ﴿هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾.\nوَقَال الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إلا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (٣٥) وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيهِ الضَّلَالةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٣٦) إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٣٧)\nيخبر تعالى عن اغترار [¬١] المشركين بما هم فيه من الشرك [¬٢]، واعتذارهم محتجين بالقدر [في قولهم] [¬٣]: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيءٍ﴾ أي: من البحائر والسوائب والوصائل، وغير ذلك مما [¬٤] كانوا ابتدعوه واخترعوه من تلقاء أنفسهم، مما [¬٥] لم ينزل الله [¬٦] به سلطانًا.\nومضمون كلامهم: أنه لو كان تعالى كارهًا لما فعلنا لأنكره علينا بالعقوبة، ولما مكَّنَّا منه، قال الله تعالى رادًّا عليهم شبهتهم [¬٧]: ﴿فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إلا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ أي: ليس الأمر كما تزعمون: أنه لم يعيره [¬٨] عليكم [ولم ينكره عليكم] [¬٩]، بل قد أنكره عليكم أشد الإنكار، ونهاكم عنه آكد النهي، وبعث في كل أمة رسولًا -أي: في كل قرن [وطائفة من الناس]- رسولًا، وكلهم يدعو إلى عبادة الله، وينهى عن عبادة ما\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في خ: \"الإشراك\".\n[¬٣]- في خ: \"بقولهم\".\n[¬٤]- في ز: \"بما\".\n[¬٥]- في خ: \"ما\".\n[¬٦]- زيادة من: خ.\n[¬٧]- في ز: \"شبههم\".\n[¬٨]- في ز: \"يغير\".\n[¬٩]- ما بين المعكوفتين في ز: \"ولا يكره\".","vol":"8","page":309},{"text":"سواه ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ فلم يزل تعالى يرسل إلى الناس الرسل بذلك، منذ حدث الشرك في بني آدم، في قوم نوح، الذين أرسل إليهم نوح، وكان أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض، إلى أن ختمهم بمحمد ﷺ، الذي طبقت دعوته الإنس والجن في المشارق والمغارب، وكلهم كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إلا نُوحِي [¬١] إِلَيهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إلا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾، وقال تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ فكيف يسوغ لأحد من المشركين بعد هذا أن يقول: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيءٍ﴾ فمشيئته تعالى الشرعية عنهم منتفية [¬٢]؛ لأنه نهاهم عن ذلك على ألسنة رسله، وأما مشيئته الكونية: وهي تمكينهم من ذلك قدرًا فلا حجة لهم فيها [¬٣]؛ لأنه تعالى خلق النار وأهلها من الشياطين والكفرة، وهو لا يرضى لعباده الكفر، وله في ذلك حجة بالغة وحكمة قاطعة.\nثم إنه تعالى قد أخبر أنه عيّر عليهم وأنكر عليهم بالعقوبة في الدنيا بعد إنذار الرسل، فلهذا قال: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيهِ الضَّلَالةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ أي: اسألوا عما كان من أمر من خالف الرسل وكذب الحق: كيف دمر الله عليهم وللكافرين أمثالها، فقال [¬٤]: ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَكَيفَ كَانَ نَكِيرِ﴾.\nثم أخبر الله [¬٥] تعالى رسوله [ﷺ]: أن حرصه على هدايتهم لا ينفعهم إذا كان الله قد أراد إضلالهم [¬٦]، [كقوله تعالى] [¬٧]: ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ [] [¬٨] شَيئًا﴾، وقال نوح لقومه: ﴿وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْويَكُمْ﴾، وقال في هذه الآية الكريمة: ﴿إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ﴾، كما قال الله تعالى: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾.\nوقوله [¬٩]: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ﴾ أي: شأنه وأمره أنه ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن،\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"يوحى\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"منفية\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"فيه\".\n[¬٤]- سقط من: ز.\n[¬٥]- سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- في ز: \"ضلالهم\".\n[¬٧]- في خ: \"كما قال الله\".\n[¬٨]- في خ: \"من\".\n[¬٩]- في ز، خ: \"فقوله\".","vol":"8","page":310},{"text":"فلهذا قال: ﴿لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ﴾ أي: من أضله، فمن الذي يهديه من بعد الله؟ أي: لا أحد ﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ أي: ينقذونهم [¬١] من عذابه ووثاقه ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالمِينَ﴾.\n﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيهِ حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٨) لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ (٣٩) إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٠)﴾\nيقول تعالى مخبرًا عن المشركين: أنهم حلفوا فأقسموا بالله جهد أيمانهم، أي: اجتهدوا في الحلف وغلظوا الأيمان: على أنه لا يبعث الله من يموت، أي: استبعدوا ذلك، فكذبوا الرسل في إخبارهم لهم بذلك، وحلفوا بذلك [¬٢] على نقيضه، فقال تعالى مكذبًا لهم ورادًا عليهم: ﴿بَلَى﴾ أي: بلى سيكون ذلك ﴿وَعْدًا عَلَيهِ حَقًّا﴾ أي: لا بد منه ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أي: فلجهلهم يخالفون الرسل ويقعون في الكفر.\nثم ذكر تعالى حكمته في المعاد، وقيام الأجساد يوم التناد، فقال: ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمُ﴾ أي: للناس [] [¬٣] ﴿الَّذِي [¬٤] يَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾ أي: من كل شيء ﴿لِيَجْزِيَ [¬٥] الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾، ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ﴾ أي: في أيمانهم وأقسامهم: لا يبعث الله من يموت، ولهذا يدعون يوم القيامة إلى نار جهنم دعًّا، وتقول [¬٦]، لهم الزبانية: ﴿هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (١٤) أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ (١٥) اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.\nثم أخبر تعالى عن قدرته على ما يشاء، وأنه لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، وإنما أمره إذا أراد شيئًا أن يقول له كن فيكون، [والمعاد من ذلك، إذا أراد كونه فإنما يأمر به مرة واحدة، فيكون] [¬٧] كما يشاء، كقوله [¬٨]: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إلا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"ينقذهم\".\n[¬٢]- زيادة من: خ.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في ز: \"أي\".\n[¬٤]- سقط من: ز.\n[¬٥]- في خ: \"ويجزي\".\n[¬٦]- في خ: \"ويقول\".\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٨]- في خ: \"كما قال\".","vol":"8","page":311},{"text":"بِالْبَصَرِ﴾، وقال: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إلا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾، وقال في هذه الآية الكريمة: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ أي: أن نأمر [¬١] به مرة [¬٢] واحدة فإذا هو كائن، كما قال الشاعر:\nإذا ما أراد الله أمرًا فإنما … يقول له كن قولة فيكون\nأي: أنه تعالى لا يحتاج إلى تأكيد فيما يأمر به، فإنه تعالى لا يمانع ولا يخالف؛ لأنه الواحد القهار العظيم، الذي قهر سلطانه وجبروته وعزته كل شيء، فلا إله إلا هو ولا رب سواه.\nو[¬٣] قال ابن أبي حاتم: [ذكر الحسن] [¬٤] بن محمد بني الصباح، حدثنا حجاج، عن ابن جريج، أخبرني عطاء، أنه سمع أبا هريرة يقول: قال الله تعالى: سبني [¬٥] ابن آدم ولم يكن ينبغي له أن يسبني، وكذبني [ابن آدم] [¬٦] ولم يكن ينبغي له ذلك [¬٧]؛ فأما تكذيبه إياي فقال: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ﴾ قال: و[¬٨] قلت ﴿بَلَى وَعْدًا عَلَيهِ حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾، وأما سبه إياي فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ وقلت: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ (^١٦).\nهكذا ذكره موقوفًا، وهو في الصحيحين (^١٧) مرفوعًا بلفظ آخر.\n﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٤١) الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٤٢)﴾\n_________\n(^١٦) - أخرجه الطبري (١٠٥/ ١٤)، وعزاه السيوطي أيضًا في الدر المنثور (٤/ ٢٢) إلى ابن المنذر.\n(^١٧) - أخرجه البخاري في كتاب بدء الخلق، باب: ما جاء في قول الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيهِ﴾ حديث (٣١٩٣) (٦/ ٢٨٧) وطرفاه في (٤٩٧٤ - ٤٩٧٥). من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: قال الله تعالى: \"يشتمني ابن آدم، وما ينبغي له أن يشتمني، ويكذبني وما ينبغي له، أما شتمه فقوله: إن لي ولدًا، وأما تكذبيه فقوله: ليس يعيدني كما بدأني\".\n_________\n[¬١]- في ز: \"يأمر\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"دفعة\".\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- في ز، خ: \"ذكره الحسين\".\n[¬٥]- في ز: \"شتمني\".\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٧]- في ز، خ: \"أن يكذبني\".\n[¬٨]- سقط من: ز.","vol":"8","page":312},{"text":"يخبر تعالى عن جزائه للمهاجرين في سبيله ابتغاء مرضاته، الذين فارقوا الدار والإِخوان والخلان رجاء ثواب الله وجزائه.\nويحتمل أن يكون سبب [نزول هذه الآية الكريمة] [¬١] في مهاجرة الحبشة، الذين اشتد أذى قومهم لهم بمكة، حتى خرجوا من بين أظهرهم إلى بلاد الحبشة؛ ليتمكنوا من عبادة ربهم، ومن أشرافهم: عثمان بن عفان ومعه زوجته رقية بنت رسول الله ﷺ، وجعفر بن أبي طالب ابن عم الرسول، وأبو سلمة بن عبد الأسد، في جماعة قريب من ثمانين ما بين رجل وامرأة صدّيق وصدّيقة ﵃ وأرضاهم، وقد فعل فوعدهم تعالى بالمجازاة الحسنة في الدنيا والآخرة، فقال: ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ قال ابن عباس والشعبي وقتادة: المدينة. وقيل: الرزق الطيب. قاله مجاهد.\nولا منافاة بين القولين؛ فإنهم تركوا مساكنهم وأموالهم فعوضهم الله خيرًا منها [¬٢] في الدنيا، فإن من ترك شيئًا لله عوضه الله بما هو خير له منه، و[¬٣] كذلك وقع، فإنهم مكن الله لهم في البلاد، وحكمهم على رقاب العباد، فصاروا أمراء حكامًا، وكل منهم للمتقين إمامًا، وأخبر أن ثوابه للمهاجرين في الدار الآخرة أعظم مما أعطاهم في الدنيا، فقال: ﴿وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ﴾ أي: مما أعطناهم في الدنيا ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ أي لو كان المتخلفون عن الهجرة معهم يعلمون ما ادخر [¬٤] الله لمن أطاعه واتبع رسوله، ولهذا قال هشيم: عن العوام، عمن حدثه: أن عمر بن الخطاب ﵁ كان إذا أعطى الرجل من المهاجرين عطاءه يقول خذ بارك الله لك فيه، هذا ما وعدك الله في الدنيا، وما ادخر [¬٥] لك في الآخرة أفضل، ثم قرأ [¬٦]، هذه الآية: ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾.\nثم وصفهم تعالى فقال: ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ أي: صبروا على أقل من آذاهم من قومهم، متوكلين على الله الذي أحسن لهم العاقبة في الدنيا والآخرة.\n﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إلا رِجَالًا نُوحِي إِلَيهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٤٣) بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٤٤)﴾\n_________\n[¬١]- في ت: \"نزولها\".\n[¬٢]- في ز: \"منه\".\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- في ز: \"يقرأ\".\n[¬٥]- في ز: \"دَخر\".\n[¬٦]- في ز: \"يقرأ\".","vol":"8","page":313},{"text":"قال الضحاك: عن ابن عباس: لما بعث الله محمدًا ﷺ رسولًا أنكرت [¬١] العرب ذلك -أو من أنكر منهم- وقالوا: الله أعظم من أن يكون رسوله بشرًا، فأنزل الله ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَينَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ﴾ الآية [¬٢]، وقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إلا رِجَالًا نُوحِي [¬٣] إِلَيهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ يعني أهل الكتب الماضية: أبشرًا كانت الرسل إليهم أم ملائكة؟ فإن كانوا ملائكة أنكرتم، وإن كانوا بشرًا فلا تنكروا أن يكون محمد [¬٤] ﷺ رسولًا. قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إلا رِجَالًا نُوحِي [¬٥] إِلَيهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ ليسوا من أهل السماء كما قلتم.\nوكذا [¬٦] روي عن مجاهد عن ابن عباس: أن المراد بأهل الذكر أهل الكتاب، وقاله مجاهد والأعمش.\nوقول عبد الرحمن بن زيد: الذكر القرآن، واستشهد [¬٧] بقوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ - صحيح، لكن ليس هو المراد هاهنا؛ لأن المخالف لا يرجع في إثباته بعد إنكاره إليه.\nوكذا قول أبي جعفر الباقر: نحن أهل الذكر، ومراده أن هذه الأمة أهل الذكر- صحيح، فإن هذه الأمة أعلم من جميع الأمم السالفة، وعلماء أهل بيت [رسول الله] [¬٨] ﵈ والرحمة من خير العلماء إذا كانوا على السنة المستقيمة؛ كعلي، وابن عباس، وابني علي: الحسن والحسين، ومحمد بن الحنفية، وعلي بن الحسين زين العابدين، وعلي بن عبد الله بن عباس، وأبي جعفر الباقر: وهو محمد بن علي بن الحسين، وجعفر ابنه، وأمثالهم وأضرابهم وأشكالهم، ممن هو متمسك بحبل الله المتين، وصراطه المستقيم، وعرف لكل ذي حق حقه، ونزل كلًّا المنزل الذي أعطاه الله ورسوله، [واجتمعت عليه] [¬٩] قلوب عباده المؤمنين، والغرض: أن هذه الآية الكريمة أخبرت بأن [¬١٠] الرسل الماضين قبل [¬١١] محمد ﷺ كانوا بشرًا كما هو بشر، كما قال تعالى: ﴿[قُلْ سُبْحَانَ\n_________\n[¬١]- في ت: \"أنكر\".\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في ز: \"يوحى\".\n[¬٤]- في ز: \"محمدًا\".\n[¬٥]- في ز، خ: \"يوحى\".\n[¬٦]- في ز: \"هكذا\".\n[¬٧]- في ز، خ: \"واستشهدوا\".\n[¬٨]- ما بين المعكوفتين في ز: \"الرسول\".\n[¬٩]- ما بين المعكوفتين في ز: \"واجتمع إليه\".\n[¬١٠]- في ز: \"أن\".\n[¬١١]- في ز، خ: \"قبيل\".","vol":"8","page":314},{"text":"رَبِّي هَلْ كُنْتُ إلا بَشَرًا رَسُولًا] [¬١] (٩٣) وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى] [¬٢] إلا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا﴾، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إلا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ﴾ وقال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ﴾ وقال: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا﴾، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ﴾.\nثم أرشد الله تعالى من شك في كون الرسل كانوا بشرًا: [إلى سؤال] [¬٣] أصحاب الكتب المتقدمة، عن الأنبياء الذين سلفوا هل كان أنبياؤهم بشرًا أو ملائكة؟.\nثم ذكر تعالى أنه أرسلهم ﴿بِالْبَيِّنَاتِ [] [¬٤]﴾ أي: [بالحجج والدلائل] ﴿وَالزُّبُرِ﴾ وهي الكتب، قاله ابن عباس ومجاهد والضحاك وغيرهم، والزبر: جمع زبور، تقول العرب: زبرت الكتاب إذا كتبته، وقال تعالى: ﴿وَكُلُّ شَيءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ﴾، وقال: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾.\nثم قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيكَ الذِّكْرَ﴾ يعني: القرآن ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيهِمْ﴾ أي [¬٥]: من ربهم؛ لعلمك [] [¬٦] بمعنى ما أنزل الله [¬٧] عليك، وحرصك عليه، واتباعك له، لعلمنا بأنك أفضل الخلائق وسيد ولد آدم، فتفصل لهم ما أجمل، وتبين لهم ما أشكل ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ أي: ينظرون لأنفسهم فيهتدون، فيفوزون [¬٨] بالنجاة في الدارين.\n﴿أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيثُ لَا يَشْعُرُونَ (٤٥) أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ (٤٦) أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٤٧)﴾\nيخبر تعالى عن حلمه [¬٩] وإنظاره العصاة: الذين يعملون السيئات، ويدعون إليها، ويمكرون بالناس [¬١٠] في دعائهم إياهم، وحملهم عليها، مع قدرته على أن يخسف بهم\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- سقط من ز، خ.\n[¬٣]- في ز، خ: \"أن سألوا\".\n[¬٤]- في ز، خ: \"والزبر\".\n[¬٥]- سقط من: ز، خ ومكانها فيهما بعد كلمة \"من ربهم\".\n[¬٦]- في ز: \"عما\".\n[¬٧]- سقط من: خ.\n[¬٨]- في ز، خ: \"فيفوزوا\"\n[¬٩]- في ز، خ: \"حكمه\".\n[¬١٠]- في ز، خ: \"الناس\".","vol":"8","page":315},{"text":"الأرض ﴿أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيثُ﴾ أي: من حيث لا يعلمون مجيئه إليهم كقوله [¬١] تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ (١٦) أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيفَ نَذِيرِ﴾. وقوله: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ﴾ أي: في تقلبهم في المعايش، واشتغالهم بها من أسفار ونحوها من الأشغال الملهية.\nقال قتادة والسدي: ﴿تَقَلُّبِهِمْ﴾ أي: أسفارهم.\nوقال مجاهد والضحاك وقتادة [¬٢]: ﴿فِي تَقَلُّبِهِمْ﴾ في الليل والنهار. كقوله [¬٣]: ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ (٩٧) أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾.\nوقوله: ﴿فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ أي: لا يعجزون الله على أي حال كانوا عليه.\nوقوله: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ﴾ أي: أو يأخذهم الله في حال خوفهم من أخذه لهم، فإنه يكون أبلغ وأشد [] [¬٤]، فإن حصول ما يتوقع مع الخوف شديد، ولهذا قال العوفي، عن ابن عباس: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ﴾ يقول: إن [شئت أخذته على أثر موت صاحبه وتخوفه بذلك. وكذا روي عن] [¬٥] مجاهد والضحاك وقتادة وغيرهم.\nثم قال تعالى: ﴿فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ أي: حيث لم يعاجلكم بالعقوبة، كما ثبت في الصحيحين (^١٨). وفيهما [¬٦]: \"إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته\". ثم قرأ رسول الله ﷺ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (١٠٢)﴾ [هود: ١٠٢].\nوقال تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾.\nأَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ (٤٨) وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ\n_________\n(^١٨) - أخرجه البخاري في كتاب التفسير، باب: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ حديث (٤٦٨٦) (٨/ ٣٥٨). ومسلم في كتاب البر والصلة والآداب، باب: تحريم الظلم، حديث (٦١/ ٢٥٨٣) (١٦/ ٢٠٥ - ٢٠٦).\n_________\n[¬١]- في خ: \"كما قال\".\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في خ: \"كما قال تعالى\".\n[¬٤]- في ز، خ: [حالة الأخذ].\n[¬٥]- سقط من: ز، خ\n[¬٦]- سقط من: ز.","vol":"8","page":316},{"text":"وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٤٩) يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٥٠).\nيخبر تعالى عن عظمته وجلاله وكبريائه، الذي خضع له كل شيء، ودانت له الأشياء والمخلوقات بأسرها؛ جماداتها [¬١] وحيواناتها ومكلفوها؛ من الإنس والجن والملائكة، فأخبر أن كل ما له ظل يتفيأ ذات اليمين وذات الشمال، أي: بكرةً وعشيًّا فإنه ساجد بظله لله تعالى.\nقال مجاهد: إذا زالت الشمس سجد كل شيء لله [﷿] [¬٢]. وكذا قال قتادة والضحاك وغيرهم.\nوقوله: ﴿وَهُمْ دَاخِرُونَ﴾ أي: صاغرون.\nقال مجاهد أيضًا: سجود كل شيء فيه. وذكر الجبال قال: سجودها فيها.\nوقال أبو غالب الشيباني: في [¬٣] أمواج البحر صلاته.\nونزلهم منزلة من يعقل إذ أسند السجود إليهم.\nفقال [¬٤]: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ﴾ كما قال: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ [¬٥] طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾. وقوله: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ [وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ] [¬٦]﴾ أي: تسجد لله، أي: غير مستكبرين عن عبادته ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ أي: يسجدون خائفين وجلين من الرب ﷻ ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ أي: مثابرين على طاعته تعالى، وامتثال أوامره، وترك زواجره.\n*وَقَال اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَينِ اثْنَينِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (٥١) وَلَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا أَفَغَيرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ (٥٢) وَمَا بِكُمْ مِنْ\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"جمادها\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في خ: \"تعالى\".\n[¬٣]- سقط من: خ.\n[¬٤]- في خ: \"ثم قال\".\n[¬٥]- في ز، خ: \"ومن في الأرض\".\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"8","page":317},{"text":"نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيهِ تَجْأَرُونَ (٥٣) ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (٥٤) لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَينَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٥٥)\nيقرر تعالى أنه لا إله إلا هو، وأنه لا تنبغي العبادة إلا له وحده لا شريك له، فإنه مالك كل شيء وخالفه وربه ﴿وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا﴾ قال ابن عباس ومجاهد وعكرمة وميمون بن مهران والسدي وقتادة وغير واحد: أي: دائمًا.\nوعن ابن عباس أيضًا. واجبًا. وقال مجاهد: خالصًا. أي: له العبادة وحده ممن في السموات والأرض، كقوله: ﴿أَفَغَيرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيهِ يُرْجَعُونَ [¬١]﴾ هذا على قول ابن عباس وعكرمة فيكون من باب الخبر، وأما على [¬٢] قول مجاهد فإنه يكون من باب الطلب [¬٣]، أي: ارهبوا [¬٤] أن تشركوا به شيئًا، وأخلصوا له الطلب، كقوله تعالى: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾.\nثم أخبر أنه مالك النفع والضر، وأن ما بالعباد [¬٥] من [رزق ونعمة] وعافية ونصر فمن فضله عليهم [¬٦]، وإحسانه إليهم [¬٧] ﴿ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيهِ تَجْأَرُونَ﴾ أي: لعلمكم أنه لا يقدر على إزالته إلا هو فإنكم عند الضرورات تلجئون إليه وتسألونه، وتلحون في الرغبة [] [¬٨] مستغيثين به، كقوله [¬٩] تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إلا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا﴾ وقال هاهنا: ﴿ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (٥٤) لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَينَاهُمْ﴾.\nقيل: اللام ها هنا لام العاقبة وقيل: لام التعليل، بمعنى [قيضنا لهم] [¬١٠] ذلك ليكفروا، أي: يستروا ويجحدوا نعم الله عليهم، وأنه المسدي إليهم النعم، الكاشف عنهم النقم.\n_________\n[¬١]- في خ: \"ترجعون\".\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- في ز: \"ارهبون\".\n[¬٥]- في ز: \"بالعبد\".\n[¬٦]- في ز: \"عليه\".\n[¬٧]-في ز: \"إليه\".\n[¬٨]- في ت: إليه.\n[¬٩]- في خ: \"كما قال\".\n[¬١٠]- ما بين المعكوفتين في ز: \"قيضناهم\".","vol":"8","page":318},{"text":"ثم توعدهم قائلًا: ﴿فَتَمَتَّعُوا﴾ أي: اعملوا ما شئتم، وتمتعوا بما أنتم فيه قليلًا ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ أي: عاقبة ذلك.\nوَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ (٥٦) وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ (٥٧) وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (٥٨) يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (٥٩) لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦٠)\nيخبر تعالى عن قبائح المشركين: الذين عبدوا مع الله غيره من الأصنام والأوثان والأنداد، وجعلوا لها [¬١] نصيبًا مما [¬٢] رزقهم الله، فقالوا: ﴿هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ [سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ]﴾ أي: جعلوا لآلهتهم نصيبًا مع الله، وفضلوهم [¬٣] أيضًا على جانبه، فأقسم الله تعالى بنفسه الكريمة، ليسألنهم عن ذلك الذي افتروه وائتفكوه، وليقابلنهم عليه، وليجازينهم [¬٤] أوفر الجزاء في نار جهنم، فقال: ﴿تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ﴾.\nثم أخبر تعالى عنهم: أنهم جعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثًا، وجعلوها بنات الله وعبدوها معه، فأخطأوا خطأ كبيرًا في كل مقام من هذه المقامات الثلاث، فنسبوا إليه تعالى أن له ولدًا ولا ولد له، ثم أعطوه أخس القسمين من الأولاد: وهو البنات، وهم لا يرضونها لأنفسهم، كما قال: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (٢١) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾.\nوقوله ها هنا: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ﴾ أي: فمن قولهم وإفكهم: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ (١٥١) وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١٥٢) أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ (١٥٣) مَا لَكُمْ كَيفَ تَحْكُمُونَ﴾.\nوقوله: ﴿وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ﴾ أي: يختارون لأنفسهم الذكور، ويأنفون لأنفسهم من البنات التي نسبوها إلى الله، تعالى الله عن قولهم علوًّا كبيرًا. فإنه ﴿إِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ\n_________\n[¬١]- في ت: \"للأوثان\".\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- في ز: \"يصلوهم\".\n[¬٤]- في ز: \"يجازينهم\".","vol":"8","page":319},{"text":"بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا﴾ أي: كئيبًا من الهم ﴿وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ ساكت من شدة ما هو فيه من الحزن ﴿يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ﴾ أي: يكره أن يراه الناس ﴿مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ﴾ أي: إن أبقاها أبقاها مهانة لا يورثها ولا يعتني بها، ويفضل أولاده الذكور عليها ﴿أَمْ [¬١] يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ﴾ أي: يئدها، وهو أن يدفنها فيه [¬٢] حية، كما كانوا يصنعون في الجاهلية، أفمن يكرهونه هذه الكراهة ويأنفون لأنفسهم عنه يجعلونه لله؟ ﴿أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ أي: بش ما قالوا، وبئس ما قسموا، وبئس ما نسبوا إليه، كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾، ليقال ها هنا: ﴿لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ﴾ أي: النقص إنما ينسب إليهم ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ أي: الكمال المطلق من كل وجه، وهو منسوب إليه ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.\nوَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (٦١) وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ (٦٢)\nيخبر تعالى عن حلمه بخلقه مع ظلمهم، وأنه لو يؤاخذهم بما كسبوا ما ترك على ظهر الأرض من دابة، أي: لأهلك جميع دواب الأرض تبعًا لإهلاك بني آدم، ولكن الرب ﷻ يحلم ويستر، وينظر.\n﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ أي: لا يعاجلهم بالعقوبة، إذ لو فعل ذلك بهم لما أبقى أحدًا.\nقال سفيان الثوري، عن أبي [¬٣] إسحاق، عن أبي الأحوص أنه قال: كاد الجعل أن يعذب بذنب بني آدم، وقرأ الآية: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيهَا [¬٤] مِنْ دَابَّةٍ﴾. وكذا روى الأعمش، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة قال: قال عبد الله: كاد الجعل أن يهلك في جحره بخطيئة بني آدم.\n_________\n[¬١]- في ز: \"أو\".\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- سقط من خ.\n[¬٤]- في ز، خ: \"على ظهرها\".","vol":"8","page":320},{"text":"وقال ابن جرير (^١٩): حدثني محمد بن المثنى، حدثنا إسماعيل بن حكيم الخزاعي، حدثنا [محمد بن] [¬١] جابر الحنفي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة قال: سمع أبي هريرة رجلًا وهو يقول: إن الظالم لا يضر إلا نفسه، قال: فالتفت إليه فقال: بلى والله حتى إن الحبارى لتموت في وكرها هزالًا [¬٢] بظلم [¬٣] الظالم.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، أنبأنا الوليد بن عبد الملك بن [¬٤] عبيد الله بن مُسرِّح [¬٥]، حدثنا سليمان بن عطاء، عن مسلمة [¬٦] بن عبد الله، عن عمه أبي مشجعة بن ربعي، عن أبي الدرداء ﵁ قال: ذكرنا عند رسول الله ﷺ فقال: \"إن الله لا يؤخر شيئًا إذا جاء [¬٧] أجله، وإنما زيادة العمر بالذرية الصالحة يرزقها الله العبد، فيدعون له من بعده فيلحقه دعاؤهم في قبره، فذلك زيادة العمر\" (^٢٠).\nوقوله: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ﴾ أي: من البنات، ومن الشركاء الذين هم عبيده، وهم يأنفون أن يكون عند أحدهم شريك [¬٨] له في ماله.\nوقوله: ﴿وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى [¬٩]﴾ إنكار عليهم في دعواهم مع ذلك: أن لهم الحسنى في الدنيا، وإن كان ثم معاد ففيه أيضًا لهم الحسنى، و[¬١٠] إخبار عن قيل من قال منهم كقوله [¬١١]: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ (٩) وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ [ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾، وقوله: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ] [¬١٢] هَذَا لِي\n_________\n(^١٩) - أخرجه الطبري (١٤/ ١٢٦).\n(^٢٠) - أخرجه العقيلي في الضعفاء الكبير (٢/ ١٣٤). وابن عدي في الكامل (٣/ ١١٣٤) كلاهما من طريق سليمان بن عطاء عن مسلمة بن عبد الله الجهني عن عمه أبي مشجعة بن ربعي عن أبي الدرداء فذكر نحوه. قال العقيلي: سليمان بن عطاء لا يتابع عليه بهذا اللفظ. وقال: حدثني آدم بن موسى، قال: سمعت البخاري، قال: سليمان بن عطاء سمع مسلمة بن عبد الله، في حديثه بعض المناكير.\nوالحديث ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ١٩٨ - ١٩٩) بنحوه، وقال: رواه الطبراني في الأوسط وفيه سليمان بن عطاء وهو ضعيف.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من خ.\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في خ: \"لظلم\".\n[¬٤]- في ز، خ: \"حدثنا\".\n[¬٥]- في ز: \"مشرح\"، خ: \"شرح\".\n[¬٦]- في ز، خ: \"سلمة\".\n[¬٧]- في ز: \"أجل\".\n[¬٨]- في ز: \"شريكًا\".\n[¬٩]- سقط من: ز، خ.\n[¬١٠]- سقط من: ز.\n[¬١١]- سقط من: ز، خ.\n[¬١٢]- ما بين المعكوفتين سقط من خ.","vol":"8","page":321},{"text":"وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾، وقوله: ﴿أَفَرَأَيتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَال لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا﴾، وقال إخبارًا عن أحد الرجلين إنه ﴿دَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَال مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا (٣٥) وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا﴾ فجمع هؤلاء بين عمل السوء وتمني الباطل بأن يجازوا على ذلك حسنًا، وهذا مستحيل، كما ذكر ابن إسحاق: أنه وجد حجر في أساس الكعبة حين نقضوها ليجددوها مكتوب عليه حكم ومواعظ؛ فمن ذلك: تعملون [¬١] السيئات وتجزون الحسنات؟ أجل كما يجتنى من الشوك العنب.\nوقال مجاهد وقتادة: ﴿وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى﴾ أي: الغلمان.\nوقال ابن جرير: ﴿أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى﴾ أي: يوم القيامة. كما قدمنا بيانه [وهو الصواب ولله الحمد].\nولهذا قال تعالى رادًّا عليهم في تمنيهم ذلك [¬٢]: ﴿لَا جَرَمَ﴾ أي: حقًّا لا بد منه ﴿أَنَّ لَهُمُ النَّارَ﴾ أي: يوم القيامة ﴿وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ﴾.\nقال مجاهد وسعيد بن جبير وقتادة وغيرهم: منسيون فيها مضيعون.\nوهذا كقوله تعالى: [﴿فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا﴾] [¬٣].\nوعن قتادة أيضًا: مفرطون؛ أي: معجلون إلى النار، من الفرط وهو السابق إلى الورد، ولا منافاة؛ لأنهم يعجل بهم يوم القيامة إلى النار وينسون فيها، أي: يخلدون.\nتَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيطَانُ أَعْمَالهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣) وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيكَ الْكِتَابَ إلا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٦٤) وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (٦٥)\n_________\n[¬١]- في خ: \"يعملون\".\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في خ: \"فاليوم ننساكم كما نسيتم لقاء يومكم هذا\".","vol":"8","page":322},{"text":"يذكر تعالى: أنه أرسل إلى الأمم الخالية رسلًا فكذبت الرسل، فلك يا محمد في إخوانك من المرسلين أسوة، فلا يهيدنك تكذيب قومك لك، وأما المشركون الذين كذبوا الرسل، فإنما حملهم على ذلك تزيين الشيطان لهم ما فعلوه ﴿فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ﴾ أي: هم تحت العقوبة والنكال، والشيطان وليهم ولا يملك لهم خلاصًا، ولا صريخ لهم ولهم عذاب أليم.\nثم قال تعالى لرسوله: إنه إنما أنزل عليك [¬١] الكتاب؛ ليبين للناس الذي يختلفون فيه، فالقرآن فاصل بين الناس في كل ما يتنازعون فيه ﴿وَهُدًى﴾ أي: للقلوب [¬٢] ﴿وَرَحْمَةً﴾ أي [¬٣]: لمن تمسك به ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾.\nوكما جعل سبحانه [¬٤] القرآن حياة للقلوب الميتة بكفرها، كذلك يحيى الأرض بعد موتها بما ينزله عليها من السماء من ماء ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ أي: يفهمون الكلام ومعناه.\n﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَينِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ (٦٦) وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٦٧)﴾\nيقول تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ﴾ أيها الناس ﴿فِي الْأَنْعَامِ﴾ وهي الإبل والبقر والغنم ﴿لَعِبْرَةً﴾ أي: لآية ودلالة على [حكمة خالقها وقدرته ورحمته ولطفه ﴿نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ﴾ وأفرد ها هنا عودًا على معنى النعم، أو الضمير عائد على الحيوان، فإن الانعام حيوانات، أي: نسقيكم مما في بطن هذا الحيوان.\nوفي الآية الأخرى ﴿مِمَّا فِي بُطُونِهِا﴾ ويجوز هذا وهذا، كما في قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (١١) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ﴾، وفي قوله تعالى: ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ (٣٥) فَلَمَّا جَاءَ سُلَيمَانَ﴾ أي: المال.\nوقوله: ﴿مِنْ بَينِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا﴾ أي: يتخلص الدم بياضه وطعمه وحلاوته من بين فرث ودم في باطن الحيوان، فيسري كل إلى موطنه إذا نضج الغذاء في معدته،\n_________\n[¬١]- في ز: \"عليه\".\n[¬٢]- في خ: \"القلوب\".\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- في خ: \"تعالى\".","vol":"8","page":323},{"text":"تصرف منه دم إلى العروق، [ولبن إلى الضرع] [¬١]، وبول إلى المثانة، وروث إلى الخرج، وكل منها لا يشوب الآخر، ولا يمازجه بعد انفصاله عنه ولا يتغير به.\nوقوله [¬٢]: ﴿لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ﴾ أي: لا يغص [به أحد].\nولما ذكر اللبن، وأنه تعالى جعله شرابًا للناس سائغًا، ثنى بذكر ما يتخذ [¬٣] الناس من الأشربة من ثمرات النخيل والأعناب، وما كانوا يصنعونه من النبيذ السكر قبل تحريمه، ولهذا امتن به عليهم فقال: ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ [تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا] [¬٤]﴾ دل على إباحته شرعًا قبل تحريمه، ودل على التسوية بين المسكر [¬٥] المتخذ من [النخل والمتخذ من العنب]، كما هو مذهب مالك والشافعي وأحمد وجمهور العلماء، وكذا حكم سائر الأشربة المتخذة من الحنطة والشعير والذرة والعسل، كما جاءت السنة بتفصيل ذلك، وليس هذا موضع بسط ذلك، كما قال ابن عباس في قوله: ﴿سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ قال: السكر ما حرم من ثمرتيهما، والرزق الحسن ما أحل من ثمرتيهما. وفي رواية: السكر حرامه، والرزق الحسن حلاله. يعني: ما يبس منهما من تمر وزبيب، وما عمل منهما من طلاء -وهو الدبس- وخل [¬٦] ونبيذ حلال يشرب قبل أن يشتد، كما وردت السنة بذلك.\n﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ ناسب ذكر العقل ها هنا؛ فإنه أشرف ما في الإنسان، ولهذا حرم الله على هذه الأمة الأشربة السكرة صيانةً لعقولها، قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ (٣٤) لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيدِيهِمْ أَفَلَا يَشْكُرُونَ (٣٥) سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ﴾.\n﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (٦٨) ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٦٩)﴾\nالمراد بالوحي ها هنا [¬٧]: الإِلهام والهداية والإرشاد إلى النحل أن تتخذ من الجبال بيوتًا تأوي\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- في ز، خ: \"يتخذ\".\n[¬٤]- في ز، خ: \"تتخذونه\".\n[¬٥]- في ز: \"السكر\".\n[¬٦]- في ز: \"الخل\".\n[¬٧]- في خ: هنا.","vol":"8","page":324},{"text":"إليها، ومن الشجر ومما يعرشون، ثم هي محكمة في غاية الإِتقان في تسديسها ورصها، بحيث لا يكون بينها خلل.\nثم أذن لها تعالى إذنًا قدريًّا تسخيريًّا أن [¬١] تأكل من كل الثمرات، وأن تسلك الطرق التي جعلها الله تعالى مذللة لها، أي: سهلة عليها حيث شاءت في هذا الجو العظيم، والبراري الشاسعة، والأودية والجبال الشاهقة، ثم تعود كل واحدة منها [¬٢] إلى [موضعها و] [¬٣] بيتها، لا تحيد عنه يمنة ولا يسرة، بل إلى بيتها وما لها فيه من فراخ وعسل، فتبني الشمع من أجنحتها، وتقيء العسل من فيها، وتبيض الفراخ من دبرها، ثم تصبح إلى مراعيها.\nوقال قتادة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم: ﴿فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا﴾ أي: مطيعة. فجعلاه حالًا [¬٤] من السالكة، قال ابن زيد: وهو كقول الله تعالى: ﴿وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ﴾ قال: ألا ترى أنهم [¬٥] ينقلون النحل ببيوته [¬٦] من بلد إلى بلد وهو يصحبهم؟.\nوالقول الأول [هو الأظهر] [¬٧]، وهو أنه حال من الطريق، أي: فاسلكيها مذللة لك، نص عليه مجاهد، وقال ابن جرير: كلا القولين صحيح.\nوقد قال أبو يعلى الموصلي (^٢١): حدثنا شيبان بن فروخ، حدثنا سُكين [¬٨] بن عبد العزيز، عن أبيه، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: \"عمر الذباب أربعون يومًا، والذباب كله في النار إلا النحل\".\nوقوله تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ أي [¬٩]، ما بين أبيض وأصفر وأحمر، وغير ذلك من الألوان الحسنة، على اختلاف مراعيها ومأكلها منها.\nوقوله: ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ أي: في العسل شفاء للناس، من أدواء تعرض لهم.\n_________\n(^٢١) - أخرجه أبو يعلى (٧/ ٢٣٠، ٢٧١) حديث (٤٢٣١، ٤٢٩٠). قال الهيثمي في المجمع (٤/ ٤٤): رواه أبو يعلى ورجاله ثقات.\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- سقط من: ت.\n[¬٤]- في ز: \"خالها\".\n[¬٥]- سقط من: ز.\n[¬٦]- في ز: \"من بيوته\".\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين في ز: \"أظهر\".\n[¬٨]- في خ: \"مسكين\".\n[¬٩]- زيادة من: ز.","vol":"8","page":325},{"text":"قال بعض من تكلم على الطب النبوي: لو قال: فيه الشفاء للناس، لكان دواء لكل داء، ولكن قال: ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ أي يصلح لكل أحد من أدواء باردة فإنه حار، والشيء يداوى بضده.\nوقال مجاهد بن جبر في قوله: ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ يعني: القرآن.\nوهذا قول صحيح في نفسه، ولكن ليس هو الظاهر ها هنا من سياق الآية، فإن الآية إنما ذكر فيها العسل، ولم يتابع مجاهد على قوله ها هنا، وإنما الذي قاله ذكروه في قوله تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾، والدليل على أن المراد بقوله تعالى: ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ هو العسل؛ الحديث الذي رواه البخاري ومسلم (^٢٢) في صحيحيهما من رواية قتادة، عن أبي المتوكل علي بن داود الناجي، عن أبي سعيد الخدري ﵁: جاء رجلٌ إلى رسول الله ﷺ فقال: إن أخي استطلق بطنه. فقال: \"اسقه عسلًا\" فذهب [¬١] فسقاه عسلًا ثم جاء، فقال: يا رسول الله، سقيته عسلًا فما زاده إلا استطلاقًا. قال: \"اذهب فاسقه عسلًا\" فذهب فسقاه [¬٢] عسلًا [¬٣] ثم جاء، فقال: يا رسول الله، ما زاده إلا استطلاقًا. فقال رسول الله ﷺ: \"صدق الله وكذب بطن أخيك، اذهب فاسقه عسلًا\". فذهب فسقاه عسلًا [¬٤] فبرأ.\nقال بعض العلماء بالطب: كان هذا الرجل عنده فضلات، فلما سقاه عسلًا وهو حار تحللت، فأسرعت في الاندفاع [فزاده إسهالًا] [¬٥]، فاعتقد الأعرابي أن هذا يضره وهو مصلحة لأخيه ثم سقاه فازداد التحليل والدفع، ثم سقاه فكذلك، فلما اندفعت الفضلات الفاسدة المضرة بالبدن استمسك بطنه، وصلح مزاجه، واندفعت الأسقام والآلام، ببركة إشارته عليه من ربه أفضل الصلاة والسلام.\nوفي الصحيحين (^٢٣): من حديث هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة رضي الله\n_________\n(^٢٢) - أخرجه البخاري في كتاب الطب، باب: الدواء بالعسل، وقول الله ﷿: ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾، حديث (٥٦٨٤) (٩/ ١٣٩) وطرفه في (٥٧١٦). ومسلم في كتاب السلام، باب: التداوي بسقي العسل، حديث (٩١/ ٢٢١٧) (١٤/ ٢٩٢ - ١٩٣).\n(^٢٣) - أخرجه البخاري في كتاب الأشربة، باب: شراب الحلواء والعسل، حديث (٥٦١٤) =\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- في ز: \"فسقى\".\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- سقط من: ز.\n[¬٥]- ما بين المعكوفين في خ: \"إسهاله\".","vol":"8","page":326},{"text":"عنها: أن رسول الله ﷺ كان يعجبه الحلواء والعسل. هذا لفظ البخاري.\nوفي صحيح البخاري (^٢٤): من حديث سالم الأفطس، عن سعيد [¬١] [بن جبير] [¬٢]، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: الشفاء في ثلاثة: في شرطة معجم، أو شربة عسل، أو كية بنار، وأنهى أمتي عن الكي\".\nوقال البخاري (^٢٥): حدثنا أبو نعيم، حدثنا عبد الرحمن بن الغسيل، عن عاصم بن عمر بن قتادة، سمعت جابر بن عبد الله قال: سمعت [¬٣] رسول الله ﷺ يقول: \"إن كان في شيء من أدويتكم أو يكون في شيء من أدويتكم خير: ففي شرطة معجم، أو شربة عسل، أو لذعة بنار توافق الداء، وما أحب أن أكتوي\".\nورواه مسلم (^٢٦): من حديث عاصم بن عمر بن قتادة، عن جابر به [¬٤].\nوقال الإمام أحمد (^٢٧): حدثنا علي بن إسحاق، أنبأنا عبد الله، أنبأنا سعيد بن أبي أيوب، حدثنا عبد [الله بن] [¬٥] الوليد، عن أبي الخير، عن عقبة بن عامر الجهني قال: قال رسول الله ﷺ: \"ثلاث إن كان في شيء شفاء: فشرطة معجم، أو شربة عسل، أو كية تصيب ألمًا، وأنا أكره الكي ولا أحبه\".\nورواه الطبراني: عن هارون بن ملول [¬٦] المصري، عن أبي عبد الرحمن المقرئ، عن\n_________\n= (١٠/ ٧٨) وأطرافه في (٥٢٦٨، ٥٤٣١، ٥٥٩٩، ٥٦٨٢، ٦٩٧٢). ومسلم في كتاب الطلاق، باب وجوب الكفارة على من حرم امرأته ولم ينو الطلاق، حديث (٢١/ ١٤٧٤) (١٠/ ١٠٩ - ١١٠).\n(^٢٤) - أخرجه البخاري في كتاب الطب، باب: الشفاء في ثلاث، حديث (٥٦٨٠) (١٠/ ١٣٦٠)، طرفه في (٥٦٨١).\n(^٢٥) - أخرجه البخاري في كتاب الطب، باب الدواء بالعسل وقول الله تعالى: ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾، حديث (٥٦٨٣) (١٠/ ١٣٩)، وطرفه في (٥٦٩٧، ٥٧٠٢، ٥٧٠٤).\n(^٢٦) - أخرجه مسلم في كتاب السلام، باب: لكل داء دواء واستحباب التداوي، حديث (٧١/ ٢٢٠٥) (١٤/ ٢٧٧).\n(^٢٧) - أخرجه أحمد (٤/ ١٤٦) (١٧٣٦٣). والطبراني (١٧/ ٢٨٨ - ٢٨٩) حديث (٧٩٦). وعبد الله بن الوليد بن قيس: لين الحديث، ضعفه الدارقطني فقال: لا يعتبر به. وذكره ابن حبان في الثقات. \"التهذيب ٦/ ٦٩\". والحديث أخرجه أيضًا أبو يعلى في مسنده (٣/ ٣٠٠) حديث (١٧٦٥). وقال=\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"مجاهد\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز: \"بن جبر\"\n[¬٣]- في خ: \"قال\".\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- في ز، خ: \"سلول\".","vol":"8","page":327},{"text":"عبد الله بن الوليد به، ولفظه: \"إن كان في شيء شفاء: فشرطة معجم\" وذكره وهذا إسناد صحيح ولم يخرجوه.\nوقال الإمام أبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجة القزويني في سننه (^٢٨): حدثنا علي بن سلمة هو اللبقي [¬١]- حدثنا زيد بن الحباب، حدَّثنا سفيان، في أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله -هو ابن مسعود- قال: قال رسول الله ﷺ: \"عليكم بالشفاءين، [العسل والقرآن] \".\nو[¬٢] هذا إسناد جيد، تفرد بإخراجه ابن ماجة مرفوعًا، وقد رواه ابن جرير (^٢٩) عن سفيان بن وكيع، عن أبيه، عن سفيان -هو الثوري- به موقوفًا ولهو أشبه.\nوروينا عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: إذا أراد أحدكم الشفاء فليكتب آية من كتاب الله في صحفة، وليغسلها بماء السماء وليأخذ من امرأته درهما عن [¬٣] طيب نفس منها فليشتر به عسلًا، فليشربه بذلك فإنه شفاء أي: من وجوه؛ قال الله تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾، و[¬٤]، قال: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا﴾، وقال: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾، وقال في العسل: ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾. وقال ابن ماجة (^٣٠) أيضًا: حدثنا محمود بن خداش، حدثنا سعيد بن زكريا القرشي [¬٥]، حدثنا الزبير بن سعيد الهاشمي، عن عبد الحميد بن سالم، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"من لعق العسل ثلاث غدوات في [¬٦] كل شهر لم يصبه عظيم من البلاء\". الزبير بن سعيد [¬٧] متروك [¬٨].\n_________\n= الهيثمي في المجمع (٥/ ٩٤): رواه أحمد، وأبو يعلى، والطبراني في الكبير والأوسط، ورجاله رجال الصحيح، خلا عبد الله بن الوليد بن قيس وهو ثقة.\n(^٢٨) - أخرجه ابن ماجة في كتاب الطب، باب: العسل، حديث (٣٤٥٢) (٢/ ١١٤٢). قال البوصيري في الزوائد: إسناده صحيح، رجاله ثقات. قال الألباني في ضعيف ابن ماجة برقم (٧٥٦): ضعيف والصحيح موقوف. وانظر السلسلة الضعيفة له- حفظه الله (٤/ ٢٣) برقم (١٥١٤).\n(^٢٩) - أخرجه الطبري (١٤/ ١٤١).\n(^٣٠) - أخرجه ابن ماجه في كتاب الطب، باب: العسل، حديث (٣٤٥٠) (٢/ ١١٤٢). قال البوصيري في الزوائد: إسناده لين ومع ذلك فهو منقطع، قال البخاري: لا نعلم لعبد الحميد سماعًا من أبي هريرة.\n_________\n[¬١]- في ز: \"الملقي\"، خ: \"المقلي\".\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- في ز: \"من\".\n[¬٤]- سقط من ز.\n[¬٥]- في ز، خ: \"المقري\".\n[¬٦]- في خ: \"من\".\n[¬٧]- في ز، خ: \"سعد\".\n[¬٨]- في خ: \"متروكًا\".","vol":"8","page":328},{"text":"وقال ابن ماجة أيضًا (^٣١): حدثنا إبراهيم بن محمد بن يوسف بن سرح الفريابي [¬١]، حدثنا عمرو بن بكر السكسكي، حدثنا إبراهيم بن أبي عبلة [¬٢]، سمعت ابا أبي بن أم حرام -وكان قد صلى القبلتين- يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"عليكم بالسنا والسنوت؛ فإن فيهما شفاء من كل داء إلا السام\". قيل: يا رسول الله وما السام؟ قال: \"الموت\".\nقال عمرو، قال ابن أبي عبلة [¬٣]: السنوت الشبت. وقال آخرون: بل هو العسل الذي يكون [¬٤] في زقاق السمن وهو قول الشاعر:\nهُمُ السمن بالسنُّوت لا ألس [¬٥] فيهمُ … وهمْ يمنعون الجار أن يتفردا [¬٦]\nكذا رواه ابن ماجة، وقوله: لا ألس [¬٧] فيهم، أي: لا خلط، وقوله: يمنعون الجار أن يتقردا أي: يضطهد ويظلم.\nوقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ أي: إن في إلهام الله لهذه الدواب الضعيفة الخلقة، إلى السلوك في هذه المهامة [¬٨]،: والاجتناء [¬٩] من سائر الثمار، ثم جمعها للشمع والعسل وهو من أطيب الأشياء- لآية لقوم يتفكرون في عظمة خالقها ومقدرها ومسخرها وميسرها، فيستدلون بذلك على أنه القادر الحكيم، العليم الكريم الرحيم.\n﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَي لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (٧٠)﴾\nيخبر تعالى عن تصرفه في عباده، وأنه هو الذي [¬١٠] أنشأهم من العدم، ثم بعد ذلك يتوفاهم، ومنهم من يتركه حتى يدركه الهرم: وهو الضعف في الخلقة، كما قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ\n_________\n(^٣١) - أخرجه ابن ماجة في كتاب الطب، باب: السنا والسنوت، حديث (٣٤٥٧) (٢/ ١١٤٢).\nقال البوصيري في الزوائد: في إسناده عمرو بن بكر السكسكي، قال فيه ابن حبان: روى عن إبرهيم بن أبي عبلة الأوابد والطامات لا يحل الاحتجاج به لكن قال الحاكم: إنه إسناد صحيح.\n_________\n[¬١]- في خ: \"الفرياني\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"عميلة\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"علية\".\n[¬٤]- سقط من: ز.\n[¬٥]- في ز: \"ألسن\".\n[¬٦]- في ز: \"يتفرد\".\n[¬٧]- في ز: \"ألسن\".\n[¬٨]- في خ: \"المهانة\".\n[¬٩]- في ز: \"الاجتذاء\".\n[¬١٠]- سقط من: ز، خ.","vol":"8","page":329},{"text":"ضَعْفًا وَشَيبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾.\nوقد روي عن علي ﵁ ﴿إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ﴾ قال [¬١]: خمس وسبعون سنة. وفي هذا السن يحصل له ضعف القوى، والخرف، وسوء الحفظ، وقلة العلم؛ ولهذا قال: ﴿لِكَيلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيئًا﴾ أي: بعد ما كان عالمًا أصبح لا يدري شيئًا من الفند [¬٢] والخرف [¬٣]؛ ولهذا روى البخاري (^٣٢) عند تفسير هذه الآية:\nحدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا [هارون بن موسى] [¬٤] أبو عبد الله الأعور، عن شعيب، عن أنس بن مالك، أن رسول الله ﷺ كان يدعو: \"أعوذ بك من البخل والكسل والهرم، وأرذل العمر، وعذاب القبر، وفتنة الدجال، وفتنة المحيا والممات\" ورواه [¬٥] [¬٦] وقال زهير بن أبي سلمى في معلقته المشهورة:\nسئمت تكاليف الحياة ومن يعش … ثمانين عامًا لا أبا لك يسأمِ\nرأيت المنايا [¬٧] خبط عشواء من تصب … تمته ومن تخطئ يعمَّر فيهرمِ\n﴿وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (٧١)﴾\nيبين تعالى للمشركين جهلهم وكفرهم فيما زعموه لله من الشركاء، وهم يعترفون [¬٨] أنها عبيد له، كما كانوا يقولون في تلبيتهم [¬٩] في حجهم: لبيك لا شريك لك إلا شريكًا هو لك تملكه وما ملك. فقال تعالى منكرًا عليهم: إنكم [¬١٠] لا ترضون أن تساووا عبيدكم فيما رزقناكم، فكيف يرضى هو تعالى بمساواة عبيده [¬١١]، له في الإلهية والتعظيم، كما قال في الآية الأخرى: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾. الآية.\n_________\n(^٣٢) - أخرجه البخاري في كتاب التفسير، باب: ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ﴾، حديث (٤٧٠٧) (٨/ ٣٨٧ - ٣٨٨).\n_________\n[¬١]- زيادة من: ز.\n[¬٢]- في خ: \"العبد\".\n[¬٣]- في ز: \"الخرفه\".\n[¬٤]- في خ: \"موسى بن هارون بن موسى\".\n[¬٥]- سقط من: ت.\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين بياض في ز.\n[¬٧]- في ز: \"المني\".\n[¬٨]- في ز: \"يعرفون\".\n[¬٩]- في ز: \"تلبياتهم\".\n[¬١٠]- في ت: \"أنتم\".\n[¬١١]- في ت: \"عبيد\".","vol":"8","page":330},{"text":"قال العوفي، عن ابن عباس في هذه الآية: يقول لم يكونوا ليشركوا عبيدهم في أموالهم ونسائهم، فكيف يشركون عبيدي معي في سلطاني، فذلك قوله: ﴿أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾.\nوقال في الرواية الأخرى عنه: فكيف ترضون لي [¬١] ما لا ترضون لأنفسكم.\nوقال مجاهد في هذه الآية: هذا مثل للآلهة [¬٢] الباطلة [¬٣].\nوقال قتادة: هذا مثل ضربه الله: فهل منكم من أحد شاركه [¬٤] مملوكه في زوجته وفي فراشه، فتعدلون [¬٥] بالله خلقه وعباده؟ فإن لم ترض لنفسك هذا فالله أحق أن ينزه منك.\nوقوله: ﴿أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ أي: أنهم جعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبًا، فجحدوا نعمته وأشركوا معه غيره.\nوعن الحسن البصري قال: كتب عمر بن الخطاب ﵁ هذه الرسالة إلى أبي موسى الأشعري: واقنع برزقك من الدنيا، فإن الرحمن فضل بعض عباده على بعض في الرزق، بل يبتلي به كلًّا فيبتلي من بسط له كيف شكرُهُ لله، وأداؤه الحق الذي افترض عليه فيما رزقه وخوله. رواه [¬٦] ابن أبي حاتم.\n﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ (٧٢)﴾\nيذكر تعالى نعمه على عبيده، بأن جعل لهم من أنفسهم أزواجًا من جنسهم وشكلهم، ولو جعل الأزواج من نوع آخر لما حصل [ائتلاف ومودّة ورحمة]، ولكن من رحمته خلق من بني آدم ذكورًا وإناثًا، وجعل الإِناث أزواجًا للذكور [¬٧].\nثم ذكر تعالى أنه جعل من الأزواج البنين والحفدة وهم أولاد البنين. قاله ابن عباس وعكرمة والحسن والضحاك وابن زيد.\nقال شعبة عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾ هم [¬٨]\n_________\n[¬١]- في خ: \"في\".\n[¬٢]- في خ: \"الآلهة\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"الباطل\".\n[¬٤]- في ز: يشارك\".\n[¬٥]- في خ: \"فيعدلون\".\n[¬٦]- في ز، خ: \"ورواه\".\n[¬٧]- في خ: \"للذكر\".\n[¬٨]- في خ: وهم.","vol":"8","page":331},{"text":"الولد وولد الولد.\nوقال سنيد: حدثنا حجاج، عن أبي بكر، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال بنوك حين يحفدونك ويرفدونك ويعينونك ويخدمونك. قال جميل:\nحفد الولائد حولهن وأسلمت … بأكفهن أزمة الأجمال\nوقال مجاهد: ﴿بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾: ابنه وخادمة. وقال في رواية: الحفدة: الأنصار والأعوان والخدام. وقال طاوس: الحفدة الخدم. وكذا قال قتادة وأبو مالك والحسن البصري.\nوقال [¬١] عبد الرزاق: أنبأنا معمر، عن الحكم بن أبان، عن عكرمة أنه قال: الحفدة مَنْ خدمك مِنْ ولدك وولد ولدك.\nوقال الضحاك: إنما كانت العرب يخدمها بنوها.\nوقال العوفي: عن ابن عباس قوله: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾ يقول: بنو امرأة الرجل ليسوا منه. ويقال: الحفدة الرجل يعمل بين يدي الرجل. يقال: فلان [يحفد لنا] [¬٢] أي [¬٣]: [يعمل لنا] [¬٤]. قال: وزعم [¬٥] رجال أن الحفدة أختان الرجل.\nوهذا الأخير الذي ذكره ابن عباس قاله ابن مسعود ومسروق وأبو الضحى وإبراهيم النخعي وسعيد بن جبير ومجاهد والقرظي [¬٦]، ورواه عكرمة عن ابن عباس.\nوقال علي بن أبي طلحة: عن ابن عباس: هم الأصهار.\nقال ابن جرير: وهذه الأقوال كلها داخلة في معنى الحفد. وهو الخدمة، الذي منه قوله في القنوت: وإليك نسعى ونحفد. ولما كانت الخدمة قد تكون من الأولاد [والخدام والأصهار]، فالنعمة حاصلة بهذا كله، ولهذا قال: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾ قلت: فمن جعل ﴿وَحَفَدَةً﴾ متعلقًا بأزواجكم فلا بد أن يكون المراد: الأولاد وأولاد الأولاد، أو [¬٧] الأصهار؛ لأنهم أزواج البنات أو [¬٨] أولاد الزوجة. و[¬٩] كما قال الشعبي والضحاك، فإنهم [يكونون غالبًا] تحت كنف الرجل وفي حجره وفي خدمته،\n_________\n[¬١]- مكانها بياض في ز.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٣]- سقط من ز، خ.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٥]- في ز: \"يزعم\".\n[¬٦]- في ز، خ: \"القرطبي\".\n[¬٧]- في ز، خ: \"و\".\n[¬٨]- في ز، خ: \"و\".\n[¬٩]- سقط من ز.","vol":"8","page":332},{"text":"وقد يكون هذا هو المراد من قوله عليه الصلاة [¬١] والسلام في حديث بصرة [¬٢] بن أكثم: \"والولد عبد لك\" رواه أبو داود (^٣٣).\nوأما من جعل الحفدة هو [¬٣] الخدم فعنده أنه معطوف على قوله: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾ أي: وجعل لكم الأزواج والأولاد.\n[وقوله: ﴿وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ أي] [¬٤]: من المطاعم والمشارب.\nثم قال تعالى منكرًا على من أشرك في [¬٥] عبادة المنعم غيره: ﴿أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ﴾ وهم [الأنداد والأصنام] ﴿وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ﴾ أي [¬٦] يسترون نعم الله عليهم، ويضيفونها إلى غيره.\nوفي الحديث الصحيح (^٣٤): \" أن الله يقول للعبد يوم القيامة ممتنًا عليه: ألم أزوجك؟ ألم أكرمك؟ ألم أسخر لك الخيل والإِبل [¬٧]، وأذرك ترأس وتربع؟ \".\n﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيئًا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ (٧٣) فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَال إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٧٤)﴾\nيقول تعالى إخبارًا عن المشركين الذين عبدوا معه غيره، مع أنه هو المنعم المتفضل الخالق الرازق وحده لا شريك له، ومع هذا يعبدون من دونه من الأصنام والأنداد والأوثان ﴿مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيئًا﴾ أي: لا يقدر على إنزال مطر، ولا إنبات زرع ولا شجر، ولا يملكون ذلك لأنفسهم [¬٨]، أي: ليس لهم ذلك، ولا يقدرون عليه لو أرادوه؛ ولهذا قال تعالى: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَال﴾ أي: [لا تجعلوا] [¬٩] له أندادًا\n_________\n(^٣٣) - السنن، كتاب النكاح، باب: في الرجل يتزوج المرأة فيجدها حبلى، حديث (٢١٣١) (٢/ ٢٤١ - ٢٤٢). والحديث ضعفه الألباني في ضعيف أبي داود برقم (٤٦٥).\n(^٣٤) - أخرجه مسلم في حديث طويل، في كتاب الزهد والرقائق، حديث (١٦/ ٢٩٦٨) (١٨/ ١٣٦ - ١٣٨) من حديث أبي هريرة ﵁.\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- في ز: \"نصرة\".\n[¬٣]- سقط من: ت.\n[¬٤]- في ز، خ: \"ورزقكم من طيبات الرزق\".\n[¬٥]- في خ: \"من\".\n[¬٦]- سقط من: ت.\n[¬٧]- سقط من: خ.\n[¬٨]- سقط من: ز، خ.\n[¬٩]- في ز، خ: \"تجعلون\".","vol":"8","page":333},{"text":"وأشباهًا وأمثالًا ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ أي: أنه يعلم ويشهد أنه لا إله إلا هو، وأنتم بجهلكم [¬١] تشركون به غيره.\n﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٧٥)﴾\nقال العوفي، عن ابن عباس: هذا مثل ضربه الله للكافر والمؤمن. وكذا قال قتادة، واختاره ابن جرير، فالعبد [¬٢] المملوك الذي لا يقدر على شيء مثل الكافر، والمرزوق الرزق الحسن فهو ينفق منه سرًّا وجهرًا هو المؤمن. وقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد: هو مثل مضروب للوثن وللحق [¬٣] تعالى، فهل يستوي هذا وهذا.\nولما كان الفرق ما [¬٤] بينهما [ظاهرًا واضحًا بينًا]، لا يجهله [¬٥] إلا كل غبي، قال الله [¬٦] تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾.\n﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَينِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَينَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيرٍ هَلْ يَسْتَوي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٧٦)﴾\nقال مجاهد: وهذا أيضًا المراد به الوثن والحق تعالى. يعني: أن الوثن أبكم لا يتكلم ولا ينطق بخير ولا بشيء، ولا يقدر على شيء بالكلية، فلا مقال ولا فعال، وهو مع هذا كَلٌّ، أي عيال وكلفة على مولاه ﴿أَينَمَا يُوَجِّهْهُ﴾ أي [¬٧]: يبعثه ﴿لَا يَأْتِ بِخَيرٍ﴾ ولا ينجح مسعاه ﴿هَلْ يَسْتَوي﴾ من هذه صفاته ﴿وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾ أي: بالقسط، فمقاله حق وفعاله مستقيمة ﴿وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [وقيل: الأبكم مولى لعثمان] [¬٨]. وبهذا قال السدي وقتادة وعطاء الخراساني، واختار هذا القول ابن جرير.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"لجهلكم\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"والعبد\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"والحق\".\n[¬٤]- سقط من: خ.\n[¬٥]- في خ: \"تجهله\".\n[¬٦]- سقط من. ز.\n[¬٧]- سقط من: ز.\n[¬٨]- ما بين المعكوفتين زيادة من: ت.","vol":"8","page":334},{"text":"وقال العوفي، عن ابن عباس: هو مثل للكافر والمؤمن أيضًا كما تقدم.\nوقال [¬١] ابن جرير (^٣٥): حدثنا الحسن بن الصباح البزار [¬٢]، حدثنا يحيى بن إسحاق السيلحيني، حدثنا حماد، حدثنا عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن إبراهيم، عن عكرمة، عن يعلى بن أمية، عن ابن عباس في قوله: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيءٍ﴾ قال [¬٣]: نزلت في رجل من قريش وعبده. [يعني قوله: ﴿عَبْدًا مَمْلُوكًا﴾ الآية] [¬٤]. وفي قوله: [﴿وَضَرَبَ اللَّهُ] [¬٥] مَثَلًا رَجُلَينِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيءٍ] [¬٦]﴾ إلى قوله: ﴿وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ قال: هو عثمان بن عفان. قال: والأبكم الذي أينما يوجهه لا يأت بخير -قال- هو مولى لعثمان بن عفان، كان عثمان ينفق عليه ويكفله ويكفيه المؤنة، وكان الآخر يكره الإِسلام ويأباه، وينهاه عن الصدقة والمعروف، فنزلت فيهما.\n﴿وَلِلَّهِ غَيبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إلا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ (٧٧) وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٨) أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إلا اللَّهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٧٩)﴾\nيخبر تعالى عن كمال [¬٧] علمه [¬٨] وقدرته على الأشياء، في علمه غيب السموات والأرض واختصاصه [بعلم الغيب] [¬٩]، فلا اطلاع لأحد على ذلك إلا أن يطلعه تعالى على ما يشاء، وفي قدرته التامة التي لا تخالف ولا تمانع، وأنه إذا أراد شيئًا فإنما يقول له: كن فيكون، كما قال: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إلا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ أي: فيكون ما يريد كطرف\n_________\n(^٣٥) - أخرجه الطبري (١٤/ ١٥١).\n_________\n[¬١]- بياض في ز.\n[¬٢]- في ز: \"البزاز\".\n[¬٣]- زيادة من: ت.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين زيادة في: ت.\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين زيادة من: ت.\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٧]- في خ: \"كماله\".\n[¬٨]- زيادة في: ت.\n[¬٩]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"بذلك\".","vol":"8","page":335},{"text":"العين، وهكذا قال ها هنا: ﴿وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إلا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ﴾، كما قال: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إلا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾. ثم ذكر تعالى منته على عباده: في إخراجه إياهم من بطون أمهاته لا يعلمون شيئًا؛ ثم بعد هذا يرزقهم تعالى السمع الذي به يدركون الأصوات، والأبصار [التي بها يحسون] [¬١] المرئيات، والأفئدة: وهي العقول التي مركزها القلب على الصحيح، وقيل: الدماغ، والعقل به يميز لكن الأشياء ضارها ونافعها، وهذه القوى والحواس تحصل للإنسان على التدريج قليلًا قليلًا، كما كبر زيد في سمعه وبصره وعقله [¬٢]، حتى يبلغ أشَده. وإنما جعل تعالى هذه في الإِنسان ليتمكن بها من عبادة ربه تعالى، فيستعين بكل جارحة وعضو وقوّة على طاعة مولاه، كما جاء في صحيح البخاري (^٣٦) عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ أنه قال: \"يقول الله [¬٣] تعالى: من عادى لي وليًّا فقد بارزني بالحرب، وما تقرب إليَّ عبدي [بشيء أفضل من] [¬٤] أداء ما افترضت عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فهذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه [¬٥]، ولئن دعاني لأجيبنه [¬٦] ولئن استعاذ بي لأعيذنه، وما ترددت في شيء أنا فاعله ترددي في قبض نفس عبدي المؤمن، يكره الموت وأكره مساءته، ولابد له منه\".\nفمعنى الحديث: أن العبد إذا أخلص الطاعة صارت أفعاله كلها لله ﷿، فلا يسمع إلا لله، ولا يبصر إلا لله، أي: ما شرعه الله له، ولا يبطش ولا يمشي إلا في طاعة الله ﷿، مستعينًا بالله في ذلك كله؛ ولهذا جاء في رواية بعض الحديث في غير الصحيح بعد قوله: \"ورجله التي يمشي بها فبي يسمع، وبي يبصر، وبي يبطش، وبي يمشي\"؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [كقوله تعالى] في الآية الأخرى: ﴿قُلْ [¬٧] هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (٢٣) قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيهِ تُحْشَرُونَ﴾.\nثم نبه تعالى عباده إلى النظر إلى الطير المسخر بين السماء والأرض، كيف جعله يطير بجناحين [¬٨] بين السماء والأرض في جو السماء، ما يمسكه هناك إلا الله بقدرته تعالى،\n_________\n(^٣٦) - أخرجه البخاري في كتاب الرقاق، باب التواضع، حديث (٦٥٠٢) (١١/ ٣٤٠ - ٣٤١).\n_________\n[¬١]- في ز: \"اللاتي بها يحسنون\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"وقوى عقله\".\n[¬٣]- سقط من: ت.\n[¬٤]- في ز، خ: \"بمثل\".\n[¬٥]- في خ: \"لأعطيته\".\n[¬٦]- في ز، خ: \"لأجبته\".\n[¬٧]- سقط من: ز، خ.\n[¬٨]- في ز: \"بجناحيه\".","vol":"8","page":336},{"text":"الذي جعل فيها قوى تفعل [¬١] ذلك، وسخر الهواء يحملها، [وسير الطير كذلك] [¬٢]، كما قال تعالى في سورة الملك: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إلا الرَّحْمَنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيءٍ بَصِيرٌ﴾ وقال ها هنا: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾.\n﴿اللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ (٨٠) وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ (٨١) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيكَ الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (٨٢) يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ (٨٣)﴾\nيذكر ﵎ تمام نعمه على عبيده، بما جعل لهم من البيوت التي هي سكن لهم يأوون إليها، ويستترون بها، وينتفعون بها سائر وجوه الانتفاع، وجعل لهم أيضًا من جلود الأنعام بيوتًا أي: من الأدم يستخفون حملها في أسفارهم ليضربوها لهم في إقامتهم في السفر والحضر [¬٣]؛ ولهذا قال: ﴿تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا﴾ أي: الغنم ﴿وَأَوْبَارِهَا﴾ أي: الإبل ﴿وَأَشْعَارِهَا﴾ أي: المعز، والضمير عائد على الأنعام ﴿أَثَاثًا﴾ أي: تتخذون منه أثاثًا: وهو المال، وقيل: المتاع، وقيل: الثياب، والصحيح أعم من هذا كله، فإنه يتخذ من [¬٤] الأثاث البسط والثياب وغير ذلك، ويتخذ مالًا وتجارة.\nوقال [¬٥] ابن عباس: الأثاث: المتاع. وكذا قال مجاهد وعكرمة، وسعيد بن جبير والحسن، وعطية العوفي وعطاء الخراساني، والضحاك وقتادة.\n_________\n[¬١]- في خ: \"شغل\"، والمثبت هو الصواب.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز: \"يسر الطير لذلك\".\n[¬٣]- سقط عن: ز، خ.\n[¬٤]- في ز: \"منه\".\n[¬٥]- في خ: \"قال\".","vol":"8","page":337},{"text":"وقوله: ﴿إِلَى حِينٍ﴾ أي: إلى أجل مسمى ووقت [¬١] معلوم.\nوقوله: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا﴾ قال قتادة: يعني الشجر.\n﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا﴾ [أي: حصونًا] [¬٢] ومعاقل، كما ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ وهي: الثياب من القطن والكتان والصوف ﴿وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ﴾ كالدروع من الحديد المصفح والزرد وغير ذلك ﴿كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيكُمْ﴾ أي: هكذا يجعل لكم ما تستعينون به على أمركم وما تحتاجون إليه؛ ليكون عونا لكم على طاعته وعبادته ﴿لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ﴾.\nهكذا فسره الجمهور وقرءوه بكسر اللام من ﴿تُسْلِمُونَ﴾ أي [¬٣]: من الإِسلام.\nو[¬٤] قال قتادة [في قوله: ﴿كَذَلِكَ] [¬٥] يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ [¬٦]﴾ هذه السورة تسمى سورة النعم.\nوقال عبد الله بن المبارك وعباد بن [¬٧] العوام بن حنظلة السدوسي، عن شهر بن حوشب، عن ابن عباس: أنه كان [يقرؤها ﴿تُسْلِمُونَ﴾] [¬٨] [بفتح اللام. يعني: من الجراح\". رواه أبو عبيد القاسم بن سلام، عن عباد، وأخرجه ابن جرير من الوجهين [¬٩] ورد [¬١٠] هذه القراءة.\nوقال عطاء الخراساني: إنما نزل القرآن على قدر معرفة العرب، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ [¬١١] جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا﴾ وما جعل من السهل أعظم [¬١٢] وأكثر، ولكنهم كانوا أصحاب جبال؟ ألا ترى إلى قوله: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ وما جعل لهم [¬١٣] من غير ذلك أعظم منه [¬١٤] وأكثر، ولكنهم كانوا أصحاب وبر وشعر؟ ألا ترى إلى قوله: ﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"إلى وقت\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- سقط من: ت.\n[¬٤]- سقط من: ز.\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: ت.\n[¬٧]- في ز، خ: \"عن\".\n[¬٨]- ما بين المعكوفتين في ز: \"تسلمون\"، خ: \"يسلمون\".\n[¬٩]- في خ: \"وجهين\".\n[¬١٠]- في ز، خ: \"بورود\".\n[¬١١]- سقط من: خ.\n[¬١٢]- في ز: \"الأعظم\".\n[¬١٣]- في ز: \"لكم\".\n[¬١٤]- زيادة من: ز.","vol":"8","page":338},{"text":"السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ﴾ لعجبهم من ذاك، وما أنزل من الثلج أعظم وأكثر، ولكنهم كانوا لا يعرفونه؟ ألا ترى إن قوله تعالى: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ وما تقي [¬١] من البرد أعظم وأكثر، ولكنهم كانوا أصحاب حر.\nوقوله: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ أي: بعد هذا البيان وهذا الامتنان فلا عليك منهم ﴿فَإِنَّمَا عَلَيكَ الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ وقد أديته إليهم.\n﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا﴾ أي: يعرفون أن الله تعالى هو المسدي إليهم ذلك، وهو المتفضل به عليهم، ومع هذا ينكرون ذلك، ويعبدون معه غيره، ويسندون النصر والرزق إلى غيره ﴿وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ﴾ كما قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا صفوان، حدثنا الوليد، حدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن مجاهد: أن أعرابيا أتى النبي ﷺ فسأله [¬٢]، فقرأ عليه رسول الله ﷺ: ﴿وَاللَّهُ [¬٣] جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا﴾ فقال [¬٤] الأعرابي: نعم. قال [¬٥]: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ﴾. قال الأعرابي: نعم. ثم قرأ عليه، كل ذلك يقول الأعرابي نعم، حتى بلغ: ﴿كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ﴾ فولى الأعرابي، فأنزل الله: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ﴾.\n﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ثُمَّ لَا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٨٤) وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا الْعَذَابَ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (٨٥) وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكَاءَهُمْ قَالُوا رَبَّنَا هَؤُلَاءِ شُرَكَاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُو مِنْ دُونِكَ فَأَلْقَوْا إِلَيهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ (٨٦) وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٨٧) الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا\n_________\n[¬١]- في ز: \"يقي\".\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- في ز: \"قال\".\n[¬٥]- سقط من: ز.","vol":"8","page":339},{"text":"يُفْسِدُونَ (٨٨)﴾.\nيخبر تعالى عن شأن المشركين يوم معادهم في الدار الآخرة، وأنه يبعث من كل أمّه شهيدًا، وهو نبيها يشهد عليها [¬١] بما أجابته فيما بلغها عن الله تعالى ﴿ثُمَّ لَا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: في الاعتذار؛ لأنهم يعلمون بطلانه وكذبه، كقوله [¬٢]: [﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ (٣٥) وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾] [¬٣] فلهذا [¬٤] قال [¬٥]: ﴿وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٨٤) وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أي: الذين [¬٦] أشركوا ﴿الْعَذَابَ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ﴾ أي: لا يفتر عنهم ساعة واحدة ﴿وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ أي: لا [¬٧] يؤخر عنهم، بل يأخذهم سريعًا من الموقف بلا حساب، فإنه إذا جيء بجهنم تقاد بسبعين ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك، فيشرف [¬٨] عنق منها على الخلائق، وتزفر [¬٩] زفرة لا يبقي أحد إلا جثا لركبتيه، فتقول: إني وكلت بكل جبار عنيد الذي جعل مع الله إلها آخر، [وبكذا وبكذا] [¬١٠] (^٣٧)، وتذكر أصنافًا من الناس كما جاء في الحديث، ثم تنطوي عليهم وتتلقطهم من الموقف، كما يلتقط الطائر الحب، قال الله تعالى: ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا (١٢) وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا (١٣) لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾، وقال تعالى: ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا﴾ وقال تعالى: ﴿لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلَا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٣٩) بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾.\nثم أخبر تعالى عن تبرؤ آلهتهم منهم أحوج ما يكونون إليها، فقال: ﴿وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكَاءَهُمْ﴾ أي: الذين كانوا يعبدونهم في الدنيا ﴿قَالُوا رَبَّنَا هَؤُلَاءِ شُرَكَاؤُنَا\n_________\n(^٣٧) - أخرجه مسلم كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب: في شدة حر نار جنهم، وبعد قعرها وما تأخذ من المعذبين، حديث (٢٩/ ٢٨٤٢) (١٧/ ٢٦١) عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله - صلى الله علحِه وسلم -: \"يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها\".\n_________\n[¬١]- في ز: \"عليهم\".\n[¬٢]- في خ: \"كما قال\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٤]- في ز: \"ولهذا\"، سقط من: خ.\n[¬٥]- سقط من: خ.\n[¬٦]- سقط من: ز، خ.\n[¬٧]- في ز: \"ولا\".\n[¬٨]- في خ: \"فيتشرف\".\n[¬٩]- في ز: \"ويزفر\".\n[¬١٠]- ما بين المعكوفتين في ز: \"وبكذا وكذا\"، خ: \"وكذا وكذا\".","vol":"8","page":340},{"text":"الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُو مِنْ دُونِكَ فَأَلْقَوْا إِلَيهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ أي: قالت لهم الآلهة: كذبتم، ما نحن [] [¬١] أمرناكم بعبادتنا، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾، وقال تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (٨١) كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيهِمْ ضِدًّا﴾، وقال الخليل ﵊: ﴿ثُمَّ [¬٢] يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾. وقال تعالى: ﴿وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ﴾ الآية. والآيات في هذا كثيرة.\nوقوله: ﴿وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ﴾ قال قتادة وعكرمة: ذلوا واستسلموا يومئذ.\nأي: استستلموا لله جميعهم، فلا أحد إلا سامع مطيع، وكقوله [¬٣] تعالى: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا﴾ أي: ما أسمعهم وما أبصرهم يومئذ، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾. وقال: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ﴾ أي: خضعت وذلت واستكانت وأنابت واستسلمت.\nوقوله [¬٤]: ﴿وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ أي: ذهب واضمحل ما كانوا يعبدونه افتراء على الله، فلا ناصر لهم ولا معين ولا مجير.\nثم قال تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ﴾. أي: عذابًا على كفرهم، وعذابًا على صدهم الناس عن اتباع الحق، كقوله [¬٥] تعالى: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾ أي: ينهون الناس [¬٦] عن اتباعه، ويبتعدون هم منه أيضًا ﴿وَإِنْ يُهْلِكُونَ إلا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾.\nوهذا دليل على تفاوت الكفار في عذابهم، كما يتفاوت المؤمنون في منازلهم في الجنة ودرجاتهم، كما قال تعالى: [﴿قَال لِكُلٍّ] [¬٧] ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ﴾.\nوقد قال الحافظ أبو يعلى (^٣٨): حدثنا سريج بن يونس، حدثنا أبو معاوية، حدثنا\n_________\n(^٣٨) - أخرجه أبو يعلى (٥/ ٦٦) حديث (٣٣٢ - ٣٣٣).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ز: \"ما\".\n[¬٢]- في ز: \"و\". وهي سقط من: خ.\n[¬٣]- في خ: \"كما قال\".\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- في خ: \"كما قال\".\n[¬٦]- سقط من: ز، خ.\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"8","page":341},{"text":"الأعمش، عن عبد الله بن مرة، عن مسروق، عن عبد الله في قول الله: ﴿زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ﴾ قال: زيدوا عقارب أنيابها كالنخل الطوال.\nو[¬١] حدثنا سريج بن يونس، حدثنا إبراهيم بن سليمان، حدثنا الأعمش، عن الحسن، عن ابن عباس [في الآية] [¬٢] أنه قال: ﴿زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ﴾ قال: هي خمسة أنهار تحت [¬٣] العرش، يعذبون ببعضها بالليل، وببعضها بالنهار.\n﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ وَنَزَّلْنَا عَلَيكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)﴾\nيقول تعالى مخاطبًا عبده ورسوله محمدًا ﷺ: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ﴾ يعني: أمته. أي: اذكر ذلك اليوم وهوله، وما منحك الله فيه من الشرف العظيم والمقام الرفيع، وهذه الآية شبيهة بالآية التي انتهى إليها عبد الله بن مسعود، حين قرأ على رسول الله ﷺ صدر سورة [¬٤] النساء، فلما وصل إلى قوله: ﴿فَكَيفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ فقال له رسول الله ﷺ: \"حسبك\". فقال [¬٥] ابن مسعود ﵁: فالتفتُ فإذا عيناه تذرفان (^٣٩).\nوقوله: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيءٍ﴾ قال ابن مسعود: قد بين لنا في هذا القرآن كل علم وكل شيء. وقال مجاهد: كل حلال وكل [¬٦] حرام.\nوقول ابن مسعود أعم وأشمل، فإن القرآن اشتمل على كل علم نافع؛ من خبر ما سبق، وعلم ما سيأتي، وحكم [¬٧] كل حلال وحرام، وما الناس إليه محتاجون في أمر دنياهم ودينهم، ومعاشهم ومعادهم.\n﴿وَهُدًى﴾ أي: للقلوب [¬٨] ﴿وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾.\n_________\n(^٣٩) - حديث قراءة عبد الله بن مسعود على النبي ﷺ من سورة النساء، أخرجه البخاري في كتاب التفسير، لباب: ﴿فَكَيفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾، حديث (٤٥٨٢) (٨/ ٢٥٠) وأطرافه في (٥٠٤٩، ٥٠٥٠، ٥٠٥٥، ٥٠٥٦). ومسلم في صلاة المسافرين، حديث (٢٤٧، ٢٤٨/ ٨٠٠) (٦/ ١٢٤ - ١٢٦).\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في ز: \"قوق\".\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- في ز: \"قال\".\n[¬٦]- سقط من: ز.\n[¬٧]- سقط من: خ.\n[¬٨]- في ز، خ: \"القلوب\".","vol":"8","page":342},{"text":"وقال الأوزاعي: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيءٍ﴾ أي: بالسنة.\nووجه اقتران قوله: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيكَ الْكِتَابَ﴾ مع قوله ﴿وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ﴾ أن [¬١] المراد -والله أعلم- إن الذي فرض عليك تبليغ الكتاب الذي أنزله عليك، سائلك عن ذلك يوم القيامة ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾، ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ أي: إن [¬٢] الذي أوجب عليك [¬٣] تبليغ القرآن لرادّك إليه، ومعيدك يوم القيامة، وسائلك عن أداء ما فرض عليك. هذا أحد الأقوال، وهو متجه حسن.\n﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠)﴾\nيخبر تعالى أنه يأمر عباده بالعدل: وهو القسط والموازنة، ويندب إلى الإحسان، كقوله [¬٤] تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾، وقوله [¬٥]: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾، وقال: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على شرعية العدل والندب إلى الفضل.\nوقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾ قال: شهادة أن لا إله إلا الله.\nوقال سفيان بن عيينة: العدل في هذا الموضع هو [¬٦] استواء السريرة والعلانية من كل عامل لله عملًا، والإِحسان أن تكون سريرته أحسن من علانيته، والفحشاء والمنكر أن تكون علانيته أحسن من سريرته.\nوقوله: ﴿وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾ أي: يأمر بصلة الأرحام، كما قال: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- في خ: \"كما قال\".\n[¬٥]- في ز، خ: \"وقال\".\n[¬٦]- سقط من: ز، خ.","vol":"8","page":343},{"text":"وقوله: ﴿وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ فالفواحش: المحرمات، والمنكرات: ما ظهر منها [من فاعلها، ولهذا قال في الموضع الآخر: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا [¬١] وَمَا بَطَنَ﴾ وأما البغي: فهو العدوان على الناس، وقد جاء في الحديث: \"ما من ذنب أجدر أن يعجل الله عقوبته في الدنيا، مع ما يدخر لصاحبه في الآخرة؛ من البغي وقطيعة الرحم\" (^٤٠).\nوقوله: ﴿يَعِظُكُمْ﴾ أي: يأمركم بما يأمركم به من الخير، وينهاكم [عما ينهاكم] [¬٢] عنه من الشر ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾. و[¬٣] قال الشعبي: عن [شتير بن شكل] [¬٤]، سمعت ابن مسعود يقول: أن أجمع آية في القرآن في سورة النحل: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ الآية. رواه بن جرير.\nوقال سعيد: عن قتادة قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ الآية. ليس من خلق حسن كان أهل الجاهلية يعملون به ويستحسنونه إلا أمر الله به، وليس من خلق سيئ كانوا يتعايرونه بينهم إلا نهى الله عنه وقدم فيه، وإنما نهى عن سفاسف [¬٥] الأخلاق ومذامها [¬٦].\nقلت: ولهذا جاء في الحديث: \"إن الله يحب معالي الأخلاق ويكره\n_________\n(^٤٠) - أخرجه أبو داود في كتاب الأدب، باب: في النهي عن البغي، حديث (٢٩٠٢) (٤/ ٢٧٦). والترمذي في كتاب صفة القيامة والرقائق والورع، باب: (٥٧)، حديث (٢٥١١) (٤/ ٥٧٣). وابن ماجه في كتاب الزهد، باب: البغي، حديث (٤٢١١) (٢/ ١٤٠٨). والبخاري في الأدب المفرد برقم (٢٩) كما في صحيح الأدب المفرد للألباني برقم (٢٣). والحاكم (٢/ ٣٥٦) وصححه ووافقه الذهبي، (٤/ ١٦٢، ١٦٣) وقال عقب الثاني: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. كلهم من حديث أبي بكرة ﵁ فذكره قال الترمذي: حسن صحيح. وانظر السلسة الصحيحة برقم (٩١٨).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز، \"عن الذي ينهى ذي\"، خ: \"عن الذي ينهاني\".\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين في ز: \"بشير سكُل\"، خ: \"بشير سكنك\".\n[¬٥]- في ز، خ: \"سفاسفة\".\n[¬٦]- في ز: \"مذاقها\".","vol":"8","page":344},{"text":"سفسافها [¬١] \" (^٤١).\nو[¬٢] قال الحافظ أبو نعيم في كتابه: \"كتاب معرفة الصحابة\": حدثنا أبو بكر محمَّد بن الفتح الحنبلي، حدثنا يحيى بن محمَّد مولى بني هاشم، حدثنا الحسن بن داود المنكدري، حدثنا عمر بن علي المقدمي، عن علي بن عبد الله [¬٣] بن عمير، عن أبيه قال: بلغ أكثم بن صيفي مخرج النبي ﷺ، فأراد أن يأتيه، فأبى قومه أن يَدَعُوه، وقالوا: أنت [¬٤] كبيرنا لم تكن لتخف إليه. قال: فليأته من يبلغه عني ويبلغني عنه. فانتدب رجلان فأتيا النبي ﷺ، فقالا: نحن رسل أكثم بن صيفي، وهو يسألك من أنت وما أنت [¬٥]؟ فقال النبي ﷺ: \"أما من أنا: فأنا محمَّد بن عبد الله، وأما ما أنا: فأنا عبد الله ورسوله\". قال: ثم تلا عليهم هذه الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ قالوا: اردد علينا هذا القول. فردده عليهم حتى حفظوه، فأتيا أكثم، فقالا: أبى أن يرفع نسبه، فسألنا عن نسبه فوجدناه زاكي النسب، واسطًا. في مضر وقد رمى إلينا بكلمات قد سمعناها، فلما سمعهن أكثم قال: إني [] [¬٦] أراه يأمر بمكارم الأخلاق، وينهى عن ملائمها، فكونوا في هذا الأمر رءرسًا ولا تكونوا فيه أذنابًا.\nوقد ورد في نزول هذه الآية الكريمة [¬٧] حديث حسن رواه الإمام أحمد (^٤٢):\nحدثنا أبو النضر، حدثنا عبد الحميد، حدثنا شهر، حدثني عبد الله بن عباس قال: بينما رسول الله ﷺ بفناء بيته جالس، إذ مر به عثمان بن مظعون، فكشر إلى رسول الله ﷺ، فقال له رسول الله ﷺ: \"ألا\n_________\n(^٤١) - أخرجه الحاكم (١/ ٤٨) وصححه، والطبراني في الأوسط (٣/ ٢١٠) حديث (٢٩٤٠)، وأبو نعيم في الحلية (١٣٣١٨). والبيهقي (١٠/ ١٩١) كتاب الشهادات، باب: بيان مكارم الأخلاق ومعاليها …، كلهم من حديث سهل بن سعد فذكره بنحوه. والحديث ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ١٩١). وقال رواه الطبراني في الكبير والأوسط بنحوه إلا أنه قال: يحب معالى الأخلاق، ورجال الكبير ثقات. والحديث صححه الحافظ العراقي أيضًا في تخريج أحاديث الإحياء برقم (٢٠٧٨). وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة برقم (١٣٧٨).\n(^٤٢) - أخرجه أحمد (١/ ٣١٨).\n_________\n[¬١]- في خ: \"سفاسفها\".\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- في ز، خ: \"الملك\".\n[¬٤]- في ز: \"ائت\".\n[¬٥]- في ز، خ: \"جئت به\".\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين في ز: \"قد\".\n[¬٧]- زيادة من: ز.","vol":"8","page":345},{"text":"تجلس؟ \" فقال: بلى. قال: فجلس رسول الله ﷺ مستقبله، فبينما هو يحدثه إذ شخص رسول الله ﷺ ببصره إلى السماء، فنظر ساعة [إلى السماء] [¬١]، فأخذ يضع بصره حتى وضعه على يمنته في الأرض، فتحرف رسول الله ﷺ عن جليسه عثمان إلى حيث وضع بصره، فأخذ ينغض رأسه كأنه يستفقه ما يقال له، وابن مظعون ينظر، فلما قضى حاجته، واستفقه ما يقال له، شخص [] [¬٢] بصر رسول الله ﷺ إلى السماء كما شخص أول مرة، فأتبعه بصره حتى توارى في السماء، فأقبل إلى عثمان بجلسته الأولى، فقال: يا محمَّد، فيما كنت أجالسك، ما رأيتك تفعل كفعلك الغداة. فقال [¬٣]: \"وما رأيتني فعلت؟ \" قال: رأيتك شخص بصرك إلى السماء، ثم وضعته حيث وضعته على يمينك، فتحرفت إليه وتركتني، فأخذت تنغض رأسك كأنك تستفقه شيئًا يقال لك. قال: \"وفطنت لذلك؟ \" فقال عثمان: نعم. قال رسول الله ﷺ: (أتاني رسول الله آنفًا وأنت جالس\". قال: رسول الله؟ قال: \"نعم\". قال: فما قال لك؟ قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾. قال عثمان: فذلك حين استقر الإِيمان في قلبي، وأحببت محمدًا ﷺ.\nإسناد جيد متصل حسن، قد بين فيه السماع المتصل، ورواه ابن أبي حاتم من حديث عبد الحميد بن بهرام مختصرًا.\nحديث آخر عن عثمان بن أبي العاص الثقفي في ذلك؛ قال الإمام أحمد (^٤٣):\nحدثنا أسود بن عامر، حدثنا هريم، عن ليث، عن شهر بن حوشب، عن عثمان بن أبي العاص [¬٤] قال: كنت عند رسول الله ﷺ جالسًا إذ شخص بصره، فقال: \"أتاني جبريل فأمرني أن أضع هذه الآية بهذا الموضع من هذه السورة: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ الآية\". وهذا إسناد لا بأس به، ولعله عند شهر بن حوشب من الوجهين، والله أعلم.\n﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ\n_________\n(^٤٣) - أخرجه أحمد (٤/ ٢١٨) رقم (١٧٩٧٢). وقال الهيثمي في المجمع (٧/ ٤٨): رواه أحمد والطبراني، وشهر وثقه أحمد وجماعة وفيه ضعف لا يضر، وبقية رجاله ثقات. ا هـ.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"إليّ\".\n[¬٢]- في خ: بصره.\n[¬٣]- في ز: \"قال\".\n[¬٤]- في خ: \"العاصي\".","vol":"8","page":346},{"text":"جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ (٩١) وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيمَانَكُمْ دَخَلًا بَينَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٩٢)﴾\nوهذا مما [¬١] بأمر الله [¬٢] تعالى به [¬٣]: وهو الوفاء بالعهود والمواثيق، والمحافظة على الأيمان المؤكدة، ولهذا قال: ﴿وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾.\nولا تعارض بين هذا [¬٤] ربين قوله: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا﴾. وبين قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيمَانَكُمْ﴾ أي: لا تتركوها بلا كفارة [¬٥]، وبين قوله ﵇ فيما ثبت عنه في الصحيحين (^٤٤) [أنه ﵊ قال] [¬٦]: \"إني والله إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرًا منها إلا أتيت الذي هو خير وتحللتها -وفي رواية- وكفرت عن يميني\". لا تعارض بين هذا كله، ولا بين الآية المذكورة ها هنا وهي [¬٧] قوله: ﴿وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾؛ لأن هذه الأيمان المراد بها: الداخلة [¬٨] في العهود والمواثيق، لا الأيمان التي هي واردة على حث أو منع، رلهذا قال مجاهد في قوله: ﴿لَا تَنْقُضُوا الْأَيمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ يعني: الحلف. أي: حلف الجاهلية، ويؤيده ما رواه الإمام أحمد (^٤٥):\n_________\n(^٤٤) - صحيح البخاري، كتاب الإيمان والنذور، باب: قول الله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْو فِي أَيمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيمَانَ …﴾ إلى قوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾، حديث (٦٦٢٣) (١١/ ٥١٧) وطرفه في (٦٧١٨).\nومسلم، كتاب الأيمان، باب: ندب من حلف يمينًا، فرأى غيرها خيرًا منها، أن يأتي الذي هو خير وكفر عن يمينه، حديث (٧/ ١٦٤٩) (١١/ ١٥٦).\nكلاهما من حديث أبي موسى الأشعري ﵁ وفيه قصة.\n(^٤٥) - المسند (٤/ ٨٣) رقم (١٦٨١١).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"إنما\".\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- زيادة في \"خ\".\n[¬٤]- في ز، خ: \"هذه\".\n[¬٥]- في ز، خ: \"تكفير\".\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٧]- في ز، خ: \"وفي\".\n[¬٨]- في ز: \"المداخلة\".","vol":"8","page":347},{"text":"حدثنا عبد الله بن محمَّد -هو ابن أبي شيبة- حدثنا ابن نمير وأبو أسامة، عن زكريا -وابن أبي زائدة- عن سعد بن إبراهيم، عن أبيه، عن جبير بن مطعم قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا حلف في الإِسلام، وأيما حلف كان في الجاهلية [فإنه لا يزيده] [¬١] الإِسلام إلا شدة\".\nوكذا رواه مسلم (^٤٦) عن ابن أبي شيبة به. ومعناه: أن الإِسلام لا يحتاج معه إلى الحلف الذي كان أهل الجاهلية يفعلونه، فإن في التمسك بالإِسلام كفاية عما كانوا فيه.\nوأما ما ورد في الصحيحين (^٤٧) عن عاصم الأحول، عن أنس ﵁ أنه قال: حالف رسول الله ﷺ بين المهاجرين والأنصار في دارنا. فمعناه: أنه آخى بينهم فكانوا يتوارثون به، حتى نسخ الله ذلك، والله أعلم.\nوقال ابن جرير (^٤٨): حدثني محمَّد بن عمارة الأسدي، حدثنا عبد الله بن موسى، [أخبرنا ابن أبي] [¬٢] ليلى، عن مزيدة في قوله: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾ [] [¬٣] قال: نزلت في بيعة [¬٤] النبي ﷺ، كان من أسلم بايع النبي ﷺ على الإِسلام فقال [¬٥]: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾ هذه البيعة التي بايعتم على الإِسلام ﴿وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾: البيعة، لا يحملنكم قلة محمَّد وأصحابه [¬٦] وكثرة المشركين أن تنقضوا البيعة التي بايعتم على الإسلام.\nوقال الإِمام أحمد: حدثنا إسماعيل، حدثنا صخر بن جويرية، عن نافع قال: لما خلع الناس يزيدَ بن معاوية، جمع ابن عمر بنيه وأهله، ثم تشهد، ثم قال: أما بعد، فإنا قد بايعنا هذا الرجل على بيعة [¬٧] الله ورسوله، وإني سمعت رسول الله ﷺ\n_________\n(^٤٦) - صحيح مسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب: مؤاخاة النبي ﷺ بين أصحابه، حديث (٢٠٦/ ٢٥٣٠) (١٦/ ١٢٣).\n(^٤٧) - أخرجه البخاري في كتاب الكفالة، باب: قول الله ﷿: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾، حديث (٢٢٩٤) (٤/ ٤٧٢) وطرفاه في (٦٠٨٣ - ٧٣٤٠). ومسلم في كتاب فضائل الصحابة، باب: مؤاخاة النبي ﷺ لكن أصحابه - رضي الله تعالى عنهم- حديث (٢٠٤/ ٢٥٢٩) (١٦/ ١٢٢).\n(^٤٨) - تفسير الطبري (٤/ ١٦٤).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ز: \"لم يزده\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في خ: \"أنبأنا أبو ليلى\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في ز: \"ثم\".\n[¬٤]- في خ: \"بيع\".\n[¬٥]- في ز: \"فقالوا\".\n[¬٦]- سقط من: ز، خ.\n[¬٧]- في ز، خ: \"بيع\".","vol":"8","page":348},{"text":"يقول: \"إن الغادر ينصب له لواء يوم القيامة، فيقال: هذه غدرة فلان وإن من أعظم الغدر -إلا أن يكون الإشراك بالله- أن يبايع رجل رجلًا على بيعة [¬١] الله ورسوله ثم ينكث بيته\" فلا يخلعنّ [¬٢] أحد منكم يزيد، ولا يسرفن أحد منكم في هذا الأمر، فيكون [صيلم] (*) بيني وبينه (^٤٩).\nالمرفوع منه في الصحيحين (^٥٠).\nوقال الإِمام أحمد (^٥١): حدثنا يزيد، حدثنا حجاج، عن عبد الرحمن بن عابس، عن أبيه، عن حذيفة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"من شرط لأخيه شرطًا لا يريد أن يفي له به، فهو كالمدلي جاره إلى غير منعة\".\nوقوو: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ تهديد ووعيد لمن نقض الأيمان بعد توكيدها.\nوقوله: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا﴾ قال عبد الله بن كثير والسدي: هذه امرأة خرقاء كانت بمكة، كلما غزلت شيئًا نقضته بعد إبرامه.\nوقال مجاهد وقتادة وابن زيد: هذا مثل لمن نقض عهده بعد توكيده.\nوهذا القول أرجح وأظهر، وسواء كان بمكة امرأة تنقض غزلها أم لا.\nوقوله ﴿أَنْكَاثًا﴾ يحتمل أن يكون اسم مصدر ﴿نَقَضَتْ غَزْلَهَا [مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ] [¬٣] أَنْكَاثًا﴾ أي: أنقاضًا، ويحتمل أن يكون بدلًا عن خبر كان، أي: لا تكونوا أنكاثا، جمع نكث من ناكث، ولهذا قال بعده: ﴿تَتَّخِذُونَ أَيمَانَكُمْ دَخَلًا بَينَكُمْ﴾ أي: خديعة ومكرًا ﴿أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ﴾ أي: تحلفون للناس، إذا كانوا أكثر منكم ليطمئنوا إليكم، فإذا أمكنكم الغدر بهم غدرتم، فنهى الله عن ذلك؛ لينبه بالأدنى على الأعلى، إذا كان قد نهى عن الغدر والحالة هذه، فلأن ينهى عنه مع التمكن والقدرة بطريق\n_________\n(*) - الصيلم القطعة.\n(^٤٩) - المسند (٢/ ٤٨) (٥٠٨٨).\n(^٥٠) - أخرجه البخاري في كتاب الجزية والموادعة، باب: إثم الغادر للبر والفاجر، حديث (٣١٨٨) (٦/ ٢٨٣)، وأطرافه في (٦١٧٧، ٦١٧٨، ٦٩٦٦، ٧١١١). ومسلم في كتاب الجهاد والسير، باب: تحريم الغدر، حديث (٩، ١٠، ١١/ ١٧٣٥) (١٢/ ٦٢ - ٦٤).\n(^٥١) - أخرجه أحمد (٤/ ٤٠٥) رقم (٢٣٥٤٥)، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٤/ ٢٠٥) وعزاه لأحمد وقال: \"وفيه الحجاج بن أرطاة، وهو ثقة مدلس، وبقية رجاله رجال الصحيح\".\n_________\n[¬١] في ز، خ: \"بيع\".\n[¬٢]- في ز: \"يجعلن\".\n[¬٣] ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"8","page":349},{"text":"الأولى.\nوقد قدمنا ولله الحمد في سورة الأنفال قصة معاوية لما كان بينه وبين ملك الروم أمد، فسار معاوية إليهم في آخر الأجل، حتى إذا انقضى وهو قريب من بلادهم أغار عليهم، وهم غارون [¬١] و[¬٢] لا يشعرون، فقال له عمرو بن عبسة [¬٣]: الله أكبر يا معاوية، وفاء لا غدرًا، سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"من كان بينه وبين قوم أجل فلا يحلن عقدة حتى ينقضي أمدها\". فرجع معاوية [بالجيش ﵁ وأرضاه] [¬٤].\nقال ابن عباس: ﴿أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ﴾ أي: أكثر.\nوقال مجاهد: كانوا يحالفون الحلفاء، فيجدون أكثر منهم وأعز، فينقضون حلف هؤلاء ويحالفون أولئك الذين هم أكثر وأعز، فنهوا عن ذلك.\nوقال الضحاك وقتادة وابن زيد نحوه.\nوقوله ﴿إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ﴾ قال سعيد بن جبير: يعني بالكثرة. رواه ابن أبي حاتم.\nوقال ابن جرير: أي: بأمره إياكم بالوفاء بالعهد.\n﴿وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ فيجازي كل عامل بعمله من خير وشر.\n﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٩٣) وَلَا تَتَّخِذُوا أَيمَانَكُمْ دَخَلًا بَينَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٩٤) وَلَا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا إِنَّمَا عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٩٥) مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٦)﴾\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"عادون\".\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- في خ: \"عتبة\".\n[¬٤]- في ت: \"﵁ بالجيش\".","vol":"8","page":350},{"text":"يقول الله [¬١] تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ﴾ أيها الناس أمة واحدة، كقول تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ أي: لوفق بينكم، ولما جعل اختلافًا ولا تباغضًا ولا شحناء ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إلا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ وهكذا قال ها هنا: ﴿وَلَكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ ثم يسألكم يوم القيامة عن جميع أعمالكم، فيجازيكم عليها؛ على الفتيل والنقير والقطمير، ثم حذر تعالى عباده من [¬٢] اتخاذ الأيمان دخلًا أي: خديعة ومكرًا؛ لئلا تزل قدم بعد ثبوتها، مثل لمن كان على الاستقامة [¬٣] فحاد عنها، وزل عن طريق الهدى بسبب الأيمان الحانثة المشتملة على الصد عن سبيل الله؛ لأن الكافر إذا رأى أن المؤمن قد عاهده ثم غدر به، لم يبق له وثوق بالدين فانصد بسببه عن الدخول في الإسلام، ولهذا قال: ﴿وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾.\nثم قال تعالى: ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ أي: لا تعتاضوا عن الأيمان بالله عرض الحياة الدنيا وزينتها فإنها قليلة، ولو حيزت لابن آدم الدنيا بحذافيرها لكان ما عند الله هو خير له، أي: جزاء الله وثوابه خير لمن رجاه وآمن به، وطلبه وحفظ عهده [¬٤] رجاء موعوده، ولهذا قال: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٩٥) مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ﴾ أي: يفرغ وينقضي، فإنه إلى أجل معدود محصور مقدر متناه ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ أي: وثوابه لكم في الجنة بأن لا انقطاع [ولا نفاد له]، فإنه دائم لا يحول ولا يزول ﴿وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ قسم من الرب تعالى [¬٥] مؤكد [¬٦] باللام: أنه يجازي الصابرين بأحسن أعمالهم، أي: ويتجاوز عن سيئها.\n﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧)﴾\nهذا وعد من الله تعالى لمن عمل صالحا - وهو العمل المتابع لكتاب الله تعالى وسنة نبيه [ﷺ] من ذكر أو أنثى من بني آدم، وقلبه مؤمن بالله ورسوله، وأن هذا العمل المأمور به مشروع من عند الله - بأن يحييه الله حياة طيبة في الدنيا، وأن يجزيه [¬٧]\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- في خ: \"عن\"، والمثبت من: ز.\n[¬٣]- في ز: \"استقامة\".\n[¬٤]- في ز، خ: \"عبد الله\".\n[¬٥]- في خ: \"﷿\".\n[¬٦]- في ز: \"متلقى\".\n[¬٧]- في ز: \"يجزى\".","vol":"8","page":351},{"text":"بأحسن [ما عمله] [¬١] في الدار الآخرة.\nوالحياة المطبعة تشتمل [¬٢] وجوه الراحة من أي جهة كانت، وقد روي عن ابن عباس وجماعة أنهم فسروها: بالرزق الحلال الطيب.\nوعن علي بن أبي طالب ﵁ أنه فسرها: بالقناعة، وكذا قال ابن عباس وعكرمة ووهب بن منبه.\nوقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: إنها هي [¬٣] السعادة.\nوقال الحسن ومجاهد وقتادة: لا يطلب لأحد حياة [¬٤] إلا في الجنة.\nوقال الضحاك: هي الرزق الحلال والعبادة في الدنيا، وقال الضحاك أيضًا: هي [¬٥] العمل بالطاعة والانشراح بها.\nوالصحيح أن الحياة الطيبة تشمل هذا كله، كما جاء في الحديث الذي رواه الإِمام أحمد (^٥٢):\nحدثنا عبد الله بن يزيد، حدثنا سعيد بن أبي أيوب، حدثني شرحبيل بن شريك، عن أبي عبد الرحمن الحبلي، عن عبد الله بن عمرو، أن رسول الله ﷺ قال: \"قد أفلح من أسلم، ورزق كفافًا، وقنعه الله بما آتاه\".\nورواه مسلم (^٥٣) من حديث عبد الله بن يزيد المقري به.\nوروى الترمذي (^٥٤) والنسائي (^٥٥) من حديث أبي هانئ، عن أبي علي الجنبي [¬٦]، عن فضالة بن عبيد، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: \"قد أفلح من هدي\n_________\n(^٥٢) - المسند (٢/ ١٦٨).\n(^٥٣) - صحيح مسلم، كتاب الزكاة، حديث (١٠٥٤) (٧/ ٢٠٤ - ٢٠٥).\n(^٥٤) - سنن الترمذي، كتاب الزهد، باب: ما جاء في الكفاف والصبر عليه، حديث (٢٣٤٩) ٤١/ ٤٩٧ - ٤٩٨)، وقال: هذا حديث حسن صحيح.\n(^٥٥) - سنن النسائي الكبرى، كتاب الرقائق، حديث (١١٠٣٣).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في خ: \"تشمل\".\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- في ز: \"الحياة\".\n[¬٥]- في ز: \"هو\".\n[¬٦]- في ز: \"الجهني\".","vol":"8","page":352},{"text":"للإسلام [¬١]، وكان عيشه كفافًا، وقنع به\". وقال الترمذي: هذا [¬٢] حديث صحيح.\nوقال الإِمام أحمد (^٥٦): حدثنا يزيد، حدثنا همام، عن يحيى، عن قتادة، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن الله لا يظلم المؤمن حسنة، [يعطى بها في الدنيا] [¬٣]، [ويثاب عليها في الآخرة، وأما الكافر فيعطيه حسناته في الدنيا] [¬٤]، حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم تكن له حسنة يعطى بها خيرًا\". انفرد بإخراجه مسلم (^٥٧).\n﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيطَانِ الرَّجِيمِ (٩٨) إِنَّهُ لَيسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩) إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ (١٠٠)﴾\nهذا أمر من الله تعالى لعباده [¬٥]، على لسان نبيه ﷺ، إذا أرادوا قراءة القرآن: أن يستعيذوا بالله من الشيطان الرجيم، وهو أمر ندب ليسر بواجب، حكى [الإجماع على ذلك] [¬٦] أبو جعفر بن جرير وغيره من الأئمة، وقد قدمنا الأحاديث الواردة في الاستعاذة مبسوطة في أول التفسير، ولله الحمد والمنة.\nوالمعنى في الاستعاذة عند ابتداء القراءة لئلا يلبس على القارئ قراءته، ويخلط عليه، ويمنعه من التدبر والتفكر. ولهذا ذهب الجمهور إلى أن الاستعاذة إنما تكون قبل [¬٧] التلاوة، وحكي عن حمزة وأبي حاتم السجستاني أنها تكون بعد التلاوة، واحتجا بهذه الآية، ونقل النووي [¬٨] في شرح المهذب مثل ذلك عن أبي هريرة أيضًا ومحمد بن سيرين وإبراهيم النخعي، والصحيح الأول لما تقدم من الأحاديث الدالة على تقدمها على التلاوة، والله\n_________\n(^٥٦) - أخرجه أحمد (٣/ ١٢٣).\n(^٥٧) - أخرجه مسلم في كتاب صفات المنافقين وأحكامهم، باب: جزاء المؤمن بحسناته في الدنيا والآخرة، وتعجيل حسنات الكافر في الدنيا، حديث (٥٦، ٥٧/ ٢٨٠٨) (١٧/ ٢١٩).\n_________\n[¬١]- في ز: \"إلى الإسلام\".\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- في ز: \"عباده\".\n[¬٦]- في ز، خ: \"على ذلك الإجماع الإمام\".\n[¬٧]- في ز، خ: \"قبيل\".\n[¬٨]- في ز: \"النواوي\".","vol":"8","page":353},{"text":"أعلم.\nوقوله: ﴿إِنَّهُ لَيسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ قال الثوري: ليس له عليهم سلطان أن يوقعهم في ذنب [] [¬١] لا يتوبون منه.\nوقال آخرون: معناه لا حجة له عليهم. [وقال آخرون: كقوله: ﴿إلا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾.\n﴿إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ﴾ قال مجاهد: يطيعونه] [¬٢].\nوقال آخرون: اتخذوه وليًّا من دون الله.\n﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ أي: أشركوه في عبادة الله، ويحتمل أن تكون الباء سببية، أي: صاروا بسبب طاعتهم للشيطان مشركين بالله تعالى.\nوقال آخرون: معناه أنه شركهم في الأموال والأولاد.\n﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٠١) قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (١٠٢)﴾\nيخبر تعالى عن ضعف عقول المشركين، وقلة ثباتهم وإيقانهم، وأنه لا يتصور منهم الإيمان، وقد كتب عليهم الشقاوة، وذلك أنهم إذا رأوا تغيير الأحكام ناسخها بمنسوخها قالوا لرسول [¬٣] [الله ﷺ] [¬٤]: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ﴾ أي: كذاب، وإنما هو الرب تعالى يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد.\nو[¬٥] قال مجاهد: ﴿بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ﴾ أي: رفعناها وأثبتنا غيرها.\nوقال قتادة: هو كقوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾ الآية.\nقال [¬٦] تعالى مجيبًا لهم: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ [] [¬٧]﴾ أي: جبريل ﴿مِنْ رَبِّكَ\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ز: \"أن\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين زيادة في: ت.\n[¬٣]- في خ: \"للرسول\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٥]- سقط من: ز.\n[¬٦]- في ز: \"فقال\".\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"من ربك\".","vol":"8","page":354},{"text":"بِالْحَقِّ﴾ أي: بالصدق والعدل ﴿لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فيصدقوا بما أنزل [¬١] أولًا وثانيًا، وتخبت له قلوبهم ﴿وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ أي: وجعله هاديًا وبشارة للمسلمين الذين آمنوا بالله ورسله [¬٢].\n﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (١٠٣)﴾\nيقول تعالى مخبرًا عن المشركين ما كانوا يقولونه من الكذب والافتراء والبهت: أن محمدًا إنما يعلمه هذا الذي يتلوه علينا من القرآن بشر، يشيرون إلى رجل أعجمي كان بين أظهرهم غلام لبعض بطون قريش، وكان بياعا يبيع عند الصفا، وربما [¬٣] كان رسول الله ﷺ يجلس إليه ويكلمه بعض الشيء، وذاك كان أعجمي اللسان لا يعرف العربية [¬٤]، أو أنه كان يعرف الشيء اليسير بقدر ما يرد جواب الخطاب فيما لا بد منه، فلهذا قال الله تعالى رادًّا عليهم في افترائهم ذلك: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ يعني [¬٥]: القرآن [¬٦] أي: فكيف يتعلم من جاء بهذا القرآن في فصاحت، وبلاغته، ومعانيه التامّة الشاملة، التي هي أكمل من معاني كل كتاب نزل على [نبيّ أُرْسِلَ] [¬٧]، كيف يتعلم من رجل أعجمي؟ لا يقول هذا من له أدنى مسكة من العقل.\nقال محمَّد بن إسحاق بن يسار في السيرة: كان رسول الله ﷺ فيما بلغني كثيرًا ما يجلس عند المروة إلى مبيعة [¬٨] غلام نصراني قال له جبر، عبد لبعض [¬٩] بني الحضرمي [فكانوا يقولون: والله ما يعلم محمدًا كثيرًا مما يأتي به إلا جبرٌ النصراني غلام بني الحضرمي] [¬١٠] فأنزل الله: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾.\nوكذا قال عبد الله بن كثير، و[¬١١] عن عكرمة وقتادة: كان اسمه يعيش.\n_________\n[¬١]- في ز: \"نزل\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"ورسوله\".\n[¬٣]- في ز: \"فربما\".\n[¬٤]- في ز: \"بالعربي\".\n[¬٥]- في خ: \"أي\"، والمثبت من: ز.\n[¬٦]- في خ: \"بالقرآن\".\n[¬٧]- في خ: \"بني إسرائيل\".\n[¬٨]- في ز: \"سبيعة\".\n[¬٩]- سقط من: خ.\n[¬١٠]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬١١]- سقط من: ز.","vol":"8","page":355},{"text":"وقال ابن جرير (^٥٨): حدثني أحمد بن محمد الطوسي، حدثنا أبو عامر، حدثنا إبراهيم بن طهمان، عن مسلم بن عبد الله الملائي، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: كان رسول الله ﷺ يعلم [¬١] قينا بمكة، وكان اسمه بلعام، وكان أعجمي اللسان، وكان المشركون يرون رسول الله ﷺ يدخل عليه ويخرج من عنده، فقالوا: إنما يعلمه بلعام، فأنزل الله هذه الآية: ﴿ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين﴾.\nوقال الضحاك بن مزاحم: هو سلمان [¬٢] الفارسي. وهذا القول ضعيف، لأن هذه الآية مكية، وسلمان إنما أسلم بالمدينة، وقال عبيد الله بن مسلم: كان لنا غلامان [¬٣] روميان يقرآن كتابًا [¬٤] لهما بلسانهما، فكان النبي ﷺ يمر بهما فيقوم فيسمع منهما، فقال المشركون: يتعلم منهما، فأنزل الله هذه الآية.\nوقال الزهريّ، عن سعيد بن المسيب: الذي قال ذلك من المشركين رجل كان يكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه رسلم، فارتد بعد ذلك عن الإسلام، وافترى هذه المقالة قبحه الله.\n﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ لَا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٠٤) إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ (١٠٥)﴾\nيخبر تعالى: أنه لا يهدي من أعرض عن ذكره، وتغافل عما أنزله على رسوله [ﷺ]، ولم يكن له قصد إلى الإيمان بما جاء من عند الله، فهذا الجنس من الناس لا يهديهم الله إلى الإِيمان بآياته وما أرسلَ به رسله في الدنيا، ولهم عذاب أليم موجع في الآخرة.\nثم أخبر تعالى أن رسوله ﷺ ليس بمفتر ولا كذاب؛ لأنه إنما يفتري\nالكذب على الله وعلى رسوله [ﷺ] شرار الخلق ﴿الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ\n_________\n(^٥٨) - أخرجه الطبري (١٤/ ١٧٧).\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في ز: \"لسلمان\".\n[¬٣]- في ز: \"عاملان\".\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.","vol":"8","page":356},{"text":"الله﴾ من الكفرة و[¬١] الملحدين المعروفين [¬٢] بالكذب عند الناس، والرسول محمد ﷺ كان أصدق الناس وأبرهم، وأكملهم علمًا وعملًا وإيمانًا وإيقانًا، معروفًا بالصدق في قومه، لا يشك في ذلك أحد منهم، بحيث لا يدعى بينهم إلا بالأمين محمد، ولهذا لما سأل هرقل ملك الروم أبا سفيان عن تلك المسائل التي سألها من صفة رسول الله ﷺ، كان فيما قال له: هل [¬٣] كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قال: لا. فقال هرقل: فما كان ليدع الكذب على الناس ويذهب فيكذب على الله ﷿ (^٥٩).\n﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٦) ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (١٠٧) أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٠٨) لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ (١٠٩)﴾\nأخبر تعالى عمن كفر به بعد الإيمان والتبصر، وشرح صدره بالكفر واطمأن به -أنه قد غضب عليه؛ لعلمهم بالإِيمان ثم عدولهم عنه، وأن لهم عذابًا عظيمًا في الدار الآخرة؛ لأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة، فأقدموا على ما أقدموا عليه من الردة لأجل الدنيا، ولم يهد الله قلوبهم، ويثبتهم على الدين الحق، فطبع على قلوبهم [فهم لا] [¬٤] يعقلون بها شيئًا ينفعهم، وختم على سمعهم وأبصارهم فلا ينتفعون بها، ولا أغنت عنهم شيئًا\n_________\n(^٥٩) - أخرج القصة بطولها وفيها كتاب النبي ﷺ إلى هرقل، البخاري في كتاب بدء الوحي، باب (٧)، حديث (٦) (١/ ٣١ - ٣٣) وأطرافه في (٥١، ٢٦٨١، ٢٨٠٤، ٢٩٤١، ٢٩٧٨، ٣١٧٤، ٤٥٥٣، ٥٩٨٠، ٦٢٦٠، ٧١٩٦، ٧٥٤١). ومسلم في كتاب الجهاد والسير، باب: كتاب النبي ﷺ إلى هرقل يدعوه إلى الإسلام، حديث (٧٤/ ١٧٧٣) (١٢/ ١٤٧ - ١٥٣).\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- في ز: \"المعروفون\".\n[¬٣]- في ز: \"أو\".\n[¬٤]- في ز: \"فلا\".","vol":"8","page":357},{"text":"فهم [¬١] غافلون عما يراد بهم.\n﴿لَا جَرَمَ﴾ أي: لا بد ولا عجب أن من هذه صفته ﴿أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ أي: الذين خسروا أنفسهم وأهليهم [¬٢] يوم القيامة.\nوأما قوله: ﴿إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان﴾ فهو استثناء ممن [¬٣] كفر بلسانه، ووافق المشركين بلفظه، مكرهًا لما ناله من ضرب وأذى، وقلبه يأبى [¬٤] ما يقول، وهو مطمئن بالإِيمان بالله ورسوله.\nوقد روى العوفي، عن ابن عباس: أن هذه الآية نزلت في عمار بن ياسر، حين عذبه المشركون حتى يكفر بمحمد ﷺ، فوافقهم على ذلك مكرهًا، وجاء معتذرًا إلى النبي ﷺ، فأنزل الله هذه الآية. وهكذا قال الشعبي [وقتادة وأبو مالك].\nوقال ابن جرير (^٦٠): حدثنا ابن عبد الأعلى، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن عبد الكريم الجزري [¬٥]، عن أبي عبيدة بن [¬٦] محمد بن عمار بن ياسر، قال: أخذ المشركون عمار بن ياسر، فعذبوه حتى قاربهم في بعض ما أرادوا، فشكا ذلك إلى النبي ﷺ، فقال النبي ﷺ: \"كيف تجد قلبك؟ \" قال: مطمئنًا بالإيمان. قال النبي ﷺ: \"إن عادوا فعد\".\nورواه البيهقي (^٦١) بأبسط من ذلك، وفيه أنه سب النبي ﷺ، وذٍ كر آلهتهم بخير، [فشكا ذلك إلى النبي ﷺ، فقال] [¬٧]: يا رسول الله، ما تُرِكتُ حتى سببتك، وذكرت آلهتهم بخير. قال: \"كيف تجد قلبك؟ \" قال: مطمئنًا بالإيمان. فقال [¬٨]: \"إن عادوا فعد\". وفي ذلك أنزل الله: ﴿إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان﴾.\nولهذا اتفق العلماء: على [أن المكره على الكفر يجوز له أن يوالي] [¬٩] إبقاء لمهجته،\n_________\n(^٦٠) - أخرجه الطبري (١٤/ ١٨٢).\n(^٦١) - أخرجه البيهقي (٨/ ٢٠٨ - ٢٠٩) كتاب المرتد، باب: المكره على الردة.\n_________\n[¬١]- في خ: \"ولاهم\"\n[¬٢]- في ز، خ: \"أهاليهم\".\n[¬٣]- في ز: \"فيمن\".\n[¬٤]- سقط من: خ.\n[¬٥]- في خ: \"الحوزى\".\n[¬٦]- سقط من: ز.\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"وأنه قال\".\n[¬٨]- في ز: \"وقال\".\n[¬٩]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"أنه يجوز أن يوالى المكره على الكفر\".","vol":"8","page":358},{"text":"ويجوز له أن يستقتل، كما كان بلال ﵁ يأبى عليهم ذلك، وهم يفعلون به الأفاعيل، حتى أنهم ليضعوا الصخرة العظيمة على صدره في شدة الحر، ويأمرونه بالشرك [¬١] بالله فيأبى عليهم، وهو يقول: أحد أحد. ويقول: والله لو أعلم كلمة هي [¬٢] أغيظ لكم منها لقلتها. ﵁ وأرضاه. وكذلك حبيب بن زيد الأنصاري لما قال له مسيلمة الكذاب: أتشهد أن محمدًا رسول الله؟ فيقول: نعم. فيقول: أتشهد [¬٣] أني رسول الله؟ فيقول لا أسمع. فلم يزل يقطعه إربًا إربا وهو ثابت على ذلك.\nوقال الإِمام أحمد (^٦٢): حدثنا إسماعيل، حدثنا أيوب، عن عكرمة: أن عليًّا ﵁ حرق ناسًا ارتدّوا عن الإِسلام، فبلغ ذلك ابن عباس فقال: لم أكن لأحرقهم بالنار، إن رسول الله ﷺ قال [¬٤]: \"لا تعذبوا بعذاب الله\"، وكنت أقاتلهم [¬٥] بقول رسول الله [] [¬٦] ﷺ: \"من بدل دينه فاقتلوه\". فبلغ ذلك عليًّا فقال: ويح [أم ابن] [¬٧] عباس. رواه البخاري (^٦٣).\nوقال الإمام أحمد (^٦٤) أيضًا: حدثنا عبد الرزاق، أنبأنا معمر، عن أيوب، عن حميد بن هلال العدوي، عن أبي بردة قال: قدم على أبي موسى معاذ بن جبل باليمين، فإذا رجل عنده، قال: ما هذا؟ قال: رجل كان يهوديًّا فأسلم، ثم تهود، ونحن نريده على الإسلام منذ -قال أحسبه- شهرين. فقال: والله لا أقعد حتى تضربوا عنقه. [فضربت عنقه] [¬٨]، فقال: قضى الله ورسوله أن من رجع عن دينه فاقتلوه أو قال: \"من بدل دينه فاقتلوه\".\nوهذه القصة في الصحيحين بلفظ آخر (^٦٥).\n_________\n(^٦٢) - أخرجه أحمد (١/ ٢١٧).\n(^٦٣) - أخرجه البخاري في كتاب استتابة المرتدين والمعاندين وقتالهم، باب: حكم المرتد والمرتدة واستتابتهم، حديث (٦٩٢٢) (١٢/ ٢٦٧).\n(^٦٤) - أخرجه أحمد (٥/ ٢٣١).\n(^٦٥) - أخرجه البخاري في كتاب استتابة المرتدكين والمعاندين وقتالهم باب: حكم المرتد والمرتدة واستتابتهم، حديث (٦٩٢٣) (١٢/ ٢٦٨). ومسلم في كتاب الإمارة، حديث (١٥/ ١٧٣٣) (١٢/ ٢٧٨ - ٢٨٨).\n_________\n[¬١] في ز، خ: \"أن يشرك\".\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في ز، خ: \"أشهد\".\n[¬٤]- سقط من: خ.\n[¬٥]- في ز: \"قاتلهم\".\n[¬٦]- في ز: \"قال رسول الله\".\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"ابن أم\".\n[¬٨] ما بين المعكوفتين سقط من: خ.","vol":"8","page":359},{"text":"والأفضل والأولى أن يثبت المسلم على دينه ولو أفضى إلى [¬١] قتله، كما ذكر [¬٢] الحافظ بن عساكر في ترجمة عبد الله بن حذافة السهمي أحد الصحابة: أنه أسرته الروم، فجاءوا به إلى ملكهم، فقال له: تنصر وأنا أشركك في ملكي وأزوجك ابنتي. فقال له: لو أعطيتني جميع ما تملك، وجميع ما تملكه العرب، على أن أرجع عن دين محمد [ﷺ] طرفة عين ما فعلت. فقال: إذا أقتلك. فقال [¬٣]: أنت وذاك. قال [¬٤]: فأمر به فصلب، وأمر الرماة فرموه قريبًا من يديه ورجليه، وهو يعرض عليه دين النصرانية فيأبى، ثم أمر به فأنزل، ثم أمر بقدر -وفي رواية: ببقرة من نحاس- فأحميت، وجاء بأسير من المسلمين فألقاه وهو ينظر، فإذا هو عظام يلوح، وعرض عليه فأبى، فأمر به أن يلقى فيها، فرفع في البكرة ليلقى فيها فبكى، فطمع فيه ودعاه، فقال له [¬٥]: إني إنما بكيت لأن نفسي إنما هي نفس واحدة تلقى في هذه القدر الساعة [في الله] [¬٦]، فأحببت أن يكون في بعدد كل شعرة في جسدي نفس تعذب هذا العذاب في الله. وفي بعض الروايات: إنّه سجنه ومنع عنه الطعام والشراب أيامًا، ثم أرسل إليه بخمر ولحم خنزير فلم يقربه، ثم استدعاه فقال: ما منعك أن تأكل؟ فقال: أما إنه قد حل لي ولكن لم أكن لأشمتك في. فقال له الملك: فقبل رأسي وأنا أطلقك فقال [¬٧]: [وتطلق معى جميع أسارى المسلمين؟ قال:] [¬٨] نعم [¬٩]. فقبل رأسه، فأطلقه وأطلق معه [¬١٠] جميع أسارى المسلمين عنده، فلما رجع قال عمر بن الخطاب ﵁: حق على كل مسلم أن يقبل رأس عبد الله بن حذافة وأنا أبدأ. فقام فقبل رأسه [﵄]-.\n﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٠) يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١١١)﴾\nهؤلاء صنف آخر كانوا مستضعفين بمكة مهانين في قومهم، قد واتوهم على الفتنة، ثم أنهم أمكنهم الخلاص بالهجرة، فتركوا بلادهم وأهليهم وأموالهم ابتغاء رضوان الله وغفرانه،\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- في ز، خ: \"قال\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ\n[¬٤]- في ز: \"قال\".\n[¬٥]- زيادة من: ز.\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٧]- سقط من: ز، خ.\n[¬٨]- في خ: \"وأطلق جميع أسارى المسلمين قال\".\n[¬٩]- سقط من: ز، خ.\n[¬١٠]- سقط من: خ.","vol":"8","page":360},{"text":"وانتظموا في سلك المؤمنين، وجاهدوا معهم الكافرين وصبروا، فأخبر الله [¬١] تعالى أنه ﴿من بعدها﴾ أي: تلك الفعلة وهي الإِجابة إلى الفتنة ﴿لغفور﴾ لهم ﴿رحيم﴾ بهم يوم معادهم ﴿يوم تأتي نفس تجادل﴾ أي: تحاج ﴿عن نفسها﴾ ليس أحد يحاج عنها، لا أب ولا ابن، ولا أخ ولا زوج [¬٢] ﴿وتوفى كل نفس ما عملت﴾ أي: من خير وشر ﴿وهم لا يظلمون﴾ أي لا [لا] [¬٣] ينقص من ثواب الخير، ولا يزاد على ثواب الشر، ولا يظمون نقيرًا.\n﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (١١٢) وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ (١١٣)﴾\nهذا مثل أريد به أهل مكة؛ فإنها كانت آمنة مطمئنة مستقرة، يتخطف الناس من حولها، ومن دخلها [كان آمنًا] [¬٤] لا يخاف، كما قال تعالى: ﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا﴾ وهكذا قال هاهنا: ﴿يأتيها رزقها رغدًا﴾ أي: هنيئًا سهلًا ﴿من كل مكان فكفرت بأنعم الله﴾ أي: جحدت آلاء الله عليها، وأعظمها [¬٥] بعثة محمد ﷺ إليهم، كما قال تعالى ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ (٢٨) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ [¬٦] الْقَرَارُ﴾ ولهذا بدلهم الله بحاليهم الأولين خلافهما، فقال: ﴿فأذاقها الله لباس الجوع والخوف﴾ أي: ألبسها وأذاقها الجوع بعد أن كان يجبى إليهم ثمرات كل شيء، ويأتيها رزقها رغدًا من كل مكان، وذلك لما استعصوا على رسول الله ﷺ، وأبوا إلا خلافه، فدعا عليهم بسبع كسبع يوسف، فأصابتهم سنة أذهبت كل شيء لهم، فأكلوا العلهز [¬٧]: وهو وبر البعير يخلط [¬٨] بدمه إذا نحروه.\n_________\n[¬١]- سقط من: ت.\n[¬٢]- في ز: \"زوجة\".\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين في ز: \"أمن\".\n[¬٥]- في ز: \"أعظم ذلك\".\n[¬٦]- في ز، خ: \"فبئس\".\n[¬٧]- في ز: \"العهر\"، خ: \"العهن\".\n[¬٨]- في خ: \"يحبل\".","vol":"8","page":361},{"text":"وقوله: ﴿والخوف﴾ وذلك أنهم بدلوا بأمنهم خوفًا من رسول الله ﷺ وأصحابه حين هاجروا إلى المدينة، من سطوة [¬١] سراياه وجيوشه، وجعل [¬٢] كل مالهم في [دمار وسفال]، حتى فتحها الله عليهم، وذلك بسبب صنيعهم وبغيهم، وتكذيبهم الرسول ﷺ الذي بعثه الله فيهم [¬٣]، وامتن به عليهم في قوله: ﴿لقد منّ الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولًا من أنفسهم﴾ الآية. وقوله [¬٤] تعالى: ﴿فاتقوا الله يا أولي الألباب الذين آمنوا قد أنزل الله إليكم ذكرًا * رسولًا …﴾ الآية. وقوله [¬٥]: ﴿كما أرسلنا فيكم رسولًا منكم يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة﴾ إلى قوله: ﴿ولا تكفرون﴾.\nوكما أنه انعكس على الكافرين حالهم، فخافوا بعد الأمن، وجاعوا بعد الرغد، فبدل الله المؤمنين من بعد خوفهم أمنًا، ورزقهم بعد العيلة، وجعلهم أمراء الناس وحكامهم وسادتهم وقادتهم وأئمتهم.\nوهذا [¬٦] الذي قلناه من أن هذا المثل مضروب [¬٧] لمكة [¬٨] قاله العوفي عن ابن عباس، وإليه ذهب مجاهد وقتادة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وحكاه مالك عن الزهريّ ﵏.\nوقال ابن جرير (^٦٦): حدثني ابن عبد الرحيم البرقي، حدثنا ابن أبي مريم، حدثنا نافع بن يزيد، حدثنا عبد الرحمن بن شريح: أن عبد الكريم بن الحارث الحضرمي حدثه: أنه سمع [مشرح بن هاعان] [¬٩] يقول: سمعت سليم بن عَتْر [¬١٠] يقول: صدرنا من الحج مع حفصة زوج النبي ﷺ، وعثمان ﵁ محصور بالمدينة، فكانت تسأل عنه ما فعل؟ حتى رأت راكبين: فأرسلت إليهما تسألهما [¬١١]، ففالا: قتل. فقالت حفصة: والذي نفسي بيده إنها القرية- التي قال الله تعالى: ﴿وضرب إلَّا مثلًا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدًا من كل مكان فكفرت بأنعم الله﴾. قال [¬١٢]\n_________\n(^٦٦) - أخرجه الطبري (١٤/ ١٨٦).\n_________\n[¬١]- في خ: \"سطوته و\"، المثبت من: ز.\n[¬٢]- في خ: \"جعلوا\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"منهم\".\n[¬٤]- في خ: \"قال\".\n[¬٥]- في خ: \"قال\".\n[¬٦]- في ز، خ: \"هكذا\".\n[¬٧]- في خ: \"ضربوه\".\n[¬٨]- في ت: لأهل مكة.\n[¬٩]- ما بين المعكوفتين في خ: \"شرح بن عاهان\".\n[¬١٠]- في خ: \"عنبر\".\n[¬١١]- في ز، خ: \"فسألتهما\".\n[¬١٢]- في خ: \"وقال\".","vol":"8","page":362},{"text":"ابن [¬١] شريح: وأخبرني عبيد الله بن المغيرة، عمن حدثه، أنه كان يقول: إنها المدينة.\n﴿فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١١٤) إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيكُمُ الْمَيتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٥) وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (١١٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١١٧)﴾\nيقول تعالى آمرًا عباده المؤمنين بأكل رزقه الحلال الطيب، وبشكره على ذلك، فإنه المنعم المتفضل به ابتداء، الذي يستحق العبادة وحده لا شريك له.\nثم ذكر تعالى ما حرمه عليهم، مما [¬٢] فيه مضرة لهم في دينهم ودنياهم؛ من الميتة والدم ولحم الخنزير.\n﴿وما أهل [] [¬٣] لغير الله به [¬٤]﴾ أي: ذبح على غير اسم الله، ومع هذا فمن اضطر إليه، أي: احتاج من [¬٥] غير بغي ولا عدوان فإن الله غفور رحيم.\nوقد تقدم الكلام على مثل هذه الآية في سورة البقرة، بما فيه كفاية عن إعادته ولله الحمد.\nثم نهى تعالى عن [سلوك سبيل] [¬٦] المشركين: الذين حللوا وحرموا بمجرد ما وضعوه، واصطلحوا عليه من الأسماء بآرائهم، من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، وغير ذلك مما كان شرعًا لهم ابتدعوه في جاهليتهم، فقال: ﴿ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب﴾ ويدخل في هذا كل من ابتدع بدعة ليس له فيها مستند شرعي، أو حلل شيئًا مما [¬٧] حرم الله، [أو حرم شيئًا مما أباح الله] [¬٨]،\n_________\n[¬١]- في ز: \"أبو\".\n[¬٢]- في خ: \"بما\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في ز: \"به\".\n[¬٤]- سقط من: ز.\n[¬٥]- في ز، خ: \"في\".\n[¬٦]- في خ: \"سبل سلوك\".\n[¬٧]- سقط من: خ.\n[¬٨]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.","vol":"8","page":363},{"text":"بمجرد رأيه وتشهيه.\n\"وما\" في قوله: ﴿لما تصف [¬١]﴾ مصدرية، أي: ولا تقولوا الكذب لوصف ألسنتكم.\nثم توعد على ذلك فقال: ﴿إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون﴾ أي: في الدنيا ولا في الآخرة، أما في الدنيا فمتاع قليل، وأما في الآخرة فلهم عذاب أليم، كما قال: ﴿نمتعهم قليلًا ثم نضطرهم إلى عذاب غليظ﴾، وقال: ﴿إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون * متاع في الدنيا ثم إلينا مرجعهم ثم نذيقهم العذاب الشديد بما كانوا يكفرون﴾.\n﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيكَ مِنْ قَبْلُ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١١٨) ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٩)﴾\nلما ذكر تعالى: أنه حرم علينا الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به، وإنه أرخص فيه عند الضرورة- وفي ذلك توسعة لهذه الأمة التي يريد الله بها اليسر ولا يريد بها العسر - ذكر ﷾ ما كان حرمه على اليهود في شريعتهم قبل أن ينسخها، وما كانوا فيه من الآصار والتضييق [¬٢] والأغلال والحرج، فقال: ﴿وعلى الذين هادوا حرمنا مما قصصنا عليك من قبل﴾ أي [¬٣]: في سورة الأنعام؛ في قوله: ﴿وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما إلا ما حملت ظهورهما﴾ إلى قوله: ﴿لصادقون﴾ ولهذا قال هاهنا: ﴿وما ظلمناهم﴾ أي: فيما ضيقنا عليهم ﴿ولكن كانوا أنفسهم يظلمون﴾ أي: فاستحقوا ذلك كقوله [¬٤]: ﴿فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم وبصدّهم عن سبيل الله كثيرًا﴾ ثم أخبر تعالى تكرمًا وامتنانًا في حق العصاة المؤمنين: أن من تاب منهم إليه تاب عليه، فقال: ﴿ثم إن ربك للذين عملوا السوء بجهالة﴾ قال بعض السلف: كل من عصى الله فهو جاهل.\n﴿ثم تابوا من بعد ذلك وأصلحوا﴾ أي: أقلعوا عما كانوا فيه من المعاصي، وأقبلوا على فعل الطاعات ﴿إن ربك من بعدها﴾ أي: تلك الفعلة والزلة ﴿لغفور رحيم﴾.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في خ: مكانها بعد كلمة \"والحرج\".\n[¬٣]- في خ: \"يعني\".\n[¬٤]- في خ: \"كما قال\".","vol":"8","page":364},{"text":"﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٠) شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٢١) وَآتَينَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٢٢) ثُمَّ أَوْحَينَا إِلَيكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٣)﴾\nيمدح تعالى عبده ورسوله وخليله إبراهيم إمام الحنفاء، ووالد الأنبياء، ويبرئه [¬١] من المشركين، ومن اليهودية والنصرانية، فقال: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا﴾ فأما الأمة: فهو الإمام الذي يقتدى به، والقانت: هو الخاشع المطيع، و[¬٢] الحنيف: المنحرف قصدًا عن الشرك إلى التوحيد، ولهذا قال: ﴿وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾.\nقال سفيان الثوري، عن سلمة بن كهيل، عن مسلم البطين، عن أبي العبيدين [¬٣]: أنه سأل عبد الله بن مسعود عن الأمة القانت؟ فقال: الأمة: معلم الخير، والقانت: المطيع لله ورسوله. وعن مالك قال: قال ابن عمر: الأمة الذي يعلم الناس دينهم.\nوقال الأعمش [عن الحكم] [¬٤] عن يحيى بن الجزار، عن أبي العبيدين: أنه جاء إلى عبد الله فقال: من نسأل إذا لم نسألك؟ فكأن ابن مسعود رق له، فقال: أخبرني عن الأمة؟ فقال: الذي يعلم الناس الخير.\nوقال الشعبي: حدثني فروة بن نوفل الأشجعي قال: قال ابن مسعود: إن معاذًا كان أمة قانتًا لله حنيفًا. فقلت في نفسي: غلط أبو عبد الرحممت، وقلت [¬٥]: إنما قال الله: ﴿إن إبراهيم كان أمة﴾ فقال: أتدري [¬٦] ما الأمة وما القانت؟ قلت: الله أعلم. فقال [¬٧] الأمة الذي يعلم الخير، والقانت: المطيع لله ورسوله.\nوكذلك كان معاذ [معلم الخير وكان مطيعًا لله ورسوله] [¬٨]. وقد روي من غير وجه عن ابن مسعود. أخرجه [¬٩] ابن جرير (^٦٧).\n_________\n(^٦٧) - أخرجه الطبري (١٤/ ١٩١).\n_________\n[¬١]- في ز: \"تبريه\".\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- في ز، خ: \"العبديين\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- سقط من: ز، خ: \"فقال\".\n[¬٦]- في ز: \"تدري\".\n[¬٧]- في ز: \"قال\".\n[¬٨]- ما بين المعكوفتين زيادة من: ز.\n[¬٩]- في ز: \"حرره\".","vol":"8","page":365},{"text":"وقال مجاهد: أمة أي: أمة وحده، والقانت: المطيع. وقال مجاهد أيضًا: كان إبراهيم أمة: أي: مؤمنًا وحده، والناس كلهم إذ ذاك كفار.\nوقال قتادة: كان إمام هدى، والقانت: المطيع لله.\nوقوله: ﴿شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ﴾ أي: قائمًا بشكر نعم الله عليه كقوله تعالى: ﴿وإبراهيم الذي وفى﴾ أي: قام بجميع ما أمره الله تعالى به.\nوقوله: ﴿اجتباه﴾ أي: اختاره واصبهاه، كقوله [¬١]: ﴿ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين﴾ ثم قال: ﴿وهداه إلى صراط مستقيم﴾ وهو عبادة الله وحده لا شريك له على شرع مرضي.\nوقوله: ﴿وآتيناه في الدنيا حسنة﴾ أي: جمعنا له خير الدنيا من جميع ما يحتاج المؤمن إليه في إكمال حياته الطيبة ﴿وإنه في الآخرة لمن الصالحين﴾.\nوقال مجاهد في قوله: ﴿وآتيناه في الدنيا حسنة﴾ أي: لسان صدق.\nو[¬٢] قوله: ﴿ثم أوحيا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفًا﴾ أي: ومن كماله وعظمته وصحة توحيده وطريقه أنَّا أوحينا إليك يا خاتم الرسل وسيد الأنبياء ﴿أن اتبع ملة إبراهيم حنيفًا وما كان من المشركين﴾ كقوله [¬٣] في الأنعام: ﴿قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم * دينًا قيمًا ملة إبراهيم حنيفًا وما كان من المشركين﴾ ثم قال تعالى منكرًا على اليهود.\n﴿إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَينَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١٢٤)﴾\nلا شك أن الله تعالى [¬٤] شرع في كل ملة يومًا من الأسبوع يجتمع الناس فيه للعبادة، فشرع تعالى لهذه الأمة يوم الجمعة؛ لأنه اليوم [¬٥] السادس الذي أكمل الله فيه الخليقة، واجتمعت فيه وتمت النعمة على عباده، ويقال: [إن الله] [¬٦] تعالى شرع ذلك لبني إسرائيل على لسان موسى، فعدلوا عنه واختاروا السبت؛ لأنه اليوم الذي لم يخلق فيه الرب شيئًا من المخلوقات الذي كمل خلقها يوم الجمعة، فألزمهم تعالى به في شريعة التوراة،\n_________\n[¬١]- في خ: \"كما قال\".\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- في خ: \"كما قال\".\n[¬٤]- سقط من: خ.\n[¬٥]- سقط من: ز.\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين في ز: \"إنه\".","vol":"8","page":366},{"text":"ووصاهم أن يتمسكوا به، وأن يحافظوا عليه، مع أمره إياهم بمتابعة محمد ﷺ إذا بعثه، وأخذ [¬١] مواثيقهم وعهودهم على ذلك، ولهذا قال تعالى: ﴿إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه﴾.\nقال مجاهد: اتبعوه وتركوا الجمعة.\nثم إنهم لم يزالوا متمسكين به حتى بعث الله عيسى بن مريم، فيقال: إنه [¬٢] حولهم إلى يوم الأحد، ويقال: [إنه لم يترك شريعة التوراة إلا ما نسخ من بعض أحكامها، و] [¬٣] إنه لم يزل محافظًا على السبت حتى رفع، كان النصارى بعده في زمن [¬٤] قسطنطين هم الذين تحولوا إلى يوم الأحد مخالفة لليهود، وتحولوا إلى الصلاة شرقًا عن الصخرة، والله أعلم.\nوقد ثبت في الصحيحين (^٦٨): من حديث عبد الرزاق، عن معمر، عن همام، [عن أبي هريرة ﵁[أن رسول الله ﷺ قال] [¬٥]: \"نحن الآخرون السابقون يوم القيامة، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، ثم هذا يومهم الذي فرض الله عليهم، فاختلفوا في فهدانا الله له، فالناس لنا فيه تبع، اليهود غدًا، والنصارى بعد غد\" لفظ البخاري.\nوعن أبي هريرة وحذيفة ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: \"أضل الله عن الجمعة من كان قبلنا، فكان لليهود يوم السبت، وكان للنصارى وم الأحد، فجاء الله بنا فهدانا الله ليوم الجمعة، فجعل الجمعة والسبت والأحد، وكذلك هم تبع لنا يوم القيامة، نحن الآخرون من أهل الدنيا، والأولون وم القيامة، والمقضي بينهم قبل الخلائق\" رواه مسلم (^٦٩).\n﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١٢٥)﴾\n_________\n(^٦٨) - أخرجه مسلم في كتاب الجمعة، باب: هداية هذه الأمة ليوم الجمعة، حديث (٨٥٥) (٦/ ٢٠٥).\nولم أجده في البخاري من هذا الطريق، بيد أنه أخرجه في كتاب الجمعة، بهذا اللفظ من طريق أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة فذكره.\n(^٦٩) - أخرجه مسلم في كتاب الجمعة، باب: هداية هذه الأمة ليوم الجمعة، حديث (٨٥٦) (٦/ ٢٠٦).\n_________\n[¬١]- في ز: \"وأخذه\"\n[¬٢]- في خ: \"لأنه\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ\n[¬٤]- في ز: \"زمان\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"أنه سمع رسول الله ﷺ يقول\".","vol":"8","page":367},{"text":"يقول تعالى: آمرًا رسوله محمدًا ﷺ أن يدعو الخلق إلى الله بالحكمة، قال ابن جرير: وهو ما أنزله عليه من الكتاب والسنة والموعظة الحسنة. أي: بما فيه من الزواجر والوقائع بالناس، ذكرهم بها ليحذروا بأس الله تعالى.\nوقوله: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [أي: من احتاج منهم إلى مناظرة وجدال، فليكن بالوجه الحسن برفق ولين وحسن خطاب، كقوله تعالى: ﴿ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن] [¬١] إلا الذين ظلموا منهم﴾ الآية [¬٢]، فأمره تعالى بلين الجانب، كما أمر به [¬٣] موسى وهارون ﵉، حين بعثهما إلى فرعون في قوله: ﴿فقولا له قولًا لينًا لعله يتذكر أو يخشى﴾.\nوقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾، أي: قد علم الشقي منهم والسعيد، وكتب ذلك عنده وفرغ منه، فادعهم إلى الله، ولا تذهب نفسك على من ضل منهم حسرات، فإنه ليس عليك هداهم، إنما أنت نذير، عليك البلاغة و[¬٤] علينا الحساب ﴿إنك لا تهدي من أحببت﴾، و﴿ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء﴾.\n﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيرٌ لِلصَّابِرِينَ (١٢٦) وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إلا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (١٢٧) إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (١٢٨)﴾\nيأمر تعالى بالعدل في القصاص [¬٥]، والمماثلة في استيفاء الحق، كما قال عبد الرزاق: عن الثوري، عن خالد، عن ابن سيرين أنه قال في قوله تعالى: ﴿فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ إن أخذ منك رجل شيئًا فخذ منه [¬٦] مثله. وكذا قال مجاهد وإبراهيم والحسن البصري وغيرهم واختاره ابن جرير.\nوقال ابن زيد: كانوا قد أمروا بالصفح عن المشركين، فأسلم رجال ذوو [¬٧] منعة،\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- سقط من: خ.\n[¬٥]- في ز، خ: \"الاقتصاص\".\n[¬٦]- سقط من: ز، خ.\n[¬٧]- في خ: \"ذو\"، والمثبت من: ز.","vol":"8","page":368},{"text":"فقالوا: يا رسول الله، لو أذن الله لنا لانتصرنا من هؤلاء الكلاب. فنزلت هذه الآية، ثم نسخ ذلك بالجهاد.\nوقال محمد بن إسحاق عن بعض أصحابه، عن عطاء بن يسار قال: نزلت سورة النحل كلها بمكة، وهي مكية إلا ثلاث آيات من آخرها نزلت بالمدينة، بعد أحد حين [¬١] قتل حمزة ﵁ ومثل به، فقال رسول الله ﷺ: \"لئن ظهرنا الله [¬٢] عليهم لنمثلن بثلاثين رجلًا منهم\". فلما سمع المسلمون ذلك، قالوا: والله لئن ظهرنا عليهم لنمثلن بهم مثلة لم يمثلها أحد من العرب بأحد قط. فأنزل الله: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ إلى آخر السورة (^٧٠).\nوهذا مرسل، وفيه رجل [¬٣] مبهم لم يسم، وقد روي هذا من وجه آخر متصل؛ فقال الحافظ أبو بكر البزار (^٧١):\nحدثنا الحسن بن يحيى، حدثنا عمرو بن عاصم، حدثنا صالح المري [¬٤]، عن سليمان التيمي عن أبي عثمان، عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ وقف على حمزة بن عبد المطلب ﵁ حين [¬٥] استشهد، فنظر إلى منظر لم ينظر أوجع للقلب منه -أو قال: لقلبه- فنظر إليه وقد مثل به، فقال: \"رحمة الله عليك. إن كنت لما علمتُ لوصولًا للرحم، فعولا للخيرات، والله لولا حزن من بعدك عليك، لسرني أن أتركك حتى يحشرك الله من بطون السباع -أو كلمة نحوها- أما والله على ذلك لأمثلن بسبعين كمثلتك\". فنزل جبريل ﵇ على محمد [ﷺ] [¬٦]، بهذه السورة، وقرأ: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ إلى آخر الآية، فكفر رسول الله ﷺ يعني عن يمينه وأمسك عن ذلك.\nوهذا إسناد فيه ضعف، لأن صالحًا هو [¬٧] ابن [¬٨] بشير المري [¬٩] ضعيف عند الأئمة، وقال البخاري: هو منكر الحديث.\n_________\n(^٧٠) - أخرجه الطبري (١٤/ ١٩٥ - ١٩٦).\n(^٧١) - أخرجه البزار في كتاب الهجرة والمغازي، باب: غزوة أحد، حديث (١٧٩٥) (٢/ ٣٢٧).\n_________\n[¬١]- في خ: \"حيث\".\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- في ز: \"المزي\".\n[¬٥]- في خ: \"حيث\"\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٧]- في ز: \"وهو\".\n[¬٨]- سقط من: ز، خ.\n[¬٩]- في ز: \"المزي\".","vol":"8","page":369},{"text":"وقال الشعبي وابن جريج: نزلت في قول المسلمين يوم أحد فيمن مثل بهم: [لنربينَّ عليهم] [¬١]. فأنزل الله فيهم ذلك.\nوقال عبد الله بن الإمام أحمد في مسند أبيه (^٧٢): حدثنا هدية بن عبد الوهاب [¬٢] المروزي، حدثنا الفضل بن موسى، حدثنا عيسى بن عبيد، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب قال: لما كان يوم أحد قتل من الأنصار ستون رجلًا، ومن المهاجرين ستة، فقال أصحاب رسول الله ﷺ: لئن كان لنا يوم مثل هذا من المشركين [لنربين عليهم] [¬٣]. فلما كان هوم الفتح، قال رجل: لا نعرف قريش بعد اليوم. [فنادى مناد] [¬٤]: أن رسول الله ﷺ قد [¬٥] أمن الأسود والأبيض، إلا فلانًا وفلانًا -ناسًا سماهم- فأنزل الله ﵎: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [إلى آخر السورة] [¬٦]. فقال رسول الله ﷺ: \"نصبر ولا نعاقب\".\nوهذه الآية الكريمة لها أمثال في القرآن، فإنها مشتملة على مشروعية العدل، والندب إلى الفضل، كما في قوله: ﴿وجزاء سيئة سيئة مثلها﴾ ثم قال: ﴿فمن عفا وأصلح فأجره على الله﴾ الآية [¬٧]، وقال: ﴿والجروح قصاص﴾ ثم قال ﴿فمن تصدق به فهو كفارة له﴾، وقال في هذه الآية الكريمة: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ ثم قال: ﴿وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾.\nوقوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ تأكيد للأمر بالصبر، وإخبار بأن ذلك لا [¬٨] ينال إلا [¬٩] بمشيئة الله وإعانته، وحوله وقوته.\n_________\n(^٧٢) - أخرجه أحمد (٥/ ١٣٥) (٢١٣٠٩). وأخرجه الترمذي في كتاب تفسير القرآن، باب: ومن سورة النحل (٥/ ٢٩٩، ٣٠٠ / رقم: ٣١٢٩). وقال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب من حديث أبي ابن كعب. ورواه النسائي في الكبرى في كتاب التفسير، باب: قوله تعالى ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ (٦/ ٣٧٦ / رقم: ١١٢٧٩).- كلاهما من طريق أبي عمار الحسين بن حريث عن الفضل بن موسى به. ورواه الحاكم (٢/ ٣٥٨ - ٤٤٦). واختاره الضياء في مختارته حديث ١١٤٤ (٣/ ٣٥١ - ٣٥٢) وقال: ورواه أبو حاتم البستي -يعني ابن حبان- مثل حديث الحسين بن حريث، عن عبد الله بن محمد، عن إسحاق بن إبراهيم، عن الفضل بن موسى. الإحسان حديث ٤٨٧ (١/ ٣٥٤).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"لنمثلن بهم\".\n[¬٢]- في خ: \"الوالب\"\n[¬٣]- في ت: \"لنمثلن بهم\".\n[¬٤]- في خ: \"فناد\".\n[¬٥]- سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين في ز: \"الآية\".\n[¬٧]- سقط من: ز، خ.\n[¬٨] في ز: \"إنما\".\n[¬٩]- سقط من: خ.","vol":"8","page":370},{"text":"ثم قال تعالى: ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ أي: على من خالفك لا تحزن عليهم؛ فإن الله قدر ذلك ﴿وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ﴾ أي: غم ﴿مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾ أي: مما يجهدون أنفسهم في عداوتك وإيصال الشر إليك، فإن الله كافيك وناصرك ومؤيدك ومظهرك ومظفرك بهم.\nوقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ أي: معهم [¬١] بتأبيده ونصره ومعونته [وهديه وسعيه] [¬٢]، [وهذه معية] [¬٣] خاصة، كقوله: ﴿إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا﴾، وقوله لموسى وهارون: ﴿لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى﴾، وقول النبي ﷺ للصدّيق وهما في الغار: \"لا تحزن إن الله معنا\" (^٧٣)، وأما المعية العامة [¬٤] فبالسمع والبصر والعلم، كقوله تعالى: ﴿وهو معكم أينما كنتم والله بما تعملون بصير﴾، وكقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾، وكما قال تعالى: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا﴾ الآية.\nومعنى: ﴿الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ أي: تركوا المحرمات ﴿وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ أي: فعلوا الطاعات، فهؤلاء [الله يحفظهم] ويكلؤهم، وينصرهم ويؤيدهم، ويظفرهم على أعدائهم ومخالفيهم.\nوقال ابن أبي حاتم: ثنا أبي، ثنا محمد بن بشار، ثنا أبو أحمد الزبيري، ثنا مسعر، عن ابن عون، عن محمد بن حاطب قال: كان عثمان ﵁ من الذين آمنوا والذين اتقوا والذين هم محسنون.\nآخر تفسير [¬٥] سورة النحل ولله الحمد أجمعه والمنة\nوبه المستعان [وهو حسبنا ونعم الوكيل] [¬٦].\n_________\n(^٧٣) - أخرجه البخاري في كتاب المناقب، باب: علامات النبوة، حديث (٣٦١٥) (٦/ ٦٢٢)، وطرفه في (٣٦٥٢). ومسلم في كتاب الزهد والرقائق، حديث (٢٠٠٩) (١٨/ ١١٩). كلاهما من حديث البراء عن أبي بكر ﵄ في حديث الهجرة الطويل.\n_________\n[¬١]- في خ: \"مع\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٤]- سقط من: خ.\n[¬٥]- سقط من: خ.\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.","vol":"8","page":371},{"text":"<span data-type='title' id=toc-123>[تفسير سورة سبحان وهي مكية]</span> [¬١]\nقال الإمام البخاري (^١): حدثنا آدم بن أبي إياس، حدَّثنا شعبة عن أبي إسحاق قال: سمعت عبد الرحمن بن يزيد، سمعت ابن مسعود ﵁ [] [¬٢] قال في بني إسرائيل والكهف ومريم: إنهن من العِتَاق الأول، وهُن من تِلادي (*).\nوقال الإمام أحمد (^٢): حدَّثنا عبد الرحمن، حدثنا حماد بن زيد، عن مَرْوان أبي لبابة، سمعت عائشة تقول: كان رسول الله ﷺ يصوم حتى نقول: ما يريد أن يُفْطِر، ويفطر حتى نقول: ما يريد أن يصوم، وكان يقرأ كل ليلة بني إسرائيل والزمر.\n﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١)﴾\nيمجد تعالى نفسه، ويعظم شأنه، لقدرته على ما لا يقدر عليه أحد سواه، فلا إله غيره [ولا رب سواه] [¬٣]، ﴿الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ يعني محمدًا صلوات الله وسلامه عليه ﴿لَيْلًا﴾، أي: في جنح الليل، ﴿مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾، وهو مسجد مكة، ﴿إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾، وهوبيت المقدس الذي [بإيلياء] [¬٤]، معدن الأنبياء من لدن إبراهيم الخليل ﵇؛ ولهذا جُمعوا له هنالك كلهم، فأمَّهم في محلتهم ودارهم، فدل على\n_________\n(^١) - صحيح البخاري، كتاب: التفسير، باب: سورة بني إسرائيل حديث رقم (٤٧٠٨).\n(*) -أي من أول ما أخذته وتعلمته بمكة. والتالد: المال القديم الذي ولد عنك. وهو نقيض الطارف. (النهاية ١/ ١٩٤).\n(^٢) -\" المسند\" (٦/ ١٨٩) وأخرجه أيضًا (٦/ ٦٨، ١٢٢)، والترمذي، كتاب: ثواب القرآن، باب: فضل سورة الإسراء والزمر والمسبحات (٢٩٢١)، وكتاب: الدعوات (٣٤٠٢)، والنسائي في \"عمل اليوم والليلة\" (٧١٢). وابن خزيمة في صحيحه (٢/ ١١٦٣) والمروزي في \"قيام الليل\" (ص ١٥٣ - المختصر)، والحاكم في \"المستدرك\" (٢/ ٤٣٤ - ٤٣٥) والمزي في \"تهذيب الكمال\" (٢٧/ ٤١٣) من طرق عن حماد بن زيد به، وسكت عن الحاكم والذهبي، وترجم للحديث ابن خزيمة فقال: \"باب استحباب قراءة بني إسرائيل .... إن كان أبو لبابة هذا يجوز الاحتجاج بخبره فإني لا أعرفه بعدالة ولا جرح\".\nقلت: أبو لبابة اسمه مروان الورَّاق وقد وثقه ابن معين كما في التهذيب، وابن حبان في \"الثقات\" (٥/ ٤٢٤، ٤٢٥)، والذهبي في \"الكاشف\" (٣ / ت ٥٤٦٥)، وابن حجر في \"التقريب\"، وقال الترمذي عقب الحديث: \"حديث حسن غريب: وأبو لبابة شيخ بصري قد روى عنه حماد بن زيد غير=\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ت.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"يقول\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من خ، ز.\n[¬٤]- في ت: \"هو إيلياء\".","vol":"8","page":373},{"text":"أنه هو الإمام الأعظم، والرئيس المقدّم، صلوات الله رسلامه عليه وعليهم أجمعين.\nوقوله تعالى: ﴿الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ أي: في الزروع والثمار، ﴿لنريه﴾، أي: محمدًا، ﴿من آياتنا﴾، أي: العظام، كما قال تعالى: ﴿لقد رأى من آيات ربه الكبرى﴾ وسنذكر من ذلك ما وردت به السنة من [¬١] الأحاديث عنه، صلوات الله عليه وسلامه.\nوقوله: ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾، أي: السميع لأقوال [¬٢] عباده، مؤمنهم وكافرهم، مصدقهم ومكذبهم، البصير بهم، فيعطي كلا [¬٣] ما يستحقه في الدنيا والآخرة.\n\n<span data-type='title' id=toc-124>[ذكر الأحاديث الواردة في الإسراء. رواية أنس بن مالك]</span>\n[قال الإمام أبو عبد الله البخاري (^٣). حدثني عبد العزيز بن عبد الله، حدثنا سليمان -هو ابن بلال- في شريك بن عبد الله، قال: سمعت أنس بن مالك] [¬٤] يقول ليلة أسري برسول الله ﷺ من مسجد الكعبة: إنه جاءه ثلاثةُ نفرٍ قبل أن يوحى إليه، وهو نائم في المسجد الحرام، فقال أولهم: أيهم هو؟ فقال أوسطُهم: هو خيرُهم، وقال آخرهم: خذوا خيرهم [¬٥] فكانت تلك الليلة، فلم يَرَهُم حتى أتوه ليلة أخرى فيما هي قلبه وتنام عيناه. ولا ينام قلبه -وكذلك الأنبياء تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم- فلم يكلموه حتى احتملوه فوضعوه عند بئر زمزم، فتولّاه منهم جبريلُ، فشق جبريل ما بين نحرهِ إلى لَبسهِ [¬٦] حتى فرغ من صدره وجوفه، فغسله من ماء زمزمَ بيده، حتى أنقى جوفه، ثم أتَى بِطستٍ من ذهب فيه تَورٌ [¬٧] من ذهب محشوّ إيمانا وحكمةً، فحشا به صدَره ولغادِيَده -يعني عروق حلقه- ثم أطبقه ثم عرج به إلى السماء الدنيا، فضرب بابًا من أبوابها، فناداه أهل السماء: من هذا؟ فقال: جبريل. قالوا: ومن معك؟ قال: معي محمد ﷺ. قالوا: وقد بُعث إليه؟ قال: نعم. قالوا: مرحبًا به وأهلا [¬٨]،، يستبشر به أهل\n_________\n= حديث ويقال اسمه مروان .. \" وجوَّد إسناده الألباني في \"الصحيحة\" (٢/ ٦٤١).\n(^٣) - صحيح البخاري، كتاب: التوحيد، باب: ما جاء في قوله ﷿: ﴿وكلم الله موسى تكليمًا﴾ (٧٥١٧) وقد وقع لشريك بن عبد الله بن أبي نمر فيه أوهام خالف فيها غيره في زيادة على عشرة مواضع قد نبه عليها غير واحد من الحفاظ كما في \"فتح الباري\" (١٣/ ٣٨٠، ٤٨٥) و\"زاد المعاد\" (٣/ ٤٢).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"في\".\n[¬٢]- في ز: \"لا قول\".\n[¬٣]- في ت: كلًّا منهم.\n[¬٤]- ما يبن المعكوفتين سقط من ز، خ.\n[¬٥]- في خ: \"أخيرهم\".\n[¬٦]- اللَّبة: الهزمة التي فوق الصدر.\n[¬٧]- التور: الإناء.\n[¬٨]- سقط من: خ.","vol":"8","page":374},{"text":"السماء، لا يعلم أهل السماء بما يريد الله به في الأرض حتى يُعلمَهم.\nووجد في السماء الدنيا آدم، فقال له جبريل: هذا أبوك آدم، فسلِّم عليه. فسلمَ عليه، وردّ عليه آدم فقال: مرحبًا وأهلًا بابني [¬١]، نعم الابن أنت! فإذا هو في السماء الدنيا بنهرين يطردان، فقال: \"ما هذان النهران يا جبريل؟ \" قال: هذان [¬٢] النيل والفرات عُنصرُهما، ثم مضى به في السماء، فإذا هو بنهر آخر عليه قصر من لؤلؤ وزبرجد، فضرب بيده فإذا هو مسك أذفر [¬٣] فقال: \"ما هذا يا جبريل؟ \" قال: هذا الكوثر الذي خَبَأ لك ربُّكَ، ثم عَرَجَ إلى السماء الثانية، فقالت الملائكة له [¬٤] مثل ما قالت له الأولى [¬٥]: من هذا؟ قال: جبريل. قالوا: ومن معك؟ قال: محمد ﷺ. قالوا: وقد بعث إليه؟ قال: نعم. قالوا: مرحبًا وأهلًا وسهلًا، ثم عَرَجَ به إلى السماء الثالثة، فقالوا له مثل ما قالت الأولى والثانية. ثم عرج به إلى السماء الرابعة فقالوا له مثل ذلك، ثم عرج به إلى السماء الخامسة، فقالوا له مثل ذلك، ثم عرج به إلى السماء السادسة، فقالوا له مثل ذلك، ثم عرج به إلى السماء [¬٦] السابعة، فقالوا له مثل ذلك، كل سماءٍ فيها أنبياء قد سَمَّاهم، قد وعيت منهم إدريس في الثانية، وهارون في الرابعة، وآخر في الخامسة لم أحفظ اسمَه، وإبراهيم في السادسة، وموسى في السابعة بفضل [¬٧] كلام الله -فقال موسى: ربِّ، لم أظنّ أن ترفع [¬٨] عليّ أحدًا، ثم علا به [¬٩] فوق ذلك، بما لا يعلمه إلا الله ﷿ حتى جاء سدرة المنتهى، ودنا الجبار رب العزة فتدلى، حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى، فأوحى الله إليه فيما يوحى خمسين صلاة على أمتك كل يوم وليلة، ثم هبط به حتى بلغ موسى، فاحتبسه موسى فقال: يا محمد؛ ماذا عهد إليك ربك؟ قال: \"عهد إليّ خمسين صلاة كل يوم وليلة\". قال: إن أمتك لا تستطيع ذلك، فارجع فليخفف عنك ربك وعنهم، فالتفت النبي ﷺ إلى جبريل، كأنه يستشيره في ذلك، فأشار إليه جبريل: أن نعم، إن شئت. فَعَلا به إلى الجبار تعالى، فقال [¬١٠] وهو في مكانه: \"ياربِّ؛ خفف عنا، فإن أمتي لا تستطيع هذا\". فوضع عنه عشر صلوات، ثم رجع إلى موسى فاحتبسه، فلم يزل يردده موسى [إلى ربه] [¬١١] حتى صارت إلى [¬١٢] خمس صلوات، ثم احتبسه موسى عند الخمس فقال: يا محمد؛ والله لقد راودت\n_________\n[¬١]- في خ: \"يا بني\".\n[¬٢]- في (ز، خ): \"هذا\".\n[¬٣]- في ز: \"أدفر\".\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- في خ: \"الملائكة الأولى\".\n[¬٦]- سقط من: ز.\n[¬٧]- في (ز، خ): \"بتفضيل\".\n[¬٨]- في ز: \"يرفع\".\n[¬٩]- سقط من: ز، خ.\n[¬١٠]- سقط من: ز.\n[¬١١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬١٢]- سقط من: خ.","vol":"8","page":375},{"text":"بني إسرائيل قومي علي أدنى من هذا، فضعُفوا [¬١] فتركوه [¬٢]، فأمتك أضعفُ أجسادًا وقلوبًا وأبدانًا وأبصارًا وأسماعًا، فارجع فليخفف عنك ربك، كل ذلك يلتفت النبي ﷺ إلي جبريل ليشير عليه، ولا يكره ذلك جبريل، فرفعه عند الخامسة فقال: \"ياربِّ؛ إن أمتي ضعفاء أجسادهم وقلوبهم وأسماعهم وأبدانهم، فخفف عنا\". فقال الجبار: يا محمد، قال: \"لبيك وسعديك\". قال: إنه لا يبدل القول لديّ، كما فرضت عليك في أمّ الكتاب، كل حسنة بعشر أمثالها، فهي [¬٣] خمسون فِي أمّ الكتاب، وهي خمس عليك، فرجع إلي موسى فقال: كيف فعلت؟ فقال: \"خفَّفّ عنا، أعطانا بكل حسنة عشر أمثالها\". فقال موسى: قد والله راودت بني إسرائيل علي [¬٤] أدنى من ذلك فتركوه، فارجع إلى ربك فليخفف عنك أيضًا. قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: \"يا موسى، قد -والله- استحييت من ربي مما أختلف إليه\". قال: فاهبط باسم الله، قال [¬٥]: فاستيقظ وهو في المسجد الحرام. هكذا ساقه البخاري في كتاب التوحيد، ورواه في صفة النبي (^٤) ﷺ، عن إسماعيل بن أبي أويس، عن أخيه أبي بكر عبد الحميد، عن سليمان [بن بلال.\nورواه مسلم (^٥) عن هارون بن سعيد عن ابن وهب عن سليمان] [¬٦] قال، فزاد ونقص، وقدم وأخّر، وهو كما قاله مسلم ﵀ فإن شريك بن عبد الله بن أبي نَمِر اضطرب في هذا الحديث، وساء حفظه ولم يضبطه، كما سيأتر، بيانه في الأحاديث الأخر.\nومنهم من يجعل هذا منامًا توطئة لما وقع بعد ذلك، والله أعلم.\n[وقد قال الحافظ أبو بكر] [¬٧] البيهقي (^٦): في حديث شريك زيادة تفرد بها، علي\n_________\n(^٤) - صحيح البخاري كتاب: المناقب، باب كان النبي ﷺ تنام عينه ولا ينام قلبه (٣٧٥٠).\n(^٥) - صحيح مسلم، كتاب: الإيمان، باب: الإسراء برسول الله ﷺ إلى السماوات، وفرض الصلوات (٢٦١) (١٦٢).\n(^٦) - في \"دلائل النبوة\" (٢/ ٣٨٥).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"وضعفوا\".\n[¬٢]- في خ: \"وتركوه\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"وهي\".\n[¬٤]- سقط من: خ.\n[¬٥]- سقط من: ت.\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين في خ: \"به\".\n[¬٧]- بياض في ز، وفي خ: \"وقال\".","vol":"8","page":376},{"text":"مذهب من زعم أنه ﷺ رأى ربه [¬١] يعني قوله: ثم دنا الجبار رب العزة فتدلى، فكان قاب قوسين أو أدنى -قال: وقول عائشة وابن مسعود وأبي هريرة- في حملهم هذه الآيات علي رؤيته جبريل ﵇ أصح.\nوهذا الذي قاله البيهقي في هذه المسألة هو الحق؛ فإن أبا ذر قال: يا رسول الله؛ هل [¬٢] رأيت ربك؟ قال: \"نور أنى أراه\". وفي رواية: \"رأيت نورًا\". أخرجه مسلم (^٧)، ﵀.\nوقوله: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى﴾ إنما هو جبريل ﵇ كما ثبت ذلك في الصحيحين، عن عائشة أمّ المؤمنين (^٨)، وعن ابن مسعود (^٩)، وكذلك هو في صحيح مسلم (^١٠) عن أبي هريرة ﵁، ولا يعرف لهم مخالف من الصحابة في تفسير هذه الآية بهذا.\nوقال [¬٣] الإمام أحمد (^١١): حدثنا حسن بن موسى، حدثنا حماد بن سلمة، أخبرنا ثابت البُنَاني، عن أَنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \"أتيتُ بالبراق، وهو دابة أبيض فوق الحمار ودون البغال، يضع حافره عند منتهى طرفه، فركبته، فسار بي حتى أتيت بيت المقدس، فربطت الدابة بالحلقة التي يربط فيها الأنبياء، ثم دخلت فصليت فيه ركعتين، ثم خرجت. فأتاني جبريل بإناء من خمر، وإناء من لبن، فاخترت اللبن قال جبريل: أصبت الفطرة. قال: ثم عَرَجَ بي إلي السماء الدنيا، فاستفتح جبريل فقيل: من أنت؟ قال: جبريل. فقيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل [¬٤]: وقد\n_________\n(^٧) - صحيح مسلم، كتاب: الإيمان، باب: في قوله ﵇: \"نور أنى أراه\" وفي قوله: \"رأيت نورًا\" (٢٩١، ٢٩٢) (١٧٨)، وأخرجه أيضًا أحمد (٥/ ١٤٧، ١٥٧، ١٧٠، ١٧٥) والترمذي، كتاب: تفسير القرآن، باب ومن سورة النجم (٣٢٧٨)، وسيذكره المصنف هنا بأسانيده (رقم ٢٦، ٢٥).\n(^٨) - تقدم تخريجه [المائدة / آية ٦٧].\n(^٩) - يأتي تخريجه [النجم / آية ٩].\n(^١٠) - صحيح مسلم، كتاب: الإيمان، باب: معنى قول الله ﷿ ولقد رآه نزلة أخرى. . . (٢٨٣) (١٧٥).\n(^١١) - \" المسند\" (٣/ ١٤٨ - ١٤٩) و(٣/ ١٥٣) مختصرًا، وأخرجه أيضًا (٣/ ٢٨٦) ومسلم، كتاب: الإيمان باب: الإسراء برسول الله ﷺ إلى السماوات. . . (٢٥٩) (١٦٢) والنسائي في \"التفسير\" من الكبرى (٦/ ١١٥٣٠) من طرق عن حماد بن سلمة به مختصرًا ومطولًا.\nوتقدم [سورة يوسف / آية ٣٤ / رقم ٥٩] مقتصرًا على حسن يوسف ﵇.\n_________\n[¬١]- في ت: الله.\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- مكانها بياض في: ز.\n[¬٤]- في ت: \"فقيل\".","vol":"8","page":377},{"text":"أرسل إليه؟ [قال: قد أرسل إليه] [¬١]، ففتح لنا؛ فإذا أنا بآدم، فرحب، ودعا [¬٢] لي بالخير [¬٣]، ثم عرج بنا إلى السماء الثانية، فاستفتح جبريل فقيل له [¬٤]: من أنت؟ قال: جبريل. فقيل: ومن معك؟ قال: محمد. فقيل: وقد أرسل إليه؟ قال: قد أرسل إليه. ففتح لنا، فإذا أنا بابنَيِ الخالة: يحيى، وعيسى، فرحبا بي ودعَوَا لي بخير.\nثم عَرَجَ بنا [¬٥] إلى السماء الثالثة، فاستفتح جبريل، فقيل: من أنت؟ قال: جبريل. فقيل: ومن معك؟ فقال: محمد ﷺ. فقيل: وقد أرسل إليه؟ قال: قد أرسل إليه. ففتح لنا، فإذا أنا بيوسف ﵇، وإذا هو قد أعطي شطر الحسن، فرحب، ودعا لي بخير.\nثم عرج بنا إلى السماء الرابعة، فاستفتح جبريل، فقيل: من أنت؟ فقال: جبريل. فقيل: ومن معك؟ قال: محمد. فقيل: قد أرسل إليه؟ قال: [قد أرسل إليه] [¬٦]. ففتح الباب؛ فإذا أنا بإدريس، فرحب، ودعا لي بخير. ثم قال [¬٧]: يقول الله: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾.\nثم عرج بنا إلى السماء الخامسة، فاستفتح جبريل، فقيل: من أنت؟ فقال: جبريل. فقيل: ومن معك؟ قال: محمد. فقيل: [قد بعث إليه] [¬٨]؟ قال: قد بعث إليه. ففتح لنا؛ فإذا أنا بهارون فرحب، ودعا لي بخير.\nثم عرج بنا إلى السماء السادسة، فاستفتح جبريل، فقيل: من أنت؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ فقال [¬٩]: محمد، فقيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه. ففتح لنا فإذا أنا بموسى ﵇ فرحب ودعا لي بخير.\nثم عرج بنا إلي السماء السابعة، فاستفتح جبريل، فقيل: من أنت؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. فقيل [¬١٠]: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه. ففتح\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٢]- في ز، خ: \"فدعا\".\n[¬٣]- في خ: \"بخير\".\n[¬٤]- سقط من: خ.\n[¬٥]- في خ: \"بي\".\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين في (ز، خ): \"قد بعث إليه\"، والمثبت من المسند.\n[¬٧]- سقط من: ز، خ.\n[¬٨]- ما بين المعكوفتين في (ز، خ): \"قد أرسل إليه\"، والمثبت من: المسند.\n[¬٩]- في خ: \"قال\".\n[¬١٠]- في خ: \"قيل\".","vol":"8","page":378},{"text":"لنا، فإذا أنا بإبراهيم، وإذا هو مستند إلي البيت المعمور، وإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألف ملك، ثم لا يعودون إليه.\nثم ذهب بي إلى سدرة المنتهى، فإذا ورقها كآذان الفيلة، وإذا ثمرها كالقلال. فلما غشيها من أمر الله ما غشيها تغيرت، فما أحد من خلق الله تعالى يستطيع أن يصفها من حسنها، قال: فأوحى الله إليّ ما أوحى، و[¬١] فرض عليَّ في كل يوم وليلة خمسين صلاة، فنزلتُ حتى انتهيت التي موسى قال: ما فرض ربك على أمّتك؟ قال: قلت [¬٢]: خمسين صلاة في كل يوم وليلة. قال: ارجع إلي ربك فاسأله التخفيف؛ فإن أمّتك لا تطيق ذلك، وإني قد بلوت بني إسرائيل وخَبَرتهم. قال: فرجعت إلي ربك؛ فقلت: أي ربِّ! خَفِّفْ عن أمّتي. فحطّ عني خمسًا، فرجعت إلي موسى؛ فقال: ما فعلت؟ قلت: قد حطّ عني خمسًا. قال: إن أمّتك لا تطيق ذلك، فارجع [¬٣] إلى ربك، فاسأله التخفيف لأمّتك. قال: فلم أزل أرجع بين ربي، وبين موسى، ويحطّ عني خمسًا خمسًا حتى [¬٤] قال: يا محمد؛ هي [¬٥] خمس صلوات في كل يوم وليلة، بكل صلاة عشر، فتلك خمسون صلاة؛ ومن همّ بحسنة فلم يعملها كُتبت حسنة، فإن عملها كتبت عشرًا. ومن همّ بسيئة، ولم [¬٦] يعملها لم تكتب، فإن عملها كُتبت سيئة واحدة. فنزلتُ حتى انتهيت إلي موسى فأخبرته، فقال: ارجع إلي ربك فاسأله التخفيف لأمَّتك؛ فإنّ أمّتك لا تطيق ذلك؛ فقال رسول الله ﷺ: \"لقد رجعت إلي ربي حتى استحييت\". ورواه مسلم عن شيبان بن فروخ، عن حماد بن سلمة بهذا السياق، وهو أصحُّ من سياق شريك.\nقال البيهقي (^١٢): \" وفي هذا السياق دليل على أن المعراج كان ليلة أسري به ﵊ من مكة إلى بيت المقدس\". وهذا الذي قاله هو الحق الذي لا شك فيه، ولا مرية.\nوقال الإِمام أحمد (^١٣): حدثنا [¬٧] عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن قتادة، عن أنس ﵁: أن النبيّ ﷺ أتي بالبراق ليلة أسري به مسرجًا ملجمًا ليركبه،\n_________\n(^١٢) - \" دلائل النبوة\" للبيهقي (٢/ ٣٨٥).\n(^١٣) - \" المسند\" (٣/ ١٦٤) والحديث عند عبد الرزاق في تفسيره (٢/ ٣٧٢) ومن طريق عبد الرزاق =\n_________\n[¬١]- زيادة من: خ.\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- في خ: \"وقد\".\n[¬٤]- سقط من: خ.\n[¬٥]- في ت: \"هنّ\".\n[¬٦]- في خ: \"فلم\".\n[¬٧]- في خ: \"حدثنا أبو المغيرة، حدثنا صفوان\".","vol":"8","page":379},{"text":"فاستصعب عليه، فقال له جبريل: ما يحملك علي هذا؟! فوالله ما ركبك قط أكرم علي الله منه. قال: فَارْفَضَّ عَرَقًا.\nورواه الترمذي، عن إسحاق بن منصور، عن عبد الرزاق، وقال: [غريب لا نعرفه إلا من حديثه] (*).\nوقال أحمد أيضًا (^١٤): حدثنا أبو المغيرة، حدثنا صفوان، حدثني راشد بن سعد [¬١]، وعبد الرحمن بن جبير، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: \"لما عرج بي إلى [¬٢] ربي ﷿ مررت بقوم لهم أظفار من نُحاس، يخمشون وجوههم وصدورهم، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس، ويقعون في أعراضهم\".\nوأخرجه أبو داود من حديث صفوان بن عمرو به. ومن وجه آخر ليس فيه أنس، فالله أعلم.\nوقال أيضًا (^١٥): حدثنا وكيع، حدثنا سفيان، عن سليمان التيمي، عن أنس قال: قال\n_________\n= أخرجه أيضًا الترمذي كتاب: تفسير القرآن، باب: ومن سورة بني إسرائيل. (٣١٣٠) وعبد بن حميد في \"المنتخب\" (١١٨٥) وأبو يعلى في مسنده (٥/ ٣١٨٤)، والآجري في \"الشريعة\" (٢/ ١٠٨٧) وابن جرير (١٥/ ١٥) والبيهقي في \"الدلائل\" (٢/ ٣٦٢ - ٣٦٣) وأبو نعيم في \"الدلائل\" وابن مردويه كما في \"الدر المنثور\" (٤/ ٢٧٦)، وصححه ابن حبان (١ / رقم ٤٧) من طريق أحمد، وقال الترمذي: \"حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث عبد الرزاق\" وأشار إليه الحافظ في \"الفتح\" (٧/ ٢٠٦ - ٢٠٧) وقال \"أخرجه الترمذي وقال حسن غريب. وصححه ابن حبان\"، وصحح إسناده الألباني في \"صحيح الترمذي\" (٣/ ٢٥٠٣) رجاله ثقات وإسناده على شرط الشيخين لكن قتادة مدلس ولم أجده صرح بالسماع عند الجميع- والله أعلم. وروى من طريق آخر عن أنس وهو الآتي برقم (٢٠).\n(^١٤) - \" المسند\" (٣/ ٢٢٤) وأخرجه أبو داود، كتاب: الأدب، باب: في الغيبة (٤٨٧٨، ٤٨٧٩) وابن أبي الدنيا في \"كتاب الصمت\" (رقم ٥٧٧) من طريق أبي المغيرة به. وأخرجه ابن أبي الدنيا أيضًا (رقم ١٦٥) من طريق أبي المغيرة به ليس فيه راشد بن سعد. وأخرجه أبو داود من طريق يحيى بن عثمان عن بقية عن صفوان به ليس فيه أنس. ومثل هذا لا يعله لأن أبا المغيرة واسمه عبد القدوس بن الحجاج ثقة من رجال الجماعة. ثم إن الناس رووه عن بقية موصولًا- انظر \"الصحيحة\" للألباني (٢ / رقم ٥٣٣) - \"وقال العراقي في تخريج أحاديث الإحياء\" (٤/ ١٧٣٤ - المستخرج). \"رواه أبو داود مسندًا ومرسلًا، والمسند أصح\".\n(^١٥) - \" المسند\" (٣/ ١٢٠)، وأخرجه مسلم، كتاب: الفضائل، باب: من فضائل موسى ﷺ (١٦٥) (٢٣٧٥) من طريق عبدة بن سليمان عن سفيان عن سليمان التيمي، سمعت =\n_________\n(*) ما بين المعكوفتين في النسخة المطبوعة \"وتحفة الأشراف\" (١ / رقم ١٣٤١): \"حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث عبد الرزاق.\n[¬١]- في خ: \"سعيد\".\n[¬٢]- سقط من ز.","vol":"8","page":380},{"text":"رسول الله ﷺ: \"مررت ليلة أسري بي علي موسى ﵇ قائما يصلي في قبره\".\nورواه مسلم من حديث حماد بن سلمة، عن سليمان بن طرخان التيمي وثابت البناني، كلاهما عن أنس.\n[قال النسائي: وهذا أصح من رواية من قال: سليمان، عن ثابت، عن أنس] [¬١]. وقال أبو يعلى الموصلي في مسنده (^١٦): حدثنا وهب بن بقية، حدثنا خالد، عن التيمي، عن أنس قال: أخبرني بعض أصحاب النبي ﷺ، أن النبي ﷺ ليلة أسري به مرّ علي موسى، وهو يصلي في قبره.\nوقال أبو يعلى (^١٧): حدثنا إبراهيم بن محمد بن عَرْعَرة، حدثنا معتمر، عن أبيه قال: سمعت أنسًا: أن النبي ﷺ ليلةَ أُسْرِي به مَرَّ بموسى، وهو يصلي في قبره- قال أنس: ذكر أنه حمل علي البراق، فَأَوثَقَ الدَّابةَ، أو قال: الفرس، قال أبو بكر: صفها لي! فقال رسول الله ﷺ: [\"هي كذه وذه\"] [¬٢]. فقال: أشهد أنك رسول الله، وكان أبو بكر ﵁ قد رآها.\n_________\n= أنسًا يقول … فذكره وأخرجه مسلم (١٦٥) والنسائي (٣/ ٢١٦) من طرق عن سليمان التيمي به، وأخرجه أحمد (٣/ ١٤٨، ٢٤٨) ومسلم (١٦٥، ١٦٤) (٢٣٧٥) والنسائي (٣/ ٢١٥ - ٢١٦) من طريق حماد بن سلمة عن ثابت البناني وسليمان التيمي عن أنس به وقال النسائي (٣/ ٢١٥ - ٢١٦): \"هذا أولى بالصواب عندنا من حديث معاذ بن خالد\" - حيث قال: أنبأنا حماد بن سلمة عن سليمان التيمي عن ثابت عن أنس الحديث.\n(^١٦) - مسند أبي يعلى (٧/ ٤٠٦٧)، وخالد هو ابن عبد الله الواسطي، ثقة ثبت. والتيمي هو سليمان بن طرخان، وانظر ما قبله وما بعده.\n(^١٧) - كسابقه، مسند أبي يعلى (٧/ ٤٠٨٤) وشيخ أبي يعلى ثقة حافظ لكن تكلم أحمد في بعض سماعه، ومعتمر هو ابن سليمان التيمي، ثقة وانظر ما قبله، وأخرجه أبو يعلى أيضًا (٦/ ٣٣٢٥) وعنه أبو حاتم بن حبان في \"صحيحه\" (١ / رقم ٥٠) حدثنا هدبة وشيبان قالا: حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس … فذكره بنحو اللفظ المتقدم برقم (١٥).\nوقال أبو حاتم عقبه: \"الله جَلَّ وعلا قادرٌ على ما يشاءُ، ربما يَعِدُ الشيءَ لوقتٍ معلوم، ثُمَّ يقضي كونَ بعضِ ذلك الشيء قبلَ مجيء ذلكَ الوقت، كوعدِه إحياءَ الموتى يومَ القيامة وجعله محدودًا، ثم قضى كونَ مثله في بعضِ الأحوال، مثل مَن ذكرهُ الله وجعله الله جلَّ وعلا في كتابِهِ حيثُ يقولُ: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاويَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَال أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَال كَمْ لَبِثْتَ قَال لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَال بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ﴾ إلى آخر الآية [البقرة: ٢٥٩] =\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"ذكر كلمة\"، وسقط من مسند أبي يعلى.","vol":"8","page":381},{"text":"وقال الحافظ أبو بكر أحمد بن عمرو البزار في مسنده (^١٨): حدثنا سلمة بن شبيب، حدثنا سعيد بن منصور، حدثنا الحارث بن عبيد، عي أبي عمران الجوني، عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \" [بينا أنا نائم] [¬١] إذ جاء جبريل ﵇ فوكز بين كتفي، فقمت إلى شجرة فيها كوَكْرَي الطير، فقعد في أحدهما، وقعدت في الآخر، فَسَمَتْ وارتفعت حتى سدّت الخافقين، وأنا أقلب طرفي،\n_________\n= وكإِحياء اللهِ جلَّ وعلا لعيسى ابنِ مريم صلواتُ اللهِ عليه بعضَ الأموات.\nفلما صحَّ وجودُ كونِ هذه الحالةِ في البشر، إذا أراده اللهُ جلَّ وعلا قبل يوم القيامة، لم يُنْكَرْ أَنَّ الله جلَّ وعلا أحيا موسى في قبره حتى مرَّ عليه المصطفى ﷺ ليلةَ أُسري به، وذاك أن قبرَ موسى بمدين بين المدينة وبين بيتِ المقدس، فَرَآه ﷺ يَدْعُو في قَبْرهِ -إِذ الصَّلَاةُ دُعَاءٌ- فَلَمَّا دَخَلَ ﷺ بَيتَ المَقدِسِ وأسري به، أسري بموسي حتى رآه في السماء السادسة، وجرى بينه وبينه من الكلام ما تقدَّم ذكرنا له، وكذلك رؤيتُه سائرَ الأنبياء الذين في خبر مالك بن صَعْصَة.\n(^١٨) - أخرجه البزار (١ / رقم ٥٨ - كشف الأستار)، وأخرجه ابن خزيمة في \"التوحيد\" (٢/ ٥٢٠) والطبراني في \"الأوسط\" (٦/ ٦٢١٤) وأبو نعيم في \"الحلية\" (٢/ ٣١٦)، والبيهقي في \"الدلائل\" (٢/ ٣٦٨ - ٣٦٩) وفي \"شعب الإيمان\" (١ / رقم ١٥٥) من طريق سعيد بن منصور به، وأخرجه ابن سعد \"في\"الطبقات\" (١/ ١٣٥) أخبرنا مسلم بن إبراهيم، أخبرنا الحارث بن عبيد به، وزاد نسبته السيوطي في \"الخصائص الكبرى\" (١/ ١٥٧) إلى ابن مردويه وابن عساكر وقال البزار: \"وهذا لا نعلم رواه إلا أنس ولا رواه عن أبي عمران إلا الحارث بن عبيد، وكان بصريًّا مشهورًا\"، وقال الطبراني: \"لم يرو هذا الحديث عن أبي عمران الجوني إلا الحارث\" وقال أبو نعيم: \"غريب لم نكتبه إلا من حديث أبي عمران عن أنس تفرد به عنه الحارث بن عبيد أبو قدامة\".\nوذكره الهيثمي في \"المجمع\" (١/ ٨٠) وقال: \"رواه البزار والطبراني في \"الأوسط\" ورجاله رجال الصحيح\" وقال ابن حجر- في \"الفتح\" (٨/ ٦٠٩): \"أخرجه البزار وقال: تفرد به الحارث بن عمير وكان بصريا مشهورًا. قلت: وهو من رجال البخاري\".\nقلت: البخاري إنما أخرج له متابعة في موضعين -كما في \"التهذيب\" (١/ ٣٣٤) -، والحارث هذا ضعفه ابن معين، وقال أحمد: مضطرب الحديث. وقال أبو حاتم والنسائي: ليس بالقوي. وقال ابن حبان في \"المجروحين\": كان شيخًا صالحًا ممن كثر وهمه، حتى خرج عن جملة من يحتج بهم إذا انفردوا\"، وقال الساجي: \"صدوق عنده مناكير\".\nوقد رواه حماد بن سلمة عن أبي عمران الجوني عن محمد بن عمير بن عطارد أن رسول الله ﷺ كان في ملأ من أصحابه، فذكر الحديث بنحوه أخرجه البيهقي في \"الشعب\" (١ / رقم ١٥٦) - وعلقه في \"الدلائل\" (٢/ ٣٦٩) - والبغوي في \"شرح السنة\" (١٣/ ٣٦٨٢) وقال: \"هذا حديث مرسل\".\nقلت: ومحمد بن عمير ذكره ابن أبي حاتم في \"الجرح والتعديل\" (٨/ ٤٠) ولم يذكر فيه جرحًا ولا، تعديلًا.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ، وفي كشف الأستار و\"المجمع\" وغيرهما: \"بينا أنا قاعد\".","vol":"8","page":382},{"text":"ولو شئت أن أمس السماء لمسست، فالتفت إلى جبريل ﵇ كأنه حِلْسٌ لاطٍ (*)، فعرفت فضل علمه بالله عليّ، وفُتح لي بابٌ من أبواب السماء، فرأيت النور الأعظم، وإذا دون الحجاب رفرف الدر والياقوت، وأوحي إلي ما شاء الله أن يوحى\". ثم قال: [ولا نعلم روى هذا الحديث] إلا أنس، ولا نعلم رواه عن أبي عمران الجوني إلا الحارث بن عبيد، وكان رجلًا مشهورًا من أهل البصرة.\nورواه الحافظ البيهقي في الدلائل، عن أبي بكر القاضي، عن أبي جعفر محمد بن علي بن دحيم، عن محمد بن الحسين بن أبي الحسين [¬١]، عن سعيد بن منصور .. فذكر بسنده مثله. ثم قال: وقال غيره في هذا الحديث في آخره: \"ولُطَّ دوني، أو قال: دون الحجاب، رفرف الدر والياقوت\". ثم قال: هكذا رواه الحارث بن عبيد، ورواه حماد بن سلمة، عن أبي عمران الجوني، عن محمد بن عمير بن عطارد: أن النبي ﷺ كان في مَلأ من أصحابه، فجاءه جبريل، فنكت في ظهره، فذهب به إلى الشجرة، وفيها مثل وَكرَي الطر، فقعد في أحدهما، وقعد حبريل في الآخر فتسامت [¬٢] بنا حتى بلغت الأفق، فلو بسطت يدي إلى السماء لنلتها، فدُلِّيَ بسبب، وهبط [] [¬٣] النور، فوقع جبريل مغشيًّا عليه كأنه حِلْسٌ، فعرفت فضل خشيته علي خشيتي، فأوحى إليّ نبيًّا ملكًا، أو نبيًّا عبدًا، وإلى الجنة ما أنت؟ فأومأ إليَّ جبريل، وهو مضطجع؛ أن تواضع- قال: قلت: لا، بل نبيًّا عبدًا.\nقلت: وهذا إن صح يقتضي أنها واقعة غير ليلة الإِسراء؛ فإنه لم يذكر فيها بيت المقدس، ولا الصعود إلى السماء، فهي كائنة غير ما نحن فيه، والله أعلم.\nوقال البزار أيضًا: حدثنا عمرو بن عيسى، حدثنا أبو بحر، حدثنا شعبة، عن قتادة، عن أنس ﵁ أن محمدًا ﷺ رأى ربه ﷿ و[¬٤] هذا غريب.\nوقال أبو جعفر بن جرير (^١٩): حدثنا يونس، حدثنا عبد الله بن وهب، حدثنا\n_________\n(*) أي لاصق بالأرض.\n(^١٩) - تفسير ابن جرير (١٥/ ٦)، وأخرجه البيهقي في \"الدلائل\" (٢/ ٣٦٢) من طريق عبد الله بن وهب به، ورجاله ثقات غير عبد الرحمن بن هاشم هذا فإني لم أجد له ترجمة فيما بين يدي من الكتب، والعلم عند الله تعالى، والحديث فيه غرابة ونكارة كما قال \"المصنف\": ولعلها من عبد الرحمن هذا؛ لأن من دونه ثقات، والحديث زاد نسبته السيوطي في \"الدر المنثور\" (٤/ ٢٦٢) إلى ابن مردويه.\n_________\n[¬١]- في خ: \"الحنين\".\n[¬٢]- في خ: \"إلى\".\n[¬٣]- في ز، خ \"فنشأت\".\n[¬٤]- سقط من: خ.","vol":"8","page":383},{"text":"يعقوب بن عبد الرحمن الزهري، عن أبيه، عن عبد الرحمن بن هاشم بن عتبة بن أبي وقاص، عن أنس بن مالك قال: لما جاء جبريل إلى رسول الله ﷺ بالبراق فكأنها أمرّت ذنبها، فقال لها جبريل: منه يا براق. فوالله إنْ رَكِبَكَ مثله [¬١]. وسار رسول الله ﷺ، فإذا هو بعجوز علي جانب الطريق، فقال: \"ما هذه يا جبريل؟ \" قال: سر يا محمد، قال: فسار ما شاء الله أن يسير، [فإذا شيء يدعوه متنحيًا عن الطريق يقول [¬٢]: هلمَّ يا محمد، فقال له جبريل: سر يا محمد. فسار ما شاء الله أن يسير] [¬٣]، قال: فلقيه خلق من الخلق فقالوا: السلام عليك يا أول، السلام عليك يا آخر، السلام عليك يا حاشر، فقال له جبريل: اردد السلام يا محمد، فرد السلام، ثم لقيه الثانية [¬٤] فقال له مثل مقالته الأولى [¬٥]، ثم الثالثة كذلك، حتى انتهى إلى بيت المقدس. فعرض عليه الماء والخمر واللبن، فتناول رسول الله ﷺ اللبن، فقال له جبريل: أصبت الفطرة، ولو شربتَ الماء لغرقْتَ وغرقَتْ أمتك، ولو شربت الخمر لغَويت ولَغَوَتْ أمتك، ثم بُعِثَ له آدم فمن دونه من الأنبياء ﵈، فأمَّهم رسول الله ﷺ تلك الليلة. ثم قال له جبريل: أما الجوز التي [¬٦] رأيت علي جانب الطريق فلم يبق من الدنيا إلا ما بقي من عمر تلك العجوز، وأما الذي أراد أن تميل إليه، فذاك عدو الله إبليس، أراد أن تميل إليه. وأما الذين سلّموا عليك؛ فإبراهيم، وموسى، وعيسى عليهم الصلاة والسلام.\nوهكذا رواه الحافظ البيهقي في \"دلائل النبوة\" من حديث ابن وهب، وفي بعض ألفاظه نكارة وغرابة.\n(طريق أخرى) عن أنس بن مالك، وفيها غرابة ونكارة جدًّا، وهي في سنن النسائي المجتبى، ولم أرها في الكبير، قال (^٢٠): أخبرنا عمرو [¬٧] بن هشام، حدثنا مخلد -هو ابن الحسين- عن سعيد بن عبد العزيز، حدثنا يزيد بن أبي مالك، حدثنا أنس بن مالك: أن رسول الله ﷺ قال: \"أُتيت بدابة فوق الحمار، ودون البغل، خَطْوُها عند\n_________\n(^٢٠) - \" السنن الصغرى\" للنسائي (١/ ٢٢١: ٢٢٣) ورجاله ثقات غير يزيد بن عبد الرحمن بن أبي مالك وسمه الحافظ في \"التقريب\" بأنه \"صدوق وربما وهم\"، وقد أفاد المصنف بأن الحديث فيه غرابة ونكارة جدًّا. وزاد نسبته السيوطي \"في الدر المنثور\" (٤/ ٢٦٠) إلى ابن مردويه.\n_________\n[¬١]- في ت: \"مثاله\".\n[¬٢]- في خ: \"قال\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٤]- في تفسيره: \"الثاني\".\n[¬٥]- في تفسيره: \"الثاني\".\n[¬٦]- في ز: \"الذي\".\n[¬٧]- في ز: \"عمر\".","vol":"8","page":384},{"text":"منتهى طرفها، فركبت ومعي جبريل ﵇ فسرتُ فقال: انزل فَصَلِّ فصليت [¬١]، فقال أتدري أين صليت؟ صليت [¬٢] [بِطَيبَة وإليها المُهَاجَر ثمّ قال: انزل فصلِّ، فصليت فقال: أتدري أين صليت؟] [¬٣] صليت بطور سيناء حيث كلّم الله موسى. ثم قال: انزل فصل، فنزلت [¬٤] فصليت فقال: أتدري أين صليت؟ صليت ببيت لحم حيث ولد عيسى ﵇، ثم دخلت [¬٥] بيت المقدس، فجمع لي الأنبياء- ﵈ فقدمني جبريل ﵇ حتى أممتهم، ثم صُعد بي إلى السماء [الدنيا، فإذا فيها آدم ﵇ ثم صعد بي إلى السماء] [¬٦] الثانية [¬٧]، كذا فيها ابنا الخالة عيسى ويحيى ﵉ ثم صعد بي إلى السماء الثالثة، فإذا فيها يوسف ﵇ ثم صعد بي إلي السماء الرابعة، فإذا فيها هارون، ﵇، ثم صعد بي إلى السماء الخامسة، فإذا فيها إدريس ﵇ ثم صعد بي إلى السماء السادسة، فإذا فيها موسى ﵇ ثم صعد بي إلى السماء السابعة، فإذا فيها إبراهيم ﵇ ثم صعد لي فوق سبع سماوات، وأتيت سدرة المنتهى، فغشيتني ضبابة، فخررت [¬٨] ساجدًا، فقيل لي: إني يوم خلقتُ السماوات والأرض، فرضتُ عليك، وعلى أمتك خمسين صلاة، فقم بها [¬٩] أنت وأمتك؛ [فرجعت إلى إبراهيم فلم يسألني عن شيء، ثم أتيت موسى فقال: كم فرض الله عليك وعلى أمتك؟] [¬١٠] [قلت: خمسين صلاة] [¬١١] قال: فإنك [¬١٢] لا تستطيع [] [¬١٣] أن تقوم بها، لا أنت ولا أمتك، فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف. فرجعت إلي ربي، فخفف عني عشرًا، ثم أتيت موسى فأمرني بالرجوع، فرجعت فخفف عني عشرًا، ثم رُدَّتْ [¬١٤] إلى خمس صلوات، قال: فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، فإنه فرض علي بني إسرائيل صلاتين، فما قاموا بهما [¬١٥]. فرجعت إلى ربي ﷿ فسألته التخفيف، فقال: إني يوم خلقت السموات والأرض فرضت عليك، وعلى أمتك خمسين [¬١٦] صلاة [¬١٧]،\n_________\n[¬١]- في المجتبى: \"ففعلت\".\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- زيادة من المجتبى.\n[¬٥]- في ز، خ: \"أدخل\".\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٧]- سقط من: خ.\n[¬٨]- في ز: \"خررت\".\n[¬٩]- في ز، خ: \"فيها\".\n[¬١٠]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬١١]- مكرر في ز.\n[¬١٢]- مكانها بياض في خ.\n[¬١٣]- ما بين المعكوفتين في خ: \"بها\".\n[¬١٤]- في ز: \"ردبت\".\n[¬١٥]- في خ: \"بها\".\n[¬١٦]- في ز، خ: \"خمس\".\n[¬١٧]- في ز، خ: \"صلوات\".","vol":"8","page":385},{"text":"فخمس بخمسين، فقم بها أنت وأمتك، قال [¬١]: فعرفت أنها من الله ﷿ صِرَّى فرجعت إلي موسى ﵇ فقال: ارجع. فعرفت أنها من الله ﷿ صِرَّى، يقول: أي: حتم- فلم أرجع\".\n(طريق أخرى) وقال ابن أبي حاتم (^٢١): حدثني أبي، حدثنا هشام بن عمار، حدثنا خالد بن يزيد بن أبي مالك، عن أبيه، عن أنس بن مالك ﵁ قال: لما كان ليلة أسري برسول الله ﷺ إلى بيت المقدس، أتاه جبريل بدابة فوق الحمار ودون البغل، حمله جبريل عليها، ينتهى خفها حيث ينتهي طرفها، فلما بلغ بيت المقدس، وبلغ [¬٢] المكان الذي يقال له: \"باب محمد ﷺ\" أتى إلى الحجر الذي ثَمَّة، فغمزه جبريل بأصبعه فثقبه، ثم ربطها، ثم صعد، فلما استويا في صرحة المسجد، قال جبريل: يا محمد؛ هل سألت ربك أن يريك الحور العين؟ فقال: \"نعم\" فقال: فانطلق إلى أولئك النسوة، فسلِّم عليهن، وهن جلوس عن يسار الصخرة، قال: \"فأتيتهن فسلمت عليهن، فرددن عليّ السلام، فقلت: من أنتن؟ \" فقلن: نحن خَيرات حسان، نساء قوم أبرار، نَقُوا فلم يَدْرَنوا. وأقاموا فلم يظعنوا، وخلدوا فلم يموتوا. قال: ثم انصرفت، فلم ألبث إلا يسيرًا حتى اجتمع ناس كثير، ثم أذن مؤذن وأقيمت الصلاة- قال: فقمنا صفوفًا ننتظر من يؤُمُّنا. فأخذ بيدي جبريل ﵇ فقدمني، فصليت بهم. فلما انصرفت قال جبريل: يا محمد، أتدري من صلى خلفك؟ قال: قلت: \"لا\". قال: صلى خلفك كل نبي بعثه الله، ﷿.\nقال: ثم أخذ بيدي جبريل، فصعد بي إلي السماء، فلما انتهينا إلي الباب استفتح، فقالوا: من أنت؟ قال: أنا جبريل. قالوا: ومن معك؟ قال: محمد. قالوا: وقد بُعث؟ قال: نعم. قال: ففتحوا له، وقالوا: مرحبًا بك وبمن معك. قال: فلما استوى على ظهرها إذا فيها آدم، فقال لي جبريل: يا محمد؛ ألا تسلِّم علي أبيك آدم؟ قال: قلت: بلى، فأتيته فسلمت عليه، [فرد عليّ] [¬٣] وقال: مرحبًا بابني، والنبي الصالح- قال: ثم عرج بي إلي السماء الثانية فاستفتح، قالوا: من أنت؟ قال: جبريل. قالوا: ومن معك؟ قال: محمد. قالوا: وقد بعث إليه [¬٤]؟ قال: نعم. ففتحوا له وقالوا: مرحبًا بك، وبمن معك. فإذا فيها عيسى، وابن خالته يحيى ﵉. قال: ثم\n_________\n(^٢١) - غير موجود في تفسيره المطبوع وقد عزاه إليه أيضًا السيوطي في \"الدر المنثور\" (٤/ ٢٦١ - ٢٦٢)، وانظر ما قبله.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- في ز، خ: \"فبلغ\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٤]- سقط من ز.","vol":"8","page":386},{"text":"عرج بي إلى السماء الثالثة، فاستفتح، قالوا: من أنت؟ قال: جبريل. قالوا: ومن معك؟ قال: محمد. قالوا: وقد بعث إليه [¬١]؟ قال: نعم. ففتحوا له [¬٢] وقالوا: مرحبًا بك وبمن معك. فإذا فيها يوسف ﵇، ثم عرج بي إلى السماء الرابعة؛ فاستفتح، قالوا: من أنت؟ قال: جبريل، قالوا: ومن معك؟ قال: محمد. قالوا: وقد بعث إليه [¬٣]؟ قال: نعم [] [¬٤]، ففتحوا له، وقالوا: مرحبًا بك وبمن معك. فإذا فيها إدريس ﵇ قال: [فعرج بي] [¬٥] إلى السماء الخامسة فاستفتح قالوا: من أنت؟ قال: جبريل. قالوا: ومن معك؟ قال: محمد، قالوا: وقد بعث إليه [¬٦]؟ قال: نعم، ففتحوا له [¬٧]، وقالوا: مرحبًا بك وبمن معك. فإذا فيها هاررن ﵇ قال [¬٨]: ثم عرج بي إلي السماء السادسة فاستفتح قالوا: من أنت؟ قال: جبريل. قالوا: ومن معك؟ قال: محمد. قالوا: وقد بعث؟ قال: نعم. ففتحوا له [¬٩] وقالوا: مرحبًا بك وبمن معك، [وإذا فيها موسى ﵇ ثم عرج بي إلى السماء السابعة فاستفتح جبريل، فقالوا: من أنت؟ قال: جبريل. قالوا: ومن معك؟ قال: محمد. قالوا: وقد بعث إليه؟ قال: نعم. ففتحوا له وقالوا: مرحبًا بك وبمن معك] [¬١٠]، وإذا [¬١١] فيها إبراهيم [¬١٢]﵇ فقال جبريل: يا محمد؛ ألا تسلِّم علي أبيك إبراهيم؟ قال: قلت [¬١٣]: بلى. فأتيته فسلمت عليه، فرد عليّ السلام وقال: مرحبًا بك يا بني، والنبي الصالح.\nثم انطلق بي علي ظهر السماء السابعة، حتى انتهى بي إلى نهر عليه خيام الياقوت واللؤلؤ والزبرجد، وعليه طير خضر، أنعم طير رأيت. فقلت: يا جبريل، إن هذا الطير لناعم؟ قال: [يا محمد،] [¬١٤] آكله أنعم منه. ثم قال: يا محمد، أتدري أيّ نهر هذا؟ قال [¬١٥]: قلت: لا قال: هذا الكوثر الذي أعطاك الله إياه. فإذا فيه آنية الذهب والفضة، يجري علي رَضْرَاض [¬١٦] من الياقوت والزمرد، ماؤه أشد بياضًا من اللبن. قال: فأخذت منه آنية من الذهب، فاغترفت من ذلك الماء فشربت، فإذا هو أحلى من العسل،\n_________\n[¬١]- سقط من ز.\n[¬٢]- سقط من ز.\n[¬٣]- سقط من ز.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين في خ: \"معًا\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين في خ: \"ثم عرج به\".\n[¬٦]- سقط من ز.\n[¬٧]- سقط من: ز.\n[¬٨]- سقط من: ت.\n[¬٩]- سقط من ز.\n[¬١٠]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬١١]- في ز، خ: \"فإذا\".\n[¬١٢]- \"لعله موسى\" على هامش المخطوط.\n[¬١٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬١٤]- سقط من: خ.\n[¬١٥]- سقط من: ز، خ.\n[¬١٦]- الرضراض: الحصى الصغار.","vol":"8","page":387},{"text":"وأشد [¬١] رائحة من المسك، ثم انطلق بي حتى انتهيت إلى الشجرة، فغشيتني سحابة فيها من كل لون، فرفضني جبريل، وخررت ساجدًا لله ﷿ فقال الله لي: يا محمد؛ إني يوم خلقت السموات والأرض، فرضت عليك وعلى أمتك خمسين صلاة، فقم بها أنت وأمتك. قال: ثم انجلت عني السحابة، وأخذ بيدي جبريل، فانصرفت سريعًا. فأتيت علي إبراهيم فلم يقل لي شيئًا، ثم أتيت علي موسى، فقال ما صنعت يا محمد؟ فقلت [¬٢]: فرض ربي عليّ وعلى أمتي خمسين صلاة. قال: فلن تستطعها أنت ولا أمتك، فارجع إلى ربك فاسأله أن يخفف عنك فرجعت سريعًا حتى انتهيت إلى الشجرة، فغشيتني السحابة، ورفضني جبربل، وخررت ساجدًا، وقلت: ربِّ، إنك فرضت عليّ وعلى أمتي خمسين صلاة، ولن أستطيعها أنا ولا أمتي، فخفف عنا. قال: قد وضعت عنكم عشرًا. قال [¬٣]: ثم انجلت عني السحابة، وأخذ بيدي جبريل، فانصرفت [¬٤] سريعًا، حتى أتيت علي إبراهيم فلم يقل لي شيئًا، ثم أتيت علي موسى فقال لي: ما صنعت يا محمد؟ فقلت: وضع ربى عني عشرًا. قال أربعون صلاة! لن تستطيعها أنت ولا أمتك، فارجع إلى ربك فاسأله أن يخفف عنكم\". فذكر الحديث كذلك إلى خمس صلوات، وخمس بخمسين، ثم أمره موسى أن يرجع فيسأله التخفيف فقلت: \"إني قد استحييت منه تعالى\".\nقال: ثم انحدر فقال [¬٥] رسول الله ﷺ لجبريل: \"ما لي لم آت على سماء إلا رحبوا لي، وضحكوا إليّ غير رجل واحد، فسلمت عليه فردّ عليّ السلام، ورحب [¬٦] بي، ولم يضحك إليّ؟ قال: يا محمد؛ ذاك مالك خازن جهنم، لم يضحك منذ خلق، ولو ضحك إلى أحد لضحك إليك\".\nقال: ثم ركب منصرفًا، فبينا [¬٧] هو في بعض طريقه مر بعير لقريش تحمل طعامًا، منها جمل عليه غرارتان: وغرارة [¬٨] سوداء، وغرارة بيضاء، فلما حاذى بالعير نفرت منه واستدارت، وصرع ذلك البعير وانكسر.\nثم إنه مضى فأصبح، فأخبر عما كان، فلما سمع المشركون قوله أتوا أبا بكر فقالوا: يا أبا بكر؛ هل لك في صاحبك؟ يخبر [¬٩] أنه أتى في ليلته هذه مسيرة شهر ثم رجع في\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"وألذ\".\n[¬٢]- في خ: \"فقال\".\n[¬٣]- سقط من: خ.\n[¬٤]- في ز، خ: \"وانصرفت\".\n[¬٥]- في خ: \"قال\".\n[¬٦]- في ز، خ: \"فرحب\".\n[¬٧]- في ز: \"فبينما\"، خ \"فينما\".\n[¬٨]- في خ: \"وغرارة\".\n[¬٩]- في ز: \"غير\".","vol":"8","page":388},{"text":"ليلته، فقال أبو بكر ﵁: إن كان قاله فقد صدق، وإنا لنصدقه [¬١] فيما هو أبعد من هذا، نصدقه على خبر السماء.\nفقال المشركون لرسول الله ﷺ: ما علامة ما تقول؟ قال: \"مررت بعير لقريش، وهي في مكان كذا وكذا، فنفرت العير منا واستدارت، وفيها [بعير عليه] [¬٢] غرارتان: غرارة سوداء وغرارة بيضاء، فصرع؛ فانكسر\". فلما قدمت العير سألوهم، فأخبروهم الخبر علي مثل [¬٣] ما حدثهم النبي ﷺ، [ومن ذلك] [¬٤] سُمي أبو بكر الصديق.\nوسألوه فقالوا [¬٥]: هل كان معك فيمن حضر موسى وعيسى؟ قال: \"نعم\". قالوا: فصفهم؟ قال: \"نعم. أما موسى: فرجل آدم، كأنه من رجال أزدعمان [¬٦]، وأما عيسى فرجل ربعة، سبط، تعلوه [¬٧] حمرة [¬٨]، كأنما يتحادر من شعره الجُمَان\". هذا [¬٩] سياق فيه غرائب عجيبة.\n(رواية أنس ﵁ عن مالك بن صعصعة) قال الإِمام أحمد (^٢٢):\nحدثنا عفان، حدثنا همام قال: سمعت قتادة يحدث، عن أنس بن مالك: أن مالك بن صَعْصَعَة حدثه: أن [نبي الله] [¬١٠] ﷺ حدثهم عن ليلة أسري به، قال: \"بيننما أنا في الحَطِيم -وربما قال قتادة: في الحِجْر- مضطجعًا، إذ أتاني آت فجعل يقول لصاحبه: الأوسط بين الثلاثة، قال: فأتاني فقدّ [¬١١]-وسمعت قتادة يقول: فشق- ما بين هذه إلى هذه\". وقال قتادة: فقلت للجارود، وهو إلى جنبي: ما يعني؟ قال: من ثُغرة نحره إلى شعرته، وقد سمعته يقول [¬١٢] له [¬١٣]: من قصته إلى شعرته- قال:\n_________\n(^٢٢) - \" المسند\" (٤/ ٢٠٨) وأخرجه أيضًا (٤/ ٢٠٧، ٢٠٨، ٢١٠)، والبخاري، كتاب: بدء الخلق، باب: ذكر الملائكة (٣٢٠٧) ومسلم: كتاب: الإيمان، باب: الإسراء برسول الله ﷺ إلى السماوات - (٢٦٤) (١٦٤)، والترمذي: كتاب: تفسير القرآن، باب: ومن سورة ألم نشرح (٣٣٤٣)، والنسائي، كتاب: الصلاة، باب: فرض الصلاة. . . (١/ ٢١٧) من طرق عن قتادة به مطولًا مختصرًا.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"لنصدقنه\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٣]- سقط من: خ.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٥]- في خ: \"وقالوا\".\n[¬٦]- في ز: \"أرعمان\"، خ: \"أروعمان\".\n[¬٧]- في ز: \"يعلوه\".\n[¬٨]- في ت: \"حمزة\".\n[¬٩]- في ت: \"هذه\".\n[¬١٠]- ما بين المعكوفتين في خ: \"النبي\".\n[¬١١]- في خ: \"وقد\".\n[¬١٢]- مكررة في خ.\n[¬١٣]- زيادة من: خ.","vol":"8","page":389},{"text":"\"فاستخرج قلبي -قال: فأتيت بطست من ذهب مملوء إيمانًا وحكمة، فغسل قلبي، ثم حشي، ثم أعيد؛ ثم أتيت بدابة دون البغل وفوق الحمار أبيض- قال: فقال الجارود: وهو البراق يا أبا حمزة؟ قال: نعم، يقع خطوه عند أقصى طرفه- قال: \"فحملت عليه، فانطلق بي جبريل ﵇، حتى أتى بي إلى السماء الدنيا، فاستفتح، فقيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: أو [¬١] قد أرسل [] [¬٢] إليه؟ قال: نعم. فقيل [¬٣]: مرحبًا به، ولنعم المجيء جاء! قال: ففتح، فلما خلصت؛ فإذا فيها آدم ﵇ فقال: هذا أبوك آدم فسلم عليه، فسلمت عليه [فرد السلام] [¬٤] ثم قال: مرحبًا بالابن الصالح، والنبي الصالح.\nثم صعد حتى أتى السماء الثانية، فاستفتح، فقيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: أو [¬٥] قد أرسل إليه؟ قال: نعم. قيل: مرحبًا به، ولنعم المجئ جاء قال: ففتح، فلما خلصت، فإذا عيسى ويحيى وهما ابنا الخالة قال: هذان [¬٦] يحيى وعيسى؛ فسلم عليهما قال: فسلمت فردا السلام، [ثم قالا] [¬٧]: مرحبًا بالأخ الصالح، والنبي الصالح.\nثم صعد حتى أتى السماء الثالثة، فاستفتح؛ فقيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: أو [¬٨] قد أرسل إليه؟ قال: نعم. قيل: مرحبًا به، ولنعم المجيء جاء! قال: ففتح لنا [¬٩]، فلما خلصت؛ فإذا يوسف [¬١٠]﵇ قال: هذا يوسف [¬١١]. قال: فسلمت عليه فرد السلام ثم قال: مرحبًا بالأخ الصالح، والنبي الصالح.\nثم صعد حتى أتى السماء الرابعة فاستفتح جبريل [¬١٢] فقيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: أو [¬١٣] قد أرسل إليه؟ قال: نعم. قيل: مرحبًا به، ولنعم المجيء جاء قال: ففتح لهما [¬١٤]، فلما خلصت، فإذا إدريس قال: هذا إدريس\n_________\n[¬١]- في خ: \"و\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في خ: \"عليه\".\n[¬٣]- في خ: \"قال\".\n[¬٤]- في خ: \"ثم رد\".\n[¬٥]- في خ: \"و\".\n[¬٦]- في خ: هذا.\n[¬٧]- في خ: \"قالا ثم\".\n[¬٨]- في خ: \"و\".\n[¬٩]- سقط من: ز.\n[¬١٠]-[¬١١]- في ز، خ: \"إدريس\" وعلى هامش المخطوط \"لعله يوسف\".\n[¬١٢]- سقط من ز.\n[¬١٣]- في خ: \"و\".\n[¬١٤]- سقط من ز.","vol":"8","page":390},{"text":"[فسلم عليه] [¬١]. قال: فسلمت عليه. فردّ السلام، ثم [¬٢] قال: مرحبًا بالأخ الصالح والنبي الصالح.\nقال: ثم صعد حتى أتى السماء الخامسة؛ فاستفتح؛ فقيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: أَوَ [¬٣] قد أرسل إليه؟ قال: نعم. قيل: مرحبًا به، ولنعم المجيء جاء، قال: ففتح لنا، فلما خلصت؛ فإذا هارون ﵇ قال: هذا هارون فسلم عليه. قال [¬٤]: فسلمت عليه. فرد السلام، ثم قال: مرحبًا بالأخ الصالح، والنبي الصالح.\nقال: ثم صعد حتى أتى السماء السادسة فاستفتح فقيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: أو قد أرسل إليه؟ قال: نعم. قيل: مرحبًا به، ولنعم المجيء جاء؛ ففتح لهما [¬٥]، فلما خلصت؛ فإذا أنا بموسى قال: هذا موسى ﵇[فسلم عليه] [¬٦]. فسلمت عليه، فرد السلام، ثم قال: مرحبًا بالأخ الصالح، والنبي الصالح. قال [¬٧]: فلما تجاوزته [¬٨] بكى، قيل له: ما يبكيك؟ قال: أبكي، لأن غلامًا بُعث بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر مما يدخلها من أمتي.\nقال: ثم صعد حتى أتى السماء السابعة؛ فاستفتح قيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: أو قد أرسل إليه؟ قال: نعم. قيل: مرحبًا به، ولنعم المجيء جاء قال: ففتح لنا [¬٩]، فلما خلصت فإذا إبراهيم ﵇ فقال: هذا إبراهيم ﵇ فسلم عليه. قال: فسلمت عليه؛ فرد السلام، ثم قال: مرحبًا بالابن الصالح، والنبي الصالح.\nقال: ثم رفعت إلى سدرة المنتهى، فإذا نبقها مثل قلال هجر، وإذا ورقها مثل آذان الفِيَلَة، فقال [¬١٠]: هذه سدرة المنتهى، قال: وإذا أربعة أنهار: نهران باطنان، ونهران ظاهران، فقلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: أما الباطنان: فنهران في الجنة، وأما الظاهران: فالنيل والفرات.\nقال: ثم رفع إلى البيت المعمور-\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- في خ: \"و\".\n[¬٤]- سقط من ز.\n[¬٥]- سقط من ز.\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٧]- سقط من: خ.\n[¬٨]- في ز، خ: \"تجاوزت\".\n[¬٩]- سقط من: ز، في خ: \"لهما\".\n[¬١٠]- في خ: \"قال\".","vol":"8","page":391},{"text":"قال قتادة: وحدثني الحسن، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ أنه رأى البيت المعمور يدخله كل يوم سبعون ألف ملك، ثم لا يعودون فيه، ثم رجع إلى حديث أنس-[قال: ثم] [¬١] أتيت بإناء من خمر، وإناء من لبن، وإناء من عسل- قال: فأخذت اللبن، قال: هذه الفطرة، وأنت عليها وأمّتك.\nقال: ثم فرضت الصلاة خمسين صلاة كل يوم قال-: فنزلت حتى انتهيت إلى موسى قال: ما فرض ربك علي أمتك؟ قال: فقلت [¬٢]: خمسين صلاة كل يوم. قال: إن أمتك لا تستطيع خمسين صلاة، وإني قد خَبَرت الناس قبلك، وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة، فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف عن أمتك. قال: فرجعت فوضع عني عشرًا، قال: فرجعت إلي موسى؛ فقال: بم أمرت؟ قلت [¬٣]: بأربعين صلاة كل يوم. قال [¬٤]: إن أمتك لا تستطيع أربعين صلاة كل يوم، و[¬٥] إني قد خبرت الناس قبلك، وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة، فارجع إِلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك. قال: فرجعت فوضع عني عشرًا أخَر، فرجعت إلى موسى فقال: بم أمرت؟ فقلت: أمرت بثلاثين صلاة. قال: إن أمتك لا تستطيع ثلاثين صلاة كل يوم، وإني قد خبرت الناس قبلك [¬٦] وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة، فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك. قال: فرجعت فوضع عني عشرًا أخر، فرجعت إلى موسى فقال: بم أمرت؟ قلت [¬٧]: بعشرين صلاة كل يوم. فقال: إن أمتك لا تستطيع عشرين [¬٨] صلاة كل يوم، وإني قد خبرت الناس قبلك، وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة، فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك [¬٩]. قال: فرجعت فوضع عني عشرًا أخر، فرجعت إلى موسى فقال: بم أمرت؟ فقلت: أمرت بعشر صلوات في كل يوم. فقال: إن أمتك لا تستطع عشر [¬١٠] صلوات كل يوم، وإني قد خبرت الناس قبلك، وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة، فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك. قال: فرجعت فأمرت بخمس صلوات كل يوم، [فرجعت إلى موسى فقال: بم أمرت؟ فقلت: أمرت بخمس صلوات كل يوم [¬١١]. فقال [¬١٢]: إن أمتك لا تستطع خمس [¬١٣] صلوات كل يوم، وإني قد خبرت الناس قبلك، وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة، فارجع إلي\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في ز، خ: \"قال\".\n[¬٤]- مكرر في خ.\n[¬٥]- سقط من: خ.\n[¬٦]- سقط من: خ.\n[¬٧]- في ز: \"قال\".\n[¬٨]- في ز، خ: \"لعشرين\".\n[¬٩]- سقط من: ز.\n[¬١٠]- في ز، خ: \"لعشر\".\n[¬١١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬١٢]- في خ: \"قال\".\n[¬١٣]- في ز: \"لخمس\".","vol":"8","page":392},{"text":"ربك فاسأله التخفيف لأمتك. قال: قلت: قد [¬١] سألت ربي حتى استحييت منه، ولكني أرضى وأسلم، فنفذت فنادى مناد: قد أمضيت فريضتي، وخففت عن عبادي\". وأخرجاه في الصحيحين من حديث قتادة بنحوه.\nرواية أنس عن أبي ذر.\nقال البخاري (^٢٣): حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا الليث، عن يونس، عن ابن شهاب عن أنس بن مالك قال: كان أبو ذر ﵁ يحدث: أن رسول الله ﷺ قال [¬٢]: \"فرج سقف بيتي، وأنا بمكة، فنزل جبريل، ففرج [¬٣] صدري [ثم غسله بماء زمزم، ثم جاء بطست من ذهب ممتلئ حكمة وإيمانًا، فأفرغه في صدرى] [¬٤]، ثم أطبقه، ثم أخذ بيدى فعرج بي إلى السماء، فلما جئت إلى السماء قال جبريل لخازن السماء: افتح. قال: من هذا؟ قال: جبريل. قال: هل معك أحد؟ قال: نعم، معي محمد. فقال: أرسل إليه؟ قال: نعم [¬٥]. فلما فتح علونا السماء الدنيا، وإذا رجل قاعد على يمينه أسودة (٥)، وعلى يساره أسودة، فإذا نظر قِبَل يمينه ضحك، وإذا نظر قبل شماله بكى، فقال: مرحبًا بالنبي الصالح والابن الصالح. قلت لجبريل: من هذا؟ قال: هذا [¬٦] آدم، وهذه الأسودة عن يمينه، وعن شماله نَسَمُ [¬٧] بنيه، فأهل اليمين منهم أهل الجنة، والأسودة التي عن شماله أهل النار، فإذا نظر عن يمينه ضحك، وإذا نظر عن شماله بكى.\nثم عرج بي إلى السماء الثانية؛ فقال لخازنها: افتح [] [¬٨] فقال [له خازنها] [¬٩] مثل ما قال له [¬١٠] الأول ففتح، قال أنس: فذكر أنه وجد في السماوات آدم، وإدريس، وموسى، وعيسى، وإبراهيم، ولم يثبت كيف منازلهم غير أنه [ذكر أنه] [¬١١] وجد آدم\n_________\n(^٢٣) - أخرجه البخاري، كتاب: الصلاة، باب: كيف فرضت الصَّلواتُ في الإسراء (٣٤٩)، وأخرجه أيضًا، كتاب: الجمع، باب: ما جاء في زمزم، (١٦٣٦) وكتاب: الأنبياء، باب: ذكر إدريس ﵇. . . (٣٣٤٢)، ومسلم: كتاب الإيمان، باب: الإسراء برسول الله ﷺ. . . (٢٦٣) (١٦٣) والنسائي في \"الكبرى\" (١ / رقم ٣١٤) من طرق عن يونس به.\n_________\n[¬١]- في ز: \"لقد\".\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- بعده في ز، خ: في.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- بعده في خ: قال:\n[¬٦]- سقط من: ز.\n[¬٧]- في ز، خ: \"نطف\".\n[¬٨]- ما بين المعكوفتين في خ: \"قال: من هذا. قال: جبريل. قال: هل معك أحد قال نعم. معي محمد\".\n[¬٩]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬١٠]- سقط من: خ.\n[¬١١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.","vol":"8","page":393},{"text":"في السماء الدنيا، وإبراهيم في السماء السادسة، قال أنس: فلما مر جبريل بالنبيِّ ﷺ بإدريس قال: مرحبًا بالنبي الصالح، والأخ الصالح! فقلت: من هذا؟ قال: هذا [¬١]، إدريس، [ثم مررت بموسى فقال: مرحبًا بالنبي الصالح والأخ الصالح، قلت: من هذا؟ قال: موسى] [¬٢]، ثم مررت بعيسى، فقال: مرحبًا بالنبي الصالح والأخ الصالح، قلت: من هذا؟ قال: عيسى ابن مريم، ثم مررت بإبراهيم فقال: مرحبًا بالنبي الصالح، والابن الصالح، قلت: من هذا؟ قال: هذا إبراهيم.\nقال الزهري: فأخبرني ابن حزم أن ابن عباس، وأبا حبة الأنصاري كانا يقولان: قال النبي ﷺ: \"ثم عرج بي حتى ظهرت [¬٣] لمستوى أسمع فيه صريف الأقلام\". قال ابن حزم، وأنس بن مالك: قال رسول الله، ﷺ: \"ففرض الله علي أمتي خمسين صلاة، فرجعت بذلك حتى مررت علي موسى، فقال: ما فرض الله علي أمتك؟ قلت: فرض [¬٤] خمسين صلاة. قال: فارجع إلي ربك\" فإن أمتك لا تطيق ذلك، فرجعت [فوضع شطرها، فرجعت إلى موسى قلت: وضع شطرها فقال: ارجع إلي ربك؛ فإن أمتك لا تطيق، فرجعت فوضع شطرها فرجعت إليه فقال: ارجع إلي ربك، فإن أمتك لا تطيق ذلك فراجعته] [¬٥] فقال: هي خمس وهي خمسون، لا يُبَدَّلُ القولُ لديّ، فرجعت إلي موسى فقال: ارجع إلي ربك. قلت: قد استحييت من ربي، ثم انطلق بي حتى انتهى إلي سدرة المنتهى، فغشيها ألوان لا أدري ما هي، ثم أدخلت الجنة؛ كذا فيها جنابذ اللؤلؤ، وإذا ترابها المسك\".\nهذا لفظ البخاري في \"كتاب الصلاة\"، ورواه في ذكر بني إسرائيل (*)، وفي الحج، وفي أحاديث الأنبياء من طرق أخرى عن يونس به، ورواه مسلم في صحيحه في \"كتاب الإِيمان\" منه عن حرملة، عن ابن وهب، عن يونس به نحوه.\nوقال الإِمام أحمد (^٢٤): حدثنا عفان، حدثنا همام، عن قتادة، عن عبد الله بن شقيق قال: قلتَ لأبي ذر: لو رأيت رسول الله ﷺ لسألته، قال: وما كنت تسأله؟، قال: كنت أسأله: هل رأى ربه؟ فقال: إني قد سألته، فقال: \"إني قد رأيته\n_________\n(*) الحديث في صحيح البخاري في ثلاثة مواضع فقط، [الصلاة، الحج، الأنبياء] وداخل كتاب: الأنبياء، باب: ما ذكر عن بني إسرائيل وليس فيه الحديث، والله أعلم.\n(^٢٤) - \" المسند\"، (٥/ ١٤٨) وقد تقدم تخريجه (رقم ٧).\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٣]- في ز: \"طهرت\".\n[¬٤]- سقط من: خ.\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"8","page":394},{"text":"نورًا أنّى أراه\". هكذا [¬١] وقع في رواية الإِمام أحمد.\nوأخرجه مسلم في صحيحه (^٢٥)، عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن وكيع، عن يزيد بن إبراهيم، عن قتادة، عن عبد الله بن شقيق [عن أبي ذر قال: سألت رسول الله ﷺ: هل رأيت ربك؟ قال: \"نور أنّى أراه\".\nوعن محمد بن بشار عن معاذ بن هشام، حدثنا أبي عن قتادة عن عبد الله بن شقيق] [¬٢] قال: قلت لأبي ذر: لو رأيت رسول الله ﷺ لسألته، فقال: عن أبي شيء كنت تسأله؟ قال: كنت أسأله: هل رأيت ربك؟ قال أبو ذر: قد سألت؛ فقال: \"رأيت نورًا\".\nرواية أنس عن أبي بن كعب الأنصاري ﵁.\nقال عبد الله ابن الإِمام أحمد (^٢٦): حدثنا محمد بن إسحاق بن محمد المسيبي، حدثنا أنس بن عياض، عن يونس بن يزيد قال: قال ابن شهاب قال: قال أنس بن مالك: كان أبي بن كعب يُحَدِّثُ: أن رسول الله ﷺ قال: \"فرج سقف بيتي، وأنا بمكة، فنزل جبريل ففرج صدري، ثم غسله من ماء زمزم، ثم جاء بطست من ذهب ممتلئ حكمة وإيمانًا، فأفرغها في صدري، ثم أطبقه، ثم أخذ بيدي، فعرج بي إلى السماء، فلما جاء السماء الدنيا [فافتتح فقال: من هذا؟ قال: جبريل. قال: هل معك أحد؟ قال: نعم، معي محمد. قال: أرسل إليه؟ قال: نعم، فافتح. فلما علونا السماء الدنيا] [¬٣]، إذا رجل عن يمينه أسودة، وعن يساره أسودة، فإذا نظر عن يمينه ضحك، وإذا نظر قبل شماله بكى- قال: مرحبًا بالنبي الصالح. والابن الصالح، قال: قلت لجبريل: من هذا؟ قال: هذا [¬٤] آدم، وهذه الأسودة التي عن اليمين وعن [¬٥] شماله نسم بنيه؛ فأهل يمينه هم أهل الجنة، والأسودة التي عن شماله هم أهل النار، فإذا نظر قبل يمينه\n_________\n(^٢٥) - صحيح مسلم، كتاب: الإيمان، باب: في قوله ﵇: \"نور أنى أراه … \" (٢٩١، ٢٩٢) (١٧٨)، وأخرجه أيضًا من طريق حجاج بن الشاعر حدثنا عفان بن مسلم حدثنا همام عن قتادة به، وانظر السابق.\n(^٢٦) - صحيح \"المسند\" (٥/ ١٤٣) ومن طريقه اختاره الضياء في \"المختارة\" (٣/ ١١٢٦)، وأخرجه عبد الله بن أحمد أيضًا \"المسند\" (٥/ ١٢٢) وأبو يعلى في مسنده (٦/ ٣٦١٤) ومن طريقهما الضياء (٣/ ١١٢٧، ١١٢٨) عن محمد بن عباد المكي حدثنا أبو ضمرة -أنس بن عياض- به مختصرًا.=\n_________\n[¬١]- بعده في خ: وقد.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- سقط من: خ.\n[¬٥]- سقط من: خ.","vol":"8","page":395},{"text":"ضحك، وإذا نظر قبل شماله بكى، قال: ثم عرج بي جبريل حتى أتى السماء الثانية فقال لخازنها: افتح، فقال له خازنها مثل ما قال خازن السماء الدنيا، ففتح له، قال أنس: فذكر أنه وجد في السموات آدم، وإدريس، وموسى، وعيسى، وإبراهيم، ولم يثبت لي كيف منازلهم، غير أنه ذكر أنه وجد آدم ﵇ في السماء الدنيا، وإبراهيم في السماء السادسة، قال أنس [¬١]: فلما مر جبريل ﵇ ورسول الله ﷺ بإدريس قال: مرحبًا بالنبي الصالح، والأخ الصالح، قال: \"قلت: من هذا يا جبريل؟ \" قال: هذا إدريس. قال: ثم مررت بموسى فقال: مرحبًا بالنبي الصالح، والأخ الصالح. فقلت: من هذا؟ قال: هذا موسى، ثم مررت بعيسى فقال: مرحبًا بالنبي الصالح، والأخ الصالح. قلت: من هذا؟ قال: هذا عيسى بن مريم. قال: ثم مررت يابراهيم؛ فقال: مرحبًا بالنبي الصالح، والابن الصالح. قلت: من هذا؟ قال: هذا إبراهيم\". قال ابن شهاب: وأخبرني ابن حزم أن ابن عباس وأبا حبة الأنصاري كانا يقولان: قال رسول الله ﷺ: \"ثم عرج بي حتى ظهرت لمستوى أسمع صريف الأقلام\" قال ابن حزم، وأنس بن مالك: قال رسول الله ﷺ: \"فرض الله على أمتي خمسين صلاة، قال: فرجحت بذلك حتى أمر على موسى؛ فقال موسى: ماذا فرض ربك على أمتك؟ قلت: فرض عليهم خمسين صلاة. فقال لي موسى: راجع ربك؛ فإن أمتك لا تطيق ذلك، قال: فراجعت ربي فوضع شطرها، فرجحت إلى موسى؛ فأخبرته؛ فقال: ارجع إلى ربك فإن أمتك لا تطيق ذلك. فرجعت؛ فقال: هي خمس، وهي خمسون، لا يبدل القول لديّ، قال: فرجعت إلى موسى؛ فقال: راجع ربك. فقلت: قد استحييت من ربي، قال: ثم انطلق بي حتى أتى سدرة المنتهى قال: فغشيها ألوان ما أدري ما هي؟ قال: ثم أدخلت الجنة؛ فإذا فيها جنابذ [¬٢] اللؤلؤ؛ وإذا ترابها المسك\".\nهكذا رواه عبد الله بن أحمد في مسند أبيه، وليس هو في شيء من الكتب الستة، وقد تقدم في الصحيحين من طريق يونس، عن الزهري، عن أنس، عن أبي ذر مثل هذا السياق سوا، فالله أعلم (٥).\n_________\n= وذكر الهيثمي في \"المجمع\" (١/ ٧٠ - ٧١) الطريق المطولة هذه وقال: \"رواه عبد الله مِن زياداته على أبيه ورجاله رجال الصحيح\".\n(*) وقد أعل حديث أُبَيٍّ بذلك، فقال ابن أبي حاتم في \"العلل\" (١ / رقم ٣١٥٨)، (٤/ ٢٧١٢): =\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- الجنابذ: جمع جنبذة، وهي القبة. النهاية [١/ ٣٠٥].","vol":"8","page":396},{"text":"رواية بريدة بن الحصيب الأسلمي:\nقال الحافظ أبو بكر البزار (^٢٧): حدثنا عبد الرحمن بن المتوكل، ويعقوب بن إبراهيم واللفظ له قالا: حدثنا أبو تميلة، أخبرنا الزبير بن جنادة، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ: \"لما كان ليلة أسري بي [¬١]- قال: فأتى جبريل الصخرة التي ببيت المقدس قال: فوضع أصبعه فيها، فخرقها فشد بها البراق\".\nثم قال البزار: لا نعلم رواه عن الزبير بن جنادة إلا أبو تميلة، ولا نعلم هذا الحديث إلا عن بريدة. وقد رواه الترمذي في التفسير من جامعه عن يعقوب بن إبراهيم الدورقي به، وقال: غريب.\n_________\n= \"سألت أبي عن حديث رواه يونس عن الزهري عن أنس عن أبي ذر عن النبي ﷺ في المعراج، ورواه قتادة عن أنس عن مالك بن صعصعة عن النبي ﷺ فقيل لأبي: أيهما أشبه؟ قال: أنا لا أعدل بالزهري أحدًا من أهل عصره، ثم قال: إني أرجو أن يكونا جميعًا صحيحين. وقال مرة: حديث الزهري أصح. قلت لأبي: وقد اختلفوا على الزهري؟ قال: نعم منهم من يقول عن الزهري عن أنس عن أبي بن كعب والزهري عن أنس عن أبي ذر أصح، وقال الدارقطني في \"العلل\" (٦ / س ١٠٩٥): \"يرويه الزهري عن أنس، حَدَّث به عنه عقيل ويونس واختلف عن يونس، فقال أبو ضمرة: عن يونس عن الزهري عن أنس عن أبي وأحسبه سقط عليها ذر، فجعله عن أبي بن كعب، ووهم فيه، وروى هذا الحديث قتادة عن أنس بن مالك عن مالك بن صعصعة وأتى له، بطوله وروى بعضه شعبة عن قتادة عن أنس عن النبي ﷺ قصة النهرين حدث به إبراهيم بن طهمان عن شعبة، ويشبه أن يكون الأقاويل كلها صحاحًا لأن رواتهم أثباتًا وقال ابن حجر في \"أطراف المسند\" (١/ ١٨٣): \"هكذا أورده، وهو وَهَمٌ نشأ عن تصحيف، والمحفوظ جديث الزُّهْري عن أنس، عن أبي ذر، كأنها كانت كذلك فسقطت. (ذَرّ) من السياق فَصُحِّفَت (أُبَيّ)، قاله أبو حاتم وغيره والله أعلم\"!.\nولم يوافق الضياء على إعلال حديث أبي بذلك، فنقل كلام الدارقطني السابق ثم قال: \"وحديث أبي ذر يُشْبِهُ حديث أبي بن كعب الذي أثبتناه، فلذلك قال الدارقطني: (أحسبه سقط عليه ذرّ) غير أن قوله الأخير (ويشبه أن تكون الأقاويل كلُّها صحاحًا، لأن رواتهم أثبات) عندي أولى. قلت -الضياء-: وكونُ حديث أبي مثلَ حديث أبي ذر لا يؤثر فيه، ثم الرواية فيها عن أبي بن كعب، فكيف يشتبه ابن كعب بذر؟ وإذا كانت قد صَحَّتْ الرواية عن أنس، وروايته عن أبي ذر عنه، وعن مالك بن صعصعة، فتصح روايته عن أُبي بن كعب، والله أعلم\"!.\n(^٢٧) - وعزاه له السيوطي في \"الدر المنثور\" (٤/ ٢٧٨) وأخرجه الترمذي: كتاب تفسير القرآن، باب: ومن سورة بني إسرائيل، حديث (٣١٣٢)، والحاكم في \"المستدرك\" (٢/ ٣٦٠) والمزي في \"تهذيب الكمال\" [(٩/ ٣٠٠ - ٣٠١) / ترجمة الزبير بن جنادة] من طريق أبي تميلة به، وقال الترمذي: \"حديث حسن غريب\" وفي رواية أستغربه دون أن يحسنه، وقال الحاكم: \"حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وأبو تميلة والزبير مروزيان ثقتان\" ووافقه الذهبي. وهو كما قالا، وأبو تميلة اسمه يحيى بن واضح وثقه =\n_________\n[¬١]- في خ: \"به\".","vol":"8","page":397},{"text":"رواية جابر بن عبد الله ﵁:\nقال الإمام أحمد (^٢٨): حدثنا يعقوب، حدثنا أبي، عن صالحٍ، عن ابن شهاب قال: قال أبو سلَمة: سمعت جابر بن عبد الله يحدث: أنه سمع رسول الله ﷺ، يقول [¬١]: \"لما كذبتني قريش حين أسري لي إلى بيت المقدس؛ قمت في الحجر فجلى الله لي بيت المقدس، فطفقت أخبرهم عن آياته، وأنا أنظر إليه\" أخرجاه في الصحيحين من طرق عن الزهري به.\nوقال البيهقي (^٢٩): أخبرنا أحمد بن الحسن [¬٢] القاضي، حدثنا أبو العباس الأصم، [حدثنا العباس] [¬٣] بن محمد الدوري، حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا أبي، عن صالح بن كيسان، عن ابن شهاب قال: سمعت سعيد [¬٤] بن المسيب يقول: إن رسول الله صلى إلله عليه وسلم حين [¬٥] انتهى إلى بيت المقدس، لقي فيه إبراهيم، وموسى، وعيسى، وإنه أتي بقدحين؛ قدح من لبن، وقدح خمر، فنظر إليهما [¬٦]، ثم أخذ قدح اللبن؛ فقال جبريل: أصبت، هديت للفطرة، لو اخترت الخمر لغوت أمتك، ثم رجع رسول الله ﷺ إلى مكة؛ فأخبر أنه أسري به فافتتن ناس كثير كانوا قد صلوا معه.\nوقال ابن شهاب: قال أبو سلمة بن عبد الرحمن: فتجهز -أو كلمة نحوها- ناس من قريش إلى أبي بكر فقالوا [¬٧]: هل لك في صاحبك؟ نزعم أنه جاء إلى بيت المقدس، ثم رجع إلى مكة في ليلة واحدة! فقال أبو بكر: أوَ قال ذلك؟ قالوا: نعم. قال: فأشهد [¬٨] لئن [¬٩] كان قال ذلك لقد صدق، قالوا: فتصدقه بأن [¬١٠] يأتي الشام في ليلة واحدة ثم\n_________\n= ابن معين -في رواية- وابن سعد والنسائي وأبو حاتم وغيرهم. والزبير بن جنادة وإن قال فيه أبو حاتم: \"شيخ ليس بالمشهور\" فقد وثقه ابن معين في رواية ابن الجنيد وكذا ابن حبان في \"الثقات\" وذكره ابن الجوزي في \"الضعفاء\" فتعقبه الذهبي في \"الميزان\" فقال: \"وأخطأ من قال: فيه جهالة،، لولا أن ابن الجوزي ذكره لما ذكرته\" والحديث زاد نسبته السيوطي إلى ابن مردويه وأبي نعيم في \"الدلائل\".\n(^٢٨) - أخرجه أحمد في \"المسند\": (٣/ ٣٧٧) وأخرجه البخاري كتاب التفسير، سورة بني إسرائيل باب: \"أسرى بعبده ليلًا من المسجد الحرام\"، حديث (٤٧١٠).\nومسلم: كتاب الإيمان، باب: \"الإسراء برسول الله ﷺ، حديث (٢٧٦/ ١٧٠).\n(^٢٩) - \" دلائل النبوة\" للبيهقي (٢/ ٣٥٩، ٣٦٠).\n_________\n[¬١]- في خ: \"قال\".\n[¬٢]- في ت: \"الحسين\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- سقط من: خ.\n[¬٦]- في خ: \"إليها\".\n[¬٧]- في خ: \"قالوا\".\n[¬٨]- في ز، ت: \"فأنا أشهد\".\n[¬٩]- في خ: \"إن\".\n[¬١٠]- في ز: \"أن\".","vol":"8","page":398},{"text":"يرجع إلى مكة قبل أن يصبح؛ قال: نعم، إني [¬١] أصدقه بأبعد من ذلك؛ أصدقه بخبر السماء. قال أبو سلمة: فبها سُمي أبو بكر الصديق.\nقال أبو سلمة: فسمعت جابر بن عبد الله ﵄ يحدث: أنه سمع رسول الله، ﷺ، يقول: \"لما كذبتني قريش حين أسري بي إلى بيت القدس قمت في الحجر، فجلى الله لي بيت القدس؛ فطفقت أخبرهم عن آياته، وأنا أنظر إليه\".\nرواية حذيفة بن اليمان ﵁:\nقال الإِمام أحمد (^٣٠) ثنا أبو النضر، ثنا شيبان، عن عاصم، عن زر بن حبيش قال: أتيت على حذيفة بن اليمان ﵁، وهو يحدث عن ليلة أسري بمحمد ﷺ، وهو يقول: فانطلقا [¬٢] حتى أتيا [¬٣] على بيت المقدس فلم يدخلاه. قال: قلت: بل دخله رسول الله ﷺ ليلتئذ، وصلى فيه. قال: ما اسمك يا أصلع؟ فإني أعرف وجهك، ولا أدري ما اسمك، قال: قلت: أنا زر بن حبيش. قال: فما علمك بأن رسول الله ﷺ صلَّى فيه ليلتئذ؟ قال: قلت: القرآن يخبرني بذلك، قال: فمن [¬٤] تكلم بالقرآن فلج، اقرأ. قال: فقلت: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ قال: يا أصلع؛ هل تجد صلى فيه؟ قلت: لا. قال: والله ما صلى فيه رسول الله ﷺ ليلتئذ، ولو صلى فيه، لكتب عليكم صلاة فيه، كما كتب عليكم صلاة في البيت العتيق، والله ما زايلا البراق حتى فتحت لهما أبواب السماء؛ فرأيا الجنة والنار، ووعد الآخرة أجمع، ثم عادا عودهما على بدئهما قال: ثم ضحك حتى رأيت نواجذه قال: وتحدثوا [¬٥] أنه ربطه لا يفر منه،، وإنما سخره له عالم الغيب والشهادة. قلت: أبا [¬٦] عبد الله، أي: دابة\n_________\n(^٣٠) - أخرجه أحمد في مسنده (٥/ ٣٨٧).\nوأخرجه أيضًا (٥/ ٣٩٢، ٣٩٤) من طريق حماد بن سلمة عن عاصم به نحوه، وأخرجه أبو داود الطيالسي في \"مسنده\": برقم (٤١١) ص (٥٥). وأخرجه الترمذي: كتاب التفسير، باب: سورة بني إسرائيل، حديث (٣١٤٧) والنسائي في \"السنن الكبرى\": كتاب التفسير، باب: سورة الإسراء، حديث (١١٢٨٠) (٦/ ٣٧٦) من طريقين عن عاصم بن أبي النجود به مطولًا ومختصرًا وقال الترمذي: \"حديث حسن صحيح\".\n_________\n[¬١]- في ت: \"أنا\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"فانطلقنا\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"أتينا\".\n[¬٤]- في ز، خ: \"من\".\n[¬٥]- في خ: \"ويحدثون\".\n[¬٦]- في ز، خ: \"يا\".","vol":"8","page":399},{"text":"البراق؟ قال: دابة أبيض طويل، هكذا خطوه مد البصر. ورواه أبو داود الطيالسي، عن حماد بن سلمة، عن عاصم به، ورواه الترمذي والنسائي في التفسير من حديث عاصم، وهو [¬١] ابن أبي النجود، به، وقال الترمذي: حسن صحيح.\nوهذا الذي قاله حذيفة ﵁ نفي [¬٢]، وما أثبته غيره عن رسول الله ﷺ من ربط الدابة بالحلقة، ومن الصلاة بالبيت المقدَّس مما [¬٣] سبق، وما سيأتي مقام على قوله، والله أعلم بالصواب.\nرواية أبي سعيد؛ سعد بن مالك بن سنان الخدري:\nقال الحافظ أبو بكر البيهقي في كتاب \"دلائل النبوة (^٣١) \": أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحافظ، حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا أبو بكر يحيى بن أبي طالب، حدثنا عبد الوهاب بن عطاء، أخبرنا أبو محمد راشد الحماني، عن أبي هارون العبدي، عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال له أصحابه: يا رسول الله، أخبرنا عن ليلة أسري بك فيها قال: \"قال الله ﷿: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾. قال: فأخبرهم فقال [¬٤]: \"فبينا أنا نائم عشاء في المسجد الحرام، إذ أتاني آت؛ فأيقظني؛ فاستيقظت، فلم أر شيئًا، وإذا أنا بكهيئة خيال فأتبعته بصري حتى خرجت من المسجد، فإذا أنا بدابة أدنى شبهًا [¬٥] بدوابكم هذه، بغالكم هذه -مضطرب الأذنين يقال له: البراق، وكانت الأنبياء تركبه قبلي؛ يقع حافره عند مد بصره، فركبته، فبينما أنا أسير عليه إذ دعاني داع عن يميني: يا محمد؛ انظرني أسألك، يا محمد؛ انظرني أسألك، [فلم أجبه] [¬٦] ولم أقم عليه [فبينما أنا أسير] [¬٧] عليه [¬٨] إذا [¬٩] [دعاني داع عن يساري: يا محمد انظرني أسألك! فلم أجبه ولم\n_________\n(^٣١) - أخرجه البيهقي في \"دلائل النبوة\": (٢/ ٣٩٠)، باب: الدليل على أن النبي ﷺ عُرج به إلى السماء فرأى جبريل ﵇ في صورته عند سدرة المنتهى، وقبل ذلك كان قد رأى جبريل ﵇ في صورته وهو بالأفق الأعلى، وأخرجه ابن جرير في تفسيره - (١٥/ ١١ - ١٤).\nوأبو هارون العبدي هو عمارة بن جوين ضعفة أئمة هذا الشأن.\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- بعده في ت: \"سيأتي وما\".\n[¬٤]- في ز: \"فقال\".\n[¬٥]- في خ: \"شبهة\".\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٨]- سقط من: ز، خ.\n[¬٩]- سقط من: خ.","vol":"8","page":400},{"text":"أقم عليه] [¬١]، فبينما أنا أسير] [¬٢] إذا [¬٣] أنا بامرأة حاسرة عن ذراعيها، وعليها من كل زينة خلقها الله؛ فقالت: يا محمد انظرني، أسألك، فلم ألتفت إليها، ولم أقم عليها حتى أتيت بيت المقدس، فأوثقت دابتي بالحلقة التي كانت الأنبياء توثقها بها، فأتاني [¬٤] جبريل ﵇ بإناءين، أحدهما خمر، والآخبر لبن، فشربت اللبن، وتركت الخمر، فقال جبريل: أصبت الفطرة! فقلت: الله أكبر الله أكبر\" فقال جبريل: ما رأيت في وجهك هذا؟ قال: فقلت: بينما أنا أسير إذ دعاني داع عن يميني: يا محمد؛ انظرني أسألك فلم أجبه ولم أقم عليه، قال: ذاك داعي اليهود، أما إنك لو أجبته أو وقفت عليه لتهودت أمتك. قال: فبينما أنا أسير إذ دعاني داع عن يساري قال: يا محمد، انظرني أسألك، فلم ألتفت إليه، ولم أقم عليه، قال: ذاك داعي النصارى، أما إنك لو أجبته، لتنصرت أمتك. قال: فبينما أنا أسير إذا أنا بامرأة حاسرة عن ذراعيها عليها من كل زينة خلقها الله تعالى، تقول: يا محمد، انظرني أسألك، فلم أجبها، ولم أقم عليها، قال: تلك الدنيا، أما إنك لو أجبتها، أو أقمت عليها، لاختارت أمتك الدنيا على الآخرة.\nقال [¬٥]: ثم دخلت أنا وجبريل بيت المقدس، فصلى كل واحد منا ركعتين. ثم أتيت بالمعراج الذي تعرج عليه أرواح بني آدم، فلم ير [¬٦] الخلائق أحسن من المعراج، أما رأيتَ الميت حين يشق بصره طامحًا إلى السماء، فإنما يشق بصره طامحًا إلى السماء عُجْبُهُ بالمعراج، قال: فصعدت أنا وجبريل؛ فإذا أنا بملك يقال له: إسماعيل، وهو صاحب سماء الدنيا، وبين يديه سبعون ألف ملك، مع كل ملك جنده مائة ألف ملك، قال: وقال الله ﷿: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إلا هُوَ﴾ فاستفتح جبريل باب السماء قيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: أو قد بعث إليه؟ قال: نعم. فإذا أنا بآدم كهيئته يوم خلقه الله ﷿ على صورته، تعرض عليه أرواح ذريته المؤمنين فيقول: روح طيبة، ونفس طيبة، اجعلوها في عليين، ثم تعرض عليه أرواح ذريته الفجار فيقول: روح خبيثة، ونفس خبيثة، اجعلوها في سجين.\nثم مضيتُ هنية فإذا أنا بأخونة عليها لحم مشرح ليس يقربها أحد، وإذا أنا بأخونة أخرى عليها لحم قد أروح (*) وأنتن عندها أناس يأكلون منها، قلت: يا جبريل؛ من هؤلاء؟ قال: هؤلاء من أمتك يتركون الحلال ويأتون الحرام.\n_________\n(*) - أي: تغيرت رائحته.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٣]- في ت: \"إذ\".\n[¬٤]- في ز، خ: \"أتاني\".\n[¬٥]- سقط من: خ.\n[¬٦]- في ز، خ: \"تر\".","vol":"8","page":401},{"text":"قال: ثم مضيت هنية، فإذا أنا بأقوام بطونهم أمثال البيوت، كلما نهض أحدهم خَرّ يقول: اللهم؛ لا تُقم الساعة. قال: وهم على سابلة آل فرعون، قال: فتجيء السابلة فتطؤهم، قال: فسمعتهم يضجون إلى الله ﷿ قال: قلت: يا جبريل، من هؤلاء؟ قال: هؤلاء من أمتك ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إلا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾.\nقال: ثم مضيتُ هُنَيَّةً؛ فإذا أنا بأقوام مشافرهم كمشافر الإِبل قال: فتفتح [¬١] على أفواههم ويلقمون من ذلك الجمر [¬٢]، ثم يخرج من أسافلهم، فسمعتهم يضجون إلى الله ﷿. فقلت: [من هؤلاء] [¬٣] يا جبريل؟ قال: هؤلاء من أمتك: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَال الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾.\nقال: ثم مضيت هنية؛ فإذا أنا بنساء يعلقن بثُدُيهن، فسمعتهن يضججن إلى الله ﷿، قلت: يا جبريل من هؤلاء النساء؟ قال: هؤلاء الزناة من أمتك.\nقال: ثم مضيت هنية؛ فإذا أنا بأقوام يقطع من جنوبهم اللحم فيلقمونه [¬٤]؛ فيقال له: كُلْ؛ كما كنت تأكل من لحم أخيك، قلت: ياجبريل، من هؤلاء؟ قال: هؤلاء الهمازون من أمتك اللمازون.\nقال: ثم صعدنا إلى السماء الثانية؛ فإذا أنا برجل أحسن ما خلق الله ﷿، قد فَضَل الناس في الحسن، كالقمر ليلة البدر على سائر الكواكب، قلت: ياجبريل، من هذا؟ قال: هذا أخوك يوسف، ومعه نفر من قومه، فسلمت عليه وسلم عليّ.\nثم صعدت إلى السماء الثالثة؛ فإذا أنا بيحيى، وعيسى ﵉ ومعهما نفر من قومهما، فسلمت عليهما، وسلما عليّ.\nثم صعدت إلى السماء الرابعة؛ فإذا أنا [¬٥] إدريس قد رفعه الله مكانا عليًّا، فسلمت عليه، وسلم عليّ.\nقال: ثم صعدت إلى السماء الخامسة فإذا أنا [¬٦] بهارون، ونصف لحيته بيضاء، ونصفها سوداء، تكاد لحيته تصيب سرته من طولها قلت: يا جبريل، من هذا؟ قال: هذا المحبب في قومه، هذا هارون بن عمران، ومعه نفر من قومه، فسلمت عليه وسلم عليّ.\n_________\n[¬١]- في خ: \"فيفتح\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"اللحم\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٤]- في ز: \"فيلقمون\".\n[¬٥]- سقط من ز.\n[¬٦]- سقط من ز.","vol":"8","page":402},{"text":"ثم صعدت [¬١] إلى السماء السادسة؛ فإذا أنا بموسى بن عمران، رجل آدم، كثير الشعر، لو كان عليه قميصان: لنفذ شعره دون القميص، [وإذا] [¬٢] هو يقول: يزعم الناس أني أكرم على الله من هذا؛ بل هذا أكرم على الله تعالى مني. قال: قلت: يا جبريل، من هذا؟ قال: هذا أخوك موسى بن عمران ﵇، ومعه نفر من قومه، فسلمت عليه، وسلم عليّ.\nثم صعدت إلى السماء السابعة؛ فإذا أنا [بأبينا إبراهيم] [¬٣] خليل الرحمن، ساندًا ظهره إلى البيت المعمور كأحسن الرجال، قلت: ياجبريل، من هذا؟ قال: هذا أبوك إبراهيم [¬٤] خليل الرحمن ﵇ ومعه نفر من قومه، فسلمت عليه، وسلم [¬٥] عليّ، وإذا أنا بأمتي شطرين؛ شطر عليهم ثياب بيض كأنها القراطيس، وشطر عليهم ثياب رمد، قال: فدخلت البيت المعمور، ودخل معي الذين عليهم الثياب البيض، وحجب الآخرون الذين عليهم ثياب رمد -وهم على خير- فصليت أنا ومن معي في البيت المعمور، ثم خرجت أنا، ومن معي- قال: والبيت المعمور يصلي فيه كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون فيه إلى يوم القيامة.\nقال: ثم دفعت [¬٦] لي سدرة المنتهى؛ فإذا كل ورقة منها تكاد أن تغطي هذه الأمة؛ وإذا فيها عين تجري يقال لها: سلسبيل، فينشق منها نهران (أحدهما): الكوثر (والآخر) يقال له: نهر الرحمة، فاغتسلت فيه فغفر لي ما تقدم من ذنبي وما تأخر.\nثم إني دُفعت [¬٧] إلى الجنة، فاستقبلتني [¬٨] جارية فقلت: لمن أنت يا جارية؟ قالت [¬٩]: لزيد بن حارثة، وإذا أنا [¬١٠] بأنهار [من ماء غير آسن، وأنهار من لبن لم يتغير طعمه، وأنهار من خمر لذة للشاربين؛ وأنهار] [¬١١] من عسل مصفى، وإذا رمانها كأنه [¬١٢] الدلاء عظمًا، وإذا أنا بطيرها كأنها بختيكم (*) هذه\" فقال عندها ﷺ: \"إن الله تعالى قد أعد لعباده الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب\n_________\n(*) جمع بختية: وهي جِمال طوال الأعناق.\n_________\n[¬١]- في ز: \"صعد بي\".\n[¬٢]- في ز: \"فإذا\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"بإبراهيم\".\n[¬٤]- سقط من ت.\n[¬٥]- في ز: \"فسلم\".\n[¬٦]- في ز، خ: \"رفعت\".\n[¬٧]- في ز: \"رفعت\".\n[¬٨]- في ز: \"واستقبلتني\"، خ: \"فاستقبلني\".\n[¬٩]- في ز: \"فقالت\".\n[¬١٠]- سقط من: ز.\n[¬١١]- ما بين المكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬١٢]- في خ: \"كأنها\".","vol":"8","page":403},{"text":"بشر\".\nقال: ثم عُرِضَتْ عليَّ النارُ، فإذا فيها غضب الله وزجره ونقمته، لو [¬١] طرح فيها الحجارة والحديد لأكلتها، ثم أغلقت [¬٢] دوني.\nثم إني دفعت إلى سدرة المنتهى فتغشاني؛ فكان بيني وبينه قاب قوسين أو أدنى. قال: ونزل على كل ورقة ملك من الملائكة قال: وفرضت على خمسون، وقال: لك بكل حسنة عشر [¬٣]، إذا هممت بالحسنة فلم تعملها كتبت لك حسنة، فإذا عملتها كتبت لك عشرًا، وإذا هممت بالسيئة فلم تعملها لم يكتب [¬٤] عليك شيء، فإن عملتها كتبت عليك سيئة واحدة.\nثم دفعت إلى موسى فقال: بم أمرك ربك؟ قلت: بخمسين صلاة. قال: ارجع إلى ربك فاسْأله التخفيف لأمتك؛ فإن أمتك لا يطيقون [¬٥] ذلك، ومتى لا تطيقه [¬٦] تكفر. فرجعت إلى ربى فقلت: يا رب، خفف عن أمتي؛ فإنها أضعف الأمم! فوضع عني عشرًا، وجعلها أربعين، فما زلت أختلف بين موسى وربى، كلما أتيت عليه قال لي مثل مقالته حتى رجعت إليه؛ فقال لي: بم أمرت؛ فقلت: أمرت بعشر صلوات قال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك، فرجعت إلى ربي، فقلت: أي ربِّ؛ خفف عن أمتي فإنها أضعف الأمم! فوضع عني خمسًا، وجعلها خمسًا، فناداني ملك عندها: تمت [¬٧] فريضتي، وخففت عن عبادي، وأعطيتهم بكل حسنة عشر أمثالها.\nثم رجعت إلى موسى فقال: بم أمرت؟ فقلت: بخمس صلوات. قال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف؛ فإنه لا يئوده شيء، فاسأله التخفيف لأمتك. فقلت: رجعت إلى ربي حتى استحييت\".\nثم أصبح بمكة يخبرهم بالأعاجيب: \"إني أتيت [¬٨] البارحة بيت المقدس، وعرج لي إلى السماء، ورأيت كذا وكذا، فقال أبو جهل -يعني: ابن هشام-: ألا تعجبون مما يقول محمد؟! يزعم [¬٩] أنه أتى البارحة بيت المقدس، ثم أصبح فينا، وأحدنا لضرب مطيته مصعدة شهرًا ومقفلة [¬١٠] شهرًا، فهذه مسيرة شهرين في ليلة واحدة، قال: فأخبرهم بِعِيرٍ\n_________\n[¬١]- في خ: \"ولو\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"علقت\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"عشرا\".\n[¬٤]- في ر، خ: \"تكتب\".\n[¬٥]- في ز: \"تطيق\".\n[¬٦]- سقط من: ز، خ.\n[¬٧]- في ز: \"تممت\".\n[¬٨]- في خ: \"رأيت\".\n[¬٩]- في ز: \"زعم\".\n[¬١٠]- في خ: \"ومقبلة\".","vol":"8","page":404},{"text":"لقريش، لما كانت [¬١] في مصعدي [¬٢] رأيتها في مكان كذا وكذا، وأنها نفرت، فلما رجعت رأيتها عند العقبة، وأخبرهم بكل رجل وبعيره كذا وكذا، ومتاعه كذا وكذا، فقال أبو جهل: يخبرنا بأشياء، فقال رجل من المشركين: أنا أعلم الناس ببيت المقدس، وكيف بناؤه، و[¬٣] كيف هيئته، وكيف قربه من الجبل، [فإن يك محمد صادقًا فسأخبركم، وإن يك كاذبًا فسأخبركم، فجاء ذلك المشرك فقال: يا محمد، أنا أعلم الناس ببيت المقدس، فأخبرني كيف بناؤه؛ وكيف هيئته؟ وكيف قربه من الجبل؟] [¬٤] قال: فرُفع لرسول الله ﷺ بيت المقدس من مقعده، فنظر إليه كنظر أحدنا إلى بيته: بناؤه كذا وكذا، وهيئته كذا وكذا، وقربه من الجبل كذا وكذا\" فقال الآخر: صدقت!! فرجع إلى أصحابه فقال: صدق محمد فيما قال، أو [نحوه من] [¬٥] هذا الكلام.\nوكذا رواه الإِمام أبو جعفر بن جرير بطوله عن محمد بن عبد الأعلى، عن محمد بن ثور، عن معمر، عن أبي هارون العبدي، وعن الحسن بن يحيى، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن أبي هارون العبدي به، ورواه أيضًا من حديث محمد بن إسحاق، حدثني روح بن القاسم عن أبي هارون به، نحو سياقه المتقدم.\nورواه ابن أبي حاتم عن أبيه، عن أحمد بن عبدة، عن أبي عبد الصمد، عبد العزيز بن عبد الصمد عن أبي هارون العبدي، عن أبي سعيد الخدري، فذكره بسياق طويل حسن أنيق، أجود مما ساقه غيره، على غرابته، وما فيه من النكارة.\nثم ذكره البيهقي أيضًا: من رواية نوح بن قيس الحداني، وهشيم، ومعمر عن أبي هارون العبدي، واسمه عمارة بن جوين، وهو مضعف عند الآئمة.\n[] [¬٦] وإنما سقنا حديثه هاهنا، لما [في حديثه] [¬٧] من الشواهد لغيره، ولما رواه البيهقي (^٣٢): أخبرنا الإمام [¬٨] أبو عثمان إسماعيل بن عبد الرحمن، أنبأنا أبو نعيم أحمد بن محمد بن إبراهيم البزاز [¬٩]، حدثنا أبو حامد بن بلال، حدثنا أبو الأزهر، حدثنا يزيد بن أبي حكيم قال: رأيت في النوم رسول الله ﷺ، قلت: يا رسول الله؛\n_________\n(^٣٢) - \" دلائل النبوة\" للبيهقي - (٢/ ٤٠٥).\n_________\n[¬١]- في ت: \"كنت\".\n[¬٢]- في خ: \"مصعري\".\n[¬٣]- سقط من: ت.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- في ت: \"نحو\".\n[¬٦]- كلمتان غير واضحتين في الأصل.\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين في خ: \"فيه\".\n[¬٨]- سقط من: ت.\n[¬٩]- في ز: \"البزار\".","vol":"8","page":405},{"text":"رجل من أمتك يقال له: سفيان الثوري لا بأس به، فقال رسول الله ﷺ: \"لا بأس به [¬١] \"، حدثنا عن أبي هارون العبدي، عن أبي سعيد الخدري، عنك ليلة أسري بك قلتَ: \"رأيت في السماء\" فحدثته بالحديث فقال لي: \"نعم\" فقلت له: يا رسول الله؛ إن ناسًا من أمتك يحدثون عنك في المسرى [¬٢] بعجائب؟ فقال لي: \"ذاك حديث القصاص\".\nرواية شداد بن أوس:\nقال الإِمام أبو إسماعيل محمد بن إسماعيل الترمذي: حدثنا إسحاق ابن إبراهيم بن العلاء بن الضحاك الزبيدي، حدثنا عمرو جن الحارث عن عبد الله ابن سالم [¬٣] الأشعري، عن محمد بن الوليد بن عامر الزبيدي، حدثنا أبو [¬٤] الوليد بن عبد الرحمن، عن [¬٥] جبير بن نفير، حدثنا شداد بن أوس قال: قلنا: يا رسول الله، كيف أسري بك؟ قال: \"صليت لأصحابي صلاة العتمة بمكة معتمًّا، فأتاني جبريل ﵇ بدابة أبيض- أو قال: بيضاء- فوق الحمار ودون البغل، فقال: [] [¬٦] اركب، فاستصعبت [¬٧] على فرازها بأذنها، ثم حملني عليها، فانطلقت تهوي بنا، يقع حافرها [حيث أدرك] [¬٨] طرفها، حتى بلغنا أرضًا ذات نخل فأنزلني فقال: صل، فصليت ثم ركبنا، فقال: أتدري أين صليت؟ قلت: الله أ علم، قال: صليت بيثرب، صليت بطبة، فانطلقت تهوي بنا، يقع حافرها حيث أدرك طرفها، ثم بلغنا أرضا فقال [¬٩]: انزل، فنزلت [¬١٠]، ثم قال: صل، فصليت، ثم ركبنا؛ فقال: أتدري أين صليت؟ قلت: الله أعلم، قال: صليت بمدين، صليت عند شجرة موسى. ثم اظقت تهوي بنا يقع حافرها حيث أدرك طرفها، ثم بلغنا أرضًا بدت لنا قصور، فقال: انزل [¬١١]، فنزلت فقال: صل، فصليت، ثم ركبنا فقال: أتدري أين صليت؟ قلت: الله أعلم، قال: صليت ببيت [¬١٢] لحم؛ حيث ولد عيسى المسيح [¬١٣] ابن مريم، ثم انطلق لي حتى دخلنا المدينة من بابها اليماني، فأتى قبلة المسجد، فربط فيه دابته، ودخلنا المسجد من باب فيه تميل الشمس والقمر، فصليت من\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- في ت: \"السرى\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"سلام\".\n[¬٤]- سقط من: خ.\n[¬٥]- في ز، خ: \"بن\".\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين في ز: \"قال\".\n[¬٧]- في ز، خ: \"فاستصعب\".\n[¬٨]- ما بين المعكوفتين في خ: \"عند منتهى\".\n[¬٩]- في خ: \"قال\".\n[¬١٠]- سقط من: ز.\n[¬١١]- في ز: \"انزلت\".\n[¬١٢]- في خ: \"ببطن\".\n[¬١٣]- سقط من: ت.","vol":"8","page":406},{"text":"المسجد حيث شاء الله، وأخذني من العطش أشد ما أخذني، فأتيت بإناءين، في أحدهما لبن، وفي الآخر عسل، أرسل إلي بهما جميعًا، فعدلت بينهما، ثم هدانى الله ﷿، فأخذت اللبن، فشربت حتى قرعت به جبيني، وبين يدي شيخ متكئ على مثواة له؛ فقال: أخذ صاحبك الفطرة إنه ليهدى، ثم انطلق بي حتى أتينا الوادي الذي فيه المدينة، فإذا جهنم تنكشف [¬١] عن مثل الزرابي، قلت: يا رسول الله، كيف وجدتها؟ قال: مثل الحمة السخنة، ثم انصرف لي، فمررنا بعير لقريش بمكان كذا وكذا، قد أضلوا بعيرًا لهم قد جمعه فلان، فسلمت عليهم، فقال بعضهم: هذا صوت محمد، قد أتيت أصحابي قبل الصبح بمكة، فأتاني أبو بكر ﵁ فقال: يا رسول الله، أين كنت الليلة؟ فقد التمستك في مظانك [¬٢]، فقال: علمتَ أني أتيت بيت المقدس الليلة؟ فقال: يا رسول الله، إنه مسيرة شهر، فصفه لي، قال: ففتح لي صراط كأني أنظر إليه، لا يسألني عن شيء إلا أنبأته عنه، قال أبو بكر: أشهد أنك رسول الله، فقال المشركون: انظروا إلى ابن أبي كبشة، يزعم أنه أتى بيت المقدس الليلة! قال: فقال: إن من آية ما أقول لكم: أني مررت بعير لكم بمكان [¬٣] كذا وكذا، قد أضلوا بعيرًا لهم، فجمعه [¬٤] فلان، وإن مسيرهم ينزلون بكذا ثم بكذا، ويأتونكم [¬٥] يوم كذا وكذا، يقدمهم جمل آدم، عليه مسح أسود وغرارتان سوداوان [¬٦] \"، فلما كان ذلك اليوم أشرف الناس ينظرون حتى كان قريب [¬٧] من نصف النهار، حتى أقبلت العير يقدمهم ذلك الجمل الذي وصفه رسول الله ﷺ.\nهكذا رواه البيهقي (^٣٣) من طريفين عن أبي إسماعيل الترمذي به، ثم قال بعد تمامه: هذا إسناد صحيح، وروي ذلك مفرقًا في أحاديث غيره، ونحن نذكر من ذلك -إن شاء الله- ما حضرنا. ثم ساق أحاديث كثيرة في الإِسراء كالشاهد لهذا الحديث.\n_________\n(^٣٣) - \" دلائل النبوة\" للبيهقي (٢/ ٣٥٥: ٣٥٧) وأخرجه البزار في مسنده (٨/ ٣٤٨٤) والطبراني في \"المعجم الكبير\" (٧/ ٧١٤٢) من طريق إسحاق بن إبراهيم به،: قال البزار: \"هذا الحديث لا نعلمه يروى عن شداد بن أوس عن النبي ﷺ إلا بهذا الإسناد\". قال البيهقي: \"وهذا إسناد صحيح، وروى ذلك مفرقًا في أحاديث غيره ونحن نذكر من ذلك إن شاء الله تعالى ما حضرنا … ثم ذكر أحاديث\". والحديث ذكره الهيثمي في \"المجمع\" (١/ ٧٨، ٧٩) وقال: \"رواه البزار والطبراني في \"الكبير\" … وفيه إسحاق بن إبراهيم بن العلاء وثقه يحيى بن معين وضعفه النسائي\" وانظر كلام المصنف أعلاه. والحديث زاد نسبته السيوطي في الدر المنثور (٤/ ٢٦٣) إلى ابن أبي حاتم وابن مردويه.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في خ: \"مضانك\".\n[¬٣]- في ت: \"في مكان\".\n[¬٤]- في خ: \"فجمعه لهم\".\n[¬٥]- في ز: \"يأتوكم\".\n[¬٦]- في خ: \"سوداوتان\".\n[¬٧]- في خ: \"قريبًا\".","vol":"8","page":407},{"text":"وقد روى هذا الحديث عن شداد بن أوس بطوله الإمامُ أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم في تفسيره عن أبيه عن إسحاق بن إبراهيم بن العلاء الزبيدي به، ولا شك أن هذا الحديث -أعني الحديث المروي عن شداد بن أوس- مشتمل على أشياء، منها ما هو صحيح كما ذكره البيهقي، ومنها ما هو منكر كالصلاة في بيت لحم، وسؤال الصديق عن نعت بيت المقدس، وغير ذلك، والله أعلم.\nرواية عبد الله بن عباس ﵄\"\nقال الإمام أحمد (^٣٤): حدثنا عثمان بن محمد، حدثنا جرير، عن قابوس، عن أبيه قال: حدثنا ابن عباس قال: ليلة أسري برسول [¬١] الله ﷺ، دخل الجنة، فسمع في جانبها وجسًا (*) [¬٢] فقال: \"يا جبريل؛ ما هذا؟ قال: هذا بلال المؤذن، فقال رسول الله ﷺ حين جاء إلى الناس: قد أفلح بلال! قد رأيت له كذا وكذا. قال: فلقيه موسى ﵇ فرحب به؛ وقال: مرحبًا بالنبي الأمي، قال: وهو رجل آدم، طويل سبط، شعره مع أذنيه، أو فوقهما، فقال: من هذا يا جبريل؟ قال: هذا موسى [قال: فمضى فلقيه عيسى، فرحب به وقال: من هذا يا جبريل؟ قال: هذا عيسى قال] [¬٣]: فمضى، فلقيه شيخ جليل متهيب، فرحب به وسلم عليه، وكلهم يسلم عليه، قال: \"من هذا يا جبريل؟ قال: هذا أبوك إبراهيم\" قال: ونظر في النار؛ فإذا قوم يأكلون الجيف، قال: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحم [¬٤] الناس، ورأى رجلًا أحمر أزرق جدًّا، قال: من هذا يا جبريل؟ قال هذا عاقر الناقة. قال: فلما أتى رسولُ الله ﷺ المسجد الأقصى قام يصلي، [فالتفت ثم التفت] [¬٥] فإذا النبيون أجمعون يصلون معه، فلما انصرف جيء بقدحين؛ أحدهما: عن اليمين، والآخر: عن الشمال، في أحدهما: لبن، وفي الآخر: عسل، فأخذ اللبن فشرب منه، فقال الذي كان معه القدح: أصبت الفطرة\" إسناد صحيح، ولم يخرجوه.\n_________\n(^٣٤) - أخرجه أحمد - (١/ ٢٥٧).\nوصحح إسناده السيوطي في \"الدر المنثور\" (٤/ ٢٧٩) وزاد نسبته إلى ابن مردويه وأبي نعيم في الدلائل والضياء في المختارة.\n_________\n[¬١]- في خ: \"بنبي\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"وخشا\". والوجس: الموت الخفي.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- في خ: \"لحوم\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"8","page":408},{"text":"طريق أخرى:\" وقال الإمام أحمد (^٣٥) حدثنا حسن، حدثنا ثابت أبو زيد، حدثنا هلال، حدثني عكرمة، عن ابن عباس قال: أسري بالنبي ﷺ إلى بيت المقدس، ثم جاء من ليلته فحدثهم بمسيره، وبعلامة بيت المقدس، وبعيرهم، فقال ناس: نحن لا نصدق محمدًا بما يقول، فارتدوا كفارًا؛ فضرب الله رقابهم مع أبي جهل، وقال أبو جهل: يخوفنا محمد بضجرة الزقوم، هاتوا تمرًا وزبدًا فتزقموا؛ ورأى الدجال في صورته رؤيا عين -ليس برؤيا منام- وعيسى، وموسى، وإبراهيم، فسئل النبي ﷺ عن الدجال؟ فقال: \"رأيته فيلمانيًّا [¬١]، أقمر، هجانًا [¬٢]، إحدى عينيه قائمة؛ كأنها كوكب دري، كأن شعر رأسه أغصان شجرة، ورأيت عيسى ﵇ أبيض، جعد الرأس، حديد البصر، مبطن الخلق، ورأيت موسى أسحم [¬٣] آدم، كثير الشعر، شديد الخلق. ونظرت إلى إبراهيم ﵇ فلم [¬٤] انظر إلى إرْب [¬٥] منه إلا نظرت إليه مني، حتى كأنه صاحبكم، قال جبريل: [سلم على مالك] [¬٦] فسلمت عليه. [ورواه النسائي من حديث أبي زيد ثابت بن يزيد عن هلال، وهو ابن خباب به. وهو إسناد صحيح] [¬٧].\n(طريق أخرى): قال البيهقي (^٣٦): أنبأنا أبو عبد الله الحافظ، أنبأنا أبو بكر الشافعي، أنبأنا إسحاق بن الحسن، حدثنا الحسين بن محمد، حدثنا شيبان، عن قتادة عن أبي العالية قال [¬٨]: حدثنا ابن عم نبيكم ﷺ ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: \"رأيت ليلة أسري بي موسى بن عمران؛ رجلًا\n_________\n(^٣٥) - أخرجه أحمد (١/ ٣٧٤). وأخرجه أبو يعلى في مسنده - (٢٧٢٠) (٥/ ١٠٨) حدثنا زهير حدثنا الحسن بن موسى به، وأخرجه النسائي في الكبرى -كتاب التفسير، - \"سورة الإسراء\" - (١١٢٨٣) (٦/ ٣٧٧)، \"وسورة الدخان\" - (١١٤٨٤) - (٦/ ٤٥٦).\nأخبرنا أبو داود سليمان بن سيف قال: نا أبو النعمان، نا: ثابت به مختصرًا. وابن جرير في \"تهذيب الآثار\" (١٧) (١/ ٤٠٨) من طريق محمد بن إسحاق قال: أخبرنا أبو النعمان، قال: أخبرنا ثابت به، وصحح إسناده المصنف. وذكره الهيثمي في المجمع - (١/ ٧١ - ٧٢) وقال: (رواه أحمد ورجاله ثقات، إلا أن هلال بن خباب قال يحيى القطان: إنه تغير قبل موته، وقال يحيى بن معين: لم يتغير، ولم يختلط، ثقة مأمون … \" وعزاه السيوطي في \"الدر المنثور\" (٤/ ٢٧٩) إلى ابن مردويه وأبي نعيم.\n(^٣٦) - أخرجه البيهقي في دلائل النبوة - (٢/ ٣٨٦).\n_________\n[¬١]- الفيلم: العظيم الجثة، والفيلماني: منسوب إليه بزيادة الألف والنون للمبالغة (النهاية).\n[¬٢]- في ز: \"هجان\". والمجان: الأبيض، ويقع على الاثنين، والواحد والجمع.\n[¬٣]- الاسحم: الأسود.\n[¬٤]- في ز، خ: \"فلا\".\n[¬٥]- الإرب: العضو.\n[¬٦]- كذا في ز، خ، ومسند أحمد، وعند أبي يعلى: [سلم على أبيك].\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٨]- سقط من: خ.","vol":"8","page":409},{"text":"طوالًا جعدًا كأنه من رجال شنوءه، ورأيت عيسى ابن مريم ﵇؛ مربوع الخلق إلى الحمرة والبياض، سبط الرأس\" وأري [¬١] مالكا خازن جهنم والدجال في آيات أراهن الله إياه قال: ﴿فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ﴾ فكان قتادة يفسرها أن نبي الله ﷺ قد لقي موسى ﵇ ﴿وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ قال: جعل الله موسى هدى لبني إسرائيل.\nرواه مسلم (^٣٧) في الصحيح عن عبد بن حميد عن يونس بن محمد عن شيبان، وأخرجاه (^٣٨) من حديث شعبة عن قتادة مختصرًا.\nطريق أخرى: [قال البيهقي (^٣٩):\nأخبرنا علي بن أحمد بن عبدان، أنبأنا أحمد بن عبيد الصفار، ثنا دبيس المعدل، ثنا عفان] [¬٢] قال [¬٣]: ثنا [¬٤] حماد بن سلمة عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: \"لما أسري بي مرت بي رائحة طيبة فقلت: ما هذه الرائحة؟ قالوا: ماشطة بنت فرعون وأولادها، سقط مشطها من يدها فقالت: بسم الله! فقالت ابنة فرعون: أبي؟ قالت: ربي وربك ورب أبيك! قالت: أَوَ لك رب غير أبي؟ قالت: نعم، ربي وربك ورب أبيك الله! قال: فدعاها فقال: ألك رب غيري؟ قالت: نعم، ربي وربك الله عز رجل. قال: فأمر ببقرة [¬٥] من نحاس فأحميت، ثم أمر بها لتلقى فيها قالت: إن لي إليك [¬٦] حاجة، قال: ما [¬٧] هي؟ قالت: تجمع عظامي وعظام ولدي في موضع، قال: ذاك لك؛ لما لك علينا من الحق، قال: فأمر\n_________\n(^٣٧) - أخرجه مسلم في صحيحه -كتاب الإيمان، باب: الإسراء برسول الله ﷺ إلى السماوات، وفرض الصلوات - (٢٧٦): (٢/ ٢٩٥).\n(^٣٨) - أخرجه البخاري في صحيحه -كتاب الأنبياء، باب: قول الله تعالى: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى …﴾ - (٣٣٩٦) (٦/ ٤٢٩). ومسلم في صحيحه -كتاب الإيمان، باب: الإسراء برسول الله ﷺ إلى السماوات وفرض الصلوات - (٢٦٦) - (١٦٥) - (٢/ ٢٩٣ - ٢٩٤).\n(^٣٩) - أخرجه البيهقي في \"دلائل النبوة\" - (٢/ ٣٨٩). وتقدم تخريجه موسعًا [سورة يوسف / آية ٢٩ / رقم (٥٥، ٥٦)].\n_________\n[¬١]- في ز: \"رأى\"، سقط من: خ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- في خ: \"بنقرة\".\n[¬٦]- سقط من: ز، خ.\n[¬٧]- في خ: \"وما\".","vol":"8","page":410},{"text":"بهم فألقوا واحدًا واحدًا، حتى بلغ رضيعًا فيهم، فقال: يا أمه قعي ولا تقاعسي؛ فإنك على الحق. قال: وتكلم أربعة [¬١] وهم صغار: هذا،: شاهد يوسف، وصاحب جريج، وعيسى ابن مريم ﵇. إسناد لا بأس به ولم يخرجوه.\n(طريق أخرى): [] [¬٢] وقال الإِمام أحمد (^٤٠): حدثنا محمد بن جعفر وروح المعنى قالا: حدثنا عوف عن زرارة بن أوفى، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: \"لما كان ليلة أُسري لي وأصبحت [¬٣] بمكة فَظِعْتُ (٥) بأمرى [¬٤]، وعرفت أن الناس مكذبي\" فقعد معتزلًا حزينًا فمر به عدو الله أبو جهل، فجاء حتى جلس إليه، فقال له كالمستهزئ: [هل كان من شيءٍ] [¬٥]؟ فقال له رسول الله ﷺ: \"نعم\". قال: وما هو؟ قال: \"إني أسري بي الليلة\". قال: إلى أين [¬٦]؟ قال: \"إلى بيت المقدس\". قال: ثم أصبحت بين ظهرانينا؟ قال: \"نعم\". قال: فلم يره أنه يكذبه؛ مخافة أن يجحده [¬٧] الحديث إن [¬٨] دعا قومه إليه، فقال [¬٩]: أرأيت إن دعوت قومك أتحدثهم بما حدثتني؟ فقال رسول الله ﷺ: \"نعم\". فقال [¬١٠]: هيا معشر بني كعب بن لؤي، قال: فانتفضت إليه المجالس، وجاءوا حتى جلسوا إليهما، قال: حدِّث قومك بما حدثتني؟ فقال رسول الله ﷺ: \"إني أسري بي\n_________\n(^٤٠) - أخرجه أحمد - (١/ ٣٠٩). وأخرجه النسائي في الكبرى -كتاب التفسير، باب: \"سورة الإسراء\" - (١١٨٥) (٦/ ٣٧٧ - ٣٧٨). والطبراني في \"الكبير\" - (١٢٧٨٢) - (١٢/ ١٦٧ - ١٦٨) وفي \"الأوسط\" (٢٤٤٧) (٣/ ٥٢) والبيهقي في \"دلائل النبوة\" (٢/ ٣٦٣ - ٣٦٤). والبزار - (٥٦) - (١/ ٤٥ - ٤٦ كشف). من طرق عن عوف الأعرابي به، وقال الطبراني: \"لا يروي هذا الحديث عن عبد الله بن عباس إلا بهذا الإسناد، تفرد به عوف\". وقال البزار: \"لا نعلم أحدًا حدث به إلا عوف عن زرارة\". قلت: وعوف ثقة، وثقه أحمد وابن معين والنسائي وابن سعد وغيرهم، وروى له الجماعة، فلا يضر بعد ذلك تفرده الحديث والعلم عند الله تعالى. وذكره الهيثمي في \"المجمع\" (١/ ٦٩، ٧٠) وقال: \"رواه أحمد والبزار والطبراني في \"الكبير\" و\"الأوسط\" ورجال أحمد رجال الصحيح\" وحسن =\n_________\n[¬١]- بعده في خ: المهد.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز: \"رواه النسائي من حديث أبي زيد ثابت بن زيد عن هلال، وهو ابن حباب وهو إسناد صحيح، خ: \"رواه النسائي من حديث زيد ثابت بن زيد عن هلال وهو ابن حبان وهو إسناد صحيح\".\n[¬٣]- غير واضحة في خ.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين مكانه بياض في: ز.\n[¬٥]- في ز قبل قوله: بيت المقدس.\n[¬٦]- في ز: \"أن\".\n[¬٧]- في خ: \"يجحد\".\n[¬٨]- سقط من: خ\".\n[¬٩]- في خ: \"قال\".\n[¬١٠]- في خ: \"قال\".","vol":"8","page":411},{"text":"الليلة\". فقالوا: إلى أين؟ قال: \"إلى بيت المقدس\". قالوا: ثم أصبحت بين ظهرانينا؟ قال: \"نعم\". قال: فمن بين مصفق، ومن بين واضع يده على رأسه متعجبًا للكذب -زعم- قالوا: وتستطيع أن تنعت لنا [¬١] المسجد -وفي القوم من قد سافر إلى ذلك البلد ورأى المسجد-؟ قال رسول الله ﷺ: \"فذهبت أنعت فما زلت أنعت حتى التبس [¬٢] عليّ بعض النعت، قال: فجيء بالمسجد -وأنا أنظر إليه- حتى وُضع دون دار عقيل، [أو عقال] [¬٣] فنعته، وأنا أنظر إليه، قال: وكان مع هذا نعت [¬٤] لم أحفظه، يقول عوف: قال: فقال القوم [¬٥]: أما النعت فوالله لقد أصاب\". و[¬٦] أخرجه النسائي من حديث عوف وهو ابن أبي جميلة الأعرابي [به، ورواه البيهقي من حديث النضر بن شميل وهوذة عن عوف وهو ابن أبي جميلة الأعرابي] [¬٧]، أحد الأئمة الثقات به.\nرواية عبد الله بن مسعود ﵁:\nقال الحافظ أبو بكر البيهقي (^٤١): أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب، حدثنا السري بن خزيمة، حدثنا يوسف بن بهلول، حدثنا عبد الله بن نمير، عن مالك بن مغول [¬٨]، عن الزبير بن عدي، عن طلحة بن مصرف، عن مرة الهمداني، عن عبد الله بن مسعود قال: لما أسري برسول الله ﷺ فانتهى إلى سدرة المنتهى -وهي في السماء السادسة، وإليها ينتهي [¬٩] ما يُصعد به حتى يقبض منها [¬١٠]، وإليها ينتهي ما يُهبط به [¬١١] من فوقها حتى يقبض منها [¬١٢] ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى﴾ - قال: غشيها فراش من ذهب، وأعطي رسول الله ﷺ تسليمًا [¬١٣] الصلوات الخمس وخواتيم سورة البقرة، وغفر لمن لا يشرك بالله المقحمات،\n_________\n= إسناده الحافظ ابن حجر في فتح الباري - (٧/ ١٩٩) واختاره الضياء \"المختارة\" (١٠ / رقم ٣٤: ٣٧). وصحح إسناده السيوطي في \"الدر المنثور\" - (٤/ ٢٨٤) وزاد عزوه إلى ابن أبي شيبة وابن مردويه وأبي نعيم في \"الدلائل\" وابن عساكر.\n(^٤١) - أخرجه البيهقي في \"دلائل النبوة\" - (٢/ ٣٧٢ - ٣٧٣)، وأخرجه مسلم في صحيحه -كتاب الإيمان، باب: في ذكر سدرة المنتهى (٢٧٩) (١٧٣).\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- في ز: \"ألبس\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٤]- في ز: \"نعتا\".\n[¬٥]- سقط من: خ.\n[¬٦]- سقط من: خ.\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٨]- في ز، خ: \"مغلول\".\n[¬٩]- سقط من: خ.\n[¬١٠]- سقط من: ز.\n[¬١١]- سقط من: خ.\n[¬١٢]- سقط من: خ.\n[¬١٣]- سقط من خ.","vol":"8","page":412},{"text":"يعني: الكبائر.\nورواه مسلم في صحيحه عن محمد بن عبد الله بن نمير وزهير بن حرب، كلاهما عن عبد الله بن نمير به.\nثم قال البيهقي: وهذا الذي ذكره عبد الله بن مسعود طرف من حديث المعراج، وقد رواه أنس بن مالك عن مالك بن صعصعة عن النبي ﷺ (^٤٢)، ثم عن أبي ذر عن النبي ﷺ (^٤٣). ثم رواه مرة مرسلًا دون ذكرهما (^٤٤)، ثم إن البيهقي ساق الأحاديث الثلاثة كما تقدم.\nقلت: وقد روي عن ابن مسعود بأبسط من هذا وفيه غرابة، وذلك فيما رواه الحسن بن عرفة (^٤٥) في جزئه المشهور: حدثنا مروان بن معاوية، عن قنان بن عبد الله النهمي، حدثنا أبو ظبيان الجنبي قال: كنا جلوسًا عند أبي عبيدة بن عبد الله -يعني: ابن مسعود- ومحمد بن سعد بن أبي وقاص، وهما جالسان، فقال محمد بن سعد لأبي عبيدة: حدِّثْنا عن أبيك ليلة أُسري بمحمد ﷺ، فقال أبو عبيدة: لا، بل حدثنا أنت عن أبيك؟ فقال محمد: لو سألتني قبل أن أسألك لفعلت، قال: فأنشأ أبو عبيدة يحدث -يعني عن أبيه- كما سئل قال: قال رسول الله ﷺ: \"أتاني جبريل ﵇ بدابة فوق الحمار ودون البغل، فحملني عليه، ثم انطلق يهوي بنا، كلما صعد عقبة استوت، رجلاه كذلك مع يديه، وإذا هبط استوت يداه مع رجليه، حتى مررنا برجل طوال سبط آدم كأنه من رجال أزد شنوءة، وهو يقول، فيرفع صوته يقول: أكرمته وفضلته. قال: فدفعنا [¬١] إليه فسلمنا عليه، فرد السلام فقال: من هذا معك يا جبريل؟ قال: هذا أحمد، قال: مرحبًا بالنبي الأمي العربي، الذي بلغ رسالة ربه، ونصح لأمته [¬٢]. قال: ثم اندفعنا فقلت: من هذا ياجبريل؟ قال: هذا موسى بن عمران قال: قلت: ومن يعاتب؟ قال: يعاتب ربه فيك، قلت: فيرفع صوته على ربه؟! قال: إن الله قد عرف له حدته. قال: ثم اندفعنا حتى مررنا بشجرة كأن ثمرها السرج [¬٣]، تحتها شيخ وعياله، قال: فقال لي جبريل: اعمد [¬٤] إلى أبيك إبراهيم، فدفعنا إليه فسلمنا عليه، فرد\n_________\n(^٤٢) - تقدم تخريجه.\n(^٤٣) - تقدم تخريجه.\n(^٤٤) - تقدم تخريجه.\n(^٤٥) - وعزاه له السيوطي في \"الدر المنثور\" - (٤/ ٢٧٣) وزاد عزوه إلى أبي نعيم في \"الدلائل\" وابن عساكر في تاريخه.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"فدعنا\".\n[¬٢]- في خ: \"أمته\".\n[¬٣]- في خ: \"السرح\".\n[¬٤]- في ز: \"اعهد\".","vol":"8","page":413},{"text":"السلام، فقال إبراهيم: من هذا معك يا جبريل؟ قال: هذا ابنك أحمد. قال: فقال: مرحبًا بالنبي الأمي، الذي بلغ رسالة ربه، ونصح لأمته، يابني إنك لاقٍ ربك الليلة، وإن أمتك آخر الأمم وأضعفها، فإن استطعت أن تكون حاجتك أو جُلُّها في أمتك فافعل. قال: ثم اندفعنا حتى انتهينا إلى المسجد الأقصى فنزلت فربطت الدابة [في الحلقة] [¬١] التي في باب المسجد التي كانت الأنبياء تربط بها، ثم دخلت المسجد فعرفت النبيين من بين راكع وقائم وساجد، قال: ثم أتيت بكأسين من عسل ولبن، فأخذت اللبن فشربت، فضرب جبريل ﵇ منكبي وقال: أصبت الفطرة ورب محمد. قال: ثم أقيمت الصلاة فأممتهم، ثم انصرفنا فأقبلنا\".\nإسناد غريب ولم يخرجوه، فيه من الغرائب: سؤال الأنبياء عنه ﵇ ابتداء، ثم سؤاله عنهم بعد انصرافه، والمشهور في الصحاح -كما تقدم- أن جبريل كان يعلمه بهم أولًا؛ ليسلم عليهم سلام معرفة. وفيه أنه اجتمع بالأنبياء ﵈ قبل دخوله المسجد؛ والصحيح أنه إنما اجتمع بهم في السموات، ثم نزل إلى بيت المقدس ثانيًا، وهم معه، وصلى بهم فيه، ثم إنه ركب البراق وكرّ راجعًا إلى مكة، والله أعلم.\n(طريق أخرى): قال الإِمام أحمد (^٤٦): حدثنا هشيم، أخبرنا العوام عن جبلة بن سحيم عن مؤثر [¬٢] بن عفازة [¬٣]، عن ابن مسعود، عن النبي ﷺ قال: \"لقيت ليلة أسري بي إبراهيم وموسى وعيسى ﵈ فتذاكروا أمر الساعة قال: فردوا أمرهم إلى إبراهيم ﵇ فقال: لا علم لي بها. فردوا أمرهم إلى موسى فقال: لا علم لي بها. فردوا أمرهم [¬٤] إلى عيسى فقال: أما وجبتها، فلا يعلم بها أحد إلا الله ﷿، و[¬٥] فيما عهد إليَّ ربي أن الدجال خارج قال: ومعي قضيبان، فإذا رآني، ذاب كما يذوب الرصاص قال: فيهلكه [¬٦] الله [¬٧] حتى إن الحجر والشجر يقول: يا مسلم إن تحتي [¬٨] كافرًا فتعال فاقتله. قال: فيهلكهم الله، ثم يرجع الناس إلى بلادهم وأوطانهم، قال: فعند ذلك يخرج [¬٩] يأجوج ومأجوج، وهم من كل حدب ينسلون، فيطئون بلادهم، فلا يأتون على شيء إلا أهلكوه، ولا يمرون على ماء إلا شربوه، قال: ثم يرجع الناس إليّ فيشكونهم، فأدعو الله عليهم؛ فيهلكهم ويميتهم حتى تَجْوَى [¬١٠] الأرض من\n_________\n(^٤٦) - تقدم تخريجه [سورة الأعراف / آية ١٨٧].\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ز: \"بالحلقة\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"مرثد\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"عفارة\".\n[¬٤]- في خ: \"علمها\".\n[¬٥]- سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- في خ: \"فهلكه\".\n[¬٧]- بعده في ز: \"إذا رآني\".\n[¬٨]- في ز: \"تحت\".\n[¬٩]- في ز: \"فيخرج\".\n[¬١٠]- في خ: \"تحوي\".","vol":"8","page":414},{"text":"نتن [¬١] ريحهم -أي: تنتن- قال: فيُنزل الله المطر، فيجترف أجسادهم حتى يقذفهم في البحر، ففيما [¬٢] عهد إليّ ربي: أن ذلك إذا كان كذلك أن الساعة كالحامل المتم، لا يدري أهلها متى [¬٣] تفجؤهم بولادها ليلًا أو نهارًا.\nوأخرجه ابن ماجة عن بندار عن يزيد بن هارون عن العوام [¬٤] بن حوشب.\n(رواية عبد الرحمن بن قرط أخي عبد الله [¬٥] بن قرط الثمالي): قال سعيد بن منصور (^٤٧): حدثنا مسكين بن ميمون مؤذن مسجد الرملة، حدثني عروة بن رويم، عن عبد الرحمن بن قرط أن رسول الله ﷺ ليلة أُسري به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى- كان [¬٦] بين زمزم والمقام، جبريل عن يمينه وميكائيل عن يساره، فطارا به حتى بلغ السماوات العلا، فلما رجع قال: سمعت تسبيحًا في السماوات العلا مع تسبيح كثير، سبحت السماوات العلا من ذي المهابة مشفقات [¬٧] من ذي العلو بما علا، سبحان العلي الأعلى! ﷾.\nونذكر هذا الحديث عند قوله تعالى من هذه السورة: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ …﴾ الآية.\n(رواية عمر بن الخطاب ﵁: قال الإِمام أحمد (^٤٨): حدثنا أسود [¬٨] بن\n_________\n(^٤٧) أخرجه الطبراني في الكبير -وهو في الجزء المفقود- وفي الأوسط - (٣٧٤٢) - (٤/ ١١١ - ١١٢).\nوأبو نعيم في \"الحلية\" - (٢/ ٧)، والذهبي في الميزان - (٥/ ٢٢٦) من طريق سعيد بن منصور به. وقال الطبراني: \"لا يروى هذا الحديث عن رسول الله ﷺ إلا بهذا الإسناد تفرد به سعيد بن منصور\".\nقلت: مسكين بن ميمون قال عنه الذهبي في الميزان: (لا أعرفه، وخبره منكر) وذكره الهيثمي في \"المجمع\" (١/ ٨٣) وقال: رواه الطبراني في الكبير والأوسط، وفيه مسكين بن ميمون ذكر له الذهبي هذا الحديث، وقال: إنه منكر\". والحديث عزاه السيوطي في الدر المنثور (٤/ ٢٨٠) إلى ابن مردويه وأبي نعيم في المعرفة، ويذكره المؤلف مرة أخرى عند قوله: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ﴾.\n(^٤٨) - أخرجه أحمد - (١/ ٣٨) وحسن إسناده الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على المسند (٢٦) (١/ ٢٦٨).\n_________\n[¬١]- في خ: \"نتنهم و\".\n[¬٢]- في خ: \"وفيما\".\n[¬٣]- في ز: \"كيف\".\n[¬٤]- في ت: \"شهر\".\n[¬٥]- في خ: \"عبد الرحمن\".\n[¬٦]- في ز، خ: \"مِنْ\".\n[¬٧]- في خ: \"شفقات\".\n[¬٨]- في خ: \"أحمد\".","vol":"8","page":415},{"text":"عامر، حدثنا حماد بن سلمة، عن أبي سنان، عن عبيد بن آدم وأبي مريم وأبي شعيب: أن عمر بن الخطاب ﵁ كان بالجابية، فذكر فتح بيت المقدس قال: قال أبو سلمة: فحدثني أبو سنان، عن عبيد بن آدم قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول لكعب: أين ترى أن أصلي؟ قال: إن أخذت عني صليت خلف الصخرة، فكانت القدس كلها بين يديك. فقال عمر بن الخطاب ﵁: ضاهيت اليهودية، لا [¬١]، ولكن أصلي حيث صلى رسول الله ﷺ، فتقدم إلى القبلة فصلى، ثم جاء فبسط رداءه، وكنس الكناسة في ردائه، وكنس الناس.\n[فلم يعظم] [¬٢] الصخرة تعظيمًا [¬٣] يصلي وراءها وهي بين يديه، كما أشار به [¬٤] كعب الأحبار، وهو من قوم يعظمونها حتى جعلوها قبلتهم، ولكن منّ الله عليه بالإِسلام، فهُدي إلى الحق؛ ولهذا لما أشار بذلك قال له أمير المؤمنين: ضاهيت اليهودية، ولا أهانها إهانة النصارى الذين كانوا قد جعلوها مزبلة من أجل أنها قبلة اليهود، ولكن أماط الأذى وكنس عنها الكناسة بردائه. وهذا شبيه بما جاء في صحيح مسلم (^٤٩) عن أبي مرثد الغنوي قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها\".\n(رواية أبي هريرة ﵁ وهي مطولة جدًّا وفيها غرابة). قال الإِمام أبو جعفر بن جرير (^٥٠) في تفسير سورة سبحان: حدثنا علي بن سهل، ثنا حجاج، ثنا أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية الرياحي [¬٥]، عن أبي هريرة أو غيره -شك أبو جعفر- في قول الله ﷿: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾، قال:\n_________\n(^٤٩) - أخرجه مسلم في صحيحه -كتاب الجنائز، باب: النهي عن الجلوس على القبر والصلاة عليه (٩٧) (٩٧٢). وأبو داود -كتاب الجنائز، باب: في كراهية القعود على القبر - (٣٢٢٩)، والنسائي -كتاب القبلة -باب: النهي عن الصلاة إلى القبر - (٢/ ٦٧). والترمذي -كتاب الجنائز، باب: ما جاء في كراهية المشي على القبور والجلوس عليها … (١٠٥٠).\n(^٥٠) - أخرجه ابن جرير في تفسيره - (١٥/ ٦: ١١). وأخرجه البيهقي في الدلائل (٢/ ٣٩٧ - ٤٠٣).\nوالبزار \"كشف الأستار\" (٥٢) (٥٥) (١/ ٣٨ - ٤٥). من طرق عن أبي جعفر الرازي به. وأبو جعفر الرازي حسن الحديث إذا لم يخالف، وفيما تفرد به نظر لأنه يهم كثيرًا ويخالف. والحديث ذكره الهيثمي في \"المجمع\" - (١/ ٧٢: ٧٨) وقال: \"رواه البزار ورجال موثقون إلا أن الربيع بن أنس قال: عن أبي العالية أو غيره فتابعيه مجهول\". وعزاه السيوطي في \"الدر المنثور\" (٤/ ٢٦٨) إلى أبي يعلى ومحمد بن نصر المروزي في كتاب الصلاة وابن أبي حاتم وابن عدي وابن مردويه.\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- سقط من: خ.\n[¬٤]- سقط من خ.\n[¬٥]- في خ: \"الرباحي\".","vol":"8","page":416},{"text":"[جاء جبريل] [¬١] [إلى النبي ﷺ ومعه ميكائيل، فقال] [¬٢] جبريل [¬٣] لميكائيل [¬٤]: ائتني بطست من ماء زمزم كيما أطهر قلبه، وأشرح له صدره. قال: فشق [¬٥] عنه بطنه فغسله ثلاث مرات، واختلف إليه ميكائيل بثلاث طساس من ماء زمزم، فشرح صدره، ونزع ما كان فيه من غل، وملأه [] [¬٦] وعلمًا وحلمًا [¬٧] وإيمانًا ويقينًا وإسلامًا، وختم بين كتفيه بخاتم النبوة.\nثم أتاه بفرس فحُمل عليه، كل خطوة منه [¬٨] منتهى بصره أو أقصى بصره، قال: فسار وسار معه جبريل- عليه [¬٩] السلام- قال: فأتى على قوم يزرعون في يوم، ويحصدون في يوم، كلما حصدوا عاد كما كان، فقال النبي ﷺ: \"ياجبريل؛ ما هذا؟ \" قال: هؤلاء المجاهدون في سبيل الله، تضاعف لهم الحسنة بسبعمائة ضعف وما أنفقوا [¬١٠] من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين.\nثم أتى على قوم ترضخ رءوسهم بالصخر، كلما رضخت عادت كما كانت، ولا يفتر عنهم من ذلك شيء، فقال: \"ما هؤلاء يا جبريل؟ \" قال: هؤلاء الذين تتثاقل رءوسهم عن الصلاة المكتوبة.\nثم أتى على قوم على [¬١١] أقبالهم رقاع، وعلى أدبارهم رقاع، يسرحون كما تسرح الإبل والنعم، ويأكلون الضريع والزقوم ورضف [¬١٢] جهنم وحجارتها، قال: \"فما هؤلاء يا جبريل؟ \" قال: هؤلاء الذين لا يؤدون صدقات أموالهم، وما ظلمهم الله تعالى شيئًا، وما الله بظلام للعبيد.\nثم أتى على قوم بين أيديهم لحم نضيج في قدر، ولحم آخر نِئ [¬١٤] قذر خبيث، فجعلوا يأكلون من النئ الخبيث، ويَدَعون النضيج الطيب، فقال: \"ما هؤلاء يا جبريل؟ \" فقال:\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- في خ: \"لميكال\".\n[¬٥]- في ز: \"فشقق\".\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين في خ: \"حكمة\".\n[¬٧]- سقط من: خ.\n[¬٨]- سقط من: خ.\n[¬٩]- في ت: \"عليهما\".\n[¬١٠]- في ت: \"أنفقتم\".\n[¬١١]- سقط من ز، خ.\n[¬١٢]- في ز: \"وصف\". والرضف: الحجارة المحماة على النار. (النهاية ٢/ ٢٣١).\n[¬١٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬١٤]- في ز، خ: في قدر. والمثبت من الطبري.","vol":"8","page":417},{"text":"هذا الرجل من أمتك تكون عنده المرأة الحلال الطيب، فيأتي امرأة خبيثة فيبيت عندها حتى يصبح، [والمرأة تقوم من عند زوجها حلالًا طيبًا، فتأتي رجلًا خبيثًا فتبيت معه حتى تصبح] [¬١].\nقال: ثم أتى على خشبة على الطريق، لا يمر بها ثوب إلا شقته، ولا شيء إلا خرقته، قال: [\"ما هذا ياجبريل؟] [¬٢] \" قال: هذا مثل أقوام من أمتك يقعدون على الطريق يقطعونه، ثم تلا: ﴿وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ﴾ … الآية.\nقال: ثم أتى على رجل قد [¬٣] جمع [¬٤] حزمة حطب [¬٥] عظيمة، لا يستطيع حملها وهو يزيد عليها، فقال: \"ما هذا [¬٦] يا جبريل؟ \" قال: هذا الرجل من أمتك، يكون عليه أمانات الناس، لا يقدر على أدائها، وهو يريد أن يحمل عليها.\nثم أتى على قوم تُقرض ألسنتهم وشفاههم بمقاريض من حديد، كلما قرضت عادت كما كانت، لا يفتر عنهم من ذلك شيء، فقال: \"ما هؤلاء ياجبريل؟ \" فقال: هؤلاء خطباء الفتنة. ثم أتى على جحرٍ صغير، يخرج منه ثور عظيم، فجعل الثور يريد أن يرجع من حيث [¬٧] خرج فلا يستطع فقال: \"ما هذا يا جبريل؟ \" فقال: هذا الرجل يتكلم بالكلمة العظيمة، ثم يندم عليها فلا يستطيع أن يردها.\nثم أتى على واد، فوجد ريحًا طيبة باردة وريحَ مسك، وسمع صوتًا، فقال: \"ياجبريل ما هذه [¬٨] الريح الطيبة الباردة؟ وما هذا المسك؟ وما هذا الصوت؟ \" قال: هذا صوت الجنة تقول: يارب، آتني ما [¬٩] وعدتني، فقد كثرت غرفي وإستبرقي وحريري وسندسي؛ وعبقرين [¬١٠] ولؤلؤي ومرجاني، وفضتي وذهبي، وأكوابي وصحافي وأباريقي ومراكبي؛ وعسلي ومائي ولبني وخمري، فآتني ما وعدتني، فقال: لكِ كل مسلم ومسلمة، ومؤمن ومؤمنة، ومن آمن بي وبرسلي وعمل صالحًا، ولم يشرك بي، ولم يتخذ من دوني أندادًا، ومن خَشِيَني فهو آمن؛ ومن سألني أعطيته؛ ومن أقرضني جزيته؛ ومن توكل عليّ كفيته، إني أنا الله لا إله إلا أنا لا أخلف الميعاد؛ وقد أفلح المؤمنون وتبارك الله أحسن الخالقين،\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- مكررة في خ.\n[¬٣]- سقط من: خ.\n[¬٤]- في ز: \"حمل\"، خ: \"يحمل\".\n[¬٥]- سقط من: ز.\n[¬٦]- في ت: \"هؤلاء\".\n[¬٧]- في ز: \"موضع\".\n[¬٨]- في ز: \"هذا\".\n[¬٩]- في ز: \"بما\".\n[¬١٠]- في خ: \"وعبقري\".","vol":"8","page":418},{"text":"قالت [¬١]: قد [¬٢] رضيت.\nقال: ثم أتى على واد فسمع صوتًا منكرًا، ووجد ريحًا منتنة، فقال: \"ما هذه الريح يا جبريل؟ وما هذا الصوت؟ \" فقال: هذا صوت جهنم تقول: يارب، آتني ما وعدتني فقد كثرت سلاسلي وأغلالي، وسعيري وحميمي؛ وضريعي [¬٣] وغساقي وعذابي، وقد بَعُدَ قَعْري واشتد حرِّي، فآتني كل ما وعدتني. قال: لكِ كل مشرك ومشركة، وكافر وكافرة، وكل خبيث وخبيثة، وكل جبار لا يؤمن بيوم الحساب. قالت: قد رضيت.\nقال: ثم سار حتى أتى بيت المقدس، فنزل فربط فرسه إلى صخرة، ثم دخل فصلى مع الملائكة، فلما قضيت الصلاة قالوا: يا جبريل، من هذا معك؟ قال: محمد ﷺ. قالوا: أو قد أرسل [إليه] [¬٤]؟ قال: نعم. قالوا: حيّاه الله من أخ ومن خليفة، فنعم الأخ، ونعم الخليفة، ونعم المجيء جاء.\nقال: ثم لقي أرواح الأنبياء، فأثنوا على ربهم، فقال إبراهيم: الحمد لله الذي اتخذني خليلًا، وأعطاني ملكًا عظيمًا، وجعلني أمة قانتًا يؤتم بي، وأنقذني من النار وجعلها عليّ بردًا وسلامًا! ثم إن موسى ﵇ أثنى على ربه فقال: الحمد لله الذي كلمني تكليمًا، وجعل هلاك آل فرعون ونجاة بني إسرائيل على يدي، وجعل من أمتي قومًا يهدون بالحق وبه يعدلون! ثم إن داود ﵇ أثنى على ربه فقال: الحمد لله الذي جعل لي ملكًا عظيمًا، وعلمني الزبور، وألان لي الحديد، وسخر لي الجبال يسبحن والطير، وأعطاني الحكمة وفصل الخطاب! ثم إن سليمان ﵇ أثنى على ربه فقال: الحمد لله الذي سخر لي الرياح، وسخر لي الشياطين، يعملون لي [¬٥] ما شئت من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب [¬٦] وقدور راسيات، وعلمني منطق الطير، وآتاني من كل شيء فضلًا، وسخر لي جنود الشياطين والإِنس والطير، وفضلني على كثير من عباده المؤمنين، وآتاني ملكًا عظيمًا لا ينبغي لأحد من بعدي، وجعل ملكي ملكًا طيبًا ليس فيه حساب! ثم إن عيسى ﵇ أثنى على ربه ﷿ فقال: الحمد لله الذي جعلني كلمته، وجعل مثلي [¬٧] مثل آدم، خلقه من تراب ثم قال له \"كن\" فيكون، وعلمني الكتاب والحكمة والتوراة والإِنجيل، وجعلني أخلق من الطين كهيئة الطير، [فأنفخ فيه] [¬٨] فيكون طيرًا بإذن الله، وجعلني أبرئ الأكمه والأبرص، وأحيي الموتى [بإذن الله] [¬٩]،\n_________\n[¬١]- في خ: \"قال\".\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- في ز، خ: \"مربعي\".\n[¬٤]- في ز: \"محمد\"، خ: \"إليه\".\n[¬٥]- سقط من: ز.\n[¬٦]- في ز: كالجوابي\".\n[¬٧]- في خ: \"مثيلى\".\n[¬٨]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٩]- ما بين المعكوفتين في ز: \"بإذنه\".","vol":"8","page":419},{"text":"ورفعني وطهرني، وأعاذني وأمي من الشيطان الرجيم، فلم يكن للشيطان علينا سبيل. قال [¬١]: ثم إن محمدًا ﷺ أثنى على ربه ﷿ فقال: \"وكلكم [¬٢] أثنى على ربه، وإني مُثْنٍ على ربي فقال: الحمد لله الذي أرسلني رحمة للعالمين، وكافة للناس بشيرًا ونذيرًا، وأنزل على الفرقان، فيه بيان لكل شيء، وجعل أمتي خير أمة أخرجت للناس، وجعل أمتي أمة وسطًا، وجعل أمتي هم الأولين وهم الآخرين، وشرح لي صدري، ووضع عني وزري، ورفع لي [¬٣] ذكري، وجعلني فاتحًا وخاتمًا\" فقال إبراهيم ﵇: بهذا فضلكم محمد ﷺ.\nقال أبو جعفر الرازي: خاتم النبوة [¬٤] فاتح بالشفاعة يوم القيامة.\nثم أُتي بآنية ثلاثة مغطاة أفواهها؛ فأُتي بإناء منها فيه ماء، فقيل: اشرب، فشرب منه يسيرًا، ثم دفع إليه إناء آخر فيه لبن، فقيل [له: اشرب، فشرب منه] [¬٥] حتى روي، ثم دفع إليه إناء آخر فيه خمر، فقيل له: اشرب فقال: لا أريده قد رويت، فقال له جبريل: أما إنها ستحرم على أمتك، ولو شربت منها لم يتبعك من أمتك إلا قليل.\nقال: ثم صعد به إلى السماء فاستفتح فقيل: من هذا يا جبريل؟ فقال: محمد، قالوا [¬٦]: أو قد أرسل إليه [¬٧]؟ قال: نعم، قالوا: حياه الله من أخ ومن خليفة [¬٨]؛ فنعم الأخ، ونعم الخليفة، ونعم المجيء جاء، [ففتح لهما] [¬٩] فدخل، فإذا هو برجل تام الخلق، لم ينقص من خلقه شيء، كما ينقص من خلق الناس، عن يمينه باب يخرج منه ريح طيبة، وعن شماله باب يخرج منه ريح خبيثة، إذا نظر إلى الباب الذي عن يمينه ضحك واستبشر، وإذا نظر إلى [¬١٠] الباب الذي عن يساره بكى وحزن.\nفقلت: يا جبريل، من هذا الشيخ التام الخلق، الذي لم ينقص من خلقه شيء؟ وما هذان البابان؟ فقال: هذا أبوك آدم، وهذا الباب الذي عن يمينه باب الجنة، إذا نظر إلى من يدخله [¬١١] من ذريته ضحك واستبشر، والباب الذي عن شماله باب جهنم، إذا نظر إلى من يدخله [¬١٢] من ذريته بكى وحزن.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في ز: \"فكلكم\".\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- في خ: \"بالنبوة\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٦]- في خ: \"فقالوا\".\n[¬٧]- سقط من: ز.\n[¬٨]- في خ: \"ونعم\".\n[¬٩]- ما بين المعكوفتين سقط من ز.\n[¬١٠]- في خ: \"على\".\n[¬١١]- في ز: \"يدخل\".\n[¬١٢]- في خ: \"يدخلها\".","vol":"8","page":420},{"text":"ثم صعد به جبريل إلى السماء الثانية، فاستفتح، فقيل: من هذا معك؟ فقال: محمد رسول الله، قالوا: أو قد أرسل محمد؟ قال: نعم. قالوا: حياه الله من أخ ومن خليفة! فلنعم الأخ، ونعم الخليفة! ونعم المجيء جاء! قال: فدخل فإذا هو بشابين، فقال: يا جبريل، من هذان الشابان؟ قال [¬١]: هذا عيسى ابن مريم، ويحيى بن زكريا ابنا الخالة ﵉.\nقال: فصعد به إلى السماء الثالثة، فاستفتح، فقالوا: من هذا؟ قال: جبريل، قالوا: ومن معك؟ قال: محمد، قالوا: أو قد أرسل؟ قال: نعم، قالوا: حياه الله من أخ ومن خليفة! فنعم الأخ، ونعم الخليفة! ونعم المجئ جاء! قال: فدخل فإذا هو برجل قد فضل على الناس في الحسن [كما فضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، قال: من هذا يا جبريل الذي قد فضل على الناس في الحسن؟] [¬٢] قال: هذا أخوك يوسف ﵇.\nقال: ثم صعد به إلى السماء الرابعة، فاستفتح فقالوا: من هذا؟ قال: جبريل، قالوا: ومن معك؟ قال: محمد، قالوا: أو قد أرسل إليه [¬٣]؟ قال: نعم، قالوا: حياه الله من أخ ومن خليفة! فنعم الأخ، ونعم الخليفة! ونعم المجيء جاء! قال: فدخل فإذا هو برجل، قال [¬٤]: من هذا يا جبريل؟ قال: هذا إدريس ﵇ رفعه الله مكانًا عليًّا.\nثم صعد به إلى السماء الخامسة، فاستفتح، فقالوا: من هذا؟ قال: جبريل. قالوا: ومن معك؟ قال: محمد. قالوا: أو قد أرسل إليه [¬٥]؟ قال: نعم. قالوا: حياه الله من أخ ومن [¬٦] خليفة! فنعم الأخ ونعم الخليفة ونعم المجيء جاء! قال [¬٧]: فدخل فإذا هو برجل جالس، وحوله قوم يقص عليهم، قال: من هذا يا جبريل؟ ومن هؤلاء حوله؟ قال: هذا [¬٨] هارون المحبب [في قومه] [¬٩]، وهؤلاء بنو إسرائيل.\nثم صعد به إلى السماء السادسة، فاستفتح، قيل [¬١٠]: من هذا؟ قال: جبريل. قالوا: ومن معك؟ قال: محمد. قالوا: أو قد أرسل إليه [¬١١]؟ قال: نعم. قالوا: حياه الله من\n_________\n[¬١]- في خ: \"فقال\".\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- سقط من: ت.\n[¬٤]- في ز: \"فقال\".\n[¬٥]- سقط من: خ.\n[¬٦]- سقط من: ت.\n[¬٧]- سقط من: ز.\n[¬٨]- في ز: \"ثم\".\n[¬٩]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬١٠]- في ز: \"قيل له\"، خ: \"فقالوا\".\n[¬١١]- سقط من: ت.","vol":"8","page":421},{"text":"أخ ومن خليفة! فنعم الأخ، ونعم الخليفة! ونعم المجئ جاء [¬١]! فإذا هو برجل جالس، فجاوزه فبكى الرجل فقال: يا جبريل! من هذا؟ قال: موسى. قال: فما باله يبكي؟ قال: زعم بنو [¬٢] إسرائيل أني أكرم بني آدم على الله ﷿، وهذا رجل من بني آدم قد خلفني في دنيا وأنا في أخرى، فلو أنه بنفسه لم أبال، ولكن مع كل نبي أمته.\nقال: [ثم صعد] [¬٣] به إلى السماء السابعة، فاستفتح، [فقيل له] [¬٤]: من هذا؟ قال: جبريل. قالوا [¬٥]: ومن معك؟ قال: محمد، قالوا: أو قد أرسل إليه [¬٦]؟ قال: نعم، قالوا: حياه الله من أخ ومن خليفة! فنعم الأخ، ونعم الخليفة، ونعم المجيء جاء، قال: فدخل فإذا هو برجل أشمط جالس عند باب الجنة على كرسي، وعنده قوم جلوس، بيض الوجوه، أمثال [¬٧] القراطيس، وقوم في ألوانهم شيء، فقام هؤلاء الذين في ألوانهم شيء، فدخلوا نهرًا، فاغتسلوا فيه، فخرجوا وقد خلص من ألوانهم شيء، ثم دخلوا نهرًا آخر، فاغتسلوا فيه، فخرجوا وقد خلص من [¬٨] ألوانهم [شيء، ثم دخلوا نهرًا آخر، فاغتسلوا فيه، فخرجوا] [¬٩] [] [¬١٠] وقد [¬١١] خلصت [¬١٢] ألوانهم [¬١٣] فصارت مثل ألوان أصحابهم، فجاءوا فجلسوا إلى أصحابهم، فقال: يا جبريل! من هذا الأشمط؟ ثم من هؤلاء البيض [¬١٤] الوجوه؟ ومن هؤلاء الذين في ألوانهم شيء؟ [وما هذه الأنهار التي دخلوا فيها فجاءوا وقد صفت ألوانهم؟ قال: هذا أبوك إبراهيم أول من شمط على الأرض، وأما هؤلاء البيض الوجوه، فقوم لم يلبسوا إيمانهم بظلم، وأما هؤلاء الذين في ألوانهم شيء] [¬١٥]؛ فقوم [¬١٦] خلطوا عملًا صالحا وآخر سيئًا، فتابوا فتاب الله عليهم، وأما الأنهار؛ فأولها: رحمة الله. والثاني: نعمة [¬١٧] الله. والثالث: سقاهم ربهم شرابًا طهورًا.\nقال: ثم انتهى إلى السدرة فقيل له: هذه السدرة ينتهي إليها كل أحد خلا من أمتك\n_________\n[¬١]- سقط من: ت. وبعده في خ: \"قال: فدخل\".\n[¬٢]- في خ: \"بنى\" والصواب المثبت.\n[¬٣]- في خ: \"فصعد\".\n[¬٤]- في خ: \"قالوا\".\n[¬٥]- في ز: \"قيل\".\n[¬٦]- سقط من: ت.\n[¬٧]- في خ: \"مثل\".\n[¬٨]- سقط من: ز.\n[¬٩]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬١٠]- في خ: منه.\n[¬١١]- سقط من: ز.\n[¬١٢]- سقط من: ز، في خ: \"خلفي\".\n[¬١٣]- سقط من: ز.\n[¬١٤]- في خ: \"بيض\".\n[¬١٥]- سقط من ز، خ.\n[¬١٦]- في خ: \"فقومًا\".\n[¬١٧]- في ز، خ: \"نعم\".","vol":"8","page":422},{"text":"على سنتك، فإذا هي شجرة يخرج من أصلها أنهار من ماء غير آسن، وأنهار من لبن لم يتغير طعمه، وأنهار من خمر لذّة للشاربين، وأنهار من عسل مصفى، وهي شجرة يسير الراكب في ظلها سبعين عامًا لا يقطعها، والورقة منها مغطية للأمة كلها، قال: فغشيها نور الخلاق ﷿ وغشيتها الملائكة أمثال الغربان حين [¬١] يقعن [¬٢] على الشجرة، [قال: فكلمه الله] [¬٣] عند ذلك، فقال [¬٤] له: سل. قال: إنك اتخذت إبراهيم خليلًا، وأعطيته ملكًا عظيمًا، وكلمت موسى تكليمًا، وأعطيت داود ملكًا عظيمًا، وألنت له الحديد، [وسخرت له الجبال، وأعطيت سليمان ملكًا، وسخرت له الجن والإِنس والشياطين] [¬٥]، وسخرت له الرياح، وأعطيته ملكًا عظيمًا لا ينبغي لأحد من بعده، وعلمت عيسى التوراة والإنجيل وجعلته يبرئ الأكمه والأبرص، ويحيي الموتى بإذنك، وأعذته وأمه من الشيطان الرجيم، فلم يكن للشيطان عليهما سبيل. فقال له ربه ﷿: وقد اتخذتك خليلًا. -وهو مكتوب في التوراة: حبيب الرحمن- وأرسلتك إلى الناس كافة بشيرًا ونذيرًا، وشرحت لك صدرك، ووضعت عنك وزرك، ورفعت لك ذكرك، فلا أُذكر إلا ذكرتَ معي، وجعلت أمتك خير أمة أخرجت للناس، وجعلت أمتك أمة وسطًا، وجعلت أمتك هم الأولين [¬٦] الآخرين، وجعلت أمتك لا تجوز لهم خطبة حتى يشهدوا أنك عبدي ورسولي، وجعلت من أمتك أقوامًا قلوبهم أناجيلهم، وجعلتك أول النبيين خلقًا، وآخرهم بعثًا [¬٧] وأولهم [¬٨] يقضى له، وأعطيتك سبعًا من المثاني لم [يعطها نبي] [¬٩] قبلك، وأعطيتك خواتيم سورة البقرة من كنز تحت العرش لم أعطها نبيًّا قبلك، وأعطيتك الكوثر، وأعطيتك ثمانية أسهم: الإِسلام، والهجرة، والجهاد، والصدقة، والصلاة [¬١٠]، وصوم رمضان، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر. وجعلتك فاتحًا وخاتمًا، فقال النبي ﷺ: \"فضَّلني ربي بست: أعطاني فواتح الكلام وخواتيمه، وجوامع الحديث، وأرسلني إلى الناس كافة بشيرًا ونذيرًا، وقذف في قلوب عدوي الرعب من مسيرة شهر، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وجعلت لي الأرض كلها طهورًا ومسجدًا\".\nقال: وفرض عليه خمسين صلاة، فلما رجع إلى موسى قال: بم أمرت يا محمد؟ قال: بخمسين صلاة، قال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف؛ فإن أمتك أضعف الأمم،\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"حتى\".\n[¬٢]- في ز خ: \"تقع\".\n[¬٣]- في خ: \"فكلمه تعالى\".\n[¬٤]- في ز: \"قال\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- بعده في ت: \"وهم\".\n[¬٧]- سقط من: خ.\n[¬٨]- في ز: \"وآخرهم\"، سقط من خ.\n[¬٩]- ما بين المعكوفتين في ز: \"أعطها نبيًّا\".\n[¬١٠]- سقط من: ز.","vol":"8","page":423},{"text":"فقد لقيت من بني إسرائيل شدة، قال: فرجع النبي ﷺ إلى ربه ﷿ فسأله التخفيف، فوضع عنه عشرًا، [ثم رجع] [¬١] إلى موسى فقال: بكم أمرت؟ قال [¬٢]: بأربعين، قال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف؛ فإن أمتك أضعف الأمم، قد [¬٣] لقيت من بني إسرائيل شدة، قال: فرجع النبي ﷺ إلى ربه فسأله التخفيف فوضع عنه عشرًا، فرجع إلى موسى فقال: بكم أمرت؟ قال: أمرت بثلاثين، فقال له موسى: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف؛ فإن أمتك أضعف الأم، وقد لقيت من بني إسرائيل شدة؛ قال: فرجع إلى ربه فسأله التخفيف، فوضع عنه عشرًا، فرجع إلى موسى ﵇ فقال: بكم أمرت؟ قال: أمرت بعشرين، قال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف؛ فإن أمتك أضعف الأمم، وقد لقيت من بني إسرائيل شدة؛ قال: فرجع إلى ربه ﷿ فسأله التخفيف، فوضع عنه عشرًا، فرجع إلى موسى فقال: بكم أمرت؟ قال [¬٤]: بعشر؛ قال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف؛ فإن أمتك أضعف الأمم، وقد لقيت من بني إسرائيل شدة، قال: فرجع [على حياء] [¬٥] إلى ربه، فسأله التخفيف، فوضع عنه خمسًا، فرجع إلى موسى ﵇ فقال: بكم أمرت؟ قال [¬٦]: بخمس، قال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف؛ فإن أمتك أضعف الأمم، وقد لقيت من بني إسرائيل شدة، قال: قد رجعت إلى ربي حتى استحييت، فما أنا [راجع] [¬٧] إليه؛ قيل: [أما إنك كما] [¬٨] صبرت نفسك على خمس صلوات؛ فإنهن يجزين عنك خمسين صلاة؛ فإن كل حسنة بعشر أمثالها، قال: فرضى محمد ﷺ كل الرضا؛ قال: وكان موسى ﵇ من أشدهم عليه حين مر به، وخيرهم له حين رجع إليه.\nثم رواه ابن جرير، عن محمد بن عبيد الله، عن أبي النضر هاشم بن القاسم، عن أبي جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية أو غيره -شك أبو جعفر- عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ فذكره بمعناه، وقد رواه الحافظ أبو بكر البيهقي، عن أبي سعيد الماليني، عن ابن عدي، عن محمد بن الحسن السكوني البالسي بالرملة، حدثنا علي بن سهل، فذكر مثل ما رواه ابن جرير عنه.\nوذكر البيهقي أن الحاكم أبا عبد الله رواه عن إسماعيل بن محمد بن الفضل بن محمد\n_________\n[¬١]- في خ: \"فرجع\".\n[¬٢]- في خ: \"فقال\".\n[¬٣]- في خ: \"لقد\".\n[¬٤]- بعده في خ: أمرت.\n[¬٥]- سقط من: خ.\n[¬٦]- بعده في خ: أمرت.\n[¬٧]- في ت: \"براجع\".\n[¬٨]- في ز، خ: \"إنه كما أنك\".","vol":"8","page":424},{"text":"الشعراني، عن جده، عن [إبراهيم بن] [¬١] حمزة الزبيري، عن حاتم بن إسماعيل، حدثني عيسى بن ماهان -يعني أبا جعفر الرازي- عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ فذكره.\nوقال ابن أبي حاتم: ذكر [¬٢] أبو زرعة: حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير، حدثنا يونس بن بكير، [حدثنا عيسى بن] [¬٣] عبد الله التميمي -عن [¬٤] أبا جعفر الرازي- عن الربيع بن أنس البكري [¬٥]، عن أبي العالية أو غيره -شك عيسى- عن أبي هريرة، أن [رسول الله] [¬٦] ﷺ قال [في قوله تعالى] [¬٧]: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ … فذكر الحديث بطوله كنحوٍ مما سقناه.\nقلت: أبو جعفر الرازي قال فيه الحافظ أبو زرعة الرازي: يهم في الحديث كثيرًا، وقد ضعفه غيره أيضًا ووثقه بعضهم، والأظهر أنه سيئ الحفظ، ففيما تفرد به نظر. وهذا الحديث في بعض ألفاظه غرابة ونكارة شديدة، وفيه شيء من حديث المنام من رواية سمرة بن جندب في المنام الطويل عند البخاري، ويشبه أن يكون مجموعًا من أحاديث شتى، أو منام، أو [¬٨] قصة أخرى غير الإِسراء، والله أعلم.\nوقد روى البخاري ومسلم في الصحيحين (^٥١) من حديث عبد الرزاق: أنبأنا معمر، عن الزهري، أخبرني سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة قال: قال [رسول الله] [¬٩] ﷺ حين أُسري به: \"لقيت موسى- ﵇ قال [¬١٠] فنعته فإذا رجل حسبته قال: مضطرب، رَجْلَ الرأسِ كأنه من رجال شنوءة، قال: ولقيت عيسى، فنعته النبي ﷺ: ربعة أحمر كأنما خرج من ديماس -يعني: حمام- قال: ولقيت [¬١١] إبراهيم وأنا أشبه ولده به، قال: وأتيت بإناءين، في أحدهما لبن وفي الآخر\n_________\n(^٥١) - أخرجه البخاري في صحيحه -كتاب الأنبياء، باب: قول الله ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ …﴾ (٣٤٣٧). ومسلم في صحيحه -كتاب الإيمان، باب: الإسراء برسول الله ﷺ إلى السماوات وفرض الصلوات (٢٧٢) (١٦٨)، وأخرجه البخاري أيضًا (٣٣٩٤) من طريق هشام بن يوسف عن معمر به.\n_________\n[¬١]- في خ: \"أبي\".\n[¬٢]- في ز: \"ذكره\"، خ: \"فذكره\".\n[¬٣]- في خ: \"عن\".\n[¬٤]- في ز: \"يعني\".\n[¬٥]- في خ: \"اليشكري\".\n[¬٦]- في خ: \"النبي\".\n[¬٧]- في خ: \"الله\".\n[¬٨]- في خ: \"و\".\n[¬٩]- في خ: \"النبي\".\n[¬١٠]- سقط من: ز، خ.\n[¬١١]- في ز، خ: \"ورأيت\".","vol":"8","page":425},{"text":"خمر، قيل لي: خذ أيهما شئت؟ فأخذت اللبن فشربت فقيل لي [¬١]: هديت الفطرة -أو أصبت الفطرة- أما إنك لو أخذت الخمر غوت أمتك\". وأخرجاه من وجه آخر عن الزهري به نحوه.\nوفي صحيح مسلم (^٥٢) عن محمد بن رافع عن حجين بن المثني، عن عبد العزيز بن أبي سلمة، عن عبد الله بن الفضل الهاشمي، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"لقد رأيتنى في الحجر، وقريش تسألني عن مسراي، فسألوني عن أشياء من بيت المقدس لم أثبتها، فكربت كربًا ما كربت مثله قط، فرفعه الله لي أنظر إليه، ما سألوني عن شيء إلا أنبأتهم به، وقد رأيتني في جماعة من الأنبياء، وإذا موسى قائم يصلي، [وإذا هو رجل ضرب جعد كأنه من رجال شنوءة، وإذا عيسى [ابن مريم] [¬٢] قائم يصلي] [¬٣]، أقرب الناس شبهًا به عروة بن مسعود الثقفى، وإذا إبراهيم قائم يصلي [أشبه الناس به] [¬٤] صاحبكم -يعني: نفسه- فحانت الصلاة فأممتهم، فلما فرغت قال قائل: يامحمد؛ هذا مالك صاحب النار [¬٥]، [فسلَّم عليه] [¬٦] فالتفت إليه، فبدأني بالسلام\".\nوقال ابن أبي حاتم (^٥٣): حدثنا أبي، حدثنا حجاج بن منهال، حدثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن أبي الصلت، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"رأيت ليلة أسري بي لما انتهينا إلي السماء السابعة فنظرت فوق فإذا رعد وبرق وصواعق، قال: وأتيت علي قوم بطونهم كالبيوت فيها الحيات ترى من خارج بطونهم، فقلت: من هؤلاء ياجبريل؟ قال: هؤلاء أكلة الربا، فلما نزلت إلي السماء [¬٧] الدنيا نظرت أسفل مني، قال: [¬٨] فإذا أنا برهج ودخان وأصوات، فقلت: [ما هذا] [¬٩] يا جبريل؟ قال: هذه الشياطين، يحرفون [¬١٠] علي أعين بني آدم، [ألّا يتفكروا] [¬١١] في ملكوت\n_________\n(^٥٢) - أخرجه مسلم في صحيحه -كتاب الإيمان باب: ذكر المسيح ابن مريم والمسيح الدجال (٢٧٨). (١٧٢). وقد جعل ابن كثير -رحمه الله تعالى- شيخ مسلم في هذا الحديث \"محمد بن رافع\" وفي المطبوع \"وحدثني زهير بن حرب حدثنا حجين به\".\n(^٥٣) - تقدم تخريجه [سورة الأعراف آية ١٨٥].\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢] بين المعكوفتين سقط من ت.\n[¬٣]- سقط من: خ\n[¬٤]- في ت: \"أقرب الناس شبهًا به\".\n[¬٥]- في ت: \"جهنم\".\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٧]- سقط من: خ.\n[¬٨]- سقط من: ت.\n[¬٩]- في ت: \"من هؤلاء\"، خ: \"هاهذا.\n[¬١٠]- في ز، خ: \"يحرقون\".\n[¬١١]- ما بين المعكوفتين في ز: \"لا يتفكروا\"، خ: \"لا يتفكرون\".","vol":"8","page":426},{"text":"السموات والأرض، ولولا ذلك لرأوا العجائب\".\nورواه الإمام أحمد عن حسن وعفان- كلاهما عن حماد بن سلمة به.\nورواه ابن ماجة من حديث حماد به.\nرواية جماعة من الصحابة ممن تقدم وغيرهم، قال الحافظ البيهقي (^٥٤): حدثنا أبو عبد الله -يعني: الحاكم- حدثنا عبدان بن يزيد بن يعقوب الدقاق بهمذان [¬١]، حدثنا إبراهيم بن الحسين الهمذاني [¬٢]، حدثنا أبو محمد -هو إسماعيل بن موسى [¬٣] الفزاري- حدثنا عمر بن سعد النصري [¬٤] من بني نصر [¬٥] بن قعين [¬٦]، حدثني عبد العزيز، وليث بن أبي سليم، وسليمان الأعمش، وعطاء بن السائب- بعضهم يزيد في الحديث علي بعض- عن علي بن أبي طالب، وعن [¬٧] عبد الله بن عباس- ومحمد بن إسحاق بن يسار، عمّن حدثه، عن ابن عباس- وعن سليم بن مسلم العقيلي، عن عامر الشعبي، عن عبد الله بن مسعود وجويبر، عن الضحاك بن مزاحم قالوا: كان رسول الله ﷺ في بيت أم هانئ راقدًا، وقد صلي العشاء الآخرة. قال أبو عبد الله الحاكم: قال لنا هذا الشيخ … وذكر الحديث فكتب [¬٨] المتن من نسخة مسموعة منه، فذكر حديثًا طويلًا يذكر فيه عدد الدرج والملائكة وغير ذلك مما لا ينكر شيء [¬٩] منها في قدرة الله إن صحت الرواية.\nقال البيهقي: فيما ذكرنا قبل في [¬١٠] حديث أبي هارون العبدي في إثبات الإسراء والمعراج كفاية، وبالله الترفيق.\nقلت: وقد أرسل هذا الحديث غير واحد من التابعين، وأئمة المفسرين، رحمة الله عليهم أجمعين.\n(رواية عائشة أم المؤمنين ﵂) قال البيهقي (^٥٥): أخبرنا أبو عبد الله\n_________\n(^٥٤) - \" دلائل النبوة\" للبيهقي - (٢/ ٤٠٤ - ٤٠٥).\n(^٥٥) -) دلائل النبوة\" للبيهقي - (٢/ ٣٦٠ - ٣٦١). =\n_________\n[¬١]- في ز: خ: \"بهمدان\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"الهمداني\".\n[¬٣]- في خ: \"محمد\".\n[¬٤]- في ز، خ: \"النضري\".\n[¬٥]- في ز، خ: \"نضر\".\n[¬٦]- في ز، خ: \"معين\".\n[¬٧]- سقط من: ت.\n[¬٨]- في خ: \"فكتبت\".\n[¬٩]- في خ: \"شيئًا\".\n[¬١٠]- في خ: \"من\".","vol":"8","page":427},{"text":"الحافظ، أخبرني مكرم بن أحمد القاضي، حدثنا إبراهيم بن الهيثم البلدي [¬١]، حدثني محمد بن كثير الصنعاني، حدثنا معمر [¬٢] بن راشد، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة [﵂] [¬٣] قالت: لما أسري [برسول الله] [¬٤] ﷺ إلي المسجد الأقصى أصبح يحدث الناس بذلك، فارتد ناس ممن [¬٥] كانوا آمنوا به وصدقوه، وسعوا بذلك إلي أبي بكر فقالوا: هل لك في صاحبك [¬٦]؟ يزعم أنه أسري به الليلة إلي بيت المقدس، فقال: أوَ قال ذلك؟ قالوا: نعم، قال: لئن كان قال ذلك لقد صدق، قالوا: فتصدقه [¬٧] أنه ذهب الليلة [¬٨] إلي بيت المقدس وجاء قبل أن يصبح؟ قال: نعم، إني لأصدقه فيما [¬٩] هو أبعد من ذلك؛ أصدقه [في خبر] [¬١٠] السماء في غدوة أو روحة، فلذلك سمى أبو بكر: الصديق [﵁] [¬١١].\n(رواية أم هانيء بنت أبي طالب [﵂] [¬١٢] قال محمد بن إسحاق (^٥٦): حدثني محمد بن [] [¬١٣] السائب الكلبي عن أبي صالح باذان عن أم هانئ بنت أبي طالب في مسرى رسول الله ﷺ، أنها كانت تقول: ما أسري برسول الله ﷺ إلا وهو في بيتي نائم عندي تلك الليلة، فصلي العشاء الآخرة، ثم نام ونمنا، فلما كان قبيل الفجر أهبَّنا [رسول الله ﷺ] [¬١٤] فلما صلى الصبح وصلينا معه قال: \"يا أم هانيء لقد صليت معكم العشاء الآخرة كما رأيت بهذا الوادي، ثم\n_________\n= وأخرجه الحاكم في المستدرك (٣/ ٦٢ - ٦٣) وقال: \"حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه\" ووافقه الذهبي.\nمع أن في إسناده محمد بن كثير الصنعاني: قال البخاري: بين جدًّا، وقال النسائي: ليس بالقوي كثير الخطأ، وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: ذكره أبي محمد بن كثير، وضعفه جدًّا، وضعف حديثه عن معمر جدًّا، وقال: هو منكر الحديث، وقال: يروى أشياء منكرة.\nوزاد نسبته السيوطي في \"الدر المنثور\" (٤/ ٢٨٤) إلى ابن مردويه.\n(^٥٦) - أخرجه ابن هشام في سيرته - (٢/ ٤٢٧). وأخرجه ابن جرير في تفسيره - (١٥/ ٢) حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة عن محمد بن إسحاق به.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"البكري\".\n[¬٢]- في ز: \"محمد\".\n[¬٣]- سقط من: ت.\n[¬٤]- في خ: \"بالنبي\".\n[¬٥]- في ت: \"مما\".\n[¬٦]- في ز، خ: \"صاحب\".\n[¬٧]- في ز: \"تصدقه\".\n[¬٨]- سقط من: ز، خ.\n[¬٩]- في ز: \"بما\".\n[¬١٠]- في ز، خ: \"بخبر\".\n[¬١١]- سقط من: ت.\n[¬١٢]- سقط من: ت.\n[¬١٣]- في ز، خ: محمد بن.\n[¬١٤]- سقط من: ت.","vol":"8","page":428},{"text":"جئت بيت المقدس فصليت فيه، [ثم صليت] [¬١] صلاة الغداة معكم الآن كما ترين\".\nالكلبي: متروك بمرة ساقط. لكن رواه أبو يعلى (^٥٧) في مسنده عن محمد بن إسماعيل الأنصاري، عن ضمرة بن ربيعة، عن يحيى بن أبي عمرو السيبانى [¬٢]، عن أبي صالح، عن أم هانئ بأبسط من هذا السياق فليكتب ها هنا.\nوروى الحافظ أبو القاسم الطبراني (^٥٨) من حديث عبد الأعلى بن أبي المساور، عن عكرمة، عن أم هانئ قالت: بات رسول الله ﷺ ليلة أسري به في بيتي، ففقدته من الليل، فامتنع مني النوم مخافة أن يكون عرض له بعض قريش، فقال رسول الله ﷺ: \"إن جبريل ﵇ أتاني، فأخذ بيدي فأخرجني، فإذا في الباب دابة [¬٣] دون البغل وفوق الحمار، فحملنى عليها، ثم انطلق حتى انتهى بي إلي بيت المقدس، فأراني إبراهيم ﵇، يشبه خلفه خلقي، ويشبه خلقي خلقَه، وأرانى موسى آدم، طويلًا، سبط الشعر، شبهته برجال أزد شنوءة، وأراني عيسى ابن مريم ربعة، أبيض، يضرب إلي الحمرة، شبهته بعروة بن مسعود الثقفى، وأرانى الدجال ممسوح العين اليمنى، شبهته بقطن بن عبد العزى- قال: وأنا أريد أن أخرج إلي قريش فأخبرهم بما رأيت\". فأخذت بثوبه فقلت: إني أذكرك الله إنك تأتي قومك يكذبونك، وينكرون مقالتك، فأخاف أن يسطوا بك، قالت [¬٤]: فضرب ثوبه من يدي، ثم خرج إليهم فأتاهم -وهم جلوس- فأخبرهم ما أخبرني، فقام جبير بن مطعم فقال: يا محمد لو [¬٥] كنت شابًّا كما كنت؛ ما تكلمت بما تكلمت به وأنت بين ظهرانينا. فقال رجل من القوم: يا محمد؛ هل مررت بإبل لنا [] [¬٦] في مكان كذا وكذا؟ قال: \"نعم، والله قد [¬٧] وجدتهم قد أضلوا بعيرًا لهم، فهم في طلبه\". قال: فهل [¬٨] مررت بإبل لبني\n_________\n(^٥٧) - ذكره الحافظ ابن حجر في \"المطالب العالية\" (٤٢٨٧) وعزاه إلى أبي يعلى. وقال الشيخ- حبيب الرحمن الأعظمى- في الحاشية-[سكت عليه البوصيري، وقال الحافظ في الإصابة: هذا أصح من رواية الكلبي -الرواية السابقة- فإن في روايته من المنكر أنه صلى العشاء والصبح معهم، وإنما فرضت الصلاة ليلة المعراج .... قلت (الشيخ حبيب) هذا المنكر في هذه الرواية أيضًا].\nوالحديث زاد نسبته السيوطي في \"الدر المنثور\" (٤/ ٢٧٤) إلى ابن عساكر.\n(^٥٨) - أخرجه الطبراني في الكبير - (١٠٩٥) - (٢٤/ ٤٢٢: ٤٣٤). وذكره الهيثمي في \"المجمع\"- (١/ ٨٠ - ٨١) وقال: \"رواه الطبراني في الكبير وفيه عبد الأعلى بن أبي المساور متروك الحديث\". وزاد نسبته السيوطي في الدر المنثور - (٤/ ٢٧٤) إلى ابن مردويه.\n_________\n[¬١]- في خ: \"فصليت\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"الشيباني\".\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- في خ: \"قال\".\n[¬٥]- في ز، خ: \"إن لم\".\n[¬٦]- في ز، خ: قال:\n[¬٧]- زيادة من: خ.\n[¬٨]- في ت: \"هل\"، سقط من: خ.","vol":"8","page":429},{"text":"فلان؟ قال: \"نعم، وجدتهم في مكان كذا وكذا، وقد انكسرت لهم ناقة حمراء، وعندهم قصعة من ماء فشربت ما فيها\". قالوا: فأخبرنا عدتها وما فيها من الرعاة. [قال: قد كنت عن عدتها مشغولًا فنام فأتى بالإِبل، فعدها وعلم ما فيها من الرعاة] [¬١]، ثم أتى قريشًا فقال لهم: \"سألتموني عن إبل بني فلان، فهي كذا وكذا، وفيها من الرعاة [فلان وفلان، وسألتموني عن إبل بنى فلان، فهي كذا وكذا، وفيها من الرعاة] [¬٢] ابن أبي قحافة وفلان وفلان، وهي مصبحتكم بالغداة [¬٣] علي [¬٤] الثنية\". قال: فقعدوا [¬٥] علي الثنية ينظرون أصَدَقَهم ما قال: فاستقبلوا الإبل فسألوهم [¬٦]: هل ضل لكم بعير؟ فقالوا [¬٧]: نعم، فسألوا الآخر: هل انكسرت لَكم ناقة حمراء؟ قالوا [¬٨]: نعم. قالوا: فهل كانت [¬٩] عندكم قصعة؟ قال أبو بكر: أنا والله وضعتها، فما شربها أحد، ولا أهراقوه في الأرض. فصدقه أبو بكر، وآمن به، فسُمي يومئذ: الصديق.\nفصل\nوإذا حصل الوقوف علي مجموع هذه الأحاديث، صحيحها وحسنها وضعيفها، يحصل مضمون ما اتفقت عليه من مسرى رسول الله ﷺ من مكة إلي بيت المقدس، وأنه مرة واحدة؛ وإن اختلفت عبارات الرواة في أدائه، أو زاد بعضهم فيه [¬١٠] أو نقص منه؛ فإن الخطأ جائز علي من عدا الأنبياء ﵈، ومن جعل من الناس كل رواية خالفت الأخرى مرةً علي حدة؛ فأثبت إسراءات متعددة، فقد أبعد وأغرب، وهرب إلي غير مهرب؛ ولم يتحصل [¬١١] علي مطلب. وقد صرح بعضهم من المتأخرين بأنه- ﵇ - أُسري به مرة من مكة إلي بيت المقدس فقط، ومرة من مكة إلي السماء فقط، ومرة إلي بيت المقدس ومنه إلي السماء، وفرح [¬١٢] بهذا المسلك، وأنه قد [ظفر بشيء] [¬١٣] يخلص به من الإشكالات، وهذا بعيد جدًّا، ولم ينقل هذا عن أحد من السلف، ولو تعدّد هذا التعدد لأخبر [¬١٤] النبي ﷺ به أمته، ولنقلته [¬١٥] الناس علي التعدد والتكرر.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- في ز، خ: \"من الغداة\".\n[¬٤]- في خ: \"مع\".\n[¬٥]- في خ: \"فغدوا\".\n[¬٦]- في خ: \"فسألهم\".\n[¬٧]- في خ: \"قالوا\".\n[¬٨]- في ز: \"قال\".\n[¬٩]- في خ: \"كان\".\n[¬١٠]- سقط من: خ.\n[¬١١]- في خ: \"يحصل\".\n[¬١٢]- في خ: \"فرح\".\n[¬١٣]- في خ: \"ظهر لشيء\".\n[¬١٤]- في ز، خ: \"أخبر\".\n[¬١٥]- في ت: \"ونقله\".","vol":"8","page":430},{"text":"قال موسى بن عقبة عن الزهري: كان الإسراء قبل الهجرة بسنة، وكذا قال عروة.\nوقال السدي: بستة عشر شهرًا.\nوالحق: أنه ﵇ أسري به يقظة لا منامًا، من مكة إلي بيت المقدس، راكبًا البراق، فلما انتهى إلي [بيت المقدس] [¬١] باب المسجد ربط الدابة عند الباب ودخله [¬٢]، فصلي في قبلته تحية المسجد ركعتين، ثم أتى المعراج -وهو كالسلم ذو درج يرقى فيها- فصعد فيه إلي السماء الدنيا ثم إلي بقية السموات السبع، فتلقاه من كل سماء مقربوها، وسلم عليه الأنبياء الذين في السموات بحسب منازلهم ودرجاتهم، حتى مر بموسى الكليم في السادسة، وإبراهيم الخليل في السابعة، ثم جاوز منزلتهما ﷺ وعليهما [¬٣] وعلي سائر الأنبياء حتى انتهى إلي مستوى يسمع فيه صريف الأقلام، أي: أقلام القدر بما هو كائن، ورأى سدرة المنتهي، وغشيها من أمر الله تعالى عظمة عظيمة من فراش من ذهب وألوان متعددة، وغشيتها الملائكة، ورأى هنالك جبريل علي صورته، له ستمائة جناح، ورأى رفرفًا أخضر قد سد الأفق، ورأى البيت المعمور [¬٤]، و[¬٥] إبراهيم الخليل- بانى [¬٦] الكعبة الأرضية- مسندًا [¬٧] ظهره إليه، لأنه الكعبة السماوية يدخله كل يوم سبعون ألفًا من الملائكة يتعبدون فيه، ثم لا يعودون إليه إلي ويوم القيامة، ورأى الجنة والنار، وفرض الله عليه هنالك الصلوات خمسين، ثم خففها إلي خمس [¬٨] رحمة منه ولطفًا بعباده، وفي هذا اعتناء عظيم بشرف الصلاة وعظمتها، ثم هبط إلي بيت [¬٩] المقدس، وهبط معه الأنبياء، فصلي بهم فيه لما حانت الصلاة، وبحتمل أنها الصبح من يومئذ، ومن الناس من يزعم أنه أمهم في السماء، والذي تظاهرت به الروايات أنه بيت المقدس، ولكن في بعضها أنه كان أول دخوله إليه، والظاهر أنه بعد رجوعه إليه، لأنه لما مر بهم في منازلهم جعل يسأل عنهم جبريل واحدًا واحدًا، وهو يخبره بهم، وهذا هو اللائق، لأنه كان أولًا مطلوبًا [¬١٠] إلي الجناب العلوي، ليفرض عليه وعلى أمته ما يشاء الله تعالى، ثم لما فرغ من الذي أريد به، اجتمع به [¬١١] هو وإخوانه من النبيين، ثم أظهر شرفه وفضله عليهم بتقديمه في الإمامة، وذلك عن إشارة جبريل ﵇ له في ذلك، ثم خرج من البيت [¬١٢]\n_________\n[¬١]- سقط من: ت.\n[¬٢]- في خ: \"ودخل\".\n[¬٣]- زيادة من: ت.\n[¬٤]- في خ: \"المعمور الذي\".\n[¬٥]- في ز: \"الذي\".\n[¬٦]- في خ: \"باذي\".\n[¬٧]- في ز: \"مسند\".\n[¬٨]- في خ: \"خمسة\".\n[¬٩]- في ز: \"البيت\".\n[¬١٠]- في ز، خ: \"مطلوب\".\n[¬١١]- سقط من: ت.\n[¬١٢]- في خ: \"بيت\".","vol":"8","page":431},{"text":"المقدس فركب البراق وعاد إلى مكة بغلس، والله ﷾ أعلم.\nوأما عرض الآنية عليه من اللبن والعسل، أو [¬١] اللبن والخمر، أو اللبن والماء، أو الجمبع فقد ورد أنه في البيت المقدس، وجاء أنه في السماء، ويحتمل أن يكون ها هنا وههنا لأنه كالضيافة للقادم، والله أعلم.\nثم اختلف الناس: هل كان الإسراء ببدنه ﵇ وروحه [¬٢]، أو بروحه فقط؟ على قولين: فالأكثرون من العلماء علي أنه أسري ببدنه وروحه يقظة لا منامًا، ولا ينكر أن يكون رسول الله ﷺ رأى قبل ذلك منامًا؛ ثم [¬٣] رآه بعد [¬٤] يقظة؛ لأنه [ﷺ كان] لا يرى رؤيا إلا جاءت [مثل فلق] [¬٥] الصبح، والدليل علي هذا قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ فالتسبيح إنما يكون عند الأمور العظام، ولو كان منامًا لم يكن فيه كبير شيء، ولم يكن مستعظمًا، ولَما بادرت كفار قريش إلي تكذيبه، ولَما ارتد جماعة ممن كان قد أسلم، وأيضًا فإن العبد عبارة عن مجموع الروع والجسد وقد قال: ﴿أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيلًا﴾. وقد قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَينَاكَ إلا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ قال ابن عباس: هي رؤيا عين أريها رسول الله ﷺ. رواه البخاري (^٥٩). وقال تعالى: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾ والبصر من آلات الذات لا الروح، وأيضًا فإنه حمل علي البراق، وهو دابة بيضاء، برّاقة لها لمعان، وإنما يكون هذا للبدن لا للروح؛ لأنها لا تحتاج في حركتها إلي مركب تركب عليه، والله أعلم.\nوقال آخرون: بل [¬٦] أُسري برسول الله ﷺ بروحه لا بجسده، قال محمد بن إسحاق بن يسار في السيرة (^٦٠): حدثني يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس أن معاوية بن أبي سفيان كان إذا سئل عن مسرى رسول الله ﷺ قال: كانت رؤيا من الله صادقة.\n_________\n(^٥٩) - أخرجه البخاري في صحيحه -كتاب التفسير، باب: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَينَاكَ إلا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ (٤٧١٦) (٨/ ٣٩٨) حدثنا علي بن عبد الله حدثنا سفيان عن عمرو عن عكرمة عن ابن عباس فذكره.\n(^٦٠) - ذكره ابن هشام في سيرته (٢/ ٤٢٤). وأخرجه ابن جرير في تفسيره (١٥/ ١٦) حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة عن محمد بن إسحاق به.\n_________\n[¬١]- في خ: \"و\".\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- سقط من: خ.\n[¬٥]- في خ: \"كفلق\".\n[¬٦]- سقط من: خ.","vol":"8","page":432},{"text":"وحدثني بعض آل أبي بكر أن عائشة كانت تقول: ما فقد جسد رسول الله ﷺ ولكن أسري بروحه.\nقال ابن إسحاق: فلم ينكر ذلك من قولها؛ لقول الحسن: إن هذه الآية نزلت ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَينَاكَ إلا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ ولقول الله في الخبر عن إبراهيم: ﴿أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى﴾ قال [¬١]: ثم مضى علي ذلك فعرفت أن الوحي يأتي للأنبياء من الله أيقاظًا ونيامًا.\nفكان رسول الله ﷺ يقول: \"تنام عيناي وقلبي يقظان\" (^٦١)، فالله أعلم أي ذلك كان قد جاءه وعاين فيه [¬٢] من الله فيه ما عاين علي أي حالاته، كان نائمًا أو يقظانًا، كل ذلك حق وصدق. انتهى كلام ابن إسحاق\nوقد تعقبه أبو جعفر بن جرير في تفسيره بالرد والإنكار والتشنيع، بأن هذا خلاف ظاهر سياق القرآن، وذكر من [¬٣] الأدلة علي رده بعض ما تقدم، والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-125>فائدة حسنة جليلة</span>\nروى الحافظ أبو نعيم الأصبهاني في كتاب \"دلائل النبوة\" من طريق محمد بن عمر الواقدي، حدثني مالك بن أبي الرجال، عن عمرو بن عبد الله، [عن محمد] [¬٤] بن كعب القرظي قال: بعث رسول الله ﷺ دحية بن خليفة إلي قيصر، فذكر وروده عليه وقدومه إليه. وفي السياق دلالة عظيمة على وفور عقل هرقل، ثم استدعى مَن بالشام من التجار، فجيء بأبي سفيان صخر بن حرب وأصحابه، فسألهم عن [¬٥] تلك المسائل المشهورة التي رواها البخاري ومسلم كما سيأتي بيانه (^٦٢)، وجعل أبو [¬٦] سفيان\n_________\n(^٦١) - أخرجه أحمد (٦/ ٣٦، ٧٣، ١٠٤). والبخاري في صحيحه -كتاب التهجد، باب: قيام النبي ﷺ في رمضان وغيره (١١٤٧) - (٣/ ٣٣). ومسلم في صحيحه -كتاب صلاة السافرين وقصرها، باب: صلاة الليل وعدد ركعات النبي ﷺ في الليل - (١٢٥) - (٧٣٨) - (٦/ ٢٩). وأبو داود-كتاب الصلاة باب: في صلاة الليل - (١٣٤١ - (٢/ ٤٠). والترمذي -كتاب الصلاة، باب: ما جاء في وصف صلاة النبي ﷺ بالليل - (٤٣٩) - (٣٠٣ - ٢/ ٣٠٢) كلهم من حديث عائشة مرفوعًا بلفظ \"يا عائشة إن عيني تنامان ولا ينام قلبي\" وفي الباب عن عدد من الصحابة- انظر الصحيحة للألباني (٦٩٦).\n(^٦٢) - تقدم تخريجه [سورة الأنعام / آية ٥٤].\n_________\n[¬١]- في ز: \"فكان\".\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- سقط من: خ.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٥]- في خ: \"عنه\".\n[¬٦]- في خ: \"أبا\".","vol":"8","page":433},{"text":"يجهد أن يحقر أمره، ويصغره عنده، قال في هذا السياق عن أبي سفيان: والله ما بمنعني [¬١] أن أقول عليه قولا أسقطه من عينه؛ إلا أني أكره أن أكذب عنده كذبة يأخذها علي، ولا يصدقني [في شيء] [¬٢]، قال: حتى ذكرت قوله ليلة أسري به قال: فقلت: أيها الملك، ألا أخبرك خبرًا تعرف أنه قد كذب؟ قال: وما هو؟ قال: قلت: إنه يزعم لنا أنه خرج من أرضنا أرض الحرم في ليلة، فجاء مسجدكم هذا، مسجد إيلياء، ورجع إلينا تلك الليلة قبل الصباح. قال: وبطريق إيلياء عند رأس قيصر؟ فقال [¬٣]: بطريق إيلياء، قد علمت تلك الليلة. قال: فنظر إليه [¬٤] قيصر وقال: وما [¬٥] علمك بهذا؟ قال: إني كنت لا أنام ليلة حتى أغلق أبواب المسجد، فلما كان تلك الليلة أغلقت الأبواب كلها غير باب واحد غلبني، فاستعنت [عليه بعمالي] [¬٦] ومن يحضرني كلهم، فعالجته [¬٧] فغلبني، فلم نستطع أن نحركه، كأنما نزاول به جبلًا، فدعوت إليه النجاجرة، فنظروا إليه فقالوا [¬٨]: إن هذا باب سقط عليه النجاف والبنيان، ولا نستطع أن نحركه حتى نصبح فننظر من أين أتى؟ قال: فرجعت، وتركت البابين مفتوحين، فلما أصبحت غدوت عليهما فإذا الحجر الذي [في زاوية] [¬٩] المسجد مثقوب، وإذا فيه أثر مربط الدابة قال: فقلت لأصحابي: ما حُبس هذا الباب الليلة إلا على نبي، وقد صلي [¬١٠] الليلة في مسجدنا … وذكر تمام الحديث.\n(فائدة)\nقال الحافظ أبو الخطاب عمر بن دحية في كتابه \"التنوير في مولد السراج المنير\" وقد ذكر حديث الإسراء من طريق أنس، وتكلم عليه فأجاد وأفاد ثم قال: وقد تواترت الروايات في حديث الإسراء عن عمر بن الخطاب وعلي وابن مسعود وأبي ذر، ومالك بن صعصعة؛ وأبي هريرة وأبي سعيد، وابن عباس وشداد بن أوس وأبي بن كعب وعبد الرحمن بن قرط، وأبي حبة وأبي ليلى الأنصاريين؛ وعبد الله بن عمرو وجابر وحذيفة وبريدة، وأبي أيوب وأبي أمامة وسمرة بن جندب، وأبي الحمراء وصهيب الرومي، وأم هانئ، وعائشة وأسماء ابنتي أبي بكر الصديق ﵃ أجمعين- منهم من ساقه بطوله، ومنهم من اختصره علي ما وقع في المسانيد، وإن لم تكن رواية بعضهم علي شرط الصحة فحديث\n_________\n[¬١]- في ت: \"منعني\".\n[¬٢]- في خ: \"شيء\".\n[¬٣]- في خ: \"قال\".\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- في خ: \"ما\".\n[¬٦]- في خ: \"عمالي\".\n[¬٧]- في ز: \"فجالجته\".\n[¬٨]- سقط من: ز، خ.\n[¬٩]- في ز، خ: \"من وراء\".\n[¬١٠]- في ز، خ: \"وصل\".","vol":"8","page":434},{"text":"الإسراء أجمع عليه المسلمون واعترض فيه الزنادقة الملحدون ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾.\n[قوله تعالى] [¬١]\n﴿وَآتَينَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا (٢) ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا (٣)﴾\nلما ذكر تعالى أنه أسرى بعبده محمد ﷺ عطف بذكر موسى عبده ورسوله [¬٢] وكليمه أيضًا؛ فإنه تعالى كثيرًا ما يقرن بين ذكر موسى ومحمد -عليهما [من الله الصلاة و] [¬٣] السلام- وبين ذكر التوراة والقرآن؛ ولهذا قال بعد ذكر الإسراء: ﴿وَآتَينَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ يعني: التوراة ﴿وَجَعَلْنَاهُ﴾ أي: الكتاب ﴿هُدًى﴾ أي: هاديًا ﴿لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا [¬٤]﴾ أي: لئلا تتخذوا ﴿مِنْ دُونِي وَكِيلًا﴾ أي: وليًّا ولا نصيرًا ولا معبودًا دوني؛ لأن الله تعالى أنزل علي كل نبي أرسله أن يعبده وحده لا شريك له.\nثم قال ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ﴾ تقديره: يا ذرية من حملنا مع نوح، فيه تهييج وتنبيه علي المنة. أي: يا سلالة من نجينا فحملنا مع نوح في السفينة، تشبهوا بأبيكم ﴿إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ فاذكروا أنتم نعمتي عليكم بإرسالي إليكم محمدًا صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، وقد ورد في الحديث (^٦٣) وفي الأثر عن السلف (^٦٤) أن نوحًا ﵇\n_________\n(^٦٣) - أخرجه البيهقي في شعب الإيمان - (٤٤٦٩) (٤/ ١١٣). والعقيلي في الضعفاء - (١/ ٢١٤). من طريق الحارث بن شبل قال: حدثتنا أم النعمان عن عائشة ﵂ حدثتها عن النبي ﷺ قال: \"إن نوحًا ﵇ لم يقم عن خلاء قط إلا قال الحمد لله الذي أذاقني لذته وأبقى منفعته في جسدي، وأخرج عني أذاه\". والحارث بن شبل هذا- قال فيه: أبو حاتم: منكر الحديث، وقال العقيلي ضعيف. وقال البخاري: ليس بمعروف في الحديث، وضعفه الدارقطني. [ميزان الاعتدال- (١/ ٤٣٤) - والكامل لابن عدي (٢/ ٦١٣). والحديث ذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" - (٤/ ٢٩٤) وعزاه إلى ابن أبي الدنيا. وفي الباب عن أبي فاطمة ومعاذ بن أنس عند ابن مردويه كما في \"الدر المنثور\" (٤/ ٢٩٤، ٢٩٥)، وفتح الباري لابن حجر (٨/ ٣٩٦). وقال ابن حجر \"الفتح\" (٦/ ٣٧٣) … وروى عبد الرزاق بسند مقطوع أن نوحًا كان إذا ذهب إلى الغائط قال … فذكره\" وأما الآثار فمنها؟!.\n(^٦٤) - أثر سلمان الفارسي، أخرجه الحاكم في مستدركه - (٢/ ٣٦٠) وصححه على شرط الشيخين ووافقه الذهبي. وعنه البيهقي في شعب \"الإيمان\" - (٤٤٧١) (٤/ ١١٣). وابن جرير في =\n_________\n[¬١]- سقط من: ت.\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- سقط من: خ.\n[¬٤]- في ز، خ: \"يتخذوا\".","vol":"8","page":435},{"text":"كان يحمد الله على طعامه وشرابه ولباسه، وشأنه كله، فلهذا سمي عبدًا شكورًا.\nقال الطبراني (^٦٥): حدَّثنا علي بن عبد العزيز، حدَّثنا أبو نعيم، حدَّثنا سفيان، عن أبي حصين، عن عبد الله بن سنان، عن سعد بن مسعود الثقفي قال: إنما سُمي نوح عبدًا شكورًا؛ لأنه كان إذا أكل أو شرب حمد الله.\nوقد [¬١] قال الإِمام أحمد (^٦٦): حدَّثنا أَبو أسامة، حدَّثنا زكريا بن أبي زائدة، في سعيد بن أبي بردة، عن أَنس بن مالك ﵁ قال؛ قال رسول الله ﷺ: \"إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة، أو يشرب الشربة، فيحمد الله عليها\".\nوهكذا رواه مسلم، والترمذي، والنَّسائي من طريق أَبى أسامة به [¬٢] وقال مالك عن زيد بن أسلم: كان يحمد الله على كل حال.\nوقد ذكر البخاري (^٦٧) هنا [¬٣] حديث أبي زرعة، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ قال [¬٤]: \"أنا سيد الناس يوم القيامة - بطوله، وفيه: - فيأتون نوحًا فيقولون: يا نوح، إنك [¬٥] أنت أول الرسل إلى أهل الأرض، وقد سماك الله عبدًا شكورًا،\n_________\n= تفسيره - (١٥/ ١٩). من طريق سفيان عن سليمان التيمي عن أبي عثمان النهدي عن سلمان موقوفًا فذكره وصححه ابن حبان نقله عنه الحافظ في \"الفتح\" (٨/ ٣٩٦). وفي الباب عن عدد من الصحابة موقوفًا - انظر الدر المنثور (٤/ ٢٩٤، ٢٩٥).\n(^٦٥) - أخرجه الطبراني في \"الكبير\" (٥٤٢٠) (٦/ ٣٢). وأخرجه ابن جرير في تفسيره - (١٥/ ١٩) حدَّثنا ابن بشار، قال: ثنا يحيى وعبد الرحمن قالا: ثنا سفيان به. وذكره الهيثمي \"المجمع\" (٥/ ٣٢) وقال: \"رواه الطبراني وتابعه سعد بن سنان - هكذا سماه سعد وفي المعجم \"عبد الله\" فلا ندري هل هو وهم أم تصحيف - لم أعرفه، وبقية رجاله رجال الصحيح، وعزاه السيوطي في \"الدر المنثور\" (٤/ ٢٩٤) إلى ابن أبي حاتم.\n(^٦٦) - أخرجه أحمد (٣/ ١١٧). وأخرجه أيضًا (٣/ ١٠٠). ومسلم في صحيحه -كتاب الذكر والدعاء التوبة والاستغفار، باب: استحباب حمد الله تعالى بعد الأكل والشرب (٨٨) (٢٧٣٤). والتِّرمِذي - كتاب الأطعمة، باب: ما جاء في الحمد على الطعام إذا فرغ منه (١٨١٦). والنَّسائي في الكبرى كتاب الدعاء بعد الأكل، باب: ثواب الحمد لله - (٦٨٩٩) من طرق عن أبي أسامة به.\n(^٦٧) - أخرجه البخاري في صحيحه -كتاب التفسير، باب: \" ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ (٤٧١٢) حدَّثنا محمد بن مقاتل أخبرنا عبد الله أخبرنا أَبو حيان التيمي عن أبي زرعة ابن عمرو بن جرير عن أبي هريرة فذكره.\n_________\n[¬١]- سقط من: ت.\n[¬٢]- سقط من: ت.\n[¬٣]- في خ: \"هاهنا\".\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- سقط من: ز، خ.","vol":"8","page":436},{"text":"اشفع لنا إلى ربك\" وذكر الحديث بكماله.\n﴿وَقَضَينَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَينِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا (٤) فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَال الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا (٥) ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا (٦) إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا (٧) عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا (٨)﴾\nيقول تعالى: إنه قضى إلى بني إسرائيل في الكتاب أي: تقدم إليهم، وأخبرهم في الكتاب الذي أنزله عليهم أنهم سيفسدون في الأرض مرتين، ويعلون [¬١] علوًا كبيرًا أي: يتجبرون [¬٢]، ويطغون [¬٣]، ويفجرون [¬٤] على الناس، كما قال تعالى: ﴿وَقَضَينَا إِلَيهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ﴾ أي: تقدمنا إليه وأخبرناه بذلك وأعلمناه به.\nوقوله: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا﴾ أي: أُولى الإفسادتين ﴿بَعَثْنَا عَلَيكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ أي: سلطنًا عليكم جندًا من خلقنا، أولي بأس شديد، أي: قوة وعُدة وسلطة شديدة ﴿فَجَاسُوا خِلَال الدِّيَارِ﴾ أي: تملكوا بلادكم وسلكوا خلال بيوتكم، أي: سلكوا [¬٥] بينها ووسطها، وتصرفوا [¬٦] ذاهبين وجائين، لا يخافون [¬٧] أحدًا. ﴿وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا﴾.\nوقد اختلف المفسرون من السلف والخلف في هؤلاء المسلطين عليهم [¬٨]: من هم؟ فعن ابن عبَّاس وقَتَادة: أنَّه جالوت الجزري، وجنوده سلط عليهم أولًا، ثم أديلوا عليه بعد\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"ويعلن\".\n[¬٢]- في ز: \"يجبروا\"، خ: \"يتكبروا\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"ويطغوا\".\n[¬٤]- في ز: \"ويفجروا\"، خ: \"ويغجروا\".\n[¬٥]- سقط من: ت.\n[¬٦]- في ت: \"انصرفوا\".\n[¬٧]- في خ: \"تخافون\".\n[¬٨]- في خ: \"منهم\".","vol":"8","page":437},{"text":"ذلك، وقتل داود جالوت؛ ولهذا قال: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا﴾.\nوعن سعيد بن جبير: أنَّه ملك الموصل سنحاريب [¬١] وجنوده، وعنه أيضًا وعن غيره: أنَّه بُخْتُنَصَّر ملك بابل.\nوقد ذكر ابن أبي حاتم له قصة عجيبة؛ في كيفية ترقيه من حال إلى حال، إلى أن [¬٢] ملك البلاد، وأنه كان فقيرًا مقعدًا ضعيفًا، يستعطي الناس ويستطعمهم، ثم آل به الحال إلى ما آل، وأنَّه سار إلى بلاد بيت المقدس، فقتل بها خلقًا كثيرًا من بني إسرائيل.\nوقد روى ابن جرير (^٦٨) في هذا المكان حديثًا أسنده عن حذيفة مرفوعًا مطولًا، وهو حديث موضوع لا محالة، لا يستريب في ذلك من عنده أدنى معرفة بالحديث، والعجب كل العجب، كيف راج عليه مع إمامته وجلاله وقدره؟! وقد صرح شيخنا الحافظ العلامة أَبو الحجاج المزي [¬٣]﵀ بأنَّه موضوع مكذوب، وكتب ذلك على حاشية الكتاب.\nوقد وردت في هذا آثار كثيرة إسرائيلية، لم أر تطويل الكتاب بذكرها؛ لأن منها [¬٤] ما هو موضوع من وضع زنادقتهم، ومنها ما قد يحتمل أن كون صحيحًا، ونحن في غنية عنها، ولله الحمد. وفيما قص الله تعالى علينا في كتابه غنية عما سواه من بقية الكتب قبله، ولم يحوجنا الله ولا رسوله إليهم. وقد أخبر الله [¬٥] تعالى عنهم [¬٦] أنهم لما طغوا وبغوا\n_________\n(^٦٨) - أخرجه ابن جرير في تفسيره (١٥/ ٢٢) حدَّثنا عصام بن رواد بن الجراح، قال: ثنا: أبي، قال: ثنا سفيان بن سعيد الثَّوري قال ثنا منصور بن المعتمر عن ربعي بن حراش قال: سمعت حذيفة يقول فذكره وقد ذكر ابن جرير أيضًا جزءًا منه في تفسيره (٢٢/ ١٠٨) وقال: حدَّثنا محمد بن خلف العسقلاني قال: سألت رواد بن الجراح لمن الحديث الذي حدث به عنه عن سفيان الثوري، عن منصور، عن ربعي، عن حذيفة، عن النبي ﷺ عن قصة ذكرها في الفتن، قال: فقلت له: أخبرني عن هذا الحديث سمعته من سفيان الثَّوري؟ قال: لا، قلت: فقرأته عليه، قال: لا، قلت، فقرئ عليه وأنت حاضر؟ قال: لا، قلت: فما قصته، فما خبره؟ قال: جاءني قوم فقالوا: معنا حديث عجيب، أو كلام هذا معناه، قلت لهم: هاتوه، فقرءوه علي، ثم ذهبوا فحدثوا به عني أو كلام هذا معناه، قال أَبو جعفر: وقد حدثني ببعض هذا الحديث محمد بن خلف، قال: ثنا عبد العزيز بن أبان، عن سفيان الثَّوري، عن منصور، عن ربعي، عن حذيفة، عن النبي ﷺ حديث طويل، قال: رأيته في كتاب الحسين بن علي الصدائي، عن شيخ، عن رواد، عن سفيان بطوله.\n_________\n[¬١]- في ز: \"سنجاريب\".\n[¬٢]- في خ: \"أنَّه\".\n[¬٣]- في خ: \"المرى\".\n[¬٤]- في ز، خ: \"فيها\".\n[¬٥]- سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- سقط من: خ.","vol":"8","page":438},{"text":"سلط الله عليهم عدوهم، فاستباح بيضتهم، وسلك خلال بيوتهم، وأذلهم وقهرهم، جزاء وفاقًا، وما ربك بظلام للعبيد، فإنهم كانوا قد تمردوا وقتلوا خلقًا من الأنبياء والعلماء.\nوقد روى ابن جرير (^٦٩): حدثني يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وَهْب، أخبرني سليمان بن بلال، عن يحيى بن سعيد قال: سمعت سعيد بن المسيب يقول: ظهر بُخْتُنَصَّرَ على الشام، فخرب بيت المقدس وقتلهم، ثم أتى دمشق فوجد بها دمًا يغلي على كِبًا [¬١]، فسألهم: ما هذا الدم؟ فقالوا: أدركنا آباءنا على هذا، وكلما ظهر، عليه الكِبَا [¬٢] ظهر. قال: فقتل على ذلك الدم سبعين ألفا من المسلمين وغيرهم فسكن.\nوهذا صحيح إلى سعيد بن المسيب، وهذا هو المضهور، وأنه قتل أشرافهم وعلماءهم، حتَّى إنه لم يبق من [¬٣] يحفظ [¬٤] التوراة، وأخذ معه خلفا منهم أسرى من أبناء الأنبياء وغيرهم، وجرت أمور وكوائن يطول ذكرها، ولو وجدنا ما هو صحيح أو ما يقاربه، لجاز كتابته وروايته، والله أعلم.\nثم قال تعالى: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ أي: فعديها كما قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيهَا﴾.\nوقوله [¬٥]: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ﴾ أي: المرة الآخرة، أي: إذا أفسدتم المرة الثانية، وجاء أعداؤكم ﴿لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ﴾ أي: يهينوكم ويقهروكم ﴿وَلِيَدْخُلُوا [¬٦] الْمَسْجِدَ﴾ أي: بيت المقدس ﴿كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ أي: في التي جاسوا فيها خلال الديار ﴿وَلِيُتَبِّرُوا﴾ أي: يدمروا ويخربوا ﴿مَا عَلَوْا﴾ أي: ما ظهروا عليه ﴿تَتْبِيرًا (٧) عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ﴾ أي: فيصرفهم عنكم ﴿وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا﴾ أي: متى [¬٧] عدتم إلى الإِفساد ﴿عُدْنَا﴾ إلى الإدالة [¬٨] عليكم في الدنيا، مع ما ندخره لكم في الآخرة من العذاب والنكال، ولهذا قال: ﴿وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا﴾ أي: مستقرا ومحصرًا، وسجنًا لا محيد لهم عنه.\nقال ابن عبَّاس: حصيرًا، أي: سجنا.\n_________\n(^٦٩) - أخرجه ابن جرير في تفسيره - (١٥/ ٢٩ - ٣٠).\n_________\n[¬١]- في خ: \"كنائسهم\" والكِبا: الكناسة.\n[¬٢]- في خ: \"الكناسة\".\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- في ز: \"تحفظ\".\n[¬٥]- سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- في ز، خ: \"ويدخلوا\".\n[¬٧]- في خ: \"ما\".\n[¬٨]- في خ: \"الإمالة\".","vol":"8","page":439},{"text":"وقال مجاهد: يحصرون فيها وكذا قال غيره [¬١].\nوقال الحسن: فراشًا ومهادًا.\nوقال قَتَادة: قد عاد [¬٢] بنو إسرائيل، فسلط الله عليهم هذا الحي، محمد ﷺ وأصحابه، يأخذون منهم الجِزيَةَ عن يد وهم صاغرون.\n﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا (٩) وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٠)﴾\nيمدح تعالى كتابه العزيز، الذي أنزله على رسوله محمد ﷺ وهو القرآن؛ بأنه يهدي لأقوم الطرق، وأوضح السبل، ﴿وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ به، الذين يعملون الصالحات على مقتضاه ﴿أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾ أي: يوم القيامة ﴿وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ أي: ويبشر الذين لا يؤمنون بالآخرة ﴿أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ أي يوم القيامة، كما قال تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾.\n﴿وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا (١١)﴾\nيخبر تعالى عن عجلة الإِنسان، ودعائه في بعض الأحيان على نفسه أو ولده أو ماله بالشر، أي: بالموت، أو الهلاك والدمار واللعنة ونحو ذلك، فلو استجاب له ربه لهلك بدعائه، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالهُمْ بِالْخَيرِ لَقُضِيَ إِلَيهِمْ أَجَلُهُمْ﴾ … الآية، وكذا فسره ابن عبَّاس ومجاهد وقَتَادة وقد تقدم في هذا الحديث (^٧٠): \" لا تدعوا على أنفسكم، ولا على أموالكم - أن توافقوا من الله ساعة إجابة [¬٣] يستجيب فيها\" وإنما يحمل ابن آدم على ذلك [¬٤] عجلته وقلقه، ولهذا قال تعالى: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا﴾.\nوقد ذكر سلفان الفارسي وابن عبَّاس (^٧١) ﵄ ها هنا قصة آدم عليه\n_________\n(^٧٠) - تقدم تخريجه [سورة يونس / آية ١١].\n(^٧١) - أما أثر سلمان: فأخرجه ابن جرير في تفسيره (١٥/ ٤٨) حدَّثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا =\n_________\n[¬١]- في ت: \"غيرهم\".\n[¬٢]- في خ: \"عاينوا\".\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- سقط من: ت.","vol":"8","page":440},{"text":"السلام حين همّ بالنهوض قائمًا قبل أن تصل الروح إلى رجليه، وذلك أنَّه جاءته النفخة من قبل رأسه فلما وصلت إلى دماغه عطس، فقال: الحمد لله. فقال [¬١] الله: يرحمك ربك يا آدم، فلما وصلت إلى عينيه فتحهما، فلما سرت إلى أعضائه وجسده جعل ينظر إليه ويعجبه، فهمّ بالنهوض قبل أن تصل إلى رجليه فلم [¬٢] يستطع؛ وقال: يا رب عَجِّلْ قبل الليل.\n﴿وَجَعَلْنَا اللَّيلَ وَالنَّهَارَ آيَتَينِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا (١٢)﴾\nيمتن تعالى على خلقه بآياته العظام، فمنها مخالفته بين الليل والنهار؛ ليسكنوا في الليل، وينتشروا في النهار للمعايش [¬٣] والصنائع [¬٤] والأعمال والأسفار، وليعلموا عدد الأيام والجمع والشهور والأعوام، ويعرفوا [¬٥] مضي الآجال المضروبة للديون والعبادات والمعاملات والإِجارات، وغير ذلك؛ ولهذا قال: ﴿لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ أي: في معايشكم [¬٦] وأسفاركم ونحو ذلك ﴿وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ فإنه لو كان الزمان كده نسقًا واحدًا وأسلوبًا متساويًا، لما عرف شيء من ذلك، كما قال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيكُمُ اللَّيلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ (٧١) قُلْ أَرَأَيتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٧٢) وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا\n_________\n= محمد بن جعفر قال: ثنا شعبة عن الحكم عن إبراهيم أن سلمان الفارسي قال: … ذكره وإسناده صحيح وعزاه السيوطي في الدر المنثور - (٤/ ٣٠١) إلى ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم وابن المنذر وابن عساكر. وأما أثر ابن عبَّاس: فأخرجه ابن جرير في تفسيره - (١٥/ ٤٨) حدَّثنا أَبو كريب: قال: ثنا عثمان بن سعيد، قال: ثنا بشر بن عمارة عن أبي رَوْق عن الضحاك عن ابن عبَّاس ذكره والضحاك لم يسمع من ابن عبَّاس.\nوبشر بن عمارة هو الخَثْعَمي المُكتب: ضعيف.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"وقال\".\n[¬٢]- في ز: \"قبل أن\"، خ: \"قبل\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"للمعاش\".\n[¬٤]- في ت: \"الصناعات\".\n[¬٥]- في خ: \"ويعلموا\".\n[¬٦]- في ز، خ: \"معاشكم\".","vol":"8","page":441},{"text":"سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا (٦١) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾ وقال تعالى: ﴿وَلَهُ اخْتِلَافُ اللَّيلِ﴾ وقال: ﴿يُكَوِّرُ اللَّيلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ﴾ وقال تعالى: ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ [¬١] اللَّيلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ وقال تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ (٣٧) وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾.\nثم إنه تعالى جعل لليل آية، أي: علامة يعرف بها، وهي الظلام وظهور القمر فيه، [وللنهار علامة، وهي النور وظهور الشمس] [¬٢] النيرة [¬٣] فيه [¬٤]، وفاوت بين [نور القمر وضياء الشمس] [¬٥]، ليعرف هذا من هذا، كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إلا بِالْحَقِّ﴾ إلى قوله: ﴿لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ﴾ … الآية. كما قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ الآية.\nقال ابن جريج: عن عبد الله بن كثير في قوله: ﴿فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾، قال: ظلمة الليل وسدفة [¬٦] النهار وقال ابن جريج: عن مجاهد: الشمس آية النهار، والقمر آية الليل، [﴿فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيلِ﴾ [¬٧] قال: السواد الري في القمر، وكذلك خلقه الله تعالى.\nوقال ابن جريج: قال ابن عبَّاس: كان القمر يضيء كما تضيء الشمس، والقمر آية الليل، والشمس آية النهار، فمحونا آية الليل: السواد الذي في القمر.\nوقد روى أَبو جعفر بن جرير (^٧٢) من طرق متعددة جيدة - أن ابن الكواء سأل [أمير المؤمنين] [¬٨] علي بن أبي طالب فقال: يا أمير المؤمنين ما هذه اللطخة التي في القمر؟ فقال: ويحك! أما تقرأ القرآن؟ فهذه محوه.\nوقال قَتَادة في قوله ﴿فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيلِ﴾: كنا نحدث أن محو آية الليل سواد القمر\n_________\n(^٧٢) - أخرجه ابن جرير في تفسيره - (١٥/ ٤٩). وعزاه السيوطي في \"الدر المنثور\" (٤/ ٣٠٣) إلى ابن عساكر.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"وجاعل\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٣]- في ز: \"المنيرة\".\n[¬٤]- سقط من: خ.\n[¬٥]- في خ: \"ضياء القمر وبرهان الشمس\".\n[¬٦]- في ز: \"سدف\"، خ: \"صدق\".\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٨]- زيادة من: ت.","vol":"8","page":442},{"text":"الذي فيه، ﴿وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾ أي: منيرة، وخلق الشمس أنور من القمر وأعظم.\nوقال ابن أبي نجيح: عن ابن عبَّاس: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيلَ وَالنَّهَارَ آيَتَينِ﴾ قال: ليلًا ونهارًا، كذلك خلقهما الله ﷿.\n﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (١٣) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيكَ حَسِيبًا (١٤)﴾\nيقول تعالى بعد ذكر الزمان وذكر [¬١] ما يقع فيه عن أعمال بني آدم: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ وطائره: هو ما طار عنه من عمله -كما قال ابن عبَّاس ومجاهد وغير واحد - من خير وشر، ويلزم [¬٢] به، ويجازى عليه ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَال ذَرَّةٍ خَيرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَال ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ وقال تعالى: ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (١٧) مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إلا لَدَيهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (١٢) إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ وقال: ﴿إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ وقال: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ والمقصود أن عمل ابن آدم محفوظ عليه، قليله وكثيره، ويكتب عليه ليلًا ونهارًا، صباحًا ومساءً.\nوقال الإِمام أحمد (^٧٣): حدَّثنا قتيبة، حدَّثنا ابن لهيعة، عن أبي الزُّبَير، عن جابر، سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"لَطائرُ كل إنسان في عنقه\" قال ابن لهيعة: يعني [¬٣] الطيرة وهذا القول من ابن لهيعة في تفسير هذا الحديث غريب جدًّا، والله أعلم وقوله: ﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا﴾ أي: نجمع له عمله كله في كتاب يعطاه يوم القيامة؛ إما بيمينه إن كان سعيدًا، أو بشماله [¬٤] إن كان شقيًّا.\n_________\n(^٧٣) - حسن، أخرجه أحمد (٣/ ٣٦٠). وأخرجه عبد بن حميد في مسنده - يذكره المصنف هنا - وأحمد أيضًا (٣/ ٣٤٢، ٣٤٩).\nمن طريقين عن ابن لهيعة به، وهذا إسناد ضعيف، لسوء حفظ ابن لهيعة، وعنعنة أبي الزبير. وقال الهيثمي في المجمع (٧/ ٥٢) \"رواه أحمد وفيه ابن لهيعة وحديثه حسن وفيه ضعف بقية رجاله رجال الصحيح\" وأخرجه ابن جرير في تفسيره (١٥/ ٥٠ - ٥١) حدثني محمد بن بشار، قال: ثنا معاذ بن هشام قال: ثنى أبي، عن قَتَادة عن جابر فذكره.\nقال الألباني في \"الصحيحة\" (١٩٠٧) (٤/ ٥٣٤) \". رجاله ثقات رجال الشيخين، لكن قتادة لم يسمع من جابر، وروايته عنه صحيفة، قال أحمد: \"قرئ عليه صحيفة جابر مرة واحدة فحفظها\" =\n_________\n[¬١]- زيادة من: ت.\n[¬٢]- في خ: \"يلزم\".\n[¬٣]- في خ: \"حتَّى\".\n[¬٤]- في خ: \"شماله\".","vol":"8","page":443},{"text":"﴿مَنْشُورًا﴾ أي: مفتوحًا يقرؤه هو وغيره، فيه جميع عمله من أول عمره إلى آخره ﴿يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ (١٣) بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (١٤) وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾ ولهذا قال تعالى: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيكَ حَسِيبًا (١٤)﴾ أي: إنك تعلم أنك لم تظلم ولم يكتب عليك غير ما عملت، لأنك ذكرت جميع ما كان منك، ولا ينسى أحد شيئًا مما كان منه، وكل أحد يقرأ كتابه من كاتب وأمي.\nوقوله: ﴿أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ إنما ذكر العنق لأنه عضو لا نظير له في [¬١] الجسد، ومن ألزم بشيء فيه فلا محيد له عنه كما قال الشاعر:\nاذهب بها اذهب بها … طوقتها طوق الحمام [¬٢]\nقال قَتَادة: عن جابر بن عبد الله، عن نبي الله ﷺ أنَّه قال: \"لا عدوى ولا طيرة، وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه\" كذا رواه ابن جرير.\nوقد رواه الإمام عبد بن حميد ﵀، في مسنده متصلًا فقال: حدَّثنا الحسن بن موسى، حدَّثنا ابن لهيعة، عن أبي الزُّبَير، عن جابر قال: سمعت [رسول الله] [¬٣] ﷺ يقول [¬٤]: \"طير كل عبد في عنقه\".\nوقال الإِمام أحمد (^٧٤): حدَّثنا علي بن إسحاق، حدَّثنا عبد الله، حدَّثنا ابن لهيعة، حدثني يزيد أن أبا الخير حدثه أنَّه سمع عقبة بن عامر ﵁ يحدث عن النبي ﷺ قال: \"ليس من عَمَلِ يومٍ إلَّا وهو يختم عليه، فإذا مرض المؤمن قالت الملائكة [¬٥]: يا ربنا عبدك فلان قد حبسته فيقول الرب ﷻ: اختموا له على مثل\n_________\n= ولعل أحد الإسنادين يتقوى بالآخر، والحديث صحيح على كل حال، فإنه مقتبس من قوله تعالى في سورة الإسراء: \"وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه … \" وحسن إسناده السيوطي في الدر المنثور - (٤/ ٣٠٣).\n(^٧٤) - أخرجه أحمد - (٤/ ١٤٦) وكذا أخرجه ابن أبي الدنيا في \"المرض والكفارات\" (٢/ ١٥٨) -كما في \"الصحيحة\" للألباني (٥/ ٢١٩٣) ثنا أحمد بن جميل، قال: أنبأ عبد الله بن المبارك به وهذا إسناد صحيح لأن الراوي عن ابن لهيعة أحد العبادلة وأخرجه الطبراني في الكبير - (٧٨٢) - (١٧/ ٢٨٤) والبغوي في شرح السنة (١٤٢٨) (٥/ ٢٤٠). من طريقين عن ابن لهيعة به. والحاكم - (٤/ ٣٠٨ - ٣٠٩) من طريق عبد الله بن المبارك، أخبرني رشدين، عن عمرو بن الحارث، أخبرني يزيد بن أبي حبيب به. وقال: \"حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه\"، وتعقبه الذهبي بقوله \"رشدين واه\". وذكره الهيثمي في المجمع - (٢/ ٣٠٦) - وقال: رواه أحمد والطبراني في الكبير والأوسط، وفيه ابن لهيعة وفيه كلام\": وفاته أن الراوي عنه عبد الله بن المبارك.\n_________\n[¬١]- في ز: \"من\".\n[¬٢]- في ز: \"الحمامة\".\n[¬٣]- في خ: \"النبي\".\n[¬٤]- سقط من: خ.\n[¬٥]- سقط من: ز، خ.","vol":"8","page":444},{"text":"عمله حتَّى يبرأ أو يموت\".\nإسناد جيد قوي، ولم يخرجوه وقال معمر عن قَتَادة: ألزمناه طائره في عنقه. قال: عمله ﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ قال: نخرج ذلك العمل ﴿كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا﴾ قال معمر: وتلا الحسن البصري ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾: يا ابن آدم بسطت لك صحيفتك [¬١]، ووكل بك ملكان كريمان، أحدهما: عن يمينك، والآخر: عن يسارك، فأما الذي عن يمينك فيحفظ حسناتك، وأما الذي عن يسارك فيحفظ سيئاتك، فاعمل [¬٢] ما شئت أقلل أو أكثر حتَّى إذا مت طويت صحيفتك فجعلت في عنقك معك في قبرك حتَّى تخرج [¬٣] يوم القيامة كتابًا تلقاه [¬٤] منشورًا ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيكَ حَسِيبًا﴾ الآية، فقد [¬٥] عدل [- والله -] [¬٦] من جعلك حسيب نفسك. هذا من حسن كلام الحسن ﵀.\n﴿مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾\nيخبر تعالى أن من اهتدى واتبع الحق واقتفى آثار النبوة فإنما يحصل عاقبة ذلك الحميدة لنفسه ﴿وَمَنْ ضَلَّ﴾ أي: عن الحق وزاغ عن سبيل الرشاد فإنما يجني على نفسه، وإنَّما يعود وبال ذلك عليه.\nثم قال: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وزْرَ أُخْرَى﴾ أي: لا يحمل أحد ذنب أحد، ولا يجني جان إلا على نفسه، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيءٌ﴾ ولا منافاة بين هذا وبين قوله تعالى: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ وقوله: ﴿وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيرِ عِلْمٍ﴾ فإن الدعاة عليهم إثم ضلالهم [¬٧] في أنفسهم، وإثم آخر بسبب ما أضلوا من أضلوا من غير أن ينقص من أوزار أولئك ولا يحملوا عنهم شيئًا، وهذا من عدل الله ورحمته بعباده.\nوكذا قوله: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ إخبار عن عدله تعالى، وأنه لا يعذب أحدًا إلا بعد قيام الحجة عليه بإرسال الرسول إليه، كما قال تعالى: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"صحيفة\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"فاملك\".\n[¬٣]- في خ: \"تجد\".\n[¬٤]- في خ: \"يلقاه\".\n[¬٥]- في ز: \"قد\".\n[¬٦]- في ز، خ: \"الله عليك\".\n[¬٧]- في خ: \"ضلالتهم\".","vol":"8","page":445},{"text":"فيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (٨) قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيءٍ إِنْ أَنْتُمْ إلا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ﴾ وكذا قوله: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَال لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أن الله تعالى لا يدخل أحدًا النار إلَّا بعد إرسال الرسول إليه، ومن ثم طعن جماعة من العلماء في اللفظة التي جاءت مقحمة في صحيح البخاري (^٧٥) عند قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾.\nحدَّثنا [عبيد الله] [¬١] بن سعد، حدَّثنا يعقوب، حدَّثنا أبي، عن صالح بن كيسان، عن الأعرج [بإسناده إلى] [¬٢] أَبى هريرة عن النبي ﷺ قال: \"اختصمت الجنَّة والنار\" فذكر الحديث إلى أن قال: \"وأما الجنَّة فلا يظلم الله من خلقة أحدًا، وإنه ينشئ للنار خلقًا فيلقون فيها. فتقول: هل من مزيد؟ [ويلقون فيها. وتقول: هل من مزيد؟﴾ [¬٣] ثلاثًا\" وذكر تمام الحديث.\nفإن هذا إنما جاء في الجنَّة لأنها دار فضل، وأما النار فإنها دار عدل [¬٤]، لا يدخلها أحد إلَّا بعد الإعذار إليه وقيام الحجة عليه، وقد تكلم جماعة من الحفاظ في هذه اللفظة وقالوا: لعله انقلب على الراوي بدليل ما أخرجاه في الصحيحين (^٧٦) - واللفظ للبخاري-[من حديث عبد الرزاق] [¬٥]، عن معمر، عن همام، عن أبي هريرة قال: قال النبي صلى الله\n_________\n(^٧٥) - أخرجه البخاري في صحيحه -كتاب التوحيد، باب: ما جاء في قول الله تعالى: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٧٤٤٩). وقال أبي حجر في الفتح - (١٣/ ٤٣٧). قال جماعة من الأئمة إن هذا الموضع مقلوب، وجزم ابن القيم بأنه غلط واحتج بأن الله تعالى أخبر بأن جهنم تمتلئ من إبليس وأتباعه وكذا أنكر الرواية شيخنا البلقيني واحتج بقوله: ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ ثم قال: وحمله على أحجار تلقى في النار أقرب من حمله على ذي روح يعذب لغير ذنب انتهى، ويمكن التزام أن يكونوا من ذوي الأرواح ولكن لا يعذبون كما في الخزنة، ويحتمل أن يراد بالإنشاء ابتداء ادخال الكفار النار، وعبر عن ابتداء الإدخال بالإنشاء، فهو إنشاء الإدخال لا الإنشاء بمعنى ابتداء الخلق بدليل قوله فيلقون فيها وتقول هل من مزيد وأعادها ثلاث مرات ثم قال حتَّى يقع فيها قدمه فحينئذ تمتلئ فالذي يملؤها حتَّى تقول حسبي هو القدم كما هو صريح الخبر.\n(^٧٦) - أخرجه البخاري في صحيحه -كتاب التفسير، باب: \"وتقول هل من مزيد\" (٤٨٥٠) =\n_________\n[¬١]- في خ: \"عبد الله\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز: \"عن\".\n[¬٣]- سقط من: ت.\n[¬٤]- في خ: \"العدل\".\n[¬٥]- في خ: \"وعبد الرزاق\".","vol":"8","page":446},{"text":"عليه وسلم: \"تحاجت الجنَّة والنار\" فذكر الحديث إلى أن قال: \"فأما النار فلا تمتلئ حتَّى يضع فيها قدمه، فيقول: قط قط: فهنا لك تمتلئ ويُزوى بعضها إلى بعض، ولا يظلم الله من خلقه أحدًا، وأما الجنَّة فينشئ الله لها خلقًا\".\nبقي هاهنا مسألة قد اختلف الأئمة -رحمهم الله تعالى - فيها قديمًا وحديثًا، وهي: الولدان الذين ماتوا وهم صغار وآباؤهم كفار ماذا حكمهم؟ وكذا المجنون والأصم والشيخ الخرف، ومن مات في الفترة و[¬١] لم تبلغه الدعوة؟، وقد ورد في شأنهم أحاديث أنا ذاكرها لك بعون الله وتوفيقه، ثم نذكر فصلًا ملخصًا من كلام الأئمة في هذا والله [¬٢] المستعان.\nفالحديث الأول: عن الأسود بن سريع: قال الإِمام أحمد (^٧٧):\nحدَّثنا عليّ بن عبد الله، حدَّثنا معاذ بن هشام، حدَّثنا أبي، عن قَتَادة، عن الأحنف بن قيس، عن الأسود بن سريع: أن نبي الله ﷺ قال: \"أربعة يحتجون يِوم القيامة: رجل أصم لا يسمع شيئًا، ورجل أحمق، ورجل هرم، ورجل مات في فَتْرة؛ فأما الأصم فيقول: رب، قد جاء الإسلام وما أسمع شيئًا. وأما الأحمق فيقول: رب، لقد جاء الإسلام والصبيان يَحْذفوني [¬٣] بالبعر. وأما الهرم فيقول: رب، لقد جاء الإسلام وما أعقل شيئًا. وأما الذي مات في الفترة فيقول: رب، ما أتاني لك رسول. ليأخذ مواثيقهم: ليطيعنه. فيرسل إليهم: أن ادخلوا النار، فوالذي نفس محمد بيده، لو دخلوها لكانت عليهم بردًا وسلامًا\" وبالإِسناد: عن قَتَادة، عن الحسن، [عن أبي رافع] [¬٤]، عن أبي هريرة (^٧٨): مثل هذا الحديث غير أنَّه قال في آخره: \"من دخلها\n_________\n= حدَّثنا عبد الله بن محمد. ومسلم في صحيحه كتاب الجنَّة وصفة نعيمها وأهلها، باب النار يدخلها الجبارون، الجنَّة يدخلها الضعفاء (٣٦) (٢٨٤٦) حدَّثنا محمد بن رافع (عبد الله، محمد) حدَّثنا عبد الرزاق به.\n(^٧٧) - أخرجه أحمد - (٤/ ٢٤). وأخرجه الطبراني في الكبير - (٨٤١) - (١/ ٢٨٧). وابن حبان في صحيحه - (٧٣٥٧) - (١٦/ ٣٥٦ - ٣٥٧) وفي الموارد - (١٨٢٧) - (٦/ ٦٧ - ٦٨). أَبو نعيم في \"معرفة الصحابة\" - (٩٠٠) (٢/ ٢٨١) والبيهقي في الاعتقاد (ص ١٦٩). والبزار في مسنده - (٢١٧٤). من طريق معاذ بن هشام به وهذا إسناد صحيح.\nوأخرجه أَبو نعيم في \"أخبار أصفهان\" - (٢/ ٢٥٥) من طريق معاذ بن هشام حدَّثنا أبي، عن قتادة عن الأسود به، حيث سقط من إسناده الأحنف بن قيس. وذكره الهيثمي في \"المجمع\" - (٧/ ٢١٨ - ٢١٩) وقال: \" … رجال أحمد في طريق الأسود بن سريع وأبي هريرة (يأتي) رجال الصحيح، وكذا رجال البزار فيهما\" وحديث الأسود عزاه السيوطي في \"الدر المنثور\" (٤/ ٣٠٥) إلى إسحاق بن راهويه وابن مردويه.\n(^٧٨) - أخرجه أحمد (٤/ ٢٤). والبيهقي في \"الاعتقاد\" (ص ١٦٩). والبزار في مسنده - (٢١٧٥) (٣ /\n_________\n[¬١]- في ز: \"ومن\".\n[¬٢]- في خ: \"وبالله\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"يقذفوني\".\n[¬٤]- سقط من: خ.","vol":"8","page":447},{"text":"كانت عليه بردًا وسلامًا، ومن لم يدخلها يسحب إليها\".\nوكذا رواه إسحاق بن راهويه عن معاذ بن هشام. ورواه البيهقي في كتاب الاعتقاد من حديث حنبل بن إسحاق، عن عليّ بن عبد الله المديني به، وقال: هذا إسناد صحيح، وكذا رديه حمَّاد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن أبي رافع، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"أربعة كلهم يدلي على الله بحجة\"، فذكر نحوه، ورواه ابن جرير (^٧٩) من حديث معمر، عن همام، عن أبي هريرة، فذكره موقوفًا، ثم قال أبو هريرة: اقرءوا إن شئتم: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾.\nوكذا رواه معمر عن عبد الله بن طاوس عن أبيه عن أبي هريرة موقوفًا.\nالحديث الثاني: عن أَنس بن مالك، قال أَبو داود الطالسي (^٨٠):\nحدَّثنا الربيع، عن يزيد بن أبان قال: قلنا لأنس؛ يا أبا حمزة، ما تقول في أطفال المشركين: فقال: قال رسول الله صلى الله عليه: سلم: \"لم يكن لهم سيئات فيعذبوا [¬١] فيكونوا من أهل النار، ولم يكن لهم حسنات فيجازوا بها فيكونوا من ملوك [¬٢] أهل الجنة، هم من [¬٣] خدم أهل الجنَّة\".\nالحديث الثالث: عن أنس أيضًا: قال الحافظ أَبو يعلى (^٨١): حدَّثنا أَبو خيثمة، حدَّثنا\n_________\n= ٣٣ - ٣٤). وأَبو نعيم في \"أخبار أصفهان\" - (٢/ ٢٥٥). من طريق معاذ بن هشام حدثني أبي عن قَتَادة به. \"وسقط من المطبوع من المسند في هذا الإسناد - قَتَادة - فليستدرك - وقال الألباني في حاشية \"السنة\" لابن أبي عاصم - (٤٠٤) (١/ ١٧٦) … وهذا إسناد صحيح. رجاله ثقات كلهم، والحسن البصري، وإنما يخشى من تدليسه إذا عنعن عن الصحابة وأما إذا عنعن عن أقرانه من التابعين كما هنا فما علمت أنهم يخشون هذه العنعنة\". وأخرجه ابن أبي عاصم - (٤٠٤) من طريق حمَّاد بن سلمة عن علي بن زيد عن أبي رافع به. وعلي بن زيد ضعيف، لكنه توبع تابعه \"الحسن\" كما تقدم. وعزاه السيوطي في \"الدر المنثور\" (٦/ ٣٠٤) لابن راهويه وابن مردويه.\n(^٧٩) - أخرجه ابن جرير في تفسيره - (١٥/ ٥٤) حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا أَبو سفيان عن معمر عن همام به. وعزاه السيوطي في \"الدر المنثور\" (٤/ ٣٠٥) إلى عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٨٠) - أخرجه الطيالسي في مسنده - (٢١١١) وأَبو يعلى في مسنده - (٤٠٩٠) (٧/ ١٣٠ - ١٣١) وابن عبد البر في التمهيد - (١٨/ ١١٨) وأَبو نعيم في الحلية (٦/ ٣٠٨). ويزيد بن أبان، ضعيف. وأشار إلى ضعف هذا الحديث الحافظ ابن حجر ﵀ في الفتح - (٣/ ٢٤٦).\n(^٨١) - أخرجه أبو يعلى - (٤٢٢٤) (٧/ ٢٢٥) والبزار (٢١٧٧) وابن عبد البر في التمهيد، =\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"ليعذبوا\".\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- سقط من: خ.","vol":"8","page":448},{"text":"جرير، عن ليث، عن عبد الوارث، عن أَنس قال: قال رسول الله ﷺ: \"يؤتى بأربعة يوم القيامة: بالمولود، والمعتوه ومن مات في الفترة، والشيخ الفاني الهمِّ [¬١] كلهم يتكلم بحجته، فيقول [الرب تبارك و] [¬٢] تعالى لعنق [من النار] [¬٣]: ابرز. ويقول لهم: إني كنت أبعث إلى عبادي رسلا من أنفسهم، وإني رسول نفسي إليكم، ادخلوا هذه. قال: فيقول من كُتب عليه الشقاء: يارب، أنى ندخلها ومنها كنا نفر؟. قال: ومن كتبت عليه [¬٤] السعادة [] [¬٥] يمغي فيقتحم فيها مسرعًا، قال: فيقول الله تعالى [¬٦]: أنتم لرسلي أشد تكذيبًا ومعصية، فيدخل هؤلاء الجنَّة، وهؤلاء النار\".\nوهكذا رواه الحافظ أَبو بكر البزار عن يوسف بن موسى عن جرير بن عبد الحميد بإسناده مثله.\nالحديث الرابع: عن البراء بن عازب ﵁: قال الحافظ أَبو يعلى الموصلي في مسنده أيضًا (^٨٢): حدَّثنا القاسم [¬٧] بن أبي شيبة، حدَّثنا عبد الله -يعني ابن داود- عن عمر بن ذر، عن يزيد بن أبي [¬٨] أمية، عن البراء قال: سئل [¬٩] رسول الله ﷺ عن أطفال المسلمين، قال [¬١٠]: \"هم مع آبائهم\"، وسئل عن أولاد المشركين فقال: \"هم مع آبائهم\"، فقيل: يا رسول الله، ما يعملون؟ قال: \"الله أعلم بهم [¬١١] \".\nورواه عمر بن ذر عن يزيد بن [¬١٢] أمية عن [¬١٣] رجال عن البراء عن عائشة فذكره.\n_________\n= (١٨/ ١٢٨) وعبد الوارث هو مولى أَنس، قال الذهبي في \"المغني\" \"ضعفه الدارقطني\". وقال البخاري \"منكر الحديث\" والراوي عنه هو ليث بن أبي سليم ضعيف. والحديث ذكره الهيثمي في \"المجمع\" (٧/ ٢١٩) وقال: \"رواه أَبو يعلى والبزار بنحوه وفيه ليث بن أبي سليم وهو مدلس، وبقية رجال أبي يعلى رجال الصحيح\". ويعقب الهيثمي بأن عبد الوارث ليس عن رجال الصحيح وجَلّ من لا يسهو. وزاد نسبة الحديث السيوطي في \"الدر المنثور\" (٤/ ٣٠٦) إلى قاسم بن أصبغ.\n(^٨٢) - لم نقف عليه في المطبوع من مسند أبي يعلى - والعلم عند الله تعالى.\n_________\n[¬١]- زيادة من: ت.\n[¬٢]- في خ: \"الله\".\n[¬٣]- سقط من: خ.\n[¬٤]- زيادة من: ت.\n[¬٥]- في ز، خ: له.\n[¬٦]- سقط من: خ.\n[¬٧]- في ز، خ: \"قاسم\".\n[¬٨]- سقط من: ت.\n[¬٩]- زيادة من: ت.\n[¬١٠]- زيدة من: ت.\n[¬١١]- زيادة من: ت.\n[¬١٢]- في خ: \"عن\".\n[¬١٣]- سقط من: خ.","vol":"8","page":449},{"text":"الحديث الخامس: عن ثوبان: قال الحافظ أَبو بكر أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البزار في مسنده (^٨٣): حدَّثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري، حدَّثنا ريحان بن سعيد، حدَّثنا عباد بن منصور، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أَبي [¬١] أسماء، عن ثوبان: أن نبي الله ﷺ عظم شأن المسألة، قال: \"إذا كان يوم القيامة جاء أهل الجاهلية يحملون أوثانهُم على ظهورهم، فيسألهم ربهم، فيقولون: ربنا، لم ترسل إلينا رسولًا ولم يأتنا لك أمر، ولو أرسلت إلينا رسولا لكنا أطوع عبادك. فيقول لهم ربهم: أرأيتم إن أمرتكم بأمر تطيعوني؛ فيقولون: نعم. فيأمرهم أن يعمدوا إلى جهنم فيدخلوها، فينطلقون حتَّى إذا دنوا منها وجدوا لها تغيظًا وزفيرًا، فرجعوا إلى ربهم فيقولون: ربنا أخرجنا -أو: أجرنا - منها. فيقول لهم: ألم تزعموا أني إن أمرتكم بأمر تطيعوني؛ فيأخذ على ذلك مواثيقهم، فيقول: اعمدوا إليها فادخلوها. فينطلقون حتَّى إذا راوها فَرِقوا ورجعوا، فقالوا: ربنا فرقنا منها، ولا نستطيع أن ندخلها. فيقول: ادخلوها داخرين\". فقال نبي الله ﷺ: \"لو دخلوها أول مرة كانت عليهم بردًا وسلامًا\" ثم قال [] [¬٢] البزار: ومن هذا الحديث غير معروف إلَّا من هذا الوجه، لم يروه عن أيوب إلَّا عباد، ولا عن [¬٣] عباد إلَّا [] [¬٤] ريحان بن سعيد.\nقلت: وقد ذكره ابن حبان في ثقاته [¬٥]، وقال يحيى بن معين والنَّسائي: لا بأس به. ولم يرضه أَبو داود، وقال أَبو حاتم: شيخ لا بأس به، يكتب حديثه ولا يحتج به] [¬٦].\n_________\n(^٨٣) - ذكره الهيثمي في \"المجمع\" - (١٠/ ٣٥٠) وقال \"رواه البزار بإسنادين ضعيفين\". وأخرجه الحاكم في المستدرك - (٤/ ٤٤٩ - ٤٥٠).\nمن طريق أبان بن يزيد، ثنا يحيى بن أبي كثير، ثنا أَبو قلابة به مطولًا.\nوقال: \"حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه بهذه السيافة، وإنَّما أخرج مسلم حديث معاذ بن هشام عن قَتَادة عن أبي قلابة عن أبي أسماء الرحبى عن ثوبان مختصرًا\" وانظر ما تقدم [سورة الأنعام / آية ٦٥].\nوأخرجه ابن المبارك في \"الزهد\" (١٣٢٣) من طريق أيوب عن أبي قلابة قال: فذكره موقوفًا عليه.\nقال الحافظ في الفتح (٣/ ٢٤٦) - بعد أن ذكر مذاهب أهل العلم في أولاد المشركين -: \". .. سابعها أنهم يمتحنون في الآخرة بأن ترفع لهم نار، فمن دخلها كانت عليه بردًا وسلامًا، ومن أبي عذب، أخرجه البزار من حديث أَنس وأبي سعيد (يأتي بعد هذا) وأخرجه الطبراني من حديث معاذ بن جبل (يأتي ٨٧) وقد صحت مسألة الامتحان في حق المجنون، ومن مات في الفترة من طرق صحيحة. .\".\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"كذا\".\n[¬٣]- سقط من: خ.\n[¬٤]- في ت: عن.\n[¬٥]- في خ: \"بيانه\".\n[¬٦]- وقع ما بين المعكوفتين في ز، خ: بعد هامش (*) بعد كلمة الخدري.","vol":"8","page":450},{"text":"الحديث السادس: عن أبي سعيد سعد بن مالك بن سنان الخدري (٥): قال الإمام محمد بن يحيى الذهلي: حدَّثنا سعيد [¬١] بن سليمان، عن فضيل بن مرزوق، عن عطية، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ: \"الهالك في الفترة والمعتوه والمولود: يقول الهالك في الفترة: لم يأتني كتاب. ويقول المعتوه: رب، لم تجعل لي عقلًا أعقل به خيرًا ولا شرًّا. ويقول المولود: رب، لم أدرك العقل. فترفع لهم نار، فيقال لهم: رِدُوها. قال: فيردُها من كان في علم الله سعيدًا لو أدرك العمل، ويمسك عنها من كان في علم الله شَقيًّا لو أدرك العمل، فيقول [¬٢]: إياي عصيتم، فكيف لو أن [¬٣] رسلي أتتكم؟! \".\nوكذا رواه البزار (^٨٤)، عن محمد بن عمر بن [¬٤] هياج الكوفي، عن عبيد [¬٥] الله بن موسى، عن فضيل بن مرزوق به، ثم قال: لا يعرف من حديث أبي سعيد إلا من طريقه، عن عطية، عنه، وقال في آخره: \"فيقول الله: إياي عصيتم فكيف برسلي بالغيب؟! \".\nالحديث السابع: عن معاذ بن جبل (^٨٥) ﵁ قال هشام بن عمار، ومحمد بن المبارك الصوري: حدَّثنا عمرو بن واقد، عن يونس بن حَلْبَس، عن أبي إدريس الخولانى، عن معاذ بن جبل، عن نبي الله ﷺ قال: \"يؤتى يوم القيامة بالممسوخ [¬٦] عقلًا وبالهالك في الفترة، وبالهالك صغيرًا، فيقول الممسوخ [¬٧]: [يا رب لو آتيتني عقلًا ما كان من آتيته] [¬٨] عقلًا بأسعد مني\". وذكر في الهالك في الفترة\n_________\n(^٨٤) - إسناده ضعيف، أخرجه البزار في مسنده -كما في مختصر الزوائد لابن حجر ﵀ (١٦١٦) (٢/ ١٥٩ - ١٦٠) والبغوي في حديث ابن الجعد - (٢١٢٦) (٢/ ٧٩٣ - ٧٩٤). من طريق فضيل بن مزوق به. وذكره الهيثمي في \"المجمع\" (٨/ ٢١٩) وقال: \"رواه البزار وفيه عطية وهو ضعيف\".\n(^٨٥) - إسناده ضعيف جدًّا، أخرجه الطبراني في الكبير - (١٥٨) (٢٠/ ٨٤٠٣).\nوفي الأوسط (٧٩٥٥) (٨/ ٥٧)، وفي مسند الشاميين (٢٢٠٥). وابن عدي في الكامل - (٥/ ١٧٧٠) مختصرًا. من طريق عمرو بن واقد به.\nوذكره الهيثمي في المجمع - (٧/ ٢١٩ - ٢٢٠) وقال: \"رواه الطبراني في الأوسط والكبير، وفيه عمرو بن واقد وهو متروك عند البخاري وغيره، ورمى بالكذب، وقال: محمد بن المبارك الصورى كان يتبع السلطان، وكان صدوقًا، وبقية رجال الكبير رجال الصحيح\".\nوزاد نسبته السيوطي في \"الدر المنثور\" (٤/ ٣٠٦) إلى الحكيم التِّرمِذي في نوادر الأصول وأبي نعيم.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"منصور\".\n[¬٢]- في خ: \"فقال\".\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- في خ: \"عن\".\n[¬٥]- في خ: \"عبد\".\n[¬٦]- في ز، خ: \"بالممسوح\".\n[¬٧]- في ز، خ: \"الممسوح\".\n[¬٨]- سقط من: خ.","vol":"8","page":451},{"text":"والصغير نحو ذلك - \"فيقول الرب ﷿: إني آمركم بأمر، فتطيعوني؟ فيقولون: نعم. فيقول: اذهبوا فادخلوا النار. قال: ولو دخلوها ما ضرَّتهم، فتخرج عليهم قوابض فيظنون أنَّها قد أهلكت ما خلق الله من شيء، فيرجعون سراعًا [¬١] ثم يأمرهم الثانية فيرجعون كذلك [¬٢] فيقول الرب ﷿: قبل أن أخلقكم علمت ما أنتم عاملون، وعلى علمي خلقتكم، وإلى علمي تصيرون، ضُمِّيهم. فتأخذهم النار\".\nالحديث الثامن: عن أبي هريرة (^٨٦)، ﵁ وأرضا [¬٣]: قد تقدم روايته مندرجة مع رواية الأسود بن سريع ﵁.\nوفي الصحيحين عن أبي هريرة (^٨٧) ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \"كل مولود يولد على الفطرة، فأَبواه يهودانه و[¬٤] ينصِّرانه ويمجِّسانه، كما تنتج [¬٥] البهيمة بهيمة جمعاء [¬٦] هل تحسون فيها من جدعاء؟ \" وفي رواية (^٨٨) قالوا: يا رسول الله، أفرأيت من يموت صغيرًا؟ قال: \"الله أعلم بما كانوا عاملين\".\nوقال الإِمام أحمد (^٨٩): حدَّثنا موسى بن داود، حدَّثنا عبد الرحمن بن ثابت، عن عطاء بن قرة، عن عبد الله بن ضمرة، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي صلى الله\n_________\n(^٨٦) - صحيح، - تقدم -.\n(^٨٧) - صحيح، تقدم تخريجه [سورة الأنعام / آية ٧٩].\n(^٨٨) - أخرجها البخاري في صحيحه -كتاب القدر، باب الله أعلم بما كانوا عاملين - (٦٦٠٠). ومسلم في صحيحه -كتاب القدر، باب: معنى كل مولود يولد على الفطرة - (٢٤) (٢٦٥٨) من طريق عبد الرزاق حدَّثنا معمر عن همام بن منبه، قال هذا ما حدَّثنا أَبو هريرة … فذكره.\n(^٨٩) - أخرجه أحمد (٢/ ٣٢٦). وأخرجه ابن حبان في صحيحه - (٧٤٤٦) (١٦/ ٤٨١) وفي الموارد - (١٨٢٦) (٦/ ٦٦) والحاكم في مستدركه - (٢/ ٣٧٠) وصححه ووافقه الذهبي. وابن عساكر في تاريخه - (١١/ ٦٥٥) ترجمة عطاء بن قرة. وابن أبي داود في \"البعث\" (١٦). من طرق عن عبد الرحمن بن ثابت به. وذكره الهيثمي في \"المجمع\" (٧/ ٢٢٢) وقال: \"رواه أحمد، وفيه عبد الرحمن بن ثابت وثقه المديني وجماعة وضعفه ابن معين وغيره، وبقية رجاله ثقات\". وحسنه الألباني في \"الصحيحة\" (٦٠٣) (٢/ ١٥٦) وأخرجه الحاكم في المستدرك - (١/ ٣٨٤). والبيهقي في البعث - (٢١٠) (ص ١٥٥). وأَبو نعيم في تاريخ أصبهان - (٢/ ٢٦٣). من طريق مؤمل بن إسماعيل، عن سفيان، عن عبد الرحمن بن الأصبهاني عن أبي حازم عن أبي هريرة مرفوعًا - بلفظ \"أولاد المؤمنين في جبل في الجنَّة يكفلهم إبراهيم وسارة حتى يردهم إلى آبائهم يوم القيامة\". =\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- سقط من: خ.\n[¬٤]- في خ: \"أو\".\n[¬٥]- في ز، خ: \"تولد\".\n[¬٦]- في خ: \"حمقا\".","vol":"8","page":452},{"text":"عليه وسلم فيما أعلم - شك موسى - قال: \"ذراري المسلمين في الجنَّة يكفلهم إبراهيم ﵇ \"وفي صحيح مسلم (^٩٠) عن عياض بن حمار [¬١] عن رسول الله ﷺ، عن الله ﷿ أنَّه قال: \"إني خلقت عبادي حنفاء\" وفي رواية لغيره (^٩١): \" مسلمين\".\nالحديث التاسع: عن سمرة ﵁: رواه الحافظ أَبو بكر البرقاني في كتابه: \"المستخرج على البخاري\" من حديث عوف الأعرابي، عن أبي رجاء العطاردي، عن سمرة [﵁] [¬٢] عن النبي ﷺ قال: \"كل مولود يولد على الفطرة\" فناداه الناس: يا رسول الله، وأولاد المشركين؟ قال: \"وأولاد المشركين\".\nو[¬٣] \"قال الطبراني (^٩٢): حدَّثنا عبد الله بن أحمد، حدَّثنا عقبة بن مكرم الضبي، عن عيسى بن شعيب، عن عباد بن منصور، عن أبي رجاء، عن سمرة قال: سألنا رسول الله ﷺ عن أطفال المشركين فقال: \"هُم خدم أهل الجنَّة\".\n_________\n= وقال الحاكم: \"صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي.\n(^٩٠) - تقدم تخرجه [سورة الأنعام / آية ٧٩].\n(^٩١) - لم أقف عليها: \"وقال الحافظ في الفتح (٣/ ٢٤٨) … وقد رواه غيره (عياض) فزاد فيه \"حنفاء مسلمين\" والحديث أخرجه أيضًا أحمد (٤/ ١٦٢، ١٦٦). وابن حبان في صحيحه - (٦٥٣، ٦٥٤) (٢/ ٤٢٢، ٤٢٦).\nوالطيالسي في مسنده (١٠٧٩)، والطبراني في الكبير (١٧/ ٩٩٢، ٩٩٣، ٩٩٤، ٩٩٥)، وعبد الرزاق في المصنف (٢٠٠٨).\nكلهم من حديث عياض بلفظ مسلم.\n(^٩٢) - أخرجه الطبراني في \"الكبير\" (٦٩٩٣) (٧/ ٢٩٥). وفي \"الأوسط\" (٢٠٤٥) (٢/ ٣٠٢) حدَّثنا أحمد بن زهير، قال: نا أبو حفص عمرو بن علي، قال: أنا عيسى بن شعيب به. وأخرجه البخاري في \"التاريخ الكبير\" (٦/ ٤٠٥، ٤٠٦) والبزار - مختصر الزوائد لابن حجر ﵀ (١٦١٨) (١٦١١٢) من طريق عيسى بن شعيب به وقال الطبراني: \"لم يرو هذا الحديث عن أبي رجاء، إلَّا عباد بن منصور. وذكره الهيثمي في \"المجمع\" - (٧/ ٢٢٢) وقال: رواه الطبراني في الكبير والأوسط والبزار وفيه عباد بن منصور وثقه يحيى القطان، وفيه ضعف، وبقية رجاله ثقات\". وضعف إسناده الحافظ ابن حجر ﵀ في الفتح - (٣/ ٢٤٦). قال أَبو القاسم الطبراني -رحمه الله تعالى- وقد روى عن رسول الله ﷺ في أطفال المشركين، أنَّه قال لعائشة: \"إن شئت دعوت الله ﷿ أن يسمعك تضاغيهم في النار\" وروى عنه ﷺ، أنَّه سئل - عن أطفال المشركين، فقال: الله أعلم بما كانوا عاملين\"، =\n_________\n[¬١]- في خ: \"حمَّاد\".\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- سقط من: خ.","vol":"8","page":453},{"text":"الحديث العاشر: عن عم حسناء [¬١] قال الإِمام [¬٢] أحمد (^٩٣): حدَّثنا إسحاق -يعني: الأزرق- أخبرنا] [¬٣] روح، حدَّثنا عوف، عن حسناء [¬٤] بنت معاوية - من بني صريم - قالت: حدثني عمي قال [¬٥]: قلت: يا رسول الله، من في الجنَّة؟ قال: \"النبي في الجنَّة، والشهيد في الجنَّة، والمولود في الجنَّة، والوئيد [في الجنَّة] [¬٦] \".\nفمن العلماء من ذهب ابن التوقف [¬٧] فيهم لهذا الحديث، ومنهم من جزم لهم بالجنة؛ لحديث سمرة بن جندب في صحيح البخاري (^٩٤) أنَّه ﵊ قال في جملة ذلك المنام، حين مر على ذلك الشيخ، تحت الشجرة وحوله ولدان، فقال له جبريل: \"هذا إبراهيم ﵇، وهؤلاء أولاد المسلمين وأولاد المشركين\". قالوا: يا رسول الله، وأولاد المشركين؟ قال: \"نعم، وأولاد المشركين\".\nومنهم من جزم لهم بالنار لقوله ﵇: \"هم مع [¬٨] آبائهم\" (^٩٥)\n_________\n= فرجع الأمر إلى قوله ﷺ \"الله أعلم بما كانوا عاملين\" فمن سبق علم الله ﷿ فيه أنَّه لو كبر لم يؤمن، فهو الذي قال لعائشة \"إن شئت دعوت الله أن يسمعك تضاغيهم في النار\" ومن سبق علم الله فيه لو كبر آمن، فهم الذين قال ﷺ \"هم خدم أهل الجنَّة\" فقد صحت معاني الأحاديث الثلاثة، وهو قول أهل السنة.\n(^٩٣) - أخرجه أحمد - (٥/ ٥٨). وأخرجه أيضًا - (٥/ ٥٨، ٤٠٩). وأَبو داود -كتاب الجهاد، كتاب: في فضل الشهادة - (٢٥٢١) - (٣/ ١٥). والبيهقي في الكبرى -كتاب السير، باب: فضل الشهادة في سبيل الله - (٩/ ١٦٣). وابن سعد في الطبقات - (٧/ ٥٨) وابن عبد البر في التمهيد - (١٨/ ١١٦).\nوابن أبي شيبة في المصنف -كتاب الجهاد، باب: ما ذكر في فضل الجهاد والحث عليه - (٤/ ٥٩١) من طرق عن عرف، حدثتنا حسناء بنت معاوية … فذكرته.\n(^٩٤) - أخرجه البخاري في صحيحه كتاب التعبير، باب: تعبير الرؤيا بعد صلاة الصبح (٧٠٤٧) ومسلم في صحيحه كتاب الرؤيا، باب: رؤيا النبي ﷺ (٢٣) (٢٢٧٥). والتِّرمِذي كتاب الرؤيا، باب: ما جاء في رؤيا النبي ﷺ (٢٢٩٤) (٤/ ٤٧١)، رواية مسلم والتِّرمِذي مختصرة. قال الحافظ في الفتح - (١٢/ ٤٤٥).\n\".... وظاهره أنَّه ﷺ ألحقهم بأولاد المسلمين في حكم الآخرة، ولا يعارض قوله \"هم من آبائهم\" لأن ذلك حكم الدنيا.\n(^٩٥) - أخرجه البخاري في صحيحه -كتاب الجهاد، باب: أهل الدار يبيتون، فيصاب الولدان والذراري (٣٠١٢). =\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"خنساء\".\n[¬٢]- سقط من: ت.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- في خ: \"خنساء\".\n[¬٥]- في خ: \"قالت\".\n[¬٦]- سقط من: خ.\n[¬٧]- في ر، خ: \"الوقف\".\n[¬٨]- في ز، خ: \"مِنْ\".","vol":"8","page":454},{"text":"ومنهم من ذهب إلى أنهم يمتحنون يوم القيامة في العَرَصَات؛ فمن أطاع دخل الجنَّة، وانكشف علم الله فيهم بسابق السعادة، ومن عصى دخل النار داخرًا، وانكشف علم الله فيه بسابق [¬١] الشقاوة.\nوهذا القول يجمع بين الأدلة كلها، وقد صرحت به الأحاديث المتقدمة المتعاضدة الشاهد بعضها لبعض. وهذا القول هو الذي حكاه الشيخ أَبو الحسن عليّ بن إسماعيل الأشعري ﵀ عن أهل السنة والجماعة، وهو الذي نصره الحافظ أَبو بكر البيهقي ﵀ في كتاب \"الاعتقاد\"، وكذلك غيره من محققي العلماء والحفاظ النقاد.\nوقد ذكر الشيخ أَبو عمر بن عبد البر النمري (^٩٦) بعض ما تقدم من أحاديث الامتحان، ثم قال: وأحاديث هذا الباب ليست قوية، ولا تقوم بها حجة وأهل العلم ينكرونها؛ لأن الآخرة دار جزاء و[¬٢] ليست دار عمل ولا ابتلاء، وكيف يكلفون دخول النار وليس ذلك في وسع المخلوقين، والله لا يكلف نفسًا إلا وسعها؟!\nوالجواب عما قال: أن أحاديث هذا الباب منها ما هو صحيح -كما قد [¬٣] نص على ذلك غير واحد من أئمة العلماء - ومنها ما هو حسن، ومنها ما هو ضعيف يَقْوَى بالصحيح والحسن، وإذا كانت أحاديث الباب الواحد متعاضدة على هذا النمط أفادت الحجة عند الناظر فيها.\nوأما قوله: إن الآخرة دار جزاء، فلا شك أنَّها دار جزاء، ولا ينافي التكليف في عرصاتها قبل دخول الجنَّة أو النار، كما حكاه الشيخ أَبو الحسن الأشعري عن مذهب أهل السنة والجماعة من امتحان الأطفال، وقد قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾، وقد ثبتت السنة في الصحاح وغيرها أن المؤمنين\n_________\n= ومسلم في صحيحه -كتاب الجهاد والسير، باب: جواز قتل النساء والصبيان في البيات من غير تعمد - (٢٦، ٢٧، ٢٨) (١٧٤٥). وأَبو داود -كتاب الجهاد، باب: في قتل النساء (٢٦٧٢). والتِّرمِذي - كتاب السير، باب: ما جاء في النهي عن قتل النساء والصبيان - (١٥٧٠). والنَّسائي في الكبرى - كتاب السير، باب: إصابة أولاد المشركين في البيات بغير قصد - (٨٦٢٣، ٨٦٢٤). وابن ماجة - كتاب الجهاد، باب: الغارة والبيات وقتل النساء والصبيان - (٢٨٣٩) (٢/ ٩٤٧) كلهم من حديث الصحب بن جَثَّامة .. بلفظ \"هم من آبائهم\".\n(^٩٦) انظر \"التمهيد\" - (١٨/ ١٣٠).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"بتقدم\".\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.","vol":"8","page":455},{"text":"يسجدون لله يوم القيامة (^٩٧)، وأما المنافق فلا يستطِيع ذلك ويعود طهره [] [¬١] طبقًا واحدًا [¬٢] كلما أراد السجود [¬٣] خرَّ لقفاه. وفي الصحيحين (^٩٨) في الرجل الذي يكون آخر أهل النار خروجًا منها؛ أن الله يأخذ عهوده ومواثيقه أن لا يسأل غير ما هو فيه، ويتكرر ذلك مرارًا، ويقول الله تعالى: يا بن آدم، ما أغدرك! ثم يأذن له في دخول الجنة.\nوأما قوله: وكيف يكلفهم دخول النار وليس ذلك في وسعهم؟ فليس هذا بمانع من صحة الحديث؛ فإن الله يأمر العباد يوم القيامة بالجواز علي الصراط، وهو جسر علي جهنم، أحدّ من السيف وأدق من الشعرة، ويمر المؤمنون عليه بحسب أعمالهم كالبرق، وكالريح، وكأجاويد الخيل والركاب، ومنهم [¬٤] الساعي، ومنهم الماشي، ومنهم من يحبو حبوًا، ومنهم المكدوش على وجهه في النار وليس ما ورد في أولئك بأعظم من هذا؛ بل هذا أطم وأعظم، وأيضًا فقد ثبتت السنة بأن الدجال يكون معه جنة ونار، وقد أمر الشارع المؤمنين الذين يدركونه أن يشرب أحدهم من الذي يرى أنه نار؛ فإنه يكون عليه بردًا وسلامًا (^٩٩)، فهذا نظير ذلك، وأيضًا فإن الله تعالى أمر بني إسرائيل أن يقتلوا أنفسهم، فقتل بعضهم بعضًا حتى قتلوا -فيما قيل- في غداة واحدة سبعين ألفًا، يقتل الرجل أباه وأخاه وهم في [¬٥] عماية [¬٦] غمامة أرسلها الله عليهم، وذلك عقوبة لهم علي عبادتهم العجل، وهذا أيضًا شاق علي النفوس جدًّا لا يتقاصر عما ورد في الحديث المذكور، والله أعلم.\n_________\n(^٩٧) - أخرجه البخاري في صحيحه -كتاب التفسير، باب: \"يوم يكشف عن ساق\" (٤٩١٩). ومسلم في صحيحه -كتاب الإيمان، باب: معرفة طريق الرؤية (٣٠٢) (١٨٣) مطولًا مختصرًا. من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: \"يكشف ربنا عن ساقه، فيسجد له كل مؤمن ومؤمنة، ويبقى من كان يسجد في الدنيا رئاءً وسمعة، فيذهب ليسجد، فيعود ظهوه طبقًا واحدًا\".\n(^٩٨) - أخرجه البخاري في صحيحه -كتاب الأذان، باب: فضل السجود - (٨٠٦). ومسلم في صحيحه -باب الإيمان، باب: معرفة طريق الرؤية - (٢٩٩) - (١٨٢) من حديث أبي هريرة مطولًا.\n(^٩٩) - أخرجه البخاري في صحيحه -كتاب الأنبياء، باب: ما ذكر عن بني إسرائيل (٣٤٥٠). ومسلم في صحيحه -كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب: ذكر الدجال وصفته وما معه (١٠٧) - (٢٩٣٤/ ٢٩٣٥). من حديث- حذيفة ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول \"إن مع الدجال، إذا خرج، ماءً ونارًا، فأما الذي يرى الناس أنها النار، فماء بارد، وأما الذي يرى الناس أنه ماء بارد، فنار تحرق، فمن أدرك منكم، فليقع في الذي يرى أنها نار فإنه عذب بارد\".\n_________\n[¬١]- في خ: \"كالصفيحة الواحدة\".\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- في ز: \"سجودها\".\n[¬٤]- سقط من: خ.\n[¬٥]- سقط من: ز.\n[¬٦]- سقط من: خ.","vol":"8","page":456},{"text":"فصل\nفإذا تقرر هذا، فقد اختلف الناس في ولدان المشركين على أقوال؛ أحدهما: أنهم في الجنة، واحتجوا بحديث سمرة: أنه ﵇ رأى مع إبراهيم [﵇] [¬١] أولاد المسلمين وأولاد [¬٢] المشركين، وبما تقدم في رواية أحمد عن حسناء [¬٣] عن عمها: أن رسول الله ﷺ قال: \"والمولود في الجنة\"، وهذا استدلال صحيح، ولكن أحاديث الامتحان أخص منه، فمن علم الله منه أنه يطيع جعل روحه في البرزخ مع إبراهيم وأولاد المسلمين الذين ماتوا علي الفطرة، ومن علم منه أنه لا يجيب فأمره إلي الله تعالى، ويوم القيامة يكون في النار كما دلت عليه أحاديث الامتحان، ونقله الأشعري عن أهل السنة، ثم إن [¬٤] هؤلاء القائلين بأنهم في الجنة منهم [¬٥] من يجعلهم مستقلين فيها، ومنهم من يجعلهم خدمًا لهم، كما جاء في حديث علي بن زيد عن أنس عند أبي داود الطيالسي (^١٠٠). وهو ضعيف، والله أعلم.\nو[¬٦] القول الثاني: أنهم مع آبائهم في النار، واستدل عليه [بما رواه] [¬٧] الإمام أحمد بن حنبل (^١٠١)، عن أبي المغيرة، حدثنا عتبة بن ضمرة بن حبيب، حدثني عبد الله بن أبي قيس -مولى غطيف- أنه أتى عائشة فسألها عن ذراري الكفار، فقالت [¬٨]: قال رسول الله ﷺ: \"هم تبع لآبائهم\". فقلت: يا رسول الله ﷺ، بلا عمل؟\n_________\n(^١٠٠) - لم أجده عند الطيالسي من هذه الطريق وإنما أخرجه في مسنده (٢١١١) حدثنا الربيع عن يزيد قال: قلنا لأنس يا أبا حمزة ما تقول في أطفال المشركين فقال: قال رسول الله ﷺ: \"لم تكن لهم سيئات فيعاقبوا بها فيكونوا من أهل النار ولم تكن لهم حسنات فيجازوا بها فيكونوا من ملوك أهل الجنة هم خدم أهل الجنة\" وأخرجه أبو نعيم في \"الحلية\" (٦/ ٣٠٨) من طريق الربيع بن صبيح به والربيع صدوق سئ الحفظ كما في التقريب. وقد ضعف الحافظ في \"الفتح\" حديث أنس وأخرجه أبو يعلى (٧/ ١٣٠ - ١٣١) وتمام في فوائده (٥/ ١٧٨٢ الروض البسام) من طريق الأعمش عن يزيد الرقاشي عن أنس مرفوعًا بلفظ \"الوالدن والأطفال خدم أهل الجنة\" وأخرجه الطبراني في \"الأوسط\" (٥٣٥٥) - (٥/ ٢٩٤)، والبزار في مسنده -كما في مختصر الزوائد - (١٦٢٠) (٢/ ١٦٢) وذكره ابن عبد البر في التمهيد (١٨/ ١١٨). من طريق مبارك بن فضالة عن علي بن زيد عن أنس فذكره. والحديث ذكره الهيثمي في \"المجمع\" (٧/ ٢٢٢) وقال: رواه أبو يعلى والبزار والطبراني في الأوسط … وفي إسناد أبي يعلى يزيد الرقاشي وهو ضعيف، وقال فيه ابن معين: رجل صدوق، ووثقه ابن عدي، وبقية رجاله رجال الصحيح\".\n(^١٠١) - أخرجه أحمد - (٦/ ٨٤) وانظر ما بعده.\n_________\n[¬١]- سقط من: ت.\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- في ز، خ: \"خنساء\".\n[¬٤]- في ز، خ: \"مِنْ\".\n[¬٥]- سقط من: خ.\n[¬٦]- سقط من: ز.\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٨]- في ز: \"فقال\".","vol":"8","page":457},{"text":"فقال [¬١]: \"الله أعلم بما كانوا عاملين\".\nوأخرجه أبو داود (^١٠٢) من حديث محمد بن حرب، عن محمد بن زياد الألهاني، سمعت عبد الله بن أبي قيس، سمعت عائشة تقول: سألت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن ذراري المؤمنين قال: \"هم من [¬٢] آبائهم\". قلت: فذراري المشركين؟ قال: \"هم من آبائهم\". قلت: بلا عمل؟ قال:! الله أعلم بما كانوا عاملين\".\nورواه أحمد (^١٠٣) أيضًا [¬٣]، عن وكيع، عن أبي عقيل -يحيى بن المتوكل، وهو متروك- عن مولاته: بهية، عن عائشة: أنها ذكرت لرسول الله ﷺ أطفال المشركين فقال: \"إن شئت أسمعتك تضاغيهم في النار\".\nوقال عبد الله بن الإِمام أحمد (^١٠٤): حدثنا عثمان بن أبي شيبة، عن محمد بن فضيل بن غزوان، عن محمد بن عثمان، عن زاذان، عن علي ﵁ قال: سألتْ خديجةُ ﵂ [رسولَ الله ﷺ] [¬٤] عن ولدين لها ماتا في الجاهلية فقال: \"هما في النار\". قال: فلما رأى الكراهية في وجهها قال: \"لو رأيت\n_________\n(^١٠٢) - أخرجه أبو داود -كتاب السنة، باب: في ذراري المشركين - (٤٧١٢) حدثنا عبد الوهاب بن نجدة، ثنا بقية، ح وثنا موسى بن مروان الرقي وكثير بن عبيد المذحجي، قالا: ثنا محمد بن حرب … فذكره، وذكره ابن عبد البر في \"التمهيد\" - (١٢١/ ١٨) من طريق محمد بن زياد الألهاني به. وهو في صحيح أبي داود للألباني - (٣٩٤٣) - (٣/ ٨٩٣).\n(^١٠٣) - أخرجه أحمد - (٦/ ٢٠٨) والطيالسي في مسنده (١٥٧٦) وابن عبد البر في التمهيد (١٨/ ١٢٢) وذكره الهيثمي في \"المجمع\" - (٧/ ٢٢٠) وقال: \"رواه أحمد، وفيه أبو عقيل يحيى بن المتوكل. ضعفه جمهور الأئمة أحمد وغيره ويحيى بن معين ونقل عنه توثيقه في رواية من ثلاثة\".\nوقال ابن عبد البر: \"أبو عقيل هذا صاحب بهية، لا يحتج بمثله عند أهل العلم بالنقل، وهذا الحديث لو صح أيضًا احتمل من الخصوص ما احتمل غيره في هذا الباب، ومما يدل على أنه خصوص لقوم من المشركين، قوله: لو شئت أسمعتك تضاغيهم في النار، وهذا لا يكون إلا فيمن قد مات، وصار في النار أو قد عارض هذا الحديث ما هو أقوى منه من الآثار ولله الحمد\".\n(^١٠٤) - أخرجه عبد الله بن أحمد في زوائد المسند - (١/ ١٣٤). وابن أبي عاصم في السنة - (٢١٣) - (١/ ٩٤) ثنا عثمان بن أبي شيبة. وذكره الهيثمي في المجمع - (٧/ ٢٢٠) وقال: رواه عبد الله بن أحمد وفيه محمد بن عثمان ولم أعرفه، وبقية رجاله رجال الصحيح. والحديث ضعفه الشيخ الألباني في \"ظلال الجنة\"- فانظره هناك ففيه بحث جيد.\n_________\n[¬١]- في خ: \"قال\".\n[¬٢]- في ت: \"مع\"، وفي خ: \"مع\" مكتوب فوقها \"من\".\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- سقط من: خ.","vol":"8","page":458},{"text":"مكانهما لأبغضتهما\". قالت: فولديّ منك؟ قال: [قال: \"في الجنة\". قال: ثم قال رسول الله ﷺ] [¬١]: \"إن المؤمنين وأولادهم في الجنة، وإن المشركين وأولادهم في النار\"، ثم قرأ: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا [وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ] [¬٢] بِإِيمَانٍ [أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ] [¬٣]﴾. وهذا حديث غريب؛ فإن محمد بن عثمان هذا مجهول الحال، وشيخه زاذان [¬٤] لم يدرك عليًّا، والله أعلم.\nوروى أبو داود (^١٠٥) من حديث ابن أبي زائدة، عن أبيه، عن الشعبي قال: قال رسول الله ﷺ: \"الوائدة\" [¬٥] والموءودة [¬٦] في النار\" ثم قال الشعبي: حدثني به [¬٧] علقمة، عن أبي وائل، عن [¬٨] ابن مسعود.\nوقد رواه جماعة (^١٠٦) عن داود بن أبي هند، في الشعبي، عن علقمة، عن سلمة بن قيس الأشجعي قال: أتيت أنا وأخي النبي ﷺ فقلنا: إن أمنا ماتت في الجاهلية، وكانت تقري الضيف وتصل الرحم، وإنها وأدت أختًا لنا في الجاهلية [لم تبلغ الحنث]، [¬٩] فقال: \"الوائدة والموءودة في النار إلا أن تدرك [¬١٠] الوائدة الإسلام فتسلم\"، وهذا إسناد حسن.\nوالقول الثالث: التوقف فيهم، واعتمدوا علي قوله ﷺ: \"الله أعلم بما كانوا عاملين\"، وهو في الصحيحين (^١٠٧) من حديث جعفر بن أبي [¬١١] إياس، عن\n_________\n(^١٠٥) - أخرجه أبو داود-كتاب السنة، باب: في ذراري المشركين - (٤٧١٧) (٤/ ٢٣٠) وصححه الشيخ الألباني في صحيح أبي داود - (٣٩٤٨) (٣/ ٨٩٤).\n(^١٠٦) - أخرجه أحمد - (٣/ ٤٧٨). والبخاري في التاريخ الكبير - (٤/ ٧٣). والطبراني في الكبير- (٦٣١٩) (٧/ ٤٤). وذكره الهيثمي في \"المجمع\" - (١/ ١٢٣ - ١٢٤) وقال: \"رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح، والطبراني في الكبير بنحوه\". كلهم من حديث سلمة بن يزيد الجحفي (وليس سلمة بن قيس كما هنا) - وذكره أيضًا ابن الأثير في أسد الغابة - (٢/ ٤٣٦) - في ترجمة (سلمة بن يزيد).\nوسماه ابن سعد في الطبقات - (١/ ٢٤٥ - ٢٤٦) قيس بن سلمة وجعله أخو سلمة بن يزيد لأم لكن في إسناد ابن سعد محمد بن السائب الكلبي وهو متروك.\n(^١٠٧) - أخرجه البخاري في صحيحه -كتاب الجنائز، باب: ما قيل في أولاد المشركين. (١٣٨٣) =\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"وأتبعناهم ذرياتهم\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- في ز: \"زادان\".\n[¬٥]- في ز، خ: \"العائدة\".\n[¬٦]- في خ: \"والمرودة\".\n[¬٧]- سقط من: ز، خ.\n[¬٨]- في خ: \"ابن\".\n[¬٩]- سقط من: خ.\n[¬١٠]- في ز، خ: \"يدرك\".\n[¬١١]- سقط من: خ.","vol":"8","page":459},{"text":"سعيد بن جبير، عن ابن عباس: سئل رسول الله ﷺ عن أبي أولاد المشركين، قال [¬١]: \"الله أعلم بما كانوا عاملين\". [وكذلك هو في الصحيحين (^١٠٨) من حديث الزهري، عن عطاء بن يزيد، وعن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ أنه سئل عن أطفال المشركين فقال: \"اللَّه أعلم بما كانوا عاملين\" [¬٢]. ومنهم من جعلهم من أهل الأعراف، وهذا القول يرجع إلي قول من ذهب إلي [¬٣] أنهم من أهل الجنة؛ لأن الأعراف ليس دار قرار، ومآل أهلها إلي الجنة، كما تقدم تقرير ذلك في سورة الأعراف، والله أعلم.\n[فصل]\nوليعلم أن هذا الخلاف مخصوص بأطفال المشركين، فأما ولدان المؤمنين فلا خلاف بين العلماء، كما حكاه القاضي أبو يعلى بن [¬٤] الفرّاء الحنبلي، عن الإِمام أحمد أنه قال: لا يختلف فيهم أنهم من أهل الجنة. وهذا هو المشهور بين الناس، وهو الذي نقطع به إن شاء الله ﷿. فأما ما ذكره الشيخ أبو عمر بن عبد البر، عن بعض العلماء أنهم توقفوا في ذلك، وأن الولدان كلهم تحت مشيئة الله ﷿، قال أبو عمر (^١٠٩): ذهب إلى هذا القول جماعة من أهل الفقه والحديث، منهم: حماد بن زيد، وحماد بن سلمة، وابن المبارك، وإسحاق بن راهويه، وغيرهم. قالوا [¬٥]: وهو يشبه ما رسم مالك في موطئه في أبواب القدر، وما أورده من الأحاديث في ذلك، وعلي ذلك أكثر أصحابه، وليس عن مالك فيه شيء منصوص، إلا أن المتأخرين من أصحابه ذهبوا إلي أن أطفال المسلمين في الجنة، وأطفال الكفار [¬٦] خاصة في المشيئة. انتهى كلامه، وهو غريب جدًّا.\n_________\n= ومسلم في صحيحه -كتاب القدر، باب: معنى كل مولود يولد على الفطرة .... \" (٢٨) (٢٦٦٠). وأبو داود -كتاب السنة، باب: في ذراري المشركين - (٤٧١١). والنسائي -كتاب الجنائز، باب: أولاد المشركين - (٤/ ٥٨ - ٥٩، ٥٩ - ٦٠).\n(^١٠٨) - أخرجه البخاري في صحيحه -كتاب الجنائز، باب: ما قيل في أولاد المشركين (١٣٨٤). ومسلم في صحيحه -كتاب القدر، باب: معنى كل مولود يولد على الفطرة … (٢٦) - (٢٦٥٩). والنسائي -كتاب الجنائز، باب: أولاد المشركين - (٤/ ٥٨).\nمن طريق محمد بن شهاب الزهري عن عطاء بن يزيد الليثي- عن أبي هريرة … فذكره وطريقه الثاني تقدم تخريجه.\n(^١٠٩) - التمهيد لابن عبد البر - (١٨/ ١١١ - ١١٢).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"فقال\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- سقط من: خ.\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- في ز: \"قال\".\n[¬٦]- في ت: \"المشركين\".","vol":"8","page":460},{"text":"وقد ذكر أبو عبد الله القرطبي في كتابه [¬١] \"التذكرة\" نحو ذلك أيضًا، والله أعلم.\nوقد ذكروا في ذلك أيضًا [¬٢] حديث عائشة بنت طلحة، عن عائشة أم المؤمنين (^١١٠) قالت: دُعي النبي [¬٣] ﷺ إلي جنازة صبي من الأنصار فقلت: يا رسول الله، طوبى له، عصفور من عصافير الجنة، لم يعمل السوء ولم يدركه، فقال: \"أو غير ذلك يا عائشة، إن الله خلق الجنة وخلق لها أهلًا، وهم في أصلاب آبائهم وخلق النار، وخلق لها أهلًا، وهم في أصلاب آبائهم\". رواه أحمد، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه.\nولما كان الكلام في هذه المسألة يحتاج إلي دلائل صحيحة جيدة، وقد يتكلم فيها من لا علم عنده عن الشارع -كره جماعة [من العلماء] [¬٤] الكلام فيها- روي ذلك عن ابن عباس، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، ومحمد بن الحنفية، وغيرهم. وأخرج ابن حبان (^١١١) في صحيحه: عن جرير بي حازم، سمعت أبا رجاء العطاردي، سمعت ابن عباس وهو علي المنبر يقول: قال رسول الله ﷺ: \"لا يزال أمر هذه الأمة مواتيًا -أو: مقاربًا- ما لم يتكلموا في الولدان والقدر\".\nقال ابن حبان: يعني: أطفال المشركين.\nوهكذا رواه أبو بكر البزار، من طريق جرير بن حازم، به. ثم قال: وقد رواه جماعة\n_________\n(^١١٠) - أخرجه أحمد - (٦/ ٤١، ٢٠٨)، ومسلم في صحيحه -كتاب القدر، باب: معنى كل مولود يولد على الفطرة … (٣٠، ٣١) - (٢٦٦٢)، أبو داود -كتاب السنة، باب: في ذرارى المشركين- (٤٧١٣). والنسائي -كتاب الجنائز، باب: الصلاة على الصبيان - (٤/ ٥٧). وابن ماجه- في المقدمة، باب، في القدر (٨٢).\n(^١١١) - صحيح، أخرجه ابن حبان في صحيحه - (٦٧٢٤) (١٥/ ١١٨ - ١١٩).\nوالحاكم في \"المستدرك\" (١/ ٣٣). والطبراني في \"الكبير\" (١٢٧٦٤) (١٢/ ١٦٢). وفي \"الأوسط\" (٤٠٨٦) (٤/ ٢٤١)، والبزار (٢١٨٠). من طريق جرير بن حازم به. وقال الحاكم: \"صحيح على شرط الشيخين، ولا نعلم له علة، ولم يخرجاه\". وذكره الهيثمي في \"المجمع\" (٧/ ٢٠٥) وقال: رواه البزار والطبراني في \"الكبير والأوسط ورجال البزار رجال الصحيح. وصححه الألباني في \"الصحيحة\" (١٥١٥) (٤/ ١٩).\n_________\n[¬١]- في ز: \"كتاب\".\n[¬٢]- زيادة من: خ.\n[¬٣]- في خ: \"رسول الله\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"8","page":461},{"text":"عن أبي رجاء، عن ابن عباس موقوفًا (^١١٢).\n﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا (١٦)﴾\nاختلف القراء في قراءة قوله: ﴿أَمَرْنَا﴾، فالمشهور قراءة التخفيف، واختلف المفسرون في معناها، فقيل: معناه: أمرنا مترفيها ففسقوا فيها أمرًا قدريًّا، كقوله تعالى: ﴿أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيلًا أَوْ نَهَارًا﴾؛ فإن اللَّه لا يأمر بالفحشاء، قالوا: معناه أنه سخرهم إلي فعل الفواحش فاستحقوا العذاب.\nوقيل: معناه أمرناهم بالطاعات ففعلوا الفواحش؛ فاستحقوا العقوبة. رواه ابن جريج [¬١] عن ابن عباس، وقاله سعيد بن جبير أيضًا.\nوقال ابن جرير: وقد [¬٢] يحتمل أن يكون معناه جعلناهم أمراء. قلت [¬٣]: إنما يجيء على قراءة من قرأ ﴿أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا﴾ قال علي بن أبي [¬٤] طلحة عن ابن عباس قوله: ﴿أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا﴾ يقول: سلطنا أشرارها فعصوا فيها، فإذا فعلوا ذلك [أهلكهم الله] [¬٥] بالعذاب، وهو قوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا﴾ … الآية، وكذا قال أبو العالية، ومجاهد والربيع بن أنس.\nوقال العوفي عن ابن عباس: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا﴾ يقول: أكثرنا عددهم [¬٦]، وكذا قال عكرمة، والحسن، والضحاك، وقتادة. وعن مالك عن الزهري ﴿أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا﴾ أكثرنا، وقد استشهد بعضهم بالحديث الذي رواه الإِمام أحمد (^١١٣)، حيث قال: حدثنا روح بن عبادة، حدثنا أبو نعامة العدوي عن مسلم بن بديل، عن إياس بن زهير، عن سويد بن هبيرة، عن النبي ﷺ قال: \"خير مال امرئ له مهرة مأمورة، أو سِكَّة مأبورة [¬٧] \" قال الإِمام أبو عبيد القاسم بن\n_________\n(^١١٢) - أخرجه عبد الله بن أحمد في \"السنة\" (٧٠٣). واللالكائي في \"أصول الاعتقاد\" (١١٢٧) (٤/ ٦٣١). من طريق جرير بن حازم عن أبي رجاء عن ابن عباس موقوفًا عليه.\n(^١١٣) - أحمد - (٣/ ٤٦٨). وأخرجه الطبراني في الكبير - (٦٤٠٧، ٦٤٧١) (٧/ ١٠٧) والبخاري=\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"جرير\".\n[¬٢]- سقط من: ت.\n[¬٣]- في خ: \"فقلت\".\n[¬٤]- سقط من: ت.\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين في ز: \"أهلكتهم\".\n[¬٦]- في خ: \"عدوهم\".\n[¬٧]- في خ: \"مأسورة\".","vol":"8","page":462},{"text":"سلام ﵀ في كتابه الغريب: المأمورة: كثيرة النسل، والسِّكَّة: الطريقة المصطفة من النخل، والمأبورة: من التأبير، وقال بعضهم: إنما جاء هذا متناسبًا، كقوله: \"مأزورات غير مأجورات\" (^١١٤).\n﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (١٧)﴾\nيقول تعالى منذرًا كفار قريش في تكذيبهم رسول الله محمدًا ﷺ، بأنه قد أهلك أمما من المكذبين للرسل من بعد نوح، ودل هذا على أن القرون التي كانت بين آدم ونوح على الإِسلام، كما قاله ابن عباس: كان بين آدم ونوح عشرة [¬١] قرون، كلهم على الإسلام. ومعناه: أنكم أيها المكذبون لستم أكرم على الله منهم، وقد كذبتم أشرف الرسل وأكَرم الخلائق، فعقوبتكم أولى وأحرى.\nوقوله: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ أي: هو عالم بجميع أعمالهم، خيرها وشرها، لا يخفى عليه منها خافية، [﷾].\n﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا (١٨) وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ\n_________\n= في التاريخ الكبير (١/ ٤٣٨، ٤٣٩). والبيهقي في الكبرى - (١٠/ ٦٤). والبغوي في شرح السنة- (٢٦٤٧) (١٠/ ٣٨٧). وابن سعد في الطبقات - (٧/ ٥٥) وذكره ابن الأثير في أسد الغابة (٢/ ٤٩٤ - ٤٩٥) من طريق مسلم بن بديل عن إياس بن زهير به. وقال الهيثمي في المجمع - (٥/ ٢٦١): رواه أحمد والطبراني ورجال أحمد ثقات. قلت: مسلم بن بديل وإياس بن زهير لم يوثقهما غير ابن حبان، ناهيك على أن سويد بن هبيرة تابعي وليست له صحبة. وقد ذكر ابن الأثير الحديث- من رواية معاذ بن معاذ، عن أبي نعامة عن إياس، عن سويد قال: بلغني عن النبي ﷺ … الحديث.\n(^١١٤) - أخرجه ابن ماجه -كتاب الجنائز، باب: ما جاء في اتباع النساء الجنائز - (١٥٧٨) (١/ ٥٠٢ - ٥٠٣). والبيهقي في الكبرى -كتاب الجنائز، باب: ما ورد في نهي النساء عن اتباع الجنائز - (٤/ ٧٧) من طريق إسماعيل بن سلمان، عن دينار أبي عمر، عن ابن الحنفية، عن علي: خرج رسول الله ﷺ - فإذا نسوة جلوس. فقال: \"ما يجلسكن؟ \"قلن: ننتظر الجنازة. قال: \"هل تغلق\"؟ قلن: لا. قال \"هل تحملن؟ \" قلن: لا. قال: \"هل تدلين فيمن يُدلي\" قلن: لا. قال … فذكره. وقال البوصيري في الزوائد: في إسناده دينار بن عمر أبو عمرو وهو، وإن وثقه وكيع وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، فقد قال أبو حاتم: ليس بالمشهور وقال الأزدي: متروك، وقال الخليلي في الإرشاد: كذاب. وإسماعيل بن سلمان: قال فيه أبو حاتم: صالح، لكن ذكره ابن حبان في الثقات وقال: يخطئ، وباقي رجاله ثقات.\n_________\n[¬١]- في خ: \"عشر\".","vol":"8","page":463},{"text":"فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا (١٩)﴾.\nيخبر تعالى أنه ما كُلُّ من طلب الدنيا وما فيها من النعيم يحصل له [¬١]، بل إنما يحصل لمن أراد الله ما [¬٢] يشاء، وهذه مُقيِّدة لإطلاق ما سواها من الآيات؛ فإنه قال: ﴿عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ﴾ أي: في الدار [¬٣] الآخرة ﴿يَصْلَاهَا﴾ أي: يدخلها حتى تغمره من جميع جوانبه ﴿مَذْمُومًا﴾ أي: في حال كونه مذمومًا على سوء تصرفه وصنيعه، إذ اختار الفاني على الباقي ﴿مَدْحُورًا﴾ مبعدًا مقصيًّا حقيرًا ذليلًا مهانًا.\nروى [¬٤] الإِمام أحمد (^١١٥): حدثنا حسين، حدثنا ذويد [¬٥] عن أبي إسحاق، عن عروة عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: \"الدنيا دار من لا دار له، ومال من لا مال له، ولها [¬٦] يجمع من لا عقل له!. وقوله ﴿وَ[¬٧] مَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ﴾ أي: أراد الدار الآخرة وما فيها من النعيم والسرور ﴿وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا﴾ أي: طلب ذلك من طريقه، وهو متابعة الرسول ﷺ ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ أي: وقلبه مؤمن، أي: مصدق موقن بالثواب والجزاء ﴿فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾.\n﴿كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا (٢٠) انْظُرْ كَيفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا (٢١)﴾\n[يقول تعالى ﴿كُلًّا﴾ أي: كل واحد من الفريقين، الذين أرادوا الدنيا والذين أرادوا الآخرة- نمدهم فيما هم فيه ﴿مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ﴾ أي: هو المتصرف، الحاكم الذي لا\n_________\n(^١١٥) - أخرجه أحمد - (٦/ ٧١). والبيهقي في \"الشعب\" (١٠٦٣٨) (٧/ ٣٧٥) من طريق أبي سليمان النصيبي عن أبي إسحاق به. وذكره الهيثمي في \"المجمع\" - (١٠/ ٢٩١) وقال: \"رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح غير ذويد وهو ثقة\" وهو كذلك إلا أن أبا إسحاق وهو السبيعي مدلس وقد عنعنه وأعله بذلك الألباني فكان من نصيب \"الضعيفة\" (١٩٣٣) (٤/ ٤٠٣).\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- في خ: \"وما\".\n[¬٣]- زيادة من: خ.\n[¬٤]- في خ: \"قال\".\n[¬٥]- في ز، خ: \"رويد\".\n[¬٦]- سقط من: خ.\n[¬٧]- سقط من ز.","vol":"8","page":464},{"text":"يجور، فيعطى كُلًّا ما يستحقه من السعادة والشقاوة، فلا راد لحكمه، ولا مانع لما أعطى، ولا مغير لما أراده، لهذا قال ﴿وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾ أي: لا يمنعه أحد ولا يرده راد.\nقال قتادة: وما كان عطاء ربك محظورًا أي: منقوصًا، وقال الحسن وغيره: أي: ممنوعًا، ثم قال ﴿انْظُرْ كَيفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ أي: في الدنيا، فمنهم الغني والفقير وبين ذلك، والحسن والقبيح وبين ذلك، ومن يموت صغيرًا، ومن يعمر حتى يبقى شيخًا كبيرًا، وبين ذلك ﴿وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا﴾ أي: ولتفاوتهم في الدار الآخرة أكبر من الدنيا؛ فإن منهم من يكون في الدركات في جهنم وسلاسلها وأغلالها، ومنهم من يكون في الدرجات العلى ونعيمها وسرورها، ثم أهل الدركات يتفاوتون فيما هم فيه كما أن أهل الدرجات يتفاوتون، فإن الجنة مائة درجة، ما بين كل درجتين كما بين السماء رالأرض. وفي الصحيحين (^١١٦) \" إن أهل الدرجات العلى ليرون أهل عليين كما ترون الكوكب الغابر في أفق السماء\"؛ ولهذا قال تعالى ﴿وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا﴾ وفي الطبراني (^١١٧) من رواية زاذان عن سلمان مرفوعًا \"ما من عبد يريد أن يرتفع في الدنيا درجة فارتفع إلا وضعه الله في الآخرة أكبر منها\" ثم قرأ ﴿وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا﴾] [¬١].\n﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا (٢٢)﴾\nيقول تعالى -والمراد المكلفون من الأمة-: لا تجعل أيها المكلف في عبادتك ربِّك له شريكًا ﴿فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا﴾ علي إشراكك، ﴿مَخْذُولًا﴾ لأن الرب تعالى لا ينصرك، بل يَكِلُك إلي الذي عبدت معه، وهو لا يملك لك ضرًّا ولا نفعًا، لأن مالك الضر والنفع هو الله وحده لا شريك له.\n_________\n(^١١٦) - أخرجه البخاري في صحيحه -كتاب بدء الخلق باب: ما جاء في صفة الجنة وأنها مخلوقة- (٣٢٥٦). ومسلم في صحيحه -كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب: ترائي أهل الجنة أهل الغرف، كما يرى الكوكب في السماء (١١) (٢٨٣١). من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعًا ولفظه: \"إن أهل الجنة يتراءَون أهل الغرف من فوقهم كما يتراءون الكوكب الدري الغابر في الأفق من المشرق أو المغرب. .\".\n(^١١٧) - أخرجه الطبراني في الكبير - (٦١٠١) (٦/ ٢٣٩ - ٢٤٠)، وأبو نعيم في الحلية - (٤/ ٢٠٤). من طرق عبد الغفور بن سعيد الأنصاري عن أبي هاشم الرماني عن زاذان به. وعبد الغفور هذا كان ممن يضع الحديث كما قال ابن حبان، وقال البخاري: تركوه. والحديث ذكره الهيثمي في \"المجمع\" (٥٢١٧) رواه الطبراني وفيه أبو الصباح عبد الغفور وهو متروك\".\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.","vol":"8","page":465},{"text":"وقد قال الإمام أحمد (^١١٨): حدثنا أبو أحمد الزبيرى، حدثنا بشير بن سلمان عن سيار أبي الحكم.\nعن طارق بن شهاب، عن عبد الله -هو ابن مسعود قال- قال رسول الله ﷺ: \"من أصابته فاقة فأنزلها بالناس [¬١]، لم تسد فاقته، ومن أنزلها بالله أوشك الله له بالغنى، إما أجل عاجل [¬٢]، وإما غنى عاجل\" ورواه أبو داود والترمذي من حديث بشير بن سلمان به، وقال الترمذي: حسن صحيح غريب [¬٣] [﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا﴾] [¬٤].\n﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إلا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَينِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (٢٣) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (٢٤)﴾\nيقول تعالى آمرًا بعبادته وحده لا شريك له؛ فإن القضاء ها هنا بمعنى الأمر.\nقال مجاهد: ﴿وَقَضَى﴾ يعني [¬٥]: وصى. وكذا قرأ ذلك أبي بن كعب، وعبد الله\n_________\n(^١١٨) - أخرجه أحمد - (١/ ٤٠٧). وأخرجه أبو داود -كتاب الزكاة، باب: في الاستعفاف (١٦٤٥). والترمذي -كتاب الزهد، باب: ما جاء في الهم في الدنيا وحبها - (٢٣٢٦)، وصححه الحاكم (١/ ٤٠٨) ووافقه الذهبي.\n_________\n[¬١]- في ز: \"الناس\".\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- سقط من: خ.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٥]- في ز، خ: \"بمعنى\".","vol":"8","page":466},{"text":"ابن مسعود، والضحاك بن مزاحم: (ووصى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه)، ولهذا قرن بعبادته بر الوالدين فقال: ﴿وَبِالْوَالِدَينِ إِحْسَانًا﴾، أي: وأمر بالوالدين إحسانًا كما قال في الآية الأخرى: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾\nوقوله [¬١]: ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾، [أي: لا تسمعهما قولا سيئًا حتى ولا التأفيف الذي هو أدنى مراتب القول السيئ] [¬٢]، ﴿وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾ أي: ولا يصدر منك إليهما فعل قبيح، كما قال عطاء بن أبي رباح في قوله: ﴿وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾، أي: لا تنْفُض يدك [¬٣] على والديك. ولما نهاه عن القول القبيح، والفعل القبيح أمره بالقول الحسن، والفعل الحسن؛ فقال: ﴿وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾ أي ليَّنًا، طيَّبًا، حسنًا بأدب، وتوفير، وتعظيم.\n﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾، أي: تواضع لهما بفعلك ﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا﴾، أي: في كبرهما، وعند وفاتهما ﴿كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾.\nقال [¬٤] ابن عباس: ثم أنزل الله: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى﴾.\nوقد جاء في بر الوالدين أحاديث كثيرة، منها الحديث المروي من طرق عن أنس (^١١٩) وغيره، أن رسول الله ﷺ لما صعد المنبر قال: \"آمين آمين آمين\". فقالوا: يا رسول الله، علام أمّنت؟ قال: \"أتاني جبريل قال: يا محمد، رَغِم أنفُ امرئ ذُكرتَ عنده فلم يصلِّ عليك، فقل: آمين. فقلت: آمين. ثم قال: [] [¬٥] رَغِم أنفُ امريء دخل عليه شهر رمضان ثم خرج ولم يغفر له، قل: آمين. فقلت: آمين. ثم قال: رَغِمَ أنفُ امرئ أدرك أبويه -أو أحدهما- فلم يدخلاه الجنة، قل: آمين. فقلت: آمين\".\nحديث آخر: قال الإمام أحمد (^١٢٠): حدثنا هشيم، حدثنا علي بن زيد، أخبرنا زرارة بن أوفى عن مالك بن الحارث -رجل منهم- أنه سمع النبي ﷺ\n_________\n(^١١٩) - أما حديث أنس فأخرجه البزار- مختصر الزوائد - (٢١٧٤) - (٢/ ٤٤١) حدثنا محمد بن معمر، ثنا جعفر بن عون عن سلمة بن وردان عن أنس ذكره. وقال الهيثمي في \"المجمع - (١٠/ ١٦٩): \"رواه البزار وفيه سلمة بن وردان وهو ضعيف وفد قال فيه البزار: صالح، وبقية رجاله رجال الصحيح\".\nقلت: وباقي كلام البزار … وله أحاديث يستوحش بها\" فلعل هذا الصلاح في نفسه ودينه- والعلم عند الله تعالى. لكن الحديث قد صح عن عدد من الصحابة ولله الحمد- ففي الباب: حديث أبي هريرة: أخرجه البخاري في الأدب المفرد (٦٤٦) وابن حبان في صحيحه (٩٠٧). وجابر بن عبد الله- عند البخاري في الأدب (٦٤٤) وصححه الألباني في صحيح الأدب (٥٠٠). وعمار بن ياسر وعبد الله بن مسعود وكعب بن عجرة- انظر مجمع الزوائد (١٠/ ١٦٧ - ١٧٠).\n(^١٢٠) - المسند - (٤/ ٣٤٤)، (٥/ ٢٩). والطبراني في الكبير (٦٧٠) (١٩/ ٣٠٠) من طريق أبي الربيع الزهراني حدثنا هشيم به. وذكره الهيثمي في \"المجمع\" (٤/ ٢٤٦) وقال: \" رواه أحمد والطبراني علي بن زيد وحديثه حسن وقد ضعف\". وقال في (٨/ ١٦٣ - ١٦٤) \"رواه أحمد والطبراني وفيه علي بن زيد وهو حسن الحديث، وبقية رجاله رجال الصحيح\" والراجح في علي بن زيد الضعف والله أعلم.\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في ز: \"يديك\".\n[¬٤]- سفط من: ز.\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين في خ: \"رغم أنف امرئ أدرك أبويه أو أحدهما\" ولا أرى لها مكانًا.","vol":"8","page":467},{"text":"يقول: \"من ضم يتيمًا [¬١] بين أبوين مسلمين إلي طعامه وشرابه حتى يستغني عنه؛ وجبت له الجنة ألبتة [¬٢]، ومن أعتق امرأ مسلمًا كان فكاكه من النار، يجزي بكل عضو منه عضوًا منه\".\nثم قال (^١٢١): حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، سمعت علي بن زيد، فذكر معناه، إلا أنه قال: عن رجل من قومه يقال له: مالك، أو: ابن مالك، وزاد: \"ومن أدرك والديه أو أحدهما [¬٣] فدخل النار فأبعده الله\".\nحديث آخر: وقال الإمام أحمد (^١٢٢): حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، أخبرنا علي بن زيد، عن زرارة بن أوفى، عن مالك بن عمرو القشيري، سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"من أعق رقبة مسلمة فهي فداؤه من النار؛ مكان كل عظم من عظامه محَرّره بعظم من عظامه. ومن أدرك أحد والديه، ثم [¬٤] لم يغفر له فأبعده الله ﷿. ومن ضم يتيمًا بين أبوين مسلمين إلي طعامه وشرابه حتى يغنيه الله [¬٥] وجبت له الجنة\".\nحديث آخر: وقال الإمام أحمد (^١٢٣): حدثنا حجاج ومحمد بن جعفر قالا: حدثنا شعبة، عن قتادة، سمعت زرارة بن أوفى يحدث عن [أبيّ بن] [¬٦] مالك القشيري قال:\n_________\n(^١٢١) - أخرجه أحمد (٥/ ٢٩) والطيالسي في مسنده (١٣٢٢) حدثنا شعبة به. والطبراني في \"الكبير\" - (١٩/ ٣٠٠) (٦٦٨) من طريق أسد بن موسى ثنا شعبة به. وأبو يعلى في مسنده (٩٢٦) (٢/ ٢٢٧) حدثنا علي بن الجعد: حدثنا شعبة به وذكره الهيثمي (٨/ ١٦٤) \"رواه أبو يعلى .. وأحمد باختصار والطبراني وهو حسن الإسناد\". قلت: فيه علي بن زيد وهو ضعيف- وانظر الحديث السابق.\n(^١٢٢) - أخرجه أحمد - (٤/ ٣٤٤). والطبراني في \"الكبير\" (٦٦٦، ٦٦٧) (١٩/ ٢٩٩، ٣٠٠) من طريقين عن حماد بن سلمة به. وتابع حماد بن سلمة على تسمية الصحابي \"مالك بن عمرو\" أو \"عمرو بن مالك\" سفيان أخرجه الطبراني - (٦٦٩) (١٩/ ٣٠٠)، وابن المبارك في الزهد - (٦٥٦) وذكره الهيثمي في \"المجمع\" - (٨/ ١٤٢ - ١٤٣) من حديث مالك بن عمرو- وقال: \"إسناد حسن\" قلت. وعلته ما زالت قائمة، فإنه من رواية علي بن زيد وهو ضعيف.\n(^١٢٣) - إسناده صحيح، أخرجه أحمد (٤/ ٣٤٤)، (٥/ ٢٩). وأبو داود الطيالسي - (١٣٢١) حدثنا شعبة له دون قوله \"وأسحقه\". والبخاري في التاريخ الكبير - (٢/ ٤٠) حدثنا عمرو حدثنا شعبة به. قال ابن السكن، قال البخاري، يقال في هذا الحديث مالك بن عمرو، ويقال ابن الحارث، ويقال ابن مالك، والصحيح من ذلك أبي بن مالك. وحكى ابن أبي خيثمة عن ابن معين أنه: ضرب على أبي بن مالك، وقال: هذا خطأ ليس في الصحابة أبي بن مالك، وإنما هو عمرو بن مالك. قال الحافظ=\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"ما\".\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- في ز: \"واحدًا\"، خ: \"واحد\".\n[¬٤]- في ز، خ: \"و\".\n[¬٥]- سقط من: ز.\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"8","page":468},{"text":"قال النبي ﷺ: \"من أدرك والديه أو أحدهما ثم دخل النار من بعد ذلك فأبعده الله وأسحقه\".\nورواه أبو داود الطيالسي عن شعبة به، وفيه زيادات أخر.\nحديث آخر: قال الإمام أحمد (^١٢٤): حدثنا عفان، حدثنا أبو عوانة، حدثنا سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة [﵁]، عن النبي ﷺ قال: \"رغم أنف، ثم رغم أنف، ثم رغم أنف: رجل أدرك والديه -أحدهما أو كلاهما- عند الكبر و[¬١] لم يدخل الجنة\" صحيح من هذا الوجه، ولم يخرجه سوى مسلم من حديث أبي عوانة، وجرير وسليمان بن بلال عن سهيل به.\nحديث آخر: وقال الإمام أحمد (^١٢٥): حدثنا ربعي بن إبراهيم -قال أحمد: وهو أخو إسماعيل بن علية، وكان يفضل على أخيه- عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"رغم أنف رجل ذكرت عنده فلم يصل عليّ، ورغم أنف رجل دخل عليه شهر رمضان فانسلخ قبل أن يغفر له، ورغم أنف رجل أدرك عنده أبواه الكبرَ فلم يدخلاه الجنة\"، قال ربعي: و[¬٢] لا أعلمه [¬٣] إلا قال: \"أو أحدهما\". ورواه الترمذي عن أحمد بن إبراهيم الدورقي عن ربعي\n_________\n= ابن حجر في الإصابة - (١/ ٢٧ - ٢٨): لعله اعتمد رواية شبابة، ولكنها شاذة .. ثم نقل روايات علي بن زيد المتقدمة … وقال .. ومما يقوي رواية شعبة عن قتادة ما ذكر ابن إسحاق في أمر غنائم حنين - (انظر- سيرة بن هشام - (٤/ ١٣٣٧) قال: فقال أبي بن مالك القشيري: يا رسول الله فذكر قصته … وفي الأخبار المنثورة لابن دريد قال: فقال أبي بن مالك بن معاوية القشيري، وهو أخو نَهِيك بن مالك الشاعر المشهور فذكر قصته وفيها أن الضحاك بن سفيان عتب على أبي بن مالك في شيء بعد ذلك فقال:\nأتنسى بلائي يا أُبي بن مالك … غداةَ الرسول مُعرض عنك أشوَسُ\n.... وهذا كله يقوى ما رجحه البخاري والله أعلم. ا هـ.\n(^١٢٤) - أخرجه أحمد - (٢/ ٣٤٦). ومسلم في صحيحه -كتاب البر والصلة والآداب، باب: رغم أنف من أدرك أبويه أو أحدهما عند الكبر، فلم يدخل الجنة حديث (٢٥٥١) - (١٦/ ١٦٣).\n(^١٢٥) - أخرجه أحمد - (٢/ ٣٥٤). والترمذي كتاب الدعوات، باب: قول رسول الله ﷺ \"رغم أنف رجل\" - (٣٥٤٥) حدثنا أحمد بن إبراهيم الدورقي حدثنا ربعي بن إبراهيم له. وقال \"حديث حسن غريب من هذا الوجه\". وتابع ربعيَ بن إبراهيم \"بشر بن المفضل\"، أخرجه ابن حبان في صحيحه - (٩٠٩) (١/ ١٨٩). والحاكم في مستدركه - (١/ ٥٤٩).\nوعبد الرحمن بن إسحاق هو ابن عبد الله بن الحارث، صدوق.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- سقط من: ت.\n[¬٣]- في ز: \"أعلم\".","vol":"8","page":469},{"text":"ابن إبراهيم، ثم قال: غريب من هذا الوجه.\nحديث آخر: وقال الإمام أحمد (^١٢٦): حدثنا يونس بن محمد، حدثنا عبد الرحمن بن الغسيل، حدثنا أسيد بن عَليّ، عن أبيه، علي [¬١] بن عبيد، عن أبي أسيد [¬٢]- وهو مالك بن ربيعة الساعدي [¬٣]- قال: بينما أنا جالس عند رسول الله ﷺ إذ جاءه رجل من الأنصار فقال: يا رسول الله، هل بقي علي من برّ أبويّ شيء بعد موتهما أبرهما به؟ قال: \"نعم، خصال أربع: الصلاة عليهما والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما، وإكرام صديقهما، وصلة [¬٤] الرحم التي لا رحم لك إلا من قِبلهما، فهو الذي بقي عليك بعد موتهما من برهما\" و[¬٥] رواه أبو داود، وابن ماجة من حديث عبد الرحمن بن سليمان -وهو ابن الغسيل- به.\nحديث آخر: قال [¬٦] الإِمام أحمد (^١٢٧): حدثنا روح، حدثنا ابن جريج، أخبرني محمد بن طلحة بن عبد الله بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن معاوية بن جاهمة السلمي: أن جاهمة جاء إلي النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، أردت الغزو وجئتك أستشيرك؟ فقال: \"فهل [¬٧] لك من أم؟ \" قال [¬٨]: نعم. فقال: \"الزمها فإن الجنة\n_________\n(^١٢٦) - أخرجه أحمد - (٣/ ٤٩٧ - ٤٩٨). وأخرجه أبو داود -كتاب الأدب، باب: في بر الوالدين- (٥١٤٢) - (٤/ ٣٣٦). وابن ماجه -كتاب الأدب، باب: صِلة من كان أبوك يصل - (٣٦٦٤) (٢/ ١٢٠٨). والبخاري في \"الأدب المفرد\" - (٣٥) وفي \"التاريخ الكبير\" - (٦/ ٢٨٦ - ٢٨٧). وابن حبان في صحيحه - (٤١٨) (٢/ ١٦٢)، وفي \"الموارد\" - (٢٠٣٠) (٦/ ٣٥١ - ٣٥٢) والطبراني في \"الكبير\"- (٥٩٢) (١٩/ ٢٦٧ - ٢٦٨). والحاكم (٤/ ١٥٤ - ١٥٥)، والبيهقي في \"الكبرى\" - (٤/ ٢٨). والروياني في مسنده - (١٤٦٠) (٢/ ٤٣٧) والمزي في \"تهذيب الكمال\" - (٢١/ ٥٧) كلهم من طريق عبد الرحمن بن سليمان الغسيل به. وقال الحاكم: صحيح الإسناد وله يخرجاه، ووافقه الذهبي. قلت: علي بن عبيد لم يوثقه غير ابن حبان على قاعدته المعروفة في توثيق المجاهيل. وقال الذهبي في \"الميزان\": لا يعرف (٣/ ٥٨٨٧)، وقال ابن حجر في \"التقريب\": مقبول.\n(^١٢٧) - أخرجه أحمد - (٣/ ٤٢٩). وأخرجه النسائي -كتاب الجهاد، باب: الرخصة في التخلف لمن له والد - (٦/ ١١). وابن ماجه -كتاب الجهاد، باب: الرجل يغزو وله أبوان - (٢٧٨١) - (٢/ ٩٢٩ - ٩٣٠) والحاكم - (٢/ ١٠٤)، (٤/ ١٥١). من طرق عن ابن جريج به. وقال الحاكم، صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي. وقال الشيخ الألباني في \"الإرواء\" - (١١٩٩) (٥/ ٢١). كذا قالا، وطلحة بن عبد الله لم يوثقه غير ابن حبان، لكن روى عنه جماعة، فهو حسن الحديث إن شاء الله … \" ا هـ.\n_________\n[¬١]- في ز: \"عن\".\n[¬٢]- في ز: \"أسيل\"، خ: \"أسد\".\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- في خ: \"وإلرام\".\n[¬٥]- سقط من: ت.\n[¬٦]- في ز: \"وقال\".\n[¬٧]- في ز: \"هل\".\n[¬٨]- في ز، خ: \"فقال\".","vol":"8","page":470},{"text":"تحت رجليها [¬١] \"، ثم الثانية، ثم الثالثة، في مقاعد شتى كمثل هذا القول. ورواه النسائي وابن ماجة من حديث ابن جريج به.\nحديث آخر: قال الإمام أحمد (^١٢٨): حدثنا خلف بن الوليد، حدثنا ابن [¬٢] عياش، عن [¬٣] بحير بن سعد، عن خالد بن معدان، عن المقدام بن معد يكرب الكندي، عن النبي ﷺ قال: \"إن الله يوصيكم بآبائكم، أن الله ورعيكم بأمهامتكم، إن الله ووصيكم بأمهاتكم، إن الله يوصيكم بأمهاتكم، إن الله يوصيكم بالأقرب فالأقرب\" وقد أخرجه ابن ماجه من حديث [] [¬٤] ابن عياش [¬٥] به.\nحديث آخر: قال الإمام أحمد (^١٢٩): حدثنا يونس، حدثنا أبو عوانة، عن الأشعث بن سليم، عن أبيه، عن رجل من بني يربوع قال: أتيت النبي ﷺ فسمعته وهو يكلم الناس يقول\" \"يد المعطي العليا [¬٦]، أمك وأباك، وأختك، وأخاك، ثم أدناك أدناك\".\nحديث آخر: قال الحافظ أبو بكر أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البزار في مسند (^١٣٠): حدثنا إبراهيم بن المستمر [¬٧] العُرُوقي، حدثنا عمرو بن سفيان، حدثنا الحسن [¬٨] بن أبي جعفر، عن ليث بن أبي سليم، عن علقمة [¬٩] بن [¬١٠] مرثد، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه: أن رجلًا كان في الطواف حاملًا أمه يطوف بها، فسأل النبي ﷺ: هل أديتُ حقها؟ قال: \"لا، ولا بزفرة واحدة\"، أو كما قال: ثم قال البزار: لا نعلمه يُروى إلا من هذا الوجه. قلت: والحسن بن أبي جعفر ضعيف، والله أعلم.\n_________\n(^١٢٨) - أخرجه أحمد - (٤/ ١٣١، ١٣٢). وأخرجه ابن ماجه -كتاب الأدب، باب: بر الوالدين- (٣٦٦١) (٢/ ١٢٠٧ - ١٢٠٨). والبخاري في الأدب المفرد (٦٠). والحاكم - (٤/ ١٥١)، والبيهقي في الكبرى (٤/ ١٧٩). من طريق إسماعيل بن عياش به. وقال الحاكم: \"إسماعيل بن عياش أحد أئمة أهل الشام إنما نقم عليه سوء الحفظ فقط\". قلت: والنقمة عليه في روايته عن غير الشاميين، وأما إذا روى عنهم فروايته صحيحة كما حققه غير واحد من أهل العلم، وبحير بن سعد شامي فصح الإسناد ولله الحمد.\n(^١٢٩) - أخرجه أحمد (٤/ ٦٤ - ٦٥)، (٥/ ٣٧٧). وذكره الهيثمي في المجمع - (٦/ ٢٨٦) وقال: \"رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح\".\n(^١٣٠) - أخرجه البزار- مختصر الزوائد - (١٧٧٧) (٢/ ٢٣٨). بلفظ \"لا ولا بركزة واحدة\". =\n_________\n[¬١]- في خ: \"رجلها\".\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في ز: \"بن\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين في ز: \"إسماعيل\".\n[¬٥]- في خ: \"عباس\".\n[¬٦]- سقط من: خ.\n[¬٧]- في خ: \"المؤتمر\".\n[¬٨]- في خ: \"عمرو\".\n[¬٩]- في خ: \"مسلمة\".\n[¬١٠]- في خ: \"عن\".","vol":"8","page":471},{"text":"رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا (٢٥)﴾\nقال سعيد بن جبير: هو الرجل تكون [¬١] منه البادرة إلي أبويه وفي نيته وقلبه أنه لا يؤخذ به، وفي رواية: أنه [¬٢] لا يريد إلا الخير بذلك، فقال: ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ﴾ وقوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾ قال قتادة: للمطيعين [¬٣] أهل الصلاة، وعن ابن عباس: المسبحين [¬٤]، وفي رواية عنه: المطيعين المحسنين.\nوقال بعضهم: هم الذين يصلون بين العشاءين. وقال بعضهم: هم الذين يصلون الضحى.\nوقال شعبة: عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب في قوله: ﴿فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾، قال: الذي يصيب الذنب، ثم يتوب، ويصيب الذنب، ثم يتوب، وكذا رواه عبد الرزاق عن الثوري ومعمر عن [¬٥] يحيى بن سعيد عن ابن المسيب، به. وكذا قال عطاء بن يسار.\nوقال مجاهد، وسعيد بن جبير: هم الراجعون إلى الخير.\nوقال مجاهد عن عبيد بن عمير في قوله [¬٦]: ﴿فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾، قال: هو الذي يذكر ذنوبه في الخلاء، فيستغفر الله منها، ووافقه على ذلك مجاهد.\nوقال عبد الرزاق (^١٣١): أخبرنا محمد بن مسلم، عن عمرو بن دينار، عن عبيد بن عمير، في قوله: ﴿فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾، قال: كنا نعد الأواب الحفيظ أن يقول: اللهم؛ اغفر لي ما أصبت في مجلسي هذا.\n_________\n= وذكره الهيثمي في \"المجمع\" - (٨/ ١٤٠) وقال: \"رواه البزار وفيه الحسن بن أبي جعفر، وهو ضعيف من غير كذب وليث بن أبي سليم مدلس\".\n(^١٣١) - \" التفسير\" لعبد الرزاق (٢/ ٣٧٦، ٣٧٧) ومن طريقه ابن جرير في تفسيره - (١٥/ ٧١).\nوأخرجه الخطيب في الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع (٢/ ١٩٢) من طريق سفيان قال: بلغني عن عمرو يعني ابن دينار عن عبيد بن عمير فذكره بنحوه.\n_________\n[¬١]- في خ: \"يكون\".\n[¬٢]- زيادة من: خ.\n[¬٣]- في ز، خ: \"المطيعين\".\n[¬٤]- في ز، خ: \"المستحين\".\n[¬٥]- في ز: \"وعن\".\n[¬٦]- في ت: \"الآية\".","vol":"8","page":472},{"text":"وقال ابن جرير (^١٣٢): والأولى في ذلك قول من قال: هو التائب من الذنب، الراجع عن المعصية إلي الطاعة، مما يكره الله إلي ما يحبه ويرضاه وهذا الذي قاله هو الصواب؛ لأن الأواب مشتق من الأوب، وهو: الرجوع، يقال: آب فلان. إذا رجع، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ إِلَينَا إِيَابَهُمْ﴾، وفي الحديث الصحيح (^١٣٣): أن رسول الله ﷺ كان إذا رجع من سفر قال: \"آببون تائبون عابدون لربنا حامدون\".\n﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (٢٦) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا (٢٧) وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيسُورًا (٢٨)﴾\nلما ذكر تعالى بر الوالدين عطف بذكر الإحسان إلي القرابة وصلة الأرحام، وكما [¬١] تقدم في [¬٢] الحديث (^١٣٤): \" أمك وأباك، ثم أَدناك أدناك\"، وفي رواية (^١٣٥): \" ثم الأقرب فالأقرب\".\nوفي الحديث (^١٣٦): \" من أحب أن يبسط له رزقه وينسأ [¬٣] له في أجله فليصل رحمه\".\n_________\n(^١٣٢) - تفسير ابن جرير - (١٥/ ٧٢).\n(^١٣٣) - صحيح، أخرجه أحمد (٤/ ٢٨١، ٢٨٩، ٢٨٩). والترمذي-كتاب الدعوات، باب: ما يقول إذا قدم من السفر - (٣٤٤٠). والنسائي في الكبرى -كتاب عمل اليوم والليلة، باب: ما يقول إذا أقبل من السفر - (١٠٣٨٤). والطيالسي في مسنده - (٧١٦). وأبو يعلى في مسنده - (١٦٦٤). وابن حبان في صحيحه - (٢٧١١) (٦/ ٤٢٧). من طريق شعبة عن أبي إسحاق عن الربيع بن البراء عن أبيه أن النبي ﷺ كان إذا رجع من سفرة قال: فذكره. وقال الترمذي: \"هذا حديث حسن صحيح\".\n(^١٣٤) - تقدم.\n(^١٣٥) - تقدم.\n(^١٣٦) - صحيح، أخرجه البخاري في صحيحه -كتاب البيوع، باب: من أحب البسط في الرزق (٢٠٦٧). ومسلم في صحيحه -كتاب البر والصلة والآداب، باب: صلة الرحم، وتحريم قطيعتها. (٢٠) (٢٥٥٧). وأبو داود -كتاب الزكاة، باب: في صلة الرحم - (١٦٩٣). من طريق يونس عن الزهري عن أنس … فذكره.\n_________\n[¬١]- في ت: كما.\n[¬٢]- سقط من: ت.\n[¬٣]- في خ: \"ويتسع\".","vol":"8","page":473},{"text":"وقال الحافظ أبو بكر البزار (^١٣٧): حدثنا عباد بن يعقوب، حدثنا [أبو يحيى التيمي] [¬١]، حدثنا فضيل بن مرزوق، عن عطية، عن أبي سعيد قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ﴾ دعا رسول الله ﷺ فاطمة فأعطاها \"فَدَكَ\"، ثم قال: لا نعلم حدث به عن فضيل بن مرزوق إلا أبو يحيى التيمي [¬٢]، وحميد بن حماد بن أبي الخُوار [¬٣].\nوهذا الحديث مشكل لو صح إسناده، لأن الآية مكية، و\"فَدَكُ\" إنما فتحت مع خيبر سنة سبع من الهجرة، فكيف يلتئم هذا مع هذا؟\n[فهو إذًا حديث منكر، والأشبه أنه من وضع الرافضة، والله أعلم] [¬٤]. وقد تقدم الكلام علي المساكين وابن [¬٥] السبيل في سورة براءة بما أغنى عن إعادته ها هنا.\nوقوله: ﴿وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾، لما [¬٦] أمر بالإنفاق نهى عن الإسراف فيه؛ بل يكون وسطا كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَينَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ ثم قال منفرًا عن التبذير والسرف: ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾ أي: أشباههم في ذلك.\nوقال ابن مسعود (^١٣٨): التبذير: الإنفاق في غير حق، وكذا قال ابن عباس (^١٣٩).\n_________\n(^١٣٧) - أخرجه البزار\"مختصر الزوائد\" - (١٤٧٦) (٢/ ٩٠). وذكره الهيثمي في المجمع - (٧/ ٥٢) وقال: \"رواه الطبراني وفيه عطية العوفي وهو ضعيف متروك\" وغفل الهيثمي عن عزوه إلى البزار. قلت: وأبو يحيى التيمي، وحميد بن حماد كلاهما ضعيف وله علة أخرى أشار لها المصنف انظر أعلاه.\n(^١٣٨) - أخرجه البخاري في الأدب المفرد - (٤٤٤).- والطبراني في الكبير - (٩٠٠٦) (٩/ ٢٣٣)، وفي الأوسط (١٤٧٢) (٢/ ١٢٩). والحاكم في المستدرك - (٢/ ٣٦١) وصححه على شرط الشيخين ووافقه الذهبي والبيهقي في شعب الإيمان (٦٥٤٦) (٥/ ٢٥٠). وابن جرير في تفسيره - (١٥/ ٧٣) وابن أبي شيبة في المصنف (٦/ ٢٥٢) من طريق أبي العبيدين، قال: قلت لابن مسعود فذكره مطولًا ومختصرًا وقال الهيثمي في المجمع - (٧/ ٥٣٠٥٢) \"رواه الطبراني ورجاله ثقات\". وعزاه السيوطي في الدر المنثور (٤/ ٣٢٠) إلى الفريابي وسعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^١٣٩) - أخرجه البخاري في الأدب المفرد - (٤٤٥). والبيهقي في شعب الإيمان - (٦٥٤٧) (٥/ ٢٥٠ - ٢٥١). وابن جرير في تفسيره - (١٥/ ٧٣). من طريق حصين عن عكرمة عن ابن عباس فذكره. وحسن إسناده الألباني في صحيح الأدب المفرد - (٣٤٦).\n_________\n[¬١]- في ز، \"أبو يحيى التميمي\"، خ: \"أبو نجي التميمي\".\n[¬٢]- في خ: \"أبو نجي التميمي\".\n[¬٣]- في ز: \"الحوار\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- في ت: \"أبناء\".\n[¬٦]- في خ: \"إنما\".","vol":"8","page":474},{"text":"وقال مجاهد (^١٤٠): لو أنفق إنسان ماله كله في الحق لم يكن مبذرًا، ولو أنفق مدًّا في غير حق [¬١] كان تبذيرًا.\nوقال قتادة (^١٤١): التبذير: النفقة في معصية الله وفي غير الحق وفي الفساد.\nوقال الإمام أحمد (^١٤٢): حدثنا هاشم بن القاسم، حدثنا الليث [¬٢]، عن خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن أنس بن مالك أنه قال: أتى رجل من بنى تميم إلي رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، إني ذو مال كثير، وذو أهل وولد وحاضرة، فأخبرني: كيف أنفق؟ وكيف أصنع؟ فقال رسول الله ﷺ: \"تخرج الزكاة من مالك، فإنها طُهرَة تطهرك، وتصل أقرباءك، وتعرف حق السائل والجار والمسكين\". فقال: يا رسول الله؛ أقلل [¬٣] لي؟ فقال:! قآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيرًا\" فقال: حسبي يا رسول الله إذا أديت الزكاة إلي رسولك؛ فقد [¬٤] برئت منها إلى الله وإلى رسوله [¬٥]؟ فقال رسول الله ﷺ: \"نعم\" إذا أديتها إلى رسولي فقد برئت منها، فلك أجرها، وإثمها على من بدلها\".\nوقوله: ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾ أي: في التبذير والسفه، وترك طاعة الله، وارتكاب [¬٦] معصيته، ولهذا قال: ﴿وَكَانَ الشَّيطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾. أي: جحودًا؛ لأنه أنكر نعمة الله عليه، ولم يعمل بطاعته؛ بل أقبل علي معصيته ومخالفته.\nوقوله: ﴿وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيسُورًا﴾، أي: وإذا سألك أقاربك ومن أمرناك بإعطائهم، وليس عندك شيء، وأعرضت عنهم لفقد\n_________\n(^١٤٠) - إسناده صحيح، أخرجه ابن جرير في تفسيره (١٥/ ٧٤) حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج قال: قال مجاهد: … فذكره.\n(^١٤١) - إسناده صحيح، أخرجه ابن جرير في تفسيره - (١٥/ ٧٤) حدثنا بشر، قال: ثنا يزد، قال ثنا سعيد، عن قتادة … فذكره.\n(^١٤٢) - أخرجه أحمد - (٣/ ١٣٦). والطبراني في الأوسط (٨٨٠٢) حدثنا مطلب: نا عبد الله: حدثني الليث به. والحاكم في المستدرك (٢/ ٣٦١) من طريق أبي الوليد الطيالسي حدثنا الليث به، وقال: \"صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه\" ووافقه الذهبي. وذكره الهيثمي في المجمع - (٣/ ٦٦) وقال: \"رواه أحمد والطبراني في الأوسط ورجاله رجال الصحيح\".\n_________\n[¬١]- في خ: \"حقه\".\n[¬٢]- في خ: \"لبث\".\n[¬٣]- في خ: \"أملك\".\n[¬٤]- في ز: \"وقد\".\n[¬٥]- في خ: \"رسول الله\".\n[¬٦]- في خ: \"وترك\".","vol":"8","page":475},{"text":"النفقة، ﴿فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيسُورًا﴾ أي: عدهم وعدًا بسهولة ولين: إذا جاء رزق الله فسنصلكم إن شاء الله، هكذا فسر قوله: ﴿فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيسُورًا﴾ بالوعد- مجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير، والحسن، وقتادة، وغير واحد.\n﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا (٢٩) إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (٣٠)﴾\nيقول تعالى آمرًا بالاقتصاد في العيش ذامًّا للبخل ناهيًا عن السرف: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ﴾، أي: لا تكن بخيلًا منوعًا لا تعطي أحدًا شيئًا، كما قالت اليهود عليهم لعائن الله: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾، أي: نسبوه إلي البخل، تعالى وتقدس الكريم الوهاب.\nوقوله: ﴿وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾، أي ولا تسرف في الإنفاق فتعطي فوق طاقتك وتخرج أكثر من دخلك فتقعد ملومًا محسورًا.\nوهذا من باب اللف والنشر، أي: فتقعد إن بخلت ملومًا يلومك الناس ويذمونك ويستغنون عنك، كما قال زهير بن أبي سُلمي في المعلقة:\nومن كان ذا مال ويبخل بماله … على قومه يُستغنَ عنه ويُذْمَمِ\nومتى بسطت يدك فوق طاقتك قعدت بلا شيء تنفقه فتكون كالحسير، وهو الدابة التي قد عجزت عن السير فوقفت ضعفًا وعجزًا، فإنها تسمى الحسير، وهو مأخوذ من الكلال، كما قال تعالى: ﴿فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (٣) ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَينِ يَنْقَلِبْ إِلَيكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ﴾، أي: كليل عن أن يرى عيبًا، هكذا فسر هذه الآية- بأن المراد منها [¬١] البخل والسرف- ابن عباس والحسنُ وقتادة وابن جريج وابن زيد وغيرهم.\nوقد جاء في الصحيحين (^١٤٣) من حديث أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة: أنه سمع رسول الله، ﷺ يقول: \"مثل البخيل والمنفق كمثل رجلين عليهما جبّتان من حديد من ثدْييهما إلي تراقيهما [¬٢] فأما المنفق فلا ينفق إلا سبغت -أو وفرت-\n_________\n(^١٤٣) - أخرجه البخاري في صحيحه -كتاب الزكاة، باب: مثل المتصدق والبخيل - (١٤٤٣). ومسلم في صحيحه -كتاب الزكاة، باب: مثل المنفق والبخيل - (٧٥) - (١٠٢١).\n_________\n[¬١]- في ت: \"هنا\".\n[¬٢]- في خ: \"تراقهما\".","vol":"8","page":476},{"text":"علي [¬١] جلده، حتى تُخفي بنانه وتَعْفُو أثورهم، وأما البخيل فلا يريد أن ينفق شيئًا إلا لزقت كل حلقة [] [¬٢]، مكانها، فهو يوسعها [فلا تتسع] [¬٣] \" هذا لفظ البخاري في \"الزكاة\".\nوفي الصحيحين (^١٤٤) من طريق هشام بن عروة، عن زوجته فاطمة بنت المنذر عن جدتها أسماء بنت أبي بكر قالت: قال رسول الله ﷺ: \"أنفقي هكذا وهكذا وهكذا، ولا توعي فيوعي الله [¬٤] عليك، ولا توكي فيوكي الله عليك\"، وفي لفظ: \"ولا تحصي فيحصي الله عليك\".\nوفي صحيح مسلم (^١٤٥) من طريق عبد الرزاق، عن معمر، عنى همام، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن الله قال لي: أنْفِقْ أنْفِقْ عليك، وفي الصحيحين (^١٤٦) من طريق معاوية بن أبي مُزرّد، عن سعيد بن يسار، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"ما من يوم يصبح العباد فيه إلا وملكان ينزلان من السماء يقول أحدهما: اللهم أعط منفقًا خلفًا، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكًا تلفًا\".\nوروى مسلم (^١٤٧)، عن قتيبة، عن إسماعيل بن جعفر، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة مرفوعًا: \"ما نقص مال من صدقة، وما زاد الله عبدًا بعفو إلا عزًّا، ومن تواضع لله رفعه الله\".\n_________\n(^١٤٤) - أخرجه البخاري في صحيحه -كتاب الزكاة، باب: التحريض على الصدقة والشفاعة فيها- (١٤٣٣). ومسلم في صحيحه -كتاب الزكاة، باب: الحث في الإنفاق، وكراهة الإحصاء - (٨٨) (١٠٢٩). والنسائي -كتاب الزكاة، باب: الإحصاء في الصدقة - (٥/ ٧٣ - ٧٤).\n(^١٤٥) - أخرجه مسلم في صحيحه -كتاب الزكاة، باب: الحث على النفقة وتبشير المنفق بالخلف- (٣٧) (٩٩٣) حدثنا محمد بن رافع، حدثنا عبد الرزاق به.\n(^١٤٦) - أخرجه البخاري في صحيحه -كتاب الزكاة، باب: قول الله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى …﴾ - (١٤٤٢) - (٣/ ٣٠٤). ومسلم في صحيحه -كتاب الزكاة، باب: في المنفق والممسك (٥٧) (١٠١٠).\n(^١٤٧) - أخرجه مسلم في صحيحه -كتاب البر والصلة والآداب: باب: استحباب العفو والتواضع (٦٩) (٢٥٨٨) حدثنا يحيى بن أيوب وقتيبة وابن حجر قالوا: حدثنا إسماعيل به.\n_________\n[¬١]- في خ: \"إلى\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز: \"منها\".\n[¬٣]- في خ: \"من لا تتسع\".\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.","vol":"8","page":477},{"text":"وفي حديث أبي كثير عن عبد الله بن عمرو مرفوعًا (^١٤٨): \" إياكم والشح فإنه أهلك من كان قبلكم، أمرهم بالبخل فبخلوا، وأمرهم بالقطيعة فقطعوا، وأمرهم بالفجور ففجروا\".\nوروى البيهقي (^١٤٩) من طريق سعدان بن نصر عن أبي معاوية، عن الأعمش، [عن أبي بريدة عن أبيه،] [¬١] قال: قال رسول الله ﷺ: \"ما يخرج رجل صدقة حتى يفُك لَحيَي سبعين شيطانًا\".\nوقال الإمام أحمد (^١٥٠): حدثنا أبو عبيدة الحداد [¬٢]: حدثنا سُكَين [¬٣] بن عبد العزيز، حدثنا إبراهيم الهجري، عن أبي الأحوص [¬٤]: عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: \"ما عال من اقتصد\".\nوقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ إخبار [¬٥] أنه تعالى هو الرزاق\n_________\n(^١٤٨) - أخرجه أبو داود -كتاب الزكاة، باب: في الشح - (١٦٩٨). والنسائي في الكبرى -كتاب التفسير-كتاب: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ﴾ - (١١٥٨٣) (٦/ ٤٨٦) والدارمي - (٢٥١٩) (٢/ ١٥٧). وأحمد في مسنده (٢/ ١٥٩ - ١٦٠). والطيالسي - (٢٢٧٢). وابن حبان في صحيحه- (٥١٧٦) (١١/ ٥٧٩) وفي الموارد - (١٥٨٠) (٥/ ١٥٦ - ١٥٧) والحاكم (١/ ٥١، ٤١١) والبيهقي في الكبرى - (٤/ ١٨٧)، (١٠/ ٢٤٣) كلهم من طريق شعبة عن عمرو بن مرة عن عبد الله بن الحارث عن أبي كثير الزبيدي به مطولًا ومختصرًا. وأبو كثير الزبيدي اسمه زهير بن الأقمر وثقه النسائي وابن حبان والعجلي والذهبي وقال الحاكم: \"صحيح الإسناد ولم يخرجاه وأبو كثير الزبيدي من كبار التابعين\". وله شاهد من حديث أبي هريرة. أخرجه أحمد - (٢/ ٤٣١) والبخاري في الأدب المفرد - (٤٧٠). وابن حبان في صحيحه - (٥١٧٧) (١١/ ٥٨٠) والحاكم - (١/ ١٢). وشاهد آخر من حديث جابر بنحوه.\nأخرجه مسلم في صحيحه -كتاب البر والصلة والآداب -باب: تحريم الظلم - (٥٦) - (٢٥٧٨) (١٦/ ٢٠٢).\n(^١٤٩) - أخرجه البيهقي في الكبرى - (٤/ ١٨٧) -كتاب الزكاة، باب: كراهية البخل والشح والإقتار.\nوأخرجه أحمد - (٥/ ٣٥٠). وابن خزيمة في صحيحه - (٢٤٥٧) (٥/ ١٠٤). والحاكم في المستدرك (١/ ٤١٧)، والطبراني في الأوسط - (١٠٣٤) (١/ ٣٠٧ - ٣٠٨)، من طريق أبي معاوية، عن الأعمش به. وقال الحاكم: \"صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه\" ووافقه الذهبي. قلت: والأعمش مدلس وقد عنعن، وقد تبين أنه لم يسمعه منه: كما قال: أبو معاوية في رواية أحمد. ومع هذا فقد صحح الحديث، والحديث صححه الألباني في \"الصحيحة\" (١٢٦٨) (٣/ ٢٦٤) فالله أعلم.\n(^١٥٠) - أخرجه أحمد (١/ ٤٤٧). وأخرجه الطبراني في الكبير - (١٠١١٨) (١٠/ ١٣٣). وفي الأوسط =\n_________\n[¬١]- في (ز، خ): \"عن أبيه\"، والمثبت من مصادر التخريج.\n[¬٢]- في ز، خ: \"الجعاد\"\n[¬٣]- في ر، خ: \"مسكين\".\n[¬٤]- في ز: \"الأخوص\".\n[¬٥]- في ز، خ: \"إخبارًا\".","vol":"8","page":478},{"text":"القابض الباسط، المتصرف في خلقه بما يشاء، فيغني من يشاء ويفقر من يشاء لما [¬١] له في ذلك من الحكمة، ولهذا قال: ﴿إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾، أي: خبير بصير بمن يستحق الغني [¬٢] ومن يستحق الفقر [¬٣]، كما جاء في الحديث (^١٥١): \" إن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر ولو أغنيته لأفسدت عليه دينه، [وإن من عبادي من لا يصلحه إلا الغني ولو أفقرته لأفسدت عليه دينه] [¬٤] \" وقد يكون الغنى في حق بعض الناس استدراجًا والفقر عقوبةً عياذًا بالله من هذا وهذا.\nانتهى بحمد الله المجلد الثامن ويلبي بمشيئة الله تعالى المجلد التاسع وأوله تفسير الآية (٣١) من سورة الإسراء\n_________\n= (٥٠٩٤) (٥/ ٢٠٦). والبيهقي في الشعب - (٦٥٦٩) (٥/ ٢٥٥). وابن أبي شيبة في المصنف كتاب الأدب باب: الإسراف في النفقة وابن عدي في الكامل - (٤/ ١٣٠١). من طريق سكين بن عبد العزيز حدثنا إبراهيم الهجري به. وقال الهيثمي في المجمع - (١٠/ ٢٥٥) \"رواه أحمد والطبراني في الكبير والأوسط وفي أسانيدهم إبراهيم بن مسلم الهجري وهو ضعيف\". قلت: وسكين ضعفه أبو داود والنسائي وقال ابن خزيمة: أنا بريء من عهدته ومن عهدة أبيه ووثقه ابن معين وابن حبان، وقال أبو حاتم: ليس به بأس. أقول: والحاصل من كلام الأئمة أنه صدوق في نفسه وضعفه إنما في روايته عن الضعفاء وقد روى هنا عن ضعيف!.\n(^١٥١) - جزء من حديث طويل. أخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء - (٨/ ٣١٨). وذكره الحكيم الترمذي في نوادر الأصول - (١/ ٤٢٩ - ٤٣٠). من طريق الحسن بن يحيى، قال: حدثنا صدقة بن عبد الله عن هشام الكناني عن أنس … ذكره، وهشام الكناني لا يعرف وصدقة والحسن وهو ابن يحيى الخشني ضعيفان وعزاه السيوطي في الدر المنثور (٥/ ٧٠٤) إلى ابن أبي الدنيا في كتاب الأولياء. وابن مردويه وابن عساكر في تاريخه.\n_________\n[¬١]- في ز: \"بما\".\n[¬٢]- في ز: \"الفقر\".\n[¬٣]- في ز: \"الغنى\".\n[¬٤]- سقط من: خ.","vol":"8","page":479},{"text":"﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا (٣١)﴾\nهذه الآية الكريمة دالة على أن الله تعالى أرحم بعباده من الوالد بولده؛ لأنه تعالى ينهى عن قتل الأولاد كما أوصى بالأولاد في الميراث، وكان أهل الجاهلية لا يورثون البنات؟ بل كان أحدهم ربما قتل ابنته لئلا تكثر عيلته، فنهى الله تعالى عن ذلك، فقال: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾، أي: خوف أن تفتقروا في ثاني الحال، ولهذا قدم الاهتمام برزقهم فقال: ﴿نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾ وقال [¬١] في [سورة] [¬٢] الأنعام: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِن إِمْلَاقٍ﴾ أي: من فقر ﴿نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾.\nوقوله: ﴿إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾ -أي: ذنبًا عظيمًا.\nوقرأ بعضهم: (كان خَطَأ كبيرًا) وهو بمعناه وفي الصحيحين (^١٥٢) عن عبد الله بن مسعود قلت: يا رسول الله، أي الذنب أعظم؟ قال: \"أن تجعل لله ندًّا وهو خلقك\" قلت: ثم أي؟ قال: \"أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك\" قلت: ثم أي؟ قال: \"أن تزاني بحليلة جارك\".\n﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا (٣٢)﴾\nيقول تعالى ناهيًا عباده عن الزنا، وعن مقاربته -وهو مخالطة أسبابه ودواعيه-: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً﴾، أي: ذنبًا عظيمًا، ﴿وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ أي وبئس طريقًا ومسلكًا.\nوقد قال الإمام أحمد (^١٥٣): حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا [حريز]، حدثنا سليم بن عامر، عن أبي أمامة قال: إن [¬٣] فتىً شابًّا أتى [] [¬٤] النبي ﷺ فقال:\n_________\n(^١٥٢) - أخرجه البخاري في صحيحه -كتاب التفسير، باب: قوله تعالى ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا …﴾ (٤٤٧٧). ومسلم في صحيحه -كتاب الإيمان، كتاب: كون الشرك أقبح الذنوب وبيان أعظمها بعده (١٤١) (٨٦).\n(^١٥٣) أخرجه أحمد (٥/ ٢٥٦ - ٢٥٧). والطبراني في الكبير (٧٦٧٩) (٨/ ١٩٠) من طريقين عن حريز بن عثمان به. وله طريق آخر عن أبي أمامة أخرجه الطبراني في الكبير - (٧٧٥٩) (٨/ ٢١٥) وذكره الهيثمي في المجمع (١/ ١٣٤) وقال: رواه أحمد والطبراني في الكبير ورجاله رجال الصحيح\".\n_________\n[¬١]- سقط من: ت.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من خ.\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين في ز: \"إلى\".","vol":"9","page":5},{"text":"يا رسول الله، ائذن لي بالزنا. فأقبل القوم عليه فزجروه وقالوا: مَهْ مَة. فقال: \"ادنُهْ\". فدنا منه قريبًا فقا: \"اجلس\". فجلس، فقال: \"أتحبه لأمك\"؟ قال: لا والله، جعلني الله فداك. قال: \"ولا الناس يحبونه لأمهاتهم\"، قال: \"اتحبه لابنتك؟ \" قال: لا والله يا رسوا الله، جعلني الله فداك. قال: \"ولا الناس يحبونه لبناتهم\"، قال: \"أتحبه لأختك؟ \"قال: لا والله، جعلني الله فداك. قال: \"ولا الناس يحبونه لأخواتهم\"، قال: \"أتحبه لعمتك؟ \" قال: لا والله، جعلني الله فداك. قال: \"ولا الناس يحبونه لعماتهم\"، قال: \"أفتحبه لخالتك؟ \" قال: لا والله، جعلني الله فداك. قال: \"ولا الناس يحبونه لخالاتهم\"، قال: فوضع يده عليه و[¬١] قال: \"اللهم اغفر ذنبه وطهر قلبه وحصن فرجه\". قال: فلم يكن بعد ذلك الفتى يلتفت إلي شيء.\nوقال ابن أبي الدنيا (^١٥٤): حدثنا عمار بن نصر، حدثنا بقية، عن أبي بكر بن أبي مريم، عن الهيثم بن مالك الطائي، عن النبي ﷺ قال: \"ما من ذنب بعد الشرك أعظم عند الله من نطفة وضعها رجل في رحم لا يحل له\".\n﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا (٣٣)﴾\nيقول تعالى ناهيًا عن قتل النفس بغير حق شرعي كما ثبت في الصحيحين (^١٥٥) أن رسول الله صلي ايله عليه وسلم قال: \"لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والزاني المحمصن، والتارك لدينه المفارق للجماعة\" وفي السنن (^١٥٦): \" لزوال الدنيا أهون عند [¬٢] الله من قتل مسلم\".\n_________\n(^١٥٤) - إسناده مُرسل ضعيف، الهيثم بن مالك تابعي ثقة روى له البخاري في الأدب كما في \"التقريب\". وأبو بكر بن أبي مريم مضعف لاختلاطه، و\"بقية\" مدلس تدليس التسوية ولم يصرح بالسماع وأخرجه ابن الجوزي في ذم الهوى (ص ١٩٠) من طريق ابن أبي الدنيا به. عزاه السيوطي في الدر المنثور - (٤/ ٣٢٥) إلى أحمد ولم أقف عليه عنده والعلم عند الله تعالى. والحديث ضعفه الألباني في \"الضعيفة\" (١٥٨٠) (٤/ ٨٢).\n(^١٥٥) - تقدم تخريجه [سورة النساء / آية ٩٢]، [سورة الأنعام / آية ١١].\n(^١٥٦) - أخرجه الترمذي -كتاب الديات، باب: ما جاء في تشديد قتل المؤمن (١٣٩٥) (٤/ ١٠). والنسائي -كتاب تحريم الدم، باب: تعظيم الدم (٧/ ٨٢) وفي الكبرى -كتاب المحاربة، باب: تعظيم الدم - (٣٤٤٨) (٢/ ٢٨٤). من طريق ابن أبي عدي عن شعبة عن يعلى بن عطاء عن الله عن عبد الله بن عمرو مرفوعًا … ذكره وأخرجه الترمذي أيضًا - (١٣٩٥). والنسائي (٧/ ٨٢، ٨٢ - ٨٣) وفي الكبرى =\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في خ: \"على\".","vol":"9","page":6},{"text":"وقوله: (ومن قتل مظلومًا فقد جعلنا لوليه سلطانًا﴾ أي: سلطة على القاتل، فإنه بالخيار فيه، إن شاء قتله قودًا، وإن شاء عفا عنه على الدية، وإن شاء عفا عنه [¬١] مجانًا كما ثبتت السنة بذلك (^١٥٧)، وقد أخذ الإمام الحبر ابن عباس من عموم هذه الآية الكريمة، ولاية معاوية السلطة أنه سيملك، لأنه كان ولي عثمان، وقد قتل عثمان مظلومًا ﵁ وكان معاوية يطالب عليًّا ﵁ أن يسلمه قتلته حتى يقتص منهم لأنه [¬٢] أموي، وكان علي ﵁ يستمهله [¬٣] في الأمر حتى يتمكن ويفعل ذلك، ويطب علي من معاوية أن يسلمه الشام فيأبى معاوية ذلك حتى يسلمه القتلة، وأبى أن يبايع عليًّا هو وأهل الشام، ثم مع المطاولة تمكن معاوية وصار الأمر إليه، كما تفاءل [¬٤] ابن عباس واستنبطه [¬٥] من هذه الآية الكريمة، وهذا من الأمر العجيب، وقد روى ذلك الطبراني في معجمه (^١٥٨) حيث قال:\nحدثنا يحيى بن عبد الباقي، حدثنا أبو عمير بن النحاس، حدثنا ضمرة بن ربيعة، عن ابن شوذب، عن مطر الوراق، عن زهدم الجرمي [¬٦] قال: كنا في سمر ابن عباس فقال: إني محدثكم حديثًا [¬٧] ليس بسر ولا علانية، إنه لما كان من أمر [¬٨] هذا الرجل ما كان -يعني عثمان- قلت لعليّ: اعتزل، فلم كنت في جحر طُلبتَ حتى تُستخرج فعصاني، وايم الله ليتأمرن عليكم معاوية، وذلك أن الله تعالى يقول: ﴿ومن كل مظلومًا فقد جعلنا لوليه\n_________\n= (٣٤٥٠). من طريق محمد بن جعفر عن شعبة له موقوقًا على عبد الله بن عمرو. وقال الترمذي: \"هذا أصح من حديث ابن أبي عدي … \". قلت: وابن عدي لم ينفرد برفعه فقد تابعه أبو أسامة وهو ثقة. أخرجه البيهقي في \"الكبرى\" (٨/ ٢٢ - ٢٣). وأبو نعيم في الحلية - (٧/ ٢٧٠)، لكن قال البيهقي \"والموقوف أصح\". وله طريق آخر عن عبد الله بن عمرو مرفوعًا عند النسائي لكن في إسناده إبراهيم بن مهاجر وليس بالقوي.\n(^١٥٧) - من ذلك حديث أبي هريرة الطويل. أخرجه البخاري في صحيحه كتاب الديات، باب: من قتل له قتيل فهو خير النَّظَرين (٦٨٨٠). ومسلم في صحيحه -باب الحج، باب: تحريم مكة وصيدها … - (٤٤٧) (١٣٥٥)، وفيه \"ومن قتل له قتيل فهو بخير النظرين إما أن يُودى وإما أن يقاد. \".\n(^١٥٨) - أخرجه الطبراني في الكبير - (١٠٦١٣) (١٠/ ٣٢٠). وذكره الهيثمي في المجمع (٧/ ٢٣٩) وقال: رواه الطبراني وفيه من لم أعرفهم.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- في ز، خ: \"لا\".\n[¬٣]- في ز: \"يستجهله\"، خ: \"يستحله\" كذا في الأصل.\n[¬٤]- في ز: \"يقال\".\n[¬٥]- في ت: \"استنبطه\".\n[¬٦]- في ز، خ: \"الحرمي\".\n[¬٧]- في خ: \"بحديث\".\n[¬٨]- سقط من: خ.","vol":"9","page":7},{"text":"سلطانًا فلا يسرف في القتل إنه كان منصورًا﴾ الآية، وليحملنكم قريش على سنة فارس والروم، وليقيمن [¬١] عليكم النصارى واليهود والمجوس، فمن أخذ منكم يومئذ بما يعرف نجا، ومن ترك -وأنتم تاركون- كنتم كقرن [¬٢] من القرون هلك فيمن هلك.\nوقوله: ﴿فلا يسرف في القتل﴾ قالوا: معناه: فلا يسرف الولى في قتل القاتل بأن يمثل به أو يقتص من غير القاتل.\nوقوله: ﴿إنه كان منصورًا﴾ أي: إن الولي منصور على القاتل شرعًا، وغالبًا قدرًا.\n﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَال الْيَتِيمِ إلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا (٣٤) وَأَوْفُوا الْكَيلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيرٌ وَأَحْسَنُ تَأْويلًا (٣٥)﴾\nيقول تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَال الْيَتِيمِ إلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ] [¬٣]﴾، أي: لا تتصرفوا له إلا بالغبطة، [﴿ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم إنه كان حوبًا كبيرًا﴾] [¬٤] ﴿ولا تأكلوها [¬٥] إسرافًا وبدارًا أن يكبروا ومن كان غنيًّا فليستعفف ومن كان فقيرًا فليأكل بالمعروف﴾.\nوقد جاء في صحيح مسلم (^١٥٩) أن رسول الله ﷺ قال لأبي ذر: \"يا أبا ذر؛ إني أراك ضعيفًا، وإني لك ما أحب لنفسي، لا تأَمَّرن على اثنين، ولا تولين مال يتيم\". وقوله: ﴿وأوفوا بالعهد﴾ أي: الذي تعاهدون عليه الناس، والعقود التي تعاملونهم بها؛ فإن العهد والعقد كل منهما يسأل صاحبه عنه ﴿إن العهد كان مسئولًا﴾ أي: عنه.\nوقوله: ﴿وأوفوا الكيل إذا كلتم﴾ أي: من غير تطفيف، ولا تبخسوا الناس أشياءهم،\n_________\n(^١٥٩) - صحيح، أخرجه مسلم في صحيحه -كتاب الإمارة، باب: كراهة الإمارة بغير ضرورة (١٧) (١٨٢٦) وأبو داود -كتاب الوصايا -باب: ما جاء في الدخول في الوصايا - (٢٨٦٨). والنسائي- كتاب الوصايا -باب: النهي عن الولاية على مال اليتيم (٦/ ٢٥٥) عن حديث سالم بن أبي سالم الجيشاني عن أبيه عن أبي ذر فذكره.\n_________\n[¬١]- في ز: \"وليتمتن\"، خ: \"وليمتنن\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"قرن\".\n[¬٣]- سقط من: خ.\n[¬٤]- سقط من: خ.\n[¬٥]- في خ: \"تأكلوا أموالهم\".","vol":"9","page":8},{"text":"﴿وزنوا بالقسطاس المستقيم﴾ قرئ بضم القاف وكسرها كالقرطاس، وهو: الميزان. وقال مجاهد: هو: العدل بالرومية.\nوقوله: ﴿المسقيم﴾ أي: الذي [¬١] لا اعوجاج فيه ولا انحراف ولا اضطراب.\n﴿ذلك خير﴾، أي: لكم في معاشكم ومعادكم، ولهذا قال: ﴿وأحسن تأويلًا﴾ أي: مالًا ومنقلبًا في آخرتكم قال سعيد عن قتادة: ﴿ذلك خير وأحسن تأويلًا﴾ أي: خير ثوابًا وعاقبة. [وأخبِرنا أن] [¬٢] ابن عباس كان يقول (^١٦٠): يا معشر الموالي، إنكم وليتم أمرين بهما هلك الناس قبلكم: هذا المكيال وهذا الميزان، قال: وذكر لنا أن نبي [¬٣] الله ﷺ كان يقول: \"لا يقدر رجل على حرام ثم يدعه ليس به إلا مخافة الله إلا أبدله الله به [¬٤] في عاجل الدنيا قبل الآخرة ما هو خير له من ذلك\".\n﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾\nقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، يقوله: لا تقل.\nوقال العوفي عنه: لا ترم أحدًا بما ليس لك به علم، وقال محمد بن الحنفية: يعني: شهادة الزور.\nوقال قتادة: لا تقل رأيت. ولم تر، وسمعت. ولم تسمع، وعلمت. ولم تعلم؛ فإن الله تعالى سائلك عن ذلك كله.\nومضمون ما ذكروه أن الله تعالق نهى عن القول بلا علم، بل بالظن الذي هو التوهم والخيال، كما قال تعالى: ﴿اجتنبوا كثيرًا من الظن إن بعض الظن إثم﴾ وفي الحديث: \"إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث\" (^١٦١).\n_________\n(^١٦٠) - أخرجه ابن جرير في تفسيره - (١٥/ ٨٥) حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد ثنا سعيد عن قتادة أخبرنا أن ابن عباس كان قوله: … وعزاه السيوطي في \"الدر المنثور\" - (٤/ ٣٢٨) إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^١٦١) - أخرجه البخاري في صحيحه -كتاب الأدب، باب: \" ﴿يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرًا من الظن …﴾ (٦٠٦٦). ومسلم في صحيحه -كتاب البر والصلة والآداب، باب: \"تحريم الظن والتجسس والتنافس .. \" (٢٨) (٢٥٦٣). وأبو داود-كتاب الأدب، باب: في الظن (٤٩١٧) =\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- في ز: \"وأخبرنا\"، خ: \"وأما\".\n[¬٣]- في خ: \"رسول\".\n[¬٤]- سقط من: ز.","vol":"9","page":9},{"text":"وفي سنن أبي داود (^١٦٢): \" بئس مطية الرجل: زعموا\" وفي الحديث الآخر (^١٦٣): \" إن أفرى الفرى أن يرى عينيه ما لم تريا\" وفي الصحيح (^١٦٤): \" من تحلم حلمًا كلف يوم القيامة أن يعقد بين شعيرتين وليس بعاقد.\nوقوله: ﴿كل أولئك﴾، أي: هذه الصفات من السمع والبصر والفؤاد ﴿كان عنه مسئولًا﴾، أي: سيسأل العبد عنها يوم القيامة وتسأل عنه وعما عمل فيها، ويصح استعمال: \"أولئك\" مكان: \"تلك\" كما قال الشاعر:\nذم المنازل بعد منزلة اللوى … والعيش بعد أولئك الأيام\n_________\n= من طريق مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة مرفوعًا فذكره.\n(^١٦٢) - أخرجه أبو داود كتاب الأدب، باب: \"قول الرجل زعموا\" - (٤٩٧٢). والبخاري في الأدب المفرد (٧٦٢) وأحمد في المسند (٤/ ١١٩)، (٥/ ٤٠١). والطحاوي في مشكل الآثار - (١/ ٦٨). وابن المبارك في \"الزهد\" - (٣٧٧). والقضاعي في مسند الشهاب - (١٣٣٤، ١٣٣٥، ١٣٣٦) (٢/ ٢٦٨، ٢٦٩) والبغوي في شرح السنة - (٨٨٩٢) (١٢/ ٣٦١). من طرق عن الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن أبي قلابة عن أبي مسعود قال: قيل له: ما سمعت رسول الله على الله عليه وسلم - يقول في زعموا؟ فذكره. وفي رواية أبي داود- عن أبي قلابة، قال: قال أبو مسعود لأبي عبد الله، أو قال أبو عبد الله لأبي مسعود … \" وقال أبو داود: أبو عبد الله هذا حذيفة. قال الشيخ الألباني في \"الصحيحة\" (٢/ ٥٤٩): \"هذا إسناد صحيح رجاله ثقات، وأبو قلابة قد صرح بالتحديث في رواية الوليد بن مسلم قال: نا الأوزاعي نا يحيى بن أبي كثير نا أبو قلابة نا أبو عبد الله مرفوعًا به … وهذا إسناد صحيح متصل بالتحديث وقال أبو داود: \"أبو عبد الله هذا حذيفة\"،. كذا قال الشيخ الألباني مع أن رواية أبي قلابة عنحذيفة (أبي عبد الله) غير متصلة ذكر ذلك العلائي في جامع التحصيل (ت: ٣٦٢) وابن حجر في التهذيب (٥/ ١٩٨). بل إن روايته عن أبي مسعود فيها كلام أيضًا. قال ابن حجر ﵀ في \"فتح الباري\" (١٠/ ٥٥١) - عند شرحه باب \"ما جاء في زعموا\" من كتاب الأدب- ح (٦١٥٨): \"قوله (البخاري) باب: \"ما جاء في زعموا\" كأنه يشير إلى حديث أبي قلابة قال: \"قيل لأبي مسعود … فذكر الحديث ثم قال: أخرجه أحمد وأبو داود ورجاله ثقات، إلا أن فيه انقطاعًا. وكان البخاري أشار إلى ضعف هذا الحديث إخراجه حديث أم هانئ وفيه قولها: زعم ابن أمي. فإن أم هانئ أطلقت ذلك في حق علي ولم ينكر عليها النبي على الله عليه وسلم - والأصل في زعم أنها تقال في الأمر الذي لا يوقف على حقيقته … \" وقد نقل الحافظ المنذري في مختصره عن الحافظ أبي القاسم الدمشقي في الأطراف- عدم سماع أبي قلابة من أبي مسعود، والعلم عند الله تعالى.\n(^١٦٣) - أخرجه البخاري في صحيحه -كتاب التعبير، باب: من كذب في حلمه (٧٠٤٣) من حديث ابن عمر.\n(^١٦٤) - أخرجه البخاري في صحيحه -كتاب التعبير، باب: من كذب في حلمه (٧٠٤٢). أبو داود- كتاب الأدب، باب: ما جاء في الرؤيا - (٥٠٢٤). والترمذي -كتاب اللباس، باب: ما جاء في المصورين (١٧٥١). والنسائي -كتاب الزينة، باب: ما يكلف أصحاب الصور يوم القيامة - (٨/ ٢١٥). وابن ماجه -كتاب تعبير الرؤيا، باب: من تحلم حلمًا كاذبًا (٣٩١٦) من طريق أيوب عن=","vol":"9","page":10},{"text":"﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَال طُولًا (٣٧) كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا (٣٨)﴾\nيقول [¬١] تعالى ناهيًا عباده عن التجبر والتبختر في المشية: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا﴾ أي: متبخترا متمايلًا مشي الجبارين، ﴿إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ﴾ أي: لن [¬٢] تقطع الأرض بمشيتك، قاله ابن جرير، واستشهد عليه يقول رؤبة بن العجّاج:\n*وقائم الأعماق خاوى [¬٣] المخترق*\nوقوله: ﴿وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَال طُولًا﴾ أي: بتمايلك وفخرك وإعجابك بنفسك؛ بل قد يجازى فاعل ذلك بنقيض قصده، كما ثبت في الصحيح (^١٦٥): \" بينا رجل يمشي فيمن كان قبلكم، وعليه بردان يتبختر فيهما- إذ خسف به الأرض، فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة وكذلك أخبر الله تعالى عن قارون أنه خرج على قومه في زينته، وأن الله تعالى خسف به وبداره الأرض، وفي الحديث (^١٦٦): \" من تواضع لله رفعه الله، فهو في نفسه حقير وعند الناس كبير، ومن استكبر وضعه الله، فهو في نفسه كبير وعند الناس حقير [¬٤]، حتى لهو أبغض إليهم من الكلب و[¬٥] الخنزير\".\n_________\n= عكرمة عن ابن عباس فذكره مرفوعًا.\n(^١٦٥) - أخرجه البخاري في صحيحه -كتاب اللباس، باب: من جر ثوبه من الخيلاء - (٥٧٨٩).\nومسلم في صحيحه -كتاب اللباس والزينة، باب: تحريم التبختر في المشي، مع إعجابه بثيابه (٤٩، ٥٠) (٢٠٨٨). من طرق عن أبي هريرة مرفوعًا.\n(^١٦٦) - أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط (٨٣٠٧) (٨/ ١٧٢). وأبو نعيم في الحلية - (٧/ ١٢٩).\nوالخطيب البغدادي في تاريخه (٢/ ١١٠). من طريق سعيد بن سلام العطار ثنا سفيان عن الأعمش عن إبراهيم عن عابس بن ربيعة قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول … فذكره. وقالوا جميعًا \"غريب من حديث الثوري، تفرد به سعيد بن سلام\". قلت: \"وهو كذاب كما قال، ابن نمير وأحمد بن حنبل، وقال البخاري: يذكر بوضع الحدث وقال النسائي وغيره ضعيف [ميزان الاعتدال للذهبي (٣١٩٥) (٢/ ٣٣١). والحديث عزاه الهيثمي في المجمع - (٨/ ٨٥) إلى الطبراني في الأوسط وقال: في إسناده سعيد بن سلام العطار وهو كذاب. وحديث عمر له طريق آخر عند أبي يعلى (١/ ١٨٧) وأحمد (١/ ٤٤)، وصححه الشيخ الألباني في الصحيحة\" (٥/ ٢٣٢٨) وفي الباب عن:=\n_________\n[¬١]- في ز: \"قوله\".\n[¬٢]- سقط من: خ\n[¬٣]- في ز: \"حاوى\".\n[¬٤]- في ز: \"صغير\".\n[¬٥]- في ز: \"أو\".","vol":"9","page":11},{"text":"وقال أبو بكر بن أبي الدنيا في كتاب \"الخمول والتواضع\" (^١٦٧): حدثنا أحمد بن إبراهيم بن كثير، حدثنا حجاج بن محمد، عن أبي بكر الهذلي قال: بينما نحن مع الحسن، إذ مرّ عليه ابن الأهيم -يريد المنصور- وعليه جباب خز، قد نضد بعضها فوق بعض على ساقه، وانفرج عنها قباؤه، وهو يمشى ويتبختر، إذ نظر إليه الحسن نظرة فقال: أف أف، شامخ بأنفه، ثانٍ عطفه، مصعر خده، ينظر في عطفيه، أيّ حُمَيق [] [¬١] ينظر في عطفه في نعم غير مشكورة، ولا مذكورة، غير المأخوذ بأمر الله فيها، ولا المؤدي حق الله منها! والله إن [¬٢] يمشي أحدهم طبيعته يتلجلج [¬٣] تلجلج المجنون؛ في كل عضو منه نعمة، وللشيطان به لعنة، فسمعه ابن الأهيم فرجع يعتذر إليه، فقال: لا تعتذر [¬٤] إليّ وتب إلى ربك، أما سمعت قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا﴾.\nورأى البخترى [¬٥] العابد رجلًا من آل علي يمشي وهو يخطر في مشيته، فقال له: يا هذا! أن الذي أكرمك به لم تكن هذه مشيته، قال: فتركها الرجل بعدُ .. ورأى ابن عمر (^١٦٨) رجلًا يخطر في مشيته فقال: إن للشياطين إخوانا.\nوقال خالد بن معدان: إياكم والخَطْر، فإن الرجل [] [¬٦] يده من سائر جسده رواهما ابن أبي الدنيا (^١٦٩) وقال ابن أبي الدنيا: حدثنا خلف بن هشام البزار، حدثنا حماد بن\n_________\n=\n١ - عياض بن حمار.\nأخرجه مسلم في صحيحه - (٦٤) (٢٨٦٥) وأبو داود - (٤٨٩٥). وابن ماجه - (٤١٧٩) ولفظه \"وإن الله أوحى إلى أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد، ولا يبغي أحد على أحد\".\n٢ - حديث أبي هريرة.\nأخرجه مسلم في صحيحه - (٦٩) - (٢٥٨٨) (١٦/ ٢١٣). من طريق العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعًا \"ما نقصت صدقة من مال: وما زاد الله عبدًا بعفو إلا عزًّا، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله\".\n(^١٦٧) - أخرجه ابن أبي الدنيا في \"الخمول والتواضع\" - (٢٣٧). وأبو بكر الهذلي قيل اسمه سلمى بن عبد الله وقيل روح أخباري متروك الحديث كما في \"التقريب\".\n(^١٦٨) - ذكره السيوطي في الدر المنثور - (٤/ ٣٣٠) وعزاه إلى ابن أبي الدنيا.\n(^١٦٩) - أخرجه البيهقي في دلائل النبوة - (٦/ ٥٢٥). من طريق سفيان عن يحيى بن سعيد به.\nقلت: وهذا إسناد مرسل صحيح، ويحنس هو ابن أبي موسى مولى مصعب بن الزبير وثقه=\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ز: \"أي\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"أي\".\n[¬٣]- سقط من: خ.\n[¬٤]- في ز: \"تعذر\".\n[¬٥]- في ز: \"البحترى\".\n[¬٦]- في ز، خ: \"بياض بقدر كلمة\".","vol":"9","page":12},{"text":"زيد، عن يحيى، عن سعيد، عن يُحَنس [¬١] قال: قال رسول الله ﷺ: \"إذا مشت أمتي المطيطاء [¬٢] وخدمتهم فارس والروم، سلط بعضهم على بعض\".\nوقوله تعالى: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ أما من قرأ: ﴿سيئة﴾، أي: فاحشة، فمعناه عنده: كل هذا الذي نهينا عنه من قوله: ﴿ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق﴾ إلى هاهنا، فهو سيئة مؤاخذ عليها، ﴿مكروها﴾: عند الله لا يحبه ولا يرضاه.\nوأما من قرأ: ﴿سيئه﴾ على الإضافة، فمعناه عنده: كل هذا الذي ذكرناه من قوله: ﴿وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه﴾ إلى ها هنا، فسيئه، أي: فقبيحه [¬٣]، مكروه عند الله، هكذا وجه ذلك ابن جرير ﵀.\n﴿ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي\n_________\n= النسائي والذهبي وابن حجر. وأخرجه الطبراني في الأوسط - (١٣٢، ٣٥٨). عن يحنس مولى آل الزبير عن أبي هريرة مرفوعًا ذكره. وذكره الهيثمي في \"المجمع\" - (١٠/ ٢٤٠) وقال: \"رواه الطبراني في الأوسط وإسناده حسن\". لكن في إسناده ابن لهيعة وهو سيئ الحفظ. وأخرجه الترمذي - (٢٢٦١) (٤/ ٤٥٦) -كتاب الفتن، باب (٧٤). وابن المبارك في الزهد رواية نعيم بن حماد - (١٨٧). والبغويُّ في شرح السنة - (٤٢٠٠) (١٤/ ٣٩٥). والبيهقي في الدلائل - (٦/ ٥٢٥) وأبو نعيم في أخبار أصبهان- (١/ ٣٠٨). والعقيلي في الضعفاء - (٤/ ١٦٢)، وابن عدي في الكامل - (٦/ ٢٣٣٥). من طريق موسى بن عبيدة، عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر مرفوعًا وفي آخره \"سلط الله شرارها على خيارها\".\nوقال الترمذي: \"هذا حديث غريب\". قلت: موسى بن عبيدة ضعيف لاسيما في عبد الله بن دينار كما قال الحافظ في التقريب لكن أخرجه الترمذي من طريق محمد بن إساعيل الواسطي. حدثنا أبو معاوية عن يحيى بن سعيد عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر مرفوعًا فذكره. وقال: \"ولا يعرف لحديث أبي معاوية عن يحيى بن سعيد عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر أصل إنما المعروف حديث موسى بن عبيدة، وقد روى مالك بن أنس هذا الحديث عن يحيى بن سعيد مرسلًا …،. قال الشيخ الألباني في الصحيحة- (٢/ ٦٨٠) (٩٥٦). . موسى بن عبيدة ضعيف، لكن متابعة يحيى بن سعيد، تشهد لصحة حديثه، وقول الترمذي: إنه لا أصل له عنه، أراه مجازفة ظاهرة لأن السند إليه بذلك صحيح، فإن أبا معاوية ثقة من رجال الشيخين، ومحمد بن إسماعيل الواسطي ثقة، كما قال الحافظ، ومالك كثيرًا ما يرسل ما هو معروف وصله … \". قلت: وعلى هذا فإن الإسناد المتقدم، إسناد صحيح لا غبار عليه ولله الحمد وقد أخرجه ابن حبان في صحيحه - (٦٧١٦) (١٥/ ١١٢). وفي الموارد - (١٨٦٤) - (٦/ ١٠٨ - ١٠٩). من طريق مؤمل بن إسماعيل ثنا حماد بن سلمة، ثنا يحيى بن سعيد الأنصاري عن عبيد سنوطا عن خولة بنت قيس مرفوعًا فذكرته، ومؤمل بن إسماعيل سيئ الحفظ كما في \"التقريب\".\n_________\n[¬١]- في خ: \"محسن\".\n[¬٢]- في ز: \"المطيطيا\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"قبيحه\".","vol":"9","page":13},{"text":"جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا (٣٩)﴾\nيقول تعالى: هذا الذي أمرناك به من الأخلاق الجميلة، ونهيناك عنه من الصفات الرذيلة مما أوحينا [¬١] إليك يا محمد لتأمر به الناس.\n﴿وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا﴾، أي: تلومك نفسك والخلق، ﴿مَدْحُورًا﴾، [أي: مبعدًا من كل خير] [¬٢]، قال ابن عباس وقتادة: مطرودًا. والمراد من هذا [¬٣] الخطاب الأمة بواسطة الرسول ﷺ، فإنه صلوات الله وسلامه عليه معصوم.\n﴿أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثًا إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا (٤٠)﴾\nيقول تعالى رادًّا على المشركين الكاذبين الزاعمين -عليهم لعائن الله- أن الملائكة بنات الله، فجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثًا، ثم ادعوا أنهم بنات الله، ثم عبدوهم فأخطأوا في كل من المقامات [¬٤] الثلاث [] [¬٥] خطأ عظيمًا، فقال تعالى منكرًا عليهم: ﴿أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ﴾، أي: خصصكم بالذكور، ﴿وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثًا﴾؛ أي: واختار لنفسه -على زعمكم- البنات؟! ثم شدد الإنكار عليهم فقال: ﴿إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا﴾، أي: في زعمكم أن لله ولدًا، ثم جعلُكم [¬٦] ولده الإناث التي تأنفون أنا يكن لكم، وربما قتلتموهن بالوأد، فتلك إذا قسمة ضيزى، وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (٨٨) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيئًا إِدًّا (٨٩) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (٩١) وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (٩٢) إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إلا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (٩٤) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾.\n﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وَمَا يَزِيدُهُمْ إلا نُفُورًا (٤١)﴾\nيقول تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا للناس [¬٧] فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا [¬٨]، أي [¬٩]:\n_________\n[¬١]- في ز: \"أوحيناه\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- سقط من: ز.\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين في ز: \"مقامات\".\n[¬٦]- في ز، خ: \"جعلتم\".\n[¬٧]- سقط من: خ.\n[¬٨]- في ز: \"من كل شيء\"، خ: \"من كل مثل\".\n[¬٩]- سقط من: ز، خ.","vol":"9","page":14},{"text":"صرفنا [¬١] فيه من الوعيد لعلهم يذكرون ما فيه من الحجج، والبينات والمواعظ، فينزجروا [¬٢] عما هم فيه من الشرك والطم والإفك ﴿وما يزيدهم﴾، أي: الظالمين منهم، ﴿إلا نفورًا﴾، أي: عن الحق وبعدًا منه.\n﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا (٤٢) سُبْحَانَهُ وَتَعَالى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا (٤٣)﴾\nيقول تعالى: قل يا محمد لهؤلاء المشركين، الزاعمين أن لله شريكًا من خلقه، العابدين معه غيره ليقربهم إليه زلفى: لو كان الأمر كما تقولون، وأن معه آلهة تعبد لتقرب إليه وتشفع لديه- لكان أولئك المعبودون [¬٣] يعبدونه، ويتقربون إليه، ويبتغون إليه الوسيلة والقربة، فاعبدوه أنتم وحده كما يعبده من تدعونه من دونه، ولا حاجة لكم إلى معبود يكون واسطة بينكم وبينه؛ فإنه لا يحب ذلك ولا يرضاه، بل يكرهه ويأباه، وقد نهى عن ذلك على ألسنة جميع رسله وأنبيائه.\nثم نزه نفسه الكريمة وقدسها فقال: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ﴾، أي: هؤلاء المشركون المعتدون الظالمون في زعمهم أن معه آلهة أخرى ﴿علوًّا كبيرًا﴾، أي: تعاليًا كبيرًا، بل هو الله الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد.\n﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيءٍ إلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤٤)﴾\nيقول تعالى: تقدسه السموات السبع والأرض ومن فيهنّ، أي: من المخلوقات، وتنزهه وتعظمه، وتجله وتكبره عما يقول هؤلاء المشركون، وتشهد له بالوحدانية في ربوبيته وإلهيته:\nففي كلِّ شيء لَهُ آية … تدل على أنه واحد\nكما قال تعالى: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (٩١)﴾.\n_________\n[¬١]- في ز: \"وصرفنا\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"فينزجرون\".\n[¬٣]- في ز: \"المبعودون\".","vol":"9","page":15},{"text":"وقال أبو القاسم الطبراني (^١٧٠): حدثنا علي بن عبد العزيز، حدثنا سعيد بن منصور، حدثنا مسكين بن ميمون -مؤذن مسجد الرملة- جدثنا عروة بن رُوَيم، عن عبد الرحمن بن قرط: أن رسول الله ﷺ ليلة أسري به إلى المسجد الأقصى كان بين المقام وزمزم، جبريل عن يمينه وميكائيل عن يساره، فطارا به حتى بلغ السموات السبع، فلما رجع قال: \"سمعت تسبيحًا في السموات العلى مع تسبيح كثير، سبحت السموات العلى من ذي المهابة، مشفقات لذي العلو بما علا، سبحان العليّ الأعليّ، ﷾\".\nوقوله: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾، أي: وما من شيء من المخلوقات إلا يسبح بحمد الله، ﴿وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾، أي: [لا تفقهون] [¬١] تسبيحهم أيها الناس؛ لأنها بخلاف لغتكم، وهذا عام في الحيوانات [¬٢] والنبات والجماد، وهذا أشهر القولين، كما ثبت في صحيح البخاري (^١٧١) عن ابن مسعود أنه قال: كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل.\nوفي حديث أبي ذر (^١٧٢): أن النبي ﷺ أخذ في يده حصيات، فسُمع لهن تسبيحُ كحنين النحل، وكذا في يد أبي بكر، وعمر، وعثمان ﵃ أجمعين [¬٣]- وهو حديث مشهور في المسانيد.\nوقال الإمام أحمد (^١٧٣): حدثنا حسنى، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا [¬٤] زبان، عن سهل بن معاذ بن [¬٥] أنس، عن أبيه ﵁، عن رسول الله ﷺ:\n_________\n(^١٧٠) - إسناده ضعيف، وقد تقدم.\n(^١٧١) - أخرجه البخاري في صحيحه -كتاب المناقب، باب: علامات النبوة في الإسلام (٣٥٧٩).\n(^١٧٢) - أخرجه البيهقي في دلائل النبوة - (٦/ ٦٤ - ٦٥). من طريق صالح بن أبي الأخضر عن الزهري عن رجل يقال له: سويد بن يزيد السلمي قال: سمعت أبا ذر يقول فذكره مطولا. وقال \" … صالح بن أبي الأخضر لم يكن حافظًا، والمحفوظ رواية شعيب بن أبي حمزة عن الزهريّ قال: ذكر الوليد بن سويد أن رجلًا من بني سليم كبير السن كان ممن أدرك أبا ذر بالربدة ذكر له فذكر هذا الحديث عن أبي ذر\".\nوذكره الهيثمي في المجمع (٨/ ٣٠٢) وابن حجر في الفتح - (٦/ ٥٩٢). وعزياه إلى البزار والطبراني في \"الأوسط\". وقال الهيثمي: \"رواه البزار بإسنادين ورجال أحدهما ثقات، وفي بعضهم ضعف\".\n(^١٧٣) - أخرجه أحمد - (٣/ ٤٣٩، ٤٤٠). والطبراني في الكبير - (٤٣٢) (٢٠/ ٩٣٠) من طريق=\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ز: \"تفهمون\".\n[¬٢]- في خ: \"الحيوان\".\n[¬٣]- سقط من: ت.\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- في خ عن مكتوب فوقها ابن\".","vol":"9","page":16},{"text":"أنه على قوم وهم وقوف على دواب لهم ورواحل، فقال لهم: \"اركبوها [¬١] سالمة، ودعوها سالمة، ولا تتخذوها كراسي لأحاديثكم في الطرق والأسواق، فرب مركوبة خير من راكبها، وأكثر ذكرًا لله تعالى منه\".\nوفي سنن النسائي (^١٧٤)، عن عبد الله بن عمرو قال: نهى رسول الله ﷺ عن قتل الضفدع وقال: \"نقيقها تسبيح\".\nوقال قتادة عن عبد الله بن بابي، عن عبد الله بن عمرو (^١٧٥): أن الرجل إذا قال لا إله إلا الله، فهي كلمة الإخلاص، التي لا يقبل الله من أحد عملًا حتى يقولها، وإذا قال:\n_________\n= رشدين عن زبان به. وذكره الهيثمي في \"المجمع\" - (٨/ ١١٠) وقال: رواه أحمد والطبراني وأحد أسانيد أحمد رجاله رجال الصحيح، غير سهل بن معاذ بن أنس وثقه ابن حبان وفيه ضعف\". قلت: ومتن الحديث بهذا الطول انفرد به زبان عن سهل وهي رواية ضعيفة لاسيما وفي سندها ابن لهيعة، ورشدين بن سعد وكلاهما ضعيف، ولذلك فإن قول الهيثمي السابق عليه تحفظ فلينتبه، والمعصوم من عصمه الله تعالى- لكن: أخرجه أحمد (٣/ ٤٤٠)، (٤/ ٢٣٤) والدارمي (٢٦٧١) (٢/ ١٩٧). والطبراني في الكبير - (٤٣١) - (٢٠/ ١٩٣) وابن حبان في صحيحه - (٥٦١٩) (١٢/ ٤٣٧). والحاكم في \"المستدرك\" (١/ ٤٤٤)، (٢/ ١٠٠). والبيهقي في الكبرى - (٥/ ٢٥٥). من طريق الليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب عن سهل بن معاذ بن أنس عن أبيه به. دون قوله \"فرب مركوبة خير … \". وقال الحاكم: \"صحيح الإسناد\" ووافقه الذهبي. وهو كما قالا، فإن رجاله كلهم ثقات، وسهل بن معاذ لا بأس له في غير رواية زبان عنه، وهذه ليست منها.\n(^١٧٤) - لم أقف عليه في المطبوع من سنن النسائي الصغرى والكبرى، والعلم عند الله تعالى لكن: أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط - (٣٧١٦) (٤/ ١٠٤). والصغير - (١/ ١٨٩). وأبو الشيخ في العظمة- (١٢٢٦) (٥/ ١٧٤٤ - ١٧٤٥). وابن عدي في الكامل - (٦/ ٢٣٨٤). من طريق المسيب بن واضح، قال: نا حجاج بن محمد، عن شعبة، عن قتادة، عن زرارة بن أوفى عن عبد الله بن عمرو فذكره. والمسيب بن واضح: ضعفه الدارقطني، وقال أبو حاتم: صدوق يخطى كثيرًا، فإذا قيل له لم يقبل، [انظر ميزان الاعتدال للذهبي (٨٥٤٨) (٥/ ٢٤١)]. وذكر له ابن عدي عدة أحاديث مستنكرة عليه، منها بها الحديث. وقال الذهبي وابن عدي في هذا الحديث: صوابه الوقف- وأخرجه موقوفًا عبد الرزاق في المصنف (٨٤١٨). وذكره الهيثمي في المجمع - (٤/ ٤٤ - ٤٥) وقال: \"رواه الطبراني في الصغير والأوسط فيه المسيب بن واضح وفيه كلام، وقد وثق، وبقية رجاله رجال الصحيح\". وعزاه السيوطي في \"الدر المنثور\" (٤/ ٢٣٢) إلى النسائي وابن مردويه. قلت. وقد صح النهي عن قتل الضفدع. فأخرج أبو داود - (٥٢٦٩، ٣٨٧١). والنسائي - (٧/ ٢١٠) وأحمد - (٣/ ٤٥٣). وصححه الألباني في صحيح الجامع - (٦٨٤٨) (٦/ ٦٨). من حديث عبد الرحمن بن عثمان التيمي، أن طبيبًا ذكر ضفدعًا في دواء عند رسول الله ﷺ فنهى رسول الله على الله عليه وسلم - عن قتله.\n(^١٧٥) - أخرجه السنن جرير في تفسيره - (١٥/ ٩٣) حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد عن قتادة عن عبد الله بن بابي به. وقع في المطبوع من تفسيري ابن جرير وابن كثير \"عن قتادة عن عبد الله بن=\n_________\n[¬١]- في ز: \"اركبوا\".","vol":"9","page":17},{"text":"الحمد لله، فهي كلمة الشكر التي لم يشكر الله عبدٌ قط حتى يقولها، وإذا قال: الله أكبر، فهي تملأ ما لن السماء والأرض، وإذا قال: سبحان الله، فهي صلاة الخلائق التي لم يدعُ اللهُ أحدًا من خلقه إلا قرره بالصلاة والتسبيح، وإذا قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، قال: أسلم عبدي واستسلم.\nوقال الإِمام أحمد (^١٧٦): حدثنا وهب بن جرير، حدثنا أبي، سمعت الصّقْعَبَ [¬١] بن زهير يحدث [¬٢]، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن عبد الله بن عمرو قال: أتى النبي ﷺ أعرابي [¬٣] عليه جبة من طيالسة، مكفوفة بديباج-[أو: مزورة بديباج-] [¬٤] فقال: \"إن صاحبكم هذا يريد أن يرفع كل راع ابن راع، ويضع كل رأس ابن رأس، فقام إليه النبي ﷺ مغضبًا، فأخذ بمجامع جبته فاجتذبه، فقال: \"لا أرى عليك ثُياب من لا يعقل\"، ثُم رجع رسول الله ﷺ فجلس فقال: \"إن نوحًا ﵇ لما حضرته الوفاة دعا ابنيه، فقال: إني قاص عليكما [¬٥] الوصية: آمركما باثنتين، وأنهاكما عن اثنتين، أنهاكما عن الشرك بالله [¬٦] والكبر، وآمركما بلا إليه إلا الله، فإن السموات والأرض وما بينهما لو وضعت في كفة الميزان، ووضعت لا إله إلا الله في الكفة الأخرى كانت أرجح، ولو أن السموات والأرض كانتا حلقة، فوضعت لا إله إلا الله عليهما [لفصلتهما] [¬٧] أو: لقصمتهما-\n_________\n= أبي\"، ولم أجد في الرواة- عن عبد الله بن عمرو من اسمه \"عبد الله بن أبي\". ولكن فِي الرواة عنه \"عبد الله بن باباه المكي\" فلعله هو إن شاء الله تعالى، وإن كان هو فالإسناد صحيح إلى \"عبد الله بن عمرو\" فإن \"ابن باباه\" ثقة كما في التقريب.\n(^١٧٦) - أخرجه أحمد - (٢/ ٢٢٥). والطحاوي في شرح معاني الآثار - (٤/ ٢٤٥) حدثنا ابن مرزوق ثنا وهب بن جرير به. وأخرجه أحمد أيضًا - (٢/ ١٦٩ -، ١٧). والبخاري في الأدب المفرد - (٥٤٨). من طريق سليمان بن حرب حدثنا حماد بن زيد عن الصقعب بن زهير به. وذكره الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" - (٤/ ٢٢٣) وقال: \"رواه كله أحمد، ورواه الطبراني بنحوه وزاد في رواية، وأوصيك بالتسبيح فإنها عبادة الخلق وبالتكبير، رواه البزار من حديث ابن عمر … ورجال أحمد ثقات\". وذكره ابن كثير في البداية والنهاية - (١/ ١٣٦) وقال: هذا إسناد صحيح ولم يخرجوه، ورواه أبو القاسم الطبراني من حديث عبد الرحيم بن سليمان عن محمد بن إسحاق عن عمرو بن دينار عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله ﷺ قال: \"كان وصية نوح لابنه أوصيك بخصلتين وأنهاك عن خصلتين\" فذكره نحوه، وقد رواه أبو بكر البزار عن إبراهيم بن سعيد عن أبي معاوية الضرير عن محمد بن إسحاق عن عمرو بن =\n_________\n[¬١]- في خ: \"الصعب\".\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- سقط من: خ.\n[¬٥]- في ز: \"عليكم\".\n[¬٦]- سقط س: ز.\n[¬٧]- في ز، خ: \"لفصمتهما\".","vol":"9","page":18},{"text":"وآمركما بسبحان الله وبحمده، فإنها صلاة كل شيء، وبها يرزق كل شيء\" ورواه الإمام أحمد أيضًا، عن سليمان بن حرب، عن حماد بن زيد، عن الصّقْعَبِ بن زهير به، أطول من هذا تفرّد به.\nوقال ابن جرير (^١٧٧): حدثني نصر بن عبد الرحمن الأودي، حدثنا محمد بن يعلى، عن موسى بن عبيدة، عن زيد بن أسلم، عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"ألا أخبركم بشيء أمر به نوح ابنه؟ إن نوحًا ﵇ قال لابنه: يا بني، آمرك أن تقول: سبحان الله؛ فإنها صلاة الحلق، وتسبيح الخلق، وبها يرزق الخلق، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ \". إسناده فيه ضعف فإن الربذى ضعيف [¬١] عند الأكثرين.\nوقال عكرمة في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾، قال: الأسطوانة تسبح، والشجرة تسبح. الأسطوانة: السارية.\nوقال بعض السلف: إن صرير الباب تسبيحه، وخرير الماء تسبيحه، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾.\nوقال سفيان الثوري عن منصور عن إبراهيم قال: الطعام يسبح.\nويشهد لهذا القول آية السجدة في أول الحج.\nوقال آخرون: إنما يسبح ما كان فيه روح. يعنون: من حيوان أو نبات.\nوقال قتادة في قوله: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ قال: كل شيء فيه روح [¬٢] يسبح؛ من شجر أو شيء فيه.\n_________\n= دينار عن عبد الله بن عمر بن الخطاب عن النبي ﷺ بنحوه والظاهر أنه عن عبد الله بن عمرو بن العاص كما رواه أحمد والطبراني والله أعلم\". قلت: وكذا رجح العلامة أحمد شاكر عند تحقيقه هذا الحديث في مسند أحمد - (٦٥٨٣) (١٠/ ٨٧) والحديث ذكره السيوطي في الدر المنثور (٤/ ٣٣٢) مختصرًا وعزاه إلى ابن مردويه وتصحف عنده \"ابن عمرو\"إلى \"ابن عمر\" فلينتبه.\n(^١٧٧) - أخرجه ابن جرير في تفسيره - (١٥/ ٩٢). وأبو الشيخ في العظمة - (١٢٢٢) - (٥/ ١٧٤٢ - ١٧٤٣) من طريق إسماعيل بن موسى الفزاري، حدثنا محمد بن يعلى به والحميدي في مسنده- (١١٥١) من طريق موسى بن عبيدة به. ومحمد بن علي وهو السلمي وموسى بن عبيدة وهو الرَّبذي ضعيفان. والحديث عزاه السيوطي في الدر المنثور - (٤/ ٣٣١) إلى ابن أبي حاتم.\n_________\n[¬١]- في خ: \"ض\".\n[¬٢]- في ز: \"الروح\".","vol":"9","page":19},{"text":"وقال الحسن والضحاك في قوله: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ قال: كل شيء فيه الروح.\nوقال ابن جرير (^١٧٨): حدثنا محمد بن حميد، حدثنا يحيى بن واضح وزيد بن حباب قال: حدثنا جرير [¬١]-أبو الخطاب- قال: كنا مع يزيد الرقاشي، ومعه الحسن في طعام، فقوموا الخوان، فقال يزيد الرقاشي: يا أبا سعيد، يسبح هذا الخوان؟ فقال: كان يسبح مرة.\nقلت: الخوان هو المائدة من الخشب، فكأن الحسن ﵀ ذهب إلى أنه لما كان حيًّا فيه خضرة كان يسبح، فلما قطع وصار خشبة يابسة انقطع تسبيحه، وقد يستأنس لهذا القول بحديث ابن عباس: أن رسول الله ﷺ مر بقبرين فقال: \"إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير؛ أما أحدهما فإن لا يستَتر من البول، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة\"، ثم أخذ جريدة رطبة قشقها نصفين، ثم غرز في كل قبر واحدة، ثم قال: \"لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا\". أخرجاه في الصحيحين (^١٧٩).\nقال بعض من تكلم على هذا الحديث من العلماء: إنما قال: \"ما لم ييبسا\"؛ لأنهما يسبحان ما دام فيهما خضرة، فإذا يبا انقطع تسبيحهما، والله أعلم.\nوقوله: ﴿إنه كان حليمًا غفورًا﴾ أي: إنّه لا يعاجل من عصاه بالعقوبة، بل يؤجله وينظره، فإن استمر على كفره وعناده أخذه [¬٢] أخذ عزيز مقتدر، كما جاء في الصحيحين (^١٨٠): \" إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته\"، ثم قرأ رسول الله ﷺ: ﴿وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد﴾، وقال تعالى: ﴿وكأين من قرية أمليت لها وهي ظالمة لم أخذتها وإليّ\n_________\n(^١٧٨) - أخرجه ابن جرير في تفسيره - (١٥/ ٩٢). ويزيد الرقاشي ضعيف. وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" (٤/ ٣٣٤) عن ابن شوذب قال: جلس الحسن مع أصحابه فذكره بنحو هذا- وعزاه إلى ابن أبي حاتم.\n(^١٧٩) - أخرجه البخاري في صحيحه -كتاب الوضوء، كتاب: من الكبائر أن لا يستتر من بوله (٢١٦).\nومسلم في صحيحه -كتاب الطهارة، باب: الدليل على نجاسة البول ووجوب الاستبراء منه (١١١) (٢٩٢). من طريقين عن ابن عباس له. وذكره الحافظ ابن حجر في شرح الحديث المتقدم- من كتابه فتح الباري (١/ ٣٢٠) فليراجع هناك.\n(^١٨٠) - تقدم تخريجه.\n_________\n[¬١]- في ز: \"حدير\".\n[¬٢]- في خ: \"أخذ\".","vol":"9","page":20},{"text":"المصير﴾، [وقال: ﴿وكأين من قرية أهلكناها وهي ظالمة﴾ الآيتين] [¬١]، ومن أقلع عما هو فيه من كفر أو عصيان، ورجع إلى الله، وتاب إليه تاب عليه، كما قال تعالى: ﴿ومن يعمل سوءًا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورًا رحيمًا﴾.\nوقال ها هنا: ﴿إنه كان حليمًا غفورًا﴾، كما قال في آخر فاطر: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤١)﴾ إلى أن قال: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا (٤٥)﴾.\n﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَينَكَ وَبَينَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا (٤٥) وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا (٤٦)﴾\nيقول تعالى لرسوله محمد ﷺ: وإذا قرأت [] [¬٢] يا محمد على هؤلاء المشركين القرآن، جعلنا بينك وبينهم حجابًا مستورًا.\nقال قتادة وابن زيد: هو الأكنة على قلوبهم، كما قال تعالى: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ﴾ أي: مانع حائل أن يصل إلينا مما تقول [¬٣] شيء.\nوقوله: ﴿حجابًا مستورًا﴾ أي بمعنى: ساتر، كميمون ومشئوم بمعنى: يامن وشائم [¬٤]، لأنه من يمنهم وشأمهم.\nوقيل: مستورًا عن الأبصار فلا تراه [¬٥]، وهو مع ذلك حجاب بينهم وبين الهدى، ومال إلى ترجيحه ابن جرير ﵀.\nوقال الحافظ أبو يعلى الموصلي (^١٨١): حدثنا أبو موسى الهروي إسحاق بن إبراهيم،\n_________\n(^١٨١) - وأخرجه الحميدي - (٣٢٣) - (١/ ١٥٣، ١٥٥). والحاكم في المستدرك - (٢/ ٣٦١) والبيهقي\nفي دلائل النبوة - (٢/ ١٩٥). من طريق سفيان به غير أنهم قالوا: \"ابن تدرس\" دون ذكر اسمه.=\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في ز، خ: القرآن.\n[¬٣]- في خ: \"يقول\".\n[¬٤]- في خ: \"شامن\".\n[¬٥]- في ز، خ: \"نراه\".","vol":"9","page":21},{"text":"حدثنا سفيان، عن الوليد بن كثير، عن يزيد بن تدرس، عن أسماء بنت أبي بكر - رضي الله تعالى عنها - قالت: لما نزلت: ﴿تبت يدا أبي لهب﴾ جاءت العوراء أم جميل ولها ولولة وفي يدها فهْر وهي تقرل: مُذمّما [أتينا -أو: أبينا] [¬١]، قال أبو موسى: الشك مني- ودينه قلينا، وأمره عصينا. ورسول الله [ﷺ] جالس وأبو بكر إلى جنبه -أو قال: معه- قال [¬٢]: فقال أبو بكر ﵁: لقد أقبلت هذه وأنا أخاف أن تراك. فقال: \"إنها لن تراني\"، وقرأ قرآنا اعتصم به منها [¬٣]: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا (٤٥)﴾. قال: فجاءت حتى قامت على أبي بكر، فلم تر النبي ﷺ فقالت: يا أبا بكر، بلغني أن صاحبك هجاني. فقال أبو بكر: لا ورب هذا البيت ما هجاك قال: فانصرفت وهي تقول: لقد علمت قريش أني بنت سيدهم [¬٤].\nوقوله: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً﴾: جمع كنان، الذي يغشي القلب، ﴿أن يفقهوه﴾، أي: لئلا يفهموا القرآن، ﴿وفي آذانهم وقرًا﴾، وهو الثقل الذي يمنعهم [¬٥] من سماع القرآن سماعًا ينفعهم ويهتدون به.\nوقوله تعالى: ﴿وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ﴾، أي: إذا وحدت الله في تلاوتك وقلت: لا إله إلا الله، ﴿ولوا﴾، أي: أدبروا راجعين ﴿على أدبارهم نفورًا﴾، ونفور: جمع نافر، كقعود: جمع قاعد، ويجوز أن يكون مصدرًا من غير الفعل، والله أعلم، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (٤٥)﴾.\n_________\n= وقال الحاكم: \"صحيح الإسناد ولم يخرجاه\" ووافقه الذهبي. وابن تدرس لم أقف له على ترجمة، والعلم عند الله تعالى. وله شاهد من حديث ابن عباس. أخرجه أبو يعلى في مسنده - (٢٥) (١/ ٣٣ - ٣٤)، (٢٣٥٨) (٤/ ٢٤٦). وعنه ابن حبان في صحيحه - (٦٥١١) (١٤/ ٤٤٠). وفي الموارد- (٢١٠٣) - (٦/ ٤٥٦). وأبو نعيم في دلائل النبوة - (١٤١). والبزار في مسنده - (٢٢٩٥، ٢٢٩٤). من طريق عبد السلام بن حرب قال: حدثنا عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عنه به نحوه وقال البزار: وهذا أحسن الإسناد، ويدخل في مسند أبي بكر. وقال الهيثمي في المجمع - (٧/ ١٤٧) \"رواه أبو يعلى والبزار بنحوه. وقال البزار إنه حسن الإسناد، قلت: ولكن فيه عطاء بن السائب وقد اختلط\" وحسن إسناده الحافظ ابن حجر في الفتح - (٨/ ٧٣٨). وعزاه السيوطي في الدر المنثور - (٤/ ٣٣٧) إلى ابن أبي شيبة والدارقطني في الأفراد.\n_________\n[¬١]- في خ: \"أبيت أو أبيناه\".\n[¬٢]- سقط س: ت.\n[¬٣]- زيادة في: ت.\n[¬٤]- في ز، خ: \"سيدها\".\n[¬٥]- في خ: \"ينهم\".","vol":"9","page":22},{"text":"قال قتادة [في قوله] [¬١]: ﴿وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا﴾ إن المسلمين لما قالوا: لا إليه إلا الله، أنكر ذلك المشركون، وكبرت عليهم، وضاقها إبليس وجنوده، فأبى الله إلا أن يمضيها [¬٢] وينصرها ويُفْلجها، ويظهرها على من ناوأها، إنها كلمة من [خاصم بها فلج] [¬٣]، ومن قاتل بها نصر، إنما يعرفها أهل هذه الجزيزة من المسلمين، التي يقطعها الراكب في ليال قلائل، وبسير الدهر في فئام [¬٤] من الناس لا يعرفونها ولا يقرون بها.\nقول آخر في الآية:\nروى [¬٥] ابن جرير (^١٨٢): حدثني الحسين بن محمد الذارع، حدثنا روح بن المسيب أبو رجاء الكلبي، حدثنا عمرو بن مالك، عن أبي الجوزاء، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا﴾: هم الشياطن وهذا غربب جدًّا في تفسيرها، وإلا فالشياطين إذا قرئ القرآن أو نودي بالأذان، أو ذكر الله، انصرفوا.\n﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَى إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إلا رَجُلًا مَسْحُورًا (٤٧) انْظُرْ كَيفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَال فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا (٤٨)﴾\nيخبر تعالى نبيه محمدًا [ﷺ] [¬٦] بما تناجى به رؤساء كفار قريش حين جاءوا يستمعون قراءته [¬٧] ﷺ سرًّا من قومهم، بما قالوا من أنه رجل مسحور، من السحر علي المشهور، أو: من السحر، وهو: الرئة، أي: إن تتبعون -إن اتبعتم محمدًا-[(إلا بشرًا﴾] [¬٨] يأكل، كما قال الشاعر:\n_________\n(^١٨٢) - أخرجه اليمن جرير في تفسيره - (١٥/ ٩٥). والطبراني في الكبير - (١٢٨٠٢) (١٢/ ١٧٥) من طريق محمد بن سليمان ثنا روح بن المسيب به. وقال الهيثمي في المجمع - (٧/ ٥٣) \"رواه الطبراني=\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في خ: \"يمضها\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في ز: \"خاصم بها فلح\".\n[¬٤]- في خ: \"قيام\".\n[¬٥]- في خ: \"قال\".\n[¬٦]- في خ: \"صلاة الله عليه\".\n[¬٧]- في خ: \"قراءة رسول الله\".\n[¬٨]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"9","page":23},{"text":"فإن تسألينا فيما نحن؟ فإننا … عصافير من هذا الأنام المسحر\nوقال الراجز:\n* ونسحر [¬١] بالطعام والشراب *\nأي: نُغَذّى [¬٢]. وقد صوب [¬٣] هذا القول ابن جرير. وفيه نظر؛ لأنهم [] [¬٤] أرادوا هاهنا أنه مسحور له رئيّ يأتيه بما استمعوه من الكلام الذي يتلوه، ومنهم من قال: شاعر، ومنهم من قال: كاهن، ومنهم من قال: مجنون، ومنهم من قال: ساحر؛ ولهذا قال تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ أي: فلا يهتدون إلى الحق، ولا يجدون إليه مخلصًا قال محمد بن إسحاق في السيرة (^١٨٣): حدثني محمد بن مسلم بن شهاب الزهريّ، أنه حُدِّث: أن أبا سفيان بن حرب، وأبا جهل بن هشام، والأخنس بن شريق بن عمرو بن وهب الثقفي -حليف ابن [¬٥] زهرة-، خرجوا ليلة ليستمعوا من رسول الله ﷺ وهو يصلي بالليل في بيته، فأخذ كل واحد منهم مجلسًا يستمع فيه، وكل لا يعلم بمكان صاحبه، فباتوا يسعتمعون له [¬٦] حتى إذا طلع الفجر تفرقوا، حتى إذا جمعتهم الطريق فتلاوموا، وقال بعضهم لبعض: لا تعودوا، فلو رأكم بعض سفهائكم لأوقعتم في نفسه شيئًا، ثم انصرفوا حتى إذا كانت الليلة الثانية عاد كل رجل منهم إلى مجلسه، فباتوا يستمعون له حتى إذا طلع الفجر تفرقوا [حتى إذا جمعتهم الطريق، فقال بعضهم لبعض مثل ما قال أول مرة، ثم انصرفوا. حتى إذا كانت الليلة الثالثة، أخذ كل رجل منهم مجلسه، فباتوا يستمعون له حتى إذا طلع الفجر تفرقوا] [¬٧] فجمعهم الطريق فقال بعضهم لبعض: لا نبرح حتى نتعاهد لا نعود، فتعاهدوا على ذلك، ثم تفرقوا.\n_________\n= وفيه روح بن المسيب قال اين معين: صويلح وضعفه، وقال ابن حبان: لا تحل الرواية عنه، وبقية رجاله ثقات\". وعزاه السيوطي في الدر المنثور (٤/ ٣٣٨) إلى ابن أبي حاتم وابن مردويه.\n(^١٨٣) - ذكره ابن هشام في السيرة - (١/ ٣٢٨). وأخرجه البيهقي في دلائل النبوة - (٢/ ٢٠٦) من طريق ابن إسحاق به.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"يسحر\".\n[¬٢]- في خ: \"تغذي\".\n[¬٣]- في خ: \"تصوب\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين في ز: \"إنما\".\n[¬٥]- في ز: \"بني\".\n[¬٦]- سقط من: ز، خ.\n[¬٧]- سقط من: خ.","vol":"9","page":24},{"text":"فلما أصبع الأخنس بن شريق، أخذ عصاه، ثم خرج حتى أتى أبا سفيان بن حرب في بيته فقال: أخبرني بها أبا حنظلة عن رأيك فيما سمعت من محمد؟ قال: يا أبا ثعلبة، والله لقد سمعت أشياء أعرفها، وأعرف ما يراد بها، وسمعت أشياء ما عرفت معناها ولا ما يراد بها. قال الأخنس: وأنا و[¬١] الذي حلفت به، قال: ثم خرج من عنده حتى أتى أبا جهل فدخل عليه بيته فقال: بها أبا الحكم، ما رأيك فيما سمعت من محمد؟ قال: ماذا [¬٢] سمعت؟! قال [¬٣]: تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف، أطعموا فأطعمنا، وحملوا فحملنا، وأعطوا فأعطنا، حتى إذا تجاثينا [¬٤] علن الركب، وكنا كفرسي رهان قالوا: منا نبي يأتيه الوحي من السماء، فمتى ندرك هذه؟! والله لا نؤمن به أبدًا ولا نصدقه. قال: فقام عنه الأخنس وتركه.\n﴿وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا (٤٩) قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا (٥٠) أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا (٥١) يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إلا قَلِيلًا (٥٢)﴾\nيقول تعالى مخبرًا عن الكفار المستبعدين وقوع المعاد، القائلين استفهام إنكار منهم لذلك: ﴿أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا﴾، أي: ترابًا، قاله مجاهد. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: غبارًا. ﴿أءِنا لمبعوثون﴾، أي: يوم القيامة، ﴿خلقًا جديدًا﴾، أي بعدما بلينا وصرنا عدمًا [¬٥] لا يذكر، كما أخبر عنهم في الموضع الآخر: ﴿يَقُولُونَ أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ (١٠) أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً (١١) قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ (١٢)﴾ وقال تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩)﴾ وهكذا أمر رسوله هاهنا أن يجيبهم فقال: ﴿قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا﴾، إذ [¬٦] هما أشد امتناعًا من العظام والرفات ﴿أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- في خ: \"ما\".\n[¬٣]- سقط من ز.\n[¬٤]- في خ: \"تجاشينا\".\n[¬٥]- في خ: \"عظمًا\".\n[¬٦]- في ز: \"و\".","vol":"9","page":25},{"text":"صُدُورِكُمْ﴾.\nقال ابن إسحاق (^١٨٤): عن ابن أبي نجيح عن مجاهد: سألت ابن عباس عن ذلك، فقال: هو الموت.\nوروى عطية عن ابن عمر (^١٨٥) أنه قال في تفسير هذه الآية: لو كنتم موتى لأحييتكم، وكذا قال سعيد بن جبير، وأبو صالح، والحسن، وقتادة، والضحاك.\nومعنى ذلك: أنكم لو فرضتم أنكم لو صريح موتًا -الذي هو ضد الحياة- لأحياكم الله إذا شاء، فإنه لا يمتنع عليه شيء إذا أراده.\nوقد ذكر ابن جرير حديث (^١٨٦): \" يجاء بالموت يوم القيامة كأنه كبش أملح، موقف بين الجنة والنار، لم يقال: يا أهل الجنة، أتعرفون هذا؟ فيقولون: نعم. ثم يقال: يا أهل النار. أتعرفون هذا؟ فيقولون: نعم. فيذبح بين الجنة والنار، ثم يقال: يا أهل الجنة، خلود بلا موت، ويا أهل النار، خلود بلا موت\". وقال مجاهد: ﴿أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ﴾ يعني: السماء، والأرض والجبال، وفي رواية: ما شئتم فكونوا، فسيعيدكم الله بعد موتكم.\nوقد وقع في التفسير المروى عن الإمام مالك عن الزهريّ في قوله: ﴿أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ﴾ قال: النبي ﷺ، قال مالك: ويقولون: هو الموت. وقوله تعالى: ﴿فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا﴾، [أي: من يعيدنا إذا كنا حجارة أو حديدًا أو خلقًا آخر شديدًا] [¬١] ﴿قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾، أي: الذي خلقكم ولم تكونوا\n_________\n(^١٨٤) - أخرجه الحاكم في المستدرك - (٢/ ٣٦٢). من طريق يعلى بن عبيد عن محمد بن إسحاق قال: حدثني عبد الله بن أبي نجيح به. ومحمد بن إسحاق، صدوق يدلس، لكنه صرح بالتحديث فيحسن حديثه. وقال الحاكم: \"حديث صحيح على شرط مسلم ولم خرجاه\"، ووافقه الذهبي. وأخرجه ابن جرير في تفسيره - (١٥/ ٩٨) من طريق عطية العوفي عن ابن عباس وعطية ضعيف. وعزاه السيوطي في الدر المنثور - (٤/ ٣٣٩) إلى عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد.\n(^١٨٥) - أخرجه ابن جرير في تفسيره - (١٥/ ٩٨). وعزاه السيوطي في الدر المنثور - (٤/ ٣٣٩) إلى ابن أبي شيبه وعبد الله بن أحمد في زواند الزهد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^١٨٦) - قلت: أخرجه ابن جرير في تفسيره (١٥/ ٩٨ - ٩٩) من حديث عطية العوفي عن عبد الله بن عمر، والعوفي: ضعيف، والحديث في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي سعيد الخدري فأخرجه البخاري في صحيحه -كتاب التفسير، باب: ﴿وأنذرهم يوم الحسرة﴾ - (٤٧٣٠) - (٨/ ٤٢٨). ومسلم في صحيحه -كتاب صفة الجنة ونعيمها وأهلها، باب النار يدخلها الجبارون، والجنة=\n_________\n[¬١]-","vol":"9","page":26},{"text":"شيئًا مذكورًا، ثم صريح بشرًا تنتشرون؛ فإنَّه قادر على إعادتكم، ولو صرتم إلى أي حال، ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيهِ﴾ وقوله تعالى: ﴿فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيكَ رُءُوسَهُمْ﴾ قال ابن عباس وقتادة: يحرّكونها استهزاء، وهذا الذي قالاه هو الذي تفهمه العرب من لغاتها؛ لأنَّ [¬١] \"الإِنغاض\" هو التحرك من أسفل إلى أعلى، أو من أعلى إلى أسفل، ومنه قيل للظليم -وهو ولد النعامة-: \"نغضًا\"؛ لأنَّه إذا مشى عَجَّل في مِشْيَتِهِ وحرك رأسه، ويقال: \"نَغَضَت سِنّه\" إذا تحوكت وارتفعت من منبتها؛ قال الراجز:\n* ونغضت من هرم أسنانها *\nوقوله: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ﴾ إخبار عنهم بالاستبعاد منهم لوقوع ذلك، كما قال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ وقال تعالى: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا﴾. وقوله [¬٢]: ﴿قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا﴾، أي: احذروا ذلك فإنَّه قريب إليكم سيأتيكم لا محالة؛ فكل ما هو آت آت.\nوقوله: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ﴾ أي: الرب تعالى، ﴿إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ أي: إذا أمركم بالخروج منها، فإنَّه لا يخالف ولا يمانع؛ بل كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إلا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ وقال: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾، أي: إنَّما هو أمر واحد بانتهار، فإذا النَّاس قد خرجوا من باطن الأرض إلى ظاهرها، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ﴾ [﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾] [¬٣] أي: تقومون [¬٤] كلكم إجابة لأمره وطاعة لإرادته.\nقال عليّ بن أبي طلحة عن ابن عباس ﴿فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ﴾ أي: بأمره، وكذا قال ابن جريج.\nوقال قتادة: بمعرفته وطاعته.\nوقال بعضهم: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ﴾، أي: وله الحمد في كل حال.\n_________\n= يدخلها الضعفاء - (٤٠، ٤١) (٢٨٤٩) - (١٧/ ٢٦٩). والترمذي -كتاب التفسير -باب: \"ومن سورة مريم\" - (٣١٥٦) (٥/ ٢٩٥ - ٢٩٦). والنَّسائيُّ في الكبرى -كتاب التفسير، باب: قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ﴾ - (١١٣١٦) (٦/ ٣٩٣) من طريق سليمان بن مهران الأعمش عن أبي صالح عنه به مرفوعًا.\n_________\n[¬١]- في خ: \"فإن\".\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٤]- في ز: \"تقولون\"، خ: \"يقولون\".","vol":"9","page":27},{"text":"وقد جاء في الحديث (^١٨٧): \" ليس على أهل لا إله إلَّا الله وحشة في قبورهم، وكأني بأهل لا إله إلَّا الله يقومون من قبورهم ينفضون التراب عن رءوسهم يقولون: لا إله إلَّا الله\"، وفي رواية يقولون: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ وسيأتي في سورة فاطر. وقوله تعالى: ﴿وَتَظُنُّونَ﴾، أي: يوم تقومون من قبوركم، ﴿إِنْ لَبِثْتُمْ﴾ في الدار الدُّنيا ﴿إلا قَلِيلًا﴾ و[¬١] كما قال: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إلا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾، وقال تعالى: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا يَتَخَافَتُونَ بَينَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إلا عَشْرًا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إلا يَوْمًا﴾ وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ﴾. وقال تعالى: ﴿قَال [¬٢] كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ قَال إِنْ لَبِثْتُمْ إلا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.\n﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيطَانَ يَنْزَغُ بَينَهُمْ إِنَّ الشَّيطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا (٥٣)﴾\nيأمر [تبارك و] [¬٣] تعالى عبده [¬٤] ورسوله ﷺ، أن يأمر عباد الله المؤمنين أن يقولوا في مخاطبتهم ومحاوراتهم الكلام الأحسن، والكلمة الطيبة، فإنَّه إذا لم يفعلوا ذلك نزغ الشَّيطان بينهم، وأخرج الكلام إلى الفعال، ووقع الشر والمخاصمة والمقاتلة؛ فإن الشَّيطان عدو لآدم [وذريته من حين امتنع من السُّجود لأدم] [¬٥]، فعداوته ظاهرة بينة؛ ولهذا نهى أن يشير الرجل إلى أخيه المسلم بحديدة؛ فإن الشَّيطان ينزغ في يده؛ أي: فربما أصابه بها.\n_________\n(^١٨٧) - ضعيف، أخرجه الطّبرانيّ في \"الأوسط\" (٩٤٤٥) (٩/ ١٧١). من طريق مجاشع بن عمرو عن داود بن أبي هند عن نافع عن ابن عمر مرفوعًا \"ليس على أهل لا إله إلَّا الله وحشة عند الموت، ولا عند القبر\". وأخرجه البيهقي في البعث والنشور - (٨٣). من طريق بهلول بن عبيد عن سلمة بن كهيل عن نافع به. وأخرجه أيضًا - (٨٢)، وابن عدي في الكامل - (٢/ ٤٩٨). من طريق بهلول سمعت سلمة بن كهيل عن ابن عمر. وقال البيهقي: \"هذا مرسل عن سلمة بن كهيل وابن عمر، وبهلول بن عبيد تفرد به وليس بالقوي\". وأخرجه الطّبرانيّ في الأوسط - (٩٤٧٨) (٩/ ١٨١). والبيهقيّ في الشعب - (١٠٠) - (١/ ١١٠ - ١١١) والخطيب في تاريخ بغداد - (١/ ٢٦٦) وابن عدي في الكامل - (٤/ ١٥٨٢). من طريق يحيى الحماني عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن ابن عمر مرفوعًا فذكره، =\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- سقط من: خ.\n[¬٤]- سقط من: خ.\n[¬٥]- سقط من: خ.","vol":"9","page":28},{"text":"وقال الإمام أحمد (^١٨٨): حدَّثنا عبد الرزاق، حدَّثنا معمر، عن همام، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا يشيرن أحدكم إلى أخيه بالسلاح، فإنَّه لا يدري أحدكم لعل الشَّيطان أن ينزع في يده؛ فيقع في حفرة من نار\" أخرجاه من حديث عبد الرَّزاق، وقال الإمام أحمد (^١٨٩): حدَّثنا عفَّان، حدَّثنا حماد، أنبأنا عليّ بن زيد، عن الحسن قال: حدثني رجل من بني سليط قال: أتيت النَّبيَّ ﷺ وهو في أزْفَلَةٍ [¬١] من النَّاس، فسمعته يقول: \"المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله، التقوى ها هنا-[قال حماد: وقال بيده إلى صدره- وما توادّ رجلان في الله فتفرق بينهما إلَّا محدث يحدثه أحدهما] [¬٢] والمحدث شر، والمحدث شر، والمحدث شر\".\n﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيهِمْ وَكِيلًا (٥٤) وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ\n_________\n= وعبد الرحمن ويحيى الحماني كلاهما ضعيف. وذكره الهيثمي في المجمع (١٠/ ٨٥ - ٨٦) وقال: \"رواه الطّبرانيّ في الأوسط من طريقين وفي الأولى يحيى الحماني، وفي الأخرى مجاشع بن عمرو وكلاهما ضعيف\". وضعفه العراقي في تخريج الأحياء (٨٨٠) وعزاه إلى أبي يعلى والطبراني والبيهقيّ. والحديث عزاه السيوطي في الدر المنثور - (٤/ ٣٤٠) إلى الحكيم الترمذي وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه وأبي يعلى.\n(^١٨٨) - أخرجه أحمد - (٢/ ٣١٧). وأخرجه البُخاريّ في صحيحه -كتاب الفتن، كتاب: قول النَّبيِّ صَلَّى إليه عليه وسلم - \"من حمل علينا السلاح فليس منا\" - (٧٠٧٢). ومسلم في صحيحه -كتاب البر والصلة والآداب، كتاب: النَّهي عن الإشارة بالسلاح إلى مسلم (١٢٦) (٢٦١٧).\n(^١٨٩) - أخرجه أحمد - (٥/ ٧١). وأخرجه أيضًا - (٥/ ٢٥) من طريق هشيم أنا علي بن زيد به. (٤/ ٦٦)، (٥/ ٧١، ٣٧٩) من طريق المبارك بن فضالة ثنا الحسن به. (٤/ ٦٩)، (٥/ ٢٤) من طريق عباد بن راشد عن الحسن به. والرواة عن الحسن متكلم فيهم،. وأخرجه أبو يعلى في مسنده - (٦٢٢٨) (١١/ ١٠١ - ١٠٢) من طريق وهب ابن بقية حدَّثنا خلاد عن يونس عن الحسن عن رجل من سليط فذكره. والحديث ذكره الهيثمي في \"المجمع\" - (٨/ ١٨٧)، (١٠/ ٢٧٨) وقال: رواه أحمد بأسانيد، وإسناده حسن، ورواه أبو يعلى بنحوه\". وللشطر الأوَّل منه شاهد من حديث عبد الله بن عمر. أخرجه البُخاريّ في صحيحه -كتاب المظالم، باب: لا يظلم المسلم المسلم - (٢٤٤٢). ومسلم في صحيحه -كتاب البر والصلة، باب: تحريم الظلم - (٥٨) - (٢٥٨٠). والشطر الثَّاني له شاهد من حديث أنس كان مالك - أخرجه البُخاريّ في الأدب المفرد (٤٠١). وحسن إسناده الألباني في \"الصحيحة\" - (٦٣٧) (٢/ ٢٣٢). ولفظه \"ما تواد اثنان في الله ﷿ أوفى الإسلام فيفرق لكنها إلَّا ذنب حديثه أحدهما\".\n_________\n[¬١]- في ز: \"رفلة\"، خ: \"دخلة\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"9","page":29},{"text":"عَلَى بَعْضٍ وَآتَينَا دَاوُودَ زَبُورًا (٥٥)﴾.\nيقول الله تعالى: ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ﴾ أيها النَّاس، من يستحق منكم الهداية ومن لا يستحق، ﴿إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ﴾، بأن يوفقكم لطاعته والإنابة إليه، ﴿أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيهِمْ وَكِيلًا﴾ أي: إنَّما أرسلناك نذيرًا ما [¬١] فمن أطاعك دخل الجنَّة ومن عصاك دخل النَّار وقوله: ﴿وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، أي: بمراتبهم في الطاعة والمعصية، ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ﴾، كما قال تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ وهذا لا ينافي ما في الصحيحين (^١٩٠) عن رسول الله ﷺ أنَّه قال: \"لا تفضلوا بين الأنبياء\"، فإن المراد من ذلك هو التفضيل بمجرد التشهي والعصبية، لا بمقتضى الدليل، [فإذا دلَّ الدليل] [¬٢] على شيء وجب أتباعه، ولا خلاف أن الرسل أفضل من بقية الأنبياء، وأن أولي العزم منهم أفضلهم، وهم الخمسة المذكورون نصًّا في آيتين من القرآن في سورة الأحزاب: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾، وفي الشورى في قوله: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَينَا إِلَيكَ وَمَا وَصَّينَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾، ولا خلاف أن محمدًا [ﷺ] [¬٣] أفصلهم، ثم بعده إبراهيم، ثم موسى على المشهور، وقد بسطا هذا بدلائله في غير هذا الموضع، والله الموفق.\nوقوله: ﴿وَآتَينَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ تنبيه [¬٤] على فضله وشرفه.\nقال البُخاريّ (^١٩١): حدَّثنا إسحاق بن نصر، أخبرنا (٥) عبد الرَّزاق، أخبرنا (**) معمر،\n_________\n(^١٩٠) - تقدم تخريجه [سورة الأعراف / آية ١٤٣ / ح ١٨٥].\n(^١٩١) - صحيح البخاري، ك: التفسير، كتاب: ﴿وَآتَينَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ (٤٧١٣)، ويذكره المصنف [الرعد / آية ٣١ / رقم ٩٩] من طرق أحمد عن عبد الرزاق به. قال الحافظ ابن حجر في الفتح - (٦/ ٤٥٤ - ٤٥٥).\n\"… قيل المراد بالقرآن القراءة، والأصل في هذه اللفظة الجمع، وكل شيء جمعته فقد قرأته، وقيل المراد الزبور، وقيل: التوراة؛ وقراءة كل نبي تطلق على كتابه الذي أوحى إليه، وإنَّما سماه قرآنًا للإشارة إلى وقوع المعجزة به كوقوع المعجزة كالقرآن أشار إليه صاحب \"المصابيح\" والأول أقرب\".\n(*) في المطبوع: \"حدَّثنا\".\n(**) في المطبوع: \"عن\".\n_________\n[¬١]- في ت: \"ما\".\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- سقط من: خ.\n[¬٤]- في ت: \"تنبيهًا\"، خ: \"تبه\".","vol":"9","page":30},{"text":"عن همام، عن أبي هريرة ﵁، عن النَّبيِّ ﷺ قال: \"خُفّف على داود القرآن [¬١] فكان يأمر بدابته [¬٢] لتُسْرج، فكان يقرأ قبل أن يفرغ\": يعني: القرآن\n﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْويلًا (٥٦) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا (٥٧)﴾\nيقول تعالى: ﴿قُلِ﴾ يا محمد لهؤلاء المشركين الذين عبدوا غير الله ﴿ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ من الأصنام والأنداد فارغبوا إليهم، فإنهم ﴿لَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ﴾، أي: بالكلية، ﴿وَلَا تَحْويلًا﴾ أي: يحولوه [¬٣] إلى غيركم والمعنى: أن الذي يقدر على ذلك هو الله وحده لا شريك له الذي له الخلق والأمر.\nقال العوفي عن ابن عباس في قوله: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْويلًا﴾، قال: كان أهل الشرك يقولون: نعبد الملائكة والمسيح وعزيرًا، وهم الذين يدعون، يعني: الملائكة والمسيح وعزيزًا وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾: روى البُخاريّ (^١٩٢) من حديث سليمان بن مهران الأعمش، عن إبراهيم، عن أبي معمر، عن عبد الله- في قوله [¬٤]: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ - قال: ناس من الجن كانوا يُعبَدون فأسلموا وفي رواية (^١٩٣) قال [¬٥]: كان ناس من الإنس يعبدون ناسًا من الجن، فأسلم الجن وتمسك\n_________\n(^١٩٢) - أخرجه البُخاريّ في صحيحه -كتاب التفسير، كتاب: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ - (٤٧١٥) - (٨/ ٣٩٨) حدَّثنا بشر بن خالد أخبرنا محمَّد بن جعفر، عن شعبة عن سليمان به. ومسلم في صحيحه -كتاب التفسير -كتاب في قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ …﴾ (٣٠٣٠) حدَّثنا بشر بن خالد.\n(^١٩٣) - أخرجه البُخاريّ في صحيحه -كتاب التفسير، باب: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ …﴾ (٤٧١٤) - (٨/ ٣٩٦). ومسلم في صحيحه -كتاب التفسير، باب في قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ …﴾ (٢٨، ٢٩) - (٣٠٣٠) - (١٨/ ٢١٧). والنَّسائيُّ في الكبرى -كتاب التفسير، (١١٢٨٧، ١١٢٨٨، ١١٢٨٩) - (٦/ ٣٧٩، ٣٨٠) من طرق عن الأعمش عن إبراهيم به.\n_________\n[¬١]- في خ: \"الفراق\".\n[¬٢]- في خ: \"دوابته\".\n[¬٣]- في ت: \"بأن يحولوه\"، خ: \"تحولوه\".\n[¬٤]- في خ: \"قول\".\n[¬٥]- سقط من: خ.","vol":"9","page":31},{"text":"هؤلاء بدينهم، وقال قتادة (^١٩٤): عن معبد بن عبد الله الرِّمّاني، عن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن ابن مسعود في قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾، قال: نزلت في نفر بن العرب كانوا يعبدون نفرًا من الجن فأسلم [¬١] الجنيون، والإنس الذين كانوا يعبدونهم لا يشعرون بإسلامهم، فنزلت هذه الآية، وفي رواية عن ابن مسعود (^١٩٥): كانوا يعبدون صنفًا من الملائكة يقال لهم: الجن فذكره و[¬٢] قال السدي (^١٩٦): عن أبي صالح، عن ابن عباس في قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾، قال: عيسى، وأمه، وعزير.\nوقال مغيرة عن إبراهيم كان ابن عباس (^١٩٧) يقول في هذه الآية: هم عيسى، وعزير، والشمس، والقمر.\nوقال مجاهد: عيسى، والعزير [¬٣]، والملائكة.\nواختار ابن جرير قول ابن مسعود لقوله [¬٤]: ﴿يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ وهذا لا يعبر [¬٥] به عن الماضي، فلا يدخل فيه عيسى والعزير قال: والوسيلة: هي القربة، كما قال قتادة، ولهذا قال: ﴿أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾.\n_________\n(^١٩٤) - أخرجه مسلم في صحيحه -كتاب التفسير، باب في قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ …﴾ - (٣٠) - (٣٠٣٠) - (١٨/ ٢١٨). حدَّثنا حجاج بن الشَّاعر، حدَّثنا عبد الصَّمد بن عبد الوارث، حدثني أبي حدَّثنا حسين عن قتادة به.\n(^١٩٥) - أخرجه ابن جرير في تفسيره - (١٥/ ١٠٥) حدثني الحسين بن علي الصدائي، قال: ثنا يحيى بن السكن، قال: أخبرنا أبو العوام، قال: أخبرنا قتادة عن عبد الله بن معبد الزماني عن عبد الله بن مسعود فذكره. وأشار إلى هذه الرّواية الحافظ ابن حجر في الفتح - (٨/ ٣٩٧) وقال: … إن ثبت فهو محمول على أنَّها نزلت في الفريقين، وإلا فالسياق يدل على أنهم قبل الإسلام كانوا راضين بعبادتهم، وليست هذه من صفات الملائكة.\n(^١٩٦) - أخرجه ابن جرير في تفسيره - (١٥/ ١٠٥، ١٠٦). من طرفين عن شعبة عن إسماعيل السدى به.\nوضعفه الحافظ ابن حجر في \"الفتح\" - (٨/ ٣٩٧). وعزاه السيوطي في الدر المنثور - (٤/ ٣٤٣) إلى اليمن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه.\n(^١٩٧) - أخرجه ابن جرير في تفسيره - (١٥/ ١٠٦) حدَّثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن مغيرة له وعزاه السيوطي في الدر المنثور - (٤/ ٣٤٣) إلى سعيد بن منصور وابن المنذر.\n_________\n[¬١]- في خ: \"وأسلم\".\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في خ: \"عزيز\".\n[¬٤]- في خ: \"لقومه\".\n[¬٥]- في خ: \"يعني\".","vol":"9","page":32},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ لا تتم العبادة إلَّا بالخوف والرجاء، فبالخوف ينكف عن المناهي، وبالرجاء ينبعث على الطاعات.\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾، أي: ينبغي أن يحذر منه، ويخاف من وقوعه وحصوله، عياذًا بالله منه.\n﴿وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إلا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا (٥٨)﴾\nهذا إخبار من الله ﷿ بأنه قد حتم وقضى بما قد كتبه عنده في اللوح المحفوظ: أنَّه ما من قرية إلَّا سيهلكها بأن يبيد أهلها جميعهم أو يعذبهم ﴿عَذَابًا شَدِيدًا﴾، إما بقتل أو ابتلاء بما يشاء، وإنَّما، لكون ذلك بسبب ذنوبهم وخطاياهم، كما قال تعالى عن الأمم الماضين: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ وقال تعالى: [﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا] [¬١] فَذَاقَتْ وَبَال أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا﴾.\n﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إلا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَينَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إلا تَخْويفًا (٥٩)﴾\nقال سنيد (^٢٠٠): عن حماد بن زيد، عن أيوب، عن سعيد بين جبير، قال: قال المشركون: يا محمَّد، إنك تزعم أنَّه كان قبلك أنبياء؛ فمنهم من سُخّرت له الرِّيح، ومنهم من كان يحيى الموتى، فإن سَرّك أن نؤمن بك ونصدقك فادع ربك أن يكون لنا الصفا ذهبًا. فأوحى الله إليه: أن [¬٢] قد سمعت الذي قالوا، فإن شئت أن نفعل الذي قالوا، فإن لم يؤمنوا نزل العذاب؛ فإنه ليس بعد نزول الآية مناظرة، وإن شئت أن نستأني [¬٣] بقومك استأنيت بهم. قال: \"يارب، استأن بهم\". وكذا قال قتادة، وابن جريج، وغيرهما.\n_________\n(^٢٠٠) - أخرجه ابن جرير في تفسيره (١٥/ ١٠٨) حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين -وهو سنيد- به.\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- في ت: \"إني\".\n[¬٣]- في ز: \"يستأنى\".","vol":"9","page":33},{"text":"قال الإمام أحمد (^٢٠١): حدَّثنا عثمان بن محمَّد، حدَّثنا جرير، عن الأعمش، عن جعفر بن إياس، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: سأل أهل مكة النبي ﷺ أن يجعل لهم الصفا ذهبًا، وأن ينحي الجبال عنهم فيزرعوا، فقيل له: أن شئت أن نستأني بهم، لأنّ شئت أن نؤتيهم الذي سألوا؛ فإن كفروا أهلكوا كما أهلكت من كان [¬١] قبلهم من الأمم. قال: \"لا، بل استأن بهم\". وأنزل الله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إلا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَينَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً﴾. ورواه النَّسائيّ [من حديث] [¬٢] جرير، به.\nوقال الإمام أحمد (^٢٠٢): حدَّثنا عبد الرحمن، حدَّثنا سفيان، عن سلمة بن كهيل، عن عمران بن الحكم، عن ابن عباس قال: قالت قريش للنبي ﷺ: ادع لنا ربك أن [¬٣] يجعل لنا الصفا ذهبًا ونؤمن بك. قال: \"وتفعلون؟ \" قالوا: نعم، قال: فدعا فأتاه جبريل، فقال: أن ربك يقرأ عليك السَّلام، ويقول لك: أن شئت أصبح الصفا لهم ذهبًا، فمن كفر منهم بعد ذلك عذبته عذابًا لا أعذبه أحدًا من العالمين، وإن شئت فتحت لهم باب [¬٤] التوبة والرحمة. فقال: \"بل باب التوبة والرحمة\".\nوقال الحافظ أبو بعلى في مسنده (^٢٠٣): حدَّثنا محمَّد بن إسماعيل بن علي الأنصاري، حدَّثنا خلف بن تميم المصيصي، عن عبد الجبار بن عمر الأيلي، عن عبد الله بن عطاء بن\n_________\n(^٢٠١) - أخرجه أحمد (١/ ٢٥٨). والنَّسائيُّ في الكبرى -كتاب التفسير، باب: قوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ …﴾ (١١٢٩٠) (٦/ ٣٨٠)، والبيهقيّ في دلائل النبوة (٢/ ٢٧١ - ٢٧٢).\nوالحاكم في المستدرك (٢/ ٣٦٢)، وابن جرير في تفسيره (١٥/ ١٠٨) من طرق عن جرير به. وقال الحاكم: \"صحيح الإسناد ولم يخرجاه\" ووافقه الذهبي وهو كما قالا، وله طريق آخر عن ابن عباس وهو الآتي بعده.\n(^٢٠٢) - في \"المسند\" (٢١٦٦) (١/ ٢٤٢) وأخرجه الحاكم (١/ ٥٣) (٤/ ٣١٤) وعنه البيهقي في \"الكبرى\" (٩/ ٨) من طريق عبد الرحمن بن مهدي به، وأخرجه الطّبرانيّ في \"الكبير\" (١٢/ ١٢٧٣٦٩ والحاكم، والبيهقيّ في \"الدلائل\" (٢/ ٢٧٢) من طرق عن سفيان الثوري لهذا الإسناد، وقال الحاكم: \"حديثٌ صحيحٌ، محفوظ من حديث الثوري عن سلمة بن كهيل … \" ووافقه الذهبي، وجود إسناده المصنف في \"البداية والنهاية\" (٣/ ٦٨) وذكر الهيثمي في \"المجمع\" (٧/ ٥٣) الرّواية السابقة وهذه وقال: \"رجال الروايتين رجال الصَّحيح؛ إلَّا أنَّه وقع في أحد طرقه: عمران بن الحكم، وهو وهم، وفي بعضها: عمران أبو الحكم وهو ابن الحارث وهو الصَّحيح، ورواه البزار بنحوه\" وانظر ما قبله.\n(^٢٠٣) - أخرجه أبو يعلى في مسنده (٦٧٩) (٢/ ٤٠ - ٤١). وذكره الهيثمي في المجمع (٧/ ٨٨) وقال: =\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- في خ: \"ابن\".\n[¬٣]- سقط من: خ.\n[¬٤]- في خ: \"أبواب\".","vol":"9","page":34},{"text":"إبراهيم، عن جدته أم عطاء مولاة الزُّبير بن العوام قالت: سمعت الزُّبير يقول: لما نزلت: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ صاح رسول الله ﷺ على أبي قبيس (*): \"يا آل عبد مناف؛ إنِّي نذير\". فجاءته قريش فحذرهم، وأنذرهم، فقالوا: تزعم أنك نبي يوحى إليك، وأن سليمان سخر له الرِّيح والجبال، وإن موسى سخر له البحر، وأن عيسى كان يحيى الموتى، فادع الله أن يسير عنا هذه الجبال، ويفجر لنا الأرض أنهارًا، فنتخذها محارث فنزرع ونأكل، وإلا فادع الله أن يحيى لنا موتانا فنكلمهم ويكلمونا، وإلا فادع الله أن يصير لنا هذه الصخرة التي تحتك ذهبًا فننحت منها، وتغنينا عن رحلة الشتاء والصيف، فإنك تزعم أنك كهيئتهم. قال: فبينا نحن حوله إذ نزل عليه الوحي، فلما سُرِّي عنه قال: \"والذي نفسي بيده، لقد أعطاني ما سألتم، ولو شئت لكان، ولكنه خيرني بين أن تدخلوا باب الرحمة فيؤمن مؤمنكم، وبين أن يكلكم إلى ما اخترتم لأنفسكم فتضلوا عن باب الرحمة فلا يؤمن منكم أحد، فاخترت باب الرحمة فيؤمن مؤمنكم، وأخبرني أنَّه إن أعطاكم ذلك ثم كفرتم أنَّه يعذبكم عذابًا لا يعذبه أحدًا من العالمين\". ونزلت: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إلا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ﴾، [حتَّى قرأ] [¬١] ثلاث آيات، ونزلت ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى﴾ … الآية.\nولهذا قال تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ﴾، أي: نبعث الآيات ونأتى بها على ما سأل قومك منك؛ فإنَّه سهل علينا يسير لدينا، إلَّا أنَّه قد كذب بها الأولون بعد ما سألوها، وجرت سنتنا فيهم، وفي أمثالهم أنهم لا يؤخرون إذا [¬٢] كذبوا بها بعد نزولها، كما قال الله تعالى في المائدة: ﴿قَال اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالمِينَ﴾، وقال تعالى عن ثمود حين سألوا آية -ناقة تخرج من صخرة عيَّنوها- فدعا صالح ﵇ ربه فأخرج له منها ناقة على ما سألوا، ﴿فَظَلَمُوا بِهَا﴾، أي: كفروا بمن خلقها وكذبوا رسوله [عقروا الناقة] [¬٣] فقال: ﴿تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيرُ مَكْذُوبٍ﴾، ولهذا قال تعالى: ﴿وَآتَينَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً﴾ أي: دالة على وحدانية من خلقها، وصدق الرسول الذي أجيب دعاؤه فيها، ﴿فَظَلَمُوا بِهَا﴾، أي: كفروا بها ومنعوها [¬٤] شربها وقتلوها، فأبادهم الله\n_________\n= \"رواه أبو يعلى من طريق عبد الجبار بن عمر الأيلي عن عبد الله بن عطاء بن إبراهيم، وكلاهما وثق، وقد ضعفهما الجمهور\".\n(*) اسم جبل بمكة.\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- في ت: \"إن\".\n[¬٣]- في ت: \"عقروها\".\n[¬٤]- في خ: \"ومنعوا\".","vol":"9","page":35},{"text":"عن آخرهم وانتقم منهم، وأخذهم أخذ عزيز مقتدر.\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إلا تَخْويفًا﴾، قال قتادة: إن الله تعالى يخوف النَّاس بما شاء [¬١] من آياته، لعلهم يعتبرون ويذكرون ويرجعون؛ ذكر لنا أن الكوفة رجفت على عهد ابن مسعود ﵁ فقال: بها أيها النَّاس، إن ربكم يستعتبكم فأعتبوه\"، وهكذا روي أن المدينة زلزلت على عهد عمر بن الخطاب ﵁ مرات، فقال عمر: أحدثتم [¬٢]! والله لئن عادت لأفعلن ولأفعلن. وكذا قال رسول الله ﷺ في الحديث المتفق عليه (^٢٠٤): \" إن الشَّمس والقمر آيتان من آيات الله، وإنهما لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، ولكن الله عز رجل يرسلهما يخوف بهما عباده، فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى ذكره ودعائه واستغفاره\"، ثم قال: يا أمة محمَّد، والله ما أحد أغير من الله أن يزني عبده أو تزني أمته، يا أمة محمَّد، والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرًا.\n﴿وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَينَاكَ إلا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إلا طُغْيَانًا كَبِيرًا (٦٠)﴾\nيقول تعالى لرسوله ﷺ محرضًا له على إبلاغ رسالته، ومخبرًا له بأنه قد عصمه من النَّاس؛ فإنَّه القادر عليهم وهم في قبضته وتحت قهره وغلبته.\nقال مجاهد وعروة بن الزُّبير والحسن وقتادة وغيرهم، في قوله: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ﴾، أي: عصمتك [¬٣] منهم.\nوقوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَينَاكَ إلا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾، قال البُخاريّ (^٢٠٥): حدَّثنا\n_________\n(^٢٠٤) - أخرجه البُخاريّ في صحيحه -كتاب الكسوف، باب: الصدقة في الكسوف (١٠٤٤) (٢/ ٥٢٩). ومسلم في صحيحه -كتاب الكسوف، يأتي: صلاة الكسوف (١) (٩٠١) (٦/ ٢٨٢ - ٢٨٦) من طريقين عن مالك بن أنس عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة مرفوعًا، وعندهما: \"فإذا رأيتم ذلك فادعوا الله وكبروا، وصلوا وتصدقوا\". وأمَّا الأمر بالذكر والاستغفار كما أورده المصنف هنا فقد ورد من حديث أبي موسى الأشعري أخرجه البُخاريّ -كتاب الكسوف، كتاب: الذكر في الكسوف (١٠٥٩) (٢/ ٥٤٥). ومسلم كتاب الكسوف، باب: ذكر النداء بصلاة الكسوف \"الصَّلاة جامعة\" (٢٤) (٩١٢) (٦/ ٣٠٥).\n(^٢٠٥) - أخرجه البخاري في صحيحه -كتاب التفسير، باب: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَينَاكَ إلا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ (٤٧١٦) (٨/ ٣٩٨). والتِّرمِذي -كتاب تفسير القرآن، باب \"ومن سورة بني إسرائيل\" (٣١٣٤) (٥/ ٢٨٢). والنَّسائي في الكبرى -كتاب التفسير، باب: قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَينَاكَ … \" (١١٢٩١) (٦/ ٣٨٠ - ٣٨١).\n_________\n[¬١]- في خ: \"يشاء\".\n[¬٢]- في خ: \"أحدثنكم\".\n[¬٣]- في ت: \"عصمك\".","vol":"9","page":36},{"text":"علي بن عبد الله، حدَّثنا سفيان، عن عمرو، عن عكرمة، عن ابن عباس: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَينَاكَ إلا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾، قال: هي رؤيا عين أريها رسول الله ﷺ ليلة أسري به، ﴿وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ﴾: شجرة الزقوم. وكذا رواه أحمد (^٢٠٦)، وعبد الرزاق (^٢٠٧) [¬١]، وغيرهما عن سفيان بن عيينة به، وكذا رواه العوفي عن ابن عبَّاس (^٢٠٨). وهكذا فسر ذلك بليلة الإِسراء: مجاهد، وسعيد بن جبير، والحسن، ومسروق، وإبراهيم، وقَتَادة، وعبد الرحمن بن زيد، وغير واحد، وقد تقدمت أحاديث الإِسراء في أول السورة مستقصاة، ولله الحمد والمنة.\nوقد [¬٢] تقدم أن ناسًا رجعوا عن دينهم بعدما كانوا على الحق، لأنه [¬٣] لم تحمل قلوبهم وعقولهم ذلك، فكذبوا بما لم يحطوا بعلمه، وجعل الله ذلك ثباتًا [¬٤] ويقينًا لآخرين؛ ولهذا قال: ﴿إلا فِتْنَةً﴾، أي: اختبازا وامتحانًا.\nوأما الشجرة الملعونة فهي: شجرة الزقوم، كما أخبرهم رسول الله ﷺ: أنَّه رأى الجنَّة والنار، ورأى شجرة الزقوم، فكذبوا بذلك حتَّى قال أَبو جهل لعنه الله: [] [¬٥] هاتوا لنا تمرًا وزبدًا، فجعل [¬٦] يأكل هذا بهذا، ويقول: تَزَقّموا، فلا نعلم\n_________\n(^٢٠٦) - أخرجه أحمد (١/ ٢٢١)، وابن حبان في صحيحه (٥٦) (١/ ٢٥٣)، وابن أبي عاصم في السنة (٤٦٢) (١/ ٢٠١ - ٢٠٢)، والطبراني في الكبير (١١٦٤١) (١١/ ٢٥٠). والبغوي في شرح السنة (٣٧٥٥) (١٣/ ٣٤٨) وصححه الحاكم (٢/ ٣٦٢) على شرط البخاري ووافقه الذهبي. والبيهقي في دلائل النبوة (٢/ ٣٦٥) وابن جرير في تفسيره (١٥/ ١١٠) من طرق عن سفيان به.\n(^٢٠٧) - \" التفسير\" لعبد الرزاق (٢/ ٣٨٠) ومن طريق آخرجه ابن جرير في تفسيره (١٥/ ١١٠). والحاكم في المستدرك (٢/ ٣٦٢).\n(^٢٠٨) - أخرجه البيهقي في البعث (٥٤٥). من طريق محمد بن إسحاق عن حكيم بن حكيم بن عباد عن عكرمة عن ابن عبَّاس فذكره. ومحمد بن إسحاق مدلس، وقد عنعن. وأخرجه ابن جرير في تفسيره (١٥/ ١١٣) من طريق العوفي عن ابن عبَّاس بنحوه. والعوفي ضعيف -كما تقدم مرارًا. وعزاه السيوطي في الدر المنثور (٤/ ٣٤٦) إلى ابن أبي حاتم وابن مرديه.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"عبد الرحمن\".\n[¬٢]- سقط من ز.\n[¬٣]- مكررة في: خ.\n[¬٤]- في ز، خ: \"بيانًا\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين في ز: \"يقول\".\n[¬٦]- في خ: \"وجعل\".","vol":"9","page":37},{"text":"الزقوم غير هذا. حكى ذلك ابن عبَّاس، ومسروق، وأَبو مالك، والحسن البصري، وغير واحد (*)، وكل من قال إنها ليلة الإِسراء فسره كذلك بشجرة الزقوم.\nوقد [¬١] قيل: المراد بالشجرة الملعونة: بنو أمية، وهو غريب ضعيف.\nقال ابن جرير - (^٢٠٩): حُدثت عن محمد بن [الحسن] [¬٢] بن زبالة، حدَّثنا عبد المهيمن بن عبَّاس بن سهل بن سعد [¬٣]، حدثني أبي، عن جدي قال: رأى رسول الله ﷺ بني فلان ينزون على منبره نزو القرود، فساءه ذلك، فما استجمع ضاحكًا حتَّى مات، قال: وأنزل الله في ذلك: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَينَاكَ إلا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ الآية.\nوهذا السند ضعيف جدًّا؛ فإن \"محمد بن الحسن بن زبالة\" متروك، وشيخه أيضًا ضعيف بالكلية، ولهذا اختار ابن جرير أن المراد بذلك ليلة الإِسراء، وأن الشجرة الملعونة هي شجرة [¬٤] الزقوم، قال: لإجماع الحجة من [¬٥] أهل التأويل على ذلك، أي؛ في الرؤيا والشجرة.\nوقوله: ﴿وَنُخَوِّفُهُمْ﴾، أي: الكفار، بالوعيد والعذاب والنكال، ﴿فَمَا يَزِيدُهُمْ إلا طُغْيَانًا كَبِيرًا﴾، أي: تماديًا فيما هم فيه من الكفر والضلال، وذلك من خذلان الله لهم.\n﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إلا إِبْلِيسَ قَال أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا (٦١) قَال أَرَأَيتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إلا قَلِيلًا (٦٢)﴾\nيذكر تعالى عداوة إبليس - لعنه الله - لآدم، ﵇، وذريته، وأنها عداوة قديمة منذ خلق آدم، فإنه تعالى أمر الملائكة بالسجود، فسجدوا كلهم إلَّا إبليس استكبر وأبى أن يسجد له، افتخارًا عليه، واحتقارًا له، ﴿أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا﴾ كما قال في\n_________\n(*) انظر هذه الآثار في تفسير ابن جرير (١٥/ ١١٣).\n(^٢٠٩) - أخرجه ابن جرير في تفسيره (١٥/ ١١٢ - ١١٣). وروى ذلك أيضًا عن الحسن بن علي، ويعلى بن مرة وعائشة مرفوعًا. ولا يصح منها شيء ألبتة، وانظر \"الدر المنثور\" (٤/ ٣٤٦).\n_________\n[¬١] سقط من: خ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز: \"سعيد\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"سعيد\".\n[¬٤]- سقط من: ت.\n[¬٥]- في خ: \"عن\".","vol":"9","page":38},{"text":"الآية الأخرى: ﴿قَال أَنَا خَيرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ وقال أيضًا: ﴿أَرَأَيتَكَ﴾، يقول للرب جرأة وكفرًا، والرب يحلم وينظر، ﴿قَال أَرَأَيتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إلا قَلِيلًا﴾.\nقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس يقول: لأستولين على ذريته إلَّا قليلًا.\nوقال مجاهد: لأحتوين.\nوقال ابن زيد: لأضلنهم. وكلها متقاربة [¬١]، والمعنى أنَّه يقول: أرأيتك هذا الذي شرفته وعظمته علي، لمن أنظرتني لأضلن ذريته إلَّا قليلًا منهم!.\n﴿قَال اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا (٦٣) وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيهِمْ بِخَيلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيطَانُ إلا غُرُورًا (٦٤) إِنَّ عِبَادِي لَيسَ لَكَ عَلَيهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا (٦٥)﴾\nلما سأل إبليس النَّظِرة قال الله له: ﴿اذْهَبْ﴾ أي: [¬٢] فقد أنظرتك، كما قال في الآية الأخرى: ﴿قَال فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٨٠) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾، ثم أوعده، ومن تبعه من ذرية آدم جهنم، فقال [¬٣]: ﴿فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ﴾، أي: على أعمالكم، ﴿جَزَاءً مَوْفُورًا﴾.\nقال مجاهد: وافرًا، وقال قتادة: موفرًا عليكم، لا ينقص لكم منه.\nوقوله تعالى: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ﴾، قيل: هو الغناء، قال مجاهد: باللهو والغناء، أي: استخفهم بذلك.\nوقال ابن عباس في قوله: ﴿وَأَجْلِبْ عَلَيهِمْ بِخَيلِكَ وَرَجِلِكَ﴾، قال: كل داع دعا إلى معصية الله ﷿. وقاله قَتَادة، واختاره ابن جرير.\nوقوله تعالى: ﴿وَأَجْلِبْ عَلَيهِمْ بِخَيلِكَ وَرَجِلِكَ﴾، يقول: واحمل عليهم بجنودك خَيَّالتهم ورجلتهم [¬٤]، فإن \"الرجل\" جمع \"راجل\"، كما أن \"الركب\" جمع\n_________\n[¬١]- في خ: \"متساوية\".\n[¬٢]- سقط من ز.\n[¬٣]- في خ: \"قال\".\n[¬٤]- في خ: \"ورحالتهم\".","vol":"9","page":39},{"text":"\"راكب\"، \"والصحب\" جمع \"صاحب\" ومعناه: تسلط عليهم بكل ما تقدر عليه. وهذا أمر قدريّ كقوله [¬١] تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾ أي: تزعجهم إلى المعاصي إزعاجًا، وتسرقهم إليها سرقًا، وقال ابن عبَّاس، ومجاهد في قوله: ﴿وَأَجْلِبْ عَلَيهِمْ بِخَيلِكَ وَرَجِلِكَ﴾، قال: كل راكب وماشٍ في [معصية الله] [¬٢].\nوقال قَتَادة: إن له خيلًا ورجالًا من الجن والإنس، وهم الذين يطيعونهم.\nوتقول العرب: أجلب فلان على فلان: إذا صاح عليه، ومنه: \"نهى في المسابقة عن الجلب، والجنب\" (^٢١٠)، ومنه اشتقاق \"الجلبة\" وهي ارتفاع الأصوات.\nوقوله تعالى: ﴿وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ﴾، قال ابن عبَّاس ومجاهد: هو ما أمرهم به من إنفاق الأموال في معاصي الله تعالى.\nوقال عطاء: هو الرِّبَا. وقال الحسن: جمعها من خبيث، وإنفاقها في حرام، وكذا قال قَتَادة.\nوقال العوفي عن ابن عبَّاس ﵄: أما مشاركته إياهم في أموالهم، فهو ما حرموه من أنعامهم، يعني: من البحائر والسوائب ونحوها. وكذا قال الضحاك وقتادة.\n_________\n(^٢١٠) - أخرجه أحمد (٤/ ٤٣٩). وأَبو داود -كتاب الجهاد، باب: في الجلب على الخيل في السباق (٢٩٨١) (٣/ ٣٠). والتِّرمِذي -كتاب النكاح، باب: ما جاء في النهي عن نكاح الشغار (١١٢٣) (٣/ ٤٣١). والنَّسائي -كتاب النكاح، باب: الشغار (٦/ ١١١). وفي الخيل، باب: الجلب (٦/ ٢٢٧ - ٢٢٨). من طرق عن حميد الطويل عن الحسن، عن عمران بن حصين، عن النبي ﷺ. قال \"جلب ولا جنب … \". وقال الترمذي: \"حديث حسن صحيح\".\nو\"الجلب\" يكون في شيئين: أحدهما في الزكاة، وهو أن يَقْدَمَ المصدِّق على أهل الزكاة فينزل موضعًا، ثم يرسل من يجلب إليه الأموال من أماكنها ليأخد صدقتها، فنهى عن ذلك، وأمر أن تأخذ صدقاتهم على مساهم وأماكنهم. الثاني: أن يكون في السباق، وهو أن يتبع الفارس رجلًا فرسه ليزجره، ويجلب عليه ويصيح حثًا له على الجري، فنهى عن ذلك.\nوأما \"الجنب\" بالتحريك - فله وجهان.\nالأول: أن يكون في السباق، وهو أن يجنب فرسًا إلى فرسه الذي يسابق عليه، فإذا فتر المركوب، تحول إلى المجنوب. الثاني: هو أن يجنب رب المال بماله، أي يبعده عن موضعه حتَّى يحتاج العامل إلى الإبعاد في اتباعه وطلبه. انظر \"النهاية\" لابن الأثير (١/ ٢٨١، ٣٠٣).\n_________\n[¬١]- في خ: \"كما قال\".\n[¬٢]- في ز: \"معصية\" خ: \"معصيته\".","vol":"9","page":40},{"text":"قال [¬١] ابن جرير: والأولى أن يقال: إن الآية تعم ذلك كله.\nوقوله: ﴿وَالْأَوْلَادِ﴾، قال العوفي عن ابن عبَّاس، ومجاهد، والضحاك: يعني أولاد الزنا.\nوقال علي بن أبي طلحة عن ابن عبَّاس: هو ما كانوا قتلوه من أولادهم سفهًا بغير علم.\nوقال قَتَادة: عن الحسن البصري: قد والله شاركهم في الأموال والأولاد، مجّسوا وهودوا ونصروا [¬٢] وصبغوا غير صبغة الإِسلام، وجزءوا من أموالهم جزءًا للشياطين، وكذا قال قَتَادة سواء.\nوقال أَبو صالح عن ابن عبَّاس: هو تسميتهم أولادهم: \"عبد الحارث [¬٣] \" وعبد شمس\"، و\"عبد فلان\".\nوقال [¬٤] ابن جرير: وأولى الأقوال بالصواب أن يقال: كل مولود ولدته أنثى عصى الله فيه بتسميته [¬٥] ما يكرهه الله، أو \"إدخاله في غير الدين الذي ارتضاه الله، أو بالزنا بأمه، أو بقتله ووأده، وغير [¬٦] ذلك من الأمور التي يعصى الله بفعله به [¬٧] أوفيه، فقد دخل في مشاركة إبليس فيه مَن وُلد ذلك الولدُ له أو منه؛ لأن الله لم يخصص بقوله: ﴿وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ﴾، معنى الشَّرِكة فيه بمعنى دون معنى؛ فكل ما عُصِي الله فيه أو به وأطيع الشيطان فيه أو به، فهو مشاركة.\nوهذا الذي قاله مُتَّجه، وكل من السلف ﵏ فسر بعض المشاركة، فقد ثبت في صحيح مسلم (^٢١١) عن عياض بن حمار [¬٨] أن رسول الله ﷺ قال: \"يقول الله ﷿: إني خلقت عبادي خفاء، فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم\".\nوفي الصحيحين (^٢١٢) أن رسول الله ﷺ قال [¬٩]: \"لو أن أحدهم إذا\n_________\n(^٢١١) - تقدم (٩٢).\n(^٢١٢) - أخرجه البخاري في صحيحه -كتاب الوضوء، باب: التسمية على كل حال، وعند الوقاع. =\n_________\n[¬١]- في خ: \"و\".\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في خ: \"الوارث\".\n[¬٤]- في خ: وقال:\n[¬٥]- في خ: \"بتسمية\".\n[¬٦]- سقط من: خ.\n[¬٧]- سقط من: ز، خ.\n[¬٨]- في خ: \"حمَّاد\".\n[¬٩]- سقط من: خ.","vol":"9","page":41},{"text":"أراد أن يأتي أهله قال: بسم الله، اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا. فإنه إن يقدر بينهما ولد في ذلك لم يضره الشيطان أبدًا\".\nوقوله تعالى: ﴿وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيطَانُ إلا غُرُورًا﴾، كما أخبر تعالى عن [¬١] إبليس أنَّه يقول إذا حصحص [¬٢] الحق يوم يقضى بالحق: ﴿وَقَال الشَّيطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إلا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ﴾ … الآية.\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيسَ لَكَ عَلَيهِمْ سُلْطَانٌ﴾: إخبار بتأيده تعالى عباده المؤمنين وحفظه إياهم وحراسته لهم من الشيطان الرجيم؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا﴾ أي: حافظا ومؤيدًا وناصرًا.\nقال الإِمام أحمد (^٢١٣): حدَّثنا قتيبة، حدَّثنا ابن لهيعة، عن موسى بن وردان، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \"إن المؤمن ليُنْضِي شياطينه كما ينضي أحدكم بعيره في السفر\".\nينضي: أي: يأخذ بناصيته ويقهره.\n﴿رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٦٦)﴾\nيخبر تعالى عن لله بخلقه في تسخيره لعباده الفلكَ في البحر، وتسهيله لمصالح عباده، لابتغائهم من فضله في التجارة من إقليم إلى إقليم، ولهذا قال؛ ﴿إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾، أي: إنما فعل هذا بكم من فضله عليكم، ورحمته بكم.\n﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إلا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ\n_________\n= (١٤١). ومسلم في صحيحه -كتاب النكاح، باب: ما يستحب أن يقوله عند الجماع (١١٦) (١٤٣٤). وأبو داود -كتاب النكاح -باب: في جامع النكاح (٢١٦١). والترمذي -كتاب النكاح، باب: ما يقول إذا دخل على أهله (١٠٩٢). والنَّسائي في الكبرى -كتاب عشرة النساء، باب: ما يقول إذا أتاهن (٩٠٣٠) (٥/ ٣٢٧). وابن ماجة -كتاب النكاح -باب: ما يقول الرجل إذا دخلت عليه أهله (١٩١٩) (١/ ٦١٨) من طريق منصور، عن سالم بن أبي الجعد عن كريب عن ابن عبَّاس مرفوعًا.\n(^٢١٣) - إسناده ضعيف، أخرجه أحمد (٢/ ٣٨٠). وذكره الهيثمي في المجمع (١/ ١٢١) وقال: \"رواه أحمد وفيه ابن لهيعة\".\n_________\n[¬١]- بعده في ز، خ: سلف.\n[¬٢]- في ز: \"حصص\".","vol":"9","page":42},{"text":"وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا﴾.\nيخبر ﵎ [أنَّه إذا مسَّ الناس] [¬١] ضرٌّ دعوه منيببن إليه مخلصين له الدين؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إلا إِيَّاهُ﴾، أي: ذهب عن قلوبكم كل ما تعبدون غير الله تعالى، كما اتفق لعكرمة بن أبي جهل لما ذهب فارًّا من رسول الله ﷺ حين فتح مكة، فذهب هاربًا فركب في البحر ليدخل الحبشة فجاءتهم ريح عاصف، فقال القوم بعضهم لبعض: إنه لا يغني عنكم إلا أن تدعوا الله وحده. فقال عكرمة في نفسه: والله لئن كان لا ينفع في البحر غيره فإنه لا ينفع في البر غيره، اللهم لك عليّ عهد لئن أخرجتني منه لأذهبن فأضعن يدي في يديه، فلأجدنه رءوفًا رحيمًا!! فخرجوا من البحر، فرجع إلى رسول الله ﷺ فأسلم وحسن إسلامه ﵁ وأرضاه\" (^٢١٤).\nوقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ﴾، أي: نسيتم ما عرفتم من توحيده في البحر وأعرضتم عن دعائه وحده لا شريك له.\n﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا﴾ أي: سجيته هذا، ينسى النعم ويجحدها [¬٢] إلَّا من عصم الله.\n﴿أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا (٦٨)﴾\nيقول تعالى: أفحسبتم بخروجكم [¬٣] إلى البر أمنتم من انتقامه وعذابه:؟.\n﴿أَنْ نَخْسِفَ [¬٤] بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ [¬٥] عَلَيكُمْ حَاصِبًا﴾ وهو: المطر الذي فيه حجارة. قاله مجاهد وغير واحد، كما قال تعالى: ﴿[إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيهِمْ حَاصِبًا] [¬٦] إلا آلَ لُوطٍ نَجَّينَاهُمْ بِسَحَرٍ (٣٤)﴾ و[¬٧]، قال في الآية الأخرى: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيهِمْ حِجَارَةً مِنْ\n_________\n(^٢١٤) - أخرجه البيهقي في دلائل النبوة (٥/ ٥٩ - ٦٠) من طريق أسباط بن نصر الهمداني، قال: زعم السدي، عن مصعب بن سعد عن أبيه قال: لما كان يوم فتح مكة. فذكره وفيه قصة عكرمة.\n_________\n[¬١]- في ت: \"أن الناس إذا مسهم\".\n[¬٢]- في خ ز: \"يحمدها\".\n[¬٣]- في خ: \"أن يخرجكم\".\n[¬٤]- في خ: \"يخسف\".\n[¬٥]- في ز، خ: \"يرسل\".\n[¬٦]- سقط من: خ.\n[¬٧]- في ز: \"وقد\".","vol":"9","page":43},{"text":"سِجِّيلٍ [¬١]﴾ وقال: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ (١٦) أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيفَ نَذِيرِ﴾.\nوقوله: ﴿ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا﴾، أي: ناصرًا، يرد ذلك عنكم، وينقذكم منه.\n﴿أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى فَيُرْسِلَ عَلَيكُمْ قَاصِفًا مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَينَا بِهِ تَبِيعًا (٦٩)﴾.\nيقول ﵎: ﴿أَمْ أَمِنْتُمْ﴾ أيها المعرضون عنا، بعد ما اعترفوا بتوحيدنا في البحر وخرجوا إلى البر، ﴿أَنْ يُعِيدَكُمْ﴾ في البحر مرة ثانية، ﴿فَيُرْسِلَ [¬٢] ﴿عَلَيكُمْ قَاصِفًا مِنَ الرِّيحِ﴾ أي: يقصف [¬٣] الصواري ويغرق [¬٤] الراكب.\nقال ابن عبَّاس وغيره: القاصف: ريح البحار التي تكسر المراكب وتغرقها.\nوقولى: ﴿فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ﴾، أي: بسبط كفركم وإعراضكم عن الله تعالى.\nوقوله: ﴿ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَينَا بِهِ تَبِيعًا﴾ قال ابن عبَّاس: نصيرًا.\nوقال مجاهد: نصيرًا ثائرًا. أي: يأخذ بثأركم [¬٥] بعدكم.\nوقال قَتَادة: و[¬٦] لا نخاف أحدا يتبعنا بشيء من ذلك.\n﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (٧٠)﴾\nيخبر تعالى عن تشريفه لبني آدم وتكريمه إياهم في خلقه لهم صلى أحسن الهيئات وأكملها، كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْويمٍ﴾، أي: يمشي قائمًا منتصبًا على رجليه ويأكل بيديه -وغيره من الحيوانات يمشي على أربع ويأكل بفمه- وجعل له سمعًا وبصرًا وفؤادًا [¬٧]، يفقه بذلك كله وينتفع به، ويفرق بين الأشياء ويعرف منافعها وخواصها ومضارها في الأمور الدينية والدنيوية.\n_________\n[¬١]- في: ز، خ: \"طين\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"فنرسل\".\n[¬٣]- في خ: \"نقصف\".\n[¬٤]- في خ: \"نغرق\".\n[¬٥]- سقط من خ.\n[¬٦]- سقط من: ت.\n[¬٧]- في خ: \"فودا\".","vol":"9","page":44},{"text":"﴿وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ﴾، أي: على الدواب من الأنعام والخيل والبغال، وفي البحر أيضًا على السفن الكبار والصغار.\n﴿وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾، أي: من زروع وثمار، ولحوم وألبان، من سائر أنواع الطعوم والألوان المشتهاة اللذيذة، والمناظر الحسنة، والملابس الرفيعة [¬١] من سائر الأنواع، على اختلاف أصنافها وألوانها وأشكالها، مما يصنعونه لأنفسهم، ويجلبه إليهم غيرهم من أقطار الأقاليم والنواحي.\n﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ أي: من سائر الحيوانات وأصناف [¬٢] المخلوقات.\nوقد استُدل بهذه الآية على أفضلية جنس البشر على جنس الملائكة.\nقال عبد الرزاق (^٢١٥): أخبرنا معمر، عن زيد بن أسلم قال: قالت الملائكة: يا ربنا، إنك أعطيت بني آدم الدنيا، يأكلون منها ويتنعمون، ولم تعطنا ذلك، فأعطناه في الآخرة. فقال الله تعالى: وعزتي وجلالي [لا أجعل] [¬٣] صالح ذرية من خلقت بيدي، كمن قلت له: كن، فكان.\nوهذا الحديث مرسل من هذا الوجه، وقد روى من وجه آخر متصلًا.\nوقال الحافظ أَبو القاسم الطبراني (^٢١٦): حدَّثنا أحمد بن محمد بن صدقة البغدادي، حدَّثنا إبراهيم بن عبد الله بن خالد المصيصي، حدَّثنا حجاج بن محمد، حدثنا [¬٤] أَبو غسان محمد بن مطرف، عن صفوان بن سليم، عن عطاء بن يسار، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ قال: \"إن الملائكة قالت: يا ربنا، أعطيت بني آدم الدنيا يأكلون فيها ويشربون ويلبسون ونحن نسبح بحمدك، ولا نأكل ولا نشرب ولا\n_________\n(^٢١٥) - \" التفسير\" لعبد الرزاق (٢/ ٣٨٢) ومن طريقه أخرجه ابن جرير في تفسيره (١٥/ ١٢٦) حدَّثنا الحسين بن يحيى قال: أخبرنا عبد الرزاق به. وعزاه السيوطي في \"الدر المنثور\" (٤/ ٣٥٠) إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢١٦) - أخرجه الطبراني في \"الكبير\" - وهو في الجزء المفقود -. وهو أيضًا في الأوسط (٦١٧٣) (٦/ ١٩٦) من طريق طلحة بن زيد، عن صفوان بن سليم، به. وذكره الهيثمي في المجمع (١/ ٨٧) وقال: \"رواه الطبراني في الكبير والأوسط وفيه إبراهيم بن عيد الله بن خالد المصيصي وهو كذاب متروك\"، وفي مسند \"الأوسط\" طلحة بن زيد وهو كذاب أيضًا.\n_________\n[¬١]- في ز: \"المرتفعة\".\n[¬٢]- في ت: \"سائر\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في ز: \"لأجعلن\".\n[¬٤]- بعده في ز، خ: محمد.","vol":"9","page":45},{"text":"نلهو، فكما جعلت لهم الدنيا فاجعل لنا الآخرة. قال: لا أجعل صالح ذرية من خلقت بيدي، كمن قلت له: كن، فكان\".\nوقد روى ابن عساكر (^٢١٧) من طريق محمد بن أيوب الرازي، حدثنا الحسن بن علي بن خلف الصيدلاني، حدَّثنا سليمان بن عبد الرحمن، حدثني عثمان بن حصن بن عبيدة بن علاق، سمعت عروة بن رُويم اللخمي، حدثني أَنس بن مالك، عن رسول الله ﷺ قال: \"إن الملائكة قالوا: ربنا، خلقتنا وخلقت بني آدم، فجعلتهم يأكلون الطَّعام، ويشربون الشراب، ويلبسون الثياب، ويتزوجون النساء، ويركبون الدواب، ينامون ويستريحون، ولم تجعل لنا من ذلك شيئًا، فاجعل لهم الدنيا ولنا الآخرة. فقال الله ﷿: لا أجعل من خلقته بيدي، ونفخت فيه من روحي كمن قلت له: كن، فكان\".\nوقال الطبراني (^٢١٨): حدَّثنا عبدان بن أحمد، حدثنا عمر [¬١]، بن سهل، حدثنا عبيد الله بن تمام، عن خالد الحذاء، عن بشر بن شغاف، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ: \"ما شيء أكرم على الله يوم القيامة من ابن آدم\". قيل: يا رسول الله، ولا الملائكة؟ قال: \"ولا الملائكة، الملائكة مجبورون بمنزلة الشمس والقمر\". وهذا حديث غريب جدًّا.\n﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٧١) وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ\n_________\n(^٢١٧) - وأخرجه البيهقي في \"شعب الإيمان\" (١٤٩) (١/ ١٧٢) من طريق هشام بن عمار ثنا عبد ربه بن صالح القرشي: ثنا عروة بن رويم يوم عن جابر الأنصاري أن النبي ﷺ قال … فذكره بنحوه. وقال البيهقي: \"وقال فيه غيره: عن هشام بن عمار بإسناده عن جابر بن عبد الله الأنصاري وفي ثبوته نظر\".\n(^٢١٨) - أخرجه الطبراني في الكبير - وهو في الجزء المفقود - والبيهقي في شعب الإيمان (١٥٣) (١/ ١٧٨). والخطيب البغدادي في تاريخه (٤/ ٤٥) من طريق عبيد الله بن تمام به. وعزاه الهيثمي في المجمع (١/ ٨٧) إلى الطبراني في الكبير وقال: \"وفيه عبيد الله بن تمام وهو ضعيف\". وقال البيهقي: \"تفرد عبيد الله بن تمام، قال البخاري: عنده عجائب، ووراه غيره عن خالد الحذاء موقوفًا على عبد الله بن عمرو وهو الصحيح\". قلت: أخرجه البيهقي في الشعب (١٥٤) (١/ ١٧٥) من طريق وَهْب بن بقية عن خالد الحذاء به موقوفًا. ووهب بن بقية هو الواسطي ثقة كما في \"التقريب\"، وصحح الموقوف السيوطي في الدر المنثور (٤/ ٣٥٠).\n_________\n[¬١]- في خ: \"معمر\".","vol":"9","page":46},{"text":"أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا (٧٢)﴾\nيخبر ﵎ عن يوم القيامة أنه يحاسب كل أمة بإمامهم.\nوقد اختلفوا في ذلك؛ فقال مجاهد وقتادة: أي: بنبيهم، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَينَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ وقال بعض السلف: هذا أكبر شرف لأصحاب الحديث؛ لأن إمامهم النبي ﷺ.\nوقال ابن زيد: بكتابهم الذي أنزل على نبيهم من التشريع.\nواختاره ابن جرير، وروي عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد أنه قال: بكتبهم. فيحتمل أن يكون أراد هذا، وأن يكون أراد ما رواه العوفي عن ابن عباس في قوله: ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾ أي: بكتاب أعمالهم. وكذا قال أبو العالية والحسن والضحاك، وهذا القول هو الأرجح، لقوله تعالى: ﴿وَكُلَّ شَيءٍ أَحْصَينَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾، وقال تعالى: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَاوَيلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إلا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾.\n[ويحتمل أن المراد بإمامهم: أي: كل قوم بمن يأتمون به، فأهل الإِيمان أئتموا بالأنبياء ﵈ وأهل الكفر أئتموا بأئمتهم، كما قال: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾، وفي الصحيحين (^٢١٩): \" لتتبع كل أمة ما كانت تعبد، فيتبع من كان يعبد الطواغيت الطواغيت … \" الحديث] [¬١].\nوقال تعالى: ﴿وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٨) هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ وهذا لا ينافي [¬٢] أن يجاء بالنبي إذا حكم الله بين أمته؛ فإنه لا بد أن يكون شاهدًا [عليها] [¬٣] بأعمالها، كقوله [¬٤] تعالى: ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ﴾، وقوله [¬٥]، تعالى: ﴿فَكَيفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى\n_________\n(^٢١٩) - أخرجه البخاري في صحيحه -كتاب الأذان، باب: فضل السجود (٨٠٦) ومسلم في صحيحه كتاب الإيمان، باب: معرفة طريق الرؤية (٢٩٩) (١٨٢) من حديث أبي هريرة الطويل، وفي الباب أيضًا حديث أبي سعيد الخدري عند البخاري (٧٤٣٩) ومسلم (٣٠٢) (١٨٣).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في ز: \"ينفى\".\n[¬٣]- في ت: \"على أمته\".\n[¬٤]- في خ: \"كما قال\".\n[¬٥]- في خ: \"وقال\".","vol":"9","page":47},{"text":"هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾. ولكن المراد ها هنا بالإِمام هو: كتاب الأعمال؛ ولهذا قال تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ﴾، أي: من فرحته وسروره بما فيه من العمل الصالح يقرؤه ويحب قراءته، كقوله [¬١]: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ (١٩) إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ﴾ إلى قوله [¬٢]: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَاليتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ (٢٥) وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ﴾.\nوقوله: ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ قد تقدم أن الفتيل هو الخيط المستطيل في شق النواة.\nوقد روى الحافظ أبو بكر البزار حديثًا [¬٣] في هذا فقال (^٢٢٠): حدثنا محمد بن يعمر، ومحمد بن عثمان بن كرامة؛ قالا: حدثنا عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن السدي، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ في [قوله تعالى] [¬٤]: ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾، قال: \"يدعى أحدهم فيعطى كتابه بيمينه، ويمدّ له في جسمه، ويبيّض وجهه، ويجعل على رأسه تاج من لؤلؤة تتلألأ، فينطلق إلى أصحابه، فيرونه [من بعيد] [¬٥] فيقولون: اللهم؛ ائتنا [¬٦] بهذا، وبارك لنا في هذا، فيأتيهم فيقول لهم: أبشروا! فإن لكل رجل منكم مثل هذا. وأما الكافر فيسود وجهه، ويمدّ له في جسمه، ويراه أصحابه فيقولون: نعوذ بالله من هذا - أو: من شر هذا - اللهم؛ لا تأتنا به. فيأتيهم فيقولون: اللهم أخزه. فيقول: أبعدكم الله! فإن لكل رجل منكم مثل هذا\" ثم قال البزار: لا يروى إلا من هذا الوجه.\nوقوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾. قال ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، وابن زيد: ﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ﴾، أي: في الحياة الدنيا ﴿أَعْمَى﴾، أي [¬٧]: عن حجج الله وآياته وبيناته، ﴿فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى﴾،\n_________\n(^٢٢٠) - وأخرجه الترمذي -كتاب تفسير القرآن، باب: \"ومن سورة بني إسرائيل، (٣١٣٦) (٥/ ٢٨٢ - ٢٨٣). وابن حبان في صحيحه (٧٣٤٩) (١٦/ ٣٤٦) والحاكم في مستدركه (٢/ ٢٤٢ - ٢٤٣). وأبو نعيم في الحلية (٩/ ١٥ - ١٦)، من طريقين عن إسرائيل عن السدي له. وقال الترمذي: حديث حسن غريب. وقال الحاكم: حديث صحيح على شرط مسلم ولم خرجاه. ووافقه الذهبي، وليس كما قالا، فإن عبد الرحمن بن أبي كريمة والد السدي لم يرو له مسلم في صحيحه شيئًا ثم إنه لم يوثقه سوى ابن حبان على قاعدته المعروفة في توثيق المجاهيل. وقال فيه الحافظ في التقريب: مجهول الحال. والحديث عزاه السيوطي في الدر المنثور (٤/ ٣٥١) إلى ابن أبي حاتم وابن مردويه.\n_________\n[¬١]- في خ: \"كما قال تعالى\".\n[¬٢]- في ز: \"أن قال\".\n[¬٣]- في خ: \"حدثنا\".\n[¬٤]- في خ: \"في قول الله\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٦]- في ز، خ: \"اغترينا\".\n[¬٧]- سقط من: ز.","vol":"9","page":48},{"text":"أي: كذلك يكون، ﴿وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ أي: وأضل منهم كما كان في الدنيا، عياذًا بالله من ذلك.\n﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَينَا إِلَيكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَينَا غَيرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا (٧٣) وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيهِمْ شَيئًا قَلِيلًا (٧٤) إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَينَا نَصِيرًا (٧٥)﴾\nيخبر تعالى عن تأييد رسوله صلوات الله عليه وسلامه وتثبيته وعصمته وسلامته من شر الأشرار وكيد الفجار، وأنه تعالى هو المتولي أمره ونصره، وأنه لا يكله إلى أحد من خلقه؛ بل هو وليه وحافظه وناصره ومؤيده ومظفره، ومظهر دينه على من عاداه وخالفه وناوأه في مشارق الأرض ومغاربها، ﷺ تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين.\n﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إلا قَلِيلًا (٧٦) سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْويلًا (٧٧)﴾\nقيل: نزلت في اليهود، إذ [¬١] أشاروا على رسول الله ﷺ بسكنى الشام بلاد الأنبياء، وترك سكنى المدينة. وهذا القول ضعيف؛ لأن هذه الآية مكية، وسكنى المدينة بعد ذلك.\nوقيل: إنها نزلت بتبوك، وفي صحته نظر.\nقال البيهقي (^٢٢١) عن الحاكم، عن الأصم، عن أحمد بن عبد الجبار العُطاردي، عن ويونس بن بكير، عن عبد الحميد بن بهرام، عن شهر بن حوشب، عن عبد الرحمن بن غنم؛ أن اليهود أتوا رسول الله ﷺ يومًا فقالوا: يا أبا القاسم؛ إن كنت\n_________\n(^٢٢١) أخرجه البيهقي في دلائل النبوة (٥/ ٢٥٤). وعزاه السيوطي في الدر المنثور (٤/ ٣٥٣) إلى ابن أبي حاتم وابن عساكر.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.","vol":"9","page":49},{"text":"صادقًا أنك نبي فالحق بالشام؛ فإن الشام أرض المحشر وأرض الأنبياء، فصدق ما قالوا، فغزا غزوة تبوك لا يريد إلا الشام، فلما بلغ تبوك أنزل الله عليه آيات من سورة بني إسرائيل بعد ما ختمت السورة: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا﴾ إلى قوله: ﴿تَحْويلًا﴾ فأمره الله بالرجوع إلى المدينة، وقال: فيها محياك ومماتك، ومنها تبعث.\nوفي هذا الإِسناد نظر، والأظهر أن هذا ليس بصحيح؛ فإن النبي ﷺ لم يغز تبوك عن قول اليهود، إنما غزاها امتثالًا لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ﴾، وقوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾، وغزاها ليقتص وينتقم ممن قتل أهل مؤتة من أصحابه، والله أعلم.\nولو صح هذا لحمل عليه الحديث الذي رواه الوليد بن مسلم، عن عُفَير بن مَعْدان، عن سليم بن عامر، عن أبي أمامة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"أنزل القرآن في ثلاثة أمكنة: مكة، والمدينة، والشام\". قال الوليد: يعني بيت المقدس، وتفسير الشام بتبوك أحسن مما قال الوليد: إنه بيت المقدس. والله أعلم.\nوقيل: نزلت في كفار قريش، هموا بإخراج رسول الله ﷺ من بين أظهرهم، فتوعدهم الله بهذه الآية، وأنهم لو أخرجره لما لبثوا بعده بمكة إلا يسيرًا، وكذلك وقع، فإنه لم يكن بعد هجرته من بين أظهوهم - بعد ما اشتد أذاهم له - إلا سنة ونصف، حتى جمعهم الله وإياه ببدر على غير ميعاد، فأمكنه منهم، وسلطه عليهم، وأظفره بهم، فقتل أشرافهم، وسبى سراتهم، ولهذا قال تعالى: ﴿سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا﴾، أي: هكذا عادتنا في الذين كفروا [¬١] برسلنا وآذوهم: يخرج [¬٢] الرسول من بين أظهوهم، ويأتيهم العذاب. ولولا أنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم رسول الرحمة لجاءهم من النقم في الدنيا ما لا قبل لأحد به؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾.\n﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا (٧٨) وَمِنَ اللَّيلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا (٧٩)﴾\n_________\n[¬١]- في خ: \"كذبوا\".\n[¬٢]- في خ: \"بخروج\".","vol":"9","page":50},{"text":"يقول تبارك وتعالن لرسوله ﷺ آمرًا له بإقامة الصلوات المكتوبات في أوقاتها: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾، قيل: لغروبها. قاله ابن مسعود (^٢٢٢)، ومجاهد، وابن زيد. وقال [¬١] هشيم عن مغيرة عن الشعبي عن ابن عباس (^٢٢٣)، دلوكها: زوالها.\nورواه نافع، عن ابن عمر (^٢٢٤). ورواه مالك في تفسيره، عن الزهري، عن ابن عمر (^٢٢٥)، وقاله أبو بَرْزَة الأسلمي (^٢٢٦)، وهو رواية أيضًا عن ابن مسعود، ومجاهد. وبه قال الحسن، والضحاك، وأبو جعفر الباقر، وقتادة. واختاره ابن جرير، ومما استشهد عليه ما رواه (^٢٢٧) عن ابن حميد، عن الحكم بن بَشير [¬٢]، حدثنا عمرو بن قيس، عن ابن أبي ليلى، [عن رجل] [¬٣]، عن جابر بن عبد الله؛ قال: دعوت رسول الله صلى الله عليه\n_________\n(^٢٢٢) - أخرجه الطبراني في الكبير (٩١٣١، ٩١٣٢) (١٠/ ٢٦٣). والحاكم في المستدرك (٢/ ٣٦٣). من طريق الأعمش عن إبراهيم وعمارة عن عبد الرحمن بن يزيد قال: كان عبد الله ﵁ يصلي المغرب ونحن نرى أن الشمس طالعة قال: فنظرنا يومًا إلى ذلك فقال: ما تنظرون؟ قالوا: إلى الشمس. قال عبد الله: هذا والذي لا إله غيره ميقات هذه الصلاة … وقال الحاكم: \"حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه بهذه السياقة\". وذكره الهيثمي في المجمع (٧/ ٥٤) وقال: \"رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح\". وله طرق أخرى عن ابن مسعود - انظر المعجم الكبير (١٠/ ٢٦٢، ٢٦٣) وعزاه السيوطي في الدر المنثور (٤/ ٣٥٤) إلى عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن المنذر.\n(^٢٢٣) - أخرجه ابن جرير في تفسيره (١٥/ ١٣٥) حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور (٤/ ٣٥٤) إلى سعيد بن منصور.\n(^٢٢٤) - أخرجه ابن جرير في تفسيره (١٥/ ١٣٥) حدثني موسى بن عبد الرحمن، قال: ثنا أبو أسامة عن عبد الحميد بن جعفر عن نافع به.\n(^٢٢٥) - أخرجه البزار في مسنده -كما في مختصر الزوائد (١٤٧٧) (٢/ ٩٠). من طريق عمر بن قيس عن الزهري عن سالم عن أبيه عن النبي ﷺ قال: \"دلوك الشمس زوالها\". وقال البزار: \"إنما يروى عن ابن عمر موقوفًا، ولم يرفعه إلا عمر بن قيس وهو لين الحديث\". وذكره الهيثمي في المجمع (٧/ ٥٣ - ٥٤) وقال: \"رواه البزار وفيه عمر بن قيس المعرف بسندل وهو متورك\". وضعف إسناده السيوطي في الدر المنثور (٤/ ٣٥٤) وعزاه إلى أبي الشيخ، وابن مردويه والديلمي.\n(^٢٢٦) - أخرجه ابن جرير في تفسيره (١٥/ ١٣٥) من طريقين عن الحسين بن واقد، عن سيار بن سلامة الرياحي عن أبي برزة الأسلمي … فذكره.\n(^٢٢٧) - أخرجه ابن جرير في تفسيره (١٥/ ١٣٧). وفيه جهالة، وضعف ابن حميد وابن أبي ليلى لكن ورد بإسناد آخر عن جابر يأتي بعد هذا.\n_________\n[¬١]- في ز: \"قاله\".\n[¬٢]- في خ: \"هشيم\".\n[¬٣]- سقط من: خ.","vol":"9","page":51},{"text":"وسلم ومن شاء من أصحابه، فطعموا عندي، ثم خرجوا حين زالت الشمس، فخرج النبي ﷺ، فقال: \"اخرج يا أبا بكر، فهذا حين دلكت الشمس\" ثم [¬١] رواه (^٢٢٨) عن سهل بن بكار، عن أبي عوانة، عن الأسود بن قيس، عن نبيح العنزي، عن جابر، عن رسول الله ﷺ، نحوه. فعلى هذا تكون هذه الآية دخل فيها أوقات الصلاة الخمسة، فمن قوله: ﴿لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيلِ﴾ - وهو [¬٢]: ظلامه، وقيل: غروب الشمس - أُخِذ منه الظهر والعصر والمغرب والعشاء، وقوله: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾، يعني: صلاة الفجر.\nوقد ثبتت السنة عن رسول الله ﷺ تواترًا من أفعاله وأقواله، بتفاصيل هذه الأوقات، على ما عليه عمل [¬٣] أهل الإسلام اليوم، مما [¬٤] تلقوه خلفًا عن سلف، وقرنًا بعد قرن، كما هو مقرر في مواضعه [¬٥]، ولله الحمد.\n﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ ـ، قال الأعمش (^٢٢٩): عن إبراهيم، عن ابن مسعود - وعن أبي صالح (^٢٣٠)، عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ في هذه الآية: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾، قال: تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار.\nوقال البخاري (^٢٣١): حدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا [¬٦] عبد الرزاق، أخبرنا معمر،\n_________\n(^٢٢٨) - أخرجه ابن جرير في تفسيره (١٥/ ١٣٧) حدثني محمد بن عثمان الرازي، قال: ثنا ابن بكار به. وهذا إسناد رجاله ثقات، غير محمد بن عثمان الرازي شيخ ابن جرير، فلم أعثر على ترجمة له.\n(^٢٢٩) - أخرجه ابن ماجه -كتاب الصلاة، باب: وقت صلاة الفجر (٦٧٠) وابن جرير في تفسيره (١٥/ ١٣٩). من طريق عبيد بن أسباط بن محمد القرشي ثنا أبي عن الأعمش به.\nوأحمد في مسنده (٤/ ٤٧٤) ثنا أسباط عن الأعمش به.\n(^٢٣٠) - أخرجه الترمذي -كتاب تفسير القرآن، باب: \"ومن سورة بني إسرائيل\" (٣١٣٥). والنسائي في الكبرى -كتاب التفسير، باب: قوله تعالى: ﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ (١١٢٩٣) ٦/ ٣٨١). وابن ماجه -كتاب الصلاة، كتاب: وقت صلاة الفجر (٦٧٠) (١/ ٢٢٠). وأحمد في المسند (٢/ ٤٧٤). من طريق أسباط عن الأعمش به. وقال الترمذي: \"حديث حسن صحيح\". وأخرجه ابن خزيمة في صحيحه (١٤٧٤) (٢/ ٣٦٥). والحاكم في مستدركه (١/ ٣٣٠). من طريق علي بن مسهر عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة وأبي سعيد فذكراه.\n(^٢٣١) - أخرجه البخاري في صحيحه -كتاب التفسير، باب: ﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ (٤٧١٧). ومسلم في صحيحه -كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب: فضل صلاة الجماعة، وبيان التشديد =\n_________\n[¬١]- في خ: \"فهذا\".\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- سقط من: خ.\n[¬٤]- في خ: \"عما\".\n[¬٥]- في ز: \"موضعه\".\n[¬٦]- في خ: \"بن\".","vol":"9","page":52},{"text":"عن الزهري، عن أبي سلمة وسعيد بن المسيب عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: \"فضل صلاة الجميع [¬١] على صلاة الواحد خمس وعشرون درجة، وتجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار في صلاة الفجر\". ويقول أبو هريرة: اقرءوا إن شئتم: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾.\nوقال الإِمام أحمد (^٢٣٢): حدثنا أسباط، حدثنا الأعمش، عن إبراهيم، عن ابن مسعود، عن النبي ﷺ وحدثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ في قوله: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾، قال: \"تشهده ملائكة الليل، وملائكة النهار\".\nورواه الترمذي، والنسائي، وابن ماجه، ثلاثتهم عن عبيد بن أسباط بن محمد، عن أبيه به. وقال الترمذي: حسن صحيح. وفي لفظ في الصحيحين (^٢٣٣)، من طريق مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ؛ قال: \"يتعاقبون فيكم ملائكة الليل وملائكة النهار، ويجتمعون في صلاة الصبح وفي صلاة العصر، فَيَعْرُجُ الذين باتوا فيكم فيسألهم [ربهم] (*) - وهو أعلم بكم (*) -: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: أتيناهم وهم يصلون، وتركناهم وهم يصلون\".\nوقال عبد الله بن مسعود (^٢٣٤): يجتمع الحرسان في صلاة الفجر، فيصعد هؤلاء ويقيم هؤلاء. وكذا قال إبراهيم النخعي، ومجاهد، وقتادة، وغير واحد في تفسير هذه الآية.\nوأما الحديث الذي رواه ابن جرير (^٢٣٥) ها هنا - من حديث الليث بن سعد، عن زيادة،\n_________\n= في التخلف عنها (٢٤٦) (٦٤٩) من طريق أبي اليمان، عن شعيب، عن الزهري، عن سعيد وأبي سلمة عن أبي هريرة به.\n(^٢٣٢) - تقدم (٢٢٩، ٢٣٠).\n(^٢٣٣) - تقدم تخريجه [سورة الرعد / آية ١١].\n(^٢٣٤) - أخرجه الطبراني في الكبير (٩١٣٩) (٩/ ٢٦٥). من طريق أبي نعيم ثنا المسعودي عن عمرو بن مرة عن أبي عبيد قال: كان عبد الله يقول … فذكره. وتابع المسعودي قتادة عن عقبة بن عبد الغافر عن أبي عبيدة به أخرجه ابن جرير في تفسيره (١٥/ ١٣٩). وعزاه السيوطي في الدر المنثور (٤/ ٣٥٥) إلى سعيد بن منصور وابن المنذر.\n(*) ثم في مصادر التخاريج التي وقفت عليها جاءت بلفظ: \"بهم\".\n(^٢٣٥) - أخرجه ابن جرير في تفسيره (١٥/ ١٣٩). قلت: \"وزيادة\" هذا هو ابن محمد الأنصاري. قال البخاري والنسائي وأبو حاتم: منكر الحديث وكذا قال ابن حجر في التقريب. وعزاه السيوطي في الدر المنثور (٤/ ٣٥٥) إلى الحكيم الترمذي والطبراني وابن مردويه.\n_________\n[¬١]- في خ: \"الجمع\".","vol":"9","page":53},{"text":"عن محمد بن كعب القرظي، عن فضالة بن عُبَيد، عن أبي الدرداء، عن رسول الله ﷺ، فذكر حديث النزول، وأنه تعالى يقول: من يستغفرْني أغفرْ له، من يَسألْني أعطه، من يدعني فأستجب [¬١] له حتى يطلع [¬٢] الفجر\". فلذلك يقول: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾، فيشهده الله، وملائكة الليل، وملائكة النهار.\nفإنه تفرد به زيادة وله بهذا حديث في سنن أبي داود (^٢٣٦).\nوقوله: ﴿وَمِنَ اللَّيلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ﴾: أمر له بقيام الليل بعد المكتوبة، كما ورد في صحيح مسلم (^٢٣٧)، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ: أنه سئل: أي الصلاة أفضل بعد المكتوبة؟ قال: \"صلاة الليل\". ولهذا أمر تعالى رسوله بعد المكتوبات بقيام الليل، فإن التهجد ما كان بعد نوم. قاله [¬٣] علقمة، والأسود، وإبراهيم النخعي، وغير واحد، وهو المعروف في لغة العرب. وكذلك ثبتت الأحاديث عن رسول الله ﷺ أنه كان يتهجد بعد نومه - عن ابن عباس، وعائشة، وغير واحد من الصحابة ﵃ -كما هو مبسوط في موضعه، ولله الحمد والمنة.\nوقال الحسن البصري: هو ما كان بعد العشاء ويحمل على ما بعد النوم.\nواختلف في معنى قوله: ﴿نَافِلَةً لَكَ﴾، فقيل: معناه أنك مخصوص بوجوب ذلك وحدك، فجعلوا قيام الليل واجبًا في حقه دون الأمة. رواه العوفي عن ابن عباس، وهو أحد قولي العلماء، وأحد قولي الشافعي ﵀ واختاره ابن جرير.\nوقيل: إنما جعل قيام الليل في حقه نافلة على الخصوص، لأنه قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وغيره من أمته إنما تكفر عنه صلواتُه النوافلُ الذنوبَ التي عليه، قاله مجاهد، وهو في المسند (^٢٣٨) عن أبي أمامة الباهلي، ﵁.\nوقوله: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾، أي: افعل هذا الذي أمرتك به،\n_________\n(^٢٣٦) - الحديث المشار إليه عند أبي داود كتاب الطب، باب: كيفية الرقى؟ (٣٨٩٢).\n(^٢٣٧) - أخرجه مسلم في صحيحه -كتاب الصيام، باب: فضل صوم المحرم (٢٠٣) (١١٦٣) حدثني زهير بن حرب حدثنا جرير عن عبد الملك بن عمير عن محمد بن المنتشر عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة به.\n(^٢٣٨) - أخرجه أحمد (٥/ ٢٥٦)، والطبراني في الكبير (٧٥٦١) (٨/ ١٤٥)، وابن جرير في تفسيره (١٥/ ١٤٣). من طريق شهر بن حوشب عن أبي أمامة قال: إنما كانت النافلة للنبي صلى الله عليه =\n_________\n[¬١]- في ز: \"فأستجيب\".\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في ز، خ: \"وقال\".","vol":"9","page":54},{"text":"لنقيمك يوم القيامة مقامًا محمودًا [¬١]، يحمدك فيه الخلائق كلهم، وخالقهم ﵎. قال [¬٢] ابن جرير: قال أكثر أهل التأويل: ذلك هو المقام الذي يقومه محمد ﷺ يوم القيامة للشفاعة للناس؛ ليريحهم ربهم من عظيم ما هم فيه من شدة ذلك اليوم.\nذكر من قال ذلك\nحدثنا ابن بشار [¬٣]، حدثنا عبد الرحمن، حدثنا سفيان، عن [¬٤] أبي إسحاق، عن صلة بن زفر، عن حذيفة (^٢٣٩)، قال: يجمع الناس في صعيد واحد، يسمعهم الداعي، وينفذهم البصر، حفاة عراة كما خلقوا قيامًا [¬٥] لا تكلم نفس إلا بإذنه، ينادى: يا محمد، فيقول: لبيك وسعديك، والخير في يديك، والشر ليس إليك، والمهدي من هديت، وعبدك بين يديك، وبك وإليك، لا منجى ولا ملجأ منك [¬٦] إلا إليك، تباركت\n_________\n= وسلم. وأخرجه أحمد أيضًا (٥/ ٢٥٥) والطيالسي في مسنده (١١٣٥). والطبراني في الكبير (٨٠٦٠) (٨/ ٣٣٠ - ٣٣١). وعبد الرزاق في المصنف (٤٨٤٢) (٢/ ٧٢٠١). من طرق عن أبي غالب قال: سألت أبا أمامة عن النافلة؟ قال: كانت للنبي ﷺ نافلة ولكم فضيلة. وذكره الهيثمي في \"المجمع\" (٧/ ٥٣) وقال: \"رواه أحمد بإسنادين في أحدهما شهر، وفي الآخر أبو غالب، وقد وثقا وفيهما ضعف لا يضر\".\n(^٢٣٩) - أخرجه ابن جرير في تفسيره (١٥/ ١٤٤، ١٤٥). والنسائي في الكبرى -كتاب التفسير، باب: قوله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ (١١٢٩٤) (٦/ ٣٨١)، والطيالسي في مسنده (٤١٤). والحاكم (٢/ ٣٦٣ - ٣٦٤)، وأبو نعيم في الحلية (١/ ٢٧٨)، واللالكائي في \"أصول الاعتقاد\" (٢٠٩٥) (٦/ ١١١٣). والبزار (٤/ ٣٤٦٢)، وابن أبي شيبة في المصنف -كتاب الفضائل (٧/ ٤٣٣). من طريق شعبة، وسفيان الثوري، ومعمر بن راشد، وإسرائيل بن يونس\" عن أبي إسحاق به موقوفًا.\nوقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي. وقال الهيثمي في \"المجمع\" (١٠/ ٣٨٠): \"رواه البزار موقوفًا ورجاله رجال الصحيح، وأخرجه الطبراني في الأوسط (١٠٥٨) (٢/ ٩). والحاكم في المستدرك (٤/ ٥٧٣). من طريق ليث بن أبي سليم عن أبي إسحاق به مرفوعًا دون ذكر للمقام المحمود، وتابع الليث على رفعه عبد الله بن المختار، أخرجه ابن أبي عاصم في السنة (٧٨٩) (٢/ ٣٦٧). واللالكائي في أصول الاعتقاد (٢٠٩٤). وذكره الهيثمي في \"المجمع\" (١٠/ ٣٨٠) وقال: رواه الطبراني في الأوسط وفيه ليث بن أبي سليم وهو مدلس، وبقية رجاله ثقات.\nورجح أبو حاتم في العلل (٢/ ٢١٧) الوقف. وقال الشيخ الألباني في السنة - عقب رواية عبد الله بن =\n_________\n[¬١]- بعده في ت: محمودًا.\n[¬٢]- مكانها بياض في: ز.\n[¬٣]- في خ: \"يسار\".\n[¬٤]- في خ: \"ابن\".\n[¬٥]- سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- سقط من: ت.","vol":"9","page":55},{"text":"وتعاليت، سبحانك رب البيت. فهذا المقام المحمود الذي ذكره الله ﷿.\nثم رواه عن بندار عن غندر، عن شعبة، عن أبي إسحاق، به. وكذا رواه عبد الرزاق (^٢٤٠) عن معمر، والثوري عن أبي إسحاق به. وقال ابن عباس: هذا المقام المحمود مقام الشفاعة. وكذا قال ابن أبي نجيح، عن مجاهد. وقاله الحسن البصري.\nوقال قتادة: هو أول من تنشق عنه الأرض [يوم القيامة] [¬١]، وأول شافع، وكان أهل العلم يرون أنه المقام المحمود الذي قال الله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾.\nقلت: لرسول الله، ﷺ تسليمًا، تشريفاتٌ لا يشركه فيها أحد، وتشريفات لا يساويه فيها أحد؛ فهو أول من تنشق عنه الأرض، ويبعث راكبًا إلى المحشر، وله اللواء الذي آدم فمن دونه تحت لوائه، وله الحوض الذي ليس في الموقف أكثر واردًا منه، وله الشفاعة العظمى عند الله ليأتي لفصل القضاء بين الخلائق، وذلك بعد ما يسأل الناس آدم، ثم نوحًا، ثم إبراهيم، ثم موسى، ثم عيسى، فكل يقول: لست لها. حتى يأتوا إلى محمد ﷺ فيقول: \"أنا لها أنا لها\"، كما سنذكر ذلك مفصلًا في هذا الموضع إن شاء الله تعالى. ومن ذلك أنه يشفع في أقوام قد أمر بهم إلى النار فيردون عنها، وهو أرل الأنبياء يقضى بين أمته، وأولهم إجازة على الصراط بأمته، وهو أول شفيع في الجنة كما ثبت في صحيح مسلم (^٢٤١).\nوفي حديث الصور: أن المؤمنين كلهم لا يدخلون الجنة إلا بشفاعته، وهو أول داخل إليها، وأمته قبل الأمم كلهم، ويشفع في رفع درجات أقوام لا تبلغها أعمالهم، وهو\n_________\n= المختار - المتقدمة. \"إسناد صحيح على شرط الشيخين، وهو وإن كان موقوفًا، فإنه في حكم المرفوع، لأنه لا يقال مثله بالرأي\".\n(^٢٤٠) - \" التفسير\" لعبد الرزاق (٢/ ٣٨٧) وأخرجه الطبراني في الكبير (١٢٤٧٤) (١٢/ ٦١ - ٦٢). من طريق ابن لهيعة عن عطاء بن دينار الهذلي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس فذكره، وقال الهيثمي في المجمع (٧/ ٥٤): \"رواه الطبراني وفيه ابن لهيعة وهو ضعيف إذا لم يتابع، وعطاء بن دينار قيل: لم يسمع من سعيد بن جبير\". وأخرجه ابن جرير في تفسيره (١٥/ ١٤٤) من طريق رشدين بن كريب عن أبيه عن ابن عباس ذكره. ورشدين ضعيف كما في التقريب. وعزاه السيوطي في الدر المنثور (٤/ ٣٥٦) إلى ابن مردويه.\n(^٢٤١) - أخرجه مسلم في صحيحه -كتاب الإيمان، باب: في قول النبي ﷺ \"أنا أول الناس يشفع في الجنة وأنا أكثر الأنبياء تبعًا\" (٣٣٢) (١٩٦) (٢/ ٨٩) من حديث أنس بن مالك.\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.","vol":"9","page":56},{"text":"صاحب الوسيلة التي هي أعلى منزلة في الجنة لا تليق إلا له، وإذا أذن الله تعالى في الشفاعة [في العصاة] [¬١] شفع الملائكة والنبيون والمؤمنون، فيشفع هو في خلائق لا يعلم عدتهم إلا الله تعالى، ولا يشفع أحد مثله، ولا يساويه في ذلك، وقد بسطت ذك مستقصى في آخر كتاب السيرة في باب الخصائص، ولله الحمد والمنة.\nولنذكر الآن الأحاديث الواردة في المقام المحمود وبالله المستعان. قال البخاري (^٢٤٢):\nحدثنا إسماعيل بن أبان، حدثنا أبو الأحوص [¬٢]، عن آدم بن عليّ، سمعت ابن عمر يقول [¬٣]: إن الناس يصيرون يوم القيامة جُثًا، كل أمة تتبع نبيها، يقولون: يا فلان، اشفع، يا فلان اشفع، حتى تنتهي الشفاعة إلى النبي ﷺ، فذلك قوم يبعثه الله مقامًا محمودًا.\nورواه حمزة بن عبد الله عن أبيه عن النبي ﷺ (^٢٤٣).\nقال ابن جرير (^٢٤٤): حدثني محمَّد بن عبد الله بن عبد الحكم، حدثنا شعيب بين الليث، حدثني الليث، عن عبيد الله بن أبي جعفر، أنه قال: سمعت حمزة بن عبد الله بن عمر، يقول: [سمعت عبد الله بن عمر؛ يقول] [¬٤]: قال رسول الله ﷺ: \"إن الشمس لتدنو حتى يبلغ [¬٥] العرق نصف الأذن، فبينما هم كذلك استعاثوا بآدم فيقول: لست صاحب ذلك، ثم بموسى فيقول كذلك، ثم بمحمد [ﷺ فيشفع] [¬٦]، بين الخلق، فيمشي حتى يأخد بحلقة باب الجنة، فيومئذ يبعثه الله مقامًا محمودًا [يحمده أهل الجمع كلهم] [¬٧] \".\n_________\n(^٢٤٢) - أخرجه البخاري في صحيحه -كتاب التفسير، باب: قوله تعالى: \" ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ \" (٤٧١٨). والنسائي في الكبرى -كتاب التفسير (١١٢٩٥) (٦/ ٣٨١) من طريق سعيد بن منصور نا أبو الأحوص به.\n(^٢٤٣) - أخرجه البخاري في صحيحه معلقًا -كتاب الزكاة، باب: من سأل الناس تكثُّرًا (١٤٧٥) (٣/ ٣٣٨). وكتاب التفسير، باب: \" ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ (٤٧١٩).\n(^٢٤٤) - وأخرجه ابن جرير في تفسيره (١٥/ ١٤٢). وأخرجه البخاري في صحيحه -كتاب الزكاة، باب: من سأل الناس تكثرًا (١٤٧٤، ١٤٧٥) (٣/ ٣٣٨).\n_________\n[¬١]- في ز: \"للعصاة\".\n[¬٢]- في ز: \"الأخوط\".\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- سقط من: خ.\n[¬٥]- في ز: \"تبلغ\".\n[¬٦]- في خ: \"يشفع\".\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.","vol":"9","page":57},{"text":"[وهكذا رواه البخاري في الزكاة عن يحيى بن بكير و[¬١] عبد الله بن صالح - كلاهما عن الليث بن سعد به. وزاد: فيومئذ يبعثه الله مقامًا محمودًا، يحمده أهل الجمع كلهم] [¬٢].\nقال البخاري (^٢٤٥): وحدثنا علي بن عياش، حدثنا شعيب بن أبي حمزة، عن محمَّد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله؛ أن رسول الله ﷺ قال: \"من قال حين يسمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة، آت محمدًا الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته- حلت له شفاعتي يوم القيامة\". انفرد به دون مسلم.\n(حديث أبيّ): وقال الإِمام أحمد (^٢٤٦): حدثنا أبو عامر الأزدي، حدثنا زهير بن محمَّد، عن عبد الله بن محمَّد بن عقيل، عن الطفيل بن أبيّ بن كعب، عن أبيه، عن النبي ﷺ، قال: \"إذا كان يوم القيامة كنت إمام الأنبياء وخطيبهم، وصاحب شفاعتهم غير فخر\".\nوأخرجه الترمذي من حديث أبي عامر عبد الملك بن عمرو العقدي، وقال: حسن صحيح. وابن ماجه من حديث عبد الله بن محمَّد بن عقيل به، وقد قدمنا في حديث أبيّ بن كعب (^٢٤٧) في قراءة القرآن على سبعة أحرف، قال رسول الله ﷺ في آخره: \"فقلت: اللهم؛ اغفر لأمتي، اللهم؛ اغفر لأمتي، وأخرت الثالثة ليوم يرغب إليّ فيه الخلق، حتى إبراهيم ﵇\".\n_________\n(^٢٤٥) - أخرجه البخاري في صحيحه -كتاب الأذان، باب الدعاء عند النداء (٦١٤). وأبو داود- كتاب الصلاة، باب ما جاء في الدعاء عند الأذان (٥٢٩). والترمذي كتاب الصلاة (٢١١). والنسائي -كتاب الصلاة -باب: الدعاء عند الأذان (٢/ ٢٦ - ٢٧). وابن ماجه -كتاب الأذان والسنة فيها- باب: ما يقال إذا أذن المؤذن (٧٢٢) كلهم من حديث علي بن عياش به.\n(^٢٤٦) - إسناده حسن، أخرجه أحمد (٥/ ١٣٨، ١٣٧). والترمذي -كتاب المناقب، باب: في فضل النبي ﷺ (٣٦١٣). وابن ماجه -كتاب الزهد، باب: ذكر الشفاعة (٤٣١٤) وابن أبي عاصم في السنة (٧٨٧٩) (٢/ ٣٦٦) من طريق زهير به، والحاكم في المستدرك (١/ ٧١) من طريقين عن عبد الله بن محمَّد به. قال الحاكم: \"حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه لتفرد عبد الله بن محمَّد بن عقيل بن أبي طالب، ولما نسب إليه من سوء الحفظ، وهو عند المتقدمين من أئمتنا ثقة مأمون\".\n(^٢٤٧) - أخرجه مسلم في صحيحه -كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب: بيان أن القرآن على سبعة أحرف- وبيان معناه (٢٧٣) (٨٢٠).\n_________\n[¬١]- في ز: \"وعلقمة بن\".\n[¬٢]- سقط من: خ.","vol":"9","page":58},{"text":"(حديث أنس بن مالك) قال الإِمام أحمد (^٢٤٨): [حدثنا يحيى بن سعيد] [¬١]، حدثنا سعيد بن أبي عروبة، حدثنا قتادة، عن أنس، عن النبي ﷺ؛ قال: \"يجتمع المؤمنون يوم القيامة فيلهمون ذلك فيقولون: لو استشفعنا على ربنا فأراحنا من مكاننا هذا. فيأتون آدم فيقولون: يا آدم، أنت أبو البشر، خلقك الله بيده، وأسجد لك ملائكته، وعلمك أسماء كل شيء، فاشفع لنا إلى ربك حتى يريحنا من مكاننا هذا. فيقول لهم آدم: لست هناكم، ويذكر ذنبه الذي أصاب، فيستحيي ربَّه ﷿ من ذلك، ويقول: ولكن ائتوا نوحًا؛ فإنه أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض، فيأتون نوحًا فيقول: لست هناكم، ويذكر [¬٢] [خطيئة سؤاله] [¬٣] [ربه ما ليس له به علم] [¬٤] فيستحيي [¬٥] [ربَّه من ذلك، ويقول: ولكن ائتوا إبراهيم خليل الرحمن. فيأتونه فيقول: لست هناكم] [¬٦]، ولكن ائتوا موسى: عبدًا كلمه الله وأعطاه التوراة. فيأتون موسى فيقول: لست هناكم، ويذكر لهم النفس التي قتل بغير نفس فيستحيي ربه من ذلك، ولكن ائتوا عيسى عبد الله ورسوله وكلمته وروحه. فيأتون عيسى فيقول: لست هناكم، ولكن ائتوا محمدًا: [عبدًا غفر الله له] [¬٧] ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فيأتوني\".\nقال الحسن هذا الحرف [¬٨]: \"فأقوم فأمشي بين سماطين من المؤمنين\"، قال أنس: \"حتى أستأذن على ربي، فإذا رأيت ربي وقعت له -أو خررت ساجدًا لربي، فيدعني ما شاء الله أن يدعني\"، قال: \"ثم يقال: ارفع محمَّد، قل يسمع، واشفع تشفع، وسل تعطه، فأرفع رأسي، فأحمده بتحميد يعلمنيه، ثم أشفع، فيحدّ لي حدًّا فأدخلهم الجنة، ثم أعود إليه الثانية، فإذا رأيت ربي وقعت -أو خررت ساجدًا لربي، فيدعني ما شاء الله أن يدعني، ثم يقال: ارفع محمَّد، قل يسمع، وسل تعطه، واشفع تشفع، فأرفع رأسي، فأحمده بتحميد يعلمنيه، ثم أشفع، فيحدّ لي حدًّا فأدخلهم الجنة، ثم أعود في الثالثة، فإذا رأيت ربي وقعت أو خررت ساجدًا لربي، فيدعني ما يشاء الله أن يدعني، ثم يقال: ارفع محمَّد، قل يسمع، وسل تعطه، واشفع تشفع،\n_________\n(^٢٤٨) - أخرجه أحمد (٣/ ١١٦). والبخاري في صحيحه -كتاب التفسير، باب قول الله \"وعلم آدم الأسماء كلها (٤٤٧٦). ومسلم في صحيحه -كتاب الإيمان، كتاب: أدنى أهل الجنة منزلة فيها (٣٢٣) (٣٢٥) (١٩٣)، وابن ماجة -كتاب الزهد -باب ذكر الشفاعة (٤٣١٢) من طرق عن سعيد به.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في ز: \"خطيته سأله\"، سقط من: خ.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٥]- في ت: \"فيستحي\"، سقط من: خ.\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٧]- في ز: \"عبد غفر له\".\n[¬٨]- في خ: \"الخوف\".","vol":"9","page":59},{"text":"فأرفع رأسي فأحمده بتحميد يعلمنيه، ثم أشفع، فيحد لي حدًّا فأدخلهم الجنة، ثم أعود في الرابعة فأقول: يا رب، ما بقي إلا من حبسه القرآن\"، فحدثنا أنس بن مالك أن النبي ﷺ قال: \"فيخرج من النار من قال لا إله إلا الله وكان في قلبه من الخير ما يزن شعيرة، ثم يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وكان في قلبه من الخير ما يزن برة، ثم يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وكان في قلبه من الخير مما يزن ذرة\" أخرجاه من حديث سعيد به وهكذا رواه الإِمام [¬١] أحمد (^٢٤٩)، عن عفان، عن حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس، بطوله.\nوقال الإِمام أحمد (^٢٥٠): حدثنا يونس بن محمَّد، حدثنا حرب بن ميمون أبو الخطاب الأنصاري، عن النضر بن أنس، عن أنس قال: حدثني نبي الله ﷺ قال: \"إني لقائم أنتظر أمتي تعبر الصراط، إذ جاءني عيسى ﵇ - فقال: هذه الأنبياء قد جاءتك يا محمَّد يسألون\" -أو قال: \"يجتمعون إليك\" - \"ويدعون الله أن يفرق بين جميع الأم إلى حيث يشاء الله، لغمّ ما هم فيه؛ فالخلق ملجمون بالعرق- فأما المؤمن فهو عليه كالزكمة [¬٢]، وأما الكافر فيغشاه الموت- فقال: انتظر حتى أرجع إليك، فذهب نبي الله ﷺ، فقام تحت العرش، فلقي ما لم يلق مَلَك مصطفى، ولا نبي مرسل، فأوحى الله ﷿ إلى جبريل: أن اذهب إلى محمَّد، وقل له: ارفع رأسك، وسل تعطه، واشفع تشفع. فشفعت في أمتي: أن أخرجْ من كل تسعة وتسعين إنسانًا واحدًا. فما زلت أتردد إلى ربي ﷿، فلا أقوم منه مقامًا إلا شفعت؛ حتى أعطاني الله ﷿ من ذلك أن قال: يا محمَّد، أدخل من أمتك مِن خَلْق الله ﷿ من شهد أن لا إله إلا الله يومًا واحدًا مخلصًا ومات على ذلك\".\n(حديث بريدة ﵁: قال الإِمام أحمد بن حنبل (^٢٥١): حدثنا الأسود بن عامر، أخبرنا أبو إسرائيل، عن الحارث بن حصيرة، عن ابن بريدة، عن أبيه: أنه دخل على معاوية فإذا رجل يتكلم، فقال بريدة: يا معاوية، تأذن لي في الكلام؟ فقال: نعم-\n_________\n(^٢٤٩) - أخرجه أحمد (٣/ ٢٤٧ - ٢٤٨).\n(^٢٥٠) - أخرجه أحمد (٣/ ١٧٨). وحرب بن ميمون صدوق روى له مسلم في صحيحه، وباقي رجاله ثقات من رجال الشيخين.\n(^٢٥١) - أخرجه أحمد (٥/ ٣٤٧). وذكره الهيثمي في \"المجمع\" (١٠/ ٣٨١) وقال: رواه أحمد ورجاله وثقوا على ضعف كثير في أبي إسرائيل الملائي. وضعفه الشيخ الألباني في ضعيف الجامع (٢٠٩٤) (٢/ ٢٢٤).\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]-","vol":"9","page":60},{"text":"وهو يرى أنه يتكلم بمثل ما قال الآخر- فقال بريدة: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"إني لأرجو أن أشفع يوم القيامة عدد ما على الأرض من شجرة ومدرة\". قال: أفترجوها [¬١] أنت يا معاوية ولا يرجوها عليّ ﵁؟!\n(حديث ابن مسعود ﵁ قال الإمام أحمد (^٢٥٢): حدثنا عارم بن الفضل، [] [¬٢] حدثنا سعيد بن زيد، حدثنا عليّ بن الحكم البناني، عن عثمان، عن إبراهيم، عن علقمة والأسود، عن ابن مسعود قال: جاء ابنا مليكة إلى النبي ﷺ فقالا: إن أمنا كانت تكرم الزوج، وتعطف على الولد -قال: وذكر الضيف- غير أنها كانت وأدت في الجاهلية، فقال: \"أمكما في النار\". قال: فأدبرا والسوء يُرى في وجوههما، فأمر بهما فردا، فرجعا والسرور [¬٣] يرى في وجوههما رجاء أن يكون [¬٤] قد حدث شيء [¬٥]، فقال: \"أمي مع أمكما\". فقال رجل من المنافقين: وما يغني هذا عن أمه شيئًا، ونحن نطأ عقبيه. فقال رجل من الأنصار -ولم أر رجلًا قط أكثر سؤالًا منه- يا رسول الله، هل وعدك ربك فيها أوفيهما؟ قال: فظن أنه من شيء قد سمعه فقال: \"ما سألته [¬٦] ربي وما أطمعني فيه، وإني لأقوم المقام المحمود يوم القيامة\". فقال الأنصاري: يا رسول الله، وما ذاك المقام المحمود؟ قال: \"ذاك إذا جيء بكم حفاة عراة غُزلًا [¬٧]، فيكون أول من يكسى: إبراهيم ﵇ فيقول: اكسوا خليلي، فيؤتى بريطتين [¬٨] بيضاوين فيلبسهما، ثم يقعده مستقبل العرش، ثم أوتى بكسوتي فألبسها،\n_________\n(^٢٥٢) - أخرجه أحمد (١/ ٣٩٨). والطبراني في الكبير (١٠٠١٧) (١٠/ ٩٨) وأبو نعيم في الحلية (٤/ ٢٣٨). والبزار (١/ ٢٥١). من طريق سعيد بن زيد به. وأخرجه الحاكم في المستدرك (٢/ ٣٦٤ - ٣٦٥) وأبو نعيم في الحلية (٤/ ٢٣٩) والطبراني (١٠٠١٨) من طريق الصعق بن حزن، عن علي بن الحكم عن عثمان بن عمير عن أبي وائل عن ابن مسعود به. وقال البزار: \"لا نعلمه يروى بهذا اللفظ من حديث علقمة عن عبد الله إلا من هذا الوجه، وقد روى الصعق بن حزن عن علي بن الحكم عن عثمان بن عمير عن أبي وائل عن عبد الله، وأحسب أن الصعق غلط في هذا الإسناد\". وقال الحاكم: \"حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وعثمان بن عمير هو ابن اليقظان\" وتعقبه الذهبي بقوله \"لا والله، فعثمان ضعفه الدارقطني، والباقون ثقات\" والحديث ذكره الهيثمي في المجمع (١٠/ ٣٦٤ - ٣٦٥) وقال: \"رواه أحمد والبزار والطبراني، وفي أسانيدهم كلهم عثمان بن عمير وهو ضعيف\".\n(*) تنبيه: تصحف في المطبوع من المسند \"سعيد بن زيد\" إلى \"ثنا أبو سعيد ثنا ابن زيد\" فليستدرك هناك.\n_________\n[¬١]- في ز: \"فترجوها\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز: \"ثنا سعيد بن الفضل\".\n[¬٣]- في ز: \"والسوء\".\n[¬٤]- في ز: \"يكونان\".\n[¬٥]- في ز: \"بشيء\".\n[¬٦]- في ز: \"شاء الله\".\n[¬٧]- في خ: غر.\n[¬٨]- في ز: \"بربطتين\".","vol":"9","page":61},{"text":"فأقوم عن يمينه مقامًا لا يقومه أحد. فيغبطني فيه الأولون والآخرون، ويفتح نهر [¬١] من الكوثر إلى الحوض\" فقال المنافقون: إنه ما جرى ماء قط إلا على حال أو رَضراض فقال رسول الله ﷺ: \"حاله المسك ورضراضه التُوم (**) \"فقال [¬٢] المنافق: لم أسمع كاليوم؛ فإنه قلما [جرى ماء على حال أو رضراض (*) إلا كان له نبته؟ فقال الأنصاري: يا رسول الله، هل له نبت؟ قال: \"نعم، قضبان الذهب\". قال المنافق: لم أسمع كاليوم؛ فإنه قلما] [¬٣] ينبت [¬٤] قضيب إلا أورق وإلا كان له ثمر قال الأنصاري: يا رسول الله، هل له ثمرة؟ قال: \"نعم، ألوان الجوهر، وماؤه أشد بياضًا من اللبن، وأحلى من العسل، من يشرب منه شربًا [¬٥] لا يظمأ بعده. ومن حرمه لم يروى [¬٦] بعده\".\nوقال أبو داود الطيالسي (^٢٥٣): حدثنا يحيى بن سَلَمة بن كُهَيل، عن أبيه، عن أبي الزّعْراء، عن عبد الله قال: ثم يأذن الله ﷿ في الشفاعة، فيقوم روح القدس جبريل، ثم يقوم إبراهيم خليل الله، ثم يقوم عيسى أو موسى- قال أبو الزعراء: لا أدري أيهما قال: ثم يقوم نبيكم صلى الله عليه ومسلم رابعًا، فيشفع لا يشفع أحد بعده أكثر مما شفع، وهو المقام المحمود الذي قال الله ﷿: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾.\n(حديث كعب بن مالك ﵁: قال الإِمام أحمد (^٢٥٤): حدثنا يزيد بن عبد ربه، حدثنا محمَّد بن حرب، حدثنا الزبيدي، عن الزهري، عن عبد الرحمن بن [¬٧]\n_________\n(*) الحال: الطين. والرضراض: الحصى الصغير.\n(**) التُّوم: الدُّرُ.\n(^٢٥٣) - أخرجه الطيالسي في مسنده (٣٨٩). وأخرجه الطبراني في الكبير (٩٧٦١) (٩/ ٤١٣، ٤١٦). والحاكم في المستدرك (٤/ ٥٩٨، ٥٦٠). وابن جرير في تفسيره (١٥/ ١٤٤). من طريق سفيان الثوري عن سلمة بن كهيل به مطولًا ومختصرًا. وقال الحاكم: \"حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. وتعقبه الذهبي بقوله: \"ما احتجا بأبي الزعراء\". قلت: ولم يوثقه أيضًا إلا العجلي، وهو معروف بتساهله. وقال فيه البخاري: لا يتابع على حديثه [التاريخ الكبير ٥٠ / ترجمة ٧٢٠]. وذكره الهيثمي في المجمع (١٠/ ٣٣١:٣٣٣) وقال: \"رواه الطبراني وهو موقوف مخالف للحديث الصحيح وقول النبي- ﷺ أنا أول شافع\".\n(^٢٥٤) - أخرجه أحمد (٣/ ٤٥٦). وأخرجه ابن حبان في صحيحه (٦٤٧٩) (١٤/ ٣٩٩). والطبراني في الكبير (١٤٢) (١٩/ ٧٢ - ٧٣). وفي \"الأوسط\" (٨٧٩٧) (٨/ ٣٣٦) وفي \"معجم الشاميين\" (١٧٨٥). والحاكم في المستدرك (٢/ ٣٦٣)، وابن جرير في تفسيره (١٥/ ١٤٧). من طريق محمَّد بن حرب به. وأخرجه الطبراني (١٤٢) وابن جرير (١٥/ ١٤٦) والطحاوي في مشكل الآثار (١/ ٤٤٩) =\n_________\n[¬١]- في ز: \"لهم\".\n[¬٢]- في ز: \"قال\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٤]- في ز: \"يثبت\".\n[¬٥]- في خ: \"شربة\".\n[¬٦]- في ت: \"يروى\".\n[¬٧]- في ز، خ: \"عن\".","vol":"9","page":62},{"text":"عبد الله بن [كعب بن مالك] [¬١]، عن كعب بن مالك؛ قال [¬٢]: إن رسول الله ﷺ؛ قال: \"يبعث الناس يوم القيامة فأكون أنا وأمتي على تل، ويكسوني ربي ﷿ حلة خضراء [¬٣]، ثم يؤذن لي فأقول ما شاء الله أن أقول، فذلك المقام المحمود\".\n(حديث أبي الدرداء ﵁: قال الإِمام أحمد (^٢٥٥): حدثنا حسن، حدثنا ابن لَهيعة، حدثنا يزيد بن أبي حبيب، عن عبد الرحمن بن جُبير، عن أبي الدرداء؛ قال: قال رسول الله ﷺ: \"أنا أول من يؤذن له بالسجود يوم القيامة، وأنا أول من يؤذن له أن يرفع رأسه، فأنظر إلى ما [¬٤] بين يدي فأعرف أمتي من بين الأمم، ومن خلفي مثل ذلك، وعن يميني مثل ذلك، وعن شمالي مثل ذلك\". فقال رجل: يا رسول الله؛ كيف تعرف أمتك من [¬٥] بين الأمم فيما بين نوح إلى أمتك؟ قال: \"هم غرّ محجلون من أثر الوضوء، ليس أحد كذلك غيرهم، وأعرفهم أنهم يُؤتَون كتبهم بأيمانهم، وأعرفهم تسعى من [¬٦] بين أيديهم ذريتهم\".\n(حديث أبي هريرة ﵁: قال الإِمام أحمد ﵀ (^٢٥٦): حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا أبو حيان، حدثنا أبو زرعة بن عمرو بن جرير، عن أبي هريرة؛ قال:\n_________\n= وابن أبي عاصم في السنة (٧٨٥). من طريقين عن بقية بن الوليد عن الزبيدي به. وقال الحاكم: \"صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه\"، ووافقه الذهبي. وذكره الهيثمي في \"المجمع\" (٧/ ٥٤) وقال: \"رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح\"، (١٠/ ٣٨٠) وقال: \"رواه الطبراني في الكبير، والأوسط وأحد إسنادي الكبير رجاله رجال الصحيح\" وعزاه السيوطي في الدر المنثور (٤/ ٣٥٧) إلى ابن أبي حاتم وابن مردويه.\n(^٢٥٥) - أخرجه أحمد (٥/ ١٩٩). وذكره الهيثمي في المجمع (١/ ٢٣٠) وقال: \"رواه أحمد والطبراني في الكبير باختصار، وفيه ابن لهيعة وهو ضعيف\". وذكره أيضًا (١٠/ ٣٤٧) وقال: \"رواه أحمد والبزار باختصار عنه … ورجال أحمد رجال الصحيح غير ابن لهيعة، وهو ضعيف وقد وثق. وأخرجه أحمد أيضًا (٥/ ١٩٩) حدثنا قتيبة بن سعيد ثنا ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن عبد الرحمن بن جبير أنه سمع من أبي ذر وأبي الدرداء فذكره ينحوه. وتابع ابن لهيعة: الليث بن سعد. أخرجه الحاكم (٢/ ٤٨٧) من طريق عبد الله بن صالح المصري حدثني الليث بن سعد به. وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه\"، وسكت عنه الذهبي في التلخيص. لكن عبد الله بن صالح، كاتب الليث، صدوق كثير الغلط كما في التقريب.\n(^٢٥٦) - أخرجه أحمد (٢/ ٤٣٥ - ٤٣٦) وأخرجه البخاري في صحيحه -كتاب الأنبياء، باب: قول =\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- سقط من: ت.\n[¬٣]- في ز، خ: \"حمراء\".\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- سقط من: خ.\n[¬٦]- سقط من: ت.","vol":"9","page":63},{"text":"أُتي رسول الله ﷺ بلحم، فَرُفع إليه الذراع -وكانت تعجبه-[فَنَهش منها نَهْشةً] [¬١]، ثم قال: \"أنا سيد الناس يوم القيامة، وهل تدرون مم ذاك؟ يجمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد، يُسْمعهم الداعي وينفُذُهم البصر، وتدنو الشمس فيبلغ الناس من الهمِّ [¬٢] والكرب ما لا يطيقون ولا يحتملون، فيقول بعض [¬٣] الناس لبعض: [ألا ترون إلى ما أنتم فيه؟ ألا ترون إلى ما قد بلغكم؟ ألا تنظرون من يشفع لكم إلى ربكم ﷿؟ فيقول بعض الناس لبعض] [¬٤]: أبوكم آدم فيأتون آدم [¬٥] فيقولون: يا آدم، أنت أبو البشر، خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأمر الملائكة فسجدوا لك، فاشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟ فيقول آدم: إن ربي قد غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإنه نهاني عن الشجرة فعصيتُه، نفسي! نفسي! نفسي! اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى نوح.\nفيأتون نوحًا فيقولون: يا نوح؛ أنت أول الرسل إلى أهل الأرض، سماك [¬٦] الله عبدًا شكورًا، فاشفع [¬٧] لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟ فيقول نوح: إن ربي قد غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله؛ ولن يغضب بعده مثله، وإنه كانت لي دعوة على قومي، نفسي! نفسي! نفسي! اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى إبراهيم.\nفيأتون إبراهيم فيقولون: يا إبراهيم؛ أنت نبي الله وخليله من أهل الأرض، [اشفع لنا إلى ربك] [¬٨] ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟ فيقول: إن ربي قد غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، فذكر كذباته. نفسي! نفسي [¬٩]! نفسي! [اذهوا إلى غيرى] [¬١٠]، اذهبوا إلى موسى.\n_________\n= الله ﷿: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾ (٣٣٤٠) (٦/ ٣٧١). ومسلم في صحيحه -كتاب الإيمان، باب: أدنى أهل الجنة منزلة فيها (٣٢٧) (١٩٤) (٣/ ٨٠: ٨٤). والترمذي -كتاب صفة القيامة والرقائق والورع، باب: ما جاء في الشفاعة (٢٤٣٤) (٤/ ٥٣٧: ٥٣٩). من طرق عن أبي حيان به.\n_________\n[¬١]- في ت: \"فنهس منها نهسة\".\n[¬٢]- في ت: \"الغم\".\n[¬٣]- سقط من: خ.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"ائتوا\".\n[¬٥]- سقط من: خ.\n[¬٦]- في خ: \"وسماك\".\n[¬٧]- في خ: \"اشفع\".\n[¬٨]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٩]- سقط من: ت.\n[¬١٠]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.","vol":"9","page":64},{"text":"فيأتون موسى ﵇ فيقولون: يا موسى؛ أنت رسول الله، اصطفاك الله برسالاته وبكلامه على الناس، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟ فيقول لهم موسى: إن ربي قد غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإني قد [¬١] قتلت نفسًا لم أومر بقتلها. نفسي! نفسي! نفسي! اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى عيسى.\nفيأتون عيسى فيقولون: يا عيسى؛ أنت رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه -قال: هكذا هو- وكلمت الناس في المهد صبيًّا [¬٢]، فاشفع لنا إلى [¬٣] ربك، ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟ فيقول لهم عيسى: إن ربي قد غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله، ولن [¬٤] يغضب بعده مثله -ولم يذكر ذنبًا- اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى محمَّد ﷺ.\nفيأتوني فيقولون: يا محمَّد؛ أنت رسول الله وخاتم الأنبياء، وقد [¬٥] غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فاشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟ فأقوم فآتي تحت العرش فأقع ساجدًا- لربي ﷿ ثم يفتح الله عليّ ويلهمني من محامده وحسن الثناء عليه ما لم يفتحه على أحد قبلي، فيقال: يا محمَّد؛ ارفع رأسك، وسل تعطه، واشفع تشفع، فأقول: يارب [¬٦]، أمتي أمتي. يا رب، أمتي أمتي! يا رب، أمتي أمتي. فيقال: يا محمَّد، أدخل من أمتك من لا حساب عليه من الباب الأيمن من أبواب الجنة، وهم شركاء الناس فيما سواه من الأبواب، ثم قال [¬٧]: والذي نفس محمَّد بيده [لما بين المصراعين] [¬٨] من مصاريع الجنة لكما [¬٩] بين مكة وهجر، أو كما بين مكة وبُصْرى. أخرجاه في الصحيحين.\nوقال مسلم ﵀ (^٢٥٧) -: حدثنا الحكم بن موسى، حدثنا هقْلُ بن زياد، عن الأوزاعي، حدثني أبو عمار، حدثني عبد الله بن فروخ، حدثني أبو هريرة؛ قال: قال\n_________\n(^٢٥٧) - أخرجه مسلم في صحيحه -كتاب الفضائل، باب: تفضيل نبينا ﷺ على جميع الخلائق (٣) (٢٢٧٨). وأبو داود كتاب السنة، كتاب: في التخيير بين الأنبياء عليهم الصلاة والسلام (٤٦٧٣) حدثنا عمرو بن عثمان ثنا الوليد عن الأوزاعي به.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- سقط من: خ.\n[¬٤]- في ز، خ: \"ولم\".\n[¬٥]- سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- في ت: \"يا رب\".\n[¬٧]- في خ: \"يقال\".\n[¬٨]- في خ: \"لما بين مصراعيه\".\n[¬٩]- في خ: \"كما\".","vol":"9","page":65},{"text":"رسول الله ﷺ: \"أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، وأول من ينشق [¬١] عنه القبر، وأول شافع، وأول مشفع\".\nوقال ابن جرير (^٢٥٨): حدثنا أبو كريب، حدثنا وكيع، عن داود بن يزيد الزّعافري [¬٢]، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ - سئل عنها - فقال: \"هي الشفاعة\".\nرواه الإمام أحمد عن وكيع و[¬٣] محمَّد بن عبيد، عن داود، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ في قوله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾، قال: \"هو المقام الذي أشفع لأمتي فيه\".\nوقال عبد الرزاق (^٢٥٩): أخبرنا معمر، عن الزهري، عن عليّ بن الحسين؛ قال: قال رسول الله ﷺ: \"إذا كان يوم القيامة مدّ الله الأرض مدّ الأديم حتى لا يكون لبشر من الناس إلا موضع قدمه\"، قال النبي ﷺ: \"فأكون أول من يدعى [¬٤]، وجبريل عن يمين الرحمن، والله ما رآه قبلها، فأقول أي [¬٥]: رب؛ هذا أخبرني أنك أرسلته إليّ. فيقول الله [¬٦]﵎: صدق. ثم أشفع فأقول: \"يا رب؛ عبادك عبدوك في أطراف الأرض\". قال: فهو المقام المحمود. هذا حديث مرسل.\n_________\n(^٢٥٨) - أخرجه ابن جرير في تفسيره (١٥/ ١٤٥). وأخرجه أحمد (٢/ ٤٤٤، ٤٧٨). والترمذي -كتاب تفسير القرآن، باب: ومن سورة بني إسرائيل (٣١٣٧) والبيهقي في \"شعب الإيمان\" (٢٩٩) (١/ ٢٨١) وأبو نعيم في الحلية (٨/ ٣٧٢)، وابن أبي عاصم في السنة (٧٨٤) (٢/ ٣٦٤). كلهم من طريق وكيع بن الجراح به. وأخرجه أحمد (٢/ ٤٤١، ٥٢٨). والمروزي في زوائد زهد ابن المبارك (١٣١٢). من طريق محمَّد بن عبيد قال: حدثنا داود الأودي عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ قال: \"والمقام الذي أشفع لأمتي فيه\". وقال الترمذي \"هذا حديث حسن\". قلت: داود بن يزيد ضعيف، وأبوه مقبول كما في \"التقريب\"، وللحديث شواهد كثيرة منها حديث كعب بن مالك- تقدم (٣٣٩) وشواهد أخرى تأتي. والحديث حسنه الشيخ الألباني في الصحيحة (٢٣٦٩) (٥/ ٤٨٤).\n(^٢٥٩) - أخرجه ابن جرير في تفسيره (١٥/ ١٤٢). والحاكم في المستدرك (٤/ ٥٧١). من طريقين عن عبد الرزاق عن معمر به. وتابع معمرًا على إرساله:\n١ - \"يونس بن يزيد\". أخرجه الحاكم (٤/ ٥٧١) من طريقه عن ابن شهاب عن علي بن الحسين عن =\n_________\n[¬١]- في خ: \"تنشق\".\n[¬٢]- في خ: \"الدعافري\".\n[¬٣]- في ز: \"عن\".\n[¬٤]- في خ: \"أدعى\".\n[¬٥]- سقط من ز.\n[¬٦]- في خ: \"الرب\".","vol":"9","page":66},{"text":"﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا (٨٠) وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا (٨١)﴾\nقال الإمام أحمد (^٢٦٠): حدثنا جرير، عن قابوس بن أبي ظَبيان، عن أبيه، عن ابن عباس؛ قال [¬١]: كان النبي ﷺ بمكة ثم أمر بالهجرة، فأنزل الله: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا﴾.\nوقال الحسن البصري في تفسير هذه الآية: إن كفار أهل مكة لما ائتمروا برسول الله ﷺ ليقتلوه أو يطردوه أو يوثقوه، وأراد الله قتال أهل مكة، فأمره أن يخرج إلى المدينة، فهو الذي قال الله ﷿: ﴿[وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي] [¬٢] مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾.\n_________\n= رجل من أهل العلم ولم يسمه.\n٢ - صالح بن كيسان.\nأخرجه البيهقي في \"شعب الإيمان\" (٣٠٣) (١/ ٢٨٢) من طريق إبراهيم بن سعد عنه عن الزهريّ به. وقد وصله إبراهيم بن سعد عن الزهريّ عن علي بن الحسين عن جابر ﵁ به. أخرجه الحاكم (٤/ ٥٧٠ - ٥٧١). وقال: \"حديث صحيح الإسناد على شرط الشيخين ولم خرجاه، وقد أرسله يونس بن يزيد، ومعمر بين راشد عن الزهري\". قلت: وإبراهيم بن سعد ثقة روى له الجماعة، لكنه لم لم يكن ثبتًا في الزهري. كما قال الذهبي في كتابه \"من تكلم فيه، وهو موثق\": \"إبراهيم بن سعد ثقة سمع من الزهري والكبار، ينفرد بأحاديث تحتمل له، ليس هو في الزهري بذاك الثبت\". وعزاه السيوطي في الدر المنثور (٤/ ٣٥٧) إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم وابن مردويه.\n(^٢٦٠) - أخرجه أحمد (١/ ٢٢٣) وأخرجه الترمذي -كتاب تفسير القرآن، باب: \"ومن سورة بني إسرائيل\" (٣١٣٩) (٥/ ٢٨٤). والحاكم في مستدركه (٣/ ٣). والبيهقي في السنن (٩/ ٩) وفي دلائل النبوة (٢/ ٥١٦). وابن جرير في تفسيره (١٥/ ١٤٨). من طريق جرير به. وأخرجه الطبراني في الكبير (١٢٦١٨) (١٢/ ١٠٩) من طريق سفيان عن قابوس به. وأخرجه البيهقي في الدلائل (٢/ ٥١٦) من طريق سفيان عن قابوس بن أبي ظبيان عن ابن عباس به هكذا دون ذكر لأبيه. وقال الترمذي: \"حديث حسن صحيح\". وقال الحاكم: \"صحيح الإسناد ولم يخرجاه\" ووافقه الذهبي. قلت: قابوس بن أبي ظبيان. ضعفه النسائي، وقال أبو حاتم: وليس بالقوي. وضعفه ابن معين في رواية، ووثقه في أخرى، وقال ابن سعد: فيه ضعف لا يحتج به. وذكره ابن حبان في المجروحين وقال: كان رديء الحفظ يتفرد عن أبيه بما لا أصل له ربما رفع المراسيل وأسند الموقوف. وقال الدارقطني: \"ضعيف ولكن لا يترك\" ولينه ابن حجر في التقريب.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"9","page":67},{"text":"و[¬١]، قال قتادة: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾، يعني: [المدينة ﴿وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾ يعني] [¬٢]: مكة. وكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم. وهذا القول هو أشهر الأقوال.\nوقال العوفي عن ابن عباس: ﴿أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾، [يعني: الموت] [¬٣]، ﴿وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾، يعني: الحياة بعد الموت. وقيل غير ذلك من الأقوال. والأول أصح، وهو اختيار ابن جرير.\nوقوله: ﴿وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا﴾، قال الحسن البصري في تفسيرها: وعده ربه لينزعن ملك فارس وعز فارس وليجعلنه له [¬٤]، وملك الروم وعز الروم وليجعلنه له.\nوقال قتادة فيها: أن نبي الله صلى الله عليه ومسلم علم ألا طاقة له بهذا الأمر إلا بسلطان، فسأل سلطانا نصيرًا لكتاب الله، ولحدود الله، ولفرائض الله، ولإقامة دين الله؛ فإن السلطان رحمة من الله جعله لكن أظهر عباده، لولا ذلك لأغار بعضهم على بعض فأكل شديدهم ضعيفهم.\nو[¬٥] قال مجاهد: ﴿سُلْطَانًا نَصِيرًا﴾: حجة بينة.\nواختار ابن جرير قول الحسن وقتادة -وهو الأرجح- لأنه لا بد مع الحق من قهر لمن عاداه وناوأه؛ ولهذا قال [¬٦] تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيبِ﴾ وفي الحديث: \"إن الله [ليزع] [¬٧] بالسلطان ما لا يزع بالقرآن\". أي: ليمنع بالسلطان عن ارتكاب الفواحش والآثام ما لا يمتنع كثير من الناس بالقرآن وما فيه من الوعيد الأكيد والتهديد الشديد، وهذا هو الواقع.\nوقوله: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾: تهديد ووعيد لكفار قريش؛ بأنه [¬٨] قد جاءهم من الله الحق الذي لا مرية [¬٩] فيه ولا قبل لهم به، وهو ما بعثه\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٤]- سقط من: ز.\n[¬٥]- سقط من: ت.\n[¬٦]- في خ: \"يقول\".\n[¬٧]- في ز: \"لا يزع\".\n[¬٨]- في ت: \"فإنه\".\n[¬٩]- في خ: \"مزبة\".","vol":"9","page":68},{"text":"الله به من القرآن والإيمان والعلم النافع، وَزَهَق باطلُهم، أي: اضمحل وهلك، فإن الباطل لا ثبات [¬١]، له مع الحق ولا بقاء، ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾.\nوقال البخاري (^٢٦١): حدثنا الحميدي، حدثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن أبي معمر، عن عبد الله بن مسعود قال: دخل النبي ﷺ مكة وحول البيت ستون وثلاثمائة نُصُب [¬٢]، فجعل يطعنها بعود في يده ويقول: ﴿جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ ﴿جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ﴾.\nوكذا رواه البخاري أيضًا في غير هذا الموضع، ومسلم، والترمذي، والنسائي، كلهم من طرق، عن سفيان بن عيينة، به.\nوكذا رواه الحافظ أبو يعلى (^٢٦٢): حدثنا زهير، حدثنا شبابة، حدثنا المغيرة، حدثنا أبو الزبير، عن جابر ﵁ قال: دخلنا مع رسول الله ﷺ مكة، وحول البيت ثلاثمائة وستون صنما يعبدون من دون الله، فأمر بها رسول الله ﷺ فأكبت لوجهها، وقال: ﴿جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾.\n﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إلا خَسَارًا (٨٢)﴾\n_________\n(^٢٦١) - أخرجه البخاري في صحيحه -كتاب التفسير، كتاب: وقل جاء الحق وزهق الباطل (٤٧٢٠) وأخرجه البخاري أيضًا -كتاب المظالم، باب: هل تكسر الدنان التي فيها خمر، أو تخرَّقَ الزقاق (٢٤٧٨) (٥/ ١٢١). وكتاب المغازي، باب: أين ركز النبي ﷺ الراية يوم الفتح (٤٢٨٧) ومسلم في صحيحه -كتاب الجهاد والسير، باب: إزالة الأصنام من حول الكعبة (٨٧) (١٧٨١). والترمذي كتاب تفسير القرآن، باب: ومن سورة بنى إسرائيل (٣١٣٨). والنسائي في الكبرى كتاب تفسير القرآن، باب: قوله تعالى: ﴿جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ﴾ (١١٢٩٧).\n(^٢٦٢) - لم أقف عليه في المطبوع من مسند أبي يعلى. وأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف -كتاب المغازي، باب: فتح مكة (٧) (٨/ ٥٣٤) حدثنا شبابة بن سوار به. وحسن إسناده الحافظ ابن حجر في المطالب العالية (٤٣٦٤) (٤/ ٢٤٨) وعزاه هناك وفي \"الفتح\" (٨/ ١٧) إلى ابن أبي شيبة. وعزاه السيوطي في الدر المنثور (٤/ ٣٦٠) إلى أبي يعلى وابن المنذر.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"ساق\".\n[¬٢]- في خ: \"صنم\".","vol":"9","page":69},{"text":"يقول تعالى مخبرًا عن كتابه الذي أنزله على رسوله محمَّد ﷺ -وهو القرآن الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد- أنه ﴿شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾، أي: مذهب ما في القلوب من أمراض؛ من شك ونفاق، وشرك وزيغ وميل -القرآن يشفي من ذلك كله- وهو أيضًا رحمة يحصل فيها الإيمان والحكمة وطلب الخير والرغبة فيه، وليس هذا إلا لمن آمن به وصدقه واتبعه؛ فإنه يكون شفاء في حقه ورحمة، وأما الكافر الظالم نفسه بذلك فلا يزيده سماعه القرآن إلا بعدًا [¬١] وتكذيبًا وكفرًا، والآفة من الكافر لا من القرآن، كقوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ والآيات في ذلك كثيرة.\n[قال قتادة في قوله] [¬٢]: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾: إذا سمعه المؤمن انتفع به وحفظه ووعاه، ﴿وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إلا خَسَارًا﴾. إنه لا ينتفع به ولا يحفظه ولا يعيه، فإن الله جعل هذا القرآن شفاء ورحمة للمؤمنين.\n﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا (٨٣) قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلًا (٨٤)﴾\nيخبر تعالى عن نقص الإنسان من حيث هو؛ إلا من عَصَمَ الله تعالى، في حالتي سرائه وضرائه؛ لأنه إذا أنعم الله عليه بمال وعافية، وفتح ورزق ونصر، ونال ما يريد، أعرض عن طاعة الله وعبادته ونأى بجانبه.\nقال مجاهد: بعد عنَّا.\nقلت: وهذا كقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ﴾، وقوله: ﴿فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ﴾.\nوبأنه إذا مسه الشر -وهو المصائب والحوادث والنوائب- ﴿كَانَ يَئُوسًا﴾. أي: قنط أن يعودَ يحصلُ له بعد ذلك خير، كقوله [¬٣] تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ\n_________\n[¬١]- في ز: \"هدًا\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"قال تعالى في قوله تعالى\".\n[¬٣]- في خ: \"كما قال\".","vol":"9","page":70},{"text":"نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ (٩) وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ (١٠) إلا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾.\nوقوله تعالى: ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ﴾، قال ابن عباس: على [¬١] ناحيته. وقال مجاهد: على [¬٢] حدثه وطبيعته. وقال قتادة: على نيته. وقال ابن زيد: دينه.\nوكل هذه الأقوال متقاربة في المعنى، وهذه الآية -والله أعلم- تهديد للمشركين ووعيد لهم، كقوله تعالى: ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ (١٢١) وَانْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ﴾؛ ولهذا قال: ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلًا﴾ أي: منا ومنكم، وسيجزي كل عامل بعمله، فإنه لا تخفى [¬٣] عليه خافية.\n﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إلا قَلِيلًا (٨٥)﴾\nقال الإمام أحمد (^٢٦٣): حدثنا وكيع، حدثنا الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله -هو ابن مسعود ﵁ قال: كنت أمشي مع النبي ﷺ في حرث في المدينة، وهو متوكئ [¬٤] [على عسيب] [¬٥]، فمر بقوم من اليهود، فقال بعضهم لبعض: سلوه عن الروح، فقال بعضهم: لا تسألوه. قال: فسألوه عن الروح فقالوا: يا محمَّد! ما الروح؟ فما زال متوكئًا على العسيب، قال: فظنت أنه يوحى إليه، فقال: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إلا قَلِيلًا (٨٥)﴾ فقال بعضهم لبعض: قد قلنا لكم: لا تسألوه.\n_________\n(^٢٦٣) - أخرجه أحمد (١/ ٤٤٤ - ٤٤٥) وأخرجه البخاري في صحيحه -كتاب العلم، باب: قول الله تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إلا قَلِيلًا﴾ (١٢٥). ومسلم في صحيحه -كتاب صفات المنافقين وأحكامهم -كتاب: سؤال اليهود النبي ﷺ عن الروح (٣٢) (٢٧٩٤). والترمذي كتاب تفسير القرآن، كتاب: ومن سورة بني إسرائيل (٣١٤١). والنسائي في الكبرى -كتاب التفسير، كتاب: قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ (١١٢٩٩).\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في خ: \"يخفى\".\n[¬٤]- في ز: \"متكئ\".\n[¬٥]- سقط من: ت.","vol":"9","page":71},{"text":"وهكذا رواه البخاري ومسلم من حديث الأعمش به، ولفظ البخاري عند تفسير هذه الآية (^٢٦٤): عن عبد الله بن مسعود؛ قال: بينا أنا أمشي [¬١] مع النبي ﷺ في حرث وهو متوكئ [¬٢] على عسيب إذ مر اليهود، فقال بعضهم لبعض: سلوه عن الروح فقال [¬٣]: ما رابكم إليه. وقال بعضهم: لا يستقبلنكم بشيء تكرهونه. فقالوا: سلوه، فسألوه عن الروح، فأمسك النبي ﷺ فلم يرد عليه شيئًا، فعلمت أنه يوحى إليه، فقمت مقامي، فلما نزل الوحي قال: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي …﴾.\nوهذا السياق يقتضي فيما يظهر بادى الرأي أن هذه الآية مدنية، وأنها إنما أنزلت حين سأله اليهود عن ذلك بالمدينة، مع أن السورة كلها مكية، وقد يجاب عن هذا بأنه قد يكون نزلت عليه بالمدينة مرة ثانية كما نزلت عليه بمكة قبل ذلك، أو أنه نزل عليه وحي بأنه يجيبهم عكما سألوه [¬٤] بالآية المتقدم إنزالها عليه، وهي هذه الآية: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ ومما يدل على نزول هذه الآية] [¬٥] بمكة ما [¬٦] قال الإمام أحمد (^٢٦٥):\nحدثنا قتيبة، حدثنا يحيى بن زكريا، عن داود، عن عكرمة، عن ابن عباس؛ قال: قالت قريش ليهود: أعطونا شيئًا نسأل عنه هذا الرجل. فقالوا: سلوه عن الروح. فسألوه، فنزلت: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ [¬٧] رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إلا قَلِيلًا﴾. قالوا: أوتينا علمًا كثيرًا، أوتينا التوراة، ومن أوتي التوراة فقد أوتي خيرًا كثيرًا قال: وأنزل الله: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ\nyyy\n_________\n(^٢٦٤) -  أخرجه البخاري في التفسير (٤٧٢١) (٨/ ٤٠١) حدثنا عمر بن حفص بن غياث حدثنا أبي حدثنا الأعمش به.\n(^٢٦٥) - أخرجه أحمد (١/ ٢٥٥). والترمذي -كتاب تفسير القرآن، كتاب: ومن سورة بني إسرائيل (٣١٤٠) (٥/ ٢٨٤). والنسائي في الكبرى -كتاب التفسير، باب: قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي﴾ (١١٣/ ٤) (٦/ ٣٩٢ - ٣٩٣) من طريق قتيبة بن سعيد به. وأخرجه أبو يعلى في مسنده (٢٥٠١) (٤/ ٣٨٠ - ٣٨١). وعنه ابن حبان في صحيحه (٩٩) (١/ ٣٠١). وأبو الشيخ في العظمة (٤٠٣) (٣/ ٨٦٣). والحاكم في المستدرك (٢/ ٥٣١). من طريقين عن ابن أبي زائدة به. وقال الترمذي: \"حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه\". وقال الحاكم: \"صحيح الإسناد ولم يخرجاه\" ووافقه الذهبي وهو كما قالا.\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- في ز: \"متكئ\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"قال\".\n[¬٤]- في خ: \"سألوا\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- في ز، خ: \"كما\".\n[¬٧]- سقط من: خ.","vol":"9","page":72},{"text":"كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾.\nوقد روى ابن جرير (^٢٦٦)، عن محمَّد بن المثنى، عن عبد الأعلى، عن داود، عن عكرمة، قال: سأل أهل الكتاب رسول الله ﷺ عن الروح، فأنزل الله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إلا قَلِيلًا﴾. [فقالوا: يزعم أنا لم نؤت من العلم إلا قليلًا] [¬١]، وقد أوتينا التوراة، وهي الحكمة، ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرًا كثيرًا. قال: فنزلت: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾، قال: ما أوتيتم من علم [¬٢] فنجاكم الله به من النار فهو كثير طيب، وهو في علم الله قليل.\nوقال محمَّد بن إسحاق (^٢٦٧)، عن بعض أصحابه، عن عطاء بن يسار، قال: نزلت بمكة ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إلا قَلِيلًا﴾، [فلما هاجر رسول الله ﷺ إلى المدينة أتاه أحبار يهود، فقالوا [¬٣]: يا محمَّد، ألم يبلغنا عنك أنك تقول: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إلا قَلِيلًا﴾ [¬٤] أفَعَنَيتنَا أم عنيت قومك؟ فقال: \"كُلًّا قد عنيت\". قالوا: إنك تتلو أنَّا أوتينا التوراة وفيها تبيان كل شيء؟ فقال رسول الله ﷺ: \"هي في علم الله قليل، وقد آتاكم ما إن عملتم به استقمتم\". وأنزل الله: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٧)﴾ وقد اختلف المفسرون في المراد بالروح ها هنا على أقوال: أحدها: أن المراد أرواح بني آدم.\nقال العوفي (^٢٦٨): عن ابن عباس في قوله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ﴾ الآية: وذلك أن اليهود قالوا للنبي ﷺ: أخبرنا عن الروح، وكيف تعذب الروح التي في الجسد، وإنما الروح من الله، ولم يكن نزل عليه فيه شيء، فلم يحر إليهم شيئًا، فأتاه جبريل فقال له: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إلا قَلِيلًا﴾، فأخبرهم النبي ﷺ بذلك، فقالوا: من جاءك بهذا؟ فقال: جاءني به جبريل من عند الله. فقالوا له: والله ما قاله لك إلا عدو لنا. فأنزل الله: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا\n_________\n(^٢٦٦) - أخرجه ابن جرير في تفسيره (١٥/ ١٥٥).\n(^٢٦٧) - أخرجه ابن جرير في تفسيره (١٥/ ١٥٧) حدثني ابن حميد، قال: ثنا سلمة قال: ثنا محمَّد بن إسحاق به.\n(^٢٦٨) - أخرجه ابن جرير في تفسيره (١٥/ ١٦٥). وعزاه السيوطي في الدر المنثور (١/ ٣٦٤) إلى ابن مردويه.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٢]- في خ: \"العلم\".\n[¬٣]- في ت: \"وقالوا\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.","vol":"9","page":73},{"text":"لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ الآية. وقيل: المراد بالروح ها هنا جبريل. قاله قتادة، قال: وكان ابن عباس يكتمه.\nوقيل: المراد به ها هنا [¬١] مَلَك عظيم بقدر المخلوقات كلها. قال [¬٢] علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: قوله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ يقول: الروح: ملك.\nوقال الطبراني (^٢٦٩): حدثنا محمَّد بن عبد الله بن عرس المصري، حدثنا وهب بن روق أبو هبيرة، حدثنا بشر بن بكر [¬٣]، حدثنا الأوزاعي، حدثنا عطاء، عن عبد الله بن عباس، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"إن لله ملكا لو قيل له التقم السموات السبع والأرضين بلقمة واحدة لفعل، تسبيحه: سبحانك حيث كنتَ\". وهذا حديث غريب، بل منكر.\nوقال أبو جعفر بن جرير (^٢٧٠) ﵀: حدثني علي، حدثني عبد الله، حدثني أبو هزان (*) يزيد بن سمرة صاحب قيسارية، عمن حدثه، عن علي بن أبي طالب، ﵁، أنه قال في قوله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾، قال [¬٤]: هو ملك من الملائكة له سبعون ألف وجه، لكل وجه منها سبعون ألف لسان، لكل لسان منها سبعون [¬٥] ألف لغة، يسبّح الله تعالى بتلك اللغات كلها، يخلق الله من كل تسبيحة ملكا [¬٦] يطير مع الملائكة\n_________\n(^٢٦٩) - أخرجه الطبراني في الكبير (١١٤٧٦) (١١/ ١٩٥). وفي الأوسط (٦٤٤٢) (٦/ ٢٩٠). وعنه وأبو نعيم في الحلية (٣/ ٣١٨). وذكره الهيثمي في المجمع (١/ ٨٥) وقال: رواه الطبراني في الأوسط والكبير، وقال: \"تفرد به وهب بن روق\"، قلت: ولم أر من ذكر له ترجمة. وقال أبو نعيم: هذا حديث غريب من حديث الأوزاعي عن عطاء لم نكتبه إلا من حديث بشر بن بكر. وضعفه الشيخ الألباني في ضعيف الجامع (١٩٥٤) (٢/ ١٨٣).\n(^٢٧٠) - أخرج ابن جرير في تفسيره (١٥/ ١٥٦). وأخرجه البيهقي في الأسماء والصفات (ص ٤٦٢). وأبو الشيخ في العظمة (٤٠٨) (٣/ ٨٦٨) وابن الأنباري في كتاب الأضداد (ص ٤٢٣). من طريقين عن أبي هزان يزيد بن سمرة به.\n(*) تصحف في المطبوع من تفسير ابن جرير: \"أبي هزان\" إلى \"أبي مروان\" وكذلك تصحف في ز، خ، ت إلى \"أبي نمران\".\n\"وأبو هزان\" ذكره البخاري في \"التاريخ الكبير\" (٣٢٣٠) (٨/ ٢٣٧)، وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (١١٢٦) (٩/ ٢٦٨) ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلا وذكره ابن حبان في \"الثقات\" (٩/ ٢٧٢)، وقال: \"ربما أخطأ\" -وعزاه السيوطي في الدر المنثور (٤/ ٣٦١) إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- في خ: \"قاله\".\n[¬٣]- في خ: \"غير\".\n[¬٤]- في خ: \"قل\".\n[¬٥]- سقط من: ز.\n[¬٦]- في خ: \"ملك\".","vol":"9","page":74},{"text":"إلى يوم القيامة.\nوهذا أثر غريب عجيب، والله أعلم.\nوقال السهيلي: روي عن علي أنه قال: هو ملك له مائة ألف رأس، لكل رأس مائة ألف وجه، في كل وجه مائة ألف فم، في كل فم مائة ألف لسان، يسبح الله تعالى بلغات مختلفة.\nقال السهيلي: وقيل: المراد بذلك طائفة من الملائكة على صور بني آدم.\n[وقيل: طائفة يرون الملائكة ولا تراهم، فهم للملائكة كالملائكة لبنى آدم] [¬١].\nوقوله: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾، أي: من شأنه، ومما استأثر بعلمه دونكم؛ ولهذا قال: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إلا قَلِيلًا﴾ أي: وما أطلعكم من علمه إلَّا على القليل، فإنه لا يحيط أحد بشيء من علمه إلا بما شاء ﵎.\n[والمعنى: أن علمكم في علم الله قليل، وهذا الذي تسألون عنه من أمر الروح مما استأثر به تعالى ولم يطلعكم عليه، كما أنه لم يطلعكم إلا على القليل من علمه تعالى] [¬٢] وسيأتي إن شاء الله في قصة موسى والخَضْر أن الخضر نظر إلى عصفور وقع على حافة السفينة، فنقر في البحر نقرة -أي: شرب منه بمنقاره- فقال: يا موسى، ما علمي وعلمك وعلم الخلائق في علم الله إلا كما أخذ هذا العصفور من هذا البحر. أو كما قال صلوات الله وسلامه عليه؛ ولهذا قال ﵎: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إلا قَلِيلًا﴾.\nوقال السهيلي: قال بعض الناس: لم يجبهم عما سألوا؛ لأنهم سألوا على وجه التعنت. وقيل: أجابهم. وعوّل السهيلي على أن المراد بقوله: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾. أي: من شرعه، أي: فادخلوا فيه، وقد علمتم ذلك؛ لأنه لا سبيل إلى معرفة هذا من طبع ولا فلسفة، وإنما يُنَال من جهة الشرع. وفي هذا المسلك الذي طرقه وسلكه نظر، والله أعلم.\nثم ذكر السهيلي الخلاف بين العلماء في أن الروح هي النفس أو غيرها، وقرر أنها ذات لطيفة كالهواء، سارية في الجسد كسريان الماء في عروق الشجر، وقرر أن الروح التي ينفخها الملك في الجنين هي النفس، بشرط اتصالها بالبدن، واكتسابها بسببه صفات مدح أو ذم، فهي إما نفس مطمئنة، أو أمارة بالسوء. قال: كما أن الماء هو حياة الشجر، ثم يُكسَب بسبب اختلاطه معها اسمًا خاصًّا؛ فإذا اتصل بالعنبة وعصر منها صار إمّا مُصْطارًا أو\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"9","page":75},{"text":"خمرًا، ولا يقال له ماء حينئذ إلا على سبيل المجاز، وهكذا لا يقال للنفس روح إلا على هذا النحو، وكذلك لا يقال للروح نفس [¬١] إلا باعتبار ما تئول إليه. فحاصل ما يقول أن الروح أصل النفس ومادتها، والنفس مركبة منها ومن اتصالها بالبدن، فهي هي من وجه لا من كل وجه. وهذا معنى حسن، والله أعلم.\nقلت: وقد تكلم الناس في ماهية الروح وأحكامها، وصنفوا في ذلك كتبًا، ومن أحسن من تكلم على ذلك الحافظ ابن منده في كتاب سمعناه في الروح.\n﴿وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَينَا إِلَيكَ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَينَا وَكِيلًا (٨٦) إلا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيكَ كَبِيرًا (٨٧) قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (٨٨) وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إلا كُفُورًا (٨٩)﴾\nيذكر تعالى نعمته وفضله العظيم على عبده ورسوله الكريم ﷺ فيما أوحاه إليه من القرآن المجيد الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد.\nقال ابن مسعود (^٢٧١) ﵁: يطرق الناس ريح [¬٢] حمراء -يعني: في آخر الزمان- من قبل الشام، فلا يبقى في مصحف رجل ولا قلبه آية، ثم قرأ ابن مسعود: ﴿وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَينَا إِلَيكَ …﴾ الآية.\n_________\n(^٢٧١) - أخرجه ابن جرير في تفسيره (١٥/ ١٥٨) حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب قال: ثنا إسحاق بن يحيى عن المسيب بن رافع عن عبد الله بن مسعود … فذكره. وأخرجه عبد الرزاق في المصنف (٥٩٨٠) (٣/ ٣٦٢). ومن طريقه الطبراني في الكبير (٨٦٩٨) (٩/ ١٥٣). عن الثوري عن أبيه عن المسيب بن رافع عن شداد بن معقل به مطولا نحوه. وأخرجه عبد الرزاق أيضًا (٥٩٨٠، ٥٩٨١). والطبراني كذلك (٨٦٩٨، ٨٧٠٠). والحاكم في المستدرك (٤/ ٥٠٤). والبيهقي في شعب الإيمان (٢٠٢٧) (٢/ ٣٥٦). من طريقين عن عبد العزيز بن رفيع سمع شداد بن معقل سمع عبد الله بن مسعود قوله: إن أول ما تفقدون من دينكم الأمانة وآخر ما يبقى الصلاة، وإن هذا القرآن الذي بين أظهركم وشك أن يرفع قالوا: كيف وقد أثبته الله في قلوبنا وأثبتناه في المصاحف قال: يسرى عليه ليلًا فيذهب ما =\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"نفسًا\".\n[¬٢]- في خ: \"بربح\".","vol":"9","page":76},{"text":"ثم نبه تعالى علي شرف هذا القرآن العظيم، فأخبر أنه تعالى لو اجتمعت الإنس والجن كلهم، واتفقوا علي أن يأتوا بمثل ما أنزله علي رسوله لما أطاقوا ذلك ولما استطاعوه، ولو تعاونوا وتساعدوا وتظافروا، فإن هذا أمر لا يستطاع، وكيف يشبه كلام المخلوقين كلام الخالق الذي لا نظير له، ولا مثال له، ولا عديل له؟!\nوقد روى محمد بن إسحاق (^٢٧٢)، عن محمد بن أبي محمد، عن سعيد [بن جبير] [¬١]-أو عكرمة- عن ابن عباس: أن هذه الآية نزلت في نفر من اليهود جاءوا رسول الله ﷺ فقالوا له: إنا نأتيك بمثل ما جئتنا به [¬٢]. فأنزل الله هذه الآية.\nوفي هذا نظر؛ لأن هذه السورة مكية، وسياقها كله مع قريش، واليهود إنما اجتمعوا به في المدينة، فالله أعلم.\nوقوله: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾، أي: بينا لهم الحجج والبراهين القاطعة، ووضحنا لهم الحق وشرحناه وبسطاه، ومع هذا ﴿فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إلا كُفُورًا﴾، أي: جحودًا للحق [¬٣] وردًّا للصواب.\n﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (٩٠) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالهَا تَفْجِيرًا (٩١) أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَينَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا (٩٢) أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيتٌ مِنْ\n_________\n= في قلوبكم ويرفع ما في المصاحف، ثم قرأ عبد الله هذا الآية. وقال الحاكم: \"صحيح الإسناد ولم خرجا، ووافقه الذهبي، وذكز الهيثمي في المجمع (٧/ ٥٥٠٥٤) وقال: \"رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح غير شداد بن معقل وهو ثقة\". وأخرجه الدارمي في سننه (٢٣٤٦) (٢/ ٣١٥) حدثنا عمرو بن عاصم، ثنا حماد بن سلمة عن عاصم عن زر عن ابن مسعود قال: ليسرين على ذات ليلة، ولا يترك آية في مصحف، ولا في قلب أحد إلا رفعت. وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم. وأخرجه الدارمي أيضًا (٢٣٤٤) نحوه. والبيهقي في شعب الإيمان (٢٠٢٦) (٢/ ٣٥٥). من طريقين عن ناجية بن عبد الله بن عتبة بن مسعود وقال البيهقي: \"هذا ناجية بن عبد الله بن عتبة بن مسعود\" وليس له غير هذا\".\n(^٢٧٢) - أخرجه ابن جرير في تفسيره (١٥/ ١٥٨) حدثنا أبو كريب، قال: ثنا يونس بن بكير قال: ثنا محمد بن إسحاق به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور (٤/ ٣٦٥) إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط عن: ز، خ.\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.","vol":"9","page":77},{"text":"مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَينَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إلا بَشَرًا رَسُولًا﴾.\nقال ابن جرير (^٢٧٣): حدثنا أبو كريب، حدثنا يونس بن بُكَير، حدثنا محمد بن إسحاق، حدثني شيخ من أهل مصر قدم منذ بضع وأربعين سنة، عن عكرمة، عن ابن عباس: أن عتبة وشيبة ابني ربيعة، وأبا سفيان بن حرب، ورجلًا من بني عبد الدار، وأبا البَختَري أخا بني أسد، والأسود بن المطلب بن أسد، وزمعة بن الأسود، والوليد بن المغيرة، وأبا جهل بن هشام، وعبد الله بن أبي أمية، وأمية بن خلف، والعاص بن وائل، ونُبَيهًا ومُنبهًا ابني الحجاج السّهْميين اجتمعوا -أو من اجتمع منهم- بعد غروب الشمس عند ظهر الكعبة، فقال بعضهم لبعض: ابعثوا إلي محمد فكلموه وخاصموه حتى تُعذرُوا فيه [¬١]. فبعثوا إليه: أن أشراف قومك قد اجتمعوا لك ليكلموك، فجاءهم رسول الله ﷺ سريعًا وهو يظن أنه قد بدا لهم في أمره بَداء، وكان عليهم حريصًا، يحب رشدهم، ويعز عليه عَنتُهم، حتى جلس إليهم، فقالوا: يا محمد؛ إنا قد بعثنا إليك لنُعذَر فيك، وإنا والله ما نعلم رجلًا من العرب أدخل علي قومه ما أخلت علي قومك، لقد شتمت الآباء، وعبت الدين، وسفهت الأحلام، وشتمت الآلهة، وفرقت الجماعة، فما بقي من أمر قبيح إلا وقد جئته فيما بيننا وبينك! فإن كنت إنما جعت بهذا الحديث تطب [] [¬٢] مالًا، جمعنا لك من أموالنا، حتى تكون أكثرنا مالًا، وإن كنت إنما تطلب الشرف فينا سوّدناك علينا، وإن كنت تريد ملكًا ملكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك بما يأتيك رَئيًّا تراه قد غلب [¬٣] عليك- وكانوا يسمون التابع من الجن: الرّئي- فربما كان ذلك، بذلنا أموالنا في طلب الطب حتى نبرئك منه، أو نعذرَ فيك.\nفقال رسول الله ﷺ: \"ما بي ما تقولون، ما جئتكم بما جئتكم به أطلبُ أموالكم ولا الشرفَ فيكم، ولا الملك عليكم، ولكن الله [¬٤] بعثني إليكم رسولًا، وأنزل عليّ كتابًا، وأمرني أن أكون لكم بشيرًا ونذيرًا، فبلغتكم رسالة ربي، ونصحت لكم، فإن تقبلوا مني ماجئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخوة، وإن تردّوه عليّ أصبر لأمر [¬٥] الله، حتى يحكم الله [¬٦]، بيني وبينكم. أو كما قال رسول الله صلى الله عليه\n_________\n(^٢٧٣) - أخرجه ابن جرير في تفسيره (١٥/ ١٦٤: ١٦٦). وعزاه السيوطي في الدر المنثور (٤/ ٣٦٥: ٣٦٧) إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم. وانظر سيرة ابن هشام (١/ ٣٠٦: ٣٠٩).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"إليه\".\n[¬٢]- في ت: به.\n[¬٣]- في خ: \"غاب\".\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- في ز، خ: \"لحكم\".\n[¬٦]- سقط من: خ.","vol":"9","page":78},{"text":"وسلم تسليمًا.\nفقالوا: يا محمد، فإن كنت غير قابل منا ما عرضنا عليك، فقد علمت أنه ليس أحد من الناس أضيق بلادًا، ولا أقل مالًا، ولا أشد عيشًا منا، فاسأل لنا ربك الذي بعثك بما بعثك له فليسير عنا هذه الجبال التي قد ضَيّقت علينا، ولْيبسط لنا بلادنا، ولْيفَجَر [¬١] فيها أنهارًا كأنهار الشام والعراق، وليبعث لنا مَن مضى من آبائنا، وليكن فيمن يبعث لنا منهم [¬٢]: قصيّ بن كلاب، فإنه كان شيخًا صدوقًا، فنسألهم [¬٣] عما تقول حق هو أم [¬٤] باطل، فإن صنعت ما سألناك وصدّقوك صدقناك، وعرفنا به [¬٥]، منزلتك عند الله، وأنه بعثك رسولا كما تقول!.\nفقال لهم رسول الله ﷺ: \"ما بهذا بعثت! إنما جعكم من عند الله بما بعثني به، فقد بلغتكم ما أرسلت به إليكم [¬٦]، فإن تقبلوه فهو حظكم في الدنيا والآخر، وإن تردّوه علي أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم\".\nقالوا: فإن لم تفعل لنا هذا فخذ لنفسك، فاسأل ربك أن يبعث ملكًا يصدقك بما تقول [¬٧]، ويراجعنا عنك، وتسأله فيجعل لك جنانًا وكنوزًا وقصورًا من ذهب وفضة، ويغنيك بها عما نراك تبتغي، فإنك تقوم بالأسواق وتلتمس المعاش كما نلتمسه، حتى نعرف فضل منزلتك من ربك إن كنت رسولًا كما تزعم.\nفقال لهم رسول الله ﷺ: \"ما أنا بفاعل، ما أنا بالذي يسأل ربه هذا، وما بعثت إليكم بهذا، ولكن الله بعثني بشيرًا نذيرًا، فإن تقبلوا ما جئتكم به لهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردّوه عليّ أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم\".\nقالوا: فأسقط السماء كما زعمت أن ربك أن شاء فعل ذلك [¬٨]، فإنّا لن نؤمن لك ألا أن تفعل. فقال لهم رسول الله ﷺ: \"ذلك إلى الله إن شاء فعل بكم ذلك\".\nفقالوا: يا محمد، أما [¬٩] علم ربك أنا سنجلس معك، ونسألك عما سألناك عنه، ونطلب منك ما نطلب، فيتقدم إليك ويعلمك [ما تراجعنا [¬١٠] به، ويخبرك ما هو صانع\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"وليجر\".\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في ز، خ: \"لنسألهم\".\n[¬٤]- في خ: \"أو\".\n[¬٥]- سقط من: ز.\n[¬٦]- سقط من: ز، خ.\n[¬٧]- في خ: \"يقول\".\n[¬٨]- سقط من: خ.\n[¬٩]- في ز: \"لما\".\n[¬١٠]- في خ: \"ما يراجعنا\".","vol":"9","page":79},{"text":"في ذلك بنا إذا لم نقبل منك ما جئتنا به، فقد بلغنا أنه إنما يعلمك هذا رجل باليمامة يقال له: الرحمن، وإنا والله لا نؤمن بالرحمن أبدًا، فقد أعذرنا إليك يا محمد، أما والله لا نتركك وما فعلت بنا حتى نهلكك أو تهلكنا. وقال قائلهم: نحن نعبد الملائكة وهي بنات الله. وقال قائلهم: لن نؤمن لك حتى تأتي بالله والملائكة قبيلًا.\nفلما قالوا ذلك قام رسول الله ﷺ، عنهم، وقام معه عبد الله بن أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم -وهو ابن عمته، ابن عاتكة ابنة عبد المطلب- فقال: يا محمد، عرض عليك [¬١] قومك ما عرضوا فلم تقبله منهم، ثم سألوك لأنفسهم أمورًا ليعرفوا بها منزلتك من الله فلم تفعل ذلك، ثم سألوك أن تعجل ما تخوفهم به من العذاب، فوالله لا أومن بك [¬٢] أبدًا حتى تتخذ إلي السماء سلمًا، ثم ترقى فيه وأنا أنظر حتى تأتيها وتأتي معك بنسخة منشورة [¬٣]، معك أربعة من الملائكة يشهدون لك أنك كما تقيل، وايم الله لو فعلت ذلك لظننت أني لا أصدقك. ثم انصرف عن رسول الله ﷺ، وانصرف رسول الله ﷺ إلى أهله حزينًا أسفًا لما فاته مما كان طمع فيه من قومه حين دعوه، ولما رأى من مباعدتهم إياه.\nوهكذا رواه زياد بن عبد الله البكائي، عن ابن إسحاق، حدثني بعض أهل العلم، عن سعيد بن جبير وعكرمة، عن ابن عباس، فذكر مثله سواء.\nوهذا المجلس الذي اجتمع هؤلاء له، لو [¬٤] علم الله منهم أنهم يسألون ذلك استرشادًا لأجيبوا إليه، ولكن علم [¬٥] أنهم إنما يطلبون ذلك كفرًا وعنادًا، فقيل للرسول: إن شئت أعطناهم ما سألوا، فإن كفروا عذبتهم عذابًا لا أعذبه أحدًا من العالمين، وإن شئت فتحت عليهم باب [¬٦] التوبة والرحمة. فقال: \"بل تفتح عليهم باب التوبة والرحمة\". كما تقدم ذلك في حديثي ابن عباس والزبير بن العوام (^٢٧٤) أيضًا عند قوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إلا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَينَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إلا تَخْويفًا (٥٩)﴾، وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا (٧) أَوْ يُلْقَى إِلَيهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَال الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إلا رَجُلًا مَسْحُورًا (٨) انْظُرْ كَيفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَال فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا (٩) تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيرًا مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا\n_________\n(^٢٧٤) - تقدم (٢٠١، ٢٠٢، ٢٠٣).\n_________\n[¬١]- في خ: \"علينا\".\n[¬٢]- في ز: \"لك\".\n[¬٣]- سقط من: خ.\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- في خ: \"علموا\".\n[¬٦]- في خ: \"أبواب\".","vol":"9","page":80},{"text":"الْأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا (١٠) بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا (١١)﴾.\nوقوله تعالى: ﴿حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا﴾ الينبوع: العين الجارية، سألوه أن يجري لهم عينًا [¬١] معينًا في أرض الحجاز ها هنا وههنا، وهذا [¬٢] سهل يسير علي الله تعالى لو شاء [¬٣] لفعله، ولأجابهم إلى جميع ما سألوا وطلبوا، ولكن علم أنهم لا يهتدون، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيهِمْ كُلَّ شَيءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ﴾.\nوقولهم: ﴿أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ﴾، أي: إنك وعدتنا أن يوم القيامة تنشق فيه [¬٤] السماء وتَهِي، وتُدْلي أطرافها، فعجّل ذلك في الدنيا، وأسقطها كسفًا، [أي: قطعًا، كقولهم: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَينَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ …﴾ الآية. وكذلك سأل قوم شعيب منه فقالوا: ﴿فَأَسْقِطْ عَلَينَا كِسَفًا] [¬٥] مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ فعاقبهم الرب بعذاب يوم الظلة، أنه كان عذاب يوم عظيم، وأما نبيّ الرحمة ونبيّ التوبة المبعوث رحمة للعالمين فسأل إنظارهم وتأجيلهم لعل الله أن [¬٦] يخرج من أصلابهم من يعبده لا يشرك به شيئًا، وكذلك وقع؛ فإن من هؤلاء الذين ذكروا من أسلم بعد ذلك وحسن إسلامه، حتى عبد الله بن أبي [¬٧] أمية الذي تبع النبي ﷺ وقال له ما قال، أسلم إسلامًا تامًّا، وأناب إلى الله ﷿.\n[وقوله تعالى] [¬٨]: ﴿أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيتٌ مِنْ زُخْرُفٍ﴾، قال ابن عباس ومجاهد وقتادة: هو الذهب، وكذلك هو في قراءة ابن مسعود: (أو يكون لك بيت من ذهب) ﴿أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ﴾، أي: تصعد في سلم ونحن ننظر إليك، ﴿وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَينَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ﴾، قال مجاهد: أي: مكتوب فيه إلي كل واحد واحد صحيفة: هذا كتاب من الله لفلان بن فلان، تصبح موضوعة عند رأسه.\nوقوله: ﴿قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إلا بَشَرًا رَسُولًا﴾ أي: ﷾ وتقدس أن يتقدم أحد بين يديه في أمر من أمور سلطانه وملكوته؛ بل هو الفعال لما يشاء، إن شاء أجابكم إلي ما سألتم، وإن شاء لم يجبكم، وما أنا إلا رسول إليكم، أبلغكم رسالات ربي وأنصح لكم، وقد فعلت ذلك، وأمركم فيما سألتم إلي الله ﷿.\n_________\n[¬١]- في خ: \"عيونا\".\n[¬٢]- في ت: وذلك.\n[¬٣]- سقط من: خ.\n[¬٤]- سقط من: ز.\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ر، خ.\n[¬٦]- سقط من: ر.\n[¬٧]- سقط من: ز، خ.\n[¬٨]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"9","page":81},{"text":"قال الإمام أحمد بن حنبل (^٢٧٥): حدثنا علي بن إسحاق، حدثنا ابن المبارك، حدثنا يحيى بن أيوب، عن عبيد الله بن زَحر، عن علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة، عن النبي ﷺ قال: \"عرض عليَّ [¬١] ربي ﷿ ليجعل لي بطحاء مكة ذهبًا، فقلت: لايا رب، ولكن أشبع يومًا وأجوع يومًا -أو نحو ذلك- فإذا جعت تضرعت إليك وذكرتك، وإذا شبعت حمدتك وشكرتك\". ورواه الترمذي في \"الزهد\" عن سويد [¬٢] بن نصر، عن ابن المبارك، به. وقال: هذا حديث حسن، وعليّ بن يزيد يضعف في الحديث.\n﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إلا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا (٩٤) قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا (٩٥)﴾\nيقول تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ﴾ أي [¬٣]: أكثرهم ﴿أَنْ يُؤْمِنُوا﴾ ويتابعوا الرسل إلا استعجابهم من بعثة البشر رسلًا، كما قال تعالى: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَينَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾، وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ وقال فرعون وملؤه [¬٤]: ﴿فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَينِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ﴾، وكذلك قالت [¬٥] الأمم لرسلهم: ﴿إِنْ أَنْتُمْ إلا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ والآيات في هذا كثيرة.\nثم قال تعالى منبهًا على لطفه ورحمته كعباده: إنه يبعث إليهم الرسول من جنسهم، ليفقهوا عنه ويفهموا منه، لتمكنهم من مخاطبته ومكالمته، ولو بعث إلى البشر [] [¬٦] رسولًا\n_________\n(^٢٧٥) - أخرجه أحمد (٥/ ٢٥٤). وهو عند ابن المبارك في \"الزهد\" في زوائد نعيم بن حماد (١٩٦). ومن طريقة الترمذي كتاب الزهد، باب: ما جاء في الكفاف والصبر عليه (٢٣٤٧) (٥/ ٤٩٧).\nوالبغوي في شرح السنة (٤٠٤٤) (١٤/ ٢٤٦). وأبو نعيم في الحلية (٨/ ١٣٣). من طريقين عن عبيد الله بن زحر به. وقال أبو نعيم: هذا الحديث لا أعلمه روى بهذ اللفظ إلا عن علي بن يزيد عن القاسم. قلت: وعلي بن يزيد هو ابن أبي زياد الألهاني: ضعيف، وعبيد الله بن زحر مثله.\n_________\n[¬١]- سقط من: ت.\n[¬٢]- في ز، خ: \"يزيد\".\n[¬٣]- سقط من: خ.\n[¬٤]- في خ: \"ملثه\".\n[¬٥]- في خ: \"قال\".\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين خ: \"رسولًا\".","vol":"9","page":82},{"text":"من الملائكة، لما استطاعوا مواجهته ولا الأخذ عنه، كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [وقال تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾، [¬١]، وقال تعالى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (١٥١) فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾؛ ولهذا قال ها هنا: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ﴾، أي: كما أنتم فيها، ﴿لَنَزَّلْنَا عَلَيهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا﴾ أي: من جنسهم، ولما كنتم أنتم بشرًا بعثنا فيكم رسولًا [¬٢] منكم لطفًا ورحمة.\n﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَينِي وَبَينَكُمْ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (٩٦)﴾.\nيقول تعالى مرشدًا نبيه ﷺ إلي الحجة علي قومه في صدق ما جاءهم به: إنه شاهد عليّ وعليكم، عالم بما جئتكم به [¬٣]؛ فلو كنت كاذبًا لانتقم [¬٤] مني أشد الانتقام، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَينَا بَعْضَ الْأَقَاويلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦)﴾.\nوقوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ أي: عليم بهم، بمن يستحق الإنعام والإحسان والهداية، ممن يستحق الشقاء والإضلال والإزاغة؛ ولهذا قال:\n﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا (٩٧)﴾\nيقول تعالى مخبرًا عن تصرفه في خلقه ونفوذ حكمه، وأنه لا معقب له بأنه من يهده فلا مضل له ﴿وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ﴾، أي: يهدونهم، كما قال: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ [¬٥] وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾.\nوقوله: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ﴾ قال الإمام أحمد (^٢٧٦): حدثنا ابن\n_________\n(^٢٧٦) - والحديث صحيح، أخرجه أحمد (٣/ ١٦٧). قلت: ونفيع هذا ابن الحارث، أبو داود الأعمي، متروك وكذبه ابن معين كما في التقريب لكن للحديث طريق آخر عن أنس صحيح وهو الآتي.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ت.\n[¬٢]- في ز: \"رسلنا\".\n[¬٣]- سقط من: خ.\n[¬٤]- في ز: \"انتقم\".\n[¬٥]- في ز: \"المهتدى\".","vol":"9","page":83},{"text":"نمير، حدثنا إسماعيل، عن نفيع قال: سمعت أنس بن مالك يقول: قيل: يا رسول الله؛ كيف يحشر الناس على وجوههم؟ قال: \"الذي أمشاهم علي أرجلهم قادر علي [¬١] أن يمشيم علي وجوههم\". وأخرجاه في الصحيحين (^٢٧٧).\nوقال الإمام أحمد أيضًا (^٢٧٨): [حدثنا يزيد] [¬٢]، حدثنا الوليد بن جُمَيع القرشي عن أبيه حدثنا أبو الطفيل عامر بن واثلة عن حذيفة بن أسيد قال: قام أبو ذر فقال: يا بني غفار [¬٣]، قولوا ولا تحلفوا، فإن الصادق المصدوق حدثني: أن الناس يحشرون علي ثلاثة أفواج: فوج راكبين طاعمين كاسين، وفوج يمشون ويسعون، وفوج تسحبهم الملائكة علي وجوههم وتحشرهم إلي النار\". فقال قائل منهم: هذان قد عرفناهما، فما بال الذين يمشون ويسعون؟ قال: \"يلقي الله ﷿ الآفة [¬٤] علي الظهر حتى لا يبقى ظهر، حتى إن الرجل لتكون له الحديقة المعجبة فيعطيها بالشارف ذات القتب، فلا يقدر عليها\".\nوقوله: ﴿عُمْيًا﴾، أي: لا يبصرون. ﴿وَبُكْمًا﴾، يعني [¬٥]: لا ينطقون. ﴿وَصُمًّا﴾ لا يسمعون. وهذا لا [¬٦] يكون في حال دون حال جزاء لهم كما كانوا في الدنيا بكمًا وعميًا وصمًّا عن الحق، فجوزوا في محشرهم لذلك [¬٧] أحوج ما يحتاجون إليه، ﴿مَأْوَاهُمْ﴾، أي: منقلبهم [¬٨] ومصيرهم، ﴿جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ﴾، قال ابن عباس: سكنت. وقال مجاهد: طفئت، ﴿زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا﴾، أي: لهبًا ووهجًا وجمرًا، كما\n_________\n(^٢٧٧) - أخرجه أحمد (٣/ ٢٢٩) والبخاري في صحيحه -كتاب التفسير، كتاب: ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ (٤٧٦٠). ومسلم في صحيحه -كتاب صفات المنافقين وأحكامهم، باب: يحشر الكافر على وجهه (٥٤) (٢٨٠٦). والنسائي في الكبرى -كتاب التفسير، باب: سورة الفرقان (١١٣٦٧) (٦/ ٤٢٠) من طريقين عن شيبان عن قتادة عن أنس فذكره.\n(^٢٧٨) - أخرجه أحمد (٥/ ١٦٤ - ١٦٥). وأخرجه النسائي-كتاب الجنائز، باب: البحث (٤/ ١١٦ - ١١٧). والحاكم في المستدرك (٢/ ٣٦٧ - ٣٦٨). والطبراني في الصغير (٢/ ١١٢ - ١١٣).\nمن طريق الوليد بن عبد الله بن جميع، عن أبي الطفيل عامر بن واثلة عن حذيفة بن أسيد أبي سريحة الغفاري قال: … فذكره.\nوتعقبه الذهبي بقوله: \"على شرط مسلم، ولكنه منكر، وقد قال ابن حبان في الوليد: فحش تفرد حتى بطل الاحتجاج به\". لكن وثقه ابن معين والعجلي، وقال أحمد وأبو زرعة وأبو داود: \"ليس به بأس\" وقال أبو حاتم: صالح الحديث.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في خ: \"ذر\".\n[¬٤]- في ز: \"الأئمة\".\n[¬٥]- في ز: \"بمعنى\".\n[¬٦]- سنط من: ت.\n[¬٧]- في خ: \"في ذلك\".\n[¬٨]- في ز: \"مقيلهم\".","vol":"9","page":84},{"text":"قال: ﴿فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إلا عَذَابًا﴾.\n﴿ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا (٩٨) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا لَا رَيبَ فِيهِ فَأَبَى الظَّالِمُونَ إلا كُفُورًا (٩٩)﴾.\nيقول تعالى: هذا الذي جازيناهم به -من البعث علي العمي والبكم والصمم- جزاؤهم الذي يستحقونه، لأنهم كذبوا ﴿بِآيَاتِنَا﴾، أي: بأدلتنا وحُججِنا، واستبعدوا وقوع البعث، ﴿وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا﴾، أي [¬١]: بالية نخرة، ﴿أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾، أي: بعد ما صرنا إلي ما صرنا إليه من البلي والهلاك والتفرق والذهاب في الأرض نعاد مرة ثانية؟! فاحتج تعالى عليهم ونبههم علي قدرته علي ذلك بأنه خلق السموات والأرض، فقدرته علي إعادتهم أسهل من ذلك، كما قال: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾، وقال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ﴾، وقال: ﴿أَوَلَيسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (٨١) إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢) فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيءٍ وَإِلَيهِ تُرْجَعُونَ﴾.\nوقال ها هنا: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ أي: يوم القيامة يعيد أبدانهم وينشئهم نشأة أخرى ويعيدهم كما بدأهم.\nوقوله: ﴿وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا لَا رَيبَ فِيهِ﴾ أي: جعل لإعادتهم وإقامتهم من قبورهم أجلًا مضروبًا، ومدة مقدرة لا بد من انقضائها، كما قال تعالى: ﴿وَمَا نُؤَخِّرُهُ إلا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ﴾. وقوله: ﴿فَأَبَى الظَّالِمُونَ﴾ [أي: بعد قيام الحجة عليهم] [¬٢] ﴿إلا كُفُورًا﴾، إلا تماديًا في باطلهم وضلالهم.\n﴿قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا (١٠٠)﴾\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"9","page":85},{"text":"يقول تعالى لرسوله صلوات الله وسلامه عليه: قل لهم يا محمد: لو أنكم أيها الناس تملكون التصرف في خزائن الله لأمسكتم خشية الإنفاق.\nقال ابن عباس وقتادة: أي. الفقر. أي: خشية أن تذهبوها مع أنها لا تفرغ ولا تنفد أبدًا؛ لأن هذا من طباعكم وسجاياكم؛ ولهذا قال: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا﴾، قال ابن عباس وقتادة: أي: بخيلا منوعًا. وقال الله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا﴾، أي: لو أن لهم نصيبًا من ملك الله لما أعطوا أحدًا شيئًا ولا مقدار نقير، والله تعالى بصف الإنسان من حيث هو إلا من وفقه الله [¬١] وهداه؛ فإن [¬٢] البخل [¬٣] والجزع والهلع [صفة له] [¬٤] كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (١٩) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (٢٠) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيرُ مَنُوعًا (٢١) إلا الْمُصَلِّينَ﴾ ولهذا نظائر كثيرة في القرآن العزيز، ويدل هذا على كرمه وجوده وإحسانه، وقد جاء في الصحيحين (^٢٧٩): \" يد الله ملأى، لا يغيضها نفقة، سحاء الليل والنهار، أرأيتم ما أنفق منذ خلق السموات والأرض فإنه لم يغض ما في يمينه\".\n﴿وَلَقَدْ آتَينَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ فَقَال لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَامُوسَى مَسْحُورًا (١٠١) قَال لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إلا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا (١٠٢) فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعًا (١٠٣) وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا (١٠٤)﴾\nيخبر تعالى أنه بعث موسى بتسع آيات بينات [¬٥]، وهي الدلائل القاطعة علي صحة نبوته وصدقه فيما أخبر به عمن أرسله إلي فرعون، وهي: العصا، واليد، والسنين [¬٦]، والبحر،\n_________\n(^٢٧٩) - أخرجه البخاري في صحيحه -كتاب التفسير، باب: وكان عرشه على الماء (٤٦٨٤). ومسلم في صحيحه -كتاب الزكاة، باب: الحث على النفقة وتبشير المنفق بالخلف (٣٦، ٣٧) (٩٣٣). والترمذي -كتاب التفسير، باب: ومن سورة المائدة (٣٠٤٥). وابن ماجة في المقدمة -باب: فيما أنكرت الجهمية (١٩٧). من طريقين عن أبي هريرة مرفوعًا.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- في خ: \"البخل\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٥]- سقط من: خ.\n[¬٦]- في ز، خ: \"ولسانه\".","vol":"9","page":86},{"text":"والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، آيات مفصلات. قاله ابن عباس وقال محمد بن كعب: هي اليد، والعصا، والخمس في الأعراف، والطسمة والحجر.\nوقال ابن عباس أيضًا ومجاهد وعكرمة والشعبي وقتادة: هي يده، وعصاه، والسنين، ونقص الثمرات، والطوفان، والجراد، والقمل [¬١]، والضفادع، والدم.\nوهذا القول ظاهر جلي حسن قوي، وجعل الحسن البصري السنين ونقص الثمرات واحدة، وعنده أن التاسعة هي: تلقف العصا ما يأفكون، ﴿فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾ أي: ومع هذه الآيات ومشاهدتهم لها كفروا بها، ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾، وما نجعت فيهم، وكذلك لو أجبنا هؤلاء الذين سألوا مثل [¬٢] ما سألوا وقالوا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا﴾ إلى آخرها؛ لما استجابوا ولا آمنوا إلا أن يشاء اللَّه، كما قال فرعون لموسى- وقد شاهد منه ما شاهد من هذه الآيات - قال: ﴿إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَامُوسَى مَسْحُورًا﴾ قيل: بمعنى ساحر. واللَّه تعالى أعلم.\nفهذه الآيات التسع التي ذكرها هؤلاء الأئمة هي المرادة ها هنا، وهي المعنية في قوله تعالى: [﴿وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَامُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (١٠) إلا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (١١) وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيبِكَ تَخْرُجْ بَيضَاءَ مِنْ غَيرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾] [¬٣] فذكر هاتين الآيتين: العصا، واليد، وبين الآيات [¬٤]، الباقيات [¬٥] في \"سورة الأعراف\" وفصّلها.\nوقد أوتي موسى ﵇ آيات أخر كثيرة، منها: ضربه الحجر بالعصا، وخروج الأنهار [¬٦] منه، ومنها تظليلهم الغمام، وإنزال المنَّ والسلوى، وغير ذلك مما أوتوه بنو إسرائيل بعد مفارقتهم بلاد مصر، ولكن ذكر ها هنا [¬٧] التسع الآيات التي شاهدها فرعون وقومه من أهل مصر، وكانت حجة عليهم فخالفوها وعاندوها كفرًا وجحودًا. فأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد [¬٨] (^٢٨٠):\n_________\n(^٢٨٠) - أخرجه أحمد (٤/ ٢٣٩). وأخرجه أيضًا (٤/ ٣٤٠). والترمذي -كتاب الاستئذان، باب: ما جاء في قبلة اليد والرجل (٢٧٣٣) (٥/ ٧٢ - ٧٣)، وكتاب التفسير (٣١٤٤) (٥/ ٢٨٦]. والنسائي =\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- في ت: \"منك\".\n[¬٣]- كذا، وهي آية النمل رقم (١٠) قرأ آية القصص رقم (٣١، ٣٢)، وسقط منها \"أن\".\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- في ت: \"الباقية\".\n[¬٦]- في خ: \"الماء\".\n[¬٧]- في ز، خ: \"هذا\".\n[¬٨]- سقط من: ت.","vol":"9","page":87},{"text":"حدثنا يزيد، حدثنا شعبة، عن عمرو بن مرة قال: سمعت عبد اللَّه بن سلمة يحدث، عن صفوان بن عسال المرادي ﵁ قال: قال يهودي لصاحبه: اذهب بنا إلى هذا النبي حتى نسأله عن هذه الآية: ﴿وَلَقَدْ آتَينَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾، فقال: لا تقل له نبي؛ فإنه لو سمعك لصارت له أربع [¬١] أعين، فسألاه، فقال النبي ﷺ: \"لا تشركوا باللَّه شيئًا [¬٢]، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا النفس التي حرم اللَّه إلا بالحق، ولا تسحروا، ولا تأكلوا الربا، ولا تمشوا ببريء إلى ذي سلطان ليقتله، ولا تقذفوا محصنة\"، أو قال: \"لا تفروا من الزحف\" - شعبة الشاك - \"وأنتم يا يهود عليكم خاصة أن لا تعدوا في السبت\". فقبلا يديه ورجليه وقالا: نشهد أنك نبي و[¬٣] [قال: \"فما يمنعكما أن تتبعاني؟ \". قالا: لأن داود ﵇ دعا أن لا يزال من ذريته نبي] [¬٤] إنا نخشى إن أسلمنا أن تقتلنا يهود.\nفهذا الحديث رواه هكذا الترمذي، والنسائي، وابن ماجة، وابن جرير في تفسيره من طرق عن شعبة بن الحجاج به [¬٥]، وقال الترمذي: حسن صحيح.\nوهو حديث مشكل، \"وعبد اللَّه بن سلمة\" في حفظه شيء، وقد تكلموا فيه، ولعله اشتبه عليه التسع الآيات بالعشر الكلمات؛ فإنها وصايا في التوراة لا تعلق لها بقيام الحجة على فرعون، واللَّه أعلم.\n_________\n= كتاب تحريم الدم، باب: السحر (٧/ ١١١ - ١١٢). وفي الكبرى -كتاب المحاربة، باب: السحر (٣٥٤١) (٢/ ٣٠٦ - ٣٠٧). وكتاب السير، باب: تأويل قوله جل ثناؤه ﴿وَلَقَدْ آتَينَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ (٨٦٥٦) (٥/ ٩٨ - ١٩٩). وابن ماجه -كتاب الأدب، باب: الرجل يقتل يد الرجل (٣٧٠٥) (٢/ ٢٢٢١) مختصرًا. والطيالسي في مسنده (١١٦٤). والطبراني في الكبير (٧٣٩٦) (٨/ ٨٣ - ٨٤). والحاكم في المستدرك (١/ ٩). والبيهقي في الكبرى (٨/ ١٦٦) وفي دلائل النبوة (٦/ ٢٦٨).\nوأبو نعيم في الحلية (٥/ ٩٧ - ٩٨). وابن جرير في تفسيره (١٥/ ١٧٢، ١٧٣) وابن أبي شيبة في المصنف (٨/ ٤٣٦ - ٤٣٧). من طرق عن شعبة به. وقال الترمذي: \"حديث حسن صحيح\". وقال الحاكم: \"حديث صحيح، لا نعرف له علة بوجه من الوجوه، ولم يخرجاه\"، ووافقه الذهبي لكن أعله المصنف ومن قبله. النسائي في الكبرى فقال: هذا حديث منكر. قال أبو عبد الرحمن: حكى عن شعبة قال: سألت عمرو بن مرة عن عبد الله بن سلمة فقال: تعرف وتنكر قال أبو عبد الرحمن، وعبد الله بي سلمة الأفطس متروك الحديث، قال أبو عبد الرحمن، كان هذا الأفطس يطلب الحديث مع يحيى بن سعيد القطان، وكان من أسنانه. ا. هـ. والحديث عزاه السيوطي في الدر المنثور (٤/ ٣٧٠) إلى سعيد بن منصور وأبي يعلى وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه.\n_________\n[¬١]- في خ: \"أربعة\".\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- سقط من: ت.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- سقط من: ز، خ.","vol":"9","page":88},{"text":"ولهذا قال موسى لفرعون: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إلا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ﴾، أي: حججًا وأدلة على صدق مما جئتك به، ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ أي: هالكًا. قاله مجاهد وقتادة. وقال ابن عباس: ملعونًا. وقال أيضًا هو والضحاك: ﴿مَثْبُورًا﴾، أي: مغلوبًا. والهالك -كما قال مجاهد- يشمل هذا كله. قال عبد اللَّه بن الزِّبعْرَى:\nإذْ أجارِي الشيطان في سَنن الغَيِّ … وَمَنْ مَال مَيلَهُ مَثْبُورُ\n[يعني: هالك] [¬١] وقرأ بعضهم برفع التاء من قوله: ﴿عَلِمْتَ﴾، وروي ذلك عن عليّ بن أبي طالب، ولكن قراءة الجمهور بفتح التاء على الخطاب لفرعون [¬٢]، كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (١٣) وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيفَ كَانَ [¬٣] عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾.\nفهذا كله مما يدل على أن المراد بالتسع الآيات إنما هي مما تقدم ذكره [¬٤] من العصا، واليد، والسنين، ونقص من الثمرات، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، اقي فيها حجج وبراهين على فرعون وقومه، وخوارق ودلائل على صدق موسى ووجود الفاعل المختار الذي أرسله.\nوليس المراد منها كما ورد في هذا الحديث؛ فإن هذه الوصايا ليس فيها حجج على فرعون وقومه، وأي مناسبة بين هذا وبين إقامة البراهين على فرعون؟! وما جاء هذا الوهم إلا من قبل عبد اللَّه بن سلمة؛ فإن له بعض ما ينكر، واللَّه أعلم.\nولعل ذينك [¬٥] اليهودين إنما سألا عن [¬٦] [العشر الكلمات] [¬٧] فاشتبه على الراوي [بالتسع الآيات] [¬٨] فحصل وهْم في ذلك، واللَّه أعلم.\nوقوله: ﴿فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾، أي: يخليهم [¬٩] منها [¬١٠]، ويزيلهم عنها، ﴿فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعًا (١٠٣) وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ﴾، وفي هذا بشارة لمحمد ﷺ بفتح مكة مع أن هذه السورة مكية [¬١١] نزلت قبل\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ت.\n[¬٢]- في ز: \"بفرعون\".\n[¬٣]- سقط من: ت.\n[¬٤]- في ز: \"ذكرها\".\n[¬٥]- في خ: \"دينك\".\n[¬٦]- سقط خ: \"على\".\n[¬٧]- في خ: \"العشر كلمات\".\n[¬٨]- سقط خ: \"بالتسع آيات\".\n[¬٩]- في ز، خ: \"جليهم\".\n[¬١٠]- سقط من: خ.\n[¬١١]- سقط من: ز، خ.","vol":"9","page":89},{"text":"الهجرة، وكذلك وقع، فإن أهل مكة هموا بإخراج الرسول منها، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إلا قَلِيلًا (٧٦) سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْويلًا﴾ ولهذا أورث اللَّه رسوله مكة فدخلها عنْوَة، على أشهر القولين، وقهر أهلها، ثم أطلقهم حلمًا وكرمًا، كما أورث اللَّه القوم الذين كانوا يستضعفون من بني إسرائيل مشارق الأرض ومغاربها، وأورثهم بلاد فرعون وأموالهم وزروعهم وثمارهم وكنوزهم [¬١]، كما قال: ﴿كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (٥٩)﴾ [الشعراء: ٥٩]، وقال ها هنا: ﴿وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا (١٠٤)﴾ [الإسراء: ١٠٤]، أي: جميعكم أنتم وعدوكم.\nقال ابن عباس ومجاهد، وقتادة والضحّاك: ﴿لَفِيفًا﴾ أي: جميعًا.\n﴿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إلا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (١٠٥) وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾\nيقول تعالى مخبرًا عن كتابه العزيز وهو القرآن المجيد: أنه بالحق نزل، أي: متضمنًا للحق كما قال تعالى: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ أي: متضمنًا [¬٢] علم اللَّه الذي أراد أن يطلعكم عليه، من أحكامه وأمره ونهيه.\nوقوله: ﴿وَبِالْحَقِّ نَزَلَ﴾ أي: وصل إليك -يا محمد- محفوظًا محروسًا، لم يُشَب بغيره، ولا زيد فيه ولا نقص منه؛ بل وصل إليك بالحق؛ فإنه نزل به شديد القوى، الأمين المكين المطاع في الملأ الأعلى.\nوقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ﴾، أي: يا محمد، ﴿إلا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ مبشرًا [¬٣] لمن أطاعك من المؤمنين، و[¬٤] نذيرًا لمن عصاك من الكافرين.\nوقوله: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ﴾، أما قراءة من قرأ بالتخفيف، فمعناه: فصلناه [¬٥] من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة -من السماء الدنيا-، ثم نزل مُفرًقًا منجمًا على الوقائع إلى رسول اللَّه ﷺ في ثلاث وعشرين سنة، قاله عكرمة عن ابن عباس (^٢٨١) أيضًا [¬٦].\n_________\n(^٢٨١) - أخرجه النسائي في الكبرى -كتاب التفسير، باب: سورة الفرقان (١١٣٧٢) (٦/ ٤٢١). والحاكم في المستدرك (٢/ ٣٦٨). وابن جرير في تفسيره (١٥/ ١٧٨). ومن طريقين عن داود بن أبي هند =\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في ت: \"متضمنة\".\n[¬٣]- سقط من ز.\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- في خ: \"فصلنا\".\n[¬٦]- سقط من: ت.","vol":"9","page":90},{"text":"و[¬١] [عن ابن عباس] [¬٢] (^٢٨٢) أيضًا أنه قرأ ﴿فَرَقْنَاهُ﴾ بالتشديد أي: أنزلنا [¬٣] آية آية، مبينًا مفسرًا؛ ولهذا قال: ﴿لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ﴾، أي: لتبلغه الناس وتتلوه عليهم، ﴿عَلَى مُكْثٍ﴾، أي: مَهَل، ﴿وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ أي: شيئًا بعد شيء.\n﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (١٠٧) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (١٠٨) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا (١٠٩)﴾\nيقول تعالى لنبيه محمد ﷺ: ﴿قُلِ﴾ يا محمد لهؤلاء الكافرين بما [¬٤] جئتهم به من هذا القرآن العظيم: ﴿آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا﴾، أي: سواء آمنتم به أم لا، فهو حق في نفسه، أنزله اللَّه وَنوّه بذكره في سالف الأزمان في كتبه المتزلة على رسله، ولهذا قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ﴾، أي: من صالي [¬٥] أهل الكتاب الذين يُمسكون بكتابهم ويقيمونه، ولم يبدلوه ولا حرّفوه، ﴿إِذَا يُتْلَى عَلَيهِمْ﴾ هذا القرآن ﴿يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ﴾، جمع ذقن، وهو أسفل الوجه ﴿سُجَّدًا﴾، أي: للَّه ﷿، شكرًا على ما أنعم به عليهم من جعله إياهم أهلًا أن أدركوا هذا الرسول الذي أنزل عليه الكتاب؛ ولهذا يقولون: ﴿سُبْحَانَ رَبِّنَا﴾، أي: تعظيمًا وتوقيرًا على قدرته التامة، وأنه لا يخلف الميعاد الذي وعدهم على ألسنة الأنبياء [المتقدمين عن بعثة محمد ﷺ؛ ولهذا قالوا: ﴿سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا [¬٦]﴾.\nوقوله: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ﴾، أي: خضوعًا للَّه ﷿ وإيمانًا\n_________\n= عن عكرمة عن ابن عباس قال: أنزل القرآن جملة إلى السماء الدنيا في ليلة القدر، ثم أنزل بعد ذلك في عشرين سنة، قال: \"ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرًا\" وقرأ (وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس …). وقال الحاكم: \"صحيح الإسناد ولم يخرجاه\" ووافقه الذهبي. وعزاه السيوطي في الدر المنثور (٤/ ٣٧١) إلى ابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي.\n(^٢٨٢) - أخرجه الطبري في تفسيره (١٥/ ١٧٨) حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاج، عن أبي جعفر عن الربيع عن أبي المالية عن ابن عباس به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور (٤/ ٣٧١) إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر.\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٣]- في ز، خ: \"نزلناه\".\n[¬٤]- غير واضحة في خ.\n[¬٥]- في خ: \"صالح\".\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"9","page":91},{"text":"وتصديقًا بكتابه ورسوله، ويزيدهم الله [¬١] خشوعًا، أي: إيمانًا وتسليمًا، كما قال: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾. وقوله: ﴿وَيَخِرُّونَ﴾: عطف صفة على صفة لا عطف سجود على سجود، كما قال الشاعر:\nإلى الملك القَرْم وابن الهمام … ولَيثِ الكَتيبَة في المْزَدَحم\n﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَو ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَينَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١١٠) وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا (١١١)﴾\nيقول تعالى: ﴿قُلِ﴾ يا محمد لهؤلاء المشركين المنكرين صفة الرحمة للَّه ﷿ المانعين من تسميته بالرحمن: ﴿ادْعُوا اللَّهَ أَو ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾، أي: لا فرق بين دعائكم له باسم اللَّه أو باسم [¬٢] الرحمن؛ فإنه ذو [¬٣] الأسماء الحسنى، كما قال تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إلا هُوَ عَالِمُ الْغَيبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (٢٢)﴾ [الحشر: ٢٢] ألى أن قال [¬٤]: ﴿لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.\nوقد روى مكحول (^٢٨٣) أن رجلًا من المشركين سمع النبي ﷺ وهو يقول في سجوده: \"يا رحمن، رحيم\" فقال: إنه يزعم أنه يدعو واحدًا، وهو يدعو اثنين. فأُنزل اللَّه هذه الآية، وكذا روي عن ابن عباس (^٢٨٤)، رواهما ابن جرير.\nوقوله: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ. . ..﴾ الآية. قال الإمام أحمد (^٢٨٥):\n_________\n(^٢٨٣) - أخرجه الطبري في تفسيره (١٥/ ١٨٢) حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى عيسى عن الأوزاعي، عن محكول به.\n(^٢٨٤) - أخرجه ابن جرير في تفسيره (١٥/ ١٨٢) حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى محمد بن كثير، عن عبد الله بن واقد عن أبي الجوزاء عن ابن عباس فذكره.\n(^٢٨٥) - أخرجه أحمد (١/ ٢٣، ٢١٥). أخرجه البخاري في صحيحه -كتاب التفسير، باب: \" ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ (٤٧٢٢). ومسلم في صحيحه -كتاب الصلاة، باب: التوسط في القراءة في الصلاة الجهرية بين الجهر والإسرار إذا خاف من الجهر مفسدة (١٤٥) (٤٤٦). والترمذي =\n_________\n[¬١]- سقط من: ت.\n[¬٢]- في ز، خ: \"اسم\".\n[¬٣]- في خ: \"ذوي\".\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.","vol":"9","page":92},{"text":"حدثنا هشيم، حدثنا أبو بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية و[رسول اللَّه ﷺ] [¬١] متوار بمكة: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾، قال: كان إذا صلى بأصحابه رفع صوته بالقرآن، فلما سمع ذلك المشركون سبوا القرآن، وسبوا من أنزله ومن جاء به، قال: فقال اللَّه تعالى [لنبيه ﷺ]: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ [وَلَا تُخَافِتْ بِهَا] [¬٢]﴾، أي: بقراتك، فيسمع المشركون فيسبوا القرآن، ﴿وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ عن أصحابك، فلا تسمعهم القرآن حتى يأخذوه عنك، ﴿وَابْتَغِ بَينَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾.\nأخرجاه في الصحيحين من حديث أبي بشر جعفر بن إياس، به. وكذا رواه الضحاك عن ابن عباس وزاد: فلما هاجر إلى المدينة سقط ذلك، يفعل أيّ ذلك شاء.\nوقال محمد بن إسحاق (^٢٨٦): حدثني داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: كان رسول اللَّه ﷺ إذا جهر بالقرآن وهو يصلي تفرقوا عنه وأبوا أن يستمعوا منه، فكان الرجل إذا أراد أن يستمع [¬٣] من رسول اللَّه ﷺ بعض ما يتلو وهو يصلي استرق السمع دونهم فَرَقًا منهم، فإن رأى أنهم قد عرفوا أنه يستمع، ذهب خشية أذاهم فلم يستمع. فإن خفض صوته ﷺ لم يستمع [¬٤] الذين يستمعون من قراءته شيئًا، فأنزل اللَّه: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ﴾ فيتفرقرا عنك ﴿وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ فلا تُسمع من أراد أن يسمعها ممن يسترق ذلك دونهم [¬٥] لعله يرعوي إلى بعض ما يسمع فينتفع به، ﴿وَابْتَغِ بَينَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾. وهكذا قال عكرمة، والحسن البصري، وقتادة: نزلت هذه الآية في القراءة في الصلاة.\nوقال شعبة عن [أشعت بن] [¬٦] سليم، عن الأسود بن هلال، عن عبد اللَّه بن\n_________\n= كتاب تفسير القرآن، كتاب: \"ومن سورة بنى إسرائيل\" (٣١٤٦). والنسائي -كتاب الافتتاح، باب: قوله ﷿ ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ (٢/ ٧٧ - ١٧٨).\n(^٢٨٦) - أخرجه الطبراني في الكبير (١١٥٧٤) (١١/ ٣٢٨). وابن جرير في تفسيره (١٥/ ١٨٥). من طريقين عن محمد بن إسحاق به. ومع تصريح ابن إسحاق بالسماع الإ أن الإسناد فيه نظر، من قبل داود بن الحصين فإنه ضعيف في عكرمة. قال علي بن المديني: ما روى عن عكرمة، فمنكر الحديث.\nوقال أبو داود: أحاديثه عن عكرمة مناكير، وأحاديثه عن شيوخه مستقيمة. [انظر تهدب الكمال (٨/ ٣٨٠) ترجمة (١٧٥٣)،. وقال ابن حجر في التقريب: ثقة إلا في عكرمة. وزاد نسبته السيوطي في الدر المنثور (٤/ ٣٧٤) إلى ابن مردويه.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"هو\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ت.\n[¬٣]- في خ: \"يسمع\".\n[¬٤]- في ز، خ: \"غير معجمة\".\n[¬٥]- سقط من: خ.\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"بي\".","vol":"9","page":93},{"text":"مسعود (^٢٨٧): لم يُخافتْ بها مَنْ أسمع أذنيه.\nقال [¬١] ابن جرير (^٢٨٨): حدثنا يعقوب، حدثنا ابن عُليَّة عن سلمة بن علقمة عن محمد بن سيرين قال: نبئت أن أبا بكر كان إذا صلى فقرأ خفّض صوته، وأن عمر كان يرفع صوته، فقيل لأبي بكر: لم تصنع هذا؟ قال: أناجي ربي ﷿ وقد علم حاجتي. فقيل: أحسنت. وقيل لعمر: لم تصنع هذا؟ قال: أطرد الشيطان وأوقظ الوسنان، قيل [¬٢]: أحسنت. فلما نزلت: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَينَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾، قيل لأبي بكر: ارفع [¬٣] شيئًا، وقيل لعمر: اخفض شيئًا.\nوقال أشعث بن سوار (^٢٨٩) عن عكرمة، عن ابن عباس: نزلت في الدعاء. وكذا روى الثوري ومالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة [﵂] (^٢٩٠) [¬٤]: نزلت في الدعاء. وكذلك [¬٥] قال مجاهد وسعيد بن جبير، وأبو عياض ومكحول وعروة بن الزبير وقال الثوري: عن ابن [¬٦] عياش العامري، عن عبد اللَّه بن شداد قال (^٢٩١): كان أعراب من بني تميم إذا سلم النبي ﷺ قالوا: اللهم ارزقنا [¬٧] إبلًا وولدًا.\n_________\n(^٢٨٧) - أخرجه الطبري في تفسيره (١٥/ ١٨٨) من طرق عن شعبة به.\n(^٢٨٨) - أخرجه الطبري في تفسيره (١٥/ ١٨٦). والبيهقي في شعب الإيمان (٢٦١٢) (٢/ ٥٢٨) من طريق ابن فضيل عن أشعث عن محمد بن سيرين به.\nومحمد بن سيرين لم يدرك أبا بكر الصديق ولا عمر بن الخطاب ﵄.\nوزاد نسبته السيوطي في الدر (٤/ ٣٧٤) إلى سعيد بن منصور وابن المندر.\n(^٢٨٩) - أخرجه ابن جرير في تفسيره (١٨٣/ ١٥) حدثنا الحسن بن عرفة ثنا عباد بن العوام عن أشعث بن سوَّار. وأشعث بن سوار ضعيف كما في التقريب.\nوعزاه السيوطي في الدر (٤/ ٣٧٥) إلى ابن أبي شيبة وابن منيع وابن المنذر وابن مردويه.\n(^٢٩٠) - أخرجه البخاري في صحيحه -كتاب التفسير، باب: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ (٤٧٢٣) (٨/ ٤٠٥). ومسلم في صحيحه -كتاب الصلاة، باب: التوسط في القراءة في الصلاة الجهرية بين الجهر والإسراء إذا خاف من الجهر (١٤٦) (٤٤٧) (٤/ ٢١٧). من طريق زائدة بن قدامة، ويحيى بن زكريا عن هشام بن عروة به. وأخرجه مالك في الموطأ -كتاب القرآن، باب: العمل في الدعاء (٣٩) (١/ ١٩٠) مرسلًا. وأما طريق الثوري فأشار إليه الحافظ ابن حجر في الفتح (٨/ ٤٠٥) ولم يعزه لأحد.\n(^٢٩١) - أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف -كتاب صلاة التطوع والإمامة -باب: قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ﴾ (٢/ ٣٣٠). وابن جرير في تفسيره (١٥/ ١٨٤). من طرق عن سفيان الثوري به. =\n_________\n[¬١]- مكانها بياض في: ز، في خ: \"وروى\".\n[¬٢]- في خ: \"قال\".\n[¬٣]- في ز: \"ارتفع\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٥]- في خ: \"كذا\".\n[¬٦]- سقط من: خ.\n[¬٧]- سقط من: خ.","vol":"9","page":94},{"text":"قال: فنزلت هذه الآية: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾.\nقول آخر: قال ابن جرير (^٢٩٢): حدثنا أبو السائب، حدثنا أبو [¬١] حفص بن غياث، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂: نزلت هذه الآية في التشهد: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾.\nوبه قال حفص عن أشعث بن سوار [¬٢] عن محمد بن سيرين مثله (^٢٩٣).\nقول آخر: قال عليّ بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾، قال [¬٣]: لا تصلَّ مراءاة للناس [¬٤] ولا تدعها مخافة الناس. وقال الثوري عن منصور، عن الحسن البصري: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾، قال: لا تحسن [¬٥] علانيتها وتسيء سريرتها. وكذا رواه عن [¬٦] عن الرزاق، عن معمر، عن الحسن، به. وهشيم عن عوف، عنه به. وسعيد عن قتادة، عنه كذلك.\nقول آخر: قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله: ﴿وَابْتَغِ بَينَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾. قال: أهل الكتاب يخافتون، ثم يجهر أحدهم بالحرف فيصيح به، ويصيحون هم به وراءه، فنهاه أن يصيح كما يصيح [¬٧] هؤلاء، وأن يخافت كما يخافت القوم، ثم كان السبيل الذي بين ذلك، الذي سن له جبريل من الصلاة.\nوقول: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾، لمَّا أثبت تعالى لنفسه الكريمة الأسماء الحسنى، نزّه نفسه عن النقائص فقال: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾، بل هو اللَّه الأحد الصمد الذي لم يلد، ولم يولد، ولم يكن له كُفُوًا\n_________\n= وعبد الله بن شداد لم يدرك النبي ﷺ. قال أحمد بن حنبل: لم يسمع من النبي ﷺ. وقال العجلي والخطيب البغدادي: هو من كبار التابعين وثقاتهم. [انظر جامع التحصيل للعلائي ت (٣٦٩)، وتهذيب الكمال (١٥/ ٨٤) ت (٣٣٣٠)،. والحديث عزاه السيوطي في الدر المنثور (٤/ ٣٧٥) إلى ابن المنذر.\n(^٢٩٢) - أخرجه ابن جرير في تفسيره (١٥/ ١٨٧) وابن خزيمة في صحيحه (٧٠٧) (١/ ٣٥٠). والحاكم في المستدرك (١/ ١٣٠) من طريق أبي كريب ثنا حفص بن غياث به. وصحح إسناده ووافقه الذهبي. وعزاه الحافظ ابن حجر في الفنح (٨/ ٤٠٥) إلى العمرى.\n(^٢٩٣) - أخرجه الطبري في تفسيره (١٥/ ١٨٧). وأشعث بن سوار ضعيف.\n_________\n[¬١]- سقط من: ت.\n[¬٢]- في ز، خ: \"بندار\".\n[¬٣]- سقط من: خ.\n[¬٤]- في خ: \"الناس\".\n[¬٥]- في ز: \"تخش\".\n[¬٦]- سقط من: ت.\n[¬٧]- في ز: \"يصيحون\".","vol":"9","page":95},{"text":"أحد.\n﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ﴾، أي: ليس بذليل فيحتاج أن يكون له ولي أو وزير أو مشير؛ بل هو تعالى خالق الأشياء وحده، لا شريك له، ومدبرها ومقدرها بمشيئته وحده لا شريك له.\nقال مجاهد في قوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ﴾: لم يخالف أحدًا ولا ينبغي [¬١] نصر أحد.\n﴿وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ أي: عظّمه وأجلَّه عمّا يقول الظالمون المعتدون علوًّا كبيرًا.\nقال ابن جرير (^٢٩٤): حدثني، يونس، أنبأنا ابن وهب، أخبرني أبو صخر، عن القرظي: أنه كان يقول في هذه الآية: ﴿وَقُلِ [¬٢] الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾ الآية. قال: إن اليهود والنصارى قالوا: اتخذ اللَّه ولدَّا، وقال العرب: لبَّيك لبيك [¬٣] لا شريك لك إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك، وقال الصابئون والمجوس: لولا أولياء اللَّه لذل، فأنزل اللَّه هذه الآية: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾.\nوقال أيضًا (^٢٩٥): حدثنا بشر، [حدثنا يزيد] [¬٤] حدثنا سعيد، عن قتادة: ذكر لنا أن النبي ﷺ كان يعلم أهله هذه الآية [¬٥]: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ الصغير من أهله والكبير.\nقلت: وقد جاء في حديث أن رسول اللَّه ﷺ سماها آية العز (^٢٩٦)،\n_________\n(^٢٩٤) - أخرجه ابن جرير في تفسيره (١٥/ ١٨٩) وأبو صخر هو حميد بن زياد المدني صدوق بهم كما في \"التقريب\".\n(^٢٩٥) - وأخرجه ابن جرير في تفسيره (١٥/ ١٨٩). أخرج ابن أبي شيبة في المصنف -كتاب فضائل القرآن: باب: في الصبيان متى يتعلمون القرآن (٧/ ٢٠٢) حدثنا ابن عيينة عن عبد الكريم عن عمرو بن شعيب قال: كان الغلام إذا أفصح من بني عبد المطلب علمه النبي ﷺ هذه الآية سبعًا.\n(^٢٩٦) - أخرجه أحمد (٣/ ٤٣٩، ٤٣٩، ٤٤٠)، والطبراني في الكبير (٤٢٩) (٢٠/ ١٩٢). من =\n_________\n[¬١]- في ت: \"لم يبتغ\".\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ت.\n[¬٥]- سقط من: ز.","vol":"9","page":96},{"text":"وفي بعض الآثار: أنَّها ما قرئت في بيت في لهلة فيصيبه سرق أو آفة. والله أعلم.\nوقال الحافظ أَبو يعلى (^٢٩٧): حدَّثنا بشر بن سيحان [¬١] البصري، حدَّثنا حرب بن ميمون، حدَّثنا موسى بن عبيدة الرّبَذي، عن محمد بن كعب القرظي، عن أبي هريرة قال: خرجت أنا ورسول الله ﷺ ويدي في يده، فأتى على رجل رث الهيئة فقال: \"أي فلان، ما بلغ بك ما أرى؟ \" قال: السقم والضر يا رسول الله. قال: \"ألا أعلمك كلمات لذهب عنك السقم والضر؟ \" قال: لا، قال [¬٢]: ما يسرني بها أن شهدت معك بدرًا أو [¬٣] أحدًا. قال: فضحك رسول الله ﷺ وقال: \"وهل يدرك أهل بدر وأهل أحد ما يدرك الفقير القانع؟ \". قال: فقال أَبو هريرة: يا رسول الله، إياي فعلمني. قال: \"فقل يا أبا هريرة: توكلت على الحي الذي لا يموت ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾. قال: فأتى على رسول الله ﷺ وقد حسنت حالي، قال: فقال لي: \"مهيم؟ \". قال: قلت: يا رسول الله؛ لم [¬٤] أزل أقول الكلمات التي علمتني. إسناده ضعيف وفي متنه نكارة.\nآخر تفسير سورة سبحان [¬٥]\n* * *\n_________\n= طريق ابن لهيعة، ورشدين بن سعد عن زبان بن فائد عن سهل بن معاذ عن أبيه معاذ بن أَنس قال: قال رسول الله - صلىى الله عليه وسلم - \"آية العز: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ …﴾. وقال الهيثمي في المجمع (٧/ ٥٥) \"رواه أحمد من طريقتين في إحداهما رشدين بن سعد وهو ضعيف، وفي الأخرى ابن لهيعة وهو أصلح منه وكذلك الطبراني\".\nوقلت: وزبان بن فائد ضعيف أيضًا لا سيما في سهل بن معاذ. وتحرف في المطبوع من \"مجمع الزوائد\": \"معاذ بن أَنس\" إلى \"أَنس بن مالك\" وهو خطأ فإن الحديث من مسند \"معاذ بن أَنس\". انظر \"أطراف المسند\" لابن حجر (٧١٢٤) (٥/ ٢٨٧).\n(^٢٩٧) - أخرجه أَبو يعلى في مسنده (٦٦٧١) (١٢/ ٢٣ - ٢٤). ومن طريقه ابن السني في عمل اليوم والليلة (٥٤٦). وذكره الهيثمي في المجمع (٥٥/ ٧) وقال: \"رواه أَبو يعلى وفيه موسى بن عبيدة الربذي، وهو ضعيف\". وضعفه الحافظ ابن حجر في المطالب العالية (٢٤١١) (٢/ ٣٣ - ٢٣٦).\n_________\n[¬١]- في خ: \"سبحان\".\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في ز: \"و\".\n[¬٤]- في ز، خ: \"ألم\".\n[¬٥]- في ت: \"الإسراء\".","vol":"9","page":97},{"text":"<span data-type='title' id=toc-126>تفسير سورة الكهف وهي مكية</span>\nذكر ما ورد في فضلها والعشر الآيات من أولها وآخرها وأنها عصمة من الدجال.\nقال [¬١] الإِمام أحمد (^١): حدَّثنا محمد بن جعفر، حدَّثنا شعبة، عن أبي إسحاق قال: سمعت البراء يقول: قرأ رجل الكهف وفي الدار دابة فجعلت تنفر، فنظر فإذا ضبابة، أو: سحابة، قد غشيته، فذكر ذلك للنبي ﷺ فقال: \"اقرأ فلان، فإنها السكينة تنزلت عند القرآن، أو: \"تنزلت للقرآن\" أخرجاه في الصحيحين من حديث شعبة له. وهذا الرجل الذي كان يتلو هو أسيد بن الحضير كما تقدم في تفسير سورة [¬٢] البقرة.\nوقال الإِمام أحمد (^٢): حدَّثنا يزيد، أخبرنا همام بن يحيى، عن قَتَادة، عن سالم بن أبي الجعد، عن معدان بن أبي طلحة، عن أبي الدرداء، عن النبي ﷺ قال: \"من حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف عصم من الدجال\". رواه مسلم [وأَبو داود، والنَّسائي، والتِّرمِذي] [¬٣] من حديث قتادة به، و[¬٤] لفظ التِّرمِذي: \"من حفظ الثلاث الآيات من أول الكهف\" و[¬٥] قال: حسن صحيح.\nطريق أخرى: قال أحمد: حدَّثنا حجاج، حدَّثنا شعبة، عن قَتَادة، سمعت سالم بن أبي الجعد يحدث، عن معدان، عن أبي الدرداء، عن النبي ﷺ قال:\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٤/ ٢٨١، ٢٨٤). وأخرجه البخاري في صحيحه -كتاب المناقب باب: علامات النبوة في الإسلام (٣٦١٤)، ومسلم في صحيحه -كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب: نزول السكينة لقراءة القرآن (٢٤١) (٧٩٥).\n(^٢) رجاله رجال الشيخين غير معدان بن أبي طلحة فمن رجال مسلم.\nأخرجه أحمد (٦/ ٤٤٩)، وأخرجه مسلم في صحيحه -كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب: فضل سورة الكهف وآية الكرسي (٢٥٧) (٨٠٩)، وأبو داود -كتاب الملاحم: كتاب: خروج الدجال. (٤٣٢٣). والنَّسائي في الكبرى -كتاب عمل اليوم والليلة، باب: ذكر اختلاف ألفاظ الناقلين لخبر ثوبان فيما يجير من الدجال (٦/ ٢٣٦)، وكتاب فضائل القرآن، باب: الكهف - (٨٠٢٥) (٥/ ١٥) بلفظ \"من قرأ عشر آيات … \"، والترمذي -كتاب فضائل القرآن، كتاب: ما جاء في فضل سورة الكهف (٢٨٨٦)، ولفظه \"من قرأ ثلاث آيات من أول الكهف … \"، وقال: \"حديث حسن صحيح\".\n_________\n[¬١]- مكانها بياض في: ز.\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٤]- سقط من: ت.\n[¬٥]- سقط من: ت.","vol":"9","page":99},{"text":"\"من قرأ العشر الأواخر من سورة الكهف عصم من فتنة الدجال\" (^٣) ورواه مسلم أيضًا، والنَّسائي، من حديث قَتَادة به، وفي لفظ للنسائي: \"من قرأ عشر آيات من الكهف\"، فذكره.\nحديث آخر: وقد رواه النَّسائي (^٤) في \"اليوم والليلة\" عن محمد بن عبد الأعلى، عن خالد، عن شعبة، عن قَتَادة، عن سالم بن أبي الجعد، عن ثوبان، عن رسول الله ﷺ أنَّه قال: \"من قرأ العشر الأواخر من سورة الكهف فإنه عصمة له من الدجال\" فيحتمل أن سالمًا صممعه من ثوبان ومن أبي الدرداء.\nوقال الإِمام أحمد (^٥): حدَّثنا حسن، حدَّثنا ابن لهيعة، حدَّثنا زبان [¬١] بن فايد، عن سهل بن معاذ بن أَنس الجهني، عن أبيه، عن رسول الله ﷺ أنَّه قال: \"من قرأ أول سورة الكهف وآخرها كانت له نورًا من قدمه إلى رأسه، ومن قرأها كلها كانت له نورًا ما بين الأرض إلى السماء\". انفرد به أحمد ولم يخرجوه.\nوروى الحافظ أَبو بكر بن مردويه بإسناد له غريب، عن خالد بن سعيد بن [¬٢] أبي مريم، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: \"من قرأ سورة الكهف في [¬٣] يوم الجمعة سطع له نور من تحت قدمه إلى عنان السماء يضيء [¬٤] له يوم القيامة وغفر له ما بين الجمعتين\".\nوهذا الحديث في رفعه نظر، وأحسن أحواله الوقف.\n_________\n(^٣) أخرجه أحمد (٦/ ٤٤٦)، وأخرجه مسلم في -كتاب صلاة المسافر وقصرها، باب: فضل سورة الكهف وآية الكرسي (٤٤) (٨٠٩)، والنَّسائي في الكبرى -كتاب عمل اليوم والليلة، باب: ذكر اختلاف ألفاظ الناقلين لخبر ثوبان فيما يجير من الدجال - (١٠٧٨٦)، وأخرجه النَّسائي أيضًا رقم (١٠٧٨٥) بلفظ \"من قرأ عشر آيات من الكهف … \".\n(^٤) المصدر السابق حديث رقم (١٠٧٨٤).\n(^٥) أخرجه أحمد (٣/ ٤٣٩).\nوتابع \"ابن لهيعة\" رشدين بن سعد عند الطبراني (٢٠/ ١٩٧) (٤٤٣) ورشدين ضعيف. والحديث ذكره الهيثمي في المجمع (٧/ ٥٥ - ٥٦) وقال: \"رواه أحمد والطبراني وفي إسناد أحمد بن لهيعة، وهو ضعيف، وقد يحسن حديثه\" لكن شيخه زبان بن فائد ضعيف.\nوكذا عزاه له المنذري في \"الترغيب والترهيب\" (١/ ٥١٣) وقال: \"إسناده لا بأس به\" لكن المصنف رجح فيه الوقف.\n_________\n[¬١]- في خ: \"زيان\".\n[¬٢]- في خ: \"عن\".\n[¬٣]- سقط من: خ.\n[¬٤]- في ز: \"يعني\".","vol":"9","page":100},{"text":"وهكذا روى الإِمام سعيد بن منصور في سننه: عن هُشَيم بن بشير، عن أبي هاشم، عن أبي مجْلَز، عن قيس بن. عباد، عن أبي سعيد الخدري ﵁ أنَّه قال: من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة أضاء له من النور ما بينه وبين البيت العتيق.\nهكذا وقع موقوفًا وكذا رواه الثَّوري عن أبي هاشم به من حديث أبي سعيد الخدري. وقد أخرجه الحاكم في مستدركه (^٦) عن أبي بكر محمد بن المؤمل: حدَّثنا الفضيل [¬١] بن محمد الشعراني، حدَّثنا نعيم بن حمَّاد، حدَّثنا هُشَيم، حدَّثنا أَبو هاشم، عن أبي مجْلَز، عن قيس بن عباد، عن أبي سعيد، عن النبي ﷺ أنَّه قال: \"من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة أضاء له من النور ما بينه وبين الجمعتين\"، ثم [¬٢] قال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.\nوهكذا رواه الحافظ أَبو بكر البيهقي (^٧) في سننه عن الحاكم، ثم قال البيهقي: ورواه يحيى بن كثير، عن شعبة، عن أبي هاشم بإسناده: أن النبي ﷺ قال: \"من قرأ سورة الكهف كما أنزلت كانت [¬٣] له نورًا يوم القيامة\".\nوفي \"المختارة\" (^٨) للحافظ الضياء المقدسي من حديث عبد الله بن [مصعب بن] [¬٤] منظور بن زيد بن خالد الجهني، عن علي بن الحسين، عن أبيه، عن علي مرفوعًا: \"عن قرأ سورة الكهف يوم الجمعة فهو معصوم إلى ثمانية أيام من كل فتنة، وإن خرج الدجال\n_________\n(^٦) أخرجه الحاكم في المستدرك (٢/ ٣٦٨) (٣٣٩٢). وقال: \"حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه\"، ورده الذهبي لقوله: \"نعيم ذو مناكير\".\nوالحديث أخرجه الدارمي (٢/ ٣٢٦) (٤٣١٠) موقوفًا على أبي سعيد بلفظ: \"من قرأ سورة الكهف ليلة الجمعة أضاء له من النور فيما بينه وبين البيت العتيق\".\nقال الألباني في الإرواء (٦٢٦) (٣/ ٩٤): \"وهذا سند صحيح رجاله كلهم رجال الشيخن. ثم هو وإن كان موقوفًا فله حكم المرفوع، لأنه مما لا يقال بالرأي كما هو ظاهر. . \".\nوللحديث طرق وألفاظ أخرى عند الحاكم (١/ ٥٦٤، ٥٦٥)، (٤/ ٥١١).\n(^٧) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى -كتاب الجمعة -كتاب ما يؤمر به في ليلة الجمعة ويومها من كثرة الصلاة على رسول الله - صلى الله عليه وصلم - وقراءة سورة الكهف وغيرها (٣/ ٢٤٩).\n(^٨) \" المختارة\" (٢ / رقم ٤٢٩، ٤٣٠) وقال: \"عبد الله بن مصعب، لم يذكره البخاري، ولا ابن أبي حاتم في كتابيهما\". ولم أهتد لترجمته في مصادر أخر والله أعلم.\n_________\n[¬١]- في خ: \"الفضل\".\n[¬٢]- سقط من ز، خ.\n[¬٣]- في ز، خ: \"كان\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.","vol":"9","page":101},{"text":"عصم منه\".\n﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١) قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا (٢) مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا (٣) وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا (٤) مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إلا كَذِبًا (٥)﴾\nقد تقدم في أول التفسير أنَّه تعالى يحمد نفسه المقدسة عند فواتح الأمور وخواتيمها، فإنه المحمود على كل حال، وله الحمد في الأولى والآخرة، ولهذا حمد نفسه على إنزاله كتابه العزيز على رسوله الكريم محمد صلوات الله وسلامه عليه، فإنه أعظم نعمة أنعمها الله على أهل الأرض إذ أخرجهم به من الظلمات إلى النور، حيث جعله كتابًا مستقيمًا لا اعوجاج فيه ولا زيغ، بل يهدي إلى صراط مستقيم، واضحًا بينًا جليًّا، نذيرًا للكافرين وبشيرًا للمؤمنين؛ ولهذا قال: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾، أي: لم يجعل فيه اعوجاجًا ولا زيغًا ولا ميلًا، بل جعله معتدلًا مستقيمًا؛ ولهذا قال: ﴿قَيِّمًا﴾ أي: مستقيمًا.\n﴿لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ﴾، أي: لمن خالفه وكذبه [¬١] ولم يؤمن به، ينذره ﴿بَأْسًا شَدِيدًا﴾: عقوبة عاجلة في الدنيا وآجلة في الأخرى، ﴿مِنْ لَدُنْهُ﴾، أي: من عند الله الذي لا يعذب عذابه أحد، ولا يوثق وثاقه أحد، ﴿وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، أي: بهذا القرآن، الذين صدقوا إيمانهم كالعمل الصالح، ﴿أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا﴾ أي: مثوبة عند الله جميلة، ﴿مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا﴾: في ثوابهم عند الله - وهو الجنَّة - خالدين فيه، ﴿أَبَدًا﴾ دائمًا لا زوال له ولا انقضاء [¬٢]: ﴿وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾، قال ابن إسحاق: وهم مشركو العرب في قولهم: نحن نعبد الملائكة وهم بنات الله.\n﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ﴾، أي: بهذا القول الذي افتروه وائتفكوه من علم ﴿وَلَا لِآبَائِهِمْ﴾، أي: أسلافهم [¬٣].\n﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً﴾ نصب على التمييز تقديره: كَبُرَتْ كلمتُهم هذه كلمةً.\n_________\n[¬١]- في خ: \"كذب\".\n[¬٢]- بعده في ت: وقوله.\n[¬٣]- في ت: \"لأسلافهم\".","vol":"9","page":102},{"text":"وقيل: على التعجب، تقديره: أعظم بكلمتهم كلمة، كما تقول: أكرم بزيد رجلًا. قاله [¬١] بعض البصريين، وقرأ ذلك بعض قراء مكة (كبرت كلمةٌ) كما يقال: عَظُمَ [¬٢] قولك وعظم [¬٣] شأنك. والمعنى على قراءة الجمهور أظهر؛ فإن هذا تبشيع لمقالتهم واستعظام لإِفكهم، ولهذا قال: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾، أي: ليس لها مستند سوى قولهم، ولا دليل لَهُم عليها إلَّا كذبهم وإفتراؤهم؛ ولهذا قال: ﴿إِنْ يَقُولُونَ إلا كَذِبًا﴾.\nوقد ذكر محمد بن إسحاق (^٩) سبب نزول هذه السورة الكريمة فقال: حدثني شيخ من أهل مصر قدم علينا منذ بضع وأربعين سنة، عن عكرمة، عن ابن عبَّاس قال: بعثت قريش النضر بن الحارث، وعقبة بن أبي مُعَيط، إلى أحبار يهود [¬٤] بالمدينة، فقالوا لهم: سلوهم عن محمد، وصفوا لهم صفته، وأخبروهم بقوله [¬٥]؛ فإنهم أهل الكتاب الأول، وعندهم ما ليس عندنا من علم الأنبياء، فخرجا حتَّى قدما المدينة، فسألوا أحبار يهود عن رسول الله ﷺ، ووصفوا لهم أمره وبعض قوله، وقالا: إنكم أهل التوراة، وقد جئناكم لتخبرونا عن صاحبنا هذا. قال: فقالت لهم: سلوه عن ثلاث نأمركم بهن، فإن أخبركم بهن فهو نبي مرسل، وإن لم يفعل فالرجل مُتقَوَّل؛ فَرَوْا (*) فيه رأيكم: سلوه عن فتية ذهبوا في الدهر الأول، ما كان من أمرهم؛ فإنه [¬٦] قد كان لهم حديث عجيب. وسلوه عن رجل طوَّاف بلغ مشارق الأرض ومغاربها، ما كان نبؤه؟ وسلوه عن الروح، ما هو؟ فإن أخبركم لذلك فهو نبي فاتبعوه، وإن لم يخبركم فإنه رجل متقوّل، فاصنعوا في أمره ما بدا لكم.\nفأقبل النضر وعقبة حتَّى قدما على قريش، فقالا: يا معشر قريش، قد جئناكم بفصل ما بينكم، وبين محمد، قد أمرنا أحبار يهود أن نسأله عن أمور، فأخبروهم بها - فجاءوا رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فقالوا: يا محمد، أخبرنا - فسألوه عما أمروهم به - فقال لهم رسول الله ﷺ: \"أخبركم غدًا بما سألتم عنه\" - ولم يستثن - فانصرفوا عنه، ومكث رسول الله ﷺ خمس عشرة ليلة لا\n_________\n(^٩) أخرجه أبي هشام في \"السيرة\" (١/ ٣١١، ٣١٢) وابن جرير في تفسيره (١٥/ ١٩١ - ١٩٢) عن ابن إسحاق مطولًا.\n(*) - روا: فعل أمر من رأي.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"قال\".\n[¬٢]- في ت: \"عظيم\".\n[¬٣]- في ت: \"كبر\".\n[¬٤]- في خ: \"اليهود\".\n[¬٥]- في خ: \"بقولهم\".\n[¬٦]- في ت: \"فإنهم\".","vol":"9","page":103},{"text":"يحدث الله إليه في ذلك وحسًا، ولا يأتيه جبريل ﵇، حتَّى أرجف أهل مكة وقالوا: وعدنا محمد غدًا، واليرم خمس عشرة قد أصبحنا فيها لا يخبرنا بشيء عما سألناه عنه؟! وحتى أحزنَ رسولَ الله ﷺ مكثُ الوحي عنه، وشق عليه ما يتكلم به أهل مكة، ثم جاءه جبريل ﵇ من عند الله ﷿ بسورة أصحاب الكهف؛ فيها [¬١] معاتبته إياه على حزنه عليهم، وخبر ما سألوه عنه من أمر الفتية والرجل الطواف، وقول الله ﷿: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إلا قَلِيلًا﴾.\n﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا (٦) إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (٧) وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيهَا صَعِيدًا جُرُزًا (٨)﴾\nيقول تعالى مسليًا رسوله [¬٢] صلوات الله وسلامه عليه في حزنه على المشركين لتركهم الإيمان وبعدهم عنه، كما قال تعالى: ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ وقال: ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيهِمْ﴾ وقال: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ باخع: أي: مهلك نفسك بحزنك عليهم؛ ولهذا قال: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ﴾، يعني: القرآن. ﴿أَسَفًا﴾، يقول: لا تهلك نفسك أسفًا.\nقال قَتَادة: قاتل نفسك غضبًا وحزنًا عليهم.\nوقال مجاهد: جزعًا.\nوالمعنى [متقارب، أي] [¬٣]: لا تأسف عليهم، بل أبلغهم رسالة الله، فمن اهتدى فلنفسه، ومن ضل فإنما يضل عليها، فلا [¬٤] تذهب نفسك عليهم حسرات.\nثم أخبر تعالى أنَّه جعل الدنيا دارًا فانية مُزَيَّنة بزينة زائلة، وإنما جعلها دار اختبار لا دار قرار، فقال: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾.\nقال قَتَادة (^١٠): عن أبي نَضْرة، عن أبي سعيد، عن رسول الله ﷺ أنَّه\n_________\n(^١٠) تقدم تخريجه [سورة الأنعام / آية ١٦٥].\n_________\n[¬١]- في ز: \"فيه\".\n[¬٢]- في ت: \"لرسوله\".\n[¬٣]- ما بين المكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- سقط من: ت.","vol":"9","page":104},{"text":"قال: \"إن الدنيا خضرة حلوة، وإن الله مستخلفكم فيها فناظر ماذا تعملون، فاتقوا الدنيا، واتقوا النساء؛ فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء\". ثم أخبر تعالى بزوالها وفنائها وفراغها وانقضائها وذهابها وخوالها فقال تعالى: ﴿وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيهَا صَعِيدًا جُرُزًا﴾، [أي: وإنا لمصيّروها بعد الزينة إلى الخراب والدمار، فنجعل كل شيء عليها هالكًا ﴿صَعِيدًا جُرُزًا﴾، لا يُنْبت ولا ينتفع به، كما قال العوفي عن ابن عباس، في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيهَا صَعِيدًا جُرُزًا﴾ [¬١]﴾، يقول: يهلك كل شيء عليها ويبيد. وقال مجاهد: صعيدًا جرزًا: بلقعًا.\nوقال قتادة: الصعيد: الأرض التي ليس فيها شجر ولا نبات.\nوقال ابن زيد: الصعيد: الأرض التي ليس فيها شيء، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلَا يُبْصِرُونَ﴾.\nوقال محمد بن إسحاق: ﴿وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيهَا صَعِيدًا جُرُزًا﴾، يعني: الأرض، وأن ما عليها لفان وبائد، وإن المرجع لإِلى الله، فلا تأس ولا يحزنك ما تسمع وترى.\n﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا (٩) إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا (١٠) فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا (١١) ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَينِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا (١٢)\nهذا إخبار [من الله تعالى] [¬٢] عن قصة أصحاب الكهف على سبيل الإجمال والاختصار، ثم بسطها بعد ذلك، فقال: ﴿أَمْ حَسِبْتَ﴾، يعمي: يا محمد، ﴿أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا﴾، أي: ليس أمرهُم عجيبًا في قدرتنا وسلطاننا؛ فإن خلق السموات والأرض، واختلاف الليل والنهار، وتسخير الشمس والقمر والكواكب، وغير ذلك من الآيات العظيمة الدالة على قدرة الله تعالى، وأنه على ما يشاء قادر، ولا يعجزه شيء أعجب من أخبار أصحاب الكهف، كما قال ابن جريج، عن مجاهد: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا﴾، يقول: قد\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوكين سقط من: خ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز","vol":"9","page":105},{"text":"كان من آياتنا ما هو أعجب من ذلك.\nوقال العوفي عن ابن عبَّاس: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا﴾ يقول: الذي آتيتك من العلم والسنة والكتاب أفضل من شأن أصحاب الكهف والرقيم.\nوقال محمد بن إسحاق: ما أظهرت من حججي على العباد أعجب من شأن أصحاب الكهف والرقيم.\n[وأما الكهف: فهو الغار في الجبل، وهو الذي لجأ إليه هؤلاء الفتية المذكورون. وأما الرقيم] [¬١]: فقال [¬٢] العوفي: عن ابن عبَّاس: هو واد قريب من أيلة. وكذا [قال عطية العوفي وقَتَادة، وقال الضحاك]: أما الكهف فهو غار الوادي، والرقيم اسم الوادي.\nوقال مجاهد: الرقيم: كان بنيانهم. ويقول بعضهم: هو الوادي الذي فيه كهفهم.\nوقال عبد الرزاق (^١١): أخبرنا الثَّوري، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَالرَّقِيمِ﴾، قال [¬٣]: يزعم كعب أنَّها القرية.\nوقال ابن جريج عن ابن عبَّاس: الرقيم: الحبل الذي فيه الكهف.\nوقال ابن إسحاق: عن عبد الله بن أبي نجيح، [عن مجاهد] [¬٤]، عن ابن عبَّاس قال: اسم ذلك الجبل بنجلوس.\nوقال ابن جريج: أخبرني وهب بن سليمان، عن شعيب الجنائي: أن [¬٥] اسم جبل الكهف بنجلوس، واسم الكهف حيزم، والكلب حمران.\nوقال عبد الرزاق (^١٢): أنبأنا إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عبَّاس قال: [كل] [¬٦] القرآن أعلمه، إلا: حنانًا [¬٧]، والأواه، والرقيم.\n_________\n(^١١) أخرجه عبد الرزاق (٢/ ٣٩٧) ومن طريقه ابن جرير في تفسيره (١٥/ ١٩٨) ورواية سماك عن عكرمة مضطربة.\n(^١٢) \" التفسير\" لعبد الرزاق (٢/ ٣٩٧) ومن طريقه ابن جرير (١٥/ ١٩٩).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٢]- في ز: \"وقال\".\n[¬٣]- في خ: كان.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٥]- سقط من: ز.\n[¬٦]- زيادة من تفسير ابن جرير.\n[¬٧]- في ز: \"حنان\".","vol":"9","page":106},{"text":"وقال ابن جريج: أخبرني عمرو بن دينار، أنه سمع عكرمة قول: قال ابن عباس: ما أدري ما الرقيم، أكتاب أم بنيان؟\nوقال عليّ بن أبي طلحة: عن ابن عباس: الرقيم: الكتاب.\nوقال سعيد بن جبير: الرقيم [¬١]: لوح من [¬٢] حجارة، كتبوا فيه قصص أصحاب الكهف، ثم وضعوه على باب الكهف.\nوقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: الرقيم: الكتاب، ثم قرأ: ﴿كِتَابٌ مَرْقُومٌ﴾. وهذا هو الظاهر من الآية، وهو اختيار ابن جرير، قال: الرقيم: فعيل بمعنى [¬٣] مرقوم، كما، يقال للمقتول: قتيل، وللمجروح: جريح. والله أعلم.\nوقوله: ﴿إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا﴾. يخبر تعالى عن أولئك الفتية الذين فروا بدينهم من قومهم لئلا يفتنوهم عنه، فهربوا منهم فلجئوا إلى غار في جبل ليختفوا عن قومهم، فقالوا حين دخلوا - سائلين من الله تعالى رحمته ولطفه بهم -: ﴿رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾، أي: هب لنا من عندك رحمة ترحمنا بها وتسترنا عن قومنا، ﴿وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا﴾، أي: وقدر لنا من أمرنا هذا رشدًا، أي: اجعل عاقبتنا رشدًا [¬٤]، كما جاء في الحديث (^١٣): \" وما قضيت لنا من قضاء فاجعل عاقبته رشدًا\"، وفي المسند (^١٤) من حديث بُسْر [¬٥] بن أبي أرطاة عن رسول الله ﷺ أنه كان يدعو: \"اللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها، وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة\".\n_________\n(^١٣) أخرجه أحمد (٢٥٢٤٨) (٦/ ١٤٧) والبخاري في الأدب المفرد (٦٣٩)، وابن ماجه -كتاب الدعاء، باب: الجوامع من الدعاء (٣٨٤٦) نحوه من حديث عائشة.\nوالحديث صححه الألباني في الصحيحة (٤/ ١٥٤٢).\n(^١٤) أخرجه أحمد (٤/ ١٨١)، وابن حبان في صحيحه (٩٤٩)، والطبراني في الكبير (١١٩٦) (٢/ ٣٣)، وفي \"الدعاء\" (٣ / رقم ١٤٣٦)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (٣ / رقم ١٢٠٤). والبخاري في \"التاريخ الكبير\" (١/ ٣٠)، (٢/ ١٢٣)، وابن عدي في \"الكامل\" (٢/ ٤٣٨).\nكلهم من طريق محمد بن أيوب بن ميسرة بن حلبس يقول: سمعت أبي يقول: سمعت بسر بن أرطأة يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول … فذكره. =\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- في ز: \"من\".\n[¬٤]- في ز: \"رشد\".\n[¬٥]- في ز: \"بشر\".","vol":"9","page":107},{"text":"وقوله: ﴿فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا﴾، أي: ألقينا عليهم النوم حين دخلوا إلى الكهف، فناموا سنين كثيرة، ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ﴾، أي: من رقدتهم تلك، وخرج أحدهم بدراهم معه ليشتري لهم بها شيئًا يأكلونه، كما سيأتي بيانه وتفصيله؛ ولهذا قال: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَينِ﴾، أي [¬١]: المختلفين فيهم، ﴿أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا﴾، قيل: عددًا. وقيل: غاية؛ فإن الأمد الغاية كقوله [¬٢]:\n* سبق الجواد إذا استولى على الأمد *\n﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى (١٣) وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا (١٤) هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا\n_________\n= وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ١٨١) وقال: \"رواه أحمد والطبراني … ورجال أحمد وأحد أسانيد الطبراني ثقات\".\nقلت: ومحمد بن أيوب بن ميسرة بن حلبس. ذكره ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٧/ ١٩٧) ت (١١١٠) وقال: سألت أبي عنه فقال: هو صالح لا بأس به ليس بمشهور. وقال الحافظ في \"تعجيل المنفعة\" (ت ٩٢٨): \"أورده النباتي في الضعفاء في ذيل الكامل\" قال الذهبي في \"الميزان\" وما فيه مغمز ولعل مستند النباتي قول أبي حاتم ليس بمشهور. ففهم من ذلك أنه عند أبي حاتم مجهول، وليس كذلك، بل مراد أبي حاتم أنه لم يشتهر في العلم اشتهار غيره من أقرانه … \" وذكره ابن حبان في \"الثقات\" (٧/ ٣٨٥، ٣٨٦).\nوأما أبوه أيوب بن ميسرة.\nفذكره البخاري في \"التاريخ الكبير\" (١/ ٤٢١ - ٤٢٢) وابن أبي حاتم في الجرح والتعدل (٢/ ٢٥٧) (٩١٨) ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا، ووثقه ابن حبان في \"الثقات\" (٤/ ٢٧ - ٢٨)، والحديث أخرجه الحاكم في المستدرك (٣/ ٥٩١)، والطبرني في المعجم الكبير (٢/ ٣٣) (١١٩٧) وابن عدي في الكامل (٢/ ٤٣٨ - ٤٣٩) من طريق يزيد بن عبيدة بن أبي المهاجر، حدثني يزيد مولى بسر بن أبي أرطأة عن بسر بن أبي أرطأة عن النبي ﷺ. وسكت عنه الحاكم والذهبي. وقال ابن عدي في \"الكامل\" بعد أن ساق هذا الحديث وحديثًا آخر عن بسر بن أبي أرطأة: وبسر بن أبي أرطأة مشكوك في صحبته للنبي ﷺ، لا أعرف له إلا هذين الحديثين، وأسانيده من أسانيد الشام ومصر، ولا أرى بإسناد هذين بأسًا\".\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين مكرر في ز.\n[¬٢]- سقط من: ز.","vol":"9","page":108},{"text":"(١٥) وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إلا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا (١٦)﴾\nمن هاهنا شرع في بسط القصة وشرحها، فذكر تعالى أنهم فتية - وهم الشباب - وهم أقبلُ للحق، وأهدى للسبيل من الشيوخ الذين قد عَتَوا وعَسَوا في دين الباطل؛ ولهذا كان أكثر المستجيبين لله تعالى ولرسوله ﷺ شبابًا، وأما المشايخ من قريش فعامتهم بقوا على دينهم، ولم يسلم منهم إلا القليل. وهكذا أخبر تعالى عن أصحاب الكهف أنهم كانوا فتية شبابًا.\nقال مجاهد: بلغني أنه كان في آذان بعضهم القِرَطَة (*) يعني: الحِلَق - فألهمهم الله رشدهم، وآتاهم تقواهم، فآمنوا بربهم، أي: اعترفوا له بالوحدانية، وشهدوا أنه لا إله إلا هو.\n﴿وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾: استدل بهذه الآية وأمثالها غير واحد من الأئمة - كالبخاري (^١٥) وغيره، ممن ذهب إلى زيادة الإِيمان وتفاضله، وأنه يزيد وينقص، ولهذا قال تعالى: ﴿وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ وقال: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ وقال: ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ إلى غير ذلك من [¬١] الآيات الدالة على ذلك.\nوقد ذُكِر: أنهم كانوا على دين عيسى ابن مريم ﵇، والله أعلم. والظاهر أنهم كانوا قبل ملة النصرانية بالكلية؛ فإنهم [¬٢] لو كانوا على دين النصرانية؛ لما اعتنى أحبار اليهود بحفظ خبرهم وأمرهم لمباينتهم لهم، وقد تقدم (^١٦) عن ابن عباس أن قريشًا بعثوا إلى أحبار اليهود بالمدينة يطلبون منهم أشياء يمتحنون بها رسول الله ﷺ، فبعثوا إليهم أن يسألوه عن خبر هؤلاء، وعن خبر ذي القرنين، وعن الروح، فدل هذا على أن هذا أمر محفوظ في كتب أهل الكتاب، وأنه متقدم على دين النصرانية، والله أعلم.\n_________\n(*) بكسر ثم فتح: جمع قرط، وهو الحلق.\n(^١٥) انظر صحيح البخاري -كتاب الإيمان، باب تفاضل أهل الإيمان في الأعمال (١٥) (٢٢) (١/ ٧٢ - فتح).\n(^١٦) تقدم (١١).\n_________\n[¬١]- في خ: \"في\".\n[¬٢]- في خ: \"فإنه\".","vol":"9","page":109},{"text":"وقوله: ﴿وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، يقول تعالى: وصبّرناهم [¬١] على مخالفة قومهم ومدينتهم، ومفارقة ما كانوا فيه من العيش الرغيد والسعادة والنعمة؛ فإنه قد ذكر غير واحد من المفسرين من السلف والخلف أنهم كانوا [¬٢] من أبناء ملوك الروم وسادتهم، وأنهم خرجوا يومًا في بعض أعياد قومهم، وكان لهم مجتمعًا [¬٣] في السنة يجتمعون فيه في ظاهر البلد، وكانوا يعبدون الأصنام والطواغيت ويذبحون لها [¬٤]، وكان لهم ملك جبار عنيد يقال له: دقيانوس، وكان يأمر الناس بذلك ويحثهم عليه ويدعوهم إليه.\nفلما خرج الناس لمجتمعهم ذلك، وخرج هؤلاء الفتية مع آبائهم وقومهم، ونظروا إلى ما يصنع قومهم بعين بصيرتهم، عرفوا [¬٥] أن هذا الذي يصنعه قومهم من السجود لأصنامهم والذبح لها لا ينبغي إلا لله الذي خلق السموات والأرض، فجعل كل واحد منهم بتخلص من قومه وينحاز منهم ويتبرز عنهم ناحية، وكان [¬٦] أول من جلس منهم أحدهم، جلس تحت ظل شجرة، فجاء الآخر فجلس عنده، وجاء الآخر فجلى إليهما، وجاء الآخر فجلس إليهم، وجاء الآخر، وجاء الآخر، [وجاء الآخر] [¬٧]، ولا يعرف واحد منهم الآخر، وإنما جمعهم هناك الذي جمع قلوبهم على الإِيمان.\nكما جاء في الحديث الذي رواه البخاري (^١٧) تعليقًا من حديث يحيى بن سعيد، عن عمرة، عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: \"الأرواح جنودٌ مجندة؛ فما [¬٨] تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف\" أخرجه مسلم في صحيحه (^١٨) من حديث سهيل [¬٩] عن [أبيه عن] [¬١٠] أبي هريرة عن النبي ﷺ.\n_________\n(^١٧) البخاري في صحيحه -كتاب الأنبياء (٦٠)، باب: الأرواح جنود مجندة (٢) - (٣٣٢٦).\nوقال الحافظ ابن حجر في الفتح (٦/ ٣٧٠): \"وقد وصله الإسماعيلي من طريق سعيد بن أبي مريم عن يحيى بن أيوب، ورويناه موصولا في مسند أبي وفيه قصة في أوله … \" قلت: أخرجه أبو يعلى في مسنده (٤٣٨١) (٧/ ٣٤٤). والبخاري في الأدب المفرد (٩٠٠) -باب الأرواح جنود مجندة.\n(^١٨) مسلم في كتاب البر والصلة والآداب (٤٥)، باب: الأرواح جنود مجندة (٤٩) - (١٥٩) (٢٦٣٨) - (١٦/ ٢٨٤).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"صيرناهم\".\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في خ: \"مجتمع\".\n[¬٤]- سقط من: خ.\n[¬٥]- في ز، خ: \"فعرفوا\".\n[¬٦]- في ت: \"فكان\".\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٨]- في ز: \"ما\".\n[¬٩]- في ت: \"سهل\".\n[¬١٠]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"9","page":110},{"text":"والناس يقولون: الجنسية علة الضم.\nوالفرض أنه جعل كل واحد منهم يكتم ما هو فيه عن أصحابه خوفًا منهم، ولا يدري أنهم مثله، حتى قال أحدهم: تعلمون والله يا قوم أنه ما [¬١] أخرجكم من قومكم وأفردكم عنهم إلا شيء، فليظهر [¬٢] كل واحد منكم ما بأمره. فقال آخر: أما أنا فإني والله [¬٣] رأيت ما قومي عليه، فعرفت أنه باطل، وإنما الذي يستحق أن يعبد وحده [¬٤] ولا يشرك به شيء [¬٥] هو الله [¬٦] الذي خلق كل شيء السموات والأرض وما بينهما. فقال الآخر: وأنا والله وقع لي كذلك. وقال الآخر كذلك، حتى توافقوا كلهم على كلمة واحدة، فصاروا يدًا واحدة وإخوان صدق، فاتخذوا لهم معبدًا يعبدون الله فيه، فعرف بهم قومهم، فوشوا بأمرهم إلى ملكهم، فاستحضرهم بين بديه، فسألهم عن أمرهم وما هم عليه، فأجابوه بالحق ودعوه إلى الله ﷿؛ ولهذا أخبر تعالى عنهم بقوله: ﴿وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا﴾ -ولن لنفي التأييد- أي [¬٧]: لا يقع منا هذا أيدًا، لأنا لو فعلنا ذلك لكان باطلًا. ولهذا قال عنهم: ﴿لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا﴾ أي: باطلًا وكذبًا وبهتانًا.\n﴿هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ﴾، أي: هلّا [¬٨] أقاموا على صحة ما ذهبوا إليه دليلًا واضحًا صحيحًا؟! ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾، يقولون: بل هم ظالمون كاذبون في قولهم ذلك فيقال: إنّ ملكهم لما دَعَوه إلى الإِيمان بالله أبي عليهم وتهددهم وتوعدهم، وأمر بنزع لباسهم عنهم الذي كان عليهم من زينة قومهم، وأجّلهم لينظروا في أمرهم لعلهم يراجعون [¬٩] دينهم الذي كانوا عليه. وكان هذا من لطف الله بهم؛ فإنهم في تلك النظرة توصلوا إلى الهرب منه والفرار بدينهم من الفتنة.\nوهذا هو المشروع عند وقوع الفتن في الناس: أن يفر العبد منهم خوفًا على دينه، كما جاء في الحديث (^١٩) \" يوشك أن يكون خير مال أحدكم غنمًا يتبع بها شَعَف [¬١٠] الجبال\n_________\n(^١٩) أخرجه البخاري -كتاب الإيمان، كتاب: من الدين الفرار من الفتن (١٩)، وكتاب بدء الخلق، =\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"إنّما\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"فليظهره\".\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- في ز، خ: \"شيئًا\".\n[¬٦]- سقط من: خ.\n[¬٧]- سقط من: ز، خ.\n[¬٨]- في خ: \"هذا\".\n[¬٩]- في ز: \"يراجعوا\".\n[¬١٠]- في خ: \"سعف\". وشعفة كل شيء: أعلاه. يريد رأس جبل من الجبال النهاية (٢/ ٤٨١).","vol":"9","page":111},{"text":"ومواقع القطر يفر بدينه من الفتن\"، ففي هذه الحال تشرع العزلة عن [¬١] الناس، ولا تشرع فيما عداها لما يفوت بها من ترك الجماعات والجمع.\nفلما وقع عزمهم على الذهاب والهرب من قومهم، واختار الله تعالى لهم ذلك، وأخبر عنهم بذلك في قوله: ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إلا اللَّهَ﴾، أي: وإذا [¬٢] فارقتموهم وخالفتموهم بأديانكم في عبادتهم غير الله، ففارقوهم أيضًا بأبدانكم، ﴿فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾، أي: يبسط عليكم رحمة يستركم بها [¬٣] من قومكم، ﴿وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ﴾ الذي أنتم فيه ﴿مِرْفَقًا﴾، أي: أمرًا ترتفقون [¬٤] به. فعند ذلك خرجوا هُرَّابًا [¬٥] إلى الكهف فآووا أليه، ففقدهم قومهم من بين أظهرهم وتطلبهم الملك، فيقال: أنه لم يظفر بهم، وعمّى الله عليهم خبرهم، كما فعل بنبيه محمد [¬٦] ﷺ وصاحبه الصديق حين لجأا إلى غار ثور، وجاء المشركون من قريش في الطّلب فلم يهتدوا إليه مع [¬٧] أنهم يمرون عليه، وعندها قال النبي ﷺ حين رأى جزع الصّديق في قوله: يا رسول الله، لو أن أحدهم نظر إلى موضع قدميه لأبصرنا!! فقال: \"يا أبا بكر؛ ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟ \" (^٢٠)، وقد قال الله تعالى: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَينِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ فقصة هذا الغار أشرف وأجل وأعظم وأعجب من قصة أصحاب الكهف. وقد قيل: إن قومهم ظفروا بهم، ووقفوا [¬٨] على باب الغار الذي دخلوه، فقالوا: ما كنا نريد منهم من العقوبة أكثر مما فعلوا بأنفسهم. فأمر الملك بردم بابه عليهم ليهلكوا مكانهم، فَفُعِل ذلك. وفي هذا [¬٩] نظر، والله أعلم؛ فإن الله تعالى قد [¬١٠] أخبر أن الشمس تدخل عليهم في الكهف بكرة وعشيًّا،\n_________\n= باب: خير مال المسلم غنم يتبع بها شعف الجبال، (٣٣٠٠)، وكتاب المناقب، كتاب علامات النبوة (٣٦٠٠)، وكتاب الرقاق، باب: العزلة راحة من خلاط السوء، (٦٤٩٥)، وكتاب الفتن، باب التعرب في الفتنة (٧٠٨٨).\n(^٢٠) أخرجه البخاري -كتاب التفسير، باب: ﴿ثَانِيَ اثْنَينِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾. (٤٦٦٣). ومسلم -كتاب فضائل الصحابة، كتاب: من فضائل أبي بكر الصديق =\n_________\n[¬١]- في خ: \"على\".\n[¬٢]- في ت: \"إذ\".\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- في ز، خ: \"يرتفقون\".\n[¬٥]- في خ: \"هربًا\".\n[¬٦]- سقط من: ز، خ.\n[¬٧]- في ز، خ: \"ثم\".\n[¬٨]- في ز، خ: \"وقفوا\".\n[¬٩]- في ز، خ: \"هذه\".\n[¬١٠]- سقط من: ز، خ.","vol":"9","page":112},{"text":"كما قال تعالى.\n﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا (١٧)﴾\nهذا دليل على أن باب هذا الكهف من نحو الشمال؛ لأنه تعالى أخبر أن الشمس إذا دخلته عند طلوعها تَزْوَرّ عنه [¬١]، ﴿ذَاتَ الْيَمِينِ﴾، أي: بتقلص [¬٢] الفيء يمنة، كما قال ابن عباس، وسعيد بن جبير، وقتادة ﴿تَزَاوَرُ﴾، أي: تميل. وذلك أنها كلما ارتفعت في الأفق تَقَلّص شعاعها بارتفاعها حتى لا، يبقى منه شيء عند الزوال في مثل ذلك المكان؛ ولهذا [¬٣] قال: ﴿وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ﴾، أي: تدخل إلى غارهم من شمال بابه، وهو من ناحية المشرق، فدل على صحة ما قلناه، وهذا بَيِّنٌ لمن تأمله وكان له علم بمعرفة الهيئة وسير الشممس والقمر والكواكب، وبيانه: أنه لو كان باب الغار من ناحية الشرق لما دخل إليه منها شيء عند الغروب، ولو كان من ناحية القبلة لما دخله منها شيء عند الطلوع ولا عند الغروب، ولا تزاور الفيء يمينًا ولا شمالًا، ولو كان من جهة الغرب لما دخلته وقت الطلوع، بل بعد الزوال ولم تزل فيه إلى الغروب، فتعين ما ذكرناه، ولله الحمد.\nقال ابن عباس ومجاهد وقتادة: ﴿تَقْرِضُهُمْ﴾: تتركهم.\nوقد أخبر الله تعالى بذلك وأراد منا فهمه وتدبره، ولم يخبرنا بمكان هذا الكهف في أي البلاد من الأرض؛ إذ لا فائدة لنا فيه ولا قصد شرعي، وقد تكلف بعض المفسرين فذكروا فيه أقوالًا؛ فتقدم عن ابن عباس أنه قال: هو [¬٤] قريب من أيلة. و[¬٥] قال ابن إسحاق: هو عند نِينَوَى. وقيل: ببلاد الروم. وقيل: ببلاد البلقاء، والله أعلم بأي بلاد الله هو، ولو\n_________\n= ﵁ (٢٣٨١) من طريق حبان بن هلال ثنا همام ثنا ثابت ثنا أنس بن مالك، أن أبا بكر الصديق حدثه … فذكره. وأخرجه البخاري -كتاب فضائل الصحابة، باب: مناقب المهاجرين وفضلهم (٣٦٥٣). وكتاب مناقب الأنصار، باب: هجرة النبي ﷺ وأصحابه إلى المدينة (٣٩٢٢) من طريقين عن همام عن ثابت به.\n_________\n[¬١]- في خ: \"عند\".\n[¬٢]- في ز: \"تنقلص\".\n[¬٣]- في خ: \"وهذا\".\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- سقط من ز، خ.","vol":"9","page":113},{"text":"كان لنا فيه مصلحة دينية لأرشدنا الله تعالى ورسوله إليه، فقد قال رسول الله ﷺ (^٢١): \" ما تركت شيئًا يقربكم إلى الجنة ويباعدكم من النار إلا وقد أعلمتكم به\"، فأعلمنا تعالى بصفته، ولم يعلمنا بمكانه، فقال: ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ﴾، قال مالك، عن زيد بن أسلم: تميل، ﴿ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ﴾، أي: في متسع منه داخلًا بحيث لا تمسهم؛ إذ لو أصابتهم لأحرقت أبدانهم وثيابهم؛ قاله ابن عباس.\n﴿ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ﴾ حيث أرشدهم تعالى إلى هذا النار الذي جعلهم فيه أحياء، والشمس والريح تدخل عليهم فيه لتبقى أبدانهم؛ ولهذا قال تعالى: ﴿ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ﴾.\nثم قال: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾، أي: هو الذي أرشد هزلاء الفتية إلى الهداية من بين قومهم، فإنه من هداه الله اهتدى [¬١]، ومن\n_________\n(^٢١) صحيح. ورد هذا الحديث عن النبي ﷺ من طرق:\n١ - حديث المطلب بن عبد الله بن حنطب.\nأخرجه الشافعي في المسند (صـ ٢٣٣). وابن خزيمة في صحيحه (ج ٣ / رقم ١٠٠) والبيهقي في شعب الإيمان (٢/ ٦٧) (١١٨٥). والبغوي في شرح السنة (١٤/ ٣٠٢ - ٣٠٣) (٤١١٠).\nمن طريق عمرو بن أبي عمرو مولى المطلب عن المطلب أن رسول الله ﷺ قال … فذكره مطولًا.\nقال الألباني في \"الصحيحة\" (٤/ ٤١٧) (١٨٠٣): \"وهذا إسناد مرسل حسن\".\n٢ - حديث عبد الله بن مسعود.\nأخرجه البغوي في شرح السنة (١٤/ ٣٠٣، ٣٠٥) (٤١١١، ٤١١٣). وأخرجه الحاكم في مستدركه (٢/ ٤) (٢١٣٦). وفي إسناده مجهول.\n٣ - حديث أبي ذر.\nأخرجه الطبراني في الكبير (٢/ ١٥٥، ١٥٦) (١٦٤٧).\nمن طريق ابن عيينة عن فطر عن أبي الطفيل عن أبي ذر مرفوعًا … وفيه \"ما بقي شيء يقرب من الجنة، ويباعد من النار إلا وقد بين لكم\".\nوقال الهيثمي في المجمع (٨/ ٢٦٦ - ٢٦٧): \"رجال الطبراني رجال الصحيح غير محمد بن عبد الله بن يزيد المقري وهو ثقة\". وصححه الألباني في الصحيحة (١٨٠٣).\n٤ - وله طريق آخر عند عبد الرزاق في المصنف (٢٠١٠٠) (١١/ ١٢٥ - ١٢٦) عن معمر عن عمران صاحب له قال: إن رسول الله ﷺ قال فذكره مطولًا.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"أهدي\".","vol":"9","page":114},{"text":"أضله فلا هادي له.\n﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيهِ بِالْوَصِيدِ لَو اطَّلَعْتَ عَلَيهِمْ لَوَلَّيتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا (١٨)﴾\nذكر بعض أهل العلم أنهم لما ضرب الله على آذانهم بالنوم، لم تنطبق أعينهم لئلا يسرع إليها البلى، فإذا بقيت ظاهرة للهواء كان أبقى لها، ولهذا قال تعالى: ﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ﴾، وقد ذكر عن الذئب أنه ينام فيطبق عينًا ويفتح عينًا، ثم يفتح هذه - وطبق هذه وهو راقد -كما قال الشاعر:\nينامُ بإحْدى مُقْلَتَيه ويتقي … بأخرى الرزايا فهو يقظانُ نائمُ\nوقوله تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ﴾، قال بعض السلف: يقلبون في العام مرتين.\nقال: ابن عباس: لو لم يقلبوا [¬١] لأكلتهم الأرض.\nوقوله: ﴿وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيهِ بِالْوَصِيدِ﴾، قال ابن عباس، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وقتادة [¬٢]: الوصيد: الفناء.\nوقال ابن عباس: بالباب. وقيل: بالصعيد، وهو التراب. والصحيح أنه بالفناء - وهو الباب - ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّهَا عَلَيهِمْ مُؤْصَدَةٌ﴾ أي: مطبقة مغلقة. ويقال: و\"صيد\"، و\"أصيد\".\nربض كلبهم على الباب كما جرت به عادة الكلاب.\nقال ابن جريج: يحرس [¬٣] عليهم الباب، وهذا من سجيته وطبيعته، حيث [¬٤] يربض ببابهم كأنه يحرسهم، وكان جلوسه خارج الباب؛ لأن الملائكة لا تدخل بيتًا فيه كلب - كما ورد في الصحيح - \"ولا صورة\" (^٢٢).\n_________\n(^٢٢) ورد هذا الحديث في صحيح البخاري من طرق: =\n_________\n[¬١]- في خ: \"يتقلبون\".\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- في خ: \"تحرس\".\n[¬٤]- في خ: \"وحيث\".","vol":"9","page":115},{"text":"\"ولا جُنُب\" (^٢٣)، ولا كافر، كما ورد به [¬١] في الحديث الحسن.\nوشملت كلبَهم بركتُهُم، فأصابه ما أصابهم من النوم على تلك الحال [¬٢]. وهذا فائدة صحبة الأخيار؛ فإنه صار لهذا الكلب ذكر وخبر وشأن.\nوقد قيل: إنه كان كلب صيد لأحدهم وهو الأشبه. وقيل: كان كلب طباخ الملك، وكان قد وافقهم على الدين فصحبه [¬٣] كلبه، فالله أعلم.\nوقد روى الحافظ ابن عساكر في ترجمة همام بن الوليد الدمشقي (^٢٤)، حدثنا صدقة بن عمر الغساني، حدثنا عباد المنقري، سمعت الحسن البصري ﵀ يقول: كان اسم\n_________\n=\n١ - حديث أبي طلحة.\nأخرجه البخاري: كتاب بدء الخلق باب: \"إذا قال أحدكم \"آمين\" … (٣٢٢٥)، وباب إذا وقع الذباب في شراب أحدكم فليغمسه …، (٣٣٢٢). وكتاب المغازي (٤٠٠٢)، وكتاب اللباس، باب التصاوير (٥٩٤٩). وكتاب من كره القعود على الصور (٥٩٥٨).\n٢ - حديث ابن عمر.\nأخرجه البخاري -كتاب اللباس، كتاب: لا تدخل الملائكة بيتًا فيه صورة (٥٩٦٠).\n(^٢٣) وأما حديث \"الجنب\"، فقد ورد من حديث علي بن أبي طالب.\nأخرجه أبو داود -كتاب الطهارة، كتاب: في الجنب يؤخر الغسل، (٢٢٧)، (١/ ٥٨) وفي اللباس، باب في الصور، (٤١٥٢) (٤/ ٧٢ - ٧٣).\nوالنسائي -كتاب الطهارة، باب: \"الجنب إذا لم يتوضأ\" (١/ ١٤١).\nوكتاب الصيد -باب امتناع الملائكة من دخول بيت فيه كلب- (٧/ ١٨٥).\nوابن ماجة -كتاب اللباس (٣٢)، كتاب الصور في البيت (٤٤)، (٣٦٥٠) (٢/ ١٢٠٣) وليس عنده ذكر الجنب.\nمن طرق عن شعبة عن علي بن مدرك قال: سمعت أبا زرعة بن عمرو يحدث عن عبد الله بن نُجَي عن أبيه قال: سمعت عليًّا … فذكره.\nقلت: عبد الله بن نجي قال الحافظ في \"التقريب\": صدوق.\nوأبوه نجي الحضرمي الكوفي، ذكره ابن حبان في الثقات (٥/ ٤٨٠)، وقال: لا يعجبني الاحتجاج بخبره إذا انفرد، وقال العجلي في \"الثقات\" (صـ ٤٤٨): \"تابعي ثقة\". وفي التقريب: مقبول. وله شاهد من حديث ابن عباس. أخرجه البزار (٣/ ٢٩٣٠ كشف).\n(^٢٤) ترجمة همام ساقطة من النسخة المخطوطة التي بين يدي الآن، والعلم عند الله تعالى.\n_________\n[¬١]- بعده في خ: في.\n[¬٢]- في خ: \"الحالة\".\n[¬٣]- في ت: \"فحبه\".","vol":"9","page":116},{"text":"كبش إبراهيم: \"جرير\"، واسم هدهد سليمان: \"عنقز\"، واسم كلب أصحاب الكهف: \"قطمير\"، واسم عجل بني إسرائيل الذي عبدوه: \"بهموت\"، وهبط آدم ﵇ بالهند، وحواء بجدة، وإبليس بدست بيسان، والحية بأصبهان.\nوقد تقدم عن شعيب [الجبئي] [¬١] أنه سماه حمران.\nواختلفوا في [¬٢] لونه على أقوال لا حاصل لها ولا طائل تحتها ولا دليل عليها ولا حاجة إليها؛ بل هي مما ينهى عنه؛ فإن مستندها رجم بالغيب.\nوقوله تعالى: ﴿لَو اطَّلَعْتَ عَلَيهِمْ لَوَلَّيتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا﴾، أي: إنه تعالى ألقى عليهم المهابة، بحيث لا يقع نظر أحد عليهم إلا هابهم، لما ألبسوا من المهابة والذعر، لئلا يدنو منهم أحد ولا [¬٣] تمسهم يد لامس، حتى يبلغ الكتاب أجله، وتنقضي رقدتهم التي شاء ﵎ فيهم، لما له في ذلك من الحجة والحكمة البالغة، والرحمة الواسعة.\n﴿وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَينَهُمْ قَال قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا (١٩) إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا (٢٠)﴾\nيقول تعالى: وكما أرقدناهم بعثناهم صحيحة أبدانهم وأشعارهم وأبشارهم، لم يفقدوا من أحوالهم وهيئاتهم شيئًا، وذلك بعد ثلاثمائة سنة وتسع سنين؛ ولهذا تساءلوا بينهم: ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ﴾، أي: كم رقدتم؟ ﴿قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾، كأنه كان دخولهم إلى الكهف في أول نهار، واستيقاظهم كان في آخر نهار؛ ولهذا استدركوا فقالوا: ﴿أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ﴾، أي: اللَّه أعلم بأمركم، وكأنه حصل لهم نوع تردد في كثرة نومهم فاللَّه أعلم.\n_________\n[¬١]- في ت: \"الجبائي\".\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.","vol":"9","page":117},{"text":"ثم عدلوا إلى الأهم في أمرهم إذ ذاك وهو احتياجهم إلى الطعام والشراب، فقالوا: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ﴾، أي: فضتكم هذه، وذلك أنهم كانوا قد استصحبوا معهم دراهم من [¬١] منازلهم لحاجتهم إليها، فتصدقوا منها وبقي منها؛ فلهذا قالوا: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ﴾، أي: مدينتكم التي خرجتم منها، والألف واللام للعهد.\n﴿فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا﴾، أي: أطيب طعامًا، كقوله: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا﴾، وقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ ومنه الزكاة التي تُطَيّب المال وتطهره. وقيل: أكثر طعامًا، ومنه: زكا الزرع، إذا كثر، قال الشاعر:\nقبائلنا سَبْعٌ وأنتم ثلاثةٌ … وللسَّبْعُ أزْكى من ثلاث وأطيبُ\nوالصحيح الأول؛ لأن مقصودهم إنما هو الطيب الحلال، سواء كان قليلًا أو كثيرًا. وقوله: ﴿وَلْيَتَلَطَّفْ﴾، أي: في خروجه وذهابه وشرائه وإيابه، يقولون: وَلْيَتَخَفّ [¬٢]: كل ما يقدر عليه، ﴿وَلَا يُشْعِرَنَّ﴾، أي: يعلمن ﴿بِكُمْ أَحَدًا (١٩) إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيكُمْ يَرْجُمُوكُمْ﴾، أي: إن علموا بمكانكم، ﴿يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ﴾، يعنون أصحاب دقيانوس، يخافون منهم أن يطلعوا على مكانهم، فلا يزالون يعذبونهم بأنواع العذاب إلى أن يعيدوهم في ملتهم التي هم عليها أو يموتوا، وإن واتَوهم على العودة [¬٣] في الدين فلا فلاح لهم [¬٤] في الدنيا ولا في الآخرة؛ ولهذا قال: ﴿وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا﴾.\n﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَينَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَال الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيهِمْ مَسْجِدًا (٢١)﴾\nيقول تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيهِمْ﴾، أي: أطلعنا عليهم الناس، ﴿لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيبَ فِيهَا﴾.\nذكر غير واحد من السلف أنه كان قد حصل لأهل ذلك الزمان شك في البعث وفي أمر القيامة.\n_________\n[¬١]- في خ: \"في\".\n[¬٢]- في خ: \"العود\".\n[¬٣]- في خ: \"واليتحف\".\n[¬٤]- في خ: \"لكم\".","vol":"9","page":118},{"text":"وقال عكرمة: كان منهم طائفة قد قالوا: تبعث الأرواح ولا تبعث الأجساد. فبعث اللَّه أهل الكهف حجة ودلالة وآية على ذلك.\nوذكروا أنه لما أراد أحدهم الخروج ليذهب إلى المدينة في شراء شيء لهم ليأكلوه تنكر وخرج يمشي في غير الجادة حتى انتهى إلى المدينة، وذكروا أن اسمها دقسوس، وهو يظن أنه قريب العهد بها [¬١]، وكان الناس قد تبدلوا قرنًا بعد قرن، وجيلًا بعد جيل، وأمة بعد أمة، وتغيرت البلاد ومن عليها كما قال الشاعر:\nأما الديار فإنها كديارهم … وأرى رجال الحي غير رجاله\nفجعل لا يرى شيئًا من معالم البلد التي يعرفها، ولا يعرف أحدًا من أهلها: لا [¬٢] خواصها ولا عوامها، فجعل يتحير في نفسه ويقول: لعل بي جنونًا [¬٣]، أو مسَّا [¬٤]، أو أنا حالم، ويقول: واللَّه ما بي شيء من ذلك، وإن عهدي بهذه البلدة عشية أمس على غير هذه الصفة، ثم قال: إن تعجيل الخروج من هاهنا لأولى لي. ثم عمد إلى رجل ممن يبيع الطعام فدفع إليه ما معه من النفقة، وسأل أن يبيعه بها طعامًا، فلما رآها ذلك الرجل أنكرها وأنكر ضَرْبها، فدفعها إلى جاره، وجعلوا يتداولونها بينهم ويقولون: لعل هذا قد وجد كنزًا. فسألوه عن أمره، ومن أين له هذه النفقة؟ لعله وجدها من كنز، ومن أنت؟ فجعل يقول: أنا من أهل هذه المدينة، وعهدي بها عشية أمس وفيها دقيانوس. فنسبوه إلى الجنون، فحملوه إلى وليّ أمرهم، فسأله عن شأنه وعن أمره، حتى أخبرهم بأمره - وهو متحير في حاله وما هو فيه - فلما أعلمهم كذلك قاموا معه إلى الكهف - مُتَوَلًى البلد وأهلها - حتى انتهى بهم إلى الكهف فقال: دعوني حتى أتقدمكم في الدخول لأعلم أصحابي، فيقال: إنهم لا يدرون كيف ذهب فيه، وأخفى اللَّه عليهم خبره، ويقال: بل دخلوا عليهم، ورأوهم وسلم عليهم الملك واعتنقهم، وكان مسلمًا فيما قيل واسمه تيدوسيس [¬٥]، ففرحوا به وآنسوه [¬٦] الكلام، ثم ودعوه وسلموا عليه، وعادوا إلى مضاجعهم، وتوفاهم اللَّه ﷿، فاللَّه أعلم.\nقال قتادة: وغزا ابن عباس مع حبيب بن مسلمة، فمروا بكهف في بلاد الروم فرأوا فيه عظامًا، فقال قائل: هذه عظام أصحاب [¬٧] الكهف. فقال ابن عباس: لقد بليت عظامهم\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- في ز: \"ولا\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"جنون\".\n[¬٤]- في ز: \"مس\"، خ: \"شره\".\n[¬٥]- في ز: \"تبدوسيس\".\n[¬٦]- في ز: \"ووانسوني\".\n[¬٧]- في ت: \"أهل\".","vol":"9","page":119},{"text":"من أكثر من ثلاثمائة سنة. رواه ابن جرير (^٢٥).\nوقوله: ﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيهِمْ﴾، أي: كما أرقدناهم وأيقظناهم بهيئاتهم [¬١] أطلعنا عليهم أهل ذلك الزمان، ﴿لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَينَهُمْ أَمْرَهُمْ﴾، أي: في أمر القيامة، فمن مثبت لها ومن منكر، فجعل اللَّه ظهوهم على أصحاب الكهف حجة لهم وعليهم، ﴿فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ﴾، أي: سُدُّوا عليهم باب كهفهم وذَرُوهم [¬٢]، على حالهم، ﴿قَال الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيهِمْ مَسْجِدًا﴾.\nحكى ابن جرير في القائلين ذلك قولين: أحدهما: أنهم المسلمون منهم.\nوالثاني: أهل الشرك منهم، فاللَّه أعلم.\nوالظاهر أن الذين [¬٣] قالوا ذلك هم أصحاب الكلمة والنفوذ، ولكن هل هم محمودون أم لا؟ فيه نظر؛ لأن النبي ﷺ قال (^٢٦): \" لعن اللَّه اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد\" بحذر ما فعلوا، وقد روينا عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ أنه لما وجد قبر دانيال في زمانه بالعراق أمر أن يخفى عن الناس، وأن تدفن تلك الرقعة التي وجدوها عنده فيها شيء من الملاحم وغيرها.\n﴿سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إلا قَلِيلٌ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إلا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا (٢٢)﴾\n_________\n(^٢٥) جز من أثر طويل رواه ابن جرير (١٥/ ٢١٦، ٢١٧) عن عكرمة.\n(^٢٦) أخرجه مسلم -كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب: النهي عن بناء المساجد على القبور، واتخاذ الصور فيها، والنهي عن اتخاذ القبور مساجد (٢٣) (٥٣٢). والنسائي في الكبرى - التفسير (٦/ ١١٢٣) مختصرًا من حديث جندب مرفوعًا \" .... وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد … \". والحديث في صحيح البخاري دون ذكر \"صالحيهم\".\nأخرجه البخاري -كتاب الصلاة، باب (٥٥) (٤٣٥، ٤٣٦). وللفظة \"صالحيهم\" شاهد أيضًا عند البخاري. من حديث عائشة أن أم سلمة ذكرت لرسول الله ﷺ كنيسة رأتها بأرض الحبشة … فيها تصاوير فقال ﷺ: \"أولئك فوم إذا مات فيهم العبد الصالح أو الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدًا … \".\n_________\n[¬١]- في خ: \"بهيئتهم\".\n[¬٢]- في خ: \"ذرهم\".\n[¬٣]- في ز: \"الذي\".","vol":"9","page":120},{"text":"يقول تعالى مخبرًا عن اختلاف الناس في عدة أصحاب الكهف، فحكى ثلاثة أقوال، فدل على أنه لا قائل برابع، ولما ضعف القولين الأولين بقوله: ﴿رَجْمًا بِالْغَيبِ﴾، أي: قولًا [¬١] بلا علم، كمن يرمي إلى مكان لا يعرفه، فإنه لا يكاد يصيب وإن أصاب فبلا قصد، ثم [¬٢] حكى الثالث وسكت عليه أو قرره بقوله: ﴿وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾، دل على صحته وأنه هو الواقع في نفس الأمر.\nوقوله: ﴿قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ﴾ إرشاد إلى أن الأحسن في مثل هذا المقام رد العلم إلى اللَّه تعالى؛ إذ لا احتياج إلى الخوض في مثل ذلك بلا علم، لكن إذا أطلعنا على أمر قلنا به وإلا وفقنا.\nوقوله: ﴿مَا يَعْلَمُهُمْ إلا قَلِيلٌ﴾، أي: من الناس. قال قتادة: قال ابن عباس: أنا من القليل الذي استثنى اللَّه ﷿ كانوا سبعة. وكذا روى ابن جرير عن عطاء الخراساني عنه أنه كان يقول: أنا ممن استثنى اللَّه ﷿ ويقول: عدتهم سبعة (^٢٧).\n[وقال ابن جرير (^٢٨): حدثنا ابن بشار، حدثنا عبد الرحمن، حدثنا إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس] [¬٣]: [﴿مَا يَعْلَمُهُمْ إلا قَلِيلٌ﴾، قال: أنا من القليل، كانوا سبعة] [¬٤]، فهذه أسانيد صحيحة إلى ابن عباس و[¬٥] أنهم كانوا سبعة، وهو موافق لما قدمناه.\nوقال محمد بن إسحاق بن يسار عن [عبد اللَّه] [¬٦]، بن أبي نجيح، عن مجاهد قال: لقد حدثت أنه كان على بعضهم من حداثة [سنه وَضَح] [¬٧] الورِق.\nقال ابن عباس (^٢٩): فكانوا كذلك ليلهم ونهارهم في عبادة اللَّه يبكون [¬٨] ويستغيثون\n_________\n(^٢٧) أخرجه ابن جرير في تفسيره (١٥/ ٢٢٦) وكذا عبد الرزاق (٢/ ٤٠٠) عن قتادة به، وانظر ما بعده.\n(^٢٨) تفسير ابن جرير (١٥/ ٢٢٦) ورواية سماك عن عكرمة مضطربة، وقتادة وعطاء الخراساني لم يسمعا من ابن عباس. وأخرجه ابن سعد في \"الطبقات\" (٢/ ٢٧٩) من طريق الضحاك عن ابن عباس، والضحاك لم يسمع من ابن عباس أيضًا، لكن أفاد غير واحد أن بينهما سعيد بن جبير، والأثر زاد نسبته السيوطي في \"الدر المنثور\" (٤/ ٣٩٣) إلى الفريابي وابن المنذر وابن أبي حاتم، وانظر ما بعده.\n(^٢٩) أخرجه الطبراني في الأوسط (٦/ ١٧٥) (٦١١٣)، والعقيلي في الضعفاء الكبير (٤/ ٤٢٢) ت (٢٠٤٩) من طريق يحيى بن أبي روق عن أبيه عن الضحاك بن مزاحم عن ابن عباس به. =\n_________\n[¬١]- في ز: \"قول\".\n[¬٢]- في خ: \"و\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٥]- سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين في خ: \"محمد\".\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين في ز: \"سنة وصح\".\n[¬٨]- في خ: \"يتلون\".","vol":"9","page":121},{"text":"باللَّه، وكانوا ثمانية نفر: مكسلمينا [¬١] وكان أكبرهم وهو الذي كلم الملك عنهم ومجسيميلنينا [¬٢]، وتمليخا، ومرطوس [¬٣]، وكشطونس، وبيرونس [¬٤]، وديموس [¬٥]، ويطونس [¬٦]، قالوش [¬٧]، هكذا وقع في هذه الرواية، ويحتمل هذ! من كلام ابن إسحاق أو [¬٨] من بينه وبينه؛ فإن الصحيح عن ابن عباس أنهم كانوا سبعة، وهو ظاهر الآية، وقد تقدم عن شعيب الجبائي أن اسم كلبهم حمران، وفي تسميتهم بهذه الأسماء واسم كلبهم نظر في صحته واللَّه أعلم؛ فإن غالب ذلك متلقى من أهل الكتاب، وقد قال تعالى: ﴿فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إلا مِرَاءً ظَاهِرًا﴾، أي: سهلًا هينًا، فإن الأمر في معرفة ذلك لا يترتب عليه كبير فائدة ﴿وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾، أي: فإنهم لا علم لهم بذلك إلاما يقولونه [¬٩] من تلقاء أنفسهم ﴿رَجْمًا بِالْغَيبِ﴾، أي [¬١٠]: من غير استناد إلى كلام معصوم، وقد جاءك اللَّه يا محمد بالحق الذي لا شك فيه ولا مرية، فهو المقدَّم الحاكم على كل ما تقدمه من الكتب والأقوال.\n﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا (٢٤)﴾\nهذا إرشاد من الله لرسوله [¬١١]- صلوات اللَّه وسلامه عليه - إلى الأدب فيما إذا عزم على شيء ليفعله في المستقبل أن يرد ذلك إلى شيئة اللَّه ﷿ علام الغيوب الذي يعلم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف كان يكون، كما ثبت في الصحيحين (^٣٠) عن أبي هريرة ﵁ عن رسول اللَّه ﷺ أنه قال:\n_________\n= وقال العقيلي: أما الكلام الأول وهو قوله: \"أنا من أولئك القليل\". فصحيح عن ابن عباس وأسماؤهم هذه فليست بمحفوظة عن ابن عباس. وقال الهيثمي في المجمع (٧/ ٥٦): رواه الطبراني في الأوسط وفيه يحيى بن أبي روق وهو ضعيف.\n(^٣٠) أخرجه البخاري -كتاب الجهاد، باب: من طلب الولد للجهاد (٢٨١٩)، وكتاب أحاديث الأنبياء، باب: قول الله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾، (٣٤٢٤) وكتاب النكاح، باب: قول الرجل: لأطوفن الليلة على نسائي (٥٢٤٢). وكتاب الأيمان والنذور، باب، كيف =\n_________\n[¬١]- في ز: \"مكيليمنينا\"، خ: \"مكيليهنينا\".\n[¬٢]- في خ: \"مجسيليمنينا\".\n[¬٣]- في ز: \"مرطوس\"، خ: \"مرطوش\".\n[¬٤]- في خ: \"بيزونس\".\n[¬٥]- في ز، \"دنيمونس\"، خ: \"دينموس\".\n[¬٦]- في خ: \"بطونس\".\n[¬٧]- في خ: \"قابوس\".\n[¬٨]- في خ: \"و\".\n[¬٩]- في خ: \"يلقونه\".\n[¬١٠]- سقط من: ز.\n[¬١١]- في ز، خ: \"إلى رسوله\".","vol":"9","page":122},{"text":"\"قال سليمان بن داود ﵉: لأطوفن الليلة على سبعين امرأة\" - وفي رواية: \"تسعين امرأة\"، وفي رواية: \"مائة امرأة - تلد كل امرأة منهن غلامًا يقاتل في سبيل اللَّه، فقيل له:- وفي رواية: فقال له [¬١] الملك:- قل: إن شاء اللَّه. فلم يقل، فطاف بهن فلم تلد منهن إلا امرأة واحدة نصف إنسان\"، قال رسول اللَّه ﷺ: \"والذي نفسي بيده! لو قال: إن شاء اللَّه لم يحنث، وكان دركًا لحاجته\" وفي رواية: \"ولقاتلوا لي سبيل اللَّه فرسانًا أجمعين [¬٢] \"\nوقد تقدم (^٣١) في أول السورة ذكر سبب نزول هذه الآية في قول النبي ﷺ لما سئل عن قصة أصحاب الكهف: \"غدًا أجيبكم\" فتأخر الوحي خمسة عشر يومًا، وقد ذكرناه بطوله في أول السورة فأغنى عن إعادت.\nوقوله: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾، قيل: معناه: وإذا نسيت الاستثناء فاستثن عند ذكرك له، قاله أبو العالية، والحسن البصري.\nوقال هشيم (^٣٢): عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس في الرجل يحلف قال: له أن يستثني ولو إلى سنة. وكان يقول: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ في ذلك. قيل للأعمش: سمعته من [¬٣] مجاهد؟ قال: حدثني به ليث بن أبي سليم ترى [¬٤] ذهب كسائي هذا. ورواه الطبراني من حديث أبي معاوية عن الأعمش به.\nومعنى قول ابن عباس: أنه يستثني ولو بعد سنة، أي: إذا نسي [أن يقول في حلفه] [¬٥] أو كلامه: إن شاء اللَّه، وذكر ولو لعد سنة، فالسُّنَّة له أن يقول ذلك ليكون آتيًا بسنة الاستثناء حتى لو كان بعد الحنث. قاله ابن جرير ﵀ ونص على ذلك، لا\n_________\n= كانت يمين النبي ﷺ (٦٦٣٩)، وكتاب كفارات الأيمان، باب الاستثناء في الأيمان (٦٧٢٠)، وكتاب التوحيد، باب: في المشيئة والإرادة (٤٦٩). ومسلم -كتاب الأيمان، باب: الاستثناء (١٦٥٤) من طرق عن أبي هريرة به.\n(^٣١) تقدم (١١).\n(^٣٢) أخرجه ابن جرير في تفسيره (١٥/ ٢٢٩) ثنا محمد في هارون الحربي، قال: ثنا نعيم بن حماد، قال: ثنا هشيم به.\nوأخرجه الطبراني في المعجم الكبير (١١/ ٦٨) (١١٠٦٩)، وفي \"الأوسط\" (١/ ١١٩) من طريق يحيى بن سليمان، أنبأ أبو معاوية، ثنا الأعمش به. وقال الطبراني: \"لم يرو هذا الحديث عن الأعمش إلا أبو معاوية، تفرد به يحيى\" كذا قال، وتابع أبا معاوية هشيم كما هنا. ورواه والحاكم في المستدرك =\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- في ت: \"أجمعون\".\n[¬٣]- في ت: \"عن\".\n[¬٤]- في ت: \"يرى\".\n[¬٥]- في خ: \"في حقه أن يقول\".","vol":"9","page":123},{"text":"أن يكون رافعًا لحنث اليمين ومسقطًا [¬١] للكفارة، وهذا الذي قاله ابن جرير ﵀ هو الصحيح، وهو الأليق بحمل كلام ابن عباس عليه واللَّه أعلم.\nوقال عكرمة: [﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ أي: [إذا] [¬٢] غضبت. وهذا تفسير باللازم.\nوقد قال الطبراني (^٣٣): حدثنا أحمد بن يحيى الحلواني، حدثنا سعيد بن سليمان، عن عباد بن العوام، عن سفيان بن حسين، عن يعلى بن مسلم، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ] [¬٣] وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ أن تقول: إن شاء اللَّه.\nوقال الطبراني (^٣٤): حدثنا محمد بن الحارث الجبيلي [¬٤]، حدثنا صفوان بن صالح، حدثنا الوليد بن مسلم، عن عبد العزيز بن حصين، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس في قوله: [﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ أن تقول: إن شاء اللَّه.\nوروى الطبراني أيضًا عن ابن عباس في قوله] [¬٥]: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ الاستثناء، فاستثن إذا ذكرت، وقال [¬٦]: هي خاصة برسول اللَّه ﷺ، وليس لأحد منا أن يستثني إلا في صلة من يمينه، ثم قال: تفرد به الوليد عن عبد العزيز بن الحصين.\n_________\n= (٤/ ٣٠٣) (٧٨٣٣) من طريق علي بن مسهر، عن الأعمش، به. وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي.\nوقال الهيثمي في المجمع (٧/ ٥٦): \"رواه الطبراني في الأوسط والكبير ورجاله ثقات\" لكن تبين أن الأعمش دلسه، حيث سمعه من ليث بن أبي سليم وهو مختلط، ولم يتميز حديثه فترك، والخبر عزاه السيوطي في الدر المنثور (٤/ ٣٩٤) إلى سعيد بن منصور وابن المندر وابن أبي حاتم وابن مردويه.\n(^٣٣) أخرجه الطبراني في الكبير (١٢/ ١٧٩) (١٢٨١٧). والأوسط (٢٨٥) (٩٣٠).\n(^٣٤) أخرجه الطبراني في الأوسط (٧/ ٦٨) (٦٨٧٢)، وفي الصغير (٢/ ١٤)، وأخرجه في \"الكبير\" (١١/ ٩٠) (١١١٤٣) ثنا الحسن بن جرير الصوري، ثنا صفوان بن صالح، به.\nوالحديث ذكره الهيثمي في المجمع (٧/ ٥٦) وقال: رواه الطبراني في الثلاثة، وفيه عبد العزير بن حصين وهو ضعيف.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"مسقط\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفين سقط من خ.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٤]- في ز، خ: \"الجبلى\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- في خ: \"قيل\".","vol":"9","page":124},{"text":"ويحتمل [¬١] في الآية وجه آخر وهو أن يكون اللَّه تعالى قد أرشد من نسي الشيء في كلامه إلى ذكر اللَّه؛ [لأن النسيان منشؤه من الشيطان، كما قال فتى موسى: ﴿وَمَا أَنْسَانِيهُ إلا الشَّيطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾ فَذِكْرُ اللَّه تعالى يطرد الشيطان، فإذا ذهب الشيطان ذهب النسيان، فَذِكْرُ اللَّه] [¬٢] تعالى سبب للذكر، ولهذا قال: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾.\nوقوله: ﴿وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا﴾، أي إذا سئلت عن شيء لا تعلمه فاسأل اللَّه تعالى فيه، وتوجه إليه في أن يوفقك للصواب والرشد [في ذلك] [¬٣]، وقيل غير ذلك في تفسيره واللَّه أعلم.\n﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا (٢٥) قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا (٢٦)﴾\nهذا خبر من اللَّه تعالى لرسوله ﷺ بمقدار ما لبث أصحاب الكهف في كهفهم، منذ أرقدهم اللَّه إلى أن بعثهم، وأعثر عليهم أهل ذلك الزمان، وأنه كان مقداره ثلاثمائة وتسع سنين بالهلالية [¬٤]، وهي ثلاثمائة سنة بالشمسية، فإن تفاوت ما بين كل مائة سنة [¬٥] بالقمرية إلى الشمسية ثلاث سنين، فلهذا قال بعد الثلاثمائة: ﴿وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾.\nوقوله: ﴿وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾ أي: إذا [¬٦] سئلت عن لبثهم، وليس عندك علم [¬٧] في ذلك و[¬٨] توقيف من اللَّه تعالى، فلا تتقدم فيه بشيء، بل قل في مثل هذا: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: لا يعلم ذلك إلا هو، أو من أطلعه اللَّه عليه من خلقه، وهذا الذي قلناه: عليه غير واحد من علماء التفسير؛ كمجاهد وغير واحد من السلف والخلف.\nوقال قتادة في قوله: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾ هذا قول أهل\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- في خ: \"الهلالية\".\n[¬٥]- سقط من: ز.\n[¬٦]- في ز، خ: \"إنما\".\n[¬٧]- سقط من: ز، خ.\n[¬٨]- سقط من: ز، خ.","vol":"9","page":125},{"text":"الكتاب، وقد رده اللَّه تعالى بقوله: ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ﴾، قال: وفي قراءة عبد اللَّه: (وقالوا ولبثوا) يعني أنه قاله الناس وهكذا قال -كما قال قتادة- مطرف بن عبد الله، وفي هذا الذي زعمه قتادة نظر؛ فإن الذي بأيدي أهل الكتاب: أنهم لبثوا ثلاثمائة سنة من غير تسع، يعنون بالشمسية، ولو كان اللَّه قد حكى قولهم لما قال: ﴿وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾ وظاهر الآية: إنما هو من إخبار اللَّه لا حكاية عنهم، وهذا اختيار ابن جرير ﵀، ورواية قتادة قراءة ابن مسعود منقطعة، ثم هي شاذة بالنسبة إلى قراءة الجمهور فلا يحتج بها، واللَّه أعلم.\nوقوله: ﴿أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ﴾ [أي: إنه لبصير بهم سميع لهم.\nقال ابن جرير: وذلك في معنى المبالغة في المدح، كأنه قيل: ما أبصره وأسمعه] [¬١]! وتأويل الكلام: ما أبصر اللَّه لكل موجود وأسمعه لكل مسموع! لا يخفى عليه من ذلك شيء. ثم روى عن قتادة في قوله: ﴿أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ﴾: فلا أحد أبصر من الله ولا أسمع. وقال ابن زيد: ﴿أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ﴾، يرى أعمالهم ويسمع ذلك منهم سميعًا بصيرًا.\nوقوله: ﴿مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا﴾ أي: إنه تعالى هو الذي له الخلق والأمر، الذي لا معقب لحكمه، وليس له وزير ولا نصير [¬٢]، ولا شريك ولا مشير، تعالى وتقدس.\n﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا (٢٧) وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَينَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (٢٨)﴾\nيقول تعالى آمرًا رسوله ﷺ بتلاوة كتابه العزيز، وإبلاغه إلى الناس ﴿لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ أي: غير [¬٣] مغير لها ولا محرف ولا مُوُوّل.\nوقوله: ﴿وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾، [عن مجاهد: ﴿مُلْتَحَدًا﴾، قال:\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في ز: \"نظير\".\n[¬٣]- في ت: \"لا\".","vol":"9","page":126},{"text":"ملجأ. وعن قتادة: وليًّا ولا مولىً] [¬١]. قال ابن جرير: يقول [¬٢] و[¬٣] إن أنت يا محمد لم تتل ما أوحي إليك من كتاب ربك، أي [¬٤] فإنه لا ملجأ لك من الله. كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ أي: سائلك عما فرض عليك من إبلاغ الرسالة.\nوقوله: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ أي: اجلس [¬٥] مع الذين يذكرون الله، ويهللونه ويحمدونه، ويسبحونه ويكبرونه، ويسألونه بكرة وعشيًّا، من عباد الله، سواء كانوا فقراء أو أغنياء، أو أقوياء أو ضعفاء. يقال: إنها نزلت في أشراف قريش، حين طلبوا من النبي ﷺ أن يجلس معهم وحده، ولا يجالسهم [¬٦] بضعفاء أصحابه؛ كبلال وعمار وصهيب وخباب [¬٧] وابن مسعود، وليفرد أولئك بمجلس [على حدة] [¬٨]، فنهاه الله عن ذلك، فقال: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [وأمره أن يصبر نفسه في الجلوس مع هؤلاء فقال: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾] [¬٩].\nقال مسلم في صحيحه (^٣٥): حدثنا أبو [¬١٠] بكر بن أبي شيبة، حدثنا محمد بن عبد الله الأسدي، عن إسرائيل، عن المقدام بن شريح، عن أبيه، عن سعد -[هو] [¬١١] ابن أبي وقاص- قال: كنا مع النبي ﷺ ستة نفر، فقال المشركون للنبي ﷺ: اطرد هؤلاء، لا يجترئون علينا. قال: وكنت أنا وابن مسعود، ورجل من هذيل، وبلال، ورجلان نسيت اسميهما، فوقع في نفس رسول الله ﷺ ما شاء الله أن يقع فحدث نفسه، فأنزل الله ﷿: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ انفرد بإخراجه مسلم دون البخاري.\n_________\n(^٣٥) أخرجه مسلم -كتاب فضائل الصحابة، باب: في فضل سعد بن أبي وقاص ﵁ (٢٤١٣) (٤٥ - ٤٦) وانظر ما تقدم [سورة الأنعام / آية ٥٢].\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في خ: ويقول.\n[¬٣]- سقط من ز.\n[¬٤]- سقط من: م.\n[¬٥]- في ز: \"تجلس\"، خ: \"يجلس\".\n[¬٦]- في ز: \"تجالسهم\".\n[¬٧]- سقط من: ز، خ.\n[¬٨]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٩]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬١٠]- سقط من: خ.\n[¬١١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.","vol":"9","page":127},{"text":"وقال الإمام أحمد (^٣٦): حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن أبي التياح، قال: سمعت أبا الجعد يحدث، عن أبي أمامة، قال: خرج رسول الله ﷺ على قاص يقص فأمسك، فقال رسول الله ﷺ: \"قص، فلأن أقْعُد غدوة إلى أن تشرق الشمسُ أحبُّ إليَّ من أن أعتق أربعَ رقابٍ\".\nوقال الإِمام أحمد (^٣٧) أيضًا: حدثنا هاشم [¬١]، ثنا شعبة، عن عبد الملك بن ميسرة، قال: سمعت كردوس بن قيس -وكان قاص العامة بالكوفة- يقول: أخبرني رجل من أصحاب بدر، أنه سمع النبي ﷺ يقول: \"لأن أقعد في مثل هذا المجلس أحب إليَّ من أن أعتق أربع رقاب\". قال شعبة: فقلت: أي مجلس؟ قال: كان قاصًّا.\nوقال أبو داود الطيالسي في مسنده (^٣٨): حدثنا محمد، حدثنا يزيد بن أبان، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: \"لأن [¬٢] أجالس قومًا يذكرون الله من صلاة الغداة إلى طلوع الشمس أحب إليَّ مما طلعت عليه الشمس، ولأن أذكر الله من صلاة العصر [إلى غروب الشمس] [¬٣] أحب إليَّ من أن أعتق ثمانية من ولد إسماعيل، دية كل واحد منهم اثنا عشر ألفًا\". فحسبنا دياتهم ونحن في مجلس أنس، فبلغت ستة وتسعين ألفًا، وهاهنا من يقول: أربعة من ولد إسماعيل، والله ما قال إلا ثمانية، دية كل واحد منهم اثنا عشر ألفًا.\nوقال الحافظ أبو بكر البزار (^٣٩): حدثنا أحمد [¬٤] بن إسحاق الأهوازي، حدثنا أبو أحمد الزبيري، حدثنا عمرو بن ثابت، عن عليّ بن الأقمر، عن الأغر أبي مسلم -وهو الكوفي\n_________\n(^٣٦) أخرجه أحمد (٥/ ٢٦١) مطولًا، وذكره المصنف هنا مختصرًا. وأخرجه الطبراني في الكبير (٨/ ٣١٢) (٨٠١٣) من طريق النضر بن شميل ثنا شعبة به. وقال الهيثمي في المجمع (١/ ١٩٥): \"رجاله موثقون إلا أن فيه أبا الجعد عن أبي أمامة فإن كان هو الغطفاني فهو من رجال الصحيح، وإن كان غيره فلم أعرفه\".\n(^٣٧) أخرجه أحمد (٣/ ٤٧٤) وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى (١٠/ ٨٨، ٨٩) من طريق أبي النضر -هاشم- به، وأخرجه أحمد أيضًا ثنا بهز، ثنا شعبة به، وذكره الهيثمي في المجمع (١/ ١٩٥) وقال: \"رواه أحمد، وفيه كردوس بن قيس وثقه ابن حبان وبقية رجاله رجال الصحيح\".\n(^٣٨) أخرجه أبو داود الطيالسي في مسنده (صـ ٢٨١) (٢١٠٤). ويزيد بن أبان هو الرقاشي أبو عمرو البصري القاص ضعيف.\n(^٣٩) قال الهيثمي في المجمع (٧/ ١٦٧) \"رواه البزار متصلًا ومرسلًا، وفيه عمرو بن ثابت أبو المقدام وهو متروك\".\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"هشام\".\n[¬٢]- في ز: \"لابن\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٤]- في خ: \"محمد\".","vol":"9","page":128},{"text":"- أن رسول الله ﷺ مر برجل يقرأ سورة الكهف، فلما رأى النبي ﷺ سكت، فقال رسول الله ﷺ: \"هذا المجلس\" [¬١] الذي أمرت أن أصبر نفسي معهم\".\nهكذا رواه أبو أحمد عن عمرو بن ثابت عن علي بن الأقمر عن الأغر مرسلًا.\nوحدثنا [¬٢] يحيى بن المعلى، عن منصور، حدثنا محمد بن الصلت، حدثنا عمرو بن ثابت، عن علي بن الأقمر، عن الأغر [¬٣] عن أبي مسلم، عن أبي هريرة وأبي سعيد قالا: جاء رسول الله ﷺ و[¬٤] رجل يقرأ سورة الحِجر أو سورة الكهف فسكت، فقال رسول الله ﷺ: \"هذا المجلس الذي أمرت أن أصبر نفسي معهم\".\nوقال الإمام أحمد (^٤٠): حدثنا محمد بن بكر، ثنا ميمون المَرَئي [¬٥]، ثنا ميمون بن سياه، عن أنس بن مالك ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: \"ما من قوم اجتمعوا يذكرون الله، لا يريدون بذلك إلا وجهه، إلا ناداهم مناد من السماء: أن قوموا مغفورًا [¬٦] لكم، قد بدلت سيئاتكم حسنات\" تفرد به أحمد ﵀.\nوقال الطبراني (^٤١): ثنا إسماعيل بن الحسن، ثنا أحمد بن صالح، ثنا ابن وهب، عن أسامة بن زيد، عن أبي حازم، عن عبد الرحمن بن سهل بن حنيف، قال: نزلت على\n_________\n(^٤٠) أخرجه أحمد (٣/ ١٤٢)، وأبو يعلى في مسنده (٤١٤١) (٧/ ١٦٧)، والطبراني في الأوسط (١٥٥٦) (٢/ ١٥٤)، وقال الهيثمي في المجمع (١٠/ ٧٩).\n\"رواه أحمد، وأبو يعلى، والبزار، والطبراني في الأوسط وفيه ميمون المرئى وثقة جماعة وفيه ضعف، وبقية رجال أحمد رجال الصحيح\".\nوللحديث شاهد من حديث أبي هريرة عند مسلم -كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار (٤٨)، باب: فضل الإجتماع على تلاوة القرآن، وعلى الذكر (١١) - (٣٨) - (٢٦٩٩)، (١٧/ ٣٤ - ٣٥).\n(^٤١) وعزاه إلى الطبراني السيوطي في \"الدر المنثور\" (٤/ ٣٩٧) وزاد عزوه إلى ابن جرير وابن مردويه، وهو عند ابن جرير في تفسيره (١٥/ ٢٣٥) ثنا الربيع بن سليمان، قال: ثنا ابن وهب به. وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ٢٤) وقال: \"رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح. وفد ذكر الطبراني عبد الرحمن في الصحابة\".\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين مكرر في ز.\n[¬٢]- في خ: \"وحدثنا\".\n[¬٣]- بعده في ز: عن.\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- في ز: \"المراى\"، خ: \"المرائى\".\n[¬٦]- في ز: \"مغفور\".","vol":"9","page":129},{"text":"رسول الله ﷺ وهو في بعض أبياته: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾، فخرج يلتمسهم، فوجد قومًا [يذكرون الله تعالى] [¬١]؛ منهم ثائر الرأس، [وجاف الجلد] [¬٢]، [وذو الثوب الواحد] [¬٣]، فلما رآهم جلس معهم وقال: \"الحمد لله الذي جعل [¬٤] في أمتي من أمرني الله أن أصبر نفسي معهم\".\nعبد الرحمن هذا ذكره أبو بكر بن أبي داود في الصحابة، وأما أبوه [¬٥] فَمِن سادات الصحابة ﵃.\nوقوله: ﴿وَلَا تَعْدُ عَينَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ قال ابن عباس: ولا تجاوزهم [¬٦] إلى غيرهم يعني: تطلب بدلهم أصحاب الشرف والثروة. ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا﴾، أي: شغل عن الدين وعبادة ربه بالدنيا ﴿وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾، أي: أعماله وأفعاله سفه وتفريط وضياع، ولا تكن [¬٧] مطيعًا له، ولا محبًّا لطريقته، ولا تغبطه بما هو فيه، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَينَيكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيرٌ وَأَبْقَى﴾.\n﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا (٢٩)﴾\nيقول تعالى لرسوله محمد ﷺ: ﴿وقل﴾ يا محمد للناس: هذا الذي جئتكم به من ربكم هو الحق الذي لا مرية فيه ولا شك، ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ هذا من باب التهديد والوعيد الشديد، ولهذا قال: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا﴾، أي: أرصدنا ﴿للظالمين﴾، وهم الكافرون بالله ورسوله وكتابه ﴿نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾، أي: سورها.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في خ: \"يذكر الله\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز: \"وخاف الحدد\"، خ: \"وخاف الحدود\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في خ: \"والثواب الواخذ\".\n[¬٤]- سقط من: ز.\n[¬٥]- في خ: \"أبو داود\".\n[¬٦]- في خ: \"تجاوزوهم\".\n[¬٧]- سقط من: ز، خ.","vol":"9","page":130},{"text":"قال الإمام أحمد (^٤٢): حدثنا حسن بن موسى، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري، عن رسول الله ﷺ أنه قال: \"لسرادق النار أربعة جدر، كثافة كل جدار مثل مسافة أربعين سنة\" وأخرجه الترمذي في صفة النار، وابن جرير في تفسيره: من حديث دراج أبي السمح به [وقال ابن جريج: قال ابن عباس: ﴿أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾، قال: حائط من نار] [¬١].\nوقال ابن جرير (^٤٣): حدثني الحسين بن نصر، والعباس بن محمد، قالا: حدثنا أبو عاصم، عن عبد الله بن أمية، [حدثني محمد بن حُيي بن يعلى، عن صفوان بن يعلى، عن يعلى بن أمية] [¬٢] قال: قال رسول الله ﷺ: \"البحر هو جهنم\". قال: فقيل له: [كيف ذلك؟] [¬٣] فتلا هذه الآية، أو قرأ هذه الآية: ﴿نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾، ثم قال: والله لا أدخلها أبدًا -أو: ما دمت حيًّا [¬٤]- لا [¬٥] تصيبني [¬٦] منها قطرة.\n_________\n(^٤٢) \" المسند\" (٣/ ٢٩) وأخرجه أبو يعلى في مسنده (٢/ ١٣٨٩) وابن الجوزي في \"العلل المتناهية\" (٢/ ٩٣٦) من طريق أبي خيثمة زهير بن حرب، قال: ثنا الحسن بن موسى به.\nوقال ابن الجوزي: \"هذا حديث لا يصح، ابن لهيعة ذاهب الحديث، قال أحمد: أحاديث دراج مناكير\".\nوأخرجه ابن المبارك في مسنده (١٣١) ونعيم بن حماد في \"زوائد الزهد\" (٣١٦) - ومن طريق ابن المبارك أيضًا الترمذي، كتاب: صفة جهنم، باب: ما جاء في صفة شراب أهل النار (٢٥٨٧) وابن جرير في تفسيره (١٥/ ٢٣٩) والبغوي في \"شرح السنة\" (٤٠٧) (١٥/ ٢٤٥) - أخبرنا رشدين بن سعد عن عمرو بن الحارث عن دراج به وقال الترمذي: \"هذا حديث إنما نعرفه من حديث رشدين بن سعد، وفي رشدين مقال، وقد تكلم فيه من قبل حفظه، لكن تابعه عبد الله بن وهب أخبرني عمرو بن الحارث به أخرجه ابن جرير وصححه الحاكم (٤/ ٦٠٠، ٦٠١) من هذه الطريق، ووافقه الذهبي.\nفالحمل فيه على دراج، فهو وإن كان صدوقًا إلا أن في حديثه عن أبي الهيثم ضعفا كما قال أبو داود وغيره. والحديث زاد نسبته السيوطي في \"الدر المنثور\" (٤/ ٣٩٩) إلى ابن أبي الدنيا \"صفة النار\" وابن أبي حاتم واين حبان وأبي الشيخ وابن مردويه.\n(^٤٣) أخرجه ابن جرير في تفسيره (١٥/ ٢٣٩).\nوالحديث أخرجه أحمد (٤/ ٢٢٣). والبخاري في التاريخ الكبير (١/ ٧٠)، (٤/ ٤١٤). والحاكم في مستدركه (٤/ ٥٩٦) (٨٧٦٢). والبيهقي في الكبرى (٤/ ٣٣٤) وفي البعث والنشور (٤٢٥). وأبو نعيم في أخبار أصبهان (٢/ ١). كلهم من طريق أبي عاصم قال: ثنا عبد الله بن أمية، قال: حدثني محمد بن حيي، قال: حدثني صفوان بن يعلى عن أبيه مرفوعًا به. =\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- في خ: \"لا\".\n[¬٦]- في ز، خ: \"يصيبني\".","vol":"9","page":131},{"text":"وقوله: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾، قال ابن عباس (^٤٤): المهل: ماء غليظ مثل دردي [¬١] الزيت [¬٢].\nوقال مجاهد: هو كالدم والقيح.\nوقال عكرمة: هو الشيء الذي انتهى حره.\nوقال آخرون: هو كل شيء أذيب.\nوقال قتادة (^٤٥): أذاب ابن مسعود شيئًا من الذهب في أخدود، فلما [¬٣] انماع وأزبد قال: هذا أشبه شيء بالمهل.\nوقال الضحاك: ماء جهنم أسود، وهي سوداء وأهلها سود.\n_________\n= وقال الحاكم: حديث صحيح الإسناد، ومعناه أن البحر صعب كأنه جهنم. ووافقه الذهبي.\nوذكره الهيثمي في المجمع (١٠/ ٣٨٩) وقال: رواه أحمد ورجاله ثقات.\nقلت: محمد بن حيى: هذا ذكر البخاري في \"التاريخ الكبير\"، وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٧/ ٢٣٩) (١٣١٢)، ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا. ووثقه ابن حبان \"الثقات\" (٧/ ٣٦٦) وأعله الألباني بمحمد بن حيى هذا فكان من نصيب الضعيفة (٣/ ١٠٢٣). والحديث زاد نسبته السيوطي في الدر المنثور (٤/ ٣٩٩) إلى ابن أبي الدنيا وابن أبي حاتم وابن مردويه.\n(^٤٤) أخرجه ابن جرير في تفسيره (١٥/ ٢٤٠). وهناد في الزهد (٢/ ١٨٥) (٢٨٣).\nمن طريق عطية بن سعد العوفي عن ابن عباس به، وعطية ضعيف، وعلقه البخاري في صحيحه -كتاب التفسير (٦٥)، باب: سورة حم الدخان (٤٤)، (٨/ ٥٧٠).\nوقال ابن حجر في الفتح: وصله ابن أبي حاتم من طريق مطرف عن عطية، سئل ابن عباس عن المهل … \".\nوزاد نسبته السيوطي في الدر المنثور (٤/ ٤٠٠) إلى ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم ولم يعزه للبخاري!\n(^٤٥) أخرجه ابن جرير في تفسيره (١٥/ ٢٣٩ - ٢٤٠) مطولًا وفيه انقطاع، فإن قتادة لم يسمع من ابن مسعود. وأخرجه الطبراني في الكبير (٩/ ٢٥٤) (٩٠٨٢) وهناد في الزهد (١/ ١٨٤ - ١٨٥) (٢٨٢). من طريق وكيع عن سلمة بن نبيط عن الضحاك عن ابن مسعود. أنه أذاب فضة من بيت المال، ثم أرسل إلى أهل المسجد: من أحب أن ينظر إلى المهل فلينظر إلى هذا.\nوالضحاك هو ابن مزاحم قيل: إنه لم يثبت له سماع من أحد من الصحابة، وهو صدوق كثير الإرسال =\n_________\n[¬١]- في خ: \"ردي\". والدردي: ما رسب أسفل العسل والزيت ونحوهما من كل شيء مائع كالأشربة والدهان. الوسيط (١/ ٢٨٨).\n[¬٢]- في ز: \"الزبيب\".\n[¬٣]- في ت: \"فما\".","vol":"9","page":132},{"text":"وهذه الأقوال ليس شيء منها ينفي الآخر؛ فإن المهل يجمع هذه الأوصاف الرذيلة كلها، فهو أسود منتن غليظ حار، ولهذا قال: ﴿يَشْوي الْوُجُوهَ﴾ أي: من حره، إذا أراد الكافر أن يشربه وقربه من وجهه شواه، حتى يسقط جلد وجهه فيه، كما جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد (^٤٦) بإسناده المتقدم في سرادق النار عن أبي سعيد الخدري، عن رسول الله، ﷺ أنه قال: \"ماء كالمهل -قال- كعكر الزيت، فإذا قربه إليه سقطت فروة وجهه فيه\". وهكذا رواه الترمذي في صفة النار من جامعه: من حديث رشدين بن سعد، عن عمرو بن الحارث، عن دراج به. ثم قال: لا نعرفه إلا من حديث رشدين، وقد تكلم فيه من قِبَل حفظه. هكذا قال، وقد رواه الإمام أحمد كما تقدم: عن حسن الأشيب، عن ابن لهيعة، عن دراج، والله أعلم.\nوقال عبد الله بن المبارك، وبقية بن الوليد (^٤٧): عن صفوان بن عمرو، عن عبد [¬١] الله\n_________\n= وفي طريق الطبراني السابق يحيى الحماني، ولذلك أعله الهيثمي به كما في المجمع (٧/ ١٠٨). فقال: \"رواه الطبراني، وفيه يحيى الحماني وهو ضعيف\". وأخرجه ابن جرير في تفسيره (٢٥/ ١٣١). والطبراني في الكبير (٩/ ٢٥٤) (٩٠٨٣). كلاهما عن أبي معاوية عن عمرو بن ميمون عن أبيه عن عبد الله به.\nوعمرو بن ميمون وأبوه ثقتان، ولكن ميمون وهو ابن مهران كان يرسل، ولعل هذا من مرسلاته فإني لم أجد من صرح بسماعه من ابن مسعود.\n(^٤٦) أخرجه أحمد في \"المسند\" (٣/ ٧٠، ٧١) ثنا حسن بن موسى، ثنا ابن لهيعة ثنا دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد مرفوعًا به وأخرجه أسد بن موسى في \"الزهد\" (٢٧) ثنا ابن لهيعة به، وأبو يعلى في مسنده (٢/ ١٣٧٥) ثنا زهير حسن بن موسى به، وأخرجه ابن المبارك في مسنده (١٣٠) ومن طريق عبد بن حميد في \"المنتخب\" (٩٣٠) والترمدي، كتاب: صفة جهنم، باب: ما جاء في صفة شراب أهل النار (٢٥٨٤) والبغوي في \"شرح السنة\" (١٥/ ٤٤٠٧) - وهو في (زوائد نعيم بن حماد) (رقم ٣١٦) ومن طريقه الطبراني في \"الأوسط\" (٣/ ٣١٣٧)، وأخرجه الترمذي أيضًا في \"التفسير باب: ومن سورة سأل سائل\" (٣٣٢٢) من طريق أبي كريب ثلاثتهم (ابن المبارك ونعيم وأبو كريب) عن رشدين بن سعد عن عمرو بن الحارث عن دراج أبي السمح به. وقال الترمذي: هذا حديث إنما نعرفه من حديث رشدين بن سعد، وفي رشدين مقال، وقد تكلم فيه من قبل حفظه\". وقال الطبراني: \"لم يرو هذا الحديث عن عمرو إلا رشدين\" كذا وقد توبع رشدين على هذا الإسناد فأخرجه ابن جرير (١/ ٢٣٩) وابن حبان (١٦/ ٧٤٧٣ - إحسان) و(٨/ ٢٦١٢ - موارد) والحاكم (٢/ ٥٠١) (٤/ ٦٠٤) ومن طريقه البيهقي في \"البعث\" (٥٥٠) من طريق عبد الله بن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث به. وقال الحاكم: \"صحيح الإسناد\" ووافقه الذهبي.\nكذا قالا ورواية دراج عن أبي الهيثم ضعيفة، كما قال أبو داود وغيره والحديث زاد نسبته السيوطي في \"الدر المنثور\" (٤/ ٢٢٠ - ٢٢١) إلى ابن أبي حاتم وابن مردويه.\n(^٤٧) تقدم تخريجه [سورة إبراهيم / آية ١٧].\n_________\n[¬١]- في ز: \"عبيد\".","vol":"9","page":133},{"text":"ابن بُسر [¬١]، عن أبي أمامة ﵁ عن النبي ﷺ في قوله: ﴿ويسقى من ماء صديد، يتجرعه﴾، قال: \"يقرب إليه فيتكرهه، فإذا قرب منه شوى وجهه، ووقعت فروة رأسه، فإذا شرب [¬٢] قطع أمعاءه، يقول الله تعالى: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ﴾.\nوقال سعيد بن جبير: إذا جاع أهل النار استغاثوا بشجرة الزقوم، فأكلوا [¬٣] منها، فاختلست جلود وجوههم، فلو أن [مارًّا مر] [¬٤] بهم يعرفهم [¬٥] لعرف [¬٦] جلود وجوههم فيها، ثم يصب عليهم العطش فيستغيثون، فيغاثون بماء كالمهل، وهو الذي قد انتهى حره، فإذا أدنوه من أفواههم اشتوى من حره لحوم وجوههم التي قد سقطت عنها الجلود\" ولهذا قال تعالى بعد وصفه هذا الشراب بهذه الصفات القبيحة: ﴿بِئْسَ الشَّرَابُ﴾، أي: بئس هذا شرابًا [¬٧]، كما قال في الآية الأخرى: ﴿وسقوا ماءً حميمًا فقطع أمعاءهم﴾ وقال تعالى: ﴿تسقى من عين آنية﴾ أي: حارة، كما قال تعالى: ﴿وبين حميم آن﴾.\n﴿وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ [أي: وساءت النار] [¬٨] منزلًا، ومقيلًا، ومجتمعًا، وموضعًا للارتفاق، كما قال في الآية الأخرى: ﴿إنها ساءت مستقرًّا ومقامًا﴾.\n﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا (٣٠) أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاورَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا (٣١)﴾\nلما ذكر تعالى حال الأشقياء ثنى بذكر [¬٩] السعداء: الذين آمنوا بالله، وصدقوا المرسلين فيما جاءوا به، وعملوا بما أمروهم به من الأعمال الصالحة، فلهم جنات عدن، والعدن: الإقامة.\n﴿تجري من تحتهم الأنهار﴾ أي: من تحت غرفهم ومنازلهم، قال فرعون: ﴿وهذه\n_________\n[¬١]- في ز: \"بشر\".\n[¬٢]- في ت: \"شربه\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"فيأكلون\".\n[¬٤]- في ز: \"دمارًا\"، خ: \"دثارًا\".\n[¬٥]- سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- في خ: \"يعرف\".\n[¬٧]- في ت: \"الشراب\".\n[¬٨]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٩]- في خ: \"بحال\".","vol":"9","page":134},{"text":"الأنهار تجري من تحتي﴾ الآية.\n﴿يحلون﴾ أي: من الحلية ﴿فيها من أساور من ذهب﴾، وقال في المكان الآخر: ﴿ولؤلؤًا ولباسهم فيها حرير) وفصله هاهنا فقال: ﴿وبلبسون ثيابًا خضرًا من سندس وإستبرق﴾، فالسندس: ثياب [¬١] رفاع [¬٢] رقاق كالقمصان وما جرى مجراها. وأما الإستبرق: فغليظ الديباج وفيه بريق.\nوقوله: ﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ﴾: الاتكاء، قيل: الاضطجاع، وقيل [¬٣]: التربع في الجلوس، وهو أشبه بالمراد [¬٤] هاهنا، ومنه الحديث الصحيح (^٤٨): \" أما أنا فلا آكل متكئًا\" فيه القولان.\nوالأرائك: جمع أريكة: وهي السرير تحت الحَجَلة، والحَجَلة: كما يعرفه الناس في زماننا هذا بالباشخاناه [¬٥]، والله أعلم.\nقال عبد الرزاق (^٤٩): أخبرنا معمر، عن قتادة: ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ﴾، قال: هي الحجال. قال معمر: وقال غيره: السرر في الحجال.\nوقوله: ﴿نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا﴾ [أي: نعمت الجنة ثوابًا على أعمالهم، ﴿وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا﴾ أي: حسنت منزلًا ومقيلًا ومقامًا، كما قال في النار: ﴿بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ [¬٦] وهكذ [¬٧] قابل بينهما في سورة الفرقان في قوله: ﴿إنها ساءت مستقرًا ومقامًا﴾ ثم ذكر صفات المؤمنين فقال: ﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا (٧٥) خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾.\n_________\n(^٤٨) أخرجه البخاري -كتاب الأطعمة، باب: الأكل متكئًا، (٥٣٩٨، ٥٣٩٩). وأبو داود -كتاب الأطعمة، باب: ما جاء في الأكل متكئًا - (٣٧٦٩). والترمذي -كتاب الأطعمة، باب: ما جاء في كراهية الأكل متكئًا (١٨٣٠). وابن ماجة -كتاب الأطعمة، باب: الأكل متكئًا (٣٢٦٢). وأحمد في مسنده (٤/ ٣٠٨ - ٣٠٩) من طريق علي بن الأقمر عن أبي جحيفة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ … فذكره.\n(^٤٩) \" التفسير\" لعبد الرزاق (٢/ ٤٠٣) ومن طريقه ابن جرير في تفسيره (١٥/ ٢٤٣). وذكره السيوطي في الدر المنثور (٤/ ٤٠٣) وزاد عزوه إلى عبد بن حميد ولم يعز إلى عبد الرزاق.\n_________\n[¬١]- في ت: \"لباس\".\n[¬٢]- في خ: \"رقاع\".\n[¬٣]- في ز: \"في\".\n[¬٤]- في ز، خ: \"في المراد\".\n[¬٥]- في ز: \"بالبشخاناه\".\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٧]- في ز، خ: \"هذا\".","vol":"9","page":135},{"text":"﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَينِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَينِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَينَهُمَا زَرْعًا (٣٢) كِلْتَا الْجَنَّتَينِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيئًا وَفَجَّرْنَا خِلَالهُمَا نَهَرًا (٣٣) وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَال لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاورُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا (٣٤) وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَال مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا (٣٥) وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا (٣٦)﴾\nيقول تعالى بعد ذكر [¬١] المشركين المستكبرين عن مجالسة الضعفاء، والمساكين من المسلمين، وافتخروا عليهم بأموالهم وأحسابهم [¬٢]، فضرب لهم مثلًا برجلين؛ جعل الله ﴿لأحدهما جنتين﴾، أي: بستانين من أعناب محفوفتين بالنخل، المحدقة في جنباتهما، وفي خلالهما الزروع، وكل [¬٣] من الأشجار والزروع مثمر مقبل في غاية الجودة، ولهذا قال: ﴿كلتا الجنتين آتت أكلها﴾، أي: أخرجت ثمرها ﴿ولم تظلم منه شيئًا﴾، [أي: ولم تنقص منه شيئًا] [¬٤]، ﴿وفجرنا خلالهما نهرًا﴾، أي: والأنهار تخترق فيهما هاهنا وهاهنا.\n﴿وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ﴾ قيل: المراد به المال.\nروي عن ابن عباس، ومجاهد، وقتادة. وقيل: الثمار، وهو أظهر هاهنا، ويؤيده القراءة الأخرى: (وكان له ثُمْر) بضم الثاء وتسكين الميم، فيكون جمع ثمرة، كخشبة وخشب.\nوقرأ آخرون ﴿ثمَر﴾ بفتح الثاء والميم ﴿فقال﴾، أي: صاحب هاتين الجنتين [¬٥] ﴿لصاحبه وهو يحاوره﴾، أي: يجادله ويخاصمه، يفتخر عليه ويترأس: ﴿أنا أكثر منك مالًا وأعز نفرًا﴾ أي: أكثر خدمًا وحشمًا وولدًا.\nقال قتادة: تلك والله أمنية الفاجر: كثرة المال وعزة النفر.\n_________\n[¬١]- في خ: \"ذكره\".\n[¬٢]- في خ: \"وأجسامهم\".\n[¬٣]- في خ: \"وفي كل\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٥]- سقط من: خ.","vol":"9","page":136},{"text":"وقوله: ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾، أي: بكفره، وتمرده، وتكبره، وتجبره، وإنكاره المعاد ﴿قَال مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا﴾ وذلك اغترار منه، لما رأى فيها من الزروع والثمار والأشجار، والأنهار المطردة في جوانبها وأرجائها، ظن أنها لا تفنى ولا تفرغ ولا تهلك ولا تتلف، وذلك لقلة عقله، وضعف يقينه بالله، وإعجابه بالحياة الدنيا وزينتها، وكفره بالآخرة، ولهذا قال: ﴿وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً﴾، أي: كائنة، ﴿وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا﴾، أي: ولئن كان معاد ورجعة ومرد إلي الله، ليكونن لي هناك أحسن من هذا لأني مُحْظًى [¬١] عند ربي، ولولا كرامتي [¬٢] عليه ما أعطاني هذا، كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى﴾ وقال: ﴿أَفَرَأَيتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَال لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا﴾ أي: في الدار الآخرة، تألَّى علي الله ﷿ وكان سبب نزولها في العاص بن وائل (^٥٠)، كما سيأتي بيانه في موضعه إن شاء الله تعالى، وبه الثقة وعليه التكلان.\n﴿قَال لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاورُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا (٣٧) لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا (٣٨) وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إلا بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا (٣٩) فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا (٤٠) أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا (٤١)﴾\nيقول تعالى مخبرًا عما أجابه به صاحبه المؤمن، واعظًا له، وزاجرًا عما هو فيه من الكفر بالله والاغترار: ﴿أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا﴾، وهذا إنكار وتعظيم لما وقع فيه من جحود ربه الذي خلقه وابتدأ خلق الإنسان من طين، وهو آدم، ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين، كما قال تعالى ﴿كَيفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ أي: كيف تجحدون ربكم ودلالته عليكم ظاهرة جلية، كل أحد يعلمها من نفسه، فإنه ما من أحد من المخلوقات إلا ويعلم أنه كان معدومًا ثم وجد، وليس وجوده من نفسه، ولا مستندًا إلي بين شيء من المخلوقات؛ لأنه\n_________\n(^٥٠) يأتي في تفسير [سورة مريم / آية رقم ٧٧].\n_________\n[¬١]- في خ: \"محضى\".\n[¬٢]- في ز: \"إكرامي\".","vol":"9","page":137},{"text":"بمثابته، فعلم إسناد إيجاده إلي خالقه، وهو الله لا إله إلا هو خالق كل شيء، ولهذا قال: ﴿لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي﴾ أي: لكن [¬١] أنا لا أقول بمقالتك، بل أعترف لله بالوحدانية والربوبية ﴿وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا﴾، أي: بل هو الله المعبود وحده لا شريك له.\nثم قال: ﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ [قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إلا بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا]﴾ [¬٢]: [وهذا تحضيض] [¬٣] وحث علي ذلك، ﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ [قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إلا بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا﴾ أي: هلا إذ أعجبتك حين دخلتها ونظرت إليها، فحمد [¬٤] الله على ما أنعم به عليك، وأعطاك من المال والولد ما لم يعط غيرك، وقلت ﴿مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إلا بِاللَّهِ﴾، ولهذا قال بعض السلف: من أعجبه شيء من حاله، أو ماله، أو ولده فليقل: ما شاء الله لا قوة إلا بالله. وهذا مأخوذ من هذه الآية الكريمة.\nوقد روي فيه حديث مرفوع أخرجه الحافظ أبو يعلى الموصلي في مسنده (^٥١).\nحدثنا جراح بن مخلد، حدثنا عمر بن يونس، حدثنا عيسى بن عون، حدثنا عبد الملك بن زرارة، عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ ﷺ: \"ما أنعم الله على عبد نعمة من أهل أو مال أو ولد فيقول: ما شاء الله لا قوة إلا بالله\" فيرى فيه آفة دون الموت\". وكان يتأول هذه الآية: ﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إلا بِاللَّهِ﴾.\nقال الحافظ أبو الفتح الأزدي: عيسى بن عون عن عبد الملك بن زرارة عن أنس: لا يصح حديثه.\nوقال الإِمام أحمد (^٥٢): حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة وحجاج؛ حدثني شعبة -\n_________\n(^٥١) إسناده ضعيف. وذكره المصنف في \"البداية والنهاية\" (٢/ ١٤١) كما هنا وقال: \"وفي صحته نظر\" وكذا عزاه لأبي على الحافظ ابن حجر في المطالب العالية (٣/ ٣٥٠) (٣٦٧٣). والحديث أخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب \"الشكر\" (رقم ١) وأبو بكر بن السني في \"عمل اليوم والليلة\" (٣٥٧) والطبراني في \"الأوسط\" (٤/ ٣٠١) (٤٢٦١)، (٦/ ١٢٦) (٥٩٩٥) والخطيب في \"تاريخ بغداد\" (٣/ ١٩٨ - ١٩٩) والبيهقي في شعب الإيمان (٤/ ٨٩ - ٩٠) (٤٣٦٩)، (٤/ ١٢٤) (٤٥٢٥). وفي \"الأسماء والصفات\" (١/ ٣٣٨، ٣٣٩) من طريق عمر بن يونس عن عيسى بن عون به. وقال الهيثمي في المجمع (١٠/ ١٤٣): رواه الطبراني في \"الصغير\" و\"الأوسط\" وفيه عبد الملك بن زرارة وهو ضعيف.\n(^٥٢) إسناده ضعيف وصح من طرق أخرى عن أبي هريرة. =\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في ز: \"وهلا تخصيص\".\n[¬٤]- في ز، خ: \"فحمدت\".","vol":"9","page":138},{"text":"عن عاصم بن عبيد الله، [عن عبيد] [¬١] مولى أبي رهم، عن أبي هريرة، عن النبي، ﷺ، أنه قال: \"ألا أدلك علي كنز من كنوز الجنة؛ لا قوة إلا بالله\" تفرد به أحمد.\nوقد ثبت في الصحيح (^٥٣) عن أبي موسى أن رسول الله ﷺ ﷺ قال له: \"ألا أدلك علي كنز من كنوز الجنة؛ لا حول ولا قوة إلا بالله\".\nوقال الإمام أحمد: (^٥٤) حدثنا بكر بن عيسى، حدثنا أبو عوانة، عن أبي بَلْج [¬٢]، عن عمرو بن ميمون، قال: قال أبو هريرة: قال لي نبي الله ﷺ: \"يا أبا هريرة، [ألا] [¬٣] أدلك علي كنز من كنوز الجنة تحت العرش؟ \" قال: قلت: نعم، فداك أبي وأمي! قال: \"أن تقول: لا قوة إلا بالله\"- قال أبو بَلْج [¬٤]: وأحسب انه قال: \"فإن الله يقول: أسلم عبدي واستسلم\". قال: فقلت لعمرو- قال أبو بَلْج [¬٥]: قال عمرو: قلت لأبي هريرة: لا حول ولا قوة إلا بالله؛ فقال: لا، إنها في سورة الكهف: ﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إلا بِاللَّهِ﴾.\nوقوله: ﴿فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيرًا مِنْ جَنَّتِكَ﴾، أي: في الدار الآخرة ﴿وَيُرْسِلَ عَلَيهَا﴾، أي: على جنتك في الدنيا التي ظننت أنها لا تبيد ولا تفنى ﴿حُسْبَانًا مِنَ\n_________\n= أخرجه أحمد (٢/ ٤٦٩). قلت: وهذا إسناد ضعيف. وعلته، عاصم بن عبيد الله وهو ابن عاصم بن عمر بن الخطاب. قال البخاري وأبو حاتم: منكر الحديث. وقال النسائي: لا نعلم مالكا روى عن إنسان ضعيف مشهور بالضعف إلا عاصم بن عبيد الله. وضعفه يحيى بن معين. [انظر تهذيب الكمال (١٣/ ٥٠٠) (٣٠١٤). وشيخه عبيد هو ابن أبي عبيد مولى أبي رهم، قال الحافظ في \"التقريب\" مقبول، وقد صح الحديث من طرق أخرى عن أبي هريرة سيذكرها المصنف.\n(^٥٣) أخرجه البخاري -كتاب المغازي، باب غزوة خيبر (٤٢٠٥). وكتاب الجهاد، باب ما يكره من رفع الصوت في التكبير (٢٩٩٢). وفي الدعوات، باب الدعاء إذا علا (٦٤٠٩). وكتاب القدر، باب لا حول ولا قوة إلا بالله (٦٦١٠). وكتاب التوحيد، باب \"وكان الله سميعًا بصيرًا\" (٧٣٨٦).\n(^٥٤) أخرجه أحمد (٢/ ٣٣٥)، (٢/ ٣٦٣) مختصرًا. وأبو بلج هو الفزاري اسمه يحيى بن سليم أو ابن أبي سليم أو ابن أبي الأسود صدوق ربما أخطأ- قاله الحافظ في التقريب. والحديث أخرجه الطيالسي (٢٤٩٤)، والحاكم (١/ ٢١) من طريق يحيى بن سليم أبي بلج عن عمرو بن ميمون به.\nوقال الحاكم: \"صحيح ولا يحفظ له علة\" ووافقه الذهبي، وأقرهما الألباني كما في الصحيحة (٤/ ٣٥) (١٥٢٨). وله طرق أخرى عن أبي هريرة انظرها في \"الصحيحة\".\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في ز، خ: \"بلخ\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ت\n[¬٤]- في ز: \"بلخ\".\n[¬٥]- في ز، خ: \"بلخ\".","vol":"9","page":139},{"text":"السَّمَاءِ﴾ قال ابن عباس، والضحاك، وقتادة، ومالك عن الزهري: أي: عذابًا من السماء.\nوالظاهر: أنه مطر عظيم مزعج، يقلع زرعها وأشجارها، ولهذا قال: ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾، أي: بلقعًا ترابًا أملس، لا يثبت فيه قدم.\nوقال ابن عباس: كالجُرُز الذي لا ينبت شيئًا.\nوقوله [¬١]: ﴿أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا﴾، أي: غائرًا في الأرض، وهو ضد التابع [¬٢] الذي يطلب وجه الأرض، فالغائر يطلب أسفلها [¬٣]، كما قال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ﴾، أي: جار وسائح، وقال هاهنا: ﴿أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا﴾ والغور: مصدر بمعنى غائر، وهو أبلغ منه، كما قال الشاعر:\nتظل جياده نوحًا عليه … تقلده أعنتها صفوفًا\nبمعنى: نائحات عليه.\n﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاويَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَاليتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا (٤٢) وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا (٤٣) هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيرٌ ثَوَابًا وَخَيرٌ عُقْبًا (٤٤)﴾\nيقول تعالى: ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾ بأمواله أو بثماره علي القول الآخر، والمقصود أنه وقع بهذا الكافر ما كان يحذر مما [¬٤] خوفه به المؤمن، من إرسال الحسبان علي جنته التي اغتر بها وألهته عن الله ﷿، ﴿فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا﴾، قال [¬٥] قتادة: يصفق كفيه متأسفًا متلهفًا علي الأموال التي أذهبها عليها ﴿وَيَقُولُ يَاليتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا (٤٢) وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ﴾، أي: عشيرة أو ولد كما افتخر بهم واستعز، ﴿يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا (٤٣) هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ﴾ اختلف القراء هاهنا؛ فمنهم من يقف علي قوله: ﴿وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا (٤٣) هُنَالِكَ﴾، أي: في ذلك الموطن الذي حل به عذاب الله، فلا منقذ له منه، ويبتدئ بقوله: ﴿الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ﴾ [ومنهم من يقف\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- في خ: \"التابع\".\n[¬٣]- في ز: \"أسفل\".\n[¬٤]- في خ: \"ما\".\n[¬٥]- مكانها بياض في ز. وفي خ: \"وقال\".","vol":"9","page":140},{"text":"على: ﴿وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا﴾ ويبتدئ بقوله: ﴿هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ﴾] [¬١].\nثم اختلفوا في قراءة ﴿الْوَلَايَةُ﴾، فمنهم من فتح الواو، فيكون المعنى: هنالك الموالاة [¬٢] لله، أي: هنالك كل أحد من مؤمن أو كافر يرجع إلي الله، وإلى موالاته والخضوع له إذا وقع العذاب، كقوله: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ﴾، وكقوله إخبارًا عن فرعون: ﴿حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَال آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إلا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩٠) آلْآنَ وَقَدْ عَصَيتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ ومنهم من كسر الواو من ﴿الْوَلَايَةُ﴾ أي: هنالك الحكم لله الحق، ثم منهم من [¬٣] رفع ﴿الْحَقِّ﴾ علي أنه نعت للولاية، كقوله تعالى: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾ ومنهم من خفض القاف على أنه نعت لله ﷿، كقوله: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾، ولهذا قال تعالى: ﴿هُوَ خَيرٌ ثَوَابًا﴾، أي: جزاء ﴿وَخَيرٌ عُقْبًا﴾، أي: الأعمال التي تكون لله ﷿ ثوابها خير، وعاقبتها حميدة رشيدة، كلها خير.\n﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ مُقْتَدِرًا (٤٥) الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيرٌ أَمَلًا (٤٦)﴾\nيقول تعالى: ﴿وَاضْرِبْ﴾ يا محمد للناس ﴿مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾، في زوالها وفنائها وانقضائها ﴿كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ﴾، أي: ما فيها من الحب فشب وحسن، وعلاه الزهو [¬٤] والنور والنضرة، ثم بعد هذا كله ﴿فَأَصْبَحَ هَشِيمًا﴾ يابسًا ﴿تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ﴾، أي: تفرقه وتطرحه ذات اليمين وذات الشمال، ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ مُقْتَدِرًا﴾، أي: هو قادر علي هذه الحال وهذه الحال، وكثيرًا ما يضرب الله مثل الحياة الدنيا بهذا المثل، كما [قال تعالى] [¬٥] في سورة يونس: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ﴾ الآية، وقال في سورة الزمر: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٢]- في ز، خ: \"الولاية\".\n[¬٣]- بعده في ز، خ: قال:\n[¬٤]- في خ، ت: \"الزهر\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.","vol":"9","page":141},{"text":"السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾، وقال في سورة الحديد: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَينَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إلا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾.\nوفي [¬١] الحديث الصحيح (^٥٥): \" الدنيا حلوة خضرة\".\nوقوله: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾، كقوله: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ أي: الأقبال عليه والتفرغ لعبادته خير لكم من اشتغالكم بهم [¬٢]، والجمع لهم والشفقة المفرطة عليهم، ولهذا قال ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيرٌ أَمَلًا﴾ قال ابن عباس وسعيد بن جبير وغير واحد من السلف: ﴿الْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ﴾: الصلوات الخمس.\nوقال عطاء بن أبي رباح، وسعيد بن جبير، عن ابن عباس: الباقيات الصالحات: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر.\nوهكذا سئل أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ عن الباقيات الصالحات: ما هي؟ فقال: هن [¬٣] لا إله إلا الله، وسبحان الله، والحمد لله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله [] [¬٤]. رواه الإمام أحمد (^٥٦):\nحدثنا أبو عبد الرحمن المقرئ، حدثنا حيوة، أنبأنا أبو عقيل، أنه سمع الحارث مولى عثمان ﵁ يقول: جلس عثمان يومًا وجلسنا معه، فجاءه المؤذن، فدعا بماء في إناء أظنه انه سيكون فيه مدّ فتوضأ، ثم قال: رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ وضوئي هذا، ثم قال: \"من توضأ وضوئي هذا ثم قام فصلى [¬٥]، صلاة الظهر، غفر له ما كان بينها وبين الصبح، ثم صلى العصر غفر له ما بينها وبين الظهر، ثم صلي\n_________\n(^٥٥) تقدم هنا [/ آية ٨].\n(^٥٦) تقدم تخريجه [سورة هود / آية ١١٤].\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- في خ، ت: \"هي\".\n[¬٤]- بعده في ت: العلي العظيم.\n[¬٥]- في ز: \"يصلى\".","vol":"9","page":142},{"text":"المغرب غفر له ما بينها وبين العصر، ثم صلي العشاء غفر له ما بينها وبين المغرب، ثم لعله يبيت يتمرغ ليلته، ثم إن قام فتوضأ وصلى صلاة الصبح غفر له ما بينها وبين صلاة العشاء، وهي الحسنات يذهبن السيئات\". قالوا: هذه الحسنات، فما الباقيات الصالحات يا عثمان؟ قال: هي: لا إله إلا الله، وسبحان الله، والحمد لله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله. تفرد به.\nوروى مالك (^٥٧): عن عمارة بن عبد الله بن صياد، عن سعيد بن المسيب، قال: الباقيات الصالحات: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله.\nوقال محمد بن عجلان (^٥٨): عن عمارة، قال: سألني سعيد بن المسيب عن الباقيات الصالحات؟ فقلت: الصلاة والصيام. قال: لم تصب. فقلت: الزكاة والحج. فقال: لم تصب، ولكنهن الكلمات الخمس: لا إله إلا الله، والله أكبر، وسبحان الله، والحمد لله، ولا حول ولا قوة إلا بالله.\nوقال ابن جريج (^٥٩): [عن مجاهد] [¬١] أخبرني عبد الله بن عثمان بن خثيم [¬٢]، عن نافع بن سرجس أنه أخبره: أنه سأل ابن عمر عن الباقيات الصالحات؟ قال: لا إله إلا الله، والله أكبر [وسبحان الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله. قال ابن جريج: وقال عطاء بن أبي رباح مثل ذلك] [¬٣].\n_________\n(^٥٧) إسناده صحيح. أخرجه ابن جرير في تفسيره (١٥/ ٢٥٤) (٢٥٥ - ٢٥٦).\nوعمارة بن عبد الله بن صياد، أبو أيوب المدني ثقة فاضل، وأبوه هو الذي كان يقال له: الدجال. قاله الحافظ في \"التقريب\".\n(^٥٨) أخرجه ابن جرير في تفسيره (١٥/ ٢٥٦).\n(^٥٩) أخرجه ابن جرير (١٥/ ٢٥٥) ونافع بن سرجس كناه ابن أبي حاتم في \"الجرح والتعديل\" (٨ / ت ٢٠٧١): أبا سويد\" وسأل أباه عنه فقال: \"لا أعلم إلا خيرًا\" وعبد الله بن عثمان: صدوق روى له مسلم والبخاري تعليقًا. والأثر أخرجه أيضًا البخاري في \"التاريخ الكبير\" [(١/ ٧٧) / ترجمة محمد بن درهم المكي] من طريق خطاب بن عثمان ثنا إسماعيل -وهو ابن عياش- عن محمد بن درهم عن ابن عمر به، ومحمد بن درهم، قال الأزدي: ليس بشيء. وقال ابن معين: ليس به بأس. وذكره ابن شاهين في \"الثقات\" وهو مترجم في \"لسان الميزان\".\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين زيادة من: الطبري.\n[¬٢]- في خ: \"خيثم\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.","vol":"9","page":143},{"text":"وقال عبد الرزاق (^٦٠): أخبرنا معمر، عن الحسن وقتادة في قوله: ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ﴾ قال: لا إله إلا الله، والله أكبر، والحمد لله، وسبحان الله؛ هن الباقيات الصالحات.\nقال ابن جرير (^٦١): وجدت في كتابي: عن الحسن بن الصباح البزار، عن أبي نصر التمار، عن عبد العزيز بن مسلم، عن محمد بن عجلان، عن سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ \"سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر: مِنَ الباقيات الصالحات\".\nقال (^٦٢): وحدثني يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرنا عمرو بن الحارث، أن دراجًا أبا السمح حدثه، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد، أن رسول الله ﷺ قال: \"استكثروا من الباقيات الصالحات\" قيل: وما هي يا رسول الله؟ قال: \"الملة\". قيل: وما هي يا رسول الله؟ قال: \"التكبير، والتهليل، والتسبيح، والحمد لله، ولا حول ولا\n_________\n(^٦٠) أخرجه ابن جرير في تفسيره (١٥/ ٢٥٥) قال: حدثنا الحسن بن يحيى قال: أخبرنا عبد الرزاق … فذكره،\n(^٦١) أخرجه ابن جرير في تفسيره (١٥/ ٢٥٥). والنسائي في الكبرى -كتاب عمل اليوم والليلة، باب: ثواب من سبح الله مائة وتسبيحة وتحميده وتكبيرة (٢٠١) - (١٠٦٨٤) (٦/ ٢١٢). والحاكم في مستدركه (١/ ٥٤١) (١٩٨٥) والطبراني في الأوسط (٤/ ٢١٩ - ٢٢٠) (٤٠٢٧). وفي الصغير (١/ ١٤٥) وفي الدعاء (٣/ ١٦٨٢) والعقيلي في الضعفاء (٣/ ١٧ - ١٨) ت (٩٧٣) والبيهقي في الشعب (٢/ ٥٩٨) وألفاظهم متقاربة. كلهم من طريق عبد العزيز في مسلم القَشْمَلى عن محمد بن عجلان عن سعيد بن أبي سعيد المقبري به.\nوقال الطبراني في \"الصغير\": لم يروه عن ابن عجلان إلا عبد العزيز بن مسلم، تفرد به داود بن بلال، وحفص بن عمر الحَوْضي. وقال الحاكم: \"حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه\" ووافقه الذهبي. وقال الهيثمي في المجمع (١٠/ ٩٢): \"رواه الطبراني في الصغير والأوسط، ورجاله في الصغير رجال الصحيح غير داود بن بلال -وهو الراوي عن عبد العزيز- وهو ثقة، وقال المنذري في \"الترغيب والترهيب\" (٢/ ٤٣٢): \"إسناده جيد قوي\".\n(^٦٢) إسناده ضعيف. أخرجه ابن جرير في تفسيره (١٥/ ٢٥٥).\nوأخرجه أحمد (٣/ ٧٥) رقم (١١٧٣٠) وأبو يعلى (٢/ ١٣٨٤) حدثنا زهير، حدثنا الحسن بن موسى به.\nوالبغوي في \"شرح السنة\" (٥/ ١٢٨٢) من طريق عثمان بن صالح، نا ابن لهيعة به. وأخرجه النسائي في \"عمل اليوم والليلة\" كما في التحفة (٣/ ٤٠٦٦) ولم أقف عليه في المطبوع والله تعالى أعلم -وابن حبان في \"صحيحه\" (٣/ ٨٤٠)، وهو في \"الموارد\" (٧/ ٢٣٣٢)، والحاكم في \"المستدرك\" (١/ ٥١٢)، وابن الكيكلدي في \"جزء في تفسير الباقيات الصالحات وفضلها\" (ص ٣٨)، والطبري في تفسيره (١٥/ ٢٥٥). من طريق ابن وهب أخبرنا عمرو بن الحارث أن درَّاجًا أبا السمح حدثه … فذكره. =","vol":"9","page":144},{"text":"قوة إلا بالله\" وهكذا رواه أحمد من حديث دراج به.\nوبه قال ابن وهب (^٦٣): أخبرني أبو صخر: أن عبد الله بن عبد الرحمن مولى سالم بن عبد الله حدثه قال: أرسلني سالم إلي محمد بن كعب القرظي، فقال: قل له: القني عند زاوية القبر، فإن لي إليك حاجة. قال: فالتقيا فسلم أحدهما علي الآخر، ثم قال سالم: ما تعد الباقيات الصالحات؟ فقال: لا إله إلا الله، وسبحان الله والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله. فقال [له سالم: متى جعلت فيها لا حول ولا قوة إلا بالله؟ قال] [¬١]: ما فأثبتُ أجعلها. قال: فراجعه مرتين، أو ثلاثًا فلم ينزع، قال: فأثبت [¬٢]. قال سالم: أجل فَأثبتُ [¬٣]، فإن أبا أيوب الأنصاري حدثني أنه سمع رسول الله ﷺ وهو يقول: \"عرج بي إلي السماء، فرأيت إبراهيم ﵇، فقال: يا جبريل، مَنْ هذا معك؟ فقال: محمد. فرحب بي وسهل، ثم قال: مر أمتك فلتكثر من غراس الجنة، فإن تربتها طيبة، وأرضها واسعة. فقلت: وما غراس الجنة؟ قال: لاحول ولا قوة إلا بالله\".\n_________\n= وقال الحاكم: \"هذا أصح إسناد المصريين فلم يخرجاه\" ووافقه الذهبي، وليس كما قالا.\nوذكره الهيثمي في \"المجمع\" (١٠/ ٩٠) وقال: \"رواه أحمد وأبو يعلى. . وإسنادهما حسن،\nوزاد نسبنه السيوطي في \"الدر المنثور\" (٤/ ٤٠٨) إلى سعيد بن منصور، وابن أبي حاتم، وابن مردويه. ويشهد له: حديث النعمان بن بشير، الآتي (٤/ ٢٦٧، ٢٦٨).\nوحديث عثمان بن عفان: المتقدم (٥١٣) (١/ ٧١).\nوحديث أبي هريرة عند النسائي في \"عمل اليوم والليلة\" من الكبرى (٦/ ١٠٦٨٤). والطبراني في \"الأوسط\" (٤/ ٤٠٢٧)، وفي \"الصغير\" (١/ ١٤٥)، والخطيب البغدادي في \"تاريخه\" (٩/ ٣٣٦)، وصححه الحاكم (١/ ٥٤١) ووافقه الذهبي.\nوانظر \"الدر المنثور\" (٤/ ٤٠٨، ٤٠٩)، و\"مجمع الزوئد\" (١٠/ ٩٠ - ٩٦).\n(^٦٣) أخرجه ابن جرير في تفسيره (١٥/ ٢٥٥) وأخرجه أحمد في مسنده (٥/ ٤١٨) وابن حبان في صحيحه (٣/ ١٠٣) (٨٢١). من طريق أبي صخر أن عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، أخبره عن سالم بن عبد الله بن عمر قال: حدثني أبو أيوب صاحب رسول الله ﷺ … الحديث، ولم يذكرا فيه قصة سالم مع محمد بن كعب القرظي، وذكره الهيثمي في المجمع (١٠/ ١٠٠) وقال: \"رواه أحمد، والطبراني … بنحوه، ورجال أحمد رجال الصحيح، غير عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، وهو ثقة، لم يتكلم فيه أحد، ووثقه ابن حبان\" وحسنه المنذري في \"الترغيب والترهيب\" (٢/ ٤٤٥).\nوزاد نسبته السيوطي في \"الدر المنثور\" (٤/ ٢٨١) إلى ابن أبي حاتم وابن مردويه.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٢]- في خ: \"فأبيت\".\n[¬٣]- في خ: \"فأبيت\".","vol":"9","page":145},{"text":"وقال الإِمام أحمد (^٦٤): حدثنا محمد بن يزيد، عن العوام، حدثني رجل من الأنصار من آل النعمان بن بشير، [عن النعمان بن بشير] [¬١] قال: خرج علينا رسول الله ﷺ ونحن في المسجد بعد صلاة العشاء، فرفع بصره إلي السماء، ثم خفض حتى ظننا أنه قد حدث في السماء شيء، ثم قال: \"أما إنه سيكون بعدي أمراء يكذبون ويظلمون، فَمنْ صدقهم بكذبهم ومالأهم على ظلمهم فليس مني، ولا أنا منه، ومَنْ لم يصدقهم بكذبهم، ولم بمالئهم على ظلمهم فهو مني وأنا منه، ألا وإن سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر هنّ الباقيات الصالحات\".\nوقال الإمام أحمد (^٦٥): حدثنا عفان، حدثنا أبان، حدثنا يحيى بن أبي كثير، عن زيد، عن [¬٢] أبي سلام، عن [¬٣] مولى [لرسول الله ﷺ أن] [¬٤] رسول الله ﷺ قال: \"بخ بخ! لخمس ما أثقلهن في الميزان: لا إله إلا الله، والله أكبر، وسبحان الله، والحمد لله، والولد الصالح يتوفى فيحتسبه والده\". وقال: \"بخ بخ! لخمس من لقي الله مستيقنًا بهن دخل الجنة: يؤمن بالله، واليوم الآخر، وبالجنة [¬٥] والنار، وبالبعث بعد الموت، وبالحساب\".\nوقال الإِمام أحمد (^٦٥): حدثنا روح، حدثنا الأوزاعي، حدثنا حسان بن عطية قال: كان شداد بن أوس ﵁[في سفر] [¬٦] فنزل منزلًا، فقال لغلامه: ائتنا بالسفرة [¬٧] نعبث بها. فأنكرت عليه، فقال: ما تكلمت بكلمة منذ أسلمت إلا وأنا أخْطمها [¬٨] وأزمها [¬٩] غير كلمتي هذه، فلا تحفظوها علي واحفظوا ما أقول لكم: سمعت\n_________\n(^٦٤) أخرجه أحمد (٤/ ٢٦٧ - ٢٦٨).\nوذكره الهيثمي في المجمع (٥/ ٢٥٠) وقال: \"رواه أحمد وفيه راو لم يسم، وبقية رجاله رجال الصحيح\". والحديث ذكره السيوطي في الدر المنثور مختصرًا (٤/ ٤٠٨) وزاد عزوه إلى سعيد بن منصور وابن مردويه.\n(^٦٥) أخرجه أحمد (٣/ ٤٤٣)، (٤/ ٢٣٧).\nوأبو سلام هو ممطور الأسود الحبشي. ذكره العجلي في ثقاته (ت: (١٩٥٩) وقال: شامي تابعي ثقة. وذكره ابن حبان في \"الثقات\".\nوزيد الراوي عنه هو حفيده. قال أبو الحسن الدارقطني: زيد بن سلام بن أبي سلام عن جده ثقتان.\nوقال الهيثمي في المجمع (١٠/ ٩١): \"رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح، والصحابي الذي لم يسم هو =\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٥]- في خ: \"الجنة\".\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٧]- في ز: \"بالشفرة\".\n[¬٨]- في خ: \"أحطمها\".\n[¬٩]- في ز، خ: \"وأرمها\".","vol":"9","page":146},{"text":"رسول الله ﷺ يقول: \"إذا كنز الناس الذهب والفضة، فاكنزوا هؤلاء الكلمات: اللهم إني أسألك الثبات في الأمر، والعزيمة على الرشد، وأسألك شكر نعمتك، وأسألك حسن عباددك، وأسألك قلبًا سليمًا، وأسألك لسانًا صادقًا، وأسألك من خير ما تعلم، وأعوذ بك من شر ما تعلم، وأستغفرك لما تعلم، إنك أنت علام الغيوب\".\n_________\n= ثوبان\" لكن نفى إلى معين وابن المديني وأحمد وغيرهم سماع ممطور أبي سلام من ثوبان.\nوالحديث أخرجه أيضًا أحمد (٥/ ٣٦٦). من طريق هشام بن أبي عبد الله الدستوائي عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلام به، دون ذكر زيد بن سلام، وهذا إسناد فيه انقطاع فإن يحيى لم يسمع من أبي سلام. قال يحيى بن معين: يحيى بن أبي كثير، يقول: حدث أبو سلام، ولم يلقه ولم يسمع منه شيئًا. وقال العجلي: لم يسمع منه يحيى بن أبي كثير.\nوقال عبد الصمد بن عبد الوارث عن حرب بن شداد: قال لي يحيى بن أبي كثير: كل شيء عن أبي سلام فإنما هو كتاب. والحديث أخرجه أيضًا النسائي في الكبرى -كتاب \"عمل اليوم والليلة\" باب ذكر حديث كعب بن عجرة في المعقبات. (٩٩٩٥) (٦/ ٥٠). وابن أبي عاصم في السنة (٢/ ٣٦٣) ٧٨١) والطبراني في المعجم الكبير (٢٢/ ٣٤٨) (٨٧٣) وفي كتاب الدعاء أيضًا (١٦٨٠) (٣/ ١٥٥٩ - ١٥٦٠). والحاكم في مستدركه (١/ ٥١١ - ٥١٢). وصححه ووافقه الذهبي، وابن حبان في صحيحه (٨٣٣) (٣/ ١١٤ - ١١٥) وابن سعد في الطبقات (٧/ ٣٠١ - ٣٠٢). من طريق عبد الله بن العلاء بن زبر وعبد الرحمن بن يزيد بن جابر قالا: حدثنا أبو سلام قال: حدثني أبو سلمى، راعي رسول الله ﷺ … فدكره مقتصرًا على الجزء الأول من الحديث، وألفاظهم متقاربة.\nوأخرجه البزار في مسنده -كما في مختصر الزوائد للحافظ ابن حجر - (٢٠٩٢) (٢/ ٤٠٠) من طريق العباس بن عبد العظيم الباشاني ثنا زيد بن يحيى الدمشقي ثنا عبد الله بن العلاء بن زبر عن أبي سلام عن ثوبان.\nوقال البزار: \"لا نعلمه يروى بهذا اللفظ إلا من هذا الوجه، وإسناده حسن\". وقال الهيثمي في المجمع (١٠/ ٩١): \"رواه البزار وحسن إسناده إلا أن شيخه العباس بن عبد العظيم الباساني لم أعرفه\".\nكذا وقع في المطبوع من المجمع \"الباساني\" - والصحيح أنه \"الباشاني\" بالشين المعجمة كما حققه الألباني في الصحيحة (٣/ ٢٠٣).\nوقال الألباني: \"والوجه الأول عن إلى زبر عن أبي سلام عن أبي سلمى أصح من هذا وأشهر، ولمتابعة ابن جابر له عليه، ولذلك رجحت أن المولى الذي لم يسم في الرواية الثانية إنما هو أبو سلمى، وليس ثوبان، ولو ثبتت رواية البزار هذه لأمكن القول بأنه ثوبان أبو سلمى والله أعلم. وقد ذكر السيوطي في الجامع الكبير (١/ ٣٨٧ / ٢) أن أبا سلمى هذا اسمه حريث. فالله تعالى أعلم\".\nقلت: ووجدت متابعًا لشيخ البزار هذا. أخرجه الطبراني في كتاب الدعاء (١٦٧٩) (٣/ ١٥٥٩) حدثنا أبو عبد الملك أحمد بن إبراهيم القرشي الدمشقي ثنا إبراهيم بن عبد الله بن العلاء بن زبر ثنا أبي به. قلت: وهذا إسناد حسن، ويمكن أن يرتقى إلى \"صحيح لغيره\" لطريق البزار السابق. وعلى هذا فمن الممكن أن يقال: إن أيضًا سلام روى الحديث عن \"أبي سلمى الراعي\"، وثوبان، والله أعلم.","vol":"9","page":147},{"text":"ثم رواه أيضًا (^٦٥) والنسائي من وجه آخر عن شداد بنحوه.\nوقال الطبراني (^٦٦): حدثنا عبد الله بن ناجية، حدثنا محمد بن سعد العوفي، حدثني أبي، حدثنا عمّي الحسين، عن يونس بن نفيع الجدلي، عن سعد بن جنادة ﵁ قال: كنت في أول من أتى النبيَّ ﷺ من أهل الطائف، فخرجت من أهلى من السراة غُدوة، فأتيت منًى عند العصر، فتصاعدت في الجبل ثم هبطت، فأتيت النبي ﷺ فأسلمت، وعلمني: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ و﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾ وعلمني هؤلاء الكلمات: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، وقال: \"هن الباقيات الصالحات\".\nوبهذا الإِسناد (^٦٧): \" من قام من الليل فتوضأ وضمض فاه، ثم قال: سبحان الله مائة مرة، والحمد لله مائة مرة، والله أكبر مائة مرة، ولا إله إلا الله مائة مرة، كفرت ذنوبه إلا الدماء؛ فإنها لا تبطل\".\n_________\n(^٦٥) أخرجه أحمد (٤/ ١٢٣). وأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف - (٧/ ٥٦) -باب الدعاء، كتاب: \"ما ذكر فيمن سأل النبي ﷺ أن يعلمه ما يدعو به فعلمه\". وأبو نعيم في \"الحلية\" (١/ ٢٦٦) (٦/ ٧٧ - ٧٨). من طريق الأوزاعي به، ورجاله ثقات إلا أن حسان بن عطية لم يدرك شدادًا. وأخرجه ابن حبان في صحيحه - (٩٣٥) - (٣/ ٢١٥ - ٢١٦). وفي الموارد - (٢٤١٨) (٨/ ٦١٠٦٢). والطبراني في الكبير - (٧١٥٧) - (٧/ ٣٤٥)، وأبو نعيم في الحلية - (١/ ٢٦٦). من طريق هشام بن عمار) قال: حدثنا سويد بن عبد العزيز، قال: حدثنا الأوزاعي، عن حسان بن عطية عن أبي عبيد مسلم بن مشكم قال: خرجت مع شداد بن أوس .. فذكره كنحوه قلت: وهذا إسناده ضعيف، وعلته سويد هذا فإنه ضعيف كما في التقريب.\nوأخرجه أحمد (٤/ ١٢٥)، والترمذي -باب الدعوات، كتاب: (٢٣) - (٣٤٠٧) (٥/ ٤٤٣ - ٤٤٤) والطبراني في الكبير (٧٦٧٥، ٧١٧٦، ٧١٧٧). من طرق عن سعيد بن إياس الجريري عن أبي العلاء يزيد بن عبد الله الشخير، عن الحنظلي أو عن رجل من بني حنظلة، عن شداد بن أوس … فذكره.\nوأخرجه النسائي -كتاب السهو، كتاب: نوع آخر من الدعاء - (٣/ ٥٤). والطبراني في الكبير (٧١٨٠) من طريق الجريري عن أبي العلاء عن شداد وأخرجه الحاكم (١/ ٥٠٨) من طريق عمر بن يونس بن القاسم اليمامي، عن عكرمة بن عمار قال: سمعت شدادًا أبا عمار يحدث عن شداد بن أوس له. وقال الحاكم: \"حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه\" ووافقه الذهبي.\n(^٦٦) أخرجه الطبراني في الكبير (٥٤٨٣) - (٦/ ٥١ - ٥٢). وذكره الهيثمي في \"المجمع\" (٧/ ١٦٩) وقال: \"رواه الطبراني وفيه الحسين بن الحسن العوفي وهو ضعيف\".\n(^٦٧) أخرجه الطبراني في الكبير (٥٤٨٤) - (٦/ ٥٢) وذكره الهيثمي في \"المجمع\" (٢/ ٢٦٦ - ٢٦٧) وقال: \"رواه الطبراني في الكبير وفيه الحسين بن الحسن بن عطية العوفي، وهو ضعيف\".","vol":"9","page":148},{"text":"وقال عليّ بن أبي طلحة: عن ابن عباس، قوله: ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ﴾، قال: هي ذكر الله؛ قول: لا إله إلا الله، والله أكبر، وسبحان الله، والحمد لله، وتبارك الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وأستغفر الله، وصلى الله على رسول الله، والصيام، والصلاة، والحج، والصدقة، والعتق، والجهاد، والصلة، وجميع أعمال الحسنات، وهن الباقيات الصالحات التي تبقى لأهلها في الجنة ما دامت السماوات والأرض.\nوقال العوفي عن ابن عباس: هن الكلام الطيب.\nوقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: هي الأعمال الصالحة كلها (^٦٨). واختاره ابن جرير ﵀.\n﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَال وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا (٤٧) وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا (٤٨) وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَاوَيلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إلا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (٤٩)﴾\nيخبر تعالى عن أهوال يوم القيامة، وما يكون فيه من الأمور العظام، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا (٩) وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيرًا﴾، أي: تذهب من أماكنها وتزول، كما قال تعالى: ﴿وَتَرَى الْجِبَال تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾، وقال تعالى: ﴿وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ﴾ وقال: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا (١٠٥) فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا (١٠٦) لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا﴾ يذكر [¬١] تعالى أنه تذهب الجبال،\n_________\n(^٦٨) أخرجه ابن جرير في تفسيره - (١٥/ ٢٥٦) حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد فذكره.\nوقال ابن جرير فإن ظن ظان أن ذلك مخصوص بالخبر الذي رويناه عن أبي هريرة- تقدم برقم (١٣٣) - عن النبي ﷺ فإن ذلك بخلاف ما تظن- وذلك أن الخبر عن رسول الله ﷺ إنما ورد بأن قول: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر هن الباقيات الصالحات، ولم يقل: هن جميع الباقيات الصالحات: ولا كل الباقيات الصالحات، وجائز أن تكون هذه باقيات صالحات، وغيرها من أعمال البر أيضًا باقيات صالحات.\n_________\n[¬١]- في خ: \"يقول\".","vol":"9","page":149},{"text":"وتتساوى [¬١] المهاد، وتبقى الأرض ﴿قَاعًا صَفْصَفًا﴾ أي: سطحًا مستويًا لا عوج فيه ﴿وَلَا أَمْتًا﴾، أي: لا وادي ولا جبل، ولهذا قال تعالى: [﴿وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً﴾، أي: بادية ظاهرة، ليس فيها معلم لأحد، ولا مكان يواري أحدًا، بل الخلق كلهم ضاحون لربهم، لا تخفى عليه منهم خافية.\nقال مجاهد وقتادة] [¬٢]: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً﴾ لا خمَر (*) فيها ولا غَيابة (**).\nو[¬٣] قال قتادة: لا بناءَ ولا شَجَر.\nوقوله: ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾، أي: وجمعناهم؛ الأولين منهم والآخرين، فلم نترك منهم أحدًا، لا صغيرًا ولا كبيرًا، كما قال: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ (٤٩) لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ وقال: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾.\nوقوله [¬٤]: ﴿وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا﴾، يحتمل أن يكون المراد: أن جميع الخلائق يقومون بين بدي الله صفًّا واحدًا، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَال صَوَابًا﴾ ويحتمل أنهم [¬٥] يقومون صفوفًا صفوفًا كما قال: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾.\nوقوله: ﴿لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ هذا تقريع للمنكرين للمعاد، وتوبيخ لهم [¬٦] على رءوس الأشهاد، ولهذا قال مخاطبًا لهم: ﴿بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا﴾، أي: ما كان ظنكم أن هذا واقع بكم، ولا أن هذا كائن.\nوقوله: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ﴾ أي كتاب الأعمال الذي فيه الجليل والحقير والفتيل والقطمير، والصغير والكبير، ﴿فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ﴾، أي: من أعمالهم السيئة وأفعالهم القبيحة، ﴿وَيَقُولُونَ يَاوَيلَتَنَا﴾، أي: يا حسرتنا وويلنا على ما فرطنا في أعمارنا ﴿مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إلا أَحْصَاهَا﴾، أي: لا يترك ذنبًا صغيرًا ولا كبيرًا، ولا عملًا وإن صغر إلا أحصاها، أي: ضبطها وحفظها.\n_________\n(*) الخمر -بفتح الخاء والميم: كل ما سترك من شجر أو بناء أو غيره.\n(**) الغيابة: الجب، والوادي.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في ز: \"وقال\".\n[¬٤]- سقط س: خ.\n[¬٥]- في ز: \"أن\".\n[¬٦]- سقط من: ز، خ.","vol":"9","page":150},{"text":"وروى الطبراني (^٦٩) بإسناده المتقدم في الآية قبلها إلى سعد بن جنادة قال: لما فرغ رسول الله ﷺ، من غزوة حنين، نزلنا قفرًا من الأرض ليس فيه شيء، فقال النبي ﷺ: \"اجمعوا، مَنْ وجد عودًا فليأت به، ومن وجد حطبًا أو شيئًا فليأت به\". فما كان إلا ساعة حتى جعلناه ركامًا، فقال النبي ﷺ: \"أترون هذا؟ فكذلك تجمع الذنوب على الرجل منكم كما جمعتم هذا، فليتق الله رجل، ولا يذنب صغيرة ولا كبيرة، فإنها محصاة عليه\".\nوقوله: ﴿وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا﴾، أي: من خير أو [¬١] شر، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَينَهَا وَبَينَهُ أَمَدًا بَعِيدًا﴾، وقال تعالى: ﴿يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾ وقال تعالى: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾ أي: تظهر المخبآت والضمائر.\nقال الإِمام أحمد (^٧٠): حدثنا أبو الوليد، حدثنا شعبة، عن ثابت، عن أنس، عن النبي ﷺ قال: [\"لكل غادر لواء يوم القيامة] [¬٢] [يعرف به\" أخرجاه في الصحيحين، وفي لفظ] [¬٣]: [\"يرفع لكل غادو لواء يوم القيامة] [¬٤] عند اسْتِه بقدر غَدْرَته، يقال: هذه غدرة فلان بن فلان\".\nوقوله: ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾، أي: فيحكم بين عباده في أعمالهم جميعها، ولا يظلم أحدًا من خلقه، بل يغفر ويصفح، ويرحم، ويعذب من يشاء بقدرته وحكمته وعدله، ويملأ النار من الكفار وأصحاب المعاصي، [ثم ينجي أصحاب المعاصي] [¬٥]، ويخلد فيها الكافرون [¬٦]، وهو الحاكم الذي لا يجور ولا يظلم، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا\n_________\n(^٦٩) أخرجه الطبراني في الكبير (٥٤٨٥) (٦/ ٥٢) حدثني عبد الله بن ناجية ثنا محمد بن سعد العوفي بإسناده المتقدم.\nوذكره الهيثمي في \"المجمع\" (١٠/ ١٩٣) وقال: \"رواه الطبراني وفيه نفيع أبو داود وهو ضعيف، قلت: في إسناده \"يونس بن نفيع\" وليس نفيع أبا داود كما قال الهيثمي رحمه الله تعالى، والإسناد فيه \"الحسين بن الحسن بن عطية العوفي، وهو ضعيف.\n(^٧٠) أخرجه أحمد (٣/ ١٤٢، ١٥٠)، (٣/ ٢٥٠، ٢٧٠) من طريق عفان حدثنا شعبة به. وأخرجه البخاري في صحيحه -باب الجزية والموادعة، كتاب: إثم الغادر للبر والفاجر - (٣١٨٧). ومسلم في صحيحه- كتاب الجهاد والسير، باب: \"تحريم الغدر\" (١٧٣٧). من طريق عن شعبة به. وفي الباب عن أبي سعيد الخدري- عند مسلم (١٧٣٨). وعبد الله بن مسعود وابن عمر عند البخاري (٣٦٨٦، ٣١٨٨).\n_________\n[¬١]- في خ: \"و\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٤] ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- في خ: \"الكافرين\".","vol":"9","page":151},{"text":"يَظْلِمُ مِثْقَال ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾، وقال: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَال حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَينَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾. والآيات في هذا كثيرة.\nوقال الإِمام أحمد (^٧١): حدثنا يزيد، أخبرنا همام بن يحيى، عن القاسم بن عبد الواحد المكي، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: بلغني حديث عن رجل سمعه من رسول الله ﷺ، فاشتريت بعيرًا ثم شددت عليه رحلي [¬١]، فسرت عليه شهرًا حتى قدمت عليه الشام، فإذا عبد الله بن أنيس، فقلت للبواب: قل له: جابر على الباب. فقال: ابن عبد الله؟ فقلت: نعم. فخرج يطأ ثوبه فاعتنقني واعتنقته، فقلت: حديث بلغني عنك [¬٢] أنك سمعته من رسول الله ﷺ في القصاص، فخشيت أن تموت أو أموت قبل أن أسمعه. فقال: سمعت [¬٣] رسول الله ﷺ يقول: \"يحشر الله ﷿ الناس يوم القيامة -أو قال: العباد- عراة غرلًا بُهْمًا\". قلت [¬٤]: وما \"بهمًا؟ \" قال: ليس معهم شيء \"ثم يناديهم بصوت يسمعه من بعد، كما يسمعه من قرب: أنا الملك، أنا الديان، لا ينبغي لأحد من أهل النار أن يدخل النار وله عند أحد من أهل الجنة حق حتى أقصه منه، ولا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة وله عند أحد [¬٥] من أهل النار حق حتى أقصه منه، حتى اللطمة\". قال: قلنا: كيف وإنما نأتي الله ﷿ عراة غرلًا بهمًا؟ قال: \"بالحسنات والسيئات\".\nوعن شعبة، عن العوام بن مزاحم، عن أبي عثمان، عن عثمان بن عفان ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \"إن الجماء لتقتص من القرناء يوم القيامة\". رواه عبد الله ابن الإِمام أحمد (^٧٢)، وله شواهد من وجوه أخر، قد ذكرناها عند قوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ وعند قوله تعالى: ﴿إلا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾.\n_________\n(^٧١) إسناد حسن، أخرجه أحمد (٣/ ٤٩٥)، والبخاري في الأدب المفرد - (٩٧٠)، وفي خلق أفعال العباد (٥٩) من طريق عبد الله بن محمد بن عقيل به.\nوذكره البخاري معلقًا في الصحيح -كتاب العلم، باب: \"الخروج في طلب العلم\" - (١/ ١٧٣). وله طرق أخرى عن جابر- انظر فتح الباري لابن حجر - (١/ ١٧٤).\n(^٧٢) تقدم تخرجه [سورة الأنعام / آية ٣٩ / رقم ٤٧].\n_________\n[¬١]- في ز: \"رحل\".\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- في خ: \"فسمعته\".\n[¬٤]- في خ: \"فقلت\".\n[¬٥]- في ت: \"رجل\".","vol":"9","page":152},{"text":"وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إلا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا (٥٠)﴾\nيقول تعالى منبهًا بني آدم على عداوة إبلس لهم ولأبيهم من قبلهم، ومقرعًا من اتبعه منهم، وخالف خالقه ومولاه، الذي أنشأه وابتداه، بألطاف رزقه غذاه، ثم بعد هذا كله والى إبليس، وعادى الله، فقال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا﴾، أي: لجميع الملائكة كما تقدم تقريره في أول سورة البقرة ﴿اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ أي: سجود تشريف وتكريم وتعظيم، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَال رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإ مَسْنُونٍ (٢٨) فَإِذَا سَوَّيتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾.\nوقوله: ﴿فَسَجَدُوا إلا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ أي: خانه أصله، فإنه خلق من مارج من نار، وأصل خلق الملائكة من نور، كما ثبت في صحيح مسلم (^٧٣) عن عائشة، عن رسول الله ﷺ أنه قال: \"خلقت الملائكة من نور، وخلق إبليس من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم\". فعند الحاجة نضح كل وعاء بما فيه، وخانه الطبع عند الحاجة، وذلك أنه كان قد توسم لأفعال الملائكة، وتشبه بهم وتعبد وتنسك، فلهذا دخل في خطابهم وعصى بالمخالفة.\nونبه تعالى هاهنا على أنه من الجن، أي: علِما [¬١] أنه خلق من نار، كما قال: ﴿أَنَا خَيرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾. قال الحسن البصري: ما كان إبليس من الملائكة طرفة عين قط، وإنه لأصل الجن، كما أن آدم ﵇ أصل البشر. رواه ابن جرير (^٧٤) بإسناد صحيح.\nوقال الضحاك عن ابن عباس: كان إبليس من حي من أحياء الملائكة، يقال لهم [¬٢]\n_________\n(^٧٣) أخرجه مسلم في صحيحه -كتاب الزهد والرقائق، كتاب: في أحاديث متفرقة، (٦٠) - (٢٩٩٦). وانظر ما تقدم [سورة الأعراف / آية ١٢ / ح ١٣، ١٤].\n(^٧٤) إسناده صحيح، أخرجه ابن جرير في تفسيره (١/ ٢٢٦) (١٥/ ٢٦٠)، وأبو الشيخ في العظمة- (١١٢٩، ١١٤٥) (٥/ ١٦٨١، ١٦٩). وابن الأنباري في الأضداد (ص ٣٣٧). من طريقين عن عوف الأعرابي عن الحسن البصري به.\n_________\n[¬١]- سقط من ز.\n[¬٢]- في ت: \"له\".","vol":"9","page":153},{"text":"الجن، خلقوا من نار السموم من بين الملائكة، قال: وكان اسمه الحارث، وكان خازنًا من خزان الجنة، وخلقت الملائكة من نور غير [¬١] هذا الحي. قال: وخلقت الجن الذين ذكروا في القرآن من مارج من نار، وهو لسان النار الذي يكون في طرفها إذا التهبت.\nوقال الضحاك أيضًا عن ابن عباس: كان إبليس من أشراف [¬٢] الملائكة وأكرمهم قبيلة، وكان خازنًا على الجنان، وكان له سلطان [السماء] [¬٣] الدنيا وسلطان الأرض، وكان مما سولت له نفسه من قضاء الله: أنه رأى أن له كذلك شرفًا على أهل السماء، فوقع من ذلك في قلبه كبر لايعلمه إلا الله، فاستخرج الله ذلك الكبر منه حيث أمره بالسجود لآدم ﴿فَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾.\nقال ابن عباس: وقوله: ﴿كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾، أي: من خزان الجنان [¬٤]، \"كما يقال للرجل: مكي، ومدني، وبصري، وكوفي. وقال ابن جريج، عن ابن عباس نحو ذلك.\nوقال سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: هو من خزان الجنة] [¬٥]، وكان يدبر أمر السماء الدنيا. رواه ابن جرير من حديث الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت عن سعيد به.\nوقال سعيد بن المسيب: كان رئيس ملائكة سماء الدنيا.\nوقال ابن إسحاق عن خلاد بن عطاء، عن طاوس، عن ابن عباس قال: كان إبليس قبل أن يركب المعصية من الملائكة اسمه [¬٦] عزازيل، وكان من سكان الأرض، وكان من أشد الملائكة اجتهادًا وأكثرهم علمًا، فذلك دعاه إلى الكبر، وكان من حي يسمون: حنًّا [¬٧].\nوقال ابن جريج، عن صالح مولى التوأمة، وشريك بن أبي نمر -أحدهما أو كلاهما- عن ابن عباس قال: إن من الملائكة قبيلة من الجن، وكان إبليس منها، وكان يسوس ما بين السماء والأرض، فعصى، فسخط الله عليه، فمسخه شيطانًا رجيمًا، لعنه الله ممسوخًا. قال: وإذا كانت خطيئة الرجل في كبر فلا ترجه، وإذا كانت في معصبة فارجه.\nوعن سعيد بن جبير أنه قال: كان من الجنانين الذين يعملون في الجنة.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"من\".\n[¬٢]- في خ: \"أشرف\".\n[¬٣]- سقط من ت.\n[¬٤]- في ز: \"الجنة\".\n[¬٥] ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- سقط من: ز.\n[¬٧]- في ز: \"جنًّا\".","vol":"9","page":154},{"text":"وقد روي في هذا آثار كثيرة عن السلف، وغالبها من الإسرائيليات التي تنقل لينظر فيها، والله أعلم بحال كثير منها، ومنها ما قد يقطع بكذبه؛ لمخالفته الحق الذي بأيدينا، وفي القرآن غنية عن كل ما عداه من الأخبار المتقدمة؛ لأنها لا تكاد تخلو من تبديل وزيادة ونقصان، وقد وضع فيها أشياء كثيرة، وليس لهم من الحفاظ المتقنين الذين ينفون [¬١] عنها تحريف الغالين وانتحال المبطلين، كما لهذه الأمة من الأئمة العلماء، والسادة الأتقياء، والأبرار النجباء، من الجهابذة النقاد، والحفاظ الجياد، الذين دونوا الحديث وحرروه، وبينوا صحيحه من حسنه، من ضعيفه من منكره، وموضوعه ومتروكه ومكذوبه، وعرفوا الوضاعين والكذابين والمجهولبن، وغير ذلك من أصناف الرجال، كل ذلك صيانة للجناب النبوي والمقام المحمدي، خاتم الرسل وسيد البشر ﷺ أن ينسب إليه كذب، أو يحدث عنه بما ليس منه [¬٢]، فرضي الله عنهم وأرضاهم، وجعل جنات الفردوس مأواهم، وقد فعل.\nوقوله: ﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾، أي: فخرج عن طاعة الله، فإن الفسق: هو الخروج، يقال [¬٣]: فسقت الرطبة، إذا خرجت من أكمامها، وفسفت الفأرة من جُحْرها، إذا خرجت منه للعيث [¬٤] والفساد.\nثم قال تعالى مقرعًا وموبخًا من اتبعه وأطاعه: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ﴾ أي: بدلًا عني؛ ولهذا قال: ﴿بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾.\nوهذا المقام كقوله بعد ذكر القيامة وأهوالها، ومصير كل من الفريقين؛ السعداء والأشقياء في سورة يس: ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ (٥٩) أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١) وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ﴾.\n﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا (٥١)﴾\nيقول تعالى: هؤلاء الذين اتخذتموهم أولياء من دوني عبيد أمثالكم، لا يملكون شيئًا، ولا أشهدتهم [خلقي للسماوات] [¬٥] والأرض، ولا كانوا إذ ذاك موجودين؛ يقول تعالى:\n_________\n[¬١]- في ز: \"يتقون\".\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- في ز: \"يقول\".\n[¬٤]- في ز: \"للعبث\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين في خ: \"خلق السموات\".","vol":"9","page":155},{"text":"أنا المستقل بخلق الأشياء كلها، ومدبرها ومقدرها وحدي، ليس معي في ذلك شريك ولا وزير، ولا مشير ولا نظير، كما قال: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَال ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (٢٢) وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إلا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ …﴾. الآية؛ ولهذا قال: ﴿وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا﴾ قال مالك: أعوانًا.\n﴿وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَجَعَلْنَا بَينَهُمْ مَوْبِقًا (٥٢) وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا (٥٣)﴾\nيقول تعالى مخبرًا عما يخاطب به المشركين يوم القيامة على رءوس الأشهاد، تقريعًا لهم وتوبيخًا: ﴿نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ﴾ أي: في دار الدنيا، ادعوهم اليوم ينقذونكم مما أنتم فيه، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَينَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾.\nوقوله: ﴿فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ﴾، كما قال: ﴿فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ﴾، وقال: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾، وقال تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ [دُونِ اللَّهِ] [¬١] آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (٨١) كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيهِمْ ضِدًّا﴾.\nوقوله: ﴿وَجَعَلْنَا بَينَهُمْ مَوْبِقًا﴾ قال ابن عباس وقتادة وغير واحد: مهادًا.\nوقال قتادة: ذكر لنا أن عمرًا [¬٢] البكالي حدث عن عبد الله بن عمرو قال: هو واد عميق، فرق به يوم القيامة بن أهل الهدى وأهل الضلالة.\nوقال قتادة ﴿مَوْبِقًا﴾: واديًا في جهنم.\nوقال ابن جرير (^٧٥): حدثني محمد بن سنان القزاز، حدثنا عبد الصمد، حدثنا يزيد بن\n_________\n(^٧٥) ابن جرير في تفسيره (١٥/ ٢٦٥)، وأخرجه البيهقي في \"البعث\" (٤٧٢) من طريق علي بن المديني حدثنا عبد الصمد به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور (٤/ ٤١٤) إلى أحمد في الزهد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ز: \"دونه\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"عمر\".","vol":"9","page":156},{"text":"رهم [¬١]، سمعت أنس بن مالك يقول في قول الله تعالى: ﴿وجعلنا بينهم موبقًا﴾، قال: واد في جهنم من قيح ودم.\nوقال الحسن البصري: ﴿موبقًا﴾: عداوة.\nوالظاهر من السياق هاهنا: أنه المهلك، ويجوز أن يكون واديًا في جهنم أو غيره، إلا أن الله تعالى أخبر أنه لا سبيل لهؤلاء المشركين، ولا وصول لهم إلى آلهتهم التي كانوا يزعمون في الدنيا، وأنه، يفرق بينهم ولكنها في الآخرة، فلا خلاص لواحد من الفريقين إلى الآخر، كل بينهما مهلك، وهول عظيم وأمر كبير.\nوأمّا إن جعل الضمير في قوله: ﴿بينهما﴾ عائدًا إلى المؤمنين والكافرين، كما قال عبد الله بن عمرو: إنه، يفرق بين أهل الهدى والضلالة به، فهو كقوله تعالى: ﴿ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون﴾ وقال: ﴿يومئذ يصدَّعُون﴾.\nوقال تعالى: ﴿وامتازوا اليوم أيها المجرمون﴾ وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ (٢٨) فَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ (٢٩) هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٣٠)﴾.\nوقوله: ﴿ورأى المجرمون النار فظنوا أنهم مواقعوها ولم يجدوا عنها مصرفًا﴾، أي: أنهم لما عاينوا جهنم حين جيء بها، تقاد بسبعين ألف زمام، مع كل زمام سبعون [¬٢] ألف ملك، فإذا رأى المجرمون النار تحققوا لا محالة أنهم مواقعوها، ليكون ذلك من باب تعجيل الهم والحزن لهم، فإن توقع العذاب والخوف منه قبل وقوعه عذاب ناجز.\nوقوله [¬٣]: ﴿ولم يجدوا عنها مصرفًا﴾ أي: وليس لهم طريق يعدل بهم عنها، ولا بد لهم منها.\nقال ابن جرير (^٧٦): حدثني يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، عن دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد، عن رسول الله ﷺ أنه قال: \"إن [الكافر يرى] [¬٤] جهنم، فيظن أنها مواقعته من مسيرة أربعين سنة\".\n_________\n(^٧٦) إسناده ضعيف، ابن جرير في تفسيره - (١٥/ ٢٦٥) ورواية دراج أبي السمح عن أبي الهيثم ضعفها أبو داود وغيره، وانظر ما بعده.\n_________\n[¬١]- في م: \"درهم\"\n[¬٢]- في ز، خ: \"سبعين\".\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين في ز: \"الكافرين في \".","vol":"9","page":157},{"text":"وقال الإمام أحمد (^٧٧): حدثنا حسن، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله ﷺ: \"ينصب للكافر مقدار خمسين ألف سنة كما لم يعمل في الدنيا، وإن الكافر ليرى جهنم ويظن أنها مواقعته من مسيرة أربعين سنة\".\n﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيءٍ جَدَلًا (٥٤)﴾\nيقول تعالى: ولقد بينا للناس في هذا القرآن، ووضحنا لهم الأمور، وفصلناها كي لا يضلوا عن الحق، ويخرجوا عن طريق الهدى، ومع هذا البيان، وهذا الفرقان، الإنسان كثير المجادلة والمخاصمة، والمعارضة للحق يالباطل، إلا من هدى الله، وبصره لطريق النجاة.\nقال الإمام أحمد (^٧٨): حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، عن الزهريّ، أخبرني علي بن الحسين، أن حسين بن علي أخبره، أن علي بن أبي طالب أخبره: أن رسول الله ﷺ طرقه وفاطمة بنت رسول الله ﷺ ليلة، فقال: \"ألا تصليان؟ \" فقلت: بها رسول الله، إنما أنفسنا بيد الله، فإذا شاء أن يبعثنا بعثنا. فانصرف حين قلت ذلك، ولم يرجع إلى شيئًا، ثم سمعته وهو مول [¬١] يضرب فخذه يقول [¬٢]:\n_________\n(^٧٧) - إسناده ضعيف، المسند حديث رقم (١١٧٣١) (٣/ ٧٥). وأخرجه أبوعلى (٢/ ١٣٨٥) حدثنا زهير، حدثنا الحسن بن موسى به. وابن حبان (٨/ ٢٥٨١ - موارد)، والحاكم في \"المستدرك\" (٤/ ٥٩٧). من طرق ثلاثة عن ابن وهب، قال: أخبرني عمرو بن الحارث عن دراج به.\nوقال الحاكم: \"صحيح الإسناد\" ووافقه الذهبي. وذكره الهيثمي في \"المجمع\" (١٠/ ٣٣٩) وقال: \"رواه أحمد وأبو يعلى، وإسناده حسن على ما فيه من ضعف\". وزاد نسبته السيوطي في \"الدر المنثور\" (٤/ ٤١٥) إلى ابن مردويه.\nفائدة:\nوقع هذا الحديث في \"صحيح ابن حبان\" - المطبوع - (١٦/ ٧٣٥٢) من طريق ابن وهب قال: أخبرني عمرو بن الحارث أن أبا السمح حدثه عن ابن حُجَيرة عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ أنه قال: فذكر هذا الحديث.\n(^٧٨) أخرجه أحمد (١/ ١١٢) و(١/ ٩١) من طريق آخر عن محمد بن مسلم الزهري له.\nوابنه عبد الله في زياداته على المسند (١/ ٧٧) من طريق الليث بن سعد عن عقيل عن الزهريّ وبهذا الإسناد. وأخرجه البخاري في صحيحه -كتاب التهجد، كتاب: تحريض النبي ﷺ على =\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"يقول\".\n[¬٢]- سقط من: خ.","vol":"9","page":158},{"text":"﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيءٍ جَدَلًا﴾. أخرجاه في الصحيحين.\n﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إلا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلًا (٥٥) وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إلا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوًا (٥٦)﴾\nيخبر تعالى عن تمرد الكفرة في قديم الزمان وحديثه، وتكذيبهم بالحق البين الظاهر، مع ما يشاهدون من الآيات والدلالات الواضحات، وأنه ما منعهم من اتباع ذلك إلا طلبهم أن يشاهدوا العذاب الذي وعدوا به عيانًا، كما قال أولئك لنبيهم: ﴿فأسقط علينا كسفًا من السماء إن كنت من الصادقين﴾ وآخرون قالوا: ﴿ائتنا بعذاب الله إن كنت من الصادقين﴾، وقالت قريش: ﴿اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو أئتنا بعذاب أليم﴾، ﴿وقالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون لوما تأتينا بالملائكة إن كنت من الصادقين﴾ إلى غير ذلك [من الآيات الدالة على ذلك] [¬١].\nثم [¬٢] قال: ﴿إلا أن تأتيهم سنة الأولين﴾، من غشيانهم بالعذاب، وأخذهم عن آخرهم، ﴿أو يأتيهم العذاب قبلا﴾ أي: يرونه عيانًا مواجهة ومقابلة [¬٣]. ثم قال تعالى: ﴿وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين﴾، أي: قبل العذاب مبشرين من صدقهم وآمن لهم، ومنذرين من كذبهم وخالفهم.\nثم أخبر عن الكفار بأنهم: يجادلون ﴿بالباطل ليدحضوا به﴾، أي: ليضعفوا به ﴿الحق﴾ الذي جاءتهم به الرسل، وليس ذلك بحاصل لهم ﴿واتخذوا آياتي وما أنذروا هزوًا﴾، أي: اتخذوا الحجج والبراهين، وخوارق العادات التي بعث بها الرسل، وما أنذروهم وخوفوهم به من العذاب ﴿هزوًا﴾، أي: سخروا منهم في ذلك، وهو أشد التكذيب.\n_________\n= صلاة الليل والنوافل من غير إيجاب … (١١٢٧) (٣/ ١٠). ومسلم في صحيحه -كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب: ما روى فيمن نام الليل أجمع حتى أصبح - (٢٠٦) - (٧٧٥). والنسائي- كتاب قيام الليل، باب: الترغيب في قيام الليل - (٣/ ٢٠٥ - ٢٠٦، ٢٠٦) من طرق عن الزهريّ به.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- سقط من: ز.","vol":"9","page":159},{"text":"﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا (٥٧) وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا (٥٨) وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا (٥٩)﴾\nيقول تعالى: وأي عباد الله أظلم ممن ذكر بآيات الله فأعرض عنها، أي: تناساها وأعرض عنها، ولم يصغ لها، ولا ألقى إليها بالًا ﴿ونسي مما قدمت يداه﴾، أي: من الأعمال السيئة والأفعال القبيحة ﴿إنا جعلنا على قلوبهم﴾ أي: قلوب هؤلاء ﴿أكنة﴾، أي: أغطية وغشاوة ﴿أن يفقهوه﴾، أي: لئلا يفهموا هذا القرآن والبيان، ﴿وفي آذانهم وقرًا﴾، أي: صممًا معنويا عن الرشاد ﴿وإن تدعهم إلى الهدى فلن يهتدوا إذًا أبدًا﴾.\nوقوله: ﴿وربك الغفور ذو الرحمة﴾، أي: و[¬١] ربك -يا محمد- غفور ذو رحمة واسعة، ﴿لو يؤاخذهم بما كسبوا لعجل لهم العذاب﴾، كما قال: ﴿ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة﴾ وقال: ﴿وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم وإن ربك لشديد العقاب﴾ والآيات في هذا كثيرة.\nثم أخبر أنه يحلم ويستر ويغفر، وربما هدى بعضهم من الغي إلى الرشاد، ومن استمر منهم فله يوم يشيب فيه الوليد، وتضع كل ذات حمل حملها، ولهذا قال: ﴿بل لهم موعد لن يجدوا من دونه موئلًا﴾ أي: ليس لهم عنه محيد ولا محيص ولا معدل.\nوقوله: ﴿وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا﴾ أي: الأمم السالفة والقرون الخالية أهلكناهم بسبب كفرهم وعنادهم ﴿وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا﴾ أي. جعلناه إلى مدة معلومة ووقت معين، لا يزيد ولا ينقص، اي: وكذاك أنتم أبها المشركون، احذروا أن يصيبكم ما أصابهم، فقد كذبتم أشرف رسول وأعظم نبي، ولستم بأعز علينا منهم، فخافوا عذابي ونذر.\n_________\n[¬١]- سقط من خ.","vol":"9","page":160},{"text":"﴿وَإِذْ قَال مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَينِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا (٦٠) فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَينِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا (٦١) فَلَمَّا جَاوَزَا قَال لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا (٦٢) قَال أَرَأَيتَ إِذْ أَوَينَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إلا الشَّيطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا (٦٣) قَال ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا (٦٤) فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَينَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا (٦٥)﴾\nسبب قول موسى لفتاه -وهو يوشع بن نون- هذا الكلام أنه ذُكر له أن عبدًا من عباد الله بمجمع البحرين، عنده من العلم ما لم يحط [¬١] به موسى، فأحب الذهاب إليه، وقال لفتاه ذلك: ﴿لا أبرح﴾، [أي: لا أزال سائرًا] [¬٢] ﴿حتى أبلغ مجمع البحرين﴾ أي: [لا أزال سائرًا حتى أبلغ] [¬٣] هذا المكان الذي فيه مجمع البحرين، قال الفرزدق:\nفما برحوا حتى تهادت نساؤهم … ببطحاء ذي قار عياب [¬٤] اللطائم\nقال قتادة وغير واحد: وهما بكر فارس مما يلي المشرق، وبحر الروم مما [¬٥] يلي المغرب.\nوقال محمد بن كعب القرظي: مجمع البحرين عند طنجة. يعني في أقصى بلاد المغرب. فالله أعلم.\nوقوله: ﴿أو أمضي حقبًا﴾ أي: ولو أني أسير حقبًا من الزمان.\nقال ابن جرير (^٧٩) ﵀: ذكر بعض أهل العلم بكلام العرب أن الحقب في لغة قيس: سنة. ثم روي عن عبد الله عمرو أنه قال: الحقب ثمانون سنة. وقال مجاهد: سبعون خريفًا. وقال عليَّ بن أبي طلحة: عن ابن عباس، قوله: ﴿أو أمضي حقبًا﴾،\n_________\n(^٧٩) انظر تفسير ابن جرير - (١٥/ ٢٧١).\n_________\n[¬١]- في ز: \"يحيط\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من خ.\n[¬٤]- في ز: \"عات\".\n[¬٥]- في خ، ت: \"ما\".","vol":"9","page":161},{"text":"قال دهرًا. وقال قتادة، وابن زيد مثل ذلك.\nوقوله: ﴿فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا﴾، وذلك أنه كان قد أمر بحمل حوت مملوح معه، وقيل له: متى فقدت الحوت فهو ثمة، فسارا حتى بلغا مجمع البحرين، وهناك عين يقال لها عين الحياة، فناما هنالك، وأصاب الحوت من رشاش ذلك الماء، فاضطرب، وكان في مكتل مع يوشع، وطفر من المكتل إلى البحر، فاستيقظ يوشع ﵇ وسقط الحوت في البحر، وجعل يسير فيه، والماء له مثل الطاق لا يلتئم بعده؛ ولهذا قال تعالى: ﴿فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا﴾ أي: مثل السرب في الأرض.\nقال ابن جريج: قال ابن عباس: صار أثره كأنه حجر.\nوقال العوفي عن ابن عباس: جعل الحوت لا يمس شيئًا من البحر إلا يبس، حتى يكون [¬١] صخره.\nوقال محمد بن إسحاق (^٨٠): عن الزهريّ، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ حين ذكر حديث ذلك: \"ما انجاب ماء منذ كان الناس غيره، ثبت مكان الحوت الذي فيه، فانجاب كالكوة حتى وجع إليه موسى فرأى مسلكه فقال: ﴿ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ﴾ \".\nوقال قتادة: سرب [¬٢] من الجر [¬٣] حتى أفضى إلى البحر، ثم سلك، فجعل لا يسلك فيه طريقا إلا جعل ماء جامدًا.\nوقوله: ﴿فلما جاوزا﴾، أي: المكان الذي نسيا الحوت فيه. ونسب النسيان إليهما وإن كان يوشع هو الذي نسيه، كقوله تعالى: ﴿يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان﴾ وإنما يخرج من المالح في أحد القولين.\nفلما ذهبا عن المكان الذي نسياه فيه مرحلة ﴿قال﴾ موسى ﴿لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا﴾ أي: الذي جاوزا فيه المكان ﴿نصبًا﴾، يعني: تعبًا ﴿قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾ قال قتادة: وقرأ ابن مسعود: [وما أنسانيه] [¬٤] [أن أذكره] [¬٥] [إلا الشيطان] [¬٦]؛ ولهذا\n_________\n(^٨٠) أخرجه ابن جرير في تفسيره (١٥/ ٢٧٣) حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، قال: ثنى محمد بن إسحاق به. وذكره السيوطي في الدر المنثور - (٤/ ٤٢٦) وعزاه إلى ابن أبي حاتم وابن مردويه.\n_________\n[¬١]- في خ: \"تكون\".\n[¬٢]- في خ: \"سربه\".\n[¬٣]- في خ، ت: \"البر\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ\n[¬٥]- في ز: \"أن أذكركه\".\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز","vol":"9","page":162},{"text":"قال: ﴿وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ﴾ أي: طريقه ﴿فِي الْبَحْرِ عَجَبًا (٦٣) قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ﴾ أي: هذا هو [¬١] الذي نطلب ﴿فارتدا﴾، أي: رجعا ﴿عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾، أي: طريقهما ﴿قصصًا﴾، أي: يقصان آثار مشيهما، ويقفوان أثرهما.\n﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾، وهذا هو الخضر ﵇ كما دلت عليه الأحاددث الصحيحة عن رسول الله ﷺ بذلك.\nقال البخاري (^٨١): حدثنا الحميدي، حدثنا سفيان، حدثنا عمرو بين دينار، أخبرني سعيد بن جبير، قال: قلت لابن عباس: أن نوفًا البكالي [¬٢] يزعم أن موسى صاحب الخضر ليس هو موسى صاحب بني إسرائيل؟!\nقال ابن عباس: كذب عدو الله، حدثنا أبي بن كعب ﵁ أنه سمع رسول الله، ﷺ قول: \"إن موسى قام خطيبًا في بني إسرائيل، فسئل: أي الناس أعلم؟ فقال [¬٣]: أنا. فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إليه، فأوحى الله إليه: إن لي عبدًا بمجمع البحرين هو أعلم منك. فقال موسى: يارب، وكيف لي به؟ قال: تأخذ معك حوتا تجعله بمكتل، فحيثما فقدت الحوت فهو ثمَّ. فأخذ حوتًا فجعله بمكيل، ثم انطلق وانطلق معه بفتاه يوشع بن نون -عليهما [¬٤] السلام- حتى إذا أتيا الصخرة وضعا رءوسهما فناما، واضطرب الحوت في المكتل، فخرج منه فسقط في البحر ﴿فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا﴾ وأمسك الله عن الحوت جرية الماء، فصار عليه مثل الطاق، فلما استيقظ نسي صاحبه أن يخبره بالحوت، فانطلقا بقية يومهما وليلتهما، حتى إذا كان من الغد قال موسى لفتاه: ﴿آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾ ولم يجد موسى النصب حتى جاوز المكان الذي أمره الله به، قال له فتاه: ﴿أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا﴾ قال: فكان للحوت سربًا، ولموسى وفتاه عجبًا ﴿قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا\n_________\n(^٨١) أخرجه البخاري -كتاب التفسير، باب: \"وإذ قال موسى لفتاه … (٤٧٢٥)، وأخرجه مسلم- كتاب الفضائل، باب: من فضائل الخضر، ﵇ (١٧٠) - (٢٣٨٠). وأبو داود -كتاب السنة، كتاب: في القدر - (٤٧٠٧) مختصرًا، والترمذي -كتاب تفسير القرآن، باب: \"ومن سورة. الكهف\" - (٣١٤٩) والنسائي في الكبرى -كتاب التفسير، كتاب: قوله تعالى: \"أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة … \" (١١٣٠٨) - (٦/ ٣٨٩). وأحمد في مسنده (٥/ ١١٨). من طرق عن سفيان بن عيينة به.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- في ز: \"البكاي\".\n[¬٣]- في خ، ت: \"قال\".\n[¬٤]- في ت: \"عليها\".","vol":"9","page":163},{"text":"عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾ قال: فرجعا يقصان أثرهما [حتى انتهيا إلى الصخرة] [¬١]، فإذا رجل مسجًّى بثوب، فسلم عليه موسى، فقال الخضر: وأنى بأرضك السلام؟ قال: أنا موسى. قال: موسى بني إسرائيل؟ قال: نعم، أتيتك لتعلمني مما علمت رشدًا. ﴿قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾، يا موسى، إني على علم من علم الله علمنيه لا تعلمه أنت، وأنت على علم من علم الله علمكه الله لا أعلمه. فقال موسى: ﴿قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾ قال له الخضر: ﴿فإن [¬٢] اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾.\nفانطلقا يمشيان على ساحل البحر، فمرت سفينة فكلمهم أن يحملوه، فعَرَفوا الخضر فحملوه [¬٣] بغير نول، فلما ركبا في السفينة، لم يَفْجأ إلا والخضر قد قلع لوحًا من ألواح السفينة بالقدوم، فقال له موسى: قد حملونا لغير نول، فعمدت إلى سفينتهم فخرقتها لتغرق أهلها؟! ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا (٧١) قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٧٢) قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا﴾ \" - قال: وقال رسول الله ﷺ: \"كانت [¬٤]، الأولى من موسى نسيانًا\". قال: \"وجاء عصفور فنزل على حرف السفينة، فنقر في البحر نقرة [¬٥]، فقال له الحضر: ما علمي وعلمك في علم الله إلا مثل ما نقص هذا العصفور من هذا البحر.\nثم خرجا من السفينة، فبينما هما يمشيان على الساحل، إذا أ بصر [¬٦] الخضر غلامًا يلعب مع الغلمان، فأخذ الخضر رأسه فاقتلعه بيده فقتله، فقال له موسى: ﴿قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا﴾ قال: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ قال: \"وهذه أشد من الأولى ﴿قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا (٧٦) فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ قال: مائل [¬٧]. فقال الخضر بيده ﴿فأقامه﴾ فقال موسى: قوم أتيناهم فلم يطعمونا ولم يضيفونا، ﴿لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا (٧٧) قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ فقال رسول الله ﷺ: \"وددنا أن موسى كان صبر؛ حتى يقص الله علينا من خبرهما\".\nقال سعيد بن جبير: كان ابن عباس يقرأ: (وكان أمامهم ملك يأخذ كل سفينة صالحة غصبًا)، وكان يقرأ: (وأما الغلام فكان كافرًا وكان أبواه مؤمنين).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ\n[¬٢]- في خ: \"قال فإن\".\n[¬٣]- في ز: \"فحملوهم\"\n[¬٤]- في خ، ت: \"فكانت\".\n[¬٥]- سقط من: خ.\n[¬٦]- في ز: \"بصر\".\n[¬٧]- في ز: \"مائلًا\".","vol":"9","page":164},{"text":"ثم رواه البخاري (^٨٢) عن قتيبة، عن سفيان بن عيينة … فذكر نحوه وفيه: \"فخرج موسى، ومعه فتاه يوشع بن نون، ومعهما الحوت، حتى انتهيا إلى الصخرة، فنزلا عدها\"، قال: \"فوضع موسى رأسه فنام\"، قال سفيان: وفي حديث غير عمرو قال: \"وفي أصل الصخرة عين يقال لها: الحياة، لا يصيب من مائها فيء إلا حيى، فأصاب الحوت من ماء دلك العين\". قال: \"فتحرك، وانسل من [] [¬١] المكتل فدخل البحر، فلما استيقظ بهال موسى لفتاه: ﴿آتنا غداءنا﴾ \". كذا قال، وساق الحديث: \"ووقع عصفور على حرف السفينة، فغمس منقاره في البحر، فقال الحضر لموسى: ما علمي، وعلمك وعلم الخلائق في علم الله إلا مقدار ما غمس هذا العصفور منقاره. وذكر تمامه بنحوه.\nوقال البخاري (^٨٣) أيضًا: حدثنا إبراهيم بن موسى، حدثنا هشام بن يوسف، أن ابن جريج أخبرهم، قال: أخبرني يعلى بن مسلم، وعمرو بن دينار، عن سعيد بن جبير يزيد أحدهما على صاحبه، وغيرهما قد سمعته يحدث عن سعيد بن جبير قال: أنا لعند ابن عباس في بيته إذ قال: سلوني. فقلت: أي أبا عباس -جعلني الله فداك- بالكوفة رجل قاص يقال له: نوف، يزعم أنه ليس بموسى بني إسرائيل؟ أما عمرو فقال لي: قال: كذب عدو الله! وأما يعلى فقال لي: قال ابن عباس: حدثني أبي بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ: \"موسى رسول الله ذكر الناس يومًا، حتى إذا فاضت العيون، ورقت القلوب، ولَّى، فأدركه رجل، فقال: أي رسول الله، هل في الأرض [أحد] [¬٢]، أعلم منك؟ قال: لا. فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم [إلى الله] [¬٣]، قيل: بلى. قال: أي [¬٤]، رب، وأين؟ قال: بمجمع البحرين. قال: أي [¬٥] رب، اجعل لي [¬٦] علمًا أعلم [ذلك به] [¬٧] \". [قال لي عمرو قال] [¬٨]: حيث يفارقك الحوت. وقال لي يعلى: خذ حوتًا ميتًا حيث ينفخ فيه الروح فأخذ حوتًا فجعله في مكتل، فقال لفتاه: لا أكلفك إلا أن تخبرني حيث يفارقك الحوت. قال: ما كلفت كبيرًا. فذلك قوله: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ﴾ يوشع بن نون- ليست عن [¬٩] سعيد بن\n_________\n(^٨٢) أخرجه البخاري -كتاب التفسير، بابا \"قال أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة\" (٤٧٢٧) حدثني قتيبة بن سعيد حدثني سفيان بن عيينة به.\n(^٨٣) أخرجه البخاري -كتاب التفسير، باب: فلما بلغا مجمع بينهما نسيا حوتهما .... \" (٤٧٢٦).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"تلك\".\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في خ: \"إليه\".\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- سقط من: خ\n[¬٦]- سقط من: ز.\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين في خ: \"به ذلك\".\n[¬٨]- في خ: \"قال لي عمرو\".\n[¬٩]- في خ، ت: \"عند\".","vol":"9","page":165},{"text":"جبير- قال: فبينا هو في ظلِّ صخرة، في مكان ثريان إذ تضرب الحوت وموسى نائم، فقال فتاه: لا أوقظه. حتى إذا استيقظ نسي أن يخبره، وتضرب الحوت حتى [] [¬١] دخل [¬٢] البحر، فأمسك الله عنه جرْيَةَ الماء، [حتى كأن أثره] [¬٣] في [¬٤] حجر.\n[قال: فقال لي عمرو: هكذا كأن أثره في حجر] [¬٥] وحلق بين إبهاميه والتي تليانهما [¬٦]. قال: ﴿لقد لقينا من سفرنا هذا نصبًا﴾ قال [¬٧]: وقد قطع الله عنك [¬٨] النصب -ليست هذه عن سعيد- أخبر فرجعا فوجدا خضرًا. قال: قال عثمان بن أبي سلمان: \"على طنفسة خضراء على كبد البحر\". قال سعيد بن جبير: \"مسجى بثوب قد جعل طرفه تحت رجليه، وطرفه تحت رأسه\".\"فسلم عليه موسى فكشف عن وجهه، وقال: هل بأرض من سلام؟ من أنت؟ قال: أنا موسى. بهال: موسى بني إسرائيل؟ قال: نعم. قال: فما شأنك؟ قال: جئتك لتعلمني مما علمت رشدًا. قال: يكفيك التوراة بيدك وأن الوحي يأتيك! يا موسى، إن لي علمًا لا ينبغي لك أن تعلمه، وإن لك علمًا لا ينبغي لي أن أعلمه. فأخذ طائر بمنقاره من البحر، [فقال: والله ما علمي وعلمك في جنب علم الله، إلا كما أخذ هذا الطائر بمنقاره من البحر] [¬٩]. حتى إذا ركبا في السفينة وجدا [معابر صغارًا] [¬١٠]، تحمل أهل هذا الساحل إلى هذا الساحل الآخر -عرفوه- فقالوا: عبد الله الصالح\"- قال: فقلنا لسعيد: خضر؟ قال: نعم- \"لا نحمله بأجر. فخرقها ورتد فيها رتدًا، قال موسى: ﴿أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا﴾ \"، قال مجاهد: منكرًا\" ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ كانت الأولن نسيانًا، والوسطى شرطًا، والثالثة عمدًا ﴿قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا (٧٣) فَانْطَلَقَا﴾ حتى [] [¬١١] لقيا غلامًا فقتله\" قال يعلى: قال سعيد: وجد غلمانًا يلعبون فأخذ غلامًا كافرًا ظريفًا، فأضجعه ثم ذبحه بالسكين، فقال: ﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً﴾ لم تعمل بالحنث؟ وابن عباس قرأها: (زكية زاكية مُسلمَة) كقولك: غلامًا زكيًّا. فانطلقا فوجدا جدارًا يريد أن ينقض فأقامه. قال سعيد [¬١٢] بيده هكذا، ورفع يده فاستقام، ﴿قَال لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيهِ أَجْرًا﴾ قال يعلى: حسبت أن سعيدًا ما قال: فمسحه بيده فاستقام ﴿قَال لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيهِ أَجْرًا﴾ قال\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ز: \"إذا\".\n[¬٢]- بعده. في خ، ت: في.\n[¬٣]- في خ: \"يحيى إذا كان أثره حجر\".\n[¬٤]- سقط من: ز، خ\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- في ز:، خ \"يليهما\". والمثبت من الصحيح.\n[¬٧]- سقط من: ز.\n[¬٨]- في ز: \"منه\".\n[¬٩]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬١٠]- في ز: \"مغائر صغائرا\"، خ: \"مناير صغاير\".\n[¬١١]- ما بين المعكوفتين في ز: \"إذا\".\n[¬١٢]- سقط من: ز.","vol":"9","page":166},{"text":"سعيد: أجرًا نأكله ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ﴾ وكان أمامهم، فرأها ابن عباس: (أمامهم ملك) يزعمون عن غير سعيد أنه: هُدَد [¬١] بن بُدَد، والغلام المقتول اسمه -يزعمون- حيسو [¬٢]. ﴿مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ فأردت إذا هي مرت به أن يدعها بعيبها، فإذا جاوزه أصلحوها فانتفعوا بها، ومنهم من يقول: سدوها بقارورة، ومنهم من يقول: بالقار. ﴿فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَينِ﴾ وكان [¬٣] هو كافرًا ﴿فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾، أن يحملهما حبه على أن يتابعاه على دينه ﴿فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيرًا مِنْهُ زَكَاةً﴾ كقوله: ﴿قَال أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً﴾، ﴿وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾ هما [¬٤] به أرحم منهما بالأول الذي قتل خضر. وزعم غير سعيد بن جبير: أنهما أبدلا جارية، وأما داود بن أبي عاصم فقال عن غير واحد: إنها جارية.\nوقال عبد الرزاق (^٨٤): أخبرنا معمر، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: خطب موسى ﵇ بني إسرائيل، فقال: ما أحد أعلم بالله وبأمره مني. فأمر أن يلقى هذا الرجل، فذكر نحو ما تقدم بزيادة ونقصان والله أعلم.\nوقال محمد بن إسحاق (^٨٥): عن الحسن بن عمارة، عن الحكم بن عتيبة [¬٥]، عن سعيد بن جبير، قال: جلست عند ابن عباس، وعنده نفر من أهل الكتاب، فقال بعضهم: يا أبا العباس؛ إن نوفًا ابن امرأة كعب يزعم عن كعب: أن موسى النبي الذي طلب العالم إنما هو موسى بن ميشا. قال سعيد: فقال ابن عباس: أنَوْفُ يقول هذا [يا سعيد] [¬٦]؟ قال سعيد: فقلت له: نعم، أنا سمعت نوفًا يقول ذلك. قال: أنت سمعته يا سعيد؟ قال: قلت: نعم. قال: كذب نوف. ثم قال ابن عباس: حدثني أبيّ بن كعب، عن رسول الله ﷺ: أن موسى بني إسرائيل سأل ربه فقال: أي رب، إن كان في عبادك أحد هو أعلم مني فدلني عليه. فقال له: نعم، في عبادي من هو أعلم منك. ثم نعت له مكانه، وأذن له في لقيه، فخرج موسى ومعه فتاه، ومعه حوت مليح، قد قيل له: إذا حيي هذا الحوت في مكان فصاحبك هنالك، وقد أدركت حاجتك. فخرج موسى\n_________\n(^٨٤) \" التفسير\" لعبد الرزاق (٢/ ٤٠٦) وأخرجه ابن جرير في تفسيره (١٥/ ٢٧٧، ٢٧٨) حدثنا الحسن بن يحيى قال: أخبرنا عبد الرزاق به معلولًا ومختصرًا.\n(^٨٥) أخرجه ابن جرير في تفسيره (١٥/ ٢٧٩) حدثنا ابن حميد قال: ثنا سلمة قال: ثنا ابن إسحاق عن الحسن بن عمارة به. والحسن بن عمارة هو البجلي، قال الحافظ في التقريب: متروك.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"هود\".\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- في ت: وكان هو.\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- في ز: \"عيينة\".\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"9","page":167},{"text":"ومعه فتاه، ومعه ذلك الحوت يحملانه، فسار حتى جهده السير، وانتهى إلى الصخرة، وإلى ذلك الماء، وذلك الماء ماء الحياة، من شرب منه خلد، ولا يقاربه شيء ميت إلا حيي، فلما نزلا ومس الحوت الماء حيي، فاتخذ [¬١] سبيله في البحر سربًا، فانطلقا فلما جاوزا مُنْقَلَبه [¬٢]، قال موسى لفتاه: ﴿آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾ قال الفتى -وذكر-: ﴿أَرَأَيتَ إِذْ أَوَينَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إلا الشَّيطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا﴾ قال ابن عباس: فظهر موسى على الصخرة، حين [¬٣] انتهيا إليها، فإذا رجل متلفف في كساء له، فسلم موسى، فردّ عليه العالِم، ثم قال له: ما جاء بك إن كان لك في قومك لشغل؟ قال له موسى: جئتك لتعلمني مما علمت رشدًا ﴿قَال إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ وكان رجلًا يعلم علم الغيب، قد عُلِّمَ ذلك، فقال موسى: بلى. قال: ﴿وَكَيفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾، أي: إنما تعرف [ظاهر ما] [¬٤] ترى من العدل، ولم تحط من علم الغيب بما أعلم ﴿قَال سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾ وإن رأيت ما يخالفني. ﴿قَال فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيءٍ﴾ [وإن أنكرته] [¬٥] ﴿حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ [] [¬٦] فانطلقا يمشيان على ساحل البحر، يتعرضان الناس، يلتمسان من يحملهما، حتى مرّت بهما سفينة جديدة وثيقة، لم يمرّ بهما [شيء] [¬٧] من السفن أحسن ولا أكمل ولا أوثق منها، فسأل أهلها أن يحملوهما فحملوهما، فلما اطمأنا فمها وَلَجّتْ بهما مع أهلها، أخرج منقارًا له ومطرقة، ثم عمد إلى ناحية منها فضرب فيها المنقار [¬٨] حتى خرقها، ثم أخذ لوحًا فطبقه عليها، ثم جلس عليها يوقعها، فقال له موسى - ورأى [¬٩] أمرًا فظع به: - ﴿أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيئًا إِمْرًا (٧١) قَال أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٧٢) قَال لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ﴾ أي: مما [¬١٠] تركت من عهدك ﴿وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا﴾ ثم خرجا من السفينة، فانطلقا حتى أتيا أهل قرية، فإذا غلمان يلعبون خلفها، فيهم غلام ليس في الغلمان غلام أظرف منه، ولا أثرى ولا أوضأ منه، فأخذه بيده وأخذ حجرًا فضرب به رأسه حتى دمغه فقتله، قال: فرأى موسى [¬١١] أمرًا فظيعًا لا صبر عليه: صبي صغير قتله لا ذنب له ﴿قَال أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً﴾، [أي: صغيرة] [¬١٢] ﴿بِغَيرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيئًا نُكْرًا (٧٤) قَال أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ\n_________\n[¬١]- في خ: \"فأخذ\".\n[¬٢]- في ز: \"بمنقله\".\n[¬٣]- في ز، خ: حتى. والمثبت من تفسير الطبري.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين في ز: \"ظاهرها\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"أي\".\n[¬٧]- سقط من ت.\n[¬٨]- في ت: \"بالمنقار\".\n[¬٩]- في: \"أي\".\n[¬١٠]- في ت: \"بما\".\n[¬١١]- سقط من: خ.\n[¬١٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.","vol":"9","page":168},{"text":"صَبْرًا (٧٥) قَال إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا﴾، أي: قد أعْذَرتَ [¬١] في شأني.\n﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ فهدمه، ثم قعد يبنيه، فضجر موسى مما يراه يصنع من التكليف، وما ليس له عليه صبر، فقال: ﴿لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيهِ أَجْرًا﴾، أي: قد استطعمناهم فلم يطعمونا، وضفناهم فلم يضيفونا، ثم قعدت تعمل من غير صنيعة، ولو شئت لأعطيت عليه أجرًا في [¬٢] عمله.\n﴿قَال هَذَا فِرَاقُ بَينِي وَبَينِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْويلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيهِ صَبْرًا (٧٨) أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ و[¬٣] في قراءة أبيّ بن كعب: (كل سفينة صالحة) وإنما عبتها لأرده عنها، فسلمت حين رأى العيب الذي صنعت بها ﴿وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَينِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا (٨٠) فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا (٨١) وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَينِ يَتِيمَينِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾، أي: ما فعلته عن نفسي ﴿ذَلِكَ تَأْويلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيهِ صَبْرًا﴾ وكان ابن عباس يقول: ما كان الكنز إلا علمًا.\nوقال العوفي (^٨٦): عن ابن عباس قال: لما ظهر موسى وقومه على مصر، أنزل قومه مصر [¬٤] فلما استقرت بهم الدار، أنزل الله: أن ذكرهم بأيام الله. فخطب قومه، فذكر ما آتاهم الله من الخير والنعمة، وذكرهم إذ نجاهم الله من آل فرعون، وذكرهم هلاك عدوهم، وما استخلفهم الله في الأرض، وقال: كلم الله نبيكم تكليمًا، واصطفاني لنفسه، وأنزل عليّ محبة منه، وآتاكم الله [¬٥] من كل ما سألتموه، فنبيكم أفضل أهل الأرض، وأنتم تقرءون التوراة. فلم يترك نعمة أنعمها عليهم إلا [¬٦] وعرفهم إياها، فقال له رجل من بني إسرائيل: هم كذلك يا نبي الله، قد عرفنا الذي تقول، فهل على الأرض أحد أعلم منك يا نبي الله؟ [قال: لا] [¬٧] فبعث الله جبرائيل إلى موسى ﵉ فقال: إن\n_________\n(^٨٦) أخرجه ابن جرير في تفسيره (١٥/ ٢٨١) حدثني محمَّد بن سعد، قال: ثنى أبي قال ثنا عمي، قال: ثنا أبي عن أبيه (عطية العوفي) عن ابن عباس فذكره.\n_________\n[¬١]- في ز: \"عذرت\".\n[¬٢]- في ز: \"من\".\n[¬٣]- سقط من: خ.\n[¬٤]- سقط من: ز.\n[¬٥]- سقط من: خ.\n[¬٦]- سقط من: ز.\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"9","page":169},{"text":"الله يقول: وما يدريك أين أضع علمي؟ بلى، إن على شط البحر رجلًا هو أعلم منك [¬١]. قال ابن عباس: هو الخضر. فسأل موسى ربه أن يريه إياه، فأوحى إليه أن ائت البحر، فإنك تجد على شط البحر حوتًا فخذه، فادفعه إلى فتاك، ثم الزم شط البحر فإذا نسيت الحوت وهلك منك، فَثَمَّ تجد العبد الصالح الذي تطلب. فلما طال سفر موسى نبي الله، ونصب فيه سأل فتاه -عن الحوت، فقال له فتاه وهو غلامه-: ﴿أَرَأَيتَ إِذْ أَوَينَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إلا الشَّيطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾ لك، قال الفتى: لقد رأيت الحوت حين اتخذ سبيله في البحر سربًا فأعجب ذلك موسى [¬٢]، فرجع حتى أتى الصخرة فوجد الحوت، فجعل الحوت يضرب في البحر، ويتبعه موسى، وجعل موسى يقدم عصاه يفرج بها عنه الماء يتبع الحوت، وجعل الحوت لا يمس شيئًا من البحر إلا يبس حتى يكون صخرة [¬٣]، فجعل نبي الله يعجب من ذلك، حتى انتهى به الحوت إلى جزيرة من جزائر البحر، فلقي الخضر بها فسلم عليه، فقال الخضر: وعليكِ السلام، وأنى يكون السلام بهذه الأرض؟ ومن أنت؟ قال: أنا موسى. فقال الخضر: أَصَاحِب بني إسرائيل؟ [قال: نعم] [¬٤] فرحب به، وقال: ما جاء بك؟ قال: جئتك ﴿عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا (٦٦) قَال إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ قوله: لا تطلق ذلك. قال موسى [¬٥]: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾ قال: فانطلق به وقال له: لا تسألني عن شيء أصنعه حتى أبين لك شأنه. فذلك قوله: ﴿حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾.\nوقال الزهريّ (^٨٧): عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن ابن عباس: أنه تَمارى هو والحُرّ بن قيس بن حصن [¬٦] الفزاري في صاحب موسى، فقال ابن عباس: هو خضر، فمر بهما أبيّ بن كعب، فدعاه ابن عباس، فقال: إني تماريت أنا وصاحبي هذا في صاحب موسى الذي سأل السبيل إلى لقيه، فهل سمعت رسول الله ﷺ يذكر شأنه؟ قال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: بينا موسى - ﵇ في ملإ من بني إسرائيل، إذ جاءه رجل فقال: تعلم مكان رجل أعلم منك؟ قال: لا. فأوحى الله إلى موسى: بلى، عبدنا خضر. فسأل موسى السبيل إلى لقيه، فجعل الله له الحوت آية، وقيل له: إذا فقدت الحوت فأرجع فإنك ستلقاه. فكان [¬٧]\n_________\n(^٨٧) أخرجه البخاري في صحيحه -كتاب العلم، كتاب: ما ذكر في ذهاب موسى ﷺ في البحر إلى الخضر. (٧٤) - (١/ ١٦٨) حدثني محمَّد بن غُرَير الزهريّ قال: حدثنا =\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- في خ: \"قال\".\n[¬٦]- في ز: خ: \"خضر\".\n[¬٧]- في خ: \"فإن\".","vol":"9","page":170},{"text":"موسى يتبع أثر الحوت في البحر، فقال فتى موسى لموسى: ﴿أَرَأَيتَ إِذْ أَوَينَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ﴾ قال موسى: ﴿ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾ فوجدا عبدنا خضرًا، فكان من شأنهما ما قص الله في كتابه.\n﴿قَال لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا (٦٦) قَال إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٦٧) وَكَيفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا (٦٨) قَال سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا (٦٩) قَال فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا (٧٠)﴾\nيخبر تعالى عن قيل موسى ﵇ - لذلك الرجل [¬١] العالم وهو الخضر، الذي خصه الله بعلم لم يطلع عليه موسى، كما أنه أعطى موسى من العلم ما لم يعطه الخضر ﴿قَال لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ﴾ سؤال بتلطف لا على وجه الإِلزام والأجبار، وهكذا ينبغي أن يكون سؤال المتعلم من العالم.\nوقىل: ﴿أَتَّبِعُكَ﴾، أي: أصحبك وأُرافقك ﴿عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾، أي: مما علمك الله [¬٢] شيئًا أسترشد به في أمري؛ من علم نافع وعمل صالح، فعندها ﴿قَال﴾ الخضر لموسى: ﴿إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾، أي: أنت لا تقدر أن [¬٣] تصاحبني؛ لما ترى من الأفعال التي تخالف شريعتك؛ لأني على علم من علم الله ما علمكه الله، وأنت على علم من علم الله ما علمنيه الله، فكل منا مكلف بأمور من الله دون صاحبه، وأنت لا تقدر على صحبتي ﴿وَكَيفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾ فأنا أعرف أنك ستنكر عليَّ ما أنت معذور فيه، ولكن ما اطلعت على حكمته ومصلحته الباطنة التي اطلعت أنا عليها دونك ﴿قَال﴾ له موسى: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا﴾، أي: على ما أرى من أمورك ﴿وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾، أي: ولا أخالفك في شيء، فعند ذلك شارطه الخضر ﵇ ﴿قَال فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيءٍ﴾، أي: ابتداء ﴿حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾، أي: حتى أبدأك أنا به قبل أن تسألني.\nقال ابن جرير (^٨٨): حدثنا ابن حميد، حدثنا يعقوب عن هارون بن عنترة، عن أبيه، عن\n_________\n= يعقوب ابن إبراهيم قال: حدثني أبي عن صالح عن ابن شهاب -الزهريّ- به.\n(^٨٨) أخرجه ابن جرير في تفسيره (١٥/ ٢٧٧). وهارون بن عنترة هو ابن عبد الرحمن الشيباني. وثقه =\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.","vol":"9","page":171},{"text":"ابن عباس، قال: سأل موسى ربه ﷿ فقال: [رب؛ أي] [¬١] عبادك أحب إليك؟ قال: الذي يذكرني ولا ينساني. قال: فأي عبادك أقضى؟ قال: الذي يقضي بالحق ولا يتبع الهوى. قال: أي رب؛ أي [¬٢] عبادك أعلم؟ قال: الذي يبتغي علم الناس إلى علمه، عسى أن يصيب كلمة تهديه إلى هدًى، أو ترده عن ردًى. قال: أي رب؛ فهل في أرضك [¬٣] أحد أعلم مني؟ قال: نعم. قال: فمن هو؟ قال: الخضر. قال: فأين أطلبه؟ قال: على الساحل عند الصخرة التي ينفلت عندها الحوت.\nقال: فخرج موسى يطلبه، حتى كان ما ذكر الله، وانتهى موسى إليه عند الصخرة، فسلم كل واحد منهما على صاحبه، فقال له موسى: إني أريد أن تصحبني. قال: إنك لن تطيق صحبتي. قال: بلى. قال: فإن صحبتني ﴿فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ قال: فسار به في البحر، حتى انتهى إلى مجمع البحور، وليس في الأرض [¬٤] مكان أكثر ماء منه، قال: وبعث الله الخطاف، فجعل يستقي منه بمنقاره، فقال لموسى: كم ترى هذا الخطاف رزأ من هذا الماء؟ قال: ما أقل مما رزأ! قال: يا موسى، فإن علمي وعلمك في علم الله كقدر ما استقى هذا الخطاف من هذا الماء. وكان موسى قد حدث نفسه أن ليس أحد أعلم منه، أو تكلم به، فمن ثم أمر أن يأتي الخضر. وذكر تمام الحديث في خرق [¬٥] السفينة، وقتل الغلام، وإصلاح الجدار، وتفسيره له ذلك.\n﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَال أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيئًا إِمْرًا (٧١) قَال أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٧٢) قَال لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا (٧٣)﴾\nقوله تعالى مخبرًا عن موسى وصاحبه وهو الخضر: أنهما انطلقا لما توافقا واصطحبا، واشترط عليه ألّا يسألة عن شيء أنكره، حتى يكون هو الذي يبتدئه من تلقاء نفسه بشرحه وبيانه، فركبا في السفينة، وقد تقدم في الحديث كيف ركبا في السفينة، وأنهم عرفوا\n_________\n= أحمد بن حنبل ويحيى بن معين، وقال أبو زرعة: لا بأس به مستقيم الحديث. وأبوه عنترة بن عبد الرحمن وثقه أبو زرعة وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، ويعقوب هو ابن عبد الله أبو الحسن القُمِّي، صدوق يهم. وشيخ ابن جرير هو محمَّد بن حميد الرازي \"حافظ ضعيف\".\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في خ: \"أي رب\".\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- في خ: \"الأرض\".\n[¬٤]- في ز، خ: \"البر\".\n[¬٥]- في ت: \"خرقه\".","vol":"9","page":172},{"text":"الخضر فحملوهما بغير نول -يعني بغير أجرة- تكرمة للخضر، فلما استقلت بهم السفينة في البحر ولججت، أي: دخلت اللجة، قام الخضر فخرقها، واستخرج لوحًا من ألواحها، ثم رفعها، فلم يملك موسى ﵇ نفسه أن قال منكرًا عليه: ﴿أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا﴾ وهذه اللام لام العاقبة، لا لام التعليل، كما قال الشاعر:\nلدوا للموت وابنوا للخراب\n﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيئًا إِمْرًا﴾ قال مجاهد: منكرًا. وقال قتادة: عجبًا.\nفعندها قال له الخضر مذكرًا بما تقدم من الشرط: ﴿أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾، يعني: وهذا الصنيع فعلتُه قصدًا، وهو من الأمور التي اشترطت معك ألا تنكر عليّ فيها؛ لأنك لم تحط بها خبرًا، ولها داخل هو مصلحة ولم تعلمه أنت ﴿قَال﴾ أي: موسى ﴿لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا﴾، أي [¬١]: لا تضيق عليّ وتشدد، ولهذا تقدم في الحديث عن رسول الله ﷺ أنه قال: \"كانت الأولى من موسى نسيانًا\" (^٨٩).\n﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَال أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيئًا نُكْرًا (٧٤) قَال أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٧٥) قَال إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا (٧٦)﴾\nيقول تعالى: ﴿فَانْطَلَقَا﴾ أي [¬٢]: بعد ذلك ﴿حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ﴾. وقد تقدم أنه كان يلعب مع الغلمان في قرية من القرى، وأنه عمد إليه من بينهم، وكان أحسنهم وأجملهم وأوضأهم فقتله، فروي أنه احتز [¬٣] رأسه، وقيل: رضخه بحجر. [وفي رواية] [¬٤]: اقتطفه بيده فالله أعلم.\nفلما شاهد موسى ﵇ هذا أنكره أشد من الأول، وبادر فقال: ﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً﴾، أي: صغيرة لم تعمل الحنث، ولا حملت إثمًا بعد فقتلته؟! ﴿بِغَيرِ نَفْسٍ﴾، أي: بغير مستند لقتله ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيئًا نُكْرًا﴾ أي: [ظاهر النكارة] [¬٥]\n_________\n(^٨٩) تقدم برقم (٨٥).\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- في خ: \"اجتز\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين في خ: \"وقيل\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين في ز: \"ظاهرًا إنكاره\".","vol":"9","page":173},{"text":"﴿قَال أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ فأكد أيضًا في التذكار بالشرط الأول [¬١]، فلهذا قال له موسى: ﴿إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيءٍ بَعْدَهَا﴾، أي: إن اعترضت عليك بشيء بعد هذه المرة ﴿فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا﴾، أي: قد أعذرت إليَّ مرة بعد مرة.\nقال ابن جرير (^٩٠): حدثنا عبد الله بن أبي زياد، حدثنا حجاج بن محمَّد، عن حمزة الزيات، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن أبيِّ بن كعب، قال: كان النبي ﷺ إذا ذكر أحدًا فدعا له بدأ بنفسه، [فقال ذات يوم] [¬٢]: \"رحمة الله علينا وعلى موسى، لو لبث مع صاحبه لأبصر العجب، ولكنه قال: ﴿إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا﴾ \". مثقلة [¬٣].\n﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ قَال لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيهِ أَجْرًا (٧٧) قَال هَذَا فِرَاقُ بَينِي وَبَينِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْويلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيهِ صَبْرًا (٧٨)﴾\nيقول تعالى مخبرًا عنهما: إنهما انطلقا بعد المرتين الأوليين ﴿حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ﴾ و[¬٤] روى ابن جرير عن ابن سيرين: أنها الأيَّلة [¬٥]. وفي الحديث (^٩١): \" حتى إذا أتيا أهل قرية لئامًا [¬٦] أي: بخلاء\" ﴿فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ إسناد الإِرادة هاهنا إلى الجدار على سبيل الاستعارة، فإن الإِرادة في المحدثات بمعنى الميل، والانقضاض هو السقوط.\nوقوله: ﴿فَأَقَامَهُ﴾، أي: فردّه [¬٧] إلى حالة الاستقامة، وقد تقدم في الحديث أنه ردّه\n_________\n(^٩٠) أخرجه ابن جرير في تفسيره - (١٥/ ٢٨٨). وأخرجه مسلم -كتاب الفضائل، باب: من فضائل الخضر، ﵇ (١٧٢) - (٢٣٨٠) (١٥/ ٢٠٥: ٢٠٨). من طريق المعتمر بن سليمان التيمي عن أبيه، عن رَقَبَة عن أبي إسحاق به مطولًا.\n(^٩١) أخرجه مسلم في صحيحه -كتاب الفضائل، كتاب من فضائل الخضر ﵇ (١٧٢) - (٢٣٨٠).\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في خ: \"ذات يوم فقال\".\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- سقط من خ.\n[¬٥]- في خ: \"الأيكة\".\n[¬٦]- في ز: \"لئام\".\n[¬٧]- في خ: \"رده\".","vol":"9","page":174},{"text":"[بيده، ودعمه] [¬١] حتى ردّ ميله، وهذا خارق، فعند ذلك قال موسى له: ﴿لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيهِ أَجْرًا﴾، أي: لأجل أنهم لم يضيفونا كان ينبغي ألّا تعمل لهم مجانًا، ﴿قَال هَذَا فِرَاقُ بَينِي وَبَينِكَ﴾، [أي: لأنك شرطت عند قتل الغلام أنك إن سألتني عن شيء بعدها فلا تصاحبني، فهو فراق بيني وبينك] [¬٢] ﴿سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْويلِ﴾ أي بتفسير ﴿مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيهِ صَبْرًا﴾.\n﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا (٧٩)﴾\nهذا تفسير ما أشكل أمره على موسى ﵇ وما كان أنكر ظاهره، وقد أظهر الله الخضر ﵇ على باطنه، فقال: إن [¬٣] السفينة إنما خرقتها لأعيبها؛ [لأنهم كانوا يمرون بها على ملك من الظلمة ﴿يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ﴾ صالحة، أي: جيدة ﴿غَصْبًا﴾ ﴿فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا﴾] [¬٤] لأرده عنها لعيبها، فينتفع بها أصحابها من المساكين، الذين لم يكن لهم شيء ينتفعون به غيرها، وقد قيل: إنهم أيتام.\n[وقد] روى ابن جريج (^٩٢) [¬٥] عن وهب بن سليمان عن شعيب الجبائي: أن اسم ذلك الملك هُدد بن بدد. وقد تقدم أيضًا في رواه البخاري (^٩٣)، وهو مذكور في التوراة في ذرية العيص [بن إسحاق وهو] [¬٦] من الملوك المنصوص عليهم في التوراة، والله أعلم.\n﴿وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَينِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا (٨٠) فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا (٨١)﴾\nقد تقدم أن هذا الغلام كان اسمه: جَيسُور. وفي الحديث: عن ابن عباس، عن أبيّ بن كعب، عن النبي ﷺ قال [¬٧]: \"الغلام الذي قتله الحضر طبع يوم\n_________\n(^٩٢) أخرجه ابن جرير في تفسيره (١٦/ ٢) حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: ثنا حجاج عن ابن جريج قال: أخبرني وهب بن سليمان فذكره.\n(^٩٣) تقدم - (٨٧).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ز: \"بيديه دعمه\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- في خ: \"جرير\".\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين في خ: \"بن زبير\".\n[¬٧]- سقط من: ز.","vol":"9","page":175},{"text":"طبع كافرًا\". رواه ابن جرير (^٩٤): من [¬١] حديث أبي إسحاق، عن سعيد، عن ابن عباس به، ولهذا قال: ﴿فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَينِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾، أي: يحملهما حبه على متابعته على الكفر.\nقال قتادة: قد فرح به أبواه حين ولد، وحزنا عليه حين قتل، ولو بقي كان فيه هلاكهما، [فليرض امرؤٌ] [¬٢] بقضاء الله، فإن قضاء الله للمؤمن فيما يكره خير له من قضائه فيما يحب.\nوصحَّ في الحديث (^٩٥): \" لا يقضي الله للمؤمن من قضاء إلَّا كان خيرًا له. وقال تعالى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيئًا وَهُوَ خَيرٌ لَكُمْ﴾\n[وقوله تعالى]: ﴿فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾، أي: ولدًا أزكى من هذا، وهما أرحم به منه. قاله ابن جريج.\nوقال قتادة: أبو بوالديه. وقد تقدم أنهما بدلا جارية. وقيل: لما قتله الخضر كانت أمه حاملًا بغلام مسلم. قاله ابن جريج.\n﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَينِ يَتِيمَينِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْويلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيهِ صَبْرًا (٨٢)﴾\nفي هذه الآية دليل على إطلاق القرية على المدينة؛ لأنه قال أولًا ﴿حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ﴾ وقال هاهنا: ﴿فَكَانَ لِغُلَامَينِ يَتِيمَينِ فِي الْمَدِينَةِ﴾ كما قال تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ﴾، ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَينِ عَظِيمٍ﴾ يعني: مكة والطائف.\n_________\n(^٩٤) أخرجه ابن جرير في تفسيره (١٦/ ٣) حدثنا عمرو بن علي، قال: ثنا أبو قتيبة، قال: ثنا عبد الجبار بن عباس الهمداني عن أبي إسحاق به. وأخرجه مسلم في صحيحه -كتاب القدر، باب: معنى كل مولود يولد على الفطرة (٢٦٦١). وأبو داود -كتاب السنة، باب: في القدر - (٤٧٠٥، ٤٧٠٦) والترمذي -كتاب تفسير القرآن، باب: \"ومن سورة الكهف\" - (٣١٥٠). من طرق عن أبي إسحاق به.\n(^٩٥) تقدم تخريجه [سورة الأعراف / آية ٩٥] و[سورة يونس / آية ١٢] و[سورة إبراهيم / آية ٥].\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"عن\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"فرض أمر\".","vol":"9","page":176},{"text":"ومعنى الآية: أن هذا الجدار إنما أصلحه؛ لأنه كان لغلامين يتيمين في المدينة، وكان تحته كنز لهما.\nقال عكرمة، وقتادة، وغير واحد: كان تحته مال مدفون لهما. وهذا ظاهر السياق من الآية، وهو اختيار ابن جرير ﵀.\nوقال العوفي عن ابن عباس: كان تحته كنز علم.\nوكذا قال سعيد بن جبير. قال مجاهد: صحف فيها علم.\nوقد ورد في حديث مرفوع ما يقوي ذلك.\nقال الحافظ أبو بكر أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البزار في مسنده المشهور (^٩٦): حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري، حدثنا بشر بن المنذر، حدثنا الحارث بن عبد الله اليحصبي، عن عياش [¬١] بن عباس القتباني [¬٢]، عن ابن [¬٣] حجيرة، عن أبي ذر ﵁[رفعه] قال: إن الكنز الذي ذكر الله في كتابه: لوح من ذهب مصمت [متكوب فيه] [¬٤]: عجبت لمن أيقن بالقدر لم نصب؟! وعجبت لمن ذكر النار لم ضحك؟! وعجبت لمن ذكر الموت لم غفل؟! لا إله إلا الله محمد رسول الله.\nبشر بن المنذر هذا، مال له: قاضي المصيصة. قال الحافظ أبو جعفر العقيلي: في حديثه وهم.\nوقد روي في هذا آثار عن السلف. فقال ابن جرير في تفسيره (^٩٧): حدثني يعقوب،\n_________\n(^٩٦) ضعيف، أخرجه البزار في مسنده كما في مختصر الزوائد لابن حجر - (١٤٧٩) (٢/ ٩١) وقال: \"لا نعلمه يروى عن أبي ذر إلا بهذا الإسناد\".\nوذكره الهيثمي في \"المجمع\" (٧/ ٥٦ - ٥٧) وقال: \"رواه البزار من طريق بشر بن المنذر عن الحارث بن عبد الله اليحصبي ولم أعرفهما، وبقية رجاله ثقات\". قلت: بشر بن المنذر هو أبو المنذر الرملي، قاضي المصيصة، قال العقيلي في \"الضعفاء\" (١/ ١٤١ - ١٤٢): \"في حديثه وهم وقال أبو حاتم \"الجرح والتعديل\" (١/ ٣٦٧): كان صدوقًا، وذكره ابن حبان في \"الثقات\" (٨/ ١٤١) وهو مترجم في \"لسان الميزان\" وأما الحارث بن عبد الله هذا فلم أعرفه والله أعلم. وزاد نسبته السيوطي في \"الدر المنثور\" (٤/ ٤٢٥) إلى ابن أبي حاتم وابن مردويه.\n(^٩٧) أخرجه ابن جرير في تفسيره - (١٦/ ٦).\n_________\n[¬١]- في خ: \"عباس\".\n[¬٢]- في خ: \"الغساني\".\n[¬٣]- في خ: \"أبي\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"9","page":177},{"text":"حدثنا الحسن بن حبيب بن ندبة، حدثنا سلمة [¬١]، عن نعيم العنبري - وكان من جلساء الحسن - قال: سمعت الحسن -يعني البصري - يقول في قوله: ﴿وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا﴾ قال: لوح [من ذهب] [¬٢] مكتوب فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، عجبت لمن يؤمن بالقدر كيف يحزن؟! وعجبت لمن يوقن بالموت كيف يفرح؟! وعجبت لمن يعرف الدنيا وتقلبها بأهلها كيف يطمئن إليها؟! لا إله إلا الله محمد رسول الله.\nوحدثني (^٩٨) يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرني عبد الله بن عياش عن عمر [¬٣] مولى غفرة قال: إن الكنز الذي قال الله في السورة التي يذكر فيها الكهف: ﴿وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا﴾، قال [¬٤]: كان لوحًا من ذهب مصمت مكتوبًا [¬٥] فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، عجب [¬٦] لمن عرف الموت [¬٧] ثم ضحك!! عجب [¬٨] لمن أيقن بالقدر ثم نصب!! عجب [¬٩] لمن أيقن بالموت ثم أمن!! أشهد ألا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.\nوحدثني (^٩٩) أحمد بن حازم الغفاري، حدثنا هنادة بنت مالك الشيبانية، قالت: سمعت صاحبي حماد بن الوليد الثقفي، يقول: سمعت جعفر بن محمد يقول في قول الله تعالى: ﴿وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا﴾ قال: سطران ونصف لم يتم الثالث: عجبت للموقن بالرزق كيف يتعب! وعجبت للموقن بالحساب كيف يغفل! وعجبت للموقن بالموت كيف يفرح! وقد قال الله: ﴿وَإِنْ كَانَ مِثْقَال حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَينَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ قالت: وذكر أنهما حفظا بصلاح أبيهما، ولم يذكر منهما صلاح، وكان بينهما وبين الأب الذي حفظا به سبعة آباء، وكان نساجًا.\nوهذا الذي ذكره هؤلاء الأئمة، وورد به الحديث المتقدم وإن صح، لا ينافي قول عكرمة إنه [¬١٠] كان مالًا؛ لأنهم ذكروا أنه كان لوحًا من ذهب وفيه مال جزيل، أكثر ما زادوا أنه كان مودعًا فيه علم [¬١١]: وهو حكم ومواعظ، والله أعلم.\n_________\n(^٩٨) انظر المصدر السابق.\n(^٩٩) أخرجه ابن جرير في تفسيره - (٥/ ١٦).\n_________\n[¬١]- في ز: \"مسلم\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٣]- في ز: \"غفير\"، خ: \"عفير\".\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- في ز: \"مكتوب\".\n[¬٦]- في خ: \"عجبًا\".\n[¬٧]- في خ: \"النار\".\n[¬٨]- في خ: \"عجبًا\".\n[¬٩]- في خ: \"عجبًا\".\n[¬١٠]- في ز: \"إن\".\n[¬١١]- في ز: \"علمًا\".","vol":"9","page":178},{"text":"وقوله: ﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا﴾ فيه [¬١] دليل على أن الرجل الصالح [¬٢] يحفظ في ذريته، وتشمل بركة عبادته لهم [¬٣] في الدنيا، والآخرة بشفاعته فيهم، ورفع درجتهم إلى أعلى درجة في الجنة؛ لتقر عينه بهم، كما جاء في القرآن، ووردت به السنة.\nقال سعيد بن جبير عن ابن عباس: حفظا بصلاح أبيهما، ولم يذكر لهما صلاحًا. وتقدم أنه كان الأب السابع.\nوقوله: ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا﴾، هاهنا أسند الإِرادة إلى الله تعالى؛ لأن بلوغهما الحلم لا يقدر عليه إلا الله، وقال في الغلام: ﴿فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيرًا مِنْهُ زَكَاةً﴾ وقال في السفينة: ﴿فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا﴾ فالله أعلم.\nوقوله تعالى: ﴿رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾، أي [¬٤]: هذا الذي فعلته في هذه الأحوال الثلاثة إنما هو من رحمة الله بمن ذكرنا من أصحاب إلسفينة، ووالدي الغلام، وولدى الرجل الصالح ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ أي [¬٥]: لكني أمرت به، ووُقِّفت عليه، وفيه دلالة لمن قال بنبوة الخضر ﵇ مع ما تقدم من قوله: ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَينَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمً﴾.\nوقال آخرون: كان رسولًا.\nوقيل: بل كان ملكًا. نقله الماوردى في تفسيره.\nوذهب كثيرون إلى أنه لم يكن نبيًّا، بل كان وليًّا، فالله أعلم.\nوذكر ابن قتيبة في المعارف أن اسم الخضر: يَلْيا [¬٦] بن ملكان بن فالغ بن غاير بن شالخ ابن أرفَخْشَذ بن سام بن نوح ﵇.\nقالوا: وكان يكنى أبا العباس، ويلقب بالخضر، وكان من أبناء الملوك. ذكره النووي في تهذيب الأسماء، وحكى هو وغيره في كونه باقيًا إلى الآن ثم إلى يوم القيامة - قولين، ومال [¬٧] هو وابن الصلاح إلى بقائه، وذكروا في ذلك حكايات وآثارًا [¬٨] عن السلف وغيرهم، وجاء ذكره في بعض الأحاديث، ولا يصح شيء من ذلك، وأشهرها حديث [¬٩]\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- في ز: \"أم\".\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- سقط من: خ.\n[¬٦]- في ز، خ: \"بليا\".\n[¬٧]- في خ: \"وقال\".\n[¬٨]- في ز: \"آثار\".\n[¬٩]- في خ: \"أحاديث\".","vol":"9","page":179},{"text":"التعزية، وإسناده ضعيف.\nورجح آخرون من المحدثين وغيرهم خلاف ذلك، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْد﴾، وبقول النبي ﷺ [يوم بدر] [¬١]: \"اللهم؛ إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض\" (^١٠٠). وبأنه لم ينقل أنه [¬٢] جاء إلى رسول الله ﷺ، [ولا حضر عنده، ولا قاتل معه، ولو كان حيًّا لكان من أتباع النبي ﷺ] [¬٣] وأصحابه؛ لأنه ﵇ كان مبعوثًا إلى جميع الثقلين؛ الجنّ [¬٤] والإِنس، وقد قال (^١٠١): \" لو كان موسى وعيسى حيين ما وسعهما إلا اتباعي\". وأخبر قبل موته بقليل أنه لا يبقى ممن هو على وجه الأرض، إلى مائة سنة من ليلته تلك عين تطرف، إلى غير ذلك من الدلائل.\nقال الإِمام أحمد (^١٠٢): حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا ابن المبارك، عن معمر، عن همام بن منبه، عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ [في الخضر - قال] [¬٥]: \"إنما سمي خضرًا لأنه جلس على فروة بيضاء، فإذا هي تحته تهتز [¬٦] خضراء\". ورواه أيضًا [عن] [¬٧] عبد الرزاق.\nوقد ثبت أيضًا [¬٨] في صحيح البخاري (^١٠٣) عن همام، عن أبي هريرة أن رسول الله\n_________\n(^١٠٠) أخرجه مسلم في كتاب الجهاد والسير، باب: الإمداد بالملائكة في غزوة بدر وإباحة الغنائم (١٧٦٣) والترمذي في كتاب تفسير القرآن، باب: \"ومن سورة الأنفال\" - (٣٠٨١) (٥/ ٢٥١ - ٢٥٢). وأحمد (١/ ٣٠، ٣٢). من طرق عن عكرمة بن عمار قال: حدثنا أبو زميل سماك الحنفي، قال: سمعت ابن عباس قال: حدثني عمر بن الخطاب قال … فذكر الحديث مطولًا في قصة يوم بدر.\n(^١٠١) قال الألباني في \"حاشية العقيدة الطحاوية\": \"هو حديث محفوظ دون ذكر عيسى فيه - انظر ما تقدم [سورة يوسف / آية ٣] فإنه منكر عندي لم أره في شيء من طرقه وهي مخرجة في \"الإرواء\" (١٥٨٩).\n(^١٠٢) أخرجه أحمد (٢/ ٣١٢)، وأخرجه أيضًا - (٢/ ٣١٨). والترمذي -كتاب التفسير، باب: \"ومن سورة الكهف\" (٣١٥١) - (٥/ ٢٩٣)، وابن حبان في صحيحه - (٦٢٢٢) (١٤/ ١٠٨ - ١٠٩). من طريق عبد الرزاق عن معمر به. وقال الترمذي: \"حديث حسن صحيح\".\n(^١٠٣) أخرجه البخاري في صحيحه -كتاب الأنبياء، باب: \"حديث الخضر مع موسى ﵉ =\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في ز: \"بأنه\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- في خ: \"بالجن\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- سقط من: ز.\n[¬٧]- سقط من خ.\n[¬٨]- سقط من: ز.","vol":"9","page":180},{"text":"ﷺ قال: \"إنما سمي الخضر؛ لأنه [¬١] جلس على فروة فإذا هي تهتز [من خلفه] [¬٢] خضراء\".\nوالمراد بالفروة هاهنا: الحشيش اليابس، وهو: الهشيم من النبات. قاله عبد الرزاق. وقيل: المراد بذلك وجه الأرض.\nوقوله: ﴿ذَلِكَ تَأْويلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيهِ صَبْرًا﴾، أي: هذا تفسير ما ضقت به ذرعًا، ولم تصبر حتى أخبرك به ابتداء، ولما أن فسره له وبينه، ووضحه وأزال المشكل، قال: ﴿تَسْطِعْ﴾ وقبل ذلك كان الإِشكال قويًّا ثقيلًا فقال: ﴿سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْويلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيهِ صَبْرًا﴾ فقابل الأثقل بالأثقل، والأخف بالأخف، كما قال: ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ﴾ وهو الصعود إلى أعلاه ﴿وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾ وهو أشق من ذلك، فقابل كلًّا بما يناسبه لفظًا ومعنى، والله أعلم.\nفإن قيل: فما بال فتى موسى ذكر في أول القصة ثم لم يذكر بعد ذلك؟ فالجواب: أن المقصود بالسياق إنما هو قصة موسى مع الخضر، وذكر ما كان بينهما، وفتى موسى معه تبع، وقد صرح في الأحاديث المتقدمة في الصحاح وغيرها أنه يوشع بن نون، وهو الذي كان يلي بني إسرائيل بعد موسى ﵉ وهذا يدلّ على ضعف ما أورده ابن جرير في تفسيره حيث قال (^١٠٤):\nحدثنا ابن حميد، حدثنا سلمة، حدثني ابن إسحاق، عن الحسن بن عمارة، عن أبيه، عن عكرمة، قال: قيل لابن عباس: لم نسمع لفتى موسى بذكر من حديث وقد كان معه؟ فقال ابن عباس فيما يذكر من حديث الفتى، قال: شرب الفتى من الماء فخلد [¬٣]، فأخذه [¬٤] العالم فطابق به سفينة، ثم أرسله في البحر، فإنها لتموج [¬٥] به إلى ورم القيامة، وذلك أنه لم يكن له أن يشرب منه فشرب. إسناد ضعيف، الحسن [¬٦] متروك، وأبوه غير معروف.\n_________\n= (٣٤٠٢) - (٦/ ٤٣٣) حدثنا محمد بن سعيد الأصبهاني أخبرنا ابن المبارك عن معمر عن همام به.\n(^١٠٤) أخرجه ابن جرير في تفسيره - (١٥/ ٢٨١).\n_________\n[¬١]- في خ: \"أنه\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- في ز: بلا إعجام \"فحا\"، خ: \"فحاز\".\n[¬٥]- في ز: \"تموج\".\n[¬٦]- في خ: والحسن.","vol":"9","page":181},{"text":"وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَينِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا (٨٣) إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَينَاهُ مِنْ كُلِّ شَيءٍ سَبَبًا (٨٤)﴾\nيقول تعالى لنبيه ﷺ: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ﴾ [يا محمد] [¬١] ﴿عَنْ ذِي الْقَرْنَينِ﴾، أي: عن خبره. وقد قدمنا أنه بعث كفار مكة إلى أهل الكتاب، يسألون منهم ما يمتحنون به النبي ﷺ، فقالوا: سلوه عن رجل طواف في الأرض. وعن فتية لا يدرى ما صنعوا، وعن الروح. فنزلت سورة الكهف.\nوقد أورد ابن جرير (^١٠٥) هاهنا والأموي في مغازيه حديثًا أسنده - وهو ضعيف - عن عقبة بن عامر أن نفرًا من اليهود جاءوا يسألون النبي ﷺ عن ذي القرنين، فأخبرهم بما جاءوا له ابتداءً، فكان فيما أخبرهم به أنه كان شابًّا من الروم، وأنه بنى الإِسكندرية، وأنه علا به ملك [¬٢] في السماء، وذهب به إلى السد، ورأى أقوامًا وجوههم مثل وجوه الكلاب. وفيه طول ونَكارة، ورفعه لا يصح، وأكثر ما فيه أنه من أخبار بني إسرائيل، والعجب أن أبا زرعة الرازي - مع جلالة قدره - ساقه بتمامه في كتابه \"دلائل النبوة\" وذلك غريب منه، وفيه من النكارة [¬٣] أنه من الروم، وإنما الذي كان من الروم الإِسكندر الثاني، ابن فيليبس المقدوني الذي تؤرخ به الروم.\nفأما الأول: فقد ذكر الأزرقي وغيره أنه طاف بالبيت مع إبراهيم الخليل - عليه [¬٤] السلام - أول ما بيناه، وآمن به واتبعه، وكان معه الخضر ﵇.\nوأما الثاني: فهو إسكندر بن فيليب المقدوني اليوناني، وكان [¬٥] وزيره أرسطاطاليس الفيلسوف [¬٦] المشهور، والله أعلم.\nوهو الذي تؤرخ به [¬٧] من مملكته ملة الروم، وقد كان قبل المسيح ﵇ بنحو من ثلاثمائة سنة. فأما الأول المذكور في القرآن: فكان في زمن الخليل كما ذكره الأزرقي\n_________\n(^١٠٥) أخرجه ابن جرير في تفسيره (٨/ ١٦) حدثنا أبو كريب، قال: ثنا زيد بن حباب عن ابن لهيعة، قال: ثنى عبد الرحمن بن زياد بن أنعم، عن شيخين من تجيب قال أحدهما لصاحبه: انطلق بنا إلى عقبة بن عامر، فذكره.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٢]- في خ: \"ملكًا\".\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- في خ: \"عليهما\".\n[¬٥]- في ز: \"فكان\".\n[¬٦]- سقط من: ز.\n[¬٧]- في خ: \"له\".","vol":"9","page":182},{"text":"وغيره، وأنه طاف مع الخليل بالبيت العتيق لما بيناه إبراهيم ﵇ وقرب إلى الله قربانًا، وقد ذكرنا طرفًا صالحًا [¬١] من أخباره في كتاب \"البداية والنهاية\". بما فيه كفاية، ولله الحمد.\nقال وهب بن منبه: كان مَلكًا، وإنّما سمي ذا القرنين، لأن [¬٢] صفحتي رأسه كانتا من نحاس. قال: وقال بعض أهل الكتاب: لأنه ملك الروم وفارس. وقال بعضهم: كان في رأسه شبه القرنين. وقال سفيان الثوري (^١٠٦) عن حبيب بن أبي ثابت، عن أبي الطفيل، قال: سئل علي ﵁ عن ذي القرنين؟ فقال: كان عبدًا [ناصحًا لله]﷿ فَنَاصَحَه، دعا قومه إلى الله، فضربوه [¬٣] على قرنه فمات، فأحياه الله، فدعا قومه إلى الله فضربوه على قرنه فمات، فسمي ذا القرنين.\nوكذا رواه شعبة (^١٠٧) عن القاسم بن أبي بَزَّةَ عن أبي الطفيل سمع عليًّا يقول ذلك.\nويقال: إنما سمي ذا القرنين، لأنه بلغ المشارق والمغارب، من حيث يطلع قرن [¬٤] الشمس ويغرب.\nوقوله: ﴿إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ﴾، أي: أعطناه ملكًا عظيمًا، متمكنًا فيه له من جميع ما يؤتى الملوك؛ من التمكين، والجنود، وآلات الحرب والحصارات؛ ولهذا ملك المشارق والمغارب من الأرض، ودانت له البلاد، وخضعت له ملوك العباد، وخدمته الأم من العرب والعجم؛ ولهذا ذكر بعضهم أنه إنما سمي ذا القرنين؛ لأنه بلغ قرني الشمس: مشرقها ومغربها.\nوقوله: ﴿وَآتَينَاهُ مِنْ كُلِّ شَيءٍ سَبَبًا﴾ قال ابن عباس، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وعكرمة، والسدي، وقتادة، والضحاك، وغيرهم: يعني علمًا.\nوقال قتادة أيضًا في قوله: ﴿وَآتَينَاهُ مِنْ كُلِّ شَيءٍ سَبَبًا﴾ قال: منازل الأرض، وأعلامها.\n_________\n(^١٠٦) إسناده صحيح، أخرجه ابن جرير في تفسيره - (١٦/ ٩). حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا يحيى، عن سفيان به.\n(^١٠٧) أخرجه ابن جرير في تفسيره (١٦/ ٩) حدثنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة به.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في ز: \"أن\".\n[¬٣]- في ز،: \"فضرب\".\n[¬٤]- في ز: \"قرني\".","vol":"9","page":183},{"text":"وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله: ﴿وَآتَينَاهُ مِنْ كُلِّ شَيءٍ سَبَبًا﴾ قال: تعليم الألسنة. قال [¬١]: كان لا يغزو قومًا إلا كلمهم بلسانهم.\nوقال ابن لهيعة: حدثني سالم بن غيلان، عن سعيد بن أبي هلال، أن معاوية بن أبي سفيان قال لكعب الأحبار: أنت تقول: إن ذا القرنين كان يربط خيله بالثريا؟!! فقال له كعب: إن كنت قلت ذلك فإن الله تعالى يقول [¬٢]: ﴿وَآتَينَاهُ مِنْ كُلِّ شَيءٍ سَبَبًا﴾.\nوهذا الذي أنكره معاوية ﵁ على كعب الأحبار هو الصواب، والحق مع معاوية في الإِنكار، فإن معاوية كان يقول عن كعب: إن كنا لنبلو عليه الكذب. يعني: فيما ينقله، لا أنه كان يتعمد نفل ما ليس في صحيفته، ولكن الشأن في صحيفته أنها [¬٣] من الإسرائيليات، التي غالبها مبدل مصحف، محرف مختلق، ولا حاجة لنا مع خبر الله تعالى ورسول الله ﷺ إلى شيء منها بالكلية، فإنه دخل منها على الناس شر كثير وفساد عريض. وتأويل كعب قول الله: ﴿وَآتَينَاهُ مِنْ كُلِّ شَيءٍ سَبَبًا﴾ واستشهاده [بذلك] [¬٤] على ما يجده في صحيفته، من أنه كان يربط خيله بالثريا غير صحيح ولا مطابق؛ فإنه لا سبيل للبشر إلى شيء من ذلك، ولا إلى الترقي في أسباب السموات، وقد قال الله في حق بُلقَيس: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيءٍ﴾ أي: مما يؤتى مثلها من الملوك، وهكذا ذو القرنين، يسر الله له الأسباب، أي: الطرق [¬٥] والوسائل إلى فتح الأقاليم والرساتيق والبلاد والأراضي، وكسر الأعادي وكبت ملوك الأرض، وإذلال أهل الشرك، قد أوتي من كل شيء مما يحتاج إليه مثله سببًا، والله أعلم.\nوفي المختارة للحافظ الضياء المقدسي (^١٠٨)، من طريق قتيبة، عن أبي عوانة، عن سماك بن حرب، عن حبيب بن حمار قال: كنت عند عليّ ﵁ وسأله رجل عن ذي القرنين: كيف بلغ المشارق والمغارب؟ فقال: سبحان الله، سخر له السحاب، وقدر له الأسباب، وبسط له اليد.\n﴿فَأَتْبَعَ سَبَبًا (٨٥) حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَينٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا قُلْنَا يَاذَا الْقَرْنَينِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا (٨٦) قَال أَمَّا\n_________\n(^١٠٨) \" المختارة\" (٢/ ٣٢) (رقم ٤٠٩).\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في خ: \"قال\".\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- في خ، ت: \"في ذلك\".\n[¬٥]- في ز: \"الطريق\".","vol":"9","page":184},{"text":"مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا (٨٧) وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا (٨٨)﴾\n[قال ابن عباس: ﴿فَأَتْبَعَ سَبَبًا﴾ يعني بالسبب: المنزل. و] [¬١] قال قال مجاهد: ﴿فَأَتْبَعَ سَبَبًا﴾: منزلًا وطريقًا ما بين المشرق والمغرب.\nوفي رواية عن مجاهد ﴿سَبَبًا﴾ قال: طريقًا [¬٢] في [¬٣] الأرض.\nوقال قتادة: أي أتبع منازل الأرض ومعالمها.\nوقال الضحاك: ﴿فَأَتْبَعَ سَبَبًا﴾ [أي: المنازل.\nوقال سعيد بن جبير في قوله: ﴿فَأَتْبَعَ سَبَبًا﴾] [¬٤] قال: علمًا. وهكذا قال عكرمة وعبيد بن صلى والسدي. وقال مطر: معالم وآثار كانت قبل ذلك.\nوقوله: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ﴾ أي: فسلك طريقًا حتى وصل إلى أقصى ما يسلك فيه من الأرض من ناحية المغرب، وهو مغرب الأرض. وأما الوصول إلى مغرب الشمس من السماء فمتعذر، وما يذكره أصحاب القصص والأخبار من أنه سار في الأرض مدّة، والشمس تغرب من ورائه، فشيء لا حقيقة له، وأكثر ذلك من خرافات أهل الكتاب واختلاق زنادقتهم وكذبهم.\nوقوله: ﴿وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَينٍ حَمِئَةٍ﴾ أي: رأى الشمس في منظره نغرب في البحر المحيط، و[¬٥] هذا شأن كل من انتهى إلى ساحله، يراها كأنها تغرب فيه، وهي [¬٦] لا تفارق الفلك الرابع الذي [¬٧] هي مثبتة فيه لا تفارقه.\nوالحمأة مشتقة على إحدى القراءتين [¬٨] من الحمأة، وهو: الطين، كما قال تعالى: ﴿إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإ مَسْنُونٍ﴾ أي: طين أملس. وقد تقدم بيانه.\nوقال ابن جرير (^١٠٩): حدثني يونس، أخبرنا ابن وهب، حدثني نافع بن أبي نعيم،\n_________\n(^١٠٩) أخرجه ابن جرير في تفسيره - (١٦/ ١١).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في خ: \"طرفي\".\n[¬٣]- سقط من: خ.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٥]- سقط من: ز.\n[¬٦]- سقط من: ز.\n[¬٧]- في ز: \"التي\".\n[¬٨]- في ز، خ: \"الروايتين\".","vol":"9","page":185},{"text":"سمعت عبد الرحمن الأعرج، يقول: كان ابن عباس يقول: ﴿فِي عَينٍ حَمِئَةٍ﴾ ثم فسرها: ذات حمأة. قال نافع: وسئل عنها كعب الأحبار، فقال: أنتم أعلم بالقرآن مني، ولكني أجدها في الكتاب: تغيب في طينة سوداء. وكذا روى غير واحد عن ابن عباس. وبه قال مجاهد وغير واحد.\nوقال أبو داود الطيالسي (^١١٠): حدثنا محمد بن دينار، عن سعد بن أوس، عن مصدع، عن ابن عباس، عن أبيّ بن كعب، أن النبي ﷺ أقرأه: ﴿حَمِئَةٍ﴾.\nوقال عليّ بن أبي طلحة عن ابن عباس: (وجدها تغرب في عين حامية) يعني: حارة. وكذا قال الحسن البصري.\nوقال [¬١] ابن جرير: والصواب أنهما قراءتان مشهورتان، فأيهما قرأ القارئ فهو مصيب.\nقلت: ولا منافاة بين معنييهما، إذ قد تكون حارة لمجاورتها وهج الشمس عند غروبها، وملاقاتها الشعاع بلا حائل، و﴿حَمِئَةٍ﴾: في ماء وطين أسود، كما قال كعب الأحبار وغيره.\nوقال ابن جرير (^١١١): حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا العوام، حدثني مولى لعبد الله بن عمرو، عن عبد الله، قال: نظر رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إلى الشمس حين غابت فقال: \"في نار الله الحامية، في نار الله الحامية، لولا ما يزعها من أمر الله لأحرقت ما على الأرض\".\nقلت: ورواه الإمام أحمد (^١١٢) عن يزيد بن هارون. وفي صحة رفع هذا الحديث نظر،\n_________\n(^١١٠) صحيح، أخرجه أبو داود الطيالسي - (٥٣٦). وأخرجه أبو داود -كتاب الحروف والقراءات، (٣٩٨٦) (٤/ ٣٤)، والترمذي -كتاب القراءات، كتاب: \"ومن سورة الكهف\"، - (٢٩٣٤) (٥/ ١٧٣) من طريقين عن محمد بن دينار عن سعد بن أوس به. وقال الترمذي: \"هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه والصحيح ما روى عن ابن عباس قراءته. ويروى أن ابن عباس وعمرو بن العاص اختلفا في قراءة هذه الآية وارتفعا إلى كعب الأحبار في ذلك، فلو كانت عنده رواية عن النبي ﷺ لاستغنى بروايته ولم يحتج إلى كعب\".\n(^١١١) إسناده فيه جهالة، أخرجه ابن جرير في تفسيره - (١٦/ ١٢). وانظر ما بعده.\n(^١١٢) أخرجه أحمد (٢/ ٢٠٧)، وذكره الهيثمي في \"المجمع\" - (٨/ ١٣٤) وقال: رواه أحمد وفيه راو لم يسم وبقية رجاله ثقات. =\n_________\n[¬١]- مكانها بياض في: ز.","vol":"9","page":186},{"text":"ولعلّه من كلام عبد الله بن عمرو من زاملتيه اللتين وجدهما يوم اليرموك، والله أعلم.\nوقال ابن أبي حاتم (^١١٣): حدَّثنا حجّاج بن حمزة، حدَّثنا محمَّد -يعني: ابن بشر- حدَّثنا عمرو بن [¬١] ميمون، أنبأنا ابن حاضر أن ابن عباس ذكر له أن معاوية بن أبي سفيان قرأ الآية التي في سورة الكهف: (تغرب في عين حامية) قال ابن عباس: فقلت لمعاوية: ما نقرؤها إلَّا ﴿حَمِئَةٍ﴾ فسأل معاوية عبد الله بن عمرو: كيف تقرؤها؟ فقال عبد الله: كما قرأتَها. قال ابن عباس: فقلت لمعاوية: في بيتي نزل القرآن. فأرسل إلى كعب فقال له: أين تجد الشَّمس تغرب في التوراة؟ [فقال له كعب: سل أهل العربية فإنهم أعلم بها، وأما أنا فإنّي أجد الشَّمس تغرب في التوراة] [¬٢] في ماء وطين، وأشار بيده إلى المغرب.\nقال ابن حاضر: لو أني عندكما أفدتك بكلام تزداد فيه بصيرة في ﴿حَمِئَةٍ﴾. قال ابن عباس: وإذًا ما هو؟ قلت: فيما يؤثر من قول تُبَّع، فيما ذكر به ذا القرنين في تخلقه بالعلم واتباعه إياه:\nبلغ المشارق والمغارب يبتغي … أسباب أمرٍ من حكيم مرشد\n[فرأى مغيب] [¬٣] الشمس عِندَ غُرُوبها … في عين ذي خُلُب وَثأط حَرمَد\nقال ابن عباس: ما الخلب؟ قلت: الطين بكلامهم. قال: ما الثاط؟ قلت: الحمأة. قال: فما الحرمد؟ قلت: الأسود. قال: فدعا ابن عباس رجلًا -أو غلامًا- فقال: الخطيب ما يقول هذا الرجل.\nوقال سعيد بن جبير: بينا ابن عباس يقرأ سورة الكهف فقرأ: ﴿وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَينٍ حَمِئَةٍ﴾ فقال كعب: والذي نفس كعب بيده، ما سمعت أحدًا [¬٤] يقرؤها كما أنزلت في التوراة غير ابن عباس، فإنا نجدها في التوراة تغرب في مدرة سوداء.\nوقال أبو يعلى الموصلي (^١١٤): حدَّثنا إسحاق بن أبي إسرائيل، حدَّثنا هشام بن يوسف،\n_________\n= وعزاه السيوطي في الدر المنثور (٤/ ٤٤٧) إلى ابن أبي شيبة وابن منيع وأبي يعلى وابن مردويه.\n(^١١٣) وأخرجه ابن جرير في تفسيره - (١٦/ ١١) حدَّثنا الحسن بن الجنيد، قال: ثنا سعيد بن مسلم، قال: ثنا إسماعيل بن عليه عن عثمان بن حاضر به مختصرًا.\nوعزاه السيوطي في الدر المنثور (٤/ ٤٤٥) إلى عبد الرَّزاق وسعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^١١٤) وأخرجه أبو الشَّيخ في العظمة - (٩٥٢) - (٤/ ١٤٤٠ - ١٤٤١) حدَّثنا أبو يعلى به، وعزاه =\n_________\n[¬١]- في خ: \"يعني ابن\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في ز: \"فوجد مغار\".\n[¬٤]- سقط من: ز.","vol":"9","page":187},{"text":"قال: في تفسير ابن جريج ﴿وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا﴾ قال: مدينة لها اثنا عشر ألف باب، لولا أصوات أهلها لسمع النَّاس وجوب الشَّمس حين تجب. [] [¬١].\nوقوله: ﴿وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا﴾ أي: أمَّة من الأمم، ذكروا أنَّها كانت أمة عظيمة من بني آدم.\nوقوله: ﴿قُلْنَا يَاذَا الْقَرْنَينِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا﴾ معنى هذا أن الله تعالى مكنه منهم [¬٢]، وحكمه فيهم، وأظفره بهم، وخيره: إن شاء قتل وسبى، وإن شاء منّ أو فدى، فعرف عدله وإيمانه، فيما أبداه عدله وبيانه في قوله: ﴿أَمَّا مَنْ ظَلَمَ﴾، أي: من [¬٣] استمر على كفره وشركه بربه ﴿فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ﴾ قال قتادة: بالقتل. وقال السدي: كان يحمي لهم بقر النحاس، ويضعهم فيها حتَّى يذوبوا. وقال وهب بن منبه: كان يسلط [¬٤] الطمة، فتدخل أفواههم وبيوتهم، وتغشاهم من جميع جهاتهم، والله أعلم.\nوقوله: ﴿ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا﴾، أي: شديدًا بليغًا، وجيعًا أليمًا، [وفيه] [¬٥] إثبات المعاد والجزاء.\nوقوله: ﴿وَأَمَّا مَنْ آمَنَ﴾، أي: تابعنا على ما ندعوه إليه من عبادة الله وحده لا شريك له ﴿فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى﴾ أي: في الدار الآخرة عند الله ﷿ ﴿وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا﴾ قال مجاهد: معروفًا.\n﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا (٨٩) حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا (٩٠) كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيهِ خُبْرًا (٩١)﴾\nيقول تعالى: ثم سلك طريقًا فسار من مغرب الشَّمس إلى مطلعها، وكان كلما مر بأمة قهرهم وغلبهم، ودعاهم إلى الله ﷿ فإن أطاعوه وإلا أذلهم، وأرغم آنافهم [¬٦]، واستباح أموالهم وأمتعتهم، واستخدم من كل أمة ما يستعين به مع جيوشه على أهل الإقليم\n_________\n= السيوطي في الدر المنثور - (٤/ ٤٤٧) إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ز: \"فحدث الحسن عن سمرة قال: قال النبي ﷺ سترًا أي: بناء لم يبين فيها بناء قط كانوا إذا طلعت الشمس دخلوا إلى أسراياتهم حتَّى تزول الشَّمس\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"فيهم\".\n[¬٣]- سقط من: خ.\n[¬٤]- في خ: \"سليط\".\n[¬٥]- في ت: \"وفي هذا\".\n[¬٦]- في ز: \"أنافيهم\".","vol":"9","page":188},{"text":"المتاخم لهم. وذكر في أخبار بني إسرائيل أنَّه عاش ألفًا وستمائة سنة، يجوب [¬١] الأرض طولها والعرض، حتَّى بلغ المشارق والمغارب.\nولما انتهى إلى مطلع الشَّمس من الأرض، كما قال الله تعالى: ﴿وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ﴾ أي: أمة ﴿لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا﴾، أي: ليس لهم بناء يكنهم، ولا [¬٢] أشجار تظلهم ولا تسترهم من حرِّ الشَّمس.\nقال سعيد بن جبير: كانوا حمرًا قصارًا، مساكنهم الغيران، أكثر معيشتهم من السمك.\nوقال أبو داود الطيالسي (^١١٥): حدَّثنا سهل بن أبي الصلت، سمعت الحسن، وسئل عن قول الله تعالى: ﴿لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا﴾؟ قال: إن أرضهم لا تحمل البناء، فإذا طلعت الشَّمس تَغَوروا في المياه، فإذا غربت خرجوا يتراغون كما ترغى البهائم. قال الحسن: هذا حديث سمرة.\nوقال قتادة: ذكر لنا أنهم بأرض لا تنبت لهم شيئًا، فهم إذا طلعت الشّمس في أسراب، حتَّى إذا زالت الشَّمس خرجوا إليَّ حروثهم ومعايشهم.\nوعن سلمة بن كهيل أنَّه قال: ليس لهم أكنان، إذا طلعت الشَّمس طلعت عليهم، فلأحدهم أذنان [يفترش] [¬٣] إحداهما ويلبس الأخرى.\nوقال عبد الرَّزاق (^١١٦): أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: ﴿وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا﴾ [قال: هم الزنج.\nوقال ابن جريج في قوله: ﴿وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا﴾] [¬٤]، قال: لم يبنوا فيها بناء قط، ولم يبن عليهم فيها بناء قط، كانوا إذا طلعت الشَّمس دخلوا أسرابًا [¬٥] لهم [¬٦] حتَّى تزول الشَّمس، أو دخلوا البحر، وذلك أن أرضهم\n_________\n(^١١٥) أخرجه ابن جرير في تفسيره (١٦/ ١٤) حدثني إبراهيم بن المستمر قال: ثنا سليمان بن داود أبو داود به. وأخرجه أبو الشَّيخ في العظمة (٩٧٠) - (٤/ ١٤٧١ - ١٤٧٢) من طريق نصر بن علي حدَّثنا مسلم بن قتيبة، حدَّثنا سهل السَّرَّاج له. وليس عنده قول الحسن \"هذا حديث سمرة\".\nوأورده السيوطي في الدر المنثور - (٤/ ٤٤٨) وعزاه إلى البزار في أماليه وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^١١٦) \" التفسير\" لعبد الرَّزاق (٢/ ٤١٢) ومن طريق ابن جرير في تفسيره (١٦/ ١٤) حدَّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرَّزاق به.\n_________\n[¬١]- في خ: \"يحول\".\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في خ: \"يفرش\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٥]- في ز: \"أسراباتهم\"، خ: \"أسرباتهم\".\n[¬٦]- سقط من: ز، خ.","vol":"9","page":189},{"text":"ليس فيها جبل. جاءهم جيش مرَّة، فقال لهم أهلها: لا تطعن عليكم الشَّمس وأنتم بها. قالوا: لا نبرح حتَّى تطلع الشَّمس، ما هذه العظام؟ قالوا: هذه جيف [¬١] جيش طلعت عليهم الشَّمس ها هنا فماتوا. قال: فذهبوا هاربين في الأرض.\nوقوله: ﴿كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيهِ خُبْرًا﴾ قال مجاهد، والسدي: عِلمًا. أي: نحن مطلعون على جميع أحواله وأحوال جيشه، لا يخفى علينا منها شيء، وإن تفرقت أممهم، وتقطعت لهم الأرض، فإنَّه تعالى ﴿لَا يَخْفَى عَلَيهِ شَيءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾.\n﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا (٩٢) حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَينَ السَّدَّينِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا (٩٣) قَالُوا يَاذَا الْقَرْنَينِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَينَنَا وَبَينَهُمْ سَدًّا (٩٤) قَال مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَينَكُمْ وَبَينَهُمْ رَدْمًا (٩٥) آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَينَ الصَّدَفَينِ قَال انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَال آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيهِ قِطْرًا (٩٦)﴾\nيقول تعالى مخبرًا عن ذي القرنين ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا﴾ أي: ثم [¬٢] سلك طريقًا من مشارق الأرض ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَينَ السَّدَّينِ﴾، وهما جبلان متناوحان، كأنهما ثغرة يخرج منها يأجوح ومأجوج على بلاد الترك، فيعيثون فيهم فسادًا، ويهلكون الحرث والنسل؛ ويأجوج ومأجوج من سلالة آدم ﵇ كما ثبت في الصحيحين (^١١٧): \" إن الله تعالى يقول: يا آدم. فيقول: لبيك وسعديك. فيقول: ابعث بعث النَّار. فيقول: وما بعث النار؟ فيقول: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون إلى النار، وواحد إلى الجنَّة. فحينئذ يشيب الصَّغير، وتضع كل ذات حمل حملها\". فيقال: \"إن فيكم أمّتين ما كانتا في شيء إلا كثرتاه: يأجوج ومأجوج\".\n_________\n(^١١٧) أخرجه البُخاريّ في صحيحه -كتاب الرقاق، كتاب: قوله عن وجل ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيءٌ عَظِيمٌ﴾ (٦٥٣٠). ومسلم -كتاب الإيمان، كتاب قوله \"يقول الله لآدم: أخرج بعث النَّار .. \" (٣٧٩) - (٢٢٢)، من طريقين عن جرير عن الأعمش، عن أبي صالح عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ … فذكره.\n_________\n[¬١]- في ز: \"جيفة\".\n[¬٢]- سقط من: خ.","vol":"9","page":190},{"text":"وقد حكى النووي ﵀ في شرح مسلم عن بعض النَّاس، أن يأجوج ومأجوج خلقوا من مني خرج من آدم، فاختلط بالتُّراب فخلقوا من ذلك، فعلى هذا يكونون مخلوقين من آدم، وليسوا من حواء، وهذا القول [¬١] غريب جدًّا لا دليل عليه؛ لا من عقل، ولا من [¬٢] نقل، ولا يجوز الاعتماد ها هنا على ما يحكيه بعض أهل الكتاب؛ لما [¬٣] عندهم من الأحاديث المفتعلة، والله أعلم.\nوفي مسند الإمام أحمد (^١١٨) عن سمرة، أن رسول الله ﷺ قال: \"ولد نوح ثلاثة: سام أبو العرب، وحام أبو السودان، ويافث أبو الترك\". فقال بعض العلماء: هؤلاء من نسل يافث أبي [¬٤] الترك. قال: إنما سموا هؤلاء تركًا؛ لأنهم تركوا من وراء السد من هذه الجهة، وإلا فهم أقرباء أولئك، ولكن كان في أولئك بغي وفساد وجراءة.\nوقد ذكر ابن جرير (^١١٩) ها هنا عن وهب بن منبه أثرًا طويلًا عجيبًا في سير ذي القرنين، وبنائه السد، وكيفية ما جرى له، وفيه طول وغرابة، ونكارة في أشكالهم وصفاتهم، [وطولهم] [¬٥] وقصر بعضهم وآذانهم. وروى ابن أبي حاتم أحاديث غريبة في ذلك، لا تصح أسانيدها، والله أعلم.\nوقوله: ﴿وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا﴾ لاستعجام كلامهم وبعدهم عن النَّاس.\n﴿قَالُوا يَاذَا الْقَرْنَينِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا﴾ قال ابن جريج عن عطاء، عن ابن عباس: أجرًا عظيمًا. يعني: أنهم [¬٦] أرادوا أن\n_________\n(^١١٨) أخرجه أحمد (٥/ ٩، ١٠)، والترمذي -كتاب تفسير القرآن، باب: \"ومن سورة الصافات\". (٣٢٣٠، ٣٢٣١) (٥/ ٣٤٠، ٣٤١). وكتاب المناقب، باب: مناقب في فضل العرب - (٣٩٣١) - (٥/ ٦٨١)، والطبراني في الكبير - (٧/ ٢٥٣ - ٢٥٤، ٢٥٤). والحاكم (٢/ ٥٤٦) وصححه ووافقه الذهبي، وابن عدي في الكامل - (٣/ ٩١٩). كلهم من حديث الحسن عن سمرة بألفاظ متقاربة. وذكره الهيثمي في المجمع (١/ ١٩٨) من حديث عمران بن حصين وسمرة بن جندب وقال: رواه الطّبرانيّ في الكبير ورجاله موثقون. والحديث أورده الشَّيخ الألباني في ضعيف الجامع الصَّغير (٣٢١٤).\n(^١١٩) تفسير ابن جرير (١٦/ ١٧: ٢١).\n_________\n[¬١]- في ت: \"قول\".\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في ز: \"مما\".\n[¬٤]- في ز: \"أبو\".\n[¬٥]- سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- سقط من: خ.","vol":"9","page":191},{"text":"يجمعوا [¬١] له من بينهم مالًا يعطونه إيَّاه؛ حتَّى يجعل لأنَّه ولكنهم سدًّا، فقال ذو القرنين بعفة وديانة وصلاح وقصد للخير: ﴿مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيرٌ﴾ أي: إن الذي أعطاني الله من الملك والتمكين خير لي من الذي تجمعونه، كما قال سليمان ﵇: ﴿أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ﴾، وهكذا قال ذو القرنين: الذي أنا فيه خير من الذي تبذلونه، ولكن ساعدوني ﴿بِقُوَّةٍ﴾، أي: بعملكم وآلات البناء ﴿أَجْعَلْ بَينَكُمْ وَبَينَهُمْ رَدْمًا آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ﴾ والزبر: جمع زبرة، وهي القمة منه. قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة: وهي كاللبنة، قال: كل لبنة زنة [¬٢] قنطار بالدمشقي، أو تزيد عليه.\n﴿حَتَّى إِذَا سَاوَى بَينَ الصَّدَفَينِ﴾ أي: وضع بعضها [¬٣] على بعض من الأساس، حتَّى إذا حاذى به رءوس الجبلين طُولًا وعرضًا، واختلفوا في مساحة [¬٤] عرضه وطوله على أقوال ﴿قَال انْفُخُوا﴾ أي: أجج عليه النَّار حتَّى صار كله نارًا [¬٥] ﴿قَال آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيهِ قِطْرًا﴾ قال ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، والضَّحَّاك، وقتادة، والسدى: هو النحاس. وزاد بعضهم: المذاب. ويستشهد بقوله تعالى: ﴿وَأَسَلْنَا لَهُ عَينَ الْقِطْرِ﴾ ولهذا يشبه بالبرد [¬٦] المحبر.\nقال ابن جرير (^١٢٠): حدَّثنا بشر، حدَّثنا يزيد، حدَّثنا سعيد، عن قتادة، قال: ذكر لنا أن رجلًا قال: يا رسول الله؛ قد رأيتُ سدَّ يأجوج ومأجوج. قال: \"انعته لي\". قال: كالبرد المحبر، طريقة سوداء، وطريقة حمراء. قال: \"قد رأيته\". هذا حديث مرسل.\nوقد بعث الخليفة الواثق في دولته بعض أمرائه، ووجه معه جيشًا سرية؛ لينظروا إلى السد ويعاينوه، وينعتوه له إذا رجعوا، فتوصلوا من بلاد الي بلاد، ومن ملك إلى ملك، حتَّى وصلوا إليه، ورأوا بناءه من الحديد ومن النحاس، وذكروا أنهم رأوا فيه بابا عظيمًا، وعليه أقفال عظيمة، ورأوا بقية اللبن والعمل في برج هناك، وأن عنده حرسًا من الملوك المتاخمة له، وأنَّه عال منيف شاهق، لا يستطاع، ولا ما حوله من الجبال، ثم رجعوا إلى بلادهم، وكانت غيبتهم أكثر من سنتين، وشاهدوا أهوالًا وعجائب [¬٧]\n_________\n(^١٢٠) أخرجه ابن جرير في تفسيره (١٦/ ٢٣). وزاد نسبته السيوطي في الدر المنثور (٤/ ٤٥١) إلى ابن مردويه.\n_________\n[¬١]- في خ: \"بعض\".\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في ز: \"بعضه\" خ: \"بعض\".\n[¬٤]- في ز: \"مساحته\".\n[¬٥]- في ز: \"نانا\".\n[¬٦]- في ز، خ: \"البرد\".\n[¬٧]- في ز: \"عجائبًا\".","vol":"9","page":192},{"text":"[ثم قال تعالى].\nفَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا (٩٧) قَال هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا (٩٨) وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا (٩٩)\nقوله تعالى مخبرًا عن يأجوج ومأجوج: إنهم ما قدروا على أن يصعدوا فوق هذا السد، ولا قدروا على نقبه من أسفله، ولما كان الظهور عليه أسهل من نقبه، قابل كلا بما يناسبه، فقال: ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾ وهذا دليل على أنهم لم يقدروا على نقبه، ولا على شيء منه.\nفأمَّا الحديث الذي رواه الإمام أحمد (^١٢١):\nحدَّثنا روح، حدَّثنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، حدَّثنا أبو رافع، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ قال: \"إن يأجوج ومأجوج ليحفرون السد كل يوم، حتَّى إذا كادوا يرون شعاع الشمس، قال الذي عليهم: ارجعوا فستحفرونه [¬١] غدًا. فيعودون إليه كأشد ما كان، حتى إذا بلغت مدتهم، وأراد الله أن يبعثهم على النَّاس، [حفروا حتى إذا كادوا يرون شعاع الشَّمس] [¬٢] قال الذي عليهم: ارجعوا، فستحفرونه غدًا إن شاء الله. ويستثني، فيعودون إليه وهو كهيئته حين تركوه، فيحفرونه ويخرجون على النَّاس، فينشفون المياه، ويتحصن النَّاس منهم في حصونهم، فيرمون سهامهم [¬٣] إلى السماء، [فترجع وعليها كهيئة الدم، فيقولون: قهرنا أهل الأرض، وعلونا أهل السماء] [¬٤]، فيبعث الله عليهم نغفًا في أقفائهم فيقتلهم بها\". قال رسول الله صلى الله\n_________\n(^١٢١) أخرجه أحمد (٢/ ٥١٠ - ٥١١، ٥١١)، والترمذي -كتاب تفسير القرآن، كتاب: \"ومن سورة الكهف\" - (٣١٥٣) (٥/ ٢٩٣ - ٢٩٤). وابن ماجه -كتاب الفتن، باب: فتنة الدجال وخروج عيسى ابن مريم وخروج يأجوج ومأجوج - (٤٠٨٠) - (٢/ ١٣٦٤ - ١٣٦٥). وابن حبان في صحيحه- (٦٨٢٩) - (١٥/ ٢٤٢ - ٢٤٣). والحاكم (٤/ ٤٨٨) وابن جرير في تفسيره (١٦/ ٢١). من طرق عن قتادة ثنا أبو رافع به. وقال الترمذي: \"حديث حسن غريب\". وصححه الحاكم على شرط الشيخين ووافقه الذهبي. وقال البوصيري في الزوائد: \"إسناده صحيح، رجاله ثقات\". وصححه الشَّيخ الألباني في الصحيحة - (١٧٣٥) - (٤/ ٣١٣) وأجاب على استنكار المصنف له فراجعه إن شئت.\n_________\n[¬١]- في ز: \"لنستحفرونه\"، خ: \"تستحقرون\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في ت: \"بسهامهم\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"9","page":193},{"text":"عليه وسلم: \"والذي نفسي بيده، إن دواب الأرض لتسمن وتشكر شكرًا من لحومهم ودمائهم\". ورواه أحمد أيضًا عن حسن -هو ابن موسى الأشيب [¬١]- عن سفيان، عن قتادة به. وكذا رواه [إلامام] [¬٢] ابن ماجة عن أزهر بن مروان، عن عبد الأعلى، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، قال: حدث أبو رافع. وأخرجه التِّرمذيُّ من حديث أبي عوانة، عن قتادة، ثم قال: غريب. لا نعرفه إلَّا من هذا الوجه.\nوهذا إسناد جيد قوي، ولكن في رفعه نكارة؛ لأن ظاهر الآية يقتضي أنهم لم يتمكنوا من ارتقائه ولا من نقبه؛ لأحكام بنائه وصلابته وشدته، ولكن هذا قد روي عن كعب الأحبار: أنهم قبل خروجهم يأتونه فيلحسونه، حتَّى لا يبقى منه إلَّا القليل [¬٣]، فيقولون: غدًا نفتحه، فيأتون من الغد وقد عاد كما كان، فيلحسونه حتَّى لا يبقى منه إلَّا القليل، فيقولون كذلك، ويصبحون وهو [¬٤] كما كان [¬٥]، فيلحسونه ويقولون: غدًا نفتحه، ويلهمون أن يقولوا: إن شاء الله، فيصبحون وهو كما فارقوه فيفتحونه. وهذا متجه [¬٦]، ولعل أبا هريرة تلقاه من كعب؛ فإنَّه كثيرًا ما كان يجالسه ويحادثه [¬٧]، فحدث [به] [¬٨] أبو هريرة، فتوهم بعض الرواة عنه أنَّه مرفوع فرفعه، والله أعلم.\nويؤكد ما قلناه من أنهم لم يتمكنوا من نقبه ولا نقب شيءٍ منه، ومن نكارة هذا المرفوع قول الإمام أحمد (^١٢٢):\nحدَّثنا سفيان، عن الزُّهريّ، عن عروة، [عن زينب بنت أبي سلمة، عن حبيبة بنت أم حبيبة بنت أبي سفيان، عن أمها أم حبيبة] [¬٩]، عن زينب بنت جحش زوج النَّبيِّ ﷺ قال سفيان: أربع نسوة- قالت: استيقظ النَّبيُّ ﷺ من نومه وهو محمر وجهه، وهو يقول: \"لا إله إلَّا الله! ويل للعرب من شر قد اقترب!\n_________\n(^١٢٢) صحيح، أخرجه أحمد - (٦/ ٤٢٨). ومسلم -كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب: اقتراب الفتن وفتح ردم يأجوج ومأجوج (٢٨٨٠)، والترمذي -كتاب الفتن، باب: \"ما جاء في يأجوج ومأجوج\". (٢١٨٧). وابن ماجه -كتاب الفتن، باب: \"ما يكون من الفتن\" - (٣٩٥٣) من طريق سفيان بن عيينة به.\nفائدة: قوله \"عن أم حبيبة\" سقط من المطبوع من \"سنن ابن ماجه\" انظر \"تحفة الأشراف\"- (١٥٨٨٠) - (١١/ ٣٢٢).\n_________\n[¬١]- في خ: \"الأشهب\".\n[¬٢]- سقط من ت.\n[¬٣]- في ز: \"القيل\".\n[¬٤]- سقط من: خ.\n[¬٥]- في خ: \"قال\".\n[¬٦]- في ز: \"فتحه\".\n[¬٧]- في ت: \"يحدثه\".\n[¬٨]- سقط من: ز، خ.\n[¬٩]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"9","page":194},{"text":"فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذا\". وحلق- قلت: يا رسول الله؛ أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: \"نعم، إذا كثر الخبث\".\nهذا حديث صحيح، اتفق البُخاريّ ومسلم على إخراجه من حديث الزُّهريّ، ولكن سقط في رواية البُخاريّ ذكر حبيبة وأثبتها مسلم، وفيه أشياء عزيزة نادرة قليلة الوقوع في صناعة الإسناد؛ منها رواية الزُّهريّ عن عروة وهما تابعيان، ومنها اجتماع أربع نسوة في سنده كلهن يروي بعضهن عن بعض، ثم كل منهن صحابية، ثم ثنتان ربيبتان وثنتان زوجتان ﵅.\n[وقد روى نحو هذا عن أبي هريرة ﵁] [¬١].\nفقال البزار: حدَّثنا محمَّد بن مرزوق، حدَّثنا مؤمل بن إسماعيل، حدَّثنا وهيب [¬٢]، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: \"فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذا\" وعقد التسعين [¬٣]. وأخرجه البُخاريّ ومسلم (^١٢٣): من حديث وهيب به.\nوقوله: ﴿قَال هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي﴾ أي: لما بيناه ذو القرنين ﴿قَال هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي﴾ أي: بالنَّاس، حيث جعل بينهم وبين يأجوج ومأجوج حائلًا يمنعهم من العيث في الأرض والفساد ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي﴾ أي: إذا اقترب الوعد الحق ﴿جَعَلَهُ دَكَّاءَ﴾ أي: ساواه [¬٤] بالأرض. تقول العرب: ناقة دكاء، إذا كان ظهرها مستويًا لا سنام لها، وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ أي: مساويًا للأرض.\nوقال عكرمة في قوله: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ﴾ قال: طريقًا كما كان.\n﴿وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾: [أي] [¬٥] كائنًا [¬٦] لا محالة.\n_________\n= وأخرجه أحمد (٦/ ٤٢٨). وأخرجه البُخاريّ -كتاب الأنبياء، باب: قصَّة يأجوج ومأجوج (٣٣٤٦). ومسلم (١/ ٢) (٢٨٨٠) من طريق الزُّهريّ، عن عروة بن الزبير عن زينب أم سلمة عن أم حبيبة فذكرته، ليس فيه \"حبيبة بنت أم حبيبة\".\n(^١٢٣) أخرجه البُخاريّ -كتاب الأنبياء، باب: قصَّة يأجوج ومأجوج. (٣٣٤٧)، ومسلم -كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب: \"اقتراب الفتن، وفتح ردم يأجوج ومأجوج (٢٨٨١) من طريقين عن وهيب به.\n_________\n[¬١]- سقط من ت.\n[¬٢]- في ز، خ- في هذا الموضع والموضع الآتي: \"وهب\".\n[¬٣]- في ز: \"تسعين\".\n[¬٤]- في ز، خ: \"واساه\".\n[¬٥]- سقط من ت.\n[¬٦]- في ز: \"كائن\".","vol":"9","page":195},{"text":"وقوله: ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ﴾، أي: النَّاس ﴿يَوْمَئِذٍ﴾، أي [¬١]: يوم يدك هذا السد، ويخرج هؤلاء، فيموجون في النَّاس، ويفسدون على النَّاس أموالهم، ويتلفون أشياءهم، وهكذا قال السدي في قوله: ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾، قال: ذاك حين يخرجون على النَّاس. وهذا كله قبل يوم القيامة وبعد الدجال، كما سيأتي بيانه عند قوله: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾، وهكذا قال ها هنا: ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا﴾ قال ابن زيد في قوله: ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾ قال: هذا أول يوم القيامة ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ على أثر ذلك ﴿فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا﴾.\nوقال آخرون: بل المراد بقوله: ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾ [] [¬٢] أي: يوم القيامة يختلط الإنس والجن.\nروى ابن جرير (^١٢٤) عن محمَّد بن حميد، عن يعقوب القمي، عن هارون بن عنترة، عن شيخ من بني فزارة في قوله: ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾، قال: إذا ماج الإنس والجن، قال إبليس: أنا أعلم لكم علم هذا الأمر. فيظعن إلى المشرق [¬٣] فيجد الملائكة قد قطعوا [¬٤] الأرض، ثم يظعن إلى المغرب فيجد الملائكة بطنوا الأرض، فيقول: ما من محيص. ثم يظعن يمينًا وشمالًا إلى أقصى الأرض، فيجد الملائكة بطنوا الأرض، فيقول: ما من محيص. فبينما هو كذلك إذ عرض له طريق كالشراك، فأخذ عليه هو وذريته، فبينما هم عليه إذ هجموا على النَّار، فأخرج الله خازنًا من خزان النَّار، فقال: يا إبليس، ألم تكن لك المنزلة عند ربك؟! ألم تكن في [¬٥] الجنان؟! فيقول: ليس هذا يوم عتاب، لو أن الله فرض علي فريضة لعبدته فيها عبادة لم يعبده مثلها أحد من خلقه. فيقول: فإن الله قد فرض عليك فريضة. فيقول: ما هي؟ فيقول: يأمرك أن تدخل النَّار. فيتلكأ عليه، فيقول به وبذريته بجناحيه [¬٦] فيقذفهم في النَّار، فتزفر النَّار زفرة، لا يبقى ملك مقرب، ولا نبي مرسل إلَّا جثى لركبتيه.\n_________\n(^١٢٤) أخرجه ابن جرير في تفسيره - (١٦/ ٢٨ - ٢٩). وعزاه السيوطي في \"الدر المنثور\" - (٤/ ٤٥٤) إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في خ: \"قال إذا ماج، ماج الجن الإنس\".\n[¬٣] في ز: \"الشرق\".\n[¬٤]- في خ: \"قد بطنوا\".\n[¬٥]- في خ: \"لك\".\n[¬٦]- في ز: \"بجناحه\".","vol":"9","page":196},{"text":"وهكذا رواه ابن أبي حاتم (^١٢٥) من حديث يعقوب القمي به. [ثم] [¬١] رواه من وجه آخر عن يعقوب، عن هارون بن عنترة، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾، قال: الجن والإِنس يموج بعضهم في بعض.\nوقال الطبراني (^١٢٦): حدثنا عبد الله بن محمد بن العباس الأصفهاني، حدثنا أبو مسعود أحمد بن الفرات، حدثنا أبو داود الطيالسي، حدثنا المغيرة بن مسلم عن أبي إسحاق، عن وهب بين جابر، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ قال: \"إن، يأجوج ومأجوج من ولد آدم، ولو أرسلوا لأفسدوا علي الناس معايشهم، ولن يموت رجل منهم إلا ترك من ذريته ألفًا فصاعدًا، وإن من ورائهم ثلاث أمم: تأويل وتاريس [¬٢] ومنسك\".\nهذا حديث غريب، بل منكر ضعيف.\nوروى النسائي (^١٢٧): من حديث شعبة، عن النعمان بن سالم، عن [ابن] [¬٣] عمرو بن\n_________\n(^١٢٥) وعزاه له السيوطي في \"الدر المنثور\" (٤/ ٤٥٤) وزاد نسبنه إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر.\n(^١٢٦) لم أهتد إليه بهذا الإسناد هكذا، ولعله في الجزء المفقود من \"المعجم الكبير\". والحديث عند الطيالسي في مسنده (٢٢٨٢) وأخرجه الطبراني في \"الأوسط\" (٨٥٩٨) (٨/ ٢٦٧) حدثنا منتصر بن محمد ثنا الوليد بن شجاع ثنا أبي عن زياد بن خيثمة: حدثني أبو إسحاق له. وذكره المؤلف في \"البداية والنهاية\" (٢/ ١٣١) وقال: \"حديث غريب جدًّا، وإسناده ضعيف، وفيه نكارة شديدة\".\nوقال الهيثمي في \"المجمع\" - (٨/ ٩): رواه الطبراني في الكبير والأوسط، ورجاله ثقات\".\nقلت: وهب بن جابر- وهو الخيواني- وإن وثقه ابن معين والعجلي وابن حبان فقد جهله ابن المديني والنسائي، وقال الذهبي: \"لا يكاد يعرف، تفرد عنه أبو إسحاق\".\nوأخرجه ابن جرير في تفسيره - (١٧/ ٨٨) من طريق سفيان الثوري وشعبة عن أبي إسحاق عن وهب بن جابر عن عبد الله بن عمرو، موقوفًا عليه.\nوأخرجه أيضًا - (١٧/ ٨٩) من طريق معمر عن أبي إسحاق أن عبد الله بن عمرو … فدكره موقوفًا عليه. ومن طريق شعبة موقوفًا صححه الحاكم (٤/ ٤٩٠) ووافقه الذهبي. ووهب بن جابر إنما أخرج له أبو داود والنسائي فحسب.\nوالحديث زاد نسبته السيوطي في الدر المنثور - (٤/ ٤٥٠) إلى عبد بن حميد وابن المنذر والبيهقي في البحث وابن مردويه وابن عساكر. وله شاهد بإسناد رجاله ثقات من حديث ابن مسعود. أخرجه ابن حبان في صحيحه (٦٨٢٨) - (١٥/ ٢٤٠ - ٢٤١).\n(^١٢٧) أخرجه النسائي في الكبرى -كتاب التفسير، باب: سورة الأنبياء- قوله تعالى- ﴿حَتَّى إِذَا\n_________\n[¬١]- سقط من ت.\n[¬٢]- في خ: \"وتايس\".\n[¬٣]- سقط من ت.","vol":"9","page":197},{"text":"أوس، عن أبيه، عن جده أوس بن أبي أوس مرفوعًا: \"إن يأجوج ومأجوج لهم نساء يجامعون ما شاءوا، وشجر يلقحون [¬١] ما شاءوا، ولا يموت رجل منهم إلا ترك من ذريتة ألفًا فصاعدًا\".\nوقوله: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ والصور كما جاء في الحديث: قرن ينفخ فيه، والذي ينفخ فيه إسرافيل ﵇ كما تقدم في الحديث بطوله (^١٢٨)، والأحاديث فيه كثيرة.\nوفي الحديث عن عطية، عن ابن عباس وأبي سعيد مرفوعًا (^١٢٩): \" كيف أنعم وصاحب القرن قد التقم القرن وحنى جبهته، واستمع [¬٢] متى يؤمر\". قالوا: كيف نقول [¬٣]؟ قال: \"قولوا: حسبنا الله ونعم الوكيل، علي الله توكلنا\".\nوقوله: ﴿فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا﴾، أي: أحضرنا الجميع للحساب، ﴿قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ (٤٩) لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾، ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾.\n﴿وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا (١٠٠) الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا (١٠١) أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي\n_________\n= فتحت يأجوج ومأجوج\" (١١٣٣٤) (٦/ ٤٠٨) حدثنا أبو داود نا سهل بن حماد، نا شعبة به. وابن عمرو بن أوس لا يعرف، ولم يذكر فيه جرح ولا تعديل، ولم يرو عنه غير النعمان بن سالم.\nوعزاه ابن حجر في الفتح - (١٣/ ١٠٩) إلى ابن أبي حاتم وابن مردويه، والحديث في \"ضعيف الجامع\"- (٢٠٢٧) (١/ ٢٠٣).\n(^١٢٨) تقدم في حديث الصور، وقد تقدم تخرجه [سورة الأنعام / آية ٧٣].\n(^١٢٩) حديث ابن عباس تقدم تخريجه [سورة آل عمران / آية ١٧٣] أما حديث أبي سعيد الخدري. فأخرجه أحمد (٣/ ٧، ٧٣). والترمذي -كتاب صفة القيامة والرقائق والورع، باب: ما جاء في شأن الصور (٣٤٣١) (٤/ ٥٣٦) وفي التفسير -باب: سورة الزمر - (٣٢٤٣) (٥/ ٣٤٧) وابن ماجه -كتاب الزهد، كتاب: ذكر البعث - (٤٢٧٣) (٢/ ١٤٢٨) بنحره، والحميدي - (٧٥٤) - (٢/ ٣٣٢ - ٣٣٣) وابن المبارك في الزهد - (١٥٩٧) وأبو نعيم في الحلية (٥/ ١٠٥) مختصرًا (٧/ ٢٣٠، ٣١٢) من طرق عن عطية العوفي عن أبي سعيد، وقال الترمذي: \"حديث حسن\" أي لغيره، فإن عطية ضعيف إلا أنه قد توبع عليه- تابعه أبو صالح.\nأخرجه أبو يعلى في مسنده (١٠٨٤) (٢/ ٣٣٩ - ٣٤٠)، وابن حبان في صحيحه (٨٢٣) (٣/ ١٠٥) =\n_________\n[¬١]- في خ: \"يلتحون\".\n[¬٢]- في ز: \"اسمع\".\n[¬٣]- في ز: \"يقولوا\".","vol":"9","page":198},{"text":"أَوْلِيَاءَ إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلًا (١٠٢)﴾.\nيقول تعالى مخبرًا عما يفعله بالكفار سوم القيامة: إنه يعرض عليهم جهنم، أي: يبرزها لهم ويظهرها؛ ليروا ما فيها من العذاب والنكال قبل دخولها؛ ليكون ذلك أبلغ في تعجيل الهم والحزن لهم.\nوفي صحيح مسلم (^١٣٠) عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: \"يؤتي بجهنم تقاد يوم القيامة بسبعين ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها [¬١] \".\nثم قال مخبرًا عنهم: ﴿الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي﴾. أي: تغافلوا وتعاموا وتصامّوا [¬٢] عن قبول الهدى، واتباع الحق، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾، وقال هاهنا: ﴿وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾، أي: لا يعقلون عن الله أمره ونهيه، ثم قال: ﴿أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ﴾، أي: اعتقدوا أنهم يصح له ذلك وينتفعون بذلك ﴿كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيهِمْ ضِدًّا﴾ ولهذا أخبر الله تعالى أنه قد [¬٣] أعدّ لهم جهنم سوم القيامة منزلًا.\n﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (١٠٤) أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا (١٠٥) ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا (١٠٦)﴾\n_________\n= والحاكم (٤/ ٥٥٩)، وابن أبي الدنيا في \"الأهوال\" - (٥٠). وصححه الألباني في الصحيحة- (١٠٧٩) (٣/ ٦٦).\n(^١٣٠) أخرجه مسلم -كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب: في شدة حر نار جهنم وبعد قعرها … (٢٨٤٢). والترمذي -كتاب صفة جهنم، باب: ما جاء في صفة النار - (٢٥٧٣) (٤/ ٦٠٤) من طريق شقيق بن سلمة عن عبد الله بن مسعود … فذكره.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في ز، خ: \"تصامموا\".\n[¬٣]- سقط من: ز.","vol":"9","page":199},{"text":"قال البخاري (^١٣١): حدثنا محمد بن بشار، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن عمرو، عن مصعب قال: سألت أبي -يعني سعد بن أبي وقاص-: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا﴾ أهم الحرورية؟ قال: لا، هم اليهود والنصارى، أما اليهود فكذبوا محمدًا ﷺ، وأما النصارى كفروا بالجنة، وقالوا [¬١]: لا طعام فيها ولا شراب، والحرورية الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه. وكان سعد ﵁ يسميهم الفاسقين.\nوقال علي بن أبي طالب والضحاك وغير واحد: هم الحرورية.\nومعني هذا عن علي ﵁ أن هذه الآية الكريمة تشمل الحرورية، كما تشمل اليهود والنصاري وغيرهم، لا أنها نزلت في هؤلاء علي الخصوص ولا هؤلاء، بل هي [¬٢] أعم من هذا، فإن هذه الآية مكية قبل خطاب اليهود والنصارى، [وقبل وجود الخوارج، [¬٣] بالكلية، وإنما هي عامة في كل من عبد الله علي غير طريقة مرضية، يحسب أنه مصيب فيها، وأن محمله مقبول، وهو مخطيء، وعمله مردود. كما قال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ (٢) عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ (٣) تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً﴾. وقوله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾. وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيئًا﴾.\nوقال في هذه الآية الكريمة: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ﴾ أي: نخبركم ﴿بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا﴾ ثم فسرهم فقال: ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾، أي: عملوا أعمالا باطلة علي غير سريعة مشروعة مرضِية مقبولة ﴿وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ أي: يعتقدون أنهم علي شيء، وأنهم مقبولون محبوبون.\nوقوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ﴾، أي: جحدوا آيات الله في الدنيا، وبراهينه التي أقام علي وحدانيته وصدق رسله، وكذبوا بالدار الآخرة، ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾، أي: لا نثقل موازينهم، لأنها خالية من [¬٤] الخير.\nفقال البخاري (^١٣٢): حدثنا محمد بن عبد الله، حدثنا سعيد بن أبي مريم، أخبرنا\n_________\n(^١٣١) أخرجه البخاري -كتاب التفسير، باب: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا﴾ (٤٧٢٨). والنسائي في الكبرى -كتاب التفسير، باب: قوله تعالى ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ …﴾ (١١٣١٣)،\n(^١٣٢) أخرجه البخاري -كتاب التفسير، باب: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ=\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- في ز: \"وقيل وجود الجوارح\".\n[¬٤]- في خ: \"عن\".","vol":"9","page":200},{"text":"المغيرة، حدثني أبو الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ أنه قال: \"إنه ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة\". وقال: \"اقرءوا إن شئتم: ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾. وعن يحيى بن بكير، عن مغيرة بن عبد الرحمن، عن أبي الزناد مثله.\nهكذا ذكره عن يحيى بن بكير معلقًا، وقد رواه مسلم عن أبي بكر محمد بن إسحاق، عن يحيى بن بكير [¬١] به.\nوقال ابن أبي حاتم (^١٣٣): حدثنا أبي، حدثنا أبو الوليد، حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن صالح مولى التوأمة، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"يؤتي بالرجل الأكول الشروب العظيم فيوزن بحبة فلا يزنها\". قال: وقرأ: ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾.\nوكذا رواه ابن جرير (^١٣٤): عن أبي كريب، عن أي الصلت، عن ابن أبي الزناد [¬٢]، عن صالح مولى التوأمة، عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا. فذكره بلفظ البخاري سواء.\nوقال أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البزار (^١٣٥): حدثنا العباس بن محمد، حدثنا عون بن عمارة [¬٣]، حدثنا هشام بن حسان، عن واصل، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه قال: كنا عند رسول الله ﷺ فأقبل رجل من قريش خطر في حلة له، فلما قام على النبي ﷺ قال: \"يا بريدة، هذا ممن لا يقيم الله له يوم القيامة\n_________\n= فحبطت أعمالهم\" - (٤٧٢٩). ومسلم -كتاب صفة القيامة والجنة والنار (٢٧٨٥).\n(^١٣٣) وأخرجه البيهقي في شعب الإيمان - (٥٦٧٠) (٥/ ٣٤)، وابن عدي في الكامل - (٦/ ٢٢٣٥). من طريق سعيد بن منصور ثنا محمد بن عمار المؤذن، مؤذن مسجد المدينة، أخبرني صالح مولى التوأمة به. وصالح مولى التوأمة ضعفه أبو زرعة والنسائي، وقال مالك: \"ليس بثقة\" وقال ابن معين في رواية: \"ليس بقوي في الحديث، ووثقه في رواية أخرى، وذلك إذا روى عنه القدماء كابن أبي ذئب وابن جريج وغيرهما والرواية التي هنا ليست من هذا الباب، وبالله التوفيق.\n(^١٣٤) أخرجه ابن جرير في تفسيره - (١٦/ ٣٥) عن أبي كريب عن أبي الصلت عن ابن أبي الزناد به، وانظر ما قبله.\n(^١٣٥) أخرجه البزار -كما في مختصر الزوائد لابن حجر - (١١٧٧) (١/ ٦٥٠). وذكره الهيثمي في \"المجمع\" (٥/ ١٢٨) وقال: \"رواه البزار وفيه عون بن عمارة وهو ضعيف\".\n_________\n[¬١]- في ز: \"طير\".\n[¬٢]- في خ: \"الدنيا\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"عامر\".","vol":"9","page":201},{"text":"وَزْنًا﴾. ثم قال: تفرد به واصل مولى أبي عنبسة وعون بن عُمَارة، وليس بالحافظ ولم يتابع عليه.\nوقد قال [ابن] جرير أيضًا (^١٣٦): حدثنا محمد بن بشار، حدثنا عبد الرحمن، حدثنا سفيان عن الأعمش عن شمر [¬١] عن أبي يحيى، عن كعب قال: يؤتى يوم القيامة [برجل عظيم] [¬٢] طويل، فلا يزن عند الله جناح بعوضة، اقرءوا: ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾.\nوقوله: ﴿ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا﴾، أي: إنما جازيناهم بهذا الجزاء جهنم؛ بسبب كفرهم، واتخاذهم آيات الله ورسله هزوًا، استهزءوا بهم وكذبوهم أشد التكذيب.\n﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (١٠٧) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا (١٠٨)﴾\nيخبر تعالى عن عباده السعداء، وهم الذين آمنوا بالله ورسله، وصدقوهم فيما [¬٣] جاءوا به بأن لهم جنات الفردوس.\nقال مجاهد: الفردوس هو: البستان بالرومية.\nوقال كعب والسدي والضحاك: هو البستان الذي فيه شجر الأعناب. وقال أبو أمامة: الفردوس: سرة الجنة.\nوقال قتادة: الفردوس ربوة الجنة وأوسطها وأفضلها. وقد روي هذا مرفوعًا من حديث سعيد بن بشير، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة، عن النبي ﷺ: \"الفردوس: ربوة الجنة و[¬٤] أوسطها وأحسنها\" (^١٣٧).\n_________\n(^١٣٦) أخرجه ابن جرير في تفسيره - (١٦/ ٣٥).\n(^١٣٧) أخرجه ابن جرير في تفسيره - (١٦/ ٣٨)، والطبراني في الكبير - (٦٨٨٦) (٧/ ٢٥٨)، وأبو نعيم في \"صفة الجنة\" - (١١) - (١/ ٣٨) من طريق سعيد بن بشير عن قتادة به. وهذا إسناد ضعيف، لضعف سعيد وعنعنة الحسن وقتادة، وتابع قتادة \"إسماعيل بن مسلم عن الحسن به. أخرجه ابن جرير في تفسيره - (١٦/ ٣٨٦) وعزاه السيوطي في الدر المنثور (٤/ ٤٥٧) إلى ابن أبي حاتم والبزار. وذكره الهيثمي في \"المجمع (١٠/ ٤٠١) وقال: \"رواه الطبراني والبزار باختصار وأحد أسانيد الطبراني وثقوا وفي بعضهم ضعف\" وصححه الألباني في الصحيحة بشواهده (٢٠٠٣) (٥/ ٩)، حيث إن له شاهدًا من حديث أنس بن مالك وهو الآتي.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"سمرة\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز: \"بعظيم\".\n[¬٣]- في ز: \"بما\".\n[¬٤]- سقط من خ.","vol":"9","page":202},{"text":"وهكذا رواه إسماعيل بن مسلم عن الحسن، عن سمرة مرفوعًا؛ وروي عن قتادة، عن أنس بن مالك مرفوعًا بنحوه (^١٣٨)؛ وقد نقله ابن جرير، ﵀.\nوفي الصحيحين (^١٣٩): \" إذا سألتم الله الجنة فاسألوه الفردوس؛ فإنه أعلي الجنة وأوسط الجنة، ومنه تفجر أنهار الجنة\".\nوقوله: ﴿نُزُلًا﴾ أي: ضيافة، فإن النزل هو الضيافة.\nوقوله: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أي: مقيمين ساكنين فيها [¬١]، لا يظعنون عنها أبدًا ﴿لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا﴾ أي: لا يختارون غيرها، ولا يحبون سواها، وكما قال الشاعر:\nفحَلّتْ [¬٢] سُوَيدَا القلب لا أنا باغيًا … سواها ولا عن حبِّها أتحول\nوفي قوله: ﴿لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا﴾ تنبيه على رغبتهم فيها، وحبهم لها، مع أنه قد يتوهم فيمن هو مقيم في المكان دائمًا أنه يسأمه و[¬٣] يمله، فأخبر أنهم مع هذا الدوام والخلود السرمدي، لا يختارون عن مقامهم ذلك متحولا ولا [انتقالًا ولا] [¬٤] ظعنًا [¬٥] ولا رحلة ولا بدلًا [¬٦].\n﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا (١٠٩)﴾\n_________\n(^١٣٨) أخرجه الترمذي -كتاب تفسير القرآن، باب: \"ومن سورة المؤمنون\". (٣١٧٤) - (٥/ ٣٠٦). وأحمد في مسنده - (٣/ ٢٦٠)، وابن جرير في تفسيره - (١٦/ ٣٨٦). من طريق قتادة عن أنس، فذكر قصة حارثة وفيه \"يا أم حارثة .... والفردوس ربوة الجنة وأوسطها وأفضلها\" وقال الترمذي: \"حسن صحيح\".\nلكن قال الألباني في الصحيحة (٤/ ٤٢٧) … وهذه الزيادة\"والفردوس ربوة … \" التي عند الترمذي شاذة لا تثبت في الحديث عن أنس، والراجع أنها مدرجة فيه كما بينتها رواية أحمد، لكن يشهد له حديث سمرة بن جندب .. قلت: وأصل حديث أنس عند البخاري -كتاب الجهاد، باب: \"من أتاه سهم غرب فقتله\" - (٢٨٠٩) (٢٥/ ٢٦٠٦) دون هذه الزيادة.\n(^١٣٩) أخرجه البخاري -كتاب الجهاد، باب: \"درجات المجاهدين في سبيل الله … (٢٧٩٠) - (٦/ ١١) من حديث أبي هريرة. ولم أقف عليه عند مسلم، والعلم عند الله تعالى.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- في خ: \"نحلت\".\n[¬٣]- في خ: \"أو\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٥]- في ز، خ: \"ضيقا\".\n[¬٦]- في ز، خ: \"بديلًا\".","vol":"9","page":203},{"text":"يقول تعالى: ﴿قُلْ﴾ يا محمد: [] [¬١] لو كان ماء [¬٢] البحر مدادًا للقلم الذي تكتب به كلمات ربي وحكمه وآياته الدالة [¬٣] عليه، لنفد البحر قبل أن [يفرغ من] [¬٤] كتابة ذلك ﴿وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾، أي: بمثل البحر آخر، ثم آخر، وهلم جرًّا، بحور تمده ويكتب بها، لما نفدت كلمات الله، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾.\nقال الربيع بن أنس: إن مثل علم العباد كلهم في علم الله، كقطرة من ماء البحور كلها، وقد أنزل الله ذلك: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾.\nيقول [¬٥]: لو كان البحر مدادًا، والشجر [كله أقلامًا] [¬٦]، لانكسرت الأقلام وفني ماء البحر، و[¬٧] بقيت كلمات الله قائمة لا يفنيها شيء؛ لأن أحدًا لا يستطيع [¬٨] أن يقدر قدره، ولا يثني عليه كما ينبغي، حتى يكون هو الذي يثني علي نفسه، إن ربنا كما يقول وفوق ما نقول [¬٩] إن مثل نعيم الدنيا؛ أولها وآخرها، في نعيم الآخرة كحبة من خردل في خلال الأرض كلها [¬١٠].\n﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾\nروى الطبراني (^١٤٠) من طريق هشام بن عمار، عن إسماعيل بن عياش، عن عمرو بن قيس الكوفي، أنه سمع معاوية بن أبي سفيان، أنه قال: هذه آخر آية أنزلت.\nيقول تعالى لرسوله محمد صلوات الله وسلامه عليه: ﴿قُلْ﴾ لهؤلاء المشركين المكذبين\n_________\n(^١٤٠) أخرجه الطبراني في الكبير - (٩٢١) (١٩/ ٣٩٢). وابن جرير في تفسيره - (١٦/ ٤٠). وقال الهيثمي في \"المجمع\" - (٧/ ١٧).\"رواه الطبراني ورجاله ثقات\". وعزاه السيوطي في \"الدر المنثور\" - (٤/ ٤٦٣) إلى ابن جرير وابن مردويه دون الطبراني.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في خ: \"قل\".\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- في ز: \"والدلالات\".\n[¬٤]- في ز، خ: \"تفرغ\".\n[¬٥]- سقط من: خ.\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"كلها أقلام\".\n[¬٧]- سقط من: خ.\n[¬٨]- سقط من: خ.\n[¬٩]- في ز: \"يقول\".\n[¬١٠]- سقط من: ز، خ.","vol":"9","page":204},{"text":"برسالتك إليهم: ﴿إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾، فمن زعم أني كاذب فليأت بمثل ما جئت به، فإني لا أعلم الغيب فيما [¬١] أخبرتكم به من الماضي؛ عما سألتم من قصة أصحاب الكهف، وخبر ذي القرنين، مما هو مطابق [¬٢] في نفس [الأمر، لولا] [¬٣] ما أطلعني الله عليه، وأنا أخبركم ﴿أَنَّمَا إِلَهُكُمْ﴾ الذي أدعوكم إلي عبادته ﴿إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ لا شريك له ﴿وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ﴾ أي: ثوابه وجزاءه الصالح ﴿رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا﴾ وهو [¬٤]: ما كان موافقًا لشرع الله ﴿وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ وهو، الذي يراد به وجه الله وحده لا شريك له، وهذان [¬٥] ركنا العمل المتقبل؛ لا بد أن يكون خالصًا لله، صوابًا علي شريعة رسول الله ﷺ.\nوقد روى ابن أبي حاتم (^١٤١) من حديث معمر، عن عبد الكريم الجزرى، عن طاوس، قال: قال رجل: يا رسول الله، إني أتف المواقف أريد وجه الله، وأحب أن يرى موطني. فلم يرد عليه رسول الله ﷺ شيئًا [¬٦]، حتى نزلت هذه الآية: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾.\nوهكذا أرسل هذا مجاهد وغير واحد.\nوقال الأعمش (^١٤٢): حدثنا حمزة أبو [¬٧] عمارة مولى بني هاشم، عن شهر بن حوشب قال: جاء رجل إلي عبادة بن الصامت فقال: أنبئني عما أسألك عنه: أرأيت رجلًا يصلي يبتغي وجه الله، ويحب أن يحمد، ويصوم يبتغي [¬٨]، وجه الله، ويحب أن يحمد، ويتصدق يبتغي وجه الله، ويحب أن يحمد، ويحج ويبتغي وجه الله، ويحب أن يحمد؟ فقال عبادة: ليس له شيء؛ إن الله تعالى يقول: أنا خير شريك [¬٩] فمن كان له معي شريك فهو له كله لا حاجة لي فيه.\n_________\n(^١٤١) وأخرجه الحاكم - (٤/ ٣٢٩ - ٣٣٠)، وابن جرير في تفسيره - (١٦/ ٤٠) من طريقين عن معمر به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور (٤/ ٤٥٨) إلى عبد الرزاق وابن أبي الدنيا في الإخلاص والطبراني.\n(^١٤٢) أخرجه ابن جرير في تفسيره - (١٦/ ٤٠) حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين قال: ثنا عيسى بن يونس، عن الأعمش به. وشهر بن حوشب ضعيف.\n_________\n[¬١]- في ز: \"مما\".\n[¬٢]- في ز: \"المطابق\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٤]- في ت: \"أي\".\n[¬٥]- في خ: \"هذا\".\n[¬٦]- سقط من: ز، خ.\n[¬٧]- في خ: \"وأبو\".\n[¬٨]- في ز: \"ويبتغي\".\n[¬٩]- في ز: \"شرك\".","vol":"9","page":205},{"text":"وقال الإمام أحمد (^١٤٣): حدثنا محمد بن عبد الله بن الزبير، ثنا كثير بن زيد، عن ربيح بن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري، عن أبيه، عن جده قال: كنا نتناوب رسول الله ﷺ، فنبيت عنده تكون له الحاجة، أو يطرقه أمر من الليل فيبعثنا، فكثر المحتسبون وأهل النوب فكنا نتحدث، فخرج علينا رسول الله ﷺ فقال: \"ما هذه النجوى؟ [ألم أنهكم عن النجوى؟ \" قال] [¬١]: فقلنا: تبنا إلي الله، أي نبي الله، إنما كنا في ذكر المسيح وفرقنا منه. فقال: \"ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم من المسيح عندي؟ \" قال: قلنا: بلي. قال: \"الشرك الخفي أن يقوم الرجل يصلي لمكان الرجل\".\nوقال الإمام أحمد (^١٤٤): حدثنا أبو النضر، حدثنا عبد الحميد -يعني ابن بهرام- قال: قال شهر بن حوشب: قال ابن غنم: لما دخلنا مسجد الجابية أنا وأبو الدرداء، لقينا عبادة بن الصامت، فأخذ يميني بشماله، وشمال أبي الدرداء بيمينه، فخرج يمشي بيننا ونحن ننتجى [¬٢]، والله أعلم بما نتناجى [¬٣]، فقال عبادة بن الصامت: إن طال بكما عمر أحدكما أو كليكما، لتوشكان أن تريا الرجل من ثبج المسلمين- يعني من وسط قرأ [¬٤] القرآن، علي لسان محمد ﷺ، فأعاده وأبداه، وأحل حلاله، وحرم حرامه\n_________\n(^١٤٣) المسند (١١٢٦٨) (٣/ ٣٠) إسناده ضعيف من أجل ربيح بن عبد الرحمن وكثير بن زيد. وكثير بن زيد؛ قال أبو زرعة: صدوق فيه لين. وقال النسائي: ضعيف. وعن ابن معين: ليس به بأس. وعنه: ثقة. وقال ابن المديني: صالح وليس بقوى. وقال ابن عدي: لم أر بحديثه بأسًا، وفي التقريب: صدوق يخطئ. ورييح بن عبد الرحمن. مقبول. والحديث أخرجه ابن ماجه -كتاب الزهد، باب: الرياء والسمعة. (٤٢٠٤). والحاكم في المستدرك (٤/ ٣٢٩) مختصرًا، من طريق كثير بن زيد به.\nوقال البوصيري في الزوائد: إسناده حسن، وكثير بن زيد وربيح بن عبد الرحمن مختلف فيهما. وقال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي. وذكره الهيثمي في \"المجمع\"- مقتصرًا على قصة النجوى (١/ ٣٢٠) وقال: رواه أحمد ورجاله موثقون. و(٩/ ٢٥) وقال: رواه البزار ورجاله ثقات وفي بعضهم خلاف. وعزاه السيوطي في الدر المنثور - (٤/ ٤٦٠) إلى الحكيم الترمذي والبيهقي ..\n(^١٤٤) أخرجه أحمد (٤/ ١٢٥ - ١٢٦)، وأخرجه الطيالسي في مسنده (١١٢٠) ومن طريقه الطبراني في الكبير - (٧١٣) - (٧/ ٣٣٧ - ٣٣٨). والحاكم في مستدركه - (٤/ ٣٢٩) والبيهقي في الشعب- (٦٨٣٣) (٣٣٨ - ٥/ ٣٣٧)، وابن عدي في الكامل - (٤/ ١٣٥٧). من طريق عبد الحميد بن بهرام، ثنا شهر بن حوشب به مختصرًا.\nوذكره الهيثمي في المجمع (١٠/ ٢٢٣ - ٢٢٤) مطولًا وقال: \"رواه أحمد وفيه شهر بن حوشب وثقه أحمد وضعفه غير واحد، وبقية رجاله ثقات\".\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في خ: \"نتناجى\".\n[¬٣]- بعدها في خ: به.\n[¬٤]- في ز: \"قراء\".","vol":"9","page":206},{"text":"ونزل [¬١] عند منازله لا يحور [¬٢] فيكم [¬٣] إلا كما يحور [¬٤] رأس الحمار الميت. قال: فبينما نحن كذلك، إذ طلع شداد بن أوس ﵁ وعوف بن مالك فجلسا إلينا، فقال شداد: إن أخوف ما أخاف عليكم أيها الناس لَما سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"من الشهوة الخفية والشرك\". فقال عبادة بن الصامت وأبو الدرداء: اللهم غفرًا! أولم يكن رسول الله ﷺ قد [¬٥] حدثنا: \"أن الشيطان قد يئس أن يعبد في جزيرة العرب\"، وأما الشهوة [¬٦] الخفية فقد عرفناها، هي شهوات الدنيا؛ من نسائها، وشهواتها، فما هذا الشرك الذي تخوفنا به يا شداد؟ فقال شداد أرأيتكم [¬٧] لو رأيتم رجلًا يصلي لرجل، أو يصوم لرجل، [أو يتصدق له أترون أنه قد أشرك؟ قالوا: نعم، والله إنه من صلى لرجل] [¬٨]، أو صام له [¬٩]، أو [¬١٠] تصدق له لقد [¬١١] أشرك. فقال شداد: فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"من صلى يرائي فقد أشرك، ومن صام [¬١٢]، يرائي فقد أشرك، ومن تصدق يرائي فقد أشرك\".\nفقال [¬١٣] عوف بن مالك عند ذلك: أفلا يعمد الله إلى ما ابتغي به وجهه من ذلك العمل كله، فيقبل ما خلص له، ويدع ما أشرك به؟ فقال شداد عند ذلك: فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"إن الله يقول: أنا خير قسيم لمن أشرك بي، من أشرك بي شيئًا فإن حَشْده [¬١٤] عمله قليله وكثيره لشريكه الذي أشرك [¬١٥] به، و[¬١٦] أنا عنه غني\".\n(طريق أخرى [¬١٧] لبعضه) قال الإمام أحمد (^١٤٥): حدثنا زيد بن الحباب، حدثني عبد\n_________\n(^١٤٥) أخرجه أحمد (٤/ ١٢٤). وأخرجه الطبراني في الكبير (٧١٤٤) (٧/ ٣٤١)، والحاكم (٤/ ٣٣٠). من طريق عبد الواحد في زيد أخبرنا عبادة بن نسى به. وقال الحاكم: \"صحيح الإسناد ولم يخرجاه\" ورده الذهبي بقوله: عبد الواحد متروك. والحديث ذكره السيوطي في الدر المنثور (٤/ ٤٦٠) وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم والبيهقي.\n_________\n[¬١]- في خ: \"ونزله\".\n[¬٢]- في خ: \"يجوز\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"منكم\".\n[¬٤]- في خ: \"تجوز\".\n[¬٥]- سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- في خ: \"الشهوات\".\n[¬٧]- في ز: \"رأيتكم\".\n[¬٨]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٩]- سقط من: ز.\n[¬١٠]- في ز: \"وإن\".\n[¬١١]- في ز: \"فقد\".\n[¬١٢]- في خ: \"صلى\".\n[¬١٣]- في ت: \"قال\".\n[¬١٤]- سقط من: ز، خ.\n[¬١٥]- في خ: \"يشرك\".\n[¬١٦]- سقط من: ز.\n[¬١٧]- سقط من: ز، خ.","vol":"9","page":207},{"text":"الواحد بن زياد، أخبرنا عبادة بن نسي، عن شداد بن أوس ﵁ أنه بكى فقيل له: ما يبكيك؟ قال: شيء سمعته من رسول الله ﷺ، [يقول: فذكرته] [¬١] فأبكاني، سمعت رسول الله يقول: \"أتخوف على أمتي الشرك والشهوة الخفية\". قلت: يا رسول الله؛ أتشرك أمتك [من بعدك] [¬٢]؟ قال: \"نعم، أما إنهم لا يعبدون شمسًا ولا قمرًا، ولا حجرًا ولا وثنًا، ولكن يراءون بأعمالهم، والشهوة الخفية: أن يصبح أحدهم صائمًا، فتعرض له شهوة من شهواته فيترك صومه\". ورواه ابن ماجة (^١٤٦) من حديث الحسن بن ذكوان، عن عبادة بن نسي به. وعبادة فيه ضعف، وفي سماعه من شداد نظر.\n(حديث آخر) قال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا الحسين [¬٣] بن علي بن جعفر الأحمر، حدثنا عليّ بن ثابت، حدثنا قيس بن [¬٤] أبي حصين، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: \"يقول الله يوم القيامة: أنا خير شريك، فمن [¬٥] أشرك بي أحدًا فهو له كله\".\nوقال الإمام أحمد (^١٤٧): حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، سمعت العلاء يحدث،\n_________\n(^١٤٦) أخرجه ابن ماجه -كتاب الزهد، باب: الرياء والسمعة - (٤٢٠٥) (٢/ ١٤٠٦) حدثنا محمد بن خلف العسقلاني ثنا روَّاد بن الجراح عن عامر بن عبد الله عن الحسن بن ذكوان به نحوه.\nوقال البوصيري في الزوائد: \"في إسناده عامر بن عبد الله لم أر من تكلم فيه، وباقي رجال الإسناد ثقات\".\nقلت: عامر هذا استظهر ابن حجر في \"التهذيب\" أن يكون هو ابن يساف اليمامي، فإذا كان كذلك فقد وثقه ابن معين في رواية البرقي، وفي رواية الدُّوريِّ قال: \"ليس بشيء\" وقال أبو داود: \"ليس به بأس، رجل صالح\" وقال العجلي: يكتب حديثه، وفيه ضعف، وقال ابن عدي: منكر الحديث عن الثقات\" ومن ضعفه يكتب حديثه\" وشيخه الحسن بن ذكوان ضعفه أحمد وابن معين وأبو حاتم والنسائي وابن المديني، وبهما يعل الحديث دون عبادة بن نسيء فقد وثقه أحمد بن حنبل ويحيى بن معين والنسائي. وقال البخاري: عبادة بن نسى الكندي سيدهم، وقال أبو حاتم: لا بأس به. وقال أبو عبيد الآجري: \"سألت أبا داود عنه، فقال: سألت يحيى عنه فقال \"لا تسأل عنه من النبل\". [راجع تهذيب الكمال (ت ٣١١٠) (١٤/ ١٩٤)]. وقال ابن حجر في \"التقريب\": ثقة فاضل. ولكن مع ثقته، فإنه كان كثيرًا ما يرسل فقال العلائي في جامع التحصيل - (ت ٣٣٤): \"عبادة بن نسي روى عن معاذ وأبي الدرداء وعبادة بن الصامت وجماعة غيرهم وأكثر من ذلك مراسيل.\n(^١٤٧) إسناده صحيح، أخرجه أحمد (٢/ ٣٠١)، وأخرجه ابن خزيمة في صحيحه (٩٣٨) (٢/ ٦٨٠٦٧) =\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في ز، خ: \"الحسن\".\n[¬٤]- سقط من: ز، خ: \"عن\".\n[¬٥]- في خ: \"من\".","vol":"9","page":208},{"text":"عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ يرويه عن ربه ﷿ أنه قال: \"أنا خير الشركاء، فمن عمل عملًا أشرك فيه غيري فأنا منه بريء، وهو للذي أشرك\". تفرد به من هذا الوجه.\n(حديث آخر): قال الإمام أحمد (^١٤٨): حدثنا يونس، حدثنا ليث، عن يزيد -يعني ابن الهاد- عن عمرو، عن محمود بن لبيد، أن رسول الله ﷺ قال: \"إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر\". قالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟ قال: \"الرياء، يقول الله يوم القيامة إذا جزى الناس بأعمالهم: اذهبوا إلى الذين [¬١] كنتم تراءون في الدنيا، فانظروا هل تجدون عندهم جزاء\".\n(حديث آخر): قال الإمام أحمد (^١٤٩): حدثنا محمد بن بكر، أخبرنا عبد الحميد -يعني ابن جعفر- أخبرني أبي، عن زياد بن ميناء، عن أبي سعيد [¬٢] بن أبي فضالة الأنصاري [وكان من الصحابة] [¬٣] قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"إذا جمع الله الأولين والآخرين ليوم القيامة، ليوم لا ريب فيه، نادى مناد: من كان أشرك في عمل عمله لله أحدًا، فليطلب ثوابه من عند غير الله، فإن الله أغنى الشركاء عن الشرك\".\nوأخرجه الترمذي وابن ماجة من حديث [محمد بن] [¬٤] بكر -وهو البرساني- به.\n(حديث آخر): قال الإمام أحمد (^١٥٠): حدثنا أحمد بن عبد الملك، حدثنا بكار، حدثني أبي -يعني عبد العزيز بن أبي بكرة عن أبي بكرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"من سَمَّع (*) سَمَّع الله به، ومن راءى راءى الله به\".\n_________\n= من طريق محمد بن جعفر به. وأخرجه مسلم في صحيحه -كتاب الزهد والرقائق، باب: من أشرك في عمله غير الله (٤٦) - (٢٩٨٥) - (١٨/ ١٥٦). وابن ماجه -كتاب الزهد- باب: \"الرياء والسمعة\"، (٤٢٠٢) (٢/ ١٤٠٥) من طريقين عن العلاء عبد الرحمن به.\n(^١٤٨) تقدم [سورة يوسف / آيه ١٠٧ / رقم ١٤٤، ١٤٥].\n(^١٤٩) تقدم تخريجه [سورة يوسف / آية ١٠٧ / رقم ١٤٣].\n(^١٥٠) أخرجه أحمد (٥/ ٤٥). وذكره الهيثمي في \"المجمع\" (١٠/ ٢٢٥ - ٢٢٦) وقال: \"رواه أحمد والبزار والطبراني وأسانيدهم حسنة\".\n(*) سَمَّع فلانٌ بعمله: إذا أظهره ليُسْمَع. نهاية [٢/ ٤٠٢].\n_________\n[¬١]- في ز: \"الذي\".\n[¬٢]- في خ: \"سعد\".\n[¬٣]- في ت: أنه.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.","vol":"9","page":209},{"text":"وقال الإمام أحمد (^١٥١): حدثنا معاوية، حدثنا شيبان، عن فراس، عن عطية، عن أبي سعيد الخدري، عن رسول الله ﷺ [أنه] [¬١] قال: \"من يرائي يرائى الله به، ومن يسمَّع يسمَّع الله به\".\nحديث آخر: قال الإمام أحمد (^١٥٢): حدثنا يحيى بن سعيد، عن شعبة، حدثني عمرو بن مرة، قال: سمعت رجلًا في بيت أبي عبيدة، أنه سمع عبد الله بن عمرو يحدث ابن عمر، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: \"من سمَّع الناس بعمله سمع الله به، سامع خَلقَه وصغّره وحقَّره\". [قال] فذرفت عينا عبد الله.\nوقال الحافظ أبو بكر البزار (^١٥٣): حدثنا عمرو [¬٢] بن يحيى الأيلي، حدثنا الحارث بن غسان، حدثنا أبو عمران الجوني، عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله صلى الله\n_________\n(^١٥١) إسناده ضعيف، ومتنه صحيح وهو في المسند حديث (١١٣٧٣) (٣/ ٤٠).\nوأخرجه الترمذي -كتاب الزهد، باب: ما جاء في الرياء والسمعة (٢٣٨٢) وقال: \"حديث حسن صحيح من هذا الوجه\". وأبو يعلى في مسنده (١٠٥٩) (٢/ ٣٢٣). من طريق أبي كريب حدثنا معاوية بن هشام به. وأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف، كتاب الزهد، باب: كلام الحسن البصري (١١٥) (٨/ ٢٦٧)، وعنه ابن ماجه في الزهد، باب: الرياء والسمعة (٤٢٠٦) من طريق بكر بن عبد الرحمن ثنا عيسى بن المختار عن ابن أبي ليلى عن العوفي به. وهذا إسناد أشد ضعفًا من سابقه. وقد صح متن الحديث، فأخرجه البخاري في الرقاق، باب: الرياء والسمعة (٤٦٩٩). ومسلم في الزهد والرقائق، باب: من أشرك في عمله غير الله (٢٩٨٧). وابن ماجه في الزهد، باب: الرياء والسمعة (٤٢٠٧) ويأتي من حديث جندب بن عبد الله البجلي.\n(^١٥٢) أخرجه أحمد (٢/ ١٦٢، ١٩٥، ٢١٢، ٢٢٣ - ٢٣٤) سمى الرجل في إحدى الروايات \"أبا يزيد\". وأخرجه البغوي في شرح السنة (٤١٣٨) (٣٢٥/ ١٤ - ٣٢٦). من طريق عبد الله بن المبارك عن شعبة به. وأبو نعيم في الحلية (٤/ ١٢٣ - ١٢٤)، (٥/ ٩٩) والطبراني في الأوسط (٤٩٨٤) (٥/ ١٧٢ - ١٧٣) من طريق أبان بن تغلب عن عمرو بن مرة عن خيثمة عن عبد الله بن عمرو فذكره. وقال أبو نعيم: \"غريب من حديث أبان بن تغلب عن عمرو عن خيثمة\".\nوذكره الهيثمي في \"المجمع\" (١٠/ ٢٢٥) وقال: \"رواه الطبراني في الكبير والأوسط بنحوه. ورواه أحمد باختصار .... وسمى الطبراني الرجل وهو خيثمة بن عبد الرحمن، فبهذا الاعتبار رجال أحمد وأحد أسانيد الطبراني في الكبير رجال الصحيح\".\nوذكره المنذري في \"الترغيب والترهيب\" (١/ ٣١) وقال: \"رواه الطبراني في \"الكبير\" بأسانيد أحدها صحيح، والبيهقي\".\n(^١٥٣) وعزاه له السيوطي في \"الدر المنثور\" (٤/ ٤٦٠) وزاد نسبته إلى البيهقي.\n_________\n[¬١]- سقط من خ.\n[¬٢]- في ز: \"محمد\".","vol":"9","page":210},{"text":"عليه وسلم: \"تعرض أعمال بني آدم بين يدي الله ﷿ يوم القيامة في صحف مختومة [] [¬١]، فيقول الله: ألقوا هذا واقبلوا هذا. فتقول الملائكة: يارب؛ والله مارأينا منه إلا خيرًا. فيقول: إن عمله كان لغير وجهي، ولا أقبل اليوم من العمل إلا ما أويد به وجهي\". ثم قال: الحارث بن غسان روى عنه جماعة، وهو بصري ليس به بأس.\nقال ابن وهب (^١٥٤): حدثني يزيد بن عياض، عن عبد الرحمن الأعرج، عن عبد الله بن قيس الخزاعي، أن رسول الله ﷺ قال: \"من قام رياء وسمعة لم يزل في مقت الله حتى يجلس\".\nوقال أبو يعلى (^١٥٥): حدثنا محمد بن أبي بكر، حدثنا محمد بن دينار، عن إبراهيم الهجرى، عن أبي الأحوص، عن عوف بن مالك، عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"من أحسن الصلاة حيث [¬٢] يراه الناس، وأساءها حيث يخلو، فتلك استهانة استهان بها ربه ﷿\".\nوقال ابن جرير (^١٥٦): حدثنا أبو عامر [¬٣] إسماعيل بن عمرو السكوني، حدثنا هشام بن عمار، حدثنا ابن عياش، حدثنا عمرو بن قيس الكندي، أنه سمع معاوية بن أبي سفيان تلا هذه الآية: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ وقال: إنها آخر آية نزلت من القرآن.\nوهذا أثر مشكل، فإن هذه الآية [] [¬٤] آخر سورة الكهف، والكهف كلها مكية، ولعل معاوية أراد: أنه لم ينزل بعدها ما ينسخها، ولا يغير حكمها، بل هي مثبتة محكمة، فاشتبه ذلك على بعض الرواة، فروى بالمعنى ما فهمه، والله أعلم.\n_________\n(^١٥٤) ذكره الهيثمي في \"المجمع\" (١٠/ ٢٢٦) وقال: \"رواه الطبراني وفيه يزيد بن عياض وهو متروك\". وأورده الألباني في ضعيف الجامع (٥٧٥٥) (٦/ ٢٣٠) وحكم عليه بالوضع.\n(^١٥٥) أخرجه أبو يعلى في مسنده (٥١١٧) (٩/ ٥٤). وأخرجه البيهقي في الكبرى -كتاب الصلاة، باب: الترغيب في تحسين الصلاة (٢/ ٢٩٠) من طريق زائدة عن إبراهيم الهجري به. وذكره الهيثمي في \"المجمع\" (١٠/ ٢٢٤) وقال: \"رواه أبو يعلى وفيه إبراهيم بن مسلم الهجري وهو ضعيف\". وأورده الحافظ في \"المطالب العالية\" (٣٢٠٠) (٣/ ١٨٣) وقال: \"حديث حسن\" وجاء في الحاشية [قال البوصيري: رواه إسحاق وأبو يعلى بإسناد حسن] وضعفه الألباني في ضعيف الجامع - (٥٣٦١) (٥/ ١٥٢).\n(^١٥٦) تقدم - (١٤٤).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ز: \"مختمة\".\n[¬٢]- في خ: \"حتى\".\n[¬٣]- في ز: \"عمرو\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين في خ: \"هي\".","vol":"9","page":211},{"text":"وقال الحافظ أبو بكر البزار (^١٥٧): حدثنا محمد بن علي بن الحسن [¬١] بن شقيق، حدثنا النضر بن شميل، حدثنا أبو قرة، عن سعيد بن المسيب، عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"من قرأ في ليلة: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ كان له من نور من عَدن أبين [¬٢]، إلى مكة [¬٣]، حشوة الملائكة\". غريب جدًّا.\nآخر سورة الكهف، ولله الحمد\n_________\n(^١٥٧) أخرجه البزار -كما في مختصر الزوائد لابن حجر - (٢١٢٦) (٢/ ٤١٩).\nوقال: \"لا نعلمه مرفوعًا إلا عن عمر بهذا الإسناد وأبو قرة تفرد عنه النضر\".\nقال ابن حجر: قد وثق، وصح سماع سعيد من عمر.\nوأخرجه الحاكم (٢/ ٣٧١) من طريق إسحاق أنبأنا النضر بن شميل به نحوه، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه وتعقبه الذهبي بقوله: \"أبو قرة، فيه جهالة ولم يضعف\".\nوذكره الهيثمي في \"المجمع\" (١٠/ ١٢٩) وقال: \"رواه البزار وفيه أبو قرة الأسدي لم يرو عنه غير النضر بن شميل، وبقية رجاله ثقات\".\nوزاد نسبته السيوطي في \"الدر المنثور\" (٤/ ٤٦٣) إلى ابن راهويه وابن مردويه والشيرازى في \"الألقاب\".\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"الحسين\".\n[¬٢] أبين -بوزن أحمر- قرية على جانب البحر، قرب اليمن، وقيل: هو اسم مدينة \"عدن\". النهاية (١/ ٢٠).\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.","vol":"9","page":212},{"text":"<span data-type='title' id=toc-127>[تفسير] سورة مريم [وهي مكية]</span>\nوقد روى محمد بن إسحاق في السيرة من حديث أم سلمة (^١) وأحمد بن حنبل عن ابن مسعود (^٢) في قصة الهجرة إلى أرض الحبشة من مكة أن جعفر بن أبي طالب ﵁ قرأ صدر هذه السورة على النجاشي وأصحابه.\n﴿كهيعص (١) ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (٢) إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا (٣) قَال رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا (٤) وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (٥) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا (٦)﴾\nأما [] [¬١] الحروف المقطعة فقد تقدم [] [¬٢] في أول سورة البقرة.\nوقوله: ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ﴾ أي: هذا ذكر رحمة الله بعبده زكريا.\nوقرأ [¬٣] يحيى بن يعمر: [ذكرَ رحمةَ ربك عبده زكريا]. [و] [¬٤] ﴿زَكَرِيَّا﴾: يمد ويقصر قرابان مشهورتان. وكان نبيًّا عظيمًا من أنبياء بني إسرائيل، و[¬٥] في صحيح البخاري (^٣): أنه كان نجارًا، و[¬٦] أنه كان يأكل من عمل يديه [¬٧] في النجارة. وقوله: ﴿إِذْ\n_________\n(^١) - السيرة النبوية لابن هشام (١/ ٣٤٧) وما بعدها.\n(^٢) - المسند (١/ ٤٦١). وقال الهيثمي في المجمع (٦/ ٢٧): رواه الطبراني وفيه خديج بن معاوية وثقه أبو حاتم، وقال في بعض حديثه ضعف، وضعفه ابن معين وغيره، وبقيه رجاله ثقات.\n(^٣) - أخرجه مسلم في كتاب الفضائل، باب: من فضائل زكريا ﵇، حديث (١٦٩/ ٢٣٧٩) (١٥/ ١٩٦). وابن ماجه في كتاب التجارات، باب: الصناعات، حديث (٢١٥٠) (٢/ ٧٢٧). كلاهما من حديث أبي هريرة دون ذكر: وأنه كان يأكل من عمل يده في نجارة. ولم نجده في البخاري.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ت: الكلام على.\n[¬٢]- سقط من ت.\n[¬٣]- في خ: \"قراءة\".\n[¬٤]- سقط من ت.\n[¬٥]- سقط من: ز.\n[¬٦]- في ز: (أي).\n[¬٧]- في ت: \"يده\".","vol":"9","page":213},{"text":"نَادَى [¬١] رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا﴾ قال بعض المفسرين: إنما أخفى دعاءه؛ لئلا ينسب في طلب الولد إلى الرعونة لكبره. حكاه الماوردي.\nوقال آخرون: إنما أخفاه؛ لأنه أحب إلى الله. كما قال قتادة (^٤) في هذه الآية: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا﴾: إن الله يعلم القلب التقي، ويسمع الصوت الخفي.\nوقال بعض السلف: قام من الليل ﵇ وقد نام أصحابه، فجعل يهتف بربه يقول خُفية: يارب يارب يارب. فقال الله له [¬٢]: لبيك لبيك لبيك.\n﴿قَال رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي﴾ أي: ضعفت وخارت القوى ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيبًا﴾ أي: اضطرم [¬٣] المشيب في السواد. كما قال ابن دريد في مقصورته:\nإمَّا تَرَى رأْسِي حاكَى لونُه … طُرَّةَ صُبح تَحْتَ أذيال الدُّجَى\nواشْتَعَلَ المبيَض في [¬٤] مُسوَدّه … مثْلَ اشتعَال النّار في جَمر الغضا\nوالمراد من هذا: الإخبار عن الضعف والكبر، ودلائله الظاهرة والباطنة.\nوقوله: ﴿وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ أي: ولم أعهد منك إلا الإجابة في الدعاء، ولم تردَّني قط فيما سألتك.\nوقوله: ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي﴾ قرأ الأكثرون بنصب الياء من ﴿الْمَوَالِيَ﴾ على أنه مفعول، وعن الكسائي أنه سكن الياء، كما قال الشاعر:\nكأن أيديَهُنَّ في القاع القرق [¬٥] … أيدي جَوَارٍ يتعاطين الورق\n[وقال الآخر] [¬٦]:\nفتى لوليباري الشمس ألْقَتْ قناعها … أو القَمَرَ السَّاري لألقى المقالدا\nومنه قول أبي تمام حبيب بن أوس الطائي [¬٧]:\nتغاير الشِّعرُ منه إذْ سهرتُ لهُ … حتى ظَننتُ قوافيه سَتَقْتَتِلُ\n_________\n(^٤) - أخرجه الطبري (١٦/ ٤٥).\n_________\n[¬١]- في ز: \"ناداه\".\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- في ز: \"اصطرم\".\n[¬٤]- في ز: \"من\".\n[¬٥]- في خ: \"القربى\".\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٧]- سقط من: ز، خ.","vol":"9","page":214},{"text":"وقال مجاهد وقتادة والسدي (^٥): أراد بالمولى العصبة، وقال أبو صالح (^٦): الكلالة.\nوروي عن أمير المؤمنين عثمان بن عفان (^٧) ﵁ أنه كان يقرؤها. ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي﴾ بتشديد الفاء [¬١]، بمعنى: قلَّت عَصَباتي من بعدي.\nوعلى القراءة الأولى وجه خوفه: أنه خشي أن يتصرفوا من [¬٢] بعده في الناس تصرفًا سيئًا، فسأل الله ولدًا يكون نبيًّا من بعده، ليسوسهم بنبوته وما يوحى إليه [¬٣]، فأجيب في ذلك، لا أنه خشي من وراثتهم له ماله، فإن النبي أعظم منزلة، وأجل قدرًا من أن يشفق على ماله إلى ما هذا حده: أن يأنف من وراثة عصباته له، ويسأل أن يكون له ولد فيحوز ميراثه دونهم، هذا وجه.\nالثاني: أنه لم يذكر أنه كان ذا مال، بل كان نجّارًا، يأكل من كسب يديه [¬٤]، ومثل هذا لا يجمع مالًا، ولا سيما الأنبياء ﵈ فإنهم كانوا أزهد شيء في الدنيا.\nالثالث: أنه قد ثبت في الصحيحين (^٨) من غير وجه [¬٥]، أن رسول الله، ﷺ، قال: \"لا نورث، ما تركنا فهو [¬٦] صدقة\". وفي رواية عند الترمذي (^٩) بإسناد صحيح: \"نحن معشر الأنبياء- لا نورث\". وعلى هذا فتعين حمل قوله: ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (٥) يَرِثُنِي﴾ على ميراث النبوة، ولهذا قال: ﴿وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ كقوله: ﴿وَوَرِثَ سُلَيمَانُ دَاوُودَ﴾، أي: في النبوة، إذ لو كان في المال لما خصه من بين إخوته بذلك، ولما كان في الإخبار بذلك كبير فائدة، إذ من المعلوم المستقر في جميع\n_________\n(^٥) - أخرجه عنهم الطبري (١٦/ ٤٧).\n(^٦) - أخرجه الطبري (١٦/ ٤٧).\n(^٧) - أخرجه الطبري (١٦/ ٤٧).\n(^٨) - أخرجه البخاري في كتاب فرض الخمس، باب: فرض الخمس حديث (٦/ ١٩٦، ١٩٧، ١٩٨) حديث (٣٠٩٤). ومسلم في كتاب: الجهاد والسير في باب: حكم الفيء، حديث (٤٩/ ١٥٧) كلاهما من حديث عمر ﵁. وهو متفق عليه أيضًا من حديث عائشة رواه البخاري (١١٢٨) ومسلم ٧٧ - (٧١٨). ومن حديث أبي بكر الصديق رواه البخاري (٣٧١١) ومسلم (١٧٥٩).\n(^٩) - أخرجه الترمذي في كتاب السير، كتاب: ما جاء في تركة النبي ﷺ حديث (١٦١٠) من حديث أبي بكر بلفظ الصحيحين.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"الياء\".\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- سقط من ز، خ.\n[¬٤]- في ت: \"يده\".\n[¬٥]- في ت: \"وجهه\".\n[¬٦]- سقط من: خ.","vol":"9","page":215},{"text":"الشرائع والملل- أن الولد يرث أباه، فلولا أنها وراثة خاصة لما أخبر بها، وكل هذا يقرره ويثبته ما صح في الحديث: \"نحن معاشر الأنبياء- لا نورث، ما تركنا فهو صدقة\".\nقال مجاهد (^١٠) في قوله: ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ كانت [¬١] وراثته علمًا، وكان زكريا من ذريَّة يعقوب.\nوقال هشيم: أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح (^١١) في قوله: ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ قال: يكون نبيًّا كما كانت آباؤه أنبياء.\nوقال عبد الرزاق عن معمر، عن قتادة، عن الحسن (^١٢): يرث نبوته وعلمه.\nوقال السدي (^١٣): يرث نبوتي، ونبوة آل يعقوب.\nوعن مالك، عن زيد بن أسلم: ﴿وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ قال: [نبوتهم.\nوقال جابر بن نوح ويزيد بن هارون كلاهما، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح (^١٤) في قوله: ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ قال] [¬٢]: يرث مالي، ويرث من آل يعقوب النبوة. وهذا اختيار ابن جرير في تفسيره.\nوقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن قتادة (^١٥) أن رسول الله، ﷺ، قال: \"يرحم الله زكريا وما كان عليه من ورثه؟! ويرحم الله لوطًا إن كان ليأوي إلى ركن شديد! \".\nوقال ابن جرير (^١٦): حدثنا أبو كريب، حدثنا جابر بن نوح، عن مبارك -هو ابن فضالة- عن الحسن قال: قال رسول الله، ﷺ: \"رحم الله أخي زكريا ما كان عليه من ورثه ماله [¬٣] حين يقول: ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (٥) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ\n_________\n(^١٠) - أخرجه الطبري (١٦/ ٤٨).\n(^١١) - أخرجه الطبري (١٦/ ٤٨).\n(^١٢) - أخرجه الطبري (١٦/ ٤٨)، وعزاه السيوطي (٤/ ٤٦٧) إلى عبد الرزاق وعبد بن حميد، وابن أبي حاتم.\n(^١٣) - أخرجه الطبري (١٦/ ٤٨)، وزاد نسبته السيوطي في الدر المنثور (٤/ ٤٦٧) إلى ابن أبي حاتم.\n(^١٤) - أخرجه الطبري (١٦/ ٤٨).\n(^١٥) - أخرجه الطبري (١٦/ ٤٨).\n(^١٦) - تفسير الطبري (١٦/ ٤٨).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"كان\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٣]- في ز، خ: \"قاله\".","vol":"9","page":216},{"text":"آل يعقوب﴾ \". وهذه مرسلات لا تعارض الصحاح، والله أعلم.\nوقوله: ﴿وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾ أي: مرضيًّا عندك وعند خلقك، تحبه وتحببه إلي خلقك، في دينه وخلقه.\n﴿يَازَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَي لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا (٧)﴾\nهذا الكلام يتضمن محذوفًا، وهو: أنه أجيب إلي ما سأل في دعائه، فقيل: ﴿يَازَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَي﴾ كما قال تعالى: ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَال رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ (٣٨) فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَي مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (٣٩)﴾.\nوقوله: ﴿لم نجعل له من قبل سميًّا﴾ قال قتادة وابن جريج وابن زيد (^١٧): أي لم يسم أحد قبله بهذا الاسم.\nواختاره ابن جرير ﵀.\nوقال مجاهد (^١٨): ﴿لم نجعل له من قبل سميًّا﴾ أي: شبيهًا-[أخذه من معنى قوله: ﴿فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ أي: شبيهًا] [¬١]-.\nوقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس (^١٩): أي: لم تلد العواقر قبله مثله. وهذا دليل علي أن زكريا ﵇ كان لا وولد له، وكذلك امرأته كانت عاقرًا من أول عمرها، بخلاف إبراهيم وسارة ﵉ فإنهما إنما تعجبا من البشارة بإسحاق علي كبرهما لا لعقرهما؛ ولهذا قال: ﴿أبشرتموني علي أن مسني الكبر فبم تبشرون﴾ مع أنه قد كان ولد له قبله إسماعيل بثلاث عشوة سنة، وقالت امرأته: ﴿قَالتْ يَاوَيلَتَي أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيخًا إِنَّ هَذَا لَشَيءٌ عَجِيبٌ (٧٢) قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيكُمْ أَهْلَ الْبَيتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾.\n_________\n(^١٧) - أخرجه عنهم الطبري (١٦/ ٥٠).\n(^١٨) - أخرجه الطبري (١٦/ ٤٩)، وزاد السيوطي نسبته إلي أحمد في الزهد، وابن أبي حاتم، وعبد بن حميد وابن المنذر (٤/ ٤٦٨).\n(^١٩) - أخرجه الطبري (١٦/ ٤٩)، وزاد السيوطي نسبته (٤/ ٤٦٨) إلي ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"9","page":217},{"text":"﴿قَال رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا (٨) قَال كَذَلِكَ قَال رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيئًا (٩)﴾\nهذا تعجب من زكريا ﵇ حين أجيب إلى ما سأل وبشر بالولد، ففرح فرحًا شديدًا، وسأل عن كيفية ما يولد له، والوجه الذي يأتيه منه الولد، مع [¬١]- أن امرأته عاقر لا تلد من أول عمرها مع كبرها، ومع [¬٢] أنه قد كبر وعتا، أي: عَسَا عظمه ونحُل، ولم يبق فيه لقاح ولا جماع. والعرب تقول للعود إذا يبس: عتا يعتو عتيًّا وعتوًّا، وعسي يعسو عسوًّا وعسيًّا.\nوقال مجاهد (^٢٠): ﴿عتيًّا﴾ بمعني نحول العظم. وقال ابن عباس (^٢١) وغيره: ﴿عتيًّا﴾ يعني الكبر. والظاهر أنَّه اخصّ من الكبر.\nوقال ابن جرير (^٢٢): حدثنا يعقوب، حدثنا هشيم، أخبرنا حصين، في عكرمة، عن ابن عباس قال: لقد علمت السنة كلها، غير أني لا أدري أكان رسول الله، ﷺ، يقرأ في الظهر والعصر أم لا، ولا أدري كيف كان يقرأ هذا الحرف: ﴿وقد بلغت من الكبر عتيًّا﴾ أو عسيًّا.\nورواه الإمام أحمد (^٢٣) عن سريج [¬٣] بن النعمان. وأبو داود عن زياد بن أيوب، كلاهما عن هشيم، به.\n﴿قال﴾ أي الملك مجيبًا لزكريا عما استعجب منه ﴿كذلك قال ربك هو عليّ\n_________\n(^٢٠) - أخرجه الطبري (١٦/ ٥١)، وزاد السيوطي نسبته في الدر (٤/ ٤٦٨) إلي عبد بن حميد وابن المنذر، وابن أبي حاتم.\n(^٢١) - أخرجه الطبري (١٦/ ٥١)، والحاكم (٢/ ٣٧٢) بنحوه، وسكت عليه، وضعفه الذهبي، وقال: قال أحمد بن حنبل: محمد بن زياد اليشكري الطحان كذاب خبيث يضع الحديث، وابن شجاع من ضعفاء المراوزة.\n(^٢٢) - أخرجه الطبري (١٦/ ٥١).\n(^٢٣) - أخرجه أحمد (١/ ٢٥٧، ٢٥٨)، وأبو داود في كتاب الصلاة، باب: القراءة في الظهر والعصر، حديث (٨٠٩) (١/ ٢١٤) طرفه الأول.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في خ: \"مع\".\n[¬٣]- في خ: \"شريح\".","vol":"9","page":218},{"text":"هين﴾ أي: إيجاد الولد منك و[¬١] من زوجتك هذه لا من غيرها ﴿هين﴾ أي: يسير سهل علي الله.\nثم ذكر له ما هو أعجب [] [¬٢] مما سأل عنه، فقال: ﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيئًا﴾ كما قال تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيئًا مَذْكُورًا (١)﴾\n﴿قَال رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَال آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَويًّا (١٠) فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (١١)﴾\nيقول تعالى مخبرًا عن زكريا ﵇ أنه ﴿قَال رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً﴾ أي: علامة ودليلًا علي وجود ما وعدتني، لتستقر نفسي، ويطمئن قلبي بما وعدتني، كما قال إبراهيم ﵇: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَال أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَال بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾، ﴿قال آيتك﴾ أي: علامتك ﴿أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَويًّا﴾، أي: إن تحبس لسانك عن الكلام ثلاث ليال، وأنت صحيح سوى من غير مرض ولا علة.\nقال ابن عباس ومجاهد، وعكرمة ووهب، والسدي، وقتادة (^٢٤)، وغير واحد: اعتقل لسانه من غير مرض.\nوقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم (^٢٥): كان يقرأ ويسبح، ولا يستطيع أن يكلم قومه إلا إشارة.\nوقال العوفي عن ابن عباس (^٢٦): ﴿ثَلَاثَ لَيَالٍ سَويًّا﴾ أي: متتابعات.\nوالقول الأول عنه، وعن الجمهور أصحّ، كما قال تعالى في آل عمران: ﴿قَال رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَال آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إلا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ [¬٣]\n_________\n(^٢٤) - أخرجه عنهم الطبري (١٦/ ٥٢ - ٥٣).\n(^٢٥) - أخرجه الطبري (١٦/ ٥٢)، وزاد السيوطي نسبته في الدر (٤/ ٤٦٩) إلي ابن أبي حاتم.\n(^٢٦) - أخرجه الطبري (١٦/ ٥٣).\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"منه\".\n[¬٣]- في خ: \"\"وسبح بحمد ربك\" وهي زيادة ليست في المصحف العثماني.","vol":"9","page":219},{"text":"بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾.\nوقال مالك عن زيد بن أسلم (^٢٧): ﴿ثَلَاثَ لَيَالٍ سَويًّا﴾ من غير خرس.\nوهذا دليل علي أنه لم يكن [¬١]، يكلم الناس في هذه الليالي الثلاث وأيامها ﴿إلا رَمزًا﴾ أي: إشارة؛ ولهذا قال في هذه الآية الكريمة: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ﴾ أي: الذي بشر فيه بالولد ﴿فَأَوْحَى إِلَيهِمْ﴾ أي: أشار إشارة خفية سريعة ﴿أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ أي: موافقة له [] [¬٢] فيما أمر به [¬٣] في هذه الأيام الثلاثة، زيادة علي أعماله و[¬٤] شكرًا لله علي ما أولاه.\nقال مجاهد: ﴿فَأَوْحَى إِلَيهِمْ﴾ أي: أشار. وبه قال وهب (^٢٨)، وقتادة (^٢٩).\nوقال مجاهد (^٣٠) في رواية عنه: ﴿فَأَوْحَى إِلَيهِمْ﴾ أي: كتب لهم في الأرض. وكذا قال السدي (^٣١).\n﴿يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَينَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (١٢) وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا (١٣) وَبَرًّا بِوَالِدَيهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا (١٤) وَسَلَامٌ عَلَيهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا (١٥)﴾\nوهذا أيضًا تضمن محذوفًا تقدمه: أنه وجد هذا الغلام [¬٥]، المبشر به، وهو: يحيي ﵇، وأن الله علمه الكتاب، وهو التوراة التي كانوا يتدارسونها بينهم، ويحكم بها النبيون الله أسلموا للذين هادوا، والربانيون والأحبار، وقد كان سنه إذ ذاك صغيرًا، فلهذا نوه بذكره، وبما أنعم به [¬٦] عليه وعلي والديه، فقال: ﴿يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾،\n_________\n(^٢٧) - أخرجه الطبري (١٦/ ٥٢).\n(^٢٨) - أخرجه الطبري (١٦/ ٥٣).\n(^٢٩) - أخرجه الطبري (١٦/ ٥٣).\n(^٣٠) - أخرجه الطبري (١٦/ ٥٤).\n(^٣١) - أخرجه الطبري (١٦/ ٥٤).\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"أي\".\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- في ز، خ: \"الكلام\".\n[¬٦]- سقط من: ز، خ.","vol":"9","page":220},{"text":"أي [¬١]-: تعلم الكتاب ﴿بقوة﴾، أي: بجد، وحرص، واجتهاد ﴿وَآتَينَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ أي: الفهم والعلم، والجد والعؤم، والإِقبال علي الخير، والإِكباب عليه، والاجتهاد فيه، وهو صغير حدث.\nقال عبد الله بن المبارك: قال معمر (^٣٢): قال الصبيان ليحيى بن زكريا: اذهب بنا نلعب. قال: ما للعب خلقنا [¬٢]. قال فلهذا أنزل الله: ﴿وَآتَينَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾.\nوقوله: ﴿وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا﴾ قال عليّ بن أبي طلحة عن ابن عباس (^٣٣): ﴿وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا﴾ يقول: ورحمة من عندنا. وكذا قال عكرمة وقتادة والضحاك (^٣٤). وزاد: لا يقدر عليها غيرنا. وزاد قتادة (^٣٥): رحم بها زكريا.\nو[¬٣] قال مجاهد (^٣٦): ﴿وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا﴾: وتعطفًا من ربه عليه.\nوقال عكرمة (^٣٧): ﴿وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا﴾ [قال: محبة عليه. وقال ابن زيد (^٣٨): أما الحنان فالمحبة. وقال عطاء بن أبي رباح (^٣٩) ﴿وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا﴾] [¬٤] قال: تعظيمًا من لدنا.\nوقال ابن جريج (^٤٠) [¬٥]: أخبرني عمرو بن دينار أنه سمع عكرمة عن ابن عباس قال: لا والله، لا [¬٦] أدري ما ﴿حَنَانًا﴾.\n_________\n(^٣٢) - أخرجه الطبري (١٦/ ٥٥)، وزاد السيوطي نسبته (٤/ ٤٧٠) إلي أحمد في الزهد، وابن المنذر وابن أبي حاتم والخرائطي وابن عساكر.\n(^٣٣) - أخرجه الطبري (١٦/ ٥٥)، وزاد السيوطي نسبته (٤/ ٤٧١) إلي ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣٤) - أخرجه عنهم الطبري (١٦/ ٥٥).\n(^٣٥) - أخرجه الطبري (١٦/ ٥٥).\n(^٣٦) - أخرجه الطبري (١٦/ ٥٥)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور (٤/ ٤٧١) إلي عبد بن حميد.\n(^٣٧) - أخرجه الطبري (١٦/ ٥٦).\n(^٣٨) - أخرجه الطبري (١٦/ ٥٦).\n(^٣٩) - أخرجه الطبري (١٦/ ٥٦).\n(^٤٠) - أخرجه الطبري (٥٦/ ١٦).\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- في ت: \"خلقت\".\n[¬٣]- سقط من: ت.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- في ت: \"جرير\".\n[¬٦]- في ت: \"ما\".","vol":"9","page":221},{"text":"وقال ابن جرير (^٤١): حدثنا ابن حميد، حدثنا جرير، عن منصور، سألت سعيد بن جبير، عن قوله: ﴿وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا﴾ فقال: سألت عنها ابن عباس فلم يُحر (*) [¬١]- فيها شيئًا، والظاهر من هذا السياق أن: ﴿وَحَنَانًا﴾ معطوف علي قوله: ﴿وَآتَينَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ أي [¬٢]: وآتيناه الحكم وحنانًا، وزكاة، أي: وجعلناه ذا حنان وزكاة. فالحنان: هو المحبة في شفقة وميل، كما تقول العرب: حنت الناقة علي ولدها، وحنت المرأة علي زوجها، ومنه سميت المرأة حَنّة من الحَنَّة، وحنَّ الرجلُ إلي وطنِه، ومنه التعطُّف والرحمة. كما قال الشاعر:\nتَحَنّنْ [¬٣] عَلَيّ هَدَاكَ الملَيكُ … فإن لكُلّ مقام مقالا\nوفي المسند للإِمام أحمد (^٤٢) عن أنس ﵁ أن رسول الله، ﷺ، قال: \"يبقي رجل في النار ينادي ألف سنة: ياحنان يامنان\".\nوقد يثني، ومنهم من يجعل ما ورد من ذلك لغة بذاتها. كما قال طرفة.\nأبا منذرٍ أَفْنَيتَ فَاسْتَبْق بَعْضَنَا … حَنَانَيكَ [¬٤] بَعْض الشَّرِّ أَهْوَنُ من بَعض\nوقوله: ﴿وَزَكَاةً﴾ معطوف على ﴿وَحَنَانًا﴾، فالزكاة الطهارة من الدنس والآثام والذنوب.\nوقال قتادة: الزكاة العمل الصالح.\nوقال الضحاك، وابن جريج: العمل الصالح الزكي.\n_________\n(^٤١) - لم أجده عند ابن جرير بهذا اللفظ، لكن ذكره السيوطي (٤/ ٤٧١)، وعزاه إليه.\n(^٤٢) - المسند (٣/ ٢٣٠) (٩٣٤٣٥)، قال: ثنا حسن بن موسى، ثنا سلام -يعني ابن مسكين- عن أبي ظلال، عن أنس بن مالك، عن الني ﷺ قال: \"إن عبدًا في جهنم، لينادي ألف سنة: با حنان يا منان، قال: ليقول الله ﷿ لجبريل ﵇: اذهب فائتني بعبدي هذا، فينطلق جبريل، فيجد أهل النار مكبين يبكون، فيرجع إلي ربه، فيخبره، فيقول: ائتني به، فإنه في مكان كذا وكذا، فيجيء به، فيوقفه علي ربه ﷿، فيقول له: يا عبدي كيف وجدت مكانك ومقيلك، فيقول: أي رب شر مكان، وشر مقيل، فيقول: ردوا عبدي، فيقول: يا رب، ما كنت أرجو إذ أخرجتني منها أن تردني فيها، فيقول: دعوا عبدي\". سلام بن مسكين، قال أحمد: ثقة، كثير الحديث. وأبو ظلال، اسمه هلال بن أبي هلال القسملي، أو ابن أبي مالك، وهو ابن ميمون، وقيل غير ذلك في اسم أبيه، مشهور بكنيته، قال ابن معين: أبو ظلال ليس بشيء. وقال ابن حبان: كان =\n_________\n(*) أي: لم يردَّ جوابًا.\n[¬١]- في خ: \"يجد\".\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في ز، خ: \"تعطف\".\n[¬٤]- في ز، خ: \"حنانك\".","vol":"9","page":222},{"text":"وقال العوفي عن ابن عباس (^٤٣): ﴿وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا﴾: طهر فلم يعمل بذنب.\nوقوله: ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَيهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا﴾ لما ذكر تعالى طاعته لربه، وأنه خلقه ذا رحمة وزكاة وتقى، عطف بذكر طاعته لوالديه وبره بهما، ومجانبته عقوقهما قولًا وفعلًا [أمرًا] [¬١]، ونهيًا؛ ولهذا قال: ﴿وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا﴾ ثم قال بعد هذه الأوصاف الجميلة جزاء له علي ذلك: ﴿وَسَلَامٌ عَلَيهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾ أي: له الأمان في هذه الثلاثة الأحوال.\nوقال سفيان بن عيينة: أوحش ما يكون الخلق في ثلاثة مواطن: يوم يولد، فيري نفسه خارجًا مما كان فيه، ويوم يموت فيري قومًا لم يكن عاينهم، ويوم يبعث فيري نفسه في محشر عظيم. قال: فأكرم الله فيها يحيى بن زكريا، فخصه بالسلام عليه، فقال: ﴿وَسَلَامٌ عَلَيهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾. رواه ابن جرير (^٤٤) عن أحمد بن منصور المروزي [¬٢] عن صدقة بن الفضل عنه.\nوقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن قتادة (^٤٥) في قوله: ﴿جَبَّارًا عَصِيًّا﴾ قال: كان ابن المسيب يذكر قال: قال النبي، ﷺ: \"مما من أحد يلقي الله يوم القيامة إلا ذا ذنب، إلا يحيى بن زكريا\". قال قتادة (^٤٦) [عن الحسن قال: قال النبي، ﷺ: \"] (*) ما أذنب ولا هَمَّ بامرأة [¬٣]. مرسل.\nوقال محمد بن إسحاق (^٤٧): عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب: حدثني ابن العاص، أنه سمع رسول الله، ﷺ، [] [¬٤] قال: \"كل بني آدم يأتي\n_________\n= مغفلًا يروي عن أنس ما ليس من حدثه، لا يجوز الاحتجاج به بحال. وفي التقريب ضعيف - روي له البخاري تعليقًا، وأبو داود.\n(^٤٣) - أخرجه الطبري (١٦/ ٥٨).\n(^٤٤) - أخرجه الطبري (١٦/ ٥٨، ٥٩).\n(^٤٥) - أخرجه الطبري (١٦/ ٥٨)، وعزاه السيوطي (٤/ ٤٧١) إلي عبد الرزاق وأحمد في الزهد وعبد بن حميد، وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٤٦) - أخرجه الطبري (١٦/ ٥٨).\n(^٤٧) - أخرجه الطبري (١٦/ ٥٨)، والحاكم (٢/ ٣٧٣)، وقال علي شرط مسلم ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وزاد الحاكم: ثم دلى رسول الله، ﷺ، يده إلي الأرض فأخذ عودًا صغيرًا =\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ت.\n[¬٢]- في ز: \"المروذي\".\n(*) ما بين المعكوفين سقط من ز، خ. وأثبتناه من تفسير عبد الرزاق.\n[¬٣]- في ز: \"بامرٍ\"، خ: \"أمر\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"أنه\".","vol":"9","page":223},{"text":"يوم القيامة وله ذنب، إلا ما كان من يحيى بن زكريا\". ابن إسحاق هذا مدلس، وقد عنعن هذا الحديث، فالله أعلم.\nوقال الإمام أحمد (^٤٨): حدثنا عفان، حدثنا حماد، أخبرنا علي بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس، أن رسول الله، ﷺ، قال: \"ما من أحد من ولد آدم إلا وقد أخطأ، أو هَمَّ بخطيئة، ليس يحيى بن زكريا، وما ينبغي لأحد أن يقول: أنا خير من يونس بن متى\". وهذا أيضًا ضعيف؛ لأن علي بن زيد بن جدعان له منكرات كثيرة، والله أعلم.\nوقال سعيد بن أبي عروبة [¬١]، عن قتادة: أن الحسن [¬٢] (^٤٩) قال: إن يحيي وعيسي ﵉ التقيا، فقال له عيسى: استغفر لي أنت خير مني. فقال له الآخر: استغفر لي فأنت خير مني. فقال له عيسى: أنت خير مني؛ سلمت علي نفسي وسلم الله عليك. فعُرِفَ والله فضلهما [¬٣].\n﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا (١٦) فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَويًّا (١٧) قَالتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا (١٨) قَال إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا (١٩) قَالتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا (٢٠) قَال كَذَلِكِ قَال رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا (٢١)﴾\n_________\n= ثم قال: \"وذلك أنه لم كن له ما للرجال إلا مثل هذا العود، ولذلك سماه الله سيدًا وحصورًا ونبيًّا من الصالحين\".\n(^٤٨) - أخرجه أحمد (١/ ٢٥٤ - ٢٩١، ٢٩٢ - ٢٩٥ - ٣٠١ - ٣٢٠) ولم يُذكر يونس بن متى في المصادر الثلاثة الأخيرة.\n(^٤٩) - أخرجه الطبري (١٦/ ٥٩)، وذكره السيوطي في الدر المنثور (٤/ ٤٧٣)، وعزاه إلي عبد الرزاق وأحمد في الزهد، وعبد بن حميد وابن أبي حاتم.\n_________\n[¬١]- في خ: \"عروة به\".\n[¬٢]- في ت: \"حسنًا\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"فضلها\".","vol":"9","page":224},{"text":"لما ذكر تعالى قصة زكريا ﵇ وأنه أوجد منه في حال كبره وعقم زوجته ولدًا زكيًّا طاهرًا مباركًا، عطف بذكر قصة مريم في إيجاده ولدها عيسى ﵉ منها من غير أب، فإن بين القصتين [¬١]- مناسبة ومشابهة، ولهذا ذكرهما في آل عمران وهاهنا، وفي سورة الأنبياء يقرن بين القصتين [¬٢]؛ لتقارب ما بينهما في المعنى؛ ليدل عباده علي قدرته وعظمة سلطانه، وأنه علي ما يشاء قادر، فقال: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ﴾ وهي: مريم بنت عمران، من سلالة داود ﵇ وكانت من بيت طاهر طيب في بني إسرائيل، وقد ذكر الله تعالى قصة ولادة أمّها لها في سورة [¬٣] آل عمران، وأنها نذرتها [¬٤] محررة، أي: تخدم مسجد [¬٥] بيت المقدس، وكانوا يتقربون بذلك [¬٦] ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا﴾ ونشأت في بني إسرائيل نشأة عظيمة، فكانت إحدي العابدات الناسكات، المشهورات بالعبادة العظيمة، والتبتل والدءوب، وكانت في كفالة زوج أختها -وقيل: خالتها- زكريا، نبي بني إسرائيل إذ ذاك، وعظيمهم الذي يرجعون إليه في دينهم، ورأي لها زكريا من الكرامات الهائلة ما بهره؛ ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَال يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيرِ حِسَابٍ (٣٧)﴾ فذكر أنه كان يجد عندها ثمر [¬٧] الشتاء في الصيف، وثمر [¬٨] الصيف في الشتاء، كما تقدم بيانه [¬٩] في سورة [¬١٠] آل عمران، فلمّا أراد الله تعالى -وله الحكمة والحجة البالغة- أن ورجد منها عبده ورسوله عيسى ﵇ أحد الرسل أولي العزم الخمسة العظام ﴿انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا﴾ أي: اعتزلتهم وتنحت عنهم، وذهبت إلي شرق [¬١١] المسجد المقدس.\nقال السدي: لحيض أصابها. وقيل: لغير ذلك، قال أبو كدينة عن قابوس بن أبي ظبيان، عن أبيه، عن ابن عباس (^٥٠) قال: إن أهل الكتاب كتب عليهم الصلاة إلي البيت والحج إليه، وما صرفهم عنه إلا قيل ربك: ﴿انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا﴾ قال: خرجت مريم مكانًا شرقيًّا، فصلوا قبل مطلع الشمس. رواه ابن أبي (^٥١) حاتم، وابن\n_________\n(^٥٠) - أخرجه الطبري (١٦/ ٦٠).\n(^٥١) - أخرجه ابن أبي حاتم كما في الدر المنثور (٤/ ٤٧٧).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"القضيتين\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"القضيتين\".\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- في خ: \"ولدتها\".\n[¬٥]- سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- في خ: \"ذلك\".\n[¬٧]- في ز، خ: \"ثمرة\".\n[¬٨]- في ز، خ: \"وثمرة\".\n[¬٩]- سقط من: خ.\n[¬١٠]- سقط من: ز، خ.\n[¬١١]- في خ: \"شرقي\".","vol":"9","page":225},{"text":"جرير (^٥٢).\nوقال ابن جرير (^٥٣) أيضًا: حدثنا إسحاق بن شاهين، حدثنا خالد بن عبد الله، عن داود، عن عامر، عن ابن عباس قال: إني لأعلم خلق الله لأي شيء اتخذت النصارى المشرق قبلة؛ لقول الله تعالى: ﴿انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا﴾ واتخذوا ميلاد عيسى قبلة.\nوقال قتادة (^٥٤): ﴿مَكَانًا شَرْقِيًّا﴾ شاسعًا متنحيًا.\nوقال محمد بن إسحاق: ذهبت بقلتها [تستقي من] [¬١] الماء.\nوقال نوف البكالي: اتخذت لها منزلًا تتعبد فيه، فالله أعلم.\nوقوله: ﴿فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا﴾ أي: استترت منهم وتوارت، فأرسل الله تعالى إليها جبريل ﵇ ﴿فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَويًّا﴾ أي: علي صورة إنسان تام كامل.\nقال مجاهد، والضحاك، وقتادة (^٥٥)، وابن جريج (^٥٦)، ووهب بن منبه (^٥٧)، والسدي (^٥٨) في قوله [¬٢]: ﴿فأرسلنا إليها روحنا﴾ في: جبريل ﵇.\nوهذا الذي قالوه هو ظاهر القرآن؛ فإنه تعالى قد قال في الآية الأخرى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَي قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾.\nوقال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب (^٥٩) قال: إن روح عيسى ﵇ من جملة الأرواح التي أخذ عليها العهد في زمان آدم-\n_________\n(^٥٢) - أخرجه الطبري (١٦/ ٦٠).\n(^٥٣) - أخرجه الطبري (١٦/ ٥٩).\n(^٥٤) - أخرجه الطبري (١٦/ ٦٠)، وذكره السيوطي في الدر المنثور (٤/ ٤٧٦، ٤٧٧) وعزاه إلي عبد الرزاق وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وزاد فيه \"قبل المشرق\".\n(^٥٥) - أخرجه الطبري (١٦/ ٦٠)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور (٤/ ٤٨٠) إلي ابن أبي حاتم.\n(^٥٦) - أخرجه الطبري (١٦/ ٦٠).\n(^٥٧) - أخرجه الطبري (١٦/ ٦٠).\n(^٥٨) - أخرجه الطبري (١٦/ ٦٠) بنحوه.\n(^٥٩) - أخرجه الحاكم (٢/ ٣٧٣) وصححه ووافقه الذهبي، وذكره السيوطي في الدر المنثور (٤/ ٤٨٠) وعزاه إلي ابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفين في ت: \"لتستقي\".\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.","vol":"9","page":226},{"text":"﵇ وهو الذي تمثل لها بشرًا سويًّا. أي: روح عيسى، فحملت الذي خاطبها، وحَلَّ في [¬١]، فيها. وهذا في غاية الغرابة والنكارة، وكأنه إسرائيلي.\n﴿قَالتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ أي: لما تبدى لها الملك في صورة بشر، وهي [¬٢] في مكان منفرد، وبينها ولن قومها حجاب خافته، وظنت أنه يريدها علي نفسها، فقالت: ﴿إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ أي: إن كنت تخاف الله، تذكيرًا له بالله، وهذا هو المشروع في الدفع أن يكون بالأسهل فالأسهل، فخوفته أولًا بالله ﷿.\nقال ابن جرير: حدثني أبو كريب، حدثنا أبو بكر عن عاصم قال: قال أبو وائل (^٦٠) - وذكر قصة مريم- فقال: قد علمت أن التقي ذو نهية حين قالت: ﴿إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا (١٨) قَال إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ﴾.\nأي: فقال لها الملك مجيبًا لها ومزيلًا ما حصل عندها من الخوف علي نفسها: لست مما تظنين، ولكني رسول ربك، أي: بعثني الله إليك، ويقال: إنها لما ذكرت الرحمن انتفض جبريل فرقًا، وعاد إلي هيته، وقال: ﴿إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا﴾.\n[هكذا قرأ أبو عمرو بن العلاء أحد مشهوري القراء (*). وقرأ الآخرون (* * *): ﴿لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا﴾] [¬٣] وكلا القراءتين له وجه حسن ومعنى صحيح، وكل تستلزم الأخرى.\n﴿قَالتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ﴾ أي [¬٤]: فتعجبت مريم من هذا، وقالت: كيف يكون لي غلام، أي: على أي صفة يوجد هذا الغلام مني، ولست بذات زوج، ولا يتصور مني الفجور، ولهذا قالت [¬٥]: ﴿وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا﴾ والبَغِي: هي الزانية، ولهذا جاء في الحديث نهى [¬٦] عن مهر البغي ﴿قَال كَذَلِكِ قَال رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ أي: فقال لها الملك مجيبًا لها عما سألت: إن الله قد قال: إنه سيوجد منك غلامًا، وإن لم يكن لك بعل، ولا توجد منك فاحشة، فإنه علي ما يشاء قادر، ولهذا قال: ﴿وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً\n_________\n(^٦٠) - أخرجه الطبري (١٦/ ٦١).\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في ز، خ: \"هو\".\n(*) وهي كذلك قراءة نافع في رواية ورش، والحلواني عن قالون.\n(**) وهم: عبد الله بن كثير، وعاصم، وابن عامر، وحمزة، والكسائي.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- سقط من: خ.\n[¬٥]- في ز، خ: \"قال\".\n[¬٦]- في ت: \"النهي\".","vol":"9","page":227},{"text":"لِلنَّاسِ﴾ أي: دلالة وعلامة للناس علي قدرة بارئهم وخالقهم، الذي نوع [¬١] في خلقهم، فخلق أباهم آدم من غير ذكر ولا أنثى، وخلق حواء من ذكر بلا أنثى، وخلق بقية الذربة من ذكر وأنثى إلا عيسى، فإنه أوجده من أنثى بلا ذكر، فتمت القسمة الرباعية، الدالة على كمال قدرته وعطم سلطانه، فلا إله غيره ولا رب سواه.\nوقوله: ﴿وَرَحْمَةً مِنَّا﴾ أي: ونجعل هذا الغلام -رحمة من الله- نبيًّا من الأنبياء، يدعو إلى عبادة الله تعالى وتوحيده، كما قال تعالى في الآية الآخرى: ﴿إِذْ قَالتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٥) وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ أي: يدعوا إلى عبادة الله ربه في مهده وكهولته.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم -دُحَيم-[¬٢] حدثنا مروان، حدثنا العلاء بن الحارث الكوفي، عن مجاهد (^٦١) قال: قالت مريم ﵍: كنت إذا خلوت حدثني عيسى، وكلمني وهو في بطني، وإذا كنت مع الناس سبح في بطني وكبر.\nوقوله: ﴿وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا﴾ يحتمل أن هذا من [تمام] [¬٣] كلام جبريل لمريم، يخبرها أن هذا أمر مقدر في علم الله تعالى وقدرته ومشيئته، ويحتمل أن يكون من خبر الله تعالى لرسوله محمد [¬٤]، ﷺ، وأنه كني بهذا عن النفخ في فرجها، كما قال تعالى: ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا﴾ وقال: ﴿والَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا﴾. قال محمد بن إسحاق (^٦٢): ﴿وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا﴾ أي: إن الله قد عزم على هذا فليس منه بد. واختار هذا [] [¬٥] ابن جرير في تفسيره، ولم يحك غيره، والله أعلم.\n﴿فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا (٢٢) فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالتْ يَاليتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾\n_________\n(^٦١) - أخرجه ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم وأبو نعيم، كما ذكر ذلك السيوطي في الدر المنثور (٤/ ٤٧٩).\n(^٦٢) - أخرجه الطبري (١٦/ ٦٢).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"تنوع\".\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ت.\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- ما بين المعكوفين في ت: أيضًا.","vol":"9","page":228},{"text":"يقول تعالى مخبرًا عن مريم: إنها لما قال لها جبريل عن الله تعالى ما قال، أنها استسلمت لقضاء الله تعالى، فذكر غير واحد من علماء السلف أن الملك وهو جبرائيل ﵇ عند ذلك، نفخ في جيب درعها، فنزلت النفخة حتى ولجت في الفرج، فحملت بالولد بإذن الله تعالى، فلما حملت [به] [¬١] ضاقت ذرعًا، [به] [¬٢] ولم تدر ماذا تقول للناس، فإنها تعلم أن الناس لا يصدقونها فيما تخبرهم به، غير أنها أفشت سرها [¬٣]، وذكرت أمرها لأختها امرأة زكريا ﵇، وذلك أن زكريا ﵇ كان قد سأل الله الولد فأجيب إلي ذلك، فحملت امرأته، فدخلت عليها مريم، فقامت إليها فاعتنقتها، وقالت أشعرت يا مريم أني حبلي؟ فقالت لها مريم: وهل علمت أيضًا أني حبلى. وذكرت لها شأنها، وما كان من خبرها، وكانوا بيت إيمان وتصديق، ثم كانت امرأة زكريا بعد ذلك إذا واجهت مريم، تجد الذي في جوفها [¬٤] يسجد للذي في بطن مريم، أي: يعظمه ويخضع له، فإن السجود كان في ملتهم عند السلام مشروعًا، كما سجد ليوسف أبواه [¬٥] وإخوته، وكما أمر الله الملائكة أن تسجد [¬٦] لآدم ﵇ ولكن حرم في ملتنا هذه؛ تكميلًا لتعظيم جلال الرب ﵎.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين قال: قرئ علي الحارث بن مسكين وأنا أسمع [] [¬٧] أخبرنا عبد الرحمن بن القاسم قال: قال مالك ﵀: بلغني أن عيسى ابن مريم ويحيى بن [¬٨] زكريا ﵉ ابنا خالة، وكان حملهما جميعًا معًا، فبلغني أن أم يحيى قالت لمريم: إني أرى أن ما في بطني يسجد لما في بطنك. قال مالك: أرى ذلك لتفضيل عيسى ﵇ لأن الله جعله يحيي الموتى ويبرئ الأكمه والأبرص.\nثم اختلف المفسرون في مدة حمل عيسى ﵇ فالمشهور عن الجمهور أنها حملت به تسعة أشهر، و[¬٩] قال عكرمة: ثمانية أشهر قال: ولهذا لا يعيش ولد لثمانية أشهر.\nوقال ابن جريج: أخبرني المغيرة [بن عثمان] [¬١٠]، بن عبد الله الثقفي، سمع ابن\n_________\n[¬١]- سقط من: ت.\n[¬٢]- سقط من: ت.\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]-في ت: \"بطنها\".\n[¬٥]- في ز، خ: \"أباه\".\n[¬٦]- في ت: \"يسجدوا\".\n[¬٧]- ما بين المكوفتين في ز، خ: \"قال\".\n[¬٨]- سقط من: خ.\n[¬٩]- في خ: \"قال\".\n[¬١٠]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"عن غنية\".","vol":"9","page":229},{"text":"عباس، وسئل عن حَبَل [¬١] مريم؟ قال: لم يكن إلا أن حملت فوضعت [¬٢].\nوهذا غريب، وكأنه [¬٣] [أخذه] [¬٤] من ظاهر قوله تعالى ﴿فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا (٢٢) فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ فالفاء وإن كانت للتعقيب، لكن تعقيب كل شيء بحسبه، كقوله [¬٥] تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا﴾ فهذه الفاء للتعقيب بحسبها.\nوقد ثبت في الصحيحين (^٦٣) أن بين كل صفتين أربعين يومًا، وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً﴾ فالمشهور الظاهر -والله علي كل شيء قدير-: أنها حملت به كما تحمل النساء بأولادهن؛ ولهذا لما ظهرت مخايل الحمل، عليها [¬٦] وكان معها في المسجد رجل صالح من قراباتها، يخدم معها البيت المقدس، يقال له: يوسف النجار، فلما رأى ثقل بطها وكبره، أنكر ذلك من أمرها، ثم صرفه ما يعلم من براءتها ونزاهتها، ودينها وعبادتها، ثم تأمّل ما هي فيه، فجعل أمرها يجوس في فكره، لا يستطع صرفه عن نفسه، فحمل نفسه علي أن عَرضَ لها في القول، فقال: يا مريم، إني سائلك عن أمر فلا تعجلي علي. قالت: وما هو؟ قال: هل يكون قط شجر من غير حب، وهل يكون زرع من غير بذر، وهل يكون ولد من غير أب؟ فقالت: نعم -وفَهِمَتْ ما أشار إليه- أما [¬٧] قولك: هل يكون شجر من غير حب، وزرع من غير بذر: فإن الله قد [¬٨] خلق الشجر والزرع أول ما خلقهما من غير حب، ولا بذر، و[هل خلقٌ يكون] [¬٩] من غير أب: فإن الله تعالى قد خلق آدم من غير أب ولا أم. فصدقها وسلم لها حالها.\n_________\n(^٦٣) - أخرجه البخاري في كتاب: \"بدء الخلق\"، باب: ذكر الملائكة حديث (٣٢٠٨) (٦/ ٣٠٣) وأطرافه في (٣٣٣٢ - ٦٥٩٤ - ٧٤٥٤). ومسلم في كتاب: القدر، حديث (١/ ٢٦٤٣) (١٦/ ٢٩٢) وما بعدها، من حديث ابن عباس بلفظ \"إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يومًا، ثم يكون علقه مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله ملكًا يؤمر بأربع كلمات ويقال له: اكتب عمله ورزقه وشقي أو سعيد، ثم ينفخ فيه الروح، فإن الرجل منكم، ليعمل حتى ما يكون بينه وبين الجنة إلا ذراع، فيسبق عليه كتابه فيعمل بعمل أهل النار، ويعمل حتى ما يكون وبينه وبين النار إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة\". واللفظ للبخاري.\n_________\n[¬١]- في ت: \"حمل\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"وضعت\".\n[¬٣]- في خ: \"وكأن\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفين في ت: مأخوذ.\n[¬٥]- في خ: \"كما قال\".\n[¬٦]- في ت: \"بها\".\n[¬٧]- في ز، خ: \"إنما\".\n[¬٨]- سقط من: ز، خ.\n[¬٩]- ما بين المعكوفتين في ت: \"هل يكون ولد\".","vol":"9","page":230},{"text":"ولما استشعرت مريم من قومها اتهامها بالريبة، انتبذت منهم (مكانًا قصيًّا)، أي: قاصيًا منهم بعيدًا عنهم؛ لئلا تراهم ولا يروها.\nقال محمد بن إسحاق: فلما حملت به، وملأت قلتها ووجعت، استمسك عنها الدم، وأصابها ما يصيب الحامل على الولد؛ من الوصب (*) والتوحم [¬١] وتغير اللون، حتى فطر لسانها، فما دخل على أهل بيت ما دخل على آل زكريا، وشاع الحديث في بني إسرائيل، فقالوا: إنما صاحبها يوسف، ولم يكن معها [¬٢] في الكنيسة غيره، وتوارت من الناس، واتخذت من دونهم حجابًا، فلا يراها أحد ولا تراه.\nوقوله: ﴿فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ [أي: فاضطرها وألجأها الطلق إلي جذع النخلة] [¬٣] [وهي] [¬٤] نخلة في المكان الذي تنَحَّتْ إليه.\nوقد اختلفوا فيه، فقال السدي [¬٥] (^٦٤): كان شرقيَّ محرابها الذي تصلي فيه من بيت المقدس.\nوقال وهب بن منبه (^٦٥): ذهبت هاربة، فلما كانت بين الشام، وبلاد مصر ضربها الطلق.\nوفي رواية عن وهب (^٦٦) كان ذلك على ثمانية أميال من بيت المقدس، في قرية هناك يقال لها \"بيت لحم\".\nقلت: وقد تقدم في أحاديث الإسراء، من رواية النسائي عن أنس (^٦٧) - رضي الله\n_________\n(^٦٤) - أخرجه الطبري (١٦/ ٦٣) بنحوه.\n(^٦٥) - أخرجه الطبري (١٦/ ٦٤).\n(^٦٦) - أخرجه الطبري (١٦/ ٦٥).\n(^٦٧) - أخرجه النسائي (١/ ٢٢٢) كتاب الصلاة، باب: فرض الصلاة، وذكر اختلاف الناقلين في إسناد حديث أنس بن مالك ﵁ واختلاف ألفاظهم فيه، وطرفه \"أتيت بدابة فوق الحمار ودون البغل … \" الحديث، وقد تقدم في أول الإسراء.\n_________\n(*) الوصب: الوجع والتعب.\n[¬١]- في ت: \"الترحم\".\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من ت.\n[¬٥]- في ت: \"الأسدي\".","vol":"9","page":231},{"text":"عنه- والبيهقي عن شداد بن أوس (^٦٨) ﵁ أن ذلك ببيت لحم، فالله أعلم.\nوهذا هو المشهور الذي تلقاه الناس بعضهم عن بعض، ولا تشك فيه النصارى: أنه ببيت لحم، وقد [¬١] تلقاه الناس، وقد ورد به الحديث إن صح.\nوقوله تعالى إخبارًا عنها: ﴿قَالتْ يَاليتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾ - فيه دليل علي جواز تمني الموت عند الفتنة، فإنها عرفت أنها ستبتلي وتمتحن بهذا المولود، الذي لا يحمل الناس أمرها فيه علي السداد، ولا يصدقونها في خبرها، وبعد ما كانت عندهم عابدة ناسكة، تصبح عندهم -فيما يظنون- عاهرة زانية، فقالت: ﴿يَاليتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا﴾ أي: قبل هذا الحال ﷺ أي: لم أخلق ولم أك شيئًا. قاله ابن عباس (^٦٩).\nوقال السدي (^٧٠): قالت وهي تطلق من الحبَل استحياء من الناس: ياليتني مت قبل هذا الكرب، الذي أنا فيه، والحزن بولادتي المولود من غير بعل. ﴿وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾ نُسي فترك طلبه، كخرق الحيض التي [¬٢] إذا ألقيت وطرحت لم تطلب ولم تذكر [¬٣]. وكذلك [¬٤] كل شيء نسى وترك فهو نَسْيٌ. وقال قتادة: ﴿وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾ أي: شيئًا لا يعرف [¬٥] ولا يذكر ولا يدرى من أنا.\nوقال الربيع بن أنس (^٧١): ﴿وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾: وهو السقط.\nوقال ابن زيد (^٧٢): لم أكن شيئًا قط.\nوقد قدمنا الأحاديث الدالة علي النهي عن تمني الموت إلا عند الفتنة، عند قوله:\n_________\n(^٦٨) - أخرجه البيهقي في \"دلائل النبوة\" (٢/ ٣٥٦). وطرفه: \"قلنا: يا رسول الله ﷺ كيف أسرى بك؟ قال: صليت لأصحابي صلاة العتمة بمكة\" الحديث وقد تقدم بتمامه في سورة الإسراء.\n(^٦٩) - أخرجه الطبري (١٦/ ٦٦)، وذكره السيوطي في الدر المنثور (٤/ ٤٨١) وعزاه إلى ابن المنذر.\n(^٧٠) - أخرجه الطبري (١٦/ ٦٦).\n(^٧١) - أخرجه الطبري (١٦/ ٦٧)، وعزاه السيوطي (٤/ ٤٨٢) إلى عبد بن حميد، وابن أبي حاتم.\n(^٧٢) - أخرجه الطبري (١٦/ ٦٧).\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ت.\n[¬٣]- في ز، خ: \"يتذكر\".\n[¬٤]- في ز، خ: \"ولذلك قال\".\n[¬٥]- سقط من: خ.","vol":"9","page":232},{"text":"﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾\n﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا (٢٤) وَهُزِّي إِلَيكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيكِ رُطَبًا جَنِيًّا (٢٥) فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَينًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (٢٦)﴾\nقرأ بعضهم (*): (مَن تَحتَها) بمعنى الذي تحتها. وقرأ آخرون: ﴿مِنْ تَحْتِهَا﴾ على أنه حرف جر.\nواختلف المفسرون في المراد بذلك من هو؟ فقال العوفي وغيره عن ابن عباس (^٧٣): ﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا﴾ جبريل، ولم يتكلم عيسى حتى أتت به قومها. وكذا قال سعيد بن جبير (^٧٤) والضحاك (^٧٥)، وعمرو بن ميمون (^٧٦) والسدي (^٧٧) وقتادة (^٧٨): إنه الملك جبريل ﵊، أي: ناداها من أسفل الوادي.\nوقال مجاهد (^٧٩): ﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا﴾ قال: عيسى ابن مريم. وكذا قال عبد الرزاق عن معمر عن قتادة (^٨٠) قال: قال الحسن (^٨١): هو ابنها. وهو إحدى الروايتين عن سعيد بن\n_________\n(^٧٣) - أخرجه الطبري (١٦/ ٦٨)، وذكره السيوطي في الدر المنثور (٤/ ٤٨٢) وعزاه إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه.\n(^٧٤) - أخرجه ابن أبي حاتم كما في الدر المنثور (٤/ ٤٨٢).\n(^٧٥) - أخرجه الطبري (١٦/ ٦٧)، وذكره السيوطي في الدر المنثور (٤/ ٤٨٢) وعزاه إلى عبد بن حميد.\n(^٧٦) - أخرجه الطبري (١٦/ ٦٧ - ٦٨) وذكره السيوطي في الدر المنثور (٤/ ٤٨٢) وعزاه إلى عبد بن حميد.\n(^٧٧) - أخرجه الطبري (١٦/ ٦٨).\n(^٧٨) - أخرجه الطبري (١٦/ ٦٨).\n(^٧٩) - أخرجه الطبري (١٦/ ٦٨)، وذكره السيوطي في الدر المنثور (٤/ ٤٨٢) وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.\n(^٨٠) - أخرجه الطبري (١٦/ ٦٨).\n(^٨١) - أخرجه الطبري (١٦/ ٦٨) وذكره السيوطي في الدر المنثور (٤/ ٤٨٢) وعزاه إلى عبد الرزاق وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.\n_________\n(*) هذه قراءة ابن كثير، وأبي عمرو، وابن عامر، وقراءة كسر ميم ﴿مِنْ تِحْتِهَا﴾ قراءة نافع، وحمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم.","vol":"9","page":233},{"text":"جبير (^٨٢) أنه ابنها، قال: أو لم تسمع الله يقول: ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيهِ﴾؟ واختاره ابن زيد وابن جرير في تفسيره.\nوقوله: ﴿أَن لا تَحْزَنِي﴾ أي: ناداها قائلًا: لا تحزني. ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ [قال سفيان الثوري وشعبة عن أبي إسحاق، عن البراء بن عازب (^٨٣): ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾] [¬١] قال: الجدول. وكذا قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس (^٨٤): السريُّ: النهر. وبه قال عمرو بن ميمون (^٨٥): نهر تشرب منه.\nوقال مجاهد (^٨٦): هو النهر بالسريانية.\nوقال سعيد بن جبير (^٨٧): السري: النهر الصغير بالنبطية.\nوقال الضحاك (^٨٨): هو النهر الصغير بالسريانية.\nوقال إبراهيم النخعي (^٨٩): هو النهر الصغير.\nوقال قتادة (^٩٠): هو الجدول بلغة أهل الحجاز.\nوقال [وهب بن منبه] [¬٢] (^٩١): السري هو ربيع الماء.\n_________\n(^٨٢) - أخرجه الطبري (١٦/ ٦٨).\n(^٨٣) - أخرجه الطبري (١٦/ ٦٩) والحاكم (٢/ ٣٧٣) وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وذكره الهيثمي في المجمع (٧/ ٥٤)، وقال: رواه الطبراني في الصغير وفيه معاوية بن يحيى الصدفي وهو ضعيف.\n(^٨٤) - أخرجه الطبري (١٦/ ٦٩)، وذكره السيوطي في الدر المنثور (٤/ ٤٨٣) وعزاه إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر بنحوه.\n(^٨٥) - أخرجه الطبري (٧٠/ ١٦)، وذكره السيوطي في الدر المنثور (٤/ ٤٨٣) وعزاه إلى عبد بن حميد.\n(^٨٦) - أخرجه الطبري (١٦/ ٧٠)، وذكره السيوطي في الدر المنثور (٤/ ٤٨٣) وعزاه إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٨٧) - أخرجه الطبري (١٦/ ٧٠)، وذكره السيوطي في الدر المنثور (٤/ ٤٨٣) وعزاه إلى ابن أبي حاتم.\n(^٨٨) - أخرجه الطبري (١٦/ ٧٠)، وذكره السيوطي في الدر المنثور (٤/ ٤٨٣) بنحوه، وعزاه إلى عبد بن حميد.\n(^٨٩) - أخرجه الطبري (١٦/ ٧٠)، وذكره السيوطي في الدر المنثور (٤/ ٤٨٣) وعزاه إلى عبد بن حميد بنحوه.\n(^٩٠) - أخرجه الطبري (١٦/ ٧٠).\n(^٩١) - أخرجه الطبري (١٦/ ٧٠).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في خ: \"قتادة\".","vol":"9","page":234},{"text":"وقال السدي (^٩٢): هو النهر. واختار هذا القول ابن جرير، وقد ورد في ذلك حديث مرفوع؛ فقال الطبراني (^٩٣): حدثنا أبو شعيب الحراني، حدثنا يحيى بن عبد الله البابلتي [¬١]، حدثنا أيوب بن نهيك، سمعت عكرمة مولى ابن عباس، [يقول] [¬٢]: [سمعت ابن عمر يقول: سمعت رسول الله ﷺ] [¬٣] يقول: \"إن السري الذي قال الله لمريم: ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ نهر أخرجه الله لتشرب [¬٤] منه\". وهذا حديث غريب جدًّا من هذا الوجه، وأيوب بن نهيك هذا هو الحلبي [¬٥]، قال فيه أبو حاتم الرازي: ضعيف. وقال أبو زرعة: منكر الحديث. وقال أبو الفتح الأزدي: متروك الحديث.\nوقال آخرون: المراد بالسري عيسى ﵇ ربه قال الحسن والربيع بن أنس ومحمد بن عباد بن جعفر، وهو إحدى الروايتين عن قتادة (^٩٤)، وقول عبد الرحمن بن زيد بن أسلم (^٩٥)، والقول الأول أظهر؛ ولهذا قال بعده: ﴿وَهُزِّي إِلَيكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ أي: وخذي إليك بجذع النخلة، قيل: كانت يابسة. قاله ابن عباس (^٩٦). وقيل: مثمرة.\nقال مجاهد (^٩٧): كانت عجوة. وقال الثوري عن أبي داود [¬٦] نفيع الأعمى: كانت صرفانة (*) [¬٧]. والظاهر أنها كانت شجرة، ولكن لم [تكن في إبان] [¬٨] ثمرها، قاله وهب\n_________\n(^٩٢) - أخرجه الطبري (١٦/ ٧٠).\n(^٩٣) - أخرجه الطبراني (١٢/ ٣٤٦) حديث (١٣٣٠٣).\nقال الهيثمي في المجمع (٧/ ٥٨): رواه الطبراني وفيه يحيى بن عبد الله البابلتي وهو ضعيف.\n(^٩٤) - أخرجه الطبري (١٦/ ٧٠)، وذكره السيوطي في الدر المنثور وعزاه إلى ابن عساكر.\n(^٩٥) - أخرجه الطبري (١٦/ ٧٠).\n(^٩٦) - أخرجه الطبري (١٦/ ٧٠).\n(^٩٧) - أخرجه الطبري (١٦/ ٧٢) وذكره السيوطي في الدر المنثور (٤/ ٤٨٤) وعزاه إلى ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن الأنباري في المصاحف.\n_________\n[¬١]- في ت: \"البابلي\".\n[¬٢]- سقط من: ت.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٤]- في خ: \"تشرب\".\n[¬٥]- في ت: \"الحبلي\".\n[¬٦]- في ز، خ: \"الأسود\".\n(*) الصَّرْفان: ضَرْبٌ من أجود التمر وأوزنه.\n[¬٧]- في ز، خ: \"صوفانه\".\n[¬٨]- ما بين المعكوفين في ز، خ: \"بيان\".","vol":"9","page":235},{"text":"ابن منبه، ولهذا امتن عليها بذلك، أن [¬١] جعل عندها طعامًا وشرابًا فقال: ﴿تُسَاقِطْ عَلَيكِ رُطَبًا جَنِيًّا (٢٥) فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَينًا﴾ أي: طيبي نفسًا، ولهذا قال عمرو [¬٢] بن ميمون (^٩٨): ما من شيء خير للنفساء [¬٣] من التمر والرطب. و[¬٤] تلا هذه الآية الكريمة.\nو[¬٥] قال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا شيبان، حدثنا مسرور بن سعيد التميمي، حدثنا عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، عن عروة بن رويم، عن علي بن أبي طالب (^٩٩) قال: قال رسول الله ﷺ: \"أكرموا عمتكم النخلة، فإنها خلقت من الطين الذي خلق منه آدم ﵇، وليس من الشجر شيء يلقح غيرها\".\nوقال رسول الله ﷺ: \"أطعموا نساءكم الولّدَ: الرُّطَبَ، فإن لم يكن رطب فتمر، وليس من الشجر [¬٦] شجرة أكرم علي الله من شجرة نزلت تحتها مريم بنت عمران\". هذا حديث منكر جدًّا، ورواه أبو يعلى (^١٠٠) عن شيبان، به.\nوقرأ بعضهم (*) [قوله] [¬٧]: ﴿تُسَاقِطْ﴾ بتشديد السين، وآخرون بتخفيفها (**)، وقرأ أبو نهيك: ﴿تُسَاقِطْ عَلَيكِ رُطَبًا جَنِيًّا﴾ وروى أبو إسحاق عن البراء أنه قرأها: ﴿يسّاقط [¬٨]﴾ أي: الجذع. والكل متقارب.\n_________\n(^٩٨) - أخرجه الطبري (١٦/ ٧٢)، وذكره السيوطي في الدر المنثور (٤/ ٤٨٤، ٤٨٥) وعزاه إلى عبد بن حميد.\n(^٩٩) - أخرجه أبو يعلى (١/ ٣٥٣) حديث (٤٥٥). وأبو نعيم في الحلية (٦/ ١٢٣). والعقيلي في الضعفاء الكبير (٤/ ٢٥٦). وابن عدي في الكامل (٦/ ٢٤٢٤). والباغندي. كلهم من طريق مسروق بن سعيد التيمي عن عبد الرحمن الأوزاعي عن عروة بن رويم عن علي بن أبي طالب، له.\nقال ابن عدي: هذا حديث عن الأوزاعي منكر، وعروة بن رويم عن علي ليس بالمتصل، ومسروق بن سعيد غير معروف، لم أسمع بذكره إلا في هذا الحديث.\nوأعله العقيلي بمسروق بن سعيد.\nوقال الألباني في الضعيفة (٢٦٣): موضوع.\n(^١٠٠) - أخرجه أبو يعلى (١/ ٣٥٣) حديث (٤٥٥) وانظر السابق.\n_________\n[¬١]- في ت: \"بأن.\n[¬٢]- في ز، خ: \"عمر\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"للنساء\".\n[¬٤]- في ت: \"ثم\".\n[¬٥]- في خ: \"ولهذا\".\n[¬٦]- في ت: \"الشجرة\".\n(*) وهم: عبد الله بن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، والكسائي.\n[¬٧]- سقط من: ت.\n(**) وهو حمزة. وعن عاصم مثلُ القراءتين.\n[¬٨]- في ز، خ: \"تساقط\".","vol":"9","page":236},{"text":"وقوله: ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا﴾ أي: مهما رأيت من أحد ﴿فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾ المراد بهذا القول الإشارة إليه بذلك، لأن المراد به القول اللفظي؛ لئلا ينافي ﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾.\nقال أنس بن مالك (^١٠١) في قوله: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ أي [¬١]: صمتًا. وكذا قال ابن عباس (^١٠٢) والضحاك (^١٠٣)، وفي رواية عن أنس (^١٠٤): صومًا وصمتًا، وكذا قال قتادة وغيرهما. والمراد: أنهم كانوا إذا صاموا في شريعتهم يحرم عليهم الطعام والكلام، نص على ذلك السدي وقتادة وعبد الرحمن بن زيد (^١٠٥).\nقال [أبو إسحاق] [¬٢]، عن حارثة [¬٣] قال: كنت عند ابن مسعود، فجاء رجلان فسلم أحدهما ولم يسلم الآخر، فقال: ما شأنك؟ قال أصحابه: حلف ألا يكلم الناس اليوم. فقال عبد الله بن مسعود: كلم الناس وَسلِّم عليهم، فإنما تلك امرأة علمت أن أحدًا لا يصدقها أنها حملت من غير زوج -يعني لذلك: مريم ﵍ ليكون عذرًا لها إذا سئلت. رواه ابن أبي حاتم (^١٠٦) وابن جرير (^١٠٧) رحمهما الله.\nوقال عبد الرحمن بن زيد (^١٠٨): لما قال عيسى لمريم: ﴿وَلَا تَحْزَنِي﴾ قالت: وكيف لا أحزن وأنت معي، لا ذات زوج ولا مملوكة، أي شيء عذري عند الناس؟ ﴿يَاليتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾ قال لها عيسى: أنا أكفيك الكلام ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾ قال: هذا كله من كلام عيسى لأمه. وكذا قال وهب (^١٠٩).\n_________\n(^١٠١) - أخرجه الطبري (١٦/ ٧٤)، وذكره السيوطي في الدر المنثور (٤/ ٤٨٥) وعزاه إلى الفريابي وعبد ابن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري في المصاحف وابن مردويه.\n(^١٠٢) - أخرجه الطبري (٧٤/ ١٦)، وذكره السيوطي في الدر المنثور (٤/ ٤٨٥) وعزاه إلى عبد بن حميد وابن الأنباري.\n(^١٠٣) - أخرجه الطبري (١٦/ ٧٤).\n(^١٠٤) - أخرجه الطبري (١٦/ ٧٤).\n(^١٠٥) - ذكره السيوطي في الدر المنثور (٤/ ٤٨٥) وعزاه إلى ابن أبي حاتم.\n(^١٠٦) - أخرجه ابن أبي حاتم كما في الدر المنثور (٤/ ٤٨٥).\n(^١٠٧) - أخرجه الطبري (١٦/ ٧٥).\n(^١٠٨) - أخرجه الطبري (١٦/ ٧٥).\n(^١٠٩) - أخرجه الطبري (١٦/ ٧٥) بنحوه.\n_________\n[¬١]- في ت: \"قال\"\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"ابن\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"جارية\".","vol":"9","page":237},{"text":"﴿فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَامَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيئًا فَرِيًّا (٢٧) يَاأُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (٢٨) فَأَشَارَتْ إِلَيهِ قَالُوا كَيفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (٢٩) قَال إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (٣٠) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَينَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (٣١) وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (٣٢) وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (٣٣)﴾\nيقول تعالى مخبرًا عن مريم حين أمرت أن تصوم يومها ذلك، وألّا تكلم أحدًا من البشر، فإنها ستكفى أمرها، ويقام بحجتها، فسلمت لأمر الله ﷿، واستسلمت لقضائه، وأخذت [¬١] ولدها ﴿فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ﴾ فلما رأوها كذلك أعظموا [¬٢] أمرها، واستنكروه جدًّا، و﴿قَالُوا يَامَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيئًا فَرِيًّا﴾ أي: أمرًا عظيمًا. قاله مجاهد (^١١٠) وقتادة (^١١١) والسدي (^١١٢) وغير واحد.\nوقال ابن أبي حاتم (^١١٣): حدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن أبي زياد، حدثنا سيار، حدثنا جعفر بن [] [¬٣] سليمان، حدثنا أبو عمران الجوني، عن نوف البكالي، قال: وخرج قومها في طلبها. وكانت من أهل بيت نبوة وشرف، فلم يحسوا منها شيئًا، فرأوا [¬٤] راعي بقر، فقالوا: أرأيت فتاة كذا وكذا نعتها [¬٥]. قال: لا، ولكني رأيت الليلة من بقري\n_________\n(^١١٠) - أخرجه الطبري (١٦/ ٧٦)، وذكره السيوطي في الدر المنثور (٤/ ٤٨٦) وعزاه إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المندر، وابن أبي حاتم.\n(^١١١) - أخرجه الطبري (١٦/ ٧٧)، وذكره السيوطي في الدر المنثور (٤/ ٤٨٦) وعزاه إلى عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد.\n(^١١٢) - أخرجه الطبري (١٦/ ٧٧).\n(^١١٣) - ذكره السيوطي في الدر المنثور (٤/ ٤٧٩، ٤٨٠)، وعزاه إلى عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد في حديث طويل بنحوه.\n_________\n[¬١]- في ت: \"فأخذت\".\n[¬٢]- في خ: \"أعلموا\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"أبي\".\n[¬٤]- في ت: فلقوا.\n[¬٥]- في ز، خ: \"بعينها\".","vol":"9","page":238},{"text":"ما لم أره منها قط. قالوا: وما رأيت؟ قال: رأيتها الليلة [¬١]، سُجَّدًا [¬٢] نحو هذا الوادي. قال عبد الله بن زياد: وأحفظ عن سيار أنه قال: رأيت نورًا ساطعًا. فتوجهوا حيث قال لهم، فاستقبلتهم مريم، فلما رأتهم قعدت وحملت ابنها في حجرها، فجاءوا حتى قاموا عليها وقالوا: ﴿يَامَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيئًا فَرِيًّا﴾ أمرًا عظيمًا ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ﴾ أي: [يا] [¬٣] شبيهة هارون في العبادة ﴿مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ أي: أنت من بيت طيب طاهر، معروف بالصلاح والعبادة والزهادة، فكيف صدر هذا منك؟.\nقال علي بن أبي طلحة والسدي (^١١٤): قيل لها: ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ﴾ أي: أخي موسى، وكانت من قبيلته [¬٤]، كما يقال للتميمي: يا أخا تميم، وللمضري: يا أخا مضر.\nوقيل: نسبت إلى رجل صالح كان فيهم اسمه هارون، فكانت تتأسى [¬٥]، به في الزهادة والعبادة.\nوحكى ابن جرير (^١١٥) عن بعضهم أنهم شبهوها برجل فاجرٍ كان فيهم، يقال له هارون. ورواه ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير (^١١٦)\nوأغرب من هذا كله؛ ما رواه ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين الهسمنْجَاني [¬٦]، حدثنا ابن أبي مريم، حدثنا المفضل [¬٧] بن فضالة، حدثنا أبو صخر، عن القرظي في قول الله ﷿: ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ﴾ قال: هي أخت هارون لأبيه وأمه، وهي أخت موسى أخي هارون التي قصت أثر موسى ﴿فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾.\nوهذا القول خطأ محض؛ فإن الله تعالى قد ذكر في كتابه أنه قفى بعيسى بعد الرسل، فدل على أنه آخر الأنبياء بعثًا، وليس بعده إلا محمد، صلوات الله وسلامه عليهما [¬٨]، ولهذا ثبت في [الصحيح عند] [¬٩] البخاري عن أبي هريرة (^١١٧) ﵁ عن\n_________\n(^١١٤) - أخرجه الطبري (١٦/ ٧٨).\n(^١١٥) - ذكره الطبري (١٦/ ٧٨).\n(^١١٦) - ذكره السيوطي في الدر المنثور (٤/ ٤٨٦) وعزاه إلى ابن أبي حاتم.\n(^١١٧) - أخرجه البخاري في كتاب الأنبياء، باب: قول الله: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا﴾ حديث (٣٤٤٢) (٦/ ٤٧٧) وطرفه في (٣٤٤٣).\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في ت: \"تسجد\".\n[¬٣]- سقط من: ت.\n[¬٤]- في ت: \"نسله\".\n[¬٥]- في ز، خ: \"تقاس\".\n[¬٦]- في خ: \"الهنجناني\".\n[¬٧]- في ز، خ: \"الفضل\".\n[¬٨]- في ز، خ: \"عليه\".\n[¬٩]- في ت: \"صحيح\".","vol":"9","page":239},{"text":"رسول الله، ﷺ، أنه قال: \"أنا\" [¬١] أولى الناس بابن مريم [] [¬٢] إلا [¬٣] أنه ليس بيني وبينه نبي\".\nولو كان الأمر كما زعم محمد بن كعب القرظي، لم يكن متأخرًا عن الرسل سوى محمد، ولكان قبل سليمان وداود؛ فإن الله قد ذكر أن داود بعد موسى ﵉ في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ فذكر [¬٤] القصة إلى أن قال: ﴿وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ …﴾ الآية.\nوالذي جَرَّأ [¬٥] القرظي على هذه المقالة ما في التوراة بعد خروج موسى وبني إسرائيل من البحر، وإغراق فرعون وقومه، قال: وكانت مريم بنت عمران أخت موسى وهارون النبيين [¬٦]-تضرب بالدفّ هي والنساء معها، يسبحن الله ويشكرنه على ما أنعم به على بني إسرائيل، فاعتقد القرظي أن هذه هي أم عيسى، وهي [¬٧] هفوة وغلطة شديدة، بل هي باسم هذه، وقد كانوا يسمون بأسماء أنبيائهم وصالحيهم، كما [¬٨] قال الإمام أحمد (^١١٨):\nحدثنا عبد الله بن إدريس، سمعت أبي يذكر [¬٩]، عن سماك، عن علقمة بن وائل، عن المغيرة بن شعبة قال: بعثني رسول الله، ﷺ، إلى نجران، فقالوا: أرأيت [¬١٠] ما تقرءون [¬١١] ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ﴾ وموسى قبل عيسى بكذا وكذا؟ قال: فرجعت فذكرت ذلك لرسول الله، ﷺ، فقال: \"ألا أخبرتهم أنهم كانوا يتسمون بالأنبياء والصالحين قبلهم\". انفرد بإخراجه مسلم (^١١٩) والترمذي والنسائي من حديث عبد الله بن إدريس، عن أبيه، عن سماك به. وقال الترمذي: حسن صحيح\n_________\n(^١١٨) - أخرجه أحمد (٤/ ٢٥٢).\n(^١١٩) - أخرجه مسلم في كتاب: الآداب، كتاب: النهي عن التكني بأبي القاسم، وبيان ما يستحب من الأسماء حديث (٩/ ٢١٣٥) (١٤/ ١٦٥). والترمذي ما في كتاب: تفسير القرآن، باب: ومن سورة مريم، حديث (٣١٥٥) (٥/ ٢٩٥). وأخرجه النسائي في الكبرى في كتاب التفسير، باب: قوله تعالى: ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ﴾ حديث (١١٣١٥) (٦/ ٣٩٣).\n_________\n[¬١] في ز، خ: \"إن\".\n[¬٢] ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"لأنا\".\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- في ت: \"وذكر\".\n[¬٥]- في ز، خ: \"حد\".\n[¬٦]- في ز، خ: \"النبيه\".\n[¬٧]- في ت: \"وهذه\".\n[¬٨]- سقط من: ز، خ.\n[¬٩]- في ت: \"يذكره\".\n[¬١٠]- في ز، خ: \"رأيت\".\n[¬١١]- في ز: \"يقولون\"، في خ: \"تقولون\".","vol":"9","page":240},{"text":"غريب، لا نعرفه إلا من حديث ابن إدريس.\nوقال ابن جرير (^١٢٠): حدثني يعقوب، حدثنا ابن علية، عن سعيد بن أبي صدقة، عن محمد بن سيرين قال: نبئت أن كعبًا قال: إن قوله: ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ﴾ ليس بهارون أخي موسى. قال: فقالت له عائشة: كذبت. قال: يا أم المؤمنين، إن كان النبي، ﷺ، قاله فهو أعلم وأخبر، وإلا فإني أجد بينهما ستمائة سنة. قال: فسكتت. وفي هذا التاريخ نظر.\nوقال ابن جرير (^١٢١) أيضًا: حدثنا بشر، حدثنا يزيد، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾. قال: كانت من أهل بيت يعرفون بالصلاح، ولا يعرفون بالفساد، [ومن الناس من يعرفون بالصلاح] [¬١] ويتوالدون به، [وآخرون يعرفون بالفساد ويتوالدون به] [¬٢]، وكان هارون مصلحًا محببًا في عشيرته، وليس بهارون أخي موسى، ولكنه هارون آخر. قال: وذكر لنا أنه [¬٣] شيع جنازته يوم مات أربعون ألفًا، كلهم يسمى [¬٤] هارون من بني إسرائيل.\nوقوله: ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيهِ قَالُوا كَيفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾ أي: إنهم لما استرابوا في أمرها، واستنكروا [¬٥] قضيتها، وقالوا لها ما قالوا، معرضين بقذفها، ورميها بالفرية، وقد كانت يومها ذلك صائمة صامتة، فأحالت الكلام عليه، وأشارت لهم إلى خطابه وكلامه، فقالوا متهكمين بها، ظانين أنها تزدري بهم وتلعب بهم: ﴿كَيفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾.\n[قال ميمون بن مهران (^١٢٢): ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيهِ﴾ قالت: كلِّموه. فقالوا: على ما جاءت به من الداهية تأمرنا أن نكلم من كان في المهد صبيًّا!] [¬٦] وقال السدي (^١٢٣): لما أشارت إليه غضبوا، وقالوا: لسخريتها بنا حين تأمرنا أن نكلم هذا الصبي أشد علينا من زناها.\n_________\n(^١٢٠) - تفسير الطبري (١٦/ ٧٧).\n(^١٢١) - أخرجه الطبري (١٦/ ٧٧).\n(^١٢٢) - أخرجه عبد في حميد كما في الدر المنثور (٤/ ٤٨٧).\n(^١٢٣) - أخرجه الطبري (١٦/ ٧٩).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في ز، خ: \"أن\"\n[¬٤]- في ز: \"يسمون\".\n[¬٥]- في خ: \"فاستنكروا\".\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.","vol":"9","page":241},{"text":"﴿قَالُوا كَيفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾ أي: مَنْ هو موجود في مهده، في حال صباه وصغره، كيف يتكلم؟ ﴿قَال إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ أول شيء تكلم به أن نزه جناب ربه تعالى، وبرأ الله عن الولد، وأثبت لنفسه العبودية لربه.\nوقوله: ﴿آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ تبوئة لأمه مما نسبت إليه من الفاحشة، قال نوف البكالي (^١٢٤): لما قالوا لأمه ما قالوا كان يرتضع ثديه، فنزع الثدي من فمه، واتكأ على جنبه الأيسر، وقال: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ إلى قوله: ﴿مَا دُمْتُ حَيًّا﴾.\nوقال حماد بن سلمة، عن ثابت البناني: رفع أصبعه السبابة فوق منكبه، وهو يقول] [¬١]: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ الآية.\nوقال عكرمة (^١٢٥): ﴿آتَانِيَ الْكِتَابَ﴾ أي: قضى أن [¬٢] يؤتنى الكتاب فيما مضى [¬٣].\nوقال ابن أبي حاتم (^١٢٦): حدثنا أبي، حدثنا محمد بن المصفى، حدثنا يحيى بن سعيد-[هو العطار] [¬٤]- عن عبد العزيز بن زياد، عن أنس بن مالك ﵁ قال: كان عيسى ابن مريم قد درس الإِنجيل وأحكمه [¬٥] وهو [¬٦] في بطن أمه، فذلك قوله: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾.\nيحيى بن سعيد العطار الحمصي، متروك.\nوقوله: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَينَ مَا كُنْتُ﴾ قال مجاهد (^١٢٧)، وعمرو [¬٧] بن قيس،\n_________\n(^١٢٤) - ذكره السيوطي في الدر المنثور (٤/ ٤٨٠) وعزاه إلى عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد في حديث طويل.\n(^١٢٥) - أخرجه الطبري (١٦/ ٨٠)، وذكره السيوطي في الدر المنثور (٤/ ٤٨٧) وعزاه إلى عبد الرزاق وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.\n(^١٢٦) - أخرجه ابن أبي حاتم كما في الدر المنثور (٤/ ٤٨٧).\n(^١٢٧) - أخرجه الطبري (١٦/ ٨١) وذكره السيوطي في الدر المنثور (٤/ ٤٨٧)، وعزاه إلى عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد وابن المنذر، وابن أبي حاتم.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في ت: \"أنه\".\n[¬٣]- في ت: \"قضى\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- في ز، خ: \"وأحكمها\".\n[¬٦]- سقط من: ز، خ.\n[¬٧]- في ز، خ: \"عمر\".","vol":"9","page":242},{"text":"والثوري (^١٢٨): وجعلني معلمًا للخير. وفي رواية عن مجاهد (^١٢٩): نفاعًا.\nوقال ابن جرير (^١٣٠): حدثني سليمان بن عبد الجبار، حدثنا محمد بن يزيد بن خُنيس [¬١] المخزومي، سمعت وهيب بن الوَرْد مولى بني مخزوم قال [¬٢]: لقي عالم عالمًا هو فوقه في العلم، فقال له: يرحمك الله! ما الذي أعلن من عملي؟ قال: الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، فإنه دين الله الذي بعث به [¬٣] أنبياء إلى عباده، وقد أجمع الفقهاء على قول الله: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَينَ مَا كُنْتُ﴾ وقيل: ما بركته [¬٤]؟ قال: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أينما كان.\nوقوله: ﴿وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا﴾ كقوله تعالى لمحمد ﷺ: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ وقال عبد الرحمن بن القاسم، عن مالك بن أنس في قوله: ﴿وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا﴾ قال: أخبره ما [¬٥] هو كائن من أمره إلى أن يموت. ما أبيَّنها لأهل القدر!.\nوقوله: ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَتِي﴾ أي: و[¬٦] أمرني ببر والدتي، ذكره بعد طاعة الله ربه، لأن الله تعالى كثيرًا ما يقرن بين الأمر بعبادته وطاعة الوالدين، كما قال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إلا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَينِ إِحْسَانًا﴾ وقال: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾.\nوقوله: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا﴾ أي: ولم يجعلني جبارًا مستكبرًا عن عبادته وطاعته، وبر والدتي، فأشقى بذلك.\nقال [¬٧] سفيان الثوري (^١٣١): الجبار الشقي: [] [¬٨] الذي يقبل على الغضب [¬٩].\nوقال بعض السلف: لا تجد أحدًا عاقًّا لوالديه إلا وجدته جبارًا شقيًّا ثم قرأ: ﴿وَبَرًّا\n_________\n(^١٢٨) - أخرجه الطبري (١٦/ ٨١).\n(^١٢٩) - أخرجه الطبري (١٦/ ٨٠)، وذكره السيوطي في الدر المنثور (٤/ ٤٨٨) وعزاه إلى البيهقي في الشعب، وابن عساكر.\n(^١٣٠) - أخرجه الطبري (١٦/ ٨١).\n(^١٣١) - ذكره السيوطي في الدر المنثور (٤/ ٤٨٨) وعزاه إلى ابن أبي حاتم.\n_________\n[¬١]- في ز: \"حنيس\"، خ: \"حبيس\".\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في ز، خ: \"فيه\".\n[¬٤]- في ز، خ: \"تركته\".\n[¬٥]- في ت: \"بما\".\n[¬٦]- سقط من: خ.\n[¬٧]- بياض في (ز)، سقط من: خ.\n[¬٨]- ما بين المعكوفتين في ت: \"هو\".\n[¬٩]- في ز، خ: \"غضب\".","vol":"9","page":243},{"text":"بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا﴾، قال: ولا تجد سيئ [¬١] الملكة إلا وجدته مختالًا فخورًا، [ثم قرأ: ﴿وَمَا مَلَكَتْ أَيمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾ [¬٢].\nوقال قتادة (^١٣٢): ذكر لنا أن امرأة رأت ابن مريم يحيي الموتى، ويبرئ الأكمه والأبرص، في آيات سلطه الله عليهن، وأذن له فيهن، فقالت: طوبى للبطن الذي حملك [¬٣]، [وطوبى للثدي] [¬٤] الذي أرضعت به. فقال نبي الله عيسى ﵇ مجيبها [¬٥]: طوبى لمن تلا كتاب [¬٦] الله، فاتبع ما فيه ولم يكن جبارًا شقيًّا.\nوقوله: ﴿وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ إثبات منه لعبوديته لله ﷿، وأنه مخلوق من خلق الله، يحيى ويموت، ويبعث كسائر الخلائق، ولكن له السلامة في هذه الأحوال التي [¬٧] هي أشق ما يكون على العباد، صلوات الله وسلامه عليه.\n﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ (٣٤) مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٣٥) وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٣٦) فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَينِهِمْ فَوَيلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٣٧)﴾\nيقول تعالى لرسوله محمد -صلوات الله وسلامه عليه-: ذلك الذي قصصنا عليك من خبر عيسى ﵇ ﴿قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ أي: يختلف المبطلون والمحقون ممن آمن به وكفر به: ولهذا قرأ الأكثرون (*) ﴿قَوْلَ الْحَقِّ﴾ برفع قول، وقرأ عاصم وعبد الله بن عامر ﴿قَوْلَ الْحَقِّ﴾.\nوعن ابن مسعود أنه قرأ: ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ﴾.\nوالرفع أظهر إعرابًا، ويشهد له قوله تعالى: ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾\n_________\n(^١٣٢) - أخرجه الطبري (١٦/ ٨٢).\n_________\n[¬١]- في خ: \"شيء\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٣]- في ز، خ: \"حملتك\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين في خ: \"والثدي\".\n[¬٥]- في ت: \"يجيبها\".\n[¬٦]- سقط من: خ.\n[¬٧]- سقط من: ز، خ.\n(*) أصحاب قراءة الرفع هم: ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي.","vol":"9","page":244},{"text":"ولما ذكر تعالى أنه خلفه عبدًا نبيًّا، نزّه نفسه المقدسة وقال [¬١]: ﴿مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ﴾ أي: عما يقول هؤلاء الجاهلون الظالمون [¬٢] المعتدون علوا كبيرًا ﴿إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ أي: إذا أراد شيئًا فإنما يأمر به فيصير كما يشاء، كما قال: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَال لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٩) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾.\nوقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ أي: ومما أمر به عيسى قومه وهو [¬٣] في مهده [¬٤]، أن أخبرهم إذ ذاك أن الله ربه وربهم، وأمرهم بعبادته، فقال: ﴿فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ أي: هذا الذي جئتكم به عن الله صراط مستقيم، أي: قويم، من اتبعه رشد وهدي، ومن خالفه ضل وغوى.\nوقوله: ﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَينِهِمْ﴾ أي: اختلفت [¬٥] أقوال أهل الكتاب في عيسى، بعد بيان أمره ووضوح حاله، وأنه عبده ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، فصممت طائفة [] [¬٦]-وهم جمهور اليهود عليهم لعائن الله! - على أنه ولد زنية، وقالوا: كلامه هذا سحر. وقالت طائفة أخرى: إنما تكلم الله. وقال آخرون: هو ابن الله، وقال آخرون: ثالث ثلاثة. وقال آخرون: بل هو عبد الله ورسوله. وهذا هو [¬٧] قول الحق، الذي أرشد الله إليه المؤمنين، وقد روي [نحو هذا] عن عمرو بن ميمون، وابن جريج، وقتادة (^١٣٣)، وغير واحد من السلف والخلف.\nقال عبد الرزاق (^١٣٤): أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ قال: اجتمع بنو إسرائيل، فأخرجوا منهم أربعة نفر، أخرج كل قوم [¬٨] عالمهم، فامتروا في عيسى حين رفع، فقال أحدهم: هو الله هبط إلى الأرض فأحيا من أحيا وأمات من أمات، ثم صعد إلى السماء -وهم اليعقوبيّة- فقال الثلاثة: كذبت. ثم قال اثنان منهم للثالث: قل أنت فيه. قال: هو ابن الله -وهم النسطورية- فقال الاثنان: كذبت. ثم قال أحد الاثنين للآخر: قل فيه. قال: هو ثالث ثلاثة؛ الله إله،\n_________\n(^١٣٣) - أخرجه الطبري (١٦/ ٨٦)، وذكره السيوطي في الدر المنثور (٤/ ٤٨٨) بنحوه، وعزاه إلى عبد الرزاق وابن أبي حاتم.\n(^١٣٤) - أخرجه عبد الرزاق كما في الدر المنثور (٤/ ٤٨٨).\n_________\n[¬١]- في ت: \"فقال\".\n[¬٢]- في خ: \"الكاملون\".\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- في ز: \"مهدهم\".\n[¬٥]- في ز: \"اختلف\".\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين في خ: \"منهم\".\n[¬٧]- سقط من: خ.\n[¬٨]- سقط من: ز، خ.","vol":"9","page":245},{"text":"وهو إله، وأمه إله [¬١]-وهم الإِسرائيلية ملوك النصارى عليهم لعائن الله! - قال الرابع: كذبت، بل [¬٢] هو عبد الله ورسوله، وروحه وكلمته -وهم المسلمون- فكان لكل رجل منهم أتباع على ما قالوا، فاقتتلوا فظهر على المسلمين، فذلك قول الله تعالى ﴿وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ﴾. وقال قتادة (^١٣٥): وهم الذين قال الله: ﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَينِهِمْ﴾ قال: اختلفوا فيه فصاروا أحزابًا.\nوقد روى ابن أبي حاتم (^١٣٦) عن ابن عباس، وعن عروة بن الزبير، وعن بعض أهل العلم، قريبًا من ذلك. وقد ذكر غير واحد من علماء التاريخ من أهل الكتاب وغيرهم؛ أن قسطنطين جمعهم في محفل كبير من مجامعهم الثلاثة المشهورة عندهم، فكان جماعة الأساقفة منهم ألفين ومائة وسبعين أسقفًا، فاختلفوا في عيسى ابن مريم ﵇ اختلافًا متباينًا، فقالت كل شرذمة فيه قولًا، فمائة تقول فيه قولًا، وسبعون تقول فيه قولًا آخر، وخمسون تقول فيه شيئًا آخر، ومائة وستون تقول شيئًا، ولم يجتمع على مقالة واحدة أكثر من ثلاثمائة وثمانية منهم، اتفقوا على قول وصمموا عليه، ومال إليهم [¬٣] الملك، وكان فيلسوفًا، فقدمهم ونصرهم وطرد من عداهم، فوضعوا له الأمانة الكبيرة، بل هي الخيانة العظيمة، ووضعوا له كتب القوانين، وشرعوا له أشياء، وابتدعوا بدعًا كثيرة، وحرفوا دين المسيح وغيروه، فابتنى حينئذ لهم [¬٤] الكنائس الكبار في مملكته كلها؛ بلاد الشام، والجزيرة، والروم، فكان مبلغ الكنائس في أيامه ما يقارب اثنتي عشر ألف كنيسة، وبنت أمه هيلانة قُمَامة على المكان الذي صلب فيه المصلوب الذي تزعم اليهود والنصارى أنه المسيح، وقد كذبوا، بل رفعه الله إلى السماء.\nوقوله: ﴿فَوَيلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ تهديد ووعيد شديد لمن كذب على الله، وافترى، وزعم أن له ولدًا، ولكن أنظرهم تعالى إلى يوم القيامة، وأجلهم حلمًا وثقة بقدرته عليهم؛ [فإنه الذي] [¬٥] لا يعجل على من عصاه، بل كما جاء في الصحيحين (^١٣٧): \" [إن الله] [¬٦] ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته\". ثم قرأ رسول الله ﷺ ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ\n_________\n(^١٣٥) - أخرجه الطبري (١٦/ ٨٦).\n(^١٣٦) - أخرجه ابن أبي حاتم كما في الدر المنثور (٤/ ٤٨٨، ٤٨٩) بنحوه.\n(^١٣٧) - أخرجه البخاري في كتاب: التفسير، باب: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ حديث (٤٦٨٦) (٨/ ٣٥٤). ومسلم في كتاب: البر والصلة والآداب، باب =\n_________\n[¬١]- في خ: \"إليه\"\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- في خ: \"فإنه\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين في خ: \"فإن الله\".\n[¬٦]- في ز: \"إنه\"، خ: \"فإنه\".","vol":"9","page":246},{"text":"شَدِيدٌ﴾. وفي الصحيحين (^١٣٨) أيضًا عن رسول الله ﷺ أنَّه قال: \"لا أحد أصبر على أذى سمعه من الله، إنهم يجعلون له ولدًا وهو يرزقهم ويعافيهم\".\nوقد قال الله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ وقال تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾ ولهذا قال هاهنا: ﴿فَوَيلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ أي: يوم القيامة.\nوقد جاء في الحديث الصحيح المتفق على صحته (^١٣٩)، عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"من شهد ألا إله إلَّا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله [¬١] وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وأن الجنة حق، والنار حق، أدخله الله الجنَّة على ما كان من العمل\".\n﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٣٨) وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٣٩) إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيهَا وَإِلَينَا يُرْجَعُونَ (٤٠)﴾\nيقول تعالى مخبرًا عن الكفار [يوم القيامة] [¬٢]: إنهم يكونون [¬٣] أسمَع شيء وأبصره، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾، أي: يقولون ذلك حين لا ينفعهم ولا يجدي عنهم شيئًا، ولو كان هذا قبل معاينة العذاب، لكان نافعًا لهم ومنقذًا من عذاب الله، ولهذا\n_________\n=: تحريم الظلم، حديث (٦١/ ٢٥٨٣) (١٦/ ٢٠٥، ٢٠٦).\n(^١٣٨) - أخرجه البخاري في كتاب الأدب، كتاب: الصبر على الأذى، حديث (٦٠٩٩) وطرفه في (٧٣٧٨). ومسلم في كتاب: صفات المنافقين، باب: لا أحد أصبر على أذى من الله ﷿، حديث (٤٩، ٥٠/ ٢٨٠٤).\n(^١٣٩) - أخرجه البخاري في كتاب أحاديث الأنبياء، كتاب: قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ﴾ إلى قوله: ﴿يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾، حديث (٣٤٣٥) (٦/ ٤٧٤). ومسلم في كتاب: الإيمان، باب: الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنَّة قطعًا، حديث (٤٦/ ٢٨) (١/ ٣١٠، ٣١١).\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- سقط من: ز.","vol":"9","page":247},{"text":"قال: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾ أي: ما أسمعهم وأبصرهم ﴿يَوْمَ يَأْتُونَنَا﴾ يعني: يوم القيامة ﴿لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ﴾ أي: في الدنيا ﴿فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ أي: لا يسمعون ولا يبصرون ولا يعقلون، فحيث يطلب منهم الهدى لا يهتدون، ويكونون مطعين حيث لا ينفعهم ذلك.\nثم قال تعالى: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ﴾ أي: أنذر الخلائق يوم الحسرة ﴿إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ﴾ أي: فصل بين أهل الجنَّة وأهل النار، ودخل كل إلى ما صار إليه مخلدًا فيه ﴿وَهُمْ﴾ أي: اليوم ﴿فِي غَفْلَةٍ﴾ عما أنذروا به [يوم الحسرة والندامة] [¬١] ﴿وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ أي: لا يصدقون له.\nقال الإِمام أحمد (١٤٠): حدَّثنا محمد بن عبيد، حدَّثنا الأعمَش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله، ﷺ: \"إذا دخل أهل الجنَّة الجنَّة وأهل النار النار، يجاء بالموت كأنه كبش أملح، فيوقف بين الجنَّة والنار، فيقال يا أهل الجنَّة، هل تعرفون هذا؟ قال: فيشرئبون فينظرون [¬٢] ويقولون: نعم، هذا الموت. قال: فيقال: يا أهل النار، هل تعرفون هذا؟ قال: فيشرئبون فينظرون [¬٣] ويقولون: نعم، هذا الموت. قال: فيؤمر [¬٤] به فيذبح، يل: يهقال: يا أهل الجنَّة خلود ولا موت، ويا أهل النار خلود ولا موت\". قال: ثم قرأ رسول الله، ﷺ: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ﴾ وأشار بيده. قال: \"أهل الدنيا في غفلة الدنيا\".\nهكذا رواه الإِمام أحمد، وقد أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث الأعمش به، ولفظهما قريب من ذلك. وقد روى هذا الحديث الحسن [¬٥] بن عرفة، حدثني أسباط بن محمد، عن الأعمَش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة (^١٤١) مرفوعًا مثله، وفي\n_________\n= (١٤٠) - أخرجه أحمد (٣/ ٩). وأخرجه البخاري في كتاب: التفسير، كتاب: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ﴾ حديث (٤٧٣٠) (٨/ ٤٢٨). ومسلم في كتاب الجنَّة وصفة نعيمها وأهلها، باب: النار يدخلها الجبارون، والجنة يدخلها الضعفاء حديث (٤٠، ٤١/ ٢٨٤٩).\n(^١٤١) - أخرجه الطَّبري (١٦/ ٨٨) من طريق عبيد بن أسباط بن محمد قال: ثنا أبي. مثل طريق ابن كثير وإسناده صحيح. وقد أخرجه البخاري في كتاب: الرِّقاق، كتاب: يدخل الجنَّة سبعون ألفًا بغير حساب، حديث (٦٥٤٥) (١١/ ٤٠٦) مختصرًا من طريق أبي الزناد عن أبي صالح عن أبي هريرة، به.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- سقط من: خ.\n[¬٤]- في ز، خ: \"فيؤتى\".\n[¬٥]- في ز: \"المسد\".","vol":"9","page":248},{"text":"سنن ابن ماجة وغيره، من حديث محمد بن عمرو عن أبي سلمة، عن أبي هريرة (^١٤٢) بنحوه. وهو في الصحيحين (^١٤٣) عن ابن عمر. ورواه ابن جريج قال: قال ابن عبَّاس (^١٤٤): فذكر من قبله نحوه، ورواه أيضًا عن أبيه أنَّه سمع عبيد بن عمير (^١٤٥) يقول في قصصه: يؤتى بالموت كأنه دابة، فيذبح ليالناس ينظرون. وقال سفيان الثَّوري عن سلمة بن كهيل، حدَّثنا أَبو الزعراء [¬١]، عن عبد الله -هو ابن مسعود (^١٤٦) - في قصة ذكرها. قال: فليس نفس إلا وهي تنظر إلى بيت في الجنة وبيت في النار، وهو هم الحسرة، [فيرى أهل النار البيت الذي كان قد أعده الله لهم لو آمنوا فيقال لهم: لو آمنتم وعملتم صالحا كان لكم هذا الذي ترونه في الجنَّة. فتأخذهم الحسرة] [¬٢]. قال: ويرى أهل الجنة البيت الذي في النار، فيقال: لولا أن من الله عليكم.\nوقال السدي عن زياد، عن زر بن حبيش، عن ابن مسعود في قوله: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ﴾ قال: إذا دخل أهل الجنَّة الجنَّة، وأهل النار النار، أتي بالموت في صورة كبش أملح، حتَّى يوقف بين الجنَّة والنار، ثم ينادي مناد يا أهل الجنَّة، هذا الموت الذي كان يميت الناس في الدنيا، فلا يبقى أحد في أهل عليين، ولا في أسفل درجة من الجنَّة إلا نظر إليه، ثم ينادى: يا أهل النار، هذا الموت الذي كان يميت الناس في الدنيا، فلا يبقى أحد في ضحضاح من نار، ولا في أسفل درك من جهنم إلا نظر إليه، ثم يذبح بين الجنَّة والنار، ثم ينادى [] [¬٣]: يا أهل الجنَّة هو الخلود أبد الآبدين، [ويا أهل النار هو الخلود أبد الآبدين] [¬٤]. فيفرح أهل الجنَّة فرحة لو كان أحد ميتًا من فرح لماتوا [¬٥]، ويشهق\n_________\n(^١٤٢) - أخرجه ابن ماجة في كتاب الزهد، كتاب: صفة النار، حديث (٤٣٢٧) (٢/ ١٤٤٧). قال البوصيري في الزوائد: إسناده صحيح، رجاله ثقات، وقد أخرج البخاري بعضه من هذا الوجه وله شاهد وله شاهد في الصحيحين من حديث أبي سعيد. والحديث عند البخاري مختصرًا من حديث أبي هريرة برقم (٦٥٤٥).\n(^١٤٣) أخرجه البخاري في كتاب: الرقاق، باب: يدخل الجنَّة سبعون ألفًا بغير حساب، حديث (٦٥٤٤) (١١/ ٤٠٦). ومسلم في كتاب الجنَّة وصفة نعيمها وأهلها، باب: النا يدخلها الجبارون والجنة يدخلها الضعفاء، حديث (٤٢/ ٢٨٥٠) بلفظ: \"يدخل أهل الجنَّة الجنَّة وأهل النار النار، ثم يوم مؤذن منهم فيقول: يا أهل الجنة لا موت، ويا أهل النار لا موت كل خالد بما هو فيه\".\n(^١٤٤) - أخرجه الطبري (١٦/ ٨٨).\n(^١٤٥) - أخرجه الطبري (١٦/ ٨٨).\n(^١٤٦) - أخرجه الطبري (١٦/ ٨٨).\n_________\n[¬١]- في ز: \"المرعراء\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في خ: \"منادي\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٥]- في ز. خ: \"ماتوا\".","vol":"9","page":249},{"text":"أهل النار شهقة لو كان أحد ميتًا من شهقة لماتوا [¬١]. فذلك قوله: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ﴾ يقول: إذا ذبح الموت رواه ابن أَبي حاتم (^١٤٧) في تفسيره، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عبَّاس (^١٤٨) في قوله: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ﴾ من أسماء يوم القيامة، عظمه الله وحذره عباده.\nوقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم (^١٤٩) في قوله: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ﴾ قال: يوم القيامة، وقرأ: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ وقوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيهَا وَإِلَينَا يُرْجَعُونَ﴾ يخبر تعالى أنَّه الخالق المالك المتصرف، وأن الخلق كلهم يهلكون، ويبقى هو تعالى وتقدس، ولا أحد يدعي ملكًا ولا تصرفًا، بل هو الوارث لجميع خلقه، الباقي بعدهم، الحاكم فيهم، فلا تظلم نفس شيئًا، ولا جناح بعوضة، ولا مثقال ذرة.\nقال ابن أبي حاتم (^١٥٠): ذكر هدبة بن خالد القيسي، حدَّثنا حزم بن أبي حزم القطعي [¬٢]، قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى عبد الحميد بن عبد الرحمن صاحب الكوفة: أما بعد، فإن الله كتب على خلقه حين [¬٣] خلقهم الموت، فجعل مصيرهم إليه، وقال فيما أنزل من كتابه الصادق الذي حفظه بعلمه، وأشهد ملائكته على خلقه إنه يرث الأرض ومن عليها وإليه يرجعون.\n﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (٤١) إِذْ قَال لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيئًا (٤٢) يَاأَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَويًّا (٤٣) يَاأَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيطَانَ إِنَّ الشَّيطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا (٤٤)﴾\nيقول تعالى لنبيه محمد ﷺ ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ﴾ واتله على\n_________\n(^١٤٧) - أخرجه ابن أبي حاتم وابن مردويه كما في الدر المنثور (٤/ ٤٩٠).\n(^١٤٨) - أخرجه الطبري (١٦/ ٨٨).\n(^١٤٩) - أخرجه الطبري (١٦/ ٨٨).\n(^١٥٠) - أخرجه ابن أبي حاتم كما في الدر النثور (٤/ ٤٩٠).\n_________\n[¬١]- في ز: \"ماتوا\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"البطعي\".\n[¬٣]- في خ: \"يوم\".","vol":"9","page":250},{"text":"قومك هؤلاء الذين يعبدون الأصنام، واذكر لهم ما كان من خبر إبراهيم خليل الرحمن - الذين هم من ذريته، ويدعون أنَّهم على ملته، وقد [¬١] كان صديقًا نبيًّا - مع أبيه، كيف نهاه عن عبادة الأصنام، فقال: ﴿يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيئًا﴾ أي: لا ينفعك ولا يدفع عنك ضررًا.\n﴿يَاأَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي﴾ يقول: وإن [¬٢] كنت من صلبك، وتراني [¬٣] أصغر منك؛ لأني ولدك، فاعلم أني قد اطلعت من العلم من الله على ما لم تعلمه أنت، ولا اطلعت عليه، ولا جائك بعد ﴿فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَويًّا﴾ أي: طريقًا مستقيمًا موصلًا إلى نيل المطوب، والنجاة من المرهوب.\n﴿يَاأَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيطَانَ﴾ أي: لا تطعه [¬٤] في عبادتك هذه الأصنام، فإنه هو الداعي إلى ذلك، والراضي به، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾.\nوقال: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إلا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إلا شَيطَانًا مَرِيدًا﴾.\nوقوله: ﴿إِنَّ الشَّيطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا﴾ أي: مخالفًا مستكبرًا [¬٥] عن طاعة ربه، فطرده وأبعده، فلا تتبعه تَصِر مثله.\n﴿يَاأَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ﴾ أي: على شركك وعصيانك لما أمرك به ﴿فَتَكُونَ لِلشَّيطَانِ وَلِيًّا﴾: يعني: فلا يكون لك مولى ولا ناصرًا ولا مغيثًا إلَّا إبليس، وليس إليه ولا إلى غيره من الأمر شيء، بل اتباعك له موجب لإِحاطة العذاب بك، كما قال تعالى: ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيطَانُ أَعْمَالهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.\n﴿يَاأَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيطَانِ وَلِيًّا (٤٥) قَال أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَاإِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا (٤٦) قَال سَلَامٌ عَلَيكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا (٤٧)﴾\nيقول تعالى مخبرًا عن جواب أبي إبراهيم [لولده إبراهيم] [¬٦] فيما دعاه إليه أنَّه قال:\n_________\n[¬١]- في ز: \"هو\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"فإن\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"ترى أنى\".\n[¬٤]- في ز: \"تطعه\".\n[¬٥]- في خ: \"متكبرًا\".\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"9","page":251},{"text":"﴿قَال أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَاإِبْرَاهِيمُ﴾ يعني: [ن كنت لا] [¬١] تريد عبادتها ولا ترضاها، فانته عن سبها وشتمها وعيبها، فإنك إن لم تنته عن ذلك اقتصصت منك وشتمتك وسببتك، وهو قوله: ﴿لَأَرْجُمَنَّكَ﴾ قاله ابن عبَّاس، والسدي، وابن جريج، والضحاك (^١٥١) وغيرهم وقوله: ﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ (^١٥٢)، وعكرمة، وسعيد بن جبير (^١٥٣)، ومحمد بن إسحاق (^١٥٤): يعني دهرًا [¬٢].\nوقال الحسن البصري (^١٥٥): زمانا طويلًا، وقال السدي (^١٥٦): ﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ قال: أبدًا.\nوقال عليّ بن أبي طلحة والعوفي، عن ابن عبَّاس (^١٥٧) ﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ قال: سويًّا سالمًا، قبل أن تصيبك [¬٣] مني عقوبة. وكذا قال الضحاك، وقَتَادة، وعطية الجدلي (^١٥٨)، وأَبو [¬٤] مالك، وغيرهم واختاره ابن جرير. فعندها قال إبراهيم لأبيه: ﴿سَلَامٌ عَلَيكَ﴾ كما قال تعالى في صفة المؤمنين [] [¬٥]: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ وقال تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ ومعنى قول إبراهيم لأبيه: ﴿سَلَامٌ عَلَيكَ﴾ يعني: اما أنا فلا ينالك مني مكروه، ولا أذى، وذلك لحرمة الأَبوة ﴿سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي﴾، أي: ولكن سأسأل الله تعالى فيك [¬٦] أن يهديك ويغفر ذنبك ﴿إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾ قال [¬٧] ابن عبَّاس (^١٥٩) وغيره (^١٦٠): لطفًا. أي: في أن هداني لعبادته والإِخلاص له.\n_________\n(^١٥١) - أخرجه عنهم الطبري (١٦/ ٩١).\n(^١٥٢) - أخرجه الطبري (١٦/ ٩١).\n(^١٥٣) - أخرجه الطبري (١٦/ ٩١).\n(^١٥٤) - أخرجه الطبري (١٦/ ٩١).\n(^١٥٥) - أخرجه الطبري (١٦/ ٩١).\n(^١٥٦) - أخرجه الطبري (١٦/ ٩١).\n(^١٥٧) - أخرجه الطبري (١٦/ ٩١) من طريق علي أبي طلحة. وأخرجه (١٦/ ٩٢) من طريق العوفي.\n(^١٥٨) - أخرجه عنهم الطبري (١٦/ ٩٢).\n(^١٥٩) - أخرجه الطبري (١٦/ ٩٢)، وذكره السيوطي في الدر المنثور (٤/ ٤٩١) وعزاه إلى ابن المندر، وابن أبي حاتم.\n(^١٦٠) - أخرجه الطبري (١٦/ ٩٢) من طريق عبد الرحمن بن زيد نحوه.\n_________\n[¬١]- في ز: \"أما\"، خ: \"إما\".\n[¬٢]- في ز: \"زهدًا\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"يصيبك\".\n[¬٤]- سقط من: ز.\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"وقال\".\n[¬٦]- في ز: \"قبل\".\n[¬٧]- في خ: \"وقال\".","vol":"9","page":252},{"text":"وقال قَتَادة ومجاهد (^١٦١) وغيرهما ﴿إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾ قال: عوَّده [¬١] الإجابة.\nوقال السدي (الحفي) الذي يهتم بأمره.\nوقد استغفر إبراهيم ﷺ لأبيه مدة طويلة، وبعد أن هاجر إلى الشام وبنى المسجد الحرام، وبعد أن ولد له إسماعيل وإسحاق ﵉ في قوله: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾ وقد استغفر المسلمون لقراباتهم [¬٢] وأهلهم من المشركين في ابتداء الإسلام، وذلك اقتداء بإبراهيم الخليل في ذلك، حتَّى أنزل الله تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَينَنَا وَبَينَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إلا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيءٍ﴾ الآية. يعني: إلا في هذا القول فلا تتأسوا به، ثم بين تعالى أن إبراهيم أقلع عن ذلك ورجع عنه، فقال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١١٣) وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إلا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ وقوله: ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي﴾ أي: أجتنبكم وأتبرأ منكم، ومن آلهتكم التي تعبدونها [من دون الله] [¬٣] ﴿وَأَدْعُو رَبِّي﴾ أي: وأعبد ربي وحده لا شريك له ﴿عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا﴾ وعسى هذه موجبة لا محالة، فإنه ﵇ سيد الأنبياء بعد محمد ﷺ.\n﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا (٤٨) فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا (٤٩)﴾\nيقول تعالى: [فلما اعتزل] [¬٤] الخليل أباه وقومه في الله، أبدله الله من هو خير منهم، وَهْب له إسحاق ويعقوب، يعني ابنه وابن إسحاق، كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً﴾ وقال: ﴿وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ ولا [¬٥] خلاف أن إسحاق والد\n_________\n(^١٦١) - ذكره السيوطي في الدر المنثور (٤/ ٤٩١)، وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن أبي حاتم.\n_________\n[¬١]- في ز: \"وعوَّده\".\n[¬٢]- غير واضحة في (ز)، خ: \"لآبائهم و\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٤]- في ز: \"ولما اعتزلهم\".\n[¬٥]- في خ: \"وقال ولا\".","vol":"9","page":253},{"text":"يعقوب، وهو نص القرآن في سورة البقرة: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَال لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ ولهذا إنما ذكر هاهنا إسحاق ويعقوب، أي [¬١] جعلنا له نسلًا وعقبًا أنبياء، أقر الله بهم عينه في حياته، ولهذا قال: ﴿وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا﴾ فلو لم يكن يعقوب قد [¬٢] نبئ في حياة إبراهيم، لما اقتصر عليه، ولذكر [¬٣] ولده يوسف، فإنه نبي أيضًا، كما قال رسول الله ﷺ في الحديث المتفق على صحته (^١٦٢)، حين سئل عن خير الناس، فقال: \"يوسف نبي الله، ابن يعقوب نبي الله، ابن إسحاق نبي الله، ابن إبراهيم خليل الله\" وفي [¬٤] اللفظ الآخر: \"إن الكريم ابنَ الكريم ابنِ الكريم ابنِ الكريم: يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم\" (^١٦٣) وقوله: (﴿وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾ قال عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبَّاس (^١٦٤): يعني الثناء الحسن. وكذا قال السدي ومالك بن أَنس.\nوقال ابن جرير (^١٦٥): إنما قال: ﴿عَلِيًّا﴾ لأن جميع الملل والأديان يثنون عليهم ويمدحونهم صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.\n﴿وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا (٥٠) وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (٥١) وَنَادَينَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا (٥٢) وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا (٥٣)﴾\n_________\n(^١٦٢) - أخرجه البخاري في كتاب: \"أحاديث الأنبياء\" باب: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ﴾ إلى قوله: ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾، حديث (٣٣٧٤)، (٣٣٨٣) (٤/ ٤١٦ - ٤١٧). وفي كتاب التفسير، باب: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ﴾، حديث (٤٦٨٩) (٨/ ٣٦٢).\nومسلم في كتاب الفضائل، كتاب: فضائل يوسف ﵇، حديث (١٦٨/ ٢٣٧٨) (١٥/ ١٩٤) بنحوه.\n(^١٦٣) - أخرجه الترمذي في كتاب: تفسير القرآن، كتاب: ومن سورة يوسف، حديث (٣١١٦) (٥/ ٢٧٣، ٢٧٤)، وقال: حديث حسن.\n(^١٦٤) - أخرجه الطبري (١٦/ ٩٣).\n(^١٦٥) - ينظر الطبري (١٦/ ٩٣).\n_________\n[¬١]- في ت: \"أن\".\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- في ز، خ: \"ذكر\".\n[¬٤]- في خ: \"ومن\".","vol":"9","page":254},{"text":"لما ذكر تعالى إبراهيم الخليل وأثنى عليه، عطف بذكر الكليم، فقال: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا﴾ قرأ بعضهم (*): بكسر اللام من الإِخلاص في العبادة.\nقال الثَّوري عن عبد العزيز بن رفيع، عن أبي لبابة [¬١] قال: قال الحواريون: يا روح الله، أخبرنا عن المخلص لله. قال: الذي يعمل لله، لا، يحب أن يحمده الناس.\nوقرأ الآخرون بفتحها بمعنى أنَّه كان مصطفى، كما قال تعالى: ﴿إِنِّي اصْطَفَيتُكَ عَلَى النَّاسِ﴾.\n﴿وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا﴾ جمع الله [¬٢] له بين الوصفين، فإنه كان من المرسلين الكبار أولي العزم الخمسة، وهم: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلوات الله وسلامه عليهم وعلى سائر الأنبياء [¬٣] أجمعين.\nوقوله: ﴿وَنَادَينَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ﴾ أي: الجبل ﴿الْأَيمَنِ﴾ أي: من جانبه الأيمن من موسى، حين ذهب [¬٤] يبتغي من تلك [¬٥] النار جذوة، رآها تلوح فقصدها، فوجدها في جانب الطور الأيمن منه، عند شاطئ الوادي، فكلمه الله تعالى، ناداه وقربه وناجاه.\nقال ابن جرير (^١٦٦): حدَّثنا ابن بشار [¬٦]، حدَّثنا يحيى -هو القطان-، حدَّثنا سفيان، عن عطاء بن السائب [¬٧] عن سعيد بن جبير عن ابن عبَّاس: ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾، قال [¬٨] أدنى حتَّى سمع صرف القلم.\nوهكذا قال مجاهد (^١٦٧) وأَبو العالية (^١٦٨).\n_________\n(^١٦٦) - أخرجه الطبري (١٦/ ٩٨).\n(^١٦٧) - أخرجه الطبري (١٦/ ٩٥)، وذكره السيوطي في الدر المنثور (٤/ ٤٩٢) إلى ابن أبي حاتم وأبي الشيخ في العظمة والبيهقي في الأسماء والصفات بنحوه.\n(^١٦٨) - أخرجه الطبري (١٦/ ٩٥)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور (٤/ ٤٩٢) إلى عبد بن حميد.\n_________\n(*) كسر اللام في (مخلِصًا) قراءة ابن كثير، ونافع، وأبي عمرو، والنبي عامر، والمفضل عن عاصم. وقراءة الفتح لحمزة، والكسائي.\n[¬١]- في ز: \"ثمامة\"، خ: \"تمامة\".\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- في ز: \"أنبياء الله\".\n[¬٤]- سقط من: خ.\n[¬٥]- في ز: \"ذلك\".\n[¬٦]- في خ: \"يسار\".\n[¬٧]- في ز، خ: \"يسار\".\n[¬٨]- سقط من: ز.","vol":"9","page":255},{"text":"وغيرهم (^١٦٩). يعنون صريف القلم بكتابة التوراة.\nوقال السدي (^١٧٠): ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ قال: أدخل في السماء فكلم. وعن مجاهد (^١٧١) نحوه.\nو[¬١] قال عبد الرزاق عن معمر عن قَتَادة (^١٧٢): ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ [¬٢]: نجا بصدقه.\nوقال ابن أبي حاتم (^١٧٣): حدَّثنا عبد الجبار بن عاصم، حدَّثنا محمد بن سلمة الحراني، عن أبي الواصل، عن شهر بن حوشب، عن عمرو بن [معد يكرب] [¬٣] قال: لما قرَّب الله موسى نجيًّا بطور سيناء، قال: يا موسى، إذا خلقت لك قلبًا شاكرًا، ولسانا ذاكرًا، وزوجة تعين على الخير، فلم أخزن [¬٤] عنك من الخير شيئًا، ومن أخزن [¬٥] عنه هذا فلم أفتح له من الخير شيئًا.\nوقوله: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا﴾ أي: وأجبنا سؤاله وشفاعته في [¬٦] أخيه، فجعلناه نبيًّا، كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾ [] [¬٧]، وقال [¬٨]: ﴿قَال قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَامُوسَى﴾ وقال: ﴿فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ (١٣) وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ﴾؛ ولهذا قال بعض السلف: ما شفع أحد في أحد شفاعة في الدنيا، أعظم من شفاعة موسى في\n_________\n(^١٦٩) - انظر تفسير الطبري: (١٦/ ٩٥).\n(^١٧٠) - أخرجه ابن أبي حاتم كما في الدر المنثور (٤/ ٤٩٢).\n(^١٧١) - أخرجه الطبري (٩٥/ ١٦) بلفظ: \"بين السماء السابعة والعرش سبعون ألف حجاب، حجاب نور وحجاب ظلمة، وحجاب نور وحجاب ظلمة، وحجاب نور وحجاب ظلمة، وحجاب نور وحجاب ظلمة، فما زال موسى يقرب حتَّى كان بينه وبيننه حجاب، فلما رأى مكانه وسمع صريف القلم قال: رب أرني أنظر إليك\".\nوالأثر عزاه السيوطي (٤/ ٤٩٢) إلى ابن أبي حاتم، وأبي الشيخ في العظمة، والبيهقي في الأسماء والصفات.\n(^١٧٢) - أخرجه الطبري (١١/ ٩٥) وعزاه السيوطي في الدر المنثور (٤/ ٤٩٢) إلى عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^١٧٣) - أخرج ابن أبي حاتم كما في الدر المنثور (٤/ ٤٩٢).\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في خ: \"قال\".\n[¬٣]- في خ: \"معدى كرب\".\n[¬٤]- في ز: \"أحزن\".\n[¬٥]- في ز: \"أحزن\".\n[¬٦]- في ز، خ: \"إلى\".\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين في خ: \"إلى أن\".\n[¬٨]- سقط من: خ.","vol":"9","page":256},{"text":"هارون أن يكون نبيًّا، قال الله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا﴾.\nقال ابن جرير (^١٧٤): حدثنا يعقوب، حدثنا ابن علية، عن داود،. عن عكرمة قال: قال ابن عباس قوله: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا﴾ قال: كان هارون أكبرَ من موسى ولكن أراد وهب له نبوته.\nوقد ذكره ابن أبي حاتم (^١٧٥) معلقًا عن يعقوب، وهو ابن إبراهيم الدورقي به.\n﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (٥٤) وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا (٥٥)﴾\nهذا ثناء من الله تعالى على إسماعيل بن إبراهيم الخليل ﵉ وهو والد عرب الحجاز كلهم، بأنه ﴿كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ﴾.\nقال ابن جريج (^١٧٦): لم يعد ربه عدة إلا أنجزها. يعني: ما التزم عبادة قط بنذر إلا قام بها ووفاها حقها.\nوقال ابن جرير (^١٧٧): حدثني يونس، أنبأنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، أن سهل بن عقيل حدثه أن إسماعيل النبي ﵇ وعد رجلا مكانًا أن يأتيه، فجاء ونسي الرجل، فظل به إسماعيل، وبات حتى جاء الرجل من الغد، فقال: ما برحت من هاهنا؟ قال: لا. قال: إني نسيت. قال: لم أكن لأبرح حتى تأتيني. فلذلك: ﴿كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ﴾.\nوقال سفيان الثوري: بلغني أنه أقام في ذلك المكان ينتظره حولًا حتى جاءه.\nوقال [ابن شوذب]: بلغني أنه اتخذ ذلك الموضع سكنًا.\nوقد روى أبو داود (^١٧٨) في سننه، وأبو بكر محمد بن جعفر الخرائطي في كتابه \"مكارم\n_________\n(^١٧٤) - أخرجه الطبري (١٦/ ٩٥).\n(^١٧٥) - ذكره السيوطي في الدر المنثور (٤/ ٤٩٢) - وعزاه إلى ابن أبي حاتم عن ابن عباس.\n(^١٧٦) - أخرجه الطبري (١٦/ ٩٥)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور (٤/ ٤٩٢) إلى ابن المنذر.\n(^١٧٧) - أخرجه الطبري (١٦/ ٩٥).\n(^١٧٨) - أخرجه أبو داود في كتاب الأدب، كتاب: في العِدَةِ، حديث (٤٩٩٦) (٤/ ٢٩٩). أخرجه الخرائطي في مكارم الأخلاق (٣٢). وضعفه الألباني في ضعيف أبي داود برقم (١٠٦٢).","vol":"9","page":257},{"text":"الأخلاق\" من طريق إبراهيم بن طهمان عن [بديل بن ميسرة] [¬١]، [] [¬٢] عن عبد الكريم -يعني: ابن عبد الله بن شقيق- عن أبيه، عن عبد الله بن أبي الحمساء قال: \"بايعت رسول الله، ﷺ، قبل أن يبعث، فبقيت له عليَّ بقية، فوعدته [¬٣] أن آتيه بها في مكانه ذلك، قال: فنسيت [¬٤] يومي والغد، فأتيته في اليوم الثالث وهو في مكانه ذلك، فقال لي: \"يا فتى، لقد شققت عليَّ، أنا هاهنا منذ ثلاث أنتظرك\". لفظ الخرائطي، وساق آثارًا [¬٥] حسنة في ذلك.\nورواه ابن منده أبو عبد الله في كتاب \"معرفة الصحابة\" بإسناده: عن إبراهيم بن طهمان، عن بديل بن ميسرة، عن عبد الكريم به [¬٦].\nوقال بعضهم: إنما قيل له: ﴿صَادِقَ الْوَعْدِ﴾ لأنه قال لأبيه: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ فصدق في ذلك.\nفصدقُ الوعدِ من الصفات الحميدة [¬٧]، كما أن خُلْفَه من الصفات الذميمة، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ وقال رسول الله ﷺ: \"آية المنافق ثلاث، إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان\" (^١٧٩).\nولما كانت هذه صفات المنافقين، كان التلبس بضدها من صفات المؤمنين، ولهذا أثنى الله على عبده ورسوله إسماعيل بصدق الوعد، وكذلك كان رسول الله، ﷺ، صادق الوعد أيضًا، لا يعد أحدًا شيئًا إلا وفَّى له به، وقد أثنى على أبي [¬٨] العاص بن الربيع زوج ابنته زينب [¬٩] فقال: \"حدثني فصدقني، ووعدني فوفى لي (^١٨٠) \" ولما\n_________\n(^١٧٩) - أخرجه البخاري في كتاب: الإيمان، كتاب: علامة المنافق، حديث (٣٣) (١/ ٨٩)، وأطرافه في (٢٦٨٢ - ٢٧٤٩ - ٦٠٩٥).\nومسلم في كتاب: الإيمان، باب: بيان خصال المنافق، حديث (١٠٧/ ٥٩) (٢/ ٦٢).\n(^١٨٠) - أخرجه البخاري في كتاب: فرض الخمس، باب: ما ذكر في درع النبي ﷺ - وعصاه وسيفه وقدحه وخاتمه، وما استعمل الخلفاء بعده من ذلك مما لم يذكر قسمته، حديث (٣١١٠) (٦/ ٢١٢، ٢١٣)، وفي كتاب فضائل الصحاية، باب: ذكر أصهار النبي ﷺ =\n_________\n[¬١]- في خ: \"عبد الله بن مرة\".\n[¬٢]- في ز: \"عن عبد الله بن مرة\".\n[¬٣]- في ز: \"فوعدنيه\".\n[¬٤]- في ز، خ: \"نسيت\".\n[¬٥]- في ز: \"إنما رأى\".\n[¬٦]- سقط من: ز، خ.\n[¬٧]- في ز: \"الجميلة\".\n[¬٨]- سقط من: ز.\n[¬٩] في ز، خ: \"في بيت\".","vol":"9","page":258},{"text":"توفي النبي، ﷺ، قال الخليفة أبو بكر الصديق: من كان له عند رسول الله ﷺ عِدَة أو دَيْن فليأتني أنجز له. فجاءه جابر بن عبد الله فقال: إن رسول الله ﷺ كان قال: \"لو جاء مال البحرين أعطيتك هكذا وهكذا وهكذا\". يعني [¬١]: ملء كفيه، فلما جاء مال البحرين أمر الصديق جابرًا، فغرف بيديه من المال، ثم أمره بِعَدِّهِ، فإذا هو خمسمائة درهم، فأعطاه مثليها معها (^١٨١).\nوقوله: ﴿وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا﴾ في هذا دلالة على شرف إسماعيل على أخيه إسحاق؛ لأنه إنما وصف بالنبوّة فقط، وإسماعيل وصف بالنبوّة والرسالة، وقد ثبت في صحيح مسلم (^١٨٢) أن رسول الله ﷺ قال: \"إن الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل … \" وذكر تمام الحديث فدل على صحة ما قلناه.\nوقوله: ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾ هذا أيضًا من الثناء الجميل، والصفة الحميدة، والخلة السديدة، حيث كان مثابرًا على طاعة ربه ﷿ آمرًا بها لأهله، كما قال تعالى لرسوله: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ أي: مروهم بالمعروف، وانهوهم عن المنكر، ولا تدعوهم هملًا؛ فتأكلهم النار يوم القيامة.\nوقد جاء في الحديث عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"رحم الله رجلًا قام من الليل فصلّى، وأيقظ امرأته، فإن أبت نضح في وجهها الماء. رحم الله\n_________\n= منهم العاص بن الربيع، حديث (٣٧٢٩) (٧/ ٨٥).\nومسلم في فضائل الصحابة، كتاب: فضائل فاطمة بنت النبي ﵊ حديث (٩٥، ٩٦/ ٢٤٤٩) (١٦/ ٥، ٦).\nوالحديث فيه قصة خطبة علي ﵁ ابنة أبي جهل على فاطمة.\n(^١٨١) - أخرجه البخاري في كتاب: الكفالة، باب: من تكفل عن ميت دينًا فليس له أن يرجع، حديث (٢٢٩٦) (٤/ ٤٧٤)، وأطرافه في (٢٥٩٨ - ٢٦٨٣ - ٣١٣٧ - ٣١٦٤ - ٤٣٨٣).\nومسلم في كتاب: الفضائل، باب: ما سئل رسول الله ﷺ شيئًا قط فقال: لا وكثرة عطائه، حديث (٦٠، ٦١/ ٢٣١٤) (١٥/ ١٠٦، ١٠٧).\n(^١٨٢) - لم أجده في مسلم لهذا اللفظ، والذي رواه مسلم في كتاب: الفضائل، باب: فضل نسب النبي ﷺ وتسليم الحجر عليه قبل النبوة، حديث (٢٢٧٦) (١٥/ ٥٢) من حديث واثلة =\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.","vol":"9","page":259},{"text":"امرأة قامت من الليل فصلت، وأيقظت زوجها، فإن أبى [نضحت في وجهه الماء] [¬١] \".\nأخرجه أبو داود (^١٨٣) وابن ماجة.\nوعن أبي سعيد وأبي هريرة ﵄ عن النبي ﷺ قال: \"إذا استيقظ الرجل من الليل وأيقظ امرأته، فصليا ركعتين، كتبا من الذاكرين الله كثيرًا والذاكرات\". رواه أبو داود (^١٨٤)، والنسائي (^١٨٥)، وابن ماجة (^١٨٦) واللفظ له.\n﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (٥٦) وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا (٥٧)﴾.\nوهذا ذكر إدريس ﵇ بالثناء عليه، بأنه كان صديقًا نبيًّا، وأن الله رفعه مكانًا علما، وقد تقدم في الصحيح (^١٨٧): أن رسول الله ﷺ مر به في ليلة الإسراء، وهو في السماء الرابعة.\nوقد روى ابن جرير (^١٨٨) هاهنا أثرًا غربيًا عجيبًا، فقال [¬٢]: حدثني يونس بن عبد الأعلى، أنبأنا ابن وهب، أخبرني جرير بن حازم، عن سليمان الأعمش، عن شمر بن عطية، عن هلال بن يَسَاف، قال: سأل ابن عباس كعبًا -وأنا حاضر- فقال له: ما\n_________\n= ابن الأسقع يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشًا من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم\".\n(^١٨٣) - أخرجه أبو داود في كتاب الصلاة، باب: قيام الليل، حديث (١٣٠٨) (٢/ ٣٣). وفي باب الحث على قيام الليل، حديث (١٤٥٠) (٢/ ٧٠). وأخرجه ابن ماجة في كتاب: إقامة الصلاة والسنة فيها، باب: ما جاء فيمن أيقظ أهله من الليل، حديث (١٣٣٦) (١/ ٤٢٤). وقال الألباني في صحيح أبي داود (١١٥٨ - ١٢٨٧)، وصحيح ابن ماجة (١٠٩٩): حسن صحيح.\n(^١٨٤) - أخرجه أبو داود في كتاب: الصلاة، باب: قيام الليل، حديث (١٣٠٨) (٢/ ٣٣).\nوقال الألباني في صحيح أبي داود (١١٥٨): حسن صحيح.\n(^١٨٥) - أخرجه النسائي في الكبرى في كتاب: قيام الليل، باب: ثواب من استيقظ وأيقظ امرأته فصليا، حديث (١٣١) (١/ ٤١٣).\n(^١٨٦) - أخرجه ابن ماجة في كتاب: إقامة الصلاة والسنة فيها، باب: ما جاء فيمن أيقظ أهله من الليل، حديث (١٣٣٥) (١/ ٤٢٤).\nوصححه الألباني في صحيح ابن ماجة برقم (١٠٩٨).\n(^١٨٧) - تقدم في أول سورة الإسراء.\n(^١٨٨) - أخرجه الطبري (١٦/ ٩٦).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين مكررة في: خ.\n[¬٢]- في خ: \"فقد\".","vol":"9","page":260},{"text":"قول الله ﷿ لإدريس: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ فقال كعب: أما إدريس فإن الله أوحى إليه: إني أرفع لك كل يوم مثل عمل جميع بني آدم، فأحب أن يزداد عملًا، فأتاه خليل له من الملائكة فقال: إن الله أوحى إليَّ [¬١] كذا وكذا، فكلم لي ملك الموت [فليؤخرني حتى أزداد عملًا] [¬٢] فحمله بين جناحيه، ثم صعد به إلى السماء، فلما كان في السماء الرابعة، تلقاهم ملك الموت منحدرًا، فكلم ملك الموت في الذي كلمه فيه إدريس، فقال: وأين إدريس؟ فقال: هو ذا على ظهري. قال ملك الموت: فالعجب! بعثت وقيل لي: اقبض روح إدريس في السماء الرابعة، فجعلت أقول: كيف أقبض روحه في السماء الرابعة وهو في الأرض؟ فقبض روحه هناك. فذلك [قول الله] [¬٣] \": ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾.\nو[¬٤] هذا من أخبار كعب الأحبار الإسرائيليات، وفي بعضه نكارة، والله أعلم.\nوقد رواه ابن أبي حاتم من وجه آخر، عن ابن عباس: أنه سأل كعبًا، فذكر نحو ما تقدم، غير أنه قال لذلك [¬٥] الملك: هل لك أن تسأله -يعني: ملك الموت- كم بقي من أجلي لكي أزداد من العمل -وذكر باقيه [¬٦]- وفيه: أنه لما سأله عما بقي من أجله، قال: لا أدري حتى أنظر. ثم نظر، ثم [¬٧] قال: إنك تسألني عن رجل ما بقي من عمره إلا طرفة عين. فنظر الملك [] [¬٨] تحت جناحه إلى إدريس، فإذا هو قد قبض ﵇ وهو لا يشعر به.\nثم رواه من وجه آخر عن ابن عباس أن إدريس كان خياطًا، فكان لا يغرز إبرة إلا قال: سبحان الله، فكان يمسي حين يمسي، وليس في الأرض أحد أفضل عملًا منه. وذكر بقيته كالذي قبله، أو نحوه. وقال ابن أبي نجيح: عن مجاهد (^١٨٩) في قوله: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ قال: إدريس رفع ولم يمت كما رفع عيسى] [¬٩].\n[وقال سفيان عن منصور، عن مجاهد (^١٩٠)] [¬١٠] في قوله] [¬١١]: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا\n_________\n(^١٨٩) - أخرجه الطبري (١٦/ ٩٦)، وذكره السيوطي في الدر المنثور (٤/ ٤٩٤) وعزاه إلى ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^١٩٠) - أخرجه الطبري (١٦/ ٩٧).\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في خ: \"يزداد عملي\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في خ: \"قوله\".\n[¬٤]- سقط من: ز.\n[¬٥]- في خ: \"ذلك\".\n[¬٦]- في ز: \"ما فيه\".\n[¬٧]- سقط من: ز، خ.\n[¬٨]- ما بين المعكوفتين في ز: \"إلى\".\n[¬٩]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬١٠]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬١١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"9","page":261},{"text":"عَلِيًّا﴾ قال: السماء الرابعة.\nوقال العوفي عن ابن عباس (^١٩١): ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ قال: رفع إلى السماء السادسة فمات بها. وهكذا قال الضحاك بن مزاحم.\nقال [¬١] الحسن (^١٩٢) وغيره في قوله: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ قال: الجنَّة.\n﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَينَا وَاجْتَبَينَا إِذَا تُتْلَى عَلَيهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا (٥٨)﴾\nيقول تعالى: هؤلاء النبيون -وليس المراد المذكورين في هذه السورة فقط، بل جنس الأنبياء ﵈، استطرد من ذكر الأشخاص إلى الجنس- ﴿الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ﴾ الآية.\nقال السدي (^١٩٣) وابن جرير (^١٩٤) ﵀: [فالذي [¬٢] عنى به من ذرية [آدم: إدريس، والذي عنى به من ذرية من حملنا مع نوح: إبراهيم] [¬٣] والذي عنى به من ذرية] [¬٤] إبراهيم: إسحاق ويعقوب وإسماعيل، والذي عنى به من ذرية إسرائيل: موسى وهارون وزكريا ويحيى وعيسى ابن مريم.\nقال ابن جرير (^١٩٥): ولذلك [¬٥] فرّق أنسابهم، وإن كان يجمع جميعهم آدم؛ لأن فيهم مَن ليس منْ ولد من كان مع نوح في السفينة، وهو إدريس، فإنه جد نوح.\nقلت: هذا هو الأظهر: أن إدريس في عمود نسب نوح ﵉، وقد قيل: إنه\n_________\n(^١٩١) - أخرجه الطبري (١٦/ ٩٦).\n(^١٩٢) - أخرجه الطبري (١٦/ ٩٧).\n(^١٩٣) - أخرجه ابن أبي حاتم كما في الدر المنثور (٤/ ٤٩٨).\n(^١٩٤) - ينظر تفسير الطبري (١٦/ ٩٧).\n(^١٩٥) - ينظر تفسير الطبري (١٦/ ٩٧).\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- في ز: \"والذي\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٥]- في ز، خ: \"كذلك\".","vol":"9","page":262},{"text":"من أنبياء بني إسرائيل، أخذًا من حديث الإسراء، حيث قال في سلامه على النبي ﷺ: مرحبًا بالنبي الصالح، والأخ الصالح. ولم يقل: والولد الصالح، كما قال آدم وإبراهيم ﵉.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا يونس، أنبأنا ابن وهب، أخبرنا [¬١] ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي [¬٢] حبيب، عن عبد الله بن محمد: أن إدريس أقدم من نوح، بعثه الله إلى قومه، فأمرهم أن يقولوا: لا إله إلا الله، ويعملوا ما شاءوا، فأبوا، فأهلكهم الله ﷿.\n[ومما يؤيد أن المراد بهذه الآية جنس الأنبياء، أنها كقوله تعالى في سورة الأنعام: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَينَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ] [¬٣] إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (٨٣) وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَينَا وَنُوحًا هَدَينَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٤) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى [¬٤] وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٨٥) وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالمِينَ (٨٦) وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَينَاهُمْ وَهَدَينَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ إلى قوله [¬٥]: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إلا ذِكْرَى لِلْعَالمِينَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ وفي صحيح البخاري (^١٩٦)، عن مجاهد: أنه سأل ابن عباس في \"ص\" سجدة؟ قال: نعم، ثم تلا هذه الآية: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ فنبيكم ممن أمر أن يقتدي بهم، قال: وهو منهم. يعني: داود.\nوقال الله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ أي: إذا سمعوا كلام الله المتضمن حججه ودلائله وبراهينه، سجدوا لربهم خضوعًا واستكانة، وحمدًا وشكرًا على ما هم فيه من النعم العظيمة.\nو\"البُكي\": جمع باك فلهذا أجمع العلماء على شرعية [¬٦] السجود هاهنا اقتداءً بهم واتباعًا لمنوالهم.\n_________\n(^١٩٦) - أخرجه البخاري في كتاب: التفسير، باب: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ حديث (٤٦٣٢) (٨/ ٨٩٤).\n_________\n[¬١]- في خ: \"أخبرني\".\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- سقط من: ز.\n[¬٥]- في ز، خ: \"أن قال\".\n[¬٦]- في ز: \"شرعة\".","vol":"9","page":263},{"text":"قال سفيان الثوري (^١٩٧): عن الأعمش، عن إبراهيم، عن أبي معمر قال: قرأ عمر بن الخطاب ﵁[] [¬١] سورة مريم فسجد، وقال: هذا السجود، فأين البُكِيّ؟ يريد: البكاء.\nرواه ابن أبي حاتم وابن جرير (^١٩٨)، وسقط من روايته ذكر [¬٢] \"أبي معمر\" فيما رأيت، فالله [¬٣] أعلم.\n﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩) إلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيئًا (٦٠)﴾\nولما ذكر تعالى حزب السعداء، وهم الأنبياء ﵈، ومن اتبعهم من القائمين بحدود الله وأوامره، المؤدين فرائض الله، التاركين لزواجره ذكر أنه ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾ أي: قرون أخر ﴿أَضَاعُوا الصَّلَاةَ﴾ -وإذا أضاعوها فهم لما سواها من الواجبات أضيع؛ لأنها عماد الدين وقوامه، وخير أعمال العباد- وأقبلوا على شهوات الدنيا وملاذها [¬٤]، ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها، فهؤلاء سيلقون غيًّا، أي: خسارًا يوم القيامة.\nوقد اختلفوا في المراد بإضاعة الصلاة هاهنا؛ فقال قائلون: المراد بإضاعتها تركها بالكلية. قاله محمد بن كعب القرظي، وابن زيد بن أسلم، والسدي، واختاره ابن جرير، ولهذا ذهب من ذهب من السلف والخلف والأئمة، كما هو المشهور عن الإِمام أحمد، وقول عن الشافعي: إلى تكفير تارك الصلاة؛ للحديث: \"بين العبد وبين الشرك ترك الصلاة\" (^١٩٩) والحديث الآخر: \"العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر\" (^٢٠٠). وليس هذا محل بسط هذه المسألة.\n_________\n(^١٩٧) - أخرجه الطبري (١٦/ ٩٨).\n(^١٩٨) - أخرجه الطبري (١٦/ ٩٩)، وذكره السيوطي في الدر المنثور (٤/ ٤٩٩) وعزاه إلى ابن أبي حاتم.\n(^١٩٩) - أخرجه مسلم في كتاب: الإيمان، باب: بيان إطلاق اسم الكفر على من ترك الصلاة، حديث (١٣٤/ ٨٢) (٢/ ٩٢، ٩٣) من حديث جابر ﵁.\n(^٢٠٠) - أخرجه الترمذي في كتاب: الإيمان، باب: ما جاء في ترك الصلاة، حديث (٢٦٢١) =\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في خ: \"عند\".\n[¬٢]- في خ: \"ذكره\".\n[¬٣]- في خ: \"والله\".\n[¬٤]- في خ: \"ولذاتها\".","vol":"9","page":264},{"text":"وقال [¬١] الأوزاعي: عن موسى بن سليمان، عن القاسم بن مخيمرة (^٢٠١) في قوله: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ﴾ قال: إنما أضاعوا المواقيت، ولو كان تركًا كان كفرًا.\nوقال وكيع: عن المسعودي [¬٢]، عن القاسم بن عبد الرحمن والحسن بن سعد، عن ابن مسعود (^٢٠٢): أنه قيل له: إن الله يكثر ذكر الصلاة في القرآن ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ و﴿عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾ و﴿عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ قال ابن مسعود: على [¬٣] مواقيتها. قالوا [¬٤]،: ما كنا نرى ذاك إلا على الترك؟ قال: ذلك الكفر.\nوقال مسروق [¬٥] (^٢٠٣): لا يحافظ أحد على الصلوات الخمس فيكتب من الغافلين، وفي إفراطهن الهلكة، وإفراطهن إضاعتهن عن وقتهن.\nوقال الأوزاعي: عن إبراهيم بن يزيد: أن عمر بن عبد العزيز (^٢٠٤) قرأ: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ ثم قال: لم تكن إضاعتهم تركها، ولكن أضاعوا الوقت.\nوقال ابن أبي نجيح: عن مجاهد (^٢٠٥): ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ﴾ قال: عند قيام الساعة، وذهاب صالحي أمة محمد ﷺ ينزو بعضهم على بعض في الأزقة [¬٦]. وكذا روى ابن جريج [¬٧] عن مجاهد (^٢٠٦) مثله [¬٨].\n_________\n= (٥/ ١٥) والنسائي (١/ ٢٣١ - ٢٣٢) كتاب الصلاة، باب: الحكم في تارك الصلاة. وابن ماجة في كتاب: إقامة الصلاة والسنة فيها، باب: ما جاء فيمن ترك الصلاة، حديث (١٠٧٩) (١/ ٣٤٢). من حديث بريدة. قال الترمذي: حديث حسن صحيح غريب.\n(^٢٠١) - أخرجه الطبري (١٦/ ٩٨) وذكره السيوطي في الدر المنثور (٤/ ٤٩٩) وعزاه إلى ابن المندر وابن أبي حاتم.\n(^٢٠٢) - أخرجه الطبري (١٦/ ٩٩).\n(^٢٠٣) - أخرجه الطبري (١٦/ ٩٩).\n(^٢٠٤) - أخرجه الطبري (١٦/ ٩٨ - ٩٩).\n(^٢٠٥) - أخرجه الطبري (١٦/ ٩٩).\n(^٢٠٦) - أخرجه الطبري (١٦/ ٩٩).\n_________\n[¬١]- بياض في: ز.\n[¬٢]- في ز: \"السعودي\".\n[¬٣]- في ز: \"حل\".\n[¬٤]- في ز \"قال\".\n[¬٥]- في خ: \"ابن مسعود\".\n[¬٦]- في ز: \"الأرقة\".\n[¬٧]- في ز: \"جرير\".\n[¬٨]- في ز: \"منكم\".","vol":"9","page":265},{"text":"وروى جابر الجعفي (^٢٠٧) عن مجاهد، وعكرمة، وعطاء بن أبي رباح: أنهم من هذه الأمة يعنون في آخر الزمان.\nوقال ابن جرير (^٢٠٨): حدثني الحارث، حدثنا الحسن الأشيب، حدثنا شريك، عن إبراهيم بن مهاجر، عن مجاهد: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ﴾ قال: هم في هذه الأمة، يتراكبون تراكب الأنعام والحمر في الطرق، لا يخافون الله في السماء، ولا يستحيون الناس في الأرض.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان الوسطى حدثنا أبو [¬١] عبد الرحمن المقرئ [¬٢] حدثنا حيوة [¬٣]، حدثنا بشير بن أبي عمرو الخولاني، أن الوليد بن قيس حدثه، أنه سمع أبا سعيد الخدري يقول: سمعت رسول الله ﷺ[¬٤]: \"يكون خلف بعد ستين سنة، أضاعوا الصلاة، واتبعوا الشهوات، فسوف يلقون غيًّا، ثم يكون خلف يقرءون القرآن لا يعدو تراقيهم، ويقرأ القرآن ثلاثة: مؤمن، ومنافق، وفاجر\". قال بشير: قلت للوليد: ما هؤلاء الثلاثة؟ قال: المؤمن مؤمن به، والمنافق كافر به، والفاجر يأكل [¬٥] به.\nوهكذا رواه أحمد عن أبي عبد الرحمن المقرئ به (^٢٠٩).\nوقال ابن أبي حاتم أيضًا: حدثني أبي، حدثنا إبراهيم بن موسى، أنبأنا عيسى بن يونس، حدثنا عبيد الله بن عبد الرحمن بن موهب، عن مالك، عن [¬٦] أبي الرجال: أن عائشة كانت ترسل بالشيء صدقة لأهل الصفة، وتقول: لا تعطوا منه بربريًّا ولا بربرية، فإني سمعت رسول الله ﷺ قول: \"هم الخلف الذين قال الله تعالى\n_________\n(^٢٠٧) - أخرجه الطبري (١٦/ ٩٩).\n(^٢٠٨) - أخرجه الطبري (١٦/ ٩٩).\n(^٢٠٩) - أحمد (٣/ ٣٨) (١١٣٥٦). بشير بن أبي عمرو: هو أبو الفتح المصري الخولاني؛ قال الحافظ في التقريب: ثقة، والوليد بن قيس روى عنه أكثر من واحد. وثقه ابن حبان والعجلي، وقال ابن حجر \"مقبول\". والحديث أخرجه البخاري في \"خلق أفعال العباد\" (٦١٠)، وابن حبان في \"صحيحه\" (٧٧٥) (٣/ ٣٢)، وابن حبان في كتاب: الرقائق، باب: قراءة القرآن حديث (٧٥٥) (٣/ ٣٢). والحاكم في \"المستدرك\" (٢/ ٣٧٤)، (٤/ ٥٤٧) وعنه، والبيهقي في \"شعب الإيمان\" (٢٦٢٦) (٢/ ٥٣٣)، وفي \"دلائل النبوة\" (٦/ ٤٦٥)، من طريق عبد الله بن يزيد أبي عبد الرحمن المقرئ به. وقال الحاكم: \"صحيح الإسناد\" ووافقه الذهبي. وله طريق أخرى عن أبي سعيد بمعناه عند أبي نصر المروزي =\n_________\n[¬١]- في خ: \"ابن مسعود\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"الهدلي\".\n[¬٣]- في ز: \"حبرة\".\n[¬٤]- سقط من: ز.\n[¬٥]- في خ: \"يتأكل\".\n[¬٦]- في ز: \"بن\".","vol":"9","page":266},{"text":"[فيهم] [¬١]: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ﴾ \" (^٢١٠). هذا حديث غريب.\nوقال أيضًا: حدثني أبي، حدثنا عبد الرحمن بن [¬٢] الضحاك، حدثنا الوليد، حدثنا حَريز [¬٣]، عن شيخ من أهل المدينة: أنه سمع محمد بن كعب القرطبي يقول في قوله: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾ الآية، قال: هم أهل الغرب [¬٤]، يملكون وهم شر من ملك.\nوقال كعب الأحبار: والله إني لأجد صفة المنافقين في كتاب الله ﷿ شرابين للقهوات تراكين للصلوات، لعابين بالكعبات، رقادين عن العتمات، مفرطين في الغدوات، تراكين [¬٥] للجمعات [¬٦]، قال: ثم تلا هذه الآية ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾.\nوقال الحسن البصري: عطلوا المساجد ولزموا الضيعات [¬٧].\nوقال أبو الأشهب العطاردي: أوحى الله تعالى إلى داود [﵇] [¬٨] يا داود؛ حذر وأنذر أصحابك أكل الشهوات، فإن القلوب المعلقة بشهوات الدنيا عقولها عني محجوبة، وإن أهون ما أصنع بالعبد من عبيدي إذا آثر شهوة من شهواته علي أن أحرمه طاعتي.\nوقال الإمام أحمد (^٢١١): حدثنا زيد بن الحباب، حدثني [¬٩] أبو السمح [¬١٠] التميمي، عن أبي قبيل، أنه سمع عقبة [¬١١] بن عامر قال: قال رسول الله ﷺ: \"إني\n_________\n= في \"قيام الليل\" (ص ١٢٨)، وأبي عبيد في \"فضائل القرآن\" (ص ٢٠٥ - ٢٠٦). والبغوي في شرح السنة (١١٨٢) (٤/ ٤٣٩). وحسنه الشيخ الألباني في الصحيحة (٢٥٨) (١/ ٤٦٢).\n(^٢١٠) - أخرجه الحاكم (٢/ ٢٤٤) وصححة، لكن تعقبه الذهبي بأن فيه عبيد الله وهو مختلف في توثيقه، وقال مالك: لا أعرفه، ثم هو منقطع.\n(^٢١١) - أخرجه أحمد (٤/ ١٥٥ - ١٥٦) (١٧٤٦٨).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من ز.\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- في ز، خ: \"جرير\".\n[¬٤]- في ز: \"العرب\".\n[¬٥]- في ز، خ: \"تاركين\".\n[¬٦]- في خ: \"للجماعات\".\n[¬٧]- في ز: \"الضعات\"، خ: \"الصنعات\".\n[¬٨]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٩]- في خ: \"حدثنا\".\n[¬١٠]- بياض في: ز، سقط من: خ.\n[¬١١]- في ز، خ: \"عبد الله\".","vol":"9","page":267},{"text":"أخاف على أمتي اثنتين: القرآن واللبن [¬١]،، أما اللبن [¬٢] فيتبعون الريف، ويتبعون الشهوات، ويتركون الصلوات، وأما القرآن فيتعلمه المنافقون، فيجادلون به المؤمنين\".\nورواه عن حسن بن مرسى (^٢١٢)، عن ابن لهيعة، حدثنا أبو قبيل، عن عقبة، به مرفوعًا بنحوه تفرد به.\nوقوله: ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس (^٢١٣): ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ أي: خسرانًا.\nوقال قتادة (^٢١٤): شرًّا. وقال سفيان الثوري وشعبة ومحمد بن إسحاق عن أبي إسحاق، السبيعي، عن أبي عبيدة، عن عبد الله بن مسعود (^٢١٥): ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ قال: واد في جهنم، بعيد القعر، خبيث الطعم.\nوقال الأعمش: عن زياد، عن أبي عياض (^٢١٦) في قوله: ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ قال: واد في جهنم من قيح ودم.\nوقال الإمام أبو جعفر بن جرير (^٢١٧): حدثني عباس بن أبي طالب، حدثنا محمد بن زياد بن زيار [¬٣]، حدثنا شرقي بن قُطَامِي [¬٤]، عن لقمان بن عامر الخزاعي قال: جئت أبا أمامة صُدَيّ [¬٥] بن عجلان الباهلي فقلت: حدثنا حديثًا سمعته [¬٦] من رسول الله صلي الله عليه\n_________\n(^٢١٢) - أخرجه أحمد (٤/ ١٥٥) (١٧٤٦٦).\n(^٢١٣) - أخرجه الطبري (١٦/ ١٠٠)، وذكره السيوطي في الدر المنثور (٤/ ٥٠٠) وعزاه إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢١٤) - ذكره السيوطي في الدر المنثور (٤/ ٥٠٠) وعزاه إلى ابن أبي حاتم بمعناه.\n(^٢١٥) - أخرجه الطبري (١٦/ ١٠٠). وهناد في الزهد (١/ ١٨٣) حديث (٢٧٦) مختصرًا.\nوالطبراني (٩/ ٢٥٩) حديث (٩١١١)، (٩١٠٦ - ٩١١٣) مثله ونحوه. والحاكم (٢/ ٣٧٤) وصححه ووافقه الذهبي. وذكره السيوطي في الدر المنثور (٤/ ٥٠٠) وزاد نسبته إلى الفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد، والبيهقي في البعث والنشور. قال الهيثمي في المجمع (٧/ ٥٨): رواه الطبراني بإسانيد ورجال بعضها ثقات إلا أن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه.\n(^٢١٦) - أخرجه هناد في الزهد (١/ ١٨٣) حديث (٢٧٦). وأبو نعيم في زيادات الزهد ص (٩٦) رقم (٣٣٣) بنحوه.\n(^٢١٧) - أخرجه الطبري (١٦/ ١٠٠).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"الكنى\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"الكنى\".\n[¬٣]- في خ: \"زيان\".\n[¬٤]- في ز: \"قطاني\"، خ: \"قطان\".\n[¬٥]- في ز، خ: \"حدثني\".\n[¬٦]- في ز، خ: \"سمعه\".","vol":"9","page":268},{"text":"وسلم. قال: فدعا بطعام، ثم قال: قال رسول الله ﷺ: \"لو أن صخرة زنة عشر أواق قذف [¬١] بها من شفير جهنم، ما بلغت قعرها خمسين خويفًا، ثم تنتهي [¬٢] إلي غي وأثام\". قال: قلت: وما غي وأثام؟ قال [¬٣]: بئران [¬٤] في أسفل جهنم، يسيل فيهما صديد أهل النار، وهما اللتان [¬٥] ذكر الله في كتابه: ﴿أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ وقوله في الفرقان: ﴿وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾. هذا حديث غريب ورفعه منكر.\nوقوله: ﴿إلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ أي: إلا من رجع عن ترك الصلوات [¬٦]، واتباع الشهوات، فإن الله يقبل [¬٧] توبته، ويحسن عاقبته، ويجعله من ورثة جنة النعيم، ولهذا قال: ﴿فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيئًا﴾ وذلك لأن التوبة تَجُبُّ ما قبلها، وفي الحديث الآخر: \"التائب من الذنب كمن لا ذنب له\" (^٢١٨)؛ ولهذا لا ينقص هؤلاء التائبون من أعمالهم التي عملوها شيئًا، ولا قوبلوا بما عملوه قبلها فينقص [¬٨] لهم مما عملوه بعدها [¬٩]؛ لأن ذلك [¬١٠] ذهب هدرًا، وترك نسيًا، وذهب مجانًا، من كرم الكريم، وحلم الحليم.\nوهذا الاستثناء هاهنا: كقوله في سورة الفرقان: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩) إلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا إلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾.\n﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا (٦١) لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إلا سَلَامًا وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (٦٢) تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا (٦٣)﴾\n_________\n(^٢١٨) - أخرجه ابن ماجة في كتاب الزهد، كتاب: ذكر التوبة، حديث (٤٢٥٠) (١/ ١٤٢٠).=\n_________\n[¬١]- في ز: \"يدف\".\n[¬٢]- في خ: \"ينتهى\".\n[¬٣]- مكررة في خ.\n[¬٤]- في ز: \"نيران\".\n[¬٥]- في ز: \"اللذان\".\n[¬٦]- في ز، خ: \"الصلاة\".\n[¬٧]- في ز، خ: \"يتقبل\".\n[¬٨]- في ز، خ: \"فنقص\".\n[¬٩]- في ز، خ: \"قبلها\".\n[¬١٠]- في ز: \"ذاك\"، خ: \"هذا\".","vol":"9","page":269},{"text":"يقول تعالى: الجنات التي يدخلها [¬١] التائبون من ذنوبهم هي: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ أي: إقامة، ﴿الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ﴾ بظهر الغيب، أي: هي من الغيب الذي يؤمنون به وما رأوه، وذلك لشدة إيقانهم وقوة إيمانهم.\nوقوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا﴾ تأكيد لحصول ذلك وثبوته واستقراره، فإن الله لا يخلف الميعاد ولا يبدله، كقوله: ﴿و[¬٢] كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا﴾ أي: كائنًا [¬٣] لا محالة.\nوقوله هاهنا: ﴿مَأْتِيًّا﴾ أي: العباد صائرون إليه وسيأتونه.\nومنهم من قال: ﴿مَأْتِيًّا﴾ بمعنى آتيًا؛ لأن كل ما أتاك فقد أتيته، كما تقول [¬٤] العرب: أتت علي خمسون سنة، وأتيت علي خمسين سنة [¬٥]، كلاهما بمعنى وقوله: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا﴾ أي: [] [¬٦] هذه [الجنات ليس] [¬٧] فيها كلام ساقط تافه لا معنى له، كما قد يوجد في الدنيا.\nوقوله: ﴿إلا سَلَامًا﴾ استثناء منقطع، كقوله: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا (٢٥) إلا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا﴾\nوقوله: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ أي: في مثل وقت البكرات ووقت العشيّات لا أن هناك [ليلا أو نهارًا] [¬٨]، ولكنهم في أوقات تتعاقب، يعرفون مضيها بأضواء وأنوار، كما قال الإمام أحمد (^٢١٩):\nحدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن همام، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"أول زمرة [¬٩] تلج الجنة صورهم [علي صورة] [¬١٠] القمر ليلة البدر، لا\n_________\n= والبيهقي (١٠/ ١٥٤) كتاب الشهادات، باب: شهادة القاذف. وأبو نعيم في الحلية (٤/ ٢١٠). والطبراني في الكبير (١٠/ ١٨٥) حديث (١٠٢٨١). والقضاعي في مسند الشهاب (١/ ٩٧) حديث (١٠٨). كلهم من طريق أبي عبيدة بن عبد الله عن عبد الله بن مسعود وأبو عبيدة هذا ثقة لكن لا يصح سماعه من أبيه كذا في التقريب (٨٢٣١). قال الهيثمي في المجمع (١٠/ ٢٠٣): رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح إلا أن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه، وبنحو ذلك قال الألباني في الضعيفة (٦١٥).\n(^٢١٩) - أخرجه أحمد (٢/ ٣١٦).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"يدخل إليها\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"إنه\".\n[¬٣]- في ز: \"كائن\".\n[¬٤]- في خ: \"قالت\".\n[¬٥]- في خ: \"صلاة\".\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين في ز: \"في\".\n[¬٧]- في خ: \"الجنان وليس\".\n[¬٨]- في ز، خ: \"ليل أو نهار\".\n[¬٩]- في ز، خ: \"صورة\".\n[¬١٠]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"9","page":270},{"text":"يبصقون فيها ولا يتمخطون فيها، ولا يتغوطون، آنيتهم وأمشاطهم الذهب والفضة، ومجامرهم [¬١] [¬٢] الأُلوَّة، ورشحهم المسك، ولكل [واحد منهم] [¬٣] زوجتان، يرى مخ ساقيهما من وراء اللحم؛ من الحسن، لا اختلاف بينهم، ولا تباغض، قلوبهم علي قلب واحد، يسبحون الله بكرة وعشيًّا [¬٤] \". أخرجاه في الصحيحين (^٢٢٠)، من حديث معمر به.\nوقال الإمام أحمد (^٢٢١): حدثنا يعقوب، حدثنا أبي، عن [] [¬٥] ابن إسحاق، حدثني الحارث بن فضيل الأنصاري، عن محمود بن لبيد الأنصاري، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: \"الشهداء على بارق نهر [¬٦] بباب الجنة، في قبة خضراء، يخرج عليهم رزقهم من الجنة بكرة وعشيًّا\". تفرد به أحمد من هذا الوجه.\nوقال الضحاك عن ابن عباس: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ قال: مقادير الليل والنهار.\nوقال ابن جرير (^٢٢٢): حدثنا علي بن سهل، حدثنا الوليد بن مسلم قال: سألت زهير [¬٧] ابن محمد عن قول الله تعالى: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ قال: ليس في الجنة ليل، هم في نور أبدًا، ولهم مقدار الليل والنهار، يعرفون مقدار الليل بإرخاء الحجب وإغلاق الأبواب، ويعرفون مقدار النهار برفع الحجب وبفتح الأبواب.\nوبهذا الإسناد (^٢٢٣) عن الوليد بن مسلم، عن خليد [¬٨]، عن الحسن البصري، وذكر أبواب الجنة فقال: أبواب يرى ظاهرها من باطنها، فتكلم وتكلم، فَتُهَمهِم [¬٩]: انفتحي … انغلقي …، فتفعل.\n_________\n(^٢٢٠) - أخرجه البخاري في كتاب: بدء الخلق، باب: ما جاء في صفة الجنة وأنها مخلوقة، حديث (٣٢٤٥) (٦/ ٣١٨) وأطرافه في (٣٢٤٦ - ٣٢٥٤ - ٣٣٢٧). ومسلم في كتاب: الجنة وصفة نعيمها، كتاب: في صفات الجنة وأهلها وتسبيحهم فيها بكرة وعشيًّا، حديث (١٧/ ٢٨٣٤) (١٧/ ٢٥٣).\n(^٢٢١) - أخرجه أحمد (١/ ٢٦٦).\n(^٢٢٢) - أخرجه الطبري (١٦/ ١٠٢).\n(^٢٢٣) - أخرجه الطبري (١٦/ ١٠٢).\n_________\n[¬١]- في خ: \"محامرهم\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز: \"من\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في خ: \"منهما\".\n[¬٤]- في ز: \"عشية\".\n[¬٥] ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"موسى\".\n[¬٦]- في ز: \"شهر\".\n[¬٧]- في ز: \"رهين\".\n[¬٨]- في ز: \"خليل\"، خ: \"الخليل\".\n[¬٩]- في ز: \"فيفهمهم\"، خ: \"يفهمهم\".","vol":"9","page":271},{"text":"وقال قتادة (^٢٢٤) في قوله: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ فيها ساعتان، بكرة وعشي، ليس ثَمّ [¬١] ليل ولا نهار، وإنما هو ضوء ونور.\nوقال مجاهد (^٢٢٥): ليس بكرة ولا عشيًّا، ولكن [¬٢] يؤتون به على ما كانوا يشتهون في الدنيا.\nوقال الحسن (^٢٢٦) وقتادة (^٢٢٧) وغيرهما (^٢٢٨): كانت العرب، الأنْعَم فيهم من يتغدى ويتعشى، ونزل القرآن على ما في أنفسهم من النعيم [¬٣]، فقال تعالى: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾.\nوقال ابن مهدي عن حماد بن زيد، عن هشام، عن الحسن: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ قال: البكور يرد على العشي، والعشي يرد على البكور، ليس فيها ليل.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا سليم [¬٤] بن منصور بن عمار، حدثني أبي، حدثنا محمد بن زياد قاضي أهل شمشاط [¬٥] عن عبد الله بن حُدير [¬٦] عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: \"ما من غداة من غدوات الجنة -وكل الجنة غدوات- إلا أنه يزف إلى ولي الله فيها زوجة من الحور العين، أدناهن التي خلقت من الزعفران\" (^٢٢٩).\nقال أبو محمد: هذا حديث منكر.\nوقوله [¬٧]: ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّ﴾ أي: هذه الجنة التي وصفنا بهذه الصفات العظيمة، هي التي [¬٨] نورثها عبادنا المتقين، وهم المطيعون لله -عز\n_________\n(^٢٢٤) - أخرجه الطبري (١٦/ ١٠٢).\n(^٢٢٥) - أخرجه الطبري (١٦/ ١٠٢). وهناد في الزهد (١/ ٧٢) حديث (٥٩). وذكره السيوطي في الدر المنثور (٤/ ٥٠١) وعزاه إلى عبد بن حميد وابن المنذر أيضًا.\n(^٢٢٦) - ذكره السيوطي في الدر المنثور (٤/ ٥٠١) وعزاه إلى ابن أبي حاتم.\n(^٢٢٧) - أخرجه الطبري (١٦/ ١٠٢).\n(^٢٢٨) - أخرجه الطبري (١٦/ ١٠٢) عن يحيى.\n(^٢٢٩) - أخرجه ابن عدي في الكامل (٦/ ٢٣٩)، وقال: لا يعرف هذا إلا لمنصور وبهذا الإسناد.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"لهم\".\n[¬٢]- في خ: \"وإنما\".\n[¬٣]- في ز: \"النعم\".\n[¬٤]- في ز، خ: \"سليمان\".\n[¬٥]- في ز: \"سمساط\".\n[¬٦]- في ز، خ: \"جرير\".\n[¬٧]- في خ: \"قال\".\n[¬٨]- سقط من: ز، خ.","vol":"9","page":272},{"text":"وجل- في السراء والضراء، والكاظمون [¬١] الغيظ، والعافون [¬٢] عن الناس، وكما [¬٣] قال [¬٤] تعالى في أول سورة المؤمنين: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.\n﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إلا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَينَ أَيدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَينَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا (٦٤) رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَينَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾\nقال الإمام أحمد (^٢٣٠): حدثنا يعلى ووكيع قالا: حدثنا عمر بن ذر، عن أبيه، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال رسول الله- صلي الذ عليه وسلم - لجبريل [¬٥]: \"ما يمنعك أن تزورنا [¬٦] أكثر مما تزورنا؟ \" قال: فنزلت: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إلا بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ إلي آخر الآية.\nانفرد بإخراجه البخاري (^٢٣١)، فرواه عند تفسير هذه الآية: عن أبي نعيم، عن عمر بن ذر، به. ورواه ابن أبي حاتم وابن جرير: من [¬٧] حديث عمر بن ذر، به. وعندهما زيادة في آخر الحديث. فكان ذلك الجواب لمحمد، ﷺ (^٢٣٢).\nوقال العوفي عن ابن عباس (^٢٣٣): احتبس جبريل عن رسول الله ﷺ، فوجد رسول الله ﷺ من ذلك وحزن، فأتاه جبريل فقال [¬٨]: يا محمد ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إلا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَينَ أَيدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَينَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾.\n_________\n(^٢٣٠) - أخرجه أحمد (١/ ٢٣١، ٢٣٣ - ٢٣٤ - ٣٥٧).\n(^٢٣١) - أخرجه البخاري في كتاب التفسير، باب: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إلا بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ حديث (٤٧٣١) (٨/ ٤٢٨).\n(^٢٣٢) - أخرجه أحمد بهذه الزيادة (١/ ٣٥٧). والبخاوى في كتاب التوحيد، باب: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ﴾، حديث (٧٤٥٥) (١٣/ ٤٤٠).\n(^٢٣٣) - أخرجه الطبري (١٦/ ١٠٣) من طريق عطية بن سعد العوفي عن ابن عباس، وعطية ضعيف=\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"الكاظمين\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"العافين\".\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- في ز: \"وقال\".\n[¬٥]- سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- في خ: \"تزونا\".\n[¬٧]- في ز، خ: \"في\".\n[¬٨]- في ت: \"وقال\".","vol":"9","page":273},{"text":"وقال مجاهد (^٢٣٤): لبث جبريل عن محمد ﷺ اثنتي [¬١] عشرة ليلة، ويقولون: قُلِيَ [¬٢]، فلما جاءه، قال: \"يا جبريل، لقد رثت [¬٣] عليَّ، حتى ظن المشركون كل ظن\". فنزلت: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إلا بِأَمْرِ رَبِّكَ [لَهُ مَا بَينَ أَيدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَينَ ذَلِكَ] [¬٤] وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾، قال: وهذه الآية كالتي في الضحي.\nوكذلك قال الضحاك (^٢٣٥) بن مزاحم، وقتادة (^٢٣٦)، والسدي، وغير واحد: إنها نزلت في احتباس جبريل.\nوقال الحكم بن أبان عن عكرمة قال: أبطأ جبريل النزول علي رسول الله، ﷺ أربعين يومًا، ثم نزل، فقال له النبي ﷺ: \"ما نزلت حتى اشتقت إليك\". فقال له جبريل: بل أنا كنت إليك أشوق، ولكني مأمور. فأوحي إلى جبريل أن قل له: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إلا بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ الآية. رواه ابن أبي حاتم ﵀ وهو غريب.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن مجاهد قال: أبطأت [¬٥] الرسل على النبي ﷺ، ثم أتاه جبريل فقال له: \"ما حبسك يا جبربل؟ \" فقال له [¬٦] جبريل: وكيف نأتيكم وأنتم لا تقصون أظفاركم، ولا تُنْقُون براجمكم، ولا تأخذون شواربكم، ولا تستاكون؟ ثم قرأ: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إلا بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ إلى آخر الآية.\nوقد قال الطبراني (^٢٣٧): حدثنا أبو عامر النحوي، حدثنا محمد بن إبراهيم الصوري، حدثنا سليمان بن عبد الرحمن [الدمشقي]، حدثنا إسماعيل بن عياش، أخبرني ثعلبة بن مسلم، عن أبي [] [¬٧] كعب مولى ابن عباس، [عن ابن عباس] [¬٨]، عن النبي صلي\n_________\n= وذكره السيوطي في الدر المنثور (٤/ ٥٠٢) وعزاه إلى ابن مردويه.\n(^٢٣٤) - أخرجه الطبري (١٦/ ١٠٤).\n(^٢٣٥) - أخرجه الطبري (١٦/ ١٠٤).\n(^٢٣٦) - أخرجه الطبري (١٦/ ١٠٣، ١٠٤).\n(^٢٣٧) - أخرجه الطبرني (١١/ ٤٣٢) حديث (١٢٢٢٤).\n_________\n[¬١]- في خ: \"اثنتا\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"أقل\".\n[¬٣]- في ز: \"رتت\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"إلى قوله\".\n[¬٥]- في ز: \"أبطت\".\n[¬٦]- سقط من: ز.\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين في خ: \"بن\".\n[¬٨]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.","vol":"9","page":274},{"text":"الله عليه وسلم: أن جبريل أبطأ عليه، فذكر له ذلك، فقال: وكيف وأنتم لا تستنون، ولا تُقَلِّمون أظفاركم، ولا تقصون شواربكم، ولا تُنْقُون رواجبكم (*) [¬١].\nوهكذا رواه الإمام أحمد (^٢٣٨) عن أبي اليمان، عن إسماعيل بن عياش به ونحوه.\nوقال الإمام أحمد (^٢٣٩): حدثنا سيار [¬٢]، حدثنا جعفر بن سليمان، حدثنا المغيرة بن حبيب ختن [¬٣] مالك بن دينار، حدثني شيخ من أهل المدينة، عن أم سلمة قالت: قال لي رسول الله ﷺ: \"أصلحي لنا المجلس، فإنه ينزل ملك إلى الأرض لم ينزل إليها قط\".\nوقوله: ﴿لَهُ مَا بَينَ أَيدِينَا وَمَا خَلْفَنَا﴾ قيل: المراد بـ: ﴿مَا بَينَ أَيدِينَا﴾: أمر الدنيا، ﴿وَمَا خَلْفَنَا﴾: أمر الآخرة ﴿وَمَا بَينَ ذَلِكَ﴾: ما بين النفختين. هذا قول أبي العالية (^٢٤٠) وعكرمة، ومجاهد، وسعيد بن جبير (^٢٤١)، وقتادة في رواية عنهما، والسدي (^٢٤٢)، والربيع بن أنس (^٢٤٣).\nوقيل: ﴿مَا بَينَ أَيدِينَا﴾ ما نستقبل من أمر الآخرة ﴿وَمَا خَلْفَنَا﴾ أي: ما مضى من الدنيا ﴿وَمَا بَينَ ذَلِكَ﴾ أي: ما بين الدنيا والآخرة. يروى نحوه عن ابن عباس (^٢٤٤)، وسعيد بن جبير (^٢٤٥)،\n_________\n(^٢٣٨) - أخرجه أحمد (١/ ٣٤٣).\n(^٢٣٩) - أخرجه أحمد (٦/ ٢٩٦).\n(^٢٤٠) - أخرجه الطبري (١٦/ ١٠٤). وهناد (١/ ١٩٦) حديث (٣١٩) في الزهد، لكن هذا الأخير اقتصر على تفسير ما بين ذلك أنها ما بين النفختين.\n(^٢٤١) - أخرجه هناد في الزهد (١/ ١٩٦) حديث (٣١٨) أنه سئل عن هذه الآية فلم يجب قال السدي: فسمعنا أنه ما بين النفختين.\n(^٢٤٢) - أخرجه هناد (١/ ١٩٦) حديث (٣١٨) أنه ما بين النفختين.\n(^٢٤٣) - أخرجه الطبري (١٦/ ١٥٤). وهناد في الزهد.\n(^٢٤٤) - أخرجه الطبري (١٦/ ١٠٤) دون قوله: وما بين ذلك … إلخ.\n(^٢٤٥) - ذكره السيوطي في الدر المنثور (٤/ ٥٠٢) وعزاه إلى ابن أبي حاتم.\n_________\n(*) الرواجب: هي ما بين عقد الأصابع من داخل، واحدها راجبة. والبراجم: العقد المتشنجة في ظاهر الأصابع. نهاية [٢/ ١٩٧].\n[¬١]- في ز: \"براجمكم\".\n[¬٢]- في ز: \"شيبان\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"عن\".","vol":"9","page":275},{"text":"والضحاك (^٢٤٦)، وقتادة (^٢٤٧)، وابن جريج (^٢٤٨)، والثوري، واختاره ابن جرير أيضًا، والله أعلم.\nوقوله: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ قال مجاهد (^٢٤٩): معناه ما نسيك ربك.\nوقد تقدم عنه أن هذه الآية كقوله: ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيلِ إِذَا سَجَى (٢) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا يزيد [¬١] بن محمد بن عبد الصمد الدمشقي، حدثنا محمد بن عثمان [¬٢]-يعني: أبا الجماهر- حدثنا إسماعيل بن عياش، حدثنا عاصم بن رجاء بن حَيْوة، عن أبيه، عن أبي الدرداء رفعه قال: لم ما أحل الله في كتابه فهو حلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه [¬٣] فهو عافية، فاقبلوا من الله عافيته، فإن الله لم يكن لينسى شيئًا\". ثم تلا هذه الآية: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ (^٢٥٠).\nوقوله: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَينَهُمَا [﴾ أي: خالق ذلك ومدبره، والحاكم فيه، والمتصرف الذي لا معقب لحكمه] [¬٤] ﴿فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ قال عليّ بن أبي طلحة: عن ابن عباس (^٢٥١): هل تعلم للرب مثلًا أو شبيهًا [¬٥].\n_________\n(^٢٤٦) - أخرجه الطبري (١٦/ ١٠٥) مثل رواية ابن عباس.\n(^٢٤٧) - أخرجه الطبري (١٦/ ١٠٤).\n(^٢٤٨) - أخرجه الطبري (١٦/ ١٠٥).\n(^٢٤٩) - أخرجه الطبري (١٦/ ١٠٥).\n(^٢٥٠) - أخرجه البزار في كتاب العلم، باب: اتباع القرآن، حديث (١٢٣) (١/ ٧٨). وفي التفسير، باب: سورة مريم حديث (٢٢٣١) (٣/ ٥٨) وفي الأطعمة باب: فيما يحل وما يحرم حديث (٢٨٥٥) (٣/ ٣٢٥). والدارقطني في كتاب الزكاة، باب: الحث على إخراج الصدقة وبيان قسمتها، حديث (١٢) (٢/ ١٣٧). والبيهقي (١٠/ ١٢) كتاب الضحايا، باب: ما لم يذكر تحريمه ولا كان في معنى ما ذكر تحريمه مما يؤكل أو يشرب. والحاكم (٢/ ٣٧٥) وصححه ووافقه الذهبي. وذكره الهيثمي في المجمع (١/ ١٧٦)، وقال: رواه البزار والطبراني في الكبير وإسناده حسن ورجاله موثقون، وقال (٧/ ٥٨): رواه البزار ورجاله ثقات. وذكره السيوطي في الدر المنثور (٤/ ٥٠٢) وزاد نسبته إلى ابن المنذر.\n(^٢٥١) - أخرجه الطبري (١٦/ ١٠٦)، وذكره السيوطي في الدر المنثور (٤/ ٥٠٣) وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n_________\n[¬١]- في ز: \"زيد\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"عباس\".\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٥]- في ز، خ: \"شبهًا\".","vol":"9","page":276},{"text":"وكذلك قال مجاهد (^٢٥٢)، وسعيد بن جبير، وقتادة (^٢٥٣)، وابن جريج (^٢٥٤) وغيرهم.\nوقال عكرمة عن ابن عباس (^٢٥٥): ليس أحد يسمَّى [¬١]، الرحمن غيره ﵎، وتقدس اسمه.\n﴿وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا (٦٦) أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيئًا (٦٧) فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا (٦٨) ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا (٦٩) ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا (٧٠)﴾\nيخبر تعالى عن الإِنسان أنه يتعجب، ويستبعد إعادته بعد موته، كما قال تعالى:\n﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ وقال: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٧٧) وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَال مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ وقال هاهنا: ﴿وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا (٦٦) أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيئًا﴾ [يستدل تعالى بالبداءة علي الإِعادة، يعني أنه تعالى قد [¬٢] خلق الإِنسان ولم يك شيئًا] [¬٣]، أفلا يعيده وقد صار شيئًا، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيهِ﴾.\nوفي الصحيح (^٢٥٦): \" يقول الله تعالى: كذبني ابن [¬٤] آدم، ولم يكن له أن يكذبني، وآذاني ابن آدم ولم يكن له أن يؤذيني؛ أما تكذيبه إياي فقوله: لن يعيدني\n_________\n(^٢٥٢) - أخرجه الطبري (١٦/ ١٠٦).\n(^٢٥٣) - أخرجه الطبري (١٦/ ١٠٦).\n(^٢٥٤) - أخرجه الطبري (١٦/ ١٠٦).\n(^٢٥٥) - أخرجه الحاكم (٢/ ٣٧٥). والبيهقي في شعب الإيمان (١/ ١٤٣ - ١٤٤) حديث (١٢٢، ١٢٣). قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.\n(^٢٥٦) - أخرجه البخاري في كتاب: التفسير في سورة: ﴿قل هو الله أحد﴾ باب (١)، (٢)، حديث (٤٩٧٤ - ٤٩٧٥) (٨/ ٧٣٩) من حديث أبي هريرة وفي تفسير سورة البقرة، باب: (٨) حديث (٤٤٨٢) (٨/ ١٦٨) من حديث ابن عباس ﵁.\n_________\n[¬١]- في ز: \"تسمى\".\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٤]- سقط من: خ.","vol":"9","page":277},{"text":"كما بدأني، وليس أول الحلق بأهون عليَّ [¬١]، من آخره، وأما أذاه إياي فقوله: إن لي ولدًا، وأنا الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد\".\nوقوله: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ﴾ أقسم الرب ﵎ بنفسه الكريمة، أنه لا بد أن يحشرهم جميعًا، وشياطينهم [¬٢] الذين كانوا يعبدون من دون الله ﴿ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا﴾.\nقال العوفي عن ابن عباس (^٢٥٧): يعني قعودًا، كقوله: ﴿وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً﴾.\nوقال السدي في قوله: ﴿ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا﴾ يعني: قيامًا، وروي عن مرة عن ابن مسعود مثله [¬٣]. وقوله: ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ﴾ يعني من كل أمة. قاله مجاهد (^٢٥٨). ﴿أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا﴾.\nقال الثوري عن [علي بن الأقمر عن أبي الأحوص] [¬٤]، عن ابن مسعود (^٢٥٩) قال: يحبس الأول على الآخر، حتى إذا تكاملت العدة [¬٥] أتاهم جميعًا، ثم بدأ بالأكابر فالأكابر جرمًا، وهو قوله: ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا﴾.\nوقال قتادة (^٢٦٠): ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا﴾ قال: ثم لننزعن من أهل كل دين قادتهم ورؤساءهم [¬٦] في الشر. وكذا قال ابن جريج، وغير واحد من السلف. وهذا كقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَال لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ (٣٨) وَقَالتْ أُولَاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَينَا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾.\nوقوله: ﴿ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا﴾ \"ثم\" هاهنا لعطف الخبر على\n_________\n(^٢٥٧) - أخرجه الطبري (١٦/ ١٠٧). وعزاه السيوطي في الدر المنثور (٤/ ٥٠٣) إلي ابن أبي حاتم.\n(^٢٥٨) - أخرجه الطبري (١٦/ ١٠٧)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور (٤/ ٥٠٤) إلى أبي عبيد وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي.\n(^٢٥٩) - ذكره السيوطي في الدر المنثور (٤/ ٥٠٤) وعزاه إلى ابن أبي حاتم والبيهقي في البعث والنشور.\n(^٢٦٠) - ذكره السيوطي في الدر المنثور (٤/ ٥٠٤) وعزاه إلى ابن أبي حاتم.\n_________\n[¬١]- في ز: \"عليه\".\n[¬٢]- في خ: \"شياطينهم\".\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- في ز: \"عن أبي وعن أبي الأحوص\".\n[¬٥]- في ز: \"الغرة\".\n[¬٦]- سقط من: ز، خ.","vol":"9","page":278},{"text":"الخبر، والمراد: أنه تعالى أعلم بمن يستحق من العباد أن يصلى بنار جهنم، ويخلد فيها، وبمن [¬١] يستحق تضعيف [¬٢] العذاب، كما قال في الآية المتقدمة: ﴿قَال لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ﴾.\n﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إلا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا (٧١) ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا (٧٢)﴾\nقال الإِمام أحمد (^٢٦١): حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا غالب بن سليمان، عن كثير بن زياد البُرْساني [¬٣]، عن أبي سمية قال: اختلفنا في الورود؛ فقال بعضنا: لا يدخلها مؤمن، وقال بعضهم: يدخلونها جميعًا، ثم ينجي الله الذين اتقوا. فلقيت جابر بن عبد الله، فقلت له: إنا اختلفنا في الورود. فقال: يردونها جميعًا -وقال سليمان بن [¬٤] مرة: يدخلونها جميعًا- وأهوى بأصبعيه إلى أذنيه، وقال: صمَّتا إن لم أكن سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"لا يبقي بر ولا فاجر إلّا دخلها، فتكون علي المؤمن بردًا وسلامًا، كما كانت علي إبراهيم، حتى إن للنار ضجيجًا من بردهم، ثم ينجّي الله الذين اتقوا ويذر الظالمين فيها جثيًّا\". غريب ولم يخرجوه.\nوقال الحسن بن عرفة: حدثنا مروان بن معاوية، عن بكار [¬٥] بن أبي مروان، عن خالد بن معدان (^٢٦٢) قال: قال أهل الجنة بعد ما دخلوا الجنة: ألم يعدنا ربنا [¬٦] الورود علي النار؟ قال: قد مررتم عليها وهي خامدة.\nوقال عبد الرزاق (^٢٦٣): عن ابن عيينة، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم قال: كان عبد الله بن رواحة واضعًا رأسه في حجر امرأته، فبكي، فبكت امرأته، فقال: ما يبكيك؟ فقالت: رأيتك تبكي فبكيت. قال: إني ذكرت قول الله ﷿: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إلا وَارِدُهَا﴾ فلا أدري أنجو منها أم لا؟ وفي رواية: وكان مريضًا.\n_________\n(^٢٦١) - أخرجه أحمد (٣/ ٣٢٨ - ٣٢٩).\n(^٢٦٢) - أخرجه الطبري (١٦/ ١٠٩).\n(^٢٦٣) - أخرجه الطبري (١٦/ ١١٠)، وقال: حدثنا الحسن بن يحيى قال: أخبرنا عبد الرزاق … إلخ بمثل ما ذكره المصنف.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"من\".\n[¬٢]- في خ: \"بضعيف\".\n[¬٣]- في ز: \"البوساني\"، خ: \"البوساتي\".\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- كأنها \"بكان\": في ز، خ: \"مكان\".\n[¬٦]- في ز: \"بارئنا\".","vol":"9","page":279},{"text":"وقال ابن جرير (^٢٦٤): حدثنا أبو كريب، حدثنا ابن [¬١] يمان، عن مالك بن مِغُوَل، عن أبي إسحاق: كان أبو ميسرة إذا أوي [¬٢] إلي فراشه قال: يا ليت أمي لم تلدني. ثم يبكي، فقيل: ما يبكيك يا أبا ميسرة؟ فقال: أخبرنا أنَّا واردوها، ولم نخبر أنَّا صادرون عنها.\nوقال عبد الله بن المبارك عن الحسن البصري (^٢٦٥) قال: قال رجل لأخيه: هل [¬٣] أتاك بأنك [¬٤] وارد النار؟ قال: نعم. [قال: هل] [¬٥] أتاك أنك صادر عنها [¬٦]؟ قال: لا. قال: ففيم الضحك؟ [قال: فما رُؤي ضاحكًا حتى لحق بالله] [¬٧].\nوقال عبد الرزاق أيضًا: أخبرنا ابن عيينة، عن عمرو، أخبرني من سمع ابن عباس يخاصم نافع بن الأزرق، فقال ابن عباس: الورود: الدخول. فقال نافع: لا. فقرأ ابن عباس: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ وردوا أم لا، وقال: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ﴾ أورْدٌ هو أم لا؟ أما [¬٨] أنا وأنت فسندخلها، فانظر هل نخرج منها أم لا؟ وما أرى الله مخرجك منها بتكذيبك. فضحك نافع (^٢٦٦).\nوروي ابن جريج، عن عطاء قال: قال أبو راشد الحروري -وهو نافع بن الأزرق (^٢٦٧) -: ﴿لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا﴾. فقال ابن عباس: ويلك، أمجنون أنت؟ أين قوله: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ﴾، ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ ورْدًا (٨٦)﴾، ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إلا وَارِدُهَا﴾ والله إن كان دعاء من مضي: اللهم أخرجني من النار سالمًا، وأدخلني الجنة غانمًا.\nوقال ابن جرير (^٢٦٨): حدثني محمد بن عبيد المحاربي [¬٩]، حدثنا أسباط، عن عبد الملك، عن عبيد الله، عن مجاهد قال: كنت عند ابن عباس؛ فأتاه رجل يقال له:\n_________\n(^٢٦٤) - أخرجه الطبري (١٦/ ١١٠).\n(^٢٦٥) - أخرجه الطبري (١٦/ ١١٢).\n(^٢٦٦) - أخرجه الطبري (١٦/ ١٠٨ - ١٠٩).\n(^٢٦٧) - أخرجه الطبري (١٦/ ١٠٩).\n(^٢٦٨) - أخرجه الطبري (١٦/ ١٠٨ - ١٠٩).\n_________\n[¬١]- في ز: \"أبو\".\n[¬٢]- في ز: \"آوي\".\n[¬٣]- في ت: \"فهل\".\n[¬٤]- في ت: \"أنك\".\n[¬٥]- في ز، خ: \"فقال فهل\".\n[¬٦]- سقط من: ز، خ.\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٨]- سقط من: ز، خ.\n[¬٩]- في ز: \"الحاري\".","vol":"9","page":280},{"text":"أبو راشد -وهو نافع بن الأزرق- فقال له: يا بن عباس، أرأيت قول الله: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إلا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا (٧١)﴾؟. قال: أما أنا وأنت يا أبا راشد فسنردها، فانظر هل نصدر عنها أم لا؟ وقال أبو داود الطيالسي (^٢٦٩): قال شعبة: أخبرني عبد الله بن السائب، عمن سمع ابن عباس يقرؤها. (وإن منهم إلا واردها) يعني: الكفار.\nوهكذا روي عمر بن الوليد الشَّنيّ [¬١]: أنه سمع عكرمة يقرؤها كذلك (وإن منهم إلا واردها) قال: وهم: الظلمة، كذلك كنا نقرؤها. رواه ابن أبي حاتم، وابن جرير (^٢٧٠).\nوقال العوفي عن ابن عباس (^٢٧١) قوله: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إلا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا (٧١)﴾ يعني: البر والفاجر، ألم [¬٢] تسمع إلى قول الله لفرعون: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْورْدُ الْمَوْرُودُ (٩٨)﴾. ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ ورْدًا﴾؟ فسمى الورود على [¬٣] النار دخولًا وليس بصادر. و[¬٤] قال الإِمام أحمد (^٢٧٢): حدثنا عبد الرحمن، عن إسرائيل، عن السدي، عن مرة، عن عبد الله -هو ابن مسعود- ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إلا وَارِدُهَا﴾ قال رسول الله ﷺ: \"يرد الناس النار [¬٥] كلهم، ثم يصدرون عنها بأعمالهم\".\nورواه الترمذي [¬٦] (^٢٧٣) عن عبد [¬٧] بن حميد، عن [¬٨] عبيد الله، عن [] [¬٩] إسرائيل، عن السدي به. ورواه من طريق شعبة، عن السدي، عن مرة، عن ابن مسعود موقوفًا.\nهكذا وقع [] [¬١٠] هذا الحديث ها هنا مرفوعًا، وقد رواه أسباط، عن السدي، عن مرة، عن عبد الله بن مسعود قال: يرد الناس جميعًا الصراط، وورودهم قيامهم حول النار، ثم يصدرون عن الصراط بأعمالهم، فمنهم من يمر مثل البرق، ومنهم من يمر مثل الريح،\n_________\n(^٢٦٩) - أخرجه الطبري (١٦/ ١١٠) قال: حدثنا المثنى، قال: ثنا أبو داود … إلخ مثل ما ذكره المصنف.\n(^٢٧٠) - أخرجه الطبري (١٦/ ١١١)، قال: يعني الكفار.\n(^٢٧١) - عزاه السيوطي في الدر المنثور (٤/ ٥٠٥) إلي عبد بن حميد وابن أبي حاتم.\n(^٢٧٢) - أخرجه أحمد (١/ ٤٣٣ - ٤٣٥) نحوه.\n(^٢٧٣) - أخرجه الترمذي في كتاب: تفسير القرآن، باب: ومن سورة مريم، حديث (٣١٦٠) (٥/ ٢٩٧).\n_________\n[¬١]- في ز: \"البستي\"، خ: \"السبتي\".\n[¬٢]- في ت: \"ألا\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"في\".\n[¬٤]- سقط من: ز.\n[¬٥]- سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- في ز، خ: \"الزهري\".\n[¬٧]- في ز، خ: \"محمد\".\n[¬٨]- في ز: \"بن\".\n[¬٩]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"ابن\".\n[¬١٠]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"في\".","vol":"9","page":281},{"text":"[ومنهم من يمر مثل الطير] [¬١]، ومنهم من يمر كأجود الخيل، ومنهم من يمر كأجود الإِبل، ومنهم من يمر كعدو الرجل، حتى إن آخرهم مَرًّا رجل نوره علي موضعي إبهامي قدميه، يمر يتكفأ به الصراط، والصراط دَحْضٌ مزلة، عليه حسك كحسك القَتَاد (*) [¬٢]، حافتاه ملائكة، معهم كلاليب من نار، يختطفون بها الناس … وذكر تمام الحديث. رواه ابن أبي حاتم.\nوقال ابن جرير (^٢٧٤): حدثنا خلاد بن أسلم، حدثنا النضر، حدثنا إسرائيل، أخبرنا أبو إسحاق، [عن أبي] الأحوص [¬٣]، عن عبد [¬٤] الله: قوله: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إلا وَارِدُهَا﴾ قال: الصراط علي جهنم مثل حد السيف، فتمر الطبقة الأولى كالبرق، والثانية كالريح، والثالثة كأجود الخيل، والرابعة كأجود البهائم، ثم يمرون والملائكة يقولون: اللهم سلّم سلّم.\nولهذا شواهد في الصحيحن وغيرهما؛ من رواية أنس (^٢٧٥)، وأبي سعيد (^٢٧٦)، وأبي هريرة (^٢٧٧)، وجابر (^٢٧٨)، وغيرهم من الصحابة ﵃.\n_________\n(^٢٧٤) - أخرجه الطبري (١٦/ ١١٠).\n(^٢٧٥) - أخرجه البخاري في كتاب: الرقاق، باب: صفة الجنة والنار، حديث (٦٥٦٥) (١١/ ٤١٧) وفي التوحيد، باب: قول الله تعالى ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ حديث (٧٤٤٠) (١٣/ ٤٢٢)، وفي باب: كلام الرب ﷿ يوم القيامة مع الأنبياء وغيرهم، حديث (٧٥١٠) (١٣/ ٤٧٣). ومسلم في كتاب: الإيمان، باب: أدنى أهل الجنة منزلة فيها، حديث (٢٢٢/ ١٩٣) (٣/ ٦٥) وما بعدها، في ذكر حديث الشفاعة ولم يذكر فيه طوائف الناس في المرور علي الصراط.\n(^٢٧٦) - أخرجه البخاري في كتاب التوحيد، باب: قول الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾، حديث (٧٤٣٩) (١٣/ ٤٢١). ومسلم في كتاب الإيمان، باب: معرفة طريق الرؤية حديث (٣٠٢/ ١٨٣) (٣/ ٣٢) وما بعدها، كلاهما في حديث طويل ذكر فيه رؤية المؤمنين ربهم يوم القيامة.\n(^٢٧٧) - أخرجه البخاري في كتاب: الأذان، باب: فضل السجود، حديث (٨٠٦) (٢/ ٢٩٢ - ٢٩٣) وطرفاه في (٦٥٧٣، ٧٤٣٧). ومسلم في كتاب: الإيمان، باب: معرفة طريق الرؤية، حديث (٢٩٩/ ١٨٢) (٣/ ٢٢) وما بعدها. كلاهما بنحو حديث أبي سعيد.\n(^٢٧٨) - أخرجه مسلم في كتاب: الإيمان، باب: أدني أهل الجنة منزلة فيها، حديث (٣١٦/ ١٩١) (٣/ ٥٨) وما بعدها، في حديث طويل بنحوه.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n(*) القتاد: شجر صلب له شوكة كالإبر. القاموس ص (٣٩٣).\n[¬٢]- في خ: \"الصياد\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"الأخوص\".\n[¬٤]- في ز: \"عبيد\".","vol":"9","page":282},{"text":"وقال ابن جرير (^٢٧٩): حدثني يعقوب، حدثنا ابن عُلَيَّة، عن الجُريري، عن [أبي السليل] [¬١]، عن غنيم بن قيس قال: ذكروا ورود النار فقال كعب: تمسك النار للناس كأنها متن [¬٢] إهالة حتى يستوي [¬٣] عليها أقدام الخلائق؛ برهم وفاجرهم، ثم يناديها مناد: أن أمسكي أصحابك، ودعي أصحابي. قال: فتخسف [¬٤] بكل ولي لها، و[¬٥] لهي أعلم بهم من الرجل بولده، ويخرج المؤمنون نَديَّة ثيابهم. قال كعب: ما بين منكبي الخازن من خزنتها مسيرة سنة، مع كل واحد منهم عمود ذو [¬٦] شعبتين، يدفع به الدفع فيصرع به في النار سبعمائة ألف.\nو[¬٧] قال الإمام أحمد (^٢٨٠): حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر عن أم مُبَشّر، عن حفصة قالت: قال رسول الله ﷺ: \"إني لأرجو ألا يدخل النار إن شاء الله أحد شهد بدرًا والحديبية\". قالت: فقلت: أليس الله يقول: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إلا وَارِدُهَا﴾ قالت: فسمعته يقول: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾.\nوقال أحمد أيضًا (^٢٨١): حدثنا ابن إدريس، حدثنا الأعمش، عن أبي سفيان [¬٨]، عن جابر، عن أم مبشر -امرأة زيد بن حارثة- قالت: كان رسول الله ﷺ في بيت حفصة، فقال: \"لا يدخل النار أحد شهد [¬٩] بدرًا والحديبية\". قالت حفصة: أليس الله يقول: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إلا وَارِدُهَا﴾؟ فقال رسول الله ﷺ: ﴿ثم ننجي الذين اتقوا﴾.\nوفي الصحيحين (^٢٨٢) من حديث الزهري، عن سعيد، عن أبي هريرة ﵁\n_________\n(^٢٧٩) - أخرجه الطبري (١٦/ ١٠٩).\n(^٢٨٠) - أخرجه أحمد (٦/ ٢٨٥).\n(^٢٨١) - أخرجه أحمد (٦/ ٣٦٢).\n(^٢٨٢) - أخرجه البخاري في كتاب: الأيمان والنذور، باب: قول الله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيمَانِهِمْ﴾، حديث (٦٦٥٦) (١١/ ٥٤١). ومسلم في كتاب: البر والصلة والآداب، باب: =\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"ابن أبي ليلى\".\n[¬٢]- في خ: \"هذا\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"يسير\".\n[¬٤]- في ز، خ: \"فيخسف\".\n[¬٥]- سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- في ز، خ: \"و\".\n[¬٧]- سقط من: ز، خ.\n[¬٨]- في ز، خ: \"شقيق\".\n[¬٩]- في خ: \"أشهد\".","vol":"9","page":283},{"text":"قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا يموت لأحد من المسلمين ثلاثة من الولد تمسه النار، إلا تَحِلَّة القسم\".\nوقال [¬١] عبد الرزاق (^٢٨٣): قال معمر: أخبرني الزهري، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ قال: \"من مات له ثلاثة لم تمسه النار إلا تَحِلَّة القسم\". يعني: الورود.\nوقال أبو [¬٢] داود الطيالسي (^٢٨٤): حدثنا زمعة، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"لا يموت لمسلم ثلاثة من الولد تمسه النار إلا تَحِلَّة القسم\". قال الزهري: كأنه يريد هذه الآية: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إلا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾.\nوقال ابن جرير (^٢٨٥): حدثنا عمران بن بكار الكلاعي [¬٣]، حدثنا أبو المغيرة، حدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن تميم، حدثنا إسماعيل بن عبيد الله، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: خرج رسول الله ﷺ يعود رجلًا من أصحابه وَعِكا، وأنا معه، ثم قال: \"إن الله تعالى يقول: هي ناري أسلطها على عبدي المؤمن؛ لتكون [¬٤] حظه من النار في الآخرة\". غريب ولم يخرجوه من هذا الوجه.\nوحدثنا أبو كريب، حدثنا ابن [¬٥] يمان، عن عثمان بن الأسود، عن مجاهد (^٢٨٦) قال: الحمّى حظ كل مؤمن من النار، ثم قرأ: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إلا وَارِدُهَا﴾.\nو[¬٦] قال الإِمام أحمد (^٢٨٧): حدثنا حسن، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا زبان [¬٧] بن فائد،\n_________\n= فضل من يموت له ولد فيحتسبه، حديث (١٥٠/ ٢٦٣٢) (١٦/ ٢٧٧).\n(^٢٨٣) - أخرجه مسلم في كتاب: البر والصلة والآداب باب: فضل من يموت له ولد فيحتسبه، حديث (١٥٠ مكرر / ٢٦٣٢) (١٦/ ٢٧٧). والطبري (١٦/ ١١١) بنحوه.\n(^٢٨٤) - أخرجه الطيالسي (ص ٣٠٤) حديث (٢٣٠٤).\n(^٢٨٥) - أخرجه الطبري (١٦/ ١١١).\n(^٢٨٦) - أخرجه الطبري (١٦/ ١١١).\n(^٢٨٧) - أخرجه أحمد (٣/ ٤٣٧) (١٥٦٥٢) والطبراني في الكبير (٢٠/ ١٨٤) حديث (٣٩٨ - ٣٩٩). ورواه العقيلي في الضعفاء الكبير (٢/ ٩٦) ترجمة ٥٥٦. وذكره الهيثمي في المجمع (٧/ ١٤٨) وقال بعد =\n_________\n[¬١]- في خ: \"رواه\".\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- في ز، خ: \"الخلاعي\".\n[¬٤]- في خ: \"ليكون\".\n[¬٥]- في ز، خ: \"أبو\".\n[¬٦]- سقط من: خ.\n[¬٧]- في ز: \"ربا\".","vol":"9","page":284},{"text":"عن سهل بن معاذ بن أنس الجهني، عن أبيه، عن رسول الله ﷺ قال: \"من قرأ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ حتى يختمها عشر مرات، بنى الله له قصرًا في الجنة\". فقال عمر: إذًا نستكثر يا رسول الله. فقال رسول الله ﷺ: \"الله [¬١] أكثر وأطيب\".\nوقال رسول الله ﷺ: \"من قرأ ألف آية في سبيل الله، كتب يوم القيامة مع النبين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا، إن شاء الله، ومن حرس من وراء المسلمين في سبيل الله متطوعًا لا بأجرة [¬٢] سلطان، لم ير النار بعينيه إلا تحلة القسم، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إلا وَارِدُهَا﴾، وإن الذكر في سبيل الله [¬٣] يضاعف [¬٤] فوق النفقة بسبعمائة ضعف\". وفي رواية: \"بسبعمائة ألف ضعف\" (^٢٨٨).\n_________\n= عزوه لأحمد والطبراني: وفي إسنادهما رشدين سعد وزبان وكلاهما ضعيف وفيهما توثيق لين. ا هـ. وحسنه الشيخ الألباني كما في السلسلة الصحيحة (حديث ٥٨٩). قال الألباني: رشدين قد تابعه ابن لهيعة عند أحمد وفي ذلك ما يقويه ويبعد العلة عنه، وزبان غير متهم فحديثه مما يستشهد به، وقد وجدت له شاهدًا موصولًا وآخر مرسلًا أما الأول فأخرجه الطبراني في الأوسط عن أبي هريرة مرفوعًا به دون الزيادة، وزاد: \"ومن قرأها عشرين مرة بني له قصران ومن قرأها ثلاثي مرة بني له ثلاث\".\nقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ١٤٨) رواه الطبراني وفيه هانئ بن المتوكل وهو ضعيف.\nوأما الآخر: فقال الدارمي (٢/ ٢٣٠): ثنا عبد الله بن يزيد قال: ثنا حيوة، قال أخبرني أبو عقيل أنه سمع سعيد بن المسيب يقول: إن النبي ﷺ … فذكر مثل حديث معاذ بن أنس بتمامه وفيه الزيادة الثابتة التي في الشاهد الأول.\nقال الألباني: وهذا إسناد صحيح رجاله رجال الشيخين غير أبي عقيل واسمه زهرة بن معبد فهو من رجال البخاري وحده فإذا ضم إلى هذا المرسل الصحيح الموصولان- حديث معاذ بن أنس وأبي هريرة تقوي الحديث وبلغ رتبة الحسن علي أقل الدرجات.\n(^٢٨٨) - أخرجه أحمد (٣/ ٤٣٧). وأبو يعلى (٣/ ٦٣) حديث (١٤٨٩). والطبراني (٢٠/ ١٨٤ - ١٨٥) حديث (٣٩٩ - ٤٠٠). والحاكم (٢/ ٨٧). كلهم من طريق زبان بن فائد عن سهل بن معاذ بن أنس عن أبيه قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. قال الهيثمي في المجمع (٢/ ٢٧٢): رواه أبو يعلى والطبراني في الكبير وفيه ابن لهيعة عن زبان وفيهما كلام. ومداره عندهم علي زبان وهو ضعيف، وسهل ضعيف في زبان. لكن للطبراني رواية من طريق يحيى بن أبي أسيد عن سهل عن أبيه، به (٢٠/ ١٨٥) حديث (٤٠١). ويحيى بن أبي أسيد ذكره ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٩/ ١٢٩)، والبخاري في التاريخ الكبير (٨/ ٢٦١) ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا. كلهم يروون طرفه الأول.\nوأخرجه أحمد (٣/ ٤٣٧). وأبو يعلى (٣/ ٦٣) حديث (١٤٩٠). والطبراني (٢٠/ ١٨٥) حديث =\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في ز: \"بأجر\".\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- في ز: \"بضعف\".","vol":"9","page":285},{"text":"وروي أبو داود (^٢٨٩) عن أبي الطاهر، عن ابن وهب، عن يحيى بن أيوب [وسعيد بن أبي أيوب] [¬١]، كلاهما عن زبان [¬٢]، عن سهل، عن أبيه، عن رسول الله ﷺ: \"إن الصلاة والصيام [¬٣] والذكر تضاعف [¬٤] علي النفقة في سبيل الله بسبعمائة ضعف\".\nوقال عبد الرزاق عن معمر، عن قتادة (^٢٩٠) قوله: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إلا وَارِدُهَا﴾ قال: هو الممر [¬٥] عليها.\nوقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم (^٢٩١) في قوله: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إلا وَارِدُهَا﴾ قال: ورود المسلمين المرور [¬٦] على الجسر بين ظهريها، وورود المشركين أن يدخلوها، وقال النبي ﷺ: \"الزالون والزالات يومئذ كثير، وقد أحاط بالجسر يومئذ سماطان من الملائكة، دعاؤهم: يا الله: سلّم سلّم\".\nوقال السدي عن مرة، عن ابن مسعود (^٢٩٢) في قوله: ﴿كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا\n_________\n= (٤٠٢). وفيه رشدين بن سعد، وزبان بن فائد وكلاهما ضعيف، وسهل ضعيف في زبان أيضًا.\nقال الهيثمي في المجمع (٥/ ٢٩٠): رواه أحمد وأبو يعلى والطبراني، وفي أحد إسنادي أحمد بن لهيعة، وهو أحسن حالًا من رشدين. كلهم يروون وسطه.\nوأخرجه أحمد (٣/ ٤٣٨، ٤٤٠). والطبراني (٢٠/ ١٨٥) حديث (٤٠٤). كلاهما يروي طرفه الأخير وهو ضعيف كسابقيه.\nوأخرجه أبو داود في كتاب الجهاد، باب: في تضعيف الذكر في سبيل الله -تعالى- حديث (٢٤٩٨) (٣/ ٨). والحاكم (٢/ ٧٨) وصححه ووافقه الذهبي. والبيهقي (٩/ ١٧٢) كتاب: السير، باب: فضل الذكر في سبيل الله ﷿. بلفظ: \"إن الصلاة والصيام والذكر تضاعف علي النفقة في سبيل الله ﷿ بسبعمائة ضعف\". كلهم من طريق زبان بن فائد عن سهل بن معاذ بن أنس الجهني عن أبيه، وهو إسناد ضعيف كما سبق.\nوضعفه الألباني في ضعيف أبي داود برقم (٥٣٧).\n(^٢٨٩) - انظر السابق.\n(^٢٩٠) - أخرجه الطبري (١٦/ ١١٠).\n(^٢٩١) - أخرجه الطبري (١٦/ ١١١).\n(^٢٩٢) - أخرجه الطبري (١٦/ ١١٤).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في ز: \"ريان\".\n[¬٣]- في ز: \"السلام\".\n[¬٤]- في ز: \"يضاعف\".\n[¬٥]- في الطبري: المرُّ.\n[¬٦]- سقط من: ز.","vol":"9","page":286},{"text":"مَقْضِيًّا﴾ قال: قسمًا واجبًا. وقال مجاهد (^٢٩٣): حتمًا. قال: قضاء. وكذا قال ابن جريج (^٢٩٤).\nوقوله: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ أي: إذا مر الخلائق كلهم علي النار، وسقط مها من سقط [] [¬١] من الكفار والعصاة ذوي المعاصي، بَحَسَبهم، نجي الله تعالى المؤمنين المتقين منها بحسب أعمالهم، فَجَوَازهم علي الصراط وسرعتهم بقدر أعمالهم التي كانت في الدنيا، ثم يشفعون في أصحاب الكبائر من المؤمنين، فيشفع [] [¬٢] الملائكة والنبيون والمؤمنون، فيخرجون خلقًا كثيرًا قد أكلتهم النار، إلا دارات وجوههم -وهي مواضع السجود- وإخراجهم إياهم من النار بحسب ما في قلوبهم من الإيمان، فيخرجونا أولًا من كان في قلبه مثقال دينار من إيمان، ثم الذي يليه، ثم الذي يليه، [ثم الذي يليه]، حتى يخرجون من كان في قلبه أدنى أدنى أدنى مثقال ذرة من إيمان، ثم يخرج الله من النار من قال يومًا من الدهر: لا إله إلا الله، وإن لم يعمل خيرًا قط، ولا يبقى في النار إلا من وجب عليه الخلود، كما وردت [¬٣] بذلك الأحاديث الصحيحة عن رسول الله ﷺ، ولهذا قال تعالى: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾.\n﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَال الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَينِ خَيرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا (٧٣) وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا (٧٤)﴾\nيخبر تعالى عن الكفار حين تتلى عليهم آيات الله [¬٤]، ظاهرة الدلالة، بينة الحجة، واضحة البرهان أنهم يصدون ويعرضون عن ذلك، ويقولون عن الذين آمنوا، مفتخرين عليهم، ومحتجين [] [¬٥] على صحة ما هم عليه من الدين الباطل، بأنهم [¬٦]: ﴿خَيرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾ [أي: أحسن منازل، وأرفع دورًا، وأحسن نديًّا] [¬٧]، وهو [¬٨]: مجمع الرجال للحديث [¬٩]، أي: ناديهم [¬١٠] أعمر وأكثر واردًا وطارقًا، يعنون: فكيف [نكون ونحن] [¬١١] بهذه المثابة على باطل، وأولئك [الذين هم] [¬١٢] مختفون مستترون\n_________\n(^٢٩٣) - أخرجه الطبري (١٦/ ١١٤).\n(^٢٩٤) - أخرجه الطبري (١٦/ ١١٤).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ز: \"فيها\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"الله\".\n[¬٣]- في خ: \"ورد\".\n[¬٤]- سقط من: ز.\n[¬٥]- في ز: \"بعيون\"، خ: \"بعيونه\".\n[¬٦]- في خ: \"وأنهم\".\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٨]- في خ: \"وهم\".\n[¬٩]- في ز، خ: \"للبيت\".\n[¬١٠]- في ز، خ: \"مأواهم\".\n[¬١١]- في ز: \"يكون عنى\"، خ: \"عني\".\n[¬١٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.","vol":"9","page":287},{"text":"في دار الأرقم بن أبي الأرقم ونحوها من [¬١] الدور على الحق؟ كما قال تعالى مخبرًا عنهم: ﴿وَقَال الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيهِ﴾ وقال قوم نوح: ﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ﴾ ليقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيهِمْ مِنْ بَينِنَا أَلَيسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾، ولهذا قال تعالى رادًّا عليهم شبهتهم: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ﴾ أي: وكم [¬٢] من أمة وقرن من المكذبين، قد أهلكناهم بكفرهم ﴿هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا﴾ أي: كانوا أحسن من هؤلاء أموالًا وأمتعة، ومناظر وأشكالًا.\nقال الأعمش: عن أبي ظبيان، عن ابن عباس (^٢٩٥): ﴿خَيرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾ قال: المقام: المنزل، والندي: المجلس، والأثاث: المتاع، والرئي: المنظر.\nوقال العوفي عن ابن عباس (^٢٩٦): المقام: المسكن، والندي: المجلس والنعمة والبهجة التي كانوا فيها. وهو كما قال الله لقوم فرعون حين أهلكهم وقص [¬٣] شأنهم في القرآن: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٢٥) وَزُرُوعٍ [¬٤] وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾ فالمقام: المسكن والنعيم، والندي: المجلس والمجمع الذي كانوا يجتمعون فيه، وقال تعالى فيما قص علي رسوله من أمر قوم لوط [إذ قال] [¬٥]: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾ والعرب تسمي المجلس: النادي. وقال قتادة (^٢٩٧): لما رأوا أصحاب محمد ﷺ في عيشهم خشونة، وفيهم قشافة، فَعَرَّض أهل الشرك بما تسمعون [¬٦]: ﴿أَيُّ الْفَرِيقَينِ خَيرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾ وكذا قال مجاهد (^٢٩٨) والضحّاك. ومنهم من قال في الأثاث: هو المال. ومنهم من قال: المتاع. ومنهم من قال: الثياب. والرئي: المنظر، كما قاله [¬٧] ابن عباس (^٢٩٩) ومجاهد (^٣٠٠) وغير واحد.\nوقال الحسن البصري: يعني الصور. وكذا قال مالك: ﴿أَثَاثًا وَرِئْيًا﴾: أكثر أموالًا،\n_________\n(^٢٩٥) - أخرجه الطبري (١٦/ ١١٦).\n(^٢٩٦) - أخرجه الطبري (١٦/ ١١٦).\n(^٢٩٧) - أخرجه الطبري (١٦/ ١١٦).\n(^٢٩٨) - أخرجه الطبري (١٦/ ١١٦).\n(^٢٩٩) - أخرجه الطبري (١٦/ ١١٧).\n(^٣٠٠) - أخرجه الطبري (١٦/ ١١٨).\n_________\n[¬١]- في ز: \"في\".\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- في ز، خ: \"قضى\".\n[¬٤]- في ز: \"وكنوز\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من خ.\n[¬٦]- في ز، خ: \"يسمعون\".\n[¬٧]- في ز: \"قال\".","vol":"9","page":288},{"text":"وأحسن صورًا. والكل متقارب صحيح.\n﴿قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلَالةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضْعَفُ جُنْدًا (٧٥)﴾\nيقول تعالى: ﴿قُلْ﴾ يا محمد لهؤلاء المشركين بربهم، المدعين أنهم علي الحق وأنكم على الباطل ﴿مَنْ كَانَ فِي الضَّلَالةِ﴾ أي: منا ومنكم ﴿فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾ أي: فأمهله الرحمن فيما هو فيه، حتى يلقي ربه وينقضي أجله ﴿إِمَّا الْعَذَابَ [¬١]﴾ يصيبه ﴿وَإِمَّا السَّاعَةَ﴾ بغتة تأتيه ﴿فَسَيَعْلَمُونَ﴾ حينئذ ﴿مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضْعَفُ جُنْدًا﴾ في مقابلة ما احتجوا به من خيرية المقام وحسن الندي.\nقال مجاهد (^٣٠١) في قوله: ﴿فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾ فليدعه الله في طغيانه. وهكذا قرر ذلك أبو جعفر بن جرير، ﵀.\nوهذه مباهلة للمشركين الذين يزعمون أنهم [¬٢] علي هدًى فيما [¬٣] هم فيه، كما ذكر تعالى مباهلة اليهود في قوله: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ أي: ادعوا علي المبطل منا ومنكم بالموت، إن كنتم تدعون أنكم علي الحق، فإنه لا يضركم الدعاء، فنكلوا عن ذلك، وقد تقدم تقرير ذلك في سورة البقرة مبسوطًا، ولله الحمد. وكما ذكر تعالى المباهلة مع النصارى في سورة آل عمران حين صمموا على الكفر، واستمروا علي الطغيان والغلو في دعواهم أن عيسى ولد الله، وقد [¬٤] ذكما [¬٥] الله حججه وبراهينه علي عبودية عيسى، وأنه مخلوق كآدم، قال تعالى [بعد ذلك] [¬٦]: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ [¬٧] بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ فنكلوا أيضًا عن ذلك.\n﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيرٌ\n_________\n(^٣٠١) - أخرجه الطبري (١٦/ ١١٩).\n_________\n[¬١]- في ز: \"بعذاب\"، وليست آية.\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- في ز: \"مما\".\n[¬٤]- في خ: \"وقدر\".\n[¬٥]- بياض في: ز، سقط من: خ.\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٧]- سقط من: ز.","vol":"9","page":289},{"text":"مَرَدًّا (٧٦)﴾.\nلما ذكر تعالى إمداد من هو في الضلالة فيما هو فيه، وزيادته علي ما هو عليه، أخبر بزيادة المهتدين هدى، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ﴾.\nوقوله: ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ﴾ قد تقدم تفسيرها، والكلام عليها، وإيراد الأحاديث المتعلقة بها في سورة الكهف ﴿خَيرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا﴾ أي: جزاءً ﴿وَخَيرٌ مَرَدًّا﴾ أي: عاقبة ومردا علي صاحبها.\nوقال عبد الرزاق (^٣٠٢): أخبرنا عُمَر بن راشد، عن يحيي [¬١] بن أبي كثير، عن أبي [¬٢] سلمة بن عبد الرحمن قال: جلس رسول الله ﷺ ذات يوم، فأخذ عودًا يابسًا فحط [¬٣] ورقه، ثم قال: \"إن قول لا إله إلا الله، والله أكبر، والحمد لله، وسبحان الله، تحط الخطايا كما تحط ورق هذه الشجرة الريح، خذهن يا أبا الدرداء قبل أن يُحال بينك وبينهن، هن الباقيات الصالحات، وهن من كنوز الجنة\". قال أبو سلمة: فكان [¬٤] أبو الدرداء إذا ذكر هذا الحديث قال: لأهَللن الله، ولأكبرن الله، وَلأسبحن الله، حتى إذا رآني الجاهل حسب أني مجنون. وهذا ظاهره أنه مرسل، ولكن قد يكون من رواية أبي سلمة عن إلي الدرداء، والله أعلم.\nوهكذا وقع في سنن ابن ماجة (^٣٠٣) من حديث أبي معاوية، عن عُمَرَ [¬٥] بن راشد، عن يحيى، عن أبي سلمة، عن أبي الدرداء فذكر نحوه.\n_________\n(^٣٠٢) - أخرجه الطبري (١٦/ ١٢٠) من طريق عبد الرزاق.\n(^٣٠٣) - أخرجه ابن ماجة، في كتاب: الأدب، باب: فضل التسبيح، حديث (٣٨١٣) (٢/ ١٢٥٣) بنحوه.\nقال البوصيري: في إسناده عمر بن راشد، قال فيه البخاري: حديثه عن ابن أبي كثير مضطرب، ليس بالقائم. قال ابن حبان: يضع الحديث، لا يحل ذكره إلا على سبيل القدح فيه.\nوضعفه الألباني في ضعيف أبي داود برقم (٨٣٢).\n_________\n[¬١]- في ز: \"تميم\".\n[¬٢]- في ز: \"بن\".\n[¬٣]- في ز: \"فخط\".\n[¬٤]- في ز: \"وكان\".\n[¬٥]- في ز، خ: \"عمرو\".","vol":"9","page":290},{"text":"﴿أَفَرَأَيتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَال لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا (٧٧) أَطَّلَعَ الْغَيبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (٧٨) كَلَّا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا (٧٩) وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا (٨٠)﴾\nقال الإمام أحمد (^٣٠٤): حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش عن مسلم عن مسروق عن خباب بن الأرت قال: كنت رجلًا قينًا، وكان لي على العاص بن وائل دين، فأتيته أتقاضاه، فقال: لا، والله لا أقضيك حتى تكفر بمحمد [فقلت: لا، والله لا أكفر بمحمد ﷺ] [¬١] حتى تموت، ثم تبعث. قال: فإني إذا مت ثم بعثت جئتني ولي ثَمَّ مال وولد فأعطيتك [¬٢]. فأنزل الله: ﴿أَفَرَأَيتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَال لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا﴾ إلى قوله: ﴿وَيَأْتِينَا فَرْدًا﴾ أخرجه [¬٣] صاحبا الصحيح وغيرهما، من غير وجه عن الأعمش به. وفي لفظ البخاري (^٣٠٥): كنت قينًا بمكة، فعملت للعاص بن وائل سيفًا، فجئت أتقاضاه فذكر الحديث، وقال: ﴿أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ قال: مَوْثقًا.\nوقال عبد الرزاق (^٣٠٦): أخبرنا الثوري، عن الأعمش، عن أبي الضحي، عن مسروق قال: قال خباب بن الأرت: كنت قينًا بمكة، فكنت أعمل للعاص بن وائل، قال: فاجتمعت لي عليه دراهم، فجعت لأتقاضاه، فقال لي: لا أقضيك حتى تكفر بمحمد. فقلت: لا أكفر بمحمد حتى تموت ثم تبعث. قال: فإذا بعثت كان لي مال وولد. قال [¬٤]: فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ، فأنزل الله: ﴿أَفَرَأَيتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَال لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا﴾ إلى قوله: ﴿وَيَأْتِينَا فَرْدًا﴾.\n_________\n(^٣٠٤) - أخرجه أحمد (٥/ ١١١).\n(^٣٠٥) - أخرجه البخاري في كتاب: البيوع، كتاب: ذكر القين والحدّاد، حديث (٢٠٩١)، وأطرفه في (٢٢٧٥ - ٢٤٢٥ - ٤٧٣٢ - ٤٧٣٣ - ٤٧٣٤ - ٤٧٣٥).\n(^٣٠٦) - أخرجه أحمد (٥/ ١١٠) من طريق عبد الرزاق بهذا الإسناد، وأخرجه مسلم بنحوه من طريق سفيان بهذا الإسناد في كتاب صفات المنافقين وأحكامهم، باب: سؤال اليهود النبي ﷺ عن الروح، وقوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾، حديث (٣٦/ ٢٧٩٥).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في ز: \"فأعطينك\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"أخرجاه\".\n[¬٤]- سقط من: ز.","vol":"9","page":291},{"text":"وقال العوفي عن ابن عباس (^٣٠٧): إن رجالًا من أصحاب رسول الله ﷺ كانوا يطلبون العاص بن وائل السهمي بدَيْن، فأتوه يتقاضونه، فقال: ألستم تزعمون أن في الجنة ذهبًا وفضة وحريرًا، ومن كل الثمرات؟ قالوا: بلي. قال: فإن موعدكم الآخرة، فوالله لأوتين مالًا وولدًا، ولأوتين مثل كتابكم الذي جئتم به. فضرب الله مثله في القرآن فقال: ﴿أَفَرَأَيتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا﴾ إلى قوله: ﴿وَيَأْتِينَا فَرْدًا﴾.\nو[¬١] هكذا قال مجاهد (^٣٠٨) وقتادة (^٣٠٩) وغيرهم: إنها نزلت في العاص بن وائل.\nوقوله ﴿لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا﴾ قرأ بعضهم (*) بفتح \"الواو\" من \"ولدًا\"، وقرأ آخرون بضمها وهو بمعناه قال رؤبة:\nالحمدُ للهِ العزيزِ فَردَا … لم يتخذ مِنْ وُلد شيء وُلْدًا.\nوقال الحارث بن [¬٢] حلّزَة [¬٣]:\nوَلَقَدْ رَأَيتُ مَعَاشرًا … قَد تَمَّروا مالًا وَوُلْدَا\nوقال الشاعر:\nفَلَيْتَ [¬٤] فلانًا كان في بَطْنِ أمه … وليت فلانًا كان وُلْد حمار\nوقيل: إن الوُلْد بالضم: جمع، والولَد بالفتح: مفرد، وهي لغة قيس، والله أعلم.\nوقوله: ﴿أَطَّلَعَ الْغَيبَ﴾ إنكار على هذا القائل: ﴿لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا﴾ يعني: يوم القيامة، أي: أعلم ما له في الآخرة حتى تَألَّى وحلف على ذلك ﴿أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ أم له عند الله [عهد سيؤتيه] [¬٥] ذلك؟ وقد تقدم عند البخاري: أنه الموثق.\nوقال الضحاك عن ابن عباس: ﴿أَطَّلَعَ الْغَيبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ قال: لا إله إلا الله فيرجو بها.\n_________\n(^٣٠٧) - أخرجه الطبري (١٦/ ١٢٠ - ١٢١).\n(^٣٠٨) - أخرجه الطبري (١٦/ ١٢١).\n(^٣٠٩) - أخرجه الطبري (١٦/ ١٢١). وذكره السيوطي في الدر المنثور (٤/ ٥٠٦) وعزاه إلى ابن أبي حاتم.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n(*) وهي قراءة حمزة والكسائي. السبعة (٤١٢).\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- في ز: \"حزة\"، سقط من: خ.\n[¬٤]- في ز، خ: \"وليت\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين في ز: \"عهدًا سيرته\"، خ: \"عهدا في سيرتيه\".","vol":"9","page":292},{"text":"وقال محمد بن كعب القرظي: ﴿إلا من اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ قال: شهادة أن لا إله إلا الله، ثم قرأ: ﴿إلا من اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾.\nوقوله: ﴿كَلَّا﴾ هي حرف رَدْع لما قبلها، وتأكيد لما بعدها ﴿سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ﴾ أي: من طلبه ذلك، وحكمه لنفسه بما يتمناه، وكفره بالله العظيم ﴿وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا﴾ أي: في الدار الآخرة على قوله ذلك، وكفره بالذي الدنيا ﴿وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ﴾ أي: من مال وولد نسلبه منه، عكس ما قال: إنه يؤتى [¬١] في الدار الآخرة مالًا وولدًا زيادة [¬٢] على [الذي له] [¬٣] في الدنيا، بل في الآخرة يسلب [¬٤] من الذي كان له في الدنيا؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَيَأْتِينَا فَرْدًا﴾ أي: من المال والولد.\nقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس (^٣١٠): ﴿وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ﴾ [قال: نرثه] [¬٥].\nوقال مجاهد (^٣١١): ﴿وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ﴾ [ماله وولده. وذلك الذي قال العاص بن وائل.\nوقال عبد الرزاق عن معمر عن قتادة (^٣١٢): ﴿وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ﴾:] [¬٦] قال: ما عنده، و[¬٧] هو قوله: ﴿لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا﴾ وفي حرف ابن مسعود: (ونرثه ما عنده).\nوقال قتادة (^٣١٣): ﴿وَيَأْتِينَا فَرْدًا﴾ لا مال له، ولا ولد.\nوقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم (^٣١٤): ﴿وَنَرِثُهُ مَا يَقُول﴾ قال: ما جمع من الدنيا وما عمل فيها، قال: ﴿وَيَأْتِينَا فَرْدًا﴾ قال: فردًا من ذلك، لا يتبعه قليل ولا كثير.\n﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (٨١) كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ\n_________\n(^٣١٠) - أخرجه الطبري (١٦/ ١٢٣).\n(^٣١١) - أخرجه الطبري (١٦/ ١٢٣).\n(^٣١٢) - أخرجه الطبري (١٦/ ١٢٣).\n(^٣١٣) - أخرجه الطبري (١٦/ ١٢٣).\n(^٣١٤) - أخرجه الطبري (١٦/ ١٢٣).\n_________\n[¬١]- في ز: \"يرى\".\n[¬٢]- في ز: \"وتاره\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في ز: \"الين كله\".\n[¬٤]- في ز: \"بل سلب\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٧]- سقط من: ز، خ.","vol":"9","page":293},{"text":"وَيَكُونُونَ عَلَيهِمْ ضِدًّا (٨٢) أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا (٨٣) فَلَا تَعْجَلْ عَلَيهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا (٨٤)﴾\nيخبر تعالى عن الكفار المشركين بربهم: أنهم اتخذوا من دونه آلهة؛ لتكون لهم تلك الآلهة ﴿عِزًّا﴾ يعتزون بهم ويستنصرونهم.\nثم أخبر أنه ليس الأمر كما زعموا، ولا يكون ما طمعوا، فقال: ﴿كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ﴾ أي: يوم القيامة ﴿وَيَكُونُونَ عَلَيهِمْ ضِدًّا﴾ أي: بخلاف ما ظنوا فيهم، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ (٦)﴾ وقرأ أبو [¬١]، نهيك: ﴿كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ﴾. وقال السدى: ﴿كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ﴾ أي: بعبادة الأوثان.\nوقوله: ﴿وَيَكُونُونَ عَلَيهِمْ ضِدًّا﴾ أي: بخلاف ما رجوا منهم.\nوقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس (^٣١٥): ﴿وَيَكُونُونَ عَلَيهِمْ ضِدًّا﴾ قال: أعوانًا.\nقال مجاهد (^٣١٦): عونًا عليهم، تخاصمهم وتكذبهم.\nوقال العوفي عن ابن عباس (^٣١٧): ﴿وَيَكُونُونَ عَلَيهِمْ ضِدًّا﴾ قال [¬٢]: قرناء.\nو[¬٣] قال السدي: ﴿وَيَكُونُونَ عَلَيهِمْ ضِدًّا﴾ قال: الخصماء الأشداء في [¬٤] الخصومة.\nو[¬٥] قال قتادة (^٣١٨): قرناء في النار يلعن بعضهم بعضًا، ويكفر بعضهم ببعض.\n_________\n(^٣١٥) - أخرجه الطبري (١٦/ ١٢٤). وذكره السيوطي في الدر المنثور (٤/ ٥٠٦)، وعزاه إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣١٦) - أخرجه الطبري (١٦/ ١٢٤).\n(^٣١٧) - أخرجه الطبري (١٦/ ١٢٤).\n(^٣١٨) - أخرجه الطبري (١٦/ ١٢٤).\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- سقط من: خ.\n[¬٤]- سقط من: ز.\n[¬٥]- سقط من: ز.","vol":"9","page":294},{"text":"وقال الضحاك (^٣١٩): ﴿وَيَكُونُونَ عَلَيهِمْ ضِدًّا﴾ قال: أعداء.\nوقال ابن زيد (^٣٢٠): الضد: البلاء.\nوقال عكرمة (^٣٢١): الضد: الحسرة.\nوقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾ قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس (^٣٢٢): تغويهم إغواء.\nوقال العوفي عنه: تحرضهم على محمد وأصحابه. وقال مجاهد (^٣٢٣): تشليهم [¬١] إشلاء. وقال قتادة (^٣٢٤): تزعجهم إزعاجًا إلى معاصي الله. وقال سفيان الثوري: تغريهم إغراء، وتستعجلهم استعجالًا. وقال السدي (^٣٢٥): تطغيهم طغيانًا.\nوقال عبد الرحمن بن زيد: هذا كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ وقوله: ﴿فَلَا تَعْجَلْ عَلَيهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا﴾ أي: لا تعجل يا محمد على هؤلاء في وقوع العذاب بهم ﴿إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا﴾ أي: إنما نؤخرهم لأجل معدود مضبوط، وهم صائرون لا محالة إلى عذاب الله ونكاله، [] [¬٢]: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾ ﴿فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيدًا﴾ ﴿إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا﴾، ﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾، ﴿قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ﴾.\nقال السدي: ﴿إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا﴾: السنين والشهور والأيام والساعات.\nوقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس (^٣٢٦): ﴿إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا﴾ قال: نعد أنفاسهم في الدنيا.\n_________\n(^٣١٩) - أخرجه الطبري (١٦/ ١٢٤).\n(^٣٢٠) - أخرجه الطبري (١٦/ ١٢٤).\n(^٣٢١) - ذكره السيوطي في الدر المنثور (٤/ ٥٠٦) وعزاه إلى ابن أبي حاتم.\n(^٣٢٢) - أخرجه الطبري (١٦/ ١٢٥).\n(^٣٢٣) - ذكره السيوطي في الدر المنثور (٤/ ٥٠٧)، وعزاه إلى ابن أبي حاتم.\n(^٣٢٤) - أخرجه الطبري (١٦/ ١٢٥).\n(^٣٢٥) - أخرجه الطبري (١٦/ ١٢٥).\n(^٣٢٦) - أخرجه الطبري (١٦/ ١٢٦).\n_________\n[¬١]- في خ: \"تشيلهم\".\n[¬٢]- في ت: وقال:","vol":"9","page":295},{"text":"يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (٨٥) وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ ورْدًا (٨٦) لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إلا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (٨٧)﴾\nيخبر تعالى عن أوليائه المتقين، الذين خافوه في الدار الدنيا، واتبعوا رسله، وصدقوهم فيما أخبروهم، وأطاعوهم فيما أمروهم به [¬١]، وانتهوا عما عنه زجروهم أنه يحشرهم يوم القيامة وفدًا إليه [¬٢]، والوفد: هم القادمون ركبانًا، ومنه الوفود، وركوبهم على نجائب من نور، من مراكب الدار الآخرة، وهم قادمون على خير موفود إليه، إلى دار كرامته ورضوانه.\nوأما المجرمون المكذبون للرسل المخالفون لهم، فإنهم يساقون عنفًا إلى النار، ﴿ورْدًا﴾ عطاشًا. قاله عطاء [¬٣]، وابن عباس (^٣٢٧)، ومجاهد، والحسن (^٣٢٨)، وقتادة (^٣٢٩)، وغير واحد. وههنا يقال: ﴿أَيُّ الْفَرِيقَينِ خَيرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾.\nوقال ابن أبي حاتم (^٣٣٠): حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا ابن خالد، عن عمرو بن قيس الملائي، عن ابن مرزوق: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾ قال: يستقبل المؤمن عند خروجه من قبره أحسن صورة رآها، وأطيبها ريحا، فيقول: من أنت؟ فيقول: أما تعرفني؟ فيقول: لا، إلا أن الله قد طيب ريحك وحسَّن وجهك. فيقول: أنا عملك الصالح، وهكذا كنت في الدنيا، حسنَ العمل طيبه، فطالما ركبتك في الدنيا، فهلم اركبني. فيركبه، فذلك قوله: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾.\nوقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس (^٣٣١): ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾ قال: ركبانًا [¬٤].\n_________\n(^٣٢٧) - أخرجه الطبري (١٦/ ١٢٧).\n(^٣٢٨) - أخرجه الطبري (١٦/ ١٢٧). وهناد في الزهد (١/ ١٨٥) حديث (٢٨٦ - ٢٨٧).\n(^٣٢٩) - أخرجه الطبري (١٦/ ١٢٧، ١٢٨). وذكره السيوطي في الدر المنثور (٤/ ٥١٠) بنحوه وعزاه إلى عبد الرزاق وعبد بن حميد.\n(^٣٣٠) - وأخرجه الطبري (١٦/ ١٢٧) من حديث عمرو بن قيس الملائي به.\n(^٣٣١) - أخرجه الطبري (١٦/ ١٢٧).\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- في ز: \"أئمة\".\n[¬٣]- مكانها بياض في: ز.\n[¬٤]- في ز، خ: \"ركابًا\".","vol":"9","page":296},{"text":"وقال ابن جرير (^٣٣٢): [حدثني ابن [¬١] المثنى] [¬٢]، حدثنا ابن مهدي، عن شعبة [¬٣]، عن إسماعيل، عن رجل، عن أبي هريرة: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾ قال: على الإِبل.\nوقال ابن جريج [¬٤] (^٣٣٣): على النجائب.\nوقال الثوري (^٣٣٤): على الإبل النوق.\nوقال قتادة (^٣٣٥): ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾ قال: إلى الجنة.\nوقال عبد الله بن الإِمام أحمد في مسند أبيه (^٣٣٦): حدثنا سويد بن سعيد، أخبرنا عليّ ن مسهر، عن عبد الرحمن بن إسحاق، حدثنا النعمان بن سعد قال: كنا جلوسًا عند عليّ ﵁، فقرأ هذه الآية: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾ قال: لا، والله ما على أرجلهم يحشرون، ولا يحشر الوفد على أرجلهم، ولكن بنوق [¬٥] لم ير الخلائق مثلها، عليها رحائل من ذهب، فيركبون عليها، حتى يضربوا أبواب الجنة.\nوهكذا رواه ابن أبي حاتم (^٣٣٧) وابن جرير (^٣٣٨)، من حديث عبد الرحمن بن إسحاق المدني به. وزاد: عليها [¬٦] رحائل الذهب، وأزمتها الزبرجد، والباقي مثله.\nوقد روى ابن أبي حاتم ها هنا حديثًا غريبًا جدًّا مرفوعًا، عن علي فقال:\nحدثنا أبي، حدثنا أبو غسان مالك بن إسماعيل النهدي [¬٧]، حدثنا مسلمة بن جعفر\n_________\n(^٣٣٢) - أخرجه الطبري (١٦/ ١٢٧).\n(^٣٣٣) - أخرجه الطبري (١٦/ ١٢٧) من حديث ابن جريج.\n(^٣٣٤) - أخرجه الطبري (١٦/ ١٢٧).\n(^٣٣٥) - أخرجه الطبري (١٦/ ١٢٧). وعزاه السيوطي في الدر المنثور (٤/ ٥٠٨) إلى عبد الرزاق وعبد بن حميد.\n(^٣٣٦) - أخرجه أحمد (١/ ١٥٥).\n(^٣٣٧) - أخرجه الحاكم (٢/ ٣٧٨) وقال: على شرط مسلم وتعقبه الذهبي بأن عبد الرحمن لم يرو له مسلم ولا لخاله النعمان وضعفوه.\n(^٣٣٨) - أخرجه الطبري (١٦/ ١٢٦).\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٣]- في ز، خ: \"سعيد\".\n[¬٤]- في خ: \"جرير\".\n[¬٥]- في ز، خ: \"نوق\".\n[¬٦]- في ز: \"عليهما\".\n[¬٧]- في ز، خ: \"المدني\".","vol":"9","page":297},{"text":"البجلي، سمعت أبا معاذ البصري قال: إن عليًّا كان ذات يوم عند رسول الله ﷺ فقرأ عليَّ هذه الآية: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾ فقال: ما أظن الوفد إلا الركب يا رسول الله. فقال رسول الله ﷺ: \"والذي نفسي بيده، إنهم إذا خرجوا من قبورهم يستقبلون -أو يؤتون- بنُوق [¬١] بيض لها أجنحة، وعليها وحال الذهب، شُرُك نعالهم نور يتلألأ كل خطوة منها مد البصر، فينتهون إلى شجرة ينبع من أصلها عينان، فيشربون من إحداهما، فتغسل ما في بطونهم من دنس، ويغتسلون من الأخرى، فلا تشعث [أبشارهم ولا] [¬٢] أشعارهم [¬٣] بعدها أبدًا، وتجري عليهم نضرة النعيم، فينتهون -أو فيأتون- باب الجنة، فإذا حلقة من ياقوتة حمراء على [¬٤] صفائح الذهب، فيضربون بالحلقة على الصفيحة، فيسمع لها طنين يا [¬٥] علي، فيبلغ كل حوراء أن زوجها قد أقبل، فتبعث قيمها فيفتح له، فإذا رآه خرّ له -قال مسلمة: أراه قال: ساجدًا- فيقول: ارفع رأسك، إنما أنا قيمك وكلت بأمرك. فيتبعه ويقفو أثره، فتستخف الحوراء العجلة، فتخرج من خيام الدر والياقوت حتى تعتنقه، ثم تقول: أنت حبي، وأنا حِبك، وأنا الخالدة التي لا أموت، وأنا الناعمة التي لا أبأس، وأنا الراضية التي لا أسخط [¬٦]، وأنا المقيمة التي لا أظعن. فيدخل بيتًا من أسّه إلى سقفه مائة ألف ذراع، بناؤه على جندل اللؤلؤ طرائق: أصفر وأحمر وأخضر، ليس منها طريقة تشاكل صاحبتها [¬٧]، وفي البيت سبعون سريرًا، على كل سرير سبعون حشية، على كل حشية سبعون زوجة، على كل زوجة سبعون حلة، يرى مخ ساقها من وراء الحلل، يقضى جماعها في مقدار ليلة من لياليكم هذه، الأنهار من تحتهم تطرد؛ أنهار من ماء غير آسن -قال: صاف لا كَدَرَ فيه- وأنهار من لبن لم يتغير طعمه، لم يخرج من ضروع الماشية، وأنهار من خمر لذة للشاربين، لم يعتصرها الرجال بأقدامهم [¬٨]، وأنهار من عسل مصفى، لم يخرج من بطون النحل، فيستحلي الثمار، فإن شاء أكل قائمًا، وإن قاعدًا، وإن شاء متكئًا. ثم تلا: ﴿وَدَانِيَةً عَلَيهِمْ ظِلَالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا﴾ فيشتهي الطعام فيأتيه تطير أبيض- وربما قال: أخضر [¬٩]- فترفع أجنحتها، فيأكل من جنوبها أي الألوان شاء، ثم تطير فتذهب، فيدخل الملك فيقول: سلام عليكم ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ولو أن شعرة من شعر\n_________\n[¬١]- في ز: \"ببرق\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٣]- غير واضحة في ز، سقط من: خ.\n[¬٤]- في خ: \"هي\".\n[¬٥]- سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- في ز: \"تسخط\".\n[¬٧]- في خ: \"خضر\".\n[¬٨]- في ز، خ: \"بأقدامها\".\n[¬٩]- في ز: \"خضر\".","vol":"9","page":298},{"text":"الحوراء وقعت [¬١] لأهل الأرض، لأضاءت، الشمس معها سواد في نور\".\nهكذا وقع في هذه الرواية مرفوعًا، وقد رويناه في المقدمات من كلام علي ﵁ بنحوه، وهو أشبه بالصحة، والله أعلم.\nوقوله: ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ ورْدًا﴾ أي: عطاشًا، ﴿لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ﴾ أي: ليس لهم من يشفع لهم كما يشفع المؤمنون بعضهم لبعض، كما قال تعالى مخبرًا عنهم: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (١٠٠) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾.\nوقوله: ﴿إلا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ هذا استثناء منقطع، بمعنى: لكن من اتخذ عند الرحمن عهدًا [¬٢]، وهو شهادة ألّا إله إلا الله، والقيام بحقها.\nقال عليّ بن أبي طلحة عن ابن عباس (^٣٣٩): ﴿إلا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ قال: العهد شهادة أن لا إله إلا الله، ويبرأ إلى الله من الحول والقوة، ولا يرجو إلا الله ﷿.\nوقال ابن أبي حاتم (^٣٤٠): حدثنا عثمان بن خالد الواسطي، حدثنا محمد بن الحسن الواسطي، عن المسعودي، عن عون بن عبد الله، عن أبي فاختة، عن الأسود بن يزيد قال: قرأ عبد الله -يعني ابن مسعود- هذه الآية ﴿إلا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ ثم قال: اتخذوا عند الله عهدًا، فإن الله يقول يوم القيامة: من كان له [عند الله] [¬٣] عهد فليقم. قالوا: يا أبا عبد الرحمن؛ فَعَلَّمنا. قال: قولوا: اللهم فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، فإني أعهد إليك في هذه الحياة الدنيا أنك إن تكلني إلى عملي يقربني من الشر ويباعدني من الخير، وإني لا أثق إلا [برحمتك، فاجعل] [¬٤] لي عندك عهدًا تؤديه إليَّ يوم القيامة، إنك لا تخلف الميعاد.\nقال المسعودي: فحدثني زكريا، عن القاسم بن عبد الرحمن، أخبرنا [¬٥] ابن مسعود: وكان يُلْحِقُ [¬٦] بهن: خائفًا مستجيرًا مستغفرًا راهبًا راغبًا إليك. ثم رواه من وجه آخر عن المسعودي بنحوه.\n_________\n(^٣٣٩) - أخرجه الطبري (١٦/ ١٢٨). وزاد السيوطي في الدر المنثور (٤/ ٥١٠) نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات.\n(^٣٤٠) - أخرجه الطبراني في الكبير (٩/ ٢٠٩). والحاكم (٢/ ٣٧٨) وصححه ووافقه الذهبي.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"رفعت\".\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٤]- في ز: \"برجائك فاجعله\".\n[¬٥]- سقط من: ز.\n[¬٦]- في ز: \"يلخن\".","vol":"9","page":299},{"text":"﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (٨٨) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيئًا إِدًّا (٨٩) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (٩١) وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (٩٢) إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إلا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (٩٤) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا (٩٥)﴾\nلما قرر تعالى في هذه السورة الشريفة عبودية عيسى ﵇، وذكر خلقه من مريم بلا أب، شرع في مقام الإنكار على من زعم أن له ولدًا -تعالى وتقدّس وتنزه عن ذلك علوًّا كبيرًا- فقال: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (٨٨) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيئًا إِدًّا﴾ أي: في قولكم هذا ﴿شَيئًا إِدًّا﴾ قال ابن عباس (^٣٤١) ومجاهد (^٣٤٢) وقتادة (^٣٤٣) ومالك: أي: عظيمًا. ويقال: إدًّا بكسر الهمزة وفتحها، ومع مدها أيضًا، ثلاث لغات، أشهرها الأولى.\nوقوله: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا﴾ أي: يكاد يكون ذلك عند سماعهن [¬١] هذه المقالة من فجرة بني آدم، إعظامًا للرب وإجلالًا؛ لأنهن مخلوقات ومؤسسات على توحيده، وأنه لا إله إلا هو، وأنه لا شريك له، ولا نظير له، ولا ولد له، ولا صاحبة له، ولا كفء له، بل هو الأحد الصمد.\nوفي كُلِّ شيء له آية … تدل على أنه واحد [¬٢]\nوقال ابن جرير (^٣٤٤): حدثني عليّ، حدثنا عبد الله، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس، قوله: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ [¬٣] مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا﴾ قال: إن الشرك فزعت منه السموات والأرض والجبال، وجميع\n_________\n(^٣٤١) - أخرجه الطبري (١٦/ ١٢٩).\n(^٣٤٢) - أخرجه الطبري (١٦/ ١٢٩).\n(^٣٤٣) - أخرجه الطبري (١٦/ ١٢٩).\n(^٣٤٤) - أخرجه الطبري (١٦/ ١٣٠).\n_________\n[¬١]- في ز: \"سماعهم\".\n[¬٢]- في خ: \"الواحد\".\n[¬٣]- في ز: \"ينفطرن\".","vol":"9","page":300},{"text":"الخلائق إلا الثقلين، فكادت أن تزول منه لعظمة الله، وكما لا ينفع مع الشرك إحسان المشرك، كذلك نرجو أن يغفر الله ذنوب الموحدين، وقال رسول الله ﷺ: \"لقنوا موتاكم شهادة أن لا إله إلا الله، فمن قالها عند موته وجبت له الجنة\". قالوا: يا رسول الله، فمن قالها في صحته؟ قال: \"تلك أوجب وأوجب\". ثم قال: \"والذي نفسي بيده، لو جيء بالسموات والأرضين وما فيهن، وما بينهن وما تحتهن، فوضعن في كفة الميزان، ووضعت شهادة أن لا إله إلا الله في الكفة الأخرى، لرجحت بهن\".\nوهكذا رواه ابن جرير، ويشهد له حديث البطاقة (^٣٤٥)، والله أعلم.\nوقال الضحاك: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ [¬١] مِنْهُ﴾ أي: يتشققن فَرَقًا [¬٢] من عظمة الله.\nوقال عبد الرحمن [¬٣] بن زيد بن أسلم: ﴿وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ﴾ أي: غضبًا لله ﷿.\n﴿وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا﴾ قال ابن عباس (^٣٤٦): هدمًا.\nوقال سعيد بن جبير: ﴿هَدًّا﴾ [¬٤] ينكسر بعضها على بعض متتابعات.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عبد الله بن سويد المقبري، حدثنا سفيان بن عيينة، حدثنا مسعر، عن عون، عن [¬٥] عبد الله، قال: إن الجبل لينادي الجبل باسمه: يا فلان، هل مر بك اليوم ذاكرًا لله ﷿؟ فيقول: نعم ويستبشر. قال عون: لهي للخير أسمع، أفيسمعن الزور والباطل إذا قيل ولا يسمعن غيره، ثم قرأ: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا﴾.\nوقال ابن أبي حاتم أيضًا: حدثنا المنذر بن شاذان، حدثنا هَوذَة، حدثنا عوف، عن\n_________\n(^٣٤٥) - حديث البطاقة: أخرجه أحمد (٢/ ٢١٣). والترمذي في كتاب: الإيمان، باب: ما جاء فيمن يموت وهو يشهد أن لا إله إلا الله، حديث (٢٦٣٩) (٥/ ٢٥)، وحسنه. وابن ماجة في كتاب: الزهد، باب: ما يرجى من رحمة الله يوم القيامة، حديث (٤٣٠٠) (٢/ ١٤٣٧). والحاكم (١/ ٦ - ٥٢٩) وصححه ووافقه الذهبي. والحديث صححه الألباني في الصحيحه برقم (١٣٥).\n(^٣٤٦) - أخرجه الطبري (١٦/ ١٣٠).\n_________\n[¬١]- في ز: \"ينفطرن\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"فزعًا\".\n[¬٣]- في ز: \"الله\".\n[¬٤]- في خ: \"هكذا\"، وليست من الآية.\n[¬٥]- في ز: \"بن\".","vol":"9","page":301},{"text":"غالب بن عَجْرَد، حدثني رجل من أهل الشام في مسجد منى قال: بلغني أن الله لما خلق الأرض وخلق ما فيها من الشجر، لم يكن في الأرض شجرة يأتيها بنو آدم إلا أصابوا منها منفعة -[أو قال: كان لهم فيها منفعة] [¬١]- ولم تزل الأرض والشجر بذلك حتى تكلم فجرة بني آدم بتلك الكلمة العظيمة: قولهم ﴿اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا﴾ فلما تكلموا بها اقشعرت الأرض وشاك الشجر.\nوقال كعب الأحبار (^٣٤٧): غضبت الملائكة واستعرت [¬٢] النار، حين قالوا ما قالوا.\nوقال الإمام أحمد (^٣٤٨): حدثنا أبو [¬٣] معاوية، حدثنا الأعمش، عن سعيد بن جبير، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن أبي موسى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"ما أحد أصبر على أذى يسمعه من الله: إنه يشرك به ويجعل له ولد وهو يعافيهم ويدفع عنهم ويرزقهم\".\nأخرجاه في الصحيحين. وفي لفظ: \"إنهم يجعلون لي ولدًا وهو يرزقهم ويعافيهم\".\nوقوله: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ أي: لا يصلح له ولا يليق به؛ لجلاله وعظمته لأنه لا كفء له من خلقه [¬٤] لأن جميع الخلائق عبيد له ولهذا قال: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إلا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا﴾ أي: قد علم عددهم منذ خلقهم إلى يوم القيامة، ذكرهم وأنثاهم، وصغيرهم وكبيرهم ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ أي: لا ناصر له ولا مجير إلا الله وحده لا شريك له، فيحكم في خلقه بما يشاء، وهو العادل الذي لا يظلم مثقال ذرة ولا يظلم أحدًا.\n﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا (٩٦) فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا (٩٧) وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا (٩٨)﴾\n_________\n(^٣٤٧) - أخرجه الطبري (١٦/ ١٣٠).\n(^٣٤٨) - أخرجه أحمد (٤/ ٣٩٥). والبخاري في كتاب: الأدب، باب: الصبر في الأدب وقول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيرِ حِسَابٍ﴾، حديث (٦٠٩٩) (١٠/ ٥١١) وطرفه في (٧٣٧٨). ومسلم في كتاب: صفات المنافقين وأحكامهم، باب: لا أحد أصبر على أذًى من الله ﷿، حديث (٤٩ - ٥٠/ ٢٨٠٤) (١٧/ ٢١٣ - ٢١٤).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٢]- في خ: \"واستوت\".\n[¬٣]- في ز: \"ابن\".\n[¬٤]- في ز: \"خلق\".","vol":"9","page":302},{"text":"يخبر تعالى أنه يغرس لعباده المؤمنين الذين يعملون الصالحات -وهي الأعمال التي ترضي الله ﷿ لمتابعتها الشريعة المحمدية- يغرس لهم في قلوب عباده الصالحين مودة، وهذا أمر لا بد منه ولا [¬١] محيد عنه، وقد وردت بذلك الأحاديث الصحيحة عن رسول الله ﷺ من غير وجه:\nقال الإمام أحمد (^٣٤٩): حدثنا عفان، حدثنا أبو عوانة، حدثنا سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: \"إن الله إذا أحب عبدًا دعا جبربل فقال: يا جبريل، إني أحب فلانًا فأحبه\". قال: \"فيحبه جبريل\". قال: \"ثم ينادي في أهل السماء: إن الله يحب فلانًا [فأحبوه] \". قال: \"فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض. وإن الله إذا أبغض عبدًا دعا جبربل فقال: يا جبريل، إني أبغض فلانًا فأبغضه\". قال: \"فيبغضه جبربل، لم ينادي في أهل السماء: إن الله يبغض فلانًا فأبغضوه\". قال: \"فيبغضه أهل السماء، ثم توضع [¬٢] له البغضاء في الأرض\". ورواه مسلم (^٣٥٠) من حديث سهيل.\nورواه أحمد (^٣٥١) والبخاري من حديث ابن جريج، عن موسى بن عقبة [¬٣]، عن نافع مولى ابن عمر، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ بنحوه.\nوقال الإمام أحمد (^٣٥٢): حدثنا محمد بن بكر، حدثنا ميمون -أبو محمد المرئي [¬٤]- حدثنا محمد بن عباد المخزومي، عن ثوبان ﵁، عن النبي ﷺ قال: \"إن العبد ليلتمس مرضات الله فلا يزال كذلك، فيقول الله ﷿ لجبريل: إن فلانًا عبدي يلتمس أن يرضيني، ألا وإن رحمتي عليه. فيقول جبربل:\n_________\n(^٣٤٩) - أخرجه أحمد (٤٨٨١) (٢/ ٣٤١)، (٢/ ٢٦٧، ٤١٣، ٥٠٩، ٥١٤).\n(^٣٥٠) - أخرجه مسلم في كتاب البر والصلة والآداب، باب: إذا أحب الله عبده حببه إلى عباده، حديث (١٥٧/ ٢٦٣٧) (١٦/ ٢٨٢).\n(^٣٥١) - أخرجه أحمد (٢/ ٥١٤) والبخاري في كتاب: بدء الخلق، باب: ذكر الملائكة، حديث (٣٢٠٨) (٦/ ٢٠٣)، وطرفاه في (٦٠٤٠، ٧٤٨٥).\n(^٣٥٢) - أخرجه أحمد (٥/ ٢٧٩). والطبراني في الأوسط (٨/ ٢٠٦، ٢٠٧ / رقم: ٤٩٧٦) مطولًا من طريق أحمد بن محمد بن صدقة، عن يحيى بن محمد بن السكن، عن محبوب بن الحسن، عن ميمون به. وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٢٠٢) وعزاه لأحمد وحده وقال: \"ورجاله رجال الصحيح غير ميمون بن عجلان وهو ثقة\". وفي (١٠/ ٢٧٢) عزاه للطبراني في الأوسط وحده وقال: \"ورجاله ثقات\".\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"فلا\".\n[¬٢]- في خ: \"يوضع\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"عتبة\".\n[¬٤]- في ز: \"المرائي\".","vol":"9","page":303},{"text":"رحمة الله على فلان، ويقولها [¬١] حملة العرش، ويقولها من حولهم، حتى يقولها أهل السموات السبع، ثم يهبط إلى الأرض\". غريب ولم يخرجوه من هذا الوجه.\nوقال الإمام أحمد (^٣٥٣): حدثنا أسود بن عامر، حدثنا شريك، عن محمد بن سعد الواسطي، عن أبي ظبية، عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن المقَة من الله -قال شريك: هي المجة- والصيت من السماء، فإذا أحب الله عبدًا قال لجبريل ﵇: إني أحب فلانًا. فينادى جبريل: إن ربكم يمقُ [¬٢]-يعني: يحب- فلا، فأحبوه -وأرى [¬٣] شريكًا قد قال: \"فتنزل له المحبة في الأرض\"-\"وإذا أبغض عبدًا قال لجبريل: إني أبغض فلانًا فأبغضه. قال: \"فينادي جبريل: إن ربكم يبغض فلانًا فأبغضوه، قال: أرى شريكًا [قد قال] [¬٤]: فيجرى له البغض في الأرض\". غريب ولم يخرجوه.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو داود الحَفريّ، حدثنا عبد العزيز -يعني: ابن محمد، وهو: الدراوردي [¬٥]- عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: \"إذا أحب الله عبدًا نادى جبريل: إني قد [¬٦] أحببت فلانًا فأحبه. فينادى في السماء، ثم ينزل له المحبة في أهل الأرض، فذلك قول الله ﷿: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾.\nورواه مسلم (^٣٥٤) والترمذي [¬٧]- كلاهما عن قتيبة [¬٨]، عن الدراوردي به. وقال الترمذي [¬٩]: حسن صحيح.\nوقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس (^٣٥٥) في قوله: ﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾\n_________\n(^٣٥٣) - أخرجه أحمد (٥/ ٢٥٩، ٢٦٣). وأخرجه الطبراني في الكبير (٨/ ١٤١ / رقم: ٧٥٥١). وفي الأوسط كما في مجمع البحرين (٨/ ٢٠٧، ٢٠٨ / رقم: ٤٩٧٧). وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٢٧١) وعزاه لأحمد والطبراني في الكبير والأوسط وقال: \"ورجاله وثقوا\".\n(^٣٥٤) - صحيح مسلم، كتاب: البر والصلة والآداب، باب: إذا أحب الله عبده حببه إلى عباده، مكرر حديث (١٥٧/ ٢٦٣٧) (١٦/ ٢٨٣) ورواه الترمذي، كتاب: تفسير القرآن، باب: ومن سورة مريم، حديث (٣١٦١) (٥/ ٢٩٧ - ٢٩٨). وقال الترمذي: حسن صحيح.\n(^٣٥٥) - أخرجه الطبري (١٦/ ١٣٢)، وزاد السيوطي في الدر المنثور (٤/ ٥١٢) نسبته إلى عبد بن حميد =\n_________\n[¬١]- في ز: \"تقولها\".\n[¬٢]- في ز: \"يمقه\".\n[¬٣]- في ز: \"فأرى\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- في ز: \"المرواوردي\".\n[¬٦]- سقط من: خ.\n[¬٧]- في ز، خ: \"الزهري\".\n[¬٨]- في ز، خ: \"عبد الله\".\n[¬٩]- في ز، خ: \"الزهري\".","vol":"9","page":304},{"text":"قال: حبًّا.\nوقال مجاهد عنه (^٣٥٦) ﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ قال: محبة في الناس في الدنيا.\nوقال سعيد بن جبير (^٣٥٧) عنه: يحبهم ويحبِّبهم، يعني: إلى خلقه المؤمنين. كما قال مجاهد (^٣٥٨) أيضًا.\nوالضحاك (^٣٥٩) وغيرهم.\nوقال العوفي عن ابن عباس (^٣٦٠) أيضًا: الود من المسلمين في الدنيا، والرزق الحسن، واللسان الصادق.\nوقال قتادة (^٣٦١): ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ إي والله في قلوب أهل الإيمان، ذكر لنا أن هرم بن حيان كان يقول: ما أقبل عبد بقلبه إلى الله إلا أقبل الله بقلوب المؤمنين إليه، حتى يرزقه مودتهم ورحمتهم.\nوقال قتادة (^٣٦٢): وكان عثمان بن عفان ﵁ يقول: ما من عبد يعمل خيرًا أو شرًّا إلا كساه الله ﷿ رداء عمله.\nوقال ابن أبي حاتم ﵀ حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن الربيع بن صبيح [¬١]، عن الحسن البصري ﵀ قال: قال رجل: والله لأعبدن الله عبادة أذكر بها. فكان لا يرى في حين صلاة إلا قائمًا يصلي، وكان أول داخل إلى المسجد وآخر خارج، فكان لا يعظم، فمكث بذلك سبعة أشهر، وحسان لا يمر على قوم إلا قالوا: انظروا إلى هذا المرائي. فأقبل على نفسه فقال: لا أراني أذكر إلا بشر، لأجعلن\n_________\n= وعبد الرزاق والفريابي بنحوه.\n(^٣٥٦) - أخرجه الطبري (١٦/ ١٣٢).\n(^٣٥٧) - أخرجه الطبري (١٦/ ١٣٣).\n(^٣٥٨) - أخرجه الطبري (١٦/ ١٣٢).\n(^٣٥٩) - أخرجه هناد في كتاب الزهد (١/ ٢٧٤) حديث (٤٧٩) بلفظ، قال: محبة في صدور العالمين.\n(^٣٦٠) - أخرجه الطبري (١٦/ ١٣٣).\n(^٣٦١) - أخرجه الطبري (١٦/ ١٣٣).\n(^٣٦٢) - أخرجه الطبري (١٦/ ٦١٣٣).\n_________\n[¬١]- في ز: \"صبح\".","vol":"9","page":305},{"text":"عملي كله لله ﷿ فلم يزد على أن قلب نيته، ولم يزد على العمل الذي كان يعمل، فكان يمر بعد بالقوم، فيقولون: رحم الله فلانًا، الآن [] [¬١]. وتلا الحسن: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾.\nوقد روى ابن جرير (^٣٦٣) أثرًا أن هذه الآية نزلت في هجرة عبد الرحمن بن عوف. وهو خطأ، فإن هذه السورة بتمامها مكية، لم ينزل منها شيء بعد الهجرة، ولم يصح سند ذلك، والله أعلم.\nوقوله: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ﴾ يعني: القرآن ﴿بِلِسَانِكَ﴾ أي: يا محمد، وهو اللسان العربي المبين الفصيح الكامل ﴿لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ﴾ أي: المستجيبين لله المصدقين لرسوله ﴿وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾ أي: عوجًا عن الحق، مائلين [¬٢] إلى الباطل.\nوقال ابن أبي نجيح عن مجاهد (^٣٦٤): ﴿قَوْمًا لُدًّا﴾ لا يستقيمون [¬٣].\nوقال الثوري عن إسماعيل -وهو السدي- عن أبي صالح: ﴿وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾ عوجًا عن الحق.\nوقال الحسن البصري (^٣٦٥): ﴿قَوْمًا لُدًّا﴾: صمًّا.\nوقال غيره: صمّ آذان القلوب. وقال قتادة (^٣٦٦): ﴿قَوْمًا لُدًّا﴾. يعني: قريشًا.\nوقال العوفي عن ابن عباس (^٣٦٧): ﴿قَوْمًا لُدًّا﴾ فجارًا. وكذا روى ليث بن أبي سليم عن مجاهد (^٣٦٨).\nوقال ابن زيد (^٣٦٩): الألد: الظلوم، وقرأ قول الله: ﴿وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾.\n_________\n(^٣٦٣) - أخرجه الطبري (١٦/ ١٣٣).\n(^٣٦٤) - أخرجه الطبري (١٦/ ١٣٣)، وزاد السيوطي في الدر المنثور (٤/ ٥١٤) نسبته إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣٦٥) - أخرجه الطبري (١٦/ ١٣٤).\n(^٣٦٦) - أخرجه ابن أبي حاتم كما في الدر المنثور (٤/ ٥١٣).\n(^٣٦٧) - أخرجه الطبري (١٦/ ١٣٤) من طريق العوفي عن ابن عباس، قال: لتنذر به قومًا ظلمة.\n(^٣٦٨) - أخرجه الطبري (١٦/ ١٣٤).\n(^٣٦٩) - أخرجه الطبري (١٦/ ١٣٤).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"الآن\".\n[¬٢]- في ز: \"بما يكون\".\n[¬٣]- في ز: \"يستقيموا\"، خ: \"تستقيموا\".","vol":"9","page":306},{"text":"وقوله: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ﴾ أي: من [¬١] أمة كفروا بآيات الله، وكذبوا رسله ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا﴾.\nأي: هل ترى منهم أحدًا، أو تسمع لهم ركزًا.\nقال ابن عبَّاس (^٣٧٠) وأَبو العالية، وعكرمة، والحسن البصري، وسعيد بن جبير، والضحاك (^٣٧١)، وابن زيد: يعني صوتًا.\nوقال الحسن (^٣٧٢) وقَتَادة (^٣٧٣): هل ترى عينًا، أو تسمع صوتًا. والركز في أصل اللغة هو: الصوت الخفي، قال الشاعر:\nفتوجست [¬٢] ركز الأنيس فراعها … عن ظهر غيبِ والإنيس سقامها\nآخر تفسير سورة مريم، ولله الحمد والمنة. ويتلوه إن شاء الله تعالى تفسير سورة طه، والحمد لله.\n* * *\n_________\n(^٣٧٠) - أخرجه الطَّبري (١٦/ ١٣٤)، وزاد السيوطي في الدر (٤/ ٥١٤) نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣٧١) - أخرجه الطَّبري (١٦/ ١٣٥).\n(^٣٧٢) - ذكره السيوطي في الدر المنثور (٤/ ٥١٣)، وعزاه إلى عبد بن حميد.\n(^٣٧٣) - أخرجه الطَّبري (١٦/ ١٣٥)، وزاد السيوطي نسبته في الدر المنثور (٤/ ٥١٣) إلى عبد الرزاق وعبد بن حميد.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في خ: \"فوكزت\".","vol":"9","page":307},{"text":"<span data-type='title' id=toc-128>تفسير [¬١] سورة طه [وهي] [¬٢] مكية</span>\nروى إمام الأئمة محمد بن إسحاق بن خزيمة في كتاب \"التوحيد\" (^١) عن زياد بن أيوب، عن إبراهيم بن المنذر الخزامي، حدَّثنا إبراهيم بن مهاجر بن مسمار، عن عمر بن حفص بن ذكوان، عن مولى الحُرَقة -يعني: عبد الرحمن بن يعقوب- عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن الله قرأ طه، ويس قبل أن يخلق آدم بألف عام، فلما سمعت الملائكة قالوا: طوبى لأمة ينزل عليهم هذا، وطوبى لأجواف تحمل هذا، وطوبى لألسن تتكلم [¬٣] بهذا\" هذا حديث غريب، وفيه نكارة، وإبراهيم بن مهاجر وشيخه تكلم فيهما.\n﴿طه (١) مَا أَنْزَلْنَا عَلَيكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى (٢) إلا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى (٣) تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى (٤) الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥) لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَينَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى (٦) وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى (٧) اللَّهُ لَا إِلَهَ إلا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (٨)﴾\n_________\n(^١) - ضعيف جدًّا، أخرجه ابن خزيمة (٢٣٦)، وابن أبي عاصم في السنة (٢٦٩)، والبيهقي في \"شعب الإيمان\" (٢/ ٤٧٦ - ٤٧٧) رقم (٢٤٥٠)، وفي الأسماء والصفات (٢٣٢)، والدارمي في كتاب فضائل القرآن، باب: في فضل سورة طه ويس (٢/ ٤٥٦)، واللالكائي (٢/ ٢٢٦)، وابن عدي في (الكامل) (١/ ٢١٨)، وقال ابن عدي: الحديث يرويه إبراهيم بن مهاجر، ولا أعلم يرويه غيره، ولم أجد له أنكر من حديث: \"قرأ طه ويس\" لأنه لم يروه إلَّا إبراهيم بن مهاجر، ولا يروى بهذا الإسناد ولا بغير هذا الإسناد هذا المتن إلَّا إبراهيم بن مهاجر هذا، وباقي أحاديثه صالحة. ورواه العقيلي (١/ ٦٦) في ترجمة إبراهيم بن مهاجر: وقال: منكر الحديث. ورواه الطبراني في الأوسط، وقال: لا يروى عن النبي ﷺ إلَّا بهذا الإسناد، تفرد به إبراهيم بن المنذر. وعزاه السيوطي (٤/ ٥١٥) لابن مردويه.\nوقال ابن حبان وابن الجوزي: هذا حديث موضوع. =\n_________\n[¬١]- سقط من ت.\n[¬٢]- سقط من ز.\n[¬٣]- في ز: تكلم.","vol":"9","page":309},{"text":"تقدم الكلام على الحروف المقطعة في أول سورة \"البقرة\" بما أغنى عن إعادته.\nوقال ابن أبي حاتم (^٢): حدَّثنا الحسين بن محمد بن شنبة [¬١] الواسطي، حدَّثنا أَبو أحمد -يعني الزبيري- أنبأنا إسرائيل، عن سالم الأفطس، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبَّاس قال: ﴿طه﴾ يا رجل.\nوهكذا رُوي عن [¬٢] مجاهد (^٣)، وعكرمة (^٤)، وسعيد بن جبير (^٥)، ومحمد بن كعب، وأبي [¬٣] مالك، وعطية العوفي، والحسن (^٦)، وقَتَادة، (^٧)، والضحاك (^٨)، والسدي، وابن أبزى، أنهم قالوا: ﴿طه﴾، بمعنى يا رجل.\nوفي رواية عن ابن عبَّاس (^٩)، وسعيد بن جبير، والثوري: أنَّها كلمة بالنبطة معناها: يا رجل. وقال أَبو صالح [¬٤]: هي معربة.\nوأسند القاضي عياض في كتابه \"الشفا\" من طريق عبد بن حميد في تفسيره: حدَّثنا هاشم بن القاسم عن ابن جعفر، عن الربيع بن أَنس قال: كان النبي ﷺ إذا صلى قام على رِجْل ورفع الأخرى، فأنزل الله تعالى: ﴿طه﴾، يعني: طئ الأرض\n_________\n= وقد تعقب الحافظ ابن حجر كلًّا من ابن حبان وابن الجوزي فقال: زعم ابن حبان وتبعه ابن الجوزي أن هذا المتن موضوع، وليس كما قالا. فإن مولى الحرقة هو عبد الرحمن بن يعقوب من رجال مسلم، والراوى عنه - وإن كان متروكًا عند الأكثر ضعيفًا عند البعض - فلم ينسب إلى الوضع، والراوي عنه لا بأس به. وانظر اللآلئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة (١/ ١٠).\n(^٢) - ورواه الطبراني، وابن مردويه كما في الدر المنثور (٤/ ٥١٦).\n(^٣) - أخرجه الطبري في تفسيره (١٦/ ١٣٦).\n(^٤) - أخرجه الطبري في تفسيره: (١٦/ ١٣٦)، وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\": (٤/ ٥١٧) وعزاه إلى ابن أبي شيبة.\n(^٥) - أخرجه الطبري في تفسيره (١٦/ ١٣٦).\n(^٦) - أخرجه الطبري في تفسيره (١٦/ ١٣٦).\n(^٧) - أخرجه الطبري في تفسيره (١٦/ ١٣٦)، وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\": (٤/ ٥١٨) وعزاه إلى ابن أبي حاتم.\n(^٨) - أخرجه الطبري في تفسيره (١٦/ ١٣٦)، وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\": (٤/ ٥١٧) وعزاه إلى ابن أبي شيبة.\n(^٩) - أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره: (١٦/ ١٣٥).\n_________\n[¬١]- في ز: سيبه.\n[¬٢]- سقط من ز.\n[¬٣]- في ز: ابن.\n[¬٤]- في ز: مالك.","vol":"9","page":310},{"text":"يا محمد. ﴿مَا أَنْزَلْنَا عَلَيكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾. ثم قال: ولا خفاء بما في هذا من الإِكرام وحسن المعاملة.\nوقوله: ﴿مَا أَنْزَلْنَا عَلَيكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾ قال جوبير: عن الضحاك: لما أنزل الله القرآن على رسوله، قام به هو وأصحابه، فقال المشركون من قريش: ما أنزل هذا القرآن على محمد إلَّا ليشقى! فأنزل الله تعالى: ﴿طه (١) مَا أَنْزَلْنَا عَلَيكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى (٢) إلا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾.\nفليس الأمر كما زعمه المبطلون، بل من آتاه الله العلم فقد أراد به خيرًا كثيرًا، كما ثبت في الصحيحين (^١٠) عن معاوية، قال: قال رسول الله، ﷺ: \"من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين\".\nوما أحسن الحديث الذي رواه الحافظ أَبو القاسم الطبراني (^١١) في ذلك، حيث قال:\nحدَّثنا أحمد بن زهير، حدَّثنا العلاء بن سالم، حدَّثنا إبراهيم الطالقاني، حدَّثنا ابن المبارك، عن سفيان، عن سماك بن حرب، عن ثعلبة بن الحكم قال: قال رسول الله، ﷺ: \"يقول الله تعالى للعلماء يوم القيامة، إذا قعد على كرسيه لقضاء عباده: إني لم أجعل علمي وحكمتي فيكم إلَّا وأنا أريد أن أغفر لكم على ما كان منكم ولا أبالي\"!\nإسناده جيد، وثعلبة بن الحكم هذا [هو الليثي] [¬١] ذكره أَبو عمر [¬٢] في استيعابه، وقال: نزل البصرة، ثم تحول إلى الكوفة، وروى عنه سماك بن حرب.\nوقال مجاهد (^١٢) في قوله: ﴿مَا أَنْزَلْنَا عَلَيكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾: هي كقوله: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾، وكانوا يُعَلِّقون الحبال بصدورهم في الصلاة.\nوقال قَتَادة (^١٣): ﴿مَا أَنْزَلْنَا عَلَيكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾ لا، والله ما جعله شقاء، ولكن\n_________\n(^١٠) - أخرجه البخاري في كتاب فرض الخمس، باب: قول الله تعالى: ﴿لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾، حديث (٣١١٦)، (٦/ ٢١٧)، ومسلم في: كتاب الزكاة، باب: النهي عن المسألة، حديث ١٠٠ - (١٠٣٧)، (٧/ ١٨١) من حديث معاوية به.\n(^١١) - أخرجه الطبراني في (المعجم الكبير) برقم (١٣٨١) (٣/ ٨٤) من حديث ثعلبة بن الحكم به.\nوذكره الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (١/ ١٢٩) وقال: رواه الطبراني في الكبير ورجاله موثقون. ا هـ\n(^١٢) - أخرجه الطبري في \"تفسيره\": (١٦/ ١٣٧).\n(^١٣) - أخرجه الطبري في \"تفسيره\": (١٦/ ١٣٧).\n_________\n[¬١]- سقط من ز.\n[¬٢]- في ز: عمرو.","vol":"9","page":311},{"text":"جعله رحمة ونورًا، ودليلًا إلى [¬١] الجنَّة.\n﴿إلا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾: إن الله أنزل كتابه وبعث رسله رحمة، رحم بها العباد، ليتذكر ذاكر، وينتفع رجل بما سمع من كتاب الله، وهو ذكر أنزل الله فيه حلاله وحرامه.\nو[¬٢] قوله: ﴿تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى﴾ أي: هذا القرآن الذي جاءك يا محمد تنزيل من رب كل شيء ومليكه، القادر على ما يشاء، الذي خلق الأرض بانخفاضها وكثافتها، وخلق السموات العلى في ارتفاعها ولطافتها، وقد جاء في الحديث الذي صححه التِّرمِذي وغيره: أن سُمْك كل سماء مسيرة خمسمائة عام، وبعد ما بينها والتي تليها مسيرة [¬٣] خمسمائة عام.\nوقد أورد ابن أبي حاتم هاهنا حديث الأوعال من رواية العباس عم رسول الله، ﷺ، ورضي الله عنه.\nوقوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ تقدم الكلام على ذلك في سورة الأعراف بما أغنى عن إعادته أيضًا، وأن المسلك الأسلم في ذلك طريقة السلف، إمرار ما جاء في ذلك من الكتاب والسنة، من غير تكييف ولا تحريف ولا تشبيه ولا تعطل ولا تمثيل.\nوقوله: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَينَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى﴾ أي: الجميع ملكه وفي قبضته، وتحت تصريفه ومشيئته، وإرادته وحكمه، وهو خالق ذلك، ومالكه وإلهه، لا إله سواه، ولا رب غيره.\nوقوله: ﴿وَمَا تَحْتَ الثَّرَى﴾، قال محمد بن كعب (^١٤): ما تحت الأرض السابعة.\nوقال الأوزاعي (^١٥): إن يحيى بن أبي كعير حدثه: أن كعبًا سئل فقيل له: ما تحت هذه الأرض؟ قال: الماء. قيل: وما تحت الماء؟ قال: الأرض. قيل: وما تحت الأرض؟ قال: الماء. قيل: وما تحت الماء؟ قال: الأرض. قيل: وما تحت الأرض؟! قال: الماء. قيل: وما ما تحت الماء؟ قال: الأرض. قيل: وما تحت الأرض؟ قال: الماء. قيل: وما تحت الماء؟ قال: الأرض. قيل: وما تحت الأرض؟! قال: صخرة. قيل: وما تحت\n_________\n(^١٤) - أخرجه الطبري في \"تفسيره\": (١٦/ ١٣٩)، وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\": (٤/ ٥١٨)، وعزاه إلى ابن أبي حاتم.\n(^١٥) - ذكره السيوطي في \"الدر المنثور\": (٤/ ٥١٨) بنحوه عن جابر بن عبد الله مرفوعًا.\n_________\n[¬١]- في ت: على.\n[¬٢]- سقط من: ت.\n[¬٣]- سقط من ز.","vol":"9","page":312},{"text":"الصخرة؟ قال: ملك. قيل: وما تحت الملك؟ قال: حوت مُعَلّق طرفاه بالعرش. قيل: وما تحت الحوت؟ قال: الهواء والظلمة، وانقطع العلم.\nوقال ابن أبي حاتم: حدَّثنا أَبو عبيد الله بن أخي ابن وَهْب، حدَّثنا عمي، حدثني عبد الله بن عياش [¬١]، حدَّثنا عبد الله بن سليمان، عن دراج، عن عيسى بن هلال الصدفي [¬٢]، عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن الأرضين كل أرض والتي تليها مسيرة خمسمائة عام، والعليا منها على ظهر حوت، قد التقى طرفاه في السماء، والحوت على صخرة، والصخرة بيد الملك، والثانية سجن الريح، والثالثة فيها حجارة جهنم، والرابعة فيها كبريت جهنم، والخامسة فيها حيات جهنم، والسادسة فيها عقارب جهنم، والسابعة فيها سقر، وفيها إبليس مصفد بالحديد، يد أمامه ويد خلفه، فإذا أراد الله أن يطلقه لما يشاء أطلقه\". هذا حديث غريب جدًّا ورفعه فيه نظر.\nوقال الحافظ أَبو يعلى في مسنده (^١٦): حدَّثنا أَبو موسى الهروي، عن العباس بن الفضل -قلت: ابن الفضل الأنصاري؟ قال: نعم-[عن القاسم] [¬٣] بن عبد الرحمن، عن محمد بن عليّ، عن جابر بن عبد الله قال: كنت مع رسول الله، ﷺ، في غزوة تبوك، فأقبلنا راجعين في حر شديد، فنحن متفرقون بين واحد واثنين، منتشرين، قال: وكنت في أول العسكر، إذ عارضنا رجل فسلم، ثم قال: أيكم محمد؟ ومضى أصحابي ووقفت معه، فإذا رسول الله، ﷺ، قد أقبل في وسط العسكر على جمل أحمر، مُقَنَّع بثوبه على رأسه من الشمس، فقلت: أيها السائل، هذا رسول الله قد أتاك. فقال: أيهم هو؟ فقلت: صاحب البَكْر الأحمر. فدنا منه، فأخذ بخطام راحلته، فكف عليه رسول الله، ﷺ، فقال: أنت محمد؟ قال: \"نعم\". قال: إني أريد أن أسألك عن خصال، لا يعلمهن أحد من أهل الأرض إلا رجل أو رجلان. فقال رسول الله، ﷺ: \"سل عما شئت\". فقال: يا محمد، أينام النبي؟ فقال رسول الله، ﷺ: \"تنام عيناه ولا ينام قلبه\". قال: صدقت. ثم قال: يا محمد، مِن أين يشبه الولد أباه أو أمه؟ [¬٤] قال: \"ماء الرجل أبيض غليظ، وماء المرأة أصفر رقيق، فأي الماءين غلب على الآخر نزع [¬٥]، الولد\". فقال: صدقت. فقال: ما للرجل من الولد، وما للمرأة منه؟ فقال: \"للرجل العظام والعروق والعصب، وللمرأة اللحم والدم والشعر\". قال: صدقت. ثم قال: يا\n_________\n(^١٦) - لم نجده في مسند أبي يعلى المطبوع، فلعله في مسنده الكبير.\n_________\n[¬١]- في ز: عبَّاس.\n[¬٢]- في ز: الصيرفي.\n[¬٣]- في ز: \"قال\".\n[¬٤]- سقط من ز.\n[¬٥]- سقط من ز.","vol":"9","page":313},{"text":"محمد، ما تحت هذه؟ -يعني: الأرض- فقال رسول الله، ﷺ: \"خلق\". فقال: فما تحتهم؟ قال: \"أرض\". قال: فما تحت الأرض؟ قال: \"الماء\". قال: فما تحت الماء؟ قال: \"ظلمة\". قال: فما تحت الظلمة؟ قال: \"الهواء\". قال: فما تحت الهواء؟ قال: \"الثرى\". قال: فما تحت الثرى؟ ففاضت [¬١] عينا رسول الله، ﷺ، بالبكاء وقال: \"انقطع علم المخلوقين عند علم الخالق، أي السائل: ما المسئول عنها بأعلم من السائل\". قال: فقال: صدقتَ، أشهد أنك رسول الله. فقال رسول الله، ﷺ: \"أيها الناس، هل تدرون من هذا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: \"هذا جبريل، ﷺ\".\nهذا حديث غريب جدًّا، وسياق عجيب، تفرد به القاسم بن عبد الرحمن هذا، وقد قال فيه يحيى بن معين: ليس يساوي شيئًا. وضعفه أَبو [¬٢] حاتم الرازي، وقال ابن عدي: لا يعرف.\nقلت: وقد [¬٣] خلط في هذا الحديث، ودخل عليه شيء في شيء، وحديث في حديث، وقد يحتمل [¬٤] أنَّه تعمد ذلك، أو أدخل عليه فيه، والله أعلم.\nوقوله: ﴿وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ أي: أنزل هذا القرآن الذي خلق الأرض والسماوات [العلى، الذي يعلم السر وأخفى، كما قال تعالى: ﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ] [¬٥] إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٦)﴾.\nقال علي بن أبي طلحة (^١٧): عن [¬٦] بن عبَّاس: ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ قال: السر ما أسر ابن آدم في نفسه ﴿وَأَخْفَى﴾ ما أخِفيَ على ابن آدم مما هو فاعله قبل أن يعلمه، فالله يعلم ذلك كله، فعِلْمُه [¬٧] فيما مضى من ذلك وما بقي علم واحد، وجميع الخلائق في ذلك عنده كنفس واحدة، وهو قوله: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إلا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾.\nوقال الضحاك (^١٨): ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ قال: السر: ما تحدث له نفسك،\n_________\n(^١٧) - أخرجه الطبري في \"تفسيره\": (١٦/ ١٣٩)، وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\": (٤/ ٥١٨)، وعزاه إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات.\n(^١٨) - أخرجه الطبري في (تفسيره\" (١٦/ ١٤٠) وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\": (٤/ ٥١٩) وعزاه =\n_________\n[¬١]- في ز: \"فما جنت\". بدون إعجام.\n[¬٢]- في ز: \"ابن أبي\".\n[¬٣]- في ز: \"ممن\".\n[¬٤]- في ز: \"حمل\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفين سقط من ز.\n[¬٦]- في ت: \"وعن\".\n[¬٧]- في ز: \"بعلمه\".","vol":"9","page":314},{"text":"وأخفى: ما لم تحدث به نفسك بعد.\nوقال سعيد بن جبير (^١٩): أي تعلم ما تسر اليوم ولا تعلم ما تسر غدًا، والله يعلم ما تسر اليوم وما تسر غدًا.\nوقال مجاهد (^٢٠): ﴿وَأَخْفَى﴾ يعني: الوسوسة.\nوقال أيضًا هو وسعيد بن جبير (^٢١): ﴿وَأَخْفَى﴾ أي: ما هو عامله مما لم يحدث به نفسه.\nوقوله: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إلا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ أي: الذي أنزل عليك القرآن: هو الله الذي لا إله إلَّا هو ذو الأسماء الحسنى] [¬١] والصفات العلى.\nوقد تقدم بيان الأحاديث الواردة في الأسماء الحسنى في أواخر سورة الأعراف، وللّه الحمد والمنة.\n﴿وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (٩) إِذْ رَأَى نَارًا فَقَال لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى (١٠)﴾\nمن ها هنا شرع ﵎ في ذكر قصة موسى، وكيف كان ابتداء الوحي إليه [¬٢] وتكليمه إياه، وذلك بعد ما قضى موسى الأجل الذي كان بينه وبين صهره في رعاية الغنم، وسار بأهله - قيل: قاصدًا بلاد مصر - بعد ما طالت الغيبة عنها أكثر من عشر سنين، ومعه زوجته، فأضل الطَّرِيق، وكانت ليلة شاتية، ونزل منزل بين شعاب وجبال، في برد وشتاء، وسحاب وظلام وضباب، وجعل يقدح بزند معه ليوريَ نارًا، كما جرت له العادة به، فجعل لا يقدح شيئًا، ولا يخرج منه شرر ولا شيء، فبينا هو كذلك، إذ آنس من\n_________\n= إلى عبد بن حميد.\n(^١٩) - ذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" (٤/ ٥١٩) عن سعيد بن جبير بنحوه، وعزاه إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٢٠) - أخرجه الطبري في \"تفسيره\" (١٦/ ١٣٩)، و(١٦/ ١٤٠). وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" (٤/ ٥١٩) وعزاه إلى عبد بن حميد وابن المندر وابن أبي حاتم.\n(^٢١) - أخرجه الطبري في \"تفسيره\" (١٦/ ١٤٠).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفين سقط من ز.\n[¬٢]- في ز: \"عليه\".","vol":"9","page":315},{"text":"جانب الطور نارًا، أي: ظهرت له نار من جانب الجبل الذي هناك عن يمينه، فقال لأهله يبشرهم: (﴿إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ﴾ أي: شهاب من نار، وفي الآية الأخرى: ﴿أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ﴾ وهي: الجمر الذي معه لهب ﴿لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ دل على وجود البرد، وقوله: ﴿بِقَبَسٍ﴾ دل على وجود الظلام.\nوقول: ﴿أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى﴾ أي: من يهديني [¬١] الطريق، دلَّ على أنَّه [كان] [¬٢] قد تاه عن الطريق، كما قال الثَّوري عن أبي سعيد الأعور، عن عكرمة، عن ابن عبَّاس (^٢٢) في قوله: ﴿أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى﴾ قال: من يهديني [¬٣] إلى الطريق، وكانوا شاتين وضلوا الطَّرِيق، فلما رأى النار قال: إن لم أجد أحدًا يهديني [¬٤] آتِكم بنار توقدون بها.\n﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَامُوسَى (١١) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (١٢) وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى (١٣) إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إلا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (١٤) إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى (١٥) فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى (١٦)﴾\nيقول تعالى: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا﴾ أي: النار واقترب منها، ﴿نُودِيَ يَامُوسَى﴾. وفي الآية الأخرى ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَامُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ﴾، وقال هاهنا: ﴿إِنِّي أَنَا رَبُّكَ﴾ أي: الذي يكلمك ويخاطبك ﴿فَاخْلَعْ نَعْلَيكَ﴾ قال علي بن أبي طالب (^٢٣) وأَبو ذرٍّ وأَبو أيوب، وغير واحد من السلف: كانتا من جلد حمار غير ذكي [¬٥].\n_________\n(^٢٢) - أخرجه الطبري في \"تفسيره\" (١٦/ ١٤٣).\n(^٢٣) - أخرجه الطبري في \"تفسيره\": (١٦/ ١٤٤)، وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\": (٤/ ٥٢٢)، وعزاه إلى عبد الرزاق والفريابي وعبد بن حميد وابن أبي حاتم.\n_________\n[¬١]- في ز: \"يهدني\".\n[¬٢]- سقط من ت.\n[¬٣]- في ز: \"يهدني\".\n[¬٤]- في ز: \"يهدني\".\n[¬٥]- في ز: \"مذكى\".","vol":"9","page":316},{"text":"وقيل: إنما أمره بخلع نعليه تعظيمًا للبقعة.\nقال سعيد بن جبير: كما يؤمر الرجل أن يخلع نعليه إذا أراد دخول [¬١] الكعبة.\nوقيل: ليطأ الأرض المقدسة بقدميه حافيًا غير منتعل. وقيل غير ذلك، والله أعلم.\nوقوله: ﴿طِوًى﴾، قال علي بن أبي طلحة عن ابن عبَّاس (^٢٤): هو اسم للوادي.\nوكذا قال غير واحد. فعلى هذا كون عطف بيان.\nوقيل: عبارة عن الأمر بالوطء بقدميه. وقيل: لأنه قُدِّس مرتين، وطوى له البركة وكررت. والأول أصح، لقوله [¬٢]: ﴿إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾.\nوقوله: ﴿وَأَنَا اخْتَرْتُكَ﴾ كقوله: ﴿إِنِّي اصْطَفَيتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلَامِي﴾ أي: على جميع الناس من الموجودين في زمانه.\nوقيل: إن الله تعالى قال: يا موسى، أتدري لم خصصتك بالتكليم من بين الناس؟ قال: لا. قال] [¬٣]: لأني لم يتواضع لي أحد تواضعك.\nوقوله: ﴿فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى﴾ أي: اسمع الآن ما أقول لك وأوحيه إليك: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إلا أَنَا﴾ هذا أول واجب على المكلفين، أن يعلموا أنَّه لا إله إلا الله وحده لا شريك له.\nوقوله: ﴿فَاعْبُدْنِي﴾ أي: وخدني وقم بعبادتي من غير شريك ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾، قيل: معناه صل لتذكرني. وقيل: معناه: وأقم الصلاة عند ذكرك لي.\nويشهد لهذا الثاني ما قال الإِمام أحمد (^٢٥): حدَّثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدَّثنا المثنى بن سعيد، عن حمَّادة، عنَ أَنس، عن النبي، ﷺ قال: (إذا رقد أحدكم عن الصلاة، أو غفل عنها، فليصلها إذا ذكرها، وإن الله تعالى قال: ﴿وَأَقِمِ [¬٤]\n_________\n(^٢٤) - أخرجه الطبري في \"تفسيره\": (١٦/ ١٤٦)، وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\": (٤/ ٥٢٣)، وعزاه إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عبَّاس.\n(^٢٥) - أخرجه أحمد (٣/ ١٨٤)، والبخاري في كتاب مواقيت الصلاة، باب: من نسي صلاة فليصل إذا ذكرها، ولا يعيد إلَّا تلك الصلاة، حديث (٥٩٧)، (٢/ ٧٠). ومسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب: قضاء الصلاة الفائتة واستحباب تعجيل قضائها، حديث (٦٨٤) (٥/ ٢٦٩).\n_________\n[¬١]- في ت: \"أن يدخل\".\n[¬٢]- في ت: \"كقوله\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من ز.\n[¬٤]- في ت: \"وأقم\".","vol":"9","page":317},{"text":"الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾.\nوفي الصحيحين (^٢٦) عن أَنس قال: قال رسول الله، ﷺ: \"من نام عن صلاة أو نسيها، فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها، ولا كفارة لها إلَّا ذلك\".\nوقوله: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ﴾ أي: قائمة لا محالة، وكائنة لا بد منها. وقوله: ﴿أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾ قال الضحاك عن ابن عبَّاس، أنَّه كان يقرؤها \"أكاد أخفيها من [¬١] نفسي\". يقول: لأنها لا تخفى من [¬٢] نفس الله أبدًا.\nوقال سعيد بن جبير: عن ابن عبَّاس (^٢٧): من نفسه. وكذا قال مجاهد (^٢٨)، وأَبو صالح (^٢٩)، ويحيى بن رافع (^٣٠).\n[وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عبَّاس: ﴿أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾ يقول: لا أطلع عليها أحدًا غيري] [¬٣].\nوقال السدي: ليس أحد من أهل السماوات والأرض إلَّا قد أخفى الله عنه علم الساعة، وهي في قراءة ابن مسعود: (إني أكاد أخفيها من نفسي) يقول: كتمتها من الخلائق، حتَّى لو استطعت أن أكتمها من نفسي لفعلت.\nوقال قَتَادة (^٣١): ﴿أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾، وهي في بعض القراءة: (أخفيها من نفسي)\n_________\n(^٢٦) - أخرجه البخاري في كتاب مواقيت الصلاة، باب: من نسى صلاة فليصلِّ إذا ذكرها، ولا يعيد إلَّا تلك الصلاة، حديث (٥٩٧)، (٢/ ٧٠)، ومسلم في كتاب الساجد ومواضع الصلاة، باب: قضاء الصلاة الفائتة من حديث أَنس بلفظ: \"من نسى صلاة فليصلها إذا ذكرها لا كفارة لها إلَّا ذلك\".\n(^٢٧) - أخرجه الطبري في \"تفسيره\": (١٦/ ١٤٩) كنحوه عن ابن عبَّاس. وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\": (٤/ ٥٢٥) وعزاه إلى ابن أبي حاتم وابن الأنبارى.\n(^٢٨) - أخرجه الطبري في \"تفسيره\": (١٦/ ١٤٩)، وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\": (٤/ ٥٢٥) وعزاه إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢٩) - أخرجه الطبري في \"تفسيره\": (١٦/ ١٤٩)، و(١٦/ ١٥٠). وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\": (٤/ ٥٢٥) وعزاه إلى عبد بن حميد وابن الأنباري.\n(^٣٠) - أخرجه الطبري في \"تفسيره\": (١٦/ ٥٢٥)، وذكره السيوطي \"الدر المنثور\": (٤/ ٥٢٥) وعزاه إلى عبد بن حميد عن أبي صالح.\n(^٣١) - أخرجه الطبري في \"تفسيره\": (١٦/ ١٤٩)، وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\": (٤/ ٥٢٥) وعزاه إلى عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n_________\n[¬١]- في ز: \"في\".\n[¬٢]- في ز: \"في\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفين سقط من ت.","vol":"9","page":318},{"text":"ولعمري لقد أخفاها الله من الملائكة المقربين، ومن الأنبياء والمرسلين.\nقلت: وهذا كقوله: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيبَ إلا اللَّهُ﴾، وقال: ﴿ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إلا بَغْتَةً﴾ أي: ثقل علمها على أهل السماوات والأرض.\nوقال ابن أبي حاتم: حدَّثنا أَبو زرعة، حدَّثنا منجاب، حدَّثنا أَبو تُمَيلة، حدثني محمد بن سهل الأسدي، عن وِقَاء [¬١] قال: أقرأنيها سعيد بن جبير يعني: ﴿أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾ بنصب [¬٢] الألف، وخفض الفاء، يقول: أظهرها، ثم قال [¬٣]: أما سمعت قول الشاعر:\nدأب شَهْرَينِ ثم شهرَا دميكًا … بأَريكين [¬٤] يخفياني غميرا [¬٥]\nوقال الأسدي: الغمير: نبت رطب ينبت في خلال يبس. والأريكين: موضع. والدميك: الشهر التام. وهذا الشعر لكعب بن زهير.\nوقوله ﷾: ﴿لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى﴾ أي: أقيمها لا محالة؛ لأجزي كل عامل بعمله ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَال ذَرَّةٍ خَيرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَال ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ و﴿إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. وقوله: ﴿فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى﴾، المراد بهذا الخطاب آحاد المكلفين، أي: لا تتبعوا من كذب بالساعة، وأقبل على ملاذه في دنياه، وعصى مولاه، واتبع هواه، فمن وافقهم على ذلك فقد خاب وخسر ﴿فَتَرْدَى﴾ أي: [تهلك وتعطب] [¬٦]، قال الله تعالى: ﴿وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى﴾.\n﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَامُوسَى (١٧) قَال هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى (١٨) قَال أَلْقِهَا يَامُوسَى (١٩) فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى (٢٠) قَال خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى (٢١)﴾\nهذا برهان من الله تعالى لموسى، ﵇، ومعجزة عظيمة وخرق [للعادة باهر دالٌّ] [¬٧] على أنَّه لا يقدر على مثل هذا إلا الله ﷿ وأنه لا يأتي به إلَّا نبي مرسل.\n_________\n[¬١]- في ز: \"ورقاء\".\n[¬٢]- في ز: \"نصب\".\n[¬٣]- سقط من ت.\n[¬٤]- في ز: \"بأرمكين\".\n[¬٥]- في ز: \"عميرا\".\n[¬٦]- في ز: \"هلك وعطب\".\n[¬٧]- في ز: \"للمادة لماهرة دالة\".","vol":"9","page":319},{"text":"فقوله: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَامُوسَى﴾ قال بعض المفسرين: إنما قال له ذلك على سبيل الإِيناس له. وقيل: إنما قال له ذلك على وجه التقرير، أي: أما هذه التي في يمينك - عصاك التي تعرفها - فسترى ما نصنع بها الآن، ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَامُوسَى﴾ استفهام تقرير ﴿قَال هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيهَا﴾ أي: أعتمد عليها في حال المشي ﴿وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي﴾ أي: أهز بها الشجرة ليسقط ورقها، لترعاه غنمي.\nقال عبد الرحمن بن القاسم عن الإمام مالك: والهش: أن يضع الرجل المحجن في الغصن، ثم يحركه حتَّى السقط ورقه وثمره، ولا يكسر العود، فهذا الهش، ولا يَخْبط. وكذا قال ميمون بن مهران أيضًا.\nوقوله: ﴿وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى﴾ أي: مصالح ومنافع وحاجات آخر غير ذلك.\nوقد تكلّف بعضهم لذكر شيء من تلك المآرب التي أبهمت فقيل: كانت تضيء له بالليل، وتحرس له الغنم إذا نام، ويغرسها فتصير شجرة تظله، وغير ذلك من الأمور الخارقة للعادة.\nوالظاهر: أنَّها لم تكن كذلك، ولو كانت كذلك لما استنكر موسى ﵊ صيرورتها ثعبانًا، فما كان يفر منها هاربًا، ولكن كل ذلك من الأخبار الإسرائيلية، وكذا قول بعضهم: إنها كانت لآدم ﵊. وقول الآخر: أنها هي الدابة التي تخرج قبل يوم القيامة. وروي عن ابن عبَّاس أنَّه قال: كان اسمها ماشا. والله أعلم بالصواب.\nوقوله تعالى: ﴿أَلْقِهَا يَامُوسَى﴾ أي: هذه العصا التي في يدك يا موسى ألقها ﴿فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى﴾ أي: صارت في الحال حية عظيمة، ثعبانا طويلًا، يتحرك بحركة سريعة، فإذا هي تهتز كأنها جان، وهو أسرع الحيات حركة، ولكنه صغير، فهذه في غاية الكبر، وفي غاية سرعة الحركة. ﴿تَسْعَى﴾ أي: تمشي وتضطرب.\nقال ابن أبي حاتم: حدَّثنا أبي، حدَّثنا أحمد بن عبدة، حدَّثنا حفص بن جُمَيع، حدَّثنا سماك، عن عكرمة، عن ابن عبَّاس ﴿فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى﴾ ولم تكن قبل ذلك حية، فمرت بشجرة فأكلتها، ومرت بصخرة فابتلعتها، فجعل موسى يسمع وقع الصخرة في جوفها، فولَّى مدبرًا، فنودي أن: ياموسى؛ خذها، فلم يأخذها، ثم نودي الثانية أن خذها ولا تخف، فقيل له في الثالثة: إنك من الآمنين، فأخذها.\nوقال وَهْب بن منبه في قوله: ﴿فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى﴾ قال: فألقاها على وجه","vol":"9","page":320},{"text":"الأرض، ثم كانت منه نظرة، فإذا أعظم ثعبان نظر إليه الناظرون، فَدَبَّ يلتمس كأنَّه يبتغي شيئًا يريد أخذه، يمر بالصخرة مثل الخَلِفَة [¬١] من الإِبل فيلتقمها، وطعن بالناب من أنيابه في أصل الشجرة العظيمة فيجتثها، عيناه توقدان نارًا، وقد عاد المحجن منها عرفًا [¬٢]، قيل: شعره مثل النيازك، وعاد الشعبتان منها مثل القليب الواسع، فيه أضراس وأنياب لها صريف [¬٣]، فلما عاين ذلك موسى ولى مدبرًا ولم يعقب، فذهب حتَّى أمعن ورأى أنَّه قد أعجز الحية، ثم ذكر ربه فوقف استحياء منه، ثم نودي: يا موسى أن ارجع حيث كنت، فرجع موسى وهو شديد الخوف. فقال: (﴿خُذْهَا﴾ بيمينك ﴿وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى﴾ وعلى موسى حينئذ مَدْرَعة من صوف، فدخلها بخلال من عيدان، فلما أمره بأخذها أدلى طرف المدرعة على يده، فقال له ملك: أرأيت [¬٤] يا موسى، لو أذن الله بما تحاذر أكانت المدرعة تغني عنك شيئًا؟ قال: لا، ولكني ضعيف، ومن ضعف خاف [¬٥]. فكشف عن يده ثم وضعها على فم الحية، حتَّى سمع حس الأضراس والأنياب، ثم قبض، فإذا هي عصاه التي عهدها، وإذا يده في موضعها الذي كان يضعها إذا توكأ بين الشعبتين. ولهذا قال تعالى: ﴿سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى﴾ أي: إلى حالها التي تعرف قبل ذلك.\n﴿وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيضَاءَ مِنْ غَيرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَى (٢٢) لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى (٢٣) اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (٢٤) قَال رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (٢٥) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي (٢٦) وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (٢٧) يَفْقَهُوا قَوْلِي (٢٨) وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (٢٩) هَارُونَ أَخِي (٣٠) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (٣١) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي (٣٢) كَي نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا (٣٣) وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا (٣٤) إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا (٣٥)﴾\nوهذا برهان ثان لموسى ﵇ وهو أن الله أمره أن يدخل يده في جيبه، كما صرح به في الآية الأخرى، وهاهنا [عيَّن تلك] [¬٦] بقوله: ﴿وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ﴾. وقال في مكان آخر: ﴿وَاضْمُمْ إِلَيكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ\n_________\n[¬١]- الخلفة: الحامل من النوق. النهاية [٢/ ٦٨].\n[¬٢]- المحجن: العصا المموجة.\n[¬٣]- الصريف: صوت ناب البعير. النهاية [٣/ ٢٥].\n[¬٤]- في ز: \"أورأيت\".\n[¬٥]- في ت: \"خلقت\".\n[¬٦]- في ت: \"عبر عن ذلك\".","vol":"9","page":321},{"text":"مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ﴾.\nوقال مجاهد (^٣٢): ﴿وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ﴾ كفه تحت عضده؛ وذلك أن موسى ﵇ كان إذا أدخل يده في جيبه ثم أخرجها، تخرج تتلألأ كأنها فلقة قمر.\nوقوله: ﴿تَخْرُجْ بَيضَاءَ مِنْ غَيرِ سُوءٍ﴾ أي: من غير برص ولا أذى، ومن غير شين، قاله ابن عبَّاس (^٣٣) ومجاهد (^٣٤)، وعكرمة (^٣٥) وقَتَادة (^٣٦)، والضحاك (^٣٧) والسدي (^٣٨) وغيرهم.\nوقال الحسن البصري: أخرجها - والله - كأنها مصباح، فعلم موسى أنَّه قد لقي ربه ﷿ ولهذا قال تعالى: ﴿لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى﴾.\nوقال وَهْب: قال له ربه: ادنه. فلم نرل يدنيه حتَّى شد ظهره بجذع الشجرة، فاستقر وذهبت عنه الرعدة، وجمع بده في العصا، وخضع برأسه وعنقه.\nوقوله: ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾ أي: اذهب إلى فرعون ملك مصر، الذي خرجت فارًّا منه وهاربًا، فادعه إلى عبادة الله وحده لا شريك له، ومره فليُحْسِن إلى بني إسرائيل ولا يعذبهم، فإنه قد طغى وبغى، وآثر الحياة الدنيا، ونسي الرب الأعلى.\nقال وَهْب بن منبه: قال الله لموسى: انطلق برسالتي فإنك بعيضي وسمعي، وإني معك - أيدي [¬١] ونصري - واني قد ألبستك جُنَّةً من سلطاني، لتستكمل بها القوة في أمري، فأنت جند عظيم من جندي، بعثتك إلى خلق ضعيف من خلقي، بَطر نعمتي، وأمِن مكري، وغرته الدنيا عني، حتَّى جحد حقي، وأنكر ربوبيتي، وزعم أنَّه لا يعرفني، فإني\n_________\n(^٣٢) - أخرجه الطبري في \"تفسيره\": (١٦/ ١٥٧)، وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\": (٤/ ٥٢٧)، وعزاه إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣٣) - أخرجه الطبري في \"تفسيره\": (١٦/ ١٥٨)، وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\": (٤/ ٥٢٧)، وزاد نسبته إلى ابن المنذر وعبد بن حميد.\n(^٣٤) - أخرجه الطبري في \"تفسيره\": (١٦/ ١٥٨)، وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\": (٤/ ٥٢٧) وعزاه إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣٥) - أخرجه الطبري في \"تفسيره\": (١٦/ ١٥٨).\n(^٣٦) - أخرجه الطبري في \"تفسيره\": (١٦/ ١٥٨).\n(^٣٧) - أخرجه الطبري في \"تفسيره\": (١٦/ ١٥٨).\n(^٣٨) - أخرجه الطبري في \"تفسيره\": (١٦/ ١٥٨)، وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\": (٤/ ٥٢٧) وعزاه إلى ابن أبي حاتم.\n_________\n[¬١]- الأيد: القوة. النهاية [١/ ٨٤].","vol":"9","page":322},{"text":"أقسم بعزتي لولا القدر [¬١] الذي وضعت بيني وبين خلقي، لبطشت به بطشة جبار، يغضب لغضبه السماوات والأرض، والجبال والبحار، فإن أمرت السماء حصبته، وإن أمرت الأرض ابتلعته، وإن أمرت الجبال دمرته، وإن أمرت البحار غرقته، ولكنه هان عليَّ وسقط من عيني، ووسعه حلمي، واستغنيت بما عندي، وحقي إني أنا الغنيّ لا غنيّ غيرى، فبلغه رسالتي، وادعه إلى عبادتي وتوحيدي وإخلاصي، وذكره أيامي [¬٢] وحذره نقمتي وبأسي، وأخبره أنَّه لا يقوم شيء لغضبي، وقل له فيما بين ذلك قولًا لينًا؛ لعله يتذكر أو يخشى، وخبره [¬٣] أني إلى العفو والمغفرة أسرع مني إلى الغضب والعقوبة، ولا يَرُوعَنَّك [¬٤] ما ألبستُه من لباس الدنيا، فإن ناصيته بيدي، ليس ينطق ولا يطرف ولا يتنفس إلَّا بإذني، وقل له: أجب ربك فإنه واسع المغفرة، وقد أمهلك أربعمائة سنة، في كلها أنت مبارزه بالمحاربة تسبه وتتمثل به، وتصد عباده عن سبيله، وهو يمطر عليك السماء، وينبت لك الأرض، لم تسقم ولم تَهرم ولم تفتقر، ولو شاء الله أن يعجل لك العقوبة لفعل، ولكنه ذو أناة وحلم عظيم، وجاهده بنفسك وأخيك، وأنتما تحتسبان بجهاده [¬٥]، فإني لو شئت أن آتيه بجنود لا قبل له بها لفعلت، ولكن ليعلم هذا العبد الضعيف الذي قد أعجبته نفسُه وجموعه أن الفئة القليلة -ولا قليل مني- تغلب الفئة الكثيرة بإذني، ولا تعجبنكما زينته، ولا ما متع به، ولا تمدّا إلى ذلك أعينكما، فإنها زُهرة الحياة الدنيا، وزينة المترفين، ولو شئت أن أزينكما من الدنيا بزينة - ليعلم فرعون حين ينظر إليها أن مقدرته تعجز عن مثل ما أوتيتما - فعلت، ولكن أرغب بكما عن ذلك، وأزْويه عنكما وكذلك أفعل بأوليائي، وقديمًا ما جرَتْ [عادتي] [¬٦] في ذلك فإني [¬٧] لأذودهم عن نعيمها ورخائِها كما يذود الراعي الشفيق إِبلَه عن مبارك المعرة وما ذاك لهوانهم عليَّ، ولكن ليستكملوا نصيبهم من كرامتي سالمًا موفرًا [¬٨] لم تَكْلمْه الدنيا. واعلم أنَّه لم يتزين لي العباد بزينة هي أبلغ مما عندي من الزهد في الدنيا، فإنها زينة المتقين، عليهم منها لباس يُعْرفون به من السكينة والخشوع، سيماهم في وجوههم من أثر السجود، أولئك أوليائي حقًّا حقًّا، فإذا لقيتهم فاخفض لهم جناحك، وذلل قلبك ولسانك، واعلم أنَّه من أهان لي وليًّا أو أخافه فقد بارزني بالمحاربة، وبادأني وعرض لي نفسه ودعاني إليها، وأنا أسرع شيء إلى نصرة أوليائي، أفيظن الذي يحاربني أن يقوم لي، أم يظن الذي يعاديني أن يعجزني، أم يظن الذي يبارزني أن يسبقني أو يفوتني، وكيف وأنا الثائر لهم في الدنيا والآخره لا أكل مضطرهم إلى غيري. رواه ابن أبي حاتم.\n﴿قَال رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (٢٥) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي﴾ هذا سؤال من موسى - عليه\n_________\n[¬١]- في ز: \"المقدر\".\n[¬٢]- في ز: \"إياي\".\n[¬٣]- في ز: \"خبره\".\n[¬٤]- في ز: \"يردعنك\".\n[¬٥]- في ز: \"مجاهدة\".\n[¬٦]- سقط من ز.\n[¬٧]- في ز: \"بأني\".\n[¬٨]- في ز: \"موفرًا\".","vol":"9","page":323},{"text":"السلام - لربه، ﷿، أن يشرح له صدره فيما بعثه به، فإنه قد أمره بأمر عظيم، وخطب جسيم: بعثه إلى أعظم ملك على وجه الأرض إذ ذاك وأجبرهم، وأشدهم كفرًا، وأكثرهم جنودًا، وأعمرهم ملكًا، وأطغاهم وأبلغهم تمردًا، بلغ من أمره أن ادَّعى أنَّه لا يعرف الله، ولا يعلم لرعاياه إلهًا غيره.\nهذا وقد مكث موسى في داره مدة وليدًا عندهم، في حجر فرعون على فراشه، ثم قتل منهم نفسًا فخافهم أن يقتلوه، فهرب منهم هذه المدة بكمالها، ثم بعد هذا بعثه ربه ﷿ إليهم [¬١] نذيرًا - لدعوهم إلى الله ﷿ أن يعبدوه وحده لا شريك له، ولهذا قال: ﴿قَال رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (٢٥) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي﴾ أي: إن لم تكن أنت [عزي ونصري] [¬٢]، وعضدي وظهيري، وإلا فلا طاقة لي بذلك.\n﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (٢٧) يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ وذلك لما كان أصابه من اللثغ، حين عرض عليه التمرة والجمرة، فأخذ الجمرة فوضعها على لسانه، كما سيأتي بيانه، وما سأل أن يزول ذلك بالكلية، بل بحيث يزول العي، ويحصل لهم فهم ما يريد منه وهو قدر الحاجة، ولو سأل الجميع لزال، ولكن الأنبياء لا يسألون إلا [¬٣] بحسب الحاجة، ولهذا بقيت بقية، قال الله تعالى إخبارًا عن فرعون أنَّه قال: ﴿أَمْ أَنَا خَيرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ﴾ أي: يفصح بالكلام. وقال الحسن البصري: ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي﴾ قال: حل عقدة واحدة، ولو سأل أكثر من ذلك أعطي.\nوقال ابن عبَّاس: شكا موسى إلى ربه ما يتخوف من آل فرعون في القتيل، وعقدة لسانه، فإنه كان في لسانه عقدة تمنعه من كثير من الكلام، وسأل ربه أن يعينه بأخيه هارون يكون له ردءًا، ويتكلم عنه بكثير مما لا يفصح [¬٤] به لسانه، فآتاه سؤله، فحل عقدة من لسانه.\nوقال ابن أبي حاتم: ذُكِرَ عن عمرو بن عثمان، حدَّثنا بقية، عن أرطاة بن المنذر، حدثني بعض أصحاب محمد بن كعب عنه قال: أتاه ذو قرابة له، فقال له: ما بك بأس، لولا أنك تلحن في كلامك، ولست تُعرب في قراءتك. فقال القرظي: يا بن أخي، ألست أفهمك إذا حدثتك؟ قال: نعم. قال: فإن موسى ﵇ إنما سأل ربه أن يحل [¬٥] عقدة من لسانه كي يفقه [¬٦] بنو إسرائيل كلامه، ولم يزد عليها. هذا لفظه.\n_________\n[¬١]- سقط من ت.\n[¬٢]- في ت: \"عوني ونصيري\".\n[¬٣]- سقط من ز.\n[¬٤]- في ز: \"يفضي\".\n[¬٥]- في ز: \"يحلل\".\n[¬٦]- في ز: \"يفقهوا\".","vol":"9","page":324},{"text":"وقوله ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (٢٩) هَارُونَ أَخِي﴾ وهذا أيضًا سؤال من موسى ﵇ في أمر خارجي عنه، وهو مساعدة أخيه هارون له.\nقال الثَّوري عن أبي سعيد عن عكرمة عن ابن عبَّاس: أنَّه قال: فنبيء هارون [ساعة إذ نبيء] [¬١] موسى، ﵇.\nوقال ابن أبي حاتم: ذكر عن ابن نمير، حدَّثنا أَبو أسامة، عن هشام بن عروة [¬٢]، عن أبيه، عن عائشة: أنَّها خرجت فيما كانت تعتمر، فنزلت ببعض الأعراب، فسمعت رجلًا يقول: أي أخ كان في الدنيا أنفع لأخيه؟ قالوا: ما ندري. قال: والله أنا أدري. قالت: فقلت في نفسي: في حَلِفِه لا يستثني، إنه ليعلم أي أخ في الدنيا كان أنفع لأخيه. قال: موسى حين سأل لأخيه النبوة. فقلت: صدق والله. قلت: وفي هذا قال الله تعالى في الثناء على موسى ﵇: ﴿وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾.\nوقوله: ﴿اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي﴾ قال مجاهد: ظهري. ﴿وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾ أي: في مشاورتي، ﴿كَي نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا (٣٣) وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا﴾ قال مجاهد: لا يكون العبد من الذاكرين الله كثيرًا حتَّى يذكر الله قائمًا وقاعدًا ومضطجعًا.\nوقوله: ﴿إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا﴾ أي: في اصطفائك لنا، وإعطائك إيانا النبوة، وبعثتك لنا إلى عدوك فرعون، فلك الحمد في ذلك.\n﴿قَال قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَامُوسَى (٣٦) وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيكَ مَرَّةً أُخْرَى (٣٧) إِذْ أَوْحَينَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى (٣٨) أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيتُ عَلَيكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَينِي (٣٩) إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَي تَقَرَّ عَينُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّينَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾\nهذه إجابة من الله لرسوله موسى ﵇ فيما سأل من ربه ﷿ وتذكير له بنعمه السالفة عليه، فيما كان ألهمَ أمه حين كانت توضعه، وتحذر عليه من فرعون وملئه أن يقتلوه؛ لأنه كان قد ولد في السنة التي يقتلون فيها الغلمان، فاتخذت له تابوتًا، فكانت توضعه ثم تضعه فيه، وتوسله في البحر -وهو النيل- وتمسكه إلى منزلها\n_________\n[¬١]- في ت: \"ساعتئذ\".\n[¬٢]- في ز: \"عون\".","vol":"9","page":325},{"text":"بحبل، فذهبت مرة لتربطه، فانفلت منها وذهب به البحر، فحصل لها من الغم والهم ما ذكره الله عنها في قوله: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا﴾ فذهب به البحر إلى دار فرعون ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ أي قدرًا مقدورًا من الله، حيث كانوا هم [¬١] يقتلون الغلمان من بني إسرائيل، حذرًا من وجود موسى، فحكم الله - وله السلطان العظيم والقدرة التامة - أن لا [¬٢] يربَّى إلَّا على فراش فرعون، ويغذى بطعامه وشرابه، مع محبته وزوجته له، ولهذا قال تعالى: ﴿يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيتُ عَلَيكَ مَحَبَّةً﴾ أي: عند عدوك، جعلته يحبك.\nقال سلمة بن كهيل (^٣٩): ﴿وَأَلْقَيتُ عَلَيكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ قال،] [¬٣]: حببتك إلى عبادي.\n﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَينِي﴾ قال أَبو عمران الجوني: تربى بعين الله.\nوقال قتادة: تغذى على عيني.\nوقال معمر بن المثنى: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَينِي﴾ حيث [¬٤] أرى.\nوقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: يعني أجعله في بيت الملك، ينعم ويترف، غذاؤه عندهم غذاء الملك، فتلك الصنعة.\nوقوله: ﴿إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَي تَقَرَّ عَينُهَا﴾ وذلك أنَّه لما استقر عند آل فرعون، عرضوا عليه المراضع فأباها، قال الله تعالى: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيهِ الْمَرَاضِعَ﴾ فجاءت أخته وقالت: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ﴾ تعني: هل أدلكم على من ترضعه لكم بالأجرة؟ فذهبت به وهم معها إلى أمه، فعرضت عليه ثديها فقبله، ففرحوا بذلك فرحًا شديدًا، واستأجروها على إرضاعه، فنالها بسببه سعادة ورفعة وراحة في الدنيا، وفي الآخرة أغنم وأجزل، ولهذا جاء في الحديث: \"مثل الصانع الذي يحتسب في صنعته الخير [¬٥] كمثل أم موسى ترضع\n_________\n(^٣٩) - أخرجه الطبري في \"تفسيره\": (١٦/ ١٦١ - ١٦٢)، وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\": (٤/ ٥٢٩) وعزاه إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n_________\n[¬١]- سقط من ز.\n[¬٢]- سقط من ز.\n[¬٣]- ما بين المعكوفين سقط من ز.\n[¬٤]- في ز: \"بحيث\".\n[¬٥]- سقط من ز.","vol":"9","page":326},{"text":"ولدها وتأخذ أجرها\". وقال تعالى هاهنا ﴿فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَي تَقَرَّ عَينُهَا وَلَا تَحْزَنَ﴾ أي: عليك. ﴿وَقَتَلْتَ نَفْسًا﴾ يعني: القبطي ﴿فَنَجَّينَاكَ مِنَ الْغَمِّ﴾ وهو ما حصل له بسبب عزم آل فرعون [علي قتله] [¬١]، ففر منهم هاربًا حتى ورد ماء مدين، وقال له ذلك الرجل الصالح: ﴿لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾.\nوقوله: ﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾ قال الإِمام أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي ﵀ في كتاب التفسير من سننه (^٤٠): قوله: ﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾: حدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا يزيد بن هارون، أنبأنا أصبغ بن زيد، حدثنا القاسم بن أبي أيوب، أخبرني سعيد بن جبير قال: سألت عبد الله بن عباس عن قول الله- ﷿ لموسى ﵇: ﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾، فسألته عن الفتون: ما هو؟ فقال: استأنف النهار با ابن جبير، فإن لها حديثًا طويلًا. فلما أصبحت غدوت إلى ابن عباس؛ لأنتجز منه ما وعدني من حديث الفنون، فقال: تذاكر فرعون وجلساؤه ما كان الله وعد إبراهيم ﵇ أن يجعل في ذريته أنبياء وملوكًا. فقال بعضهم: إن بني إسرائيل ينتظرون ذلك ما يشكون فيه، وكانوا يظنون أنه يوسف بن يعقوب، فلما هلك قالوا: ليس هكذا كان وعد إبراهيم. فقال فرعون: فكيف ترون؟ فأمروا وأجمعوا أمرهم على أن يبعث رجالًا معهم الشفار، يطوفون في بني إسرائيل، فلا يجدون مولودًا ذكرًا إلا ذبحوه.\nففعلوا ذلك، فلما رأوا أن الكبار من بني إسرائيل يموتون بآجالهم، والصغار يذبحون، قالوا: يوشك أن تفنوا بني إسرائيل، فتصيروا أن تباشروا من الأعمال والخدمة التي كانوا يكفونكم، فاقتلوا عامًا كل مولود ذكر، فيقل أبناؤهم، ودعوا عامًا فلا تقتلوا منهم أحدًا، فيشب الصغار مكان من يموت من الكبار، فإنهم لن [¬٢] يكثروا بمن تستحيون منهم فتخافوا مكاثرتهم إياكم، ولن يفنوا بمن تقتلون وتحتاجون إليهم. فأجمعوا أمرهم على ذلك.\nفحملت أم موسى بهارون في العام الذي لا يذبح فيه الغلمان، فولدته علانية آمنة، فلما كان من قابل حملت بموسى ﵇ فوقع في قلبها الهم والحزن -وذلك من الفتون يا بن جبير- ما دخل عليه في بطن أمه مما يراد به، فأوحى الله إليها: ﴿وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٧)﴾ فأمرها إذا ولدت أن تجعله في\n_________\n(^٤٠) - رجاله ثقات، أخرجه النسائي كتاب التفسير من الكبرى، باب: قوله ﷿: ﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾، حديث (١٣٢٦)، (٦/ ٣٩٦: ٤٠٦). وأخرجه أبو يعلى (٥ / ح ٢٦١٨). وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ٦٥ - ٦٦) وقال: رواه أبو يعلى ورجاله رجال الصحيح، غير أصبغ بن زيد والقاسم بن أيوب وهما ثقتان.\n_________\n[¬١]- في ز: \"بقتله\".\n[¬٢]- في ز: \"لم\".","vol":"9","page":327},{"text":"تابوت، ثم تلقيه في اليم، فلما ولدت فعلت ذلك، فلما تواري عنها ابنها أتاها الشيطان، فقالت في نفسها: ما فعلت بابني؟! لو ذبح عندي فواريته وكفنته، كان أحب إليَّ من أن ألقيه إلى دواب البحر وحيتانه.\nفانتهى الماء به حتى أوفى به عند فرضة [¬١] مستقي جواري إمرأة فوعون، فلما رأينه أخذنه، فهممن أن يفتحن التابوت، فقال بعضهم [¬٢]: إن في هذا مالًا، وإنا إن فتحناه لم تصدقنا امرأة الملك بما وجدنا فيه، فحملْنه كهيئته لم يخرجْن منه شيئًا حتى رفعنه إليها، فلما فتحته رأت فيه غلامًا، فألقي محبه منها محبة لم يُلْق [¬٣] منها علي أحد [¬٤] قط، وأصبح فؤاد أم موسى فارغًا من ذكر كل شيء، إلا من ذكر موسى.\nفلما سمع الذباحون بأمره، أقبلوا بشفارهم إلي امرأة فرعون ليذبحوه -وذلك من الفتون يا بن جبير- فقالت لهم: أقروه، فإن هذا الواحد لا يزيد في بني إسرائيل، حتى آتي فرعون فأستوهبه منه، فإن وهبه لي [¬٥] كنتم قد أحسنتم وأجملتم، وإن أمر بذبحه لم أَلَمْكُم. فأتت فرعون فقالت: ﴿قُرَّتُ عَينٍ لِي وَلَكَ﴾ فقال فرعون: يكون لك، فأما لي فلا حاجة لي فيه [¬٦]. فقال رسول الله، ﷺ: \"والذي يُحْلَف به، لو أقر فرعون أن يكون قرة عين له، كما أقرت امرأته، لهداه الله كما هداها، ولكن حرمه ذلك\".\nفأرسلت إلى من حولها، إلي كل امرأة لها [لبن لتختار] [¬٧] [له ظئرًا] [¬٨] فجعل كلما أخذته امرأة منهن لترضعه لم يُقْبِل علي ثديها، حتى أشفقت امرأة فرعون أن يمتنع من اللبن فيموت، فأحزنها ذلك، فأمرت به فأخرج إلي السوق ومجمع الناس، ترجو أن تجد له ظئرًا تأخذه منها، فلم يقبل، وأصبحت أم موسى وَالِهًا، فقالت لأخته: قصي أثره واطلبيه، هل تسمعين له ذكرًا، أحيٌّ ابني أم قد أكلته الدواب؟ ونسيت ما كان الله وعدها فيه، فبصرت به أخته عن جنب وهم لا يشعرون- والجُنُب: أن يسمو بصر الإِنسان إلي شيء بعيد، وهو إلي جنبه [وهو] [¬٩] لا يشعر به - فقالت من الفرح حين أعياهم الظَّئورات: أنا أدلكم علي أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون. فأخذوها فقالوا: ما يدريك؟ ما نصحهم له [¬١٠]؟ هل يعرفونه؟ حتى شكوا في ذلك -وذلك من الفتون يا ابن جبير- فقالت: نصحهم له وشفقتهم عليه [¬١١] رغبتهم في صهر [¬١٢] الملك، ورجاء منفعة الملك.\n_________\n[¬١]- فرضة النهر: مشرعته.\n[¬٢]- في ت: \"بعضهن\".\n[¬٣]- في ز: \"يكن\".\n[¬٤]- في ز: \"لأحد\".\n[¬٥]- في ز: \"مني\".\n[¬٦]- سقط من ز.\n[¬٧]- في ز: \"لأن تختار\".\n[¬٨]- في ز: \"لها ظئر\".\n[¬٩]- سقط من ز.\n[¬١٠]- سقط من ز.\n[¬١١]- سقط من ز.\n[¬١٢]- في ز: \"ظئورة\".","vol":"9","page":328},{"text":"فأرسلوها فانطلقت إلى أمها، فأخبرتها الخبر، فجاءت أمه، فلما وضعته في حجرها نزا إلي ثديها فمصه، حتى امتلأ جنباه ريًّا، وانطلق البشراء [¬١] إلي امرأة فرعون يبشرونها أن قد وجدنا لابنك ظئرًا، فأرسلت إليها، فأتت بها وبه، فلما رأت ما يصنع بها قالت: امكثي ترضعي ابني هذا، فإني لم أحب شيئًا حبه قط.\nقالت أم موسى: لا أستطيع أن أدع بيتي وولدي فيضيع، فإن طابت نفسك أن تعطينيه فأذهب به إلى بيتي، فيكون معي لا [¬٢] آلوه خيرًا فعلت فإني غير تاركة بيتي وولدي. وذكرت أم موسى ما كان الله وعدها فيه، فتعاسرت علي امرأة فرعون، وأيقنت أن الله منجز وعده، فرجعت به إلي بيتها من يومها، وأنبته الله نباتًا حسنًا، وحفظه لِما قد قضي فيه.\nفلم يزل بنو إسرائيل، وهم في ناحية القرية، ممتنعين من السخرة والظلم ما كان فيهم، فلما ترعرع قالت امرأة فرعون لأم موسى: أزيريني [¬٣] ابني؟ فوعدتها يومًا تريها إياه فيه، وقالت امرأة فرعون لخزانها [وظُؤُرِها وقهارمتها] [¬٤]: لا يبقين أحد منكم إلا استقبل ابني اليوم بهدية وكرامة لأري ذلك فيه [¬٥]، وأنا باعثة أمينًا يحصي كل [¬٦] ما يصنع كل إنسان منكم، فلم تزل الهدايا والنِّحل والكرامة تستقبله من حين خرج من بيت أمه إلي [¬٧] أن دخل علي امرأة فرعون، فلما دخل عليها نحلته وأكرمته، وفرحت له، ونحلت أمه لحسن أثرها عليه، ثم قالت: لآتين لهه فرعون فَلَيَنْحَلَنّه وليكرمنه. فلما دخلت به عليه جعله في حِجْره، فتناول موسى لحية فرعون يمدها إلي الأرض، فقال الغواة من أعداء الله لفرعون: ألا تري ما وَعَدَ الله إبراهيم نبيه، انه زعم أن يرثك ويعلوك ويصرعك، فأرسل إلي الذباحين ليذبحوه - وذلك من الفتون يا ابن جبير بعد كل بلاء ابتلي به وأريد به-.\nفجاءت امرأة فرعون فقالت: ما بدا لك في هذا الغلام الذي وهبته لي؟ [فقال: ألا] [¬٨] ترينه يزعم أنه يصرعني ويعلوني فقالت: اجعل بيني وبينك أمرًا يعرف فيه الحق، ائت بجمرتين ولؤلؤتين، فقرِّبهُن إليه، فإن بطش باللؤلؤتين واجتنب الجمرتين فاعرف أنه يعقل، وإن تناول الجمرتين ولم يرد اللؤلؤتين، علمتَ أن [أحدًا لا يؤثر] [¬٩] الجمرتين علي اللؤلؤتين وهو يعقل. فقرب إليه فتناول الجمرتين، فانتزعهما منه مخافة أن يحرقا يده، فقالت المرأة:\n_________\n[¬١]- في ز: \"البشير\".\n[¬٢]- سقط من ز.\n[¬٣]- في ز، خ، ت: \"أتريني\". والمثبت من تفسير النسائي.\n[¬٤]- في ز: \"وطروريتها\".\n[¬٥]- سقط من ت.\n[¬٦]- سقط من ت.\n[¬٧]- في ز: \"علي\".\n[¬٨]- في ز: \"لا\".\n[¬٩]- في ز: \"أحد لا يريد\".","vol":"9","page":329},{"text":"ألا ترى؟ فصرفه الله عنه بعدما كان قد همّ به، وكان الله بالغًا فيه أمره.\nفلما بلغ أشده -وكان من الرجال- لم يكن أحد من آل فرعرن يخلص إلي أحد من بني إسرائيل معه بظلم ولا سخرة، حتى امتنعوا كل الامتناع، فبينما موسى ﵇ يمشي في ناحية المدينة، إذا هو برجلين يقتتلان، أحدهما فرعوني والآخر إسرائيلي، فاستغاثه الإِسرائيلي علي الفرعوني، فغضب موسى غضبًا شديدًا؛ لأنه [تناوله] [¬١] وهو يعلم منزلته من بني إسرائيل وحفظه لهم، لا يعلم الناس إلا أنما ذلك من الرضاع، إلا أم موسى، إلا أن يكون الله أطلع موسى من ذلك علي ما لم يطلع عليه غيره، فوكز موسى الفرعوني فقتله، وليس يراهما أحد إلا الله ﷿ والإِسرائيلي، فقال موسى حين قتل الرجل: ﴿هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾ ثم قال: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ فأصبح في المدينة خائفًا يترقب الأخبار، فأتي فرعون، فقيل له: إن بني إسرائيل قتلوا رجلًا من آل فرعون فخذ لنا بحقنا ولا ترخص لهم. فقال: ابغوني قاتله ومن يشهد عليه، فإن الملك وإن كان صغوه [¬٢] مع قومه لا يستقيم له أن يقيد بغير بينه ولا ثبت، فاطلبوا لي [¬٣] علم ذلك آخذ لكم بحقكم، فبينما هم يطوفون ولا يجدون ثبتًا، إذا موسى [¬٤] من الغد قد رأي ذلك الإِسرائيلي يقاتل رجلًا من آل فرعون آخر، فاستغاثه الإِسرائيلي علي الفرعرني، فصادف موسى قد ندم علي ما كان منه، وكره الذي رأى، فغضب الإِسرائيلي وهو يريد أن يبطش بالفرعوني، فقال للإِسرائيلي لما فعل كالأمس واليوم: ﴿إِنَّكَ لَغَويٌّ مُبِينٌ﴾ فنظر الإِسرائيلي إلي موسى بعد ما قال له ما قال، فإذا هو غضبان كغضبه كالأمس الذي قتل فيه الفرعرني، فخاف أن يكون بعد ما قال له: ﴿إِنَّكَ لَغَويٌّ مُبِينٌ﴾ أن يكون إياه أراد، ولم يكن أراده، إنما أراد الفرعوني، فخاف الإِسرائيلي وقال: ﴿يَامُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ﴾ وإنما [قال له] [¬٥] مخافة أن يكون إياه أراد موسى ليقتله، فتتاركا [¬٦]، وانطلق الفرعوني فأخبرهم بما سمع من الإِسرائيلي من الخبر حين يقول: ﴿أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ﴾ فأرسل فرعون الذباحين ليقتلوا موسى، فأخذ رسل فرعون في الطريق الأعظم يمشون علي هينَتِهم يطلبون موسى، وهم لا يخافون أن يفوتهم، فجاء رجل من شيعة موسى من أقصي المدينة، فاختصر طريقًا حتى سبقهم إلي موسى، فأخبره، وذلك من الفتون يا بن جبير.\nفخرج موسى متوجهًا نحو مدين، لم يلق بلاء قبل ذلك، وليس له بالطريق علم إلا\n_________\n[¬١]- في ز: \"لم يتناوله\".\n[¬٢]- أي: ميله.\n[¬٣]- سقط من ز.\n[¬٤]- في ت: \"بموسى\".\n[¬٥]- في ت: \"قاله\".\n[¬٦]- في ز: \"فسار\".","vol":"9","page":330},{"text":"حسن ظنه بربه ﷿ فإنه قال: ﴿عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ (٢٢) وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَينِ تَذُودَانِ﴾ يعني بذلك: حابستين غَنَمهما، فقال لهما: ما خطبكما معتزلتين لا تسقبان مع الناس؟ قالتا: ليس لنا قوة نزاحم [¬١] القوم، وإنما ننتظر فضول حياضهم.\nفسقى لهما، فجعل، يغترف في الدلو ماء كثيرًا، حتى كان أول الرعاء، فانصرفتا [¬٢] بغنمهما إلى أبيهما، وانصرف موسى ﵇، فاستظل بشجرة، وقال: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيرٍ فَقِيرٌ﴾ واستنكر أبوهما سرعة صدورهما [¬٣] بغنمهما حُفَّلًا بطانًا، فقال: إن لكما اليوم لشأنًا. فأخبرتاه بما صنع موسى، فأمر إحداهما أن تدعوه [¬٤]، فأتت موسى فدعته، فلما كلمه قال: ﴿لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ ليس لفرعون ولا لقومه علينا سلطان، ولسنا في مملكته.\nفقالت إحداهما: ﴿يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَويُّ الْأَمِينُ﴾ فاحتملته الغيرة [¬٥] على أن قال لها: ما يدريك ما قوته وما أمانته؟ قالت: أما قوته فما رأيت منه في الدلو حين [¬٦] سقي لنا، لم أر رجلًا قط أقوي في ذلك السقي منه، وأما الأمانة فإنه نظر إلى حين أقبلت إليه، وشخصت له فلما [¬٧] علم اني امرأة؛ صوب رأسه، فلم يرفعه حتى بلغته رسالتك [¬٨]، ثم قال لي: امشي خلفي، وانعتي لي الطريق. فلم يفعل هذا إلا وهو أمين. فسُرَي عن أبيها وصدقها، وظن به الذي قالت.\nفقال له: هل لك ﴿أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَينِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ ففعل، فكانت على نبي الله موسى ثمان سنين واجبة، وكانت سنتان عدة منه، فقضي الله عنه عدته فأتمها عشرًا.\nقال سعيد -وهو ابن جبير-: فلقيني رجل من أهل النصرانية من علمائهم قال: هل تدري أيَّ الأجلين قضى موسى؟ قلت: لا. وأنا يومئذ لا أدري، فلقيت ابن عباس فذكرت ذلك له، فقال: أما علمت أن ثمانيًا كانت على نبي الله واجبة، لم يكن لنبي الله أن ينقص منها شيئًا، ويعلم أن الله كان قاضيًا عن موسى عدته التي وعده، فإنه قضي عشر سنين. فلقيت النصراني فأخبرته ذلك، فقال: الذي سألته فأخبرك أعلم منك بذلك.\n_________\n[¬١]- في ز: \"تزاحم\".\n[¬٢]- في ز: \"وانصرفتا\".\n[¬٣]- في ز: \"صدرها\".\n[¬٤]- في ز: \"يدعوه\".\n[¬٥]- في ز: \"العزة\".\n[¬٦]- في ز: \"حتى\".\n[¬٧]- في ز: \"مهما\".\n[¬٨]- في ز: \"وسألتك\".","vol":"9","page":331},{"text":"قلت: أجل، وأولى.\nفلما سار موسى بأهله كان من أمر النار والعصا ويده ما قص الله عليك في القرآن، فشكا إلى الله تعالى ما يتخوف من آل فرعون في القتيل وعقدة لسانه، فإنه كان في لسانه عقدة تمنعه من كثير من الكلام، وسأل ربه أن يعينه بأخيه هارون، يكون له ردءًا، ويتكلم عنه بكثير مما لا يفصح به لسانه، فآتاه الله سؤله، وحل عقدة من لسانه، وأوحي الله إلي هارون وأمره أن يلقاه، فاندفع موسى بعصاه حتى لقي هارون ﵉ فانطلقا جميعًا إلي فرعون، فأقاما علي بابه حينًا لا يؤذن لهما ثم أذِن لهما بعد حجاب شديد، فقالا: ﴿إنا رسولا ربك﴾ قال: فمن ربكما؟ فأخبره بالذي قص الله عليك في القرآن، قال: فما تريدان؟ وذكره القتيل، فاعتذر بما قد سمعت.\nقال: أريد أن تؤمن بالله وترسل معي بني إسرائيل. فأبى عليه وقال: ائت بآية إن كنت من الصادقين. فألقي عصاه [فإذا هي] [¬١] حية تسعي عظيمة، فاغرة فاها مسرعة إلي فرعون، فلما رآها فرعون قاصدة إليه خافها، فاقتحم عن سريره، واستغاث بموسي أن يكفها عنه، ففعل، ثم أخرج يده من جيبه فرآها ﴿بيضاء من غير سوء﴾ -يعني: من غير برص- ثم ردها فعادت إلي لونها الأول، فاستشار الملأ حوله فيما رأي، فقالوا له: هذان ساحران ﴿يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى (٦٣)﴾ يعني: ملكهم الذي هم فيه والعيش، وأبوا على موسى أن يعطوه شيئًا مما طلب، وقالوا له: اجمع لهما السحرة فإنهم بأرضك كثير؛ حتى تغلب بسحرك سحرهما.\nفأرسل إلى المدائن، فحشر [¬٢] له كل ساحر متعالم، فلما أتوا فرعون قالوا: بم يعمل هذا الساحر؟ قالوا: يعمل بالحيات [¬٣]. قالوا: فلا والله ما أحد في الأرض يعمل بالسحر بالحيات والحبال والعصي الذي نعمل، وما أجرنا أن نحن غلبنا؟ قال لهم: أنتم أقاربي وخاصتي، وأنا صانع إليكم كل شيء أحببتم. فتواعدوا يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى.\nقال سعيد بن جبير: فحدثني ابن عباس أن يوم الزينة الذي أظهر الله فيه موسى علي فرعون والسحرة هو يوم عاشوراء.\nفلما اجتمعوا في صعيد قال الناس بعضهم لبعض: انطلقوا فلنحضر هذا الأمر ﴿لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ (٤٠)﴾ يعنون موسى وهارون استهزاء بهما؛ فقالوا:\n_________\n[¬١]- سقط من ز.\n[¬٢]- في ز: \"يحشر\".\n[¬٣]- في ز: \"الحيات\".","vol":"9","page":332},{"text":"يا موسى -لقدرتهم [¬١]- بسحرهم- ﴿إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ * قَال بل أَلْقُوا﴾ ﴿فَأَلْقَوْا حِبَالهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ﴾ فرأي موسى من سحرهم ما أوجس في نفسه خيفة، فأوحي الله إليه أن ألق عصاك، فلما ألقاها صارت ثعبانًا عظيمة فاغرة فاها، فجعلت العصا [¬٢] تلتبس بالحبال حتى صارت جرزًا [¬٣] إلي الثعبان تدخل فيه حتى ما أبقت عصا ولا حبلًا [¬٤] إلا ابتلعته.\nفلما عرفت السحرة ذلك قالوا: لو كان هذا سحرًا لم يبلغ من سحرنا كل هذا، ولكنه أمر من الله ﷿ آمنا بالله وبما جاء به موسى، ونتوب إلي الله مما كنا عليه. فكسر الله ظهر فرعون في ذلك الموطن وأشياعه، وظهر الحق، وبطل ما كانوا يعملون ﴿فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ (١١٩)﴾ وامرأة فرعون بارزة مُتَبَذِّلة تدعو الله بالنصر لموسي علي فرعون وأشياعه، فمن رآها من آل فرعون ظن أنها إنما ابتذلت للشفقة علي فرعون وأشياعه وإنما كان حزنها وهمها لموسي.\nفلما طال مكث موسى بمواعيد فرعون الكاذبة، كلما جاء بآية وعده عندها أن يرسل معه بني إسرائيل، فإذا مضت أخلف مرعده، وقال: هل يستطيع ربك أن يصنع غير [¬٥] هذا؟ فأرسل الله على قومه الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم آيات مفصلات، كل ذلك يشكو إلى موسى ويطلب إليه أن يكفها عنه، ويواثقه على أن يرسل معه بني إسرائيل، فإذا كف ذلك عنه أخلف موعده ونكث عهده.\nحتى أمر الله موسى بالخروج بقومه، فخرج بهم ليلًا فلما أصبح فرعون ورأي أنهم قد مضوا أرسل في المدائن حاشرين، فتبعه بجنود عظيمة كثيرة، وأوحي الله إلي البحر: إذا ضربك عبدي موسى بعصاه فانفلق اثنتي عشرة فرقة، حتى يجوز موسى ومن معه، ثم التقى على من بقي بعد من فرعون وأشياعه، فنسي موسى أن يضرب البحر بالعصا، وانتهي إلي البحر [وله قصيف] [¬٦]، مخافة أن يضربه موسى بعصاه وهو غافل [¬٧] فيصير عاصيًا لله.\nفلما تراءي الجمعان وتقاربا ﴿قَال أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾. افعل ما أمرك به ربك، فإنه لم يكذب ولم تكذب. قال: وعدني أن إذا أتيت البحر انفرق اثنتي عشرة فرقة\n_________\n[¬١]- سقط من ز.\n[¬٢]- في ت: \"العصي\".\n[¬٣]- في ت: \"جزرًا\".\n[¬٤]- في ت: \"حبالًا\".\n[¬٥]- سقط من ز.\n[¬٦]- في ز: \"يصيف\". والقصيف: صوت هائل يشبه صوت الرعد. النهاية [٤/ ٧٤].\n[¬٧]- في ز: \"عاقل\".","vol":"9","page":333},{"text":"حتى [أجاوزه] [¬١]، ثم ذكر بعد ذلك العصي، فضرب البحر بعصاه حين دنا أوائل جند فرعرن من أواخر جند موسى، فانفرق البحر كما أمره ربه وكما وعد موسى، فلما أن جاز موسى وأصحابه كلهم البحر، ودخل فرعرن وأصحابه، التقي عليهم البحر كما أمر، فلما جاوز موسى البحر قال أصحابه: إنا نخاف أن لا يكون فرعرن غرق ولا نؤمن بهلاكه. فدعا ربه فأخرجه له ببدنه حتى استيقنوا بهلاكه.\nثم مروا بعد ذلك علي قوم يعكفون علي أصنام لهم ﴿قَالُوا يَامُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَال إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (١٣٨) إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. قد رأيتم من العبر وسمعتم ما يكفيكم ومضي، فأنزلهم موسى منزلًا وقال: أطيعوا هارون فإني قد استخلفته عليكم، فإني ذاهب إلي ربي. وأجلهم ثلاثين يومًا أن يرجع إليهم فيها.\nفلما أتي ربه وأراد أن يكلمه في ثلاثين يومًا وقد صامهن ليلهن ونهارهن، وكره أن يكلم ربه وريح فيه ريح فم الصائم، فتناول موسى من نبات الأرض شيئًا فمضغه، فقال له ربه حين أتاه: لِمَ أفطرت -وهو أعلم بالذْي كان- قال: يارب؛ إني كرهت أن أكلمك إلا وفمي طيب الريح. قال: أو ما علمت يا موسى، أن ريح فم الصائم أطيب من ريح المسك؟ ارجع فصم عشرًا ثم ائتني. ففعل موسى ﵇ ما أمر به، فلما رأي قوم موسى أنه لم يرجع إليهم في الأجل ساءهم ذلك، وكان هارون قد خطبهم وقال: إنكم قد خرجتم من مصر، ولقوم فرعون عندكم عراريٌّ وودائع ولكم فيهم مثل ذلك، وأنا أرى [أن تحتسبوا] [¬٢] مالكم عندهم، ولا أحل لكم وديعة استودعتموها ولا عارية، ولسنا برادّين إليهم شيئًا من ذلك، ولا ممسكيه لأنفسنا، فحفر حفيرًا، وأمر كل قوم عندهم من ذلك من متاع أو حلية أن يقذفوه في ذلك الحفير، ثم أوقد عليه النار فأحرقه، فقال: لا يكون لنا ولا لهم.\nوكان السامري من قوم يعبدون البقر جيران لبني، ولم يكن من بني إسرائيل، فاحتمل مع موسى وبني إسرائيل حين احتملوا، فقضي له أن رأي أثرًا فقبض منه قبضة، فمر بهارون، فقال له هارون ﵇: يا سامري، ألا تلقي [¬٣] ما في يدك؟ - وهو قابض عليه، لا يَرَاه أحد طَوَال ذلك- فقال: هذه قبضة من أثر الرسول الذي جاوز بكم البحر ولا ألقيها لشيء إلا أن تدعو الله إذا ألقيتها أن يكون ما أريد. فألقاها ودعا له هارون، فقال: أريد أن يكون عجلًا فاجتمع ما كان في الحفيرة من متاع أو حلية أو نحاس أو حديد فصار عجلًا أجوف [¬٤] ليس فيه روح، له خوار.\n_________\n[¬١]- في ز: \"إذا جاوزه\".\n[¬٢]- في ت: \"أنكم تحتسبون\".\n[¬٣]- في ز: \"تلق\".\n[¬٤]- في ز: \"أحرف\".","vol":"9","page":334},{"text":"قال ابن عباس: لا والله ما كان له صوت قط، إنما كانت الريح تدخل في دبره وتخرج من فيه، فكان ذلك الصوت من ذلك.\nفتفرق بنو إسرائيل فِرَقًا؛ فقالت فرقة: يا سامري، ما هذا وأنت أعلم به؟ قال: هذا ربكم، ولكن موسى أضل الطريق.\nوقالت فرقة: لا نكذب بهذا حتى يرجع إلينا مرسي، فإن كان ربنا لم نكن ضيَّعناه، وعجزنا فيه حين رأيناه، وإن لم يكن ربنا فإنا نتبع قول موسى. وقالت فرقة: هذا عمل الشيطان وليس بربنا، ولن [¬١] نؤمن به ولا نصدق. وأُشْربَ فرقة في قلوبهم الصدق بما قال السامري في العجل، وأعلنوا التكذيب به، فقال لهم هارون: ﴿يَاقَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ﴾ قالوا: فما بال موسى وعدنا ثلاثين يومًا ثم أخلفنا، هذه أربعون يومًا قد مضت. وقال سفهاؤهم: أخطأ ربه فهو يطلبه ويتبعه.\nفلما كلم الله موسى، وقال له ما قال، أخبره بما لقي قومه من بعده ﴿فَرَجَعَ مُوسَى [¬٢] إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا﴾ فقال لهم: ما سمعتم في القرآن، وأخذ برأس أخيه يجرّه إليه، وألقي الألواح من الغضب، ثم إنه عذر أخاه بعذره، واستغفر له، فانصرف [¬٣] إلي السامري فقال له: ما حملك علي ما صنعت؟ قال: ﴿فَقَبَضْتُ [¬٤] قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ﴾ وفطنتُ لها وعُمِّيت عليكم فقذفتها ﴿وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي (٩٦) قَال فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيهِ عَاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا﴾، ولو كان إلهًا لم يخلص إلي ذلك منه، فاستيقن بنو إسرائيل بالفتنة [¬٥]، واغتبط الذين كان رأيهم فيه مثل رأي هارون، فقالوا لجماعتهم، يا موسى؛ سل لنا ربك [¬٦] أن يفتح لنا باب توبة نصنعها، فيكفر عنا ما عملنا. فاختار موسى قومه سبعين رجلًا لذلك، لا يألو الخيرَ، خيار بني إسرائيل، ومن لم [يشرك في العجل] [¬٧]، فانطلق بهم يسأل لهم التوبة، فرجفت بهم الأرض، فاستحيا نبي الله من قومه ومن وفده حين فعل بهم ما فعل، فقال: ﴿رَبِّ [¬٨] لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ [¬٩] مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا﴾ وفيهم من كان اطلع الله منه علي ما أشرب قلبه من حب العجل وإيمان له، فلذلك رجفت بهم الأرض، فقال: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيءٍ\n_________\n[¬١]- في ت: ولا.\n[¬٢]- سقط من ز.\n[¬٣]- في ت: وانصرف.\n[¬٤]- في ت: فقبضت.\n[¬٥]- في ز: \"الفتنة\".\n[¬٦]- سقط من ز.\n[¬٧]- في ز: \"بالعجل\".\n[¬٨]- سقط من ت.\n[¬٩]- في ز: \"لأهلكتهم\".","vol":"9","page":335},{"text":"فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (١٥٦) الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ فقال: يا رب سألتك التوبة [¬١] لقومي، فقلتَ: إن رحمتي كتبتها لقوم غير قومي، فليتك أخرتني حتى تخرجني في أمة ذلك الرجل المرحومة [¬٢].\nفقال له [¬٣]: إن توبتهم أن يَقْتُل كل رجل منهم مَنْ لقي من والد وولد، فيقتله بالسيف، لا [¬٤] يبالي من قتل في ذلك الموطن. وتاب أولئك الذين كان [¬٥] خفي علي موسى وهارون، واطلع الله من ذنوبهم فاعترفوا بها، وفعلوا ما أمروا، وغفر الله للقاتل والمقتول.\nثم سار بهم موسى ﵇ متوجِّهًا نحو الأرض المقدسة، وأخذ الألواح بعدما سكت عنه الغضب، فأمرهم بالذي أمر به أن يبلغهم من الوظائف، فثقل ذلك عليهم، وأبوْا أن يقروا بها، فنتق الله عليهم الجبل كأنه ظلة، ودنا منهم حتى خافوا أن يقع عليهم، فأخذوا الكتاب بأيمانهم وهم مصغون ينظرون إلي الجبل، والكتاب بأيديهم، وهم من وراء الجبل مخافة أن يقع عليهم، ثم مضوا حتى أتوا الأرض المقدسة، فوجدوا مدينة فيها قوم جبارون [¬٦]، خَلْقُهُم خلق منكر، وذكروا من ثمارهم أمرًا عجيبًا من عظمها، فقالوا: يا موسى إن فيها قومًا جبارين، لا طاقة لنا بهم، ولا ندخلها ما داموا فيها، فإن يخرجوا منها فإنا داخلون.\nقال رجلان من الذين يُخَافون -قيل ليزيد: هكذا قرأه؟ قال: نعم- من الجبارين، آمنا بموسى وخرجا إليه، فقالوا: نحن أعلم بقومنا، إن كنتم إنما تخافون [ما رأيتم] [¬٧] من أجسامهم وعددهم، فإنهم لا قلوب لهم ولا منَعة عندهم، فادخلوا عليهم الباب، فإذا دخلتموه فإنكم غالبون، ويقول أناس: إنهم من قوم موسى، فقال ﴿الَّذِينَ يَخَافُونَ﴾ - بنو إسرائيل: ﴿يَامُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ فأغضبوا موسى، فدعا عليهم وسماهم فاسقين، ولم يدع عليهم قبل ذلك؛ لما رأى منهم من المعصية وإساءتهم حتى كان يومئذ. فاستجاب الله له، وسماهم كما سماهم فاسقين، فحرمها عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض، يصبحون كل يوم فيسيرون، ليس لهم قرار، ثم ظلل عليهم الغمام في التيه، وأنزل عليهم المن والسلوى، وجعل لهم ثيابًا لا تبلى ولا تتسخ، وجعل بين ظهرانيهم حجرًا مربعًا، وأمر موسى فضربه\n_________\n[¬١]- في ز: \"اليوم\".\n[¬٢]- في ز: \"المرحوم\".\n[¬٣]- سقط من ز.\n[¬٤]- في ت: ولا.\n[¬٥]- سقط من ز.\n[¬٦]- في ز: \"جبارين\".\n[¬٧]- سقط من ز.","vol":"9","page":336},{"text":"بعصاه، فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا في كل ناحية ثلاث [¬١]، أعين، وأعلم كل سبط عينهم التي يشربون منها، فلا يرتحلون [¬٢] من منقلة إلّا وجدوا ذلك الحجر معهم [¬٣] بالمكان الذي كان فيه بالأمس.\nرفع ابنُ عباس هذا الحديث إلي النبي ﷺ، وصدّق ذلك عندي أن معاوية سمع ابن عباس حدث [¬٤] هذا الحديث، فأنكر عليه أن يكون الفرعوني الذي أفشى على موسى أمر القتيل الذي قتل، فقال: كيف يفشى عليه ولم يكن علم به ولا ظهر عليه إلا الإسرئيلي الذي حضر ذلك؟\nفغضب ابن عباس، فأخذ بيد معاوية فانطلق به إلي سعد بن مالك الزهري، فقال له: يا أبا إسحاق؛ هل تذكر يوم حدثنا رسول الله ﷺ عن قتيل موسى الذي قتل من آل فرعون؟ الإسرائيلي الذي أفشى عليه أم الفرعوني؟ قال: إنما أفشى عليه الفرعوني بما سمع من الإسرائيلي الذي [¬٥] شهد على ذلك وحضره.\nهكذا رواه الإمام النسائي في السنن الكبرى [¬٦]، وأخرجه أبو جعفر بن جرير (^٤١)، وابن أبي حاتم (^٤٢) في تفسيريهما، كلهم من حديث يزيد بن هارون به. وهو موقوف من كلام ابن عباس، وليس فيه مرفوع إلا قليل منه، وكأنه تلقاه ابن عباس ﵁ مما أبيح نقله من الإسرائيليات عن كعب الأحبار أو غيره، والله أعلم. وسمعت شيخنا الحافظ أبا الحجاج المزي يقول ذلك أيضًا.\n﴿فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَامُوسَى (٤٠) وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي (٤١) اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي (٤٢) اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (٤٣) فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (٤٤)﴾\nيقول تعالى مخاطبًا لموسى ﵇: إنه لبث مقيمًا في أهل مدين فارًّا من\n_________\n(^٤١) - أخرجه ابن جرير الطبري في \"تفسيره\": (١٦/ ١٦٤: ١٦٧).\n(^٤٢) - وعزاه السيوطي كذلك إلى ابن أبي عمر العدني في مسنده، وعبد بن حميد، وابن المنذر وابن مردويه عن ابن عباس.\n_________\n[¬١]- في ز: \"ثلاثة\".\n[¬٢]- في ز: \"يحلون\".\n[¬٣]- في ز: \"منهم\".\n[¬٤]- في ت: يحدث.\n[¬٥]- سقط من ز.\n[¬٦]- في ز: \"الكبير\".","vol":"9","page":337},{"text":"فرعون وملئه، يرعى على صهره، حتى انتهت المدة وانقضى الأجل، ثم جاء موافقًا لقدر الله وإرادته من غير ميعاد، والأمر كله لله [¬١]﵎ وهو المسَيِّر عباده وخلقه فيما يشاء، ولهذا قال: ﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ﴾. قال مجاهد (^٤٣): أي: على [¬٢] موعد.\nوقال عبد الرزاق عن معمر عن قتادة (^٤٤) في قوله: ﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَامُوسَى﴾ قال: على قدر الرسالة والنبوّة.\nوقول: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ أي: اصطفيتك واجتبيتك رسولًا لنفسي، أي: كما أريد وأشاء.\nوقال البخاري عند تفسيرها (^٤٥): حدثنا الصلت بن محمد، حدثنا مهدي بن ميمون، حدثنا محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، عن رسول الله، ﷺ قال: \"التقى آدم وموسى، فقال موسى: أنت الذي أشقيت الناس وأخرجتهم من الجنة؟ فقال آدم: أنت الذي اصطفاك الله برسالاته واصطفاك لنفسه وأنزل عليك التوراة؟ قال: نعم. قال [¬٣]: فوجدته قد كتب عليّ قبل أن يخلقني؟ قال: نعم. فحج آدم موسى\". أخرجاه.\n﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي﴾ أي: بحججي وبراهيني ومعجزاتي، ﴿وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي﴾ قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس (^٤٦): لا تبطئا.\nوقال مجاهد عن ابن عباس (^٤٧): لا تضعفا.\n_________\n(^٤٣) - أخرجه الطبري في \"تفسيره\": (١٦/ ١٦٨).\n(^٤٤) - أخرجه الطبري في \"تفسيره\": (١٦/ ١٦٨).\n(^٤٥) - أخرجه البخاري في كتاب التفسير، باب: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ حديث (٤٧٣٦)، (٨/ ٤٣٤) بهذا الإسناد. وأخرجه مسلم في كتاب القدر: باب حجاج آدم موسى ﵉، حديث (١٣/ ٢٦٥٢) من طريق سفيان بن عيينة عن عمرو عن طاوس عن أبي هريرة به.\n(^٤٦) - أخرجه الطبري في \"تفسيره\": (٦٨/ ١١٦)، وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\": (٤/ ٥٣٦) وعزاه إلى ابن المنذر وابن أتم حاتم عن ابن عباس.\n(^٤٧) - أخرجه الطبري في \"تفسيره\": (١٦/ ١٦٩)، وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\": (٤/ ٥٣٦) وزاد نسبته إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس.\n_________\n[¬١]- في ز: له.\n[¬٢]- سقط من ز.\n[¬٣]- سقط من ز.","vol":"9","page":338},{"text":"والمراد: أنهما لا يفتران في ذكر الله، بل يذكران الله في حال مواجهة فرعون؛ ليكون ذكر الله عونًا لهما عليه، وقوّة لهما وسلطانًا كاسرًا له، كما جاء في الحديث: \"إن عبدي كل عبدي للذي يذكرني وهو مناجز قِرْنه\".\n﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾ أي: تمرّد وعتا وتجهرم على الله وعصاه، ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ هذه الآية فيها عبرة عظيمة، وهو أن فرعون في غاية العتو والاستكبار [¬١] وموسى صفوة الله من [¬٢] خلقه إذ ذاك، ومع هذا أمر أن لا يخاطب فرعون إلا بالملاطفة واللين، كما قال يزيد الرقاشي عند قوله: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا﴾ يا من يتحبب إلى من يعاديه فكيف بمن يتولاه ويناديه؟!\nوقال وهب بن منبه: قولا له: إني إلى العفو والمغفرة أقرب مني إلى الغضب والعقوبة.\nوعن عكرمة في قوله: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا﴾ قال: لا إله إلا الله.\nوقال عمرو بن عبيد، عن الحسن البصري: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا﴾: أعذرا إليه، قولا له: إن لك ربًّا ولك معادًا وإن بين يديك جنةً ونارًا.\nوقال بقية عن علي بن هارون عن رجلٍ عن الضحاك بن مزاحم عن النزَّال بن سبرة [¬٣] عن عليّ في قوله: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا﴾ قال: كَنِّهِ.\nوكذا روي عن سفيان الثوري: كَنِّهِ بأبي مرة.\nوالحاصل من أقوالهم: أن دعوتهما له تكون بكلام رقيق لين قريب سهل؛ ليكون أوقع في النفوس وأبلغ وأنجع، كما قال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾.\nوقوله [¬٤]: ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾، أي: لعله يرجع عما هو فيه من الضلال والهلكة، ﴿أَوْ يَخْشَى﴾ أي: يُوجد طاعة من خشية ربه، كما قال تعالى: ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ فالتذكر: الرجوع عن المحذور، والخشية: تحصيل الطاعة.\nوقال الحسن البصري: ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾، يقول: لا تقل أنت يا موسى وأخوك هارون: أهْلكْه، قبل أن أعذر إليه.\nوهاهنا نذكر شعر زيد بن عمرو بن نفيل، ويروى لأمية بن أبي الصلت فيما ذكره ابن\n_________\n[¬١]- في ز: الاستنكار.\n[¬٢]- في ز: في.\n[¬٣]- في ز: \"ميسرة\".\n[¬٤]- سقط من ز.","vol":"9","page":339},{"text":"إسحاق:\nوأنت الذي من فضل مَنٍّ ورحمة … بعثت إلى موسى رسولًا مناديًا\nفقلت له: فاذهب وهارونَ فادعُوا … إلي الله فرعونَ الذي كان باغيا\nفقولا له: أهل أنت] [¬١] سويت هذه … بلا وتد حتى استقلت كما هيا؟\nوقولا [¬٢] له: آأنت رفعتَ هذه … بلا عَمَدٍ أرفق إذَا بك بانيا\nوقولا له: آأنت سويت وسْطها … منيرًا إذا ما جنه الليل هاديًا؟\nوقولا له: من يخرج الشمس بكرة … فيصبح ما مست من الأرض ضاحيا؟\nوقولا له: مَنْ يُنْبِتُ الحب في الثَّرى … فيصبح منه البَقْلُ يهتز رابيا\nويخْرِجُ منه حبه في رُءُوسه … ففي ذاك آيات لمن كانَ واعيا\nوقوله [¬٣]﷿:\n﴿قَالا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَينَا أَوْ أَنْ يَطْغَى (٤٥) قَال لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (٤٦) فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى (٤٧) إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَينَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (٤٨)﴾\nيقول تعالى إخبارًا عن موسى وهارون ﵉: إنهما قالا مستجيرين بالله تعالى شاكيين إليه: ﴿إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَينَا أَوْ أَنْ يَطْغَى﴾ يعنيان أن يبدُر إليهما بعقوبة، أو يعتدي عليهما، فيعاقبهما وهما لا يستحقان منه ذلك.\nقال عبد الرحمن بن زيد: ﴿أَنْ يَفْرُطَ﴾: يعجَل.\nوقال مجاهد: يبسط علينا.\nوقال الضحاك، عن ابن عباس: ﴿أَوْ أَنْ يَطْغَى﴾ يعتدي.\n﴿قَال لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ أي: لا تخافا منه، فإنني معكما أسمع كلامكما وكلامه، وأرى مكانكما ومكانه، ولا [¬٤] يخفى عليَّ من أمركم شيء، واعلما أن\n_________\n[¬١]- في ز: \"أنت\".\n[¬٢]- في ت: \"فقولا\".\n[¬٣]- في ز: قوله.\n[¬٤]- في ز: لا.","vol":"9","page":340},{"text":"ناصيته بيدي، فلا يتكلم ولا يتنفس ولا يبطش إلا بإذني وبعد أمري، وأنا معكما بحفظي ونصري وتأييدي.\nوقال ابن أبي حاتم (^٤٨): حدثنا أبي، حدثنا علي بن محمد الطنافسي، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن عمرو بن مُرّة، عن أبي عبيدة، عن عبد الله قال: لما بعث الله ﷿ موسى إلى فرعون قال: رب، أي شيء أقول؟ قال: قل: هيا شراهيا [¬١]. قال الأعمش: فَسْرُ ذلك: الحي قبل كل شيء، والحي بعد كل شيء. إسناد جيد وشيء غريب.\n﴿فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ﴾ قد تعدم في حديث الفتون عن ابن عباس أنه قال: مكثا على [¬٢] بابه حينًا لا يؤذن لهما، ثم [¬٣] أذِن لهما بعد حجاب شديد.\nوذكر محمد بن إسحاق بن يسار: أن موسى وأخاه هارون خرجا، فوقفا بباب فرعون يلتمسان الأذن عليه، وهما يقولان: إنا رسل رب العالمين فآذنوا بنا هذا الرجل. فمكثا [¬٤] فيما بلغني سنتين يغدوان ويروحان، لا يعلم بهما [¬٥] ولا يجترئ أحد على أن يخبره بشأنهما حتى دخل عليه بطّال له يلاعبه ويضحكه، فقال له: أيها الملك، إن على بابك رجلًا يقول قولًا عجبًا [¬٦]، يزعم أن له إلهًا غيرك أرسله إليك.\nقال: ببابي؟! قال: نعم. قال: أدخلوه. فدخل ومعه أخوه هارون وفي يده عصاه، فلما وقف على فرعون قال: إني رسول رب العالمين، فعرفه فرعون.\nوذكر السدّي أنه لما قدم بلاد مصر، ضاف أمه وأخاه وهما لا يعرفانه، وكان طعامهم [¬٧] ليلتئذٍ الطعثلل وهو اللفت، ثم عرفاه وسلما عليه، فقال له موسى: يا هارون، إن ربي قد أمرني أن آتي هذا الرجل -فرعونَ- فأدعوَه إلي الله، وأمر أن تعاونني. قال: افعل ما أمرك ربك. فذهبا وكان ذلك ليلًا فضرب موسى باب القصر. بعصاه فسمع فرعون؛ فغضب وقال: من يجترئ علي هذا الصنيع؟ فأخبره السدنة والبوابون أن [¬٨] هاهنا رجلًا مجنونًا [¬٩] يقول: إنه رسول الله، فقال: عليَّ به. فلما وقفا بين يديه قالا وقال لهما\n_________\n(^٤٨) - وزاد السيوطي نسبته إلى ابن أبي شيبة وقال السيوطي: إسناده جيد. ا هـ\n_________\n[¬١]- في ز: \"شرهيا\".\n[¬٢]- في ز: \"في\".\n[¬٣]- في ت: \"حتى\".\n[¬٤]- في ز: \"مكثا\".\n[¬٥]- في ت: \"بهم\".\n[¬٦]- في ز: \"عجيبا\".\n[¬٧]- في ش: \"طعامهما\".\n[¬٨]- في س: \"بأن\".\n[¬٩]- في ز: \"مجنون\".","vol":"9","page":341},{"text":"ما ذكر الله في كتابه.\nوقوله: ﴿قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ﴾، أي: بدلالة ومعجزة من ربك، ﴿وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى﴾، أي: والسلام عليك أن اتبعت الهدى.\nولهذا لما كتب رسول الله، ﷺ، إلى هرقل عظيم الروم [كتابًا كان أوله: \"بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلي هرقل عظيم الروم] [¬١]، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد، [فإني أدعوك بدعاية الإسلام] [¬٢]، فأسلم تسلم، وأسلم [¬٣] يؤتك الله أجرك مرتين\" (^٤٩).\nوكذلك لما كتب مسيلمة إلى رسول الله، ﷺ، كتابًا صورته: من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله، سلام عليك، أما بعد، فإني قد أشركت [¬٤] في الأمر معك، فلك المدر ولي الوبر، ولكن قريش قوم يعتدون.\nفكتب إليه رسول الله ﷺ: \"من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب، سلام علي من اتبع الهدى، أما بعد، فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده، والعاقبة للمتقين\".\nولهذا قال موسى وهارون ﵉ لفرعون: ﴿وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى (٤٧) إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَينَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾، أي: قد أخبرنا الله فيما أوحاه إلينا من الوحي المعصوم، أن العذاب متمحض لمن كذب بآيات الله وتولى عن طاعته، كما قال تعالى. ﴿فَأَمَّا مَنْ طَغَى (٣٧) وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٣٨) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ وقال تعالى: ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى (١٤) لَا يَصْلَاهَا إلا الْأَشْقَى (١٥) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾.\nوقال تعالى: ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى (٣١) وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ أي: كذب بقلبه وتولى بفعله.\n_________\n(^٤٩) - أخرجه البخاري في كتاب بدء الوحى: باب رقم (٦)، حديث (٧)، وأطرافه في (٢٦٨١، ٢٨٠٤، ٢٩٤١، ٢٩٧٨، ٣٧٤، ٤٥٥٣، ٥٩٨٠، ٦٢٦٠، ٧١٩٦، ٧٥٤١). ومسلم: كتاب الجهاد والسير، باب: كتاب النبي ﷺ إلى هرقل يدعوه إلى الإسلام، حديث ٧٤ - (١٧٧) (١٢/ ١٤٧). وأبو داود في سننه كتاب الأدب، باب: كيف يكتب إلى الذمي، حديث (٥١٣٦)، (٤/ ٣٣٥) من حديث ابن عباس عن أبي سفيان بن حرب.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفين سقط من ز.\n[¬٢]- ما بين المعكوفين سقط من ز.\n[¬٣]- سقط من ش.\n[¬٤]- في ز: \"أشركتك\".","vol":"9","page":342},{"text":"﴿قَال فَمَنْ رَبُّكُمَا يَامُوسَى (٤٩) قَال رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (٥٠) قَال فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى (٥١) قَال عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى (٥٢)﴾\nيقول تعالى مخبرًا عن فرعون أنه قال لموسى، منكرًا وجود الصانع الخالق، إله كل شيء وربه ومليكه، ﴿قَال فَمَنْ رَبُّكُمَا يَامُوسَى﴾، أي: الذي بعثك وأرسلك من هو؟ فإني لا أعرفه، وما علمت لكم من إله غيري، ﴿قَال رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾.\nقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس (^٥٠) يقول: خلق لكل شيء زوجة.\nوقال الضحاك: عن ابن عباس: جعل الإنسان إنسانًا، والحمار حمارًا [¬١]، والشاة شاة.\nوقال ليث بن أبي سليم [¬٢] عن مجاهد (^٥١): أعطى كلَّ شيء صورته.\nوقال ابن أبي نجيح عن مجاهد (^٥٢): سوى خلق كل دابة.\nوقال سعيد بن جبير في قوله: ﴿أَعْطَى كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ - قال: أعطي كل ذي خلق ما يصلحه من خلقه، ولم يجعل للإنسان من خَلْق الدابة، ولا للدابة من خلق الكلب، ولا للكلب من خلق الشاة، وأعطي كل شيء ما ينبغي له من النكاح، وهيأ كل شيء علي ذلك، ليس شيء منها يشبه شيئًا من فعاله [¬٣] في [¬٤] الخلق والرزق والنكاح.\nوقال بعض المفسرين: ﴿أَعْطَى كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾، أي: قدر قدرًا، وهدى الخلائق إليه، أي: كتب الأعمال والآجال\n_________\n(^٥٠) - أخرجه الطبري في \"تفسيره\": (١٦/ ١٧١ - ١٧٢). وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\": (٤/ ٥٣٧ - ٥٣٨)، وعزاه إلى المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات.\n(^٥١) - أخرجه الطبري في \"تفسيره\": (١٦/ ١٧٢)، وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\": (٤/ ٥٣٨)، وعزاه إلى ابن أبي حاتم.\n(^٥٢) - أخرجه الطبري في \"تفسيره\": (١٦/ ١٧٢)، وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\": (٤/ ٥٣٨) وعزاه إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n_________\n[¬١]- في ز: \"حمار\".\n[¬٢]- في ز: \"سلمة\".\n[¬٣]- في ش: \"أفعاله\".\n[¬٤]- في ز: \"و\".","vol":"9","page":343},{"text":"والأرزاق، ثم الخلائق ماشون على ذلك، ولا [¬١] يحيدون عنه، ولا يقدر أحد علي الخروج منه. يقول: ربنا الذي خلق الخلق [¬٢]، وقدر القدر، وجبل الخليقة علي ما أراد.\n﴿قَال فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى﴾، أصح الأقوال في معنى ذلك: أن فرعون لما أخبره موسى بأن ربه الذي أرسله، هو الذي خلق ورزق وقدر فهدى، شرع يحتج بالقرون الأولى، أي: الذين لم يعبدوا الله، أي: فما بالهم إذ كان الأمر كما تقول، لم يعبدوه [¬٣]، بل عبدوا غيره؟ فقال له موسى في جواب ذلك: هم وإن لم يعبدوه فإن عملهم [¬٤] عند الله مضبوط عليهم، وسيجزيهم بعملهم في كتاب الله، وهو اللوح المحفوظ وكتاب الأعمال، ﴿لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾، أي: لا يشذ عنه [¬٥] شيء، ولا يفوته صغير ولا كبير، ولا ينسى شيئًا. يصف علمه تعالى بأنه بكل شيء محيط، وأنه لا ينسى شيئًا، ﵎ وتقدس وتنزه [¬٦]، فإن علم المخلوق يعتريه نقصانان [¬٧]: أحدهما: عدم [¬٨] الإحاطة بالشيء، والآخر: نسيانه بعد علمه، فنزه نفسه عن ذلك.\n﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى (٥٣) كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى (٥٤) مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى (٥٥) وَلَقَدْ أَرَينَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَى (٥٦)﴾\nهذا من تمام كلام موسى فيما وصف به ربه ﷿ حين سأله فرعون عنه، فقال: ﴿الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾، ثم اعترض [¬٩] الكلام بين ذلك، ثم قال: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا﴾، وفي قراءة بعضهم: (مهدًا) أي: قرارًا تستقرون عليها، [وتقومون وتنامون عليها] [¬١٠] وتسافرون علي ظهرها. ﴿وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا﴾ أي: جعل لكم طرقًا تمشون في مناكبها، كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ [¬١١] يَهْتَدُونَ﴾. ﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ\n_________\n[¬١]- في ش: \"لا\".\n[¬٢]- سقط من ش.\n[¬٣]- في ش: \"يعبدوا ربك\".\n[¬٤]- في ز: \"علمهم\".\n[¬٥]- في ز: \"عليه\".\n[¬٦]- سقط من ز.\n[¬٧]- في ز: \"نقصانين\".\n[¬٨]- سقط من ز.\n[¬٩]- في ز: \"أعرض\".\n[¬١٠]- سقط من ز.\n[¬١١]- في ز: \"لعلكم\".","vol":"9","page":344},{"text":"شَتَّى﴾. أي: ألوان النباتات، من زروع وثمار، من حامض وحلو ومُرٍّ [¬١]، وسائر الأنواع.\n﴿كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ﴾. أي: شيء لطعامكم وفاكهتكم، وشيء لأنعامكم لأقواتها خضرًا ويابسًا ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ﴾. أي: لدلالات وحُجَجًا [¬٢] وبراهين ﴿لِأُولِي النُّهَى﴾. أي: لذوي العقول السليمة المستقيمة، على أنه لا إله إلا الله، ولا رب سواه.\n﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾. أي: من الأرض مَبْدَؤكم، فإن أباكم [¬٣] آدم مخلوق من تراب من أديم الأرض. ﴿وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ﴾. أي: وإليها تصيرون إذا متم وبليتم، ﴿وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾. ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إلا قَلِيلًا﴾.\nوهذه الآية كقوله تعالى: ﴿قَال فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ﴾.\nوفي الحديث الذي في السنن (^٥٣): أن رسول الله ﷺ حضر جنازة، فلما دفن الميت أخذ قبضة من التراب فألقاها في القبر، ثم قال: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ﴾. ثم أخذ [¬٤] أخرى وقال: ﴿وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ﴾. ثم أخرى وقال: ﴿وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾.\nوقوله: ﴿وَلَقَدْ أَرَينَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَى﴾ يعني فرعون، أنه قامت عليه الحجج والآيات والدلالات، وعاين ذلك وأبصره، فكذب بها وأباها كفرًا وعنادًا وبغيًا، كما قال تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾.\n_________\n(^٥٣) - أخرجه أحمد في \"مسنده\" (٥/ ٢٥٤) قال: ثنا علي بن إسحاق، أنا عبد الله -يعني: ابن المبارك- أنا يحيى بن أيوب، عن عبيد الله بي زحر، عن عليّ بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة، قال: لما وضعت أم كلثوم ابنة رسول الله ﷺ في القبر قال رسول الله صلى الله عليه سلم: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾. قال: ثم لا أدرى، أقال: بسم الله، وفي سبيل الله، وعلى ملة رسول الله، أم لا. فلما بنى عليها لحدها طفق يطرح لهم الجبوب ويقول: \"سدوا خلال اللبِن\". ثم قال: \"أما إن هذا ليس بشيء، ولكنه طيب بنفس الحي\". وهذا إسنادٌ ضعيف: من أجل عبيد الله بن زحر، وعلي بن يزيد، والقاسم. وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ٤٣) وعزاه لأحمد وقال: \"وإسناده ضعيف\".\n_________\n[¬١]- سقط من ش.\n[¬٢]- في ز: \"وحجج\".\n[¬٣]- في ز: \"أباهم\".\n[¬٤]- سقط من ز.","vol":"9","page":345},{"text":"﴿قَال أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَامُوسَى (٥٧) فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَينَنَا وَبَينَكَ مَوْعِدًا لَا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنْتَ مَكَانًا سُوًى (٥٨) قَال مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى (٥٩)﴾\nيقول تعالى مخبرًا عن فرعون أنه قال لموسى حين أراه الآية الكبرى، وهي إلقاء عصاه فصارت ثعبانًا عظيمًا، ونزع يده من تحت جناحه فخرجت [¬١] بيضاء من غير سوء، فقال: هذا سحر، جئت به لتسحرنا وتستولي به علي الناس، فيتبعونك وتكاثرنا بهم، ولا يتم هذا معك، فإن عندنا سحرًا مثل سحرك، فلا يغرنك ما أنت فيه، ﴿فَاجْعَلْ بَينَنَا وَبَينَكَ مَوْعِدًا﴾. أي: يومًا نجتمع نحن وأنت فيه، فنعارض ما جئت به بما عندنا من السحر، في مكان معين ووقت معين، فعند ذلك ﴿قَال﴾ لهم موسى: ﴿مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ﴾. وهو يوم عيدهم ونوروزهم، وتفرغهم من أعمالهم، واجتماعهم جميعهم، ليشاهد الناس قدرة الله على ما يشاء، ومعجزات الأنبياء، وبطلان معارضة السحر لخوارق العادات النبوية، ولهذا قال: ﴿وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ﴾، أي: جميعهم ﴿ضُحًى﴾، أي: ضحوة من النهار؛ ليكون أظهر وأجلى وأبين وأوضح. وهكذا شأن الأنبياء، كل أمرهم واضح بين ليس فيه خفاء ولا ترويج [¬٢]، ولهذا لم يقل: \"ليلًا\". ولكن نهارًا ضحى.\nقال ابن عباس: وكان يوم الزينة يوم عاشوراء.\nوقال السديُّ وقتادة وابن زيد: كان يوم عيدهم.\nوقال سعيد بن جبير: يوم سوقهم. ولا منافاة.\nقلت: وفي مثله أهلك الله فرعون وجنوده، كما ثبت في الصحيح (^٥٤).\nقال وهب بن منبه: قال فرعون: يا موسى، اجعل بيننا وبينك أجلًا ننظر فيه.\nقال موسى: لم أومر بهذا، إنما أمرت بمناجزتك إن أنت لم تخرج دخلت إليك، فأوحى\n_________\n(^٥٤) - أخرجه البخاري في كتاب التفسير، باب: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا …﴾، حديث (٤٦٨٠) (٨/ ٣٤٨)، من حديث ابن عباس به.\n_________\n[¬١]- في ز: \"فتخرج\".\n[¬٢]- في ز: \"توريج\".","vol":"9","page":346},{"text":"الله إلى موسى: أن اجعل بينك وبينه أجلًا، وقل له أن يجعل هو. قال فرعون: اجعله [¬١] إلى أربعين يومًا. ففعل.\nوقال مجاهد وقَتَادة: ﴿مَكَانًا سُوًى﴾ مَنْصْفًا. وقال السُديُّ: عدلًا. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: ﴿مَكَانًا سُوًى﴾ مستو [¬٢] يتبين الناس ما فيه، لا يكون صُوَب [¬٣]، ولا شيء يتغيب بعض ذلك [عن بعض] [¬٤] مستو حتَّى يُرى.\n﴿فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيدَهُ ثُمَّ أَتَى (٦٠) قَال لَهُمْ مُوسَى وَيلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى (٦١) فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَينَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى (٦٢) قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى (٦٣) فَأَجْمِعُوا كَيدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى (٦٤)﴾\nيقول تعالى مخبرًا عن فرعون أنَّه لما تواعد هو بموسى ﵇ إلى وقت ومكان معلومين، تولى، أي: شرع في جمع السحرة من مدائن مملكته، كل من ينسب إلى سحر في ذلك الزمان، وقد كان السحر فيهم كثيرًا نافقا جدًّا، كما قال تعالى: ﴿وَقَال فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ﴾. ﴿ثُمَّ أَتَى﴾، أي: اجتمع [¬٥] الناس لميقات يوم معلوم، وهو يوم الزينة، وجلس فرعون على سرير مملكته، واصطف له أكابر دولته، ووقفت الرعايا يمنة ويسرة، وأقبل موسى ﵊ يتوكأ على عصاه، ومعه أخوه هارون، ووقف السحرة بين يدي فرعون صفوفًا، وهو يحرضهم ويحثهم، ويرغبهم في إجادة عملهم في ذلك اليوم، ويتمنَّوْن عليه، وهو يعدهم ويمنيهم، فيقولون: ﴿أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (٤١) قَال نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾. في ﴿قَال لَهُمْ مُوسَى وَيلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾. أي: لا تُخيِّلوا للناس بأعمالكم إيجادَ أشياء لا حقائق لها، وأنها مخلوقة وليست مخلوقة، فتكونون قد كذبتم على الله، ﴿فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ﴾. أي: يهلككم بعقوبة هلاكًا لا بقية [¬٦] به [¬٧]، ﴿وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى ﴿(٦١) فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ\n_________\n[¬١]- في ز: \"أجله\".\n[¬٢]- سقط من ش.\n[¬٣]- في ز: \"صوت\".\n[¬٤]- سقط من ز.\n[¬٥]- في ز: \"جمع\".\n[¬٦]- بياض في ز.\n[¬٧]- في شي: له.","vol":"9","page":347},{"text":"بَينَهُمْ﴾. قيل: معناه أنهم تشاجروا فيما بينهم، فقائل بقول: ليس هذا بكلام ساحر، إنما هذا كلام نبي. وقائل يقول: بل هو ساحر. وقيل غير ذلك، والله أعلم.\nوقوله: ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى﴾. أي: تناجوا فيما بينهم، ﴿قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ هذه لغة لبعض العرب، جاءت هذه القراءة على إعرابها. ومنهم من قرأ: ﴿إن هذين لساحران﴾. وهذه اللغةُ المشهورة، وقد توسع النحاة في الجواب عن القراءة الأولى بما ليس هذا موضعه.\nوالغرض: أن السحرة قالوا فيما بينهم: تعلمون أن هذا الرجل وأخاه - يعنون: موسى وهارون - ساحران عالمان خبيران بصناعة السحر، يريدان في هذا اليوم أن يغلباكم وقومَكم، ويستوليا [¬١] على الناس، وتتبعهما العامة، ويقاتلا [¬٢] فرعون وجَنوده، فينتصرا عليه ويخرجاكم من أرضكم.\nوقوله: ﴿وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾. أي: ويستبدا بهذه الطريقة، وهي: السحر، فإنهم كانوا معَظَّمِينَ بسببها، لهم أموال وأرزاق عليها، يقولون: إذا غلب هذان أهلكاكم وأخرجاكم من الأرض، وتفردا بذلك، وتمحضت لهما الريسة بها دونكم.\nوقد تقدم في حديث الفتون أن ابن عبَّاس قال في قوله: ﴿وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾، يعني: ملكهم الذي هم فيه والعيش.\nوقال ابن أبي حاتم (^٥٥): حدَّثنا أبي، حدَّثنا نعيم بن حمَّاد، حدَّثنا هُشَيم، عن عبد الرحمن بن إسحاق، سمع الشعبي حدث عن علي في قوله: ﴿وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾، قال: يصرفا وجوه الناس إليهما.\nوقال مجاهد: ﴿وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾ قال: أولو الشرف والعقل والأسنان.\nوقال أَبو صالح: ﴿بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾] [¬٣] أشرافكم وسرواتكم. وقال عكرمة: بخيركم. وقال قَتَادة: وطريقتهم المثلى يومئذ بنو إسرائيل، كانوا أكثر القوم عددًا وأموالًا فقال عدو الله: يريدان أن يذهبا بها لأنفسهما. وقال عبد الرحمن بن زيد: ﴿بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾. بالذي أنتم عليه.\nوقوو: ﴿فَأَجْمِعُوا كَيدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا﴾. أي: اجتمعوا [¬٤] كلكم صفًّا واحدًا،\n_________\n(^٥٥) - وأخرجه ابن جرير الطبري في \"تفسيره\": (١٦/ ١٨٢) من طريق هُشَيم به.\n_________\n[¬١]- في ز: \"يستوليان\".\n[¬٢]- في ز: \"يقاتلان\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفين سقط من ز.\n[¬٤]- في ز: \"اجمعوا\".","vol":"9","page":348},{"text":"وألقوا ما في أيديكم مرة واحدة؛ لتبهروا الأبصار، وتغلبوا [¬١] هذا وأخاه، ﴿وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى﴾. أي: منا ومنه، أما نحن فقد وعدنا هذا الملك العطاء الجزيل، وأما هو فينال الرياسة العظيمة.\n﴿قَالُوا يَامُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى (٦٥) قَال بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى (٦٦) فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى (٦٧) قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى (٦٨) وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيثُ أَتَى (٦٩) فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى (٧٠)﴾\nيقول تعالى مخبرًا عن السحرة حين توافقوا هم وموسى ﵇ أنهم قالوا لموسى: ﴿إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ﴾. أي: أنت أولًا ﴿وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى (٦٥) قَال بَلْ أَلْقُوا﴾. أي: أنتم أولًا؛ ليرى ما [¬٢] تصنعون من السحر، وليظهر للناس جلية أمرهم، ﴿فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾. وفي الآية الأخرى أنهم لما ألقوا ﴿وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ﴾. وقال تعالى: ﴿سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾. وقال هاهنا: ﴿فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾.\nوذلك أنهم أودعوها من الزئبق ما كانت تتحرك بسببه وتضطرب وتميد، بحيث يخيل للناظر أنَّها تسعى باختيارها، وإنَّما كانت حيلة، وكانوا [¬٣] جمًّا خفيرًا وجمعًا كبيرًا [¬٤]، فألقى كل منهم عصًا وحبلًا حتَّى صار الوادي ملآن حيات يركب بعضها بعضًا. وقوله: ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى﴾ أي: خاف على الناس أن يَفْتَتِنُوا بسحرهم، ويغتروا بهم قبل أن يلقي ما في يمينه، فأوحى الله تعالى إليه في الساعة الراهنة: أن ﴿وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ﴾ يعني: عصاك ﴿تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا﴾ وذلك أنَّها صارت تنينًا عظيمًا هائلًا، ذا عيون وقوائم [وعنق] [¬٥] ورأس وأضراس، فجعلت تتبع تلك الحبال والعصي، حتَّى لم تبق منها شيئًا إلَّا تلقفته وابتلعته، والسحرة والناس ينظرون إلى ذلك عيانًا جَهْرَة، نهارًا ضحوة. فقامت المعجزة، واتضح البرهان، وبطل ما كانوا يعملون. ولهذا قال\n_________\n[¬١]- في ز: \"تقلبوا\".\n[¬٢]- في ش: ماذا.\n[¬٣]- في ز: \"جاءوا\".\n[¬٤]- في ش: \"كثيرًا\".\n[¬٥]- سقط من ز.","vol":"9","page":349},{"text":"تعالى: ﴿إِنَّمَا صَنَعُوا كَيدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيثُ أَتَى﴾.\nوقال ابن أبي حاتم: حدَّثنا أبي، حدَّثنا محمد بن موسى الشيباني، حدَّثنا حمَّاد بن خالد، حدَّثنا ابن معاذ - أحسبه الصائغ [¬١]- عن الحسن، عن جُنْدب بن عبد الله البجلي قال: قال رسول الله ﷺ: \"إذا أخذتم [¬٢]-يعني الساحر- فاقتلوه، لم قرأ ﴿وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيثُ أَتَى﴾. قال: لا يؤمن به حيث وجد\".\nوقد روى أصله التِّرمِذي موقوفًا ومرفوعًا (^٥٦).\nفلما عاين السحرة ذلك وشاهدوه - ولهم خبرة بفنون السحر وطرقه ووجوهه - علموا علم اليقين أن هذا الذي فعله موسى ليس من قبيل السحر والحيل، وأنه حق لا مرية فيه، ولا يقدر على هذا إلَّا الذي يقول للشيء كن فيكون، فعند ذلك وقعوا سجدًا لله، وقالوا: ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾.\nولهذا قال ابن عبَّاس وعبيد بن عمير: كانوا أول النهار سحرة، وفي آخر النهار شهداء بررة.\nقال محمد بن كعب: كانوا ثمانين ألفًا.\nوقال القاسم بن أبي بزة [¬٣]: كانوا سبعين ألفًا.\nوقال السدي: بضعة وثلاثين ألفًا.\nوقال الثَّوري عن عبد العزيز بن رفيع عن أبي ثمامة: [كان سحرة فرعون تسعة عشر ألفًا.\nوقال محمد بن إسحاق: كانوا خمسة عشر ألفًا.\n_________\n(^٥٦) - أخرجه الترمذي في كتاب الحدود، كتاب: ما جاء في حد الساحر، حديث (١٤٦٠)، (٤/ ٤٩ - ٥٠) من طريق الحسن، عن جندب، عن أبي جنادة، فذكره.\nوقال الترمذي: هذا حديث لا نعرفه مرفوعًا إلَّا من هذا الوجه وإسماعيل بن مسلم المكي يضعف في الحديث، وإسماعيل بن مسلم العبدي البصري - قال وكيع: هو ثقة - ويروي عن الحسن أيضًا والصحيح عن جندب موقوف، والعمل على هذا عند بعض أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم، وهو قول مالك بن أَنس، وقال الشَّافعي: إنما يقتل الساحر إذا كان يعمل في سحره ما يبلغ به الكفر، فإذا عمل عملًا دون الكفر فلم نر عليه قتلًا. ا هـ\n_________\n[¬١]- في ز: \"الصانع\".\n[¬٢]- في ز: \"أحلكم\".\n[¬٣]- في ز: \"بريدة\".","vol":"9","page":350},{"text":"وقال] [¬١] كعب الأحبار: كانوا اثنى عشر ألفًا.\nوقال ابن أبي حاتم: حدَّثنا علي بن الحسين، حدَّثنا محمد بن علي بن حمزة، حدَّثنا عليّ بن الحسين بن راقد، عن أبيه، عن يزيد النحوي، عن عكرمة، عن ابن عبَّاس قال: كانت السحرة سبعين رجلًا، أصبحوا سحرة، وأمسوا شهداء.\nوقال ابن أبي حاتم: حدَّثنا أبي، حدَّثنا المسيب بن واضح بمكة، حدثنا ابن المبارك، قال: قال الأوزاعي، لما خر السحرة سجدًا رفعت لهم الجنَّة حتَّى نظروا إليها.\nقال: وذكر عن سعيد بن سلام: حدثنا إسماعيل بن عبد الله بن سليمان، عن سالم الأفطس، عن سعيد بن جبير: قوله: ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا﴾، قال: رأوا منازلهم تبنى لهم وهم في سجودهم. وكذا قال عكرمة، والقاسم بن أبي بَزَّة.\n﴿قَال آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى (٧١) قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٧٢) إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيرٌ وَأَبْقَى (٧٣)﴾\nيقول تعالى مخبرًا عن كفر فرعون وعناده وبغيه، ومكابرته الحقَّ بالباطل، حين رأى ما رأى من المعجزة الباهرة والآية العظيمة، ورأى الذين قد استنصر بهم قد آمنوا بحضرة الناس كلهم، وغلب كل الغلب، شرع في المكابرة والبهت، وعدل إلى استعمال جاهه وسلطانه في السحرة، فتهددهم وأوعدهم، وقال: ﴿قَال آمَنْتُمْ لَهُ﴾، أي: صدقتموه ﴿قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾، أي: وما أمرتكم بذلك. وافتتم على في ذلك، وقال قولًا يعلم هو والسحرة والخلق كلهم أنَّه بهت وكذب: ﴿إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْر﴾ أي: أنتم إنما أخذتم السحر عن موسى، واتفقتم أنتم وإياه عليَّ وعلى رعيتي؛ لتظهروه، كما قال تعالى في الآية الأخرى: ﴿إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ثم أخذ يتهددهم فقال: ﴿لَأُقَطِّعَنَّ أَيدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ أي: لأجعلنكم مثلة ولأقتلنكم [¬٢] ولأشهرنكم.\n_________\n==\n[¬١]- سقط من ز.\n[¬٢]- سقط من ز.","vol":"9","page":351},{"text":"قال ابن عبَّاس: فكان أول من فعل ذلك. رواه ابن أبي حاتم.\nوقوله: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى﴾. أي: أنتم تقولون: إني وقومي على ضلالة، وأنتم مع موسى وقومه على الهدى، فسوف تعلمون من يكون له العذاب ويبقى فيه.\nفلما صال عليهم بذلك وتوعدهم، وإنت عليهم أنفسهم في الله ﷿ و﴿قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ﴾. أي: لن نختارك [¬١] على ما حصل لنا من الهدى واليقين.\n﴿وَالَّذِي فَطَرَنَا﴾ يحتمل أن يكون قسمًا، ويحتمل أن يكون معطوفًا على البينات. يعنون: لا نختارك على فاطرنا وخالقنا الذي أنشأنا من العدم، المبتدئ خلقنا من الطين، فهو المستحق للعبادة والخضوع لا أنت ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾، أي: فافعل ما شئت وما وصلت إليه يدك. ﴿إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾. أي: إنما لك تَسَلُّط في هذه الدار وهي دار الزوال، ونحن قد رغبنا في دار القرار.\n﴿إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا﴾. أي: ما كان منا من الآثام، خصوصًا ما أكرهتنا عليه من السحر، لنُعارض به آية الله تعالى ومعجزة نبيه.\nقال ابن أبي حاتم (^٥٧): حدثنا أبي، حدَّثنا نعيم بن حمَّاد، حدَّثنا سفيان بن عيينة، عن أبي سعيد، عن عكرمة، عن ابن عبَّاس في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيهِ مِنَ السِّحْرِ﴾، قال: أخذ فرعون أربعين كلامًا من بني إسرئيل، فأمر أن يعلموا السحر بالفَرَمَا، وقال: علموهم تعليمًا لا يعلمه أحد في الأرض. قال ابن عبَّاس: فهم الذين آمنوا بموسى، وهم من الذين قالوا: ﴿إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيهِ مِنَ السِّحْرِ﴾.\nوكذ قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم.\nوقوله: ﴿وَاللَّهُ خَيرٌ وَأَبْقَى﴾. أي: خير لنا منك، ﴿وَأَبْقَى﴾، أي: أدوم ثوابًا مما كنت وعدتنا ومنَّيْتَنا، وهو رواية عن ابن إسحاق ﵀!\nوقال محمد بن كعب القرضي (^٥٨): ﴿وَاللَّهُ خَيرٌ﴾، أي: لنا منك إن أطيع،\n_________\n(^٥٧) - وأخرجه الطبري في \"تفسيره\": (١٦/ ١٨٩ - ١٩٠) من طريق نعيم بن حمَّاد به.\n(^٥٨) - أخرجه الطبري في \"تفسيره\": (١٦/ ١٩٠).\n_________\n[¬١]- في ز: \"نختار\".","vol":"9","page":352},{"text":"﴿وَأَبْقَى﴾. أي: منك عذابًا إن عُصِيَ. وروي نحوه عن ابن إسحاق أيضًا.\nوالظاهر أن فرعون - لعنه الله - صمَّم على ذلك وفعله بهم ﵏! ولهذا قال ابن عبَّاس (^٥٩) وغيره من السلف: أصبحوا سحرة، وأمسوا شهداء.\n﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى (٧٤) وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى (٧٥) جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى (٧٦)﴾\nالظاهر من السياق أن هذا من تمام ما وَعَظ به السحرةُ لفرعون، يحذرونه من نقمة الله وعذابه الدائم السرمدي، ويرغبونه في ثوابه الأبدي المخلد، فقالوا: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا﴾. أي: يلقى الله يوم القيامة وهو مجرم، ﴿فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى﴾، كقوله: ﴿لَا يُقْضَى عَلَيهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ﴾. وقال: ﴿وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى (١١) الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى (١٢) ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى﴾ وقال تعالى: ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَينَا رَبُّكَ قَال إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾.\nوقال الإِمام أحمد بن حنبل (^٦٠): حدَّثنا إسماعيل، أخبرنا سعيد بن يزيد، عن أبي نَضْرَة عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: \"أما أهل النار الذين هم أهلها، فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون، ولكن ناس [¬١] تصيبهم النار بذنوبهم، فتميتهم إماتة، حتى إذا صاروا فحمًا، أذن في الشفاعة، فجيء [¬٢] بهم ضبائر ضبائر [¬٣] لبثوا على أنهار الجنَّة، فيقال [¬٤]: يا أهل الجنَّة، أفيضوا عليهم. فينبتون نبات الحَبَّة [¬٥] تكون في حَمِيل السيل [¬٦] \". فقال رجل من القوم: كأن رسول الله، ﷺ، كان بالبادية.\n_________\n(^٥٩) - أخرجه الطبري في \"تفسيره\": (١٦/ ١٨٨).\n(^٦٠) - مسند أحمد: (٣/ ١١).\n_________\n[¬١]- سقط من ز.\n[¬٢]- في ز: \"جيء\".\n[¬٣]- هم الجماعات في تفرقة، واحدتها ضبارة. النهاية [٣/ ٧١].\n[¬٤]- في ز: \"قال\".\n[¬٥]- الحبة - بالكسر -: بذور البقول وحبُّ الرياحين. وقيل: هو نبت صغير ينبت في الحشيش. النهاية [١/ ٣٢٦].\n[¬٦]- هو ما يجيء به السيل من طين أو غثاء وغيره، فإذا اتفقت فيه حبة واستقرت على شط مجرى السيل فإنها تنبت في يوم وليلة. النهاية [١/ ٤٤٢].","vol":"9","page":353},{"text":"وهكذا أخرجه مسلم (^٦١) في كتابه الصحيح من رواية شعبة وبشر بن المفضل كلاهما عن أبي مسلمة [¬١] سعيد بن يزيد به.\nوقال ابن أبي حاتم (^٦٢): ذكر عن عبد الوارث بن عبد الصمد بن عبد الوارث قال: حدَّثنا أبي، حدَّثنا حيان، سمعت سليمان التيمي، عن أبي نَضْرَةَ، عن أبي سعيد: أن رسول الله ﷺ خطب فأتى على هذه الآية: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى﴾ قال النبيُّ، ﷺ: \"أما أهلها الذين هم أهلها فلا يموتون فيها ولا يحيون، وأما الذين ليسوا من أهلها، فإن النار تمسهم، ثم يقوم الشفعاء فيشفعون، فتجعل الضبائر، فيؤتى بهم نهرًا يقال له الحياة -أو الحيوان- فينبتون كما ينبت القثّاء في حميل السيل\".\nوقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ﴾. أي: ومن يلقي ربه يوم المعاد مؤمن القلب، قد صدق ضميره بقوله وعمله ﴿فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى﴾ أي: الجنَّة ذات الدرجات العاليات، والغرف الآمنات، والمساكن الطيبات.\nقال الإِمام أحمد (^٦٣): حدَّثنا عفان، أنبأنا همام، حدَّثنا زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن عبادة بن الصامت، عن النبي، ﷺ قال: \"الجنة مائة درجة، ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض، والفردوس أعلاها درجة، ومنها تخرج الأنهار الأربعة، والعرش فوقها، فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس\". ورواه التِّرمِذي من حديث يزيد بن هارون عن همام به.\nوقال ابن أبي حاتم: حدَّثنا أبي، حدَّثنا سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي، أخبرنا خالد ابن [¬٢] يزيد بن أبي مالك، عن أبيه قال: كان قال: الجنَّة مائة درجة، في كل درجة مائة درجة، بين كل درجتين كما بين السماء والأرض، فيهن الياقوت والحلي [¬٣]، في كل درجة أمير [¬٤]، يرون له الفضل والسؤدد.\n_________\n(^٦١) - صحيح مسلم: كتاب: الإيمان، باب: إثبات الشفاعة وإخراج الموحدين من النار، حديث (٣٠٦ - ٣٠٧ - (١٨٥)، (٣/ ٤٦: ٤٨).\n(^٦٢) - وأخرجه مسلم في \"صحيحه\" كتاب الإيمان، باب: إثبات الشفاعة وإخراج الموحدين من النار، حديث ٣٠٦ - (١٨٥)، (٣/ ٤٦ - ٤٧)، وأحمد في مسنده (٣/ ١١).\n(^٦٣) - أخرجه أحمد في \"مسنده\": (٥/ ٣١٦، ٣٢١) (٢٢٧٩٨) (٢٢٨٤٣). والتِّرمِذي في كتاب صفة الجنَّة، باب: ما جاء في صفة درجات الجنَّة، حديث (٢٥٣١)، (٤/ ٥٨٣).\n_________\n[¬١]- في ز: \"مسلم\".\n[¬٢]- في ز: \"أَبو\".\n[¬٣]- في ز: \"الحيل\".\n[¬٤]- في ز: \"أمر\".","vol":"9","page":354},{"text":"وفي الصحيحين (^٦٤): \" إن أهل عليين ليرون من فوقهم كما ترون [¬١] الكوكب الغابر في أفق السماء؛ لتافضل ما بينهم\". قالوا: يا رسول الله؛ تلك منازل الأنبياء. قال: \"بلى [¬٢] والذي نفسي بيده رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين\".\nوفي السنن (^٦٥): وإن أبا بكر وعُمر لمنهم وأنعما.\nوقوله: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ أي: إقامة، وهي بدل من الدرجات العلى ﴿[تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ] [¬٣] خَالِدِينَ فِيهَا﴾. أي: ماكثين أبدًا ﴿وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى﴾ أي: طهر نفسه من الدنس والخبث والشرك، وعبد الله وحده لا شريك له، وصدق المرسلين فيما جاءوا به من خبر [¬٤] وطلب.\n﴿وَلَقَدْ أَوْحَينَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى (٧٧) فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ (٧٨) وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى (٧٩)﴾\nيقول تعالى مخبرًا أنَّه أمر موسى ﵇ حين أبي فرعون أن يرسل معه بني إسرائيل، أن يُسري بهم في الليل، ويذهب بهم من قبضة فرعون. وقد بسط الله هذا المقام في غير هذه السورة الكريمة، وذلك أن موسى لما خرج ببني إسرائيل أصبحوا وليس منهم بمصر لا داع ولا مجيب، فغضب فرعون غضبًا شديدًا، وأرْسَلَ في المدائن حاشرين، أي: من يجمعون له الجند من بلدانه ورساتيقه. يقول: إن هؤلاءِ لشرذمة قليلون، وإنهم لنا لغائظون. ثم لما جمع جنده واستوثق [¬٥] له جيشه، صاق في طلبهم ﴿فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ﴾. أي: عند طلوع الشمس ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ﴾ أي: نظر كل من\n_________\n(^٦٤) - أخرجه البخاري في كتاب بدء الخلق، كتاب: ما جاء في صفة الجنَّة وأنها مخلوقة، حديث (٣٢٥٦) (٦/ ٣٢٠) وطرفه في (٦٥٥٦). ومسلم في كتاب الجنَّة، حديث (١١/ ٢٨٣١)، (١٧/ ٢٤٧) من حديث أبي سعيد الخدري.\n(^٦٥) - أخرجه أبو داود في كتاب الحروف والقراءات، حديث (٣٩٨٧)، والتِّرمِذي في كتاب المناقب: باب: مناقب أبي بكر الصديق ﵁ حديث (٣٦٥٨)، (٥/ ٥٦٧). وابن ماجة في المقدمة، باب: في فضائل أصحاب رسول الله ﷺ حديث (٩٦) (١/ ٣٧) من حديث أبي سعيد الخدري.\n_________\n[¬١]- في ز: \"يرون\".\n[¬٢]- في ز: \"بل\".\n[¬٣]- سقط من ز.\n[¬٤]- في ز: \"خير\".\n[¬٥]- في ز: \"واستوس\".","vol":"9","page":355},{"text":"الفريقين إلى الآخر، ﴿قَال أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (٦١) قَال كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ ووقف موسى ببني إسرائيل، البحرُ أمامهم، وفرعون وراءهم، فعند ذلك أوحى الله إليه: أن اضرب لهم طريقًا في البحر يبسًا، فضرب البحر بعصاه، وقال: انفلق بإذن الله! ﴿فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾ أي: الجبل العظيم. وأرسل الله الريح، على أرض [¬١] البحر فلفحته [¬٢] حتَّى صار يبسًا كوجه الأرض، ولهذا قال: ﴿فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا﴾ أي: من فرعون، ﴿وَلَا تَخْشَى﴾، يعني: من البحر أن يغرق قومك.\nثم قال تعالى: ﴿فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ﴾، أي: البحر ﴿مَا غَشِيَهُمْ﴾ أي: الذي هو معروف ومشمهور، وهذا يقال عند الأمر المعروف المشهور، كما قال تعالى: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى (٥٣) فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى﴾ وكما قال الشاعر:\nأنا أَبو النجم وشعري شعري\nأي الذي يعرف وهو مشهور، وكما تقدمهم فرعون فسلك بهم في اليم، فأضلهم وما هداهم إلى سبيل الرشاد، كذلك: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْورْدُ الْمَوْرُودُ﴾.\n﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنْجَينَاكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الْأَيمَنَ وَنَزَّلْنَا عَلَيكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى (٨٠) كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى (٨١) وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى (٨٢)﴾\nيذكر تعالى نعمه على بني إسرائيل العظام، ومننه الجسام، حيث نجاهم من عدوهم فرعون، وأقر أعينهم منه، وهم ينظرون إليه والى جنده قد غرقوا في صبيحة واحدة، لم ينج منهم أحد، كما قال: ﴿وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾.\nوقال البخاري (^٦٦): حدَّثنا يعقوب بن إبراهيم، حدَّثنا روح بن عبادة، حدَّثنا شعبة،\n_________\n(^٦٦) - أخرجه البخاري في كتاب التفسير، باب: ﴿وَلَقَدْ أَوْحَينَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا …﴾ حديث (٤٧٣٧)، (٨/ ٤٣٤).\n_________\n[¬١]- في ز: \"الأرض\".\n[¬٢]- في ز: \"فلقحته\".","vol":"9","page":356},{"text":"حدثنا أبو بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: لما قدم رسول اللَّه، ﷺ، المدينة و[¬١] اليهود تصوم عاشوراء، فسألهم فقالوا: هذا اليوم الذي أظهر [¬٢] اللَّه فيه موسى على فرعون. فقال: \"نحن أولى بموسى فصوموه\". ورواه مسلم (^٦٧) أيضًا في صحيحه.\nثم إنه تعالى واعد موسى وبني إسرائيل بعد هلاك فرعون إلى جانب الطور الأيمن، وهو الذي كلمه تعالى عليه، وسأل فيه الرؤية، وأعطاه التوراة هناك، وفي غُضُون [¬٣] ذلك عبد بنو إسرائيل العجل، كما يقصه تعالى قريبا.\nوأما المن والسلوى فقد تقدم الكلام على ذلك في سورة البقرة وغيرها. فالمن: حلوى كانت تنزل عليهم من السماء. والسلوى: طائر يسقط عليهم، فيأخذون من كل قدر الحاجة إلى الغد، لُطْفًا من اللَّه، ورحمة بهم، وإحسانًا إليهم، ولهذا قال تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيكُمْ غَضَبِي﴾. أي: كلوا من هذا الرزق [¬٤] الذي رزقتكم، ولا تطغوا في رزقي، فتأخذوه من غير حاجة، و[¬٥] تخالفوا ما أمرتكم به، ﴿فَيَحِلَّ عَلَيكُمْ غَضَبِي﴾ أي: اغضب عليكم ﴿وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى﴾. قال عليّ بن أبي طلحة عن ابن عباس (^٦٨) ﵄: أي: فقد شقي.\nوقال شُفَيّ بن ماتع: إن في جهنم قصرًا يرمى [¬٦] الكافر من أعلاه، فيهوي في جهنم أربعين خريفًا قبل أن يبلغ الصلصال، وذلك قوله: ﴿وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى﴾. رواه ابن أبي حاتم.\nوقوله: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾، أي: كل من تاب إليَّ نبت عليه من أي ذنب كان، حتى أنه تاب تعالى على من عبد العجل من بني إسرائيل.\nوقوله تعالى: ﴿تَابَ﴾ أي: رجع عما كان فيه من كفر أو شوك. أو معصية أو نفاق.\n_________\n(^٦٧) - أخرجه مسلم في كتاب الصيام، حديث (١٢٧ - ١٢٨/ ١١٣٠)، (٨/ ١٣).\n(^٦٨) - أخرجه الطبري في \"تفسيره\": (١٦/ ١٩٤)، وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\": (٥٤٤/ ٤) وعزاه إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n_________\n[¬١]- في ت: \"وجد\".\n[¬٢]- في ش: \"أظفر\".\n[¬٣]- في ز: \"غبون\".\n[¬٤]- سقط من ز.\n[¬٥]- سقط من ز.\n[¬٦]- في ز: \"يؤتى\".","vol":"9","page":357},{"text":"وقوله: ﴿وَآمَنَ﴾ أي: بقلبه [¬١] ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ أي: بجوارحه.\nوقوله: ﴿ثُمَّ اهْتَدَى﴾ قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: أي ثم لم يشكك.\nوقال سعيد بن جبير: ﴿ثُمَّ اهْتَدَى﴾، أي: استقام على السنة والجماعة. وروي نحوه عن مجاهد والضحاك وغير واحد من السلف.\nوقال قتادة: ﴿ثُمَّ اهْتَدَى﴾ أي: لزم الإسلام حتى يموت.\nوقال سفيان الثوري: ﴿ثُمَّ اهْتَدَى﴾ أي: علم أن لهذا [¬٢] ثوابًا، و\"ثم\" هاهنا لترتيب الخبر على الخبر، كقوله: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا [وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ] [¬٣]﴾.\n﴿وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَامُوسَى (٨٣) قَال هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيكَ رَبِّ لِتَرْضَى (٨٤) قَال فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ (٨٥) فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَال يَاقَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا أَفَطَال عَلَيكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي (٨٦) قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ (٨٧) فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ (٨٨) أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا (٨٩)﴾\nلما سار موسى ﵇ ببني إسرائيل بعد هلاك فرعون ﴿فَأَتَوْا [¬٤] عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَامُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَال إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (١٣٨) إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ وواعده ربه ثلاثين ليلة، ثم أتبعها له عشرًا، فتمت أربعين ليلة، أي: يصومها ليلًا ونهارًا. وقد تقدم في حديث الفتون بيان ذلك. فسارع موسى ﵇ مبادرًا إلى الطور، واستخلف على بني إسرائيل أخاه\n_________\n[¬١]- في ز: \"قلبه\".\n[¬٢]- في ز: \"هذا\".\n[¬٣]- في ز: \"وعملوا الصالحات\".\n[¬٤]- في ز: \"وافوا\".","vol":"9","page":358},{"text":"هارون، ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَامُوسَى (٨٣) قَال هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي﴾ أي: قادمون ينزلون قريبًا من الطور ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾ أي: لتزداد عني رضًا. ﴿قَال فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ﴾.\nأخبر تعالى نبيه موسى بما كان بعده من الحدث في بني إسرائيل، وعبادتهم العجل الذي عمله لهم ذلك إلى سامري. وفي الكتب الإِسرائيلية: أنه كان اسمه هارون أيضًا، وكتب اللَّه تعالى له في هذه المدة الألواح المتضمنة التوراة، كما قال تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ﴾. أي: عاقبة الخارجين عن طاعتي المخالفين لأمري.\nوقوله: ﴿فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا﴾، أي: بعد ما أخبره تعالى بذلك، في غاية الغضب والحنق عليهم، هو فيما هو فيه من الاعتناء بأمرهم، وتسلم [¬١] التوراة التي فيها شريعتهم، وفيها شرف لهم، وهم قوم قد عبدوا غير اللَّه، ما يَعْلَمُ كل عاقل له لب [وحزم] [¬٢] بطلان ما هم فيه وسخافة عقولهم وأذهانهم، ولهذا رجع إليهم غضبان أسفًا. والأسف شدة الغضب. وقال مجاهد: ﴿غَضْبَانَ أَسِفًا﴾ أي: جزعًا.\nوقال قتادة والسدي: ﴿أَسِفًا﴾ حزينًا على ما صنع قومه من بعده ﴿قَال يَاقَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا﴾، أي: أما وعدكم على لساني كل خير في الدنيا والآخرة، وحسن العاقبة كما قد شاهدتم من نصرته إياكم على عدوكم، وإظهاركم عليه، وغير ذلك من أياديه عندكم ﴿أَفَطَال عَلَيكُمُ الْعَهْدُ﴾ أي: في انتظار ماوعدكم اللَّه، ونسيان ما سلف من نعمه، وما بالعهد من قدم. ﴿أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾، ﴿أَمْ﴾: هاهنا بمعنى بل، وهي للإضراب عن الكلام الأول، وعدول إلى الثاني، كأنه يقول: بل أردتم بصنيعكم هذا أن يحل عليكم غضب من ربكم ﴿فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي (٨٦) قَالُوا﴾، أي: بنو إسرائيل في جواب ما أنبهم موسى وقرعهم: ﴿مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا﴾ أي: عن قدرتنا واختيارنا.\nثم شرعوا يعتذرون بالعذر البارد، يخبرونه عن تورعهم عما كان بأيديهم من حلي القبط، الذي كانوا قد استعاروه منهم، حين خرجوا من مصر ﴿فَقَذَفْنَاهَا﴾. أي: ألقيناها عنا. وقد تقدم في حديث الفتون أن هارون ﵇ -هو الذي كان أمَرَهم بإلقاء الحلي في حفيرة فيها نار.\n_________\n[¬١]- في ز: \"تسليم\".\n[¬٢]- سقط من ز.","vol":"9","page":359},{"text":"وفي رواية السدي، عن أبي مالك، عن ابن عباس: إنما أراد هارون أن يجتمع الحلي كله في تلك الحفيرة، ويجعل حجزا واحدًا، حتى إذا رجع موسى ﵇ يرى فيه ما يشاء، ثم جاء ذلك السامري فألقى عليها تلك القبضة التي أخذها من أثر الرسول، وسأل هارون أن يدعو اللَّه أن يستجيب له في دعوته؛ فدعا له هارون وهو لا يعلم ما يريد، فأجيب له، فقال السامري عند ذلك: أسأل اللَّه أن يكون عجلًا. فكان عجلًا له خوار. أي: صوت استدراجًا وامهالًا ومحنة واختبارًا، ولهذا قال: ﴿فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ (٨٧) فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ﴾.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عبادة بن البَخْتَري [¬١]، حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا حماد، عن سماك، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: أن هارون مر بالسامري وهو ينحت العجل، فقال له: ما تصنع؟ فقال: أصنع ما يضر ولا ينفع. فقال هارون: اللهم أعلى ما سأل على ما في نفسه. ومضى هارون، فقال السامري: اللهم إني أسألك أن يخور. فخار، فكان إذا خار سجدوا له، وإذا خار رفعوا رءوسهم. ثم رواه من وجه آخر عن حماد، وقال: أعمل [¬٢] ما ينفع ولا يضر.\nوقال السدي [¬٣]: كان يخور ويمشي ﴿فَقَالُوا﴾، أي: الضلال منهم الذين افتتنوا بالعجل وعبدوه: ﴿هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ﴾ أي: نسيه هاهنا وذهب يتطلبه، كذا تقدم في حديث الفتون عن ابن عباس، وبه قال مجاهد.\nوقال سماك عن عكرمة عن ابن عباس: ﴿فَنَسِيَ﴾. أي: نسي أن يذكركم أن هذا إلهكم.\nوقال محمد بن إسحاق، عن حكيم بن جبير [¬٤]، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﴿فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى﴾ قال: فعكفوا عليه وأحبوه حبا لم يحبوا شيئًا قط -يعني مثله- يقول اللَّه: ﴿فَنَسِيَ﴾، أي: ترك ما كان عليه من الإِسلام -يعني السامري، قال اللَّه تعالى ردًّا عليهم، وتقريعًا لهم، وبيانًا لفضيحتهم، وسخافة عقولهم فيما ذهبوا إليه: ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾ أي: العجل، ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ﴾ أنه لا يجيبهم إذا سألوه، ولا إذا خاطبوه، ﴿وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾. أي: في دنياهم ولا أخراهم.\n_________\n[¬١]- في ز: \"النحوي\".\n[¬٢]- سقط من ز.\n[¬٣]- في ز: \"الذي\".\n[¬٤]- في ز: \"جرير\".","vol":"9","page":360},{"text":"قال ابن عباس ﵄: لا واللَّه ما كان خواره إلا أن يدخل الريح في دبره، فتخرج من فيه فيسمع له صوت. وقد تقدم في متون الحديث عن الحسن البصري أن هذا العجل اسمه: بهموت.\nوحاصل ما اعتذر به هؤلاء الجهلة أنهم تورعوا عن [¬١] زينة القبط فألقوها عنهم، وعبدوا العجل، فتورعوا عن الحقير وفعلوا الأمر الكبير. كما جاء في الحديث الصحيح (^٦٩)؛ عن [عبد اللَّه بن] [¬٢] عمر أنه سأله رجل من أهل العراق عن دم البعوض إذا أصاب الثوب، يعني: هل يصلي فيه أم لا؟ فقال ابن عمر ﵄: انظروا إلى أهل العراق، قتلوا ابن بنت رسول اللَّه، ﷺ -يعني الحسين- وهم يسألون عن دم البعوض!\n﴿وَلَقَدْ قَال لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ يَاقَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي (٩٠) قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَينَا مُوسَى (٩١)﴾\nيخبر تعالى عما كان من نهي هارون ﵇ لهم عن عبادتهم العجل، وإخباره إياهم: إنما هذا فتنة لكم، ﴿وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ﴾ الذي خلق كل شيء فقدره تقديًرا، ذو العرش المجيد، الفعال لما يريد، ﴿فَاتَّبِعُونِي [وَأَطِيعُوا أَمْرِي] [¬٣]﴾ أي: فيما آمركم به، واتركوا ما أنهاكم عنه.\n﴿قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَينَا مُوسَى﴾ أي: لا نترك عبادته حتى نسمع كلام موسى فيه، وخالفوا هارون في ذلك وحاربوه، وكادوا أن يقتلوه.\n﴿قَال يَاهَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيتَهُمْ ضَلُّوا (٩٢) أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيتَ أَمْرِي (٩٣) قَال يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَينَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي (٩٤)﴾\n_________\n(^٦٩) - أخرجه البخاري في كتاب الأدب من صحيحه، باب: رحمة الولد وتقبيله ومعانقته، حديث (٥٩٩٤)، (١٠/ ٤٢٦).\n_________\n[¬١]- في ز: \"في\".\n[¬٢]- سقط من ز.\n[¬٣]- سقط من ز.","vol":"9","page":361},{"text":"يخبر تعالى عن موسى ﵇ حين رجع إلى قومه، فرأى ما قد حديث فيهم من الأمر العظيم، فامتلأ عند ذلك غيظًا، وألقى ما كان في يده من الألواح الإِلهية، وأخذ برأس أخيه يجرّه إليه، وقد قدمنا في سورة [¬١] الأعراف بسط ذلك، وذكرنا هناك حديث \"ليس الخبر كالمعاينة\". وشرع يلوم أخاه هارون فقال: ﴿مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيتَهُمْ ضَلُّوا (٩٢) أَلَّا تَتَّبِعَنِ﴾ أي: فتخبرني بهذا الأمر أول ما وقع ﴿أَفَعَصَيتَ أَمْرِي﴾ أي: فيما كنت تقدمت إليك، وهو قوله: ﴿اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ قال: ﴿قَال يَبْنَؤُمَّ﴾ تَرَقَّقَ له بذكر الأم، مع أنه شقيقه لأبويه؛ لأن ذكر الأم هاهنا أرق وأبلغ، أي في الحنو والعطف، ولهذا قال: ﴿لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَينَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾. الآية.\nهذا اعتذار من هارون عند موسى في سبب تأخره عنه، حيث لم يلحقه فيخبره بما كان من هذا الخطب الجسيم، ﴿قَال إِنِّي خَشِيتُ﴾ أن أتبعك فأخبرك بهذا، فتقول لي: لم تركتهم وحدهم وفرقت بينهم ﴿وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ أي: وما راعيت ما أمرتك به حيث استخلفتك فيهم.\nقال ابن عباس (^٧٠): وكان هارون [¬٢] هائِبًا مطيعًا له.\n﴿قَال فَمَا خَطْبُكَ يَاسَامِرِيُّ (٩٥) قَال بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي (٩٦) قَال فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيهِ عَاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا (٩٧) إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إلا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيءٍ عِلْمًا (٩٨)﴾\nيقول موسى ﵇ للسامري: ما حملك على ما صنعت؟ وما الذي عرض لك حتى فعلت ما فعلت؟\n_________\n(^٧٠) - أخرجه الطبري في \"تفسيره\": (١٦/ ٢٠٣).\n_________\n[¬١]- سقط من ز.\n[¬٢]- سقط من ز.","vol":"9","page":362},{"text":"قال محمد بن إسحاق، عن حكيم بن جبير [¬١]، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: كان السامري رجلًا من أهل باجرما، وكان من قوم يعبدون البقر، وكان حب عبادة البقر في نفسه، وكان قد أظهر الإسلام مع بني إسرائيل [¬٢]، وكان [اسم السامري]: موسى بن ظِفر.\nوفي رواية عن ابن عباس أنه كان من كرمان.\nوقال قتادة: كان من قرية اسمها سامرا [¬٣].\n﴿قَال بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ﴾ أي: رأيت جبريل حين جاء لهلاك فرعون ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ﴾ أي: من أثر فرسه، وهذا هو المشهور عند كثير من المفسرين أو أكثرهم.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عمار [¬٤] بن الحارث، أخبرني عبيد اللَّه بن موسى، أخبرنا إسرائيل، عن السدي، عن أبي بن عمارة، عن علي ﵁ قال: إن جبريل ﵇ لما نزل فصعد بموسى ﵇ إلى السماء، بصر به السامري من بين الناس، فقبض قبضة من أثر الفرس. قال: وحمل جبريل موسى ﵉ خلفه، حتى إذا دنا من باب السماء صعد، وكتب اللَّه الألواح وهو يسمع صرير الأقلام في الألواح، فلما أخبره أن قومه قد فُتِنُوا من بعده، قال: نزل موسى فأخذ العجل فأحرقه. غريب.\nوقال مجاهد ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ﴾ قال: من تحت حافر فرس جبريل.\nقال: والقبضة ملء الكف، والقبضة بأطراف الأصابع.\nقال مجاهد: نبذ السامري، أي: ألقى ما كان في يده على حلية بني إسرائيل، فانسبك عجلًا جسدًا له خوار، حفيف الريح فيه فهو خواره.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن يحيى، أخبرنا علي بن المديني، حدثنا يزيد بن زريع، حدثنا عمارة، حدثنا عكرمة: أن السامري رأى الرسول، فألقى في روعه: أنك إن أخذت من أثر هذا الفرس قبضة فألقيتها في شيء، فقلت له: كن فكان، فقبض قبضة من أثر الرسول، فيبست أصابعه على القبضة، فلما ذهب موسى للميقات، وكان بنو إسرائيل قد [¬٥] استعاروا حلي آل فرعون، فقال لهم السامري: إنما أصابكم من أجل هذا الحلي،\n_________\n[¬١]- في ز: جرير.\n[¬٢]- بعده في ز: \"وفي نفسه\".\n[¬٣]- في ز: \"سامره\".\n[¬٤]- في ز: \"عثمان\".\n[¬٥]- سقط من ز.","vol":"9","page":363},{"text":"فاجمعوه. فجمعوه فأوقدوا عليه، فذاب، فرآه السامري، فألقي في روعه: أنك لو قذفت هذه القبضة في هذه، فقلت: كن فكان، فقذف القبضة، وقال: كن، فكان عجلًا جسدًا [¬١] له خوار، فقال: ﴿هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ﴾.\nولهذا قال: ﴿فَنَبَذْتُهَا﴾ أي: ألقيتها مع من ألقى ﴿وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي﴾ أي: حسنته وأعجبها إذ ذاك ﴿قَال فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسَ﴾. أي: كما أخذت ومسست ما لم يكن لك أخذه ومسه من أثر الرسول، فعقوبتك في الدنيا أن تقول: ﴿لَا مِسَاسَ﴾، أي: لا [¬٢] تماسّ الناس ولا يمسونك.\n﴿وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا﴾ أي: يوم القيامة. ﴿لَنْ تُخْلَفَهُ﴾ أي: لا محيد لك عنه.\nو[¬٣] قال قتادة: ﴿أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسَ﴾. قال: عقوبة لهم، وبقاياهم اليوم يقولون [¬٤]: لا مساس.\nوقوله: ﴿وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ﴾. قال الحسن وخمادة وأبو نَهيك: بين تغيب عنه.\nوقوله: ﴿وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ﴾، أي: معبودك ﴿الَّذِي ظَلْتَ عَلَيهِ عَاكِفًا﴾ أي: أقمت على عبادته، يعني: العجل ﴿لَنُحَرِّقَنَّهُ﴾ قال الضحاك: عن ابن عباس والسدي: سحله بالمبارد، وألقاه على النار. وقال قتادة: استحال العجل من الذهب لحمًا ودمًا، فحرقه بالنار، ثم ألقاه -أي: رماده- في البحر، ولهذا قال: ﴿ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا﴾.\nوقال ابن أبي حاتم (^٧١): حدثنا أبي، حدثنا عبد اللَّه بن رجاء، أنبأنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن عمارة بن عبد اللَّه وأبي عبد الرحمن، عن عليّ ﵁ قال: إن موسى لما تعجل إلى ربه، عمد السامري فجمع ما قدر عليه من حليّ نساء بني إسرائيل، ثم صوره عجلًا، قال: فعمد موسى إلى العجل، فوضع عليه المبارد، فبرده بها، وهو على شط نهر، فلم يشرب أحد من ذلك الماء ممن كان يعبد العجل إلا اصفرَّ وجهه مثل الذهب. ففالوا لموسى: ما توبتنا؟ قال: يقتل بعضكم بعضًا.\n_________\n(^٧١) - أخرجه ابن أبي حاتم كما في \"الدر المنثور\" (٤/ ٥٤٥)، وزاد السيوطي نسبته إلى الفريابي وعبد بن حميد والحاكم.\n_________\n[¬١]- سقط من ز.\n[¬٢]- سقط من ز.\n[¬٣]- سقط من ز.\n[¬٤]- سقط من ز.","vol":"9","page":364},{"text":"وهكذا قال السديّ، وقد تقدم في تفسير سورة البقرة، ثم في حديث الفتون بسط ذلك.\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إلا هُوَ [وَسِعَ كُلَّ شَيءٍ عِلْمًا﴾ يقول لهم موسى ﵇: ليس هذا إلهكم، إنما إلهكم اللَّه الذي لا إله إلا هو] [¬١]. أي: لا يستحق ذلك على العباد إلا هو، ولا تنبغي العبادة إلا له، فإن كل شيء فقير إليه، عبد لديه [¬٢].\nوقوله: ﴿وَسِعَ كُلَّ شَيءٍ عِلْمًا﴾ نُصِبَ على التمييز، أي: هو عالم بكل شيء، أحاط بكل شيء علمًا، وأحصى كل شيء عددًا فلا يعزب عنه مثقال ذرة ﴿وَمَا [¬٣] تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إلا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إلا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾. والآيات في هذا [¬٤] ذلك كثيرة جدًّا.\n﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَينَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا (٩٩) مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وزْرًا (١٠٠) خَالِدِينَ فِيهِ وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا (١٠١)﴾\nيقول تعالى لنبيه محمد، ﷺ: كما قصصنا عليك خبر [¬٥] موسى، وما جرى له مع فرعون وجنوده على الجليّة والأمر [¬٦] الواقع، كذلك نقص عليك الأخبار الماخية كما وقعت من غير زيادة ولا نقص، هذا ﴿وَقَدْ آتَينَاكَ مِنْ لَدُنَّا﴾. أي: من عندنا ذكرًا، وهو القرآن العظيم، الذي ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَينِ يَدَيهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ الذي لم يُعطَ نبي من الأنبياء-[منذ بعثوا إلى أن ختموا] [¬٧] بمحمد، ﷺ تسليمًا كتابًا مثله، ولا أكمل منه، ولا أجمع لخبر ما سبق، وخبر ما هو كائن، وحكم الفصل بين الناس منه، ولهذا قال تعالى: ﴿مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ﴾ أي: كذب به وأعرض عن اتباعه أمرًا وطلبًا، وابتغى الهدى في غيره، فإن اللَّه يضله ويهديه إلى سواء الجحيم، ولهذا قال: ﴿مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وزْرًا﴾، أي:\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من ز.\n[¬٢]- في ش: \"لربه\"، وفي ت: \"له\".\n[¬٣]- في ز: \"ولا\".\n[¬٤]- في ت: \"ذلك\".\n[¬٥]- في ز: \"وحي\".\n[¬٦]- في ز: \"بالأمر\".\n[¬٧]- بياضا في ز.","vol":"9","page":365},{"text":"إثمًا، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾، وهذا عام في كل من بلغه القرآن؛ من العرب والعجم، أهل الكتاب وغيرهم، كما قال: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ فكل من بلغه القرآن فهو نذير له وداع، فمن اتبعه هدي، ومن خالفه وأعرض عنه ضل وشقي في الدنيا، والنار موعده يوم القيامة، ولهذا قال: ﴿مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وزْرًا (١٠٠) خَالِدِينَ فِيهِ﴾ أي: لا محيد لهم عنه ولا انفكاك ﴿وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا﴾ أي: وبئس الحمل حملهم!\n﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا (١٠٢) يَتَخَافَتُونَ بَينَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إلا عَشْرًا (١٠٣) نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إلا يَوْمًا (١٠٤)﴾\nثبت في الحديث (^٧٢) أن رسول اللَّه، ﷺ، سئل عن الصور؟ فقال: \"قرن ينفخ فيه\"، وقد جاء في حديث الصور من رواية أبي هريرة أنه قرن عظيم، الدارةُ منه بقدر السموات والأرض، ينفخ فيه [¬١] إسرافيل ﵇ وجاء في الحديث (^٧٣): \" كيف أنعم وصاحب القرن قد القم القرن، وحنى جبهته، وانتظر أن يؤذن له؟ \". فقالوا: يا رسول اللَّه؛ كيف نقول؟ قال: \"قولوا حسبنا اللَّه ونعم الوكيل، على اللَّه توكلنا\".\nوقوله: ﴿وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾، قيل: معناه زُرْق العيون من شدة ما هم فيه من الأهوال.\n_________\n(^٧٢) - أخرجه أبو داود في كتاب السنة، باب: في ذكر البعث والصور، حديث (٤٧٤٢)، (٤/ ٢٣٦). والترمذي في كتاب صفة القيامة والرقائق والورع، كتاب: ما جاء في شأن الصور، حديث (٢٤٣٠)، (٤/ ٥٣٦). والنسائي في الكبرى: كتاب التفسير: باب قوله اللَّه تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ حديث (١١٣١٢)، (٦/ ٣٩٢). والدارمي: كتاب الرقائق، باب: في نفخ الصور (٢/ ٣٢٥)، وأحمد (٢/ ١٦٢، ١٩٢) من حديث عبد اللَّه بن عمرو بن العاص. وقال الترمذي: هذا حديث حسن.\n(^٧٣) - أخرجه الترمذي: كتاب صفة القيامة والرقائق والورع، كتاب: ما جاء في شأن الصور، حديث (٢٤٣١)، ٤/ ٥٣٦)، والنسائي في \"السنن الكبرى\" كتاب: التفسير، باب: قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَال لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ حديث (١١٠٨٢)، (٦/ ٣١٦) من حديث أبي هريرة. وقال الترمذي: هذا حديث حسن. ا هـ\n_________\n[¬١]- سقط من ز.","vol":"9","page":366},{"text":"﴿يَتَخَافَتُونَ بَينَهُمْ﴾ قال ابن عباس: يتسارّون بينهم. أي: يقول بعضهم لبعض: ﴿إِنْ لَبِثْتُمْ إلا عَشْرًا﴾، أي: في الدار الدنيا، لقد كان لبثكم فيها قليلًا، عشرة أيام أو نحوها؛ قال الله تعالى: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ﴾، أي: في حال تناجيهم بينهم ﴿إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً﴾، أي: العاقل الكامل فيهم ﴿إِنْ لَبِثْتُمْ إلا يَوْمًا﴾، أي: لقصر مدة الدنيا في أنفسهم [يوم المعاد، لأن الدنيا كلها وإن تكررت أوقاتها وتعاقبت لياليها وأيامها] [¬١] وساعاتها كأنها يوم واحد، ولهذا [يستقصر الكافرون] [¬٢] مدة الحياة الدنيا يوم القيامة، وكان غرضهم في ذلك دَرْء [¬٣] قيام الحجة عليهم، لقصر المدة، ولهذا قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ (٥٥) وَقَال الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾، وقال تعالى: ﴿قَال كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ (١١٢) قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ (١١٣) قَال إِنْ لَبِثْتُمْ إلا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي: إنما [¬٤] كان لبثكم فيها قليلًا لو كنتم تعلمون لآثرتم الباقي على الفاني، ولكن تصرفتم فأسأتم التصرف، قدمتم الحاضر الفاني علي الدائم الباقي.\n﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا (١٠٥) فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا (١٠٦) لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا (١٠٧) يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إلا هَمْسًا (١٠٨)﴾\nيقول تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ﴾، أي: هل تبقى يوم القيامة أو تزول؟ ﴿فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا﴾، أي: يذهبها عن أماكنها ويمحقها ويسيرها تسييرًا ﴿فَيَذَرُهَا﴾، أي: الأرض ﴿قَاعًا صَفْصَفًا﴾ أي: بساطًا [¬٥] واحدًا.\nوالقاع: هو المستوي من الأرض، والصفصف تأكيد لمعنى ذلك، وقيل: الذي لا نبات فيه، والأول أولى، وإن كان الآخر مرادًا أيضًا باللازم، ولهذا قال: ﴿لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا﴾، أي: لا ترى في الأرض يومئذ واديًا ولا رابية، ولا مكانًا منخفضًا ولا مرتفعًا، كذلك قال ابن عباس، وعكرمة، ومجاهد، والحسن البصري، والضحاك، وقتادة،\n_________\n[¬١]- سقط من ز.\n[¬٢]- في ز: \"تستقصر\".\n[¬٣]- سقط من ز.\n[¬٤]- في ز: \"بما\".\n[¬٥]- في ز: \"بسطًا\".","vol":"9","page":367},{"text":"وغير واحد من السلف.\n﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ﴾، أي: يوم يرون هذه الأحوال والأهوال، يستجيبون مسارعين إلي الداعي، حيثما أمروا بادروا إليه، ولو إليه كان هذا في الدنيا لكان أنفع لهم، ولكن حيث لا ينفعهم، كما قال تعالى: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا﴾، وقال: ﴿مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ [يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ]﴾. وقال محمد بن كعب القرظي: يحشر الله الناس يوم القيامة في ظلمة، ويطوي السماء، وتتناثر النجوم، وتذهب الشمس والقمر، وينادي مناد، فيتبع الناس الصوت يؤمونه، فذلك قوله: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ﴾ [وقال قتادة: ﴿لَا عِوَجَ لَهُ﴾، أي: لا يميلون عنه] [¬١].\n[وقال أبو صالح: ﴿عِوَجَ لَهُ﴾: لا عوج عنه] [¬٢].\nوقوله: ﴿وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ﴾ قال ابن عباس: سكنت، وكذا قال السدى: ﴿فَلَا تَسْمَعُ إلا هَمْسًا﴾ قال سعيد بن جبير، عن ابن عباس: يعني وطء الأقدام. وكذا قال عكرمة، ومجاهد، والضحاك، والربيع بن أنس، وقتادة، وابن زيد، وغيرهم.\nوقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: ﴿فَلَا تَسْمَعُ إلا هَمْسًا﴾: الصوت الخفى، وهو رواية عن عكرمة والضحاك. وقال سعيد بن جبير: ﴿فَلَا تَسْمَعُ إلا هَمْسًا﴾: الحديث، وسره، ووطء الأقدام. فقد جمع سعيد كلا القولين، وهو محتمل، أما وطء الأقدام: فالمراد سعي الناس إلي المحشر، وهو مشيهم في سكون وخضوع، وأما الكلام الخفي: فقد يكون في حال دون حال، فقد قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إلا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾.\n﴿يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا (١٠٩) يَعْلَمُ مَا بَينَ أَيدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (١١٠) وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا (١١١) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا (١١٢)﴾\nيقول تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ أي: يوم القيامة، ﴿لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ﴾ أي: عنده، ﴿إلا\n_________\n[¬١]- سقط من ز.\n[¬٢]- سقط من ز.","vol":"9","page":368},{"text":"مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾، كقوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلا بِإِذْنِهِ﴾، وقوله: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيئًا إلا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾، وقال: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إلا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ وقال: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إلا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ وقال: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَال صَوَابًا﴾ وفي الصحيحين (^٧٤) من غير وجه، عن رسول الله، ﷺ، وهو سيد ولد آدم، وأكرم الخلائق على الله ﷿ أنه قال: \"آتي تحت العرش، فأخر [¬١] لله ساجدًا، ويفتح علي بمحامد لا أحصيها الآن، فيدعني ما شاء إلا أن يدعني، ثم يقول: يا محمد، ارفع رأسك، وقل يسمع، واشفع تشفع\". قال \"فيحد لي حدًّا، فأدخلهم الجنة، ثم أعود\". فذكر أربع مرات صلوات الله وسلامه عليه وعلى سائر الأنبياء. وفي الحديث (^٧٥) أيضًا [¬٢]: \"يقول تعالى: أخرجوا من النار من كان لي قلبه مثقال حبة [¬٣] من إيمان. فيُخرجُون خلقًا كثيرًا، ثم يقول: أخرجوا من النار من كان في قلبه نصف مثقال من إيمان، أخرجوا من النار من كان في قلبه ما يزن ذرّة، من كان في قلبه أدني أدنى أدني مثقال ذرة من إيمان\". الحديث.\n_________\n(^٧٤) - أخرجه البخاري: كتاب الرقاق، باب: صفة الجنة والنار حديث (٦٥٦٥) وأطرفه في (٧٤١٠، ٧٤٤٠، ٧٥٠٩، ٧٥١٠، ٧٥١٦)، ومسلم في كتاب الإيمان، باب: أدنى أهل الجنة منزلة فيها، حديث (٣٢٢ - ٣٢٦/ ١٩٣) (٣/ ٦٥: ٧٨) من حديث أنس بن مالك.\nوأخرجه البخاري في كتاب التفسير، باب: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾، حديث (٤٧١٢) (٨/ ٣٩٥).\nومسلم في كتاب الإيمان، باب: أدنى أهل الجنة منزلة فيها، حديث (٣٢٧ - ٣٢٨/ ١٩٤)، (٣/ ٨٠: ٣٨٥) من حديث أبي هريرة.\nوأخرجه مسلم كتاب الإيمان، باب: أدنى أهل الجنة منزلة فيها، حديث (٣٢٩/ ١٩٤)، (٣/ ٨٥: ٨٨) من حديث حذيفة.\n(^٧٥) - أخرجه بمعناه:\nالبخاري في كتاب الإيمان، باب: زيادة الإيمان ونقصانه، حديث (٤٤) وأطرفه في (٤٤٧٦ - ٦٥٦٥، ٧٤١٠، ٧٤٤٠، ٧٥٠٩، ٧٥١٠، ٧٥١٦) ومسلم في كتاب الإيمان، باب: أدنى أهل الجنة منزلة فيها، حديث (٣٢٥/ ١٩٣)، (٣/ ٧٢ - ٧٣) من حديث أنس بن مالك أن النبي ﷺ قال: \"يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله، وكان في قلبه من الخير ما يزن شعيرة، ثم يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله، وكان في قلبه من الخير ما يزن برة، ثم يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله وكان في قلبه من الخبرة ما يزن ذرة\". =\n_________\n\n_________\n[¬١]- في ت: \"وأخر\".\n[¬٢]- سقط من ز.\n[¬٣]- سقط من ز.","vol":"9","page":369},{"text":"وقوله: ﴿يَعْلَمُ مَا بَينَ أَيدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾، أي: يحيط علمًا بالخلائق كلهم، ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ قوله: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيءٍ مِنْ عِلْمِهِ إلا بِمَا شَاءَ﴾ وقوله: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ﴾ قال ابن عباس (^٧٦) وغير واحد خضعت وذلت واستسلمت الخلائق لجبارها الحيّ الذي لا يموت، ﴿الْقَيُّومِ﴾: الذي لا ينام، وهو قيم على كل شيء، يدبره ويحفظه، فهو الكامل في نفسه، الذي كل شيء فقير إليه، لا قوام له إلا به.\nوقوله: ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا﴾ أي: يوم القيامة، فإن الله سيؤدي كل حق إلى صاحبه، حتى يقتص للشاة الجماء [¬١] من الشاة القرناء.\nوفي الحديث: \"يقول الله-﷿: وعزتي وجلالي لا يجاورني [¬٢] اليوم ظلم ظالم\".\nوفي الصحيح (^٧٧): \" إياكم والظلم؛ فإن الظلم ظلمات يوم القيامة والخيبة كل الخيبة من لقى الله وهو به مشرك، فإن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾.\nوقوله: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا﴾، لما ذكر الظالمين ووعيدهم، ثنى بالمتقين وحكمهم، وهو أنهم لا يُظلمون ولا يُهضمون، اي: لا يزاد في سيئاتهم، ولا ينقص من حسناتهم، قاله ابن عباس (^٧٨)، ومجاهد، والضحاك،\n_________\n= وأخرجه الترمذي: كتاب صفة جنهم، باب (١٠)، حديث (٢٥٩٨)، (٤/ ٦١٥) من حديث أبي سعيد الخدري أن النبي ﷺ قال: \"يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من الإيمان\". قال أبو سعيد: فمن شك فليقرأ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَال ذَرَّةٍ﴾.\nوقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.\n(^٧٦) - أخرجه الطبري في \"تفسيره\": (١٦/ ٢١٦)، وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\": (٤/ ٥٥١) وعزاه إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس.\n(^٧٧) - أخرجه مسلم في \"صحيحه\": كتاب البر والصلة والآداب، باب: تحريم الظلم، حديث (٥٦/ ٢٥٧٨)، (١٦/ ٢٠٢) من حديث جابر بن عبد الله: أن رسول الله ﷺ قال: \"أتقوا الظلم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشح فإن الشيخ أهلك من كان قبلكم حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم\".\n(^٧٨) - أخرجه الطبري في \"تفسيره\": (١٦/ ٢١٨)، وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\": (٤/ ٥٥٢) وعزاه إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس.\n_________\n[¬١]- الجماء: التي لا قرون لها.\n[¬٢]- في ز: \"يجوزني\".","vol":"9","page":370},{"text":"والحسن، وقتادة، وغير واحد، فالظم: الزيادة بأن يحمل [¬١] عليه ذنب [¬٢] غيره، والهضم: النقص.\n﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا (١١٣) فَتَعَالى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا (١١٤)﴾\nيقول تعالى: ولما كان يوم المعاد والجزاء بالخير [¬٣] والشر واقعًا لا محالة، أنزلنا القرآن بشيرًا ونذيرًا، بلسان عربيّ مبين فصيح، لا ليس فيه ولا عي، ﴿وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾، أي: يتركون المآثم والمحارم والفواحش ﴿أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا﴾ وهو إيجاد الطاعة وفعل القربات، ﴿فَتَعَالى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾ أي: تنزه وتقدس الملك الحق، الذي هو حق، ووعده حق، ووعيده حق، ورسله حق، والجنة حق، والنار حق، وكل شيء منه حق، وعدله تعالى أن لا [¬٤] يعذب أحدًا قبل الإِنذار، وبعثة الرسل والإِعذار إلي خلقه؛ لئلا يبقى لأحد حجة ولا شبهة.\nوقوله: ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيكَ وَحْيُهُ﴾ كقوله تعالى في سورة: \"لا أقسم بيوم القيامة\": ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَينَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَينَا بَيَانَهُ﴾، وثبت في الصحيح (^٧٩)، عن ابن عباس: أن رسول الله، ﷺ، كان يعالج من الوحي شدًة، فكان [¬٥] مما يحرك به [¬٦] لسانه، فأنزل الله هذه الآية. يعني: أنه ﵇ كان إذا جاءه جبريل بالوحي، كلما قال جبريل آية قالها معه، من شدة حرصه علي حفظ القرآن، فأرشده الله تعالى إلى ما هو الأسهل والأخف [¬٧]، في حقه، لئلا يشق عليه، فقال: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَينَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾، أي: أن [¬٨] نجمعه في صدرك، ثم تقرأه على الناس من غير\n_________\n(^٧٩) - أخرجه البخاري في كتاب التفسير، باب: سورة القيامة، حديث (٤٩٢٧)، (٨/ ٦٨٠) من حديث ابن عباس ﵄ قال: كان النبي ﷺ إذا نزل عليه الوحى حرك به لسانه فأنزل الله: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾.\n_________\n[¬١]- في ز: \"عمل\".\n[¬٢]- في ز: \"ظلم\".\n[¬٣]- في ز: \"بالجزاء\".\n[¬٤]- سقط من ز.\n[¬٥]- في ز: \"وكان\".\n[¬٦]- سقط من ز.\n[¬٧]- في ز: \"الأحنف\".\n[¬٨]- سقط من ز.","vol":"9","page":371},{"text":"أن تنسى منه شيئًا، ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَينَا بَيَانَهُ﴾، وقال في هذه الآية: ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيكَ وَحْيُهُ﴾، أي: بل أنصت، فإذا فرغ الملك من قراءته عليك فاقرأه بعده، ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ أي: زدني منك علمًا.\nقال ابن عيينة ﵀: ولم يزل، ﷺ، في زيادة حتى توفاه الله ﷿.\nولهذا جاء في الحديث: \"إن الله تابع الوحي علي رسوله، حتى كان الوحي أكثر ما كان يوم تُوُفي رسول الله، ﷺ\".\nوقال ابن ماجة (^٨٠): حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا عبد الله بن نمير، عن موسى بن عبيدة [¬١]، عن محمد بن ثابت، عن أبي هريرة ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يقول: \"اللهم انفعني بما علمتني، وعلمني ما ينفعني، وزدني علمًا، والحمد لله علي كل حال\".\nوأخرجه الترمذي عن أبي كريب، عن عبد الله بن نمير، به. وقال: غريب من هذا الوجه. ورواه البزار: عن عمرد بن علي الفلاس، عن أبي عاصم، عن موسى بن عبيدة، به. وزاد في آخره: \"وأعوذ بالله من حال أهل النار\".\n﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا (١١٥) وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إلا إِبْلِيسَ أَبَى (١١٦) فَقُلْنَا يَاآدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى (١١٧) إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى (١١٨) وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى (١١٩) فَوَسْوَسَ إِلَيهِ\n_________\n(^٨٠) - إسناده ضعيف من أجل موسى بن عبيدة؛ فهو ضعيف. ومحمد بن ثابت: لم يرو عنه غير موسى بن عبيدة؛ قال الذهبي: لا يعرف. وقال الألباني: صحيح دون قوله: \"والحمد لله … \". والحديث أخرجه ابن ماجه في كتاب الدعاء، باب: دعاء رسول الله ﷺ حديث (٣٨٣٣) (٢/ ١٢٦٠).\nوأخرجه الترمذي في كتاب الدعوات، باب: في العفو والعافية، حديث (٣٥٩٩)، (٥/ ٥٤٠)، وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه. والزيادة التي نسبها المصنف للبزار هي عند الترمذي وابن ماجه أيضًا.\n_________\n[¬١]- في ز: \"عبيد\".","vol":"9","page":372},{"text":"الشَّيطَانُ قَال يَاآدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى (١٢٠) فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (١٢١) ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيهِ وَهَدَى (١٢٢)﴾\nقال ابن أبي حاتم (^٨١): حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا أسباط بن محمد، حدثنا الأعمش، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: إنما سمي الإِنسان؛ لأنه عهد إليه فنسي.\nوكذا رواه علي بن أبي طلحة عنه.\nوقال مجاهد والحسن: ترك.\nوقوله: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ يذكر تعالى تشريف آدم وتكريمه وما [¬١] فضله به على كثير ممن خلق تفضيلًا.\nوقد تقدم الكلام على هذه القصة في سورة البقرة وفي الأعراف وفي الحجر والكهف.\nوسيأتي في آخر سورة ﴿ص﴾؛ يذكر تعالى فيها خلق آدم، وأمره الملائكة بالسجود له تشريفًا وتكريمًا، ويبين عداوة إبليس لبني آدم ولأبيهم قديمًا، ولهذا قال تعالى: ﴿فَسَجَدُوا إلا إِبْلِيسَ أَبَى﴾ أي: امتنع واستكبر، ﴿فَقُلْنَا يَاآدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ﴾، يعني: حواء ﵉ ﴿فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى﴾، أي: إياك أن يسعى في إخراجك منها فتتعب وتَعْنَى، وتشقى في طلب رزقك، فإنك هاهنا في عيش رغيد هنيء، لا كلفة ولا مشقة.\n﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى﴾ إنما قرن بين الجوع والعرْي؛ لأن الجوع ذل الباطن والعرى ذل الظاهر.\n﴿وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى﴾ وهذان أيضًا متقابلان، فالظمأ: حر الباطن، وهو العطش. والضحى: حر الظاهر.\n_________\n(^٨١) - أخرجه ابن جرير الطبري في \"تفسيره\" (١٦/ ٢٢١). وزاد نسبته السيوطي في الدر المنثور إلى عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر والطبراني في الصغير وابن منده في التوحيد والحاكم وصححه.\n_________\n[¬١]- في ت: \"بما\".","vol":"9","page":373},{"text":"وقوله: ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيهِ الشَّيطَانُ قَال يَاآدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى﴾، وقد تقدم أنه دلاهما بغرور ﴿وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾، وقد تقدم أن الله تعالى عهد [¬١] إلى آدم وزوجه [¬٢] أن يأكلا مِنْ كل الثمار، ولا يقربا هذه الشجرة المعينة في الجنة، فلم يزل بهما إبليس حتى أكلا منها، وكانت شجرة الخلد، يعني: التي من أكل منها خلد ودام مكثه، وقد جاء في الحديث ذكر شجرة الخلد، فقال أبو داود الطيالسي (^٨٢):\nحدثنا شعبة، عن أبي الضحاك، سمعت أبا هريرة حديث، عن النبي ﷺ قال: \"إن في الجنة شجرة، يسير الراكب في ظلها مائة عام ما يقطعها، وهي شجرة الخلد\" ورواه الإمام أحمد (^٨٣).\nوقوله: ﴿فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا﴾ قال ابن أبي حاتم:\nحدثنا عليّ بن الحسين بن إشكاب، حدثنا علي بن عاصم، عن سعيد [بن أبي] [¬٣] عروبة، عن قتادة، عن الحسن، عن أبيّ بن كعب قال: قال رسول الله، ﷺ: \"إن الله خلق آدم رجلًا طوالا، كثير شعر الرأس، كأنه نخلة سَحُوق، فلما ذاق الشجرة سقط عنه لباسه، فأول ما بدا منة عورته، فلما نظر إلي عورته جعل يَشْتَدُّ في الجنة، فأخذت شعره شجرة، فنازعها، فناداه [¬٤]، الرحمن: يا آدم، مني تفر؟ فلما سمع كلام الرحمن، قال: يا رب لا، ولكن استحياء، أرأيت [إن تبت] [¬٥]، ورجعت أعائدي إلي الجنة؟ قال: نعم\". فذلك قوله: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيهِ﴾.\nوهذا منقطع بين الحسن وأبي بن كعب فلم يسمعه منه وفي رفعه نظر أيضًا.\nوقوله: ﴿وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾، قال مجاهد: يرقعان كهيئة الثوب. وكذا قال قتادة والسدي.\n_________\n(^٨٢) - أخرجه أبو داود الطيالسي في \"مسنده\" برقم (٢٥٤٧) (صـ ٣٣٢).\n(^٨٣) - أخرجه أحمد في \"مسنده\": (٢/ ٢٥٧، ٤٠٤، ٤١٨، ٤٣٨، ٤٥٢، ٤٥٥، ٤٦٢، ٤٨٢، ٤٦٩) و(٣/ ١١٠). وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\": (٤/ ٥٥٥) وزاد عزوه إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم.\n_________\n[¬١]- في ز: \"أوحى\".\n[¬٢]- في ز: \"وزوجته\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفين في ز: \"عن\".\n[¬٤]- في ز: \"فنادا\".\n[¬٥]- مكررة في ز.","vol":"9","page":374},{"text":"وقال ابن أبي حاتم: حدثنا جعفر عن [¬١] عون، حدثنا سفيان، عن ابن أبي ليلى عن المنهال، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾، قال: ينزعان ورق التين، فيجعلانه على سوآتهما.\nوقوله: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (١٢١) ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيهِ وَهَدَى﴾ قال البخاري (^٨٤):\nحدثنا قتيبة، حدثنا أيوب بن النجار، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة عن أبي هريرة، عن النبي، ﷺ، قال: \"حاج موسى آدمَ، فقال له: أنت الذي أخرجتَ الناس من الجنة بذنبك وأشقيتهم؟ قال آدم: يا موسى، أنت الذي اصطفاك الله برسالاته وبكلامه، أتلومني على أمر قد كتبه الله عليّ قبل أن يخلقني\"- أو: \"قدره الله عليّ قبل أن يخلقني\" قال رسول الله، ﷺ: \"فحج آدم موسى\".\nوهذا الحديث له طرق في الصحيحين (^٨٥) وغيرهما من المسانيد.\n_________\n(^٨٤) - أخرجه البخاري في كتاب التفسير، باب: ﴿فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى﴾، حديث (٤٧٣٨)، (٨/ ٤٣٤ - ٤٣٥).\n(^٨٥) - أخرجه البخاري: كتاب أحاديث الأنبياء، باب: وفاة موسى، حديث (٤٠٩)، وطرفه في (٧٥١٥)، ومسلم في كتاب القدر، حديث (١٥/ ٢٦٥٢)، (١٦/ ٣٠٩)، وأحمد في \"مسنده\" (٢/ ٢٦٤). من طريق ابن شهاب الزهري، عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة.\nوأخرجه البخاري في كتاب التفسير، باب: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ حديث (٤٧٣٦) (٨/ ٤٣٤)، ومسلم في كتاب القدر، باب: حجاج آدم وموسى ﵉، حديث (١٥/ ٢٦٥٢)، (١٦/ ٣١٠)، وأحمد في \"مسنده\": (٢/ ٢٩٢، ٤٤٨). من طريق محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، فذكره.\nوأخرجه البخاري في كتاب التفسير، باب: ﴿فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى﴾ حديث (٤٧٣٨)، (٨/ ٤٣٤ - ٤٣٥)، ومسلم في صحيحه، كتاب القدر، باب: حجاج آدم وموسى ﵉، حديث (١٥/ ٢٦٥٢)، (١٦/ ٣١٠)، وأحمد في \"مسنده\": (٢/ ٢٦٨، ٢٨٧).\nمن طريق أيوب بن النجار اليماني، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة به.\nوأخرجه البخاري: كتاب القدر: باب: تحاج آدم وموسى عند الله حديث (٦٦١٤) (١١/ ٥٠٥)، ومسلم في صحيحه: كتاب القدر، باب حجاج آدم وموسى ﵉، حديث (١٣/ ٢٦٥٢) (١٦/ ٢٠٣ - ٣٠٧)، والحميدي في \"مسنده\" برقم (١١١٥)، (٢/ ٤٧٥)، وأحمد في \"مسنده\": (٢/ ٢٤٨). من طريق سفيان بن عيينة عن عمرو عن طاوس عن أبي هريرة فذكره.\nوأخرجه البخاري: كتاب القدر، باب: تحاج آدم وموسى عند الله حديث (٦٦١٤)، (١١/ ٥٠٥)، ومسلم: كتاب القدر، حديث (١٤/ ٢٦٥٢) (١٦/ ٣٠٨)، والحميدى في \"مسنده\" برقم (١١١٦) (٢/ ٤٧٥). من طريق سفيان بن عيينة عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة به.\n_________\n[¬١]- في ت: \"بن\".","vol":"9","page":375},{"text":"وقال ابن أبي حاتم: حدثنا يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وهب، أخبرني أنس بن عياض، عن الحارث بن أبي ذباب، عن يزيد بن هرمز قال: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله، ﷺ: \"احتج [¬١] آدم وموسى عند ربهما، فحج آدم موسى، قال موسى: أنت الذي خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأسجد لك ملائكته، وأسكنك في جنته، ثم أهبطت الناس إلى الأرض بخطيئتك؛ قال آدم: أنت موسى الذي اصطفاك الله برسالته وكلامه، وأعطاك الألواح فيها تبيان كل شيء، وقربك نجيًّا، فبكم وجدت الله كتب التوراة [قبل أن أخلق؟] [¬٢] قال موسى: بأربعين [¬٣]، عامًا. قال آدم: فهل وجدت فيها ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾؟ قال: نعم. قال: أفتلومني على أن عملت عملًا كتب الله علي أن أعمله قبل أن يخلقني بأربعين سنة؟ \" قال رسول الله، ﷺ: \"فحج آدم موسى\" قال الحارث: وحدثني عبد الرحمن بن هرمز بذلك، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ.\n﴿قَال اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (١٢٣) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤) قَال رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (١٢٥) قَال كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (١٢٦)﴾\nيقول تعالى لآدم وحواء وإبليس ﴿اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا﴾ أي: من الجنة كلكم، وقد [قدمنا بسط] [¬٤] ذلك في سورة البقرة.\n﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾، قال: آدم وذريته، وإبليس وذريته.\nوقوله: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى﴾، قال أبو العالية: الأنبياء والرسل والبيان.\n﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾ قال ابن عباس (^٨٦): لا يضل في الدنيا ولا\n_________\n(^٨٦) - أخرجه الطبري في \"تفسيره\": (١٦/ ٢٢٥)، وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\": (٤/ ٥٥٦) وعزاه إلى الفريابي وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد ومحمد بن نصر وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه، والبيهقي في شعب الإيمان، من طرق عن ابن عباس.\n_________\n[¬١]- في ز: \"حج\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفين سقط من ز.\n[¬٣]- في ز: \"أربعين\".\n[¬٤]- في ت: \"بسطنا\".","vol":"9","page":376},{"text":"يشقى في الآخرة.\n﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي﴾، أي: خالف أمري، وما أنزلته على رسولي، أعرض عنه وتناساه، وأخذ من غيره هداه، ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾، أي: ضنكا [¬١] في الدنيا، فلا طمأنينة له، ولا انشراح لصدره، بل صدره ضيق [¬٢] حرج لضلاله، وإن تنعَّم ظاهره، ولبس ما شاء، وأكل ما شاء، وسكن حيث شاء، فإن قلبه ما لم يخلص إلى اليقين والهدى، فهو في قلق وحيرة وشك، فلا يزال في ريبة يتردد، فهذا من ضنك المعيشة.\nقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس (^٨٧) ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ قال: الشقاء.\nو[¬٣] قال العوفي عن ابن عباس (^٨٨): ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾، قال: كل مالٍ [¬٤] أعطيته عبدًا من عبادي قل أو كثر لا يتقيني فيه، فلا خير فيه وهو الضنك في المعيشة، وقال [¬٥] أيضًا: إن قومًا ضلالًا أعرضوا عن الحق وكانوا في سعة من الدنيا متكبرين فكانت معيشتهم ضنكًا، ذلك أنهم كانوا يرون أن الله ليس مخلفًا لهم معايشهم، من سوء ظنهم بالله والتكذيب، فإذا كان العبد يكذب بالله، ويسئ الظن به، والثقه به، اشتدت عليه معيشته، فذلك الضنك.\nوقال الضحاك (^٨٩): هو العمل السيئ والرزق الخبيث، وكذا [¬٦] قال عكرمة (^٩٠)، ومالك بن دينار (^٩١).\nوقال سفيان بن عيينة، عن أبي [¬٧] حازم، عن أبي سلمة، عن أبي سعيد (^٩٢) في قوله:\n_________\n(^٨٧) - أخرجه الطبري في \"تفسيره\": (١٦/ ٢٢٦)، وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\": (٤/ ٥٥٧) وعزاه إلى ابن أبي المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس.\n(^٨٨) - أخرجه الطبري في \"تفسيره\": (١٦/ ٢٢٧)، وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\": (٤/ ٥٥٨) وعزاه إلى ابن أبي حاتم عن ابن عباس.\n(^٨٩) - ذكره السيوطي في \"الدر المنثور\": (١٦/ ٥٥٨)، وعزه إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن الضحاك.\n(^٩٠) - ذكره السيوطي في \"الدر المنثور\": (١٦/ ٥٥٨) وعزاه إلى ابن أبي حاتم عن عكرمة.\n(^٩١) - ذكره السيوطي في \"الدر المنثور\": (١٦/ ٥٥٨) وعزاه إلى ابن أبي حاتم عن مالك بن دينار.\n(^٩٢) - أخرجه الطبري في \"تفسيره\": (١٦/ ٢٢٧)، وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\": =\n_________\n[¬١]- سقط من ز.\n[¬٢]- سقط من ز.\n[¬٣]- سقط من ز.\n[¬٤]- في ز. \"ما\".\n[¬٥]- في ز: \"ويقال\".\n[¬٦]- في ت: \"وكذلك\".\n[¬٧]- في ز: \"ابن\".","vol":"9","page":377},{"text":"﴿مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾، قال: يُضيَّق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه فيه. وقال أبو حاتم الرازي: [النعمان بن] [¬١] أبي عياش: يكنى [¬٢] أبا سلمة.\nوقال ابن أبي حاتم (^٩٣): حدثنا أبو زرعة، حدثنا صفوان، أنبأنا [¬٣] الوليد، أنبأنا [¬٤] عبد الله بن لهيعة، عن دراج، عن أبي [¬٥] الهيثم، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ، في قول الله ﷿: ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾، قال: \"ضمة القبر له [¬٦] \". و[¬٧] الموقوف أصح.\nوقال ابن أبي حاتم أيضًا [¬٨] (^٩٤): حدثنا الربيع بن سليمان، حدثنا أسد بن موسى، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا دراج أبو السمح، عن ابن حجيرة [¬٩]- و[¬١٠] اسمه عبد الرحمن- عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ، قال: \"المؤمن في قبره في روضة خضراء، يفسح [¬١١] له في قبره سبعون ذراعًا، وينوّر له قبره كالقمر ليلة البدر، أتدرون فيما أنزلت هذه الآية: ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾؟ أتدرون ما المعيشة الضنك؟ \" قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: \"عذاب الكافر في قبره، والذي نفسي بيده- إنه ليسلط عليه تسعة وتسعون تنينًا، أتدرون [¬١٢] ما التنين؟ تسعة وتسعون حية، لكل حية سبعة رءوس ينفخون [¬١٣] في جسمه ويلسعونه ويخدشونه إلى يوم يبعثون\" رفعه منكر جدًّا.\n_________\n= (٤/ ٥٥٦ - ٥٥٧) وعزاه إلى عبد الرزاق وسعيد بن منصور ومسدد في مسنده وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والحاكم وصححه البيهقي في كتاب عذاب القبر عن أبي سعيد الخدري.\nوقال: ولفظ عبد الرزاق: \"يضيق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه\".\n(^٩٣) - أخرجه ابن أبي حاتم كما في \"الدر المنثور\" (٤/ ٥٥٦ - ٥٥٧).\n(^٩٤) - أخرجه الطبري في \"تفسيره\": (١٦/ ٢٢٨)، وزاد السيوطي نسبته في \"الدر المنثور\" (٤/ ٥٥٧)، إلى ابن أبي الدنيا في ذكر الموت، والحكيم الترمذي، وأبو يعلى، وابن جرير، وابن المنذر، وابن حبان، وابن مرويه عن أبي هريرة.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفين في ز: \"اليعمري\".\n[¬٢]- في ز: \"يحيى\".\n[¬٣]- في ز: \"ابن\".\n[¬٤]- في ز: \"ثنا\".\n[¬٥]- في ز: \"ابن\".\n[¬٦]- سقط من ز.\n[¬٧]- سقط من ز.\n[¬٨]- سقط من ز.\n[¬٩]- في ز: \"حجرة\".\n[¬١٠]- سقط من ز.\n[¬١١]- في ز: \"ويرحب\".\n[¬١٢]- سقط من ز.\n[¬١٣]- في ز: \"يسبحون\".","vol":"9","page":378},{"text":"وقال البزار (^٩٥): حدثنا محمد بن يحيى الأزدي، حدثنا محمد بن عمر [¬١]، حدثنا هشام بن سعد، عن سعيد بن أبي هلال، [عن ابن حُجَيرة] [¬٢]، عن أبي هريرة، عن النبي، ﷺ، في قول الله ﷿: ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾، قال: \"المعيشة الضنك الذي قال الله تعالى: أنه يسلط عليه تسعة وتسعون حية، ينهشون لحمه حتى تقوم الساعة\".\nوقال أيضًا؛ حدثنا [¬٣] أبو زرعة، حدثنا أبو الوليد، حدثنا حماد بن سلمة، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي، ﷺ: ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ قال: \"عذاب القبر\". إسناد جيد.\nوقوله: ﴿وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾، قال [¬٤] مجاهد وأبو صالح والسدى: لا حجة له وقال عكرمة: عُمِّي عليه كل شيء إلا جهنم.\nويحتمل أن يكون المراد أنه [¬٥]، يبعث أو يحشر إلى النار أعمى البصر والبصيرة أيضًا، كما قال تعالى: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا﴾، ولهذا يقول: ﴿رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا﴾، أي: في الدنيا ﴿قَال كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾، أي: لما أعرضت عن آيات الله، وعامَلْتَها معاملة من لم يذكرها، بعد بلاغها إليك تناسيتها، وأعرضت عنها وأغفلتها، كذلك اليوم [¬٦] نعاملك معاملة مَن نسيك، ﴿فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا﴾ فإن الجزاء من جنس العمل، فأما نسيان لفظ القرآن مع فهم معناه والقيام بمقتضاه، فليس داخلًا في هذا الوعيد الخاص، وإن كان متوعدًا عليه من جهة أخرى، فإنه قد وَرَدَت السنة بالنهي الأكيد والوعيد [¬٧] الشديد في ذلك.\nقال الإمام أحمد (^٩٦): حدثنا خلف بن الوليد، حدثنا خالد، عني يزيد بن أبي زياد، عن عيسى بن فائد [¬٨]، عن رجل، عن سعد بن عبادة [¬٩]﵁ عن النبي،\n_________\n(^٩٥) - \" كشف الأستار\" برقم (٢٢٣٣) (٣/ ٥٩). ومختصر زوائد البزار (٢/ ٩٤) وقال البزار: فيه من لم أعرفه. قال الحافظ ابن حجر: كلهم معروفون بالثقة إلا محمد بن عمر فهو الواقدي.\n(^٩٦) - أخرجه أحمد في \"مسنده\" (٥/ ٢٨٥) (٢٢٥٦٥). ويزيد بن أبي زياد هو القرشي الهاشمي =\n_________\n[¬١]- في ز، خ: عمرو، والمثبت من مختصر زوائد البزار.\n[¬٢]- ما بين المعكوفين سقط من ز.\n[¬٣]- سقط من ز.\n[¬٤]- في ت: \"وقال\".\n[¬٥]- في ز: \"أن\".\n[¬٦]- سقط من ز.\n[¬٧]- في ز: \"الوعد\".\n[¬٨]- في ز: \"قائد\".\n[¬٩]- في ز: \"عباد\".","vol":"9","page":379},{"text":"ﷺ، قال: \"ما من رجل قرأ القرآن فنسيه إلا لقي الله يوم يلقاه وهو أجذم\".\nثم رواه الإمام أحمد (^٩٧) من حديث يزيد بن أبي زياد، عن عيسى بن فائد [¬١]، عن عبادة بن الصامت، عن النبي، ﷺ، فذكر مثله سواء\nوَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى (١٢٧)﴾\nيقول تعالى: وهكذا نجازي المسرفين المكذبين بآيات الله في الدنيا والآخرة، ﴿لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ﴾، ولهذا قال: ﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى﴾. أي: أشد ألمًا من عذاب الدنيا، وأدوم عليهم، فهم مخلدون فيه. ولهذا قال رسول الله ﷺ، للمتلاعنين: \"إن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة\" (^٩٨).\n﴿أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى (١٢٨) وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى (١٢٩)\n_________\n= ضعيف، كبر فتغير وصار يتلقن وكان شيعيًّا، روى له مسلم مقرونًا. وعيسى بن فائد: مجهول. قال الذهبي: لا يدرى من هو. وفي إسناده مجهول وهو الراوي عن سعد بن عبادة ﵁. والحديث أخرجه أبو داود في كتاب الصلاة، باب: التشديد فيمن حفظ القرآن ثم نسيه (٢/ ٧٦ / رقم: ١٤٧٤). وعبد بن حميد في المنتخب (٣٠٦، ٣٠٧). كلاهما من يزيد بن أبي زياد به. ورواه أحمد أيضًا (٥/ ٢٨٤) (٢٢٥٥٨) حيث رواه أحمد من طريق محمد بن جعفر عن شعبة عن يزيد ابن أبي زياد به.\n(^٩٧) - أخرجه أحمد \"مسنده\" (٥/ ٣٢٣، ٣٢٧ - ٣٢٨) (٢٢٨٦٣) (٢٢٨٨٦). والحديث ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد في موضعين الأول (٥/ ٢٠٥) وقال: \"رواه أحمد وابنه\" والثاني في (٧/ ١٦٧) وعزاه لعبد الله بن أحمد وقال: \"ورجاله ثقات\" وفي بعضهم خلاف\".\n(^٩٨) - أخرجه البخاري في كتاب الطلاق، باب: صدق الملاعنة، حديث (٥٣١١) وأطرافه في (٥٣١٢، ٥٣٤٩، ٥٣٥٠) بنحوه. ومسلم: كتاب اللعان، حديث (٤/ ١٤٩٣) (١٠/ ١٧٤ - ١٧٥) مطولًا. والترمذي: كتاب تفسير القرآن باب: ومن سورة النور، حديث (٣١٧٨) (٥/ ٣٠٨ - ٣٠٩). كلهم من طريق عبد الملك بن أبي سليمان عن سعيد بن جبير عن ابن عمر به وللحديث شاهد آخر مطولًا بنحوه.\nأخرجه البخاري: كتاب الشهادات، باب: إذا ادعى أو قذف فله أن يلتمس البينة وينطلق لطلب البينة، حديث (٢٦٧١) (٥/ ٢٨٣) وأطرافه في (٤٧٤٧، ٥٣٠٧) بنحوه. وأبو داود: كتاب الطلاق، باب: في اللعان، حديث (٢٢٥٦) (٢/ ٢٧٦ - ٢٧٧). والترمذي: كتاب تفسير القرآن: باب: من سورة النور، حديث (٣١٧٩)، (٥/ ٣٠٩ - ٣١٠)، وابن ماجه كتاب الطلاق، باب: اللعان حديث=\n_________\n[¬١]- في ز: \"قائد\".","vol":"9","page":380},{"text":"فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى (١٣٠)﴾\nيقول تعالى: ﴿أَفَلَمْ [¬١] يَهْدِ﴾ لهؤلاء المكذبين بما جئتهم به: يا محمد، كم أهلكنا من الأمم المكذبين بالرسل قبلهم، فبادوا، فليس لهم باقية ولا عين ولا أثر، كما يشاهدون ذلك من ديارهم الخالية التي خلفوهم فيها، يمشون فيها، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى﴾، أي: العقول الصحيحة، والألباب المستقيمة، كما قال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾. وقال في سورة الم السجدة: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ أَفَلَا يَسْمَعُونَ﴾. ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى﴾، أي: لولا الكلمة السابقة من الله، وهو أنه لا يعذب أحدًا إلا بعد قيام الحجة عليه، والأجل المسمى الذي ضربه الله [¬٢] تعالى لهؤلاء المكذبين إلي مدة معينة، لجاءهم العذاب بغتة.\nولهذا قال لنبيه مسليًّا له: ﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾، أي: من تكذيبهم لك ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ﴾، يعني: صلاة الفجر، ﴿وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ يعني: صلاة العصر، كما جاء في الصحيحين (^٩٩)، عن جرير بن عبد الله البجلي ﵁ قال: كنا جلوسًا عند رسول الله ﷺ، فنظر إلي القمر ليلة البدر، فقال: \"إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر، لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم أن لا تغلبوا علي صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا\"، ثم قرأ هذه الآية.\nوقال الإمام أحمد (^١٠٠): حدثنا سفيان بن عيينة، عن عبد الملك بن عمير، عن عمارة بن رؤبَةَ [¬٣] قال: سمعت رسول الله، ﷺ، يقول: \"لن يلج النار أحد\n_________\n= (٢٠٦٧)، (١/ ٦٦٨) كلهم من طريق عكرمة عن ابن عباس به مطولًا.\n(^٩٩) - أخرجه البخاري: كتاب مواقيت الصلاة، باب: فضل صلاة العصر، حديث (٥٥٤) (٢/ ٣٣) وأطرفه في (٥٧٣، ٤٨٥١)، ٧٤٣٤، ٧٤٣٥، ٧٤٣٦)، ومسلم في صحيحه: كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب: فضل صلاتي الصبح والعصر والمحافظة عليهما، حديث (٢١١ - ٢١٢/ ٦٣٢) (٥/ ١٨٧ - ١٨٨).\n(^١٠٠) - أخرجه أحمد في \"مسنده\" (٤/ ١٣٦، ٢٦١). ومسلم في \"صحيحه\": كتاب=\n_________\n[¬١]- في ز: \"أو لم\".\n[¬٢]- سقط من ز.\n[¬٣]- في ت: \"رؤبية\".","vol":"9","page":381},{"text":"صلى قبل طلوع الشمس وقبل غروبها\". رواه مسلم من حديث عبد الملك بن عمير، به.\nوفي المسند [¬١] (^١٠١) والسنن (^١٠٢)، عن ابن عمر قال: قال رسول الله، ﷺ: \"إن [¬٢] أدنى أهل الجنة منزلة [¬٣] من ينظر في ملكه مسيرة ألفي سنة، ينظر إلى أقصاه كما ينظر إلى إدناه، وإن أعلاهم منزلة لمن ينظر إلى الله تعالى في اليوم مرتين\".\nوقوله: ﴿وَمِنْ آنَاءِ اللَّيلِ فَسَبِّحْ﴾، أي: من ساعاته فتهجد به، وحمله بعضهم علي المغرب والعشاء، ﴿وَأَطْرَافَ النَّهَارِ﴾، في مقابلة آناء الليل، ﴿لَعَلَّكَ تَرْضَى﴾، كما قال تعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ وفي الصحيح (^١٠٣): \" يقول الله تعالى: يا أهل الجنة. فيقولون: لبيك ربنا وسعديك. فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى، وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدًا من خلقك؟ فيقول: إني أعطيكم أفضل من ذلك. فيقولون: وأى شيء أفضل من ذلك؟ فيقول: أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدًا\".\nوفي الحديث (^١٠٤) يقال: \"يا أهل الجنة؛ إن لكم عند الله موعدًا يريد أن ينجزكموه. فيقولون: وما هو؟! ألم تبيض وجوهنا، وتثقل موازيننا، وتزحزحنا عن النار، وتدخلنا الجنة؟! فيكشف الحجاب، فينظرون إليه، فو الله ما أعطاهم خيرًا من النظر إليه، وهي الزيادة\".\n﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَينَيكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ\n_________\n= المساجد ومواضع الصلاة، باب: فضل صلاتى العصر والمحافظه عليهما، حديث (٢١٣ - ٢١٤/ ٦٣٤) (٥/ ١٨٨ - ١٨٩).\n(^١٠١) - أخرجه أحمد في \"مسنده\" (٢/ ١٣، ٦٤).\n(^١٠٢) - أخرجه الترمذي في \"سننه\": كتاب صفة الجنة، باب: (١٧)، حديث (٢٥٥٣)، (٤/ ٥٩٣، ٥٩٤).\n(^١٠٣) - أخرجه البخاري: كتاب الرقاق: باب صفة الجنة والنار، حديث (٦٥٤٩)، (١١/ ٤١٥)، وطرفه في (٧٥١٨)، ومسلم في \"صحيحه\" كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب: إحلال الرضوان على أهل الجنة، فلا يسخط عليهم أبدًا، حديث (٩/ ٢٨٢٩)، (١٧/ ٢٤٦)، والترمذي: كتاب صفة الجنة، باب: (١٨)، حديث (٢٥٥٥)، (٤/ ٥٩٥). كلهم من حديث أبي سعيد الخدري.\n(^١٠٤) - أخرجه أبو عوانة في \"مسنده\": (١/ ١٥٦) من طريق حماد بن سلمة عن ثابت عن=\n_________\n[¬١]- في ز: \"والسند\".\n[¬٢]- سقط من ز.\n[¬٣]- سقط من ز.","vol":"9","page":382},{"text":"وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيرٌ وَأَبْقَى (١٣١) وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى (١٣٢)﴾\nيقول تعالى لنبيه محمد -صلوات الله وسلامه عليه-: لا تنظر إلى هؤلاء المترفين [¬١] وأشباههم ونظرئهم، وما هم فيه من النعيم [¬٢]، فإنما هو زهرة زائلة، ونعمة حائلة، لنختبرهم [¬٣] بذلك، وقليل من عبادي [¬٤] الشكور.\nوقال مجاهد: ﴿أَزْوَاجًا مِنْهُمْ﴾، يعني: الأغنياء، فقد آتاك خيرًا مما آتاهم. كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَلَقَدْ آتَينَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (٨٧) لَا تَمُدَّنَّ عَينَيكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ﴾. وكذلك [ما ادَّخره الله] [¬٥] تعالى لرسوله، ﷺ، في الدار الآخرة أمر عظيم، لا يحد ولا يوصف، كما قال تعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾. ولهذا قال: ﴿وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيرٌ وَأَبْقَى﴾.\nوفي الصحيح (^١٠٥): أن عمر بن الخطاب لما دخل علي رسول الله، ﷺ، في تلك المَشْرُبة التي كان قد اعتزل فيها نساءه، حين آلى منهن فرآه متوسدًا مضطجعًا على رمال حصير، وليس في البيت إلا صُبرة من قَرَظ وأهب [¬٦] معلقة، فابتدرت عينا عمر بالبكاء، فقال له [¬٧] رسول الله، ﷺ: \"ما يبكيك؟ \". فقال: يا رسول الله، إن كسرى وقيصر فيما هما فيه، وأنت صفوة الله من خلقه. فقال: \"أَوَ في شك أنت يا بن الخطاب؟ أولئك قوم عجلت لهم [¬٨] طيباتهم في حياتهم الدنيا\".\nفكان، ﷺ، أزهد الناس في الدنيا مع القدرة عليها، إذا حصلت له ينفقها هكذا وهكذا في عباد [¬٩] الله، ولم يدخر لنفسه شيئًا لغد.\n_________\n= عبد الرحمن ابن أبي ليلى عن صهيب به.\n(^١٠٥) - أخرجه البخاري في كتاب المظالم، باب: الغرف العلية المشرفة وغير المشرفة في السطوح وغيرها، حديث (٢٤٦٨) (٥/ ١١٤: ١١٦)، ومسلم: كتاب الطلاق، باب: في الإيلاء واعتزال النساء وتخييرهن وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيهِ﴾، حديث (٣/ ١٤٧٩)، (١٠/ ١١٨: ١٢١).\n_________\n[¬١]- في ز: \"المترفون\".\n[¬٢]- في ت: \"النعم\".\n[¬٣]- في ز: \"ليجزهم\".\n[¬٤]- في ز: \"عباده\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفين في ز: \"دخره\".\n[¬٦]- في ز: \"أهبة\".\n[¬٧]- سقط من ز.\n[¬٨]- سقط من ز.\n[¬٩]- في ز: \"عبادة\".","vol":"9","page":383},{"text":"و[¬١]، قال إلي أبي حاتم: أنبأنا يونس، أخبرني إلي وهب، أخبرني مالك، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي [¬٢] سعيد: أن رسول الله ﷺ، قال: \"إن أخوف ما أخاف عليكم، ما يفتح الله من زهرة الدنيا\". قالوا: وما زهرة الدنيا يا رسول الله قال: \"بركات الأرض\".\nوقال قتادة والسدي وغيره [¬٣]: زهرة الحياة الدنيا يعني: زينة الحياة الدنيا.\nوقال قتادة: ﴿لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾ لنبتليهم.\nوقوله: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيهَا﴾. أي: استنقذهم [¬٤] من عذاب الله بإقام الصلاة، واصطبر [¬٥] أنت على فعلها، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾.\nوقال ابن أبي حاتم (^١٠٦): حدثنا أبي، حدثنا أحمد بن صالح، حدثنا ابن وهب، أخبرني هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه: أن [¬٦] عمر بن الخطاب كان يبيت عنده آنًا وَيَرْفأ، وكان له ساعة من الليل يصلي فيها، فربما لم يقم [¬٧]، فنقول: لا يقوم الليلة كما كان يقوم، وكان إذا استيقظ [¬٨] أقام -يعني: أهله- وقال: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيهَا﴾.\nوقوله: ﴿لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ﴾. أي [¬٩]: إذا أقمت الصلاة أتاك الرزق من حيث لا تحتسب، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾. وقال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إلا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾. ولهذا قال: ﴿لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ﴾. قال الثوري: ﴿لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا﴾. أي: لا نكلفك الطلب.\nوقال ابن أبي حاتم (^١٠٧): حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا حفص بن [¬١٠] غياث، عن\n_________\n(^١٠٦) - أخرجه الطبري في \"تفسيره\": (١٦/ ٢٣٧) من طريق هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه فذكره.\n(^١٠٧) - وأخرجه الطبري في \"تفسيره\": (١٦/ ٢٣٧) من طريق هشام بن عروة عن أبيه، فذكره.\n_________\n[¬١]- في ت: \"قال\".\n[¬٢]- في ز: \"ابن\".\n[¬٣]- سقط من ت.\n[¬٤]- في ز: \"أنقذهم\".\n[¬٥]- في ت: \"واصبر\".\n[¬٦]- في ز: \"عن\".\n[¬٧]- في ز: \"ينم\".\n[¬٨]- في ز: \"استقبل\".\n[¬٩]- في ت: \"يعني\".\n[¬١٠]- في ز: \"عن\".","vol":"9","page":384},{"text":"هشام، عن أبيه أنه كان إذا دخل على أهل الدنيا، فرأى من دنياهم طرفًا، فإذا رجع إلى أهله فدخل الدار قرأ: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَينَيكَ﴾ إلي قوله: ﴿نَحْنُ نَرْزُقُكَ﴾، ثم يقول: الصلاة الصلاة رحمكم الله!.\nوقال ابن أبي حاتم (^١٠٨): حدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن أبي [¬١] زياد القطواني [¬٢]، حدثنا سيار [¬٣]،، حدثنا جعفر، عن ثابت قال: كان النبي، ﷺ، إذا أصابه خصاصة نادى أهله: \"يا أهلاه، صلوا صلوا\". قال ثابت: وكانت الأنبياء إذا نزل [بهم أمر] [¬٤]، فزعوا إلى الصلاة.\nوقد روى الترمذي [¬٥] (^١٠٩) وابن ماجة (^١١٠) من حديث عمران بن زائدة، عن أبيه، عن أبي خالد الوالبي، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ،: \"يقول الله تعالى: يا ابن آدم، تفرغ لعبادتي أملأ صدرك غنى، وأسد فقرك، وإن لم تفعل ملأتُ صدرك شغلًا، ولم أسد فقرك\".\nوروى ابن ماجة (^١١١) من حديث الضحاك، عن الأسود، عن ابن مسعود، سمعت نبيكم، ﷺ، يقول: \"من جعل الهموم همًّا واحدًا هم المعاد كفاه الله هم دنياه، ومن تشعبت به الهموم في [¬٦] أحوال الدنيا، لم يبال الله في أي أوديته هلك\".\nوروى أيضًا (^١١٢) من حديث شعبة، عن عمر بن سليمان، عن عبد الرحمن بن أبان،\n_________\n(^١٠٨) - أخرجه اين أبي حاتم كما في \"الدر المنثور\" (٤/ ٥٦١) وزاد نسبته إلى أحمد في الزهد، والبيهقي في \"شعب الإيمان\" عن ثابت.\n(^١٠٩) - سنن الترمذي، كتاب صفة القيامة، حديث (٢٤٦٦). وقال الترمذي: حسن غريب. وأبو خالد الوالبي اسمه: هرمز.\n(^١١٠) - أخرجه ابن ماجة، كتاب الزهد، باب: الهم كالدنيا حديث (٤١٠٧)، (٢/ ١٣٧٦).\n(^١١١) - أخرجه ابن ماجه، كتاب الزهد، باب: الهم بالدنيا حديث (٤١٠٦)، (٢/ ١٣٧٥). وقال البوصيري: هنا إسناد ضعيف، فيه نهشل بن معبد، روى عنه معاوية النصري أحاديث مناكير. وقال الحاكم: روى عن الضحاك المعضلات. وقال أبو سعيد النقاش: روى عن الضحاك الموضوعات. وله شاهد من حديث أنس رواه الترمذي في الجامع.\n(^١١٢) - أخرجه ابن ماجة، كتاب الزهد، باب: الهم بالدنيا حديث (٤١٠٥)، (٢/ ١٣٧٥). =\n_________\n[¬١]- سقط من ز.\n[¬٢]- في ز: \"البطراني\".\n[¬٣]- في ز: \"بها\". كذا.\n[¬٤]- في ز: \"بها\".\n[¬٥]- في ز: \"الزهري\".\n[¬٦]- سقط من ز.","vol":"9","page":385},{"text":"عن أبيه، عن زيد بن ثابت: سمعت رسول الله ﷺ، يقول: \"من كانت الدنيا همَّه، فرق الله عليه أمره، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له، ومن كانت الآخرة نيَّته، جمع له أمره، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة\".\nوقوله [¬١]: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى [¬٢]﴾ أي: وحسن العاقبة في الدنيا والآخرة -وهي الجنة- لمن اتقى الله.\nوفي الصحيح (^١١٣) أن رسول الله، ﷺ، قال: \"رأيت الليلة كأنا في دار عقبة بن رافع، وأنا أتينا برطب [من رطب] [¬٣] ابن طاب، فأولت ذلك أن العاقبة لنا في الدنيا والرفعة وأن ديننا قد طاب\".\n﴿وَقَالُوا لَوْلَا يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى (١٣٣) وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَينَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى (١٣٤) قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّويِّ وَمَنِ اهْتَدَى (١٣٥)﴾\nيقول تعالى مخبرًا عن الكفار في قولهم: ﴿لَوْلَا﴾، أي: هلا ﴿يَأْتِينَا﴾ محمد ﴿بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ أي: بعلامة دالة على صدقه في أنه رسول الله؟ قال الله تعالى: ﴿أَوَ لَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى﴾، يعني: القرآن العظيم الذي أنزله عليه الله وهو أميّ، لا يحسن الكتابة، ولم يدارس أهل الكتاب، وقد جاء فيه أخبار الأولين، بما كان منهم في سالف الدهور، بما يوافقه عليه الكتب المتقدمة الصحيحة [¬٤] منها، فإن القرآن مهيمن عليها، يصدق الصحيح، ويبين خطأ المكذوب فيها وعليها، وهذه الآية كقوله تعالى\n_________\n= وقال البوصيري في الزوائد: هذا إسناد صحيح رجاله ثقات. رواه أبو داود الطيالسي عن شعبة فذكره بنحوه، ورواه الطبراني إسناد لا بأس به. ورواه ابن حبان في صحيحه بنحوه. ورواه أبو يعلى الموصلي من طريق أبان، عن زيد بن ثابت وله شاهد من حديث أبي هريرة رواه الترمذي وابن ماجه.\n(^١١٣) - أخرجه مسلم: كتاب الرؤيا: باب رؤيا النبي ﷺ حديث (١٨/ ٢٢٧٠) (١٥/ ٤٥)، وأبو داود: كتاب الأدب: باب ما جاء في الرؤيا، حديث (٥٠٢٥)، (٤/ ٣٠٦) حديث أنس بن مالك.\n_________\n[¬١]- سقط من ز.\n[¬٢]- في ز: \"للمتقين\".\n[¬٣]- سقط من ز.\n[¬٤]- في ز: \"الصحيح\".","vol":"9","page":386},{"text":"في سورة العنكبوت: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيهِ آيَاتٌ [¬١] مِنْ رَبِّهِ قُلْ [¬٢] إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ وفي الصحيحين [¬٣] (^١١٤) عن رسول الله، ﷺ، أنه قال: (ما من نبي [¬٤]، إلا وقد أوتي من الآيات ما آمن على مثله البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيًا أوحاه الله إليَّ، فأرجوا [¬٥]، أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة\".\nوإنما ذكر هاهنا أعظم الآيات التي أعطيها ﵇ وهو القرآن - وله من المعجزات ما لا يحد ولا يحصر، كما هو مودع في كتبه، ومقرر في مواضعه.\nثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَينَا رَسُولًا﴾ أي: لو أنا أهلكنا هؤلاء المكذبين قبل أن نرسل إليهم هذا الرسول الكريم، وننزل عليهم هذا الكتاب العظيم، لكانوا قالوا: ﴿رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَينَا رَسُولًا﴾ قبل أن تهلكنا حتى نؤمن به ونتبعه، كما قال: ﴿فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى﴾، يبين تعالى أن هؤلاء المكذبين متعنتون معاندون [لا يؤمنون] [¬٦] ﴿وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾، كما قال تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ إلى قوله ﴿بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ﴾، وقال: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إلا نُفُورًا﴾ وقال: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا﴾ الآيتين.\nثم قال تعالى: ﴿قُلْ﴾، أي: يا محمد، لمن كذبك وخالفك، واستمر على كفره وعناده ﴿كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ﴾، أي: منا ومنكم ﴿فَتَرَبَّصُوا﴾، أي: فانتظروا ﴿فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّويِّ﴾، أي: الطريق المستقيم ﴿وَمَنِ اهْتَدَى﴾، إلى الحق وسبيل الرشاد، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ وقال [¬٧]: ﴿سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ﴾.\nآخر تفسير سورة طه، ولله الحمد والمنة\n_________\n(^١١٤) - أخرجه البخاري: كتاب فضائل القرآن، باب: كيف نزل الوحي وأول ما نزل، حديث (٤٩٨١)، (٩/ ٣) وطرفه في (٧٢٧٤)، ومسلم في صحيحه: كتاب الإيمان، باب: وجوب الإيمان برسالة نبينا محمد ﷺ إلى جميع الناس ونسخ الملل بملته، حديث (١٥٢/ ١٣٩).\n_________\n[¬١]- في ز: \"آية\".\n[¬٢]- في ز: \"فقل\".\n[¬٣]- في ز: \"الصحيح\".\n[¬٤]- في ز: \"شيء\".\n[¬٥]- في ز: \"وإني لأرجو\".\n[¬٦]- سقط من ز.\n[¬٧]- سقط من ز.","vol":"9","page":387},{"text":"<span data-type='title' id=toc-129>تفسير سورة الأنبياء وهي مكية</span>\nقال البخاري (^١): حدثنا محمد بن بشار، [ثنا غندر] [¬١]، ثنا شعبة، عن أبي إسحاق: سمعت عبد الرحمن بن يزيد، عن عبد الله قال: بنو إسرائيل، والكهف، ومريم، وطه، والأنبياء: هنّ من [العتاق] [¬٢] الأول، وهن من تلادي.\n﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ (١) مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إلا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٢) لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَذَا إلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (٣) قَال رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٤) بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ (٥) مَا آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ (٦)﴾\nهذا تنبيه من الله ﷿ على اقتراب الساعة ودنوها، وأن الناس في غفلة [عنها] [¬٣]، أي: [لا يعملون لها] [¬٤]، ولا يستعدون من أجلها.\nوقال النسائي (^٢): حدثنا أحمد بن نصر، حدثنا هشام بن عبد الملك أبو الوليد الطيالسي، حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد، عن النبي ﷺ: ﴿فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ قال: \"في الدنيا\". وقال تعالى: ﴿أَتَى\n_________\n(^١) - أخرجه البخاري في كتاب التفسير، سورة الأنبياء، حديث (٤٧٣٩) (٨/ ٤٣٥).\n(^٢) - رجاله ثقات رجال الشيخين؛ سوى شيخ النسائي، وهو ثقة، والحديث أخرجه النسائي في الكبرى في كتاب التفسير، سورة الأنبياء، حديث (١١٣٣٢) (٦/ ٤٠٧). ورواه الطبري من حديث الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة (٢/ ١٧). وزاد السيوطي (٤/ ٣١٤) نسبته إلى ابن مردويه، من حديث أبي هريرة.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- في ز: \"العتاد\".\n[¬٣]- في ز: \"منها\".\n[¬٤]- في ز: \"يعلمون بها\".","vol":"9","page":389},{"text":"أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾.\nوقال: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١) وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرّ﴾ الآية.\nوقد روى الحافظ ابن عساكر في ترجمة الحسن بن هانئ أبي نواس الشاعر أنه قال: أشعر الناس، الشيخ الطاهر أبو العتاهية حيث يقول:\nالناسُ في غفلاتهم … ورحا المنية تطحنُ\nفقيل له: من أين أخذ هذا؟ قال: من [قوله] تعالى: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾.\n[وروى في ترجمة عامر بن ربيعة: من طريق موسى بن عبيد الآمدي، عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عامر بن ربيعة: أنه نزل به رجل من العرب، فأكرم عامر مثواه، وكلم فيه رسول الله ﷺ، فجاءه الرجل فقال: إني استقمت من رسول الله ﷺ واديًا في العرب، وقد أردت أن أقطع لك منه قمة تكون لك ولعقبك من بعدك. فقال عامر: لا حاجة لي في قطيعتك، نزلت اليوم سورة أذهلتنا عن الدنيا: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ [¬١].\nثم أخبر تعالى أنهم لا يُصغون إلى الوحي الذي أنزله الله على رسوله -والخطاب مع قريش ومن [¬٢] شابههم- من الكفار، فقال: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾، أي: جديد إنزاله ﴿إلا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾، كما قال ابن عباس: ما لكم تسألون أهل الكتاب عما بأيديهم وقد حرفوه وبدلوه، وزادوا فيه ونقصوا [منه] [¬٣]، وكتابكم أحدث الكتب بالله، [تقرءونه محضًا] [¬٤] لم يشب. ورواه البخاري (^٣) بنحوه.\nوقوله: ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾، أي: قائلين فيما بينهم خفْيَةً ﴿هَلْ هَذَا إلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ يعنون رسولَ الله، ﷺ، يستبعدون كونه نبيًّا؛ لأنه بَشَرٌ مثلهم، فكيف اختص بالوحي دونهم، ولهذا قال: ﴿أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾، أي: أفتتبعونه فتكونون كمن [يأتي السحر] [¬٥] وهو يعلم أنه سحر؟! فقال\n_________\n(^٣) - أخرجه البخاري في كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب: قول النبي ﷺ: \"لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء\" حديث (٧٣٦٣) (١٣/ ٣٣٤) وطرفه في (٧٥٢٢، ٧٥٢٣).\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- في ز: \"ما\".\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- في ز: \"تقرأه محصا\".\n[¬٥]- في ز: \"أتي السحرة\".","vol":"9","page":390},{"text":"تعالى مجيبًا لهم عما افتروه واختلقوه من الكذب: ﴿[قَال] [¬١] رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾، أي: الذي يعلم ذلك لا يخفى عليه خافية، وهو الذي أنزل هذا القرآن المشتمل على خبر الأولين والآخرين، الذي لا يستطيع أحد أن يأتي بمثله، إلا الذي يعلم السر في السماوات والأرض.\nوقوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [أي: السميع] [¬٢] لأقوالكم، العليم بأحوالكم. وفي هذا تهديد لهم ووعيد.\nوقوله: ﴿بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلِ افْتَرَاهُ﴾: هذا إخبار [عن] [¬٣] تعنت الكفار وإلحادهم، واختلافهم فيما يصفون به القرآن، وحيرتهم فيه، وضلالهم عنه، فتارة يجعلونه سحرًا، وتارة يجعلونه شعرًا، وتارة يجعلونه أضغاث أحلام، وتارة يجعلونه مفترى، كما قال: ﴿انْظُرْ كَيفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَال فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾.\nوقوله: ﴿فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ﴾، يعنون [كناقة] [¬٤] صالح، وآيات موسى وعيسى، وقد قال الله: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إلا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَينَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا﴾ الآية، ولهذا قال تعالى: ﴿مَا آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ﴾، أي: ما آتينا قرية من القرى [الذين] [¬٥] بعث فيهم الرسل آية على يدي نبيها فآمنوا بها، بل كذبوا فأهلكناهم بذلك، [أفهؤلاء] [¬٦] يؤمنون بالآيات لو رَأَوْها دون أولئك؟ كلا، بل ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ هذا كله، وقد شاهدوا من الآيات الباهرات، والحجج القاطعات، والدلائل البينات، على يدي رسول الله، ﷺ، ما هو أظهر [وأجلى] [¬٧]، وأبهر وأقطع وأقهر، مما شُوهِدَ مع غيره من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.\nقال ابن أبي حاتم ﵀: ذكر عن زيد بن الحُبَاب، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا الحارث بن يزيد الحضرمي، عن عليّ بن رباح اللخمي، حدثني من شهد عبادة بن الصامت يقول: كنا في المسجد، ومعنا أبو بكر الصديق ﵁ يُقْرِئ بعضنا بعضًا القرآن، فجاء عبدُ الله بن أُبيٍّ بن سلول ومعه نمرقة (*) وزربية (**)، فوضع واتكأ، وكان\n_________\n(*) النمرقة: وسادة الصغيرة.\n(**) الزربية: البساط ذو الخمل.\n_________\n[¬١]- في ز: \"قل\".\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- في ز: \"عما\".\n[¬٤]- في ز: \"ناقة\".\n[¬٥]- في ز: \"الذين\".\n[¬٦]- في ز: \"أهؤلاء\".\n[¬٧]- في ز: \"أجل\".","vol":"9","page":391},{"text":"صبيحًا فصيحًا جدلًا [فقال: يا أبا بكر، قل لمحمد يأتينا بآية كما جاء الأولون؟ جاء موسى بالألواح] [¬١]، وجاء داود بالزبور، وجاء صالح بالناقة، و[جاء] [¬٢] عيسى بالإِنجيل وبالمائدة. فبكى أبو بكر ﵁، فخرج رسول الله، ﷺ، فقال أبو بكر: قوموا بنا إلى رسول الله، ﷺ، نستغيث به من هذا المنافق. فقال رسول الله، ﷺ: \"إنه لا يقام لي، [إنما] [¬٣] يقام لله ﷿\". فقلنا: يا رسول الله، إنا لقينا من هذا المنافق. فقال: \"إن جبريل قال لي: اخرج فأخبر بنعم الله التي أنعم بها عليك، وفضيلته التي فضلت بها، فبشرني [أنه بعثني] [¬٤] إلى الأحمر والأسود، وأمرني أن أنذر الجن، وآتاني كتابه وأنا أميّ، وغفر ذنبي ما تقدم وما تأخر، وذكر اسمي في الأذان، و[أيدني] [¬٥] بالملائكة، وآتاني النصر، وجعل الرعب أمامي، وآتاني الكوثر، وجعل حوضي من أعظم الحياض يوم القيامة، ووعدني المقام المحمود، والناس [مهطعون مقنعو] [¬٦] رءوسهم، وجعلني في أول زمرة تخرج من الناس، وأدخل في شفاعتي سبعين ألفًا من أمتي الجنة بغير حساب، وآتاني السلطان والملك، وجعلني في أعلى غرفة في الجنة؛ [في] [¬٧] جنات النعيم، فليس فوقي أحد إلا الملائكة الذين يحملون العرش، وأحل لي [ولأمتى] [¬٨] الغنائم، ولم تحل لأحد كان قبلنا\". [هذا حديث] [¬٩] غريب جدًّا.\n﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إلا رِجَالًا نُوحِي إِلَيهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٧) وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ (٨) ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَينَاهُمْ وَمَنْ نَشَاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ (٩)﴾\nيقول تعالى رادًّا على من أنكر بعثة الرسل من البشر: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إلا رِجَالًا [نُوحِي] [¬١٠] إِلَيهِمْ﴾، أي: جميع الرسل الذين تقدموا كانوا رجالا من البشر، لم يكن فيهم أحد من الملائكة كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إلا رِجَالًا\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- في ز: \"إلا بما\".\n[¬٤]- في ت: \"أني بعثت\".\n[¬٥]- في ت: \"أمدني\".\n[¬٦]- في ز: \"مهطعين مقنعي\".\n[¬٧]- سقط من: ز.\n[¬٨]- سقط من: ز.\n[¬٩]- في ت: \"وهذا الحديث\".\n[¬١٠]- في ز: \"يوحي\". وهي قراء الجمهور ومنهم ابن عامر الذي يقرأ المصنف بقراءته ها هنا وفي الآية التالية.","vol":"9","page":392},{"text":"[نُوحِي] [¬١] إِلَيهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ وقال تعالى: ﴿[قُلْ] [¬٢] مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ وقال تعالى حكاية عمن تقدم من الأمم أنهم أنكروا ذلك فقالوا: ﴿أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا﴾؟ ولهذا قال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾، أي: سلوا أهل العلم من الأمم؛ كاليهود والنصارى وسائر الطوائف: هل كان الرسل الذين أتوهم بشرًا أو ملائكة؟ إنما كانوا بشرًا، وذلك من تمام [نعم] [¬٣] الله على خلقه، إذ بعث فيهم رسلًا منهم يتمكنون من تناول البلاغ منهم والأخذ عنهم.\nوقوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ﴾، أي: بل قد كانوا أجسادًا يأكلون الطعام، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إلا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ﴾، [أي: قد كانوا بشرًا من البشر، يأكلون ويشربون مثل الناس، ويدخلون الأسواق] [¬٤] للتكسب والتجارة، وليس ذلك [بضارٍّ] [¬٥] لهم ولا ناقص منهم [شيئًا، كما توهمه] [¬٦] المشركون في قولهم: ﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ [إِلَيهِ] [¬٧] مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا (٧) أَوْ يُلْقَى إِلَيهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَال الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إلا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ الآية.\nوقوله: ﴿وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ﴾، أي: في الدنيا، بل كانوا يعيشون ثم يموتون ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ﴾، وخاصّتهم أنهم يوحى إليهم من الله ﷿ تنزل عليهم الملائكة عن الله بما [يحكم] [¬٨] في خلقه، مما يأمر به وينهى عنه.\nوقوله: ﴿ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ﴾، أي: الذي وعدهم ربهم: ﴿لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ﴾، صدقهم الله وعده ففعل ذلك، ولهذا قال: ﴿فَأَنْجَينَاهُمْ وَمَنْ نَشَاءُ﴾، أي: أتباعهم من المؤمنين ﴿وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ﴾، أي: المكذبين بما جاءت به الرسل.\n﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٠) وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ (١١) فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ (١٢) لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ\n_________\n[¬١]- في ز: \"يوحي\".\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- في ت: \"نعمة\".\n[¬٤]- هذه العبارة مكررة في ز.\n[¬٥]- في ز: \"بصاير\".\n[¬٦]- في ز: \"كانوا هم\".\n[¬٧]- في ز: \"عليه\".\n[¬٨]- في ت: \"يحكمه\".","vol":"9","page":393},{"text":"لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ (١٣) قَالُوا يَاوَيلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (١٤) فَمَا زَالتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ (١٥)﴾\nيقول تعالى منبهًا على شرف القرآن، ومحرضًا لهم على معرفة قدره: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾ قال ابن عباس: شرفكم. وقال مجاهد: حديثكم. وقال الحسن: دينكم.\n﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾، أي: هذه النعمة و[تتلقَّونها] [¬١] بالقبول، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾ وقوله: ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً﴾ هذه صيغة تكثير، كما قال: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ﴾ وقال تعالى: ﴿فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ [أَهْلَكْنَاهَا] [¬٢] وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاويَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ الآية.\nوقوله: ﴿وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ﴾، أي: أمة أخرى بعدهم ﴿فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا﴾، أي: تيقنوا أن العذاب واقع بهم [لا محالة] [¬٣]، كما وعدهم نبيهم ﴿إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ﴾، أي: يفرون هاربين ﴿لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ﴾، هذا تهكم بهم قدرًا، أي: قيل لهم قدرًا: لا تركضوا هاربين من نزول العذاب، وارجعوا إلى ما كنتم فيه من النعمة والسرور [والمعيشة] [¬٤] والمساكن الطيبة.\nقال قتادة: استهزاءً بهم.\n﴿لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ﴾ أي: عما كنتم فيه من أداء شكر النعم [¬٥].\n﴿قَالُوا يَاوَيلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾، اعترفوا بذنوبهم حين لا ينفعهم ذلك، ﴿فَمَا زَالتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ﴾، أي: ما زالت تلك المقالة، وهي الاعتراف بالظلم، هِجّيرَاهم (*) حتى حصدناهم [حصدًا] [¬٦]، وخمدت حركاتهم وأصواتهم خمودًا.\n_________\n(*) الهجيري: الدأب والعادة. ولا تكاد تستعمل إلا في العادة الذميمة. الوسيط.\n_________\n[¬١]- في ز: \"تتلوها\".\n[¬٢]- في ز: \"أهلكتها\".\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- في ز: \"والعيشة\".\n[¬٥]- في ز: \"النعمة\".\n[¬٦]- في ز: \"حصيدًا\".","vol":"9","page":394},{"text":"﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَينَهُمَا لَاعِبِينَ (١٦) لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ (١٧) بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيلُ مِمَّا تَصِفُونَ (١٨) وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩) يُسَبِّحُونَ اللَّيلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ (٢٠)﴾\nيخبر تعالى أنه خلق السماوات والأرض بالحق، أي: بالعدل [والقسط] [¬١]؛ ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ وأنه لم يخلق ذلك عبثًا ولا لعبًا كما قال: ﴿وَمَا خَلَقْنَا [السَّمَاءَ] [¬٢] وَالْأَرْضَ وَمَا بَينَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾.\nوقوله تعالى: ﴿لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ﴾، قال ابن أبي نجيح: عن مجاهد: ﴿لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا﴾، يعني: من عندنا، يقول: وما خلقنا جنة ولا نارًا، ولا موتًا ولا بعثًا ولا حسابًا.\nوقال الحسن وقتادة وغيرهما: ﴿لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا﴾، اللهو: [المرأة] [¬٣]، بلسان أهل اليمن.\nوقال إبراهيم النخعي: ﴿لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ﴾ من الحور العين.\nوقال عكرمة والسدي: المراد باللهو ها هنا: الولد.\nوهذا والذي قبله متلازمان، وهو كقوله تعالى: ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ﴾ فنزه نفسه عن اتخاذ الولد مطلقًا، ولا سيما عما يقولون من الإِفك والباطل، من اتخاذ عيسى أو العزيز أو الملائكة سبحان الله ﴿عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾.\nوقوله: ﴿إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ﴾، قال قتادة والسدى وإبراهيم النخعي ومغيرة بن مقسم:\n_________\n[¬١]- في ز: \"أي: بالقسط\".\n[¬٢]- في ز: \"السماوات\".\n[¬٣]- في ز: \"المراء\".","vol":"9","page":395},{"text":"أي ما كنا فاعلين.\nوقال مجاهد: كل شيء في القرآن \"إن\" فهو إنكار.\nوقوله: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ﴾، أي: نبين الحق فيدحض الباطل، ولهذا قال: ﴿فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ أي: ذاهب مضمحلٌّ، ﴿وَلَكُمُ الْوَيلُ﴾، أي: أيها القائلون: لله ولد، ﴿مِمَّا تَصِفُونَ﴾، أي: تقولون وتفترون.\nثم أخبر تعالى عن عبودية الملاثكة له ودأبهم في طاعته ليلًا ونهارًا، فقال: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ﴾، يعني: الملائكة، ﴿لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ﴾، أي: لا يستنكفون عنها، كما قال: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيهِ جَمِيعًا﴾.\nوقوله: ﴿وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ﴾، أي: ولا يتعبون ولا يَمَلُّون، ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾، فهم دئبون في العمل ليلًا ونهارًا، يطعون قصدًا وعملًا، قادرون عليه، كما قال تعالى: ﴿ونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا عليّ بن أبي دُلامة البغدادي، أنبأنا عبد الوهاب بن عطاء، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن صفوان بن مُحرز، عن حكيم بن حزام قال: بينا رسول الله ﷺ بين أصحابه، إذ قال لهم: \"هل تسمعون ما أسمع؟ \" قالوا: ما نسمع من شيء. فقال رسول الله ﷺ: \"إني لأسمع أطيط السماء، وما تلام أن تئطَّ، وما فيها موضع شبر إلا وعليه ملك ساجد أو قائم\" (^٤). غريب ولم يخرجوه.\nثم رواه ابن أبي حاتم من طريق يزيد بن [زريع] [¬١] عن سعيد، عن قتادة مرسلًا. وقال محمد بن إسحاق: عن حسان بن مخارق عن عبد الله بن الحارث بن نوفل قال: جلست إلى كعب الأحبار وأنا غلام، فقلت له: أرأيت قول الله تعالى [لملائكة] [¬٢]: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ أما يشغلهم عن التسبيح الكلام والرسالة والعمل؟ فقال: فمن هذا الغلام؟ فقالوا: من بني عبد المطلب. قال: فقبَّل رأسي، ثم قال لي: يا بني، إنه\n_________\n(^٤) - أخرجه ابن نصر في الصلاة (١/ ٢٥٨ - ٢٥٩) حديث (٢٥٠) قال: حدثنا عمرو بن زرارة، قال: أخبرنا عبد الوهاب بن عطاء، عن سعيد بن قتادة، عن صفوان بن محرز، عن حكيم بن حزام ﵁ فذكره.\nقال الألباني في الصحيحة برقم (١٠٦٠): \"هذا إسناد صحيح رجاله كلهم ثقات\".\n_________\n[¬١]- في ز: \"رافع\".\n[¬٢]- سقط من: ز.","vol":"9","page":396},{"text":"جعل لهم التسبيح كما جعل لكم النَّفَس، أليس تتكلم وأنت تتنفس، و[¬١] تمشي وأنت تتنفس (^٥)؟.\n﴿أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ (٢١) لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إلا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (٢٢) لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (٢٣)﴾\nينكر تعالى على من اتخذ من دونه آلهة، فقال: بل ﴿أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ﴾، أي: أهم يحيون الموتى وينشرونهم من الأرض؟ أي: لا يقدرون على شيء من ذلك، فكيف جعلوها لله ندًّا وعبدوها معه.\nثم أخبر تعالى أنه لو كان في الوجود آلهة غيره لفسَدت السماوات والأرض، فقال: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ﴾، أي: في السماءِ والأرض ﴿لَفَسَدَتَا﴾، كقوله تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾، وقال ها هنا: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾، أي: عما يقولون أن له ولدًا أو شريكًا، ﷾ وتقدس، وتنزه عن الذي يفترون ويأفكون علوًّا كبيرًا.\nوقوله: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾، أي: هو الحاكم الذي لا معقب لحكمة، ولا يعترض عليه أحد؛ لعظمته وجلاله وكبريائه، [وعلمه] [¬٢] وحكمته، وعدله ولطفه، ﴿وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾، أي: وهو سائل خلقه عما يعملون، كقوله: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ و[هذه] [¬٣] كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيهِ﴾.\n﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٤) وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ\n_________\n(^٥) - أخرجه الطبري (١٧/ ١٢) وأبو الشيخ في العظمة (٢/ ٧٣٨ - ٧٣٩) حديث (٣٢٠). والبيهقي في الشعب (١/ ١٧٨) حديث (١٦٠).\n_________\n[¬١]- بعده في ت: أنت.\n[¬٢]- في ز: \"وعلوه\".\n[¬٣]- في ت: \"هكذا\".","vol":"9","page":397},{"text":"رَسُولٍ إلا نُوحِي إِلَيهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إلا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾.\nيقول تعالى: بل ﴿[أَمِ] [¬١] اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ﴾ يا محمد: ﴿هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾، أي: [دليلكم] [¬٢] على ما تقولون، ﴿هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ﴾، يعني: القرآن ﴿وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي﴾ يعني: الكتب المتقدمة، على خلاف ما تقولون وتزعمون، فكل كتاب أنزل على كل نبي أرسل ناطق بأنه لا إله إلا الله، ولكن أنتم أيها المشركون لا تعلمون الحق، فأنتم معرضون عنه، ولهذا قال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إلا [نُوحِي] [¬٣] إِلَيهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إلا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾، كما قال تعالى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ وقال: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ فكل نبي بعثه الله يدعو إلى عبادة الله وحده لا شريك له، والفطرة شاهدة لذلك أيضًا، والمشركون لا برهان لهم، وحجتهم داحضة عند ربهم، وعليهم غضب، ولهم عذاب شديد.\n﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (٢٧) يَعْلَمُ مَا بَينَ أَيدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إلا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (٢٨) وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٢٩)﴾\nيقول تعالى رادًّا على من زعم أن له - تعالى وتقدس - ولدًا من الملائكة، كمن قال ذلك من العرب: إن الملائكة بنات الله، فقال: ﴿سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾، أي: الملائكة عباد الله مكرمون عنده، في منازل عالية ومقامات سامية، وهم له في غاية الطاعة قولًا وفعلًا ﴿لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ أي: لا يتقدمون بين يديه بأمر ولا يخالفونه فيما أمر به، بل [يبادرون] [¬٤] إلى فعله، وهو تعالى علمه محيط بهم، فلا يخفى عليه منهم خافية، ﴿يَعْلَمُ مَا بَينَ أَيدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾.\nوقوله: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إلا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ كقوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلا بِإِذْنِهِ﴾ وقوله: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إلا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ في آيات كثيرة في معنى ذلك\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- في ز: \"دليكم\".\n[¬٣]- في ز: \"يوحي\".\n[¬٤]- في ز: \"يبادروا\".","vol":"9","page":398},{"text":"﴿وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ﴾، أي: من خوفه ورهبته ﴿مُشْفِقُونَ (٢٨) وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ﴾، أي: من ادعى منهم أنه إله من دون الله، أي: مع الله، ﴿فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾، أي: كل من قال ذلك، وهذا [شرط، و] [¬١] الشرط لا يلزم وقوعه، كقوله: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ وقوله: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ [وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ] [¬٢]﴾.\n﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ (٣٠) وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٣١) وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ (٣٢) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٣٣)﴾\nيقول تعالى منبهًا في قدرته التامة، وسلطانه العظيم في خلقه الأشياء، وقهره لجميع المخلوقات، فقال: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [أي: الجاحدون لإلهيته، العابدون] [¬٣] معه غيره، ألم يعلموا أن الله هو المستقل بالخلق، المستبد بالتدبير، فكيف يليق أن يعبد غيره، أو يشرك به ما سواه؟! ألم يروا ﴿أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا﴾ أي: كان الجميع متصلًا بعضه ببعض متلاصق، متراكم، بعضه فوق بعض في ابتداء الأمر، فَفَتَق هذه من هذه، فجعل السماوات سبعًا والأرض سبعًا، وفصل بين [سماء] [¬٤] الدنيا والأرض بالهواء، فأمطرت السماء، وأنبتت الأرض، ولهذا قال: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾، أي: وهم يشاهدون المخلوقات تحدث شيئًا فشيئًا عيانًا، وذلك كله دليل على وجود الصانع، الفاعل المختار، القادر على ما يشاء.\nففي كل شيء له آية … تدل على أنه واحد\nقال سفيان الثوري عن أبيه، عن عكرمة قال: سئل ابن عباس: الليل كان قبل أو النهار؟ فقال: أرأيتم السماوات والأرض حين كانتا رتقًا، هل كان بينهما إلا ظلمة؟ ذلك لتعلموا أن الليل قبل النهار (^٦).\n_________\n(^٦) - ذكره السيوطي في الدر المنثور (٤/ ٥٦٩) وعزاه إلى عبد الرزاق والفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وأبي الشيخ.\n_________\n[¬١]- في ز: \"مشرط\".\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- في ز: \"الجاحدين لإلهيته العابدين\".\n[¬٤]- في ت: \"السماء\".","vol":"9","page":399},{"text":"وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا إبراهيم بن أبي حمزة، حدثنا حاتم، عن حمزة بن أبي محمد، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر: أن رجلًا أتاه يسأله عن السماوات والأرض ﴿كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾؟ قال: اذهب إلى ذلك الشيخ فاسأله، ثم تعال فأخبرني [بما] [¬١] قال لك. قال: [فذهبت] [¬٢] إلى ابن عباس [فسألته] [¬٣]، فقال ابن عباس: نعم، كانت السماوات رتقًا لا تمطر، وكانت الأرض رتقًا لا تنبت، فلما خلق للأرض أهلًا فَتَق هذه بالمطر، وفتق هذه بالنبات. فرجع الرجل إلى ابن عمر فأخبره، فقال ابن عمر: قد كنت أقول: ما يعجبني جراءة ابن عباس على تفسير القرآن، فالآن قد علمت أنه قد أوتي في القرآن علمًا.\nوقال عطية العوفي: كانت هذه رتقًا لا تمطر فأمطرت، وكانت هذه رتقًا لا تنبت فأنبتت (^٧).\nوقال إسماعيل بن أبي خالد: سألت أبا صالح الحنفي عن قوله: ﴿أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾، قال: كانت السماء واحدة ففتق منها سبع سماوات، وكانت الأرض واحدة ففتق منها سبع أرضين.\n[و] [¬٤] هكذا قال مجاهد، وزاد: ولم تكن السماء والأرض متماستين.\nوقال سعيد بن جبير: بل كانت السماء والأرض ملتزقتين، فلما رفع السماء وأبرز منها الأرض، كان ذلك [فتقهما] [¬٥] الذي ذكر الله في كتابه.\nوقال الحسن وقتادة: كانتا جميعًا ففصل بينهما بهذا الهواء.\nوقوله: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيءٍ حَيٍّ﴾، أي: أصل كل الأحياء منه.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو الجماهر، حدثنا سعيد بن [بشير] [¬٦]، حدثنا قتادة، عن [أبي] [¬٧] ميمونة، عن أبي هريرة أنه قال: يا نبي الله، إذا رأيتك قَرّت عيني وطابت نفسي، فأخبرني عن \"كل شيء\". قال: \"كل شيء خلق من ماء\" (^٨).\n_________\n(^٧) - ذكره السيوطي في الدر المنثور (٤/ ٥٦٩)، وزاد نسبته إلى ابن المنذر وأبي نعيم في الحلية.\n(^٨) - أخرجه أحمد (٢/ ٢٩٥). وابن حبان (٦/ ٢٩٩) (٢٥٥٩). والحاكم (٤/ ١٦) وصححه ووافقه الذهبي، وأبو نعيم في الحلية (٩/ ٥٩). قال الهيثمي في المجمع (٥/ ١٩) رواه أحمد ورجاله رجال =\n_________\n[¬١]- في ز: \"ما\".\n[¬٢]- في ت: \"فذهب\".\n[¬٣]- في ت: \"فسأله\".\n[¬٤]- سقط من: ز.\n[¬٥]- في ز: \"فتقها\".\n[¬٦]- في ز: \"معتر\".\n[¬٧]- في ز: \"ابن\".","vol":"9","page":400},{"text":"وقال الإمام أحمد (^٩): حدثنا [يزيد حدثنا] [¬١] همام، عن قتادة، [عن أبي ميمونة] [¬٢]، عن أبي هريرة قال: قلت: يا رسول الله، إني إذا رأيتك طابت نفسي وقرت عيني، فأنبئني عن كل شيء؟ قال: \"كل شيء خلق من ماء\". قال: قلت: أنبئني عن أمر إذا عملت له دخلت الجنة. قال: \"أفش السلام، وأطعم الطعام، وصل الأرحام، وقم بالليل والناس نيام، ثم ادخل الجنة بسلام\".\nورواه أيضًا عن عبد الصمد وعفان، وبهز، عن همام. تفرد به أحمد (^١٠)، وهذا إسناد على شرط الشيخين، إلا أن أبا ميمونة من رجال السنن -واسمه سليم-[والترمذي] [¬٣] يصحح له، وقد رواه سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة مرسلًا، والله أعلم.\nوقوله: ﴿وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ﴾ أي: جبال أرسى الأرض بها وقرّرها وثقلها؛ لئلا تميد بالناس، أي: تضطرب وتتحرك، فلا يحصل لهم قرار عليها؛ لأنها غامرة في الماء إلا مقدار الربع، فإنه [باد للهواء] [¬٤] الشمس، ليشاهد أهلُها السماء، وما فيها من الآيات الباهرات، والحكم والدلالات. ولهذا قال: ﴿أَنْ تَمِيدَ [بِهِمْ] [¬٥]﴾، أي: لئلا تميد [بهم] [¬٦].\nوقوله: ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا﴾، أي: [ثغرًا] [¬٧] في الجبال، يسلكون فيها طرقًا من قطر إلى قطر، وإقليم إلى إقليم، كما هو المشاهد في الأرض، كون الجبل حائلًا لن هذه البلاد وهذه البلاد، فيجعل الله فيه فجوة -ثغرة- ليسلك الناس فيها من ها هنا إلى ها هنا، ولهذا قال: ﴿لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾.\nوقوله: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا﴾، أي: على الأرض، وهي كالقبة عليها، كما قال: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَينَاهَا بِأَيدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ وقال: ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا﴾، ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ [فَوْقَهُمْ] [¬٨] كَيفَ بَنَينَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ﴾ والبناء هو نصب القبة\n_________\n= الصحيح خلا أبي ميمونة وهو ثقة.\n(^٩) - ينظر السايق.\n(^١٠) - أخرجه أحمد (٢/ ٣٢٣، ٤٩٣).\n_________\n[¬١]- في ز: \"زيد بن\".\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- في ز: \"والزهري\".\n[¬٤]- في ز: \"نادى الهواء\".\n[¬٥]- في ز: \"بكم\".\n[¬٦]- في ز: \"بكم\".\n[¬٧]- في ز: \"تغرًا\".\n[¬٨]- سقط من: ز.","vol":"9","page":401},{"text":"كما قال رسول الله، ﷺ: \"بني الإسلام على خمس\" (^١١) أي: [خمس] [¬١] دعائم، وهذا لا يكون إلا في الخيام كما تعهده العرب ﴿مَحْفُوظًا﴾، أي: عاليًا محروسًا أن ينال. وقال مجاهد: مرفوعًا.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا عليّ بن الحسين، حدثنا أحمد بن عبد الرحمن الدّسْتَكيّ، حدثني أبي، عن أبيه، عن أشعث -يعني: ابن إسحاق القُمّي- عن جعفر [بن] [¬٢] أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: قال رجل: يا رسول الله، ما هذه السماء؟ قال: \"هذا موج مكفوف عنكم\". [إسناده] [¬٣] غريب.\nوقوله: ﴿وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ﴾ كقوله: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ﴾. أي: لا يتفكرون فيما خلق الله فيها من الاتساع العظيم والارتفاع الباهر، وما زينت به من الكواكب الثوابت والسيارات في ليلها، و[في النهار] [¬٤] من هذه الشمس التي تقطع الفلك بكماله في يوم وليلة، فتسير غاية لا يعلم قدرها إلا الله الذي قدرها وسخرها وسيرها.\nوقد ذكر ابن أبي الدنيا، ﵀، في كتابه \"التفكر والاعتبار\": أن بعض عباد بني إسرائيل تعبد ثلاثين سنة، وكان الرجل منهم إذا تعبد ثلاثين سنة أظلته غمامة، فلم ير ذلك الرجل شيئًا مما كان [يحصل] [¬٥] لغيره، فشكي ذلك إلى أمه، فقالت له: يا بني، فلعلك أذنبت في مدة عبادتك هذه؟ فقال: لا، والله ما أعلم. قالت: فلعلك هممت؟ قال: لا، ولا هممت. قالت: فلعلك رفعت بصرك إلى السماء ثم رددته بغير فكر؟ فقال: نعم، [كثيرًا] [¬٦]. قالت: فمن ها هنا أوتيت.\nثم قال منبهًا على بعض آياته: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيلَ وَالنَّهَارَ﴾، أي: هذا في ظلامه وسكونه، وهذا بضيائه وأنسه، بطول هذا تارة ثم يقصر أخرى، وعكسه الآخر. ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾، هذه لها نور يخصها، وفلك بذاته، وزمان على حدة، وحركة وسير خاص، وهذا بنور خاص آخر، وفلك آخر، وسير آخر، وتقدير آخر ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾، أي: يدورون.\n_________\n(^١١) - أخرجه البخاري في كتاب الإيمان، باب: وعاؤكم إيمانكم، حديث (٨) (١/ ٤٩) وطرفه في (٤٥١٥). ومسلم في كتاب الإيمان، باب: بيان أركان الإسلام ودعائمه العظام، حديث =\n_________\nرقم واحد زائدة فى المصور ولو موجوده ستخل بالباقى ولان المتن به ٦ ارقام فقط\n[¬١]- في ز: \"خمسة\".\n[¬٢]- في ز: \"عن\".\n[¬٣]- في ز: \"إسناد\".\n[¬٤]- في ت: \"نهارها\".\n[¬٥]- في ز: \"يرى\".\n[¬٦]- في ز: \"كثير\".","vol":"9","page":402},{"text":"قال ابن عباس: يدورون كما يدور المغزل في الفلكة. وكذا قال مجاهد: فلا يدور المغزل إلا بالفلكة، ولا الفلكة إلا بالمغزل، كذلك النجوم والشمس والقمر، لا يدورون إلا به، ولا يدور إلا بهن، كما قال تعالى: ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَ[جَعَلَ] [¬١] اللَّيلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾\n﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ (٣٤) كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيرِ فِتْنَةً وَإِلَينَا تُرْجَعُونَ (٣٥)﴾\nيقول تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾، أي: يا محمد ﴿الْخُلْدَ﴾، أي: في الدنيا، بل ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ وقد استدل بهذه الآية الكريمة من ذهب من العلماء إلى أن الخضر ﵇ مات وليس بحيٍّ إلى الآن؛ لأنه بشر، سواء كان وليًّا أو نبيًّا أو رسولًا. وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ﴾.\nوقوله: ﴿أَفَإِنْ مِتَّ﴾، أي: يا محمد ﴿فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾، أي: أن يعيشوا بعدك، لا يكون هذا، بل كل إلى [فناء] [¬٢]، ولهذا قال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾، وقد روي عن الشافعي ﵀ أنه أنشد واستشهد بهذين البيتين -:\nتَمَنَّى رجَالٌ أن أمُوتَ وإنْ أَمُتْ … فَتلْكَ سَبيلٌ لَسْتُ فيها بأوْحَد\nفَقُلْ للَّذِي [يَبْغي] [¬٣] خلاف الذي مضى … تهيَّأ لأخرى مثلها فَكَأنْ قدِ\nوقوله: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيرِ فِتْنَةً﴾، أي: نختبركم بالمصائب تارة، وبالنعم أخرى؛ لننظر من يشكر ومن يكفر، ومن يصبر ومن يقنط، كما قال عليّ بن أبي طلحة: عن ابن عباس: ﴿وَنَبْلُوكُمْ﴾، يقول: نبتليكم ﴿بِالشَّرِّ وَالْخَيرِ فِتْنَةً﴾ بالشدة والرخاء، والصحة والسقم، والغنى والفقر، والحلال والحرام، والطاعة والمعصية، والهدى والضلالة.\nوقوله: ﴿وَإِلَينَا تُرْجَعُونَ﴾ أي: فنجازيكم بأعمالكم.\n﴿وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إلا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ\n_________\n= (١٩ - ٢٢/ ١٦) (١/ ٢٤٧ - ٢٥١).\n_________\n[¬١]- في ز: \"جاعل\".\n[¬٢]- في ت: \"الفناء\".\n[¬٣]- في ز: \"يبقى\".","vol":"9","page":403},{"text":"آلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ (٣٦) خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ (٣٧)﴾\nيقول تعالى لنبيه صلوات الله وسلامه عليه: ﴿وَإِذَا [رَآكَ] [¬١] [الَّذِينَ كَفَرُوا] [¬٢]﴾، يعني: كفار قربش، كأبي جهل وأشباهه ﴿إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إلا هُزُوًا﴾، أي: يستهزئون بك وينتقصونك، يقولون: ﴿أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ﴾، يعنون: أهذا الذي يسب آلهتكم، ويسفه أحلامكم، قال الله تعالى: ﴿وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ﴾، أي: وهم كافرون بالله، ومع هذا يستهزئون برسول الله، كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إلا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا (٤١) إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيهَا وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾.\nوقوله ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ كما قال في الآية الأخرى ﴿وَ[كَانَ] [¬٣] الْإِنْسَانُ عَجُولًا﴾ أي: في الأمور.\nقال مجاهد: خلق الله آدم بعد كل شيء، من آخر النهار من يوم خلق [الخلائق] [¬٤]، فلما أحيا الروح عينيه ولسانه ورأسه، [ولم] [¬٥] يبلغ أسفله قال: يا رب، استعجل بخلقي قبل غروب الشمس.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا يزيد بن هارون، أنبأنا محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه أدخل الجنة، وفيه أهبط منها، وفيه تقوم الساعة، وفيه ساعة لا يوافقها [عبد] [¬٦] مؤمن يصلي - وقبض أصابعه، يقللها - فسأل الله خيرًا إلا أعطاه إياه\" (^١٢). قال أبو سلمة: فقال عبد الله بن سلام: قد عرفت تلك الساعة، وهي آخر ساعات النهار من يوم الجمعة،\n_________\n(^١٢) - أخرجه مسلم في كتاب الجمعة، باب: فضل يوم الجمعة، حديث (١٧، ١٨/ ٨٥٤) (٦/ ٢٠٢) بنحوه.\n_________\n[¬١]- في ز: \"رأوك\".\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- في ز: \"خلق\".\n[¬٤]- في ز: \"الخلق\".\n[¬٥]- في ز: \"لم\".\n[¬٦]- سقط من: ز.","vol":"9","page":404},{"text":"وهي التي خلق الله فيها آدم، قال الله تعالى: ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ﴾.\nوالحكمة في ذكر عجلة الإِنسان ها هنا: أنه لما ذكر المستهزئين بالرسول صلوات الله وسلامه عليه، وقع في النفوس سرعة الانتقام منهم، واستعجلت [ذلك] [¬١]، فقال الله تعالى: ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾، لأنه تعالى يملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته، يؤجل ثم يعجل، وينظر ثم لا يؤخر، ولهذا قال: ﴿سَأُرِيكُمْ آيَاتِي﴾، أي: نقمي وحكمي واقتداري على من عصاني، ﴿فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ﴾.\n﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣٨) لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلَا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٣٩) بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (٤٠)﴾\nيخبر تعالى عن المشركين أنهم يستعجلون أيضًا بوقوع العذاب بهم، تكذيبًا وجحودًا وكفرًا وعنادًا واستبعادًا، فقال: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾، قال الله تعالى: ﴿لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلَا عَنْ ظُهُورِهِمْ﴾، أي: [لو] [¬٢] تيقنوا [أنه واقع] [¬٣] بهم لا محالة لما استعجلوا به، [ولو] [¬٤] يعلمون حين يغشاهم العذاب من [فوقهم] [¬٥] ومن تحت أرجلهم؛ ﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾، وقال في هذه الآية: ﴿حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلَا عَنْ ظُهُورِهِمْ﴾، وقال: ﴿سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾، فالعذاب محيط بهم من جميع جهاتهم ﴿وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ أي: لا ناصر لهم، كما قال: ﴿وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ﴾ وقوله: ﴿بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ﴾، أي: تأتيهم النار بغتة، أي: فجأة ﴿فَتَبْهَتُهُمْ﴾، أي: تُذعِرُهم [فيستسلمون] [¬٦] لها حائرين، لا [¬٧] يدرون ما يصنعون، ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا﴾، أي:\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- في ت: \"أنها واقعة\".\n[¬٤]- في ز: \"لو\".\n[¬٥]- في ز: \"قولهم\".\n[¬٦]- في ز: \"ويستسلمون\".\n[¬٧]- في ت: \"ولا\".","vol":"9","page":405},{"text":"ليس لهم حيلة في ذلك ﴿وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ أي: ولا يؤخر عنهم ذلك ساعة واحدة.\n﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٤١) قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ (٤٢) أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنَا لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلَا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ (٤٣)﴾\nيقول تعالى مسليًا لرسوله عما أذاه به المشركون من الاستهزاء والتكذيب ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾، يعني: من العذاب الذي كانوا يستبعدون وقوعه، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾.\nثم ذكر تعالى نعمته على عبيده في حفظه لهم بالليل والنهار وكلاءته وحراسته لهم بعينه التي لا تنام، فقال: ﴿قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ﴾، أي: بدل الرحمن، [يعني] [¬١] غيره، كما قال الشاعر:\nجَارية لَمْ تَلْبَس المُرَقَّقا … ولَمْ [تَذق] [¬٢] مِنَ البُقول الفُسْتُقا\nأي: لم [تذق] [¬٣] بدل البقول [الفستق] [¬٤].\nوقوله تعالى: ﴿بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ﴾، أي: لا يعترفون [بنعمة الله] [¬٥] عليهم وإحسانه إليهم، بل يعرضون عن آياته وآلائه، [ثم] [¬٦] قال: ﴿أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنَا﴾ استفهام إنكار وتقريع وتوبيخ، أي: ألهم آلهة تمنعهم وتكلؤهم غيرنا؟ ليس الأمر كما توهموا ولا كما [قد] [¬٧] زعموا، ولهذا قال: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ﴾، أي: هذه [الآلهة] [¬٨] التي استندوا إليها غير الله لا يستطيعون نصر أنفسهم.\nوقوله: ﴿وَلَا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ﴾ قال العوفي: عن ابن عباس: ﴿وَلَا هُمْ مِنَّا\n_________\n[¬١]- في ز: \"بمعنى\".\n[¬٢]- في ز: \"تدر\".\n[¬٣]- في ز: \"تدر\".\n[¬٤]- في ز: \"الفستقا\".\n[¬٥]- في ز: \"بنعمه\".\n[¬٦]- في ز: \"كما\".\n[¬٧]- سقط من خ.\n[¬٨]- سقط من: ز.","vol":"9","page":406},{"text":"يُصْحَبُونَ﴾ أي: [يُجارون] [¬١]. وقال قتادة: لا يصحبون [من الله] [¬٢] بخير. وقال غيره: ﴿وَلَا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ﴾: يمنعون\n﴿بَلْ مَتَّعْنَا هَؤُلَاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى طَال عَلَيهِمُ الْعُمُرُ أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ (٤٤) قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ وَلَا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ إِذَا مَا يُنْذَرُونَ (٤٥) وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذَابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يَاوَيلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (٤٦) وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَال حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَينَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (٤٧)﴾\nيقول تعالى مخبرًا عن المشركين: إنما غرَّهم وحملهم على ما هم فيه من الضلال، أنهم مُتّعوا في الحياة الدنيا، ونعموا وطال عليهم العمر فيما هم فيه، فاعتقدوا أنهم على شيء.\nثم قال واعظًا لهم: ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا﴾، اختلف المفسرون في معناه، وقد أسلفناه في سورة الرعد، وأحسن ما فسر بقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى وَصَرَّفْنَا الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ وقال الحسن البصري: يعني بذلك ظهور الإسلام على الكفر: المعنى: أفلا يعتبرون بنصر الله لأوليائه على أعدائه، وإهلاكه الأمم المكذبة والقرى الظالمة، وإنجائه لعباده المؤمنين، ولهذا قال: ﴿أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾، يعني: بل هم المغلوبون الأسفلون الأخسرون الأرذلون.\nوقوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ﴾، أي: إنما أنا مبلغ عن الله، ما أنذركم به من العذاب والنكال يس ذلك إلَّا عما أوحاه الله إليَّ، ولكن لا يجدي هذا عمن أعمى الله بصيرته، وختم على سمعه وقلبه، ولهذا قال: ﴿وَلَا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ إِذَا مَا يُنْذَرُونَ﴾.\nوقوله: ﴿وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذَابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يَاوَيلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ أي: ولئن مس هؤلاء المكذبين أدنى شيء من عذاب الله، ليعترفُنَّ بذنوبهم، وأنَّهم كانوا ظالمين لأنفسهم في الدنيا.\n_________\n[¬١]- في ز: \"يجازون\".\n[¬٢]- سقط من: ز.","vol":"9","page":407},{"text":"وقوله: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيئًا﴾، أي: ونضع الموازين العدل ليوم القيامة، الأكثر على أنَّه إنما هو ميزان واحد، وإنَّما جمع باعتبار تعدد الأعمال الموزونة فيه.\n[وقوله] [¬١]: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَال حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَينَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾، كما قال تعالى: ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَال ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ وقال لقمان: ﴿يَابُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَال حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾.\nوفي الصحيحين عن أبي هريرة (^١٣) قال: قال رسول الله ﷺ: \"كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيتان إلى الرحمن، سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم\".\nوقال الإِمام أحمد (^١٤): حدَّثنا إبراهيم بن إسحاق الطالقاني، حدَّثنا ابن المبارك، عن ليث بن سعد، حدثني عامر بن يحيى، عن أبي عبد الرحمن الحُبُلَّي قال: سمعت عبد الله ابن [عمرو] [¬٢] بن العاص يقول: قال رسول الله، ﷺ: \"إن الله ﷿ يستخلص رجلًا من أمتي على رءوس الخلائق يوم القيامة، فينشر عليه تسعة وتسعين سجلًا، كل سِجِل مد البصر، ثم يقول: أتنكر من هذا شيئًا؟ أظلمتك كَتَبَتِي الحافظون؟ قال: لا يا رب. قال: أفلك عذر أو حسنة؟ قال: فَيُبْهَت الرجل. فيقول: لا يا رب. فيقول: بلى، إن لك عندنا حسنة واحدة، لا ظلم اليوم عليك. فيخرج له [¬٣] بطاقة فيها: أشهد أن لا إله إلَّا الله، و[¬٤] أشهد أن محمدًا [عبده ورسوله] [¬٥]. فيقول: أحضروه. فيقول: يا رب ما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟ فيقول: إنك لا تظلم. قال: فتوضع السجلات في كفة [¬٦]، قال: فطاشت السجلات وثقلت البطاقة. قال: ولا يثقل شيء بسم\n_________\n(^١٣) - أخرجه البخاري في كتاب الدعوات، باب: فضل التسبيح، حديث (٦٤٠٦) (١١/ ٢٠٦)، وأطرفه في (٦٦٨٢، ٧٥٦٣). ومسلم في كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب: فضل التهليل والتسبيح والدعاء، حديث (٣١/ ٢٦٩٤) (٣١/ ١٧).\n(^١٤) - أخرجه أحمد (٢/ ٢١٣).\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- في ز: \"عمر\".\n[¬٣]- بعده في ز: فيها.\n[¬٤]- بعده في ت: \"أشهد\".\n[¬٥]- في ت: \"رسول الله\".\n[¬٦]- بعده في ت: \"والبطاقة في كفة\" ومكانها بياض في ز.","vol":"9","page":408},{"text":"الله الرحمن الرحيم\".\nورواه التِّرمِذي (^١٥)، وابن ماجة (^١٦) من حديث اللَّيث بن سعد به، وقال التِّرمِذي: حسن [غريب] [¬١].\nو[¬٢] قال الإِمام أحمد (^١٧): حدَّثنا قتيبة، حدَّثنا ابن لهيعة، عن عمرو بن يحيى، عن أبي عبد الرحمن الحُبُلي، عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله ﷺ: \"توضع الموازين يوم القيامة، فيؤتى بالرجل، فيوضع في كفة، [فيوضع] [¬٣] ما أحصي عليه، فتمايل به الميزان، قال: فيبعث به إلى النار، قال: فإذا أدبر به إذا صائح من عند الرحمن ﷿ يقول: لا تعجلوا، فإنه قد بقى له. فيؤتى ببطاقة فيها: لا إله إلا الله، فتوضع مع الرجل في كفة، حتَّى يميل به الميزان\".\nوقال الإِمام أحمد (^١٨) أيضًا: حدَّثنا أبو نوح -قُرَاد-، أنبأنا ليث بن سعد، عن مالك بن أَنس، عن الزُّهْريّ، عن عروة، عن عائشة: أن رجلًا من أصحاب رسول الله ﷺ جلس بين يديه فقال: يا رسول الله، [إن] [¬٤] لي مملوكين يكذبونني ويخونونني ويعصونني، وأضربهم وأشتمهم، فكيف أنا منهم؛ فقال له رسول الله، ﷺ: \"يُحْسَب ما خانوك وعصوك وكذبوك، [و] [¬٥] عقابك إياهم [فإن] [¬٦] كان عقابك إياهم دون ذنوبهم كان فضلًا لك [عليهم] [¬٧]، وإن كان عقابك إياهم بقدر ذنوبهم، كان كفافًا لا لك ولا عليك، وإن كان عقابك إياهم فوق ذنوبهم اقتص لهم منك الفضل الذي يبقى قبلك\". فجعل الرجل يبكي بين يدي رسول الله، ﷺ، ويهتف، فقال رسول الله، ﷺ: \"ما له؟! [أما] [¬٨] يقرأ كتاب الله؟\n_________\n(^١٥) - أخرجه الترمذي في كتاب الإيمان، باب: ما جاء فيمن يموت وهو يشهد أن لا إله إلَّا الله، حديث (٢٦٣٩) (٥/ ٢٥).\n(^١٦) - أخرجه ابن ماجة في كتاب أبي الزهد، كتاب: ما يرجى من رحمة الله يوم القيامة، حديث (٤٣٠٠) (٢/ ١٤٣٧).\n(^١٧) - أخرجه أحمد (٢/ ٢٢١). قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٨٥): رواه أحمد وفيه ابن لهيعة وحديثه حسن، وبقية رجاله رجال الصحيح.\n(^١٨) - أخرجه أحمد (٦/ ٢٨٠).\n_________\n[¬١]- في ز: \"صحيح\".\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- في ت: \"ويوضع\".\n[¬٤]- سقط من: ز.\n[¬٥]- سقط من: ز.\n[¬٦]- في ت: \"إن\".\n[¬٧]- سقط من: ز.\n[¬٨]- في ز: \"ما\".","vol":"9","page":409},{"text":"﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَال حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَينَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾. فقال الرجل: [يا رسول الله] [¬١]، ما [أجد] [¬٢] شيئًا خيرًا من فراق هؤلاء -يعني عبيده- إني أشهدك أنَّهم أحرار كلهم.\n﴿وَلَقَدْ آتَينَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ (٤٨) الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ (٤٩) وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (٥٠)\nقد تقدم التنبيه على أن الله تعالى كثيرًا ما يقرن بين ذكر موسى ومحمد - صلوات الله وسلامه عليهما - وبين كتابيهما، ولهذا قال: ﴿وَلَقَدْ آتَينَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ﴾.\nقال مجاهد: يعني: الكتاب. وقال أَبو صالح: التوراة. وقال قَتَادة: التوراة، حلالها وحرامها، وما [فرق] [¬٣] الله [بين] [¬٤] الحق والباطل. وقال ابن زيد: يعني النصر.\nوجامع القول في ذلك أن الكتب السماوية [تشتمل] [¬٥] على التفرقة بين الحق والباطل، والهدى والضلال، والغيّ والرشاد، والحلال والحرام، وعلى ما يحصل [نورًا في] [¬٦] القلوب، وهداية وخوفًا وإنابة وخشية، ولهذا قال: ﴿لْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ﴾، أي: [تذكيرًا لهم] [¬٧] وعظة.\nثم وصفهم فقال: ﴿الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيبِ﴾ كقوله: ﴿مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾ وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾.\n﴿وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ﴾، أي: خائفون وجلون.\nثم قال تعالى: ﴿وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ﴾، يعني: القرآن العظيم، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه، ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد، ﴿أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾، أي: أفتنكرونه وهو في غاية [الجلاء] [¬٨] والظهور؟\n_________\n[¬١]- في ز: \"يريد\".\n[¬٢]- في ز: \"أخذ\".\n[¬٣]- في ز: \"قرن\".\n[¬٤]- في ز: \"من\".\n[¬٥]- في ت: \"مشتملة\".\n[¬٦]- في ز: \"نور إلى\".\n[¬٧]- كذا في ز: \"الهم\".\n[¬٨]- بياض في: ز.","vol":"9","page":410},{"text":"﴿وَلَقَدْ آتَينَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ (٥١) إِذْ قَال لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ (٥٢) قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ (٥٣) قَال لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٥٤) قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ (٥٥) قَال بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٥٦)﴾\nيخبر تعالى عن خليله إبراهيم ﵇ أنَّه آتاه رشده من قبل، أي: من صغره ألهمه الحق والحجة على قومه، كما قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَينَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ﴾ وما يذكر من الأخبار عنه في إدخال أبيه له في السرب وهو رضيع، وأنه خرج به بعد أيام، فنظر إلى الكواكب والمخلوقات، فتبصر فيها، وما قصَّه كثير من المفسرين وغيرهم فعامتها أحاديث بني إسرائيل، فما وافق منها الحق مما بأيدينا عن المعصوم قبلناه، لموافقته الصحيح، وما خالف شيئًا من ذلك رددناه، وما ليس فيه موافقة ولا مُخَالفَةُ لا نصدقه ولا نكذبه، بل نجعله وقفًا، وما كان من هذا الضرب منها فقد تَرَخَّص كثير من السلف في روايتها، وكثير من ذلك مما لا فائدة فيه، ولا حاصل له مما يُنْتَفَعُ به في الدين، ولو كانت فيه فائدة تعود على المكلفين في دينهم لبينته هذه الشريعة الكاملة الشاملة، والذي [نسلكه] [¬١] في هذا التفسير الإِعراض عن كثير من الأحاديث الإِسرائيلية؛ لما فيها من تضييع الزمان، ولما اشتمل عليه كثير منها من الكذب المروج عليهم، فإنهم لا تفرقة عندهم بين صحيحها وسقيمها، كما حرره الأئمة الحفاظ المتقنون من هذه الأمة.\nوالمقصود ها هنا أن الله تعالى أخبر أنَّه قد آتى إبراهيم رشده من قبل أي: من قبل ذلك.\nوقوله: ﴿وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ﴾، أي: وكان أهلًا لذلك. ثم قال: ﴿إِذْ قَال لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾، هذا هو الرشد الذي أوتيه من صغره: الإِنكار على قومه في عبادة الأصنام من دون الله ﷿ فقال: ﴿مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾؛ أي: معتكفون على عبادتها.\nقال ابن أبي حاتم: حدَّثنا الحسن بن محمد الصباح، حدَّثنا أَبو معاوية الضرير، حدَّثنا [سعد] [¬٢] بن طريف، عن الأصبغ بن نُباتة قال: [مر عليّ ﵁] [¬٣] على قوم\n_________\n[¬١]- في ز: \"يذكر\".\n[¬٢]- في ز: \"سعيد\".\n[¬٣]- سقط من: ز.","vol":"9","page":411},{"text":"يلعبون بالشطرنج، فقال: ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون؛ لأن يمس صاحبكم جمرًا حتَّى يطفأ خير له من أن يمسها (^١٩).\n﴿قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ﴾، لم يكن لهم حجة سوى صنيع آبائهم الضلال، وله ذا قال: ﴿قَال لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾، أي: الكلام مع آبائكم الذين احتججتم بصنيعهم كالكلام معكم، فأنتم وهم في ضلال، على غير الطَّرِيق المستقيم.\nفلما سفه أحلامهم، وضلل آباءهم، واحتقر آلهتهم ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ﴾ يقولون هذا الكلام الصادر عنك تقوله لاعبًا أو محقًا فيه، فإنا لم نسمع به قبلك؟ ﴿قَال بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ﴾ أي: ربكم الذي لا إله غيره، هو الذي خلق السموات والأرض وما حوت من المخلوقات، الذي ابتدأ خلقهن، وهو الخالق لجميع الأشياء ﴿وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾، أي: وأنا أشهد أنَّه لا إله غيره، ولا رب سواه.\n﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ (٥٧) فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إلا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيهِ يَرْجِعُونَ (٥٨) قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ (٥٩) قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ (٦٠) قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ (٦١) قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَاإِبْرَاهِيمُ (٦٢) قَال بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ (٦٣)﴾\nثم أقسم الخليل قسمًا أسمعه بعض قومه ليكيدن أصنامهم، أي: ليحرصن على أذاهم وتكسيرهم بعد أن يُوَلُّوا مدبرين، أي: [إلى] [¬١] عيدهم، وكان لهم عيد [يخرجون] [¬٢] إليه.\nقال السدي: لما اقترب وقت ذلك العيد قال أَبوه: يا بني، لو خرجت معنا إلى عيدنا لأعجبك ديننا! فخرج معهم، فلما كان ببعض الطَّرِيق ألقى نفسه إلى الأرض، وقال:\n_________\n(^١٩) - أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (٥/ ٢٤١) (٨/ ٦٥). وابن أبي شيبة في كتاب الأدب، باب: في اللعب بالشطرنج، حديث (١) (٦/ ١٩٢) ونحوه.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- في ز: \"يمرحون\".","vol":"9","page":412},{"text":"﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾. فجعلوا يمرون عليه وهم صريع فيقولون: منه! فيقول! إني سقيم، فلما جاز عامتهم وبقي ضعفاؤهم قال: ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ﴾ فسمعه أولئك.\nوقال أَبو إسحاق: عن أبي الأحوص، عن عبد الله قال: لما خرج قوم إبراهيم إلى عيدهم، مروا عليه فقالوا: يا إبراهيم، ألا تخرج معنا؟ قال: إني سقيم. وقد كان بالأمس قال: ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ﴾ فسمعه ناس منهم.\nوقوله: ﴿فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا﴾، أي: حطامًا، كسرها كلها ﴿إلا كَبِيرًا لَهُمْ﴾، يعني: إلا الصنم الكبير عندهم، كما قال: ﴿فَرَاغَ عَلَيهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ﴾ وقوله: ﴿لَعَلَّهُمْ إِلَيهِ يَرْجِعُونَ﴾ ذكروا أنَّه وضع القدوم في يد كبيرهم، لعلهم يعتقدون أنَّه هو الذي غار لنفسه، وأنف أن نعبد معه هذه الأصنام الصغار، فكسرها.\n﴿قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾، أي: حين رجعوا [و] [¬١] شاهدوا ما فعله الخليل بأصنامهم، من الإهانة والإِذلال الدال على عدم إلاهيتها، وعلى سخافة عقول عابديها ﴿قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾، أي: في صنيعه هذا. ﴿قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾، أي: قال من سمعه يحلف إنه ليكيدنهم ﴿سَمِعْنَا فَتًى﴾، أي: شابًّا ﴿يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾.\nقال ابن أبي حاتم: حدَّثنا محمد بن عوف، حدَّثنا سعيد بن منصور، حدَّثنا جرير بن عبد الحميد، عن قابوس [¬٢]، عن ابن عبَّاس قال: ما بعث الله نبيًّا إلا شابًّا، ولا أوتي العلم عالم إلا وهو شاب، وتلا هذه الآية: ﴿قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾.\nوقوله: ﴿قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ﴾، أي: على رءوس الأشهاد في الملإِ الأكبر بحضرة الناس كلهم، وكان هذا هو المقصود الأكبر لإِبراهيم ﵇ أن يَتَبَيَّن في هذا المحفل العظيم كثرةُ جهلهم، وقلة عقلهم في عبادة هذه الأصنام، التي لا تدفع عن نفسها ضرًّا، ولا [تستطع] [¬٣] لها نصرًا، فكيف يطب منها شيء من ذلك؟\n﴿قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَاإِبْرَاهِيمُ (٦٢) قَال بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ [يعني] [¬٤]: الذي تركه لم يكسره ﴿فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ﴾ وإنَّما أراد بهذا أن يبادروا من تلقاء أنفسهم فيعترفوا أنهم لا ينطقون، فإن هذا لا يصدر عن هذا الصنم، لأنه جماد.\n_________\n[¬١]- في ز: \"أو\".\n[¬٢]- بعده في ت: عن أبيه.\n[¬٣]- في ت: \"تملك\".\n[¬٤]- سقط من: ز.","vol":"9","page":413},{"text":"وفي الصحيحين (^٢٠) من حديث هشام بن حشان عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، أن رسول الله، ﷺ، قال: \"إن إبراهيم ﵇ لم يكذب [غير] [¬١] ثلاث، اثنتين في ذات الله؛ قوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ﴾، وقوله. ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾، قال: وبينا هو يسير في أرض جبَّار من الجبابرة ومعه سارة، إذ نزل منزلًا، فأتى الجبارَ رجلٌ فقال: إنه نزل بأرضك رجل معه امرأة أحسن الناس. فأرسل إليه فجاء، فقال: ما هذه المرأة منك؟ قال: هي أختي. قال: فاذهب فأرسل بها إلى. فانطلق إلى سارة فقال: إذ هذا الجبار سألني عنك، فأخبرته أنك أختي، فلا تُكذّبيني عنده، فإنك أختي في كتاب الله، وإنه ليس في الأرض مسلم غيري وغيرك. فانطلق بها إبراهيم، ثم قام يصلي، فلما أن دخلت عليه فرآها أهوى إليها فتناولها، فأخذ أخذًا شديدًا، فقال: ادعي الله لي ولا أضرك. فدعت له فأرسل، فأهوى إليها فتناولها، فأخذ بمثلها أو أشد، ففعل ذلك الثالثة فأخذ، [فذكر] [¬٢] مثل المرتين الأوليين، فقال: ادعي الله فلا أضرك. فدعت له فأرسل، ثم [دعا] [¬٣] أدنى حُجَّابه فقال: إنك لم تأتني بإنسان، وإنَّما أتيتني بشيطان، أخرجها وأعطها هاجر، فأخرجت وأعطيت هاجر، فأقبلت، فلما أحس إبراهيم بمجيئها انفتل من صلاته قال: مَهْيم؟ قالت: [كفَّ] [¬٤] الله كيد الكافر الفاجر وأخدمني هاجر\". قال محمد بن سيرين: [وكان] [¬٥] أَبو هريرة إذا حدث بهذا الحديث قال: فتلك أمكم يا بني ماء السماء.\n﴿فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ (٦٤) ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ (٦٥) قَال أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ (٦٦) أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٦٧)﴾\n_________\n(^٢٠) - أخرجه البخاري في كتاب الأنبياء، باب: قول الله تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾، حديث (٣٣٥٨) (٦/ ٣٨٨). ومسلم في كتاب الفضائل، باب: من فضائل إبراهيم الخليل ﷺ، حديث (١٥٤/ ٢٣٧١) (١٥/ ١٨٠ - ١٨٢). كلاهما من طريق أيوب السختياني عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة … فذكره بنحوه.\n_________\n[¬١]- في ز: \"عن\".\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- في ز: \"إلى\".\n[¬٥]- في ت: \"فكان\".","vol":"9","page":414},{"text":"يقول تعالى مخبرًا عن قوم إبراهيم حين قال لهم ما قال: ﴿فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ﴾، أي: بالملامة في عدم احترازهم وحراستهم لآلهتهم، فقالوا: ﴿إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ﴾، أي: في ترككم لها مهملة لا حافظ عندها ﴿ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ﴾، أي: [ثم] [¬١] أطرقوا في الأرض، فقالوا: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ﴾ [قال قَتَادة: أدركت القوم حيرة سوء فقالوا: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ﴾] [¬٢] وقال السديُّ ﴿ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ﴾ أي: في الفتنة. وقال ابن يزيد: أي: في الرأي.\nوقول قَتَادة أظهر في المعنى؛ لأنهم إنما فعلوا ذلك حيرة وعجزًا، ولهذا قالوا له: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ﴾ فكيف تقول لنا: سلوهم إن كانوا ينطقون، وأي تعلم أنَّها لا تنطق؟ فعندها قال لهم إبراهيم لما اعترفوا بذلك: ﴿قَال أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ﴾، أي: إذا كانت لا تنطق وهي لا تنفع ولا تضر، فلم تعبدونها من دون الله ﴿أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾، أي: أفلا تتدبرون ما أنتم فيه من الضلال والكفر الغليظ، الذي لا يروج إلا على جاهل ظالم فاجر؟ فأقام عليهم الحجة وألزمهم بها، ولهذا قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَينَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ﴾. الآية.\n﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (٦٨) قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (٦٩) وَأَرَادُوا بِهِ كَيدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ (٧٠)﴾\nلما دحضت حجتهم، وبان عجزهم، [فظهر] [¬٣] الحق، واندفع الباطل، عدلوا إلى استعمال جاه ملكهم، فقالوا: ﴿حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾ فجمعوا حطبًا كثيرًا جدًّا -قال السديُّ: حتَّى إن كانت المرأة تمرض، فتنذر إن عوفيت أن تحمل حطبًا لحريق إبراهيم- ثم جعلوه في جَوْبَة [¬٤] من الأرض، وأضرموها نارًا، فكان لها شرر عظيم ولهب مرتفع، لم توقد نار قط مثلها، وجعلوا إبراهيم ﵇ في كفة المنجنيق بإشارة رجل من أعراب فارس من الأكراد -قال شعيب الجبائى: اسمه هيزن- فخسف الله به الأرض، فهو يتجلجل فيها إلى -يوم القيامة- فلما ألقوه قال: \"حسبي الله ونعم الوكيل! \".\n_________\n[¬١]- في ز: \"هم\".\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- في ت: \"وظهر\".\n[¬٤]- في ز: \"جونة\". والجوبة: الحفرة.","vol":"9","page":415},{"text":"كما رواه البخاري (^٢١)، عن ابن عبَّاس أنَّه قال: [حسبنا] [¬١] الله ونعم الوكيل، قالها إبراهيم حين ألقي في النار، وقالها محمد حين قالوا: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ [فَزَادَهُمْ إِيمَانًا] [¬٢] وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾.\nوقال الحافظ أَبو يعلى (^٢٢): حدَّثنا [أَبو] [¬٣] هشام، حدَّثنا إسحاق بن سليمان، عن أبي جعفر، عن عاصم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"لما ألقي إبراهيم ﵇ في النار قال: اللهم إنك في السماء واحد، و[أنا] [¬٤] في الأرض واحد أعبدك\".\nووروى أنَّه لما جعلوا [يوثقونه] [¬٥] قال: لا إله إلَّا أنت سبحانك، لك الحمد ولك الملك [لا شريك لك] [¬٦]، وقال شعيب الجبائيُّ: كان عمره ستَّ عشرةَ سنة. فالله أعلم.\nوذكر بعض السلف أنَّه عرض له جبريل وهو في الهواء، فقال: ألك حاجة؟ [فقال] [¬٧]: أما إليك فلا [وأما من الله فبلى] [¬٨].\nوقال سعيد بن جبير - ويروى عن ابن عبَّاس أيضًا - قال: لما ألقي إبراهيم جعل خازن المطر يقول: متى أومر بالمطر فأرسله؟ قال: فكان أمر الله أسرع من أمره، قال الله: ﴿يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾، قال: لم يبق نار في الأرض إلَّا طفئت. وقال كعب الأحبار: لم يُنْتَفَعُ [أحد] [¬٩] يومئذ بنار، ولم تحرق النار من إبراهيم سوى وثاقه.\nوقال [الثَّوري [¬١٠]: عن الأعمَش، عن شيخ، عن علي بن أبي طالب: ﴿قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [قال: بَرَدَت عليه حتَّى كادت تقتله، حتَّى قيل: ﴿وَسَلَامًا﴾ قال] [¬١١]: لا تضريه.\n_________\n(^٢١) - أخرجه البخاري في كتاب التفسير، باب: ﴿الَّذِينَ قَال لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾، حديث (٤٥٦٣) (٨/ ٢٢٩)، وطرفه في (٤٥٦٣).\n(^٢٢) - أخرجه البخاري في كتاب علامات النبوة، باب: إبراهيم الخليل، حديث (٢٣٤٩) (٣/ ٢٠٢). قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ٢٠٥): رواه البزار وفيه عاصم بن عمر بن حفص بن عمر، وثقه ابن حبان وقال: يخطئ ويخالف. وضعفه الجمهور.\n_________\n[¬١]- في ت: \"حسبي\".\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- في ز: \"ابن\".\n[¬٤]- في ز: \"إنك\".\n[¬٥]- في ز: \"يوقعونه\".\n[¬٦]- سقط من: ز.\n[¬٧]- في ز: \"قال\".\n[¬٨]- سقط من: ز.\n[¬٩]- سقط من: ز.\n[¬١٠]- في ز: \"الهروي\".\n[¬١١]- سقط من: ز.","vol":"9","page":416},{"text":"وقال ابن عبَّاس وأَبو العالية: لولا أن الله ﷿ قال: ﴿وَسَلَامًا﴾ لآذى إبراهيم بَرْدُها.\nوقال جُوَيبر عن الضحاك: ﴿كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾، قال: صنعوا له حظيرة من حَطَب جَزْل، وأشعلوا فيه النار من كل جانب، فأصبح ولم يصبه منها شيء، حتَّى أخمدها الله. قال: ويذكرون أن جبريل كان معه يمسح وجهه من العرق، فلم يصبه منها شيء غير ذلك.\nوقال السدي: كان معه فيها ملك [الظل] [¬١].\nوقال ابن أبي حاتم: حدَّثنا علي بن الحسين، حدَّثنا يوسف [ابن] [¬٢] موسى، حدَّثنا مهران، حدَّثنا إسماعيل بن أبي خالد، عن المنهال بن عمرو قال: أخبرت أن إبراهيم ألقى في النار، فقال: كان فيها إما خمسين وإما أربعين. قال: ما كنت أيامًا وليالي [قط] [¬٣] أطيبَ عيشًا إذ كنت فيها، ووددت أن عيشي وحياتي كلها مثل عيشي إذ كنت فيها.\nوقال أَبو زرعة بن عمرو بن جرير عن أبي هريرة قال: إن [أحسن شيء] [¬٤] قال أَبو إبراهيم - لما رفع عنه الطبق وهو في النار، وجده يرشح جبينه - قال عند ذلك: نعْمَ الربُّ ربك يا إبراهيم (^٢٣)!!\nوقال قَتَادة: لم يأت يومئذٍ دابة إلَّا أطفأت عنه النار إلَّا الوزغ. وقال الزهري: أمر النبي ﷺ بقتله وسماه فويسقًا.\nوقال [ابن أبي] [¬٥] حاتم: حدَّثنا أَبو عبيد الله ابن أخي ابن وَهْب، حدثني عمي، حدَّثنا جرير بن حازم، أن نافعًا حدثه قال: حدثتني مولاة الفاكه بن المغيرة المخزومي قالت: دخلت على عائشة فرأيت في بيتها رمحًا، فقلت: يا أم المؤمنين، ما تصنعين بهذا الرمح؟ فقالت: نقتل به هذه الأوزاغ، إن رسول الله ﷺ قال: \"إن إبراهيم حين أُلقي في النار لم يكن في الأرض دابة إلَّا تطفئ النار، غير الوزغ فإنه كان ينفخ على إبراهيم: فأمرنا رسول الله ﷺ بقتله (^٢٤).\n_________\n(^٢٣) - أخرجه الطَّبري (١٧/ ٤٤).\n(^٢٤) - أخرجه النسائي (٥/ ١٨٩)، وابن ماجة في كتاب الصيد، باب: قتل الوزغ، حديث (٣٢٣١) (٢/ ١٠٧٦). وأحمد (٦/ ٨٣ - ١٠٩ - ٢١٧). وأَبو يعلى (٧/ ٣١٨) حديث (٤٣٥٧). وابن حبان =\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- في ز: \"أَبو\".\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- في ز: \"الحسن\".\n[¬٥]- في ت: \"أَبو\".","vol":"9","page":417},{"text":"وقوله: ﴿وَأَرَادُوا بِهِ كَيدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ﴾، أي: [المغلوبين الأسفلين] [¬١]، لأنهم أرادوا بنبي [الله] [¬٢] كيدًا، فكادهم الله ونجاه من النار، فغلبوا هنالك.\nوقال عطية العوفي: لما ألقي إبراهيم في النار، جاء ملكهم لينظر إليه، فطارت شرارة فوقدت على إبهامه فأحرقته مثل الصوفة.\n﴿وَنَجَّينَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالمِينَ (٧١) وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ (٧٢) وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَينَا إِلَيهِمْ فِعْلَ الْخَيرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ (٧٣) وَلُوطًا آتَينَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَنَجَّينَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ (٧٤) وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥)﴾\nيقول تعالى مخبرًا عن إبراهيم أنَّه سلمه من نار قومه، وأخرجه من بين أظهرهم مهاجرًا إلى بلاد الشام، إلى الأرض المقدسة منها، كما قال الربيع بن أَنس: عن أبي العالية، عن أبي بن كعب في قوله: ﴿إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾، قال: الشام، وما من ماء عذب إلا يخرج من تحت الصخرة. وكذا قال أبو العالية أيضًا.\nوقال قَتَادة: كانا بأرض العراق، فألجئا إلى الشام، [وكان يقال للشام: عماد دار الهجرة، وما نقص من الأرض زيد في الشام] [¬٣]، وما نقص من الشام زيد في فلسطين. وكان يقال: هي أرض المحشر والمنشر، وبها ينزل عيسى ابن مريم ﵇ وبها يهلك المسيح الدجال.\nوقال كعب الأحبار في قوله: ﴿إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالمِينَ﴾ إلى حران.\nوقال السدي: انطلق إبراهيم ولوط قبل الشام، فلقي إبراهيم سارة وهي ابنة ملك\n_________\n= (١٢/ ٤٤٧) حديث (٥٦٣١). وفي الموارد برقم (١٠٨٢). كلهم من حديث سائبة مولاة الفاكه المغيرة عن عائشة … فذكرته بنحوه. قال البوصيري في الزوائد: إسناد حديث عائشة صحيح، ورجاله ثقات.\n_________\n[¬١]- في ز: \"الملعونين الأخرين\".\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- سقط من: ز.","vol":"9","page":418},{"text":"حران، وقد طعنت على [قومها] [¬١] في دينهم، فتزوجها على أن لا يُغيرها رواه ابن جرير وهو غريب، [والمشهور أنَّها ابنة عمه، وأنه خرج بها مهاجرًا من بلادها] [¬٢].\nوقال العوفي: عن ابن عبَّاس: إلى مكة، ألا تسمع قوله: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالمِينَ﴾.\nوقوله: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً﴾ قال عطاء ومجاهد: عطية.\nوقال ابن عبَّاس، وقتادة، والحكم بن عتيبة: النافلة: ولد الولد. يعني أن يعقوب ولد إسحاق، كما قال: ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾.\nوقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: سأل واحدًا فقال: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ فأعطاه الله إسحاق [وزاده] [¬٣] يعقوب نافلة.\n﴿وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ﴾، أي: الجميع أهل خير وصلاح ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً﴾، أي: يقتدى بهم، ﴿يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾، اي: يدعون إلى الله بإذنه، ولهذا قال: ﴿وَأَوْحَينَا إِلَيهِمْ فِعْلَ الْخَيرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ﴾ من باب عطف الخاص على العام ﴿وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ﴾، أي: فاعلين لما يأمرون الناس به.\nثم عطف بذكر لوط - وهو لوط بن هاران بن آزر - كان قد آمن بإبراهيم ﵇ واتبعه وهاجر معه، كما قال تعالى: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَال إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي﴾ فآتاه الله حكمًا وعلمًا وأوحى إليه وجعله نبيًّا وبعثه إلى سَدُومَ وأعمالها، فخالفوه وكذبوه، فأهلكهم الله ودمر عليهم، كما قص خبرهم في غير ما موضع من كتابه العزيز، ولهذا قال: ﴿وَلُوطًا آتَينَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَنَجَّينَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ (٧٤) ﴿وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾.\n﴿وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّينَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (٧٦) وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (٧٧)﴾\nيخبر تعالى عن استجابته لعبده ورسوله نوح ﵇ حين دعا على قومه لما\n_________\n[¬١]- في ز: \"قولها\".\n[¬٢]- بياض في: ز.\n[¬٣]- في ز: \"وزاد\".","vol":"9","page":419},{"text":"كذبوه (﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾، ﴿وَقَال نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (٢٦) إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إلا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾، ولهذا قال ها هنا: ﴿إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ [فَنَجَّينَاهُ] [¬١] وَأَهْلَهُ﴾، أي: الذين آمنوا به، كما قال: ﴿وَأَهْلَكَ إلا مَنْ سَبَقَ عَلَيهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إلا قَلِيلٌ﴾ وقوله: ﴿مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾، أي: من الشدة والتكذيب والأذى، فإنه لبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عامًا، يدعوهم إلى الله ﷿ فلم يؤمن به منهم إلا القليل، وكانوا يقصدون لأذاه، ويتواصون قرنًا بعد قرن وجيلًا بعد جيل على خلافه.\nوقوله: ﴿وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ﴾، أي: ونجيناه وخلصناه منتصرًا من القوم ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ﴾، أي: أهلكهم الله بعامة، ولم يُبق على وجه الأرض منهم أحدًا، إذ دعا عليهم نبيهم.\n﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (٧٨) فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيمَانَ وَكُلًّا آتَينَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَال يُسَبِّحْنَ وَالطَّيرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ (٧٩) وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ (٨٠) وَلِسُلَيمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيءٍ عَالِمِينَ (٨١) وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ (٨٢)﴾\nقال أَبو إسحاق: عن مرة عن ابن مسعود: كان ذلك الحرث كرمًا قد نبتت عناقيده. وكذا قال شريح.\nقال ابن عبَّاس: النَّفْشُ: [الرعي] [¬٢].\nوقال شريح، والزهري، وقَتَادة: النفش: بالليل، زاد قَتَادة: والهمل بالنهار.\nقال ابن جرير (^٢٥): حدَّثنا أَبو كريب وهارون بن إدريس الأصم قالا: حدَّثنا المحاربي،\n_________\n(^٢٥) - أخرجه الطبري (١٧/ ٥١).\n_________\n[¬١]- في ز: \"ونجيناه\".\n[¬٢]- في ز: \"المرعى\".","vol":"9","page":420},{"text":"عن أشعث، عن أبي إسحاق عن مُرَّة، عن ابن مسعود في قوله: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ﴾، قال: كرم [قد أنبت] [¬١] عناقيده فأفسدته. قال: فقضى داود بالغنم لصاحب الكرم، فقال سليمان: غيرُ هذا يا نبي الله! قال: وما ذاك؟ قال: تدفع الكرم إلى صاحب الغنم، فيقوم عليه حتَّى يعود كما كان، وتدفع الغنم إلى صاحب الكرم فيصيب منها، حتَّى إذا كان الكرم كما كان دفعت الكرم إلى صاحبه، ودفعت الغنم إلى صاحبها، فذلك قوله: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيمَانَ﴾.\nوكذا روى العوفي عن ابن عبَّاس.\nوقال حمَّاد بن سلمة: عن علي بن زيد، حدثني خليفة، عن ابن عبَّاس قال: فحكم داود بالغنم لأصحاب الحرث، فخرج الرعاء معهم الكلاب، فقال لهم سليمان: كيف قضى بينكم؟ فأخبروه، فقال: لو وليت أمركم لقضيت بغير هذا! فأخبر بذلك داود، فدعاه فقال: كيف تقضي بينهم؛ قال: أدفع الغنم إلى أصحاب الحرث، فيكون لهم أولادها وألبانها وسلاؤها ومنافعها، و[يبذُر] [¬٢] أصحاب الغنم لأهل الحرث مثل حرثهم، فإذا بلغ الحرث الذي كان عليه [أخذ] [¬٣] أصحاب الحرث [الحرث] [¬٤] وردوا الغنم إلى أصحابها.\nوقال ابن أبي حاتم: حدَّثنا أبي، حدَّثنا سعيد بن سليمان، حدَّثنا خديج، عن أبي إسحاق، عن مرة، عن مسروق قال: الحرث الذي نفشت فيه الغنم إنما كان كرمًا نفشت فيه الغنم، فلم تدع فيه ورقة ولا عنقودًا من عنب إلَّا أكلته، فأتوا داود فأعطاهم رقابها، فقال سليمان: لا، بل تؤخذ الغنم فيعطاها أهل الكرم، فيكون لهم لبنها ونفعها، ويعطى أهل الغنم الكرم فيعمروه ويصلحوه، حتَّى يعود كالذي كان ليلة نفشت فيه الغنم، ثم يعطى أهل الغنم غنمهم، وأهل الكرم كرمهم.\nوهكذا قال شريح، ومرة، ومجاهد، وحمَّادة، وابن زيد وغير واحد.\nوقال ابن جرير: حدَّثنا ابن أبي زياد، حدَّثنا يزيد بن هارون، أنبأنا إسماعيل، عن عامر قال: جاء رجلان إلى شريح، فقال أحدهما: إن شاة هذا قطعت غزلًا لي. فقال شريح: نهارًا أم ليلًا؟ فإن كان نهارًا فقد برئ صاحب الشاة وإن كان ليلًا، فقد ضمن، ثم قرأ: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ﴾ الآية.\nوهذا الذي قاله شريح [شبيه بما] [¬٥] رواه الإِمام أحمد (^٢٦) وأبو داود وابن ماجة: من\n_________\n(^٢٦) - أخرجه أحمد (٥/ ٤٣٥ - ٤٣٦). وأَبو داود في كتاب البيوع، باب: المواشي تفسد زرع =\n_________\n[¬١]- في ز: \"أنبت\".\n[¬٢]- في ز: \"تبدر\".\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- سقط من: ز.\n[¬٥]- في ز: \"سببه ما\".","vol":"9","page":421},{"text":"حديث اللَّيث بن سعد، عن الزُّهْريّ، عن حرام بن مُحَيِّصَة: أن ناقة البراء بن عازب دخلت حائطًا فأفسدت فيه، فقضى رسول الله ﷺ على أهل الحوائط حفظها بالنهار، وما أفسدت المواشي بالليل ضامن على أهلها.\nوقد عُلِّل هذا الحديث وقد بسطنا الكلام عليه في كتاب \"الأحكام\"، وبالله التوفيق.\nوقوله: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيمَانَ وَكُلًّا آتَينَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ قال ابن أبي حاتم: حدَّثنا أبي، حدَّثنا موسى بن إسماعيل، حدَّثنا حمَّاد، عن حميد: أن إياس بن معاوية لما استقضي [أتاه] [¬١] الحسن فبكى، [فقال] [¬٢]: ما يبكيك؟ قال: يا أبا سعيد، بلغني أن القضاة: رجل اجتهد فأخطأ فهو في النار، ورجل مال به الهوى فهو في النار، ورجل اجتهد فأصاب فهو في الجنَّة. فقال الحسن البصري: إن فيما قص الله من نبأ داود وسليمان ﵉ والأنبياء، حُكمًا ورد قول هؤلاء الناس عن قولهم، قال الله تعالى: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾، فأثنى الله على سليمان ولم يذم داود. ثم قال -يعني الحسن-: إن الله اتخذ على الحكماء ثلاثًا: لا يشتروا به ثمنًا قليلًا، ولا يتبعوا فيه الهوى، ولا يخشوا فيه أحدًا، ثم تلا: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَينَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى﴾، وقال: ﴿فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾، وقال: ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾.\nقلت: أما الأنبياء ﵈ فكلهم معصومون مؤيدون من الله ﷿ وهذا [مما] [¬٣] لا خلاف فيه بين العلماء المحققين من السلف والخلف، وأما من سواهم فقد ثبت في صحيح البخاري، عن عمرو بن العاص (^٢٧) أنَّه قال: قال رسول الله ﷺ: \"إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر\". فهذا الحديث يرد - نصًّا - ما توهمه \"إياس\" من أن القاضي إذا اجتهد فأخطأ فهو في النار، والله أعلم.\n_________\n= القوم، حديث (٣٥٦٩، ٣٥٧٠) (٣/ ٢٩٨). وابن ماجة في كتاب التجارات، كتاب: الحكم فيما أفسدت المواشي، حديث (٢٣٣٢) (٢/ ٧٨١).\n(^٢٧) - أخرجه البخاري في كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب: أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ، حديث (٧٣٥٢) (٣/ ٣١٨). ومسلم في كتاب الأقضية، باب بيان أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ، حديث (١٥/ ١٧١٦) (١٢/ ٢٠ - ٢١).\n_________\n[¬١]- في ز: \"أبا\".\n[¬٢]- في ز: \"قال\".\n[¬٣]- سقط من: ز.","vol":"9","page":422},{"text":"وفي السنن (^٢٨): \" القضاة ثلاثة: قاض في الجنَّة، وقاضيان في النار: رجل علم الحق وقضى به فهو في الجنَّة، ورجل حكم بين الناس على جهل فهو في النار، ورجل علم الحق وقضى بخلافه فهو في النار\".\nوقريب من هذه القصة المذكورة في القرآن، ما رواه الإِمام أحمد (^٢٩) في مسنده حيث قال:\nحدَّثنا علي بن حفص، أخبرنا ورقاء، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"بينما امرأتان معهما ابنان لهما، جاء الذئب فأخذ أحد الابنين، فتحاكمتا إلى داود، فقضى به للكبرى، فخرجتا، فدعاهما سليمان فقال: هاتوا السكين أشقه بينهما، فقالت الصغرى: [يرحمك] [¬١] الله هو ابنها، لا تشقه. فقضى به للصغرى\".\nوأخرجه البخاري (^٣٠) ومسلم في صحيحيهما، وبوَّب عليه النَّسائي في كتاب القضاء (باب الحاكم يوهم خلاف الحكم ليستعلم الحق).\nوهكذا القصة التي أوردها الحافظ أَبو القاسم بن عساكر في ترجمة \"سليمان ﵇\" من تاريخه، من طريق الحسن بن سفيان عن صفوان [بن] [¬٢] صالح، عن الوليد بن مسلم، عن سعيد بن بشير، عن قَتَادة، عن مجاهد، عن ابن عبَّاس - فذكر قصة مطولة ملخصها -: أن امرأة حسناء في زمان بني إسرائيل، راودها عن نفسها أربعة من رؤسائهم، فامتنعت على كل منهم، فاتفقوا فيما بينهم عليها، فشهدوا عليها عند داود ﵇\n_________\n(^٢٨) - أخرجه أَبو داود في كتاب الأقضية، باب: في القاضي يخطئ، حديث (٣٥٧٣) (٣/ ٢٩٩). والتِّرمِذي في كتاب الأحكام، باب: ما جاء عن رسول الله ﷺ في القاضي، حديث (١٣٢٢) (٣/ ٦١٣). والنَّسائي في الكبرى في كتاب القضاء، باب: ذكر ما أعبد الله تعالى للحاكم الجاهل، حديث (٥٩٢٢) (٣/ ٤٦٢). وابن ماجة في كتاب الأحكام، باب: الحاكم يجتهد فيصيب الحق حديث (٢٣١٥) (٢/ ٧٧٦). كلهم من حديث بريدة ﵁.\n(^٢٩) - أخرجه أحمد (٢/ ٣٢٢).\n(^٣٠) - أخرجه البخاري في كتاب أحاديث الأنبياء، باب: قول الله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾، حديث (٣٤٢٧) (٦/ ٤٥٨) وطرفه في (٦٧٦٩). ومسلم في كتاب الأقضية، باب: بيان اختلاف المجتهدين، حديث (٢/ ١٧٢٠) (١٢/ ٢٧ - ٢٨). والنَّسائي في كتاب آداب القضاء: باب السعة للحاكم في أن يقول للشيء الذي لا يفعله ليتبين الحق (٨/ ٢٣٦) وأخرجه فيه، وفي كتاب القضاء في الكبرى باب: التوسعة للحاكم في أن يقول للشيء الذي لا يفعله أفعل ليستبين الحق.\nوأخرجه فيه الحديث برقم (٥٩٥٨) (٣/ ٤٧٢ - ٤٧٣). =\n_________\n[¬١]- في ز: \"رحمك\".\n[¬٢]-","vol":"9","page":423},{"text":"أنها مكنت من نفسها كلبًا لها، قد عودته ذلك منها، فأمر برجمها، فلما كان عشية ذلك [اليوم] [¬١] جلس سليمان، واجتمع معه ولدان مثله، فانتصب حاكمًا، وتزيا أربعة منهم بزي أولئك، وآخر بزي المرأة، وشهدوا عليها بأنها مكنت من نفسها كلبًا، فقال سليمان: فرقوا بينهم [فسأل أولهم] [¬٢] ما كان لون الكلب؟ فقال: أسود. فعزله واستدعى [بالآخر] [¬٣]، فسأله عن لونه؟ فقال: أحمر. وقال الآخر: [أغبش] [¬٤]. وقال الآخر: أبيض. فأمر بقتلهم. فحكا ذلك لداود ﵇، فاستدعى من فوره بأولئك الأربعة، فسألهم متفرقين عن لون ذلك الكلب، فاختلفوا عليه فأمر بقتلهم.\nوقوله: ﴿وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَال يُسَبِّحْنَ وَالطَّيرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ﴾. الآية. وذلك لطيب صوته بتلاوة كتاب الزبور، وكان إذا ترنم به [يقف] الطير في الهواء فتجاوبه، وترد عليه الجبال تأويبًا؛ ولهذا لما مر النبي، ﷺ، على أبي موسى الأشعري، وهو يتلو القرآن من الليل، وكان له صوت طيب [جدًّا] [¬٥]، فوقف واستمع لقراءته وقال: \"لقد أوتي هذا من مزامير آل داود\". قال: يا رسول الله، لو علمت أنك [تسمع] [¬٦] لحبرته لك تحبيرًا.\nوقال أبو عثمان [النهدي] [¬٧]: ما سمعت صوت صَنْج ولا [بربط] [¬٨] ولا مزمار مثل صوت أبي موسى ﵁ ومع هذا قال ﵊: \"لقد أوتي مزمارًا من مزامير آل داود\".\nوقوله: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ [لِتُحْصِنَكُمْ] [¬٩] مِنْ بَأْسِكُمْ﴾ يعني: صنعة الدروع. قال قتادة: إنما كانت الدروع قبله صفائح، وهو أول من سردها حِلَقًا. كما قال تعالى:\n_________\n= وأخرجه النسائي أيضًا في الصغرى (٨/ ٢٣٥، ٢٣٦) كتاب آداب القضاء، باب: حكم الحاكم بعلمه، باب: نقض الحاكم ما يحكم به. .\nوفي الكبرى في كتاب القضاء: باب: الحكم خلاف ما يعترف به المحكوم له إذا تبين للحاكم أن الحق غير ما اعترف به، والباب الذي به، حديث (٥٩٥٩، ٥٩٦٠) (٣/ ٤٧٣).\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- في ز: \"قال لأولهم\".\n[¬٣]- في ت: \"الآخر\".\n[¬٤]- في ت: \"أخبش\". والغبشة: سواد شديد في ألوان الدواب.\n[¬٥]- سقط من: ز.\n[¬٦]- في ز: \"تسمع\".\n[¬٧]- في ز: \"الهمداني\".\n[¬٨]- في ز: \"مربط\".\n[¬٩]- في ز: \"ليحصنكم\".","vol":"9","page":424},{"text":"﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ (١٠) أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾ أي: لا توسع الحلقة [فتقلق] [¬١] المسمار، ولا تغلظ المسمار فتقُدُّ الحلقة، ولهذا قال: ﴿لِتُحْصِنَكُمْ [¬٢] ﴿مِنْ بَأْسِكُمْ﴾ يعني: في القتال ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ﴾: نعم الله عليكم، لما ألهم به عبده داود، فعلمه ذلك من أجلكم.\nوقوله: ﴿وَلِسُلَيمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً﴾ أي: وسخرنا لسليمان الريح العاصفة ﴿تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ يعني: أرض الشام ﴿وَكُنَّا بِكُلِّ شَيءٍ عَالِمِينَ﴾ وذلك أنَّه كان له بساط من خشب، يوضع عليه كل ما يحتاج إليه من أمور المملكة، والخيل والجمال والخيام والجند، ثم يأمر الريح أن تحمله فتدخل تحته، ثم تحمله فترفعه وتسير به، وتظله الطير من الحر، إلى حيث يشاء من الأرض [فينزل] [¬٣] وتوضع آلاته وخشبه، قال الله تعالى: ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيثُ أَصَابَ﴾ وقال تعالى: ﴿غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾ قال ابن أبي حاتم: ذكر عن سفيان بن عيينة عن أبي سنان، عن سعيد بن جبير قال: كان كوضع لسليمان ستمائة ألف كرسى، فيجلس مما يليه مؤمنوا الإنس، ثم يجلس من وراءِئهم مؤمنو الجن، ثم يأمر الطير فتظلهم، ثم يأمر الريح فتحملهم ﷺ.\nوقال عبد الله بن عبيد بن عمير كان سليمان يأمر الريح، فتجتمع [كالطود] [¬٤] العظيم - كالجبل - ثم يأمر بفراشه فيوضع على أعلى مكان منها، ثم يدعو [بفرس] [¬٥] من ذوات الأجنحة، فترتفع حتَّى تصعد على فراشه، ثم يأمر الريح فترتفع به كل شرف دون السماء، [وهو] [¬٦] مطأطئ رأسه ما يلتفت يمينًا، ولا شمالًا، تعظيمًا لله ﷿ وشكرًا لما يعلم من صغر ما هو فيه [في] [¬٧] ملك الله ﷿ حتَّى تضعه الريح حيث شاء أن تضعه.\nوقوله: ﴿وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ﴾ أي: في الماء يستخرجون الجواهر واللآلئ [وغير ذلك ﴿وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ﴾ أي: غير ذلك\"، كما قال تعالى: ﴿وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ] [¬٨] (٣٧) وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ﴾.\nوقوله: ﴿وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ﴾ أي: يحرصه الله أن يناله أحد من الشياطين بسوء، بل كل في قبضته وتحت قهره، لا يتجاسر أحد منهم على الدنو إليه والقرب منه، بل هو محكم فيهم، إن شاء أطلق، وإن شاء حبس منهم من يشاء، ولهذا قال: ﴿وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي\n_________\n[¬١]- في ز: \"ينطلق\".\n[¬٢]- في ز: \"ليحصنكم\".\n[¬٣]- في ز: \"فتنزل\".\n[¬٤]- في ز: \"كالصرد\".\n[¬٥]- في ز: \"نفوس\".\n[¬٦]- في ز: \"فهو\".\n[¬٧]- في ز: \"من\".\n[¬٨]- سقط من: ز.","vol":"9","page":425},{"text":"الْأَصْفَادِ﴾.\n﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٨٣) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَينَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ (٨٤)﴾\nيذكر تعالى عن أيوب ﵇[¬١] ما كان أصابه من البلاء في ماله وولده وجسده وذلك أنَّه كان له من الدواب والأنعام والحرث شيء كثير، وأولاد كثيرة، ومنازل مرضية، فابتلي في ذلك كله، وذهب عن آخره، ثم ابتلي بي جسده، يقال: بالجذام في سائر بدنه، ولم يبق منه سليم سوى قلبه ولسانه يذكر بهما الله ﷿ حتَّى عافه الجليس، وأفرد في ناحية من البلد، ولم يبق من الناس أحد يحنو عليه سوى زوجته، كانت [تقوم بأمره] [¬٢]. ويقال: إنها احتاجت فصارت تخدم الناس من أجله، وقد قال النبي ﷺ: \"أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الصالحون، ثم الأمثل فالأمثل\" (^٣١).\nوفي الحديث الآخر: \"يبتلى الرجل على قدر دينه، فإن كان في دينه صلابة زيد في بلائه\" (^٣٢). وقد كان نبي الله أيوب ﵇ غاية في الصبر، وبه يضرب المثل في ذلك.\nوقال يزيد بن ميسرة: لما ابتلى الله أيوب ﵇[بذهاب] [¬٣] الأهل والمال والولد، ولم يبق له شيء، أحسن الذكر ثم قال: أحمدك رب الأرباب، الذي أحسنت إليَّ، أعطيتني المال والولد، فلم يبق من قلبي شعبة إلا قد دخله ذلك، فأخذت ذلك كله مني،\n_________\n(^٣١) - أخرجه الترمذي في كتاب الزهد، باب: ما جاء في الصبر على البلاء، حديث (٢٣٩٨) (٤/ ٥٢٠). وقال: حسن صحيح. والنسائي في الكبرى في كتاب الطب، باب: أي الناس أشد بلاءً (٧٤٨١) (٤/ ٤٥٢). وابن ماجة في كتاب الفتن، باب: الصبر على البلاء، حديث (٤٠٢٣) (٢/ ١٣٣٤). كلهم من حديث مسعد بن سعد عن أبيه سعد بن أبي وقاص، فذكره بنحوه.\nوالحديث صححه الألباني ينظر الصحيحة برقم (١٤٣).\nوفي الباب عن أبي هريرة وأخت حذيفة بن اليمان أن النبي ﷺ سئل: أي الناس أشد بلاءً؟ قال: \"الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل\".\n(^٣٢) - ينظر السابق.\n_________\n[¬١]- بعده في ز: أنَّه.\n[¬٢]- في ز: \"تقيم بأوده\".\n[¬٣]- في ز: \"ومات\".","vol":"9","page":426},{"text":"وفرغت قلبي، ليس يحول بيني وبينك شيء، لو يعلم عدوي إبليس بالذي صنعت حسدني! قال: فلقي إبليس من ذلك منكرًا.\nقال: وقال أيوب ﵇: يا رب، إنك أعطيتني المال والولد، فلم يقم على بابي أحد [يشكوني] [¬١] لظلم ظلمته، وأنت تعلم ذلك، وإنه كان يوطأ لي الفرش فأتركها، وأقول لنفسي: يا نفس، إنك لم تخلقي لوطء الفرش، ما تركت ذلك إلَّا ابتغاء وجهك. رواه ابن أبي حاتم.\nوقد ذكر عن وَهْب بن منبه في خبره قصة طويلة، ساقها ابن جرير وابن أبي حاتم بالسند عنه، وذكرها غير واحد من متأخري المفسرين، وفيها غرابة تركناها لحال الطول.\nوقد روي أنَّه مكث في البلاء مدة طويلة، ثم اختلفوا في السبب المهيج له على هذا الدعاء؛ فقال الحسن وقَتَادة: ابتلي أيوب ﵇ سبع سنين وأشهرًا، ملقى على كناسة بني إسرائيل، تختلف الدواب في جسده، ففرج الله عنه، وأعظم له الأجر، وأحسن عليه الثناء.\nوقال وَهْب بن منبه: مكث في البلاء ثلاث سنين لا يزيد ولا ينقص.\nوقال السدي: تساقط لحم أيوب، حتَّى لم يبق إلَّا العصب والعظام، فكانت امرأته تقوم عليه، وتأتيه بالزاد يكون فيه، فقالت له امرأته لما طال وجعه: يا أيوب، لو دعوت ربك يفرج عنك؟ فقال: قد عشت سبعين سنة صحيحًا، [فهل] [¬٢] قليل لله أن أصبر له سبعين سنة؟ فجزعت من ذلك فخرجت، فكانت تعمل للناس بالأجرة، وتأتيه بما تصيب فتطعمه، وإن إبليس انطلق إلى رجلين من فلسطين كانا صديقين له وأخوين، فآتاهما فقال: أخوكما أيوب أصابه من البلاء كذا وكذا، فأتياه وزوراه واحملا معكما من خمر أرضكما، فإنه إن شرب منه بَرئ، فأتياه، فلما نظرا إليه بكيا، فقال: من أنتما؟ فقالا: نحن فلان وفلان، فرحب بهما وقال: مرحبًا بمن لا يجفوني عند البلاء. فقالا: يا أيوب؛ لعلك كنت تسر شيئًا [و] [¬٣] تظهر غيره، فلذلك ابتلاك الله؟ فرفع رأسه إلى السماء ثم قال: هو يعلم، ما أسررت شيئًا أظهرت غيره، ولكن [ربي ابتلاني لينظر] [¬٤] أأصبر أم أجزع؟ فقالا له: يا أيوب، اشرب من خمرنا، فإنك أن شربت منه بَرَأت. [فقال] [¬٥]: فغضب وقال: جاءكما الخبيث فأمركما بهذا؟ كلامكما وطعامكما وشرابكما عليَّ حرام. فقاما من عنده، وخرجت\n_________\n[¬١]- في ز: \"يشكرني\".\n[¬٢]- في ز: \"فهو\".\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- في ز: \"رأى ابتلائي ليظهر\".\n[¬٥]- في ز: \"قال\".","vol":"9","page":427},{"text":"امرأته تعمل للناس، فخبزت لأهل بيت لهم صبي، فجعلت لهم [قرصًا] [¬١]، وكان ابنهم نائمًا، فكرهوا أن يوقظوه، فوهبوه لها، فأتت به إلى أيوب، فأنكره وقال: ما كنت تأتيني بهذا، فما بالك اليوم؟ فأخبرته الخبر، قال: فلعل الصبي قد استيقظ، فطلب القرص فلم يجده، فهو يبكي على أهله، [فانطلقي به إليه. فأقبلت حتَّى بلغت درجة القوم، فنطحتها شاة لهم، فقالت: تعس أيوب الخطَّاء. فلما صعدت وجدت الصبي قد استيقظ وهو يطلب القرص، ويبكي على أهله] [¬٢]، لا يقبل منهم شيئًا غيره، فقالت: رحم الله أيوب فدفعت إليه القرص ورجعت، ثم إن إبليس أتاها في صورة طبيب، فقال لها: إن زوجك طال سقمه، فإن أراد أن يَبْرَأ فليأخذ ذبابًا فليذبحه باسم صنم بني فلان، فإنه يبرأ ويتوب بعد ذلك؟ فقالت ذلك لأيوب، فقال: قد أتاك الخبيث، لله عليَّ إن برئت أن أجلدك مائة جلدة. فخرجت تسعى عليه، [فحظر] [¬٣] عنها الرزق، فجعلت لا تأتي أهل بيت فيريدونها، فلما أشتد عليها [ذلك] [¬٤]، وخافت على أيوب الجوع، حلقت من شعرها قرنًا، فباعته من صبية من بنات الأشراف، فأعطوها طعامًا طيبًا كثيرًا، فأتت به أيوب، فلما رآه أنكره، وقال: من أين لك هذا؟ قالت: عملت لأناس فأطعموني. فأكل منه، فلما كان الغد خرجت فطلبت أن تعمل، فلم تجد، فحلقت أيضًا قرنًا فباعته من تلك الجارية، فأعطوها أيضًا من ذلك الطعام، فأتت به أيوب، فقال: والله لا أطعمه حتَّى أعلم من أين هو؟ فوضعت خمارها، فلما رأى رأسها محلوقًا جزع جزعًا شديدًا، فعند ذلك دعا الله ﷿: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾.\nوقال ابن أبي حاتم: ثنا أبي، حدَّثنا موسى بن إسماعيل، حدَّثنا حمَّاد، حدَّثنا أبو عمران الجوني، عن نوف البكالي: أن الشيطان الذي عرج في أيوب كان يقال له سوط، قال: وكانت امرأة أيوب تقول: ادع الله فيشفيك. فجعل لا [يدعو] [¬٥]، حتَّى مر به نفر من بني إسرائيل، فقال بعضهم لبعض: ما أصابه [ما أصابه] [¬٦] إلَّا بذنب عظيم أصابه، فعند ذلك قال: ﴿أَنِّي [¬٧] مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾.\nوحدثنا أبي، حدَّثنا أَبو سلمة، حدَّثنا جرير بن حازم، عن عبد الله بن عبيد بن عمير قال: كان لأيوب ﵇ أخوان، فجاءا يومًا، فلم يستطيعا أن يدنوا منه من ريحه، فقاما من بعيد، فقال أحدهما للآخر: لو كان الله علم من أيوب خيرًا ما ابتلاه\n_________\n[¬١]- في ز: \"قرصة\".\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- في ت: \"فحظر\".\n[¬٤]- سقط من ت.\n[¬٥]- في ز: \"يذعر\".\n[¬٦]- سقط من: ز.\n[¬٧]- في ز: \"رب إني\".","vol":"9","page":428},{"text":"بهذا؟ فجزع أيوب من قولهما جزعًا لم يجزع من شيء قط، فقال: اللهم إن كنت تعلم أني لم أبت ليلة قط شبعان، وأنا أعلم مكان جائع فصدقني. فصدق من السماء وهما يسمعان، ثم قال: اللهم إن كنت تعلم أني لم يكن لي قميصان قط، وأنا أعلم مكان عار فصدقني. فصدق من السماء وهما يسمعان، ثم قال: اللهم بعزتك ثم خر ساجدًا، [ثم قال] [¬١]: اللهم بعزتك لا أرفع رأسي أبدًا حتَّى تكشف عني. فما رفع رأسه حتَّى كشف عنه.\nوقد رواه ابن أبي حاتم من وجه آخر مرفوعًا بنحو هذا فقال: أخبرنا يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وَهْب، أخبرني نافع بن يزيد، عي عقيل، عن الزُّهْريّ، عن أَنس بن مالك: أن رسول الله ﷺ قال: \"إن نبي الله أَبوب لبس به بلاؤه ثماني عشرة سنة، فرفضه القريب والبعيد، إلَّا رجلين من إخوانه، كانا من أخص إخوانه، كانا يغدوان إليه ويروحان [] [¬٢]، فقال أحدهما لصاحبه: تعلم والله لقد أذنب أيوب ذنبًا ما أذنبه أحد من العالمين. [فقال] [¬٣] له صاحبه: وما ذاك؟ قال: منذ ثماني عشرة سنة لم يرحمه الله فيكشف ما به. فلما راحا إليه لم يصبر الرجل حتَّى ذكر ذلك له، فقال أيوب ﵇: [لا] [¬٤] أدري ما تقول، غير أن الله ﷿ يعلم أني كنت أمر على الرجلين يتنازعان فيذكران الله، فأرجع إلى بيتي فأكفر عنهما، كراهة أن يذكر الله إلَّا في حق. قال: وكان خرج في حاجته، فإذا قضاها أمسكت امرأته بيده حتَّى يبلغ، فلما كان ذات يوم [أبطأت] [¬٥] عليه، فأوحى [الله] [¬٦] إلى أدوب في مكانه: أن أركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب. رفع هذا الحدث غريب جدًّا (^٣٣).\nوقال ابن أبي حاتم: حدَّثنا أبي، حدَّثنا موسى بن إسماعيل، حدَّثنا حمَّاد، أخبرنا علي بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عبَّاس قال: وألبسه [الله] [¬٧] حلة من الجنَّة، فتنحى أيوب فجلس في ناحية، وجاءت امرأته فلم تعرفه، فقالت: يا عبد الله، أين ذهب هذا المبتلى الذي كان ها هنا؟ لعل الكلاب ذهبت به أو الذئاب؟ فجعلت تكلمه ساعة، فقال: ويحك، أنا أيوب. قالت: أتسخر مني يا عبد الله؟ فقال: ويحك، أنا أيوب، قد ردَّ الله عليَّ جسدي.\n_________\n(^٣٣) - أخرجه الطبري (٢٣/ ١٦٧) وأبو يعلى (٦/ ٢٩٩) (٣٦١٧)، والبزار في كتاب علامات النبوة، باب: أيوب، حديث (٢٣٥٧) (٣/ ١٠٧). والحاكم (٢/ ٥٨١ - ٥٨٢). وابن حبان =\n_________\n[¬١]- في ت: \"فقال\".\n[¬٢]- في ت: إليه.\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- في ت: \"ما\".\n[¬٥]- في ز: \"أبطن\".\n[¬٦]- سقط من: ز.\n[¬٧]- سقط من: ز.","vol":"9","page":429},{"text":"وبه قال ابن عبَّاس: ورد عليه ماله وولده عيانًا ومثلهم معه.\nوقال وَهْب بن منبه: أوحى الله ابن أيوب: قد رددت عليك أهلك ومالك ومثلهم معهم، فاغتسل بهذا الماء، فإن فيه شفاءك، وقرب عن [صحابتك] [¬١] قربانًا، واستغفر لهم، فإنهم قد عصوني فيك. رواه ابن أبي حاتم.\n[وقال] [¬٢] أي: حدَّثنا أَبو زرعة، حدَّثنا عمرو بن مرزوق، حدَّثنا همام، عن قَتَادة، عن النضر بن أَنس، عن بَشِير بن نهيك، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال:\n\"لما عافى الله أيوب، أمطر عليه جَرَادًا من ذهب، فجعل يأخذ بيده ويجعله في ثوبه، قال: فقيل له: يا أيوب، أما تشبع؟ قال: يا رب، ومن يشبع من رحمتك؟ \". أصله في الصحيحين (^٣٤)، وسيأتي في موضع آخر.\nوقوله: ﴿وَآتَينَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ﴾ قد تقدم عن ابن عبَّاس أنَّه قال: ردوا عليه بأعيانهم، وكذا رواه العوفي عن ابن عبَّاس أيضًا، وروى مثله عن ابن مسعود ومجاهد، وبه قال الحسن وقَتَادة.\nوقد زعم بعضهم أن اسم زوجته رحمة، فإن كان أخذ ذلك من سياق الآية فقد أبعد النجعة، وإن كان أخذه من نقل أهل الكتاب، وصح ذلك عنهم، فهو مما لا يصدق ولا يكذب، وقد سماها ابن عساكر في تاريخه رحمه الله تعالى\" قال: ويقال: اسمها ليا [بنت مِنَشَّا] [¬٣] بن يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، قال: ويقال: ليا بنت يعقوب ﵇، زوجة أيوب كانت معه بأرض البثنية.\nوقال مجاهد: قيل له: يا أيوب، إن أهلك لك في الجنَّة، فإن شئت أتيناك بهم، وإن شئت تركناهم لك في الجنة، وعوضناك مثلهم؟ قال: لا، بل اتركهم لي في الجنَّة. قال: فتركوا له في الجنَّة، وعوض مثلهم في الدنيا. وقال حمَّاد بن زيد، عن أبي عمران الجوني، عن نوف البكالي [قال:] [¬٤] أوتي أجرهم في الآخرة، وأعطي مثلهم في الدنيا. قال:\n_________\n= (٧/ ١٥٧ - ١٥٩) (٢٨٩٨). كلهم من حديث أَنس وقال الهيثمي في المجمع (١/ ٢١٨): رواه أَبو يعلى والبزار ورجال البزار رجال الصحيح.\n(^٣٤) - أخرجه البخاري في كتاب الغسل، باب: من اغتسل عريانًا وحده في الخلوة ومن تستر فالتستر أفضل، حديث (٢٧٩) (١/ ٣٨٧) وأطرافه في (٣٣٩١، ٧٤٩٣).\n_________\n[¬١]- في ز: \"صاحبتك\".\n[¬٢]- بياض في: ز.\n[¬٣]- في ز: \"ابنة منسا\".\n[¬٤]- سقط من: ز.","vol":"9","page":430},{"text":"فحدثت به مطرفًا فقال: ما عرفت وجها قبل اليوم وهكذا روي عن قَتَادة والسدى وغير واحد من السلف، والله أعلم.\nوقوله: ﴿رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا﴾ أي: فعلنا به ذلك رحمة من الله به ﴿وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ﴾ أي: وجعلناه في ذلك قدوة؛ لئلا يظن أهل البلاء أنما [فعلنا] [¬١] بهم ذلك لهوانهم علينا، وليتأسوا به في الصبر على مقدورات الله وابتلائه لعباده بما يشاء، وله [الحكمة البالغة] [¬٢] في ذلك.\n﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ (٨٥) وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ (٨٦)﴾\nوأما إسماعيل فالمراد به ابن إبراهيم الخليل ﵉ وقد تقدم ذكره في سورة مريم، وكذلك إدريس ﵇ وأمّا ذو الكفل فالظاهر من السياق أنَّه [ما] [¬٣] قرن مع الأنبياء إلَّا وهو نبي، وقال آخرون: إنما كان رجلا صالحًا، وكان ملكًا عادلًا، وحكمًا مقسطًا، وتوقف ابن جرير في ذلك، فالله أعلم.\nقال ابن جريج، عن مجاهد في قوله: ﴿وَذَا الْكِفْلِ﴾ قال: رجل صالح غير نبي، تكفل لنبي قومه أن يكفيه أمر قومه، ويقيمهم له، ويقضي بينهم بالعدل، ففعل ذلك، فسمي: ذا الكفل. وكذا روى ابن أبي نجيح عن مجاهد أيضًا وقال ابن جرير (^٣٥): حدَّثنا محمد بن المثنى، حدَّثنا عفان، حدَّثنا وهيب، حدَّثنا داود، عن مجاهد قال: لما كبر اليسع قال: لو أني استخلفت رجلًا على الناس يعمل عليهم في حياتي، حتَّى أنظر كيف يعمل؟ فجمع الناس فقال: من يتقبل مني بثلاث أستخلفه؛ [بصوم] [¬٤] النهار، ويقوم الليل، ولا يغضب؟ قال: فقام رجل تزدريه [العين] [¬٥]، فقال: أنا. فقال: أنت تصوم النهار، وتقوم الليل، ولا تغضب؟ قال: نعم. قال: فردهم ذلك اليوم، وقال مثلها في اليوم الآخر، فسكت الناس، وقام ذلك الرجل [فقال:] [¬٦] أَنَا. فاستخلفه قال: فجعل إبليس يقول للشياطين: عليكم بفلان. فأعياهم ذلك، فقال: دعوني وإياه. فأتاه في صورة شيخ كبير فقير، فأتاه حين أخذ\n_________\n(^٣٥) - أخرجه ابن جرير (١٧/ ٧٤).\n_________\n[¬١]- في ز: \"فعل\".\n[¬٢]- في ز: \"الحمد\".\n[¬٣]- في ز: \"إنما\".\n[¬٤]- في ت: \"فيصوم\".\n[¬٥]- في ت: \"الأعين\".\n[¬٦]- في ز: \"وقال\".","vol":"9","page":431},{"text":"مضجعه للقائلة - وكان لا ينام الليل والنهار إلَّا تلك النومة - فدق الباب فقال: من هذا؟ قال: شيخ كبير مظلوم. قال: فقام ففتح الباب، فجعل يقص عليه، فقال: إن بيني وبين قومي خصومة، وإنهم ظلموني، وفعلوا بي وفعلوا [] [¬١] وجعل يُطَول عليه حتَّى حضر الرواح وذهبت القائلة، فقال: إذا رحت فأتني آخذ لك بحقك. فانطلق وراح، فكان في مجلسه، فجعل ينظر هل يرى الشيخ فلم يره، فقام يتبعه، فلما كان الغد جعل يقضي بين الناس، وينتظره [أفلا] [¬٢] يراه، فلما رجع إلى القائلة فأخذ مضجعه، أتاه فدق الباب فقال: من هذا؟ قال: الشيخ الكبير المظلوم. ففتح له فقال: ألم أقل لك إذا قعدت فأتني؟ قال إنهم أخبث قوم، إذا عرفوا أنك قاعد قالوا: نحن نعطيك حقك، وإذا قمت جحدوني. قال: فانطلق، فإذا رحت فأتني. قال: ففاتته القائلة، فراح فجعل [ينتظره] [¬٣] ولا يراه، وشق عليه النعاس، فقال لبعض أهله: لا تدعن أحدًا يقرب هذا الباب حتَّى أنام، فإني قد شق عليَّ النوم. فلما كان تلك الساعة أتاه، فقال له الرجل: وراءك وراءك. قال: إني قد أتيته أمس، وذكرت له أمري. فقال: لا، والله لقد أمرنا أن لا ندع أحدًا يقربه. فلما أعياه نظر [فرأى] [¬٤] كوة في البيت، فتسور منها، فإذا هو في البيت، وإذا هو يدق الباب بن داخل. قال: فاستيقظ الرجل فقال: يا فلان، [ألم] [¬٥] آمرك؟ قال: [أما] [¬٦] من قِبَلي والله [فلم] [¬٧] تؤتَ، فانظر من أين أتيت؟ [قال:] [¬٨] فقام إلى الباب، فإذا هو مغلق كما أغلقه، وإذا الرجل معه في البيت، فعرفه، فقال: أعدو الله؟ قال: نعم، أعييتني في كل شيء، ففعلت ما ترى لأغضبك. فسماه الله [ذا] [¬٩] الكفل، لأنه تكفل بأمر فوفى به.\nوهكذا رواه ابن أبي حاتم، من حديث زهير بن إسحاق، عن داود، عن مجاهد بمثله.\nوقال ابن أبي حاتم: حدَّثنا أبي، حدَّثنا أحمد بن يونس، حدَّثنا أَبو بكر بن عياش، عن الأعمش، عن مسلم قال: قال ابن عبَّاس: كان قاض في بني إسرائيل، فحضره الموت، فقال: من يقوم مقامي على أن لا يغضب؟ قال: فقال رجل: أنا. فسمي ذا الكفل. قال: فكان ليله [جميعًا] [¬١٠] يصلي، ثم يصبح صائمًا، فيقضي بين الناس. قال: وله ساعة يقيلها. قال: فكان كذلك، فأتاه الشيطان عند نومته، فقال له أصحابه: ما لك؟ قال: إنسان مسكين، له على رجل حق وقد غلبني عليه. قالوا: كما أنت حتَّى يستيقظ - قال: وهو فوق نائم - قال: فجعل يصيح عمدًا حتَّى يوقظه. قال: فسمع. فقال: ما لك؟ قال:\n_________\n[¬١]- في ت: بي.\n[¬٢]- في ز: \"ولا\".\n[¬٣]- في ز: \"ينتظر\".\n[¬٤]- سقط من: ز.\n[¬٥]- في ز: \"أما\".\n[¬٦]- سقط من: ز.\n[¬٧]- في ز: \"لم\".\n[¬٨]- سقط من: ز.\n[¬٩]- في ز: \"ذو\".\n[¬١٠]- في ز: \"جمعًا\".","vol":"9","page":432},{"text":"إنسان مسكين، له على رجل حق. قال: [اذهب] [¬١] فقل له يعطيك. قال: قد أَبى. قال: اذهب أنت إليه. قال: فذهب، ثم جاء من الغد، فقال: ما لك؟ قال: ذهبت إليه فلم يرفع بكلامك رأسًا. قال: اذهب إليه فقل له يعطيك حقك. قال: فذهب ثم جاء من الغد حين قال: قال: فقال له أصحابه: اخرج، فعل الله بك، تجيء كل يوم حين ينام، لا تدعه ينام؟ [] [¬٢] فجعل يصيح: من أجل إني إنسان مسكين، لو كنت غنيًّا؟ قال: فسمع أيضًا، فقال: ما لك؟ قال: ذهبت إليه فضربني. قال: امش حتَّى أجيء معك. قال: فهو ممسك بيده فلما رآه ذهب معه نثر يده منه ففر.\nوهكذا روي عن عبد الله بن الحارث، ومحمد بن قيس، وابن حجيرة الأكبر وغيرهم من السلف نحو [من] [¬٣] هذه القصة، والله أعلم.\nوقال ابن أبي حاتم: حدَّثنا أبي، حدَّثنا أَبو الجماهر، أخبرنا سعيد بن بشير، حدَّثنا قتادة، عن [أبي] [¬٤] كنانة [الأخنس] [¬٥] قال: سمعت الأشعري وهو يقول على هذا المنبر: ما كان ذو الكفل بنبي، ولكن كان -يعني: في بني إسرائيل- رجل صالح يصلي كل يوم مائة صلاة، فتكفل له ذو الكفل من بعده، فكان يصلي [كل يوم] [¬٦] مائة صلاة، فسمي ذا الكفل.\nوقد رواه ابن جرير (^٣٦) من حديث عبد الرزاق عن معمر عن قَتَادة قال: قال أَبو موسى الأشعري … فذكره منقطعًا، والله أعلم.\nوقد روى الإمام أحمد (^٣٧) حديثًا غريبًا فقال:\nحدَّثنا أسباط بن محمد، حدَّثنا الأعمَش، عن عبد الله بن عبد الله، [عن سعد] [¬٧] مولى طلحة، عن [ابن] [¬٨] عمر قال: سمعت من رسول الله ﷺ حديثًا لو لم أسمعه إلا مرة أو مرتين - حتَّى عدَّ سبع [مرات] [¬٩]- ولكن قد سمعته أكثر من ذلك، قال: \"كان الكفل من بني إسرائيل، لا يتورّع من ذنب عمله، فأتته امرأة فأعطاها ستين دينارًا\n_________\n(^٣٦) - أخرجه ابن جرير (١٧/ ٧٥).\n(^٣٧) - أخرجه أحمد (٢/ ٢٣).\n_________\n[¬١]- في ت: \"فاذهب\".\n[¬٢]- في ت: قال:\n[¬٣]- سقط من ت.\n[¬٤]- سقط من: ز.\n[¬٥]- في ز: \"الأحنس\".\n[¬٦]- سقط من: ز.\n[¬٧]- سقط من: ز.\n[¬٨]- سقط من: ز.\n[¬٩]- في ز: \"مرَر\".","vol":"9","page":433},{"text":"على أن يطأها، فلما قعد منها مقعد الرجل من امرأته، أرعِدَتْ وبكت، فقال: ما يبكيك، [أكْرَهْتُك] [¬١]؟ قالت: لا، ولكن هذا عمل لم أعمله قط، ولم إنما حملني عليه الحاجة. قال: فتفعلين هذا ولم تفعليه قط؟ فنزل فقال: اذهبي [فالدنانير] [¬٢] لك. ثم قال: والله لا يعصى الله الكفل أبدًا. فمات من ليلته، فأصبح مكتوبًا على بابه: قد غفر الله للكفل. هكذا وقع في هذه الرواية \"الكفل\" من غير إضافة، والله أعلم. وهذا الحديث لم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة وإسناده غريب، وعلى كل تقدير فلفظ الحديث إن كان \"الكفل\" ولم يقل: \"ذو الكفل\" فلعله رجل آخر، والله أعلم.\n﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّينَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (٨٨)﴾\nهذه القصة مذكورة ها هنا وفي سورة \"الصافات\" وفي سورة \"نون\"، وذلك أن يونس بن متى ﵇ بعثه الله إلى أهل قرية \"نينوى\" وهي قرية من أرض الموصل، فدعاهم إلى الله تعالى، فأبوا عليه وتمادوا على كفرهم، فخرج من بين أظهرهم مغاضبًا لهم، ووعدهم بالعذاب بعد ثلاث، فلما تحققوا منه ذلك، وعلموا أن النبي لا يكذب، خرجوا إلى الصحراء بأطفالهم وأنعامهم ومواشيهم، وفرقوا بين الأمهات وأولادها، ثم تضرعوا إلى الله ﷿، وجأروا إليه، ورغت الإِبل وفُصْلانها، وخارت البقر وأولادها، وثغت الغنم وحُمْلانها، فرفع الله عنهم العذاب، قال الله تعالى: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إلا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾، وأمَّا يونس ﵇ فإنه ذهب فركب مع قوم في سفينة فلججت بهم وخافوا أن [يغرقوا] [¬٣] فاقترعوا على رجل يلقونه من بينهم يتخففون منه، فوقعت القرعة على يونس، فأبوا أن يلقوه، ثم أعادوا القرعة فوقعت عليه أيضًا، فأَبوا، ثم أعادوها فوقعت عليه أيضًا، قال الله تعالى: ﴿فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾ أي: وقعت عليه القرعة، فقام يونس ﵇ وتجرد من ثيابه، ثم ألقى نفسه في البحر، وقد أرسل الله ﷾ من البحر الأخضر - فيما قال ابن مسعود - حوتًا يشق البحار، حتَّى جاء فالتقم يونس حين ألقى نفسه من السفينة، وأوحى الله إلى ذلك الحوت ألا تأكل له لحمًا، ولا تهشم له عظمًا، فإن يونس\n_________\n[¬١]- في ز: \"أكرهت\".\n[¬٢]- في ز: \"بالدنانير\".\n[¬٣]- في ز: \"يغرق بهم\".","vol":"9","page":434},{"text":"ليس لك [رزقًا] [¬١]، وإنَّما بطنك تكون له سجنا.\nوقوله: ﴿وَذَا النُّونِ﴾ يعني: الحوت، صحت الإضافة إليه بهذه النسبة.\nولوله ﴿إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا﴾ قال الضحاك: لقومه. ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيهِ﴾ أي: [نضيق عليه في بطن الحوت، يروى نحو هذا عن ابن عبَّاس ومجاهد والضحاك وغيره، واختاره ابن جرير، واستشهد عليه لقوله تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾.\nوقال: عطية العوفي: ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيهِ﴾ أي:] [¬٢] نقضي عليه. كأنه جعل ذلك بمعنى التقدير، فإن العرب تقول قدر وقدّر بمعنى واحد، قال الشاعر:\nفلا عائدٌ ذاك الزمانُ الذي مضى … [تباركت] [¬٣] ما تَقْدرْ يَكُن، فَلَكَ الأمر\nومنه قوله تعالى: ﴿فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ أي: قدَّر.\nوقوله: ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾، قال ابن مسعود: ظلمة بطن الحوت، وظلمة البحر، وظلمة الليل. وكذا روي عن ابن عبَّاس، وعمرو بن ميمون، وسعيد بن جبير، ومحمد بن كعب، والضحاك، والحسن، وقَتَادة.\nوقال سالم بن أبي الجعد: ظلمة حوت في كطن حوت في ظلمة البحر.\nقال ابن مسعود وابن عبَّاس وغيرهما: وذلك أنَّه ذهب به الحوت في البحار يشقها، حتَّى انتهى به إلى قرار البحر، [حتَّى سمع] [¬٤] يونس تسبيح الحصى في قراره، فعند ذلك وهنالك قال: ﴿لَا إِلَهَ إلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ﴾.\nوقال عوف: لما صار يونس في بطن الحوت، ظن أنَّه قد مات، ثم حرك رجليه، فلما تحركت سجد مكانه، ثم نادى: يا رب، اتخذت لك مسجدًا في موضع ما اتخذه أحد.\nوقال سعيد بن الحسن البصري: مكث في بطن الحوت أربعين يومًا. [رواهما ابن جرير] [¬٥]. وقال محمد بن إسحاق بن يسار، عمن حدثه، عن عبد الله بن رافع -مولى أم سلمة- سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ: \"لما أراد الله حبس\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- في ز: \"تبارك\".\n[¬٤]- في ت: فسمع.\n[¬٥]- في ز: \"رواها ابن جبير\".","vol":"9","page":435},{"text":"يونس في بطن الحوت، أوحى الله إلى الحوت أن [خذه] [¬١] ولا تخدش لحمًا ولا تكسر عظمًا، فلما انتهى به إلى أسفل البحر، سمع يونس حِسًّا، فقال في نفسه: ما هذا؛ فأوحى الله إليه وهو في بطن الحوت: إن هذا تسبيح دواب البحر. قال: فسبح وهو في بطن الحوت، [فسمعت] [¬٢] الملائكة تسبيحه فقالوا: يا ربنا، إنا نسمع [صوتًا] [¬٣] ضعيفًا [بأرض غريبة] [¬٤]؛ قال: ذلك عبدي يونس، عصاني فحبسته في بطن الحوت في البحر. قالوا: العبد الصالح الذي كان يصعد إليك منه في كل يوم وليلة عمل صالحًا قال: نعم. قال: فشفعوا له عند ذلك، فأمر الحوت فقذفه في الساحل، كما قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ سَقِيمٌ﴾ \".\nرواه [¬٥] ابن جرير (^٣٨)، ورواه البزار (^٣٩) في مسنده، من طريق محمد بن إسحاق، عن عبد الله [بن] [¬٦] رافع، عن أبي هريرة، فذكره بنحوه، ثم قال: لا نعلمه وروى عن النبي ﷺ إلَّا من هذا الوجه بهذا الإسناد.\n[وروى ابن عبد الحق [من] [¬٧] حديث شعبة عن عمرو بن مرة عن عبد الله بن [سلمة] [¬٨] عن علي مرفوعًا -: \"لا ينبغي لعبد أن يقول: أنا خير من يونس بن متَّى، سبح [لله] [¬٩] في الظلمات\".\nوقد روي هذا الحديث بدون هذه الزِّيادة، من حديث ابن عبَّاس، وابن مسعود، وعبد الله بن جعفر، وسيأتي أسانيدها في سورة\"ن\"].\n[وقال] [¬١٠] ابن أبي حاتم (^٤٠): حدَّثنا أَبو [عبيد] [¬١١] الله أحمد بن عبد الرحمن بن أخي\n_________\n(^٣٨) - أخرجه الطَّبري (١٧/ ٨١).\n(^٣٩) - أخرجه البزار في كتاب التفسير، باب: سورة الصافات، حديث (٢٢٥٤) (٣/ ٦٧). قال الهيثمي في المجمع (٧/ ١٠١): رواه البزار عن بعض أصحابه ولم يسمه وفيه ابن إسحاق وهو مدلس، وبقية رجاله رجال الصحيح.\n(^٤٠) - ذكره السيوطي في الدر المنثور (٤/ ٥٩٩) وعزاه إلى ابن أبي الدنيا في \"الفرج\" وابن مردويه.\n_________\n[¬١]- في ز: \"خذ\".\n[¬٢]- في ز: \"فسمع\".\n[¬٣]- في ز: \"حوتًا\".\n[¬٤]- بياض في: ز.\n[¬٥]- في ت: ورواه.\n[¬٦]- في ز: \"عن أبي\".\n[¬٧]- في ز: \"عن\".\n[¬٨]- في ز: \"مسلم\".\n[¬٩]- في ز: \"الله\".\n[¬١٠]- في ت: \"وروى\".\n[¬١١]- في ز: \"عبد\".","vol":"9","page":436},{"text":"ابن وهب، حدثنا عمي، حدثني أبو صخر، أن يزيد الرقاشي حدثه قال: سمعت أنس بن مالك -ولا أعلم إلا أن أنسًا يرفع الحديث إلى رسول الله ﷺ \"أن يونس النبي ﵇ حين بدا له أن يدعو بهذه الكلمات وهو في بطن الحوت، قال: اللهم لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين. فأقبلت [هذه] [¬١] الدعوة تحف بالعرش، فقالت الملائكة: يا رب؛ صوت ضعيف معروف من بلاد غريبة؟ [فقال:] [¬٢] أما تعرفون ذاك؟ قالوا: ألا، [¬٣]، يارب؛ ومن هو؟ قال: عبدي يونس. قالوا: عبدك يونس الذي لم يزل يُرفَع له عملًا متقبلًا ودعوة مجابة؟ [قال: نعم] [¬٤] قالوا: يا رب؛ أو لا [ترحم] [¬٥] ما كان [يصنع] [¬٦] في الرخاء فتنجيه من البلاء؟ قال: بلي. فأمر الحوت فطرحه في العراء وقوله: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ [وَنَجَّينَاهُ] [¬٧] مِنَ الْغَمِّ﴾، أي: أخرجناه من بطن الحوت، وتلك الظلمات، ﴿وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: إذا كانوا في الشدائد ودَعَونا منيبين إلينا، ولا سيما إذا دعوا بهذا الدعاء في حال البلاء، فقد جاء الترغيب في الدعاء بها عن سيد الأنبياء؛ قال الإمام أحمد (^٤١):\nحَدَّثَنا إسماعيل بن عمر، حدثنا يونس بن أبي إسحاق الهمداني، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سعد، حدثني والدي محمد، عن أبيه سعد -وهو ابن أبي وقاص، ﵁ قال: مررت بعثمان بن عفان ﵁ في المسجد، فسلمت عليه، فملأ عينيه مني فلم يَرْدُدْ عليَّ السلام، فأتيت عمر بن الخطاب [فقلت] [¬٨]: يا أمير المؤمنين؛ هل حدث في الإِسلام شيء؟ مرتين، قال: لا، وما ذاك؟ قلت: لا، إلا أني مررت بعثمان آنفًا في المسجد، فسلمت عليه، فملأ عينيه مني ثمّ لم يَرْدُدْ عليَّ السلام. قال: فأرسل عمر إلي عثمان فدعاه، فقال: ما منعك أن لا تكون رددت علي أخيك السلام؟ قال: ما فعلت. قال سعد: قلت: بلي. حتى حَلَفَ وحلفتُ، قال: ثم إن عثمان ذكر فقال: بلي، وأستغفر الله وأتوب إليه، إنك مررت بي آنفًا وأنا أحدث نفسي بكلمة سمعتُها من رسول الله ﷺ، لا والله ما ذكرتُها قط إلا [تَغْشَي] [¬٩] بصري وقلبي غشاوة. قال سعد: فأنا أنبئك بها، إن رسول الله صلي الله غليه وسلم ذكر لنا [أول دعوة] [¬١٠]، ثم جاء أعرابي فشغله، حتى قام رسول الله ﷺ فاتبعتُه، فلما أشفقت أن يسبقني إلي منزله ضربتُ\n_________\n(^٤١) - أخرجه أحمد (١/ ١٧٠).\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- في ز: \"قال\".\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- سقط من: ز.\n[¬٥]- في ز: \"يرحم\".\n[¬٦]- في ز: \"يصنعه\".\n[¬٧]- في ز: \"فنجيناه\".\n[¬٨]- في ز: \"فقال\".\n[¬٩]- في ز: \"يغشي\".\n[¬١٠]- سقط من: ز.","vol":"9","page":437},{"text":"بقدمي الأرض، فالتفت إليَّ رسول الله ﷺ فقال: \"من هذا؟ أبو إسحاق قال: قلت: نعم يا رسول الله. قال: \"فمه؟ \". قلت: لا والله، إلا أنك ذكرت لنا أول دعوة، ثم جاء [هذا] [¬١] الأعرابي فشغلك. قال: \"نعم، دعوة ذي النون، إذ هو في بطن الحوت: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ فإنه لم يدع بها مسلم ربه في شيء قط إلا استجاب له\" ورواه الترمذي (^٤٢) والنسائي (^٤٣) في \"اليوم والليلة\" من حديث إبراهيم بن محمد بن [سعد] [¬٢]، عن أبيه، عن سعد، به.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو خالد الأحمر عن كثير بن زيد عن المطلب بن حنطب -قال أبو خالد: أحسبه عن مصعب -يعني ابن سعد- عن سعد قال: قال رسول الله ﷺ: \"من دعا بدعاء يونس، استجيب له\". قال أبو سعيد: يريد به ﴿وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾.\nوقال: ابن جرير (^٤٤): حدثني عمران بن بكار الكلاعي، حدثنا يحيى بن صالح، حدثنا أبو يحيى بن عبد الرحمن، حدثني بشر بن منصور، عن عليّ بن زيد، عن سعيد بن المسيب قال: سمعت سعد بن مالك -وهو ابن أبي وقاص- يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"اسم الله الذي إذا دُعِيَ به أجاب، وإذا سئل به أعطي: دعوة يونس بن متى\". قال: فقلت: يا رسول الله، هي ليونس خاصة، أم لجماعة المسلمين؟ قال: \"هي ليونس بن متى خاصة، وللمؤمنين عامة، إذا دعوا بها، ألم تسمع قول الله ﷿: ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّينَاهُ [¬٣] مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ فهو شرط من الله لمن دعاه به\"، وقال ابن أبي حاتم: حدثني أبي، حدثنا أحمد بن أبي [سريج] [¬٤]، حدثنا داود ابن [المحبَّر] [¬٥] بن قَحْذَم [المقدسي] [¬٦]، عن كثير بن معبد قال: سألت الحسن، قلت: يا أبا سعيد؛ اسم الله الأعظم، الذي إذا دعيَ به أجاب، وإذا سئل به أعطي؟ قال: ابنَ أخي؛ أما تقرأ القرآن! قول الله تعالى: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا﴾ إلي قوله: ﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾،\n_________\n(^٤٢) - أخرجه الترمذي في كتاب الدعوات، باب: (٨٢)، حديث (٣٥٠٥) (٥/ ٤٩٥) مختصرًا.\n(^٤٣) - أخرجه النسائي في الكبرى في كتاب عمل اليوم والليلة، باب: ذكر دعوة ذي النون، حديث (١٠٤٩١، ١٠٤٩٢) (٦/ ١٦٨).\n(^٤٤) - أخرجه الطبري (١٧/ ٨٢).\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- في ز: \"سعيد\".\n[¬٣]- في ز: \"فنجيناه\".\n[¬٤]- في ز: \"شريح\".\n[¬٥]- في ز: \"المحير\".\n[¬٦]- في ز: \"القرشي\".","vol":"9","page":438},{"text":"ابنَ أخي، هذا هو اسم الله الأعظم، الذي إذا دعيَ به أجاب وإذا سئل به أعطي.\n﴿وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيرُ الْوَارِثِينَ (٨٩) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠)﴾\nيخبر تعالى عن عبده زكريا، حين طلب أن يهبه الله ولدًا، يكون من بعده نبيًّا. وقد تقدمت القصة مبسوطة في أول سورة مريم وفي سورة آل عمران أيضًا، وههنا أخصر منهما؛ ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ﴾ أي: خفية عن قومه ﴿رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا﴾، أي: لا ولدَ لي ولا وارثَ يقوم بعدي في الناس، ﴿وَأَنْتَ خَيرُ الْوَارِثِينَ﴾ عاء وثناء مناسب للمسألة. قال الله تعالى: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ﴾ أي: امرأته.\nقال ابن عباس، ومجاهد، وسعيد بن جبير: كانت عاقرًا لا تلد، فولدت.\nوقال عبد الرحمن بن مهدي: عن طلحة بن عمرو عن عطاء: كان في لسانها طول فأصلحها الله. وفي رواية: كان في خلقها شيء فأصلحها الله: وهكذا قال محمد بن كعب، والسدي، والأظهر من السياق: الأول\nوقوله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيرَاتِ﴾، أي: في عمل القربات وفعل الطاعات ﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾ قال الثوري: رغبًا فيما عندنا، ورهبًا مما عندنا، ﴿وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ قال عليّ بن أبي طلحة: عن ابن عباس: أي: مصدقين بما أنزل الله وقال مجاهد: [مؤمنين] [¬١] حقًّا. وقال أبو العالية: خائفين. وقال أبو سنان: الخشوع هو الخوف اللازم للقلب لا يفارقه أبدًا. وعن مجاهد أيضًا ﴿خاشعين﴾، أي متواضعين. وقال الحسن، وقتادة، والضحاك: ﴿خاشعين﴾ أي: [متذللين] [¬٢] لله ﷿. وكل هذه الأقوال متقاربة.\nوقال: ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عليّ بن محمد الطنافسي، حدثنا محمد بن فضيل، حدثنا عبد الرحمن بن إسحاق [عن] عبد الله القرشي عن [عبد] [¬٣] الله بن حكيم قال: خطبنا أبو بكر ﵁ ثم قال: أما بعد، فإني أوصيكم بتقوي الله، وتُثْنُوا عليه بما هو له أهل وتخلطوا الرغبة يالرهبة، وتجمعوا الإِلحاف بالمسألة، فإن الله ﷿\n_________\n[¬١]- في ز: \"من سر\".\n[¬٢]- في ز: \"موللين\".\n[¬٣]- في ز: \"عبيد\".","vol":"9","page":439},{"text":"أثني علي زكريا وأهل بيته، فقال: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾.\n﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالمِينَ (٩١)﴾\nهكذا قَرَن الله تعالى قصة مريم وابنها عيسى ﵇، بقصة زكريا وابنه يحيي ﵉ فيذكر أولًا قصة زكريا، ثم يتبعها بقصة مريم، لأن تلك موَطّئة لهذه، فإنها إيجاد ولد من شيخ كبير قد طَعَن في السن، ومن امرأة عجوز عاقر لم تكن تلد في حال شبابها، ثم يذكر قصة مريم وهي أعجب، فإنها إيجاد ولد من أنثي بلا ذكر. هكذا وقع في سورة آل عمران، وفي سورة مريم، وههنا ذكر قصة زكريا، ثم أتبعها بقصة مريم، فقوله: ﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾ يعني: مريم ﵍ كما قال في سورة التحريم: ﴿[وَمَرْيَمَ] [¬١] ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا﴾ وقوله: ﴿وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالمِينَ﴾، أي: دلالة علي أن الله علي كل شيء قددر، وأنه يخلق ما يشاء، و﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾ وهذا كقوله: ﴿ولنجعله آية للناس﴾ قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عمرو بن علي، حدثنا أبو عاصم الضحاك بن مخلد، عن [شبيب] [¬٢]-يعني ابن [بشر] [¬٣]- عن عكرمة عن ابن عباس في قوله: ﴿للعالمين﴾، قال: العالمين: الجن والإنس.\n﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (٩٢) وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَينَهُمْ كُلٌّ إِلَينَا رَاجِعُونَ (٩٣) فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ (٩٤)﴾\nقال ابن عباس، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وقتادة، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾، يقول: دينكم دين واحد.\nوقال الحسن البصري [في] [¬٤] هذه الآية: بين لهم ما يتقون وما يأتون، ثم قال: ﴿إِنَّ هَذِهِ [أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾، أي:] [¬٥] سنتكم سنة واحدة. فقوله: ﴿إن هذه﴾ إن واسمها،\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- في ز: \"شعيب\".\n[¬٣]- في ز: \"بشير\".\n[¬٤]- في ز: \"من\".\n[¬٥]- سقط من: ز.","vol":"9","page":440},{"text":"وأمتكم خبر إن، أي: هذه شريعتكم التي بينت لكم ووضحت لكم، وقوله: ﴿أمة واحدة﴾ [نصب] [¬١] علي الحال، ولهذا قال: ﴿وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾، كما قال: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٥١) وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ (٥٢)﴾ وقال رسول الله ﷺ: \"نحن -معشر الأنبياء- أولاد علات ديننا واحد\" (^٤٥). يعني: أن المقصود هو عبادة الله وحده لا شريك له بشرائع متنوعة لرسله، كما قال تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ وقوله: ﴿وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَينَهُمْ﴾، أي: اختلفت الأمم على رسلها، فمن بين مصدق لهم ومكذب ولهذا قال: ﴿كُلٌّ إِلَينَا رَاجِعُونَ﴾، أي: يوم القيامة، [فيجازي] [¬٢] كل بحسب عمله، إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر، ولهذا قال: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾، أي: قلبه مصدق، وعمل عملًا صالحا، ﴿فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ﴾، كقوله: ﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾، [أي:] [¬٣] لا [يُكْفَر] [¬٤] سعيه -وهو عمله- بل [يشكر] [¬٥] فلا يظلم مثقال ذرة، ولهذا قال: ﴿وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ﴾، أي: نكتب [¬٦] جميع عمله، فلا يضيع عليه منه شيء.\n﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (٩٥) حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ (٩٦) وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَاوَيلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ (٩٧)﴾\nيقول تعالى: ﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ﴾ قال ابن عباس: وجب. يعني: قدرًا مقدرًا أن أهل كل قرية أهلكوا أنهم لا يرجعون إلي الدنيا قبل يوم القيامة، هكذا صرح به ابن عباس، وأبو جعفر الباقر، وقتادة، وغير واحد.\nوفي رواية عن ابن عباس: ﴿أنهم لا يرجعون﴾ أي: [لا] يتوبون. والقول الأول أظهر والله أعلم.\n_________\n(^٤٥) - أصله في الصحيحين من حديث أبي هريرة، أخرجه البخاري في كتاب الأنبياء، باب: قول الله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا﴾، حديث (٣٤٤٢، ٣٤٤٣) (٦/ ٤٧٨). ومسلم في كتاب الفضائل، باب: فضائل عيسى ﵇، حديث (١٤٣، ١٤٤/ ٢٣٦٥).\n_________\n[¬١]- في ز: \"نعت\".\n[¬٢] في ز: \"فنجازي\".\n[¬٣]- في ز: \"يعني\".\n[¬٤]- في ز: \"نكفر\".\n[¬٥]- بياض في: ز.\n[¬٦]- في ت: \"يكتب\".","vol":"9","page":441},{"text":"وقوله: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ﴾: قد قدمنا أنهم من سلالة آدم ﵇ بل هم من نسل نوح أيضًا، من أولاد يافث أبي الترك، والترك شرذمة منهم، تُركوا من وراء السد الذي بناه ذو القرنين.\nوقال: ﴿هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا (٩٨) وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا﴾، وقال في هذه الآية الكريمة: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ (٩٦)﴾، أي: يسرعون في المشي إلى الفساد.\nوالحدب: هو المرتفع من الأرض، قاله ابن عباس، وعكرمة، وأبو صالح، والثوري، وغيرهم، وهذه صفتهم في حال خروجهم، [كأن] [¬١] السامع مشاهد لذلك، ﴿ولا ينبئك مثل خبير﴾، هذا إخبار عالم ما كان وما يكون، الذي يعلم غيب السموات والأرض، لا إله إلا هو.\nوقال ابن جرير (^٤٦): حدثنا محمد بن مثنى، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن [عُبَيد] [¬٢] الله بن أبي يزيد قال: رأي ابن عباس صبيانًا ينزو بعضهم علي بعض، يلعبون، فقال ابن عباس: هكذا يخرج يأجوج ومأجوج.\nوقد ورد ذكر خروجهم في أحاديث متعددة من السنة النبوية.\nفالحديث الأول: قال الإمام أحمد (^٤٧):\nحَدَّثَنا يعقوب، حدثنا أبي، عن ابن إسحاق، عن عاصم بن عُمَر بن قتادة، عن محمود بن لَبِيد، عن أبي سعيد الخدري قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"يُفتح يأجوج ومأجوج، فيخرجون كما قال الله ﷿: ﴿مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ فيغشون الناس، وينحاز المسلمون عنهم إلى مدائنهم وحصونهم، ويضمون إليهم مواشيَهم، ويشربون مياه الأرض، حتى إن بعضهم ليمر بالنهر، فيشربون ما فيه حتى يتركوه يَبسًا، حتى إن من بعدهم ليمر بذلك النهر فيقول: قد كان ها هنا ماء مرةً، حتى إذا لم يبق من الناس أحد إلا أحد في حصن أو مدينة، قال قائلهم: هؤلاء أهل الأرض قد فرغنا منهم، بقي أهل السماء. قال ثم يهز أحدهم حربته، ثم يرمي بها إلى السماء، فترجع إليه مُخْتَضبَةً\n_________\n(^٤٦) - أخرجه الطبري (١٧/ ٨٨).\n(^٤٧) - أخرجه أحمد (٣/ ٧٧).\n_________\n[¬١]- في ز: \"كأنك\".\n[¬٢]- في ز: \"عبد\".","vol":"9","page":442},{"text":"دمًا -للبلاء والفتنة- فبينما هم على ذلك، [إذ] [¬١] بعث الله ﷿ دودًا في أعناقهم كَنَغَف الجراد الذي يخرج في أعناقه، فيصبحون موتى لا يسمع لهم حس، فيقول المسلمون: ألا رجل يشري لنا نفسه، فينظر ما فعل هذا العدو؟ قال: فيتجرد رجل منهم محتسبًا نفسه، وقد أوطنها على أنه مقتول، فينزل فيجدهم موتى، بعضهم على بعض، فينادي: يا معشر المسلمين، ألا أبشروا، إن الله ﷿ قد كفاكم عدوكم، فيخرجون من مدائنهم وحصونهم، ويُسَرّحون مواشيهم، فما يكون لها رعي إلا لحومهم، [فَتَشْكر عنهم] [¬٢] كأحسن ما [شكرت] [¬٣] عن شيء من النبات أصابته قط.\nورواه ابن ماجة (^٤٨) من حديث يونس بن بكير، عن ابن إسحاق به.\n(الحديث الثاني): قال [الإمام، [¬٤] أحمد (^٤٩) أيضًا: حدثنا الوليد بن مسلم أبو العباس الدمشقي، حدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، حدثني حمص بن جابر الطائي قاضي حمص، حدثني عبد الرحمن بن جُبَيبر بن نفير الحضرمي، عن أبيه، أنه سمع النواس بن سمعان الكلابي قال: ذكر رسول الله ﷺ الدجال ذات غداة، فخفض فيه ورفع حتى ظنناه في [طائفة النخل] [¬٥] [فلما رُحْنَا إليه عرف ذلك في وجوهنا، فسألناه فقلنا: يا رسول الله، ذكرت الدجال الغداة، فخفضت فيه ورفعت حتى ظنناه في طائفة النخل؟] [¬٦] فقال: \"غير الدجال [أخوف مني] [¬٧] عليكم، فإن يخرج وأنا فيكم فأنا حجيجه دونكم، وإن يخرج ولست فيكم فامرؤ حجيج نفسه، والله خليفتي علي كل مسلم؛ إنه شاب جعد قَطَط، عينه طافية، وإنه يخرج [خَلّةً] [¬٨] بين الشام والعراق [فعاث] [¬٩] يمينًا وشمالًا، يا عباد الله اثبتوا\". قلنا: يا رسول الله، ما لبثه في الأرض؟ قال: \"أربعين يومًا، يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، وسائر أيامه كأكامكم\". قلنا: كما رسول الله، فذاك اليوم الذي هو كسنة أتكفينا فيه صلاة يوم وليلة؟ قال: لا، اقدروا له قدره. قلنا: يا رسول الله، فما إسراعه في الأرض؟ قال: \"كالغيث استدبرته الريح\"، قال: فيمر بالحي فيدعوهم فيستجيبون\n_________\n(^٤٨) - أخرجه ابن ماجة في كتاب الفتن، باب: طلوع الشمس من مغربها، حديث (٤٠٧٩) (٢/ ١٣٦٣ - ١٣٦٤).\n(^٤٩) - المسند (٤/ ١٨١ - ١٨٢).\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- في ز: \"فتسكر عنه\".\n[¬٣]- في ز: \"تسكر\".\n[¬٤]- سقط من: ز.\n[¬٥]- في ز: \"ناحية المسجد\".\n[¬٦]- سقط من: ز.\n[¬٧]- في ت: \"أخوفني\".\n[¬٨]- في ز: \"حيله\".\n[¬٩]- في ز: \"فيعاث\".","vol":"9","page":443},{"text":"له، فيأمر السماء فتمطر، والأرض فتنبت، وتروح عليهم سارحتهم وهي أطول ما كانت [ذُرُا] [¬١]، وأمده خواصر، [وأسبغه] [¬٢] ضروعًا. ويمر بالحي فيدعوهم فيردون عليه قولَه، فتتبعه أموالهم، فيصبحون مُمْحلين، ليس لهم من أموالهم شيء، ويمر بالخربة فيقول لها: أخرجي كنوزك. فتتبعه كنوزها كيعاسيب النحل (^١). قال: ويأمر برجل فيُقتل، فيضربه بالسيف، فيقطعه جَزْلَتَيْن رَميَة الغرض (^٢)، ثم يدعوه فيقبل إليه [يتهلل وجهه] [¬٣] فبينما هم على ذلك، إذ بعث الله ﷿ المسيح بن مريم، فينزل عند المنارة البيضاء، شرقي دمشق، بين مَهْرْودَتَين (^٣) واضعًا يده على أجنحة ملكين، فيتبعه فيدركه، فيقتله عند باب لُدّ الشرقي\". قال: \"فبينما هم كذلك إذ أوحى الله ﷿ إلى عيسى ابن مريم ﵇: أني قد أخرجت عبادًا من عبادي لا [يَدَانِ] [¬٤] لك بقتالهم، فحَوّز عبادي إلى الطور، فيبعث الله ﷿ يأجوج ومأجوج، وهم كما قال الله تعالى: ﴿من كل حدب ينسلون﴾، فيرغب عيسى وأصحابه إلى الله ﷿ فيرسل الله عليهم نَغَفًا (^٤) في رقابهم، فيصبحون [فَرْسى] [¬٥] كموت نفس واحدة. فيهبط عيسى وأصحابه، فلا يجدون في الأرض بيتًا إلا قد ملأه زَهَمُهم (^٥) ونَتنهم، فيرغب عيسى وأصحابه إلى الله ﷿ فيرسل عليهم طيرًا كأعناق البخت، فتحملهم فتطرحهم حيث شاء الله\".\n[قال ابن جابر: فحدثني عطاء بن يزيد السكسكي عن كعب -أو غيره- قال: فتطرحهم [بالمهبل] [¬٦] [فقلت: يا أبا يزيد، وأين المَهْبِل؟] [¬٧] قال: مطلع الشمس. قال: \"ويرسل الله مطرًا لا يكُنُّ (^٦) منه بيت مَدَر ولا وبر أربعين يومًا، فيغسل الأرض حتى يتركها كالزّلفَة (^٧)، ويقال للأرض: أنبتي ثمرتك، وردي بركتك. قال: فيومئذ يأكل النفر\n_________\n(^١) يعاسيب النحل: قال النووي: هي ذكور النحل. شرح مسلم (١٨/ ٦٦).\n(^٢) جزلتين: أي قطعتين. ورمية الغرض: أي أنه يجعل بين الجزلتين مقدار رميته. شرح مسلم (١٨/ ٦٧).\n(^٣) معناه: لابس مهرودتين: أي ثوبين مصبوغين بورس ثم بزعفران. شرح مسلم (١٨/ ٦٧).\n(^٤) جمع نغفة: وهو دود يكون في أنوف الإبل والغنم. النهاية (٥/ ٨٧).\n(^٥) زهمهم: دسمهم. شرح النووي علي مسلم (١٨/ ٦٩).\n(^٦) يكن: يمنع.\n(^٧) الزلفة: قيل: هي المرآة شبهها بها لنظافتها واستوائها. وقيل: الروضة. وقيل: غير ذلك. النهاية (٢/ ٣٠٩).\n_________\n[¬١]- في ز: \"درًا\"؟\n[¬٢]- في ز: \"أشبعه\".\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- في ز: \"بدان\".\n[¬٥]- في ز: \"موتى\". وفرسى جمع فريس، وهو القتيل. النهاية (٣/ ٤٢٨).\n[¬٦]- في ز: \"بالمهل\".\n[¬٧]- سقط من: ز.","vol":"9","page":444},{"text":"من الرمانة ويستظلون بقحْفها (^١)، ويبارك في [الرسْل]، [¬١]، حتى إن اللّقْحَة من الإبل لتكفي الفئام من الناس، واللقحة من البقر تكفي الفخذ، والشاة من الغنم تكفي أهل البيت\" قال: فبينما هم على ذلك، إذ بعث الله ﷿[ريحًا طيبة] [¬٢] تحت آباطهم، [فتقبض] [¬٣] روح كل مسلم\" -أو قال: \"مؤمن\"- \"ويبقى شرار الناس يتهارجون تهارج الحمير (^٢)، وعليهم تقوم الساعة\".\nانفرد بإخراجه مسلم (^٣) دون البخاري، فرواه مع بقية أهل السنن (^٤) من طرق عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر به، وقال الترمذي: حسن صحيح.\n(الحديث الثالث): قال الإمام أحمد (^٥): حدثنا محمد بن بشر، حدثنا محمد بن عمرو [عن] [¬٤] ابن حرملة. عن خالته قالت: خطب رسول الله ﷺ وهو عاصب أصبُعَه من لدغة عقرب، فقال: \" [إنكم] [¬٥] تقولون: لا عدو [لكم] [¬٦]، وإنكم لا تزالون تقاتلون عدوًّا، حتى يأتي يأجوج ومأجوج، عراض الوجوه، صغار العيون، صُهْب [الشعاف] [¬٧] من كل حدب ينسلون، كأن وجوههم المجان المطرقة.\nوكذا رواه ابن أبي حاتم: من حديث محمد بن [عمرو] [¬٨]، عن خالد بن عبد الله بن حرملة المدلجي، عن خالة له، عن النبي ﷺ، فذكره مثله.\n(الحديث الرابع): قد تقدم في تفسير آخر سورة الأعراف من رواية الإمام أحمد (^٦) عن\n_________\n(^١) قحفها: قشرها. النهاية (٤/ ١٧).\n(^٢) أي يجامع الرجال النساء بحضرة الناس كما يفعل الحمير ولا يكترثون لذلك. شرح النووي على مسلم (٧٠/ ١٨).\n(^٣) - أخرجه مسلم في كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب: ذكر الدجال وصفته وما معه، حديث (١١٠/ ٢١٣٧) (١٨/ ٨٥ - ٩٣).\n(^٤) - سنن أبي داود في الملاحم، باب: خروج الدجال ببعضه برقم (٤٣٢١)، وسنن الترمذي في الفتن برقم (٢٢٤٠)، وسنن النسائي الكبرى برقم (١٠٧٨٣)، وسنن ابن ماجة يرقم (٤٠٧٥).\n(^٥) المسند (٥/ ٢١٧).\n(^٦) المسند (١/ ٣٧٥)، وابن ماجه برقم (٤٠٨١)، وسبق عند تفسير الآية: ١٨٧ من سورة الأعراف.\n_________\n[¬١]- في ز: \"المرسل\". والرسل: اللبن.\n[¬٢]- في ز: \"الحاطيبه\".\n[¬٣]- في ز: \"قيقبض\".\n[¬٤]- سقط من: ز.\n[¬٥]- سقط من: ز.\n[¬٦]- سقط من ت.\n[¬٧]- في ز: \"العساف\". وصهب الشعاف، أي: صُهب الشعور. [النهاية ٢/ ٤٨٢].\n[¬٨]- في ز: \"عمر\".","vol":"9","page":445},{"text":"هشيم، عن العوام، عن جبلة بن سحيم، عن مُؤثر بن [عَفَازَةَ] [¬١]، عن ابن مسعود ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: \"لقيت ليلة أسري بي إبراهيم وموسى وعيسى ﵈ قال: فتذاكروا أمر الساعة، فردوا أمرهم إلى إبراهيم، فقال: لا علم لي [بها] [¬٢]. فردوا أمرهم إلى موسى، فقال: لا علم لي [بها] [¬٣]. فردوا أمرهم إلى عيسى، فقال: أما [وجبتها] [¬٤] فلا يعلم بها أحد إلا الله، [وفيما] [¬٥] عهد إليَّ ربي أن الدجال خارج، [قال:] [¬٦] ومعي قضيبان، فإذا رآني ذاب كما يذوب الرصاص، قال: فيهلكه الله إذا رآني، حتى إن الحجر والشجر يفول: يا مسلم، إن تحتي كافرًا، فتعال فاقتله. قال: فيهلكهم الله، ثم يرجع الناس إلى بلادهم وأوطانهم. قال: فعند ذلك يخرج يأجوج ومأجوج، وهم من كل حدب ينسلون، فيطئون بلادهم، لا يأتون على شيء إلا أهلكوه، ولا يمرون على ماء إلا شربوه. قال: ثم يرجع الناس [إليّ] [¬٧] يشكونهم، فأدعو الله عليهم، فيهلكهم ويميتهم، حتى تجوى الأرض من نَتْن ريحهم، وينزل الله المطر، فيجترف أجسادهم، حتى يقذفهم في البحر، ففيما عهد إليَّ ربي أن ذلك إذا كان كذلك، أن الساعة كالحامل المُتِمُ، لا يدري أهلها متى تَفْجؤهم [بولادها] [¬٨] ليلًا أو نهارًا.\nورواه ابن ماجة: عن محمد بن بشار، عن يزيد بن هارون، عن العوام بن حوشب به، نحوه وزاد: قال العوام: ووجد تصديق ذلك في كتاب الله ﷿ ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾.\nورواه ابن جرير ها هنا من حديث جبلة به (^٥٤).\nوالأحاديث في هذا كثيرة جدًّا، والآثار عن السلف كذلك.\nوقد روى ابن جرير (^٥٥) وابن أبي حاتم: من حديث معمر، عن غير واحد، عن حميد بن هلال، عن أبي [الضَّيف] [¬٩] قال: قال كعب: إذا كان عند خروج يأجوج ومأجوج، حفروا حتى يسمع الذين يلونهم قرع فئوسهم، فإذا كان الليل قالوا: نجيء غدًا فنخرج.\n_________\n(^٥٤) تفسير الطبري (١٧/ ٧٢).\n(^٥٥) تفسير الطبري (١٧/ ٧١).\n_________\n[¬١]- في ز: \"عفان\".\n[¬٢]- في ز: \"فيها\".\n[¬٣]- في ز: \"فيها\".\n[¬٤]- في ز: \"وجهها\".\n[¬٥]- في ز: \"مما\".\n[¬٦]- سقط من: ز.\n[¬٧]- سقط من: ز.\n[¬٨]- في ز: \"بولادتها\".\n[¬٩]- في ت: \"الصيف\".","vol":"9","page":446},{"text":"فيعيده الله كما كان، فيجيئون من الغد، فيجدونه قد أعاده الله كما كان، فيحفرون حتى يسمع الذين يلونهم قرع فئوسهم، فإذا كان الليل ألقى الله على لسان رجل منهم يقول: نجيء غدًا فنخرج إن شاء الله. فيجيئون من الغد فيجدونه كما تركوه، فيحفرون حتى يخرجوا، فتمر الزمرة الأولى بالبحيرة فيشربون ماءها، ثم تمر الزمرة الثانية فيلحسون طينها، ثم تمر الزمرة الثالثة فيقولون: قد كان ههنا مرة ماء. ويفر الناس منهم، فلا يقوم لهم شيء، ثم يرمون بسهامهم إلى السماء، فترجع إليه مُخَضَّبَة بالدماء، فيقولون: غلبنا أهل الأرض وأهل السماء. فيدعو عليهم عيسى ابن مريم ﵇ فيقول: اللهم لا طاقة ولا يَدَين لنا بهم، [فاكفناهم] [¬١] بما شئت. فيسلط الله عليهم دودًا، يقال له: النغف فيفرس رقابهم، ويبعث الله عليهم طيرًا تأخذهم بمناقيرها فتلقيهم في البحر، ويبعث الله عينًا يقال لها: الحياة، يطهر الله الأرض وينبتها، حتى إن الرمانة ليشبع منها السَّكن -قيل: وما السكن يا كعب؟ قال: أهل البيت- قال: فبينما الناس كذلك، إذ أتاهم الصريخ أن ذا السويقتين يريده، [قال:] [¬٢] فيبعث عيسى ابن مريم طليعة سبعمائة -أو بين السبعمائة والثمانمائة- حتى إذا كانوا ببعض الطريق، بعث الله ريحًا يمانية طيبة، فيقبض فيها روح كل مؤمن، ثم يبقى عجاج من الناس فيتسافدون كما [يتَسَافد] [¬٣] البهائم، فمثل الساعة كمثل رجل يطيف حول فرسه [ينتظرها] [¬٤] متى تضع. قال كعب: فمن [قال بعد] [¬٥] قولي هذا شيئًا أو [بعد علمي] [¬٦] هذا شيئًا فهو المتكلف.\nهذا من أحسن سياقات كعب الأحبَار، لما شهد له من صحيح الأخبار، وقد ثبت [في] [¬٧] الحديث: أن عيسى ابن مريم يحج البيت العتيق.\nوقال الإمام أحمد (^٥٦): حَدَّثَنا سليمان بن داود، حدثنا عمران، عن قتادة، عن عبد الله بن أبي عتبة، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ: \"ليحجن هذا البيت، وليعتمرن بعد خروج، يأجوج ومأجوج\" انفرد بإخراجه البخاري.\nوقوله: ﴿وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾، يغني: يوم القيامة، إذا وجدت هذه الأهوال والزلازل والبلابل، أزفت الساعة واقتربت، فإذا كانت ووقعت قال الكافرون ﴿هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾، ولهذا قال تعالى: ﴿فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، أي: من شدة ما يشاهدونه\n_________\n(^٥٦) المسند (٣/ ٢٧)، وصحيح البخاري برقم (١٥٩٣).\n_________\n[¬١]- في ت: \"فاكفيناهم\".\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- في ت: \"تسافد\".\n[¬٤]- سقط من: ز.\n[¬٥]- في ز: \"يعد\".\n[¬٦]- في ت: \"بعد عملي\".\n[¬٧]- سقط من: ز.","vol":"9","page":447},{"text":"من الأمور العظام ﴿يَاوَيلَنَا﴾، أي: يقولون: ﴿يَاوَيلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا﴾، أي: في الدنيا ﴿بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ يعترفون بظلمهم لأنفسهم، حيث لا ينفعهم ذلك.\nإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (٩٨) لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ (٩٩) لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ (١٠٠) إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١) لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ (١٠٢) لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (١٠٣)\nيقول تعالى مخاطبًا لأهل مكة من مشركي قريش، ومن دان بدينهم من عبدة الأصنام والأوثان: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ قال ابن عباس: أي: وقودها. يعني كقوله: ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ وقال ابن عباس أيضًا: ﴿حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ بمعنى: شجر جهنم. وفي رواية قال: ﴿حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ يعني: حطب جهنم بالزنجية. وقال مجاهد وعكرمة وقتادة: حطبها. وهي كذلك في قراءة عليّ وعائشة ﵄ وقال الضحاك: ﴿حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ أي ما يرمى به فيها. وكذا قال غيره، والجميع قريب.\nوقوله: ﴿أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ أي: داخلون، ﴿لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا﴾، يعني: لو كانت [يعني] [¬١] هذه الأصنام والأنداد التي اتخذتموها من دون الله -آلهة صحيحة، لما وردوا النار ولما دخلوها ﴿وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ﴾، أي: العابدون ومعبوداتهم كلهم فيها خالدون ﴿لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ﴾ كما قال تعالى: ﴿لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ﴾ والزفير خروج أنفاسهم، والشهيق ولوج أنفاسهم ﴿وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ﴾.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عليّ بن محمد الطنافسي، حدثنا ابن فُضيل، حدثنا عبد الرحمن -يعني المسعودي- عن أبيه قال: قال ابن مسعود: إذا بقي من يخلد في النار، جعلوا في توابيت من نار، فيها مسامير من نار، فلا يرى أحد منهم أنه يعذب في النار غيره، ثم تلا عبد الله: ﴿لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ﴾.\n_________\n[¬١]- سقط من ت.","vol":"9","page":448},{"text":"ورواه ابن جرير من حديث حجاج بن محمد عن المسعودي عن يونس بن [خباب] [¬١] عن ابن مسعود فذكره.\nوقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى﴾، قال عكرمة: الرحمة. وقال غيره: السعادة ﴿أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾، لما ذكر تعالى أهل النار وعذابهم بسبب شركهم بالله، عطف بذكر السعداء من المؤمنين بالله ورسله، وهم الذين سبقت لهم من الله السعادة، وأسلفوا الأعمال الصالحة في الدنيا، كما قال تعالى: ﴿[لِلَّذِينَ] [¬٢] أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ وقال: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إلا الْإِحْسَانُ﴾، فكما أحسنوا العمل في الدنيا، أحسن الله [مآلهم] [¬٣] وثوابهم، فنجاهم من العذاب، وحَصَّل لهم جزيل الثواب، فقال: ﴿أُولَئِكَ عَنْهَا﴾ [أي: النار] [¬٤] ﴿مُبْعَدُونَ * لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا﴾ أي: حريقها في الأجساد.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن عمار، حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، عن أبيه، [عن الجريري] [¬٥]، عن أبي عثمان: ﴿لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا﴾ قال: حيات على الصراط تلسعهم، فإذا لسعتهم قال: حس حس.\nوقوله: ﴿وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ﴾، فسلمهم من المحذور والمرهوب، وحصل لهم المطوب والمحبوب.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أحمد بن أبي سُريج، حدثنا محمد بن الحسن بن أبي يزيد الهمداني، عن ليث بن أبي سليم، عن ابن عم النعمان بن بشير، [عن النعمان بن بشير] [¬٦] قال: [وسمر] [¬٧] مع عليّ ذات ليلة، فقرأ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾، قال: أنا منهم، وعمر منهم، وعثمان منهم، والزبير منهم، وطلحة منهم، وعبد الرحمن منهم -أو قال: سعد [منهم] [¬٨]- قال: وأقيمت الصلاة فقام، وأظنه يجر ثوبه، وهو يقول: ﴿لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا﴾.\nوقال شعبة: عن أبي بشر، عن يوسف المكي، عن محمد بن حاطب قال: سمعت عليًّا\n_________\n[¬١]- في ز: \"حباب\".\n[¬٢]- في ز: \"الذين\".\n[¬٣]- في ت: \"مآبهم\".\n[¬٤]- سقط من ت.\n[¬٥]- في ز: \"عن أبي عثمان الحديدي\".\n[¬٦]- سقط من: ز.\n[¬٧]- في ز: \"سمن\".\n[¬٨]- سقط من: ز.","vol":"9","page":449},{"text":"يقول في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى﴾، قال: عثمان وأصحابه.\nورواه ابن أبي حاتم أيضًا، ورواه ابن جرير من حديث يوسف بن سعد -وليس بابن ماهك- عن محمد بن حاطب، عن عليّ، فذكره، ولفظه: عثمان منهم.\nوقال عليّ بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾: فأولئك أولياء الله، يمرون على الصراط مرًّا هو أسرع من البرق، ويبقى الكفار فيها جثيًّا.\nفهذا مطابق لما ذكرناه. وقال آخرون: بل نزلت استثناء من المعبودين، وخرج منهم عزيز والمسيح، كما قال حجاج بن محمد الأعور عن [ابن] [¬١] جريج وعثمان بن عطاء، عن عطاء، عن ابن عباس: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ ثم استثنى فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى﴾، فيقال: هم الملائكة وعيسى، ونحو ذلك مما يعبد من دون الله ﷿. وكذا قال عكرمة والحسن وابن جريج.\nوقال الضحاك: عن ابن عباس في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى﴾، قال: نزلت في عيسى بن مريم وعزير ﵉.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا الحسين بن عيسى بن ميسرة، حدثنا أبو زهير، حدثنا سعد بن طريف، عن الأصبغ، عن عليّ في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى﴾، قال: كل شيء يعبد من دون الله في النار إلا الشمس والقمر وعيسى ابن مريم. إسناده ضعيف.\nوقال ابن أبي نجيح عن مجاهد: ﴿أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ قال: عيسى وعزير والملائكة.\nوقال الضحاك: عيسى ومريم والملائكة والشمس والقمر. وكذا روى عن سعيد بن جبير وأبي صالح وغير واحد. وقد روى ابن أبي حاتم (^٥٧) في ذلك حديثًا غريبًا جدًّا فقال: حدثنا الفضل بن يعقوب [الرُّخّامي]، حدثنا سعيد بن [مسلمة] [¬٢] بن عبد الملك، حدثنا ليث بن أبي سليم، عن مغيث، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى [أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ] [¬٣]﴾، قال: \"عيسى وعزير والملائكة\". وذكر بعضهم قصة ابن الزبعرى ومناظرة المشركين.\n_________\n(^٥٧) في إسناده سعيد بن مسلمة وشيخه ليث بن أبي سليم وهما ضعيفان.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- في ز: \"سلمة\".\n[¬٣]- سقط من: ز.","vol":"9","page":450},{"text":"قال أبو بكر بن مردويه: حَدَّثَنا محمد بن عليّ [بن] [¬١] سهل، حدثنا محمد بن حسن الأنماطي، حدثنا إبراهيم بن محمد [بن] [¬٢] عَرْعَرَة، حدثنا يزيد بن أبي حكيم، حدثنا الحكم -يعني ابن أبان- عن عكرمة، عن ابن عباس قال: جاء عبد الله بن الزبعرى إلى النبي ﷺ فقال: تزعم أن الله أنزل عليك هذه الآية: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾؟ [فقال] [¬٣] ابن الزبعرى: قد عُبدت الشمس والقمر والملائكة وعزيز وعيسى ابن مريم، كل هؤلاء في النار مع آلهتنا؟ فنزلت: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إلا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾، ثم نزلت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾. رواه الحافظ أبو عبد الله في [كتاب] [¬٤]: \"الأحاديث المختارة\".\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا قبيصة بن عقبة، حدثنا سفيان -يعني الثوري- عن الأعمش، عن أصحابه، عن ابن عباس قال: لما نزلت: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾. قال المشركون: فالملائكة وعزيز وعيسى يُعْبَدون من دون الله؟ فنزلت: ﴿لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا﴾. الآلهة التي يعبدون، ﴿وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.\nوروي عن أبي كدينة، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس مثل ذلك. وقال: فنزلت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾.\nوقال محمد بن إسحاق بن يسار (^٥٨) ﵀ في كتاب \"السيرة\": وجلس رسول الله، ﷺ فيما بلغني-[يومًا] [¬٥] مع الوليد بن المغيرة في المسجد، فجاء النضر بن الحارث حتى جلس معهم، وفي [المجلس] [¬٦] غير واحد من رجال قريش، فتكلم رسول الله ﷺ فعرض له النضر بن الحارث، فكلمه رسول الله ﷺ حتى أفحمه، وتلا عليه وعليهم: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ﴾ ثم قام رسول الله ﷺ وأقبل عبد الله بن الزّبعْرَى السهمي حتى جلس، فقال الوليد بن المغيرة لعبد الله بن الزبعرى: والله ما قام النضر بن\n_________\n(^٥٨) السيرة النبوية لابن هشام (١/ ٣٥٨)، ورواه الطبري في تفسيره (١٧/ ٧٦).\n_________\n[¬١]- في ز: \"ثنا\".\n[¬٢]- في ز: \"عن\".\n[¬٣]- في ز: \"قال\".\n[¬٤]- في ت: \"كتابه\".\n[¬٥]- سقط من: ز.\n[¬٦]- في ت: \"المسجد\".","vol":"9","page":451},{"text":"الحارث لابن عبد المطلب آنفًا ولا قعد، وقد زعم محمد [أنَّا وما] [¬١] نعبد من آلهتنا هذه حصب جهنم. فقال عبد الله بن الزبعرى: أما والله لو وجدته لخصمته، فسلوا محمدًا: [أكل] [¬٢] ما يُعْبَد من دون الله في جهنم مع من عبده؟ فنحن نعبد الملائكة، واليهود [تعبد] [¬٣] عزيزًا، والنصارى [تعبد] [¬٤] عيسى ابن مريم؟ فعجب الوليد ومن كان معه في المجلس من قول عبد الله بن الزبعرى، ورأوا أنه قد احتج وخاصم. فذكر ذلك لرسول الله ﷺ فقال: \"كل من أحب أن يُعْبَد من دون الله فهو مع من عبده، إنهم إنما يعبدون الشياطين ومن [أمرتهم] [¬٥] بعبادته\". وأنزل الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ * لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ﴾. أي: عيسى وعزيز ومن عبدوا من الأحبار والرهبان، الذين مضوا على طاعة الله، فاتخذهم من يعبدهم من أهل الضلالة أربابًا من دون الله.\nونزل فيما يذكرون أنهم يعبدون الملائكة وأنهم بنات الله: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ * لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾. ونزل فيما ذكر من أمر عيسى، وأنه يعبد من دون الله، وعجب الوليد ومن حضره من حجته وخصومته: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ، وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إلا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ * إِنْ هُوَ إلا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ * وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ * وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا﴾. أي: ما وضعت على يديه من الآيات؛ من إحياء الموتى، وإبراء الأسقام، فكفى به دليلًا على علم الساعة، يقول: ﴿فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾. وهذا الذي قاله ابن الزبعرى خطأ كبير؛ لأن الآية إنما نزلت خطابًا لأهل مكة في عبادتهم الأصنام التي هي جماد لا تعقل، ليكون ذلك تقريعًا وتوبيخًا لعابديها، ولهذا قال: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾. فكيف يورد على هذا المسيح والعزيز ونحوهما، ممن له عمل صالح، ولم يرض بعبادة من عبده؟ وعول ابن جرير في تفسيره في الجواب على أن \"ما\" لما لا يعقل [عند] [¬٦] العرب، وقد أسلم عبد الله بن الزبعرى بعد ذلك، وكان من الشعراء المشهورين، كان يهاجي المسلمين أولًا ثم قال معتذرًا:\nيا رسول المليك؛ إن لساني … رائق ما فتقت إذ أنا بور\n_________\n[¬١]- في ز: \"أبان\".\n[¬٢]- في ت: \"كل\".\n[¬٣]- في ز: \"يعبدوا\".\n[¬٤]- في ز: \"يعبدوا\".\n[¬٥]- في ز: \"أمرهم\".\n[¬٦]- في ز: \"عن\".","vol":"9","page":452},{"text":"إذ أجاري الشيطانَ في سَننَ الغَيّ … ومن مال مَيلَه مَثْبُور\nوقوله: ﴿لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ﴾، قيل: المراد بذلك الموت. رواه عبد الرزاق، عن يحيى بن ربيعة، عن عطاء.\nوقيل: المراد بالفزع الأكبر: النفخة في الصور. قاله العوفي عن ابن عباس، وأبو سنان [سعيد] [¬١] بن سنان الشيباني، واختاره ابن جرير في تفسيره.\nوقيل: حين يؤمر بالعبد إلى النار. قاله الحسن البصري.\nوقيل: حين تطبق النار على أهلها. قاله سعيد بن جبير وابن جريج.\nوقيل: حين يذبح الموت بين الجنة والنار. قاله أبو بكر الهذلي فيما رواه ابن أبي حاتم عنه.\nوقوله: ﴿وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾. يعني: تقول لهم الملائكة، تبشرهم يوم معادهم إذا خرجوا من قبورهم: ﴿هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾. أي: قابلوا ما يسركم.\nيَوْمَ نَطْوي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَينَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ (١٠٤)\nيقول تعالى: هذا [كائن] [¬٢] يوم القيامة ﴿يَوْمَ نَطْوي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ [¬٣]﴾. كما قال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْويَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. وقد قال البخاري: حدثنا مقدم بن محمد، حدثني عمي القاسم بن يحيى، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، عن رسول الله ﷺ قال: \"إن الله يقبض يوم القيامة الأرضين، وتكون السماوات بيمينه\".\nانفرد به من هذا الوجه البخاري (^٥٩) ﵀.\n_________\n(^٥٩) صحيح البخاري برقم (٧٤١٢).\n_________\n[¬١]- في ز: \"سعد\".\n[¬٢]- في ز: \"كان\".\n[¬٣]- في ز في هذا الموضع وما بعده: ﴿لِلْكُتُبِ﴾ وهي قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو وابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر. انظر كتاب السبعة لابن مجاهد ص ٤٣١.","vol":"9","page":453},{"text":"وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن أحمد بن الحجاج الرقي، حدثنا محمد بن [مسلمة] [¬١] عن أبي [المواصل] [¬٢] عن أبي المليح الأزدي، عن أبي الجوزاء الأزدي، عن ابن عباس قال: يطوي الله السماوات السبع بما فيها من الخليقة، والأرضين السبع بما فيها من الخليقة، يطوي ذلك كله بيمينه، يكون ذلك كله في يده بمنزلة خردلة.\nوقوله: ﴿كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾. قيل: المراد [بالسجل: الكتاب. وقيل: المراد] [¬٣] بالسجل ها هنا: ملك من الملائكة.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا عليّ بن الحسين، حدثنا محمد بن العلاء، حدثنا يحيى بن [يمان] [¬٤] حدثنا أبو الوفاء الأشجعي، عن أبيه، عن ابن عمر في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَطْوي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾، قال: السجل ملك، فإذا صعد بالاستغفار قال: اكتبها نورًا.\nوهكذا رواه ابن جرير عن أبي كريب عن ابن يمان [به] [¬٥].\nقال ابن أبي حاتم: وروي عن أبي [جعفر] [¬٦] محمد بن عليّ بن الحسين أن السجل ملك.\nوقال السدي في هذه الآية: السجل ملك موكل بالصحف، فإذا مات الإِنسان رفع كتابه إلى السجل فطواه، ورفعه إلى يوم القيامة.\nوقيل: المراد [به] [¬٧] اسم رجل صحابي كان يكتب للنبي ﷺ الوحي.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا نصر بن عليّ الجهضمي، حدثنا نوح بن قيس، عن عمرو بن مالك، عن أبي الجوزاء، عن ابن عباس، [﴿يَوْمَ نَطْوي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾، قال: السجل هو الرجل.\nقال نوح: وأخبرني يزيد بن كعب -هو العَوْذي- عن عمرو بن مالك، عن أبي الجوزاء، عن ابن عباس] [¬٨] قال: السجل كاتب للنبي ﷺ.\nوهكذا رواه أبو داود والنسائي (^٦٠) عن قتيبة بن سعيد، عن نوح بن قيس، عن يزيد بن\n_________\n(^٦٠) سنن أبي داود برقم (٢٩٣٥)، وسنن النسائي الكبرى برقم (١١٣٣٥).\n_________\n[¬١]- في ت: \"سلمة\".\n[¬٢]- في ت: \"الواصل\".\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- في ز: \"أبان\".\n[¬٥]- سقط من: ز.\n[¬٦]- في ز: \"حفص\".\n[¬٧]- سقط من: ز.\n[¬٨]- سقط من: ز.","vol":"9","page":454},{"text":"كعب، عن عمرو بن مالك، عن أبي الجوزاء، عن ابن عباس ﵄ قال: السجل كاتب للنبي ﷺ.\nورواه ابن جرير عن نصر بن عليّ الجهضمي كما تقدم، ورواه ابن عدي (^٦١) من رواية يحيى بن عمرو بن مالك [النُّكريّ] [¬١]، عن أبيه، عن أبي الجوزاء، عن ابن عباس قال: كان لرسول الله ﷺ كاتب يسمَّى السجل، وهو قوله: ﴿يَوْمَ نَطْوي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾، قال: كما يطوي السجل الكتاب، كذلك نطوي السماء، ثم قال: وهو غير محفوظ.\nوقال الخطيب البغدادي في تاريخه (^٦٢): أنبأنا أبو بكر البَرْقاني، أنبأنا محمد بن محمد بن يعقوب الحجاجي، أنبأنا أحمد بن الحسن الكرخي، أن حمدان بن سعيد حدثهم، عن عبد الله بن نمير، عن عبيد الله بين عمر، عن نافع، عن ابن عمر قال: السجل كاتب للنبي ﷺ. وهذا منكر جدًّا من حديث نافع عن ابن عمر لا يصح أصلًا، وكذلك ما تقدم عن ابن عباس من رواية أبي داود وغيره، لا يصح أيضًا. وقد صرح جماعة من الحفاظ بوضعه -وإن كان في سنن أبي داود- منهم: شيخنا الحافظ الكبير أبو الحجاج المزي فسح الله في عمره، ونسأ في أجله، وختم له بصالح عمله، وفد أفردت لهذا الحديث جزءًا على حدة، ولله الحمد.\nوقد تصدى الإِمام أبو جعفر بين جرير للإِنكار على هذا الحديث، ورده أتم ردٍّ، وقال: لا يعرف في الصحابة أحد اسمه السجل، وكتاب النبي، ﷺ، [معروفون] [¬٢]، وليس فيهم أحد اسمه السجل. وصدق ﵀ في ذلك، وهو من أقوى الأدلة على [نكارة] [¬٣] هذا الحديث. وأما مَن ذكر في أسماء الصحابة هذا، فإنما اعتمد على هذا الحديث، لا على غيره، والله أعلم.\nوالصحيح عن ابن عباس أن السجل هي الصحيفة، قاله عليّ بن أبي طلحة [والعوفي] [¬٤] عنه. ونص على ذلك مجاهد وقتادة وغير واحد، واختاره ابن جرير؛ لأنه المعروف في اللغة، فعلى هذا يكون معنى الكلام: ﴿يَوْمَ نَطْوي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾ أي: على الكتاب، بمعنى المكتوب؛ كقوله: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ أي: على الجبين، وله نظائر في اللغة، والله أعلم.\n_________\n(^٦١) الكامل (٧/ ٢٠٥).\n(^٦٢) تاريخ بغداد (٨/ ١٧٥).\n_________\n[¬١]- في ز: \"البكري\".\n[¬٢]- في ز: \"معروفين\".\n[¬٣]- في ز: \"إنكاره\".\n[¬٤]- سقط من: ز.","vol":"9","page":455},{"text":"وقوله: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَينَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾، يعني: هذا كائن لا محالة، يوم يعيد الله الخلائق خلقًا جديدًا، كما بدأهم هو القادر على إعادتهم، وذلك واجب الوقوع، لأنه من جملة وعبد الله الذي لا يخلف ولا يبدل، وهو القادر على ذلك، ولهذا قال: ﴿إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾.\nقال الإمام أحمد (^٦٣): حدثنا وكيع وابن جعفر [وعفان] [¬١]- المعنى -[قالوا:] [¬٢] حدثنا شعبة، عن المغيرة بن النعمان، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قام فينا رسول الله ﷺ بموعظة فقال: \"إنكم محشورون إلى الله ﷿ حفاة [عراة] [¬٣] غُرْلًا ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَينَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾. وذكر تمام الحديث.\nأخرجاه في الصحيحين من حديث شعبة، ورواه البخاري عند هذه الآية في كتابه. وقد روى ليث بن أبي سليم، عن مجاهد، عن عائشة، عن رسول الله ﷺ، نحو ذلك.\nوقال العَوفي عن ابن عباس في قوله: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ قال: نهلك كل شيء كما كان أول مرة.\nوَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ (١٠٥) إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ (١٠٦) وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إلا رَحْمَةً لِلْعَالمِينَ (١٠٧)\nيقول تعالى مخبرًا عما حتمه وقضاه لعباده الصالحين، من السعادة في الدنيا والآخرة، ووراثة الأرض في الدنيا والآخرة، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾. [وقال] [¬٤]: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ وقال: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ﴾. الآية.\n_________\n(^٦٣) المسند (١/ ٢٣٥)، وصحيح البخاري برقم (٤٦٢٥)، (٤٧٤٠)، وصحيح مسلم برقم (٢٨٦٠).\n_________\n[¬١]- سقط من ت.\n[¬٢]- في ت: \"قالا\".\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- سقط من: ز.","vol":"9","page":456},{"text":"وأخبر تعالى أن هذا مكتوب مسطور في الكتب الشرعية والقدرية فهو كائن لا محالة، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ﴾.\n[قال الأعمش: سألت سعيد بن جبير عن قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ﴾] [¬١]؟، فقال: الزبور: التوراة، والإنجيل، والقرآن.\nوقال مجاهد: الزبور: الكتاب.\nوقال ابن عباس والشعبي والحسن وقتادة وغير واحد: الزبور: الذي أنزل على داود، والذكر: التوراة.\nوعن ابن عباس: الزبور: القرآن. وقال سعيد بن جبير: الذكر الذي في السماء.\nوقال مجاهد: الزبور: الكتب بعد الذكر، والذكر: أم الكتاب عند الله.\nواختار ذلك ابن جرير ﵀ وكذا قال زيد بن أسلم: [هو] [¬٢] الكتاب الأول. وقال الثوري: هو اللوح المحفوظ. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: الزبور: الكتب التي نُزلت على الأنبياء، والذكر: أم الكتاب الذي يكتب فيه [الأشياء] [¬٣] قبل ذلك.\nوقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: أخبر الله ﷾ في التوراة والزبور وسابق علمه قبل أن تكون السموات والأرض، أن يورث أمة محمَّد ﷺ الأرض، ويدخلهم الجنة، وهم الصالحون.\nوقال مجاهد: عن ابن عباس: ﴿أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾، قال: أرض الجنة. وكذا قال أبو العالية، ومجاهد، وسعيد بن جبير والشعبي، وقتادة، والسدي وأبو صالح، والربيع بن أنس، والثوري.\nوقال أبو الدرداء: نحن الصالحون.\nوقال السديُّ: هم المؤمنون.\nوقوله: ﴿إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ﴾. أي: إن في هذا القرآن الذي أنزلناه على عبدنا محمَّد ﷺ ﴿لَبَلَاغًا﴾: لَمَنْفعةً وكفاية ﴿لِقَوْمٍ عَابِدِينَ﴾،\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- في ز: \"وهو\".\n[¬٣]- في ز: \"الأنبياء\".","vol":"9","page":457},{"text":"وهم الذين عبدوا الله بما شرعه وأحبه ورضيه، وآثروا طاعة الله على طاعة الشيطان وشهوات أنفسهم.\nوقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إلا رَحْمَةً لِلْعَالمِينَ﴾. يخبر تعالى أن الله جعل محمدًا ﷺ رحمة للعالمين، أي: أرسله رحمة لهم كلهم، فمن قبل هذه الرحمة، وشكر هذه النعمة، سعد في الدنيا والآخرة، ومن ردها وجحدها خسر في الدنيا والآخرة، كما قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ (٢٨) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا [وَبِئْسَ] [¬١] الْقَرَارُ﴾. وقال الله تعالى في صفة القرآن: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾.\nوقال مسلم في صحيحه (^٦٤): حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا مروان الفزاري، عن يزيد بن كيسان، عن ابن أبي حازم، عن أبي هريرة قال: قيل: يا رسول الله، ادع على المشركين. قال: \"إني لم أبعث لعانًا، وإنما بعثت رحمة\". انفرد بإخراجه مسلم.\nوفي الحديث الآخر (^٦٥): \" إنما أنا رحمة مهداة\". رواه عبد الله بن أبي عرابة وغيره، عن وكيع، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة مرفوعًا. قال إبراهيم الحربي: وقد رواه غيره عن وكيع فلم يذكر أبا هريرة، وكذا قال البخاري، وقد سئل عن هذا الحديث فقال: كان عند حفص بن [غياث] [¬٢] مرسلًا.\nوقال الحافظ ابن عساكر: وقد رواه مالك [ابن سعير بن الخمس] [¬٣] عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة مرفوعًا. ثم ساقه من طريق أبي بكر بن المقري وأبي أحمد الحاكم، كلاهما عن بكر بن محمَّد بن إبراهيم [الصوفي] [¬٤]، حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري، عن أبي أسامة، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن [قيس] [¬٥] بن أبي حازم، عن\n_________\n(^٦٤) صحيح مسلم برقم (٢٥٥٩).\n(^٦٥) رواه أبو الحسن السكري في \"الفوائد المنتقاة\" (٢/ ١٥٧). كما في السلسلة الصحيحة (١/ ٨٠٣) للألباني -حدثنا عبد الله بن محمَّد بن أسد، حدثنا حاتم بن منصور الشاشي قال: حدثنا عبد الله بن أبي عرابة الشاشي به.\nورواه غيره متصلًا:\nفرواه عبد الله بن نصر الأصم، عن وكيع، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة مرفوعًا. أخرجه =\n_________\n[¬١]- في ز: \"فبئس\".\n[¬٢]- في ز: \"عتاب\".\n[¬٣]- في ز: \"بن سعيد بن الحميص\".\n[¬٤]- في ز: \"الصرفي \".\n[¬٥]- في ز: \"حسن\".","vol":"9","page":458},{"text":"أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه، سلم: \"إنما أنا رحمة مهداة\".\nثم أورده من طريق الصلت بن مسعود، عن سفيان بن عيينة، عن مسعر، عن سعيد بن خالد، عن رجل، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن الله بعثني رحمة مهداة، بعثت برفع قوم وخفض آخرين\".\nقال أبو القاسم الطبراني: حدثنا أحمد بن محمَّد بن نافع الطحان، حدثنا أحمد بن صالح قال: وجدت كتابًا بالمدينة عن عبد العزيز الدراوردي وإبراهيم بن محمَّد بن [عبد العزيز بن] [¬١] عمر بن عبد الرحمن [بن عبد العزيز بن عمرو] [¬٢] بن عوف، عن محمَّد بن صالح التمار، عن [بن شهاب] [¬٣]، عن محمَّد بن [جبير] [¬٤] بن مطعم، عن أبيه قال: قال أبو جهل حين قدم [مكة] [¬٥] منصرفه عن حمزة-:\nيا معشر قريش، إن محمدًا نزل يثرب وأرسل طلائعه، وإنما يريد أن يصيب منكم شيئًا، فاحذروا أن تمروا طريقه أو [تقاربوه] [¬٦] بأنه كالأسد الضاري، إنه حنق عليكم، لأنكم نفيتموه نفي القردان عن [المناسم] [¬٧] والله إن له لَسحْرَةً، ما رأيته قط ولا أحدًا من أصحابه إلا رأيت معهم الشيطان، وإنكم قد عرفتم عداوة ابني قَيلَةَ -يعني الأوس والخزرج- لهو عدو استعان بعدو، فقال له مطعم بن عدي: يا أبا الحكم، والله ما رأيت أحدًا أصدق لسانًا ولا أصدق موعدًا من أخيكم الذي طردتم، وإذ فعلتم الذي فعلتم فكونوا أكف الناس عنه. قال [أبو سفيان] [¬٨] بن الحارث: كونوا أشد ما كنتم عليه، بأن ابني قَيلَة إن ظفروا لهكم لم يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة، وإن أطعتموني ألجأتموهم خير كناية، أو تخرجوا محمدًا من بين ظهرانيهم، فيكون وحيدًا مطرودًا، وأما [ابنا قيلة فوالله ما هما] [¬٩] وأهل دهلك في المذلة إلَّا سواء، وسأكفيكم حدهم، وقال:\nسَأمْنَحُ جانبًا مني غليظًا … على ما كان من قُرب وبُعْد\n_________\n= ابن عدي في الكامل (٤/ ٢٣١) من طريق عمر بن سنان، عن عبد الله بن نصر.\nوقال: \"هكذا حدثناه عمر بن سنان، عن عبد الله بن نصر، عن وكيع، عن الأعمش، وهذا غير محفوظ عن وكيع، عن الأعمش، إنما يرويه مالك بن سعيد، عن الأعمش، وعبد الله بن نصر هذا له غير ما ذكرت مما أنكرت عليه\".\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- زيادة من: ز.\n[¬٣]- بياض في: ز.\n[¬٤]- في ز: \"حسين\".\n[¬٥]- في ز: \"سلمة\".\n[¬٦]- في ز: \"تحاربوه\".\n[¬٧]- في ز: \"المياسم\".\n[¬٨]- بياض في: ز.\n[¬٩]- بياض في: ز.","vol":"9","page":459},{"text":"رجالُ الخزْرَجيَّة أهْلُ ذُلٍّ … إذا ما كان هَزلٌ بعد جد\nفبلغ ذلك رسول الله ﷺ، فقال: \"والذي نفسي بيده، لأقتلنهم ولأصلبنهم ولأهدينهم وهم كارهون، إني رحمة بعثني الله، ولا يتوفاني حتى يظهر الله دينه، لي خمسة أسماء: أنا محمَّد، وأحمد، وأنا الماحي الذي يمحي الله بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب\". [وقال] [¬١] أحمد بن صالح: أرجو أن يكون الحديث صحيحًا.\nوقال الإمام أحمد (^٦٦): حدثنا معاوية بن عمرو، حدثنا زائدة، حدثني عمرو بن قيس، عن عمرو بن أبي قرة الكندي قال: كان حذيفة بالمدائن، فكان يذكر أشياء قالها رسول الله ﷺ، فجاء حذيفة إلى سلمان، فقال سلمان: يا حذيفة، إن رسول الله ﷺ[كان غضب فيقول، ويرضى فيقول، لقد علمت أن رسول الله ﷺ] [¬٢] خطب فقال: \"أيما رجل من أمتي سببته [سبة] [¬٣] في غَضَبي أو لعنته لعنةً، فإنما أنا رجل من ولد آدم، أغضب كما يغضبون، وإنما بعثني رحمة للعالمين، فاجعلها صلاة عليه يوم القيامة\". ورواه أبو داود عن أحمد بن يونس عن زائدة.\nفإن قيل: فأي رحمة حصلت لمن كفر به؟ فالجواب ما رواه أبو جعفر بن جرير: حدثنا إسحاق بن شاهين، حدثنا إسحاق الأزرق، عن المسعودي، عن رجل يقال له: سعيد، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إلا رَحْمَةً لِلْعَالمِينَ﴾، قال: من آمن بالله واليوم الآخر، كتب له الرحمة في الدنيا والآخرة، ومن لم يؤمن بالله ورسوله عوفي مما أصاب الأمم من الخسف والقذف.\nوهكذا رواه ابن أبي حاتم من حديث المسعودي، عن أبي سعد -وهو سعيد بن المرزُبان البقَّال- عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، فذكره بنحوه، والله أعلم.\nوقد رواه أبو القاسم الطبراني (^٦٧): عن عبدان بن أحمد، عن عيسى بن يونس الرملي،\n_________\n(^٦٦) - أخرجه أحمد (٥/ ٤٣٧) (٢٣٨١٣) والبخاري في الأدب المفرد، باب: الخروج إلى البقلة وحمل الشيء وعلى عاتقه إلى أهله بالزبيل حديث رقم (٢٣٤). وأبو داود في كتاب السنة، باب: في النهي عن سب أصحاب رسول الله ﷺ (٤/ ٢١٤، ٢٥١ / رقم: ٤٦٥٩). كلاهما من طريق عمر بن قيس الماصر به.\n(^٦٧) المعجم الكبير (٢/ ١٢٣).\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- بياض في: ز.\n[¬٣]- سقط من: ز.","vol":"9","page":460},{"text":"عن أيوب بن سويد، عن المسعودي، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إلا رَحْمَةً لِلْعَالمِينَ﴾، قال: من تبعه كان له رحمة في الدنيا والآخرة، ومن لم يتبعه عوفي مما كان يبتلى به سائر الأمم من الخسف والمسخ والقذف.\n﴿قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٨) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ (١٠٩) إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ (١١٠) وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (١١١) قَال رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (١١٢)﴾\nيقول تعالى آمرًا رسوله ﷺ أن يقول للمشركين: ﴿إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. أي: متبعون على ذلك، مستسلمون منقادون له ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ أي: تركوا ما دعوتَهم إليه ﴿فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ أي: أعلمتكم [أني] [¬١] حَرْب لكم، كما أنكم حرب لي، بريء منكم كما أنكم برآء مني، كقوله: ﴿[وَإِنْ] [¬٢] كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾. وقال ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾. أي: [ليكن] [¬٣] علمك وعلمهم بنبذ العهود على السواء، وهكذا ها هنا، ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾، أي: [أعلمتكم] [¬٤] ببراءتي منكم، وبراءتكم مني، لعلمي بذلك.\nوقوله: ﴿وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ﴾، أي: هو واقع لا محالة، ولكن لا علم لي بقربه ولا ببعده، ﴿إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ﴾، أي: إن الله يعلم الغيب جميعه، ويعلم ما يظهره العباد وما يسرون، يعلم الظواهر والضمائر، ويعلم السر وأخفى، ويعلم ما العباد عاملون في أجهارهم وأسرارهم، وسيجزيهم على ذلك، على القليل والجليل.\nوقوله: ﴿وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ أي: وما أدري لعل هذا فتنة لكم ومتاع إلى حين.\n_________\n[¬١]- في ز: \"أي\".\n[¬٢]- في ز: \"فإن\".\n[¬٣]- في ز: \"لكن\".\n[¬٤]- في ز: \"أعلمكم\".","vol":"9","page":461},{"text":"قال ابن جرير: لعل تأخير ذلك عنكم فتنة لكم، ومتاع إلى أجل مسمى. وحكاه عون عن ابن عباس، والله أعلم. ﴿[قَال] [¬١] رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ﴾، أي: افصل بيننا وبين قومنا المكذبين بالحق.\nقال قتادة: كان الأنبياء ﵈ يقولون: ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَينَنَا وَبَينَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيرُ الْفَاتِحِينَ﴾. وأُمِرَ رسولُ الله ﷺ أن يقولَ ذلك.\nوعن مالك عن زيد بن أسلم: كان رسول الله ﷺ إذا شهد قتالًا قال: ربي، احكم بالحق.\nوقوله: ﴿وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾. أي: على ما يقولون ويفترون من الكذب، ويتنوعون في مقامات التكذيب والإفك، [والله] [¬٢] المستعان عليكم في ذلك.\n[آخر تفسير سورة الأنبياء\" ﵈: ولله الحمد والمنة] [¬٣].\nانتهى بحمد الله تعالى وحسن توفيقه المجلد التاسع ويليه العاشر وأوله تفسير سورة الحج\n_________\n[¬١]- في ز: \"قل\".\n[¬٢] في ز: \"الله\".\n[¬٣] في ز: \"والحمد لله\".","vol":"9","page":462},{"text":"<span data-type='title' id=toc-130>تفسير سورة الحج وهي مدنية</span>\n﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيءٌ عَظِيمٌ (١) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ (٢)﴾\nيقول تعالى آمرًا عباده بتقواه، ومخبرًا لهم بما يستقبلون من أهوال يوم القيامة وزلازلها وأحوالها. وقد اختلف المفسرون في زلزلة الساعة، هل هي بعد قيام الناس من قبورهم يوم نشورهم إلى عَرَصات القيامة؟ أو ذلك عبارة عن زلزلة الأرض قبل قيام الناس من أجداثهم؟ كما قال تعالى: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالهَا (١) وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالهَا﴾ وقال تعالى: ﴿وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً (١٤) فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ﴾ وقال تعالى: ﴿إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا (٤) وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا (٥) فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا﴾ فقال قائلون: هذه الزلزلة كائنة في آخر عمر الدنيا، وأول أحوال الساعة.\nوقال ابن جرير (^١): حدثنا ابن بشار، حدثنا يحيى، حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة في قوله: ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيءٌ عَظِيمٌ﴾. قال: قبل الساعة. ورواه ابن أبي حاتم من حديث الثوري، عن منصور والأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، فذكره. قال: ورُوي عن الشعبي، وإبراهيم، وعبيد بن عمير، نحو ذلك.\nوقال أبو كدينة عن عطاء، عن عامر الشعبي: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾ الآية.\nقال: هذا في الدنيا قبل يوم القيامة.\nوقد أورد الإمام أبو جعفر بن جرير (^٢) مُسْتَنَدَ مَنْ قال ذلك في حديث الصُّور، من رواية إسماعيل بن رافع قاضي أهل المدينة، عن يزيد بن أبي زياد، عن رجل من الأنصار، عن محمد بن كعب القرظي، عن رجل، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن الله لما فرغ من خلق السماوات والأرض خلق الصور فأعطاه إسرافيل، فهو\n_________\n(^١) - تفسير ابن جرير (١٧/ ١٠٩).\n(^٢) - تفسير ابن جرير (١٧/ ١٠٩)، قال: حدثني سليمان بن عبد الجبار؛ قال: ثنا محمد بن الصلت قال: ثنا أبو كدينة به، فذكره.","vol":"10","page":5},{"text":"واضعه على فيه، شاخص ببصره إلى العرش، ينتظر متى يؤمر\".\nقال أبو هريرة: يا رسول الله، وما الصور؟ قال: \"قَرْن\". قال: فكيف هو؟ قال: \"قرن عظيم، ينفخ فيه [¬١] ثلاث نفخات؛ الأولى: نفخة الفزع، والثانية: نفخة الصَّعْق، والثالثة: نفخة القيام لرب العالمين، يأمر الله إسرافيل بالنفخة الأولى، فيقول: انفخ نفخة الفزع. فيفزع أهل السماوات وأهل الأرض، إلا من شاء الله، ويأمره فيمدها ويطولها ولا يَفْتُر، وهي التي يقول الله تعالى: ﴿وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ إلا صَيحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ﴾ فَيُسَيِّر الله الجبال فتكون سرابًا، وتُرَجّ الأرض بأهلها رجًّا، وهي التي يقول الله تعالى: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (٦) تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ (٧) قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ﴾ فتكون الأرض كالسفينة الموبَقَة [¬٢] في البحر تضربها الأمواج تكفؤها [¬٣] بأهلها، وكالقنديل المعلق بالعرش ترجحه الأرواح، فيمتد الناس على ظهرها، فتذهل المراضع، وتضع الحوامل، ويشيب الولدان، وتطير الشياطين هاربة، حتى تأتي الأقطار، فتلقاها الملائكة فتضرب وجوهها، فترجع، ويولي الناس مدبرين، ينادي بعضهم بعضًا، وهو الذي يقول الله تعالى: ﴿يَوْمَ التَّنَادِ (٣٢) يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾. فبينما هم على ذلك، إذ تصدعت [¬٤] الأرض من قطر إلى قطر، فرأوا أمرًا عظيمًا، فأخذهم لذلك من الكرب ما الله أعلم به، ثم نظروا إلى السماء فإذا هي كالمهل، ثم خسف شمسها وخُسِفَ قمرها، وانتثرت نجومها، ثم كُشِطت عنهم\".\nقال رسول الله، ﷺ: \"والأموات لا يعلمون بشيء من ذلك\". قال أبو هريرة: ثم [¬٥] استثنى الله حين يقول: ﴿فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ قال: \"أولئك الشهداء، وإنما يصل الفزع إلى الأحياء، أولئك أحياء عند ربهم يرزقون، وقاهم الله شر ذلك اليوم وآمنهم، وهو عذاب الله يبعثه على شرار خلقه، وهو الذي يقول الله [¬٦]: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيءٌ عَظِيمٌ (١) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ \".\nوهذا الحديث قد رواه الطبراني، وابن جرير (^٣)، وابن أبي حاتم، وغير واحد مطولًا جدًّا، والغرض منه أنه دل على أن هذه الزلزلة كائنة قبل يوم الساعة، وأضيفت إلى الساعة\n_________\n(^٣) - تفسير ابن جرير (١١٠/ ١٧).\n_________\n[¬١]- سقط من ز.\n[¬٢]- في ز: الموبنه. غير منقوطة.\n[¬٣]- في ز: تكفها.\n[¬٤]- في خ: انصدعت.\n[¬٥]- في ت: \"فمن\".\n[¬٦]- سقط من ز.","vol":"10","page":6},{"text":"لقربها منها، كما يقال: أشراط الساعة، ونحو [¬١] ذلك، والله أعلم.\nوقال آخرون: بل ذلك هول وفزع، وزلزال وبَلبال، كائن يوم القيامة في العَرَصات، بعد القيام من القبور، واختار ذلك ابن جرير، واحتجوا بأحاديث:\nالأول: قال الإمام أحمد (^٤): حدثنا يحيى، عن هشام، حدثنا قتادة، عن الحسن، عن عمران بن حصين أن رسول الله، ﷺ، قال وهو في بعض أسفاره، وقد [تفاوت بين أصحابه السير] [¬٢]، رفع بهاتين الآيتين صوته: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيءٌ عَظِيمٌ (١) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾. فلما سمع أصحابه بذلك حَثّوا المطيّ، وعرفوا أنه عند قول يقوله، فلما تأشّبوا [¬٣] حوله قال: \"أتدرون أي يوم ذاك [¬٤]؟ ذاك يوم يُنادَى آدم ﵇ فيناديه ربه ﷿ فيقول: يا آدم، ابعث بعثك إلى النار. فيقول: يا رب؛ وما بعث النار؟ فيقول: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون في النار، وواحد في الجنة\". قال: فأبلس أصحابه حتى ما أوضحوا بضاحكة، فلما رأى ذلك قال: \"أبشروا واعملوا [¬٥]، فوالذي نفس محمد بيده إنكم لمع خليقتين ما كانتا مع شيء قط إلّا كثرتاه؛ يأجوج ومأجوج، ومن هلك من بني آدم وبني إبليس\". قال: فسري عنهم ثم قال: \"اعملوا وأبشروا، فوالذي نفس محمد بيده ما أنتم في الناس إلّا كان كالشامة في جنب البعير، أو الرقمة (*) في ذراع الدابة\". وهكذا رواه الترمذي والنسائي في كتاب التفسير من سننيهما، عن محمد بن بشار، عن يحيى -وهو القطان- عن هشام -وهو الدستوائي- عن قتادة، به بنحوه. وقال الترمذي: حسن صحيح.\n_________\n(^٤) - المسند (٤/ ٤٣٥) (١٩٩٥٥). وأخرجه الترمذي في كتاب تفسير القرآن، باب: ومن سورة الحج، حديث: (٣١٦٨، ٣١٦٩)، (٥/ ٣٠٢ - ٣٠٣). والنسائي في \"السنن الكبرى\" في كتاب التفسير، باب: سورة الحج، قوله تعالى: ﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى﴾، حديث (١١٣٤٠) (٦/ ٤١٠)، والحميدي في \"مسنده\": برقم (٨٣١)، (٢/ ٣٦٧ - ٣٦٨).\nوالحاكم في المستدرك (١/ ٢٨ - ٢٩). ورواه أحمد برقم: (١٩٩٥٥ - ١٩٩٥٦).\nقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح قد رُوِيَ من غير وجه عن عمران بن حصين عن النبي ﷺ. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه بطوله، والذي عندي أنهما قد =\n_________\n[¬١]- في ز: وهو.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز: \"تقارب من أصحابه المسير\".\n[¬٣]- في ت: \"تأشهوا\"\n[¬٤]- في خ، ز: \"ذلك\".\n[¬٥]- في ز: واعلموا.","vol":"10","page":7},{"text":"(طريق أخرى لهذا الحديث) قال [¬١] الترمذي (^٥): حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيان بن عيينة، حدثنا ابن جدعان، عن الحسن، عن عمران بن حصين، أن النبي ﷺ قال لما نزلت: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيءٌ عَظِيمٌ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾. قال: أنزلت عليه هذه [¬٢]، الآية وهو في سفر، فقال: \"أتدرون أي يوم ذلك؟ \" فقالوا: الله ورسوله أعلم. قال: \"ذلك يوم يقول الله لآدم: ابعث بعث النار. قال: يا رب، وما بعث النار؟ قال: تسعمائة وتسعة وتسعين إلى النار، وواحد إلى [¬٣] الجنة! \". فأنشأ المسلمون ليكون، فقال رسول الله، ﷺ: \"قاربوا وسددوا، فإنها لم تكن نبوة قط إلا كان بين يديها جاهلية\". قال: \"فيؤخذ العدد من الجاهلية، فإن تمت وإلا كملت من المنافقين، وما مثلكم والأمم إلا\n_________\n= تحرَّجا من ذلك خشية الإرسال، وقد سمع الحسن عن عمران بن حصين، وهذه الزيادات التي في هذا المتن أكثرها عند معمر عن قتادة عن أنس، وهو صحيح على شرطهما جميعًا ولم يخرجاه ولا واحد منهما وللحديث شاهد في الصحيح عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة.\n١ - حديث أبي سعيد الخدري:\nأخرجه البخاري في كتاب الرقاق، باب: قوله ﷿: ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيءٌ عَظِيمٌ﴾، حديث (٦٥٣٠)، (١١/ ٣٨٨) - ومسلم في كتاب الإيمان، باب: قوله: يقول الله لآدم: \"أخرج بعث النار\"، حديث (٣٧٩ - ٣٨٠/ ٢٢٢) (٣/ ١٢١: ١٢٣). والنسائي في \"السنن الكبرى\" في كتاب التفسير، باب: قوله تعالى: ﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى﴾ حديث (١١٣٣٩)، (٦/ ٤٠٩). من طريق الأعمش عن أبي صالح عن أبي سعيد الخدري به.\n٢ - حديث أبي هريرة: أخرجه البخاري في كتاب الرقاق، باب: الحشر، حديث (٦٥٢٩)، (١١/ ٣٧٨). من طريق سليمان عن ثور عن أبي الغيث عن أبي هريرة.\nوله شاهد أيضًا من حديث أنس. أخرجه أبو يعلى في مسنده برقم (٣١٢٢) (٥/ ٤٣٠ - ٤٣١). والحاكم في \"مستدركه\": (١/ ٢٩). وابن حبان في صحيحه برقم (١٧٥٢)، (٥/ ٤٢٧ - موارد) كلهم من طريق معمر، عن قتادة، عن أنس بن مالك، وذكره الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (١٠/ ٣٩٧) وقال: رواه أبو يعلى ورجاله رجال الصحيح غير محمد بن مهدي وهو ثقة. ا هـ\nومحمد بن مهدي هذا الذي وثقه الهيثمي، ترجم له ابن أبي حاتم في \"الجرح والتعديل\" (١/ ١٠٦) برقم: (٤٥٦) وقال عنه: محمد بن مهدي الأيلي روى عن أبي داود الطيالسي، روى عنه أبو زرعة ﵀. ا هـ.\n(*) الرَّقْمَة هنا: الهَنَةُ الناتئة في ذِراع الدَّابَّة من داخل، وهما رقمتان في ذراعيها. نهاية [٢/ ٢٥٤].\n(^٥) - رواه الترمذي كتاب التفسير، باب ومن سورة الحج، الحديث (٣١٦٨).\n_________\n[¬١]- في ز: وقال:\n[¬٢]- بعده في ت: الآية.\n[¬٣]- في خ: في.","vol":"10","page":8},{"text":"كمثل الرقمة في ذراع الدابة، أو كالشامة في جنب البعير\". ثم قال: \"إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة\". فكبروا، ثم قال: \"إني لأرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنة\". فكبروا ثم قال: \"إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة\". فكبروا، قال: ولا أدري أقال الثلثين أم لا. وكذا رواه الإمام أحمد (^٦) عن سفيان بن عيينة به. ثم قال الترمذي أيضًا: هذا حديث حسن [¬١] صحيح.\nوقد روي عن [سعيد بن أبي] [¬٢] عروبة، عن الحسن، عن عمران بن الحصين. وقد رواه ابن أبي حاتم من حديث سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن والعلاء بن زياد العدوي، عن عمران بن الحصين، فذكره.\nوهكذا روى ابن جرير (^٧) عن بندار، عن غندر، عن عوف، عن الحسن، قال: بلغني أن رسول الله، ﷺ لما قفل من غزوة العسرة [¬٣] ومعه أصحابه بعد ما شارف المدينة قرأ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيءٌ عَظِيمٌ﴾ وذكر الحديث، فذكر [¬٤] نحو سياق ابن جدعان، فالله أعلم.\n(الحديث الثاني) قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا ابن الطباع حدثنا أبو [¬٥] سفيان المعمري، عن معمر، عن قتادة، عن أنس، قال: نزلت: ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيءٌ عَظِيمٌ﴾ … وذكر، يعني: نحو سياق الحسن عن عمران، غير أنه قال: \"ومن هلك من كفرة الجن والإنس\"، ورواه ابن جرير (^٨) بطوله من حديث معمر به [¬٦].\n(الحديث الثالث) قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا سعيد بن سليمان، حدثنا عباد -يعني ابن العوام- حدثنا هلال بن خَبَّاب [¬٧]، عن عكرمة، عن ابن عباس؛ قال: تلا رسول الله، ﷺ، هذه الآية … فذكر نحوه، وقال فيه: \"إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة\". ثم قال: \"إني لأرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنة\"، ثم قال: \"إني لأرجو أن تكونوا شطر أهل الجنة\". ففرحوا، وزاد أيضًا: \"وإنما أنتم\n_________\n(^٦) - المسند (٤/ ٤٣٢) (١٩٩٣٧).\n(^٧) - تفسير ابن جرير (١٧/ ١١١).\n(^٨) - تفسير ابن جرير (١٧/ ١١٢).\n_________\n[¬١]- سقط من خ.\n[¬٢]- سقط من ز، خ.\n[¬٣]- في ز: العسيرة.\n[¬٤]- في خ: وذكر.\n[¬٥]- في ز: ابن.\n[¬٦]- سقط من ت.\n[¬٧]- في ز: حباب.","vol":"10","page":9},{"text":"جزء من ألف جزء\".\n(الحديث الرابع) قال البخاري (^٩) عند هذه الآية: حدثنا عمر بن حفص، حدثنا أبي، حدثنا الأعمش، حدثنا أبو صالح، عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله، ﷺ: \"يقول الله تعالى يوم القيامة: آدم؛ فيقول: لبيك ربنا وسعديك. فينادَى بصوت: إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثًا إلى النار. قال: يا رب؛ وما بعث النار؟ قال: من كل ألف\" -أراه قال: \"تسعمائة وتسعة وتسعين\"- \"فحينئذ تضع الحامل حملها ويشيب الوليد، ﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ \". فشق ذلك على الناس حتى تغيرت وجوههم. قال النبي ﷺ: \"من يأجوج ومأجوج تسعمائة وتسعة وتسعون [¬١] ومنكم واحد، ثم أنتم في الناس كالشعرة السوداء في جنب الثور الأبيض، أو كالشعرة البيضاء في جنب الثور الأسود، وإني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة\". فكبرنا، ثم قال: \"ثلث أهل الجنة\". فكبرنا، ثم قال: \"شطر أهل الجنة\". فكبرنا.\nوقد رواه البخاري أيضًا في غير هذا الموضع (^١٠)، ومسلم، والنسائي في تفسيره، من طرق، عن الأعمش، به.\n(الحديث الخامس) قال الإمام أحمد (^١١): حدثنا عمار [¬٢] بن محمد -ابن أخت سفيان الثوري- وعبيدة -المعنى- كلاهما عن إبراهيم بن مسلم، عن أبي الأحوص، عن عبد الله؛ قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن الله يبعث يوم القيامة مناديًا ينادي [¬٣]: يا آدم؛ إن الله، يأمرك أن تبعث بعثا من ذريتك إلى النار. فيقول آدم: يا رب؛ من هم؟ فيقال له: من كل مائة تسعة وتسعين،. فقال رجل [من القوم] [¬٤]: من هذا الناجي منا بعد هذا يا رسول الله؟! قال: \"هل تدرون ما أنتم في الناس إلا كالشَّامَة في صدر البعير\".\n_________\n(^٩) - رواه البخاري كتاب التفسير، باب: ﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى﴾ الحديث (٤٧٤١) (٨/ ٤٤١).\n(^١٠) - رواه أيضًا في كتاب الرقاق، باب قوله ﷿: ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيءٌ عَظِيمٌ﴾ الحديث (٦٥٣٠) (١١/ ٣٨٨). ومسلم كتاب الإيمان، باب قوله: \"يقول الله يا آدم أخرج بعث النار … \" الحديث (٣٧٩/ ٢٢٢) (٣/ ١٢١). والنسائي في التفسير من الكبرى، باب: ﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى﴾ الحديث (١١٣٣٩) (٩/ ٤٠٦).\n(^١١) - المسند (١/ ٣٨٨).\n_________\n[¬١]- في ت: \"تسعين\".\n[¬٢]- في ز: عمارة.\n[¬٣]- سقط من ز.\n[¬٤]- في خ: \"منهم\".","vol":"10","page":10},{"text":"[انفرد بهذا السند وهذا السياق الإمام أحمد] [¬١] \".\n(الحديث السادس) قال الإمام أحمد (^١٢): حدثنا يحيى، عن حاتم بن أبي صغِيرَةَ، حدثنا ابن أبي مليكة؛ أن القاسم بن محمد أخبره، عن عائشة، عن النبي، ﷺ، قال: \"إنكم تحشرون يوم القيامة حفاة عراة غرلًا\". قالت عائشة: يا رسول الله، الرجال والنساء ينظر بعضهم إلى بعض؟ قال: \"يا عائشة، إن الأمر أشد من أن يهمهم ذاك\" أخرجاه في الصحيحين.\n(الحديث السابع) قال الإمام أحمد (^١٣): حدثنا يحيى بن إسحاق، حدثنا ابن لهيعة، عن خالد بن أبي عمران، عن القاسم بن محمد، عن عائشة؛ قالت: قلت: يا رسول الله، هل يذكر الحبيب حبيبه يوم القيامة؟ قال: \"يا عائشة؛ أما عند ثلاث فلا: أما عند الميزان حتى يثقل أو يخف فلا، وأما عند تطاير الكتب فإما يعطى بيمينه أو يعطى بشماله فلا، وحين يخرج عُنُقٌ من النار فينطوي عليهم، ويتغيظ عليهم، ويقول ذلك العنق: وُكِّلت بثلاثة، وكّلت بثلاثة، وكّلت بثلاثة: وكلت بمن ادعى مع الله إلهًا آخر، ووكلت بمن لا يؤمن بيوم الحساب، ووكلت بكل جبار عنيد\". قال: \"فينطوي عليهم، ويرميهم في غمرات، ولجهنم جسر أدق من الشعر، وأحد من السيف، عليه كلاليب وحَسك يأخذن من شاء الله، والناس عليه كالطَّرْف وكالبرق [¬٢] وكالريح، وكأجاويد الخيل والرّكاب، والملائكة يقولون: رب سلم سلم. فناج مُسلَّم، ومخدوش مسلَّم، ومُكَوّر في النار على وجهه\".\nوالأحاديث في أهوال يوم القيامة والآثار [¬٣] كثيرة جدًّا، لها موضع آخر، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيءٌ عَظِيمٌ﴾. أي: أمر كبير، وخطب جليل، وطارق مفظع، وحادث هائل، وكائن عجيب.\n_________\n(^١٢) - رواه أحمد في المسند (٦/ ٥٣) (٢٤٣٧٦)، وأخرجه البخاري في كتاب الرقاق، باب: الحشر (١١/ ٣٨٥ / رقم: ٦٥٢٧). ومسلم في كتاب الجنة وصفة نعيمها، باب: فناء الدنيا وبيان الحشر يوم القيامة. (٤/ ٢١٩٤ / رقم: ٢٨٥٩). والنسائي في كتاب الجنائز، باب: البعث (٤/ ١١٤، ١١٥ / رقم: ٢٠٨٣، ٢٠٨٤). وفي الكبرى في كتاب التفسير، باب: سورة عبس (٦/ ٥٠٧ / رقم: ١١٦٤٨). وابن ماجة في كتاب الزهد، باب: ذكر البعث (٢/ ١٤٢٩ / رقم: ٤٢٧٦). كلهم من حديث عائشة ﵂.\n(^١٣) - أخرجه أحمد في المسند (٦/ ١١٠) (٢٤٩٠٥) وإسناده ضعيف من أجل ابن لهيعة. عزاه =\n_________\n[¬١]- سقط من ت.\n[¬٢]- في ز: والبرق.\n[¬٣]- في خ: \"والأحاديث\".","vol":"10","page":11},{"text":"والزلزال هو: ما يحصل للنفوس من الرعب والفزع، كما قال تعالى: ﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾ ثم قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا﴾. هذا من باب ضمير الشأن، ولهذا قال مفسرًا له: ﴿تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ﴾. أي: تشتغل لهول ما ترى عن أحب الناس إليها، والتي هي أشفق الناس عليه، تدهش عنه في حال إرضاعها له، ولهذا قال: ﴿كُلُّ مُرْضِعَةٍ﴾، ولم يقل: مرضع. وقال: ﴿عَمَّا أَرْضَعَتْ﴾ أي: عن رضيعها قبل فطامه.\nوقوله: ﴿وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا﴾. أي: قبل تمامه لشدة الهول، ﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى﴾ وقرئ ﴿سكرَى﴾ (*)، أي: من شدة الأمر الذي صاروا فيه قد دهشت عقولهم، وغابت أذهانهم، فمن رآهم حسب أنهم سكارى، ﴿وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾.\n﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيطَانٍ مَرِيدٍ (٣) كُتِبَ عَلَيهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ (٤)﴾\nيقول تعالى ذامًّا لمن كذب بالبعث، وأنكر قدرة الله على إحياء الموتى، معرضًا عما أنزل الله على أنبيائه، متبعًا في قوله وإنكاره وكفره كل شيطان مريد، من الإنس والجن، وهذا حال أهل البدع والضلال، المعرضين عن الحق، المتبعين للباطل، يتركون ما أنزله الله على رسوله من الحق المبين، ويتبعون [¬١] أقوال رءوس الضلالة، الدعاة إلى البدع بالأهواء والآراء، ولهذا قال في شأنهم وأشباههم: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيرِ عِلْمٍ﴾. أي: علم صحيح، ﴿وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيطَانٍ مَرِيدٍ (٣) كُتِبَ عَلَيهِ﴾ قال مجاهد: يعني الشيطان، يعني: كتب عليه كتابة قدرية ﴿أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ﴾. أي: اتبعه وقلده ﴿فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾. أي: يضله في الدنيا، ويقوده في الآخرة إلى عذاب السعير: وهو الحار المؤلم المقلق المزعج.\nوقد قال السديّ، عن أبي مالك: نزلت هذه الآية في النضر بن الحارث، وكذلك قال ابن جريج.\n_________\n= الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٣٥٩) لأحمد. وقال: \"قلت: عند أبي داود طرف منه- رواه أحمد وفيه ابن لهيعة، وهو ضعيف وقد وثق، وبقية رجاله رجال الصحيح\".\n(*) - وهي قراءة حمزة والكسائي.\n_________\n[¬١]- في ز: ويتبعوا.","vol":"10","page":12},{"text":"وقال ابن أبي حاتم: حدثنا عمرو بن سلم [¬١] البصري، حدثنا عمرو بن [المحرم أبو] [¬٢] قتادة، حدثنا المعمر، حدثنا أبو كعب المكي؛ قال: قال خبيث من خبثاء قريش: أخبرنا عن ربكم، من ذهب هو، أو من فضة هو، أو من نحاس هو؟ فقعقعت السماء قعقعة -والقعقعة في كلام العرب: الرعد- فإذا قحفُ رأسه ساقط بين يديه.\nوقال ليث بن أبي سليم عن مجاهد: جاء يهودي فقال: يا محمد، أخبرني عن ربك: من أي شيء هو؟ من دُرٍّ أم من ياقوت؟ قال: فجاءت صاعقة فأخذته.\n﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٥) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ (٦) وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٧)﴾\nلما ذكر تعالى المخالف للبعث، المنكر للمعاد، ذكر تعالى الدليل على قدرته تعالى على المعاد، بما يشاهد من بدئه للخلق، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيبٍ﴾. أي: في شك ﴿مِنَ الْبَعْثِ﴾، وهو المعاد وقيام الأرواح والأجساد يوم القيامة، ﴿فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾، أي: أصل بَرْئه [¬٣] لكم من تراب، وهو الذي خلق منه آدم ﵇ ﴿ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ﴾، أي: ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين، ﴿ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ﴾. وذلك أنه إذا استقرت النطفة في رحم المرأة، مكثت أربعين يومًا كذلك، يضاف إليه ما يجتمع إليها، ثم تنقلب علقة حمراء بإذن الله، فتمكث [¬٤] كذلك أربعين يومًا، ثم تستحيل فتصير ﴿مُضْغَةٍ﴾: قطعة من لحم لا شكل فيها ولا تخطيط، ثم\n_________\n[¬١]- في ز: مسلم.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز: \"المخرم بن\".\n[¬٣]- في ز: تربة.\n[¬٤]- في ز: فمكث.","vol":"10","page":13},{"text":"يشرع في التشكل [¬١] والتخطيط، فيصور منها رأس ويدان، وصدر وبطن، وفخذان ورجلان، وسائر الأعضاء. فتارة تسقطها المرأة قبل التشكل [¬٢] والتخطيط، وتارة تلقيها وقد صارت ذات شكل وتخطيط، ولهذا قال تعالى: ﴿ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيرِ مُخَلَّقَةٍ﴾. أي: كما تشاهدونها، ﴿لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾. أي: وتارة تستقر في الرحم لا تلقيها المرأة ولا تسقطها، كما قال مجاهد في قوله تعالى: ﴿مُخَلَّقَةٍ وَغَيرِ مُخَلَّقَةٍ﴾.\nقال: هو [¬٣] السقط [¬٤] مخلوق وغير مخلوق، فإذا مضى عليها أربعون يومًا وهي مضغة، أرسل الله تعالى إليها ملكًا فنفخ فيها الروح، وسواها كما يشاء الله ﷿ من حسن وقبيح [¬٥]، وذكر وأنثى، وكتب رزقها وأجلها، وشقي أو سعيد، كما ثبت في الصحيحين (^١٤) من حديث الأعمش، عن زيد بن وهب، عن ابن مسعود؛ قال: حدثنا رسول الله، ﷺ، وهو الصادق المصدوق: \"إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين ليلة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله إليه الملك، فيؤمر بأربع كلمات؛ بكتب عمله، ورزقه، وأجله، وشقي أو سعيد، ثم ينفخ فيه الروح.\nوروى ابن أبي حاتم وابن جرير (^١٥) من حديث داود بن أبي هند، عن الشعبي، عن علقمة، عن عبد الله؛ قال: النطفة إذا استقرت في الرحم أخذها [¬٦] مَلَك بكفه، قال: يا رب، مخلقة أو غير مخلقة؟ فإن قيل: غير مخلقة. لم تكن نَسَمة، وقذفتها الأرحام دمًا، وإن قيل: مخلقة. قال: أي رب، ذكر أو أنثى؟ شقي أو سعيد، ما الأجل؟ وما الأثر؟ وبأيّ أرض يموت؟ قال: فيقال للنطفة: من ربك؟ فتقول: الله. فيقال: من رازقك؟ فتقول: الله. فيقال له: اذهب إلى أم [¬٧] الكتاب، فإنك ستجد فيه قصة هذه النطفة. قال: فتخلق فتعيش في أجلها، وتأكل رزقها، وتطأ [¬٨] أثرها، حتى إذا جاء أجلها ماتت فدفنت في ذلك المكان [¬٩]. ثم تلا عامر الشعبي: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيبٍ\n_________\n(^١٤) - تقدم في تفسير سورة مريم.\n(^١٥) - أخرجه ابن جرير في تفسيره (١٠/ ١١٧).\n_________\n[¬١]- في خ: التشكيل.\n[¬٢]- في خ: التشكيل.\n[¬٣]- في ز، خ: \"هذا\".\n[¬٤]- في ز: يسقط.\n[¬٥]- في خ: قبح.\n[¬٦]- في ز: جاءها.\n[¬٧]- سقط من ز.\n[¬٨]- في ز: \"وتعطى وتعطا\". كذا بهذا الشكل ونفس التكرار.\n[¬٩]- سقط من ز، خ.","vol":"10","page":14},{"text":"مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيرِ مُخَلَّقَةٍ﴾. فإذا بلغت مضغة نكست في الخلق [الرابع فكانت نسمة، وإن كانت غير مخلقة قذفتها الأرحام دمًا، وإن كانت مخلقة نكست في الخلق] [¬١].\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد المقرئ، حدثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن أبي الطفيل، عن حذيفة بن أَسِيد يبلغ به [] [¬٢] النبي، ﷺ، قال: \"يدخل الملك على النطفة بعدما تستقر في الرحم بأربعين يومًا [¬٣] أو خمس وأربعين، فيقول: أي رب، أشقي أم سعيد؟ فيقول الله، ويكتبان، فيقول: أذكر أم أنثى؟ فيقول الله، ويكتبان، ويكتب عمله وأثره، ورزقه وأجله، ثم تطوى الصحف فلا يزاد على ما فيها ولا ينتقص\". ورواه [¬٤] مسلم (^١٦) من حديث سفيان بن عيينة ومن طرق أخرَ عن أبي الطفيل بنحو معناه.\nوقوله: ﴿ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾. أي: ضعيفًا في بدنه وسمعه وبصره وحواسه، وبطشه وعقله. ثم يعطيه الله القوة شيئًا فشيئًا، ويلطف به، ويحنّن عليه والديه في آناء الليل وأطراف النهار. ولهذا قال: ﴿ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ﴾، أي: يتكامل القويّ ويتزايد، ويصل إلى عنفوان الشباب وحسن المنظر. ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى﴾، أي: في حال شبابه وقواه، ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُر﴾، وهو الشيخوخة والهرم وضعف القوة والعقل والفهم، وتناقص الأحوال من الخرف [¬٥] وضعف الفكر، ولهذا قال: ﴿لِكَيلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيئًا﴾، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾.\nوقد قال الحافظ [أبو يعلى] [¬٦] أحمد بن عليّ بن المثنى الموصلي في مسنده (^١٧): حدثنا منصور بن أبي مزاحم، حدثنا خالد الزيات، حدثني داود أبو سليمان، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن مَعمَر بن حَزم الأنصاري، عن أنس بن مالك -رفع الحديث- قال: \"المولود حتى يبلغ الحنث، ما عمل من حسنة كتبت لوالده أو لوالدته، وما عمل من سيئة لم تكتب عليه ولا على والديه، فإذا بلغ الحنث أجرى [¬٧] الله عليه القلم [¬٨]، أمر\n_________\n(^١٦) - أخرجه مسلم كتاب القدر، باب كيفية الخلق الآدمي في بطن أمه … الحديث (٢٦٤٤) (١٦/ ٢٩٦ - ٢٩٧).\n(^١٧) - مسند أبي يعلى (٦/ ٣٥١ - ٣٥٢) رقم (٣٦٧٨).\n_________\n[¬١]- سقط من خ.\n[¬٢]- في ز: إلى.\n[¬٣]- سقط من ز.\n[¬٤]- في خ: رواه.\n[¬٥]- في ز، خ: \"الخوف\".\n[¬٦]- في خ: \"أبو علي\".\n[¬٧]- في ز: جرى.\n[¬٨]- في ز: العلم.","vol":"10","page":15},{"text":"الملكان اللذان معه أن يحفظا، وأن يشددا، فإذا بلغ أربعين سنة في الإسلام أمنه الله من البلايا الثلاث: الجنون، والجذام، والبرص، فإذا بلغ الخمسين خفَّفَ الله حسابه. فإذا بلغ الستين [¬١] رزقه الله الإنابة إليه بما يحب، فإذا بلغ السبعين أحبه أهل السماء، فإذا بلغ الثمانين كتب الله حسنَاته وتجاوز عن سيئاته، فإذا بلغ التسعين غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وشفعه في أهل بيته، وكان أسير الله في أرضه، فإذا بلغ أرذل العمر ﴿لِكَيلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيئًا﴾، كتب الله له مثل ما كان يعمل في صحته من الخير، فإذا عمل سيئة لم تكتب عليه\".\nهذا حديث غريب جدًّا، وفيه نكارة شديدة، ومع هذا فقد [¬٢] رواه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده (^١٨) موقوفًا ومرفوعًا. فقال [¬٣]: حدثنا أبو النضر، حدثنا الفرج، حدثنا محمد بن عامر، عن محمد بن عبد الله العامري [¬٤]، عن عمرو بن جعفر، عن أنس قال: إذا بلغ الرجل المسلم أربعين سنة أمنه الله من أنواع البلايا، من الجنون والجذام والبرص، فإذا بلغ الخمسين لين الله حسابه، فإذا بلغ الستين رزقه الله إنابة يحبه عليها، وإذا بلغ السبعين أحبه الله، وأحبه أهل السماء، وإذا بلغ الثمانين تقبل الله حسناته، ومحا عنه سيئاته، وإذا بلغ التسعين غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وسمي أسير الله في الأرض، وشفع في أهله. ثم قال: حدثنا هاشم [¬٥]، حدثنا الفرج [¬٦]، حدثني [محمد بن عبد الله] [¬٧] [العامري، عن محمد بن عبد الله] [¬٨] بن عمرو بن عثمان، عن عبد الله بن عمر بن الخطاب، عن النبي ﷺ، مثله.\n_________\n(^١٨) - أخرجه أحمد في المسند (٣/ ٢١٧ - ٢١٨) (١٣٣٠٣)، يوسف بن أبي ذرة: قال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: لا شيء. وقال ابن حبان في الضعفاء: منكر الحديث جدا، وروي المناكير التي لا أصل لها على قلة حديثه، لا يجوز الاحتجاج به لحال. قال الحافظ: وقد اختلف عليه في سند الحديث المذكور كما بسطته في كتاب الخصال المكفرة.\nوجعفر بن عمرو بن أمية: قال ابن حجر في التعجيل في ترجمة عمرو بن جعفر: عمرو بن جعفر عن أنس قوله، وعنه محمد بن عبد الله لا يدرى من هما؛ كدا قال الحسيني، وقال ابن شيخنا: كذا وقع في المسند وإنما هو جعفر بن عمرو بن أمية الضمري والراوي عنه محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان وهما ثقتان. قلت: ومن رجال التهذيب لكن الحديث في المسند من الطريقين: أما طريق جعفر فهي المستقيمة فأخرجها أحمد عن أنس بن عياض حدثني يوسف بن أبي ذرة، عن محمد بن عبد الله بن عمرو، عن جعفر بن عمرو بن أمية الضمري، عن أنس، وأما طريق عمرو بن جعفر المقلوبة فقال أحمد: حدثنا أبو النضر، =\n_________\n[¬١]- في ت، خ: سنين.\n[¬٢]- في ز: قد.\n[¬٣]- سقط من ز، خ.\n[¬٤]- في ز، خ: \"العاملي\".\n[¬٥]- في ز، خ: \"هشام\".\n[¬٦]- في ز، خ: \"الروح\".\n[¬٧]- سقط من خ.\n[¬٨]- سقط من ز، خ.","vol":"10","page":16},{"text":"ورواه الإمام أحمد (^١٩) أيضًا: حدثنا أنس بن عياض، حدثني يوسف بن أبي بردة [¬١] الأنصاري، عن جعفر بن عمرو بن أمية الضمري، عن أنس بن مالك، أن رسول الله ﷺ قال: \"ما من معمر يعمر في الأسلام أربعين سنة إلا صرف الله عنه ثلاثة أنواع من البلاء: الجنون، والجذام، والبرص\". وذكر تمام الحديث كما تقدم سواء.\nورواه الحافظ أبو بكر البزار: عن عبد الله بن شبيب، عن أبي شيبة، عن عبد الله بن عبد الملك، عن أبي قتادة العُذْري، عن ابن أخي الزهري، عن عمه، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: \"ما من عبد يعمر في الإسلام أربعين سنة إلا صرف الله عنه أنواعًا من البلاء: الجنون، والجذام، والبرص، فإذا بلغ خمسين سنة لين الله له الحساب، فإذا بلغ ستين سنة رزقه الله الإنابة إليه بما يحب، فإذا بلغ سبعين سنة غفر الله له [¬٢] ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وسُمي أسير الله، وأحبه أهل السماء، فإذا بلغ الثمانين تقبل الله منه حسناته، وتجاوز عن سيئاته، فإذا بلغ التسعين غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وسمي أسير الله في أرضه، وشفع في أهل بيته\".\nوقوله: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً﴾ هذا دليل آخر على قدرته تعالى على إحياء الموتى، كما يحيي الأرض الميتة الهامدة، وهي القحلة التي لا نبت فيها ولا شيء.\nوقال [¬٣] قتادة: غبراء متهشمة [¬٤]. وقال السدي: ميتة.\n_________\n= ثنا الفرج بن فضالة، عن عمرو بن جعفر، عن أنس بن مالك فذكر الحديث، والفرج بن فضالة ضعيف. وقد وهم في قوله: عمرو بن جعفر، وإنما هو جعفر بن عمرو، وهو من رجال التهذيب.\nولهذا الحديث ذكره ابن الجوزي في الموضوعات؛ قال ابن الجوزي: وقد خلط فيه الفرج بن فضالة. وقد رد الحافظ ابن حجر على ابن الجوزي وذب عن هذا الحديث في كتابه القول المسدد فقال:\n\"… فإن له طرقًا عن أنس وغيره يتعذر الحكم مع مجموعها على المتن بأنه موضوع\". قال: ولا يلزم من تخليط الفرج في السند أن يكون المتن موضوعا، قال: وقد استوعبت طرقه في الجزء الذي سميته \"الخصال المكفرة للذنوب المقدمة والمؤخرة\".\nومن أقوى طرقه ما أخرجه البيهقي في الزهد له عن الحاكم عن الأصم عن بكر بن سهل عن عبد الله بن محمد بن رمح عن عبد الله بن وهب، عن حفص بن ميسرة، عن زيد بن أسلم عن أنس. فذكر هذا الحديث.\nورواته عن ابن وهب فصاعدًا من رجال الصحيح، والبيهقي والحاكم والأصم لا يسأال عنهم، وابن رمح ثقة، وبكر بن سهل قواه جماعة وضعفه النسائي. . إلى آخر كلامه فراجعه إن شئت.\n(^١٩) - انظر السابق\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"درة\".\n[¬٢]- سقط من خ.\n[¬٣]- في ر: قال.\n[¬٤]- في خ: \"مهشمة\". وغير واضحة في ر.","vol":"10","page":17},{"text":"﴿فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾. أي: فإذا أنزل الله عليها المطر ﴿اهْتَزَّتْ﴾، أي: تحركت بالنبات، فحييت [¬١] بعد موتها، ﴿وَرَبَتْ﴾، أي: ارتفعت لما سكن فيها الثرى، ثم أنبتت ما فيها من الألوان والفنون، من ثمار وزروع، وأشتات النباتات في [اختلاف ألوانها] [¬٢] وطعومها وروائحها وأشكالها ومنافعها، ولهذا قال تعالى: ﴿وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾. أي: أحسن المنظر [¬٣] طيب الريح.\nوقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ﴾. أي: الخالق المدبر الفعال لما يشاء، ﴿وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى﴾. [أي: كما أحيا الأرض الميتة، وأنبت منها هذه الأنواع؛ ﴿إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى] [¬٤] إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ في ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ﴿وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيبَ فِيهَا﴾، أي: كائنة [¬٥] لا شك فيها ولا مرية، ﴿وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُور﴾. أي: يعيدهم بعد ما صاروا في قبورهم رِممًا [¬٦]، وورجدهم بعد العدم، كما قال تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَال مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩) الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ﴾ … [والآيات في هذا كثيرة] [¬٧].\nوقال الإمام أحمد (^٢٠): حدثنا يزيد [¬٨]، حدثنا حماد بن سلمة، قال [¬٩]: أنبأنا يعلى بن عطاء، عن وكيع بن عُدُس [¬١٠]، عن عمه أبي رزين العقيلي [¬١١]-واسمه لقيط بن عامر- أنه قال: يا رسول الله، أكلنا يرى ربه ﷿ يوم القيامة؟ وما آية ذلك في خلقه؟\n_________\n(^٢٠) - أخرجه أحمد في المسند (٤/ ١١) (١٦٢٣٤). وأخرجه أبو داود في كتاب السنة، باب: في الرؤيا (٤/ ٢٣٤) حديث (٤٧٣١). من طريق موسى بن إبراهيم، ثنا حماد، (ح) وعن عبيد الله بين معاذ، ثنا أبي، ثنا شعبة، عن يعلى بن عطاء به. وابن ماجة في المقدمة، باب: فيما أنكرت الجهمية. (١/ ٦٤) حديث (١٨٠). من طريق أبي بكر بن أبي شيبة، ثنا يزيد به. وابن حبان كما في الموارد (٣٩). والطبراني (١٩/ ٢٠٦) حديث (٤٦٥)، (٤٦٦). والحديث حسنه الشيخ الألباني في صحيح أبي داود حديث ٣٩٥٧، وصحيح ابن ماجه حديث ١٨٠.\n_________\n[¬١]- في خ: وحييت.\n[¬٢]- في خ: \"اختلافها\".\n[¬٣]- في خ: \"منظر حسن\".\n[¬٤]- سقط من ز، خ.\n[¬٥]- في ز، خ: \"كائن\".\n[¬٦]- في ز، خ: \"رمم\".\n[¬٧]- سقط من خ.\n[¬٨]- في ت: \"بهز\".\n[¬٩]- سقط من خ.\n[¬١٠]- في ت \"حُدس\".\n[¬١١]- في ز: المعقلي.","vol":"10","page":18},{"text":"فقال رسول الله ﷺ: \"أليس كلكم ينظر إلى القمر مُخْليًا به؟ \". قلنا: بلى. قال: \"فالله أعظم\". [قال: قلت:] [¬١] يا رسول الله، كيف يحيي الله الموتى؟ وما آية ذلك في خلقه؟ قال: \"أما مررت بوادي أهلك ممحلًا [¬٢]؟ \". قال: بلى قال [¬٣]: \"ثم مررت به يهتز خَضرًا؟ \". قلت [¬٤]: بلى. قال: \"فكذلك يحيي الله الموتى، وذلك آيته في خلقه\".\nورواه أبو داود وابن ماجه من [¬٥] حديث حمَّاد بن سلمة به.\nثم رواه الإمام أحمد (^٢١) أيضًا: حدثنا علي بن إسحاق، أنبأنا ابن المبارك، أنبأنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن سليمان بن موسى، عن أبي رزين العقيلي قال: أتيت رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله، كيف يحيي الله الموتى؟ قال: \"أمررت بأرض من أرضك مجدبة، ثم مررت بها مخصبة؟ \". قال: نعم. قال: \"كذلك النشور\".\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبيس [¬٦] بن مرحوم، حدثنا بكير بن [أبي] [¬٧] السميط، عن قتادة، عن أبي الحجاج، عن معاذ بن جبل قال: من علم أن الله هو الحق المبين، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، دخل الجنة.\n﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (٨) ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ (٩) ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (١٠)﴾\nلما ذكر تعالى حال الضلَّال الجهال المقلدين في قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيطَانٍ مَرِيدٍ﴾. ذكر في هذه حال الدعاة إلى الضلال من رءوس\n_________\n(^٢١) - أخرجه أحمد في المسند (٤/ ١١) (١٦٢٤٢) مطولًا. وسليمان بن موسى: صدوق ففيه، في حديثه بعض بين، خولط قبل موته بقليل. روى له مسلم في المقدمة، والأربعة. وهذا الطرف: أخرجه الطبراني في الكبير (١٩/ ٢٠٨) حديث (٤٧٠). وأبو داود الطيالسي (٢٧٩٥).\n_________\n[¬١]- في خ: \"قلنا\".\n[¬٢]- في ت: \"محلا\".\n[¬٣]- سقط من خ.\n[¬٤]- في ت: \"قال\".\n[¬٥]- في خ: في.\n[¬٦]- في خ: \"عنبس\".\n[¬٧]- سقط من ز، خ.","vol":"10","page":19},{"text":"الكفر والبدع، فقال: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾. أي: بلا عقل صحيح [¬١]، ولا نقل صحيح صريح، بل لمجرد [¬٢] الرأي والهوى.\nوقوله: ﴿ثَانِيَ عِطْفِهِ﴾. قال ابن عباس وغيره: مستكبر عن الحق إذا دعي إليه.\nوقال مجاهد، وقتادة، ومالك عن زيد بن أسلم: ﴿ثَانِيَ عِطْفِهِ﴾، أي: لاويَ عنقه، وهي رقبته. يعني: يعرض عما يدعى إليه من الحق، [ويثني] [¬٣] رقبته استكبارا، كقوله تعالى: ﴿وَفِي مُوسَى إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَى فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٣٨) فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ وَقَال سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾. وقال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ [وقال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَرَأَيتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾] [¬٤]. وقال [¬٥] لقمان لابنه: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾ أي: تميله عنهم امتكبارًا عليهم.\nوقال تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا [كَأَنَّ فِي أُذُنَيهِ وَقْرًا] [¬٦] فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ \".\nوقوله: ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾، قال بعضهم: هذه لام العاقبة؛ لأنه قد لا يقصد ذلك. ويحتمل أن تكون لام التعليل. ثم إما أن يكون المراد بها المعاندين [¬٧]، أو يكون المراد بها أن هذا [¬٨] الفاعل لهذا إنما جبلناه على هذا الخلق الذي يجعله ممن ضل عن سبيل الله.\nثم قال تعالى: ﴿لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ﴾، وهو الإهانة والذل، كما أنه لما [¬٩] استكبر عن آيات الله لقاه الله المذلة في الدنيا، وعاقبه فيها قبل الآخرة؛ لأنها أكبر همه ومبلغ علمه، ﴿وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ (٩) ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ﴾. أي: يقال له هذا تقريعًا وتوبيخًا، ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَيسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾. كقوله تعالى: ﴿خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ (٤٧) ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ (٤٨) ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (٤٩) إِنَّ هَذَا مَا كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ﴾.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أحمد بن الصباح، حدثنا يزيد بن هارون، أنبأنا\n_________\n[¬١]- في خ: صحيح.\n[¬٢]- في خ: بمجرد.\n[¬٣]- سقط من ز، خ.\n[¬٤]- سقط من خ.\n[¬٥]- في خ: قال.\n[¬٦]- سقط من ز.\n[¬٧]- في ز: المعاندون.\n[¬٨]- سقط من خ.\n[¬٩]- سقط من ز.","vol":"10","page":20},{"text":"هشام، عن الحسن، قال: بلغني أن أحدهم يحرق في اليوم سبعين ألف مرة.\n﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (١١) يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ (١٢) يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ (١٣)﴾\nقال مجاهد وقتادة وغيرهما: ﴿عَلَى حَرْفٍ﴾: على شك [¬١].\nوقال غيرهم: على طرف. ومنه حرف [¬٢] الجبل، أي: طرفه، أي: دخل في الدين على طرف، فإن وجد ما يحبه استقر، والا انشمر. وقال البخاري (^٢٢): حدثنا إبراهيم بن الحارث، حدثنا يحيى بن أبي بكير، حدثنا إسرئيل، عن أبي حصين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾، قال: كان الرجل يقدم المدينة، فإذ [¬٣] ولدت امرأته غلامًا، ونتجت خيله، قال: هذا دين صالح. وإن لم تلد امرأته، ولم تنتج خيله، قال: هذا دين سوء.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا أحمد بن عبد الرحمن، حدثني أبي، عن أبيه، عن أشعث بن إسحاق القمّي، عن جعفر بين أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس؛ قال: كان ناس من الأعراب يأتون النبي، ﷺ، فيسلمون، فإذا رجعوا إلى بلادهم فإن وجدوا عام غيث، وعام خصب، وعام ولاد حسن، قالوا: إن ديننا هذا لصالح، فتمسَّكُوا به، وإن وجدوا عام جُدوبة، وعام ولاد سَوء، وعام قحط، قالوا: ما في ديننا هذا خير. فأنزل الله على نبيه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ﴾.\nوقال العوفي، عن ابن عباس: كان أحدهم إذا قدم المدينة [وهي أرض وبيئة] [¬٤]، فإن صح بها جسمه، ونتجت فرسه مهرًا حسنا، وولدت امرأته غلامًا، رضي به واطمأن\n_________\n(^٢٢) أخرجه البخاري في كتاب التفسير، باب: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾ الحديث (٤٧٤٢) (٨/ ٤٤٢).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"شدة\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"طرف\".\n[¬٣]- في ت: \"فإن\".\n[¬٤]- في ز، خ: \"وهم أرض دونه\".","vol":"10","page":21},{"text":"إليه [¬١]، وقال: ما أصبت منذ كنت على ديني هذا إلا خيرًا، وإن أصابته فتنة -والفتنة: البلاء-[أي: و] [¬٢] إن أصابه وجع المدينة، وولدت امرأته جارية، وتأخرت عنه الصدقة، أتاه الشيطان فقال: والله ما أصبت منذ كنت على دينك هذا إلا شرًّا. وذلك الفتنة. وهكذا ذكر قتادة، والضحاك، وابن جريج وغير واحد من السلف، في تفسير هذه الآية.\nوقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: هو المنافق، إن صلحت له دنياه أقام على العبادة، وإن فسدت عليه دنياه وتغيرت انقلب، فلا يقيم على العبادة إلا لما صلح من دنياه، فإذا [¬٣] أصابته فتنة أو شدة أو اختبار [¬٤] أو ضيق، ترك دينه ورجع إلى الكفر.\nوقال مجاهد في قوله: ﴿انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ﴾ أي: ارتد كافرًا.\nوقول: ﴿خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ﴾، أي: فلا هو حصل من الدنيا على شيء، وأما الآخرة فقد كفر بالله العظيم، فهو فيها في غاية الشقاء والإهانة؛ ولهذا قال تعالى: ﴿ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾، أي: هذه هي الخسارة العظيمة، والصفقة الخاسرة.\nوقوله: ﴿يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنْفَعُهُ﴾، أي: من الأصنام والأنداد، يستغيث بها ويستنصرها ويسترزقها، وهي لا تنفعه ولا تضره، ﴿ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ (١٢) يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ﴾، أي: ضرره في الدنيا قبل الآخرة أقرب من نفعه فيها، وأما في الآخرة فضرره محقق متيقن.\nوقوله: ﴿لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ﴾ قال مجاهد: يعني الوثن، يعني: بئس هذا الذي دعا به من دون الله مولًى، يعني وليًّا وناصرًا، ﴿وَلَبِئْسَ [¬٥] الْعَشِيرُ﴾، وهو المخالط والمعاشر. واختار ابن جرير أن المراد: لبئس ابن العم والصاحب من يعبد الله على حرف: ﴿فَإِنْ أَصَابَهُ خَيرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ﴾.\nوقول مجاهد: أن المراد به الوثن -أولى وأقرب إلى سياق الكلام، والله أعلم.\n﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ (١٤)﴾\n_________\n[¬١]- في خ: \"به\".\n[¬٢]- سقط من ز.\n[¬٣]- في خ: فإن.\n[¬٤]- في ز: إجبار.\n[¬٥]- في ز: \"وبيئس\".","vol":"10","page":22},{"text":"لما ذكر أهل الضلالة الأشقياء، عطف بذكر الأبرار السعداء، من الذين آمنوا بقلوبهم، وصدقوا إيمانهم بأفعالهم، فعملوا الصالحات من جميع أنواع القربات، [وتركوا المنكرات] [¬١]، فأورثهم ذلك سكنى الدرجات العاليات، في روضات الجنات.\nولما [ذكر تعالى] [¬٢] أنه أضل أولئك وهدى هؤلاء، قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾.\n﴿مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيدُهُ مَا يَغِيظُ (١٥) وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ (١٦)﴾\nقال ابن عباس: من كان يظن أن لن ينصر [¬٣] الله محمدًا، ﷺ، في الدنيا والآخرة، ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ﴾، أي: بحبل ﴿إِلَى السَّمَاءِ﴾، أي: سماء بيته، ﴿ثُمَّ لْيَقْطَعْ﴾، يقول: ثم ليختنق به. وكذا قال مجاهد، وعكرمة، وعطاء، وأبو [¬٤] الجوزاء، وقتادة، وغيرهم.\nوقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ﴾، أي: ليتوصل إلي بلوغ السماء، فإن النصر إنما يأتي محمدًا من السماء، ﴿ثُمَّ لْيَقْطَعْ﴾ ذلك عنه، أن قدر على ذلك.\nوقول ابن عباس وأصحابه أولى وأظهر في المعنى، وأبلغ في التهكم؛ فإن المعنى: من كان [¬٥] يظن [¬٦] أن الله ليس بناصر محمدًا وكتابه ودينه، فليذهب فليقتل نفسه إن كان ذلك غائظه، فإن الله ناصره لا محالة، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (٥١) يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ ولهذا قال: ﴿فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيدُهُ مَا يَغِيظُ﴾.\nقال السدي: يعني من شأن محمد [¬٧]، ﷺ.\nوقال عطاء الخراساني: فلينظر هل يشفي ذلك ما يجد في صدره من غيظ [¬٨].\n_________\n[¬١]- سقط من ز، خ.\n[¬٢]- في ز، خ: \"وقد يقال\".\n[¬٣]- في ز: ينصره.\n[¬٤]- في ز، خ: \"وابن\".\n[¬٥]- سقط من ز، خ.\n[¬٦]- في ز: ظن.\n[¬٧]- في ز: محمدًا.\n[¬٨]- في خ: \"الغيظ\".","vol":"10","page":23},{"text":"وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ﴾، أي: القرآن ﴿آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾، أي: واضحات في لفظها ومعناها، حجة من الله على الناس ﴿وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ﴾، أي: يضل من يشاء، ويهدى من يشاء، وله الحكمة التامة، وله الحجة القاطعة في ذلك، و[¬١] ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ أما هو فلحكمته [¬٢] ووحمته وعدله وعلمه وقهره وعظمته لا معقب لحكمه وهو سريع الحساب.\n﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَينَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ شَهِيدٌ (١٧)﴾\nيخبر تعالى عن أهل هذه الأديان المختلفة من المؤمنين، ومن سواهم من اليهود و[¬٣] الصابئين، وقد قدمنا في سورة البقرة التعريفَ بهم واختلافَ الناس فيهم، والنصارى والمجوس والذين أشركوا، فعبدوا [غير الله معه] [¬٤]؛ فإنه تعالى: ﴿يَفْصِلُ بَينَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ ويحكم بينهم بالعدل، فيدخل من آمن به الجنة، ومن كفر به إلى [¬٥] النار، فإنه تعالى شهيد على أفعالهم، حفيظ لأقوالهم، عليم بسرائرهم وما تُكِنّ ضمائرهم.\n﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (١٨)﴾\nيخبر تعالى أنه المستحق للعبادة وحده لا شريك له فإنه يسجد لعظمته كل شيء طوعًا وكرهًا، وسجود [كل شيء مما] [¬٦] يختص به، كما قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ﴾ وقال هاهنا: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾، أي: من الملائكة في أقطار السماوات، والحيوانات في جميع الجهات؛ من الإنس والجن والدواب والطير، ﴿وَإِنْ مِنْ شَيءٍ إلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾.\nوقوله: ﴿وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ﴾، وإنما ذكر هذه على التنصيص؛ لأنها قد\n_________\n[¬١]- سقط من خ.\n[¬٢]- في ز: فلحمته. كذا.\n[¬٣]- سقط من ز.\n[¬٤]- في ت: \"مع الله غيره\".\n[¬٥]- سقط من ت.\n[¬٦]- في ز، خ: \"كما\".","vol":"10","page":24},{"text":"عبدت من دون الله، فبين أنَّها تسجد لخالقها، وأنَّها مربوبة مسخرة، ﴿لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾.\nوفي الصحيحين (^٢٣) عن أبي ذر ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ: \"أتدري أين تذهب هذه الشمس؟ \" قلت: الله ورسوله أعلم. قال: \"فإنها تذهب فتسجد تحت العرش، ثم تستأمر فيوشك أن يقال لها: ارجعي من حيث جئت\".\nوفي المسند (^٢٤) وسنن أبي داود والنَّسائي وابن ماجة في حديث الكسوف: \"إن الشمس والقمر خلقان من خلق الله، وإنهما لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، ولكن الله ﷿ إذا تجلى لشيء من خلقه خشع له\".\nوقال أَبو العالية: ما في السماء نجم ولا شمس ولا قمر، إلا يقع لله ساجدًا حين يغيب، ثم لا ينصرف حتَّى يؤذن له، فيأخذ ذات اليمين حتَّى يرجع إلى مطلعه.\nوأما الجبال والشجر فسجودها [¬١] بفيء ظلالها [¬٢] عن اليمين والشمائل.\nوعن ابن عبَّاس قال: جاء رجل فقال: يا رسول الله؛ إني رأيتني [¬٣] الليلة وأنا نائم كأني أصلي خلف شجرة، فسجَدتُ فسجدت الشجرة لسجودي، فسمعتها [وهي] [¬٤] تقول: اللهم اكتب لي بها عندك أجرًا، وضع عني بها وزرًا، واجعلها لي عندك ذخزًا، وتقبلها مني كما تقبلتها من عبدك داود.\n_________\n(^٢٣) - أخرجه البخاري في كتاب بدء الخلق، باب: صفة الشمس والقمر الحديث (٣١٩٩) (٦/ ٢٩٧) وأطرافه في [٤٨٠٢، ٤٨٠٣، ٧٤٢٤، ٧٤٣٣]. ومسلم في كتاب الإيمان، باب: بيان الزمن الذي لا يقبل فيه الإيمان الحديث (٢٥٠، ٢٥١/ ١٥٩).\n(^٢٤) - أخرجه أحمد في مسنده (٤/ ٢٦٩) (١٤٤١٨) بهذا اللفظ من حديث النعمان بن بشير، ورواه في (٤/ ٢٦٧) وأَبو داود في كتاب الصلاة، باب: من قال: يركع ركعتين الحديث (١١٩٣) (٢/ ٣١٠) بلفظ: \"كسفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ فجعل يصلي ركعتين ركعتين ويسأل عنها حتَّى انجلت\". والنَّسائي في كتاب الكسوف، باب نوع آخر (٣/ ١٤١). وابن ماجة في كتاب إقامة الصلاة، باب: ما جاء في صلاة الكسوف الحديث (١٢٦٢) (١/ ٤٠١). والبيهقي في السنن الكبرى (٣/ ٣٣٣). من طرق عن أبي قلابة عن النعمان بن بشير، فذكره.\nوقال البيهقي: هذا مرسل، أبو قلابة لم يسمعه من النعمان بن بشير إنما رواه عن رجل عن النعمان وليس فيه هذه اللفظة الأخيرة. ا. هـ\n_________\n[¬١]- في خ: فسجودهما.\n[¬٢]- في ز: ظلالهما.\n[¬٣]- في ز: \"رأيت\".\n[¬٤]- سقط من ز، خ.","vol":"10","page":25},{"text":"قال ابن عبَّاس: فقرأ رسول الله، ﵌، سجدة، ثم سجد، فسمعته [وهو] [¬١] يقول مثل ما أخبره الرجل عن قول الشجرة.\nرواه التِّرمِذي (^٢٥) وابن ماجة وابن حبان في صحيحه.\nوقوله: ﴿وَالدَّوَابُّ﴾، أي: الحيوانات كلها.\nوقد جاء في الحديث عند [¬٢] الإمام أحمد (^٢٦): أن رسول الله، ﷺ، نهى [عن اتخاذ ظهور الدواب] [¬٣] منابر\" فرب مركوبة خير وأكثر ذكرًا لله من راكبها.\n_________\n(^٢٥) - الترمذي في كتاب الصلاة، باب ما يقول في سجود القرآن الحديث (٥٧٩) (٣/ ٤٧٢ - ٤٧٣)، وأخرجه في كتاب الدعوات، باب ما يقول في سجود القرآن الحديث (٣٤٢٤) (٥/ ٤٥٥ - ٤٥٦). وابن ماجة في كتاب إقامة الصلاة، باب سجود القرآن الحديث (١٠٥٣) (١/ ٣٣٤). وابن حبان في صحيحه (٦/ ٤٧٣ - ٤٧٤) الحديث (٢٧٦٨).\n(^٢٦) - رواه أحمد من حددث معاذ بن أَنس عن أبيه (٣/ ٤٣٩) (١٥٦٧١). وهو صحيح - إلَّا قوله: \"فرب مركوبة خير من راكبها، وأكثر ذكرًا لله منه\" - والحديث رواه أحمد حديث ١٥٦٨٩ (٣/ ٤٤٠) وإسناده فيه ابن لهيعة وزبان. ورواه أحمد للفظ: \"اركبوا هذه الدواب سالمة، وابتدعوها سالمة، ولا تتخذوها كراسي\". ح ١٥٦٨٢ (٣/ ٤٤٠) من طريق ليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب، عنه به. وح ١٥٦٨٤ (٣/ ٤٤٠) من طريق ليث عن يزيد بن أبي حبيب. وح ١٥٦٨٣ (٣/ ٤٤٠) من طريق ليث، عن زبان. وح ١٨٠٨١ (٤/ ٢٣٤) من طريق ليث عن يزيد عنه. والحديث رواه الدارمي من طريق ليث، عن يزيد في كتاب الاستئذان، باب: في النهي عن أن تتخذ الدواب كراسي، حديث ٢٥٦٩. ورواه ابن خزيمة من طريق ليث عن يزيد حديث ٢٥٤٤. ورواه البيهقي في سننه الكبرى (٥/ ٢٢٥). والحاكم في المستدرك (١/ ٤٤٤) و(٢/ ١٠٠). والطبراني في الكبير (٢٠/ ١٩٣) حديث ٤٣١ - ٤٣٢. ورواه أحمد حديث ١٥٦٩٣ (٣/ ٤٤١) بلفظ: \"لا تتخذوا الدواب كراسي، فرب مركوبة عليها هي أكثر ذكر الله تعالى من راكبها\". وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ١٠٧) وقال: رواه أحمد والطبراني، وأحد أسانيد أحمد رجاله رجال الصحيح، غير سهل بن معاذ بن أَنس، وثقه ابن حبان، وفيه ضعف.\nوقال الحاكم: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. وقال الألباني: وهو كما قالا فإن رجاله كلهم ثقات، وسهل بن معاذ لا بأس به في غير رواية زبان عنه، وهذه ليست منها. وقد أخرجه أحمد من طريق ابن لهيعة، ثنا زبان، عن سهل به وزاد: \"فرب مركوبة خير من راكبها، وأكثر ذكرًا لله منه\". وهذه الزيادة ضعيفة لما عرفت من حال رواية زبان عن سهل، لا سيما وفيه ابن لهيعة وهو ضعيف أيضًا ولا تغتر بقول الهيثمي (٨/ ١٠٧) رواه أحمد والطبراني، وأحد أسانيد أحمد رجاله رجال الصحيح، غير سهل بن معاذ بن أَنس، وثقه ابن حبان، وفيه ضعف. فإن السند الذي ينطبق عليه هذا الكلام إنما هو سند الرواية الأولى التي ليست فيها هذه الزيادة فتنبه. ا هـ. من الصحيحة حديث (٢١).\n_________\n[¬١]- سقط من ز.\n[¬٢]- في ت: \"عن\".\n[¬٣]- في خ: \"عن ظهور اتخاذ الدواب\".","vol":"10","page":26},{"text":"وقوله: ﴿وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ﴾ أي: يسجد [¬١] لله طوعًا مختارًا متعبدًا بذلك، ﴿وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيهِ الْعَذَابُ﴾، أي: ممن امتنع وأبى واستكبر، ﴿وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾.\nوقال ابن أبي حاتم (^٢٧): حدَّثنا أحمد بن شيبان الرملي، حدَّثنا القداح، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن عليّ؛ قال: قيل لعليّ: إن هاهنا رجلًا [¬٢] يتكلم في المشيئة. فقال له علي: يا عبد الله، خلقك الله كما يشاء أو كما [¬٣] شئت؟ قال: [بل كما شاء. قال] [¬٤]: فيمرضك إذا شاء أو إذا شئت\" قال: بل إذا شاء. قال: فيشفيك إذا شاء أو إذا شئت؟ [قال: بل إذا شاء] [¬٥]. قال: فيدخلك حيث شئت أو حيث يشاء؟ قال: بل حيث يشاء. قال: والله لو قلت غير ذلك لضربت الذي فيه عيناك بالسيف.\nوعن [¬٦] أبي هريرة قال: قال رسول الله، ﷺ: \"إذا قرأ ابن آدم السجدة اعتزل الشيطان يبكي، يقول: يا ويله! أمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنَّة، وأمرت بالسجود فأبيت فلي النار\" رواه مسلم (^٢٨).\nوقال الإمام أحمد (^٢٩): حدَّثنا أَبو سعيد مولى بنى هاشم، وأَبو عبد الرحمن المقرئ؛ قالا: حدَّثنا ابن لهيعة، حدَّثنا مشْرح بن هاعان أَبو مصعب المعافري، قال: سمعت عقبة بن عامر، يقول: قلت: يا رسول الله، أفضلت سورة الحج على سائر القرآن بسجدتين؟ قال: \"نعم، فمن لم يسجد بهما فلا يقرأهما\".\n_________\n(^٢٧) - أخرجه اللالكائي في السنة رقم (١٣١٠).\n(^٢٨) - أخرجه مسلم كتاب الإيمان، باب بيان إطلاق اسم الكفر على من ترك الصلاة الحديث (١٣٣/ ٨١) (٢/ ٢٩).\n(^٢٩) - أخرجه أحمد (٤/ ١٥١) (١٧٤١٣) ثنا أَبو سعيد مولى بني هاشم، و(٤/ ١٥٥) (١٧٤٥٩) من حديث أبي عبد الرحمن عبد الله بن يزيد المقرئ - كلاهما - عن ابن لهيعة وقد حسنها بعض أهل العلم - أعني رواية العبادلة عنه - والحديث رواه أَبو داود في الصلاة، باب: تفريع أبواب السجود حديث ١٤٠٢. والتِّرمِذي حديث ٥٧٨. وقال الترمذي: هي حديث ليس إسناده بالقوي. وأخرجه الحاكم في المستدرك (٢/ ٣٩٠). وقال: هي حديث لم نكتبه مسندًا إلا من هذه الوجه؟ وعبد الله بن لهيعة بن عقبة الحضرمي أحد الأئمة إنما نقم عليه اختلاطه في آخر عمره، وقد صحت الرواية فيه من قول عمر بن الخطاب، وعبد الله بن عبَّاس، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن مسعود، وأبي موسى، وأبي الدرداء، وعمار ﵃. ا هـ. وقال الذهبي في التلخيص: صحت الرواية في هذا من قول عمر وطائفة. والحديث ضعفه شيخنا في ضعيف أبي داود حديث ٢٠٣، وضعيف التِّرمِذي حديث ٨٩.\n_________\n[¬١]- في ز: سجد.\n[¬٢]- في ز: رجل.\n[¬٣]- في ز: لما.\n[¬٤]- ما بين المعكوفين في ز: \"ما يشاء\".\n[¬٥]- سقط من خ.\n[¬٦]- في خ: عن.","vol":"10","page":27},{"text":"ورواه أَبو داود (^٣٠) والتِّرمِذي من حديث عبد الله بن لهيعة به، وقال التِّرمِذي: ليس بقوي. وفي هذا نظر؛ فإن ابن لهيعة قد صرح فيه بالسماع، وأكثر [¬١] ما نقموا عليه تدليسه.\nوقد قال أَبو داود في المراسيل (^٣١): حدَّثنا أحمد بن عمرو بن السرح، أنبأنا ابن وَهْب، أخبرني معاوية بن صالح، عن عامر بن جشيب [¬٢]، عن خالد بن معدان؛ أن رسول الله، ﷺ، قال: \"فضلت سورة الحج على القرآن بسجدتين\".\nثم قال أَبو داود: وقد أسند هذا - يعني من غير هذا الوجه - ولا يصح.\nوقال الحافظ أَبو بكر الإسماعيلي: حدثني ابن أبي داود، حدَّثنا يزيد بن عبد الله، حدَّثنا الوليد، حدَّثنا أَبو عمرو، حدَّثنا حفص بن عنان [¬٣]، حدثني نافع، حدثني أَبو الجهم؛ أن عمر سجد سجدتين في الحج وهو بالجابية. وقال: أن هذه فضلت بسجدتين.\nوروى أَبو داود (^٣٢) وابن ماجة؛ من [¬٤] حديث الحارث بن [¬٥] سعيد العتقيّ [¬٦]، عن عبد الله بن مُنَين، عن عمرو بن العاص؛ أن رسول الله، ﷺ، أقرأه [خمس عشرة] [¬٧] سجدة في القرآن؛ منها ثلاث في المفصل وفي سورة الحج سجدتان. فهذه شواهد يشد بعضها بعضًا.\n﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ (١٩) يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ\n_________\n(^٣٠) - أخرجه أَبو داود في كتاب الصلاة، باب: تفريع أباب السجود وكم سجدة في القرآن الحديث (١٤٠٢) (٢/ ٥٨). والترمذي في أَبواب الصلاة، باب: ما جاء في السجدة في الحج الحديث (٥٧٨) (٢/ ٤٧٠ - ٤٧١).\n(^٣١) - أخرجه أبو داود في المراسيل رقم (٧٨).\n(^٣٢) - أخرجه أَبو داود في كتاب الصلاة، باب تفريع أَبواب السجود وكم سجدة في القرآن الحديث (١٤٠١) (٢/ ٥٨). وابن ماجة في كتاب إقامة الصلاة، باب عدد سجود القرآن الحديث (١٠٥٧) (١/ ٣٣٥).\n_________\n[¬١]- في ز: وألبس. بلا نقط.\n[¬٢]- في خ: جشب.\n[¬٣]- في خ: \"غياث\".\n[¬٤]- في ز، خ: \"في\".\n[¬٥]- في ز: و.\n[¬٦]- في ز: الصفي.\n[¬٧]- في خ: \"خمسة عشر\".","vol":"10","page":28},{"text":"(٢٠) وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ (٢١) كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (٢٢)﴾\nثبت في الصحيحين (^٣٣): من حديث أبي مجلز، عن قيس بن عباد، عن أبي ذر، أنَّه كان يقسم قسمًا أن هذه الآية [¬١]: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ نزلت في حمزة وصاحبيه [¬٢]، وعتبة وصاحبيه، يوم برزوا في بدر.\nلفظ البخاري عند تفسيرها.\nثم قال البخاري (^٣٤): حدَّثنا حجاج بن منهال، حدثنا [¬٣] المعتمر بن سليمان، [سمعت أبي] [¬٤] حدَّثنا أَبو مجلز، عن قيس بن عُبَاد، عن عليّ بن أبي طالب أنَّه قال: أنا أول من يجثو بين يدي الرحمن للخصومة يوم القيامة. قال قيس: وفيهم نزلت: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾، قال: هم الذين بارزوا يوم بدر: عليٌّ وحمزة وعبيدة، وشيبة بن ربيعة، وعتبة بن ربيعة والوليد بن عتبة. انفرد به البخاري.\nوقال سعيد بن أبي عروبة، عن قَتَادة (^٣٥) في قوله: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾، قال: اختصم المسلمون وأهل الكتاب، فقال أهل الكتاب: نبينا قبل نبيكم، وكتابنا قبل كتابكم، فنحن أولى بالله منكم. وقال المسلمون: كتابنا يقضي على الكتب كلها، ونبينا خاتم الأنبياء، فنحن أولى بالله منكم. فأفلج الله الإسلام على من ناوأه، وأنزل: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾. وكذا روى العوفي، عن ابن عباس (^٣٦). وقال شعبة: عن قَتَادة في قوله: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾،\n_________\n(^٣٣) - أخرجه البخاري في صحيحه كتاب المغازي، باب قتل أبي جهل الحديث (٣٩٦٦) وأطرافه في (٣٩٦٨، ٣٩٦٩، ٤٧٤٣). ومسلم في كتاب التفسير، باب قوله تعالى: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ الحديث (٣٠٣٣) (١٨/ ٢٢٠ - ٢٢١).\n(^٣٤) - أخرجه البخاري في صحيحه كتاب التفسير، باب: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ الحديث (٤٧٤٤) (٨/ ٤٤٣).\n(^٣٥) - عزاه السيوطي في الدر (٤/ ٦٢٨) إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣٦) - أخرجه الطبري في تفسيره (١٧/ ١٣٢)، وزاد السيوطي في الدر (٤/ ٦٢٨) نسبته إلى ابن مردويه.\n_________\n[¬١]- سقط من ز، خ.\n[¬٢]- في ز، خ: \"وصاحبه\".\n[¬٣]- بعدها في خ: \"ابن\".\n[¬٤]- سقط من ز، خ.","vol":"10","page":29},{"text":"قال: مصدق ومكذب.\nوقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد (^٣٧) في هذه الآية: مثل الكافر والمؤمن اختصما في البعث. وقال في رواية هو وعطاء (^٣٨) في هذه الآية: هم المؤمنون والكافرون.\nوقال عكرمة (^٣٩): ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ قال: هي الجنَّة والنار، قالت النار: اجعلني للعقوبة. وقالت الجنة: اجعلني للرحمة.\nوقول [¬١] مجاهد وعطاء: أن المراد بهذا الكافرون والمؤمنون يشمل الأقوال كلها، وينتظم فيه قصة يوم بدر وغيرها، فإن المؤمنين يريدون نصرة دين الله، ﷿، والكافرون يريدون إطفاء نور الإيمان، وخذلان الحق، وظهور الباطل، وهذا اختيار ابن جرير، وهو حسن؛ ولهذا قال: ﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ﴾، أي: فصلت لهم مقطعات من نار، قال سعيد بن جبير (^٤٠): من نحاس، وهو أشد الأشياء حرارة إذا حمي.\n﴿يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ (١٩) يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ﴾، أي: إذا صب على رءوسهم الحميم، وهو الماء الحار في غاية الحرارة.\nوقال سعيد: هو النحاس المذاب، أذاب ما في بطونهم من الشحم والأمعاء. قاله ابن عبَّاس (^٤١) ومجاهد وسعيد بن جبير (^٤٢) وغيرهم. وكذلك تذوب جلودهم، وقال ابن عبَّاس وسعيد: تساقط.\n_________\n(^٣٧) - أخرجه الطبري في تفسيره (١٧/ ١٣٢)، وزاد السيوطي في الدر (٤/ ٦٢٨) نسبته إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣٨) - أخرجه ابن جرير (١٧/ ١٣٢).\n(^٣٩) - أخرجه ابن جرير (١٧/ ١٣٢ - ١٣٣) بلفظ: \"قالت النار: خلقني الله لعقوبته. وقالت الجنَّة: خلقني الله لرحمته. فقد قص الله عليك من خبرهما ما تسمع\".\n(^٤٠) - أخرجه ابن جرير (١٧/ ١٣٣)، وزاد السيوطي في الدر (٤/ ٦٢٩) نسبته إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم.\n(^٤١) - عزاه السيوطي في الدر (٤/ ٦٢٩) إلى ابن أبي حاتم عن ابن عبَّاس في قوله: ﴿يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ﴾ قال: يمشون وأمعاؤهم تساقط وجلودهم\".\n(^٤٢) - أخرجه ابن جرير (١٧/ ١٣٥) مطولًا وفيه: ﴿يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ﴾ يعني أمعاءهم وتساقط جلودهم. ورواه أيضًا أَبو نعيم في الحلية (٤/ ٢٨٥). وزاد السيوطي في الدر (٤/ ٦٢٩) نسبته إلى عبد ابن حميد وابن أبي حاتم.\n_________\n[¬١]- في خ: \"وقال\".","vol":"10","page":30},{"text":"وقال [¬١] ابن جرير (^٤٣): حدثني محمد بن المثنى، حدَّثنا إبراهيم أَبو إسحاق الطالقاني، حدَّثنا ابن المبارك، عن سعيد بن يزيد [¬٢]، عن أبي السمح، عن ابن [¬٣] حُجَيرة، عن أبي هريرة، عن النبي، ﷺ، قال: \"إن الحميم ليصب على روءسهم، فينفُذ الجمجمةَ حتى يخلص إلى جوفه، فيسلت ما في جوفه حتَّى يبلغ قدميه، وهو الصهر [¬٤]، ثم يعاد كما كان\" ورواه التِّرمِذي (^٤٤): من حديث ابن المبارك، وقال: حسن صحيح. وهكذا رواه ابن أبي حاتم، عن أبيه، عن أبي نعيم، عن ابن [¬٥] المبارك به.\nثم قال ابن أبي حاتم:\nحدَّثنا عليّ بن الحسين، حدَّثنا أحمد بن أبي الحَواري، سمعت عبد الله بن السري؛ قال: يأتيه الملك يحمل الإناء بِكَلْبَتَين من حرارته، فإذا أدناه من وجهه تكرَّهه، قال: فيرفع مقمعة معه فيضرب بها رأسه، فيفرغ دماغه، ثم يفرغ الإِناء من دماغه، فيصل إلى جوفه من دماغه، فذلك قوله: ﴿يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ﴾.\nوقوله: ﴿وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ﴾، قال الإمام أحمد (^٤٥):\nحدَّثنا حسن بن موسى، حدَّثنا ابن لهيعة، حدَّثنا دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد، عن رسول الله، ﷺ، قال: \"لو أن مقمعًا من حديد وضع في الأرض، فاجتمع له [¬٦] الثقلان ما أقلُّوه من الأرض\".\nوقال الإِمام أحمد (^٤٦): حدَّثنا موسى بن داود، حدَّثنا ابن لهيعة، عن [¬٧] دراج، عن\n_________\n(^٤٣) - أخرجه الطبري في تفسيره (١٧/ ١٣٣ - ١٣٤).\n(^٤٤) - أخرجه الترمذي في كتاب صفة جهنم، باب: ما جاء في صفة شراب أهل النار الحديث (٢٥٨٢) (٤/ ٦٠٧).\n(^٤٥) - أخرجه أحمد (٣/ ٢٩) (١١٢٤٩). وإسناده ضعيف من أجل دراج وابن لهيعة. وأخرجه أَبو يعلى - (١٣٨٨) حدَّثنا زهير حدَّثنا الحسن بن موسى به. والبيهقي في \"البعث والنشور\" - (٥٣٧) من طريق يحيى بن يحيى، أنبأ ابن لهيعة به. وأخرجه الحاكم (٤/ ٦٠٠) من طريق عبد الله بن وَهْب عن عمرو بن الحارث عن دراج به وصححه ووافقه الذهبي. وذكره الهيثمي في \"المجمع\" (١٠/ ٣٩١) وقال: رواه أحمد وأبو يعلى، وفيه ضعفاء وقد وثقوا. وزاد نسبته السيوطي في الدر المنثور (٤/ ٦٣٠) إلى ابن أبي حاتم وابن مردويه.\n(^٤٦) - أخرجه أحمد في المسند (٣/ ٨٣) (١١٨٠٢). وإسناده ضعيف كالذي قبله.\n_________\n[¬١]- في ز: قال:\n[¬٢]- في خ: زيد.\n[¬٣]- في ز: أبي.\n[¬٤]- في ز: الضمير.\n[¬٥]- سقط من خ.\n[¬٦]- سقط من ز.\n[¬٧]- في ت: \"حدثنا\".","vol":"10","page":31},{"text":"أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري؛ قال: قال رسول الله، ﷺ: \"لو ضرب الجبل بمقمع من حديد لتفتت، ثم عاد كما كان، ولو أن دلوًا من غَسَّاق يهراق في الدنيا لأنتن أهل الدنيا\".\nوقال ابن عباس (^٤٧) في قوله: ﴿وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ﴾، قال: يضربون بها، فيقع كل عضو على حياله، فيدعون [¬١] بالثبور.\nوقوله: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا﴾، قال [¬٢] الأعمش، عن أبي ظبيان، عن سلمان (^٤٨)؛ قال: النار سوداء مظلمة، لا يضيء لهبها ولا جمرها، ثم قرأ: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا﴾.\nوقال زيد بن أسلم (^٤٩) في هذه الآية: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا﴾، قال: بلغني أن أهل النار في النار لا يتنفسون.\nوقال الفضيل بن عياض (^٥٠): والله ما طمعوا في الخروج، إن الأرجل لمقيدة، وإن الأيدي لموثقة، ولكن يرفعهم لهبها، وتردهم مقامعها.\nوقوله: ﴿وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾، كقوله: ﴿وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾، ومعنى الكلام: أنهم يهانون بالعذاب قولًا وفعلًا.\n﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاورَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (٢٣) وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ (٢٤)﴾\nلما أخر تعالى عن حال أهل النار -عياذًا بالله من حالهم- وما هم فيه من العذاب\n_________\n(^٤٧) - جزء من أثر ابن عبَّاس المتقدم رقم (٨٩).\n(^٤٨) - أخرجه ابن المبارك في الزهد رقم (٣١٠)، والطبري في تفسيره (١٧/ ١٣٥)، والحاكم في المستدرك (٢/ ٣٨٧). وزاد السيوطي في الدر (٤/ ٦٣٠) نسبته إلى سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وهناد وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٤٩) - عزاه السيوطي في الدر (٤/ ٦٣٠) إلى ابن أبي حاتم.\n(^٥٠) - عزاه السيوطي في الدر (٤/ ٦٣٠) إلى ابن أبي حاتم.\n_________\n[¬١]- في ز: فيدعوا.\n[¬٢]- في ز: وقال.","vol":"10","page":32},{"text":"والنكال، والحريق والأغلال، وما أعد لهم من الثياب من النار - ذكر حال أهل الجنَّة - نسأل الله من فضله وكرمه أن يدخلنا الجنَّة - فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾، أي: تتخَرَّق في أكنافها وأرجائها وجوانبها، وتحت أشجارها وقصورها، يصرفونها حيث شاءوا وأين شاءوا ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا﴾ في الحلية ﴿مِنْ أَسَاورَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا﴾، أي: في أيديهم، كما قال النبي، ﷺ، في الحديث المتفق عليه (^٥١): \" تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء\".\nوقال كعب الأحبار: إن في الجنَّة ملكًا لو شئت أن أسميه لسميته، يصوغ لأهل الجنَّة الحلي منذ خلقه الله إلى يوم القيامة، لو أبرز قُلْب منها -أي: سوار منها- لرد شعاع الشمس، كما ترد [¬١] الشمس نور القمر.\nوقوله: ﴿وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾، في مقابلة ثياب أهل النار التي فصلت لهم، لباس هؤلاء من الحرير؛ إستبرقه وسندسه، كما قال: ﴿عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاورَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا (٢١) إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا﴾ وفي الصحيح (^٥٢): \" لا تلبسوا الحرير ولا الديباج في الدنيا، فإنه من لبسه في الدنيا لم يلبسه في الآخرة\" قال عبد الله بن الزبير: ومن [¬٢] لم يلبس الحرير في الآخرة\n_________\n(^٥١) - الحديث لم أقف عليه في صحيح البخاري لهذا اللفظ، وقد رواه مسلم في صحيحه، كتاب الطهارة، كتاب: تبلغ الحلية حيث يبلغ الوضوء الحديث (٤٠/ ٢٥٠) من حديث أبي حازم، قال: كنت خلف أبي هريرة وهو يتوضأ للصلاة فكان يمد يده حتى تبلغ إبطه، فقلت له: يا أبا هريرة، ما هذا الوضوء؟ فقال: يا بني فروخ، أنتم ها هنا؟ لو علمت أنكم ها هنا ما توضأت هذا الوضوء؛ سمعت خليلي ﷺ يقول: \"تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء\" ورواه أيضًا النَّسائي في كتاب الطهارة، باب: حلية الوضوء (١/ ٩٣) وأحمد في المسند (٢/ ٢٣٢، ٣٧١). وأبو عوانة في صحيحه (١/ ٢٤٤). والبيهقي في كتاب الطهارة، كتاب: استحباب إمرار الماء على العضد (١/ ٥٦ - ٥٧). والبغوي في شرح السنة (١/ ٤٢٦) رقم (٢١٩). والحديث رواه البخاري في صحيحه، كتاب اللباس، باب: نقض الصور، الحديث (٥٩٥٣) (١٠/ ٣٨٥) وطرفه في (٧٥٥٩) من حديث أبي زرعة قال: دخلت مع أبي هريرة دارًا بالمدينة فرأى في أعلاها مصورًا يصور؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي فليخلقوا حبة وليخلقوا ذرة \"ثم دعا بتور من ماء فغسل يديه حتَّى بلغ إبطيه فقلت: يا أبا هريرة، أشيء سمعته من رسول الله ﷺ؟ قال: \"منتهى الحلية\".\n(^٥٢) - أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب اللباس، باب: لبس الحرير للرجال وقدر ما يحوز منه، الحديث (٥٨٣٢) (١٠/ ٢٨٤)، ومسلم في صحيحه، كتاب اللباس والزينة، باب: تحريم استعمال إناء الذهب والفضة الحديث (٢١/ ٣٠٧٣) (١٤/ ٧٠) من حديث عبد العزيز بن صهيب، عن أَنس، ورواه البخاري في كتاب اللباس، باب: لبس الحرير للرجال، الحديث (٥٨٣٤) (١٠/ ٢٨٤) ومسلم في كتاب اللباس، باب: تحريم استعمال إناء الذهب والفضة، الحديث (١١/ ٢٠٦٩) (١٤/ ٦٠).\n_________\n[¬١]- في خ: \"يردُّ شعاع\".\n[¬٢]- في خ: من.","vol":"10","page":33},{"text":"لم يدخل الجنَّة، قال الله تعالى: ﴿وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾.\nوقوله: ﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ كقوله تعالى: ﴿وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ﴾ وقوله: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾، وقوله: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا (٢٥) إلا قِيلًا سَلَامًا﴾ فهدوا إلى المكان الذي يسمعون فيه الكلام الطيب، (﴿وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا﴾، لا كما يهان أهل النار بالكلام الذي يُرَوَّعون به ويقرعون به، يقال لهم: ﴿وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾.\nوقوله: ﴿وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ﴾، أي: إلى المكان الذي يحمدون فيه ربهم، على ما أحسن إليهم وأنعم له وأسداه إليهم، كما جاء في الصحيح: \"إنّهُم يلهمون التسبيح والتحميد كما يلهمون النفس\".\nوقد قال بعض المفسرين في قوله: ﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ﴾، أي: القرآن. وقيل: لا إله إلَّا الله. وقيل: الأذكار المشروعة. ﴿وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ﴾، أي: الطَّرِيق المستقيم في الدنيا، وكل هذا لا ينافي ما ذكرناه، والله أعلم.\n﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٢٥)﴾\nيقول تعالى منكرًا على الكفار في صدهم المؤمنين عن إتيان المسجد الحرام، وقضاء مناسكهم فيه ودعواهم أنهم أولياؤه ﴿وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ [¬١] إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إلا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ وفي هذه الآية دليل أنَّها مدنية، كما قال في سورة البقرة: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ﴾، وقال هاهنا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ [¬٢] عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾، أي [¬٣]: ومن صفتهم مع كفرهم أنهم يصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام، أي: ويصدون عن المسجد الحرام من أراده من\n_________\n[¬١]- سقط من ز.\n[¬٢]- في خ: \"وصدوا\".\n[¬٣]- سقط من ز.","vol":"10","page":34},{"text":"المؤمنين، الذين هم أحق الناس به في نفس الأمر، وهذا التركيب في هذه الآية كقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ أي: ومن صفتهم أنهم تطمئن قلوبهم بذكر الله.\nوقوله: ﴿الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾، [أي: يمنعون الناس عن الوصول إلى المسجد الحرام، وقد جعله الله شرعًا سواء، لا فرق فيه بين المقيم فيه والنائي عنه البعيد الدار منه، ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ [¬١] من ذلك استواء الناس في رباع مكة وسكناها، كما قال عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾، [قال: ينزل أهل مكة وغيرهم في المسجد الحرام.\nوقال مجاهد (^٥٣): ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ [¬٢]، أهل مكة وغيرهم فيه سواء في المنازل. وكذا قال أبو صالح (^٥٤)، وعبد الرحمن بن سابط (^٥٥)، وعبد الرحمن بن زيد (^٥٦).\nوقال عبد الرزاق (^٥٧)، عن معمر عن قتادة: سواء فيه أهله وغير أهله.\nوهذه المسألة اختلف فيها الشافعي وإسحاق بن راهويه بمسجد الخيف، وأحمد بن حنبل حاضر أيضًا، فذهب الشافعي ﵀ إلى أن رباع مكة تملك وتورث وتؤجر، واحتج بحديث الزهري، عن عليِّ بن الحسين، عن عمرو بن عثمان، عن أسامة بن زيد؛ قال: قلت: يا رسول الله، أتنزل غدًا في دارك بمكة؟ فقال: \"وهل ترك لنا عقيل من رباع؟ \" ثم قال: \"لا يرث الكافر المسلم، ولا المسلم الكافر\". وهذا الحديث مخرج في الصحيحين (^٥٨)، وبما ثبت أن عمر بن الخطاب اشترى من صفوان بن أمية دارًا بمكة فجعلها\n_________\n(^٥٣) - أخرجه الطبري في تفسيره (١٧/ ١٣٧) وعزاه السيوطي في الدر (٤/ ٦٣٢) إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن مجاهد بلفظ: \"الناس بمكة سواء، ليس أحد أحق بالمنازل من أحد\".\n(^٥٤) - أخرجه الطبري (١٧/ ١٣٧) قال: أهله والمنتاب في المنزل سواءٌ.\n(^٥٥) - أخرجه الطبري (١٧/ ١٣٧) بلفظ: \"ليس أحد أحق بمنزله من أحد إلا أن يكون أحد سبق إلى منزل\" وعزاه السيوطي في الدر (٤/ ٦٣٢) إلى ابن أبي شيبة.\n(^٥٦) - أخرجه الطبري في تفسيره (١٧/ ١٣٧) قال: العاكف فيه: المقيم بمكة، والباد: الذي يأتيه، هم فيه سواء في البيوت.\n(^٥٧) - أخرجه الطبري في تفسيره (١٧/ ١٣٧) من طريق عبد الرزاق.\n(^٥٨) - أخرجه البخاري في كتاب المغازي، باب: أين ركز النبي الراية يوم الفتح، الحديث (٤٢٨٢، ٤٢٨٣) (٨/ ١٣ - ١٤) وأخرجه البخاري في كتاب الفرائض، باب: لا يرث المسلم الكافر =\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفين سقط من ز، خ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفين سقط من ز، خ.","vol":"10","page":35},{"text":"سجنًا، بأربعة آلاف درهم. وبه قال طاووس وعمرو ابن دينار.\nوذهب إسحاق بن راهَويه إلى أنها لا تورث ولا تؤجر. وهو مذهب طائفة من السلف، ونص عليه مجاهد وعطاء، واحتج إسحاق بن راهويه بما رواه ابن ماجة (^٥٩)، عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن عيسى بن يونس، عن عمر بن سعيد بن أبي حسين، عن عثمان بن أبي سليمان، عن علقمة بن نَضْلة قال: توفي [¬١] رسول الله، ﷺ، وأبو بكر وعمر، وما تدعى رباع مكة إلا [السوائب، من احتاج سكن، ومن استغنى أسكن] [¬٢].\nوقال عبد الرزاق (^٦٠): عن ابن مجاهد، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو أنه قال: لا يحل بيع دور مكة ولا كراؤها [¬٣].\nوقال أيضًا (^٦١)، عن ابن جريج: \"كان عطاء ينهى عن الكراء في الحرم. وأخبرني أن عمر بن الخطاب] [¬٤] كان ينهى أن [تبوب دور] [¬٥] مكة؛ لأن ينزل الحاج في عَرَصاتها، فكان أول من بوب داره سهيل [¬٦] بن عمرو، فأرسل إليه عمر بن الخطاب في ذلك، فقال: أنظرني يا أمير المؤمنين، إني كنت امرأ تاجرًا، فأردت أن أتخذ بابين يحبسان لي ظهري قال: فذلك إذًا.\nوقال عبد الرزاق (^٦٢)، عن معمر، عن منصور، عن مجاهد؛ أن عمر بن الخطاب، قال: يا أهل مكة، لا تتخذوا لدوركم أبوابًا، لينزل البادي حيث يشاء.\n[قال (^٦٣): وأخبرنا معمر عمن سمع عطاء يقول: ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ قال:\n_________\n= ولا الكافر المسلم، الحديث (٦٧٦٤) (١٢/ ٥٠) ومسلم في أول كتاب الفرائض، الحديث (١/ ١٦١٤) مختصرًا.\n(^٥٩) - أخرجه ابن ماجه في السنن، كتاب المناسك، باب: أجر بيوت مكة، الحديث (٣١٠٧) (٢/ ١٠٣٧).\n(^٦٠) - أخرجه في المصنف (٥/ ١٤٨) رقم (٩٢١٤).\n(^٦١) - أخرجه في المصنف (٥/ ١٤٦) رقم (٢٩١٠).\n(^٦٢) - أخرجه في المصنف (٥/ ١٤٧) رقم (٩٢١١).\n(^٦٣) - أخرجه في المصنف (٥/ ١٤٧) رقم (٩٢١١).\n_________\n[¬١]- في خ: \"نزل\". وفي ز: ترك\n[¬٢]- ما بين المعكوفين سقط من خ.\n[¬٣]- في خ: \"كراها\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفين مكرر في خ.\n[¬٥]- في خ: \"دار بيوت\".\n[¬٦]- في ز: سهل.","vol":"10","page":36},{"text":"ينزلون حيث شاءوا.\nوروى الدارقطني (^٦٤) من حديث ابن أبي نجيح، عن عبد الله بن عمرو موقوفًا: من أكل كراء بيوت مكة أكل نارًا] [¬١].\nوتوسط الإمام أحمد فقال: تملك وتورث ولا تؤجر، جمعًا بين الأدلة، والله أ علم.\nوقوله: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾، قال بعض المفسرين من أهل العربية: الباء هاهنا زائدة، كقوله: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ أي: تنبت الدهن، وكذا قوله: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ﴾ تقديره: إلحادًا، وكما قال الأعشى:\nضمنت برزق عيالنا أرماحنا … بين المراجل والصريح الأجرد [¬٢]\nوقال الآخر:\nبواد يمان ينبت الشّث [¬٣] صَدْره … وأسفله بالمرْخ والشَّبَهان [¬٤]\nوالأجود أنه ضمن الفعل هاهنا معنى [¬٥]: يهم؛ ولهذا عدَّاه بالباء، فقال: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ﴾، أي: يهم فيه بأمر فظيع من المعاصي الكبار.\nوقوله: ﴿بِظُلْمٍ﴾ أي: عامدًا قاصدًا أنه ظلم ليس بمتأول، كما قال [ابن جريح] [¬٦] عن ابن عباس (^٦٥): هو التعمد [¬٧]. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس (^٦٦): ﴿بِظُلْمٍ﴾ بشرك. وقال مجاهد (^٦٧): أن يعبد فيه غير الله. وكذا قال قتادة (^٦٨) وغير واحد.\n_________\n(^٦٤) - أخرجه الدارقطني في السنن (٢/ ٢٩٩ - ٣٠٠).\n(^٦٥) - أخرجه الطبري في تفسيره (١٧/ ١٤١) من طريق ابن جريج قال: قال ابن عباس: الذي يريد استحلاله متعمدًا.\n(^٦٦) - أخرجه الطبري في تفسيره (١٧/ ١٤٠) وعزاه السيوطي في الدر (٤/ ٦٣٣) إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم أيضًا.\n(^٦٧) - أخرجه الطبري في تفسيره (١٧/ ١٤٠).\n(^٦٨) - أخرجه الطبري في تفسيره (١٧/ ١٤٠).\n_________\n[¬١]- سقط من خ. ومكانه بياض في ز.\n[¬٢]- في ز: الأجردا.\n[¬٣]- في ز: الشت.\n[¬٤]- في ز: والشبهات.\n[¬٥]- في ز: بمعنى.\n[¬٦]- سقط من خ. وجريج، مكانها بياض في ز.\n[¬٧]- سقط من خ. وبياض في ز.","vol":"10","page":37},{"text":"وقال العوفي، عن ابن عباس (^٦٩): ﴿بِظُلْمٍ﴾: هو أن تستحل من [¬١] الحرام ما حرم الله عليك من لسان، أو قتل، فتظلم من لا يظلمك، وتقتل من لا يقتلك، فإذا [¬٢] فعل ذلك فقد وجب العذاب الأليم.\nوقال مجاهد (^٧٠): ﴿بِظُلْمٍ﴾، يعمل فيه عملًا سيئًا [¬٣].\nوهذا من خصوصية الحرم: أنه يعاقَب البادي فيه الشر، إذا كان عازمًا عليه، وإن لم يوقعه، كما قال ابن أبي حاتم (^٧١) في تفسيره:\nحدثنا أحمد بن سنان، حدثنا يزيد بن هارون، أنبأنا شعبة، عن السدي، أنه سمع مُرَّة [¬٤] يحدث عن عبد الله -يعني ابن مسعود- في قوله: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ﴾، قال: لو أن رجلًا أراد فيه بإلحاد بظلم، وهو بعدن أبين [¬٥] أذاقه الله من العذاب الأليم. قال شعبة: هو رفعه لنا، وأنا لا أرفعه لكم. قال يزيد: هو قد رفعه. ورواه أحمد (^٧٢)، عن يزيد بن هارون، به.\n[قلت: هذا الإسناد] [¬٦] صحيح على شرط البخاري، ووقفه [¬٧] أشبه من رفعه؛ ولهذا صمم شعبة على وقفه [¬٨] من كلام ابن مسعود. وكذلك رواه أسباط، وسفيان الثوري، عن السدي، عن مرة، عن ابن مسعود موقوفًا [¬٩] والله أعلم.\n_________\n(^٦٩) - أخرجه الطبري في تفسيره (١٧/ ١٤٠).\n(^٧٠) - أخرجه الطبري (١٧/ ١٤٠).\n(^٧١) - أخرجه أحمد في مسنده (١/ ٤٢٨، ٤٥١)، والطبري في تفسيره (١٧/ ١٤١) وأبو يعلى في مسنده (٩/ ٢٦٢، ٢٦٣) رقم (٥٣٨٤)، ورواه الحاكم (٢/ ٣٨٨) من طريق يزيد بن هارون، أنبأ شعبة عن السدى به فذكره مرفوعًا. وقال: \"صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه\" ووافقه الذهبي وعزاه السيوطي في الدر (٤/ ٦٣٣) إلى الفريابي وسعيد بن منصور وابن راهويه وعبد بن حميد والبزار وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه\" وقال الهيثمي في المجمع (٧/ ٧٣): \"رواه أحمد وأبو يعلى والبزار ورجال أحمد رجال الصحيح\" ا. هـ\n(^٧٢) - أخرجه أحمد في المسند (١/ ٤٢٨، ٤٥١) وانظر السابق.\n_________\n[¬١]- سقط من ز.\n[¬٢]- في خ: إذا.\n[¬٣]- سقط من خ.\n[¬٤]- في خ: \"من\".\n[¬٥]- في خ: \"اثنين\".\n[¬٦]- سقط من ز، خ.\n[¬٧]- في خ: \"ورفعه\".\n[¬٨]- في ز، خ: \"رفعة\".\n[¬٩]- في ز، خ: \"مرفوعًا\".","vol":"10","page":38},{"text":"وقال الثوري [¬١] عن السدي، عن مرة، عن عبد الله قال (^٧٣): ما من رجل يهم بسيئة فتكتب عليه، ولو أن رجلًا بعدن أبين [¬٢] همَّ [أن يقتل] [¬٣] رجلًا بهذا البيت لأذاقه [الله من العذاب الأليم] [¬٤]. وكذا قال الضحاك بن مزاحم.\nوقال سفيان، عن منصور، عن مجاهد: \"إلحاد فيه\" لا والله، وبلى والله، وروى عن مجاهد، عن عبد الله بن عمرو مثله (^٧٤).\nوقال سعيد بن جبير (^٧٥): شتم الخادم ظلم فما [¬٥] فوقه.\nوقال سفيان الثوري، عن عبد الله بن عطاء، عن ميمون بن [¬٦] مهران، عن ابن عباس (^٧٦) في قوله: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ﴾، [قال] [¬٧]: [تجارة] [¬٨]، الأمير فيه.\nوعن ابن عمر (^٧٧): بيع الطعام إلحاد.\n_________\n(^٧٣) - أخرجه الطبري في تفسيره (١٧/ ١٤١) بلفظه وإسناده، ورواه الحاكم في المستدرك (٢/ ٣٨٧) من طريق سفيان، عن زبيد، عن مرة، عن ابن مسعود بلفظ: \"لو أن رجلًا هم بخطيئة يعني لم يعملها لم يكتب عليه، ولو أن رجلًا هم بقتل رجل عند البيت وهو بعد أبين أذاقه الله عذابًا أليمًا\". ورواه الطبراني في الكبير (٩/ ٢٥٣) رقم (٩٠٧٨) حدثنا محمد بن علي الصائغ، ثنا سعيد بن منصور، ثنا الحكم بن ظهير، عن السدى، عن مرة، عن عبد الله بن مسعود في تفسيره الآية قال: \"من هم بخطيئة فعملها في سوى البيت لم يكتب عليه حتى يعملها، ومن هم بخطيئة فعملها في البيت لم يمته الله في الدنيا حتى يذقه من عذاب أليم، وعزاه السيوطي في الدر (٤/ ٦٣٣) إلى سعيد بن منصور. قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ٧٣): \"رواه الطبراني وفيه الحكم بن ظهير وهو متروك\" ا. هـ\n(^٧٤) - أخرجه الطبري في تفسيره (١٧/ ١٤٠) قال: حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر قال: ثنا شعبة، عن منصور، عن مجاهد، عن عبد الله بن عمرو قال: كان له فسطاطان: أحدهما في الحل والآخر في الحرم فإذا أراد أن يعاتب أهله عاتبهم في الحل، فسئل عن ذلك؟ فقال: كنا نتحدث أن الإلحاد فيه أن يقول الرجل: كلا والله، وبلى والله. وعزاه السيوطي في الدر (٤/ ٦٣٤) إلى سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة وابن منيع وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه.\n(^٧٥) - عزاه السيوطي في الدر (٤/ ٦٣٤) إلى ابن أبي حاتم.\n(^٧٦) - عزاه السيوطي في الدر (٤/ ٦٣٤) إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٧٧) - عزاه السيوطي في الدر (٤/ ٦٣٤) إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"البزار\".\n[¬٢]- في خ: \"اثنين\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"أرسل\". والمثبت من الطبري.\n[¬٤]- ما بين المعكوفين في ز: \"من عذاب أليم\".\n[¬٥]- في ز، خ: \"لما\".\n[¬٦]- في ز: عن.\n[¬٧]- سقط من ز، خ.\n[¬٨]- سقط من خ.","vol":"10","page":39},{"text":"وقال حبيب [¬١] بن أبي ثابت (^٧٨): ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ﴾، قال: المحتكر بمكة. وكذا قال غير واحد.\nوقال ابن أبي حاتم (^٧٩): حدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن إسحاق الجوهري، أنبأنا أبو عاصم، عن جعفر بن يحيى، عن عمه عمارة بن ثوبان [¬٢]، حدثني موسى بن باذان، عن يعلى بن أمية، أن رسول الله، ﷺ، قال: \"احتكار الطعام بمكة إلحاد\".\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا يحيى [¬٣] بن عبد الله بن بكير، حدثنا ابن لهيعة، حدثني عطاء بن دينار، حدثني سعيد بن جبير؛ قال: قال ابن عباس في قول الله: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ﴾ قال: نزلت في عبد الله بن أنيس، أن رسول الله، ﷺ، بعثه مع رجلين، أحدهما مهاجر والآخر من الأنصار، فافتخروا في الأنساب، فغضب عبد الله بن أنيس، فقتل الأنصاري ثم ارتد عن الإسلام، ثم [¬٤] هرب إلى مكة، فنزلت فيه: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ﴾، يعني: من لجأ إلى الحرم بإلحاد، يعني: بميل عن الإسلام.\nوهذه الآثار وإن دلت على أن هذه الأشياء من الإِلحاد، ولكن هو أعم من ذلك، بل فيها تنبيه على ما هو أغلظ منها، ولهذا لما همَّ أصحاب الفيل على تخريب البيت، أرسل الله عليهم ﴿طَيرًا أَبَابِيلَ (٣) تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ (٤) فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ أي: دمَّرهم وجعلهم عبرة ونكالًا لكل من أراده بسوء، ولذلك ثبت في الحديث أن رسول الله، ﷺ، قال: \"يغزو هذا البيت جيش، حتى إذا كانوا ببيداء من الأرض، خُسف بأولهم وآخرهم\" الحديث.\nوقال الإمام أحمد (^٨٠): حدثنا محمد بن كناسة، حدثنا إسحاق بن سعيد، عن أبيه قال: أتى عبدُ الله بن عمر عبدَ الله بن الزبير، فقال: يا ابن الزبير، إياك والإِلحاد في حرم\n_________\n(^٧٨) - أخرجه الطبري في تفسيره (١٧/ ١٤١).\n(^٧٩) - أخرجه أبو داود في كتاب المناسك، باب تحريم حرم مكة الحديث (٢٠٢٠) (٣/ ٢١٢، ٢١٣) والبخاري في تاريخه (٧/ ٢٥٥) وعزاه السيوطي في الدر (٤/ ٦٣٣) إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه، والحديث ضعفه الشيخ الألباني في ضعيف أبي داود رقم (٤٤٠) وفي ضعيف الجامع رقم (١٨٤).\n(^٨٠) - أخرجه أحمد في المسند (٢/ ١٣٦).\n_________\n[¬١]- في ز: حندب. كذا.\n[¬٢]- في ز: ثروان.\n[¬٣]- في ز: لحي.\n[¬٤]- في ت: \"و\".","vol":"10","page":40},{"text":"الله، فإني سمعت رسول الله، ﷺ، يقول: \"إنه سيلحد فيه رجل من قريش، لو توزن ذنوبه بذنوب الثقلين لرجحت\". فانظر لا [تكن هو] [¬١].\nوقال أيضًا (^٨١): حدثنا هاشم، حدثنا إسحاق بن سعيد، حدثنا سعيد بن عمرو؛ قال: أتى [عبدُ الله بن عمرو عبدَ الله بن الزبير] [¬٢]، وهو جالس في الحجر فقال: يابن الزبير، إياك والإلحاد في الحرم! فإني أشهد [¬٣] لسمعت رسول الله، ﷺ، يقول [¬٤]: \"يحلها ويحل به رجل من قريش، لو وزنت ذنوبه بذنوب الثقلين لوزنتها\". قال: فانظر لا تكن هو.\nلم [¬٥] يخرجه أحد من أصحاب الكتب من هذين الوجهين.\n﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيئًا وَطَهِّرْ بَيتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (٢٦) وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾\nهذا فيه تقريع وتوبيخ لمن عبد [¬٦] غير الله وأشرك به من قريش، في البقعة التي أسست من أول يوم على توحيد الله، وعبادته وحده لا شريك له، فذكر تعالى أنه بوأ إبراهيم مكان البيت، أي: أرشده إليه، وسلمه له، وأذن له في بنائه.\nواستدل به كثير ممن قال إن إبراهيم ﵇ هو أول من بنى البيت العتيق، وأنه لم يبن قبله، كما ثبت في الصحيح (^٨٢) عن أبي ذر، قلت: يا رسول الله، أي مسجد وضع أولُ؟ قال: \"المسجد الحرام\". قلت: ثم أي؟ قال: \"بيت المقدس\". قلت: كم\n_________\n(^٨١) - أخرجه أحمد في المسند (٢/ ٢١٩) ورواه أيضًا في (٢/ ١٩٦) قال: حدثنا أبو النضر حدثني إسحاق بن سعيد به.\n(^٨٢) - أخرجه البخاري في كتاب الأنبياء، باب رقم (١٠) الحديث (٣٣٦٦)، (٤/ ٤٠٧) وفي باب قول الله تعالى: \"ووهبنا لداود سليمان\" الحديث (٣٤٢٥) (٤/ ٤٥٨). ومسلم في أول كتاب المساجد ومواضع الصلاة الحديث رقم (٢٢١/ ٥٢٠) (٥/ ٣).\n_________\n[¬١]- في المسند: تكونه.\n[¬٢]- ما بين المعكوفين في ز: \"عبدُ الله بن عمر ابنَ الزبير\".\n[¬٣]- في خ: \"لأشهد\".\n[¬٤]- سقط من ز.\n[¬٥]- في ز: ولم.\n[¬٦]- سقط من ز.","vol":"10","page":41},{"text":"بينهما؟ قال: \"أربعون سنة\" وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالمِينَ (٩٦) فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾ الآية، وقال تعالى: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾.\nوقد قدمنا ذكر ما ورد في بناء البيت من الصحاح والآثار، بما أغنى عن إعادته هاهنا.\nوقال تعالى هاهنا: ﴿أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيئًا﴾، أي: ابنه على اسمي وحدي، ﴿وَطَهِّرْ بَيتِيَ﴾، قال قتادة (^٨٣) ومجاهد (^٨٤): من الشرك، ﴿لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾، أي: اجعله خالصًا لهؤلاء الذين يعبدون الله وحده لا شريك له، فالطائف به معروف، وهو أخص العبادات عند البيت، فإنه لا يفعل ببقعة من الأرض سواها، ﴿الْقَائِمِينَ﴾، أي: في الصلاة؛ ولهذا قال: ﴿وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾، فقرن الطواف بالصلاة؛ لأنهما [¬١] لا يشرعان إلا مختصين بالبيت، فالطواف عنده، والصلاة إليه في غالب الأحوال، إلا ما استثني من الصلاة عند اشتباه القبلة، وفي الحرب، وفي النافلة في السفر، والله أعلم.\nوقوله: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾، أي: ناد في الناس داعيًا لهم إلى الحج إلى هذا البيت الذي أمرناك [¬٢] ببنائه، فذكر أنه قال: يارب، وكيف أبلغ الناس وصوتي لا ينفذهم؟ فقال [¬٣]: ناد وعلينا البلاغ. فقام على مقامه -وقيل: على الحجر. وقيل: على الصفا. وقيل: على أبي قبيس- وقال: يا أيها الناس، إن ربكم قد [¬٤] اتخذ بيتًا فحجوه. فيقال: إن الجبال تواضعت حتى بلغ الصوت أرجاء الأرض، وأسمع من في الأرحام والأصلاب، وأجابه كل شيء سمعه من حجر ومدر وشجر، و[من] [¬٥] كتب الله أنه يحج إلى يوم القيامة: لبيك اللهم لبيك.\nهذا مضمون ما روي عن ابن عباس (^٨٥).\n_________\n(^٨٣) - أخرجه الطبري في تفسيره (١٧/ ١٤٣) عن قتادة قال: من الشرك وعبادة الأوثان.\n(^٨٤) - أخرجه الطبري (١٧/ ١٤٣).\n(^٨٥) - أخرجه الطبري في تفسيره (١٧/ ١٤٤) والحاكم في المستدرك (٢/ ٣٨٩) ومن طريقه البيهقي في السنن، كتاب الحج، باب: دخول مكة بغير إرادة حج وعمرة (٥/ ١٧٦). كلهم من طريق جرير عن قابوس عن أبيه عن ابن عباس قال: لما فرغ إبراهيم من بناء البيت قيل له: (أذن في الناس بالحج) قال: رب وما يبلغ صوتي؛ قال: أذِّن وعلي البلاغ. فنادى إبراهيم: \"أيها الناس كتب عليكم الحج إلى البيت=\n_________\n[¬١]- في ز: فإنهما.\n[¬٢]- في ز: آمرك.\n[¬٣]- في ت: \"فقيل\".\n[¬٤]- سقط من خ.\n[¬٥]- سقط من ز.","vol":"10","page":42},{"text":"ومجاهد (^٨٦) وعكرمة وسعيد بن جبير وغير واحد من [¬١] السلف، والله أعلم. أوردها ابن جرير وابن أبي حاتم مطولة [¬٢].\nوقوله: ﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾، قد يستدل بهذه الآية من ذهب من العلماء إلى أن الحج ماشيًا، لمن قدر عليه أفضل من الحج راكبًا، لأنه قدمهم في الذكر، فدل على الاهتمام بهم وقوة هممهم وشدة عزمهم.\n[وقال وكيع، عن أبي العميس، عن أبي حلحلة، عن محمد بن كعب، عن ابن عباس قال: ما آسي علي شيء، إلا أني وددت أني كنت حججت ماشيًا؛ لأن الله يقول: ﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا﴾] [¬٣].\nوالذي عليه الأكثرون: أن الحج راكبًا أفضل؛ اقتداء برسول الله، ﷺ، فإنه حج راكبًا مع كمال قوّته، ﵇.\nوقوله: ﴿يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ﴾ يعني: طريق [¬٤]، كما قال: ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا﴾.\nوقوله: ﴿عَمِيقٍ﴾ أي: بعيد. قاله مجاهد وعطاء والسدي وقتادة ومقاتل بن حيان\n_________\n= العتيق فحجوا- قال: فسمعه ما بين السماء والأرض أفلا ترى الناس يجيبون من أقصى الأرض يلبون\"، وزاد السيوطي نسبته في الدر (٤/ ٦٣٧) إلى ابن أبي شيبة في المصنف، وابن منيع وابن المنذر وابن أبي حاتم. قال الحاكم: \"صحيح الإسناد ولم يخرجاه\" ووافقه الذهبي وأخرج ابن جرير أيضًا (١٧/ ١٤٤) والحاكم في المستدرك (٢/ ٥٥٢). كلاهما من طريق عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: لما بنى إبراهيم البيت أوحى الله إليه أن أذن في الناس بالحج قال: فقال إبراهيم: ألا إن ربكم قد اتخذ بيتا وأمركم أن تحجوه فاستجاب له ما سمعه من شيء من حجر وشجر وأكمة أو تراب أو شيء: لبيك اللهم لبيك. رواه البيهقي في سننه، كتاب الحج، باب: دخول مكة بغير إرادة حج ولا عمرة (٥/ ١٧٦) من طريق عطاء عن ابن جبير، عن ابن عباس في قوله \"وأذن في الناس بالحج\" قال: لما أمر الله ﷿ إبراهيم ﵇ أن يؤذن في الناس بالحج قال: يا أيها الناس! إن ربكم اتخد بيتًا وأمركم أن تحجوه. فاستجاب له ما سمعه من حجر أو شجر أو أكمة أو تراب أو شيء، فقالوا: لبيك اللهم لبيك. والأثر عزاه السيوطي أيضًا في الدر (٤/ ٦٣٧) إلى ابن المنذر. كما روى الطبري في تفسيره (١٧/ ١٤٤) عن ابن عباس في قوله \"وأذن في الناس بالحج\" قال: قام إبراهيم خليل الله على الحجر فنادى: يا أيها الناس! كتب عليكم الحج فأسمع من في أصلاب الرجال وأرحام النساء، فأجابه من آمن ممن سبق في علم الله أن يحج إلى يوم القيامة: لبيك اللهم لبيك.\n(^٨٦) - رواه الطبري في تفسيره (١٧/ ١٤٥)\n_________\n[¬١]- في خ: عن.\n[¬٢]- في خ: \"بطوله\".\n[¬٣]- سقط من ز، خ.\n[¬٤]- بعدها في خ: \"عميق\".","vol":"10","page":43},{"text":"والثوري وغير واحد.\nوهذه الآية كقوله تعالى إخبارًا عن إبراهيم حيث قال في دعائه: ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوي إِلَيهِمْ﴾، فليس أحد من أهل الإِسلام إلا وهو يحن إلى رؤية الكعبة والطواف، فالناس يقصدونها من سائر الجهات والأقطار.\n﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ (٢٨) ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيتِ الْعَتِيقِ﴾\nقال ابن عباس: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾، قال: منافع الدنيا والآخرة؛ أما منافع الآخرة فرضوان الله تعالى، وأما منافع الدنيا فما [¬١] يصيبون من منافع البُدْن والربح والتجارات. وكذا قال مجاهد، وغير واحد: إنها منافع الدنيا والآخرة، كقوله: ﴿لَيسَ عَلَيكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾.\nوقوله: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ [فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ] [¬٢] عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾، قال شعبة [وهشيم عن أبي بشر، عن سعيد] [¬٣]، عن ابن عباس (^٨٧)، ﵄ الأيام المعلومات: أيام العشر. وعلقه البخاري عنه بصيغة [الجزم به] [¬٤]، ويروى مثله عن أبي موسى الأشعري ومجاهد (^٨٨) وقتادة وعطاء وسعيد بن جبير والحسن والضحاك وعطاء الخراساني وإبراهيم النخعي وهو مذهب الشافعي، والمشهور عن أحمد بن حنبل.\nوقال البخاري (^٨٩): حدثنا محمد بن عرعرة، حدثنا شعبة، عن سليمان، عن مسلم\n_________\n(^٨٧) - تقدم في سورة البقرة الآية (٢٠٣).\n(^٨٨) - رواه البيهقي في السنن الكبرى كتاب الحج، باب الأيام المعلومات والمعدودات (٥/ ٢٢٨) عن مجاهد قال: الأيام المعلومات العشر، والأيام المعدودات أيام التشريق. وعزاه السيوطي في الدر (١/ ٤٢٠) إلى ابن أبي الدنيا والمحاملي في أماليه.\n(^٨٩) - أخرجه البخاري في كتاب العيدين، باب: فضل العمل في أيام التشريق الحديث (٩٦٩) (٢/ ٤٥٧).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"ما\".\n[¬٢]- سقط من ز.\n[¬٣]- في ز، خ: \"عن وهيم\". كذا.\n[¬٤]- في ز، خ: \"الخبرية\".","vol":"10","page":44},{"text":"البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن النبي، ﷺ، قال: \"ما العمل في أيام أفضل منها في هذه\". قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: \"ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل يخرج يخاطر بنفسه وماله فلم يرجع بشيء [¬١] \".\nورواه الإمام أحمد (^٩٠)، وأبو داود (^٩١)، والترمذي (^٩٢)، وابن ماجة (^٩٣)، وقال الترمذي: حديث حسن غريب صحيح، وفي الباب عن ابن عمر وأبي هريرة وعبد الله بن عمرو وجابر.\nقلت: وقد تقصيت هذه الطرق وأفردت لها جزءًا على حدته. فمن ذلك ما قال الإمام أحمد (^٩٤):\nحدثنا عفان، أنبأنا أبو عوانة، عن يزيد بن أبي زياد، عن مجاهد، عن ابن عمر؛ قال: قال رسول الله، ﷺ: \"ما من أيام أعظم عند الله، ولا أحب إليه العمل فيهن، [من هذه الأيام] [¬٢] العشر؛ فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد\". وروي من وجه آخر، عن مجاهد، عن ابن عمر، بنحوه.\nوقال البخاري (^٩٥): وكان ابن عمر، وأبو هريرة يخرجان إلى السوق [¬٣] في أيام العشر، فيكبران ويكبر الناس بتكبيرهما.\nوقد روى أحمد (^٩٦) عن جابر مرفوعًا، أن هذا هو العشر الذي أقسم الله به في قوله: ﴿وَالْفَجْرِ (١) وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾.\nوقال بعض السلف: إنه المراد بقوله: ﴿وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ﴾ وفي سنن أبي داود (^٩٧): أن رسول\n_________\n(^٩٠) - المسند (١/ ٢٢٤، ٣٣٨، ٣٣٩، ٣٤٦).\n(^٩١) - أخرجه أبو داود في كتاب الصوم، باب في صوم العشر الحديث (١٤٣٨) (٢/ ٣٢٥).\n(^٩٢) - أخرجه الترمذي في كتاب الصوم، باب ما جاء في العمل في أيام العشر الحديث (٧٥٧) (٣/ ١٣٠).\n(^٩٣) - أخرجه ابن ماجة في السنن كتاب الصيام، باب صيام العشر الحديث (١٧٢٧) (١/ ٥٥٠).\n(^٩٤) - أخرجه أحمد في المسند (٢/ ٧٥، ١٣١، ١٣٢).\n(^٩٥) - علقه البخاري في صحيحه كتاب العيدين \"باب فضل العمل في أيام التشريق (٢/ ٤٥٧).\n(^٩٦) - أخرجه أحمد في المسند (٣/ ٣٢٧).\n(^٩٧) - أخرجه أبو داود في كتاب الصوم، باب في صوم العشر الحديث (٢٤٣٧) (٢/ ٣٢٥) من =\n_________\n[¬١]- سقط من ز، خ.\n[¬٢]- في خ: \"أحب من\".\n[¬٣]- مكانها بياض في ز.","vol":"10","page":45},{"text":"الله، ﷺ، كان يصوم هذا العشر.\nوهذا العشر مشتمل علي يوم عرفة، الذي ثبت في صحيح مسلم (^٩٨) عن أبي قتادة قال: سئل رسول الله، ﷺ، عن صيام يوم عرفة؟ فقال: \"أحتسب على الله أن يكفر السنة الماضية والآتية\". ويشتمل على يوم النحر الذي هو يوم الحج الأكبر، وقد ورد في حديث أنه أفضل الأيام عند الله (^٩٩). وبالجملة فهذا العشر قد قيل: إنه أفضل أيام السنة، كما نطق به الحديث، وفضله [¬١] كثير علي عشر رمضان الأخير؛ لأن هذا يشرع فيه ما يشرع في ذاك، من صلاة وصيام وصدقة وغيره، ويمتاز هذا باختصاصه بأداء فرض الحج فيه.\nوقيل: ذاك [¬٢] أفضل لاشتماله على ليلة القدر، التي هي خير من ألف شهر. وتوسط آخرون فقالوا: أيام هذا أفضل، وليالي ذاك أفضل. وبهذا يجتمع فحمل الأدلة، والله أعلم.\n(قول ثان: في الأيام المعلومات) قال الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس: الأيام المعلومات: يوم النحر، وثلاثة أيام بعده. ويروى هذا عن ابن عمر وإبراهيم النخعي، وإليه ذهب أحمد بن حنبل في رواية عنه.\n(قول ثالث) قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا علي بن المديني، حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا ابن عجلان، حدثني نافع، أن ابن عمر كان يقول: الأيام المعلومات والمعدودات هن جميعهن أربعة أيام، فالأيام المعلومات: يوم النحر ويومان بعده، والأيام المعدودات: ثلاثة أيام بعد يوم النحر.\n_________\n= حديث هنيدة بن خالد عن امرأته عن بعض أزواج النبي الله قالت: كان رسول الله ﷺ يصوم تسع ذي الحجة ويوم عاشوراء وثلاثة أيام من كل شهر: أول اثنين من الشهر والخميس. قال الحافظ المنذري في مختصر السنن (٣/ ٣٢٠): واختلف على هنيدة بين خالد في إسناده فروى عنه كما أوردناه، وروى عنه عن حفصة زوج النبي ﷺ وروى عنه عن أمه عن أم سلمة زوج النبي ﷺ مختصرًا، والحديث صححه الشيخ الألباني في صحيح أبي داود رقم (٢١٢٩). وحديث حفصة رواه أحمد (٦/ ٢٨٧) والنسائي كتاب الصيام، باب كيف يصوم ثلاثة أيام من كل شهر من طريق هنيدة عن حفصة قالت: أربع لم يكن يدعهن النبي ﷺ: صيام عاشوراء وثلاثة أيام من كل شهر وركعتين قبل الغداة.\n(^٩٨) - أخرجه مسلم في كتاب الصيام، باب استحباب أيام ثلاثة أيام من كل شهر وصوم يوم عاشوراء والأثنين والخميس الحديث (١٩٦، ١١٦٢) (٨/ ٧١، ٧٢).\n(^٩٩) - ورد ذلك من حديث عبد الله بن قرط، رواه ابن حبان في صحيحه (٧/ ٥١) رقم (٢٨١١) بهذا اللفظ. وأخرجه أبو داود في كتاب المناسك، باب في الهدي إذا عطب قبل أن يبلغ، الحديث=\n_________\n[¬١]- في ز: ففضله.\n[¬٢]- في خ: ذلك.","vol":"10","page":46},{"text":"هذا إسناد صحيح إليه، وقاله السدي. وهو مذهب الإمام مالك بن أنس، ويعضد هذا القولَ والذي قبله قوله تعالى: ﴿عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾، يعني به ذكر الله عند ذبحها.\n(قول رابع) أنها يوم عرفة ويوم النحر ويوم آخر بعده، وهو مذهب أبي حنيفة.\nوقال ابن وهب: حدثني ابن زيد بن أسلم، عن أبيه أنه قال: المعلومات: يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق.\nوقوله: ﴿عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ يعني: الإبل والبقر والغنم، كما فصلها تعالى في سورة الأنعام، وأنها [¬١]: ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ الآية.\nوقوله: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾، استدل بهذه الآية من ذهب إلي وجوب الأكل من الأضاحي، وهو قول غريب، والذي عليه الأكثرون أنه من باب الرخصة أو الاستحباب، كما ثبت أن رسول الله، ﷺ، لما نحر هديه أمر من كل بدنة ببضعة فتطبخ، فأكل من لحمها، وحسى من مرقها (^١٠٠).\nوقال عبد الله بن وهب: [قال لي مالك: أحب أن كل من أضحيته؛ لأن الله يقول: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾. قال ابن وهب] [¬٢]: وسألت الليث فقال لي مثل ذلك.\nوقال سفيان الثوري: عن منصور، عن إبراهيم: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾، قال: كان المشركون لايأكلون من ذبائحهم، فرخص للمسلمين، فمن شاء أكل، ومن شاء لم يأكل. وروي عن عطاء ومجاهد نحو ذلك.\n_________\n= (١٧٦٥) (٢/ ١٤٨) وأحمد في المسند (٤/ ٣٥٠) والحاكم (٤/ ٢٢١) من حديث عبد الله بن قرط مرفوعًا بلفظ: \"إن أعظم الأيام عند الله ﵎ يوم النحر ثم يوم القر\" وقرب لرسول الله ﷺ بدنات خمس أو ست ينحرهن فطفقن يزدلفن إليه أيتهن يبدأ بها، فلما وجبت جنوبها قال كلمة خفية لم أفهمها فسألت بعض من يليني ما قال: قالوا: قال: \"من شاء اقتطع\". ورواه أيضًا النسائي في الكبرى كتاب الحج، باب فضل يوم النحر الحديث (٤٠٩٨) (٢/ ٤٤٤)، وابن خزيمة في صحيحه (٤/ ٢٧٣، ٢٧٤) رقم (٢٨٦٦)، (٢٩١٧)، (٢٩٦٦) بلفظ: \"أعظم الأيام عند الله يوم النحر ثم يوم الضر\" كلهم رووه من طريق ثور بن يزيد. والحديث صححه الشيخ الألباني في صحيح أبي داود رقم (١٥٥٢).\n(^١٠٠) - رواه مسلم في كتاب الحج حديث (١٢١٨) في حديث جابر ﵁ الطويل في صفة حجة النبي ﷺ.\n_________\n[¬١]- سقط من خ.\n[¬٢]- سقط من ز، خ.","vol":"10","page":47},{"text":"قال هشيم: عن حصين، عن مجاهد في قوله: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾: هي كقوله: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾، ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ [¬١] الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾. وهذا اختيار ابن جرير في تفسيره، واستدل من نصر القول بأن الأضاحي يتصدق منها بالنصف، بقوله في هذه الآية: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِير﴾، فجزأها [¬٢] نصفين: نصف للمضحي، ونصف للفقراء.\nوالقول الآخر أنها تجزأ ثلاثة أجزاء: ثلث له، وثلث يهديه، وثلث يتصدق به، لقوله تعالى في الآية الأخرى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ وسيأتي الكلام عليها عندها إن شاء الله وبه الثقة.\nوقوله: ﴿الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾، قال عكرمة: هو المضطر الذي عليه البؤس [¬٣]: الضعيف [¬٤].\nوقال مجاهد: هو الذي لا يبسط يده. وقال قتادة: هو الزّمِن.\nوقال مقاتل بن حيان: هو الضرير.\nوقوله: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾، قال عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس: هو وضع الإحرام [¬٥] من حلق الرأس، ولبس الثياب، وقص الأظفار، ونحو ذلك. وهكذا روى عطاء ومجاهد عنه، وكذا قال عكرمة ومحمد بن كعب القرظي [] [¬٦].\nوقال عكرمة، عن ابن عباس: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾، قال: التفث: المناسك.\nوقوله: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: يعني [¬٧]: نحر ما نذر من أمر البُدن. وقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾: نذر الحج والهدي وما نذر الإنسان من شيء يكون في الحج.\nوقال إبراهيم بن ميسرة، عن مجاهد: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ قال: الذبائح.\nوقال ليث بن أبي سليم، عن مجاهد: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾: كل نذر إلى أجل.\n_________\n[¬١]- في ز: قضيتم.\n[¬٢]- في ز: فجزأ.\n[¬٣]- في ز، خ: المتعفف، والمثبت من الدر المنثور.\n[¬٤]- سقط من ز، خ.\n[¬٥]- في ز: عنه.\n[¬٦]- بعده في ز، خ: \"ما\".\n[¬٧]- سقط من ز، خ.","vol":"10","page":48},{"text":"وقال عكرمة: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾، قال: نذر الحج.\n[وكذا روى الإمام أحمد وابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيان في قوله: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ قال: نذور الحج] [¬١]. فكل من دخل الحج [¬٢] فعليه من العمل فيه: الطواف بالبيت وبين الصفا والمروة، وعرفة، والمزدلفة، ورمي الجمار، على ما أمروا به. وروي عن مالك [نحو هذا] [¬٣].\nوقوله: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيتِ الْعَتِيقِ﴾ قال مجاهد: يعني الطواف الواجب يوم النحر.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد، عن أبي حمزة، قال: قال لي ابن عباس: أتقرأ سورة الحج؟ يقول [¬٤] الله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا [¬٥] بِالْبَيتِ الْعَتِيقِ﴾، فإن آخر المناسك الطواف بالبيت العتيق [¬٦].\nقلت: وهكذا صنع رسول الله، ﷺ، فإنه لما رجع إلى منى يوم النحر بدأ برمي الجمرة، فرماها بسبع حصيات، ثم نحر هديه وحلق رأسه، ثم أفاض فطاف بالبيت.\nوفي الصحيح (^١٠١) عن ابن عباس أنه قال: أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت الطواف إلا أنه خفّف عن المرأة الحائض.\nوقوله: ﴿بِالْبَيتِ الْعَتِيقِ﴾، فيه مستَدَلّ [¬٧] لمن [ذهب إلى أنه يجب] [¬٨] الطواف من وراء الحجر؛ لأنه من أصل البيت الذي بناه إبراهيم، وإن كانت قريش قد أخرجوه من البيت، حين قصرت بهم النفقة. ولهذا طاف رسول الله، ﷺ، من وراء الحجر، وأخبر أن الحجر من البيت، ولم يستلم الركنين الشاميين، لأنهما لم يتمما على قواعد إبراهيم العتيقة، ولهذا قال ابن أبي حاتم (^١٠٢):\nحدثنا أبي، حدثنا ابن [¬٩] أبي عمر العدني [¬١٠]، حدثنا سفيان، عن هشام بن حجر،\n_________\n(^١٠١) صحيح البخاري، كتاب الحيض، حديث (٣٢٩)، وصحيح مسلم، كتاب الحج (١٣٢٨) من حديث ابن عباس ﵄.\n(^١٠٢) ورواه ابن مردويه في تفسيره كما في الدر المنثور (٦/ ٤١).\n_________\n[¬١]-\n[¬٢]- في ز: بالحج.\n[¬٣]- في خ: \"نحوه\".\n[¬٤]- في ز: فيقول:\n[¬٥]- في ز: \"فليطوفوا\".\n[¬٦]- سقط من ز، خ.\n[¬٧]- في خ: \"منزل\".\n[¬٨]- في خ: \"يوجب\".\n[¬٩]- سقط من ز، خ.\n[¬١٠]- في ز، خ: \"العنزي\".","vol":"10","page":49},{"text":"عن رجل، عن ابن عباس؛ قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيتِ الْعَتِيقِ﴾، طاف رسول الله، ﷺ، من ورائه.\nوقال قتادة، عن الحسن البصري في قوله: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيتِ الْعَتِيقِ﴾، قال [¬١]: لأنه أول بيت وضع للناس. وكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم. وعن عكرمة أنه قال: إنما سمي البيت العتيق؛ لأنه أعتق يوم الغرق زمن نوح.\nوقال خصيف: إنما سمي البيت العتيق؛ لأنه لم يظهر عليه جبار قط.\nوقال ابن أبي نجيح وليث، عن مجاهد: أعتق من الجبابرة أن يُسلّطوا عليه. وكذا قال قتادة.\nوقال حماد بن سلمة، عن حميد، عن الحسن بن مسلم، عن مجاهد: لأنه لم يرده أحد بسوء إلا هلك.\nوقال عبد الرزاق (^١٠٣)، عن معمر، عن الزهري [¬٢]، عن ابن [¬٣] الزبير؛ قال: إنما سمي البيت العتيق؛ لأن الله أعتقه من الجبابرة.\nوقال الترمذي (^١٠٤): حدثنا محمد بن إسماعيل وغير واحد، حدثنا عبد الله بن صالح، أخبرني الليث، عن عبد الرحمن بن خالد، عن ابن شهاب، عن محمد بن عروة، عن عبد الله بن الزبير؛ قال: قال رسول الله، ﷺ: \"إنما سمي البيت العتيق؛ لأنه لم يظهر عليه جبار\" وكذا رواه ابن جرير، عن محمد بن سهل النجاري [¬٤]، عن عبد الله بن صالح، له. وقال: إن كان صحيحًا. وقال الترمذي: \"هذا حديث حسن غريب\" ثم رواه من وجه آخر عن الزهري مرسلًا.\n﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إلا مَا يُتْلَى عَلَيكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا\n_________\n(^١٠٣) تفسير عبد الرزاق (٢/ ٣٢).\n(^١٠٤) سنن الترمذي، كتاب تفسير القرآن (٣١٧٠) وأخرجه الحاكم في مستدركه والبيهقي في الشعب. وقال الحاكم: على شرط مسلم.\n_________\n[¬١]- سقط من ز.\n[¬٢]- سقط من خ.\n[¬٣]- سقط من ز، خ.\n[¬٤]- في ز، خ: \"المحاربي\".","vol":"10","page":50},{"text":"قَوْلَ الزُّورِ (٣٠) حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيرُ أَوْ تَهْوي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ (٣١)﴾\nيقول تعالى: هذا الذي [¬١] أمرنا به من الطاعات في أداء المناسك، وما لفاعلها من الثواب الجزيل.\n﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ﴾. أي: ومن يجتنب معاصيه ومحارمه، ويكون ارتكابها عظيمًا في نفسه ﴿فَهُوَ خَيرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾. أي: فله على ذلك خير كثير وثواب جزيل، فكما على فعل الطاعات ثواب كثير وأجر جزيل، كذلك على ترك المحرمات والمحظورات.\nقال ابن جريج: قال مجاهد في قوله: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ﴾ قال: الحرمة: مكة والحج والعمرة، وما نهى الله عنه من معاصيه كلها. وكذا قال ابن زيد.\nوقوله: ﴿وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إلا مَا يُتْلَى عَلَيكُمْ﴾. أي: أحللنا لكم جميع الأنعام، وما جعل الله من بحيرة ولا صائبة ولا وصيلة ولا حام.\nوقوله: ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيكُمْ﴾ أي: من تحريم ﴿الْمَيتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ …﴾ الآية. قال ذلك ابن جرير، وحكاه عن قتادة.\nوقوله: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ \"من\" هاهنا لبيان الجنس، أي: اجتنبوا الرجس الذي هو الأوثان، وقرن الشرك بالله بقول الزور، كقوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. ومنه شهادة الزور، وفي الصحيحين (^١٠٥) عن أبي بكرة قال: قال رسول الله، ﷺ: \"ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ \". قلنا: بلى، يا رسول الله: قال: \"الإشراك بالله، وعقوق الوالدين\". وكان متكئًا فجلس فقال: \"ألا وقول الزور، ألا وشهادة الزور\". فما [¬٢] زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت.\n_________\n(^١٠٥) صحيح البخاري، كتاب الشهادات حديث (٢٦٥٤)، وصحيح مسلم، كتاب الإيمان حديث (٨٧).\n_________\n[¬١]- سقط من خ.\n[¬٢]- في ز، خ: \"ما\".","vol":"10","page":51},{"text":"وقال الإمام أحمد (^١٠٦): حدثنا مروان بن معاوية الفزاري، أنبأنا سفيان بن زياد، عن فاتك بن فضالة، عن أيمن بن خُرَيم قال: قام رسول الله، ﷺ، خطيبًا فقال: \"يا أيها الناس؛ عَدَلت شهادة الزور إشراكًا بالله\" -ثلاثًا- ثم قرأ: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾. وهكذا رواه الترمذي عن أحمد بن منيع، عن مروان [¬١] بن معاوية، به، ثم قال: غريب، إنما نعرفه من حديث سفيان بن زياد، وقد اختلف عنه في روايته [¬٢] هذا الحديث، [ولا نعرف لأيمن] [¬٣] بن خريم سماعًا من النبي، ﷺ.\nوقال الإِمام أحمد أيضًا (^١٠٧): حدثنا محمد بن عبيد، حدثنا سفيان العصفري [¬٤]، عن أبيه، عن حبيب بن النعمان الأسدي، عن خريم بن فاتك [¬٥] الأسدي قال: صلى رسول الله، ﷺ، الصبح، فلما انصرف قام قائمًا فقال: \"عَدَلت شهادة الزور الإشراك [¬٦] بالله ﷿، ثم تلا هذه الآية: ﴿وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (٣٠) حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيرَ مُشْرِكِينَ﴾ \".\nوقال سفيان الثوري: عن عاصم بي أبي النجُود [¬٧]، عن وائل بن ربيعة، عن ابن مسعود أنه قال: تعدل شهادة الزور بالشرك بالله، ثم قرأ هذه الآية.\n_________\n(^١٠٦) المسند (٤/ ١٧٨) (١٧٨٥٤)، وإسناده ضعيف: فاتك بن فضالة: مجهول الحال. والحديث أخرجه الترمذي في كتاب الشهادات، كتاب: ما جاء في شهادة الزور، عن أيمن بن خريم (٤/ ٤٧٤ - ٤٧٥) حديث (٢٢٩٩)، (٢٣٠٠). وأبو داود في كتاب الأقضية، باب: في شهادة الزور (٣/ ٣٠٥ - ٣٠٦) حديث (٣٥٩٩). وابن ماجه في كتاب الأحكام، باب: في شهادة الزور كلاهما عن خريم بن فاتك مرفوعًا (٢/ ٧٩٤) حديث (٢٣٧٢). وضعفه الشيخ الألباني في ضعيف الجامع (٦٤٠٢) وعزاه لتخريج الترغيب (٣/ ١٦٦).\n(^١٠٧) المسند (٤/ ٣٢١) (١٨٩٥١). زياد ويقال: دينار، والد سفيان: قال في التقريب: مقبول من الثالثة. وحبيب: مقبول من الثالثة. والحديث رواه أبو داود في كتاب الأقضية، باب: في شهادة الزور (٣/ ٣٠٥ / ح ٣٥٩٩). والترمذي في سننه في كتاب الشهادات، باب: ما جاء في شهادة الزور (٤/ ٤٧٥ / ح ٢٣٠٠). وقال: هذا عندي أصح، وخريم بن فاتك له صحبة، وقد روى عن النبي ﷺ أحاديث وهو مشهور. وابن ماجة في سننه في كتاب الأحكام، باب: شهادة الزور (٢/ ٧٩٤ / ح ٢٣٧٢).\n_________\n[¬١]- سقط من ز، خ.\n[¬٢]- في ت: \"رواية\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"ولا يعرف إلا عن\".\n[¬٤]- في خ: \"العصيفري\".\n[¬٥]- في ز، خ: \"مقاتل\".\n[¬٦]- في ز، خ: \"بالإشراك\".\n[¬٧]- في ز، خ: \"المجرد\".","vol":"10","page":52},{"text":"وقوله: ﴿حُنَفَاءَ لِلَّهِ﴾. أي: مخلصين له الدين، منحرفين عن الباطل قصدًا إلى الحق، ولهذا قال: ﴿غَيرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾.\nثم ضرب للمشرك مثلًا في ضلاله وهلاكه وبعده عن الهدى، فقال: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ﴾ أي: سقط منها ﴿فَتَخْطَفُهُ الطَّيرُ﴾ أي: تقطعه الطيور في الهواء، ﴿أَوْ تَهْوي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾؛ أي: بعيد مهلك لمن هوى فيه، ولهذا جاء في حديث البراء (^١٠٨): \" إن الكافر إذا توفته ملائكة الموت، وصعدوا بروحه إلى السماء، فلا تفتح له أبواب السماء، بل تطرح روحه طرحًا من هناك\". ثم قرأ هذه الآية، وقد تقدم الحديث في سورة إبراهيم بحروفه وألفاظه وطرقه. وقد ضرب تعالى للمشرك مثلًا آخر في سورة الأنعام، وهو قوله: ﴿قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى﴾. الآية.\n﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (٣٢) لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيتِ الْعَتِيقِ (٣٣)﴾\nيقول تعالى: هذا ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ﴾. أي: أوامره ﴿فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾. ومن ذلك تعظيم الهدايا والبدن، كما قال الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس: تعظيمها استسمانها واستحسانها.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا حفص بن غياث، عن ابن أبي ليلى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ قال: الاستسمان والاستحسان والاستعظام.\nوقال أبو أمامة بن سهل [¬١]: كنا نسمن الأضحية بالبرية [¬٢]، وكان المسلمون يسمنون. رواه البخاري (^١٠٩).\nوعن أبي هريرة: أن رسول الله، ﷺ، قال [¬٣]: \"دم عفراء أحب إلى\n_________\n(^١٠٨) تفسير الطبري (١٧/ ١١٢).\n(^١٠٩) صحيح البخاري (١٠/ ٩) \"فتح\" معلقًا.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"سميل\".\n[¬٢]- في ت: \"بالمدينة\".\n[¬٣]- سقط من خ.","vol":"10","page":53},{"text":"الله من دم سوداوين\". رواه أحمد وابن ماجة (^١١٠).\nقالوا: والعفراء هي: البيضاء بياضًا ليس بناصع، فالبيضاء أفضل من غيرها، وغيرها يجزئ أيضًا؛ لما ثبت في صحيح البخاري (^١١١) عن أنس: أن رسول الله، ﷺ، ضحّى بكبشين أملحين أقرنين.\nوعن أبي سعيد (^١١٢): أن رسول الله ﷺ، ضحى بكبش أقرن فحيل [¬١]، يأكل في سواد، وينظر في سواد، ويمشي في سواد. رواه أهل السنن، [وصححه الترمذي، أي] [¬٢]: بكبش أسود [¬٣] في هذه الأماكن.\n[وفي] [¬٤] سنن ابن ماجة (^١١٣)، عن أبي رافع: أن رسول الله، ﷺ، ضحى بكبشين عظيمين سمينين أقرنين أملحين موجوين. قيل: هما الخَصِيان. وقيل: هما [¬٥] اللذان رُضّ خصياهما ولم يقطعهما. والله أعلم.\n_________\n(^١١٠) المسند (٢/ ٤١٧) ولم يقع لي في سنن ابن ماجه.\n(^١١١) صحيح البخاري، كتاب الأضاحي حديث (٥٥٥٨).\n(^١١٢) سنن أبي داود، كتاب الضحايا حديث (٢٧٩٦)، وسنن الترمذي، كتاب الأضاحي حديث (١٤٩٦)، وسنن النسائي، كتاب الضحايا (٧/ ٢٢١)، وسنن ابن ماجة، كتاب الأضاحي (٣١٢٨).\n(^١١٣) حديث أبي رافع رواه أحمد (٦/ ٨): ثنا حسين، نا شريك عن عبد الله بن محمد، عن علي بن حسين، عن أبي رافع، قال: ضحى رسول الله ﷺ بكبشين أملحين موجبين خصيين فقال: \"أحدهما عمن شهد بالتوحيد وله بالبلاغ، والآخر عنه وعن أهل بيته\" قال: فكان رسول الله ﷺ قد كفانا.\nوشريك: ضُعِف لسوء حفظه. وعبد الله بن محمد بن عقيل: حسن له الأئمة. والحديث أخرجه الطبراني في الكبير (١/ ٣١١، ٣١٢، ٣٢١ / رقم:٩٢٠ - ٩٢٣، ٩٥٧). وفي الأوسط كما في مجمع البحرين (٣/ ٢٩٣، ٢٩ / رقم: ١٨٤١). والبزار كما في كشف الأستار رقم (١٢٠٨). وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٤/ ٢١، ٢٢) وقال: \"رواه أحمد، وإسناده حسن، ثم ذكر لفظًا آخر وقال: رواه البزار، وأحمد بنحوه، ورواه الطبراني في الكبير بنحوه\" ثم ذكر لفظ حديث أبي رافع في الأوسط قال: \" رواه في الكبير بنحوه، وإسناد أحمد والبزار حسن\".\nوالحديث لم يقع في سنن ابن ماجه من حديث أبي رافع وإنما هو من حديث عائشة وأبي هريرة حديث (٣١٢٢).\n_________\n[¬١]- في خ: \"محل\"\n[¬٢]- في خ: \"وضحى اليزيدي أبي قتيبة\". وفي ز: \"الترمذي أبي قتيبة\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"سواد\".\n[¬٤]- في ز: أي.\n[¬٥]- سقط من ت، ز.","vol":"10","page":54},{"text":"وكذا روى أَبو داود، وابن ماجة (^١١٤) عن جابر: ضحَّى رسول الله ﷺ بكبشين أقرنين أملحين موجوءين.\nوعن علي ﵁ قال: أمرنا رسول الله، ﷺ، أن نستشرف (*) العين والآذان [¬١]، وأن لا نضحي بمقابلة ولا مدابرة [ولا شرقاء ولا خرقاء] [¬٢]. رواه أحمد (^١١٥) وأهل السنن، وصححه التِّرمِذي، ولهم عنه (^١١٦)، قال: نهى رسول الله، ﷺ، أن يضحى بأعضب القرن والأذن.\nوقال سعيد بن المسيب: [المعضب: المنصف] [¬٣] فأكثر.\nوقال بعض أهل اللغة: إن كسر قرنها الأعلى فهي قصماء، فأما العضب؛ فهو كسر الأسفل، وعضب الأذن قطع بعضها.\nوعند الشافعي: أن التضحية [¬٤] بذلك مجزئة، لكن تكره.\nوقال أحمد: لا تجزئ الأضحية بأعضب القرن والأذن لهذا الحديث.\nوقال مالك: إن كان الدم يسيل من القرن لم يجزئ، وإلَّا أجزأ. والله أعلم.\nوأما المقابلة: فهي التي قطع مقدم أذنها، والمدابرة: من مؤخر أذنها. والشرقاء: هي التي قطعت أذنها طولًا. قاله الشافعي. والخرقاء: هي التي خرقت [¬٥] السمة أذنها خرقًا مدوّرًا [¬٦]، والله أعلم.\nوعن البراء قال: قال رسول الله، ﷺ: \"أربع لا تجوز في الأضاحي:\n_________\n(^١١٤) - سنن أبي داود، كتاب الضحايا، باب: ما يستحب من الضحايا حديث (٢٧٩٥).\n(*) - استشرف الشيء: رفع رأسه ينظر إليه. والمعنى: نبحث عنهما، ونتأمل في حالهما لئلا يكون فيهما عيب.\n(^١١٥) المسند (١/ ٨٠)، وسنن أبي داود، كتاب الضحايا (٢٨٠٤)، وسنن الترمذي، كتاب الأضاحي (١٤٩٨)، وسنن النَّسائي (٧/ ٢١٧)، وسنن ابن ماجة برقم (٣١٤٢).\n(^١١٦) المسند (١/ ٨٣)، وسنن أبي داود برقم (٢٨٠٥)، وسنن الترمذي برقم (١٥٠٤)، وسنن النَّسائي (٧/ ٢١٧)، وسنن ابن ماجة برقم (٣١٤).\n_________\n[¬١]- في ت: \"والأذن\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"ولا برثاء خرثاء\".\n[¬٣]- في خ: \"العضب: النصف\".\n[¬٤]- في ز: الضحية.\n[¬٥]- في خ: \"قطعت\".\n[¬٦]- في ز، خ: \"مدارا\".","vol":"10","page":55},{"text":"العوراء البيِّن عَوَرها، والمريضة البين مرضها، والعرجاء البين ظلعها، والكسيرة [¬١] (*) التي لا تنقي (**) \". رواه أحمد (^١١٧) وأهل السنن، وصححه التِّرمِذي، وهذه العيوب تنقص اللحم؛ لضعفها وعجزها عن استكمال الرعي؛ لأن الشاء يسبقونها إلى المرعى، فلهذا لا تجزئ التضحية بها عند الشَّافعي وغيره من الأئمة -كما هو ظاهر الحديث- واختلف قول الشَّافعي في المريضة مرضًا يسيرًا على قولين.\nوروى أَبو داود (^١١٨)، عن عتبة بن عبد السلمي: أن رسول الله، صلى الله عليه\n_________\n(^١١٧) المسند (٤/ ٢٨٤) (١٨٥٦١)، ورواه أحمد حديث (١٨٧٢٩) وأخرجه أَبو داود في كتاب الأضاحي، كتاب: ما يكره من الضحايا حديث (٢٨٠٢) (٣/ ٩٧). والتِّرمِذي في كتاب الأضاحي (٢٠)، باب: ما لا يجوز من الأضاحي حديث (١٤٩٧) (٤/ ٧٢ - ٧٣). والنَّسائي في كتاب الأضاحي، كتاب: العرجاء (٧/ ٢١٥). وابن ماجة في كتاب الأضاحي، باب: ما يكره أن يضحى به حديث (٣١٤٤) (٢/ ١٠٥٠ - ١٠٥١). والدارمي في كتاب الأضاحي، باب: ما لا يجوز من الأضاحي حديث (١٩٥٦) (٢/ ٤). والطيالسي (٧٤٩)، وابن خزيمة (٢٩١٢). وابن الجارود (٩٠٧)، والطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (٤/ ١٦٨).\nوابن حبان في \"صحيحه\" حديث (٥٩٢٢) (١٣/ ٢٤٥). والحاكم (١/ ٤٦٧ - ٤٦٨) وعنه البيهقي في \"الكبرى\" (٥/ ٢٤٢)، (٩/ ٢٧٤) من طرق عن شعبة، عن سليمان بن عبد الرحمن، عن عبيد بن فيروز قال: سألت البراء، فذكر الحديث مطولًا ومختصرًا واللفظ متقارب. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، لا نعرفه إلا من حديث عبيد بن فيروز عن البراء والعمل على هذا الحديث عند أهل العلم. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح، ولم يخرجاه لقلة روايات سليمان بن عبد الرحمن وقد أظهر علي بن المديني فضائله وإتقانه، ولهذا الحديث شواهد متفرقة بأسانيد صحيحة ولم يخرجاها، ثم ذكر شواهد له فراجعها إن شئت. وأخرجه أيضًا الترمذي حديث (١٤٩٧) (٤/ ٧٢) من طريق يزيد بن أبي حبيب. وأخرجه النسائي (٧/ ٢١٥ - ٢١٦). والطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (٤/ ١٦٨). وابن حبان في \"صحيحه\" (٥٩١٩، ٥٩٢١) والبيهقي في \"الكبرى\" (٩/ ٢٧٤). من طرق عن عمرو بن الحارث والليث بن سعد. كلهم: عمرو بن الحارث، والليث بن سعد، ويزيد بن أبي حبيب عن سليمان بن عبد الرحمن به. وقد رواه عثمان بن علي، عن اللَّيث، عن سليمان بن عبد الرحمن، عن القاسم مولى خالد بن يزيد بن معاوية عن عبيد بن فيروز به. أخرجه البيهقي (٩/ ٢٧٤). وقال: الحديث رواه يزيد بن أبي حبيب، وشعبة بن الحجاج عن سليمان بن عبد الرحمن وذكر شعبة سماع سليمان من عبيد بن فيروز، وفيما بلغني عن أبي عيسى التِّرمِذي عن محمد بن إسماعيل البخاري أنَّه كان يميل إلى تصحيح رواية شعبة، ولا يرضى رواية عثمان ابن عمر والله أعلم.\n(*) الكسير: أي: المنكسرة الرِّجْل، التي لا تقدر على المَشْي، فعيل بمعنى مفعول. نهاية [٤/ ١٧٢].\n(**) لا تُنْقِي: أي: التي لا مُخَّ لها، لضَعْفِها وهُزالها. نهاية [٥/ ١١١].\n(^١١٨) سنن أبي داود، كتاب الضحايا، باب: ما يكره من الضحايا حديث (٢٨٠٣). ورواه أحمد.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"الكسير\".","vol":"10","page":56},{"text":"وسلم، نهى عن المصْفَّرة، والمستأصلة، والبخقاء، والمشيَّعة، والكسراء [¬١]. فالمصفرة قيل: الهزيلة. وقيل: المستأصلة الأذن. والمستأصلة: المكسورة القرن. والبخقاء: هي العوراء، والمشيعة: هي التي لا تزال تشيع خلف الغنم ولا تَتْبَع لضعفها. والكسراء [¬٢]: العرجاء.\nفهذه العيوب كلها مانعة [من الإِجزاء، فإن طرأ العيب] [¬٣] بعد تعيين الأضحية، فإنه لا يضر عيبه عند الشَّافعي خلافًا لأبي حنيفة.\nوقد روى الإمام أحمد (^١١٩)، عن أبي سعيد قال: اشتريت كبشًا [أضحي به] [¬٤]، فعدا الذئب فأخذ الألية، فسألت النبي، ﷺ، فقال: \"ضح به\".\n_________\n(^١١٩) المسند (٣/ ٣٢) (١١٢٩٠). ثنا وكيع، ثنا سفيان، عن جابر، عن محمد بن قرظة، عن أبي سعيد الخدري … فذكره، وهذا إسناد ضعيف جدًّا من أجل جابر الجعفي، ومحمد بن قرفلة: هو ابن كعب الأنصاري، ذكره ابن حبان في الثقات، وقال ابن القطان: لا يعرف، وقال عبد الحق يقال: إنه لم يسمع من أبي سعيد، وقال الذهبي في الميزان: ما روى عنه غير جابر الجعفي، روى له ابن ماجة.\nوجابر، هو ابن يزيد الجعفي: قال ابن عبد الحكم: سمعت الشَّافعي مول: قال سفيان الثوري لشعبة: لمن تكلمت في جابر الجعفي لأتكلمن فيك، قال أحمد بن حنبل: تركه يحيى وعبد الرحمن. وقال محمد بن بشار عن ابن مهدي: ألا تعجبون من سفيان بن عيينة، لقد تركت لجابر الجعفي لما حكى عنه أكثر من ألف حديث ثم هو يحدث ﵀. وقال النسائي: متروك الحديث، وقال في موضع آخر: ليس بثقة، ولا يكتب حديثه. وقال الحاكم أبو أحمد: ذاهب الحديث. وقال ابن عدي: له حديث صالح، وشعبة أقل رواية عنه من الثَّوري، وقد احتمله الناس وعامة ما قذفوه به أنَّه كان يؤمن كالرجعة، وهو مع هذا إلى الضعف أقرب منه إلى الصدق. وقال ابن سعد: كان يدلس، وكان ضعيفًا جدًّا في رأيه وروايته. وقال العقيلي في الضعفاء: كذبه سعيد بن جبير. وقال العجلي: كان ضعيفًا يغلو في التشيع، وكان يدلس. د ت ق. وقال عنه الذهبي في الكاشف: من أكبر علماء الشيعة، وثقه شعبة فشذ، وتركه الحفاظ. قال أَبو داود: ليس في كتابي شيء سوى حديث السهو. وقال أحمد: ترك يحيى جابرًا الجعفي، حدَّثنا عنه ابن مهدي قديمًا عن شيبان أو سفيان ثم تركه بعد. وقال البخاري: تركه يحيى وابن مهدي. وقال النَّسائي: متروك. وقال ابن حزم في المحلى: كذاب (٢/ ٢٠٤). وقال: ساقط (٩/ ٢٩٤).\nومحمد بن قرظة؛ قال عنه في التقريب: مجهول. وقال ابن القطان: لا يعرف. وقال في الميزان: ما روى عنه سوى جابر الجعفي. وقال عبد الحق: لم يسمع من أبي سعيد.\nأخرجه ابن ماجة -كتاب الأضاحي، باب: ما يكره أن يضحى به (٣١٤٦).\nوالطيالسي في مسنده (٢٢٣٧)، والبيهقي في السنن (٩/ ٢٨٩)، والمزى في تهذيب الكمال (١٦/ ٣١٦) ترجمة محمد بن قرظة.\nورواه أحمد (١١٧٥٩، ١١٨٣٦) (٣/ ٧٨، ٨٦). =\n_________\n[¬١]- في خ: \"الكسيرة\". وفي ز: الكبيرة.\n[¬٢]- في ز، خ: \"والكسيرة\".\n[¬٣]- بياض في ز، خ. وقبله في ز: \"أي\".\n[¬٤]- في ز، خ: \"أضحية\".","vol":"10","page":57},{"text":"ولهذا جاء في الحديث: أمرنا رسول الله، ﷺ، أن نستشرف العين والأذن. أي: أن تكون الهدية أو [¬١] الأضحية سمينة حسنة ثمينة، كما رواه الإمام أحمد (^١٢٠) وأَبو داود، عن عبد الله بن عمر قال: أهدى عمر نجيبًا [فأعطي بها ثلاثمائة دينار] [¬٢]، فأتى النبي، ﷺ، فقال: يا رسول الله، إني أهديت نجيبًا، فأعطيت بها ثلاثمائة دينار، أفأبيعها وأشتري بثمنها بُدْنًا؟ قال: \"لا [¬٣]، انحرها إياها\".\nوقال الضحَّاك، عن ابن عبَّاس: البدن من شعائر الله.\n[وقال محمد بن أبي [¬٤] موسى: الوقوف ومزدلفة والجمار والرمي والحلق والبدن: من شعائر الله] [¬٥].\nوقال ابن عمر: أعظم الشعائر البيت.\nوقوله: ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ﴾، أي: لكم في البدن منافع؛ من لبنها وصوفها وأوبارها وأشعارها وركوبها.\n﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾. قال مقسم، عن ابن عبَّاس [في قوله] [¬٦]: ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾. قال: ما لم تسمَّ بدنًا.\nوقال مجاهد في قوله: ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ قال: الركوب واللبن\n_________\n= من طرق عن جابر بن يزيد به.\nوقال البوصيري في الزوائد: في إسناده جابر الجعفي، وهو ضعيف قد اتهم. قال الدميريّ: هو، أثر روى فيه جابر الجعفي وهو كذاب. وقال الحافظ في التلخيص (٤/ ١٥٨): … ومداره على جابر الجعفي، وشيخه محمد بن قرظة غير معروف، ويقال إنه لم يسمع من أبي سعيد. وسئل الدارقطني عنه، فقال: يرويه جابر الجعفي، واختلف عنه، فرواه الثَّوري عن جابر، عن محمد بن قرظة، عن أبي سعيد، وخالفه أَبو شيبة فرواه عن جابر عن محمد بن كعب القرظي عن أبي سعيد، والقول قول الثوري.\nوأخرجه عبد بن حميد في \"المنتخب\" (٨٩٩)، والبيهقي معلقًا. ويأتي (١١٤٠٤) (٣/ ٤٣).\nمن طريق حمَّاد بن سلمة عن الحجاج عن عطية عن أبي سعيد بنحوه.\nوهذا إسناد ضعيف أيضًا من أجل الحجاج، وعطية العوفي.\n(^١٢٠) المسند (٢/ ١٤٥)، وسنن أبي داود، كتاب المناسك، باب: تبديل الهدى حديث (١٧٥٦).\n_________\n[¬١]- في خ: \"و\".\n[¬٢]- في خ: \"فأعطيت بها ثلاثة\".\n[¬٣]- سقط من ز، خ.\n[¬٤]- سقط من ز.\n[¬٥]- جاءت في خ بعد قوله: ﴿ولَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ﴾.\n[¬٦]- سقط من ز، خ.","vol":"10","page":58},{"text":"والولد، فإذا سميت [¬١] بدنة أو هديًا ذهب ذلك [كله. وكذا قال] [¬٢] عطاء، والضحاك، وقَتَادة، وعطاء [¬٣] الخراساني، وغيرهم.\nوقال آخرون: بل له أن يُنْتَفَعُ بها وإن كانت هديًا، إذا احتاج إلى ذلك، كما ثبت في الصحيحين (^١٢١) عن أنس: أن رسول الله، ﷺ، رأى رجلًا يسوق بَدَنةً قال: \"اركبها\". قال: إنها بدنة! قال: \"اركبها ويحك\". في الثانية أو الثالثة.\nوفي رواية لمسلم (^١٢٢)، عن جابر، عن رسول الله ﷺ أنَّه قال: \"اركبها بالمعروف إذا ألجئتَ إليها\".\nوقال شعبة، عن زهير بن أبي ثابت الأعمى، عن المغيرة بن حَذْف، عن عليّ: أنَّه رأى رجلًا يسوق بدنة ومعها ولدها فقال: لا تشرب من لبنها إلا ما فضل عن [¬٤] ولدِها، فاٍ ذا كان يوم النحر فاذبحها وولدها.\nوقوله: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيتِ الْعَتِيقِ﴾. أي: مَحِل الهدي وانتهاؤه إلى البيت العتيق -وهو الكعبة- كما قال تعالى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ وقال: ﴿وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ وقد تقدم الكلام على معنى البيت العتيق قريبًا، والله أعلم] [¬٥].\nوقال ابن جريج، عن عطاء قال [¬٦]: كان ابن عبَّاس يقول: كل من طاف بالبيت فقد حل، قال الله تعالى: ﴿مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيتِ الْعَتِيقِ﴾.\n﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ (٣٤) الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣٥)﴾\n_________\n(^١٢١) صحيح البخاري، كتاب الحج، باب: ركوب البدن، (١٦٩٠)، وصحيح مسلم، كتاب الحج (١٣٢٣).\n(^١٢٢) صحيح مسلم، كتاب الحج حديث (١٣٢٣).\n_________\n[¬١]- في ز: سمنت.\n[¬٢]- في ز، خ: \"قاله\".\n[¬٣]- في ز: مقاتل.\n[¬٤]- في خ: من.\n[¬٥]- سقط من خ.\n[¬٦]- سقط من ز.","vol":"10","page":59},{"text":"يخبر تعالى أنَّه لم يزل ذبح المناسك وإراقة الدماء على اسم الله مشروعًا في جميع الملل.\nقال عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عبَّاس: [﴿وَلِكُلِّ [¬١] أُمَّةٍ] [¬٢] جَعَلْنَا مَنْسَكًا﴾. قال: عيدًا. وقال عكرمة: ذبحًا. وقال زيد بن أسلم في قوله: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا﴾: إنها مكة، لم يجعل الله لأمة قط منسكًا غيرها.\nوقوله [¬٣]: ﴿لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾. كما ثبت في الصحيحين (^١٢٣) عن أنس قال: أتى رسول الله، ﷺ، بكبشين أملحين أقرنين، فسمى وكبر، ووضع رجله على صفاحهما.\nوقال الإمام أحمد بن حنبل (^١٢٤): حدَّثنا يزيد بن هارون، أنبأنا سلام بن مسكين، عن عائذ الله المجاشعي، عن أبي داود -وهو نفيع [¬٤] بن الحارث- عن زيد بن أرقم قال: قلت -أو قالوا-: يا رسول الله؛ ما هذه الأضاحي؟ قال: \"سنة أبيكم إبراهيم\".\nقالوا [¬٥]: ما لنا منها؟ قال: \"بكل شعرة حسنة\". قالوا: فالصوف؟ قال: \"بكل شعرة من الصوف حسنة\". وأخرجه الإمام أَبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجة في سننه من حديث سلام بن مسكين به.\nوقوله: ﴿فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا﴾، أي: معبودكم واحد، وإن تنوعت شرائع الأنبياء، ونسخ بعضها بعضًا، فالجميع يدعون إلى عبادة الله وحده لا شريك له: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إلا نُوحِي إِلَيهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إلا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾. ولهذا قال: ﴿فَلَهُ أَسْلِمُوا﴾. أي: أخلصوا واستسلموا لحكمه وطاعته.\n﴿وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ﴾، قال مجاهد: المطمئنين. وقال الضحاك وقَتَادة: المتواضعين. وقال\n_________\n(^١٢٣) صحيح البخاري، كتاب الأضاحي، باب: من ذبح الأضاحي بيده حديث (٥٥٥٨)، وصحيح مسلم، كتاب الأضاحي (١٩٦٦).\n(^١٢٤) المسند (٤/ ٣٦٨)، وإسناده ضعيف، أَبو داود؛ قال الذهبي: تركوه وكان يترفض. وعائذ الله المجاشعي. قال البخاري: لا يصح حديثه. وقال أَبو حاتم: منكر الحديث ولم يروى عنه غير سلام. قاله الذهبي. والحديث رواه ابن ماجة في كتاب الأضاحي، بماب: ثواب الأضحية (٢/ ١٠٤٥) حديث ٣١٢٧. ورواه الطبراني في المعجم الكبير (٥/ ١٩٧) رقم الحديث (٥٠٧٥). وعبد بن حميد (٢٥٩). وأخرجه الحاكم (٢/ ٣٨٩) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.\n_________\n[¬١]- في ز: لكل.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من خ.\n[¬٣]- سقط من ز.\n[¬٤]- في ز، خ: \"منيع\".\n[¬٥]- في خ: \"قال\".","vol":"10","page":60},{"text":"السدي: الوجلين [¬١]. وقال عمرو بن أوس [¬٢]: [المخبتون] [¬٣]: الذين لا يَظلمون، وإذا ظلموا لم ينتصروا.\nوقال الثَّوري [¬٤]: ﴿وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ﴾ قال: المطمئنين الراضين بقضاء الله، المستسلمين له.\nوأحسن ما يفسر بما بعده، وهو قوله: ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾، أي: خافت منه قلوبهم ﴿وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ﴾ أي: من المصائب.\nقال الحسن البصري: والله لتصبرُّن أو لتهلكَّنَّ.\n﴿وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ﴾ قرأ الجمهور - بالإضافة - السبعةُ (*)، وبقيةُ العشرة أيضًا، وقرأ ابن [¬٥] السَّمَيقَع [¬٦]: ﴿وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ﴾ بَالنصب. وقال الحسن البصري: ﴿وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ﴾ (**)، وإنما حذفت النون هاهنا تخفيفًا، ولو حذفت للإِضافة لوجب خفض الصلاة، وقيل [¬٧] على سبيل التخفيف [¬٨] فنصبت أي: المؤدين حق الله فيما أوجب عليهم [¬٩] من أداء فرائضه.\n﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾. أي: وينفقون ما آتاهم الله من طيب الرزق على أهليهم [¬١٠] وأرقائهم وقراباتهم وفقرائهم ومحاويجهم، ويحسنون إلى خلق الله مع محافظتهم على حدود الله، وهذه بخلاف صفات [¬١١] المنافقين، فإنهم بالعكس من هذا كله، كما تقدم تفسيره في سورة براءة.\n﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا\n_________\n(*) المحتسب (٢/ ٨٠).\n(**) المحتسب (٢/ ٨٠).\n_________\n[¬١]- في خ: \"الموصلين\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"إدريس\".\n[¬٣]- في خ: \"المسحنون\".\n[¬٤]- في ز: النووي.\n[¬٥]- سقط من خ.\n[¬٦]- في خ: \"السميقيع\".\n[¬٧]- في ت: \"ولكن\".\n[¬٨]- بياض في ز، خ.\n[¬٩]- في ز: عليه.\n[¬١٠]- في خ: \"أهلهم\".\n[¬١١]- في خ: \"صلاة\".","vol":"10","page":61},{"text":"لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٣٦)﴾\nيقول تعالى ممتنًا على عباده فيما خلق لهم من البدن، وجعلها من شعائره، وهو أنَّه جعلها تهدى إلى بيته الحرام، بل هي أفضل ما يهدى، كما قال تعالى: ﴿لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ﴾ الآية.\nقال ابن جريج: قال عطاء في قوله: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾، قال: البقرة والبعير. وكذا رُوي عن ابن عمر وسعيد بن المسيب والحسن البصري.\nوقال مجاهد: إنما البدن من الإبل.\nقلت: أما إطلاق البدنة على البعير فمتفق عليه، واختلفوا في صحة إطلاق البدنة على البقرة على قولين، أصحهما: أنَّه يطلق عليها ذلك شرعًا كما صح في الحديث.\nثم جمهور العلماء على أنَّه تجزئ البدنة عن سبعة، والبقرة عن سبعة، كما ثبت به الحديث عند مسلم (^١٢٥)، من رواية جابر بن عبد الله [وغيره] [¬١] قال: أمرنا [¬٢] رسول الله، ﷺ، أن نشترك في الأضاحي: البدنة عن سبعة، والبقرة عن سبعة.\n[وقال إسحاق بن راهويه وغيره: بل تجزئ البقرة عن سبعة والبعير عن عشرة] [¬٣]. وقد ورد به حديث في مسند الإمام أحمد وسنن النَّسائي وغيرهما (^١٢٦)، فالله أعلم.\nوقوله: ﴿لَكُمْ فِيهَا خَيرٌ﴾ أي: ثواب في الدار الآخرة.\nوعن سليمان بن يزيد الكعبي، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: أن، سول الله، ﷺ، قال: \"ما عمل ابن آدم يوم النحر عملًا أحب إلى الله من إراقة [¬٤] الدم، وإنه ليأتي يوم القيامة بقرونها وأظلافها وأشعارها، وإن الدم ليقع من الله بمكان قبل أن يقع [من] الأرض، فطِيبوا بها نفسًا\". رواه ابن ماجة، والتِّرمِذي\n_________\n(^١٢٥) صحيح مسلم، كتاب الحج حديث (١٢١٨).\n(^١٢٦) المسند (١/ ٢٧٥)، وسنن النَّسائي (٧/ ٢٢٢) عن عبد الله بن عبَّاس ﵁ قال: \"كان مع رسول الله ﷺ في سفر فحضر النحر فاشتركنا في البعير عن عشرة والبقرة عن سبعة\".\n_________\n[¬١]- سقط من ت.\n[¬٢]- في ز، خ: \"أمر\".\n[¬٣]- سقط من ز، خ.\n[¬٤]- في ز: هراقة.","vol":"10","page":62},{"text":"وحسنه (^١٢٧).\nوقال سفيان الثَّوري: كان أَبو حاتم يستدين ويسوق البدن، فقيل له: تستدين وتسوق البدن؟ فقال: إني سمعت الله يقول: ﴿لَكُمْ فِيهَا خَيرٌ﴾.\nوعن ابن عبَّاس (^١٢٨) قال: قال رسول الله، ﷺ: \"ما أنفقت الورق [¬١] في شيء أفضل من نحيرة في يوم عيد\". رواه الدارقطني في سننه.\nوقال إبراهيم النخعي: يركبها ويحلبها إذا احتاج إليها.\nوقال مجاهد: ﴿لَكُمْ فِيهَا خَيرٌ﴾ قال: أجر ومنافع.\nوقوله: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيهَا صَوَافَّ﴾، وعن [المطلب بن عبد الله بن حنطب، عن] [¬٢] جابر بن عبد الله قال: صليت مع رسول الله، ﷺ، عيد الأضحى، فلما انصرف أتي بكبش فذبحه، فقال: \"بسم الله، والله أكبر، اللهم هذا [¬٣] عني وعمن لم يضحِّ من أمَّتي\".\nرواه أحمد، وأَبو داود، والتِّرمِذي (^١٢٩).\n_________\n(^١٢٧) سنن الترمذي، كتاب الأضاحي (١٤٩٣)، وسنن ابن ماجة، كتاب الأضاحي (٣١٢٦).\n(^١٢٨) سنن الدارقطني (٤/ ٢٨٢) من طريق إبراهيم بن يزيد، عن عمرو بن دينار، عن طاوس، عن ابن عبَّاس.\n(^١٢٩) المسند (٣/ ٣٥٦، ٣٦٢) (١٤٨٨١) (١٤٩٣٧) وإسناده ضعيف لانقطاعه ﵀: المطلب بن عبد الله بن حنطب: قال العلائي: قال البخاري: لا أعرف للمطلب عن أحدٍ من الصحابة سماعًا، إلا قوله: حدثني من شهد خطبة النبي ﷺ. وقال أَبو حاتم: المطلب بن حنطب عامة أحاديثه مراسيل، لم يدرك أحدًا من أصحاب النبي ﷺ، إلا سهل بن سعد، وأنسًا، وسلمة بن الأكوع، أو من كان قريبًا منهم، ولم يسمع من جابر، ولا من زيد بن ثابت، ولا من عمران بن حصين. وقال مرة أخرى: لم يدرك عائشة، ويشبه أن يكون أدرك جابرًا.\nفإن صح قول أبي حاتم الأخير - أنَّه يشبه أن يكون أدرك جابرًا - بقيت علة عنعنة المطلب فإنه مدلس، على ما وصفه به ابن حجر في التقريب، فإنه قال: صدوق: كثير التدليس والإرسال.\nوعمرو بن أبي عمرو مولى المطلب، قال أحمد: ليس به بأس. وقال ابن معين وأَبو داود: ليس بالقوي.\nوسيأتي قول النَّسائي فيه: ليس هو بالقوي في الحديث، وإن كان قد روى عنه مالك في الحديث التالي.\nوقال الذهبي: صدوق، حديثه مخرج في الصحيحين. =\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"الرزق\".\n[¬٢]- سقط من ز، خ.\n[¬٣]- سقط من خ.","vol":"10","page":63},{"text":"وقال محمد بن إسحاق (^١٣٠)، عن يزيد بن أبي حبيب، عن ابن عبَّاس، عن جابر قال: ضحى رسول الله، ﷺ، بكبشين في يوم عيد، فقال حين وجههما: \"وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفًا مسلمًا وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين، اللهم منك ولك، وعن محمد وأمته\". ثم سمى الله وكبر وذبح الذبائح [¬١].\nوعن عليّ بن الحسين، عن أبي رافع: أن رسول الله، ﷺ، كان إذا ضحى اشترى كبشين سمينين أقرنين أملحين، فإذا صلى وخطب الناس أمر [¬٢] بأحدهما وهو قائم في مصلاه فذبحه بنفسه بالمدية، ثم يقول: \"اللهم هذا عن أمتي جميعها، من شهد لك بالتوحيد، وشهد لي بالبلاغ\". ثم يؤتى بالآخر فيذبحه بنفسه، ثم يقول: \"هذا عن محمده وآل محمد\". فيُطعمهما [¬٣] جميعًا المساكين [¬٤]، ويأكل هو وأهله منهما [¬٥].\n[رواه أحمد وابن ماجة (^١٣١)] [¬٦].\nوقال الأعمَش: عن أبي ظبيان، عن ابن عبَّاس في قوله: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيهَا صَوَافَّ﴾، قال: قيامًا على ثلاث قوائم، معقولة يدها اليسرى، يقول: باسم الله، والله أكبر، اللهمَّ منك ولك. وكذلك روى مجاهد وعلي بن أبي طلحة والعوفي عن ابن عبَّاس نحو هذا.\n_________\n= والحديث رواه أحمد، حديث ١٤٨٨١ - (٣/ ٣٥٦)، و١٤٩٣٩ - (٣/ ٣٦٢).\nورواه أبو داود في كتاب الضحايا، باب: في الشاة يضحى بها عن الجماعة، حديث ٢٨١٠.\nوالترمذي في كتاب الأضاحي، باب (٢٢)، ح ١٥٢١.\nوقال التِّرمِذي: هذا حديث غريب من هذا الوجه، والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي\nﷺ، وغيرهم: أن يقول الرجل إذا ذبح بسم الله والله أكبر، وهو قول ابن المبارك.\nقال: والمطلب بن عبد الله بن حنطب يقال: إنه لم يسمع من جابر.\nوقال التِّرمِذي في موضع آخر من السنن، كما سيأتي في الحديث التالي: المطلب لا نعرف له سماعًا من جابر، والله أعلم.\n(^١٣٠) تقدم تخريج الحديث عند تفسير الآية: ١٦٢ من سورة الأنعام.\n(^١٣١) المسند (٦/ ٨) وتقدم الحديث في هذه السورة.\n_________\n[¬١]- سقط من ز، خ.\n[¬٢]- في ت: \"أتى\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"فبلغهما\".\n[¬٤]- في ز: للمساكين.\n[¬٥]- في ز، خ: \"منها\".\n[¬٦]- بياض في ز، خ.","vol":"10","page":64},{"text":"وقال ليث: عن مجاهد: إذا عقلت رجلها اليسرى قامت على ثلاث. وروى ابن أبي نجيح عنه نحوه.\nوقال الضحاك: تعقل رجل واحدة فتكون على ثلاث.\nوفي الصحيحين (^١٣٢) عن ابن عمر: أنَّه أتى على رجل قد أناخ بَدَنتَه وهو ينحرها، فقال: ابعثها قيامًا مقيَّدة، سنة أبي القاسم، ﷺ.\nوعن جابر (^١٣٣): أن رسول الله، ﷺ، وأصحابه كانوا ينحرون البدن معقولة اليسرى، قائمة على ما بقي من قوائمها. رواه أَبو داود.\nوقال ابن لهيعة: حدثني عطاء بن دينار، أن [سالم بن] [¬١] عبد الله قال لسليمان بن عبد الملك: قف من شقها الأيمن، وانحَرْ من شقها الأيسر.\nوفي صحيح مسلم (^١٣٤)، عن جابر في صفة حجة الوداع قال فيه: فنحر رسول الله ﷺ بيده ثلاثًا وستين بدنة، جعل يطعنها بحربة في يده.\nوقال عبد الرزاق (^١٣٥): أخبرنا معمر عن قتادة قال: في حرف ابن مسعود: (صوافن) أي: معقولة [¬٢] قيامًا.\nوقال سفيان الثَّوري: عن منصور، عن مجاهد: من قرأها: (صوافن) قال: معقولة.\nومن قرأها: ﴿صَوَافَّ﴾، قال: تصف بين يدي.\n_________\n(^١٣٢) صحيح البخاري، كتاب الحج، باب: نحر الإبل مقيدة حديث (١٧١٣)، وصحيح مسلم كتاب الحج (١٣٢٠).\n(^١٣٣) سنن أبي داود، كتاب المناسك، باب: كيف تنحر الإبل، حديث (١٧٦٧) من حديث عثمان بن أبي شيبة؛ قال: ثنا أبو خالد الأحمر، عن ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر. وأخبرني عبد الرحمن بن سابط أن النبي ﷺ … فذكره. ورواه ابن أبي شيبة في مصنفه عن ابن جريج عن عبد الرحمن بن سابط أن النبي ﷺ … فذكره مرسلًا.\nقال ابن القطان في كتابه - بعد أن ذكره من جهة أبي داود -: القائل: وأخبرني هو ابن جريج، فيكون ابن جريج رواه عن تابعيين - أحدهما أسنده وهو أَبو الزبير، والآخر أرسله وهو عبد الرحمن بن سابط.\n(^١٣٤) صحيح مسلم، كتاب الحج حديث (١٢١٨).\n(^١٣٥) تفسير عبد الرزاق (٢/ ٣٣). وهي أيضًا قراءة ابن عمر وابن عبَّاس وإبراهيم وأبي جعفر محمد بن علي والأعمش، واختلف عنهما، وعطاء بن أبي رباح والضحاك والكلبي. المحتسب (٢/ ٨١).\n_________\n[¬١]- سقط من خ.\n[¬٢]- في ز: معقلة.","vol":"10","page":65},{"text":"وقال طاوس، والحسن، وغيرهما (**): (فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيهَا صَوَافَيَ) يعني: خالصة لله ﷿ (* * *)، وكذا رواه مالك عن الزُّهْريّ.\nوقال عبد الرحمن بن زيد: (صوافي) ليس فيها شرك كشرك الجاهلية لأصنامها [¬١].\nوقوله: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ قال ابن أبي نجيح، عن مجاهد: يعني سقطت إلى الأرض. وهو رواية عن ابن عبَّاس، وكذا قال مقاتل بن حيان.\nوقال العوفي عن ابن عبَّاس: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ يعني: نحرت.\nوقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾: ماتت.\nوهذا القول هو مراد ابن عبَّاس ومجاهد، فإنه لا يجوز الأكل من البدنة إذا نحرت حتَّى تموت وتبرد حركتها، وقد جاء في حديث مرفوع: \"ولا تُعجِلُوا النفوس أن تَزْهَقَ\" (^١٣٦). وقد رواه الثَّوري في جامعه (^١٣٧)، عن أيوب، عن يحيى بن أبي [¬٢] كثير، عن فرافصة الحنفي، عن عمر بن الخطاب أنَّه قال ذلك، ويؤيده حديث شداد بن أوس في صحيح [¬٣] مسلم (^١٣٨): \" إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح، وليُحِدَّ أَحدكم شفرته، وليُرِحْ ذبيحته\".\nوعن أبي واقد الليثي قال: قال رسول الله، ﷺ: \"ما قطع من البهيمة وهي حية فهو ميتة\". ورواه [¬٤] أحمد وأَبو داود والتِّرمِذي وصححه (^١٣٩).\n_________\n(*) وكذا قرأ أَبو موسى الأشعري وشقيق بن سلمة وزيد بن أسلم، وسليمان التيمي، ورويت عن الأعرج. المحتسب (٢/ ٨٢).\n(**) المحتسب (٢/ ٨٢).\n(^١٣٦) رواه الدارقطني في السنن (٤/ ٢٨٣) من طريق سعيد بن سلام العطار عن عبد الله بن بديل عن الزهري عن سعيد عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا وسعيد بن سلام العطار كذبه أحمد وابن نمير، وضعف البيهقي هذا الحديث في السنن الكبرى (٩/ ٢٧٨).\n(^١٣٧) ومن طريقه رواه البيهقي في السنن الكبرى (٩/ ٢٧٨).\n(^١٣٨) صحيح مسلم، كتاب الصيد والذبائح، حديث (١٩٥٥).\n(^١٣٩) المسند (٥/ ٢١٨) (٢١٩٩٨، ٢١٩٩٩)، وأخرجه أَبو داود: كتاب الصيد باب في صيد قطع فيه قطعة (٣/ ١١٠ / رقم: ٢٨٥٨). والتِّرمِذي: كتاب الأطعمة باب ما قطع من الحي فهو ميت (٤/ ٧٤ / رقم: ١٤٨٠). وقال: وهذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث زيد بن أسلم. كلهم =\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"وأصنامهم\".\n[¬٢]- سقط من خ.\n[¬٣]- في ز، خ: \"حديث\".\n[¬٤]- في ز: ورواه.","vol":"10","page":66},{"text":"وقوله: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾، قال بعض السلف [¬١]: قوله: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ أمر إباحة. وقال مالك: يستحب ذلك. وقال غيره: يجب. وهو وجه لبعض الشَّافعية.\nواختلف [¬٢] في المراد بالقانع والمعتر؛ فقال العوفي، عن ابن عبَّاس: ﴿الْقَانِعَ﴾: المستغني بما أعطيته وهو في بيته. ﴿وَالْمُعْتَرَّ﴾: الذي يتعرض لك، ويلم بك أن تعطيه من اللحم، ولا يسأل. وكذا قال مجاهد ومحمد بن كعب القرظي.\nوقال عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عبَّاس: ﴿الْقَانِعَ﴾: المتعفف، ﴿وَالْمُعْتَرَّ﴾: السائل. وهذا قول قتادة وإبراهيم النخعي ومجاهد في رواية عنه.\nوقال ابن عبَّاس وعكرمة وزيد بن أسلم وابن الكلبي والحسن البصري ومقاتل بن حيان ومالك بن أنس: ﴿الْقَانِعَ﴾: هو الذي يقنع [¬٣] إليك ويسألك. ﴿وَالْمُعْتَرَّ﴾: الذي يعتريك و[¬٤] يتضرع ولا يسألك. وهذا لفظ الحسن.\nوقال سعيد بن جبير: ﴿الْقَانِعَ﴾: هو السائل. ثم قال: أما سمعت قول الشَّمَّاخ:\nلمال [¬٥] المرء يصلحه فيغنى … مفاقره أعف من القنوع\nقال: يغني من السؤال. وبه قال ابن زيد.\n[وقال زيد بن] [¬٦] أسلم: ﴿الْقَانِعَ﴾: المسكين الذي يطوف. ﴿وَالْمُعْتَرَّ﴾: الصديق والضعيف [¬٧] الذي يزور. وهو رواية عن عبد الله بن زيد أيضًا.\nوعن مجاهد أيضًا: ﴿الْقَانِعَ﴾: جارك الغني [الذي يبصر ما يدخل بيتك] [¬٨] ﴿وَالْمُعْتَرَّ﴾: الذي يعتريك من الناس. وعنه أن القانع: هو الطامع، والمعتر: هو الذي يعتر [¬٩] بالبدن من غني أو فقير. وعن عكرمة نحوه، وعنه: ﴿الْقَانِعَ﴾: أهل مكة.\nواختار ابن جرير أن ﴿الْقَانِعَ﴾ هو السائل، لأنَّه من أقنع بيده إذا رفعها للسؤال،\n_________\n= من طريق عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي واقد به.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"الناس\".\n[¬٢]- في خ: \"واختلفوا\".\n[¬٣]- في ز: يتبع.\n[¬٤]- سقط من خ.\n[¬٥]- في خ: \"مال\".\n[¬٦]- سقط من خ.\n[¬٧]- سقط من خ.\n[¬٨]- سقط من ز، خ.\n[¬٩]- في ز، خ: \"يعين\".","vol":"10","page":67},{"text":"﴿وَالْمُعْتَرَّ﴾ من الاعترار، وهو: الذي يتعرض لأكل اللحم.\nوقد احتج بهذه الآية الكريمة من ذهب من العلماء إلى أن الأضحية تجزأ ثلاثة أجزاء: فثلث لصاحبها يأكله، وثلث يهديه لأصحابه، وثلث يتصدق به على الفقراء؛ لأنه تعالى قال: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ وفي الحديث الصحيح (^١٤٠) أن رسول الله، ﷺ، قال للناس: \"إني كنت نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي فوق ثلاث، فكلوا وادخروا ما بدا لكم\". وفي رواية (^١٤١): \" فكلوا وادخروا وتصدقوا\". وفي رواية: \"فكلوا وأطعموا وتصدقوا\".\nوالقول الثاني: أن المضحي يأكل النصف، ويتصدق بالنصف؛ لقوله في الآية المتقدمة: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾. ولقوله في الحديث: \"فكلوا وادخروا وتصدقوا\".\nفإن أكل الكل؛ فقيل: لا يضمن شيئًا؛ وله قال ابن سريج من الشَّافعية.\nوقال بعضهم: يضمنها كلها بمثلها أو قيمتها. وقيل: يضمن نصفها. وقيل: ثلثها.\nوقيل: أدنى جزء منها. وهو المشهور من مذهب الشَّافعي.\nوأما الجلود ففي مسند أحمد (^١٤٢)، عن قَتَادة بن النعمان في حديث الأضاحي: \"فكلوا [¬١] وتصدقوا واستمتعوا بجلودها ولا تبيعوها\". ومن العلماء من رخص في ذلك، ومنهم من قال: يقاسم الفقراء ثمنها، والله أعلم.\n[مسألة]\nعن البراء بن عازب (^١٤٣) قال: قال رسول الله، ﷺ: \"إن أول ما نبدأ به في يومنا هذا أن نصلي، ثم نرجع فننحر، فمن فعل ذلك [¬٢] فقد أصاب سنتتا، ومن ذبح قبل الصلاة فإنما هو لحم عجله [¬٣] لأهله، ليس هو من النسك في شيء\". أخرجاه.\n_________\n(^١٤٠) صحيح مسلم برقم (٩٧٧) من حديث بريدة بن الحصيب ﵁.\n(^١٤١) رواه مالك في الموطأ (٢/ ٤٨٤) من حديث جابر ﵁.\n(^١٤٢) المسند (٤/ ١٥) (١٦٢٥٩).\n(^١٤٣) صحيح البخاري، كتاب الأضاحي، باب: سنة الأضحية حديث (٥٥٤٥)، وصحيح مسلم كتاب الأضاحي حديث (١٩٦١).\n_________\n[¬١]- سقط من ز، خ.\n[¬٢]- سقط من ز، خ.\n[¬٣]- في ز، خ: \"بيديه\".","vol":"10","page":68},{"text":"فلهذا قال الشَّافعي وجماعة من العلماء: إن أول وقت الأضحى إذا طلعت الشمس يوم النحر، ومضى قدر صلاة العيد والخطبتين، زاد أحمد: وأن يذبح الإمام بعد ذلك، لما جاء في صحيح مسلم: \"وأن لا تذبحوا حتَّى يذبح الإِمام\" (^١٤٤).\nوقال أَبو حنيفة: أما أهل السواد من القرى ونحوهم فلهم أن يذبحوا بعد طلوع الفجر، إذ لا صلاة عيد عنده لهم، وأما أهل الأمصار فلا يذبحوا حتَّى يصلي الإِمام، والله أعلم.\nثم قيل: لا يشرع الذبح إلَّا يوم النحر وحده. وقيل: يوم النحر لأهل الأمصار، لتيسر الأضاحي عندهم [¬١]، وأما أهل القرى فيوم النحر وأيام التشريق بعده، وبه [¬٢] قال سعيد بن جبير.\nوقيل: يوم النحر ويوم بعده للجميع [¬٣].\nوقيل: ويومان بعده، وبه قال الإِمام أحمد.\nوقيل: يوم النحر وثلاثة أيام التشريق بعده. وبه قال الشَّافعي، لحديث جبير بن مطعم: أن رسول الله، ﷺ، قال: \"وأيام التشريق كلها ذبح\" (^١٤٥). رواه أحمد وابن حبان.\nوقيل: إن وقت الذبح يمتد إلى آخر ذي الحجة. وبه قال إبراهيم النخعي، وأَبو سلمة بن [عبد الرحمن] [¬٤] وهو قول غريب.\nوقوله: ﴿كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾، يقول تعالى: من أجل هذا ﴿سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ، أي: ذللناها لكم، أي: جعلناها منقادة لكم خاضعة، إن شئتم ركبتم، وإن شئتم حلبتم، وإن شئتم ذبحتم، كما قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ (٧١) وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ (٧٢)\n_________\n(^١٤٤) لم يقع في مسلم هذا اللفظ.\n(^١٤٥) المسند (٤/ ٨٢) (١٦٨٠١). والحديث أخرجه ابن حبان كما في الموارد (حديث ١٠٠٨). والطبراني (٢/ ١٣٨) حديث (١٥٨٣). قال الهيثمي في المجمع (٤/ ٢٨): رواه أحمد وروى الطبراني في الأوسط عنه: \"أيام التشريق كلها ذبح\" ورجال أحمد وغيره ثقات. ا هـ. وقال (٣/ ٢٥٤): ورواه أحمد والبزار والطبراني في الكبير، إلَّا أنَّه قال: \"وكل فجاج مكة منحر\". ورجاله موثقون. ا هـ. والبيهقي (٥/ ٢٣٩). وابن حزم في المحلى (٧/ ١٨٨).\n_________\n[¬١]- في خ: \"عنده\".\n[¬٢]- في خ: \"ولهذا\".\n[¬٣]- في ز: الجميع.\n[¬٤]- في ز، خ: \"سمرة\".","vol":"10","page":69},{"text":"وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلَا يَشْكُرُونَ﴾ وقال في هذه الآية الكريمة: ﴿كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.\n﴿لَنْ يَنَال اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ (٣٧)﴾\nيقول تعالى: إنما شرع لكم نحر هذه الهدايا والضحايا، لتذكروه عند ذبحها، فإنه الخالق الرازق، [لأنه لا] [¬١] يناله شيء من لحومها ولا دمائها، فإنه تعالى هو الغني عما سواه.\nوقد كانوا في جاهليتهم إذا ذبحوها لآلهتهم وضعوا عليها من لحوم قرابينهم، ونضحوا عليها من دمائها [¬٢]، فقال تعالى: ﴿لَنْ يَنَال اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا﴾.\nوقال ابن أبي حاتم: حدَّثنا علي بن الحسين، حدَّثنا محمد بن أبي حمَّاد، حدَّثنا إبراهيم بن المختار، عن ابن جريج قال: كان أهل الجاهلية ينضحون البيت بلحوم الإِبل ودمائها، فقال أصحاب رسول الله، ﷺ: فنحن أحق أن ننضح، فأنزل الله: ﴿لَنْ يَنَال اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾. أي: يتقبل ذلك ويجزي عليه. كما جاء في الصحيح (^١٤٦): \" إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أموالكم [¬٣] ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم\" وما جاء في الحديث: \"إن الصدقة لتقع في يد الرحمن قبل أن تقع في يد السائل، وإن الدم ليقع من الله بمكان قبل أن يقع على الأرض\" (^١٤٧). كما تقدم الحديث. رواه ابن ماجة، والتِّرمِذي وحسنه عن عائشة مرفوعًا. فمعناه [¬٤] أنَّه سيق لتحقيق القبول من الله لمن أخلص في عمله، وليس له معنى يتبادر عند العلماء المحققين سوى هذا، والله أعلم.\nوقال وكيع: عن [يحيى] [¬٥] بن مسلم - أبي [¬٦] الضحاك -: سألت عامرًا الشعبي عن جلود الأضاحي؟ فقال: ﴿لَنْ يَنَال اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا﴾، إن شئت فبع، وإن شئت فأمسك، وإن شئت فتصدق.\n_________\n(^١٤٦) صحيح مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، حديث (٢٥٦٤).\n(^١٤٧) - رواه الترمذي في الأضاحي (١٤٩٣)، وابن ماجة في الأضاحي (٣١٢٦).\n_________\n[¬١]- في ت: \"لا أنَّه\".\n[¬٢]- في خ: \"دمائهم\".\n[¬٣]- في ز: ألوانكم.\n[¬٤]- في ز: بمعناه.\n[¬٥]- بياض في ز، خ.\n[¬٦]- في ز، خ: \"بن\".","vol":"10","page":70},{"text":"وقوله: ﴿كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ﴾. أي: من أجل ذلك سخر لكم البدن، ﴿لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾. أي: لتعظموه كما هداكم لدينه وشرعه، وما يحبه وما يرضاه، ونهاكم عن فعل ما يكرهه ويأباه.\nوقوله: ﴿وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ﴾. أي: وبشر يا محمد؛ المحسنين. أي: في عملهم، القائمين بحدود الله، المتبعين ما شرع لهم، المصدقين الرسول فيما أبلغهم وجاءهم به من عند ريه ﷿.\n[مسألة]\nوقد ذهب أَبو حنيفة ومالك والثوري [إلى القول] [¬١] بوجوب الأضحية على من ملك نصابًا، وزاد أَبو حنيفة اشتراط الإِقامة أيضًا، واحتج لهم بما رواه أحمد (^١٤٨) وابن ماجة بإسناد رجاله كلهم ثقات، عن أبي هريرة مرفوعًا: \"من وجد سعة فلم يضح فلا يقربن مصلانا\". على أن فيه غرابة، واستنكره أحمد بن حنبل.\nوقال ابن عمر: أقام رسول الله، ﵌، عشر سنين يضحي. رواه التِّرمِذي (^١٤٩).\nوقال الشَّافعي وأحمد: لا تجب الأضحية، بل هي مستحبة؛ لما جاء في الحديث: \"ليس في المال حق سوى الزكاة\" (^١٥٠). وقد تقدم أنَّه ﵇ ضحى عن أمته فأسقط ذلك وجوبها عنهم.\nوقال أَبو سريحة: كنت جارًا لأبي بكر وعمر، فكانا لا يضحيان خشية أن يقتدي الناس بهما.\nوقال بعض الناس: الأضحية سنة كفاية، إذا قام بها واحد من أهل دار أو محلة سقطت عن الباقين؛ لأن المقصود إظهار الشعار.\n_________\n(^١٤٨) المسند (٢/ ٣٢١) وسنن ابن ماجة برقم (٣١٢٣). قال البوصيري في الزوائد (٣/ ٥٠): في إسناده عبد الله بن عياش وإن روى له مسلم وإنَّما روى له في المتابعات والشواهد وقد ضعفه أَبو داود والنَّسائي، وقال أَبو حاتم صدوق. وابن يونس: منكر الحديث وذكره ابن حبان في الثقات\". ثم نقل عن البيهقي أنَّه بلغه عن الترمذي: أن الصحيح عن أبي هريرة موقوف ا. هـ.\n(^١٤٩) سنن التِّرمِذي في كتاب الأضاحي (١٥٠٧) وقال الترمذي: حسن.\n(^١٥٠) رواه ابن ماجة في الزكاة حديث (١٧٨٩) من حديث فاطمة بنت قيس ﵂.\n_________\n[¬١]- في ز: بالقول.","vol":"10","page":71},{"text":"وقد روى الإِمام أحمد وأهل السنن (^١٥١)، وحسنه التِّرمِذي، عن مخنف بن سليم أنَّه سمع رسول ﷺ يقول بعرفات: \"على كل أهل بيت في كل عام أضحاة وعتيرة، هل تدرون ما العتيرة؟ هي التي تدعونها الرجَبيَّة [¬١] \" وقد تكلم في إسناده.\nوقال أَبو [¬٢] أيوب: كان الرجل في عهد رسول الله، ﷺ، يضحي بالشاة الواحدة عنه وعن أهل بيته، فيأكلون ويُطعمون [حتَّى تباهى] [¬٣] الناس [فصار كما ترى] [¬٤]. رواه التِّرمِذي (^١٥٢) وصححه، وابن [¬٥] ماجة.\nوكان عبد الله بن هشام يضحي بالشاة الواحدة عن جميع أهله. رواه البخاري.\nفأما مقدار سن الأضحية فقد روى مسلم (^١٥٣) عن جابر أن رسول الله، ﷺ قال: \"لا تذبحوا إلَّا مسنة إلَّا أن يعسر [¬٦] عليكم؛ فتذبحوا جذعة من الضأن\".\nومن هاهنا ذهب الزُّهْريّ إلى أن الجذع، لا يجزئ وقابله الأوزاعي فذهب إلى أن الجذع يجزئ من كل جنس، وهما غريبان، وقال الجمهور: إنما يجزئ الثنيُّ من الإِبل والبقر\n_________\n(^١٥١) المسند (٤/ ٢١٥) (١٧٩٤٤) وإسناده ضعيف: فيه أبي رملة: قال في التقريب: عامر أبو رملة - شيخ لابن عون - لا يعرف.\nوالحديث أخرجه أبو داود (٣/ ٩٣) (٢٧٨٨) في كتاب الضحايا، باب: في ما جاء في إيجاب الأضاحي. والترمذي في كتاب الأضاحي، باب: العتيرة، حديث ١٥١٨. والنَّسائي (٧/ ١٦٧ - ١٦٨) في كتاب الفرع والعتيرة. وابن ماجة (٢/ ١٠٤٥) حديث (٣١٢٥) في كتاب الأضاحي، باب: الأضاحي والدية هي أم لا؟ والبيهقي في سننه الكبرى (٩/ ٣١٢). والطبراني في الكبير (٢٢/ ٣١١) حديث (٧٣٩)، (٧٣٨). وذكره ابن حجر في الإصابة (٩/ ١٥١). قال أبو داود: العتيرة منسوخة، هذا خبر منسوخ. وقال المنذري: وقال اليحصبي: وقال بعض السلف ببقاء حكمها.\nوقال الخطابي: العتيرة تفسيرها في الحديث: أنَّها شاة تذبح في رجب، وهذا هو الذي يشبه معنى الحديث ويليق بحكم التدين، فأما العتيرة التي كان يعترها أهل الجاهلية؛ فهي الذبيحة تذبح للصنم، فيصب دمها على رأسه، والعتر بمعنى الذبح، واختلفوا في وجوب الأضحية، فقال أكثر أهل العلم: أنَّها ليست بواجبة، ولكنها مندوب إليها. وقال محمد بن الحسن: هي واجبة على المياسير. قلت: هذا الحديث ضعيف المخرج وأبو رملة مجهول. ا هـ كلام الخطابي، رحمه الله تعالى.\n(^١٥٢) سنن الترمذي، كتاب الأضاحي (١٥٠٥)، وسنن ابن ماجة، كتاب الأضاحي (٣١٤٧).\n(^١٥٣) صحيح مسلم، كتاب الأضاحي، حديث (١٩٦٣).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"المرجبة\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"ابن\".\n[¬٣]- سقط من ز، خ.\n[¬٤]- سقط من ز، خ.\n[¬٥]- في ز، خ: \"ابن\".\n[¬٦]- في ز: يعر.","vol":"10","page":72},{"text":"والمعز، والجذع من الضأن، فأما الثني من الإِبل فهو الذي له خمس سنين ودخل في السادسة، ومن البقر [ما له سنتان ودخل في الثالثة، وقيل:] [¬١] ما له ثلاث و[¬٢] دخل في الرابعة. ومن المعز ما له سنتان [¬٣]. وأما الجذع من الضأن؛ فقيل [¬٤]: ما له سنة، وقيل: عشرة أشهر، [وقيل: ثمانية أشهر] [¬٥] وقيل: ستة أشهر، وهو أقل ما قيل في سنه، وما دونه فهو حمل، والفرق بينهما أن الحمل شعر ظهره قائم، والجذع شعر ظهره نائم، قد انعدل صدعين، والله أعلم.\n﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ (٣٨)﴾\nيخبر تعالى أنَّه يَدْفع عن عباده الذين توكلوا عليه وأنابوا إليه شر الأشرار وكيد الفجار، ويحفظهم ويكلؤهم وينصرهم، كما قال تعالى: ﴿أَلَيسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ وقال: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيءٍ قَدْرًا﴾.\nوقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ﴾. أي: لا يحب من عباده من اتصف بهذا، وهو الخيانة في العهود والمواثيق، لا يفي بما قال: والكفر [¬٦]: الجحد للنعم، فلا يعترف بها.\n﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيرِ حَقٍّ إلا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَويٌّ عَزِيزٌ (٤٠)﴾\nقال العوفي، عن ابن عبَّاس: نزلت في محمد وأصحابه حين أخرجوا من مكة.\nوقال غير واحد من السلف: هذه أول آية نزلت في الجهاد، واستدل بهذه الآية بعضهم على أن السورة مدنية، وقاله مجاهد والضحاك وقَتَادة وغير واحد.\nوقال ابن جرير: حدثني يحيى بن داود الواسطي، حدَّثنا إسحاق بن يوسف، عن\n_________\n[¬١]- سقط من ز.\n[¬٢]- في ز: وقد.\n[¬٣]- في ز: سنة.\n[¬٤]- في ز: قيل.\n[¬٥]- سقط من خ.\n[¬٦]- في ز: الكفور.","vol":"10","page":73},{"text":"سفيان، عن الأعمش، عن مسلم -هو البطين- عن سعيد بن جبير، عن ابن عبَّاس قال: لما أخرج النبي، ﷺ، من مكة، قال أبو بكر: أخرجوا نبيهم، إنا لله وإنا إليه راجعون، ليهلكنَّ. قال ابن عبَّاس: فأنزل الله ﷿: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾، قال أبو بكر رضي الله تعالى عنه: فعرفت أنَّه سيكون قتال.\nو[¬١] رواه الإِمام أحمد (^١٥٤)، عن إسحاق بن [¬٢] يوسف الأزرق، به، وزاد: قال ابن عبَّاس: وهي أول آية نزلت في القتال.\nورواه التِّرمِذي والنَّسائي في التفسير من سننيهما (^١٥٥) وابن أبي حاتم من حديث إسحاق بن يوسف، زاد التِّرمِذي: ووكيع، كلاهما عن سفيان الثوري، به. وقال التِّرمِذي: حديث [¬٣] حسن. وقد رواه غير واحد عن الثوري، وليس فيه ابن عبَّاس.\nوقوله: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾، أي: هو قادر على نصر عباده المؤمنين من غير قتال، ولكن هو يريد من عباده أن يبلوَ جهدهم في طاعته، كما قال: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالهُمْ (٤) سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالهُمْ (٥) وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾، وقال تعالى: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (١٤) وَيُذْهِبْ غَيظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾، وقال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٦)﴾، وقال: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾، [وقال: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ والآيات في هذا كثيرة؛ ولهذا قال ابن عبَّاس في قوله: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾: وقد فعل] [¬٤].\nوإنَّما شرع تعالى الجهاد في الوقت الأليق به، لأنهم لما كانوا بمكة كان المشركون أكثر\n_________\n(^١٥٤) تفسير الطبري (١٧/ ١٢٣)، والمسند (١/ ٢١٦).\n(^١٥٥) سنن التِّرمِذي، كتاب تفسير القرآن حديث (٣١٧١)، وسنن النَّسائي الكبرى برقم (١١٣٤٥).\n_________\n[¬١]- سقط من ز.\n[¬٢]- في ز: عن.\n[¬٣]- سقط من ز، خ.\n[¬٤]- سقط من ز، خ.","vol":"10","page":74},{"text":"عددًا، فلو أَمَر المسلمين وهم أقل من العشر بقتال الباقين [¬١] لشق عليهم، [ولهذا لما بايع أهل] [¬٢] يثرب ليلة العقبة رسول الله، ﷺ، وكانوا نيفًا وثمانين، قالوا: يا رسول الله، ألا نميل على أهل الوادي -يعنون أهل منى- ليالي منى فنقتلهم؟ فقال رسول الله، ﷺ: \"إني لم أومر بهذا\". فلما بغى المشركون، وأخرجوا النبي ﷺ من بين أظهرهم، وهموا بقتله، وشردوا أصحابه شَذَر مَذَر، فذهب منهم طائفة إلى الحبشة، وآخرون إلى المدينة، فلما استقروا بالمدينة، ووافاهم رسول الله، ﷺ، واجتمعوا عليه، وقاموا بنصره، وصارت لهم دار إسلام، ومعقلًا يلجئون إليه، شرع الله جهاد الأعداء، فكانت هذه الآية أول ما نزل في ذلك، فقال تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيرِ حَقٍّ إلا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾.\nقال العوفي، عن ابن عباس: أخرجوا من مكة إلى المدينة بغير حق، يعني: محمدًا وأصحابه.\n﴿إلا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾، أي: ما كان لهم إلى قومهم إساءة، ولا كان لهم ذنب، إلا أنهم عبدوا الله وحده لا شريك له، وهذا استثناء منقطع بالنسبة [إلى ما] [¬٣] في نفس الأمر، وأما عند المشركين فهو أكبر الذنوب، كما قال تعالى: ﴿يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ﴾ وقال تعالى في قصة أصحاب الأخدود: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إلا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ لهذا [] [¬٤] لما كان المسلمون يرتجزون في بناء الخندق ويقولون:\nلاهُمّ لولا أنت ما اهتَدَينا … ولا تَصَدّقْنا ولا صَلَّينا\nفأنزلَنْ سَكينَةً علينا … وثبت الأقدام أن لاقينا\nأن الآلى قد بغوا علينا … إذا أرادوا فتنةً أبينا\nفيوافقهم رسول الله، ﷺ، ويقول معهم آخر كل قافية، فإذا قالوا: إذا أرادوا فتنة أبينا، قال [¬٥]: \"أبينا\"، يمد بها صوته.\nثم قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾، أي: لولا أنه يدفع عن قوم بقوم، ويكشف شر أناس عن غيرهم بما يخلقه ويقدره من الأسباب، لفسدت الأرض، وأهلك القوي الضعيف.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"المنافقين\".\n[¬٢]- في خ: \"ولما بايع هذا أهل\".\n[¬٣]- في خ: \"لما\".\n[¬٤]- في ز: قال:\n[¬٥]- في ز: فيقول:","vol":"10","page":75},{"text":"﴿لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ﴾، وهي المعابد الصغار للرهبان، قاله [ابن عباس] [¬١] ومجاهد وأبو العالية وعكرمة والضحاك وغيرهم.\nوقال قتادة: هي معابد الصابئين، وفي رواية عنه: صوامع المجوس.\nوقال مقاتل بن حيان: هي البيوت التي على الطرق.\n﴿وَبِيَعٌ﴾ وهي أوسع منها، وأكثر عابدين فيها، وهي للنصارى أيضًا. قاله أبو العالية وقتادة والضحاك وابن صخر ومقاتل بن حيان وخصيف وغيرهم.\nوحكى ابن جرير [¬٢] عن مجاهد وغيره: أنها كنائس اليهود. وحكى السدي عمن حدثه عن ابن عباس: أنها كنائس اليهود. ومجاهد إنما قال: هي الكنائس. والله أعلم.\nوقوله: ﴿وَصَلَوَاتٌ﴾ قال العوفي، عن ابن عباس: الصلوات: الكنائس. وكذا قال عكرمة والضحاك وقتادة: إنها كنائس اليهود. وهم يسمونها صَلُوتًا.\nوحكى السدي عمن حدثه، عن ابن عباس: أنها كنائس النصارى. وقال أبو العالية وغيره: الصلوات معابد الصابئين.\nوقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد: الصلوات: مساجد لأهل الكتاب ولأهل الإسلام بالطرق. وأما المساجد فهي للمسلمين.\nوقوله: ﴿يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ فقد قيل: الضمير في قوله: ﴿يُذْكَرُ فِيهَا﴾ عائد إلى المساجد، لأنها [¬٣] أقرب المذكورات.\nو[¬٤] قال الضحاك: الجميع يذكر فيها اسم الله كثيرًا.\nوقال ابن جرير: الصواب: لهدمت صوامع الرهبان، وبيع النصارى، وصلوات اليهود وهي كنائسهم، ومساجد المسلمين التي يذكر فيها اسم الله كثيرًا؛ لأن هذا هو المستعمل المعروف في كلام العرب. و[¬٥] قال بعض العلماء: هذا ترقٍّ من الأقل إلى الأكثر، إلى أن ينتهي إلي المساجد، وهي أكثر عمارًا وأكثر عبادًا، وهم ذوو [¬٦] القصد [¬٧] الصحيح.\n_________\n[¬١]- بياض في ز، خ.\n[¬٢]- في خ: جبير.\n[¬٣]- في ز: لأنه.\n[¬٤]- سقط من خ.\n[¬٥]- سقط من ز.\n[¬٦]- في ز، خ: \"دور\".\n[¬٧]- في ز: الفضل.","vol":"10","page":76},{"text":"وقوله: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ﴾، كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (٧) وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالهُمْ﴾.\nوقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَقَويٌّ عَزِيزٌ﴾ وصف نفسه بالقوة والعزة، فبقوته [¬١] خلق كل شيء فقدره تقديرًا، وبعزته لا يقهره قاهر، ولا يغلبه غالب، بل كل شيء ذليل لديه فقير إليه، ومن كان القوي العزيز ناصره فهو المنصور، وعدوه هو المقهور، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾. وقال تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَويٌّ عَزِيزٌ﴾.\n﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (٤١)﴾\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا [¬٢] أبي، حدثنا أبو الربيع الزهراني [¬٣]، حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب وهشام، عن محمد قال: قال عثمان بن عفان: فينا نزلت: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾. فأخرجنا من ديارنا بغير حق، إلا أن قلنا [¬٤]: ربنا الله، ثم مُكنًّا في الأرض، فأقمنا الصلاة، وآتينا الزكاة، وأمرنا بالمعروف، ونهينا عن المنكر، ولله عاقبة الأمور، فهي لي ولأصحابي.\nوقال أبو العالية: هم أصحاب محمد، ﷺ.\nوقال الصباح بن سوادة الكندي: سمعت عمر بن عبد العزيز يخطب وهو يقول: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ …﴾ الآية، ثم قال: ألا إنها ليست على الوالي وحده، ولكنها على الوالي والمولى عليه، ألا أنبئكم بما لكم علي الوالي من ذلكم، وبما للوالي عليكم منه؟ إن لكم علي الوالي من ذلكم أن يؤاخذكم [¬٥] بحقوق الله عليكم، وأن يأخذ لبعضكم من بعض، وأن يهديكم للتي هي أقوم ما استطاع، وإن عليكم من ذلك الطاعة غير المبزوزة، ولا المستكرهة، ولا المخالف سرها علانيتها.\nوقال عطية العوفي: هذه الآية كقوله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ\n_________\n[¬١]- في ز: بقوته.\n[¬٢]- سقط من ز.\n[¬٣]- في ز، خ: \"المرهداني\".\n[¬٤]- في خ: \"يقولوا\".\n[¬٥]- في ز: يأخذكم.","vol":"10","page":77},{"text":"لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾\nوقوله: ﴿وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ كقوله تعالى: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾.\nوقال [¬١] زيد بن أسلم: ﴿وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾: وعند الله ثواب ما صنعوا.\n﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (٤١) وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ (٤٢) وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ (٤٣) وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَى فَأَمْلَيتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيفَ كَانَ نَكِيرِ (٤٤) فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاويَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ (٤٥) أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (٤٦)﴾\nيقول تعالى مسليًا نبيه محمدًا [¬٢]، ﷺ، في تكذيب من خالفه من قومه: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ﴾ إلى أن قال: ﴿وَكُذِّبَ مُوسَى﴾، أي: مع ما جاء به من الآيات البينات والدلائل الواضحات.\n﴿فَأَمْلَيتُ لِلْكَافِرِينَ﴾، أي: أنظرتهم وأخرتهم، ﴿ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيفَ كَانَ نَكِيرِ﴾، أي: فكيف كان إنكاري عليهم ومعاقبتي [¬٣] لهم.\nذكر بعض السلف أنه كان بين [¬٤] قول فرعون لقومه: أنا ربكم الأعلى. وبين إهلاك الله له أربعون سنة.\nوفي الصحيحين (^١٥٦) عن أبي موسى، عن رسول الله، ﷺ، أنه\n_________\n(^١٥٦) صحيح البخاري، كتاب تفسير القرآن حديث (٤٦٨٦)، وصحيح مسلم كتاب البر والصلة والآداب (٢٥٨٣).\n_________\n[¬١]- سقط من خ.\n[¬٢]- في ز: محمد.\n[¬٣]- في ز، خ: \"وعاقبتي\".\n[¬٤]- في ز: من.","vol":"10","page":78},{"text":"قال: \"إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته\"، ثم قرأ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ [إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾.\nثم قال تعالى: ﴿فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا﴾، أي: كم من قرية أهلكتها ﴿وَهِيَ ظَالِمَةٌ] [¬١]﴾ أي: مكذبة لرسولها ﴿فَهِيَ خَاويَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ قال الضحاك: سقوفها، أي: قد [¬٢] خربت منازلها، وتعطلت حواضرها.\n﴿وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ﴾ أي: لا يستقى منها ولا يردها أحد بعد كثرة وارديها والازدحام عليها.\n﴿وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ قال عكرمة: يعني المبيض بالجص.\nوروي عن علي بن أبي طالب ومجاهد وعطاء وسعيد بن جبير وأبي المليح والضحاك نحو ذلك.\nوقال آخرون: هو المنيف المرتفع.\nوقال آخرون: هو [¬٣] الشديد المنيع الحصين.\nوكل هذه الأقوال متقاربة، ولا منافاة بينها، فإنه لم يحم أهله شدة بنائه ولا ارتفاعه، ولا إحكامه ولا حصانته، عن حلول بأس الله بهم، كما قال ﵎: ﴿أَينَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾.\nوقوله: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾، أي: بأبدانهم وتفكرهم [¬٤] أيضًا، وذلك كافٍ، كما قال ابن أبي الدنيا في كتاب التفكر والاعتبار:\nحدثنا هارون بن عبد الله، حدثنا سيار، حدثنا [¬٥] جعفر، حدثنا مالك بن دينار قال: أوحى الله تعالى إلى موسى ﵇: أن يا موسى اتخذ نعلين من حديد وعصا، و[¬٦] سح في الأرض، ثم [¬٧] اطلب الآثار والعبر، حتى تتخرق النعلان، وتكسر العصا.\nو[¬٨] قال ابن أبي الدنيا: قال بعض الحكماء: [أحي قلبك بالمواعظ] [¬٩]، ونوّره بالفكر، وموته بالزهد، وقوّه باليقين، وذلله [بالموت وقرره بالفناء] [¬١٠]، وبصره فجائع [¬١١] الدنيا،\n_________\n[¬١]- سقط من ز، خ.\n[¬٢]- سقط من خ.\n[¬٣]- سقط من خ.\n[¬٤]- في خ: بفكرهم.\n[¬٥]- في ز: بن.\n[¬٦]- في ز: ثم.\n[¬٧]- في ز: و.\n[¬٨]- سقط من ز.\n[¬٩]- في ز: \"أخي عليك بالواعظ\".\n[¬١٠]- في ز: \"بالقرب وتدبره بالثناء\".\n[¬١١]- في ز: بمجامع.","vol":"10","page":79},{"text":"وحذره صولة الدهر وفحش تقلب الأيام، واعرض عليه أخبار الماضين، وذكره [ما أصاب] [¬١] من كان قبله، وسر [¬٢] في ديارهم وآثارهم وانظر [¬٣] ما فعلوا، وأين حلوا وعم انقلبوا [أي: فانظروا] [¬٤] ما حل بالأمم المكذبة من النقم [¬٥] والنكال، ﴿فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا﴾ أي: فيعتبرون بها، ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾، أي: ليس العمى عمى البصر، وإنما العمى عمى البصيرة، وإن كانت القوة الباصرة سليمة، فإنها لا تنفذ إلى العبر، ولا تدري ما الخبر، وما أحسن ما قاله بعض الشعراء في هذا المعنى، وهو أبو محمد عبد الله بن محمد ابن سارة [¬٦] الأندلسي الشنتريني، وقد كانت وفاته سنة سبع عشرة وخمسمائة:\nيا مَنْ يُصيخُ إلى داعي الشقاء وقد … نادى به الناعيان: الشيب والكبر\nإن كنت لا تسمع الذكرى ففيم تُرى … في رأسك الواعيان: السمع والبصر؟\nليس الأصم ولا الأعمى سوى رجل … لم يهده الهاديان: العين والأثر\nلا الدهر يبقى ولا الدنيا ولا الفلك الـ … أعلى ولا النيران: الشمس والقمر\nليرحلن عن الدنيا وإن كرها … فراقها الثاويان: البدو والحضر\n﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (٤٧) وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ (٤٨)﴾\nيقول تعالى لنبيه صلوات الله وسلامه عليه: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ﴾، أي: هؤلاء الكفار المكذبون الملحدون بالله وكتابه ورسوله واليوم الآخر، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَينَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَو ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ﴾.\nوقوله: ﴿وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾، أي: الذي قد وعد، من إقامة الساعة، والانتقام من أعدائه، والإِكرام لأوليائه.\nقال الأصمعي: كنت عند أبي عمرو بن العلاء، فجاءه عمرو بن عبيد، فقال: يا أبا\n_________\n[¬١]- في ز: بأم كتاب\".\n[¬٢]- في ز: وسعى.\n[¬٣]- في ز: انظروا.\n[¬٤]- في ز: \"فتنظروا.\n[¬٥]- في ز: السقم.\n[¬٦]- في ز: جبارة.","vol":"10","page":80},{"text":"عمرو، هل [¬١] يخلف الله الميعاد؟ فقال: لا. فذكر آية وعيد، فقال له: [أمن المعجم أنت؟ إن العرب تعد الرجوع عن الوعد لؤمًا] [¬٢] وعن الإيعاد كرمًا، أو ما سمعت قول الشاعر:\nلا يرهب ابن العم منى [¬٣] سطوتي … ولا [أختتى من] [¬٤] سطوة المتهدد [¬٥]\nفإني وإن أوْعَدتُهُ أو [¬٦] وعدتُه … لمخلف إيعادي ومنجز موعدي\nوقوله: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾، أي: هو تعالى لا يَعجَل، فإن مقدار ألف سنة عند خلقه كيوم واحد عنده بالنسبة إلى حكمه، لعلمه بأنه على الانتقام قادر، وأنه لا يفوته شيء، وإن أجل وأنظر وأملى، ولهذا قال بعد هذا: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾.\nقال ابن أبي حاتم: ثنا الحسن بن عرفة، حدثني عبدة بن سليمان، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: \"يدخل فقراء المسلمين الجنة قبل الأغنياء بنصف يوم [¬٧]: خمسمائة عام\".\nورواه الترمذي والنسائي (^١٥٧) من حديث الثوري عن محمد بن عمرو، به. وقال الترمذي: حسن صحيح.\nوقد رواه ابن جرير (^١٥٨)، عن أبي هريرة موقوفًا فقال: حدثني يعقوب، ثنا ابن علية، ثنا سعيد الجريري، عن أبي نضرة، عن سُمَير بن نهار قال: قال أبو هريرة: يدخل فقراء المسلمين الجنة قبل الأغنياء بمقدار [¬٨] نصف يوم. [قلت: وما نصف يوم؟] [¬٩] قال: أو ما تقرأ القرآن؟ قلت: بلى. قال: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾.\nوقال أبو داود (^١٥٩) في آخر كتاب الملاحم من سننه: حدثنا عمرو بن عثمان، حدثنا\n_________\n(^١٥٧) سنن الترمذي، كتاب الزهد حديث (٢٣٥٤)، وسنن النسائي الكبرى برقم (١١٣٤٨). وابن ماجه كتاب الزهد (٤١٢٢).\n(^١٥٨) تفسير الطبري (١٧/ ١٢٩).\n(^١٥٩) سنن أبي داود حديث (٤٣٥٠) ورواه أحمد (١٤٦٧ التراث) وقال المناوي: سنده جيد.\n_________\n[¬١]- في خ: وهل.\n[¬٢]- ما بين المعكوفين في ز: \"من العجمة تبيان العرب بعدم الرجوع عن الوعيد يومًا\".\n[¬٣]- في ز: والجار.\n[¬٤]- في ز: يثني عن.\n[¬٥]- في ز: المهدد.\n[¬٦]- في ز: و.\n[¬٧]- سقط من ز.\n[¬٨]- في ز: مقدار.\n[¬٩]- ما بين المعكوفين سقط من ز.","vol":"10","page":81},{"text":"أبو المغيرة، حدثنا صفوان، عن شريح بن عبيد، عن سعد بن أبي وقاص، عن النبي ﷺ أنه قال: \"إني لأرجو أن لا تَعْجِزَ أمتي عند [¬١] ربها أن يؤخرهم نصف يوم\". قيل لسعد: وما نصف يوم؟ قال: خمسمائة سنة.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان [¬٢]، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾، قال: من الأيام التي خلق الله فيها السماوات والأرض.\nورواه ابن جرير (^١٦٠)، عن ابن بشار [¬٣]، عن ابن مهدي. وبه قال مجاهد وعكرمة.\nونص عليه أحمد بن حنبل في كتاب \"الرد على الجهمية\".\nوقال مجاهد: هذه الآية كقوله: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عارم [¬٤]-محمد بن الفضل- حدثنا حماد بن زيد، عن يحيى بن عتيق، عن محمد بن سيرين، عن رجل من أهل الكتاب أسلمَ قال: إن الله تعالى خلق السماوات والأرض في ستة أيام، ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾، وجعل أجل الدنيا سنة أيام، وجعل الساعة في اليوم السابع، ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾، فقد مضت الستة الأيام، وأنتم في اليوم السابع، فمثل [¬٥] ذلك كمثل الحامل إذا دخلت شهرها، ففي آية لحظة [¬٦] ولدت كان تمامًا.\n﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٤٩) فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٥٠) وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (٥١)﴾\nيقول تعالى لنبيه، ﷺ، حين طلب منه الكفار وقوع العذاب واستعجلوه به: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾، أي: إنما أرسلني اللَّه إليكم نذيرًا لكم\n_________\n(^١٦٠) تفسير الطبري (١٧/ ١٢٩).\n_________\n[¬١]- في ز: عن.\n[¬٢]- في ز: شيبان.\n[¬٣]- في ز: يسار.\n[¬٤]- بعده في ز، خ: \"بن\".\n[¬٥]- في ز: بمثل.\n[¬٦]- سقط من خ.","vol":"10","page":82},{"text":"بين يدي عذاب شديد، وليس إليّ من حسابكم من شيء، أمركم إلى الله؛ إن شاء عجَّل لكم العذاب، وإن شاء أخره عنكم، وإن شاء تاب على من يتوب إليه، وإن شاء أضل من كتب عليه الشقاوة، وهو الفعال لما يشاء ويريد ويختار، ﴿لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾، و﴿إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٤٩) فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، أي: آمنت [¬١] قلوبهم وصدقوا إيمانهم بأعمالهم، ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾، أي: مغفرة لما سلف من سيئاتهم، ومجازاة حسنة على القليل من حسنأتهم.\nقال محمد بن كعب القرظي: إذا سمعت الله تعالى يقول: ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ فهو: الجنة.\nوقوله: ﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ﴾ [¬٢] قال مجاهد: يثبطون الناس عن متابعة النبي، ﷺ. وكذا قال عبد الله بن الزبير: مثبطين.\nوقال ابن عباس: ﴿مُعَاجِزِينَ﴾: مراغمين.\n﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾، وهي النار الحارة الموجعة، الشديد [¬٣] عذابها ونكالها، أجارنا الله منها، قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ﴾.\n﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إلا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٢) لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (٥٣) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٤)﴾\nوقد ذكر كثير من المفسرين هاهنا قصة الغرانيق، وما كان من رجوع كثير من المهاجرة إلى أرض الحبشة، ظنًّا منهم أن مشركي قريش قد أسلموا، ولكنها من طرق كلها مرسلة\n_________\n[¬١]- في خ: \"آمنوا\".\n[¬٢]- في ز: معجزين.\n[¬٣]- في ز، خ: \"الشديدة\".","vol":"10","page":83},{"text":"ولم أرها مسندة من وجه صحيح، والله أعلم.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا يونس بن حبيب، حدثنا أبو داود، حدثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير قال: قرأ رسول الله، ﷺ، بمكة \"النجم\"، فلما بلغ هذا الموضع: ﴿أَفَرَأَيتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ قال: فألقى الشيطان على لسانه: \"تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن [¬١] ترتجى\" قالوا: ما ذكر آلهتنا بخير قبل اليوم. فسجد وسجدوا، فأنزل الله ﷿ [هذه الآية] [¬٢]: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إلا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ الآية [¬٣].\nو[¬٤] رواه ابن جرير (^١٦١)، عن بندار، عن غندر، عن شعبة به نحوه. وهو مرسل.\nوقد رواه البزار في مسنده (^١٦٢)، عن يوسف بن حماد، عن أمية بن خالد، عن شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس -فيما أحسب، الشك في الحديث- أن النبي، ﷺ، قرأ بمكة سورة \"النجم\" حتى انتهى [¬٥] إلى: ﴿أَفَرَأَيتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾، وذكر بقيته. ثم قال البزار: لا يروى متصلًا إلا بهذا الإِسناد. تفرد بوصله أمية بن خالد، وهو ثقة مشهور. وإنما يروى هذا من طريق الكلبي، عن أبي صالح، [عن ابن عباس] [¬٦].\nثم رواه ابن أبي حاتم، عن أبي العالية، وعن السدي مرسلًا. وكذا رواه ابن جرير (^١٦٣)، عن محمد بن كعب القرظي ومحمد بن قيس مرسلًا أيضًا.\nوقال قتادة: كان النبي، ﷺ، عند المقام إذ نعس، فألقى الشيطان على لسانه: \"وإن شفاعتها لترتجى، وإنها لمع الغرانيق العلى\". فحفظها المشركون، وأجرى الشيطان أن النبي، ﷺ، قد قرأها، فَزَلت [¬٧] بها ألسنتهم، فأنزل الله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ …﴾ الآية، فدحر الله الشيطان.\nثم قال ابن أبي حاتم: حدثنا موسى بن أبي موسى الكوفي، حدثنا محمد بن إسحاق\n_________\n(^١٦١) تفسير الطبري (١٧/ ١٣٣).\n(^١٦٢) مسند البزار برقم (٢٢٦٣) \"كشف الأستار\".\n(^١٦٣) تفسير الطبري (١٧/ ١٣١).\n_________\n[¬١]- في ز: شفاعتهم.\n[¬٢]- سقط من خ.\n[¬٣]- سقط من خ.\n[¬٤]- سقط من خ.\n[¬٥]- سقط من خ.\n[¬٦]- سقط من ز، خ.\n[¬٧]- في ز: فدلت.","vol":"10","page":84},{"text":"المسيبي، حدثنا محمد بن فليح، عن موسى بن عقبة، عن ابن شهاب قال: أنزلت \"سورة النجم\"، وكان المشركون يقولون: لو كان هذا الرجل يذكر آلهتنا بخير أقررناه وأصحابه، ولكنه لا يذكر من خالف دينه من اليهود والنصارى بمثل [¬١] الذي يذكر آلهتنا من الشتم والشر، وكان رسول الله ﷺ قد اشتد عليه ما ناله وأصحابه من أذاهم وتكذيبهم، وأحزنه ضلالهم، فكان يتمنى هداهم، فلما أنزل الله سورة النجم قال: ﴿أَفَرَأَيتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (٢٠) أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى﴾ ألقى الشيطان عندها كلمات حين ذكر الله الطواغيت، فقال: \"وإنهن لهن الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لهي [¬٢] التي ترتجى\". وكان ذلك من سجع الشيطان وفتنته، فوقعت هاتان الكلمتان في قلب كل مشرك بمكة، وزلت [¬٣] بها ألسنتهم، وتباشروا بها، وقالوا: إن محمدًا قد رجع إلى دينه الأول ودين قومه. فلما بلغ رسول الله، ﷺ، [آخر النجم] [¬٤]، سجد وسجد كل من حضره من مسلم أو مشرك، غير أن الوليد بن المغيرة كان رجلًا كبيرًا، فرفع على كفه ترابًا فسجد عليه، فعجب الفريقان [] [¬٥] كلاهما من جماعتهم في السجود، لسجود رسول الله ﷺ، فأما المسلمون فعجبوا لسجود المشركين معهم على غير إيمان ولا يقين -ولم يكن المسلمون سمعوا الآية التي ألقى الشيطان في مسامع المشركين- فاطمأنت أنفسهم لما ألقى الشيطان في أمنية رسول الله ﷺ، وحدثهم به الشيطان أن رسول الله ﷺ قد قرأها في السورة، فسجدوا لتعظيم آلهتهم، ففشت تلك الكلمة في الناس، وأظهرها الشيطان، حتى بلغت أرض الحبشة ومن بها من المسلمين -عثمان بن مظعون وأصحابه- وتحدثوا أن أهل مكة قد أسلموا كلهم، وصلوا مع رسول الله، ﷺ، وبلغهم سجود الوليد بن المغيرة على التراب على كفه، وحُدِّثوا أن المسلمين قد أمنوا بمكة، فأقبلوا سراعًا وقد نسخ الله ما ألقى الشيطان، وأحكم الله آياته، وحفظه الله من الفرية، وقال الله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إلا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٢) لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾، فلما بين الله قضاءه، وبرّأه من سجع الشيطان، انقلب المشركون بضلالهم وعداوتهم المسلمين، واشتدوا عليهم. وهذا أيضًا مرسل.\nوفي تفسير ابن جرير (^١٦٤) عن الزهري عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام نحوه.\n_________\n(^١٦٤) - تفسير الطبري (١٧/ ١٣٣).\n_________\n[¬١]- في ز: من.\n[¬٢]- في ز: لهن.\n[¬٣]- في ز: ودلت.\n[¬٤]- سقط من ز.\n[¬٥]- في ز: منهما.","vol":"10","page":85},{"text":"وقد رواه الإِمام أبو بكر البيهقي في كتابه: \"دلائل النبوة\" فلم يجز به موسى بن عقبة. ساقه في مغازيه بنحوه، قال: وقد روينا عن ابن إسحاق هذه القصة.\nقلت: وقد ذكرها محمَّد بن إسحاق في السيرة بنحو من هذا، وكلها مرسلات ومنقطعات، فالله أعلم. وقد ساقها البغوي في تفسيره مجموعة من كلام ابن عباس، ومحمد بن كعب القرظي، وغيرهما بينحو من ذلك، ثم سأل هاهنا سؤالًا: كيف وقع مثل هذا مع العصمة المضمونة من الله تعالى لرسوله صلوات الله وسلامه عليه؟ ثم حكى [] [¬١] أجوبة عن الناس، من ألطفها: أن الشيطان أوقع في مسامع المشركين ذلك، فتوهموا أنه صدر عن رسول الله ﵌، وليس كذلك في نفس الأمر، بل [¬٢] إنما كان من صنيع الشيطان، لا من رسول الرحمن صلى الله عليه وعلى آله وسلم، والله أعلم.\nوهكذا تنوّعت أجوبة المتكلمين عن هذا بتقدير صحته، وقد تعرض القاضي عياض ﵀ في كتاب \"الشفاء\" لهذا وأجاب بما حاصله.\nوقوله: ﴿إلا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾، هذا فيه تسلية له -صلوات الله وسلامه عليه- -أي: لا يهيدنك ذلك [¬٣] فقد أصاب مثل هذا من قبلك من المرسلين والأنبياء.\nقال البخاري: قال ابن عباس: ﴿فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ وإذا حدث ألقى الشيطان في حديثه، فيبطل الله ما يلقى الشيطان، ويحكم الله آياته.\nقال عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿إِذَا تَمَنَّى [أَلْقَى الشَّيطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾، يقول: إذا حدث ألقى الشيطان في حديثه.\nوقال مجاهد: ﴿إِذَا تَمَنَّى﴾] [¬٤] يعني: إذا قال:\nويقال: ﴿أُمْنِيَّتِهِ﴾ قراءته [¬٥]، ﴿إلا أَمَانِيَّ﴾: يقولون ولا يكتبون [¬٦].\nقال البغوي (^١٦٥): وأكثر المفسرين قالوا: معنى قوله ﴿تَمَنَّى﴾، أي: تلا وقرأ كتاب الله، ﴿أَلْقَى الشَّيطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ أي: في تلاوته. قال الشاعر في عثمان [حين\n_________\n(^١٦٥) معالم التنزيل للبغوي (٥/ ٣٩٤).\n_________\n[¬١]- في ز: لي.\n[¬٢]- سقط من ز.\n[¬٣]- سقط من خ.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من ز.\n[¬٥]- في ز: قرآنه.\n[¬٦]- في ز: يكتنون.","vol":"10","page":86},{"text":"قتل] [¬١]:\nتمنى كتاب الله أول ليلة … وآخرها لاقى حمام المقادر\nوقال الضحاك: ﴿إِذَا تَمَنَّى﴾: إذا تلا. قال ابن جرير: هذا القول أشبه بتأويل الكلام، وقوله: ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيطَانُ﴾ حقيقة النسخ لغة: الإزالة والرفع.\nقال عليّ بن أبي طلحة: عن ابن عباس: أي: فيبطل الله ﷾ ما ألقى الشيطان.\nوقال الضحاك: نسخ جبريل بأمر الله ما ألقى الشيطان، وأحكم الله آياته.\nوقوله: [﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾ أي: بما يكون من الأمور والحوادث، لا تخفى عليه خافية ﴿حَكِيمٌ﴾] [¬٢]، أي: في تقديره وخلقه وأمره، له الحكمة التامّة، والحجة البالغة، ولهذا قال: ﴿لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾، أي: شك وشرك، وكفر ونفاق، كالمشركين حين فرحوا بذلك، واعتقدوا أنه صحيح، وإنما كان من الشيطان.\nقال ابن جريج: ﴿لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ [مَرَضٌ﴾ هم] [¬٣] المنافقون، ﴿وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ هم [¬٤] المشركون.\nوقال مقاتل بن حيان: هم اليهود.\n﴿وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ أي: في ضلال ومخالفة وعناد بعيد، أي: من الحق والصواب.\n﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ﴾، أي: وليعلم الذين أوتوا العلم النافع، الذي [¬٥] يفرقون به [¬٦] بين الحق والباطل، المؤمنون [¬٧] بالله ورسوله، أن ما أوحيناه إليك هو الحق من ربك، الذي أنزله بعلمه، وحفظه وحرسه أن يختلط به غيره، بل هو كتاب حكيم، ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَينِ يَدَيهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾.\nوقوله: ﴿فَيُؤْمِنُوا بِهِ﴾، أي: يصدّقوه وينقادوا له، ﴿فَتُخْبِتَ [¬٨] لَهُ قُلُوبُهُمْ﴾،\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفين تقرأ في ز: \"جبريل\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفين في ز: \"عليم حكيم\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفين في ز: \"من كفرهم\".\n[¬٤]- سقط من ز.\n[¬٥]- في ز: الذين.\n[¬٦]- سقط من ز.\n[¬٧]- في خ: والمؤمنون.\n[¬٨]- في ز: وتخبت.","vol":"10","page":87},{"text":"أي: تخضع وتذل [له قلوبهم] [¬١]، ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾، أي: في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا فيرشدهم إن الحق واتباعه، ويوفقهم لمخالفة الباطل واجتنابه، وفي الآخرة يهديهم [¬٢] الصراط المستقيم، الموصل إلى درجات الجنات، ويزحزحهم عن العذاب الأليم والدركات.\n﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ (٥٥) الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَينَهُمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٥٦) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (٥٧)﴾\nيقول تعالى مخبرًا عن الكفار أنهم لا يزالون ﴿فِي مِرْيَةٍ﴾، أي: في شك وريب من هذا القرآن. قاله ابن جريج، واختاره ابن جرير.\nوقال سعيد بن جبير وابن زيد: ﴿مِنْهُ﴾ أي: مما [¬٣] ألقى الشيطان.\n﴿حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً﴾ قال مجاهد: فجأة. وقال قتادة: ﴿بَغْتَةً﴾ بغت القومَ [¬٤] أمر الله، وما أخذ الله قومًا قط إلا عند سكرتهم [¬٥] وغرتهم ونعمتهم، فلا تغتروا بالله، إنه لا يغتر بالله إلا القوم الفاسقون.\nوقوله: ﴿أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾، قال مجاهد: قال أبي بن كعب: هو يوم بدر. وكذا قال [مجاهد، و] [¬٦] إلخ عكرمة، وسعيد بن جبير، وقتادة، وغير واحد، واختاره ابن جرير.\nوقال عكرمة ومجاهد [في رواية عنهما] [¬٧]: هو يوم القيامة لا ليلة لهم. وكذا قال الضحاك والحسن البصري.\nوهذا القول هو الصحيح، وإن كان يوم بدر من جملة ما أوعدوا به، لكن هذا هو\n_________\n[¬١]- سقط من ز، خ.\n[¬٢]- بعده في خ: \"إلى\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"بما\".\n[¬٤]- في ز، خ: \"الله\".\n[¬٥]- في ز: سكوتهم.\n[¬٦]- سقط من ز.\n[¬٧]- سقط من ز، خ.","vol":"10","page":88},{"text":"المراد، ولهذا قال: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَينَهُمْ﴾ كقوله: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، وقوله: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾.\n﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، أي: آمنت قلوبهم، وصدقوا بالله ورسوله، وعملوا بمقتضى ما علموا [¬١]، وتوافق قلوبهم وأقوالهم وأعمالهم.\n﴿فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ أي: لهم النعيم المقيم، الذي لا يحول ولا يزول ولا يبيد.\n﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ أي: كفرت قلوبهم بالحق، وجحدوا به، وكذبوا به، وخالفوا الرسل، واستكبروا عن اتباعهم ﴿فَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾، أي: مقابلة استكبارهم وإعراضهم عن الحق، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ أي: صاغرين [¬٢].\n﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيرُ الرَّازِقِينَ (٥٨) لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ (٥٩) ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (٦٠)﴾\nيخبر تعالى عمن خرج مهاجرًا في سبيل الله ابتغاء مرضاته، وطلبًا لما عنده، وترك الأوطان والأهلين والخلان، وفارق بلاده في الله ورسوله، ونصرة لدين الله، ﴿ثُمَّ قُتِلُوا﴾، أي: الجهاد، ﴿أَوْ مَاتُوا﴾، أي: حتف أنفهم [¬٣] أي: من غير قتال على فرشهم، فقد حصلوا على الأجر الجزيل، والثناء الجميل، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾.\nوقوله: ﴿لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا﴾، أي: ليُجْريَنّ عليهم من فضله ورزقه من الجنة ما تقر به أعينهم.\n﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيرُ الرَّازِقِينَ (٥٨) لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ﴾ أي: الجنة. كما قال تعالى: ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٨٨) فَرَوْحٌ وَرَيحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ﴾. فأخبر أنه يحصل له الراحة والرزق وجنة النعيم، كما قال هاهنا: ﴿لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا﴾ ثم قال:\n_________\n[¬١]- في ز: عملوا.\n[¬٢]- سقط من خ.\n[¬٣]- في ز: أنفسهم.","vol":"10","page":89},{"text":"﴿لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ﴾، أي: بمن يهاجر ويجاهد في سبيله، وبمن يستحق ذلك ﴿حَلِيمٌ﴾، أي: يحلم ويصفح، ويغفر لهم الذنوب، ويكفرها عنهم بهجرتهم إليه، وتوكلهم عليه، فأما من قتل في سبيل الله من مهاجر أو غير مهاجر، فإنه حي عند ربه يرزق، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ والأحاديث في هذا كثيرة كما تقدم. وأما من توفي في سبيل الله من مهاجر أو غير مهاجر فقد تضمنت هذه الآية الكريمة مع الأحاديث الصحيحة إجراء الرزق عليه، وعظيم إحسان الله إليه.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا المسيب بن واضح، حدثنا ابن المبارك، عن عبد الرحمن بن شريح، عن ابن الحارث -يعني: عبد الكريم- عن ابن عقبة -يعني: أبا عبيدة بن عقبة- قال: حدثنا شرحبيل بن السمط: طال رباطنا وإقامتنا على حصن بأرض الروم، فمر بي سلمان -يعني: الفارسي ﵁ فقال: إني سمعت رسول الله، ﷺ، يقول: \"من مات مرابطًا، أجرى الله عليه مثل ذلك الأجر، وأجرى عليه الرزق، وأمن [¬١] من [¬٢] الفتّانين\" واقرءوا إن شئتم: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيرُ الرَّازِقِينَ (٥٨) لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيم﴾.\nوقال أيضًا: حدثنا أبو زرعة، حدثنا زيد بن بشر، أخبرني همام، أنه سمع أبا قبيل وربيعة بن سيف المعافري يقولان: كتاب بـ \"رودس\"، ومعنا فضالة بن عبيد الأنصاري صاحب رسول الله، ﷺ، فمر بجنازتين؛ إحداهما قتيل، والأخرى متوفى، فمال الناس على القتيل، فقال فضالة: ما لي أرى الناس مالوا مع هذا وتركوا هذا؟ فقالوا: هذا قتيل في سبيل الله تعالى. فقال: والله ما أبالي من أي حفرتيهما بعثت، اسمعوا كتاب الله: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا﴾ حتى آخر الآية.\nوقال أيضًا: حدثنا أبي، حدثنا عبدة بن سليمان، أنبأنا ابن [¬٣] المبارك، أنبأنا ابن لهيعة، حدثنا [¬٤] سلامان [¬٥] بن عامر الشعباني، أن عبد الرحمن بن جحدم الخولاني حدثه: أنه حضر فضالة بن عبيد في البحر مع جنازتين؛ أحدهما: \"أصيب بمنجنيق، والآخر توفي، فجلس فضالة بن عبيد عند قبر المتوفى، فقيل له: تركت الشهيد فلم تجلس عنده؟ فقال: ما أبالي من أي حفرتيهما بعثت، إن الله يقول: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا\n_________\n[¬١]- في ز: أومن.\n[¬٢]- سقط كان خ.\n[¬٣]- سقط من ز، خ.\n[¬٤]- سقط من ز.\n[¬٥]- في خ: \"سليمان\".","vol":"10","page":90},{"text":"أَوْ مَاتُوا﴾ إلى قوله: ﴿يَرْضَوْنَهُ﴾، فما تبتغي أيها العبد إذا أدخلت مدخلًا ترضاه، ورزقت رزقًا حسنًا، والله ما أبالي من أي حفرتيهما بعثت.\nورواه [¬١] ابن جرير (^١٦٦)، عن يونس بن عبد الأعلى، عن ابن وهب، أخبرني عبد الرحمن بن شريح، عن [¬٢] سلامان بن عامر قال: كان فضالة بـ \"رودس\" أميرًا على الأرباع، فخرج بجنازتي [¬٣] رجلين؛ أحدهما قتيل، والآخر متوفى … فذكر نحو ما تقدم.\nوقوله: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ﴾، ذكر مقاتل بن حيان وابن جريج [¬٤]: أنها نزلت في سرية من الصحابة، لقوا جمعًا من المشركين في شهر محرم، فناشدهم [¬٥] المسلمون لئلا يقاتلوهم في الشهر الحرام، فأبى [¬٦] المشركون إلا قتالهم، وبغوا عليهم، فقاتلهم المسلمون، فنصرهم الله عليهم، ﴿إِنَّ [¬٧] اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾.\n﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيلِ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٦١) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٦٢)﴾\nيقول تعالى منبهًا على أنه الخالق المتصرف في خلقه بما يشاء، كما قال: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ (٢٦) تُولِجُ اللَّيلَ فِي النَّهَارِ …﴾ الآية. ومعنى إيلاجه الليل في النهار، والنهار في الليل: إدخاله من هذا في هذا، و[من] [¬٨] هذا في هذا، فتارة يطول الليل ويقصر النهار -كما في الشتاء- وتارة يطول النهار ويقصر الليل -كما في الصيف.\nوقوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾، أي: سميع بأقوال عباده، بصير بهم، لا يخفى\n_________\n(^١٦٦) تفسير الطبري (١٧/ ١٣٦).\n_________\n[¬١]- في ز: رواه.\n[¬٢]- في ز، خ: \"و\".\n[¬٣]- في خ: \"بجنازتين\".\n[¬٤]- في ز، خ: \"جرير\".\n[¬٥]- في ز: فناشدوهم.\n[¬٦]- مكررة في ز.\n[¬٧]- في ز: وإن.\n[¬٨]- سقط من خ.","vol":"10","page":91},{"text":"عليه منهم خافية في أحوالهم وحركاتهم وسكناتهم.\nولما بيَّن أنه المتصرف في الوجود، الحاكم الذي لا معقب لحكمه، قال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ﴾، أي: الإِله الحق، الذي [¬١] لا تنبغي العبادة إلا له؛ لأنه ذو [¬٢] السلطان العظيم، الذي ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، وكل شيء فقير إليه، ذليل لديه، ﴿وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾، أي: من الأصنام والأنداد والأوثان، وكل ما عبد من دونه تعالى فهو باطل؛ لأنه لا يملك ضرًّا ولا نفعًا.\nوقوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ كما قال: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ وقال: ﴿[] [¬٣] الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾، فكل شيء تحت قهره وسلطانه وعظمته، لا إله إلا هو، ولا رب سواه؛ لأنه العظيم الذي لا أعظم منه، العلي الذي لا أعلى منه، الكبير [¬٤] الذي لا أكبر منه، تعالى وتقدس وتنزه وعَزَّ وَجَلَّ عما يقول [¬٥] الظالمون علوًّا كبيرًا.\n﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (٦٣) لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٦٤) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إلا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٦٥) وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ (٦٦)﴾\nوهذا أيضًا من الدلالة على قدرته وعطم سلطانه، فإنه [¬٦] يرسل الرياح فتثير سحابًا، فيمطر على الأرض الجُرُز التي لا نبات فيها، وهي هامدة يابسة سوداء قحلة، ﴿فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾.\nوقوله: ﴿فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً﴾، الفاء هاهنا للتعقيب، وتعقيب كل شيء بحسبه، كما قال تعالى: ﴿[ثُمَّ خَلَقْنَا] [¬٧] النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا﴾\n_________\n[¬١]- سقط من ز، خ.\n[¬٢]- سقط من ز، خ.\n[¬٣]- في ز، خ: \"وهو\".\n[¬٤]- سقط من ز، خ.\n[¬٥]- في خ: \"يقوله\".\n[¬٦]- في ز: وإنه.\n[¬٧]- في ز، خ، من: \"فخلقنا\".","vol":"10","page":92},{"text":"الآية، وقد ثبت في الصحيحين: أن بين كل شيئين أربعين يومًا، ومع هذا هو معقب بالفاء، وهكذا هاهنا قال: ﴿فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً﴾، أي: خضراء بعد [يبسها ومحوله] [¬١].\nوقد ذكر عن بعض أرض [¬٢] الحجاز أنها تصبح عقب المطر خضراء [¬٣] فالله أعلم.\nوقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾، أي: عليم بما في أرجاء الأرض وأقطارها وأجزائها من الحب وإن صغر، لا يخفى عليه خافية، فيوصّل إلى كل منه قسطًا [¬٤] من الماء فينبته به، كما قال لقمان [لابنه] [¬٥]: ﴿يَابُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَال حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (١٦)﴾ [لقمان: ١٦]، وقال: ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ وقال تعالى: ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إلا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [] [¬٦] وقال: ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ …﴾ الآية، ولهذا قال أمية بن أبي الصلت -أو زيد لن عمرو بن نفيل- في قصيدته:\nوقُولا له من يُنْبِتُ الحبَّ في الثرى … فيصبِحُ منه البَقْلُ يهتزُّ رابيا\nويخرجُ منه حبَّه في رءوسه … ففي ذاك آياتٌ لمن كان واعيا\nوقوله: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾، أي: ملكه جميع الأشياء، وهو غني عما سواه، وكل شيء فقير إليه، وعبيد [¬٧] لديه.\nوقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ﴾، أي: من حيوان وجماد، وزروع وثمار، كما قال: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾، أي: من إحسانه وفضله وامتنانه، ﴿وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ﴾، أي [¬٨]: بتسخيره وتسييره [¬٩]، أي: في البحر العجاج، وتلاطم الأمواج، تجري الفلك بأهلها بريح طيبة، ورفق وتؤدة، فيحملون فيها ما شاءوا من تجائر وبضائع ومنافع، من بلد إلى بلد، وقطر إلى قطر، ويأتون بما عند أولئك إلى هؤلاء، كما ذهبوا بما عند هؤلاء إلى أولئك، مما يحتاجون إليه، ويطلبونه ويريدونه.\n_________\n[¬١]- في ز: \"يباسها وطولها\".\n[¬٢]- في خ: أهل.\n[¬٣]- في خ: \"خضرة\".\n[¬٤]- في خ: قسطه.\n[¬٥]- سقط كان ت، ز.\n[¬٦]- في خ: الآية.\n[¬٧]- في ت: \"عبد\".\n[¬٨]- سقط كان خ.\n[¬٩]- سقط كان خ.","vol":"10","page":93},{"text":"﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إلا بِإِذْنِهِ﴾، أي: لو شاء لأذن للسماء فسقطت على الأرض، فهلك من فيها، ولكن من لطفه ورحمته وقدرته، يمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه، ولهذا قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ أي: مع ظلمهم، كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ﴾.\nوقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ﴾ كقوله: ﴿كَيفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيهِ تُرْجَعُونَ﴾ وقوله: ﴿قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيبَ فِيهِ﴾، وقوله: ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَينِ وَأَحْيَيتَنَا اثْنَتَينِ﴾ ومعنى الكلام: كيف تجعلون [مع الله] [¬١] أندادًا وتعبدون معه غيره، وهو المستقل بالخلق والرزق والتصرف، ﴿وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ﴾، أي: خلقكم بعد أن لم تكونوا شيئًا يذكر فأوجدكم، ﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾، أي: يوم القيامة ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ﴾، أي: جحود.\n﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ فَلَا يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيمٍ (٦٧) وَإِنْ جَادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ (٦٨) اللَّهُ يَحْكُمُ بَينَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٦٩)﴾\nيخبر تعالى أنه جعل لكل قوم منسكًا.\nقال ابن جرير: يعني لكل أمة نبي منسكًا. قال: وأصل المنسك في كلام العرب هو الموضع الذي يعتاده الإِنسان ويتردد إليه، إما لخير أو شر. قال: ولهذا سميت مناسك الحج بذلك؛ لترداد الناس إليها وعكوفهم عليها.\nفإن كان كما قال من أن المراد: لكل أمة نبي جعلنا منسكًا، فيكون المراد بقوله: ﴿فَلَا يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ﴾، أي: هؤلاء المشركرن، وإن كان المراد: لكل أمة جعلنا منسكًا جعلًا قدريًّا، كما قال: ﴿وَلِكُلٍّ وجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾، ولهذا قال هاهنا: ﴿هُمْ نَاسِكُوهُ﴾، أي: فاعلوه فالضمير هاهنا عائد على هؤلاء الذين لهم مناسك وطرائق، أي: هؤلاء إنما يفعلون هذا عن قدر الله وإرادته، فلا تتأثر بمنازعتهم لك، ولا يصرفك ذلك عما\n_________\n[¬١]- في ت: \"لله\".","vol":"10","page":94},{"text":"أنت عليه من الحق، ولهذا قال: ﴿وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيمٍ﴾، أي: طريق واضح مستقيم موصل إلى المقصود.\nوهذه كقوله: ﴿وَلَا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيكَ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ﴾.\nوقوله: ﴿وَإِنْ جَادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾، كقوله: ﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾.\nوقوله: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ تهديد شديد، ووعيد أكيد، كقوله: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ كَفَى بِهِ شَهِيدًا بَينِي وَبَينَكُمْ﴾ ولهذا قال: [﴿اللَّهِ [¬١] يَحْكُمُ بَينَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٦٩)﴾. وهذه كفوله تعالى: ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَينَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَينَنَا وَبَينَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَينَنَا وَإِلَيهِ الْمَصِيرُ﴾.\n﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٧٠)﴾.\nيخبر تعالى عن كمال علمه بخلقه، وأنه محيط بما في السماوات وما في الأرض، فلا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر، وأنه تعالى علم الكائنات كلها قبل وجودها، وكتب ذلك في كتابه اللوح المحفوظ، كما ثبت في صحيح مسلم (^١٦٧)، عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله، ﷺ: \"إن الله قدر مقادير الخلائق قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء\".\nوفي السنن (^١٦٨) من حديث جماعة من الصحابة: أن رسول الله، ﷺ، قال: \"أول ما خلق الله القلم قال له: اكتب. قال: وما أكتب؟ قال: اكتب مما هو كائن. فجرى القلم بما هو كائن إلي يوم القيامة\".\n_________\n(^١٦٧) مسلم، كتاب القدر، باب: حجاج آدم موسى (٢٦٥٣) بلفظ: \"كتب الله مقادير الخلائق\".\n(^١٦٨) ورد من حديث عبادة بن الصامت: أخرجه أبو داود في كتاب السنة، باب: القدر (٤٧٠٠)، والترمذي في تفسير القرآن (٣٣١٩) وفي القدر (٢١٥٥). وقال الترمذي: \"هذا حديث حسن غريب\". ورواه البيهقي في الأسماء والصفات من حديث ابن عباس (ص ٣٧٨).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفين في ز: \"الله حكم بيني وبينكم ولهذا قال\".","vol":"10","page":95},{"text":"وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا ابن بكير، حدثني ابن لهيعة، حدثني عطاء بن دينار، حدثني سعيد بن جبير قال [¬١]: قال ابن عباس: خلق الله اللوح المحفوظ مسيرة مائة عام، وقال للقلم قبل أن يخلق الخلق وهو علي العرش ﵎: اكتب. فقال القلم: وما أكتب؟ قال: علمي في خلقي إلي يوم تقوم الساعة. فجرى القلم بما هو كائن في علم الله إلي يوم القيامة، فذلك قوله للنبي، ﷺ: ﴿[أَلَمْ تَعْلَمْ] [¬٢] أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾.\nوهذا من تمام علمه تعالى أنه علم الأشياء قبل كونها، وقدرها وكتبها أيضًا، فما العباد عاملون قد علمه تعالى قبل ذلك، علي الوجه الذي يفعلونه، فيعلم قبل الخلق أن هذا يطيع باختياره، وهذا يعصى باختياره، وكتب ذلك عنده، وأحاط بكل شيء علمًا، وهو سهل عليه يسير لديه، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾.\n﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَا لَيسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ (٧١) وَإِذَا تُتْلَى عَلَيهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيهِمْ آيَاتِنَا قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٧٢)﴾\nيقول تعالى مخبرًا عن المشركين فيما جهلوا وكفروا، وعبدوا من دون الله ﴿مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾، يعني: حجة وبرهانًا، كقوله: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾، ولهذا قال هاهنا: ﴿مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَا لَيسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾، أي: ولا علم لهم فيما اختلفوه وائتفكوه، وإنما هو أمر [¬٣] تلقوه عن آبائهم وأسلافهم، بلا دليل ولا حجة، وأصله مما سوّل لهم الشيطان وزينه لهم، ولهذا توعدهم تعالى بقوله: ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾، أي: من ناصر ينصرهم من الله، فيما يحل بهم من العذاب والنكال.\nثم قال: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ﴾، أي: وإذا ذكرت لهم آيات [¬٤] القرآن، والحجج والدلائل الواضحات على توحيد الله، وأنه لا إله إلا هو، وأن رسله الكرام حق\n_________\n[¬١]- سقط من ز، خ.\n[¬٢]- سقط من ز.\n[¬٣]- سقط من خ.\n[¬٤]- في خ: \"آي\".","vol":"10","page":96},{"text":"وصدق ﴿يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيهِمْ آيَاتِنَا﴾، أي: يكادون يبادرون الذين يحتجون عليهم بالدلائل الصحيحة [من القرآن] [¬١]، ويبسطون إليهم أيديهم وألسنتهم بالسوء ﴿قُلْ﴾، أي: يا محمد، لهؤلاء: ﴿أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، أي: النار وعذابها ونكالها أشد وأشق وأطم وأعظم مما تُخَوِّفون [¬٢] به أولياء الله المؤمنين في الدنيا، وعذاب [¬٣] الآخرة على صنيعكم هذا أعظم مما تنالون منهم، إن نلتم بزعمكم وإرادتكم.\nوقوله: ﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ أي: وبئس النار منزلًا ومقيلًا ومرجعًا وموئلًا ومقامًا، ﴿إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾.\n﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَو اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (٧٣) مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَويٌّ عَزِيزٌ (٧٤)﴾\nيقول تعالى منبهًا على حقارة الأصنام وسخافة عقول عابديها: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ﴾، أي: لما يعبده الجاهلون بالله الشركون به، ﴿فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾، أي: أنصتوا وتفهموا. ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَو اجْتَمَعُوا لَهُ﴾، أي: لو اجتمع جميع ما تعبدون من الأصنام والأنداد، علي أن يقدروا علي خلق ذباب واحد، ما قدروا علي ذلك. كما قال الإمام أحمد (^١٦٩):\nحدثنا أسود بن عامر، حدثنا شريك، عن عمارة بن القعقاع، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة -رفع الحديث- قال: \"ومن أظلم ممن خلق خلقًا [¬٤] كخلقي! فليخلقوا مثل خلقي ذرة أو ذبابة أو حبة\".\nوأخرجه صاحبا الصحيح (^١٧٠)، من طريق [¬٥] عمارة، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: \"قال الله ﷿: ومن أظلم ممن ذهب يخلق\n_________\n(^١٦٩) المسند (٢/ ٣٩١).\n(^١٧٠) صحيح البخاري، كتاب اللباس حديث (٥٩٥٣)، وصحيح مسلم، كتاب اللباس والزينة (٢١١١).\n_________\n[¬١]- في خ: \"بالقرآن\".\n[¬٢]- في ز: تحدثون.\n[¬٣]- في ز: عذاب.\n[¬٤]- سقط من خ.\n[¬٥]- في ز: طرق.","vol":"10","page":97},{"text":"كخلقي، فليخلقوا ذرة، فليخلقوا [¬١] شعيرة\".\nثم قال تعالى أيضًا: ﴿وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ﴾، أي: هم عاجزون عن خلق ذباب واحد، بل أبلغ من ذلك، عاجزون عن مقاومته والانتصار منه، لو سلبها شيئًا [¬٢] من الذي عليها من الطيب، ثم أرادت أن تستنفذه منه، لما قدرت على ذلك. هذا، والذباب من أضعف مخلوقات الله وأحقرها، ولهذا قال: [﴿ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾.\nقال] [¬٣] ابن عباس: الطالب: الصنم، والمطلوب: الذباب. واختاره ابن جرير، وهو ظاهر السياق. وقال السدي وغيره: ﴿الطَّالِبُ﴾: العابد، ﴿وَالْمَطْلُوبُ﴾: الصنم.\nثم قال: ﴿مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ أي: ما عرفوا قدر الله وعظمته حين عبدوا معه غيره، من هذه التي لا تقاوم الذباب لضعفها وعجزها، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَقَويٌّ عَزِيزٌ﴾، أي: هو القوي الذي بقدرته وقوته خلق كل شيء ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيهِ﴾ ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (١٢) إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ﴾، ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾.\nوقوله: ﴿عَزِيزٌ﴾ أي: عز كل شيء فقهره وغلبه، فلا يُمانَع ولا يُغالب؛ لعظمته وسلطانه، وهو الواحد القهار.\n﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٧٥) يَعْلَمُ مَا بَينَ أَيدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٧٦)﴾\nيخبر تعالى أنه يختار من الملائكة رسلًا فيما يشاء من شرعه وقدره، ومن الناس لا بلاغ رسالاته، ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾، أي: سميع لأقوال عباده، بصير بهم، عليم بمن يستحق ذلك منهم، كما قال: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيثُ يَجْعَلُ رِسَالتَهُ﴾.\nوقوله: ﴿يَعْلَمُ مَا بَينَ أَيدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾، أي: يعلم ما يفعل برسله فيما أرسلهم به، فلا يخفى عليه شيء من أمورهم، كما قال: ﴿عَالِمُ الْغَيبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيبِهِ أَحَدًا (٢٦) إلا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ إلى قوله: ﴿وَأَحْصَى كُلَّ شَيءٍ عَدَدًا﴾، فهو سبحانه رقيب عليهم، شهيد على ما يقال لهم، حافظ لهم، ناصر\n_________\n[¬١]- سقط من خ.\n[¬٢]- في ز: شيء.\n[¬٣]- سقط من ز، خ.","vol":"10","page":98},{"text":"لجنابهم، ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ الآية.\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧) وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾\nاختلف [¬١] الأئمة ﵏ في هذه السجدة الثانية من سورة الحج: هل هي مشروع السجود فيها أم لا؟ على قولين، وقد قدمنا عند الأولى حديث عقبة بن عامر، عن النبي، ﷺ: \"فضلت سورة الحج بسجدتين، فمن لم يسجدهما فلا يقرأهما\".\nوقوله: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾، أي: بأموالكم وألسنتكم وأنفسكم، كما قال تعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾.\nوقوله: ﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ﴾، أي: يا هذه الأمة، الله اصطفاكم واختاركم علي سائر الأمم، وفضلكم وشرفكم وخصكم بأكرم رسول، وأكمل شرع.\n﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾، أي: ما كلفكم ما لا تطيقون، وما ألزمكم [¬٢] بشيء فشق عليكم إلا جعل لكم فرجًا ومخرجًا، فالصلاة -التي هي أكبر أركان الإسلام بعد الشهادتين- تحب في الحضر أربعًا، وفي السفر تقصر إلي ثنتين، وفي الخوف يصليها بعض الأئمة ركعة، كما ورد به الحديث، وتصلى رجالًا وركبانا، مستقبلي القبلة وغير مستقبليها. وكذا في النافلة في السفر [إلى القبلة] [¬٣] وغيرها، والقيام فيها يسقط بعذر المرض، فيصليها المريض جالسًا، فإن لم يستطع فعلى جنبه، إلي غير ذلك من الرخص والتخفيفات، في سائر الفرائض والواجبات، ولهذا قال ﵇: \"بعثت\n_________\n[¬١]- في خ: اختلفت.\n[¬٢]- في خ: \"وما أكرمكم\".\n[¬٣]- في خ: \"في السلسلة\".","vol":"10","page":99},{"text":"بالحنيفية السمحة\" (^١٧١) وقال لمعاذ وأبي موسى حين بعثهما أميرين إلى اليمن: \"بشرا ولا تنفرا، ويسِّرا ولا تعسِّرا\" (^١٧٢) والأحاديث في هذا كثيرة، ولهذا قال ابن عباس في قوله: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾، يعني: من [¬١] ضيق.\nوقوله: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾، قال ابن جرير: نصب علي تقدير: ﴿مَا جَعَلَ عَلَيكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾، أي: من ضيق، بل وسَّعه عليكم كملة أبيكم إبراهيم. [قال: ويحتمل أنه منصوب علي تقدير: الزموا ملة أبيكم إبراهيم] [¬٢].\nقلت: وهذا المعنى في هذه الآية كقوله: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ الآية. وقوله: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا﴾، قال الإمام عبد الله بن المبارك: عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس في قوله: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ﴾ قال: الله ﷿ وكذا قال مجاهد وعطاء والضحاك والسدي ومقاتل بن حيان وقتادة.\nوقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ﴾، يعني: إبراهيم، وذلك لقوله: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَينِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾. قال ابن جرير: وهذا لا وجه له؛ لأنه من المعلوم أن إبراهيم لم يسم هذه الأمة في القرآن مسلمين، وقد قال الله تعالى: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا﴾. قال مجاهد: الله سماكم المسلمين من قبل في الكتب المتقدمة، وفي الذكر، ﴿وَفِي هَذَا﴾ يعني: القرآن. وكذا قال غيره.\nقلت [¬٣]: وهذا هو الصواب، لأنه تعالى قال: ﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ ثم حثهم وأغراهم علي ما جاء به الرسول، ﷺ، بأنه ملة أبيهم إبراهيم الخليل، ثم ذكر منته تعالى علي هذه الأمة بما نوَّه به من ذكرها، والثناء عليها في سالف الدهر وقديم الزمان، في كتب الأنبياء، يتلى علي الأحبار والرهبان،\n_________\n(^١٧١) رواه أحمد (٢٢٣٩١) (٥/ ٢٦٦)، من حديث علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة مرفوعًا في حديث طويل، وأخرجه الطبراني في الكبير (٨/ ٢٥٧ / رقم:٧٨٦٨) من نفس طريق أحمد، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٥/ ٢٧٩) وعزاه لأحمد والطبراني في الكبير وقال: \"وفيه علي بن يزيد الألهاني، وهو ضعيف\". وأخرجه ابن سعد في الطبقات (١/ ١٩٢) من حديث حبيب بن أبي ثابت مرفوعًا- وهو مرسل، وفي إسناده برد الحريري لا يعرف.\n(^١٧٢) رواه البخاري في صحيحه برقم (٣٠٣٨)، ومسلم في صحيحه برقم (١٧٣٢).\n_________\n[¬١]- سقط من خ.\n[¬٢]- سقط من ز، خ.\n[¬٣]- سقط من خ. وفي ز: بل.","vol":"10","page":100},{"text":"فقال: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ﴾، أي: من قبل هذا القرآن، ﴿وَفِي هَذَا﴾، وقد قال النسائي (^١٧٣) عند تفسير [¬١] هذه الآية:\nأنبأنا هشام بن عمار، حدثنا محمد بن شعيب، أنبأنا معاوية بن سلام، أن أخاه زيد بن سلام أخبره، عن أبي سلام أنه أخبره قال: أخبرني الحارث الأشعري، عن رسول الله ﷺ قال: \"من دعا بدعوى الجاهلية فإنه من جثي [¬٢] جهنم\". قال رجل: يا رسول الله، وإن صام وصلى؟ قال: \"نعم، وإن صام وصلى، فادعوا بدعوة الله التي سماكم بها: المسلمين، المؤمنين، عباد الله\".\nوقد قدمنا هذا الحديث بطوله عند تفسير قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ من سورة البقرة، ولهذا قال: ﴿لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا﴾، أي: إنما جعلناكم هكذا أمة وسطًا، عدولًا [¬٣]، خيارًا، مشهودًا بعدالتكم عند جميع الأمم، لتكونوا يوم القيامة ﴿شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ لأن جميع الأم معترفة يومئذ [بسيادتها وفضلها] [¬٤] علي كل أمة سواها، فلهذا تقبل شهادتهم عليهم يوم القيامة، في أن الرسل بلغتهم رسالة ربهم، والرسول يشهد علي هذه الأمة أنه بلغها ذلك. وقد تقدم الكلام علي هذا عند قوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيكُمْ شَهِيدًا﴾. وذكرنا حديث نوح وأمته بما أغنى عن إعادته.\nوقوله: ﴿فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾، أي: قابلوا هذه النعمة العظيمة بالقيام بشكرها، وأدوا حق الله عليكم في أداء ما افترض، وطاعة ما أوجب، وترك ما حرم، ومن أهم ذلك إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة: وهو الإحسان إلي خلق الله، بما أوجب للفقير على الغنى، من إخراج جزء نزر [¬٥] من ماله في السَّنَة للضعفاء والمحاويج، كما تقدم بيانه وتفصيله في آية الزكاة من سورة التوبة وقوله: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ﴾، أي: اعتضدوا بالله واستعينوا [واتكلوا] [¬٦] عليه وتأيدوا به ﴿هُوَ مَوْلَاكُمْ﴾، أي: حافظكم وناصركم، ومظفركم علي أعدائكم، ﴿فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾، [يعني: نعم [¬٧] الولي] [¬٨]، ونعم الناصر من الأعداء.\n_________\n(^١٧٣) سنن النسائي الكبرى برقم (١١٣٤٩).\n_________\n[¬١]- في خ: تفسيره.\n[¬٢]- في خ: جئى.\n[¬٣]- في ت: \"عدولًا\".\n[¬٤]- في خ: \"بسيادتهم وفضلهم\".\n[¬٥]- سقط من خ.\n[¬٦]- ما بين المعكوفين في خ: \"وتوكلوا\".\n[¬٧]- سقط من ز.\n[¬٨]- ما بين المعكوفين سقط من خ.","vol":"10","page":101},{"text":"قال وهيب بن الورد [¬١]: يقول الله تعالى: ابن آدم، اذكرني إذا غضبتَ أذكرك إذا غضبتُ، فلا أمحقك فيمن أمحق، وإذا ظُلمتَ فاصبر، وارض بنصرتي، فإن نصرتي لك خير من نصرتك لنفسك. رواه ابن أبي حاتم.\nوالله تعالى أعلم، وله الحمد والمنة، والثناء الحسن والنعمة، وأسأله التوفيق والعصمة، في سائر الأفعال والأقوال.\nهذا [¬٢] آخر تفسير سورة الحج، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبة وسلم وشرف وكرم، ورضي الله تعالى عن الصحابة والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين [] [¬٣].\n_________\n[¬١]- في ز: الزرد.\n[¬٢]- سقط من خ.\n[¬٣]- في ز: [وهو آخر الجزء الرابع يتلوه في الخامس إن شاء الله تعالى سورة المؤمنين، والحمد لله وحسبنا الله ونعم الوكيل].","vol":"10","page":102},{"text":"<span data-type='title' id=toc-131>سورة المؤمنون</span>\n﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْو مُعْرِضُونَ (٣) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (٤) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٧) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (٨) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (٩) أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١١)﴾\nقال الإمام أحمد (^١): حدثنا عبد الرزاق، أخبرني يونس بن سليم قال: أملي عَليَّ يونس بن يزيد الأيلي، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن عبد الرحمن بن عَبدٍ القاري قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: كان إذا نزل [¬١] علي رسول الله ﷺ الوحي، يسمع عند وجهه كدوي النحل، فمكثنا ساعة، فاستقبل القبلة ورفع يديه، فقال: \"اللهم زدنا ولا تنقصنا، وأكرمنا ولا تهنا، وأعطنا ولا تحرمنا، وآثرنا ولا تؤثر [علينا، وارض عنا] [¬٢] وأرضنا\" ثم قال: \"لقد أنزلت عليَّ عشر آيات، مَنْ أقامهن دخل الجنة\". ثم قرأ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ حتى ختم العشر.\nوكذا رواه [¬٣] الترمذي في تفسيره [¬٤]، والنسائي في الصلاة، من حديث عبد الرزاق به، وقال الترمذي [¬٥]: منكر، لا نعرف أحدًا رواه غير يونس بن سليم، ويونس لا نعرفه.\n_________\n(^١) - رواه أحمد حديث ٢٢٣ - (١/ ٣٤). ورواه الترمذي في كتاب التفسير من السنن حديث (٣٧٢١) من طريق عبد الرزاق، عن يونس بن سليم، عن الزهري، ثم رواه من طريق عبد الرزاق أيضًا، عن يونس بن سليم، عن يونس بن يزيد، عن الزهري ثم قال: هذا أصح من الحديث الأول، سمعت إسحاق بن منصور يقول: روى أحمد بن حنيل وعلي بن المديني وإسحاق بن إبراهيم، عن عبد الرزاق، عن يونس بن سليم، عن يونس بن يزيد، عن الزهري هذا الحديث، قال أبو عيسى: \"ومن سمع من عبد الرزاق=\n_________\n[¬١]- في ز: أنزل.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٣]- في خ: روى.\n[¬٤]- أي في كتاب التفسير من السنن.\n[¬٥]- لعل هذا سهو من الحافظ، وصوابه النسائي كما في السنن الكبرى (١/ ٤٥٠)، ولم نقف عليه من قول الترمذي في السنن.","vol":"10","page":103},{"text":"وقال النسائي في تفسيره (^٢): أنبأنا قتيبة بن سعيد، حدثنا جعفر، عن أبي عمران، عن يزيد بن بابَنُوس قال: قلنا لعائشة: يا أم المؤمنين! كيف كان خُلُق رسول الله ﷺ؟ قالت: كان خلق رسول الله ﷺ القرآن، فقرأت: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ حتى انتهت إلى ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ قالت: هكذا كان خلق رسول الله ﷺ.\n_________\n= قديما فإنهم إنما يذكرون فيه يونس بن يزيد، وبعضهم لا يذكر فيه \"عن يونس بن يزيد\" ومن ذكر فيه\" عن يونس بن يزيد\" فهو أصح، وكان عبد الرزاق ربما ذكر في هذا الحديث \"يونس بن يزيد\"، وربما لم يذكره، وإذا لم يذكر فيه يونس فهو مرسل\" ولم يقل غير هذا.\nورواه النسائي في الكبرى في كتاب الوتر، باب: رفع اليدين في الدعاء، حديث ١٤٣٩ - (١/ ٤٥٠).\nوقال أبو عبد الرحمن النسائي: هذا حديث منكر، لا نعلم أحدًا رواه غير يونس بن سليم ويونس بن سليم لا نعرفه، والله أعلم. ويونس بن سليم ذكره ابن حبان في الثقات (٩/ ٢٨٨). وذكره البخاري في التاريخ الكبير (٤/ ٢ / ٤١٣) وقال: قال أحمد بن حنبل: سألت عبد الرزاق عنه قال: كان خيرًا من عين بقة. فظننت أنه لا شيء.- و\"عين بقة\" هذا غلط، فاتت على مصححي الكتاب، وصحفها بعضهم إلى \"غير ثقة\"- وفي التاريخ الصغير (٢١٤): خير من برق -يعني عمرو بن برق- قال أحمد: فلما ذكر هذا عند ذاك علمت أن ذا ليس بشيء. وقال يحيى بن معين: ما أعرفه يروي عنه عبد الرزاق (الجرح ٩/ ٢٤٠). وقال النسائي: لا أعرفه (التهذيب ٣٢/ ٥٠٨ - ٥١٠). وقال العقيلي: لا يتابع على حديثه ولا يعرف إلا به.\nوالحديث رواه الحاكم (١/ ٥٣٥) بإسنادين أحدهما من طريق المسند وصححه، ووافقه الذهبي.\nورواه الحافظ المزي بإسناده إلى عبد الرزاق، وقال: أخرجاه -يعني الترمذي والنسائي- من حديث عبد الرزاق عنه، فوقع لنا بدلًا عاليًا، وذكر قول النسائي فيه.\nوأورده السيوطي في الدر المنثور (٥/ ٣) وزاد نسبته إلى عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن المنذر، والعقيلي، والبيهقي في الدلائل، والضياء في المختارة.\n(^٢) - حسن، والحديث رواه النسائي في كتاب التفسير من سننه الكبرى ١١٣٥٠ - (٦/ ٤١٢) ورواه البخاري في الأدب المفرد حديث ٣٠٨، وأبو الشيخ في أخلاق النبي ﷺ ٢٩، والحاكم في مستدركه (٢/ ٣٩٢) وصححه ووافقه الذهبي، والبيهقي في الدلائل (٢/ ٣٠٩). جميعهم من حديث جعفر بن سليمان عن أبي عمران به. وزاد السيوطي في الدر (٥/ ٣) نسبته إلى ابن المنذر.\nوهذا إسناد حسن من أجل يزيد بن بابنوس، قال البخاري: كان من الذين قاتلوا عليًّا. وقال ابن عدي: أحاديثه مشاهير. وقال الدارقطني: لا بأس به. وذكره ابن حبان في الثقات. وقال أبو حاتم: مجهول. وقال أبو داود: كان شيعيًّا. وفي التقريب: مقبول.\nوشطره الأول صحيح، رواه مسلم في صحيحه في حديث طويل، وأبو داود حديث ١٣٤٢، والنسائي في الصغرى حديث ١٦٠١، وابن ماجه في كتاب الأحكام، حديث ٢٣٣٣، والدارمي في سننه (١/ ٣٤٥)، وأحمد (٦/ ٥٤، ٩١، ١١١، ١٦٣، ١٨٨، ٢١٦).","vol":"10","page":104},{"text":"وقد رُوي عن كعب الأحبار، ومجاهد، وأبي العالية، وغيرهم: لما خلق الله جنة عدن، وغرسها بيده، نظر إليها، وقال لها: تكلمي. فقالت: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾. قال كعب الأحبار: لِما أعد لهم من الكرامة فيها. وقال أبو العالية: فأنزل الله ذلك في كتابه.\nوقد رُوي ذلك عن أبي سعيد الخدري مرفوعًا، فقال أبو بكر البزار (^٣): حدثنا محمَّد بن المثنى، حدثنا [أبو] [¬١] المغيرة بن سلمة، حدثنا وهيب، عن الجريري، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد قال: خلق الله الجنة لبنة من ذهب، ولبنة من فضة، وغرسها، وقال لها تكلمي: فقالت: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾، فدخلتها الملائكة فقالت: طوبى لك، منزلَ الملوك!.\nثم قال (^٤): وحدثنا بشر بن آدم، وحدثنا يونس بن عبيد الله العمري [¬٢]، حدثنا عدي بن الفضل، حدثنا الجريري، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد، عن النبي ﷺ قال: \"خلق الله الجنة لبنة من ذهب، ولبنة من فضة، وملاطها [¬٣] المسك\". قال أبو بكر البزار [¬٤]: ورأيت في موضع آخر في هذا الحديث: \"حائط الجنة لبنة ذهب، ولبنة\n_________\n(^٣) - الحديث في مختصر زوائد البزار حديث ٢٢٥٣ - (٢/ ٤٨٠). وإسناده هكذا: حدثنا محمَّد بن المثنى، ثنا الحجاج بن المنهال، ثنا حماد بن سلمة، عن الجريري، عن أبي نصرة، عن أبي سعيد ﵁ فذكره. وأورده في كشف الأستار حديث ٣٥٠٥. وذكره في مجمع الزوائد (١٠/ ٣٩٧) وقال: رواه البزار مرفوعًا وموقوفًا، والطبراني في الأوسط إلا أنه قال: عن النبي ﷺ قال: \"إن الله خلق جنة عدن بيده لبنة من ذهب، ولبنة من فضة\" والباقي بنحوه. ورجال الموقوف رجال الصحيح، وأبو سعيد لا يقول هذا إلا بتوقف.\n(^٤) - إسناده ضعيف - وهو في مختصر زوائد البزار حديث ٢٢٥٤ - (٢/ ٤٨٠). وكشف الأستار حديث ٣٥٠٨.\nورواه الطبراني في الأوسط من حديث عثمان بن عمر الضبي، عن أبي عمر الضرير، عن عدي به [حديث ٣٧٠١ - (٤/ ٩٩)] وهو في مجمع البحرين حديث ٤٨٦٠. وقال: لم يرو هذا الحديث عن الجريري إلا عدي بن الفضل.\nوعدي بن الفضل: رُوي عن يحيى بن معين أنه قال: ضعيف، وقال مرة: ليس بشيء. وفي موضع آخر: سئل يحيى بن معين: يكتب حديثه؛ فقال: لا، ولا كرامة. وعنه: ليس بثقة. وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عنه فقال: متروك الحديث، وترك أبو زرعة حديثه. وقال أبو داود: ضعيف. وقال في موضع آخر: لا يكتب حديثه. وقال النسائي: ليس بثقة.\n_________\n[¬١]- زيادة من ز.\n[¬٢]- في ز، وخ: \"العبير\". وفي تهذيب الكمال: العميري.\n[¬٣]- في خ: \"بلاطها\".\n[¬٤]- سقط من خ","vol":"10","page":105},{"text":"فضة، وملاطها المسك، فقال لها: تكلمي. فقالت: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾. فقالت الملائكة: طوبى لك، منزل الملوك\".\nثم قال البزار: لا نعلم أحدًا رفعه إلا علي بن فضل، وليس هو بالحافظ، وهو شيخ متقدم الموت.\nوقال الحافظ أبو القاسم الطبراني (^٥): حدثنا أحمد بن علي حدثنا هشام بن خالد، حدثنا بقية، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس قال: قال النبي ﷺ: \"لما خلق الله جنة عدن، خلق فيها ما لا عين رأت، [ولا أذن سمعت] [¬١]، ولا خطر على قلب بشر، ثم قال لها: تكلمي. فقالت: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ \".\nبقية: -عن الحجازيين- ضعيف.\nوقال الطبراني (^٦): حدثنا محمَّد بن عثمان بن أبي شيبة، حدثنا منجاب بن الحارث، حدثنا حماد بن عيسى العبسي، عن إسماعيل السدي، عن أبي صالح، عن ابن عباس يرفعه: \"لما خلق الله جنة عدن بيده، ودلّى فيها ثمارها، وشق فيها أنهارها، ثم نظر إليها فقال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ قال: وعزتي وجلالي لا يجاورني فيك بخيل\".\nوقال أبو بكر بن أبي الدنيا (^٧): حدثنا محمَّد بن المثنى البزار، حدثنا محمَّد بن زياد الكلبي، حدثنا يعيش بن حسين، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"خلق الله جنة عدن بيده، لبنة من دُرّة بيضاء، ولبنة من ياقوتة حمراء، ولبنة من زَبَرجَدَة خضراء، ملاطها المسك، وحصباؤها اللؤلؤ، وحشيشها الزعفران، ثم قال لها: انطقي. قالت: ﴿قَدْ أَفْلَحَ\n_________\n(^٥) - رواه الطبراني في الكبير حديث ١١٤٣٩ - (١١/ ١٨٤)، وفي الأوسط حديث ٧٣٨ - (١/ ٢٢٤). وقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن ابن جريج؛ إلا بقية، تفرد به هشام بن خالد. وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٣٩٧ - ٣٩٨) وقال: رواه الطبراني في الأوسط والكبير، وأحد إسنادي الطبراني في الأوسط جيد.\n(^٦) - إسناده ضعيف من أجل أبي صالح، واسمه باذام، ويقال: باذان، مولى أم هانئ بنت أبي طالب، قال النسائي: ليس بثقة. وقال أبو أحمد بن عدي: عامة ما يرويه تفسير، روى ابن أبي خالد عنه تفسيرًا كبيرا، في ذلك التفسير ما لم يتابعه أهل التفسير عليه، ولم أعلم أحدًا من المتقدمين رضيه، والحديث رواه الطبراني في الأوسط ٥٥١٨ - (٥/ ٣٤٩). وقال: لم يرو هذا الحديث عن السدي إلا حماد بن عيسى، تفرد به منجاب.\n(^٧) - صفة الجنة لابن أبي الدنيا رقم (٢٠) ومحمد بن زياد الكلبي: ويعيش بن حسين.\n_________\n[¬١]- ما بين المكوفتين سقط من: خ.","vol":"10","page":106},{"text":"الْمُؤْمِنُونَ﴾، فقال الله: وعزتي وجلالي، لا يجاورني فيك بخيل\". ثم تلا رسول الله ﷺ: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾.\nفقوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾، أي: قد فازوا وسعدوا، وحصلوا على الفلاح، وهم المؤمنون المتصفون بهذه الأوصاف.\n﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿خَاشِعُونَ﴾: خائفون، ساكنون. وكذا رُوي عن مجاهد، والحسن، وقتادة، والزهرى. وعن علي بن أبي طالب ﵁: الخشوع: خضوع القلب. وكذا قال إبراهيم النخعي. وقال الحسن البصري: كان خشوعهم في قلوبهم، فغضوا بذلك أبصارهم، وخفضوا الجناح.\nوقال محمَّد بن سيرين: كان أصحاب رسول الله ﷺ يرفعون أبصارهم إلى السماء في الصلاة، فلما نزلت هذه الآية: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ خفضوا أبصارهم إلى موضع سجودهم.\nقال ابن سيرين: وكانوا يقولون: لا يجاوز بصره مصلاه، فإن كان قد اعتاد النظر فليغمض. رواه ابن جرير وابن أبي حاتم.\nثم روى ابن جرير عنه وعن عطاء بن أبي رباح أيضًا مرسلًا: أن رسول الله ﷺ كان يفعل ذلك، حتى نزلت هذه الآية.\nوالخشوع في الصلاة إنما يحصل لمن فرَّغ قلبَه لها، واشتغل بها عما عداها، وآثرها على غيرها، وحينئذ تكون راحة له وقرة عين، كما قال النبي ﷺ في الحديث الذي رواه الإمام أحمد والنسائي، عن أنس، عن رسول الله ﷺ أنه قال: \"حُبب إليَّ الطيب والنساء وجعلت قرة عيني في الصلاة\" (^٨).\nوقال الإمام أحمد (^٩): حدثنا وكيع، حدثنا مسعر، عن عمرو بن مرة، عن سالم بن أبي الجعد، [عن رجل من أسلم، أن رسول الله ﷺ قال: \"يا بلال، أرحنا بالصلاة] [¬١] \".\n_________\n(^٨) - رواه النسائي (٧/ ٦١) (٣٩٣٩، ٣٩٤٠). ورواه أحمد (١٢٣١٤).\n(^٩) - رواه أحمد حديث ٢٣١٩٤ - (٥/ ٣٦٤). ورواه أبو داود في كتاب الأدب، باب: في صلاة العتمة حديث ٤٩٨٥ - (٤/ ٢٩٨) من طريق مسدد، عن عيسى بن يونس، عن مسعر بن كدام به.\n_________\n[¬١]- ما بين المكوفتين سقط من: خ.","vol":"10","page":107},{"text":"[وقال الإمام أحمد أيضًا (^١٠): ثنا عبد الرحمن بن مهدي، ثنا إسرائيل، عن عثمان بن المغيرة، عن سالم بن أبي الجعد] [¬١]، أن [عبد الله بن محمَّد بن الحنفية] [¬٢] قال: دخلت مع أبي على صهر لنا من الأنصار، فحضرت الصلاة، فقال: يا جارية، ائتني بوضوء لعلي أصلي فأستريح. فرآنا أنكرنا عليه ذلك، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"قم يا بلال، فأرحنا بالصلاة\".\nوقوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْو مُعْرِضُونَ﴾، أي: عن الباطل، وهو يشمل الشرك -كما قاله بعضهم-والمعاصي [¬٣]-كما قاله آخرون- وما لا فائدة فيه من الأقوال والأفعال، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْو مَرُّوا كِرَامًا﴾ قال قتادة: أتاهم والله من أمر الله ما وقذهم [¬٤] عن ذلك.\nوقوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ﴾ الأكثرون على أن المراد بالزكاة ها هنا زكاة الأموال، مع أن هذه الآية [¬٥] مكية، وإنما فرضت الزكاة بالمدينة، في سنة اثنتين من الهجرة، والظاهر أن التي فرضت بالمدينة إنما هي ذات النصب والمقادير الخاصة، وإلا فالظاهر أن أصل الزكاة كان واجبًا بمكة، كما قال تعالى في سورة الأنعام وهي مكية: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾.\nوقد يحتمل أن يكون المراد بالزكاة ها هنا زكاة النفس من الشرك والدنس، كقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ وكقوله: ﴿وَوَيلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ على أحد القولين في تفسيرها.\nوقد يحتمل أن يكون كلا الأمرين مرادًا، وهو زكاة النفوس وزكاة الأموال، فإنه من جملة زكاة النفوس، والمؤمن الكامل هو الذي يتعاطى هذا وهذا، والله أعلم.\nوقوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾، أي: والذين قد حفظوا فروجهم من الحرام، فلا يقعون فيما نهاهم الله عنه من زنا أو لواط، ولا يقربون سوى أزواجهم\n_________\n(^١٠) - الحديث في المسند برقم ٢٣٢٦٠ - (٥/ ٣٧١). ورواه أبو داود في كتاب الأدب، باب: صلاة العتمة، حديث ٤٩٨٦ - (٤/ ٢٩٨). من طريق محمَّد بن كثير، عن إسرائيل به.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٢]- في الأصول التي بين أيدينا \"محمَّد بن الحنفية\" والمثبت من المسند وسنن أبي داود.\n[¬٣]- في خ: \"والعاصي\".\n[¬٤]- في خ: \"ما فدهم\".\n[¬٥]- سقط من: خ.","vol":"10","page":108},{"text":"التي أحلها الله لهم، وما ملكت أيمانهم من السراري، ومن تعاطى ما أحله الله له فلا لوم عليه ولا حرج، ولهذا قال: ﴿فَإِنَّهُمْ غَيرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ﴾ أي: غير الأزواج والإِماء ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾، أي: المعتدون.\nوقال ابن جرير (^١١): حدثنا محمَّد بن بشار، حدثنا عبد الأعلى، حدثنا سعيد، عن قتادة -أن امرأة اتخذت مملوكها [¬١]، وقالت: تأولت آية من كتاب الله: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيمَانُهُمْ﴾ فأتى بها عمر بن الخطاب ﵁ فقال له ناس من أصحاب النبي ﷺ: تأولتْ آية من كتاب الله ﷿ على غير وجهها. قال: فغرب العبد وجز رأسه، وقال: أنتِ بعده حرام على كل مسلم.\nهذا أثر غريب منقطع، ذكره ابن جرير في أول تفسير سورة المائدة، وهو ها هنا أليق، وإنما حرمها على الرجال معاملة لها بنقيض قصدها، والله أعلم.\nوقد استدل الإِمام الشافعي ﵀ ومن وافقه على تحريم الاستمناء باليد بهذه الآية الكريمة: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيمَانُهُمْ﴾، قال: فهذا الصنيع خارج عن هذين القسمين، وقد قال الله تعالى: ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾.\nوقد استأنسوا بحديث رواه الإمام الحسن بن عرفة في جزئه المشهور (^١٢) حيث قال: حدثني علي بن ثابت الجزري، عن مسلمة بن جعفر، عن حسان بن حميد، عن أنس بن مالك، عن النبي ﷺ قال: \"سبعة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة، ولا يزكيهم، ولا يجمعهم مع العاملين [¬٢]، ويدخلهم النار أول الداخلين، [إلا أن يتوبوا] [¬٣]، فمن تاب، تاب الله عليه: ناكح يده، والفاعل والمفعول به، ومدمن الخمر، والضارب والديه حتى يستغيثا، والمؤذي جيرانه حتى يلعنوه، والناكح حليلة جاره\". هذا حديث غريب، وإسناده فيه من لا يعرف لجهالته، والله أعلم.\nوقوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾، أي: إذا ائتمنوا لم يخونوا، بل يؤدونها إلى أهلها، وإذا عاهدوا أو عاقدوا أوفوا بذلك، لا كصفات المنافقين، الذين قال\n_________\n(^١١) - تفسير الطبري حديث ١١٢٧٧ - (٩/ ٥٨٦).\n(^١٢) - إسناده ضعيف، علته مسلمة هذا، قال الذهبي: مسلمة بن جعفر، عن حسان بن حميد، عن أنس في سب الناكح يده، يجهل هو وشيخه، وقال الأزدي: ضعيف.\n_________\n[¬١]- اتخذت مملوكها: أي أمكنته من نفسها، وتسرت به كأنه زوج لها.\n[¬٢]- في [خ]: \"العالمين\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين مكرر في [خ].","vol":"10","page":109},{"text":"فيهم النبي ﷺ: \"آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان\" (^١٣).\nوقوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾، أي: يواظبون عليها في مواقيتها، كما قال ابن مسعود: سألت رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله، أي العمل أحب إلى الله؟ قال: \"الصلاة على وقتها\". قلت: ثم أي؟ قال: \"بر الوالدين\". قلت: ثم أي؟ قال: \"الجهاد في سبيل الله\".\nأخرجاه في الصحيحين (^١٤). وفي مستدرك الحاكم قال: \"الصلاة في أول وقتها\" (^١٥).\nوقال ابن مسعود ومسروق في قوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ يعني: مواقيت الصلاة، وكذا قال أبو الضحى، وعلقمة بن قيس، وسعيد بن جبير، وعكرمة. وقال قتادة: على مواقيتها وركوعها وسجودها.\nوقد افتتح الله ذكر هذه الصفات الحميدة بالصلاة، واختتمها بالصلاة، فدل على أفضليتها، كما قال رسول الله ﷺ: \"استقيموا ولن تحصوا، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة، ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن\" (^١٦).\nولما وصفهم تعالى بالقيام بهذه الصفات الحميدة، والفعال الرشيدة، قال: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.\nوثبت في الصحيحين (^١٧) أن رسول الله ﷺ قال: \"إذا سألتم الله الجنة\n_________\n(^١٣) - رواه البخاري في الإيمان (٣٣)، ومسلم في الإيمان (٥٩).\n(^١٤) صحيح البخاري كتاب الأدب (٥٩٧٠)، وصحيح مسلم، كتاب الإيمان (٨٥).\n(^١٥) المستدرك (١/ ١٨٨) وقال الحاكم: \"فقد صحت هذه اللفظة باتفاق الثقتين بندار -محمَّد بن بشار- والحسن بن مكرم على روايتهما عن عثمان بن عمرو، وهو صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه\".\n(^١٦) ورد من حديث ثوبان: رواه أحمد (٢٤٢٧٩) (٥/ ٢٧٦ - ٢٧٧) وابن ماجه في كتاب الطهارة وسننها، باب: المحافظة على الوضوء (٢٧٧). من طريق سفيان، عن منصور، عن سالم بن أبي الجعد، عنه به. وقال البوصيري: رجال إسناده ثقات أثبات؛ إلا أن فيه انقطاعًا بين سالم وثوبان، فإنه لم يسمع من بلا خلاف، ولكن أخرجه الدارمي، وابن حبان في صحيحه س طريق ثوبان متصلًا.\nومن حديث عبد الله بن عمرو بن العاص: رواه ابن ماجه في كتاب الطهارة حديث (٢٧٨) من طريق\nالمعتمر، عن ليث، عن مجاهد عنه، به، وإسناده ضعيف لأجل ليث. بن أبي سليم.\nومن حديث أبي أمامة: رواه ابن ماجه في كتاب الطهارة وسننها (٢٧٩) من طريق إسحاق بن أسيد عن أبي حفص الدمشقي عنه به، وضعفه البوصيري في الزوائد.\n(^١٧) البخاري في كتاب الجهاد والسير (٢٧٩٠)، وفي التوحيد (٧٤٢٣) عن أبي هريرة، ولم يعزه صاحب التحفة إلى غير البخاري.","vol":"10","page":110},{"text":"فاسألوه الفردوس، فإنه أعلى الجنة، وأوسط الجنة، ومنه تَفَجَّر أنهار الجنة، وفوقه عرش الرحمن.\nوقال ابن أبي حاتم (^١٨): حدثنا أحمد بين سنان، حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: [\"ما منكم] [¬١] من أحد إلا وله فزلان: منزل في الجنة ومنزل في النار، فإن مات فدخل النار ورث أهل الجنة منزله، فذلك قوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ﴾ \".\nوقال ابن جريج: عن ليث، عن مجاهد: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ﴾ قال: ما من عبد إلا وله منزلان: منزل في الجنة، ومنزل في النار، فأما المؤمن فيبنى بيته الذي في الجنة، ويهدم بيته الذي في النار، وأما الكافر فيهدم بيته الذي في الجنة، ويبنى بيته الذي في النار. ورُوي عن سعيد بن جبير نحو ذلك.\nفالمؤمنون يرثون منازل الكفار؛ لأنهم خلقوا لعبادة الله تعالى، فلما قام هؤلاء المؤمنون بما وجب عليهم من العبادة، وترك أولئك ما أمروا به مما خلقوا له، أحرز هؤلاء نصيب أولئك لو كانوا أطاعوا ربهم ﷿، بل أبلغ من هذا أيضًا، وهو ما ثبت في صحيح مسلم (^١٩)، عن أبي بردة بن أبي موسى [عن أبيه] [¬٢]، عن النبي ﷺ قال: \"يجيء يوم القيامة ناس من المسلمين بذنوب أمثال الجبال، فيغفرها الله لهم، ويضعها على اليهود والنصارى\". وفي لفظ له: قال رسول الله ﷺ: \"إذا كان يوم القيامة دفع الله لكل مسلم يهوديًّا أو نصرانيًّا، فيقول [¬٣]: هذا فكاكك من النار\". فاستحلف عمر بن عبد العزيز أبا بردة بالله الذي لا إله إلا هو -ثلاث مرات- أن أباه حدثه عن رسول الله ﷺ، قال: فحلف له.\nقلت: هذه الآية كقوله تعالى: ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا﴾.\nوكقوله: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ وقد قال مجاهد وسعيد بن جبير: الجنة بالرومية: هي [¬٤] الفردوس. وقال بعض السلف: لا يسمى البستانُ فردوسًا إلا إذا كان فيه عنب، فالله أعلم.\n_________\n(^١٨) ورواه ابن ماجه في كتاب الزهد، باب: صفة الجنة (٤٣٤١) عن أبي بكر بن أبي شيبة وأحمد بن سنان، كلاهما عن أبي معاوية، به. وقال البروصيري في الزوائد (٣/ ٣٢٧): \"هذا إسناد صحيح على شرط الشيخين\".\n(^١٩) صحيح مسلم في كتاب التوبة حديث (٢٧٦٧).\n_________\n[¬١]- سقط من: [خ].\n[¬٢]- مكررة في خ.\n[¬٣]- في ت: \"فيقال\".\n[¬٤]- سقط من: ت.","vol":"10","page":111},{"text":"﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (١٤) ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ (١٦)﴾\nيقول تعالى مخبرًا عن ابتداء خلق الإِنسان من سلالة من طين، وهو آدم ﵇، خلقه الله من صلصال من حمإ مسنون.\nوقال الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن أبي يحيى، عن ابن عباس: ﴿مِنْ سُلَالةٍ مِنْ طِينٍ﴾. قال: صفوة الماء. وقال مجاهد: ﴿مِنْ سُلَالةٍ﴾ أي: من مني آدم. وقال ابن جرير: إنما سمي آدم طينًا لأنه مخلوق منه. وقال قتادة: استل آدم من الطين. وهذا أظهر في المعنى، وأقرب إلى السياق، فإن آدم ﵇ - خلق من طين لازب، وهو الصلصال من الحمإ المسنون، وذلك مخلوق من التراب، كما قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾.\nوقال الإمام أحمد (^٢٠): حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا عوف، حدثنا قسامة بن زهير، عن أبي موسى، عن النبي ﷺ قال: \"إن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قدر الأرض، جاء منهم الأحمر والأسود والأبيض، وبين ذلك، والخبيث والطيب، وبين ذلك\". وقد رواه أبو داود والترمذي من طرق عن عوف الأعرابي به نحوه، وقال الترمذي: حسن صحيح.\n_________\n(^٢٠) المسند (٤/ ٤٠٠) (١٩٦٣٦) أخرجه أبو داود في كتاب السنة، باب: في القدر، حديث (٤٦٩٣) (٤/ ٢٢٢). والترمذي في كتاب تفسير القرآن، باب: ومن سورة البقرة، حديث (٢٩٥٥) (٥/ ١٨٧ - ١٨٨). وعبد بن حميد (٥٤٩). وابن سعد في الطبقات (١/ ٢٣). وابن خزيمة في التوحيد ص (٦٤). والحاكم (٢/ ٢٦١ - ٢٦٢). والطبري (١/ ٢١٤) عند تفسير قوله تعالى: ﴿وعلم آدم الأسماء كلها …﴾ من سورة البقرة. وابن حبان في صحيح في كتاب التاريخ، باب: بدئ الخلق (٦١٦٠) (١٤/ ٢٩). وأبو نعيم في الحلية (٨/ ١٣٥). كلهم من طريق عوف، عن قسامة بن زهير، عن أبي موسى ﵁ … فذكره. قال الترمذي: حديث حسن صحيح. وقال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. وصححه الألباني في الصحيحة برقم (١٦٣٠). وزاد نسبته إلى ابن عساكر (٢/ ٣٠٧ / ٢). والبيهقي في الأسماء والصفات (٣٢٧، ٣٨٥).","vol":"10","page":112},{"text":"﴿ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً﴾ هذا الضمير عائد على جنس الإِنسان، كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ (٧) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾، أي: ضعيف، كما قال: ﴿أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (٢٠) فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ﴾ يعني: الرحم معد لذلك مهيأ له، ﴿إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢٢) فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ﴾، أي: مدة معلومة وأجل معين، حتى استحكم، وتنقل من حال إلى حال، وصفة إن صفة، ولهذا قال ها هنا: ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً﴾، أي: ثم [¬١] صيرنا النطفة، وهي الماء الدافق الذي يخرج من صلب الرجل، وهو ظهره -وترائب المرأة- وهي عظام صدرها ما بين الترقوة إلى الثندوة فصارت علقة حمراء على شكل العلقة، مستطيلة. قال عكرمة: وهي دم ﴿فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً﴾، وهي قطعة كالبضعة من اللحم، لا شكل فيها ولا تخطيط، ﴿فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا﴾، يعني: شكلناها ذات رأس ويدين ورجلين، بعظامها وعصبها وعروقها.\nوقرأ آخرون: ﴿فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا﴾ قال ابن عباس: وهو عظم الصلب.\nوفي الصحيح (^٢١) من حديث أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"كل جسد ابن آدم يبلى إلا عَجْبُ الذنب، منه خلق، ومنه [¬٢] يركب\". ﴿فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا﴾ أي: وجعلنا على ذلك ما يستره ويشده ويقويه ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾، [أي: ثم نفخنا فيه الروح، فتحرك وصار خلقا آخر] [¬٣]، ذا سمع وبصر وإدراك وحركة واضطراب ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا جعفر بن مسافر، حدثنا يحيى بن حسان، حدثنا النضر -يعني ابن كثير مولى بني هاشم- حدثنا زيد بن علي، عن أبيه، عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: إذا تمت النطفة [¬٤] أربعة أشهر، بُعث [¬٥] إليها ملك [¬٦] فنفخ فيها الروح في الظلمات الثلاث، فذلك قوله: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾، يعني: [نفخنا فيه] [¬٧] الروح. وروي عن أبي سعيد الخدري أنه [نفخ] [¬٨] الروح.\n_________\n(^٢١) صحيح البخاري، كتاب تفسير القرآن برقم (٤٨١٤، ٤٩٣٥)، وصحيح مسلم، كتاب الفتن وأشراط الساعة حديث (٢٩٥٥) من حدث أبي هريرة ﵁.\n_________\n[¬١]- سقط من: [خ].\n[¬٢]- في خ: \"وفيه\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٤]- في ت: للنطفة.\n[¬٥]- في ت: بعث الله.\n[¬٦]- في ت: ملكًا.\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"به\".\n[¬٨]- سقط من ز.","vol":"10","page":113},{"text":"[قال ابن عباس: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾، يعني به الروح] [¬١]. وكذا قال مجاهد، وعكرمة، والشعبي، والحسن، وأبو العالية، والضحاك، والربيع بن أنس، والسدي، وابن زيد، واختاره ابن جرير. وقال العوفي: عن ابن عباس: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾، يعني: ننقله [¬٢] من حال إلى حال، إلى أن خرج طفلًا، ثم نشأ صغيرًا ثم احتلم، ثم صار شابًّا، ثم كهلا، ثم شيخا [¬٣] هرمًا. وعن قتادة والضحاك نحو ذلك، ولا منافاة، فإنه من ابتداء نفخ الروح شرع في هذه التنقلات والأحوال، والله أعلم.\nقال الإِمام أحمد في مسنده (^٢٢): حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن زيد بن وهب، عن عبد الله -هو ابن مسعود قال: حدثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق: \"إن أحدكم ليجمع خلقه [¬٤] في بطن أمه في أربعين يومًا، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل إليه الملك، فينفخ فيه الروح، ويؤمر بأربع كلمات: رزقه، وأجله، وعمله، وهل هو شقي أو سعيد. فوالذي لا إله غيره، إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيختم له بعمل أهل النار فيدخلها، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيختم له بعمل أهل الجنة فيدخلها\".\nأخرجاه من حديث سليمان بن مهران الأعمش.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا أبو مغاوية، عن الأعمش، عن خيثمة قال: قال عبد الله -يعني ابن مسعود-: إن النطفة إذا وقعت في الرحم، طارت في كل شعر وظفر، فتمكث أربعين يوما، ثم تتحدر [¬٥] في الرحم فتكون علقة.\nوقال الإمام أحمد أيضًا (^٢٣): حدثنا حسين بن الحسن، حدثنا أبو كُدَينة، عن عطاء بن السائب، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن عبد الله قال: مر يهودي برسول الله ﷺ وهو يحدث أصحابه، فقالت قريش [¬٦]: يا يهودي! إن هذا يزعم أنه نبي. فقال: لأسألنه عن شيء لا يعلمه إلا نبي. قال: فجاءه حتى جلس، فقال: يا محمَّد! مم يخلق الإنسان؟ فقال: \"يا يهودي! من كل يُخْلَقُ، من نطفة الرجل ومن\n_________\n(^٢٢) تفسير الطبري (٨/ ٨١).\n(^٢٣) المسند (١/ ٣٨٢)، وصحيح البخاري، كتاب القدر حديث (٦٥٩٤)، وصحيح مسلم، كتاب القدر (٢٦٤٣).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٢]- في ز: ينقله.\n[¬٣]- بعده في ت: \"ثم\".\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- في [خ]: \"تتحد\".\n[¬٦]- سقط من: ز، خ.","vol":"10","page":114},{"text":"نطفة المرأة، فأما نطفة الرجل فنطفة غليظة منها العظم والعصب، وأما نطفة المرأة فنطفة رقيقة منها اللحم والدم\". [فقام اليهودي فقال: هكذا كان يقول من قبلك] [¬١].\nوقال الإمام أحمد (^٢٤): حدثنا سفيان، عن عمرو، عن أبي الطفيل، عن حذيفة بن أسيد الغفاري قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"يدخل الملك على النطفة بعد ما تستقر في الرحم بأربعين ليلة، فيقول: يا رب! ماذا؟ أشقي أم سعيد؟ أذكر أم أنثى؟ فيقول اللَّه، [فيكتبان، فيقولان: ماذا؟ أذكر أم أنثى؟ فيقول اللَّه ﷿] [¬٢]، فيكتبان، ويكتب عمله وأثره، ومصيبته ورزقه، ثم تطوى الصحيفة فلا يزاد على ما فيها ولا ينقص\".\nوقد رواه مسلم في صحيحه (^٢٥) من حديث سفيان بن عيينة، عن عمرو -وهو ابن دينار- به نحوه، ومن طرق أخرى، عن أبي الطفيل عامر بن واثلة، عن حذيفة بن أسيد أبي سريحة الغفاري بنحوه، واللَّه أعلم.\nوقال الحافظ أبو بكر البزار (^٢٦): حدثنا أحمد بن عَبْدَة، حدثنا حماد بن زيد، حدثنا عبيد اللَّه بن أبي بكر، عن أنس: أن رسول اللَّه ﷺ قال: \"إن اللَّه وكل بالرحم ملكًا، فيقول: أي رب! نطفة. أي رب! علقة. أي رب! مضفة. فإذا أراد اللَّه خلقها قال: يا رب! ذكر أو أنثى؟ شقي أو سعيد؟ فما الرزق والأجل؟ قال: فذلك يكتب في بطن أمه\".\nأخرجاه في الصحيحين (^٢٧) من حديث حمّاد بن زيد به.\nوقوله: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾، يعني: حين ذكر قدرته ولطفه في خلق هذه النطفة من حال إلى حال، وشكل إلى شكل، حتى تصورت إلى ما صارت إليه من الإِنسان السَّويّ الكامل الخلق قال: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا يونس بن حبيب، حدثنا أبو داود، حدثنا حماد بن سلمة، حدثنا علي بن زيد، عن أنس قال: قال عمر -يعني ابن الخطاب ﵁: وافقت ربي ووافقني في أربع؛ نزلت هذه الآية: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالةٍ مِنْ\n_________\n(^٢٤) المسند (١/ ٤٦٥).\n(^٢٥) المسند (٤/ ٦) (١٦١٨٩)، وصحيح مسلم، كتاب القدر حديث (٢٦٤٤).\n(^٢٦) صحيح مسلم، كتاب القدر حديث (٢٦٤٥).\n(^٢٧) صحيح البخاري، كتاب الحيض، حديث (٣١٨)، وصحيح مسلم، كتاب القدر (٢٦٤٦).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.","vol":"10","page":115},{"text":"طِينٍ﴾. الآية. قلت أنا: فتبارك اللَّه أحسن الخالقين، فنزلت: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾.\nوقال أيضًا: حدثنا أبي، حدثنا آدم بن أبي إياس، حدثنا شيبان، عن جابر الجعفي، عن عامر الشعبي، عن زيد بن ثابت الأنصاري (^٢٨) قال: أملى عليَّ رسول اللَّه ﷺ هذه الآية: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالةٍ مِنْ طِينٍ﴾ إلى قوله: ﴿خَلْقًا آخَرَ﴾ فقال معاذ: فتبارك اللَّه أحسن الخالقين! فضحك رسول اللَّه ﷺ، فقال له معاذ: مم تضحك يا رسول الله؟ قال: \"بها ختمت: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ \".\nجابر بن زيد الجعفي ضعيف جدًّا، وفي خبره هذا نكارة شديدة، وذلك أن هذه السورة مكية. وزيد بن ثابت إنما كتب الوحي بالمدينة، وكذلك إسلام معاذ بن جبل إنما كان بالمدينة أيضًا، فاللَّه أعلم.\nوقوله: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ﴾ يعني: بعد هذه النشأة الأولى من العدم تصيرون إلى الموت ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ يعني: النشأة الآخرة ﴿ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ﴾ يعني: يوم المعاد، وقيام الأرواح فالأجساد، فيحاسب الخلائق ويوفي كل عامل عمله، إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر.\n﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ﴾\nلما ذكر تعالى خلق الإِنسان، عطف بذكر خلق السموات السبع، وكثيرًا ما يذكر تعالى خلق السموات والأرض مع خلق الإِنسان، كما قال تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ وهكذا في أول (الم السجدة) التي كان رسول اللَّه ﷺ يقرأ بها صبيحة يوم الجمعة، في أولها خلق السموات والأرض، ثم بيان خلق الإِنسان من سلالة من طين، وفيها أمر المعاد والجزاء، وغير ذلك من المقاصد.\nفقوله: ﴿سَبْعَ طَرَائِقَ﴾ قال مجاهد: يعني السموات السبع. وهذه كقوله تعالى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾، ﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا﴾ ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَينَهُنَّ\n_________\n(^٢٨) رواه الطبراني في المعجم الأوسط برقم (٣٣٦٧) \"مجمع البحرين\" عن أبي زرعة عن آدم بن إياس به وجابر الجعفي ضعيف.","vol":"10","page":116},{"text":"لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيءٍ عِلْمًا﴾.\nوهكذا قال هاهنا: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ﴾، أي: ويعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها، وما ينزل من السماء وما يعرج فيها، وهو معكم أينما كنتم، والله بما تعملون بصير، وهو سبحانه لا يَحجبُ عنه سماء سماء، ولا أرض أرضًا، ولا جبل إلا يعلم ما في وَعْره، ولا بحر إلا يعلم ما في قَعْره، يعلم عدد ما في الجبال والتلال والرمال، والبحار والقفار والأشجار، ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إلا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾.\n﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ (١٨) فَأَنْشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (١٩) وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَينَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ (٢٠) وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٢١) وَعَلَيهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (٢٢)﴾\nيذكر تعالى نعمه على عبيده [¬١] التي لا تعد ولا تحصى، في إنزاله القطر من السماء ﴿بِقَدَرٍ﴾، أي: بحسب الحاجة، لا كثيرًا فيفسد الأرض والعمران، ولا قليلًا فلا يكفي الزروع والثمار، بل بقدر الحاجة إليه من السقي والشرب والانتفاع به، حتى إن الأراضي التي تحتاج ماء كثيرًا لزرعها، ولا تحتمل دمنتها [¬٢] إنزال المطر عليها يسوق إليها الماء من بلاد أخرى، كما في أرض مصر، ويقال لها: (الأرض الجرز) يسوق اللَّه إليها ماء النيل، معه طين أحمر يجترفه من بلاد الحبشة في زمان أمطارها، فيأتي الماء يحمل طينًا أحمر، فيسقي أرض مصر، ويقر الطين على أرضهم ليزدرعوا فيه؛ لأن أرضهم سباخ يغلب عليها الرمال، فسبحان اللطيف الخبير، الرحيم الغفور.\nوقول: ﴿فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ﴾، أي: جعلنا الماء إذا نزل من السحاب يخلد في الأرض، وجعلنا [¬٣] في الأرض قابلية له، تشربه ويتغذى به ما فيها من الحب والنوى.\nوقوله: ﴿وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ﴾، أي: لو شئنا أن لا تمطر [¬٤] لفعلنا، ولو\n_________\n[¬١]- في ز: عبده.\n[¬٢]- سقط من: [خ].\n[¬٣]- في ز: وجعل.\n[¬٤]- في ز: نمطر.","vol":"10","page":117},{"text":"شئنا لصرفناه عنكم إلى السباخ والبراري والقفار لفعلنا، ولو شئنا لجعلناه أجاجًا لا ينتفع به لشرب ولا لسقي لفعلنا، ولو شئنا لجعلناه لا ينزل في الأرض بل ينجر على وجهها لفعلنا، ولو شئنا لجعلناه إذا نزل فيها يغور إلى مدى لا تصلون إليه ولا تنتفعون به لفعلنا، ولكن بلطفه ورحمته ينزل عليكم الماء من السحاب عذبًا فراتًا زلالًا، فيسكنه في الأرض ويسلكه ينابيع في الأرض، فيفتح العيون والأنهار، فيسقي به الزروع والثمار، وتشربون منه ودوابكم وأنعامكم، وتغتسلون منه وتتطهرون وتتنظفون، فله الحمد والمنة.\nوقوله: ﴿فَأَنْشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ﴾، يعني: فأخرجنا لكم بما أنزلنا من السماء، ﴿جَنَّاتٍ﴾ أي: بساتين ﴿حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ﴾، أي: ذات منظر حسن.\nوقوله: ﴿مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ﴾، أي: فيها نخيل وأعناب، وهذا ما كان يألف أهل الحجاز، ولا فرق بين الشيء وبين نظيره، وكذلك في حق كل أهل إقليم، عندهم من الثمار من نعمة الله عليهم ما يعجزون عن القيام بشكره.\nوقوله: ﴿لَكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ﴾، أي: من جميع الثمار، كما قال: ﴿يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ وقوله [¬١]: ﴿وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ كأنه معطوف على شيء مقدر، تقديره: تنظرون إلى حسنه ونضجه، ومنه تأكلون.\nوقوله: ﴿وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَينَاءَ﴾، يعني: الزيتونة. والطور: هو الجبل، وقال بعضهم: إنما يسمى طورًا إذا كان فيه شجر، فإن عري عنها سمي جبلًا لا طورًا، واللَّه أعلم. وطور سيناء: هو طور سينين، وهو الجبل الذي كُلِّم عليه موسى بن عمران ﵇، وما حوله من الجبال التي فيها شجر الزيتون.\nوقوله: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ قال بعضهم: الباء زائدة، وتقديره: تنبت الدهن، كما في قول العرب: ألقى فلان بيده، أي: يده. وأما على قول من يضمن الفعل فتقديره: تخرج بالدهن، أو تأتي بالدهن؛ ولهذا قال: ﴿وَصِبْغٍ﴾، أي: أدم، قاله قتادة، ﴿لِلْآكِلِينَ﴾، أي: فيها ما ينتفع به من الدهن والاصطباغ.\nكما قال الإِمام أحمد (^٢٩): حدثنا وكيع، عن عبد اللَّه بن عيسى، عن عطاء الشامي، عن أبي أسيد -واسمه مالك بن ربيعة الساعدي الأنصاري- قال: قال رسول اللَّه ﷺ: \"كلوا الزيت وادهنوا به، فإنة من شجرة مباركة\".\n_________\n(^٢٩) المسند (٣/ ٤٩٧) (١٦١٠١). وهو حديث صحيح - إسناده ضعيف. عطاء الشامي الأنصاري: قال الحافظ في التقريب: مقبول، من الرابعة. ت س. =\n_________\n[¬١]- سقط من ز.","vol":"10","page":118},{"text":"وقال عبد بن حميد في مسنده (^٣٠) وتفسيره: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عمر: أن رسول اللَّه ﷺ قال: \"ائتدموا بالزيت وادهنوا به، فإنه يخرج من شجرة مباركة\".\nورواه الترمذي وابن ماجة، من غير وجه عن عبد الرزاق. قال الترمذي: ولا يعرف إلا من حديثه، وكان يضطرب فيه، فربما ذكر فيه عمر، وربما لم يذكره.\nقال أبو القاسم الطبراني (^٣١): حدثنا عبد اللَّه بن أحمد بن حنبل، حدثنا أبي، حدثنا سفيان بن عيينة، حدثني الصعب بن حكيم بن شريك بن نميلة، عن أبيه، عن جده قال [¬١]: ضفت عمر بن الخطاب ﵁[ليلة عاشوراء، فأطعمني] [¬٢] من رأس بعير بارد، وأطعمنا زيتًا، وقال: هذا الزيت المبارك الذي قال اللَّه لنبيه ﷺ.\nوقوله: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٢١) وَعَلَيهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ يذكر تعالى ما جعل لخلقه في الأنعام من المنافع، وذلك أنهم يشربون من ألبانها الخارجة من بين فرث ودم، ويأ كلون من حُملانها، ويلبسون من أصوافها وأوبارها وأشعارها، ويركبون ظهورها، ويحملونها الأحمال الثقال إلى\n_________\n= وقال في التهذيب: قال البخاري: لم يقم حديثه. وذكره العقيلي في الضعفاء. وذكره ابن حبان في الثقات. والحديث أخرجه الترمذي في كتاب الأطعمة، باب: ما جاء في أكل الزيت (٤/ ٢٥١) حديث (١٨٥٢). والدارمي في سننه (٢/ ١٠٢). والحاكم في المستدرك (٢/ ٣٥٧ - ٣٩٨). والطبراني في الكبير (١٩/ ٢٦٩ - ٢٧٠) حديث (٥٩٧). والخطيب في الموضح (٢/ ١٩٤). والبغوي في شرح السنة (١١/ ٣١٠، ٣١١) رقم ٢٨٧٠، ٢٨٧١. والعقيلي في الضعفاء (١/ ٤٠٣ - ٤٠٢). والبخاري في الكنى من تاريخه ص ٦ رقم ٣١. وقال الترمذي: حديث غريب من هذا الوجه إنما نعرفه من حديث سفيان الثوري عن عبد الله بن عيسى. وقال الحاكم: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. ا هـ.\nوضعف الشيخ الألباني هذا الطريق تحت حديثه في السلسلة الصحيحة (٢٧٩).\nوذكر الشيخ له ثلاث طرق غير هذا، فصحح الحديث بمجموع طرقه عن عمر وأبي هريرة وعبد الله بن عباس.\n(^٣٠) المنتخب لعبد بن حميد برقم (١٣)، وسنن الترمذي، كتاب الأطعمة (١٨٥١)، سنن ابن ماجه، كتاب الأطعمة (٣٣١٩).\n(^٣١) المعجم الكبير (١/ ٧٤) والصعب بن حكيم لا يعرف كما قال الذهبي، وقال الحافظ: مقبول، وكذلك جده، وأبو مستور.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في ز، خ: \"ليلة، فأطعمني عشورًا\".","vol":"10","page":119},{"text":"البلاد النائية عنهم، كما قال تعالى: ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إلا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾.\nوقال تعالى: ﴿وَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ (٧١) وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ (٧٢) وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلَا يَشْكُرُونَ﴾ ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَال يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٢٣) فَقَال الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَذَا إلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ (٢٤) إِنْ هُوَ إلا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ (٢٥)﴾\nيخبر تعالى عن نوح ﵇ حين بعثه [¬١] إلى قومه؛ لينذرهم عذاب اللَّه بأسه الشديد، وانتقامه ممن أشرك به، وخالف أمره وكذب رسله ﴿فَقَال يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ أي: ألا تخافون من اللَّه في إشراككم به؟! ﴿فَقَال الْمَلَأُ﴾ وهم السادة والأكابر منهم ﴿مَا هَذَا إلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيكُمْ﴾ يعنون: يترفع عليكم، ويتعاظم بدعوى النبوة، وهو بشر مثلكم، فكيف [¬٢] أوحي إليه دونكم؟ ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً﴾، أي: لو أراد أن يبعث نبيًّا، لبعث ملكا من عنده ولم يكن بشرًا! ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا﴾، أي: ببعثة البشر ﴿فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ﴾ يعنون بهذا أسلافهم [¬٣] وأجدادهم والأمم الماضية.\nوقوله: ﴿إِنْ هُوَ إلا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ﴾، أي: مجنون فيما يزعمه، من أن اللَّه أرسله إليكم، واختصه من بينكم بالوحي ﴿فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ﴾، أي: انتظروا به ريب المنون، واصبروا عليه مدَّة حتى تستريحوا منه.\n﴿قَال رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ (٢٦) فَأَوْحَينَا إِلَيهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَينِ اثْنَينِ وَأَهْلَكَ إلا مَنْ سَبَقَ عَلَيهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ\n_________\n[¬١]- في ز: بعثه الله.\n[¬٢]- سقط من ز.\n[¬٣]- في ز: آباءهم.","vol":"10","page":120},{"text":"مُغْرَقُونَ (٢٧) فَإِذَا اسْتَوَيتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢٨) وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيرُ الْمُنْزِلِينَ (٢٩) إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ (٣٠)﴾\n[يقول تعالى مخبرًا] [¬١] عن نوح ﵇ أنه دعا ربه يستنصره على قومه، كما قال تعالى مخبرًا عنه [¬٢] في الآية الأخرى: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾ وقال هاهنا: ﴿قَال رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ﴾ فعند ذلك أمره اللَّه تعالى بصنعة السفينة وإحكامها وإتقانها، وأن يحمل فيها من كل زوجين اثنين، أي: ذكرًا وأنثى من كل صنف من الحيوانات والنباتات والثمار، وغير ذلك، وأن يحمل فيها أهله ﴿إلا مَنْ سَبَقَ عَلَيهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ﴾، أي: سبق فيه القول من اللَّه بالهلاك، وهم الذين لم يؤمنوا به من أهله؛ كابنه وزوجته، واللَّه أعلم.\nوقوله: ﴿وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ﴾ أي: عند معاينة إنزال المطر العظيم، لا تأخذنك رأفة بقومك، وشفقة عليهم، وطمع في تأخيرهم [¬٣] لعلهم يؤمنون، فإني قد قضيت أنهم مغرقون على ما هم عليه من الكفر والطغيان، وقد تقدمت القصة مبسوطة في سورة هود بما يغني عن إعادة ذلك هاهنا.\nوقوله: ﴿فَإِذَا اسْتَوَيتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ كما قال: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ (١٢) لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيتُمْ عَلَيهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (١٣) وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ وقد امتثل نوح ﵇ هذا. كما قال تعالى: ﴿وَقَال ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾ فذكر اللَّه تعالى عند ابتداء سيره وعند انتهائه. وقال تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيرُ الْمُنْزِلِينَ﴾.\nوقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ﴾ أي: إن في هذا الصنيع - وهو إنجاء المؤمنين، وإهلاك الكافرين - ﴿لآيَاتٍ﴾ أي: لحجج ودلالات واضحات على صدق الأنبياء فيما جاءوا به عن اللَّه تعالى، وأنه تعالى فاعل لا يشاء، قادر [¬٤] على كل شيء، عليم بكل شيء.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ت: \"يخبر تعالى\".\n[¬٢]- سقط من ز.\n[¬٣]- في ز: تأخرهم.\n[¬٤]- في ز: وقادر.","vol":"10","page":121},{"text":"وقوله: ﴿وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ﴾ أي: لمختبرين للعباد بإرسال المرسلين.\n﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ (٣١) فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٣٢) وَقَال الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ (٣٣) وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ (٣٤) أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ (٣٥) هَيهَاتَ هَيهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ (٣٦) إِنْ هِيَ إلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (٣٧) إِنْ هُوَ إلا رَجُلٌ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ (٣٨) قَال رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ (٣٩) قَال عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ (٤٠) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٤١)﴾\nيخبر تعالى أنه أنشأ بعد قوم نوح قرنًا آخرين [¬١]- قيل: المراد بهم عاد؛ فإنهم كانوا مستخلفين بعدهم، وقيل: المراد بهؤلاء ثمود؛ لقوله: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيحَةُ بِالْحَقِّ﴾ وأنه تعالى أرسل فيهم رسولًا منهم، فدعاهم إلى عبادة اللَّه وحده لا شريك له، فكذبوه وخالفوه، وأبوا عن [¬٢] اتباعه؛ لكونه بشرًا مثلهم، واستنكفوا عن اتباع رسول بشري، فكذبوا بلقاء اللَّه في القيامة، وأنكروا المعاد الجثماني، وقالوا: ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ (٣٥) هَيهَاتَ هَيهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ﴾، أي: بعيد بعيد ذلك ﴿إِنْ هُوَ إلا رَجُلٌ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾، أي: فيما جاءكم به من الرسالة والنذارة والإِخبار بالمعاد ﴿وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ (٣٨) قَال رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ﴾، أي: استفتحَ عليهم الرسول، واستنصرَ ربه عليهم، فأجاب دعاءه، ﴿قَال عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ﴾، أي: بمخالفتك وعنادك فيما جئتهم به، ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيحَةُ بِالْحَقِّ﴾، أي: وكانوا يستحقون ذلك من اللَّه لكفرهم وطغيانهم.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"آخر\".\n[¬٢]- في ز: من.","vol":"10","page":122},{"text":"والظاهر أنه اجتمع عليهم صيحة مع الريح الصرصر العاصف القوي البارد [¬١]، ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى [¬٢] إلا مَسَاكِنُهُمْ﴾ وقوله: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً﴾، أي: صرعى هلكى كغثاء السيل، وهو: الشيء الحقير التافه الهالك الذي [¬٣] لا ينتفع بشيء منه، ﴿فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾، كقوله: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ﴾ أي: بكفرهم وعنادهم، ومخالفة رسول اللَّه، فليحذر السمامعون أن يكذبوا رسولهم.\n﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ (٤٢) مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ (٤٣) ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (٤٤)﴾\nيقول تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَا [مِنْ بَعْدِهِمْ] [¬٤] قُرُونًا آخَرِينَ﴾، أي: أممًا وخلائق، ﴿مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ﴾، يعني: بل [يؤخذون على] [¬٥]، حسب ما قدر لهم تعالى في كتابه المحفوظ وعلمه قبل كونهم، أمة بعد أمة، وقرنًا بعد قرن، وجيلًا بعد جيل، وخلفًا بعد سلف.\n﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى﴾ قال ابن عباس: يعني: يتبع بعضهم بعضًا، وهذه كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيهِ الضَّلَالةُ﴾ وقوله: ﴿كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ﴾ يعني: جمهورهم وأكثرهم، كقوله تعالى: ﴿يَاحَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إلا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ وقوله: ﴿فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا﴾، أي: أهلكناهم، كقوله: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ﴾ وقوله: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ﴾ أي: أخبارًا وأحاديث للناس، كقوله: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ [لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ] [¬٦]﴾.\n﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٤٥) إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ (٤٦) فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَينِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا\n_________\n[¬١]- في ز: الباردة.\n[¬٢]- في ز: ترى.\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- سقط من ز. وفوق الآية كتب: \"كذا\".\n[¬٥]- في ز: يجدون.\n[¬٦]- في ز: لقوم يؤمنون.","vol":"10","page":123},{"text":"عَابِدُونَ (٤٧) فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ (٤٨) وَلَقَدْ آتَينَا مُوسَى الْكِتَابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٤٩)﴾\nيخبر تعالى أنه بعث رسوله موسى ﵇ وأخاه هارون إلى فرعون وملائه، بالآيات والحجج الدامغات، والبراهين القاطعات، وأن فرعون وقومه استكبروا عن اتباعهما، والانقياد لأمرهما؛ لكونهما بشرين، كما أنكرت الأمم الماضية بعثة الرسل من البشر، تشابهت قلوبهم، فأهلك اللَّه فرعون وملأه، وأغرقهم في يوم واحد أجمعين، وأنزل على موسى الكتاب، وهو: التوراة، فيها أحكامه: أوامره ونواهيه، وذلك بعدما قصم اللَّه فرعون والقبط، وأخذهم أخذ عزيز مقتدر، وبعد أن أنزل اللَّه التوراة لم يهلك أمة بعامة، بل أمر المؤمنين بقتال الكافرين، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَينَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [ثم قال تعالى] [¬١]\n﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَينَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾.\nيقول تعالى مخبرًا عن عبده ورسوله عيسى ابن مريم ﵉ أنه جعلهما آية للناس، أي: حجة قاطعة على قدرته على ما يشاء، فإنه خلق آدم من غير أبٍ ولا أمٍ، وخلق حواء من ذكرٍ بلا أنثى، وخلق عيسى من أنثى بلا ذكر، وخلق بقية الناس من ذكر وأنثى.\nوقوله: ﴿وَآوَينَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾، قال الضحاك عن ابن عباس: الربوة: المكان المرتفع من الأرض، وهو أحسن ما يكون فيه النبات. وكذا قال مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وقتادة.\nقال ابن عباس: وقوله: ﴿ذَاتِ قَرَارٍ﴾ يقول: ذات خصب ﴿وَمَعِينٍ﴾ يعني ماء طاهرًا.\nوقال مجاهد: ربوة مستوية.\n[وقال سعيد بن جبير: ﴿ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾ استوى الماء فيها] [¬٢].\nوقال مجاهد وقتادة: ﴿وَمَعِينٍ﴾: الماء الجاري.\nثم اختلف المفسرون في مكان هذه الربوة في أي أرض هي؟ فقال عبد الرحمن بن زيد\n_________\n[¬١]- سقط من ت، خ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.","vol":"10","page":124},{"text":"ابن أسلم: ليس الربى إلا بمصر، والماء حين يرسل يكون الربي عليها القري، ولولا الربي غرقت القري. ورُوي عن وهب بن منبه نحو هذا، وهو بعيد جدًّا.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد المقرئ، حدثنا سفيان، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب في قوله تعالى: ﴿وَآوَينَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾ قال: هي دمشق.\nقال: وروي عن عبد الله بن سلام، والحسن [¬١]، وزيد بن أسلم، وخالد بن معدان نحو ذلك.\nوقال ابن أبي حاتم [¬٢]: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا وكيع، عن إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس: ﴿ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾ قال: أنهار دمشق.\nوقال ليث بن أبي سليم، عن مجاهد: ﴿إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾ قال: عيسى ابن مريم وأمه، حين أويا إلى غوطة دمشق وما حولها.\nوقال عبد الرزاق: عن بشر بن رافع، عن أبي عبد الله بن عم أبي هريرة قال: سمعت أبا هريرة يقول في قول الله تعالى: ﴿إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾ قال: هي الرملة من فلسطين.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا إبراهيم بن محمد بن يوسف الفريابي، حدثنا روّاد بن الجراح، حدثنا عباد [¬٣] بن عباد الخواص أبو عتبة، حدثنا السيباني [¬٤]، عن ابن وعلة، عن كريب السحولي، عن مرة البهزي قال: سمعت النبي ﷺ يقول لرجل: \"إنك ميت بالربوة\". فمات بالرملة [¬٥]. وهذا حديث غريب جدًّا.\nوأقرب الأقوال في ذلك: ما رواه العوفي، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَآوَينَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾ قال: العين: الماء الجاري، وهو النهر الذي قال الله تعالى: ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾. وكذا قال الضحاك وقتادة: ﴿إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾: هو بيت المقدس. فهذا والله أعلم هو الأظهر؛ لأنه المذكور في الآية الأخرى، والقرآن يفسر [بعضه بعضًا، وهو [¬٦] أولى ما] [¬٧] يفسر به، ثم الأحاديث الصحيحة، ثم الآثار.\n_________\n[¬١]- في خ: \"الحسين\".\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- في ز: عبد الله.\n[¬٤]- في ز: الشيباني.\n[¬٥]- في خ: \"بالربلة\".\n[¬٦]- في ت: وهذا.\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.","vol":"10","page":125},{"text":"يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٥١) وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ (٥٢) فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَينَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيهِمْ فَرِحُونَ (٥٣) فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ (٥٤) أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٦)﴾\nيأمر تعالى عباده المرسلين عليهم الصلاة والسلام أجمعين بالأكل من الحلال، والقيام بالصالح من الأعمال، فدل هذا علي أن الحلال عون علي العمل الصالح، فقام الأنبياء ﵈ بهذا أتم القيام، وجمعوا بين كل خير قولًا وعملًا ودلالة ونصحًا، فجزاهم الله عن العباد خيرًا.\nقال الحسن البصري في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ قال: أما والله ما أُمِروا بأصفركم ولا أحمركم، ولا حلوكم ولا حامضكم، ولكن قال [¬١]: انتهوا إلي الحلال منه.\nوقال سعيد بن جبير والضحاك: ﴿كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ يعني: الحلال.\nوقال أبو إسحاق السبيعي، عن أبي ميسرة عمرو بن شرحبيل: كان عيسى ابن مريم يأكل من غزل أمه.\nوفي الصحيح (^٣٢): \" ما من نبي إلا رعي الغنم\". قالوا: وأنت يا رسول الله؟ قال: \"نعم، كنت أرعاها على قراريطَ لأهل مكة\".\nوفي الصحيح (^٣٣): \" إن داود ﵇ كان يأكل من كسب يده\".\nوفي الصحيحين (^٣٤): \" إن أحب الصيام إلي الله صيام داود، وأحب القيام إلي الله قيام داود، كان ينام نصف الليل، ويقوم ثلثه، وينام سدسه، وكان يصوم يومًا ويفطر يومًا، ولا يفر إذا لاقي\".\n_________\n(^٣٢) صحيح البخاري، كتاب الإجارة حديث (٢٢٦٢) من حديث أبي هريرة ﵁.\n(^٣٣) صحيح البخاري، كتاب البيوع حديث (٢٠٧٣) من حديث أبي هريرة ﵁ نحوه.\n(^٣٤) صحيح البخاري، كتاب الجمعة حديث (١١٣١)، وصحيح مسلم، كتاب الصيام (١١٥٩) من حديث عبد الله بن عمرو ﵄.\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.","vol":"10","page":126},{"text":"وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو اليمان الحكم بن نافع، حدثنا أبو بكر بن أبي مريم، عن ضمرة بن حبيب: أن أم عبد الله أخت [¬١] شداد بن أوس، بعثت إلي النبي ﷺ بقدح لبن عند فطره، وهو صائم، وذلك في أول النهار وشدة الحر فرد إليها رسولها: \"أنِّي كانت لك الشاة؟ \". فقالت: اشتريتها من مالي. فشرب منه، فلما كان من الغد أتته أم عبد الله أخت [¬٢] شداد فقالت: يا رسول الله! بعثت إليك بلبن مرثيَّة [¬٣] لك من طول النهار وشدة الحر، فرددت إليَّ الرسول فيه؟ فقال لها: \"بذلك أمرت الرسل، [أن لا تأكل] [¬٤]، إلا طيبًا ولا تعمل إلا صالحًا\" (^٣٥).\nوقد ثبت في صحيح مسلم (^٣٦) وجامع الترمذي ومسند الإمام أحمد -واللفظ له- من حديث فضيل بن مرزوق، عني عدي بن ثابت، عن أبي حازم، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"يا أيها الناس! إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ \". ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، يمد يديه إلي السماء: يا رب! يا رب! فأنى يستجاب لذلك؟!. وقال الترمذي: حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث فضيل بن مرزوق.\nوقوله: ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾، أي: دينكم يا معشر الأنبياء دين واحد، وملة واحدة، وهو الدعوة إلي عبادة الله وحده لا شريك له، ولهذا قال: ﴿وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ وقد تقدم الكلام علي ذلك في سورة الأنبياء، وأن قوله: ﴿أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ منصوب علي الحال.\nوقوله: ﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَينَهُمْ زُبُرًا﴾، أي: الأمم الذين بعثت [¬٥] إليهم الأنبياء\n_________\n(^٣٥) ورواه الحاكم في المستدرك (٤/ ١٢٥) من طريق المعافي بن عمران عن أبي بكر بن أبي مريم به نحوه، وقال: \"هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه\" وتعقبه الذهبي: \"قلت: وابن أبي مريم واه\".\n(^٣٦) صحيح مسلم برقم (١٠١٥)، وسنن الترمذي برقم (٢٩٨٩)، والمسند (٦/ ١٥٩).\n_________\n[¬١]- في ز: بنت.\n[¬٢]- في ز، خ: \"بنت\".\n[¬٣]- سقط من: خ. ومعني مرئية: توجُّعًا لك وإشفاقًا. من رثي له: إذا رق وتوجع. وهي من أبنية المصادر، نحو المغفرة والمعذرة. وقيل: الصواب أن يقال: مرثاة لك. من قولهم: رثيت للحي رثيا ومرثاة ورثيت الميت مرثية. النهاية (٢/ ١٩٦).\n[¬٤]- في خ: \"لا يأكلن\".\n[¬٥]- في ز: بعث.","vol":"10","page":127},{"text":"﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيهِمْ فَرِحُونَ﴾ أي: يفرحون بما هم فيه من الضلال؛ لأنهم يحسبون أنهم مهتدون؛ ولهذا قال متهددًا لهم ومتوعدًا: ﴿فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ﴾، أي: في غيهم وضلالهم ﴿حَتَّى حِينٍ﴾، أي: إلي حين حينهم وهلاكهم، كما قال تعالى: ﴿فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيدًا (١٧)﴾، وقال تعالى: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٣)﴾.\nوقوله: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ﴾، يعني: أيظن هؤلاء المغرورون أن ما نعمهم من الأموال والأولاد لكرامتهم علينا ومعزتهم عندنا؟! كلا، ليس الأمر كما يزعمون في قولهم: ﴿نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (٣٥)﴾، لقد أخطأوا في ذلك وخاب رجاؤهم، بل إنما نفعل بهم ذلك استدراجًا وإنظارًا وإملاء؛ ولهذا قال: ﴿بل لا يشعرون﴾، كما قال تعالى: ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ (٥٥)﴾.\nوقال تعالى: ﴿إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا﴾. وقال تعالى: ﴿فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيثُ لَا يَعْلَمُونَ (٤٤) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيدِي مَتِينٌ (٤٥)﴾ وقال: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (١١) وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا (١٢) وَبَنِينَ شُهُودًا (١٣) وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا (١٤) ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (١٥) كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا (١٦)﴾. وقال تعالى: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إلا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ (٣٧)﴾. والآيات في هذا كثيرة.\nقال قتادة في قوله: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٦)﴾ قال: مُكِرَ والله بالقوم في أموالهم وأولادهم، يا بن آدم، فلا تعتبر الناس بأموالهم وأولادهم، ولكن اعتبرهم بالإِيمان والعمل الصالح.\nوقال الإِمام أحمد (^٣٧): حدثنا محمد [بن عبيد، حدثنا أبان بن إسحاق، عن الصباح بن محمد، عن مرة الهمداني] [¬١]، حدثنا عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن الله قسم بينكم أخلاقكم، كما قسم بينكم أرزاقكم، وإن الله يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب، ولا يعطي الدين إلا لمن أحب، فمن أعطاه الله الدين فقد أحبه، والذي نفسي بيده، لا يسلم عبد حتى يسلم قلبه ولسانه، ولا يؤمن حتى يأمنَ جاره بوائقه\". قالوا: وما بوائقه يا نبي الله؟ قال:\n_________\n(^٣٧) المسند (١/ ٣٨٧).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين بياض في ز، خ.","vol":"10","page":128},{"text":"\"غشمه وظلمه، ولا يكسب عبد مالًا من حرام فينفق منه فيبارك له فيه، ولا يتصدّق به فيقبل منه، ولا تركه خلف ظهره إلا كان زاده إلى النار، إن الله لا يمحو السيء بالسيء، ولكن يمحو السيئ بالحسن، إن الخبيث لا يمحو الحبيث\".\n﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٥٧) وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (٥٨) وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ (٥٩) وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (٦٠) أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ (٦١)﴾\nيقول تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٥٧)﴾، أي: هم مع [¬١] إحسانهم وإيمانهم وعملهم الصالح، مشفقون من الله خائفون منه، وجلون من مكره بهم؛ كما قال الحسن البصري: إن المؤمن جمع إحسانًا وشفقة، وإن المنافق جمع إساءة وأمنًا.\n﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (٥٨)﴾، أي: يؤمنون بآياته الكونية والشرعية؛ كقوله تعالى إخبارًا عن مريم ﵍: ﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ﴾، أي: أيقنت أن ما كان فإنما [¬٢] هو عن قدر الله وقضائه، وما شرعه الله فهو إن كان أمرًا فمما يحبه ويرضاه، وإن كان نهيًا فهو مما يكرهه ويأباه، وإن كان خبرًا فهو حق، كما قال الله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ (٥٩)﴾، أي: لا يعبدون معه غيره، بل يوحدونه ويعلمون أنه لا إله إلا الله، أحدًا صمدًا، لم يتخذ صاحبة ولا ولدًا، وأنه لا نظير له ولا كفء له.\nوقوله: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (٦٠)﴾. أي: يعطون العطاء [¬٣] وهم خائفون أن لا يتقبل منهم، لخوفهم أن يكونوا قد قصروا في القيام بشروط الإعطاء، وهذا من باب الإِشفاق [¬٤] والاحتياط.\nكما قال الإِمام أحمد (^٣٨): حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا مالك بن مغول، حدثنا عبد الرحمن بن سعيد بن وهب، عن عائشة أنها قالت: يا رسول الله! ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ [¬٥] هو الذي يسرق ويزني ويشرب الخمر، وهو يخاف الله ﷿؟ قال: \"لا يا بنت أبي بكر يا بنت الصديق؛ ولكنه الذي [يصلي و] [¬٦] يصوم\n_________\n(^٣٨) المسند (٦/ ١٥٩) (١٥٣٧٠) والحديث أخرجه الترمذي في كتاب تفسير القرآن، باب: ومن =\n_________\n[¬١]- في ز: من.\n[¬٢]- في خ: إنما.\n[¬٣]- بعده في ز: فيه.\n[¬٤]- في ز: الاشتقاق.\n[¬٥]- بعده في خ: \"يا رسول الله\".\n[¬٦]- سقط من ز.","vol":"10","page":129},{"text":"ويتصدق وهو يخاف الله ﷿\".\nوهكذا رواه الترمذي وابن أبي حاتم من حديث مالك بن مغول به بنحوه. وقال: \"لا، يا بنت الصديق، ولكنهم الذين يصلون ويصومون ويتصدقون وهم يخافون ألا يتقبل [¬١] منهم ﴿أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيرَاتِ﴾ \". وقال الترمذي: روي هذا الحديث من حديث عبد الرحمن بن سعيد، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ نحو هذا.\nوهكذا قال ابن عباس ومحمد بن كعب القرظي والحسن البصري في تفسير هذه الآية.\nوقد قرأ آخرون هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾، أي: يفعلون ما يفعلون وهم خائفون. ورُوي هذا مرفوعًا إلي النبي ﷺ أنه قرأ كذلك.\nقال الإِمام أحمد (^٣٩): حدثنا عفان، حدثنا صخر بن جويرية، حدثنا إسماعيل المكي، حدثنا أبو خلف مولى بني جمح، أنه دخل مع عبيد بن عمير علي عائشة ﵂ فقالت: مرحبًا بأبي عاصم، ما يمنعك أن تزورنا أو تُلِمّ بنا؟ فقال: أخشي أن أُمِلَّكِ. فقالت: ما كنت لتفعل. قال: جئت لأسألك [¬٢] عن آية في [¬٣] كتاب الله ﷿، كيف كان رسول الله ﷺ يقرؤها. قالت: آية آية؟ فقال: ﴿الَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا﴾ أو ﴿وَالَّذِينَ يُأْتُونَ مَا آتَوْا﴾ فقالت: أيتهما أحب إليك؟ فقلت: والذي نفسي بيده، لإحداهما أحب إليّ من الدنيا جميعًا -أو الدنيا وما فيها-. قالت: وما هي؟ فقلت: ﴿وَالَّذِينَ يُأْتُونَ مَا آتَوْا﴾ فقالت: أشهد أن رسول الله ﷺ كذلك [¬٤] كان يقرؤها، وكذلك أنزلت، ولكن الهجاء حُرِّف.\nإسماعيل بن مسلم المكي [¬٥] ضعيف. والمعنى علي القراءة الأولى -وهي قراءة الجمهور: السبعة وغيرهم- أظهر؛ لأنه قال: ﴿أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ (٦١)﴾\n_________\n= سورة \"المؤمنون\". (٥/ ٣٢٧، ٣٢٨ / رقم: ٣١٧٥)، وابن ماجة في كتاب الزهد، باب: التوقي على العمل (٢/ ١٤٠٤ / رقم: ٤١٩٨). والحاكم في مستدركه (٢/ ٣٩٣ - ٣٩٤). كلهم من طريق مالك بن مغول به. وقال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه.\n(^٣٩) المسند (٦/ ٩٥) (٢٤٧٥٣) وإسماعيل المكي: قال الحافظ في التعجيل في ترجمة أبي خلف: إسماعيل المكي هو ابن أمية، أحد الثقات المشهورين من رجال الصحيح، وظن شيخنا الهيثمي =\n_________\n[¬١]- في ز: يقبل.\n[¬٢]- في ز: لأسأل.\n[¬٣]- في خ: من.\n[¬٤]- في ز: كذا.\n[¬٥]- في ت: \"وهو\".","vol":"10","page":130},{"text":"فجعلهم من السابقين، ولو كان المعنى علي القراءة الأخرى لأوشك أن لا يكونوا من السابقين، بل من المقتصدين أو المقصرين، والله تعالى أعلم.\n﴿وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلا وُسْعَهَا وَلَدَينَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٦٢) بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ (٦٣) حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ (٦٤) لَا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لَا تُنْصَرُونَ (٦٥) قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ (٦٦) مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ (٦٧)﴾\nيقول تعالى مخبرًا عن عدله في شرعه علي عباده في الدنيا: أنه لا يكلف نفسًا إلا وسعها، أي: إلا ما تطيق حمله والقيام به، وأنه يوم القيامة يحاسبهم بأعمالهم التي كتبها عليهم في كتاب مسطور لا يضيع منه شيء، ولهذا قال: ﴿وَلَدَينَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ﴾، يعني: كتاب الأعمال ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾، أي: لا يبخسون من الخير شيئًا، وأما السيئات فيعفو ويصفح عن كثير منها لعباده [¬١] المؤمنين.\nثم قال منكرًا علي الكفار والمشركين، من قريش: ﴿بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ﴾، أي: في غفلة وضلالة ﴿مِنْ هَذَا﴾، أي: القرآن الذي أنزله علي رسوله ﷺ.\nوقوله: ﴿وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ﴾ قال الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس: ﴿وَلَهُمْ أَعْمَالٌ﴾، أي: سيئه ﴿مِنْ دُونِ ذَلِكَ﴾، يعني:\n_________\n= في مجمع الزوائد له أنه إسماعيل بن مسلم المكي، وليس كما ظن. (التعجيل ترجمة ١٢٦٤). أبو خلف؛ قال لي التعجيل: لا يعرف، وذكره أبو أحمد الحاكم في الكنى فيمن لم يقف له علي اسم. قال الحافظ: وقد تابع عفان ويريد، عبد الوهاب بن عطاء عن صخر؛ أخرجه أبو العباس السراج في تفسيره، وقد تابع إسماعيل علي روايته عن أبي خلف المذكور طلحة بن عمرو المكي، أخرجه إسحاق بن راهويه في مسنده عن عبد الله بن نمير، عن طلحة، وأخرجه الحاكم أيضًا من طريق وكيع عن طلحة، فصار أبو خلف بذلك مشهروًا بعد أن كان مجهولًا، لكن بقي بيان حاله. التعجيل ت ١٢٦٤.\nوالحديث عزاه الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ٧٢، ٧٣) لأحمد، وقال: \"وفيه إسماعيل بن مسلم المكي وهو ضعيف\".\n_________\n[¬١]- في ز: بعباده.","vol":"10","page":131},{"text":"الشرك ﴿هُمْ لَهَا عَامِلُونَ﴾ قال: لا بد أن يعملوها. وكذا روي عن مجاهد والحسن وغير واحد.\nوقال آخرون: ﴿وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ﴾، أي: قد كتب عليهم أعمال سيئة لا بد أن يعملوها قبل موتهم لا محالة، لتحق عليهم كلمة العذاب.\nورُوي نحو هذا عن مقاتل بن حيان والسدي وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وهو ظاهر قوي حسن. وقد قدمنا في حديث ابن مسعود: \"فوالذي لا إله غيره، إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها\".\nوقوله: ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ﴾، يعني: حتى إذا جاء مترفيهم -وهم: السعداء المنعمون في الدنيا- عذابُ الله وبأسه ونقمته بهم ﴿إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ﴾، أي: يصرخون ويستغيثون، كما قال تعالى: ﴿وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا (١١) إِنَّ لَدَينَا أَنْكَالًا وَجَحِيمًا (١٢) وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا (١٣)﴾، وقال تعالى: ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾.\nوقوله: ﴿لَا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لَا تُنْصَرُونَ (٦٥)﴾، أي: لا نجيركم مما حل بكم، سواء جأرتم أو سكتم، لا محيد ولا مناص ولا وَزَرَ لزم الأمر، ووجب العذاب. ثم ذكر أكبر ذنوبهم فقال: ﴿قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ﴾، أي: إذا دُعيتم أبيتم، وإن طُلبتم امتنعتم ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ (١٢)﴾.\nوقوله: ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ (٦٧)﴾ في تفسيره قولان؛ أحدهما: أن ﴿مُسْتَكْبِرِينَ﴾ حال منهم حين نكوصهم عن الحق وإبائهم إياه، استكبارًا عليه واحتقارًا له ولأهله، فعلى هذا الضمير في ﴿به﴾ فيه ثلاثة أقوال:\nأحدها: أنه الحرم بمكة، ذمّوا لأنهم كانوا يسمرون [¬١] به الهجر من الكلام.\nوالثاني: أنه ضمير القرآن، كانوا يسمرون ويذكرون القرآن بالهجر من الكلام: إنه سحر، إنه شعر، إنه كهانة، إلي غير ذلك من الأقوال الباطلة.\nوالثالث: أنه محمد ﷺ، كانوا يذكرونه في سمرهم بالأقوال الفاسدة، ويضربون له الأمثال الباطلة، من أنه شاعر، أو كاهن، أو ساحر، أو كذاب، أو مجنون،\n_________\n[¬١]- في خ: \"يمرون\".","vol":"10","page":132},{"text":"وكل ذلك باطل، بل هو عبد الله ورسوله، الذي أظهره الله عليهم وأخرجهم من الحرم صاغرين أذلاء.\nوقيل: المراد بقوله: ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ﴾ أي: بالبيت، يفتخرون به، ويعتقدون أنهم أولياؤه، [وليسوا بهم] [¬١]. كما قال النسائي في التفسير من سننه:\nأخبرنا أحمد بن سليمان، أخبرنا عبيد الله، عن إسرائيل، عن عبد الأعلى، أنه سمع سعيد بن جبير يحدث عن ابن عباس أنه قال: إنما كره السمر حين نزلت هذه الآية: ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ (٦٧)﴾، فقال: مستكبرين بالبيت، يقولون: نحن أهله، ﴿سَامِرًا﴾، قال: [كانوا يتكبرون ويسمرون فيه، ولا يعمرونه ويهجرونه] [¬٢] (^٤٠). وقد أطنب ابن أبي حاتم هاهنا، بما ذا حاصله.\n﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ (٦٨) أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (٦٩) أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ (٧٠) وَلَو اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَينَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ (٧١) أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيرٌ وَهُوَ خَيرُ الرَّازِقِينَ (٧٢) وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٧٣) وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ (٧٤) وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (٧٥)﴾\nيقول تعالى منكرًا على المشركين في عدم تفهمهم للقرآن العظيم، وتدبرهم له، و[¬٣] إعراضهم عنه، مع أنهم قد خصوا بهذا الكتاب الذي لم ينزل الله علي رسول أكمل منه ولا أشرف، لا سيما آباؤهم [¬٤] الذين ماتوا في الجاهلية، حيث لم يبلغهم كتاب ولا أتاهم نذير، فكان اللائق بهؤلاء أن يقابلوا النعمة التي أسداها الله إليهم بقبولها، والقيام بشكرها\n_________\n(^٤٠) سنن النسائي الكبرى برقم (١١٣٥١).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في خ: \"ولستم به\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في خ: \"يتكبرون يعمرونه يهجرونه\".\n[¬٣]- في ز: وفي.\n[¬٤]- في ز: وآباؤهم.","vol":"10","page":133},{"text":"وتفهمها، والعمل بمقتضاها آناء الليل وأطراف النهار، كما فعله النجباء منهم ممن أسلم واتبع الرسول ﷺ ورضي عنهم.\nوقال قتادة: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ﴾: إذًا والله يجدون في القرآن زاجرًا عن معصية الله لو تدبره القوم وعقلوه، ولكنهم أخذوا بما تشابه به فهلكوا عند ذلك.\nثم قال منكرًا علي الكافرين من قريش: ﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾، أي: أَفَهُم [¬١] لا يعرفون محمدًا وصدقه وأمانته وصيانته التي نشأ بها فيهم؟ أي: أفيقدرون علي إنكار ذلك والمباهتة فيه؟ ولهذا قال جعفر بن أبي طالب ﵁ للنجاشي ملك الحبشة: أيها الملك؛ إن الله بعث إلينا رسولًا نعرف نسبه وصدقه وأمانته.\nوهكذا قال المغيرة بن شعبة لنائب كسري حين بارزهم. وكذلك قال أبو سفيان صخر بن حرب لملك الروم هرقل، حين سأله وأصحابه عن صفات النبي ﷺ ونسبه وصدقه وأمانته، وكانوا بعد كفارًا لم يسلموا، ومع هذا ما أمكنهم إلا الصدق فاعترفوا بذلك.\nوقوله: ﴿أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ﴾ يحكي [¬٢] قولَ المشركين عن النبي ﷺ أنه تقوّل القرآن، أي: افتراه من عنده، أو أن به جنونًا لا يدري ما يقول، وأخبر عنهم أن قلوبهم لا تؤمن به، وهم يعلمون بطلان ما يقولونه في القرآن، فإنه قد أتاهم من كلام الله ما لا [يطاق ولا] [¬٣] يدافع، وقد تحداهم وجميع أهل الأرض أن يأتوا بمثله، فما استطاعوا ولا يستطعون أبد الأبدين؛ ولهذا قال: ﴿بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾ يحتمل أن تكون هذه جملة حالية، أي: في حالة [¬٤] كراهة أكثرهم للحق، ويحتمل أن تكون خبرية مستأنفة، والله أعلم.\nوقال قتادة: ذكر لنا أن نبيَّ الله ﷺ لقي رجلًا فقال له: \"أسلم\". فقال الرجل: إنك لتدعوني إلى أمر أنا له كاره. فقال نبي الله ﷺ: \"وإن كنت كارهًا\". وذكر لنا أنه لقي رجلًا فقال له: \"أسلم\". فتصعَّده ذلك وكَبُرَ عليه، فقال له نبي الله ﷺ: \"أرأيت لو كنت في طريق وعْر وعْث، فلقيت رجلًا تعرف وجهه وتعرف نسبه، فدعاك إلى طريق واسع سهل [¬٥]، أكنت متَّبِعه؟ \". قال: نعم. فقال: \"فوالذي [¬٦] نفس محمد بيده، إنك لفي أوعر من\n_________\n[¬١]- في ز: فهم.\n[¬٢]- في ز، خ: \"علي\".\n[¬٣]- بياض في ز.\n[¬٤]- في ز: جال.\n[¬٥]- في ت: أسهل.\n[¬٦]- في ز: والذي.","vol":"10","page":134},{"text":"ذلك الطريق لو قد كنت عليه، وإني لأدعوك [إلى أسهل] [¬١] من ذلك لو دعيت إليه\". وذكر لنا أن نبي الله ﷺ لقي رجلًا فقال له [¬٢]: \"أسلم\". فتصعده ذلك، فقال له نبي الله ﷺ: \"أرأيت فتيَيْك؛ أحدهما إذا حدثك صدقك، وإذا ائتمنته أدى إليك، أهو أحب إليك أم فتاك الذي إذا حدثك كذبك، وإذا ائتمنته خانك؟ \". قال: بل فتاي الذي إذا حدثني صدقني، وإذا ائتمنته أدى إليَّ. فقال النبي ﷺ: \"كذاكم أنتم [¬٣] عند ربكم\".\nوقوله: ﴿وَلَو اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾ قال مجاهد وأبو صالح والسدي: الحق هو الله ﷿، والمراد: لو أجابهم الله إلي ما في أنفسهم من الهوى، وشرع الأمور على وفق ذلك، ﴿لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾، أي: لفساد أهوائهم واختلافها.\nكما أخبر عنهم في قولهم: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ [¬٤] هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَينِ عَظِيمٍ﴾، ثم قال: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾، وقال تعالى: ﴿قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا﴾، وقال: ﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا﴾، ففي هذَا كله تبيين عجز العباد، واختلاف آرائهم وأهوائهم، وأنه تعالى هو الكامل في جميع صفاته، وأقواله وأفعاله، وشرعه وقدره، وتدبيره لخلقه، تعالى وتقدس، فلا إله غيره، ولا رب سواه. ثم قال: ﴿بَلْ أَتَينَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ﴾ يعني القرآن. ﴿فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ﴾.\nوقوله: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا﴾، قال الحسن: أجرًا. وقال قتادة: جعلًا ﴿فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيرٌ﴾ أي: أنت لا تسألهم أجرًا [¬٥] ولا جعلا ولا شيئًا على دعوتك إياهم إلى الهدى، بل أنت في ذلك تحتسب عند الله جزيل ثوابه، كما قال: ﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إلا عَلَى اللَّهِ﴾ وقال: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ وقال: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيهِ أَجْرًا إلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾، وقال، ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَال يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (٢٠) اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾.\nوقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٧٣) وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ﴾. قال الإِمام أحمد:\n_________\n[¬١]- في خ: لأسهل.\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- في ز: أنزل.\n[¬٥]- في ز: أجرة.","vol":"10","page":135},{"text":"حدثنا حسن بن موسى، حدثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد بن جدعان، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ أتاه -فيما يرى النائم- ملكان، فقعد أحدهما عند رجليه، والآخر عند رأسه، فقال الذي عند رجليه للذي عند رأسه: اضرب مثل هذا ومثل أمته. فقال: إن [مثل هذا] [¬١] ومثل أمته كمثل قوم سفر انتهوا إلى رأس مفازة، فلم يكن معهم من الزاد ما يقطعون به المفازة ولا ما يرجعون به، فبينما هم كذلك؟ إذ أتاهم رجل في حلة حبرة، فقال: أرأيتم إن وردت بكم [¬٢] رياضًا مُعشبة، وحياضًا رِوَاء، تتبعوني؟ فقالوا: نعم. قال: فانطلق بهم، فأوردهم رياضًا مُعشبة وحياضًا رواء، فأكلوا وشربوا وسمنوا، فقال لهم: ألم ألفكم على تلك الحال، فجعلتم لي إن وردت بكم رياضًا مُعشبة وحياضا رواء أن تتبعوني؟ قالوا: بلى. قال: فإن بين أيديكم رياضًا أعشب من هذه، وحياضا هي أروى من هذه، فاتبعوني. قال: فقالت طائفة: صدق والله، لنتبعَنّه. وقالت طائفة: قد رضينا بهذا نقيم عليه (^٤١).\nوقال الحافظ أبو يعلى الموصلي: حدثنا زهير، حدثنا يونس بن محمد، حدثنا يعقوب بن عبد الله الأشعري، حدثنا حفص بن حميد، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"إني ممسك بحُجَزكم: هلمَّ عن النار! هلم عن النار! وتغلبونني، وتقاحمون فيها تقاحم الفَراش والجنادب، فأوشك أن أرسل حجزكم، وأنا فرطكم على الحوض، فتردون علي معًا وأشتاتًا، أعرفكم بسيماكم وأسمائكم، كما يعرف الرجل الغريبَ من الإبل في إبله، فيذهب بكم ذات اليمين وذات الشمال، فأناشد فيكم رب العالمين: أي رَب، قومي! أي رب، أمتي! فقال: يا محمد، إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك؛ إنهم كانوا يمشون بعدك القهقرى على أعقابهم. فلأعرفن [¬٣] أحدكم يأتي يوم القيامة يحمل شاة لها ثغاء ينادي: يا محمد؟ يا محمد؟ فأقول: لا أملك لك [من الله] [¬٤] شيئًا، قد بلغت. ولأعرفن أحدكم يأتي يوم القيامة يحمل بعيرًا له رغاء ينادي: يا محمد، يا محمد، فأقول: لا أملك لك شيئًا قد بلغت. ولأعرفن أحدكم يأتي يوم القيامة يحمل فرسًا له حمحمة، فينادي: يا محمد، يا محمد؛ فأقول: لا أملك لك شيئًا، قد بلغت. ولأعرفن أحدكم يأتي يوم القيامة يحمل سقاء [¬٥] من أدم ينادي: يا محمد، يا محمد،\n_________\n(^٤١) المسند (١/ ٢٦٧).\n_________\n[¬١]- في ز: مثله.\n[¬٢]- سقط من ز.\n[¬٣]- في \"خ\": \"فلاعن\".\n[¬٤]- سقط من ز.\n[¬٥]- في ز، خ: \"شيئًا\".","vol":"10","page":136},{"text":"فأقول: لا أملك لك شيئًا، قد بلغت (^٤٢).\nوقال علي بن المديني: هذا حديث حسن الإسناد، إلا أن حفص بن حميد مجهول، لا أعلم روى عنه غير يعقوب بن عبد الله الأشعري القمي.\nقلت: بل قد [¬١] روى عنه أيضًا أشعث بن إسحاق، وقال فيه يحيى بن معين: صالح. ووثقه النسائي وابن حبان.\nوقوله: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ﴾، أي: لعادلون حائرون منحرفون. تقول العرب: نكب فلان عن الطريق: إذا زاغ عنها.\nوقوله: ﴿وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ يخبر تعالى عن غلظهم في كفرهم، بأنه لو أزاح علَلَهُم وأفهمهم القرآن، لما انقادوا له، ولاستمروا على كفرهم وعنادهم وطفيانهم. كما قال تعالى: [﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾.\nوقال:] [¬٢] ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَاليتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٧) بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (٢٨) وَقَالُوا إِنْ هِيَ إلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (٢٩)﴾ فهذا من باب علمه تعالى بما لا يكون لو كان كيف كان [¬٣] يكون.\nقال الضحاك: عن ابن عباس: كل ما فيه \"لو\" فهو مما لا يكون أبدًا.\n﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ (٧٦) حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا\n_________\n(^٤٢) أورده الحافظ في المطالب العلية (٥/ ٣٧٥)، والبوصيري في الإتحاف، وقال: هذا إسناد فيه مقال، حفص بن حميد قال فيه ابن المديني: مجهول، لا أعلم روى عنه غير يعقوب. وقال النسائي: ثقة. وذكره ابن حبان في الثقات، ويعقوب بن عبد الله؛ قال الطبراني: ثقة. وقال النسائي: ليس به بأس. وقال الدارقطني: ليس بالقوي، وذكره ابن حبان في الثقات. وباقي رجال الإسناد ثقات. وله شاهد في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة.\nوقال الهيثمي في المجمع (٣/ ٨٥): \"رواه أبو يعلى في الكبير والبزار إلا أنه قال: حمل قشعًا مكان سقاء. ررجال الجميع ثقات\".\n_________\n[¬١]- سقط من ز.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: [خ].\n[¬٣]- سقط من: م.","vol":"10","page":137},{"text":"عَلَيهِمْ بَابًا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (٧٧) وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (٧٨) وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيهِ تُحْشَرُونَ (٧٩) وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلَافُ اللَّيلِ وَالنَّهَارِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٨٠) بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَال الْأَوَّلُونَ (٨١) قَالُوا أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (٨٢) لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إلا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٨٣)﴾\nيقول تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ﴾، أي: ابتليناهم بالمصائب والشدائد، ﴿فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾، أي: فما ردهم ذلك عما كانوا فيه من الكفر والمخالفة، بل استمروا على غيهم وضلالهم ﴿فَمَا اسْتَكَانُوا﴾، أي: ما [¬١] خشعوا، ﴿وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾، أي: ما [¬٢] دعوا، كما قال تعالى: ﴿فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا محمد بن حمزة المروزي، حدثنا علي بن الحسين، حدثنا أبي، عن يزيد -يعني النحوي-، عن عكرمة، عن ابن عباس أنه قال: جاء أبو سفيان إلى رسول الله ﷺ فقال: يا محمد؛ أنشدك الله والرحم، فقد أكلنا العلْهز -يعني: الوبر والدم-، فأنزل الله: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾.\nوهكذا رواه النسائي (^٤٣) عن محمد بن عقيل، عن علي بن الحسين، عن أبيه، به. وأصل هذا الحديث في الصحيحين، أن [¬٣] رسول الله ﷺ دعا على قريش حين استعصوا فقال: \"اللهم؛ أعنِّي عليهم بسبع كسبع يوسف (^٤٤) \".\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا سلمة بن شبيب، حدثنا عبد الله\n_________\n(^٤٣) سنن النسائي الكبرى برقم (١١٣٥٢).\n(^٤٤) صحيح البخاري، كتاب تفسير القرآن (٤٦٩٣)، وصحيح مسلم، كتاب صفة القيامة (٢٧٩٨) من حديث ابن مسعود ﵁.\n_________\n[¬١]- سقط من ز.\n[¬٢]- سقط من ز.\n[¬٣]- في ز: عن.","vol":"10","page":138},{"text":"ابن إبراهيم بن عمر بن كيسان، حدثني وهب بن عمر بن كيسان قال: حبس وهب بن منبه، فقال له رجل من الأبناء: ألا أنشدك بيتًا من شعر يا أبا عبد الله؟ فقال وهب: نحن في طرف من عذاب الله، والله تعالى يقول: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾. قال: وصام وهب ثلاثا متواصلة، فقيل له: ما هذا الصوم يا أبا عبد الله؟ قال: أحدث لنا فأحدَثْنا. يعني: أحدث لنا [الحبس فأحدثنا] [¬١] زيادة عبادة.\nوقوله: ﴿حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيهِمْ بَابًا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾. أي: حتى إذا جاءهم أمر الله، وجاءتهم الساعة بنتة، وأخذهم من عقاب الله ما لم يكونوا يحتسبون، فعند ذلك أبْلَسُوا [¬٢] من كل خير، وأيسوا من كل راحة، وانقطعت آمالهم ورجاؤهم.\nثم ذكر تعالى نعمته على عباده في أن جعل لهم السمع والأبصار والأفئدة، وهي العقول والفهوم، التي يدركون بها الأشياء، ويعتبرون بما في الكون من الآيات الدالة على وحدانية الله تعالى، وأنه الفاعل المختار لما يشاء.\nوقوله: ﴿قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾، أي: وما أقل شكركم لله على ما أنعم به عليكم! كقوله: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾.\nثم أخبر تعالى عن قدرته العظيمة وسلطانه القاهر في بدئه الخليقة، وذرئه لهم في سائر أقطار الأرض، على اختلاف أجناسهم ولغاتهم وصفاتهم، ثم يوم القيامة يجمع الأولين منهم والآخرين لميقات يوم معلوم، فلا يترك منهم صغيرًا ولا كبيرًا، ولا ذكرًا ولا أنثى، ولا جليلًا ولا حقيرًا، إلا أعاده كما أبداه، ولهذا قال: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾، أي: يحيي الرمم ويميت الأمم، ﴿وَلَهُ اخْتِلَافُ اللَّيلِ وَالنَّهَارِ﴾، أي: وعن أمره تسخير الليل والنهار، كل منهما يطلب الآخر طلبًا حثيثًا، يتعاقبان لا يفتران، ولا يفترقان بزمان غيرهما؛ كقوله تعالى: ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾.\nوقوله: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾، أي: أفليس لكم عقول تدلكم على العزيز العليم، الذي قد قهر كل شيء، وعز كل شيء وخضع له كل شيء؟\nثم قال مخبرًا عن منكري البعث، الذين أشبهوا من قبلهم من المكذبين: ﴿بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَال الْأَوَّلُونَ (٨١) قَالُوا أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾، يعني: يستبعدون وقوع ذلك بعد صيرورتهم إلي البِلَى، ﴿لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إلا\n_________\n[¬١]- بياض في ز.\n[¬٢]- في ز: أيسوا.","vol":"10","page":139},{"text":"أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾، يعنون: الإعادة محال، إنما يخبر بها من تلقاها عن كتب الأولين واختلافهم. وهذا الإنكار والتكذيب منهم كقوله تعالى إخبارًا عنهم: ﴿أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً (١١) قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ (١٢) فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾ وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٧٧) وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَال مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾.\n﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٤) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٨٥) قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٨٧) قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٨) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ (٨٩) بَلْ أَتَينَاهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (٩٠)﴾\nيقرر تعالى وحدانيته واستقلاله بالخلق والتصرف والملك، ليرشد إلى أنه الذي لا إله إلا هو، ولا تنبغي العبادة إلا له وحده لا شريك له، ولهذا قال لرسوله محمد ﷺ أن يقول للمشركين العابدين معه غيره، المعترفين له بالربوبية، وأنه لا شريك [¬١] له فيها، ومع هذا فقد أشركوا معه في الإلهية، فعبدوا غيره معه، مع اعترافهم أن الذين عبدوهم لا يخلقون شيئًا، ولا يملكونَ شيئًا، ولا يستبدون بشيء، بل اعتقدوا أنهم يقربونهم إليه زلفى: ﴿[مَا نَعْبُدُهُمْ] [¬٢] إلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ فقال: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا﴾، أي: مَن مالكها الذي خلقها ومن فيها من الحيوانات والنباتات والثمرات، وسائر صنوف المخلوقات ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٤) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾، أي: فيعترفون لك بأن ذلك لله وحده لا شريك له، فإذا كان ذلك ﴿قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ أنه لا تنبغي العبادة إلا للخالق الرازق لا لغيره.\n﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ أي: من هو خالق العالم العلوي بما فيه من الكواكب النيرات، والملائكة الخاضعين له في سائر الأقطار منها والجهات، ومن هو رب العرش العظيم، يعني: الذي هو سقف المخلوقات، كما جاء في الحديث الذي\n_________\n[¬١]- في ز: شرك.\n[¬٢]- في ز: إنما نعبدهم.","vol":"10","page":140},{"text":"رواه أبو داود (^٤٥)، عن رسول الله ﷺ أنه قال: \"شأن الله أعظم من ذلك، إن عرشه على سمواته هكذا\" - وأشار بيده مثل القبة.\nوفي الحديث الآخر (^٤٦): \" ما السماوات السبع والأرضون السبع وما فيهن وما بينهن في الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة، وإن الكرسي بما فيه بالنسبة إلى العرش كتلك الحلقة في تلك الفلاة\" ولهذا قال بعض السلف: إن مسافة ما بين قطري العرش من جانب إلى جانب مسيرة خمسين ألف سنة، [وارتفاعها عن الأرض السابعة مسيرة خمسين ألف سنة] [¬١]. قال الضحاك عن ابن عباس: إنما سمى عرشًا لارتفاعه. وقال الأعمش: عن كعب الأحبار: إن السماوات والأرض [¬٢] في العرش؛ كالقنديل المعلق بين السماء والأرض.\nوقال مجاهد: ما السماوات والأرض في العرش إلا كحلقة في أرض فلاة.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا العلاء بن سالم، حدثنا وكيع، حدثنا سفيان الثوري، عن عمار الدُّهْني، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: العرش لا يقدر أحد قدره. وفي رواية: إلا الله ﷿.\nوقال بعض السلف: العرش من ياقوتة حمراء.\nولهذا قال هاهنا: ﴿وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾، يعني: الكبير، وقال في آخر السورة: ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾، أي: الحسن البهي، فقد جمع العرش بين العظمة في الاتساع، والعلو والحسن الباهر، ولهذا قال من قال: إنه من ياقوتة حمراء.\n_________\n(^٤٥) سنن أبي داود حديث (٤٧٢٦) من حدث محمد بن إسحاق، عن يعقوب بن عتبة، عن جبير بن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه، عن جده جبير بن مطعم ﵁. وقال المنذري: هذا الحديث لا نعلمه يروى عن النبي ﷺ من وجه من الوجوه إلا من هذا الوجه. ولم يقل به محمد بن إسحاق: حدثني يعقوب بن عتبة، ومحمد بن إسحاق مدلس، وإذا قال المدلس: عن فلان، ولم يقل: حدثنا -أو سمعت، أو أخبرنا- لا يحتج بحديثه. وقال الحافظ أبو القاسم الدمشقي: وقد تفرد به يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس الثقفي، عن جبير بن محمد بن جبير بن مطعم القرشي النوفلي، وليس لهما في الصحيحين رواية. وانفرد به محمد بن إسحاق، عن يعقوب وابن إسحاق لا حتج بحديثه. وقال البيهقي في الأسماء والصفات: وهذا حديث يتفرد به محمد بن إسحاق عن يعقوب، وصاحبا الصحيح لم يحتجا به.\n(^٤٦) تقدم تخريجه (سورة البقرة / آية ٢٥٥)، (سورة النساء / آية ١٦٤).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- سقط من ز.","vol":"10","page":141},{"text":"وقال ابن مسعود: إن ربكم ليس عنده ليل ولا نهار، نور العرش من نور وجهه.\nوقوله: ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ [¬١] قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾، أي: إذا كنتم تعترفون بأنه رب السماوات ورب العرش العظيم، أفلا تخافون عقابه وتحذرون عذابه، في عبادتكم معه غيره وإشراككم به؟\nقال أبو بكر عبد الله بن محمد بن أبي الدنيا القرشيٍ في كتاب \"التفكر والاعتبار\": حدثنا إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا عبد الله بن جعفر، أخبرني عبد الله بن دينار، عن ابن عمر قال: كان رسول الله ﷺ كثيرًا ما يحدث عن امرأة كانت في الجاهلية على رأس جبل، معها ابن لها يرعى غنمًا، فقال لها ابنها: يا أمَّاه، من خلقك؟ قالت: الله. قال: فمن خلق أبي؟ قالت: الله. قال: فمن خلقني؟ قالت: الله. قال: فمن خلق السماوات؟ قالت: الله. قال: فمن خلق الأرض؟ قالت: الله. قال: فمن خلق الجبل؟ قالت: الله. قال: فمن خلق هذه الغنم؟ قالت: الله. قال: فإني أسمع لله شأنًا، ثم ألقى نفسه من الجبل فتقطع. قال ابن عمر: كان رسول الله ﷺ كثيرًا ما يحدثنا هذا الحديث. قال عبد الله بن دينار: كان ابن عمر كثيرًا ما يحدثنا بهذا الحديث.\nقلت: في إسناده عبد الله بن جعفر المديني والد الإمام علي بن المديني، وقد تكلموا فيه. فالله أعلم.\n﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيءٍ﴾، أي: بيده الملك ﴿مَا مِنْ دَابَّةٍ إلا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا﴾، أي: متصرف فيها، وكان رسول الله ﷺ يقول: \"لا والذي نفسي بيده\"، وكان إذا اجتهد في اليمين قال: \"لا ومقلب القلوب\"، فهو سبحانه الخالق المالك المتصرف، ﴿وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ كانت العرب إذا كان السيد فيهم فأجار أحدًا، لا يُخْفَر في جواره، وليس لمن دونه أن يجير عليه؛ لئلا يفتات عليه، ولهذا قال الله: ﴿وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيهِ﴾، أي: وهو السيد العظيم الذي لا أعظم منه، الذي له الخلق والأمر، ولا معقب لحكمه، الذي لا يمانع ولا يخالف، وما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، وقال الله: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ أي: لا يسأل عما يفعل لعظمته وكبريائه وقهره وغلبته وعزته، وحكمته وعدله [¬٢]، والخلق كلهم يسألون عن أعمالهم، كما قال تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.\n_________\n[¬١]- في ز: الله.\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.","vol":"10","page":142},{"text":"وقوله: ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ [¬١]﴾، أي: سيعترفون أن السيد العظيم الذي يجير ولا يجار عليه هو الله تعالى وحده لا شريك له، ﴿قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾، أي: فكيف تذهب عقولكم في عبادتكم معه غيره، مع اعترافكم وعلمكم بذلك؟\nثم قال تعالى: ﴿بَلْ أَتَينَاهُمْ بِالْحَقِّ﴾ وهو الإِعلام بأنه لا إله إلا الله، وأقمنا الأدلة الصحيحة الواضحة القاطعة على ذلك ﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾، أي. في [¬٢] عبادتهم مع الله غيره، ولا دليل لهم على ذلك، كما قال في آخر السورة ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ فالمشركون لا يفعلون [¬٣] ذلك [عن دليل قادهم إلى ما هم فيه من الإفك والضلال، وإنما يفعلون ذلك] [¬٤] اتباعًا لأبائهم وأسلافهم الحيارى الجهال، كما [قال الله عنهم] [¬٥]: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾.\n﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (٩١) عَالِمِ الْغَيبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٩٢)﴾\nينزه تعالى نفسه عن أن يكون له ولد أو شريك في الملك، فقال تعالى: ﴿[مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ] [¬٦] وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾، أي: لو قدر تعدد الآلهة، لانفرد كل منهم بما يخلق، فما كان ينتظم الوجود، والمشاهد أن الوجود منتظم متسق، كل من العالم العلوي والسفلي مرتبط بعضه ببعض في غاية الكمال ﴿مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ﴾. ثم لكان كل منهم يطلب قهر الآخر وخلافه، فيعلو بعضهم على بعض، والمتكلمون ذكروا هذا المعنى وعبروا عنه بدليل التمانع، وهو أنه لو فرض صانعان فصاعدًا، فأراد واحد تحريك جسم وأراد الآخر سكونه، فإن لم يحصل مراد كل واحد [¬٧] منهما كانا عاجزين، والواجب لا يكون عاجزًا، ويمتنع اجتماع مراديهما للتضاد، وما جاء هذا المحال إلا من فرض التعدد، فيكون محالًا، فأما إن حصل مراد أحدهما دون الآخر، كان الغالب هو الواجب، والآخر المغلوب ممكنًا، لأنه [¬٨] لا يليق بصفة [¬٩] الواجب أن\n_________\n[¬١]- في ز: الله.\n[¬٢]- سقط من ز.\n[¬٣]- في ز: يعقلون.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- في ز: قالوا.\n[¬٦]- سقط من ز.\n[¬٧]- سقط من ز.\n[¬٨]- سقط من: ز، خ.\n[¬٩]- في ز: لصفة.","vol":"10","page":143},{"text":"يكون مقهورًا، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾، أي: عما يقول الظالون المعتدون في دعواهم الولد أو الشريك علوًا كبيرًا.\n﴿عَالِمِ الْغَيبِ وَالشَّهَادَةِ﴾، أي: يعلم [ما يغيب] [¬١] عن المخلوقات وما يشاهدونه، ﴿فَتَعَالى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾، أي: تقدس وتنزه وتعالى وعزَّ وجلَّ [عما يقول الظالمون والجاحدون] [¬٢].\n﴿قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ (٩٣) رَبِّ فَلَا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٩٤) وَإِنَّا عَلَى أَنْ نُرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ (٩٥) ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ (٩٦) وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (٩٧) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ (٩٨)﴾\nيقول تعالى آمرًا [نبيه محمدًا ﷺ] [¬٣] أن يدعو [¬٤] بهذا الدعاء عند حلول النقم: ﴿رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ﴾، أي: إِنْ [¬٥] عاقبتهم -وإني شاهدٌ ذلك- فلا تجعلني فيهم، كما جاء في الحديث الذي رواه الإِمام أحمد (^٤٧) والترمذي وصححه: \"وإذا أردت بقوم فتنة فتوفني إليك غير مفتون\".\nوقوله تعالى: ﴿وَإِنَّا عَلَى أَنْ نُرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ﴾، أي: لو شئنا لأريناك ما نحل [¬٦] بهم من النقم والبلاء والمحن.\nثم قال مرشدًا له إلى الترياق النافع في مخالطة الناس، وهو الإحسان إلى من يسيء، ليستجلب خاطره، فتعود عداوته صداقة، وبغضه محبة، فقال تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ﴾، وهذا كما قال في الآية الأخرى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَينَكَ وَبَينَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤) وَمَا يُلَقَّاهَا إلا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إلا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾، أي: ما يلهم هذه الوصية أو هذه [¬٧] الخصلة أو الصفة ﴿إلا الَّذِينَ صَبَرُوا﴾،\n_________\n(^٤٧) السند (٥/ ٢٤٣) (٢٢٢٠٨)، أخرجه الترمذي في كتاب تفسير القرآن، باب: ومن سورة \"ص\" (٥/ ٣٦٨، ٣٦٩ / رقم: ٣٢٣٥). من طريق محمد بن بشار، عن معاذ بن هانئ، عن جهضم بن عبد الله اليمامي به وقال: هذا حديث حسن صحيح.\n_________\n[¬١]- في ز: بغيب.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٣]- سقط من ز.\n[¬٤]- في ز: يدعى.\n[¬٥]- سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- في ز: يحل.\n[¬٧]- سقط من ز.","vol":"10","page":144},{"text":"أي: على أذى الناس، فعاملوهم بالجميل مع إسدائهم إليهم القبيح ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ أي: في الدنيا والآخرة.\nوقوله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ﴾ أمره الله [¬١] أن يستعيذ من الشياطين؛ لأنهم لا تنفع معهم الحيل، ولا ينقادون بالمعروف.\nوقد قدمنا عند الاستعاذة أن رسول الله ﷺ كان يقول: \"أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، من همزه ونفخه ونفثه\" (^٤٨).\nوقوله تعالى: ﴿وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾، أي: في شيء من أمري، ولهذا أمر بذكر الله في ابتداء الأمور، وذلك مَطْرَدَة للشياطين، عند الأكل والجماع والذبح، وغير ذلك من الأمور؛ ولهذا روى أبو داود (^٤٩) أن رسول الله ﷺ كان يقول: \"اللهم إني أعوذ بك من الهرم، وأعوذ بك من الهدم ومن الغرق، وأعوذ بك أن يتخبطني الشيطان عند الموت\".\nوقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد، أخبرنا محمد بن إسحاق، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: كان رسول الله ﷺ يعلمنا كلمات يقولهن عند النوم من الفزع: \"بسم الله، أعوذ بكلمات الله التامه من غضبه. وعقابه، ومن شر عاده، ومن همزات الشياطين، وأن يحضرون\" (^٥٠).\nقال: فكان عبد الله بن عمرو يعلمها من بلغ من ولده أن يقولها عند نومه، ومن كان منهم صغيرًا - لا يعقل أن يحفظها - كتبها له فعلقها في عنقه، ورواه أبو داود والترمذي والنسائي من حديث محمد بن إسحاق، وقال الترمذي: حسن غريب.\n﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَال رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٠٠)﴾\nيخبر تعالى عن حال المحتضر عند الموت، من الكافرين أو المفرطين في أمر الله تعالى،\n_________\n(^٤٨) انظر تفسير الاستعاذة في تفسير سورة الفاتحة.\n(^٤٩) سنن أبي داود، كتاب الصلاة برقم (١٥٥٢). والنسائي في الاستعاذة (٥٥٣١، ٥٥٣٢).\n(^٥٠) المسند (٢/ ١٨١)، وسنن أبي داود، كتاب الطب (٣٨٩٣)، وسنن الترمذي، كتاب الدعوات (٣٥٢٨)، والنسائي في السنن الكبرى برقم (١٠٦٠١).\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.","vol":"10","page":145},{"text":"وقيلهم عند ذلك، وسؤالهم الرجعة إلى الدنيا؛ ليصلح ما كان أفسده في مدة حياته؛ ولهذا قال: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا﴾ كما قال الله تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠) وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١١)﴾، وقال تعالى: ﴿وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ (٤٤)﴾، وقال تعالى: ﴿[يوم يأتي تأويله] [¬١] يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَالَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٧) بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (٢٨)﴾ وقال تعالى: ﴿وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ﴾ وقال تعالى: ﴿قَالُوا [¬٢] رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ (١١) ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ (١٢)﴾، وقال تعالى: ﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ (٣٧)﴾، فذكر تعالى أنهم يسألون الرجعة فلا يجابون؛ عند الاحتضار، ويوم النشور، ووقت العرض على الجبار، وحين يعرضون على النار، وهم في غمرات [العذاب في] [¬٣] الجحيم.\nوقوله هاهنا: ﴿كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا﴾ وكلا: حرف ردع وزجر، أي: لا نجيبه إلى ما طلب، ولا نقبل منه.\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا﴾ قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: أي: لا بد أن يقولها لا محالة كل محتضر ظالم. ويحتمل أن يكون ذلك [علة لقوله] [¬٤] ﴿كلا﴾، أي: لأنها كلمة، أي: سؤاله الرجوع ليعمل صالحا هو كلام منه، وقولٌ لا عمل [¬٥] معه، ولو رد لما عمل صالحًا، ولكان يكذب في مقالته هذه، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾.\n_________\n[¬١]- سقط من ز.\n[¬٢]- سقط من ز.\n[¬٣]- في خ: عذاب.\n[¬٤]- في ز: علمه كقوله.\n[¬٥]- في [خ]: \"أعمل\".","vol":"10","page":146},{"text":"وقال محمد بن كعب القرظى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ﴾ قال: فيقول الجبار: ﴿كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا﴾.\nوقال عمر بن عبد الله مولى غفرة: إذا سمعت الله تعالى يقول: ﴿كلا﴾: فإنما يقول: كذب.\nوقال قتادة في قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ﴾ قال: كان العلاء بن زياد يقول: ليُنْزِلْ أحدكم نفسه أنه قد حضره الموت، فاستقال ربه فأقاله فليعمل بطاعة الله ﷿ وقال قتادة: والله ما تمنى أن يرجع إلى أهل ولا إلى عشيرة، ولكن تمنى أن يرجع فيعمل بطاعة الله، فانظروا أمنية الكافر المفرط فاعملوا بها، ولا قوة إلا باللَّه. وعن محمد بن كعب القرظي نحوه.\nوقال أبو محمد بن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أحمد بن يوسف، حدثنا فضيل - يعني ابن عياض - عن ليث، عن طلحة بن مصرف، عن أبي حازم، عن أبي هريرة قال: إذا وضع -يعني: الكافر- في قبره، فيرى مقعده من النار، قال: فيقول: رب، ارجعون أتوب وأعمل صالحًا. قال: فيقال: قد عُمّرت ما كنت مُعَمرًا. قال: فيضيق عليه قبره، قال: فهو كالمنهوش ينام ويفزع، تهوي إليه هوام الأرض وحيَّاتها وعقاربها (^٥١).\nوقال أيضًا: حدثنا أبي، حدثنا عمرو [¬١] بن عليّ، حدثني سلمة بن تمام، حدثنا عليّ بن زيد، عن سعيد بن المسيب، عن عائشة ﵂ أنها قالت: ويل لأهل المعاصي من أهل القبور! تدخل عليهم في قبورهم حيات سود -أو: دُهْم- حية عند رأسه، وحية عند رجليه، يقرصانه حتى يلتقيا في وسطه، فذلك العذاب في البرزخ الذي قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾.\nوقال أبو صالح وغيره في قوله تعالى: ﴿ومن ورائهم﴾ يعني: أمامهم.\nوقال مجاهد: البرزخ: الحاجز [¬٢] بين الدنيا والآخرة.\nوقال محمد بن كعب: البرزخ ما بين الدنيا والآخرة، ليسوا مع أهل الدنيا يأكلون ويشربون، ولا مع أهل الآخرة يجازون بأعمالهم.\n_________\n(^٥١) - رواه الترمذي في السنن برقم (١٠٧١) من حديث أبي هريرة ﵁، وقال: \"حديث حسن غريب\".\n_________\n[¬١]- في ز: عمر.\n[¬٢]- بعده في خ: ما.","vol":"10","page":147},{"text":"وقال أبو صخر: البرزخ: المقابر، لا هم في الدنيا ولاهم في الآخرة، فهم مقيمون إلى يوم يبعثون.\nوفي قوله تعالى: ﴿ومن ورائهم برزخ﴾ تهديد لهؤلاء المحتضرين من الظلمة بعذاب البرزخ، كما قال تعالى: ﴿من ورائهم جهنم﴾ وقال: ﴿ومن ورائه عذاب غيظ﴾.\nوقوله تعالى: ﴿إلى يوم يبعثون﴾، أي: يستمر به العذاب إلى يوم البعث، كما جاء في الحديث: \"فلا يزال معذبًا فيها\" أي: في الأرض.\n﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَينَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ (١٠١) فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٢) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (١٠٣) تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ (١٠٤)﴾\nيخبر تعالى أنه إذا نفخ في الصور نفخة النشور، وقام الناس من القبور ﴿فلا أنساب بينهم﴾، أي: لا تنفع الأنساب يومئذ ولا يرثي والد لولده ولا يلوي عليه، قال الله تعالى: ﴿ولا يسأل حميم حميما يبصرونهم﴾، أي: لا يسأل القريب عن قريبه وهو يبصره، ولو كان عليه من الأوزار ما قد أثقل ظهره وهو أعز الناس عليه - كان - في الدنيا ما التفت إليه ولا حمل عنه وزن جناح بعوضة؛ قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (٣٦) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (٣٧)﴾.\nوقال ابن مسعود: إذا كان يوم القيامة جمع الله الأولين والآخرين ثم نادى مناد: ألا من كان له مظلمة فليجئ فليأخذ حقه. قال: فيفرح المرء أن يكون له الحق على والده أو ولده أو زوجته وإن كان صغيرًا؛ ومصداق ذلك في كتاب الله: قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾. رواه ابن أبي حاتم.\nوقال الإمام أحمد (^٥٢): حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم، حدثنا عبد الله بن جعفر، حدثتنا أم بَكر بنت المسور بن مَخْرَمة، عن عبيد [¬١] الله بن أبي رافع، عن المسور -هو\n_________\n(^٥٢) المسند (٤/ ٣٢٣) (١٨٩٦٠)، ورواه البخاري في صحيحه في كتاب فضائل الصحابة، باب: مناقب فاطمة ﵍ (٣٧٦٧). ومسلم في صحيحه بشرح النووي في كتاب فضائل =\n_________\n[¬١]- في ز: عبد.","vol":"10","page":148},{"text":"ابن مخرمة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"فاطمة بضعة مني، [يقبضني ما يقبضها] [¬١]، وينشطني ما ينشطها، وإن الأنساب تنقطع يوم القيامة غير [¬٢] نسبي وسببي وصهري\". وهذا الحديث له أصل في الصحيحين (^٥٣) عن المسور بن مخرمة أن رسول الله ﷺ قال: \"فاطمة بضعة مني، يريبني ما رابها، ويؤذينى ما آذاها\".\nوقال الإمام أحمد (^٥٤): حدثنا أبو عامر، حدثنا زهير، عن عبد الله بن محمد، عن حمزة بن أبي سعيد الخدري، عن أبيه قال: سمعت رسول الله ﵌ يقول على هذا المنبر: \"ما بال رجال يقولون: إن رحم رسول الله ﷺ لا تنفع قومه؟ بلى والله، إن رحمى موصولة في الدنيا والآخرة، وإني -أيها الناس- فرط لكم إذا جئتم. قال رجل: يا رسول الله، أنا فلان بن فلان، [وقال أخوه: أنا\n_________\n= الصحابة، باب: فضائل فاطمة بنت النبي عليها الصلاة والسلام (١٦/ ٣ / ح ٢٤٤٩ (٩٤). وأبو داود في كتاب النكاح، باب: ما يكره أن يجمع بينهن من النساء (٢/ ٢٢٤ / ح ٢٠٧١). والنسائي في الكبرى في كتاب المناقب، باب: مناقب فاطمة بنت محمد ﷺ (٥/ ٩٧ / ٨٣٧٠). والترمذي في كتاب المناقب، باب: ما جاء في فضل فاطمة رضي الله تعالى عنها (٥/ ٦٥٥ / ح ٣٨٦٧) وقال: حديث حسن صحيح. وابن ماجه في سننه في كتاب النكاح، باب: الغيرة (١/ ٦٤٣ / ح ١٩٩٨).\n(^٥٣) صحيح البخاري، كتاب المناقب (٣٧١٤)، وصحيح مسلم، فضائل الصحابة (٢٤٤٩).\n(^٥٤) المسند (٣/ ١٨) (١١١٥٢). وحمزة بن أبي سعيد الخدري، ذكره ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٣/ ٢١١) رقم ٩٢٥ ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلًا، وقال ابن حجر في التعجيل: وثقه ابن حبان، ولم يذكر فيه ابن أبي حاتم جرحًا، ولا ذكر له راويًا غير ابن عقيل.\nوأخرجه عبد بن حميد في المنتخب - (٩٨٦). ورواه أحمد (١١١٥٣، ١١٦٠٧) (٣/ ١٨، ٦٢). من طريق زكريا بن عدي أنا عبيد الله بن عمرو عن عبد الله بن محمد به.\nوتابع حمزة:\n١ - عبد الرحمن بن أبي سعيد؛ أخرجه أبو يعلى في مسنده - (١٢٣٨) (٢/ ٤٣٣ - ٤٣٤) حدثنا زهير، حدثنا أبو عامر عن زهير، عن عبد الله بن محمد عنه به.\n٢ - سعيد بن المسيب: رواه أحمد (١١٣٦١) (٣/ ٣٩) من طريق شريك عن عبد الله بن محمد عنه به نحوه. لكن شريك بن عبد الله القاضي سييء الحفظ.\nوالحديث ذكره الهيثمي في المجمع (١٠/ ٣٦٧) وقال: رواه أبو يعلى ورجاله رجال الصحيح غير عبد الله بن محمد بن عقيل وقد وثق.\nويشهد له حديث أبي هريرة عند البخاري في الرقاق، باب: في الحوض. (٦٥٨٥، ٦٥٨٦).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ت: \"يغيظني ما يغيظها\".\n[¬٢]- في ت، خ: إلا.","vol":"10","page":149},{"text":"فلان بن فلان] [¬١]. فأقول لهم: أما النسب فقد عرفت، ولكنكم أحدثتم بعدي وارتددتم القهقرى\".\nوقد ذكرنا في مسند أمير المؤمنين عمر بن الخطاب من طرق متعددة عنه ﵁ أنه لما تزوج أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب ﵄ قال: أما والله ما بي إلا أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"كل سبب ونسب فإنه منقطع يوم القيامة، إلا سببي ونسبي\" (^٥٥).\nرواه الطبراني (^٥٦)، والبزار، والهيثم بن كليب، والبيهقي، والحافظ الضياء في \"المختارة\" وذكر أنه أصدقها أربعين ألفا إعظاما وإكرامًا ﵁.\nفقد روى الحافظ ابن عساكر (^٥٧) في ترجمة أبي العاص بن الربيع زوج زينب بنت رسول الله ﷺ من طريق أبي القاسم [¬٢] البغوي، حدثنا سليمان بن عمر [¬٣] الأقطع، حدثنا إبراهيم بن عبد السلام، عن إبراهيم بن يزيد، عن محمد بن عباد بن جعفر، سمعت ابن عمر يقول: قال رسول الله ﷺ \"كل نسب وصهر ينقطع يوم القيامة إلا نسبي وصهري\".\nوروى فيها (^٥٨) من طريق عمار بن سيف، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد الله ابن عمرو مرفوعًا: \"سألت ربي ﷿ أن لا أتزوج إلى أحد من أمتي، ولا يتزوج إليَّ أحد منهم؛ إلا كان معي في الجنة، فأعطاني ذلك\". ومن حديث عمار بن سيف، عن إسماعيل عن عبد الله بن عمرو [¬٤].\n_________\n(^٥٥) مسند عمر بن الخطاب لابن كثير (١/ ٣٨٩).\n(^٥٦) المعجم الكبير (٣/ ٤٥)، ومسند البزار برقم (٢٤٤٥) \"كشف الأستار\"، وسنن البيهقي الكبرى (٧/ ٦٤)، والمختارة للمقدسي برقم (٢٨١).\n(^٥٧) تاريخ دمشق (١٩/ ١١٩ \"المخطوط\") ورواه علي بن سعيد، عن سليمان بن عمر الرقي، عن إبراهيم بن عبد السلام، عن إبراهيم بن يزيد، عن محمد بن عباد بن جفعر، عن عبد الله بن الزبير مرفوعًا، وأخرجه الطبراني في الأوسط برقم (٣٩٦٣).\n(^٥٨) تاريخ دمشق (١٩/ ١١٩ \"المخطوط\") ورواه الطبراني في الأوسط برقم (٣٩٦١) \"مجمع البحرين\" من طريق يزيد بن الكميت، عن عمار بن سيف، به، قال الحافظ ابن حجر في الفتح (٧/ ٨٥): \"إسناده واهٍ\" وفي الباب عن ابن أبي أوفى ﵁.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- بعده في خ: \"بن\".\n[¬٣]- بعده في ز: \"بن\".\n[¬٤]- بياض في: ز، خ.","vol":"10","page":150},{"text":"وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ أي: من رجحت حسناته على سيئاته ولو بواحدة، قاله ابن عباس.\n﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ أي: الذين فازوا فنجوا من النار وأدخلوا الجنة. وقال ابن عباس: أولئك الذين فازوا بما طلبوا، ونجوا من شر ما منه هربوا.\n﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ﴾ أي: ثقلت سيئاته على حسناته ﴿فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ أي: خابوا وهلكوا، وباءوا [¬١] بالصفقة الخاسرة.\nوقال الحافظ أبو بكر البزار (^٥٩): حدثنا إسماعيل بن أبي [¬٢] الحارث، حدثنا داود بن المحُبَّر، حدثنا صالح المري، عن ثابت البناني وجعفر بن زيد ومنصور بن زاذان، عن أنس بن مالك يرفعه قال: \" [إن لله ملكًا موكلًا] [¬٣] بالميزان، فيؤتى بابن آدم فيوقف بين يدي [¬٤] الميزان، فإن ثقل ميزانه نادى ملك بصوت يسمع الخلائق: سعد فلان سعادة لا يشقى بعدها أبدًا، وإن خف ميزانه نادى ملك بصوت يسمع الخلائق: شقي فلان شقاوة لا يسعد بعدها أبدًا\".\nإسناده ضعيف، فإن داود بن المحبر ضعيف [¬٥] متروك.\nولهذا قال تعالى: ﴿فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ أي: ماكثون فيها، دائمون، مقيمون لا [¬٦] يظعنون.\n﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾ كما قال تعالى: ﴿وتغشى وجوههم النار﴾ وقال تعالى: ﴿لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلَا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا فروة بن أبي المغراء، حدثنا محمد بن سليمان بن الأصبهاني، عن أبي سنان ضرار بن مرة، عن عبد الله بن أبي الهذيل، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال [¬٧]: \"إن جهنم لما سيق لها [¬٨] أهلها يلقاهم لهبها ثم تلفحهم لفحة فلم [¬٩] يبق لهم لحم إلا سقط على العرقوب\".\n_________\n(^٥٩) ورراه أبو نعيم في الحلية كما في تخريج الإحياء (٤٠٩٨)، وقال: \"تفرد به داود بن المحبر\".\n_________\n[¬١]- في ز: وفازوا.\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: ملك موكل.\n[¬٤]- في ت: \"كفتي\".\n[¬٥]- سقط من ز.\n[¬٦]- في ت: \"فلا\".\n[¬٧]- سقط من: ز- خ.\n[¬٨]- سقط من: ز، خ.\n[¬٩]- في ز: لم.","vol":"10","page":151},{"text":"وقال ابن مردويه: حدثنا أحمد بن محمد بن يحيى القزاز، حدثنا الخضر بن علي بن يونس القطان، حدثنا عمر بن أبي الحارث بن الخضر القطان، حدثنا سعد [¬١] بن سعيد المقبري، عن أخيه، عن أبيه، عن أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ في قول الله تعالى: ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾ قال: \"تلفحهم لفحة فتسيل لحومهم على أعقابهم\".\nوقوله تعالى: ﴿وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾ قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: يعني: عابسون.\nوقال الثوري عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله بن مسعود: ﴿وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾ قال: ألم تر إلى الرأس المشيط الذي قد بدا أسنانه وقلصت شفتاه.\nوقال الإمام أحمد (^٦٠): أخبرنا علي بن إسحاق أخبرنا عبد الله -هو ابن المبارك ﵀ أخبرنا سعيد بن يزيد، عن أبي السمح، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي ﷺ قال: ﴿وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾، قال: تشويه النار، فتقلص شفته العليا حتى تبلغ وسط رأسه، وتسترخى شفته السفلى حتى تضرب [¬٢] سرته\".\nورواه الترمذي عن سويد بن نصر، عن عبد الله بن المبارك به، وقال: حسن غريب.\n﴿أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (١٠٥) قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَينَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ (١٠٦) رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ\n_________\n(^٦٠) - المسند (١١٨٥٢) إسناده ضعيف لضعف رواية دراج عن أبي الهيثم. وأخرجه عبد الله بن المبارك - زوائد نعيم بن حماد - (٢٩٢) ومن طريقه عبد الله بن أحمد في \"الزهد\" (ص ٢٧). والترمذي، كتاب صفة جهنم، باب: ما جاء في صفة طعام أهل النار (٢٥٩٠). وكتاب التفسير، باب: \"ومن سورة المؤمنين\" (٣١٧٥). وأبو يعلى في \"مسنده\" (٢/ ١٣٦٧)، وأبو نعيم في \"الحلية\" (٨/ ١٨٢). والحاكم في \"المستدرك\" (٢/ ٢٤٦، ٣٥٩) وصححه وسكت عنه الذهبي. والبيهقي في \"البعث\" (٥٠٧)، والبغوي في \"شرح السنة\" (١٥/ ٤٤١٦). وقال الترمذي: حديث حسن صحيح غريب. قلت: وغرابته لتفرد أبي شجاع به عن أبي الهيثم. وأما تصحيح الترمذي والحاكم له فليس بشيء، لأن رواية دراج عن أبي الهيثم ضعيفة، كما تقدم بيانه في غير موضع من هذا الكتاب. والحديث زاد نسبته السيوطي في \"الدر المنثور\" (٥/ ٣١) إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن أبي الدنيا في \"صفة النار\" وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه. وعزاه الهندي أيضًا في \"كنز العمال\" (١٤/ ٣٩٧٩٠) إلى ابن عساكر وسعيد بن منصور.\n_________\n[¬١]- في ز: سعيد.\n[¬٢]- في ت: \"تبلغ\".","vol":"10","page":152},{"text":"(١٠٧) قَال اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ (١٠٨)﴾\nهذا تقريع من الله، [تعالى لأهل النار وتوبيخ لهم] [¬١] على ما ارتكبوه [¬٢] من الكفر والمآثم والمحارم والعظائم التي أوبقتهم في ذلك، فقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ أي: قد أرسلت إليكم الرسل، وأنزلت عليكم [¬٣] الكتب، وأزلت شبهكم، ولم يبق لكم حجة تدلون بها [¬٤]؛ كما قال تعالى: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ وقال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ وقال تعالى: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ﴾ إلى قوله: ﴿فسحقًا لأصحاب السعير﴾ ولهذا قالوا: ﴿قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ﴾ أي: قد قامت علينا الحجة، ولكن كنا أشقى من أن ننقاد لها ونتبعها، فضللنا عنها ولم نرزقها.\nثم قالوا: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ أي: ردَّنا إلى الدار الدنيا، فإن عدنا إلى ما سلف منا فنحن ظالمون مستحقون للعقوبة، كما قالوا: ﴿فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ إلى قوله: ﴿فالحكم لله العلي الكبير﴾ أي: لا سبيل إلى الخروج؛ لأنكم كنتم تشركون بالله إذا وحَّده المؤمنون.\n﴿قَال اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ (١٠٨) إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيرُ الرَّاحِمِينَ (١٠٩) فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ (١١٠) إِنِّي جَزَيتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ (١١١)﴾\nهذا جواب من الله تعالى للكفار، إذا سألوا الخروج من النار، الرجعة إلى هذه الدار.\nيقول: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا﴾ أي: امكثوا فيها صاغرين مهانين أذلاء ﴿وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ أي: لا تعودوا إلى سؤالكم هذا فإنه لا جواب لكم عندي، قال العوفي عن ابن عباس: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ قال: هذا قول الرحمن حين انقطع كلامهم منه.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبدة بن سليمان المروزي، حدثنا عبد الله بن\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ت: \"وتوبيخ لأهل النار\".\n[¬٢]- في ز: ارتكبوا.\n[¬٣]- سقط من ز.\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.","vol":"10","page":153},{"text":"المبارك، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أبي أيوب، عن عبد الله بن عمرو، قال: إن أهل جهنم يدعون مالكا فلا يجيبهم أربعين عامًا، ثم يرد عليهم: إنكم ماكثون. قال: هانت دعوتهم - والله - على مالك ورب مالك، ثم يدعون ربهم فيقولون: ﴿قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ (١٠٦) رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ قال: فيسكت عنهم قدر الدنيا مرتين ثم يرد عليهم: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ قال: فوالله ما نبس القوم بعدها بكلمة واحدة [¬١]، وما هو إلا الزفير والشهيق في نار جهنم، قال: فشبهت أصواتهم بأصوات الحمير، أولها زفير وآخرها شهيق.\nوقال [ابن أبي حاتم] [¬٢] أيضًا: حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا سفيان، عن سلمة بن كهيل، حدثنا أبو الزعراء قال: قال عبد الله بن مسعود: إذا أراد الله تعالى أن لا يخرج منهم أحدًا -يعني من جهنم- غيَّر وجوههم وألوانهم، فيجيء الرجل [من المؤمنين] [¬٣] فيشفع فيقول: يا رب؛ فيقول الله: من عرف أحدًا فليخرجه، فيجيء الرجل من المؤمنين فينظر فلا يعرف أحدًا، [فيناديه الرجل: يا فلان] [¬٤]، أنا فلان. فيقول: ما أعرفك! قال [¬٥]: فعند ذلك يقولون [¬٦]: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ فعند ذلك يقول الله تعالى: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ فإذا قال ذلك أطبقت عليهم النار [¬٧]، فلا يخرج منهم أحد [¬٨].\nثم قال تعالى مذكرًا لهم بذنوبهم في الدنيا وما كانوا يستهزئون بعباده المؤمنين وأوليائه؛ فقال تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (١٠٩) فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا﴾ أي: فسخرتم منهم في دعائهم إياي، وتضرعهم إليّ ﴿حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي﴾ أي: حملكم بغضهم على أن نسيتم معاملتي ﴿وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ﴾ أي: من صنيعهم وعبادتهم؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (٢٩) وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ﴾ أي: يلمزونهم استهزاء.\nثم أخبر تعالى عما جازى به أولياءه وعباده الصالحين، فقال تعالى: ﴿إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا﴾ أي: على أذاكم لهم، واستهزائكم بهم [¬٩] ﴿أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [أي جعلناهم هم الفائزون] [¬١٠] بالسعادة والسلامة والجنة والنجاة [¬١١] من النار.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- سقط من ز.\n[¬٣]- سقط من ز.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"فيقول\".\n[¬٥]- سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- في ز: يقول.\n[¬٧]- سقط من ز.\n[¬٨]- في ز، خ: \"بشر\".\n[¬٩]- في ز، خ: \"منهم\".\n[¬١٠]- ما بين المعكوفتين سقط من: ت.\n[¬١١]- في ز، خ: \"الناجون\".","vol":"10","page":154},{"text":"﴿قَال كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ (١١٢) قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ (١١٣) قَال إِنْ لَبِثْتُمْ إلا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١٤) أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَينَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥) فَتَعَالى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إلا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (١١٦)﴾\nيقول تعالى منبهًا لهم على ما أضاعوه في عمرهم القصير في الدنيا من طاعة اللَّه تعالى، وعبادته وحد [¬١]، ولو صبروا في مدة الدنيا الفصيرة لفازوا كما فاز أولياؤه المتقون ﴿قَال كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ﴾ أي: كم كانت إقامتكم في الدنيا ﴿قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ﴾ أي: الحاسبين ﴿قَال إِنْ لَبِثْتُمْ إلا قَلِيلًا﴾ أي: مدة يسيرة على كل تقدير ﴿لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي: لما آثرتم الفاني على الباقي، ولما تصرفتم لأنفسكم هذا التصرف السيّئ، [ولا استحققتم] [¬٢] من اللَّه سخطه في تلك المدة اليسيرة، فلو أنكم صبرتم على طاعته وعبادته كما فعل المؤمنون لفزتم كما فازوا.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن الوزير، حدثنا الوليد، حدثنا صفوان، عن أيفع بن عبد الكلاعي، أنه سمعه يخطب الناس، فقال: قال رسول اللَّه ﷺ: \"إن اللَّه إذا أدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، قال: يا أهل الجنة، كم لبثتم في الأرض عدد سنين؟ قالوا: لبثنا يومًا أو بعض يوم، قال: لنعم ما اتجرتم في يوم أو بعض يوم! رحمتي ورضواني وجنتي امكثوا فيها خالدين مخلدين، ثم يقول: يا أهل النار، كم بكم في الأرض عدد سنين؟ قالوا لبثنا يومًا أو بعض يوم، فيقول: بئس ما اتجرتم في يوم أو بعض يوم! ناري وسخطي امكثوا فيها خالدين مخلدين\":\nوقوله تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا﴾ أي: أفظننتم أنكم مخلوقون عبثًا بلا قصد، ولا إرادة منكم، ولا حكمة لنا؟! [وقيل: للعبث، أي: لتلعبوا وتعبثوا، كما خلقت البهائم، لا ثواب لها ولا عقاب، وإنما خلقناكم للعبادة، وإقامة أوامر اللَّه ﷿] [¬٣] ﴿وَأَنَّكُمْ إِلَينَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ أي: لا تعودون في الدار الآخرة كما قال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ يعني هملا [¬٤].\nوقوله: ﴿فَتَعَالى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾ أي: تقدس أن يخلق شيئًا عبثًا، فإنه الملك الحق،\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في ز: إن استحقيتم.\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- في ز، خ: \"مهملا\".","vol":"10","page":155},{"text":"المنزه عن ذلك ﴿لَا إِلَهَ إلا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ فذكر العرش؛ لأنه سقف جميع المخلوقات، ووصفه بأنه كريم أي: حسن المنظر بهي الشكل؛ كما قال تعالى: ﴿أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا علي بن محمد الطنافسي، حدثنا إسحاق بن سليمان -شيخ من أهل العراق- أنبأنا شعيب بن صفوان، عن رجل من آل سعيد بن العاص قال: كان آخر خطبة خطبها [¬١] عمر بن عبد العزيز؛ أن حمد اللَّه، وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد، [أيها الناس] [¬٢] فإنكم لم تخلقوا عبثا، ولن تتركوا سدى، وإن لكم معادًا ينزل اللَّه فيه للحكم بينكم والفصل بينكم، فخاب وخسر وشقى [عبدٌ أخرجه اللَّه من رحمته] [¬٣]، وحرم جنة عرضها السماوات والأرض، ألم تعلموا أنه لا يأمن غدًا إلا من حذر هذا [¬٤] اليوم وخافه، وباع نافذًا بباق، و[¬٥] قليلًا بكثير، وخوفًا بأمان؟ ألا ترون أنكم من أصلاب الهالكين، وسيكون من بعدكم الباقين، حتى تردوا إلى خير الوارثين؟ ثم إنكم في كل يوم تشيعون غاديًا ورائحًا إلى اللَّه ﷿ قد قضى نحبه، وانقضى أجله، حتى تغيبوه في صدع من الأرض، في بطن صدع غير ممهد ولا موسد، قد فارق الأحباب وباشر التراب، وواجه الحساب، مرتهن بعمله، غني عما ترك، فقير إلى ما قدم، فاتقوا اللَّه عباد اللَّه قبل انقضاء مواثيقه، ونزول الموت بكم، ثم رفع [¬٦] طرف ردائه على وجهه، فبكى وأبكى من حوله.\nوقال ابن أبي حاتم: ثنا يحيى بن نصير [¬٧] الخولاني، ثنا ابن وهب، أخبرني ابن لهيعة، عن أبي [¬٨] هبيرة، عن حنش بن عبد اللَّه، أن رجلًا مصابًا مر به على [¬٩] عبد اللَّه بن مسعود، فقرأ في أذنه هذه الآية: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَينَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥) فَتَعَالى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾ حتى ختم السورة فبرأ، [فذكر ذلك لرسول اللَّه ﷺ] [¬١٠]، فقال رسول اللَّه ﵌: \"بماذا قرأت في أذنه؟ \" فأخبره، [فقال له: \"إنها إذا قرئت في أذنه أحرقته] [¬١١] \"، ثم قال رسول اللَّه ﵌: \"والذي نفسي بيده، لو أن رجلا موقنًا قرأها على جبل لزال\".\n_________\n[¬١]- في ز: خطب.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"من خرج من رحمة اللَّه\".\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- سقط من ز.\n[¬٦]- في ز: حين تردوا.\n[¬٧]- في ت: \"جعل\".\n[¬٨]- في ز، خ: \"نصر\".\n[¬٩]- سقط من: خ.\n[¬١٠]- سقط من: ز، خ.\n[¬١١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"10","page":156},{"text":"وروى أبو نعيم من طريق خالد بن نزار، عن سفيان بن عيينة، عن محمد بن المنكدر، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث، عن أبيه، قال: بعثنا رسول اللَّه ﷺ في سرية، وأمرنا أن نقول إذا نحن أمسينا وأصبحنا: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَينَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ قال: فقرأناها فغنمنا وسلمنا.\nوقال ابن أبي حاتم أيضًا (^٦١): حدثنا إسحاق بن وهب العلاف الواسطي، حدثنا أبو المسيب سلمة بن سلام، حدثنا بكر بن خنيس [¬١]، عن نهشل بن سعيد، عن الضحاك بن مزاحم، عن عبد اللَّه بن عباس قال: قال رسول اللَّه صلى. اللَّه عليه وسلم: \"أمان أمتي [¬٢] من الغرق إذا ركبوا في السفن [¬٣]: باسم اللَّه الملك الحق، وما قدروا اللَّه حق قدره، والأرض جميعًا قبضته يوم القيامة، والسماوات مطويات بيمينه، سبحانه وتعالى عما يشركون، بسم اللَّه مجراها ومرساها إن ربي لغفور رحيم\".\n﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (١١٧) وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيرُ الرَّاحِمِينَ (١١٨)﴾\nيقول تعالى متوعدًا من أشرك به غيره، وعبد معه سواه، ومخبرًا أن من أشرك باللَّه ﴿لَا بُرْهَانَ لَهُ﴾، أي: لا دليل له على قوله، فقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ﴾ وهذه جملة معترضة، وجواب الشرط في قوله: ﴿فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ أي: اللَّه يحاسبه على ذلك.\nثم أخبر ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ أي: لديه يوم القيامة لا فلاح لهم ولا نجاة.\nقال قتادة: ذكر لنا أن نبي اللَّه ﷺ قال لرجل: \"ما تعبد؟ \" قال: أعبد اللَّه وكذا وكذا، حتى عد أصناما، فقال رسول اللَّه ﷺ: \"فأيهم إذا أصابك ضر فدعوته كشفه عنك؟ \" قال: اللَّه ﷿ [قال: \"فأيهم إذا كانت لك حاجة فدعوته أعطاكها؟ \" قال: اللَّه ﷿، [¬٤] قال: \"فما يحملك على أن تعبد هؤلاء معه؟ \" قال: أردت شكره بعبادة هؤلاء معه أم حسبت أن يغلب عليه، فقال رسول اللَّه ﷺ: \"تعلمون ولا يعلمون\". فقال [¬٥] الرجل [بعد] [¬٦] ما\n_________\n(^٦١) رواه الطبراني في المعجم الكبير (١٢/ ١٢٤)، وفي كتاب الدعاء برقم (٨٠٤) من طرق عن عبد الحميد الهلالي) عن نهشل به، وقال الهيثمي في المجمع (١٠/ ١٣٢): \"نهشل بن سعيد متروك\".\n_________\n[¬١]- في ز: حبيش.\n[¬٢]- في ز: لأمتي.\n[¬٣]- في ت: السفينة.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- في ز: قال:\n[¬٦]- في ز: بعد و.","vol":"10","page":157},{"text":"أسلم: لقيت رجلًا خصمني.\nهذا مرسل من هذا الوجه، وقد روى أبو عيسى الترمذي في جامعه مسندًا (^٦٢) عن عمران بن الحصين عن أبيه عن رسول اللَّه ﷺ نحو ذلك.\nوقوله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيرُ الرَّاحِمِينَ﴾ هذا إرشاد من اللَّه تعالى إلى هذا الدعاء، فالغفر إذا أطلق معناه: محوه الذنب، وستره عن الناس، والرحمة معناها: أن يسدده وووفقه في الأقوال والأفعال.\nآخر تفسير سورة المؤمنون\n* * *\n_________\n(^٦٢) سنن الترمذي برقم (٣٤٨٣) وقال: \"هذا حديث غريب\".","vol":"10","page":158},{"text":"<span data-type='title' id=toc-132>تفسير سورة النور وهي مدينة</span>\n﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (١) الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢)﴾\nيقول تعالى: هذه ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا﴾ فيه تنبيه إلى [¬١] الاعتناء بها، ولا ينفي ما عداها ﴿وَفَرَضْنَاهَا﴾ قال مجاهد وقتادة: أي: بينا الحلال والحرام، والأمر والنهي والحدود.\nوقال البخاري: ومن قرأ ﴿وَفَرَضْنَاهَا﴾ يقول: فرضناها عليكم، وعلى من بعدكم، ﴿وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ أي: مفسرات واضحات ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾.\nثم قال تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [] [¬٢] هذه الآية الكريمة فيها حكم الزانى في الحد، وللعلماء فيه تفصيل ونزاع؛ فإن الزاني لا يخلو إما أن يكون بكرًا وهو الذي لم يتزوج، أو محصنًا وهو الذي قد وطئ في نكاح صحيح، وهو حر بالغ عاقل، فأمّا إذا كان بكرًا لم يتزوج، فإن حده [جلد مائة] [¬٣]، كما في الآية، ويزاد على ذلك أن يغرب عامًا [عن بلده] [¬٤] عند جمهور العلماء، خلافا لأبي حنيفة ﵀؛ فإن عنده: أن التغريب إلى رأي الإِمام، أن شاء غرّب، وإن شاء لم يغرب.\nوحجة الجمهور في ذلك ما ثبت في الصحيحين (^١) من رواية الزهري، عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة بن مسعود، عن أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني في الأعرابيين اللذين أتيا رسول اللَّه ﷺ فقال أحدهما: يا رسول اللَّه؛ أن ابني [] [¬٥] كان عسيفًا -يعني: أجيرًا- على هذا، فزنا بامرأته، فافتديت [] [¬٦] منه بمائة شاة ووليدة، فسألت أهل العلم؛ فأخبروني أن على ابني جلد مائة وتغريب عام، وأن على امرأة هذا الرجم؛ فقال\n_________\n(^١) - صحيح البخاري، كتاب الصلح، باب: إذا اصطحوا على صلح جور فالصلح مردود، حديث (٢٦٩٦) وأطرافه حديث (٢٧٢٥) في الشروط، و(٦٦٣٣) في الأيمان والنذور، و(٦٨٢٨، و٦٨٣٦، و٦٨٤٣) ثلاثتهم في الحدود، و(٧١٩٥) في الأحكام، و(٧٢٦٠) في أخبار الآحاد. وصحيح مسلم، كتاب الحدود، باب: من اعترف على نفسه بالزنا حديث (١٦٩٨).\n_________\n[¬١]- في ت: \"على\".\n[¬٢]- في ت: يعني.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في ت: \"مائة جلدة\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٥]- في ت: هذا.\n[¬٦]- في ت: ابني.","vol":"10","page":159},{"text":"رسول اللَّه ﷺ: \"والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب اللَّه تعالى، الوليدة والغنم رد عليك، وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام. واغد يا أنيس -لرجل من أسلم- إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها\". فغدا عليها فاعترفت فرجمها.\nوفي هذا دلالة على تغريب الزاني مع جلد مائة إذا كان بكرًا لم كزوج، فأما أن كان محصنًا [وهو الذي قد وطئ في نكاح صحيح وهو حر بالغ عاقل] [¬١] فإنه يرجم.\nكما قال الإِمام مالك: حدثني محمد [¬٢] بن شهاب، عن [¬٣] عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة بن مسعود: أن ابن عباس أخبره: أن عمر ﵁.- قام: فحمد اللَّه، وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد، أيها الناس؛ فإن اللَّه تعالى بعث محمدًا ﷺ بالحق، وأنزل عليه الكتاب، فكان فيما أنزل عليه آية الرجم، فقرأناها ووعيناها، ورجم رسول اللَّه ﷺ ورجمنا بعده، فأخشى أن يطول بالناس زمان أن يقول قائل: لا نجد آية الرجم في كتاب اللَّه؛ فيضلوا بترك فريضة قد أنزلها اللَّه، فالرجم في كتاب اللَّه حق على [] [¬٤] من زنى إذا أحصن من الرجال و[] [¬٥] النساء، إذا قامت البينة أو الحبل أو الاعتراف.\nأخرجاه في الصحيحين (^٢) من حديث مالك مطولًا. وهذه [¬٦] قطعة منه فيها مقصودنا ها هنا.\nوروى الإِمام أحمد (^٣) عن هشيم، عن الزهري، عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه عن ابن عباس، حدثني عبد الرحمن بن عوف: أن عمر بن الخطاب خطب الناس فسمعته يقول: ألا وإن ناسًا يقولون: ما بال الرجمُ وفي كتاب اللَّه [] [¬٧] الجلد، وقد رجم رسول اللَّه ﷺ ورجمنا بعده، ولولا أن يقول [قائلون أو يتكلم متكلمون] [¬٨]: أن عمر زاد في كتاب اللَّه ما ليس منه [¬٩] لأثبتُّها كما نزلت [] [¬١٠].\n_________\n(^٢) - رواه البخاري في الحدود، باب: الاعتراف بالزنا، حديث (٦٨٢٩)، وباب: رجم الحبلى من الزنا إذا أحصنت، حديث (٦٨٣٠)، ورواه مسلم حديث (١٦٩١) في الحدود، باب: رجم الثيب في الزنا. وأبو داود حديث (٤٤١٨) في الحدود، باب: الرجم. ورواه الترمذي، حديث (١٤٣٢) في الحدود، باب: ما جاء في تحقيق الرجم، وابن ماجه حديث (٢٥٥٣) في الحدود، باب: الرجم، وأحمد حديث (٣٩٣)، والدارمي حديث (٢٣٢٢) في الحدود، باب: حد المحصنين في الزنا.\n(^٣) - رواه أحمد حديث (١٩٨).\n_________\n[¬١]- في ت: من حديث.\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- في ت: \"أخبرنا\".\n[¬٤]- في ت: كل.\n[¬٥]- في ت: من.\n[¬٦]- في ز: \"هذا\".\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين في ت: وإنما فيه.\n[¬٨]- في ت: \"قائل ويتكلم متكلم\".\n[¬٩]- في ز: \"فيه\".\n[¬١٠]- في ت: به.","vol":"10","page":160},{"text":"وأخرجه النسائي من حديث عبيد اللَّه بن عبد اللَّه [] [¬١].\nوقد روى الإِمام [¬٢] أحمد (^٤) أيضًا عن هشيم، عن علي بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس قال: خطب عمر بن الخطاب ﵁ فذكر الرجم، فقال: [إنا لا نجد من الرجم بدًّا] [¬٣] لا تخد عن عنه، فإنه حد من حدود اللَّه تعالى، ألا وإن رسول اللَّه ﷺ قد رجم، ورجمنا بعده، ولولا أن يقول قائلون: [زاد عمر] [¬٤] في كتاب اللَّه ما ليس فيه؛ لكتبت في ناحية في [¬٥] المصحف: وشهد عمر بن الخطاب وعبد الرحمن بن عوف وفلان وفلان: أن رسول اللَّه صلن اللَّه عليه وسلم قد رجم ورجمنا بعده، ألا وإنه سيكون من بعدكم قوم يكذبون بالرجم وبالدجال وبالشفاعة، وبعذاب القبر، وبقوم يخرجون من النار بعدما امتحشوا.\nوروى أحمد (^٥) أيضًا عن يحيى القطان، عن يحيى الأنصاري، عن سعيد بن المسيب، عن عمر بن الخطاب: \"إياكم أن تهلكوا عن آية الرجم … \" الحديث\nرواه الترمذي من حديث سعيد، عن عمر، وقال: صحيح.\nوقال الحافظ أبو يعلى الموصلي: حَدَّثَنَا عبيد اللَّه بن عمر الفواري، حَدَّثَنَا يزيد بن زريع، حَدَّثَنَا ابن عون، عن محمد هو ابن سيرين قال: نبئت عن كثير بن الصلت قال: كنا عند مروان، وفينا زيد، فقال زيد: كنا نقرأ: (الشيخ [¬٦] والشيخة [إذا زنيا] [¬٧] فارجموهما ألبتة)، قال مروان: ألا كتبتها في المصحف؟ قال: ذكرنا ذلك وفينا عمر بن الخطاب؛ فقال: أنا أشفيكم من ذلك، قال: قلنا: فكيف؟ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ؛ قال: فذكر كذا وكذا، وذكر الرجم، فقال: يا رسول اللَّه، اكتبني آية الرجم، قال: \"لا أستطيع الآن\" هذا أو نحو ذلك.\n_________\n(^٤) - رواه أحمد حديث (١٥٧).\n(^٥) - رواه أحمد حديث (٢٥١). ورواه الترمذي حديث (١٤٣١) في الحدود، باب: ما جاء في تحقيق الرجم.\n_________\n[¬١]- سقط من ت.\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٤]- سقط من: ز.\n[¬٥]- سقط من: ز.\n[¬٦]- في ز: \"والشيخ\".\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.","vol":"10","page":161},{"text":"وقد رواه النسائي (^٦) [عن] [¬١] محمد بن المثني، عن غندر، عن شعبة، عن قتادة، عن يونس بن جبير، عن كثير بن الصلت، عن زيد بن ثابت به [¬٢]، وهذه طرق كلها متعددة متعاضدة [¬٣]، ودالة على أن آية الرجم كانت مكتوبة فنسخ تلاوتها، وبقي حكمها معمولًا به، [وللَّه الحمد] [¬٤].\nوقد أمر رسول اللَّه ﷺ برجم هذه المرأة، وهي زوجة الرجل الذي استأجر الأجير، لما زنت مع الأجير، ورجم رسول اللَّه ﷺ ماعزًا والغامدية، وكل هؤلاء لم ينقل عن [¬٥] رسول اللَّه ﷺ أنه [¬٦] جلدهم قبل الرجم، وإنما وردت الأحاديث [الصحاح] [¬٧] المتعددة الطرق والألفاظ بالاقتصار على رجمهم، وليس فيها ذكر الجلد، ولهذا كان هذا مذهب جمهور العلماء، وإليه ذهب أبو حنيفة ومالك والشافعي ﵏ وذهب الإمام أحمد ﵀ إلى أنه يجب أن يجمع على الزاني المحصن بين الجلد للآية والرجم للسنة، كما رُويَ عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ أنه لما أتى بشراحة، وكانت قد زنت وهي محصنة، فجلدها يوم الخميس ورجمها يوم الجمعة، ثم قال: جلدتها بكتاب اللَّه، ورجمتها بسنة رسول اللَّه ﷺ.\nوقد روى الإِمام أحمد، ومسلم، وأهل السنن الأربعة من حديث قتادة عن الحسن عن حطان بن عبد اللَّه الرقاشي عن عبادة بن الصامت (^٧) قال: قال رسول اللَّه ﷺ: \"خذوا عني، خذوا غني، قد جعل اللَّه لهن سبيلًا، البكر بالبكر جلد مائة وتغريب سنة [¬٨]، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم\".\n_________\n(^٦) - رواه النسائي في الكبرى (٤/ ٢٧٠) حديث ٧١٤٥.\n(^٧) - رواه مسلم حديث (١٦٩٠) في الحدود، باب: حد الزنى، وأبو داود حديث (٤٤١٥) في الحدود، باب: الرجم، والترمذي حديث (١٤٣٤) في الحدود، باب: ما جاء في الرجم على الثيب، والنسائي في الكبرى حديث (٧١٤٢، ٧١٤٣، ٧١٤٤) (٤/ ٢٧٠) في كتاب الرجم، وابن ماجه حديث (٢٥٥٠)، في الحدود، باب: حد الزنى، وأحمد حدلث (٢٢٧٦٩)، والدارمي حديث (٢٣٢٧) في الحدود، باب: تفسير قول اللَّه تعالى: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾.\n_________\n[¬١]- في ت: \"من حديث\".\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين في ت: \"والله أعلم\".\n[¬٥]- في ز: \"أن\".\n[¬٦]- سقط من: ز.\n[¬٧]- في ت: \"الصحيحة المتعاضدة\".\n[¬٨]- في ت: \"عام\".","vol":"10","page":162},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ أي: في حكم اللَّه، لا ترجموهما [وترثوا لهما] [¬١] في شرع اللَّه، وليس المنهى عنه الرأفة الطيعية [على إقامة الحد، وإنما هي الرأفة التي تحمل الحاكم] [¬٢] على ترك الحد، فإنه لا [¬٣] يجوز له ذلك.\nقال مجاهد: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ قال: إِقامة الحدود إذا رفعت إلى السلطان، فتقام ولا تعطل، وكذا رُوي عن سعيد بن جبير وعطاء بن أبي رباح وقد جاء في الحديث: \"تعافوا الحدود فيما بينكم، لما بلغني من حد فقد وجب\" (^٨) وفي الحديث الآخر: \"لحد يقام في الأرض خير لأهلها من أن يمطروا أربعين صباحًا\" (^٩).\nوقيل المراد: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ فلا تقيموا الحد كما ينبغي من شدة الضرب الزاجر عن المأثم، وليس المراد الضرب المبرح. قال عامر الشعبي: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ قال: رحمة في شدة الضرب، وقال عطاء: ضرب ليس بالمبرح، وقال سعيد بن أبي عروبة عن حماد بن أبي سليمان: يجلد القاذف وعليه ثيابه، والزاني تخلع ثيابه، ثم تلا ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ فقلت: هذا في الحكم؟ قال: هذا في الحكم والجلد. يعني: في إقامة الحد وفي شدة الضرب.\nوقال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا عمرو بن عبد اللَّه الأودي، حَدَّثَنَا وكيع، عن نافع بن عمر، عن ابن أبي مليكة، عن عبيد [¬٤] اللَّه بن عبد اللَّه بن عمر: أن جارية لابن عمر زنت، فضرب رجليها. قال نافع: أراه قال: و[¬٥] ظهرها. قال: قلت: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ قال: يا بني؛ ورأيتني أخذتني بها رأفة؟ إن اللَّه لم يأمرني أن أقتلها، ولا أن أجعل جلدها في رأسها، وقد أوجعت حيث ضربت.\nوقوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِر﴾ أي: فافعلوا ذلك، أقيموا [¬٦]\n_________\n(^٨) - رواه أبو داود حديث (٤٣٧٦) في الحدود، باب: العفو عن الحدود ما لم تبلغ السلطان، والنسائي حديث (٤٨٨٦) في قطع السارق، باب: ما يكون حرزا وما لا يكون. كلاهما من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده به.\n(^٩) - رواه أحمد حديث (٨٥٢١)، وابن ماجه حديث (٢٥٣٨) في الحدود، باب: إقامة الحدود، كلاهما من حديث جرير بن يزيد، عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير، عن أبي هريرة به مرفوعًا. وجرير بن يزيد ضعيف؛ والراوي عنه عيسى بن يزيد: مقبول.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ت: \"وترأفوا بهما\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٣]- في ت: \"فلا\".\n[¬٤]- في ز: \"عبد\".\n[¬٥]- سقط من ت.\n[¬٦]- في ت: وأقيموا.","vol":"10","page":163},{"text":"الحدود على من زنى، وشددوا عليه الضرب، ولكن ليس مبرحًا؛ ليرتدع هو ومن يصنع مثله بذلك، وقد جاء في المسند (^١٠) عن بعض الصحابة أنه قال: يا رسول اللَّه؛ إني لأذبح الشاة وأنا أرحمها فقال: \"ولك في ذلك أجر\".\nوقوله تعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ هذا فيه تنكيل للزانيين إذا جلدا [¬١] بحضرة الناس، فإن ذلك يكون أبلغ في زجرهما، وأنجع في ردعهما؛ فإن في ذلك تقريعًا وتوبيخًا وفضيحة إذا كان الناس حضورًا.\nقال الحسن البصري في قوله: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ يعني: علانية، ثم قال علي بن أبي طلحة [عن ابن عباس] [¬٢] ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ الطائفة: الرجل فما فوقه، و[¬٣] قال مجاهد: الطائفة: [رجل] [¬٤] إلى الألف، وكذا قال عكرمة، ولهذا قال الإمام أحمد: إن الطائفة تصدق على واحد. وقال عطاء بن أبي رباح اثنان، وبه قال إسحاق بن راهويه، وكذا قال سعيد بن جبير ﴿طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [قال: يعني الرجلين فصاعدًا، وقال الزهري: ثلاثة نفر فصاعدًا، وقال عبد الرزَّاق: حدثني ابن وهب عن الإمام مالك في قوله ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾] [¬٥]، قال الطائفة أربعة نفر فصاعدًا؛ لأنه لا يكون شعهادة في الزنا دون [¬٦] أربعة شهداء فصاعدًا وبه قال الشافعي.\n_________\n(^١٠) - رواه أحمد (١٥٦٣٤) (٣/ ٤٣٦) عن معاوية بن قرة، [عن أبيه]: أن رجلًا قال: يا رسول اللَّه! إني لأذبح الشاة وأنا أرحمها، [أو] قال: إني لأرحم الشاة أن أذبحها؛ فقال: \" [و] الشاة إن رحمتها رحمك اللَّه] \". وحديث ٢٠٤١٥ (٥/ ٣٤). والبخاري في \"الأدب الفرد\" حديث (٣٧٣). ورواه الطبراني في \"الصغير\" (٩/ ١٠١). وفي الأوسط (٣/ ٢٥٥) (٣٧٠). وفي \"الكبير\" (١٩/ ٢٣) (٤٥ - ٤٦). والبزار كما في كشف الأستار (٢/ ٦٨) حديث ١٢٢١. وأبو نعيم في الحلية\" (٦/ ٣٤٣). من طريق زياد بن مخراق، عن معاوية بين قرة، عن أبيه به. وأخرجه الحاكم (٣/ ٥٨٧). من حديث عدي بن الفضل، عن يونس بن عبيد، عن معاوية عن أبيه به. وأخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء (٢/ ٣٠٢، ٦/ ٣٤٣). والطبراني في الأوسط (٣/ ١٤٢) حديث (٢٧٣٦). وفي الكبير (١٩/ ٢٤) حديث (٤٧). من طريق يونس بن عبيد، عن معاوية بن قرة. والحديث سكت عنه الحاكم، وقال الذهبي: فيه عدي بن الفضل وهو هالك. والحديث صححه الألباني في صحيح الأدب المفرد وهو عنده في الصحيحة حديث (٢٦). وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٤/ ٣٥ - ٣٦) وقال: رواه أحمد والبزار والطبراني في الكبير والصغير كلهم من غير شك قالوا: قال: يا رسول اللَّه! إني لأذبح الشاة فأرحمها. وله ألفاظ كثيرة ورجاله ثقات. ا هـ.\n_________\n[¬١]- في ز: \"جلدوا\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- في ت: الرجل الواحد.\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٦]- في ت: \"إلا\".","vol":"10","page":164},{"text":"وقال ربيعة: خمسة، وقال الحسن البصري: عشرة، وقال قتادة: أمر الله أن يشهد عذابهما طائفة من المؤمنين أي: نفر من المسلمين؛ ليكون ذلك موعظة وعبرة ونكالًا.\nوقال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا أبي، حَدَّثَنَا يحيى بن عثمان، حَدَّثَنَا بقية قال: سمعت نصر بن علقمة [] [¬١] في قوله تعالى ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قال: ليس ذلك للفضيحة، إنما ذلك ليُدعى الله تعالى لهما بالتوبة والرحمة.\n﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إلا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إلا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (٣)﴾\nهذا خبر من الله تعالى بأن الزاني لا يطأ إلا زانية [أو مشركة أي] [¬٢]: لا يطاوعه على مراده من الزنا إلا زانية عاصية، أو مشركة لا ترى حرمة ذلك، وكذلك ﴿وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ﴾ أي: عاص بزناه ﴿أو مشرك﴾ لا يعتقد تحريمه، قال سفيان الثوري، عن حبيب بن أبي عمرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄ ﴿الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة﴾ قال: ليس هذا بالنكاح إنما هو الجماع، لا يزني بها إلا زان أو مشرك، وهذا إسناد صحيح عنه، وقد روي عنه من غير وجه أيضًا.\nوقد رُوي عن مجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير، وعروة بن الزبير، والضحاك، ومكحول، ومقاتل بن حيان، وغير واحد؛ نحو ذلك.\nوقوله تعالى: ﴿وحرم ذلك على المؤمنين﴾ أي: تعاطيه، والتزويج بالبغايا أو تزويج العفائف [بالفجار من الرجال] [¬٣].\nو[¬٤] قال أبو داود الطيالسي: حَدَّثَنَا قيس، عن أبي حصين، عن سعيد بين جبير، عن ابن عباس ﴿وحرم ذلك على المؤمنين﴾ قال: حرم الله الزنا على المؤمنين.\nوقال قتادة ومقاتل بن حيان: حرم الله على المؤمنين نكاح البغايا، وتقدم في ذلك فقال: ﴿وحرم ذلك على المؤمنين﴾ وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان﴾ وقوله ﴿محصنين غير مسافحين ولا متخذي أخدان﴾ الآية، ومن ها هنا ذهب الإِمام أحمد بن حنبل ﵀ إلى أنه لا يصح العقد من الرجل العفيف\n_________\n[¬١]- في ت: ويقول:\n[¬٢]- سقط من: خ، ز.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في ت: \"بالرجال الفجار\".\n[¬٤]- سقط من: ز.","vol":"10","page":165},{"text":"على المرأة البغي، ما دامت [¬١] كذلك حتى [¬٢] تستتاب، فإن تابت صح العقد عليها وإلا فلا، وكذلك لا يصح تزويج المرأة الحرة العفيفة بالرجل الفاجر المسافح حتى يتوب توبة صحيحة لقوله تعالى ﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾.\nوقال الإِمام أحمد (^١١): حَدَّثَنَا عارم، حَدَّثَنَا معتمر بن سليمان؛ قال: قال أبي: حَدَّثَنَا الحضرمي، عن القاسم بن محمد، عن عبد الله بن عمرو ﵄ أن رجلًا من المسلمين [¬٣] استأذن رسول الله ﷺ في امرأة يقال لها: أم مهزول، كانت تسافح وتشترط له أن تنفق عليه، قال: فاستأذن رسول الله ﷺ، أو ذكر له أمرها قال: فقرأ عليه رسول الله ﷺ ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾.\nوقال النسائي (^١٢): أخبرنا عمرو بن علي [¬٤]، حَدَّثَنَا المعتمر بن سليمان، عن أبيه، عن الحضرمي، عن القاسم بن محمد، عن عبد الله بن عمرو قال: كانت امرأة يقال لها: أم مهزول، وكانت تسافح، فأراد رجل من أصحاب رسول الله ﷺ أن يتزوجها فأنزل الله ﷿ ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾.\nقال [¬٥] الترمذي (^١٣): حَدَّثَنَا عبد بن حميد، حَدَّثَنَا روح بن عبادة، عن عبيد الله بن الأخنس، أخبرني عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: كان رجل يقال له: مرثد بن أبي مرثد، وكان رجلًا يحمل الأسارى من مكة حتى يأتي بهم المدينة، قال: وكانت امرأة بغي بمكة يقال لها: عناق، وكانت صديقة له، وإنه واعد [¬٦] رجلًا من أسارى مكة يحمله، قال: فجئت حتى انتهيت إلى ظل حائط من حوائط مكة في ليلة مقمرة، قال: فجاءت عناق فأبصرت سواد ظل تحت [¬٧] الحائط؛ فلما انتهت إليّ عرفتني [¬٨]؛ فقالت: مرثد؟ فقلت: مرثد؛ فقالت: مرحبًا وأهلًا، هلم فبت عندنا الليلة. قال: فقلت [¬٩] يا عناق؛ حرم الله الزنا، فقالت [¬١٠]: يا أهل الخيام هذا الرجل يحمل أسراكم. قال: فتبعني\n_________\n(^١١) - المسند (٢/ ١٥٩).\n(^١٢) - النسائي في الكبرى حديث (١١٣٥٩).\n(^١٣) - رواه الترمذي حديث (٣١٧٧) في تفسير القرآن، تفسير سورة النور.\n_________\n[¬١]- في ز: \"دامها\".\n[¬٢]- سقط ش: ز.\n[¬٣]- في ت: \"المؤمنين\".\n[¬٤]- في ت: \"عدي\".\n[¬٥]- في ر: \"وقال\".\n[¬٦]- في ز: \"وعد\".\n[¬٧]- سقط من: خ، ز.\n[¬٨]- في ز: \"عرفت\".\n[¬٩]- في ز: \"قلت\".\n[¬١٠]- في ز: \"قالت\".","vol":"10","page":166},{"text":"ثمانية وسلكت [¬١] الخندمة [¬٢] فانتهيت إلى غار أو كهف فدخلت فيه فجاءوا حتى قاموا على رأسي فبالوا، فظل بولهم على رأسى، فأعماهم [¬٣] الله عني، قال: ثم رجعوا، ورجعت [¬٤] إلى صاحبي فحملته، وكان رجلا ثقيلًا حتى انتهيت إلى الإِذخر [¬٥]، ففككت عنه أكبله [¬٦]، فجعلت أحمله ويعينني حتى أتيت به المدينة، فأتيت رسول الله ﷺ؛ فقلت: يا رسول الله! أنكح عناقًا، أنكح عناقًا - مرتين - فأمسك رسول الله ﷺ فلم يرد عليّ شيئًا حتى نزلت ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [فقال رسول الله ﷺ: \"يا مرثد! الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك] [¬٧] فلا تنكحها\".\nثم قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه.\nوقد [¬٨] رواه أبو دارد رالنسائي في كتاب النكاح من سننيهما (^١٤) من حديث عبيد الله بن الأخنس به.\nوقال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا أبي، حَدَّثَنَا مسدد أبو الحسن، حَدَّثَنَا عبد الوارث، عن حبيب المعلم، حدثني عمرو بن شعيب، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا ينكح الزاني المجلود إلا مثله\".\nوهكذا أخرجه أبو داود (^١٥) في سننه عن مسدد، وأبي معمر [] [¬٩]- عبد الله بن عمرو - كلاهما عن عبد الوارث به.\nوقال الإِمام أحمد (^١٦): حَدَّثَنَا يعقوب، حَدَّثَنَا عاصم بن محمد بن زيد بن عبد الله بن\n_________\n(^١٤) - رواه أبو داود حديث (٢٠٥١) في باب: قوله تعالى: ﴿الزاني لا ينكح إلا زانية﴾ والنسائي حديث ٣٢٢٨ في باب: تزويج الزانية.\n(^١٥) - رواه أبو داود حديث (٢٠٥٢) في باب: قوله تعالى: ﴿الزاني لا ينكح إلا زانية﴾\n(^١٦) - رواه أحمد (٢/ ١٣٤).\n_________\n[¬١]- في ت: \"ودخلت\".\n[¬٢]- الخندمة: اسم جبل في مكة.\n[¬٣]- في خ: \"ونحاهم\".\n[¬٤]- في ت: \"فرجعت\".\n[¬٥]- الإذحر: موضع خارج مكة ينبت فيه الإذخر.\n[¬٦]- أكبله: جمع - قلة - كبل، وهو القيد الضخم.\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٨]- سقط من: ز.\n[¬٩]- في خ، ز: \"عن\".","vol":"10","page":167},{"text":"عمر بن الخطاب، عن أخيه عمر بن محمد، عن عبد الله بن يسار -مولى ابن عمر- قال: أشهد لسمعت سالمًا يقول: قال عبد الله: قال رسول الله ﷺ: \"ثلاثة لا يدخلون الجنة ولا ينظر الله إليهم يوم القيامة: العاق لوالديه، والمرأة المترجلة المتشبهة بالرجال، والديوث. وثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة: العاق لوالديه، ومدمن الخمر، والمنان بما أعطى\".\nورواه النسائي (^١٧) عن عمرو بن علي الفلاس، عن يزيد بن زريع، عن عمر بن محمد العمري، عن عبد الله بن يسار به.\nوقال الإمام أحمد أيضًا (^١٨): حَدَّثَنَا يعقوب، حَدَّثَنَا أبي، حَدَّثَنَا الوليد بن كثير، عن قطن بن وهب، عن عويمر بن الأجدع، عمن حدثه، عن سالم بن عبد الله بن عمر قال: حدثني عبد الله بن عمر: أن رسول الله ﷺ قال: \"ثلاثة حرم الله عليهم الجنة: مدمن الخمر، والعاق [] [¬١]، والديوث الذي يقر في أهله الخبث\".\nوقال أبو داود الطيالسي في مسنده (^١٩): حدثني شعبة، حدثني رجل من آل سهل بن حنيف، عن محمد بن عمار، عن عمار بن ياسر قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا يدخل الجنة ديوث\" يستشهد به لما قبله من الأحاديث.\nوقال ابن ماجة (^٢٠): حَدَّثَنَا هشام بن عمار، حَدَّثَنَا سلَّام بن سوار، حَدَّثَنَا كثير بن سليم، عن الضحاك بن مزاحم، سمعت أنس بن مالك يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول [¬٢]: \"من أراد أن يلقى الله طاهرًا مطهرًا فليتزوج الحرائر\" في إسناده ضعف.\nقال [¬٣] الإمام أبو نصر إسماعيل بن حماد الجوهري في كتاب [¬٤] \"الصحاح في اللغة\": الديوث: القُنذُع وهو الذي لا غيرة له.\n_________\n(^١٧) - رواه النسائي حديث ٢٥٦٢ في الزكاة، باب: المنان بما أعطى.\n(^١٨) - رواه أحمد (٢/ ٦٩) وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ١٤٧) وقال: فيه راوٍ لم يسم.\n(^١٩) - مسند الطيالسي رقم ٦٤٢،\n(^٢٠) - رواه ابن ماجة حديث (١٨٦٢) في النكاح، باب: تزويج الحرائر، وهذا إسنادٌ ضعيف، سلام بن سوار ضعيف، وكثير بن سليم ضعيف، والضحاك: صدوق كثير الإرسال، وهشام بن عمار: صدوق كبر فصار يتلقن، فحديثه في القديم أصح.\n_________\n[¬١]- في ت: لوالديه.\n[¬٢]- سقط من: خ، ز.\n[¬٣]- في ت: وقال:\n[¬٤]- في ت: \"كتابه\".","vol":"10","page":168},{"text":"فأما الحديث الذي رواه الإِمام أبو عبد الرحمن النسائي (^٢١) في كتاب النكاح من سننه: أخبرنا محمد بن إسماعيل بن علية، عن يزيد بن هارون، عن حماد بن سلمة، وغيره، عن هارون بن رئاب، عن عبد الله بن عبيد بن عمير -وعبد الكريم، عن عبد الله بن عبيد بن عمير، عن ابن عباس- عبد الكريم رفعه إلى [¬١] ابن عباس، وهارون لم يرفعه - قالا: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال [¬٢]: إن عندي امرأة [] [¬٣] من أحب الناس إليّ وهي لا تمنع يد. لامس قال: \"طلقها\". قال: لا صبر لي عنها، قال: \"استمتع بها\".\nثم قال النسائي: هذا الحديث غير ثابت، وعبد الكريم ليس بالقوي، وهارون أثبت منه وقد أرسل الحديث وهو ثقة، وحديثه أولى بالصواب من حديث عبد الكريم.\nقلت: وهو ابن أبي المخارق البصري المؤدب، تابعي ضعيف الحديث، وقد خالفه هارون بن رئاب وهو تابعي ثقة من رجال مسلم، فحديثه المرسل أولى، كما قال النسائي، لكن قد رواه النسائي (^٢٢) في كتاب الطلاق عن إسحاق بن راهويه، عن النضر بن شميل، عن حماد بن سلمة، عن هارون بن رئاب، عن عبد الله بن عبيد بن عمير، عن ابن عباس مسندًا، فذكره. [فهذا] [¬٤] بهذا الإِسناد رجاله [¬٥] على شرط مسلم؛ إلا أن النسائي بعد روايته له قال: \"وهذا خطأ والصواب مرسل. ورواه غير النضر على الصواب\".\nوقد رواه النسائي (^٢٣) أيضًا وأبو داود عن الحسين بن حريث، أخبرنا الفضل بن موسى، أخبرنا الحسين بن واقد، عن عمارة بن أبي حفصة عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ فذكره. وهذا إِسناد [¬٦] جيد.\nوقد اختلف الناس في هذا الحديث ما بين مضعف له كما تقدم عن النسائي، ومنكر [¬٧] كما قال الإِمام [¬٨] أحمد: هو حديث منكر، وقال ابن قتيبة: إنما أراد أنها سخية لا تمنع\n_________\n(^٢١) - رواه النسائي حديث (٣٢٢٩) في النكاح، باب: تزويج الزانية.\n(^٢٢) - رواه النسائي حديث (٣٤٦٥) في الطلاق، باب: ما جاء في الخلع.\n(^٢٣) - رواه النسائي حديث (٣٤٦٤) في الطلا ق، باب: ما جاء في الخلع. أنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَال: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَال: إِنَّ امْرَأتِي لَا تَمْنَعُ يَدَ لَامِسٍ فَقَال: \"غَرِّبْهَا إنْ شِئْتَ\" قَال: إنِّي أخَافُ أنْ تَتَّبعَهَا نَفْسِي قَال: \"اسْتَمْتِعْ بِهَا\".\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- في ز: \"قال\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في ت: وهي.\n[¬٤]- سقط من خ.\n[¬٥]- في خ: \"فرجاله\".\n[¬٦]- في خ: \"الإسناد\".\n[¬٧]- سقط من: خ، ز.\n[¬٨]- سقط من: ز.","vol":"10","page":169},{"text":"سائلًا، وحكاه النسائي في سننه عن بعضم فقال: وقيل: سخية تعطى، وردّ هذا بأنه لو كان المراد لقال [¬١]: لا تردّ يد ملتمس، وقيل: المراد إن سجيتها لا ترد يد لامس، [لا أن] [¬٢] المراد أن هذا واقع منها وأنها تفعل الفاحشة فإن رسول الله ﷺ لا يأذن في مصاحبة من هذه صفتها؛ فإن زوجها والحالة هذه يكون ديوثًا، وقد تقدم الوعيد على ذلك، ولكن لما كانت سجيتها هكذا ليس فيها ممانعة ولا مخالفة لمن أرادها لو خلا بها أحد، أمره [¬٣] رسول الله ﷺ بفراقها، فلما ذكر أنه يحبها أباح له البقاء معها، لأن محبته لها محفقة ووقوع [¬٤] الفاحشة منها متوهم [¬٥]، فلا يصار إلى الضرر العاجل، لتوهم الآجل، والله ﷾ أعلم.\nقالوا: فأما إذا حصلت توبة فإنه يحل التزويج، كما قال الإِمام أبو محمد بن أبي حاتم ﵀: حَدَّثَنَا أبو سعيد الأشج، حَدَّثَنَا أبو خالد، عن ابن أبي ذئب قال: سمعت شعبة [¬٦]-مولى ابن عباس ﵁ قال: سمعت ابن عباس وسأله رجل فقال [¬٧] له: إني كنت ألم بامرأة آتى منها ما حرم الله ﷿ علي، فرزق الله ﷿ من ذلك توبة، فأردت أن أتزوجها، فقال أناس: إن الزاني لا ينكح إلا زانية [] [¬٨]. فقال ابن عباس: ليس هذا في هذا، انكحها فما كان من إثم فعليَّ.\nوقد ادعى طائفة آخرون من العلماء أن هذه الآية منسوخة.\nقال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا أبو سعيد الأشج، حَدَّثَنَا أبو خالد، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب قال: ذكر عنده: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾ قال: كان يقال: نسختها التي بعدها ﴿وأنكحوا الأيامى منكم﴾ قال: كان يقال: الأيامي من المسلمين.\nو[¬٩] هكذا رواه الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب \"الناسخ والمنسوخ\" له، عن سعيد بن المسيب (^٢٤).\nونص على ذلك أيضًا الإِمام أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي ﵀.\n_________\n(^٢٤) - الناسخ والمنسوخ ص (١٠٠)، أثر (١٧١) وروى نحوه الشافعي في الأم (٥/ ١٢، ١٤٨) والبيهقي في الكبرى (٧/ ١٥٤).\n_________\n[¬١]- في ز: \"فقال\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز: \"لأن\".\n[¬٣]- سقط من: خ.\n[¬٤]- في خ: \"ووقع\".\n[¬٥]- في ز: \"متوهمة\".\n[¬٦]- سقط من: خ، ز.\n[¬٧]- في ز: \"قال\".\n[¬٨]- ما بين المعكوفتين في ت: أو مشركة.\n[¬٩]- سقط من: ز.","vol":"10","page":170},{"text":"﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤) إلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥)﴾\nهذه الآية الكريمة فيها بيان حكم جلد القاذف للمحصنة، وهي الحرة البالغة العفيفة، فإذا كان المقذوف رجلًا فكذلك يجلد قاذفه أيضًا، وليس في هذا نزاع بين العلماء، فأما إن أقام القاذف بينة على صحة ما قاله رُدَّ [¬١] عنه الحد؛ ولهذا قال تعالى ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ فأوجب على القاذف إذا لم يقم بينة [¬٢] على صحة ما قاله [¬٣] ثلاثة أحكام: (أحدها) أن يجلد ثمانين جلدة، (الثاني) أنه تردّ شهادته دائمًا [¬٤]، (الثالث) أن يكون فاسقًا ليس بعدل، لا عند الله ولا عند الناس، ثم قال تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا [فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ] [¬٥]﴾. واختلف [¬٦] العلماء في هذا الاستثناء، هل يعود إلى الجملة الأخيرة فقط؛ فترفع التوبةُ الفسقَ فقط، ويبقى مردود الشهادة دائمًا وإن تاب، أو يعود إلى الجملتين الثانية والثالثة؟ وأما [¬٧] الجلد: فقد ذهب وانقضى، سواء تاب أو أصر، ولا حكم له بعد ذلك بلا خلاف، فذهب الإمام مالك والشافعي وأحمد بن حنبل إلى أنه إذا تاب قبلت شهادته، وارتفع عنه حكم الفسق، ونص عليه سعيد بن المسيب سيد التابعين، وجماعة من السلف أيضًا، وقال الإِمام أبو حنيفة: إنما يعود الاستثناء إلى الجملة الأخيرة فقط، فيرتفع الفسق بالتوبة ويبقى مردود الشهادة أبدًا، وممن ذهب إليه من السلف: القاضي شريح وإبراهيم النخعي وسعيد بن جبير ومكحول وعبد الرحمن بن يزيد بن جابر. وقال الشعبي والضحاك: لا تقبل [شهادته وإن تاب إلا أن يعترف على نفسه بأنه [¬٨] قد قال البهتان، فحينئذ تقبل] [¬٩] شهادته والله أعلم.\n﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إلا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٦) وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ\n_________\n[¬١]- في خ: \"درأ\".\n[¬٢]- في خ: \"البينة\".\n[¬٣]- في خ: \"قال\".\n[¬٤]- في ت: \"أبدًا\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين في ت: \"الآية\".\n[¬٦]- سقط من: ز.\n[¬٧]- سقط من: ز.\n[¬٨]- في ت: \"أنه\".\n[¬٩]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.","vol":"10","page":171},{"text":"(٧) وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (٨) وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٩) وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ (١٠)﴾\nهذه الآية الكريمة فيها فرج للأزواج، وزيادة مخرج إذا قذف أحدهم زوجته وتعسر عليه إقامة البينة أن يلاعنها كما أمر الله ﷿ وهو أن يحضرها إلى الإِمام فيدعي عليها بما رماها به، فيحلفه الحاكم أربع شهادات بالله في مقابلة أربعة شهداء، إنه لمن الصادقين، أي: فيما رماها به من الزنا ﴿وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ فإذا قال ذلك بانت منه بنفس هذا اللعان عند الشافعي [¬١] وطائفة كثيرة من العلماء، وحرمت عليه أبدًا، ويعطيها مهرها ويتوجه عليها حد الزنا، ولا يدرأ عنها العذاب [¬٢] إلا أن تلاعن فتشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين، أي: فيما رماها به ﴿وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ ولهذا قال ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ﴾ يعني: الحد ﴿أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (٨) وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ فخصها بالغضب [كما] أن الغالب أن الرجل لا يتجشم [¬٣] فضيحة أهله ورميها بالزنا، إلا وهو صادق معذور، وهي تعلم صدقه فيما رماها به، ولهذا كانت الخامسة في حقها أن غضب الله عليها، والمغضوب عليه هو الذي يعلم الحق ثم يحيد عنه.\nثم ذكر تعالى [لطفه بخلقه ورأفته بهم وشرعه لهم] الفرج والمخرج من شدة ما يكون بهم من الضيق، فقال تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ أي: لحرجتم [¬٤] ولشق عليكم كثير من أموركم ﴿وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ﴾ [] [¬٥]: على عباده، وإن كان [] [¬٦] بعد الحلف والأيمان المغلظة ﴿حكيم﴾ فيما يشرعه، ويأمر به وفيما ينهى عنه، وقد وردت الأحاديث بمقتضى العمل بهذه الآية، وذكر سبب نزولها وفيمن نزلت فيه [¬٧] من الصحابة.\nقال الإِمام أحمد (^٢٥): حَدَّثَنَا يزيد، أخبرنا عباد بن منصور، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: لما نزلت: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ\n_________\n(^٢٥) - رواه أحمد (١/ ٢٣٨).\n_________\n[¬١]- في ز: \"الشافعية\".\n[¬٢]- سقط من: خ، ز.\n[¬٣]- في ز: \"يتحشم\"\n[¬٤]- في ز: \"لخرجتم\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين في ت: اي.\n[¬٦]- ما بين المعكوفين في ت: ذلك.\n[¬٧]- سقط من: ز.","vol":"10","page":172},{"text":"ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ قال سعد بن عبادة - وهو سيد الأنصار ﵁: أهكذا أنزلت يا رسول الله؟ فقال رسول الله ﷺ: \"يا معشر الأنصار ألا تسمعون ما يقول سيدكم؟ \" فقالوا: يا رسول الله! لا تلمه فإنه رجل غيور والله ما تزوّج امرأة قط [إلا بكرًا، وما طلق امرأة قط] [¬١] فاجترأ رجل منا أن يتزوّجها من شدّة غيرته، فقال سعد: والله يا رسول الله؛ إني لأعلم أنها حق [¬٢]، وأنها من الله، ولكني قد تعجبت أني لو وجدت لكاعًا قد تفخذها رجل لم يكن لي أن أهيجه ولا أحرّكه، حتى آتي بأربعة شهداء فوالله [] [¬٣] لا آتي بهم حتى يقضي حاجته!! قال: فما لبثوا إلا يسيرًا حتى جاء هلال بن أمية وهو أحد الثلاثة الذين تيب عليهم، فجاء من أرضه عشاءً، فوجد عند أهله رجلًا فرأى بعينيه وسمع بأذنيه فلم يهيجه حتى أصبح فغدا على رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله؛ إني جئت أهلي عشاءً فوجدت عندها رجلًا فرأيت بعيني وسمعت بأذني، فكره رسول الله ﷺ ما جاء به، واشتدّ عليه، واجتمعت [] [¬٤] الأنصار، وقالوا [¬٥]: قد ابتلينا بما قال سعد بن عبادة، الآن يضرب رسول الله ﷺ هلال بن أمية ويبطل شهادته في الناس، فقال هلال: والله إني لأرجو أن يجعل الله لي منها مخرجًا. وقال هلال: يا رسول الله؛ إني [¬٦] قد أرى ما اشتدّ عليك مما جئت به، والله يعلم إني لصادق. فوالله إن رسول الله ﷺ يريد أن يأمر بضربه إذ [¬٧] أنزل الله على رسوله ﷺ الوحي، وكان إذا نزل [¬٨] عليه الوحي عرفوا ذلك في تربد [¬٩] وجهه، يعني فأمسكوا عنه حتى فرغ من الوحي فنزلت ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾ الآية، فسري عن رسول الله ﷺ فقال: \"أبشر يا هلال، فقد [¬١٠] جعل الله لك فرجًا ومخرجًا\" فقال هلال: قد كنت أرجو ذلك من ربي ﷿ فقال رسول الله ﷺ: \"أرسلوا إليها\" فأرسلوا إليها فجاءت، فتلاها رسول الله ﷺ عليهما، وذكرهما [¬١١] وأخبرهما أن عذاب الآخرة أشد من عذاب الدنيا، فقال هلال: والله يا رسول الله لقد صدقت عليها فقالت: كذب. فقال رسول الله ﷺ: \"لاعنوا بينهما\" فقيل لهلال: اشهد،\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٢]- في ت: \"لحق\".\n[¬٣]- في ت: إني.\n[¬٤]- في ت: عليه.\n[¬٥]- في ز: \"فقال\".\n[¬٦]- في ت: \"فإني\".\n[¬٧]- سقط من: ز.\n[¬٨]- في ت: \"أنزل\".\n[¬٩]- في ز: \"تزبد\".\n[¬١٠]- في ز: \"قد\".\n[¬١١]- في ت: \"فذكرهما\".","vol":"10","page":173},{"text":"فشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين، فلما [كان في] [¬١] الخامسة قيل له: يا هلال؛ اتق الله، فإن عذاب الدنيا أهون من الآخرة وإن هذه الموجبة التي توجب عليك العذاب، فقال: والله لا يعذبني الله عليها، كما لم يجلدني عليها، فشهد في الخامسة: أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، ثم قيل [للمرأة: اشهدي أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين، وقيل لها عند الخامسة] [¬٢]: اتقى الله، فإن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، وإن هذه الموجبة التي توجب عليك العذاب، فتلكأت ساعة، ثم قالت: والله لا أفضح قومي، فشهدت في الخامسة: أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين، ففرق رسول الله ﷺ بينهما، وقضى أن لا يدعى ولدها لأب ولا يرمى ولدها، ومن رماها أو رمى ولدها فعليه الحد، وقضى [أن لا بيت لها عليه] [¬٣]، ولا قوت لها، من أجل أنهما يتفرقان [¬٤] من غير طلاق ولا متوفى عنها، وقال: \"إن جاءت به أصيهب [أريسح حمش] [¬٥] الساقين (*) فهو لهلال، وإن جاءت به أورق جعدًا جماليًّا خدلج الساقين سابغ الأليتين فهو الذي رميت به\".\nفجاءت به أورق جعدًا جماليًّا خدلج الساقين سابغ الأليتين فقال رسول الله ﷺ: \"لولا الأيمان لكان لي ولها شأن\".\nقال عكرمة: فكان بعد ذلك أميرًا على مصر وكان يدعى لأمه ولا يدعي لأب.\nورواه أبو داود (^٢٦) عن الحسن بن علي، عن يزيد بن هارون به نحوه مختصرًا.\nولهذا الحديث شواهد كثيرة في الصحاح وغيرها من وجوه كثيرة، فمنها ما قال البخاري (^٢٧): حدثني محمد بن بشار، حَدَّثَنَا ابن أبي عدي، عن هشام بن\n_________\n(*) أما الجعد فبفتح الجيم وإسكان العين، قال الهروي: الجعد في صفات الرجال يكون مدحا ويكون ذمًّا، فإذا كان مدحًا فله معنيان: أحدهما أن يكون معصوب الحلق شديد الأسرة، والثاني أن يكون شعره غير سبط لأن السبوطة أكثرها في شعور العجم. وأما الجعد المذموم فله معنيان: أحدهما القصير المتردد، والآخر البخيل يقال: جعد الأصابع وجعد اليدين أي بخيل.\nوأما حَمْشُ الساقين أي رقيقهما، والحموشة الدقة.\n(^٢٦) - رواه أبو داود حديث (٢٢٥٦) في كتاب الطلاق في اللعان.\n(^٢٧) - رواه البخاري حديث (٤٧٤٧) في كتاب التفسير، ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهاداتٍ .. وأطرافه عنده حديث (٢٦٧١) في الشهادات، و(٥٣٠٧) في الطلاق.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ت: \"كانت\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٤]- في ت: \"يفترقان\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين في ز: \"أريشح خمس\".","vol":"10","page":174},{"text":"حسان، حدثني عكرمة، عن ابن عباس: أن هلال بن أمية قذف امرأته عند النبي ﷺ بشريك بن سحماء فقال النبي ﷺ: \"البينة أو حد في ظهرك\" فقال: يا رسول اللَّه! إذا رأى أحدنا على [¬١] امرأته رجلًا ينطلق يلتمس البينة؟ فجعل [¬٢] النبي ﷺ يقول [¬٣]: \"البينة وإلا حد في ظهرك\" فقال هلال: والذي بعثك بالحق إني لصادق ولينزلن اللَّه ما يبرئ ظهري من الحد، فنزل جبريل وأنزل عليه ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ -فقرأ حتى بلغ- ﴿إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ فانصرف النبي صلى اللَّه تعالى عليه وآله وسلم، فأرسل إليهما فجاء هلال فشهد، والنبي ﷺ يقول: \"إن [¬٤] اللَّه يعلم [¬٥] أن أحدكما كاذب، فهل منكما تائب؟ \" ثم قامت فشهدت، فلما كان عند [¬٦] الخامسة وقفوها وقالوا: [إنها موجبة] [¬٧]. قال ابن عباس: فتلكأت ونكصت حتى ظننا أنها ترجع، ثم قالت: لا أفضح قومي سائر اليوم، فمضت، فقال النبي ﷺ: \"أبصروها فإن جاءت به أكحل العينين سابغ الأليتين، خدلَّج الساقين فهو لشريك بن سحماء\" فجاءت به كذلك. فقال النبي ﷺ: \"لولا [¬٨] ما مضى من كتاب اللَّه لكان لي ولها شأن\".\nانفرد به البخاري من هذا الوجه، وقد رواه من غير وجه عن ابن عباس وغيره.\nوقال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا أحمد بن منصور الزيادي، حَدَّثَنَا يونس بن محمد، حَدَّثَنَا صالح -وهو ابن عمر- حَدَّثَنَا عاصم -يعني ابن كليب- عن أبيه، حدثني ابن عباس قال: جاء رجل إلى رسول اللَّه ﷺ فرمى امرأته برجل، فكره ذلك رسول اللَّه ﷺ، فلم نزل يردده حتى أنزل اللَّه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ﴾ قرأ حتى فرغ من الآيتين، فأرسل إليهما فدعاهما، فقال: \"إن اللَّه تعالى قد أنزل فيكما\" فدعا الرجل فقرأ عليه فشهد أربع شهادات باللَّه إنه لمن الصادقين، ثم أمر به فأمسك على فيه فوعظه، فقال له: كل شيء أهون عليك من لعنة اللَّه، ثم أرسله، فقال: لعنة اللَّه عليه إن كان من الكاذبين، ثم [دعا بها] [¬٩] فقرأ عليها فشهدت أربع شهادات باللَّه إنه لمن [¬١٠] الكاذبين، ثم أمر بها فأمسك على فيها فوعظها وقال: ويحك! كل شيء أهون من غضب اللَّه، ثم أرسلها فقالت: غضب اللَّه عليها إن كان من الصادقين. فقال رسول اللَّه ﷺ: \"أما واللَّه لأقضين بينكما قضاءً\n_________\n[¬١]- في خ، ز: \"مع\".\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- سقط من: خ، ز.\n[¬٤]- سقط من: خ، ز.\n[¬٥]- في خ، ز: \"يشهد\".\n[¬٦]- في ت: \"في\".\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين في ز: \"بها موجب\".\n[¬٨]- في ز: \"لو ما\".\n[¬٩]- في ت: \"دعاها\".\n[¬١٠]- في ت: \"من\".","vol":"10","page":175},{"text":"فصلًا\".\nقال: فولدت فما رأيت مولودًا بالمدينة أكثر [¬١] غاشية (٥) منه، فقال: \"إن جاءت به لكذا وكذا فهو كذا، وإن جاءت به لكذا وكذا فهو لكذا\" فجاءت به يشبه الذي قُذفت به.\nوقال الإِمام أحمد (^٢٨): حَدَّثَنَا يحيى بن سعيد، حَدَّثَنَا عبد الملك بن أبي سليمان، قال: سمعتَ سعيد بن جبير قال: سئلت عن المتلاعنين أيفرق بينهما؟ -في إمارة ابن الزبير- فما دريت ما أقول، فقمت من مكاني إلى منزل ابن عمر، فقلت: يا [¬٢] أبا عبد الرحمن، المتلاعنان أيفرق بينهما؟ فقال: سبحان اللَّه، إن أول من سأل عن ذلك فلان بن فلان، فقال: يا رسول اللَّه! أرأيت الرجل يرى امرأته على فاحشة فإن تكلم تكلم بأمر عظيم، وإن سكت سكت على [¬٣] مثل ذلك؟ فسكت فلم يجبه، فلما كان بعد ذلك، أتاه فقال الذي سألتك عنه قد ابتليت به؟ فأنزل اللَّه تعالى هذه الآيات في سورة النور ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ حتى بلغ ﴿أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ فبدأ بالرجل فوعظه، وذكره وأخبره أن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة؛ فقال: والذي بعثك بالحق ما كذبتك، ثم ثنى بالمرأة فوعظها وذكرها، وأخبرها أن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة فقالت المرأة [¬٤]: والذي بعثك بالحق إنه لكاذب. قال: فبدأ بالرجل فشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين، والخامسة أن لعنة اللَّه عليه إن كان من الكاذبين، ثم ثنى بالمرأة، فشهدت أربع شهادات باللَّه إنه لمن الكاذبين، والخامسة أن غضب اللَّه عليها إن كان من الصادقين. ثم فرق بينهما.\nرواه النسائي (^٢٩) في التفسير من حديث عبد الملك بن أبي سليمان به.\nوأخرجاه في الصحيحين (^٣٠) من حديث سعيد بن جبير عن [ابن عباس].\nوقال الإِمام أحمد (^٣١): حَدَّثَنَا يحيى بن حماد، حَدَّثَنَا أبو عوانة، عن الأعمش، عن\n_________\n(*) الغاشية ها هنا: الناس الذين ذهبوا ليروا المولود.\n(^٢٨) - الحديث في المسند (٢/ ١٩).\n(^٢٩) - النسائي في الكبرى رقم (١١٣٥٧).\n(^٣٠) - البخاري (٥٣١٢) في الطلاق، باب: إن أحدكما كاذب، ومسلم (١٤٩٣) في كتاب اللعان كلاهما من حديث سعيد بن جبير، عن ابن عمر.\n(^٣١) - المسند (١/ ٤٢١)، ومسلم حديث (١٤٩٥) في كتاب: اللعان.\n_________\n[¬١]- سقط من: خ، ز.\n[¬٢]- سقط من: خ، ز.\n[¬٣]- في ز: \"عن\".\n[¬٤]- سقط من: خ، ز.","vol":"10","page":176},{"text":"إبراهيم، عن علقمة، عن عبد اللَّه قال: كنا جلوسًا عشية الجمعة في المسجد، فقال رجل من الأنصار: أحدنا إذا رأى مع امرأته رجلًا [فقتله] [¬١] قتلتموه، وإن تكلم جلدتموه، وإن سكت سكت على غيظ؟!. واللَّه لإِن أصبحت صالحًا [¬٢] لأسألن رسول اللَّه ﷺ. قال: فسأله، فقال: يا رسول اللَّه! إن أحدنا إذا رأى مع امرأته رجلًا [فقتله] [¬٣] قتلتموه، وإن تكلم جلدتموه، وإن سكت سكت على غيظ، اللهم احكم، قال: فأنزلت [¬٤] آية اللعان، فكان ذلك الرجل أول من [¬٥] ابتلي به.\nانفرد بإخراجه مسلم، فرواه من طرق عن سليمان بن مهران ابن الأعمش به.\nوقال الإِمام أحمد أيضًا (^٣٢): حَدَّثَنَا أبو كامل، حَدَّثَنَا إبراهيم بن سعد، حَدَّثَنَا ابن شهاب، عن سهل بن سعد قال: جماء عويمر إلى عاصم بن عدي، فقال [¬٦]: سل رسول اللَّه ﷺ: أرأيت رجلًا وجد رجلًا مع امرأت، فقتله أيقتل به، أم كيف يصنع؟ فسأل عاصم رسول اللَّه ﷺ فعاب رسول اللَّه ﷺ المسائل، قال: فلقيه عويمر فقال: ما صنعت؟ قال: ما صنعت! إنك لم تأتني بخير، سألت رسول اللَّه ﷺ فعاب المسائل، فقال عويمر: واللَّه [¬٧] لآتين رسول اللَّه ﷺ فلأسألنه. فأتاه فوجده قد أنزل عليه فيها. قال: فدعا بهما ولاعن [¬٨] بينهما. قال عويمر: إن انطلقت بها يا رسول اللَّه لقد كذبت عليها. قال: ففارقها قبل أن يأمره رسول اللَّه ﷺ فصارت سنة المتلاعنين. وقال رسول اللَّه ﷺ \"أبصروها؛ فإن جاءت به أسحم أدعج العينين عظيم الأليتين، فلا أراه إلا قد صدق، وإن جاءت به أحيمر كأنه وحرة [¬٩] فلا أراه إلا كاذبًا\" فجاءت به على النعت المكروه.\nأخرجاه في الصحيحين (^٣٣) وبقية الجماعة إلا الترمذي. من طرق عن الزهري به.\n_________\n(^٣٢) - المسند (٥/ ٣٣٤) (٢٢٩٣٧).\n(^٣٣) - البخاري حديث (٤٧٤٥) في التفسير، باب: قوله تعالى ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إلا أَنْفُسُهُمْ﴾، ومسلم رقم (١٤٩٢) في اللعان، وأبو داود حديث (٢٢٤٥) في كتاب الطلاق، كتاب: في اللعان، والنسائي (٦/ ١٤٣ رقم ٣٤٠٢) كتاب الطلاق، كتاب: الرخصة في ذلك.\n_________\n[¬١]- في خ: \"فقتلته\"، وفي ت: \"إن قتله\".\n[¬٢]- في خ: \"صحيح\".\n[¬٣]- في خ: \"فقتلته\"، وفي ز: \"إن قتله\".\n[¬٤]- في خ: \"فنزلت\".\n[¬٥]- في ز: \"ما\".\n[¬٦]- سقط من: خ.\n[¬٧]- سقط من: خ، ز.\n[¬٨]- في خ: \"ولاعن\".\n[¬٩]- في ز: \"وجرة\".","vol":"10","page":177},{"text":"[ورواه البخاري (^٣٤) أيضًا من طرق عن الزهري به، فقال: حَدَّثَنَا سليمان بن داود أبو الربيع، حَدَّثَنَا فليح، عن الزهري، عن سهل بن سعد، أن رجلًا أتى رسول اللَّه ﷺ فقال: يا رسول اللَّه [أرأيت رجلًا رأى مع امرأته رجلًا أيقتله فتقتلونه، أم كيف يفعل؟ فأنزل اللَّه تعالى فيهما ما ذكر في القرآن من التلاعن، فقال له رسول اللَّه ﷺ \"قد قضي فيك وفي امرأتك\" قال: فتلاعنا وأنا شاهد عند رسول اللَّه ﷺ ففارقها، فكانت سنة أن يفرق بين المتلاعنين. وكانت حاملًا فأنكر حملها وكان ابنها يدعى إليها. ثم جرت السنة في الميراث أن يرثها وترث منه ما فرض اللَّه لها] [¬١].\nوقال الحافظ أبو بكر البزار (^٣٥): حَدَّثَنَا إسحاق بن الضيف، حَدَّثَنَا النضر بن شميل، حَدَّثَنَا يونس بن أبي إسحاق، عن أبيه، عن زيد بن يثيع، عن حذيفة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ لأبي بكر: \"لو رأيت مع أم رومان رجلًا ما كنت فاعلا به؟ \" قال: كنت واللَّه فاعلًا به شرًّا، قال: \"فأنت يا عمر؟ \" قال: كنت والله فاعلًا، كنت أقول: لعن اللَّه الأعجز فإنه [¬٢] خبيث. قال: فنزلت ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إلا أَنْفُسُهُمْ﴾ ثم قال: لا نعلم أحدًا أسنده إلا النضر بن شميل، عن يونس بن أبي إسحاق، ثم رواه من حديث الثوري عن أبي إسحاق عن زيد بن يثيع مرسلًا، فاللَّه أعلم.\nوقال الحافظ أبو يعلى (^٣٦): حَدَّثَنَا مسلم بن أبي مسلم الجرمي، حَدَّثَنَا مخلد بن الحسين، عن هشام، عن ابن سيرين، عن أنس بن مالك ﵁ قال: لأول لعان كان في الإسلام: أن شريك بن سحماء قذفه هلال بن أمية بامرأته، فرفعته [¬٣] إلى رسول اللَّه ﷺ، فقال رسول اللَّه ﷺ: \"أربعة شهود وإلا فحد في ظهرك\" فقال: يا رسول اللَّه؛ إن اللَّه يعلم إني لصادق ولينزلن اللَّه عليك ما يبرئ به ظهري من الجلد. فأنزل اللَّه آية اللعان ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ [وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إلا\n_________\n= وابن ماجه حديث (٢٠٦٦) في الطلاق، باب: اللعان.\n(^٣٤) - رواه البخاري حديث (٤٧٤٦) في التفسير، تفسير قوله تعالى: ﴿وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾.\n(^٣٥) \" كشف الأستار\" (٢٢٣٧)، وقال الهيثمي في المجمع (٧/ ٧٤): \"رجاله ثقات\".\n(^٣٦) مسند أبي يعلى (٥/ ٢٠٧)، ورواه مسلم حديث (١٤٩٦) من طريق هشام عن محمد، به.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٢]- في ز: \"وإنه\".\n[¬٣]- في خ: \"فرفعه\".","vol":"10","page":178},{"text":"أَنْفُسُهُمْ] [¬١]﴾ إلى آخر الآية، قال: فدعاه النبي ﷺ؛ فقال: \"اشهد بالله إنك لمن الصادقين فيما رميتها به من الزنا\" فشهد بذلك أربع شهادات، ثم قال له في الخامسة: \"ولعنة اللَّه عليك إن كنت من الكاذبين فيما رميها به من الزنا\"، ففعل ثم دعاها [¬٢] رسول اللَّه ﷺ فقال: \"قومي فاشهدي بالله إنه لمن الكاذبين فيما رماك به من الزنا\" فشهدت بذلك أربع شهادات، ثم قال لها في الخامسة: \"وغضب اللَّه عليك إن كان من الصادقين فيما رماك به من الزنا\" قال [¬٣]: فلما [كان في] [¬٤] الرابعة أو الخامسة سكتت سكتة حتى ظنوا أنها ستعترف، ثم قالت: لا أفضح قومي سائر اليوم، فمضت على القول، ففرق رسول اللَّه ﷺ بينهما وقال: \"انظروه، فإن جاءت به جعدًا حمش الساقين فهو لشريك بن سحماء، وإن جاءت به أبيض سبطًا [] [¬٥] قضئ (*) العينين فهو لهلال بن أمية\" فجاءت به آدم [¬٦] جعدًا حمش [¬٧] الساقين، فقال رسول اللَّه ﷺ: \"لولا ما نزل فيهما من كتاب اللَّه لكان لي ولها شأن\".\n﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾\nهذه العشر الآيات كلها نزلت في شأن عائشة أم المؤمنين ﵂ حين رماها أهل الإفك والبهتان من المنافقين بما قالوه من الكذب البحت، والفرية التي غار اللَّه ﷿ لها ولنبيه ﷺ، فأنزل اللَّه تعالى براءتها صيانة لعرض رسول اللَّه ﷺ: فقال تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ أي: جماعة منكم -يعني: ما هو واحد ولا اثنان بل جماعة، فكان المقدم في هذه اللعنة: عبد اللَّه بن أبيّ بن سلول رأس المنافقين، فإنه كان يجمعه ويستوشيه، حتى دخل ذلك في أذهان بعض المسلمين، فتكلموا به وجوزه آخرون منهم، وبقي الأمر كذلك قريبًا من شهر حتى نزل القرآن، وسياق [¬٨] ذلك في الأحاديث الصحيحة.\nوقال الإِمام أحمد (^٣٧): حَدَّثَنَا عبد الرزاق، حَدَّثَنَا معمر، عن الزهري قال: أخبرني سعيد\n_________\n(*) أي فاسد العين. وهو من قَضِئَ الثوبُ يقضأ فهو قضئ: إذا تقزَّر وتشقق. النهاية (٤/ ٧٦).\n(^٣٧) - المسند (٦/ ١٩٤ - ١٩٧) (٢٥٧٣١).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين من: ز.\n[¬٢]- في خ، ز: \"رماها\".\n[¬٣]- في ز: \"فقالت\".\n[¬٤]- في خ: \"كانت\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين في ز: \"قصير\".\n[¬٦]- سقط من: ت.\n[¬٧]- في ز: \"خمش\".\n[¬٨]- في ت: \"بيان\".","vol":"10","page":179},{"text":"ابن المسيب، وعروة بن الزبير، وعلقمة بن وقاص، وعبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة بن مسعود، عن حديث عائشة زوج النبي ﷺ، حين قال لها أهل الإفك ما قالوا، فبرأها اللَّه تعالى، وكلهم قد حدثني بطائفة من حديثها، وبعضهم كان أوعى لحديثها من بعض، وأثبت له اقتصاصًا، وقد [¬١] وعيت عن كل [واحد منهم] [¬٢] الحديث الذي حدثني، [وبعض حديثهم] [¬٣] يصدق بعضا: ذكروا أن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ قالت: كان رسول اللَّه ﷺ إذا أراد أن يخرج لسفر أقرع بين نسائه، فأيتهن خرج سهمها خرج بها رسول اللَّه ﷺ معه. قالت عائشة ﵂: فأقرع بيننا في غزوة غزاها فخرج فيها سهمي، وخرجت مع رسول اللَّه ﷺ، وذلك بعد ما أنزل الحجاب، فأنا أحمل في هودجي وأنزل فيه، فسرنا حتى إذا فرغ رسول اللَّه ﷺ من [غزوه] [¬٤]، وقفل ودنونا من المدينة، آذن ليلة بالرحيل، فقمت حين آذنوا بالرحيل، فمشيت حتى جاوزت الجيش فلما قضيت شأني، أقبلت إلى الرحل [¬٥]، فلمست صدري، فإذا عقد [¬٦] من جزع ظفار قد انقطع، فرجعت فالتمست عقدي فحبسني ابتغاؤه، وأقبل الرهط الذين كانوا يرحلون بي فحملوا [¬٧] هودجي، فرحلوه على بعيري الذي كنت أركب وهم يحسبون أنى فيه. قالت: وكان النساء إذ ذاك خفافًا لم يهبلن [¬٨] ولم يغشهن اللحم؛ إنما يأكلن العلقة من الطعام، فلم يستنكر القوم خفة [¬٩] الهودج [حين رفعوه وحملوه] [¬١٠]، وكنت جارية حديثة السن فبعثوا الجمل وساروا ووجدت عقدي بعدما استمر الجيش، فجئت منازلهم، وليس بها [¬١١] داع ولا مجيب، فتيممت منزلي الذي كنت فيه، وظننت [أن القوم سيفقدونني] [¬١٢]، فيرجعون إليّ، فبينا أنا جالسة في منزلي غلبتني عيني [¬١٣] فنمت، وكان صفوان بن المعطل السلمي ثم الذكواني قد عرَّس من وراء الجيش، فأدلج فأصبح عند منزلي فرأى سواد إنسان نائم فأتاني فعرفني حين رآني، وكان قد رآني، قبل [أن يضرب عليَّ] [¬١٤] الحجاب فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني، فخمرت وجهي بجلبابي، والله ما كلمني كلمة ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه حتى [¬١٥] أناخ راحلته، فوطئ على يدها فركبتها، فانطلق يقود بي\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- سقط من ز، خ.\n[¬٣]- في خ، ز: \"وبعضهم\".\n[¬٤]- في خ: \"غزوته تلك\".\n[¬٥]- في خ: \"رحلي\".\n[¬٦]- بعده في خ: لي.\n[¬٧]- في خ: \"فاحتملوا\".\n[¬٨]- في ت: \"يثقلن\".\n[¬٩]- في خ، ز: \"ثقل\".\n[¬١٠]- في خ، ز: \"حتى رحلوه ورفعوه\".\n[¬١١]- في خ، ز: \"فيها\".\n[¬١٢]- في خ، ز: \"أنهم سيفقدوني\".\n[¬١٣]- في خ: \"عيناي\".\n[¬١٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ت.\n[¬١٥]- في خ: \"حين\".","vol":"10","page":180},{"text":"الراحلة حتى أتينا الجيش بعد ما نزلوا موغرين في نحر الظهيرة، فهلك من هلك في شأني، وكان الذي تولى كبره عبد اللَّه بن أبيّ ابن سلول، فقدمت المدينة فاشتكيت حين قدمنا [¬١] شهرًا، والناس يفيضون في قول أهل الإِفك، ولا أشعر بشيء من ذلك، وهو يرييني في وجعي أني لا أعرف [¬٢] من رسول اللَّه ﷺ [اللطف الذي كنت أرى منه حين أشتكي، إنما يدخل رسول اللَّه ﷺ، [¬٣] فيسلم ثم يقول: \"كيف تيكم؟ \" فذلك الذي [¬٤] يرييني، ولا أشعر بالشر حتى [¬٥] خرجت بعدما نقهت، وخرجت معي أم مسطع قبل المناصع -وهو متبرزنا- ولا نخرج إلا ليلًا إلى ليل، وذلك قبل أن نتخذ الكنف قريبًا من بيوتنا، وأمرنا أمر العرب الأول في التنزه [في البرية] [¬٦]، وكنا نتأذى بالكنف أن نتخذها في بيوتنا، فانطلقت أنا وأم مسطح، وهي بنت أبي رهم بن المطلب بن عبد المطلب [بن عبد مناف] [¬٧]، وأمها ابنة صخر بن عامر، خالة أبي بكر الصديق، وابنها مسطح بن أثاثة بن عباد بن عبد المضلب، فأقبلت أنا وابنة أبي رهم [أم مسطح] [¬٨] قبل بيتي حين فرغنا من شأننا فعثرت أم مسطح في مرطها (**)، ففالت: تعس مسطح! فقلت لها: بئسما قلت! تسبين رجلًا شهد بدرًا؟ قالت [¬٩]: أي هنتاه ألم تسمعي ما قال: قلت: وماذا قال: قالت: فأخبرتني بقول أهل الإفك، فازددت مرضًا إلى مرضي، فلما رجعت إلى بيتي، فدخل [¬١٠] على رسول اللَّه ﷺ فسلَّم [¬١١] ثم قال: \"كيف تيكم؟ \" [قلت] [¬١٢]: أتأذن بي أن آتي أبوي؟ قالت: وأنا حينئذ أريد أن أتيقن الخبر من قبلهما، فأذن لي [¬١٣] رسول اللَّه ﷺ فجئت أبوي فقلت لأمي: يا أمتاه؛ ما [¬١٤] يتحدث الناس [¬١٥]؟ فقالت: أي بنية هوني عليك، فواللَّه لقلما كانت امرأة قط وضيئة عند رجل يحبها ولها ضرائر إلا أكثرن عليها. قالت: فقلت [¬١٦]: سبحان اللَّه،\n_________\n(*) الكُنُف: الكنيف: الساتر ويسمى التُّرسُى (كنيفًا) لأنه يستر صاحبه، وقيل للمرحاض: (كنيف). المصباح المنير [٢/ ٥٤٢].\n(**) مِرْطها: المِرْط: كساء من صوف أَوْ خَز يؤتزر به، وتتلفع المرأة به، والجمع (مُرُوط). المصباح المنير [٢/ ٥٦٩].\n_________\n[¬١]- في خ: \"قدمناها\".\n[¬٢]- في ت: \"أرى\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٤]- سقط من: خ، ز.\n[¬٥]- في خ: \"حين\".\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز\n[¬٨]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٩]- في خ: \"فقالت\".\n[¬١٠]- في خ: \"دخل\".\n[¬١١]- في ز: \"فسلم ثم\".\n[¬١٢]- ما بين المعكوفتين في خ: \"فقلت له\".\n[¬١٣]- في ز: \"يا\".\n[¬١٤]- في ت: \"ماذا\".\n[¬١٥]- بعده في ت: به.\n[¬١٦]- سقط من: ز.","vol":"10","page":181},{"text":"أو قد تحدث الناس بها؟ فالت: فبكيت تلك الليلة، حتى أصبحت لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم، ثم أصبحت أبكي، قالت [¬١]: فدعا رسول اللَّه ﷺ [علي بن أبي طالب] [¬٢]، وأسامة بن زيد حين استلبث الوحي، يسألهما [¬٣] ويستشيرهما في فراق أهله، قالت: فأما أسامة بن زيد فأشار على رسول اللَّه ﷺ بالذي يعلم من براءة أهله وبالذي يعلم في نفسه لهم من الود، فقال [¬٤]: يا رسول اللَّه؛ هم أهلك، ولا نعلم إلا خيرًا. وأما علي بن أبي طالب فقال: [] [¬٥]؛ لم يضيق اللَّه عليك والنساء سواها كثير، وإن تسأل الجارية تصدقك الخبر، قالت: فدعا رسول اللَّه ﷺ بريرة فقال: \" أي بريرة؛ هل رأيت من شيء يريبك من عائشة\" فقالت له [¬٦] بريرة: والذي بعثك بالحق إن رأيت عليها أمرًا قط أغمصه [¬٧] (*) عليها أكثر من أنها جارية حديثة السن، تنام عن عجين أهلها فتأتي الداجن فتأكله. فقام رسول اللَّه ﵌ [من يومه] [¬٨] فاستعذر من عبد اللَّه بن أبيّ ابن سلول. قالت: فقال رسول اللَّه ﷺ وهو على المنبر: \"يا معشر المسلمين، من يعذرني من رجل قد بلغني أذاه في [أهل بيتي] [¬٩]، فوالله ما علمت على أهلي إلا خيرًا، ولقد ذكروا رجلًا ما علمت عليه إلا خيرًا، وما كان يدخل على أهلي إلا معي\" فقام سعد بن معاذ الأنصاري ﵁ فقال: أنا أعذرك منه يا رسول اللَّه، إن كان من الأوس ضربنا عنقه، وإن كان من إخواننا من [¬١٠] الخزرج أمرتنا ففعلنا بأمرك [¬١١]. قالت: فقام سعد بن عبادة وهو سيد الخزرج وكان رجلًا صالحًا، ولكن احتملته [¬١٢] الحمية، فقال لسعد بن معاذ [¬١٣]! كذبت لعمر اللَّه لا تقتله ولا تقدر على قتله [¬١٤]، فقام أسيد بن حضير وهو ابن عم سعد بن معاذ، فقال لسعد بن عبادة: كذبت، لعمر اللَّه لنقتلنه فإنك منافق تجادل عن المنافقين، فتثاور الحيان: الأوس والخزرج حتى هموا أن يقتتلوا، ورسول اللَّه ﷺ [قائم على المنبر، فلم يزل رسول اللَّه ﷺ] [¬١٥] يخفضهم حتى سكتوا، وسكت رسول اللَّه ﷺ.\n_________\n(*) أغمصَه؛ أي: أعيبُها به وأطْعَنُ به عليها. نهاية [٣/ ٣٨٦].\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز: \"عليًّا\".\n[¬٣]- سقط من: خ، ز.\n[¬٤]- بعده في ت: أسامة.\n[¬٥]- بعده في ت: \"يا رسول اللَّه\".\n[¬٦]- سقط من: خ، ز.\n[¬٧]- في ز: \"أغمضه\".\n[¬٨]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٩]- في ت: \"أهلي\".\n[¬١٠]- سقط من: ز.\n[¬١١]- في ز: \"أمرك\".\n[¬١٢]- في المسند: اجتهلته.\n[¬١٣]- بعده في ت: كذبت.\n[¬١٤]- بعده في ت: ولو كان من رهطك ما أحببت أن يقتل.\n[¬١٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.","vol":"10","page":182},{"text":"قالت: وبكيت يومي ذلك لا يرقأ لي دمع، ولا أكتحل بنوم، وأبواي يظنان أن البكاء فالق كبدي. قالت [¬١]: فبينما هما جالسان عندي وأنا أبكي [¬٢]، استأذنت عليّ امرأة من الأنصار، فأذنت لها، فجلست تبكي معي، فبينا نحن على ذلك إذ دخل علينا رسول اللَّه ﷺ، فسلم ثم [¬٣] جلس. قالت: ولم يجلس عندي منذ قيل ما قيل، وقد لبث شهرًا لا يوحى إليه في شأني شيء، قالت: فتشهد رسول اللَّه ﷺ حين جلس ثم قال: \"أما بعد، يا عائشة؛ فإنه قد بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنت بريئة فسيبرئك الله، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري اللَّه، ثم [¬٤]، توبي إليه، فإن العبد إذا اعترف [بذنب لم] [¬٥]، تاب، تاب اللَّه عليه\" قالت: فلما قضى رسول اللَّه ﷺ مقالته قلص دمعي حتى ما أحس منه قطرة، فقلت [¬٦] لأبي: أجب عني رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وصطم فقال: واللَّه ما أدري ما أقول لرسول اللَّه ﷺ. فقلت لأمي: أجيبي رسول اللَّه ﷺ. فقالت: والله ما أدري ما أقول لرسول اللَّه ﷺ. قالت: فقلت -وأنا جارية حديثة السن لا أقرأ [¬٧] كثيرًا من القرآن-: والله لقد [عرفت أنكم قد] [¬٨] سمعتم بهذا الحديث [¬٩]، حتى استقر في أنفسكم وصدقتم به، فلئن قلت لكم: إني بريئة -والله يعلم إني بريئة- لا تصدقوني، [ولئن اعترفت بأمر -واللَّه ﷿ يعلم أني منه بريئة- تصدقوني، فوالله ما] [¬١٠] أجد لي ولكم مثلًا إلا كما قال أبو يوسف ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ قالت: ثم تحولت، فاضطجعت [¬١١] على فراشي، قالت: وأنا والله حينئذ أعلم أني بريئة، وأن اللَّه تعالى مبرئي ببراءتي، ولكن والله ما كنت أظن أن ينزل في شأني وحي يتلى، ولشأني كان أحقر في نفسي من أن يتكلم اللَّه فيَّ بأمر يتلى، ولكن كنت أرجو أن أن يرى رسول اللَّه ﷺ في النوم رؤيا يبرئني اللَّه بها. قالت: فواللَّه [¬١٢] ما رام رسول اللَّه ﷺ مجلسه، ولا خرج من أهل البيت أحد حتى أنزل اللَّه تعالى على نبيه، فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء عند الوحي حتى أنه ليتحدر منه مثل الجمان من العرق [في اليوم الشاتي] [¬١٣] من ثقل القول الذي أنزل عليه. قالت: فلما سري عن رسول اللَّه ﷺ وهو يضحك فكان [¬١٤] أول كلمة تكلم بها أن قال: \"أبشري يا\n_________\n[¬١]- سقط من: ت.\n[¬٢]- بعده في ت: إذ.\n[¬٣]- في ز: \"و\".\n[¬٤]- في م: \"و\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين في خ: \"بذنبه و\".\n[¬٦]- في ز: \"قلت\".\n[¬٧]- في ت: \"أحفظ\".\n[¬٨]- ما بين المعكوفتين في ت: \"علمت لقد\".\n[¬٩]- سقط من: ز.\n[¬١٠]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، وفي ز: \"وإني والله لا\".\n[¬١١]- في خ: \"فاضجعت\".\n[¬١٢]- في ز: \"والله\".\n[¬١٣]- في م: \"وهو في يوم شات\".\n[¬١٤]- في ز: \"كان\".","vol":"10","page":183},{"text":"عائشة، أما اللَّه ﷿ فقد برأك\" قالت [¬١]: فقالت لي أمي: ترمي إليه، فقلت: واللَّه لا أقوم إليه ولا أحمد إلا اللَّه ﷿ هو الذي أنزل براءتي وأنزل اللَّه ﷿ ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ [العشر الآيات كلها، فلما أنزل اللَّه هذا في] [¬٢] براءتي، قالت: فقال [¬٣] أبو بكر ﵁ وكان ينفق على مسطح [بن أثاثة] [¬٤] لقرابته منه وفقره-: واللَّه لا أنفق عليه شيئًا أبدًا بعد الذي قال لعائشة. فأنزل اللَّه تعالى ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى﴾ - إلى قوله [¬٥]- ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فقال أبو بكر: بلى [¬٦] واللَّه إني لأحب أن يغفر اللَّه لي، فرجع إلى مسطح النفقة التي كان ينفق عليه، وقال: واللَّه [¬٧] لا أنزعها منه أبدًا.\nقالت عائشة: وكان رسول اللَّه ﷺ يسأل زينب بنت جحش زوج النبي ﷺ عن أمري [¬٨]، ما [¬٩] علمت أو ما [¬١٠] رأيت؟ \" فقالت: يا رسول اللَّه؛ أحمي سمعي وبصري، واللَّه ما علمت إلا خيرًا. قالت عائشة: وهي التي كانت تساميني من أزواج النبي ﷺ فعصمها اللَّه تعالى بالورع، وطفقت أختها حمنة بنت جحش تحارب لها فهلكت فيمن هلك. قال ابن شهاب: فهذا ما انتهى إلينا من أمر هؤلاء الرهط.\nأخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما (^٣٨) من حديث الزهري.\nوهكذا رواه ابن إسحاق عن الزهري كذلك قال: وحدثني يحيى بن عباد بن عبد اللَّه بن الزبير، عن أبيه، عن عائشة ﵂ وحدثني عبد اللَّه بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري عن عمرة عن عائشة بنحو ما تقدم، واللَّه أعلم.\nثم قال البخاري (^٣٩)، وقال أبو أسامة، عن هشام بن عروة قال [¬١١]: أخبرني أبي عن عائشة ﵂ قالت: لما ذكر من شأني الذي ذكر وما علمت به. قام رسول اللَّه\n_________\n(^٣٨) - رواه البخاري في الشهادات (٢٦٦١)، وفي التفسير (٤٧٥٠)، ومسلم في كتاب التوبة (٢٧٧٠).\n(^٣٩) - صحيح البخاري، كتاب التفسير حديث (٤٧٥٧).\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز: \"عشر آيات فأنزل اللَّه هذه الآيات\".\n[¬٣]- في خ: \"قال\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٥]- سقط من: ز.\n[¬٦]- سقط من: ز.\n[¬٧]- سقط من: ز.\n[¬٨]- بعده في ت: فقال: يا زينب.\n[¬٩]- في ت: \"ماذا\".\n[¬١٠]- سقط من: ت.\n[¬١١]- سقط من: خ.","vol":"10","page":184},{"text":"ﷺ في خطيبا فتشهد فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله. ثم قال: \"أما بعد، أشيروا علي في أناس أبنوا أهلي، وايم الله، ما علمت على أهلي من سوء] [¬١] وأبنوهم بمن، والله ما علمت عليه من سوء قط، ولا يدخل [¬٢] بيتي قط إلا وأنا حاضر، ولا غبت في سفر إلا غاب معي\" فقام سعد بن محاذ [¬٣] الأنصاري فقال [¬٤]: ائذن [لي يا رسول الله أن أضرب] [¬٥] أعناقهم، فقام رجل من الخزرج، وكانت أم حسان بن ثابت من رهط ذلك الرجل، فقال: كذبت [¬٦]! أما والله لو كانوا [¬٧] من الأوس، ما أحببت أن تضرب أعناقهم. حتى كان أن يكون بين الأوس والخزرح شر في المسجد وما علمت. فلما كان مساء ذلك اليوم خرجت لبعض حاجتي ومعي أم مسطح، فعثرت فقالت: تعس مسطح! فقلت [لها: أي أم؛ تسبين ابنك؟ فسكت] [¬٨] ثم عثرت الثانية فقالت: تعس مسطح! [فقلت لها: أي أم؟ تسبين ابنك؛ ثم عثرت الثالثة فقالت: تعس مسطح!] [¬٩]. فانتهرتها. فقالت: والله ما أسبه إلا فيك. فقلت: في أي شأني؟ قالت: فبقرت (*) لي الحديث، فقلت: وقد كان هذا؟ قالت: نعم والله. فرجعت إلى بيتي، كأن الذي خرجت له لا أجد منه [¬١٠] قليلًا ولا كثيرًا، ووعكت، وقلت لرسول الله ﷺ: أرسلني إلى بيت أبي، فأرسل معي الغلام، فدخلت الدار، فوجدت أم رومان في السفل، وأبا بكر فوق البيت يقرأ. فقالت [أمي] [¬١١]: ما جاء بك يا بنية؟ فأخبرتها، وذكرت لها الحديث، وإذا هو لم يبلغ منها ما [¬١٢] بلغ مني، [فقالت: يا بنية خففي عليك الشأن، فإنه والله لقل ما كانت امرأة قط حسناء عند رجل يحبها لها ضرائر، إلا حسدنها، وقيل فيها. فقلت] [¬١٣]: وقد علم به أبي؟ قالت: نعم. قلت: ورسول الله ﷺ؟ قالت: نعم، ورسول الله ﷺ، فاستعبرت وبكيت، فسمع أبو بكر صوتي وهو فوق البيت يقرأ فنزل، فقال لأمي: ما شأنها؟ قالت: بلغها الذي ذكر من شأنها ففاضت عيناه ﵁ فقال [¬١٤]: أقسمت عليك أي [¬١٥] بنية إلا [ما] [¬١٦] رجعت\n_________\n[¬١]- بعده في ت: ما علمت على أهلي إلا خيرًا.\n[¬٢]- في ز: \"دخل\".\n[¬٣]- في خ، ز: \"عبادة\".\n[¬٤]- بعده في خ: يا رسول الله.\n[¬٥]- في ت: \"لنا أن نضرب\".\n[¬٦]- في ز: \"كذب\".\n[¬٧]- في ز: \"كان\".\n[¬٨]- في ز: \"يا أم؛ أتسبين؟ وسكتت\".\n[¬٩]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬١٠]- في ز: \"لا\".\n[¬١١]- في ت: أم رومان.\n[¬١٢]- في ت: \"مثل الذي\".\n[¬١٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬١٤]- في ز: \"وقال\".\n[¬١٥]- في خ، ت: \"يا\".\n[¬١٦]- سقط من خ، ت.","vol":"10","page":185},{"text":"إلى بيتك. فرجعت، ولقد جاء رسول الله ﷺ بيتي فسأل عني خادمي، فقالت: [يا رسول الله، لا] [¬١]، والله ما علمت عليها عيبا إلا أنها كانت ترقد حتى تدخل الشاة فتأكل خميرها أو عجينها، وانتهرها بعض أصحابه فقال: اصدقي رسول الله ﷺ حتى أسقطوا لها به. فقالت: سبحان الله، والله ما علمت عليها إلا ما يعلم الصائغ على تبر الذهب الأحمر، وبلغ الأمر ذلك الرجل الذي قيل له. فقال: سبحان الله، والله ما كشفت كنف أنثى قط. قالت عائشة ﵂ فقتل شهيدًا في سبيل الله.\nقالت: وأصبح أبواي عندي فلم يزالا حتى دخل علي رسول الله ﷺ وقد صلى العصر، ثم دخل وقد اكتنفني أبواي عن يميني وعن شمالي، فحمد الله تعالى وأثنى عليه ثم قال: \"أما بعد، يا عائشة؛ إن كنت قارفت سوءًا أو [¬٢] ظلمت فتوبي إلى الله، فإن الله يقبل التوبة عن عباده\" قالت: وقد [¬٣] جاءت امرأة من الأنصار فهي [¬٤] جالسة بالباب، فقلت: ألا تستحيي من هذه المرأة أن تذكر شيئًا فوعظ رسول الله ﷺ فالتفتّ إلى أبي فقلت له: \"أجبه] [¬٥]. قال: فماذا أقول؟ فالتفتّ إلي أمي فقلت: [أجيبيه] [¬٦]. قالت: ماذا أقول؟ فلما لم يجيباه تشهدت فحمدت الله وأثنيت عليه بما هو أهله، ثم قلت: أما بعد فوالله إن قلت لكم: إني لم أفعل -والله ﷿ يشهد إني لصادقة- ما ذاك بنافعي عندكم، لقد تكلمتم به وأشربته قلوبكم، وإن قلت لكم: إني قد فعلت -والله يعلم أني لم أفعل- لتقولن قد باءت [به] [¬٧] على نفسها، وإني والله ما أجد لي ولكم مثلًا -والتمست اسم يعقوب فلم أقدر عليه- إلا أبا يوسف حين قال ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ وأنزل الله على رسوله ﷺ من ساعته فسكتنا فرفع عنه، وإني لأتبين السرور في وجهه وهو يمسح جبينه، ويقول: \"أبشري يا عائشة، فقد أنزل الله براءتك\" قالت: وكنت [¬٨] أشد ما كنت غضبًا، فقال لي أبواي: قومي إليه [¬٩]، فقلت: لا والله لا أقوم إليه [ولا أحمده] [¬١٠]، ولا أحمدكما، ولكن أحمد الله الذي أنزل براءتي، لقد سمعتموه فما أنكرتموه ولا غيرتموه، وكانت عائشة تقول: أما زينب بنت جحش فعصمها [¬١١] الله بدينها فلم تقل إلا خيرًا، وأما أختها حمنة\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٢]- في ز: \"و\".\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- في ز: \"وهي\".\n[¬٥]- في ت: \"أجب رسول الله ﷺ\".\n[¬٦]- في ت: \"أجيبي رسول الله ﷺ\".\n[¬٧]- سقط من خ، ت.\n[¬٨]- في ز: \"فكنت\".\n[¬٩]- سقط من: ز.\n[¬١٠]- سقط من خ، ت.\n[¬١١]- في ز: \"فقد عصمها\".","vol":"10","page":186},{"text":"بنت جحش فهلكت فيمن هلك، وكان الذي يتكلم فيه: مسطح وحسان بن ثابت، و[¬١] المنافق عبد الله بن أبي ابن سلول، وهو [¬٢] الذي كان [¬٣] يستوشيه ويجمعه، وهو الذي تولى كبره منهم هو وحمنة، قالت: فحلف [¬٤] أبو بكر أن لا ينفع مسطحًا بنافعة أبدًا، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ﴾ [¬٥]، يعني: أبا بكر ﴿وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ﴾ يعني: مسطحًا، إلى قوله ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فقال أبو بكر: بلى والله يا ربنا، إنا لنحب [¬٦] أن تغفر لنا، وعاد له بما كان يصنع.\nهكذا رواه البخاري من هذا الوجه معلقًا بصيغة الجزم عن أبي أسامة حماد بن أسامة [أحد الأئمة الثقات. وقد رواه ابن جرير (^٤٠) في تفسيره عن سفيان بن وكيع عن أبي أسامة] [¬٧] به مطولًا مثله أو نحوه.\nورواه ابن أبي حاتم عن أبي سعيد الأشج عن أبي أسامة ببعضه.\nوقال الإِمام أحمد (^٤١): حَدَّثَنَا هشيم [] [¬٨] أخبرنا عمر [¬٩] بن أبي سلمة، عن أبيه، عن عائشة ﵂ قالت: لما نزل عذري من السماء، جاءني النبي ﷺ فأخبرني بذلك، فقلت: نحمد الله لا نحمدك.\nوقال الإمام أحمد (^٤٢): حدثني ابن أبي عدي، عن محمَّد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر عن، عمرة عن عائشة قالت: لما نزل عذري، قام رسول الله ﷺ فذكر ذلك وتلا القرآن، فلما نزل أمر برجلين وامرأة فضربوا حدهم.\nوأخرجه أهل السنن الأربعة. وقال الترمذي: هذا حديث حسن. ووقع عند أبي داود تسميتهم: حسان بن ثابت، ومسطح بن أثاثة، وحمنة بنت جحش.\n_________\n(^٤٠) تفسير الطبري (٧٤/ ١٨).\n(^٤١) المسند (٦/ ٣٠) (٢٤١٢٢) وأخرجه الطبراني في الكبير: (٢٣/ ١٢١ / رقم:١٥٥، ١٥٦) من طرق عن عمر بن أبي سلمة عن أبيه.\n(^٤٢) المسند (٦/ ٣٥) (٢٤١٧٥)، وأخرجه أبو داود في سننه في كتاب الحدود، باب: حد القذف (٤/ ١٦٠ / رقم: ٤٤٧٤، ٤٤٧٥). والترمذي في جامعه في كتاب تفسير القرآن، باب: ومن سورة =\n_________\n[¬١]- في ز: \"وأما\".\n[¬٢]- في ز: \"فهو\".\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- في ز: \"وحلف\".\n[¬٥]- في ز: \"إلى آخر الآية\".\n[¬٦]- في ز: \"نحب\".\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٨]- في المسند: عن منصور.\n[¬٩]- في ز، خ: عمرو. والمثبت من المسند.","vol":"10","page":187},{"text":"فهذه طرق متعددة عن أم المؤمنين عائشة ﵂ في المسانيد والصحاح والسنن وغيرها [¬١].\nوقد روي من حديث أمها أم رومان ﵂ فقال الإمام أحمد (^٤٣): حَدَّثَنَا علي بن عاصم، أخبرنا حصين، عن أبي وائل، عن مسروق، عن أم رومان؛ قالت: بينا أنا عند عائشة إذ دخلت علينا امرأة من الأنصار؛ فقالت: فعل الله بابنها وفعل، فقالت عائشة: ولم؟ قالت: إنّه كان فيمن حدث الحديث، قالت [عائشة] [¬٢] وأي حديث [¬٣]؟ قالت: كذا وكذا. قالت: وقد بلغ ذلك رسول الله ﷺ؟ قالت: نعم، قالت [¬٤]: وبلغ أبا بكر؟ قالت: نعم. فخرت عائشة ﵂ مغشيًّا عليها فما أفاقت إلا وعليها حمى بنافض. قالت: فقمت فدثرتها. قالت: وجاء النبي ﷺ قال [¬٥]: \"ما [¬٦] شأن هذه؟ \" قلت: يا رسول الله؛ آخذتها حمى بنافض قال: \"فلعله في حديث تحدث به\" قالت: فاستوت له [¬٧] عائشة قاعدة فقالت: والله لئن حلفت لكم لا تصدقوني ولئن اعتذرت إليكم لا تعذروني، فمثلي ومثلكم كمثل يعقوب وبنيه [¬٨] ﴿وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ قالت: وخرج [¬٩] رسول الله ﷺ وأنزل [¬١٠] الله عذرها، فرجع رسول الله ﷺ معه أبو بكر [فدخل فقال: يا عائشة؛ \"إن الله تعالى قد أنزل عذرك\" فقالت: بحمد الله لا بحمدك، فقال لها أبو بكر، تقولين هذا لرسول الله ﷺ؟ قالت: نعم، قالت: وكان فيمن حدث هذا الحديث رجل كان يعوله أبو بكر [¬١١] فحلف [أبو بكر] [¬١٢] أن لا يصله فأنزل الله ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ﴾ إلى آخر الآية قال [¬١٣] أبو بكر: بلى، فوصله.\n_________\n= النور (٥/ ٣٣٦ / رقم: ٣١٨١). والنسائي في الكبرى كتاب التعزيرات والشهود، باب: حد القذف (٤/ ٣٢٥ / رقم: ٧٣٥١). وابن ماجه في سننه في كتاب الحدود، باب: حد القذف (٢/ ٨٥٧ رقم: ٢٥٦٧). كلهم من طريق ابن أبي عدي به.\n(^٤٣) المسند (٦/ ٣٦٧) (٢٧١٨٣)، وأخرجه البخاري في كتاب أحاديث الأنبياء، باب: قول الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ﴾. (٦/ ٤٨٢ / رقم: ٣٣٨٨). وأطرافه في (٤١٤٣، ٤٦٩١، ٤٧٥١). من طرق عن حصين، عن أبي وائل شقيق بن سلمة، عن مسروق بن الأجدع، عن أم رومان.\n_________\n[¬١]- في ز: \"وغيرهم\".\n[¬٢]- سقط من خ، ت.\n[¬٣]- في خ: \"الحديث\".\n[¬٤]- سقط من: ز.\n[¬٥]- في ز: \"فقال\".\n[¬٦]- في خ: \"فما\".\n[¬٧]- سقط من: خ، ز.\n[¬٨]- بعده في ت: حين قال: فصبر جميل.\n[¬٩]- في خ: \"فخرج\".\n[¬١٠]- في ز: \"فأنزل\".\n[¬١١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬١٢]- سقط من خ، ت.\n[¬١٣]- في خ، ت: \"فقال\".","vol":"10","page":188},{"text":"تفرّد به البخاري دون مسلم من طريق حصين، وقد رواه البخاري عن موسى بن إسماعيل، عن أبي عوانة، وعن محمَّد بن سلام، عن محمَّد بن فضيل -كلاهما- عن حصين به (^٤٤). وفي لفظ أبي عوانة: حدثتني أم رومان، وهذا صريح في سماع مسروق منها وقد أنكر ذلك جماعة من الحفاظ منهم الخطيب البغدادي، ولك لما ذكره أهل التاريخ أنها ماتت في زمان [¬١] النبي ﷺ.\nقال الخطيب: وقد كان مسروق ورسله، فيقول: سئلت أم رومان، ويسوقه، فلعل بعضهم كتب: سئلت بألف. فاعتقد [¬٢] الراوي أنها سألت فظنه متصلًا، قال الخطيب: وقد رواه البخاري، كذلك ولم تظهر له علته. كذا قال والله أعلم. [ورواه بعضهم عن مسروق عن عبد الله بن مسعود عن أم رومان فالله أعلم] [¬٣].\nفقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ﴾ أي: بالكذب والبهت والافتراء ﴿عُصْبَةٌ﴾ أي: جماعة منكم ﴿لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ﴾ أي: يا آل أبي بكر ﴿بَلْ هُوَ خَيرٌ لَكُمْ﴾ أي: في الدنيا والآخرة، لسان صدق في الدنيا ورفعة منازل في الآخرة، وإظهار شرف لهم باعتناء الله تعالى بعائشة أم المؤمنين ﵂ حيث أنزل الله تعالى براءتها في القرآن العظيم ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَينِ يَدَيهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾ ولهذا لما دخل عليها ابن عباس ﵁ وعنه [¬٤] وهي في سياق الموت، قال لها: أبشري، فإنك زوجة رسول الله ﷺ وكان يحبك، ولم يتزوّج بكرًا غيرك، ونزلت [¬٥] براءتك من السماء (^٤٥).\nوقال ابن جرير في تفسيره (^٤٦): حدثني محمَّد بن عثمان الواسطي، حَدَّثَنَا جعفر بن عون، عن المعلى بن عرفان، عن محمَّد بن عبد الله بن جحش قال: تفاخرت عائشة وزينب ﵄ فقالت زينب: أنا التي نزل تزويجي من السماء قال وقالت عائشة: أنا التي نزل عذري في [كتاب الله] [¬٦]، حين حملني صفوان [¬٧] بن المعطل على\n_________\n(^٤٤) صحيح البخاري (٤١٤٣) من رواية موسى بن إسماعيل، وحديث (٣٣٨٨) من رواية بن سلام.\n(^٤٥) رواه البخاري في صحيحه حديث (٤٧٥٣).\n(^٤٦) تفسير الطبري (١٨/ ٧٠).\n_________\n[¬١]- في خ، ت: \"زمن\".\n[¬٢]- في خ، ت: \"اعتقد\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٤]- سقط من: ز.\n[¬٥]- في ز: \"أنزل\".\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين في ز: \"كتابه\".\n[¬٧]- سقط من: ز.","vol":"10","page":189},{"text":"الراحلة. فقالت لها زينب: يا عائشة؛ ما قلت حين ركبتيها؟ قالت: قلت [¬١]: حسبي الله ونعم الوكيل، قالت: قلت كلمة المؤمنين.\nوقوله تعالى: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ﴾ أي: لكل من تكلم في هذه القضية ورمى أم المؤمنين عائشة ﵂ بشيء من الفاحشة نصيب عظيم من العذاب.\n﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ﴾ قيل: ابتدأ به، وقيل: الذي كان يجمعه ويستوشيه ويذيعه ويشيعه.\n﴿لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ أي: على ذلك، ثم الأكثرون على أن المراد بذلك إنما هو عبد الله بن أبي ابن سلول، قبحه الله ولعنه، وهو الذي تقدم النص عليه في الحديث، وقال ذلك مجاهد وغير واحد.\nوقيل: [بل] [¬٢] المراد به حسان بن ثابت. وهو قول غريب، ولولا أنه وقع في صحيح البخاري بما قد يدل على إيراد [¬٣] ذلك، لما كان لإِيراده كبير فائدة، فإنه كان [¬٤] من الصحابة الذين كان لهم فضائل ومناقب ومآثر، وأحسن مآثره [¬٥]؛ أنه كان يذب عن رسول الله ﷺ بشعره [¬٦]، وهو الذي قال له رسول الله ﷺ: \"هاجهم وجبريل معك\" (^٤٧).\nوقال الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق، قال: كنت عند عائشة ﵂ فدخل حسان بن ثابت فأمرت فألقي له وسادة، فلما خرج، قلت لعائشة: ما تصنعين بهذا؟ يعني يدخل عليك، وفي رواية قيل لها: أتأذنين لهذا يدخل عليك وقد قال الله: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ فقالت [¬٧]: وأي عذاب أشد من العمى -وكان قد ذهب بصره- لعل الله أن يجعل ذلك هو العذاب العظيم. ثم قالت: إنّه كان ينافح عن رسول الله ﷺ، وفي رواية أنه أنشدها عندما دخل عليها شعرًا [¬٨] يمتدحها به فقال:\nحصان رزان ما تزن بريبة … وتصبح غرثى من لحوم الغوافل\n_________\n(^٤٧) - رواه البخاري حديث (٣٢١٣)، كتاب بدء الخلق.\n_________\n[¬١]- سقط من: ت.\n[¬٢]- سقط من خ، ت.\n[¬٣]- سقط من: خ، ز.\n[¬٤]- سقط من: ت.\n[¬٥]- في خ، ز: \"محاسنه\".\n[¬٦]- سقط من: خ، ز.\n[¬٧]- في خ، ت: \"قالت\".\n[¬٨]- سقط من: ز.","vol":"10","page":190},{"text":"فقالت: أما أنت فلست كذلك، وفي رواية: لكنك لست كذلك (^٤٨).\nوقال ابن جرير (^٤٩): حَدَّثَنَا الحسن بن قزعة، حَدَّثَنَا سلمة بن علقمة، حَدَّثَنَا داود عن عامر، عن عائشة أنها قالت: ما سمعت بشعر [¬١] أحسن من شعر حسان، ولا [¬٢] تمثلت به إلا رجوت له الجنة، قوله لأبي سفيان بن الحارث [¬٣] بن عبد المطلب:\nهجوت [¬٤] محمدًا فأجيب [¬٥] عنه … وعند الله في ذاك الجزاء\nفإنّ أبي ووالده وعرضي … لعرض محمَّد منكم وقاء\nأتشتمه ولست له بكفء؟ … فشرّكما لخيركما الفداء\nلساني صارم لا عيب فيه … وبحري لا تكدره الدلاء\nفقيل: يا أم المؤمنين؛ أليس هذا لغوًا؟ قالت: لا، إنما اللغو ما قيل عند النساء. قيل: أليس الله يقول: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ قالت؛ أليس قد أصابه عذاب [¬٦] عظيم، أليس [¬٧] قد ذهب بصره وكنع [¬٨] بالسيف؟ تعني: الضربة التي ضربه إياها صفوان بن المعطل السلمي [¬٩] حين بلغه عنه [¬١٠] أنه يتكلم في ذالك فعلاه بالسيف، وكاد أن يقتله.\n﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ (١٢) لَوْلَا جَاءُوا عَلَيهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ (١٣)﴾\nهذا تأديب من الله تعالى للمؤمنين في قصة عائشة ﵂ حين أفاض بعضهم في ذلك الكلام السوء [¬١١] وما ذكر من شأن الإِفك، فقال تعالى: ﴿لَوْلَا﴾\n_________\n(^٤٨) صحيح البخاري حديث (٤١٤٦) حدثني بشر بن خالد، عن محمَّد بن جعفر، عن شعبة، عن الأعمش، به.\n(^٤٩) تفسير الطبري (١٨/ ٦٩).\n_________\n[¬١]- في خ، ز: \"بشيء\".\n[¬٢]- في ز: \"ما\".\n[¬٣]- في خ، ز: \"حرب\".\n[¬٤]- في ز: \"هجرت\".\n[¬٥]- في ز: \"وأجبت\".\n[¬٦]- سقط من: خ، ز.\n[¬٧]- سقط من: ز.\n[¬٨]- في ز: \"كتع\".\n[¬٩]- سقط من: خ، ز.\n[¬١٠]- سقط من خ، ت.\n[¬١١]- في ز: \"السيء\".","vol":"10","page":191},{"text":"يعني [¬١]: هذا ﴿إِذْ سَمِعْتُمُوهُ﴾ أي: ذلك الكلام أي [¬٢] الذي رميت به أم المؤمنين ﵂ ﴿ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيرًا﴾ أي: قاسوا [¬٣] ذلك الكلام على أنفسهم، فإن كان لا يليق بهم فأم المؤمنين أولى بالبراءة منه بطريق الأولين و[¬٤] الأحرى.\nوقد قيل: إنها نزلت في أبي أيوب خالد بن زيد الأنصاري وامرأته ﵄ كما قال الإمام محمَّد بن إسحاق بن يسار، عن أبيه، عن بعض رجال بني النجار: أن أبا أيوب خالد بن زيد الأنصاري [¬٥] قالت له امرأته أم أيوب: يا أبا أيوب، أما تسمع ما يقول الناس في عائشة ﵂ قال: نعم، و[¬٦] ذلك الكذب، أكنت فاعلة ذلك يا أم أيوب؟ قالت: لا، والله ما كنت لأفعلَه. قال: فعائشة والله خير منك. قال: فلما نزل القرآن ذكر الله ﷿ من قال في الفاحشة ما قال من أهل الإفك: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ وذلك حسان وأصحابه الذين قالوا ما قالوا، ثم قال تعالى: ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ …﴾ الآية أي: كما قال أبو أيوب وصاحبته (^٥٠).\nوقال محمَّد بن عمر الواقدي: حدثني ابن أبي حبيب، عن داود بن الحصين، عن أبي سفيان، عن أفلح مولى أبي أيوب أن أم أيوب قالت لأبي أيوب: ألا تسمع ما يقول الناس في عائشة؟ قال: بلى، ليذلك الكذب أفكنت -يا أم أيوب-[فاعلة ذلك] [¬٧]؟ قالت: لا والله. قال: فعائشة والله خير منك. فلما نزل [¬٨] القرآن، وذكر أهل الإفك، قال الله ﷿: ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ﴾ يعني: أبا أيوب حين قال لأم أيوب ما [¬٩] قال:\nويقال: إنما قالها أبي بن كعب.\nوقوله تعالى: ﴿[ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيرًا] [¬١٠]﴾ أي: هلا ظنوا الخير، فإن أم المؤمنين أهله وأولى به، هذا ما يتعلق بالباطن، ﴿وَقَالُوا﴾ أي: بألسنتهم: ﴿هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ﴾ أي: كذب ظاهر على أم المؤمنين ﵂ فإن الذي وقع لم يكن ريبة، وذلك أن مجيء أم المؤمنين راكبة جهرة على راحلة صفوان بن المعطل في وقت\n_________\n(^٥٠) رواه الطبري في تفسيره (١٨/ ٧٧).\n_________\n[¬١]- في ز: \"بمعنى\".\n[¬٢]- سقط من خ، ت.\n[¬٣]- في ز: \"قاسوه\".\n[¬٤]- سقط من خ، ت.\n[¬٥]- سقط من: خ، ز.\n[¬٦]- سقط من خ، ت.\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٨]- في خ- ت: \"أنزل\".\n[¬٩]- سقط من: ز.\n[¬١٠]- ما بين المعكوفتين في ز: \"وقالوا هذا إفك مبين\".","vol":"10","page":192},{"text":"الظهيرة، والجيش بكماله يشاهدون ذلك، ورسول الله ﷺ بين أظهرهم، ولو [¬١] كان هذا الأمر فيه ريبةٌ لم يكن هكذا [¬٢] جهرة، ولا كانا يقدمان على مثل ذلك على رءوس الأشهاد،، بل كان [يكون هذا] [¬٣] لو قدر - خفية مستورًا، فتعين أن ما جاء به أهل الإفك مما رموا به أم المؤمنين هو الكذب البحت، والقول الزور، والرعونة الفاحشة الفاجرة [¬٤]، والصفقة الخاسرة.\nقال الله تعالى: ﴿لَوْلَا﴾ أي: هذا ﴿جَاءُوا عَلَيهِ﴾ أي: على ما قالوه ﴿بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ يشهدون على [¬٥] صحة ما جاءوا به ﴿فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ أي: في حكم الله كذبة [¬٦] فاجرون.\n﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٤) إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ (١٥)﴾\nيقول تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ أيها الخائضون في شأن عائشة؛ بأن قَبِلَ توبتكم وإنابتكم إليه في الدنيا، وعفا عنكم لإيمانكم بالنسبة إلى الدار الآخرة ﴿لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ﴾ من قضية الإفك ﴿عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ وهذا فيمن عنده إيمان رزقه الله بسببه التوبة إليه، كمسطح وحسان وحمنة بنت جحش أخت زينب بنت جحش، فأما من خاض فيه من المنافقين، كعبد الله بن أبي ابن سلول وأضرابه، فليس أولئك مرادين في هذه الآية؛ لأنه ليس عندهم من الإيمان والعمل الصالح ما يعادل هذا ولا ما يعارضه، وهكذا شأن ما يرد من الوعيد على فعل معين يكون مطلقًا مشروطا بعدم التوبة، أو ما يقابله [¬٧] من عمل صالح يوازنه أو يرجح عليه.\nثم قال تعالى: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ﴾ قال مجاهد وسعيد بن جبير: أي: يرويه بعضكم عن بعض، يقول هذا: سمعته من فلان وقال فلان: كذا، وذكر بعضهم كذا.\nوقرأ آخرون: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ [¬٨] بِأَلْسِنَتِكُمْ﴾ وفي صحيح البخاري (^٥١) عن عائشة أنها كانت\n_________\n(^٥١) صحيح البخاري، كتاب المغازي (٤١٤٤)، وطرفه حديث (٤٧٥٢).\n_________\n[¬١]- في ز: \"لو\".\n[¬٢]- في خ، ت: \"هذا\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في خ، ت: \"هذا يكون\".\n[¬٤]- سقط من: ز.\n[¬٥]- في ز: \"في\".\n[¬٦]- في خ، ت: \"كاذبون\".\n[¬٧]- في خ، ت: \"يقبله\".\n[¬٨]- في ز: \"تَلِيقونه\".","vol":"10","page":193},{"text":"تقرؤها كذلك، وتقول: هو من وَلْقِ القول [¬١] يعني: الكذب الذي يستمر صاحبه فيه [¬٢]، تقول العرب: ولق فلان في السير إذا استمر فيه، والقراءة الأولين أشهر، وعليها الجمهور، ولكن الثانية مروية عن أم المؤمنين عائشة.\nقال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا أبو سعيد الأشج، حَدَّثَنَا أبو أسامة، عن نافع بن عمر، عن ابن أبي مليكة [عن عائشة أنها كانت تقرأ (إذ تَلِقْونه) وتقول: إنما هو ولق القول - والولق: الكذب. قال ابن أبي مليكة] [¬٣]: هي أعلم به من غيرها.\nوقوله تعالى: ﴿وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾ أي: تقولون ما لا تعلمون.\nثم قال تعالى: ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ أي: تقولون ما تقولون في شأن أم المؤمنين، وتحسبون ذلك يسيرًا سهلا، ولو لم تكن زوجة النبي ﷺ لما كان هينًا، فكيف وهي زوجة النبي الأمي خاتم الأنبياء وسيد المرسلين؟ فعظيم عند الله أن يقال في زوجة [نبيه و] [¬٤] رسوله ما قيل، [فإن الله ﷾] [¬٥] يغار لهذا، وهو ﷾ لا يقدّر على زوجة نبي من أنبيائه ذلك، حاشا وكلا، ولما [لم يكن ذلك] [¬٦] فكيف يكون هذا في سيدة نساء الأنبياء، زوجة سيد ولد آدم على الإطلاق في الدنيا والآخرة؟! ولهذا قال تعالى: ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾.\nوفي الصحيحين (^٥٢): \" إن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يدري ما تبلغ، يهوي بها في النار أبعد مما [¬٧] بين السماء والأرض\". وفي رواية \"لا يلقي لها بالا\".\n﴿وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ (١٦) يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧) وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٨)﴾\n_________\n(^٥٢) صحيح البخاري، كتاب الرقاق (٦٤٧٨)، وصحيح مسلم (٢٩٨٨) من حديث أبي هريرة ﵁.\n_________\n[¬١]- في ت: \"اللسان\"\".\n[¬٢]- في ت: \"عليه\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين في ز: \"الله\".\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٧]- في ز: \"ما\".","vol":"10","page":194},{"text":"هذا تأديب آخر بعد الأول: الأمر بالظن خيرًا أي: إذا ذكر ما لا يليق من القول في شأن الخيرة، فأولى ينبغي الظن بهم خيرًا، وأن لا يشعر نفسه سوى ذلك، ثم إن علق بنفسه شيء من ذلك -وسوسة أو خبالًا- فلا ينبغي أن يتكلم به، فإن [¬١] رسول اللَّه ﷺ قال: \"إن اللَّه تعالى تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تقل أو تعمل\". أخرجاه في الصحيحين (^٥٣).\nوقال اللَّه تعالى: ﴿وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا﴾ أي ما ينبغي لنا أن نتفوّه بهذا الكلام ولا نذكره لأحد ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ أي: سبحان اللَّه أن يقال هذا الكلام على زوجة رسوله وحليلة خليله!\nثم قال تعالى: ﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا﴾ أي: ينهاكم اللَّه متوعدًا أن يقع منكم ما يشبه هذا ﴿أَبَدًا﴾، أي: فيما يستقبل، ولهذا [¬٢] قال: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أي: إن كنتم تؤمنون باللَّه وشرعه، وتعظمون رسوله ﷺ، فأما من كان متصفًا بالكفر [فذاك له] [¬٣] حكم آخر.\nثم قال تعالى: ﴿وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ﴾ أي: يوضح لكم الحكم [¬٤] الشرعية، والأحكام القدرية ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ أي: عليم بما يصلح عباده، حكيم في شرعه وقدره.\n﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (١٩)﴾\nوهذا تأديب ثالث لمن سمع شيئًا من الكلام السيئ فقام بذهنه [منه شيء وتكلم به] [¬٥] فلا يكثر منه، ولا يشيعه ويذيعه، فقد قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أي: يختارون ظهور الكلام عنهم بالقبيح ﴿لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا﴾ أي: بالحد. وفي الآخرة بالعذاب ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ أي: فردوا الأمور إليه ترشدوا.\n_________\n(^٥٣) صحيح البخاري، كتاب الطلاق حديث (٥٢٦٩)، وصحيح مسلم (١٢٧) من حديث أبي هريرة، ﵁.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- في ز: \"فلهذا\".\n[¬٣]- في ت: \"فله.\n[¬٤]- في ت: \"الأحكام\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين في ت: \"شيء به\".","vol":"10","page":195},{"text":"وقال الإمام أحمد (^٥٤): حَدَّثَنَا محمد بن بكر، حَدَّثَنَا ميمون بن أبي محمد المرئي [¬١]، حَدَّثَنَا محمد بن عباد المخزومي، عن ثوبان، عن النبي ﷺ قال: \"لا تؤذوا عباد اللَّه، ولا تعيروهم، ولا تطلبوا عوراتهم، فإنه من طلب [¬٢] عورة أخيه السلم طلب اللَّه عورتَه حتى يفضحَه في بيتِه\".\n﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (٢٠) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢١)﴾\nيقول اللَّه تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ أي: لولا هذا، لكان أمر آخر، ولكنه تعالى رءوف بعباده، رحيم بهم، فتاب على من تاب إليه من هذه القضية [¬٣]، وطهر من طهر منهم، بالحد الذي أقيم عليهم [¬٤].\nثم قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيطَانِ﴾ يعني: طرائقه ومسالكه وما يأمر به ﴿وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ هذا تنفير وتحذير من ذلك بأفصح [عبارة وأبلغها وأوجزها] [¬٥] وأحسنها.\nقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﴿خُطُوَاتِ الشَّيطَانِ﴾: عمله، وقال عكرمة: نزغاته. وقال قتادة: كل معصية فهي من خطوات الشيطان. وقال أبو مجلز: النذور في المعاصي من خطوات الشيطان.\nوقال [¬٦] مسروق: سأل رجل ابن مسعود؛ فقال: إني حرمت أن آكل طعامًا فقال: هذا من نزغات الشيطان: كَفِّرْ عن يمينِك وكُلْ.\n_________\n(^٥٤) المسند (٥/ ٢٧٩) (٢٢٥٠٣) وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ٨٦، ٨٧) وعزاه لأحمد وقال: \"ورجاله رجال الصحيح غير ميمون بن عجلان، وهو ثقة\".\n_________\n[¬١]- في ز: \"المرائي\".\n[¬٢]- في خ، ز: \"ظلم\".\n[¬٣]- سقط من: خ، ز.\n[¬٤]- في خ، ت: \"عليه\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين في ز: \"العبارة أوجزها وأبلغها\".\n[¬٦]- بياض في: ز.","vol":"10","page":196},{"text":"وقال الشعبي في رجل نذر ذبح ولده: وهذا من نزغات الشيطان، وأفتاه أن يذبح كبشًا.\nوقال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا أبي، حَدَّثَنَا حسان بن عبد اللَّه المصري، حَدَّثَنَا السري بن يحيى، عن سليمان التيمي، عن أبي رافع؛ قال: غضبت على امرأتي فقالت [¬١]: هي يوم يهودية، ويوم نصرانية، وكل مملوك لها حر إن لم تطلق امرأتك، فأتيت عبد اللَّه بن عمر؛ فقال: إنما هذه من نزغات الشيطان. وكذلك قالت زينب بنت أم سلمة، وهي يؤمئذ أفقه امرأة بالمدينة، وأتيت عاصم بن عمر فقال مثل ذلك.\nثم قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا﴾ أي: لولا هو يرزق لمن [¬٢] يشاء التوبة [] [¬٣] والرجوع إليه، ويزكي النفوس من شركها وفجورها ودنسها وما فيها من أخلاق رديئة، كل بحسبه - لما حصل أحد لنفسه زكاة ولا خيرًا ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ﴾ أي: من خلقه، ويضل من يشاء، وبرديه في مهالك الضلال والغي.\nوقوله: ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ أي: سميع لأقوال عباده، عليم بهم، من يستحق منهم الهدى والضلال.\n﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢)﴾\nيقول تعالى: ﴿وَلَا يَأْتَلِ﴾ من الألية [وهي الحلف] [¬٤]، أي: لا يحلف ﴿أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ﴾ أي: الطول والصدقة والإحسان ﴿وَالسَّعَةِ﴾ أي: الجدة ﴿أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي: لا تحلفوا أن لا تصلوا قراباتكم المساكين والمهاجرين، وهذا [¬٥] في غاية الترفق [¬٦] والعطف على صلة الأرحام، ولهذا قال: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا﴾ أي: عما تقدم منهم من الأساءة والأذى، وهذا [¬٧] من حلمه تعالى وكرمه، ولطفه بخلقه مع ظلمهم لأنفسهم.\n_________\n[¬١]- في ز: \"فقلت\".\n[¬٢]- في خ، ت: \"من\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في ز: \"إليه\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٥]- في ز: \"هذه\".\n[¬٦]- في ز: \"الترقق\".\n[¬٧]- في ز: \"هذا\".","vol":"10","page":197},{"text":"وهذه الآية نزلت في الصديق ﵁ حين حلف أن لا ينفع مسطح بن أثاثة بنافعة، بعد ما قال في عائشة ما قال، كما تقدم في الحديث، فلما أنزل اللَّه براءة أم المؤمنين عائشة، وطابت النفوس المؤمنة واستقرت، وتاب اللَّه على من كان تكلم من المؤمنين في ذلك، وأقيم الحد على من أقيم عليه -شرع ﵎ وله الفضل والمنة- يعطف الصديق على قريبه ونسيبه، وهو مسطح بن أثاثة، فإنه كان ابن خالة الصديق، وكان مسكينًا لا مال له؛ إلا ما ينفق عليه أبو بكر ﵁ وكان من المهاجرين في سبيل اللَّه، وقد ولق ولقة تاب اللَّه عليه منها، وضرب الحد عليها. وكان الصديق ﵁ معروفًا بالمعروف، له الفضل والأيادي على الأقارب والأجانب، فلما نزلت هذه الآية إلى قوله: ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أي: كان [¬١] الجزاء ممن جنس العمل، فكما تغفر [ذنب من أذنب] [¬٢] إليك [يغفر اللَّه] [¬٣] لك، وكما تصفح يصفح [¬٤] عنك، فعند ذلك قال الصديق: بلى، والله أنا نحب أن تغفر لنا يا ربنا. ثم رجع إلى مسطح ما كان يصله من النفقة، وقال: واللَّه لا أنزعها منه أبدًا. في مقابلة ما كان قال: واللَّه لا أنفعه بنافعة أبدًا؛ فلهذا كان الصديق هو الصديق ﵁[وعن بنته] [¬٥].\n﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٢٣) يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٤) يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ (٢٥)﴾\nهذا وعيد من اللَّه تعالى للذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات [¬٦]، خرج مخرج الغالب [] [¬٧]، فأمهات المؤمنين أولى بالدخول في هذا من كل محصنة، ولا سيما التي كانت سبب النزول، وهي عائشة بنت الصديق ﵄.\nوقد أجمع العلماء ﵏ قاطبة على أن من سبها بعد هذا ورماها بما رماها به [الذين ذكروا] [¬٨] في هذه الآية، فإنه كافر؛ لأنه معاند للقرآن، وفي بقية أمهات المؤمنين قولان: أصحهما أنهن كهي، واللَّه أعلم.\n_________\n[¬١]- في ت: \"فإن\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في خ، ز: \"عن المذنب\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في ز: \"نغفر\".\n[¬٤]- في ز: \"نصفح\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٦]- سقط من: ز.\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين في ز: \"المؤمنات\".\n[¬٨]- ما بين المعكوفتين في ت: \"بعد هذا الذي ذكر\".","vol":"10","page":198},{"text":"وقوله [¬١]: ﴿لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ كقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا﴾.\nوقد ذهب بعضهم إلى أنها خاصة بعائشة ﵂ فقال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا أبو سعيد الأشج، حَدَّثَنَا عبد اللَّه بن خراش، عن العوام، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ نزلت في عائشة خاصة.\nو[¬٢] كذا قال مقاتل بن حيان، وقد ذكره ابن جرير عن عائشة فقال (^٥٥): حَدَّثَنَا أحمد بن عبدة الضبي، حَدَّثَنَا أبو عوانة، عن عمر بن أبي سلمة، عن أبيه قال: قالت عائشة: رميت بما رميت به وأنا غافلة، فبلغني بعد ذلك، قالت: فبينا رسول اللَّه ﷺ جالس عندي؛ إذ أوحي إليه، قالت: وكان إذا أوحي إليه أخذه كهيئة السبات، وإنه أوحي إليه وهو جالس عندي، ثم استبرى جالسًا يمسح على وجهه، وقال: \"يا عائشة؛ أبشري! \" قالت: فقلت [¬٣]: بحمد اللَّه لا بحمدك، فقرأ ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ - حتى قرأ [¬٤]- ﴿أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾.\nهكذا أورده وليس فيه أن الحكم خاص بها، وإنما فيه أنها سبب النزول دون غيرها، وإن كان الحكم يعمها كغيرها، ولعله مراد ابن عباس ومن قال كقوله، واللَّه أعلم.\nوقال الضحاك وأبو الجوزاء وسلمة بن نبيط: المراد بها أزواج النبي خاصة دون غيرهن من النساء.\nوقال العوفي عن ابن عباس في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ …﴾ الآية يعني: أزواج النبي ﷺ، رماهن أهل النفاق فأوجب اللَّه لهم اللعنة والغضب، وباءوا بسخط من اللَّه، فكان ذلك في أزواج النبي ﷺ، ثم نزل بعد ذلك ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ إلى قوله [¬٥] ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فأنزل اللَّه الجلد والتوبة، فالتوبة تقبل، والشهادة ترد.\nوقال ابن جرير: (^٥٦) حَدَّثَنَا القاسم، حَدَّثَنَا الحسين، حَدَّثَنَا هشيم، أخبرنا العوام بن حوشب، عن شيخ من بني أسد، عن ابن عباس قال: فسر سورة النور، فلما أتى على هذه\n_________\n(^٥٥) تفسير الطبري (١٨/ ٨٢).\n(^٥٦) تفسير الطبري (١٨/ ٨٣).\n_________\n[¬١]- بياض في: ز.\n[¬٢]- سقط من خ، ت.\n[¬٣]- في ز: \"قلت\".\n[¬٤]- في خ، ت: \"بلغ\".\n[¬٥]- سقط من: ز.","vol":"10","page":199},{"text":"الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا …﴾ الآية. قال: في شأن عائشة وأزواج النبي ﷺ، وهي مبهمة وليست لهم توبة، ثم قرأ: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ إلى قوله ﴿إلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا …﴾ الآية. قال: فجعل لهؤلاء توبة و[¬١] لم يجعل لمن قذف أولئك توبة. قال: فهمّ بعض القوم أن يقوم إليه فيقبل رأسه من حسن ما فسر به [¬٢] سورة النور.\nفقوله: وهي مبهمة؛ أي: عامة في تحريم قذف كل محصنة، ولعنته في الدنيا والآخرة.\nوهكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: هذا في عائشة، ومن صنع مثل هذا أيضًا اليوم في المسلمات فله ما قال اللَّه تعالى، و[¬٣] لكن عائشة كانت [إمامًا في] [¬٤] ذلك.\nوقد اختار ابن جرير عمومها وهو الصحيح، ويعضد العموم ما رواه ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا أحمد بن عبد الرحمن بن أخي ابن وهب، حدثني عمي، حَدَّثَنَا سليمان بن بلال، عن ثور بن زيد، عن أبي الغيث، عن أبي هريرة: أن رسول اللَّه ﷺ قال: \"اجتنبوا السبع الموبقات\" قيل: يا رسول اللَّه وما هن؟ قال: \"الشرك باللَّه، والسحر، وقتل النفس التي حرم اللَّه إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات\".\nأخرجاه في الصحيحين (^٥٧) من حديث سليمان بن بلال به.\nوقال الحافظ أبو القاسم الطبراني (^٥٨): حَدَّثَنَا محمد بن عمرو بن خالد الحذاء الحراني، حدثني أبي ح [¬٥]. وحَاثَنَا أبو شعيب الحراني، حَدَّثَنَا جدي أحمد بن أبي شعيب، حَدَّثَنَا موسى بن أعين [¬٦]، عن ليث، عن أبي إسحاق، عن صلة بن زفر، عن حذيفة، عن النبي ﷺ قال: \"قذف المحصنة يهدم عمل مائة سنة\".\nو[¬٧] قوله: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ قال ابن\n_________\n(^٥٧) صحيح البخاري حديث (٢٧٦٦) وصحيح مسلم (٨٩).\n(^٥٨) المعجم الكبير للطبراني (٣/ ١٩٦)، وقال الهيثمي في المجمع (٦/ ٢٧٩): \"وفيه ليث بن أبي سليم وهو ضعيف وقد حسن حديثه، وبقية رجاله رجال الصحيح\".\n_________\n[¬١]- سقط من خ، ت.\n[¬٢]- سقط من: خ، ز.\n[¬٣]- سقط من خ، ت.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين في ز: \"إمام\".\n[¬٥]- في خ: \"حينئذ\".\n[¬٦]- في ز: \"عين\".\n[¬٧]- سقط من خ، ت.","vol":"10","page":200},{"text":"أبي حاتم: حَدَّثَنَا أبو سعيد الأشج، حَدَّثَنَا أبو يحيى الرازي، عن عمرو بن أبي قيس، عن مطرف، عن المنهال، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: إنهم -يعني المشركين- إذا رأوا أنه لا يدخل الجنة إلا أهل الصلاة، قالوا: تعالوا حتى نجحد فيجحدون، فيختم على أفواههم، وتشهد أيديهم وأرجلهم، ولا يكتمون اللَّه حديثًا.\nوقال ابن جرير (^٥٩) وابن أبي حاتم أيضًا: حَدَّثَنَا يونس بن عبد الأعلى، حَدَّثَنَا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، عن دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد- عن رسول ﷺ قال: \"إذا كان يوم القيامة، عرف الكافر بعمله، فيجحد ويخاصم، فيقال له [¬١]: هؤلاء جيرانك يشهدون عليك، فيقول: كذبوا. فيقول: أهلك وعشيرتك، فيقول: كذبوا. فيقال: احلفوا فيحلفون ثم [يصمهم اللَّه، فتشهد] [¬٢] عليهم أيديهم وألسنتهم، ثم يدخلهم النار\".\nوقال ابن أبي حاتم أيضًا: حَدَّثَنَا أبو شيبة إبراهيم بن [¬٣] عبد اللَّه بن أبي شيبة الكوفي، حَدَّثَنَا منجاب بن الحارث التميمي [¬٤]، حَدَّثَنَا أبو عامر الأسدي، حَدَّثَنَا سفيان، عن [] [¬٥] عبيد المكتب، عن فضيل بن عمرو الفقيمي، عن الشعبي، عن أنس بن مالك، قال: كنا عند النبي ﷺ فضحك حتى بدت نواجذه ثم قال: \"تدرون [¬٦] مم أضحك؟ \" قلنا: اللَّه ورسوله أعلم. قال: \"من مجادلة العبد لربه [يوم القيامة] [¬٧]، يقول: يارب، ألم تجرني من الظلم؟ فيقول: بلى؛ فيقول: لا أجيز علي [إلا شاهدًا من نفسي] [¬٨]. فيقول: كفى بنفسك اليوم [عليك شهيدًا] [¬٩]، وبالكرام عليك شهودًا [¬١٠]، فيختم على فيه، ويقال لأركانه: انطقي! فتنطق بعمله، ثم يخلَّى بينه وبين الكلام، فيقول: بعدًا لكن وسحقًا! فعنكنَّ كنت أناضل\".\nوقد رواه مسلم (^٦٠) والنسائي جميعًا عن أبي بكر بن أبي النضر، عن أبيه، عن عبد اللَّه\n_________\n(^٥٩) تفسير الطبري (١٨/ ١٠٥)، ورواه أبو يعلى في مسنده حديث (١٣٩٢) من طريق ابن لهيعة، عن دراج، عن أبي الهيثم به، ورواية دراج عن أبي الهيثم فيها ضعف.\n(^٦٠) صحيح مسلم حديث (٢٩٦٩).\n_________\n[¬١]- سقط من: ت.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز: \"يضمهم\".\n[¬٣]- في خ وت: \"عن\".\n[¬٤]- في خ، ث: \"التيمي\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين في ز: \"بن\".\n[¬٦]- في خ، ت: \"أتدرون\".\n[¬٧]- سقط من خ، ت.\n[¬٨]- ما بين المعكوفتين في ز: \"شاهد مني من نفسي\".\n[¬٩]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬١٠]- في ز: \"شهيدًا\".","vol":"10","page":201},{"text":"الأشجعي، عن سفيان الثوري به، ثم قال النسائي: لا أعلم أحدًا روى هذا الحديث عن سفيان الثوري غير الأشجعي، وهو حديث غريب، واللَّه أعلم، هكذا قال:\nوقال قتادة: ابن آدم، واللَّه إن عليك لشهودًا، غير [متهمة من] [¬١] بدنك، فراقبهم واتق اللَّه في سرك [¬٢] وعلانيتك، فإنه لا يخفى عليه خافية، والظُلْمة عنده ضوء، والسر عنده علانية، فمن استطاع أن يموت وهو باللَّه حسن الظن فليفعل، ولا قوة إلا بالله.\nوقوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ﴾ قال ابن عباس: ﴿دِينَهُمُ﴾؛ أي: حسابهم، وكل ما في القرآن دينهم أي: حسابهم، وكذا قال غير واحد.\nثم إن قراءة الجمهور بنصب الحق على أنه صفة لدينهم، وقرأ مجاهد بالرفع على أنه نعت الجلالة، وقرأ ما بعض السلف في مصحف أبيّ بن كعب: (يومئذ يوفيهم اللَّه الحق دينهم).\nوقوله ﴿وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ﴾ أي: وعده ووعيده، وحسابه هو العدل الذي لا جور فيه.\n﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٢٦)﴾\nقال ابن عباس: الخبيثات [¬٣] من القول للخبيثين من الرجال، والخبيثون من الرجال للخبيثات من القول. والطيبات من القول للطيبين من الرجال، والطبون من الرجال للطيبات من القول. قال: ونزلت في عائشة وأهل الإِفك.\nوهكذا روي عن مجاهد وعطاء وسعيد بن جبير والشعبي والحسن بن أبي الحسن البصري وحبيب بن أبي ثابت والضحاك واختاره ابن جرير، ووجهه بأن الكلام القبيح أولى بأهل القبح من الناس، والكلام الطيب أولى بالطيبين من الناس، فما [¬٤] نسبه أهل النفاق إلى عائشة [من كلام] [¬٥] هم أولى به، وهي أولى بالبراءة والنزاهة منهم؛ ولهذا قال: ﴿أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ﴾ وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: الخبيثات من النساء للخبيثين من الرجال، والخبيثون من الرجال للخبيثات [¬٦] من النساء، والطيبات من النساء للطيبين من الرجال، والطيبون من الرجال للطيبات من النساء.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ز: \"متممة في\".\n[¬٢]- في ز: \"سرائرك\".\n[¬٣]- في ت: \"الخبائث\".\n[¬٤]- في ز: \"مما\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٦]- في ز: \"للخبيثين\".","vol":"10","page":202},{"text":"وهذا أيضًا يرجع إلى ما قاله أولئك باللازم، أي: ما كان اللَّه [¬١] ليجعل عائشة زوجة لرسول اللَّه ﷺ إلا وهي طيبة، لأنه أطيب من كل طيب من البشر، ولو كانت خبيثة لما صلحت له [¬٢]، لا شرعًا ولا قدرًا؛ ولهذا قال: ﴿أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ﴾ أي: هم بُعداء عما يقوله أهل الإِفك والعدوان ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ أي: بسبب ما قيل فيهم من الكذب ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ أي: عند اللَّه في جنات النعيم، وفيه وعد بأن تكون زوجة رسول اللَّه ﷺ في الجنة.\nو[¬٣] قال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا محمد بن مسلم، حَدَّثَنَا أبو نعيم، حَدَّثَنَا عبد السلام بن حرب. عن يزيد بن عبد الرحمن، عن الحكم، عن يحيى بن الجزار؛ قال: جاء أسير بن جابر إلى عبد اللَّه فقال: لقد سمعت الوليد بن عقبة [¬٤] اليوم تكلم [¬٥] اليوم بكلامٍ أعجبني، فقال عبد اللَّه: أن الرجل المؤمن يكون في قلبه [الكلمة غير الطيبة] [¬٦] تتجلجل في صدره [ما تستقر حتى يلفظها] [¬٧]، فيسمعها الرجل عنده يتلها فيضمها إليه، وإن الرجل الفاجر يكون في قلبه الكلمة الطيبة تتجلجل في صدره ما تستقر حتى يلفظها، فيسمعها الرجل الذي عنده يتلها فيضمها إليه، ثم قرأ عبد اللَّه ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ﴾.\nويشبه هذا ما رواه الإِمام أحمد (^٦١) في المسند مرفوعًا: \"مثل الذي يسمع الحكمة [¬٨] ثم لا يحدث إلا بشرّ ما سمع، كمثل رجل جاء إلى صاحب غنم، فقال: [اجْزِرْني] [¬٩] شاة، فقال: اذهب فخذ بأذن أيها شئت فذهب فأخذ بأذن كلب الغنم\".\nوفي الحديث الآخر: \"الحكمة ضالة المؤمن من [¬١٠] حيث وجدها أخذها\" (^٦٢).\n_________\n(^٦١) المسند (٢/ ٣٥٣) من حديث أبي هريرة ﵁.\n(^٦٢) رواه الترمذي حديث (٢٦٨٧)، وابن ماجة حديث (٤١٦٩) من طريق عبد اللَّه بن نمير، عن إبراهيم بن الفضل، عن سعيد القبري، عن أبي هريرة، ﵁. وقال الترمذي: \"هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وإبراهيم بن الفضل المدني المخزومي، يضعف في الحديث من قبل حفظه\".\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- سقط من: خ، ز.\n[¬٣]- سقط من خ، ت.\n[¬٤]- في ز: \"عتبة\".\n[¬٥]- بعده في خ، ت: اليوم.\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين في خ، ز: \"غير طابل\".\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين في خ، ز: \"حتى يخرجها\".\n[¬٨]- في خ، ز: \"الكلمة\".\n[¬٩]- في ت: اجرز لي، ومعنى: \"أجزرني\" أعطني شاة تصلح للذبح.\n[¬١٠]- سقط من: خ.","vol":"10","page":203},{"text":"﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٢٧) فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٢٨) لَيسَ عَلَيكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ (٢٩)﴾\nهذه آداب شرعية أدب اللَّه بها عباده المؤمنين، وذلك في الاستئذان، [أمر اللَّه المؤمنين] [¬١] أن لا يدخلوا بيوتًا غير بيوتهم حتى يستأنسوا [أي: يستأذنوا] [¬٢] قبل الدخول ويسلموا بعده، وينبغي أن يستأذن [ثلاثًا] [¬٣]، فإن أذن له وإلا انصرف، كما ثبت في الصحيح (^٦٣) أن أبا موسى حين استأذن على عمر ثلاثًا فلم يؤذن له انصرف، ثم قال عمر: ألم أسمع صوت عبد اللَّه بن قيس يستأذن؟ ائذنوا له. فطلبوه فوجدوه قد ذهب، فلما جاء بعد ذلك؛ قال: ما رجعك [¬٤]؟ قال: إني استأذنت ثلاثًا فلم يؤذن لي، وإني سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: \"إذا [¬٥] استأذن أحدكم ثلاثًا فلم يؤذن له فلينصرف\". فقال عمر [¬٦]: لتأتين [¬٧] على هذا ببينة وإلا أوجعتك ضربًا. فذهب إلى ملإ من الأنصار فذكر لهم ما قال عمر؛ فقالوا: لا يشهد لك إلا أصغرنا، فقام معه أبو سعيد الخدري فأخبر عمر بذلك؛ فقال: ألهاني عنه الصفق بالأسواق.\nوقال الإمام أحمد (^٦٤): حَدَّثَنَا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن ثابت، عن أنس أو غيره: أن رسول اللَّه ﷺ استأذن على سعد بن عبادة فقال: \"السلام عليك ورحمة اللَّه\". فقال سعد: وعليك السلام ورحمة اللَّه. ولم يسمع النبي ﷺ حتى سلم ثلاثًا ورد عليه سعد ثلاثًا، ولم يسمعه؛ فرجع النبي ﷺ فاتبعه\n_________\n(^٦٣) صحيح البخاري، كتاب الاستئذان؛ باب: التسليم والاستئذان ثلاثًا حديث (٦٢٤٥)، وصحيح مسلم حديث (٢١٥٣).\n(^٦٤) المسند (٣/ ١٣٨).\n_________\n[¬١]- في خ، ت: \"أمرهم\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ت.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في ت: \"ثلاث مرات\".\n[¬٤]- في خ، ت: \"أرجعك\".\n[¬٥]- في ت: \"إن\".\n[¬٦]- سقط من: خ، ز.\n[¬٧]- في خ، ت: \"لتأتيني\".","vol":"10","page":204},{"text":"سعد فقال: يا رسول الله؛ بأبي أنت وأمي! ما سلمت تسليمة إلا وهي بأذني، ولقد رددت عليك ولم أسمعك؛ وأردت أن أستكثر من [سلامك ومن] [¬١] البركة، ثم أدخله البيت، فقرب إليه زبيبًا، فأكل نبي الله، فلما فرغ قال: \"أكل طعامكم الأبرار، وصلت عليكم الملائكة، وأفطر عندكم الصائمون! \".\nوقد روى أبو داود (^٦٥) والنسائي من حديث أبي عمرو الأوزاعي: سمعت يحيى بن أبي كثير يقول: حدثني محمد بن عبد الرحمن بن سعد بن زرارة، عن قيس بن سعد -هو ابن عبادة- قال: زارنا رسول الله ﷺ في منزلنا فقال: \"السلام عليكم ورحمة الله\". فرد سعد ردًّا خفيًّا. قال قيس: فقلت: ألا تأذن لرسول الله ﷺ؟ فقال: دعه [¬٢] يكثر علينا من السلام. فقال رسول الله ﷺ: \"السلام عليكم ورحمة الله\". فرد سعد ردًّا خفيًّا. ثم قال رسول الله ﷺ: \"السلام عليكم ورحمة الله\". ثم رجع رسول الله ﷺ واتبعه سعد. فقال: يا رسول الله، إني كنت أسمع تسليمك وأرد عليك ردًّا خفيًّا لتكثر علينا من السلام. قال [¬٣]: فانصرف معه [رسول الله ﷺ وأمر له سعد بغسل، فاغتسل، ثم ناوله بملحفة مصبوغة] [¬٤] بزعفران أو ورس فاشتمل بها، ثم رفع رسول الله ﷺ يديه وهو يقول: \"اللهم اجعل صلاتك ورحمتك على آل سعد بن عبادة\". قال: ثم أصاب رسول الله ﷺ من الطعام، فلما أراد الانصراف قرب إليه [¬٥] سعد حمارًا قد وطيء عليه بقطيفة، فركب رسول الله ﷺ، فقال سعد: يا قيس؛ اصحب رسول الله ﷺ، قال قيس: فقال رسول الله ﷺ: \"اركب\" فأبيت فقال: \"إما أن تركب وإما أن تنصرف\" قال: فانصرفت.\nوقد رُوي هذا من وجه آخر، فهو حديث جيد قوي، والله أعلم.\nثم ليعلم أنه ينبغي للمستأذن على أهل المنزل أن لا يقف تلقاء الباب بوجهه، ولكن ليكن\n_________\n(^٦٥) سنن أبي داود، كتاب الأدب، باب: كم مرة يسلم الرجل في الاستئذان حديث (٥١٨٥)، والنسائي في السنن الكبرى حديث (١٠١٥٧)، (١٠١٥٩) من طريق عبد الله، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان: أن رسول الله ﷺ أتى سعد بن عبادة زائرًا، فذكر الحديث.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في خ، ز: \"سماعك و\".\n[¬٢]- في ز: \"ودعه\".\n[¬٣]- سقط من: خ، ز.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٥]- في ز: \"له\".","vol":"10","page":205},{"text":"الباب عن يمينه أو يساره؛ لما رواه أبو داود (^٦٦): حَدَّثَنَا مؤمّل بن الفضل الحراني في آخرين قالوا: حَدَّثَنَا بقية، حَدَّثَنَا محمد بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن بسر [¬١] قال: كان رسول الله ﷺ إذا أتى باب قوم لم يستقبل الباب من تلقاء وجهه ولكن من ركنه الأيمن أو الأيسر ويقول [¬٢]: \"السلام عليكم السلام عليكم\". وذلك أن الدور لم يكن عليها يومئذ ستور. تفرد [¬٣] به أبو داود.\nوقال أبو داود (^٦٧) أيضًا: حَدَّثَنَا عثمان بن أبي شيبة، حَدَّثَنَا جرير ح. قال أبو داود: حَدَّثَنَا أبو بكر بن أبي شيبة، حَدَّثَنَا حفص، عن الأعمش، عن طلحة، عن هزيل قال: جاء رجل - قال عثمان: سعد - فوقف على باب النبي ﷺ يستأذن، فقام على الباب - قال عثمان: مستقبل الباب - فقال له النبي ﷺ: \"هكذا عنك -أو هكذا؛ فإنما الاستئذان من النظر\".\nوقد رواه أبو داود الطالسي، عن سفيان الثوري، عن الأعمش، عن طلحة بن مصرف، عن رجل، عن سعد، عن النبي ﷺ رواه أبو داود (^٦٨) من حديثه.\nوفي الصحيحين (^٦٩) عن رسول الله ﷺ أنه قال: \"لو أن امرءًا اطلع عليك بغير إذن، فحذفته [¬٤] بحصاة؛ ففقأت عينه ما كان عليك من جناح\".\nوأخرج الجماعة (^٧٠) من حديث شعبة، عن محمد بن المنكدر، عن جابر قال: أتيت النبي ﷺ في دين كان على أبي فدققت الباب فقال: \"من ذا؟ \". قلت [¬٥]: أنا. قال: \"أنا أنا؟ \". كأنه كرهه. وإنما كره ذلك؛ لأن هذه اللفظة لا يعرف صاحبها حتى يفصح باسمه أو كنيته التي هو مشهور بها، وإلا فكل أحد يعبر عن نفسه بـ\"أنا\" فلا يحصل بها المقصود من الاستئذان الذي هو الاستئناس المأمور به في الآية.\n_________\n(^٦٦) سنن أبي داود، كتاب الأدب، باب: كم مرة يسلم الرجل في الاستئذان حديث (٥١٨٦).\n(^٦٧) سنن أبي داود، كتاب الأدب، باب: الاستئذان، حديث (٥١٧٤).\n(^٦٨) سنن أبي داود، كتاب الأدب، باب: الاستئذان، حديث (٥١٧٥).\n(^٦٩) صحيح البخاري، كتاب الديات حديث (٦٩٠٢)، وصحيح مسلم، كتاب الأدب (٢١٥٨).\n(^٧٠) صحيح البخاري، كتاب الاستئذان، (٦٢٥٠)، وصحيح مسلم، كتاب الآداب (٢١٥٥)، وسنن أبي داود، كتاب الأدب (٥١٨٧)، وسنن الترمذي، كتاب الاستئذان حديث (٢٧١١)، والنسائي في السنن الكبرى حديث (١٠١٦٠)، وسنن ابن ماجة حديث (٣٧٠٩).\n_________\n[¬١]- في ز: \"بشر\".\n[¬٢]- في ز: \"فيقول\".\n[¬٣]- في ت: \"انفرد\".\n[¬٤]- في خ، ت: \"فخذفته\".\n[¬٥]- في خ، ت: \"فقلت\".","vol":"10","page":206},{"text":"وقال العوفي عن ابن عباس: الاستئناس: الاستئذان. وكذا قال غير واحد. وقال ابن جرير: حَدَّثَنَا ابن بشار، حَدَّثَنَا محمد بن جعفر، حَدَّثَنَا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في هذه الآية ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا﴾ قال: إنما هي خطأ من الكاتب ﴿حَتَّى تَسْتَأْذِنوا [¬١] وَتُسَلِّمُوا﴾.\nوهكذا رواه [¬٢] هشيم عن أبي بشر، وهو جعفر بن إياس، [به. وروى معاذ [¬٣] بن سليمان، عن جعفر بن إياس] [¬٤] عن سعيد، عن ابن عباس بمثله، وزاد: وكان ابن عباس يقرأ: ﴿حَتَّى تَسْتَأْذِنوا وَتُسَلِّمُوا﴾ وكان يقرأ على قراءة أبيّ بن كعب ﵁ وهذا غريب جدا عن ابن عباس.\nوقال هشيم: أخبرنا مغيرة، عن إبراهيم قال: في مصحف ابن مسعود: ﴿حَتَّى تُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا وَتَسْتَأْذِنوا﴾ وهذا أيضًا رواية عن ابن عباس وهو اختيار ابن جرير.\nوقد قال الإِمام أحمد (^٧١): حَدْثَنَا روح، حَدَّثَنَا ابن جريج، أخبرني عمرو بن أبي سفيان: أن عمرو بن أبي صفوان أخبره: أن كلدة بن الحنبل أخبره: أن صفوان بن أمية بعثه في الفتح بلبأ وجداية وضغابيس [¬٥] والنبي ﷺ بأعلى الوادي قال: فدخلت [عليه] ولم أسلم ولم أستأذن. فقال النبي ﷺ \"ارجع فقل: السلام! عليكم أأدخل؟ \". وذلك بعد ما أسلم صفوان [¬٦]، ورواه أبو داود والترمذي، والنسائي من حديث ابن جريج به (^٧٢)، وقال الترمذي: حسن غريب لا نعرفه إلا من حديثه.\n_________\n(^٧١) - رواه أحمد حديث ١٥٤٦٦ - (٣/ ٤١٤).\nوقهله: لِبأ: اللِّبَأ؛ مهموز وزان عنب: أول اللبن عند الولادة، وقال أبو زيد: وأكثر ما يكون ثلاث حلبات، وأقلُّه حلبة. المصباح المنير [٢/ ٥٤٨].\nوالجداية: بفتح الجيم وكسرها: أولاد الظباء ذكرًا كان أو أنثى مما بلغ ستة أشهر أو سبعة أشهر بمنزلة الجدي من المعز كذا في النهاية \"ينظر عون المعبود\" (٧/ ٥٥) (٥١٦٥).\nوضغابيس: جمع ضغْبوس -بفتح الضاد وسكون الغين المعجمتين- وهو صغير القثاء. \"ينظر عون العبود\" (٧/ ٥٥).\n(^٧٢) - رواه أبو داود في كتاب الأدب، باب: كيف الاستئذان (٤/ ٣٤٤) حديث (٥١٧٦). والترمذي في كتاب الاستئذان، باب: ما جاء في التسليم قبل الاستئذان (٥/ ٦٢) حديث (٢٧١٠).\n_________\n[¬١]- في م: \"تستأنسوا\".\n[¬٢]- في خ: \"روى\".\n[¬٣]- في ز: \"سعاد\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٥]- في ز: \"ضغابيس\".\n[¬٦]- سقط من: ت.","vol":"10","page":207},{"text":"وقال أبو داود (^٧٣): حَدَّثَنَا أبو بكر بن أبي شيبة، حَدَّثَنَا أبو الأحوص، عن منصور، عن ربعي. قال: حَدَّثَنَا [¬١] رجل من بني عامر استأذن علي النبي ﷺ وهو في بيته فقال: أألج؟ [¬٢] فقال النبي ﷺ لخادمه: \"اخرج إلى هذا، فعلمه الاستئذان فقل له: قل: السلام عليكم أأدخل؟ \". فسمعه الرجل. فقال: السلام عليكم أأدخل؟ فأذن له النبي ﷺ فدخل.\nوقال هشيم: أخبرنا منصور، عن ابن سيرين، وأخبرنا يونس بن عبيد، عن عمرو [¬٣] بن سعيد الثقفي: أن رجلًا استأذن على النبي ﷺ فقال: أألج؟ أو أنلج؟ فقال النبي ﷺ لأمة له -يقال لها: روضة-: \"قومي إلى هذا فعلميه، فإنه لا يحسن يستأذن، فقولي له: يقول: السلام عليكم أأدخل؟ \" فسمعها [¬٤] الرجل فقالها؛ فقال: \"ادخل\".\nوقال الترمذي (^٧٤): حَدَّثَنَا الفضل بن الصباح، حَدَّثَنَا سعيد بن زكريا، عن عنبسة بن عبد الرحمن، عن محمد بن زاذان، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: \"السلام قبل الكلام\".\nثم قال الترمذي (٤): عنبسة ضعيف الحديث ذاهب، ومحمد بن زاذان منكر الحديث.\nوقال هشيم (^٧٥): قال مغيرة: قال مجاهد: جاء ابن عمر من حاجة وقد أذاه الرمضاء؛ فأتى فسطاط امرأة من قريش فقال: السلام عليكم أأدخل؟ قالت: ادخل بسلام، فأعاد، فأعادت وهو يراوح [¬٥] بين قدميه قال: قوله: ادخل. قالت: ادخل. فدخل.\n[وقال ابن] [¬٦] أبي حاتم: حَدَّثَنَا أبو سعيد الأشج، حَدَّثَنَا أبو نعيم الأحول، حدثني خالد بن إياس، حدثتني جدتي أم إياس قالت: كنت في أربع نسوة يستأذنَّ [¬٧] [على\n_________\n(^٧٣) تفسير الطبري (١٨/ ٨٧).\n(^٧٤) سنن الترمذي، كتاب الاستئذان والأدب، حديث (٢٦٩٩).\n(*) في السنن: هذا حديث منكر لا نعرفه إلا من هذا الوجه وسمعت محمدًا يقول .... فذكره.\n(^٧٥) تفسير الطبري (١٨/ ٨٧).\n_________\n[¬١]- في خ، ز: \"جاء\".\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- في ز: \"عمر\".\n[¬٤]- في خ، ت: \"فسمعه\".\n[¬٥]- في ز: \"يروح\".\n[¬٦]- في خ، ت: \"لابن\".\n[¬٧]- في خ، ت: \"استأذن\".","vol":"10","page":208},{"text":"عائشة] [¬١]، فقلت [¬٢]: ندخل؟ قالت [¬٣]: لا، قلن [¬٤] لصاحبتكن: تستأذن [¬٥]. فقالت: السلام عليكم أندخل؟ قالت: ادخلوا، ثم قالت: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾.\nوقال هشيم (^٧٦): أخبرنا أشعث بن سوار، عن كردوس، عن ابن مسعود قال: عليكم أن تستأذنوا على أمهاتكم وأخواتكم. وقال [¬٦] أشعث عن عدي بن ثابت: أن امرأة من الأنصار قالت: يا رسول الله، إني أكون في منزلي على الحال التي لا أحب أن يراني أحد عليها ولا [¬٧] والد، ولا ولد، وإنه لا يزال يدخل عليّ رجل من أهلي، وأنا على تلك الحال. قال: فنزلت ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا [غَيرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا]﴾ [¬٨].\nوقال ابن جريج: سمعت عطاء بن أبي رباح يخبر عن ابن عباس ﵁ قال: ثلاث آيات جحدها الناس؛ قال الله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ قال ويقولون: إن أكرمهم عند الله أعظمهم بيتًا. قال: والإذن [¬٩] كله قد [¬١٠] جحده الناس. قال: قلت: أستأذن على أخواتي أيتام في حجري معي في بيت واحد؟ قال: نعم. فرددت عليه [¬١١] ليرخص لي فأبى، فقال: تحب أن تراها عريانة؟ قلت: لا، قال: فاستأذن. قال: فراجعته أيضًا فقال: أتحب أن تطيع الله؟ قال [¬١٢]: قلت: نعم. [] [¬١٣] قال: فاستأذن.\nقال ابن جريج: وأخبرني ابن طاوس عن أبيه قال: ما من امرأة أكره إليّ أن أرى عورتها من ذات محرم. قال: وكان يشدد في ذلك.\nوقال ابن جريج عن الزهري: سمعت هزيل بن شرحبيل الأودي الأعمى أنه سمع ابن مسعود يقول: عليكم الإِذن [¬١٤] على أمهاتكم.\n_________\n(^٧٦) تفسير الطبري (١٨/ ٨٧).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٢]- في ز: \"فقلت\".\n[¬٣]- في خ، ت: \"فقالت\".\n[¬٤]- في خ، ت: \"فقلن\".\n[¬٥]- في ز: \"نستأذن\".\n[¬٦]- في ز: \"قال\".\n[¬٧]- سقط من: ز.\n[¬٨]- سقط من ت.\n[¬٩]- في ز: \"الأدب\".\n[¬١٠]- سقط من: ز.\n[¬١١]- سقط من: خ، ز.\n[¬١٢]- سقط من: ز.\n[¬١٣]- ما بين المعكوفتين في ز: \"قال\".\n[¬١٤]- سقط من: خ.","vol":"10","page":209},{"text":"وقال ابن جريج: قلت لعطاء: أيستأذن الرجل على امرأته؟ قال: لا. وهذا محمول على عدم الوجوب، وإلا فالأولى أن يعلمها بدخوله ولا يفاجئها [¬١] به [¬٢] لاحتمال أن تكون على هيئة لا تحب أن يراها عليها.\nوقال أبو جعفر بن جرير (^٧٧): حَدَّثَنَا القاسم، حَدَّثَنَا الحسين، حَدَّثَنَا محمد بن حازم، عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن يحيى بن الجزار، عن ابن أخي زينب امرأة عبد الله بن مسعود عن زينب ﵂ قالت: كان عبد الله إذا جاء من حاجة فانتهى إلى الباب تنحنح وبزق؛ كراهة [¬٣] أن يهجم منا على أمر يكرهه: إسناده صحيح.\nوقال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا أحمد بن سنان الواسطي، حَدَّثَنَا عبد الله بن نمير، حَدَّثَنَا الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن أبي هبيرة قال: كان عبد الله إذا دخل الدار استأنس تكلم ورفع صوته.\nوقال مجاهد: حتى تستأنسوا قال: تنحنحوا أو تنخموا.\nوعن الإِمام أحمد بن حنبل ﵀ أنه قال: إذا دخل الرجل بيته استحب له أن يتنحنح أو يحرك نعليه. ولهذا جاء في الصحيح (^٧٨) عن رسول الله ﷺ: أنه نهى أن يطرق الرجل أهله طروقًا. وفي رواية: \"ليلًا يتخونهم\".\nوفي الحديث الآخر (^٧٩): أن رسول الله ﷺ قدم المدينة نهارًا فأناخ بظاهرها وقال \"انتظروا حتى ندخل عشاء -يعني آخر النهار- حتى تتمشط الشعثة وتستحد المغيبة\".\nوقال ابن أبي حاتم (^٨٠): حَدَّثَنَا أبي، حَدَّثَنَا أبو بكر بن أبي شيبة، حَدَّثَنَا عبد الرحمن\n_________\n(^٧٧) تفسير الطبري (١٨/ ٨٨).\n(^٧٨) صحيح البخاري، كتاب النكاح حديث (٥٢٤٣، ٥٢٤٤)، وصحيح مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها حديث (٧١٥) من حديث جابر، ﵁.\n(^٧٩) رواه البخاري في صحيحه حديث (٥٢٤٧) من حديث جابر، ﵁.\n(^٨٠) رواه ابن أبي شيبة في المصنف (٨/ ٦٠٧) ومن طريقه ابن ماجة في السنن حديث (٣٧٠٧)، ورواه الطبراني في المعجم الكبير (٤/ ١٧٨)، حدثنا عبيد بن غنام عن أبي بكر بن أبي شيبة، به. قال البوصيري في الزوائد (٣/ ١٧١): \"هذا إسناد ضعيف\".\n_________\n[¬١]- في ز: \"يخافصها\".\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- في ز: \"كراهية\".","vol":"10","page":210},{"text":"ابن سليمان، عن واصل بن السائب، حدثني أبو سورة [¬١] ابن أخي أبي أيوب، عن أبي أيوب قال: قلت: يا رسول الله؛ هذا السلام فما الاستئناس؟ قال \"يتكلم الرجل [¬٢] بتسبيحة أو [¬٣] تكبيرة أو [¬٤] تحميدة ويتنحنح، فيؤذن أهل البيت\". هذا حديث غريب.\nوقال قتادة في قوله: ﴿حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ [قال] [¬٥] هو [¬٦] الاستئذان [ثلاثًا] [¬٧]. [قال: وكان يقال] [¬٨]: الاستئذان ثلاثا. فمن لم يؤذن له فيهنَّ [¬٩] فليرجع، أما الأولى فليسمع الحي، وأما الثانية فليأخذوا حذرهم، وأما الثالثة فإن شاءوا أذنوا وإن شاءوا ردوا، ولا تقفن على باب قوم ردوك عن بابهم؛ فإن للناس حاجات ولهم أشغال، والله أولى بالعذر.\nوقال مقاتل بن حيان في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾ كان الرجل في الجاهلية إذا لقي صاحبه لا يسلم عليه ويقول: حييت صباحًا! وحييت مساء! وكان ذلك تحية القوم بينهم، وكان أحدهم ينطلق إلى صاحبه فلا يستأذن حتى يقتحم ويقول: قد دخلت [ونحو ذلك] [¬١٠]؛ فيشق ذلك على الرجل، ولعله يكون مع أهله، فغير الله ذلك كله في ستر [¬١١] وعفة وجعله [نقيًّا نزيهًا] [¬١٢] من الدنس والقذر والدرن، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾.\nوهذا الذي قاله مقاتل حسن؛ ولهذا قال: ﴿ذَلِكُمْ خَيرٌ لَكُمْ﴾ يعني الاستئذان، خير لكم، بمعنى هو خير من الطرفين للمستأذن ولأهل البيت ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾. وقوله: ﴿فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ وذلك لما فيه من التصرف في ملك الغير بغير إذنه، فإن شاء أذن، وإن شاء لم يأذن ﴿وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ﴾ [أي: إذا ردوكم من الباب قبل الإذن أو بعده ﴿فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ﴾] [¬١٣] أي: رجوعكم أزكى وأطهر لكم ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾.\n_________\n[¬١]- في خ، ت: \"ثورة\".\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- في ز: \"و\".\n[¬٤]- في ز: \"و\".\n[¬٥]- سقط من: ت.\n[¬٦]- في خ: \"هؤلاء\".\n[¬٧]- سقط من خ، ت.\n[¬٨]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٩]- في خ، ز: \"منهم\".\n[¬١٠]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬١١]- في ز: \"شر\".\n[¬١٢]- في ز: \"نبيا نزها\".\n[¬١٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.","vol":"10","page":211},{"text":"وقال قتادة: قال بعض المهاجرين: لقد طلبت عمري كله هذه الآية فما أدركتها أن استأذن على بعض إخواني، فيقول لي: ارجع، فأرجع وأنا مغتبط ﴿وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾.\nوقال سعيد بن جبير [﴿وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا﴾ أي] [¬١]: لا تقفوا على أبواب الناس.\nوقوله: ﴿لَيسَ عَلَيكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ﴾ هذه الآية الكريمة أخص من التي قبلها، وذلك أنها تقتضي جواز الدخول إلى البيوت التي ليس فيها أحد إذا كان له متاع فيها بغير إذن، كالبيت المعد للضيف إذا أذن له فيه أول مرة كفى. قال ابن جريج: قال ابن عباس: ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيرَ بُيُوتِكُمْ﴾ ثم نسخ واستثنى فقال: ﴿لَيسَ عَلَيكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ﴾ وكذا روي عن عكرمة والحسن البصري. وقال آخرون: هي بيوت التجار كالخانات ومنازل الأسفار وبيوت مكة وغير ذلك. واختار ذلك ابن جرير وحكاه عن جماعة، والأول أظهر، والله أعلم. وقال مالك عن زيد بن أسلم: هي بيوت الشعر.\n﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (٣٠)﴾\nهذا أمر من الله تعالى لعباده [¬٢] المؤمنين أن يغضوا من أبصارهم عما حرم عليهم فلا ينظروا إلا [إلى] [¬٣] ما أباح لهم النظر إليه، وأن يغضُّوا أبصارهم عن المحارم، فإن اتفق أن وقع البصر على محرم من غير قصد فليصرف بصره عنه سريعًا، كما رواه مسلم في صحيحه (^٨١) من حديث يونس بن عبيد، عن عمرو بن سعيد، عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير، عن جده [] [¬٤] جرير بن عبد الله البجلي ﵁ قال: سألت النبي ﷺ عن نظرة الفجأة؟ فأمرني أن أصرف بصري.\nوكذا رواه الإِمام أحمد، عن هشيم، عن يونس بن عبيد به. ورواه أبو داود والترمذي\n_________\n(^٨١) صحيح مسلم، كتاب الآداب (٢١٥٩)، والمسند (٤/ ٣٦١)، وسنن أبي داود، كتاب النكاح (٢١٤٨)، وسنن الترمذي، كتاب الأدب (٢٧٧٦)، والنسائي في السنن الكبرى حديث (٩٢٣٣).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ت: \"في الآية\".\n[¬٢]- في ز: \"عباده\".\n[¬٣]- سقط من خ.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين في ز: \"عن\".","vol":"10","page":212},{"text":"والنسائي من حديثه أيضًا، وقال الترمذي: حسن صحيح. وفي رواية لبعضهم فقال: \"أطرق بصرك\". يعني انظر إلى الأرض، والصرف أعم؛ فإنه قد يكون إلى الأرض وإلى جهة أخرى، والله أعلم.\nوقال أبو داود (^٨٢): حَدَّثَنَا إسماعيل بن موسى الفزاري، حَدَّثَنَا شريك، عن أبي ربيعة الأيادي عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ لعليّ: \"يا عليّ، لا تتبع النظرة النظرة فإن لك الأولى وليس لك الآخرة\".\nورواه الترمذي من حديث شريك، وقال: غريب لا نعرفه إلا من حديثه.\nوفي الصحيح (^٨٣) عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ: \"إياكم والجلوس على الطرقات\". قالوا يا رسول الله؛ لا [¬١] بد لنا من مجالسنا نتحدث [¬٢] فيها، فقال رسول الله ﷺ: \"إن أبيتم فأعطوا الطريق حقه\". قالوا: وما حق الطريق يا رسول الله؟ قال: \"غض البصر وكف الأذى، ورد السلام، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر\".\nوقال أبو القاسم البغوي: حَدَّثَنَا طالوت بن عباد، حَدَّثَنَا فضيل [¬٣] بن جبير، سمعت أبا أمامة يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول [¬٤]: \"اكفلوا لي بستٍّ [¬٥] أكفل لكم بالجنة، إذا حدث أحدكم فلا يكذب، وإذا ائتُمِنَ فلا يخن، وإذا وعد فلا يخلف، وغضوا [¬٦] أبصاركم، وكفوا أيديكم، واحفظوا فروجكم\" (^٨٤).\nوفي صحيح البخاري (^٨٥): \" من يكفل لي ما بين لحييه و[ما بين] [¬٧] رجليه أكفل له الجنة\".\n_________\n(^٨٢) سنن أبي داود، كتاب النكاح حديث (٢١٤٩)، وسنن الترمذي، كتاب الأدب حديث (٢٧٧٧) وشريك ضُعف لسوء حفظ.\n(^٨٣) صحيح البخاري، كتاب المظالم والغصب حديث (٢٤٦٥)، وصحيح مسلم، كتاب اللباس والزينة حديث (٢١٢١) من حديث أبي سعيد الخدري، ﵁.\n(^٨٤) رواه الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد (٧ /) من طريق أبي القاسم البغوي، به. ورواه الطبراني في المعجم الكبير (٨/ ٣١٤)، وابن حبان في المجروحين (٢/ ٢٠٤) من طريق فضال بن جبير. ويقال: ابن زبير، به. وقال ابن حبان: \"فضال بن جبير لا يحل الاحتجاج به\".\n(^٨٥) صحيح البخاري حديث (٦٤٧٤) من حديث سهل بن سعد، ﵁.\n_________\n[¬١]- في ز: \"ما\".\n[¬٢]- في خ، ز: \"نقعد\".\n[¬٣]- في ز: \"فضل\".\n[¬٤]- سقط من: ز.\n[¬٥]- في ز: \"لستٍّ\".\n[¬٦]- في ز: \"غضوا\".\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.","vol":"10","page":213},{"text":"وقال عبد الرزاق: أنبأنا معمر عن أيوب عن ابن سيرين عن عبيدة قال: كل ما عصي الله به فهو كبيرة، وقد ذكر الطرفين فقال: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾.\nولما كان النظر داعية إلى فساد القلب، كما قال بعض السلف: النظر سهام سمّ [¬١] إلى القلب. ولذلك أمر الله بحفظ الفروج كما أمر بحفظ الأبصار التي هي بواعث إلى ذلك، فقال: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ وحفظ الفرج تارة يكون بمنعه من الزنا، كما قال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيرُ مَلُومِينَ﴾. وتارة يكون بحفظه من النظر إليه؛ كما جاء في الحديث في مسند أحمد والسنن (^٨٦) \" احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك\". ﴿ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ﴾ أي: أطهر لقلوبهم وأتقى لدينهم، كما قيل: من حفظ بصره أورثه الله نورًا في بصيرته، ويروى: في قلبه.\nوقد [¬٢] قال الإِمام أحمد (^٨٧): حَدَّثَنَا عتاب، حَدَّثَنَا عبد الله بن المبارك، أخبرنا يحيى بن أيوب، عن عبيد الله بن زحر، عن علي بن يزيد عن القاسم عن أبي أمامة ﵁ عن النبي ﷺ قال: \"ما من مسلم ينظر إلى محاسن امرأة [أول مرة] [¬٣] ثم يغض بصره إلا أخلف الله له عبادة يجد حلاوتها\".\nوروي هذا مرفوعًا عن ابن عمر وحذيفة (^٨٨) وعائشة ﵃ ولكن في إسنادها ضعف؛ إلا أنها في الترغيب ومثله يتسامح فيه.\n_________\n(^٨٦) المسند (٥/ ٣، ٤)، وسنن أبي داود حديث (٤٠١٧)، وسنن ابن ماجة حديث (١٩٢٠) من حديث معاوية بن حيدة، ﵁.\n(^٨٧) المسند (٥/ ٢٦٤). وفي إسناده عبيد الله بن زحر، قال ابن حبان: \"يروى الموضوعات عن الأثبات وإذا روى عن علي بن يزيد أتى بالطامات، وإذا اجتمع في إسناد خبر عبيد الله بن زحر وعلي بن يزيد والقاسم أبو عبد الرحمن، لم يكن ذلك الخبر إلا مما عملته أيديهم\".\n(^٨٨) أما حديث حذيفة، فرواه الحاكم في المستدرك (٤/ ٣١٤) من طريق إسحاق القرشي عن هشيم عن عبد الرحمن عن إسحاق عن محارب عن صلة بن زفر عن حذيفة، ﵁، وصححه الحاكم، وتعقبه الذهبي. قلت: إسحاق واه وعبد الرحمن هو الواسطي ضعفوه.\nوأما حديث ابن عمر، فرواه أبو نعيم في الحلية (٦/ ١٠١) من طريق أبي اليمان عن أبي المهدي عن أبي الزاهرية عن كثير بن مرة عن ابن عمر، ﵄، وإسناده ضعيف جدًّا.\n_________\n[¬١]- في ز: \"سهم\".\n[¬٢]- سقط من خ، ت.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.","vol":"10","page":214},{"text":"وفي الطبراني (^٨٩) من طريق عبيد الله بن زحر [¬١] عن علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة مرفوعًا: \"لتغضن أبصاركم ولتحفظن فروجكم ولتقيمن وجوهكم أو لتكسفن وجوهكم\".\nوقال الطبراني (^٩٠): حَدَّثَنَا أحمد بن زهير التستري، قال: قرأنا على محمد بن حفص بن عمر الضرير المقرئ، حَدَّثَنَا يحيى بن أبي بكير، حَدَّثَنَا هريم بن سفيان، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبيه عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن النظر سهم من سهام إبليس مسموم، من تركها مخافتي أبدلته إيمانًا يجد حلاوته في قلبه\".\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [¬٢] كما قال تعالى: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾.\nوفي الصحيح (^٩١) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"كتب على ابن آدم حظه من الزنا، أدرك ذلك لا محالة؛ فزنا العينين النظر، وزنا اللسان النطق، وزنا الأذنين الاستماع، وزنا اليدين البطش، وزنا الرجلين الخطى، والنفس تمنى وتشتهي، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه\". و[¬٣] رواه البخاري تعليقًا ومسلم مسندًا من وجه آخر بنحو ما تقدم [¬٤].\nوقد قال كثير من السلف: أنهم كانوا ينهون أن يُحِدَّ الرجل نظره [¬٥] إلى الأمرد، وقد شدد كثير من أئمة الصوفية في ذلك، وحرمه طائفة من أهل العلم؛ لما فيه من الافتتان، وشدد آخرون في ذلك كثيرًا جدًّا.\nوقال ابن أبي الدنيا (^٩٢): حَدَّثَنَا أَبو سعيد المدني، حَدَّثَنَا عمرو [¬٦] بن سهل المازني،\n_________\n(^٨٩) المعجم الكبير (٨/ ٢٤٦) وعبيد الله بن زحر وعلي بن يزيد والقاسم ضعفاء.\n(^٩٠) المعجم الكبير (١٠/ ٢١٤)، وقال الهيثمي في المجمع (٨ /: ٦٣): \"وفيه عبد الرحمن بن إسحاق الواسطي وهو ضعيف\".\n(^٩١) صحيح البخاري، كتاب الاستئذان حديث (٦٣٤٣)، وصحيح مسلم، كتاب القدر حديث (٢٦٥٧).\n(^٩٢) ورواه أَبو نعيم في الحلية (٣/ ١٦٣) من طريق داود بن عطاء عن عمر بن صهبان، عن صفوان عن =\n_________\n[¬١]- في خ، ز: \"يزيد\".\n[¬٢]- في ز: \"تصنعون\".\n[¬٣]- سقط من خ، ت.\n[¬٤]- في ت: \"ذكر\".\n[¬٥]- في خ: \"بصره\".\n[¬٦]- في ز: \"عمر\".","vol":"10","page":215},{"text":"حدثني عمر بن محمد بي صهبان [¬١]، عن صفوان بن سليم، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"كل عين باكية [¬٢] يوم القيامة إلَّا عينًا غضت عن محارم الله، وعينًا سهرت في سبيل الله، وعينًا يخرج منها مثل رأس الذباب من خشية الله ﷿\".\n﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيمَانُهُنَّ أَو التَّابِعِينَ غَيرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَو الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣١)﴾\nهذا أمر من الله تعالى للنساء المؤمنات، وغيرة منه لأزواجهن عباده المؤمنين، وتمييز لهن عن صفة نساء الجاهلية وفعال المشركات. وكان سبب نزول هذه الآية الكريمة [¬٣] ما ذكره مقاتل بن حيان قال: بلغنا - والله أعلم - أن جابر بن عبد الله الأنصاري حدث أن أسماء بنت مرشدة، كانت في محل لها في بني حارثة، فجعل النساء يدخلن عليها غير متأزرات فيبدو ما في أرجلهن من الخلاخيل [¬٤]، وتبدو صدررهن وذوائبهن، فقالت أسماء: ما أقبح هذا! فأنزل الله تعالى: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ الآية.\nفقوله تعالى: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ أي: عما [¬٥] حرم الله عليهن من النظر إلى غير أزواجهن؛ ولهذا ذهب [كثير من العلماء إلى] [¬٦] أنَّه لا يجوز للمرأة أن\n_________\n= أبي سلمة، عن أبي هريرة، به. فلا أدري أسقط أَبو سلمة من إسناد ابن أبي الدنيا أم لا؟ وعمر بن صهبان منكر الحديث اتفق الأئمة على تضعيفه.\n_________\n[¬١]- في ز: \"ههبان\".\n[¬٢]- في خ، ز: \"زانية\".\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- في خ، ت: \"الخلاخل\".\n[¬٥]- في ز: \"ما\".\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.","vol":"10","page":216},{"text":"تنظر إلى الأجانب بشهوة ولا بغير شهوة أصلًا. واحتج كثير منهم بما رواه أَبو داود والتِّرمِذي (^٩٣) من حديث الزهري عن نبهان مولى أم سلمة أنه حدثه أن أم سلمة حدثته أنَّها كانت عند رسول الله ﷺ وميمونة قالت: فبينما نحن عنده أقبل ابن أم مكتوم فدخل عليه - وذلك بعد ما أمرنا بالحجاب - فقال رسول الله ﷺ: \"احتجبا منه\". فقلت: يا رسول الله؛ أليس هو أعمى لا يبصرنا ولا يعرفنا؟ فقال رسول الله ﷺ: \"أو عمياوان أنتما؟ ألستما تبصرانه؟ \". ثم قال التِّرمِذي: هذا حديث حسن صحيح.\nوذهب آخرون من العلماء إلى جواز نظرهن إلى الأجانب بغير شهوة، كما ثبت في الصحيح (^٩٤) أن رسول الله ﷺ جعل ينظر إلى الحبشة وهم يلعبون بحرابهم يوم العيد في المسجد وعائشة أم المؤمنين تنظر إليهم من ورائه وهو يسترها منهم حتَّى ملت ورجعت.\nوقوله [¬١]: ﴿وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ قال [¬٢] سعيد بن جبير: عن الفواحش. وقال قَتَادة وسفيان: عما لا يحل لهن. وقال مقاتل: عن الزنا. وقال أَبو العالية: كل آية أنزلت [¬٣] في القرآن يذكر فيها حفظ الفروج فهو من الزنا إلا هذه الآية ﴿وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ أن لا يراها أحد. قال: ﴿وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ أي: و[¬٤] لا يظهرن شيئًا من الزينة للأجانب إلَّا ما لا يمكن إخفاؤه. قال [¬٥] ابن مسعود: كالرداء والثياب. يعني على ما كان يتعاناه نساء العرب من المقنعة التي تجلل ثيابها وما يبدو من أسافل الثياب فلا حرج عليها فيه، لأن هذا لا يمكن إخفاؤه. [ونظيره في زي النساء ما يظهر من إزارها وما لا يمكن إخفاؤه. وقال] [¬٦] بقول [¬٧] ابن مسعود الحسن من ابن سيرين وأَبو الجوزاء وإبراهيم النخعي وغيرهم، وقال الأعمش عن سعيد بن جبير عن ابن عبَّاس ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ قال: وجهها وكفيها والخاتم. وروي عن ابن عمر وعطاء وعكرمة وسعيد بن جبير، وأبي [¬٨] الشعثاء والضحاك، وإبراهيم النخعي وغيرهم نحو ذلك، وهذا يحتمل أن يكون تفسيرًا للزينة التي نهين عن إبدائها، كما قال أَبو إسحاق السبيعي عن أبي الأحوص\n_________\n(^٩٣) سنن أبي داود، كتاب اللباس حديث (٤١١٢)، وسنن التِّرمِذي، كتاب الأدب حديث (٢٧٧٨).\n(^٩٤) صحيح البخاري، كتاب الصلاة حديث (٤٥٤).\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- في ز: \"وقال\".\n[¬٣]- في خ، ت: \"نزلت\".\n[¬٤]- سقط من خ، ت.\n[¬٥]- في ز: \"وقال\".\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٧]- في ز: \"يقول\".\n[¬٨]- في ز: \"أَبو\".","vol":"10","page":217},{"text":"عن عبد الله قال [¬١] في قوله: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ الزينة القرط والدملوج والخلخال [¬٢] والقلادة. وفي رواية عنه بهذا الإسناد قال: الزينة زينتان؛ فزينة لا يراها إلا الزوج: الخاتم والسوار، [وزينة يراها الأجانب] [¬٣] وهي الظاهر من الثياب.\nوقال الزهري: [لا يبدين] [¬٤] لهؤلاء الذي سمى الله ممن لا تحل [¬٥] له إلا الأسورة والأخمرة والأقرطة من غير حسر، وأما عامة الناس فلا يبدو منها إلا الخواتم.\nوقال مالك عن الزُّهْريّ: ﴿إلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ الخاتم والخلخال.\nويحتمل أن ابن عبَّاس ومن تابعه أرادوا تفسير ما ظهر منها بالوجه والكفين، وهذا هو المشهور عند الجمهور، ويستأنس له بالحديث الذي رواه أَبو داود في سننه (^٩٥):\nحَدَّثَنَا يعقوب بن كعب الأنطاكي، ومؤمل بن الفضل الحراني [¬٦] قالا: حَدَّثَنَا الوليد عن سعيد بن بشير عن قَتَادة عن خالد بن دريك عن عائشة ﵂ أن أسماء بنت أبي بكر دخلت على النبي ﷺ وعليها ثياب رقاق فأعرض عنها وقال: \"يا أسماء، إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يرى منها إلا هذا\". وأشار إلى وجهه وكفيه، لكن قال أَبو داود وأَبو حاتم الرازي: هذا [¬٧] مرسل. خالد بن دريك لم يسمع من عائشة، والله أعلم.\nوقوله تعالى: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ يعني المقانع يعمل لها ضيقات ضاربات على [صدور النساء] [¬٨] لتواري ما تحتها من صدرها وترائبها ليخالفن شعار نساء أهل الجاهلية، فإنهن لم يكن يفعلن ذلك بل كانت المرأة منهن تمر بين الرجال مسفحة بصدرها لا يواريه شيء، وربما أظهرت عنقها وذوائب شعرها وأقرطة آذانها، فأمر الله المؤمنات أن يستترن في هيئاتهن وأحوالهن، كما قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَينَ﴾ وقال في هذه الآية الكريمة ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ والخمر جمع خمار، وهو ما يخمر [¬٩]، أي: يغطى به الرأس وهي التي تسميها الناس المقانع.\n_________\n(^٩٥) سنن أبي داود، كتاب اللباس حديث (٤١٠٤).\n_________\n[¬١]- سقط من: ت.\n[¬٢]- في ز: \"الدملج\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٤]- سقط من: ز.\n[¬٥]- في ز: \"يحل\".\n[¬٦]- في خ: \"الجواني\".\n[¬٧]- في خ، ت: \"هو\".\n[¬٨]- ما بين المعكوفتين في ت: \"صدورهن\".\n[¬٩]- بعده في خ، ت: به.","vol":"10","page":218},{"text":"قال سعيد بن جبير: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ﴾ وليشددن ﴿بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ يعني على النحر والصدر فلا يرى منه شيء.\nوقال البخاري (^٩٦): وقال [¬١] أحمد بن شبيب: حَدَّثَنَا أبي، عن يونس، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة ﵂ قالت: يرحم الله نساء المهاجرات الأول! لما أنزل الله: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ شققن مروطهن فاختمرن بها [¬٢].\nوقال أيضًا (^٩٧): حَدَّثَنَا أَبو نعيم، حَدَّثَنَا إبراهيم بن نافع، عن الحسن بن مسلم، عن صفية بنت شيبة أن عائشة ﵂[كانت تقول] [¬٣]: لما نزلت هذه الآية ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ أخذن أزرهن فشققنها من قبل الحواشي فاختمرن بها.\nوقال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا أبي، حَدَّثَنَا أحمد بن عبد الله بن يونس، حدثني الزنجي بن خالد، حَدَّثَنَا عبد الله بن عثمان بن خثيم [¬٤]، عن صفية بنت شيبة قالت: بينا نحن عند عائشة قالت: فذكرن نساء قريش وفضلهن، فقالت عائشة ﵂: إن لنساء قريش لفضلًا، وإني والله ما رأيت أفضل من نساء الأنصار أشد تصديقًا لكتاب [¬٥] الله ولا إيمانًا بالتنزيل لقد أنزلت سورة النور ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ انقلب رجالهن إليهن يتلون عليهن ما أنزل الله [¬٦] إليهم فيها ويتلو الرجل على امرأته وابنته وأخته وعلى كل ذي قرابته، فما منهن امرأة إلَّا قامت إلى مرطها المرحل [¬٧] فاعتجرت به، تصديقًا وإيمانًا بما أنزل الله من كتابه، فأصبحن وراء رسول الله ﷺ الصبح معتجرات، كأن على رءوسهن الغربان. ورواه أَبو داود (^٩٨) من غير وجه عن صفية بنت شيبة به.\nوقال ابن جرير (^٩٩): حَدَّثَنَا يونس، أخبرنا ابن وَهْب: أن قرة [¬٨] بن عبد الرحمن، أخبره\n_________\n(^٩٦) صحيح البخاري، كتاب تفسير القرآن حديث (٤٧٥٨).\n(^٩٧) صحيح البخاري، كتاب تفسير القرآن حديث (٤٧٥٩).\n(^٩٨) سنن أبي داود، كتاب اللباس حديث (٤١٠٠، ٤١٠١).\n(^٩٩) تفسير الطبري (١٨/ ٩٤)، وسنن أبي داود، كتاب اللباس حديث (٤١٠٢). وقرة بن عبد الرحمن: صدوق له مناكير.\n_________\n[¬١]- في خ، ز: \"وحدثنا\".\n[¬٢]- في ز: \"به\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في خ، ز: \"قالت\".\n[¬٤]- في خ، ت: \"خيثم\".\n[¬٥]- في ز: \"بكتاب\".\n[¬٦]- سقط من: ز.\n[¬٧]- في ز: \"المراجل\".\n[¬٨]- في خ، ز: \"قرقرة\".","vol":"10","page":219},{"text":"عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة أنَّها قالت: يرحم الله النساء المهاجرات الأول! لما أنزل الله ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ شققن أكتف مروطهن يختمرن به [¬١]. ورواه أَبو داود من حديث ابن وَهْب به.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ يعني [¬٢]: أزواجهن ﴿أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ﴾ كل هؤلاء محارم للمرأة يجوز لها أن تظهر عليهم [¬٣] بزينتها ولكن من غير [اقتصاد وتبهرج] [¬٤].\nوقال [¬٥] ابن المنذر: حَدَّثَنَا موسى -يعني: ابن هارون- حَدَّثَنَا أَبو بكر -يعني ابن أبي شيبة- حَدَّثَنَا عفان، حَدَّثَنَا حمَّاد بن سلمة، أخبرنا داود، عن الشعبي وعكرمة في هذه الآية: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ﴾ حتَّى فرغ منها قال: لم يذكر العم ولا الخال لأنهما يتبعان لأبنائهما، ولا تضع خمارها عند العم والخال، فأما الزوج فإنما ذلك كله من أجله فتتصنع له ما لا يكون بحضرة غيره.\nوقوله: ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾ يعني تظهر زينتها [¬٦] أيضًا للنساء المسلمات دون نساء [¬٧] أهل [¬٨] الذمة لئلا تصفهن لرجالهن، وذلك وإن كان محذورًا في جميع النساء، إلَّا أنَّه في نساء أهل الذمة أشد فإنهن [لا يمنعهن] [¬٩] من ذلك مانع، وأما [¬١٠] المسلمة فإنها تعلم أن ذلك حرام فتنزجر عنها] [¬١١]، وقد قال رسول الله ﷺ: \"لا تباشر المرأة المرأة تنعتها لزوجها كأنَّه ينظر إليها\". أخرجاه في الصحيحين عن ابن مسعود (^١٠٠).\nوقال سعيد بن منصور في سننه (^١٠١): حَدَّثَنَا إسماعيل بن عياش، عن هشام بن الغار، عن عبادة بن نسي، عن أبيه، عن الحارث بن قيس قال: كتب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب إلى أبي عبيدة: أما بعد، فإنه بلغني أن نساء من نساء المسلمين يدخلن الحمامات\n_________\n(^١٠٠) صحيح البخاري حديث (٥٢٤١).\n(^١٠١) ورواه البيهقي في السنن الكبرى (٧/ ٩٥) من طريق سعيد بن منصور، به.\n_________\n[¬١]- في خ، ت: \"بها\".\n[¬٢]- في خ، ت: \"أي\".\n[¬٣]- سقط من: ت.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين في ت: \"تبرج\".\n[¬٥]- في ز: \"قال\".\n[¬٦]- في خ، ت: \"بزينتها\".\n[¬٧]- في خ، ت: \"النساء\".\n[¬٨]- سقط من: خ، ز.\n[¬٩]- سقط من: ز.\n[¬١٠]- في خ، ت: \"فأما\".\n[¬١١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.","vol":"10","page":220},{"text":"مع نساء أهل الشرك، فإنه من قبلك، فلا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن ينظر إلى عورتها إلَّا أهل ملتها.\nوقال مجاهد في قوله: ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾ قال: نساؤهن المسلمات ليس المشركات من نسائهن، وليس للمرأة المسلمة أن تنكشف بين يدي المشركة [¬١].\nوروى عبد في تفسيره عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عبَّاس ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾ قال: هنّ المسلمات لا تبديه ليهودية ولا نصرانية، وهو النحر والقُرط والوشاح وما لا [¬٢] يحل أن يراه إلَّا محرم.\nوروى سعيد: حَدَّثَنَا جرير، عن ليث، عن مجاهد قال: لا تضع المسلمة خمارها عند مشركة؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾ فليست [¬٣] من نسائهنّ.\nوعن مكحول وعبادة بن نسي، أنهما كرها أن تقبل النصرانية واليهودية والمجوسية المسلمة.\nفأما ما رواه ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا علي بن الحسين، حَدَّثَنَا أَبو عمير، حَدَّثَنَا ضمرة قال: قال ابن عطاء عن أبيه [¬٤] قال: لما [¬٥] قدم أصحاب رسول الله ﷺ بيت المقدس كان قوابل نسائهم [¬٦] اليهوديات والنصرانيات، فهذا إن صح محمول [¬٧] على حال الضرورة، أو أن ذلك من باب الامتهان، ثم إنه ليس فيه كشف عورة [¬٨] ولابد، والله أعلم.\nوقوله: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيمَانُهُنَّ﴾ قال ابن جريج [¬٩]: يعني من نساء المشركين، فيجوز لها أن تظهر [زينتها لها، وإن كانت مشركة لأنها أمتها. وإليه ذهب سعيد بن المسيب، وقال الأكثرون: بل يجوز لها أن تظهر] [¬١٠]، على رقيقها من الرجال والنساء واستدلوا بالحديث الذي رواه أَبو داود (^١٠٢): حَدَّثَنَا محمد بن عيسى، حَدَّثَنَا أَبو جميع سالم بن دينار، عن ثابت، عن أَنس ﵁ أن النبي ﷺ أتى فاطمة\n_________\n(^١٠٢) سنن أبي داود، كتاب اللباس حديث (٤١٠٦)\n_________\n[¬١]- في خ، ت: \"مشركة\".\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- في ز: \"فليس\".\n[¬٤]- بعده في خ، ت: قال:\n[¬٥]- في ز: \"ولما\".\n[¬٦]- في خ، ت: \"نسائهن\".\n[¬٧]- في خ، ت: \"فمحمول\".\n[¬٨]- في خ، ت: \"عرة\".\n[¬٩]- في ت: \"جرير\".\n[¬١٠]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.","vol":"10","page":221},{"text":"بعبد قد وهبه لها قال: وعلى فاطمة ثوب إذا قنعت به رأسها لم يبلغ رجليها وإذا غطت به رجليها لم يبلغ رأسها فلما رأى النبي ﷺ ما تلقى قال: \"إنه ليس عليك بأس، إنما هو أَبوك وغلامك\".\nوقد ذكر الحافظ ابن عساكر (^١٠٣) في تاريخه في [¬١] ترجمة [خديج الحصى] [¬٢] مولى معاوية أن عبد الله بن مسعدة الفزاري كان أسود شديد الأدمة، وأنه قد كان النبي ﷺ وهبه لابنته فاطمة فربته ثم أعتقته، ثم قد كان بعد ذلك كله مع معاوية أيام صفين، وكان من [¬٣] أشد الناس على علي [¬٤] بن أبي طالب ﵁.\nوقال الإِمام أحمد (^١٠٤): حَدَّثَنَا سفيان بن عيينة، عن الزُّهْريّ، عن نبهان، عن أم سلمة ذكرت أن رسول الله ﷺ قال: \"إذا كان لإحداكن مكاتب، وكان له ما يؤدي فلتحتجب منه\". ورواه أَبو داود عن مسدد عن سفيان به [¬٥].\nوقوله: ﴿أَو التَّابِعِينَ غَيرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ﴾ يعني كالأجراء والأتباع الذين ليسوا [¬٦] بأكفاء، وهم مع ذلك في عقولهم وَلَهٌ وخَوَثٌ، ولا همّ لهم إلى النساء ولا يشتهونهنّ. قال ابن عبَّاس: هو المغفل الذي لا شهوة له.\nوقال مجاهد: هو الأبله.\nوقال عكرمة: هو المخنث الذي لا يقوم زُبُّه [¬٧]. وكذلك قال غير واحد من السلف، وفي الصحيح (^١٠٥) من حديث الزُّهْريّ عن عروة عن عائشة أن مخنثًا [¬٨] كان يدخل على أهل رسول الله ﷺ، وكانوا يعدونه من غير أولي الإِربة، فدخل النبي ﷺ: وهو ينعت امرأة يقول [¬٩]: إنها إذا أقبلت أقبلت بأربع، وإذا أدبرت أدبرت بثمان، فقال رسول الله ﷺ: \"ألا أرى هذا يعلم ما ها هنا لا يدخلنّ\n_________\n(^١٠٣) تاريخ دمشق (٤/ ٢٧٨ \"المخطوط\").\n(^١٠٤) المسند (٦/ ٢٨٩)، وسنن أبي داود، كتاب العتق حديث (٣٩٢٨).\n(^١٠٥) صحيح مسلم حديث (٢١٨١) وزيادة: \"فكان بالبيداء يدخل كل يوم جمعة. . الحديث\" أخرجها أَبو داود، كتاب اللباس حديث (٤١٠٩) من طريق الزُّهْريّ، به، وليست في صحيح مسلم.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في خ، ت: \"حُديج الخصى\".\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- سقط من: ز.\n[¬٥]- سقط من: ز.\n[¬٦]- في ز: \"ليس\".\n[¬٧]- في ت: \"ذكره\".\n[¬٨]- في ز: \"مونثًا\".\n[¬٩]- سقط من: ز.","vol":"10","page":222},{"text":"عليكم\". فأخرجه فكان بالبيداء يدخل [كل يوم] [¬١] جمعة يستطعم.\nوقال الإِمام أحمد (^١٠٦): حَدَّثَنَا أَبو معاوية: حَدَّثَنَا هشام بن عروة، عن أبيه، في زينب بنت أبي سلمة، عن أم سلمة [أنَّها قالت] [¬٢]: دخل [علينا رسول الله ﷺ] [¬٣] وعندها مخنث (*) وعندها عبد الله بن أبي أمية [يعني أخاها والمخنث يقول: يا عبد الله بن أبي أمية] [¬٤]؛ إن فتح الله عليكم الطائف غدًا فعليك بابنة غيلان، فإنها تقبل بأربع وتدبر بثمان (**). قال: فسمعه رسول الله ﷺ فقال لأم سلمة: \"لا يدخلن هذا عليك\". أخرجاه في الصحيحين من حديث هشام بن عروة به.\nوقال الإِمام أحمد (^١٠٧): حَدَّثَنَا عبد الرزاق، حَدَّثَنَا معمر، عن الزُّهْريّ، عن عروة بن الزبير، عن عائشة ﵂ قالت: كان رجل يدخل على أزواج النبي ﷺ مخنث، وكانوا يعدونه من غير أولي الإِربة، فدخل النبي ﷺ\n_________\n(^١٠٦) المسند (٦/ ٢٩٠) (٢٦٦٠٠) وأخرجه البخاري في كتاب المغازي، باب: غزوة الطائف. الفتح: (٧/ ٦٣٩ / رقم: ٤٣٢٤) وطرفاه في (٥٢٣٥، ٥٨٨٧). ومسلم في صحيحه في كتاب السلام، باب: منع الخنث من الدخول على النساء الأجانب. (٤/ ١٧١٥ / رقم: ٢١٨٠). وأَبو داود في سننه في كتاب الأدب، باب: في الحكم في المخنثين. (٤/ ٤٨٤ / رقم: ٤٩٢٩). والنَّسائي في الكبرى في كتاب عشرة النساء، باب: دخول المخنث على النساء. (٥/ ٣٩٥، ٣٩٦ / رقم: ٩٢٤٥، ٩٢٤٩، ٩٢٥٠). وابن ماجة في سننه في كتاب النكاح، باب: في المخنثين (١/ ٦١٣ / رقم: ١٩٠٢). وكتاب الحدود، باب: المخنثين (٢/ ٨٧٢ / رقم: ٢٦١٤). كلهم من طريق هشام بن عروة به.\n(*) المُخَنِّث -بكسر النون وفتحها-: هو الذي يشبه النساء في أخلاقه وكلامه وحركاته، والفعل: خَنَّث، بتشديد النون. شرح النووي ﵀ على صحيح مسلم بتصرف [١٤/ ٢٣٣].\n(**) تقبل بأربع وتدبِر بثمان: قال أَبو عبيد وسائر العلماء: معنى قوله: \"تقبل بأربع وتدبر بثمان\". أي: أربع عُكَن - والعُكن جمع عُكْنة وهي الطَّيُّ في البطن من السِّمَن - وثمان عُكَن. قالوا: ومعناه: أن لها أربع عُكَن تقبل بهن، من كل ناحية ثنتان، ولكل واحدة طرفان، فإذا أدبرت صارت الأطراف ثمانية. قالوا: وإنَّما ذَكَّر فقال: \"بثمان\". وكان أصله أن يقول: \"بثمانية\" فإن المراد الأطراف، وهي مذكرة؛ لأنه لم يذكر لفظ المذكر، ومتى لم يذكره جاز حذف الهاء، كقوله ﷺ: \"من صام رمضان وأتبعه بستٍّ من شوال\". شرح النووي ﵀ على صحيح مسلم [١٤/ ٢٣٣، ٢٣٤] المصباح المنير [٢/ ٤٢٤].\n(^١٠٧) المسند (٦/ ١٥٢) (٢٥٢٩٤)، وأخرجه مسلم في كتاب السلام، باب: منع المخنث من الدخول على النساء الأجانب. (٤/ ١٧١٦ رقم: ٢١٨١). وأبو داود في كتاب اللباس، باب: في قوله\" (غير أولي الإربة\"). (٤/ ٦١، ٦٢ / رقم: ٤١٠٧ - ٤١١٠). والنَّسائي في الكبرى في كتاب عشرة النساء، باب: دخول المخنث على النساء. (٥/ ٣٩٥ / رقم: ٩٢٤٦، ٩٢٤٧). كلهم من طريق عروة به.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ز: \"يوم كل\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في خ، ز: \"قال\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في خ، ز: \"عليها\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.","vol":"10","page":223},{"text":"يومًا [¬١]، وهو عند بعض نسائه، وهو ينعت امرأة فقال: إنها إذا أقبلت أقبلت بأربع وإذا أدبرت أدبرت بثمان. فقال النبي ﷺ: \"ألا أرى هذا يعلم ما ها هنا لا يدخلن عليكم هذا\". فحجبوه.\nورواه مسلم وأَبو داود والنَّسائي من طريق عبد الرزاق به.\nوقوله: ﴿أَو الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾ يعني: لصغرهم لا يفهمون أحوال [¬٢] النساء وعوراتهن من كلامهن الرخيم، وتعطفهن في المشية، وحركاتهن وسكناتهن، فإذا كان الطفل صغيرًا لا يفهم ذلك، فلا بأس بدخوله في النساء، فأما إن كان مراهقًا أو قريبًا منه بحيث يعرف ذلك ويدريه ويفرق بين الشوهاء والحسناء، فلا يمكن من الدخول على النساء، وقد ثبت في الصحيحين عن رسول الله ﷺ أنَّه قال: \"إياكم والدخول على النساء\". قالوا [¬٣] يا رسول الله، أفرأيت الحمو؟ قال: \"الحمو الموت\".\nوقوله: ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ كانت المرأة في الجاهلية إذا كانت تمشي في الطَّرِيق وفي رجلها خلخال صامت لا يسمع صوته، ضربت برجلها الأرض فيعلم الرجال طنينه، فنهى الله المؤمنات عن مثل ذلك. وكذلك إذا كان شيء من زينتها مستورًا فتحرّكت بحركة لتظهر ما هو خفي دخل في هذا النهي، لقوله تعالى: ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ ومن ذلك أيضًا [¬٤] أنَّها تنهى عن التعطر والتطيب عند خروجها من بيتها ليشتم الرجال طيبها، فقد قال أَبو عيسى التِّرمِذي (^١٠٨): حَدَّثَنَا محمد بن بشار، حَدَّثَنَا يحيى بن سعيد القطان، عن ثابت بن عمارة الحنفي، عن غنيم بن قيس، عن أبي موسى ﵁ عن النبي ﷺ قال: \"كل عين زانية والمرأة إذا استعطرت فمرت بالمجلس فهي كذا وكذا\". يعني: زانية، قال: وفي الباب في أبي هريرة وهذا حسن صحمح، ورواه أَبو داود والنَّسائي من حديث ثابت بن عمارة به (^١٠٩).\nوقال أَبو داود (^١١٠): حَدَّثَنَا محمد بن كثير، أخبرنا سفيان، عن عاصم بن عبيد الله،\n_________\n(^١٠٨) سنن التِّرمِذي، كتاب الأدب حديث (٢٧٨٦). وثابت بن عمارة: صدوق فيه لين.\n(^١٠٩) سنن أبي داود حديث، كتاب الترجل (٤١٧٣)، وسنن النَّسائي (٨/ ١٥٣).\n(^١١٠) سنن أبي داود، كتاب الترجل حديث (٤١٧٤)، وسنن ابن ماجة حديث (٤٠٠٢). وعاصم بن عبيد الله: ضعيف.\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- في خ، ت: \"الأحوال\".\n[¬٣]- في خ، ت: \"قيل\".\n[¬٤]- سقط من: خ، ز.","vol":"10","page":224},{"text":"عن عبيد مولى أبي رهم، عن أبي هريرة ﵁ قال: لقيته امرأة وجد منها ريح الطيب ولذيلها إعصار فقال: يا أمة الجبار، جئت من المسجد؟ قالت: نعم. قال لها: وله [¬١] تطيبت؟ قالت نعم. قال: إني سمعت حبي أبا القاسم ﷺ يقول: \"لا يقبل الله صلاة امرأة [¬٢] تطيبت لهذا المسجد حتى ترجع فتغتسل غسلها من الجنابة\" ورواه ابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة عن سفيان هو ابن عيينة به.\nوروى الترمذي أيضًا (^١١١) في حديث موسى بن عبيدة عن أيوب بن خالد عن ميمونة بنت سعد أن رسول الله صلى الله عليه، وسلم قال: \"الرافلة في الزينة في غير أهلها كمثل ظلمة يوم القيامة لا نور لها\". ومن ذلك أيضا أنهنّ ينهين عن المشي في وسط الطريق لما فيه من التبرج.\nقال أبو داود (^١١٢): حَدَّثَنَا القعنبي: حَدَّثَنَا عبد العزيز -يعني ابن محمَّد- عن أبي اليمان، عن شداد بن أبي عمرو بن حماس، عن أبيه، عن حمزة بن أبي أسيد الأنصاري، عن أبيه أنه سمع النبي ﷺ [] [¬٣] وهو خارج من المسجد، وقد اختلط الرجال مع النساء في الطريق فقال رسول الله ﷺ للنساء: \"استأخرن فإنه ليس لكن أن تحققن الطريق، عليكنّ بحافات الطريق\". فكانت المرأة تلتصق [¬٤] بالجدار حتى إن ثوبها ليتعلق بالجدار من لصوقها به.\nوقوله: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ أي: افعلوا ما آمركم به، من هذه الصفات الجميلة والأخلاق الجليلة، واتركوا ما كان عليه أهل الجاهلية من الأخلاق والصفات الرذيلة، فإن الفلاح كل الفلاح في فعل ما أمر الله به ورسوله وترك ما نهيا عنه، والله تعالى هو المستعان.\n﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٣٢) وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى\n_________\n(^١١١) سنن الترمذي، كتاب الرضاع حديث (١١٦٧) وقال الترمذي: \"وهذا حديث لا نعرفه إلا من حديث موسى بن عبيدة، وموسى بن عبيدة يضعف في الحديث من قبل حفظه وهو صدوق، وقد رواه بعضهم عن موسى بن عبيدة ولم يرفعه\".\n(^١١٢) سنن أبي داود، كتاب الأدب حديث (٥٢٧٢).\n_________\n[¬١]- سقط من: خ، ز.\n[¬٢]- في ز: \"لامرأة\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في ز: \"يقول\".\n[¬٤]- في ز: \"تلصق\".","vol":"10","page":225},{"text":"يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيرًا وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٣) وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٣٤)﴾\nاشتملت هذه الآيات الكريمات المبينة على جمل من الأحكام المحكمة والأوامر المبرمة، فقوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ هذا أمر بالتزويج. وقد ذهب طائفة من العلماء إلى وجوبه على كل من قدر عليه، واحتجوا بظاهر قوله ﷺ: \"يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء\". أخرجاه [في الصحيحين] [¬١] من حديث ابن مسعود (^١١٣)، وقد [¬٢] جاء في السنن من غير وجه أن رسول الله ﷺ قال: \"تزوجوا توالدوا تناسلوا فإني مباهٍ [¬٣] بكم الأمم يوم القيامة\" (^١١٤). وفي رواية: \"حتى بالسقط\". والأيامى جمع أيم، ويقال ذلك للمرأة التي لا زوج لها وللرجل الذي لا زوجة له، وسواء كان قد تزوج ثم فارق، أو لم يتزوج واحد منهما. حكاه الجوهري عن أهل اللغة، يقال رجل أيم وأمرأة أيم أيضًا.\nوقوله تعالى: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: رغبهم الله في التزويج، وأمر به الأحرار والعبيد، ووعدهم عليه الغني فقال: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾.\nوقال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا أبي، حَدَّثَنَا محمود بن خالد الأزرق، حَدَّثَنَا عمر بن عبد الواحد، عن سعيد -يعني ابن عبد العزيز- قال: بلغني أن أبا بكر الصديق ﵁ قال: أطيعوا الله فيما أمركم به من النكاح ينجز ما وعدكم من الغنى، قال: ﴿إِنْ\n_________\n(^١١٣) صحيح البخاري، كتاب النكاح حديث (٥٠٦٦)، وصحيح مسلم، كتاب النكاح (١٤٠٠).\n(^١١٤) سنن أبي داود، كتاب النكاح حديث (٢٠٥٠)، وسنن النسائي، كتاب النكاح (٦/ ٦٥).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٢]- سقط من: خ، ز.\n[¬٣]- في خ، ت: \"مباهي\".","vol":"10","page":226},{"text":"يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [وعن ابن مسعود: والتمسوا الغنى في النكاح، يقول الله تعالى: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾] [¬١]. رواه ابن جرير، وذكر البغوي [عن عمر نحوه] [¬٢].\nوعن الليث، عن محمَّد بن عجلان، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"ثلاثة [¬٣] حق [¬٤] على الله عونهم [¬٥]: الناكح يريد العفاف، والمكاتب يريد الأداء، والغازي في سبيل الله\". رواه الإمام أحمد والترمذي، والنسائي وابن ماجة (^١١٥).\nوقد زوج رسول الله ﷺ ذلك الرجل الذي لم يجد عليه [¬٦] إلا إزاره، ولم يقدر على خاتم من حديد (^١١٦)، ومع هذا فزوجه بتلك المرأة، وجعل صداقها عليه أن يعلمها ما يحفظه من القرآن. والمعهود من كرم الله تعالى ولطفه أن يرزقه ما فيه كفاية لها وله، وأما ما يورده كثير من الناس على أنه حديث: \"تزوجوا فقراء يغنكم [¬٧] الله\" فلا أصل له، ولم أره [¬٨] بإسناد قوي ولا ضعيف إلى الآن، وفي القرآن غنية عنه، وكذا [هذه الأحاديث التي أوردناها] [¬٩]، ولله الحمد والمنة [¬١٠].\nوقوله: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ هذا أمر من الله تعالى لمن [¬١١] لا يجد تزويجًا بالتعفف [¬١٢] عن الحرام، كما قال ﵊: \"يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء\".\n_________\n(^١١٥) المسند (٢/ ٢٥١)، وسنن الترمذي، كتاب فضائل الجهاد ح (١٦٥٥)، وسنن النسائي (٦/ ٦١)، وسنن ابن ماجه، كتاب الأحكام حديث (٢٥١٨).\n(^١١٦) - رواه البخاري في كتاب فضائل القرآن حديث (٥٠٣٠)، مسلم في (١٤٢٥).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في: خ، ز \"بنحوه\".\n[¬٣]- في ز: \"ثلاث\".\n[¬٤]- في خ: \"عقد\".\n[¬٥]- في خ، ت: \"عونهن\".\n[¬٦]- سقط من: خ، ز.\n[¬٧]- في ز: \"يغنيكم\".\n[¬٨]- في خ، ت: \"أراه\".\n[¬٩]- ما بين المعكوفتين في ز: \"هذا الحديث الذي أوردناه\".\n[¬١٠]- سقط من: ز\n[¬١١]- في ز: \"أن\".\n[¬١٢]- سقط من: ز.","vol":"10","page":227},{"text":"وهذه الآية مطلقة والتي في سورة النساء أخص منها، وهي قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ إلى أن قال: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيرٌ لَكُمْ﴾ أي: صبركم عن تزوّج [¬١] الإماء خير لكم [¬٢] لأن الولد يجيء رقيقًا ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ قال عكرمة في قوله: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا﴾ قال: هو الرجل يرى المرأة فكأنه يشتهي، فإن كانت له امرأة فليذهب إليها وليقض [¬٣] حاجته منها، وإن لم يكن له امرأة فلينظر في ملكوت السموات والأرض [¬٤] حتى يغنيه الله.\nوقوله: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيرًا﴾ هذا أمر من الله تعالى للسادة إذا طلب منهم عبيدهم الكتابة أن يكاتبوهم، بشرط أن يكون للعبد حيلة وكسب يؤدي إلى سيده المال الذي شارطه على أدائه، وقد ذهب كثير من العلماء إلى أن هذا الأمر أمر إرشاد واستحباب [¬٥] لا أمر تحتم وإيجاب، بل السيد مخير إذا طلب منه عبده الكتابة إن شاء كاتبه وإن شاء لم يكاتبه.\nقال الثوري، عن جابر، عن الشعبي: إن شاء كاتبه وإن شاء لم يكاتبه. وقال ابن وهب، عن إسماعيل بن عياش، عن رجل، عن عطاء بن أبي رباح: إن يشأ كاتبه وإن لم يشأ لم يكاتبه. وكذا قال مقاتل بن حيان والحسن البصري.\nوذهب آخرون إلى أنه يجب على السيد إذا طلب منه عبده ذلك أن يجيبه إلى ما طلب أخذًا بظاهر [هذا] [¬٦] الأمر.\nو[¬٧] قال البخاري (^١١٨): وقال روح، عن ابن جريج قلت لعطاء: [أواجب عليّ إذا علمت له مالًا أن أكاتبه؟ قال: ما أراه إلا واجبًا. وقال عمرو بن دينار: قلت لعطاء] [¬٨]:\nأتأثره [¬٩] عن أحد؟ قال: لا. ثم أخبرني أنّ موسى به. أنس أخبره أن سيرين سأل أنسًا المكاتبة وكان كثير المال فأبى فانطلق إلى عمر ﵁ فقال كاتبه فأبى فضربه بالدرة ويتلو عمر [بن الخطاب] [¬١٠]﵁ ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ\n_________\n(^١١٨) صحيح البخاري (٥/ ١٨٤) \"فتح\".\n_________\n[¬١]- في ز: \"تزويج\".\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- في ز: \"فليقض\".\n[¬٤]- سقط من: خ، ز.\n[¬٥]- في خ: \"واستجلاب\".\n[¬٦]- سقط من خ، ت.\n[¬٧]- سقط من: ز.\n[¬٨]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٩]- في ز: \"أتأثر\".\n[¬١٠]- سقط من: ت.","vol":"10","page":228},{"text":"خَيرًا﴾ فكاتبه. هكذا ذكره البخاري تعليقًا.\nورواه عبد الرزاق (^١١٩): أخبرنا ابن جريج قال: قلت لعطاء: أواجب عليّ إذا علمت له مالًا أن أكاتبه؟ قال: ما أراه إلا واجبا. [وقالها عمرو] [¬١] [بن دينار، قال: قلت لعطاء: أتأثره عن أحد؟ قال: لا] [¬٢].\nوقال ابن جرير [¬٣] (^١٢٠): حَدَّثَنَا محمَّد بن بشار، حَدَّثَنَا محمَّد بن بكر، حَدَّثَنَا سعيد، عن قتادة، عن أنس بن مالك أن سيرين أراد أن يكاتبه فتلكأ عليه، فقال له عمر: لتكاتبنه. إسناد صحيح.\nوقال [¬٤] سعيد بن منصور، حَدَّثَنَا هشيم بن جويبر، عن الضحاك قال: هي عزمة، وهذا هو القول القديم من قولي الشافعي ﵀ وذهب في الجديد إلى أنه لا يجب لقوله ﵊: \"لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب من نفسه\" (^١٢١).\nوقال ابن وهب، قال مالك: الأمر عندنا أنه [¬٥] ليس على سيد العبد أن يكاتبه إذا سأله ذلك، ولم أسمع أحدًا من الأئمة أكره أحدًا على أن يكاتب عبده. قال مالك: وإنما ذلك أمر من الله وإذن منه للناس وليس بواجب.\nوكذا قال الثوري، وأبو حنيفة، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وغيرهم، واختار ابن جرير قول الوجوب لظاهر الآية.\nوقوله: ﴿إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيرًا﴾ قال بعضهم: أمانة وقال بعضهم: صدقا، [وقال بعضهم: مالًا] [¬٦]. وقال بعضهم: حيلة وكسبًا.\nوروى أبو داود في كتاب المراسيل، عن يحيى بن أبي كثير قال: قال رسول الله ﷺ ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيرًا﴾ قال: \"إن علمتم فيهم حرفة ولا ترسلوهم كلابًا [¬٧] على الناس\".\n_________\n(^١١٩) ورواه الطبري في تفسيره (١٨/ ٩٨) من طريق عبد الرزاق به.\n(^١٢٠) تفسير الطبري (١٨/ ٩٨).\n(^١٢١) رواه أحمد في مسنده (٥/ ٧٢) من حديث عم أبي حرة الرقاشي، وفي (٥/ ٤٢٥) من حديث أبي حميد الساعدي، وفي (٣/ ٤٢٣) من حديث عمرو بن يثربي.\n_________\n[¬١]- في ز: \"وقال عمر\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٣]- في ز: \"جريج\".\n[¬٤]- في ت: \"وروى\".\n[¬٥]- في ز: \"أن\".\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٧]- في ت: \"كلا\".","vol":"10","page":229},{"text":"وقوله: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ اختلف المفسرون فيه فقال قائلون: معناه اطرحوا لهم من الكتابة بعضها ثم قال بعضهم: مقدار الربع، وقيل: الثلث، وقيل: النصف، وقيل: جزءًا [¬١] من الكتابة من غير حد، وقال آخرون: بل المراد من قوله: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ هو النصيب الذي فرض الله لهم من أموال الزكوات، وهذا قول الحسن وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وأبيه، ومقاتل بن حيان، واختاره ابن جرير.\nوقال إبراهيم النخعي في قوله ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ قال: حث الناس على [¬٢] مولاه وغيره، وكذا [¬٣] قال بريدة بن الحصيب الأسلمي وقتادة.\nوقال ابن عباس: أمر الله المؤمنين أن يعينوا في الرقاب، وقد تقدم في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: \"ثلاثة حق على الله عونهم\" فذكر منهم \"المكاتب يريد الأداء\" والقول الأوّل أشهر.\nوقال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا محمَّد بن إسماعيل، حَدَّثَنَا وكيع، عن ابن شبيب، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن عمر أنه كاتب [عبدًا له] [¬٤] يكنى أبا أمية، فجاء بنجمه حين حلّ فقال: يا أبا أمية، اذهب فاستعن به في مكاتبتك، فقال [¬٥]: يا أمير المؤمنين، لو تركته حتى يكون من آخر نجم؟ قال: أخاف أن لا أدرك ذلك ثم قرأ ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيرًا وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ قال عكرمة: فكان [¬٦] أوّل نجم أدّى في الإسلام.\nوقال ابن جرير (^١٢٢): حَدَّثَنَا ابن حميد، حَدَّثَنَا هارون بن المغيرة، عن عنبسة، عن سالم الأفطس، عن سعيد بن جبير قال: كان ابن عمر إذا كاتب مكاتبَه لم يضع عنه شيئًا من أول نجومه مخافة أن يعجز فترجع [¬٧] إليه صدقته، ولكنه إذا كان في آخر مكاتبته وضع عنه ما أحب.\nوقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ قال: يعني [¬٨] ضعوا [] [¬٩] عنهم مكاتبتهم. وكذلك [¬١٠] قال مجاهد وعطاء والقاسم بن أبي بزة\n_________\n(^١٢٢) تفسير الطبري (١٨/ ١٠١).\n_________\n[¬١]- في خ، ت: \"جزء\".\n[¬٢]- في ت: \"عليه\".\n[¬٣]- في ز: \"وكذلك\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين في ز: \"عبد البر\".\n[¬٥]- في ز: \"قال\".\n[¬٦]- في ز: \"كان\".\n[¬٧]- في ز: \"فرجع\".\n[¬٨]- سقط من: ت.\n[¬٩]- ما بين المعكوفتين في ز: \"من\".\n[¬١٠]- في خ، ت: \"كذا\".","vol":"10","page":230},{"text":"وعبد الكريم بن مالك الجزري والسدي.\nوقال محمَّد بن سيرين في قوله: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾: كان يعجبهم أن يدع الرجل لمكاتبه طائفة من مكاتبته.\nوقال ابن أبي حاتم (^١٢٣): أخبرنا الفضل بن شاذان المقري، أخبرنا إبراهيم بن موسى، أخبرنا هشام بن ووسف، عن ابن جريج، أخبرني عطاء بن السائب أن عبد الله بن جندب أخبره عن علي ﵁ عن النبي ﷺ قال: \"ربع الكتابة\" وهذا حديث غريب ورفعه منكر، والأشبه أنه موقوف على عليّ ﵁ كما رواه عنه [¬١] أبو عبد الرحمن السلمي ﵀ (^١٢٤).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ الآية، كان أهل الجاهلية إذا كان لأحدهم أمة أرسلها تزني وجعل عليها ضريبة يأخذها منها كل وقت، فلما جاء الإِسلام نهى الله المسلمين [¬٢] عن ذلك.\nوكان سبب نزول هذه الآية الكريمة -فيما ذكره غير واحد من المفسرين من السلف والخلف- في شأن عبد الله بن أبيّ ابن سلول؛ فإنه كان له إماء فكان يكرههن على البغاء طلبًا لخراجهن ورغبة في أولادهن ورياسة منه فيما يزعم.\n(ذكر الآثار الواردة في ذلك)\nقال الحافظ أبو بكر أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البزار (^١٢٥) ﵀ في مسنده: حَدَّثَنَا أحمد بن داود الواسطي، حَدَّثَنَا أبو عمرو اللخمي -يعني محمَّد بن الحجاج- حَدَّثَنَا محمَّد بن إسحاق، عن الزهريّ قال: كانت جارية لعبد الله بن أبي ابن سلول يقال لها: معاذة، يكرهها على الزنا فلما جاء الإسلام نزلت: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ﴾ إلى قوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.\n_________\n(^١٢٣) ورواه عبد الرزاق في المصنف حديث (١٥٥٨٩) من طريق ابن جريج به. وقال: \"قال ابن جريج: وأخبرني غير واحد عن عطاء بن السائب أنه كان حدث بهذا الحدث، لا يذكر فيه النبي ﷺ\".\n(^١٢٤) ورواه عبد الرزاق في مصنفه حديث (١٥٥٩٠) من طريق معمر، عن عطاء بن الساب، عن أبي عبد الرحمن السلمي، به.\n(^١٢٥) \" كشف الأستار\" حديث (٢٢٤٠)، وقال الهيثمي في المجمع (٧/ ٨٣): \"فيه محمَّد بن الحجاج اللخمي وهو كذاب\".\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- في ت: \"المؤمنين\".","vol":"10","page":231},{"text":"وقال الأعمش (^١٢٦): عن أبي سفيان، عن جابر في هذه الآية: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ﴾ قال: نزلت في أمة لعبد الله بن أبيّ ابن سلول يقال لها: مسيكة، كان يكرهها على الفجور وكانت لا بأس بها فتأبى، فأنزل الله ﷿ هذه الآية: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وروى النسائي من حديث ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر نحوه (^١٢٧).\nوقال الحافظ أبو بكر البزار: حَدَّثَنَا عمرو بن علي، حَدَّثَنَا علي بن سعيد، حَدَّثَنَا الأعمش حدثني أبو سفيان عن جابر قال: كان لعبد الله بن أبي ابن سلول جارية يقال لها: مسيكة، وكان يكرهها على البغاء فأنزل الله: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.\nصرح الأعمش بالسماع من أبي سفيان طلحة بن نافع، فدل على بطلان قول من قال: لم يسمع منه إنما هو صحيفة. حكاه البزار.\nو[¬١] قال أبو داود الطيالسي (^١٢٨): عن سليمان بن معاذ، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس أن جارية لعبد الله بن أبيّ كانت تزني في الجاهلية فولدت أولادًا من الزنا فقال لها: ما لك لا تزنين؟ قالت: والله لا أزني؛ فضربها؛ فأنزل الله ﷿: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾.\nوقال عبد الرزاق (^١٢٩): أخبرنا معمر، عن الزهريّ: أن رجلًا من قريش أسر يوم بدر وكان عند [¬٢] عبد الله بن أبيّ أسيرًا، وكانت لعبد الله بن أبيّ جارية قال لها: معاذة، وكان القرشي الأسير يريدها على نفسها، وكانت مسلمة، وكانت تمتنع منه لإسلامها، وكان عبد الله بن أبيّ يكرهها على ذلك، ويضربها رجاء أن تحمل [من القرشي] [¬٣] فيطلب فداء ولده. فقال ﵎: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾.\nوقال السدي: أنزلت هذه الآية الكريمة في عبد الله بن أبي ابن سلول رأس المنافقين،\n_________\n(^١٢٦) رواه الطبري في تفسيره (١٨/ ١٠٣) من طريق الأعمش به.\n(^١٢٧) النسائي في السنن الكبرى حديث (١١٣٦٥) من طرق عن ابن جريج عن أبي الزبير به.\n(^١٢٨) ورواه الطبراني في المعجم الكبير (١١/ ٢٨٤) من طريق أبي داود الطيالسي، به.\n(^١٢٩) تفسير عبد الرزاق (٢/ ٥٠).\n_________\n[¬١]- سقط من خ، ت.\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في ز: \"للقرشي\".","vol":"10","page":232},{"text":"وكانت له جارية تدعى معاذة، وكان إذا نزل به ضيف أرسلها إليه ليواقعها إرادة الثواب منه والكرامة له، فأقبلت الجارية إلى أبي بكر ﵁ فشكت إليه ذلك، فذكره أبو بكر للنبي ﷺ، فأمره بقبضها، فصاح عبد الله بن أبيّ: من يعذرني من محمَّد؟ يغلبنا على مملوكتنا! فأنزل الله فيهم هذا.\nوقال مقاتل بن حيان: بلغنا -والله أعلم- أن هذه الآية نزلت في رجلين كانا يكرهان أمتين لهما، إحداهما اسمها مسيكة وكانت للأنصار، وكانت أميمة أم مسيكة لعبد الله بن أبيّ، وكانت معاذة وأروى بتلك المنزلة فأتت مسيكة وأمها النبي [¬١] ﷺ فذكرتا ذلك له، فأنزل الله في ذلك: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ﴾ يعني: الزنا، وقوله: ﴿إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ هذا خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له.\nوقوله: ﴿لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ أي: من خراجهن [¬٢] ومهورهن وأولادهن وقد نهى رسول الله ﷺ، عن كسب الحجام [ومهر البغي وحلوان الكاهن (^١٣٠).\nوفي رواية: \"مهر البغي خبيث وكسب الحجام] [¬٣] خبيث، وثمن الكلب خبيث\" (^١٣١).\nوقوله: ﴿وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [أي: لهن. كما تقدم في الحديث عن جابر.\nوقال ابن أبي طلحة عن ابن عباس: فإن فعلتم فإن الله لهن غفور رحيم] [¬٤] وإثمهن على من أكرههن، وكذا قال مجاهد وعطاء الخراساني والأعمش وقتادة.\nوقال أبو عبيد: حدثني إسحاق الأزرق، عن عوف، عن الحسن في هذه الآية: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ قال: لهن والله، لهن والله.\n_________\n(^١٣٠) رواه البخاري في البيوع حديث (٢٢٣٧)، ومسلم في المساقاة حديث (١٥٦٧) من حديث أبي مسعود الأنصاري ﵁: \"أن النبي ﷺ نهى عن ثمن الكلب ومهر البغي وحلوان الكاهن\"، وأما كسب الحجَّام، فروى ابن ماجه في السنن حديث (٢١٦٥) من حديث عقبة بن عمرو: \"نهى النبي ﷺ عن كسب الحجَّام\".\n(^١٣١) رواه أحمد في مسنده (٣/ ٤٦٤) من حديث رافع بن خديج، ﵁.\n_________\n[¬١]- في خ، ت: \"للنبيّ\".\n[¬٢]- في ز: \"خرجهن\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.","vol":"10","page":233},{"text":"وعن الزهريّ قال: غفور لهن ما أكرهن عليه. وعن زيد بن أسلم قال: غفور رحيم للمكرهات. حكاهن ابن المنذر في تفسيره بأسانيده.\nوقال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا أبو زرعة، حَدَّثَنَا يحيى بن عبد الله، حدثني ابن لهيعة، حدثني عطاء عن سعيد بن جبير قال: في قراءة عبد الله بن مسعود: (فإن الله من بعد إكراههن لهن غفور رحيم وإثمهن على من أكرههن).\nوفي الحديث المرفوع عن رسول الله ﷺ أنه قال: \"رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه\" (^١٣٢).\nولما فصل ﵎ هذه الأحكام وبينها قال: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ﴾.\nيعني: القرآن في آيات واضحات مفسرات ﴿وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ أي: خبرًا عن الأمم الماضية وما حل بهم في مخالفتهم [] [¬١] أوامر الله تعالى، كما قال تعالى: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ﴾ أي: زاجرًا عن ارتكاب المآثم والمحارم ﴿وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ أي: لمن اتقى الله وخافه. قال علي بن أبي طالب ﵁ في صفة القرآن: فيه حكم ما بينكم، وخبر ما قبلكم، ونبأ ما بعدكم، وهو الفصل ليس بالهزل من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في [¬٢] غيره أضله الله.\n﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَال لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمٌ (٣٥)﴾\nقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ يقول: هادي أهل السموات والأرض.\nقال [¬٣] ابن جريج: قال مجاهد وابن عباس في قوله: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ\n_________\n(^١٣٢) رواه ابن ماجه في السنن حديث (٢٠٤٣) وقد سبق الكلام عليه في سورة الأعراف.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ز: \"في\".\n[¬٢]- في خ، ت: \"من\".\n[¬٣]- سقط من خ، ت.","vol":"10","page":234},{"text":"وَالْأَرْضِ﴾: يدبر الأمر فيهما نجومهما وشمسهما وقمرهما.\nوقال ابن جرير: حَدَّثَنَا سليمان بن عمر بن خالد الرقي، حَدَّثَنَا وهب بن راشد، عن فرقد، عن أنس بن مالك قال: إن الله [¬١] يقول: نوري هداى [¬٢].\nواختار هذا القول ابن جرير ﵀، وقال أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس عن أبي العالية، عن أبيّ بن كعب في قول الله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ﴾ قال هو المؤمن الذي [] [¬٣] جعل الله [¬٤] الإِيمان والقرآن في صدره، فضرب الله مثله فقال: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ فبدأ بنور نفسه ثم ذكر نور المؤمن فقال: مثل نور من آمن به، قال: فكان أبيّ بن كعب يقرؤها: (مثل نور من آمن به) فهو المؤمن جعل الإِيمان والقرآن في صدره.\nوهكذا قال سعيد بن جبير وقيس بن سعد، عن ابن عباس أنه قرأها كذلك: (مثل [¬٥] نور من آمن بالله) وقرأ بعضهم: (الله نور السموات والأرض).\nوعن الضحاك: (الله نوّر السموات والأرض). وقال السدي في قوله: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ فبنوره أضاءت السموات والأرض، وفي الحديث الذي رواه محمَّد بن إسحاق في السيرة عن رسول الله ﷺ، أنه قال في دعائه يوم آذاه أهل الطائف \"أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، أن يحل بي غضبك أو ينزل بي سخطك [¬٦]، لك العتبى حتى ترضى ولا حول ولا قوة إلا بالله\" (^١٣٣).\nوفي الصحيحين (^١٣٤) عن ابن عباس: كان رسول الله ﷺ إذا قام من الليل يقول: \"اللهم لك الحمد، أنت قيوم [¬٧] السموات والأرض ومن فيهن [ولك الحمد] [¬٨] أنت نور السموات والأرض ومن فيهن\". الحديث.\nوعن ابن مسعود ﵁ أنَّه [¬٩] قال: إن ربكم ليس عنده ليل ولا نهار، نور\n_________\n(^١٣٣) السيرة النبوية (١/ ٤٢٠).\n(^١٣٤) صحيح البخاري، كتاب الجمعة ح (١١٢٠)، وصحيح مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها ح (٧٦٩).\n_________\n[¬١]- في ز: \"إلا هي\".\n[¬٢]- في خ، ت: \"هدى\".\n[¬٣]- سقط من خ، ت\n[¬٤]- سقط من: خ، ز.\n[¬٥]- سقط من: ز\n[¬٦]- في ز: \"سخط\".\n[¬٧]- في ز: \"قَيِّمُ\".\n[¬٨]- ما بين المعكوفتين سقط من: ت.\n[¬٩]- سقط من: ت.","vol":"10","page":235},{"text":"العرش من نور وجهه.\nوقوله: ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾ في هذا الضمير قولان؛ (أحدهما) أنه عائد إلى الله ﷿ أي: مثل هداه في قلب المؤمن قاله [¬١] ابن عباس - كمشكاة.\n(والثاني) أن الضمير عائد إلى المؤمن الذي دل عليه سياق الكلام، تقديره: مثل نور المؤمن الذي في قلبه كمشكاة، فشبه قلب المؤمن وما هو مفطور عليه من الهدى وما يتلقاه من القرآن المطابق لما هو مفطور عليه، كما قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْه﴾ فشبه قلب المؤمن في صفائه في نفسه بالقنديل من الزجاج الشفاف الجوهري وما يستهديه [¬٢] من القرآن والشرع بالزيت الجيد الصافي المشرق المعتدل الذي لا كدر فيه ولا انحراف.\nفقوله [¬٣]: ﴿كَمِشْكَاةٍ﴾ قال ابن عباس ومجاهد ومحمد بن كعب وغير واحد: هو موضع الفتيلة من القنديل. هذا هو المشهور؟ ولهذا قال بعده: ﴿فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ وهو الذبالة [¬٤] التي تضيء.\nوقال العوفي عن ابن عباس في [¬٥] قوله: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ وذلك أن اليهود قالوا لمحمد ﷺ: كيف يخلص نور الله من دون السماء؟ فضرب الله [مثلًا] [¬٦] لنوره فقال: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ﴾ والمشكاة كوة في البيت، قال: وهو مثل ضربه الله لطاعته، فسمى الله طاعته نورًا، ثم سماها أنواعًا شتى.\nوقال ابن أبي نجيح عن مجاهد: الكوة بلغة الحبشة، وزاد غيره فقال: المشكاة الكوة التي لا منفذ لها. وعن مجاهد: المشكاة الحدائد التي يعلق بها القنديل.\nوالقول الأول أولى: وهو أن المشكاة هي موضع الفتيلة من القنديل؛ ولهذا قال ﴿فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ وهو النور الذي في الذبالة [¬٧].\nقال أبيّ بن كعب: المصباح النور وهو القرآن والإِيمان الذي في صدره.\nوقال السدي: هو السراج.\n_________\n[¬١]- في خ، ت: \"قال\".\n[¬٢]- في ز: \"يستمد به\".\n[¬٣]- في ز: \"بقوله\".\n[¬٤]- في خ، ت: \"الزبالة\".\n[¬٥]- سقط من: ت.\n[¬٦]- في خ، ت: \"مثل ذلك\".\n[¬٧]- في خ، ت: \"الزبالة\".","vol":"10","page":236},{"text":"﴿الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ﴾ أي: هذا الضوء مشرق في زجاجة صافية. وقال أبيّ بن كعب وغير واحد: وهي نظير قلب المؤمن.\n﴿الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾ قرأ بعضهم بضم الدال [بغير همزم] [¬١] من الدر، أي: كأنها كوكب من درّ. وقرأ آخرون دِرِّيءٌ ودُرِّيءٌ، بكسر الدال وضمها مع الهمز [¬٢] من الدرء وهو الدفع، وذلك أن النجم إذا رمي به يكون أشد استنارة من سائر الأحوال، والعرب تسمي ما لا يعرف من الكواكب دراري.\nقال أبيّ بن كعب: كوكب مضيء. وقال قتادة: مضي به. مبين ضخم ﴿يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ أي: يستمد من زيت زيتون شجرة مباركة ﴿زَيتُونَةٍ﴾ بدل أو عطف بيان ﴿لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾ أي: ليست في شرقيّ بقعتها فلا تصل إليها الشمس من أول النهار، ولا في [غربيها، فيتقلص] [¬٣] عنها الفيء قبل الغروب، بل هي في مكان وسط تفرعه الشمس من أول النهار إلى آخره، فيجيء زلتها صافيًا معتدلًا مشرقًا.\nوقال [¬٤] ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا محمَّد بن عمار، قال: حَدَّثَنَا عبد الرحمن بن عبد الله بن سعد، أخبرنا عمرو بن أبي قيس، عن سماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله: ﴿زَيتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّة﴾ قال: هي [¬٥] شجرة بالصحراء لا يظلها شجر ولا جبل ولا كهف ولا يواريها شيء، و[¬٦] هو أجود لزيتها.\nوقال يحيى بن سعيد القطان، عن عمران بن حدير، عن عكرمة في قوله: ﴿لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّة﴾ قال: هي بصحراء و[¬٧] ذلك أصفى لزيتها.\nوقال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا أبي، حَدَّثَنَا أبو نعيم، حَدَّثَنَا عمرو بن فروخ، عن حبيب بن الزبير عن عكرمة وسأله [¬٨] رجل عن قوله تعالى: ﴿زَيتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّة﴾ قال: تلك زيتونة [¬٩] بأرض فلاة إذا أشرقت الشمس أشرقت عليها، وإذا [¬١٠] غربت غربت عليها فذاك [¬١١] أصفى ما يكون من الزيت.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في خ، ت: \"من غير همزة\".\n[¬٢]- في خ، ت: \"الهمزة\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في ز: \"غربها فيقلص\".\n[¬٤]- في ز: \"قال\".\n[¬٥]- سقط من: خ.\n[¬٦]- سقط من ز.\n[¬٧]- سقط من خ، ت.\n[¬٨]- في ز: \"سأل\".\n[¬٩]- سقط من: خ، ز.\n[¬١٠]- في خ، ت: \"فإذا\".\n[¬١١]- في خ، ت: \"فذلك\".","vol":"10","page":237},{"text":"وقال مجاهد في قوله تعالى: ﴿زَيتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّة﴾ قال: ليست بشرقية لا تصيبها الشمس إذا طلعت [¬١] ولا غربية لا تصيبها الشمس [] [¬٢] إذا غربت [ولكنها شرقية وغربية تصيبها إذا طلعت وإذا غربت] [¬٣].\nوقال سعيد بن جبير في قوله: ﴿زَيتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيتُهَا يُضِيءُ﴾ قال: هو أجود الزيت. قال: إذا طلعت الشمس أصابتها من صوب المشرق، فإذا أخذت في الغروب أصابتها الشمس، فالشمس تصيبها بالغداة والعشي، فتلك لا تعد شرقية ولا غربية.\nوقال السدّي قوله: ﴿زَيتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾ يقول: ليست بشرقية يحوزها المشرق ولا غربية يحوزها المغرب دون المشرق، ولكنها على رأس جبل أو في صحراء تصيبها الشمس النهار كله.\nوقيل: المراد بقوله تعالى: ﴿زَيتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾ أنها في وسط الشجر و[¬٤] ليست بادية للمشرق ولا للمغرب.\nو[¬٥] قال أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أبيّ بن كعب، في قول الله تعالى: ﴿زَيتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾ قال: هي [¬٦] خضراء ناعمة لا تصيبها الشمس على أي حال كانت، لا إذا طلعت ولا إذا غربت. قال: فكذلك هذا المؤمن قد أجير من أن يصله [¬٧] شيء من الفتن وقد ابتلى [¬٨] بها فيثبته الله فيها، فهو بين أربع خلال، إن قال صدق، وإن حكم عدل، وإن ابتلي صبر، وإن أعطي شكر، فهو في سائر الناس كالرجل الحي يمشي في قبور الأموات.\nقال [¬٩] ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا علي بن الحسين، حَدَّثَنَا مسدد قال: حَدَّثَنَا أبو عوانة، عن أبي بشر، عن سعيد [¬١٠] بن جبير في قوله: ﴿زَيتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾ قال: هي وسط الشجر لا تصيبها الشمس شرقًا ولا غربًا.\nوقال عطية العوفي: ﴿لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾ قال: هي شجرة في موضع من الشجر يري ظل ثمرها في ورقها وهذه من الشجر لا تطلع عليها الشمس ولا تغرب.\n_________\n[¬١]- في ز: \"غربت\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز: \"إذا طلعت و\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتن سقط من: خ، ز.\n[¬٤]- سقط من خ، ت.\n[¬٥]- سقط من: ز.\n[¬٦]- في ز: \"فهي\".\n[¬٧]- في خ، ت: \"يصيبه\".\n[¬٨]- في خ، ت: \"ابتلي\".\n[¬٩]- في ز: \"وقال\".\n[¬١٠]- في خ، ز: \"عبد\".","vol":"10","page":238},{"text":"وقال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا محمَّد بن عمار، حَدَّثَنَا عبد الرحمن الدشتكي، حَدَّثَنَا عمرو بن أبي قيس، عن عطاء، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾ ليست شرقية ليس فيها غريب، ولا غربية ليس فيها شرق ولكنها شرقية غربية.\nوقال محمَّد بن كعب القرظي: ﴿لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾ قال: هي القبلية.\nوقال زيد بن أسلم: ﴿لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾ قال: الشام.\nوقال الحسن البصري: لو كانت هذه الشجرة في الأرض لكانت شرقية أو غربية، ولكنه مثل ضربه الله لنوره.\nوقال الضحاك، عن ابن عباس: ﴿يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ قال: رجل صالح ﴿زَيتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾ قال: لا يهودي ولا نصراني.\nوأولى هذه الأقوال القول الأول وهو: أنها في مستوى من الأرض في مكان فسيح بارز [¬١] ظاهر ضاح للشمس، تقرعه من أول النهار إلى آخره؛ ليكون ذلك أصفى لزيتها وألطف كما قاله [¬٢] غير واحد ممن تقدم؛ ولهذا قال ﴿يَكَادُ زَيتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾ قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: يعني كضوء إشراق الزيت.\nوقوله تعالى: ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾ قال العوفي، عن ابن عباس: يعني بذلك إيمان العبد وعمله.\nوقال [¬٣] مجاهد والسدي يعني: نور النار ونور الزيت. وقال أبيّ بن كعب: ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾ فهو يتقلب في خمسة من النور، فكلامه نور، وعمله نور، ومدخله نور، ومخرجه نور، ومصيره إلى النور يوم القيامة إلى الجنة.\nوقال شمر بن عطية: جاء ابن عباس إلى كعب الأحبار، فقال: حدثني عن قول الله تعالى: ﴿يَكَادُ زَيتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾ قال: يكاد محمَّد ﷺ يبين للناس وإن لم يتكلم أنه نبي كما يكاد ذلك الزيت أن [¬٤] يضيء.\nوقال السدي في قوله: ﴿نُورٌ عَلَى نُور﴾ قال: نور النار ونور الزيت حين اجتمعا أضاءا، ولا يضئ واحد بغير صاحبه [كذلك نور القرآن ونور الإيمان حين اجتمعا فلا يكون واحد منهما إلا بصاحبه] [¬٥].\n_________\n[¬١]- في خ، ت: \"باد\".\n[¬٢]- في خ، ت: \"قال\".\n[¬٣]- بياض في ز.\n[¬٤]- في ز: \"أنه\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.","vol":"10","page":239},{"text":"وقوله تعالى: ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ أي: يرشد [¬١] الله إلى هدايته من يختاره، كما جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد (^١٣٥):\nحَدَّثَنَا معاوية بن عمرو، حَدَّثَنَا إبراهيم بن محمَّد الفزاري، حَدَّثَنَا الأوزاعي، حدثني ربيعة بن يزيد [¬٢]، عن عبد الله الديلمي [¬٣]، عن عبد الله بن عمرو، سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"إن الله تعالى خلق خلقه في ظلمة، ثم ألقى عليهم من نوره يومئذ فمن أصابه [¬٤] من نوره يومئذ، اهتدى، ومن أخطأه ضل؛ فلذلك [¬٥] أقول: جف القلم على علم الله ﷿\".\n(طريق أخرى عنه) قال البزار (^١٣٦): حَدَّثَنَا أيوب بن [¬٦] سويد، عن يحيى بن أبي عمرو [¬٧] الشيباني، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"إن الله خلق خلقه في ظلمة فألقى عليهم نورًا من نوره، فمن أصابه من ذلك النور اهتدى ومن أخطأه ضل\". [ورواه البزار، عن عبد الله بن عمرو من طريق آخر بلفظه وحروفه] [¬٨].\nوقوله تعالى: ﴿وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَال لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمٌ﴾ لما ذكر تعالى هذا مثلًا لنور هداه في قلب المؤمن ختم الآية بقوله: ﴿وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَال لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمٌ﴾ أي: هو أعلم بمن يستحق الهداية ممن يستحق الإِضلال.\nقال الإمام أحمد (^١٣٧): حَدَّثَنَا أبو النضر، حَدَّثَنَا أبو معاوية -يعني [¬٩] شيبان- عن ليث، عن عمرو بن مرة، عن أبي البختري، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله\n_________\n(^١٣٥) المسند (٢/ ١٧٦).\n(^١٣٦) مسند البزار حديث (٢١٤٥) \"كشف الأستار\"، ورواه أحمد في مسنده (٢/ ١٩٧) من طريق محمَّد بن مهاجر عن عروة بن رويم عن ابن الديلمي عن عبد الله بن عمرو، به.\n(^١٣٧) المسند (٣/ ١٧) (١١١٤٣). وإسناده ضعف لعلتين: الأولى: الإرسال؛ فإن أبا البختري لم يسمع من أبي سعيد، قاله أبو داود، عقب إخراج حديث له عن أبي سعيد -كتاب الزكاة، باب: ما تجب فيه الزكاة، حديث ١٥٥٩ -: \"وأبو البختري لم يسمع من أبي سعيد\". ونقله عنه ابن حجر في التهذيب.\n_________\n[¬١]- في ز: \"يرسل\".\n[¬٢]- في خ، ز: \"زيد\".\n[¬٣]- في ز: \"الديلي\".\n[¬٤]- في خ: \"أصاب\".\n[¬٥]- في ز: \"فكذلك\".\n[¬٦]- في ز: \"عن\".\n[¬٧]- في ز: \"كثير\".\n[¬٨]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٩]- في ز: \"ثنا\".","vol":"10","page":240},{"text":"ﷺ: \"القلوب أربعة: قلب أجرد (*) فيه كل السراج يزهر، وقلب أغلف (**) مربوط على غلافه، وقلب منكوس، وقلب مصفح (* * *)، فأما القلب الأجرد فقلب المؤمن [¬١] سراجه فيه نوره. وأما القلب الأغلف فقلب الكافر، وأما القلب المنكوس فقلب المنافق [¬٢]؛ عرف ثم أنكر، وأما القلب المصفح: فقلب فيه إيمان ونفاق، ومثل الإيمان فيه كمثل البقلة يمدها الماء الطيب، ومثل النفاق في كمثل القرحة يمدها الدم والقيح. فأي المدتين غلبت على الأخرى غلبت عليه\". إسناد [¬٣] جيد ولم يخرجوه.\n﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (٣٦) رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (٣٧) لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيرِ حِسَابٍ (٣٨)﴾\n_________\n= وأبو البختري، اسمه سعيد بن فيروز بن أبي عمران الطائي الكوفي.\nوقال ابن أبي حاتم عن أبيه -في المراسيل-: لم يدرك أبا ذر، ولا أبا سعيد. وذكره ابن حبان في الثقات وقال: سعيد بن فيروز، وقال: سعيد بن عمران، وقيل غير ذلك، وقال ابن سعد: كان كثير الحديث، يرسل حديثه، ويروي عن الصحابة، ولم يسمع من كثير أحد، فما كان من حديثه سماعًا فهو حسن، وما كان غيره فهو ضعيف. وقال عنه في التقريب: ثقة ثبت، فيه تشيع قليل، كثير الإرسال.\nوالعلة الثانية: هي أنه من طريق ليث وهو ابن أبي سليم، واسم أبيه أيمن، وقيل: أنس، وقيل غير ذلك، وهو صدوق اختلط جدًّا، ولم يتميز حديثه، فتُرك، قاله ابن حجر. وقال الذهبي: فيه ضعف يسير من سوء حفظه، كان ذا صلاة وصيام، وعلمٍ كثير، وبعضهم احتج به. روى له مسلم مقرونًا.\nوأما عمرو بن مرة، فهو ثقة.\nوالحديث أخرجه الطبراني في الصغير (٢/ ١٠٩ - ١١٠) وأبو نعيم في الحلية (٤/ ٣٨٥). وقال أبو نعيم: وقد رواه جرير، عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن أبي البختري، عن حذيفة مرسلًا.\nوالحديث ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ٦٣) وقال: رواه أحمد والطبراني في الصغير، وفي إسناده ليث بن أبي سليم.\n(*) أجرد؛ أيضًا: ليس فيه غِلٌّ ولا غشٌّ، فهو على أهل الفطرة، فنور الإيمان فيه يُزهر. نهاية [١/ ٢٥٦].\n(**) أغلف؛ أي: عليه غشاء عن سماع الحق وقبوله. نهاية [٣/ ٣٧٩].\n(* * *) مُصْفَح: المُصْفَح: الذي له وجهان يلقى أهل الكفر بوجه وأهل الإيمان بوجه. وصَفْحُ كل شيء: وجهه وناحيتُه. نهاية [٣/ ٣٤].\n_________\n[¬١]- بعده في خ، ت: من.\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- في ز: \"إسناد\".","vol":"10","page":241},{"text":"لما ضرب الله تعالى مثل [¬١] قلب المؤمن وما فيه من الهدى والعلم بالمصباح في الزجاجة الشافعية المتوقد من زيت طيب وذلك كالقنديل؛ ذكر محلها وهي المساجد التي هي أحب البقاع إن الله تعالى من الأرض، وهي بيوته التي يعبد فيها ويوحد، فقال: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ أي: أمر الله تعالى برفعها أي: بتطهيرها من الدنس واللغو والأقوال والأفعال التي لا تليق فيها، كما قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في هذه الآية الكريمة. ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ قال: نهى الله سبحانه عن اللغو فيها.\nوكذا قال عكرمة وأبو صالح والضحاك ونافع بن جبير وأبو بكر بن سليمان بن أبي حثمة [¬٢]، وسفيان بن حسين وغيرهم من علماء المفسرين.\nوقال قتادة: هي هذه المساجد، أمر الله ﷾ ببنائها [ورفعها وأمر بعمارتها] [¬٣] وتطهيرها، وقد ذكر لنا أن كعبًا كان يقول: [إن في التوراة مكتوبًّا] [¬٤]: ألا إن بيوتي في الأرض المساجد، وإنه من توضأ فأحسن وضوءه، ثم زارني في بيتي، أكرمته وحقٌّ على المزور كرامة الزائر. رواه عبد الرحمن بن أبي حاتم في تفسيره.\nوقد وردت أحاديث كثيرة في بناء المساجد واحترامها وتوقيرها وتطيبها وتبخيرها، وذلك له محل مفرد يذكر فيه، وقد كتبت في ذلك جزءًا على حدة ولله الحمد والمنة. ونحن بعون الله تعالى نذكر ها هنا طرفًا من ذلك إن شاء الله تعالى وبه الثقة وعليه التكلان.\nفعن أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"من بنى مسجدًا يبتغي به وجه الله بنى الله له مثله في الجنة\" أخرجاه في الصحيحين (^١٣٨).\nوروى ابن ماجه عن عمر بن الخطاب (^١٣٩) ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"من بني مسجدًا يذكر فيه اسم الله بني الله له بيتًا في الجنة\"\n_________\n(^١٣٨) صحيح البخاري، كتاب الصلاة حديث (٤٥٠)، وصحيح مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة حديث (٥٣٣).\n(^١٣٩) سنن ابن ماجه، كتاب المساجد والجماعات حديث (٧٣٥) من طريق الوليد بن أبي الوليد عن عثمان بن عبد الله عن عمر. وقال البوصيري في الزوائد (١/ ٢٦٠): \"هذا إسناد مرسل، عثمان بن عبد الله بن سراقة روى عن عمر وهو جده لأمه، ولم يسمع منه. قاله المزي\". ورواه بأن حبان في صحيحه.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز\n[¬٢]- في خ، ز: \"خيثمة\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في خ، ت: \"وعمارتها ورفعها\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين في خ، ت: \"مكتوب في التوراة\".","vol":"10","page":242},{"text":"[وللنسائي (^١٤٠) عن عمرو بن عبسة [¬١] مثله، والأحاديث في هذا كثيرة جدًّا] [¬٢].\nوعن عائشة ﵂ قالت: أمر [¬٣] رسول الله ﷺ، ببناء المساجد في الدور وأن تنظف وتطيب. رواه أحمد وأهل السنن إلا النسائي (^١٤١)، ولأحمد وأبي داود عن سمرة بن جندب نحوه (^١٤٢).\nوقال البخاري (^١٤٣): قال عمر: ابن للناس ما يكنهم، وإيَّاك أن تحمر أو تصفر فتفتن [¬٤] الناس. وروى ابن ماجه (^١٤٤) [عنه] [¬٥] قال: قأل رسول الله ﷺ: \"ما ساء عمل قوم قط [¬٦] إلا زخرفوا مساجدهم\". وفي إسناده ضعف.\nوروى أبو داود (^١٤٥)، عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: \"ما أمرت بتشييد المساجد\" قال ابن عباس: لتزخرفنها كما زخرفت اليهود والنصارى.\nوعن أنس (^١٤٦) ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس في المساجد\". رواه الإمام أحمد وأهل السنن إلا الترمذي.\nوعن بريدة (^١٤٧): أن رجلًا أنشد في المسجد، فقال: من دعا إلى الجمل الأحمر؛ فقال النبي ﷺ: \"لا وجدت إنما بينيت المساجد لما بنيت له\". رواه مسلم.\n_________\n(^١٤٠) سنن النسائي (٢/ ٣١).\n(^١٤١) المسند (٦/ ٢٧٩)، وسنن أبي داود حديث (٤٥٥)، وسنن الترمذي حديث (٥٩٤)، وسنن ابن ماجه حديث (٧٥٩).\n(^١٤٢) المسند (٥/ ١٧)، وسنن أبي داود حديث (٤٥٦).\n(^١٤٣) صحيح البخاري (١/ ٥٣٩) \"فتح\".\n(^١٤٤) سنن ابن ماجه حديث (٧٤١) من طريق جبارة بن المغلس عن عبد الكريم بن عبد الرحمن عن عمرو بن ميمون عن عمر بن الخطاب، به. قال البوصيري في الزوائد (١/ ٢٦٢): \"هذا إسناد فيه جبارة بن المغلس وقد اتهم\".\n(^١٤٥) سنن أبي داود، كتاب الصلاة، باب: بناء المساجد حديث (٤٤٨).\n(^١٤٦) المسند (٣/ ١٣٤)، وسنن أبي داود حديث (٤٤٩)، سنن النسائي (٢/ ٣٢)، وسنن ابن ماجه حديث (٧٣٩).\n(^١٤٧) صحيح مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة حديث (٥٦٩).\n_________\n[¬١]- في ز: \"عنبسة\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٣]- في ت: \"أمرنا\".\n[¬٤]- في ز: \"فتعين\".\n[¬٥]- سقط من خ، ت.\n[¬٦]- سقط من: خ.","vol":"10","page":243},{"text":"وعن عمرو بن شعيب (^١٤٨)، عن أبيه، عن جده قال: نهى رسول الله ﷺ، عن البيع والابتياع، وعن تناشد الأشعار في المساجد. رواه أحمد وأهل السنن، وقال الترمذي: حسن.\nوعن أبي هريرة (^١٤٩) ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \"إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد فقولوا: لا أربح الله تجارتك، وإذا رأيتم من ينشد ضالة [¬١] فقولوا: لا رد الله عليك! \". رواه الترمذي وقال: حسن غريب.\nوقد روى ابن ماجه (^١٥٠) وغيره من حديث ابن عمر مرفوعًا قال: \"خصال لا تنبغي [¬٢] في المسجد: لا يتخذ طريقًا، ولا يشهر فيه سلاح [¬٣]، ولا ينبض فيه بقوس، ولا ينثر [¬٤] فيه نبل، ولا يمر فيه بلحم نيء، ولا يضرب فيه حد، ولا [يقتص فيه من] [¬٥] أحد، ولا يتخذ سوقًا\".\nوعن واثلة بن الأسقع (^١٥١)، عن رسول الله ﷺ [أنه] [¬٦] قال: \"جنبوا مساجدكم صبيانكم، ومجانينكم، وشراءكم وبيعكم، وخصوماتكم، ورفع أصواتكم، وإقامة حدودكم، وسل سيوفكم، واتخذوا على أبوابها المطاهر وجمروها في الجمع\". ورواه ابن ماجه أيضًا وفي إسنادهما ضعف.\nأما أنه لا يتخذ طريقًا فقد كره بعض العلماء المرور فيه إلا لحاجة إذا وجد مندوحة عنه، وفي الأثر: إن الملائكة لتتعجب من الرجل يمر بالمسجد [¬٧] لا يصلي فيه!\n_________\n(^١٤٨) المسند (٢/ ١٧٩)، وسنن أبي داود، كتاب الصلاة حديث (١٠٧٩)، وسنن الترمذي، كتاب الصلاة حديث (٣٢٢)، وسنن النسائي، كتاب المساجد (٢/ ٤٧)، وسنن ابن ماجه، كتاب المساجد والجماعات حديث (٧٤٩).\n(^١٤٩) سنن الترمذي، كتاب البيوع، باب: النهي عن البيع في المسجد حديث (١٣٢١).\n(^١٥٠) سنن ابن ماجه، كتاب المساجد والجماعات، باب: ما يكره في المساجد حديث (٧٤٨)، وقال البوصيري في الزوائد (١/ ٢٦٤): \"هذا إسناد فيه زيد بن جبيرة. قال ابن عبد البر: أجمعوا على أنه ضعيف\".\n(^١٥١) سنن ابن ماجه، كتاب المساجد والجماعات حديث (٧٥٠)، وقال البوصيري في الزوائد (١/ ٢٦٥): \"هذا إسناد ضعيف، أبو سعيد هو محمَّد بن سعيد المصلوب، قال أحمد: عمدًا كان يضع الحديث =\n_________\n[¬١]- بعده في ت: في المسجد.\n[¬٢]- في ز: \"تبتغي\".\n[¬٣]- في ز: \"بسلاح\".\n[¬٤]- في ز: \"ينتثر\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين في ز: \"يقص في\".\n[¬٦]- سقط من خ، ت.\n[¬٧]- في ز: \"في المسجد\".","vol":"10","page":244},{"text":"وأما أنَّه لا يشهر فيه بسلاح ولا ينبض فيه بقوس ولا ينثر فيه نبل؛ فلما يخشى من إصابة بعض الناس به لكثرة المصلين فيه، ولهذا أمر رسول الله ﷺ: إذا مر أحد [¬١] بسهام أن يقبض على نصالها لئلا يؤذي أحدًا. كما ثبت ذلك [¬٢] في الصحيح (^١٥٢).\nوأما النهي عن المرور باللحم النيئ فيه، فلما يخشى من تقاطر [¬٣] الدم منه، كما نهيت الحائض عن المرور فيه إذا خافت التلويث.\nوأما أنَّه لا يضرب فيه حد [أو يقتص] [¬٤] فلما يخشى من إبجاد النجاسة [¬٥] فيه من المضروب أو المقطوع.\nوأما أنَّه لا يتخذ سوقًا؛ فلما تقدم من النهي عن البيع والشراء فيه، فإنه إنما بني لذكر الله والصلاة فيه [¬٦] كما قال النبي [¬٧] ﵊ لذلك الأعرابي الذي بال في طائفة المسجد: \"إن المساجد لم تبن لهذا؛ إنما بنيت لذكر الله والصلاة فيها [¬٨] \" (^١٥٣).\nثم أمر بسجل من ماء فأهريق على بوله. وفي الحديث الثاني: \"جنبوا مساجدكم صبيانكم\". وذلك لأنهم يلعبون فيه ولا يناسبهم. وقد كان عمر بن الخطاب ﵁ إذا رأى صبيانًا يلعبون في المسجد ضربهم بالمخفقة -وهي الدرة- وكان يعس المسجد بعد العشاء فلا يترك فيه أحدًا \"ومجانينكم\" يعني لأجل ضعف عقولهم وسخر الناس بهم فيؤدي إلى اللعب فيها ولا يخشى من تقذيرهم [] [¬٩] المسجد ونحو ذلك \"وبيعكم وشراءكم\" كما تقدم.\n_________\n= ثم قال: والحارث بن نبهان متفق على ضعفه\". وعتبة بن يقظان: ضعيف.\n(^١٥٢) رواه مسلم في البر والصلة والآداب حديث (٢٦١٥) من حديث أبي موسى الأشعري.\n(^١٥٣) حديث الأعرابي الذي بال في المسجد أصله عند البخاري (٢٢٠، ٦٠١٠، ٦١٢٨)، ومسلم (٢٨٤)، وابن ماجة، كتاب الطهارة وسننها حديث (٥٢٩) وليس فيه: \"أن المساجد لم تبن لهذا\" وإنَّما هذه اللفظة وردت في حديث من ينشد الضالة في المسجد رواه مسلم في المساجد ومواضع الصلاة حديث (٥٦٨).\n_________\n[¬١]- في ت: \"رجل\".\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- في خ، ز: \"تطاير\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين في خ، ت: \"ولا يقتص منه\".\n[¬٥]- في ز: \"نجاسة\".\n[¬٦]- سقط من: خ، ز.\n[¬٧]- سقط من: ز.\n[¬٨]- سقط من: خ، ز.\n[¬٩]- ما بين المعكوفتين في ز: \"في\".","vol":"10","page":245},{"text":"\"وخصوماتكم\" يعني: التحاكم والحكم فيه، ولهذا نص كثير من العلماء على أن الحاكم لا ينتصب لفصل الأقضية في المسجد بل يكون في موضع غيره؛ لا فيه من كثرة الحكومات والتشاجر والعياط الذي لا يناسبه؛ ولهذا قال بعده: \"ورفع أصواتكم\".\nوقال البخاري (^١٥٤)؛ حَدَّثَنَا علي بن عبد الله، حَدَّثَنَا يحيى بن سعيد، حَدَّثَنَا الجعيد [¬١] بن عبد الرحمن [قال: حدثني] [¬٢] يزيد بن خصيفة [¬٣]، عن السائب بن يزيد الكندي قال: كنت قائمًا في المسجد فحصبني رجل، فنظرت، فإذا عمر بن الخطاب؛ فقال: اذهب فأتني بهذين، فجئته بهما فقال: من أنتما؟ أو من أين أنتما؟ قالا: من أهل الطائف. قال: لو كنتما من أهل البلد لأوجعتكما، ترفعان أصواتكما [¬٤] في مسجد رسول الله ﷺ!!\nوقال النَّسائي (^١٥٥): حَدَّثَنَا سواد بن نصر، عن عبد الله بن المبارك، عن شعبة، عن سعد بن إبراهيم، عن أبيه إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف؛ قال: سمع عمر صوت رجل في المسجد، فقال: أتدري أين أنت؟؛ وهذا أيضًا صحيح.\nوقوله: \"وإقامة حدودكم وسل سيوفكم\" تقدمًا.\nوقوله: \"واتخذوا على أَبوابها المطاهر\" يعني: المراحيض التي يستعان بها على الوضوء وقضاء الحاجة. وقد كانت قريبًا من مسجد رسول الله ﷺ آبار يستقون منها فيشربون، ويتطهرون ويتوضئون وغير ذلك.\nوقوله: \"وجمروها في الجمع\" يعني: بخروها في أيام الجمع لكثرة اجتماع الناس يومئذ.\nوقد قال الحافظ أَبو يعلى الموصلي (^١٥٦): حَدَّثَنَا عبيد الله، حَدَّثَنَا عبد الرحمن بن مهدي، عن عبد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر: أن عمر كان يجمر مسجد رسول الله ﷺ، كل جمعة. إسناده حسن لا بأس به والله أعلم.\n_________\n(^١٥٤) صحيح البخاري، كتاب الصلاة، باب: رفع الصوت في المسجد حديث (٤٧٠).\n(^١٥٥) ذكره المزى في تحفة الأشراف (٤/ ٨) وعزاه للنسائي في السنن الكبرى في المواعظ.\n(^١٥٦) مسند أبي يعلى (١/ ١٧٠).\n_________\n[¬١]- في خ، ت: \"الجعد\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز: \"بن\".\n[¬٣]- في ت: \"حفصة\".\n[¬٤]- في ز: \"أصواتكم\".","vol":"10","page":246},{"text":"وقد ثبت في الصحيحين (^١٥٧): عن رسول الله ﷺ، أنَّه [¬١] قال: \"صلاة الرجل في الجماعة تضعف على صلاته في بيته وفي سوقه خمسًا وعشرين ضعفًا؛ وذلك أنَّه إذا [¬٢] توضأ فأحسن الوضوء [¬٣]، ثم خرج إلى المسجد لا يخرجه إلَّا الصلاة، لم يخط خطوة، إلَّا رفع له بها درجة، وحط عنه بها خطيئة، فإذا صلى لم تزل الملائكة تصلي عليه [¬٤] ما دام في مصلاه: اللهم صلِّ عليه، اللهم ارحمه. ولا يزال في صلاة ما انتظر الصلاة\".\nوعند الدارقطني مرفوعًا: \"لا صلاة لجار المسجد إلَّا في المسجد\" (^١٥٨)، وفي السنن: \"بشر المشائين إلى المساجد في الظلم بالنور التام يوم القيامة\" (^١٥٩).\nويستحب لمن دخل المسجد: أن يبدأ برجله اليمنى وأن يقول -كما ثبت في صحيح البخاري، عن عبد الله بن عمرو ﵄ عن رسول الله ﷺ: أنَّه كان إذا دخل المسجد؛ قال -: \"أعوذ بالله العظيم، وبوجهه الكريم، وسلطانه القديم، من الشيطان الرجيم قال: [أقط؟ قال: نعم. قال] [¬٥]: فإذا قال ذلك، قال الشيطان: حفظ مني سائر اليوم\" (^١٦٠).\n_________\n(^١٥٧) صحيح البخاري، كتاب الأذان حديث (٦٤٧)، وصحيح مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة حديث (٦٤٩) من حديث أبي هريرة، ﵁.\n(^١٥٨) سنن الدارقطني (١/ ٤٢٠) من طريق سليمان بن داود اليمامي عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة مرفوعًا، به.\nوقد رواه الحاكم في المستدرك (١/ ٢٤٦)، والبيهقي في السنن الكبرى (٣/ ٥٧) من طريق سليمان بن داود، به. وسليمان بن داود مجمع على تضعيفه. ومن حديث جابر، رواه الدارقطني أيضًا في السنن (١/ ٤٢٠) من طريق محمد بن مسكين عن عبد الله بن بكير عن محمد بن سوقة عن محمد بن المنكدر عن جابر مرفوعًا، به. وقال أَبو الطيب في التعليق: \"فيه محمد بن مسكين، قال الذهبي: لا يعرف وخبره منكر. وقال البخاري: في إسناد حديثه نظر\".\n(^١٥٩) رواه أَبو داود في الصلاة حديث (٥٦١)، والتِّرمِذي في الصلاة حديث (٢٢٣) من حديث بريدة بن الخصيب، ﵁، وقال الترمذي: \"هذا حديث غريب من هذا الوجه مرفوع، وهو صحيح مسند وموقوف إلى أصحاب النبي - صلى الله عليه وصلم - ولم يسند إلى النبي ﷺ\".\n(^١٦٠) لم أجده في صحيح البخاري، وقد ذكره المزي في تحفة الأشراف وابن الأثير في جامع الأصول ولم يعزواه إلَّا لأبي داود، كتاب الصلاة حديث (٤٦٦).\n_________\n[¬١]- سقط من خ، ت.\n[¬٢]- سقط من: خ، ز.\n[¬٣]- في ز: \"وضوءه\".\n[¬٤]- سقط من: خ، ز.\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.","vol":"10","page":247},{"text":"وروى مسلم بسنده عن أبي حميد -أو أبي أسيد- قال: قال رسول الله ﷺ: \"إذا دخل أحدكم المسجد فليقل: اللهم افتح لي أَبواب رحمتك. وإذا خرج فليقل: اللهم [إني أسألك من] [¬١] فضلك\" (^١٦١).\nورواه النَّسائي عنهما عن النبي ﷺ.\nوعن أبي هريرة (^١٦٢) ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"إذا دخل أحدكم المسجد، فليسلم على النبي على الله عليه وسلم وليقل: اللهم افتح لي أَبواب رحمتك، وإذا خرج، فليسلم على النبي على الله عليه وسلم وليقل: اللهم اعصمني من الشيطان الرجيم\".\nورواه ابن ماجة، وابن خزيمة، وابن حبان في صحيحيهما.\nوقال الإِمام أحمد (^١٦٣): حَدَّثَنَا إسماعيل بن إبراهيم، حَدَّثَنَا ليث بن أبي سليم، عن [عبد الله بن حسن] [¬٢] عن أمه فاطمة بنت حسين، عن جدتها فاطمة بنت رسول الله ﷺ قالت: كان رسول الله ﷺ، إذا دخل المسجد صلى على محمد وسلم، ثم قال: \"اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أَبواب رحمتك\" وإذا خرج صلى على محمد وسلم، ثم قال: \"اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أَبواب فضلك\".\nورواه التِّرمِذي وابن ماجة، وقال التِّرمِذي: هذا حديث حسن، وإسناده ليس بمتصل، لأن فاطمة بنت الحسين الصغرى لم تدرك فاطمة [¬٣] الكبرى.\nفهذا الذي ذكرناه - مع ما تركناه من الأحاديث الواردة في ذلك [حال الطول] [¬٤]-\n_________\n(^١٦١) صحيح مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها حديث (٧١٣)، وأَبو داود كتاب الصلاة (٤٦٥) وسنن النَّسائي، كتاب المساجد (٢/ ٥٣). وابن ماجة في المساجد (٧٧٢).\n(^١٦٢) سنن ابن ماجة، كتاب المساجد حديث (٧٧٣)، وصحيح ابن خزيمة حديث (٤٥٢)، وصحيح ابن حبان حديث (٢٠٤٨) \"الإحسان\" كلهم من طريق أبي بكر الحنفي عن الضحاك بن عثمان عن المقبري عن أَبي هريرة، به. وقال البوصيري في الزوائد (١/ ٩٧): \"هذا إسناد صحيح ورجاله ثقات\".\n(^١٦٣) المسند (٢٨٢١٦)، وسنن التِّرمِذي حديث (٣١٤)، وسنن ابن ماجة حديث (٧٧١).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ت: \"افتح لي أَبواب\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في خ: \"عبد الرحمن بن حسين\"، وفي ز: \"عبد الله بن حسين\".\n[¬٣]- سقط من: خ، ز.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين في ز: \"لحال القول\".","vol":"10","page":248},{"text":"كله داخل في قوله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾.\nوقوله: ﴿وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [أي: اسم الله] [¬١] كقوله: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ وقوله: ﴿وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ وقوله: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾.\nوقوله تعالى: ﴿وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ قال ابن عبَّاس يعني: يتلى فيما [¬٢] كتابه.\nوقوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ أي: في البكرات والعشيات.\nوالآصال جمع أصيل وهو آخر النهار.\nوقال سعيد بن جبير عن ابن عبَّاس: كل تسبيح في القرآن هو الصلاة.\nوقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عبَّاس: يعني بالغدوّ: صلاة الغداة، ويعني بالآصال: صلاة العصر، وهما أول ما افترض الله من الصلاة؛ فأحب أن يذكرهما، وأن يُذكِّر بهما عباده.\nوكذا قال الحسن والضحاك: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ يعني: الصلاة، ومن قرأ من القراء (يُسَبَّحُ له فيها بالغدو والآصال) (*) بفتح الباء من (يسبح) على أنَّه مبنى لما لم يسم فاعله، وقف على قوله ﴿وَالْآصَالِ﴾ وقفًا تامًّا، وابتدأ بقوله: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ وكأنه مفسر للفاعل المحذوف كما قال الشاعر:\nلِبُيْكَ يزيدُ ضارعٌ لخصومة … ومختبطٌ [¬٣] مما تطيح الطوائح (^١٦٤)\nكأنه قال: من يبكيه؟ قال: هذا يبكيه، وكأنه قيل: من يسبح له فيها؟ قال: رجال.\nوأما على قراءة من قرأ ﴿يُسَبِّحُ﴾ كسر الباء (**)، فجعله فعلًا وفاعله ﴿رِجَالٌ﴾ فلا يحسن الوقف إلا على الفاعل لأنه تمام الكلام، فقوله تعالى: ﴿رِجَالٌ﴾ فيه إشعار بهممهم السامية ونياتهم وعزائمهم العالية، التي بها صاروا عُمَّارًا للمساجد التي هي بيوت\n_________\n(*) وهي قراءة ابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر. (السبعة في القراءات ص (٤٥٦».\n(^١٦٤) نسبه سيبويه للحارث بن نهيك (١/ ١٤٥)، ونسبه الأعلم للبيد. وقال البغدادي في الخزانة (١/ ١٥٠) هذا البيت لنهشل بن حري على ما في شرح أبيات الكتاب لابن خلف.\n(**) وهي قراءة ابن كثير ونافع، وأبي عمرو وحمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم. السبعة ص (٤٥٦).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٢]- في ز: \"فيها\".\n[¬٣]- في ز: \"مخطبط\".","vol":"10","page":249},{"text":"الله في أرضه، ومواطن عبادته وشكره وتوحيده وتنزيهه؛ كما قال تعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيهِ﴾.\nوأما النساء، فصلاتهن في بيوتهن أفضل لهن؛ لما رواه أَبو داود عن عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال: \"صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في حجرتها، وصلاتها في مخدعها أفضل من صلاتها في بيتها\" (^١٦٥).\nوقال الإِمام أحمد (^١٦٦): حَدَّثَنَا يحيى بن غيلان، حَدَّثَنَا رشدين، حدثني عمرو، عن أبي السمح، عن السائب مولى أم سلمة، عن أم سلمة ﵂ عن رسول الله ﷺ أنَّه قال: \"خير مساجد النساء قعر بيوتهن\".\nوقال الإمام [¬١] أحمد أيضًا (^١٦٧): حَدَّثَنَا هارون أخبرني عبد الله بن وَهْب، حَدَّثَنَا داود بن قيس، عن عبد الله بن سعيد الأنصاري، عن عمته أم حميد امرأة أبي حميد الساعدي: أنَّها جاءت إلى النبي ﷺ، فقالت: يا رسول الله، إني أحب الصلاة معك؛ قال: \"قد علمت أنك تحبين الصلاة معي، وصلاتك في بيتك خير من صلاتك في حجرتك، وصلاتك في حجرتك خير من صلاتك في دارك، وصلاتك في دارك خير من صلاتك في مسجد قومك، وصلاتك في مسجد قومك خير من صلاتك في مسجدي\". قال: فأمرت فبني لها مسجد في أقصى بيت من بيوتها وأظلمه فكانت تصلي فيه حتَّى لقيت الله تعالى [¬٢]. لم يخرجوا هذا.\nويجوز لها شهود جماعة الرجال بشرط [¬٣] أن لا تؤذي أحدًا من الرجال بظهور زينة ولا\n_________\n(^١٦٥) سنن أبي داود حديث (٥٨٠)، ورواه ابن ماجة (١٩٨٣). وفي إسناده عبد الرحمن بن حرملة ضعفه غير واحد، وأخرج له مسلم، وأخرج له البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: \"يصلون لكم فإن أصابوا فلكم ولهُم، وإن أخطئوا فلكم وعليهم\".\n(^١٦٦) المسند (٦/ ٢٩٧) (٢٦٦٥١) صحيح - إسناده ضعيف من أجل رشدين بن سعد. إلَّا أنَّه توبع من عبد الله بن وَهْب كما عند البيهقي وغيره. والحدث أخرجه أَبو يعلى في مسنده (١٢/ ٤٥٤ / رقم: ٧٠٢٥). والطبراني في الكبير (٢٣/ ١٣٣، ١٣٤ / رقم: ٧٠٩). كلاهما من طريق ابن لهيعة به. وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٢/ ٣٣) وعزاه لأحمد والطبراني وأبي يعلى، وقال: \"وفيه ابن لهيعة، وفيه كلام\". وأخرجه أيضًا الحاكم في المستدرك (١/ ٢٠٩). والبيهقي في السنن (٣/ ١٣١). وابن خزيمة في صحيحه (٣/ ٩٢ / رقم: ١٦٨٣). كلهم من طريق عمرو بن الحارث به.\n(^١٦٧) المسند (٦/ ٣٧١) (٢٧٢٠٢). ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٢/ ٣٣، ٣٤)، وعزاه لأحمد وقال: \"ورجاله رجال الصحيح غير عبد الله بن سويد الأنصاري، وثقه ابن حبان\". =\n_________\n[¬١]- سقط من: ت.\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- في ز: \"بشرطه\".","vol":"10","page":250},{"text":"ريح طيب، كما ثبت في الصحيحين (^١٦٨) عن عبد الله بن عمر أنَّه قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا تمنعوا إماء الله مساجد الله\". رواه البخاري ومسلم، ولأحمد وأبي داود: \"وبيوتهنَّ خير لهنَّ\" (^١٦٩). وفي رواية: \"وليخرجن وهنَّ تفلات\" (^١٧٠). أي لا ريح لهن. وقد ثبت في صحيح مسلم (^١٧١) عن زينب امرأة [عبد الله] [¬١] بن مسعود قالت: قال لنا رسول الله ﷺ: \"إذا شهدت إحداكنَّ المسجد فلا تمس طيبًا\".\nوفي الصحيحين (^١٧٢) عن عائشة ﵂ أنَّها قالت: كان نساء المؤمنات [¬٢] يشهدن الفجر مع رسول الله ﷺ، ثم يرجعن متلفعات بمروطهنّ ما يعرفن من الغلس.\nوفي الصحيحين (^١٧٣) عنها أيضًا أنَّها قالت: لو أدرك رسول الله ﷺ ما أحدث النساء لمنعهن من المساجد، كما منعت نساء بني إسرائيل.\nوقوله تعالى: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾. وقال [¬٣] تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيعَ ذَلِكُمْ خَيرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.\nيقول تعالى: لا تشغلهم الدنيا وزخرفها وزينتها وملاذّ بيعها وربحها عن ذكر ربهم الذي هو خالقهم ورازقهم، والذين يعلمون أن الذي عنده هو خير لهم وأنفع مما بأيديهم، لأن ما\n_________\n= والحديث أخرجه ابن خزيمة في صحيحه (٣/ ٩٥ / رقم: ١٦٨٩). من طريق أبي الطاهر عن أبي بكر، عن عيسى بن إبراهيم، عن ابن وَهْب به.\n(^١٦٨) صحيح البخاري، كتاب الجمعة حديث (٩٠٠)، وصحيح مسلم، كتاب الصلاة حديث (٤٤٢).\n(^١٦٩) المسند (٢/ ٧٦)، وسنن أبي داود حديث (٥٦٧) من حديث عبد الله بن عمر، ﵄.\n(^١٧٠) وهي في المسند (٢/ ٤٣٨) من حديث أبي هريرة، ﵁.\n(^١٧١) صحيح مسلم، كتاب الصلاة حديث (٤٤٣).\n(^١٧٢) صحيح البخاري، كتاب مواقيت الصلاة، حديث (٥٧٨)، وصحيح مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة حديث (٦٤٥).\n(^١٧٣) صحيح البخاري، كتاب الأذان حديث (٨٦٩)، وصحيح مسلم، كتاب الصلاة حديث (٤٤٥).\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- في خ، ز: \"المؤمنين\".\n[¬٣]- في خ، ت: \"قوله\".","vol":"10","page":251},{"text":"عندهم ينفد وما عند الله باق، ولهذا قال تعالى: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ﴾ أي: يقدمون طاعته ومراده ومحبته على مرادهم ومحبتهم. قال هُشَيم (^١٧٤): عن سيار قال [¬١]: حدثت عن ابن مسعود أنَّه رأى قومًا من أهل السوق حيث نودي للصلاة المكتوبة [¬٢] تركوا بياعاتهم [¬٣]، ونهضوا إلى الصلاة، فقال [¬٤] عبد الله [ابن مسعود] [¬٥]: هؤلاء من الذين ذكر الله في كتابه: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾.\nوهكذا روى عمرو بن دينار القهرماني (^١٧٥)، عن سالم، عن عبد الله بن عمر ﵄ أنَّه كان في السوق، فأقيمت الصلاة، فأغلقوا حوانيتهم ودخلوا المسجد؛ فقال ابن عمر: فيهم نزلت: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾. رواه ابن أبي حاتم وابن جرير.\nوقال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا أبي، حَدَّثَنَا محمد بن عبد الله بن بكر الصنعاني، حَدَّثَنَا أَبو سعيد مولى بني [¬٦] هاشم، حَدَّثَنَا عبد الله بن بجير، حَدَّثَنَا أَبو عبد ربه [¬٧] قال: قال أَبو الدرداء ﵁ إني أقمت على هذا الدرج أبايع عليه أربح كل يوم ثلاثمائة دينار، أشهد الصلاة في كل يوم في المسجد، أما إني لا أقول: إن ذلك ليس بحلال، ولكني أحب أن أكون من الذين قال الله: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾.\nوقال عمرو بن دينار الأعور: كنت مع سالم بن عبد الله ونحن نريد المسجد فمررنا بسوق المدينة وقد قاموا إلى الصلاة وخمروا متاعهم، فنظر سالم إلى أمتعتهم ليس معها أحد فتلا سالم هذه الآية: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ ثم قال: هم هؤلاء.\nوكذا قال سعيد بن أبي الحسن، والضحاك: لا تلهيهم التجارة والبيع أن يأتوا الصلاة في وقتها.\nوقال مطر الوراق: كانوا يبيعون ويشترون ولكن [¬٨] كان أحدهم إذا سمع النداء وميزانه\n_________\n(^١٧٤) رواه الطبري في تفسيره (١٨/ ١١٣).\n(^١٧٥) تفسير الطبري (١٨/ ١١٣).\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- في خ، ت: \"بياعتهم\".\n[¬٤]- في ز: \"قال\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٦]- في ز: \"أبي\".\n[¬٧]- في خ، ز: \"رب\".\n[¬٨]- في ز: \"لكن\".","vol":"10","page":252},{"text":"في يده خفضه وأقبل إلى الصلاة.\nوقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عبَّاس: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ يقول: عن الصلاة المكتوبة. وكذا قال مقاتل بن حيان والربيع بن أَنس.\nوقال السدي: عن الصلاة في جماعة.\nوعن مقاتل بن حيان: لا يلهيهم ذلك عن حضور الصلاة وأن يقيموها كما أمرهم الله، وأن يحافظوا على مواقيتها وما استحفظهم الله فيها.\nوقوله تعالى: ﴿يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ أي [¬١]: يوم القيامة الذي تتقلب فيه القلوب والأبصار، أي: من شدة الفزع: عظمة الأهوال؛ كما قال تعالى: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ﴾ وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾ وقال تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (٨) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا (٩) إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا (١٠) فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا (١١) وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا﴾.\nوقال [¬٢] تعالى هاهنا: ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ أي: هؤلاء من الذين يتقبل [عنهم أحسن ما عملوا من فضله] [¬٣] ويتجاوز عن سيئاتهم، وقوله: ﴿وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ أي: يتقبل منهم الحسن ويضاعفه لهم؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَال ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾، وقوله تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ [] [¬٤] فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ وقال: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ وقال: ﴿وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ و[¬٥] قال هاهنا: ﴿وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيرِ حِسَابٍ﴾.\nوعن ابن مسعود أنَّه جيء بلبن فعرضه على جلسائه واحدًا واحدًا، فكلهم لم يشربه، لأنه كان صائمًا فتناوله ابن مسعود، [وكان مفطرًا فشربه] [¬٦] ثم تلا قوله: ﴿يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾. رواه النَّسائي (^١٧٦) وابن أبي حاتم، من حديث الأعمَش،\n_________\n(^١٧٦) ذكره المزي في تحفة الأشراف حديث (٩٤٣٥) وعزاه للنسائي في المواعظ.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- في خ، ت: \"قوله\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في ت: \"حسناتهم\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين في ز: \"فله خير منها\".\n[¬٥]- في خ، ت: \"و\".\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين في خ، ت: \"فشربه لأنه كان مفطرًا\".","vol":"10","page":253},{"text":"عن إبراهيم، عن علقمة عنه.\nوقال أيضًا (^١٧٧): حَدَّثَنَا أبي، حَدَّثَنَا سويد بن سعيد [¬١]، حَدَّثَنَا علي بن مسهر، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن شهر بن حوشب، عن أسماء بنت يزيد قالت: قال رسول الله ﷺ: \"إذا جمع الله الأوَّلين والآخرين يوم القيامة جاء مناد فنادى بصوت يسمع الخلائق: سيعلم أهل الجمع من أولى بالكرم، ليقم الذين لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله. فيقومون وهم قليل، لم يحاسب سائر الخلائق\".\nوررى الطبراني من حديث بقية (^١٧٨)، عن إسماعيل بن عبد الله الكندي، عن الأعمَش، عن أَبي وائل، عن ابن مسعود، عن النبي ﷺ، في قوله [¬٢]: ﴿لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ قال: \"أجورهم يدخلهم الجنَّة ويزيدهم من فضله الشفاعة لمن وجبت له الشفاعة لمن صنع لهم المعروف في الدنيا\".\n﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٣٩) أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ (٤٠)﴾\nهذان مثلان ضربهما الله تعالى لنوعى الكفار، كما ضرب للمنافقين في أول البقرة مثلين ناريًّا ومائيًّا، وكما ضرب لما يقرّ في القلوب من الهدى والعلم في سورة الرعد مثلين مائيًّا وناريًّا، وقد تكلمنا على كل منهما في موضعه بما أغنى عن إعادته، ولله الحمد والمنة.\nفأما الأول من هذين المثلين: فهو للكفار الدعاة إلى كفرهم، الذين يحسبون أنهم على شيء من الأعمال والاعتقادات، وليسوا في نفس الأمر على شيء، فمثلهم [¬٣] في ذلك\n_________\n(^١٧٧) ورواه هناد في الزهد حديث (١٧٦) من طريق أبي معاوية عن عبد الرحمن بن إسحاق، به. وعبد الرحمن بن إسحاق ضعيف.\n(^١٧٨) المعجم الكبير للطبراني (١٠/ ٢٤٨)، وتقدم قول الحافظ ابن كثير عند تفسير الآية: ١٨٣ من سورة النساء: \"هذا إسناد لا يثبت، وإذا روى عن ابن مسعود موقوفًا فهو جيد\".\n_________\n[¬١]- في ز: \"شعبة\".\n[¬٢]- في ز: \"قولهم\".\n[¬٣]- في ز: \"فمثالهم\".","vol":"10","page":254},{"text":"كالسراب الذي يرى في القيعان من الأرض عن بعد، كأنه بحر طام، والقيعة: جمع قاع كجار وجيرة، والقاع أيضًا واحد القيعان كما يقال: جار وجيران وهي الأرض المستوية المتسعة المنبسطة، وفيه يكون السراب، وإنَّما يكون ذلك بعد نصف النهار، وأما الأول فإنما يكون أول النهار يرى كأنه ماء بين السماء والأرض، فإذا رأى السراب من هو محتاج إلى الماء فحسبه [¬١] ماءً فقصده ليشرب منه، فلما انتهى إليه ﴿لَمْ يَجِدْهُ شَيئًا﴾ فكذلك الكافر يحسب أنَّه قد عمل عملًا وأنه قد حصل شيئًا؛ فإذا وافى الله يوم القيامة وحاسبه عليها، ونوقش على أفعاله لم يجد له شيئًا بالكلية قد قُبل، إمَّا لعدم الإِخلاص، أو لعدم سلوك الشرع؛ كما قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ وقال هاهنا: ﴿وَوَجَدَ [¬٢] اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ وهكذا روي عن أبي بن كعب وابن عبَّاس ومجاهد وقَتَادة وغير واحد.\nوفي الصحيحين (^١٧٩) أنَّه يقال يوم القيامة لليهود: ما كنتم تعبدون؟ فيقولون: كنا -نعبد عزير ابن الله. فيقال: كذبتم! ما اتخذ الله من ولد ماذا تبغون؟ فيقولون: أي ربنا عطشنا، فاسقنا. فيقال: ألا ترون؟ فتمثل لهم النار كأنها سراب يحطم بعضها بعضًا، فينطلقون فيتهافتون فيها.\nوهذا المثال مثال لذوي الجهل المركب، فأما أصحاب الجهل البسيط وهم الطماطم الأغشام المقلدون لأئمة الكفر الصم البكم الذين لا يعقلون فمثلهم [¬٣] كما قال تعالى: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ﴾ قال قَتَادة: و[¬٤]: هو العميق ﴿يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ أي: لم يقارب رؤيتها من شدَّة الظلام، فهذا مثل قلب الكافر الجاهل البسيط المقلد الذي لا يعرف أين يذهب ولا هو يعرف حال من يقوده [ولا يدري] [¬٥] بل كما يقال في المثل للجاهل: أين تذهب؟ قال: معهم. قيل: فإلى أين يذهبون؟ قال: لا أدري.\nوقال [¬٦] العوفي عن ابن عبَّاس ﵄ ﴿يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ﴾ يعني بذلك: الغشاوة التي على القلب والسمع والبصر، وهي كقوله: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٧)﴾، وكقوله:\n_________\n(^١٧٩) صحيح البخاري، كتاب تفسير القرآن حديث (٤٥٨١)، وصحيح مسلم، كتاب الإيمان حديث (١٨٣) من حديث أبي سعيد الخدري، ﵁.\n_________\n[¬١]- في خ: يحسبه.\n[¬٢]- في ز: \"فوجد\".\n[¬٣]- في خ: \"مثلهم\".\n[¬٤]- في خ: لجى.\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٦]- في ز: \"قال\".","vol":"10","page":255},{"text":"﴿أَفَرَأَيتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾.\nوقال أبيّ بن كعب في قوله تعالى: ﴿ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ﴾ فهو يتقلب في خمسة من الظلم، كلامه [¬١] ظلمة، وعمله ظلمة، ومدخله ظلمة، ومخرجه ظلمة، ومصيره يوم القيامة إلى الظلمات إلى النار.\nوقال السدي والربيع بن أَنس نحو ذلك أيضًا.\nوقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ أي: من لم يهده الله فهو هالك جاهل حائر بائر كافر، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ﴾ وهذا في مقابلة ما قال في مثل المؤمنين: ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ فنسأل الله العظيم أن يجعل في [¬٢] قلوبنا نورًا، وعن أيماننا نورًا، وعن شمائلنا نورًا، وأن يعظم لنا نورًا.\n﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ (٤١) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (٤٢)﴾\nيخبر تعالى أنَّه ﴿[يُسَبِّحُ لَهُ] [¬٣] مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: من الملائكة والأناسي [¬٤] والجان والحيوان حتَّى الجماد، كما قال تعالى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ [وَإِنْ مِنْ شَيءٍ إلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا] [¬٥]﴾.\nوقوله تعالى: ﴿وَالطَّيرُ صَافَّاتٍ﴾ أي في حال طيرانها تسبح ربها وتعبده بتسبيح ألهمها، وأرشدها إليه، وهو يعلم ما هي فاعلة؛ ولهذا قال تعالى: ﴿كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾ أي: كل قد أرشده ابن طريقته ومسلكه [¬٦] في عبادته الله ﷿.\nثم أخبر أنَّه عاصم بجميع ذلك لا يخفى عليه من ذلك شيء، ولهذا قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾.\n_________\n[¬١]- في خ: \"فكلامه\".\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في ز: \"ليسبحه\".\n[¬٤]- في ز: \"الأناسين\".\n[¬٥]- سقط من خ.\n[¬٦]- في خ: \"ملكه\".","vol":"10","page":256},{"text":"ثم أخبر تعالى أن له ملك السموات والأرض فهو الحاكم التصرف لا معقب لحكمه وهو الإِله المعبود الذي لا تنبغي العبادة إلَّا له ﴿وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ أي: يوم القيامة، فيحكم فيه بما يشاء ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾. فهو الخالق المالك [] [¬١] له الحكم في الدنيا والآخرة [¬٢]، وله الحمد في الأولى والآخرة.\n﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَينَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ (٤٣) يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ (٤٤)﴾\nيذكر تعالى أنَّه بقدرته يسوق السحاب أول ما ينشئها وهي ضعيفة، وهو الإزجاء ﴿ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَينَهُ﴾ أي: يجمعه بعد تفرقه ﴿ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا﴾ أي: متراكما، يركب بعضه بعضًا ﴿فَتَرَى الْوَدْقَ﴾ أي: الطير ﴿يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ﴾ أي: من خلله. وكذا فرأها ابن عبَّاس والضحاك.\nقال عبيد بن عمير الليثي: يبعث الله المثيرة فتُقمُّ الأرض قمًّا، ثم يبعث الله الناشئة فتنشئ السحاب، ثم يبعث الله المؤلفة فتؤلف بينه، ثم يبعث الله اللواقح فتلقح السحاب. رواه ابن أبي حاتم وابن جرير رحمهما الله.\nوقوله: ﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ﴾ قال بعض النحاة: (من) الأولى لابتداء الغاية، والثانية للتبعيض، والثالثة لبيان الجنس. وهذا إنما يجيء على قول \"مِن\" ذهب من المفسرين إلى أن قوله: ﴿مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ﴾ معناه أن في السماء جبال برد ينزل الله منها [¬٣] البرد، وأما من جعل الجبال هاهنا عبارة كناية [¬٤] عن السحاب، فإن من الثانية عند هذا لابتداء الغاية أيضًا لكنها بدل عن الأولى والله أعلم.\nوقوله تعالى: ﴿فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ﴾ يحتمل أن يكون المراد بقوله: [﴿فَيُصِيبُ بِهِ]﴾ [¬٥] أي: بما ينزل من السماء من نوعى المطر والبرد، فيكون قوله: ﴿فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ رحمة بهم [¬٦] ﴿وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ﴾ أي: يؤخر عنهم\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ز: \"له\".\n[¬٢]- في ز: \"الأخرى\".\n[¬٣]- في ز: \"منه\".\n[¬٤]- سقط من: ت.\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٦]- في خ: \"لهم\".","vol":"10","page":257},{"text":"الغيث، ويحتمل أن يكون المراد بقوله: ﴿فَيُصِيبُ بِهِ﴾ أي: بالبرد نقمة على من يشاء لما فيه من نثر [¬١] ثمارهم وإتلاف زروعهم وأشجارهم، ﴿وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ﴾ أي [¬٢]: رحمة بهم.\nوقوله: ﴿يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ﴾ أي: يكاد ضوء برقه من شدته يخطف الأبصار إذا اتبعته وتراءته [¬٣].\nوقوله: ﴿يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيلَ وَالنَّهَارَ﴾ أي: يتصرف فيهما فيأخذ من طول هذا في قصر هذا حتَّى يعتدلا، ثم يأخذ من هذا في هذا فيطول الذي كان قصيرًا ويقصر الذي كان طويلا، والله هو المتصرف في ذلك بأمره وقهره وعزته وعلمه ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ أي: لدليلا على عظمته تعالى، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ وما بعدها من الآيات الكريمات.\n﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَينِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ (٤٥)﴾\nيذكر تعالى قدرته التامة وسلطانه العظيم في خلقه أنواع المخلوقات [¬٤] على اختلاف أشكالها وألوانها وحركاتها وسكناتها من ماء واحد ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ﴾ كالحية وما شاكلها ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَينِ﴾ كالإنسان والطير ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ﴾ كالأنعام وسائر الحيوانات؛ ولهذا قال: ﴿يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ أي بقدرته لأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، ولهذا قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ﴾.\n﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤٦)﴾\nيقرر تعالى أنَّه [أنزل في هذا القرآن من الحكم [] [¬٥] والأمثال البينة المحكمة كثيرًا جدًّا، وأنه يرشد إلى تفهمها وتعقلها أولى الألباب والبصائر والنهى، ولهذا قال: ﴿وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.\n﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا\n_________\n[¬١]- في خ: \"شر\".\n[¬٢]- سقط من: ت.\n[¬٣]- في ز: \"أرادته\".\n[¬٤]- سقط من: خ، ز.\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين في ز: \"والحكم\".","vol":"10","page":258},{"text":"أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (٤٧) وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَينَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (٤٨) وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيهِ مُذْعِنِينَ (٤٩) أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٥٠) إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَينَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥١) وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (٥٢)﴾\nيخبر تعالى عن صفات المنافقين الذين يظهرون خلاف ما يبطنون، يقولون قولًا بألسنتهم: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ أي: يخالفون أقوالهم بأعمالهم، فيقولون ما لا يفعلون، ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ [وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَينَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ أي: إذا طلبوا ابن اتباع الهدى فيما أنزل الله على رسوله أعرضوا عنه، واستكبروا في أنفسهم عن اتباعه، وهذه كقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ إلى قوله: ﴿رَأَيتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾] [¬١].\nوفي الطبراني (^١٨٠) من حديث روح بن عطاء، عن أبي ميمونة، عن أبيه، عن الحسن، عن سمرة مرفوعًا: \"من دعى إلى سلطان فلم يجب فهو ظالم لا حق له\".\nوقوله: ﴿وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيهِ مُذْعِنِينَ﴾ أي: إذا كانت الحكومة لهم لا عليهم جاءوا سامعين مطعين وهو معنى قوله: ﴿مُذْعِنِينَ﴾ وإذا كانت الحكومة عليه أعرض ودعا إلى غير الحق وأحب أن يتحاكم إلى غير النبي ﷺ ليروج باطله ثَمَّ، فإذعانه أولًا لم يكن عن اعتقاد منه أن ذلك هو الحق، بل لأنه موافق لهواه، ولهذا لما خالف الحق قصده عدل عنه إلى غيره، ولهذا قال تعالى: ﴿أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيهِمْ وَرَسُولُهُ﴾ يعني: لا يخرج أمرهم عن أن يكون في القلوب\n_________\n(^١٨٠) المعجم الكبير للطبراني (٧/ ٢٢٥)، وقال الهيثمي في المجمع (٤/ ١٩٨): \"فيه روح بن عطاء، وثقه ابن عدي وضعفه الأئمة\".\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين متأخر بعد الفقرة التي تليها.","vol":"10","page":259},{"text":"مرض لازم لها أو قد عرض لها شك في الدين، أو يخافون أن يجور الله ورسوله عليهم في الحكم، وأيًّا ما كان فهو كفر محض، والله عليم بكل منهم وما هو منطوٍ عليه من هذه الصفات.\nوقوله: ﴿بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ أي: بل [¬١] هم الظالمون الفاجرون، والله ورسوله مبرآن مما يظنون ويتوهمون من الحيف والجور، تعالى الله ورسوله عن ذلك.\nقال ابن أبي حاتم (^١٨١): حَدَّثَنَا أبي، حَدَّثَنَا موسى بن إسماعيل، حَدَّثَنَا مبارك، حَدَّثَنَا الحسن قال: كان الرجل إذا كان بينه وبين الرجل منازعة فدعي إلى النبي ﷺ، [وهو محق أذعن وعلم أن النبي ﷺ] [¬٢] سيقضي له بالحق، وإذا أراد أن يظلم فدعي إلى النبي ﷺ، أعرض وقال: أنطلق إلى فلان. فأنزل الله هذه الآية. فقال رسول الله ﷺ: \"من كان بينه وبين أخيه شيء فدعي إلى حكم من حكام [¬٣] المسلمين فأبى أن يجيب فهو ظالم لا حق له\".\nوهذا حديث غريب وهو مرسل.\nثم أخبر تعالى عن صفة المؤمنين المستجيبين لله ولرسوله، اللذين لا يبغون دينا سوى كتاب الله وسنة رسوله فقال: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَينَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ أي: سمعًا وطاعة، ولهذا وصفهم تعالى بالفلاح وهو نيل المطوب والسلامة من الرهوب [¬٤] فقال تعالى: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾.\nوقال قَتَادة في هذه الآية: ﴿أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ ذكر لنا أن عبادة بن الصامت وكان عقبيًّا بدريًّا أحد نقباء الأنصار - أنَّه لما حضره الموت قال لابن أخيه جنادة بن أبي أمية: ألا أُنبئك بماذا عليك وبماذا [¬٥] لك؟ قال: بلى. قال: فإن عليك السمع والطاعة في عسرك ويسرك ومنشطك ومكرهك وأثرة عليك، وعليك أن تقيم لسانك بالعدل، وأن لا تنازع الأمر أهله إلَّا أن يأمروك بمعصية الله بُواحًا، فما أمرت به من شيء يخالف [¬٦] كتاب الله فاتبع كتاب الله.\nو[¬٧] قال قَتَادة: وذكر لنا أن أبا الدرداء قال: لا إسلام إلَّا بطاعة الله، ولا خير إلَّا في\n_________\n(^١٨١) ورواه عبد بن حميد وابن المنذر عن الحسن مرسلًا كما في الدر المنثور (٦/ ٢١٣).\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٣]- في ت: \"أحكام\".\n[¬٤]- في ز: \"المرهوب\".\n[¬٥]- في خ: \"بماذا\".\n[¬٦]- في خ: \"خالفت\".\n[¬٧]- سقط من: ز.","vol":"10","page":260},{"text":"جماعة والنصيحةَ ولرسوله وللخليفة والمؤمنين [¬١] عامة.\nقال: وقد [¬٢] ذكر لنا أن عمر بن الخطاب ﵁ كان يقول: عروة الإسلام شهادة أن لا إله إلا الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة والطاعة لمن ولاه الله أمر المسلمين.\nرواه ابن أبي حاتم والأحاديث والآثار في وجوب الطاعة لكتاب الله [وسنة رسوله وللخلفاء الراشدين والائمة إذا أمروا بطاعة الله] [¬٣] كثيرة [¬٤] جدًّا أكثر من أن تحصر في هذا المكان.\nوقوله ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [قال قَتَادة: يطع الله ورسوله] [¬٥] فيما أمراه به وترك ما نهياه عنه، ويخشى الله فيما مضى من ذنوبه ويتقه فيما يستقبل.\nوقوله ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ يعني: الذين فازوا بكل خير وأمنوا من كل شر في الدنيا والآخرة.\n﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ قُلْ لَا تُقْسِمُوا طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (٥٣) قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إلا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (٥٤)﴾\nيقول تعالى مخبرا عن أهل النفاق الذين كانوا يحلفون للرسول ﷺ لئن أمرهم بالخروج ليخرجن، قال الله تعالى: ﴿لَا تُقْسِمُوا﴾ أي لا تحلفوا، وقوله: ﴿طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ﴾ قيل معناه: طاعتكم طاعة معروفة، أي قد علمت [¬٦] طاعتكم إنما هي قول لا فعل معه، وكلما حلفتم كذبتم، كما قال تعالى: ﴿يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾. وقال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَيمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، فهم من سجيتهم الكذب حتَّى فيما يختارونه كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ\n_________\n[¬١]- في خ: \"المؤمنين\".\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٤]- في ز: \"كثير\".\n[¬٥]- مكانه في ت: \"قال قَتَادة: يطع الله ورسوله\".\n[¬٦]- في ز: \"علمتم\".","vol":"10","page":261},{"text":"كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١١) لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لَا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ﴾.\nوقيل: المعنى في قوله: ﴿طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ﴾ أي: ليكن أمركم طاعة معروفة أي: بالمعروف من غير حلف ولا إقسام كما يطيع الله ورسوله المؤمنون بغير حلف [ولا أقسام، فكونوا] [¬١] أنتم مثلهم ﴿إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ أي: هو خبير بكم، وبمن [¬٢] يطيع ممن يعصي، فالحلف وإظهار الطاعة والباطن بخلافه وإن راج على المخلوق فالخالق تعالى يعلم السر وأخفى لا يروج عليه شيء من التدليس، بل هو خبير بضمائر عباده، وإن أظهروا خلافها. ثم قال تعالى: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ أي: اتبعوا كتاب الله وسنة رسوله.\nوقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ أي تتولوا عنه وتتركوا [¬٣] ما جاءكم به. ﴿فَإِنَّمَا عَلَيهِ مَا حُمِّلَ﴾ أي إبلاغ الرسالة وأداء الأمانة ﴿وَعَلَيكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ﴾ أي: [من قبول] [¬٤] ذلك وتعظيمه والقيام بمقتضاه ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ وذلك لأنه يدعو إلى صراط مستقيم ﴿صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾.\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إلا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ كقوله تعالى: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيكَ الْبَلَاغُ وَعَلَينَا الْحِسَابُ﴾ وقوله: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيهِمْ بِمُصَيطِرٍ﴾. و[¬٥] قال وَهْب بن منبه: أوحى الله إلى نبي من أنبياء بني إسرائيل - يقال له: شعياء - أن قم في بني إسرائيل فإني سأطلق لسانك بوحي. فقام فقال: يا سماء اسمعي ويا أرض أنصتي، فإن الله يريد أن يقضي شأنًا ويدبر أمرًا هو منفذه، إنه يريد أن يحول الريف إلى الفلاة، والآجام في الغيطان، والأنهار [¬٦] في الصحارى، والنعمة [¬٧] في الفقراء، والملك في الرعاة، ويريد أن يبعث أميًّا من الأميين ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب [¬٨] في الأسواق، لو يمر [إلى جنب] [¬٩] السراج لم يطفئه من سكينته، ولو يمشى على القصب واليابس لم بسمع من تحت قدميه، أبعثه مبشرًا [¬١٠] ونذيرًا، لا يقول الخنا، أفتح به أعينًا عميًا وآذانًا صمًّا وقلوبًا غلفًا، وأسدده لكل [¬١١] أمر جميل، وأهب له كل خلق كريم، وأجعل السكينة\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ز: \"وكونوا\".\n[¬٢]- في ز: \"من\".\n[¬٣]- في ز: \"تتركون\".\n[¬٤]- في خ: \"بقبول\".\n[¬٥]- سقط من خ.\n[¬٦]- في خ، ز: \"والنهار\".\n[¬٧]- في ز: \"النقمة\".\n[¬٨]- في خ: \"سخاب\".\n[¬٩]- في خ: \"على\".\n[¬١٠]- في ت: \"بشيرًا\".\n[¬١١]- في خ: \"بكل\".","vol":"10","page":262},{"text":"لباسه، والبر شعاره، والتقوى ضميره، والحكمة منطقه؛ والصدق والوفاء طبيعته، والعفو والمعروف خلقه، والحق شريعته، والعدل سيرته، والهدى إمامه، والإِسلام ملته، وأحمد اسمه، أهدي به بعد الضلالة، وأعلم به من الجهالة، وأرفع به بعد الخمالة، وأعرف به بعد النكرة، وأكثر به [¬١] بعد القلة، وأغنى به [¬٢] بعد العيلة، وأجمع به بعد الفرقة، وأؤلف به بين أمم متفرقة، وقلوب مختلفة، وأهواء مشتتة [¬٣]، وأستنقذ به فئامًا من الناس عظيمًا من الهلكة، وأجعل أمته خير أمة أخرجت للناس، يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، موحدين مؤمنين، مخلصين مصدقين بما جاءت به رسلي. رواه ابن أبي حاتم (^١٨٢).\n﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٥٥)﴾\nهذا وعد من الله تعالى لرسوله ﷺ بأنه سيجعل أمته خلفاء الأرض، أي [¬٤] أئمة الناس والولاة عليهم؛ وبهم تصلح البلاد، وتخضع لهم العباد. [وليبدلنهم من] [¬٥] بعد خوفهم [من الناس] [¬٦] أمنًا وحكمًا فيهم، وقد فعل ﵎ ذلك وله الحمد والمنة: فإنه ﷺ لم يمت رسول الله ﷺ حتَّى فتح الله عليه مكة وخيبر والبحرين وسائر جزيرة العرب، وأرض اليمن بكمالها، وأخذ الجزية من مجوس هجر ومن بعض أطراف الشام، وهاداه هرقل ملك الروم وصاحب مصر والإسكندرية وهو المقوقس، وملوك عمان والنجاشي ملك الحبشة الذي تملك بعد أصحمة، ﵀ وأكرمه.\nثم لما مات رسول الله ﷺ، واختار الله له ما عنده من الكرامة قام بالأمر بعده خليفته أَبو بكر الصديق فلمَّ شعث ما وهي عند موته ﷺ، وأخذ [¬٧] جزيرة العرب ومهدها، وبعث [الجيوش الإِسلامية] [¬٨] إلى بلاد فارس [¬٩] صحبة خالد بن\n_________\n(^١٨٢) وروى عن عبد الله بن سلام وكعب الأحبار كما في الشفاء للقاضي عياض (١/ ١٥).\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- في ز: \"متشتتة\".\n[¬٤]- سقط من: خ، ز.\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين في ز: \"ليبدلن\".\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: ت.\n[¬٧]- في ز: \"أحد\".\n[¬٨]- في خ: \"جيوش الإسلام\".\n[¬٩]- بعده في خ: في.","vol":"10","page":263},{"text":"الوليد ﵁ ففتحوا طرفًا منها وقتلوا خلقًا من أهلها. وجيشًا آخر صحبة أَبي عبيدة ﵁ ومن معه [¬١] من الأمراء إلى أرض الشام، وثالثا صحبة عمرو بن العاص ﵁ إلى بلاد مصر؛ ففتح الله للجيش الشامي في أيامه [¬٢] بصرى ودمشق ومخاليفهما من بلاد حوران وما والاها، وتوفاه الله، ﷿، واختار له ما عنده من الكرامة ومنّ على [¬٣] الإِسلام [وأهله] [¬٤] بأن ألهم الصديق أن يستخلف عمر الفاروق فقام بالأمر [¬٥] بعده قيامًا تامًّا لم يدور الفلك بعد الأنبياء على مثله في قوة سيرته وكمال عدله. وتم في أيامه فتح البلاد الشامية بكمالها، وديار مصر إلى آخرها، وأكثر إقليم فارس. وكسر كسرى وأهانه غاية الهوان وتقهقر إلى أقصى مملكته، وقصر قيصر وانتزع يده عن بلاد الشام فانحاز [¬٦] إلى القسططنية، وأنفق أموالها [¬٧] في سبيل الله، كما أخبر بذلك ووعد به رسول الله؛ عليه من ربه أتم سلام وأزكى صلاة.\nثم لما كانت الدولة العثمانية امتدت الممالك الإسلامية إلى أقصى مشارق الأرض ومغاربها، ففتحت بلاد المغرب إلى أقصى ما هنالك الأندلس وقبرص، وبلاد القيروان وبلاد سبتة مما يلي البحر المحيط، ومن ناحية المشرق إلى أقصى بلاد الصين، وقتل كسرى وباد [¬٨] ملكه بالكلية، وفتحت مدائن العراق وخراسان والأهواز، وقتل المسلمون من الترك مقتلة عظيمة جدًّا؛ وخذل الله [¬٩] ملكهم الأعظم خاقان، وجُبى الخراج من المشارق والمغارب إلى حضرة أمير المؤمنين عثمان [بن عفان] [¬١٠] ﵁، وذلك ببركة تلاوته ودراسته وجمعه الأمة على حفظ القرآن؛ ولهذا ثبت في الصحيح عن [¬١١] رسول الله ﷺ أنَّه [¬١٢] قال: \"إن الله زوى لي [¬١٣] الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها، وسيبلغ ملك أمتي ما زوي لي منها\" (^١٨٣)، فها نحن نتقلب فيما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله، فنسأل [¬١٤] الله الإِيمان به وبرسوله والقيام بشكره على الوجه الذي يرضيه عنا.\nقال الإِمام مسلم بن الحجاج [في صحيحه] [¬١٥]: حَدَّثَنَا ابن أبي عمر، حَدَّثَنَا سفيان،\n_________\n(^١٨٣) صحيح مسلم حديث (٢٨٨٩) من حديث ثوبان، ﵁.\n_________\n[¬١]- في ت: \"أتبعه\".\n[¬٢]- في ز: \"أيامٍ\".\n[¬٣]- بعده في خ، ت: أهل.\n[¬٤]- سقط من خ، ت.\n[¬٥]- في ز: \"في الأمر\".\n[¬٦]- في ت: \"وانحدر\".\n[¬٧]- في خ: \"أموالهما\".\n[¬٨]- في ز: \"بلاد\".\n[¬٩]- سقط من: ز.\n[¬١٠]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬١١]- في خ: \"أن\".\n[¬١٢]- سقط من: ت.\n[¬١٣]- سقط من: ز.\n[¬١٤]- في ز: \"ونسأل\".\n[¬١٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.","vol":"10","page":264},{"text":"عن عبد الملك بن عمير، عن جابر بن سمرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"لا يزال أمر الناس ماضيًا ما وليهم اثنا عشر رجلًا\" ثم [¬١] تكلم النبي ﷺ بكلمة خفيت عني فسألت أبي ماذا قال رسول الله؟ فقال: قال [¬٢]، \"كلهم من قريش\".\nورواه البخاري من حديث شعبة عن عبد الملك بن عمير به (^١٨٤).\nوفي رواية لمسلم أنه قال ذلك عشية رجم ماعز بن مالك، وذكر معه أحاديث أخر (^١٨٥).\nوفي هذا الحديث دلالة على أنه لا بد من وجود اثنى عشر خليفة عادل، وليسوا هم بأئمة الشيعة الأثني عشر، فإن كثيرا من أولئك لم يكن إليهم [¬٣] من الأمر شيء، فأما هؤلاء فإنهم يكونون من قريش يلون فيعدلون، وقد وقعت البشارة بهم في الكتب المتقدمة، ثم لا يشترط أن يكونوا متتابعين، بل يكون وجودهم في الأمة متتابعًا ومتفرقًا، وقد وُجد منهم أربعة على الولاء وهم أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي ﵃، ثم كانت [¬٤] بعدهم فترة بينهم [¬٥] ثم وجد منهم من [¬٦] شاء الله، ثم قد يوجد منهم من بقى في [الوقت الذي] [¬٧] يعلمه [الله تعالى] [¬٨] \"، ومنهم الهدي الذي [يطابق اسمه] اسم رسول الله ﷺ، وكنيته كنيته، يملأ الأرض عدلًا وقسطا كما ملئت جورًا وظلمًا.\nوقد روى الإمام أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي من حديث سعيد بن جمهان [¬٩] عن سفينة مولى رسول الله ﷺ[أن رسول الله ﷺ[¬١٠] قال: \"الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم تكون [¬١١] ملكًا عضوضًا\" (^١٨٦).\n_________\n(^١٨٤) صحيح مسلم حديث (١٨٢١)، وصحيح البخاري حديث (٧٢٢٢).\n(^١٨٥) صحيح مسلم حديث (١٨٢٢).\n(^١٨٦) المسند (٥/ ٢٢٠) (٢٢٠١٤)، أخرجه أبو داود: كتاب السنة باب في الخلفاء (٤/ ١٠ / رقم: ٤٦٤٦، ٤٦٤٧). والترمذي: كتاب الفتن باب ما جاء في الخلافة (٤/ ٥٠٣ / رقم: ٢٢٢٦). وقال: وهذا حديث حسن، قد رواه غير واحد سعيد بن جمهان، ولا نعرفه إلا من حديث سعيد بن جمهان. والنسائي في الكبرى: كتاب المناقب باب أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃ أجمعين=\n_________\n[¬١]- في ز: \"و\"\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- في خ: \"لهم\"\n[¬٤]- في ز: \"كان\".\n[¬٥]- سقط من: ت\n[¬٦]- في ز: \"ما\".\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين في ز: \"وقت\"\n[¬٨]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٩]- في ز: \"جيهان\".\n[¬١٠]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬١١]- في ز: \"يكون\".","vol":"10","page":265},{"text":"وقال الربيع بن أنس عن أبي العالية في قوله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾ الآية، قال: كان النبي ﷺ وأصحابه بمكة نحوًا من عشر سنين يدعون إلى الله وحده وعبادته وحده لا شريك له سرًّا، وهم خائفون لا يؤمرون بالقتال حتى أمروا بعد بالهجرة إلى المدينة، فقدموها [¬١] فأمرهم الله بالقتال، فكانوا بها خائفين يمسون في السلاح ويصبحون في السلاح، فَغَبَروا بذلك ما شاء الله ثم إن رجلًا من الصحابة قال: يا رسول الله؛ أبد الدهر نحن خائفون هكذا؟ أما يأتي علينا يوم نأمن فيه ونضع عنا السلاح؟ فقال رسول الله ﷺ: \"لن تَغبروا إلا يسيرًا حتى يجلس الرجل منكم في الملإ العظيم محتبيًا [¬٢] ليست فيهم حديدة\". وأنزل الله هذه الآية فأظهر الله نبيه على جزيرة العَرب فآمنوا ووضعوا السلاح. ثم إن [¬٣] الله تعالى قبض نبيه ﷺ، فكانوا كذلك آمنين في إمارة أبي بكر وعمر وعثمان، حتى وقعوا فيما وقعوا فيه [¬٤] فأدخل عليهم الخوف [فأدخلوا] [¬٥] الحجز والشرط وغيروا فغير بهم.\nوقال بعض السلف: خلافة أبي بكر وعمر ﵄ حق في كتابه، ثم تلا هذه الآية.\nوقال البراء بن عازب: نزلت هذه الآية ونحن في خوف شديد.\nوهذه الآية الكريمة كقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.\nوقوله تعالى: ﴿كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ كما قال تعالى عن موسى ﵇ أنه قال لقومه: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيفَ تَعْمَلُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ\n_________\n= (٥/ ٤٧ رقم: ٨١٥٥). كلهم من طريق سعيد بن جمهان به.\nولم ترد لفظة: \"عضوضًا\" في أي من هذه المصادر، وإنما وردت في حديث آخر عن أبي عبيدة بن الجراح ومعاذ بن جبل عن النبي ﷺ قال: \"إن الله تعالى بدأ هذا الأمر نبوة ورحمة، وكائنًا خلافة ورحمة، وكائنًا عضوضًا، وكائنا عنوة وجبرية وفسادًا في الأمة. . الحديث\" أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (٨/ ١٥٩).\n_________\n[¬١]- في ز: \"فقدموا المدينة\".\n[¬٢]- في خ: \"محتسبًا\".\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- سقط من: ز.\n[¬٥]- في ت: \"فاتخذوا\".","vol":"10","page":266},{"text":"أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ [وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ [¬١]﴾.\nوقوله: ﴿وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا [¬٢]﴾ كما قال رسول الله ﷺ، لعدي بن حاتم حين وفد عليه: \"أتعرف الحيرة؟ \" قال: لم أعرفها ولكن قد سمعت بها قال: \"فوالذي نفسي بيده؛ ليتمن الله هذا الأمر حتى تخرج الظعينة من الحيرة حتى تطوف بالبيت في غير جوار أحد، ولتفتحن كنوز كسرى بن هرمز\". قلت: كسرى بن هرمز؟ قال: \"نعم، كسرى بن هرمز، وليبذلن المال حتى لا يقبله أحد\". قال عدي بن حاتم: فهذه الظعينة تخرج من الحيرة فتطوف بالبيت في غير جوار أحد\" ولقد كنت فيمن افتتح كنوز كسرى بن هرمز، والذي نفسي بيده لتكونن الثالثة؛ لأن رسول الله ﷺ قد قالها (^١٨٧).\nوقال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا عبد الرزاق، أخبرنا سفيان، عن أبي سلمة، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ: \"بشر هذه الأمة [¬٣] بالسناء والرفعة والدين والنصر والتمكين في الأرض، فمن عمل منهم عمل الآخرة للدنيا لم يكن له في الآخرة نصيب\" (^١٨٨).\nوقوله تعالى: ﴿يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيئًا﴾ قال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا عفان، حَدَّثَنَا همام، حَدَّثَنَا قتادة، عن أنس، أن معاذ بن جبل حدثه قال: بينا [¬٤] أنا رديف رسول الله ﷺ[على حمار] [¬٥] ليس بيني وبينه إلا آخرة الرحل، قال: \"يا معاذ\". قلت: لبيك يا رسول الله وسعديك. قال: [ثم سار ساعة ثم قال: \"يا معاذ بن جبل\". قلت: لبيك يا رسول الله وسعديك [¬٦]. ثم سار ساعة ثم قال: \"يا معاذ بن جبل\". قلت: لبيك يا رسول الله وسعديك قال: \"هل تدري ما حق الله على\n_________\n(^١٨٧) رواه البخاري في صحيحه حديث (٣٥٩٥).\n(^١٨٨) المسند (٥/ ١٣٤) (٢١٣٠٠). رواه البيهقي في دلائل النبوة (٦/ ٣١٨) من طريق المغيرة بن مسلم السراج، عن الربيع. ورواه الحاكم في المستدرك (٤/ ٣١١) من طريق زيد بن الحباب، عن سفيان به وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٢٢٠) وقال: \"رواه أحمد وابنه من طرق، ورجال أحمد رجال الصحيح\".\n_________\n[¬١]- سقط من ت.\n[¬٢]- سقط من ت.\n[¬٣]- في ز: \"الرفعة\".\n[¬٤]- في ز: \"بينما\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.","vol":"10","page":267},{"text":"العباد؟ \". قلت: الله ورسوله أعلم، قال: \"حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا\". قال: ثم سار ساعة ثم قال: \"يا معاذ بن جبل\". قلت: لبيك يا رسول الله وسعديك قال: \"فهل تدري ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك؟ \". قال: قلت الله ورسوله أعلم. قال: \"فإن حق العباد على الله أن لا يعذبهم\".\nأخرجاه في الصحيحين، من حديث قتادة (^١٨٩).\nوقوله تعالى: ﴿وَمَنْ [¬١] كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ أي: فمن خرج عن طاعتي بعد ذلك فقد فسق [¬٢] عن أمر ربه وكفي بذلك ذنبًا عظيمًا، فالصحابة ﵃ لما كانوا أقوم الناس بعد النبي ﷺ بأوامر الله ﷿ وأطوعهم لله كان نصرهم بحسبهم أظهروا كلمة الله في المشارق والمغارب، وأيدهم الله تأييدًا عظيمًا، وتحكموا في سائر العباد والبلاد؛ ولما قصر الناس بعدهم في بعض الأوامر نقص ظهورهم بحسبهم، ولكن قد ثبت في الصحيحين من غير وجه عن رسول الله ﷺ أنه قال: \"لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم إلى يوم القيامة\" وفي رواية- \"حتى يأتي أمر الله وهم كذلك\"- وفي رواية- \"حتى يقاتلون الدجال\" - وفي رواية- \"حتى ينزل عيسى ابن مريم وهم ظاهرون\". وكل هذه الروايات صحيحة ولا تعارض بينها.\n﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٥٦) لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٥٧)﴾\nيقول تعالى آمرًا عباده المؤمنين بإقام الصلاة، وهي عبادة الله وحده لا شريك له، وإيتاء الزكاة وهي الإحسان إلى المخلوقين ضعفائهم وفقرائهم، وأن يكونوا في ذلك مطيعين [للرسول] [¬٣]ﷺ أي: سالكين وراءه فيما به [¬٤] أمرهم، وتاركين [¬٥] ما عنه زجرهم، لعل الله يرحمهم بذلك، ولا شك أن من فعل هذا أن الله سيرحمه كما قال تعالى في الآية الأخرى: ﴿أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ﴾.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ﴾ أي: [لا تظن] [¬٦] يا محمد أن [¬٧] ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾\n_________\n(^١٨٩) المسند (٥/ ٢٤٢)، وصحيح البخاري حديث (٥٩٦٧)، وصحيح مسلم حديث (٣٠).\n_________\n[¬١]- في ز: \"فمن\".\n[¬٢]- في ت: \"خرج\".\n[¬٣]- في خ: \"لرسول الله\".\n[¬٤]- سقط من: ز.\n[¬٥]- في خ: \"ترك\".\n[¬٦]- سقط من: خ.\n[¬٧]- بياض في ز.","vol":"10","page":268},{"text":"أي خالفوك وكذبوك ﴿مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ﴾ أي، يعجزون الله، بل الله قادر عليهم وسيعذبهم على ذلك أشد العذاب، ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَأْوَاهُمُ﴾ أي: في الدار الآخرة ﴿النَّارُ وَلَبِئْسَ [¬١] الْمَصِيرُ﴾ أي: بئس المآل مآل الكافرين، وبئس القرار وبئس المهاد!\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيسَ عَلَيكُمْ وَلَا عَلَيهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٨) وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٩) وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيسَ عَلَيهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٦٠)﴾\nهذه الآيات الكريمة اشتملت على استئذان الأقارب بعضهم على بعض، وما تقدم في أول السورة فهو [¬٢] استئذان الأجانب بعضهم على بعض، فأمر الله تعالى المؤمنين أن يستأذنهم خدمهم مما ملكت أيمانهم وأطفالهم الذين لم يبلغوا الحلم منهم، في ثلاثة أحوال، الأول: من قبل صلاة الغداة؛ لأن الناس إذ ذاك يكونون نيامًا في فرشهم ﴿وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ﴾ أي: في وقت القيلولة لأن الإنسان قد يضع ثيابه في تلك الحال مع أهله ﴿وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ﴾ لأنه وقت النوم، فيؤمر الخدم والأطفال أن لا يهجموا على أهل البيت في هذه الأحوال، لما يخشى أن يكون الرجل على أهله أو نحو ذلك من الأعمال، ولهذا قال: ﴿ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيسَ عَلَيكُمْ وَلَا عَلَيهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ﴾ أي: إذا دخلوا في حال غير هذه الأحوال فلا جناح عليكم في تمكينكم إياهم من ذلك، ولا عليهم إن رأوا شيئًا في غير تلك الأحوال، لأنه قد أذن لهم في الهجوم، ولأنهم طوافون عليكم أي: في الخدمة وغير ذلك. ويغتفر في الطوافين ما لا يغتفر في غيرهم؛ ولهذا روى\n_________\n[¬١]- في ز: \"بئس\".\n[¬٢]- في ز: \"فيها\".","vol":"10","page":269},{"text":"الإمام مالك وأحمد بن حنبل، وأهل السنن أن النبي ﷺ قال في الهرة: \"إنها ليست بنجسة؛ إنها من الطوافين عليكم والطوافات\" (^١٩٠).\nولما كانت هذه الآية محكمة ولم تنسخ بشيء، وكان عمل الناس بها قليلًا جدًّا، أنكر عبد الله بن عباس ذلك على الناس، كما قال ابن أبي حاتم:\nحَدَّثَنَا أبو زرعة، حَدَّثَنَا يحيى بن عبد الله بن بكير، حدثني عبد الله بن لهيعة، حدثني عطاء بن دينار، عن سعيد بن جبير؛ قال: قال ابن عباس: ترك الناس ثلاث آيات فلم يعملوا بهن: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ﴾ إلى آخر الآية، والآية التي في سورة النساء ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى [وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ] [¬١]﴾، والآية التي في الحجرات: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾.\nوروى أيضًا من حديث إسماعيل بن مسلم -وهو ضعيف- عن عمرو بن دينار، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس، قال: غلب الشيطان الناس على ثلاث آيات فلم يعملوا بهن ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيمَانُكُمْ﴾ إلى آخر الآية.\nوروى [¬٢] أبو داود، حَدَّثَنَا ابن الصباح بن [¬٣] سفيان وابن عبدة -وهذا حديثه- أخبرنا سفيان، عن [¬٤] عبيد الله بن أبي يزيد، سمع ابن عباس يقول: لم يؤمن بها أكثر الناس آية الإذن، وإني لآمر جاريتي هذه تستأذن عليّ. قال أبو داود: وكذلك رواه عطاء عن ابن عباس يأمر به (^١٩١).\nوقال الثوري، عن موسى بن أبي عائشة، سألت الشعبي: ﴿لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيمَانُكُمْ﴾؟ قال: لم تنسخ. قلت: فإن الناس لا يعملون بها. فقال: الله المستعان.\n_________\n(^١٩٠) الموطأ (١/ ٢٣)، ورواه أحمد في المسند (٥/ ٢٩٦) (٢٢٦٣٠) وأبو داود في كتاب الطهارة، باب: في سؤر الهرة (١/ ٢٠ / رقم: ٧٥). والترمذي في كتاب الطهارة، باب: ما جاء في سؤر الهرة (١/ ١٥٣، ١٥٤ / رقم: ٩٢). وقال: هذا حيث حسن صحيح. والنسائي في كتاب الطهارة، باب: سؤر الهرة (١/ ٥٥ / رقم: ٦٨). وكتاب المياه، باب: سؤر الهرة (١/ ١٧٨ / رقم: ٣٤٠). وابن ماجة في كتاب الطهارة، باب: الوضوء بسؤر الهرة والرخصة في ذلك (١/ ٣١ / رقم: ٣٦٧). وابن خزيمة في صحيحه (٥٥ / رقم: ١٠٤). كلهم من طريق مالك بن أنس به.\n(^١٩١) سنن أبي داود، كتاب الأدب حديث (٥١٩١).\n_________\n[¬١]- سقط من ت.\n[¬٢]- في ز: \"قال\".\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- في خ: \"وابن\".","vol":"10","page":270},{"text":"وقال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا الربيع بن سليمان، حَدَّثَنَا ابن وهب، أخبرنا سليمان بن بلال، عن عمرو بن أبي عمرو، عن عكرمة، عن ابن عباس: أن رجلين سألاه عن الاستئذان في الثلاث عورات التي أمر الله بها في القرآن؟ فقال ابن عباس: إن الله ستير يحب الستر، كان الناس ليس لهم ستور على أبوابهم ولا حجال في بيوتهم، فربما فاجأ [¬١] الرجل خادمه أو ولده أو يتيمه [¬٢] في حجره وهو على أهله، فأمرهم الله أن يستأذنوا في تلك العورات التي سمى الله، ثم جاء الله بعد بالستور فبسط الله عليهم [في] [¬٣] الرزق فاتخذوا الستور واتخذوا الحجال، فرأى الناس أن ذلك قد كفاهم من الاستئذان الذي [¬٤] أمروا به.\nوهذا إسناد صحيح إلى ابن عباس، ورواه أبو داود عن القعنبي عن الدراوردي عن عمرو بن أبي عمرو به (^١٩٢).\nوقال السدي: كان أناس من الصحابة ﵃ يحبون أن يواقعوا نساءهم في هذه الساعات ليغتسلوا ثم يخرجوا إلى الصلاة فأمرهم الله أن يأمروا المملوكين والغلمان أن لا يدخلوا عليهم في تلك الساعات إلا يأذن.\nوقال مقاتل بن حيان: بلغنا -والله أعلم- أن رجلًا من الأنصار وامرأته أسماء بنت مرثد [¬٥] صنعا للنبي ﷺ طعامًا، فجعل الناس يدخلون بغير إذن. فقالت أسماء: يا رسول الله، ما أقبح هذا! إنه ليدخل على المرأة وزوجها وهما في ثوب واحد غلامهما بغير إذن. فأنزل الله في ذلك: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيمَانُكُمْ [وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ] [¬٦]﴾، ومما يدل على أنها محكمة لم [¬٧] تنسخ قوله: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ يعني: إذا بلغ الأطفال منكم الحلم الذين إنما كانوا يستأذنون [¬٨] في العورات الثلاث إذا بلغوا الحلم وجب عليهم أن يستأذنوا على كل حال، يعني بالنسبة إلى أجانبهم وإلى الأحوال التي يكون الرجل على امرأته، وإن لم يكن في الأحوال الثلاث.\n_________\n(^١٩٢) سنن أبي داود، كتاب الأدب، باب: الاستئذان في العورات ثلاث حديث (٥١٩٢).\n_________\n[¬١]- في ز: \"جاء\".\n[¬٢]- في ز: \"قيمه\".\n[¬٣]- سقط من خ.\n[¬٤]- في ز: \"اللاى\".\n[¬٥]- في ز: \"مرشد\".\n[¬٦]- سقط من خ.\n[¬٧]- في ز: \"لن\".\n[¬٨]- في خ: \"يستأذنوا\".","vol":"10","page":271},{"text":"قال الأوزاعي: عن يحيى بن أبي كثير: إذا كان الغلام رباعيًّا فإنه يستأذن في العورات الثلاث على أبويه، فإذا بلغ الحلم فليستأذن على كل حال. وهكذا قال سعيد بن جبير. وقال في قوله: ﴿كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ يعني: كما استأذن الكبار من ولد الرجل وأقاربه.\nوقوله: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ قال سعيد بن جبير ومقاتل بن حيان والضحاك وقتادة: هن اللواتي انقطع عنهن الحيض ويئسن من الولد ﴿اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا﴾ أي: لم يبق لهن تشوف [¬١] إلى التزوج [¬٢] ﴿فَلَيسَ عَلَيهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾ أي: ليس عليهن [¬٣] من الحجر في التستر كما على غيرهن [¬٤] من النساء.\nقال أبو داود: حَدَّثَنَا أحمد بن محمد المروزي، حدثني علي بن الحسين بن واقد، عن أبيه، عن يزيد النحوي، عن عكرمة، عن ابن عباس: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ الآية، فنسخ واستثنى من ذلك ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا﴾ الآية. (^١٩٣).\nقال ابن مسعود [في قوله] [¬٥]: ﴿فَلَيسَ عَلَيهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ﴾ قال: الجلباب أو الرداء. وكذلك [¬٦] روي عن ابن عباس وابن عمر ومجاهد وسعيد بن جبير وأبي الشعثاء وإبراهيم النخعي والحسن وقتادة والزهري والأوزاعي وغيرهم.\nوقال أبو صالح: [تضع الجلباب] [¬٧] وتقوم بين يدي الرجل في الدرع والخمار. وقال سعيد بن جبير وغيره: في قراءة عبد الله بن مسعود (أن يضعن من ثيابهن) وهو الجلباب من فوق الخمار، فلا بأس أن يضعن عند قريب أو غيره بعد أن يكون عليها خمار صفيق.\nوقال سعيد بن جبير [في الآية] [¬٨] ﴿غَيرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾ يقول: لا يتبرجن بوضع الجلباب [ليرى ما عليهن] [¬٩] من الزينة.\nوقال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا أبي، حَدَّثَنَا هشام بن عبد الله، حَدَّثنَا ابن المبارك، حدثني\n_________\n(^١٩٣) سنن أبي داود، كتاب اللباس حديث (٤١١١). وقال المنذري: في إسناده علي بن الحسين بن واقد وفيه مقال.\n_________\n[¬١]- في ز: \"تشوف\".\n[¬٢]- في ز: \"التزويج\".\n[¬٣]- في ز: \"عليها\".\n[¬٤]- في ز: \"غيرها\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٦]- في ز: \"كذا\".\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين في ز: \"اتضع الجباب\".\n[¬٨]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٩]- ما بين المعكوفتين في ز: \"أن يرى ما عليها\".","vol":"10","page":272},{"text":"سوار بن ميمون، حَدَّثَنَا [¬١] طلحة بن [¬٢] عاصم، عن أم الضياء [] [¬٣] أنها قالت: دخلت [على عائشة] [¬٤] ﵂ فقلت: يا أم المؤمنين، ما تقولين في الخضاب والنفاض والصباغ والقرطين والخلخال وخاتم الذهب وثياب الرقاق؟ فقالت: يا معشر النساء، قصتكن [¬٥] كلها واحدة، أحل الله لكن الزينة غير متبرجات، أي: لا يحل لكن أن يروا منكن محرمًا.\nوقال السدي: كان شريك لي يقال له: مسلم،: كان مولى لامرأة حذيفة بن اليمان، فجاء يومًا إلى السوق وأثر الحناء في يده، فسألته عن ذلك؟ فأخبرني أنه خضب رأس مولاته وهي امرأة حذيفة! فأنكرت ذلك. فقال: إن شئت أدخلتك عليها. فقلت: نعم. فأدخلني عليها فإذا هي [¬٦] امرأة جليلة. فقلت لها: إن مسلمًا حدثني أنه خضب رأسك. فقالت: نعم يا بني، إني من القواعد اللاتي لا يرجون نكاحًا، وقد قال الله تعالى في ذلك ما سمعت.\nوقوله: ﴿وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيرٌ لَهُنَّ﴾ أي: وترك وضعهن لثيابهن -وإن كان جائزًا- خير وأفضل لهن والله سميع عليم.\n﴿لَيسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيسَ عَلَيكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٦١)﴾\nاختلف المفسرون ﵏ في المعنى الذي رفع [من أجله] [¬٧] الحرج عن\n_________\n[¬١]- في خ، ز: \"حدثتنا\".\n[¬٢]- في ز: \"بنت\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في ز: \"عن عائشة\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين في ز: \"عليها\".\n[¬٥]- في ز: \"فصلن\".\n[¬٦]- سقط من: ز.\n[¬٧]- في خ: \"لأجله\".","vol":"10","page":273},{"text":"الأعمى، والأعرج والمريض هاهنا، فقال عطاء الخراساني، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم: [يقال إنها] [¬١] نزلت في الجهاد. وجعلوا هذه الآية هاهنا [كالآية التي] [¬٢] في سورة الفتح، وتلك في الجهاد لا محالة، أي: أنهم لا إثم عليهم في ترك الجهاد، لضعفهم وعجزهم، وكما قال تعالى في سورة براءة: ﴿لَيسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩١) وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ [عَلَيهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا] [¬٣] أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ﴾.\nوقيل: المراد هاهنا [¬٤] أنهم كانوا يتحرجون من الأكل مع الأعمى، لأنه لا يرى الطعام وما فيه من الطيبات، فربما سبقه غيره إلى ذلك، ولا مع الأعرج، لأنه لا يتمكن من الجلوس، فيفتات عليه جليسُه، والمريض لا يستوفي من الطعام غيره، فكرهوا أن يؤاكلوهم لئلا يظلموهم، فأنزل الله هذه الآية رخصة في ذلك. هذا [¬٥] قول سعيد بن جبير، ومقسم.\nوقال الضحاك: كانوا قبل المبعث [¬٦] يتحرجون من الأكل مع هؤلاء تقذرًا وتقززًا، ولئلا يتفضلوا عليهم، فأنزل الله هذه الآية.\nوقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن ابن [¬٧] أبي نَجيح، عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿لَيسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ﴾ الآية، قال: كان الرجل يذهب بالأعمى، أو الأعرج [¬٨]، أو المريض [¬٩] إلى بيت أبيه، أو بيت [¬١٠] أخيه، أو بيت أخته، أو بيت عمته، أو بيت خالته. فكان الزّمنى يتحرجون من ذلك، يقولون: إنما يذهبون بنا إلى بيوت عشيرتهم [¬١١]. فنزلت هذه الآية رخصة لهم (^١٩٤).\nوقال السدّي: كان الرجل يدخل بيت أبيه أو أخيه أو أبنه، فتُتْحفه المرأة بالشيء [¬١٢] من الطعام؛ فلا يأكل من أجل أن رَبَّ البيت ليس ثَمَّ. فقال الله تعالى: ﴿لَيسَ عَلَى الْأَعْمَى\n_________\n(^١٩٤) تفسير عبد الرزاق (٢/ ٥٣).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٢]- في خ: \"كالتي\".\n[¬٣]- سقط من ت.\n[¬٤]- سقط من: ز.\n[¬٥]- في خ: وهذا.\n[¬٦]- في خ: \"البعثة\".\n[¬٧]- سقط من: ز.\n[¬٨]- في خ: \"بالأعرج\".\n[¬٩]- في خ: \"بالمريض\".\n[¬١٠]- سقط من: ت.\n[¬١١]- في خ، ز: غيرهم\".\n[¬١٢]- في خ: \"بشيء\".","vol":"10","page":274},{"text":"حرج [﴿وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ﴾ - إلى قوله: ﴿لَيسَ عَلَيكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا] [¬١]﴾.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ﴾ إنما ذَكَرَ هذا، وهو معلوم، ليعطف عليه غيره في اللفظ [¬٢]، وليستأديه ما بعده في الحكم، وتضمن هذا بيوت الأبناء، لأنه لم ينص عليهم، ولهذا استدل بهذا من ذهب إلى أن [¬٣] مال الولد بمنزلة مال أبيه، وقد جاء في المسند والسنن، من غير وجه، عن رسول الله ﷺ أنه قال: \"أنت ومالك لأبيك\" (^١٩٥).\nوقوله [¬٤]: ﴿أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ - إلى قوله: ﴿أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ﴾ هذا ظاهر: وقد يستدل به من يوجب نفقة الأقارب، بعضهم على بعض، كما هو مذهب أبي حنيفة والإِمام أحمد بن حنبل، في المشهور عنهما.\nوأما قوله: ﴿أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ﴾ قال [¬٥] سعيد بن جبير والسدى: هو [¬٦] خادم الرجل، من عبد وقهرمان، فلا بأس أن يأكل مما استودعه من الطعام بالمعروف.\nوقال الزهري، عن عروة، عن عائشة ﵂ قالت: كان المسلمون يرغبون في النفير مع رسول الله ﷺ فيدفعون مفاتحهم إلى ضُمنائهم، ويقولون: قد أحللنا لكم أن تأكلوا مما احتجتم إليه. فكانوا يقولون: إنه لا يحل لنا أن نأكل؛ إنهم أذنوا لنا عن غير طيب أنفسهم، وإنما نحن أمناء، فأنزل الله: ﴿أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ﴾.\nوقوله: ﴿أَوْ صَدِيقِكُمْ﴾. أي: بيوت أصدقائكم وأصحابكم، فلا جناح عليكم في الأكل منها، إذا علمتم أن ذلك لا يَشُقّ عليهم، ولا يكرهون ذلك.\nوقال قتادة: إذا دخلت بيت صديقك، فلا بأس أن تأكل بغير إذنه.\nوقوله: ﴿لَيسَ عَلَيكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا﴾ قال عليّ بن أبي طلحة،\n_________\n(^١٩٥) المسند (٢/ ١٧٩)، وسنن أبي داود، كتاب البيوع، حديث (٣٥٣٠)، وسنن ابن ماجة، كتاب البيوع حديث (٢٢٩٢) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄.\n_________\n[¬١]- سقط من ت.\n[¬٢]- في ز: \"اللفظة\".\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- سقط من: ز.\n[¬٥]- في ز: \"فقال\".\n[¬٦]- في ز: \"وهو\".","vol":"10","page":275},{"text":"عن ابن عباس في هذه الآية: وذلك لما أنزل الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالكُمْ بَينَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ قال المسلمون: إن الله قد نهانا أن نأكل أموالنا بيننا بالباطل، والطعام هو أفضل [¬١] الأموال، فلا يحل لأحد منا أن يأكل عند أحد، فكفّ الناسُ عن ذلك. فأنزل الله: ﴿لَيسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ﴾ إلى قوله: ﴿أَوْ صَدِيقِكُمْ﴾. وكانوا أيضًا يأنفون ويتحرجون أن يأكل الرجل الطعام وحده، حتى يكون معه غيره، فرخص الله لهم في ذلك، فقال: ﴿لَيسَ عَلَيكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا﴾.\nوقال قتادة: وكان هذا الحيّ من بني كنانة، يرى أحدهم أنّ مخزاةً عليه أن يأكل وحده في الجاهلية، حتى إن كان الرجل ليَسُوق الذُّودَ الحُفَّل وهو جائع، حتى يجد من يؤاكله ويشاربه، فأنزل الله: ﴿لَيسَ عَلَيكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا﴾.\nفهذه رخصة من الله تعالى في أن يأكل الرجل وحده، ومع الجماعة، وإن كان الأكل مع الجماعة أفضل وأبرك؛ كما رواه الإمام أحمد: حَدَّثَنَا يزيد بن عبد ربه، حَدَّثَنَا الوليد بن مسلم، عن وحشى بن حرب، عن أبيه، عن جده؛ أن رجلًا قال للنبي ﷺ: إنا نأكل ولا نشبع؟! قال: \"فلعلكم [¬٢] تأكلون متفرقين، اجتمعوا على طعامكم، واذكروا اسم الله يُبَاركْ لكم فيه\".\nورواه أبو داود وابن ماجة من حديث الوليد بن مسلم به (^١٩٦).\nوقد رَوَى ابن ماجة أيضًا، من حديث عمرو بن دينار القهرماني، عن سالم، عنِ أبيه، عن عمر، عن رسول الله ﷺ أنه قال: \"كلوا جميعًا ولا تَفرّقوا؛ فإن البركة مع الجماعة\" (^١٩٧).\n_________\n(^١٩٦) المسند (٣/ ٥٠١) (١٦١٢٦) وإسناده ضعيف؛ وحشي بن حرب: قال صالح جزرة: لا يشتغل به، ولا بأبيه \"الميزان\" وفي التقريب: مستور. وحرب بن وحشي بن حرب: ذكره ابن حبان في الثقات. وقال البزار: مجهول في الرواية معروف في النسب. روى له د، ق حديثًا واحدًا. وفي التقريب: مقبول. والحديث رواه أبو داود في كتاب الأطعمة، باب: الاجتماع على الطعام (٣/ ٣٤٦) حديث (٣٧٦٤). وابن ماجه في كتاب الأطعمة، باب: الاجتماع على الطعام (٢/ ١٠٩٣) حديث (٣٢٨٦). والطبراني في الكبير (٢٢/ ٣٩) حديث (٣٦٨). وابن حبان كما في الموارد (١٣٤٥). والحاكم (٢/ ١٠٣). شاهدًا، وسكت عنه. وحسته الشيخ الألباني بشواهده كما في السلسلة الصحيحة (٦٦٤). وصحيح أبي داود ٣١٩٩. وصحيح ابن ماجه (٢/ ٢٢٨) حديث (٢٦٥٧).\n(^١٩٧) سنن ابن ماجه حديث (٣٢٨٧)، وقال البوصيري في الزوائد (٣/ ٧٧): \"هذا إسناد ضعيف\".\n_________\n[¬١]- بعده في خ: من.\n[¬٢]- في خ: \"لعلكم\".","vol":"10","page":276},{"text":"وقوله: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾. قال سعيد بن جبير والحسن البصري وقتادة والزهري: يعني [¬١] فليسلم بعضكم على بعض.\nو[¬٢] قال ابن جريج: حَدَّثَنَا أبو الزبير: سمعتُ جابر بن عبد الله يقول: إذا دخلت على أهلك فسلّم عليهم تحية من عند الله مباركة طيبة. قال: ما رأيته إلا يوجبه. قال ابن جريج: وأخبرني زياد، عن ابن طاوس أنه كان يقول: إذا دخل أحدكم [¬٣] بيته فليسلم.\nقال ابن جريج: قلت لعطاء: أواجب إذا خرجت ثم دخلت أن أسلم عليهم؟ قال: لا، [ولا] [¬٤] أثر وجوبه عن أحد، ولكن هو أحب إليَّ، وما أدعه إلا ناسيًا.\nوقال مجاهد: إذا دخلت المسجد فقل: السلام على رسول الله، وإذا دخلت علي أهلك فسلم عليهم، وإذا دخلت بيتًا ليس فيه أحد فقل: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين.\n[وروى الثوري، عن عبد الكريم الجَزَري، عن مجاهد: إذا دخلت بيتًا ليس فيه أحد فقل: بسم الله، والحمد لله السلام علينا من ربنا، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين] [¬٥].\nوقال قتادة: إذا دخلت على أهلك، فسلم عليهم، وإذا دخلت بيتًا ليس فيه أحد، فقل: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين فإنه كان يؤمر بذلك، وحُدَّثْنا أن الملائكة ترد عليه.\nوقال الحافظ أبو بكر البزار: حَدَّثَنَا محمد بن المثنى، حَدَّثَنَا عَوْبَدُ بن أبي عمران الجوني، عن أبيه، عن أنس قال: أوصاني النبي ﷺ بخمس خصال، قال: \"يا أنس، أسبغ الوضوء يُزَد في عمرك، وسَلّم على من لقيك من أمتي تَكْثُر حسناتك، وإذا دخلت -يعني: بيتك- فسلم على أهل بيتك، يكثر خير بيتك، وصل صلاة الضحى فإنها صلاة الأوابين قبلك، يا أنس، ارحم الصغير، ووقر الكبير، تَكُنْ من رفقائي يوم القيامة\" (^١٩٨).\n_________\n(^١٩٨) ورواه ابن عدي في الكامل (٥/ ٣٨٢) من طريق موسى عن عوبد بن أبي عمران الجواني، به. ونقل عن البخاري: \"عوبد بن أبي عمران، عن أبيه منكر الحديث\" ثم قال ابن عدي: \"وعوبد بين على حديثه الضعف\".\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- سقط من خ.\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.","vol":"10","page":277},{"text":"وقوله: ﴿تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾ قال محمد بن إسحاق [¬١]: حدثني داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس أنه كان يقول: ما أخذت التشهد إلا من كتاب الله، سمعت الله يقول: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾، فالتشهد في الصلاة: التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. ثم يدعو لنفسه ويسلم.\nهكذا رواه ابن أبي حاتم من حديث ابن إسحاق.\nوالذي في صحيح مسلم (^١٩٩)، عن ابن عباس، عن رسول الله ﷺ يخالف هذا، والله أعلم.\nوقوله: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾، لما ذكر تعالى ما في هذه السورة الكريمة من الأحكام المحكمة، والشرائع المتقنة المبرمة، نَبَّه تعالى على أنه يُبَيّن لعباده الآيات بيانًا شافيًا، ليتدبروها ويتعقلوها [لعلهم يعقلون] [¬٢].\nإِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٦٢)\nوهذا أيضًا أدب أرشد الله عباده المؤمنين إليه، فكما أمرهم بالاستئذان عند الدخول، كذلك أمرهم بالاستئذان عند الانصراف، لا سيما إذا كانوا في أمر جامع مع الرسول -صلوات الله وسلامه عليه- من صلاة جمعة أو عيد أو جماعة، أو اجتماع [لمشورة] [¬٣] ونحو\n_________\n(^١٩٩) صحيح مسلم، كتاب الصلاة حديث (٤٠٣) ولفظه: كان رسول الله ﷺ يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن، فكان يقول: \"التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله، السلام عيك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله\".\n_________\n[¬١]- في خ: \"الحسين\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٣]- في خ: \"في مشورة\".","vol":"10","page":278},{"text":"ذلك، أمرهم الله تعالى أن لا ينصرفوا [¬١] عنه والحالة هذه إلا بعد استئذانه ومشاورته، وإن من يفعل ذلك فهو [¬٢] من المؤمنين الكاملين.\nثم أمر رسوله -صلوات الله وسلامه عليه- إذا استأذنه أحد منهم في ذلك أن يأذن له إن شاء، ولهذا قال: ﴿فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [¬٣]﴾.\nوقد قال أبو داود (^٢٠٠): حَدَّثَنَا أحمد بن حَنْبَل ومُسَدّد قالا: حَدَّثَنَا بشر -هو ابن المفضل- عن ابن عجلان، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"إذا انتهى أحدكم إلى المجلس فليسلم، فإذا أراد أن يقوم فليسلم، فليست [¬٤] الأولى بأحق من الآخرة\". وهكذا رواه الترمذي والنسائي من حديث محمد بن عجلان به، وقال الترمذي: حسن.\nلَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَينَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)\nقال الضحاك، عن ابن عباس: كانوا يقولون: \"يا محمد\"، \"يا أبا القاسم\"، فنهاهم الله ﷿[عن ذلك] [¬٥]، إعظامًا لنبيه ﷺ قال: فقالوا: يا رسول الله، يا نبي الله. وهكذا قال مجاهد وسعيد بن جبير. وقال قتادة: أمر الله أن يهاب نبيه ﷺ وأن يُبَجْل، وأن يعظم، وأن يسود [¬٦]. وقال مقاتل [ابن حيان] [¬٧] في قوله: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَينَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾، يقول: لا تُسَمُّوه إذا دَعَوتموه \"يا محمد\"، ولا تقولوا: \"يا ابن عبد الله\"، ولكن شَرّفوه فقولوا: \"يا نبي الله\"، \"يا رسول الله\".\nوقال مالك، عن زيد بن أسلم في قوله: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَينَكُمْ كَدُعَاءِ\n_________\n(^٢٠٠) سنن أبي داود، كتاب الأدب، باب: في السلام إذا قام من المجلس حديث (٥٢٠٨)، وسنن الترمذي في الاستئذان حديث (٢٧٠٦)، والنسائي في السنن الكبرى حديث (١٠٢٠١).\n_________\n[¬١]- في خ: \"يتفرقوا\".\n[¬٢]- في خ: \"فإنه\".\n[¬٣]- مكانها في ت: \"الآية\".\n[¬٤]- سقط من: خ.\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٦]- في ز: \"يود\".\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين سقط من: ت.","vol":"10","page":279},{"text":"بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾، قال: أمرهم الله [¬١] أن يشرفوه. هذا قول، وهو الظاهر من السياق، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا﴾.\nوقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (٤) وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيهِمْ لَكَانَ خَيرًا لَهُمْ﴾ الآية [¬٢] وهذا [¬٣] كله من باب الأدب [¬٤] [في مخاطبة النبي ﷺ والكلام معه، وعنده، كما أمروا بتقديم الصدقة قبل مناجاته] [¬٥].\nوالقول الثاني في ذلك: أن المعنى في: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَينَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾، أي: لا تعتقدوا أن دعاءه على غيره كدعاء غيره، فإن دعاءه مستجاب، فأحذروا أن يدعو عليكم فتهلكوا. حكاه ابن أبي حاتم عن ابن عباس والحسن البصري وعطية العوفي، والله [¬٦] أعلم.\nوقوله: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا﴾، قال مقاتل بن حَيَّان: هم المنافقون، كان يثقل عليهم الحديث في يوم الجمعة -ويعني بالحديث: الخطبة- فيلوذون ببعض أصحاب محمد ﷺ حتى يخرجوا في المسجد، وكان [¬٧] لا يصلح [¬٨] للرجل أن يخرج من المسجد إلا بإذن من النبي ﷺ في يوم الجمعة، بعد ما يأخذ في الخطبة، وكان إذا أراد أحدهم الخروج أشارَ بأصبعه إلى النبي ﷺ فيأذن له من غير أن يتكلم الرجل؛ لأن الرجل منهم [¬٩] كان إذا تكلم والنبي ﷺ يخطب، بطلتْ جُمعته.\nوقال السدي: كانوا إذا كانوا معه في جماعة لاذ بعضهم ببعض، حتى يتغيبوا عنه، فلا يراهم.\nوقال قتادة في قوله: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا﴾ [يعني: لوذًا عن نبي الله وعن كتابه.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- في ز: \"فهذا\".\n[¬٤]- في ز: \"الآداب\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٦]- في ز: \"فالله\".\n[¬٧]- في ز: \"فكان\".\n[¬٨]- في ت: \"يصح\".\n[¬٩]- سقط من: ز.","vol":"10","page":280},{"text":"وقال سفيان: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا﴾، قال: من الصف. وقال مجاهد في الآية: ﴿لِوَاذًا﴾: [¬١] خلافًا.\nوقوله: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾، أي: عن أمر رسول الله ﷺ و[¬٢] سبيله هو ومنهاجه، وطريقته، وسنته [¬٣]، وشريعته، فتوزن الأقوال والأعمال بأقواله وأعماله، فما وافق ذلك قُبل، وما خالفه فهو مردود على قائله وفاعله، كائنًا من [¬٤] كان، كما ثبت في الصحيحين (^٢٠١) وغيرهما، عن رسول الله ﷺ أنه قال: \"من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رَدّ\". أي: فليحذر وليخش من خالف شريعة الرسول باطنًا أو [¬٥] ظاهرًا ﴿أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾، أي: في قلوبهم، من كفر أو نفاق أو بدعة، ﴿أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، أي: في الدنيا، بقتل أو حدٍّ أو حبس، أو نحو ذلك.\nقال الإِمام أحمد (^٢٠٢): حَدَّثَنَا عبد الرزاق، حَدَّثَنَا معمر، عن همام بن مُنبِّه قال: هذا ما حَدَّثَنَا أبو هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"مثلي ومثلكم كمثل رجل استوقد نارًا، فلما أضاءت ما حولها جعل الفراش وهي هذه الدواب اللائي [¬٦] يقعن [في النار يقعن] [¬٧] فيها، وجعل يحجزهن ويغلبنه ويتقحّمن [¬٨] فيها، قال: فذلك مثلي ومثلكم، أنا آخذ بحجزكم عن النار، هلم عن النار! فتغلبوني وتقتحمون فيها\". أخرجاه من حديث عبد الرزاق.\n﴿أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيهِ وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيهِ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمٌ (٦٤)\nيخبر تعالى أنه مالك السماوات والأرض، وأنه عالم [غيب السماوات والأرض] [¬٩]، وهو عالم بما العباد عاملون في سرهم وجهرهم، فقال: ﴿قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيهِ﴾ \"وقد\" للتحقيق، كما قال قبلها: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا﴾، وقال تعالى:\n_________\n(^٢٠١) صحيح البخاري، كتاب الصلح، حديث (٢٦٩٧)، وصحيح مسلم، كتاب الأقضية (١٧١٨).\n(^٢٠٢) المسند (٢/ ٣١٢)، ومسلم في الفضائل (٢٢٨٤) وليس عند البخاري من هذا الطريق.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٢]- في خ: هو.\n[¬٣]- سقط من: خ، ز.\n[¬٤]- في ز: \"ما\".\n[¬٥]- في خ: \"و\".\n[¬٦]- في ز: \"اللاتي\".\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٨]- في ز: \"يقتحمن\".\n[¬٩]- في خ: \"الغيب والشهادة\".","vol":"10","page":281},{"text":"﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ [وَالْقَائِلِينَ لإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَينَا] [¬١]﴾، وقال تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا [وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ] [¬٢]﴾ وقال: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ … الآية. وقال: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ فكل هذه الآيات فيها تحقيق الفعل بـ \"قد\"، كما يقول المؤذن تحقيقًا وثبوتًا: (قد قامت الصلاة. قد قامت الصلاة). فقوله [¬٣] تعالى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيهِ﴾، أي: هو عالم به، مشاهد له، لا يعزب عنه مثقال ذرة، كما قال تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾. وقوله [¬٤]: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إلا كُنَّا عَلَيكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾، وقال تعالى: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ أي: هو شهيد على عباده بما هم فاعلون من خير وشر، وقال تعالى: ﴿أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ الآية [¬٥]، وقال تعالى: ﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾ وقال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إلا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾، وقال: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيبِ لَا يَعْلَمُهَا إلا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إلا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ والآيات والأحاديث في هذا كثيرة جدًّا.\nوقوله: ﴿وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيهِ﴾، أي: ويوم ترجع الخلائق إلى الله -وهو يوم القيامة- ﴿فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا﴾، أي: يخبرهم بما فعلوا في الدنيا، من جليل وحقير، وصغير وكبير، كما قال تعالى: ﴿يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ (١٣)﴾، وقال: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَاوَيلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إلا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾، ولهذا قال هاهنا: ﴿وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيهِ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمٌ﴾، والحمد لله رب العالمين، ونسأله التمام.\n* * *\n_________\n[¬١]- مكانها في ت: \"الآية\".\n[¬٢]- مكانها في ت: \"الآية\".\n[¬٣]- في ز: \"وقوله\".\n[¬٤]- في ز: \"قال\".\n[¬٥]- سقط من: ز.","vol":"10","page":282},{"text":"<span data-type='title' id=toc-133>تفسير سورة الفرقان وهي مكية</span>\nتَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالمِينَ نَذِيرًا (١) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا (٢)\nيقول تعالى حامدًا نفسه [¬١] الكريمة على ما نزله على رسوله الكريم من القرآن العظيم، كما قال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١) قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ﴾ … الآية [¬٢]، وقال ها هنا: ﴿تَبَارَكَ﴾، وهو تفاعل، من البركة المستقرة [الدائمة الثابتة] [¬٣] ﴿الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ﴾؛ نزّل: فَعَّل، من التكرر والتكثر، كما قال: ﴿وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ﴾؛ لأن الكتب المتقدمة كانت تنزل جملة واحدة والقرآن [نزل] [¬٤] منجمًا [مفرقًا] [¬٥] مفصلًا آيات بعد آيات، وأحكامًا بعد أحكام، وسُورًا بعد سُوَر، وهذا أشد وأبلغ، وأشد اعتناءً بمن أنزل عليه؛ كما قال في أثناء هذه السورة: ﴿وَقَال الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا (٣٢) وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إلا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾، ولهذا سماه هاهنا الفرقان، لأنه يفرق بين الحق والباطل، والهدى والضلال، والغيّ والرشاد، و[الحرام والحلال].\nوقوله: ﴿عَلَى عَبْدِهِ﴾، هذه صفة مدح وثناء، لأنه [¬٦] أضافه إلى عبوديته، كما وصفه بها في أشرف أحواله، وهي ليلة الإِسراء، فقال: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيلًا﴾، وكما وصفه بذلك في مقام الدعوة إليه: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيهِ لِبَدًا﴾، وكذلك وصفه عند إنزال الكتاب عليه ونزول الملك إليه، فقال: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالمِينَ نَذِيرًا (١)﴾.\nوقوله: ﴿لِيَكُونَ لِلْعَالمِينَ نَذِيرًا﴾، أي: إنما خصه بهذا الكتاب العظيم المبين المفصل المحكم، الذي ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَينِ يَدَيهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ الذي\n_________\n[¬١]- في ت: \"لنفسه\".\n[¬٢]- زيادة من: ت.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في خ: \"الثابتة الدائمة\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من ت.\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ت.\n[¬٦]- في ز: \"لا\".","vol":"10","page":283},{"text":"جعله فرقانًا عظيمًا، إنما خصه به ليخصه بالرسالة [¬١] إلى من يستظل بالخضراء، ويستقل على الغبراء (*)، كما قال صلوت الله وسلامه عليه: \"بُعثت إلى الأحمر والأسود\" (^١). وقال: \"أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي\" (^٢)، فذكر منهن: أنه \"كان النبي يبعث إلى قومه [خاصة] [¬٢]، وبعثت إلى الناس عامة\".\nوقال الله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إلا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾، أي: الذي أرسلني هو مالك السموات والأرض، الذي يقول للشيء كن فيكون، وهو الذي يحيي ويميت، وهكذا قال ها هنا: ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾، فنزَّه نفسه عن الولد، وعن الشريك.\nثم أخبر أنه ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ أي: كل شيء مما سواه مخلوق مربوب، وهو خالق كل شيء وربه ومليكه وإلهه، وكل شيء تحت [قدره وتقديره] [¬٣] وتسخيره، وتدبيره [] [¬٤].\n﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا (٣)﴾\nيخبر تعالى عن جهل المشركين في اتخاذهم آلهة من دون الله، الخالق لكل شيء، المالك لأزمَّة الأمور، الذي ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، ومع هذا عَبَدُوا معه من الأصنام ما لا يقدر على خلق جناح بعوضة، بل هم مخلوقون، ولا يملكون لأنفسهم ضرًّا ولا نفعًا، فكيف يملكون لعابديهم؟! ﴿وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا﴾، أي: ليس إليهم [¬٥] من ذلك شيء، بل ذلك مرجعه كله إلى الله ﷿ فهو [¬٦] الذي يحيي ويميت، وهو الذي يعيد الخلائق يوم القيامة أولهم وآخرهم، ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إلا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾، ﴿وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إلا كَلَمْحِ الْبَصَرِ﴾ وقوله [¬٧]: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾، ﴿إِنْ كَانَتْ إلا صَيحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَينَا مُحْضَرُونَ﴾، فهو الله\n_________\n(^١) رواه مسلم في صحيحه حديث (٥٢١) هو والذي يليه من حديث جابر، ﵁.\n(^٢) رواه الطبراني في تفسيره (١٨/ ١٤٠) من طريق سفيان به مرسلًا.\n_________\n[¬١]- في ت: \"برسالته\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في ت: \"خاصة\".\n[¬٣]- في ت: \"قهره\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين في ت: \"وتقديره\".\n[¬٥]- في ت: \"لهم\".\n[¬٦]- سقط من: ت.\n[¬٧]- سقط من: ز، خ.","vol":"10","page":284},{"text":"الذي لا إله غيره، ولا رب سواه، ولا تنبغي العبادة إلا له، لأنه ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن. وهو الذي لا ولد له ولا والد، ولا عديل ولا نديد ولا وزير ولا نظير، بل هو الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد.\n﴿وَقَال الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إلا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا (٤) وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٥) قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٦)﴾\nيقول تعالى مخبرًا عن سَخَافة عقول الجهلة من الكفار، في قولهم عن القرآن: ﴿إِنْ هَذَا إلا إِفْكٌ﴾، أي: كذب، ﴿افْتَرَاهُ﴾، يعنون النبي ﷺ ﴿وَأَعَانَهُ عَلَيهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾، أي: واستعان على جمعه بقوم آخرين؛ قال [¬١] الله تعالى: ﴿فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا﴾، أي: فقد افتروا هم قولًا باطلًا، هم يعلمون أنه باطل، ويعرفون كذب أنفسهم فيما يزعمون ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا﴾، يعنون كتب الأوائل، [أي: استحسنها] [¬٢]، ﴿فَهِيَ تُمْلَى عَلَيهِ﴾، أي ة تُقرأ عليه ﴿بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ أي: في أول النهار وآخره وهذا الكلام - لسخافته وكذبه وبَهْته [كل أحد يعلم] [¬٣] منهم بطلانه، [فإنه قد عُلم] [¬٤] بالتواتر وبالضرورة: أن محمدًا رسول الله ﷺ لم يكن يعاني شيئًا من الكتابة، لا في أول عمره ولا في آخره، وقد نشأ بين أظهرهم من أول مولده إلى أن بعثه الله نحوًا من أربعين سنة، وهم يعرفون مدخله ومخرجه، وصدقه [وبره وأمانته ونزاهته من] [¬٥] الكذب والفجور، وسائر الأخلاق الرذيلة، حتى إنهم [لم يكونوا] [¬٦] يسمونه في صغره إلى أن بعث إلا [¬٧] الأمين؛ لما يعلمون من صدقه وبره، فلما أكرمه الله بما أكرمه به، نصبوا له العداوة، ورَمَوْه بهذه الأقوال التي يعلم كل عاقل براءته منها، وحاروا ماذا [¬٨] يقذفونه به، فتارة من إفكهم يقولون: ساحر، وتارة يقولون: شاعر، وتارة يقولون: مجنون، وتارة يقولون: كذاب، [قال] [¬٩] الله تعالى: ﴿انْظُرْ كَيفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَال فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ\n_________\n[¬١]- في ت: \"فقال\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في ت: \"استنسخها\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في ت: \"يعلم كل أحد\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين زيادة من: ت.\n[¬٥]- في ت: \"ونزاهته وبره وأمانته وبعده عن\".\n[¬٦]- في ت: \"كانوا\".\n[¬٧]- سقط من: ت.\n[¬٨]- في ت: \"فيما\".\n[¬٩]- في ت: \"وقال\".","vol":"10","page":285},{"text":"سَبِيلًا﴾ وقال تعالى في جواب ما عاندوا ها هنا وافتروا: ﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ الآية [¬١]، أي: أنزل القرآن المشتمل على أخبار الأولين والآخرين إخبارًا حقًّا صدقًا، مطابقًا للواقع في الخارج، ماضيًا ومستقبلًا، ﴿أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ﴾ أي: الله الذي يعلم غيب السموات والأرض، ويعلم السرائر كعلمه بالظواهر.\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾، دعاء لهم إلى التوبة والإِنابة، وإخبار لهم [¬٢] بأن رحمته واسعة، وأن حلمه [¬٣] عظيم، وأن من تاب إليه تاب عليه، فهؤلاء - مع كذبهم وافترائهم وفجورهم، وبهتهم وكفرهم وعنادهم، وقولهم عن الرسول والقرآن ما قالوا - يدعوهم إلى التوبة والإِقلاع عما هم فيه إلى الإِسلام والهدى؛ كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إلا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٣) أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾. قال الحسن البصري: انظروا إلى هذا الكرم والجود، قتلوا أولياءه وهو يدعوهم إلى التوبة والرحمة!\n﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا (٧) أَوْ يُلْقَى إِلَيهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَال الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إلا رَجُلًا مَسْحُورًا (٨) انْظُرْ كَيفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَال فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا (٩) تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيرًا مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا (١٠) بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا (١١) إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا (١٢) وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا (١٣) لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا (١٤)﴾\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في ز، خ: \"حكمه\".","vol":"10","page":286},{"text":"يخبر تعالى عن تعنّت الكفار وعنادهم، وتكذيبهم للحق بلا حجة ولا دليل منهم، وإنما تعللوا بقولهم [¬١]: ﴿مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ﴾، يعنون: كما نأكله، ويحتاج إليه كما نحتاج [إليه] [¬٢]، ﴿وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ﴾، أي: يتردد فيها وإليها طلبًا للاكتساب [¬٣] والتجارة، ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾، يقولون: هلا أنزل إليه ملك [¬٤] من عند الله، فيكون له شاهدًا على صدق ما يدعيه! وهذا كما قال فرعون: ﴿فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيهِ أَسْورَةٌ [¬٥] مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ﴾. وكذلك قال هؤلاء على السواء، تشابهت قلوبهم، ولهذا قالوا: ﴿أَوْ يُلْقَى إِلَيهِ كَنْزٌ﴾، أي: علم كنز [يكون] [¬٦] ينفق منه، ﴿أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا﴾، أي: تسير معه حيث سار. وهذا كله سهل يسير على الله، ولكن له الحكمة في ترك ذلك، وله الحجة البالغة. ﴿وَقَال الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إلا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾. قال الله تعالى: ﴿انْظُرْ كَيفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَال فَضَلُّوا﴾ أي: جاءوا بماذا [¬٧] يقذفونك [] [¬٨]، ويكذبون به عليك، من قولهم \"ساحر، مسحور، مجنون، كذاب، شاعر\"، وكلها أقوال باطلة، كل أحد ممن له أدنى فهم وعقل يعرف كذبهم وافتراءهم في [¬٩] ذلك، ولهذا قال: ﴿فَضَلُّوا﴾ أي [¬١٠]: عن طريق الهدى، ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾، وذلك لأن كل من خرج عن الحق، فإنه ضال حيثما [¬١١] توجه، لأ الحق واحد ومنهج [¬١٢] متحد، يصدّق بعضه بعضًا.\nثم قال تعالى مخبرًا نبيه، أنه لو [¬١٣] شاء لآتاه خيرًا مما يقولون في الدنيا، وأفضل وأحسن، فقال: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيرًا مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا﴾.\nقال مجاهد: يعني في الدنيا، قال: وقريش يسمون كل بيت من حجارة قصرًا، سواء كان كبيرًا أو صغيرًا.\nوقال سفيان الثوري (^٣)، عن حبيب بن أبي ثابت، عن خيثمة، قيل للنبي ﷺ: إن شئت أن نعطيك خزائن الأرض ومفاتيحها ما لم يُعْطَ [¬١٤] نبيّ قبلك، ولا\n_________\n(^٣) تفسير الطبري (١٨/ ١٤٠).\n_________\n[¬١]- في ت: \"بقوله\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ت.\n[¬٣]- في ت: \"للتكسب\".\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- في ز، خ: \"أساورة\".\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: ت.\n[¬٧]- في ت: \"بما\".\n[¬٨]- في ت: \"به\".\n[¬٩]- في ت: \"على\".\n[¬١٠]- سقط من: ت.\n[¬١١]- في خ، ز: \"خبيث ما\".\n[¬١٢]- في ت: \"منهجه\".\n[¬١٣]- في ت: \"إن\".\n[¬١٤]- في ت: \"يعطه\".","vol":"10","page":287},{"text":"يُعطى أحدٌ من بعدك، ولا ينقص ذلك مما لك عند الله؟ فقال: اجمعوها لي في الآخرة. فأنزل الله ﷿ في ذلك: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيرًا مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا﴾ وقوله: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ﴾، أي: إنّما يقول هؤلاء هكذا تكذيبًا وعنادًا، لا أنهم يطلبون ذلك تبصرًا واسترشادًا، بل تكذيبهم بيوم القيامة يحملهم على قول ما يقولونه من هذه الأقوال. ﴿وَأَعْتَدْنَا﴾، أي: أرصدنا ﴿لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا﴾، أي: عذابًا أليمًا حارًّا لا يطاق في نار جهنم.\nوقال الثوري، عن سلمة بن كهيل، عن سعيد بن جبير: السعير: وادٍ من قيح جهنم.\nوقوله: ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ﴾، أي: جهنم ﴿مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾، يعني: في مقام المحشر - قال السدي: من مسيرة مائة عام - ﴿سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾، أي: حنقًا عليهم، كما قال تعالى: ﴿إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ (٧) تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيظِ﴾، أي: يكاد ينفصل بعضها من بعض، من شدة غيظها على من كفر بالله.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا إدريس بن حاتم بن الأحنف [¬١] الواسطي - أنه سمع محمد بن الحسن الواسطي، عن أصبغ بن زيد، عن خالد بن كثير، عن خالد بن دُرَيك [¬٢]، عن رجل من أصحاب النبي، ﷺ، قال: قال رسول الله، ﷺ: \"من يقل عليّ ما لم أقل، أو ادعي إلى غير والديه، أو انتمى إلى غير مواليه فليتبوأ بين عيني جهنم مقعدًا\". قيل: يا رسول الله، وهل لها من عينين؟ قال: \"أما سمعتم الله يقول: ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ الآية\". رواه ابن جرير عن محمود [¬٣] بن خداش، عن محمد بن يزيد الواسطي، به.\nوقال أيضًا: حدثنا أبيّ، حدثنا علي بن محمد الطنافسي، حدثنا أبو بكر بن عياش، عن عيسى بن سُلَيم، عن أبي وائل قال: خرجنا مع عبد الله -يعني: ابن مسعود- ومعنا الربيع بن خُثَيم [¬٤] فمروا على حداد، فقام عبد الله ينظر إلى حديدة في النار، ونظر الربيع بن خُثَيم [¬٥] إليها، فتمايل ليسقط، فمر عبد الله على أَتون (*) على [شاطئ] [¬٦] الفرات، فلما رآه عبد الله والنار تلتهب في جوفه؛ قرأ هذه الآية: ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾ فصعق [¬٧]-يعني: الربيع [بن خثيم] [¬٨]- فحملوه [¬٩] إلى [أهله] [¬١٠]، ورابطه (**)\n_________\n[¬١]- في ت: \"الأخيف\".\n[¬٢]- في الطبري: خالد بن كثير عن فديك.\n[¬٣]- في ت: \"محمد\".\n[¬٤]- في ت: \"خيثم\".\n[¬٥]- في ت: \"خيثم\".\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: ت.\n(*) الأتون: الموقد الكبير، كموقد الحمَّام والجصَّاص.\n[¬٧]- في ز، خ: \"صعق\".\n[¬٨]- ما بين المعكوفتين سقط من: ت.\n[¬٩]- في ت: \"وحملوه\".\n[¬١٠]- ما بين المعكوفتين في ت: \"أهل بيته\".","vol":"10","page":288},{"text":"عبد الله إلى الظُّهر فلم يفق ﵁.\nوحدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن رجاء، حدثنا إسرائيل، عن أبي يحيى، عن مجاهد، عن ابن عباس؛ قال: إنّ العبد ليجر إلى النار، فتشهق إليه شهقة البغلة إلى الشعير، ثم تزفر زفرة لا يبقى أحد إلا خاف.\nهكذا رواه ابن أبي حاتم مختصرًا، وقد رواه الإمام أبو جعفر بن جرير:\nحدثنا أحمد بن إبراهيم الدورقي، حدثنا عُبيد الله بن موسى، أخبرنا إسرائيل، عن أبي يحيى، عن مجاهد، عن ابن عباس؛ قال: إن الرجل ليجر إلى النار، فتنزوي وتنقبض (**) بعضها إلى بعض، فيقول لها الرحمن: ما لك؟ قالت: إنه يستجير مني. فيقول: أرسلوا عبدي. وإن الرجل ليُجَرّ إلى النار، فيقول: يا رب، ما كان هذا الظن بك، فيقول: فما كان ظنك؟ فيقول: أن تسعني رحمتك. فيقول: أرسلوا عبدي. وإن الرجل ليُجَرّ إلى النار، فتشهق إليه النار شهوق البغلة إلى الشعير، وتزفر زفرة لا يبقى أحد إلا خاف. وهذا إسناد صحيح.\nوقال عبد الرزاق (^٤): أخبرنا معمر، عن منصور، عن مجاهد، عن عُبَيد بن عُمير في قوله: ﴿سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾، قال: إن جهنم تزفر زفرة، لا يبقى ملك [] [¬١] ولا نبي إلا خَرّ [] [¬٢] تَرْعَد فرائصه (* * *)، حتى إن إبراهيم ﵇ ليجثو على ركبتيه ويقول: رب، لا أسألك اليوم إلا نفسي.\nوقوله: ﴿وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا [¬٣] مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ [¬٤]﴾، قال قتادة، عن أبي أيوب، عن عبد الله بن عمرو قال: مثل الزُّج في الرمح أي: من ضيقه.\nوقال عبد الله بن وهب (^٥): أخبرني نافع بن يزيد، عن يحيى بن أبي أسيد - يرفع الحديث إلى رسول الله ﷺ أنه سئل عن قول الله: ﴿وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ﴾، قال: \"والذي نفسي بيده، إنهم ليستكرهون في النار، كما يستكره الوتد في الحائط\".\n_________\n(^٤) تفسير عبد الرزاق (٢/ ٥٦).\n(^٥) رواه ابن أبي حاتم، كما في الدر المنثور (٦/ ٢٤٠).\n_________\n(**) أي: لازَمَه.\n[¬١]- في ت: \"مقرب\".\n[¬٢]- في ت: \"لوجهه\".\n(* * *) الفرائص: جمع فريصة: وهي لحمة بين الكتف والصدر، ترتعد عند الخوف والفزع، وهما فريضتان.\n[¬٣]- في ز: \"فيها\".\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.","vol":"10","page":289},{"text":"وقوله: ﴿مُقَرَّنِينَ﴾، قال أبو صالح: يعني: مكتفين، ﴿دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا﴾، أي: بالويل والحسرة والخيبة ﴿لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾:\n[قال] [¬١] الإِمام أحمد (^٦): حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، عن علي بن يزيد، عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال: \"أول من يكسى حلة من النار إبليس، فيضعها على حاجبيه ويسحبها منْ خَلْفه، وذريته من بعده، وهو ينادي: يا ثبوراه. وينادون: يا ثبورهم! حتى يقفوا على النار، فيقول: يا ثبوراه! ويقولون: يا ثبورهم! فيقال لهم: ﴿لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾ \". لم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة، ورواه ابن أبي حاتم، عن أحمد بن سنان، عن عفان، به. ورواه ابن جرير، من حديث حماد [¬٢] بن سلمة، به.\nوقال العَوفي، عن ابن عباس في قوله: ﴿لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾، أي: لا تدعوا اليوم ويلًا واحدًا، وادعوا ويلًا كثيرًا. وقال الضحاك: الثبور: الهلاكُ. والأظهر أن الثبور يجمع الهلاك والويل والخَسَار والدّمار، كما قال موسى لفرعون: ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ أي: هالكًا، وقال عبد الله بن الزِّبَعْرَي:\nإذْ أجَاري الشَّيطانَ في سَنَن الغـ … يّ، وَمَنْ مَال مَيلَهُ مَثْبُورُ\n﴿قُلْ أَذَلِكَ خَيرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءً وَمَصِيرًا (١٥) لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ خَالِدِينَ كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولًا (١٦)﴾\nيقول تعالى: يا محمد، هذا الذي وصفناه من حال هؤلاء [¬٣] الأشقياء، الذين يحشرون على وجوههم إلى جهنم، فتتلقاهم بوجه عبوس، وبغيظ وزفير، ويُلقَون في أماكنها الضيقة مقرَّنين، لا يستطعون حراكًا، ولا انتصارًا، ولا فكاكًا مما هم فيه؛ أهذا خير أم جنة الخلد التي وعدها الله للمتقين [¬٤] من عباده، التي أعدها لهم، وجعلها لهم جزاء على ما أطاعوه في الدنيا، وجعل مآلهم إليها.\n﴿لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ﴾ من الملاذ: من مآكل ومشارب، وملابس ومساكن، ومراكب ومناظر، وغير ذلك، مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خَطَر على قلب أحد. وهم في\n_________\n(^٦) المسند (٣/ ١٥٢)، وتفسير الطبري (١/ ١٤١).\n_________\n[¬١]- في ت: \"وقال\".\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- في ت: \"أولئك\".\n[¬٤]- في ت: \"المتقين\".","vol":"10","page":290},{"text":"ذلك خالدون [دائمًا أبدًا] [¬١] سرمدًا بلا انقطاع و[¬٢] لا زوال ولا انقضاء، ولا يبغون عنها حوَلا. وهذا من وَعْد الله الذي تفضل به عليهم، وأحسن به إليهم؛ ولهذا قال: ﴿كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولًا﴾ أي: لا بد أن يقع وأن يكون، كما حكاه أبو جعفر بن جرير عن بعض علماء العربية أن معنى قوله: ﴿وَعْدًا مَسْئُولًا﴾ أي: وعدا واجبًا.\nوقال ابن جُريج، عن عطاء، عن ابن عباس: ﴿كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولًا﴾، يقول: سلوا الذي واعدتكم -أو قال: واعدناكم- نُنْجِز.\nوقال محمد بن كعب القرظي في قوله تعالى: ﴿كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولًا﴾: إن الملائكة تسأل لهم ذلك، ﴿رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ﴾.\nوقال أبو حازم: إذا كان يوم القيامة؛ قال المؤمنون: ربنا عملنا لك بالذي أمرتنا [¬٣]، فانجز لنا ما وعدتنا. فذلك قوله: ﴿وَعْدًا مَسْئُولًا﴾ وهذا المقام في هذه السورة من ذكر النار، ثم التنبيه على حال أهل الجنة، كما ذكر تعالى في \"سورة الصافات\" حال أهل الجنة، [] [¬٤] وما فيها من النضرة والحبور، ثم قال: ﴿أَذَلِكَ خَيرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ (٦٢) إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ (٦٣) إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ (٦٤) طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ (٦٥) فَإِنَّهُمْ لآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٦٦) ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ (٦٧) ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ (٦٨) إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ (٦٩) فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ﴾.\n﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ (١٧) قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا (١٨) فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلَا نَصْرًا وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا (١٩)﴾\nيقول تعالى مخبرًا عما يَقَع يوم القيامة من تقريع الكفار في عبادتهم من عبدوا من دون الله، من الملائكة وغيرهم، فقال: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ [¬٥] وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾، قال مجاهد:\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ت: \"أبدًا دائمًا\".\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- في خ، ز: \"وعدتنا\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين في ز: \"ثم\".\n[¬٥]- في ز، خ: \"نحشرهم\" وهي قراءة: نافع، وأبي عمرو، وحمزة، والكسائي، وابن عامر. وقد أثبتنا قراءة حفص بن عاصم.","vol":"10","page":291},{"text":"عيسى، والعُزَير: الملائكة. ﴿فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ﴾، أي: فيقول [الرَّب] [¬١] ﵎: أأنتم دعوتم هؤلاء إلى عبادتكم من دوني، أم هم عبدوكم من تلقاء أنفسهم، من غير دعوة منكم لهم؟ كما قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَال اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَينِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَال سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (١١٦) مَا قُلْتُ لَهُمْ﴾، إلى آخر الآية، ولهذا قال تعالى مخبرًا عما يُجيب به المعبودون يوم القيامة: ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾. قرأ الأكثرون بفتح \"النون\" من قوله ﴿نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾، أي: ليس للخلائق كلهم أن يعبدوا أحدًا سواك، لا نحن ولا هم، فنحن ما دعوناهم إلى ذلك، بل هم قالوا ذلك من تلقاء أنفسهم من غير أمرنا ولا رضانا، ونحن برآء منهم ومن عبادتهم؛ كما قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ [¬٢] جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (٤٠) قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾.\nوقرأ آخرون: ﴿مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نُتَّخَذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾، أي: ما ينبغي لأحد أن يعبدنا، فإنا عبيد لك، فقراء إليك. وهي قريبة المعنى من الأولى.\n﴿وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ﴾، أي: طال عليهم العمر، حتى نسوا الذكر، أي: نسوا ما أنزلته إليهم على ألسنة رسلك، من الدعوة إلى عبادتك وحدك لا شريك لك.\n﴿وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا﴾، قال ابن عباس: أي: هلكى. وقال الحسن البصري - ومالك عن الزهري -: أي: لا خير فيهم. وقال ابن الزبعري حين أسلم:\nيا رَسُولَ المَليك إنّ لسانِي … رَاتقٌ [¬٣] ما فَتَقْتُ إذْ [¬٤] أنا بُورُ\nإذْ أجارِي الشَّيْطانَ فيِ سَنَنِ الغَـ … يّ، وَمَن مالَ ميلَه مَثْبُورُ\nقال الله تعالى: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ﴾، أي: فقد كذبكم الذين عبدتم فيما زعمتم أنهم لكم أولياء، وأنكم اتخذتموهم قربانًا يقربونكم إليه زلفى، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ وقوله: ﴿فَمَا تَسْتَطِيعُونَ [¬٥] صَرْفًا وَلَا نَصْرًا﴾، أي: لا يقدرون على صرف العذاب عنهم، ولا الانتصار لأنفسهم، ﴿وَمَنْ\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ت.\n[¬٢]- في ت: \"نحشرهم\" وهي قراءة الجمهور. وأثبتنا قراءة حفص بن عاصم.\n[¬٣]- في ز: \"رَائِقٌ\".\n[¬٤]- في ز: \"إذا\".\n[¬٥]- في ز، خ: \"يستطيعون\" وهي قراءة الجمهور. والمثبت قراءة حفص عن عاصم.","vol":"10","page":292},{"text":"يَظْلِمْ مِنْكُمْ﴾، أي: يشرك بالله ﴿نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا﴾.\n﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إلا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا (٢٠)﴾\nيقول تعالى مخبرًا عن جميع من بعثه من الرسل المتقدمين: إنّهم كانوا يأكلون الطعام، ويحتاجون إلى التغذي به و﴿وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ﴾، أي: للتكسب والتجارة، وليس ذلك بمناف لحالهم ومنصبهم؛ فإن الله جعل لهم من السمات الحسنة، والصفات الجميلة، والأقوال الفاضلة، والأعمال الكاملة، والخوارق الباهرة، والأدلة القاهرة، ما يستدل به كل ذي لب سليم وبصيرة مستقيمة؛ على صدق ما جاءوا به من الله ﷿. ونظير هذه الآية الكريمة قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ [¬١] قَبْلِكَ إلا رِجَالًا نُوحِي إِلَيهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾، ﴿وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ﴾.\nوقوله: ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ﴾، أي: اختبرنا بعضكم ببعض، وبلونا بعضكم ببعض، لنعلم من يطيع ممن يعصي؛ ولهذا قال: ﴿أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾، أي: [بمن يستحق أن يوحى إليه، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيثُ يَجْعَلُ رِسَالتَهُ﴾] [¬٢] ومن يستحق أن يهديه الله لما أرسلهم به ومن لا يستحق ذلك.\nوقال محمد بن إسحاق في قوله: ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ﴾، قال: يقول الله: لو شئت أن أجعل الدنيا مع رسلي لا [¬٣] يخالفون، لفعلت، ولكني قد أردت أن أبتلي العباد بهم، [وأبتليهم بهم] [¬٤].\nوفي صحيح مسلم (^٧) عن عياض بن حمار عن رسول الله، ﷺ: \"يقول الله: إني مبتليك ومبتل بك\". وفي المسند عن رسول الله، ﷺ: \"لو شئت لأجرى الله معي جبال الذهب والفضة\". وفي الصحيح أنه - عليه أفضل الصلاة والسلام - خير بين أن يكون نبيا ملكًا أو عبدًا رسولًا، فاختار أن يكون عبدًا رسولًا.\n﴿وَقَال الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَينَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ\n_________\n(^٧) صحيح مسلم حديث (٢٨٦٥).\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٣]- في ت: \"فلا\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.","vol":"10","page":293},{"text":"اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا (٢١) يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا (٢٢) وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (٢٣) أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا (٢٤)﴾\nيقول تعالى مخبرًا عن تَعَنُّت الكفار في كفرهم، وعنادهم في قولهم: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَينَا الْمَلَائِكَةُ﴾، أي: بالرسالة كما نُزّل على الأنبياء، كما أخبر عنهم تعالى في الآية الأخرى: ﴿قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ﴾ يحتمل أن يكون مرادهم ها هنا: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَينَا الْمَلَائِكَةُ﴾ فنراهم عيانًا، فيخبرونا أن محمدًا رسول الله، كقولهم: ﴿أَوْ [¬١] تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا﴾، وقد تقدم تفسيرها في سورة سبحان؛ ولهذا قال [¬٢]: ﴿أَوْ نَرَى رَبَّنَا﴾، ولهذا قال الله تعالى: ﴿لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا﴾. وقد قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيهِمْ كُلَّ شَيءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ﴾.\nوقوله: ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾، أي: هم لا يرون الملائكة في يوم خير لهم، بل يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ لهم، وذلك يصدق على وقت الاحتضار، حين تبشرهم الملائكة بالنار، وغضب الجبار، فتقول الملائكة للكافر عند خروج روحه: اخرجي أيتها النفس الخبيثة في الجسد. الخبيث، اخرجي إلى سموم وحميم، وظل من يحموم. فتأبى الخروج وتتفرق في البدن، فيضربونه، كما قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾، وقال: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيدِيهِمْ﴾، أي: بالضرب، ﴿أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾؛ ولهذا قال في هذه الآية الكريمة: ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ﴾، وهذا بخلاف حال المؤمنين في وقت احتضارهم، فإنهم يبشرون بالخيرات، وحصول المسرات. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ وفي الحديث الصحيح عن البراء بن عازب: أن الملائكة تقول لروح المؤمن: \"اخرجي أيتها النفس\n_________\n[¬١]- في ت: \"حتى\".\n[¬٢]- في ت: \"قالوا\".","vol":"10","page":294},{"text":"الطيبة في الجسد الطيب، كنت تعمرينه، اخرجي إلى روح وريحان ورب غير غضبان\". وقد تقدم الحديث في \"سورة إبراهيم\"، عند قوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ وقال آخرون: بل المراد بقوله: ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ﴾، يعني: يوم القيامة؛ قاله مجاهد، والضحاك، وغيرهما.\nولا منافاة بين هذا وبين ما تقدم، فإن الملائكة في هذه اليومين -يوم الممات ويوم المعاد- تتجلى للمؤمنين وللكافرين، فتبشر المؤمنين بالرحمة والرضوان، وتخبر الكافرين بالخيبة والخسران، فلا بشرى يومئذ للمجرمين.\n﴿وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ أي: [وتقول] [¬١] الملائكة للكافرين: حرام محرم عليكم الفلاح اليوم.\nوأصل \"الحجر\": المنع، ومنه يقال: حَجَر القاضي على فلان، إذا منعه التصرف إما لسفهٍ أو فلس، أو صغر، أو نحو ذلك، ومنه سمي \"الحجر\" عند البيت الحرام؛ لأنه يمنع الطواف أن يطوفوا فيه، وإنما يطاف من ورائه، ومنه يقال للعقل \"حجْرًا\"؛ لأنه يمنع صاحبه عن تعاطي ما لا يليق.\nوالغرض أن الضمير في قوله: ﴿وَيَقُولُونَ﴾ عائد على الملائكة، هذا قول مجاهد، وعكرمة، والضحاك، والحسن، وقتادة، وعطية العوفي، وعطاء الخراساني، وخصيف، وغير واحد، واختاره ابن جرير (^٨).\nوقال ابن أبي حاتم؛ حدثنا أبي، حدثنا أبو نعيم، حدثنا موسى -يعني: ابن قيس- عن عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري: ﴿وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾، قال: حرامًا مُحَرَّمًا أن يبشّر بما يبشر به المتقون.\nوقد حكى ابن جَرير، عن ابن جُريج أنه قال: ذلك من كلام المشركين: ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ﴾ أي: يتعوذون من الملائكة؛ وذلك أن العرب كأنوا إذا نزل بأحدهم نازلة أو شدة] [¬٢] يقول [¬٣]: ﴿حِجْرًا مَحْجُورًا﴾.\nوهذا القول -وإن كان له مأخذ ووجه- ولكنه بالنسبة إلى السياق [في الآية] [¬٤] بعيد، [ولا] [¬٥] سيما قد نص الجمهور على خلافه، ولكن قد روى ابن أبي نجيح، عن مجاهد أنه\n_________\n(^٨) تفسير الطبري (٢/ ١٩).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ت.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٣]- في ز: \"يقولون\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ت.\n[¬٥]- في ت: \"لا\".","vol":"10","page":295},{"text":"قال في قوله: ﴿حِجْرًا مَحْجُورًا﴾، أي: عوذًا معاذًا. فيحتمل أنه أراد ما ذكره ابن جُرَيج، ولكن في رواية ابن أبي حاتم، عن ابن أبي نَجيح، عن مجاهد أنه قال: ﴿حِجْرًا مَحْجُورًا﴾، عوذا معاذًا، الملائكة [تقُوله] [¬١]، فالله أعلم.\nوقوله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾، [وهذا] [¬٢] يوم القيامة، حين يحاسب الله العباد على ما عملوه من [خير وشر] [¬٣]، فأخبر أنه لا يتحصل لهؤلاء المشركين من الأعمال -التي ظنوا أنها منجاة لهم- شيء؛ وذلك لأنها فقدت الشرط الشرعي؛ إما الإِخلاص فيها، وإما المتابعة لشرع الله، فكل عمل لا يكون خالصًا وعلى الشريعة المرضية، [] [¬٤] فهو باطل. فأعمال الكفار لا تخلو من واحد من هذين، وقد تجمعهما معًا، فتكون أبعد من القبول حينئذ؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾.\nقال مجاهد والثورى: ﴿وَقَدِمْنَا﴾؛ أي: عمدنا. وقال السدى: قدمنا: عمدنا، وبعضهم يقول: أتينا عليه.\nوقوله: ﴿فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾، قال سفيان الثوري، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن عليّ ﵁ في قوله: ﴿هَبَاءً مَنْثُورًا﴾، قال [¬٥]: شعاع الشمس إذا دخل في الكوة. وكذا روي من غير هذا الوجه عن علي. وروي مثله [¬٦] عن ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جُبير، والسدي، والضحاك، وغيرهم. وكذا قال الحسن البصري: هو الشعاع في كوة أحدهم، ولو ذهب يقبض عليه لم يستطع.\nوقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: ﴿هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ قال: هو الماء المهراق.\nوقال أبو الأحوص، عن أبي إسحاق، عن [] [¬٧] الحارث، عن علي: ﴿هَبَاءً مَنْثُورًا﴾، قال: الهباء رَهْج (*) الدواب. وروي مثله عن ابن عباس أيضًا والضحاك، وقاله عبد الرحمن بن زيد بن أسلم.\nوقال قتادة في قوله: ﴿هَبَاءً مَنْثُورًا﴾، قال: ما [¬٨] رأيت يبيس (**) الشجر إذا أذرته [¬٩]\n_________\n[¬١]- ما ت: \"تقول ذلك\".\n[¬٢]- في ت: \"هذا\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في ت: \"الخير والشر\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفين في ز، خ: \"وإلا\".\n[¬٥]- في خ: \"على\".\n[¬٦]- سقط من: خ.\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"أبي\".\n(*) في ز، خ: \"وهج\". ويبدو أن الكلمة حرفت، وانقلبت الراء واوًا. والرهج: الغبار، والسحاب الرقيق كأنه غبار.\n[¬٨]- في ت: \"أما\".\n(**) اليَبِيس: ما يَبِس من العُشْب والبقول التي تتناثر إذا يبست.\n[¬٩]- في ت: \"ذرته\".","vol":"10","page":296},{"text":"الريح؟ فهو ذلك الورق.\nوقال عبد الله بن وهب: أخبرني عاصم بن حكيم، عن أبي سريع الطائي، عن [عَبيد بن تِعْلى] [¬١] قال: وإن الهباء الرماد.\nوحاصل هذه الأقوال التنبيه على مضمون الآية، وذلك أنهم عملوا أعمالًا اعتقدوا أنها شيء، فلما عرضت على الملك الحكيم العدل، الذي لا يجور، ولا يظلم أحدًا، إذا إنها لا شيء بالكلية. وشبهت في ذلك بالشيء التافه الحقير المتفرق، الذي لا يقدر منه صاحبه على شيء بالكلية، كما قال الله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ﴾ وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا﴾ إلى قوله ﴿لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيءٍ مِمَّا كَسَبُوا﴾. وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيئًا﴾ وتقدم الكلام على تفسير ذلك، ولله الحمد والمنة [¬٢].\nوقوله تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ أي: يوم القيامة لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة، أصحاب الجنة هم الفائزون] [¬٣] وذلك لأن [¬٤] أهل الجنة يصيرون إلى الدرجات العاليات، والغرفات الآمنات، فهم في مقام أمين، حسن المنظر، طيب المقام ﴿خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾، وأهل النار يصيرون إن الدركات السافلات، والحسرات المتتابعات، وأنواع العذاب والعقوبات ﴿إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾، أي: بئس المنزل منظرًا، وبئس المقيل مقامًا، ولهذا قال تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾، أي: بما عملوه من الأعمال المتقبلة، نالوا ما نالوا، وصاروا إلى ما صاروا إليه، بخلاف أهل النار فإنه [¬٥] ليس لهم عمل واحد يقتضي لهم دخول الجنة والنجاة من النار، فَنبه [تعالى] بحال السعداء على حال الأشقياء، وأنه لا خير عندهم بالكلية، فقال تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾. قال الضحاك، عن ابن عباس: إنما هي ضحوة، فيقيل أولياء الله على الأسِرّة مع الحور العين، ويقيل أعداء الله مع الشياطين مقرنين.\nوقال سعيد بن جبير: يفرغ الله من الحساب نصف النهار، فيقيل أهل الجنة في الجنة،\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"عبيد بن يعلى\" وحرف، تعلى يعلى. وترجمته في تهذيب الكمال [١٩/ ١٩٠]، والجرح والتعديل [٥/ ٤٠٢].\n[¬٢]- سقط من: خ، ز.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ت.\n[¬٤]- في ت: \"أن\".\n[¬٥]- في ت: \"فإنهم\".","vol":"10","page":297},{"text":"وأهل النار في النار، قال الله تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾. وقال عكرمة: إني لأعرف الساعة التي يدخل فيها أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار؛ [هي] [¬١] الساعة التي تكون في الدنيا عند ارتفاع الضحى الأكبر، إذا انقلب الناس إلى أهليهم للقيلولة، فينصرف أهل النار إلى النار، وأما أهل الجنة [فينطلق بهم إلى الجنة] [¬٢]، فكانت قيلولتهم [في الجنة] [¬٣]، وأطعموا كبد حوت، فأشبعهم [ذلك] [¬٤] كلهم، وذلك قوله: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾. وقال [سفيان، عن] [¬٥] ميسرة، عن المنهال، عن أبي عبيدة، عن عبد الله بن مسعود [أنه] [¬٦] قال: لا ينتصف النهار حتى يقيل هؤلاء وهؤلاء، ثم قرأ: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾. وقرأ: ﴿ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ﴾.\nوقال العوفي، عن ابن عباس في قوله: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾، قال: قالوا في الغرف من الجنة، وكان حسابهم أنْ [¬٧] عُرضوا على ربهم [¬٨] عرضة واحدة، وذلك الحساب اليسير، وهو مثل قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (٨) وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا﴾. وقال قتادة في قوله: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ أي: مأوى ومنزلا.\nو[¬٩] قال قتادة: وحدث صفوان بن محرز أنه قال: يجاء [يوم القيامة برجلين، كان أحدهما] [¬١٠] ملكا في الدنيا، إلى الحمرة والبياض فيحاسب، فإذا عبدٌ لم يعمل خيرًا [] [¬١١]، فيؤمر به إلى النار. والآخر كان صاحب كساء في الدنيا، فيحاسب. فيقول: يا رب، ما أعطيتني من شيء فتحاسبني به. [فيقول] [¬١٢]: صدق عبدي، فأرسلوه. فيؤمر به إلى الجنة، ثم يتركان ما شاء الله، ثم يدعى صاحب النار، فإذا هو مثل الحُمَمة السوداء، فيقال له: كيف وجدت؟ فيقول: شر مَقيل. فيقال له: عُدْ. ثم يُدعى بصاحب الجنة، فإذا هو مثل القمر ليلة البدر، فيقال له: كيف وجدت؟ فيقول: رب، خير مَقيل. فيقال له [¬١٣]: عد. رواها ابن أبي حاتم كلها.\nوقال ابن جرير (^٩): حدثني يونس، أنبأنا ابن وهب، أنبأنا عمرو بن الحارث، أن سعيدًا\n_________\n(^٩) تفسير الطبري (١٩/ ٥).\n_________\n[¬١]- في ت: \"وهي\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ت.\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين في خ: \"بن\"، وفي ز: \"سفيان بن\".\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: ت.\n[¬٧]- في ز، خ: \"إذ\".\n[¬٨]- سقط من: خ، ز.\n[¬٩]- سقط من: ز، خ.\n[¬١٠]- في ت: \"برجلين يوم القيامة أحدهما كان\".\n[¬١١]- في ت: \"قط\".\n[¬١٢]- في ت: \"فيقول الله\".\n[¬١٣]- سقط من: ز.","vol":"10","page":298},{"text":"الصوَّاف حدثه، أنه بلغه: أن يوم القيامة يقصر على المؤمن حتى يكون كما بين العصر إلى غروب الشمس، وأنهم ليقيلون [¬١] في رياض، الجنة حتى يفرغ من الناس، فذلك [¬٢] قوله تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾.\n﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا (٢٥) الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا (٢٦) وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيهِ يَقُولُ يَاليتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (٢٧) يَاوَيلَتَى لَيتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا (٢٨) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا (٢٩)﴾.\nيخبر تعالى عن هول يوم القيامة، وما يكون فيه من الأمور العظيمة، فمنها انشقاق [¬٣] السماء وتفطرها وانفراجها بالغمام، وهو ظلل النور العظيم الذي يبهر الأبصار، ونزول ملائكة السموات يومئذ، فيحيطون بالخلائق في مقام المحشر، ثم يجيء الرب ﵎ لفصل القضاء.\nقال مجاهد: وهذا كما قال تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمَّد بن عمار بن الحارث، حدثنا مؤمل، حدثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد عن [¬٤] يوسف بن مهران، عن ابن عباس، أنه قرأ هذه الآية: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾، قال ابن عباس ﵄: يجمع الله الخلق [في] [¬٥] يوم القيامة في صعيد واحد، الجن والإنس والبهائم والسباع والطير وجميع الخلق [¬٦]، فتنشق السماء الدنيا، فينزل أهلها - وهم أكثر من الجن والإنس ومن جميع الخلائق [¬٧]- فيحيطون بالجن والإنس وبجميع الخلق، ثم تنشق السماء الثانية فينزل أهلها [فيحيطون بالملائكة الذين نزلوا قبلهم وبالجن والإنس وجميع الخلق]، وهم أكثر من أهل السماء الدنيا ومن [الجن والإنس و] [¬٨] جميع الخلق [فيحيطون بالملائكة الذين نزلوا قبلهم\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"ليقيلوا\".\n[¬٢]- في ت: \"وذلك\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"اشتقاق\".\n[¬٤]- في ت، خ: \"بن\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ت.\n[¬٦]- في ت: \"الخلائق\".\n[¬٧]- في ت: \"الخلق\".\n[¬٨]- سقط من: ت.","vol":"10","page":299},{"text":"وبالجن والإنس وجميع الخلق] (*)، ثم تنشق السماء الثالثة، فينزل أهلها، وهم أكثر من أهل السماء الثانية والسماء الدنيا ومن جميع الخلق، فيحيطون بالملائكة الذين نزلوا قبلهم، وبالجن والإنس وجميع الخلق، ثم كذلك كل سماء حتى تنشق السماء السابعة، [فينزل أهلها] [¬١] وهم أكثر ممن نزل قبلهم من أهل السموات، ومن الجن والإنس، ومن جميع الخلق، فيحيطون بالملائكة الذين نزلوا قبلهم من أهل السموات، وبالجن والإنسِ وجميع الخلق كلهم [¬٢]، [و] [¬٣] ربنا ﷿ في ظلل من الغمام، وحوله الكرُوبيون وهم أكثر من أهل السموات السبع والإنس والجن وجميع الخلق، لهم قرون كأكعب القنا وهم تحت العرش، لهم زَجَل بالتسبيح والتهليل والتقديس لله ﷿، ما بين إخمص قدم أحدهم إلى كعبه مسيرة خمسمائة عام، وما بين كعبه إلى ركبته [¬٤] مسيرة خمسمائة عام، وما بين ركبته إلى أرنبته [¬٥] مسيرة خمسمائة عام، أو ما بين حجزته إلى ترقوته مسيرة خمسمائة عام] [¬٦] وما بين ترقوته [¬٧] إلى [موضع القُرط] [¬٨] مسيرة خمسمائة عام، [] [¬٩] وما فوق ذلك مسيرة خمسمائة عام، وجهنم مجنبته. هكذا رواه ابن أبي حاتم بهذا السياق.\nوقال ابن جرير (^١٠): حدثنا القاسم، حدثنا الحسين، حدثني الحجاج، عن مبارك بن فضالة، عن علي بن زيد بن جدعان، عن يوسف بن مهران، أنه سمع ابن عباس يقول: إن هذه السماء إذا انشقت نزل [¬١٠] منها من الملائكة أكثر من [الجن والإنس] [¬١١]، وهو يوم التلاق، يوم يلتقي أهل السماء وأهل [¬١٢] الأرض، فيقول أهل الأرض: جاء ربنا؛ فيقولون: لم يجيء، وهو آتٍ، ثم تنشق السماء الثانية، ثم سماء سماء، على قدر ذلك من التضعيف إلى السماء السابعة، فينزل منها من الملائكة أكثر [من جميع] [¬١٣] من نزل من السموات ومن الجن والإنس. قال: فتنزل الملائكة الكَروبيون، ثم يأتي ربنا في حملة العرش الثمانية، بين كعب كل ملك وركبته مسيرة سبعين سنة، ويأتي فخذه ومنكبه مسيرة سبعين سنة. قال: وكل\n_________\n(^١٠) تقدم الحديث عند تفسير الآية: ٧٣ من سورة الأنعام.\n_________\n(*) سقط من ز، خ. وأثبتناه من الدر المنثور [٥/ ١٢٤]، وهو في ت بعد: ثم تنشق السماء الثانية فينزل أهلها.\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- ما بين المعكوفين في ت: \"وينزل\".\n[¬٤]- في ت: \"ركبتيه\".\n[¬٥]- في ت: \"حجزته\".\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: م.\n[¬٧]- في ز: \"أرنبته\".\n[¬٨]- ما بين المعكوفتين في ز: \"ترقوته\".\n[¬٩]- ما بين المعكوفتين في ز: \"وما بين ترقوته إلى موضع القُرط مسيرة خمسمائة عام\".\n[¬١٠]- في ت: \"ينزل\".\n[¬١١]- ما بين المعكوفتين في ت: \"الإنس والجن\".\n[¬١٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬١٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"10","page":300},{"text":"ملك منهم لم يتأمل وجه صاحبه، وكل ملك منهم واضع رأسه بين ثدييه يقول: سبحان الملك القدوس! وعلى رءوسهم شيء مبسوط كأنه القَباء، من العرش فوق ذلك. ثم وقف. فمداره على عليّ بن زيد بن جُدْعان، وفيه ضعف، وفي سياقاته -غالبًا- نكارة شديدة، وقد ورد في حديث الصور المشهور قريب من هذا، والله أعلم.\nوقد قال الله تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (١٥) وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ (١٦) وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾. قال شهر بن حوشب: حملة العرش ثمانية، أربعة منهم يقولون: سبحانك اللهم وبحمدك، لك الحمد على حلمك بعد علمك، وأربعة يقولون: سبحانك اللَّهم وبحمدك، لك الحمد على عفوك بعد قدرتك. رواه ابن جرير عنه.\n[وقال] [¬١] أبو بكر بن عبد الله: إذا نظر أهل الأرض إلى العرش يهبط عليهم من فوقهم، شخصت إليه أبصارهم، ورجَفَت كُلاهم في أجوافهم، وطارت قلوبهم من مقرها من صدورهم إلى حناجرهم.\nوقال ابن جرير: حدثنا القاسم، حدثنا الحسين [¬٢]، حدثنا المعتمر بن سليمان، عن عبد الجليل، عن أبي حازم، عن عبد الله بن عمرو، قال: يهبط الله ﷿ حين يهبط وبينه وبين خلقه سبعون ألف حجاب، منها النور والظلمة، فيصوت الماء في تلك الظلمة صوتًا تنخلع منه القلوب. وهذا موقوف على [¬٣] عبد الله بن عمرو من كلامه، ولعلّه من الزاملتين، والله أعلم.\nوقوله تعالى: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾، كما قال تعالى: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾. وفي الصحيح (^١١) أن الله تعالى يطوي السموات بيمينه ويأخذ الأرضين [¬٤] بيده الأخرى ثم يقول: أنا الملك! أنا الديان! أين ملوك الأرض؟ أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟\nوقوله: ﴿وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾. أي: شديدًا صعبًا؛ لأنه يوم عدل وقضاء فصل، كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ (٨) فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (٩) عَلَى الْكَافِرِينَ غَيرُ يَسِيرٍ﴾. فهذا حال الكافرين في ذلك [¬٥] اليوم. وأما المؤمنون فكما قال تعالى: ﴿لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾.\n_________\n(^١١) صحيح مسلم حديث (٢٧٨٨) من حديث عبد الله بن عمر ﵁ وليس فيه: \"أنا الديان\".\n_________\n[¬١]- في ت: \"قال\".\n[¬٢]- في ت: \"الحسن\".\n[¬٣]- في ز: \"عن\".\n[¬٤]- في خ: \"الأرض\".\n[¬٥]- في ت: \"هذا\".","vol":"10","page":301},{"text":"قال [¬١] الإِمام أحمد (^١٢): حدثنا حسن [¬٢] بن موسى، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا دَرّاج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري قال: قيل: يا رسول الله: ﴿يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ ما أطول هذا اليوم! فقال رسول الله ﷺ: \"والذي نفسي بيده، إنه ليخفف على المؤمن حتى يكون أخف عليه من صلاة مكتوبة يصليها في الدنيا\".\nوقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيهِ يَقُولُ يَاليتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾ يخبر تعالى عن ندم الظالم الذي فارق طريق الرسول، ﷺ، وما جاء به من عند الله من الحق المبين، الذي لا مرية فيه، وسلك طريقا أخرى غير سبيل الرسول، فإذا كان يوم القيامة نَدم حيثُ لا ينفعه النَّدَم، وعلق على يديه حسرة وأسفًا.\nوسواء كان سبب نزولها في عقبة بن أبي مُعَيْط أو غيره من الأشقياء، فإنها عامة في كل ظالم؛ كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَاليتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا (٦٦) وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا (٦٧) رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَينِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا [¬٣]﴾ فكل ظالم يندم يوم القيامة غاية الندم، ويعض على يديه قائلا: ﴿يَاليتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (٢٧) يَاوَيلَتَى لَيتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا﴾. يعني: لمنْ [¬٤] صرفه عن الهدى، وعدل به إلى طريق [الضلالة] [¬٥]، وسواء في ذلك أمية بن خلف، أو أخوه أبي [¬٦] بن خلف، أو غيرهما.\n﴿لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ [] [¬٧] بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي﴾. أي: بعد بلوغه إليَّ، قال الله تعالى: ﴿وَكَانَ الشَّيطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا﴾ أي: يخذله عن الحق، ويصرفه عنه، ويستعمله في الباطل ويدعوه إليه.\n_________\n(^١٢) المسند (٣/ ٧٥) (١١٧٣٤)، وإسناده ضعيف. والحديث أخرجه أبو يعلى (٢/ ١٣٩٠) حدثنا زهير، حدثنا الحسن بن موسى به. وابن عدي في الكامل (٣/ ٩٨١) من طريق أسد بن موسى - تحرفت إلى أنس - ثنا ابن لهيعة به. وأخرجه ابن حبان في \"صحيحه\" (١٦/ ٧٣٣٤)، وهو في \"الموارد\" (٨/ ٢٥٧٧). والطبري في تفسيره (٢٩/ ٧٢). من طريقين عن ابن وهب به، وتحرف عند الطبري \"عن أبي سعيد\" إلى \"عن سعيد\". وذكره الهيثمي في \"المجمع\" (١٠/ ٣٤٠) وقال: \"رواه أحمد وأبو يعلى وإسناده حسن على ضعف في راويه\". وزاد نسبته السيوطي في \"الدر المنثور\" (٦/ ٤١٧) والتبريزي في \"مشكاة المصابيح\" (٣/ ٥٥٦٤) إلى \"البيهقي في \"كتاب البعث والنشور\".\n_________\n[¬١]- في ز: \"وقال\".\n[¬٢]- في ت: \"حسين\".\n[¬٣]- في ز: \"كثيرًا\".\n[¬٤]- في ت: \"من\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين في ت: \"الضلال\" من دعاة الضلالة.\n[¬٦]- في ز: \"أمية\".\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين في ت: \"وهو القرآن\".","vol":"10","page":302},{"text":"﴿وَقَال الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا (٣٠) وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا (٣١)﴾\nيقول تعالى مخبرًا عن رسوله ونبيه محمد، صلوات الله وسلامه عليه دائمًا إلى يوم الدين، أنه قال: ﴿يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾. وذلك أن المشركين كانوا لا يُصغُون للقرآن ولا يسمعونه [¬١]، [كما قال تعالى] [¬٢]: ﴿وَقَال الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾. وكانوا [¬٣] إذا تلي عليهم القرآن أكثروا اللغط والكلام في غيره، حتى لا يسمعوه؛ فهذا من هجرانه، وتركُ الإيمان به وتصديقه من هجرانه، [وترك تدبره وتفهمه من هجرانه، وتركُ العمل به وامتثال أوامره واجتناب زواجره من هجرانه] [¬٤]، والعدول عنه إلى غيره من شعر أو قول أو غناء أو لهو أو كلام أو طريقة مأخوذة من غيره من هجرانه، فنسأل الله الكريم المنان القادر على ما يشاء، أن يخلصنا مما يُسخطه، ويستعملنا فيما يرضيه، من حفظ كتابه وفهمه، والقيام بمقتضاه آناءَ الليل وأطرافَ النهار، على الوجه الذي يحبه ويرضاه، إنه كريم وهاب.\nوقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾، أي: كما حصل لك يا محمد في قومك من الذين هجروا القرآن، كذلك كان في الأمم الماضين [¬٥]؛ لأن الله جعل لكل نبي عدوًّا من المجرمين، يدعون الناس إلى ضلالهم وكفرهم، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (١١٢) وَلِتَصْغَى إِلَيهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ﴾؛ ولهذا قال تعالى ها هنا: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾. أي: لمن اتبع رسوله، وآمن بكتابه وصدقه واتبعه، فإن الله هاديه وناصره في الدنيا والآخرة، وإنما قال: ﴿هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾؛ لأن المشركين كانوا [¬٦] يصدون الناس عن اتباع القرآن، لئلا يهتدي أحد به، ولتغلب طريقتهم طريقة القرآن؛ فلهذا قال: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾.\n﴿وَقَال الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا (٣٢) وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إلا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ\n_________\n[¬١]- في ت: \"يستمعونه\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في ز: \"كانوا\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٥]- في ز: \"الماضين\".\n[¬٦]- سقط من: خ، ز.","vol":"10","page":303},{"text":"تَفْسِيرًا (٣٣) الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا (٣٤)﴾.\nيقول تعالى مخبرًا عن كثرة اعتراض الكفار وتعنتهم، وكلامهم فيما لا يعنيهم، حيث قالوا: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾. أي: هذا أنزل عليه هذا الكتاب الذي أوحي إليه جملة واحدة، كما نزلت الكتب قبله [] [¬١]، كالتوراة والإنجيل والزبور، وغيرها من الكتب الإلهية. فأجابهم الله تعالى عن ذلك بأنه إنما أنزل [¬٢] منجمًا في ثلاث وعشرين سنة بحسب الوقائع والحوادث، وما يحتاج إليه [¬٣] من الأحكام لتثبيت قلوب المؤمنين به كقوله: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾. ولهذا قال: ﴿لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾.\nقال قتادة: وبيّناه تبيينًا. وقال عبد الرحمن بن زيد من أسلم: وفسرناه تفسيرًا.\n﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ﴾. أي: بحجة وشبهة ﴿إلا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾. أي: ولا يقولون قولًا يعارضون به الحق إلَّا أجبناهم بما هو الحق في نفس الأمر، وأبين وأوضح وأفصح من مقالتهم. قال سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس: ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ﴾، أي: بما يلتمسون به عيب القرآن والرسول ﴿إلا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ أي: إلا نزل جبريلُ من الله بجوابهم.\nثم في هذا اعتناء كبير؛ لشرف الرسول ﷺ حيث كان يأتيه الوحي من الله ﷿ بالقرآن صباحًا ومساء، [وليلًا] [¬٤] أو نهارًا، سفرًا وحضرًا، وكل مرة كان يأتيه الملك بالقرآن كإنزال كتاب [¬٥] مما قبله من الكتب المتقدمة، فهذا المقام أعلى وأجل، وأعظم مكانة من سائر إخوانه من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.\nفالقرآن أشرف كتاب أنزله الله، ومحمد، ﷺ، أعظم نبي أرسله الله تعالى، وقد جمع الله للقرآن الصفتين معًا، ففي الملأ الأعلى أنزل جملة واحدة [¬٦] من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة [من سماء] [¬٧] الدنيا، ثم نزل [¬٨] بعد ذلك إلى الأرض منجمًا بحسب الوقائع والحوادث.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ت: \"جملة واحدة\".\n[¬٢]- في ت: \"نزل\".\n[¬٣]- سقط من: خ، ز.\n[¬٤]- في ت: \"وليلًا\".\n[¬٥]- في ت: \"الكتاب\".\n[¬٦]- سقط من: ز، خ.\n[¬٧]- ما بين المعكوفين في ت: \"في السماء\".\n[¬٨]- في ت: \"أنزل\".","vol":"10","page":304},{"text":"[قال أَبو عبد الرحمن النَّسائي (^١٣): أخبرنا أحمد بن سليمان، حدَّثنا يزيد بن هارون، أخبرنا داود، عن عكرمة] [¬١] عن ابن عباس؛ قال: أنزل القرآن [جملة] [¬٢] إلى السماء [¬٣] الدنيا في ليلة القدر، ثم نزل بعد ذلك في عشرين سنة، قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إلا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾، و[قوله] [¬٤]: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾.\nثم قال تعالى مخبرًا عن سوء حال الكفار في معادهم يوم القيامة وحشرهم إلى جهنم، في أسوأ الحالات وأقبح الصفات: ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾. وفي الصحيع (^١٤) عن أَنس أن رجلًا قال: يا رسول الله، كيف يحشر الكافر على وجهه يوم القيامة؟ فقال: \"إن الذي أمشاه على رجليه قادر أن يُمشيه على وجهه يوم القيامة\". وهكذا قال مجاهد والحسن وقَتَادة وغير واحد من المفسرين.\n﴿وَلَقَدْ آتَينَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا (٣٥) فَقُلْنَا اذْهَبَا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا (٣٦) وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا (٣٧) وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَينَ ذَلِكَ كَثِيرًا (٣٨) وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَال وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا (٣٩)﴾\nيقول تعالى متوعدًا مَنْ كَذَّبَ رسوله محمدًا ﷺ من مشركي قومه ومَنْ خالفه، ومحذرهم من عقابه وأليم عذابه، مما [¬٥] أحله بالأمم الماضية المكذبين لرسله، فبدأ بذكر موسى ﵇ وأنه ابتعثه [¬٦] وجعل معه أخاه هارون وزيرًا؛ أي: نبيًّا مُوَازرًا ومؤيدًا وناصرًا، فكذبهما فرعون وجنوده، فـ ﴿دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا﴾. وكذلك فعلَ بقوم نوح حين كذّبوا رسوله نوحًا ﵇ ومن كذب برسول فقد كذب\n_________\n(^١٣) النَّسائي في السنن الكبرى حديث (١١٣٧٢).\n(^١٤) صحيح البخاري حديث (٤٧٦٠)، وصحيح مسلم حديث (٢٨٠٦).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ت: \"وروى النسائي بإسناده\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفين في ت: \"جملة واحدة\".\n[¬٣]- في ت: \"سماء\".\n[¬٤] ما بين المعكوفتين في ت: \"وقول تعالى\".\n[¬٥]- في ز، خ: \"فيما\".\n[¬٦]- في ت: \"بعثه\".","vol":"10","page":305},{"text":"بجميع الرسل؛ إذ لا فرق بين رسول ورسول، ولو فرض أن الله بعث إليهم كل رسول فإنهم كانوا يكذبونه؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ﴾. ولم يبعث إليهم إلا نوح فقط، وقد لبث فيهم ألف سنة إلَّا خمسين عامًا، يدعوهم إلى الله ﷿ ويحذرهم نقمته [¬١]، فما آمن معه إلَّا قليل؛ ولهذا أغرقهم الله جميعًا، ولم يبق منهم أحدًا [¬٢]، ولم يبق [¬٣] من بني آدم على وجه الأرض سوى أصحاب السفينة فقط.\n﴿وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً﴾. أي: عبرة يعتبرون بها، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ (١١) لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾. أي: وأبقينا لكم من [¬٤] السفن ما تركبون في لُجَج البحار، لتذكروا نعمة الله عليكم في إنجائكم من الغرق، وجَعْلكم من ذرّية من آمن به وصَدَّق أمره.\nوقوله تعالى: (﴿وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ﴾ قد تقدم الكلام على قصتيهما في غير ما سورة، [منها في سورة] [¬٥] الأعراف بما أغنى عن الإِعادة.\nوأما أصحاب الرس فقال ابن جريج: قال [¬٦] ابن عبَّاس: هم أهل قرية من قرى ثمود.\n[قال] [¬٧] ابن جريج: [وقال] [¬٨] عكرمة: أصحاب الرس بفَلَج [¬٩] وهم أصحاب ياسين وقال قَتَادة: فَلَج: من قرى اليمامة.\nوقال ابن أبي حاتم: حدَّثنا أحمد بن عمرو بن أبي عالم النبيل [¬١٠]، حدَّثنا الضحاك بن مخلد أَبو عالم، حدَّثنا شبيب بن بشر، حدَّثنا عكرمة عن ابن عبَّاس في قوله: ﴿وَأَصْحَابَ الرَّسِّ﴾، قال: بئر بأذربيجان.\nوقال سفيان الثَّوري عن أبي بُكَير عن عكرمة: الرس: بئر رسوا فيها نبيهم. أي: دفنوه بها [¬١١].\nوقال محمد بن إسحاق، عن محمد بن كعب القرظي [¬١٢] قال [¬١٣]: قال رسول الله ﷺ: \"إن أول الناس يدخل الجنة يوم القيامة العبدُ الأسود، وذلك أن الله تعالى وتبارك بعث نبيًّا إلى أهل قرية، فلم يؤمن به من أهلها إلَّا ذلك [العبد الأسود] ثم إن\n_________\n[¬١]- في ت: \"نقمه\".\n[¬٢]- في ت: \"أحدًا\".\n[¬٣]- في ت: \"يترك\".\n[¬٤]- في ز، خ: \"في\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين في ت: \"كسورة\".\n[¬٦]- في ت: \"عن\".\n[¬٧]- في ت: \"وقال\".\n[¬٨]- في ت: \"قال\".\n[¬٩]- في ز: \"بقلح\".\n[¬١٠]- سقط من: ت.\n[¬١١]- في ت: \"فيها\".\n[¬١٢]- سقط من: ت.\n[¬١٣]- سقط من: ز، خ.","vol":"10","page":306},{"text":"إن أهل [¬١] القرية عَدَوا على النبي، فحفروا له بئرًا فألقوه فيها، ثم أطبقوا عليه بحجر أصم [¬٢].\nقال: فكان ذلك العبد يذهب فيحتطب [¬٣] على ظهره، ثم يأتي بحطه فيبيعه، ويشتري به طعامًا وشرابًا، ثم يأتي به إلى تلك البئر، فيرفع تلك الصخرة، ويعينه الله عليها، فيدلي إليه طعامه وشرابه، ثم يردها كما كانت. قال: فكان كذلك ما شاء الله أن يكون، ثم إنه ذهب يومًا يحتطب كما كان يصنع [¬٤]، فجمع حطبه وحزم حُزْمَته وفرغ منها، فلما أراد أن يحتملها وجد سنة، فاضطجع فنام. [فضُرِبَ] [¬٥] على أذنه سبع سنين [نائمًا] ثم إنه هب فتمطى، فتحول لشقه الآخر فاضطجع، فضرب الله على أذنه سبع سنين] [¬٦] أخرى، ثم إنه هب واحتمل حُزْمتَه ولا يحسبُ إلا أنَّه نام ساعة من نهار، فجاء إلى القرية فباع حزمته، ثم اشترى طعامًا وشرابًا كما كان يصنع، ثم ذهب إلى الحفيرة في موضعها الذي كانت فيه، فالتمسه فلم يجده. [وقد كان] [¬٧] بدا لقومه فيه بَداء، فاستخرجوه وآمنوا به وصدقوه.\nقال: فكان نبيهم يسألهم عن ذلك الأسود: ما فعل؟ فيقلون له: ما ندري. حتَّى قبض الله النبي، وأهبَّ الأسود من نومته بعد ذلك. فقال رسول الله، ﷺ: \"إن ذلك الأسود لأولُ من يدخل الجنَّة\".\n[هكذا] [¬٨] رواه ابن جرير (^١٥)، عن ابن حميد، عن سلمة، عن محمد [¬٩] بن إسحاق، عن محمد بن كعب مرسلًا وفيه غرابة ونكارة ولعل فيه إدراجًا، واللَّه أعلم [وأما ابن جرير فقال] [¬١٠]: لا يجوز أن يحمل هؤلاء على أنهم أصحاب الرس الذين ذكروا في القرآن؛ لأن الله أخبر عنهم أنَّه أهلكهم وهؤلاء قد بدا لهم فآمنوا [¬١١] بنبيهم، اللهم [¬١٢] أن يكون حدث لهم [¬١٣] أحداث آمنوا بالنبي بعد هلاك آبائهم، والله أعلم.\nواختار ابن جرير أن المراد بأصحاب الرس هم أصحاب الأخدود الذين ذكروا في سورة البروج، فالله أعلم.\n_________\n(^١٥) تفسير الطبري (١٩/ ١٠).\n_________\n[¬١]- سقط من: خ، ز.\n[¬٢]- في ت: \"ضخم\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"فيتحطب\".\n[¬٤]- سقط من: خ، ز.\n[¬٥]- ما بين المعكوفين في ت: \"فضرب الله\".\n[¬٦]- ما بين المعكوفين سقط من: خ.\n[¬٧]- في ت: \"كان وقد\".\n[¬٨]- في ت: \"وهكذا\".\n[¬٩]- سقط من: ز، خ.\n[¬١٠]- ما بين المعكوفتين في ت: \"وقال ابن جرير\".\n[¬١١]- في ت: \"آمنوا\".\n[¬١٢]- في ت: \"إلَّا\".\n[¬١٣]- في ز: \"له\".","vol":"10","page":307},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَقُرُونًا بَينَ ذَلِكَ كَثِيرًا﴾. أي: وأمم أبين أضعاف مَنْ ذُكِرَ أهلكناهم كثيرة؛ ولهذا قال: ﴿وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَال﴾ أي [¬١] بينا لهم الحجج، ووضحنا لهم الأدلة. كما قال قَتَادة أزحنا الأعذار عنهم ﴿وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا﴾ أي: أهلكنا إهلاكًا؛ كقوله تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ﴾ والقرن هو: الأمة من الناس. كقوله: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾ وحده بعضهم بمائة وعشرين سنة، وقيل: بمائة سنة، وقيل: بثمانين سنة [¬٢]، وقيل: أربعين، وقيل غير ذلك، والأظهر أن القرن هم الأمة المتعاصرون [¬٣] في الزمن الواحد وإذا ذهبوا وخلفهم جيل فهم [¬٤] قرن ثانٍ [¬٥] كما ثبت في الصحيحين [عن رسول الله، ﷺ، أنَّه قال] [¬٦] خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم\". الحديث.\nوقوله: ﴿وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ﴾. يعني قرية قوم لوط وهي سدوم ومعاملتها، التي [أهلكها] [¬٧] بالقلب وبالمطر [الحجارة من سجيل] [¬٨]. كما قال تعالى: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ﴾ وقال: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾ وقال: ﴿فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ﴾ ولهذا قال: ﴿أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا﴾ أي فيعتبروا بما حل بأهلها من العذاب والنكال بسبب تكذيبهم بالرسول ومخالفتهم [¬٩] أوامر الله.\nوقوله: ﴿بَلْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ نُشُورًا﴾ يعني المارِّين بها من الكفار لا يعتبرون؛ لأنهم [¬١٠] لا يرجون نشورًا؛ أي: معادًا يوم القيامة.\n﴿وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا بَلْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ نُشُورًا (٤٠) وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إلا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا (٤١) إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيهَا وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٢) أَرَأَيتَ مَنِ\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- سقط من: ت.\n[¬٣]- في ت: \"المتعاصرة\".\n[¬٤]- في ت: \"فهو\".\n[¬٥]- في ت: \"آخر\".\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: ت.\n[¬٧]- في ت: \"أهلكها الله\".\n[¬٨]- ما بين المعكوفتين في ت: \"من الحجارة التي من سجيل\".\n[¬٩]- في ت: \"بمخالفتهم\".\n[¬١٠]- في ت: \"أنهم\".","vol":"10","page":308},{"text":"اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيهِ وَكِيلًا (٤٣) أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إلا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٤)﴾\nيخبر تعالى عن استهزاء المشركين بالرسول، ﷺ، إذا رأوه؛ كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إلا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ] [¬١]﴾ \". يعنون بالعيب والنقص، وقال هاهنا: ﴿وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إلا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ أي: على سبيل التنقص والازدراء قبحهم [¬٢] الله! كما قال ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ [فَأَمْلَيتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيفَ كَانَ عِقَابِ] [¬٣]﴾.\nوقوله تعالى: ﴿إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيهَا﴾ يعنون أنه كاد يثنيهم [¬٤] عن عبادة أصنامهم [¬٥] لولا أن صبروا وتجلدوا واستمروا على عبادتها! قال الله تعالى متوعدًا لهم ومتهددًا: ﴿وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ [مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا] [¬٦]﴾.\nثم قال تعالى لنبيه منبهًا له أن من كتب الله عليه الشقاوة والإضلال [¬٧] فإنه لا يهديه أحد إلَّا الله ﷿ ﴿أَرَأَيتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ أي: مهما استحسن من شيء، ورآه حسنًا في هوى نفسه [كان دينه ومذهبه؛ كما قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا] [¬٨] فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيهِمْ حَسَرَاتٍ﴾. ولهذا قال ها هنا: ﴿أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيهِ وَكِيلًا﴾. قال ابن عبَّاس: كان الرجل في الجاهلية يعبد الحجر الأبيض زمانًا فإذا رأى غيره أحسن منه عبد الثاني وترك الأول.\nثم قال تعالى: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إلا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾. أي: هم أسوأُ حالًا من الأنعام السارحة فإن تلك تفعل [¬٩] ما خلقت له، وهؤلاء خلقوا لعبادة الله وحده لا شريك له [] [¬١٠] وهم يعبدون غيره ويشركون به مع قيام الحجة عليهم وإرسال الرسل إليهم.\n﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيهِ\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ت.\n[¬٢]- في ت: \"فقبحهم\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ت.\n[¬٤]- في ت: \"يفتنهم\".\n[¬٥]- في ت: \"الأصنام\".\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: ت.\n[¬٧]- في ت: \"الضلال\".\n[¬٨]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٩]- في ز: \"تعقل\".\n[¬١٠]- ما بين المعكوفتين في ت: \"فلم يفعلوا\".","vol":"10","page":309},{"text":"دَلِيلًا (٤٥) ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَينَا قَبْضًا يَسِيرًا (٤٦) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا (٤٧)﴾\nمن ها هنا شرع ﷾ في بيان الأدلة الدالة على وجوده وقدرته التامة على خلق الأشياء المختلفة والمتضادة فقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾. قال ابن عبَّاس، وابن عمر، وأَبو العالية، وأَبو مالك، ومسروق، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وإبراهيم النخعي، والضحاك، والحسن البصري، وقَتَادة، والسّدى وغيرهم: هو ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس.\n﴿وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا﴾ أي: دائمًا لا يزول؛ كما قال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيكُمُ اللَّيلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾، ﴿قُلْ أَرَأَيتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾.\nوقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا﴾ أي: لولا أن الشمس تطلع عليه لما عرف، فإن الضد لا يعرف إلَّا بضده.\nوقال قَتَادة، والسُّديّ: دليلًا يتلوه ويتبعه حتَّى يأتي عليه كله.\nوقوله: ﴿ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَينَا قَبْضًا يَسِيرًا﴾ أي: الظل. وقيل: الشمس. ﴿إِلَينَا قَبْضًا يَسِيرًا﴾ أي: سهلًا - قال ابن عبَّاس: سريعًا. وقال مجاهد: خفيفًا. وقال السُّديّ: قبضًا خفيًّا، حتَّى لا يبقى في الأرض ظل إلَّا تحت سقف أو تحت شجرة، وقد أظلت الشمس ما فوقه.\nوقال أيوب بن موسى: ﴿ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَينَا قَبْضًا يَسِيرًا﴾. أي: قليلًا قليلًا.\nوقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيلَ لِبَاسًا﴾، أي: يلبس الوجود ويُغَشّيه، كما قال: ﴿وَاللَّيلِ إِذَا يَغْشَى﴾، وقال: ﴿وَاللَّيلِ إِذَا يَغْشَاهَا﴾.\n﴿وَالنَّوْمَ سُبَاتًا﴾، أي: قَطْعًا للحركة لراحة الأبدان، فإن الأعضاء والجوارح تَكل من كثرة الحركة في الانتشار بالنهار في المعايش، فإذا جاء الليل وسكن سكنت الحركات، فاستراحت فحصل النوم الذي فيه راحة البدن والروح معًا.\n﴿وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا﴾، أي: يتنشر [¬١] الناسُ فيه لمعايشهم ومكاسبهم وأسبابهم، كما\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"ينشر\".","vol":"10","page":310},{"text":"قال تعالى: ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.\n﴿وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَينَ يَدَي رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا (٤٨) لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا (٤٩) وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَينَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إلا كُفُورًا (٥٠)﴾\nوهذا أيضًا من قدرته التامة وسلطانه العظيم، وهو أنَّه تعالى يرسل الرياح مبشرات. أي: بمجيء السحاب بعدها، والرياح أنواع، في صفات كثيرة من التسخير، فمنها ما يثير السحاب، ومنها ما تحمله [¬١]، ومنها ما تسوقه [¬٢]، ومنها ما يكون بين يدي السحاب مبشرًا، ومنها ما يكون قبل ذلك يقُمّ الأرض، ومنها ما يلقح السحاب ليمطر، ولهذا قال: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾. أي: آلة يتطهر بها، كالسُّحُور والوقود [¬٣] وما جرى مجراه. هذا [¬٤] أصح ما يقال في ذلك.\nوأما من قال: إنه فعول بمعنى فاعل؛ أو: إنه مبني للمبالغة أو التعدي، فعلى كل منهما إشكالات من حيث اللغة والحكم، ليس هذا موضعَ بسطها، والله أعلم.\nوقال ابن أبي حاتم: حدَّثنا أبي، حدَّثنا عمر بن حفص بن غياث، حدَّثنا أبي، عن أبي جعفر الرازي، حدثني حُميد الطويل، عم، ثابت البُنَاني؛ قال: دخلت مع أبي العالية في يوم مطر، وطرق البصرة قَذرة، فصلى؛ فقلت له [¬٥]، فقال: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾. قال: طهره ماء السماء.\nوقال أيضًا: حدَّثنا أبي، حدَّثنا أَبو سلمة، حدَّثنا وُهَيب، عن داود، عن سعيد بن المسيب في هذه الآية: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ لا ينجسه شيء.\nوعن أبي سعيد قال (^١٦): قيل: قيل يا رسول الله؛ أنتوضأ من بئر بضاعة؟ -وهي بئر يلقى فيها النتن ولحومُ الكلاب- فقال: \"إن الماء طهور لا ينجسه شيء\". رواه الشَّافعي، وأحمد\n_________\n(^١٦) الأم للشافعي (١/ ٩)، والمسند (٣/ ١٥)، وأخرجه النَّسائي -كتاب المياه، باب: \"ذكر بئر بضاعة\"- (١/ ١٧٤). والطحاوي في شرح معاني الآثار - (١/ ١٢). وأَبو يعلى في مسنده - (١٣٠٤) - (٢/ ٤٧٦). والبيهقي في الكبرى -كتاب الطهارة، باب: الماء الكثير لا ينجس بنجاسة تحدث فيه =\n_________\n[¬١]- في ت: \"يحمله\".\n[¬٢]- في ت: \"يسوقه\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"الوجود\".\n[¬٤]- في ت: \"فهذا\".\n[¬٥]- بياض في ز، خ.","vol":"10","page":311},{"text":"وصححه، وأَبو داود، والتِّرمِذي وحسنه، والنَّسائي.\nوقال ابن أبي حاتم: حدَّثنا أبي، حدَّثنا أَبو الأشعث، حدَّثنا معتمر، سمعت أبي يحدث عن سيار، عن خالد بن يزيد؛ قال: كان عند عبد الملك بن مروان، فذكروا الماء، فقال خالد بن يزيد: منه من السماء، ومنه ما يسقيه الغيم من البحر فيعذبه الرعد والبرق، فأما ما كان من البحر فلا يكون له نبات فأما النبات فمما كان من السماء.\nوروي عن عكرمة قال: ما أنزل الله من السماء قطرة إلا أنبت بها في الأرض عشبة أو في البحر لؤلؤة. وقال غيره: في البر برٌّ، وفي البحر دُرٌّ.\nوقوله: ﴿لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيتًا﴾ أي: أرضًا قد طال انتظارها للغيث، فهي هامدة لا نبات فيها ولا شيء، فلما جاءها الحيا عاشت واكتست رباها أنواع الأزاهير والألوان؛ كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ ﴿لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا﴾. أي: وليشرب منه الحيوان من أنعام وأناسي، محتاجون [¬١] إليه غاية الحاجة، لشربهم وزروعهم وثمارهم، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ﴾، وقال تعالى: ﴿فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ﴾.\nوقوله: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَينَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا﴾. أي: أمطرنا هذه الأرض دون هذه، وسقنا السحاب فمر على الأرض وتعداها وجاوزها [إلى الأرض الأخرى] [¬٢]، لم ينزل فيها قطرة من\n_________\n= ما لم يتغير (١/ ٢٥٧ - ٢٥٨). من طريق عن عبد العزيز بن مسلم له - وسقط في شرح معاني الآثار \"سليط\"؛ فليستدرك.\nوأخرجه أَبو داود -كتاب الطهارة، باب: ما جاء في بئر بضاعة - (٦٦). والتِّرمِذي -كتاب الطهارة، باب: ما جاء في أن الماء لا ينجسه شيء - (٦٦). والنَّسائي - (١/ ١٧٤) وابن الجارود في \"المنتقى\" (٤٧)، والبيهقي (١/ ٤ - ٥٨)، وأحمد (١١٢٧٣) (٣/ ٣١).\nمن طريق أبي أسامة عن الوليد بن كثير عن محمد بن كعب عن عبيد الله بن عبد الله بن رافع بن خديج عن الخدري.\nوقال التِّرمِذي: هذا حديث حسن، وقد جود أَبو أسامة هذا الحديث، فلم يرو واحد حديث أبي سعيد في بئر بضاعة أحسن مما روى أَبو أسامة، وقد روي هذا الحديث من غير وجه عن أبي سعيد.\nوأخرجه أَبو داود - (٦٧) والطحاوي - (١/ ١١) وأحمد (١١٨٣١) (٣/ ٨٦).\nمن طرق ثلاثة عن محمد بن إسحاق عن سليط بن أيوب عن عبيد الله بن عبد الرحمن بن رافع عن أبي سعيد به.\nوالحديث صححه الشيخ الألباني في الإرواء (١٤).\n_________\n[¬١]- في ت: \"محتاجين\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سىقط من: خ، ز.","vol":"10","page":312},{"text":"ماء، وله في ذلك الحجة البالغة والحكمة القاطعة.\nقال ابن مسعود وابن عبَّاس: ليس عام بأكثر مطرًا من عام، ولكن الله يصرفه كيف يشاء، ثم قرأ هذه الآية: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَينَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إلا كُفُورًا﴾.\nأي: ليذكروا بإحياء الله الأرض الميتة أنَّه قادر على إحياء الأموات والعظام والرفات [¬١]. أو: ليذكر من مُنِعَ القَطْر أنما أصابه ذلك بذنب أصابه، فيقلع عما هو فيه.\nوقال عُمَر مولى غُفْرَةَ: كان جبريل ﵇ في موضع الجنائز، فقال له النبي، ﷺ: \"يا جبربل، إني أحب أن أعلم أمْرَ السحاب\" قال [¬٢] فقال جبريل: يا نبي الله، هذا ملك السحاب فسله. فقال: تأتينا صكَاك مخَتَّمة: اسق بلاد كذا وكذا، كذا وكذا قطرة. رواه ابن أبي حاتم، وهو حديث مرسل.\nوقوله: ﴿فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إلا كُفُورًا﴾. قال عكرمة: يعني الذين يقولون: مطرنا بنَوء كذا وكذا.\nوهذا الذي قاله عكرمة كما صَحّ في الحديث المخرج في صحيح مسلم (^١٧)، عن رسول الله، ﷺ، أنَّه [¬٣] قال لأصحابه يومًا [¬٤]، على أثر سماء أصابتهم من الليل: أتدرون ماذا قال ربكم؟ \" قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: \"قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مُطرنا بفضل الله ورحمته فذاك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما [¬٥] من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا فذاك كافر بي، مؤمن بالكوكب\".\n﴿وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا (٥١) فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا (٥٢) وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَينِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَينَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا (٥٣) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا (٥٤)﴾\nيقول تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا﴾، يدعوهم إلى الله ﷿، ولكنا خصصناك، يا محمد، بالبعثة إلى جميع أهل الأرض، وأمرناك أن تبلغ الناس هذا القرآن،\n_________\n(^١٧) صحيح مسلم حديث (٧١) من حديث زيد بن خالد الجهني.\n_________\n[¬١]- في ت: \"والرفات\".\n[¬٢]- سقط من: ت.\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- سقط من: خ، ز.\n[¬٥]- سقط من: ز، خ.","vol":"10","page":313},{"text":"﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ﴾ ﴿لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾. ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيكُمْ جَمِيعًا﴾.\nوفي الصحيحين: \"بعثت إلى الأحمر والأسود\". وفيهما: \"وكان النبي يبعث إلى قومه [] [¬١]، وبعثت إلى الناس عامة\"؛ ولهذا قال: ﴿فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ﴾ يعني: القرآن [¬٢]؛ قاله ابن عبَّاس ﴿جِهَادًا كَبِيرًا﴾ كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيهِمْ﴾.\nوقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَينِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾، أي: خلق الماءين: الحلو والملح، فالحلو كالأنهار والعيون والآبار، وهذا هو البحر الحلو الفرات العذب الزلال؛ قاله ابن جريج، واختاره ابن جرير، وهذا الذي لا شك فيه، فإنه ليس في الوجود بحر ساكن وهو عذب فرات. والله سبحانه إنما أخبر [عن الواقع] [¬٣] لينبه العباد على نعمه عليهم ليشكروه، فالبحر العذب هو هذا السارح بين الناس، فرقه تعالى [¬٤] بين خلقه لاحتياجهم إليه أنهارًا وعيونًا في كل أرض بحسب حاجتهم وكفايتهم لأنفسهم وأراضيهم.\nوقوله: ﴿وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾ أي: مالح مرٌّ زُعَاق (*) لا يستساغ [¬٥]، وذلك كالبحار المعروفة في المشارق والمغارب، البحر المحيط وما يتصل به من الزقاق وبحر القلزم، وبحر اليمن، وبحر البصرة، وبحر فارس، وبحر الصين والهند، وبحر الروم، وبحر الخزر، وما شاكلها وشبهها [¬٦] من البحار الساكنة التي لا تجري، ولكن تتموج وتضطرب وتغتلم [¬٧] في زمن الشتاء وشدة الريح، ومنها ما فيه مد وجَزْر، ففي أول كل شهر يحصل منها مد وفيض، فإذا شرع الشهر في النقصان جَزَرت، حتَّى ترجع إلى غايتها الأولى، فإذا استهل الهلال من الشهر الآخر شرعت في المد إلى الليلة الرابعة عشرة ثم تشرع في النقص، فأجرى الله ﷾ وله القدرة التامة - العادة بذلك.\nفكل هذه البحار الساكنة خلقها الله ﷾ مالحة الماء، لئلا يحصل بسببها نتن الهواء، فيفسد الوجود بذلك، ولئلا تجوى (**) الأرض بما يموت فيها من الحيوان. ولما كان ماؤها ملحًا كان هواؤها صحيحًا وميتتها طيبة؟ ولهذا قال رسول الله، ﷺ، وقد سئل عن ماء البحر: أنتوضأ به؟ فقال: \"هو الطهور ماؤه، الحل ميتته\". رواه\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفين في ت: \"حاصة\".\n[¬٢]- في ت: \"بالقرآن\".\n[¬٣]- في ت: \"بالواقع\".\n[¬٤]- سقط من: ز.\n(*) الزعاق من الماء: المُرُّ الغليظ، لا يُطاق شُرْبُه.\n[¬٥]- في ز، خ: \"يستطاع\".\n[¬٦]- في ت: \"شابهها\".\n[¬٧]- في ز: \"تقتلم\".\n(**) جَوِيَ الشيء: تغيَّر وأنتن.","vol":"10","page":314},{"text":"الأئمة (^١٨): مالك، والشافعي، وأحمد، وأهل السنن، بإسناد جيد.\nوقوله: ﴿وَجَعَلَ بَينَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا﴾، أي: بين [¬١] العذب والملح [¬٢] ﴿بَرْزَخًا﴾ أي: حاجزًا، وهو اليَبَس من الأرض، ﴿وَحِجْرًا مَحْجُورًا﴾، أي: مانعًا أن يصل أحدهما إلى الآخر، كما قال تعالى: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَينِ يَلْتَقِيَانِ (١٩) بَينَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ (٢٠) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾، وقال تعالى: ﴿أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَينَ الْبَحْرَينِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾.\nوقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا﴾ أي: خلق الإنسان من نطفة ضعيفة، فسواه وعَدّله، وجعله كامل الخلقة، ذكرًا أو أنثى، كما يشاء، ﴿فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا﴾، فهو في ابتداء أمره ولد نسيب، ثم يتزوج فيصير صهرًا، ثم يصير له أصهار وأختان وقرابات. وكل ذلك من ماء مهين؛ ولهذا قال: ﴿وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا﴾.\n﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُهُمْ وَلَا يَضُرُّهُمْ وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا (٥٥) وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إلا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٥٦) قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيهِ مِنْ أَجْرٍ إلا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (٥٧) وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا (٥٨) الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَينَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا (٥٩) وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا (٦٠)﴾\nيخبر تعالى عن جهل المشركين في عبادتهم غيرَ الله من الأصنام، التي لا تملك لهم نفعًا ولا ضرًّا، بلا دليل قادهم إلى ذلك، ولا حجة أدتهم إليه، بل بمجرد الآراء، والتشهي والأهواء [¬٣]، فهم [يوالون لهم] [¬٤] ويقاتلون في سبيلهم، ويعادون الله ورسوله فيهم، ولهذا قال: ﴿وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا﴾. أي: عونًا في سبيل الشيطان على حزب الله،\n_________\n(^١٨) سبق تخريجه عند تفسير الآية: ٣ من سورة المائدة.\n_________\n[¬١]- في ز: \"من\".\n[¬٢]- في ت: \"المالح\".\n[¬٣]- سقط من: خ، ز.\n[¬٤]- في ت: \"يوالونهم\".","vol":"10","page":315},{"text":"وحزب الله هم الغالبون، كما قال تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ (٧٤) لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ﴾. أي: آلهتهم التي اتخذوها من دون الله لا تملك لهم نصرًا، وهؤلاء الجهلة للأصنام جند محضرون [¬١] يقاتلون عنهم، ويذبون عن حوزتهم، ولكن العاقبة والنصرة لله ولرسوله في الدنيا والآخرة.\nقال مجاهد: ﴿وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا﴾ قال: كظاهر الشيطان على معصية الله: يعينه [¬٢].\nوقال سعيد بن جبير: ﴿وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا﴾ يقول: عونًا للشيطان على ربه بالعداوة والشرك.\nوقال زيد بن أسلم: ﴿وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا﴾، قال: مواليا.\nثم قال تعالى لرسوله -صلوات الله وسلامه عليه-: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إلا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾، أي: بشيرا للمؤمنين ونذيرا للكافرين، مبشرًا بالجنة لمن أطاع الله، ونذيرا بين يدي عذاب شديد لمن خالف أمر الله.\n﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيهِ مِنْ أَجْرٍ﴾. أي: على هذا البلاغ وهذا الإنذار من أجرة أطلبها من أموالكم، وإنما أفعل ذلك ابتغاء وجه الله، ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ ﴿إلا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾. أي: طريقًا ومسلكًا ومنهجًا يقتدي فيها بما جئت به.\nثم قال: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾. أي: في أمورك كلها كن متوكلًا على الله الحي الذي لا يموت أبدًا، الذي هو ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمٌ﴾ الدائم الباقي السرمدي الأبدي، الحي القيوم رب كل شيء ومليكه، اجعله ذُخْرك [¬٣] وملجأك، وهو الذي يُتَوكل عليه ويفزع إليه، فإنه كافيك وناصرك ومؤكدك ومظفرك، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾.\nو[¬٤] قال ابن أبي حاتم (^١٩): حدثنا أبو زرعة، حدثنا عبد الله بن محمد بن علي بن نفيل قال: قرأت على معقل -يعني: ابن عبيد الله- عن عبد الله بن أبي حسين، عن شهر بن حوشب قال: لقي سلمانُ رسول الله، ﷺ، في بعض فجاج المدينة فسجد له\n_________\n(^١٩) ورواه أبو نعيم في تاريخ أصبهان (٢/ ١٠٣) من طريق محمد بن أحمد بن سيار، عن هشام، عن إسماعيل بن عياش، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين به.\n_________\n[¬١]- في ز: \"محضر\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"بعينه\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"ذكرك\".\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.","vol":"10","page":316},{"text":"فقال: لا تسجد لي يا سلمان، واسجد للحي الذي لا يموت، وهذا مرسل حسن.\n[وقوله تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ﴾، أي: اقرن بين حمده وتسبيحه] [¬١]، ولهذا كان رسول الله، ﷺ، يقول: \"سبحانك اللهم رَبَّنا وبحمدك! \". أي: أخلص له العبادة والتوكل، كما قال تعالى: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إلا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا﴾ وقال: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيهِ﴾، ﴿قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيهِ تَوَكَّلْنَا﴾.\nوقوله: ﴿وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا﴾، أي: لعلمه التام الذي لا يخفى عليه خافية، ولا يعزب عنه مثقال ذرة.\nوقوله: ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَينَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾، أي: هو الحي الذي لا يموت، وهو خالق كل شيء وربه ومليكه، الذي خلق بقدرته وسلطانه السموات السبع، في ارتفاعها واتساعها، والأرضين السبع في سفولها وكثافتها، ﴿فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾، أي: يدبر الأمر، ويقضي الحق، وهو خير الفاصلين.\nوقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾، أي: استعلم عنه من هو خبير به عالم به فاتبعه واقتد به، وقد عُلم أنه لا أحد أعلم بالله ولا أخبر به من عبده ورسوله محمد- صلوات الله وسلامه على سيد ولد آدم على الإِطلاق، في الدنيا والآخرة، الذي لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى، فما قاله فهو حق، وما أخبر به فهو صدق، وهو الإمام المحكم الذي إذا تنازع الناس في شيء وجب رَدّ نزاعهم إليه، فما يوافق أقواله وأفعاله فهو الحَق، وما يخالفها فهو مردود على قائله وفاعله، كائنًا من كان، قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾، وقال: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ وقال تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ [¬٢] رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ أي: صدقًا في الأخبار وعدلًا في الأوامر والنواهي، ولهذا قال: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ قال مجاهد في قوله: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾، قال: ما أخبرتك من شيء فهو كما أخبرتك. وكذا قال ابن جُرَيج.\nوقال شمر بن عطية في قوله: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ قال: هذا القرآن خبير به.\nثم قال تعالى منكرًا على المشركين الذين يسجدون لغير الله من الأصنام والأنداد: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ﴾ أي: لا نعرف الرحمن. وكانوا ينكرون أن يُسَمّى الله باسمه الرحمن، كما أنكروا ذلك يوم الحديبية حين قال النبي ﷺ للكاتب: \"اكتب بسم الله الرحمن الرحيم\". فقالوا: لا نعرف الرحمن ولا الرحيم، ولكن اكتب كما كنت تكتب: باسمك اللهم. ولهذا أنزل الله ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَو\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٢]- في ز، خ: \"كلمات\".","vol":"10","page":317},{"text":"ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾، أي: هو الله وهو الرحمن. وقال في هذه الآية: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ﴾ أي: لا نعرفه ولا نُقر به، ﴿أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا؟﴾ أي: لمجرد قولك؟ ﴿وَزَادَهُمْ نُفُورًا﴾؛ أما المؤمنون فإنهم يعبدون الله الذي هو الرحمن الرحيم، ويُفْرِدُونه بالإلهية ويسجدون له. وقد اتفق العلماء ﵏ على أن هذه السجدة التي في الفرقان مشروعٌ السجود عندها لقارئها ومستمعها، كما هو مقرر في موضعه، والله أعلم.\n﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا (٦١) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا (٦٢)﴾\nيقول تعالى، ممجدًا نفسه، ومعظمًا على جميل ما خلق في السماء من البروج -وهي الكواكب العظام [¬١]، في قول مجاهد، وسعيد بن جبير، وأبي صالح، والحسن، وقتادة، وقيل: هي قصور في السماء للحرس، يروى هذا عن علي، وابن عباس، ومحمد بن كعب، وإبراهيم النخعي، وسليمان بن مِهْران الأعصمش، وهو رواية عن أبي صالح أيضًا، والقول الأول أظهر. اللَّهم إلا أن يكون الكواكب العظام هي قصور [¬٢] للحرس، فيجتمع القولان، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ﴾؛ ولهذا قال: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا﴾، وهي الشمس المنيرة، التي هي كالسراج في الوجود، كما قال: [﴿وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا﴾ ﴿وَقَمَرًا مُنِيرًا﴾، اي: مضيئا مشرقا بنور آخر ونوع وفن آخر، غير نور الشمس] [¬٣]، كما قال: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا﴾، وقال مخبرا عن نوح، ﵇، إنه قال لقومه: ﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا (١٥) وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا﴾ ثم قال: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً﴾، أي: يخلف كل واحد منهما الآخر، يتعاقبان [] [¬٤]، إذا ذهب هذا جاء هذا، وإذا جاء هذا ذهب ذاك، كما قال: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَينِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيلَ وَالنَّهَارَ﴾ وقال: ﴿يُغْشِي اللَّيلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ﴾.\nوقال: ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾.\nوقوله: ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾، أي: جعلهما يتعاقبان، توقيتًا لعبادة عباده له، فمن فاته عمل في الليل استدركه في النهار، ومن فاته عمل في النهار استدركه في\n_________\n[¬١]- سقط من: خ، ز.\n[¬٢]- في ت: \"قصورًا\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين في ت: \"لا يفتران\".","vol":"10","page":318},{"text":"الليل. وقد جاء في الحديث الصحيح (^٢٠): \" إن الله تعالى يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، يبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل\".\nقال أبو داود الطيالسي (^٢١): حدثنا أبو حُرَّة [¬١]، عن الحسن: أن عمر بن الخطاب أطال صلاة الضحى، فقيل له: صنعت اليوم شيئًا لم تكن تصنعه؟ فقال: إنه بقي عليَّ من ورْدي شيء، فأحببت أن أتمه -أو قال: أقضيه- وتلا هذه الآية: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً﴾.\n[وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً﴾] [¬٢] يقول: من فاته شيء من الليل [أن يعمله] [¬٣]، أدركه بالنهار، أو من النهار أدركه بالليل. وكذا قال عكرمه وسعيد بن جبير والحسن\nوقال مجاهد وقتادة: ﴿خِلْفَةً﴾، أي: مختلفين، هذا بسواده، وهذا بضيائه.\n﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (٦٣) وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا (٦٤) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا (٦٥) إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (٦٦) وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَينَ ذَلِكَ قَوَامًا (٦٧)﴾\nهذه صفات عباد الله المؤمنين ﴿الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ أي بسكينة ووقار من غير جبرية (*) ولا استكبار، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ [¬٤] تَبْلُغَ الْجِبَال طُولً﴾ فأما هؤلاء فإنهم يمشون من غير استكبار ولا مرح ولا أشر ولا بطر، وليس المراد أنهم يمشون كالمرضى من البضائع (**) وتصنعًا [¬٥] ورياءً، فقد كان سيد ولد\n_________\n(^٢٠) رواه مسلم في صحيحه حديث (٢٧٥٩) من حديث أبي موسى الأشعري ﵁.\n(^٢١) - إسناده ضعيف؛ لانقطاعه بين الحسن، وعمر.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"أبو حمزة\" وهو تحريف. والصواب ما أثبتناه، كما في تفسير ابن أبي حاتم عن أبي داود الطيالسي.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ت.\n(*) الجبرية -بفتح الباء وإسكانها-: التكبر.\n[¬٤]- في ز: \"ولم\".\n(**) كذا في: ز، خ. ولعلها محرفة عن جمع: الأبضع، وهو الإنسان المهزول.\n[¬٥]- في ت: \"تصنعًا\".","vol":"10","page":319},{"text":"آدم، ﷺ، إذا مشى كأنما ينحط من صَبَب، وكأنما الأرض تطوى له. وقد كره بعض السلف المشي بتضعف وتصنع، حتى روي عن عمر أنه رأى شابًّا يمشي رُوَيدًا، فقال: ما بالك؟ أأنت مريض؟ قال: لا، يا أمير المؤمنين. فعلاه بالدّرة، وأمره أن يمشي بقوة. وإنما المراد بالهَوْن هاهنا: السكينة والوقار، كما قال رسول الله ﷺ (^٢٢): \" إذا أتيتم الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون، وَأتوها وعليكم السكينة، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا\". وقال عبد الله بن المبارك، عن معمر، عن يحيى [¬١] بن المختار، عن الحسن البصري في قوله: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ قال: إن المؤمنين قوم ذُلُل [¬٢]، ذلت منهم -والله- الأسماعُ والأبصار والجوارح، حتى تحسبهم مرضى وما بالقوم من مرض، وإنهم لأصحاء [¬٣]، ولكنهم دخلهم من الخوف ما لم يدخل غيرهم، ومنعهم من الدنيا علمهم بالآخرة، فقالوا: الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن. أما والله، ما أحزنهم حزن الناس، ولا تعاظم في نفوسهم شيء طلبوا به الجنة، أبكاهم الخوف من النار، إنه [¬٤] من لم يتعز بعزاء الله تَقَطَّعْ نفسهُ على الدنيا حسرات، ومن لم ير لله نعمة إلا في مطعم أو في مشرب، فقد قل علمه وحَضَر عذابهُ.\nوقوله: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾، أي: إذا سَفه عليهم الجهال بالسيئ، لم يقابلوهم عليه بمثله، بل يعفون ويصفحون، ولا يقولون إلا خيرًا، كما كان رسول الله، ﷺ، لا تزيده [¬٥] شدة الجهل عليه إلا حلمًا، وكما قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾.\nوقال الإمام أحمد (^٢٣): حدثنا أسود بن عامر، حدثنا أبو بكر، عن الأعمش، عن أبي خالد الوالبي، عن النعمان بن مُقَرّن المُزَني قال: قال رسول الله، ﷺ[وسبّ رجلٌ رجلًا عنده - قال: فجعل الرجل المسبوب يقول: عليك السلام، قال: فقال رسول الله ﷺ، [¬٦]: \"أما إن ملكا بينكما يذب عنك، كلما شتمك هذا قال له: بل [¬٧] أنت، وأنت أحق به. وإذا قال له عليك السلام، قال: لا، بل عليك وأنت\n_________\n(^٢٢) رواه البخاري في صحيحه حديث (٦٣٥)، ومسلم في صحيحه حديث (٦٠٣) من حديث أبي قتادة ﵁.\n(^٢٣) المسند (٥/ ٤٤٥)، وقال الهيثمي في المجمع (٨/ ٧٥): \"رجاله رجال الصحيح، غير أبي خالد الوالبي وهو ثقة\".\n_________\n[¬١]- في خ، ز: \"عمر\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"ذلك\".\n[¬٣]- في خ: الأصماء\".\n[¬٤]- في ت: \"وإنه\".\n[¬٥]- في ز: \"يزده\".\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٧]- سقط من: ز، خ.","vol":"10","page":320},{"text":"أحق به\". إسناد [¬١] حسن ولم يخرجوه.\nوقال مجاهد: ﴿قَالُوا سَلَامًا﴾، يعني قالوا: سدادًا.\nوقال سعيد بن جبير: ردوا معروفًا من القول.\nوقال الحسن البصري: [﴿قَالُوا سَلَامًا﴾، قال: حلماء لا يجهلون] [¬٢]، وإن جُهِلَ عليهم حلموا، يصاحبون [¬٣] عباد الله نهارهم [بما تسمعون] [¬٤]. ثم [ذكر أن ليلهم] [¬٥] خير ليل.\nوقوله: ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾، أي: في عبادته وطاعته، كما قال تعالى: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيلِ مَا يَهْجَعُونَ (١٧) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾. وقال: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ وقال: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ الآية؛ ولهذا قال: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾، أي: ملازمًا دائمًا، كما قال الشاعر:\nإن يعذب يكن غرامًا وإن يعـ … ـط جزيلًا فإنه لا يبالي\nولهذا قال الحسن في قوله: ﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾: كل شيء يصيب ابن آدم و[¬٦] يزول عنه فليس بغرام، وإنما الغرام اللازم ما دامت السموات والأرض. كذا قال سليمان التيمي.\nوقال محمد بن كعب: ﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾، يعني: ما نعموا في الدنيا؛ إن سأل الله الكفار عن النعمة فلم يردوها إليه، فأغرمهم فأدخلهم النار.\n﴿إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾، أي: بئس المنزل منظرًا، وبئس المقيل مقامًا.\nقال ابن أبي حاتم عند قوله: ﴿إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾: حدثنا أبي، حدثنا الحسن بن الربيع، حدثنا أبو الأحوص، عن الأعمش، عن مالك بن الحارث، قال: إذا طُرح الرجل في النار هوى فيها، فإذا انتهى إلى بعض أبوابها قيل له [¬٧]: مكانك حتى تتحف، قال: فيسقى كأسًا من سُمّ الأساود (*) والعقارب، قال: فيميز الجلد على حدة، والشعر على حدة،\n_________\n[¬١]- في ت: \"إسناده\".\n[¬٢]- في خ: \"قالوا: سلام عليكم\".\n[¬٣]- في ز: \"أيضاحيون\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين في ز: \"ليلهم\".\n[¬٥]- في ز: \"رد بما يسمعون\".\n[¬٦]- سقط من: ز.\n[¬٧]- سقط من: خ.\n(*) الأساود: جمع أسود، وهو العظيم من الحيات، وأخبثها وأنكاها.","vol":"10","page":321},{"text":"[والعصب على حدة] [¬١] والعروق على حدة.\nوقال أيضًا [¬٢]: حدثنا أبي، حدثنا الحسن بن الربيع، حدثنا أبو الأحوص، عن الأعمش، عن مجاهد، عن عُبيد بن عمير؛ قال: إن في النار لجبابًا (*) فيها حيات أمثال البخت (**)، وعقارب أمثال البغال الدُّلم (* * *)، فإذا قذف بهم في النار خرجت إليهم من أوطانها، فأخذت شفاههم [¬٣] وأبشارهم وأشعارهم، فكشطت لحومهم إلى أقدامهم، فإذا وجدت حر النار رجعت. وقال الإمام أحمد (^٢٤): حدثنا الحسن بن موسى، حدثنا سلام -يعني ابن مسكين [¬٤]- عن أبي ظلَال، عن أنس بن مالك ﵁ عن النبي، ﷺ، قال: \"إن عبدا في جهنم لينادي ألف سنة: يا حنان! يا منان! فيقول الله لجبريل: اذهب فأتني [¬٥] بعبدي هذا. فينطلق جبريل فيجد أهل النار منكبين يبكون، فيرجع إلى ربه، ﷿، فيخبره، فيقول الله ﷿: ائتني به فإنه في مكان كذا وكذا. فيجيء به فيوقفه على ربه ﷿، فيقول له [¬٦]: يا عبدي، كيف وجدت مكانك ومقيلك؟ فيقول: يا رب، شر مكان وشر مقيل، فيقول: ردوا عبدي. فيقول: يا رب، ما كنت أرجو إذ [¬٧] أخرجتني منها أن تردني فيها! فيقول: دعوا عبدي\".\nوقوله: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَينَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾، أي: ليسوا بمبذرين في إنفاقهم فيصرفون فوق الحاجة، ولا بخلاء على أهْليهم فيقصرون في حقهم فلا يكفونهم، بل عَدْلا خيارًا، وخير الأمور أوسطها، لا هذا ولا هذا، ﴿وَكَانَ بَينَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾، كما قال: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾.\n_________\n(^٢٤) المسند (٣/ ٢٣٠) (١٣٤٣٥) إسناده ضعيف جدًّا. سلام بن مسكين، قال أحمد: ثقة، كثير الحديث. وأبو ظلال، اسمه هلال بن أبي هلال القسملي، أو ابن أبي مالك، وهو ابن ميمون، وقيل غير ذلك في اسم أبيه، مشهور بكنيته، قال ابن معين: أبو ظلال ليس بشيء. وقال ابن حبان: كان مغفلًا يروي عن أنس ما ليس من حديثه، لا يجوز الاحتجاج به بحال. وفي التقريب: ضعيف- روى له البخاري تعليقًا، وأبو داود. وقال الهيثمي في المجمع (١٠/ ٣٨٤): \"رجاله رجال الصحيح غير أبي ظلال وضعفه الجمهور، ووثقه ابن حبان\".\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n(*) البُخت: الإبل الخراسانية، واحدها بختي.\n(*) الجُبُّ: البئر الواسعة.\n(*) دلم الشيء: اشتداد سواده في ملوسة.\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- في ز: \"شفاههم\".\n[¬٤]- في خ، ز: \"سكين\".\n[¬٥]- في ز، خ: \"ائتني\".\n[¬٦]- سقط من: ز، خ.\n[¬٧]- في ز: \"إذا\".","vol":"10","page":322},{"text":"[وقال] [¬١] الإمام أحمد (^٢٥): حدثنا عصام بن خالد، حدثنا أبو بكر بن عبد الله بن أبي مريم الغساني، عن ضمرة، عن أبي الدرداء، عن النبي ﷺ قال: \"من فقه الرجل رفقه في معيشته\". [لم] [¬٢] يخرجوه.\nوقال أحمد أيضًا (^٢٦): حدثنا أبو عبيدة الحداد، حدثنا سكين [¬٣] بن عبد العزيز العَبدي، حدثنا إبراهيم الهَجَري، عن أبي الأحوص، عن عبد الله بن مسعود؛ قال: قال رسول اللَّه ﷺ: \"ما عال من اقتصد\". [لم] [¬٤] يخرجوه.\nوقال الحافظ أبو بكر البزار (^٢٧): حدثنا أحمد بن يحيى، حدثنا إبراهيم [بن محمد] [¬٥] ابن ميمون، حدثنا سعيد بن حكيم، عن مسلم بن حبيب، عن بلال -يعني العبسي- عن حذيفة؛ قال: قال رسول الله، ﷺ: \"ما أحسن القصد في الغنى، وأحسن القصد في الفقر، وأحسن القصد في العبادة\". ثم قال: لا نعرفه يروى إلا من حديث حذيفة ﵁.\nوقال إياس بن معاوية: ما جاوزت به أمر الله فهو سَرَفٌ.\nوقال غيره: السرف: النفقة في معصية الله.\nوقال الحسن البصري: ليس في [¬٦] النفقة في سبيل الله سرفٌ [¬٧].\n﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ\n_________\n(^٢٥) المسند (٥/ ١٩٤) (٢١٧٨٥) وإسناد ضعيف من أجل أبي بكر بن عبد الله بن أبي مريم. والحديث ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٤/ ٧٤) وقال: \"رواه أحمد، وفيه أبو بكر بن أبي مريم وقد اختلط\".\n(^٢٦) المسند (١/ ٤٤٧)، وقال الهيثمي في المجمع (١٠/ ٢٥٢): \"في إسناده إبراهيم بن مسلم الهجري وهو ضعيف\".\n(^٢٧) مسند البزار حديث (٣٦٠٤)، وقال الهيثمي في المجمع (١٠/ ٢٥٢): \"رواه البزار عن سعيد بن حكيم عن مسلم بن حبيب، ومسلم هذا لم أجد من ذكره إلا ابن حبان في ترجمة سعيد الراوي عنه، وبقية رجاله ثقات\".\n_________\n[¬١]- في ت: \"قال\".\n[¬٢]- في ت: \"ولم\".\n[¬٣]- في خ، ز: \"مسكين\".\n[¬٤]- في ت: \"ولم\".\n[¬٥]- مكررة في ز، خ.\n[¬٦]- سقط من: ت.\n[¬٧]- في ت: \"سرفًا\".","vol":"10","page":323},{"text":"الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩) إلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٧٠) وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا (٧١)﴾\nقال الإِمام أحمد (^٢٨): حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن شقيق، عن عبد الله -هو ابن مسعود- قال: سُئل رسول الله، ﷺ: أي الذنب أكبر؟ قال: \"أن تجعل لله ندًّا وهو خلقك\". قال: ثم أي؟ قال: \"أن تقتل ولدك خشية أن يطعَم معك\". قال: ثم أي؟ قال: \"أن تزاني حليلة جارك\". قال عبد الله: وأنزل الله تصديق ذلك: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾.\nوهكذا رواه النسائي عن هناد بن السري عن أبي معاوية، به.\nوقد أخرجه البخاري ومسلم (^٢٩)، من حديث الأعمش ومنصور -زاد البخاري: وواصل- ثلاثتهم عن أبي وائل، شقيق بن سلمة، عن أبي ميسرة عمرو بن شرحبيل، عن ابن مسعود، به، فالله أعلم، ولفظهما عن ابن مسعود قال: قلت: يا رسول الله، أيّ الذنب أعظم …؟ الحديث، طريق غريب.\nوقال ابن جرير: حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي، حدثنا عامر بن مدرك، حدثنا السري -يعني ابن إسماعيل- حدثنا الشعبي، عن مسروق؟ قال: قال عبد الله: خرج رسول الله، صلى الله عليه، وسلم ذات يوم فاتبعته، فجلس على نَشَز من الأرض، وقعدت أسفل منه، ووجهي حيال ركبتيه، واغتنمت خلوته فقلت [¬١]: بأبي أنت وأمي يا رسول الله! أي الذنوب أكبر؟ قال: \"أن تدعو لله ندًّا وهو خلقك\". قلت: ثم مه؟ قال: \"أن تقتل ولدك كراهية أن يطعم معك\". قلت: ثم مه؟ قال: \"أن تزاني حليلة جارك\". ثم قرأ: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ الآية.\nوقال النسائي (^٣٠): حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا جرير، عن منصور، عن هلال بن\n_________\n(^٢٨) المسند (١/ ٣٨٠)، والنسائي في السنن الكبرى حديث (١١٣٦٨).\n(^٢٩) صحيح البخاري حديث (٦٨١١)، وصحيح مسلم حديث (٦٨).\n(^٣٠) النسائي في السنن الكبرى حديث (١١٣٧٣).\n_________\n[¬١]- في ت: \"وقلت\".","vol":"10","page":324},{"text":"يساف، عن سلمة بن قيس؛ قال: قال رسول الله، ﷺ، في حجة الوداع: \"ألا إنما هي أربع\" فما أنا بأشح عليهن مني [¬١] منذ سمعتهن من رسول الله ﷺ: \"لا تشركوا بالله شيئًا، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق، ولا تزنوا، ولا تسرقوا\".\nوقال الإِمام أحمد (^٣١): حدثنا عليّ بن المديني ﵀ حدثنا محمد بن فضيل بن غَزْوان، حدثنا محمد بن سعد [¬٢] الأنصاري، سمعت أبا طيبة الكلاعي، سمعت المقداد بن الأسود ﵁ يقول: قال رسول الله، ﷺ، لأصحابه: \"ما تقولون في الزنا؟ \" قالوا: حَرّمه الله ورسوله، فهو حَرَام إلى يوم القيامة، فقال رسول الله، ﷺ، لأصحابه: \"لأن يزني الرجل بعشر نسوة أيسرُ عليه من أن يزني بامرأة جاره\". قال: \"ما تقولون في السرقة؟ \". قالوا: حرمها الله ورسوله، فهي حرام. قال: \"لأن يسرق الرجل من عشرة أبيات أيسر له [¬٣] من أن يسرق من جاره\".\nوقال أبو بكر بن أبي الدنيا (^٣٢): حدثنا عمار بن نصر، حدثنا بقية، عن أبي بكر بن أبي مريم، عن الهيثم بن مالك الطائي عن النبي ﷺ: قال: \"ما من ذنب بعد الشرك أعظم عند الله من نُطفة وضعها رجل في رَحِم لا يحل له\".\nوقال ابن جُرَيج: أخبرني يعلى، عن سعيد بن جبير: أنه سمعه يحدث عن ابن عباس: أن ناسًا من أهل الشرك قتلوا فأكثروا، وزَنَوا فأكثروا، ثم أتوا محمدًا ﷺ فقالوا: إن الذي تقول وتدعو إليه لحسن، لو تخبرنا أن لما عملنا كفارة، فنزلت ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ﴾، ونزلت: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾.\nوقال ابن أبي حاتم (^٣٣): حدثنا أبي، حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيان، عن عمرو، عن أبي فاختة؟ قال: قال رسول الله، ﷺ، لرجل: \"إن الله ينهاك أن تعبد المخلوق وتدع الخالق، وينهاك أن تقتل ولدك وتغذو أكَلُبَك، وينهاك أن تزني بحليلة\n_________\n(^٣١) المسند (٦/ ٨)، وقال الهيثمي في المجمع (٨/ ١٦٨): \"رجاله ثقات\".\n(^٣٢) الورع لابن أبي الدنيا حديث (١٣٧): \"وهو مرسل، وفي إسناده بقية وهو مدلس وابن أبي مريم ضعيف\" ا. هـ.\n(^٣٣) ذكره السيوطي في الدر المنثور (٦/ ٢٧٧) وعزاه لابن أبي حاتم. ووقع فيه: \"عن أبي قتادة\".\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"شيء\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"سعيد\".\n[¬٣]- في ت: \"عليه\".","vol":"10","page":325},{"text":"جارك\". قال سفيان: وهو قوله: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ﴾.\nوقوله: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ روي عن عبد الله بن عمرو أنه قال: ﴿أَثَامًا﴾ وادٍ في جهنم. وقال عكرمة: ﴿يَلْقَ أَثَامًا﴾، أودية في جهنم يعذب فيها الزناة. وكذا روي عن سعيد بن جبير ومجاهد. وقال قتادة: ﴿يَلْقَ أَثَامًا﴾ نكالًا، كنا نحدث أنه وادٍ في جهنم.\nوقد ذُكر لنا أن لقمان كان يقول: يا بني، إياك والزنا! فإن أوله مخافة، وآخره ندامة.\nوقد ورد [¬١] في الحديث الذي رواه ابن جرير وغيره (^٣٤)، عن أبي أمامة الباهلي -موقوفًا ومرفوعًا-: أن ﴿غَيًّا﴾ و﴿أَثَامًا﴾ بئران في قعر جهنم. أجارنا الله منها بمنه وكرمه!\nوقال السدى ﴿يَلْقَ أَثَامًا﴾ جزاء [¬٢]. وهذا أشبه بظاهر الآية، ولهذا فسره بما بعده مبدلًا منه، وهو قوله: ﴿يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ أي: يكرر عليه ويغلظ ﴿وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾. أي: حقيرًا ذليلًا.\nوقوله: ﴿إلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا﴾، أي: جزاؤه على ما فعل من هذه الصفات القبيحة ما ذكر ﴿إلا مَنْ تَابَ﴾ في الدنيا إلى الله من جميع ذلك، فإن الله توب عليه.\nوفي ذلك دلالة على صحة توبة القاتل، ولا تعارض بين هذه وبين آية النساء: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ فإن هذه وإن كانت مدنية إلا أنها مطلقة، فتحمل على من لم يتب؛ لأن هذه مقيدة بالتوبة، ثم قد قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ وقد ثبتت السنة الصحيحة، عن رسول الله، ﷺ، بصحة توبة القاتل، كما ذكر مقررًا من قصة الذي قتل مائة رجل ثم تاب، وقبل منه، وغير ذلك من الأحاديث.\nوقوله: ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾. في معنى قوله: ﴿يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ قولان: أحدهما: إنهم بدلوا مكان عمل السيئات بعمل الحسنات، قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ قال: هم المؤمنون، كانوا من قبل إيمانهم على السيئات، فرغب الله بهم عن [ذلك] [¬٣] فحولهم إلى الحسنات، فأبدلهم مكان السيئات الحسنات.\n_________\n(^٣٤) تفسير الطبري (١٩/ ٢٩).\n_________\n[¬١]- في خ: \"روى\".\n[¬٢]- في ت: \"بجزاء\".\n[¬٣]- مكانها بياض في: ز، وسقط من: خ.","vol":"10","page":326},{"text":"وروى مجاهد عن ابن عباس أنه كان ينشد عند هذه الآية:\nبُدّلْنَ بَعْدَ [حَرِّهِ خَريفًا] [¬١] … وَبَعْدَ طُول النَّفَس الوَجيفَا\nيعني: تغيرت تلك الأحوال إلى غيرها.\nوقال عطاء بن أبي رباح: هذا في الدنيا، يكون الرجل على هيئة قبيحة، ثم يبدله الله بها خيرًا.\nوقال سعيد بن جبير: أبدلهم بعبادة الأوثان عبادة الله، وأبدلهم بقتال المسلمين قتالًا مع المسلمين للمشركين [¬٢]، وأبدلهم بنكاح المشركات نكاح المؤمنات.\nوقال الحسن البصري: أبدلهم الله [¬٣] بالعمل السيئ العمل الصالح، وأبدلهم بالشرك إخلاصًا، وأبدلهم بالفجور إحصانًا، وبالكفر [¬٤] إسلامًا.\nوهذا قول أبي [¬٥] العالية وقتادة وجماعة آخرين.\nوالقول الثاني: إن تلك السيئات الماضية تنقلب بنفس التوبة النصوح حسنات، وما ذاك إلا أنه كلما [تذكّر ما مضى] [¬٦] ندم واسترجع واستغفر، فينقلب الذنب طاعة بهذا الاعتبار. فيوم القيامة وإن وجده مكتوبًا عليه لكنه لا يضره وينقلب حسنة في صحيفته، كما ثبتت السنة بذلك، وصحت به الآثار المروية [¬٧] عن السلف -رحمهم الله تعالى- وهذا سياق الحديث: قال الإمام أحمد (^٣٥):\nحدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن المعرور بن سويد، عن أبي ذر، ﵁، قال: قال رسول الله، ﷺ: \"إني لأعرف آخر أهل النار خروجًا من النار، وآخر أهل الجنة دخولًا إلى الجنة، يؤتى برجل فيقول: نخوا كبار ذنوبه وسلوه عن صغارها، قال: فيقال له: عملت يوم كذا وكذا كذا، وعملت يوم كذا وكذا كذا؟ فيقول: نعم -لا يستطيع أن ينكر من ذلك شيئًا- فيقال: فإن لك بكل سيئة حسنة. فيقول: يا رب؛ عملت أشياء لا أراها هاهنا\". قال: فضحك رسول الله، ﷺ، حتى بدت نواجذه. انفرد به مسلم.\n_________\n(^٣٥) السند (٥/ ١٧٠)، وصحيح مسلم حديث (١٩٠).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"جَرِّهِ صَريفًا\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"المشركين\".\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- سقط من: خ، ز.\n[¬٥]- في ز، خ: \"أبو\".\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"مضى ذكر ما\".\n[¬٧]- في ز، خ: \"النبوية\".","vol":"10","page":327},{"text":"وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني (^٣٦): حدثنا هاشم بن يزيد، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثني أبي، حدثني ضمضم بن زرعة، عن شريح بن عبيد، عن أبي مالك الأشعري؛ قال: قال رسول الله، ﷺ: \"إذا نام ابن آدم قال الملك للشيطان: أعطني صحيفتك. فيعطيه إياها، في وجد في صحيفته من حسنة محا بها عشر سيئات من صحيفة الشيطان، وكتبهن حسنات، فإذا أراد أن ينام أحدكم فليكبر ثلاثًا وثلاثين تكبيرة، ويحمد أربعًا وثلاثين تحميدة، ويسبح ثلاثا وثلاثين تسبيحة، فتلك مائة\".\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو سلمة وعارم؛ قالا: حدثنا ثابت -يعني ابن يزيد- أبو زيد، حدثنا عاصم، عن أبي عثمان، عن سلمان قال: يعطى رجل يوم القيامة صحيفته فيقرأ [¬١] أعلاها، فإذا سيئاته [¬٢]، فإذا كاد يسوء ظنه ينظر [¬٣] في أسفلها فإذا حسناته، ثم ينظر في أعلاها فإذا هي قد بدلت حسنات.\nوقال أيضًا: حدثنا أبي، حدثنا هشام بن عمار، حدثنا سليمان بن موسى الزهري أبو داود، حدثنا أبو العنبس، عن أبيه، عن أبي هريرة؛ قال: ليأتين الله ﷿ بأناس [¬٤] يوم القيامة رأوا أنهم قد [¬٥] استكثروا من السيئات، قيل: من هم يا أبا هريرة؟ قال: الذين يبدل الله سيئاتهم حسنات.\nوقال أيضًا: حدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن أبي زياد، حدثنا سَيَّار، حدثنا جعفر، حدثنا أبو حمزة، عن أبي الضيف -وكان من أصحاب معاذ بن جبل- قال: يدخل أهل الجنة الجنة على أربعة أصناف: المتقين، ثم الشاكرين، ثم الخائفين، ثم أصحاب اليمين. قلت: لم سموا أصحاب اليمين؟ قال: لأنهم عملوا الحسنات والسيئات، فأعطوا كتبهم بأيمانهم، فقرءوا سيئاتهم حرفًا حرفًا- قالوا: يا ربنا، هذه سيئاتنا، فأين حسناتنا؟ فعند ذلك محا الله السيئات وجعلها حسنات، فعند ذلك قالوا: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾، فهم أكثر أهل الجنة!\nوقال علي بن الحسين [¬٦] زين العابدين: ﴿يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ قال: في الآخرة.\nوقال مكحول: يغفرها لهم فيجعلها حسنات. [رواهما ابن أبي حاتم. وروى ابن جرير، عن سعيد بن المسيب مثله] [¬٧].\n_________\n(^٣٦) المعجم الكبير للطبراني (٣/ ٢٩٦)، قال الهيثمي في المجمع (١٠/ ١٢١): \"فيه محمد بن إسماعيل بن عياش وهو ضعيف\"، ولم يثبت سماعه عن أبيه أيضًا.\n_________\n[¬١]- في خ، ز: \"فسوى\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"إساءته\".\n[¬٣]- في ت: \"نظر\".\n[¬٤]- في ز، خ: \"أناس\".\n[¬٥]- سقط من: خ، ز.\n[¬٦]- في ت: \"الحسن\".\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"10","page":328},{"text":"[وقال] [¬١] ابن أبي حاتم (^٣٧): حدثنا أبي، حدثنا محمد بن الوزير الدمشقي، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا أبو جابر: أنه سمع مكحولًا يحدث قال: جاء شيخ كبير هرم، قد سقط [¬٢] حاجباه على عينيه، فقال: يا رسول الله؛ رجل غدر وفجر، لم يدع حاجة ولا داجة إلا اقتطعها بيمينه، لو قسمت خطيئته بين أهل الأرض لأوبقتهم، فهل له من توبة؟ فقال له رسول الله، ﷺ: \"أسلمت؟ \" قال: أما أنا فأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله. فقال النبي ﷺ: \"فإن الله غافر لك ما كنت كذلك، ومبدل سيئاتك حسنات\". فقال: يا رسول الله؟ وغَدَرَاتي وفَجَراتي؟ فقال: \"وغَدوَاتك وفَجَراتك\". فَوَلَّى الرجل يهلل ويكبر.\nوروى الطبراني (^٣٨) من حديث أبي المغيرة عن صفوان بن عمر عن عبد الرحمن بن جبير عن أبي فروة -شطب- أنه أتى رسول الله، ﷺ، فقال: أرأيت رجلًا عمل الذنوب كلها، ولم يترك حاجة ولا داجة، فهل له من توبة؟ فقال: \"أسلمت؟ \" فقال: نعم. قال: \"فافعل الخيرات، وترك السيئات، فيجعلها [¬٣] الله لك خيرات كلها\". قال: وغَدرَاتي وفَجَراتي؟ قال: \"نعم\" قال: فما زال يكبر حتى توارى.\nورواه الطبراني (^٣٩) من طريق أبي فَروة الرهاوى، عن ياسين الزيات، عن أبي سلمة الحمصي، عن يحيى بن جابر، عن سلمة بن نفيل مرفوعًا.\nوقال أيضًا: حدثنا أبو زرعة، حدثنا إبراهيم بن المنذر، حدثنا عيسى بن شعيب بن ثوبان، [عن فليح الشماس، عن عبيد بن أبي عبيد] [¬٤]، عن أبي هريرة، ﵁، قال: جاءتني امرأة فقالت: هل لي من توبة؟ إني زنيت وولدت وقتلته. فقلت: لا، ولا نَعمت\n_________\n(^٣٧) وقد وصله الإمام أحمد في مسنده (٤/ ٣٨٤) من طريق نوح بن قيس، عن أشعث بن جابر الحداني، عن مكحول، عن عمرو بن عبسة به مرفوعًا، كاختصار في أوله وآخره، وقال الهيثمي في المجمع (١/ ٣٢): \"رجاله موثقون إلا أنه من رواية مكحول عن عمرو بن عبسة، فلا أدري أسمع منه أم لا\".\n(^٣٨) المعجم الكبير للطبراني (٧/ ٣١٤) ورواه الخطيب في تاريخ بغداد (٣/ ٣٥٢) من طريق أبي القاسم البغوي عن محمد بن هارون الحربي، عن أبي المغيرة به. وقال أبو القاسم البغوي: \"روى هذا الحديث غير محمد بن هارون، عن أبي المغيرة، عن صفوان، عن عبد الرحمن بن جبير: أن رجلًا أتى النبي ﷺ طويلًا شطب الممدود، وأحسب أن محمدًا بن هارون صحف فيه، والصواب ما قال غيره\".\n(^٣٩) المعجم الكبير للطبراني (٧/ ٥٣)، وقال الهيثمي في المجمع (١/ ٣١): \"في إسناده ياسين الزيات يروى الموضوعات\".\n_________\n[¬١]- في ت: \"قال\".\n[¬٢]- في ز: \"سقطت\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"فيجعلهم\".\n[¬٤]- في خ، ز: \"عن فليح بن عبيد بن أبي عبيد الشماس، عن أبيه\".","vol":"10","page":329},{"text":"العينُ ولا كرامة. فقامت وهي تدعو بالحسرة. ثم صليت مع النبي، ﷺ، الصبح، فقصصت عليه ما قالت المرأة وما قلت لها. فقال رسول الله، ﷺ: \"بئسما قلت! أما كنت تقرأ هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ إلى قوله: ﴿إلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾. فقرأتها عليها، فخرت ساجدة وقالت: الحمد لله الذي جعل لي مخرجًا.\nهذا حديث غريب من هذا الوجه، وفي رجاله من لا يُعرف، والله أعلم. وقد رواه ابن جرير (^٤٠) من حديث إبراهيم بن المنذر الحزامي بسنده بنحوه، وعنده: فخرجَتْ تدعو بالحسرة وتقول: يا حسرتا! أخُلق هذا الحسن للنار؟! وعنده أنه لما رجع من عند رسول الله، ﷺ، تَطلَّبها في جميع دور المدينة فلم يجدها، فلما كان من الليلة المقبلة جاءته، فأخبرها بما قال له رسول الله، ﷺ، فخرت ساجدة وقالت: الحمد لله الذي جعل لي مخرجًا وتوبة مما عملت. وأعتقت جارية كانت معها وابنتها، وتابت إلى الله ﷿.\nثم قال تعالى مخبرًا عن عموم رحمته لعباده [¬١]، وأنه من تاب إليه منهم تاب عليه من أي ذنب كان، جليل أو حقير، كبير أو صغير، فقال: ﴿وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا﴾، أي: فإن الله يقبل توبته، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾، وقال: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ وقال: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ أي لمن تاب إليه.\n﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْو مَرُّوا كِرَامًا (٧٢) وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا (٧٣) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا (٧٤)﴾\nوهذه أيضًا من صفات عباد الرحمن، أنهم: ﴿لَا يَشْهَدُونَ الزُّور﴾، قيل: هو الشرك\n_________\n(^٤٠) تفسير الطبري (١٩/ ٢٧) ورواه ابن مردوده كما في الدر المنثور (٦/ ٢٧٩) وقال السيوطي: \"إسناده ضعيف\".\n_________\n[¬١]- في ت: \"بعباده\".","vol":"10","page":330},{"text":"وعبادة الأصنام. وقيل: الكذب، والفسق، واللغو، والباطل.\nوقال محمد بن الحنفية: اللهو والغناء.\nوقال أبو العالية، وطاوس، ومحمد بن سيرين، والضحاك، والربيع بن أنس، وغيرهم: هي أعياد المشركين.\nوقال عمرو بن قيس: هي مجالس السوء والخنا.\nوقال مالك (^٤١)، عن الزهري: [شرب الخمر] [¬١] لا يحضرونه ولا يرغبون فيه، كما جاء في الحديث: \"من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجلس على مائدة يدار عليها الخمر\".\nوقيل: المراد بقوله تعالى: ﴿لَا يَشْهَدُونَ الزُّور﴾، أي: شهادة الزور، وهي الكذب متعمدًا على غيره، كما ثبت [¬٢] الصحيحين (^٤٢) عن أبي بكرة؛ قال: قال رسول الله، ﷺ: \"ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ \". ثلاثًا، قلنا: بلى، يا رسول الله. قال: \"الشرك بالله وعقوق الوالدين\". وكان متكئًا فجلس، فقال: \"ألا وقول الزور، ألا وشهادة الزور\". فما زال يكررها، حتى قلنا: ليته سكت!\nوالأظهر من السياق أن المراد: لا يشهدون الزور، أي: لا يحضرونه، ولهذا قال: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْو مَرُّوا كِرَامًا﴾، أي: لا يحضرون الزور، وإذا اتفق مرورهم به مروا ولم يتدنسوا فيه [¬٣] بشيء؛ ولهذا قال: ﴿مَرُّوا كِرَامًا﴾.\nوقال ابن أبي حاتم (^٤٣): حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو الحسين العُكْلي (*)، عن محمد بن مسلم، أخبرني إبراهيم بن ميسرة، أن ابن مسعود مر بلهو معرضًا [¬٤] فقال النبي، ﷺ: \"لقد أصبح ابن مسعود أو أمسى كريمًا [¬٥] \".\n_________\n(^٤١) رواه الترمذي في السنن حديث (٢٨٠١) من طريق ليث بن أبي سليم، عن طاوس، عن جابر به مرفوعًا. وقال الترمذي: \"هذا حديث حسن غريب لا نعرفه من حديث طاوس عن جابر إلا من هذا الوجه\" ثم نقل كلام العلماء في تضعيف ليث بن أبي سليم.\n(^٤٢) صحيح البخاري حديث (٢٦٥٤)، وصحيح مسلم حديث (٨٧).\n(^٤٣) ورواه ابن عساكر في المختصر لابن منظور (١٤/ ٥٥) من طريق إبراهيم بن ميسرة به.\n_________\n[¬١]- في ت: \"المعاصي\".\n[¬٢]- سقط من: ت.\n[¬٣]- في ت: \"منه\".\n(*) في ز، خ: العجلي. وهو تحريف. والمثبت من تفسير ابن أبي حاتم. وانظر ترجمته في تهذيب الكمال [١٠/ ٤٠].\n[¬٤]- في ز، خ: \"معرضة\".\n[¬٥]- في ز، خ: \"لكريمًا\".","vol":"10","page":331},{"text":"[وحدثنا الحسن بن محمد بن سلمة النحوي، حدثنا حبان، أنا عبد الله، أنا محمد بن مسلم، أخبرني [إبراهيم بن ميسرة] (**) قال: بلغني أن ابن مسعود مر بلهو معرضًا فلم يقف، فقال رسول الله ﷺ: \"لقد أصبح ابن مسعود أو أمسى كريمًا\"] [¬١]. ثم تلا إبراهيم بن ميسرة: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْو مَرُّوا كِرَامًا﴾.\nوقوله: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا﴾ -هذه من [¬٢] صفات المؤمنين- ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ بخلاف الكافر فإنه إذا سمع كلام الله لا يؤثر فيه ولا يقصر عما كان عليه، بل يبقى مستمرًا على كفره وطغيانه وجهله وضلاله، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا﴾ فقوله: ﴿لَمْ يَخِرُّوا عَلَيهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا﴾ أي: بخلاف الكافر؛ أي [¬٣]: الذي ذكر بآيات ربه، فاستمر على حاله، كأن لم يسمعها صم أعمى.\nقال مجاهد: قوله: ﴿لَمْ يَخِرُّوا عَلَيهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا﴾ لم يسمعوا ولم يبصروا ولم يفقهوا شيئًا. وقال الحسن البصري: كم من رجل يقرؤها ويخر عليها أصم أعمى!\nوقال قتادة: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا﴾، يقول: لم يصموا عن الحق ولم يعموا فيه، فهم -والله- قوم عقلوا عن الله فانتفعوا [¬٤] بما سمعوا من كتابه.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أسيد بن عاصم، حدثنا عبد الله بن حُمْران، حدثنا ابن عون قال: سألت الشعبي قلت: الرجل هي القوم سجودًا ولم يسمع ما سجدوا، أيسجد معهم؟ قال: فتلا هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا﴾، يعني: أنه لا يسجد معهم لأنه لم يتدبر آية السجدة فلا ينبغي للمؤمن أن يكون إمعة، بل يكون على بصيرة في [¬٥] أمره، ويقين واضح بَيِّن.\nوقوله: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾، يعني: الذين يسألون الله أن يخرج من أصلابهم وذرياتهم من يطيعه ويعبده وحده لا شريك له.\nقال ابن عباس: يعنون من يعمل بالطاعة فتقر به أعينهم في الدنيا والآخرة.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- سقط من: ت، والمثبت من: ز، خ.\n[¬٤]- في ت: \"وانتفعوا\".\n[¬٥]- في ت: \"من\".","vol":"10","page":332},{"text":"وقال عكرمة: لم يريدوا بذلك صباحة ولا جمالًا، ولكن أرادوا أن يكونوا مطعين.\nوقال الحسن البصري -وسئل عن هذه الآية- قال [¬١]: أن يُريَ الله العبدَ المسلم من زوجته، و[¬٢] من أخيه، و[¬٣] من حميمه، طاعة الله. لا والله ما شيء أقر لعين المسلم من [¬٤] أن يرى ولدًا، أو ولد ولد، أو أخًا، أو حميمًا، مطيعًا لله ﷿.\nوقال ابن جريج في قوله: ﴿هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾، قال: يعبدونك ويحسنون عبادتك ولا يجرون علينا الجرائر.\nوقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: يعني: يسألون الله لأزواجهم وذرياتهم أن يهديهم للإسلام.\nوقال الإمام أحمد (^٤٤): حدثنا يعمر [¬٥] بن بشر، حدثنا عبد الله بن المبارك، أخبرنا صفوان بن عمرو، حدثني عبد الرحمن بن جبير بن نفير، عن أبيه؟ قال: جلسنا إلى المقداد بن الأسود يومًا [¬٦]، فمر به رجل فقال: طوبى لهاتين العينين اللتين رأتا رسول الله ﷺ! لوددنا آنا رأينا ما رأيت، وشهدنا ما شهدتَ! فاستغضب، فجعلت أعجبُ، ما قال إلا خيرًا! ثم أقبل إليه فقال: ما يحمل الرجل على أن يتمنى مَحضَرًا غَيَّبه الله عنه، لا يدري لو شهده كيف كان يكون فيه؟ والله، لقد حضر رسولَ الله، ﷺ، أقوام أكبَّهم الله على مناخرهم [¬٧] في جهنم لم يجيبوه ولم [يصدقوه] [¬٨]، أوَ لا تحمدون اللَّه إذ أخرجكم لا تعرفون إلا ربكم مصدقين لما جاء به نبيكم، قد كُفيتم البلاء بغيركم، لقد بعث الله النبي ﷺ على أشد حال بعث عليها نبيًّا من الأنبياء في فترة من جاهلية، ما يرون أن دينًا أفضل من عبادة الأوثان. فجاء بفُرقان فَرَّقَ به بين الحق والباطل، وفَرَّقَ بين الوالد وولده، [حتى] [¬٩] إن كان الرجل ليرى [¬١٠] والده وولده، أو أخاه كافرًا، وقد فتح الله قُفْل [¬١١] قلبه للإِيمان، يعلم أنه إن هلك دخل النار، فلا تقر عينه وهو يعلم أن\n_________\n(^٤٤) المسند (٦/ ٢). وأخرجه الطبراني في الكبير (٢٠/ ٢٥٣، ٢٥٤ / رقم: ٦٠٠). وأبو نعيم في الحلية (١/ ١٧٥، ١٧٦). كلاهما من طريق ابن المبارك، عن صفوان بن عمرو به. وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ١٧) وعزاه للطبراني فقط وقال: \"رواه الطبراني بأسانيد في أحدها يحيى بن صالح؛ وثقه الذهبي، =\n_________\n[¬١]- في ت: \"فقال\".\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- سقط من: خ، ز.\n[¬٥]- في ز، خ: \"معمر\" والمثبت من السند.\n[¬٦]- سقط من: ز خ.\n[¬٧]- في ت: \"مناخيرهم\".\n[¬٨]- سقط من: خ، ز والمثبت من المسند.\n[¬٩]- سقط من: ز، خ.\n[¬١٠]- في ز، خ: \"يرى\".\n[¬١١]- سقط من: ز، خ.","vol":"10","page":333},{"text":"حبيبه في النار، وأنها التي قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾. وهذا إسناد صحيح ولم يخرجوه.\nوقوله: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾، قال ابن عباس، والحسن، وقتادة، والسدي، والربيع بن أنس: أئمة يقتدى بنا في الخير.\nوقال غيرهم: هداةً مهتدين، [دعاةً] [¬١] إلى الخير، فأحبوا أن تكون عبادتهم متصلة بعبادة أولادهم وذرياتهم، وأن يكون هداهم متعديًا إلى غيرهم بالنفع وذلك أكثر ثوابًا، وأحسن مآبًا، ولهذا ورد في صحيح مسلم (^٤٥)، [عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله، ﷺ] [¬٢]: \"إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: من ولد صالح يدعو له، و[¬٣] علم ينتفع به من [¬٤] بعده، و[¬٥] صدقة جارية\".\n﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا (٧٥) خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (٧٦) قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا (٧٧)﴾\nلما ذكر تعالى من أوصاف عباده المؤمنين ما ذكر من [¬٦] الصفات الجميلة، والأفعال والأقوال الجميلة- قال بعد ذلك كله: ﴿أُولَئِكَ﴾، أي: المتصفون بهذه ﴿يُجْزَوْنَ﴾، أي: يوم القيامة ﴿الْغُرْفَةَ﴾، وسط الجنة.\nقال أبو جعفر الباقر، وسعيد بن جبير، والضحاك، والسدي: سميت بذلك لارتفاعها.\n﴿بِمَا صَبَرُوا﴾، أي: على القيام بذلك، ﴿وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا﴾، أي: في الجنة ﴿تَحِيَّةً وَسَلَامًا﴾، أي: يبتَدَءُونَ [¬٧] فيها بالتحية والإكرام، ويُلقَّون التوقير [¬٨] والاحترام، فلهم السلام وعليهم السلام، فإن الملائكة يدخلون عليهم من كل باب، سلام عليكم بما صبرتم، فنعم عقبى الدار.\n_________\n= وقد تكلموا فيه، وبقية رجاله رجال الصحيح\".\n(^٤٥) صحيح مسلم حديث (١٦٣١).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ت.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٣]- في ت: \"أو\".\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- في ت: \"أو\".\n[¬٦]- في ز، خ: \"هذه\".\n[¬٧]- في ت: \"يبتدرون\".\n[¬٨]- في ز، خ: \"فيها التوفيق\".","vol":"10","page":334},{"text":"وقوله: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أي: مقيمين لا يظعنون ولا يحولون [ولا يموتون] [¬١] ولا يزولون عنها ولا يبغون عنها حولًا، كما قال تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إلا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيرَ مَجْذُوذٍ﴾.\nوقوله: ﴿حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾. أي: حسنت منظرًا وطابت مقيلًا ومنزلًا.\nثم قال تعالى: ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي﴾. أي: لا يبالي [بكم] [¬٢] ولا يكترث بكم إذا لم تعبدوه، فإنه إنما خلق الخلق ليعبدوه ويوحدوه ويسبحوه بكرة وأصيلًا.\nوقال مجاهد، وعمرو بن شعيب: ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي﴾ يقول: ما يفعل بكم ربي.\nوقال عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ﴾ يقول: لولا إيمانكم، فأخبر الله الكفار أنه لا حاجة له بهم إذ لم يخلقهم مؤمنين، ولو كان [له] [¬٣] بهم حاجة لحبب إليهم الإِيمان كما حببه إلى المؤمنين.\nوقوله: ﴿فَقَدْ كَذَّبْتُمْ﴾، أي: أيها الكافرون، ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا﴾، أي: فسوف يكون تكذيبكم [¬٤] لزامًا لكم، يعني: مقتضيًا [لهلاككم وعذابكم ودماركم] [¬٥] في الدنيا والآخرة، ويدخل في ذلك يوم بدر، كما فسره بذلك عبد الله بن مسعود، وأبيّ بن كعب، ومحمد بن كعب القرظي، ومجاهد، والضحاك، وقتادة، والسدي، وغيرهم.\nوقال الحسن البصري: ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا﴾ يعني: يوم القيامة. ولا منافاة بينهما، والله أعلم.\n* * *\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ت.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ت.\n[¬٤]- في ز، خ: \"تكذيبهم\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"لهلاكهم وعذابهم ودمارهم\".","vol":"10","page":335},{"text":"<span data-type='title' id=toc-134>تفسير سورة الشعراء وهي مكية</span>\n(ووقع في تفسير مالك المروي عنه تسميتها سورة الجامعة)\n﴿طسم (١) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٣) إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ (٤) وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إلا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ (٥) فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٦) أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (٧) إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (٨) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٩)﴾\nأما الكلام على الحروف المقطعة في أوائل السور، فقد تكلمنا عليه في أول تفسير سورة البقرة.\nوقوله: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾، أي: هذه آيات القرآن المبين، أي: البين الواضح، الذي يفصل [¬١] بين الحق والباطل، والغيّ والرشاد.\nوقوله: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ﴾، أي: مهلك ﴿نَفْسَكَ﴾، أي: مما تحرص [عليهم] [¬٢] وتحزن عليهم، ﴿أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾. وهذه تسلية من الله لرسوله - صلوات الله وسلامه عليه - في عدم إيمان من لم يؤمن به من الكفار، كما قال تعالى: ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ وقال: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ قال مجاهد، وعكرمة، والحسن، وقتادة، وعطية، والضحاك: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ﴾، أي: قاتل نفسك، قال الشاعر:\nألا أيّهذا الباخعُ الحزنُ نفسَه … لشيء [¬٣] نحتْه عن يديه المقادِرُ\nثم قال الله تعالى: ﴿إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾ أي: لو شئنا لأنزلنا آية تضطرهم إلى الإِيمان قهرًا، ولكنّا لا نفعل ذلك، لأنا لا نريد من أحد\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"يفعل\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ت.\n[¬٣]- في ز، خ: \"شيء\".","vol":"10","page":337},{"text":"إلا الإِيمان الاختياري، وقال تعالى: ﴿وَ[¬١] لَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ وقال: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إلا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾، فَنَفَذ قَدَرُه، ومضت [¬٢] حكمته؛ وقامت حجته البالغة على خلقه بإرسال الرسل إليهم، وإنزالِ الكتب عليهم.\nثم قال: ﴿وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إلا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ﴾، أي: كلما جاءهم كتاب من السماء أعرض عنه أكثر الناس؛ كما قال: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ وقال: ﴿يَاحَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إلا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾، وقال: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾؛ ولهذا قال تعالى هاهنا: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾، أي: فقد كذبوا بما جاءهم من الحق، فسيعلمون نبأ هذا التكذيب بعد حين ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾.\nثم نبه تعالى على عظمته في سلطانه وجلالة قدره وشأنه، الذين اجترءوا على مخالفة رسوله وتكذيب كتابه، وهو القاهر العظيم القادر، الذي خلق الأرض وأنبت فيها من كل زوج كريم، [من] [¬٣] زروع وثمار وحيوان.\nقال سفيان الثوري، عن رجل، عن الشعبي: الناس من نبات الأرض، فمن دخل الجنة فهو كريم، ومن دخل النار فهو لئيم.\n﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً﴾، أي: دلالة على قدرة الخالق [¬٤] للأشياء، الذي بسط الأرض ورفع بناء السماء، ومع هذا ما آمن أكثر الناس، بل كذبوا به وبرسله وكتبه، وخالفوا أمره وارتكبوا زواجره.\nوقوله: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ﴾، أي: الذي عزّ كلَّ شيء وقهره وغلبه، ﴿الرَّحِيمُ﴾، أي: بخلقه، فلا يعجل على من عصاه بل ينظره ويؤجله ثم يأخذه أخذ عزيز مقتدر.\nقال أبو العالية، وقتادة، والربيع بن أنس، وابن [¬٥] إسحاق: العزيز في نقمته وانتصاره ممن خالف أمره وعبد غيره. وقال سعيد بن جبير: الرحيم بمن تاب إليه وأناب.\n﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠) قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا يَتَّقُونَ (١١)﴾\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في خ، ز: \"وقضت\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفين في ت: \"ومن\".\n[¬٤]- في ز، خ: \"الخالد\".\n[¬٥]- سقط من: ز، خ.","vol":"10","page":338},{"text":"﴿قَال رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (١٢) وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ (١٣) وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (١٤) قَال كَلَّا فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ (١٥) فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالمِينَ (١٦) أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٧) قَال أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ (١٨) وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ (١٩) قَال فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ (٢٠) فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٢١) وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (٢٢)﴾\nيقول تعالى مخبرًا عما أمر به عبده ورسوله وكليمه موسى بن عمران - صلوات الله وسلامه عليه - حيث [¬١] ناداه من جانب الطور الأيمن، وكلمه وناجاه، وأرسله واصطفاه، وأمره بالذهاب إلى فرعون وملئه؛ ولهذا قال: ﴿ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠) قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا يَتَّقُونَ (١١) قَال رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (١٢) وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ (١٣) وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ﴾ هذه أعذار سأل من الله إزاحتها عنه، كما قال في سورة طه: ﴿قَال رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (٢٥) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي (٢٦) وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (٢٧) يَفْقَهُوا قَوْلِي (٢٨) وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (٢٩) هَارُونَ أَخِي (٣٠) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (٣١) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي (٣٢) كَي نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا (٣٣) وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا (٣٤) إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا (٣٥) قَال قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَامُوسَى﴾.\nوقوله: ﴿وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ﴾، أي: بسبب ما كان قتل ذلك القبطي الذي كان سبب خروجه من بلاد مصر ﴿قَال كَلَّا﴾، أي: قال الله له: لا تخف من شيء من ذلك؛ كما قال: ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا﴾، أي: برهانا ﴿فَلَا يَصِلُونَ إِلَيكُمَا بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ﴾.\n﴿فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ﴾، كما قال تعالى: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ أي: [] [¬٢] معكما بحفظي وكلاءتي ونصري وتأييدي.\n﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالمِينَ﴾ وقال في الآية الأخرى: ﴿إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ﴾، أي: كل منا رسول الله إليك ﴿أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾، أي: أطلقهم من\n_________\n[¬١]- في ت: \"حين\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفين في ت: \"إنني\".","vol":"10","page":339},{"text":"إسارك وقبضتك وقهرك وتعذيبك، فإنهم عباد الله المؤمنون، وحزبه الخلصون، وهم معك في العذاب المهين. فلما قال له موسى ذلك أعرض فرعون عما هنالك بالكلية، ونظر بعين الازدراء والغمص فقال: ﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ﴾. [أي: أما أنت الذي ربيناه] [¬١] فينا، وفي بيتنا، وعلى فراشنا [] (*)، وأنعمنا عليه مدة من السنين، ثم بعد هذا قابلت ذاك [¬٢] الإحسان بتلك الفعلة أن قتلت منا رجلًا، وجحدت نعمتنا عليك. ولهذا قال: ﴿وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾، أي: الجاحدين. قاله ابن عباس، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، واختاره ابن جرير ﴿قَال فَعَلْتُهَا إِذًا﴾، أي: في تلك الحال، ﴿وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ﴾ أي: قبل أن يُوحى إليّ ويُنعم الله عليّ بالرسالة والنبوة.\nقال ابن عباس ﵄ ومجاهد، وقتادة، والضحاك وغيرهم: ﴿وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ﴾ أي: الجاهلين.\nقال [¬٣] ابن جريج: وهي كذلك في قراءة عبد الله بن مسعود، ﵁.\n﴿فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ أي: الحال الأول انفصل وجاء أمر آخر، فقد [¬٤] أرسلني الله إليك، فإن أطعته سَلمت، وإن خالفته عَطبت.\nثم قال موسى: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾، أي: وما أحسنت إليَّ وربَّيتني مقابل ما أسأت إلى بني إسرائيل، فجعلتهم عبيدًا وخدمًا، تصرفهم في أعمالك ومشاق رعيتك، أفَيَفي إحسانك إلى رجل واحد منهم بما أسأتَ إلى مجموعهم؟ أي: ليس ما ذكرته شيئًا بالنسبة إلى ما فعلت بهم.\n﴿قَال فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالمِينَ (٢٣) قَال رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَينَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (٢٤) قَال لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ (٢٥) قَال رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (٢٦) قَال إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيكُمْ لَمَجْنُونٌ (٢٧) قَال رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَينَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (٢٨)﴾\nيقول تعالى مخبرًا عن كفر فرعون وتمرده وطغيانه وجحوده، في قوله: ﴿وَمَا رَبُّ\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n(*) ما بين المعكوفين في ز: وهو ما. وفي خ: حدثنا.\n[¬٢]- في ت: \"هذا\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"وقال\".\n[¬٤]- في ز، خ: \"قد\".","vol":"10","page":340},{"text":"الْعَالمِينَ﴾ وذلك أنه كان يقول لقومه: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيرِي﴾، ﴿فَاسْتَخَفَّ [¬١] قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ﴾ وكانوا يجحدون الصانع - تعالى - ويعتقدون أنه لا رب لهم سوى فرعون. فلما قال له [¬٢] موسى: ﴿إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعَالمِينَ﴾، قال له: ومن هذا الذي تزعم أنه رب العالمين غيري؟ هكذا فسره علماء السلف وأئمة الخلف، حتى قال السدي: هذه الآية كقوله تعالى: ﴿قَال [¬٣] فَمَنْ رَبُّكُمَا يَامُوسَى (٤٩) قَال رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾.\nومن زعم من أهل المنطق وغيرهم أن هذا سؤال عن الماهية، فقد غلط؛ فإنه لم يكن مقرًّا [¬٤] بالصانع حتى يسأل عن الماهية، بل كان جاحدًا له بالكلية فيما يظهر، وإن كانت الحجج والبراهين قد قامت عليه، فعند ذلك [] [¬٥] قال موسى لما سأله عن رب العالمين: ﴿قَال رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَينَهُمَا﴾، أي: خالق جميع ذلك ومالكه، والمتصرف فيه وإلهه، لا شريك له، هو الله الذي خلق الأشياء كلها، العالم العلويّ وما فيه من الكواكب الثوابت والسيارات النيرات، والعالم السفليّ وما فيه من بحار وقفار، وجبال وأشجار، وحيوان ونبات وثمار، وما بين ذلك من الهواء والطور، وما يحتوي عليه الجو، الجميع عبيد له خاضعون ذليلون.\n﴿إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾. أي: إن كانت لكم قلوب موقنة، وأبصار نافذة. فعند ذلك التفت فرعون إلى من حوله من ملئه ورؤساء دولته قائلًا لهم، على سبيل التهكم والاستهزاء والتكذيب لموسى فيما قاله: ﴿أَلَا تَسْتَمِعُونَ﴾؟! أي: ألا تعجبون مما يقول هذا في زعمه أن لكم إلهًا غيري؟ فقال لهم موسى: ﴿رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾. أي: خالقكم وخالق آبائكم الأوائل، الذين كانوا قبل فرعون وزمانه. ﴿قَال﴾ أي: فرعون لقومه: ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾. أي: ليس له عقل في دعواه أنّ ثَمّ ربًّا غيري. ﴿قَال﴾ أي: موسى لأولئك الذين أوعز [¬٦] إليهم فرعون ما أوعز [¬٧] من الشبهة، فأجاب موسى بقوله: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَينَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾. أي: هو الذي جعل المشرق مشرقًا تطلع منه الكواكب، والمغرب مغربًا تغرب فيه [¬٨] الكواكب ثوابتها وسياراتها، مع هذا النظام الذي سَخّرها فيه وقدرها، فإن كان هذا الذي يزعم [¬٩] أنه ربكم وإلهكم صادقًا فليعكس الأمر، وليجعل المشرق مغربًا، والمغرب مشرقًا، كما أخبر تعالى من: ﴿الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ [أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ] [¬١٠] إِذْ قَال إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَال أَنَا أُحْيِي\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"واستخف\".\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- في ز، خ: \"مقر\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"قد\".\n[¬٦]- في ز، خ: \"أوغر\".\n[¬٧]- في ز، خ: \"أوغر\".\n[¬٨]- في ز، خ: \"منه\".\n[¬٩]- في ز، خ: \"تزعم\".\n[¬١٠]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"10","page":341},{"text":"وَأُمِيتُ قَال إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾؛ ولهذا لما غُلب فرعون وانقطعت حجته، عدل إلى استعمال جاهه وقوته وسلطانه، واعتقد أن ذلك نافع له ونافذ في موسى ﵇ فقال ما أخبر الله تعالى عنه:\n﴿قَال لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ (٢٩) قَال أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيءٍ مُبِينٍ (٣٠) قَال فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٣١) فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ (٣٢) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ (٣٣) قَال لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (٣٤) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ (٣٥) قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (٣٦) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ (٣٧)﴾\nلما قامت على فرعون الحجة بالبيان والعقل عدل إلى [¬١] أن يقهر موسى بيده وسلطانه، وظن أنه ليس وراء هذا المقام مقال [¬٢]، فقال: ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ فعند ذلك قال موسى: ﴿أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيءٍ مُبِينٍ﴾. أي: برهان [¬٣] قاطع واضح، ﴿قَال فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٣١) فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ﴾، أي: ظاهر واضح في غاية الجلاء والوضوح والعظمة، ذات قوائم وفم كبير، وشكل هائل مزعج. ﴿وَنَزَعَ يَدَهُ﴾ أي: من جيبه، ﴿فَإِذَا هِيَ بَيضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ﴾. أي: تتلألأ كقطعة من القمر. فبادر فرعون لشقائه [¬٤] إلى التكذيب والعناد، فقال للملأ حوله: ﴿إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ﴾. أي: فاضل بارع في السحر. فَرَوَّج عليهم فرعون أن هذا من قبيل السحر لا من قبيل المعجزة، ثم هيجهم وحرضهم على مخالفته، والكفر به، فقال: ﴿يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾. أي: [أراد أن] [¬٥] يذهب بقلوب الناس معه بسبب هذا، فيكثر أعوانه وأنصاره وأتباعه ويغلبكم على دولتكم، فيأخذ البلاد منكم، فأشيروا عليّ فيه ماذا أصنع به؟ ﴿قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (٣٦) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ﴾، [أي: أخره وأخاه حتى تجمع له من مدائن مملكتك وأقاليم دولتك كل سحار\n_________\n[¬١]- في ت: \"عن\".\n[¬٢]- في خ، ز: \"مقام\".\n[¬٣]- في ت: \"ببرهان\".\n[¬٤]- في ت: \"بشقائه\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"10","page":342},{"text":"عليم] [¬١] يقابلونه [¬٢]، ويأتون بنظير ما جاء به، فتغلبه أنت وتكون لك النصرة والتأييد. فأجابهم إلى ذلك وكان هذا من تسخير الله تعالى لهم في ذلك، ليجتمع الناس في صعيد واحد، ولتظهر آيات الله وحججه وبراهينه على الناس في النهار جهرة.\n﴿فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (٣٨) وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ (٣٩) لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ (٤٠) فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (٤١) قَال نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٢) قَال لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ (٤٣) فَأَلْقَوْا حِبَالهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ (٤٤) فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ (٤٥) فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (٤٦) قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالمِينَ (٤٧) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ (٤٨)﴾\nذكر تعالى هذه المناظره العقلية [¬٣] بين موسى والقبط في \"سورة الأعراف\" وفي \"سورة طه\"، وفي هذه السورة، وذلك أن القبط أرادوا أن يطفئوا نور الله بأفواههم فأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون. وهذا شأن الكفر والإِيمان، ما تواجها وتقابلا إلا غلبه الإِيمان، ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾. ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ ولهذا لما جاء السحرة، و[¬٤] قد جمعوهم من أقاليم بلاد مصر، وكانوا إذ ذاك أسحر الناس وأصنعهم وأشدهم تحيلًا [¬٥] في ذلك، وكان السحرة جمعًا كثيرًا، وجما غفيرًا، تل: كانوا اثني عشر ألفًا، وقيل: خمسة عشر ألفًا، وقيل: سبعة عشر ألفًا، [وقيل: تسعة عشر ألفًا، وقيل: بضعة وثلاثين ألفًا] [¬٦]، وقيل: ثمانين ألفًا، وقيل غير ذلك، والله أعلم بعدتهم.\nقال ابن إسحاق: وكان أمرهم راجعًا [¬٧] إلى أربعة منهم وهم رؤساؤهم، وهم: ساتور، وعازور، وحطحط، ويصفى.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٢]- في ز، خ: \"يقاتلونه\".\n[¬٣]- في ت: \"الفعلية\".\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- في ت: \"تخييلًا\".\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٧]- في ز، خ: \"راجع\".","vol":"10","page":343},{"text":"واجتهد [¬١] الناس في الاجتماع ذلك اليوم، وقال قائلهم: ﴿لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ﴾. ولم يقولوا: نتبع الحق سواء كان من السحرة أو من موسى، بل الرعية على دين ملكهم. ﴿فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ﴾. أي: إلى مجلس فرعون وقد ضرب له وطاقًا (*) وجمع حشمه وخدمه وأمراءه [¬٢] ووزراءه ورؤساء دولته وجنود مملكته. فقام السحرة بين يدي فرعون، يطبون منه الإحسان إليهم والتقرب إليه إن غلبوا. أي: هذا الذي جمعتنا من أجله فقالوا: ﴿أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (٤١) قَال نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾. أي: وأخص مما تطلبون أجعلكم من المقربين عندي وجلسائي. فعادوا إلى مقام المناظرة، ﴿قَالُوا يَامُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى (٦٥) قَال بَلْ أَلْقُوا﴾. وقد اختصر هذا هاهنا. فقال: ﴿قَال [¬٣] لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ (٤٣) فَأَلْقَوْا حِبَالهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ﴾. وهذا كما يقوله الجهلة من العوام إذا فعلوا شيئًا: هذا بثواب فلان. وقد ذكر الله في \"سورة الأعراف\": أنهم ﴿سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾. وقال في \"سورة طه\": ﴿فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى (٦٦) فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى (٦٧) قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى (٦٨) وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيثُ أَتَى﴾.\nوقال هاهنا: ﴿فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ﴾. أي: تخطفه [وتجمعه] [¬٤] من كل بقعة وتبتلعه فلم تدع منه شيئًا، قال تعالى: ﴿فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١١٨) فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ (١١٩) وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (١٢٠) قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾.\nوكان هذا أمرًا عظيمًا جدًّا، وبرهانًا قاطعًا للعذر وحجة دامغة، وذلك أن الذين [¬٥] استنصر بهم وطلب منهم أن يَغلبوا قد [¬٦] غُلبوا وخضعوا وآمنوا بموسى في الساعة الراهنة، وسجدوا لله رب العالمين، الذي أرسل موسى وهارون بالحق والمعجزة الباهرة، فَغُلِب فرعون غَلبًا لم يشاهد العالم مثله، وكان وقحًا جريئًا عليه لعنة الله! فعدل إلى المكابرة والعناد ودعوى الباطل، فشرع يتهددهم ويتوعدهم، ويقول: ﴿إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ﴾، وقال: ﴿إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾.\n﴿قَال آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"وحشر\".\n(*) كذا، ولا أدري ما معناها.\n[¬٢]- سقط من: ت.\n[¬٣]- سقط من: ت.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين مكرر في ز.\n[¬٥]- في ز، خ: \"الذي\".\n[¬٦]- في خ: \"منهم\"، وفي ز: \"منه\".","vol":"10","page":344},{"text":"تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أَيدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (٤٩) قَالُوا لَا ضَيرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ (٥٠) إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ (٥١)﴾\nتهددهم فلم يقطع ذلك فيهم، وتوعدهم فما زادهم إلا إيمانًا وتسليمًا، وذلك أنه قد كشف عن قلوبهم حجاب الكفر، وظهر لهم الحق بعلمهم ما جهل قومهم، من أن هذا الذي جاء به موسى لا يصدر عن بشر، إلا أن يكون الله قد أيده به، وجعله له حجة ودلالة على صدق ما جاء به من ربه؛ ولهذا لما قال لهم فرعون: ﴿آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾ أي: كان ينبغي أن تستأذنوني فيما فعلتم، ولا تفتاتوا عليّ في ذلك، فإن أذنت لكم فعلتم، وإن منعتكم امتنعتم، فإني أنا الحاكم المطاع، ﴿إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ﴾. وهذه مكابرة يعلم كل أحد بُطلانها، بأنهم لم يجتمعوا بموسى قبل ذلك اليوم، فكيف يكون كبيرَهم الذي أفادهم صناعة السحر؟! هذا لا يقوله عاقل.\nثم توعدهم فرعون بقطع [الأيدي و] [¬١] الأرجل والصلب، فقالوا: ﴿لَا ضَيرَ﴾. أي: لا حرج ولا يضرنا ذلك ولا نبالي به ﴿إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ﴾. أي: المرجع [¬٢] إلى الله، وهو لا يضيع أجر من أحسن عملًا، ولا يخفى عليه ما فعلت بنا [¬٣]، وسيجزينا على ذلك أتم الجزاء؛ ولهذا قالوا: ﴿إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا﴾. أي: ما قارفناه من الذنوب وما أكرهتنا عليه من السحر، ﴿أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: بسبب أنّا بادرنا قومنا من القبط إلى الإِيمان. فقتلهم [¬٤] كلهم.\n﴿وَأَوْحَينَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (٥٢) فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (٥٣) إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ (٥٤) وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ (٥٥) وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ (٥٦) فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٧) وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٥٨)﴾\nلما طال مُقام موسى ﵇ ببلاد مصر، وأقام بها حُجج الله وبراهينه على فرعون وملئه، وهم مع ذلك يكابرون ويعاندون، لم يبق لهم إلا العذاب والنكال، فأمر الله موسى\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في ز: \"المرجوع\" وفي خ: \"الرجوع\".\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- في ز، خ: \"قتلهم\".","vol":"10","page":345},{"text":"﵇ أن يخرج ببنى إسرائيل ليلًا من مصر، وأن يمضي بهم حيث يُؤمر، ففعل موسى ﵇ ما أمره به ربه ﷿، خرج بهم بعد ما استعاروا من قوم فرعون حُليًّا كثيرًا، وكان خروجه بهم - فيما ذكر غير واحد من المفسرين - وقت طلوع القمر. وذكر مجاهد ﵀ أنه كُسف القمر تلك الليلة، فالله أعلم. وأن موسى ﵇ سأل عن قبر يوسف ﵇ فدلته امرأة عجوز من بني إسرائيل عليه، فاحتمل تابوته معهم، ويقال: إنه هو الذي حمله بنفسه ﵉، وكان يوسف قد وصى [¬١] بذلك إذا خرج بنو إسرائيل أن يحملوه معهم. وقد ورد في ذلك حديث رواه ابن أبي حاتم ﵀ فقال:\nحدثنا علي بن الحسين، حدثنا عبد الله بن عمر [بن محمد] [¬٢] بن أبان بن صالح، حدثنا [ابن فُضَيلَ] [¬٣]، عن عبد الله بن أبي إسحاق، عن ابن أبي بردة، [عن أبيه] [¬٤]، عن أبي موسى؛ قال: نزل رسول الله ﷺ بأعرابيّ فأكرمه، فقال له رسول الله، ﷺ: \"تعاهدنا\". فأتاه الأعرابي فقال له رسول الله، ﷺ: \" [حاجتك] [¬٥]؟ \" قال: ناقة برحلها وأعنق [¬٦] يحتلبها أهلي، فقال: \"أعجزت أن تكون مثل عجوز بني إسرائيل؟ \" فقال له أصحابه: وما عجوز بني إسرائيل يا رسول الله؟ قال: \"إن موسى لما أراد أن يسير ببني إسرائيل أضل الطريق، فقال لبني إسرائيل: ما هذا؟ فقال له علماء بني إسرائيل: نحن نحدثك: إن يوسف ﵇ لما حضره الموت أخذ علينا موثقًا من الله أن لا نخرج من مصر حتى ننقل تابوته معنا، فقال لهم موسى: فأيكم يدري أين قبر يوسف؟ قالوا: ما يعلمه إلا عجوز لبني إسرائيل. فأرسل إليها فقال لها: دليني على قبر يوسف. قالت [¬٧]: والله لا أفعل حتى تعطيني حكمي. فقال لها: وما حكمك؟ قالت: حكمي أن أكون معك في الجنة. فكأنه ثقل عليه ذلك فقيل له: أعطها حكمها. قال: فانطلقت معهم إلى بحيرة - مستنقع ماء - فقالت لهم [¬٨]: أنضبوا هذا الماء. فلما أنضبوه، قالت: احتفروا. فلما احتفروا استخرجوا قبر يوسف، فلما احتملوه إذا الطريق مثل ضوء النهار\" (^١).\n_________\n(^١) ورواه أبو يعلى في مسنده (١٣/ ٢٣٦)، وابن حبان في صحيحه (٢٤٣٥) \"موارد\"، والحاكم =\n_________\n[¬١]- في ت: \"أوصى\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٣]- في ز، خ: ابن فضل. وهو تحريف. والصواب: ابن فضيل. وهو محمد بن فضيل. من رجال التهذيب.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٥]- ما بين المعكوفين في ت: \"ما حاجتك\".\n[¬٦]- في ت: \"وأعنز\".\n[¬٧]- في ت: \"فقالت\".\n[¬٨]- سقط من: ز، خ.","vol":"10","page":346},{"text":"هذا حديث غريب جدًّا والأقرب أنه موقوف، والله أعلم.\nفلما أصبحوا وليس في ناديهم [¬١] داع ولا مجيب، غاظ ذلك فرعون واشتد غضبه على بني إسرائيل، لما يريد الله به من الدمار، فأرسل سريعًا في بلاده حاشرين. أي: من يحشرُ الجندَ ويجمعه، كالنُّقَباء والحُجَّاب، ونادى فيهم: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ﴾ -يعني: بني إسرائيل- ﴿لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾. أي: لطائفة قليلة، ﴿وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ﴾، أي: كل وقت يصل لنا منهم ما يغيظنا، ﴿وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ﴾. أي: نحن كل وقت نحذر من غائلتهم، وإني أريد أن أستأصل شأفتهم، وأبيد خَضْراهم. فجوزي في نفسه وجنده بما أراد لهم، قال الله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٧) وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾. أي: فخرجوا من هذا النعيم إلى الجحيم، و[¬٢] تركوا تلك المنازل العالية، والبساتين والأنهار، والأموال، والأرزاق، والملك، والجاه الوافر في الدنيا. ﴿كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾، كما قال تعالى: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ﴾. وقال تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (٥) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾.\n﴿كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (٥٩) فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ (٦٠) فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَال أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (٦١) قَال كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (٦٢) فَأَوْحَينَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ (٦٣) وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ (٦٤) وَأَنْجَينَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ (٦٥) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (٦٦) إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (٦٧) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٦٨)﴾\nذكر ذلك غير واحد من المفسرين: أن فرعون خرج في جحفل عظيم وجمع كبير، هو عبارة عن مملكة الديار المصرية في زمانه، أولي الحل والعقد والدول، من الأمراء والوزراء\n_________\n= في المستدرك (٢/ ٥٧١) من طريق محمد بن فضيل، عن يونس بن أبي إسحاق، عن أبي بردة، عن أبي موسى به. وقال الهيثمي في المجمع (١٠/ ١٧٠): \"رجال أبي يعلى رجال الصحيح\".\n_________\n[¬١]- في خ: \"ناهيهم\".\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.","vol":"10","page":347},{"text":"والكبراء والرؤساء والجنود، فأما ما ذكره غير واحد من الإِسرائيليات، من أنه خرج في ألف ألف وستمائة ألف فارس، منها مائة ألف على خيل دُهْم، وقال كعب الأحبار: فيهم ثمانمائة ألف حصان أدهم - ففي ذلك نظر. والظاهر أنه من مجازفات بني إسرائيل، والله ﷾ أعلم، والذي أخبر به هو النافع، ولم يعين عدتهم إذ لا فائدة تحته، إلا أنهم خرجوا بأجمعهم.\n﴿فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ﴾. أي: وصلوا إليهم عند شروق الشمس، وهو طلوعها ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ﴾ أي: رأى كل من الفريقين صاحبه، فعند ذلك ﴿قَال أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾، وذلك أنه انتهى بهم السير إلى سيف (*) البحر، وهو بحر القلزم، فصار أمامهم البحر، وفرعرن قد أدركهم بجنوده؛ فلهذا قالوا: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (٦١) قَال كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾. أي: لا يصل إليكم شيء مما تحذرون، فإن الله سبحانه هو الذي أمرني أن أسير هاهنا بكم، وهو لا يخلف الميعاد.\nوكان هارون ﵇ في المقدمة، ومعه يوشع بن نُون، [ومؤمن آل فرعون، وموسى ﵇ في الساقة، وقد ذكر غير واحد من المفسرين: أنهم وقفوا لا يدرون ما يصنعون، وجعل يوشع بن نون] [¬١]، أو مؤمن آل فرعون يقول لموسى ﵇: يا نبي الله، هاهنا أمرك الله أن تسير؟ فيقرل: نعم، واقترب فرعون وجنوده، ولم يبق إلا القليل. فعند ذلك أمر الله نبيه موسى أن يضرب البحر بعصاه، فضربه وقال: انفلق بإذن الله.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا صفوان بن صالح، حدثنا الوليد، حدثنا محمد بن حمزة بن محمد بن يوسف بن [¬٢] عبد الله بن سلام: أن موسى ﵇ لما انتهى إلى البحر قال: يا من كان قبل كل شيء، والمكوّن لكل شيء، والكائن بعد كل شيء، اجعل لنا مخرجًا، فأوحى الله إليه: ﴿أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ﴾.\nوقال قتادة: أوحى الله تلك الليلة إلى البحر: أن إذا ضربك موسى بعصاه فاسمع له وأطع، فبات البحر تلك الليلة [وله اضطراب] [¬٣]، ولا يدري من أي جانب [¬٤] يضربه موسى، فلما انتهى إليه موسى قال له فتاه يوشع بن نون: يا نبي الله؛ أين أمرك ربك؟ قال: أمرني أن أضرب البحر. قال: فاضربه [¬٥].\nوقال محمد بن إسحاق: أوحى الله - فيما ذكر لي - إلى البحر: أن إذا ضربك موسى بعصاه فانفلق له. قال: فبات البحر يضرب [¬٦] بعضه بعضًا، فرقًا من الله تعالى، وانتظارًا لما أمره\n_________\n(*) أي: ساحله.\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٢]- في ز، خ: \"عن\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين بياض في ز.\n[¬٤]- في خ، ز: \"باب\".\n[¬٥]- في خ: \"فاضرب به\".\n[¬٦]- في ز، خ: \"يضطرب\".","vol":"10","page":348},{"text":"الله، وأوحى الله إلى موسى: ﴿أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ﴾. فضربه بها، وفيها سلطان الله الذي أعطاه، فانفلق.\nوذكر غير واحد أنه كنّاه فقال: انفلق عليّ [أبا خالد] [¬١]؛ بحول الله. قال الله تعالى: ﴿فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾. أي: كالجبل الكبير. قاله ابن مسعود، وابن عباس، ومحمد بن كعب، والضحاك، وقتادة، وغيرهم.\nوقال عطاء الخراساني: هو الفج بين الجبلين.\nوقال ابن عباس: صار البحر اثني عشر طريقًا، لكل سبط طريق - وزاد السدي: وصار فيه طاقات ينظر بعضهم إلى بعض، وقام الماء على حيله كالحيطان، وبعث الله الريح على قعر البحر فلفحته، فسار يَبَسا كوجه الأرض، قال الله تعالى: ﴿فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى﴾. وقال في هذه القصة: ﴿وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ﴾ أي: هنالك ﴿الْآخَرِينَ﴾ قال ابن عباس، وعطاء الخراساني، وقتادة، والسدي: ﴿وَأَزْلَفْنَا﴾، أي: قربنا فرعون وجنوده من البحر، وأدنيناهم إليه. ﴿وَأَنْجَينَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ (٦٥) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ﴾، أي: أنجينا موسى وبني إسرائيل ومن معهم على دينهم فلم يهلك منهم أحد، وأغرق فرعون وجنوده فلم يبق منهم رجل إلا هلك.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا عليّ بن الحسين، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا شبابة، حدثنا يونس بن أبي إسحاق، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون، عن عبد الله -هو ابن مسعود- أن موسى ﵇ حين أسرى ببني إسرائيل بلغ فرعون ذلك [¬٢]، فأمر بشاة فذبحت، ثم قال: لا، والله لا يُفرَغ من سلخها حتى يجتمع إليَّ ستمائة ألف من القبط.\nفانطلق موسى حتى انتهى إلى البحر، فقال له: انفرق [¬٣]. فقال البحر: لقد استكبرت يا موسى؛ وهل فرقت [¬٤] لأحد من ولد آدم فأفرق [¬٥] لك؟ قال: ومع موسى رجل على حصان له، فقال له ذلك الرِجل: أين أمرتَ يا نبي الله؟ قال: ما أمرت إلا بهذا الوجه -[يعني البحر - فأقحم فرسه فسَبَح به فخرج. فقال: أين أمرت يا نبي الله؟ قال: ما أمرت إلا بهذا الوجه] [¬٦]. قال: والله ما كَذبت ولا كُذبت. ثم اقتحم الثانية فسبح، ثم خرج فقال: أين أمرت يا نبي الله؟ قال: ما أمرت إلا بهذا الوجه. قال: والله ما كَذبت ولا كُذبت. قال: فأوحى الله إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فضربه موسى بعصاه، فانفلق [¬٧]، فكان فيه اثنا\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في خ، ز: \"أنه\".\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في خ: \"انفلق\".\n[¬٤]- في ت: \"انفرقت\".\n[¬٥]- في ت: \"فأنفرق\".\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٧]- في ت: \"فانفرق\".","vol":"10","page":349},{"text":"عشر طريقًا [¬١] لكل سبط طريق يتراءون، فلما خرج أصحاب موسى وتَتَام أصحاب فرعون، التقى البحر عليهم فأغرقهم.\nوفي رواية إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون، عن عبد الله قال: فلما خَرَج آخر أصحاب موسى، وتكامل أصحاب فرعون، اضطمّ عليهم البحر، فما رُئي سواد أكثر من يومئذ، وغرق فرعون لعنه الله.\nثم قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً﴾. أي: في [¬٢] هذه القصة وما فيها من العجائب والنصر والتأييد لعباد الله المؤمنين، لدلالة وحجة قاطعة وحكمة بالغة، ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (٦٧) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾. تقدم تفسيره.\n﴿وَاتْلُ عَلَيهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ (٦٩) إِذْ قَال لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ (٧٠) قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ (٧١) قَال هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (٧٢) أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ (٧٣) قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (٧٤) قَال أَفَرَأَيتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٧٥) أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (٧٦) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إلا رَبَّ الْعَالمِينَ (٧٧) الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (٧٨)﴾\nهذا إخبار من الله تعالى عن عبده ورسوله وخليله إبراهيم إمام الحنفاء، أمر الله رسوله محمدًا ﷺ أن يتلوه على أمته، ليقتدوا به في الإِخلاص والتوكل، وعبادة الله وحده لا شريك له، والتبري من الشرك وأهله، فإن الله تعالى آتى إبراهيم رشده من قبل. أي: من صغره إلى كبره، فإنه من وقت نشأ وشَبّ، أنكر على قومه عبادة الأصنام مع الله ﷿ فقال ﴿لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ﴾ أي: ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون؟ ﴿قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ﴾. أي: مقيمين على عبادتها ودعائها، ﴿قَال هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (٧٢) أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ (٧٣) قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾. يعني: اعترفوا بأن أصنامهم لا تفعل شيئًا من ذلك، وإنما رأوا آباءهم كذلك يفعلون، فهم على آثارهم يُهرعون.\nفعند ذلك قال لهم إبراهيم: ﴿أَفَرَأَيتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٧٥) أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (٧٦) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إلا رَبَّ الْعَالمِينَ﴾. أي: إن كانت هذه الأصنام شيئًا ولها تأثير، فَلْتَخْلُص إليَّ بالمساءة، فإني عدو لها لا أباليها ولا أفكر فيها، وهذا كما قال تعالى مخبرًا عن نوح عليه\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"سبطًا\".\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.","vol":"10","page":350},{"text":"السلام: ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ﴾. وقال هود ﵇: ﴿إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٥٤) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ (٥٥) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إلا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. وهكذا تبرأ إبراهيم من آلهتهم وقال: ﴿وَكَيفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيكُمْ سُلْطَانًا﴾. وقال تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَينَنَا وَبَينَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾، وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَال إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إلا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ (٢٧) وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ يعني: لا إله إلا الله.\n﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (٧٨) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (٧٩) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (٨٠) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (٨١) وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ (٨٢)﴾\nيعني: لا أعبد إلا الذي يفعل هذه الأشياء: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ﴾. أي: هو الخالق الذي قدر قدرًا، وهدى الخلائق إليه، فكل يجري على قَدَر، وهو الذي يهدي من يشاء ويُضل من يشاء، ﴿وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ﴾. أي: هو خالقي ورازقي، بما سخر ويَسَّر من الأسباب السماوية والأرضية، فساق المُزْنَ، وأنزل الماء، وأحيا به الأرض، وأخرج به من كل الثمرات رزقًا للعباد، وأنزل الماء عذبًا زلالًا ﴿نُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا﴾.\nوقوله: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ أسند المرض إلى نفسه، وإن كان عن قدر الله وقضائه وخَلْقه، ولكن أضافه إلى نفسه أدبًا؛ كما قال تعالى آمرًا للمصلي أن يقول: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيهِمْ غَيرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾. فأسند الإِنعام إلى الله ﷾، والغضب حُذف فاعله أدبًا، وأسند الضلال إلى العبيد، كما قالت الجن: ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾. ولهذا قال إبراهيم: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾. أي: إذا وقعت في مرض فإنه لا يقدر على شفائي أحد غيره، بما يقدر من الأسباب الموصولة إليه.\n﴿وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ﴾. أي: هو الذي يحيي ويميت، لا يقدر على ذلك أحد سواه، فإنه هو الذي يبدئ ويعيد، ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾. أي: هو الذي لا يقدر على غَفْر الذنوب في الدنيا والآخرة إلا هو، ومن يغفر الذنوب إلا الله، وهو الفعال لما يشاء.","vol":"10","page":351},{"text":"﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (٨٣) وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ (٨٤) وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ (٨٥) وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ (٨٦) وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ (٨٧) يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إلا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٩)﴾\nوهذا سؤال من إبراهيم ﵇ أن يؤتيه ربه [¬١] حكمًا.\nقال ابن عباس: وهو العلم. وقال عكرمة: هو اللب. وقال مجاهد: هو القرآن. وقال السدي: هو النبوة.\nوقوله: ﴿وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾. أي: اجعلني مع الصالحين في الدنيا والآخرة، كما قال النبي ﷺ عند الاحتضار: [\"اللهُمَّ، في الرفيق الأعلى\" (^٢). قالها ثلاثًا. وفي الحديث في الدعاء] [¬٢]: \"اللهم، أحينا مسلمين، وأمتنا مسلمين، وألحقنا بالصالحين، غير خزايا ولا مبدلين\" (^٣).\n_________\n(^٢) رواه البخاري في صحيحه حديث (٦٥٠٩)، ومسلم في صحيحه حديث (٢١٩١) من حديث عائشة، ﵂، وليس عندهما أنه قالها ثلاثًا، وإنما فيهما ما يفيد أنها مرتين، والله أعلم.\n(^٣) رواه أحمد في مسنده (٣/ ٤٢٤) (١٥٥٣٤) ثنا مروان بن معاوية الفزاري، ثنا عبد الواحد بن أيمن المكي، عن عبيد الله بن عبد الله الزرقي، عن أبيه؛ قال - وقال الفزاري مرة: عن ابن رفاعة الزرقي، عن أبيه، قال:- قال أبي: وقال غير الفزاري: عبيد بن رفاعة الزرقي - قال: لما كان يوم أحد، وانكفأ المشركون، قال رسول الله ﷺ:. فذكره في حديث طويل، والنسائي في \"الكبرى\" في كتاب \"عمل اليوم والليلة\": باب: الاستنصار عند اللقاء حديث (١٠٤٤٥/ ٦) (٦/ ١٥٦). قال: أخبرنا زياد بن أيوب، حدثنا مروان بن معاوية. والحاكم في المستدرك (١/ ٥٠٦ - ٥٠٧). قال: أخبرنا أبو عبد الله الحسين بن الحسن بن أيوب، ثنا ابن أبي مسرة، ثنا خلاد بن يحيى. والطبراني في الكبير (٥/ ٤٧) حديث (٤٥٤٩). قال: حدثنا عبد الرحمن بن مسلم الرازي، ثنا سهل بن عثمان؛ قال: ثنا مروان بن معاوية. وأبو نعيم في \"الحلية\" (١٠/ ١٢٧). قال: حدثنا محمد بن علي بن سهل: ثنا محمد بن الفضل بن جابر، ثنا السرى بن مغلس وداود بن عمرو؛ قالا: ثنا مروان بن معاوية بن قرة. كلهم من طريق عبد الواحد بن أيمن المكي، عن عبيد بن رفاعة بن رافع الرقى - عند أبي نعيم: \"رفيعة\" بدلا من \"رفاعة\" ولعله تصحيف - عن أبيه … فذكره. قال الحاكم: حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. وقال الذهبي: لم يخرجا لعبيد وهو ثقة، والحديث مع نظافة إسناده منكر، أخاف أن لا يكون موضوعًا، رواه عن خلاد بن أبي سبرة. وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ١٢٤، ١٢٥) وقال: رواه أحمد والبزار، ورجال أحمد رجال الصحيح. ا هـ. من حديث الزرقي، وعنده: \"غير خزايا ولا مفتونين\".\n_________\n[¬١]- سقط من: خ، ز.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.","vol":"10","page":352},{"text":"وقوله: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾. أي: واجعل لي [¬١] ذكرًا جميلًا بعدي أذكر به، ويقتدى بي في الخير، كما قال تعالى: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيهِ فِي الْآخِرِينَ (١٠٨) سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ (١٠٩) كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾.\nقال مجاهد وقتادة: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾، يعني: الثناء الحسن. قال مجاهد: وهو كقوله تعالى: ﴿وَآتَينَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾.\nوكقوله: ﴿وَآتَينَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾.\nقال ليث بن أبي سليم: كل ملة تحبه وتتولاه. وكذا قال عكرمة.\nوقوله: ﴿وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ﴾. أي: أنعم عليّ في الدنيا ببقاء الذكر الجميل بعدي، وفي الآخرة بأن تجعلني من ورثة جنة النعيم.\nوقوله: ﴿وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ﴾ كقوله: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ﴾ وهذا مما رَجَع عنه إبراهيم ﵇ كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إلا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾. وقد قطع تعالى الإِلحاق في استغفاره لأبيه، فقال: ﴿قَدْ كَانَتْ [¬٢] لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَينَنَا وَبَينَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إلا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيءٍ﴾.\nوقوله: ﴿وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾. أي: أجرني من الخزي يوم القيامة، ويوم [¬٣] يبعث الخلائق أولهم وآخرهم.\nقال البخاري في قوله: ﴿وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ وقال إبراهيم بن طهمان، عن ابن أبي ذئب، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، [عن أبيه] [¬٤]، عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: \"إن إبراهيم رأى أباه يوم القيامة عليه الغَبَرَةُ والقَتَرَةُ\" (^٤).\nحدثنا إسماعيل، حدثنا أخي، عن ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: \"يلقى إبراهيم أباه، فيقول: يارب، إنك وعدتني\n_________\n(^٤) صحيح البخاري حديث (٤٧٦٨).\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في ز: \"كان\".\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.","vol":"10","page":353},{"text":"أنك لا تخزيني يوم يبعثون، فيقول الله: إني حرمت الجنة [على الكافرين] [¬١] \". هكذا رواه عند هذه الآية (^٥).\nوفي أحاديث الأنبياء بهذا الإسناد بعينه منفردًا به، ولفظه: \"يلقى إبراهيمُ أباه آزر يوم القيامة، وعلى وجه آزر قَتَرَة وغَبَرَة، فيقول له إبراهيم: ألم أقل لك: لا تعصني؟ فيقول أبوه: فاليوم لا أعصيك. فيقول إبراهيم: يارب، إنك وعدتني أن لا تخزيني يوم يبعثون، فأي خزي أخزى من أبي [¬٢] الأبعد؟ فيقول الله تعالى: إني حرمت الجنة على الكافرين. ثم يُقَال: يا إبراهيم؛ ما تحت رجليك؟ فينظر فإذا هو بِذِيخ متلطخ فيؤخذ بقوائمه فيلقى في النار\" (^٦).\nوقال أبو عبد الرحمن النسائي في التفسير من سننه الكبير (^٧) قوله: ﴿وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾: أخبرنا أحمد بن حفص بن عبد الله، حدثني أبي، حدثني إبراهيم بن طهمان، عن محمد بن عبد الرحمن، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله، ﷺ: \"إن إبراهيم رأى أباه يوم القيامة عليه الغَبَرَة والقَتَرَة، وقال له: قد نهيتك عن هذا فعصيتني. قال: لكني اليوم لا أعصيك واحدة. قال: يارب، وعدتني أن لا تخزيني يوم يبعثون، فإن أخزيت أباه فقد أخزيت الأبعد. قال: يا إبراهيم، إني حرمتها على الكافرين. فأخذ منه، قال: يا إبراهيم، أين أبوك؟ قال: أنت أخذته مني. قال: انظر أسفل منك. فنظر فإذا ذِيخ يتمرغ في نَتنِهِ، فأخذ بقوائمه فألقيَ في النار\". هذا إسناد غريب، وفيه نكارة.\nوالذيخ: هو الذكر من الضباع، كأنه حول آزر إلى صورة ذيخ متلطخ بعذرَته، فيلقى في النار كذلك.\nوقد رواه البزار من حديث حماد بن سلمة، عن أيوب، عن محمد بن سيرين، عن أبي هُرَيرة، عن النبي ﷺ. وفيه غرابة.\nورواه أيضًا من حديث قتادة، عن جعفر بن عبد الغافر، عن أبي سعيد، عن النبي ﷺ بنحوه.\nوقوله: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ﴾. أي: لا يقي المرءَ من عذاب الله مالُه، ولو\n_________\n(^٥) صحيح البخاري حديث (٤٧٦٩) ولفظه: \"وعدتني أن لا تخزني يوم يبعثون\".\n(^٦) صحيح البخاري حديث (٣٣٥٠).\n(^٧) النسائي في الكبرى حديث (١١٣٧٥).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٢]- في ز: \"أب\".","vol":"10","page":354},{"text":"افتدى بملء الأرض ذهبًا، ﴿ولا بنون﴾ ولو افتدى بمن في الأرض جميعًا، ولا ينفعُ يومئذ إلا الإيمان بالله، وإخلاص [¬١] الدين له، والتبري من الشىرك؛ ولهذا قال: ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾. أي: سالم من الدنس والشرك.\nقال محمد بن سيرين: القلب السليم أن يعلم أن الله حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور.\nوقال ابن عباس: ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾: حيي يشهد أن لا إله إلا الله.\nوقال مجاهد، والحسن، وغيرهما: ﴿بقلب سليم﴾، يعني: من الشرك.\nوقال سعيد بن المسيب: القلب السليم: هو القلب الصحيح، وهو قلب المؤمن، لأن قلب المنافق مريض، قال الله: ﴿في قلوبهم مرض﴾.\nوقال أبو عثمان النيسابوري [¬٢]: هو القلب الخالي من البدعة المطمئن على السُّنة.\n﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ (٩٠) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوينَ (٩١) وَقِيلَ لَهُمْ أَينَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٩٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ (٩٣) فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ (٩٤) وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ (٩٥) قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ (٩٦) تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالمِينَ (٩٨) وَمَا أَضَلَّنَا إلا الْمُجْرِمُونَ (٩٩) فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (١٠٠) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ (١٠١) فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠٢) إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٠٣) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٠٤)﴾\n﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ﴾ أي: قربت الجنة وأدنيت من أهلها يوم القيامة مزخرفة مزينة لناظريها، وهم المتقون الذين رغبوا فيها، وعملوا لها في الدنيا، ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ﴾ أي: أظهرت وكُشف عنها، وبدت منها عُنُق، فزفرت زفرة بلغت منها القلوب إلى الحناجر، وقيل لأهلها تقريعًا وتويبخًا: ﴿أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٩٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ﴾ أي: ليست الآلهة التي عبدتموها من دون الله، من تلك الأصنام والأنداد تغني [¬٣] عنكم اليوم\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"وخلاص\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"السابوري\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"لتغني\".","vol":"10","page":355},{"text":"شيئًا ولا تدفع عن أنفسها، فإنكم وإياها اليوم حَصبُ جهنم أنتم لها واردون.\nوقوله: ﴿فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ﴾. قال مجاهد: يعني: فَدُهْورُوا فيها.\nوقال غيره: كببوا فيها، والكاف مكررة؛ كما يقال: صرصر. والمراد: أنه أُلقي بعضهم على بعض من الكفار وقادتهم الذين دعوهم إلى الشرك، ﴿وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ﴾، أي: ألقوا فيها عن آخرهم. ﴿قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ (٩٦) تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. أي: يقول الضعفاء للذين استكبروا: ﴿إنا كنا لكم تبعًا فهل أنتم مغنون عنا نصبيًا من النار﴾.\nويقولون وقد عادوا على أنفسهم بالملامة: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، أي: نجعل أمركم مطاعًا كما يطاع أمر رب العالمين، وعبدناكم مع رب العالمين ﴿وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ﴾ أي: ما دعانا إلى ذلك إلا المجرمون، ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ﴾. قال بعضهم: يعني: من الملائكة، كما يقولون: ﴿فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا أو نرد فنعمل غير الذي كنا نعمل﴾. وكذا قالوا: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (١٠٠) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾. أي: قريب. قال قتادة: يعلمون -والله- أن الصديق إذا كان صالحًا نفع، وأن الحميم إذا كان صالحًا شفع ﴿فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. وذلك أنهم يتمنون أنهم يردون إلى الدار الدنيا، ليعملوا بطاعة ربهم فيما يزعمون، وهو ﷾ يعلم أنه لو ردهم إلى الدار الدنيا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون.\nوقد أخبر تعالى عن تخاصم أهل النار في سورة \"ص\"، ثم قال: ﴿إن ذلك لحق تخاصم أهل النار﴾.\nثم قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. أي: أن في محاجّة إبراهيم لقومه وإقامته الحجة [¬١] عليهم في التوحيد لآية ودلالة واضحة جلية على أنه لا إله إلا الله. ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٠٣) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾.\n﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (١٠٥) إِذْ قَال لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٠٦) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٠٧) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٠٨) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إلا عَلَى رَبِّ الْعَالمِينَ (١٠٩) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١١٠)﴾\nهذا إخبار من الله ﷿ عن عبده ورسوله نوح ﵇ وهو أول رسول بُعث إلى الأرض بعد ما عبدت الأصنام والأنداد بعثه الله ناهيًا عن ذلك، ومحذرًا من وبيل\n_________\n[¬١]- في ت: \"الحجج\".","vol":"10","page":356},{"text":"عقابه، فكذبه قومه واستمروا على ما هم عليه من الفعال الخبيثة في عبادتهم أصنامهم، ويتنزل تكذبيهم له بمنزلة تكذيب جميع الرسل؛ ولهذا قال: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (١٠٥) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ﴾. أي: ألا تخافون اللَّه في عبادتكم غيره؟ ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾. أي: إني رسول من الله إليكم، أمين فيما بعثني به، أبلغكم رسالة الله لا أزيد فيها ولا أنقص منها، ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٠٨) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾. أي: لا أطلب منكم جزاء على نصحي لكم، بل أدخر ثواب ذلك عند الله، ﴿فاتقوا الله وأطيعون﴾. فقد وضح لكم وبان صدقي ونصحي وأمانتي فيما بعثني به وائتمنني عليه.\n﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ (١١١) قَال وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١١٢) إِنْ حِسَابُهُمْ إلا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ (١١٣) وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ (١١٤)﴾\nيقولون: أنؤمن لك ونتبعك ونتساوى في ذلك بهؤلاء الأراذل الذين اتبعوك وصدقوك، وهم أراذلنا؟ ولهذا ﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ (١١١) قَال وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أي: وأي شيء يلزمني من اتباع هؤلاء لي، ولو كانوا على أي شيء كانوا عليه لا يلزمني التنقيب [¬١] عنه والفحص والبحث، إنما عليّ أن أقبل منهم تصديقهم [¬٢] إياي، [وأكِلُ] [¬٣] سرائرهم إلى الله ﷿، ﴿إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ (١١٣) وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ﴾. كأنهم سألوا منه أن يبعدهم عنه ليتابعوه، فأبى عليهم ذلك، وقال: ﴿وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ (١١٤) إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾. أي: إنما [¬٤] بعثت نذيرًا؛ فمن أطاعني واتبعني وصدقني كان مني وكنت هنه، سواء كان شريفًا أو وضيعًا، أو جليلًا أو حقيرًا.\n﴿إِنْ أَنَا إلا نَذِيرٌ مُبِينٌ (١١٥) قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَانُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ (١١٦) قَال رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ (١١٧) فَافْتَحْ بَينِي وَبَينَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١١٨) فَأَنْجَينَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١١٩) ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ (١٢٠) إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٢١) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٢٢)﴾\nلما طال مقام نبي الله بين أظهرهم يدعوهم إلى الله ليلًا ونهارًا، وجهرًا وإسرارًا، وكلما كرر\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"التنقب\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"بصدقهم\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٤]- في ز، خ: \"أنا\".","vol":"10","page":357},{"text":"عليهم الدعوة صمموا على الكفر الغليظ، والامتناع الشديد، وقالوا في الآخر: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ﴾. أي: عن دعوتك إيانا إلى دينك يا نوح ﴿لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ﴾. أي: لنرجمنك. فعند ذلك دعا عليهم دعوة استجاب الله منه، فقال: ﴿رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ (١١٧) فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. كما قال في الآية الأخرى: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ (١٠) فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ (١١) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (١٢) وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ (١٣) تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ﴾.\nوقال هاهنا: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١١٩) ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ﴾. والمشحون: هو المملوء بالأمتعة والأزواج التي حمل فيه [¬١] من كل زوجين اثنين، أي: نجيناه ومن معه كلهم وأغرقنا من كذبه وخالف أمره كلهم. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٢١) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾.\n﴿كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ (١٢٣) إِذْ قَال لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٢٤) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٢٥) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٢٦) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إلا عَلَى رَبِّ الْعَالمِينَ (١٢٧) أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ (١٢٨) وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ (١٢٩) وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ (١٣٠) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٣١) وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ (١٣٢) أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ (١٣٣) وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٣٤) إِنِّي أَخَافُ عَلَيكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٣٥)﴾\nوهذا إخبار من [الله تعالى عن] [¬٢] عبده ورسوله هود ﵇: أنه دعا قومه عادًا وكانوا قومًا يسكنون الأحقاف، وهي جبال الرمل قريبًا من بلاد حضرموت بلاد [¬٣] متاخمة لبلاد اليمن، وكان زمانهم بعد قوم نوح، [كما قال في \"سورة الأعراف\": ﴿واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح] [¬٤] وزادكم في الخلق بسطة﴾. وذلك أنهم كانوا في غاية من قوة التركيب والقوة والبطش الشديد، والطول المديد، والأرزاق الدارة، والأموال، والجنات والعيون، والأبناء والزروع والثمار، وكانوا مع ذلك يعبدون غير الله معه، فبعث الله إليهم رجلًا منهم رسولًا وبشيرًا ونذيرًا، فدعاهم إلى الله [وحده [¬٥]]، وحذرهم نقمته وعذابه في مخالفته، فقال لهم كما قال نوح لقومه، إلى أن قال: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ﴾.\n_________\n[¬١]- في ت: \"فيها\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٣]- سقط من: ت.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.","vol":"10","page":358},{"text":"اختلف المفسرون في الريع بما حاصله: أنه المكان المرتفع عند جواد الطرق المشهورة، تبنون هناك بناء محكمًا باهرًا هائلا؛ ولهذا قال: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً﴾. أي: معلمًا بناء مشهورًا، ﴿تَعْبَثُونَ﴾، وإنما تفعلون ذلك عبثًا لا للاحتياج إليه بل لمجرد اللعب واللهو وإظهار القوة؛ وبهذا أنكر عليهم نبيهم ﵇ ذلك، لأنّه تضييع للزمان وإتعاب للأبدان في غير فائدة، واشتغال بما لا يجدي في الدنيا ولا في الآخرة.\nثم قال: ﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾. قال مجاهد: المصانع: البروج المشيدة، والبنيان المخلد. وفي رواية عنه: يروج الحمام.\nوقال قتادة: هي مآخذ الماء. قال قتادة: وقرأ بعض القراء: (وتتخذون مصانع كأنكم خالدون) وفي القراءة المشهورة: ﴿لعلكم تخلدون﴾. أي: لكي تقيموا فيها أبدًا [¬١]، وليس ذلك بحاصل لكم، بل زائل عنكم، كما زال عمن كان قبلكم.\nو[¬٢] قال ابن أبي حاتم ﵀:- حدثنا أبي، حدثنا الحكم بن موسى، حدثنا الوليد، حدثنا ابن عجلان، حدثني عون بن عبد الله بن عتبة، أن أبا الدرداء ﵁ لما رأى ما أحدث المسلمون في الغوطة من البينان ونصب الشجر، قام في مسجدهم فنادى: يا أهل دمشق، فاجتمعوا إليه، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: ألا تستحيون! ألا تستحيون! تجمعون ما لا تأكلون، وتبنون ما لا تسكنون، وتأملون ما لا تدركون، إنه كانت قبلكم قرون، يجمعون فيوعُرن وكانون فيوثقون، ويأملون فيطيلون، فأصبح أملهم غرورًا، وأصبح جمعهم بورًا، وأصبحت مساكنهم قبورًا، ألا إنّ عادًا ملكت ما بين عدن وعمان خيلا وركابًا، فمن [¬٣] يشتري مني ميراث عاد بدرهمين؟.\nوقوله: ﴿وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾. وصفهم بالقوة والغلظة والجبروت، ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾. أي: اعبدوا ربكم، وأطيعوا رسولكم.\nثم شرع يذكرهم نعم الله عليهم فقال: ﴿وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ (١٣٢) أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ (١٣٣) وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٣٤) إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾. أي: إن كذبتم وخالفتم، فدعاهم إلى الله بالترغيب والترهيب، فما نفع فيهم [¬٤].\n﴿قَالُوا سَوَاءٌ عَلَينَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ (١٣٦) إِنْ هَذَا إلا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ (١٣٧) وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (١٣٨) فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ\n_________\n[¬١]- سقط من: خ، ز.\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في ز، خ: \"من\".\n[¬٤]- سقط من: ز.","vol":"10","page":359},{"text":"أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٤٠)﴾\nيقول تعالى مخبرًا عن جواب قوم هود له، بعد ما حذرهم وأنذرهم، ورغبهم ورهبهم، وبين لهم الحق ووضحه ﴿قَالُوا سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ﴾ أي: لا نرجع عما نحن فيه، ﴿وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ وهكذا الأمر فإن الله تعالى قال: ﴿إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون﴾ وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾.\nوقولهم: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾. قرأ بعضهم: (إن هذا إلا خَلْق) -بفتح الخاء وتسكين اللام (*).\nقال ابن مسعود، والعوفي عن عبد الله بن عباس، وعلقمة، ومجاهد: يعنون ما هذا الذي جئتنا به إلا أخلاق الأولين؛ كما قال المشركون من قريش: ﴿وقالوا أساطير الأولين [اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلًا﴾، وقال: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا (٤) وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾.\nوقال: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾] [¬١].\nوقرأ آخرون (*): (إن هذا إلا خُلُق الأولين) -بضم الخاء واللام- يعنون: دينهم وما هم عليه من الأمر هو دين الأوائل من الآباء والأجداد، ونحن تابعون لهم، سالكون وراءهم، نعيش كما عاشوا، ونموت كما ماتوا، ولا بعث ولا معاد؛ ولهذا قالوا: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾.\nقال [¬٢] علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾ يقول: دين الأولين. وقاله عكرمة، وعطاء الخراساني، وقتادة، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، واختاره ابن جرير (^٨).\nقال الله تعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ﴾. أي: فاستمرواه على تكذيب نبي الله هود ومخالفته وعناده، فأهلكهم الله. وقد بين سبب إهلاكه إياهم في غير موضع من القرآن بأنه\n_________\n(^٨) تفسير الطبري (١٩/ ٦٠).\n_________\n(*) وهي قراءة عبد الله بن كثير، وأبي عمرو، والكسائي.\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n(*) وهم: نافع، وعاصم، وابن عامر. وحمزة.\n[¬٢]- بياض في: ز، وفي خ: \"حدثنا\".","vol":"10","page":360},{"text":"أرسل عليهم ريحًا صرصرًا عاتية، أي: ريحًا شديدة الهبوب، ذات برد شديد جدا، فكان إهلاكهم من جنسهم، فإنهم كانوا أعتى شيء وأجبرَه، فسلط الله عليهم ما هو أعتى منهم وأشد قوة كما قال: ﴿ألم تر كيف فعل ربك بعاد * إرم﴾. وهم عاد الأولى؛ كما قال: ﴿وأنه أهلك عادًا الأولى﴾ وهم من [نسل] [¬١] إرم بن سام بني نوح ﴿ذات العماد﴾ أي: الذين كانوا يسكنون العَمَد. ومن زعم أن \"إرم\" مدينة، فإنما أخذ ذلك من الإسرائيليات من كلام كعب ووهب، وليس لذلك [¬٢] أصل أصيل؛ ولهذا قال: ﴿التي لم يخلق مثلها في البلاد﴾ أي: لم يخلق مثل هذه القبيلة في قوتهم وشدتهم وجبروتهم، ولو كان المراد بذلك مدينة لقال: التي لم يبن مثلها في البلاد. وقال: ﴿فَأَمَّا [¬٣] عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾.\nوقد قدمنا أن الله تعالى لم يرسل عليهم من الريح إلا بمقدار أنف الثور، عتت على الخزنة بأذن [¬٤] الله لها في ذلك، وسلكت وحصبت بلادهم، فحصبت كل شيء لهم، كما قال تعالى: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾ الآية [¬٥]، وقال تعالى: ﴿وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ (٦) سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾ أي: كاملة، ﴿فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾. أي: بقوا أبدانًا بلا رءوس؛ وذلك أن الريح كانت تأتي الرجل منهم فتقتلعه وترفعه في الهواء، ثم تنكسه على أم رأسه فتشدخ دماغه وتكسر رأسه وتلقيه، كأنهم أعجاز نخل منقعر.\nوقد كانوا تحصنوا في الجبال والكهوف والمغارات، وحفررا لهم في الأرض إلى أنصافهم، فلم يغن [ذلك عن] [¬٦] أمر الله شيئًا، ﴿إن أجل الله إذا جاء لا يؤخر﴾. ولهذا قال: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾.\n﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ (١٤١) إِذْ قَال لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٤٢) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٤٣) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٤٤) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إلا عَلَى رَبِّ الْعَالمِينَ (١٤٥)﴾\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٢]- في ز، خ: \"كذلك\".\n[¬٣]- في خ: \"وأما\".\n[¬٤]- في ت: \"فأذن\".\n[¬٥]- سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين في ت: \"عنهم ذلك من\".","vol":"10","page":361},{"text":"وهذا إخبار من الله ﷿ عن عبده ورسوله صالح ﵇: أنه بعثه إلى قومه ثمود- وكانوا عربًا يسكنون مدينة الحجْر، التي بين وادي القُرَى وبلاد الشام، ومساكنهم معروفة مشهورة. [وقد] [¬١] قدمنا في سورة \"الأعراف\" الأحاديث المروية في مُرور رسول الله ﷺ بهم حين أراد غَزْو الشام، فوصل إلى تَبُوك، ثم عاد إلى المدينة ليتأهب لذلك.\nوقد كانوا بعد عاد وقبل الخليل ﵇ فدعاهم نبيهم صالح إلى الله ﷿ أن يعبدوه وحده لا شريك له، وأن يطيعوه فيما بلغهم من الرسالة، فأبوا عليه وكذبوه وخالفوه، فأخبرهم أنه لا يبتغي بدعوتهم أجرًا منهم، [وإنما] [¬٢] يطب ثواب ذلك من الله ﷿ ثم ذكرهم آلاء الله عليهم فقال:\n﴿أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ (١٤٦) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٤٧) وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ (١٤٨) وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ (١٤٩) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٥٠) وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ (١٥١) الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ (١٥٢)﴾\nيقول لهم واعظًا لهم ومحذرًا إياهم نقم الله أن تحل بهم، ومذكرًا بأنعم الله عليهم فيما رزقهم من الأرزاق الدارة، وجعلهم في أمن من المحذورات، وأنبت لهم من الجنات، وأنبع لهم من العيون الجاريات، وأخرج لهم من الزروع والثمرات؛ ولهذا قال: و﴿وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾ قال العوفي عن ابن عباس: أينع وبَلَغ فهو هضيم.\nوقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾، قوله: مُعْشبة.\n[وقال] [¬٣] إسماعيل بن أبي خالد، عن عمرو بن أبي عمرو -وقد أدرك الصحابة- عن ابن عباس، في قوله ﴿وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾ قال: إذا رطُب واسترخى. رواه ابن أبي حاتم. قال: ورُوي عن أبي صالح نحو هذا.\nوقال أبو إسحاق، عن أبي العلاء: ﴿وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾ قال: هو المذنب من الرطب.\nوقال مجاهد: هو الذي إذا كُبس تهشم وتفتت وتناثر.\nوقال ابن جريج: سمعت عبد الكريم أبا أمية، سمعت مجاهدًا يقول: ﴿وَنَخْلٍ طَلْعُهَا\n_________\n[¬١]- في ت: \"قد\".\n[¬٢]- في ت: \"إنما\".\n[¬٣]- في ت: \"قال\".","vol":"10","page":362},{"text":"هَضِيمٌ﴾. قال: حين يطلع تقبض عليه فتهضمه، فهو من الرطب الهضيم، ومن اليابس الهشيم، تقبض عليه فتهشمه.\nوقال عكرمة وقتادة: الهضيم: الرطب اللين.\nوقال الضحاك: إذا كثر حمل الثمرة، [وركب] [¬١] بعضه بعضًا، فهو هضيم.\nوقال مرة: هو الطلع حين يتفرق ويخضر.\nوقال الحسن البصري: هو الذي لا نوى له.\nوقال أبو صخر: ما رأيت الطع حين يشق عنه الكم؛ فترى الطلع قد لصق بعضه ببعض، فهو الهضيم.\nوقوله: ﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ﴾. قال ابن عباس، وغير واحد: يعني حاذقين. وفي رواية عنه: شرهين أشرين. وهو اختيار مجاهد وجماعة، ولا منافاة بينهما، فإنهم كانوا يتخذون تلك البيوت المنحوتة في الجبال أشرًا وبطرًا وعبثًا، من غير حاجة إلى سكناها، وكانوا حاذقين متقنين لنحتها ونقشها، كما هو المشاهد من حالهم لمن رأى منازلهم؛ ولهذا قال: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ أي: أقبلوا على عَمَل ما يعود نفعه عليكم في الدنيا والآخرة، من عبادة ربكم الذي خلقكم ورزقكم لتوحدوه وتعبدوه وتسبحوه بكرة وأصيلًا، ﴿وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ (١٥١) الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾ يعني: رؤساءهم وكبراءهم، الدعاة لهم إلى الشرك والكفر، ومخالفة الحق.\n﴿قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (١٥٣) مَا أَنْتَ إلا بَشَرٌ مِثْلُنَا فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (١٥٤) قَال هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (١٥٥) وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥٦) فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ (١٥٧) فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٥٨) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٥٩)﴾\nيقول تعالى مخبرًا عن ثمود في جوابهم لنبيهم صالح ﵇ حين دعاهم إلى عبادة ربهم، ﴿قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾، قال مجاهد وقتادة: يعنون من المسحورين.\n_________\n[¬١]- في ت: \"ركب\".","vol":"10","page":363},{"text":"وروى أبو صالح، عن ابن عباس: ﴿مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾ يعني: من [¬١] المخلوقين. واستشهد بعضهم على هذا القول بما قال الشاعر:\nفإن تسألينا فيمَ [¬٢] نحن فإننا … عصافيرُ من هذا الأنام المُسَحَّر\nيعني: الذين لهم سُحور. والسَّحر هو الرئة، والأظهر في هذا قول مجاهد وقتادة أنهم يقولون: إنما أنت في قولك هذا مسحورًا لا عقل لك.\nثم قالوا: ﴿مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾. يعني: فكيف أوحي إليك دوننا؟ كما قالوا في الآية الأخرى: ﴿أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ (٢٥) سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ﴾. ثم إنهم اقترحوا عليه آية يأتيهم بها، ليعلموا صدقه بما جاءهم به من ربهم فطلبوا منه -وقد اجتمع ملؤهم- أن يخرج لهم الآن من هذه الصخرة -وأشاروا إلى صخرة عندهم- ناقةَ عُشَراء من صفتها كذا وكذا. فعند ذلك أخذ عليهم نبي الله صالح العهود والمواثيق، لئن أجابهم إلى ما سألوا لَيُؤمنُن به وليتبعنه، فأنعموا بذلك (٥). فقام [نبي الله] [¬٣] صالح ﵇ فصلى، ثم دعا الله ﷿ أن يجيبهم إلى سؤالهم، فانفطرت تلك الصخرة التي أشاروا إليها عن ناقة عُشَراء، على الصفة التي وصفوها، فآمن بعضهم وكفر أكثرهم، ﴿قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ يعني: ترد ماءكم يومًا، ويوما ترِدونه أنتم، ﴿وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ فحذرهم نقمة الله إن أصابوها بسوء، فمكثت الناقة بين أظهرهم حينًا من الدهر ترد الماء، وجمل الورق والمرعى، وينتفعون بلبنها، يحتلبون منها ما يكفيهم شربًا وريًّا، فلما طال عليهم الأمد وحضر شقاؤهم، تمالئوا على قتلها وعقرها، ﴿فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ (١٥٧) فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ﴾. وهو أن أرضهم زُلزلت زلزالًا شديدًا، وجاءتهم صيحة عظيمة اقتلعت القلوب عن محالها، وأتاهم من الأمر ما لم يكونوا يحتسبون، فأصبحوا في ديارهم جاثمين، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٥٨) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾.\n﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ (١٦٠) إِذْ قَال لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٦١) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٦٢) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٦٣) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إلا عَلَى رَبِّ الْعَالمِينَ (١٦٤)﴾\nيقول تعالى مخبرًا عن عبده ورسوله لوط ﵇ وهو: لوط بن هاران بن آزر،\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n(*) أنعم له: قال لله: نعم.\n[¬٢]- في خ: \"فيهم\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.","vol":"10","page":364},{"text":"وهو ابن أخي إبراهيم الخليل، وكان الله تعالى قد بعثه إلى أمة عظيمة في حياة إبراهيم، وكانوا يسكنون \"سدُوم\" وأعمالها التي أهلكها [الله بها] [¬١]، وجعل مكانها بحيرة منتنة خبيثة، وهي مشهورة ببلاد الغور، متاخمة لجبال البيت المقدس، بينها وبين بلاد الكرَك والشَّوبَك. فدعاهم إلى الله ﷿ أن يعبدوه وحده لا شريك له؛ وأن يطيعوا رسولهم الذي بعثه الله إليهم، ونهاهم عن معصية الله، وارتكاب ما كانوا قد ابتدعوه في العالم، كما لم يسبقهم الخلائق إلى فعله، من إتيان الذكران دون الإِناث؛ ولهذا قال تعالى:\n﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالمِينَ (١٦٥) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ (١٦٦) قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَالُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ (١٦٧) قَال إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ (١٦٨) رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ (١٦٩) فَنَجَّينَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (١٧٠) إلا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ (١٧١) ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ (١٧٢) وَأَمْطَرْنَا عَلَيهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (١٧٣) إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧٤) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٧٥)﴾\nلما نهاهم نبي الله عن إتيانهم الفواحش، وغشيانهم الذكور، وأرشدهم إلى إتيان نسائهم اللاتي خلقهن الله لهم، ما كان جواب قومه له إلا أن قالوا: ﴿قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَالُوطُ﴾، يعنون عما جئنتا به، ﴿لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ﴾، أي: ننفيك من بين أظهرنا، كما قال تعالى: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ فلما رأى أنَّهم لا يرتدعون عما هم فيه، وأنهم مستمرون على ضلالهم [¬٢]، تبرأ منهم فقال: ﴿قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ﴾. أي: المُبغضين [¬٣]، لا أحبه ولا أرضى به، وأنا [¬٤] بريء منكم. ثم دعا الله عليهم؛ قال: ﴿رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ﴾.\nقال الله تعالى: ﴿فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ﴾. أي: كلهم، ﴿إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ﴾، وهي امرأته، وكانت عجوز سوء، بقيت فهلكت مع من بقي من قومها، وذلك كما أخبر الله تعالى عنهم في \"سورة الأعراف\" و\"هود\"، وكذا في \"الحجر\" حين أمره الله أن يسري بأهله إلا امرأته، وأنهم لا يلتفتون إذا سمعوا الصيحة حين تنزل على قومه،\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٢]- في ت: \"ضلالتهم\".\n[¬٣]- في خ، ز: \"البغيضين\".\n[¬٤]- في ت: \"فأنا\".","vol":"10","page":365},{"text":"فصبروا لأمر الله واستمروا، وأنزل الله على أولئك العذابَ الذي عم جميعهم، وأمطر عليهم حجارة من سجيل منضود، ولهذا قال: ﴿ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ (١٧٢) وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (١٧٣) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧٤) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾\n﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيكَةِ الْمُرْسَلِينَ (١٧٦) إِذْ قَال لَهُمْ شُعَيبٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٧٧) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٧٨) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٧٩) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إلا عَلَى رَبِّ الْعَالمِينَ (١٨٠)﴾\nهؤلاء -أعني: أصحاب الأيكة- هم أهل مدين على الصحيح. وكان نبي الله شعيب من أنفسهم، وإنما لم يقل هاهنا: أخوهم [شعيب] [¬١]، لأنهم نسبوا إلى عبادة الأيكة، وهي شجرة، وقيل: شجر ملتف كالغَيضة [¬٢]، كانوا يعبدونها، فلهذا لما قال: ﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ﴾، لم يقل: \"إذ قال لهم أخوهم شعيب\". وإنما قال: ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ﴾. فقطع نسبة الأخوة بينهم؛ للمعنى الذي نسبوا إليه، وإن كان أخاهم نسبًا. ومن الناس من لم يتفطن لهذه النكتة، فظن أن أصحاب الأيكة غير أهل مدكان، فزعم أن شعيبًا ﵇ بعثه الله إلى أمتين، ومنهم من قال: ثلاث أمم.\nوقد روى إسحاق بن بشر الكاهلي -وهو ضعيف- حدثني ابن السدي، عن أبيه وزكريا بن عمر [¬٣]، عن خصيف، عن عكرمة، قال [¬٤]: ما بعث الله نبيًّا مرتين إلا شعيبًا، مرة إلى مدين فأخذهم الله بالصيحة، ومرة إلى أصحاب الأيكة فأخذهم الله بعذاب يوم الظلة.\nوروى أبو القاسم البغوي، عن هُدبة، عن همام، عن قتادة في قوله تعالى: ﴿وأصحاب الرس﴾: قوم شعيب، وقوله: ﴿وأصحاب الأيكة﴾: قوم شعيب.\nقال إسحاق بن بشر. وقال غير جوبير: أصحاب الأيكة ومدين هما واحد. والله أعلم.\nوقد روى الحافظ ابن عساكر (^٩) في ترجمة \"شعيب\" من طريق محمد بن عثمان بن أبي شيبة، عن أبيه، عن معاوية بن هشام، عن هشام بن سعد [¬٥]، عن سعيد بن أبي هلال، عن\n_________\n(^٩) انظر: مختصر تاريخ دمشق لابن منظور (١٠/ ٣٠٩).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٢]- في ز: \"كالغيظة\". والغيضة: الأكمة، أو الموضع يكثر فيه الشجر ويلتفّ.\n[¬٣]- في ز: \"عمرو\".\n[¬٤]- في ت: \"قالا\".\n[¬٥]- في ز: \"سعيد\".","vol":"10","page":366},{"text":"ربيعة بن سيف، عن عبد اللَّه بن عمرو؛ قال: قال رسول الله، ﷺ: \"إن قوم مدين وأصحاب الأيكة أمتان، فبعث [¬١] الله إليهم [¬٢] شعيبًا النبي ﵇\".\nوهذا غريب، وفي رفعه نظر، والأشبه أن يكون موقوفًا [¬٣]. والصحيح أنهم أمة واحدة، وصفوا في كل مقام بشيء. ولهذا وعظ لهؤلاء [¬٤] وأمرهم بوفاء المكيال والميزان، كما في قصة مدين سواء بسواء، فدل ذلك على أنهم أمة واحدة.\n﴿أَوْفُوا الْكَيلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ (١٨١) وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ (١٨٢) وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (١٨٣) وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ (١٨٤)﴾\nيأمرهم تعالى بإيفاء المكيال والميزان، وينهاهم عن التطفيف فيهما، فقال: ﴿أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ﴾ أي: إذا دفعتم إلى الناس فأكملوا الكيل لهم، ولا تخسروا الكيل فتعطوه ناقصًا، وتأخذوه -إذا كان لكم- تامًّا وافيًا، ولكن خذوا كما تعطون، وأعطوا كما تأخذون.\n﴿وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ﴾ والقسطاس هو: الميزان، وقيل: القبان. قال بعضهم: هو معرب من الرومية. وقال مجاهد: القسطاس: المستقيم العدل بالرومية. وقال قتادة: القسطاس: العدل.\nوقوله: ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾، أي: لا تنقصُوهُم أموالهم، ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾، يعني: قطع الطريق، كما قال في الآية الأخرى: ﴿ولا تقعدوا بكل صراط توعدون﴾.\nوقوله: ﴿وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ﴾، يخوفهم بأس الله الذي خلقهم وخلق آباءهم الأوائل، كما قال موسى ﵇: ﴿ربكم ورب آبائكم الأولين﴾، قال ابن عباس، ومجاهد، والسدي، وسفيان بن عيينة، وعبد الرحمن بن زيد بني أسلم: ﴿والجبلة الأولين﴾، يقول: خلق الأولين. وقرأ ابن زيد: ﴿ولقد أضل منكم جبلًا كثيرًا﴾.\n﴿قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (١٨٥) وَمَا أَنْتَ إلا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ\n_________\n[¬١]- في ت: \"بعث\".\n[¬٢]- في ت: \"إليهما\".\n[¬٣]- في خ، ز: \"مرفوعًا\".\n[¬٤]- في ز: \"لهولاء\".","vol":"10","page":367},{"text":"الْكَاذِبِينَ (١٨٦) فَأَسْقِطْ عَلَينَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (١٨٧) قَال رَبِّي أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٨٨) فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٨٩) إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٩٠) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٩١)﴾\nيخبر تعالى عن جواب قومه له بمثل ما أجابت به ثمود لرسولها -تشابهت قلوبهم- حيث قالوا: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾، يعنون: من المسحورين، كما تقدم. ﴿وَمَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ ﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ﴾، أي: تتعمد الكذب فيما تقوله، لا أن الله أرسلك إلينا، ﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ﴾، قال الضحاك: جانبًا من السماء. وقال قتادة: قطعًا من السماء، وقال السدي: عذابًا من السماء. وهذا شبيه بما قالت قريش فيما أخبر الله عنهم في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا﴾، إلى أن قالوا: ﴿أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا﴾ وقوله: ﴿﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ وهكذا قال هؤلاء الكفرة الجهلة: ﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾. ﴿قَالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾. يقول: الله أعلم بكم، فإن كنتم تستحقون ذلك جازاكم به غير ظالم لكم. وكذلك وقع بهم كما سألوا جزاء وفاقًا؛ ولهذا قال تعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾. وهذا من جنس ما سألوا من إسقاط الكسَف عليهم؛ فإن الله ﷾ جعل عقوبتهم أن أصابهم حر شديد جدَّا مدة سبعة أيام لا يَكُنهم (*) منه شيء، ثم أقبلت إليهم سحابة أظلتهم فجعلوا ينطلقون إليها يستظلون بظلها من الحر، فلما اجتمعوا تحتها أرسل الله تعالى عليهم منها شررًا من نار ولهبًا ووهجًا عطيمًا، وَرَجفت بهم الأرض، وجاءتهم صيحة عظيمة أزهقت أرواحهم، ولهذا قال: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾.\nوقد ذكر الله تعالى صفة إهلاكهم في ثلاثة مواطن، كل موطن بصفة تناسب ذلك السياق، ففي الأعراف ذكر أنه [¬١] أخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين، وذلك لأنهم قالوا: ﴿لَنُخْرِجَنَّكَ يَاشُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا﴾ فأرجفوا بنبي الله ومن اتبعه، فأخذتهم الرجفة. وفي سورة هود قال: ﴿وَأَخَذَتِ [¬٢] الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾ وذلك لأنهم استهزءوا بنبي الله في قولهم: ﴿أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ\n_________\n(*) كنَّ الشيءَ: ستره.\n[¬١]- في ت: \"أنهم\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"فأخذت\".","vol":"10","page":368},{"text":"آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾. قالوا ذلك على سبيل التهكم والازدراء، فناسب أن تأتيهم صيحة تسكتهم، فقال: ﴿[وأخذت الذين ظلموا] [¬١] الصيحة﴾. وها هنا قالوا: ﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾. على وجه التعنت والعناد، فناسب أن يحق [¬٢] عليهم ما استبعدوا وقوعه: ﴿فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾.\nقال قتادة: قال عبد الله بن [عمرو] [¬٣]﵁: إن الله سلط عليهم الحر سبعة أيام حتى ما يظلهم منه شيء، ثم إن الله أنشأ لهم سحابة، فانطلق إليها أحدهم واستظل بها، فأصاب تحتها بردًا وراحة، فأعلم بذلك قومه، فأتوها جميعًا فاستظلوا تحتها، فأجّجَتْ عليهم نارًا.\nوهكذا روى عن عكرمة وسعيد بن جبير والحسن وقتادة وغيرهم.\nوقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: بعث الله إليهم الظلة، حتى إذا اجتمعوا كلّهم كشف الله عنهم الظلة، وأحمى عليهم الشمس فاحترقوا كما يحترق الجراد في المقلَى.\nوقال محمد بن كعب القُرظي: إن أهل مدين عذبوا بثلاثة أصناف من العذاب: أخذتهم الرجفة في دارهم حتى خرجوا منها، فلما خرجوا منها أصابهم فزع شديد، فَفَرَقُوا أن يدخلوا إلى البيوت فتسقط عليهم، فأرسل الله عليهم الظلة، فدخل تحتها رجل فقال: ما رأيت كاليوم ظلا [¬٤] أطيب ولا أبرد [من هذا] [¬٥]، هلموا أيها الناس. فدخلوا جميعًا تحت الظلة، فصاح فيهم [¬٦] صيحة واحدة، فماتوا جميعًا. ثم تلا محمد بن كعب: ﴿فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾.\nوقال ابن جرير (^١٠): حدثني الحارث، حدثني الحسن، حدثني سعيد بن زيد أخو حماد بن زيد- حدثني حاتم بن أبي صغيرة، حدثني يزيد الباهلي: سألت ابن عباس عن هذه الآية: ﴿فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ قال: بعث الله عليهم رعدا وحرا شديدا فأخذ بأنفاسهم، فخرجوا من البيوت هرابًا السنن البرية؛ فبعث الله سحابة فأظلتهم من الشمس، فوجدوا لها بردًا ولذة، فنادى بعضهم بعضًا، حتى إذا اجتمعوا تحتها أرسلها الله [¬٧] عليهم نارًا. قال ابن عباس: فذاك [¬٨] عذاب يوم الظلة، ﴿إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾.\n_________\n(^١٠) تفسير الطبري (١٩/ ٦٧).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"فأخذتهم\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"يحقق\".\n[¬٣]- في ت: \"عمر\".\n[¬٤]- في ز، خ: \"ظلة\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- في ت: \"بهم\".\n[¬٧]- سقط من: ز، خ.\n[¬٨]- في ت: \"فذلك\".","vol":"10","page":369},{"text":"﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٩٠) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ أي: العزيز في انتقامه من الكافرين، الرحيم بعباده المؤمنين.\n﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥)﴾\nيقول تعالى مخبرًا عن الكتاب الذي أنزله على عبده ورسوله محمد ﷺ: ﴿وإنه﴾، أي: القرآن الذي تقدم ذكره في أول السورة في قوله: ﴿وما يأتيهم من ذكر من الرحمن [¬١] محدث﴾، ﴿لتنزيل رب العالمين﴾ أي: أنزله الله عليك وأوحاه إليك، ﴿نزل به الروح الأمين﴾، وهو جبريل ﵇، قاله غير واحد من السلف: ابن عباس، ومحمد بن كعب، وقتادة، وعية العوفي، والسدي، والضحاك، والزهري، وابن جريج، وهذا ما لا نزاع فيه.\nقال الزهريّ: وهذه كقوله: ﴿قل من كان عدوًّا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله﴾ الآية.\nوقال مجاهد: من كلمه الروح الأمين لا تأكله الأرض.\n[﴿عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾، أي: نزل به ملك كريم أمين، ذو مكانة عند الله، مطاع في الملأ الأعلى، ﴿على قلبك﴾ يا محمد، سالمًا من الدنس والزيادة والنقص] [¬٢]؛ ﴿لتكون من المنذرين﴾، أي: لتنذر به بأس الله ونقمته على من خالفه وكذبه، وتبشر به المؤمنين المتبعين له.\nوقوله: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾، أي: هذا القرآن الذي أنزلناه إليك [أنزلناه] [¬٣] بلسانك العربي الفصيح الكامل الشامل، ليكون بيِّنًا واضحًا ظاهرًا، قاطعًا للعذر، مقيمًا للحجة، دليلًا إلى المحجة.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن أبي بكر العَتَكِي، حدثنا عباد بن عباد المُهلبي، عن موسى بن محمد بن إبراهيم التيمي، عن أبيه؛ قال: بينما رسول الله ﷺ مع أصحابه في يوم دجن (*) إذ قال لهم: \"كيف ترون بواسقها (**)؟ \". قالوا: ما\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"ربهم\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ت.\n(*) الدجن: إلباس الغيم الأرض وأقطار السماء. ويقال: يومُ دجن، ويومٌ دجنٌ.\n(**) قال ابن الأثير: أي: ما استطال من فروعها.","vol":"10","page":370},{"text":"أحسنها وأشد تراكمها! قال: \"فكيف ترون قواعدها (*)؟ \". قالوا: ما أحسنها وأشد تمكنها قال: \"فكيف ترون جَونها (**)؟ \" [¬١]؟ قالوا: ما أحسنه وأشد سواده! قال: \"فكيف ترون رحاها استدارت؟ \" قالوا: ما أحسنها وأشد استدارتها! قال: \"فكيف ترون برقها؟ أوميض، أم خَفْو [¬٢]، أم يَشق شَقًّا؟ \". قالوا: بل يشق شقًّا. قال: \"الحياء الحياء إن شاء الله\". قال: فقال رجل: يا رسول الله، بأبي وأمي ما أفصحك [¬٣]! ما رأيت الذي هو أعرب منك. قال: فقال: \"حُق لي، وإنما نزل [¬٤] القرآن بلساني، والله يقول: ﴿بلسان عربيّ مبين﴾ \" (^١١).\nوقال سفيان الثوري: لم ينزل وحي إلا بالعربية، ثم تَرجم كل نبي لقومه، واللسان يوم القيامة بالسريانية، فمن دخل الجنة تكلم بالعربية. رواه ابن أبي حاتم.\n﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ (١٩٦) أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٩٧) وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ (١٩٨) فَقَرَأَهُ عَلَيهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ (١٩٩)﴾\nيقول تعالى: وإن ذكر هذا القرآن والتنويه به لَموجود في كتب الأولين المأثورة عن أنبيائهم الذين بشروا به في قديم الدهر وحديثه، كما أخذ الله عليهم الميثاق بذلك حتى قام آخرهم خطيبًا في ملئه بالبشارة بأحمد: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ والزُبُر هاهنا هي الكتب وهي جمع زبُور [¬٥]، وكذلك الزبور، وهو كتاب داود، وقال تعالى: ﴿وكل شيء فعلوه في الزبر﴾، أي: مكتوب عليهم في صحف الملائكة.\nثم قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾، أي: أَوَ ليس يكفيهم [¬٦] من الشاهد الصادق على ذلك: أن العلماء من بني إسرائيل يجدون ذكر هذا القرآن في كتبهم التي يدرسونها؟ والمراد العدول منهم، الذين يعترفون بما في أيديهم من صفة محمد ﷺ ومبعثه وأمته، كما أخبر بذلك مَن آمن منهم كعبد الله بن\n_________\n(^١١) ورواه الرامهرمزي في أمثال الحديث ص (١٥٥) من طريق عبد الله بن محمد الأموي، عن عباد بن عباد المهلبي به.\n_________\n(*) الضمير يعود على سحابة، والمراد بقواعدها: ما اعترض منها وسَفَل.\n(**) الجون: الأسود، أو الأسود تخالطه حمره.\n[¬١]- في خ: \"حربها\"، في ز: \"حرها\"\n[¬٢]- في خ،. ز: \"خفق\".\n[¬٣]- في ز: \"أفحك\"\n[¬٤]- في ز: \"نزل\".\n[¬٥]- في خ، ز: \"زبرة\".\n[¬٦]- في ز: \"يكفيكم\".","vol":"10","page":371},{"text":"سلام، وسلمان الفارسي، عمن أدركه منهم ومن شاكلهم. وقال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ الآية.\nثم قال تعالى مخبرًا عن شدة كفر قريش وعنادهم لهذا القرآن إنه لو أنزله على رجل من الأعاجم، ممن لا يدري من العربية كلمة، وأنزل عليه هذا الكتاب ببيانه وفصاحته، لا يؤمنون به، ولهذا قال: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ (١٩٨) فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾، كما أخبر عنهم في الآية الأخرى: ﴿وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ (١٤) لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾. وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾.\n﴿كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (٢٠٠) لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٢٠١) فَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٢٠٢) فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ (٢٠٣) أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ (٢٠٤) أَفَرَأَيتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (٢٠٥) ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ (٢٠٦) مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ (٢٠٧) وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إلا لَهَا مُنْذِرُونَ (٢٠٨) ذِكْرَى وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ (٢٠٩)﴾\nيقول تعالى: كذلك سلكنا التكذيب والكفر والعناد والجحود، أي: أدخلناه في قلوب المجرمين، ﴿لا يؤمنون به﴾ أي: بالحق، ﴿حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾، أي: حيث لا ينفع الظالمين معذرتهم، ولهم اللعنة ولهم سوء الدار. ﴿فيأتيهم بغتة﴾ أي: عذاب الله بغتة، ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٢٠٢) فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ﴾ أي: يتمنون حين يشاهدون العذاب أن لو أنظروا قليلًا ليعملوا [¬١] بطاعة الله؛ كما قال تعالى: ﴿وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ﴾ فكل ظالم وفاجر وكافر إذا شاهد [¬٢]، عقوبته ندم ندمًا شديدًا؛ هذا فرعون لما دعا عليه الكليم بقوله: ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٨٨) قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾، فأثرت هذه الدعوة في فرعون، فما آمن حتى رأى العذاب الأليم، ﴿حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا\n_________\n[¬١]- في ت: \"لعملوا\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"شاهدوا\".","vol":"10","page":372},{"text":"﴿الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩٠) آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾. وقال: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (٨٤) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ﴾، إنكار عليهم، وتهديد لهم، فإنهم كانوا يقولون للرسول تكذيبًا واستبعادًا: ﴿ائتنا بعذاب الله﴾ كما قال تعالى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ [وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٣) يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ] [¬١]﴾، ثم قال: ﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (٢٠٥) ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ (٢٠٦) مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾، أي: [ولو] [¬٢] أخرناهم وأنظرناهم وأملينا لهم برهة من الزمان وحينًا من الدهر وإن طال، ثم جاءهم أمر الله، أي شيء يجدي عنهم ما كانوا فيه من النعيم ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾.\nوقال تعالى: ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى﴾.\nولهذا قال: ﴿مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾.\nوفي الحديث الصحيح (^١٢): ﴿يؤتى بالكافر فيغمس في النار غمسة، ثم يقال له: هل رأيت خيرًا قط؟ هل رأيت نعيمًا قط؟ فيقول: لا [والله يارب] [¬٣]. ويؤتى بأشد الناس بؤسًا -كان في الدنيا- فيصبغ في الجنة صبغة، لم يقال له: هل رأيت بؤسًا قط؟ فيقول: لا [والله يا رب] [¬٤]، \" أي: ما كأن شيئًا [¬٥] كان؛ ولهذا كان عمر بن الخطاب ﵁ يتمثل بهذا البيت:\nكأنك لَم تُوتِرْ مِنَ الدهر ليلةً … إذا أنت أدركتَ الذي كنتَ تطلب\nثم قال تعالى مخبرًا عن عدله في خلقه: إنه ما أهلك أمة من الأمم إلا بعد الإِعذار إليهم والإنذار لهم وبعثة الرسل إليهم [¬٦] وقيام الحجج عليهم. ولهذا قال: ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ (٢٠٨) ذِكْرَى وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ كما قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾، وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾.\n_________\n(^١٢) رواه مسلم حديث ٥٥ - (٢٨٠٧). والنسائي (٦/ ٣٦). وأحمد في مسنده (٣/ ٢٠٣) (١٣١٣٥) من حديث أنس بن مالك، ﵁.\n_________\n[¬١]- سقط من: ت.\n[¬٢]- في ت: \"لو\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- في ز، خ: \"شيء\".\n[¬٦]- سقط من: ز، خ.","vol":"10","page":373},{"text":"﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ (٢١٠) وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ (٢١١) إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ (٢١٢)﴾\nيقول تعالى مخبرًا عن كتابه العزيز، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد: إنه نزل به الروح الأمين المؤيد من الله، ﴿وما تنزلت به الشياطين﴾. ثم ذكر أنه يمتنع عليهم من ثلاثة أوجه، أحدها: أنه لا [¬١] ينبغي لهم [¬٢]، أي: ليس هو [¬٣] من بُغْيتهم ولا من طلَبتهم؛ لأن من سجاياهم الفساد وإضلال العباد، وهذا فيه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ونور وهدى وبرهان عظيم، فبينه وبين الشياطين منافاة عظيمة؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وما ينبغي لهم﴾.\nوقوله: ﴿وما يستطيعون﴾، أقوله: ولو انبغى لهم لما استطاعوا ذلك، قال الله تعالى: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ ثم بين أنه لو انبغى لهم واستطاعوا حمله وتأديته، لما وصلوا إلى ذلك؛ لأنهم بمعزل عن استماع القرآن حال نزوله، لأن السماء ملئت حرسًا شديدًا وشهبًا في مُدّة إنزال القرآن على رسوله فلم يخلص أحد من الشياطين إلى استماع حرف واحد منه، لئلا يشتبه الأمر. وهذا من رحمة الله بعباده، وحفظه لشرعه، وتأييده لكتابه ولرسوله، ولهذا قال: ﴿إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾، كما قال تعالى مخبرًا عن الجن: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا (٨) وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا (٩) وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾.\n﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (٢١٣) وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤) وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢١٥) فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (٢١٦) وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (٢١٧) الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (٢١٨) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (٢١٩) إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٢٢٠)﴾\nيقول تعالى آمرًا بعبادته وحده لا شريك له ومخبرًا أن من أشرك به عذبه.\nثم قال تعالى آمرًا لرسوله ﷺ أن ينذر عشيرته الأقربين، أي: الأدنين\n_________\n[¬١]- في ت: \"لا\".\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- سقط من: خ، ز.","vol":"10","page":374},{"text":"إليه، وأنه لا يُخلّص أحدًا منهم إلا إيمانه بربه ﷿. وأمَرَه به [¬١] أن يُليّن جانبه لمن اتبعه من عباد الله المؤمنين، ومن عصاه من خلق الله كائنًا من كان فليتبرأ منه، ولهذا قال: ﴿فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾. وهذه النّذارة الخاصة لا تنافي العامة، بل هي فرد من أجزائها، كما قال: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ﴾ وقال: ﴿لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾، وقال: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ﴾ وقال: ﴿لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾ وقال: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ كما قال: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾.\nوفي صحيح مسلم: \"والذي نفسي بيده، لا يسمع بي أحد من هذه الأمة، يهودي ولا نصراني، ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار\".\nوقد وردت أحاديث كثيرة في نزول هذه الآية الكريمة، فلنذكرها:\nالحديث الأول: قال الإمام أحمد (^١٣) ﵀: حدثنا عبد الله بن نمير، عن الأعمش، عن عمرو بن مُرة، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس، قال: لما أنزل الله ﷿: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾، أتى النبي ﷺ الصفا فصعد عليه، ثم نادى: \"يا صباحاه\". فاجتمع الناس إليه بين رجل يجيء إليه، وبين رجل يبعث رسوله، فقال رسول الله ﷺ: \"يا بني عبد المطلب، يا بني فهر، يا بني لؤي [¬٢]، أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلًا بسفح هذا الجبل تريد أن تغير عليكم، صدقتموني؟ \". قالوا: نعم. قال: \"فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد\". فقال أبو لهب: تبًّا لك سائر اليوم! أما دعوتنا إلا لهذا؟ وأنزل الله: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾.\nورواه البخاري ومسلم والنسائي والترمذي، من طرق، عن الأعمش، به.\nالحديث الثاني: قال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا هشام، عن أبيه، عن عائشة؛ قالت: لما نزلت: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾، قام رسول الله ﷺ فقال: \"يا فاطمة بنة محمد، يا صفية بنة عبد المطلب، يا بني عبد المطلب، لا أملك لكم من الله شيئًا سلوني من مالي ما شئتم\". انفرد بإخراجه مسلم (^١٤).\n_________\n(^١٣) المسند، وصحيح البخاري حديث (٤٨٠١)، وصحيح مسلم حديث (٢٠٨)، والنسائي في السنن الكبرى حديث (١١٧١٤)، وسنن الترمذي حديث (٣٣٦٣).\n(^١٤) المسند (٦/ ١٣٦، ١٨٧) (٢٥١٥٦، ٢٥٦٤٣)، أخرجه مسلم في كتاب الإيمان، باب: قوله=\n_________\n[¬١]- سقط من: ت.\n[¬٢]- بياض في: ز.","vol":"10","page":375},{"text":"الحديث الثالث: قال أحمد (^١٥): حدثنا معاوية بن عمرو، حدثنا زائدة، حدثنا عبد الملك بن عُمير، عن موسى بن طلحة، عن أبي هريرة ﵁ قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾، دعا رسول الله ﷺ قريشًا [¬١]، فعم وخص، فقال: \"يا معشر قريش، أنقذوا أنفسكم من النار. يا معشر بني كعب، أنقذوا أنفسكم، من النار، [يا معشر بني عبد مناف، أنقذوا أنفسكم من النار] [¬٢]، يا معشر بني هاشم، أنقذوا أنفسكم من النار، يا معشر بني عبد المطلب، أنقذوا أنفسكم من النار، [يا فاطمة بنت محمد، أنقذي نفسك من النار] [¬٣] فإني والله - ما أملك لكم من الله شيئًا إلا أن لكم رحمًا سأبُلُّها [¬٤] ببلالها (٥) \". ورواه مسلم والترمذي، من حديث عبد الملك بن عمير، به، وقال الترمذي: غَريب من هذا الوجه.\nورواه النسائي (^١٦) من حديث موسى بن طلحة مرسلًا، لم يذكر فيه [¬٥] أبا هريرة. والموصول هو الصحيح.\nوأخرجاه في الصحيحين من حديث الزهري، عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة (^١٧).\nوقال الإمام أحمد (^١٨): حدثنا يزيد، حدثنا محمد -يعني ابن إسحاق- عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله، ﷺ: \"يا بني عبد المطلب، اشتروا أنفسكم من الله، يا صفية عمة رسول الله، ويا فاطمة بنت رسول الله، اشتريا أنفسكما من الله، لا أُغني عنكما [من الله] [¬٦] شيئًا، سلاني من مالي\n_________\n= تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾. (١/ ١٩٢ / رقم: ٢٠٥). والترمذي في كتاب الزهد، باب: ما جاء في إنذار النبي ﷺ قومه. (٤/ ٥٥٤، ٥٥٥ / رقم: ٢٣١٠). وكتاب تفسير القرآن، باب: ومن سورة الشعراء (٥/ ٣٣٨ / رقم: ٣١٨٤). والنسائي في كتاب الوصايا، باب: إذا أوصى لعشيرته الأقربين. (٦/ ٢٥٠ / رقم: ٣٦٤٨). كلهم من طريق هشام بن عروة به.\n(^١٥) المسند (٢/ ٣٦٠)، وصحيح مسلم حديث (٢٠٤)، وسنن الترمذي حديث (٣١٨٥).\n(^١٦) سنن النسائي (٦/ ٢٤٨).\n(^١٧) صحيح البخاري حديث (٤٧٧١)، وصحيح مسلم حديث (٢٠٦).\n(^١٨) المسند (٢/ ٤٤٨).\n_________\n[¬١]- بياض في: ز، خ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٤]- في م: \"سأبلوها\".\n(*) أي: أصلكم في الدنيا، ولا أغنى عنكم من الله شيئًا. والبلال جمع بَلَل. وقيل: هو كُلُّ ما بلَّ الحلق من ماء، أو لبن، أو غيره.\n[¬٥]- في ت: \"به\".\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"10","page":376},{"text":"ما شئتما\". تفرد به من هذا الوجه،\nوتفرد به أيضًا، عن معاوية، عن زائدة، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ بنحوه (^١٩).\nورواه أيضًا عن حسن، ثنا ابن لهيعة، عن الأعرج: سمعت [¬١] أبا هريرة … مرفوعًا (^٢٠).\nوقال أبو يعلى: حدثنا سُويد بن سَعيد، حدثنا ضمام بن إسماعيل، عن موسى بن وَرْدَان، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ: \"يا بني قصيّ، يا بني هَاشم، يا بني عبد مناف، أنا النذير والموت المغير، والساعة الموعد\" (^٢١).\nالحديث الرابع: قال أحمد (^٢٢): حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا التيمي، عن أبي عثمان، عن قَبيصة بن مُخَارق وزهير بن عمرو؛ قالا: لما نزلت: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾، صَعد رسول الله، ﷺ رَضْمَة (*) من جبل علا أعلاها حجرًا، فجعل ينادي [¬٢]: \"يا بني عبد مناف، إنما أنا نذير، إنما مثلي ومثلكم كرجل رأى العدو، فذهب يربأ (**) [¬٣] أهله - يخشى أن يسبقوه - فجعل ينادي ويهتف: يا صباحاه\".\nورواه مسلم والنسائي، من حديث سليمان بن طرخان التيمي، عن أبي عثمان عبد الرحمن بن مُلّ النّهْدي [¬٤]، عن قَبيصة وزُهير بن عَمرو الهلالي، به.\nالحديث الخامس: قال الإمام أحمد (^٢٣): حدثنا أسود بن عامر [¬٥]، حدثنا شريك، عن الأعمش، عن المنهال، عن عباد بن عبد الله الأسدي، عن علي ﵁ قال: لما\n_________\n(^١٩) المسند (٢/ ٣٩٨).\n(^٢٠) المسند (٢/ ٣٥٠).\n(^٢١) مسند أبي يعلى (١١/ ١٠) وسويد بن سعيد متكلم فيه.\n(^٢٢) المسند (٥/ ٦٠)، وصحيح مسلم حديث (٢٠٧)، والنسائي في السنن الكبرى حديث (١١٣٧٩).\n(^٢٣) المسند (١/ ١١١)، وقال الهيثمي في المجمع (٨/ ٣٠٢): \"رجال أحمد رجال الصحيح، غير شريك وهو ثقة\".\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، وفي خ: \"عن\".\n(*) الرضمة: ما دون الهضاب. وقيل صخور بعضُها على بعضٍ.\n[¬٢]- بياض في: ز، خ.\n(**) أي: يحفظهم من عدوهم.\n[¬٣]- في خ، ز: \"يربو\".\n[¬٤]- في ز: \"الفهدي\".\n[¬٥]- في ز: \"حامد\".","vol":"10","page":377},{"text":"نزلت هذه الآية: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾، جمع النبي ﷺ من أهل بيته، فاجتمع ثلاثون فأكلوا وشربوا، قال: وقال لهم: \"من يَضمنْ عني ديني ومواعيدي، ويكون معي في الجنة، ويكون خليفتي في أهلي؟ \". فقال رجل - لم يسمه شريك -: يا رسول الله، [أنت كنت بحرًا] [¬١] من يقوم بهذا؟ قال: ثم قال لآخر (* * *) قال: فعرض ذلك على أهل بيته. فقال عليّ: أنا.\nطريق أخرى بأبسط من هذا السياق، قال أحمد (^٢٤): حدثنا عفان، حدثنا أبو عوانة، عن عثمان بن المغيرة، عن أبي صادق، عن ربيعة بن ناجذ، عن علي ﵁ قال [¬٢]: جمع رسول الله، ﷺ أو دعا رسول الله، ﷺ بني عبد المطلب، وهم رهطٌ كلهم يأكل الجَذَعَة ويشرب الفَرَق. قال: وصنع لهم مُدًّا من طعام فأكلوا حتى شبعوا. قال: وبقي الطعام كما هو كأنه لم يمس، ثم دعا بغمر فشربوا حتى رَوُوا، وبقي الشراب كأنه لم يمس -أو لم يشرب- وقال: \"يا بني عبد المطلب، إني بعثت إليكم خاصة وإلى الناس عامة، وقد رأيتم من هذه الآية ما رأيتم، فأيكم يبايعني على أن يكون أخي وصاحبى؟ \" قال: فلم يقم إليه أحد. قال: فقمتُ إليه - وكنت أصغر القوم - قال: فقال: \"اجلس\". ثم قال ثلاث مرات، كل ذلك أقوم إليه فيقول لي: \"اجلس\". حتى كان في الثالثة ضرب بيده على يدي.\nطريق أخرى أغرب وأبسط من هذا السياق بزيادات أخر، قال الحافظ أبو بكر البيهقي في دلائل النبوة (^٢٥): أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ، حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا أحمد بن عبد الجبار، حدثنا يُونس [¬٣] بن بكير، عن محمد بن إسحاق؛ قال: فحدثني من سمع عبد الله بن الحارث بن نوفل - واستكتمني اسمه - عن ابن عباس، عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: لما نزلت هذه الآية على رسول الله ﷺ: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤) وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. قال رسول الله ﷺ: \"عرفت أني إن بادأتُ بها قومي، رأيت منهم ما أكره فصَمَتُّ، فجاءني جبريل ﵇ فقال: يا محمد، إن لم تفعل ما أمرك به ربك عذبك ربك\". قال عليّ ﵁: فدعاني فقال: \"يا عليّ، إن الله قد أمرني: أن أنذر عشيرتي الأقربين، فعرفت أني إن بادأتهم بذلك رأيت منهم ما أكره. فَصَمَتُّ عن ذلك، ثم جاءني جبريل فقال: يا محمد؛ إن لم تفعل ما أمرك به ربك عذبك ربك. فاصنع لنا يا عليّ شاة\n_________\n(^٢٤) المسند (١/ ١٥٩)، وقال الهيثمي في المجمع (٨/ ٣٠٢): \"رجاله ثقات\".\n(^٢٥) دلائل النبوة (٢/ ١٧٨).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفين في ز، خ: \"إن كنت تجري\". والمثبت عن المسند.\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في ز: \"يوسف\".","vol":"10","page":378},{"text":"على صاع من طعام، وأعدّ لنا عُسَّ لبنٍ، ثم اجمع لي بني عبد المطلب\" ففعلت. فاجتمعوا له وهم يومئذٍ أربعون رجلًا، يزيدون رجلًا أو ينقصون رجلًا [¬١]، فيهم أعمامه: أبو طالب، وحمزة، والعباس، وأبو لهب الكافر الخبيث، فقدّمت إليهم تلك الجَفْنَة، فأخذ رسول الله، ﷺ، منها حِذْيَة (*) فشقها بأسنانه ثم رمى بها في نواحيها، وقال: \"كلوا باسم الله\". فأكل القوم حتى نهلوا عنه ما يرى إلا آثار أصابعهم، والله إن كان الرجل منهم ليأكل مثلها.\nثم قال رسول الله، ﷺ: \"اسقهم يا عليّ\". فجئت بذلك القَعْب (**) فشربوا منه حتى نَهلُوا جميعًا، وايم الله، إن كان الرجل منهم ليشرب مثله. فلما أراد [¬٢] رسول الله ﷺ أن يكلمهم، بَدَره أبو لهب إلى الكلام فقال: لَهَدّما (*) سحركم صاحبكم. فتفرقوا ولم يكلمهم رسول الله، ﷺ، فلما كان الغدُ قال رسول الله، ﷺ: \"يا عليّ، عُد لنا بمثل [¬٣] الذي كنت صنعت بالأمس من الطعام والشراب، فإن هذا الرجل قد بَدَرَني إلى ما سمعت قبل أن أكلم القوم\". ففعلت، ثم جمعتهم له، فصنع رسول الله ﷺ كما صنع بالأمس، فأكلوا حتى نَهِلُوا عنه، وايم الله إن كان الرجل منهم ليأكل مثلها.\nثم قال رسول الله ﷺ. \"اسقهم يا عليّ\". فجئت بذلك القَعب فشربوا منه [¬٤] حتى نهلوا جميعًا. وايم الله إن كان الرجل منهم ليشرب مثله. فلما أراد رسول الله ﷺ أن يكلمهم بَدَرَه أبو لهب بالكلام فقال: لَهَدّما سحركم صاحبكم! فتفرقوا ولم يكلمهم رسول الله.\nفلما كان الغد قال رسول الله ﷺ: \"يا عليّ، عد لنا بمثل الذي كنت صنعتَ لنا بالأمس من الطعام والشراب، فإن هذا الرجل قد بَدَرني إلى ما سمعت قبل أن أكلم القوم\". ففعلت، ثم جمعتهم له فصنع رسول الله ﷺ [كما صنع] [¬٥] بالأمس، فأكلوا [حتى نهلوا] [¬٦] عنه ثم سقيتهم من ذلك القعب حتى نهلوا عنه، وايم الله إن كان الرجل منهم ليأكل مثلها ويشرب مثلها، ثم قال رسول الله ﷺ: \"يا بني عبد المطلب، إني - والله - ما أعلم شابًّا من العرب جاء قومه بأفضل مما [¬٧] جئتكم به،\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n(*) الحِذية: قطعة من اللحم تقطع بالطول.\n(**) القعب: قدح ضخم غليظ.\n[¬٢]- في خ، ز: \"رأى\".\n(*) لَهَدَّ: كلمة يُتعَجَّب بها. يُقال: لَهَدَّ الرجُل: أي ما أجلدَه! ويقال: إنه لهَدّ الرجل: أي: لنعم الرجُل، وذلك إذا أثني عليه بجَلَد وشدةٍ. واللام للتأكيد.\n[¬٣]- في ز، خ: \"مثل\".\n[¬٤]- سقط من: خ، ز.\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٧]- في ز، خ: \"ما\".","vol":"10","page":379},{"text":"إني قد جئتكم بأمر الدنيا والآخرة\".\nقال أحمد بن عبد الجبار: بلغني أن ابن إسحاق إنما سمعه من عبد الغفار بن القاسم [¬١] أبي مريم، عن المنهال بن عمرو، عن عبد الله بن الحارث. وقد رواه أبو جعفر بن جرير، عن ابن حميد، عن سلمة، عن ابن إسحاق، عن عبد الغفار بن القاسم، عن المنهال بن عمرو، عن عبد الله بن الحارث، عن ابن عباس، عن علي بن أبي طالب - فذكر مثله.\nوزاد بعد قوله: \"إني جئتكم بخير الدنيا والآخرة\" -: \"وقد أمرني الله أن أدعوكم إليه، فأيّكم يؤازرني [¬٢] على هذا الأمر على أن يكون أخي، وكذا وكذا؟ \" قال: فأحجم القوم عنها جميعًا، وقلت - وإني [¬٣] لأحدثهم سنًّا وأرمصهم (٥) عينًا، وأعظمهم بطنًا [¬٤]، وأحمشهم (*) [¬٥] ساقًا -: أنا يا نبي الله، أكون وزيرك عليه. فأخذ يرقُبني، ثم قال: \"إن هذا أخي وكذا وكذا، فاسمعوا له وأطيعوا\". قال: فقام القوم يضحكون ويقولون لأبي طالب: قد أمرك أن تسمع لابنك وتطيع! (^٢٦)\nتفرد بهذا السياق عبد الغفار بن القاسم [أبو] [¬٦] مريم، وهو متروك كذاب شيعي، اتهمه علي بن المديني وغيره بوضع الحديث، وضعفه الأئمة ﵏.\n(طريق أخرى) قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا الحسين بن عيسى بن ميسرة الحارثي، حدثنا عبد الله بن عبد القدوس، عن الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن عبد الله بن الحارث قال: قال عليّ ﵁: لما نزلت هذه الآية: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾، قال لي رسول الله ﷺ: \"اصنع لي رجل شاة بصاع من طعام وإناء لبنًا\". قال: ففعلت، ثم قال: \"ادع بني هاشم\". قال: فدعوتهم وإنهم يومئذ لأربعون غير رجل -أو: أربعون ورجل- قال: وفيهم عشرة كلهم يأكل الجذعَة بإدامها. قال: فلما أتوا بالقصعة أخذ رسول الله ﷺ من ذروَتها ثم قال: \"كلوا\". فأكلوا حتى شبعوا، وهي على هيئتها لم يرزءوا منها إلا يسيرًا، قال: ثم أتيتهم بالإِناء فشربوا حتى رَوُوا. قال: وفَضَل فضْلٌ، فلما فرغوا أراد رسول الله ﷺ أن يتكلم\n_________\n(^٢٦) تفسير الطبري (١٩/ ٤٠).\n_________\n[¬١]- بعده في خ، ز: \"بن\" وهو خطأ.\n[¬٢]- في ز، خ: \"وازرني\".\n[¬٣]- سقط من: ز.\n(*) رَمِصَت العينُ تَرْمَص رَمَصًا: اجتمع في موقِها وَسَخٌ أسود.\n[¬٤]- في خ، ز: \"نطقًا\".\n(*) خَمِش الرجل: كان دقيق الساقين.\n[¬٥]- في ز: \"أخمشهم\".\n[¬٦]- ما بين المعكوفين في ز، خ: \"ابن أبي\". وهو خطأ.","vol":"10","page":380},{"text":"فبدرُوه الكلام، فقالوا: ما رأينا كاليوم في السحر. فسكت رسول الله، ﷺ. ثم قال [لي] [¬١]: \"اصنع رجل شاة بصاع من طعام\". [فصنعت، قال] [¬٢]: فدعاهم، فلما أكلوا وشربوا [قال: فبدروه فقالوا مثل مقالتهم الأولى، فسكت رسول الله ﷺ ثم قال لي: \"اصنع رجل شاة بصاع من طعام\". فصنعت، قال: فجمعتهم، فلما أكلوا وشربوا] [¬٣] بَدَرهم رسول الله ﷺ الكلام فقال: \"أيكم يقضي عني ديني ويكون خليفتي في أهلي؟ \". قال: فسكتوا وسكت العباس خشية أن يحيط ذلك بماله، قال: وسكتّ أنا لسنّ العباس. ثم قالها مرة أخرى فسكت العباس، فلما رأيت ذلك قلت: أنا يا رسول الله. قال: وإني يومئذ لأسوأهم هيئة وإني لأعمش العينين، ضخم البطن، حَمش الساقين.\nفهذه طرق متعددة لهذا الحديث عن عليّ ﵁. ومعنى سؤاله ﵊ لأعمامه وأولادهم أن يقضوا عنه دينه، ويخلفوه في أهله، يعني: إن قتل في سبيل الله، كأنه خشي إذا قام بأعباء الإنذار أن يقتل، ولما أنزل الله ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾. فعند ذلك أمِن، وكان أولًا يحرس حتى نزلت هذه الآية: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾، ولم يكن في بني هاشم إذ ذاك أشدّ إيمانًا وإيقانًا وتصديقًا لرسول الله، ﷺ، من عليّ ﵁، ولهذا بدرهم إلى التزام ما طلب منهم رسول الله، ﷺ، ثم كان بعد هذا - والله أعلم - دعاؤه الناس جَهرة على الصفا، وإنذاره لبطون قريش عمومًا وخصوصًا، حتى سمَّى من سمَّى من أعمامه وعماته وبناته؛ لينبه بالأدنى على الأعلى، أي: إنما أنا نذير، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.\nوقد روى الحافظ ابن عساكر (^٢٧) في ترجمة عبد الواحد الدمشقي - غير منسوب - من طريق عمرو بن سمُرة. عن محمد بن سوقة، عن عبد الواحد الدمشقي؛ قال: رأيت أبا الدرداء ﵁ يحدث الناس ويفتيهم، وولده إلى جنبه، وأهل بيته جلوس في جانب المسجد يتحدثون، فقيل له: ما بال الناس يرغبون فيما عندك من العلم، وأهل بيتك جلوس لاهين؟ فقال: لأني سمعت رسول الله، ﷺ يقول: \"أزهد الناس في الدنيا الأنبياء، وأشدهم عليهم [¬٤] الأقربون\". وذلك فيما أنزل الله ﷿: [﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ الآية، ثم قال: إن أزهد الناس في العالم أهله حتى يفارقهم؛ ولهذا قال] [¬٥]: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤) وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢١٥) فَإِنْ\n_________\n(^٢٧) تاريخ دمشق (١٠/ ٥٨٧ المخطوط).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ت.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٤]- في ز، خ: \"عليه\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.","vol":"10","page":381},{"text":"عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾.\nوقوله: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾. أي: في جميع أمورك، فإنه مؤيدك وناصرك وحافظك ومظفرك ومُعْلٍ كلمتك.\nوقوله: ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ﴾. أي: هو مُعْتنٍ بك، كما قال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ قال ابن عباس: ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ﴾. يعني: إلى الصلاة.\nوقال عكرمة: يرى قيامه وركوعه وسجوده.\nوقال الحسن: ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ﴾ إذا صليت وحدك.\nوقال الضحاك: ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ﴾. أي: من فراشك أو مجلسك.\nوقال قتادة: ﴿الَّذِي يَرَاكَ﴾ قائمًا وجالسًا وعلى حالاتك.\nوقوله: ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ - قال قتادة: ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (٢١٨) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾. قال: في الصلاة، يراك وحدك ويراك في الجَميع [¬١]. وهذا قول عكرمة، وعطاء الخراساني، والحسن البصري.\nوقال مجاهد: كان رسول الله، ﷺ، يرى من خلفه كما يرى من أمامه، ويشهد لهذا ما صح في الحديث: \"سوّوا صفوفكم، فإني أراكم من وراء ظهري\" (^٢٨).\nوروى البزار وابن أبي حاتم، من طريقين، عن ابن عباس أنه قال في هذه الآية: يعني تقلبه من صلب نبي إلى صلب نبي، حتى أخرجه نبيًّا.\nوقوله: ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾. أي: السميع لأقوال عباده، العليم بحركاتهم وسكناتهم، كما قال تعالى: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إلا كُنَّا عَلَيكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ الآية.\n﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (٢٢١) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٢٢٢) يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ (٢٢٣) وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (٢٢٤) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (٢٢٥) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ (٢٢٦) إلا الَّذِينَ آمَنُوا\n_________\n(^٢٨) رواه البخاري في صحيحه حديث (١٧٢٣).\n_________\n[¬١]- في ت: \"الجمع\".","vol":"10","page":382},{"text":"وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ (٢٢٧)﴾\nيقول تعالى مخاطبًا لمن زعم من المشركين أن ما جاء به الرسول ليس حقًّا، وأنه شيء افتعله من تلقاء نفسه، أو أنه أتاه به رَبِّي من الجن فنزه الله - سبحانه - جناب رسوله عن قولهم وافترائهم، ونبه أن ما جاء به إنما هو من عند الله، وأنه تنزيله ووحيه، نزل به ملك كريم أمين عظيم، وأنه ليس من قبيل الشياطين، فإنهم ليس لهم رغبة في مثل هذا القرآن العظيم، وإنما ينزلون على من يشاكلهم ويشابههم من الكهان الكذبة؛ ولهذا قال: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ﴾ أي: أخبركم ﴿عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (٢٢١) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيم﴾ أي: كذوب في قوله، وهو الأفاك الأثيم، أي: الفاجر في أفعاله. فهذا هو الذي تنزل عليه الشياطين كالكهان وما جرى مجراهم من الكذبة الفسقة، فإن الشياطين أيضًا كذبة فسقة.\n﴿يُلْقُونَ السَّمْعَ﴾. أي: يسترقون السمع من السماء، فيسمعون الكلمة من علم الغيب، فيزيدون معها مائة كذبة، ثم يلقونها إلى أوليائهم من الإنس فيتحدثون بها، فيصدقهم الناس في كل ما قالوه، بسبب صدقهم في تلك الكلمة التي سمعت من السماء، كما صح بذلك الحديث؛ كما رواه البخاري، من حديث الزهري، أخبرني يحيى بن عُروة بن الزبير، أنه سمع عُروة بن الزبير يقول: قالت عائشة ﵂: سأل ناسٌ النبي ﷺ عن الكهان، فقال: \"إنهم ليسوا بشيء\". قالوا: يا رسول الله، فإنهم يحدثون بالشيء يكون حقًّا؟ فقال النبي ﷺ: \"تلك الكلمة من الحق يخطفها الجني، فَيُقَرْقِرُهَا في أذن وليّه كقرقرة الدجاجة، فيخلطون معها أكثر من [¬١] مائة كذبة\" (^٢٩).\nوقال البخاري أيضًا (^٣٠): حدثنا الحميدي [¬٢]، حدثنا سفيان، حدثنا عمرو قال [¬٣]: سمعت عكرمة يقول: سمعت أبا هريرة يقول: إن [نبي الله] [¬٤]ﷺ قال [¬٥]: \"إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانًا لقوله كأنه [¬٦]\n_________\n(^٢٩) صحيح البخاري حديث (٧٥٦١).\n(^٣٠) صحيح البخاري حديث (٤٨٠٠).\n_________\n[¬١]- في ت: \"في\".\n[¬٢]- في خ: \"الجهدي\".\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- في ت: \"النبي\".\n[¬٥]- في خ، ز: \"يقول\".\n[¬٦]- في ت: \"كأنهم\".","vol":"10","page":383},{"text":"سلسلة على صَفْوان، حتى إذا فُزّع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟ [قالوا للذي] [¬١] قال: الحق وهو العليّ الكبير. فيسمعها مسترقو السمع، ومسترقو السمع هكذا بعضهم فوق بعض، ووصف سفيان بيده فَحَرَفها، وبَدّد بين أصابعه - فيسمع الكلمة، فيلقيها إلى من تحته، ثم يلقيها الآخرُ إلى من تحته، حتى يلقيها على لسان الساحر -أو: الكاهن- فربما أدركه الشهاب قبل أن يلقيها، وربما ألقاها قبل أن يدركه، فيكذب معها مائة كذبة. فيقال: أليس قد [¬٢] قال لنا يوم كذا وكذا: كذا وكذا؟ فيُصدّق بتلك الكلمة التي سمعت من السماء\". انفرد به البخاري.\nوروى مسلم من حديث الزهري، عن عليّ بن الحسين، عن ابن عباس، عن رجال من الأنصار قريبًا من هذا، وسيأتي عند قوله تعالى في سبأ: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ الآية.\nوقال البخاري (^٣١): وقال الليث: حدثني خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، أن أبا الأسود أخبره، عن عروة، عن عائشة، عن النبي ﷺ أنه قال: \"إن الملائكة تحدث في العنان -والعنان: الغَمَام- بالأمر يكون [¬٣] في الأرض، فتسمع الشياطين الكلمة، فَتَقَرّها في أذُن الكاهن كما تُقرّ القارورة، فيزيدون معها مائة كذبة\".\nوروى [¬٤] البخاري في موضع آخر من كتاب \"بدء الخلق\" عن سعيد بن أبي مريم، عن الليث، عن عبد الله بن أبي جعفر، عن أبي الأسود محمد بن عبد الرحمن، عن عروة، عن عائشة، بنحوه (^٣٢).\nوقوله: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ قال عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس: يعني الكفار يتبعهم ضلال الإنس والجن. وكذا قال مجاهد ﵀ وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وغيرهما.\nوقال عكرمة: كان الشاعران يتهاجيان فينتصر لهذا فِئام من الناس، ولهذا فِئام من الناس، فأنزل الله: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾.\n[وقال] [¬٥] الإمام أحمد (^٣٣): حدثنا قتيبة، حدثنا ليث، عن ابن الهاد، عن يُحنَّس -\n_________\n(^٣١) صحيح البخاري حديث (٣٢٨٨) وقد وصله أبو نعيم في المستخرج من طريق أبي حاتم الرازي عن أبي صالح كاتب الليث عنه، كما في الفتح (٦/ ٤٣٢).\n(^٣٢) صحيح البخاري رقم (٢٢١٠).\n(^٣٣) المسند (٣/ ٨).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في خ، ز: \"قال الذي\".\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- سقط من: خ، ز.\n[¬٤]- في ت: \"قال\".\n[¬٥]- في ت: \"قال\".","vol":"10","page":384},{"text":"مولى مصعب بن الزبير - عن أبي سعيد؛ قال: بينما نحن نسير مع رسول الله ﷺ بالعَرْج، إذ عَرَض شاعر يُنشد، فقال النبي ﷺ: \"خذوا الشيطان -أو: أمسكوا الشيطان- لأنْ يمتليء جوف أحدكم قيحًا خير له من أن يمتليء شعرًا\".\nوقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ﴾ - قال عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس: في [¬١] كل لغو يخوضون.\nوقال الضحاك عن ابن عباس: في كل فنٍّ من الكلام. وكذا قال مجاهد وغيره.\nوقال الحسن البصري: قد - والله - رأينا أوديتهم التي يهيمون فيها، مرة في شتمة فلان، ومرة في مدحة فلان.\nوقال قتادة: الشاعر يمدح قومًا بباطل، ويذم قومًا بباطل.\nوقوله: ﴿وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ﴾ - قال العوفي، عن ابن عباس: كان رجلان على عهد رسول الله، أحدهما من الأنصار والآخر من قيم آخرين، وإنهما تهاجيا، فكان مع كل واحد منهما غُواةٌ من قومه - هم السفهاء - فقال الله تعالى: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (٢٢٤) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (٢٢٥) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ﴾.\nوقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: أكثر قولهم يكذبون فيه. وهذا الذي قاله ابن عباس ﵁ هو الواقع في نفس الأمر؛ فإن الشعراء يَتبجحون بأقوال وأفعال لم تصدر منهم؛ ولا عنهم، فيتكثرون بما ليس لهم [¬٢].\nولهذا اختلف العلماء ﵏ فيما إذا اعترف الشاعر في شعره بما يوجب حَدًّا: هل يقام عليه بهذا الاعتراف أم لا - لأنهم يقولون ما لا يفعلون - على قولين.\nوقد ذكر محمد بن إسحاق، ومحمد بن سعد في \"الطبقات\"، والزبير بن بكار في \"كتاب الفكاهة\": أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ استعمل النعمان بن عديّ بن نضلة على \"مَيْسَان\" - من أرض البصرة - وكان يقول الشعر، فقال:\nألَا هلْ أتى الحسناءَ أن حليلَها [¬٣] … بِمَيْسَانَ، يُسقَى في [¬٤] زُجاج وحَنْتَم\nإذا شئتُ غنَّتْني دهاقينُ قريةٍ … ورقّاصةٌ تحدو على كلِ مَنْسم\nفإنْ كنتَ ندماني فبالأكبر اسقني … ولا تَسْقني بالأصْغَر المُتَثلّم\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في ز: \"حليها\".\n[¬٤]- في ز: \"من\".","vol":"10","page":385},{"text":"لَعَلّ أميرَ المؤمنينَ يَسُوؤُه [¬١] … تَنَادُمُنا بالجَوْسَقِ المُتهَدّم\nفلما بلغ أمير المؤمنين قال: إي والله، إنه ليسوؤني ذلك، ومن لقيه فليخبره أني قد عزلته وكتب إليه: بسم الله الرحمن الرحيم. ﴿حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٢) غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾. أما بعد، فقد بلغني قولك:\nلعلّ أمير المؤمنين يسوؤه … تنادمُنا بالجوسَقِ المتهدِّمِ\nوايمُ الله، إنه ليسوؤني وقد عزلتك. فلما قدم على عمر بكَّتَهُ (*) بهذا الشعر فقال: والله يا أمير المؤمنين، ما شربتُها قط، وما ذاك الشعر إلا شيء طَفَح على لساني. فقال عمر: أظنّ ذلك، ولكن - والله - لا تعمل لي على عمل أبدًا وقد قلت ما قلت.\nفلم يُذكر أنه حدَّهُ على الشراب، وقد ضمنه شعره، لأنهم يقولون ما لا يفعلون، ولكنه ذمه عمر ﵁ ولامه على ذلك وعزله به؛ ولهذا جاء في الحديث: \"لأن يمتليء جوف أحدكم قيحًا، يَرِيه خيرٌ له من أن يمتليء شِعرًا\" (^٣٤)، والمراد من هذا أن الرسول ﷺ الذي أنزل عليه [هذا] [¬٢] القرآن ليس بكاهن ولا بشاعر؛ لأن حاله مناف لحالهم من وجوه ظاهرة؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ (٤١) وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٤٢) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. وهكذا قال هاهنا: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ … إلى أن قال: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ (٢١٠) وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ (٢١١) إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾. إلى أن قال: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (٢٢١) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٢٢٢) يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ (٢٢٣) وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (٢٢٤) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (٢٢٥) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ﴾.\nوقوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾. قال محمد بن إسحاق، عن يَزيد [¬٣] ابن عبد الله بن قُسَيط، عن أبي الحسن سالم البَرّاد مولى تميم الداريّ؛ قال: لما نزَلتْ ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾، جاء حسان بن ثابت، وعبد الله بن رَوَاحة، وكعب بن مالك، إلى رسول الله، ﷺ، وهم يبكون فقالوا: قد علم الله حين أنزل هذه الآية أنا شعراء. فتلا النبي ﷺ: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، قال: \"أنتم\"، ﴿وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾، قال: \"أنتم\"، ﴿وَانْتَصَرُوا\n_________\n(^٣٤) رواه مسلم في صحيحه حديث (٢٢٥٧) من حديث أبي هريرة ﵁.\n_________\n[¬١]- في خ: \"بسؤة\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ت.\n[¬٣]- في ز، خ: \"زيد\".","vol":"10","page":386},{"text":"مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا﴾، قال: \"أنتم\".\nرواه ابن جرير، وابن أبي حاتم من رواية ابن إسحاق (^٣٥).\nوقد روى ابن أبي حاتم أيضًا، عن أبي سعيد الأشجّ، عن أبي أسامة، عن الوليد بن كثير، عن يزيد بن عبد الله، عن أبي الحسن مولى بني [¬١] نوفل: أن حسان بن ثابت، وعبد الله بن رواحة أتيا رسول الله، ﷺ، حين نزلت ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ يبكيان، فقال رسول الله، ﷺ، وهو يقرؤها عليهما: \" ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾، حتى بلغ: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، قال: أنتم\" (^٣٦).\nوقال أيضًا: حدثنا أبي، حدثنا أبو سلمة، حدثنا حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن عروة قال: لما نزلت: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ إلى قوله: ﴿يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ﴾، قال عبد الله بن رواحة: يا رسول الله؛ قد علم الله أني منهم. فأنزل الله ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ إلى قوله: ﴿ينقلبون﴾.\nوهكذا قال ابن عباس، وعكرمة، ومجاهد، وقتادة، وزيد بن أسلم، وغير واحد: إن هذا استثناء مما تقدم. ولا شك أنه استثناء، ولكن هذه السورة مكية، فكيف يكون سبب نزول هذه الآية في شعراء الأنصار؟ في ذلك نظر، ولم يتقدم إلا مرسلات لا يعتمد عليها، والله أعلم.\nولكن هذا الاستثناء يدخل فيه شعراء الأنصار وغيرهم، حتى يدخل فيه من كان متلبسًا من شعراء الجاهلية بذم الإسلام وأهله، ثم تاب وأناب، ورجع وأقلع، وعمل صالحًا، وذكر الله كثيرًا في مقابلة ما تقدم من الكلام السَّييء، فإن الحسنات يذهبن السيئات، وامتدح الإِسلام وأهله في مقابلة ما كذب بذمه، كما قال عبد الله بن الزِّبَعْرَى حين أسلم.\nيَا رَسُول الملَيك، إنّ لسَاني … رَاتِقٌ مَا فَتَقْتُ إذْ أنَا بُورُ\nإذْ أجَارِي الشيطانَ في سنَن الغَـ … ـيِّ ومَن مَال مَيلَه مَثْبُورُ\nوكذلك أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، كان من أشد الناس عداوة للنبي ﷺ وهو ابن عمه، وأكثرهم له هجوًّا، فلما أسلم لم يكن أحد أحبّ إليه من رسول الله، ﷺ، وكان يمدح رسول الله ﷺ بعد ما كان يهجوه، ويتولاه بعد ما كان قد عاداه.\n_________\n(^٣٥) تفسير الطبري (١٩/ ٧٩).\n(^٣٦) ورواه الحاكم في المستدرك (٣/ ٤٨٨) من طريق أبي أسامة به.\n_________\n[¬١]- سقط من: خ، ز.","vol":"10","page":387},{"text":"وهكذا روى مسلم في صحيحه (^٣٧)، عن ابن عباس: أن أبا سفيان صخر بن حرب لما أسلم قال: يا رسول الله؛ ثلاث أعْطنِيِهنّ [¬١]. قال: \"نعم\". قال [¬٢]: معاوية تجعله كاتبًا بين يديك. قال: \"نعم\". قال: وتؤمرني حتى أقاتل الكفار، كما كنت أقاتل المسلمين. قال: \"نعم\"، وذكر الثالثة؛ ولهذا قال تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ قيل: معناه ذكروا الله كثيرًا في كلامهم. وقيل: في شعرهم، وكلاهما صحيح مُكفّر لما سبق.\nوقوله: ﴿وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا﴾ قال ابن عباس: يردون [¬٣] على الكفار الذين كانوا يهجون به المؤمنين. وكذا قال مجاهد، وقتادة، وغير واحد. وهذا كما ثبت في الصحيح أن رسول الله، ﷺ، قال لحسان: \"اهجهم -أو قال: هاجهم- وجبريل معك\" (^٣٨).\nوقال الإِمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن الزهري، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن أبيه، أنه قال للنبي ﷺ: إن الله عزَّ جلَّ قد أنزل في الشعر ما أنزل، فقال: \"إن المؤمن يجاهد بسيفه ولسانه، والذي نفسي بيده [¬٤]، لكأن ما ترمونهم به نَضْح النَبْل\" (^٣٩).\nوقوله: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾. وفي الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: \"إياكم والظلم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة\" (^٤٠).\nوقال قتادة بن دِعَامَة في قوله: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ يعني من الشعراء وغيرهم.\nوقال أبو داود الطيالسي: حدثنا إياس بن أبي تَميمة، قال: حضرت الحسن ومُرَّ عليه بجنازة نصراني، فقال الحسن: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾.\n_________\n(^٣٧) صحيح مسلم حديث (٢٥٠١).\n(^٣٨) صحيح البخاري حديث (٦١٥٣)، وصحيح مسلم حديث (٢٤٨٦) من حديث البراء بن عازب، ﵁.\n(^٣٩) المسند (٦/ ٣٨٧).\n(^٤٠) صحيح مسلم حديث (٢٥٧٨) من حديث جابر، ﵁، ولفظه: \"اتقوا الظلم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة\".\n_________\n[¬١]- في ز: \"أعطيتهن\".\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في خ، ز: \"يريدون\".\n[¬٤]- في خ، ز: \"به\".","vol":"10","page":388},{"text":"وقال عبد الله بن رَبَاح، عن صفوان بن مُحرِز: أنه كان إذا قرأ هذه الآية بكى حتى أقول: قد اندق قَضِيب زَوره: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾.\nوقال ابن وهب: أخبرني ابن سُرَيج الإِسكندراني، عن بعض المشيخة: أنهم كانوا بأرض الروم، فبينما هم ليلة على نار يشتوون عليها -أو يصطلون- إذا بركاب قد أقبلوا، فقاموا إليهم، فإذا فضالة بن عُبيد فيهم، فأنزلوه فجلس معهم - قال: وصاحب لنا قائم يصلي - قال: حتى مرّ بهذه الآية: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾. قال فضالة بن عبيد: هؤلاء الذين يخربون البيت.\nوقيل: المراد بهم أهل مكة. وقيل: الذين ظلموا من المشركين.\nوالصحيح أن هذه الآية [¬١] عامة في كل ظالم، كما قال ابن أبي حاتم: ذُكر عن زكريا بن يحيى الواسطي، حدثني الهيثم بن محفوظ أبو سعد النهدي، حدثنا محمد بن عبد الرحمن بن المجبر، حدثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂ قالت: كتب أبي وصيته سطرين: \"بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أوصى به أبو بكر بن أبي قُحافة، عند خروجه من الدنيا، حين يؤمن الكافر، وينتهي الفاجر، ويَصدُق الكاذب: إني استخلفت عليكم عُمر بن الخطاب، فإن يعدل فذاك ظني به ورجائي فيه، وإن يجر ويُبدل فلا أعلم الغيب، ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ \".\nآخر تفسير سورة الشعراء، و[¬٢] الحمد لله ربِّ العالمين\n* * *\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.","vol":"10","page":389},{"text":"<span data-type='title' id=toc-135>تفسير سورة النمل وهي مكية</span>\n﴿طس تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ (١) هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٣) إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ (٤) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذَابِ وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ (٥) وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ (٦)\nقد تقدم الكلام في \"سورة البقرة\" على الحروف المتقطعة في أوائل السور.\nوقوله: ﴿تِلْكَ آيَاتُ﴾ أي: هذه آيات ﴿الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ﴾ أي: بيّن واضح، ﴿هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: إنما تحصل الهداية والبشارة من القرآن لمن آمن به واتبعه وصدقه، وعمل بما فيه، وأقام الصلاة المكتوبة، وآتى الزكاة المفروضة، وآمن بالدار الآخرة والبعث بعد الموت، والجزاء على الأعمال، خيرها وشرها، والجنة والنار؛ كما قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ وقال: ﴿لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾ ولهذا قال هاهنا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ أي: يكذبون بها، ويستبعدون وقوعها ﴿زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ﴾. أي: حَسَّنَّا لهم ما هم فيه، ومددنا لهم في غَيهم فهم يَتِيهون في ضلالهم. وكان هذا جزاء على ما كذبوا به من الدار الآخرة؛ كما قال تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾.\n﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذَابِ﴾ أي: في الدنيا والآخرة، ﴿وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ﴾. أي: ليس يخسر أنفسهم وأموالهم سواهم من أهل المحشر.\nوقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ أي: ﴿وإنك﴾ - يا محمد - قال قتادة: ﴿لَتُلَقَّى﴾ أي: لتأخذ ﴿الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ أي: من عند حكيم عليم، أي: حكيم في أوامره ونواهيه، عليم بالأمور جليلها وحقيرها، فخبره هو الصدق المحض، وحكمه هو العدل التام، كما قال تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾","vol":"10","page":391},{"text":"إِذْ قَال مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَارًا سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (٧) فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ (٨) يَامُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٩) وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَامُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (١٠) إلا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (١١) وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيبِكَ تَخْرُجْ بَيضَاءَ مِنْ غَيرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (١٢) فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (١٣) وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (١٤)﴾\nيقول تعالى لرسوله ﷺ مذكرًا له ما كان من أمر موسى، كيف اصطفاه الله، وكلمه وناجاه، وأعطاه من الآيات العظيمة الباهرة، والأدلة القاهرة، وابتعثه إلى فرعون وملئه، فجحدوا بها وكفروا واستكبروا عن اتباعه والانقياد له، فقال تعالى: ﴿إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ﴾ أي: اذْكُرْ حين سار موسى بأهله، فأضل الطريق، وذلك في ليل وظلام، فآنس من جانب الطور نارًا، أي: رأى نارًا تتأجَّج وتضطرم، فقال ﴿لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَارًا سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ﴾ أي: عن الطريق، ﴿أَوْ آتِيكُمْ [بِشِهَابٍ قَبَسٍ] [¬١] لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾، أي: تتدفئون به. وكان كما قال، فإنه رجع منها بخبر عظيم، واقتبس [منها] [¬٢] نورًا عطمًا، ولهذا قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ أي: فلما أتاها رأى منظرًا هائلًا عظيمًا، حيث انتهى إليها، والنار تضطرم في شجرة خضراء، لا تزداد النار إلا توقدًا، ولا تزداد الشجرة إلا خضرة ونضرة، ثم رفع رأسه فإذا نورها متصل بعنان السماء.\nقال ابن عباس وغيره: ولم تكن نارًا، إنما كانت نورًا يتوهج.\nوفي رواية عن ابن عباس: نور رب العالمين. فوقف موسى متعجبًا مما رأى، فنودي ﴿أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ﴾. قال ابن عباس: أي [¬٣] قُدّس ﴿ومن حولها﴾ أي: من الملائكة.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفين في ز: خ: \"بقبس\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ت.\n[¬٣]- سقط من: ت.","vol":"10","page":392},{"text":"قاله ابن عباس، وعكرمة، وسعيد بن جُبير، والحسن، وقتادة.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا يونس بن حبيب، حدثنا أبو داود -هو الطيالسي - حدثنا شعبة والمسعودي، عن عمرو بن مرة، سمع أبا عُبَيدة يحدث عن أبي موسى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل النهار، وعمل النهار قبل الليل\". زاد المسعودي: \"وحجابه [النور أو] [¬١] النار - لو كشفها لأحرقت سُبُحاتُ وجهه كل شيء أدركه بصره\". ثم قرأ أبو عُبَيدة: ﴿أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا﴾. وأصل هذا الحديث مخرج في الصحيح لمسلم، من حديث عمرو بن مرة، به (^١).\nوقوله: ﴿وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. أي: الذي يفعل ما يشاء، ولا يشبه شيئًا من مخلوقاته، ولا يحيط به شيء من مصنوعاته، وهو العليّ العظيم، المباين لجميع المخلوقات، ولا يكتنفه الأرض والسموات، بل هو الأحد الصمد، المنزه عن مماثلة المحدثات.\nوقوله: ﴿يَامُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ أَعْلَمَهُ أن الذي يخاطبه ويناجيه هو ربه الله العزيز الحكيم [¬٢]، الذي عزّ كل شيء وقهره وغلبه، الحكيم في أفعاله وأقواله.\nثم أمره أن يلقي عصاه من يده؛ ليظهر له دليلًا واضحًا على أنه الفاعل المختار، القادر على كل شيء، فلما ألقى موسى تلك العصا من يده انقلبت في الحال حَيَّةً عظيمة هائلة في غاية الكبر، وسرعة الحركة مع ذلك؛ ولهذا قال: ﴿فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ﴾، والجان: ضرب من الحيات، [أسرعه حركةً] [¬٣]، وأكثره اضطرابًا - وفي الحديث نَهْيٌ عن قتل جِنان البيوت (^٢). فلما عاين موسى ذلك ﴿وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾ أي: ولم يلتفت من شدة فرقه. ﴿يَامُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ﴾، أي: لا تخف مما ترى، فإني أريد أن أصطفيك رسولًا وأجعلك نبيًّا وجيهًا.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في كتاب الإيمان، باب: في قوله ﵇: \"إن الله لا ينام\" وفي قوله: \"حجابه النور لو كشفه لأحرق سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه\" حديث ٢٩٤، ٢٩٥ - (١٧٩) (٣/ ١٨). وأخرجه حديث ٢٩٣ - (١٧٩). وابن ماجه في المقدمة، باب: فيما أنكرت الجهمية، حديث (١٩٥) (١/ ٧٠) ولكنهما قالا: بخمس كلمات. وزادا: \"حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه\" وكذلك زاد مسلم في الموضع الأول. وأخرجه ابن ماجة مختصرًا حديث (١٩٦) في المقدمة، باب: ما أنكرت الجهمية (١/ ٧١). كلاهما من طريق عمرو بن مرة، عن أبي عبيدة، عن أبي موسى ﵁ فذكره. ورواه أحمد حديث (١٩٥٨٧، ١٩٦٤١، ١٩٦٨٨).\n(^٢) صحيح البخاري حديث (٣٢٩٨) من حديث ابن عمر، ﵄.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٢]- سقط من: ت.\n[¬٣]- في خ، ز: \"لسرعة حركته\".","vol":"10","page":393},{"text":"وقوله: ﴿إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ هذا استثناء منقطع وفيه بشارة عظيمة للبشر وذلك أن من كان على شيء ثم أقلع عنه، ورجع وتاب وأناب، فإن الله يتوب عليه، كما قال تعالى: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾ وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ والآيات في هذا كثيرة جدًّا.\nوقوله: ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾، هذه آية أخرى، ودليل باهر على قدرة الله الفاعل المختار، وصدْق من [¬١] جعل له معجزة، وذلك أن الله تعالى أمره أن يُدخل يده في جيب دِرْعه، فإذا أدخلها وأخرجها خَرَجت بيضاء ساطعة، كأنها قطعة قمر، لها لمعان يتلألأ كالبرق الخاطف.\nوقوله: ﴿فِي تِسْعِ آيَاتٍ﴾ أي: هاتان ثنتان من تسع آيات أُؤيدك بهن، وأجعلهن برهانًا لك إلى فرعون وقومه، ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾. وهذه هي الآيات التسع التي قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ كما تقدم تقرير ذلك هنالك.\nوقوله ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً﴾ أي: بينة واضحة ظاهرة ﴿قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾، وأرادوا معارضته بسحرهم، فغلبوا وانقلبوا صاغرين ﴿وَجَحَدُوا بِهَا﴾ أي في ظاهر أمرهم ﴿وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ أي: علموا في أنفسهم أنها حَقٌّ من عند الله، ولكن جَحَدُوها وعاندوها وكابروها ﴿ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾، أي: ظلما من أنفسهم، سَجِيَّة ملعونة، ﴿وَعُلُوًّا﴾ أي: استكبارًا عن أتباع الحق؛ ولهذا قال: ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ أي: انظر يا محمد كيف كان عاقبة كُفرهم، في إهلاك الله إياهم، وإغراقهم عن آخرهم في صبيحة واحدة.\nوفحوى الخطاب يقول: احذروا أيها المكذبون بمحمد، الجاحدون لما جاء به من ربه، أن يصيبكم ما أصابهم بطريق الأولى والأحرى، فإن محمدًا - صلوات الله وسلامه عليه - أشرف وأعظم من موسى، وبرهانه أدل وأقوى من برهان موسى، بما آتاه الله تعالى من الدلائل المقترنة بوجوده في نفسه وشمائله، وما سبقه من البشارات من الأنبياء به، وأخذ المواثيق له، عليه من ربه أفضلُ الصلاة والسلام.\n﴿وَلَقَدْ آتَينَا دَاوُودَ وَسُلَيمَانَ عِلْمًا وَقَالا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ (١٥) وَوَرِثَ سُلَيمَانُ دَاوُودَ وَقَال يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيرِ وَأُوتِينَا\n_________\n[¬١]- في خ: \"و\".","vol":"10","page":394},{"text":"مِنْ كُلِّ شَيءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ (١٦) وَحُشِرَ لِسُلَيمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (١٧) حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (١٨) فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَال رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ (١٩)\nيخبر تعالى عما أنعم به على عبديه ونبييه داود وابنه سليمان - عليهما من الله السلام - من النعم الجزيلة، والمواهب الجليلة، والصفات الجميلة، وما جمع لهما بين سعادة الدنيا والآخرة، والملك والتمكين التام في الدنيا، والنبوة والرسالة في الدين؛ ولهذا قال: ﴿وَلَقَدْ آتَينَا دَاوُودَ وَسُلَيمَانَ عِلْمًا وَقَالا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ﴾.\nقال ابن أبي حاتم: ذكر عن إبراهيم بن يحيى بن تمام: أخبرني أبي، عن جدي؛ قال: كتب عمر بن عبد العزيز: إن الله لم ينعم على عَبد نعمة فحمد الله عليها، إلَّا كان حَمْدهُ أفضلَ من نعمه [¬١]، لو كنت لا تعرف ذلك إلَّا من [¬٢] كتاب الله المنزل، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَينَا دَاوُودَ وَسُلَيمَانَ عِلْمًا وَقَالا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وأي نعمة أفضلُ مما أوتي داود وسليمان ﵉؟\nوقوله: ﴿وَوَرِثَ سُلَيمَانُ دَاوُودَ﴾ أي: في الملك والنبوة، وليس المراد ورَاثَةَ المال؛ إذ لو كان كذلك لم يخص سليمان وحده من بين سائر أولاد داود، فإنه قد كان لداود مائةُ امرأة. ولكن المراد بذلك وراثةُ الملك والنبوة، فإن الأنبياء لا تورث أموالهم، كما أخبر بذلك رسول الله ﷺ: \"نحن معشر الأنبياء لا نورث، ما تركنا [¬٣] صدقة\" (^٣).\nوقوله: ﴿وَقَال يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيءٍ﴾ أي: أخبر سليمان\n_________\n(^٣) رواه البخاري حديث (٦٧٢٧) من حديث عائشة بلفظ: \"لا نورث ما - تركناه صدقة\". قال الحافظ ابن حجر في الفتح (١٢/ ٨): وأما ما اشتهر في كتب أهل الأصول وغيرهم بلفظ: \"نحن معاشر الأنبياء لا نورث\" فقد أنكره جماعة من الأئمة، وهو كذلك بالنسبة لخصوص لفظ: \"نحن\"، وانظر الفتح.\n_________\n[¬١]- في ت: \"نعمته\".\n[¬٢]- في ت: \"في\".\n[¬٣]- في ت: \"تركناه\".","vol":"10","page":395},{"text":"بنعم الله عليه، فيما وهبه له من الملك التام، والتمكين العظيم، حتَّى إنه سَخَّر له الإِنس والجن والطير، وكان يعرف لغة الطير والحيوان أيضًا، وهذا شيء لم يُعطَه أحد من البشر - فيما علمناه - مما أخبر الله به ورسوله. ومن زعم من الجهلة والرِّعاع أن الحيوانات كانت تنطق كنطق بني آدم قبل سليمان بن داود -كما يتفوه به كثير من الناس- فهو قولٌ بلا علم، ولو كان الأمر كذلك لم يكن لتخصيص سليمان بذلك فائدة، إذ كلهم يسمع كلام الطيور والبهائم، ويعرف ما تقول، فليس الأمر كما زعموا ولا كما قالوا، بل لم تزل البهائم والطيور وسائر الخلوقات من وقت خُلقت إلى زماننا هذا على هذا الشكل والمنوال، ولكن الله ﷾ كان قد أفهم سليمان ﵇ ما خاطب به الطيور في الهواء، وما تنطق به الحيوانات على اختلاف أصنافها، ولهذا قال: ﴿عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيءٍ﴾ [أي: مما يحتاج إليه الملُك] [¬١]، ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ﴾، أي: الظاهر البين لِله علينا.\nقال الإِمام أحمد: حدَّثنا قتيبة، حدَّثنا يعقوب بن عبد الرحمن، عن عمرو بن أبي عمرو، عن المطلب، عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله، ﷺ، قال: \"كان داود ﵇ فيه غيرة شديدة، فكان إذا خرج أغلقت الأَبواب، فلم يدخل على أهله أحد حتَّى يرجع، قال: فخرج ذات يوم وأغلقت الأَبواب، فأقبلت امرأته [¬٢] تطلع إلى الدار، فإذا رجل قائم وسىط الدار، فقالت لمن في البيت: من أين دخل هذا الرجل، والدار مغلقة؟ والله لنفتضحن بداود، فجاء داود ﵇ فإذا الرجل قائم وسط الدار، فقال له داود: من أنت؟ قال: الذي لا يهاب الملوك، ولا يمتنع من الحجاب، فقال داود: أنت والله إذن ملك الموت، مرحبًا بأمر الله، فتزمل (*) [¬٣] داود ﵇ مكانه حتَّى قبضت لفسه، حتَّى فرغ من شأنه وطلعت عليه الشمس، فقال سليمان ﵇ للطير: أظلي على داود. فأظلت [¬٤]، عليه الطير حتَّى أظلمت عليهما [¬٥] الأرض، فقال لها سليمان: اقبضي جناحًا جناحًا\". قال أَبو هريرة: يا رسول الله، كيف فعلت الطير؟ فقبض رسول الله ﷺ يده، وغلبت عليه يومئذ المضرَحيّة (^٤).\nقال أَبو الفرج بن الجوزي: المضرحية: النسور الحمر.\n_________\n(^٤) المسند (٢/ ٤١٩)، وقال الهيثمي في المجمع (٨/ ٢٠٦): \"فيه المطلب بن عبد الله بن حنطب وثقه أَبو زرعة وغيره، وبقية رجاله رجال الصحيح\".\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٢]- في ز، خ: \"امرأة\".\n(*) تزمَّل فلان: التفَّ بثوبه.\n[¬٣]- في خ. ز: \"فزمل\".\n[¬٤]- في خ: \"فظلت\".\n[¬٥]- سقط من: خ، ز.","vol":"10","page":396},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ أي: وجمع لسليمان جنوده من الجن والإِنس والطير، يعني: ركب فيهم في أبهة وعظمة كبيرة في الإِنس، وكانوا هم الذين يلونه، والجن وهم بعدهم في المنزلة، والطير ومنزلتها فوق رأسه، فإن كان حَرٌّ أظلته منه بأجنحتها.\nوقوله: ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ أي: يكف [¬١] أولهم على آخرهم لئلا يتقدم أحد عن منزلته التي هي مرتبة له. قال مجاهد: جعل على كل صنف وَزَعَة، يردُّون أولاها على أخراها، لئلا يتقدموا في المسير، كما يفعل الملوك اليوم.\nوقوله: ﴿حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ﴾ أي: حتَّى إذا مر سليمان ﵇ بمن معه من الجيوش والجنود على وادي النمل، ﴿قَالتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾.\nأورد [¬٢] ابن عساكر من طريق إسحاق بن بشر، عن سعيد، عن قَتَادة، عن الحسن: أن اسم هذه النملة: حرس، وأنَّها من قبيلة يقال لهم: بنو الشيصان، وأنها كانت عرجاء، وكانت بقدر الذئب.\nأي: خافت على النمل أن تحطمها الخيول بحوافرها، فأمرتهم بالدخول إلى مساكنها، ففهم ذلك سليمان ﵇ عنها [¬٣] ﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَال رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ﴾، أي: ألهمني أن أشكر ندمتك التي مننت بها عليَّ، من تعليمى منطق الطر والحيوان، وعلى والديّ بالإِسلام لك [¬٤] والإِيمان بك، ﴿وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ﴾، أي: عملًا تحبه وترضاه، (وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين\". أي: إذا توفيتنى فألحقني بالصالحين من عبادك، والرفيق الأعلى من أوليائك.\nومن قال من المفسرين: إن هذا الوادي كان بأرض الشام أو بغيره، وإن هذه النملة كانت ذات جناحين كالذباب، أو غير ذلك من الأقاويل، فلا حاصل لها.\nوعن نوف البَكَالي أنَّه قال: كان نمل سليمان أمثال الذيب. هكذا رأيته مضبوطًا بالياء المثناة من [¬٥] تحت وإنَّما هو بالباء الموحدة، وذاك [¬٦] تصحيف، والله أعلم.\nوالغرض أن سليمان ﵇ فهم قولها، وتبسم ضاحكا من ذلك، وهذا أمر عظيم جدًّا.\n_________\n[¬١]- في ت: \"يكفوا\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"فأورد\".\n[¬٣]- في ت: \"منها\".\n[¬٤]- سقط من: خ، ز.\n[¬٥]- سقط من: خ، ز.\n[¬٦]- في ت: \"ذلك\".","vol":"10","page":397},{"text":"وقد قال ابن أبي حاتم: حدَّثنا أبي، حدَّثنا محمد بن بشار، حدَّثنا يزيد بن هارون، أنبأنا مشعَر، عن زيد العَميّ، عن أبي الصدِّيق الناجي قال: خرج سليمان ﵇ يستسقي، فإذا هو بنملة مستلقية على ظهرها، رافعة قوائمها إلى السماء، وهي تقول: اللهم، إنَّا خلق من خلقك، ولا غنى بنا عن سقياك، وإلا تسقنا تهلكنا. فقال سليمان ﵇: \"ارجعوا فقد سقيتم بدعوة غيركم\".\nوقد ثبت في الصحيح - عند مسلم - من طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن همام، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ: \"قَرَصتْ نبيًّا من الأنبياء نملة فأمر بقرية النمل فأحرقت، فأوحى الله إليه: أفي أن قرصتك نملة أهلكت أمة من الأمم تسبح؟ فهلَّا نملة واحدة\" (^٥).\n﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيرَ فَقَال مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ (٢٠) لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٢١)﴾\nقال مجاهد، وسعيد بن جبير، وغيرهما عن ابن عبَّاس وغيره: كان الهدهد مهندسًا، يدل سليمان ﵇ على الماء، إذا كان بأرض فلاة طلبه فنظر له الماء في تخوم الأرض، كما يرى الإِنسان الشيء الظاهر على وجه الأرض، ويعرف كم مساحة بعده من وجه الأرض، فإذا دلهم عليه أمر سليمان ﵇ الجان فحفروا له ذلك المكان، حتَّى يستنبطوا [¬١] الماء من قراره، فنزل سليمان ﵇ بفلاة من الأرض، فنفقد الطير ليرى الهدهد، فلم يره، ﴿فَقَال مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ﴾.\nحدث يومًا عبد الله بن عبَّاس بنحو هذا، وفي القوم رجل من الخوارج، يقال له: \"نافع بن الأزرق\"، وكان كثير الاعتراض على ابن عبَّاس، فقال له: قف يا ابا [¬٢] عبَّاس، غُلبت اليوم! قال: ولم؟ قال: إنك تخبر عن الهدهد أنَّه يرى الماء في تخوم الأرض، وإن الصبيّ ليضع له الحبة في الفخ ويحثو على الفخ ترابًا، فيجيء الهدهد فيأخذها [¬٣] فيقع في الفخ، فيصيده الصبيّ. فقال ابن عبَّاس: لولا أن يذهب هذا فيقول: رددت على ابن عبَّاس، لا أجبته. فقال له: ويحك! إنه إذا نزل القَدَر عَمِيَ البصر، وذهب الحَذَر. فقال له نافع: والله لا أجادلك في شيء من القرآن أبدًا (^٦).\n_________\n(^٥) صحيح مسلم حديث (٢٢٤١).\n(^٦) رواه الحاكم في المستدرك (٢/ ٤٠٥) من طريق المنهال بن عمرو عن سعيد بن جبير بنحوه.\n_________\n[¬١]- في م: \"يستنبط\".\n[¬٢]- في ت: \"ابن\".\n[¬٣]- في ت: \"ليأخذها\".","vol":"10","page":398},{"text":"وقد ذكر الحافظ ابن عساكر (^٧) في ترجمة [أبي عبد الله البَرْزيّ] [¬١]- من أهل \"بَرْزَةَ\" من غوطة [¬٢] دمشق، وكان من الصالحين يصوم الإثنين والخميس، وكان أعور قد بلغ الثمانين - فروى ابن عساكر بسنده إلى أبي سليمان بن يزيد [¬٣]: [أنه سأله] [¬٤] عن سبب عَوَره، فامتنع، فألح عليه شهورًا، فأخبره أن رجلين من أهل خراسان نزلا عنده جمعة في قرية برزة، وسألاه عن [واديها] [¬٥]، فأريتهما إياه، فأخرجا مجامرَ وأوقدا فيها بخورًا كثيرًا، حتَّى عجعج الوادي بالدخان، فأخذا يُغْزمان والحيات تقبل من كل مكان إليهما، فلا يلتفتان إلى شيء منها [¬٦]، حتى أقبلت حية نحو الذراع، وعيناها توقدان مثل الدينار، فاستبشرا بها عظيمًا، وقالا: الحمد لله الذي لم يُخَيب سفرنا من سنة، وكسرا المجامر، وأخذا الحية فأدخلا في عينها ميلًا فاكتحلا به، فسألتهما أن يكحلاني، فأبيا، فألححت عليهما وقلت: لا بد من ذلك، وتوعدتهما بالدّولة، فكحلا عيني الواحدة اليمنى، فحين وقع في عيني نظرت إلى الأرض تحتي مثل المرآة، انظر ما تحتها كما تُوري [¬٧] المرآة، ثم قالا لي: سر معنا قليلًا، فسرت معهما وهما [¬٨] يحدثاني، حتَّى إذا [¬٩] بعدت عن القرية، أخذاني فكتفاني، وأدخل أحدهما يده في عيني ففقأها، ورمى بها ومضيا، فلم أزل كذلك ملقى مكتوفًا، حتَّى مر بي نفر فَفَك وَثَاقي. فهذا ما كان من خبر عيني.\nوقال ابن أبي حاتم: حدَّثنا علي بن الحسين، حدَّثنا هشام بن عمار، حدَّثنا صدقة بن عمرو الغساني، حدَّثنا عباد بن بن ميسرة المنقري، عن الحسن قال: اسم هدهد سليمان ﵇: عنبر.\nوقال محمد بن إسحاق: كان سليمان ﵇ إذا غدا إلى مجلسه الذي كان بجلس فيه تفقد [¬١٠] الطير، وكان فيما يزعمون يأتيه نُوبٌّ من كل صنف من الطير، كل يوم طائر، فنظر فرأى من أصناف الطير كلّها من حَضَره إلَّا الهدهد، ﴿فَقَال مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ﴾، أخطأه بصري من الطير، أم غاب فلم يحضر؟\nوقوله: ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ قال الأعمش، عن المنهاج بن عمرو، عن سعيد، عن\n_________\n(^٧) تاريخ دمشق (١٩/ ١٣٠ \"المخطوط\").\n_________\n[¬١]- في خ: \"عبد الله أبي البزي\" وهو خطأ من الناسخ.\n[¬٢]- في خ، ز \"حولط\".\n[¬٣]- في خ، ز \"زيد\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين في ت: \"واد بها\".\n[¬٦]- في ز: \"منهما\".\n[¬٧]- في ت: \"تري\".\n[¬٨]- في ز: \"هم\".\n[¬٩]- سقط من: خ، ز.\n[¬١٠]- في ز: \"فتغقد\".","vol":"10","page":399},{"text":"ابن عبَّاس [¬١]: يعني نتف ريشه.\nوقال عبد اللَّه بن شداد: نتفُ ريشه وتشميسه. وكذا قال غير واحد من السلف: إنه نتفُ ريشه، وتركه مُلْقى يأكله الذر والنمل.\nوقوله: ﴿أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ﴾ يعني: قتله ﴿أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ أي: بعذر واضح بين.\n[قال] [¬٢] سفيان بن عيينة، وعبد الله بن شداد: لما قدم الهدهد قال له الطير: ما خلفك، فقد نذر سليمان دمك! فقال: هل استثنى؟ فقالوا: نعم. قال: ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾، فقال: نجوت إذًا.\nقال مجاهد: إنما دفع عنه ببره بأمه.\n﴿فَمَكَثَ غَيرَ بَعِيدٍ فَقَال أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإ بِنَبَإ يَقِينٍ (٢٢) إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ (٢٣) وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيطَانُ أَعْمَالهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ (٢٤) أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (٢٥) اللَّهُ لَا إِلَهَ إلا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٢٦)﴾\nيقول تعالى: ﴿فَمَكَثَ﴾ الهدهد ﴿غَيرَ بَعِيدٍ﴾ أي: غاب زمانًا يسيرًا، ثم جاء فقال لسليمان: ﴿أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾، أي: اطلعت على ما لم تطلع عليه أنت ولا جنودك، ﴿وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإ بِنَبَإ يَقِينٍ﴾، أي: بخبر صدق حقّ يقين، وسبأ: هم حمير، وهم ملوك اليمن.\nثم قال: ﴿إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ﴾، قال الحسن البصري: وهي بلقيس بنت شَرَاحيل ملكة سبأ.\nوقال قَتَادة: كانت أمها جنية، وكان مؤخر قدميها مثل حافر الدابة، من بيت مملكة. وقال زهير بن محمد: هي بلقيس بنت شَرَاحيل بن مالك بن الريان، وأمها فارعة الجنية.\n_________\n[¬١]- في ت: \"عياش\".\n[¬٢]- في ت: \"وقال\".","vol":"10","page":400},{"text":"وقال ابن جريج: بلقيس بنت ذي شرخ، وأمها بلتقة.\nوقال ابن أبي حاتم: حدَّثنا عليّ بن الحسين، حدَّثنا مسدد، حدَّثنا سفيان -يعني ابن عيينة- عن عطاء بن السائب، عن مجاهد، عن ابن عبَّاس؛ قال: [كان مع] [¬١] صاحبة سليمان ألفُ قَيْل، تحت كل قيل مائة ألف.\nوقال الأعمَش، عن مجاهد: كان تحت يدي ملكة سبأ اثنا عشر ألف قيل، تحت كل قَيل: مائة ألف مقاتل.\nوقال عبد الرزاق: أنبأنا محمر، عن قَتَادة، في قوله: ﴿إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ﴾، كانت من بيت مملكة، وكان أولو مشورتها ثلاثمائة واثني [¬٢] عشر رجلًا، كل رجل منهم على عشرة آلاف رجل. وكانت بأرض يقال لها: مأرب، على ثلاثة أميال من صنعاء. وهذا القول هو أقرب على أنَّه كثير على مملكة [¬٣] اليمن، والله أعلم.\nوقوله: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيءٍ﴾، أي: من متاع الدنيا ما يحتاج إليه الملك المتمكن، ﴿وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾، يعني: سرير تجلس عليه عظيم هائل مزخرف بالذهب، وأنواع الجواهر واللآلئ.\nقال زهير بن محمد: كان من ذهب صفحتاه مرمولة [¬٤] بالياقوت والزبرجد [طوله ثمانون ذراعًا، وعرضه أربعون ذراعًا.\nوقال محمد بن إسحاق: كان من ذهب مفصص بالياقوت والزبرجد] [¬٥] واللؤلؤ، وكان إنما يخدمها [¬٦] النساء، لها ستمائة امرأة [تليها للخدمة] [¬٧].\nقال علماء التاريخ: وكان هذا السرير في قصر عظيم مشيد رفيع البناء محكم، كان فيه ثلاثمائة وستون طاقة من شرقه ومثلها من غربه، قد وضع بناؤه على أن تدخل الشمس كل يوم من طاقة، وتغرب من مقابلتها، فيسجدون لها صباحًا ومساء، ولهذا قال: ﴿وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيطَانُ أَعْمَالهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ﴾ أي: عن طريق الحق، ﴿فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ﴾.\nوقوله: ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ﴾ [معناه: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيطَانُ أَعْمَالهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٢]- في ز، خ: \"اثنا\".\n[¬٣]- في ت: \"مملكته\".\n[¬٤]- في ت: \"مرمرل\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٦]- في خ، ز: \"يحدثها\".\n[¬٧]- في ت: \"تلي الخدمة\".","vol":"10","page":401},{"text":"السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ (٢٤) أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ﴾ [¬١] أي: لا يعرفون سبيل الحق التي هي إخلاص السجود لله وحده دون ما خلق من شيء من الكواكب وغيرها، كما قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾، وقرأ بعض القراء (ألا يا اسجدوا لله) (*) جعلها: \"ألا\" الاستفتاحية، و\"يا\" النداء [¬٢]، وحذف المنادى، تقديره عنده: \"ألا ياقوم، اسجدوا لله\".\nوقوله: ﴿الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عبَّاس: يعلم كل خبيئة في السماء والأرض. وكذا قال عكرمة، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وقَتَادة، وغير واحد.\nوقال سعيد بن المسيب: الخَبْء: الماء. وكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: خبء السموات والأرض: ما جعل فيها من الأرزاق؛ المطر من السماء، والنبات من الأرض. وهذا مناسب من كلام الهدهد، الذي جعل الله فيه من الخاصية ما ذكره ابن عبَّاس وغيره، من [¬٣] أنه يرى الماء يجري في تخوم الأرض ودواخلها.\nوقوله: ﴿وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ [¬٤]﴾ أي: يعلم ما يخفيه العباد، وما يعلنونه من الأقوال والأفعال؛ وهذا كقوله تعالى: ﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾.\nوقوله: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إلا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ أي: هو المدعو الله، وهو الذي لا إله إلَّا هو رب العرش العظيم، الذي ليس في المخلوقات أعظم منه.\nولما كان الهدهد داعيًا إلى الخير، وعبادة الله وحده والسجود له، نهي عن قتله، كما رواه الإمام أحمد وأَبو داود وابن ماجة، عن أبي هريرة ﵁ قال: نهى النبي ﷺ عن قتل أربع من الدواب: النملة، والنحلة، والهدهد، والصُّرَد. وإسناده صحيح (^٨).\n_________\n(^٨) لم يروه من حديث أبي هريرة إلَّا ابن ماجة حديث (٣٢٢٣) بلفظ: \"نهى رسول الله - صلى =\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n(*) ثم قال ابن مجاهد: كُلُّهم شدد اللام في: ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا﴾ غيرَ الكسائي فإنه خففها ولم يجعل فيها \"أنْ\"، ووقف: ﴿ألا يا﴾ ثم ابتدأ ﴿اسجدوا﴾ كتاب السبعة في القراءات لابن مجاهد (ص ٤٨٠).\n[¬٢]- في ت: \"للنداء\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"ما\".\n[¬٤]- في ز، خ: \"ما يخفون وما يعلنون\". وهي قراءة الجمهور. وأثبتنا قراءة حفص عن عاصم، وهي قراءة الكسائي أيضًا. انظر السبعة (ص ٤٨٠).","vol":"10","page":402},{"text":"﴿قَال سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٢٧) اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ (٢٨) قَالتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ (٢٩) إِنَّهُ مِنْ سُلَيمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣٠) أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٣١)\nيخبر تعالى عن قيل سليمان ﵇ للهدهد حين أخبره عن أهل [¬١] سبإ وملكتهم: (﴿قَال سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾، أي: أصدقت في إخبارك هذا، ﴿أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ في مقالتك، فتتخلص من الوعيد الذي أوعدتك ﴿اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ﴾، وذلك أن سليمان ﵇ كتب كتابًا إلى بلقيس وقومها، وأعطاه لذلك الهدهد فحمله - قيل: في جناحه كما هو عادة الطير، وقيل: بمنقاره - وذهب إلى بلادهم فجاء إلى قصر بلقيس، إلى الخلوة التي كانت تختلي فيها بنفسها، فألقاه إليها من كُوَّةٍ هنالك بين يديها، ثم تولى ناحية أدبًا ورياسة، فتحيرتْ مما رأتْ، وهالها ذلك، ثم عمدت إلى الكتاب فأخذته، ففتحت ختمه وقرأته، فإذا فيه: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣٠) أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ فجمعت عند ذلك أمراءها ووزراءها وكبراء دولتها ومملكتها، ثم قالت لهم: ﴿يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي [¬٢] أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ﴾، تعني بكرمه ما رأته من عجيب أمره، كون طائر أتى به فألقاه إليها، ثم تولى عنها أدبًا. وهذا أمر لا يقدر عليه أحد من الملوك، ولا سبيل لهم إلى ذلك، ثم قرأته عليهم، ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣٠) أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾؛ فعرفوا أنَّه من نبي الله سليمان، وأنه لا قِبَل لهم به، وهذا الكتاب في غاية البلاغة والوَجَازة والفصاحة، بأنه حَصَّل المعنى بأيسر عبارة وأحسنها، قال العلماء: ولم يكتب أحد ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ قبل سليمان ﵇.\nوقد روى ابن أبي حاتم في ذلك حديثًا في تفسيره، حيث قال: حدَّثنا أبي، حدَّثنا هارون بن الفضل أبو يعلى الحناط [¬٣]، حدَّثنا أَبو يوسف، عن سلمة بن صالح، [عن عبد الكريم] [¬٤] أبي أمية عن ابن [¬٥] بُرَيدَة، عن أبيه قال: كنت أمشي مع رسول الله ﷺ\n_________\n= الله عليه وسلم - عن قتل الصرد والضفدع والنملة والهدهد\". وهو بهذا اللفظ من حديث ابن عبَّاس في مسند الإِمام أحمد (١/ ٣٣٢) وسنن أبي داود حديث (٥٢٦٧) وسنن ابن ماجة حديث (٣٢٢٤).\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في ز، خ: \"إنه\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"الخياط\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٥]- سقط من: ز.","vol":"10","page":403},{"text":"فقال: \"إني أعلم آية [¬١] لم تنزل [¬٢] على نبيٍّ قبلي بعد سليمان بن داود\". قال: قلت: يا رسول الله، أيّ آية؟ قال: \"سأعلمكها [¬٣] قبل أن أخرج من المسجد\". قال: فانتهى إلى الباب، فأخرج إحدى قدميه، فقلت: نسيَ، ثم التفت إليَّ فقال [¬٤]: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ (^٩). هذا حديث غريب وإسناده ضعيف.\nوقال ميمون بن مهران: كان رسول الله ﷺ يكتب: باسمك اللهم، حتى نزلت هذه الآية، فكتب: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾.\nوقوله: ﴿أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ﴾، يقول قتادة: لا تجبروا علي [¬٥]، وأتوني مسلمين.\nوقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: لا تمتنعوا ولا تتكبروا عليَّ ﴿وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ قال ابن عبَّاس: موحدين. وقال غيره: مخلصين. وقال سفيان بن عيينة: طائعين.\n﴿قَالتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ (٣٢) قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ (٣٣) قَالتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (٣٤) وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ (٣٥)﴾\nلما قرأت عليهم كتاب سليمان استشارتهم في أمرها، وما قد نزل بها؛ ولهذا قالت: ﴿قَالتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ﴾ أي: حتَّى تحضرون وتشيرون. ﴿قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ أي: مَتُّوا [¬٦] إليها بعَدَدهم وعُدَدهم وقوتهم، ثم فوضوا إليها بعد ذلك الأمر فقالوا: ﴿وَالْأَمْرُ إِلَيكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ﴾ أي: نحن ليس لنا عاقة، [ولا بنا بأس. إن شئت أن تقصديه وتحاربيه، فما لنا عاقة] [¬٧] عنه، وبعد هذا فالأمر إليك، مري فينا برأيك نمتثله ونطعه [¬٨].\nقال الحسن البصري ﵀: فوضوا أمرهم إلى عِلْجَةٍ (*) يضطرب ثدياها، فلما قالوا لها ما قالوا، كانت هي أحزمَ رأيًا منهم، وأعلم بأمر سليمان، وأنه لا قبل لها بجنوده\n_________\n(^٩) ورواه أَبو نعيم في تاريخ أصفهان (٢/ ١٨٧) من طريق الحسين بن حفص عن أبي يوسف به.\n_________\n[¬١]- في خ، ز: \"أنَّه\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"ينزل\".\n[¬٣]- في ز: \"ما علمكها\".\n[¬٤]- في - ت: \"وقال\".\n[¬٥]- سقط من: خ، ز.\n[¬٦]- في ت: \"منُّوا\".\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٨]- في ز، خ: \"نطيعه\".\n(*) العِلْج: الرجل من كُفَّار العجم.","vol":"10","page":404},{"text":"وجيوشه، وما سُخَّر له من الجن والإنس والطير، وقد شاهَدَت من قضية الكتاب مع الهدهد أمرًا عجيبًا بديعًا، فقالت لهم: إني أخشى أن نحاربه ونمتنع عليه، فيقصدنا بجنوده، ويهلكنا بمن معه، ويخلص إليَّ وإليكم الهلاك والدمار دون غيرنا، ولهذا قالت: ﴿قَالتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا﴾.\nقال ابن عبَّاس: أي: إذا دخلوا بلدًا عنوة أفسدوه، أي: خَرَّبوه، ﴿وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا [¬١] أَذِلَّةً﴾، أي: وقصدوا من فيها من الولاة والجنود، فأهانوهم غاية الهوان، إما بالقتل أو بالأسر.\nقال ابن عبَّاس: قالت بلقيس: ﴿قَالتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً﴾، قال الرب ﷿: ﴿وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾.\nثم عدلت إلى المهادنة والمصالحة والمسالمة والخادعة والمصانعة، فقالت: ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ أي: سأبعث إليه بهدية تليق به، وأنظر ماذا يكون جوابه بعد ذلك، فلعله يقبل ذلك ويكف عنا، أو يضرب علينا خَرَاجًا نحمله إليه في كل عام، ونلتزم له بذلك ويترك [¬٢] قتالنا ومحاربتنا. قال قتادة: رحمها الله ورضي عنها، ما كان أعقَلَهَا في إسلامها وفي شركِهَا!! علمت أن الهدية تقع موقعًا من الناس.\n[وقال] [¬٣] ابن عبَّاس وغير واحد: قالت لقومها: إن قَبِلَ الهدية فهو ملك فقاتلوه، وإن لم يقبلها فهو نبي فاتبعوه.\n﴿فَلَمَّا جَاءَ سُلَيمَانَ قَال أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ (٣٦) ارْجِعْ إِلَيهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ (٣٧)﴾\nذكر غير واحد من المفسرين، من السلف وغيرهم: أنَّها بعثت إليه بهدية عظيمة من ذهب وجواهر ولآلئ وغير ذلك. وقال بعضهم: أرسلت إليه بلَبنَة من ذهب، والصحيح أنَّها أرسلت إليه [¬٤] بآنية من ذهب. قال مجاهد، وسعيد بن جبير، وغيرهما: وأرسلت جواري في زيّ الغلمان، وغلمان في زيّ الجواري، وقالت: إن عرف هؤلاء من هؤلاء فهو نبيّ. قالوا: فأمرهم ﵇ أن يتوضئوا، فجعلت الجارية تُفرغ على يدها من الماء، وجعل الغلام يغترف، فميزهم بذلك.\n_________\n[¬١]- في ز: \"أهله\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"نترك\".\n[¬٣]- في ت: \"قال\".\n[¬٤]- سقط من: ت.","vol":"10","page":405},{"text":"وقيل: بل جعلت الجارية تغسل باطن زندها قبل ظاهره، والغلام بالعكس.\nوقيل: بل جعلت الجواري يغتسلن من أكفهن إلى مرافقهن، والغلمان من مرافقهم إلى أكفهم. ولا منافاة بين ذلك كله، والله أعلم.\nوذكر بعضهم: أنَّها أرسلت إليه بقدح ليملأه ماء رواء [¬١]، لا من السماء ولا من الأرض، فأجرى الخيل حتَّى عرقت، ثم ملأه من ذلك. وبخرزة وسلك فيجعله [¬٢] فيها، ففعل ذلك. والله أعلم أكان ذلك أم لا، وأكثره مأخوذ من الإِسرائيليات، والظاهر أن سليمان ﵇ لم ينظر إلى ما جاءوا به بالكلية، ولا اعتنى به، بل أعرض عنه، وقال منكرًا عليهم؛ ﴿أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ﴾ أي: أتصانعونني بمال لأترككم على شرككم وملككم؟! ﴿فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيرٌ مِمَّا آتَاكُمْ﴾ أي: الذي أعطاني الله من الملك والمال والجنود - خيرٌ مما أنتم فيه، ﴿بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ﴾، أي: أنتم الذين تنقادون للهدايا والتحف، وأما أنا فلا أقبل منكم إلَّا الإِسلام أو السيف.\nقال الأعمش، عن المنهاج بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبَّاس ﵁: أمر سليمانُ الشياطينَ فموّهوا له ألف قصر من ذهب وفضة. فلما رأت رسلُها ذلك قالوا: ما يصنع هذا بهديتنا وفي هذا دلالة على [جواز تهيؤ] [¬٣] الملوك وإظهارهم الزينة للرسل والقصاد.\n﴿ارْجِعْ إِلَيهِمْ﴾ أي: بهديتهم، ﴿فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا﴾، أي: لا طاقة لهم بقتالهم، ﴿وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً﴾، أي: من بلدهم ﴿أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾، أي: مهانون مدحورون.\nفلما رجعت إليها رسلُها بهديتها، وبما قال سليمان، سمعت وأطاعت هي وقومها، وأقبلت تسير إليه في جنودها خاضعة ذليلة، معظمة لسليمان، ناوية متابعته في الإِسلام، ولما تحقق سليمان ﵇ قدومهم عليه، ووفودهم إليه، فرح بذلك وسَرَّه.\n﴿قَال يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٣٨) قَال عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيهِ لَقَويٌّ أَمِينٌ (٣٩) قَال الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"دواء\".\n[¬٢]- في ت: \"ليجعله\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"نهي جواز\".","vol":"10","page":406},{"text":"عِنْدَهُ قَال هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ (٤٠)﴾\nقال محمد بن إسحاق، عن يزيد بن رُومان، قال: فلما رجعت إليها الرسل بما قال سليمان قالت: قد، والله، عرفت ما هذا بملك، وما لنا به من طاقة، وما نصنع بمكابرته [¬١] شيئًا. وبعثت إليه: إني قادمة عليك [] [¬٢] بملوك قومي، لأنظر ما أمرُك وما تدعونا إليه من دينك. ثم أمرت بسرير ملكها الذي كانت تجلس عليه - وكان من ذهب مُفَصَّص بالياقوت والزبرجد واللؤلؤ - فجعل [¬٣] في سبعة أبيات، بعضها في بعض، ثم أقفلت عليه الأَبواب، ثم قالت لمن خَلفت [¬٤] على سلطانها، احتفظ بما قبلك وسرير ملكي، فلا يخلص إليه أحد من عباد الله، وَلا يرَينَّه أحد [¬٥] حتَّى آتيك. ثم شَخَصَت إلى سليمان في اثنى عشر ألفًا [¬٦] قَيْلٍ من ملوك اليمن، تحت يدي كل قَيل منهم ألوف كثيرة. فجعل سليمان يبعث الجن يأتونه بمسيرها ومنتهاها كل يوم وليلة، حتَّى إذا دَنت جمع مَنْ عنده مِنَ الجن والإِنس، ممن تحت يديه، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾.\nوقال قَتَادة: لما [¬٧] بلغ سليمان أنَّها جائية، وكان قد ذُكر له عرشها فأعجبه، وكان من ذهب، وقوائمه لؤلؤ وجوهر، وكان مسترًا بالديباج والحرير، وكانت عليه تسعة مغاليق، فكره أن يأخذه بعد إسلامهم. وقد علم نبيّ الله أنهم متى أسلموا تحرم أموالهم مع دمائهم فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾.\nوهكذا قال عطاء الخراساني، والسدّي، وزُهير بن محمد: ﴿قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾، فتحرم على أموالهم بإسلامهم.\n﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ﴾، قال مجاهد: أي مارد من الجن. قال شعيب الجبائي: وكان اسمه كوزن. وكذا قال محمد بن إسحاق، عن يزيد بن رومان، وكذا قال أيضًا وَهْب بن منبه. قال أَبو صالح: وكان كأنّه جبل.\n﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ﴾، قال ابن عبَّاس: يعني قبل أن تقوم من مجلسك. وقال مجاهد: مقعدك. وقال السدي وغيره: كان يجلس للناس للقضاء\n_________\n[¬١]- في ت: \"بمكاثرته\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"قادمة\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"يجعل\".\n[¬٤]- في خ: \"خالفت\".\n[¬٥]- سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- سقط من: خ، ز.\n[¬٧]- سقط من: ز، خ.","vol":"10","page":407},{"text":"والحكومات، وللطعام من أول النهار إلى أن تزول الشمس.\n﴿وَإِنِّي عَلَيهِ لَقَويٌّ أَمِينٌ﴾ قال ابن عباس: أي قوي على حمله أمين على ما فيه من الجوهر.\nفقال سليمان ﵇: أريد أعجل من ذلك. ومن هاهنا يظهر أن النبيّ سليمان أراد بإحضار هذا السرير إظهار عظمة ما وهبه الله تعالى له [¬١] من الملك، وسَخَّر له من الجنود، الذي لم يُعْطَه أحد من [¬٢] قبله، ولا يكون لأحد من بعده، وليتخذ ذلك حجة في نبوته عند بلقيس وقومها؟ لأن هذا خارق عظيم أن يأتي بعرشها كما هو من بلادها قبل أن يَقْدَموا عليه. هذا وقد حجبته بالأغلاق والأقفال والحفظة [¬٣]. فلما قال سليمان [¬٤]: أريد أعجل من ذلك، ﴿قَال الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ﴾، قال ابن عباس: وهو آصف كاتب سليمان. وكذا رَوَى محمد بن إسحاق، عن يزيد بن رومان: أنَّه آصف بن برخياء، وكان صدِّيقًا يعلم الاسم الأعظم.\nوقال قَتَادة: كان مؤمنًا من الإِنس، واسمه آصف. وكذا قال أَبو صالح، والضحاك، وقَتَادة: إنه كان من الإنس. زاد قَتَادة: من بني إسرائيل.\nوقال مجاهد: كان اسمه أسطوم. وقال قَتَادة - في رواية عنه: كان اسمه بليخا.\nوقال زهير بن محمد: هو رجل من الإنس يقال له: ذو النور.\nوزعم عبد الله بن لهيعة أنَّه الخضر، وهو غريب جدًّا.\nوقوله: ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيكَ طَرْفُكَ﴾ أي: ارفع بصرك وانظر مَدَّ بصرك مما تقدر عليه، فإنك لا يكل بصرك إلَّا وهو حاضر عندك.\nوقال وَهْب بن منبه: امدد بصرك فلا يبلغ مداه حتَّى آتيك به.\nفذكروا أنَّه أمره أن ينظر نحو اليمن التي فيها هذا العرش المطلوب، ثم قام فتوضأ، ودعا اللَّه ﷿.\nقال مجاهد: قال [¬٥]: يا ذا الجلال والا كرام. وقال الزُّهْريّ: قال [¬٦]: يا إلهنا وإله كل شيء، إلهًا واحدًا، لا إله إلَّا أنت، ائتني بعرشها. قال: فتمثل [¬٧] له بين يديه.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- سقط من: خ، ز.\n[¬٣]- في خ، ز: \"والحفظ\".\n[¬٤]- سقط من: خ، ز.\n[¬٥]- سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- سقط من: ز، خ.\n[¬٧]- في ز، خ: \"تمثل\".","vol":"10","page":408},{"text":"قال مجاهد، وسعيد بن جبير، ومحمد بن إسحاق، وزهير بن محمد، وغيرهم؛ لما دعا الله ﷿، وسأله أن يأتيه بعرش بلقيس - وكان في اليمن، وسليمان ﵇ ببيت المقدس - غاب السرير، وغاص في الأرض، ثم نبع من بين يديّ سليمان ﵇.\nوقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، لم يشعر سليمان إلَّا وعرشها يحمل بين يديه. قال: وكان هذا الذي جاء به من عُبَّاد البحر، فلما عاين سليمان ومَلَؤه ذلك، ورآه مستقرًّا عنده، ﴿قَال هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي﴾، أي: هذا من نعم الله علي، ﴿لِيَبْلُوَنِي﴾، أي: ليختبرني ﴿أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾، كقوله: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيهَا﴾ وقوله: ﴿عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾.\nوقوله: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾، أي: هو غني عن العباد وعبادتهم، ﴿كَرِيمٌ﴾، أي: كريم في نفسه، وإن لم يعبده أحد، فإن عظمته ليست مفتقرة إلى أحد، وهذا كما قال موسى: ﴿وَقَال مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾.\nوفي صحيح مسلم: \"يقول الله تعالى: يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم، كانوا على أتقى قلب رجل منكم، ما زاد ذلك في ملكي شيئًا، يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم، كانوا على أفجر قلب رجل منكم، ما نقص ذلك من ملكي شيئًا، يا عبادي، إنما هي أعمالكم أحصيها لكم، [ثم أوفيكم إياها] [¬١] فمن وجد خيرًا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومنّ إلَّا نفسه\" (^١٠).\n﴿قَال نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ (٤١) فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالتْ كَأَنَّهُ هُوَ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ (٤٢) وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ (٤٣) قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيهَا قَال إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ قَالتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ (٤٤)﴾\nلما جيء سليمان ﵇ بعرش بلقيس قبل قدومها، أمر به أن يغير بعض صفاته، ليختبر معرفتها وثباتها عند رؤيته، هل تقدم على أنَّه عرشها أو أنَّه ليس به، فقال:\n_________\n(^١٠) صحيح مسلم، كتاب البر والصلة والآداب حديث (٢٥٧٧) من حديث أبي ذر الغفاري ﵁.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.","vol":"10","page":409},{"text":"﴿نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ﴾.\n[قال] [¬١] ابن عبَّاس: نزع عنه فصوصه ومرافقه. وقال مجاهد: أمر به فغُيَّر، ما كان أحمر جُعل أصفر، وما كان أصفر جُعل أحمر، وما كان أخضر جُعل أحمر، غيَّرَ كل شيء عن حاله. وقال عكرمة: [زادوا] [¬٢] فيه ونقصوا.\n[وقال قَتَادة: جعل أسفله أعلاه ومقدمه مؤخره، وزادوا فيه ونقصوا] [¬٣].\n﴿فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ﴾ أي: عرض عليها عرشها [¬٤]، وقد غُيَّر ونُكَّر، وزيد فيه ونقص منه [¬٥] فكان فيها ثبات وعقل، ولها لُبّ ودهاء وحزم، فلم تقدم على أنَّه هو لبعد مسافته عنها، ولا أنَّه غيره، لما رأت من آثاره وصفاته، وإن غير وبدل ونكر، فقالت: ﴿كَأَنَّهُ هُوَ﴾ أي [¬٦]: يشبهه ويقاربه. وهذا غاية في الدهاء والحزم.\nوقوله: ﴿وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ﴾ قال مجاهد: سليمان يقوله.\nوقوله: ﴿وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾ هذا من تمام كلام سليمان ﵇ في قول مجاهد، وسعيد بن جبير -رحمهمَا الله -أي: قال سليمان: ﴿وَ[¬٧] أُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ﴾، وهي كانت قد صدها، أي: منعها من عبادة الله وحده ﴿كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾. وهذا الذي قاله مجاهد وسعيد - حَسَن، وقاله ابن جرير أيضًا.\nثم قال ابن جرير: ويحتمل أن يكرن في قوله: ﴿وَصَدَّهَا﴾، ضمير يعود إلى سليمان، أو إلى الله ﷿، تقدره: ومنعها ﴿مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾. أي: صدها عن عبادة [غير الله] [¬٨] ﴿إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾.\nقلت: ويؤيد قول مجاهد: أنَّها إنما أظهرت الإسلام بعد دخولها إلى الصرح كما سيأتي.\nوقوله: ﴿قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيهَا﴾، وذلك أن سليمان ﵇ أمر الشياطين فبنوا له قصرًا عظيمًا من قوارير، أي: من زجاج، وأجرى تحته الماء، فالذي لا يعرف أمره يحسب أنَّه ماء، ولكن الزجاج يحول بين الماء وبينه، واختلفوا في السبب الذي دعا سليمان ﵇ إلى اتخاذه، فقيل: إنه لما عزم على تَزْويجِها واصطفاها لنفسه، ذكر له جمالها وحسنها، ولكن في ساقيها هُلْبٌ (*) عظيم،\n_________\n[¬١]- في ت: \"وقال\".\n[¬٢]- في ت: \"وزادوا\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- سقط من: خ، ز.\n[¬٦]- سقط من: خ، ز.\n[¬٧]- سقط من: ز، خ.\n[¬٨]- ما بين المعكوفتين في ز: \"الله غير\".\n(*) الهُلْبُ: ما غَلُظَ وصُلب من الشَّعر.","vol":"10","page":410},{"text":"ومؤخر أقدامها كمؤخر الدابّة، فساءه ذلك، فاتخذ هذا ليعلم صحته أم لا؛ هذا قول محمد بن كعب القُرَظي وغيره. فلما دخلت وكشفت عن ساقيها، رأى أحسن الناس وأحسنه قدمًا، ولكن رأى [¬١] على رجليها شعرًا [¬٢]، لأنها ملكة ليس لها بعل، فأحب أن يذهب ذلك عنها، فقيل لها: الموسى؟ فقالت: لا أستطع ذلك. وكره سليمان ذلك، وقال للجن: اصنعوا شيئًا غير الموسى يذهب به هذا الشعر، فصنعوا له النورَةَ. وكان أول من اتخذت له النَّوْرَة. قاله ابن عبَّاس، ومجاهد، وعكرمة، ومحمد ن كعب القرظي، والسدي، وابن جريج، وغيرهم.\nو[¬٣] قال محمد بن إسحاق، عن يزيد بن رُومَان: ثم قال لها: ادخلي الصرح، ليري مُلكًا هو أعز من ملكها، وسلطانًا هو أعظم من سلطانها. فلما رأته حسبته لجة وكشفت عن ساقيها، لا تشك إلا أنَّه ماء تخوضه، فقيل لها: إنه صرح مُمَرَّد من قوارير، فلما وقفت على سليمان دعاها إلى عبادة الله، وعاتبها في عبادتها [الشمس من] [¬٤] دون الله.\nوقال الحسن البصري: لما رأت العِلْجَة الصرح عرفت - والله - أن قد رأت [¬٥] ملكًا أعظم من ملكها.\nوقال محمد بن إسحاق عن بعض أهل العلم، عن وَهْب بن منبه قال: أمر سليمان بالصرح، وقد عملته له الشياطين من زجاج، كأنه الماء بياضًا. ثم أرسل الماء تحته، ثم وضعب له فيه سريره، فجلس عليه، وعكفت عليه الطير والجن والإِنس، ثم قال: ادخلي الصرح، ليري ملكا هو أعز من ملكها، وسلطانا هو أعظم من سلطانها، ﴿فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيهَا﴾، لا تشك أنَّه ماء تخوضه، قيل لها: ﴿قَال إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ﴾، فلما وقفت على سليمان، دعاها إلى عبادة الله ﷿، وعاتبها في عبادتها الشمس من دون الله، فقالت بقول الزنادقة، فوقع سليمان ساجدًا إعظامًا لما قالت، وسجد معه الناس، فسقط في يديها حين رأت سليمان صنع ما صنع، فلما رفع [سليمان] [¬٦] رأسه قال: ويحكِ! ماذا قلت؟ - قال: وأنسيت ما قالت - فقالت [¬٧]: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ﴾، فأسلمت وحسن إسلامها.\nوقد روى الإِمام أبو بكر بن أبي شبية في هذا أثرًا غريبًا عن ابن عبَّاس قال:\nحدَّثنا الحسين بن علي، عن زائدة، حدثني عطاء بن السائب، حدَّثنا مجاهد - ونحن في الأزد - قال: حدَّثنا ابن عبَّاس، قال: كان سليمان ﵇ يجلس على سريره، ثم\n_________\n[¬١]- سقط من: خ، ز.\n[¬٢]- في ز، خ: \"شعر\".\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين في خ، ز: \"الشيطان\".\n[¬٥]- في خ، ز: \"أوبت\".\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: ت.\n[¬٧]- سقط من: ز.","vol":"10","page":411},{"text":"تُوضَعُ كراسي حوله، فيجلس عليها الإنس، ثم يجلس الجن، ثم الشياطين، ثم تأتي الريح فترفعهم، ثم تظلهم الطير، ثم يغدون [¬١] قدر ما يشتهي الراكب، أن ينزل [¬٢] شهرًا ورواحها شهرًا، قال: فبينما هو ذات يوم في مسير له، إذ تفقد الطير ففقد [¬٣] الهدهد فقال [¬٤]: ﴿مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ (٢٠) لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾، قال: فكان عذابه إياه أن ينتفه، ثم يلقيه [بالأرض] [¬٥] فلا يمتنع من نملة، ولا من شيء من هوام الأرض.\nقال عطاء: وذكر سعيد بن جُبَير، عن ابن عبَّاس مثل حديث مجاهد. ﴿فَمَكَثَ غَيرَ بَعِيدٍ﴾ قوله: ﴿سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٢٧) اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا﴾ وكتب: بسم الله الرحمن الرحيم، إلى بلقيس، ﴿أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾، [فلما ألقى الهدهد الكتابَ إليها، ألقى في رُوعها: إنه كتاب كريم، وإنه من سليمان، وأن لا تعلوا عليَّ وائتوني مسلمين. قالوا: نحن أولو قوة] [¬٦]. قالت: إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها، وإني مرسلة إليهم بهدية. فلما جاءت الهدية سليمان قال: أتمدونني بمال، ارجع إليهم. فلما نظر إلى الغبار - أخبرنا ابن عبَّاس قال:. وكان بين سليمان وبين ملكة سبإ ومن معها حين نظر إلى الغبار كما بيننا وبين الحيرة [¬٧]، قال عطاء: ومجاهد حينئذ في الأزد - قال سليمان: أيكم يأتيني بعرشها؟ قال: وبين عرشها وبين سليمان حين نظر إلى الغبار مسيرة شهرين، ﴿قَال عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ﴾، قال: وكان لسليمان مجلس يجلس فيه للناس، كما يجلس الأمراء ثم يقوم. قال: ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ﴾، قال سليمان: أريد أعجل من ذلك. فقال الذي عنده علم من الكتاب: أنا أنظر في كتاب ربي، ثم آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك. [قال: فنظر إليه سليمان فلما قطع كلامه رد سليمان بصره] [¬٨]، فنبع عرشها من تحت قدم سليمان، من تحت كرسيّ كان لسليمان [¬٩]، يضع عليه رجله، ثم يصعد إلى السرير. قال: فلما رأى سليمان عرشها قال: ﴿قَال هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي﴾، ﴿قَال نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا﴾، فلما جاءت قيل لها: أهكذا عرشك؟ قالت: كأنه هو.\nقال: فسألَتْهُ [حين جاءته] [¬١٠] عن أمرين: قالت لسليمان: أريد [¬١١] ماء ليس من أرض ولا سماء - وكان سليمان إذا سئل عن شيء، سأل الإِنس ثم الجن ثم الشياطين- فقالت\n_________\n[¬١]- في. ز، خ: \"يغدوا\".\n[¬٢]- في خ، ز: \"يترك\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"فتفقد\".\n[¬٤]- في ز، خ: \"قال\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين في ت: \"في الأرض\".\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين ضبب عليه في ز.\n[¬٧]- في خ، ز: \"الحرة\".\n[¬٨]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٩]- في ت: \"سليمان\".\n[¬١٠]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬١١]- سقط من: خ، ز.","vol":"10","page":412},{"text":"الشياطين: هذا هَين، أجْر الخيلَ ثم خذ عرقها، ثم املأ منه الآنية. قال: فأمر بالخيل فأجريَت، ثم أخذ عرقها فملأ منه الآنية.\nقال: وسألت عن لون الله ﷿ قال: فوثب سليمان عن سريره، فخرَّ ساجدًا، فقال: يا رب، لقد سَألَتْني عن أمر [¬١] إنه يتكايد [] [¬٢] في قلبي أن أذكره لك. قال: ارجع فقد كَفَيتكهم. قال: فرجع إلى سريره فقال: ما سألت عنه؟ قالت: ما سألتك إلا عن الماء. فقال لجنوده: ما سألت عنه؟ فقالوا: ما سألتك إلا عن الماء. قال: ونَشوه كلّهم.\nقال: وقالت الشياطين لسُلَيمان: تريدُ أن تتخذها لنفسك؟ فإن اتخذها لنفسه ثم ولد بينهما ولد، لم ننفك من عبوديته. قال: فجعلوا صرحًا ممردًا من قوراير، فيه السمك. قال: فقيل لها: ادخلي الصرح. فلما رأته حسبته لجة، وكشفت عن ساقيها، فإذا هي شَعْرَاء. فقال سليمان: هذا قبيح، ما يذهبه؟ فقالوا: تذهبه المواسى. فقال: أثر المواسي [¬٣] قبيح! قال: فجعلت الشياطين النَّورَة. قال: فهو أول من جُعلت له النَّورة.\nثم قال أَبو بكر بن أبي شيبة: ما أحسنه من حديث!\nقلت: بل [¬٤] هو منكر غريب جدًّا، ولعله من أوهام عطاء بن السائب على ابن عبَّاس، والله أعلم. والأقرب في مثل هذه السياقات أنَّها متلقاة عن أهل الكتاب، مما يوجد في صحفهم، كروايات كعب ووهب - سامحهما الله تعالى - فيما نقلا إلى هذه الأمة من أخبار بني إسرائيل، من الأوابد والغرائب والعجائب، مما كان وما لم يكن، ومما حرف وبدل ونسخ. وقد أغنى [¬٥] الله - سبحانه - عن ذلك بما هو أصح منه وأنفع وأوضح وأبلغ، ولله الحمد والمنة.\nأصل الصرح في كلام العرب: هو القصر، وكل بناء مرتفع، قال الله ﷾ إخبارًا عن فرعون - لعنه الله - أنَّه قال لوزيره هامان: (﴿ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَه مُوسَى﴾ الآية. والصرح: قصر في اليمن عالى البناء: والممرد أي: المبنيّ بناء محكمًا أملس ﴿مِنْ قَوَارِيرَ﴾ أي: زجاج. وتمريد البناء: تمليسه. ومارد: حصن بدومة الجندل.\nوالغرض أن سليمان ﵇ اتخذ قصرًا عظيمًا منيفًا من زجاج لهذه الملكة، ليريها\n_________\n[¬١]- سقط من: خ، ز.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في ت: \"أي يتعاظم\". وليست هذه العبارة من صلب الكتاب، وإنما نقلت من هامش المخطوط.\n[¬٣]- في: \"الموسى\".\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- في ت: \"أغنانا\".","vol":"10","page":413},{"text":"عظمة سلطانه وتمكنه، فلما رأت ما آتاه الله - تعالى - وجلالة ما هو فيه، وتبصرت في أمره - انقادت لأمر الله، وعَرَفت أنَّه نبيّ كريم، وملك عظيم، فأسلمت لله ﷿؛ وقالت: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾ أي: بما [¬١] سلف من كفرها، وشركها، وعبادتها وقومها الشمس من دون الله، ﴿وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ﴾، أي: متابعة لدين سليمان في عبادته لله وحده، لا شريك له، الذي خلق كل شيء فقدره تقديرًا.\n﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ (٤٥) قَال يَاقَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٤٦) قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قَال طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ (٤٧)\nيخبر تعالى عن ثمود وما كان من أمرها مع نبيها صالح ﵇ حين بعثه الله إليهم، فدعاهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، ﴿فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ﴾، قال مجاهد: مؤمن وكافر، كقوله تعالى: ﴿قَال الْمَلَأُ [¬٢] الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ (٧٥) قَال الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (٧٦)﴾.\n﴿قَال يَاقَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ﴾، أي: لم تدعون بحضور [¬٣] العذاب، ولا تطلبون من الله رحمته؟! ولهذا قال: ﴿لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٤٦) قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ﴾، أي: ما رأينا على وجهك ووجوه من اتبعك خيرًا. وذلك أنهم لشقائهم - كان لا يصيب أحدًا منهم سوء إلَّا قال: هذا من قِبَلِ صالح وأصحابه.\nقال مجاهد: تشاءموا بهم. وهذا كما قال تعالى إخبارًا عن قوم فرعون: ﴿فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾، أي: بقدر الله وقضائه. وقال مخبرًا عن أهل القرية إذ جاءها المرسلون: ﴿قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٨) قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ﴾. وقال هؤلاء: ﴿اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قَال طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾، أي: الله [¬٤] يجازيكم على ذلك ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾، قال قَتَادة: تبتلون بالطاعة والمعصية.\n_________\n[¬١]- في خ، ز: \"مما\".\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في خ، ز: \"بحضون\".\n[¬٤]- سقط من: خ، ز.","vol":"10","page":414},{"text":"والظاهر أن المراد بقرله: ﴿تُفْتَنُونَ﴾ أي: تستدرجون فيما أنتم فيه من الضلال.\n﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ (٤٨) قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (٤٩) وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٠) فَانْظُرْ كَيفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ (٥١) فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاويَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٥٢) وَأَنْجَينَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٥٣)﴾\nيخبر تعالى عن طغاة ثمود ورُءُوسِهم، الذين كانوا دعاة قومهم إلي الضلالة والكفر وتكذيب صالح، وآلَ بهم الحال إلى أنهم عقروا الناقة، وهموا بقتل صالح أيضًا، بأن يبيتوه [¬١] في أهله لئلا فيقتلوه غَيلة، ثم يقولوا [¬٢] لأوليائه من أقربيه: إنهم ما علموا بشيء من أمره، وإنهم لصادقون فيما أخبروهم به، من أنهم لم يشاهدوا ذلك. فقال تعالى: ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ﴾، أي: مدنة ثمود ﴿تِسْعَةُ رَهْطٍ﴾، أي: تسعة نفر، ﴿يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾، وإنما غلب هؤلاء على أمر ثمود؛ لأنهم كانوا كبراء فيهم ورؤساءَهم.\nقال العوفي عن ابن عباس: هؤلاء هم الذين عقروا الناقة، أي: الذين صدر ذلك عن آرائهم ومشورتهم، قبحهم الله ولعنهم! وقد فعل ذلك.\nوقال السدي، عن أبي مالك، عن ابن عباس: كان أسماء هؤلاء التسعة: [دعمى، ودعيم] [¬٣]، وهرما [¬٤]، وهريم، وداب، وصواب، ورياب [¬٥] ومسمطع، وقدار [¬٦] ابن سالف -عاقر الناقة- أي: الذي باشر ذلك بيده. قال الله تعالى: ﴿فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ﴾ وقال تعالى: ﴿إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا﴾.\nوقال عبد الرزاق: أنبأنا يحيى بن ربيعة الصنعاني، سمعت عطاء -هو ابن أبي رباح- يقول: ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾، قال: كانوا\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"بيتوه\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"يقولون\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في خ: \"رعمى، ورعيم\"، وفي ز: \"ودعمى ووعيم\".\n[¬٤]- في خ، ز: \"هرم\".\n[¬٥]- سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- في ز: \"قداد\".","vol":"10","page":415},{"text":"يقرضون الدراهم (^١١).\nيعني أنهم كانوا يأخذون منها [¬١]، وكأنهم كانوا يتعاملون بها عددًا، كما كان العرب يتعاملون.\nو[¬٢] قال الإمام مالك: عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب أنه قال: قطع الذهب والورق من الفساد في الأرض (^١٢).\nوفي الحديث الذي رواه أبو داود وغيره أن رسول الله، ﷺ، نهى عن كسر سِكَّةِ المسلمين الجائزة بينهم إلا من بأس (^١٣).\nوالغرض أن هؤلاء الكفرة الفسقة، كان من صفاتهم الإِفساد في الأرض بكل طريق يقدرون عليها، فمنها ما ذكره هؤلاء الأئمة، وغير ذلك.\nوقوله: ﴿قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ﴾ أي: تحالفوا وتبايعوا على قتل نبي الله صالح ﵇ من لقيه ليلًا غيلة، فكادهم الله، وجعل الدائرة عليهم.\nقال مجاهد: ﴿تَقَاسَمُوا﴾ [تحالفوا] [¬٣] على هلاكه، فلم يصلوا إليه حتى هلكوا وقومهم أجمعين.\nوقال قتادة: توافقوا على أن يأخذوه ليلًا فيقتلوه، وذكر لنا أنهم بينما هم مَعَانيق إلى صالح ليفتكوا به، إذ بعث الله عليهم صخرة فأهمدتهم.\nوقال العوفي: عن ابن عباس: هم الذين عقروا الناقة قالوا حين عقروها: نُبَيّت صالحًا وقومه فنقتلهم، ثم نقول لأولياء صالح: ما شهدنا من هذا شيئًا، وما لنا به علم؛ فدمرهم الله أجمعين.\nوقال محمد بن إسحاق: قال هؤلاء التسعة بعد ما عقروا الناقة: هَلُم فلنقتل صالحًا، فإن كان صادقًا عجلناه قبلنا، وإن كان كاذبًا كنا قد ألحقناه بناقته! فأتوه ليلًا ليبيتوه في أهله، فدمغتهم الملائكة بالحجارة، فلما أبطئوا على أصحابهم، أتوا مَنْزل صالح، فوجدوهم منشدخين قد رضخوا بالحجارة، فقالوا لصالح: أنت قتلتهم؟ ثم هموا به، فقامت عشيرته دونه،\n_________\n(^١١) تفسير عبد الرزاق (٢/ ٧٠).\n(^١٢) الموطا (٢/ ٦٣٥) (١٣٢٢).\n(^١٣) سنن أبي داود، كتاب البيوع، باب: كسر الدراهم حديث (٣٤٤٩). وابن ماجه في التجارات (٢٢٦٣).\n_________\n[¬١]- سقط من: خ، ز.\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في ت: \"وتحالفوا\".","vol":"10","page":416},{"text":"ولبسوا السلاح، وقالوا لهم: والله لا تقتلونهم [¬١] أبدًا، وقد وعدكم أن العذاب نازل بكم في ثلاث، بأن كان صادقًا فلا تزيدوا ربكم عليكم غضبًا، وإن كان كاذبًا فأنتم [¬٢] من وراء ما تريدون. فانصرفوا عنهم ليلتهم تلك.\nوقال عبد الرحمن بن أبي حاتم: لما عقروا الناقة وقال لهم صالح: ﴿تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيرُ مَكْذُوبٍ﴾، قالوا: زعم صالح أنه يفرغ منا إلى ثلاثة أيام، فنحن نفرغ منه وأهله قبل ثلاث. وكان لصالح مسجد في الحِجر عند شعب هناك يصلي فيه، فخرجوا إلى كهف -أي: غار- هناك ليلًا، فقالوا: إذا جاء يصلي قتلناه، ثم رجعنا إذا فرغنا منه إلى أهله، ففرغنا منهم، فبعث الله صخرة من الهضَب حيالهم، فخشوا أن تشدخهم فتبادروا [¬٣]، فانطقبت عليهم الصخرة وهم في ذلك الغار، فلا يدري قومهم أين هم، ولا يدرون ما فعل بقومهم، فعذب الله [¬٤] هؤلاء هاهنا، وهؤلاء هاهنا، وأنجى الله صالحًا ومن معه، ثم قرأ: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٠) فَانْظُرْ كَيفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ (٥١) فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاويَةً﴾، أي: فارغة ليس فيها أحد ﴿بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٥٢) وَأَنْجَينَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾.\n﴿وَلُوطًا إِذْ قَال لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (٥٤) أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَال شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (٥٥) فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إلا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (٥٦) فَأَنْجَينَاهُ وَأَهْلَهُ إلا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ (٥٧) وَأَمْطَرْنَا عَلَيهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (٥٨)﴾\nيخبر تعالى عن عبده لوط ﵇: أنه أنذر قومه نقمة الله بهم، في فعلهم الفاحشة التي لم يسبقهم إليها أحد من بني آدم، وهي إتيان الذكور دون الإناث، وذلك فاحشة عظيمة: استغنى [¬٥] الرجال بالرجال، والنساء بالنساء. قال: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾، أي: هي بعضكم بعضًا، وتأتون في ناديكم المنكر؟ ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَال شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ أي: لا تعرفون شيئًا لا طبعًا ولا شرعًا، كما قال في الآية الأخرى: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالمِينَ (١٦٥) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ\n_________\n[¬١]- في ت: \"تقتلوه\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"فإنهم\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"فبادروا\".\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- في ز، خ: \"استغلا\". كذا.","vol":"10","page":417},{"text":"أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ﴾.\n﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إلا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾، أي: يتحرجون [¬١] من فعل ما تفعلونه [¬٢]، ومن إقراركم على صنيعكم، فأخرجوهم من بين أظهركم، فإنهم لا يصلحون لمجاورتكم في بلادكم، فعزموا على ذلك، فدمر الله عليهم وللكافرين أمثالها، قال الله تعالى: ﴿فَأَنْجَينَاهُ وَأَهْلَهُ إلا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ﴾، أي: من الهالكين مع قومها، لأنها كانت ردءًا لهم على دينهم، وعلى طريقتهم في رضاها بأفعالهم القبيحة، فكانت تدل قومها على ضيفان لوط، ليأتوا إليهم، لا أنها كانت تفعل الفواحش تكرمة لنبي الله ﷺ لا كرامة لها [¬٣].\nوقوله: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيهِمْ مَطَرًا﴾، أي: حجارة من سجيل منضود [مسومة عند ربك] [¬٤]، وما هي من الظالمين ببعيد؛ ولهذا قال: ﴿فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ﴾ أي: الذين قامت عليهم الحجة، ووصل إليهم الإنذار، فخالفوا الرسول وكذبوه، وهموا بإخراجه من بينهم.\n﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ (٥٩) أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ (٦٠)﴾\nيقول تعالى آمرًا رسوله ﷺ أن يقول: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾، أي: على نعمه على عباده، من النعم التي لا تعد ولا تحصى، وعلى ما اتصف به من الصفات العُلى والأسماء الحسنى، وأن يُسلم على عباد الله الذين اصطفاهم واختارهم، وهم رسله وأنبياؤه الكرام -عليهم من الله الصلاة والسلام- هكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وغيره: إن المراد بعباده الذين اصطفى: هم الانبياء، قال: وهو كقوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ﴾ وقال الثوري والسدي: هم أصحاب محمد ﷺ ورضي عنهم أجمعين: وروي نحوه عن ابن عباس.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"يخرجون\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"يفعلونه\".\n[¬٣]- في ز: \"بها\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.","vol":"10","page":418},{"text":"ولا منافاة، فإنهم إذا كانوا من [عباده] [¬١] الذين اصطفي، فالأنبياء بطريق الأولى والأحرى، والقصد أن اللَّه تعالى أمر رسوله ومن اتبعه بعد ما ذكر لهم ما فعل بأوليائه من النجاة والنصر والتأييد، وما أحل بأعدائه من الخزي والنكال والقهر- أن يحمدوه على جميل [¬٢] أفعاله، وأن يسلموا على عباده المصطفين الأخيار.\nوقد قال أبو بكر البزار (^١٤): حدثنا محمد بن عمارة بن صبيح، حدثنا طلق بن غنام، حدثنا الحكم بن ظهير، عن السدي -إن شاء الله- عن أبي مالك، عن ابن عباس: ﴿وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾، قال: هم أصحاب محمد ﷺ، اصطفاهم اللَّه لنبيه ﵃.\nقوله: ﴿آللَّهُ خَيرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ استفهامُ إنكار على المشركين في عبادتهم مع الله آلهة أخرى، ثم شرع [تعالى يبين أنه المتفرد] [¬٣] بالخلق والرزق والتدبير دون غيره، فقال: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ أي: تلك السنوات [¬٤] بارتفاعها وصفائها، وما جعل فيها من الكواكب النيرة، والنجوم الزاهرة، والأفلاك الدائرة، والأرض باستفالها وكثافتها، وما جعل فيها من الجبال والأوعار والسهول، والفيافي والقفار، والأشجار والزروع، والثمار والبحور، والحيوان على اختلاف الأصناف والأشكال والألوان وغير ذلك.\nوقوله: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ أي: جعله رزقًا للعباد، ﴿فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ﴾، أي: بساتين ﴿ذَاتَ بَهْجَةٍ﴾، أي: منظر حسن وشكل بهي [¬٥]، ﴿مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا﴾، أي: لم تكونوا تقدرون على إنبات شجرها، وإنما يقدر على ذلك الخالق الرازق، المستقل بذلك المنفرد به دون ما سواه من الأصنام والأنداد، كما يعترف به هؤلاء المشركون، كما قال تعالى في الآية الأخرى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ أي: هم معترفون بأنه الفاعل لجميع ذلك وحده لا شريك له، ثم هم يعبدون معه غيره مما يعترفون أنه لا يخلق ولا وزق، وإنما يستحق أن يُفرَد بالعبادة مَنْ هو المتفرد بالخلق والرزق، ولهذا قال: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾، أي: أإله مع الله يعبد؟! وقد تبين لكم ولكل ذي لب مما يعرفون به أيضًا- أنه الخالق الرازق؟\n_________\n(^١٤) مسند البزار حديث (٢٢٤٣) \"كشف الأستار\"، وقال الهيثمي في المجمع (٧/ ٨٧): \"وفيه الحكم بن ظهير، وهو متروك\".\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ت: \"عباد الله\".\n[¬٢]- في ت: \"جميع\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"يبين تعالى أنه المتفرد\".\n[¬٤]- سقط من: خ، ز.\n[¬٥]- في خ: \"به\".","vol":"10","page":419},{"text":"ومن المفسرين من يقول: معنى قوله: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ [أي: أإله مع الله] [¬١] فعل هذا؟! وهو يرجع إلى معنى الأول، لأن تقدير الجواب أنهم يقولون: ليس ثَمّ أحد فعل هذا معه، بل هو المتفرد به. فيقال: فكيف تعبدون معه غيره، وهو المستقل المتفرد بالخلق والتدبير؟ كما قال: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ﴾ وقوله هاهنا: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾، ﴿أَمَّنْ﴾ [أمَّن] [¬٢] في هذه الآيات تقديره: أمّن يفعل هذه الأشياء كمن لا يقدر على شيء منها؟ هذا معنى السياق وإن لم يذكر الآخر؛ لأن في قوة الكلام ما يرشد إلي ذلك، وقد قال: ﴿آللَّهُ خَيرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ثم قال في آخر الآية: ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾، أي: يجعلون لله عدلًا و[¬٣] نظيرًا، وهكذا قال تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ﴾، أي: [أمن هو هكذا كمن ليس كذلك] [¬٤]؟ ولهذا قال: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾، ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾، وقال: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ أي: أمن هو شهيد على أفعال الخلق، حركاتهم وسكناتهم، يعلم الغيب جليله وحقيره، كمن هو لا يعلم، ولا يسمع، ولا يبصر من هذه الأصنام التي عبدوها؟ ولهذا قال: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ﴾، وهكذا هذه الآيات الكريمات كلها.\n﴿أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَينَ الْبَحْرَينِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٦١)﴾\nيقول: ﴿أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا﴾ أي: قارة ساكنة ثابتة، لا تميد ولا تتحرك بأهلها ولا [¬٥] ترجف بهم، فإنها لو كانت كذلك لما طاب عليها العيش والحياة، بل جعلها من فضله ورحمته مهادًا بساطا ثابتة لا تتزلزل ولا تتحرك، كما قال في الآية الأخرى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً﴾.\n﴿وَجَعَلَ خِلَالهَا أَنْهَارًا﴾، أي: جعل فيها الأنهار العذبة الطيبة تشقها في خلالها، وصرفها فيها ما بين أنهار كبار وصغار وبين ذلك، وسيرها شرقا وغربًا وجنوبًا وشمًالا، بحسب مصالح عباده في أقاليمهم وأقطارهم، حيث ذرأهم من [¬٦] أرجاء الأرض، سيّر إليهم [¬٧] أرزاقهم\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ت.\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- في ز، خ: \"ليس هو هكذا كمن ليس كذلك\".\n[¬٥]- سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- في ت: \"في\".\n[¬٧]- في ت: \"لهم\".","vol":"10","page":420},{"text":"بحسب ما يحتاجون إليه، ﴿وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ﴾ أي: جبًالا شامخة ترسى الأرض وتثبتها لئلا تميد بكم، ﴿وَجَعَلَ بَينَ الْبَحْرَينِ حَاجِزًا﴾، أي: جعل بين المياه العذبة والمالحة حاجزًا، أي: مانعًا يمنعها من الاختلاط، لئلا يفسد هذا بهذا، وهذا بهذا، فإن الحكمة الإلهية تقتضي بقاء كل منهما على صفته المقصودة منه، فإن البحر الحلو هو هذه الأنهار السارحة الجارية بين الناس، والقصود منها أن تكون عذبة زلالًا تسقي الحيوان والنبات والثمار منها؛ والبحار المالحة هي المحيطة بالأرجاء والأقطار من كل جانب، والمقصود منها أن يكون ماؤها ملحًا أجاجًا، لئلا يفسد الهواء بريحها، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَينِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَينَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا﴾؛ ولهذا قال: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾: فعل هذا [وبعد] [¬١]، هذا على القول [¬٢] الآخر، وكلاهما متلازم صحيح. ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾، أي [¬٣]: في عبادتهم غيره.\n﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٦٢)﴾\nينبه تعالى أنه هو [¬٤] المدعُوّ عند الشدائد، المرجُوّ عند النوازل، كما قال: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إلا إِيَّاهُ﴾، وقال تعالى: ﴿ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيهِ تَجْأَرُونَ﴾ وهكذا قال هاهنا: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾، أي: من هو الذي لا يلجأ المضطر إلا إليه، والذي لا يكشف ضر المضرورين سواه.\nقال الإمام أحمد (^١٥): حدثنا عفان، حدثنا وُهَيب، حدثنا خالد الحَذاء، عن أبي تميمة الهُجَيمي، عن رجل من بلهجيم، قال: قلت: يا رسول الله، إلام تدعو؟ قال: \"أدعو إلى الله وحده، الذي إن مَسّك ضر فدعوته كشف عنك، والذي إن أضْلَلْتَ بأرض قَفْرٍ فدعوتَه ردّ عليك، والذي إن أصابتك سَنة فدعوته أنبتَ لك\". قال: قلت: أوصني، قال: \"لا تسبنّ أحدًا، ولا تزْهَدَن في المعروف، ولو أن تلقى [¬٥] أخاك وأنت منبسط إليه وجهك، ولو أن تُفرغَ من دَلوك في إناء المستقي، واتّزر إلى نصف الساق، فإن أبيت فإلى الكعبين. وإياك وإسبال الإزار، فإن إسبال الإزار من المخيلة، [وإن الله ﵎ لا يحب المخيلة] [¬٦] \".\n_________\n(^١٥) المسند (٥/ ٦٤) (٢٠٦٩٣). وانظر الحديث التالي.\n_________\n[¬١]- في ت: \"ويعبد\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في ت: \"الآخر و\".\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- في خ، ز: \"يلقاك\".\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.","vol":"10","page":421},{"text":"وقد رواه الإمام أحمد من وجه آخر (^١٦)، فذكر اسم الصحابي فقال: حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمَة، حدثنا يونس -هو ابن عبيد- حدثنا عَبيدةُ الهُجَيمي [¬١]، عن أبي تَميمَةَ الهُجَيمي، عن جابر بن سُلَيم الهُجَيمي، قال: أتيت رسول الله ﷺ وهو مُحتَبٍ بشملة، وقد قع هدبها على قدميه، فقلت: أيكم محمد -أو: رسول الله؟ - فأومأ بيده إلى نفسه، فقلت: يا رسول الله، أنا من أهل البادية، وفيَّ جفاؤهم، فأوصني. فقال: \"لا تحقرَنّ من المعروف شيئًا، ولو أن تلقى أخاك ووجُهك مُنْبَسط، ولو أن تفرغ من دلوك في إناء المستقي [¬٢]، وإن امرؤ شَتَمك بما يعلم فيك فلا تشتمه بما تعلم فيه، فإنه يكون لك أجره وعليه وزْرُه، وإياك وإسبال الإِزار، فإن إسبال الإزار من المخيلَة، وإن الله لا يحب المخيلة، ولا تَسُبنَّ أحدًا\". قال: فما سببت بعد [¬٣] أحدًا، وَلا شاة ولا بعيرًا.\nوقد روى أبو داود والنسائي لهذا الحديث طرقًا، وعندهما [¬٤] طرف صالح منه (^١٧).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا علي بن هاشم، حدثنا عبدَة بن نوح، عن عمر بن الحجاج، عن عبيد الله بن أبي صالح قال: دخل علي طاوس يعودني [¬٥]، فقلت له: ادع الله لي، [¬٦]، يا أبا عبد الرحمن، فقال [¬٧]: ادع لنفسك؛ فإنه يجيب المضطر إذا دعاه.\nوقال وهب بن منبه: قرأت في الكتاب الأول: إن الله يقول: \"بعزتي، إنه من اعتصم بي فإن كادته السموات ومن فيهن، والأرض بمن فيها، فإني أجعل له من بين ذلك مخرجًا، ومن لم يعتصم بي؛ فإني أخسف به من تحت قدميه الأرض، فأجعله في الهواء، فأكله إلى نفسه\".\n_________\n(^١٦) المسند (٥/ ٦٣) (٢٠٦٨٩) أخرجه أبو داود في كتاب اللباس، باب: الهدب (٤/ ٥٣ / رقم: ٤٠٧٥) مختصرًا. وفي باب: ما جاء في إسبال الإزار (٤/ ٥٥، ٥٦ / رقم: ٤٠٨٤). وفي كتاب الأدب، باب: كراهية أن يقول: عليك السلام (٤/ ٣٥٥ / رقم: ٥٢٠٩) مختصرًا. والترمذي في كتاب الاستئذان، باب: ما جاء في كراهية أن يقول: عليك السلام مبتدئًا (٥/ ٧١، ٧٢ / رقم: ٢٧٢١، ٢٧٢٢). وقال: وهذا حديث حسن صحيح. والنسائي في الكبرى في كتاب الزينة، باب: الاختلاف على أبي إسحاق فيه (٥/ ٤٨٦، ٤٨٧ / رقم: ٩٦٩١/ ٩٦٩٩). وفي كتاب عمل اليوم والليلة، باب: كيف السلام (٦/ ٨٧، ٨٨ / رقم: ١٠١٤٩، ١٠١٥٢). كلهم من حديث جابر بن سليم أبي جري.\n(^١٧) سنن أبي داود، كتاب اللباس، باب: ما جاء في إسبال الإزار حديث (٤٠٨٤)، والترمذي في الاستئذان (٢٧٢١) والنسائي في السنن الكبرى حديث (١٠٤٩ - ١٠٥٢).\n_________\n[¬١]- بعده في خ، ز: \"عن أبيه\".\n[¬٢]- في ز: \"المستسقي\".\n[¬٣]- في ت: \"بعده\".\n[¬٤]- في ت: \"عندهم\".\n[¬٥]- في خ: \"يقودني\".\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين في ز: \"قال\".\n[¬٧]- سقط من: ز.","vol":"10","page":422},{"text":"وذكر الحافظ ابن عساكر في ترجمة رجل -حكى عنه أبو بكر محمد بن داود الدِّينَوَري، المعروف بالدقي الصوفي- قال هذا الرجل [¬١]: كنت أكاري على بغل لي من دمشق إلي بلد الزبداني، فركب معي ذات مرة رجل، فمررنا على بعض الطريق، على طريق غير مسلوكة، فقال لي: خذ في هذه، فإنها أقرب. فقلت: لا خبرة لي فيها، فقال: بل هي أقرب. فسلكناها فانتهينا إلي مكان وَعْر وواد عميق، وفيه قتلى كثير، فقال لي: أمسك رأس البغل حتى أنزل. فنزل وتشمر، وجمع عليه ثيابه، وسل سكينًا معه وقصدني، ففررت من بين يديه وتبعني، فناشدته الله، وقلت: خذ البغل بما عليه. فقال: هو لي، وإنما أريد قتلك. فخوفته الله والعقوبة فلم يقبل، فاستسلمت بين يديه، وقلت: إن رأيت أن تتركني حتى أصلي ركعتين؟ فقال: وعجل. فقمت أصلي فأرتج علي القرآنُ فلم يَحضرني منه حرف واحد، فبقيت واقفًا متحيرًا وهو يقول: هيه! افرُغ. فأجرى الله على لساني قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾، فإذا أنا بفارس قد أقبل من فم [¬٢] الوادي، وبيده حربة، فرمى بها الرجل فما أخطأت فؤاده، فخر صريعًا، فتعلقت بالفارس وقلت: بالله، من أنت؟ فقال: أنا رسول الذي يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء. قال: فأخذت البغل والحمل ورجعت سالمًا.\nوذكر [¬٣] في ترجمة فاطمة بنت الحسن أم أحمد العجلية (^١٨)، قالت: هزم الكفار يومًا المسلمين في غزاة، فوقف جَوَاد جَيد بصاحبه، وكان من ذوي اليسار ومن الصلحاء، فقال للجواد: ما لك؟ ويلك! إنما كنت أعدك لمثل هذا اليوم. فقال له الجواد: وما لي لا أقصر وأنت تكل علوفتي إلي السواس فيظلموني ولا يطعمونني إلا القليل؟ فقال: لك علي عهد الله أن [¬٤] لا أعلفك بعد هذا اليوم إلا في حِجْري. فجرى الجواد عند ذلك، ونجَّى صاحبه، وكان لا يعلفه بعد ذلك إلا في حجره. واشتهر أمره بين الناس، وجعلوا يقصدونه ليسمعوا منه ذلك، وبلغ ملك الروم أمره، فقال: ما تُضَام [¬٥] بلدة يكون هذا الرجل فيها. واحتال ليحصله في بلده، فبعث إليه رجلا من المرتدين عنده، فلما انتهى إليه أظهر له أنه قد حَسنت نيته في الإسلام وقومه، حتى استوثق، ثم خرجا يومًا يمشيان على جنب الساحل، وقد أوعد شخصًا آخر من جهة ملك الروم ليتساعدا على أسره، فلما اكتنفاه ليأخذاه رَفَع طرفه إلي السماء وقال: اللهم، إنه إنما خَدَعني بك فاكفنيهما بما شئت، قال: فخرج سبعان إليهما فأخذاهما، ورجع الرجل سالمًا.\n_________\n(^١٨) تاريخ دمشق (١٩/ ٤٨٩ \"المخطوط\").\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"بالرجل\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"ثم\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"وذكرت\".\n[¬٤]- في ت: \"أني\".\n[¬٥]- في خ، ز: \"نظام\".","vol":"10","page":423},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ﴾، أي: يخلفُ قرنًا [¬١] لقرن قبلهم، وخَلَفًا [¬٢] لسلف؛ كما قال تعالى: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ﴾، وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾، وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَال رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾، أي: قومًا لخلف بعضهبم بعضًا كما قدمنا تقريره. وهكذا هذه الآية: ﴿وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ﴾ أي: أمة بعد أمة، وجيلًا بعد جيل، وقومًا بعد قوم. ولو شاء لأوجدهم كلهم في وقت واحد، ولم يجعل بعضهم من ذرية بعض، بل لو شاء لخلقهم كلهم أجمعين، كما خلق آدم من تراب. ولو شاء أن يجعلهم [بعضَهم من ذرية بعض] [¬٣]، ولكن لا يميت أحدًا حتى تكون وفاة الجميع في وقت واحد، فكانت تضيق عليهم الأرض، وتضيق عليهم معايشهم وأكسابهم، ويتضرر بعضهم ببعض، ولكن اقتضت حكمته وقدرته أن يخلقهم من نفس واحدة، ثم كثرهم غاية الكثرة، ويذرؤهم في الأرض، ويجعلهم قرونًا بعد قرون، وأممًا بعد أم، حتى ينقضي الأجل وتفرغ البشرية [¬٤]، كما قدر ذلك ﵎، وكما أحصاهم وعَدّهم عَدًّا، ثم يقيم القيامة، ويُوفي كل عامل عمله إذا بلغ الكتاب أجله؛ ولهذا قال تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾، أي: يقدر على ذلك، أو: أإله مع الله يُعبَد، وقد علم أن الله هو المنفرد [¬٥] بفعل ذلك ﴿قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ أي ما أقل تذكرهم فيما يرشدهم [إلى الحق] [¬٦] ويهديهم إلى الصراط المستقيم.\n﴿أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَينَ يَدَي رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٣)﴾\nيقول: ﴿أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ أي: بما خلق من الدلائل السماوية والأرضية، كما قال: ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ الآية.\nوقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا [¬٧] بَينَ يَدَي رَحْمَتِهِ﴾، أي: بين يدي السحاب الذي فيه مطر، يغيث به عباده المجديين الأزِلين القنطين ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾.\n_________\n[¬١]- في ز: \"قرن\".\n[¬٢]- في ز: \"خلف\".\n[¬٣]- في خ، ز: \"من ذرية بعضهم بعضًا\".\n[¬٤]- في ت: \"البرية\".\n[¬٥]- في ت: \"المتفرد\".\n[¬٦]- في ت: \"للحق\".\n[¬٧]- في ز: \"نشرًا\".","vol":"10","page":424},{"text":"﴿أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٦٤)﴾\nأي: هو الذي بقدرته وسلطانه يبدأ [¬١] الخلق ثم يعيده، كما قال تعالى في الآية الأخرى: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (١٢) إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ﴾ وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيهِ﴾.\n﴿وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾، أي [¬٢]: بما ينزل من مطر السماء، وينبت من بركات الأرض، كما قال: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ (١١) وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ﴾. وقال: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا﴾ فهو ﵎ ينزل من السماء ماء مباركًا فيسكنه في الأرض، ثم يخرج به أنواع الزروع والثمار والأزاهير، وغير ذلك من ألوان شتى، ﴿كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى﴾، ولهذا قال: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾، أي [¬٣]: فعل هذا؟ وعلى القول الآخر: [بعد هذا] [¬٤]؟ ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾ على صحة ما تدعونه من عبادة آلهة أخرى، ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ في ذلك، وقد علم أنه لا حجة لهم ولا برهان، كما قال: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ\nإِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾.\n﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيبَ إلا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٦٥) بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ (٦٦)﴾\nيقول تعالى آمرًا رسوله ﷺ أن يقول معلمًا لجميع الخلق: إنه لا يعلم أحد من أهل السموات والأرض الغيب. وقوله: ﴿إلا اللَّهُ﴾ استثناء منقطع، أي: لا يعلم أحد ذلك إلا الله ﷿، فإنه المنفرد بذلك وحده، لا شريك له؛ كما قال: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيبِ لَا يَعْلَمُهَا إلا هُوَ﴾ الآية، وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِير﴾ والآيات في هذا كثيرة.\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ أي: وما يشعر الخلائق الساكنون في\n_________\n[¬١]- في ز: \"بداء\".\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- في ت: \"يعبد\".","vol":"10","page":425},{"text":"السموات والأرض بوقت الساعة؛ كما قال: ﴿ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إلا بَغْتَةً﴾ أي ثقل علمها على أهل السموات والأرض.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا على [¬١] بن الجعد، حدثنا أبو جعفر الرازي، عن داود بن أبي هند، عن الشعبي، عن مسروق، عن عائشة ﵂ قالت: من زعم أنه يعلم -يعني النبي ﷺ ما يكون في غد؛ فقد أعظم على الله القرية؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيبَ إلا اللَّهُ﴾ (^١٩).\nوقال قتادة: إن الله إنما جعل هذه النجوم لثلاث خصلات: جعلها زينة للسماء، وجعلها يهتدى بها، وجعلها رجومًا للشياطين، فمن تعاطى فيها غير ذلك فقد قال برأيه، وأخطأ حظه، وأضاع نصيبه، وتكلف ما لا علم له به. وإن ناسًا جَهَلَة بأمر الله، قد أحدثوا من هذه النجوم كهانة: من أعْرَس بنجم كذا وكذا، كان كذا وكذا، ومن سافر بنجم كذا وكذا، كان كذا وكذا، ومن ولد بنجم كذا وكذا، كان كذا وكذا، ولعمري، ما من نجم إلا ولد به الأحمر والأسود، والقصير والطويل، والحسن والذميم، وما علم هذا النجم، وهذه الدابة، وهذا الطير- بشيء من الغيب! وقضى الله: أنه لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيبَ إلا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ.\nرواه ابن أبي حاتم عنه بحروفه، وهو كلام جيل متين صحيح.\nوقوله: ﴿بَلِ ادَّارَكَ [¬٢] عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا﴾ أي: انتهى علمهم وعجز عن معرفة وقتها.\nوقرأ آخرون: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ﴾ (*) أي: تساوى علمهم في ذلك، كما في الصحيح لمسلم: أن رسول الله ﷺ قال لجبريل -وقد سأله عن وقت الساعة-: (ما المسئول عنها بأعلم من السائل\" (^٢٠) أي: تساوى في العجز عن درك ذلك علم المسئول والسائل.\nقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: ﴿بَلِ ادَّارَكَ (**) عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾، أي:\n_________\n(^١٩) هو عند مسلم في حديث طويل برقم (١١٧) كتاب الإيمان، والترمذي في التفسير (٣٠٦٨).\n(^٢٠) صحيح مسلم، كتاب الإيمان حديث (٨).\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n(*) وهي قراءة عبد الله بن كثير وأبي عمرو. وقرأ نافع، وعاصم، وابن عامر، وحمزة، والكسائي: ﴿بَلِ ادَّارَكَ﴾. وروى أبو بكر عن عاصم: ﴿بَلِ ادَّارَكَ﴾ على وزن افتعل.\n[¬٢]- في ز، خ: \"ادرك\".\n(**) كذا في ز، خ. والذي في تفسير الطبري والدر المنثور: أدرك.","vol":"10","page":426},{"text":"غاب [علمهم في الآخرة] [¬١]. وقال قتادة: ﴿بَلِ ادَّارَكَ [¬٢] عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾، يعني: بجهلهم ربهم، يقول: لم ينفذ لهم الي الآخرة علم. هذا قول.\nوقال ابن جريج: عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾، حين لم ينفع العلم. وبه قال عطاء الخراساني، والسدي: أن علمهم إنما يُدرك ويُكْمل يوم القيامة حيث لا ينفعهم ذلك، كما قال تعالى: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾.\nوقال سفيان: عن [¬٣] عمرو بن عبيد، عن الحسن: إنه كان يقرأ: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ [¬٤]﴾ قال: اضمحل علمهم في الدنيا حين عاينوا الآخرة.\nوقوله: ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا﴾، عائد على الجنس، والمراد: الكافرون، كما قال تعالى: ﴿وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا﴾، أي: الكافرون منكم. وهكذ، قال هاهنا: ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا﴾، أي: شاكون في وجودها ووقوعها، ﴿بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾، أي: في عماية وجهل كبير في أمرها وشأنها.\n﴿وَقَال الَّذِينَ كَفَرُوا أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ (٦٧) لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إلا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٦٨) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (٦٩) وَلَا تَحْزَنْ عَلَيهِمْ وَلَا تَكُنْ فِي ضَيقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (٧٠)﴾\nيقول تعالى مخبرًا عن منكري البعث من المشركين: إنهم استبعدوا إعادة الأجساد بعد صيرورتها عظامًا [ورفائا] [¬٥] وترابًا، ثم قال: ﴿لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ﴾ أي: ما زلنا نسمع بهذا نحن وآباؤنا، ولا نرى له حقيقة ولا وقوعًا.\nوقولهم: ﴿إِنْ هَذَا إلا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ يعنون: ما هذا الوعد بإعادة الأبدان ﴿إلا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾، أي: أخذه قوم عمن قبلهم، مَن قبلهم يتلقاه بعضهم [¬٦] عن بعض، وليس له حقيقة. قال الله تعالى مجيبًا لهم عما ظنوه من الكفر وعدم المعاد: ﴿قُلْ﴾ - يا\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في ز: \"أدرك\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"بن\".\n[¬٤]- في ت: \"علمه\".\n[¬٥]- في ز، خ: \"رفاتا\".\n[¬٦]- في م: \"بعض\".","vol":"10","page":427},{"text":"محمد- لهؤلاء: ﴿سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ﴾، أي: المكذبين بالرسل وما جاءوهم به من أمر المعاد وغيره، كيف حلت بهم نِقَمُ الله وعذابه ونكاله، ونجى الله من بينهم رسلَه الكرام ومن اتبعهم من المؤمنين؛ فدل ذلك على صدق ما جاءت به الرسل وصحته.\nثم قال تعالى مسليًا لنبيه -صلوات الله وسلامه عليه- ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيهِمْ﴾ أي: المكذبين بما جئت به، ولا تأسف عليهم وتذهب نفسك عليهم حسرات، ﴿وَلَا تَكُنْ فِي ضَيقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾، أي: في كيدك ورَدّ ما جئت به، فإن الله مؤيدك وناصرك، ومظهرٌ دينَك على مَنْ خالفه وعانده في المشارق والمغارب.\n﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٧١) قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ (٧٢) وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ (٧٣) وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ (٧٤) وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٧٥)﴾\nيقول تعالى مخبرًا عن المشركين، في سؤالهم عن يوم القيامة، واستبعادهم وقوع ذلك:\n﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ قال الله مجيبًا لهم: ﴿قُلْ﴾ يا محمد ﴿عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾، [قال ابن عباس: أن يكون قرب -أو: أن يقرب- لكم بعض الذي تستعجلون. وهكذا] [¬١] قال مجاهد والضحاك، وعطاء الخراساني وقتادة والسدي وهذا هو المراد، كقوله [¬٢] تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا﴾. وقال تعالى: ﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾.\nوإنما دخلت \"اللام\" في قوله: ﴿رَدِفَ لَكُمْ﴾، لأنه ضُمن معنى \"عَجِل لكم\"، كما قال مجاهد في رواية عنه، ﴿عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ﴾: عجل لكم.\nثم قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ﴾ أي [¬٣]: في إسباغه نعمه عليهم مع ظلمهم لأنفسهم، وهم مع ذلك لا يشكرونه على ذلك إلا القليل منهم، ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾، أي: يعلم السرائر والضمائر، كما يعلم الظواهر، ﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ﴾ ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ ﴿أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"وهذا\".\n[¬٢]- في ت: \"بقوله\".\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.","vol":"10","page":428},{"text":"ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾.\nثم أخبر تعالى بأنه عالم غيب السموات والأرض، وأنه عالم الغيب والشهادة - وهو ما غاب عن العباد وما شاهدوه [¬١] فقال: ﴿وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾، قال ابن عباس: يعني وما من شيء ﴿فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾، وهذا كقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾.\n﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٧٦) وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٧٧) إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَينَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (٧٨) فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ (٧٩) إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (٨٠) وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إلا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ (٨١)﴾\nيقول تعالى مخبرًا عن كتابه العزيز، وما اشتمل عليه من الهدى والبينات والفرقان: إنه يقص على بني إسرائيل -وهم حملة التوراة والإنجيل- ﴿أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾، كاختلافهم في عيسى وتباينهم فيه، فاليهود افتروا، والنصارى غَلوا، فجاء القرآن بالقول الوسط الحق العدل: إنه عبد من عباد الله وأنبيائه ورسله الكرام ﵊ كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ وقوله: ﴿وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾، أي: هدى لقلوب المؤمنين، ورحمة لهم في العمليات.\nثم قال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَينَهُمْ﴾ أي: يوم القيامة ﴿بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ في انتقامه، ﴿الْعَلِيمُ﴾ بأفعال عباده وأقوالهم.\n﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ أي: في أمورك، وبَلّغ رسالة ربك، ﴿إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾، أي: أنت على الحق المبين وإن خالفك مَنْ خالفك بن كتبت عليه الشقاوة وحَقت عليهم كلمة ربك أنهم لا يؤمنون، ولو جاءتهم كل آية؛ ولهذا قال: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾، أي: لا تسمعهم شيئًا ينفعهم، فكذلك هؤلاء على قلوبهم غشاوة، وفي آذانهم وَقْر الكفر؛ ولهذا قال: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (٨٠) وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إلا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ﴾، إنما يستجيب لك من هو سميع بصير، السمع\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"يشاهدوه\".","vol":"10","page":429},{"text":"والبصر النافع في القلب والبصيرة، الخاضع لله، ولما جاء عنه على ألسنة الرسل ﵈.\n﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ (٨٢)﴾\nهذه الدابة تخرج في آخر الزمان عند فساد الناس، وتَرْكِهم أوامرَ الله، وتبديلهم الدين الحق، يخرج الله لهم دابّة من الأرض -قيل [¬١]: من مكة، وقيل: من غيرها -كما سيأتي تفصيله -فَتُكلِّم الناسَ على ذلك.\nقال ابن عباس والحسن وقتادة- وروي عن علي ﵁: تكلمهم كلامًا، أي: تخاطبهم مخاطبة.\nوقال عطاء الخراساني: تكلمهم فتقول لهم: إنّ الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون. ويروى هذا عن علي، واختاره ابن جرير وفي هذا نظر لا يخفى، والله أعلم.\nوقال ابن عباس -في رواية-: تجرحهم، وعنه رواية، قال: كلَّا [¬٢] تفعل، يعني هذا وهذا. وهو قول حسن ولا منافاة، والله أعلم. وقد ورد في ذكر الدابة أحاديث وآثارٌ كثيرة، فلنذكر ما تيسر منها، بالله [¬٣] المستعان:\nقال الإمام أحمد: حدثنا سفيان، عن فُرَات، عن أبي الطفيل، عن حُذيفة بن أسيد الغفاري، قال: أشرف علينا رسول الله ﷺ من غرفة ونحن نتذاكر أمر الساعة فقال: \"لا تقوم الساعة حتى تَرَوا عشر آيات: طلع الشمس من مغربها، والدخان، والدابّة، وخروج يأجوج ومأجوج، وخروج عيسى ابن مريم، والدجال، وثلاثة خسوف: خسف بالمغرب، وخسف بالمشرق، وخسف بجزيرة العرب، ونار تخرج من قَعر عدن تسوق [] [¬٤]-أو تحشر: الناس، تبيت معهم حيث باتوا، وتَقيل معهم حيث قالوا\" (^٢١).\n_________\n(^٢١) رواه الإمام أحمد في المسند (٤/ ٦، ٧) (١٦١٨٨، ١٦١٩٠) ومسلم في كتاب الفتن وأشراط الساعة (١٨/ ٣٦) حديث (٣٩/ ٢٩٠١). من طريق أبي خيثمة وإسحاق بن إبراهيم وابن أبي عمر المكي، ثنا سفيان بن عيينة، عن فرات له. وأبو داود في كتاب الملاحم، باب: أمارات الساعة (٤/ ١١٤) حديث (٤٣١١). من طريق مسدد وهناد، ثنا أبو الأحوص، ثنا فرات القزاز، عن عامر بن واثلة أبي الطفيل به. والترمذي في الفتن حديث ٢١٨٣. والنسائي في التفسير من السنن الكبرى. وابن ماجة في كتاب الفتن، باب: أشراط الساعة (٢/ ١٣٤١) حديث (٤٠٤١). من طريق أبي بكر بن أبي شيبة، ثنا وكيع، عن سفيان، عن فرات له. والطبراني (٣/ ١٨٩ - ١٩٢). حديث (٣٠٢٨) إلى حديث (٣٠٣٤).\n_________\n[¬١]- سقط من: خ، ز\n[¬٢]- في ز، خ: \"كل\".\n[¬٣]- في ت: \"الله\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"الناس\".","vol":"10","page":430},{"text":"وهكذا رواه مسلم وأهل السنن، من طرق، عن فُرات القزاز، عن أبي الطفيل عامر بن واثلة، عن حُذَيفة [به مرفوعًا] [¬١]، وقال الترمذي: حسن صحيح.\nورواه مسلم (^٢٢) أيضًا من حديث عبد العزيز بن رفيع، عن أبي الطفيل، عنه موقوفًا [¬٢]، والله أعلم.\n(طريق أخرى) قال أبي داود الطيالسي، عن طلحة بن عمرو، وجرير بن حازم؛ فأما طلحة فقال: أخبرني عبد الله بن عبيد الله بن عُمَير الليثي: أن أبا الطفيل حدثه، عن حذيفة بن أسيد الغفاري أبي سَريحَةَ؛ وأما جرير فقال: عن عبد الله بن عُبيد، عن رجل من آل عبد الله بن مسعود -وحديث طلحة أتم وأحسن- قال: ذكر رسولُ الله ﷺ الدابة فقال: \"لها ثلاث خرجات من الدهر، فتخرج خَرجة من أقصى البادية، ولا يدخل ذكرها القرية -يعني مكة- ثم تكمن زمانًا طويلًا، ثم تخرج خَرْجة أخرى دون تلك، فيعلو ذكرها في أهل البادية، ويدخل ذكرها القرية\" -يعني مكة- قال رسول الله، ﷺ: \"ثم بينما الناس في أعظم الساجد على الله حرمة وأكرمها: المسجد الحرام، لم يرعهم إلا وهي ترغو [¬٣] بين الركن والمقام، تنفض عن رأسها التراب. فارفضّ الناس عنها شتَّى ومعًا، وبقيت [¬٤] عصابة من المؤمنين، وعرفوا أنهم لم يعجزوا الله، فبدأت بهم، فجلَت وجوههم حتى جلتها كأنها الكوكب الدري، وولت في الأرض لا يدركها طالب، ولا ينجو منها هارب، حتى إن الرجل ليتعوذ منها بالصلاة، فتأتيه من خلفه فتقول: يا فلان، الآن تصلي؟ فيقبل عليها فتَسمُه في وجهه، ثم تنطلق، ويشترك الناس في الأموال، ويصطحبون في الأمصار، يعرف المؤمن مِنَ الكافر، حتى إن المؤمن ليقول: يا كافر، اقضني حقي. وحتى إن الكافر ليقول: يا مؤمن، اقضني حقي\" (^٢٣).\nورواه ابن جرير من طريقين عن حذيفة بن أسيد موقوفًا (^٢٤)، فالله أعلم.\nورواه من رواية حذيفة بن اليمان مرفوعًا، وأن ذلك في زمان عيسى بن مريم، وهو يطرف بالبيت، ولكن إسناده لا يصح (^٢٥).\n_________\n(^٢٢) صحيح مسلم، كتاب الفتن، وأشراط الساعة حديث (٢٩٠١).\n(^٢٣) مسند الطيالسي حديث (١٠٦٩).\n(^٢٤) تفسير الطبري (١٠/ ٢٠).\n(^٢٥) تفسير الطبري (٢٠/ ١١).\n_________\n[¬١]- في ت: \"موقوفًا\".\n[¬٢]- في ت: \"مرفوعًا\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"تربوا\".\n[¬٤]- في ز، خ: \"ولقيت\".","vol":"10","page":431},{"text":"(حديث آخر): قال مسلم بن الحجاج: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا محمد بن بشر، عن أبي حَيان، عن أبي زُرْعَةَ، عن عبد الله بن عمرو [¬١] قال: حفِظْتُ من [¬٢] رسول الله، ﷺ، حديثًا لم أنسه بعد: سمعتُ رسول الله، ﷺ، يقول: \"إن أول الآيات خروجا: طلوعُ الشمس من مغربها، وخروج الدابَّة على الناس ضُحى، وأيتهما ما كانت قبل صاحبتها، فالأخرى على إثرها قريبًا\" (^٢٦).\n(حديث آخر): روى مسلم في صحيحه من حديث العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب -مولى الحُرَقَة- عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \"بادروا بالأعمال ستًّا [¬٣]: طلع الشمس من مغربها، أو الدخان، أو الدجال، أو الدابة، أو خاصة أحدكم أو أمر العامة\" (^٢٧).\nوله من حديث قتادة، عن الحسن، عن زياد بن رباح، عن أبي هُرَيرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: \"بادروا بالأعمال ستةً: الدُّخَان أو الدَّجال، ودابّة الأرض، وطلوع الشمس من مغربها، وأمر العامة، وخُوَيصة [¬٤] أحدكم\" (^٢٨).\n(حديث آخر)، قال ابن ماجة: حدثنا حرملة بن يحيى، حدثنا ابن وهب، أخبرني عَمرو بن الحارث وابن لَهِيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن سنان بن سعد، عن أنس بن مالك ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: \"بادروا بالأعمال ستًّا: طلوع الشمس من مغربها، والدخان، ودابّة الأرض، والدجال، وخُوَيصة [¬٥] أحدكم، وأمر العامة\". تفرد به (^٢٩).\n(حديث آخر): قال أبو داود الطيالسي أرضًا (^٣٠): حدثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن أوس [¬٦] بن خالد، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"تخرج دابة الأرض، ومعها عصا موسى وخاتم سليمان ﵉،\n_________\n(^٢٦) صحيح مسلم، كتاب الفتن، وأشراط الساعة حديث (٢٩٤١).\n(^٢٧) (^٢٨) صحيح مسلم، كتاب الفتن وأشراط الساعة حديث (٢٩٤٧).\n(^٢٩) سنن ابن ماجه، كتاب الفتن (٤٠٥٦)، وقال البوصيري في الزوائد (٣/ ٢٥٦): \"هذا إسناد حسن، سنان بن سعد مختلف فيه وفي اسمه\".\n(^٣٠) مسند الطيالسي حديث (٢/ ٢٩٥)، والمسند (٢/ ٢٩٥) من حديث عفان ويزيد، و(٢/ ٢٩١) من حديث بهز.\n_________\n[¬١]- في م: \"عمر\".\n[¬٢]- في خ، ز: \"عن\".\n[¬٣]- في ت: \"ستًّا\".\n[¬٤]- في ز، خ: \"خويصية\".\n[¬٥]- في ز، خ: \"خويصية\".\n[¬٦]- في خ: \"أويس\".","vol":"10","page":432},{"text":"فتخطم أنف الكافر بالعصى، وتجلي [¬١] وجه المؤمن بالخاتم، حتى يجتمع [¬٢] الناس على الخوان، يعرف المؤمن من الكافر\".\nورواه الإمام أحمد، عن بهز وعفان ويزيد بن هارون، ثلاثتهم عن حماد بن سلمة، به.\nوقال: \"فتخطم أنف الكافر بالخاتم، وتجلو وجه المؤمن بالعصا، حتى إن أهل الخوان الواحد ليجتمعون فيقول هذا: يا مؤمن، ويقول هذا: يا كافر\" (^٣١).\nورواه ابن ماجة، عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن يونس بن محمد [¬٣] المؤدب، عن حماد بن سلمة، به.\n(حديث آخر): قال ابن ماجة: حدثنا أبو غسان محمد بن عمرو، حدثنا أبو تُمَيلة، حدثنا خالد بن عُبيد، حدثنا عبد الله بن بُرَيدة، عن أبيه؛ قال: ذهب لي رسول الله ﷺ إلى موضع بالبادية، قريب من مكة، فإذا أرض يابسة حولها رمل، فقال رسول الله، ﷺ: \"تخرج الدابة من هذا الموضع. فإذا فِتْر (*) في شبر\" قال ابن بُرَيدة: فحججت بعد ذلك بسنين، فأرانا عصًا له، فإذا هو بعصاي هذه [¬٤]. كذا وكذا (^٣٢).\nوقال عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة: أن ابن عباس قال: هي دابّة ذات زَغَب (**)، لها أربع قوائم، تخرج من بعض أودية تهامة (^٣٣).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن [¬٥] رجاء، حدثنا فضيل بن مرزوق، عن عطية، قال: قال عبد الله: تخرج الدابة من صِدْع من الصفا كجَري الفرس ثلاثة أيام، لم يخرج ثلثها.\nوقال محمد بن إسحاق، عن أبان بن صالح، قال: سئل عبد اللَّه بن عمرو عن الدابة، فقال: الدابّة تخرج من تحت صخرة بجياد (* * *)، والله لو كنت معهم، أو لو شئت بعصاي الصخرة التي تخرج الدابة من تحتها. قيل: فتصنعُ ماذا يا عبد الله بن عمرو؟ قال: تستقبل\n_________\n(^٣١) سنن ابن ماجة، كتاب الفتن حديث (٤٠٦٦).\n(^٣٢) سنن ابن ماجة، كتاب الفتن (٤٠٦٧)، وقال البوصيري في الزوائد (٣/ ٢٥٩): \"هذا إسناد ضعيف\".\n(^٣٣) تفسير عبد الرزاق (٢/ ٧١).\n_________\n[¬١]- في ز: \"تجل\"\n[¬٢]- في ز: \"يجمع\".\n[¬٣]- في ز: \"محمد بن\".\n(*) الفِئر: ما بين طرف الإبهام وطرف السبابة إذا فتحهَما.\n[¬٤]- في ز: \"هذا\".\n(**) الزغب: صغارُ الريش والشعر ولينه.\n[¬٥]- سقط من: ز، خ.\n(* * *) أجياد: موضع بمكة يلي الصفا.","vol":"10","page":433},{"text":"المشرق فتصرخ صرخة تنفُذُه، [ثم تستقبل الشام فتصرخ صرخة تنفذه، ثم تستقبل المغرب فتصرخ صرخة تنفذه] [¬١]، ثم تستقبل اليمن فتصرخ صرخة تنفذه، ثم تروح من مكة فتصبح [¬٢] بعُسفَانَ. قيل: ثم ماذا؟ قال: لا أعلم.\nوعن عبد الله بن عمر أنه قال: تخرج الدابة ليلة جَمعٍ (*) (^٣٤).\nورواه ابن أبي حاتم، وفي إسناده ابن البيلمان.\nوعن وهب بن منبه: أنه حكى من كلام عُزَير ﵇ أنه قال: \"وتخرج من تحت سدوم دابّة تكلم الناس، كل يسمعها، وتضع الحبالى [¬٣] قبل التمام، ويعود الماء العذب أجاجًا، ويتعادى الأخلاء، وتُحرَقُ الحكمة، ويُرفَعُ العلم، وتكلم الأرض التي تليها. وفي ذلك الزمان يرجو الناس ما لا يبلغون، ويتعنَّون [¬٤] فيما لا ينالون [¬٥] ويعملون فيما لا يأكلون\". رواه ابن أبي حاتم، عنه.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو صالح كاتب الليث، حدثني معاوية بن صالح، عن أبي مريم: أنه سمع أبا هريرة ﵁ يقول: إن الدابة فيها من كل لون، ما بين قرنيها فرسخ للراكب.\nوقال ابن عباس: هي مثل الحربة [¬٦] الضخمة.\nوعن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: إنها دابة لها ريش وزغب وحافر، وما لها ذنب، ولها لحية، وإنها لتخرج حُضْر (**) [¬٧] الفرس الجواد ثلاثًا وما أخرج ثلثاها] [¬٨].\nرواه ابن أبي حاتم.\nوقال ابن جريج، عن ابن الزبير، أنه وصف الدابّة فقال: رأسها رأس ثور، وعينها عين\n_________\n(^٣٤) ورواه ابن أبي شيبة في المصنف (١٥/ ١٨٠) من طريق عبد الملك بن المغيرة، عن ابن البيلماني، عن ابن عمر قال: \"تخرج الدابة ليلة جَمع والناس يسيرون إلى منى فتحملهم بين عجزها وذنبها فلا يبقى منافق إلا خطمته، قال: وتمسح المؤمن، قال: فيصبحون وهم أشر من الدجال\".\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٢]- في ز، خ: \"فتضع\".\n(*) جمع: المزدلفة.\n[¬٣]- في ز، خ: \"الحبال\".\n[¬٤]- في ت: \"يتعبون\".\n[¬٥]- في ز، خ: \"يبالون\".\n[¬٦]- في خ، ز: \"الخربة\".\n[¬٧]- في ز: \"حُصْر\".\n(**) الحُضْر: عَدْوٌ مع وثب.\n[¬٨]- في ت: \"خرج ثلثها\".","vol":"10","page":434},{"text":"خنزير، وأذنها أذن فيل، وقرنها قرن أيْل، وعنقها عنق نعامة، وصدرها صدر أسد، ولونها لون نمر، وخاصرتها خاصرة هرّ، وذنبها ذنب كبش، وقوائمها قوائم بعير، بين كل مفصلين اثنا عشر ذراعًا، تخرج معها عصا موسى وخاتم سليمان، فلا يبقى مؤمن إلا نكتت في وجهه بعصا موسى نكتة بيضاء، فتفشو تلك النكتة حتى يبيض لها وجهه، ولا يبقى كافر إلا نَكَتَتْ في وجهه نكتة سوداء بخاتم سليمان، فتفشو تلك النكتة حتى يسود لها وجهه، حتى إنّ الناس يتبايعون في الأسواق: بكم ذا يا مؤمن؟ بكم ذا يا كافر؟ وحتى إن أهل البيت يجلسون علي مائدتهم، فيعرفون مؤمنهم من كافرهم، ثم تقول لهم الدابة: يا فلان، أبشر، أنت من أهل الجنة. ويا فلان، أنت من أهل النار؛ فذلك قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ﴾.\n﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ (٨٣) حَتَّى إِذَا جَاءُوا قَال أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا أَمَّاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨٤) وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيهِمْ بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لَا يَنْطِقُونَ (٨٥) أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٨٦)﴾\nيقول تعالى مخبرًا عن يوم القيامة، وحشر الظالمين المكذبين بآيات الله ورسله إلي بين يدي الله ﷿، ليسألهم عما فعلوه في الدار الدنيا، تقريعًا وتوبيخًا، وتصغيرًا وتحقيرًا فقال: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا﴾، أي: من كل قوم وقرن فوجًا، أي: جماعة، ﴿مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا﴾؛ كما قال تعالى: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ وقال تعالى: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾.\nوقوله: ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾، قال ابن عباس ﵄: يدفعون. وقال قتادة: وزعة ترد [¬١] أولهم على آخرهم. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: يساقون.\n﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوا﴾، أي: أوقفوا بين يدي الله-﷿ في مقام المساءلة ﴿قَال أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا أَمَّاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي: ويسألون عن اعتقادهم، وأعمالهم، فلما لم يكونوا من أهل السعادة، وكانوا كما قال الله تعالى عنهم: ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى (٣١) وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾، فحينئذ قامت عليهم الحجة، ولم يكن لهم عذر يعتذرون به؛ كما قال تعالى: ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ (٣٥) وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ (٣٦) وَيلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٣٧)﴾، وهكذا قال هاهنا: ﴿وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيهِمْ بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لَا يَنْطِقُونَ﴾، أي:\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"يرد\".","vol":"10","page":435},{"text":"بهتوا فلم يكن لهم جواب؛ لأنهم كانوا في الدار الدنيا ظلمة لأنفسهم، وقد ردوا إلى عالم الغيب والشهادة الذي لا تخفى عليه خافية.\nو[¬١] قال تعالى منبهًا علي قدرته التامة، وسلطانه العظيم، وشأنه الرفيع الذي تجب طاعته، والانقياد لأوامره، وتصديق أنبيائه فيما جاءوا به من الحق الذي لا مَحيد عنه، فقال: ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ﴾، أي: فيه ظلام تسكن بسببه حركاتهم، وتهدأ أنفاسهم، ويستريحون من نَصَب التعب في نهارهم. ﴿وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾ أي: منيرًا مشرقًا، فبسبب ذلك يتصرفون في المعايش والمكاسب، والأسفار والتجارات، وغير ذلك من شئونهم التي يحتاجون إليها، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾.\n﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ (٨٧) وَتَرَى الْجِبَال تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ (٨٨) مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ (٨٩) وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إلا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٩٠)﴾\nيخبر تعالى عن هول يوم نفخة الفزع في الصور وهو كما جاء في الحديث: \"قرن ينفخ [¬٢] فيه\". وفي حديث الصور [¬٣] أن إسرافيل هو الذي ينفخ فيه بأمر الله تعالى، فينفخ فيه أولًا نفخة الفزع ويطولها، وذلك في آخر عمر الدنيا، حين تقوم الساعة علي شرار الناس من الأحياء، فيفزع مَنْ في السموات ومَنْ في الأرض ﴿إلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾، وهم الشهداء، فإنهم أحياء [¬٤] عند ربهم يرزقون.\nقال الإِمام مسلم بن الحجاج: حدثنا عُبَيد [¬٥] الله بن مُعاذ العنبري، حدثنا أبي، حدثنا شعبة، عن النعمان بن سالم: سمعت يعقوب بن عاصم بن عُروة بن مسعود الثقفي، سمعت عبد الله بن عمرو ﵁ وجاءه رجل فقال: ما هذا الحديث الذي تحدث أن الساعة تقوم إلى كذا وكذا؟ فقال: سبحان الله -أو: لا إله إلا الله- أو: كلمة\n_________\n[¬١]- في ت: \"ثم\".\n[¬٢]- في ز: \"تنفخ\".\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- في ز، خ: \"عبد\".","vol":"10","page":436},{"text":"نحوهما [¬١]- لقد هممت أن لا أحدث أحدًا شيئًا أبدًا، إنما قلت: إنكم سترون بعد قليل أمرًا عظيمًا يخرب البيت، ويكون ويكون [¬٢]؛ ثم قال: قال رسول الله ﷺ: \"يخرج الدجال في أمتي فيمكث أربعين-[لا أدري أربعين] [¬٣] يومًا، أو أربعين شهرًا، أو أربعين عامًا- فيبعث الله لله عيسى بن مريم كأنه عروة بن مسعود، فيطلبه فيهلكه، ثم يمكث الناس سبع سنين، ليس بين اثنين عداوة، ثم يرسل الله ريحًا باردة من قبل الشام، فلا يبقى علي وجه الأرض أحد في قلبه مثقال ذرة من خير أو إيمان إلا قبضته، حتى لو أن أحدهم دخل كبد جبل لدخَلَته عليه حتى تقبضه\". قال: سمعتها من رسول الله ﷺ، قال: \"فيبقى شرار الناس في خفة الطير وأحلام السباع، لا يعرفون معروفا ولا ينكرون منكرًا، فيتمثل لهم الشيطان فيقول: ألا تستجيبون؟ فيقولون: فما تأمرنا؟ فيأمرهم بعبادة الأوثان، وهم في ذلك دارٌّ رزقهم، حسن عيشهم [¬٤]، ثم ينفخ في الصور، فلا يسمعه أحد إلا أصغى ليتًا ورفع ليتا. قال: \"وأول من يسمعه رجل يَلوط حوض إبله\". قال: \"فيَصْعَقُ ويصعقُ الناس، ثم يرسل الله -أو قال: ينزل الله- مطرًا، كأنه الطّل [¬٥]، -أو قال: الظل [¬٦]- نعمان الشاك- فتنبت منه أجساد الناس، ثم ينفخُ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون، ثم يقال،: يا أيها الناس، هلموا إلي ربكم، وقفوهم إنهم مسئولون. ثم يقال: أخرجوا بعث النار. فيقال: مِنْ كم؟ فيقال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين [¬٧]، قال: فذلك يوم يجعل الولدان شيبًا، وذلك يوم يكشف عن ساق\" (^٣٥).\nفقوله [¬٨]: \"ثم ينفخ في الصور فلا يسمعه أحد إلا أصغى ليتًا ورفع ليتًا\". الليت: هو صفحة العنق، أي: أمال عنقه ليستمعه من السماء جيدًا.\nفهذه نفخة الفزع، ثم بعد ذلك نفخة الصعق، وهو الموت، ثم بعد ذلك نفخة القيام لرب العالمين، وهو النشور من القبور لجميع الخلائق؛ ولهذا قال: ﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِين﴾: قُرئ بالمد، وبغيره على الفعل (٥)، وكل بمعنى [¬٩] واحد- و﴿دَاخِرِينَ﴾ أي: صاغرين مطيعين، لا يتخلف أحد عن أمره، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ﴾، وقال: ﴿ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾.\n_________\n(^٣٥) صحيح مسلم، كتاب الفتن وأشراط الساعة حديث (٢٩٤٠).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"نحوها\".\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٤]- في ز، خ: \"عيشتهم\".\n[¬٥]- في ز، خ: \"الظل\"\n[¬٦]- في ز، خ: \"الطل\".\n[¬٧]- في ز، خ: \"تسعون\".\n[¬٨]- في ت: \"فقوله\".\n(*) قرأ حمزة وحفص عن عاصم: (أَتوْه). وقرأ الباقون: (آتوه) ممدودة مضمومة التاء.\n[¬٩]- في ز: \"بفعل\".","vol":"10","page":437},{"text":"وفي حديث الصور: أنه في النفخة الثالثة يأمر الله الأرواح، فتوضع في ثقب في الصور، ثم ينفخ إسرافيل فيه بعدما تنبت الأجساد في قبورها وأماكنها، فإذا نفخ في الصور طارت الأرواح، تتوهج أرواح المؤمنين نورًا، وأرواح الكافرين ظُلمة، فيقول الله ﷿: \"وعزتي وجلالي لترجعنّ كلّ روح إلى جسدها\"، فتجئ الأرواح إلي أجسادها، فتدبّ فيها كما يَدبّ السّم في اللديغ، ثم يقومون فينفضون التراب من قبورهم، قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾.\nوقوله: ﴿وَتَرَى الْجِبَال تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾، أي: تراها كأنها ثابتة باقية على ما كانت عليه، وهي تمرّ مرَّ السحاب، أي: تزول عن أماكنها، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا (٩) وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيرًا﴾، وقال: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا (١٠٥) فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا (١٠٦) لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا﴾ وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ [¬١] الْجِبَال وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً﴾.\nوقوله: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيءٍ﴾، أي: يفعل ذلك بقدرته العظيمة الذي قد أتقن كُل ما خلق، وأودع فيه من الحكمة ما أودع، ﴿إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ [¬٢]﴾ أي: هو عليم بما يفعل عباده من خير وشر فيجازيهم عليه.\nثم بين تعالى حال السعداء والأشقياء يومئذ فقال: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيرٌ مِنْهَا﴾ قال قتادة: بالإِخلاص. وقال زين العابدين: هي لا إله إلا الله. وقد بين في المكان الآخر أن له عَشْر أمثالها.\n﴿وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾، كما قال في الآية الأخرى: ﴿لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ﴾. وقال: ﴿أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ وقال ﴿وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ﴾.\nوقوله: ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ﴾ أي: من لقي الله مسيئًا لا حسنة له، أو: قد رجحت سيئاته على حسناته، كل بحسبه؛ ولهذا قال: ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إلا مَا كُنْتُمْ [¬٣] تَعْمَلُونَ﴾.\nوقال ابن مسعود وأبو هريرة وابن عباس ﵃ وأنس بن مالك، وعطاء، وسعيد بن جبير، وعكرمة، ومجاهد، وإبراهيم النخعي، وأبو وائل، وأبو صالح، ومحمد بن كعب، وزيد بن أسلم، والزهري، والسدي، والضحاك، والحسن، وقتادة، وابن زيد، في\n_________\n[¬١]- في ز: \"تسير\" وهي قراءة ابن عامر.\n[¬٢]- في ز: \"يفعلون\" وهي قراءة ابن عامر.\n[¬٣]- في ز: \"كانوا\".","vol":"10","page":438},{"text":"قوله: ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾، يعني: بالشرك\n﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩١) وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ (٩٢) وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٩٣)﴾\nيقول تعالى مخبرًا [عن] [¬١] رسوله وآمرًا له أن يقول ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيءٍ﴾ كما قال ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلَا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ﴾.\nإضاف [¬٢] الربوبية إلى البلدة على سبيل التشريف لها [¬٣] والاعتناء بها، كما قال: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيتِ (٣) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾.\nوقوله: ﴿الَّذِي حَرَّمَهَا﴾، أي: الذي إنما صارت حرامًا قدرًا وشرعًا، بتحريمه لها، كما ثبت في الصحيحين عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ يوم فتح مكة: \"إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السموات والأرض، فهو حرام بحرامة الله إلي يوم القيامة، لا يُعضَد شوكه، ولا ينفر صيدةُ، ولا يلتقط لقطتة إلا لمن عرفها، ولا يختلي خلاها … \" (^٣٦). الحديث بتمامه. وقد ثبت في الصحاح والحسان والمسانيد من طرق جماعة تفيد القطع، كما هو مبين في موضعه من \"كتاب الأحكام\"، ولله الحمد.\nوقوله: ﴿وَلَهُ كُلُّ شَيءٍ﴾، من باب عطف العام علي الخاص، أي: هو رب هذه البلدة، ورب كل شيء ومليكه ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾، أي: الموحدين المخلصين المنقادين لأمره المطيعين له [¬٤].\nوقوله: ﴿وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ﴾، أي: على الناس أبلغهم إياه، كقوله: ﴿ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ﴾ وكقوله: ﴿نَتْلُو عَلَيكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ\n_________\n(^٣٦) صحيح البخاري، كتاب الحج (١٨٣٤)، وصحيح مسلم، كتاب الحج (١٣٥٣)، وسنن أبي داود، كتاب المناسك (٢٠١٨)، وسنن الترمذي، كتاب السير (١٥٩٠)، وسنن النسائي، كتاب مناسك الحج (٥/ ٢٠٣)، والمسند (١/ ٢٥٩).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ت.\n[¬٢]- في ت: \"إضافة\".\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- سقط من: خ، ز.","vol":"10","page":439},{"text":"يُؤْمِنُونَ﴾، أي: أنا مبلغ ومنذر، ﴿فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾، أي: لي سوية الرسل الذين أنذروا قومهم، وقاموا بما عليهم من أداء الرسالة إليهم، وخَلَصُوا من عهدتهم، وحساب أممهم على الله، كقوله تعالى: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيكَ الْبَلَاغُ وَعَلَينَا الْحِسَابُ﴾ وقال: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ وَكِيلٌ﴾.\n﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا﴾، أي: لله الحمد الذي لا يعذب أحدًا إلا بعد قيام الحجة عليه، والإِعذار إليه؛ ولهذا قال: ﴿سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا﴾، كما قال تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾.\nوقوله: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ [¬١]﴾ أي: بل هو شهيد علي كل شيء.\nقال ابن أبي حاتم: ذكر عن أبي عمر الحوضي حفص بن عمر: حدثنا أبو أمية بن يعلى الثقفي، حدثنا سعيد بن أبي سعيد، سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ: \"يا أيها الناس، لا يَغْترَّنَّ أحدكم بالله، فإن الله لو كان غافلًا شيئًا لأغفل البعوضة والخردلة والذرة\" (^٣٧).\n[وقال أيضًا] [¬٢]: حدثنا محمد بن يحيى، حدثنا نصر بن علي، قال أبي: أخبرني [] [¬٣] خالد بن قيس، عن مطر، عن عمر بن عبد العزيز قال: فلو كان الله مغفلًا شيئًا لأغفل ما تَعفي الرياح من أثر قدمي ابن آدم.\nوقد ذكر عن الإِمام أحمد ﵀ أنه كان ينشد هذين البيتين، إمّا له أو لغيره:\nإذَا مَا خَلَوتَ الدّهْرَ يَومًا فَلا تَقُل … خَلَوتُ، وَلكن قُل: عَليَّ رَقيب\nوَلا تَحْسَبنَّ اللهَ يَغْفَل سَاعَة … وَلا أن مَا يَخْفى عَلَيه يَغيب\n* * *\n_________\n(^٣٧) ورواه الديلمي في مسند الفردوس حديث (٨١٦٧) من طريق أبي أمية بن يعلى به.\n_________\n[¬١]- في ز: \"يعملون\" وهي إحدى الروايات عن ابن عامر.\n[¬٢]- بياض في: خ.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في ز: \"عن\".","vol":"10","page":440},{"text":"<span data-type='title' id=toc-136>تفسير سورة القصص وهي مكية</span>\nقال الإِمام أحمد بن حنبل ﵀: حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا وكيع، عن أبيه، عن أبي إسحاق، عن معد يكرب قال: أتينا عبد الله فسألناه أن يقرأ علينا ﴿طسم﴾ المائتين، فقال: ما هي معي، ولكن عليكم مَن أخذها من رسول الله، ﷺ: خَبَّاب بن الأرَت [¬١]. قال: فأتينا خَبَّاب بن الأرت [¬٢]، فقرأها علينا ﵁ (^١).\n﴿طسم (١) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) نَتْلُو عَلَيكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٣) إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٤) وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (٥) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ (٦)﴾\nقد تقدم الكلام على الحروف المقطعة\nوقوله: ﴿تِلْكَ﴾، أي: هذه ﴿آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾، أي: الواضح الجليّ الكاشف عن حقائق الأمور، وعلم ما قد كان وما هو كائن.\nوقوله: ﴿نَتْلُو عَلَيكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ كما قال تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ أي: نذكر [الأمر كما] [¬٣] كان عليه كأنك شاهد وكأنك\n_________\n(^١) المسند (١/ ٤١٩)، ومعدي كرب هو الهمداني، ويقال: العبدي. ترجمه البخاري في التاريخ الكبير (٨/ ٤١)، وابن أبي حاتم (٨/ ٣٩٨) ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا، وذكره ابن حبان في الثقات (٥/ ٤٥٨). وأبو إسحاق مدلس وقد عنعن.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"الأرث\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"الأرث\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفين في ت: \"لك الأمر على ما\".","vol":"10","page":441},{"text":"حاضرة.\nثم قال: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ﴾، أي: تكبّر وتجبّر وطغى، ﴿وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا﴾، أي: أصنافًا، قد صرف كل صنف فيما يريد من أمور دولته.\nوقوله: ﴿يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ﴾، يعني: بني إسرائيل، وكانوا في ذلك الوقت خيار أهل زمانهم، هذا، وقد سلط عليهم هذا الملك الجبار العنيد، يستعملهم في أخس الأعمال، ويَكدُّهُم ليلًا ونهارًا في أشغاله وأشغال رعيته، ويقتل مع هذا أبناءهم ويستحيي نساءهم، إهانة لهم واحتقارًا، وخوفًا من أن يوجد منهم الغلام الذي كان قد تخوف هو وأهل مملكته من [¬١] أن يوجد منهم غلام يكون سبب هلاكه وذهاب دولته علي يديه، وكانت القبط قد تلقوا هذا من بني إسرائيل فيما كانوا يدرسونه من قول إبراهيم الخليل، حين ورد الديار المصرية، وجرى له مع جبارها ما جرى، حين أخذ سارة ليتخذها جارية، فصانها الله منه، ومنعه منها بقدرته وسلطانه، فبشر إبراهيم ﵇ ولده أنه سيولد من صلبه وذريته من يكون هلاك مَلك مصر علي يديه، وكانت [¬٢] القبط تتَحدث بهذا عند فرعون، فاحترز فرعون من ذلك، وأمر بقتل ذكما [¬٣] بني إسرائيل، ولن ينفع حذر من قدر؛ لأن أجل الله إذا جاء لا يؤخر، ولكل أجل كتاب، ولهذا قال: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (٥) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ (٦)﴾، وقد فعل تعالى بهم ذلك، كما قال: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ﴾ وقال: ﴿كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾، أراد فرعون بحوله وقوته أن ينجو من موسى، فما نفعه ذلك مع [¬٤] قَدَر الملك العظيم الذي لا يُخَالف أمره القدري، بل نفذ حكمه وجرى قلمه في القِدَم [¬٥] بأن يكون إهلاك فرعون على يديه، بل يكون هذا الغلام الذي احترزت من وجوده، وقتلتَ بسببه ألوفًا من الولدان إنما [¬٦] منشؤه ومرباه علي فراشك، وفي دارك، وغذاؤه من طعامك، وأنت تربيه وتدلله وتتفداه [¬٧]، وحتفك وهلاكك وهلاك جنودك على يديه، لتعلم أن رب السموات العُلا هو القاهر الغالب العظيم، العزيز القوي الشديد المحال، الذي ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن.\n﴿وَأَوْحَينَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"منه\".\n[¬٢]- في ت: \"فكانت\".\n[¬٣]- في ت: \"ذكور\".\n[¬٤]- في ز، خ: \"من\".\n[¬٥]- في ز، خ: \"القدر\".\n[¬٦]-في ز، خ: \"وإنما\".\n[¬٧]- في ز، خ: \"تنفذه\".","vol":"10","page":442},{"text":"تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٧) فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ (٨) وَقَالتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَينٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٩)﴾\nذكروا أن فرعون لما أكثر من قتل ذكور بني إسرائيل، خافت القبط أن يُفْني بني إسرائيل، فَيَلُون هم ما كانوا يلونه من الأعمال الشاقة، فقالوا لفرعون: إنه يوشك -إن استمر هذا الحال- أن يموت شيوخهم وغلمانهم لا يعيشون، ونساؤهم لا يمكن أن يَقُمْن بما يقوم به رجالهم من الأعمال، فيخلص إلينا ذلك؛ فأمر بقتل الولدان عامًا وتركهم عامًا، فولد هارون ﵇ في السنة التي يتركون فيها الولدان [¬١]، وولد موسى ﵇ في السنة التي يقتلون فيها الولدان، وكان لفرعون أناس موكلين [¬٢] بذلك، وقوابل يَدُرنَ [¬٣] على النساء، فمن رأينها قد حملت أحصوا اسمها، فإذا كان وقت [¬٤] ولادتها لا يَقبَلُها إلا نساء القبط، فإن ولدت المرأة جارية تركنها وذهبن، وإن ولدت غلامًا دخل أولئك الذباحون، بأيديهم الشفار المرهفة، فقتلوه ومضوا نبَّحَهُمُ الله. فلما حملت أم موسى به ﵇ لم يظهر عليها مخايل الحمل كغيرها، ولم تفطن [¬٥] لها الدايات، ولكن لما وضعته ذكرًا ضاقت به ذرعًا، وخافت عليه خوفًا شديدًا وأحبته حبًّا زائدًا، وكان موسى ﵇ لا يراه أحد إلا أحبه، فالسعيد من أحبه طبعًا وشرعًا، قال الله تعالى: ﴿وَأَلْقَيتُ عَلَيكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ فلما ضاقت ذرعًا به ألْهِمَتْ في سِرِّها، وألقِيَ في خَلَدِها، ونُفِثَ في رُوعِها، كما قال الله تعالى: ﴿وَأَوْحَينَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾. وذلك أنه كانت دارها علي حافة النيل، فاتخذت تابوتًا، ومَهَدت فيه مهدًا، وجعلت [ترضع ولدها] [¬٦]، فإذا دخل عليها أحد ممن تخافه جعلته في ذلك التابوت، وسيرته في البحر، وربطته [¬٧] بحبل عندها. فلما كان [في بعض الأيام] [¬٨] دخل عليها [أحد ممن] [¬٩] تخافه، فذهبت فوضعته في ذلك التابوت، وأرسلته\n_________\n[¬١]- سقط من: خ، ز.\n[¬٢]- في ت: \"موكلون\".\n[¬٣]- في ز: \"يدورون\".\n[¬٤]- سقط من: خ، ز.\n[¬٥]- في ز، خ: \"يفطن\".\n[¬٦]- ما بين الممكوفين في ز، خ: \"ترجع ولدًا\".\n[¬٧]- سقط من: ز، خ.\n[¬٨]- ما بين المعكوفتين في ت: \"ذتن يوك\".\n[¬٩]- ما بين المعكوفتين في ز: \"من\".","vol":"10","page":443},{"text":"في البحر وذهلت عن أن تربطه، فذهب مع الماء واحتمله، حتى مر به علي دار فرعون، فالتقطه الجواري فاحتملنه، وذهبن [¬١] به إلي امرأة فرعون، ولا يدرين ما فيه، وخشين أن يَفْتَتْنَ عليها في فتحه دونها، فلما كشفت عنه إذا هو غلام من أحسن الخلق وأجمله وأحلاه وأبهاه، فأوقع الله محبته في قلبها حين نظرت إليه، وذلك لسعادتها وما أراد الله [¬٢] من كرامتها وشقاوة بعلها؛ ولهذا قال: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا﴾.\nقال محمد بن إسحاق وغيره: \"اللام\" ها هنا [¬٣] لام العاقبة، لا لام التعليل، لأنهم لم يريدوا بالتقاطه ذلك. ولا شك أن ظاهر اللفظ يقتضي ما قالوه، ولكن إذا نظر إلي معنى السياق فإنه تبقى اللام للتعليل؛ لأن معناه أن الله -تعالى- قيضهم لالتقاطه ليجعله لهم عدوًّا وحزنًا، فيكون أبلغ [في إبطال] [¬٤] حذرهم منه؛ ولهذا قال: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ﴾.\nوقد روي عن أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز أنه كتب كتابًا إلي قوم من القدرية، في تكذيبهم بكتاب الله وبأقداره النافذة في علمه السابق: وموسى في علم الله السابق لفرعون عدو وحزن، قال الله تعالى: ﴿وَنُرِيَ [¬٥] فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾، وقلتم أنتم: لو شاء فرعون أن يكون لموسى وليًّا وناصرًا، والله يقول: ﴿لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾.\nوقوله تعالى: ﴿وَقَالتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَينٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾، يعني أن فرعون لما رآه همَّ بقتله خوفًا من أن يكون من بني إسرائيل، فجعلت امرأته آسية بنت مزاحم تُحَاجّ [¬٦] عنه وتَذِبُّ دونه، وتحببه إلي فرعون، فقالت: ﴿قُرَّتُ عَينٍ لِي وَلَكَ﴾، فقال: أمًا لكِ فَنَعَم، وأما لي فلا. فكان كذلك؛ فهداها [¬٧] الله به، وأهلكه الله علي يديه. وقد تقدم في حديث الفتون في \"سورة طه\" هذه القصة بطولها من رواية ابن عباس مرفوعًا عند النسائي وغيره.\nوقوله: ﴿عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا﴾، وقد حصل لها ذلك، وهداها الله به، وأسكنها الجنة بسببه.\nوقولها: ﴿أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾، أي: أرادت أن تتخذه ولدًا وتتبناه [¬٨]، وذلك أنها [¬٩] لم\n_________\n[¬١]- في ت: \"فذهبن\".\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في ز، خ: \"ها هنا\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- في ز، خ: \"لنري\".\n[¬٦]- في ز، خ: \"تحاجج\".\n[¬٧]- في ت: \"وهداها\".\n[¬٨]- في ز، خ: \"وتثبت له\".\n[¬٩]- في ز، خ: \"أنه\".","vol":"10","page":444},{"text":"يكن لها ولد منه.\nوقوله تعالى: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾، أي: لا يدرون ما أراد الله منه بالتقاطهم إياه، من الحكمة العظيمة [البالغة، والحجة القاطعة] [¬١].\n﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠) وَقَالتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (١١) وَحَرَّمْنَا عَلَيهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقَالتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ (١٢) فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَي تَقَرَّ عَينُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٣)﴾.\nيقول تعالى مخبرًا عن فؤاد أم موسى، حين ذهب ولدها في البحر: إنه أصبح فارغًا، أي: من كل شيء من أمور الدنيا إلا من موسى؛ قاله ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير، وأبو عبيدة، والضحاك، والحسن البصري، وقتادة، وغيرهم.\n﴿إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ﴾، أي: إن كادت من شدة وجدها وحزنها وأسفها لَتُظهر أنَّه ذهب لها ولد، وتخبر بحالها، لولا أن الله ثَبَّتها وصبَّرها؛ قال الله تعالى: ﴿لوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠) وَقَالتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ﴾، أي: أمرت ابنتها -وكانت كبيرة تعي ما يقال لها- فقالت لها: ﴿قُصِّيهِ﴾، أي: اتبعي أثره، وخذي خبره، وتَطَلَّبي شأنه من نواحي البلد. فخرجت لدلك، ﴿فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ﴾، قال ابن عباس: عن جانب.\nوقال مجاهد: ﴿فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ﴾ عن بعيد.\nوقال قتادة: جعلت تنظر إليه وكأنها لا تريده.\nوذلك أنه لما استقر موسى ﵇ بدار فرعون، وأحبته امرأة الملك، واستطلقته منه، عرضوا عليه المراضع التي في دارهم، فلم يقبل منها ثديًا، وأبى أن يقبل شيئًا من ذلك.\n_________\n[¬١]- في خ، ز: \"والحجة البالغة\".","vol":"10","page":445},{"text":"فخرجوا به إلي سوق لعلهم يجدون امرأة تصلح لرضاعته، فلما رأته بأيديهم عرفته، ولم تظهر ذلك ولم يشعروا بها، قال الله تعالى: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ﴾ أي: تحريمًا قَدَريًّا، وذلك لكرامة الله له، صانه عن أن يرتضع غير ثدي أمه، ولأن الله -سبحانه- جعل ذلك سببًا إلى رجوعه إلى أمه، لترضعه وهي آمنة، بعد ما كانت خائفة. فلما رأتهم حائرين فيمن يرضعه ﴿فَقَالتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ﴾.\nقال ابن عباس: لما قالت ذلك أخذوها، وشكوا في أمرها، وقالوا لها: وما يدريك نصحهم له وشفقتهم عليه؟ فقالت: نصحهم له وشفقتهم عليه رغبتهم في ظُئُورة [¬١] الملك ورجاء منفعته. فأرسلوها، فلما قالت لهم ذلك وخَلَصت من أذاهم، ذهبوا معها إلى منزلهم، فدخلوا به على أمه، فأعطته ثديها فالتقمه، ففرحوا بذلك فرحًا شديدًا.\nوذهب البشير إلي امرأة الملك، فاستدعت أم موسى، وأحسنت إليها، وأعطتها عطاءً جزيلًا، وهي لا تعرف أنها أمه في الحقيقة، ولكن لكونه وافق ثديها. ثم سألتها آسية أن تقيم عندها فترضعه، فأبت عليها، وقالت: إن لي بعلًا وأولادًا، ولا أقدر علي المقام عندك، ولكن إن أحببت أن أرضعه في بيتي فعلت. فأجابتها امرأة فرعون إلي ذلك، وأجْرَتْ عليها النفقة والصلات [¬٢] والكساوي والإِحسان الجزيل. فرجعت أم موسى بولدها راضية مرضية، قد أبدلها الله من بعد خوفها أمنًا، في عز وجاه ورزق دارٍّ؛ ولهذا جاء في الحديث: \"مثل الذي يعمل ويحتسب في صنعته الخير، كمثل أم موسى ترضع ولدها وتأخذ أجرها\". ولم يكن بين الشدة والفرج إلا القليل: يوم وليلة، أو [¬٣] نحوه، والله أعلم، فسبحان من بيده الأمر! ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، الذي يجعل لمن اتقاه بعد كل هم فرجًا، وبعد كل ضيق مخرجًا، ولهذا قال تعالى: ﴿فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَي تَقَرَّ عَينُهَا﴾، أي: به، ﴿وَلَا تَحْزَنَ﴾، أي: عليه، ﴿وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾، أي: فيما وعدها من رده إليها، وجعله من المرسلين، فحينئذ تحققت برده إليها أنه كائن منه رسول من المرسلين، فعاملته في تربيته ما ينبغي له طبعًا وشرعًا.\nوقوله: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾، أي: حُكْمَ الله في أفعاله وعواقبها المحمودة، التي هو المحمود عليها في الدنيا والآخرة، فربما يقع الأمر كريهًا إلى النفوس، وعاقبته محمودة في نفس الأمر، كما قال تعالى: [﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيئًا وَهُوَ خَيرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ﴾، وقال تعالى] [¬٤]: ﴿فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيرًا كَثِيرًا (١٩)﴾.\n_________\n[¬١]- في خ، ز: \"صهر\".\n[¬٢]- في ز: \"الصلاة\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"أي\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.","vol":"10","page":446},{"text":"﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَينَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٤) وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَينِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيهِ قَال هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ (١٥) قَال رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (١٦) قَال رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ (١٧)﴾\nلما ذكر تعالى مبدأ أمر موسى ﵇ ذكر أنه لما بلغ أشده واستوى، آتاه الله حكمًا وعلمًا. قال مجاهد: يعني النبوة: ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾.\nثم ذكر تعالى سبب وصوله إلى ما كان تعالى قَدّر له من النبوة والتكليم: قضية قتله ذلك القبطيّ، الذي كان سبب خروجه من الديار المصرية إلي بلاد مدين، فقال تعالى: ﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا﴾، قال ابن جُرَيج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس: وذلك بين المغرب والعشاء.\nوقال ابن المنكدر، عن عطاء بن يسار، عن ابن عباس: كان ذلك نصف النهار. وكذلك قال سعيد بن جبير، وعكرمة، والسدي، وقتادة.\n﴿فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَينِ يَقْتَتِلَانِ﴾، أي: يتضاربان ويتنازعان، ﴿هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ﴾، أي: من بني إسرائيل، ﴿وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ﴾، أي: قبطي؛ قاله ابن عباس، وقتادة، والسدي، ومحمد بن إسحاق. فاستغاث الإسرائيلي موسى [¬١]﵇، ووجد موسى فرصة، وهي [¬٢] غفلة الناس، فعمد إلى القبطي ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيهِ﴾.\n[قال، [¬٣] مجاهد: وكزه، أي: طعنة بجُمِعِ [¬٤] كفِّه.\nوقال قتادة: وكزه بعصا [¬٥] كانت معه.\n﴿فَقَضَى عَلَيهِ﴾، أي: كان فيها حتفه فمات، ﴿قَال﴾ [¬٦] موسى: ﴿هَذَا مِنْ عَمَلِ\n_________\n[¬١]- في ت: \"بموسى\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"وهو\".\n[¬٣]- في ت: \"وقال\".\n[¬٤]- في خ، ز: \"بجميع\".\n[¬٥]- في ز، خ: \"بعصاه\".\n[¬٦]- في ز، خ: \"فقال\".","vol":"10","page":447},{"text":"الشَّيطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ (١٥) قَال رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (١٦) قَال رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ﴾، أي: بما جعلت لي من الجاه والعز [¬١] والمنعة ﴿فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا﴾، أي: معينًا: ﴿لِلْمُجْرِمِينَ﴾، أي: الكافرين بك، المخالفين لأمرك.\n﴿فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَال لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَويٌّ مُبِينٌ (١٨) فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا قَال يَامُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إلا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ (١٩)﴾\nيقول تعالى مخبرًا عن موسى ﵇ لما قتل ذلك القبطي: إنه أصبح ﴿فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا﴾، أي: من مَعَرة ما فعل ﴿يَتَرَقَّبُ﴾، أي: يتلفت [¬٢] و[¬٣] يتوقع ما يكون من هذا الأمر، فمر في بعض الطرق، فإذا ذاك الذي استنصره بالأمس على ذلك القبطي يقاتل آخر، فلما مر موسى استصرخه على الآخر، فقال له موسى: ﴿إِنَّكَ لَغَويٌّ مُبِينٌ﴾، أي: ظاهر الغواية كثير الشر. ثم عزم علي البطش بذلك القبطي، فاعتقد الإسرائيلي لخوره وضعفه وذلته أن موسى إنما يريد قصده لما سمعه يقول ذلك، فقال يدفع عن نفسه: ﴿يَامُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ﴾؟ وذلك لأنه لم يعلم به إلا هو وموسى ﵇، فلما سمعها ذلك القبطي لقَفها من فمه، ثم ذهب بها إلي باب فرعون فألقاها عندهم [¬٤]، فعلم بذلك، فاشتد حنقه، وعزم على قتل موسى، فطلبوه وبعثوا وراءه ليحضروه لذلك.\n﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَال يَامُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ (٢٠)﴾\nقال تعالى: ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ﴾، وصفه بالرّجُولية؛ لأنه خالف الطريق، فسلك طريقًا أقرب من طريق الذين بُعثوا وراءه، فسبق إلى موسى، فقال له: يا موسى، ﴿إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ﴾، أي: يتشاورون فيك ﴿لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ﴾، أي: من البلد، ﴿إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ﴾.\n_________\n[¬١]- في ت: \"العزة\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"يتقلب\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"أي\".\n[¬٤]- في ت: \"عنده\".","vol":"10","page":448},{"text":"﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَال رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢١) وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَال عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ (٢٢) وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَينِ تَذُودَانِ قَال مَا خَطْبُكُمَا قَالتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيخٌ كَبِيرٌ (٢٣) فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَال رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيرٍ فَقِيرٌ (٢٤)﴾\nلما أخبره ذلك الرجل بما تمالأ عليه فرعون ودولته في أمره، خرج من مصر وحده، ولم يألف ذلك قبله، بل كان في رفاهية ونعمة ورياسة، ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾، أي: يتلفت، ﴿قَال رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾، أي: من فرعون وملئه. فذكروا أن الله ﷾ بعث له ملكًا على فرس، فأرشده إلي الطريق، فالله أعلم.\n﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ﴾ أي: أخذ طريقًا سالكًا مَهْيَعًا. فرح بذلك، ﴿قَال عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾، أي: إلى الطريق الأقوم. ففعل الله به ذلك، وهداه إلي الطريق المستقيم في الدنيا والآخرة، فجعله هاديًا مهديًّا.\n﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ﴾ أي: ولما وصل إلى مدين وورد ماءها، وكان لها بئر ترده رعاء الشاء.\n﴿وَجَدَ عَلَيهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ﴾ أي: جماعة ﴿يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَينِ تَذُودَانِ﴾، أي: تكفكفان غنمهما أن [¬١] ترد مع غنم أولئك الرعاء لئلا يُؤذَيا. فلما رآهما موسى ﵇ رق لهما ورحمهما، ﴿قَال مَا خَطْبُكُمَا﴾، أي: ما خبركما لا تردان مع هؤلاء؛ ﴿قَالتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ﴾، أي: لا يحصل لنا سقي إلا بعد فراغ هؤلاء، ﴿وَأَبُونَا شَيخٌ كَبِيرٌ﴾، أي: فهذا الحال الملجئ لنا إلى ما ترى. قال الله تعالى: ﴿فَسَقَى لَهُمَا﴾.\nقال أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا عبد لله، أنبأنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عمرو [¬٢] ابن ميمون الأودي، عن عمر بن الخطاب ﵁ أن موسى ﵇ لما ورد ماء مدين، وجد عليه أمة من الناس يسقون، قال: فلما فرغوا أعادوا الصخرة على البئر،\n_________\n[¬١]- في ز: \"أي\".\n[¬٢]- في خ، ز: \"عروة\".","vol":"10","page":449},{"text":"ولا يطيق رفعها إلا عشرة رجال، فإذا هو بامرأتين تذودان، قال: ما خطبكما؟ فحدثتا [¬١]، فأتى الحجر فرفعه، ثم لم يستق إلا ذنوبًا واحدًا حتى رويت الغنم. إسناد صحيح (^٢).\nوقوله: ﴿ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَال رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ [¬٢] إِلَيَّ مِنْ خَيرٍ فَقِيرٌ﴾، قال ابن عباس: سار موسى من مصر إلي مدين، ليس له طعام إلا البقل وورق الشجر، وكان حافيًا فما وصل [إلى] [¬٣] مَدْيَنَ حتى سقطت نعل قدمه و[¬٤] جلس في الظل، وهو صفوة الله من خلقه، وإن بطنه لاصق بظهره من الجوع، وإن خضرة البقل لترى من داخل جوفه، وإنه لمحتاج إلي شق تمرة.\nوقوله: ﴿إِلَى الظِّلِّ﴾ قال ابن عباس وابن مسعود والسدى: جلس تحت شجرة.\nوقال ابن جرير (^٣): حدثني الحسين بن عمرو العنقزي، حدثنا أبي، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون، عن عبد الله -هو ابن مسعود- قال: حَثثتُ علي جمل ليلتين، حتى صَبَّحت مدين، فسألت عن الشجرة التي أوى إليها موسى، فإذا شجرة خضراء ترف، فأهوى إليها جملي -وكان جائعًا- فأخذها جملي فعالجها ساعة، ثم لفظها، فدعوت الله لموسى ﵇ ثم انصرفتُ. وفي رواية عن ابن مسعود أنه ذهب إلي الشجرة التي كلم الله منها موسى، كما سيأتي، والله أعلم.\nوقال السدى: كانت من شجر السَّمُر.\nو[¬٥] قال عطاء بن السائب: لما قال موسى: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيرٍ فَقِيرٌ﴾؛ أسْمَعَ المرأة.\n﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيهِ الْقَصَصَ قَال لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢٥) قَالتْ إِحْدَاهُمَا يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَويُّ الْأَمِينُ (٢٦) قَال إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَينِ عَلَى أَنْ\n_________\n(^٢) المصنف لابن أبي شيبة (١١/ ٥٣٠).\n(^٣) تفسير الطبري (٢٠/ ٣٧).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"فحدثاه\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"أنزل\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ت.\n[¬٤]- في ز: \"ولما\".\n[¬٥]- سقط من: ز، خ.","vol":"10","page":450},{"text":"تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٢٧) قَال ذَلِكَ بَينِي وَبَينَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَينِ قَضَيتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ (٢٨)﴾\nلما رجعت المرأتان سِراعًا بالغنم إلى أبيهما، أنكر حالهما ومجيئهما سريعًا، فسألهما عن خبرهما، فقصتا عليه ما فعل موسى ﵇، فبعث إحداهما إليه لتدعوه إلى أبيها. قال الله تعالى: ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾، أي: مَشْيَ الحرائر؛ كما روي عن أمير المؤمنين عمر ﵁ أنه قال: كانت مستترة بكم درعها.\nوقال ابن أبي حاتم: [حدثنا أبي] [¬١] حدثنا أبو نعيم، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون، قال: قال عمر ﵁: جاءت تمشي علي استحياء، قائلة بثوبها على وجهها، ليست بسلفع خرّاجة؛ ولاجة. هذا إسناد صحيح.\nقال الجوهري: السلفع [¬٢] من الرجال: الجسور، ومن النساء: الجريئة السليطة، ومن النوق: الشديدة.\n﴿قَالتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيتَ لَنَا﴾، وهذا تأدب في العبارة [¬٣]، لم تطلبه طلبًا مطلقًا لئلا يوهم ريبة، بل قالت: ﴿إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيتَ لَنَا﴾، يعني: ليثيبك ويكافئك على سقيك لغنمنا. ﴿فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيهِ [¬٤] الْقَصَصَ﴾، أي: ذكر له ما كان من أمره، وما جرى له من السبب الذي خرج من أجله من بلده، ﴿قَال لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾. يقول: طب نفسًا وقَرّ عينًا، فقد خرجتَ من مملكتهم فلا حُكْم لهم في بلادنا؛ ولهذا قال: ﴿نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾.\nوقد اختلف المفسرون في هذا الرجل: من هو؟ على أقوال؛ أحدها: أنه شعيب النبيّ ﵇ الذي أرسل إلى أهل مدين. وهذا هو المشهور عند كثيرين، وقد قاله الحسن البصري وغير واحد، ورواه ابن أبي حاتم:\nحدثنا أبي، حدثنا ابن عبد العزيز الأويسي [¬٥]، حدثنا مالك بن أنس: أنه بلغه أن شعيبًا هو الذي قصّ عليه موسى القصص، قال: ﴿لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- في ز: \"العيادة\".\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- في ز، خ: \"الأودي\". وهو تعريف. وما أثبتناه من تفسير ابن أبي حاتم. وهو الصواب. وانظر ترجمته في تهذيب الكمال [١٨/ ١٦٠].","vol":"10","page":451},{"text":"وقد روى الطبراني (^٤) عن سلمة بن سعد العَنَزي، أنه وفد علي رسول الله ﷺ، فقال له: \"مرحبًا بقوم شعيب وأختَانِ موسى، هُدِيت\".\nوقال آخرون: بل كان ابن أخي شعيب. وقيل: رجل مؤمن من قوم شعيب. وقال آخرون: كان شعيب قبل زمان موسى ﵇ بمدة طويلة؛ لأنه قال لقومه [¬١]: ﴿وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ﴾. وقد كان هلاك قوم لوط في زمن الخليل ﵇ بنص القرآن، وقد علم أنه كان بين موسى والخليل ﵉ مدة طويلة تزيد على أربعمائة سنة، كما ذكره غير واحد. وما قيل: إن شعيبًا عاش مدة طويلة، إنما هو -والله أعلم- احتراز من هذا الإِشكال. ثم من المقوِّي لكونه ليس بشعيب أنه لو كان إياه لأوشك أن ينص على اسمه في القرآن هاهنا، وما جاء في بعض الأحاديث من التصريح بذكره في قصة موسى، لم يصح إسناده، كما سنذكره قريبًا إن شاء الله. ثم من الموجود في كتب بني إسرائيل أن هذا الرجل اسمه: \"ثيرون [¬٢] \"، والله أعلم.\nوقال أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود: وأثرون هو ابن أخي شعيب ﵇.\nوعن أبي حمزة [¬٣]، عن ابن عباس: الذي استأجر موسى يثري [¬٤] [صاحب مدين] [¬٥]. رواه ابن جرير، ثم قال: والصواب أن هذا لا يدرك إلا بخبر، ولا خبر [¬٦] تجب به [¬٧] الحجة في ذلك.\nوقوله: ﴿قَالتْ إِحْدَاهُمَا يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَويُّ الْأَمِينُ﴾، أي: قالت إحدى ابنتي هذا الرجل -قيل: هي التي ذهبت وراء موسى ﵇ قالت لأبيها: ﴿يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ﴾، أي: لرعْية [¬٨] هذه الغنم.\nقال عمر، وابن عباس، وشُريح القاضي، وأبو مالك، وقتادة، ومحمد بن إسحاق، وغير واحد: لما قالت: ﴿إِنَّ خَيرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَويُّ الْأَمِينُ﴾ قال لها أبوها: وما علمك بذلك؟ قالت: إنه رفع الصخرة التي لا يطيق حملها إلا عشرة رجال، وإنه لما جئت معه تقدمت أمامه، فقال لي: كوني من ورائي، فإذا اجتنبتُ الطريق فاحذفي بحصاة أعلم بها كيف الطريق لأتهدى إليه.\n_________\n(^٤) المعجم الكبير (٧/ ٥٥) من طريق حفص بن سلمة عن شيبان بن قيس عن سلمة بن سعد به، وقال الهيثمي: \"فيه من لم أعرفهم\".\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"لقوم\".\n[¬٢]- في ب: \"ثبرون\".\n[¬٣]- في خ، ز: \"سمرة\".\n[¬٤]- في ز: \"يتري\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٦]- سقط من: خ، ز.\n[¬٧]- في ز، خ: \"فيه\".\n[¬٨]- في ز: \"رعية\".","vol":"10","page":452},{"text":"قال سفيان الثوري، عن أبي إسحاق، عن أبي عُبيدة، عن عبد الله -هو ابن مسعود- قال: أفرس الناس ثلاثة: أبو بكر حين تفرس في عُمر، وصاحب يوسف حين قال: ﴿أَكْرِمِي مَثْوَاهُ﴾، وصاحبة موسى حين قالت: ﴿يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَويُّ الْأَمِينُ﴾.\nقال: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَينِ﴾، أي: طلب إليه هذا الرجل الشيخ الكبير أن يرعى عنه، ويزوجه إحدى ابنتيه هاتين.\nقال شعيب الجبائي: وهما صفورا وليا.\nوقال محمد بن إسحاق: صفورا وشرقا، ويقال: ليا.\nوقد استدل أصحاب أبي حنيفة بهذه الآية [على صحة] [¬١] البيع فيما إذا قال: بعتك أحد [¬٢] هذين العبدين بمائة. فقال [¬٣]: اشتريت أنه يصح، والله أعلم.\nوقوله: ﴿عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ﴾، أي: علي أن ترعى علي ثماني سنين، فإن تبرعت بزيادة سنتين فهو إليك، وإلا ففي ثمان كفاية، ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ أي: لا أشاقك، ولا أؤاذيك [¬٤]، ولا أماريك.\nوقد استدلوا بهذه الآية الكريمة لمذهب الأوزاعي فيما إذا قال: بعتك هذا بعشرة نقدًا، أو بعشرين نسيئة، أنه يصح، ويختار المشتري بأيهما أخذه صح، وحُمِلَ الحديث المروي في سنن أبي داود: \"من باع بيعتين في بيعة، فله أوكسهما أو الربا\" (^٥). علي هذا المذهب. وفي الاستدلال بهذه الآية وهذا الحديث علي هذا المذهب- نظرٌ، ليس هذا موضع بسطه لطوله، والله أعلم.\nثم قد استدل أصحاب الإِمام أحمد ومن تبعهم، في صحة استئجار الأجير بالطعمة والكسوة بهذه الآية، واستأنسوا في ذلك بما رواه أبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجة في كتابه السنن، حيث قال: باب استئجار الأجير علي طعام بطنه: حدثنا محمد بن المصفّى الحمْصي، حدثنا بقية بن الوليد، عن مسلمة بن عليّ، عن سعيد بن أبي أيوب، عن الحارث بن يزيد، عن عليّ بن رَبَاح، قال [¬٥]: سمعت عُتبة من النُّدَّر [¬٦] يقول: كنا عند رسول الله - صلى الله عليه\n_________\n(^٥) سنن أبي داود برقم (٣٤٦١).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"بصحة\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"إحدى\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"قال\".\n[¬٤]- في ت: \"أؤذيك\".\n[¬٥]- في ز، خ: \"يقول\".\n[¬٦]- في ز، خ: \"المنذر\".","vol":"10","page":453},{"text":"وسلم فقرأ ﴿طسم﴾، حتى إذا بلغ قصة موسى قال: \"إن موسى آجر نفسه ثماني سنين -أو: عشر [¬١]، سنين- على عفة فرجه وطعام بطنه\" (^٦).\nوهذا الحديث من هذا الوجه ضعيف؛ لأن مسلمة بن عليّ -وهو الخُشَني الدمشقي البلاطيّ- ضعيف الرواية عند الأئمة، ولكن قد رُوي من وجه آخر، وفيه نظر أيضًا.\nفقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا صفوان، حدثنا الوليد، حدثنا عبد الله بن لَهِيعة، عن الحارث بن يزيد الحضرمي، عن عليّ بن رَبَاح اللخمي، قال: سمعت عتبة بين النُّدَّر [¬٢] السلمي صاحب رسول الله ﷺ يحدث أن رسول الله ﷺ قال: \"إن موسى آجر نفسه بعفة فرجه، وطعمة بطنه\" (^٧).\nوقوله تعالى إخبارًا عن موسى ﵇: ﴿قَال ذَلِكَ بَينِي وَبَينَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَينِ قَضَيتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾، يقول: إن موسى قال لصهره: الأمر علي ما قلت من أنك استأجرتني علي ثماني سنين، فإن أتممت عشرًا فمن عندي، فأنا متى فعلت أقلهما برئت من العهد، وخرجت من الشرط، ولهذا قال: ﴿أَيَّمَا الْأَجَلَينِ قَضَيتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ﴾، أي: فلا حرج عليّ مع أن الكامل -وإن كان مباحًا- لكنه فاضل من جهة أخرى، بدليل من خارج، كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَينِ فَلَا إِثْمَ عَلَيهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيهِ﴾.\nوقال رسول الله، ﷺ، لحمزة بن عمرو الأسلمي ﵁ وكان كثير الصيام، وسأله عن الصوم في السفر فقال: \"إن شئت فصم، وإن شئت فأفطر\" (^٨). مع أن فعل الصيام راجح من دليل آخر. هذا، وقد دل الدليل علي أن موسى ﵇ إنما فعل أكمل الأجلين وأتمهما، قال البخاري (^٩):\nحدثنا محمد بن عبد الرحيم، حدثنا سعيد بن سليمان، حدثنا مروان بن شُجاع، عن سالم الأفطس، عن سعيد بن جبير [قال] [¬٣]: سألني يهودي من أهل الحيرة: أي الأجلين قضى موسى؟ فقلت: لا أدري حتى أقدمَ على حَبْر العرب فأسأَله. فقدمت فسألت ابن\n_________\n(^٦) سنن ابن ماجه برقم (٢٤٤٤)، وضعفه البوصيري في الزوائد (٢/ ٢٦٠) لتدليس بقية بن الوليد.\n(^٧) ورواه البزار في مسنده برقم (١٤٩٥) \"كشف الأستار\" من طريق يحيى بن بكير عن ابن لهيعة بأطول منه، وفي إسناده ابن لهيعة وهو ضعيف.\n(^٨) رواه أحمد في مسنده (٣/ ٤٩٣)، والنسائي في السنن (٤/ ١٨٥).\n(^٩) صحيح البخاري برقم (٢٦٨٤).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"عشرة\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"المنذر\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين مكررة في ز، خ.","vol":"10","page":454},{"text":"عباس ﵁ فقال: قضى أكثرهما وأطيبهما، إن رسول الله إذا قال فعل. هكذا رواه البخاري، وهكذا رواه حكيم بن جبير وغيره، عن سعيد بن جبير. ووقع في \"حديث الفُتُون\"، من رواية القاسم بن أبي أيوب، عن سعيد بن جبير: أن الذي سأله رجل من أهل النصرانية، والأول أشبه، والله أعلم. وقد رُوي من حديث ابن عباس مرفوعًا:\nقال ابن جرير (^١٠): حدثنا أحمد بن محمد الطوسي، حدثنا الحميدي، حدثنا سفيان، حدثني إبراهيم بن يحيى بن أبي يعقوب، عن الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ قال: \"سألت جبريل: أي الأجلين قضى موسى؟ قال: أكملهما وأتمهما\". ورواه ابن أبي حاتم، عن أبيه، عن الحميدي، عن سفيان -وهو ابن عيينة- حدثني إبراهيم بن يحيى بن أبي يعقوب -وكان من أسناني أو أصغر مني- فذكره.\nقلت: وإبراهيم هذا ليس بمعروف.\nورواه البزار (^١١) عن أحمد بن أبان القرشي، عن سفيان بن عيينة [] [¬١]، عن إبراهيم بن أعين، عن الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ، فذكره، ثم قال: لا نعرفه مرفوعًا عن ابن عباس إلا من هذا الوجه.\nوقال ابن أبي حاتم: قُرئ علي يونس بن عبد الأعلى، أنبأنا ابن وهب، أنبأنا عمرو بن الحارث، عن يحيى بن ميمون الحضرمي، عن يوسف بن [سَرْح] [¬٢]، أن رسول الله ﷺ سئل: أي الأجلين قضى موسى؟ قال: \"لا علم لي\". [فسأل رسول الله ﷺ جبريل، فقال جبريل: لا علم لي] [¬٣]. فسأل جبريل ملكًا فوقه فقال: لا علم لي. فسأل ذلك الملك ربه ﷿ عما سأله عنه جبريل عما سأله عنه محمد- ﷺ فقال الرب ﷾: \"قضي [¬٤] أبرهما وأبقاهما -أو قال:\n_________\n(^١٠) تفسير الطبري (٢٠/ ٤٤).\n(^١١) قال الحافظ ابن حجر في لسان الميزان (١/ ١٢٤): \"إبراهيم بن يحيى العدني عن الحكم بن أبان وعنه سفيان بن عيينة بخبر منكر والرجل نكرة، وحديثه عن الحميدي ومتنه: سأل النبي ﷺ -جبريل ﵇ أي الأجلين قضى موسى، انتهى. وهذا الرجل ذكره ابن حبان في الثقات. وقال الأزدي: لا يتابع في حديثه، وأخرج الحاكم حديثه المذكور في المستدرك\".\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ز: \"عن إبراهيم\".\n[¬٢]- في ز، خ، ت: \"تيرح\". وهو تحريف وتشويه. والمثبت من تفسير ابن أبي حاتم. وترجمته في الجرح والتعديل [٩/ ٢٢٣] ولكنه لم يصرح بتحديث يحيى بن ميمون عنه، وقد صرح بذلك الدارقطني فقال في المؤتلف والمختلف [٣/ ١٢٢٥]: يوسف بن سرح، مصري، روى عنه يحيى بن ميمون الحضرمي.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.","vol":"10","page":455},{"text":"أزكاهما-\" (^١٢).\nوهذا مرسل: وقد جاء مرسلًا من وجه آخر، قال [¬١] سُنَيد: حدثنا حجاج، عن ابن جريج، قال: قال مجاهد: إن النبي ﷺ سأل جبريل: \"أيّ الأجلين قضى موسى؟ فقال: سوف أسأل إسرافيل. فسأله فقال: سوف أسأل الرب ﷿. فسأله فقال: أبرهما وأوفاهما\" (^١٣).\n(طريق أخرى مرسلة أيضًا) قال ابن جرير: حدثنا ابن وكيع، حدثنا أبي، حدثنا أبو معشر، عن محمد بن كعب القرظي، قال: سُئل رسول الله ﷺ: أيّ الأجلين قضى موسى؟ قال: \"أوفاهما وأتمهما\" (^١٤).\nفهذه طرق متعاضدة، ثم قد روي مرفوعًا من رواية أبي ذر ﵁: قال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا أبو عبيد الله يحيى بن محمد بن السكن، حدثنا إسحاق بن إدريس، حدثنا عَوْبَد بن أبي عمران الجوني [¬٢]، عن أبيه، عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذر: أن النبي ﷺ سُئل: أي الأجلين قضى موسى؟ قال: \"أوفاهما وأبرهما\". قال: \"وإن سئلتَ [¬٣]: أي المرأتين تَزوَّجَ؟ فقل: الصغرى منهما\".\nثم قال البزار: لا نعلم يروى عن أبي ذر إلا بهذا الإسناد (^١٥).\nوقد رواه ابن أبي حاتم من حديث عوْبَد بن أبي عمران -وهو ضعيف- ثم قد روي أيضًا نحوه من حديث عتبة بن النُّدَّر [¬٤] بزيادة غريبة جدًّا، فقال أبو بكر البزار: حدثنا عمر بن الخطاب السجستاني، حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا الحارث بن يزيد، عن علي بن رباح اللخمي قال: سمعت عتبة بن النُّدَّر [¬٥] يقول: إن رسول الله ﷺ سُئل: أيّ الأجلين قضى موسى؟ قال: \"أبرهما وأوفاهما\". ثم قال النبي، ﷺ: \"إنّ موسى ﵇ لما أراد فراق شعيب ﵇ أمر امرأته أن تسأل أباها أن يعطيها من غنمه ما يعيشون به، فأعطاها ما ولدت غنمه في ذلك العام من قالِب لَون\". قال: \"فما مرت شاة إلا ضرب [جنبها موسى] [¬٦] بعصاه، فولدت\n_________\n(^١٢) مسند البزار برقم (٢٢٤٥) \"كشف الأستار\".\n(^١٣) (^١٤) تفسير الطبري (٢٠/ ٤٤).\n(^١٥) مسند البزار برقم (٢٢٤٤) \"كشف الأستار\".\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"وقال\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"الحري\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"سألت\".\n[¬٤]- في ز، خ: \"المنذر\".\n[¬٥]- في ز، خ: \"المنذر\".\n[¬٦]- في ز: \"موسى جنبها\".","vol":"10","page":456},{"text":"قَوَالب ألوان (*) [¬١] كلها، وولدت ثنتين وثلاثًا كل شاة ليس فيها فَشُوش ولا ضبُوب ولا كميشة [¬٢] تُفَوِّت الكف، ولا ثَعُول (**) \". وقال رسول الله، ﷺ: \"إذا افتتحتم الشام فإنكم ستجدون بقايا منها، وهي السامرية\" (^١٦).\nهكذا أورده البزار. وقد رواه ابن أبي حاتم بأبسط من هذا فقال:\nحدثنا أبو زرعة، حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكير، حدثني عبد الله بن لهيعة (ح) وحدثنا أبو زرعة، حدثنا صفوان، حدثنا الوليد، حدثنا عبد الله بن لهيعة، عن الحارث بن يزيد الحضرمي، عن علي بن رباح اللخمي، قال: سمعت عتبة بن النُّدَّر [¬٣] السلمي صاحب رسول الله ﷺ يحدث أن رسول الله ﷺ قال: \"إن موسى ﵇ آجر نفسه بعفة فرجه وطعمة بطنه. فلما وفَّى الأجل\". قيل: يا رسول الله؛ أي الأجلين؟ - قال: \"أبرهما وأوفاهما، فلما أراد فراق شعيب أمر امرأته أن تسأل أباها أن يعطيها من غنمه ما يعيشون به، فأعطاها ما ولد [¬٤]، من غنمه من قالب [¬٥] لون من ولد ذلك العام، وكانت غنمه سوداء حسناء فانطلق موسى ﵇ إلي عصاه فسملها [¬٦] من طرفها، ثم وضعها في أدني الحوض، ثم أوردها فسقاها، ووقف موسى بإزاء الحوض، فلم تصدر [¬٧]، منها شاة إلا ضرب جنبها شاة شاة قال: [فأتأمت وأثلثت] [¬٨]، ووضعت كلها قوالب ألوان، إلا شاة أو شاتين ليس فيها فشوش [¬٩]- قال يحيى: ولا ضبون [¬١٠]. وقال صفوان: ولا ضبُوب [¬١١]. قال أبو زرعة: الصواب ضَبوب- ولا عَزُوز ولا ثعُول ولا كميشة تفَوِّت الكف\".\nقال النبي ﷺ: \"فلو افتتحتم الشام وجدتم بقايا تلك الغنم وهي السامرية\".\n_________\n(^١٦) مسند البزار برقم (٢٢٤٦) \"كشف الأستار\".\n_________\n(*) قال ابن الأثير: \"تفسيره في الحديث: أنها جاءت على غير ألوان أُمهاتها؛ كأن لونها قد انقلب\". النهاية [٤/ ٩٧].\n[¬١]- في ز: \"ألوانًا\".\n[¬٢]- في خ: \"كمشة\".\n(**) الفشوش: هي التي ينفش لبنها من غير حَلْب: أي يجري؛ وذلك لسعة الإحليل. والضبوب: ضيقة ثقب الإحليل. والكميشة: الصغيرة الضرع. والثعول: الشاة التي لها زيادة حلمة، وهو عيب.\n[¬٣]- في خ، ز: \"المنذر\".\n[¬٤]- في ز، خ: \"ولدت\".\n[¬٥]- في خ، ز: \"قابلة\".\n[¬٦]- في خ: \"فسلمها\"\n[¬٧]- في ز، خ: \"يصدر\".\n[¬٨] في خ، ز: \"فأتمت وانثنيت\".\n[¬٩]- في خ، ز: \"قنوش\".\n[¬١٠]- في خ، ز: \"ضيوب\".\n[¬١١]- في ز: \"صبوب\".","vol":"10","page":457},{"text":"وحدثنا أبو زُرعة، حدثنا صفوان، قال: سمعت الوليد قال: فسألت ابن لهيعة: ما الفشوش؟ قال: التي تَفُشٌ بلبنها واسعة الشخب. قلت: [فما الضبوب؟ قال: الطويلة الضرع تجره. قلت: فما العَزُوز؟ قال: ضيقة الشخب. قلت] [¬١]: فما الثعُول؟ قال: التي ليس لها ضرع إلا [¬٢] كهيئة حلمتين. قلت: فما الكميشة؟ قال [¬٣]: التي تفَوت الكف، كميشة الضرع، صغير لا يدركه الكف.\nمدار هذا الحديث علي عبد الله بن لهيعة المصري -وفي حفظه سوء- وأخشى أن يكون رفعه خطأ [¬٤]، والله أعلم. وينبغي أن يُرْوَى: ليس فيها فشوش ولا عزوز، ولا ضبوب ولا ثَعول ولا كميشة [¬٥] لتذكر كل صفة ناقصة مع ما يقابلها من الصفات الناقصة. وقد روى ابن جرير من كلام أنس بن مالك -موقوفًا عليه- ما يقارب بعضه بإسناد جيد فقال:\nحدثنا محمد بن المثنئ، حدثنا معاذ بن هشام، حدثنا أبي، عن قتادة، حدثنا [¬٦] أنس بن مالك ﵁ قال: لما دعا نبي الله موسى ﵇ صاحبه إلي الأجل الذي كان بينهما، قال له صاحبه: كل شاة ولدت علي غير [¬٧] لونها ذلك [¬٨] ولدها لك. فعمد فرفع حبالًا على الماء، فلما رأت الخيال فزعت فجالت جولة، فولدن كلهن بلقا إلَّا شاة واحدة، فذهب بأولادهن ذلك العام (^١٧).\n﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَال لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (٢٩) فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَامُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالمِينَ (٣٠) وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَامُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ (٣١) اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيبِكَ تَخْرُجْ بَيضَاءَ مِنْ غَيرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ\n_________\n(^١٧) تفسير الطبري (٢٠/ ٤٤).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٢]- سقط من: خ، ز.\n[¬٣]- في ز: \"قلت\".\n[¬٤]- في خ، ز: \"حقا\".\n[¬٥]- في خ، ز: \"كمشة\".\n[¬٦]- في ز، خ: \"عن\".\n[¬٧]- سقط من: ز.\n[¬٨]- في ت: \"فذلك\".","vol":"10","page":458},{"text":"رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾.\nقد تقدم في تفسير الآية قبلها أن موسى ﵇ قضى أتم الأجلين وأوفاهما وأبرهما وأكملهما وأنقاهما [¬١]، وقد يستفاد هذا أيضًا من الآية الكريمة من قوله: ﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ﴾، أي: الأكمل منهما [¬٢] والله أعلم.\nقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد: قضى عشر سنين وبعدها عشرًا أخر. وهذا القول لم أره لغيره، وقد حكاه عنه ابن جرير، وابن أبي حاتم، والله أعلم.\nوقوله: ﴿وَسَارَ بِأَهْلِهِ﴾، قالوا: كان موسى قد اشتاق إلي بلاده وأهله، فعزم علي زيارتهم في خفية من فرعون وقومه، فتحمل بأهله وما كان معه من الغنم التي وهبها له صهره، فسلك لهم في ليلة مطيرة مظلمة باردة، فنزل منزلًا فجعل كلما أورى زنده لا يُضيء شيئًا، فتعجب من ذلك، فبينما هو كذلك [إذ] [¬٣]: ﴿آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا﴾، أي: رأى نارًا تضيء له علي بعد، فـ ﴿قَال لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا﴾ أي: حتى أذهب إليها، ﴿لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ﴾. وذلك لأنه كان قد أضل الطريق، ﴿أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ﴾، أي: قطعة منها، ﴿لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾، أي: تتدفئون بها من البرد. قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيمَنِ﴾ أي: من جانب الوادي مما يلي الجبل عن يمينه من ناحية الغرب؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَينَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ﴾، فهذا مما يرشد إلي أن موسى قصد النار إلي جهة القبلة، والجبل الغربيّ عن يمينه، والنار وجدها تضطرم في شجرة خضراء في لِحْف (*) الجبل مما يلي الوادي، فوقف باهتًا في أمرها، فناداه ربه: ﴿مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيمَنِ [¬٤] فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ﴾.\nقال ابن جرير: حدثنا ابن وكيع، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن عمرو بن مُرّة، عن أبي عبيدة، عن عبد الله؛ قال: رأيت الشجرة التي نودي منها موسى ﵇ سمرة خضراء ترف. إسناد [¬٥] مقارب.\nوقال محمد بن إسحاق، عن بعض من لا يُتَّهَمُ، عن وهب بن منبه قال: شجرة من العُلَّيق وبعض أهل الكتاب يقول: من العوسج.\n[وقال قتادة: هي من العوسج، وعصاه من العوسج] [¬٦].\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"أتقاهما\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"بينهما\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ت.\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.\n(*) اللِّحف: أصل الجبل.\n[¬٥]- في ت: \"إسناده\".\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.","vol":"10","page":459},{"text":"وقوله تعالى: ﴿أَنْ يَامُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالمِينَ﴾، أي: الذي يخاطبك ويكلمك هو رب العالمين، الفعال لما يشاء، لا إله غيره ولا رب سواه، تعالى وتقدس وتنزه عن مماثلة المخلوقات في ذاته وصفاته، وأقواله [¬١] وأفعاله سبحانه.\nوقوله: ﴿وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ﴾ أي: التي في يدك. كما قرره علي ذلك في قوله: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَامُوسَى (١٧) قَال هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى﴾. والمعنى: أما هذه عصاك التي تعرفها؟ ﴿فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى﴾ فعرف وتحقق أن الذي يخاطبه ويكلمه هو الذي يقول للشيء: كن، فيكون. كما تقدم بيان ذلك في \"سورة طه\" وقال هاهنا: ﴿فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ﴾، أي: تضطرب ﴿كَأَنَّهَا جَانٌّ﴾، أي: في حركتها السريعة مع عظم خِلْقة [¬٢] قوائمها واتساع فمها واصطكاك أنيابها وأضراسها، بحيث لا تمر بصخرة إلا ابتلعتها، فتنحدر في فيها تقعقع [¬٣] كأنها حادرة في واد. فعند ذلك ﴿وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾. أي: ولم [يلتفت] [¬٤]، لأن طبع البشرية ينفر من ذلك. فلما قال الله له: ﴿يَامُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ﴾، رجع فوقف في مقامه الأول، ثم قال الله له: ﴿اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيبِكَ تَخْرُجْ بَيضَاءَ مِنْ غَيرِ سُوءٍ﴾. أي: إذا أدخلت يدك في جيب درعك ثم أخرجتها فإنها تخرج تتلألأ، كأنها قطعة قمر في لمعان البرق. ولهذا قال: ﴿مِنْ غَيرِ سُوءٍ﴾، أي: من غير برص [¬٥].\nوقوله: ﴿وَاضْمُمْ إِلَيكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ﴾، قال مجاهد: من الفزع. وقال قتادة: من الرعب. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وابن جرير: مما [¬٦] حصل لك من خوفك من الحية.\nوالظاهر أن المراد أعم من هذا، وهو أنه أمر ﵇ إذا خاف من شيء أن يضم إليه جناحه من الرهب وهي يده، فإذا فعل ذلك ذهب عنه ما يجده من الخوف، وربما إذا استعمل أحد ذلك علي سبيل الاقتداء فوضع يده علي فؤاده، فإنه يزول عنه ما يجد أو يَخف إن شاء الله، وبه الثقة.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا الربيع بن ثعلب الشيخ الصالح، أخبرنا أبو إسماعيل المؤدب عن عبد الله بن مسلم، عن مجاهد، قال: كان موسى ﵇ قد مُلئ قلبه رعبًا من فرعون، فكان إذا رآه قال: اللهم إني أدرأ بك في نحره، وأعوذ بك من\n_________\n[¬١]- سقط من: خ، ز.\n[¬٢]- في ت: \"خلق\".\n[¬٣]- في ت: \"تتقعقع\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفين في ت: \"يكن يلتفت\".\n[¬٥]- في خ: \"مرض\".\n[¬٦]- في ز: \"ما\".","vol":"10","page":460},{"text":"شره، ففزغ الله ما كان في قلب موسى ﵇ وجعله في قلب فرعون، فكان إذا رآه بال كما يبول الحمار.\nوقوله: ﴿فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّك﴾، يعني: إلقاءه العصا وجعلها حية تسعى، وإدخاله يده في جيبه فتخرج بيضاء من غير سوء، دليلان قاطعان واضحان علي قدرة الفاعل المختار، وصحة نبوة من جرى هذا الخارق على يديه؛ ولهذا قال: ﴿إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ﴾ أي: وقومه من الرؤساء والكبراء والأتباع ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ أي: خارجين عن طاعة الله، مخالفين لدين الله.\n﴿قَال رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (٣٣) وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (٣٤) قَال سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيكُمَا بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ (٣٥)﴾\nلما أمره الله تعالى بالذهاب إلي فرعون، الذي إنما خرج من ديار مصر فرارًا منه وخوفًا من سطوته، ﴿قَال رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا﴾، يعني ذلك القبطي ﴿فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ﴾ أي: إذا رأوْني. ﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا﴾، وذلك أن موسى ﵇ كان في لسانه لثغة، بسبب ما كان تناول تلك الجمرة، حين خُير بينها وبين التمرة أو الدرّة [فأخذ الجمرة] [¬١] فوضعها علي لسانه، فحصل فيه [¬٢] شدة في التعبير، ولهذا قال: ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (٢٧) يَفْقَهُوا قَوْلِي (٢٨) وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (٢٩) هَارُونَ أَخِي (٣٠) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (٣١) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾ أي: يؤنسني فيما أمرتني به من هذا المقام العظيم وهو القيام بأعباء النبوة والرسالة إلي هذا الملك المتكبر الجبار العنيد؛ ولهذا قال: ﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا﴾ أي [¬٣]: وزيرًا ومعينًا ومقويًا لأمري، يصدقني فيما أقوله وأخبر به عن الله ﷿، لأن خبر اثنين أنجع في النفوس من خبر واحد، ولهذا قال: ﴿إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾.\nوقال محمد بن إسحاق: ﴿رِدْءًا يُصَدِّقُنِي﴾ أي: يبين [¬٤] لهم عني ما أكلمهم به فإنه يفهم ما لا يفهمون.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٢]- في ز، خ: \"منه\".\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- في ز، خ: \"يتبين\".","vol":"10","page":461},{"text":"فلما سأل ذلك قال اللَّه تعالى: ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ﴾، أي [¬١]: سنقوي أمرك ونعز جانبك بأخيك الذي سألت له أن يكون نبيًّا معك؛ كما قال في الآية الأخرى: ﴿قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَامُوسَى﴾، وقال تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا﴾ ولهذا قال بعض السلف: ليس أحد أعظم مِنَّة علي أخيه من موسى علي هارون ﵉ فإنه شفع فيه حتى جعله الله نبيًّا ورسولًا معه إلى فرعون وملئه [ولهذا] [¬٢] قال في حق موسى: ﴿وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ وقوله تعالى: ﴿وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا﴾، أي: حجة قاهرة ﴿فَلَا يَصِلُونَ إِلَيكُمَا بِآيَاتِنَا﴾ أي: لا سبيل لهم إلي الوصول إلي أذاكم [¬٣] بسبب إبلاغكما آيات الله، كما قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ إلي قوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾، وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إلا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ أي: وكفى بالله ناصرًا ومعينًا ومؤيدًا. ولهذا أخبرهما أن العاقبة لهما ولمن اتبعهما في الدنيا والآخرة، فقال: ﴿أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ﴾، كما قال تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَويٌّ عَزِيزٌ﴾، وقال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (٥١) يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ ووجه ابن جرير على أن المعنى: ﴿وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيكُمَا﴾، ثم يبتدئ فيقول: ﴿بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ﴾، تقديره: أنتما ومن اتبعكما الغالبون بآياتنا (^١٨).\nولا شك أن هذا المعنى صحيح، وهو حاصل من التوجيه الأول، فلا حاجة إلي هذا، واللَّه أعلم.\n﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إلا سِحْرٌ مُفْتَرًى وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ (٣٦) وَقَال مُوسَى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٣٧)﴾\nيخبر تعالى عن مجئ موسى وأخيه هارون إلي فرعون وملئه وعرضه ما آتاهما الله من المعجزات الباهرة والدلالات القاهرة، علي صدقهما فيما أخبرا عن اللَّه ﷿ من توحيده واتباع أوامره، فلما عاين فرعون وملؤه ذلك وشاهدوه وتحققوه، وأيقنوا أنه من الله، عدلوا بكفرهم وبغيهم [¬٤] إلي العناد والمباهتة، وذلك لطغيانهم وتكبرهم عن اتباع الحق فقالوا:\n_________\n(^١٨) تفسير الطبري (٢٠/ ٤٨).\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في ت: \"لهذا\".\n[¬٣]- في ت: \"أذاكما\".\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.","vol":"10","page":462},{"text":"﴿مَا هَذَا إلا سِحْرٌ مُفْتَرًى﴾ أي: مفتعل مصنوع. أرادوا معارضته بالحيلة [¬١] والجاه فما صعد معهم ذلك وقوله: ﴿وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ﴾، يعنون عبادة الله وحده لا شريك له، يقولون [¬٢]: ما رأينا أحدًا من آبائنا علي هذا الدين، ولم نر الناس إلا يشركون مع الله آلهة أخرى. فقال موسى ﵇ مجيبًا لهم: ﴿رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ﴾، يعني: مني ومنكم، وسيفصل بيني وبينكم؛ ولهذا قال: ﴿وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّار﴾، أي: النصرة والظفر والتأييد ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ أي: المشركون بالله.\n﴿وَقَال فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيرِي فَأَوْقِدْ لِي يَاهَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَه مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٣٨) وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَينَا لَا يُرْجَعُونَ (٣٩) فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (٤٠) وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ (٤١) وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ (٤٢)﴾\nيخبر تعالى عن كفر فرعون وطغيانه وافترائه في دعوى الإلهية لنفسه القبيحة -لعنه الله- كما قال تعالى: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾، [وذلك] [¬٣] لأنه دعاهم إلي الاعتراف له بالإلهية، فأجابوه إلي ذلك بقلة عقولهم وسخافة أذهانهم، ولهذا قال: ﴿يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيرِي﴾، [وقال] [¬٤]، تعالى إخبارًا عنه: ﴿فَحَشَرَ فَنَادَى (٢٣) فَقَال أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (٢٤) فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَال الْآخِرَةِ وَالْأُولَى (٢٥) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ\nيَخْشَى﴾. يعني: أنه جمع قومه ونادى فيهم بصوته العالي مُصَرِّحًا لهم بذلك، فأجابوه سامعين مطيعين؛ ولهذا انتقم الله تعالى منه [¬٥] فجعله عبرة لغيره في الدنيا والآخرة، وحتى إنه واجه موسى الكليم بذلك قال [¬٦]: ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾.\nوقوله: ﴿فَأَوْقِدْ لِي يَاهَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَه مُوسَى﴾\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"بالحلية\".\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في ت: \"ذلك\".\n[¬٤]- في ت: \"قال\".\n[¬٥]- سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- في ت: \"فقال\".","vol":"10","page":463},{"text":"أي: أمر وزيره هامان ومدبر رعيته ومشير دولته أن يوقد له [¬١] علي الطين، ليتخذ له آجُرًّا لبناء الصرح، وهو القصر المنيف الرفيع -كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَقَال فِرْعَوْنُ يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَه مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيدُ فِرْعَوْنَ إلا فِي [¬٢] تَبَابٍ﴾، وذلك لأن فرعون بنى هذا الصرح الذي لم يُرَ في الدنيا بناء أعلى منه إنما أراد بهذا أن يظهر لرعيته تكذيب موسى فيما زعمه من دعوى إله غير فرعون؛ ولهذا قال: ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾. أي: في قوله إن ثَمَّ ربًّا [¬٣] غيري، لا أنه كذبه في أن الله أرسله، لأنه لم يكن يعترف بوجود الصانع، فإنه قال: ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالمِينَ﴾ وقال: ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيرِي﴾ وهذا قول ابن جرير وقوله: ﴿وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَينَا لَا يُرْجَعُونَ﴾، أي: طغوا وتجبروا، وأكثروا في الأرض الفساد، واعتقدوا أنه لا معاد ولا قيامة، ﴿فَصَبَّ عَلَيهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ (١٣) إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ ولهذا قال هاهنا: ﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ﴾، أي: غرقناهم [¬٤] في البحر في صبيحة واحدة، فلم يبق منهم أحد، ﴿فَانْظُرْ كَيفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (٤٠) وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾، أي: لمن سلك وراءهم وأخذ بطريقتهم، في تكذيب الرسل وتعطيل الصانع ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ﴾ أي: فاجتمع عليهم خزي الدنيا موصولًا بذل الآخرة، كما قال تعالى: ﴿أَهْلَكْنَاهُمْ فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ﴾ وقوله: ﴿وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً﴾، أي: وشرع الله لعنتهم ولعنة ملكهم فرعون علي ألسنة المؤمنين من عباده المتبعين رسله، وكما أنهم في الدنيا ملعونون علي ألسنة [¬٥] الأنبياء وأتباعهم، وكذلك ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾، قال قتادة: وهذه الآية الكريمة [¬٦] كقوله تعالى: ﴿وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ﴾.\n﴿وَلَقَدْ آتَينَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٤٣)﴾\nيخبر تعالى عما أنعم به علي عبده ورسوله موسى الكليم -عليه من ربه الصلاة والتسليم- من إنزال التوراة عليه بعد ما أهلك فرعون وملأه.\nوقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى﴾: أنه بعد إنزال التوراة لم يعذب أمة بعامة، بل أمر المؤمنين أن يقاتلوا أعداء الله من المشركين، كما قال: ﴿وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في ز، خ: \"رب\".\n[¬٤]- في ت: \"أغرقناهم\".\n[¬٥]- في ز، خ: \"لسان\".\n[¬٦]- سقط من: ز، خ.","vol":"10","page":464},{"text":"قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ (٩) فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً﴾.\nوقال ابن جرير (^١٩): حدثنا ابن بشار، حدثنا محمد وعبد الوهاب قالا: حدثنا عوف، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخُدري قال: ما أهلك الله قومًا بعذاب من السماء ولا من الأرض بعدما أنزلت التوراة علي وجه الأرض، غير القرية التي مسخوا قردة، ألم تر أن الله يقول: ﴿وَلَقَدْ آتَينَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى﴾.\nورواه ابن أبي حاتم من حديث عوف بن أبي جميلة [¬١] الأعرابي بنحوه. وهكذا رواه أبو بكر البزار في مسنده عن عمرو بن علي الفّلاس، عن يحيي القطان، عن عوف، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد موقوفًا (^٢٠).\nثم رواه عن نصر بن علي، عليّ عبد الأعلى، عن عوف، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد- رفعه إلي النبي- ﷺ قال: \"ما أهلك الله قومًا بعذاب من السماء ولا من الأرض إلا قبل موسى\"، ثم قرأ: ﴿وَلَقَدْ آتَينَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى﴾ (^٢١).\nوقوله: ﴿بَصَائِرَ لِلنَّاسِ﴾ أي: من العمي والغيّ، ﴿وَهُدًى﴾ إلي الحق، ﴿وَرَحْمَةً﴾ أي: إرشادًا [¬٢] إلي الأعمال الصالحة، ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ أي: لعل الناس يتذكرون به، ويهتدون بسببه.\n﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَينَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٤٤) وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيهِمُ الْعُمُرُ وَمَا كُنْتَ ثَاويًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيهِمْ آيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (٤٥) وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَينَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٤٦) وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ\n_________\n(^١٩) تفسير الطبري (٢٠/ ٥٠).\n(^٢٠) مسند البراز برقم (٢٢٤٧) \"كشف الأستار\".\n(^٢١) مسند البزار برقم (٢٢٤٨) \"كشف الأستار\"، وقال الهيثمي في المجمع (٧/ ٨٨): \"رواه البزار موقوفًا ومرفوعًا ورجالهما رجال الصحيح\".\n_________\n[¬١]- في خ، ز: \"حميد\".\n[¬٢] في ز، خ: \"إرشاد\".","vol":"10","page":465},{"text":"أَيدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَينَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٤٧)﴾\nيقول تعالى منبها على برهان نبوة محمد- ﷺ حيث أخبر بالغيوب الماضية، خبرًا كأن سامعه شاهد ورَاءٍ [¬١]- لما تقدم، وهو رجل أمّيٌّ لا يقرأ شيئًا من الكتب، نشأ بين قوم لا يعرفون شيئًا من ذلك، كما أنه لما أخبره عن مريم وما كان من أمرها، قال تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٤٤)﴾. أي: ما كنت حاضرًا لذلك، ولكن الله أوحاه إليك. وهكذا لما أخبره [¬٢] عن نوح وقومه، وما كان من [¬٣] إنجاء الله له وإغراق قومه.\nثم قال تعالى: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيبِ نُوحِيهَا إِلَيكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ (٤٩)﴾، وقال في آخر السورة: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيكَ﴾ وقال بعد ذكر قصة يوسف: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيبِ نُوحِيهِ إِلَيكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ (١٠٢)﴾ وقال في سورة طه: ﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَينَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا (٩٩)﴾، وقال هاهنا بعد ما أخبر عن قصة موسى من أولها إلي آخرها وكيف كان ابتداء إيحاء الله إليه وتكليمه له: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَينَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ﴾، يعني: يا محمد، ما كنت بجانب الجبل الغربيّ الذي كلم الله موسى من الشجرة التي هي شرقية علي شاطئ الوادي ﴿وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ لذلك، ولكن الله ﷾ أوحي إليك ذلك، ليجعله حجة وبرهانًا علي قرون قد تطاول عهدها، ونسوا حجج الله عليهم وما أوحاه إلي الأنبياء المتقدمين.\nوقوله: ﴿وَمَا كُنْتَ ثَاويًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيهِمْ آيَاتِنَا﴾ أي: وما كنت مقيمًا في أهل مدين تتلو عليهم آياتنا حين أخْبرتَ عن نبيها شعيب، وما قال لقومه، وما ردوا عليه، ﴿وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾، أي: ولكن نحن أوحينا إليك ذلك، وأرسلناك للناس رسولا.\n﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَينَا﴾. قال أبو عبد الرحمن النسائي في التفسير من سننه: أخبرنا علي بن حُجْر، أخبرنا عيسى - وهو ابن يونس - عن حمزة الزيات، عن الأعمش، عن عليّ بن مدرك، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة ﵁: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَينَا﴾، قال: نودوا: يا أمة محمد، أعطيتكم قبل أن تسألوني، وأجبتكم قبل أن تدعوني.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"ورائي\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"أخبر\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"بين\".","vol":"10","page":466},{"text":"وهكذا رواه ابن جرير (^٢٢)، وابن أبي حاتم، من حديث جماعة، عن حمزة -وهو ابن حبيب الزيات- عن الأعمش. ورواه ابن جرير من حديث وكيع ويحيى بن عيسى، عن الأعمش، عن علي بن مدرك، عن أبي زرعة- وهو ابن عمرو بن جرير- أنه قال ذلك من كلامه، والله أعلم.\nوقال مقاتل بن حيان: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَينَا﴾: أمتك في أصلاب آبائهم أن يؤمنوا بك إذا بعثت.\nوقال قتادة: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَينَا﴾: موسى. وهذا -والله أعلم- أشبه بقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَينَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ﴾.\nثم أخبر هاهنا بصيغة [¬١]- أخرى أخص من ذلك وهو النداء كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى﴾ وقال: ﴿إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾ وقال: ﴿وَنَادَينَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا (٥٢)﴾.\nوقوله: ﴿ولكن رحمة من ربك﴾، أي: ما كنت مشاهدًا لشيء من ذلك، ولكن الله أوحاه إليك وأخبرك به، رحمة منه لك وبالعباد بإرسالك إليهم، ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾، أي: لعلهم يهتدون بما جئتهم به من الله ﷿. ﴿وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَينَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٤٧)﴾، أي: وأرسلناك إليهم لتقيم عليهم الحجة ولتقطع عذرهم إذا [¬٢] جاءهم عذاب من الله بكفرهم، فيحتجوا بأنهم لم يأتهم رسول ولا نذير؛ كما قال تعالى بعد ذكره إنزال كتابه المبارك وهو القرآن: ﴿أَنْ تَقُولُوا [¬٣] إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَينِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ (١٥٦) أَوْ تَقُولُوا [¬٤] لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَينَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ﴾، وقال: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ وقال تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ (١٩)﴾ والآيات في هذا [¬٥] كثيرة.\n﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى أَوَلَمْ\n_________\n(^٢٢) تفسير الطبري (٢٠/ ٥١) والذي فيه من طريق سفيان ويحيى بن عيسى.\n_________\n[¬١]- في خ، ز: \"بقصة\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"إذ\".\n[¬٣]- في ز: \"يقولوا\".\n[¬٤]- في ز: \"يقولوا\".\n[¬٥]- في ت: \"ذلك\".","vol":"10","page":467},{"text":"يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ (٤٨) قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤٩) فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥٠) وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٥١)﴾\nيقول تعالى مخبرًا عن القوم الذين لو عذبهم قبل قيام الحجة عليهم، لاحتجوا بأنهم لم يأتهم رسول-: إنهم لما جاءهم الحق من عنده علي لسان محمد -صلوات الله وسلامه عليه- قالوا علي وجه التعنت والعناد والكفر والجهل والإلحاد: ﴿لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾ يعنون -والله أعلم- من الآيات الكثيرة مثل العصا، واليد والطوفان، والجراد، والقمّل، والضفادع، والدم، وتنقص الزروع والثمار، بما [¬١] يضيق علي أعداء الله، وكفلق البحر وتظليل الغمام وإنزال المنّ والسلوي، إلي غير ذلك من الآيات الباهرة والحجج القاهرة، التي أجراها الله علي يدي موسى ﵇ حجة وبراهين له علي فرعون وملئه وبني إسرائيل، ومع هذا كله لم ينجع في فرعون وملئه، بل كفروا بموسي وأخيه هارون، كما قالوا لهما [¬٢]: ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ (٧٨)﴾ وقال تعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ (٤٨)﴾، ولهذا قال هاهنا: ﴿أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾، أي: أو لم [يكفر البشر] [¬٣] بما أوتي موسى من تلك الآيات العظيمة ﴿قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا﴾: أي تعاونا. ﴿وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ﴾، أي: بكل منهما كافرون. ولشدة التلازم والتصاحب والمقارنة بين موسى وهارون، دل ذكر أحدهما علي الآخر، كما قال الشاعر:\nفَمَا أَدري إِذَا يَمَّمْتُ أَرْضًا … أُرِيدُ الخيرَ أيُّهُمَا يَلِينِي\nأي: فما أدري أيليني الخير أو الشر. قال مجاهد بن جبر [¬٤]: أمرت اليهود قريشًا أن يقولوا لمحمد، ﷺ ذلك، فقال الله: ﴿أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا﴾، قال: يعني موسى وهارون صلي الله عليهما وسلم ﴿تظاهرا﴾، أي: تعاونا وتناصرا وصدّق كل منهما الآخر، وبهذا [¬٥] قال سعيد بن جبير وأبو رَزين في قوله:\n_________\n[¬١]- في ت: \"مما\".\n[¬٢]- سقط من: ت.\n[¬٣]- في ز: \"يكفروا ببشر\".\n[¬٤]- في ز، خ: \"جبير\".\n[¬٥]- في ز، خ: \"هذا\".","vol":"10","page":468},{"text":"﴿سِحْرَانِ﴾. يعنون: موسى وهارون. وهذا قول جيد قَوي، والله أعلم.\nوقال مسلم بن يسار [¬١]، عن ابن عباس ﴿قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا﴾، يعني: موسى ومحمدًا -صلوات الله وسلامه عليهما- وهذه [¬٢] رواية عن الحسن البصري.\n[وقال الحسن] [¬٣] وقتادة: يعني عيسى - ومحمد- صلي الله عليهما وسلم - وهذا فيه بعد، لأن عيسى لم يجر له ذكر هاهنا، والله أعلم.\nوأما من قرأ: (سحران تظاهرا) (*)، فقال علي بن أبي طلحة والعوفي، عن ابن عباس: يعنون التوراة والقرآن. وكذا قال عاصم الجَنَديّ، والسّديّ، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، قال السدي: يعني صَدّق كل واحد منهما الآخر.\nوقال عكرمة: يعنون التوراة والإنجيل، وهو رواية عن أبي زرعة، واختاره ابن جرير (^٢٣).\nوقال الضحاك وقتادة: الإِنجيل والقرآن. والله سبحانه أعلم بالصواب.\nوالظاهر علي قراءة: (سحران) أنهم يعنون التوراة والقرآن؛ لأنه قال بعده: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ﴾. وكثيرًا ما يقرن الله بين التوراة والقرآن، كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ﴾ إلي أن قال: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾، وقال في آخر السورة: ﴿ثُمَّ آتَينَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ﴾ إلي أن قال: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ وقالت الجن: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى﴾ وقال ورقة بن نوفل: هذا الناموس الذي أنزل علي موسى. وقد علم بالضرورة لذوي الألباب أن الله لم ينزل كتابًا من السماء -فيما أنزل من الكتب المتعددة علي أنبيائه- أكمل ولا أشمل ولا أفصح ولا أعظم ولا أشرف من الكتاب الذي أنزل علي محمد- ﷺ وهو القرآن، وبعده في الشرف والعظمة الكتاب الذي أنزله علي موسى بن عمران ﵇ وهو التوراة التي قال الله تعالى فيها: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيهِ شُهَدَاءَ﴾ والإنجيل إنما نزل متممًا للتوراة ومحلًّا لبعض ما حرم علي بني إسرائيل؛ ولهذا قال تعالى: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤٩)﴾، أي: فيما تدافعون به الحق وتعارضون به من الباطل.\n_________\n(^٢٣) تفسير الطبري (٢٠/ ٥٣).\n_________\n[¬١]- في ز: \"بشار\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"هذا\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n(*) وهي قراءة عاصم وحمزة والكسائي. وقرأ عبد الله بن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر: \"ساحران\" بإثبات الألف.","vol":"10","page":469},{"text":"قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ﴾، أي: فإن لم يجيبوك عما قلت لهم ولم يتبعوا الحق، ﴿فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ﴾، أي: بلا دليل ولا حجة، ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾، أي: بغير حجة مأخوذة من كتاب [¬١] الله ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾.\nوقوله: ﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ﴾ قال مجاهد: فصلنا لهم القول. وقال السدي: بينا لهم القول.\nوقال قتادة: يقول تعالى: أخبَرَهم كيف صُنع بمن مضي وكيف هو صانع، ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ قال مجاهد وغيره: ﴿وَصَّلْنَا لَهُمُ﴾، يعني: قريشًا. وهذا هو الظاهر. لكن قال حماد بن سلمة، عن عمرو بن دينار، عن يحيى بن جعدة، عن رفاعة- رفاعة هذا هو ابن قَرَظَة القُرَظِي، وجعله ابن مندة: رفاعة بن سمْوال، خال صفية بنت حييّ، وهو الذي طلق تميمة بنت وهب التي تزوجها بعده عبد الرحمن بن الزبير بن باطا، كذا ذكره ابن الأثير (^٢٤).\n[قال: نزلت: ﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ﴾ في عشرة أنا أحدهم. رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم في حديثه] [¬٢] (^٢٥).\n﴿الَّذِينَ آتَينَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (٥٢) وَإِذَا يُتْلَى عَلَيهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (٥٣) أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَينِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٥٤) وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ (٥٥)﴾\nيخبر تعالى عن العلماء الألباء [¬٣] من أهل الكتاب أنهم يؤمنون- بالقرآن، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَينَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ وقال: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ\n_________\n(^٢٤) أسد الغابة لابن الأثير (٢/ ٢٢٨).\n(^٢٥) تفسير الطبري (٢٠/ ٥٦)، ورواه الطبراني في المعجم الكبير (٥/ ٥٣) من طريق حماد بن سلمة به.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"كتب\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٣]- في ت: \"الأولياء\".","vol":"10","page":470},{"text":"لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ﴾ وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ [¬١] مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (١٠٧) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا﴾ وقال: ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٨٢) وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٨٣)﴾.\nقال سعيد بن جبير: نزلت في سبعين من القسيسين بعثهم النجاشي، فلما قدموا علي النبي ﷺ قرأ عليهم: ﴿يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (٢)﴾، حتى ختمها، فجعلوا بيكون وأسلموا ونزلت فيهم هذه الآية الأخرى: ﴿الَّذِينَ آتَينَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (٥٢) وَإِذَا يُتْلَى عَلَيهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (٥٣)﴾، يعني: من قبل هذا القرآن كنا مسلمين، أي [¬٢]: موحدين مخلصين مستجيبين له.\nقال الله: ﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَينِ بِمَا صَبَرُوا﴾، أي: هؤلاء المتصفون بهذه الصفة الذين آمنوا بالكتاب الأول ثم بالثاني، ولهذا قال: ﴿بِمَا صَبَرُوا﴾، أي: علي اتباع الحق؛ فإن تجشم مثل هذا شديد علي النفوس. وقد ورد في الصحيحين من حديث عامر الشعبي، عن أبي بُرْدَةَ، عن أبي مرسي الأشعري ﵁ قال: قال: رسول الله- ﷺ: \"ثَلاثة يُؤتَون أجْرَهُم مَرّتَين: رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه ثم آمن بي، وعبد مملوك أدي حق الله وحق مواليه، ورَجُل [كانت] [¬٣] [له] [¬٤] أمة فأدبها فأحسن تأديبها ثم أعتقها فتزوجها\" (^٢٦).\nوقال الإِمام أحمد: حدثنا يحيى بن إسحاق السِّيلَحيني، حدثنا ابن لَهيعة، عن سليمان بن عبد الرحمن، عن القاسم، عن أبي أمامة قال: إني لتَحْتَ راحلة رسول الله- ﷺ يوم الفتح، فقال قولًا حسنًا جميلًا وقال فيما قال: \"من أسلم من أهل الكتابين فله أجره مرتين، وله ما لنا وعليه ما علينا، [ومن أسلم من المشركين، فله أجره وله ما لنا وعليه ما علينا] [¬٥] \" (^٢٧).\nوقوله ﴿وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾، أي: لا يقابلون السيئ [¬٦] بمثله، ولكن يعفون ويصفحون؛ ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ أي: ومن الذي رزقهم من الحلال ينفقون [¬٧] علي خَلْق\n_________\n(^٢٦) صحيح البخاري برقم (٩٧)، وصحيح مسلم برقم (١٥٤).\n(^٢٧) المسند (٥/ ٢٥٩).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"الكتاب\".\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في خ، ز: \"كان\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٦]- في ز: \"علي الشيء\".\n[¬٧]- سقط من: خ، ز.","vol":"10","page":471},{"text":"الله في النفقات الواجبة لأهلهم وأقاربهم والزكاة المفروضة والمستحبة من التطوعات وصدقات النفل والقربات.\nوقوله: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ﴾، أي: لا يخالطون أهله ولا يعاشرونهم [¬١] بل كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْو مَرُّوا كِرَامًا﴾.\n﴿وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ أي: إذا سَفه عليهم سَفيه، وكلَّمهم بما لا يَليق بهم الجوابُ عنه، أعرضوا عنه ولم يقابلوه بمثله من الكلام القبيح ولا يصدر عنهم إلا كلام طيب؛ ولهذا قال عنهم: إنهم قالوا: ﴿لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ (٥٥)﴾ أي [¬٢]: لا نُريد طَريق الجاهلين ولا نحبّها.\nقال محمد بن إسحاق في السيرة: ثم قدم علي رسول الله، ﷺ، وهو بمكة عشرون رجلًا، أو قريب من ذلك، من النصارى، حين بلغهم خبره من الحبشة؛ فوجدوه في المسجد، فجلسوا إليه وكلموه وساءلوه- و[¬٣] رجال من قريش في أنديتهم حول الكعبة - فلما فرغوا من مساءلة رسول الله عما أرادوا، دعاهم إلي الله وتلا عليهم القرآن، فلما سمعوا القرآن فاضت أعينهم من الدمع، ثم استجابوا وآمنوا به وصدقوه، وعرفوا منه ما كان يوصف لهم في كتابهم من أمره. فلما قاموا عنه اعترضهم أبو جهل بن هشام في نفر من قريش، فقالوا لهم: خيبكم الله من ركب! بعثكم مَنْ وراءكم مِنْ أهل دينكم ترتادون لهم لتأتوهم [¬٤] بخبر الرجل، فلم تطمئن مجالسكم عنده حتى فارقتم دينكم وصدقتموه فيما قال، ما نعلم ركبًا أحمق منكم -أو كما قالوا لهم- فقالوا: سلام عليكم، لا نجاهلكم، لنا ما نحن عليه، ولكم ما أنتم عليه، لم نَألُ أنفسنا خيرًا (^٢٨).\nقال: ويقال: إن النفر النصارى من أهل نجران، فالله أعلم، أيّ ذلك كان. قال: ويقال -والله أعلم-: إنّ فيهم نزلت هذه الآيات ﴿الَّذِينَ آتَينَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (٥٢)﴾ إلي قوله: ﴿لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾.\nقال: وقد سألت الزهري عن هذه الآيات فيمن أنْزلْن [¬٥]؟ فقال [¬٦]: ما زلتُ أسمع من علمائنا أنهنّ أنزلنَ في النجاشي وأصحابه ﵃ والآيات التي في سورة المائدة: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا﴾ إلي قوله: ﴿فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾\n_________\n(^٢٨) السيرة النبوية لابن هشام (١/ ٣٩٢).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"يحاشرونهم\".\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- في ز، خ: \"فتأتوهم\".\n[¬٥]- في ز، خ: \"نزل\".\n[¬٦]- في ت: \"قال\".","vol":"10","page":472},{"text":"[﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٨٣)﴾] [¬١]\n﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (٥٦) وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٥٧)﴾\nيقول تعالى لرسوله ﷺ: إنك يا محمد ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ أي: ليس إليك ذلك، إنما عليك البلاغ، والله يهدي من يشاء، وله الحكمة البالغة والحجة الدامغة، كما قال تعالى: ﴿لَيسَ عَلَيكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ وقال: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾.\nوهذه الآية أخص من هذا كله فإنه قال: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (٥٦)﴾ أي: هو أعلم بمن يستحق الهداية ممن يستحق الغَوَاية، وقد ثبت في الصحيحين أنها نزلت في أبي طالب عَمّ رسول الله ﷺ وقد كان يَحُوطه وينصره، ويقوم في صفه يحبه حبًّا طَبَعِيًّا لا شرعيًّا، فلما حضرته الوفاة وحان أجله، دعاه رسول الله- ﷺ إلي الإِيمان والدخول في الإِسلام فسبق التهدر فيه، واختطُف من يده، فاستمر علي ما كان عليه من الكفر، ولله الحكمة [¬٢] التامة.\nقال الزهري: حدثني سعيد بن المسيب، عن أبيه -وهو المسيب بن حزْن المخزومي ﵁ قال: لما حضرت أبا طالب الوفاة جاءه رسول الله ﷺ، فوجد عنده أبا جهل بن هشام، وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة، فقال رسول الله ﷺ: \"يا عم، قل: لا إله إلا الله، كلمة أشهد لك بها عند الله\". فقال أبو جهل، وعبد الله بن أبي [¬٣] أمية: يا أبا طالب، أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فلم يزل رسول الله ﷺ يعرضها عليه، ويعودان له بتلك المقالة، حتى قال آخر ما قال: هو علي ملة عبد المطلب. وأبى أن يقول: لا إله إلا الله. فقال رسول الله ﷺ: \"أما لأستغفرن لك ما لم أنه عنك\". فأنزل الله ﷿: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى﴾، [وأنزل] [¬٤] في أبي طالب: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٢]- في خ، ز: \"الحجة\".\n[¬٣]- سقط من: خ.\n[¬٤]- في ت: \"وأنزل الله\".","vol":"10","page":473},{"text":"أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾.\nأخرجاه (^٢٩) من حديث الزهري. وهكذا رواه مسلم في صحيحه، والترمذي من حديث يزيد بن كيسان، عن أبي حازم، عن أبي هُريرة ﵁، قال: لما حَضَرَتْ وفاة أبي طالب؛ أتاه رسول الله ﷺ فقال: \"يا عمَّاه، قل: لا إله إلا الله، أشهد لك بها يوم القيامة\". فقال: لولا أن يُعَيِّرني [¬١]- بها قريش، - يقولون: ما حمله عليه إلا جزع الموت، لأقررتُ بها عينَك، لا أقولها إلا لأقرَّ بها عينك. فأنزل الله: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾. وقال الترمذي: حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث يزيد بن كيسان (^٣٠).\nورواه الإِمام أحمد، عن يحيى بن سعيد القطان، عن يزيد بن كيسان، حدثني أبو حازم، عن أبي هريرة … فذكره بنحوه (^٣١).\nوهكذا قال ابن عباس، وابن عمر، ومجاهد، والشعبي، وقتادة: إنها نزلت في أبي طالب حين عَرَض عليه رسول الله ﷺ أن يقول: \"لا إله إلا الله\"، فأبى عليه ذلك، وقال: أي ابن أخي، ملّة الأشياخ. وكان آخر ما قال: هو علي ملة عبد المطلب.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو سلحة، حدثنا حماد بن سلمة، حدثنا عبد الله بن عثمان بن خُثيم، عن سعيد بن أبي راشد، قال: كان رسول قيصر جاء إليَّ قال: كتب معي قيصر إلي رسول الله، ﷺ، كتابًا، فأتيته فدفعت الكتاب، فوضعه في حجره ثم قال: \"ممن الرجل؟ \" قلت: من تنوخ [¬٢]. قال: \"هل لك في دين أبيك إبراهيم الحنيفية؟ \" قلت: إني رسول قوم [¬٣] وعلي دينهم حتى أرجع إليهم. فضحك رسول الله ﷺ ونظر إلي أصحابه فقال [¬٤]: ﴿إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء﴾ \" (^٣٢).\nوقوله: ﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا﴾، [يقول تعالى مخبرًا عن اعتذار بعض الكفار في عدم اتباع الهدي حيث قالوا لرسول الله ﷺ: ﴿إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا﴾] [¬٥] أي: نخشي إِنِ اتبعنا [¬٦] ما جئت به من الهدي،\n_________\n(^٢٩) صحيح البخاري برقم (١٣٦٠)، وصحيح مسلم برقم (٢٤).\n(^٣٠) صحيح مسلم برقم (٢٥)، وسنن الترمذي برقم (٣١٨٨).\n(^٣١) المسند (٢/ ٤٣٤).\n(^٣٢) رواه أحمد في المسند (٣/ ٤٤١) من طريق حماد بن سلمة بنحوه.\n_________\n[¬١]- في ت: \"تعيرني\".\n[¬٢]- في خ، ز: \"تبرح\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"قومي\".\n[¬٤]- في ت: \"وقال\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٦]- في ز: \"اتبعت\".","vol":"10","page":474},{"text":"وخالفنا مَنْ حولنا من أحياء العرب المشركين، أن يقصدونا بالأذى والمحاربة، ويتخطونا أينما كنا، فقال الله تعالى مجيبًا لهم: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا﴾ يعني: هذا الذي اعتذروا به كذب وباطل؛ لأن الله جعلهم في بلد أمين وحَرَم معظم آمن [¬١] منذ وُضع، فكيف يكون هذا الحرم آمنًا [لهم] [¬٢] في حال كفرهم وشركهم، ولا يكون آمنًا لهم وقد أسلموا وتابعوا الحق؟!\nوقوله: ﴿يُجْبَى إِلَيهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيءٍ﴾، [أي: من سائر الثمار مما حوله من الطائف وغيره، وكذلك المتاجر والأمتعة] [¬٣] ﴿رزقا من لدنا﴾، أي: من عندنا، ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ فلهذا قالوا ما قالوا.\nوقد قال النسائي: أنبأنا الحسن بن محمد، حدثنا حجاج [¬٤]، عن ابن جُريج، أخبرني ابن أبي مُليكة، قال: قال عمرو بن شعيب، عن ابن عباس -ولم يسمعه منه-: إن الحارث بن عامر بن نوفل الذي قال: ﴿إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا﴾ (^٣٣).\n﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إلا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ (٥٨) وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إلا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ (٥٩)﴾\nيقول تعالى مُعَرِّضًا بأهل مكة في قوله: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا﴾، أي: طغت وأشرت [¬٥] وكفرت نعمة الله، فيما أنعم به عليهم من الأرزاق، كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (١١٢) وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ (١١٣)﴾ ولهذا قال: ﴿فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إلا قَلِيلًا﴾ أي: دثرت ديارهم، فلا ترى إلا مساكنهم.\nوقوله: ﴿وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ﴾ أي: رجعت خرابًا، ليس فيها أحد. وقد ذكر ابن أبي\n_________\n(^٣٣) النسائي في السنن الكبرى يرقم (١١٣٨٥).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"أمين\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ت.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٤]- في ت: \"الحجاج\".\n[¬٥]- في خ، ز: \"وأصرت\".","vol":"10","page":475},{"text":"حاتم، عن ابن مسعود، أنه سمع كعبًا يقول لعمر: إن سليمان ﵇ قال للهامة -يعني: البومة-: ما لك لا تأكلين الزرع؟ قالت: لأنه أخرج آدم بسببه من الجنة. قال: فما لك لا تشربين الماء؟ قالت: لأن الله أغرق قوم نوح به. قال: فما لك لا تأوين إلا إلي الخراب؟ قالت: لأنه ميراث الله -عز جل- ثم تلا: ﴿وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ﴾.\nثم قال الله مخبرًا عن عدله، وأنه لا يهلك أحدًا ظالمًا له، وإنما يهلك من أهلك بعد قيام الحجة عليهم؛ ولهذا قال: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا﴾ وهي مكة ﴿رَسُولًا يَتْلُو عَلَيهِمْ آيَاتِنَا﴾، فيه دلالة علي أن النبي الأمي- وهو محمد ﷺ المبعوثَ من أم القرى- رسولٌ إلي جميع القرى من عرب وأعجام؛ كما قال تعالى: ﴿لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ وقال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيكُمْ جَمِيعًا﴾ وقال: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾. وقال: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾ وتمام الدليل: ﴿وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إلا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا (٥٨)﴾ فأخبر أنه سيهلك كل قرية قبل يوم القامة، وقد قال: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥)﴾. فجعل تعالى بعثة النبي الأمي شاملة لجميع القرى، لأنه مبعوث إلي أمها وأصلها [¬١] التي ترجع إليها. وثبت في الصحيحين عنه- ﷺ أنه قال: \"بعثت إلي الأحمر والأسود\". ولهذا ختم به الرسالة والنبوة، فلا نبي بعده ولا رسول، بل شرعه باق بقاء الليل والنهار إلي يوم القيامة.\nوقيل المراد بقوله: ﴿حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا﴾ أي: أصلها وعظيمتها كأمهات الرساتيق والأقاليم. حكاه الزمخشري وابن الجوزي وغيرهما، وليس ببعيد.\n﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيرٌ وَأَبْقَى أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٦٠) أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (٦١)﴾\nيقول تعالى مخبرًا عن حقارة الدنيا، وما فيها من الزينة الدنيئة والزهرة الفانية بالنسبة إلي ما أعده الله لعباده الصالحين في الدار الآخرة من النعيم العظيم المقيم؛ كما قال: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ وقال: ﴿وما عند الله خير للأبرار﴾ وقال: ﴿وما الحياة الدنيا في الآخرة إلا متاع﴾ وقال: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيرٌ وَأَبْقَى﴾ وقال رسول الله ﷺ: \"والله ما الدنيا في الآخرة إلا كما يَغْمِس أحدكم إصبعه في اليم فَلينْظُر ماذا يرجع إليه؟ \" (^٣٤).\n_________\n(^٣٤) رواه مسلم في صحيحه يرقم (٢٨٥٨) من حديث المستورد بن شداد ﵁.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"وأهلها\".","vol":"10","page":476},{"text":"﴿أفلا تعقلون [¬١]﴾ أي: أفلا يعقل من يقدم الدنيا على الآخرة.\nوقوله: ﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (٦١)﴾.\nيقول: أفمن هو مؤمن مصدق بما وعده الله علي صالح أعماله من الثواب الذي هو صائر إليه لا محالة، كمن هو كافر مكذب بلقاء الله ووعده ووعيده، فهو ممتع في الحياة الدنيا أيامًا قلائل، ﴿ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾، قال مجاهد، وقتادة: من المعذبين.\nثم قد قيل: إنها نزلت في رسول الله- ﷺ وفي أبي جهل. وقيل: في حمزة، وعليّ، وأبي جهل، وكلاهما عن مجاهد. والظاهر أنها عامة، وهذا كقوله تعالى إخبارًا عن ذلك المؤمن حين أشرف علي صاحبه، وهو في الدرجات وذاك في الدركات: ﴿ولولا نعمة ربي لكنت من المحضرين﴾ وقال تعالى: ﴿ولقد علمت الجنة إنهم لمحضرون﴾.\n﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَينَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٦٢) قَال الَّذِينَ حَقَّ عَلَيهِمُ الْقَوْلُ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَغْوَينَا أَغْوَينَاهُمْ كَمَا غَوَينَا تَبَرَّأْنَا إِلَيكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ (٦٣) وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ (٦٤) وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ (٦٥) فَعَمِيَتْ عَلَيهِمُ الْأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لَا يَتَسَاءَلُونَ (٦٦) فَأَمَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ (٦٧)﴾\nيقول تعالى مخبرًا [¬٢] عما يوبخ به الكفار المشركين يوم القيامة، حيث يناديهم فيقول: ﴿أَينَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ يعني: أين الآلهة التي كنتم تعبدونها في الدار الدنيا، من الأصنام والأنداد، هل ينصرونكم أو ينتصرون؟ وهذا علي سبيل التقريع والتهديد؛ كما قال: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَينَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٩٤)﴾.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"يعقلون\".\n[¬٢]- سقط من: خ، ز.","vol":"10","page":477},{"text":"وقوله: ﴿قَال الَّذِينَ حَقَّ عَلَيهِمُ الْقَوْلُ﴾، يعني: من الشياطين والمَرَدَة [¬١] والدعاة إلي الكفر ﴿رَبَّنَا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَغْوَينَا أَغْوَينَاهُمْ كَمَا غَوَينَا تَبَرَّأْنَا إِلَيكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ﴾ فشهدوا عليهم أنهم أغووهم فاتبعوهم [¬٢]، ثم تبرءوا من عبادتهم، كما قال تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (٨١) ﴿كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيهِمْ ضِدًّا (٨٢)﴾ وقال: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ (٦)﴾، وقال الخليل لقومه: ﴿إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَينِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ وقال الله: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ (١٦٦) وَقَال الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ (١٦٧)﴾ ولهذا قال: ﴿وقيل ادعوا شركاءكم﴾ ليخلصوكم مما أنتم فيه كما كنتم ترجون منهم في الدار الدنيا ﴿فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذَابَ﴾ أي: [وتيقنوا] [¬٣] أنهم صائرون إلي النار لا محالة.\nوقوله: ﴿لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ﴾ أي: فودوا [¬٤] حين عاينوا العذاب لو أنهم كانوا من المهتدين في الدار الدنيا. وهذا كقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَجَعَلْنَا بَينَهُمْ مَوْبِقًا (٥٢) وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا (٥٣)﴾.\nوقوله: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ [¬٥] مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ (٦٥)﴾، النداء الأول عن سؤال التوحيد، وهذا فيه إثبات النبوات: ماذا كان جوابكم للمرسلين إليكم؟ كيف كان حالكم معهم؟ وهذا كما يُسأل العبد في قبره: من ربك؟ ومن نبيك؟ وما دينك؟ فأما المؤمن: فيشهد أنه لا إله إلا الله وأن محمدًا عبد الله، ورسوله. وأما الكافر فيقول: هاه.،. هاه … لا أدري؛ ولهذا لا جواب له يوم القيامة غير السكوت؛ لأن من كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلًا؛ ولهذا قال تعالى: ﴿فَعَمِيَتْ عَلَيهِمُ الْأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لَا يَتَسَاءَلُونَ﴾.\nوقال مجاهد: فعميت عليهم الحجج فهم لا يتساءلون بالإنساب.\nوقوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾، أي: في الدنيا، ﴿فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ\n_________\n[¬١]- في ت: \"المردة\".\n[¬٢]- في خ، ز: \"فيما يتبعوهم\".\n[¬٣]- في ت: \"تيقنوا\".\n[¬٤]- في ز، خ: \"فردوا\".\n[¬٥]- سقط من: ز.","vol":"10","page":478},{"text":"الْمُفْلِحِينَ﴾، أي: يوم القيامة. \"وعسي\" من الله موجبة، فإن هذا واقع بفضل الله ومَنِّهِ لا محالة.\n﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٨) وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ (٦٩) وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إلا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيهِ تُرْجَعُونَ (٧٠)﴾\nيخبر تعالى أنه المنفرد بالخلق والاختيار، وأنه ليس له في ذلك منازع ولا معقب فقال: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ [وَيَخْتَارُ﴾، أي: ما يشاء] [¬١]، فما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، فالأمور كلها خيرها وشرها بيده، ومرجعها إليه.\nوقوله: ﴿مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾، نفيُ علي أصح القولين، كقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ وقد اختار ابن جرير أن (ما) هاهنا بمعنى \"الذي\"، تقديره: ويختار الذي لهم فيه خيرة. وقد احتج بهذا المسلك [¬٢] طائفة المعتزلة علي وجوب مراعاة الأصلح. والصحيح أنها نافية، كما نقله ابن أبي حاتم، عن ابن عباس وغيره أيضًا، فإن المقام في بيان انفراده تعالى بالخلق والتقدير والاختيار، وأنه لا نظير له في ذلك؛ ولهذا قال: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾، أي: من الأصنام والأنداد التي لا تخلق ولا تختار شيئًا.\nثم قال: ﴿وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ (٦٩)﴾ أي: يعلم [مكتمة] [¬٣] الضمائرُ وما تنطوي عليه السرائر، كما يعلم ما تبديه الظواهر من سائر الخلائق، ﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ (١٠)﴾.\nوقوله: ﴿وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إلا هُوَ﴾، أي: هو المنفرد بالإِلهية، فلا معبود سواه، كما لا رب يخلق ويختار سواه ﴿لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ﴾ أي: في جميع ما يفعله هو المحمود عليه، لعدله وحكمته ﴿وَلَهُ الْحُكْمُ﴾، أي: الذي لا معقب له، لقهره وغلبته وحكمته ورحمته، ﴿وَإِلَيهِ تُرْجَعُونَ﴾، أي: جميعكم يوم القيامة فيجازي كل عامل بعمله، من خير وشر، ولا يخفى عليه منهم خافية في سائر الأعمال.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في خ: \"الملك\".\n[¬٣]- في ت: \"ما تكنه\".","vol":"10","page":479},{"text":"﴿قُلْ أَرَأَيتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيكُمُ اللَّيلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ (٧١) قُلْ أَرَأَيتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٧٢) وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٣)﴾\nيقول تعالى ممتنًّا علي عبادِهِ بما سخر لهم من الليل والنهار، اللذين لا قَوَام لهم بدونهما، وبين أنه لو جعل الليل دائمًا عليهم سرمدًا إلي يوم القيامة، لأضرّ ذلك بهم، ولسئمته [¬١] النفوس وانحصرت منه؛ ولهذا قال تعالى: ﴿مَنْ إِلَهٌ غَيرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ﴾، أي: تبصرون به وتستأنسون بسببه، ﴿أَفَلَا تَسْمَعُونَ﴾؟.\nثم أخبر أنه لو جعل النهار سرمدًا [دائمًا مستمرًا] [¬٢] إلي يوم القيامة لأضر ذلك بهم، ولتعبت الأبدان وكلّت من كثرة الحركات والأشغال؛ ولهذا قال: ﴿مَنْ إِلَهٌ غَيرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ﴾ أي: تستريحون من حركاتكم وأشغالكم، ﴿أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٧٢) وَمِنْ رَحْمَتِهِ﴾، أي: بكم ﴿جَعَلَ لَكُمُ اللَّيلَ وَالنَّهَارَ﴾، أي: خلق هذا وهذا، ﴿لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ أي: في الليل، ﴿وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾، أي: في النهار بالأسفار والترحال، والحركات والأشغال، وهذا من باب اللف والنشر.\nوقوله: ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾، أي: تشكرون الله بأنواع العبادات في الليل والنهار، ومن فاته شيء بالليل [¬٣] استدركه بالنهار، أو بالنهار استدركه بالليل، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا (٦٢)﴾ والآيات في هذا [¬٤] كثيرة.\n﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَينَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٧٤) وَنَزَعْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٧٥)﴾\n_________\n[¬١]- في خ، ز: \"ولساء منه\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: م.\n[¬٣]- في ز، خ: \"من الليل\".\n[¬٤]- في ت: \"ذلك\".","vol":"10","page":480},{"text":"وهذا أيضًا نداء علي سبيل التقريع والتوبيخ لمن عبد مع الله إلهًا آخر يناديهم الرب ﵎ علي رءوس الأشهاد فيقول: ﴿أَينَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾. أي: في الدار الدنيا.\n﴿وَنَزَعْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا﴾ قال مجاهد: يعني رسولًا ﴿فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾ أي: علي صحة ما ادعيتموه من أن لله شركاء، ﴿فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ﴾ أي: لا إله غيره، أي: فلم ينطقوا ولم [¬١]، يحيروا جوابًا، ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾. أي: ذهبوا فلم ينفعوهم [¬٢].\n﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيهِمْ وَآتَينَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَال لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (٧٦) وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٧٧)﴾\nقال الأعمش: عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس؛ قال: ﴿إن قارون كان من قوم موسى﴾، [] [¬٣]: كان ابن عمه. وهكذا قال إبراهيم النخعي، وعبد الله بن الحارث بن نوفل، وسماك بن حرب، وقتادة ومالك بن دينار، وابن جريج، وغيرهم: إنه كان ابن عم [¬٤] موسى ﵇.\nقال ابن جريج: هو قارون بن [يصهر بن قاهث] [¬٥]، وموسي بن عمران بن قاهث.\nوزعم محمد بن إسحاق بن يسار: أن قارون كان عم موسى ﵇.\nقال ابن جرير: وأكثر أهل العلم علي أنه كان ابن عمه، والله أعلم.\nوقال قتادة بن دعامة: كنا نُحدّث أنه كان ابن عم موسى، وكان يسمي المنوّر لحسن صوته بالتوراة، ولكن عدو الله نافق كما نافق السامري، فأهلكه البغي لكثرة ماله.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"ولا\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"ينفعهم\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفين في ت: \"قال\".\n[¬٤]- في ز: \"عمه\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين في خ، ز: \"يعمر بن فاهت\"، وفي ز: \"يعهر بن قاهت\".","vol":"10","page":481},{"text":"وقال شهر بن حوشب: زاد في ثيابه شبرًا طولًا ترفعًا علي قومه.\nوقوله: ﴿وَآتَينَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ﴾، أي: الأموال ﴿مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ﴾، أي: لَيثقُل حملُها الفئام من الناس لكثرتها [¬١].\nقال الأعمش: عن خيثمة: كانت مفاتيح كنوز قارون من جلود، كل مفتاح مثل الإِصبع، كل مفتاح علي خزانة علي حدته، فإذا ركب حملت علي ستين بغلًا [¬٢] أغر محجلًا [¬٣]، وقيل غير ذلك، والله أعلم.\nوقوله: ﴿إِذْ قَال لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ أي: وعظه فيما هو فيه صالحو [¬٤] قومه، فقالوا علي سبيل النصح والإِرشاد: لا تفرح بما أنت فيه، يعنون لا تبطر بما أنت فيه من الأموال ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾.\nقال ابن عباس: يعني المرحين، وقال مجاهد يعني [¬٥]: الأشرين البطرين الذين لا يشكرون الله علي ما أعطاهم.\nوقوله: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾، أي: استعمل ما وهبك الله من هذا المال الجزيل والنعمة الطائلة في طاعة ربك والتقرب إليه بأنواع القربات، التي يحصل لك بها [¬٦] الثواب في الدار الآخرة، ﴿وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾، أي: مما [¬٧] أباح الله فيها من المآكل والمشارب والملابس والمساكن والمناكح، فإن لربك عليك حقًّا ولنفسك عليك حقًّا، ولأهلك عليك حقًّا، ولزَوْرك [عليك حقًّا] [¬٨] فآت كل ذي حق حقه.\n﴿وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيكَ﴾، أي: أحسن إلي خلقه كما أحسن هو إليك، ﴿وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ﴾، أي: لا تكن همتك بما أنت فيه أن تفسد به في [¬٩] الأرض، وتسيء إلي خلق الله ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾.\n﴿قَال إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ\n_________\n[¬١]- في ت: \"لكثرتهم\".\n[¬٢]- في ز: \"بغل\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"محجل\".\n[¬٤]- في ت: \"صالح\".\n[¬٥]- سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- سقط من: ز، خ.\n[¬٧]- في ز، خ: \"ما\".\n[¬٨]- ما بين المعكوفتين سقط من: ت.\n[¬٩]- سقط من: خ، ز.","vol":"10","page":482},{"text":"الْمُجْرِمُونَ﴾.\nيقول تعالى مخبرًا عن جواب قارون لقومه، حين نصحوه وأرشدوه إلي الخير، ﴿قَال إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ أي: أنا لا أفتقر إلي ما تقولون، فإن الله تعالى إنما أعطاني هذا المال لعلمه بأني أستحقه، ولمحبته لي، فتقديره [¬١]: إنما أعطته لعلم الله في أنّي أهل له، [وهذا] [¬٢] كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَال إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ﴾، [أي: علي علم من الله بي] [¬٣]، وكقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي﴾ أي: هذا أستحقه.\nوقد رُوي عن بعضهم أنه أراد: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾، أي: إنه كان يعاني علم الكيمياء. وهذا القول ضعيف، لأن علم الكيمياء في نفسه علم باطل، لأن قلب الأعيان لا يقدر أحد عليها إلا الله ﷿، قال الله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَو اجْتَمَعُوا له﴾.\nوفي الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: \"يقول الله تعالى ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي، فليخلقوا ذرة، فليخلقوا شعيرة\" (^٣٥). وهذا ورد في المصورين [¬٤] الذين يشبهون بخلق الله في مجرد الصورة الظاهرة أو الشكل، فكيف بمن يدعي أنه يحيل ماهية هذه الذات إلي ماهية ذات أخرى، هذا زور ومحال، وجهل وضلال. وإنما يقدرون علي الصبغ في الصورة الظاهرة، وهو كذب وزغل وتمويه، وترويج أنه صحيح في نفس الأمر، وليس كذلك قطعًا لا محالة، ولم يثبت بطريق شرعي أنه صح مع أحد من الناس من هذه الطريقة التي يتعاناها هؤلاء الجهلة الفسقة الأفاكون، فأما ما يجريه الله -تعالى- من خَرْق العوائد علي يدي بعض الأولياء من قلب بعض الأعيان ذهبًا أو فضة أو نحو ذلك، فهذا أمر لا ينكره مسلم، ولا يرده مؤمن، ولكن هذا ليس من قبيل الصناعات، وإنما هذا عن مشيئة رب الأرض والسماوات، واختياره وفعله، كما روي عن حَيوة بن شُريح المصري ﵀ أنه سأله سائل، فلم يكن عنده ما يعطيه ورأي ضرورته، فأخذ حصاة من الأرض فأجالها في كفه، ثم ألقاها إلي ذلك السائل فإذا هي ذهب أحمر. والأحاديث والآثار كثيرة جدًّا يطول ذكرها.\nوقال بعضهم: إن قارون كان يعلم الاسم الأعظم، فدعا الله به [¬٥] فتموّل بسببه. والصحيح\n_________\n(^٣٥) صحيح البخاري برقم (٥٩٥٣)، وصحيح مسلم برقم (٢١١١).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"فتقدير\".\n[¬٢]- في ت: \"هذا\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٤]- في خ، ز: \"المتصورين\".\n[¬٥]- سقط من: خ، ز.","vol":"10","page":483},{"text":"المعنى الأول؛ ولهذا قال الله -تعالى- رادًّا عليه فيما ادعاه من اعتناء الله به فيما أعطاه من المال: ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا﴾، أي: قد كان من هو أكثر منه مالًا وما كان ذلك عن محبة منا له، وقد أهلكهم الله مع ذلك بكفرهم وعدم شكرهم؛ ولهذا قال: ﴿وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾، أي: لكثرة ذنوبهم.\nقال قتادة: ﴿على علم عندي﴾ علي خير عندي: وقال السديُّ: علي عدم أني أهل لذلك.\nوقد أجاد في تفسير هذه الآية الإمام عبد الرحمن بي زيد بن أسلم، فإنه قال في قوله: ﴿قَال إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَي عِلْمٍ عِنْدِي﴾ قال: لولا رضا الله عني، ومعرفته بفضلي، ما أعطاني هذا المال، وقرأ: ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾.\n﴿فَخَرَجَ عَلَي قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَال الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَاليتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٧٩) وَقَال الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إلا الصَّابِرُونَ (٨٠)﴾\nيقول تعالى مخبرًا عن قارون: إنه خرج ذات يوم علي قومه في زينة عظيمة، وتجمل باهر، من مراكب وملابس عليه وعلي خدمه وحشمه، فلما رآه من يريد الحياة الدنيا ويميل إلي زخرفها وزينتها، تمنوا أن لو كان لهم مثل الذي أعطي، قالوا ﴿يَاليتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾، أي: ذو حظ وافز من الدنيا. فلما سمع مقالتهم أهل العلم النافع قالوا لهم: ﴿وَيلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾، أي: جزاء الله لعباده المؤمنين الصالحين في الدار الآخرة خير مما ترون.\n[كما في الحديث الصحيح: \"يقول الله تعالى: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. واقرءوا إن شئتم: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ \"] [¬١] (^٣٦).\n_________\n(^٣٦) صحيح مسلم برقم (٢٨٢٤).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.","vol":"10","page":484},{"text":"وقوله: ﴿وَلَا [¬١] يُلَقَّاهَا إلا الصَّابِرُونَ﴾، قال السدي: وما يلقي الجنة إلا الصابرون. كأنه جعل ذلك من تمام كلام الذين أوتوا العلم، قال ابن جرير: وما يلقي هذه الكلمة إلا الصابرون عن محبة الدنيا، الراغبون [¬٢] في الدار الآخرة. وكأنه جعل ذلك مقطوعًا [¬٣] من كلام أولئك، وجعله من كلام الله ﷿ وإخباره [¬٤] بذلك.\n﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ (٨١) وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَينَا لَخَسَفَ بِنَا وَيكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (٨٢)﴾\nلما ذكر -تعالى- اختيال قارون في زينته، وفخره علي قومه، وبغيه عليهم -عقب ذلك بأنه خسف به وبداره الأرض، كما ثبت في الصحيح- عند البخاري من حديث الزهري، عن سالم، أن أباه حدثه، أن رسول الله، ﷺ، قال: \"بينا رجل يجر إزاره إذ خُسف به، فهو يتجلجل في الأرض إلي يوم القيامة\".\nثم رواه من حديث جرير بن زيد، عن سالم، عن أبي هريرة، عن النبي، ﷺ، نحوه (^٣٧).\nوقال الإِمام أحمد: حدثنا النضر بن إسماعيل أبو المغيرة القاصّ، حدثنا الأعمش، عن عطية، عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله ﷺ: \"بينا رجل فيمن كان قبلكم، خرج في بردين أخضرين يختال فيهما، أمر الله الأرض فأخذته، فإنه ليتجلجل فيها إلي يوم القيامة\". تفرد به أحمد وإسناده حسن (^٣٨).\nوقال الحافظ أبو يعلى الموصلي: حدثنا أبو خيثمة، حدثنا [مُعَلَّى] [¬٥] بن منصور، أخبرني محمد بن مسلم، سمعت زيادًا النميري يحدث عن أنس بن مالك ﵁ قال:\n_________\n(^٣٧) صحيح البخاري برقم (٥٧٩٠).\n(^٣٨) المسند (٣/ ٤٠).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"ما\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"الراغبين\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"معطوفًا\".\n[¬٤]- في ز، خ: \"اختاره\".\n[¬٥]- في خ، ز: \"أبو معلى\". وفي ت: \"أبو يعلى\". والأولي تحريف. والثانية كنية معلي. وقد أثبتنا الموجود في مسند أبي يعلى.","vol":"10","page":485},{"text":"قال رسول الله، ﷺ: \"بينا رجل فيمن كان قبلكم خرج في بردين فاختال فيهما، فأمر الله الأرض فأخذته، فهو يتجلجل فيها إلي يوم القيامة\" (^٣٩).\nوقد ذكر محمد بن المنذر -شَكَّر- في كتاب \"العجائب الغربية [¬١] \" بسنده عن نوفل بن مساحق قال: رأيت شابًّا في مسجد نجران، فجعلت أنظر إليه وأتعجب من طوله وتمامه وجماله، فقال: ما لك تنظر إليّ؟ فقلت: أعجب من جمالك وكمالك. فقال: إن الله ليعجب مني. قال: فما زال ينقص وينقص حتى صار بطول الشبر فأخذه بعض ترابته في كمه وذهب.\nوقد ذُكر أن هلاك قارون كان عن دعوة نبي الله موسى ﵇ واختلف في سببه: فعن ابن عباس والسدي: أن قارون أعطي امرأة بغيًّا مالًا على أن تبهت موسى بحضرة الملإِ من بني إسرائيل، وهو قائم فيهم يتلو عليهم كتاب الله، فتقول: يا موسى، إنك فعلت لي كذا وكذا، فلما قالت في الملإِ ذلك لموسي ﵇ أرْعَدَ من الفَرَق، وأقبل عليها، وصلي ركعتين ثم قال: أنشدك بالله الذي فرق البحر، وأنجاكم من فرعون، وفعل كذا وكذا، لما أخبرتني بالذي حملكِ علي ما قلتِ؟ فقالت: أما إذ نَشَدتني فإنّ قارون أعطاني كذا وكذا، علي أن أقول لك، وأنا أستغفر الله وأتوب إليه. فعند ذلك خر موسى لله ﷿ ساجدًا، وسأل الله في قارون. فأوحي الله إليه أني قد أمرت الأرض أن تطيعك فيه فأمر موسى الأرض أن تبتلعه وداره فكان ذلك.\nوقيل: إن قارون لما خرج علي قومه في زينته تلك، وهو راكب علي البغال الشّهب، وعليه وعلي خدمه الثياب الأرجوان الصّبغة [¬٢]، فمر في جَحفَله ذلك علي مجلس نبي الله موسى ﵇ وهو يذكرهم بأيام الله، فلما رأي الناس قارون انصرفت وجوه الناس حوله، ينظرون إلي ما هو فيه، فدعاه موسى ﵇ وقال: ما حملك علي ما صنعت؟ فقال: يا موسى، أما لئن كنت فُضِّلت عليّ بالنبوة، فلقد فضلت عليك بالدنيا، ولئن شئت لنخرجن، فلتدعونّ عليّ وأدعو عليك. فخرج وخرج قارون في قومه فقال موسى: تدعو أو أدعو أنا؟ قال: بل أنا ادعو. فدعا قارون فلم يجب له، ثم قال موسى: أدعو؟ قال: نعم. فقال موسى: اللهم، مر الأرض أن تطعني اليوم. فأوحي الله إليه أني قد فعلت، فقال موسى: يا أرض، خذيهم. فأخذتهم إلي أقدامهم. ثم قال: خذيهم. فأخذتهم إلي ركبهم، ثم إلي مناكبهم. ثم قال: أقبلي بكنوزهم وأموالهم. قال: فأقبلت بها حتى نظروا إليها. ثم أشار موسى بيده فقال: اذهبوا بني لاوي فاستوت بهم الأرض.\n_________\n(^٣٩) مسند أبي يعلى (٧/ ٢٧٩)، وقال الهيثمي في المجمع (٥/ ١٢٦): \"فيه زياد بن عبد الله النميري وهو ضعيف، وقد وثقه ابن حبان وقال: يخطيء\".\n_________\n[¬١]- في ز: \"العربية\".\n[¬٢]- في خ: \"الصنعة\".","vol":"10","page":486},{"text":"وعن ابن عباس أنه قال: خُسِفَ بهم الي الأرض السابعة. وقال قتادة: ذكر لنا أنه يخسف بهم كل يوم قامة. فهم [¬١]- يتجلجلون فيها إلي يوم القيامة وقد ذُكر هاهنا إسرائيليات أضربنا عنها صفحًا.\nوقوله: ﴿فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ (٨١)﴾، أي: ما أغني عنه ماله وما جَمَعه، ولا خدمه وحشمه. ولا دفعوا عنه نقمة الله وعذابه ونكاله [به] [¬٢]، [ولا كان هو في نفسه منتصرًا لنفسه، فلا ناصر له من نفسه ولا من غيره.\nوقوله تعالى: ﴿وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ﴾، أي: الذين لما رأوه في زينته ﴿يَاليتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٧٩)﴾، فلما خسف] [¬٣] به أصبحوا يقولون: ﴿وَيكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ﴾ أي: ليس المال بدالّ علي رضا الله عن صاحبه؛ فإن الله يعطي ويمنع، ويضيق ويوسع، [ويخفض ويرفع] [¬٤]، وله الحكمة التامة والحجة البالغة. وهذا كما في الحددث المرفوع عن ابن مسعود: \"إنّ الله قسم بينكم أخلاقكم، كما قسم أرزاقكم، وإن الله يعطي المال من يحب، ومن لا يحب، ولا يعطي الإِيمان إلا من يحب\" (^٤٠).\n﴿لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَينَا لَخَسَفَ بِنَا﴾، أي: لولا لُطف الله بنا وإحسانه إلينا لخسف بنا كما خسف به، لأنَا وَددْنا أنَّا [¬٥] نكون مثله.\n﴿وَيكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾، يعنون أنه كان كافرًا، ولا يفلح الكافرون عند الله، لا في الدنيا ولا في الآخرة.\nوقد اختلف النحاة في معنى قوله تعالى: ﴿وَيكَأَنَّ﴾ فقال بعضهم: معناها: \"ويلك [¬٦] اعلم أن\" ولكن خُفّفت فقيل: \"ويك\" ودل فتح \"أن\" علي حذف \"اعلم\". وهذا القول ضَعفه ابن جرير (^٤١)، والظاهر أنّه قوي، ولا يشكل علي ذلك إلا كتابتها في المصاحف متصلة \"ويكأن\". والكتابة أمر وضعي [¬٧] اصطلاحي، والمرجع إلي اللفظ العربي، والله أعلم.\n_________\n(^٤٠) المسند (١/ ٣٨٧).\n(^٤١) تفسير الطبري (٢٠/ ٧٧).\n_________\n[¬١]- سقط من: خ، ز.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ت.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٥]- في ت: \"أن\".\n[¬٦]- في ز، خ: \"ويك\".\n[¬٧] في ز، خ: \"وضع\".","vol":"10","page":487},{"text":"وقيل: معناها: ويكأن، أي: ألم تر أن؛ قاله قتادة. وقيل: معناها: \"وي كأن\"، ففصلها وجعل حرف \"وي [¬١] \" للتعجب أو للتنبيه، و\"كأن\": بمعني: أظنّ وأحسب. قال ابن جرير: وأقوي الأقوال في هذا قول قتادة: إنها بمعني: \"ألم تر أن\"، واستشهد بقول الشاعر:\nسَألَتَاني الطَّلاق أنْ رَأتَاني … قَلّ مالي، قَدْ [¬٢] جئْتُمَاني بنُكر [¬٣]\nوَيكَأنْ مَنْ يَكُن له نَشَب يُحْـ … ـــــــــبَبْ، ومن يَفْتَقرْ يَعِشْ عَيشَ ضُرّ\n﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (٨٣) مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيرٌ مِنْهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إلا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٨٤)﴾\nيخبر تعالى أن الدار الآخرة ونعيمها المقيم الذي لا يحول ولا يزول جعلها لعباده المؤمنين المتواضعين، الذين لا يريدون علوًّا في الأرض، أي: ترفعًا علي خلق الله وتعاظمًا عليهم وتجبرًا بهم، ولا فسادًا فيهم. كما قال عكرمة: العلو: التجبر.\nوقال سعيد بن جبير: العلو: البغي.\nوقال سفيان بن سعيد الثوري: عن منصور، عن مسلم البطين: العلو في الأرض: التكبر بغير حق. والفساد: أخذ المال بغير حق.\nوقال ابن جُريج: ﴿لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ﴾. تعظمًا وتجبرًا ﴿وَلَا فَسَادًا﴾: عملًا [¬٤] بالمعاصي.\nوقال ابن جرير: حدثنا ابن وكيع، حدثنا أبي، عن أشعث [¬٥] السمان عن أبي سلام الأعرج، عن عليٍّ، قال: إنّ الرجل ليعجبه من شراك نعله أن يكون أجود من شراك صاحبه، فيدخل في قوله: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾.\nوهذا محمول على ما إذا أراد الفخر على غيره، [فإنّ ذلك مذموم كما ثبت في الصحيح، عن النبي، ﷺ: \"أنه أوحي إليّ أن تَوَاضعُوا، حتى لا يفخر أحد على\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"أي\".\n[¬٢]- في خ، ز: \"أن\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"يبكر\".\n[¬٤]- في ز، خ: \"عمل\".\n[¬٥]- في ز، خ: \"أشعب\".","vol":"10","page":488},{"text":"أحد، ولا يبغي أحد على أحد\" (^٤٢)] [¬١]-، وأما إذا أحب ذلك لمجرد التجمل فهذا لا بأس به، فقد ثبت أن رجلًا، قال: يا رسول الله، إني أحب أن يكون ردائي حسنًا ونعلي [حسنة] [¬٢] أفمن الكبر ذلك؟ فقال: \"لا، إن الله جميل يحب الجمال\".\nوقوله: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ﴾، أي: يوم القيامة ﴿فَلَهُ خَيرٌ مِنْهَا﴾، أي: ثواب الله خير من حَسَنَة العبد، فكيف والله يضاعفه أضعافًا كثيرة! فهذا مقام الفضل.\nثم قال: ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إلا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إلا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٩٠)﴾ وهذا مقام الفصل العدل.\n﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٨٥) وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيكَ الْكِتَابُ إلا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ (٨٦) وَلَا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيكَ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٨٧) وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا إِلَهَ إلا هُوَ كُلُّ شَيءٍ هَالِكٌ إلا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيهِ تُرْجَعُونَ (٨٨)﴾\nيقول تعالى آمرًا رسوله -صلوات الله وسلامه عليه- ببلاغ الرسالة وتلاوة القرآن علي الناس، ومخبرًا له بأنه سيرده إلى معاد وهو يوم القيامة، فيسأله عما استرعاه من أعباء النبوة، ولهذا قال: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ أي: افترض عليك أداءه إلي الناس ﴿لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾، أي: إلي يوم القيامة فيسألك عن ذلك، كما قال تعالى: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (٦)﴾ وقال: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ﴾، وقال: ﴿وجيء بالنبيين والشهداء﴾.\nوقال السدي: عن أبي صالح، عن ابن عباس: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ يقول: لرادَّك إلي الجنة، ثم سائلك عن القرآن. قال السدي: وقال أبو سعيد مثلها.\n_________\n(^٤٢) صحيح مسلم برقم (٢٨٦٥) من حديث عياض بن حمار ﵁.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٢] في ت: \"حسنًا\".","vol":"10","page":489},{"text":"وقال الحكم بن أبان: عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄: ﴿لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ قال: إلي يوم القيامة. ورواه مالك، عن الزهري.\nوقال الثوري عن الأعمش عن سعيد بن جبير عن ابن عباس: ﴿لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾: إلي الموت، ولهذا طرق عن ابن عباس ﵄ وفي بعضها: لرادك إلى معدنك من الجنة.\nوقال مجاهد: يحييك يوم القيامة. وكذا روي عن عكرمة، وعطاء، وسعيد بن جبير، وأدي قَزْعَة، وأدي مالك، وأبي صالح. وقال الحسن البصري: أي والله، إن له لمعادًا يبعثه [¬١] الله يوم القيامة ثم يدخله الجنة.\nوقد روي عن ابن عباس غير ذلك، كما قال البخاري في التفسير من صحيحه:\nحدثنا محمد بن مقاتل، أنبأنا [¬٢] يعلى، حدثنا سفيان العُصفُري، عن عكرمة، عن ابن عباس: ﴿لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾، قال: إلي مكة.\nوهكذا رواه النسائي (^٤٣) في تفسير سننه، وابن جرير من حديث يعلى - وهو ابن عبيد الطنافسي - به. وهكذا روي العَوفي، عن ابن عباس: ﴿لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾، أي: لرادك إلي مكة كما أخرجك منها. وقال محمد بن إسحاق عن مجاهد في قوله: ﴿لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾: إلي مولدك بمكة.\nقال ابن أبي حاتم: وقد روي عن ابن عباس، ويحي بن الجزار، وسعيد بن جبير، وعطية، والضحاك، نحو ذلك.\n[وحدثنا أبي، حدثنا ابن أبي عمر، قال: قال سفيان: وسمعناه من مقاتل منذ سبعين سنة عن الضحاك] [¬٣]، قال: لما خرج النبي ﷺ من مكة فبلغ الجُحفة اشتاق إلي مكة فأنزل الله عليه: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ إلي مكة.\nوهذا من كلام الضحاك يقتضي أن هذه الآية مدنية وإن كان مجموع السورة مكيًّا، والله أعلم.\nوقد قال عبد الرزاق: حدثنا معمر، عن قتادة، في قوله: ﴿لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾، قال: هذه مما كان [ابن عباس] [¬٤] يكتمها، وقد روي ابن أبي حاتم بسنده عن نعيم القارئ [¬٥] أنه\n_________\n(^٤٣) النسائي في السنن الكبرى برقم (١١٣٨٦)، وتفسير الطبري (٢٠/ ٨٠).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"ابتعثه\".\n[¬٢]- في ز، خ \"أبا\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٥]- في ز، خ: \"القاهري\".","vol":"10","page":490},{"text":"قال في قوله: ﴿لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ قال: إلي بيت المقدس.\nوهذا -والله أعلم- يرجع إلي قول من فسر ذلك بيوم القيامة؛ لأن بيت المقدس هو أرض المحشر والمنشر، والله الموفق للصواب.\nووجه الجمع بين هذه الأقوال أن ابن عباس فسر ذلك تارة برجوعه إلي مكة، وهو الفتح الذي هو [¬١]- عند ابن عباس أمارة على اقتراب أجله ﷺ كما فسره ابن عباس بسورة: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (٣)﴾: أنه أجَلُ رسول الله ﷺ نُعي إليه، وكان ذلك بحضرة عمر بن الخطاب ووافقه عمر علي ذلك، وقال: لا أعلم منها غير الذي تعلم. ولهذا فسر ابن عباس تارة أخرى قوله: ﴿لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ بالموت، وتارة بيوم القيامة الذي هو بعد الموت، وتارة بالجنة التي هي جزاؤه ومصيره علي أداء رسالة الله، وإبلاغها إلي الثقلين الجن والإِنس، ولأنه أكمل خلق الله، وأفصح خلق الله، وأشرف خلق الله علي الإِطلاق.\nوقوله: ﴿قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٨٥)﴾ أي: قل لمن خالفك وكذبك [¬٢]، محمد من قومك من المشركين ومن تبعهم علي كفرهم- قل: ربي أعلم بالمهتدي منكم ومني، وستعلمون لمن تكون عاقبة الدار، ولمن تكون العاقبة والنصرة في الدنيا والآخرة.\nثم قال تعالى مذكرًا لنبيه نعمته العظيمة عليه وعبي العباد إذ أرسله إليهم: ﴿وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيكَ الْكِتَابُ﴾ أي: ما كنت تظن قبل إنزال الوحي إليك أن الوحي ينزل عليك، ﴿وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾، أي: إنما نزل عليك الوحي من الله من رحمته بك وبالعباد بسببك، فإذا [¬٣] منحك هذه النعمة العظيمة ﴿فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا﴾، أي: معينًا ﴿لِلْكَافِرِينَ﴾، ولكن فارقهم ونابذهم وخالفهم.\n﴿وَلَا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيكَ﴾ أي: لا تتأثر لمخالفتهم لك وصدهم الناس عن طريقك، و[¬٤] لا تلوي علي ذلك ولا تباله؛ فإن الله معُلِ [¬٥] كلمتك، ومؤيد [¬٦] دينك، ومظهر ما أرسلت به على سائر الأديان، ولهذا قال: ﴿وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ﴾، أي: إلي عبادة ربك وحده لا شريك له، ﴿وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾.\nوقوله: ﴿وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا إِلَهَ إلا هُوَ﴾ أي: لا تليق العبادة إلا له، ولا تنبغي\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في ز، خ: \"كذلك\".\n[¬٣]- في ت: \"فإذا\".\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- في ز، خ: \"معك\".\n[¬٦]- في ز، خ: \"مؤبدك\".","vol":"10","page":491},{"text":"الإلهية إلا لعظمته.\nوقوله: ﴿كُلُّ شَيءٍ هَالِكٌ إلا وَجْهَهُ﴾ إخبار بأنه الدائم الباقي الحي القيوم الذي تموت الخلائق ولا يموت؛ كما قال تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ فعبر بالوجه عن الذات، وهكذا قوله هاهنا: ﴿كُلُّ شَيءٍ هَالِكٌ إلا وَجْهَهُ﴾ أي: إلا إياه وقد ثبت في الصحيح، من طريق أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: \"أصدق كلمة قالها الشاعر [¬١] كلمة لبيد:\nألا كُلُّ شيءٍ ما خلا اللهُ باطلُ (^٤٤)\nقال مجاهد والثوري في قوله: ﴿كُلُّ شَيءٍ هَالِكٌ إلا وَجْهَهُ﴾ أي: إلا ما أريد به وجهه وحكاه البخاري في صحيحه كالمقرِّر له.\nقال ابن جرير: ويستشهد من قال ذلك بقول الشاعر.\nأستغفرُ اللهَ ذَنْبًا لَسْتُ مُحْصِيَهُ … رَبّ العبَاد، إلَيه الوَجْهُ والعَمَلُ\nوهذا القول لا ينافي القول الأول، فإن هذا إخبار عن كل الأعمال بأنها باطلة إلا ما أريد بها وجه الله ﷿ من الأعمال الصالحة المطابقة للشريعة. والقول الأول مقتضاه أن كل الذوات فانية وهالكة وزائلة إلا ذاته -تعالى- فإنه الأول و[¬٢] الآخر الذي هو قبل كل شيء وبعد كل شيء.\nقال أبو بكر عبد الله بن محمد بن أبي الدنيا في كتاب \"التفكر والاعتبار\": حدثنا أحمد بن محمد بن أبي بكر، حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا عمرو بن سليم الباهلي، حدثنا أبو الوليد، قال: كان ابن عمر إذا أراد أن يتعاهد قلبه، يأتي الخربة فيقف علي بابها، فينادي بصوت حزين فيقول: أين أهلُكِ؟ ثم يرجع إلي نفسه فيقول: ﴿كُلُّ شَيءٍ هَالِكٌ إلا وَجْهَهُ﴾.\nوقوله: ﴿له الحكم﴾، أي: الملك والتصرف ولا معقب لحكمه ﴿وإليه ترجعون﴾.\nأي: يوم معادكم فيجزيكم بأعمالكم إنْ خيرًا فخير، وإنْ شرًّا فشر.\n* * *\n_________\n(^٤٤) صحيح البخاري برقم (٣٨٤١)، وصحيح مسلم برقم (٢٢٥٦).\n_________\n[¬١]- في ز: \"شاعر\".\n[¬٢]- سقط من: ز.","vol":"10","page":492},{"text":"<span data-type='title' id=toc-137>تفسير سورة العنكبوت وهي مكية</span>\n﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (٣) أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (٤)﴾\nأما الكلام علي الحروف المقطعة فقد تقدم في أول \"سورة البقرة\".\nوقوله: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ استفهام إنكار ومعناه أن الله ﷾ لا بد أن يبتلي عباده المؤمنين بحسب ما عندهم من الإِيمان كما جاء في الحديث الصحيح (^١): \" أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الصالحون ثم الأمثل فالأمثل، يبتلي الرجل علي حسب دينه، فإن كان في دينه صلابة زيد في البلاء\". وهذه الآية كقوله: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ ومثلها في \"سورة براءة\". وقال في البقرة: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (٢١٤)﴾؛ ولهذا قال هاهنا: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (٣)﴾، أي: الذين صدقوا في دعواهم الإِيمان ممن [¬١] هو كاذب في قوله ودعواه. والله ﷾ يعلم ما كان وما يكون [وما لم] [¬٢] يكن لو كان كيف كان يكون. وهذا مجمع عليه عند أئمة السنة والجماعة ولهذا يقول ابن عباس وغيره في مثل: ﴿إلا لنعلم﴾ [¬٣] إلا لنري؛ وذلك أن الرؤية إنما تتعلق بالموجود، والعلم أعم من الرؤية، فإنه يتعلق بالمعدوم والموجود.\n_________\n(^١) المسند (١/ ١٧٢)، والترمذي حديث (٢٣٩٨) من طريق مصعب، عن أبيه سعد بن أبي وقاص ﵁، وقال الترمذي: \"حديث حسن صحيح\".\n_________\n[¬١]- في خ، ز: \"فيمن\".\n[¬٢]- في خ، ز: \"ولو لم\".\n[¬٣]- في ز: \"ليعلم\".","vol":"10","page":493},{"text":"وقوله: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾، أي: لا يحسبن الذين لم يدخلوا في الإِيمان أنهم يتخلصون من هذه الفتنة والامتحان، فإن من ورائهم من العقوبة والنكال ما هو أغلظ من هذا وأطَمُّ، ولهذا قال: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا﴾ أي: يفوتونا ﴿سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ أي: بئس ما يظنون!\n﴿مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٥) وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالمِينَ (٦) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ (٧)﴾\nيقول تعالى: ﴿من كان يرجو لقاء الله﴾ أي: في الدار الآخرة، وعمل الصالحات رجاء ما عند الله من الثواب الجزيل، فإن الله سيحقق له رجاءه، ويوفيه عمله كاملًا موفورًا، فإن ذلك كائن لا محالة لأنه سميع الدعاء، بصير بكل الكائنات؛ ولهذا قال: ﴿مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾.\nوقوله: ﴿وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ﴾ كقوله: ﴿من عمل صالحًا فلنفسه﴾: أي: من عمل صالحًا فإنما يعود نفع عمله علي نفسه. فإن الله غني عن أفعال العباد ولوكانوا كلهم على أتقي قلب رجل منهم، ما زاد ذلك في ملكه شيئًا؛ ولهذا قال: ﴿وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالمِينَ (٦)﴾.\nقال الحسن البصري: إن الرجل ليجاهد وما ضرب يومًا من الدهر بسيف.\nثم أخبر أنه مع غناه عن الخلائق جميعهم من [إحسانه وبره] بهم يجازي الذين آمنوا وعملوا الصالحات أحسن الجزاء، وهو أنه يكفر عنهم أسوأ الذي عملوا، ويجزيهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون، فيقبل القليل من الحسنات، ويثيب عليها الواحدة بعشر أمثالها إلي سبعمائة ضعف، ويجزي علي السيئة بمثلها أو يعفو ويصفح، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَال ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (٤٠)﴾، وقال هاهنا: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ (٧)﴾.\n﴿وَوَصَّينَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ (٩)﴾","vol":"10","page":494},{"text":"يقول تعالى آمرًا عباده بالإحسان إلي الوالدين بعد الحث علي التمسك بتوحيده، فإن الوالدين هما سببُ وجود الإنسان، ولهما عليه [¬١] غاية الإحسان، [فالوالد] [¬٢] بالإنفاق والوالدة بالإشفاق؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إلا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَينِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (٢٣) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ ومع هذه الوصية بالرأفة والرحمة والإحسان إليهما، في مقابلة إحسانهما المتقدم، قال: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا﴾، أي: وإن حَرَصَا عليك أن تتابعهما في دينهما إذا كانا مشركين، فإياك وإياهما، لا تطعهما في ذلك، فإن مرجعكم إليّ يوم القيامة فأجزيك بإحسانك إليهما وصبرك علي دينك، وأحشرك مع الصالحين لا في زمرة والديك وإن كنت أقرب الناس إليهما في الدنيا فإن المرء إنما يحشر يوم القيامة مع من أحب، أي: حبا دينيًّا؛ ولهذا قال: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ﴾.\nوقال الترمذي (^٢) عند تفسيره هذه الآية: حدثنا محمد بن بشار ومحمد بن المثنى، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة عن سماك بن حرب [قال] [¬٣]: سمعت مُصعب بن سعد يحدث عن أبيه سعد، قال: نزلت فيّ أربع آيات. فذكر قصة وقالت أم سعد: أليس قد أمرك الله بالبر؟ والله لا أطعم طعامًا ولا أشرب شرابًا حتى أموت أو تكفر، قال: فكانوا [¬٤] إذا أرادوا أن يطعموها شَجَرُوا فاها (*)؛ فأنزل الله: ﴿وَوَصَّينَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ﴾ الآية.\nوهذا الحديث رواه الإمام أحمد ومسلم. وأبو داود والنسائي أيضًا، وقال الترمذي: حسن صحيح.\n﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالمِينَ (١٠) وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ (١١)﴾\n_________\n(^٢) سنن الترمذي حديث (٣٠٧٩)، والمسند (١/ ١٨١)، وصحيح مسلم حديث (١٧٤٨)، وسنن أبي داود حديث (٢٧٤٠).\n(*) -أي: فتحوا فمها.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"إليه\".\n[¬٢]- في خ: \"قالوا الوالد\".\n[¬٣]- سقط من: خ، ز.\n[¬٤]- في ز: \"وكانوا\".","vol":"10","page":495},{"text":"يقول تعالى مخبرًا عن صفات قوم من المكذبين [¬١] الذين يدعون الإيمان بألسنتهم، ولم يثبت الإيمان في قلوبهم، بأنهم إذا جاءتهم فتنة ومحنة في الدنيا اعتقدوا أن هذا من نقمة الله -تعالى- بهم، فارتدوا عن الإسلام؛ ولهذا قال: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾.\nقال ابن عباس: يعني فتنته أن يرتد عن دينه إذا أوذي في الله. وكذا قال غيره من علماء السلف. وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾.\nثم قال: ﴿وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ﴾ أي: ولئن [¬٢] جاء نصر قريب من ربك -يا محمد- وفتح ومغانم، ليقولن هؤلاء لكم: إنا كنا معكم، أي إخوانكم في الدين، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوذْ عَلَيكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، وقال تعالى: ﴿فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾ وقال تعالى مخبرًا عنهم هاهنا: ﴿وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ﴾ ثم قال تعالى: ﴿أَوَلَيسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالمِينَ﴾، أي: أو ليس الله بأعلم بما في قلوبهم، وما تُكنه ضمائرهم وإن أظهروا لكم الموافقة؟\nوقوله: ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ﴾، أي: وليختبرن الله الناس بالضراء والسراء، ليتميز هؤلاء من هؤلاء، ومن يطيع الله في الضراء والسراء، ومن إنما يطيعه في حظ نفسه، كما قال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾، وقال تعالى بعد وقعة أحد التي كان فيها [ما كان] [¬٣]: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ الآية.\n﴿وَقَال الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١٢) وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ (١٣)﴾\nيقول تعالى مخبرًا عن كفار قريش: إنهم قالوا لمن آمن منهم واتبع الهدى: ارجعوا عن دينكم إلى ديننا واتبعوا سبيلنا، ﴿وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾، أي: وآثامكم -إن كانت لكم آثام\n_________\n[¬١]- سقط من: خ، ز.\n[¬٢]- في ت: \"لئن\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من ز، خ.","vol":"10","page":496},{"text":"في ذلك- علينا وفي رقابنا، كما يقول القائل: \"افعل هذا وخطيئتك في رقبتي\". قال الله تكذيبًا لهم: ﴿وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾، أي: فيما قالوه: إنهم يحملون [¬١] عن أولئك خطاياهم فإنه لا حمل أحد وزر أحد ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾. وقال تعالى: ﴿وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا (١٠) يُبَصَّرُونَهُمْ﴾.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ إخبار عن الدعاة إلي الكفر والضلالة أنهم يوم القيامة يحملون أوزار أنفسهم، [وأوزارًا أخرى] [¬٢] بسبب من [¬٣] أضلوا من الناس من غير أن ينقص من أوزار أولئك شيئًا، كما قال تعالى: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ (٢٥)﴾.\nوفي الصحيح (^٣): \" من دعا إلي هدى، كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه إلي يوم القيامة من غير أن ينقص من أجورهم شيئًا، ومن دعا إلي ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من اتبعه إلي يوم القيامة من غير أن ينقص من آثامهم شيئًا\".\nوفي الصحيح (^٤): \" ما قتلت نفس ظلمًا إلا كان على ابن آدم الأول كِفْل (*) من دمها، لأنه أول من سَنّ القتل\".\nوقوله: ﴿وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ أي: يكذبون ويختلقون، من البهتان.\nوقد ذكر ابن أبي حاتم هاهنا حديثًا فقال: حدثنا أبي حدثنا هشام بن عمار، حدثنا صدقة، حدثنا [عثمان أبو حفص بن أبي العاتكة] [¬٤] حدثني سليمان بن حبيب المحاربي، عن أبي أمامة ﵁ قال: إن [¬٥] رسول الله- ﷺ بلغ ما أرسل به ثم قال: إياكم والظلم فإن الله يعزم يوم القيامة فيقول: وعزتي لا يجوزني اليوم ظلم! ثم\n_________\n(^٣) تقدم تخريج الحديث عند الآية: ٢ من سورة المائدة.\n(^٤) تقدم تخريج الحديث عند الآية: ٣٠ من سورة المائدة.\n(*) - الكفل: الحظ، والنصيب.\n(**) - التِباعة: الحقوق في المال.\n_________\n[¬١]- في ز: \"يحملوا\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"أوزار أخر\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"ما\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"عثمان بن حفص بن أبي العالية] وجاء في تفسير ابن أبي حاتم: عثمان بن حفص بن أبي العاتكة. وكلاهما تحريف.\n[¬٥]- في خ، ز: \"قال\".","vol":"10","page":497},{"text":"ينادي مناد فيقول: أين فلان بن فلان؟ فيأتي يتبعه من الحسنات أمثال الجبال. فيشخص (* * *) الناس إليها أبصارهم حتى يقوم بين يدي اللَّه الرحمن -عز جل- ثم يأمر المنادي فينادي: مَنْ كانت له تِباعة -أو: ظُلامة- عند فلان بن فلان، فهلمّ. فيقبلون حتى يجتمعوا قيامًا بين يدي الرحمن. فيقول الرحمن: اقضوا عن عبدي. فيقولون: كيف نقضي عنه؟ فيقول لهم: خذوا لهم من حسناته. فلا [¬١] يزالون يأخذون منها حتى لا يبقى له حسنة وقد بقى من أصحاب الظلامات. فيقول اقضوا عن عبدي. فيقولون: لم يبق [¬٢] له حسنة. فيقول: خذوا [¬٣] من سيئاتهم فاحملوها عليه. ثم نَزَع النبي ﷺ بهذه الآية الكريمة: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ (١٣)﴾.\nوهذا الحديث له شاهد في الصحيح من غير هذا الوجه.\nوقال ابن أبي حاتم (^٥): حدثني [¬٤] أحمد بن أبي الحواري، حدثنا أبو بشر الحذاء عن أبي حمزة البيساني [¬٥]، عن معاذ بن جبل ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ: \"يا معاذ، إن المؤمن يسأل يوم القيام عن جميع سعيه، حتى عن كحل عينيه وعن فتات الطينة بإصبعيه، فلا ألفِيَنّكَ [¬٦] تأتي يوم القيامة وأحد أسعد بما آتاك الله منك\".\n﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إلا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ (١٤) فَأَنْجَينَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِلْعَالمِينَ (١٥)﴾\nهذه تسلية من الله تعالى لعبده ورسوله محمد -صلوات اللَّه وسلامه عليه- يخبره عن نوح ﵇: أنه مكث في قومه هذه المدة يدعوهم إلي الله ليلًا ونهارًا، [سرًّا وإجهارًا] [¬٧]، ومع هذا ما زادهم ذلك إلا فرارًا عن الحق، وإعراضًا عنه وتكذيبًا له، ما آمن معه منهم إلا قليل، ولهذا قال: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إلا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ\n_________\n(* * *) شخص إليه يبصره: فتح عينيه ولم يطرف بهما، متأملًا أو منزعجًا.\n(^٥) ورواه أبو نعيم في الحلية (١٠/ ٣١) من طريق إسحاق بن أبي حسان، عن أحمد بن أبي الحواري به.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"ولا\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"تبق\".\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- في ز: \"حدثنا\".\n[¬٥]- في ت: الثمالي.\n[¬٦]- في ز، خ: \"فلألفينك\".\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين في ت: \"وسرًا وجهارًا\".","vol":"10","page":498},{"text":"وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾، أي: بعد هذه المدة الطويلة ما نجع فيهم البلاغ والإنذار، فأنت -يا محمد- لا تأسف على من كفر بك من قومك، ولا تحزن عليهم، فإن الله يهدي من يشاء ويضل من يشاء، وبيده الأمر وإليه ترجع الأمور، ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ واعلم أن الله سيظهرك وينصرك ويؤيدك ويذل عدوك ويكبتهم ويجعلهم أسفل السافلين، قال حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن يوسف بن ماهك، عن ابن عباس قال: بعث نوح، هو لأربعين سنة ولبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عامًا، وعاش بعد الطوفان ستين عامًا، حتى كثر الناس وفشوا.\nوقال قتادة: يقال: إن عمره كله ألف سنة إلا خمسين عامًا لبث فيهم قبل أن يدعوهم ثلاثمائة سنة،، ودعاهم ثلاثمائة ولبث بعد الطوفان ثلاثمانة وخمسين سنة.\nوهذا قول غريب، وظاهر السياق من الآية أنه مكث في قومه يدعوهم إلى الله ألف سنة إلا خمسين عامًا.\nوقال عون بن أبي شداد: إن الله أرسل نوحًا إلي قومه وهو ابن خمسين وثلاثمائة سنة،\nفدعاهم ألف سنة إلا خمسين عامًا،، ثم عاش بعد ذلك ثلاثمائة وخمسين سنة.\nوهذا أيضًا غريب رواه ابن أبي حاتم، وابن جرير، وقول ابن عباس أقرب والله أعلم.\nوقال الثوري، عن سلمة بن كهيل، عن مجاهد قال: قال لي ابن عمر: كم لبث نوح في قومه؟ قال: قلت: ألف سنة إلا خمسين عامًا. قال: فإن الناس لم يزالوا في نقصان من أعمارهم وأحلامهم وأخلاقهم إلي يومك هذا.\nوقوله: ﴿فَأَنْجَينَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ﴾ أي: الذين آمنوا بنوح ﵇ وقد تقدم ذكر ذلك مفصلًا في \"سورة هود\" وتقدم تفسيره: بما أغنم، عن إعادته.\nوقوله: ﴿وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِلْعَالمِينَ﴾، أي: وجعلنا تلك السفينة باقية إما عينها كما قال قتادة: إنها بقيت إلي أول الإسلام علي جبل الجودي، أو نوعها جعله للناس تذكرة لنعمه علي الخلق كيف نجاهم زمن [¬١]، الطوفان كما قال تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (٤١) ﴿وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ (٤٢) وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ (٤٣) إلا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ (٤٤)﴾ وقال تعالى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ (١١) لنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾، قال الاهنا: ﴿فَأَنْجَينَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِلْعَالمِينَ (١٥)﴾ وهذا من باب التدريج من الشخص إلي الجنس، كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ﴾، أي: وجعلنا نوعها، فإن\n_________\n[¬١]- في ت: \"من\".","vol":"10","page":499},{"text":"التي يرمى بها ليست هي التي زينة للسماء. وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (١٣)﴾ ولهذا نظائر كثيرة.\nوقال ابن جرير: لو قيل إن الضمير في قوله: ﴿وَجَعَلْنَاهَا﴾ عائد إلي العقوبة، لكان وجها والله أعلم.\n﴿وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَال لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٦) إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيهِ تُرْجَعُونَ (١٧) وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إلا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (١٨)﴾\nيخبر تعالى عن عبده ورسوله وخليله إبراهيم إمام الحنفاء: أنه دعا قومه إلي عبادة الله وحده لا شريك له، والإخلاص له في التقوى، وطلب الرزق منه وحده لا شريك له وتوحيده في الشكر فإنه المشكور على النعم لا مُسدي لها غيره، فقال لقومه: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ﴾ أي: أخلصوا له في [¬١] العبادة والخوف ﴿ذَلِكُمْ خَيرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي: إذا فعلتم ذلك حصل لكم الخير في الدنيا والآخرة واندفع عنكم الشر في الدنيا والآخرة.\nثم أخبرهم أن الأصنام التي يعبدونها والأوثان، لا تضر ولا تنفع وإنما اختلقتم أنتم لها أسماء، سميتموها آلهة وإنما هي مخلوقة مثلكم. هكذا روى العوفي عن ابن عباس. وبه قال مجاهد، والسدي.\nوروى الوالبي عن ابن عباس: وتصنعون إفكًا، أي: تنحتونها أصنامًا. وبه قال مجاهد -في رواية- وعكرمة، والحسن، وقتادة وغيرهم، واختاره ابن جري ﵀.\nوهي لا تملك لهم رزقًا ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ﴾ وهذا أبلغ في الحصر كقوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ ﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيتًا فِي الْجَنَّةِ﴾، ولهذا قال: ﴿فَابْتَغُوا﴾، أي: فاطلبوا ﴿عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ﴾، أي: لا تعبدوا [¬٢] غيره، فإن غيره لا يملك شيئًا، ﴿وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ﴾ أي: كلوا من رزقه واعبدوه وحده، واشكروا له على ما أنعم به عليكم ﴿إِلَيهِ تُرْجَعُونَ﴾، أي: يوم القيامة، فيجازي كل عامل بعمله.\n_________\n[¬١]- سقط من ت.\n[¬٢]- في ت: \"عند\".","vol":"10","page":500},{"text":"وقوله: ﴿وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾، أي: فبلغكم ما حل بهم من العذاب والنكال في مخالفة الرسل، ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إلا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾، يعني إنما علي الرسول أن يبلغكم ما أمره الله -تعالى- به من الرسالة، والله يضل من يشاء ويهدي من يشاء، فاحرصوا لأنفسكم أن [¬١] تكونوا من السعداء.\nوقال قتادة (^٦) في قوله: ﴿وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾، قال: يُعزي نبيه ﷺ. وهذا من قتادة يقتضي أنه قد انقطع الكلام الأول، واعترض بهذا إلي قوله: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ﴾.\nوهكذا نص في ذلك ابن جرير أيضًا والظاهر من السياق أن كل هذا من كلام إبراهيم الخليل ﵇[] [¬٢] يحتج عليهم لإثبات المعاد لقوله بعد هذا كله: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ﴾، والله أعلم.\n﴿أَوَلَمْ يَرَوْا كَيفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (١٩) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ (٢٠) يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ وَإِلَيهِ تُقْلَبُونَ (٢١) وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (٢٢) وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَلِقَائِهِ أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٣)﴾\nيقول تعالى مخبرًا عن الخليل ﵇: إنه أرشدهم إلي إثبات المعاد الذي ينكرونه، بما يشاهدونه في أنفسهم من خلق الله إياهم، بعد أن لم يكرنوا شيئًا مذكورًا، ثم وجدوا وصاروا أناسًا سامعين مبصرين. فالذي بدأ هذا قادر علي إعادته، فإنه سهل عليه، يسير لديه.\nثم أرشدهم إلى الاعتبار بما في الآفاق من الآيات المشاهدة من خلق الله الأشياء: السموات وما فيها من الكواكب النيرة الثوابت [¬٣]، والسيارات، والأرضين وما فيها من مهاد وجبال،\n_________\n(^٦) تفسير الطبري (٢٠/ ٨٩).\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"لقوله\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"والثوابت\".","vol":"10","page":501},{"text":"وأودية وبراريّ وقفار، وأشجار، وأنهار، وثمار، وبحار. كل ذلك دال علي حدوثها في أنفسها، وعلي وجود صانعها الفاعل المختار، الذي يقول للشيء: كن، فيكون، ولهذا قال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا كَيفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (١٩)﴾، كقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيهِ﴾ ثم قال تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ﴾، أي: يوم القيامة، ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ﴾. وهذا المقام شبيه بقوله تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾، وكقوله تعالى: ﴿أم خُلِقُوا مِنْ غَيرِ شَيءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (٣٥) أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ (٣٦)﴾.\nوقوله: ﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ﴾، أي: هو الحاكم المتصرف، الذي يفعل ما يشاء ويحكم ما يزيد، لا معقب لحكمه، ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون، فله الخلق والأمر، مهما فعل فَعَدل؛ لأنه المالك الذي لا يظلم مثقال ذرة، كما جاء في الحديث الذي رواه أهل السنن (^٧): \" إن الله لو عذب أهل سماواته وأهل أرضه، لعذبهم وهو غير ظالم لهم\". ولهذا قال تعالى: ﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ وَإِلَيهِ تُقْلَبُونَ﴾، أي: ترجعون يوم القيامة.\nوقوله: ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾، أي: لا يعجزه أحد من أهل سماواته وأرضه، بل هو القاهر فوق عباده، وكل شيء خائف منه، فقير إليه، وهو الغني عما سواه.\n﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (٢٢) وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَلِقَائِهِ﴾، أي: جحدوها وكفروا بالمعاد، ﴿أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي﴾، أي: لا نصيب لهم فيها، ﴿وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيم﴾، أي: موجع في الدنيا والآخرة.\n﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إلا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٢٤) وَقَال إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَينِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٢٥)﴾\n_________\n(^٧) رواه أبو داود في السنن حديث (٤٦٩٩)، وابن ماجة في السنن حديث (٧٧) من حديث أبي بن كعب وزيد بن ثابت ﵄.","vol":"10","page":502},{"text":"يقول تعالى مخبرًا عن قوم إبراهيم في كفرهم وعنادهم ومكابرتهم، ودفعهم الحق بالباطل: إنه ما كان لهم جواب بعد مقالة إبراهيم هذه المشتملة علي الهدى والبيان ﴿إلا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ﴾، وذلك لأنهم قام عليهم البرهان، وتوجهت عليهم الحجة، فعدلوا إلي استعمال جاههم وقوة ملكهم، ﴿قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ (٩٧) فَأَرَادُوا بِهِ كَيدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ﴾، وذلك أنهم حَشَدُوا في جمع أحطاب عظيمة مدة طويلة، وحَوّطوا حولها، ثم أضرموا فيها النار فارتفع لها لهب إلي عَنَان السماء. ولم توجد [¬١] نار قط أعظم منها، ثم عمدوا إلى إبراهيم فكتفوه وألقوه في كفة المنجنيق، ثم قذفوا به فيها، فجعلها الله عليه بردًا وسلامًا، وخرج منها سالمًا بعد ما مكث فيها أيامًا ولهذا وأمثاله جعله الله للناس إمامًا. فإنه بذل نفسه للرحمن، وجَسَده للنيران، وسخا بولده للقربان، وجعل ماله للضيفان، ولهذا اجتمع علي محبته جميع أهل الأديان.\nوقوله: ﴿فَأَنْجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ﴾، أي: سَلّمه منها، بأن جعلها عليه بردًا وسلامًا، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٢٤) وَقَال إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَينِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾، يقول لقومه مقرّعًا لهم وموبخًا على سوء صنيعهم، في عبادتهم الأوثان: إنما اتخذتم هذه لتجتمعوا علي عبادتها في الدنيا، صداقة وألفة منكم، [بعضكم لبعض] [¬٢] في الحياة الدنيا. وهذا علي قراءة من نصب ﴿مَوَدَّةَ بَينِكُمْ﴾ (*)، علي أنه مفعول له، وأما علي قراءة الرفع فمعناه [¬٣]: إنما اتخاذكم هذا يُحَصّل لكم المودة في الدنيا فقط، ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ ينعكس هذا الحال، فتبقى هذه الصداقة والمودة بَغْضَة وشنآنا، فـ ﴿يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ﴾ [أي: تتجاحدون ما كان بينكم] [¬٤]، ﴿وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾، أي: يلعن الأتباع المتبوعين، والمتبرعون [¬٥] الأتباع، ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾، وقال تعالى: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إلا الْمُتَّقِينَ﴾ وقال هاهنا: ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾، أي: ومصيركم ومرجعكم بعد عرصات القيامة إلي النار، وما لكم من ناصر ينصركم، ولا منقذ ينقذكم من عذاب الله. وهذا حال الكافرين، فأما المؤمنون فبخلاف ذلك.\nقال ابن أبي حاتم (^٨): حدثنا محمد بن إسماعيل الأحمسى، حدثنا أبو عاصم الثقفي الربيع بن إسماعيل [¬٦] عن [¬٧] عمرو بن سعيد بن جعدة بن هبيرة المخزومي، عن أبيه، عن جده، عن\n_________\n(*) انظر القراءات في هذه الآية في كتاب السبحة في القراءات لابن مجاهد (ص ٤٩٨ - ٤٩٩).\n(^٨) ورواه الطبراني في المعجم الأوسط حديث (٤٨٠٣) من طريق محمد بن إسماعيل الأحمسي به، وقال: \"لا يروى عن أم هانئ إلا بهذا الإسناد، تفرد به أبو عاصم\". وقال الهيثمي في المجمع (١٠/ ٣٥٥):=\n_________\n[¬١]- في ت: \"توقد\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتن في ز، خ: \"لبعضكم بعضًا\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"معناه\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٥]- في ز، خ: \"المتبوعين\".\n[¬٦]- في ز، خ: \"سليمان\".\n[¬٧]- في ز: خ: ابن. وهو تحريف.","vol":"10","page":503},{"text":"أم هانئ -أخت علي بن أبي طالب- قالت: قال لي النبي ﷺ \"أخبرك أن الله -تعالى- يجمع الأولين والآخرين يوم القيامة في صعيد واحد، فمن يدري أين الطرفان [¬١]؟ فقالت: الله ورسوله أعلم. ثم ينادي مناد من تحت العرش: يا أهل التوحيد، فيشرئبون -قال أبو عاصم: يرفعون رءوسهم- ثم ينادي: يا أهل التوحيد. ثم ينادي الثالثة: يا أهل التوحيد، إن الله قد عفا عنكم. قال: فيقوم الناس قد تعلق بعضهم ببعض في ظُلامات الدنيا -يعني: المظالم- ثم ينادي: يا أهل التوحيد، ليعف [¬٢] بعضكم عن بعض وعلي الله الثواب\".\n﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَال إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٦) وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآتَينَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (٢٧)﴾\nيقول تعالى مخبرًا عن إبراهيم: إنه آمن له لوط، يقال: إنه ابن أخي إبراهيم، يقولون هو: لوط بن هاران بن آزر يعني: ولم يؤمن به من قومه سواه، وسارة امرأة الخليل. لكن يقال: كيف الجمع بين هذه الآية، وبين الحديث الوارد في الصحيح (^٩): \" أن إبراهيم حين مرّ علي ذلك الجبار، فسأل إبراهيم عن سارة: ما هي منه؟ فقال: أختي. ثم جاء إليها فقال لها: إني قد قلت له: إنك أختي فلا تكذبيني، فإنه ليس علي وجه الأرض مؤمن غيرك وغيري، فأنت أختي في الدين\". وكأن المراد من هذا -والله أعلم- أنه ليس علي وجه الأرض زوجان على الإسلام غيري وغيرك، فإن لوطًا ﵇ آمن به من قومه، وهاجر معه إلي بلاد الشام، ثم أرسل في حياة الخليل إلي أهل \"سَدُوم\" وإقليمها، وكان من أمرهم [¬٣] ما تقدم وما سيأتي.\nوقوله: ﴿وَقَال إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي﴾، يحتمل عود الضمير في قوله ﴿وَقَال﴾ علي لوط، لأنه أقرب المذكورين، ويحتمل عوده إلي إبراهيم- قال ابن عباس والضحاك: هو المكنى عنه بقوله: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ أي: من قومه ثم أخبر عنه بأنه اختار المهاجرة من بين أظهرهم، ابتغاء إظهار الدين والتمكن من ذلك، ولهذا قال: ﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ﴾ أي: له العزة ولرسوله وللمؤمنين به، ﴿الْحَكِيمُ﴾ في أقواله وأفعاله وأحكامه القدرية والشرعية.\nوقال قتادة: هاجرا جميعًا من \"كوثي\" وهي من سواد الكوفة إلي الشام. قال: وذُكرَ لنا\n_________\n= \"فيه أبو عاصم -الربيع بن إسماعيل- منكر الحديث، قاله أبو حاتم\".\n(^٩) صحيح مسلم حديث (٢٣٧١).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"الطرفين\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"يعفوا\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"إبراهيم\".","vol":"10","page":504},{"text":"أن نبي الله- ﷺ قال: \"إنها ستكون هجرة بعد هجرة، ينحاز أهل الأرض إلي مُهاجر إبراهيم، ويبقى في الأرض شرار أهلها حتى تلفظهم أرضهم وتَقْذرهم روح الله، وتحشرهم النار مع القردة والحنازير، تبيت معهم إذا باتوا [¬١]، وتقيل معهم إذا قالوا، وتأكل ما سقط منهم.\nوقد أسند الإمام أحمد (^١٠) هذا الحديث فرواه مطولًا من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، فقال [¬٢]:\nحدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن قتادة، عن شهر بن حوشب قال: لما جاءتنا بيعة يزيد بن معاوية، قدمت الشام فأخبرت بمقام يقومه نوف البكالي، فجئته إذ جاء رجل، فانتبذ الناس، وعليه خميصة وإذا هو عبد الله بن عمرو بن العاص. فلما رآه نوف أمسك عن الحديث، فقال عبد الله: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"إنها ستكون هجرة بعد هجرة، فينحاز الناس إلى مُهَاجر إبراهيم، لا يبقى في الأرض إلا شرار أهلها، فتلفظهم أرضوهم، تقْذرَهم نفس الرحمن، تحشرهم النار مع القردة والخنازير، تبيت [¬٣] معهم إذا باتوا [¬٤]، وتقيل معهم إذا قالوا، وكل منهم من تخلف\". قال: وسمعت رسول الله ﷺ يقول: \"سيخرج أناس من أمتي من قبل المشرق، يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم- كلما خرج منهم قرن قطع، كلما خرج منهم قرن قطع، حتى عدها زيادة [¬٥] على عشرين مرة-كلما- خرج منهم قرن قطع [¬٦] حتى يخرج الدجال في بقيتهم\".\nورواه أحمد (^١١) عن أبي داود، وعبد الصمد كلاهما، عن هشام الدستوائي [¬٧] عن قتادة به.\nوقد رواه أبو داود في سننه (^١٢)، فقال في كتاب الجهاد: باب ما جاء في سكنى الشام. حدثنا عبيد الله بن عمر، حدثنا معاذ بن هشام، حدثني [أبي] [¬٨]، عن قتادة، عن شهر بن حوشب، عن عبد الله بن عمرو قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:\n_________\n(^١٠) المسند (٢/ ٢٠٩).\n(^١١) المسند (٢/ ٢٠٩).\n(^١٢) سنن أبي داود حديث (٢٤٨٢).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"ناموا\".\n[¬٢]- في ت: \"قال\".\n[¬٣]- في ت: \"فتبيت\".\n[¬٤]- في ز، خ: \"ناموا\".\n[¬٥]- في ز، خ: \"زياد\".\n[¬٦]- سقط من: ت.\n[¬٧]- في ز، خ: \"بن سوائي\".\n[¬٨]- سقط من: خ، ز. وثبتناه من سنن أبي داود.","vol":"10","page":505},{"text":"\"ستكون هجرة بعد هجرة، فخيار [¬١] أهل الأرض ألزمهم مُهاجر إبراهيم، ويبقى في الأرض شرار أهلها تلفظهم أرضهم وتَقْذرهم نفس الرحمن، وتحشرهم النار مع القردة والخنازير\".\nوقال الإمام أحمد أيضًا (^١٣): حدثنا يزيد، أخبرنا أبو جَنَاب يحيى بن أبي حَيّة، عن شهر بن حوشب قال: سمعتُ عبد الله بن عُمر قال [¬٢]: لقد رأيتنا وما صاحب الدينار والدرهم بأحق من أخيه المسلم، ثم [¬٣] لقد رأيتُنا بأخرة الآن والدينار والدرهم أحب إلي أحدنا من أخيه المسلم، ولقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"لئن أنتم اتبعتم أذناب البقر، وتبايعتم بالعينة، وتركتم الجهاد في سبيل الله، ليلزمنكم الله مذلة في أعناقكم [ثم لا تنزع] [¬٤] منكم حتى ترجوا إلي ما كنتم عليه، وتتوبوا إلي الله ﷿\". وسمعت رسول الله- ﷺ يقول: \"لتكونن هجرة بعد هجرة إلي مهاجر أبيكم إبراهيم، حتى لا يبقى في الأرضين إلا شرار أهلها وتلفظهم أرضوهم وتقذرهم روح الرحمن، وتحشرهم النار مع القردة والحنازير، تقيل حيث يقيلون [¬٥]، وتبيت حيث يبيتون وما سقط منهم فلها [¬٦] \". ولقد سمعت رسول الله- ﷺ يقول: \"يخرج من أمتي قوم يسيئون الأعمال، يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم- قال يزيد: لا أعلمه إلا قال: يحقر أحدكم علمه مع علمهم، يقتلون أهل الإسلام، فإذا خرجوا فاقتلوهم، لا إذا خرجوا فاقتلوهم، ثم إذا خرجوا فاقتلوهم، فطوبى لمن قتلهم وطوبى لمن قتلوه. كلما [¬٧] طلع منهم قرن قَطَعه الله. فردد ذلك رسول الله- ﷺ - عشرين مرة، أو أكثر، وأنا أسمع.\nوقال الحافظ أبو بكر البيهقي: أخبرنا أبو الحُسين بن الفضل، أخبرنا عبد الله بن جعفر، حدثنا يعقوب بن سفيان، حدثنا أبو النضر إسحاق بن يزيد، وهشام بن عمار الدمشقيان قالا: حدثنا يحيى بن حمزة، حدثنا الأوزاعي، عن نافع -وقال أبو النضر، عمن حدثه، عن نافع- عن عبد الله بن عمر: أن رسول الله- ﷺ قال: \"سيهاجر أهل الأرض هجرة بعد هجرة، إلي مهاجر إبراهيم، حتى لا يبقى إلا شرار أهلها، تلفظهم الأرضون وتقذرهم روح الرحمن، وتحشرهم النار مع القردة والحنازير، تبيت معهم حيث باتوا، وتقيل معهم حيث قالوا، لها ما سقط منهم\".\nغريب من حديث نافع. والظاهر أن الأوزاعي قد رواه عن شيخ له من الضعفاء، واللَّه\n_________\n(^١٣) المسند (٢/ ٨٤)، وقال الهيثمي في المجمع (٥/ ٢٥١): \"فيه أبو جناب الكلبي وهو ضعيف\". وقال الحافظ ابن حجر في الفتح (١١/ ٣٨٠): \"سنده لا بأس به\".\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"يختار\".\n[¬٢]- في ت: \"يقول\".\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين في ز: \"لا ترجع\".\n[¬٥]- في خ، ز: \"قالوا\".\n[¬٦]- في خ، ز: \"مثلها\".\n[¬٧]- في ز: \"وكلما\".","vol":"10","page":506},{"text":"أعلم. وروايته من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أقرب إلي الحفظ.\nوقوله: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾، كقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا﴾. أي: إنه لا فارق قومه أقرّ الله عينه بوجود ولد صالح نبي [وولد له وَلَد صالح نبي] [¬١] في حياة جده. وكذلك قال الله: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً﴾، أي: زيادة، كما قال؛ ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾. أي: ويولد لهذا الولد ولد في حياتكما، تقر به أعينكما. وكون يعقوب ولدًا لإسحاق نص عليه القرآن، وثبتت به السنة النبوية، قال الله: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَال لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٣)﴾.\nوفي الصحيحين (^١٤): \" إن الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم\".\nفأما ما رواه العوفي عن ابن عباس في قوله: ﴿ووَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ قال: هما ولد إبراهيم. فمعناه أن ولد الولد بمنزلة الولد، فإن هذا أمر لا يكاد يخفى علي من هو دون ابن عباس.\nوقوله: ﴿وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾، هذه خلعة سنية عظيمة، مع اتخاذ الله إياه خليلًا وجعله للناس إمامًا، أن جعل في ذريته النبوة والكتاب، فلم يوجد نبي بعد إبراهيم ﵇ إلا وهو من سلالته، فجميع أنبياء بني إسرائيل من سلالة يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، حتى كان آخرهم عيسى ابن مريم فقام في ملئهم مبشرًا بالنبي العربي القرشي الهاشمي، خاتم الرسل على الإطلاق، وسيد ولد آدم في الدنيا والآخرة. الذي اصطفاه الله من صميم العرب العَرْباء، من سلالة إسماعيل بن إبراهيم ﵈. ولم يوجد نبي من سلالة إسماعيل سواه، عليه أفضل الصلاة والسلام.\nوقوله: ﴿وَآتَينَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾، أي: جمع الله له بين سعادة الدنيا الموصولة بسعادة الآخرة، فكان له في الدنيا الرزق الواسع الهني، والمنزل الرحب، والمورد العذب، والزوجة الحسنة الصالحة، والثناء الجميل، والذكر الحسن، فكل أحد يحبه ويتولاه، كما قال ابن عباس ومجاهد وقتادة وغيرهم، مع القيام بطاعة الله من جميع الوجوه كما قال تعالى: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾، أي: قام بجميع ما أمر به وكمل طاعة ربه؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَآتَينَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾، كما قال\n_________\n(^١٤) صحيح البخاري حديث (٤٦٨٨) من حديث ابن عمر، ولم أجده عند مسلم.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.","vol":"10","page":507},{"text":"تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٠) شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٢١) وَآتَينَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٢٢)﴾.\n﴿وَلُوطًا إِذْ قَال لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالمِينَ (٢٨) أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَال وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إلا أَنْ قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٩) قَال رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ (٣٠)﴾\nيقول تعالى مخبرًا عن نبيه لوط ﵇ أنه أنكر علي قومه سوء صنيعهم، وما كانوا يفعلونه من قبيح الأعمال، في إتيانهم الذكران بن العالمين، ولم يسبقهم إلي هذه الفعلة أحد من بني آدم قبلهم، وكانوا مع هذا يكفرون بالله ويكذبون رسوله ويخالفون ويقطعون السبيل أي: يقفون في طريق الناس يقتلونهم ويأخذون أموالهم، ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾ أي: يفعلون ما لا يليق من الأقوال والأفعال في مجالسهم التي يجتمعون فيها، لا ينكر بعضهم علي بعض شيئًا من ذلك، فَمِنْ قائل: كانوا يأتون بعضهم بعضًا في الملأ. قاله مجاهد. ومن قائل: كانوا يتضارطون ويتضاحكون. قالته عائشة ﵂ والقاسم. ومن قائل: كانوا يناطحون بين الكباش، ويناقرون بين الديوك، وكل ذلك كان يصدر عنهم، وكانوا شرًّا من ذلك.\nوقال الإِمام أحمد (^١٥): حدثنا حماد بن أسامة، أخبرني حاتم بن أبي صغيرة، حدثنا سماك بن حرب، عن أبي صالح -مولى أم هانئ- عن أم هانئ، قالت: سألت رسول الله ﷺ عن قوله ﷿: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾ قال: \"يحذفون أهل الطريق، ويسخرون منهم، وذلك المنكر الذي كانوا يأتونه\".\nورواه الترمذي، وابن جرير، وابن أبي حاتم، من حديث أبي أسامة حماد بن أسامة، عن [¬١] أبي يونس القُشَيري -حاتم بن أبي صَغيرة- به. ثم قال الترمذي: هذا حديث حسن لا نعرفه إلا من حديث حاتم بن أبي صغيرة، عن سماك.\n_________\n(^١٥) المسند (٦/ ٣٤١)، وسنن الترمذي حديث (٣١٩٠).\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.","vol":"10","page":508},{"text":"وقال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن عرفة، حدثنا محمد بن كثير، عن عمرو بن قيس، عن الحكم، عن مجاهد: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾، قال: الصفير، ولعب الحمام، والجُلاهق (*) والسؤال في المجلس وحل أزرار القباء.\nوقوله: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إلا أَنْ قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ وهذا من كفرهم واستهزائهم وعنادهم، ولهذا استنصر عليهم نبيُّ الله فقال: ﴿رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ﴾.\n﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ (٣١) قَال إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إلا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (٣٢) وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالُوا لَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إلا امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (٣٣) إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (٣٤) وَلَقَدْ تَرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٣٥)﴾\nلما استنصر لوط ﵇ الله عليهم بعث [¬١] الله لنصرته ملائكة فمروا علي [¬٢] إبراهيم ﵇ في هيئة أضياف فجاءهم بما ينبغي للضيف، فلما رأى أنه لا همّة لهم إلى الطعام نَكرَهم وأوجس منهم خيفة، فشرعوا يؤانسونه ويبشرونه بوجود ولد صالح من امرأته سارة -وكانت حاضرة- فتعجبت من ذلك، كما تقدم بيانه في سورة \"هود\" و\"الحجر\". فلما جاءت إبراهيم البشرى [¬٣]، وأخبروه بأنهم أرسلوا لهلاك قوم لوط، أخذ يدافع لعلهم يُنظرون، لعل الله أن يهديهم. ولما قالوا: إنا مهلكو أهل هذه القرية ﴿قَال إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إلا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (٣٢)﴾، أي: من الهالكين؛ لأنها كانت تُمَالئُهم على كفرهم وبغيهم ودبرهم ثم ساروا من عنده فدخلوا علي لوط في صورة شباب حسان، فلما رآهم كذلك ﴿سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾ أي: اهتم بأمرهم، إن هو أضافهم خاف عليهم من قومه، وإن لم يضيفهم [¬٤] خشي عليهم منهم، ولم\n_________\n(*) قال في القاموس: الجُلاهِقُ -كعُلابط- البندق الذي يرمى به.\n_________\n[¬١]- في خ: \"بعثه\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"مع\".\n[¬٣]- في ت: \"بالبشرى\".\n[¬٤]- في ت: \"يضفهم\".","vol":"10","page":509},{"text":"يعلم بأمرهم في الساعة الراهنة. ﴿وَقَالُوا لَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إلا امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (٣٣) إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾، وذلك أن جبريل ﵇ اقتلع قراهم [¬١] من قرار الأرض، ثم رفعها إلي عَنَان السماء ثم قلبها عليهم. وأرسل الله عليهم حجارة من سجيل منضود مسومة عند ربك وما هي من الظالمين ببعيد، وجعل مكانها بحيرة خبيثة منتنة، وجعلهم عبرة إلي يوم التناد، وهم من أشد الناس عذابًا يوم المعاد، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ تَرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً﴾، أي: واضحة، ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾، كما قال: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾.\n﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيبًا فَقَال يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٣٦) فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾\nيخبر تعالى عن عبده ورسوله شعيب ﵇: أنه أنذر قومه أهل مدين، فأمرهم بعبادة اللَّه وحده لا شريك له، وأن يخافوا بأس الله ونقمته وسطوته يوم القيامة، فقال: ﴿يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ﴾.\nقال ابن جرير: قال بعضهم: معناه: واخشوا اليوم الآخر. وهذا كقوله تعالى: ﴿لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ ثم نهاهم عن العيث [¬٢] في الأرض بالفساد، وهو السعي فيها والبغي على أهلها وذلك أنهم كانوا ينقصون المكيال والميزان، ويقطعون الطريق علي الناس، هذا مع كفرهم بالله ورسوله، فأهلكهم الله برجفة عظيمة زلزلت عليهم بلادهم، وصيحة أخرجت القلوب من حناجرها، وعذاب يوم الظلة الذي أزهق الأرواح من مستقرها، إنه كان عذاب يوم عظيم. وقد تقدمت قصتهم مبسوطة في \"سورة الأعراف\" و\"هود\" و\"الشعراء\".\nوقوله: ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ قال قتادة: ميتين. وقال غيره: قد ألقي بعضهم على بعض.\n﴿وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيطَانُ أَعْمَالهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ (٣٨) وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانُوا\n_________\n[¬١]- في خ: \"قرارهم\".\n[¬٢]- في خ: \"العبث\".","vol":"10","page":510},{"text":"سَابِقِينَ (٣٩) فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٠)﴾\nيخبر تعالى عن هؤلاء الأمم المكذبة للرسل كيف أبادهم وتنوع في عذابهم، فأخذهم بالانتقام منهم، فعاد قوم هود، وكانوا يسكنون الأحقاف وهي قريبة من حضرموت ببلاد اليمن، وثمود قوم صالح وكانوا يسكنون الحجر قريبًا من وادي القرى، وكانت العرب تعرف مساكنهما جيدًا، وتمر عليها كثيرًا. وقارون صاحب الأموال الجزيلة ومفاتيح الكنوز الثقيلة. وفرعون ملك مصر في زمان موسى ووزيره هامان القبطان الكافران بالله ورسوله، ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ﴾، أي: كانت عقوبته بما يناسبه، ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيهِ حَاصِبًا﴾، وهم عاد، وذلك أنهم قالوا: من أشد منا قوة؟!! فجاءتهم ريح صرصر باردة شديدة البرد، عاتية شديدة الهبوب جدًّا، تحمل عليهم حصباء الأرض فتقلبها عليهم، وتقتلعهم من الأرض فترفع الرجل منهم إلى عَنَان السماء ثم تنكسه علي أم رأسه فتشدخه فيبقى بدنًا بلا رأس كأنهم أعجاز نخل منقعر. ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيحَةُ﴾، وهم ثمود، قامت عليهم الحجة وظهرت لهم الدلالة، من تلك الناقة التي انفلقت عنها الصخرة، مثل ما سألوا سواء بسواء ومع هذا ما آمنوا بل استمروا على طغيانهم وكفرهم، وتهددوا نبيَّ الله صالحًا ومن آمن معه، وتوعّدوهم بأن يخرجرهم ويرجموهم، فجاءتهم صيحة أخمدت الأصوات منهم والحركات. ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ﴾، وهو قارون الذي طغى وبغى وعتا وعصى الرب الأعلى، ومشى في الأرض مرحًا وفرح ومرح وتاه بنفسه، واعتقد أنه أفضل من غيره، واختال في مشيته فخسف الله به وبداره الأرض، فهو يتجلجل فيها إلي يوم القيامة. ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا﴾، وهم فرعون ووزيره هامان، وجنوده عن آخرهم، أغرقوا في صبيحة واحدة، فلم ينج منهم مخبر، ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾، أي: فيما فعل بهم، ﴿وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾، أي: إنما [فعل] ذلك بهم جزاءً وفاقًا بما كسبت أيديهم.\nوهذا الذي ذكرناه ظاهر سياق الآية، وهو من باب اللف والنشر وهو أنه ذكر الأمم المكذبة، ثم قال: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ﴾، أي: من هؤلاء المذكورين، وإنما نبهتُ علي هذا لأنه قد روي أن ابن جُريج [¬١] قال: قال ابن عباس في قوله: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيهِ حَاصِبًا﴾، قال: قوم لوط. ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا﴾ قال: قوم نوح. وهذا منقطع عن ابن عباس؛ فإن ابن جريج لم يدركه. ثم قد ذكر الله في هذه السورة إهلاك قوم نوح بالطوفان، وقوم لوط\n_________\n[¬١]- في خ، ز: \"جرير\".","vol":"10","page":511},{"text":"بإنزال الرجز من السماء، وطال السياقُ والفصل بين ذلك وبين هذا السياق.\nوقال قتادة: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيهِ حَاصِبًا﴾، قال [¬١]،: قوم لوط، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيحَةُ﴾: قوم شعيب. وهذا بعيد أيضًا لما تقدم، والله أعلم.\n﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٤١) إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٤٢) وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إلا الْعَالِمُونَ (٤٣)﴾\nهذا مثل ضربه الله تعالى للمشركين في اتخاذهم آلهةً من [¬٢] دون الله، يرجون نصرهم ورزقهم، ويتمسكون بهم في الشدائد، فهم في ذلك كبيت العنكبوت في ضعفه ووهنه [¬٣]، فليس في أيدي هؤلاء من آلهتهم إلا كمن يتمسك ببيت العنكبوت فإنه لا يجدي عنه شيئًا، فلو علموا هذا الحال لما اتخذوا من دون الله أولياء. وهذا بخلاف [المسلم المؤمن] قلبه لله، وهو مع ذلك يحسن العمل في اتباع الشرع فإنه مستمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها، لقوتها وثباتها.\nثم قال تعالى متوعدًا لمن عبد غيره وأشرك به: إنه تعالى يعلم ما هم عليه من الأعمال، ويعلم وما يشركون به من الأنداد، وسيجزيهم وصفهم إنه حكيم عليم.\nثم قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إلا الْعَالِمُونَ﴾، أي: وما يفهمها ويتدبرها إلا الراسخون في العلم المتضلعون منه.\nقال الإمام أحمد (^١٦): حدثنا إسحاق بن عيسى، حدثني أبي لهيعة، عن أبي قَبيل، عن عمرو بن العاص ﵁ قال: عَقَلْتُ عن رسول الله- ﷺ ألف مثل.\nوهذه منقبة عظيمة لعمرو بن العاص ﵁ حيث يقول تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إلا الْعَالِمُونَ﴾.\n_________\n(^١٦) المسند (٤/ ٢٠٣)، وقال الهيثمي في المجمع (٨/ ٢٦٤): \"إسناده حسن\".\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- سقط من: خ، ز.\n[¬٣]- في ز، خ: \"ووهائه\".","vol":"10","page":512},{"text":"وقال ابن أبي حاتم: حدثنا عليّ بن الحسين، حدثنا أحمد بن عبد الرحمن، حدثنا أبي، حدثنا ابن سنان، عن عمرو بن مُرة، قال: ما مررت بآية من كتاب الله لا أعرفها إلا أحزنني، لأني سمعت الله تعالى يقول: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إلا الْعَالِمُونَ﴾.\n﴿خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ (٤٤) اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ (٤٥)﴾\nيقول تعالى مخبرًا [¬١] عن قدرته العظيمة: إنه خلق السموات والأرض بالحق، يعني: لا على وجه العبث واللعب ﴿لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى﴾. ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾.\nوقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾. أي: لدلالة [¬٢] واضحة على أنه تعالى المتفرد بالخلق والتدبير والإلهية.\nثم قال تعالى آمرًا رسوله والمؤمنين بتلاوة القرآن، وهو قراءته وإبلاغه للناس، ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾، يعني: أن الصلاة تشتمل على شيئين: علي ترك الفواحش والمنكرات، أي: إن مواظبتها تحمل علي ترك ذلك، وقد جاء في الحديث [¬٣] من رواية عِمران، وابن عباس، مرفوعًا: \"من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر، لم تزده من الله إلا بعدًا\" (^١٧).\n[ذكر الآثار الواردة في ذلك]\nقال ابن أبي حاتم (^١٨): حدثنا محمد بن هارون المخرمي الفلاس، حدثنا عبد الرحمن بن نافع أبو زياد، حدثنا عمر بن أبي عثمان، حدثنا الحسن، عن عمران بن حُصين، قال: سُئل\n_________\n(^١٧) أما حديث عمران في حصين، فقد أخرجه ابن أبي حاتم -كما سيأتي- من طريق عمر بن أبي عثمان عن الحسن عن عمران به، والحسن لم يسمع من عمران بن حصين. وأما حديث ابن عباس، فقد رواه الطبراني في المعجم الكبير (١١/ ٥٤) من طريق ليث، عن طاوس، عن ابن عباس به.\n(^١٨) وهذا الحديث فيه علتان ذكرهما الشيخ ناصر الدين الألباني في الضعيفة وهما:\n١ - الانقطاع بين الحسن -وهو البصري- وعمران بن حصين، فإنهم اختلفوا في سماعه منه فإنه ثبت، فعِلته عنعنة الحسن فإنه مدلس معروف بذلك. =\n_________\n[¬١]- سقط من: خ، ز.\n[¬٢]- في ت: \"له دلالة\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"حديث\".","vol":"10","page":513},{"text":"النبي ﷺ عن قول الله: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾، قال: \"من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر فلا صلاة له\".\nوحدثنا عليُّ بن الحسين (^١٩)، حدثنا يحيى بن أبي طلحة اليربوعي، حدثنا أبو معاوية، عن ليث، عن طاوس، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: \"من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر، لم يزدد بها من الله إلا بعدًا\". ورواه الطبراني من حديث أبي معاوية.\nوقال ابن جرير (^٢٠): [حدثنا القاسم] [¬١]، حدثنا الحسين، حدثنا خالد بن عبد الله، عن العلاء بن المسيب، عمن ذكره، عن ابن عباس في قوله: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾، قال: فمن لم تأمره صلاته بالمعروف وتنهه [¬٢] عن المنكر، لم يزدد بصلاته من الله إلا بعدًا\". فهذا موقوف.\nقال ابن جرير (^٢١): وحدثنا القاسم، حدثنا الحسين، حدثنا علي بن هاشم بن البريد، عن جويبر، عن الضحاك، عن ابن مسعود، عن النبي ﷺ أنه قال: \"لا صلاة لمن لم يطع الصلاة. وطاعة الصلاة أن تنهى عن الفحشاء والمنكر\". قال: وقال سفيان: ﴿قَالُوا يَاشُعَيبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ﴾؟ قال: فقال سفيان: إي والله، تأمره وتنهاه.\nوقال ابن أبي حاتم (^٢٢): حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو خالد، عن جويبر، عن الضحاك، عن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ وقال أبو خالد مَرّة: عن عبد الله-: \"لا صلاة لمن لم يطع الصلاة، وطاعة الصلاة تنهاه عن الفحشاء والمنكر\".\nوالموقوف أصح كما رواه الأعمش، عن مالك بن الحارث، عن عبد الرحمن بن يزيد، قال: قيل لعبد الله: إن فلانًا ليطيل الصلاة؟ قال: إن الصلاة لا تنفع إلا من أطاعها (^٢٣).\n_________\n= ٢ - جهالة عمر بن أبي عثمان، ذكره ابن أبي حاتم في الحرح والتعديل (٣/ ١ / ١٢٣) وقال: \"سمع طاوسًا، روى عنه يحيى بن سعيد\".\n(^١٩) المعجم الكبير (١١/ ٥٤) وقال الحافظ العراقي في تخريج الإحياء: \"إسناده لين\".\n(^٢٠) تفسير الطبري (٢٠/ ٩٩).\n(^٢١) تفسير الطبري (٢٠/ ٩٩) وفيه جويبر وهو متروك.\n(^٢٢) ذكره السيوطي في الدر المنثور (٦/ ٤٦٥) مرفوعًا، وقال: \"أخرج عبد بن حميد وابن جرير، وابن مردويه بسند ضعيف، فذكر الرواية التي قبلها.\n(^٢٣) ورواه ابن أبي شيبة في المصنف (١٣/ ٢٩٨) من طريق زائدة، عن عاصم، عن شقيق، عن ابن مسعود قال: \"لا تنفع الصلاة إلا من أطاعها ثم قرأ عبد الله: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَر …﴾ الآية.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٢]- في ز: \"تنهاه\".","vol":"10","page":514},{"text":"وقال ابن جرير (^٢٤): [قال عليّ، حدثنا إسماعيل بن مسلم] [¬١]، عن الحسن، قال: قال رسول الله ﷺ: \"من صلي صلاة لم تنهه عن الفحشاء والمنكر، لم يزدد بها من الله إلا بعدًا\". والأصح في هذا كله الموقوفات عن ابن مسعود، وابن عباس، والحسن، وقتادة، والأعمش، وغيرهم، والله أعلم.\nوقال الحافظ أبو بكر البزار (^٢٥): حدثنا يوسف بن موسى، حدثنا جَرير -يعني ابن عبد الحميد- عن الأعمش، عن أبي صالح، قال: أراه عن جابر -شك الأعمش- قال: قال رجل للنبي ﷺ: إن فلانًا يصلي فإذا أصبح سرق، قال: \"سينهاه ما يقول\".\nوحدثناه (^٢٦) محمد بن موسى الحَرَشي [¬٢]، حدثنا زياد بن عبد الله، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن جابر، عن النبي ﷺ بنحوه -ولم يشك- ثم قال: وهذا الحديث قد رواه غير واحد عن الأعمش، واختلفوا في إسناده، فرراه غير واحد عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هُريرة أو غيره، وقال قيس: عن الأعمش، عن أي سفيان، عن جابر، قال جرير وزياد: عن عبد الله، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن جابر.\nوقال الإمام أحمد (^٢٧): حدثنا وكيع، حدثنا الأعمش قال [أبو صالح أخبرنا] [¬٣] عن أبي هريرة قال: جاء رجل إلي النبي ﷺ فقال [¬٤]: إن فلانًا يصلي بالليل [¬٥] فإذا أصبح سرق فقال: \"إنه سينهاه ما يقول\". وتشتمل الصلاة أيضًا علي ذكر الله تعالى، وهو المطلوب الأكبر، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾. أي: أعظم من الأول، ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ أي: يعلم جميع أقوالكم وأعمالكم.\nوقال أبو العالية في قوله: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ قال: إن الصلاة فيها\n_________\n(^٢٤) تفسير الطبري (٢٠/ ٩٩) وهو من مراسيل الحسن.\n(^٢٥) مسند البزار حديث (٧٢١) \"كشف الأستار\". وقال الهيثمي في المجمع (٢/ ٢٥٨): \"رجاله ثقات\".\n(^٢٦) \" كشف الأستار حديث (٧٢٢) \".\n(^٢٧) المسند (٢/ ٤٤٧)، ورواه البزار في مسنده كما في \"كشف الأستار\" حديث (٧٢٠) من طريق الأعمش به، وقال الهيثمي في المجمع (٢/ ٢٥٨): \"رجاله رجال الصحيح\".\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: ثنا علي بن إسماعيل بن مسلم، وهو تحريف. والمثبت من تفسير ابن جرير.\n[¬٢]- في ز، خ: أرى أبا صالح، والمثبت من السند.\n[¬٣]- في خ، ز: \"الجرشي\".\n[¬٤]- في ز: \"قال\".\n[¬٥]- في ز: \"في الليل\".","vol":"10","page":515},{"text":"ثلاث خلال [¬١]، فكلّ [¬٢] صلاة لا يكون فيها شيء من هذه [¬٣] الخلال فليست بصلاة: الإخلاص، والخشية، وذكر الله. فالإخلاص يأمره بالمعروف، والخشية تنهاه عن المنكر، وذكر الله القرآن يأمره وينهاه.\nوقال ابن عون الأنصاري: إذا كنت في صلاة فأنت في معروف، وقد حجزتك عن الفحشاء والمنكر، والذي أنت فيه من ذكر الله أكبر.\nوقال حماد بن أبي سليمان: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ يعني: ما دمت فيها.\nوقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾، يقول: ولذكر الله لعباده إذا [ذكروه] [¬٤] أكبر من ذكرهم إياه، وكذا روى غير واحد عن ابن عباس. [وبه قال مجاهد وغيره.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أخالد الأحمر، عن داود بن أبي هند، عن رجل، عن ابن عباس] [¬٥]: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَر﴾، قال: ذكر الله عند طعامك وعند منامك. قلت: فإن صاحبًا لي في المنزل يقول غير الذي تقول؟ قال: وأي شيء يقول؟ قلت: قال: يقول الله: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾، فلذكر الله إيانا أكبر من ذكرنا إياه. قال: صدق.\nقال: وحدثنا أبي، حدثنا النفيلي، حدثنا إسماعيل، عن خالد، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾، قال: لها وجهان، قال: ذكر الله عِنْدَ مَا حرَّمه، قال: وذكر الله إياكم أعظم من ذكركم إياه.\nوقال ابن جرير (^٢٨): حدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا هشيم، أخبرنا عطاء بن السائب، عن عبد الله بن ربيعة قال: قال لي ابن عباس: هل تدري ما قوله تعالى: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾؟ قال [¬٦]: قلت: نعم. قال: فما هو؟ قلت: التسبيح والتحميد والتكبير في الصلاة، وقراءة القرآن، ونحو ذلك. قال: لقد قلت قولًا عجبًا، وما هو كذلك، ولكنه إنما يقول: ذكر الله إياكم عِنْدَ مَا أمر به أو نهى عنه -إذا ذكرتموه- أكبر من ذكركم إياه، وقد روي هذا من غير وجه عن ابن عباس. وروي أيضًا عن ابن مسعود، وأبي الدرداء، وسلمان الفارسي، وغيرهم، واختاره ابن جرير.\n_________\n(^٢٨) تفسير الطبري (٢٠/ ٩٩).\n_________\n[¬١]- في ت: \"خصال\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"فعل\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"هذا\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من ز، خ.\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين في خ، ز: \"في قوله\".\n[¬٦]- سقط من: ز، خ.","vol":"10","page":516},{"text":"﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَينَا وَأُنْزِلَ إِلَيكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (٤٦)﴾.\nقال قتادة وغير واحد: هذه الآية منسوخة بآية السيف، ولم يبق معهم مجادلة، وإنما هو الإسلام أو الجزية أو السيف.\nوقال آخرون: بل هي باقية أو محكمة لمن أراد الاستبصار [¬١] منهم في الدين، فيجادل بالتي هي أحسن، ليكون أنجع [¬٢] فيه كما قال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾، وقال تعالى لموسى وهارون حين بعثهما إلي فرعون: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ وهذا القول اختاره ابن جرير (^٢٩) وحكاه عن ابن زيد.\nوقوله: ﴿إلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾، أي: حادوا عن وجه الحق، وعَمُوا عن واضح المحجة، وعاندوا وكابروا، فحينئذ ينتقل عن [¬٣] الجدال إلى الجلاد، ويقاتلون بما يردعهم ويمنعهم، قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيبِ إِنَّ اللَّهَ قَويٌّ عَزِيزٌ﴾ قال جابر: أمرنا من خالف كتاب الله أن نضربه بالسيف.\nقال مجاهد: ﴿إلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾، يعني أهل الحرب؛ ومن امتنع منهم من [¬٤] أداء الجزية.\nوقوله: ﴿وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَينَا وَأُنْزِلَ إِلَيكُم﴾، يعني: إذا أخبروا بما لا يعلم صدقه ولا كذبه، فهذا لا نُقدم على تكذيبه؛ لأنه قد يكون حقًّا ولا على تصديقه فلعله أن يكون باطلًا، ولكن نؤمن به إيمانًا مجملًا معلقًا على شرط، وهو أن يكون منزلًا لا مبدلًا ولا [¬٥] مؤولًا.\nقال البخاري ﵀ (^٣٠): حدثنا محمد بن بشار، حدثنا عثمان بن عُمر، ثنا [¬٦] عليّ بن\n_________\n(^٢٩) تفسير الطبري (٢/ ٢١).\n(^٣٠) صحيح البخاري حديث (٤٤٨٥، ٧٣٦٢).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"الاستنصار\".\n[¬٢]- في خ، ز: \"الجمع\".\n[¬٣]- في ت: \"من\".\n[¬٤]- في ت: \"عن\".\n[¬٥]- سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- في ت: \"أخبرنا\".","vol":"10","page":517},{"text":"المبارك، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁ قال: كان أهل الكتاب [¬١] يقرءون التوراة بالعبرانية، ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام، فقال رسول الله ﷺ: \"لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم وقولوا: آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إليكم، وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون\". وهذا الحديث تفرد به البخاري.\nوقال الإمام أحمد (^٣١): حدثنا عثمان بن عُمر [¬٢]، أخبرنا يونس، عن الزهري، أخبرني ابن أبي نملة أن أبا نملة الأنصاري أخبره أنه بينما هو جالس عند رسول الله ﷺ جاءه رجل من اليهود، فقال: يا محمد، هل تتكلم هذه الجنازة؟ قال رسول الله ﷺ: \"الله [¬٣] أعلم\". قال اليهودي: أنا أشهد أنها تتكلم. فقال رسول الله ﷺ: \"إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم، وقولوا: آمنا بالله ورسله وكتبه، فإن كان حقا لم تكذبوهم، وإن كان باطلًا لم تصدقوهم\".\nقلت: وأبو نملة هذا هو: عمارة. وقيل: عَمّار. وقيل: عمرو بن معاذ بن زُرارة الأنصاري، ﵁.\nثم ليعلم أن أكثر ما يحدّثون به غالبه كذب وبهتان، لأنه قد دخله تحريف وتبديل وتغيير وتأويل، وما أقلَّ الصدقَ فيه! ثم ما أقل فائدة كثير منه لو كان صحيحًا!\nقال ابن جرير (^٣٢): حدثنا ابن بشار، حدثنا أبو [¬٤] عاصم، حدثنا سفيان، عن سليمان بن عامر، عن عمارة [¬٥] بن عمير، عن حريث بن ظهير، عن عبد الله -هو ابن مسعود- قال: لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء، فإنهم لن يهدوكم وقد ضلوا، إما أن [تكذبوا بحق أو تصدقوا] [¬٦] بباطل، فإنه ليس أحد من أهل الكتاب إلا وفي قلبه [¬٧] تالية [¬٨] تدعوه إلى دينه كتالية [¬٩] المال.\n_________\n(^٣١) المسند (٤/ ١٣٦).\n(^٣٢) تفسير الطبري (٢١/ ٤).\n_________\n[¬١]- في خ، ز: \"التوراة\".\n[¬٢]- في خ، ز: \"عمرو\". وهو تحريف.\n[¬٣]- سقط من: خ.\n[¬٤]- سقط من: خ، ز.\n[¬٥]- في ت: \"عمار\".\n[¬٦]- في ز: \"كذبوا الحق أو يصدقوا\".\n[¬٧]- سقط من: خ.\n[¬٨]- في ز، خ: \"مالية\". والمثبت من تفسير الطبري. وجاء في النهاية (١/ ١٩٦) تليت له تلية من حقه وتُلاوة، أي بقيت له بقية.\n[¬٩]- في ز، خ: \"كمالية\".","vol":"10","page":518},{"text":"وقال البخاري (^٣٣): حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا إبراهيم بن سعد، أخبرنا ابن شهاب، عن عُبيد [¬١] الله بن عبد الله، عن ابن عباس، قال: كيف تسألون أهل الكتاب عن شيء وكتابكم الذي أنزل إليكم على رسوله ﷺ أحدثُ، تقرءونه محضًا لم يُشَب، وقد حدّثكم أن أهل الكتاب بدلوا كتاب الله وغيروه، وكتبوا بأيديهم الكتاب، وقالوا: هو من عند الله؛ ليشتروا به ثمنًا قليلًا؛ ألا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مسألتهم؛ لا والله ما رأينا منهم رجلًا يسألكم عن الذي أنزل عليكم.\nوقال البخاري (^٣٤): وقال أبو اليمان، أخبرنا شعيب، عن الزهري، أخبرني حُميد [¬٢] بن عبد الرحمن أنه سمع معاوية يحدث رهطًا من قريش بالمدينة -وذكر كعب الأحبار- فقال: إن كان من أصدق هؤلاء المحدثين الذين يحدّثون عن أهل الكتاب، وإنْ كنا مع ذلك لنبلو [¬٣] عليه الكذب.\nقلت: معناه أنه يقع منه الكذب لغة من غير قصد؛ لأنه يحدث عن صحف هو يحسن بها الظن، وفيها أشياء موضوعة ومكذوبة، لأنهم لم يكن في ملتهم حفاظ متقنون كهذه الأمة العظيمة، ومع ذلك وقرب العهد وضعت أحاديث كثيرة في هذه الأمة، لا يعلمها إلا الله ﷿ ومن منحه الله علمًا بذلك، كل بحسبه، ولله الحمد والمنة.\n﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَا إِلَيكَ الْكِتَابَ فَالَّذِينَ آتَينَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إلا الْكَافِرُونَ (٤٧) وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ (٤٨) بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إلا الظَّالِمُونَ (٤٩)﴾\nقال ابن جرير: يقول الله تعالى: كما أنزلنا الكتب على من قبلك -يا محمد- من الرسل، كذلك أنزلنا إليك هذا الكتاب. وهذا الذي قاله حسن ومناسبة وارتباط جيد.\nوقوله: ﴿فَالَّذِينَ آتَينَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾، أي: الذين أخذوه فتَلَوه [¬٤] حق تلاوته\n_________\n(^٣٣) صحيح البخاري حديث (٧٣٦٣).\n(^٣٤) صحيح البخاري حديث (٧٣٦١).\n_________\n[¬١]- في خ، ز: \"عبد\".\n[¬٢]- في خ، ز: \"عبيد\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"لنتلوا\".\n[¬٤]- في خ، ز: \"يتلوه\".","vol":"10","page":519},{"text":"من أحبارهم العلماء الأزكياء كعبد الله بن سلام وسلمان الفارسي، وأشباههما.\nوقوله: ﴿بِهِ وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ﴾. يعني: العرب من قريش وغيرهم، ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إلا الْكَافِرُونَ﴾، أي: ما يكذب بها ويجحد حقها إلا من يستر الحقّ بالباطل، ويغطي ضوء الشمس بالوصائل، وهيهات!\nثم قال تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾، أي: قد لبثت في قومك -يا محمد-[من] [¬١] قبل أن تأتى بهذا القرآن عُمرًا لا تقرأ كتابًا ولا تحسن الكتابة، بل كل أحد من قومك وغيرهم يعرف أنك رجل أميّ لا تقرأ ولا تكتب. وهكذا صفته في الكتب المتقدمة كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ الآية. وهكذا كان ﷺ إلي يوم القيامة- لا يحسن الكتابة ولا يخط سطرًا ولا حرفًا بيده بل كان له كتاب يكتبون بين يديه الوحي والرسائل إلي الأقاليم. ومن زعم من متأخري الفقهاء كالقاضي أبي الوليد الباجي ومن تابعه، أنه ﵇ كتب يوم الحديبية: \"هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله\" فإنما حمله علي ذلك رواية في صحيح البخاري: \"ثم أخذ فكتب\". وهذه محمولة علي الرواية الأخرى: \"ثم أمر فكتب\" ولهذا اشتد النكير من فقهاء المغرب والشرق علي من قال بقول الباجي، وتبرءوا منه، وأنشدوا في ذلك أقوالًا وخطبوا به في محافلهم وإنما أراد الرجل- أعنى الباجى، فيما يظهر عنه- أنه كتب ذلك على وجه المعجزة، لا أنه كان يحسن الكتابة، كما قال- ﵊ إخبارًا عن الدجال (^٣٥): \" مكتوب بين عينيه كافر\". وفي رواية: \"ك ف ر، يقرؤه [¬٢] كل مؤمن\".\nوما أورده بعضهم من الحديث أنه لم يمت ﵇ حتى تعلم الكتابة، فضعيف لا أصل له؛ قال الله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو﴾ أي: تقرأ ﴿مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ﴾ لتأكيد النفي ﴿وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾، تأكيد أيضًا و[¬٣] خرج مخرج الغالب، كقوله تعالى: ﴿وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيهِ﴾ وقوله: ﴿إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾، أي: لو كنت تخطها [¬٤] لارتاب بعض الجهلة من الناس فيقول: إنما تعلم هذا من كتب قبله مأثورة عن الأنبياء، مع أنهم قالوا ذلك مع علمهم بأنه أميّ لا يحسن الكتابة: ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾، قال الله تعالى: ﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾، وقال هاهنا: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾، أي:\n_________\n(^٣٥) رواه البخاري في صحيحه حديث (٧١٣١) من حديث أنس ﵁.\n_________\n[¬١]- في ت: ومن.\n[¬٢]- في ت: \"يقرؤها\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"أو\".\n[¬٤]- في ت: \"تحسنها\".","vol":"10","page":520},{"text":"القرآن آيات بينة واضحة في الدلالة على الحق أمرًا ونهيًا وخبرًا، يحفظه العلماء، يَسّره الله عليهم حفظًا وتلاوة وتفسيرًا، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾، وقال رسول الله ﷺ (^٣٦): \" ما من نبي إلا وقد أعطي ما آمن علي [¬١]، مثله البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيًا أوحاه الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا\".\nوفي حديث عياض بن حمار -في صحيح مسلم (^٣٧) -: \" يقول الله تعالى: إني مبتليك ومبتل بك، ومنزل عليك كتابًا لا يغسله الماء، تقرؤه نائمًا يقظان\". أي: لو غسل الماء المحل المكتوب فيه لما احتيج إلى ذلك المحل كما جاء في الحديث الآخر (^٣٨): \" لو كان القرآن في إهاب لما [¬٢] أحرقته النار\" لأنه محفوظ في الصدور، ميسر علي الألسنة، مهيمن علي القلوب، معجز لفظًا ومعنى. ولهذا جاء في الكتب المتقدمة، في صفة هذه الأمة: \"أناجيلهم في صدورهم\".\nواختار ابن جرير (^٣٩) أن المعنى في قوله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾، بل العلم بأنك [¬٣] ما كنت تتلو من قبل هذا الكتاب كتابًا ولا تخطه بيمينك آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم من أهل الكتاب. ونقله عن قتادة وابن جريج، وحكى الأول عن الحسن فقط. قلت: وهو الذي رواه العوفي عن عبد الله بن عباس، وقاله الضحاك، وهو الأظهر، والله أعلم.\nوقوله: ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إلا الظَّالِمُونَ﴾، أي: ما يكذب بها ويبخس حقها ويردها إلا الظالمون، أي: المعتدون المكابرون، الذين يعلمون الحق ويحيدون عنه، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾.\n﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيهِمْ\n_________\n(^٣٦) رواه البخاري في صحيحه حديث (٧٢٧٤) من حديث أبي هريرة ﵁، وسيأتي إن شاء الله.\n(^٣٧) صحيح مسلم حديث (٢٨٦٥).\n(^٣٨) رواه أحمد في مسنده (٤/ ١٥١) من حديث عقبة بن عامر، وتقدم الكلام عليه في فضائل القرآن.\n(^٣٩) تفسير الطبري (٢١/ ٥).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"عليه\".\n[¬٢]- في ت: \"ما\".\n[¬٣]- في خ: \"يماثل\".","vol":"10","page":521},{"text":"إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥١) قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَينِي وَبَينَكُمْ شَهِيدًا يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٥٢)﴾\nيقول تعالى مخبرًا عن المشركين في تعنتهم وطلبهم آيات -يعنون- ترشدهم إلى أن محمدًا رسول الله كما جاء صالح بناقته.\nقال الله تعالى: ﴿قُلْ﴾ محمد: ﴿إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ أي: إنما أمر ذلك إلى الله، فإنه لو علم أنكم تهتدون لأجابكم إلى سؤالكم، لأن ذلك سهل عليه يسير لديه، ولكنه يعلم منكم أنما قصدكم التعنت والامتحان فلا يجييكم إلى ذلك، كما قال تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إلا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ، وَآتَينَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا﴾.\nوقوله: ﴿وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾، أي: إنما بعثت نذيرًا لكم بيِّنَ النّذَارة فَعَليّ أني [¬١] أبلغكم رسالة الله، و﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ وقال تعالى: ﴿لَيسَ عَلَيكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾.\nثم قال تعالى مبينًا كثرة جهلهم، وسخافة عقلهم، حيث طلبوا آيات تدلهم علي صدق محمد فيما جاءهم- وقد جاءهم بالكتاب العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، الذي هو أعظم من كل معجزة، إذ عجزت الفصحاء والبلغاء عن معارضته، بل عن معارضة عشر سور من مثله، بل عن معارضة سورة منه- فقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيهِمْ﴾، أي: أو لم يكفهم آية أنا أنزلنا عليك هذا الكتاب العظيم الذي فيه خبر ما قبلهم، ونبأ ما بعدهم، وحكم ما بينهم، وأنت رجل أميّ لا تقرأ ولا تكتب، ولا [¬٢] تخالط أحدًا من أهل الكتاب، فجئتهم بأخبار ما في الصحف الأولى، ببيان الصواب مما اختلفوا فيه، وبالحق الواضح البين الجليّ، كما قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾.\nوقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾.\nوقال الإمام أحمد (^٤٠): حدثنا حجاج، حدثنا ليث، حدثني سعيد بن أبي سعيد، عن\n_________\n(^٤٠) المسند (٢/ ٣٤١)، وصحيح البخاري حديث (٤٩٨١)، وصحيح مسلم حديث (١٥٢).\n_________\n[¬١]- في ت: \"أن\".\n[¬٢]- في ت: \"ولم\".","vol":"10","page":522},{"text":"أبيه، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"ما من الأنبياء من نبي إلا وقد أُعطيَ [من الآيات] [¬١] ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيًا أوحاه الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة\". أخرجاه من حديث الليث.\nوقال الله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾، أي: إن في هذا القرآن ﴿لَرَحْمَةً﴾، أي: بيانًا [¬٢] للحق، وإزاحة للباطل، و﴿وَذِكْرَى﴾ بما فيه حلول النقمات ونزول العقاب بالمكذين والعاصين، ﴿لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾.\nثم قال تعالى: ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَينِي وَبَينَكُمْ شَهِيدًا﴾ أي: هو أعلم بما تفيضون فيه من التكذيب، ويعلم ما أقول لكم من إخباري عنه، بأنه أرسلني، فلو كنت كاذبًا عليه لانتقم مني، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَينَا بَعْضَ الْأَقَاويلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦) فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾، وإنما أنا صادق عليه فيما أخبرتكم به؛ ولهذا أيدني بالمعجزات الواضحات، والدلائل القاطعات.\n﴿يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ لا تخفى عليه خافية ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾، أي: يوم معادهم سيجزيهم علي ما فعلوا، ويقابلهم علي ما صنعوا، من تكذيبهم بالحق واتباعهم الباطل، كذبوا برسل الله مع قيام الأدلة علي صدقهم، وآمنوا بالطواغيت والأوثان بلا دليل، سيجازيهم علي ذلك، إنه حكيم عليم.\n﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٣) يَسْتعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ (٥٤) يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيَقُولُ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٥٥)﴾\nيقول تعالى مخبرًا عن جهل المشركين في استعجالهم عذاب الله أن يقع بهم، وبأس الله أن يحل عليهم، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَينَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَو ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾، وقال هاهنا: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ﴾، أي: لولا ما حَتّم الله من تأخير العذاب إلي يوم القيامة لجاءهم العذاب قريبًا سريعًا كما استعجلوه.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٢]- في ز، خ: \"بيان\".","vol":"10","page":523},{"text":"ثم قال: ﴿وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً﴾. أي: فجأة ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٣) يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ أي: يستعجلون العذاب [¬١]، وهو واقع بهم لا محالة.\nقال شعبة: عن سماك، عن عكرمة قال في قوله: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ قال: البحر.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا عمر بن إسماعيل بن مجالد، حدثنا أبي، عن مجالد، عن الشعبي: أنه سمع ابن عباس يقول: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾، وجهنم هو هذا البحر الأخضر، تنتثر الكواكب فيه، وتُكور فيه الشمس والقمر، ثم يستوقد فيكون هو جهنم.\nوقال الإمام أحمد (^٤١): حدثنا أبو عاصم؛ حدثنا عبد الله بن أمية، حدثني محمد بن حُيي [¬٢]، حدثنا صفوان بن يعلى، عن أبيه، أن النبي ﷺ قال: \"البحر هو جهنم\" قالوا ليعلى؟ فقال: ألا ترون أن الله يقول: ﴿نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾، قال: لا، والذي نفس يعلى بيده لا أدخلها أبدًا حتى أعرض علي الله، ولا يصيبني منها قطرة حتى أعرض على الله ﷿ هذا تفسير غريب وحديث غريب جدًّا، والله أعلم.\nثم قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾، كقوله تعالى: ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾ وقال: ﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَل﴾ وقال: ﴿لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلَا عَنْ ظُهُورِهِمْ﴾ فالنار تغشاهم من [¬٣] سائر جهاتهم، وهذا أبلغ في العذاب الحسي.\nوقوله: ﴿وَيَقُولُ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، تهديد وتقريع وتوبيخ، وهذا عذاب معنوي على النفوس، كقوله: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (٤٨) إِنَّا كُلَّ شَيءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾، وقال: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا (١٣) هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (١٤) أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ (١٥) اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، ﴿ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾.\n﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ (٥٦) كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَينَا تُرْجَعُونَ (٥٧) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ\n_________\n(^٤١) المسند (٤/ ٢٣٣)، وقال الهيثمي في المجمع (١٠/ ٣٨٦): \"رجاله ثقات\".\n_________\n[¬١]- في ت: \"بالعذاب\".\n[¬٢]- في خ، ز: \"جني\".\n[¬٣]- في ت: \"عن\".","vol":"10","page":524},{"text":"الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (٥٨) الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٥٩) وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦٠)﴾\nهذا أمر من اللَّه لعباده المؤمنين بالهجرة من البلد الذي لا يقدرون فيه على إقامة الدين، إلى أرض اللَّه الواسعة، حيث يمكن إقامة الدين، بأن يوحدوا اللَّه ويعبدوه كما أمرهم، ولهذا قال: ﴿يَاعِبَادِيَ [الَّذِينَ آمَنُوا] [¬١] إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾.\nقال الإِمام أحمد (^٤٢): حدثنا يزيد بن عبد ربه، حدثنا بقية بن الوليد، حدثني جُبير بن عمرو القرشي، حدثني أبو سعد الأنصاري، عن أبي يحيى مولى الزبير بن العوام، عن الزبير العوام قال: قال رسول اللَّه ﷺ: \"البلاد بلاد اللَّه والعباد عباد اللَّه، فحيثما أصبت خيرًا فأقم\". ولهذا لما ضاق على المستضعفين بمكة مقامهم بها، خرجوا مهاجرين إلى أرض الحبشة ليأمنوا على دينهم هناك، فوجدوا هناك خير المنزلين، أصحمة النجاشي ملك الحبشة ﵀ آواهم وأيدهم بنصره، وجعلهم سُيُومًا [¬٢] (*) ببلاده، ثم بعد ذلك هاجر رسول اللَّه ﷺ وأصحابه الباقون إلى المدينة النبوية يثرب المطهرة.\nثم قال: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَينَا تُرْجَعُونَ﴾، أي: أينما كنتم يدرككم الموت، فكونوا في طاعة اللَّه وحيث أمركم اللَّه، فهو خير لكم، فإن الموت لا بد منه، ولا محيد عنه، ثم إلى اللَّه الرجع، فمن كان مطيعًا له جازاه أفضل الجزاء، [ووفاه تمام] [¬٣] الثواب؛ ولهذا قال: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾، أي: لنسكننهم [¬٤] منازل عالية في الجنة تجري من تحتها الأنهار على اختلاف أصنافها، من ماء وخمر، وعسل ولبن، يصرفونها ويجرونها حيث شاءوا. ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾، أي: ماكثين فيها أبدًا لا يبغون عنها حولًا ﴿نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ نعمت هذه الغرُف أجرًا على أعمال المؤمنين ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ أي: على دينهم وهاجروا إلى اللَّه، ونابذوا\n_________\n(^٤٢) المسند (١/ ١٦٦)، وقال الهيثمي في المجمع (٤/ ٧٢): \"فيه جماعة لم أعرفهم\".\n(*) - أي: آمنين، وهي كلمة حبشية، وتُروى بفتح السين. وقيل: سيوم: جمع صائم، أي تسومون في بلدي كالغنم السائمة لا يعارضكم أحد (النهاية ٢/ ٤٣٤، ٤٣٥).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٢]- في خ: \"سهوما\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في ت: \"ووافاه أتم\".\n[¬٤]- في ز، خ: \"لنسكننكم\".","vol":"10","page":525},{"text":"الأعداء، وفارقوا الأهل والأقرباء، ابتغاء وجه اللَّه، ورجاء ما عنده وتصديق موعوده.\nقال ابن أبي حاتم ﵀ (^٤٣): حدثني أبي، حدثنا صفوان المؤذن، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا معاوية بن سلام، عن أخيه زيد بن سلام، عن جده أبي سلام الأسود، حدثني أبو معانق [¬١] الأشعري: أن أبا مالك الأشعري حدثه أن رسول اللَّه ﷺ حدثه [¬٢] \"أن في الجنة غُرفًا روى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها، أعدها اللَّه لمن أطعم الطعام، وأطاب الكلام، وأباح الصيام، وأقام الصلاة والناس نيام\".\n﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ في أحوالهم كلها في دينهم ودنياهم ثم أخبرهم تعالى أن الرزق لا يختص ببقعة، بل رزقه تعالى عام لخلقه حيث كانوا وأين كانوا، بل كانت أرزاق المهاجرين حيث هاجروا أكثر وأوسع وأطيب فإنهم بعد قليل صاروا حكام البلاد في سائر الأقطار والأمصار، ولهذا قال: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا﴾، أي: لا تطيق جمعه وتحصيله، ولا تؤخر شيئًا لغد ﴿اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ﴾ أي: اللَّه يُقَيض لها رزقها على ضعفها، ويسره عليها، فيبعث إلى كل مخلوق من الرزق ما يصلحه حتى الذر في قرار الأرض، والطير في الهواء والحيتان في الماء. قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إلا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾.\nوقال ابن أبي حاتم (^٤٤): حدثنا محمد بن عبد الرحمن [¬٣] الهروي، حدثنا يزيد -يعني ابن هارون- حدثنا الجراح بن [¬٤] منهال الجزري -هو أبو العطوف- عن الزهري، عن رجل، عن ابن عمر قال: خرجت مع رسول اللَّه ﷺ حتى دخل بعض حيطان المدينة، فجعل يلتقط من التمر وجمل، فقال لي: \"يا ابن عمر، ما لك لا تأكل؟ \" قال: قلت: لا أشتهيه يا رسول اللَّه. قال: \"لكني أشتهيه وهذه صبح رابعة منذ لم أذق طعامًا ولم أجده، ولو شئت لدعوت ربي فأعطاني مثل ملك قيصر وكسرى، فكيف [¬٥] بك يا ابن عمر؛ إذا بقيتَ في قوم يَخْبَئون رزق سنتهم بضعف [¬٦] اليقين؟ \" قال: فواللَّه ما برحنا ولا رِمْنا حتى نزلت: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ\n_________\n(^٤٣) ورواه الإمام أحمد في مسنده (٥/ ٣٤٣) من طريق أبي معانق، عن أبي مالك له، وسيأتي عند الآية: ٢٠ من سورة الزمر.\n(^٤٤) ورواه البغوي في تفسيره (٦/ ٢٥٣) من طريق إسماعيل بن زرارة، عن الجراح بن المنهال به - وقال الشوكاني في فتح القدير (٤/ ٢١٣): \"وهذا الحديث فيه نكارة شديدة لمحالفته لما كان عليه النبي - صلى =\n_________\n[¬١]- في ت: \"معاوية\".\n[¬٢]- سقط من: خ، ز.\n[¬٣]- في ابن أبي حاتم: عبد الرزاق.\n[¬٤]- في ز: \"عن\".\n[¬٥]- في ز: \"وكيف\".\n[¬٦]- في ز: \"الضعف\".","vol":"10","page":526},{"text":"الْعَلِيمُ﴾. فقال رسول اللَّه ﷺ: \"إن اللَّه لم يأمرني بكنز الدنيا ولا باتباع الشهوات، فمن كنز دنياه يريد بها حياة باقية فإن الحياة بيد اللَّه، ألا وإني لا أكنز دينارًا ولا درهمًا ولا أخبأ رزقًا لغد [¬١] \".\nهذا حديث غريب، وأبو العطوف الجزري ضعيف.\nوقد ذكروا أن الغراب إذا فَقَس عن فراخه البيض، خرجوا وهم بيض، فإذا رآهم أبواهم كذلك، نفر عنهم أيامًا حتى يسود الريش، فيظل الفرخ فاتحًا فاه [يتفقد] [¬٢] أبويه فيقيض اللَّه [¬٣] له طيرًا صغارًا كالبِرْغَش (*) فيغشاه [¬٤] فيتقوت منه تلك الأيام حتى يسود ريشه والأبوان يتفقدانه كل وقت، فكلما رأوه أبيض الريش نفرا عنه [¬٥]، فإذا رأوه قد اسود ريشه عطفا عليه بالحضانة والزق، ولهذا قال الشاعر:\nيا رازق النَّعَاب (**) في عشه … وجابر العظم الكسير المهيض\nوقد قال الشافعي في جملة كلام له في الأوامر، كقول النبي ﷺ: \"سافروا تصحوا وترزقوا\".\nقال البيهقي (^٤٥): أخبرناه إملاء أبو الحسن [¬٦] علي [بن محمد] [¬٧] بن عبدان، أخبرنا أحمد بن عبيد، أخبرنا محمد بن غالب، حدثني محمد بن شنان، حدثنا محمد بن عبد الرحمن بن رَدّاد [¬٨]-شيخ من أهل المدينة- حدثنا عبد اللَّه بن دينار، عن ابن عمر قال: قال رسول اللَّه ﷺ: \"سافروا تصحوا وتغنموا\". قال: ورويناه عن ابن عباس.\nوقال الإِمام أحمد (^٤٦)، حدثنا قتيبة: حدثنا ابن لَهيعة، عن دَرّاج، عن عبد الرحمن بن\n_________\n= اللَّه عليه وسلم - فقد كان يعطي نساءه قوت العام كما ثبت ذلك في كتب الحديث المعتبرة، وفي إسناده أبو العطوف الجزري وهو ضعيف\". ا. هـ مستفادًا من حاشية تفسير البغوي.\n(*) البرغش: البعوض اللساع.\n(**) - النعاب: فَرْخ الغراب.\n(^٤٥) السنن الكبرى (٧/ ١٠٢)، ورواه ابن عدي في الكامل (٦/ ١٩٠) من طريق محمد بن عبد الرحمن بن رواد به، وقال: \"لا أعلم يرويه غير الرواد هذا، عامة ما يرويه غير محفوظ\" وقال ابن أبي حاتم في العلل (٢/ ٣٠٦): \"سألت أبي عن هذا الحديث فقال: هذا حديث منكر\".\n(^٤٦) المسند (٢/ ٣٨٠) وفيه ابن لهيعة ودراج ضعيفان.\n_________\n[¬١]- في خ، ز: \"لأحد\".\n[¬٢]- في خ، ز: \"وقال\".\n[¬٣]- سقط من: خ.\n[¬٤]- في ز، خ: \"فتغشاه\".\n[¬٥]- سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- في ز: \"الحسين\".\n[¬٧]- في ز، خ: \"إلى أحمد\". والمثبت من البيهقي.\n[¬٨]- في ز، خ: \"وارد\".","vol":"10","page":527},{"text":"حُجيرة [¬١]، عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ: \"سافروا تربحوا وصوموا تصحوا، واغزوا تغنموا\".\nوقد ورد مثل حديث ابن عمر عن ابن عباس مرفوعًا، وعن معاذ بن جبل موقوفًا [¬٢] (^٤٧).\nوفي لفظ: \"سافروا مع ذوي الجدود والميسرة\" (^٤٨).\nوقوله تعالى: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ أي: السميع لأقوال عباده، العليم بحركاتهم وسكناتهم.\n﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (٦١) اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمٌ (٦٢) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (٦٣)﴾\nيقول تعالى مقررًا أنه لا إله إلا هو. لأن المشركين -الذين يعبدون معه غيره- معترفون أنه المستقل بخلق السموات والأرض والشمس والقمر، وتسخير الليل والنهار وأنه الخالق الرازق لعباده، ومقدر آجالهم واختلافها واختلاف أرزاقهم ففاوت بينهم، فمنهم الغني والفقير، وهو العليم بما يصلح كل منهم، ومن يستحق الغنى ممن يستحق الفقر، فذكر أنه المستبد بخلق الأشياء المتفرد بتدبيرها، فإذا كان الأمر كذلك فلم يعبد غيره؟ ولم يتوكل على غيره؟ فكما أنه الواجد في ملكه فليكن الواحد في عبادته، وكثيرًا ما يقرر [¬٣] تعالى مقام الإِلهية بالاعتراف بتوحيد الربوبية. وقد كان المشركرن يعترفون بذلك، كما كانوا يقولون في تلبيتهم: \"لبيك لا شريك لك، إلا شريكًا هو لك تملكه وما ملك\".\n_________\n(^٤٧) أما حديث ابن عباس، فرواه البيهقي في السنن الكبرى (٧/ ١٠٢)، من طريق بسطام بن حبيب، عن القاسم، عن أبي حازم، عن ابن عباس مرفوعًا، ورواه ابن عدي في الكامل (٧/ ٥٧) من طريق نهشل، عن الضحاك، عن ابن عباس، مرفوعًا. وقال: \"هذه الأحادث كلها عن الضحاك غير محفوظة\". ولم أجده عن معاذ موقوفًا، وسيأتي مرفوعًا، وجاء من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعًا. ورواه ابن عدي في الكامل (٣/ ٤٥٤) عن سوار بن مصعب، عن عطية، عن أبي سعيد، مرفوعًا وقال: \"سوار هذا عامة ما يرويه غير محفوظ\".\n(^٤٨) رواه الديلمي في مسند الفردوس حديث (٣٣٨٧) من حديث معاذ بن جبل ﵁، وذكره السيوطي في الجامع ورمز له بالضعف وأعله المناوي بإسماعيل بن زياد.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"حجير\".\n[¬٢]- في خ: \"مرفوعًا\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"يقدر\".","vol":"10","page":528},{"text":"﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إلا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٦٤) فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ (٦٥) لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَينَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٦٦)﴾\nيقول تعالى مخبرًا عن حقارة الدنيا وزوالها وانقضائها، وأنها لا دوام لها، وغاية ما فيها لهو ولعب: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾ أي: الحياة الدائمة الحق الذي لا زوال لها ولا انقضاء، بل هي مستمرة أبد الآباد.\nوقوله: ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ أي: لآثروا ما يبقى على ما يفنى.\nثم أخبر تعالى عن المشركين أنهم عند الاضطرار يدعونه وحده لا شريك له، فهلا يكون هذا منهم دائمًا، ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾، كقوله: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إلا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ [¬١] إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ﴾ وقال هاهنا: ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾.\nوقد ذكر محمد بن إسحاق، عن عكرمة بن أبي جهل: أنه لما فتح رسول اللَّه ﷺ مكة ذهب فارًّا منها، فلما ركب في البحر ليذهب إلى الحبشة اضطربت بهم السفينة، فقال أهلها: يا قوم؛ أخلصوا لربكم الدعاء، فإنه لا يُنجِّي هاهنا إلا هو. فقال عكرمة: واللَّه إن كان لا ينجي في البحر غيره، فإنه لا ينجي أيضًا غيره في البر، اللهم؛ لك علي عهد لئن خرجتُ لأذهبن فلأضعنّ يدي في يد محمد فلأجدنه رءوفًا رحيمًا. وكان كذلك.\nوقوله: ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَينَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا﴾، هذه \"اللام\" يسميها كثير من أهل العربية والتفسير وعلماء الأصول \"لام العاقبة\"، لأنهم لا يقصدون [¬٢] ذلك، ولا شك أنها كذلك بالنسبة إليهم، وأما بالنسبة إلى تقدير اللَّه عليهم ذلك [¬٣] وتقييضه إياهم لذلك [¬٤] فهي \"لام التعليل\". وقد قدمنا، [تقرير ذلك] [¬٥] في قوله تعالى: ﴿لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾.\n﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"أنجاكم\".\n[¬٢]- في خ، ز: \"يعدون\".\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- في ت: \"ذلك\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين في ت: \"تقريرًا لذلك\".","vol":"10","page":529},{"text":"وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ (٦٧) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ أَلَيسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ (٦٨) وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾\nيقول تعالى ممتنًّا على قريش فيما أحلهم من حرمه [¬١]، الذي جعله للناس سواء العاكف فيه والبادي ومن دخله كان آمنًا، فهم في أمن عظيم، والأعراب حوله ينهب بعضهم بعضًا، ويقتل بعضهم بعضًا، كما قال تعالى: ﴿لإِيلَافِ قُرَيشٍ (١) إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيفِ (٢) فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيتِ (٣) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾.\nوقوله: ﴿أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ﴾، أي: أفكان شكرهم على هذه النعمة العظيمة أن أشركوا به، وعبدوا معه الأصنام والأنداد، و﴿بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾، وكفروا بنبي اللَّه وعبده ورسوله، فكان اللائق بهم [¬٢] إخلاص العبادة لله، وأن لا يشركوا به، وتصديق الرسول وتعطمه وتوقيره، فكذبوه وقاتلوه وأخرجوه من بين أظهرهم؛ ولهذا سلبهم اللَّه ما كان أنعم به عليهم، وقتل من قتل منهم ببدر، وصارت الدولة (*) لله ولرسوله وللمؤمنين [¬٣]، ففتح اللَّه على رسوله مكة، وأرغم آنافهم [¬٤] وأذل رقابهم.\nثم قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ﴾، أي: لا أحد أشدّ عقوبة ممن كذب على اللَّه فقال: إن اللَّه أوحى إليه ولم يوح إليه شيء. ومن قال: سأنزل مثل ما أنزل اللَّه. وهكذا لا أحد أشد عقوبة ممن كذب بالحق لما جاءه، فالأول مفتر، والثاني مكذب، ولهذا قال: ﴿أَلَيسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ﴾؟.\nثم قال: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا﴾، يعني الرسول -صلوات اللَّه وسلامه عليه- وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين، ﴿لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾، أي: لنُبَصرّنَّهم سبلنا أي: طرقنا [¬٥] في الدنيا والآخرة.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أحمد بن أبي الحواري، حدثنا عباس الهمداني أبو أحمد -من أهل عكا- في قول اللَّه: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾، قال: اللَّه يعملون بما يعلمون يهديهم لما لا [¬٦] يعلمون. قال أحمد بن أبي\n_________\n(*) - الدولة: الغلبة.\n_________\n[¬١]- في خ، ز: \"حريمه\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"لهم\".\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- في ز، خ: \"آنافيهم\".\n[¬٥]- في خ، ز: \"طريقنا\".\n[¬٦]- سقط من: خ.","vol":"10","page":530},{"text":"الحواري: فحدثت به أبا سليمان الداراني فأعجبه، وقال: ليس [¬١] ينبغي لمن ألهم شيئًا من الخير أن يعمل به [¬٢] حتى يسمعه في الأثر، فإذا سمعه في الأثر عمل به، وحمد اللَّه حين وأفق ما [¬٣] في نفسه.\nوقوله: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾. قال ابن أبي حاتم:\nحدثنا أبي، حدثنا عيسى بن جعفر قاضى الري، حدثنا أبو جعفر الرازي، عن المغيرة، عن الشعبي قال: قال عيسى ابن مريم ﵇: إنما الإحسان أن تحسن إلى من أساء إليك [¬٤]، و[¬٥] ليس الإِحسان أن تحسن إلى من أحسن إليك. واللَّه أعلم.\n* * *\n\nانتهى بحمد اللَّه وحسن توفيقه المجلد العاشر ويليه إن شاء اللَّه تعالى المجلد الحادي عشر وأوله تفسير سورة الروم\n_________\n[¬١]- سقط من: خ، ز.\n[¬٢]- سقط من: خ، ز.\n[¬٣]- في خ، ز: \"فيما\".\n[¬٤]- في خ: \"عليك\".\n[¬٥]- سقط من: ز.","vol":"10","page":531},{"text":"<span data-type='title' id=toc-138>تفسير سورة الروم وهي مكية</span>\n﷽\n﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٥) وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٦) يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ (٧)﴾\nنزلت [¬١] هذه الآيات حين غلب سابور ملك الفرس على بلاد الشام وما والاها من بلاد الجزيرة وأقاصي بلاد الروم، واضطر هرقل ملك الروم حتى ألجأه إلى القسططنية، وحاصره فيها مدة طويلة ثم عادت الدولة لهرقل كما سيأتي.\nقال الإِمام أحمد (^١): حدثنا معاودة بن عمرو، حدثنا أبو إسحاق، عن سفيان، عن حبيب بن أبي عمرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ﴾، قال: غُلبت وغَلَبت. قال: كان المشركون يحبون أن تظهر فارس على الروم، لأنهم أصحاب أوثان، وكان [¬٢] المسلمون يحبون أن تظهر الروم على فارس، لأنهم أهل كتاب، فذكر ذلك لأبي بكر، فذكره أبو بكر لرسول اللَّه ﷺ فقال رسول اللَّه ﷺ: \"أما إنهم سيغلبون\". فذكره أبو بكر لهم، فقالوا: اجعل بيننا وسنك أجلًا، فإن ظهرنا كان لنا كذا وكذا، وإن ظهرتم كان لكم كذا وكذا. فجعل أجلًا [¬٣] خمس سنين، فلم يظهروا، فذكر ذلك أبو بكر للنبي ﷺ فقال: \"ألا جعلتها إلى دُون -أراه قال-: العشر\". قال سعيد بن جبير: البضع ما دون العشر. ثم ظهرت الروم بعد، قال: فذلك قوله: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ\n_________\n(^١) المسند (١/ ٢٧٦)، وسنن الترمذي حديث (٣١٩٣)، والنسائي في السنن الكبرى حديث (١١٣٨٩).\n_________\n[¬١]- سقط من: خ، ز.\n[¬٢]- سقط من: خ، ز.\n[¬٣]- في خ، ز: \"رجل\".","vol":"11","page":5},{"text":"يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾.\nهكذا رواه الترمذي والنسائي جميعًا عن الحسين بن حريث، عن معاوية بن عمرو، عن أبي إسحاق الفزاري، عن سفيان بن سعيد الثوري به.\nوقال الترمذي: حسن غريب، إنما نعرفه من حديث سفيان عن حبيب،\nورواه ابن أبي حاتم، عن محمد بن إسحاق الصاغاني [¬١]، عن معاوية بن عمرو، به.\nورواه ابن جرير (^٢): حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا [محمد بن أسعد -أو [¬٢] سعيد- التَّغْلَبِيّ الذي يقال له أبو سعيد [¬٣]] [¬٤] من أهل طرسوس- حدثنا أبو إسحاق الفزاري، فذكره. وعندهم: قال سفيان: فبلغني أنهم غلبوا يوم بدر.\n(حديث آخر): قال سليمان بن مهران الأعمش: عن مسلم، عن مسروق، قال: قال عبد اللَّه: خمس قد مضين: الدخان واللزام والبطشه والقمر والروم. أخرجاه (^٣).\nوقال ابن جرير (^٤): حدثنا ابن وكيع، حدثنا المحاربي، عن داود بن أبي هند، عن عامر- هو الشعبي- عن عبد اللَّه -هو ابن مسعود ﵁ قال: كانت فارس ظاهرة على الروم وكان المشركون يحبون أن تظهر فارس على الروم. وكان المسلمون يحبون أن تظهر الروم على فارس؛ لأنهم أهل كتاب، وهم أقرب إلى دينهم، فلما نزلت: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾، قالوا: يا أبا بكر، إن صاحبك يقول: إن الروم تظهر على فارس في بضع سنين؟! قال: صدق. قالوا: هل لك إلى أن نقامرك: فبايعوه على أربع [¬٥] قلائص إلى سبع سنين، فمضت السبع ولم يكن شيء، ففرح المشركون بذلك وشق على المسلمين، فذُكر ذلك للنبي ﷺ، فقال: \"ما بضع السنين [¬٦] عندكم؟ \" قالوا: دون العشر. قال: \"اذهب فزايدهم وازدد سنتين في الأجل\". قال: فما [¬٧] مضت السنتان حتى جاءت الركبان بظهور الروم على فارس، ففرح المؤمنون بذلك وأنزل اللَّه: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ﴾، إلى قوله: ﴿لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾.\n_________\n(^٢) تفسير الطبري (٢١/ ١٢).\n(^٣) صحيح البخاري حديث (٤٧٦٧)، وصحيح مسلم حديث (٢٧٩٨).\n(^٤) تفسير الطبري (٢١/ ١٤).\n_________\n[¬١]- في ز: \"الصنعاني\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"أبو\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"أسعد\".\n[¬٤]- المثبت من تهذيب الكمال (٢٤/ ٤٢٩).\n[¬٥]- في ز، خ: \"أربعة\".\n[¬٦]- في ت: \"سنين\".\n[¬٧]- في ز، خ: \"ما\".","vol":"11","page":6},{"text":"(حديث آخر): قال ابن أبي حاتم (^٥): حدثنا علي بن الحسين، حدثنا أحمد بن عمر الوكيعي [¬١]، حدثنا مؤمل، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء قال: لما نزلت: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾، قال المشركون لأبي بكر: ألا ترى إلى ما يقول صاحبك؟ يزعم أن الروم تغلب فارس! قال: صدق صاحبي. قالوا: هل لك أن نخاطرك؟ فجعل بينه وبينهم أجلًا، فحل الأجل قبل أن تغلب الروم فارس، فبلغ ذلك النبي ﷺ فساء ذلك وكرهه، وقال لأبي بكر: \"ما دعاك إلى هذا؟ \". قال: تصديقًا اللَّه ولرسوله. فقال: \"تَعَرَّض لهم وأعظم الخَطَر، واجعله إلى بضع سنين\". فأتاهم أبو بكر فقال لهم: هل لكم في العود، فإن العود أحمد؟ قالوا: نعم. فلم تمض تلك السنين حتى غلبت الروم فارس، وربطوا خيولهم بالمدائن وبنوا الرومية، فجاء به أبو بكر إلى النبي ﷺ فقال: هذا السحت، قال: \"تصدق به\".\n(حديث آخر): قال أبو عيسى الترمذي (^٦): حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا إسماعيل بن أبي أويس، أخبرني ابن أبي الزناد، عن عروة بن الزبير، عن نِيار بن مُكرم الأسلمي قال: لما نزلت ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾، وكانت فارس يوم نزلت هذه الآية قاهرين [¬٢] للروم، وكان المسلمون يحبون ظهور [¬٣] الروم عليهم، لأنهم وإياهم أهل كتاب، وفي ذلك قول اللَّه: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ وكانت قريش تحب ظهور فارس؛ لأنهم وإياهم ليسوا أهل [¬٤] كتاب ولا إيمان يبعث، فلما أنزل اللَّه هذه الآية؛ خرج أبو بكر يصيح في نواحي مكة: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾، قال ناس من قريش لأبي بكر: فذاك بيننا وبينك، زعم صاحبك أن الروم ستغلب فارس في بضع سنين أفلا نراهنك على ذلك؟ قال: بلى -وذلك قبل تحريم الرهان-[فارتهن أبو بكر والمشركون، وتواضعُوا الرهان] [¬٥]، وقالوا لأبي بكر: كم تجعل البضع؟ ثلاث سنين إلى تسع [¬٦] سنين فَسمِّ [¬٧] بيننا وبينك وسطًا تنتهي إليه. قال: فسموا بينهم ست سنين. قال:\n_________\n(^٥) ورواه أبو يعلى في المسند الكبير، كما في المطالب (٥١٩) من طريق إبراهيم بين محمد بن عرعرة، عن المؤمل بنحوه، وقال البوصيري في الإتحاف: \"له شاهد من حديث نيار بن مكرم رواه الترمذي\". وهو الآتي بعده.\n(^٦) سنن الترمذي حديث (٣١٩٤).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"الركيعي\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"قاهرون\".\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- في ت: \"كاهل\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٦]- في خ، ز: \"سبع\".\n[¬٧]- في ز، خ: \"قم\".","vol":"11","page":7},{"text":"فمضت [السنين الست] [¬١] قبل أن يظهروا، فأخذ المشركون رهن أبي بكر، فلما دخلت السنة السابعة ظهرت الروم على فارس، فعاب المسلمون على أبي بكر تسمية [¬٢] ست سنين. قال: لأن اللَّه قال: ﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾. قال: فأسلم عند ذلك ناس كثير.\nهكذا ساقه الترمذي ثم قال: هذا حديث حسن صحيح، لا نعرفه إلا من حديث عبد الرحمن بن أبي الزناد، وقد روي نحو هذا مرسلًا عن جماعة من التابعين، مثل: عكرمة، والشعبي، ومجاهد، وقتادة، والسدي، والزهري، وغيرهم.\nومن أغرب هذه السياقات ما رواه الإِمام سُنيد بن داود في تفسيره حيث قال (^٧): حدثني حجاج، عن أبي بكر بن عبد اللَّه، عن عكرمة قال: كانت في فارس امرأة لا تلد إلا الملوك الأبطال، فدعاها كسرى فقال: إني أريد أن أبعث إلى الروم جيشًا وأستعمل عليهم رجلًا من بنيك فأشيري علي، أيَّهم أستعمل؟ فقالت: هذا فلان، وهو أروغ من ثعلب، وأحذر من صقر. وهذا فرخان، وهو أنفذ من سنان. وهذا شهربراز وهو أحلم من كذا -تعني أولادها الثلاثة- فاستعمل أيهم شئت. قال: فإني قد استعملت الحليم. فاستعمل شهريراز فسار إلى الروم بأهل فارس، فظهر عليهم فقتلهم، وخزب مدائنهم، وقطع زيتونهم.\nقال أبو بكر بن عبد اللَّه: فحدثت هذا [¬٣] الحديث عطاء الخراساني فقال: أما رأيت بلاد الشام؟ قلت. لا، قال: أما إنك لو رأيتها لرأيت المدائن التي خربت والزيتون الذي قطع. فأتيت الشام بعد ذلك فرأيته.\nقال عطاء الخراساني: حدثني يحيى بن يعمر أن قيصر بعث رجلًا يدعى بطنة [¬٤] بجيش من الروم، وبعث كسرى شهربراز فالتقيا بأذرعات وبُصرى، وهي أدنى الشام إليكم، فلقيت فارس الروم، فغلبتهم فارس. ففرحت بذلك كفار قريش وكرهه المسلمون.\nقال عكرمة: ولقي المشركون أصحاب النبي ﷺ فقالوا: إنكم أهل كتاب، والنصارى أهل كتاب، [ونحن أميون، وقد ظهر إخواننا من أهل فارس على إخوانكم من أهل الكتاب] [¬٥]، وإنكم إن قاتلتمرنا لنظهرنَّ عليكم. فأنزل اللَّه: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ﴾ فخرج أبو بكر الصديق إلى\n_________\n(^٧) رواه الطبري في تفسيره (٢١/ ١٣) من طريق سنيد به.\n_________\n[¬١]- في ت: \"ست السنين\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"قسمته\".\n[¬٣]- في ت: \"بهذا\".\n[¬٤]- في ت: \"قطمة\".\n[¬٥]- سقط من ز، خ.","vol":"11","page":8},{"text":"الكفار فقال: أفرحتم بظهور إخوانكم على إخواننا، فلا وفرحوا. ولا يُقرَّن اللَّه أعينكم؛ فواللَّه ليظهرن اللَّه [¬١] الروم على فارس، أخبرنا بذلك نبينا ﷺ. فقام إليه أُبيّ بن خلف فقال: كذبت يا أبا فضيل. فقال له أبو بكر: أنت أكذب يا عدو اللَّه. قال [¬٢]: [أناحِبُكَ] [¬٣] (*) عشر قلائص مني وعشر قلائص منك، فإن ظهرت الروم على فارس غَرِمتُ وإن ظهرت فارس غرمتَ إلى ثلاث سنين. ثم جاء أبو بكر إلى النبي ﷺ فأخبره، فقال: ما هكذا ذكرت، إنما البضع ما بين الثلاث إلى التسع. فزايده في الخَطَر [¬٤] (**) ومادّه في الأجل. فخرج أبو بكر فلقى أبيًّا فقال: لعلك ندمت؟ فقال: لا، تعالى أزايدك في الخَطَر وأمادك في الأجل، فاجعلها مائة قلوص لمائة قلوص إلى تسع سنين. قال: قد فعلت. فظهرت الروم على فارس قبل ذلك، فغلبهم المسلمون.\nقال عكرمة: لما أن ظهرت فارس على الروم، جلس فرخان يشرب -وهو أخو شهربراز- فقال لأصحابه: لقد رأيت كأني جالس على سرور كسرى. فبلغت [¬٥] كسرى فكتب إلى شهربراز: إذا أتاك كتابي فابعث إلي برأس فرخان. فكلتب إليه: أيها الملك؛ إنك لن تجد مثل فرخان. له نكاية [¬٦] وصوت في العدو، فلا تفعل. فكتب إليه: إن في رجال فارس خلفًا منه، فعجّل إلي برأسه. فراجعه، فغضب كسرى فلم يجبه، وبعث يريدًا إلى أهل فارس: إني قد نزعت عنكم شهربراز، واستعملت عليكم فرخان. ثم دفع إلى البريد صحيفة لطيفة صغيرة فقال: إذا ولي فرخان الملك، وانقاد له أخوه، فأعطه هذه [¬٧]. فلما قرأ شهربراز الكتاب قال: سمعًا وطاعة، ونزل عن سريره وجلس فرخان ودفع إليه الصحيفة قال: ائتوني بشهربراز، وقدَّمه ليضرب عنقه، قال: لا تعجل حتى أكتب وصيتي، قال: نعم. فدعا بالسَّفط [¬٨] (* * *) فأعطاه [ثلاث صحائف] [¬٩] وقال: كل هذا راجعت فيك كسرى، وأنت أردت أن تقتلني بكتاب واحد. فرد الملك إلى أخيه شهربراز وكتب شهربراز إلى قيصر ملك الروم: إن لي إليك حاجة لا تحملها البُرُد ولا تحملها الصحف، فالقني ولا تلقني إلا في خمسين روميًّا، فإني ألقاك في خمسين فارسيًّا. فأقبل قيصر في خمسمائة ألف رومي، وجعل يضع [¬١٠] العيون بين يديه في\n_________\n(*) ناحب فلانًا: راهنه.\n(**) الخطر: الرهان.\n(* * *) السفط: وعاء من قضبان الشجر ونحوها، توضع فيه الأشياء، كالفاكهة ونحوها وهو يشبه الجوالق أو القفة.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في ت: فقال:\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في خ، ز: \"أناجيك\".\n[¬٤]- في ز، خ: \"الحضر\".\n[¬٥]- في خ: \"فغلبت\".\n[¬٦]- في ز، خ: \"مكانه\".\n[¬٧]- سقط من: ز.\n[¬٨]- في ز: \"بالسقط\".\n[¬٩]- ما بين المعكوفتين في ت: \"الصحائف\".\n[¬١٠]- سقط من: خ، ز.","vol":"11","page":9},{"text":"الطريق، وخاف أن يكون قد [¬١] مكر به، حتى أتاه عيونه أنه ليس معه إلا خمسون رجلًا. ثم بسط لهما والتقيا في قبة ديباج ضربت لهما مع كل واحد منهما سكين، فدعيا تَرْجُمَانًا بينهما، فقال شهربراز: إن [¬٢] الذين خربوا مدائنك أنا وأخي بكيدنا وشجاعتنا، وإن كسرى حَسَدنا، وأراد أن أقتل أخي فأبيت، ثم أمر أخي أن يقتلني. وقد خلعناه [¬٣] جميعًا فنحن نقاتله معك. قال: وقد [¬٤] أصبتما. ثم أشار أحدهما إلى صاحبه أن السر بين اثنين فإذا جاوز اثنين فشا. قال: أجل. فقتلا الترجمان جميعًا بسكينيهما، فأهلك اللَّه كسرى، وجاء الخبر إلى رسول اللَّه ﷺ يوم الحديبية ففرح والمسلمون معه.\nفهذا سياق غريب، وبناء عجيب. ولنتكلم على كلمات هذه الآيات الكريمة:\nفقوله تعالى: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ﴾، قد تقدم الكلام على الحروف المقطعة في أوائل السور، في أول سورة البقرة، وأما الروم فهم من سلالة العيص بن إسحاق بن إبراهيم، وهم أبناء عم بني إسرائيل ويقال لهم: بنو الأصفر. وكانوا على دين اليونان، واليونان من سلالة يافث بن نوح أبناء عم الترك. وكانوا يعبدون الكواكب السيارة السبعة، ويقال لها: المتحيرة، ويصلون إلى القطب الشمالي، وهم الذين أسسوا دمشق، وبنوا معبدها، وفيه محاريب إلى جهة الشمال، فكان الروم على دينهم إلى بعد مبعث المسيح بنحو من ثلاثمائة سنة، وكان من ملك الشام مع الجزيرة منهم يقال له: قيصر. فكان أول من دخل في دين النصارى من الملوك قسطنطين بن قسطس، وأمه مريم الهيلانية الشدقانية من أرض حران، كانت قد تنصرت قبله، فدعته إلى دينها، وكان قبل ذلك فيلسوفًا، فتابعها -يقال: تَقِيَّة- واجتمعت به النصارى، وتناظروا في زمانه مع عبد اللَّه بن أريوس، واختلفوا اختلافا منتشرًا متشتتًا لا ينضبط، إلا أنه اتفق من جماعتهم ثلاثمائة وثمانيةَ عشرَ أسقفًّا، فوضعوا لقسطنطين العقيدة، وهي التي يسمونها: الأمانة الكبيرة، وإنما هي الخيانة الحقيرة، وضعوا له القوانين -يعنون كتب الأحكام- من تحليل وتحريم وغير ذلك مما يحتاجون إليه، وغيَّروا دين المسيح ﵇، وزادوا فيه ونقصوا منه. وصلوا إلى المشرق واعتاضوا عن السبت بالأحد، وعبدوا الصليب وأحلوا الخنزير، واتخذوا أعيادًا أحدثوها، كعيد الصليب والقداس، والغطاس، وغير ذلك من البواعيث والشعانين (*)، وجعلوا له الباب وهو كبيرهم ثم البتاركة، ثم المطارنة، ثم الأساقفة، والقساقسة، ثم الشمامسة. وابتدعوا الرهبانية. وبنى لهم الملك الكنائس والمعابد، وأسس المدينة المنسوبة إليه وهي القسططنية، يقال: إنه بنى في أيامه اثنى عشر ألفَ كنيسة، وبنى بيت لحم بثلاثة [¬٥] محاريب، وبنت أمه القمامة، وهؤلاء هم الملكية، يعنون الذين هم على\n_________\n(*) الشعانين: عيد النصارى يوم الأحد السابق لعيد الفِصح، يحتفل فيه بذكرى دخول السيد المسيح بيت المقدس.\n_________\n[¬١]- سقط من: خ، ز.\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في ز، خ: \"خلعنا\".\n[¬٤]- في ت: وقد.\n[¬٥]- في ز، خ: \"بثلاث\".","vol":"11","page":10},{"text":"دين الملك.\nثم حدثت بعدهم اليعقوبية أتباع يعقوب الإسكاف. ثم النسطورية أتباع [¬١] نسطورا، وهم فرق وطوائف كثيرة، كما قال رسول اللَّه ﷺ: \"إنهم افترقوا على اثنتين وسبعين فرقة\" (^٨). والغرض إِنهم استمروا على النصرانية، كلما هلك قيصر خلفه آخر بعده. حتى كان آخرهم هرقل، وكان من عقلاء الرجال، ومن أحزم الملوك وأدهاهم، وأبعدهم غورا وأقصاهم رأيا، فتملَّك عليهم في رياسة عظيمة وأبهة كبيرة، فناوأه كسرى ملك الفرس، ومَلك البلاد كالعراق وخراسان والرّي، وجميع بلاد العجم، وهو سابور ذو الأكتاف، وكانت مملكته أوسع من مملكة قيصر، وله رياسة العجم وحماقة الفرس، وكانوا مجوسًا يعبدون النار.\nفتقدم عن عكرمة أنه بعث إليه نوابه وجيشه فقاتلوه، والمشهور أن كسرى [غزاه بنفسه] [¬٢] في بلاده فقهره وكَسَره وقصره، حتى لم يبق معه سوى مدينة قسططينية؛ فحاصره بها مدة طويلة حتى ضاقت عليه وكانت النصارى تعظمه تعظيمًا زائدًا، ولم يقدر كسرى على فتح البلد، ولا أمكنه ذلك لحصانتها، لأن نصفها من ناحية البر ونصفها الآخر من ناحية البحر، فكانت تأتيهم الميرة والمَدَد من هنالك. فلما طال الأمر دبر قيصر مكيدة، ورأى [¬٣] في نفسه خديعة، فطلب من كسرى أن يقلع عن بلاده على مال يصالحه عليه، ويشترط عليه ما شاء. فأجابه إلى ذلك، وطلب منه أموالا عظيمة لا يقدر عليها أحد [¬٤] من ملوك الدنيا، من ذهب، وجواهر، وأقمشة، وجوار [¬٥]، وخدام، وأصناف كثيرة. فطاوعه قيصر، وأوهمه أن عنده جميع ما طلب، واستقل عقله لما طلب منه ما طلب، ولو اجتمع هو وإياه لعجزت قدرتهما عن جمع عُشره، وسأل [من] [¬٦] كسرى أنُ يمكنه من الخروج إلى بلاد الشام وأقاليم مملكته، ليسعى في تحصيل ذلك من ذخائره وحواصله ودفائنه، فأطلق سراحه، فلما عزم قيصر على الخروج عن [¬٧] مدينة قسطنطينية، جمع أهل ملته وقال: إني خارج في أمر قد أبرمته، في جند قد عينته من جيشي، فإن رجعت إليكم قبل الحول فأنا ملككم، وإن لم أرجع إليكم قبلها فأنتم بالخيار، إن شئتم استمررتم على بيعتي، وإن شئتم وليتم عليكم غيري. فأجابوه بأنك ملكنا ما دمت حيًّا ولو غبت عشرة أعوام.\n_________\n(^٨) - سنن أبي داود حديث (٤٥٩٦)، ورواه ابن ماجة في السنن حديث (٣١٩٢)، وقال البوصيري في الزوائد: \"إسناد عوف بن مالك فيه مقال، قال ابن عدي: روى أحاديث تفرد بها. وذكره ابن حبان في الثقات وباقي رجال الإسناد ثقات\".\n_________\n[¬١]- في ت: \"أصحاب\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"بنفسه عزاه\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"وروى\".\n[¬٤]- في ز، خ: \"أحدًا\".\n[¬٥]- في ز، خ: \"وجواري\".\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من ت.\n[¬٧]- في ت: \"من\".","vol":"11","page":11},{"text":"فلما خرج من القسطنطينية خرج جريدة (*) في جيش متوسط، هذا وكسرى مُخيم على القسطنطينية ينتظره ليرجع، فركب قيصر من فوره وسار [¬١] مسرعًا حتى انتهى إلى بلاد فارس فعاث في بلادها [¬٢] قتلًا لرجالها ومن بها من المقاتلة أولًا فأولًا [¬٣]، ولم يزل يقتل [¬٤] حتى انتهى إلى المدائن، وهي كرسي مملكة كسرى، فقتل من بها وأخذ جميع حواصله وأمواله، وأسر نساءه وحريمه، وحلق رأس ولده، ورَكّبه على حمار وبعث معه من الأساورة (**) من قومه في غاية الهوان والذلة، وكتب إلى كسرى يقول: هذا ما طلبت فخُذه. فلما بلغ [ذلك] [¬٥] كسرى أخذه من الغم ما لا يحصيه إلا اللَّه ﷿، واشتد حنقه على البلد فاشتد في حصارها بكل ممكن فلم يقدر على ذلك. فلما عجز ركب ليأخذ عليه الطريق من مخاضة جيحون، التي لا سبيل لقيصر إلى القسطنطينية إلا منها، فلما علم قيصر بذلك احتال بحيلة عظيمة لم يسبق إليها، وهو أنه أرصد جنده وحواصله التي معه عند فم المخاضة وركب في بعض الجيش، وأمر بأحمال من التبن والبعر والروث فحملت معه، وسار إلى قريب من يوم في الماء مصعدًا، ثم أمر بإلقاء تلك الأحمال في النهر فلما مرت بكسرى ظن هو وجنده [¬٦] أنهم قد [¬٧] خاضوا من هنالك، فركبوا في طلبهم فشغرت (* * *) المخاضة عن الفرس، وقدم قيصر فأمرهم بالنهوض في الخوض، فخاضوا وأسرعوا السير ففاتوا كسرى وجنوده، ودخلوا القسطنطينية. وكان ذلك يومًا مشهودًا عند النصارى. وبقى كسرى وجنوده [¬٨] حائرين لا يدرون ماذا يصنعون لم يحصلوا على بلاد قيصر، وبلادهم قد خَرّبتها الروم وأخذوا حواصلهم، وسبوا ذراريهم ونساءهم [¬٩]. [فهذا ما كان] [¬١٠] من غَلَب الروم فارس وكان ذلك بعد تسع سنين من غلب الفرس للروم.\nوكانت الواقعة الكائنة بين فارس والروم حين غلبت الروم بين أذرعات وبصرى، على ما ذكره ابن عباس وعكرمة وغيرهما، وهي طرف بلاد الشام مما يلي بلاد الحجاز.\nوقال مجاهد: كان ذلك في الجزيرة وهي أقرب بلاد الروم من فارس. فالله أعلم.\n_________\n(*) الجريدة: خيل لا رجالة فيها.\n(**) جمع إسوار وهو قائد الفرس.\n(* * *) شغر المكان: خلا.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"وساق\".\n[¬٢]- في ت: \"بلادهم\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"فأول\".\n[¬٤]- في خ: \"يقصر\"، وفي ز: \"يقصل\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من ت.\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"وجنده ظن\".\n[¬٧]- سقط من: ز.\n[¬٨]- في ت: \"جيوش\".\n[¬٩]- سقط من: خ، ز.\n[¬١٠]- ما بين المعكوفتين في ز: \"فكان هذا\".","vol":"11","page":12},{"text":"ثم كان غلب الروم لفارس بعد بضع سنين، وهي تسع؛ فإن البضع في كلام العرب ما بين الثلاث إلى التسع، وكذلك جاء في الحديث الذي رواه الترمذي وابن جرير وغيرهما (^٩)، من حديث عبد اللَّه بن عبد الرحمن الجمحي، عن الزهري، عن عُبيد اللَّه بن عبد اللَّه، عن ابن عباس: أن رسول اللَّه ﷺ قال لأبي بكر في مُنَاحَبَة [¬١]: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ﴾: \"ألا احتطت يا أبا بكر، فإن البضع بين ثلاث إلى تسع؟ \". ثم قال: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه.\nوروى ابن جرير عن عبد اللَّه بن عمرو أنه قال ذلك (^١٠).\nوقوله: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾، أي: من قبل ذلك ومن بعده، فبني على الضم لما قُطع المضاف، وهو قوله: ﴿قَبْلُ﴾ عن الإضافة ونُويت.\n﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ أي: للروم أصحاب قيصر ملك الشام، على فارس أصحاب كسرى، وهم المجوس. وقد كانت نصرة الروم على فارس يوم وقعة بدر في قول طائفة كبيرة من العلماء، كابن عباس، والثوري، والسدي، وغيرهم.\nوقد ورد في الحديث الذي رواه الترمذي (^١١) وابن جرير وابن أبي حاتم والبزار، من حديث الأعمش، عن عطية، عن أبي سعيد قال: لما كان يوم بدر، ظهرت الروم على فارس، فأعجب ذلك المؤمنين وفرحوا به، وأنزل اللَّه: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾.\nوقال آخرون: بل كان نصرة الروم على فارس عام الحديبية، قاله عكرمة، والزهري، وقتادة، وغيرهم.\nووجه بعضهم هذا القول بان قيصر كان قد نذر لئن أظفره اللَّه بكسرى ليمشين من حمص إلى إيلياء -وهو بيت المقدس- شكرا لله ﷿ ففعل، فلما بلغ بيت المقدس لم يخرج منها [¬٢] حتى وافاه كتاب رسول اللَّه ﷺ، الذي بعثه مع دحية بن خليفة، فأعطاه دحية لعظيم بصرى، فدفعه عظيم بصرى إلى قيصر. فلما وصل إليه سأل: من بالشام من عرب الحجاز؟ فاحضر له أبو سفيان صخر بن حرب الأموي في جماعة من كفار قريش كانوا في غزة، فجيء بهم إليه، فجلسوا بين يديه، فقال: أيكم أقرب نسبًا بهذا\n_________\n(^٩) سنن الترمذي حديث (٣١٩١)، وتفسير الطبري (٢١/ ١٢).\n(^١٠) تفسير الطبري (٢١/ ١٦).\n(^١١) سنن الترمذي حديث (٣١٩٢)، وتفسير الطبري (٢١/ ١٦).\n_________\n[¬١]- في ز: \"مناجية\".\n[¬٢]- في ت: \"منه\".","vol":"11","page":13},{"text":"الرجل الذي يزعم أنه نبي؟ فقال أبو سفيان: أنا، فقال لأصحابه -وأجلسهم خلفه-: إني سائل هذا عن هذا الرجل، فإن كذب فكذبوه. فقال أبو سفيان: فوالله لولا أن [¬١] يَأثُرُوا عليّ الكذب لكذبت. فسأله هرقل عن نسبه وصفته، فكان فيما ساممه أن قال: فهل يغدر؟ قال: قلت: لا، ونحن منه في مُدة لا ندري ما هو صانع فيها- يعني بذلك الهدنة التي كانت قد [¬٢] وقعت بين رسول اللَّه ﷺ وكفار قريق يوم الحديبية- على وضع الحرب بينهم عشر سنين، فاستدلوا بهذا على أن نصر الروم على فارس كان عام الحديبية، لأن قيصر إنما وفى بنذره بعد الحديبية، واللَّه أعلم.\nولأصحاب القول الأول أن يجيبوا عن هذا بأن بلاده كانت قد خربت وتشعثت، فما تمكن من وفاء نذره حتى أصلح ما ينبغي إصلاحه وتفقد بلاده، ثم بعد أربع سنين من نصرته وفي بنذره، واللَّه أعلم.\nوالأمر في هذا سهل قريب إلا أنه لما انتصرت [¬٣] فارس على الروم ساء ذلك المؤمنين، فلما انتصرت الروم على فارس فرح المؤمنون بذلك، لأن الروم أهل كتاب في الجملة، فهم أقرب إلى المؤمنين من المجوس، كما قال تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ (*) أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٨٢) وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ وقال تعالى هاهنا: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا صفوان، حدثنا الوليد، حدثني أسيد الكلالي، قال: سمعت العلاء بن الزبير الكلابي يحدث عن أبيه، قال: رأيت [] [¬٤] غلبة فارس الروم، ثم رأيت غلبة الروم فارس، ثم رأيت غلبة المسلمين فارس والروم، كل ذلك في خمس عشرة سنة.\nوقوله: ﴿وَهُوَ الْعَزِيز﴾ أي: في انتصاره وانتقامه من أعدائه ﴿الرَّحِيمُ﴾ عباده المؤمنين.\nوقوله: ﴿وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ أي: هذا الذي أخبرناك به -يا محمد- من أنا سننصر الروم على فارس، وعد من اللَّه حق، وخَبَر صدق لا يخلف، ولابد من كونه ووقوعه؛ لأن اللَّه قد جرت سنته أن ينصر أقرب الطائفتين المقتتلتين إلى الحق، ويجعل لها العاقبة، ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾، أي: بحكم اللَّه في كونه وأفعاله المحكمة الجارية\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في ز، خ: \"انتصر\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين في ز: \"قال: رأيت\".","vol":"11","page":14},{"text":"على وفق العدل.\nوقوله: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ أي: أكثر الناس ليس لهم علم إلا بالدنيا وأكسابها [¬١] وشئونها وما فيها، فهم حذاق أذكياء في تحصيلها ووجوه مكاسبها، وهم غافلون عما ينفعهم في الدار الآخرة، كأن أحدهم مُغَفّل لا ذهن له ولا فكرة.\nقال الحسن البصري: واللَّه لَبَلَغَ من أحدهم بدنياه أنه يقلب الدرهم على ظفره، فيخبرك بوزنه، وما كحسن أن [¬٢] يصلي.\nوقال ابن عباس في قوله: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾. يعني: الكفار، يعرفون عمران الدنيا، وهم في أمر الدين جهال.\n﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَينَهُمَا إلا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ (٨) أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٩) ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ (١٠)﴾\nيقول تعالى منبهًا على التفكر في مخلوقاته، الدالة على وجوده وانفراده بخلقها، وأنه لا إله غيره، ولا رب سواه، فقال: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ يعني به [¬٣]: النظر، والتدبر، والتأمل لخلق اللَّه الأشياء من العالم العلوي والسفلي، وما بينهما من المخلوقات المتنوعة، والأجناس المختلفة، فيعلموا أنها ما خلقت سُدًى ولا باطلًا، بل بالحق وأنها مؤجلة إلى أجل مسمًّى، وهو يوم القيامة، ولهذا قال: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ﴾.\nثم نبههم على صدق رسله فيما جاءوا به عنه، بما أيدهم به من المعجزات و[¬٤] الدلالات الواضحات، من إهلاك من كفر بهم، ونجاة من صدقهم فقال: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ أي: بأفهامهم وعقولهم ونظرهم وسماع أخبار الماضين، ولهذا قال: ﴿فَيَنْظُرُوا\n_________\n[¬١]- في خ: \"وأعبائها\"، وفي ز: \"أعسابها\".\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في خ، ز: \"في\".\n[¬٤]- في خ، ز: \"من\".","vol":"11","page":15},{"text":"كَيفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ أي: كانت الأمم الماضية والقرون السالفة أشد منكم -أيها المبعوث إليهم محمد ﷺ وأكثر أموالًا وأولادًا، وما أوتيتم معشار ما أوتوا، ومُكنوا في الدنيا تمكينا لم تبلغوا إليه، وعمروا فيها أعمارًا طوالًا، فعمروها أكثر منكم. واستغلوها أمصر من استغلالكم، ومع هذا لما جاءتهم رسلهم بالبينات وفرحوا بما أوتوا، أخذهم اللَّه بذنوبهم، وما كان لهم من اللَّه من واق، ولا حالت أموالهم ولا أولادهم بينهم وبين باس اللَّه، ولا دفعوا عنهم مثقال ذرة، وما كان اللَّه ليظمهم فيما أحل بهم من العذاب والنكال، ﴿وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾، أي: وإنما أوتوا من أنفسهم حيث كذبوا بآيات اللَّه، واستهزءوا بها، وما ذاك إلا بسبب ذنوبهم السالفة، [في تكذيبهم] [¬١] المتقدم، ولهذا قال: ﴿ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ﴾، كما قال تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ وقوله: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ وقال: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾ وعلى هذا تكون [السوأى منصوبة مفعولا لأساءوا، وقيل: بل المعنى في ذلك: ﴿ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى﴾] [¬٢] أي: كانت السوأى عاقبتهم، لأنهم كذبوا بآيات اللَّه، وكانوا بها يستهزئون. فعلى هذا تكون السوأى منصوبة خبر كان.\nهذا توجيه ابن جرير (^١٢) ونقله في ابن عباس وقتادة. ورواه ابن أبي حاتم عنهما، وعن الضحاك بن مزاحم، وهو الظاهر، واللَّه أعلم. ﴿وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ﴾.\n﴿اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيهِ تُرْجَعُونَ (١١) وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ (١٢) وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكَائِهِمْ شُفَعَاءُ وَكَانُوا بِشُرَكَائِهِمْ كَافِرِينَ (١٣) وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ (١٤) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ (١٥) وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ﴾\nيقول تعالى: ﴿اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾، أي: كما هو قادر على بداءته فهو قادر على إعادته ﴿ثُمَّ إِلَيهِ تُرْجَعُونَ﴾، أي: يوم القيامة، فيجازي كل عامل بعمله.\n_________\n(^١٢) تفسير الطبري (٢١/ ١٨).\n_________\n[¬١]- في ت: \"وتكذيبهم\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.","vol":"11","page":16},{"text":"ثم قال: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ﴾ قال ابن عباس: ييأس المجرمون. وقال مجاهد: يفتضح المجرمون. [وفي رواية: يكتئب المجرمون] [¬١].\n﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكَائِهِمْ شُفَعَاءُ﴾، أي: ما شفعت فيهم الآلهة التي كانوا يعبدونها من دون اللَّه، وكفروا بهم، وخانوهم أحوج ما كانوا إليهم.\nثم قال: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ قال قتادة: هي واللَّه الفرقة التي لا اجتماع بعدها. يعني: إذا رفع هذا إلى عليين، وخفض هذا إلى أسفل السافلين، فذاك آخر العهد بينهما، ولهذا قال: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾، قال مجاهد وقتادة: ينعمون.\nوقال يحيى [¬٢] بن أبي كثير: يعني: سماع الغناء. والحبرة أعم من هذا كله. قال العجاج:\nالحمد لله الذي أعطى الحبر [¬٣] … موالي الحق، إن المولى شكر\n﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (١٧) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ (١٨) يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ (١٩)﴾\nهذا تسبيح منه تعالى لنفسه المقدسة، وإرشاد لعباده إلى تسبيحه وتحميده، في هذه الأوقات المتعاقبة الدالة على كمال قدرته وعطم سلطانه: عند المساء، وهو إقبال الليل بظلامه، وعند الصباح، وهو إسفار النهار عن ضيائه.\nثم اعترض بحمده، مناسبة للتسبيح وهو التحميد، فقال: ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، أي: هو المحمود على ما خلق في السماوات والأرض.\nثم قال: ﴿وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾، فالعشاء هو: شدة الظلام، والإظهار: قوة الضياء. فسبحان خالق هذا وهذا، فالق الإِصباح وجاعل الليل سكنًا كما قال: ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا (٣) وَاللَّيلِ إِذَا يَغْشَاهَا﴾ وقال [¬٤]: ﴿وَاللَّيلِ إِذَا يَغْشَى (١) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾ وقال: ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيلِ إِذَا سَجَى﴾ والآيات في هذا كثيرة.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- في ز: \"الحبرة\".\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.","vol":"11","page":17},{"text":"وقال الإمام أحمد: حدثنا حسن، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا زَبَّان بن فائد، عن سهل بن معاذ بن أنس الجهني، عن أبيه، عن رسول اللَّه ﷺ، أنه قال: \"ألا أخبركم لم سمى اللَّه إبراهيم خليله الذي وفى؟ لأنه كان يقول كلما أصبح وأمسى: سبحان اللَّه حين تمسون وحين تصبحون، وله الحمد في السموات والأرض وعشيًّا وحين تظهرون\" (^١٣).\nوقال الطبراني (^١٤): حدثنا مطلب بن شعيب الأزدي، حدثنا عبد اللَّه بن صالح، حدثني الليث بن سعد، عن سعيد بن بشير، عن محمد بن عبد الرحمن بن البيلماني، عن أبيه، عن عبد اللَّه بن عباس، عن رسول اللَّه ﷺ قال: \"من قال حين يصبح: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (١٧) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ الآية بكمالها، أدرك ما فاته في [¬١] يومه، ومن قالها حين يمسي أدرك ما فاته في ليلته\". إسناده [¬٢] جيد، ورواه أبو داود في سننه.\nوقوله: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾، هو ما نحن فيه من قدرته على فعل [¬٣] الأشياء المتقابلة، وهذه الآيات المتتابعة الكريمة كلها من هذا النمط، فإنه يذكر فيها خلقه الأشياء وأضدادها، ليدل خلقه على كمال قدرته، فمن ذلك إخراج النبات من الحب، والحب من النبات. والبيض من الدجاج، والدجاج من البيض، والإِنسان من النطفة، والنطفة من الإِنسان، والمؤمن من الكافر، والكافر من المؤمن.\n_________\n(^١٣) السند (٣/ ٤٣٩). وإسناده ضعيف من أجل ابن لهيعة وزبان بن فائد.\nزبان بن فائد: ضعفه أحمد وابن معين وغيرهما، وقال ابن حبان: منكر الحديث جدًّا، ينفرد عن سهل بن معاذ بنسخة كأنها موضوعة، لا يحتج به. وقال أبو حاتم: شيخ صالح. وقال الليث بن سعد: لو أراد زبان أن يزيد في العبادة مقدار خردلة ما وجد لها موضعًا. وقال ابن يونس: كان على مظالم مصر وكان من أعدل ولاتهم.\nوسهل بن معاذ بن أنس الجهني: قال أبو بكر بن أبي خيثمة عن ابن معين: ضعيف. وذكره ابن حبان في الثقات. قال ابن حجر: لكن قال: لا يعتبر حديثه ما كان من رواية زبان بن فائد عنه، وذكره في الضعفاء فقال: منكر الحديث جدًّا، فلست أدري أوقع التخليط في حديثه منه أو من زبان؟ فإن كان من أحدهما فالأخبار التي رواها ساقطة، وإنما اشتبه هذا لأن راويها عن سهل زبان إلا الشيء بعد الشيء، وزبان ليس بشيء. وقال العجلي: مصري تابعي ثقة. بخ دت ق.\nوالحديث وأخرجه الطبراني في الكبير (٢٠/ ١٩٢) حديث ٤٢٧ - ٤٢٨. والطبري في تفسره (١٣/ ٧٣). وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ١١٧) وقال: رواه الطبراني وفيه ضعفاء وثقوا.\n(^١٤) المعجم الكبير (١٢/ ٢٣٩)، وسنن أبي داود حديث (٥٠٧٦).\n_________\n[¬١]- في ز: \"من\".\n[¬٢]- في ت: \"إسناد\".\n[¬٣]- في ت: \"خلق\".","vol":"11","page":18},{"text":"وقوله: ﴿وَيُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾، كقوله: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيتَةُ أَحْيَينَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (٣٣) وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ﴾، وقال: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٥) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ (٦) وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾، وقال: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا [¬١] بَينَ يَدَي رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ ولهذا قال هاهنا: ﴿وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾.\n﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ (٢٠) وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيهَا وَجَعَلَ بَينَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٢١)﴾\nيقول تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ﴾ الدالة على عظمته وكمال قدرته أنّه خلق أباكم آدم من تراب، ﴿ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾، فأصلكم من تراب، ثم من ماء مهين، ثم تَصَوّر فكان علقة، ثم مضغةً، ثم صار عظامًا مشكلة [¬٢] على شكل الإِنسان، ثم كسا اللَّه تلك العظام لحمًا، ثم نفخ فيه الروح، فإذا هو سميع بصير، ثم خرج من بطن أمه صغيرًا ضعيف القوى والحركة، ثم كلما طال عمره تكاملت قواه وحركاته، حتى آل به الحال إلى [¬٣] أن صار بيني المدائن والحصون، ويسافر في أقطار الأقاليم، ويركب متن البحور، ويدور أقطار الأرض، ويتكسب ويجمع الأموال، وله فكرة وغور، ودهاء ومكر، ورأي وعلم، واتساع في أمور الدنيا والآخرة كل بحسبه. فسبحان من أقدرهم وسيّرهم وسخرهم وصرفهم في فنون المعايش والمكاسب، وفاوت بينهم في العلوم والفكرة والحسن والقبح، والغنى والفقر، والسعادة والشقاء [¬٤]، ولهذا قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾.\nوقال الإِمام أحمد (^١٥): حدثنا يحيى بن سعيد وغندر قالا: حدثنا عوف، عن قسامة بن زهير، عن أبي موسى قال: قال رسول اللَّه ﷺ: \"إن اللَّه خلق آدم من\n_________\n(^١٥) المسند (٤/ ٤٠٠)، وأخرجه أبو داود في كتاب السنة، باب: في القدر، حديث (٤٦٩٣) =\n_________\n[¬١]- في ز: \"نشرًا\". وهي قراءة جماعة منهم ابن عامر.\n[¬٢]- في ت: \"شكله\".\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- في ت: \"الشقاوة\".","vol":"11","page":19},{"text":"قبضة قبضها من جميع الأرض فجاء بنو آدم على قدر الأرض جاء [¬١] منهم الأبيض والأحمر والأسود وبين ذلك، والخبيث والطيب، والسهل والحزن، وبين ذلك\". ورواه أبو داود والترمذي من طرق، عن عوف الأعرابي، به. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.\nوقوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾ أي: خلق لكم من جنسكم إناثًا يَكُن لكم أزواجًا، ﴿لِتَسْكُنُوا إِلَيهَا﴾، كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيهَا﴾ يعني، بذلك حواء خلقها اللَّه من آدم من ضلعه الأقصر الأيسر. ولو أنه جعل بني [¬٢] آدم كلهم ذكورًا، وجعل إناثهم من جنس آخر، إما من جان أو حيوان، لما حصل هذا الائتلاف بينهم وبين الأزواج، بل كانت تحصل نَفْرَة ولو كانت الأزواج من غير الجنس. ثم من تمام رحمته ببني آدم أن جعل أزواجهم من جنسهم، وجعل بينهم [وبينهن] [¬٣] مودة: وهي المحبة، ورحمة: وهي الرأفة، فإن الرجل يمسك المرأة إما لمحبته [¬٤] لها أو لرحمة بها، بأن يكون لها منه ولد، أو محتاجة إليه في الإِنفاق، أو للألفة بينهما وغير ذلك، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾.\n﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ (٢٢) وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (٢٣)﴾\nيقول تعالى: ومن آيات قدرته العظيمة ﴿خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: خلق السماوات] [¬٥] في ارتفاعها واتساعها، وشفوف أجرامها، وزهارة كواكبها ونجومها الثوابت والسيارات، والأرض في [¬٦] انخفاضها وكثافتها، وما فيها من جبال وأودية وبحار وقفار،\n_________\n= (٤/ ٢٢٢). والترمذي في كتاب تفسير القرآن، باب: ومن سورة البقرة، حديث (٢٩٥٥) (٥/ ١٨٧ - ١٨٨). وعبد بن حميد (٥٤٩). وابن سعد في الطبقات (١/ ٢٣). وابن خزيمة في التوحيد ص (٦٤). والحاكم (٢/ ٢٦١ - ٢٦٢). والطبري (١/ ٢١٤) عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ من سورة البقرة. وابن حبان في صحيح في كتاب التاريخ، باب: بدئ الخلق (٦١٦٠) (١٤/ ٢٩). وأبو نعيم في الحلية (٨/ ١٣٥). كلهم من طريق عوف، عن قسامة بن زهير، عن أبي موسى ﵁ … فذكره. قال الترمذي: حديث حسن صحيح. وقال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. وصححه الألباني في الصحيحة برقم (١٦٣٠). وزاد نسبته إلى ابن عساكر (٢/ ٣٠٧ / ٢). والبيهقي في الأسماء والصفات (٣٢٧، ٣٨٥).\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في ز، خ: \"بنو\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من ت.\n[¬٤]- في خ، ز: \"محبة\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٦]- في ز، خ: \"من\".","vol":"11","page":20},{"text":"وحيوان وأشجار.\nوقوله: ﴿وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ﴾ يعني: اللغات، فهؤلاء بلغة العرب، وهؤلاء تتر لهم [¬١] لغة أخرى، وهؤلاء كرَج، وهؤلاء روم، وهؤلاء إفرنج، وهؤلاء بزبر، وهؤلاء تُكْرور، وهؤلاء حبشة، وهؤلاء هنود، وهؤلاء عجم، وهؤلاء صقالبة، وهؤلاء خزر، وهولاء أرمن، وهؤلاء أكراد، إلى غير ذلك مما لا يعلمه إلا اللَّه من اختلاف لغات بني آدم، واختلاف ألوانهم وهي حُلاهم، فجميع أهل الأرض -بل أهل الدنيا- منذ خلق اللَّه آدم إلى قيام الساعة: كل له عينان وحاجبان، وأنف وجبين، وفم وخدان. وليس يشبه واحد منهم الآخر، بل لا بد أن يفارقه بشيء من السمت أو الهيئة أو الكلام، ظاهرًا كان أو خفيًّا، يظهر عند التأمل، كل وجه منهم أسلوب بذاته، وهيئة لا تشبه الأخرى. ولو توافق جماعة في صفة من جمال أو قبح لا بد من فارق بين كل واحد منهم وبين الآخر، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ﴾.\n﴿وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾، أي: ومن الآيات ما جعل لكم من صفة النوم في الليل والنهار، فيه تحصل الراحة وسكون الحركة، وذهاب الكلال والتعب، وجعل لكم الانتشار والسعي في الأسباب والأسفار [في النهار] [¬٢]، وهذا ضد النوم، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ أي: يعون.\nقال الطبراني (^١٦): حدثنا حجاج بن عمران السدوسي [¬٣]، حدثنا عمرو بن الحصين العقيلي، حدثنا محمد بن عبد اللَّه بن عُلاثة، حدثني ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، سمعت عبد الملك بن مروان، يحدث عن أبيه، عن زيد بن ثابت ﵁ قال: أصابني أرق من الليل، فشكوت ذلك إلى رسول اللَّه ﷺ فقال: \"قل: اللهم غارت النجوم، وهدأت العيون، وأنت حي قيوم، يا حي يا قيوم، [أنم عيني، وأهدئ] [¬٤] ليلي\". فقلتها، فذهب عني.\n﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٢٤) وَمِنْ\n_________\n(^١٦) المعجم الكبير (٥/ ١٢٤)، ورواه ابن السني في عمل اليوم والليلة حديث (٧٤٥)، وابن عدي في الكامل (٥/ ١٥٠) من طريق عمرو بن الحصين به، وقال ابن عدي: \"تفرد به عمرو بن الحصين وهو مظلم الحديث، ويروى عن قوم معروفين\". وله شاهد من حديث أنس، حسنه الحافظ ابن حجر كما في الفتوحات الربانية لابن علان (٣/ ١٧٧).\n_________\n[¬١]-.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في ت: \"السدسي\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين في ز: \"اهد\".","vol":"11","page":21},{"text":"آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ (٢٥)﴾\nيقول تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ﴾ الدالة على عظمته أنه ﴿يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾،\nأي [¬١]: تارة تخافون [¬٢] مما يحدث بعده من أمطار مزعجة، أو صواعق متلفة، وتارة ترجون وَميضه وما يأتي بعده من المطر المحتاج إليه، ولهذا قال: ﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾، أي: بعد ما كانت هامدة لا نبات فيها ولا شيء، فلما جاءها الماء ﴿اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾. وفي ذلك عبرة ودلالة واضحة على المعاد وقيام الساعة، ولهذا قال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾. ثم قال: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ﴾ كقوله: ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إلا بِإِذْنِهِ﴾ وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا﴾.\nوكان عمر بن الخطاب ﵁ إذا اجتهد في اليمين يقول: \"لا، والذي تقوم السماء والأرض بأمره\". أي: هي قائمة ثابتة بأمره لها وتسخيره إياها، ثم إذا كان يوم القيامة بُدلت الأرض غير الأرض والسماوات وخرجت الأموات من قبورها أحياء بأمره تعالى ودعائه إياهم. ولهذا قال: ﴿ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إلا قَلِيلًا﴾ وقال تعالى: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾ وقال: ﴿إِنْ كَانَتْ إلا صَيحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَينَا مُحْضَرُونَ﴾.\n﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ (٢٦) وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٧)﴾\nيقول تعالى: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: ملكه وعبيده، ﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾، أي: خاضعون خاشعون طوعًا وكرهًا.\nوفي حديث دراج (^١٧)، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد مرفوعًا: \"كل حرف في القرآن\n_________\n(^١٧) إسناده ضعيف لضعف رواية دراج عن أبي الهيثم. ورواه أحمد (٣/ ٧٥) وأبو يعلى في مسنده =\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في ز: \"لتخافون\".","vol":"11","page":22},{"text":"يذكر فيه القنوت فهو الطاعة\".\nوقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيهِ﴾، قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: يعني أيسر عليه.\nوقال مجاهد: الإعادة أهون عليه من البداءة، والبداءة عليه هين.\nوكذا قال عكرمة وغيره.\nوقال البخاري (^١٨): حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، أخبرنا أبو الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: \"قال اللَّه: كَذَّبَني ابن آدم ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم يكن له ذلك، وأما تكذيبه إياي فقوله: لن يعيدني كما بدأني، وليس أول الخلق بأهون عليّ من إعادته. وأما شتمه إياي فقوله: اتخذ اللَّه ولدًا، وأنا الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد\".\nانفرد بإخراجه البخاري [¬١]، كما انفرد بروايته أيضًا من حديث عبد الرزاق، عن معمر، عن همام، عن أبي هريرة به (^١٩).\nوقد رواه الإِمام أحمد منفردًا به (^٢٠) عن حسن بن موسى، عن ابن لهيعة، حدثنا أبو يونس سليم بن جبير عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ بنحوه أو مثله.\nوقال آخرون: كلاهما بالنسبة للقدرة على السواء.\n_________\n= (٢/ ١٣٧٩) حدثنا الحسن بن موسى به. والطبري في \"تفسيره\" (٣/ ٢٦٥ - ٢٦٦) من طريق محمد بن حرب، قال: ثنا ابن لهيعة به وأخرجه ابن أبي حاتم في \"تفسيره\" (٢/ ٥٣١)، وابن حبان في \"صحيحه\" (٢/ ٣٠٩)، وفي \"الموارد\" (٥/ ١٧٢٣)، والطبراني في \"الأوسط\" (٥/ ٥١٨١)، وأبو نعيم في \"الحلية\" (٨/ ٣٢٥). من طريق عبد اللَّه بن وهب أخبرني عمرو بن الحارث عن دراج به.\nوذكره الهيثمي في \"المجمع\" (٦/ ٣٢٣) وقال: \"رواه أحمد وأبو يعلى والطبراني في الأوسط، وفي إسناد أحمد وأبي يعلى بن لهيعة وهو ضعيف\". وقال ابن كثير في \"تفسيره\" [سورة البقرة آية (١١٦)]: في هذا الإسناد ضعف لا يعتمد عليه، ورفع هذا الحدث منكر، وقد يكون من كلام الصحابي أو مَنْ دونه وكثير ما يأتي بهذا الإسناد تفاسير فيها نكارة، فلا يغتر بها فإن السند ضعيف واللَّه أعلم. وزاد نسبته السيوطي في \"الدر المنثور\" (١/ ٢٠٨) إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، والنحاس في \"ناسخه\" وأبي نصر السِّجِزيِّ في \"الإبانة\" والضياء في \"المختارة\".\n(^١٨) صحيح البخاري حديث (٤٩٧٤).\n(^١٩) صحيح البخاري حديث (٤٩٧٥).\n(^٢٠) المسند (٢/ ٣٥٠).\n_________\n[¬١]- سقط من: خ، ز.","vol":"11","page":23},{"text":"قال العوفي عن ابن عباس: كل عليه هين. وكذا قال الربيع بن خُثيم. ومال إليه ابن جرير، وذكر عليه شواهد كثيرة، قال: ويحتمل أن يعود الضمير في قوله: ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيهِ﴾ إلى الخلق أي: وهو أهون على الخلق.\nوقوله: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس كقوله: ﴿لَيسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ﴾.\nوقال قتادة: مثله [¬١] أنه لا إله إلا هو، ولا رب غيره، وقال مثل هذا ابن جرير.\nوقد أنشد بعض المفسرين عند ذكر هذه الآية لبعض أهل المعارف:\nإذَا سَكَن الغَدير عَلَى صَفَاء … وَجُنِّبَ أنْ يُحَرِكه النَّسِيم\nتَرَى فيه السَّماء بلا امْتراء … كَذَاك الشَّمس تَبْدُو وَالنُجُومُ\nكَذَاكَ قُلُوبُ أرْبَاب التَّجَلِي … يُرَى في صَفْوها الله العَظِيم\n﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾: الذي لا يغالب ولا يمانع، بل قد غلب كل شيء، وقهر كل شيء بقدرته وسلطانه ﴿الْحَكِيمُ﴾ في أفعاله وأقواله شَرًعًا وقَدَرًا.\nوعن مالك في تفسيره المروي عنه، عن محمد بن المنكدر، في قوله تعالى: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾، قال: لا إله إلا الله.\n﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٢٨) بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٢٩)﴾\nهذا مثل ضربه الله - تعالى - للمشركين به، العابدين معه غيره، الجاعلين له شركاء وهم مع ذلك معترفون أن شركاءه من الأصنام والأنداد عبيد له ملك له، كما كانوا في تلبيتهم يقولون: لبيك لا شريك لك، إلا شريكًا هو لك، تملكه وما ملك. فقال تعالى: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ أي: تشهدونه وتفهمونه من أنفسكم: ﴿هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾، أي: [لا يرتضي] [¬٢] أحد منكم أن يكون [¬٣] عبده شريكًا له في ماله، فهو وهو فيه على السواء ﴿تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في ز، خ: \"ليرتضي\".\n[¬٣]- سقط من: خ.","vol":"11","page":24},{"text":"أي: تخافون أن يقاسموكم [¬١] الأموال.\nقال أبو مجلز: إن مملوكك لا تخاف أن يقاسمك مالك وليس له ذاك، كذلك [¬٢] الله لا شريك له.\nوالمعنى أن أحدكم يأنف من ذلك، فكيف تجعلون لله الأنداد من خلقه؟ وهذا كقوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ﴾ أي: من البنات، حيث جعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثًا، وجعلوها بنات الله، وقد كان أحدهم إذا بُشر ﴿بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (٥٨) يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ﴾؟ فهم يأنفون من البنات، وجعلوا الملائكة بنات الله، فنسبوا إليه ما لا يرتضونه لأنفسهم، فهذا أغلظ الكفر. وهكذا [¬٣] في هذا المقام جعلوا له شركاء من عبيده وخلقه، وأحدهم يأبى غاية الإِباء ويأنف غاية الأنفة من ذلك، أن يكون عبدُه شريكه في ماله، يساويه فيه، ولو شاء لقاسمه عليه، تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا.\nقال الطبراني (^٢١): حدثنا محمود بن الفرج الأصبهاني، حدثنا إسماعيل بن عمرو البجلي، حدثنا حماد بن شعيب، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: كان يلبي أهل الشرك: لبيك اللهم، لبيك لا شريك لك، إلا شريكا هو لك، تملكه وما ملك. فأنزل الله: ﴿هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ ولما كان التنبيه بهذا المثل على براءته تعالى - ونزاهته بطريق الأولى والأحرى - قال: ﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾.\nثم قال تعالى مبينًا أن المشركين إنّما عبدوا غيره سَفَها من أنفسهم وجهلًا: ﴿بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾، أي: المشركون [¬٤] ﴿أَهْوَاءَهُمْ﴾، أي: في عبادتهم الأنداد بغير علم ﴿فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ﴾، [أي: فلا أحد يهديهم إذا كتب الله ضلالهم] [¬٥]، ﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾، أي: ليس لهم [عن ذلك] [¬٦] منقذ ولا مجير، ولا محيد لهم عنه، لأنه ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن.\n﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ\n_________\n(^٢١) المعجم الكبير (٢٠/ ١٢)، وقال الهيثمي في المجمع (٣/ ٢٢٣): \"وفيه حماد بن شعيب وهو ضعيف\".\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"يقاسمكم\"\n[¬٢]- في ز، خ: \"كذاك\".\n[¬٣]- في ز: \"هذا\".\n[¬٤]- في ز، خ: \"المشركين\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين في ت: من قدرة الله.","vol":"11","page":25},{"text":"اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠) مُنِيبِينَ إِلَيهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٣١) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيهِمْ فَرِحُونَ (٣٢)﴾\nيقول تعالى: فسدد وجهك واستمر على الدين الذي شرعه الله لك من الحنيفية ملة إبراهيم، التي [¬١] هداك الله لها، وكملها [¬٢] لك غاية الكمال، وأنت مع ذلك لازم فطرتك السليمة، التي فطر الله الخلق عليها، فإنه تعالى فطر خلقه على [معرفته وتوحيده، وأنه لا إله غيره، كما تقدم عند قوله تعالى: ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾. وفي الحديث: \"إني خلقت عبادي حنفاء، فاجتالتهم الشياطين عن دينهم\" وسنذكر في الأحاديث أن الله - تعالى - فطر خلقه على] [¬٣] الإِسلام، ثم طرأ على بعضهم الأديان الفاسدة كاليهودية أو النصرانية أو المجوسية.\nوقوله: ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾، قال بعضهم: معناه لا تبدلوا خلق الله، فتغيروا الناس عن فطرتهم التي فَطرهم الله عليها. فيكون خبرًا بمعنى الطلب، كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ وهذا معنى حسن صحيح.\nوقال آخرون: هو خبر على بابه، ومعناه: أنه - تعالى - ساوى يبن خلقه، كلهم في الفطرة على الجِبلَّة المستقيمة، لا يولد أحد إلا على ذلك، ولا تفاوت بين الناس في ذلك. ولهذا قال ابن عباس، وإبراهيم النخعي، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وعكرمة، وقتادة، والضحاك، وابن زيد في قوله: ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾، أي: لدين الله.\nوقال البخاري (^٢٢): قوله: ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾: لدين الله، خَلْقُ الأولين: [دين الأولين] [¬٤] والفطرة: الإِسلام.\nحدثنا عبدان، أخبرنا عبد الله، أخبرنا يونس، عن الزهري، أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن: أن أبا هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"ما من مولود يولد إلا على الفطرة، فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه، كما تُنتج البهيمة بهيمة جمْعاء، هل تحسون فيها من جدعاء؟ \". ثم يقول: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ\n_________\n(^٢٢) صحيح البخاري حديث (٤٧٧٥)، وصحيح مسلم رقم (٢٦٥٨).\n_________\n[¬١]- في ت: \"الذي\".\n[¬٢]- في خ: \"وكلها\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين في خ: \"الدين\".","vol":"11","page":26},{"text":"اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾.\nورواه مسلم من حديث عبد الله بن وهب، عن يونس بن يزيد الأيلي، عن الزهري به.\nوأخرجاه أيضًا (^٢٣) من حديث عبد الرزاق، عن معمر، عن همام، عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ.\nوفي معنى هذا الحديث قد وردت أحاددث عن جماعة من الصحابة، فمنهم الأسودُ بن سريع التميمي، قال الإِمام أحمد:\nحدثنا إسماعيل، حدثنا يونس، عن الحسن، عن الأسود بن سريع قال: أتيت رسول الله ﷺ وغزوت معه، فأصبت ظهرًا [¬١]، فَقَتَل الناس يومئذ، حتى قتلوا الولدان. فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال: \"ما بال أقوام جاوزهم القتل اليوم حتى قتلوا الذرية؟ \" فقال رجل: يا رسول الله، إنّما هم أبناء المشركين؟ فقال: \"ألا إنما خياركم أبناء المشركين\". ثم قال: \"لا تقتلوا ذرية، لا تقتلوا ذرية\". وقال: \"كل نسمة تولد على الفطرة، حتى يُعرب عنها لسانها، فأبواها يهودانها أو ينصرانها\".\nورواه النسائي في [¬٢] كتاب السير، عن زياد بن أيوب، عن هشيم، عن يونس - وهو ابن عبيد - عن الحسن البصري به (^٢٤).\nومنهم جابر بن عبد الله الأنصاري.\nقال الإمام أحمد: حدثنا هاشم، حدثنا [¬٣] أبو جعفر، عن الربيع بن أنس، عن الحسن، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: \"كل مولود يولد على الفطرة، حتى يعرب (*) عنه لسانه، فإذا عبر عنه لسانه إما شاكرًا وإما كفورًا\" (^٢٥).\n_________\n(^٢٣) صحيح البخاري حديث (٦٥٩٩)، وصحيح مسلم حديث (٢٦٥٨).\n(^٢٤) المسند (٣/ ٤٣٥)، والنسائي في السنن الكبرى حديث (٨٦١٦).\n(^٢٥) المسند (٣/ ٣٥٣)، أبو جعفر هو الرازي: صدوق سيئ الحفظ. والحسن هو البصري مدلس وقد عنعن بل قال ابن أبي حاتم: سألت أبي: سمع الحسن عن جابر؟ قال: ما أرى ولكن هشام بن حسان يقول عن الحسن حدثنا جابر. وأنا أنكر هذا إنما الحسن عن جابر كتاب مع أنه أدرك جابرًا، انظر جامع التحصيل للعلائي (ص ١٦٤). والحديث ذكره الهيثمي في المجمع (٧/ ٢٢١) وقال: رواه أحمد وهو ثقة وفيه خلاف، وبقية رجاله ثقات. ويشهد له حديث الأسود بن سريع عند أحمد (٣/ ٤٣٥)، والنسائي في الكبرى كتاب السير، باب: النهي عن قتل ذراري المشركين (٨٦١٦) (٥/ ١٨٤). =\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"ظفرًا\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"من\".\n[¬٣]- سقط من: ز.","vol":"11","page":27},{"text":"ومنهم عبد الله بن عباس الهاشمي، قال الإِمام أحمد (^٢٦): حدثنا عفان، حدثنا أبو عوانة، حدثنا أبو بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ سُئل عن أولاد المشركين، فقال: \"الله أعلم بما كالوا عاملين إذ خلقهم\".\nأخرجاه في الصحيحين، من حديث أبي بشر جعفر بن إياس اليشكري، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس مرفوعًا كذلك [¬١].\nوقد قال أحمد أيضًا: حدثنا عفان، حدثنا حماد -يعني: ابن سلمة- أنبأنا عمار بن أبي عمار، عن ابن عباس قال: أتى عليَّ زمان وأنا أقول: أولاد المسلمين مع أولاد [¬٢] المسلمين، وأولاد المشركين مع المشركين. حتى حدثني فلان عن فلان، أن رسول الله ﷺ سئل عنهم فقال: \"الله أعلم بما كانوا عاملين\" قال: فلقيت الرجل فأخبرني، فأمسكت عن قولي (^٢٧).\nومنهم [¬٣] عياض بن حمار المجاشعي.\nقال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا هشام، حدثنا قتادة، عن مُطرف، عن عياض بن حمار أن رسول الله ﷺ خطب ذات يوم، فقال في خطبته: \"إن ربي ﷿ أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني في يومي هذا: كل مال [¬٤]\n_________\n= والدارمي (٢٤٦٦)، وأبي يعلى (٩٤٢) (٢/ ٢٤٠)، وابن حبان في صحيحه (١٣٢) (١/ ٣٤١)، وفي الموارد (١٦٥٨) (٥/ ٢٥٥)، والبخاري في التاريخ الكبير (١/ ٤٤٥)، والطبراني في الكبير (٨٢٧) (١/ ٢٨٣)، والحاكم (٢/ ١٢٣)، والبيهقي (٩/ ٧٧) من طرق عن الحسن عنه بنحو حديث جابر، وقد صرح الحسن بسماعه من الأسود عند عدد منهم. وفي الباب عن أبي هريرة عند البخاري في كتاب الجنائز، باب: إذا أسلم الصبي فمات هل يصلى عليه .... (١٣٥٩)، ومسلم في كتاب القدر، باب: معنى كل مولود يولد على الفطرة … (٢٦٥٨)، وأبو داود في كتاب السنة، باب: في ذراري المشركين (٤٧١٤)، والترمذي في كتاب القدر، باب: ما جاء في كل مولود يولد على الفطرة (٢١٣٩).\n(*) يُعْرِبَ هكذا يروى بالتخفيف، من أعرب، قال أبو عبيد: الصواب \"يُعَرِّب\" يعني بالتشديد .. يُقال: عَرَّبت عن القوم إذا تكلَّمْتَ عنهم. نهاية [٣/ ٢٠٠].\n(^٢٦) المسند (١/ ٣٢٨)، وصحيح البخاري حديث (١٣٨٣) حديث (١٣٨٣)، وصحيح مسلم حديث (٢٦٦٠).\n(^٢٧) المسند (٥/ ٧٣)، وعمار بن أبي عمار: روى له مسلم. وقال عنه ابن حجر: صدوق ربما أخطأ. وقال الهيثمي في المجمع (٧/ ٢١٨): \"رجاله رجال الصحيح\". قال ابن حجر في أطرافه: هذا المبهم سماه روح بن عبادة، عن حماد: أبي بن كعب، كذا في زيادة مسند أبي داود الطيالسي.\n_________\n[¬١]- في ت: \"بذلك\".\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في ت: \"منه\".\n[¬٤]- كذا في ت والمسند، وفي ز: \"ما\".","vol":"11","page":28},{"text":"نحلته عبادي حلال، وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فأضلتهم [¬١] عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا، ثم إن الله ﷿ نظر إلي أهل الأرض فمقتهم، عربهم وعجمهم، إلا بقايا من أهل الكتاب، وقال: إنما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك، وأنزلت عليك كتابًا لا يغسله الماء تقرؤه نائمًا ويقظانا. ثم إن الله أمرني أن أحرق قريشًا، فقلت: يارب، إذًا يَثْلغُوا (*) رأسي فيدعوه خُبزَة. فقال: استخرجهم كما استخرجوك، [واغزهم نُغْزك] [¬٢]، وأنفق [عليهم فسننفق] [¬٣] عليك، وابعث جيشا نبعث خمسة مثله، وقاتل بمن أطاعك من عصاك. قال [¬٤]: وأهل الجنة ثلاثة: ذو سلطان مُقسط متصدق وموفق، ورجل رحيم رقيق القلب بكل ذي قربى ومسلم، ورجل عفيف فقير متصدق. وأهل النار خمسة: الضعيف الذي لا زَبْرَ (**) له، الذين هم فيكم تَبعا، لا يبتغون أهلًا ولا مالًا، والخائن الذي لا يخفى له طمع وإن دق إلا خانه، ورجل لا يصبح ولا يمسي إلا وهو يخادعك عن أهلك ومالك\". وذكر البخل، و[¬٥] الكذب و[¬٦] الشنظير الفاحش [¬٧].\nانفرد بإخراجه مسلم فرواه من طرق عن قتاده به (^٢٨).\nوقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾، أي: [التمسك بالشريعة] [¬٨] والفطرة السليمة هو الدين القويم المستقيم ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أي: ولهذا [¬٩] لا يعرفه أكثر [¬١٠] الناس فهم عنه ناكبون، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾. ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآية.\nوقوله: ﴿مُنِيبِينَ إِلَيهِ﴾، قال ابن زيد وابن جريج: أي راجعين إليه، ﴿وَاتَّقُوهُ﴾، أي: خافوه وراقبوه، ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾، وهي الطاعة العظيمة، ﴿وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾، أي: بل من الموحدين المخلصين له العبادة، لا يريدون بها سواه.\nقال ابن جرير: [حدثنا ابن حميد] [¬١١]، حدثنا يحيى بن واضح، حدثنا يونس بن أبي إسحاق، عن يزيد بن أبي مريم، قال: مر عمر ﵁ بمعاذ بن جبل فقال: ما\n_________\n(*) الثَّلغ: الشدخ، وقيل هو ضربك الشيء الرطب بالشيء اليابس حتى ينشدخ.\n(**) الزبر: العقل والرأي.\n(^٢٨) المسند (٤/ ١٦٢)، وصحيح مسلم حديث (٢٨٦٥).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"أضلتهم\".\n[¬٢]- في ز: \"وعزهم بعرك\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في ز: \"استنفق\".\n[¬٤]- سقط من: خ.\n[¬٥]-[¬٦]- في ز: \"أو\".\n[¬٧]- في ت: \"الفحاش\".\n[¬٨]- ما بين المعكوفتين في خ، ز: \"المتمسك بالشرعة\".\n[¬٩]- في ت: \"فلهذا\".\n[¬١٠]- سقط من: خ، ز.\n[¬١١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.","vol":"11","page":29},{"text":"قوام هذه الأمة [¬١]؟ قال معاذ: ثلاث [¬٢]، وهن المنجيات: الإخلاص، وهي الفطرة [فطرة الله] [¬٣] التي فطر الناس عليها، والصلاة وهي الملة، والطاعة وهي العصمة. فقال عمر: صدقت.\nحدثني يعقوب، حدثنا ابن علية، حدثنا أيوب، عن أبي قلابة: أن عمر ﵁ قال لمعاذ: ما قوام هذا الأمر؟ … فذكر [¬٤] نحوه (^٢٩).\nوقوله: ﴿مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيهِمْ فَرِحُونَ﴾، أي: لا تكونوا من المشركين الذين قد [¬٥] فرقوا دينهم، أي: بدلوه وغيروه، وآمنوا ببعض وكفروا ببعض. وقرأ بعضهم: (فارقوا دينهم)، أي: تركوه وراء ظهورهم، وهؤلاء كاليهود والنصارى والمجوس وعَبَدة الأوثان، وسائر أهل الأديان الباطلة، مما عدا أهل الإِسلام، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ فأهل الاديان قبلنا اختلفوا فيما بينهم على آراء ومِلَل باطلة، وكل فرقة منهم تزعم أنهم على شيء، وهذه الأمة أيضًا اختلفوا فيما بينهم على نحل كلها ضلالة إلا واحدة، وهم أهل السنة والجماعة المتمسكون بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ، وبما كان عليه الصدر الأول من الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين في قديم الدهر وحديثه، كما رواه الحاكم في مستدركه أنه سئل ﵇ عن الفرقة الناجية منهم، فقال: \"ما أنا عليه وأصحابي\" (^٣٠).\n﴿وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (٣٣) لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَينَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣٤) أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيهِمْ سُلْطَانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ (٣٥) وَإِذَا\n_________\n(^٢٩) تفسير الطبري (٢١/ ٢٦).\n(^٣٠) المستدرك (١/ ١٢٨، ١٢٩)، وقال الحافظ ابن حجر في تخريج الكشاف ص (٦٣): \"إسناده حسن\".\n_________\n[¬١]- في خ، ز: \"الآية\".\n[¬٢]- في خ: \"بلا\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٤]- في ت: \"فذكره\".\n[¬٥]- سقط من: ز، خ.","vol":"11","page":30},{"text":"أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ (٣٦) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٣٧)﴾\nيقول تعالى مخبرًا عن الناس، أنهم في حال الاضطرار يدعون الله وحده لا شريك له، وأنه إذا أسبغ عليهم النعم إذا فريق منهم في حالة الاختيار يشركون بالله، ويعبدون معه غيره.\nوقوله: ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَينَاهُمْ﴾ هي \"لام\" العاقبة عند بعضهم، \"ولام\" التعليل عند آخرين، ولكنها تعليل لتقييض [¬١] الله لهم ذلك.\nثم توعدهم بقوله: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ [¬٢]﴾، قال بعضهم: والله لو توعدني حارس دَرْب لخفت منه، فكيف والمتوعد هاهنا الذي يقول للشئ: كن فيكون.\nثم قال منكرًا على المشركين فيما اختلقوه من عبادة الأوثان بلا دليل ولا حجة ولا برهان: ﴿أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيهِمْ سُلْطَانًا﴾، [أي: حجة] [¬٣]، ﴿فَهُوَ يَتَكَلَّمُ﴾ [أي: ينطق] [¬٤] ﴿بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ؟﴾ وهذا استفهام إنكار، أي: لم يكن شيء من ذلك.\nثم قال: ﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾، هذا إنكار على الإِنسان من حيث هو، إلا مَنْ عصَمه الله [¬٥] ووفقه؛ فإن الإِنسان إذا أصابته نعمة بَطِر وقال: ﴿ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾، أي: يفرح في نفسه ويفخر على غيره، وإذا أصابته شدة قَنط، وأيس أن يحصل له بعد ذلك خير بالكلية، قال الله: ﴿إلا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، أي: صبروا في الضراء [¬٦]، وعملوا الصالحات في الرخاء، كما ثبت في الصحيح: \"عجبًا للمؤمن، لا يقضي الله له قضاء إلا كان خيرًا له، إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له\" (^٣١).\nوقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِر﴾، أي: هو المتصرف\n_________\n(^٣١) صحيح مسلم حديث (٢٩٩٩) من حديث صهيب الرومي ﵁.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"لتقيض\".\n[¬٢]- في ز: \"يعلمون\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٥]- سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- في خ، ز: \"الضرائر\".","vol":"11","page":31},{"text":"الفاعل لذلك بحكمته وعدله، فيوسع على قوم ويضيّق على آخرين، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾.\n﴿فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٣٨) وَمَا آتَيتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ (٣٩) اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٤٠)﴾\nيقول تعالى آمرًا بإعطاء ذي ﴿الْقُرْبَى حَقَّهُ﴾، أي: من البر والصلة، ﴿وَالْمِسْكِينَ﴾، وهو: الذي لا شيء له ينفق عليه، أو له شيء لا يقوم بكفايته، ﴿وَابْنَ السَّبِيلِ﴾، وهو المسافر المحتاج إلى نفقة، وما يحتاج إليه في سفره، ﴿ذَلِكَ خَيرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ﴾، أي: النظر إليه يوم القيامة، وهو الغاية القصوى، ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾، أي: في الدنيا وفي الآخرة.\nثم قال: ﴿وَمَا آتَيتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ﴾، أي: من أعطى عطية [] [¬١] يريد أن يرد الناس عليه أكثر مما أهدى لهم فهذا لا ثواب له عند الله. بهذا فسره ابن عباس، ومجاهد، والضحاك، وقتادة، وعكرمة، ومحمد بن كعب، والشعبي. وهذا الصنيع مباح، وإن كان لا ثواب فيه، إلا أنه قد نهى عنه رسول الله ﷺ خاصة، قاله الضحاك، واستدل بقوله: ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾، أي: لا تعط العطاء تريد أكثر منه.\nوقال ابن عباس: الربا رباءان (*)، فربا لا يصح [¬٢]-يعني: ربا البيع- وربا لا بأس به، وهو هدية الرجل يريد فضلها [¬٣] وأضعافها. ثم تلا هذه الآية: ﴿وَمَا آتَيتُمْ [¬٤] مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ﴾.\nوإنما الثواب عند الله في الزكاة، ولهذا قال: ﴿وَمَا آتَيتُمْ [¬٥] مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ\n_________\n(*) كذا في ز، خ: والرباء - بالمد - لغة في الربا.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"أي\".\n[¬٢]- في ز: \"يصلح\".\n[¬٣]- في ز: \"أفضلها\".\n[¬٤]- في ز: \"أوتيتم\".\n[¬٥]- في ز: \"أوتيتم\".","vol":"11","page":32},{"text":"فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾، أي: الذين يضاعف الله لهم الثواب والجزاء، كما جاء [¬١] في الصحيح: \"وما تصدق أحد بعدل تمرة من كسب طيب إلا أخذها الرحمن بيمينه، فيربيها لصاحبها كما يربي أحدكم فَلوَّه أو فصيله، حتى تصير التمرة أعظم من أُحُد\" (^٣٢).\nوقوله: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ﴾، أي: هو الخالق الرزاق، يخرج الإِنسان من بطن أمه عريانا، لا علم له، ولا سمع، ولا بصر، ولا قُوة، ثم يرزقه جميع ذلك بعد ذلك، والرياش واللباس والمال والأملاك والمكاسب.\nكما قال الإِمام أحمد: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن سلام أبي [¬٢] شرحبيل، عن حَبَّة وسواء ابني خالد قالا: دخلنا على النبي ﷺ وهو يصلح شيئًا فأعَنَّاه، فقال: \"لا تيأسا من الرزق ما تَهَززتْ رءوسكما؛ فإن الإنسان تلده أمه أحمر ليس عليه قشرة ثم يزقه الله ﷿\" (^٣٣).\nوقوله: ﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾ أي: بعد هذه الحياة، ﴿ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ أي: يوم القيامة.\nوقوله: ﴿هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ﴾؟، أي: الذين تعبدونهم من دون الله، ﴿مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيءٍ﴾؟، أي: لا يقدر أحد منهم على فعل شيء من ذلك، بل الله ﷾ هو المستقل بالخلق والرزق، والإِحياء والإِماتة، ثم يبعث الخلائق يوم القيامة. ولهذا قال بعد هذا كله: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ أي: تعالى وتقدس وتنزه وتعاظم وجل وعَزّ عن أن يكون له شريك أو نظير أو مساو، أو ولد أو والد. بل هو الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد.\n﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي\n_________\n(^٣٢) صحيح البخاري حديث (١٤١٠).\n(^٣٣) المسند (٣/ ٤٦٩). وحبة بن خالد الأسدي، العامري: قال الحافظ في التقريب: صحابي، له حديث واحد، نزل الكوفة. بخ ق. وسلام بن شرحبيل أبو شرحبيل: قال الحافظ في التقريب: مقبول، من الرابعة. بخ ق. وقال في التهذيب: وذكره ابن حبان في الثقات. وسواء بن خالد الأسدي: قال الحافظ في التقريب: صحابي، له حديث. بخ ق. والحديث أخرجه ابن ماجه في كتاب الزهد، باب: التوكل واليقين (٢/ ١٣٩٤) حديث (٤١٦٤). والطبراني في الكبير (٤/ ٧: ٨) حديث ٣٤٧٩، ٣٤٨٠. وقال البوصيري في الزوائد: إسناده صحيح وسلام بن شرحبيل ذكره ابن حبان في الثقات، ولم أر من تكلم فيه وباقي رجال الإسناد ثقات. وضعفه الشيخ الألباني في ضعيف الجامع (٦٢٩٥)، وضعيف ابن ماجه حديث ٩١٠. وعزاه لسلسلته الضعيفة (٤٧٩٨).\n_________\n[¬١]- سقط من: ت.\n[¬٢]- في خ: \"بن\".","vol":"11","page":33},{"text":"عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٤١) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ (٤٢)﴾\nقال ابن عباس، وعكرمة، والضحاك، والسدي، وغيرهم: المراد بالبر هاهنا: الفيافي، وبالبحر: الأمصار والقرى، وفي رواية عن ابن عباس وعكرمة: البحر: الأمصار والقرى، ما كان منها على جانب نهر.\nوقال آخرون: بل المراد بالبر، هو البر المعروف، وبالبحر، البحر المعروف.\nو[¬١] قال زيد بن رُفيع: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ﴾، يعني: انقطاع المطر عن البر يعقبه القحط، وعن البحر تعمى دوابه.\nرواه ابن أبي حاتم وقال: حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد المقري، عن سفيان، عن حُميد، بن قيس الأعرج عن مجاهد: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ قال: فساد البر قتل ابن آدم، وفساد [¬٢] البحر: أخذ السفينة غصبًا.\nوقال عطاء الخراساني: المراد بالبر [¬٣] ما فيه من المدائن والقرى، وبالبحر: جزائره.\nوالقول الأول أظهر، وعليه الأكثر، ويؤيده ما ذكره محمد بن إسحاق في السيرة: أن رسول الله ﷺ صَالح ملك أيلة، وكتب له ببحره -يعني ببلده.\nومعنى قوله تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيدِي النَّاسِ﴾، أي: بان النقص في الثمار والزروع بسبب المعاصي.\nو[¬٤] قال أبو العالية: من عصى الله في الأرض فقد أفسد في الأرض، لأن صلاح الأرض والسماء بالطاعة، ولهذا جاء في الحديث الذي رواه أبو داود: \"لَحَدّ يقام في الأرض أحب إلى أهلها من أن يمطروا أربعين صباحًا\" (^٣٤).\nوالسبب في هذا أن الحدود إذا أقيمت، انكفّ الناس -أو أكثرهم أو كثير منهم- عن تعاطي المحرمات، وإذا ارتكبت المعاصي كان سببًا في محاق البركات من السماء والأرض.\n_________\n(^٣٤) رواه أحمد في المسند (٢/ ٣٦٢)، والنسائي في السنن (٨/ ٧٥) من حديث أبي هريرة، ولم يقع لي في سنن أبي داود.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في خ، ز: \"وفي\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"من البر\".\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.","vol":"11","page":34},{"text":"ولهذا إذا نزل عيسى ﵇ في آخر الزمان فحكم بهذه الشريعة المطهرة في ذلك الوقت من قتل الخنزيز، وكسر الصليب، ووضع الجزية، وهو تركها - فلا يقبل إلا الإِسلام أو السيف، فإذا أهلك الله في زمانه الدجال وأتباعه، ويأجوج ومأجوج، قيل للأرض: أخرجي بركاتك. فيأكل من الرمانة الفئَام (*) من الناس، ويستظلون بقحفها، ويكفي لبن اللقحة الجماعة من الناس. وما ذاك إلا ببركة تنفيذه [¬١] شريعة رسول الله ﷺ، فكلما أقيم العدل كثرت البركات والخير.\nوثبت في الصحيح: \"أن الفاجر إذا مات تستريح العباد والبلاد، والشجر والدواب\" (^٣٥).\nولهذا قال الإِمام أحمدى في حنبل: حدثنا محمد والحسين قالا: حدثنا عوف عن [¬٢] أبي قحذم قال: وجد رجل [¬٣] في زمان زياد -أو ابن زياد- صرة فيها حب، يعني: من بر أمثال النوى عليه مكتوب: هذا نبت في زمان كان [¬٤] يعمل فيه بالعدل (^٣٦).\nوروى مالك، عن زيد بن أسلم: أن المراد بالفساد هاهنا: الشرك. وفيه نظر.\nوقوله: ﴿لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾، أي: يبتليهم بنقص الأموال والأنفس والثمرات، اختبارا منه، ومحازاة على صنيعهم، ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ أي: عن المعاصي، كما قال تعالى: ﴿وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ ثم قال تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ﴾، أي: من قبلكم [¬٥]، ﴿كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ﴾، أي: فانظروا ماذا حل بهم من تكذيب الرسل وكفر النعم.\n﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ (٤٣) مَنْ كَفَرَ فَعَلَيهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ (٤٤) لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ (٤٥)﴾\nيقول تعالى آمرًا عباده بالمبادرة إلى الاستقامة في طاعته، والمبادرة إلى الخيرات: ﴿فَأَقِمْ\n_________\n(^٣٥) صحيح البخاري حديث (٦٥١٢).\n(^٣٦) المسند (٢/ ٢٩٦).\n_________\n[¬١]- في ت: \"تنفيذ\".\n[¬٢]- في خ، ز: \"بن\".\n[¬٣]- في ز: \"قحدم\".\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- سقط من: ز، خ.","vol":"11","page":35},{"text":"وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ﴾، أي: يوم القيامة، إذا أراد كونه فلا راد له، ﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ أي: يتفرقون، ففريق في الجنة وفريق في السعير، ولهذا قال: ﴿مَنْ كَفَرَ فَعَلَيهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ (٤٤) لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْ فَضْلِهِ﴾ أي: يجازيهم مجازاة الفضل: الحسنة بعشر أمثالها، إلى سبعمائة ضعف، إلى ما يشاء الله، ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾. ومع هذا هو العادل فيهم، الذي لا يجور.\n﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٤٦) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقًّا عَلَينَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ (٤٧)﴾\nيذكر تعالى نعمه على خلقه، في إرساله الرياح مبشرات بين يدي رحمته بمجيء الغيث عقيبها، ولهذا قال: ﴿وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾، أي: المطر الذي ينزله فيحيي به العباد والبلاد، ﴿وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ﴾ أي: في البحر وإنما سيرها بالريح، ﴿وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾، أي: في التجارات والمعايش، والسير من إقليم إلى إقليم، وقطر إلى قطر، ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾، أي: تشكرون الله [¬١] على ما أنعم به عليكم من النعم الظاهرة والباطنة، التي لا تعد ولا تحصى.\nثم قال: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا﴾، هذه تسلية من الله لعبده ورسوله محمد ﷺ بأنه وإن كذبه كثير من قومه ومن الناس، فقد كُذبت الرسل المتقدمون [¬٢] مع ما جاءوا أممهم به من الدلائل الواضحات، ولكن الله انتقم ممن كذبهم وخالفهم، وأنجى المؤمنين بهم، ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَينَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾، هو حق أوجبه على نفسه الكريمة، تكرمًا وتفضلًا [¬٣]، كقوله تعالى: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا ابن نفيل، حدثنا موسى بن أعين، عن ليث، عن شهر بن حوشب، عن أم الدرداء، عن أبي الدرداء قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"ما من امرئ مسلم يَرُدّ عن عرض أخيه، إلا كان حقًّا على الله أن يرد عنه نار جهنم يوم القيامة\". ثم تلا هذه الآية:\n_________\n[¬١]- في ز: \"لله\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"المتقدمين\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"فضلًا\".","vol":"11","page":36},{"text":"﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَينَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (^٣٧).\n﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (٤٨) وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ (٤٩) فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ (٥٠) وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ (٥١)﴾\nيبين تعالى كيف يخلق السحاب التي ينزل منها الماء، فقال: ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا﴾، إما من البحر على ما ذكره غير واحد، أو مما يشاء الله ﷿، ﴿فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيفَ يَشَاءُ﴾، أي: يَمُدّه فيكثرُه ويُنميه، ويجعل من القليل كثيرًا، ينشئ سحابة فتُرى في رأى العين مثل التّرس، ثم يبسطها حتى تملأ أرجاء الأفق، وتارة يأتي السحاب من نحو البحر ثقالًا مملوءة ماء، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَينَ يَدَي رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ وكذلك قال هاهنا: ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ [¬١] كِسَفًا﴾ قال مجاهد، وأبو عمرو بن العلاء، ومطر الوَرّاق، وقتادة: يعني قِطَعًا. وقال غيرهم: متراكما. قاله الضحاك. وقال غيره: أسود من كثرة الماء، تراه مدلهِمًّا ثقيلًا، قريبا من الأرض.\nوقوله: ﴿فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ﴾، أي: فترى المطر - وهو القطر - يخرج من بين ذلك السحاب، ﴿فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ [¬٢] مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾، أي: لحاجتهم إليه يفرحون بنزوله. عليهم، ووصوله إليهم.\nوقوله: ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ﴾، معنى [¬٣] الكلام أن\n_________\n(^٣٧) ورواه أحمد في المسند (٦/ ٤٤٨) من طريق إسماعيل، وابن أبي الدنيا في الغيبة والنميمة، حديث (١٠٢) من طريق جرير كلاهما عن ليث - وهو ابن أبي سليم - به ولم يذكر الآية.\n_________\n[¬١]-في ز، خ: \"فيجعله\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"ضاء\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"يعني\".","vol":"11","page":37},{"text":"هؤلاء القوم الذين أصابهم هذا المطر كانوا [أزلين قَنطين] من نزول المطر إليهم قبل ذلك، فلما جاءهم جاءهم على فاقة فوقع منهم موقعًا عظيمًا.\nوقد اختلف النحاة في قوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ﴾، فقال ابن جرير: هو تأكيد. وحكاه عن بعض أهل العربية.\nوقال آخرون: من قبل أن ينزل عليهم المطر، ﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾، أي: الإِنزال ﴿لَمُبْلِسِينَ﴾.\nويحتمل أن يكون ذلك من دلالة التأسيس، ويكون معنى الكلام: أنهم كانوا محتاجين إليه قبل نزوله، ومن قبله أيضًا قد فات عندهم نزوله وقتا بعد وقت، فترقبوه في إبانه فتأخر، فمضت مدة ثم ترقبوه [¬١] فتأخر، ثم جاءهم بغتة بعد الإياس منه والقنوط، فبعد ما كانت أرضهم مقشعرة هامدة، أصبحت وقد اهتزت وربت. وأنبتت من كل زوج بهيج. ولهذا قال: ﴿فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ﴾، يعني: المطر، ﴿كَيفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾.\nثم نبه بذلك على إحياء الأجساد بعد موتها وتفرقها وتمزقها، فقال: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتَى﴾، أي: إن الذي فعل ذلك لقادر على إحياء الأموات، ﴿إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ﴾.\nثم قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ﴾، يقول: ﴿وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا﴾ يابسة على الزرع الذي زرعوه ونبت وشب واستوى على سوقه، فرأوه مصفرًّا، أي: قد اصفر وشرع في الفساد، ﴿لَظَلُّوا [¬٢] مِنْ بَعْدِهِ﴾ أي: بعد هذا الحال، ﴿يَكْفُرُونَ﴾، أي: يجحدون ما تقدم من النعم، كما قال: ﴿أَفَرَأَيتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (٦٤) لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (٦٥) إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (٦٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن عيسى بن الطباع، حدثنا هشيم، عن يعلى بن عطاء، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو قال: الرياح ثمانية، أربعة منها رحمه، وأربعة عذاب، فأما الرحمة: فالناشرات، والبشرات، والمرسلات، والذاريات. وأما العذاب: فالعقيم، والصرصر، وهما في البر، والعاصف، والقاصف، وهما في البحر.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو عُبَيد الله ابن أخي ابن وهب، حدثنا عمي، حدثنا عبد الله بن عَيّاش، حدثني عبد الله بن سليمان [¬٣]، عن دراج، عن عيسى بن هلال الصدفي، عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ: \"الريح مسخره [¬٤] من\n_________\n[¬١]- في ت: \"فترقبوه\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"فظلوا\".\n[¬٣]- في خ، ز: \"سلمان\".\n[¬٤]- في ز، خ: \"سخر\".","vol":"11","page":38},{"text":"الثانية -يعني: من [¬١] الأرض الثانية - فلما أراد الله أن يهلك عادًا، أمر خازن الريح أن يرسل عليهم ريحًا تهلك عادًا، فقال [¬٢]: يارب، أرسل عليهم من الريح قدر منخر الثور. قال له الجبار ﵎: لا، إذًا تكفأ الأرض وما عليها، ولكن أرسل عليهم بقدر خاتم، فهي التي قال الله في كتابه: [﴿مَا تَذَرُ مِنْ شَيءٍ أَتَتْ عَلَيهِ إلا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ﴾] [¬٣] \". هذا حديث غريب ورفعه منكر، والأظهر أنه من كلام عبد الله بن عمرو ﵁.\n﴿فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (٥٢) وَمَا أَنْتَ بِهَادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إلا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ (٥٣)﴾\nيقول تعالى: كما أنك ليس في قدرتك أن تسمع الأموات في أجداثها (*)، ولا تبلغ كلامك الصمّ الذين لا يسمعون، وهم مع ذلك مُدْبرُون عنك، كذلك لا تقدر [¬٤] على هداية العميان عن الحق، وردهم عن ضلالتهم، بل ذلك إلى الله تعالى، فإنه [¬٥] بقدرته يُسمع الأموات أصواتَ الأحياء إذا شاء، ويهدي من يشاء ويضل من يشاء، وليس ذلك لأحد سواه، ولهذا قال: ﴿إِنْ تُسْمِعُ إلا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ﴾، أي: خاضعون مستجيبون مطيعون، فأولئك هم الذين يستمعون الحق ويتبعونه، وهذا حال المؤمنين، والأول مثل الكافرين، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيهِ يُرْجَعُونَ﴾.\nوقد استدلت أم المؤمنين عائشة ﵂ بهذه الآية: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾، على توهيم عبد الله بن عمر في روايته مخاطبة النبي ﷺ القتلى الذين ألقوا في [القليب] [¬٦] قليب بدر، بعد ثلاثة أيام، ومعاتبته إياهم، وتقريعه لهم، حتى قال له [¬٧] عمر: يا رسول الله، ما تخاطب من قوم قد جَيَّفُوا (**)؟ فقال: \"والذي نفسي بيده، ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، ولكن لا يجيبون\".\nوتأولته عائشة على أنه قال: إنهم الآن ليعلمون أن ما كنت أقول لهم حق.\n_________\n(*) جمع جدث وهو القبر.\n(**) أي أنتنوا. يقال: جافت الميتة وجيفت، واجتافت. والجيفة جثة الميت إذا أنتن.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في ز: \"قال\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٤]- في ز، خ: \"يقدر\".\n[¬٥]- في ت: \"إنه\".\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: ت.\n[¬٧]- سقط من: ز، خ.","vol":"11","page":39},{"text":"وقال قتادة: أحياهم الله له حتى سمعوا مقالته تقريعًا وتوبيخًا ونقمة.\nوالصحيح عند العلماء رواية ابن عمر، لما لها من الشواهد على صحتها من وجوه [¬١] كثيرة، من أشهر ذلك ما رواه ابن عبد البر مصححًا، عن ابن عباس مرفوعًا: \"ما من أحد يمر بقبر أخيه المسلم، كان يعرفه في الدنيا، فيسلم عليه، إلا رد الله [¬٢] عليه روحه، حتى يرد عليه¬ السلام\" (^٣٨).\n﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ (٥٤)﴾\nينبه تعالى على تنقل الإِنسان في أطوار الخلق حالًا بعد حال، فأصله من تراب، ثم من نطفة، ثم من علقة، ثم من مضغة، ثم يصير عظامًا، ثم يُكسى لحمًا، ويُنفخ فيه الروح، ثم يخرج من بطن أمه ضعيفا نحيفًا واهن القوى. ثم يشب قليلًا قليلًا حتى يكون صغيرًا، ثم حَدَثًا، ثم مراهقًا، ثم شابا. وهو [¬٣] القوة بعد الضعف، ثم يشرع في النقص، فيكتهل [¬٤] ثم بشيخ ثم يهرم، وهو الضعف بعد القوة، فتضعف الهمة والحركة والبطق، وتشيب اللمَّة، وتتغير الصفات الظاهرة والباطنة ولهذا قال: ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾، أي: يفعل ما يشاء، وبتصرف في عبيده بما يريد، ﴿وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾.\nقال الإمام أحمد (^٣٩): حدثنا وكيع، عن فضيل [¬٥]، ويزيد، حدثنا فضيل بن مرزوق، عن عطية العوفي قال: قرأت على ابن عمر: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا﴾، ثم قال: قرأتُ على رسول الله ﷺ كما قرأت علي، فأخذ علي كما أخذتُ عليك.\nورواه أبو داود، والترمذي - وحسَّنه - من حديث فضيل، به.\nورواه أبو داود من حددث عبد الله بن جابر، عن عطية، عن أبي سعيد، بنحوه (^٤٠).\n_________\n(^٣٨) سيأتي تخريج الحديث عند تفسير الآية: ٤٢ من سورة الذاريات.\n(^٣٩) المسند (٢/ ٥٨)، وسنن أبي داود حديث (٣٩٧٨)، وسنن الترمذي حديث (٢٩٣٦).\n(^٤٠) سنن أبي داود حديث (٣٩٧٩).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"وجه\".\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في ز، خ: \"في\".\n[¬٤]- في ز، خ: \"فيكهل\".\n[¬٥]- في ز، خ: \"فضل\".","vol":"11","page":40},{"text":"﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ (٥٥) وَقَال الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٥٦) فَيَوْمَئِذٍ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٥٧)﴾\nيخبر تعالى عن جهل الكفار في الدنيا والآخرة، ففي الدنيا فعلوا ما فعلوا من عبادة الأوثان، وفي الآخرة يكون منهم جهل عظيم أيضًا، فمنه إقسامهم بالله أنهم ما لبثوا في الدنيا إلا ساعة واحدة، ومقصودهم [] [¬١] بذلك عدم قيام الحجة عليهم، وأنهم لم يُنْظروا حتى يُعذر إليهم. قال الله تعالى: ﴿كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ (٥٥) وَقَال الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ﴾، أي: فيردّ عليهم المؤمنون العلماء في الآخرة، كما أقاموا عليهم حجة الله في الدنيا، فيقولون لهم حين يحلفون ما لبثوا غير ساعة: ﴿لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾، أي: في [¬٢] كتاب الأعمال ﴿إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ﴾، أي: من يوم خلقتم إلى أن بعثتم، ﴿وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾.\nقال الله تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ﴾، أي: يوم القيامة ﴿لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ﴾، أي: اعتذارهم عما [¬٣] فعلوا ﴿وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾، أي: ولا هم يرجعون إلى الدنيا. كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾.\n﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إلا مُبْطِلُونَ (٥٨) كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (٥٩) فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ (٦٠)﴾\nيقول تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا [¬٤] لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ أي: قد بينا لهم الحق، ووضحناه لهم، وضربنا لهم فيه الأمثال، ليتبينوا الحق ويتبعوه. ﴿وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إلا مُبْطِلُونَ﴾، أي: لو رأوا أي آية كانت، سواء كانت\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"هم\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في ز، خ: \"مما\".\n[¬٤]- في ز، خ: \"صرفنا\".","vol":"11","page":41},{"text":"باقتراحهم أو غيره لا يؤمنون بها، ويعتقدون أنها سحر وباطل، كما قالوا في انشقاق القمر ونحوه، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾، ولهذا قال هاهنا، ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (٥٩) فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾، أي: اصبر على مخالفتهم وعنادهم، فإن الله منجز لك ما وعدك من نصره إياك، وجعله العاقبة لك، ولمن اتبعك في الدنيا والآخرة. ﴿وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾، أي: بل اثبت على ما بعثك الله [¬١] به، فإنه الحق الذي [لا مرية فيه] [¬٢]، ولا تعدل عنه، وليس فيما سواه هُدى يتبع، بل الحق كله [¬٣] منحصر فيه.\nقال سعيد، عن قتادة: نادى رجل من الخوارج عليًّا ﵁ وهو في الصلاة - صلاة الغداة - فقال: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾، فأنصت له علي [¬٤] حتى فهم ما قال، فأجابه وهو في الصلاة: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾. رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم. وقد رواه ابن جرير من وجه آخر فقال:\nحدثنا ابن وكيع، حدثنا يحيى بن آدم، عن شريك، عن عثمان بن أبي زرعة، عن علي بن ربيعة قال: نادى رجل من الخوارج عليًّا وهو في صلاة الفجر، فقال: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾، فأجابه علي وهو في الصلاة: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾ (^٤١).\n(طريق أخرى) قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا علي بن الجعد، أخبرنا شريك، عن عمران بن ظَبيان، عن أبي تحيا قال: صلى علي ﵁ صلاة الفجر، فناداه رجل من الخوارج: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾، فأجابه علي، وهو في الصلاة: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-139>ما روي في فضل هذه السورة الشريفة واستحباب قراءتها في الفجر</span>\nقال الإِمام أحمد حدثنا محمد بن جعفر، عن شعبة، عن عبد الملك بن عمير، سمعت شبيبًا أبا روح، يحدث عن رجل من أصحاب النبي ﷺ أن رسول الله ﷺ صلى بهم الصبح فقرأ فيها الرّوم فأوهم (*)، فقال: \"إنه يلبس علينا القرآن،\n_________\n(^٤١) تفسير الطبري (٢١/ ٣٨).\n(*) أوهم في الصلاة أو في القراءة: ترك منها شيئًا. يقال: أوهمت الشيء إذا تركته. وأوهمت في الكلام والكتاب إذا أسقطت منه شيئًا.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في خ، ز: \"أمر به\".\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.","vol":"11","page":42},{"text":"فإن أقوامًا منكم يصلون معنا لا يحسنون الوضوء، فمن شهد الصلاة معنا فليحسن الوضوء\" (^٤٢).\nوهذا إسناد حسن ومتن حسن، وفيه سر عجيب [¬١]. ونبأ غريب، وهو أنه ﵇ تأثر بنقصان وضوء من ائتّم به، فدل ذلك أن صلاة المأموم معدوقة بصلاة الإِمام.\n* * *\n_________\n(^٤٢) المسند (٣/ ٤٧١). رواه النسائي في كتاب الافتتاح، باب: القراءة في الصبح بالروم (٢/ ١٥٦). وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ٢٤٦) وقال: رواه أحمد عن أبي روح عن رجل ورجاله رجال الصحيح. ا هـ. وضعفه الألباني في ضعيف النسائي.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"غريب\".","vol":"11","page":43},{"text":"<span data-type='title' id=toc-140>تفسير سورة لقمان وهي مكية</span>\n﷽\n﴿الم (١) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ (٢) هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ (٣) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤) أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥)﴾\nتقدم في أول \"سورة البقرة\" عامةً الكلامُ على ما يتعلق بصدر هذه السورة، وهو أنه - تعالى - جعل هذا القرآن هدى وشفاء ورحمة للمحسنين، وهم الذين أحسنوا العمل في اتباع الشريعة، فأقاموا الصلاة المفروضة بحدودها وأوقاتها، وما يتبعها من نوافل راتبة وغير راتبة، وآتوا الزكاة المفروضة عليهم إلى مستحقيها، ووصلوا قراباتهم وأرحامهم، وأيقنوا بالجزاء في الدار الآخرة، فرغبوا إلى الله في ثواب ذلك، لم يراءوا به، ولا أرادوا جزاء من الناس ولا شكورا، فمن فعل ذلك كذلك فهو من الذين قال الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ﴾، أي: على [¬١] بصيرة وبينة ومنهج واضح جليٍّ، ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾، أي: في الدنيا والآخرة.\n﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (٦) وَإِذَا تُتْلَى عَلَيهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٧)﴾\nلما ذكر تعالى حال السعداء، وهم الذين يهتدون بكتاب الله وينتفعون بسماعه، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ عطف بذكر حال الأشقياء، الذين أعرضوا عن الانتفاع بسماع كلام الله، وأقبلوا على استماع المزامير والغناء بالألحان وآلات الطرب، كما قال ابن مسعود في قوله\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.","vol":"11","page":45},{"text":"تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾، قال: هو - والله - الغناءُ.\nقال ابن جرير: حدثني يونس [بن عبد الأعلى] [¬١]، أخبرنا ابن وهب، أخبرني يزيد عن [¬٢] يونس، عن أبي صخر، عن أبي معاوية البجلي، عن سعيد بن جبير، عن أبي الصهباء البكري، أنه سمع عبد الله بن مسعود - وهو يسأل عن هذه الآية: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ - فقال عبد الله: الغناء، والله الذي لا إله إلا هو، يرددها ثلاث مرات.\nحدثنا عمرو بن علي، حدثنا صفوان بن عيسى، أخبرنا حميد الخراط، عن عمار، عن سعيد بن جبير، عن الي الصهباء، أنه سأل ابن مسعود عن قول الله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾، قال: الغناء (^١).\nوكذا قال ابن عباس، وجابر، وعكرمة، وسعيد بن جبير، ومجاهد، ومكحول، وعمرو بن شعيب، وعلي بن بذيمة.\nوقال الحسن البصري: أنزلت هذه الآية: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيرِ عِلْمٍ﴾ في الغناء والمزامير.\nوقال قتادة: قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيرِ عِلْمٍ﴾: والله لعله لا ينفق فيه مالًا، ولكن شراؤه استحبابه، بحَسْب المرء من الضلالة أن يختارَ حديثَ الباطل على حديث الحق، وما يضر على ما ينفع.\nوقيل: عنى بقوله: ﴿يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ اشتراء المغنيات من الجواري.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن إسماعيل الأحمسي، حدثنا وكيع، عن خلاد\n_________\n(^١) - إسناده صحيح، وقد ورد من غير وجه عن سعيد بن جبير عن، أبي الصهباء به. كما أخرجه ابن جرير وغيره. وأبو الصهباء هو صهيب مولى ابن عباس، وثقه أبو زرعة، وذكره ابن حبان في ثقاته، وأخرج له مسلم، وقال النسائي: ضعيف. وقال الحافظ: مقبول. قلت: وكلام أهل الجرح والتعديل يجعل النفس غير مطمئنة لتصحيح حديثه إذا انفرد، وهذا مقتضى كلام الحافظ؛ فمقبول يعني عن المتابعة وإلا فلين كما هو معروف، ولكنا صححنا هذا الإسناد لأن هذا خبر في ابن مسعود وليس عن رسول الله ﷺ، ولا سيما أن ورد هذا القول عن ابن عباس، وجابر، وعكرمة وغيرهم من الصحابة والتابعين، ولأن هذه الطبقة يتساهل معها ما لم يتساهل مع غيرها. لأنهم لازموا خير القرون، فهذا يجبر ما كان بهم من ستر، والله أعلم.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٢]- في ت: \"بن\".","vol":"11","page":46},{"text":"الصفار، عن عُبيد الله بن زَحْر، عن علي بن يزيد، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن أبي أمامة، عن النبي ﷺ قال: \"لا يحل بيع المغنيات، ولا شراؤهن، وأكل أثمانهن حرام، وفيهن أنزل الله ﷿ عَلَيّ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾.\nوهكذا رواه الترمذي وابن جرير، من حديث عُبَيد الله بن زحر بنحوه، ثم قال الترمذي: هذا حديث غريب، وضُعّف علي بن يزيد المذكور (^٢).\nقلت: علي وشيخه والواوي عنه، كلهم ضعفاء، والله أعلم.\nوقال الضحاك في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾: يعني الشرك. وبه قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، واختار ابن جرير أنه كل كلام يصد عن آيات الله واتباع سبيله.\nوقوله: ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي: إنما يصنع هذا للتخالف للإسلام وأهله وعلى قراءة فتح الياء، تكون اللام لام العاقبة، أو تعليلًا للأمر القدري، أي: قُيّضوا [¬١] لذلك ليكونوا كذلك.\nوقوله: ﴿وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا﴾ قال مجاهد: ويتخذ سبيل الله هزوًا يستهزئ بها.\nوقال قتادة: يعني ويتخذ آيات الله هزوًا. وقول مجاهد أولى.\nوقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾، أي: كما استهانوا بآيات الله وسبيله،\n_________\n(^٢) - إسناده واهٍ، وأخرجه أحمد (٥/ ٢٥٢، ٢٦٤)، والترمذي في البيوع من جامعه، باب: \"ما جاء في كراهية بيع المغنيات\" حديث رقم (١٢٨٢)، وفي التفسير، باب: ومن سورة لقمان، حديث رقم (٣١٩٥)، وابن ماجه في كتاب التجارات، باب: ما لا يحل بيعه، حديث رقم (٢١٦٨)، والطبراني (٨/ ٢١٢، ٢٢٣، ٢٥١، ٢٥٣، ٢٥٤)، وابن أبي الدنيا في ذم الملاهي - ومن طريقه ابن الجوزي في العلل المتناهية (٢/ ٧٨٣ - ٧٨٤)، والبيهقي (٦/ ١٤ - ١٥)، وابن عدي في الكامل (٦/ ٢٣١٥)، وابن الجوزي في العلل المتناهية (٢/ ٧٨٣، ٧٨٤) من طرق عن عبيد الله بن زحر، عن علي بن يزيد، عن القاسم بن عبد الرحمن الشامي، عن أبي أمامة به. وفي بعض الطرق عند الطبراني وابن الجوزي في العلل المتناهية من طريق آخر عن القاسم عن أبي أمامة، وكلها ضعيفة لا تثبت، والحديث محفوظٌ من هذه الطريق: عبيد الله بن زحر عن علي بن يزيد عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبي أمامة، وهذا إسناد مسلسل بالضعفاء، وفي الباب عن عائشة مرفوعًا بلفظ: \"إن الله تعالى حرم القينة، وبيعها وتعليمها، والاستماع إليها ثم قرأ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ.﴾ الآية أخرجه ابن أبي الدنيا في ذم الملاهي - ومن طريقه ابن الجوزي في العلل المتناهية (٢/ ٧٨٣ - ٧٨٥) وضعفه، لتفرد ليث بن أبي سليم به.\n_________\n[¬١]- في ز: \"أفيضوا\".","vol":"11","page":47},{"text":"أهينوا يوم القيامة في العذاب الدائم المستمر.\nثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيهِ وَقْرًا﴾، أي: هذا المقبل على اللهو واللعب والطرب، إذا تليت عليه الآيات القرآنية، ولى عنها وأعرض وأدبر وتصام [¬١] وما به من صمم، كأنه ما يسمعها، لأنه يتأذى بسماعها، إذ لا انتفاع له بها، ولا أرَبَ له فيها، ﴿فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾، أي: يوم القيامة يؤلمه، كما تألَّم بسماع كتاب الله وآياته.\n﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ (٨) خَالِدِينَ فِيهَا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٩)﴾\nهذا ذكر مآل الأبرار من السعداء في الدار الآخرة، الذين آمنوا بالله وصَدقوا المرسلين، وعملوا الأعمال الصالحة التابعة لشريعة الله، ﴿لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ﴾، أي: يتنعمون فيها بأنواع الملاذ والمسارّ، من المآكل والمشارب، والملابس والمساكن، والمراكب والنساء، والنضرة والسماع الذي لم يخطر ببال أحد، وهم في ذلك مقيمون دائمًا فيها، لا يظعنون ولا يبغون عنها حولًا.\nوقوله: ﴿وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا﴾، أي: هذا كائن لا محالة، لأنه من وعد الله، والله لا يخلف الميعاد، لأنه الكريم المنان، الفعال لما يشاء، القادر على كل شيءٍ، ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾، الذي قد قهر كل شيء، ودان له كلُّ شيءٍ. ﴿الْحَكِيمُ﴾ في أقواله وأفعاله، الذي جعل القرآن هدى للمؤمنين، ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيهِمْ عَمًى﴾، ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إلا خَسَارًا﴾.\n﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (١٠) هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (١١)﴾\n_________\n[¬١]- في ز: \"تصامم\".","vol":"11","page":48},{"text":"يبين سبحانه بهذا قدرته العظيمة على خلق السماوات والأرض، وما فيهما وما بينهما، فقال: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيرِ عَمَدٍ﴾، قال الحسن وقتادة: ليس لها عُمُد مرئية ولا غير مرئية.\nوقال ابن عباس، وعكرمة، ومجاهد: لها عمد لا ترونها. وقد تقدم تقروو هذه المسألة في أول \"سورة الرعد\" بما أغنى [¬١] عن إعادته.\n﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ﴾، يعني: الجبال أرست الأرض وثقلتها؛ لئلا تضطرب بأهلها على وجه الماء، ولهذا قال: ﴿أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾، أي: لئلا تميد بكم.\nوقوله: ﴿وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ﴾، أي: وذرأ فيها من أصناف الحيوانات مما لا يعلم عدد أشكالها وألوانها إلا الذي خلقها.\nولما قرر أنه الخالق، نبه على أنه الرازق بقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾، أي: من كل زوج من النبات كريم، أي: حسن المنظر.\nوقال الشعبي: والناس أيضًا من نبات الأرض، فمن دخل الجنة فهو كريم، ومن دخل النار فهو لئيم.\nوقوله: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ﴾، أي: هذا الذي ذكره تعالى من خلق السماوات والأرض وما بينهما، صادر عن فعل الله وخلقه وتقدره، وحده لا شريك له في ذلك، ولهذا قال: ﴿فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾، أي: مما تعبدون وتدعون [¬٢] من الأصنام والأنداد، ﴿بَلِ الظَّالِمُونَ﴾، يعني: المشركين بالله العابدين معه غيره، ﴿فِي ضَلَالٍ﴾، أي: جهل وعمى، ﴿مُبِينٍ﴾، أي: واضح ظاهر لا خفاء به.\n﴿وَلَقَدْ آتَينَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (١٢)﴾\nاختلف السلف في لقمان ﵇ هل كان نبيًّا، أو عبدًا صالحًا من غير نبوة؟ على قولين، الأكثرون على الثاني.\nوقال سفيان الثوري، عن الأشعث، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: كان لقمان عبدًا حبشيًّا نجارًا.\n_________\n[¬١]- في ز: \"يغني\".\n[¬٢]- سقط من: ز.","vol":"11","page":49},{"text":"وقال قتادة، عن عبد الله بن الزبير قلت لجابر بن عبد الله: ما انتهى إليكم من شأن لقمان؟ قال: كان قصيرًا أفطس، من النوبة.\nوقال يحيى بن سعيد الأنصاري، عن سعيد بن المسيب قال: كان لقمان من سودان مصر، ذا [¬١] مشافر، أعطاه الله الحكمة، ومنعه النبوة.\nوقال الأوزاعي ﵀: حدثني عبد الرحمن بن حرملة قال: جاء أسود إلى سعيد بن المسيب يسأله، فقال له سعيد بن المسيب: لا تحزن من أجل أنك أسود، فإنه كان من أخير الناس ثلاثة من السودان: بلال، ومهْجَع [¬٢] مولى عمر بن الخطاب، ولقمان الحكيم، كان أسود نوبيًّا ذا مشافر.\nوقال ابن جرير: حدثنا ابن وكيع، حدثنا أبي، عن أبي الأشهب، عن خالد الربعي قال: كان لقمان عبدًا حبشيًّا نجارًا، فقال له مولاه: اذبح لنا هذه الشاة، فذبحها [¬٣]، فقال: أخرجْ أطيب مُضغتين فيها. فأخرج اللسان والقلب، فمكث ما شاء الله، ثم قال: اذبح لنا [¬٤] هذه الشاة. فذبحها، فقال: أخرج أخبث مضغتين فيها. فأخرج اللسان والقلب، فقال له مولاه: أمرتك أن تخرج أطيب مضغتين فيها فأخرجتهما، وأمرتك أن تخرج أخبث مضغتين فيها فأخرجتهما؟ فقال لقمان: إنه ليس من شيء أطيب منهما إذا طابا، ولا أخبث منهما إذا خَبُثا.\nوقال شعبة، عن الحكم، عن مجاهد: كان لقمان عبدًا صالحًا ولم يكن نبيًّا.\nوقال الأعمش: قال مجاهد: كان لقمان عبدًا أسود عظيم الشفتين، مشقق القدمين.\nوقال حكام بن سلم، عن سعيد الزبيدي، عن مجاهد: كان لقمان الحكيم عبدًا حبشيًّا، غليظ الشفتين، مصفح القدمين، قاضيًا على بني إسرائيل. وذكر غيره: أنه كان قاضيا على بني إسرائيل في زمن داود ﵇.\nوقال ابن جرير: حدثنا ابن [¬٥] حُمَيد، حدثنا الحكم، حدثنا عمرو بن قيس قال: كان لقمان ﵇ عبدًا أسود غليظ الشفتين، مُصَفّح القدمين، فأتاه رجل وهو في مجلس أناس يحدثهم، فقال له: ألست الذي كنت ترعى معي الغنم في مكان كذا وكذا؟ قال: نعم، فقال: فما [¬٦] بلغ بك ما أرى؟ قال: صدق الحديث، والصمت عما لا يعنيني [¬٧].\n_________\n[¬١]- في ز: \"ذو\".\n[¬٢]- في ز: \"مهجمع\".\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- سقط من: ز.\n[¬٥]- سقط من: خ، ز.\n[¬٦]- في ز: \"ما\".\n[¬٧]- في ز: \"يعني\".","vol":"11","page":50},{"text":"وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا صفوان، حدثنا الوليد، حدثنا عبد الرحمن بن يزيد، عن [¬١] جابر قال: إن الله رفع لقمان الحكيم بحكمته، فرآه رجل كان يعرفه قبل ذلك، فقال له [¬٢]: ألست عبد بني فلان الذي ترعى [¬٣] بالأمس؟ قال: بلى، قال: فما بلغ بك ما أرى؟ قال: قَدَرُ الله، وأداء الأمانة، وصدق الحديث، وتركي ما لا يعنيني.\nفهذه الآثار منها ما هو مُصرّح فيه بنفي كونه نبيًّا، ومنها ما هو مشعر بذلك، [لأن كونه] [¬٤] عبدًا قد [¬٥] مَسَّه الرق ينافي كونه نبيًّا، لأن الرسل كانت تبعث في أحساب قومها. ولهذا كان جمهور السلف على أنه لم يكن نبيًّا، وإنّما ينقل كونه نبيًّا عن عكرمة، إن صح السند إليه، فإنه رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم من حديث وكيع، عن إسرائيل، عن جابر، عن عكرمة قال: كان لقمان نبيًّا. وجابر هذا هو ابن يزد الجعفي، وهو ضعيف، والله أعلم.\nوقال عبد الله بن وهب: أخبرني عبد الله لهن عياش القتْبَاني [¬٦]، عن عُمَر مولى غُفْرَة قال: وقف رجل على لقمان الحكيم فقال: أنت لقمان، أنت عبد بني الحسحاس [¬٧]؟ قال: نعم. قال: أنت راعي الغنم؟ قال: نعم. قال: أنت الأسود؟ قال: أما سوادي فظاهر، فما الذي يعجبك من أمري؟ قال: وطء الناس بسَاطَك، وغَشْيُهم بابك، ورضاهم بقولك. قال: يا بن أخي، إن صَغَيتَ إلى ما أقول لك كنت كذلك. قال لقمان: غضي بصري، وكفي لساني [¬٨]، وعفة طعمتي، وحفظي فرجي، [وقولي بصدقي] [¬٩]، ووفائي بعهدي، وتكرمتي ضيفي، وحفظي جاري، وتركي ما لا يعنيني، فذاك الذي صيرني إلى ما ترى.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا ابن فضيل [¬١٠]، حدثنا عمرو بن واقد، عن عَبْدَةَ بن رَبَاح، عن ربيعة، عن أبي الدرداء ﵁ أنه قال يومًا - وذُكرَ لقمان الحكيم - فقال: ما أوتي ما أوتي عن أهل ولا مال، ولا حسب ولا خصال، ولكنه كان رجلًا صَمْصَامة [¬١١] سكيتًا، طويل التفكر، عميق النظر، لم ينم نهارًا قط، ولم يره أحد قط يبزق، ولا يتنخع، ولا يبول ولا يتغوط، ولا يغتسل، ولا يعبث، ولا يضحك، وكان لا يعيد منطقًا نطقه إلا أن يقول حكمة يستعيدها إياه أحد، وكان قد تزوج وولد له أولاد، فماتوا فلم يبك عليهم. وكان يغشَى السلطان، ويأتي الحكام، لينظر ويتفكر ويعتبر، فبذلك أوتي ما\n_________\n[¬١]- في خ: \"بن\".\n[¬٢]- سقط من: خ، ز.\n[¬٣]- في ز: \"تراعي\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين في خ: \"لكونه\".\n[¬٥]- سقط من: خ، ز.\n[¬٦]- في ز: \"الفتياني\".\n[¬٧]- في ز: \"الحسحساس\".\n[¬٨]- في ز: \"إساءتي\".\n[¬٩]- ما بين المعكوفتين في ز: \"قواى بصدقي\".\n[¬١٠]- في ت: \"نفيل\".\n[¬١١]- سقط من: خ، ز.","vol":"11","page":51},{"text":"أوتي (^٣).\nوقد ورد أثر غريب عن قتادة رواه ابن أبي حاتم (^٤) فقال: حدثنا أبي، حدثنا العباس بن الوليد، حدثنا زيد بن يحيى بن عبيد الخزاعي، حدثنا سعيد بن بشير، عن قتادة قال: خَيّر الله لقمان الحكيم بين النبوة والحكمة، فاختار الحكمة على النبوة. قال: فأتاه جبريل وهو نائم فَذَرّ عليه الحكمة -أو: رش عليه الحكمة-: فأصبح ينطق بها.\nقال سعيد: فسمعت عن قتادة يقول: قيل للقمان: كيف اخترت الحكمة على النبوة وقد خَيَّرك ربك؟ فقال: إنه لو أرسل إلي بالنبوة عَزْمَةً لرجوت فيه الفوز منه، ولكنت أرجو أن أقوم بها، ولكنه خَيّرني فخفت أن أضعف عن النبوة، فكانت الحكمة أحب إلي. فهذا من رواية سعيد بن بشير وفيه ضعف، وقد تكلموا فيه بسببه، فالله أعلم.\nوالذي رواه سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَينَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾، أي: الفقه في الإِسلام، ولم يكن نبيًّا، ولم يوح إليه.\nوقوله: ﴿وَلَقَدْ آتَينَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾ أي: الفهم والعلم والتعبير، ﴿أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ﴾، أي: أمرناه أن يشكر الله ﷿ على ما آتاه الله ومنحه ووهبه من الفضل؛ الذي خَصَّه به عمن سواه من أبناء جنسه وأهل زمانه.\nثم قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾، أي: إنما يعود نفع ذلك وثوابه على الشاكرين، لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ وقوله: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾، أي: غني عن العباد، لا يتضرر بذلك، ولو كفر أهل الأرض كلهم جميعًا فإنه الغني عما سواه، فلا إله إلا الله، ولا نعبد [¬١] إلا إياه.\n﴿وَإِذْ قَال لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ\n_________\n(^٣) - إسناده ضعيف، الأشعث هو ابن سوار قال الحافظ: \"ضعيف\" وهو من بلاغات ابن عباس، ولا نعلم من أخبر ابن عباس بذلك! وقد رواه جماعة عن لقمان بهذا الوصف أو قريبٌ منه كما سيسوقه المصنف. وهذا يشبه أن يكون قد أخذوه من مصدر واحدٍ، ولكن لا نستطيع أن نجزم أنهم أخذوه عن رسول الله ﷺ، مع إمكانية ذلك وجوازه، لأنه من الممكن أن يكونوا قد حملوه عن أهل الكتاب وقد أمروا أن يحدثوا عنهم، ولا حرج عليهم في ذلك، والله أعلم والخبر أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره.\n(^٤) - إسناده ضعيف، سعيد بن بشير ضعفه غير واحد، وحاصل الكلام فيه أنه ضعيف لا يقبل خبره إذا انفرد، وقد خالفه سعيد بن أبي عروبة - وهو من أثبت الناس في قتادة - عن قتادة في قوله: ﴿وَلَقَدْ آتَينَا لُقْمَانَ …﴾ الآية أي الفقه في الإسلام، ولم يكن نبيًّا ولم يوح إليه وسيذكره المصنف بعده.\n_________\n[¬١]- في ز: \"يعبد\".","vol":"11","page":52},{"text":"عَظِيمٌ (١٣) وَوَصَّينَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَينِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (١٤) وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٥)﴾\nيقول تعالى مخبرًا عن وصية لقمان لولده، وهو لقمان بن عنقاء بن سدون، واسم ابنه: ثاران، في قول حكاه السهيلي. وقد ذكره تعالى بأحسن الذكر، فإنه آتاه الحكمة، وهو يوصي ولده الذي هو أشفق الناس عليه وأحبهم إليه، فهو حقيق أن يمنحه أفضل ما يعرف، ولهذا أوصاه أولًا بأن يعبد الله وحده ولا يشرك به شيئًا، ثم قال محذرًا له: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾، أي: هو أعظم الظلم.\nقال البخاري: حدثنا قتيبة، حدثنا جرير، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله ﵁ قال: لما نزلت: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾، شق ذلك على أصحاب رسول الله ﷺ وقالوا: أينا لم يَلْبس إيمانَه بظلم؟ فقال رسول الله ﷺ: \"إنه ليس بذاك، ألا تسمع إلى قول لقمان: ﴿يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ \" ورواه مسلم من حديث الأعمش به (^٥).\nثم قَرَنَ بوصيته إياه بعبادة الله وحده البرّ بالوالدين، كما قال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إلا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَينِ إِحْسَانًا﴾. وكثيرًا ما يقرن تعالى بين ذلك في القرآن، وقال هاهنا: ﴿وَوَصَّينَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ﴾ - قال مجاهد: مشقة وَهْن الولد. وقال قتادة: جهدًا على جهد. وقال عطاء الخراساني: ضعفًا على ضعف.\nوقوله: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَينِ﴾، أي: تربيته وإرضاعه بعد وضعه في عامين، كما قال تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَينِ كَامِلَينِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ ومن هاهنا استنبط ابن عباس وغيره من الأئمة أن أقل مدة الحمل ستة أشهر، لأنه قال تعالى في الآية الأخرى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ وإنما يذكر تعالى تربية الوالدة وتعبها ومشقتها في سهرها ليلًا ونهارًا، ليُذَكّر الولد بإحسانها المتقدم إليه، كما قال تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾. ولهذا قال: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾، أي: فإني\n_________\n(^٥) - أخرجه البخاري في كتاب الإيمان من صحيحه، باب: \"ظلمٌ دون ظلم\" حديث رقم (٣٢)، وأطرافه في (٣٣٦٠، ٣٤٢٨، ٣٤٢٩، ٤٦٢٩، ٤٧٧٦، ٦٩١٨، ٦٩٣٧)، وأخرجه مسلم في كتاب الإيمان من صحيحه، باب: \"صدق الإيمان وإخلاصه\" حديث رقم (١٢٤).","vol":"11","page":53},{"text":"سأجزيك [¬١] على ذلك أوفر الجزاء.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا عبد الله بن أبي شيبة، ومحمود بن غيلان قالا: حدثنا عبد الله، أخبرنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن وهب قال: قدم علينا معاذ بن جبل، وكان بعثه النبي ﷺ فقام فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إني رسول رسول الله ﷺ إليكم: \"أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا، وأن تطيعوني لا آلوكم خيرًا، وإن المصير إلى الله، وإلى الجنة أو إلى النار، إقامة فلا ظعن وخلود فلا موت (^٦).\nوقوله: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا﴾، أي: إن حَرَصا عليك كل الحرص على أن تتابعهما على دينهما، فلا تقبل منهما ذلك، ولا يمنعنَّك ذلك من أن تصاحبهما في الدنيا معروفًا، أي: محسنًا إليهما، ﴿وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾، يعني المؤمنين، ﴿ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.\nقال الطبراني في \"كتاب العشرة\": حدثنا أبو عبد الرحمن عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثنا أحمد بن أيوب بن راشد، حدثنا مسلمة بن علقمة، عن داود بن أبي هند، أن سعد بن مالك قال: أنزلت فيَّ هذه الآية: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا﴾ الآية، قال: كنت رجلًا برًّا بأمي، فلما أسلمت قالت: يا سعد، ما هذا الذي أراك قد أحدثت؟ لتَدَعَنَّ دينك هذا أو لا آكل ولا أشرب حتى أموت، فتُعَيَّر بي، فيقال: \"يا قاتل أمه\". فقلت: لا تفعلي يا أمّه، فإني لا أدع ديني هذا لشيء. فمكثت يومًا وليلة لم تأكل فأصبحت قد جهدت، فمكثت يومًا وليلة أخرى لا تأكل، فأصبحت قد اشتد جهدها، فلما رأيت ذلك قلت: يا أمّه، تعلمين والله لو كانت لك مائة نفس فخرَجت نَفْسًا نَفْسًا، ما تركت ديني هذا لشيء، فإن شئت فكلي، وإن شئت لا تأكلي، فأكلت (^٧).\n_________\n(^٦) - صحيح إلى معاذ بن جبل، وأبو إسحاق، وهو السبيعي، مدلس وقد عنعن، ولكن وجدت هذا الخبر من وجه آخر عن معاذ بن جبل بنحوه، وفيه بعض الزيادات، أخرجه ابن عساكر في تاريخه (١٦/ ٦٢١) ضمن ترجمة معاذ بن جبل من طريق جابر بن يزيد الجعفي عن خالته به، وأصل قصة بعث النبي ﷺ معاذ بن جبل إلى اليمن في الصحيحين وغيرهما تتضمن أصل هذه الوصية.\n(^٧) - سبق تخريج هذا الخبر من غير هذا الوجه عند الآية رقم (٨) من سورة العنكبوت، وهو في صحيح مسلم وغيره، والحديث أخرجه الواحدي في أسباب النزول في سورة العنكبوت الآية رقم (٨) من طريق مسلمة بن علقمة عن داود بن أبي هند بهذا الإسناد، ونسبه السيوطي في الدر المنثور لأبي يعلى، والطبراني، وابن مردويه، وابن عساكر.\n_________\n[¬١]- في ز: \"سأجازيك\".","vol":"11","page":54},{"text":"﴿يَابُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَال حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (١٦) يَابُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (١٧) وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (١٨) وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ (١٩)﴾\nهذه وصايا نافعة قد حكاها الله تعالى عن لقمان الحكيم، ليمتثلها الناس ويقتدوا بها، فقال: ﴿يَابُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَال حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ﴾، أي: إن المظلمة أو الخطيئة لو كانت مثقال حبة خردل. وجوز بعضهم أن يكون الضمير في قوله: ﴿إِنَّهَا﴾ ضمير الشأن والقصة. وجوز على هذا رفع ﴿مِثْقَال﴾ والأول أولى.\nوقوله: ﴿يَأْتِ بِهَا اللَّهُ﴾، أي: أحضرها الله يوم القيامة حين يضع الموازين القسط، وجازى عليها إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر. كما قال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَال حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَينَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾. وقال تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَال ذَرَّةٍ خَيرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَال ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ ولو كانت تلك الذرة محصنة محجبة في داخل صخرة صماء، أو غائبة [¬١] ذاهبة في أرجاء السماوات أو الأرض، فإن الله يأتي بها، لأنه لا تخفى عليه خافية، ولا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض، ولهذا قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾، أي: لطيف العلم، فلا تخفى عليه الأشياء وإن دقت ولطفت وتضاءلت، ﴿خَبِيرٌ﴾ بدبيب النمل في الليل البهيم.\nوقد زعم بعضهم أن المراد بقوله: ﴿فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ﴾، أنها صخرة تحت الأرضين السبع، ذكره السدي بإسناده ذلك المطروق عن ابن عباس وابن مسعود وجماعة من الصحابة إن صح ذلك، ويروى هذا عن عطية العوفي، وأبي مالك، والثوري، والمنهال بن عمرو، وغيرهم. وهذا والله أعلم، كأنه متلقى من الإسرائيليات التي لا تصدق ولا تكذب، والظاهر - والله أعلم - أن المراد أن هذه الحبة في حقارتها لو كانت داخل صخرة فإن الله\n_________\n[¬١]- في ز: \"عاتية\".","vol":"11","page":55},{"text":"سيبديها ويظهرها بلطف علمه، كما قال الإِمام أحمد:\nحدثنا حسن بن موسى، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا دَرَّاج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: \"لو أن أحدكم يعمل في صخرة صماء، ليس لها باب ولا كُوَّة، لخرج [¬١] عمله للناس كائنًا ما كان\" (^٨).\nثم قال: ﴿يَابُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ﴾، أي: بحدودها وفروضها وأوقاتها، ﴿وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾، أي: بحسب طاقتك وجهدك، ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ﴾. علم أن الآمر بالمعروف الناهى عن المنكر، لا بد أن يناله من الناس أذى، فأمره بالصبر.\nوقوله: ﴿إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ أي: إن الصبر على أذى الناس لمن [¬٢] عزم الأمور.\nوقوله: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾، يقول: لا تُعرضْ بوجهك عن الناس إذا كلمتهم أو كلموك، احتقارًا منك لهم، واستكبارًا عليهم. ولكن ألن جانبك، وابسط وجهك إليهم، كما جاء في الحديث: \"ولو أن تلقى أخاك ووجهك إليه منبسط، وإياك وإسبال الإزار فإنها من المخيلة، والمخيلة لا يحبها الله\" (^٩).\nقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾، يقول: لا تتكبر فتحقر عباد الله وتعرض عنهم بوجهك إذا كلموك. وكذا روى العوفي وعكرمة عنه.\nوقال مالك عن زيد بن أسلم: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾ لا تَكَلَّم وأنت معرض، وكذا رُوي عن مجاهد، وعكرمة، ويزيد بن الأصم، وأبي الجوزاء، وسعيد بن جبير، والضحاك، وابن زيد، وغيرهم.\nوقال إبراهيم النخعي: يعني بذلك التشديق في الكلام.\nوالصواب القول الأول.\nقال ابن جرير: وأصل الصّعَر داء يأخذ الإِبل في أعناقها أو رءوسها، حتى تُلفَتَ [¬٣] أعناقُها عن رءوسها، فشبه به الرجل المتكبر [¬٤]، ومنه قول عمرو بن حُنيّ التغلبي:\nوَكُنَّا إذَا الجبَّارُ صَعّر خَدّه … أقَمنَا لَهُ مِنْ مَيلِه فَتَقوّمَا\n_________\n(^٨) - سبق تخريج هذا الحديث في سورة التوبة الآية رقم (١٠٥).\n(^٩) - سبق تخريج هذا الحديث في سورة النمل الآية رقم (٦٢).\n_________\n[¬١]- في ز: \"تخرج\".\n[¬٢]- في ز: \"فمن\".\n[¬٣]- في خ: \"بلغت\".\n[¬٤]- في خ: \"المنكسر\"، وفي ز: \"المنكر\".","vol":"11","page":56},{"text":"وقال أبو طالب في شعره:\nوَكُنَّا قَديمًا لا نُقرُّ ظُلامَةً … إذ ما ثَنوا صُعْرَ الرءوس نُقِيمُها\nوقوله: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا﴾، أي: جذلًا متكبرًا جبارًا عنيدًا، لا تفعل ذلك يبغضك الله، ولهذا قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ أي: مختال معجب في نفسه، فخور، أي: على غيره. وقد [¬١] قال تعالى: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَال طُولًا﴾ وقد تقدم الكلام على ذلك في موضعه.\nوقال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي، حدثنا محمد بن عمران بن أبي ليلى، حدثنا أبي، عن ابن أبي ليلى، عن عيسى، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن ثابت بن قيس بن شَمَّاس قال: ذكر الكبر عند رسول الله ﷺ فشدد فيه، فقال: \"إن الله لا يحب كل مختال فخور\". فقال رجل من القوم: والله يا رسول الله؛ إني لأغسل ثيابي فيعجبني بياضها، ويعجبني شراك نعلي، وعلاقة سوطي، فقال: \"ليس ذلك الكبرَ، إنما الكبرُ أن تَسْفَه الحق، وتَغْمط الناس\".\nورواه من طريق أخرى بمثله، وفيه قصة طويلة، ومقتل ثابت ووصيته بعد موته (^١٠).\n_________\n(^١٠) - أخرجه الطبراني (٢/ ٦٩) (١٣١٧) - ووقع في المطبوع من المعجم أكثر من تصحيف فلينتبه إلى ذلك - عن محمد بن عبد الله الحضرمي، عن محمد بن عمران بن أبي ليلى عن أبيه عن ابن أبي ليلى به، كما ذكره المصنف، وأخرجه الطبراني أيضًا في ٢/ ٦٩ (١٣١٨) من طريق آخر عن ابن أبي ليلى به، وهذا الإسناد ضعيف لتفرد ابن أبي ليلى به، قال الهيثمي في المجمع (٥/ ١٣٤): \"وفيه محمد بن أبي ليلى وهو سيئ الحفظ وحديثه حسن بالشواهد التي تقدمت في هذا الباب، ولكن عبد الرحمن بن أبي ليلى لم يسمع من ثابت بن قيس\" وللحديث طريق أخرى، وهي التي أشار إليها المصنف بقوله: \"ورواه - يعني الطبراني - من طريق أخرى بمثله، وفيه قصة طويلة ومقتل ثابت … \" قلت: وهي عند الطبراني (٢/ ٧٠) (١٣٢٠) من طريق ابنة ثابت بن قيس عن أبيها وذكره الهيثمي في المجمع (٩/ ٣٢٤) وقال: \"ابنة ثابت بن قيس لم أعرفها\" ثم وجدت طريقًا أخرى لهذا الحديث ولكنه أخصر من هذا فليس فيه ذكر الآية ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ أخرجه الروياني في مسنده (٢/ ١٧٥) حديث رقم (١٠٠٣) من طريق هشام بن عمار عن عمرو بن واقد عن يونس بن حلبس عن أبي إدريس الخولاني عن ثابت بن قيس بلفظ: \"يا رسول الله، إني رجل أحب الجمال حتى في نعلى …؟ فقال رسول الله ﷺ: \"إن الله جميل يحب الجمال\" وهذا الإسناد ضعيف جدًّا؛ فيه عمرو بن واقد وهو متروك. وفي الجملة فإن الحديث من مسند ثابت بن قيس غير صحيح وله شاهد صحيح أخرجه الإمام مسلم في صحيحه من حديث عبد الله بن مسعود أن رسول الله ﷺ قال: \"لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر\" فقال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنًا ونعله حسنًا. قال: \"إن الله جميل يحب الجمال الكبر بطر الحق وغمطُ الناس\" وسيذكره المصنف عندما يعقد بابا باسم: \"ذم الكبر\".\n_________\n[¬١]- سقط من ت.","vol":"11","page":57},{"text":"وقوله: ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ﴾، أي: امش مشيًا مقتصدًا ليس بالبطيء [¬١] المتثبط، ولا بالسربع المفرط، بل عدلًا وسطًا بينَ بينَ.\nوقوله: ﴿وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ﴾، أي: لا تبالغ في الكلام، و[¬٢] لا ترفع صوتك فيما لا فائدة فيه؛ ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾. قال مجاهد وغير واحد: إن أقبح الأصوات لصوت الحمير. أي: غاية مَن [¬٣] رفع صوته أنه يُشَبَّه بالحمير في علوه ورفعه، ومع هذا هو بغيض إلى الله تعالى. وهذا التشبيه في هذا بالحمير يقتضي تحريمه وذمه غاية الذم، لأن رسول الله ﷺ قال: \"ليس لنا مثل السوء، العائد في هبته كالكلب يقيء ثم يعود في قيئه\" (^١١).\nوقال النسائي عند تفسير هذه الآية: حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا الليث، عن جعفر بن ربيعة، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: \"إذا سمعتم صياح الدِيَكة فاسألوا الله من فضله، وإذا سمعتم نهيق الحمير فتعوذوا بالله من الشيطان، فإنها رأت شيطانًا\".\nوقد أخرجه بقية الجماعة (^١٢) سوى ابن ماجة من طرق عن جعفر بن ربيعة به، وفي بعض الألفاظ: \"بالليل\". فالله أعلم.\n_________\n(^١١) - سبق تخريجه في سورة الأعراف، الآية رقم (١٧٧).\n(^١٢) - كتاب التفسير، باب سورة لقمان، حديث رقم (١١٣٩١). وأخرجه البخاري في صحيحه كتاب بدء الخلق، باب: \"خير مال المسلم غنم يتبع بها شعف الجبال\" حديث رقم (٣٣٠٣)، ومسلم في صحيحه كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب استحباب الدعاء عند صياح الديك حديث رقم (٢٧٢٩)، وأبو داود في سننه كتاب الأدب باب ما جاء في الديك والبهائم (٥١٠٢)، وأخرجه الترمذي في جامعه كتاب الدعوات، باب ما يقول: إذا سمع نهيق الحمار حديث رقم (٣٤٥٩)، وأخرجه النسائي في الكبرى كتاب عمل اليوم والليلة باب ما يقول إذا سمع نهيق الحمير حديث رقم (١٠٧٧٩) وما يقول إذا سمع صياح الديك حديث رقم (١٠٧٨٠)، وأما ما أشار إليه المصنف من أنه ورد في بعض الألفاظ، تقييد هذا الذكر \"بالليل\" فقد ورد هذا القيد في حديث جابر بن عبد الله عند أحمد (٣/ ٣٠٦)، والبخاري في الأدب المفرد برقم (١٢٣٣)، (١٢٣٥)، وابن السني في اليوم والليلة رقم (٣٠٧)، وأبو داود في كتاب الأدب من سننه، باب ما جاء في الديك والبهائم حديث رقم (٥١٠٢)، والحاكم (٤/ ٢٨٣، ٢٨٤) والبغوى في شرح السنة كتاب الدعوات باب ما يقول عند صياح الديك حديث رقم (١٣٣٤) وغيرهم من طرق عن جابر بن عبد الله بلفظ: \"إذا سمعتم نباح الكلب، ونهيق الحمر بالليل فتعوذوا بالله فإنهن يرين ما لا ترون\" قال الحاكم: \"هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه بهذا السياق\".\n_________\n[¬١]- في خ: \"السبط\"، وفي ز: \"بالبسيط\".\n[¬٢]- في ز: \"أي\".\n[¬٣]- في ز: \"في\".","vol":"11","page":58},{"text":"فهذه وصايا نافعة جدًّا، وهي من قَصص القرآن العظيم عن لقمان الحكيم. وقد روي عنه من الحكم والمواعظ أشياء كثيرة، فلنذكر منها أنموذجًا ودستورًا إلى ذلك، قال الإِمام أحمد: حدثنا علي بن إسحاق، أخبرنا ابن المبارك، أخبرنا سفيان، أخبرني نهشل [¬١] بن مجمع الضبي، [عن قزعة] [¬٢]، عن ابن عمر ﵁ قال: أخبرنا رسول الله ﷺ قال: \"إن لقمان الحكيم كان يقول: إن الله إذا اسْتودَع شيئًا حفظه\" (^١٣).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا عيسى بن يونس، عن الأوزاعي، عن\n_________\n(^١٣) - المسند (٢/ ٨٧) (٥٦٠٥، ٥٦٠٦). وأخرجه النسائي في اليوم والليلة (٥١٧، ٥١٨) من طريق ابن مهدي وابن المبارك وعبدة، عن الثوري، وأخرجه النسائي في اليوم والليلة (٥١٦) من طريق محمد بن فضيل كلاهما \"الثوري، وابن فضل\" عن نهشل بن مجمع الضبي عن قزعة عن ابن عمر، فذكره كما ساقه المصنف.\nوأخرجه عبد بن حميد (٨٥٥)، والنسائي في اليوم والليلة (٥١٩)، والبيهقي في الشعب (٣/ ٢١١)، من طريق إسحاق الأزرق وقبيصة وأبي داود الجفرى، ثلاثتهم عن الثوري عن نهشل الضبى عن أبي غالب قال: شيعتُ ابن عمر فقال: إن رسول الله ﷺ … الحديث، وأبو غالب هذا مجهول، وإذا كان الحديث محفوظًا من طريق قزعة عن ابن عمر فإسناده حسن؛ نهشل بن مجمع الضبى صدوق.\nوالحديث أخرجه الطبراني في الدعاء الحديث رقم (٨٢٧) من طريق أبي نعيم عن الثوري عن نهشل عن أبي غالب، وقزعة أو أحدهما عن ابن عمر به مرفوعًا.\nوالحديث أخرجه النسائي في اليوم والليلة (٥٢٠) من طريق سويد بن نصر عن عبد الله بن المبارك عن سفيان عن أبي سنان عن قزعة، وأبي غالب عن ابن عمر موقوفًا عليه، ليس فيه ذكر لقمان ﵇ وأخرجه النسائي أيضًا في اليوم والليلة (٥٢١) من طريق إسرائيل عن أبي سنان عن أبي غالب - وحده - عن ابن عمر موقوفًا ليس فيه ذكر لقمان، والحديث رواه عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز واختلف عليه في اسم شيخه فأخرجه أحمد ٢/ ١٣٦ (٦١٩٩)، وعبد بن حميد (٨٣٤)، والبخاري في التاريخ الكبير ٨/ ٢٦٠، والنسائي في اليوم والليلة (٥١١ - ٥١٣)، والبيهقي في السنن (٥/ ٢٥١)، والمحاملى في الدعاء، باب ما يودع به المسافر من الدعاء حديث رقم (٤)، كلهم من طريق أبي نعيم، وعبدة، وأبي حمزة عن عبد العزيز بن عمر عن يحيى بن إسماعيل بن جرير عن قزعة عن ابن عمر مرفوعًا ليس فيه ذكر لقمان. وأخرجه أحمد (٢/ ٣٨) (٤٩٥٧)، وأبو داود (٢٦٠٠) من طريق مروان بن معاوية الفزاري، وعبد الله بن داود كلاهما عن عبد العزيز عن إسماعيل بن جرير عن قزعة عن ابن عمر مرفوعًا - وفيه أن شيخ عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز هو إسماعيل بن جرير - قال الحافظ: صوابه يحيى بن إسماعيل، لين الحديث - وأخرجه النسائي في عمل اليوم والليلة (٥١٤) من طريق آخر عن عبد العزيز بن عمر قال: حدثني إسماعيل بن محمد بن سعد عن قزعة عن ابن عمر مرفوعًا، وفيه أن شيخ عبد العزيز هو إسماعيل بن محمد بن سعد وهو الزهري ثقة، وأخرجه أحمد (٢/ ٢٥) (٤٧٨١)، والنسائي في اليوم والليلة (٥١٥) من طريق وكيع ويحيى بن حمزة عن عبد العزيز بن عمر عن قزعة عن ابن عمر مرفوعًا، وليس فيه =\n_________\n[¬١]- في ز: \"نهيل\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ر.","vol":"11","page":59},{"text":"موسى بن سليمان، عن القاسم [يحدث عن أبي موسى الأشعري] [¬١] أن رسول الله ﷺ قال: \"قال لقمان لابنه وهو يعظه: يا بُني، إياك والتقنع فإنه مخوفة بالليل، مذلة بالنهار\" (^١٤).\nوقال: حدثنا أبي، حدثنا عمرو بن عثمان، عن [¬٢] ضمرة، حدثنا السَّري [¬٣] بن يحيى قال: قال لقمان لابنه: يا بني، إن الحكمة أجلست المساكين مجالس الملوك (^١٥).\nوقال: حدثنا أبي، حدثنا عبدة بن سليمان، أخبرنا ابن المبارك، حدثنا عبد الرحمن المسعودي، عن عون بن عبد الله قال: قال لقمان لابنه: يابني؛ إذا أتيت نادي قوم فارمهم بسهم الإسلام -يعني السلام- ثم اجلس في ناحيتهم، فلا تنطق حتى تراهم قد نطقوا، فإن\n_________\n= شيخ عبد العزيز، والذي يظهر لي أن الحمل في هذا الخلاف على عبد العزيز نفسه، فقد قال الحافظ في التقريب: \"صدوق يخطئ\"، والله أعلم.\nفالحاصل: أن هذا الحديث مداره على ثلاثة من الرواة:\nالأول نهشل بن مجمع الضبي، وهو ثقة، وثقه الثوري وابن معين وأبو داود، وذكره ابن حبان في ثقاته، وقد اختلف عليه كما سبق على وجوه فقيل عنه عن قزعة عن ابن عمر، وقيل عنه عن أبي غالب عن ابن عمر، وقيل عنه عن كليهما، وقيل عنه على الشك.\n- الثاني: أبو سنان، وهو ثقة ثبت، فرواه سويد بن نصر - وهو راوية عبد الله بن المبارك ومن أثبت الناس فيه - عن ابن المبارك عن الثوري عن أبي سنان ضرار بن مرة عن قزعة، وأبي غالب عن ابن عمر موقوفًا عليه، ورواه إسرائيل عن أبي سنان عن أبي غالب - وحده - عن ابن عمر موقوفًا عليه.\n- الثالث، عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز، وقد اختلف في حديثه على شيخه، والراجح أنه يحيى بن إسماعيل بن جرير، وهو لين الحديث كما قال الحافظ: وعليه فالحديث من الثلاثة طرق لا يثبت للإضطراب في إسناده، والله أعلم.\n(^١٤) - إسناده ضعيف، موسى بن سليمان بن موسى القرشي فيه جهالة. لم يرو عنه إلا الأوزاعي، قال أبو حاتم: شيخ. وذكره ابن حبان في ثقاته، وقال الحافظ: مقبول. والحديث أخرجه الحاكم ٢/ ٤١١ من طريق آخر عن الأوزاعي عن موسى بن سليمان به، وقال: \"متن شاهده إسناده صحيح والله أعلم\" وأقره الذهبي.\n(^١٥) - إسناده حسن إلى السرى؛ عمرو بن عثمان هو ابن سعيد بن كثير بن دينار وثقه غير واحد وقال الحافظ: صدوق. وضمرة هو ابن ربيعة، قال الحافظ: صدوق يهم قليلًا، والسرى بن يحيى هو ابن إياس بن حرملة وثقه جماعة، وقال الأزدي: ضعيف. وخطأه الحافظ في التقريب قائلًا: \" … ثقة وأخطأ الأزدي في تضعيفه\"، وقال ابن عبد البر: \"وهو أوثق من الأزدي بمئة مرة\" انظر الميزان (٢/ ٣٠٩٣) وهذا الخبر من بلاغات السرى عن لقمان، ومثله لا يقبل عند أهل النقد، ولا يصح الخبر عن لقمان ومن في طبقته من الأنبياء والصالحين إلا ما كان من قول رسول الله ﷺ عن رب العزة.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٢]- في خ، ز: \"بن\".\n[¬٣]- في ز: \"البري\".","vol":"11","page":60},{"text":"أفاضوا في ذكر الله فأجِلْ سهمك معهم، وإن أفاضوا في غير ذلك فتحول عنهم إلى غيرهم (^١٦).\nوحدثنا أبي، حدثنا عمرو بن عثمان بن سعيد بن كثير بن دينار، حدثنا ضمرة، عن حفص بن عمر ﵁ قال: وضع لقمان جرابًا من خردل إلى جانبه، وجعل يعظ ابنه وعظة ويخرج خردلة، حتى نفذ الخردل، فقال: يا بني، لقد وعظتك موعظة لو وُعِظَها جبل لتفطر. قال: فتفطر ابنه (^١٧).\nوقال أبو القاسم الطبراني: حدثنا يحيى بن عبد الباقي المصيصي، حدثنا أحمد بن عبد الرحمن الحراني، حدثنا عثمان بن عبد الرحمن الطرائفي، حدثنا أبين بن سفيان المقدسي، عن خليفة بن سلام، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: \"اتخذوا السودان، فإن ثلاثة منهم من سادات أهل الجنة لقمان الحكيم، والنجاشي، وبلال المؤذن\". قال أبو القاسم الطبراني: أراد الحبش (^١٨).\n\n<span data-type='title' id=toc-141>(فصل في الخمول والتواضع)</span>\nوذلك متعلق بوصية لقمان ﵇ لابنه، وقد جمع في ذلك الحافظ أبو بكر بن أبي الدنيا كتابًا مفردًا، نحن نذكر منه مقاصده.\nقال: حدثنا إبراهيم بن المنذر، حدثنا عبد الله بن موسى المدني، عن أسامة بن زيد، عن حفص بن عبيد [¬١] الله بن أنس، عن جده أنس بن مالك: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"رُبَّ أشعثَ ذي [¬٢] طِمْرَين يُصفَح عن أبواب الناس، إذا أقسم على الله لأبرَّه\" (^١٩).\n_________\n(^١٦) - إسناده ضعيف؛ فيه المسعودي وقد اختلظ بآخرة، ولم أقف على من نص على سماع عبد الله بن المبارك منه هل كان قبل الاختلاط أم بعده.\n(^١٧) - إسناده حسن، إلى حفص بن عمر، وضمرة هو ابن ربيعة تقدم قريبًا.\n(^١٨) - إسناده ضعيف جدًّا. أخرجه الطبراني (١١/ ١٩٨)، وابن حبان في المجروحين (١/ ١٧٠)، وزاد السيوطي نسبته إلى ابن عساكر، من طريق عثمان بن عبد الرحمن به، وأبين هذا ليس بشيء؛ قال ابن حبان: \"كان يقلب الأخبار، وأكثر روايته عن الضعفاء\" وقال البخاري: \"لا يكتب حديثه\"، وقال الدارقطني: \"ضعيف له مناكير\". والحديث ذكره ابن الجوزي في الموضوعات (٢/ ٢٣٢) وقال: \"لا يصح، والمتهم به أبين كان يقلب الأخبار، وعثمان لا يحتج به\"، وفي الباب عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر مرفوعًا بلفظ: \"سادات السودان أربعة … فذكر الثلاثة وزاد مهجع\" أخرجه ابن عساكر، وفي الباب أيضًا من حديث واثلة بن الأسقع عند الحاكم (٤/ ٢٨٤) بنحو حديث عبد الرحمن بن يزيد.\n(^١٩) - حديث صحيح، أخرجه الترمذي في المناقب من جامعه، باب مناقب البراء بن عازب، حديث =\n_________\n[¬١]- في خ، ز: \"عبد\".\n[¬٢]- في ز: \"في\".","vol":"11","page":61},{"text":"ثم رواه من حديث جعفر بن سليمان، عن ثابت وعلي بن زيد، عن أنس، عن النبي ﷺ، فذكره، وزاد: منهم البراء بن مالك.\nوقال أبو بكر بن سهل التميمي: حدثنا ابن أبي مريم، حدثنا نافع بن يزيد، عن عياش بن عباس، عن عيسى بن عبد الرحمن، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عمر ﵁ أنه دخل المسجد فإذا هو بمعاذ بن جبل يبكى عند قبر رسول الله ﷺ، فقال له: ما يبكيك يا معاذ؟ قال: حديث سمعته من رسول الله ﷺ، سمعته يقول: \"إن اليسير من الرياء شرك، وإن الله يحب الأتقياء الأخفياء الأثرياء، الذين إذا غابوا لم يفتقدوا، وإذا حضروا لم يعرفوا، قلوبهم مصابيح الهدى، ينجون من كل غبراء مظلمة\" (^٢٠).\nحدثنا الوليد بن شجاع، حدثنا عَثَّام بن علي، عن حميد بن عطاء الأعرج، عن عبد الله بن الحارث، عن عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال: \"رُبَّ ذي طمرين لا يُؤْبَه له، لو أقسم على الله لأبره، لو قال: اللهم؛ إني أسألك الجنة لأعطاه الجنة، ولم يعطه من الدنيا شيئًا (^٢١).\nوقال أيضًا: حدثنا إسحاق بن إبراهيم [¬١]، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن سالم بن\n_________\n= رقم (٣٨٥٤)، وعبد بن حميد في مسنده حديث رقم (١٢٣٦)، والبيهقي في الشعب ٧/ ٣٣١، وأبو نعيم في الحلية ١/ ٣٥٠، والخطيب في تاريخه ٣/ ٢٠٣ من طرق عن أنس بن مالك به، وعند بعضهم: \" … منهم البراء بن عازب\" ولم أجد هذا الحديث في كتاب التواضع والخمول للحافظ ابن أبي الدنيا، الذي أشار إليه المصنف، وفلعله سقط من المطبوع والله أعلم. وللحديث شواهد كثيرة، فقد أخرجه مسلم في صحيحه كتاب البر والصلة، باب فضل الضعفاء والخاملين حديث رقم (٢٠٢٤)، وفي كتاب الجنة باب النار يدخلها الجبارون والجنة يدخلها الضعفاء حديث رقم (٢١٩١)، من حديث أبي هريرة. وفي الباب عن ابن مسعود وحارثة بن وهب، وغيرهما انظر كشف الخفا حديث رقم (١٣٦٢).\n(^٢٠) - إسناده ضعيف جدًّا، عيسى بن عبد الرحمن وهو الزرقي متروك. والحديث أخرجه ابن ماجه في الفتن، باب من ترجى له السلامة من الفتن حديث رقم (٣٩٨٩)، وابن أبي الدنيا في التواضع والخمول حديث رقم (٨)، وفي الأولياء حديث رقم (٦)، والحاكم في المستدرك (٤/ ٣٢٨)، من طرق عن عيسى بن عبد الرحمن عن الليث بن سعد عن عياش بن عباس عن زيد بن أسلم عن أبيه به، بإسقاط عيسى الزرقي منه، ثم قال الحاكم: \"صحيح ولا علة له\" وأقره الذهبي. قلت: بل علته الانقطاع بين عياش بن عباس، وزيد بن أسلم، فبينهما هذا الهالك، فمدار هذا الحديث عليه، والله أعلم.\n(^٢١) - أخرجه البزار في مسنده (٥/ ٤٠٤) حديث رقم (٢٠٣٥) من طريق آخر عن حميد الأعرج، وحميد ضعيف، ولم أجد من تابعه. والحديث ذكره الهيثمي في المجمع (١٠/ ٢٦٤) وقال: \"رواه البزار رجاله رجال الصحيح غير جارية بن هرم وقد وثقه ابن حبان على ضعفه\" قلت: جارية قد توبع عليه من =\n_________\n[¬١]- في التواضع والخمول: إسماعيل.","vol":"11","page":62},{"text":"أبي الجعد قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن من أمتي من لو أتى باب أحدكم يسأله دينارًا أو درهمًا أو فلسًا لم يعطه، ولو سأل الله الجنة لأعطاه إياها، ولو سأله الدنيا لم يعطه إياها، ولم يمنعها إياه لهوانه عليه، ذو طمرين لا يؤبه له، لو أقسم على الله لأبره\". وهذا مرسل من هذا الوجه (^٢٢).\nوقال أيضًا: حدثنا إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا جعفر بن سليمان، حدثنا عوف قال: قال أبو هريرة: قال رسول الله ﷺ: \"إن من ملوك الجنة كُلَّ أشعثَ أغبرَ ذي [¬١] طمرين لا يُؤبَه له، الذين إذا استأذنوا على الأمراء لم يؤذن لهم، وإذا خطبوا النساء لم ينكحوا، وإذا قالوا لم يُنصَت لهم، حوائج أحدهم تتجلجل في صدره، لو قسم نوره يوم القيامة بين الناس لوسعهم\" (^٢٣).\nقال: وأنشدني عمر بن شبة عن ابن عائشة قال: قال عبد الله بن المبارك:\nأَلا رُبَّ ذي طِمرَينِ في مَنْزلٍ غَدًا … زَرَابِيّهُ مَبثُوثَةٌ وَنَمَارقُهْ\nقَد اطَّرَدَتْ [¬٢] أنهاره حَوْلَ قَصْرِه … وَأشْرَقَ، والتفَّتْ عَلَيه حَدَائقُهْ (^٢٤)\nوروى أيضًا [¬٣] من حديث عُبَيد الله بن زَحْر (^٢٥)، عن علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة مرفوعًا: \"قال الله: من أغبط أوليائي عندي مؤمنٌ خفيف الحاذ، ذو حظ من\n_________\n= عثام وغيره، وإنما علته حميد هذا قال البزار: \"وهذا الكلام لا نعلمه يروى عن النبي ﷺ إلا بهذا الإسناد\". والحديث أخرجه ابن عدي في الكامل (٢/ ٦٨٩) في ترجمة حميد الأعرج من غير طريق جارية الذي أعل الهيثمي الحديث به، مما يؤكد أن الحمل فيه على حميد الأعرج لا على من دونه.\n(^٢٢) - إسناده صحيح إلى سالم بن أبي الجعد، وهو من مراسيله. والخبر أخرجه ابن أبي الدنيا في التواضع والخمول حديث رقم (١).\n(^٢٣) - أخرجه ابن أبي الدنيا في الأولياء حديث رقم (٩)، وإسحاق بن إبراهيم هو ابن عبد الرحمن البغوي أبو يعقوب لقبه لؤلؤ وقيل: بؤبؤ وهو ثقة، وعوف هو ابن أبي جميلة. وهذا الإسناد منقطع فإن عوفًا لم يدرك أبا هريرة، والحديث أخرجه البيهقي في الشعب حديث رقم (١٠٤٨٧) من طريق إسحاق بن سليمان الرازي عن جعفر بن سليمان عن عوف عن الحسن أظنه عن أبي هريرة، فزاد في إسناده الحسن وإسحاق بن سليمان الرازي ثقة، فإن كان الحديث محفوظًا بهذا الإسناد فمن رأى أن الحسن سمع من أبي هريرة فيكون الحديث صحيحًا به، ومن أنكر السماع، فيكون الإسناد منقطعًا، وفي سماع الحسن من أبي هريرة خلافٌ مشهور، والأكثرون على علم السماع، والله أعلم.\n(^٢٤) - الخبر في التواضع والخمول لابن أبي الدنيا برقم (٥)، وعمر بن شبة هو ابن عبيدة بن زيد النميري قال الحافظ: \"صدوق له تصانيف\" وابن أبي عائشة هو عبيد الله بن محمد التيمي.\n(^٢٥) - أخرجه أحمد (٥/ ٢٥٢، ٢٥٥)، وفي الزهد (ص ١١)، والترمذي في الزهد من جامعه، باب ما جاء في الكفاف والصبر حديث رقم (٢٣٤٧) ونعيم بن حماد في زوائده على الزهد لابن المبارك =\n_________\n[¬١]- في ز: \"ذو\".\n[¬٢]- في ز: \"اضْطردت\".\n[¬٣]- سقط من: ز.","vol":"11","page":63},{"text":"صلاة، أحسن عبادة ربه، وأطاعه في السر، وكان غامضًا في الناس، لا يُشارُ إليه بالأصابع إن صبر على ذلك. قال: ثم نَفَر [¬١]. رسول الله بيده وقال: \"عجلت منيتُه، وقلَّ تراثه، وقلت بواكيه\".\nوعن عبد الله بن عمرو قال: أحب عباد الله إلى الله الغرباءُ، قيل: ومن الغرباء؟ قال [¬٢]: الفرارون بدينهم، يجمعون يوم القيامة إلى عيسى ابن مريم (^٢٦).\nوقال الفضيل بن عياض: بلغني أن الله تعالى يقول للعبد يوم القيامة: \"ألم أنعم عليك؟ ألم أعطك؟ ألم أسترك؟ ألم ..؟ ألم ..؟ ألم أخمل ذكرك؟ \" ثم قال الفضيل: إن استطعت أن لا تُعرف فافعل، وما عليك أن لا يُثنى عليك، وما عليك أن تكون مذمومًا عند الناس محمودًا عند الله (^٢٧).\nوكان ابن محيريز يقول: اللهم؛ إني أسألك ذكرًا خاملًا (^٢٨).\n_________\n= ص ٥٤، ووكيع في الزهد (١/ ٣٥٩ - ٣٦٢)، والحميدى في مسنده (٢/ ٤٠٤)، والحاكم (٤/ ١٢٣)، وقال: \"هذا إسناد للشاميين صحيح عندهم ولم يخرجاه\" وقال الذهبي: \"لا، بل إلى الضعف هو\" وأبو نعيم في الحلية (١/ ٢٥)، والبيهقي في الزهد (١٤٤ - ١٤٥) من طريق عبيد الله بن زحر عن علي بن زيد عن القاسم به، وهذا الإسناد ضعيف لضعف علي بن يزيد وهو الألهاني.\nوالحديث أخرجه ابن ماجه من طريق آخر عن أبي أمامة في كتاب الزهد من سننه، باب: \"من لا يؤبه له\" حديث رقم (٤١١٧) وفي إسناده مجهول، وآخر متفق على تضعيفه. فالحديث ضعيف لا يثبت.\n(^٢٦) - أخرجه ابن أبي الدنيا في التواضع والخمول حديث رقم (١٨)، وأحمد في الزهد ص ٧٧، والدورقي (٩٤) والآجري في الغرباء ص ٤٩، والبخاري في التاريخ الكبير (٢/ ٢١٣٠) من طريق محمد بن مسلم الطائفى به، وإسناده ضعيف محمد بن مسلم الطائفى ضعفه غير واحدٍ وشيخه قال الحافظ: \"مقبول\" أي وللحديث طريق أخرى مرفوعًا. فأخرجه أحمد في الزهد ص ١٤٩، وأبو نعيم في الحلية ١/ ٢٥، والبيهقي في الزهد (٢٠٩) من طريق سفيان بن وكيع عن عبد الله بن رجاء عن ابن جريج عن ابن أبي مليكة عن عبيد الله بن عمرو مرفوعًا به، وهذا الإسناد ضعيف أيضًا؛ سفيان بن وكيع ضُعف بسبب ورّاقه السوء، وابن جريج مدلس وقد عنعن، ويشبه أن يكون هذا الخبر من أحاديث أهل الكتاب، والذين كان يحدث عنهم عبد الله بن عمرو من الزاملتين اللتين وجدهما في غزاةٍ غزاها، هذا إن صح السند إليه ولا أراه يصح، والله أعلم.\n(^٢٧) - أخرجه ابن أبي الدنيا في التواضع والخمول حديث رقم (١٧) وفيه إبراهيم بن الأشعث قال ابن حبان: \" … يغرب وينفرد ويخطئ ويخالف\" والخبر من بلاغات الفضيل بن عياض، وقد أشرنا قبل ذلك من أن مثل هذه الأخبار الأصل فيها التوقيف، فلا بد من قول لرسول الله ﷺ فيها وإلا فليس بشيء.\n(^٢٨) - المصدر السابق برقم (١٨) وإسناده ليس بالقوي. والخبر أخرجه أبو نعيم في الحلية (٥/ ١٤٠): \"ترجمة ابن محيريز\" وكذلك أوردها الذهبي في السير ضمن ترجمته، وكذلك ابن عساكر في تاريخه وكذا ابن الجوزي في صفة الصفوة.\n_________\n[¬١]- في ز: \"نفذ\".\n[¬٢]- سقط من: ز.","vol":"11","page":64},{"text":"وكان الخليل بن أحمد يقول: اللهم؛ اجعلني عندك من أرفع خلقك، واجعلني في نفسي من أوضع خلقك، وعند الناس من أوسط خلقك (^٢٩).\nثم قال:\n\n<span data-type='title' id=toc-142>باب ما جاء في الشهرة</span>\nحدثنا أحمد بن عيسى المصري، حدثنا ابن وهب، عن عمرو [¬١] بن الحارث وابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن سنان بن سعد، عن أنس عن رسول الله ﷺ أنه قال: \"حسب امرئ من الشر - إلا من عصم الله - أن يشير الناس إليه بالأصابع في دينه ودنياه، وإن الله لا ينظر إلى صوركم ولكن إلى قلوبكم وأعمالكم\" (^٣٠).\nوروي مثله عن إسحاق بن البهلول، عن ابن أبي فَديك، عن محمد بن عبد الواحد الأخنسي، عن عبد الواحد بن أبي كثير، عن جابر بن عبد الله مرفوعًا، مثله (^٣١).\nوروى عن الحسن مرسلًا نحوه، فقيل للحسن: فإنه يشار إليك بالأصابع؟ فقال: إنما المراد من يشار إليه في دينه بالبدعة، وفي دنياه بالفسق (^٣٢).\nوعن علي ﵁ قال: لا تبدأ [¬٢] لأن تشتهر، ولا ترفع شخصك لتذكر، وتعلم واكتم، واصمت تسلم، تَسُرّ الأبرار، وتَغيظ الفجار (^٣٣).\n_________\n(^٢٩) - المصدر السابق برقم (٢١) وإسناده قوى إلى الخليل بن أحمد.\n(^٣٠) - التواضع والخمول رقم (٣٠)، وأخرجه البيهقي في الشعب (٥/ ٣٦٦) من طريق يوسف بن يعقوب عن أحمد بن عيسى به. والحديث ذكره السيوطي في الجامع الصغير (٣/ ١٩٦)، وأعله المناوي بضعف يوسف وابن لهيعة، وتابعه الألباني في الضعيفة (١٦٧٠). ويوسف بن يعقوب متابع من ابن أبي الدنيا. وابن لهيعة متابع من عمرو بن الحارث كما عند ابن أبي الدنيا والبيهقي في الشعب. وعليه فإعلال الحديث بيوسف بن يعقوب أو ابن لهيعة ليس بشيء. ولكن للحديث علة أخرى هي سنان بن سعد، أو سعد بن سنان، فقد اختلف في اسمه، وانفرد يزيد بن أبي حبيب به عنه.\n(^٣١) - أخرجه ابن أبي الدنيا في التواضع والخمول حديث رقم (٣١) وعنده \"محمد بن سليمان الأخنسي\" بدلًا من \"محمد بن عبد الواحد الأخنسي\" وهو وشيخه عبد الواحد لم أجد من ترجم لهما، والحديث لا شك أنه من الزوائد، ومع ذلك لم أجد الهيثمي ذكره في المجمع، ولا السيوطي في الجامع وذلك بعد بحث والله أعلم.\n(^٣٢) - أخرجه ابن أبي الدنيا في التواضع والخمول حديث رقم (٣٢، ٣٣) وإسناده ضعيف؛ فيه المبارك بن فضالة يدلس ويسوي، وقد عنعن. والخبر أورده السيوطي في الجامع الكبير، وعزاه للحكيم الترمذي عن الحسن مرسلًا.\n(^٣٣) - أخرجه ابن أبي الدنيا في التواضع والخمول الخبر رقم (٣٤) وسنده واه؛ فيه إبراهيم بن هراسة =\n_________\n[¬١]- في ت: \"عمر\".\n[¬٢]- في ز: \"تبدى\".","vol":"11","page":65},{"text":"وقال إبراهيم بن أدهم ﵀: ما صدقَ الله من أحب الشهرة.\nو[¬١] قال أيوب: ما صدق الله عبد إلا سره أن لا يشعر بمكانه.\nوقال محمد بن العلاء: من أحب الله أحب ألا يعرفه الناس.\nوقال سماك بن سلمة: إياك وكثرة الأخلاء.\nوقال أبان بن عثمان: إن أحببت أن يسلم لك دينك فأقل من المعارف.\nوكان أبو العالية إذا جلس إليه أكثرُ من ثلاثة نهَضَ وتركَهم.\nوقال: حدثنا علي بن الجعد، أخبرنا شعبة، عن عوف، عن أبي رجاء قال: رأى طلحة قومًا يمشون معه، فقال: ذباب طمع، وفراش النار (^٣٤).\nوقال ابن إدريس، عن هارون بن عنترة [¬٢]، عن سليم بن حنظلة قال: بينا نحن حول أبي إذ علاه عمر بن الخطاب بالدّرَّة، وقال: إنها مذلة للتابع، وفتنة للمتبوع (^٣٥).\nوقال [ابن عون] [¬٣]، عن الحسن: خرج ابن مسعود فاتبعه أناس، فقال: والله لو تعلمون ما أغلقُ عليه بابي، ما اتبعني منكم رجلان (^٣٦).\nوقال حماد بن زيد: كنا إذا مررنا على المجلس ومعنا أيوب، فسلم، رَدُّوا ردًّا شديدًا، فكان ذلك يَغُمّه.\nوقال عبد الرزاق، عن معمر: كان أيوب يطيل قميصه، فقيل له في ذلك، فقال: إن الشهرة فيما مضى كانت في طول القميص، واليوم في تشميره. واصطنع مرة نعلين على حذو\n_________\n= متروك وشيخه لا يعرف، وشيخ شيخه لم يسم. ولهذا الخبر طريق أخرى بمعناه مختصرًا أخرجه ابن أبي الدنيا في الصمت رقم (٦١٣) وفيه إعضال بلفظ: \"وار شخصك لا تذكر، واصمت تسلم\".\n(^٣٤) - أخرجه ابن أبي الدنيا في التواضع والخمول الخبر رقم (٥٠) ورجاله ثقات، عوف هو ابن أبي جميلة، وأبو رجاء عمران بن ملحان واختلف في اسم أبيه، وهو ثقة مخضرم، مشهور بكنيته.\n(^٣٥) - أخرجه ابن أبي الدنيا، الخبر رقم (٥١)، ونعيم بن حماد في زوائده على الزهد لابن المبارك ص ١٣ الخبر رقم (٤٨)، والدارمي (١/ ١٣٢)، وابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله (١/ ١٤٤) من طرق عن هارون ابن عنترة به.\n(^٣٦) - أخرجه ابن أبي الدنيا في التواضع والخمول والتواضع الخبر رقم (٥٢)، والدارمي (١/ ١٣٤) من طريق آخر عن عون به.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- في ز: \"أبي عسرة\".\n[¬٣]- في التواضع: عون.","vol":"11","page":66},{"text":"نعلي النبي ﷺ فلبسهما أيامًا ثم خلعهما، وقال: لم أر الناس يلبسونهما (^٣٧).\nوقال إبراهيم النخعي: لا تلبسوا من الثياب ما يَشْتهِرك الفقهاء [¬١]، ولا ما يزدريك السفهاء.\nوقال الثوري: كانوا يكرهون من الثياب الجياد، التي يُشتَهر بها، ويرفع [¬٢] الناس إليه فيها أبصارهم، والثياب الرديئة التي يحتقر فيها، ويستذل دينه.\nوحدثنا خالد بن خدَاش: حدثنا حماد، عن أبي حسنة - صاحب الزيادي - قال: كنا عند أبي قلابة إذ دخل عليه رجل عليه أكسية، فقال: إياكم وهذا الحمار النهاق!\nوقال الحسن ﵀: إن قومًا جعلوا الكبر في قلوبهم، والتواضع في ثيابهم، فصاحب الكساء بكسائه أعظم من صاحب المطرف بمطرفة (*)، ما لهم تفاقروا.\nوفي بعض الأخبار: أن موسى ﵇ قال لبني إسرائيل: ما لكم تأتوني عليكم ثياب الرهبان، وقلوبكم قلوب الذئاب؟ البسوا ثياب الملوك، وألينوا قلوبكم بالخشية (^٣٨).\n\n<span data-type='title' id=toc-143>فصل في حسن الخلق</span>\nقال [¬٣] أبو التياح عن أنس ﵁: كان رسول الله ﷺ من أحسن الناس خلقًا (^٣٩).\nوعن [¬٤] عطاء، عن ابن عمر: قيل: يا رسول الله؛ أي المؤمنين أفضل؟ قال: \"أحسنهم خلقًا\" (^٤٠).\n_________\n(^٣٧) - أخرجه ابن أبي الدنيا في المصدر السابق، الخبر رقم (٦١).\n(*) المطرف: الثوب الذي في طرفيه علَمان. النهاية (٣/ ١٢١).\n(^٣٨) - أخرجه ابن أبي الدنيا في التواضع والخمول الخبر رقم (١٥٣) وفيه أن القائل هو عيسى ﵇، وعند أبي نعيم في الحلية ٥/ ٣٦٥ من كلام موسى ﵇، فالله أعلم.\n(^٣٩) - أخرجه البخاري في كتاب الأدب باب \"الكنية للصبي قبل أن يولد للرجل\" حديث رقم (٦١٢٩)، ومسلم من كتاب الآداب حديث رقم (٢١٥٠).\n(^٤٠) - هذا الحديث أخرجه ابن أبي الدنيا في التواضع والخمول حديث رقم (١٦٥)، وابن ماجه، كتاب الزهد حديث رقم (٤٢٥٩)، والطبراني في الكبير (١/ ٣٥٤) حديث رقم (١٣٣٢٦) من طريق فروة بن قيس عن عطاء عن ابن عمر، وعند الطبراني من طريق فروة عن ابن عمر يدلس بينهما عطاء\" قال البوصيري في الزوائد: \" .. فروة مجهول وكذا الراوي عنه\" ونقل عن الذهبي أنه قال: \"وخبره باطل\"=\n_________\n[¬١]- في م: \"الفقهاء\".\n[¬٢]- في ز: \"ويرفعون\".\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- سقط من: ز.","vol":"11","page":67},{"text":"وعن [¬١] نوح بن عباد [عن ثابت] [¬٢] عن أنس مرفوعًا: \"إن العبد ليبلغ بحسن خلقه درجات الآخرة وشرف المنازل، وإنه لضعيف العبادة. وإنه ليبلغ بسوء خلقه دَرَك جهنم وهو عابد\" (^٤١).\n[وعن سنان] [¬٣] بن هارون، عن حميد، عن أنس مرفوعًا: \"ذهب حسن الخلق بخير\n_________\n= يعني فروة، قلتُ: ولهذا الحديث طريق أخرى عن عطاء، فقد آخره البزار (٢/ ٢٦٨) (٦٧٦ - كشف)، والطبراني في الأوسط حديث رقم (٤٦٧١)، والحاكم (٤/ ٥٤٠) من طريق حفص بن غيلان عن عطاء به قال الحاكم: \"هذا صحيح الإسناد ولم يخرجاه\" ووافقه الذهبي، قلت: وهذه متابعة جيدة لفروة عن عطاء ثم هناك متابعة أخرى فقد أخرجه البيهقي في الشعب ٦/ ٢٣٠، وفي الزهد الكبير له (٤٥٦) وزاد الألباني في السلسلة الصحيحة (١٣٨٤) نسبته إلى ابن عدي في الكامل، والدارقطني في الغرائب من طريق عبيد الله بن سعيد بن كثير عن عفير حدثني أبي حدثني مالك بن أنس عن سهيل بن مالك عن عطاء به، وعبيد الله بن سعيد ضعيف، قال ابن حبان: \"يروى عن الثقات المقلوبات، ولا يجوز الاحتجاج به وقال: لا يشبه حديثه حديث الثقات\" قلت: وهناك متابعة ثالثة. فقد أخرجه ابن أبي الدنيا في التواضع والخمول حديث رقم (١٦٤) من طريق معاوية بن عبد الرحمن عن عطاء به، ومعاوية قال أبو حاتم: \"ليس بمعروف\" وقال الذهبي: \"مجهول\" قلت: ولكنه توبع عن عطاء كما سبق، فهذه المتابعات تقوى حديثه، ثم وجدت متابعة أخرى لهؤلاء عن عطاء فقد أخرجه أبو نعيم في الحلية (٨/ ٣٣٣) من طريق خالد بن يزيد عن أبيه عن عطاء به، فهؤلاء خمسة أنفس يروونه عن عطاء عن ابن عمرو \"حفص ابن غيلان، وفروة بن قيس، ومعاوية بن عبد الرحمن وسهيل بن مالك، وخالد بن يزيد عن أبيه - خمستهم عن عطاء به، فالذي يترجح لي أن هذا الحديث صحيح إلى عطاء، ولكن العلة فيه هل سمع عطاء من ابن عمر؟! قال علي بن المديني كما في جامع التحصيل: \"رأى عبد الله بن عمر ولم يسمع منه\" وليس في الصحيحين ولا في أحدهما رواية لعطاء عن ابن عمر، مما يشير إلى أن هذه الرواية ليست على شرط الصحيح والله أعلم.\n(^٤١) - أخرجه ابن أبي الدنيا في التواضع والخمول حديث رقم (١٦٨)، والطبراني في الكبير ١/ ٦٠، حديث رقم (٧٥٤) ونسبه العراقي إلى الخرائطي في مكارم الأخلاق، وأبي الشيخ في طبقات الأصبهانيين من طريق نوح بن عباد القرشي البصري عن ثابت به، وهذا إسنادٌ جيد، والحديث ذكره الهيثمي في المجمع ٨/ ٢٥ وقال: \"رواه الطبراني عن شيخه المقدام بن داود وهو ضعيف\" قلت: وشيخ الطبراني قد توبع من شيخ ابن أبي الدنيا وهو حميد النسائي، وهو ثقة ثبت، وعلة هذا الحديث في \"نوح بن عباد\" ولكن أثنى عليه تلميذه في هذا الحديث قائلًا: \"حدثني نوح بن عباد القرشي - وما رأيت أحدًا كان أخشى لله ﷿ منه\" وقد ذكره ابن حبان في ثقاته، وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا. قلت: فالظن به حسن إن شاء الله، ولا سيما أن لهذا الحديث شواهد كثيرة جدًّا يرتقى الحديث بها إلى الصحة، وقد ذكر الحديث العراقي في تخريج الإحياء وقال: \"عن أنس وإسناده جيد\" وانظر ما سيأتي من حديث عائشة بنحوه.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في خ، ز: \"سيار\".","vol":"11","page":68},{"text":"الدنيا والآخرة\" (^٤٢).\nوالمطلب، عن عائشة مرفوعًا: \"إن العبد ليبلغ بحسن خلقه درجة قائم الليل صائم النهار\". (^٤٣)\nوقال ابن أبي الدنيا: حدثني أبو مسلم عبد الرحمن بن يونس، حدثنا عبد الله بن إدريس، أخبرني أبي وعمي، عن جدي، عن أبي هريرة ﵁ سُئل رسول الله ﷺ عن أكثر ما يُدخل الناسَ الجنة، فقال: \"تقوى الله، وحسن الخلق\". وسئل عن أكثر ما يدخل الناس النار، فقال: \"الأجوفان: الفم والفرج\" (^٤٤).\n_________\n(^٤٢) - أخرجه ابن أبي الدنيا في التواضع والخمول حديث رقم (١٦٩) من طريق العباس بن أبي طالب الواسطي عن عبيد بن سليمان عن سنان به -كما ساقه المصنف- والحديث عزاه الهيثمي في المجمع إلى الطبراني والبزار من هذا الوجه، بلفظ: \"عن أنس قال: قالت أم حبيبة: يا رسول الله المرأة يكون لها زوجان ثم تموت فتدخل الجنة هي وزوجاها لأيهما تكون للأول أو للآخر قال: \"تخير أحسنهما خلقًا كان معها في الدنيا يكون زوجًا لها في الجنة. يا أم حبيبة ذهب حسن الخلق بخير الدنيا والآخرة\". وجاء في العلل لابن أبي حاتم ١/ ٤١٦ برقم (١٢٥٢) ما نصه: \"سألت أبي عن حديث رواه عبيد بن إسحاق عن سنان بن هارون عن حميد عن أنس قال: قالت أم حبيبة: يا رسول الله المرأة منا يكون لها زوجان … فقال: تخيَّر أحسنهما خلقًا كان معها في الدنيا … قالت أم حبيبة: ذهب حسن الخلق … \" ففي هذا الموضع المرفوع أصبح موقوفًا. ومع ذلك فإن الإسناد ضعيف جدًّا لعلتين؛ الأولى: عبيد بن إسحاق قال الهيثمي في المجمع الموضع السابق: \"فيه عبيد بن إسحاق وهو متروك وقد رضيه أبو حاتم، وهو أسوأ أهل هذا الإسناد حالًا\" قلت: قال أبو حاتم عنه عندما سئل عنه: \"ما رأينا إلا خيرًا\" وقال أبو زرعة: منكر الحديث. أما العلة الثانية: فقد قال أبو حاتم في العلل من الموضع السابق: \"هذا حديث موضوع لا أصل له، وسنان عندنا مستور\" فأعله بسنان، قال الحافظ: صدوق فيه لين، وعليه فهذا الإسناد ضعيف لا يثبت.\n(^٤٣) - أخرجه أحمد ٦/ ٩٠، ٩٤، ١٣٣، ١٨٧، وأبو داود في الأدب باب: في حسن الخلق، والبغوى في شرح السنة حديث رقم (٣٥٠٠)، (٣٥٠١)، وابن حبان حديث رقم (٤٨٠)، وابن أبي الدنيا في التواضع والخمول حديث رقم (١٦٦)، والحاكم (١/ ٦٠) من طرق عن عمرو بن عبد المطلب عن عائشة به. قال الحاكم: \"صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه\" ووافقه الذهبي، قلت: المطلب بن عبد الله المخزومي في سماعه من عائشة نظر، قال أبو حاتم الرازي: \"المطلب ابن عبد الله لم يدرك عائشة\"، وقال أيضًا: \"روايته عن عائشة مرسل\" وقال البخاري: لا أعرف للمطلب بن حنطب عن أحد من أصحاب النبي ﷺ سماعًا، إلا أنه يقول: حدثني من شهد النبي ﷺ، وقال الترمذي: \"سمعت عبد الله بن عبد الرحمن يقول: لا نعرف للمطلب سماعًا من أحد من أصحاب النبي ﷺ \"، وسئل أبو زرعة سمع المطلب بن عبد الله بن حنطب من عائشة؟ فقال: أرجو أن يكون سمع منها. انظر تهذيب الكمال ٢٨/ ٨١ ترجمة المطلب، مع الحاشية ففيهما الخير الكثير.\n(^٤٤) - أخرجه أحمد ٢/ ٢٩١، ٣٩٢، ٤٤٢، وفي الزهد ص ٣٩٧، والبخاري في الأدب المفرد (٢٨٩)، (٢٩٤)، والترمذي كتاب البر والصلة، باب ما جاء في حسن الخلق حديث رقم (٢٠٠٤)، وابن ماجه في الزهد باب ذكر الذنوب حديث رقم (٤٢٤٦)، وابن أبي الدنيا في التواضع والخمول =","vol":"11","page":69},{"text":"وقال أسامة بن شريك (^٤٥): كنت عند رسول الله ﷺ، فجاءته الأعراب من كل مكان، فقالوا: يا رسول الله، ما خير ما أعطى الإنسان؟ قال: \"حسن الخلق\".\nوقال يعلى بن سماك، عن أم الدرداء، عن أبي الدرداء - يبلغ به - قال: \"ما شيءٌ أثقل في الميزان من حسن الخلق\". وكذا رواه عطاء، عن أم الدرداء، به (^٤٦).\n_________\n= حديث رقم (١٧٠) وفي الصمت حديث رقم (٤)، وفي الورع حديث رقم (١٣٥)، والحاكم ٤/ ٣٢٤ وصححه ووافقه الذهبي، والبيهقي في الزهد الكبير (٣٦٣)، وابن حبان في صحيحه حديث رقم (٤٧٦)، والبغوى في شرح السنة (٣٤٩٧)، والمزى في تهذيب الكمال ٣٢/ ١٨٦ - ترجمة يزيد بن عبد الرحمن الأودى كلهم من طريق داود بن يزيد أبي يزيد الأودى، وإدريس بن يزيد الأودى كلاهما عن أبيهما يزيد به ويزيد بن عبد الرحمن الأودى قال الحافظ: \"مقبول\"، ولم أرى له متابعًا، وقد ذكره ابن حبان في ثقاته ووثقه العجلي.\n(^٤٥) - أخرجه أحمد ٤/ ٢٧٨، والحميدى (٨٢٤)، والبخاري في الأدب المفرد حديث رقم (٢٩١)، والترمذي في الطب، باب ما جاء في الدواء والحث عليه حديث رقم (٢٠٣٨)، وأبو داود في الطب، باب الرجل يتداوى حديث رقم (٣٨٥٥)، وابن ماجه في الطب، باب ما أنزل الله داء إلا أنزل له دواء حديث رقم (٣٤٣٦)، والنسائي في الكبرى كتاب الطب، باب الأمر بالدواء حديث رقم (٧٥٥٣ - ٧٥٥٤)، وابن الجعد في مسنده حديث رقم (٢٦٨٠)، وابن أبي الدنيا في التواضع والخمول حديث رقم (١٧١)، وتمام في فوائده حديث رقم (١٠١٣ - الروض)، وهناد في الزهد رقم (١٢٦٠)، والطحاوي في شرح المثانى ٤/ ٢٣، وابن حبان (١٣٩٥، ١٩٢٤)، والبيهقي ٩/ ٣٤٣، والحاكم ١/ ١٢١، ٤/ ١٩٨، والخطيب في تاريخه ٩/ ١٩٨، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثانى حديث رقم (١٤٦٧ - ١٤٦٨)، وابن أبي شيبة في كتاب الأدب ٨/ ٥١٤ رقم (٥٣٦٧)، والطيالسى ١/ ٣٤٣ رقم (١٧٤٧ - منحة)، والطبراني ١/ ١٤٤ - ١٥٢ من طرق عن زياد بن علاقة به، وهذا إسناد صحيح، قال الحاكم: \"هذا حديث أسانيده كلها صحيحة على شرط الشيخين ولم يخرجاه، والعلة عندهم فيه أن أسامة بن شريك ليس له راو غير زياد بن علاقة … إلخ\" ووافقه الذهبي.\n(^٤٦) - أخرجه أحمد ٦/ ٤٤٢، ٤٤٦، ٤٤٨، وعبد بن حميد في مسنده حديث رقم (٢٠٤)، والبخاري في الأدب المفرد (٢٧٠)، وأبو داود في الأدب، باب في حسن الخلق حديث رقم (٤٧٩٩)، والترمذي في البر والصلة، باب ما جاء في حسن الخلق حديث رقم (٢٠٠٣)، وأبو نعيم في الحلية ٧/ ١٠٧، والخرائطى في مكارم الأخلاق ص ٩ - ١٠، وابن أبي شيبة ٨/ ٣٢٨ وابن أبي الدنيا في التواضع والخمول حديث رقم (١٧٣) من طريق الحسن بن مسلم والقاسم بن أبي بزة ومطرف، ثلاثتهم عن عطاء بن نافع الكيخارانى عن أم الدرداء عن أبي الدرداء به مرفوعًا، والحديث أخرجه هناد في الزهد رقم (١٢٥٨) من طريق أبان وهو ابن أبي عياش عن عطاء عن أم الدرداء عن أبي الدرداء قال: \"ما يوضع في الميزان … فذكر الحديث\" من قوله وليس مرفوعًا، وأبان ضعيف، وخالفه غيره فرفعه، ورواه ابن أبي الدنيا في التواضع والخمول من طريق يعلى بن مملك عن أم الدرداء عن أبي الدرداء به مرفوعًا، وهذا متابعة جيدة لعطاء. وفي الباب أحاديث صحيحة عن أبي هريرة وعائشة وأنس وابن عمر وغيرهما، وقد سبق طرفٌ منها.","vol":"11","page":70},{"text":"وعن [¬١] مسروق عن عبد الله بن عمرو مرفوعًا: \"إن من خياركم أحاسنكم أخلاقًا\" (^٤٧).\nحدثنا عبد الله بن أبي بدرٍ، حدثنا محمد بن عبيد، عن محمد بن أبي سارة، عن الحسن بن علي قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن الله ليعطي العبد من الثواب على حسن الخلق، كما يعطي المجاهد في سبيل الله، يغدو عليه الأجر ويروح\" (^٤٨).\nوعن [¬٢] مكحول، عن أبي ثعلبة مرفوعًا: \"إن أحبكم إلى وأقربكم منى مجلسًا أحاسنكم أخلاقًا، وإن أبغضكم إلى وأبعدكم منى منزلًا في الجنة مساويكم أخلاقًا، الثرثارون المتشدقون المتفيهقون\" (^٤٩).\n[وعن أبي] [¬٣] أويس، عن محمد بن المنكدر، عن جابر مرفوعًا: \"ألا أخبركم بأكملكم إيمانًا؟ أحاسنكم أخلاقًا، الموطّئون أكنافًا، الذين يؤلفون ويألفون\" (^٥٠).\nوقال الليث: عن يزيد بن عبد الله بن أسامة، عن بكر بن أبي الفرات قال: قال رسول الله ﷺ: \"ما حَسَّن الله خَلْق رجل وخُلقَه فَتَطْعَمَه النار\" (^٥١).\nوعن [¬٤] عبد الله بن غالب الحداني، عن أبي سعيد مرفوعًا: \"خصلتان لا يجتمعان في مؤمن: البخل وسوء الخلق\" (^٥٢).\n_________\n(^٤٧) - أخرجه البخاري في المناقب من صحيحه باب صفة النبي ﷺ حديث رقم (٣٥٥٩)، وفي فضائل الصحابة باب مناقب ابن مسعود حديث رقم (٣٧٥٩)، وفي الأدب باب لم يكن رسول الله ﷺ فاحشًا ولا متفحشًا حديث رقم (٦٠٢٩)، وباب حسن الخلق حديث رقم (٦٠٣٥) وأخرجه مسلم في الفضائل باب كثرة حيائه ﷺ حديث رقم (٢٣٢١)، والترمذي في البر والصلة، باب ما جاء في الفحش حديث رقم (١٨٧٥ وغيرهم.\n(^٤٨) - التواضع والخمول أثر رقم (١٧٦).\n(^٤٩) - أخرجه أحمد في مسنده (٤/ ١٩٣، ١٩٤) من طريقين عن داود عن مكحول به، والحديث عزاه الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ٢٤) إلى أحمد والطبراني، وقال: رجال أحمد رجال الصحيح.\n(^٥٠) - التواضع والخمول أثر رقم (١٧٨).\n(^٥١) - ذكر السيوطي في اللآلئ (١/ ١١٩) هذا الحديث عن الإمام السلفى بسنده إلى الليث بن سعد عن بكر بن الفرات عن أنس، وقال: أورده الحافظ شمس الدين ابن الجزرى في كتابه أحاسن المنن، وقال: (رجاله ثقات)، وتعقبه العلامة اليماني في تعليقه على الفوائد المجموعة [ص ٢١٩]، والحديث أخرجه ابن الجوزي في الموضوعات (١/ ١٦٥) من طريق أخرى عن أنس وفي إسناده أبو سعيد العدوي، وخراش وكلاهما كذاب. وينظر طرق هذا الحديث في الموضوعات واللآلئ، والفوائد المجموعة، وتنزيه الشريعة ١/ ٢٠١.\n(^٥٢) - أخرجه عبد بن حميد (٩٩٦)، والبخاري في الأدب المفرد (٢٨٢)، والترمذي في البر والصلة =\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٤]- سقط من: ز.","vol":"11","page":71},{"text":"وقال ميمون بن مهران، عن رسول الله ﷺ: \"ما من ذنب أعظم عند الله من سوء الخلق، وذلك أن صاحبه لا يخرج من ذنب إلا وقع في آخر\" (^٥٣).\nحدثنا علي بن الجعد، حدثنا أبو المغيرة الأحمسي، حدثنا عبد الرحمن بن إسحاق، عن رجل من قريش قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن الخلق الحسن ليُذيب الذنوب كما تُذيب الشمس الجليد، وإن الخلق السيئ ليفسد العمل كما يفسد الخل العسل\" (^٥٤).\nوقال عبد الله بن إدريس، عن أبيه، عن جده، عن أبي هريرة مرفوعًا: \"إنكم لا تسعون الناس بأموالكم، ولكن يَسعهم منكم بسط وجوه وحسن خلق\" (^٥٥).\nوقال محمد بن سيرين: حسن الخلق عون على الدين (^٥٦).\n\n<span data-type='title' id=toc-144>فصل في ذم الكبر</span>\nقال علقمة، عن ابن مسعود - رفعه -: \"لا يدخل الجنة مَن كان [¬١] في قلبه مثقال حبة من كبر، ولا يدخل النار من في قلبه مثقال حبة [¬٢] من إيمان\" (^٥٧).\nوقال إبراهيم بن أبي عبلة [¬٣]، عن أبي سلمة، عن عبد الله بن عمرو مرفوعًا: \"من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر، أكبه الله على وجهه في النار\" (^٥٨).\nحدثنا إسحاق بن إسماعيل، حدثنا أبو معاوية، عن عمر بن راشد، عن إياس بن سلمة،\n_________\n= كتاب: ما جاء في البخيل، حديث (١٩٦٢) من طرق عن صدقة بن موسى عن مالك بن دينار عن عبد الله بن غالب به.\n(^٥٣) - عزاه المنذري في الترغيب والترهيب (٣/ ٢٦٥) إلى الأصبهاني في ترغيبه ثم قال: وهذا مرسل.\n(^٥٤) - التواضع والخمول رقم (١٨٣).\n(^٥٥) - أخرجه البزار في مسنده (١٩٧٩ - كشف) بسنده إلى ابن إدريس به ورجال إسناده ثقات، وأخرجه أبو يعلى في مسنده (٦٥٥٠) والبزار (١٩٧٧ - كشف) من طريق المقبري عن أبي هريرة به مرفوعًا دون ذكر (حسن الخلق). وأخرجه أيضًا البزار في (١٠٧٨ - كشف) من طريق عطاء عن أبي هريرة. والحديث ذكره المنذري في الترغيب (٣/ ٢٦٤) وقال: رواه أبو يعلى والبزار من طرق أحدهما حسن جيد.\n(^٥٦) - أخرجه مسلم في كتاب الإيمان، حديث (٩١) من طريقين عن إبراهيم عن علقمة به.\n(^٥٧) - المسند (٢/ ٢١٥).\n(^٥٨) - أخرجه الترمذي في البر والصلة، باب ما جاء في الكبر حديث (٢٠٠) عن أبي كريب عن أبي معاوية به.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- في خ، ز: \"ذرة\".\n[¬٣]- في ز: \"علية\".","vol":"11","page":72},{"text":"عن أبيه مرفوعًا: \"لا يزال الرجل يذهب بنفسه حتى يكتب عند الله من الجبارين، فيصيبه ما أصابهم من العذاب\" (^٥٩).\nوقال مالك بن دينار: ركب سليمان بن داود ﵉ ذات يوم البساط في مائتي ألف من الإنس، ومائتي ألف من الجن، فَرُفِعَ حتى سمع تسبيح الملائكة في السماء، ثم خفضوه حتى مست قدمه ماء البحر، فسمعوا صوتًا: لو كان في قلب صاحبكم مثقال ذرة [¬١] من كبر لخسف به أبعد مما رفع (^٦٠).\nحدثنا أبو خيثمة، حدثنا يزيد بن هارون، عن حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس قال: كان أبو بكر يخطبنا فيذكر بدء خلق الإنسان، حتى إن أحدنا ليُقذر نفسه، يقول: خرج من مجرى البول، مرتين (^٦١).\nوقال الشعبي: من قتل اثنين فهو جبار، ثم تلا: ﴿أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إلا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ﴾.\nوقال الحسن: عجبًا لابن آدم! يغسل الخرء [¬٢] بيده في اليوم مرتين ثم يتكبر! يعارض جبار السماوات.\nقال [¬٣]: حدثنا خالد بن خداش، حدثنا حماد بن زيد، عن علي عن [¬٤] الحسن، عن الضحاك بن سفيان، فذكر حديث: \"ضرب مثل الدنيا بما يخرج من ابن آدم\" (^٦٢).\nوقال الحسن، عن عتي [¬٥]، عن أبيّ قال: إن مطعم ابن آدم ضرب مثلًا للدنيا، وإن قزخه [¬٦] ومَلَّحه (^٦٣).\n_________\n(^٥٩) - التواضع والخمول رقم (١٩٨)\n(^٦٠) - التواضع والخمول رقم (١٩٩).\n(^٦١) - التواضع والخمول رقم (٢٠٠).\n(^٦٢) - التواضع والخمول رقم (٢١٠).\n(^٦٣) - التواضع والخمول رقم (٢١١).\n_________\n[¬١]- في ز: \"حبة\".\n[¬٢]- في ز: \"الخرو\".\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- في ت: ابن، والمثبت من التواضع، وعلي هو ابن زيد.\n[¬٥]- في ت: يحيى، والمثبت من التواضع.\n[¬٦]- في ز: \"فرخه\". تَوْبله، من القِزْحِ وهو التابل الذي يطرح في القدر، كالكمون والكزبرة ونحو ذلك (النهاية ٤/ ٥٨).","vol":"11","page":73},{"text":"وقال محمد بن الحسين بن علي - من ولد على ﵁: ما دخل قلبَ رجل شيءٌ من كبر إلا نقص من عقله بقدر ذلك (^٦٤).\nوقال يونس بن عبيد: ليس مع السجود كبر، وليس [¬١] مع التوحيد نفاق.\nونظر طاوس إلى عمر بن عبد العزيز، وهو يختال في مشيته، وذلك قبل أن يستخلف، فطعن طاوس في جنبه بأصبعه، وقال: ليس هذا شأن [¬٢] من في [¬٣] بطنه خُرْءٌ [¬٤]؟. فقال له كالمعتذر إليه: يا عم؛ لقد ضُرب كل عضو مني على هذه المشية حتى تعلمتها (^٦٥).\nقال أبو بكر بن أبي الدنيا، كانت بنو أمية يضربون أولادهم حتى يتعلموا [¬٥] هذه المشية.\n\n<span data-type='title' id=toc-145>فصل في الاختيال</span>\nعن [¬٦] ابن أبي ليلى، عن ابن بريدة، عن أبيه مرفوعًا: \"من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه\" (^٦٦).\nورواه عن إسحاق بن إسماعيل، عن سفيان، عن زيد بن أسلم، عن ابن عمر مرفوعًا مثله (^٦٧).\nوحدثنا محمد بن بكار، حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، عن الأعرج، عن أبي هريرة مرفوعًا: \"لا ينظر الله يوم القيامة إلى من جر إزاره\" (^٦٨).\nو\"بينما رجل يتبختر في برديه، أعجبته نفسه، خسف الله به الأرض، فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة\" (^٦٩).\n_________\n(^٦٤) - التواضع والخمول رقم (٢٢٦).\n(^٦٥) - التواضع والخمول رقم (٢٤١).\n(^٦٦) - التواضع والخمول رقم (٢٣٨).\n(^٦٧) - أخرجه أحمد في المسند (٢/ ١٤٧) من طريق معمر عن زيد بن أسلم به، وأصل الحديث في الصحيحين عن ابن عمر.\n(^٦٨) - أخرجه البخاري في اللباس، باب من جر ثوبه من الخيلاء، حديث (٥٧٨٨) من طريق مالك عن أبي الزناد به.\n(^٦٩) - أخرجه أحمد في المسند (٢/ ٥٣١)، ومسلم في كتاب اللباس، حديث (٢٠٨٨) من طرق عن أبي هريرة.\n_________\n[¬١]- في ز: \"ولا\".\n[¬٢]- في ز: \"شيء\".\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- في ز: \"خرو\".\n[¬٥]- في ز: \"يتعلمون\".\n[¬٦]- سقط من: ز.","vol":"11","page":74},{"text":"وروى الزهري عن سالم عن أبيه: \"بينما رجل … \" إلى آخره (^٧٠).\n﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (٢٠) وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ (٢١)﴾\nيقول تعالى منبهًا خلقه على نعمه عليهم في الدنيا والآخرة، بأنه [¬١] سخر لهم ما في السماوات من نجوم يستضيئون بها في ليلهم ونهارهم، وما يحلق فيها من سحاب وأمطار وثلج وبرد، وجعْلُه إياها لهم [¬٢] سقفًا محفوظًا؛ وما خلق لهم في الأرض من قرار وأنهار وأشجار وزروع وثمار. وأسبغ عليهم نعمه الظاهرة والباطنة، من إرسال الرسل وإنزال الكتب، وإزاحة الشبهة [¬٣] والعلل، ثم مع هذا كله ما آمن الناس كلهم، بل منهم من يجادل في الله، أي: في توحيده وإرسال الرسل. ومجادلته في ذلك بغير علم [ولا مستند من حجة صحيحة، ولا كتاب مأثور صحيح، ولهذا قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيرِ عِلْمٍ] [¬٤] وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾، أي: مبين مضئ.\n﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ﴾، أي: لهؤلاء المجادلين في توحيد الله: ﴿اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾، أي: على رسوله من الشرائع المطهرة، ﴿قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيهِ آبَاءَنَا﴾، أي: لم يكن لهم حجة إلا اتباع الآباء الأقدمين، قال الله: ﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾، أي: فما ظنكم أيها المحتجون بصنيع آبائهم، أنهم كانوا على ضلالة، وأنتم خلف لهم فيما كانوا فيه؛ ولهذا قال: ﴿أَوَلَوْ كَانَ الشَّيطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾.\n﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى\n_________\n(^٧٠) - أخرجه أحمد (٢/ ٦٦)، والبخاري في أحاديث الأنبياء، حديث (٣٤٨٥)، وطرفه في (٥٧٩٠)، والنسائي (٨/ ٢٠٦) من طريق الزهري به.\n_________\n[¬١]- في ز: \"فإنه\".\n[¬٢]- سقط من: خ، ز.\n[¬٣]- في ت: \"الشبه\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.","vol":"11","page":75},{"text":"وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (٢٢) وَمَنْ كَفَرَ فَلَا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إِلَينَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٢٣)﴾\nيقول تعالى مخبرًا عمن أسلم وجهه لله [¬١]، أي: أخلص له العمل، وانقاد لأوامره [¬٢]، واتبع شرعه، ولهذا قال: ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾، أي: في عمله، باتباع ما به [¬٣] أمر، وترك ما عنه زجر، ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾، أي: فقد أخذ موثقًا من الله متينًا، أنه لا يعذبه، ﴿وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (٢٢) وَمَنْ كَفَرَ فَلَا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ﴾، أي: لا تحزن يا محمد عليهم في كفرهم بالله وبما جئت به؛ فإن قدر الله نافذ فيهم، إلى الله ﴿مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا﴾، أي: فيجزيهم عليه، ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ فلا تخفى عليه خافية.\nثم قال: ﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا﴾، أي: في الدنيا، ﴿ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ﴾، أي نلجئهم ﴿إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾، أي: فظيع صعب شاقٍ [¬٤] على النفوس، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (٦٩) مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَينَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾\n﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ (٢٤) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٢٥)﴾\nيقول تعالى مخبرًا عن هؤلاء المشركين به: إنهم يعرفون أن الله خالقُ السماوات والأرض، وحدَه لا شريك له، ومع هذا يعبدون معه شركاء [¬٥]، يعترفون أنها خَلْقٌ له وملك له، ولهذا قال: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾، [أي: إذْ قامت عليكم الحجة باعترافكم] [¬٦]، ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾.\nثم قال: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، أي: هو خلقه وملكه، ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾، أي: الغني عما سواه، وكل شيء فقير إليه، الحميد في جميع ما خلق، له الحمد في السماوات والأرض على ما خلق وشرع، وهو المحمود في الأمور كلها.\n﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٢٦) وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ\n_________\n[¬١]- سقط من: خ، ز.\n[¬٢]- في ت: \"لأمره\".\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- في ز: \"مشق\".\n[¬٥]- في ز: \"شريكًا\".\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.","vol":"11","page":76},{"text":"مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٧) مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إلا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٢٨)﴾\nيقول تعالى مخبرًا عن عظمته وكبريائه وجلاله، وأسمائه الحسنى وصفاته العلا، وكلماته التامة التي لا يحيط بها أحد، ولا اطلاع لبشر على كنهها وإحصائها، كما قال سيد البشر وخاتم الرسل: \"لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك\" (^٧١). فقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾، [أي: ولو أن جميع أشجار الأرض جعلت أقلامًا، وجعل البحر مدادًا ومَدَّه سبعة أبحر] [¬١] معه، فكتبت بها كلمات الله الدالة على عظمته وصفاته وجلاله لتكسرت [¬٢] الأقلام، ونفد ماء البحر، ولو جاء أمثالها مدَدًا.\nوإنما ذكرت \"السبعة\" على وجه المبالغة، ولم يرد الحصر ولا أن [¬٣] ثم سبعة أبحر موجودة تحيط بالعالم، كما يقوله من تلقاه من كلام الإسرئيليين التي لا تصدق ولا تكذب، بل كما قال تعالى في الآية الأخرى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾، فليس المراد بقوله: ﴿بِمِثْلِهِ﴾ آخر فقط، بل بمثله ثم بمثله [ثم بمثله] [¬٤]، ثم هلمَّ جرًّا؛ لأنه لا حصر لآيات الله وكلماته.\nوقال الحسن البصري: لو جعل شجر الأرض أقلامًا، وجعل البحر مدادًا، و[¬٥] قال الله: إن من أمري كذا، ومن أمري كذا. لنفد ما في البحور، وتكسرت الأقلام.\nوقال قتادة: قال المشركون: إنما هذا كلام يوشك أن ينفد. فقال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ﴾. أي: لو كان شجر الأرض أقلامًا، ومع [¬٦] البحر سبعة أبحر، ما كان لتنفد عجائب ربي وحكمته وخلقه وعلمه.\nوقال الربيع بن أنس: إن مثل علم العباد كلهم في علم الله كقطرة من ماء البحور كلها، وقد أنزل الله ذلك: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ …﴾ الآية.\n_________\n(^٧١) - مسلم الصلاة (٢٢٢).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٢]- في ز: \"فتكسرت\".\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٥]- في ز: \"أو\".\n[¬٦]- في ز: \"بلغ\".","vol":"11","page":77},{"text":"يقول: لو كان ذلك البحر مدادًا لكلمات الله، والأشجار [¬١] كلها أقلامًا، لانكسرت الأقلام، وفني ماء البحر، وبقيت كلمات الله قائمة لا يفنيها شيء، لأن أحدًا لا يستطيع أن يقدر قدره، ولا يثني عليه كما ينبغي، حتى يكون هو الذي يثني على نفسه، إن ربنا كما يقول، وفوق ما نقول.\nوقد روي أن هذه الآية نزلت جوابًا لليهود، قال ابن إسحاق: حدثني ابن أبي محمد، عن سعيد بن جبير أو عكرمة، عن ابن عباس: أن أحبار يهود قالوا لرسول الله ﷺ بالمدينة: يا محمد، أرأيت قولك: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إلا قَلِيلًا﴾ إيانا تريد أم قومك؟ فقال رسول الله ﷺ: \"كُلًّا\"، فقالوا: ألست تتلو فيما جاءك أنا قد أوتينا التوراة فيها تبيان لكل [¬٢] شيء؟ فقال رسول الله ﷺ: \"إنها في علم الله قليل، وعندكم من [¬٣] ذلك ما يكفيكم\". وأنزل الله فيما سألوه عنه من ذلك: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ …﴾ الآية.\nوهكذا روي عن عكرمة، وعطاء بن يسار: وهذا يقتضي أن هذه الآية مدنية لا مكية، والمشهور أنها مكية، والله أعلم.\nوقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾، أي: عزيز قد عز كل شيء وقهره وغلبه، فلا مانع لما أراد، ولا مخالف [¬٤]، ولا معقب لحكمه، ﴿حَكِيمٌ﴾ في خلقه وأمره، وأقواله وأفعاله، وشرعه وجميع شئونه.\nوقوله: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إلا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾، أي: ما خَلْق جميع الناس وبعثهم يوم المعاد - بالنسبة إلى قدرته - إلا كنسبة خلق [¬٥] نفس واحدة، الجميع هيِّن عليه، ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ﴿وَمَا أَمْرُنَا إلا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ أي: لا يأمر بالشئ إلا مرة واحدة، فيكون ذلك الشيء لا يحتاج إلى تكرره وتوكده. ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾.\nوقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾، أي: كما هو سميع لأقوالهم بصير بأفعالهم، كسمعه وبصره بالنسبة إلى نفس واحدة، كذلك قدرته عليهم كقدرته على نفس واحدة؛ ولهذا قال: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إلا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾.\n﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ\n_________\n[¬١]- في ز: \"الشجر\".\n[¬٢]- في ز: \"كل\".\n[¬٣]- في ز: \"في\".\n[¬٤]- في ز: \"يخالف\".\n[¬٥]- سقط من: ز.","vol":"11","page":78},{"text":"وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٩) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٣٠)﴾\nيخبر تعالى أنه ﴿يُولِجُ اللَّيلَ فِي النَّهَارِ﴾، بمعنى يأخذ منه في النهار، فيطولُ ذاك [¬١] ويقصر هذا، وهذا يكون زمن الصيف يطول النهار إلى الغاية، ثم يشرع في النقص فيطول الليل ويقصر النهار، وهذا يكون في الشتاء، ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾، قيل: إلى غاية محدودة، وقيل: إلى يوم القيامة. وكلا المعنيين صحيح. ويستشهد للقول الأول بحديث أبي ذر ﵁ الذي في الصحيحين: أن رسول الله ﷺ قال: \"يا أبا ذر، أتدري أين تذهب هذه الشمس؟ \" قلت: الله ورسوله أعلم، قال: \"فإنها تذهب فتسجد تحت العرش، ثم تستأذن ربها فيوشك أن يقال لها: ارجعي من حيث جئت\" (^٧٢).\nوقال ابن أبي حاتم (^٧٣): حدثنا أبي، حدثنا أبو صالح، حدثنا يحيى بن أيوب، عن ابن جريج، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس أنه قال: الشمس بمنزلة الساقية، تجري بالنهار في السماء في فلكها، فإذا غربت جرت بالليل في فلكها تحت الأرض حتى تطلع من مشرقها، قال: وكذلك القمر. إسناده صحيح.\nوقوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ كقوله: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾.\nومعنى هذا أنه تعالى الخالق العالم بجميع الأشياء، كقوله: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَينَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيءٍ عِلْمًا﴾.\nوقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ﴾، أي: إنما يظهر لكم آياته لتستدلوا بها على أنه الحق، أي: الموجود الحق الإله [¬٢] الحق، وأن كل ما سواه\n_________\n(^٧٢) - أخرجه البخاري في بدء الخلق، باب صفة الشمس والقمر. حديث (٣١٩٩) وأطرافه في (٤٨٠٢، ٤٨٠٣، ٧٤٢٤، ٧٤٣٣)، ومسلم في الإيمان حديث (١٥٩) من طريق سليمان التيمي عن أبي ذر.\n(^٧٣) - عزاه السيوطي في الدر المنثور (٥/ ٣٢٢) إلى ابن إسحاق وابن جرير، وابن أبي حاتم.\n_________\n[¬١]- في ز: \"ذلك\".\n[¬٢]- في ز: \"إلا أنه\".","vol":"11","page":79},{"text":"باطل، فإنه الغني عما سواه، وكل شيء فقير إليه، لأن كل ما في السماوات والأرض الجميع خلْقُه وعبيدُه، لا يقدر أحد منهم على تحريك ذَرة إلا بإذنه، ولو اجتمع كل أهل الأرض على أن يخلقوا ذبابًا لعجزوا عن ذلك. ولهذا قال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾، [أي:] [¬١] العليّ: الذي لا أعلى منه، الكبير: الذي هو أكبر من كل شيء، فكل شيء خاضع حقير بالنسبة إليه.\n﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آيَاتِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (٣١) وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إلا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ (٣٢)﴾\nيخبر تعالى أنه هو الذي سَخَّر البحر لتجري فيه الفلك بأمره، أي: بلطفه وتسخيره، فإنه لولا ما جعل في الماء من [¬٢] قوة يحمل بها السفن لما جرت، ولهذا قال: ﴿لِيُرِيَكُمْ مِنْ آيَاتِهِ﴾، أي: من [¬٣] قدرته، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾، أي: صبار في الضراء، شكور في الرخاء.\nثم قال: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ﴾، أي: كالجبال والغمام ﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إلا إِيَّاهُ﴾ وقال: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ ثم قال: ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾، قال مجاهد: أي كافر. كأنه فسر المقتصد هاهنا بالجاحد، كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾. وقال ابن [¬٤] زيد: هو المتوسط في العمل، وهذا الذي قاله ابن زيد هو المراد في قوله: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيرَاتِ﴾ فالمقتصد هاهنا هو: المتوسط في العمل، ويحتمل أن يكون مرادًا هنا أيضًا، ويكون من باب الإنكار على من شاهد تلك الأهوال والأمور العظام، والآيات الباهرات في البحر، ثم بعد ما أنعم الله عليه من الخلاص، كان ينبغي أن يقابل ذلك بالعمل التام، والدءوب في العبادة، والمبادرة إلى الخيرات. فمن اقتصد بعد ذلك كان مقصرًّا والحالة هذه، والله أعلم.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- في ت: \"أبو\".","vol":"11","page":80},{"text":"وقوله: ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إلا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ﴾، فالختار: هو الغَدَّار [¬١]. قاله مجاهد، والحسن، وقتادة، ومالك، عن زيد بن أسلم، وهو الذي كلما عاهد نقض عهده، والختر: أتم الغدر وأبلغه، قال عمرو بن معد يكرب:\nوإنَّك لو رَأيتَ أبا عُميرٍ … مَلأتَ يَدَيك مِن غَدرٍ وخَتر\nوقوله: ﴿كَفُورٍ﴾ أي: جحود للنعم لا يشكرها، بل يتناساها ولا يذكرها.\n﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (٣٣)﴾\nيقول تعالى منذرًا للناس يوم المعاد، وآمرًا لهم بتقواه والخوف منه، والخشية من [¬٢] يوم القيامة حيث ﴿لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ﴾ أي: لو أراد أن يفديه بنفسه لما قُبِل منه [¬٣]. وكذلك الولد لو أراد فداء والده بنفسه لم يقبل منه.\nثم عاد بالموعظة عليهم بقوله: ﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾، [أي: لا تلهينكم بالطمأنينة فيها عن الدار الآخرة] [¬٤]، ﴿وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾، يعني: الشيطان. قاله ابن عباس، ومجاهد، والضحاك، وقتادة. فإنه يغر بن آدم ويعدُه ويمنيه، وليس من ذلك شيء، بل كما قال تعالى: ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيطَانُ إلا غُرُورًا﴾.\nقال وهب بن منبه: قال عزير ﵇: \"لما رأيت بلاء قومي اشتد حزني وكثر همي، وأرق نومي، فضرعت [¬٥] إلى ربى وصليت وصمت، فأنا في ذلك أتضرع وأبكي؛ إذ أتاني الملك، فقلت له: أخبرني، هل تشفع أرواح المصدقين للظلمة، أو الآباء لأبنائهم؟ قال: إن القيامة فيها فصل القضاء وملك ظاهر، ليس فيه رخصة، لا يتكلم فيه أحد إلا بإذن الرحمن، ولا يؤخذ فيه والد عن ولده، ولا ولد عن والده، ولا أخ عن أخيه، ولا عبد عن سيده، ولا يهتم أحد [بهم غيره] [¬٦]، ولا يحزن لحزنه، ولا أحد يرحمه، كل مشفق على نفسه، ولا يؤخذ إنسان عن إنسان، كل يَهُم همه، ويبكي عَوله، ويحمل وزره، ولا يحمل وزره معه غيره\". رواه ابن أبي حاتم.\n_________\n[¬١]- في ز: \"العذاب\".\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٥]- في ز: \"تضرعت\".\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين في ت: \"بغيره\".","vol":"11","page":81},{"text":"﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (٣٤)﴾\nهذه مفاتيح الغيب التي استأثر الله تعالى بعلمها، فلا يعلمها أحد إلا بعد إعلامه تعالى بها، فعلم وقت الساعة لا يعلمه نبي مرسل، ولا ملك مقرب، ﴿لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إلا هُوَ﴾، وكذلك إنزال الغيث لا يعلمه إلا الله، ولكن إذا أمر به علمته الملائكة الموكلون بذلك، ومن شاء الله من خلقه. وكذلك لا يعلم ما في الأرحام مما يريد أن يخلقه تعالى سواه، ولكن إذا أمر بكونه ذكرًا أو أنثى، أو [شقيًّا أو سعيدًا] [¬١]، علم الملائكة الموكلون بذلك، ومن شاء الله من خلقه. وكذلك لا تدري نفس ماذا تكسب غدًا في دنياها وأخراها، ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ أفى بلدها أم [¬٢] غيره من أي بلاد الله كان، لا علم لأحد بذلك، وهذه شبيهة بقوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيبِ لَا يَعْلَمُهَا إلا هُوَ …﴾ الآية. وقد وردت السنة بتسمية هذه الخمس مفاتيح الغيب:\nقال الإمام أحمد (^٧٤): حدثنا زيد بن الحباب، حدثني حسين بن واقد، حدثني عبد الله بن بُرَيدة، سمعت أبي بُرَيدة يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"خمس لا يعلمهن إلا الله ﷿: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ \". هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجوه.\n(حديث ابن عمر) قال الإمام أحمد (^٧٥): حدثنا وكيع، حدثنا سفيان، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: \"مفاتيح الغيب خمس لا يعلمهن إلا الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ \".\nانفرد بإخراجه البخاري، فرواه في كتاب \"الاستسقاء\" من صحيحه (^٧٦)، عن محمد بن\n_________\n(^٧٤) - المسند (٥/ ٣٥٣) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ٩٢): رواه أحمد والبزار ورجال أحمد رجال الصحيح.\n(^٧٥) - المسند (٢/ ٢٤، ٥٨)، وأخرجه في ٢/ ٥٢، وعبد بن حميد (٧٩١)، والبخاري في التوحيد باب قول الله تعالى: \"عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدًا\" حديث (٧٣٧٩) من حديث عبد الله بن دينار.\n(^٧٦) - صحيح البخاري، كتاب الاستسقاء، باب: لا يدرى متى يجيء المطر إلا الله، حديث (١٠٣٩)، وانظر السابق.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ز: \"شقيٌّ أو سعيد\".\n[¬٢]- في ت: \"أو\".","vol":"11","page":82},{"text":"يوسف الفريابي، عن سفيان بن سعيد الثوري، به.\nورواه في التفسير من وجه آخر فقال (^٧٧):\nحدثنا يحيى بن سليمان، حدثنا ابن وهب، حدثني عمر بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر: أن أباه حدثه، أن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: \"مفاتيح الغيب خمس، ثم قرأ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ﴾ \". انفرد به أيضًا.\nورواه الإمام أحمد (^٧٨) عن غُنْدرَ، عن شعبة، عن عمر بن محمد: أنه سمع أباه يحدث، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: \"أوتيت مفاتيح كل شيء إلا الخمس: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ \".\n[(حديث ابن مسعود ﵁) قال الإمام أحمد (^٧٩): حدثنا يحيى، عن شعبة، حدثني عمرو بن مرة، عن عبد الله بن سلمة قال: قال عبد الله: أوتي نبيكم ﷺ مفاتيح كل شيء غير خمس: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾] [¬١] وكذا رواه عن محمد بن جعفر، عن شعبة، عن عمرو بن مرة به. وزاد في آخره: \"قال: قلت له: أنت سمعته من عبد الله؟ قال: نعم. أكثر من خمسين مرة.\nورواه أيضًا عن وكيع عن مسعر عن عمرو [¬٢] بن مرة به.\nوهذا إسناد حسن على شرط أصحاب [¬٣] السنن ولم يخرجوه.\n(حديث أبي هريرة) قال البخاري عند تفسير هذه الآية (^٨٠): حدثنا إسحاق، عن جرير، عن أبي حيان [¬٤] عن أبي زرعة، عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله صلى الله\n_________\n(^٧٧) - صحيح البخاري في التفسير، باب: \"إن الله عنده علم الساعة\"، حديث (٤٧٧٨).\n(^٧٨) - المسند (٢/ ٨٥).\n(^٧٩) - المسند (١/ ٣٨٦)، وأخرجه الحميدي (١٢٤) وأحمد في (١/ ٤٣٨) عن محمد بن جعفر عن شعبة به.\n(^٨٠) - صحيح البخاري في التفسير، باب (إن الله عنده علم الساعة)، حديث (٤٧٧٧)، والحديث عند البخاري في الإيمان، باب سؤال جبريل النبي ﷺ عن الإيمان، حديث (٥٠)، ومسلم في الإيمان، حديث (٩) من طريق أبي حيان به.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٢]- في ز: \"عمر\".\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- في خ، ز: \"حصان\".","vol":"11","page":83},{"text":"عليه وسلم كان يومًا بارزًا للناس، إذ أتاه رجل يمشي، فقال: يا رسول الله، ما الإيمان؟ قال: الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله ولقائه، وتؤمن بالبعث الآخر\". قال: يا رسول الله، ما الإسلام؟ قال: \"الإسلام أن تعبد الله ولا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة المفروضة، وتصوم رمَضان\". فقال: يا رسول الله، ما الإحسان؟ قال: \"الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك\". قال: يا رسول الله، متى [¬١] الساعة؟ قال: \"ما المسئول عنها بأعلم من السائل، ولكن سأحدثك عن أشراطها [] [¬٢]: إذا ولدت الأمة ربتها، فذاك من أشراطها، وإذا كان الحفاة العراة رءوس الناس، فذاك من أشراطها، في خمس لا يعلمهن إلا الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ﴾. ثم انصرف الرجل فقال: \"ردُّوه عليَّ\". فأخذوا [¬٣]\nليردوه، فلم يروا شيئًا، فقال: \"هذا جبريل جاء ليعلم الناس دينهم\".\nورواه البخاري في كتاب الإيمان أيضًا، ومسلم من طرق، عن أبي حيان، به. وقد تكلمنا عليه في أول \"شرح البخاري\". وذكرنا ثمّ حديثَ أمير المؤمنين عمر بن الخطاب في ذلك بطوله، وهو من أفراد مسلم (^٨١).\n(حديث ابن عباس) قال الإمام أحمد (^٨٢): حدثنا أبو النضر، حدثنا عبد الحميد، حدثنا شهر [¬٤]، حدثنا عبد الله بن عباس ﵄ قال: جلس رسول الله ﷺ مجلسًا له [¬٥]، فأتاه جبريل فجلس بين يدي رسول الله ﷺ واضعًا كفيه على ركبتي النبي ﷺ، فقال: يا رسول الله، حَدثني [¬٦] ما الإسلام؟ قال رسول اللَّه ﷺ: \"الإسلام أن تسلم وجهك لله ﷿، وتشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله\". قال: فإذا [¬٧] فعلت ذلك فقد أسلمت؟ قال: \"إذا فعلت ذلك فقد أسلمت\". قال: يا رسول الله، حدثني [¬٨] ما الإيمان؟ قال: \"الإيمان أن تؤمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وتؤمنَ بالموت وبالحياة بعد الموت وتؤمن بالجنة والنار والحساب والميزان وتؤمنَ بالقدر كله خيره وشره\". قال: فإذا فعلت ذلك فقد آمنت؟ قال: \"إذا فعلت ذلك فقد آمنت\". قال: يا رسول\n_________\n(^٨١) - صحيح مسلم في الإيمان، حديث (٨) من حديث عبد الله بن عمر عن أبيه.\n(^٨٢) - المسند (١/ ٣١٨) وفي إسناده شهر بن حوشب، وانظر الحديث في مجمع الزوائد (١/ ٤٢).\n_________\n[¬١]- في ز: \"ما\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز: \"قال\".\n[¬٣]- في ت: \"فأخذوه\".\n[¬٤]- في خ، ز: \"بهز\".\n[¬٥]- سقط من: خ، ز.\n[¬٦]- سقط من: خ، ز.\n[¬٧]- في ز: \"إذا\".\n[¬٨]- في ت: \"فحدثني\".","vol":"11","page":84},{"text":"الله، حدثني ما الإحسان؟ قال رسول الله ﷺ: \"الإحسان أن تعمل لله كأنك تراه، فإن كنت لا تراه فإنه يراك\". قال: يا رسول الله، فحدثني متى الساعة؟ قال رسول الله ﷺ: \"سبحان الله! في خمس لا يعلمهن إلا هو: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ ولكن إن شئت حدثتك بمعالم لها دون ذلك\". قال: أجل، يا رسول الله، فحدثني. قال رسول الله ﷺ: \"إذا رأيت الأمة ولدت ربتها -أو: ربها- ورأيت أصحاب الشاء [¬١] يتطاولون في البنيان، ورأيت الحفاة الجياع العالة [كانوا رءوس الناس، فذلك من معالم الساعة وأشراطها\". قال: يا رسول الله، ومن أصحاب الشاء والحفاة الجياع العالة؟] [¬٢] قال: \"العرب [¬٣] \". حديث غريب ولم يخرجوه.\n(حديث رجل من بني عامر) [روى الإمام أحمد (^٨٣): حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن منصور] [¬٤]، عن ربعيّ بن حرَاش [¬٥]، عن رجل من بني عامر: أنه استأذن على النبي ﷺ فقال: أألج [¬٦]؟ فقال النبي ﷺ لخادمه: \"اخرجي إليه فإنه لا يحسن الاستئذان فقولي له: فليقل: السلام عليكم. أأدخل؟ \". قال [¬٧]: فسمعتُه يقول ذلك، فقلت: السلام عليكم، أأدخل؟ فأذن فدخلت، فقلت: بم أتيتنا به؟ قال: \"لم آتكم إلا بخير، أتيتكم أن تعبدوا الله وحده لا شريك له، وأن تَدَعوا اللات والعزى، وأن تصلوا بالليل والنهار خمس صلوات، وأن تصوموا من السنة شهرًا، وأن تحجوا البيت، وأن تأخذوا الزكاة من مال أغنيائكم فتردوها على فقرائكم\". قال: فقال: فهل [¬٨] بقي من العلم شيء لا تعلمه [¬٩]؟ قال: قد عَلم الله ﷿ خيرًا، وإنّ من العلم ما لا يعلمه إلا الله ﷿ الخمس: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾. وهذا إسناد صحيح.\n_________\n(^٨٣) - المسند (٥/ ٣٦٨)، وأخرجه أبو داود في السنن (٥١٧٧، ٥١٧٩)، والنسائي في عمل اليوم والليلة (٣١٦) من طريق منصور به. وأخرجه أبو داود في (٥١٧٨) من طريق أبي الأحوص عن منصور عن ربعي قال: حدث أن رجلًا من بني عامر استأذن على النبي ﷺ بمعنياه.\n_________\n[¬١]- في ز: \"النيان\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٣]- في ز: \"العريب\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٥]- في ز: \"خراش\".\n[¬٦]- في ز: \"أيلج\".\n[¬٧]- سقط من: خ، ز.\n[¬٨]- في ز: \"هل\".\n[¬٩]- في ز: \"تعلم\".","vol":"11","page":85},{"text":"قال ابن أبي نجيح (^٨٤)، عن مجاهد: جاء رجل من أهل البادية فقال: إن امرأتي حبلى، فأخبرني [¬١] ما تلد؟ وبلادنا جَدْبَةٌ فأخبرني متى ينزل الغيث؟ وقد عَلمتُ متى وُلدتُ فأخبرني متى أموت؟ فأنزل الله ﷿: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ إلى قوله ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾. قال مجاهد: وهي مفاتيح الغيب التي قال الله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيبِ لَا يَعْلَمُهَا إلا هُوَ﴾. رواه ابن أبي حاتم وابن جرير.\nوقال الشعبي (^٨٥)، عن مسروق، عن عائشة ﵂ أنها قالت: من حدثك أنه يعلم ما في غد فقد كذب، ثم قرأت: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾.\nوقوله: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ قال قتادة: أشياء استأثر الله بهن، فلم يُطلع عليهن مَلكا مقربًا، ولا نبيًّا مرسلًا: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾، فلا يدري أحد من الناس متى تقوم الساعة، في أي سنة أو في أي [¬٢] شهر، أو ليل أو نهار، ﴿وَيُنَزِّلُ الْغَيثَ﴾ فلا يعلم أحد متى ينزل الغيث، ليلًا أو نهارًا، ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ﴾، فلا يعلم أحد ما في الأرحام، أذكر [¬٣] أم أنثى، أحمر أو أسود، وما هو. ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾، أخير أم شر، ولا تدري يا بن آدم متى تموت؟ لعلك الميت غدًا، لعلك المصاب غدًا، ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ ليس أحد من الناس يدري أين مضجعه من الأرض، أفي بحر أم [¬٤] بر، أو سهل أو جبل.\nوقد جاء في الحديث: \"إذا أراد الله قبض عبد بأرض، جعل له إليها حاجة\". فقال الحافظ أبو القاسم الطبراني في \"معجمه الكبير\" (^٨٦)، في مسند أسامة بن زيد:\nحدثنا إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن أيوب، عن أبي المليح، عن أسامة بن زيد قال: قال رسول الله ﷺ: \"ما جعل الله ميتَة عبد بأرض إلا جعل له فيها حاجة\".\nوقال عبد الله ابن الإمام أحمد (^٨٧): حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو داود\n_________\n(^٨٤) - أخرجه الطبري في تفسيره (٢١/ ٨٧) من طريق ورقاء عن ابن أبي نجيح به\n(^٨٥) - أخرجه الطبري (٢١/ ٨٨) من طريق مغيرة عن الشعبي به.\n(^٨٦) - المعجم الكبير (٤٦١)، وقال الهيثمي في المجمع (٧/ ١٩٦): رجاله رجال الصحيح.\n(^٨٧) - المسند (٥/ ٢٢٧)، وأخرجه الترمذي في القدر، باب: ما جاء أن النفس تموت حيثما كتب لها حديث (٢١٤٦) من طريق أبي داود الحفري به.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- في ز: \"ذكر\".\n[¬٤]- في ز: \"أو\".","vol":"11","page":86},{"text":"الحَفَري، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن مطر بن عَكَامس [¬١] قال: قال رسول الله ﷺ: \"إذا قضى الله ميتة عبد بأرض، جعل له إليها حاجة\".\nوهكذا رواه الترمذي في \"القدر\"، من حديث سفيان الثوري، به: ثم قال: حسن غريب، ولا يعرف لمطر عن النبي ﷺ غير هذا الحديث. وقد رواه أبو داود في \"المراسيل\" فالله أعلم.\nوقال الإمام أحمد (^٨٨): حدثنا إسماعيل، حدثنا أيوب، عن أبي المليح بن أسامة، عن أبي عزة قال: قال رسول الله ﷺ: \"إذا أراد الله قبض روح عبد بأرض جعل له فيها -أو قال: بها- حاجة\".\nوأبو عزة هذا هو: يسار [¬٢] بن عبد [¬٣] الله، ويقال: ابن عبد الهذلي. وأخرجه الترمذي من حديث إسماعيل [بن إبراهيم -وهو ابن عُلَيّة- وقال: صحيح.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن عصام الأصفهاني، حدثنا المؤمل بن إسماعيل] [¬٤]، حدثنا عبيد الله بن أبي حميد، عن أبي المليح، عن أبي عزة الهذلي قال: قال رسول الله ﷺ: \"إذا أراد الله قبض عبد بأرض، جعل له إليها حاجة، فلم ينته حتى يقدمها\". ثم قرأ رسول الله ﷺ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾.\n(حديث آخر)، قال الحافظ أبو بكر البزار (^٨٩): حدثنا أحمد بن ثابت الجَحْدَري ومحمد بن يحيى القُطعي قالا: حدثنا عُمَر بن علي، حدثنا إسماعيل، عن قيس، عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: \"إذا أراد الله قبض عبد بأرض جعل له إليها حاجة\". ثم قال البزار: وهذا الحديث لا نعلم أحدًا يرفعه إلا عُمَر بن علي المقَدّمي.\nوقال ابن أبي الدنيا (^٩٠): حدثني سليمان بن أبي مسيح قال: أنشدني محمد بن الحكم\n_________\n(^٨٨) - المسند (٤/ ٤٢٩)، وأخرجه البخاري في الأدب المفرد (٧٨٠) والترمذي في القدر، باب: ما جاء أن النفس تموت حيثما كتب لها، حديث (٢١٤٧) من طريقين عن إسماعيل به.\n(^٨٩) - مسند البزار (١٨٩٩)، وأخرجه ابن ماجة في الزهد، باب ذكر الموت والاستعداد له، حديث (٤٢٦٣) عن أحمد بن ثابت الجحدري وعمر بن شبة بن عبيدة قالا: ثنا عمر بن علي له.\n(^٩٠) - أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٩/ ١٠٠٥) (مخطوط) بسنده إلى ابن أبي الدنيا به.\n_________\n[¬١]- في خ، ز: \"عكاس\".\n[¬٢]- في ز: \"بشار\".\n[¬٣]- في ز: \"عبيد\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.","vol":"11","page":87},{"text":"لأعشى همدان:\nفَمَا تَزَوّدَ مما كَانَ يَجْمَعُهُ … سوى حَنُوط [¬١] غَدَاةَ البَيْن مَع خرَق\nوَغَيرَ [¬٢] نَفْحَةِ أعْوَادٍ تُشَبّ لَهُ … وَقلّ ذَلكَ مِن زَادٍ لمنطلق!\nلَا تَأسَينَ [¬٣] عَلَى شَيء، فَكُلّ فتى … إلَى مَنيّته سَيَّارٌ في عَنَق [¬٤]\nوكُلّ مَنْ ظَن أن الموتَ يخْطئُه … مُعَلَّل بأعَاليل من الحَمَق\nبأيّمَا بَلْدةٍ تُقْدَر منيَّتُهُ … إنْ لا يُسَيَّر إليَها طَائعًا يُسَقِ\nأورده [¬٥] الحافظ ابن عساكر ﵀ في ترجمة عبد الرحمن بن عبد الله بن الحارث، وهو أعشى هَمدَان، وكان الشعبي زوج أخته، وهو مُزَوّج بأخت الشعبي أيضًا، وقد كان ممن طلب العلم وتَفَقه، ثم عدل إلى صناعة الشعر [¬٦] فعُرف به.\nوقد رواه ابن ماجة عن أحمد بن ثابت وعُمَر بن شَبة [¬٧]، كلاهما عن عمر بن علي [¬٨]، مرفوعًا: \"إذا كان أجل أحدكم بأرض [أتت له] [¬٩] إليها حاجة، فإذا بلغ أقصى أثره [¬١٠] قبضه الله ﷿ فتقول الأرض يوم القيامة رب [¬١١]؛ هذا ما أودعتني\".\nقال الطبراني (^٩١): حدثنا إسحاق بن إبراهيم، حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن أيوب، عن أبي المليح، عن أسامة أن رسول الله ﷺ قال: \"ما جعل الله منية عبد بأرض، إلا جعل له إليها حاجة\".\nآخر تفسير سورة لقمان، والحمد لله رب العالمين، وهو حسبنا ونعم الوكيل.\n* * *\n_________\n(^٩١) - تقدم بسنده ومتنه في (٨٦).\n_________\n[¬١]- في ز: \"حنوطًا\".\n[¬٢]- في خ، ز: \"و\".\n[¬٣]- في ز: \"تَيأسَنَّ\".\n[¬٤]- في ز: \"غَسَق\".\n[¬٥]- في ز: \"أورد\".\n[¬٦]- سقط من: خ، و.\n[¬٧]- في ز: \"شيبة\".\n[¬٨]- في خ، ز: \"عكرمة\".\n[¬٩]- ما بين المعكوفتين في م: \"أوثبته\".\n[¬١٠]- في خ: \"أمره\".\n[¬١١]- سقط من: ز.","vol":"11","page":88},{"text":"<span data-type='title' id=toc-146>تفسير سورة [الم] [¬١] السجدة وهي مكية</span>\nقال البخاري (^١) في \"كتاب الجمعة\": حدثنا أبو نعيم، حدثنا سفيان، عن سعد بن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن هُرمز الأعرج، عن أبي هريرة ﵁ قال: كان النبي، ﷺ يقرأ في الفجر يوم الجمعة: ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ السجدة، و﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾. ورواه مسلم أيضًا من حديث سفيان الثوري، به [¬٢].\nوقال الإمام أحمد (^٢): حدثنا أسود بن عامر، أخبرنا الحسن بن صالح، عن ليث، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: كان النبي، ﷺ، لا ينام حتى يقرأ: ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ السجدة، و﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾. تفرد به أحمد.\n﷽\n﴿الم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالمِينَ (٢) أَمْ يَقُولُونَ\n_________\n(^١) - صحيح البخاري برقم (٨٩١)، صحيح مسلم برقم (٨٨٠).\n(^٢) المسند (٣/ ٣٤٠). وإسناده ضعيف من أجل الليث بن أبي سليم ورواه الترمذي في فضائل القرآن، باب: ما جاء في فضل سورة الملك (٥/ ١٥٢) حديث ٢٨٩٢. وقال أبو عيسى: هذا حديث رواه غير واحد عن ليث بن أبي سليم مثل هذا، ورواه مغيرة بن مسلم عن أبي الزبير عن جابر عن النبي ﷺ نحو هذا. وروى زهير قال: قلت لأبي الزبير: سمعت من جابر. فذكر هذا الحديث؟ فقال أبو الزبير: أخبرنيه صفوان -أو ابن صفوان- وكان زهيرًا أنكر أن يكون هذا الحديث عن أبي الزبير عن جابر. وقال الترمذي: وحدثنا هناد، ثنا أبو الأحوص، عن ليث، عن أبي الزبير، عن جابر عن النبي ﷺ، نحوه. ورواه الترمذي أيضًا من حديث ليث في الدعوات، باب: في قراءة سورة الكافرون، حديث ٣٤٠٤. وقال الترمذي: وهكذا روى الثوري وغير واحد هذا الحديث عن ليث عن أبي الزبير عن جابر عن النبي ﷺ، نحوه. ورواه عبد بن حميد من طريق ليث حديث ١٠٤٠.\nورواه الدارمي من حديث ليث في كتاب فضائل القرآن، باب: فضل سورة تنزيل (السجدة) (وتبارك) (٢/ ٣٢٧) رقم ٣٤١٤. والبخاري في الأدب المفرد من حديث ليث حديث ١٢٠٩. ورواه النسائي من حديث المغيرة بن مسلم أبي سلمة السراج أخي عبد العزيز بن مسلم القسملي عن أبي الزبير عن جابر، حديث ٧٠٦. والبخاري في الأدب المفرد حديث ١٢٠٧. ورواه النسائي في الكبرى في كتاب عمل اليوم والليلة من طرق عن أبي الزبير عن جابر به (٦/ ١٧٨) رقم ١٠٥٤٢ من حديث مغيرة عن أبي الزبير، وحديث ١٠٥٤٣ من حديث الحسن بن صالح عن ليث عن أبي الزبير، وحديث ١٠٥٤٥ من حديث زهير عن ليث عن أبي الزبير عن جابر. وحديث ١٠٥٤٤ من حديث زهير عن ليث عن أبي الزبير وفيه: ليس جابر حدثنيه ولكن صفوان أو أبو صفوان.\n_________\n[¬١]- سقط من ت.\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.","vol":"11","page":89},{"text":"افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٣)﴾\nقد تقدم الكلام على الحروف المقطعة في أول\"سورة البقرة\" بما أغنى عن إعادته.\nوقوله: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيبَ فِيهِ﴾ أي: لا شك فيه ولا مرية أنه نزل ﴿مِنْ رَبِّ الْعَالمِينَ﴾.\nثم قال مخبرًا عن المشركين: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾، [] [¬١] أي: اختلقه من تلقاء نفسه، ﴿بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾، أي: يتبعون الحق.\n﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَينَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (٤) يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (٥) ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٦)﴾\nيخبر تعالى أنه الخالق للأشياء، فخلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام، ثم استوى على العرش، وقد تقدم الكلام على ذلك.\n﴿مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ﴾، أي: بل هو المالك لأزمة الأمور، الخالق لكل شيء، المدبر لكل شيء، القاهر [¬٢] على كل شيء، فلا ولي لخلقه سواه، ولا شفيع إلا من بعد إذنه.\n﴿أفَلَا تَتَذَكَّرُونَ﴾، يعني: أيها العابدون غيره، المتوكلون على من عداه، تعالى وتقدس وتنزه أن يكون له نظير أو شريك أو نديد، أو وزير أو عديل، لا إله إلا هو، ولا رب سواه.\nوقد أورد النسائي ها هنا حديثًا (^٣) فقال: حدثنا إبراهيم بن يعقوب، حدثني محمد بن\n_________\n(^٣) النسائي في السنن الكبرى برقم (١١٣٩٢).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ت: بل يقولون افتراه.\n[¬٢]- في ت: \"القادر\".","vol":"11","page":90},{"text":"الصباح، حدثنا أبو عبيدة الحداد، حدثنا الأخضر بن عجلان، عن ابن جريج المكي، عن عطاء، عن أبي هريرة: أن رسول الله، ﷺ، أخذ بيدي فقال: \"إن الله خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام، ثم استوى على العرش في اليوم السابع، فخلق التربة يوم السبت، والجبال يوم الأحد، والشجر يوم الإثنين، والمكروه يوم الثلاثاء، والنور يوم الأربعاء، والدواب يوم الخميس، وآدم يوم الجمعة في آخر ساعة من النهار بعد العصر، وخلقه من أديم الأرض، بأحمرها وأسودها، وطيبها وخبيثها، من أجل [ذلك جعل] [¬١] الله من بني [¬٢] آدم [الخبيث والطيب] \".\nهكذا أورد هذا الحديث إسنادًا ومتنًا. وقد أخرج مسلم والنسائي أيضًا (^٤) من حديث الحجاج بن محمد الأعور، عن ابن جُرَيج، عن إسماعيل بن أمية، عن أيوب بن خالد، عن عبد الله ابن رافع، عن أبي هريرة، عن النبي، ﷺ، بنحو من هذا السياق.\nوقد علله البخاري في كتاب \"التاريخ الكبير\" (^٥) فقال: وقال بعضهم: أبو هريرة عن كعب الأحبار- وهو أصح. وكذا علله غير واحد من الحفاظ، والله أعلم.\nوقوله: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيهِ﴾، أي: يتنزل أمره من أعلى السماوات إلى أقصى تخوم الأرض السابعة، [كما] [¬٣] قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَينَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيءٍ عِلْمًا﴾ وترفع الأعمال إلى ديوانها فوق سماء الدنيا، ومسافة ما بينها وبين الأرض مسيرة [¬٤] خمسمائة سنة، وسمك السماء خمسمائة سنة.\nوقال مجاهد، وقتادة، والضحاك: النزول من الملك في مسيرة خمسمائة عام، وصعوده في مسيرة [¬٥] خمسمائة عام، ولكنه يقطعها في طرفة عين، ولهذا قال تعالى: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾.\n﴿ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيبِ وَالشَّهَادَةِ﴾، أي: المدبر لهذه الأمور، الذي هو شهيد على أعمال عباده، رفع إليه جليلها وحقيرها، وصغيرها وكبيرها -هو ﴿الْعَزِيزُ﴾ الذي قد عَز كل شيء\n_________\n(^٤) صحيح مسلم برقم (٢٧٨٩)، والنسائي في السنن الكبرى برقم (١١٠١٠).\n(^٥) - التاريخ الكبير للبخاري (١/ ٤١٣، ٤١٤) وممن أعله من الحفاظ ابن المديني كما نقل ذلك البيهقي في الأسماء والصفات ص (٢٧٥)، وقد رد ذلك الشيخ ناصر الألباني في صحيحته يرقم (١٨٣٣)، والحديث يحتاج إلى بحث، والله أعلم.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين مكرر في ز، خ.\n[¬٢]- سقط من: ز،\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من ز، خ.\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- في ز، خ \"مسافة\".","vol":"11","page":91},{"text":"فقهره وغلبه، ودانت له العباد والرقاب، ﴿الرَّحِيمِ﴾ بعباده المؤمنين فهو عزيز في رحمته، رحيم في عزته.\n﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ (٧) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (٨) ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (٩)﴾\nيقول تعالى: إنه الذي أحسن خلق الأشياء، وأثبتها [¬١] وأحكمها.\nوقال مالك: عن زيد بن أسلم: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيءٍ خَلَقَهُ﴾، قال: \"أحسن خلق كل شيء\". كأنه جعله من المقدم والمؤخر.\nثم لما ذكر خلق السماوات والأرض [¬٢]، شرع في ذكر خلق الإنسان فقال: ﴿وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ﴾، يعني: خَلْق أبي [¬٣] البشر آدم من طين ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ أي: يتناسلون كذلك من نطفة تخرج من بين صلب الرجل وترائب المرأة: ﴿ثُمَّ سَوَّاهُ﴾، يعني: آدم، لما خلق [¬٤] من تراب خلقه سويًّا مستقيمًا، ﴿وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ﴾، يعني: العقول، ﴿قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ أي: بهذه القوى التي رزقكموها الله ﷿ فالسعيد من استعملها في طاعة ربه ﷿.\n﴿وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ (١٠) قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (١١)﴾\nيقول تعالى مخبرًا عن المشركين في استبعادهم المعاد حيث قالوا: ﴿أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾، أي: تمزقت أجسامنا، وتفرقت في أجزاء الأرض وذهبت، ﴿أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾؟ أي: أئنا لنَعُود بعد تلك الحال؟! يستبعدون [تلك الحال] [¬٥]، وهذا إنما هو بعيد بالنسبة إلى قُدَرهم العاجزة، لا بالنسبة إلى قُدْرة الذي بدأهم وخلقهم من العدم، الذي إنما أمره إذا أراد شيئًا أن يقول له: كن فيكون، ولهذا قال: ﴿بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ\n_________\n[¬١]- في ت: \"أتقنها\".\n[¬٢]- سقط من: خ، ز.\n[¬٣]- في ت: \"أبا\".\n[¬٤]- في ت: \"خلقه\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين في ت: \"ذلك\".","vol":"11","page":92},{"text":"كَافِرُونَ﴾.\nثم قال: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾، الظاهر من هذه الآية أن ملك الموت شخص معين من الملائكة، كما هو المتبادر من حديث البراء المتقدم ذكره في \"سورة إبراهيم\"، وقد سمي في بعض الآثار بعزرائيل، وهو المشهور؛ قاله قتادة وغير واحد، وله أعوان. وهكذا ورد في الحديث أن أعوانه ينتزعون الأرواح من سائر الجسد، حتى إذا بلغت الحلقوم تناولها ملك الموت.\nقال مجاهد: حوِيت له الأرض فجعلت له مثل الطست، يتناول منها حيث يشاء.\nورواه زهير بن محمد عن النبي، ﷺ، بنحوه مرسلًا، وقاله ابن عباس ﵄.\nوقال ابن أبي حاتم (^٦): حدثنا أبي، حدثنا يحيى بن أبي يحيى المقري، حدثنا عمرو [¬١] بن شمر [¬٢] [عن جعفر بن محمد] [¬٣] قال: سمعت أبي يقول: نظر رسول الله، ﷺ، إلى ملك الموت عند رأس رجل من الأنصار، فقال له النبي ﷺ: \"يا ملك الموت، ارفق بصاحبي فإنه مؤمن. فقال مَلَك الموت: يا محمد، طب نفسًا، وقَرّ عينًا، فإني بكل مؤمن رفيق، واعلم أن ما في الأرض بيت مَدَر ولا شعَر، في بر ولا بحر، إلا وأنا أتصفحه في كل يوم خمس مرات، حتى إني أعرَفُ بصغيرهم وكبيرهم منهم بأنفسهم، والله يا محمد، لو أني أردت أن أقبض روح بعوضة ما قدَرتُ على ذلك حتى يكون الله هو الأمر بقبضها\".\nقال [¬٤] جعفر: بلغني أنه [¬٥] إنما يتصفحهم عند مواقيت الصلاة، فإذا حضرهم عند الموت فإن [¬٦] كان ممن يحافظ على الصلاة دنا منه الملك، ودفع عنه الشيطان، ولقنه الملَك: \"لا إله\n_________\n(^٦) ورواه الطبراني في المعجم الكبير (٤/ ٢٢٠)، والبزار في مسنده برقم (٧٨٤) \"كشف الأستار\" من طريق إسماعيل بن أبان، عن عمرو بن شمر الجعفي، عن جعفر بن محمد عن أبيه، عن الحارث بن الخزرج عن أبيه، أنه سمع رسول الله ﷺ فذكر نحوه، فأسنده ولم يرسله، ذكره الحافظ ابن حجر في الإصابة وقال: \"عمرو بن شمر متروك الحديث\".\n_________\n[¬١]- في ت: \"عمر\" وهو تحريف.\n[¬٢]- في خ، ز سمرة. وهو تحريف. وانظر ترجمته في اللسان [٤/ ٤٢٢].\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٤]- سقط من: ز، \"خ\n[¬٥]- سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- سقط من: خ.","vol":"11","page":93},{"text":"إلا الله، محمد رسول الله\" في تلك الحال العظيمة.\nوقال عبد الرزاق (^٧): حدثنا محمد بن مسلم، عن إبراهيم بن ميسرة؛ قال: سمعت مجاهدًا يقول: ما على ظهر الأرض من بيت شعر أو مدر إلا وملك الموت يطيف [¬١] به كل يوم مرتين.\nوقال كعب الأحبار: والله ما من بيت فيه أحد من أهل الدنيا إلا وملك الموت [يطيف به كل يوم مرتين] [¬٢] يقوم على بابه كل يوم سبع مرات، ينظر هل فيه أحد أمر أن يتوفاه. رواه ابن أبي حاتم.\nوقوله: ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ أي: يوم معادكم وقيامكم من قبوركم لجزائكم.\nوَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ (١٢) وَلَوْ شِئْنَا لآتَينَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٣) فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٤)\nيخبر تعالى عن حال المشركين يوم القيامة وقالهم حين عاينوا البعث، وقاموا بين يدي الله حقيرين ذليلين ﴿نَاكِسُو [¬٣] رُءُوسِهِمْ﴾ أي: من الحياء والخجل، يقولون: ﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا﴾، أي: نحن الآن نسمع قولك، ونطيع أمرك، كما قال تعالى: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا﴾. وكذلك يعودون على أنفسهم بالملامة إذا دخلوا النار بقولهم: ﴿لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾. وهكذا هؤلاء يقولون: ﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا﴾، أي: إلى الدار الدنيا، ﴿نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾، أي: قد أيقنا وتحققنا أن وعدك حق ولقاءك حق، وقد علم الرب تعالى منهم أنه لو أعادهم إلى الدار الدنيا لكانوا كما كانوا فيها كفارًا، يكذبون آيات الله ويخالفون رسله؛ كما قال: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَاليتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٧) بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ\n_________\n(^٧) تفسير الطبري (٢١/ ٦٣).\n_________\n[¬١]- في ت: \"يطوف\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ت.\n[¬٣]- في ت: \"ناكسي\".","vol":"11","page":94},{"text":"مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (٢٨) وَقَالُوا إِنْ هِيَ إلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾. وقال هاهنا: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لآتَينَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾.\n﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾، أي: من الصنفين، فدارهم النار لا محيد لهم عنها، ولا محيص لهم منها، نعوذ بالله وكلماته التامة من ذلك.\n﴿فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾، أي: يقال لأهل النار -على سبيل التقريع والتوبيخ-: ذوقوا العذاب بسبب تكذيبكم به، واستبعادكم وقوعه، وتناسيكم له، إذ عاملتموه معاملة من هو ناس له، ﴿إِنَّا نَسِينَاكُمْ﴾، أي: سنعاملكم معاملة الناسي، لأنه تعالى [لا ينسى شيئًا، و] [¬١] لا يضل عنه شيء، بل من باب المقابلة، كما قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ [¬٢] نَنْسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾.\nوقوله: ﴿وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، أي: بسبب [كفرهم وتكذيبهم] [¬٣]، كما قال في الآية الأخرى: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا (٢٤) إلا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا (٢٥) جَزَاءً وفَاقًا (٢٦) إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا (٢٧) وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا (٢٨) وَكُلَّ شَيءٍ أَحْصَينَاهُ كِتَابًا (٢٩) فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إلا عَذَابًا﴾.\nإِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (١٥) تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦) فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)\nيقول تعالى: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا﴾، أي: إنما يصدق بها ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا﴾، أي: استمعوا لها وأطاعوها قولًا وفعلًا، ﴿وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ عن اتباعها والانقياد لها، كما يفعله الجهلة من الكفرة الفجرة؛ قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾.\nثم قال تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾، يعني بذلك قيام الليل، [وترك النوم والاضطجاع على الفرش الوطيئة. قال مجاهد والحسن في قوله تعالى ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ﴾\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في ز، خ: \"فاليوم\".\n[¬٣]- في ت: \"كفركم وتكذيبكم\".","vol":"11","page":95},{"text":"يعني بذلك: قيام الليل] [¬١]. وعن أنس، وعكرمة، ومحمد بن المنكدر، وأبي حازم، وقتادة: هو الصلاة بين العشاءين. وعن أنس أيضًا: هو انتظار صلاة العتمة. رواه ابن جرير بإسناد جيد.\nوقال الضحاك: هو صلاة العشاء في جماعة، وصلاة الغداة في جماعة.\n﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾، أي: خوفًا من وبال عقابه، وطمعًا في جزيل ثوابه. ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾، فيجمعون بين فعل القربات اللازمة والمتعدية، ومقدم هؤلاء، وسيدهم، وفخرهم في الدنيا والآخرة رسول الله، ﷺ، كما قال عبد الله بن رواحة ﵁:\nوَفينا رَسُولُ الله يَتْلُو كتَابَه … إذَا انشَقّ مَعْرُوفٌ مِنَ الصُّبْح سَاطعُ [¬٢]\n[أرَانا الهُدَى بَعْدَ العَمَى، فَقُلُوبُنَا … به مُوقناتٌ أن مَا قَال واقِعُ] [¬٣]\nيَبيتُ يُجَافي جَنْبه عَنْ فرَاشه … إذَا اسْتَثْقَلَتْ بالْمشْركين المضَاجعُ\nوقال الإِمام أحمد (^٨): حدثنا روح وعفان قالا: حدثنا حماد بن سلمة، أخبرنا عطاء بن السائب، عن مُرّة الهمداني، عن ابن مسعود، عن النبي، ﷺ، قال: \"عجب ربنا من رجلين: رجل ثار من وطَائه ولحافه، من بين أهله وحيِّه إلى صلاته، [فيقول ربنا: أيا ملائكتي، انظروا إلى عبدي، ثار من فراشه ووطائه، ومن بين حيه وأهله إلى صلاته] [¬٤]، رغبةً فيما عندي، وشفقة مما عندي. ورجل غزا في سبيل الله ﷿ فانهزموا، فعلم ما عليه من الفرار، وما له في الرجوع، فرجع حتى أهريق دمه، رغبة فيما عندي، وشفقة مما عندي. فيقول الله ﷿ للملائكة: انظروا إلى عبدي رجع رغبة فيما عندي، ورهبة مما عندي، حتى أهريق دمه\". وهكذا رواه أبو داود في الجهاد، عن موسى بن إسماعيل، عن حماد بن سلمة، به بنحوه.\nوقال الإمام أحمد (^٩): حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن عاصم بن أبي النجود، عن أبي وائل، عن معاذ بن جبل قال: كنت مع النبي، ﷺ، في سفر، فأصبحت يومًا قريبًا منه، ونحن نسير، فقلت: يا رسول [¬٥] الله، أخبرني بعمل يدخلني الجنة\n_________\n(^٨) المسند (١/ ٤١٦)، وسنن أبي داود برقم (٥٢٣٦).\n(^٩) المسند (٥/ ٢٣١) وأخرجه الترمذي في كتاب الإيمان، باب: ما جاء في حرمة الصلاة (٥/ ١١، ١٢ / رقم: ٢٦١٦). وقال: هذا حديث حسن صحيح. والنسائي في الكبرى في كتاب التفسير، باب: قوله=\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٢]- في ز: \"صاطع\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٥]- في ت: \"نبي\".","vol":"11","page":96},{"text":"ويباعدني من النار. قال: \"لقد سألت عن عظيم، وإنه ليسير على من يسره الله عليه: تعبد الله ولا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت. ثم قال: ألا أدلك على أبواب الخير؟ الصوم جنة، والصدقة تطفئ الخطيئة، وصلاة الرجل في [¬١] جوف الليل- ثم قرأ: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾، حتى بلغ ﴿يَعْمَلُونَ﴾. ثم قال-: ألا أخبرك برأس الأمر وعموده وذروة سنامه؟ \" فقلت: بلى، يا رسول الله. فقال: \"رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سَنَامة الجهادُ في سبيل الله\" ثم قال: \"ألا أخبرك بملاكَ ذلك كله؟ \" فقلت: بلى، يا نبي الله، فأخذ بلسانه ثم قال: \"كُفّ عليك هذا\"، فقلت: يا رسول الله، وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به، فقال: \"ثكلتك أمك يا معاذ، وهل يكب الناسَ في النار على وجوههم -أو قال: على [¬٢] مناخرهم- إلا حصائدُ ألسنتهم\".\nرواه الترمذي، والنسائي، وابن ماجة في سننهم، من طرق عن معمر، به. وقال الترمذي: حسن صحيح.\n[وقد] [¬٣] رواه ابن جرير (^١٠) من حديث شعبة عن الحكم؛ قال: سمعت عروة بن النزال يحدث عن معاذ بن جبل: أن رسول الله ﷺ قال له [¬٤]: \"ألا أدلك على أبواب الحير: الصوم جنة، والصدقة تكفر الخطيئة، وقيام العبد في جوف الليل\" وتلا هذه الآية: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾.\nورواه أيضًا من حديث الثوري (^١١)، عن منصور بن المعتمر، عن الحكم، عن ميمون بن أبي شبيب، عن معاذ، عن النبي، ﷺ، بنحوه، ومن حديث الأعمش، عن [حبيب بن أبي ثابت] [¬٥]، والحكم، عن ميمون بن أبي شبيب، عن معاذ مرفوعًا بنحوه.\nومن حديث حماد بن سلمة، عن عاصم بن أبي النَّجُود، عن شهر، عن معاذ بن جبل، عن النبي، ﷺ، في قوله تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾، قال: \"قيام العبد من الليل\".\n_________\n= تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ (٦/ ٤٢٨ /: ١١٣٩٤). وابن ماجة في كتاب الفتن، باب: كف اللسان في الفتنة (٢/ ١٣١٤، ١٣١٥ / رقم: ٣٩٧٣).\n(^١٠) تفسير الطبري (٢١/ ٦٤).\n(^١١) تفسير الطبري (٢١/ ٦٤، ٦٥).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"من\".\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في ت: \"و\".\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين في خ، ز: \"أبي حبيب بن ثابت\".","vol":"11","page":97},{"text":"وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان الواسطي، حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا فِطْر بن خليفة، عن حبيب بن أبي ثابت، والحكم، وحكيم بن جبير، عن ميمون بن أبي شبيب، عن معاذ بن جبل قال: كنت مع النبي، ﷺ، في غزوة تبوك فقال: \"إن شئت أنبأتك بأبواب الخير: الصوم جنة، والصدقة تطفئ الخطيئة، وقيام الرجل في جوف الليل\" ثم تلا رسول الله ﷺ: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ \".\nثم قال: حدثنا أبي (^١٢)، حدثنا سويد بن سعيد، حدثنا علي بن مسهر، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن شهر بن حوشب، عن أسماء بنت يزيد قالت: قال رسول الله، ﷺ: \"إذا جمع الله الأولين والآخرين يوم القيامة، جاء مناد فنادى بصوت يُسمعُ الخلائق: سيعلم أهل الجمع اليوم مَن أولى بالكرم. ثم يرجع فينادي: ليقم الذين كانت ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ …﴾ الآية، فيقومون وهم قليل\".\nوقال البزار (^١٣): حدثنا عبد الله بن شبيب، حدثنا الوليد بن عطاء بن الأغر، حدثنا عبد الحميد بن سليمان، حدثني مصعب، عن زيد بن أسلم، عن أبيه قال: قال بلال لما نزلت هذه الآية: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾، كنا نجلس في المجلس، وناس من أصحاب رسول الله، ﷺ، يصلون بعد المغرب إلى العشاء، فنزلت هذه الآية: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾.\nثم قال لا نعلم روى أسلم عن بلال سواه، وليس له طريق عن بلال غير هذه الطريق.\nوقوله: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، أي: فلا يعلم أحد عظمة ما أخفى الله لهم في الجنات من النعيم المقيم، واللذات التي لم يطلع على مثلها أحد، لَمّا أخفوا أعمالهم أخفى الله لهم من الثواب، جزاء وفاقًا، فإن الجزاء من جنس العمل.\nقال الحسن: أخفى قوم عملهم [¬١] فأخفى الله لهم ما لم تر عين، ولا [¬٢] يخطر على قلب بشر. رواه ابن أبي حاتم.\n_________\n(^١٢) ورواه إسحاق بن راهويه في مسنده، وأبو يعلى في المسند الكبير كما في المطالب العالية (٤/ ٣٧٣) من حديث أسماء بنت يزيد ﵂.\n(^١٣) \" كشف الأستار\" (٢٢٥٠)، وقال الهيثمي في المجمع (٧/ ٩٠): \"فيه عبد الله بن شبيب وهو ضعيف\".\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في ت: \"ولم\".","vol":"11","page":98},{"text":"قال البخاري (^١٤): قوله: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ …﴾ الآية، حدثنا عليّ بن عبد الله، حدثنا سفيان، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله، ﷺ، قال: \"قال الله تعالى: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر\". قال أبو هريرة: فاقرءوا إن شئتم: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾.\nقال: وحدثنا سفيان، حدثنا أبو الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال: قال الله تعالى … [مثله] [¬١]. قيل لسفيان: رواية؟ قال: فَأيُّ شيء؟!\nورواه مسلم والترمذي من حديث سفيان بن عيينة، به، وقال الترمذي: حسن صحيح.\nثم قال البخاري (^١٥): حدثنا إسحاق بن نصر، حدثنا أبو أسامة، عن الأعمش، [عن أبي] [¬٢] صالح، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ: \"يقول الله تعالى: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، ذُخْرًا من بَله ما اطلعتم عليه. ثم قرأ: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ \".\nقال أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح: قرأ أبو هريرة: (قرّات أعين). انفرد به البخاري من هذا الوجه.\nوقال الإمام أحمد (^١٦): حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن همام بن منبه قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة عن رسول الله ﷺ: \"إن الله تعالى قال: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر\".\nأخرجاه في الصحيحين من رواية عبد الرزاق، ورواه الترمذي (^١٧) في التفسير، وابن جرير، من حديث عبد الرحيم بن سليمان، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ بمثله. ثم قال الترمذي: هذا حديث\n_________\n(^١٤) صحيح البخاري برقم (٤٧٧٩)، وصحيح مسلم برقم (٢٨٢٤)، وسنن الترمذي برقم (٣١٩٧).\n(^١٥) صحيح البخاري برقم (٤٧٨٠) وفي البخاري \"رواية أبي معاوية\" بعد الحديث المتقدم.\n(^١٦) المسند (٢/ ٣١٣)، وصحيح البخاري برقم (٨٤٩٨) من طريق عبد الله عن معمر به، ولم أجده في الصحيحين من رواية عبد الرزاق.\n(^١٧) سنن الترمذي برقم (٣٢٩٢)، وتفسير الطبري (٢١/ ٦٦).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من ز، خ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في ت: \"حدثنا أبو\".","vol":"11","page":99},{"text":"حسن صحيح.\nوقال حماد بن سلمة، عن ثابت بن أبي رافع، عن أبي هريرة ﵁، قال حماد: أحسبه- عن النبي، ﷺ، قال: \"من يدخل الجنة ينعم لا ييأس، لا تبلى ثيابه، ولا يفنى شبابه في الجنة ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر\". رواه مسلم [¬١] من حديث حماد بن سلمة به (^١٨).\nوقال [¬٢] الإِمام أحمد (^١٩): حدثنا هارون، حدثنا ابن وهب، حدثني أبو صخر، أن أبا حازم حدثه قال: سمعت سهل بن سعد الساعدي ﵁ يقول: شهدت من رسول الله ﷺ مجلسًا وصف فيه الجنة، حتى انتهى، ثم قال في آخر حديثه: \"فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر\"، ثم اقترأ [¬٣] [¬٤] هذه الآية: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾، إلى قوله: ﴿يَعْمَلُونَ﴾. وأخرجه مسلم في صحيحه عن هارون بن معروف، وهارون بن سعيد، كليهما [¬٥] عن ابن وهب به.\nوقال ابن جرير (^٢٠): حدثني العباس بن أبي طالب، حدثنا معلي بن أسد، حدثنا سلّام بن أبي مطيع، عن قتادة، عن عقبة بن عبد الغافر، عن أبي سعيد الخدري، عن رسول الله، ﷺ، يروي عن ربه ﷿، قال: \"أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر\" لم يخرجوه.\nوقال مسلم أيضًا في صحيحه (^٢١): حدثنا ابن أبي عمر وغيره، حدثنا سفيان، حدثنا [¬٦] مُطَرّف بن طريف، وعبد الملك بن سعيد، سمعا الشعبي يخبر عن المغيرة بن شعبة قال: سمعته [¬٧] على المنبر- يرفعه إلى النبي، ﷺ قال: \"سأل موسى ﵇ ربه ﷿: ما أدنى أهل الجنة منزلة؟ قال: هو رجل يجيء بعد ما أدخل أهل\n_________\n(^١٨) صحيح مسلم برقم (٢٨٣٦).\n(^١٩) المسند (٥/ ٣٣٤)، وصحيح مسلم برقم (٢٨٢٥).\n(^٢٠) تفسير الطبري (٢١/ ٦٧).\n(^٢١) صحيح مسلم برقم (١٨٩)، وسنن الترمذي برقم (٣١٩٨).\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في ت: \"وروى\".\n[¬٣]- في ت: \"قرأ\".\n[¬٤]- اقترأ القرآنَ والكتاب: قرأه.\n[¬٥]- في ز، خ: \"كلاهما\".\n[¬٦]- في خ، ز: \"بن\" ويبدوا أنها كانت \"عن\" فتحرفت من الناسخ إلى \"ابن\".\n[¬٧]- في ز، خ: \"سمعت\".","vol":"11","page":100},{"text":"الجنة الجنة، فيقال له: ادخل الجنة. فيقول: أي رب، كيف وقد نزل الناس منازلهم، وأخذوا أخذاتهم؟ فيقال له: أترضى أن يكون لك مثل مُلْك مَلِكٍ من ملوك الدنيا؟ فيقول: رضيت رب. فيقول: لك ذلك، ومثله، ومثله، ومثله، ومثله، فقال في الخامسة: رضيت رب [¬١]. فيقول: هذا لك وعشرةُ أمثاله، ولك ما اشتهت نفسك، ولَذت عينك. فيقول: رضيت رب. قال: رب، فأعلاهم منزلة؟ قال: أولئك الذين أرَدتُ، غَرَسْتُ كرامتهم بيدي، وختمت عليها، فلم تر عين، ولم تسمع أذن، ولم يخطر على قلب بشر، قال: ومصداقه من كتاب الله: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.\nورواه الترمذي عن ابن أبي عمر، وقال: حسن صحيح، قال: ورواه بعضهم عن الشعبي، عن المغيرة ولم يرفعه، والمرفوع أصح.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا جعفر [¬٢] بن منير المدائني، حدثنا أبو بدر [¬٣] شجاعُ بن الوليد، حدثنا زياد بن [¬٤] خيثمة، عن محمد بن جُحَادة، عن عامر [¬٥] بن عبد الواحد قال: بلغني أن الرجل من أهل الجنة يمكث في مكانه سبعين سنة، ثم [¬٦] يلتفت فإذا هو بامرأة أحسن مما كان فيه، فتقول له: قد أنى [¬٧] لك أن يكون لنا منك نصيب؟ فيقول: من أنت؟ فتقول: أنا من المزيد. فيمكث معها سبعين سنة، ثم [¬٨] يلتفت فإذا هو بأمرأة أحسن مما كان فيه، [فتقول له] [¬٩]: قد أنى لك أن يكون لنا [¬١٠]، منك نصيب، فيقول: من أنت؟ فتقول: أنا التي [¬١١] قال الله: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾.\nوقال ابن لهيعة: حدثني عطاء بن دينار، عن سعيد بن جُبَير قال: تدخل عليهم الملائكة في مقدار كل يوم من أيام الدنيا ثلاث مرات، معهم التحف من الله من جنات عدن ما ليس في جناتهم، وذلك قوله: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾، ويخبرُون أن الله عنهم راضٍ.\nوقال ابن جرير (^٢٢): حدثنا سهل بن موسى الرازي، حدثنا الوليد بن مسلم، عن صفوان\n_________\n(^٢٢) تفسير الطبري (٢١/ ٦٦).\n_________\n[¬١]- في ت: \"ربي\".\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"بن\".\n[¬٤]- في ز، خ: \"عن\".\n[¬٥]- في خ، ز: \"عباس\".\n[¬٦]- بياض في: ز، خ.\n[¬٧]- أنى: حان.\n[¬٨]- في ز، خ: \"و\".\n[¬٩]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬١٠]- سقط من: ز.\n[¬١١]- في ز، خ: \"الذي\".","vol":"11","page":101},{"text":"بن عمرو، عن أبي اليمان الهوزني -أو غيره- قال: الجنة مائة درجة، أولها درجة فضة، وأرضها فضة، ومساكنها فضة، [وآنيتها فضة] [¬١]، وترابها المسك. والثانية ذهب، وأرضها ذهب، ومساكنها ذهب، وآنيتها ذهب، وترابها المسك. والثالثة لؤلؤ، وأرضها لؤلؤ، ومساكنها اللؤلؤ، وآنيتها اللؤلؤ، وترابها المسك، وسبع وتسعون بعد ذلك، ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. ثم تلا هذه الآية: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.\nوقال ابن جرير (^٢٣): حدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا معتمر بن سليمان، عن الحكم بن أبان، عن الغطريف، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس، عن النبي، ﷺ، عن الروح الأمين قال [¬٢]: \"يؤتى بحسنات العبد وسيئاته، ينقص بعضها من بعض، فإن بقيت حسنة واحدة [¬٣] وسع الله له في الجنة\"، قال: فدخلت على \"يزداد] [¬٤] \" فَحَدّثَ [¬٥] بمثل هذا الحديث، قال: فقلت: فأين ذهبت الحسنة؟ قال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾. قلت: قوله تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾، قال: العبد يعمل سرًّا أسَرّه إلى الله، لم يَعلم به الناس، فَأسَرّ الله له يوم القيامة قُرّة أعين [¬٦].\nأَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ (١٨) أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٩) وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢٠) وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢١) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ (٢٢)\nيخبر تعالى عن عدله، أنه لا يساوي في حُكمه يوم القيامة من كان مؤمنًا بآياته متبعًا\n_________\n(^٢٣) تفسير الطبري (٢١/ ٦٧).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- سقط من: خ، ز.\n[¬٤]-هو يزداد -أو أزداد بن فساءة. له ترجمة في التقريب رقم (٣٠٠).\n[¬٥]- في، ز، خ: \"فحدثت\".\n[¬٦]- في ز، خ: \"عين\".","vol":"11","page":102},{"text":"لرسله، بمن كان فاسقًا، أي: خارجًا عن طاعة ربه، مكذبًا لرُسُله إليه، كما قال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ وقال تعالى هاهنا: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ﴾ أي: عند الله يوم القيامة.\nوقد ذكر عطاء بن يَسَار والسدي وغيرهما: أنها نزلت في علي بن أبي طالب، وعقبة بن أبي مُعَيط. ولهذا فَصَّل حكمهم فقال: ﴿أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، أي: صدقت قلوبهم بآيات الله وعملوا بمقتضاها، وهي الصالحات، ﴿فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى﴾، أي: التي فيها المساكن والدور والغرف العالية، ﴿نُزُلًا﴾، أي: ضيافة وكرامة ﴿بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا﴾، أي: خرجوا عن الطاعة، ﴿فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا﴾، [كقوله: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا …﴾ الآية [¬١] قال الفُضَيل بن عياض: والله إن الأيدي لموثقة، وإن الأرجل لمقيدة، وإن اللهب ليرفعهم والملائكة تقمعهم.\n﴿وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ أي: يقال لهم ذلك [¬٢] تقريعًا وتوبيخًا.\nوقوله: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ﴾، قال ابن عباس: يعني بالعذاب الأدنى مصائب الدنيا وأسقامها وآفاتها، وما يحل بأهلها مما يبتلي الله به عباده ليتوبوا إليه. ورُوي مثله عن أبيّ بن كعب، [وأبي العالية] [¬٣]، والحسن، وإبراهيم النخَعي، والضحاك، وعلقمة، وعطية، ومجاهد، وقتادة، وعبد الكريم الجزَري، وخصيف.\nوقال ابن عباس في رواية عنه: يعني به إقامة الحدود عليهم.\nوقال البراء بن عازب، ومجاهد، وأبو عبيدة: يعني به عذاب القبر.\nوقال النسائي (^٢٤): أخبرنا عمرو بن علي، أخبرنا عبد الرحمن بن مهدي، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص وأبي عبيدة، عن عبد الله: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ﴾، قال: سنون أصابتهم.\n_________\n(^٢٤) النسائي في السنن الكبرى برقم (١١٣٩٥).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز","vol":"11","page":103},{"text":"وقال عبد الله بن الإمام أحمد (^٢٥): حدثني عبيد [¬١] الله بن عُمَر القواريري، حدثنا يحيى بن سعيد، عن شعبة، عن قتادة، عن عَزْرَةَ [¬٢]، عن الحسن العُرَني، عن يحيى بن الجزار، عن ابن أبي ليلى، عن أبي بن كعب في هذه الآية ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ﴾، قال: القمر [¬٣] والدخان قد مضيا، والبطشة واللزام. ورواه مسلم من حديث شعبة به [¬٤] موقوفًا نحوه.\nوعند البخاري (^٢٦) عن ابن مسعود، [نحوه.\nوقال عبد الله بن مسعود] [¬٥] أيضًا في رواية عنه: العذاب الأدنى: ما أصابهم من القتل والسبي يوم بدر. وكذا قال مالك، عن زيد بن أسلم.\nقال السدي وغيره: لم يبق بيت بمكة إلا دخله الحزن على قتيل لهم أو أسير، فأصيبوا أو غَرموا [¬٦]، ومنهم من جمع له الأمران.\nوقوله: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا﴾، أي: لا أظلم ممن [¬٧] ذَكرَه الله بآياته، وبينها له ووضحها، ثم بعد ذلك تركها وجحدها وأعرض عنها وتناساها، كأنه لا يعرفها.\nقال قتادة ﵀: إياكم والإعراضَ عن ذكر الله! فإن من أعرض عن ذكره فقد اغتر أكبر الغرّة، وأعوز أشد العَوَز، وعظم من أعظم الذنوب.\nولهذا قال تعالى متهددًا لمن فعل ذلك: ﴿إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ أي: سأنتقم ممن فعل ذلك [¬٨] أشد الانتقام.\n[قال] ابن جرير (^٢٧): حدثني عمران بن بكار الكلاعي، حدثنا محمد بن المبارك، حدثنا إسماعيل بن عياش، حدثنا عبد العزيز بن عبيد الله، عن عبادة بن نُسَيّ، عن جنادة بن\n_________\n(^٢٥) زوائد السند (٥/ ١٢٨). وأخرجه مسلم في كتاب صفات المنافقين وأحكامهم، باب: نزول أهل الجنة (٤/ ٢١٥٧، ٢١٥٨ / رقم: ٢٧٩٩) من طرق عن غندر، عن شعبة به. وأخرجه الحاكم في مستدركه (٤/ ٤٢٧ - ٤٢٨) من طريق شعبة، عن قتادة به. وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه.\n(^٢٦) صحيح البخاري رقم (٤٨٢٠) ولفظه: \"مضي خمس: الدخان والروم والقمر والبطشة واللزام\".\n(^٢٧) تفسير الطبري (٢١/ ٦٩).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"عبد\".\n[¬٢]- في خ، ز: \"عروة\".\n[¬٣]- في خ، ز: \"الضمار\".\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٦]- في ز، خ: \"هزموا\".\n[¬٧]- في ز، خ: \"من\".\n[¬٨]- سقط من: ز، خ.","vol":"11","page":104},{"text":"أبي أمية: عن معاذ بن جبل قال: سمعت رسول الله، ﷺ، يقول [¬١]: \"ثلاث من فعلهن فقد أجرم، من عقد لواء في غير حق، أو عق والديه، أو مشى مع ظالم ينصره، فقد أجرم\" يقول الله تعالى: ﴿إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ \". ورواه ابن أبي حاتم من حديث إسماعيل بن عياش، به [¬٢]، هذا حديث غريب جدًّا.\n﴿وَلَقَدْ آتَينَا مُوسَى الْكِتَابَ فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ (٢٣) وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ (٢٤)﴾\nيقول تعالى مخبرًا عن عبده ورسوله موسى ﵇ إنه أتاه الكتاب، وهو التوراة.\nوقوله: ﴿فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ﴾، قال قتادة: يعني به ليلة الإسراء. ثم روى عن أبي العالية الرّياحي قال: حدثَني ابن عم نبيكم -يعني ابن عباس- قال: قال رسول الله ﷺ (^٢٨) -: \" أريتُ ليلة إسري بي موسى بن عمران، رجلًا آدم [¬٣] طوالًا، جعدًا، كأنه من رجال شنوءة، ورأيت عيسى رجلًا مربوع الخلق، إلى الحمرة والبياض، سبط الرأس، ورأيت مالكًا خازن النار والدجال\"، في آيات أراهن الله إياه، ﴿فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ﴾، أنه قد رأى موسى، ولقى موسى ليلة أسري به.\nوقال الطبراني (^٢٩): حدثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة، حدثنا الحسن بن علي الحلواني، حدثنا روح بن عبادة، حدثنا سعيد بن أبي عَرُوبة، عن قتادة، عن أبي العالية، عن ابن عباس عن النبي، ﷺ، في قوله: ﴿وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾، قال: \"جُعل موسى هُدىً لبني إسرائيل\"، وفي قوله: ﴿فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ﴾، قال: \"من لقاء موسى ربه ﷿\".\nوقوله: ﴿وَجَعَلْنَاهُ﴾، أي: الكتاب الذي آتيناه موسى [¬٤] ﴿هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾، [كما قال تعالى في سورة الإسراء: ﴿وَآتَينَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [¬٥] ﴿أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا﴾ وقوله: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا\n_________\n(^٢٨) - انظر تفسير الآية الأولى من سورة الإسراء وقد تقدم تخريجه هناك.\n(^٢٩) المعجم الكبير للطبراني (٢/ ١٦٠)، وقال الهيثمي في المجمع (٧/ ٩٠): \"رجاله رجال الصحيح\".\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- سقط من: خ، ز.\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- سقط من: ت.\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.","vol":"11","page":105},{"text":"بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾، أي: لما كانوا صابرين على أوامر الله، وترك زواجره، وتصديق رسله، واتباعهم فيما جاءوهم به- كان منهم أئمة يهدون إلى الحق بأمر الله، ويدعون إلى الخير، ويأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر. ثم لما بدلوا وحَرّفوا وأوَّلوا، سلبوا ذلك المقام، وصارت قلوبهم قاسية، يحرفون الكلم عن مواضعه، فلا عمل [صالحًا، ولا اعتقاد صحيحًا] [¬١]. ولهذا قال: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا﴾ [¬٢] قال قتادة وسفيان: لما صبروا عن الدنيا. وكذلك قال الحسن بن صالح.\nقال سفيان: هكذا كان هؤلاء، ولا [¬٣] ينبغي للرجل أن يكون [] [¬٤] إمامًا يُقتَدى به حتى يتحامى عن الدنيا.\nقال وكيع: قال سفيان: لا بد للدين من العلم، كما لا بد للجسد من الخبز [¬٥].\nوقال ابن بنت الشافعي [قال] [¬٦]: قرأ أبي على عمى -أو عمى على أبي- سئل سفيان عن قول عليّ ﵁: الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، ألم تسمع قوله: ﴿[وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ] [¬٧] أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا﴾، قال: لما أخذوا برأس الأمر صاروا رءوسًا.\n[قال بعض العلماء: بالصبر واليقين تُنَالُ الإمامة في الدين ولهذا قال تعالى] [¬٨]: ﴿وَلَقَدْ آتَينَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالمِينَ (١٦) وَآتَينَاهُمْ بَيِّنَاتٍ مِنَ الْأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إلا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ﴾ كما قال هنا: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَينَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾، أي: من الاعتقادات والأعمال.\n﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَينَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٢٥) أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ أَفَلَا يَسْمَعُونَ (٢٦) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"صحيحًا ولا اعتقاد صالحًا\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز: ﴿وَلَقَدْ آتَينَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ﴾.\n[¬٣]- سقط من: خ، ز.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"له\"\n[¬٥]- في ز، خ: \"الخير\".\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من ت.\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ﴾.\n[¬٨]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.","vol":"11","page":106},{"text":"فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلَا يُبْصِرُونَ (٢٧)﴾\nيقول تعالى: أو لم يهد لهؤلاء المكذبين بالرسل ما أهلك الله قبلهم من الأمم الماضية، بتكذيبهم بالرسل [¬١]، ومخالفتهم إياهم فيما جاءوهم به من قويم [¬٢] السبل، فلم يبق منهم باقية ولا عين ولا أثر؟ ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا﴾؟. ولهذا قال: ﴿يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ﴾، أي: وهؤلاء المكذبون يمشون في مساكن أولئك المكذبين، فلا يرون فيها أحدًا ممن كان يسكنها ويعمُرها، ذهبوا منها ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾ كما قال: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاويَةً بِمَا ظَلَمُوا﴾ وقال: ﴿فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا [¬٣] وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاويَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ (٤٥) أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ ولهذا قال هاهنا: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ﴾، أي: إن [¬٤] في ذهاب أولئك القوم، ودَمَارهم وما حل بهم بسبب تكذيبهم الرسل، ونجاة من آمن بهم- لآيات [وعبرًا ومواعظ] [¬٥]، ودلائل متظاهرة [¬٦].\n﴿أَفَلَا يَسْمَعُونَ﴾ أي: أخبار من تقدم، كيف كان أمرهم؟.\nوقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ﴾، يبين تعالى لطفه بخلقه، وإحسانه إليهم في إرساله الماء، إما من السماء أو من السيح، وهو [¬٧]: ما تحمله الأنهار ويتحدر [¬٨] من الجبال، إلى الأراضي المحتاجة إليه في أوقاته، ولهذا قال: ﴿إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ﴾، وهي: التي لا نبات فيها؛ كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيهَا صَعِيدًا جُرُزًا﴾، أي: يبسًا لا تنبت شيئًا. وليس المراد من قوله ﴿إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ﴾، أرض مصر فقط، بل هي بعض المقصود، وإن مثل بها كثير من المفسرين فليست المقصودة وحدها، ولكنها مرادة قطعًا من هذه الآية، فإنها في نفسها أرض وخوة غليظة، تحتاج من الماء ما لو نزل عليها مطرًا لتهدمت أبنيتها، فيسوق الله إليها النيل بما يتحمله من الزيادة الحاصلة من أمطار بلاد الحبشة، وفيه طين أحمر، فيغشى أرض مصر، وهي أرض سبخة مرملة، محتاجة إلى ذلك الماء، وذلك الطين أيضًا؛ لينبُتَ الزرعُ فيه، فيستغلون كل سنة على ماء جديد ممطور في غير بلادهم، وطين جديد من غير أرضهم، فسبحان الحكيم الكريم المنان، المحمود ابتداء.\n_________\n[¬١]- في ت: \"الرسل\"\n[¬٢]- في ز، خ: \"تبريم\".\n[¬٣]- في ز: \"أهلكتها\" وهي قراءة أبي عمروٍ، ورواها أبو بكر عن عاصم.\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين في خ، ز: \"عبرة وموعظة\".\n[¬٦]- في خ: \"متناظرة\".\n[¬٧]- سقط من: خ، ز.\n[¬٨]- في ت: \"ينحدر\".","vol":"11","page":107},{"text":"قال ابن لهيعة، عن قيس بن حجاج، عمن حدثه قال: لما فُتحت مصر، أتى أهلها عمرو بن العاص حين دخل بئونة -من أشهر العجم- فقالوا: أيها الأمير، إن لنيلنا سُنَّة لا يجري إلا بها، قال: وما ذاك؟ قالوا: إذا كانت ثنتا عشرة ليلة خلت من هذا الشهر عَمَدنا إلى جارية بكْر بين أبويها، فأرضينا أبويها، وجعلنا عليها من الحلي والثياب أفضل ما يكون، ثم ألقيناها في هذا النيل. فقال لهم عمرو: إن هذا ما لا يكون في الإِسلام، إن الإسلام يهدم ما كان قبله. فأقاموا بئونة والنيل لا يجري، حتى هموا بالجلاء، فكتب عمرو إلى عمر بن الخطاب بذلك، فكتب إليه: إنك قد أصبت بالذي فعلت، وقد بعثت إليك ببطاقة داخل كتابي هذا، فألقها في النيل. فلما قدم كتابه، أخذ عمرو البطاقة ففتحها فإذا فيها: من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى نيل أهل مصر، أما بعد، فإنك إن كنت إنما تجري من قبلك فلا تجر، وإن كان الله الواحد القهار هو الذي يجريك، فنسأل اللَّه أن يجريك. قال: فألقى البطاقة في النيل، وأصبحوا يوم السبت وقد أجرى اللَّه النيل ستة عشر ذراعًا في ليلة واحدة، وقطع الله تلك السُنة عن أهل مصر إلى اليوم. رواه الحافظ أبو القاسم اللالكائي الطبري في كتاب \"السنة\" له (^٣٠).\nولهذا قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلَا يُبْصِرُونَ﴾؟ كما قال تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (٢٤) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا (٢٥) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (٢٦) فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (٢٨) وَزَيتُونًا وَنَخْلًا (٢٩) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (٣٠) وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (٣١) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾ ولهذا قال هاهنا: ﴿أَفَلَا يُبْصِرُونَ [¬١]﴾.\nوقال ابن أبي نجيح، عن رجل، عن ابن عباس في قوله: ﴿إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ﴾، قال: هي التي لا تمطَر إلا مطرًا لا يغني عنها شيئًا، إلا ما يأتيها من السيول.\nوعن ابن عباس ومجاهد: هي أرض باليمن. وقال الحسن ﵀: هي قرى فيما بين اليمن والشام.\nوقال عكرمة، والضحاك، وقتادة، والسدي، وابن زيد: الأرض الجرز التي لا نبات فيها وهي [¬٢] مغبرة.\nقلت: وهذا كقوله: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيتَةُ أَحْيَينَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (٣٣) وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ (٣٤) لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ\n_________\n(^٣٠) كتاب السنة للالكائي برقم (٦٦) \"قسم كرامات الأولياء\": حدثنا محمد بن أبي بكر، حدثنا، محمد بن مخلد، حدثنا محمد بن إسحاق، حدثنا عبد الله بن صالح، عن ابن لهيعة به، وهو مرسل.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"تبصرون\".\n[¬٢]- سقط من ز، خ.","vol":"11","page":108},{"text":"أَيدِيهِمْ أَفَلَا يَشْكُرُونَ﴾.\n﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٨) قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (٢٩) فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ (٣٠)﴾\nيقول تعالى مخبرًا عن استعجال الكفار وقوع بأس الله بهم، وحلول [¬١] غضبه ونقمته عليهم، استبعادًا وتكذيبًا وعنادًا ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْفَتْحُ﴾؟، أي: متى تنصر علينا يا محمد؟ كما تزعم أن لك وقتًا تُدَال [¬٢] علينا، ويُنتقم لك منا، فمتى يكون هذا؟ ما نراك أنت وأصحابك إلا مختفين خائفين ذليلين! قال الله تعالى: ﴿قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ﴾، أي: إذا حَل بكم بأس اللَّه وسَخَطه وغضبه في الدنيا وفي الأخرى، ﴿لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾، كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٨٣) فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (٨٤) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ﴾.\nومن زعم أن المراد من هذا الفتح فتحُ مكة فقد أبعد النجعة، وأخطأ فأفحش، فإن يوم الفتح قد قَبل رسولُ الله، ﷺ، إسلام الطلقاء، وقد كانوا قريبًا من ألفين، ولو كان المراد فتحَ مكة لما قبل إسلامهم، لقوله: ﴿قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾، وإنما المراد الفتح الذي هو القضاء والفصل؛ كقوله تعالى: ﴿فَافْتَحْ بَينِي وَبَينَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وكقوله: ﴿قُلْ يَجْمَعُ بَينَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَينَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ﴾ وقال تعالى: ﴿وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾، وقال: ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وقال: ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ﴾.\nثم قال: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ﴾، أي: أعرض عن هؤلاء المشركين وبلغ ما أنزل إليك من ربك، كقوله: ﴿اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيكَ مِنْ رَبِّكَ لَا إِلَهَ إلا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ وانتظر، فإن الله سينجز لك ما وعدك وسينصرك على من خالفك، إنه لا يخلف الميعاد.\nوقوله: ﴿إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ﴾، أي: أنت منتظر، وهم منتظرون، ويتربصون بكم الدوائر،\n_________\n[¬١]- في خ: \"وطول\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"يدال\".","vol":"11","page":109},{"text":"﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيبَ الْمَنُونِ﴾، وسترى أنت عاقبة صبرك عليهم، وعلى أداء رسالة الله، في نصرتك وتأييدك، وسيجدون غبّ ما ينتظرونه فيك وفي أصحابك، من وييل عقاب الله لهم، وحلول عذابه بهم، وحسبنا الله ونعم الوكيل.\n* * *","vol":"11","page":110},{"text":"<span data-type='title' id=toc-147>تفسير سورة الأحزاب وهي مدنية</span>\n[قال عبد الله بن الإمام أحمد (^١)] [¬١]: حدثنا خلف بن هشام، حدثنا حماد بن زيد، عن عاصم بن بهدلة، عن زرّ قال: قال لي أبي بن كعب: كَأين [¬٢] تقرأ [¬٣] سورة الأحزاب؟ أو كَأين [¬٤] تعدها [¬٥]؟ قال: قلت: ثلاثًا وسبعين آية. فقال: قَط! لقد رأيتها وإنها لتعادل \"سورة البقرة\"، ولقد قرأنا فيها: \"الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة، نكالًا من الله. والله عليم حكيم\".\nورواه النسائي من وجه آخر، عن عاصم -وهو ابن أبي النجود، وهو ابن بهدلة- به. وهذا إسناد حسن، وهو يقتضي أنه قدر [¬٦] كان فيها قرآن ثم نسخ لفظه وحكمه أيضًا، والله أعلم.\n﷽\n﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (١) وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (٢) وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (٣)﴾\nهذا تنبيه بالأعلى على الأدنى، فإنه تعالى إذا كان يأمر عبده ورسوله بهذا فَلأن يأتمر من دونه بذلك بطريق الأولى والأحرى. وقد قال طلق بن حبيب: التقوى أن تعمل بطاعة\n_________\n(^١) - المسند (٥/ ١٣٢) (٢١٢٨٧)، وأخرجه أيضًا (٥/ ١٣٢) (٢١٢٨٦)، والنسائي في الكبرى، كتاب الرجم، باب: نسخ الجلد عن الثيب، حديث (٧١٥٠). وأخرجه الحاكم أيضًا في المستدرك (٢/ ٤١٥) و(٤/ ٣٥٩). من طرق، عن عاصم، عن زر به. ورواه ابن حبان كما في الإحسان (٦/ ٣٠١ - ٣٠٢) حديث ٤٤١١. عن عبد الله بن محمد الأزدي عن إسحاق بن إبراهيم -بنحوه- عن النضر بن شميل عن حماد بن سلمة، عن عاصم.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في خ: \"قال الإمام أحمد إنما قاله عبد الله بن أحمد\" ويبدوا أن عبارة \"إنما قاله عبد الله بن أحمد\" يبدوا أنها كانت لبعض المعلقين على الكتاب فأدخلها الناسخ سهوًا في صلب الكتاب.\n[¬٢]- في خ، ز: \"كان\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"يقرأ\".\n[¬٤]- في خ، ز: \"كان\".\n[¬٥]- في ز: \"بعدها\".\n[¬٦]- سقط من: ت.","vol":"11","page":111},{"text":"الله، علي نور من الله، ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله، على نور من الله [لله] [¬١]، مخافة عذاب الله.\nوقوله: ﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾، أي: لا تسمع منهم ولا تستشرهم [¬٢]، ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾، أي: فهو أحق أن تتبع أوامره وتطعه، فإنه عليم بعواقب الأمور، حكيم في أقواله وأفعاله، ولهذا قال: ﴿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيكَ مِنْ رَبِّكَ﴾، أي: من قرآن وسنة، ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾، أي: فلا تخفى عليه خافية. ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾، أي: في جميع أمورك وأحوالك، ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ أي: وكفى به وكيلًا لمن توكل عليه وأناب إليه.\n﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَينِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ (٤) ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيسَ عَلَيكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٥)﴾\nيقول تعالى موطئًا قبل المقصود المعنوي أمرًا حسيًّا معروفًا، وهو أنه كما لا يكون للشخص الواحد قلبان في جوفه، ولا تصير زوجته التي يظاهر منها بقوله: أنت عَلَيَّ كظهر أمي- أمًّا له، كذلك لا يصير الدّعيّ ولدًا للرجل إذا تبنّاه فدعاه ابنًا له، فقال: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَينِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ﴾، كقوله: ﴿مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إلا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾.\nوقوله: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾، هذا هو المقصود بالنفي، فإنها نزلت في شأن زيد بن حارثة مولى النبي، ﷺ، كان النبي، ﷺ، قد تبناه قبل النبوة، وكان يقال له: \"زيد بن محمد\"، فأراد الله تعالى أن يقطع هذا الإلحاق وهذه النسبة بقوله: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾، كما قال في أثناء السورة: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمًا﴾. وقال هاهنا: ﴿ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ﴾، يعني تبنيكم لهم قول لا يقتضي أن يكون ابنًا حقيقيًّا، فإنه مخلوق من صلب رجل آخر، فما يمكن أن يكون له أبوان، كما لا يمكن أن\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من ت.\n[¬٢]- في ز، خ \"تستشيرهم\".","vol":"11","page":112},{"text":"يكون للبشر الواحد قلبان.\n﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾، قال سعيد بن جبير: ﴿يَقُولُ الْحَقَّ﴾، أي: العدل. وقال قتادة: ﴿وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾، أي: الصراط المستقيم.\nوقد ذكر غير واحد: أن هذه الآية نزلت في رجل من قريش، كان يقال له: \"ذو القلبين\"، وأنه كان يزعم أن له قلبين، كل منهما بعقل وافر. فأنزل الله هذه الآية ردًّا عليه. هكذا روى العَوفي عن ابن عباس. وقاله مجاهد، وعكرمة، والحسن، وقتادة. واختاره ابن جرير.\nوقال الإمام أحمد (^٢): حدثنا حسن، حدثنا زهير، عن قابوس -يعني: ابن أبي ظبيان- أن أباه حدثه قال: قلت لابن عباس: أرأيت قول الله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَينِ فِي جَوْفِهِ﴾، ما عنى بذلك؟ قال: قام رسول الله، ﷺ، يومًا يصلي، فخَطَر خَطْرَة [¬١]. فقال المنافقون الذين يصلون معه: ألا ترون له قلبين، قلبًا معكم وقلبًا معهم؟ فأنزل الله ﷿: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَينِ فِي جَوْفِهِ﴾.\nوهكذا رواه الترمذي عن عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، عن صاعد الحراني-[و] [¬٢] عن عبد بن حميد، عن أحمد بن يونس- كليهما [¬٣] عن زهير -وهو ابن معاوية-. به، ثم قال: وهذا حديث حسن. وكذا رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم من حديث زهير، به.\nوقال عبد الرزاق (^٣): أخبرنا معمر، عن الزهري، في قوله: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَينِ فِي جَوْفِهِ﴾، قال: بلغنا أن ذلك كان في زيد بن حارثة، ضُرب له مثل، يقول: ليس ابن رجل آخر ابنك.\nوكذا قال مجاهد، وقتادة، وابن زيد: إنها نزلت في زيد بن حارثة. وهذا يوافق ما قدمناه من التفسير، والله أعلم.\nوقوله: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾، هذا أمر ناسخ لما كان في ابتداء الإسلام من جواز ادعاء الأبناء الأجانب، وهم الأدعياء، فأمر تعالى برد نسبهم إلى آبائهم في الحقيقة، وأن هذا هو العدل والقسط.\n_________\n(^٢) - المسند (١/ ٢٦٧)، وأخرجه الترمذي في تفسير القرآن، باب: ومن سورة الأحزاب، حديث (٣١٩٩) وابن خزيمة (٨٦٥) من طريق قابوس به.\n(^٣) - تفسير عبد الرزاق (٢/ ١١١)، ومن طريقه أخرجه ابن جرير.\n_________\n[¬١]- أي وُسوس.\n[¬٢]- سقط من ز، خ.\n[¬٣]- في ز: \"كلاهما\".","vol":"11","page":113},{"text":"قال البخاري (^٤) ﵀: حدثنا مُعَلى بن أسد، حدثنا عبد العزيز بن المختار، حدثنا موسى بن عقبة قال: حدثني سالم، عن عبد الله بن عمر: أن زيد بن حارثة مولى رسول الله، ﷺ، ما كُنا ندعوه إلا زيد بن محمد، حتى نزل القرآن: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي من طرق عن مرسى بن عقبة، به.\nوقد كانوا يعاملونهم معاملة الأبناء من [¬١] كل وجه، في الخلوة بالمحارم وغير ذلك؛ ولهذا قالت سهلة بنت سهيل امرأة أبي حديفة: يا رسول الله؛ [إنا] [¬٢] كنا ندعو سالمًا ابنًا، وإن الله قد أنزل ما أنزل، وإنه كان يدخل عَلَيّ، وإني أجد في نفس أبي حديفة من ذلك شيئًا [¬٣]، فقال ﷺ: \"أرضعيه تحرمي عليه … \". الحديث (^٥).\nولهذا لما نسخ هذا الحكم، أباح تعالى زوجة الدعى، وتزوج رسول الله، ﷺ، بزينب بنت جحش زوجة زيد بن حارثة (^٦)، وقال: ﴿لِكَي لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا﴾، وقال في آية التحريم: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ احترازًا عن زوجة الدعى، فإنه ليس من الصلب، فأما الابن من الرضاعة فمنزل بمنزلة [¬٤] ابن الصلب شرعًا، بقوله ﵇ في الصحيحين (^٧): \" حرموا من الرضاعة ما يحرم من النسب\".\n_________\n(^٤) - صحيح البخاري في التفسير، باب: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ حديث (٤٧٨٢)، وأخرجه مسلم في فضائل الصحابة حديث (٢٤٢٥) والترمذي في تفسير القرآن، باب: ومن سورة الأحزاب، حديث (٣٢٠٩) وفي المناقب، باب: مناقب زيد بن حارثة ﵁، حديث (٣٨١٤) والنسائي في التفسير (٤١٦) من طريق موسى بن عقبة به.\n(^٥) - أخرجه مسلم في الرضاع، حديث (٢٧/ ١٤٥٣) من طريق القاسم عن عائشة، وأصل الحديث عند البخاري في المغازي: حديث (٤٠٠٠) وفي النكاح، باب: الأكفاء في الدين، حديث (٥٠٨٨) من طريق عروة عن عائشة.\n(^٦) - أحاديث زواج رسول الله ﷺ زينب بنت جحش كثيرة، وانظر تاريخ دمشق (١/ ١٣٧، ١٤٤ - السيرة).\n(^٧) - الحديث في المسند (٦/ ٧٢) بلفظ: \"حرموا من الرضاعة ما تحرموا من الولادة\" من طريق أبي بكر بن صغير عن عروة عن عائشة به مرفوعًا، والحديث عند البخاري في النكاح حديث (٥٠٩٩)، ومسلم في الرضاع حديث (١٤٤٤) ليفظ: \"إن الرضاعة تحرم ما تحرم الولادة\". وفي لفظ لمسلم: \"يحرم من الرضاعة ما يحرم من الولادة\".\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"في\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من ت.\n[¬٣]- سقط من: خ، ز.\n[¬٤]- في ت: \"منزلة\".","vol":"11","page":114},{"text":"فأما دعوة الغير ابنًا على سبيل التكريم والتحبيب، فليس مما نهي عنه في هذه الآية، بدليل ما رواه الإمام أحمد وأهل السنن إلا الترمذي، من حديث سفيان الثوري (^٨)، عن سلمة بن كهيل، عن الحسن العُرَني، عن ابن عباس ﵄ قال: قدمنا على رسول الله ﷺ، أغيلمة بني عبد المطلب على حُمُرَات لنا من جَمع. فجعل يلطخ أفخاذنا ويقول: \"أُبَينِيَّ [¬١] لا ترموا الجمر حتى تطلع الشمس\".\nقال أبو عبيد وغيره: \"أُبيني [¬٢]: تصغير ابني [¬٣] \". وهذا ظاهر الدلالة، فإن هذا كان في حجة الوداع سنة عشر.\nوقوله: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ في شأن زيد بن حارثة، وقد قتل في يوم مؤتة سنة ثمان، وأيضًا ففي صحيح مسلم (^٩)، من حديث أبي عوانة الوضاح بن عبد الله اليشكري، [عن الجعد] [¬٤] أبي عثمان البصري، عن أنس بن مالك ﵁، قال: قال لي رسول الله، ﷺ: \"يا بني\". ورواه أبو داود والترمذي.\nوقوله: ﴿فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾، أمر تعالى برد أنساب الأدعياء إلي آبائهم، إن عرفوا، فإن لم يعرفوا آباءهم فهم إخوإنهم في الدين ومواليهم، أي: عرضا عما فاتهم من النسب؛ ولهذا قال رسول الله، ﷺ، يوم خرج من مكة عام عُمرة القضاء، وتبعتهم ابنة حمزة تنادي: يا عم، يا عم. فأخذها علي وقال لفاطمة: دونَك ابنةَ عَمك [فاحتمليها. فاختصم] [¬٥] فيها على، وزيد، وجعفر في أيّهم يكفلها، فكل أدلى بحجته، فقال علي: أنا أحق بها وهي ابنة عمي. وقال زيد: ابنة أخي. وقال جعفر بن أبي طالب: ابنة عمي، وخالتها تحتى -يعني أسماء بنت عميس- فقضى النبي، ﷺ، لخالتها، وقال: \"الخاله بمنزلة الأم\". وقال لعلى: \"أنت\n_________\n(^٨) - أخرجه أحمد (١/ ٢٣٤، ٣١١، ٣٤٣)، وأبو داود في المناسك، باب: التعجيل من جمع، حديث (١٩٤٠)، والنسائي في الحج، باب: النهي عن رمي جمرة العقبة قبل طلوع الشمس (٥/ ٢٧٠، ٢٧) وابن ماجة في الحج، باب: من تقدم من جمع إلى منى، حديث (٣٠٢٥) من طريق سفيان به.\nوالحديث أخرجه الحميدي (٤٦٥)، وأحمد (١/ ٢٣٤) من طريق مسعر وسفيان عن سلمة به.\n(^٩) - صحيح مسلم، كتاب الآداب، حديث (٢١٥١)، وأخرجه أحمد (٣/ ٢٨٥) وأبو داود في الأدب، باب: في الرجل يقول لابن غيره: يا بني، حديث (٤٩٦٤) والترمذي في الأدب، باب: ما جاء في يا بني، حديث (٢٨٣١) من طرق عن أبي عوانة به.\n_________\n[¬١]- في ز: \"ابني\".\n[¬٢]- في ز: \"ابني\".\n[¬٣]- في ز: \"ابني\".\n[¬٤]- ط بين المعكوفتين في خ، ز: \"الجعدي\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"فاحتملتها واختصم\".","vol":"11","page":115},{"text":"مني، وأنا منك\". وقال لجعفر: \"أشبهت خَلْقي وخلُقي\". وقال لزيد: \"أنت أخونا ومولانا\" (^١٠).\nففي هذا الحديث أحكام كثيرة من أحسنها أنه ﵊ حكم بالحق، وأرضى كل من المتنازعين، وقال لزيد: \"أنت أخونا ومولانا\"، كما قال تعالى: ﴿فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾.\nوقال ابن جرير (^١١): حدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن علية، عن عيينة بن عبد الرحمن، عن أبيه قال: قال أبو بكرة: قال اللَّه ﷿: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾، فأنا ممن لا يعرف أبوه، وأنا من إخوانكم في الدين. قال أبي: والله، إني لأظنه لو علم أن أباه كان حمارًا لانتمى إليه.\nوقد جاء في الحديث: \"من ادعى لغير أبيه وهو يعلمه إلا كفر\" (^١٢).\nوهذا تشديد وتهديد، ووعيد أكيد، في التبري من النسب المعلوم؛ ولهذا قال: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾.\nثم قال: ﴿وَلَيسَ عَلَيكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ أي: إذا نسبتم بعضهم إلي غير أبيه في الحقيقة خطأ، بعد الاجتهاد واستفراغ الوسع، فإن اللَّه قد وضع الحرج في الخطأ ورفع إثمه، كما أرشد إليه في قوله آمرًا عباده أن يقولوا: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾.\nوثبت في صحيح مسلم (^١٣) أن رسول الله، ﷺ، قال: \"قال الله: قد فعلت\".\nوفي صحيح البخاري (^١٤)، عن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله، صلى الله عليه\n_________\n(^١٠) - أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الصلح، باب: كيف يكتب \"هذا ما صالح فلان بن فلان … \" حديث (٢٦٩٩)، وفي المغازي، باب: عمرة القضاء، حديث (٤٢٥١)، والترمذي في البر والصلة، باب: ما جاء في بر الخالة، حديث (١٩٠٤)، وفي المناقب حديث (٣٧١٦)، (٣٧٦٥) من طريق أبي إسحاق عن البراء بن عازب.\n(^١١) - تفسير الطبري (٢١/ ١٢١).\n(^١٢) - رواه البخاري، في كتاب المناقب، حديث (٣٥٠٨) بمعناه. وطرفه (٦٠٤٥).\n(^١٣) - صحيح مسلم حديث (١٢٦).\n(^١٤) - كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب: أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ، حديث (٧٣٥٢) ولفظه: \"إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر\" والحديث أخرجه أيضًا مسلم في الأقضية حديث (١٧١٦) من طريق أبي قيس مولى عمرو بن العاص عن عمرو به مثل لفظ البخاري. وقد تقدم تخريج الحديث في سورة الأنبياء الآية (٧٩).","vol":"11","page":116},{"text":"وسلم: \"إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإن اجتهد فأخطأ فله أجر\".\nوفي الحديث الآخر: \"إن الله رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما يكرهون عليه\" (^١٥).\nوقال هاهنا: ﴿وَلَيسَ عَلَيكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾. أي: وإنما الإثم على من تعمد [¬١] الباطل كما قال تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْو فِي أَيمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾.\nوفي الحديث المتقدم (^١٦): \" من ادعي إلى غير أبيه، وهو يعلمه، إلا كفر\". وفي القرآن المنسوخ: \"فإن كفرًا بكم أن ترغبوا عن آبائكم\".\nقال الإِمام أحمد (^١٧): حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن ابن عباس، عن عمر أنه قال: بعث الله محمدًا، ﷺ، بالحق، وأنزل معه الكتاب، فكان فيما أتزل عليه آية الرجم، فرجم رسول اللَّه ﷺ ورجمنا بعده، ثم قال: قد كنا نقرأ: \"ولا ترغبوا عن آبائكم [فإنه كفر بكم -أو: إن كفرًا بكم- أن ترغبوا عن آبائكم\"] [¬٢]. وإن رسول الله، ﷺ، قال: \"لا تطروني [كما أطري] [¬٣] عيسى ابن مريم، فإنما أنا عبد، فقولوا: عبده ورسوله\". وربما قال معمر: \"كما أطرت النصارى ابن مريم\".\nورواه في الحديث الآخر: \"ثلاث في الناس كفر: الطعن في النسب، والنياحة على الميت، والاستسقاء بالنجوم\" (^١٨).\n﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إلا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾\n_________\n(^١٥) - تقدم تخريجه في تفسير سورة الأعراف الآية (١٥٧).\n(^١٦) - تقدم في رقم (١٢).\n(^١٧) - المسند (١/ ٤٧)، والحديث أخرجه البخاري في الحدود، باب: رجم الحبلى من الزنا إذا أحصنت، حديث (٦٨٣٠) مطولًا من طريق صالح بن كيسان عن الزهري به.\n(^١٨) - (٥/ ٣٤٢) (٢٣٠١٠)، وأخرجه مسلم في كتاب الجنائز، باب: التشديد في النياحة (٢/ ٦٤٤ / رقم: ٩٣٤). من حديث أبي مالك الأشعري مرفوعًا به.\n_________\n[¬١]- في خ: \"تعلم\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في خ، ز: \"كإطراء\".","vol":"11","page":117},{"text":"قد علم الله تعالى شفقة رسوله، ﷺ، على أمته، ونصحه لهم، فجعله أولى بهم من أنفسهم، وحُكْمه فيهم مُقَدّمًا على اختيارهم لأنفسهم، كما قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَينَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.\nوفي الصحيح (^١٩): \" والذي نفسي بيده، لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من لفسه وماله وولده والناس أجمعين\".\nوفي الصحيح (^٢٠) أيضًا أن عمر ﵁ قال: يا رسول الله، والله لأنت أحب إلى من كل شيء [] [¬١] إلا من نفسي. فقال: \"لا يا عمر، حتى أكون أحب إليك من نفسك\". فقال: يا رسول الله، لأنت أحب إلي من كل شيء حتى من نفسي. فقال: \"الآن يا عمر\". ولهذا قال تعالى في هذه الآية: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾.\nوقال البخاري (^٢١) عندها: حدثنا إبراهيم بن المنذر، حدثنا [محمد بن] [¬٢] فُلَيح، حدثنا أبي، عن هلال بن علي، عن عبد الرحمن بن أبي عَمرَة، عن أبي هريرة ﵁ عن النبي، ﷺ، قال: \"ما من مؤمن إلا وأنا أولى الناس به في الدنيا والآخرة، اقرءوا إن شئتم: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ فأيما مؤمن ترك مالا فليرثه عصبته من كانوا، فإن ترك دينًا أو ضياعًا، فليأتني فأنا مولاه\". تفرد به البخاري.\nورواه أيضًا في \"الاستقراض\"، وابن جرير، وابن أبي حاتم، من طرق، عن فليح، به مثله.\nورواه الإِمام أحمد (^٢٢)، من حديث أبي حصين، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن\n_________\n(^١٩) - صحيح البخاري في الإيمان، باب: حب الرسول ﷺ من الإيمان، حديث (١٤) من حديث أنس للفظ \"والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده\" وأخرجه البخاري في الموضع السابق، حديث (١٥)، ومسلم في الإيمان حديث (٤٤) من حديث أنس نحوه.\n(^٢٠) - صحيح البخاري في الأيمان والنذور، باب: كيف كانت يمين النبي ﷺ، حديث (٦٦٣٢) من طريق أبي عقيل زهرة بن معبد عن جده عبد الله بن هشام به.\n(^٢١) - صحيح البخاري في التفسير، حديث (٤٧٨١)، وأخرجه أيضًا في الاستعراض، كتاب الصلاة على من ترك دينا، حديث (٢٣٩٩) والطبرى () من طريق فليح به.\n(^٢٢) - المسند (٢/ ٣٥٦)، والحديث في صحيح البخاري، كتاب الفرائض، باب: ابنى عم أحدهما أخ للأم والآخر زوج، حديث (٦٧٤٥) من طريق أبي حصين به أيضًا.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"والله\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"11","page":118},{"text":"رسول الله ﷺ، بنحوه.\nوقال الإمام أحمد (^٢٣): حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري في قوله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ عن أبي سلمة، عن جابر بن عبد الله، عن النبي، ﷺ، كان يقول: \"أنا أولى بكل مؤمن من نفسه، فأيما رجل مات وترك دينًا فإني، ومن ترك مالًا فلورثته\". ورواه أبو داود عن أحمد بن حنبل به نحوه.\nوقوله: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾، أي: في الحرمة والاحترام، والإكرام والتوقير والإعظام، ولكن لا تجوز الخلوة بهن، ولا ينتشر التحريم إلى بناتهن وأخواتهن بالإجماع، وإن سمى بعض العلماء بناتهن أخوات المؤمنين، كما هو منصوص الشافعي في \"المختصر\"، وهو من باب إطلاق العبارة لا إثبات الحكم. وهل يقال لمعاوية وأمثاله: خال المؤمنين؟ فيه قولان للعلماء، ونص الشافعي على أنه يقال ذلك. وهل يقال لهن: أمهات المؤمنات [¬١]، فيدخل النساء في جمع المذكر السالم تغليبًا؟ فيه قولان، صح عن عائشة ﵂ أنها [¬٢] قالت: لا يقال ذلك. وهذا أصح الوجهين في مذهب الشافعي ﵀.\nوقد روي عن أبي بن كعب، وابن عباس أنهما قرأا: \"النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم وهو أب لهم\". وروى نحو هذا عن معاوية، ومجاهد، وعكرمة، والحسن، وهو أحد الوجهين في مذهب الشافعي. حكاه البغوي وغيره. واستأنسوا عليه بالحديث الذي رواه أبو داود (^٢٤):\nحدثنا عبد الله بن محمد النفيلي، حدثنا ابن المبارك، عن محمد بن عجلان، عن القعقاع بن حكيم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة؛ قال: قال رسول الله، ﷺ: \"إنما أنا لكم بمنزلة الوالد أعَلّمكم، فإذا أتى أحدكم الغائط فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها، ولا يستطب بيمينه\"، وكان يأمر بثلاثة أحجار وينهى عن الروث والرّمّة.\nوأخرجه النسائي وابن ماجة من حديث ابن عجلان.\nالوجه الثاني أنه لا يقال ذلك، واحتجوا بقوله: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ\n_________\n(^٢٣) - المسند (٣/ ٢٩٦)، وعنه أبو داود في الخراج والإمارة والفيء، حديث (٢٩٥٣)، وأخرجه أبو داود في البيوع والإجارات، باب: في التشديد في الدين، حديث (٣٣٤٣) والنسائي في الجنائز، باب: الصلاة على من عليه دين (٤/ ٦٥) من طريق عبد الرزاق به.\n(^٢٤) - سنن أبي داود في الطهارة، باب: كراهية استقبال القبلة عند قضاء الحاجة، حديث (٨)، والنسائي في الطهارة، باب: النهي عن الاستطابة بالروث (١/ ٣٨)، وابن ماجه في الطهارة باب: الاستنجاء بالحجارة والنهي عن الروث والرمة، حديث (٣١٣) من طريق ابن عجلان به.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"المؤمنين\".\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.","vol":"11","page":119},{"text":"مِنْ رِجَالِكُمْ﴾. وقوله: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾، أي: في حكم الله [¬١] ﴿الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ﴾، أي: القرابات أولى بالتوارث من المهاجرين والأنصار. وهذه ناسخة لما كان قبلها من التوارث بالحلف والمؤاخاة التي كانت بينهم، كما قال ابن عباس وغيره: كان المهاجري يرث الأنصاري دون قراباته وذوي رحمه، للأخوة التي آخى بينهما رسول الله، ﷺ. وكذا قال سعيد بن جبير، وغير واحد من السلف والخلف.\nوقد أورد فيه ابن أبي حاتم حديثًا عن الزبير بن العوام ﵁ فقال: حدثنا أبي، حدثنا أحمد بن أبي بكر المصعبي -من ساكني بغداد- عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن الزبير بن العوام قال: أنزل الله ﷿ فينا خاصة -معشر قريش والأنصار-: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾، وذلك أنا -معشر قريش- لما قدمنا المدينة قَدمنا ولا أموال لنا، فوجدنا الأنصار نعْمَ الإخوان، فواخيناهم ووارثناهم، فواخى أبو بكر خارجة بن زيد، وآخى عمر فلانًا، وآخى عَثمان بن عفان رجلًا من بني زريق [¬٢] سعد الزرقي [¬٣]-ويقول بعض الناس غيره- قال الزبير: وواخيت أنا كعب بن مالك، فجئته فابتعلته فوجدت السلاح قد ثقله فيما يرى، فوالله يابني [¬٤]، لو مات يومئذ عن الدنيا ما ورثه غيري، حتى أنزل الله هذه الآية فينا معشر قريش والأنصار خاصة، فرجعنا إلى مواريثنا.\nوقوله: ﴿إلا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا﴾، أي: ذهب الميراث، وبقى النصر والبر والصلة والإحسان والوصية.\nوقوله: ﴿كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾، أي: فإذا الحكم، وهو أن أولى الأرحام بعضهم أولى ببعض، حكم من الله مقدر مكتوب في الكتاب الأول، الذي لا يبدل، ولا يغير. قاله مجاهد وغير واحد. وإن كان قد يقال: قد [¬٥] شرع خلافه في وقت لما له في ذلك من الحكمة البالغة، وهو يعلم أنه سينسخه إلى ما هو جار في قدره الأزلي، وقضائه القدري الشرعيّ.\n﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (٧) لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ\n_________\n[¬١]- سقط من: خ، ز.\n[¬٢]- في خ، ز: \"رزيق\".\n[¬٣]- في ز: \"الدرقي\".\n[¬٤]- في خ، ز: \"ما بي\".\n[¬٥]- سقط من: ز.","vol":"11","page":120},{"text":"لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا (٨)﴾.\nيقول تعالى مخبرًا عن أولي العزم الخمسة، وبقية الأنبياء: إنه أخذ عليهم العهد والميثاق في إقامة دين الله، وإبلاغ رسالته، والتعاون والتناصر والاتفاق، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَال أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَال فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾. فهذا العهد والميثاق أخذ عليهم بعد إرسالهم، وكذلك هذا. ونص من بينهم على هؤلاء الخمسة، وهم أولو العزم، وهو من باب عطف الخاص على العام، وقد صرح بذكرهم أيضًا في هذه الآية، وفي قوله: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَينَا إِلَيكَ وَمَا وَصَّينَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾، فذكر الطرفين والوسط، الفاتح [¬١] والخاتم، ومن بينهما على الترتيب. فهذه هي الوصية التي أخذ عليهم الميثاق بها، كما قال: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ﴾، فبدأ في هذه الآية بالخاتم، لشرفه -صلوات الله عليه- ثم رتبهم بحسب وجودهم صلوات الله عليهم.\nقال ابن أبي حاتم (^٢٥): حدثنا أبو زرعة الدمشقي، حدثنا محمد بن بكار، حدثنا سعيد بن بشير، حدثني قتادة، عن الحسن، عن أبي هريرة ﵁ عن النبي، ﷺ، [في قول الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ﴾. الآية قال النبي، ﷺ] [¬٢]: \"كنت أول النبيين في الخلق وآخرهم في البعث، [فبدئ بي] [¬٣] قبلهم\". سعيد بن بشير فيه ضعف.\nوقد رواه سعيد بن أبي عروبة عن قتادة مرسلًا، وهو أشبه، ورواه بعضهم عن قتادة موقوفًا، فالله أعلم.\nوقال أبو بكر البزار (^٢٦): حدثنا عمرو بن علي، حدثنا أبو أحمد، حدثنا حمزة الزيات، حدثنا عدي بن ثابت، عن أبي حازم، عن أبي هريرة قال: خيار ولد آدم خمسة: نوح،\n_________\n(^٢٥) - أخرجه أبو نعيم في الدلائل (٣)، والبغوي في تفسيره كما في البداية والنهاية (٣/ ٤٩٨ - هجر) من طريق سعيد بن بشير به وزاد السيوطي في الدر المنثور (٥/ ٣٥٣) نسبته إلى الحسن بن سفيان وابن مردويه والديلمي، وابن عساكر. وانظر سلسلة الأحاديث الضعيفة للشيخ الألباني (٦٦١).\n(^٢٦) - كشف الأستار (٢٣٦٨) قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ٢٥٨): رواه البزار ورجاله رجال الصحيح.\n_________\n[¬١]- في خ، ز: \"الناتج\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين بياض في ز، خ.","vol":"11","page":121},{"text":"وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد، وخيرهم محمد، صلى اللَّه عليهم وسلم، أجمعين. موقوف، وحمزة فيه ضعف.\nوقد قيل: إن المراد بهذا الميثاق الذي أخذ منهم حين أخرجوا في صورة الذر من صلب آدم، كما قال أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب قال: ورفع أباهم آدم، فنظر إليهم -يعني: ذريته- وأن فيهم الغني والفقير، وحسن الصورة، ودون ذلك، فقال: رب، لو سويت بين عبادك؟ فقال: إني أحببت أن أشكر. وأري فيهم الأنبياء مثل السرج عليهم كالنور، وخصوا بميثاق آخر من الرسالة والنبوة فهو الذي يقول اللَّه تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ﴾ الآية. وهذا قول مجاهد أيضًا.\nوقال ابن عباس: الميثاق الغليظ: العهد.\nوقوله: ﴿لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ﴾، قال مجاهد: المبلغين المؤدين عن [¬١] الرسل.\nوقوله: ﴿وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ﴾، أي: من أممهم ﴿عَذَابًا أَلِيمًا﴾، أي: موجعًا، فنحن نشهد أن الرسل قد بَلَّغُوا رسالات ربهم، ونصحوا الأمم وأفصحوا لهم عن الحق المبين، الواضح الجلي، الذي لا ليس فيه ولا شك ولا امتراء، وإن كذبهم من كذبهم من الجهلة والمعاندين والمارقين والقاسطين، في جاءت به الرسل هو الحق، ومن خالفهم فهو على الضلال.\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (٩) إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (١٠)﴾\nيقول تعالى مخبرًا عن نعمته وفضله وإحسانه إلى عباده المؤمنين، في صرفه أعداءهم، وهزمه إياهم عام تألبوا عليهم وتحزبوا وذلك عام الخندق، وذلك في شوال سنة خمس من الهجرة على الصحيح المشهور. وقال موسى [بن عقبة] [¬٢] وغيره: كانت في سنة أربع.\nوكان سبب قدوم الأحزاب أن نفرًا من أشراف يهود بني النضير، الذين كانوا قد أجلاهم رسول الله، ﷺ، من المدينة إلى خيبر، منهم: سلام بن أبي [¬٣] الحقيق،\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"من\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين مكرر في ز، خ.\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.","vol":"11","page":122},{"text":"وسلام بن مشكم، وكنانة بن الربيع، خرجوا إلى مكة واجتمعوا بأشراف قريش، وألبوهم على حرب رسول الله، ﷺ، ووعدوهم من أنفسهم النصر والإعانة، فأجابوهم إلي ذلك. ثم خرجوا إلى [¬١] غطان فدعوهم فاستجابوا لهم أيضًا. وخرجت قريش في أحابيشها (*) ومن تابعها، وقائدهم أبو سفيان صخر بن حرب، وعلى غطفان عُيَينة بن حصن بن بدر، والجميع قريب من عشرة آلاف، فلما سمع رسول الله، ﷺ، بمسيرهم أمر المسلمين بحفر الخندق حول المدينة مما يلي الشرق، وذلك بإشارة سلمان الفارسيّ فعمل المسلمون فيه واجتهدوا، ونقل معهم [¬٢] رسول الله، ﷺ، التراب وحفرَ، وكان في حفره ذلك آيات بينات ودلائل واضحات. وجاء المشركون فنزلوا شرقي المدينة قريبًا من أحد، ونزلت طائفة منهم في أعالي أراضي [¬٣] المدينة، كما قال الله تعالى: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾، وخرج رسول اللَّه، ﷺ، ومن معه من المسلمين، وهم نحو ثلاثة آلاف -وقيل: سبعمائة- وأسندوا ظهورهم إلى سَلْع ووجوههم إلى نحو العدو، والخندق حفير ليس فيه ماء بينهم وبينهم يحجب الرجالة والخيالة أن تصل إليهم، وجعل النساء والذراري في آطام (**) المدينة، وكانت بنو قريظة -وهم طائفة من اليهود- لهم حصن شرقي المدينة، ولهم عهد من النبي، ﷺ، وذمة، وهم قريب من ثمانمائة مقاتل، فذهب إليهم حُيي بن أخطب النضَري، فلم يزل بهم حتى نقضوا العهد، ومالئوا الأحزاب على رسول الله ﷺ، فعظم الخطب واشتد الأمر، وضاق الحال؛ كما قال اللَّه تعالى: ﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾.\nومكثوا محاصرين للنبي، ﷺ، وأصحابه قريبًا من شهر، إلا أنهم لا يصلون إليهم، ولم يقع بينهم قتال إلا أن عمرو بن عبد ود العامري -وكان من الفرسان الشجعان المشهورين في الجاهلية- ركب ومعه فرارس فاقتحموا الخندق، وخلصوا إلى ناحية المسلمين وندب [¬٤] رسول الله، صلى الله عليه وصلم، خيل المسلمين إليه، فلم يبرز إليه أحد، فأمر عليا فخرج إليه، فتجاولا ساعة، ثم قتله علي ﵁، فكان علامة على النصر.\nثم أرسل الله ﷿ على الأحزاب ريحًا شديدة الهبوب قوية، حتى لم تبق لهم خيمة ولا شيء ولا تُوقد لهم نار، ولم يقر لهم قرار حتى ارتحلوا خائبين خاسرين؛ كما قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيهِمْ رِيحًا﴾.\n_________\n(*) قال ابن الأثير: هم أحياء القارة انضموا إلى بني ليث في محاربتهم قريشًا. والتحبش: التجمع. وقيل: حالفوا قريشًا تحت جبل يُسَمى حبشيا فشكوا بذلك.\n(**) الآطام: جمع أُطُمٍ؛ وهو البناء المرتفع.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في ت: \"أرض\".\n[¬٤]- في ت: \"فندب\".","vol":"11","page":123},{"text":"قال مجاهد: وهي الصبا. ويؤيده الحديث الآخر: \"نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور\".\nوقال ابن جرير (^٢٧): حدثني محمد بن المثنّى، حدثنا عبد الأعلى، حدثنا داود، عن عكرمة قال: قالت الجنوب للشمال ليلة الأحزاب: انطلقي ننصرْ رسول الله، ﷺ. فقالت الشمال: إن الحرة لا تسري بالليل. قال: فكانت [¬١] الريح التي أرسلت عليهم الصبا. ورواه ابن أبي حاتم، عن أبي سعيد الأشج، عن حفص بن غياث، عن داود، عن عكرمة، عن ابن عباس فذكره.\nوقال ابن جرير أيضًا (^٢٨): حدثنا يونس، حدثنا ابن وهب، حدثني عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن عبد الله بن عمر قال: أرسلني خالي عبد الله [¬٢] بن مظعون ليلة الخندق في برد شديد وريح إلى المدينة، فقال: ائتنا بطعام ولحاف، قال: فاستأذنت رسول الله، ﷺ، فأذن لي، وقال: \"من أتيت من أصحابي فمرهم يرجعوا\". قال: فذهبت والريح تسفي [¬٣] كل شيء، فجعلت لا ألقى أحدًا إلا أمرته بالرجوع إلى النبي، ﷺ، قال: فما يلوي أحد منهم عنقه. قال: وكان معي ترس لي، فكانت الريح تضربه عليّ، [قال:] [¬٤] وكان فيه حديد، قال: فضربته الريح حتى وقع بعض ذلك الحديد على كفى، فأنفدها [¬٥] إلى الأرض.\nوقوله: ﴿وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾، وهم الملائكة، زلزلتهم وألقت في قلوبهم الرعب والخوف، فكان رئيس كل قبيلة يقول: يا بني فلان إليّ. فيجتمعون إليه فيقول: النجاء، النجاء، لما ألقى الله تعالى في قلوبهم من الرعب.\nوقال محمد بن إسحاق (^٢٩)، عن يزيد بن زياد، عن محمد بن كعب القرظي قال: قال فتى من أهل الكوفة لحذيفة بن اليمان: يا أبا عبد الله، رأيتم رسول الله، ﷺ، وصحبتموه؟ قال: نعم يا بن أخي. قال: وكيف كنتم تصنعون؟ قال: والله لقد\n_________\n(^٢٧) - تفسير الطبري (٢١/ ١٢٧).\n(^٢٨) - تفسير الطبري (٢١/ ١٢٧).\n(^٢٩) - سيرة ابن هشام (٣/ ١٨٦) وأخرجه في مسنده (٥/ ٣٩٢) بسنده إلى ابن إسحاق به، وانظر التالي.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"وكانت\".\n[¬٢]- في ت: عثمان. وهو تحريف عجيب؛ حيث إن عثمان بن مظعون لم يشهد سوى بدر، ومات في السنة الثانية للهجرة. أما أخوه عبد الله بن مظعون فقد توفى في سنة ثلاثين للهجرة. انظر أسد الغابة [٣/ ٣٩٤، ٥٩٨].\n[¬٣]- سفت الريحُ الترابَ: أذرته أو حملته.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من ت.\n[¬٥]- في خ: \"ما بعدها\"، وفي ز: \"فأبعدها\".","vol":"11","page":124},{"text":"كنا نجهد. قال الفتى: والله لو أدركناه ما تركناه يمشي على الأرض ولحملناه على أعناقنا. قال: قال حذيفة: يا بن أخي، والله لو رأيتنا مع رسول الله، ﷺ، بالخندق وصلى رسول الله، ﷺ، هويًّا من الليل، ثم التفت فقال: \"من رجل يقُوم فينظر لنا ما فعل القوم؟ \" -يشرط [¬١] له النبيّ ﷺ أنه يرجع- أدخله الله الجنة\". قال: فما قام رجل. ثم صلى رسول الله، ﷺ، هويًّا من الليل، ثم التفت إلينا، فقال مثله، فما قام منا رجل. ثم صلى رسول الله، ﷺ، هويًّا من الليل ثم التفت إلينا فقال: \"من رجل يقوم فينظر لنا ما فعل القوم ثم يرجع - يشرط [¬٢] له رسول الله ﷺ الرجعة - أسأل الله أن يكون رفيقي في الجنة\". فما قام رجل من القوم؛ من شدة الخوف، وشدة الجوع، وشدة البرد، فلما لم يقم أحد، دعاني رسول الله، ﷺ، فلم يكن لي بد بن القيام حين دعاني فقال: \"يا حذيفة، اذهب فأدخل في القوم فانظر ما يفعلون، ولا تُحْدثَنّ شيئًا حتى تأتينا\". قال: فذهبت فدخلت [في القوم] [¬٣]، والريح وجنود الله ﷿ تفعل بهم ما تفعل، لا تُقر لهم قِدْرَا [¬٤] ولا نارًا ولا بناءً، فقام أبو سفيان فقال: بها معشر قريش، لينظر امرؤ مَن جليسه. قال حذيفة: فأخذت بيد الرجل الذي إلى جنبي، فقلت: من أنت؟ فقال: أنا فلان بن فلان، ثم قال أبو سفيان: يا معشر قريش، إنكم والله ما أصبحتم بدار مقام، لقد هلك الكُرَاع والخُفّ، وأخلفتنا بنو قُرَيظة، وبَلَغَنا عنهم الذي نكره، ولقينا من هذه الريح الذي ترون، والله ما تطمئن لنا قدر [¬٥]، ولا تَقُوم لنا نار [¬٦]، ولا يستمسك لنا بناء، فارتحلوا، فإني مُرْتحل، ثم قام إلى جَمَله وهو معقول، فجلس عليه، ثم ضربه، فوثب به على ثلاث، فما أطلق عقَاله إلا وهو قائم، ولولا عهد رسول الله، ﷺ، إلى: \"أن لا تحدث شيئًا حتى تأتينا\" ثم شئتُ لقتلته بسهم.\nقال حذيفة: فرجعت إلى رسول الله، ﷺ، وهو قائم يصلي في مرط [¬٧] لبعض نسائه مُرَحَّل - فلما رآني أدخلني بين رجليه، وطرح عليَّ طرف المرْط، ثم ركع، وسجد، وإني لفيه، فلما سلم أخبرته الخبر، وسمعت غَطَفان بما فعلت قريش، فانشمروا [¬٨] راجعين إلى بلادهم.\nوقد رواه مسلم في صحيحه (^٣٠) من حديث الأعمش، عن إبراهيم التيمي، عن أبيه قال:\n_________\n(^٣٠) - صحيح مسلم في الجهاد والسير، حديث (١٧٨٨).\n_________\n[¬١]- في ت: \"يشترط\".\n[¬٢]- في ت: \"يشترط\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ\n[¬٤]- في خ، ز: \"قرارًا\".\n[¬٥]- في ز، خ: قدرًا.\n[¬٦]- في ز، خ: نارًا.\n[¬٧]- في ز: \"مرض\".\n[¬٨]- انشمروا: مطاوع شمره، والمراد: أسرعوا.","vol":"11","page":125},{"text":"كنا عند حذيفة بن اليمان ﵁ فقال له رجل: لو أدركتُ رسول الله، ﷺ، قاتلتُ معه وأبليتُ. فقال له حذيفة: أنت كنتَ تفعل ذلك؟ لقد رَأيتُنا مع رسول الله، ﷺ، ليلة الأحزاب في ليلة ذات [ريح شديدة] [¬١] وقرّ [¬٢]، فقال رسول الله، ﷺ: \"ألا رجل يأتي بخبر القوم، يكون معي يوم القيامة\". فلم يجبه منا أحد، ثم الثانية، ثم الثالثة مثله. ثم قال: \"يا حذيفة، قم فأتنا بخبر من القوم\". فلم أجد بُدًّا إذ دعاني باسمي أن أقوم، فقال: \"ائتني بخبر القوم، ولا تَذْعَرْهم [¬٣] عَلَيّ\" قال: فمضيت كأنما أمشي في حَمَّام، حتى أتيتهم، فإذا أبو سفيان يَصْلي ظهره بالنار، فوضعت سهمًا في كبد قوسي وأردت أن أرميه، ثم ذكرتُ قول رسول الله، ﷺ،: \"لا تَذْعَرْهم عَلَيّ\". ولو رَمَيته لأصبته. قال: فرجعت كأنما أمشي في حَمَّام، فأتيت رسول الله، ﷺ، ثم أصابني البرد حين فَرَغتُ وقررْتُ، فأخبرتُ رسول الله، ﷺ، وألبسني من فضل عَبَاءة [¬٤] كانت عليه يصلي فيها، فلم أزل نائمًا حتى الصبح، فلما أن أصبحت قال رسول الله، ﷺ،: \"قم يا نومان [¬٥] \".\nورواه يونس بن بكير (^٣١)، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم أن رجلًا قال لحذيفة ﵁: نشكو إلى الله صحبتكم لرسول الله، ﷺ، إنكم أدركتموه ولم ندركه، ورأيتموه ولم نره. فقال حذيفة: ونحن نشكو إلى الله إيمانكم به ولم تروه، والله لا تَدْري ابن أخي لو أدركتَه كيف كنتَ تكون؛ لقد رأيتنا مع رسول الله، ﷺ، ليلة الخندق في ليلة باردة مَطيرة … ثم ذكر نحو ما تقدم مطولًا.\nوروى بلال بن يحيى العبسي عن حذيفة نحو ذلك أيضًا (^٣٢).\nوقد أخرج الحاكم والبيهقيّ في \"الدلائل\" (^٣٣)، من حديث عكرمة بن عمار، عن محمَّد بن عبد الله الدؤلي، عن عبد العزيز ابن أخي حذيفة قال: ذَكَر حذيفة مشاهدهم مع رسول الله، ﷺ، فقال جلساؤه: أما والله لو شَهِدنا ذلك لكنا فعلنا وفعلنا. فقال\n_________\n(^٣١) - دلائل النبوة (٣/ ٤٥٤ - ٤٥٥) بسنده إلى يونس بن بكير به.\n(^٣٢) - الدلائل (٣/ ٤٥٠ - ٤٥١) بسنده إلى بلال.\n(^٣٣) - المستدرك (٣/ ٣١)، ودلائل النبوة (٣/ ٤٥١ - ٤٥٢)، ومن طريق البيهقي أخرجه ابن عساكر في تاريخه (١٢/ ٢٨٢، ٢٨٣).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في خ، ز: \"برد شديد\".\n[¬٢]- القُرُّ: البرد.\n[¬٣]- الذَّعر: الفزع الشديد، يريد: لا تعْلِمْهم بنفسك وامش في خفية لِئلَّا ينفروا منك ويقبلوا عليَّ.\n[¬٤]- في ز، خ: \"هناة\" وهو تحريف.\n[¬٥]- النومان: كثير النوم.","vol":"11","page":126},{"text":"حذيفة: لا تمنوا ذلك. لقد رأيتنا ليلة الأحزاب ونحن صافون قُعُود: أبو سفيان ومن معه من الأحزاب فوقنا، وقريظة اليهود أسفل منا نخافهم علي ذرارينا، وما أتَت علينا [ليلة] [¬١] قط أشد ظلمة ولا أشد ريحًا، في أصوات ريحها أمثال الصواعق، وهي ظلمة ما يرى أحدنا أصبعه. فجعل المنافقون يستأذنون النبيّ، ﷺ، ويقولون: ﴿إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ﴾. فما يستأذنه أحد منهم إلا أذن له، ويأذن لهم فيتسللون، ونحن ثلاثمائة ونحو ذلك، إذ استقبلنا رسول الله، ﷺ، رجلًا رجلًا حتى أتى عليَّ، وما عليَّ جُنَّة من العدو ولا من البرد إلا مرط لامرأتي، لا [¬٢] يجاوز ركبتي. قال: فأتاني، ﷺ، وأنا جَاثٍ على ركبتيَّ فقال: \"من هذا؟ \". فقلت: حذيفة، قال: \"حذيفة\". فتقاصرتُ بالأرض [¬٣]، فقلت: بلى يا رسول الله، كراهية أن أقوم. [قال: \"قُم\"] [¬٤] فقمت فقال: \" [إنه كائن] [¬٥] في القوم خبر فائتني بخبر القوم\" -قال [¬٦]: وأنا من أشد الناس [¬٧] فزعًا، وأشدهم قُرًّا- قال: فخرجت، فقال رسول الله، ﷺ: \"اللهم، احفظه من بين يديه ومن خلفه، وعن يمينه وعن شماله، ومن فوقه ومن تحته\". قال: فوالله ما خلق الله فزعًا ولا قرًّا في جوفي إلا خرج من جوفي، فما أجد فيه شيئًا. قال: فلما وليت قال: \"يا حذيفة، لا تُحْدِثَنّ في القوم شيئًا حتى تأتيني\". قال: فخرجت حتى إذا دنوت من عسكر القوم نظرت في ضوء نار لهم توقد، وإذا رجل أدهم ضخم يقول بيده على النار، ويمسح خاصرته، ويقول: [الرحيلَ الرحيل] [¬٨]. ولم أكن أعرف أبا سفيان قبل ذلك، فانتزعت سهمًا في كنانتي أبيض الريش، فأضعه في كَبَد قوسي لأرميه به في ضوء النار، فذكرت قول رسول الله، ﷺ: \"لا تحدثن فيهم شيئًا حتى تأتيني\". فأمسكت ورددت [¬٩] سهمي إلى كنانتي، ثم إني شَجَّعت نفسي حتى دخلت العسكر، فإذا أدنى الناس مني [¬١٠] بنو عامر يقولون: يا آل عامر؛ الرحيل الرحيلَ! لا مُقام لكم. وإذا الريح في عسكرهم ما تجاوز عسكرهم شبرًا، فوالله إني لأسمع صوت الحجارة في رحالهم وَفَرَسَتْهُمُ [¬١١] [¬١٢] الريح تضربهم بها ثم خرجت نحو النبي، ﷺ، فلما انتصفت في الطريق أو نحوًا من ذلك، إذا [] [¬١٣] أنا بنحو من عشرين فارسًا أو [¬١٤] نحو ذلك\n_________\n[¬١]- سقط من ز، خ. ومثبت من الدلائل.\n[¬٢]- في ت: \"ما\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"الأرض\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز والمثبت من الدلائل.\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"إن كان\".\n[¬٦]- سقط من: ز والمثبت من الدلائل.\n[¬٧]- سقط من: ز والمثبت من الدلائل.\n[¬٨]- ما بين المعكوفتين في خ، ز: \"الرجل الرجل\".\n[¬٩]- في ز: \"فرددت\".\n[¬١٠]- في خ، ز: \"معى\".\n[¬١١]- في خ، ز: \"ورشهم\".\n[¬١٢]- فرستهم: فتكت بهم. وهو على سبيل الاستعارة.\n[¬١٣]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"نحن\".\n[¬١٤]- في ز، خ: \"و\".","vol":"11","page":127},{"text":"مُعْتَمّين [¬١]، فقالوا: أخْبر صاحبك أن الله تعالى كَفاه القوم. فرجعت إلى رسول الله، ﷺ، وهو مشتمل في شملة يصلي، فو الله ما عدا أن رجعت رَاجَعَني القُرُّ وجعلت أقَرْقُفُ [¬٢] فأومأ إليَّ رسول الله، ﷺ، بيده [¬٣] وهو يصلي، فدنوت منه، فأسبل علي شملته، وكان رسول الله، ﷺ، إذا حَزَبه [¬٤] أمر صلى، فأخبرته خبر القوم، و[¬٥] أخبرته أنى تركتهم يترحلون، وأنزل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾.\nوأخرج أبو داود في سننه (^٣٤) منه: كان رسول الله، ﷺ، إذا حزبه أمر. من حديث عكرمة بن عمار، به.\nوقوله: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ﴾، أي: الأحزاب ﴿وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾، تقدم عن حذيفة أنهم بنو قريظة، ﴿وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾، أي: من شدة الخوف والفزع، ﴿وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾.\nقال ابن جرير: ظن بعض من كان مع رسول الله، ﷺ، أن الدائرة على المؤمنين، وأن الله سيفعل ذلك.\nوقال محمد بن إسحاق في قوله: ﴿وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾: ظن المؤمنون كل ظن، ونجم النفاق حتى قال مُعَتّب بن بشير [¬٦]-أخو بني عمرو بن عوف-: كان محمَّد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر، وأحدنا لا يقدر على أن مذهب إلى الغائط.\nوقال الحسن في قوله: ﴿وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾: ظنون مختلفة، ظن المنافقون أن محمدًا وأصحابه سيُستأصلون [¬٧]، وأيقن المؤمنون أن ما وعبد الله ورسوله حق. وأنه سيظهره على الدين كله ولو كره المشركون.\n_________\n(^٣٤) - سنن أبي داود في الصلاة، باب: وقت قيام النبي ﷺ من الليل، حديث (١٣١٩)، وأخرجه أحمد في (٥/ ٣٨٨) من طريق عكرمة بن عمار به أيضًا.\n_________\n[¬١]- في خ، ز: \"مقيمين\".\n[¬٢]- قرقف: أرعد.\n[¬٣]- سقط من: خ، ز.\n[¬٤]- حزبه أمر: نزل به هَمَّ، أو شغله غَمَّ.\n[¬٥]- سقط من: ز.\n[¬٦]- في ت: \"قشير\" وقد حكى ابن الأثير في أسد الغابة كلا القولين [٥/ ٢٢٥].\n[¬٧]- في ت: \"يستأصلون\".","vol":"11","page":128},{"text":"وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن عصام [¬١] الأنصاري. حدثنا أبو عامر (ح) وحدثنا أبي، حدثنا أبو عامر العقدي، حدثنا الزبير -يعني ابن عبد الله، مولى عثمان بن عفان- عن رُبيح بن عبد الرحمن بن أبي سعيد، عن أنس، عن أبي سعيد قال: قلنا يوم الخندق: يا رسول الله، هل من شيء نقول، فقد بلغت القلوب الحناجر؟ قال ﷺ: \"نعم، قولوا: اللهم، استر عوراتنا، وآمن روعاتنا\". قال: فضرب وجوه أعدائه بالريح، فهزمهم بالريح. وكذا رواه الإِمام أحمد بن حنبل عن أبي عامر العقدي (^٣٥).\n﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا (١١) وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إلا غُرُورًا (١٢) وَإِذْ قَالتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَاأَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إلا فِرَارًا (١٣)﴾\nيقول تعالى مخبرًا عن ذلك الحال، حين نزلت الأحزاب حول المدينة، والمسلمون محصووون في غاية الجهد والضيق، ورسول الله، ﷺ، بين أظهرهم، إنهم ابتُلوا واختُبروا وزُلزلرا زلزالًا شديدًا، فحينئذ ظهر النفاق، وتكلم الذين في قلوبهم مرض بما في\n_________\n(^٣٥) - وأخرجه أحمد (٣/ ٣) وإسناده ضعيف لضعف الزبير بن عبد الله، وربيح بن أبي سعيد. الزبير بن عبد الله: هو ابن أبي خالد الأموي، مولاهم، مولى عثمان بن عفان، وأبوه يقال له: ابن رهيمة، وهي أمه، قال أبو حاتم: صالح. وذكره ابن حبان في الثقات. وقال ابن معين: الزبير بن عبد الله يكتب حديثه. وذكر له ابن عدي أحاديث وقال: أحاديثه منكرة المتن والإسناد. وقال الحافظ في التقريب: مقبول. وربيح بن أبي سعيد: هو ربيح بن عبد الرحمن بن أبي سعيد، قال أحمد: ربيح رجل ليس بمعروف. وقال أبو زرعة: شيخ. وقال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به. وذكره ابن حبان في الثقات. وقيل: إن اسمه سعيد، وأن لقبه ربيح. وقال الترمذي في العلل الكبير عن البخاري: ربيح منكر الحديث. (التهذيب ٣/ ٢٣٨). وفي التقريب: مقبول. والحديث أخرجه ابن جرير في تفسيره - (٢١/ ١٢٧). وذكره الهيثمي في \"المجمع\" - (١٠/ ١٣٩) وقال: رواه أحمد والبزار وإسناد البزار متصل رجاله ثقات، وكذلك رجال أحمد إلا أن في نسختي من السند عن ربيح بن أبي سعيد، عن أبيه وهو في البزار: عن أبيه، عن جده. وزاد نسبته السيوطي في الدر المنثور - (٥/ ٣٥٥) لابن المنذر. قلت: والصحيح ما في مسند البزار وقد أثبتناه هنا، ثم إن ربيح هذا لم نجد أحدًا ذكر أنه يروي عن جده مباشرةً، ودون واسطة. فرحم الله سلفنا الصالح كم عانوا من سوء النسخ، ونحن بين الطبعات الفاخرة ومع ذلك فحدث ولا حرج عن الأخطاء التي توجد في الكتب المحققة في هذا الأيام وإلى الله المشتكى.\n_________\n[¬١]- في ت: \"عاصم\" وهو تحريف. انظر الجرح والتعديل [٢/ ٦٦].","vol":"11","page":129},{"text":"نفوسهم، ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إلا غُرُورًا﴾، أما المنافق فنجم [¬١] نفاقه، والذي في قلبه شبهة أو حسيكةٌ [¬٢]، ضَعُف حاله فتنفس بما يجده من الوسواس في نفسه، لضعف إيمانه، وشدة ما هو فيه من ضيق الحال. وقوم آخرون قالوا كما قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَاأَهْلَ يَثْرِبَ﴾، يعني المدينة كما جاء في الصحيح: \"أريت [في المنام] [¬٣] دارَ هجرتكُم أرض بين حَرّتين فذهب وهلي أنها هجر، فإذا هي يثرب\". وفي لفظ: \"المدينة\".\nفأما الحديث الذي رواه الإِمام أحمد (^٣٦): حدثنا إبراهيم بن مهدي، حدثنا صالح بن عمر، عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن البراء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"من سمى المدينة يثرب (٤) فليستغفر الله؛\n_________\n(^٣٦) - المسند (٤/ ٢٨٥). والحديث أخرجه أبو يعلى في \"مسنده\" (١٦٨٨) (٣/ ٢٤٧ - ٢٤٨). وعمر بن شبّة في \"تاريخ المدينة\" (١/ ١٦٥). من طريق صالح بن عمر عن يزيد بن أبي زياد به. وذكره الهيثمي في \"المجمع\" (٣/ ٣٠٣) وقال: رواه أحمد وأبو يعلى ورجاله ثقات. والحديث ذكره ابن حجر في \"القول المسدد\" (صـ ٤٠، ٤١) وقال: ذكره ابن الجوزي في الموضوعات من طريق أحمد بن إبراهيم الموصلي عن صالح بن عمر به. وأعله بيزيد بن أبي زيد ولم يصب، فإن يزيد وإن ضعفه بعضهم من قبل حفظه وبكونه كان يلقن فيتلقن في آخر عمره؛ فلا يلزم من شيء من ذلك أن يكون حمل ما يحدث به موضوعًا.\nوقد أورده الدارقطني في \"الأفراد\" وقال: تفرد به صالح بن عمر عن يزيد -يعني بهذا الإسناد وأخرجه ابن عدي في \"الكامل\" في ترجمه يزيد بن أبي زياد وضعف يزيد، وقد رواه أبو بكر بن مردويه في \"تفسيره\" من طريق أبي يوسف القاضي عن يزيد بن أبي زياد فقال: عن ابن عباس بدل: البراء، ولفظه: \"لا تدعوها \"يثرب\" فإنها طيبة - يعني المدينة، ومن قال: \"يثرب\" فليستغفر الله ثلاث مرات، هي طيبة: هي طيبة، وشاهده ما أخرجه مالك والبخاري ومسلم والنسائي من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"أمرت بقرية كل القرى يقولون: يثرب، وهي المدينة\". ا هـ\nوالحديث ضعفه الشيخ الألباني في \"ضعيف الجامع\" (٥٦٤٧).\n(*) يثرب: قال ابن الأثير: هي اسم مدينة النبي ﷺ، قديمة، فغيَّرها وسمَّاها: طَيَّبَة،\nوطابة؛ كراهية للتثريب، وهو اللوم والتعيير. وقيل: هو اسم أرضها. وقيل: سُمِّيت باسم رجل من\nالعمالقة. نهاية [٥/ ٢٩٣].\nقال المناوي: لأن اليثرب: الفساد، والتثريب: التوبيخ والمؤاخذة بالذنب واللوم، ولا يليق بها ذلك. وظاهر أمره بالاستغفار أن تسميتها لذلك حرام؛ لأن استغفارنا إنما هو عن خطيئة، وهو ظاهر كلام جمع منهم الدميري؛ قالوا: وتسميتها في التنزيل حكاية لقول المنافقين أو من باب مخاطبة الناس بما يعرفونه. ا. هـ والأكثر على الكراهة، ولا ينافي الكراهة ما في الصحيحين في حديث الهجرة: فإذا هي المدينة يثرب، وفي رواية: \"لا أراها إلا يثرب\" وإن ذلك كان قبل النهي كما ذكره السمهوديّ تبعا لصحاح الجوهري. فيض القدير شرح الجامع الصغير [٦/ ١٥٦].\n_________\n[¬١]- نجم الشيءُ: طلع وظهر. ونجم له رأيٌ: بدا.\n[¬٢]- الحسيكة: الحقد والعداوة.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.","vol":"11","page":130},{"text":"هي طابة، هي طابة\". تفرد به الإمام أحمد، - ففي [¬١] إسناده ضعف، والله أعلم.\nويقال: إنما كان أصل تسميتها \"يثرب\" برجل نزلها من العماليق، يقال له: يثرب بن عبيل ابن مهلابيل بن عوص بن عملاق بن [لاوذ بن إرم] [¬٢] بن سام بن نوح. قاله السهيلي، قال: وروي عن بعضهم أنه قال: إن لها أحد عشر اسمًا: المدينة، وطابة، وطَيبة، والمسكينة، والجابرة، والمحبة، والمحبوبة، والقاصمة، والمجبورة، والعذراء، والمرحومة.\nوعن كعب الأحبار قال: إنا نجد في التوراة: يقول الله للمدينة: يا طيبة، ويا طابة، ودا مسكينة [¬٣]، [لا تقلي الكنوز، أرفع أحاجرك على أحاجر القرى.\nوقوله] [¬٤]: ﴿لَا مُقَامَ لَكُمْ﴾: أي، هاهنا، يعنون عند النبي، ﷺ، في مقام المرابطة، ﴿فَارْجِعُوا﴾، أي [¬٥]: إلى بيوتكم ومنازلكم. ﴿وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ﴾، قال العوفّي، عن ابن عباس: هم بنو حارثة قالوا: بيوتنا نخاف [¬٦] عليها السَّرَق. وكذا قال غير واحد.\nوذكر ابن إسحاق أن القائل لذلك هو أوس بن قَيظيّ [¬٧]، يعني: اعتذروا في الرجوع إلى منازلهم بأنها عَورة، أي: ليس دونها ما يحجبها عن العدو، فهم يخشون عليها منهم. قال الله تعالى: ﴿وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ﴾، أي: ليست كما يزعمون، ﴿إِنْ يُرِيدُونَ إلا فِرَارًا﴾، أي: هَرَبًا من الزحف.\n﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إلا يَسِيرًا (١٤) وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا (١٥) قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَو الْقَتْلِ وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إلا قَلِيلًا (١٦) قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١٧)﴾\n_________\n[¬١]- في ز، خ: في. وصوبتها لكي يستقيم الكلام.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"لاذ بن آدم\".\n[¬٣]- في خ، ز: \"سكينة\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين بياض في خ، ز بمقدار سطر.\n[¬٥]- سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- سقط من: ز، خ.\n[¬٧]- في ز، خ: \"قبطي\".","vol":"11","page":131},{"text":"يخبر تعالى عن هؤلاء الذين ﴿يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إلا فِرَارًا﴾: أنهم لو دَخل عليهم الأعداء من كل جانب من جوانب المدينة، وقطر من أقطارها، ثم سئلوا الفتنة -وهي الدخول في الكفر- لكفروا سريعًا، وهم لا يحافظون على الإِيمان، ولا يستمسكون به مع أدنى خوف وفزع.\nهكذا فسرها [¬١] قتادة، وعبد الرحمن بن زيد، وابن جرير، وهذا ذم لهم في غاية الذم.\nثم قال تعالى يذكرهم بما كانوا عاهدوا الله من قبل هذا الخوف، أن لا يولوا الأدبار ولا يفروا [¬٢] من الزحف؛ ﴿وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا﴾ أي: وإن الله سيسألهم عن ذلك العهد، لا بد من ذلك، ثم أخبرهم أن فرارهم ذلك لا يؤخر آجالهم، ولا يطول أعمارهم، بل ربما كان ذلك سببًا في تعجيل أخذهم غرة؛ ولهذا قال: ﴿وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إلا قَلِيلًا﴾ أي: بعد هربكم وفراركم ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيرٌ لِمَنِ اتَّقَى﴾.\nثم قال: ﴿قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ﴾، أي: يمنعكم، ﴿مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾، أي: ليس لهم ولا لغيرهم من دون الله مجيرًا ولا مغيث [¬٣].\n﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَينَا وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إلا قَلِيلًا (١٨) أَشِحَّةً عَلَيكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيرِ أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (١٩)﴾\nيخبر تعالى عن إحاطة علمه بالمعوقين لغيرهم عن شهود الحرب، والقائلين لإِخوانهم، أي أصحابهم وعُشَرائهم وخلطائهم ﴿هَلُمَّ إِلَينَا﴾، أي: إلى ما نحن فيه من الإِقامة في الظلال والثمار، وهم مع ذلك ﴿وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إلا قَلِيلًا (١٨) أَشِحَّةً عَلَيكُمْ﴾ أي: بخلاء بالمودة والشفقة عليكم. وقال السدي: ﴿أَشِحَّةً عَلَيكُمْ﴾ أي في الغنائم.\n﴿فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾، أي: من شدة خرفه وجزعه، وهكذا خوف هؤلاء الجبناء من القتال ﴿فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"فسره\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"يفرون\".\n[¬٣]- في خ، ز: \"معينًا\".","vol":"11","page":132},{"text":"سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ﴾، أي: وإذا كان الأمن تكلموا كلامًا بليغًا فصيحًا عاليًا، وادعوا لأنفسهم المقامات العالية في الشجاعة والنجدة، وهم يكذبون في ذلك.\nوقال ابن عباس: ﴿سَلَقُوكُمْ﴾ أي: استقبلوكم.\nوقال قتادة: أما عند الغنيمة فأشح قوم، وأسوؤه مقاسمة: أعطونا، أعطونا، قد شهدنا معكم. وأما عند البأس فأجبن قوم، وأخذله للحق وهم مع ذلك أشحة على الخير، أي: ليس فيهم خير، قد جَمَعُوا الجبن والكذب وقلة الخير، فهم كما قال في أمثالهم الشاعر:\nأفي السلم أعْيَارًا جَفَاءً وغلْظَةً … وفي الحَرْب أمْثَال النّساء العَوَاركِ\nأي: في حال المسالمة كأنهم الحمير. والأعيار: جمع عير، وهم الحمار. وفي الحرب كأنهم النساء الحُيَّض؛ وهذا قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾، أي: سهلًا هينًا عنده.\n﴿يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إلا قَلِيلًا (٢٠)﴾\nوهذا أيضًا من صفاتهم القبيحة في الجبن والخوف والخور، ﴿يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا﴾، بل هم قريب منهم، وإن لهم عودة إليهم ﴿وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ﴾، أي: ويَوَدّون إذا جاءت الأحزاب أنهم لا يكونون حاضرين معكم في المدينة بل في البادية، يسألون عن أخباركم، وما كان من أمركم مع عدوكم، ﴿وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إلا قَلِيلًا﴾. أي: ولو كانوا بين أظهركم لما قاتلوا معكم إلا قليلًا لكثرة جبنهم وذلتهم، وضعف يقينهم.\n﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١) وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إلا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا (٢٢)﴾\nهذه الآية الكريمة أصل كبير في التأسي برسول الله، ﷺ، في أقواله وأفعاله وأحواله؛ ولهذا أمِرَ الناس بالتأسي بالنبي، ﷺ، يوم الأحزاب، في صبره ومصابرته ومرابطته ومجاهدته وانتظاره الفرج من ربه ﷿ صلواتُ الله وسلامه عليه دائمًا إلى يوم الدين؛ ولهذا قال تعالى للذين، [تقلقوا] وتضجروا وتزلزلوا واضطربوا في","vol":"11","page":133},{"text":"أمرهم يوم الأحزاب: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾، أي: هلا اقتديتم به وتأسيتم بشمائله؟ ولهذا قال: ﴿لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾.\nثم قال تعالى مخبرًا عن عباده المؤمنين المصدقين بموعود الله لهم، وجَعْله العاقبةَ حاصلةً لهم في الدنيا والآخرة، فقال: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾.\nقال ابن عباس وقتادة: يعنون قوله تعالى في \"سورة البقرة\": ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (٢١٤)﴾ أي هذا ما وعدنا الله ورسوله من الابتلاء والاختبار والامتحان الذي يعقبه النصر القريب؛ ولهذا قالوا [¬١]: ﴿وصدق الله ورسوله﴾.\nوقوله: ﴿وما زادهم إلا إيمانًا وتسليمًا﴾، دليل على زيادة الإيمان وقوته بالنسبة إلى الناس وأحوالهم، كما قاله جمهور الأئمة: إنه يزيد وينقص. وقد قررنا ذلك في أول \"شرح البخاري\"، ولله الحمد والمنة.\nومعنى قوله: ﴿وما زادهم﴾، أي: ذلك الحال والضيق والشدة ﴿إلا إيمانًا﴾ بالله، ﴿وتسليمًا﴾ أي: انقيادًا لأوامره، وطاعة لرسوله.\n﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا (٢٣) لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٢٤)﴾\nلما ذكر عن المنافقين أنهم نقضوا العهد الذي كانوا عاهدوا الله عليه [¬٢] لا يولون الأدبار - وصف المؤمنين بأنهم استمروا على العهد والميثاق و﴿صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه﴾، قال بعضهم: أجله. وقال البخاري: عهده، وهو يرجع إلى الأول.\n﴿ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلًا﴾، أي: وما غيروا عهد الله، ولا نقضوه ولا بدلوه.\nقال البخاري (^٣٧): حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، عن الزهري؛ قال: أخبرني خارجة\n_________\n(^٣٧) - صحيح البخاري في التفسير، باب ﴿فمنهم من قضى نحبه﴾ حديث (٤٧٨٤)، =\n_________\n[¬١]- في ت: \"قال\".\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.","vol":"11","page":134},{"text":"ابن زيد بن ثابت، عن أبيه قال: لما نسخنا المصحف فَقَدْتُ آيةً من سورة الأحزاب كنت أسمع رسول الله، ﷺ، يقرؤها، لم أجدها مع أحد إلا مع خزيمة بن ثابت الأنصاري- الذي جعل رسول الله، ﷺ، شهادته بشهادة رجلين-: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيهِ﴾.\nانفرد به البخاري دون مسلم. وأخرجه أحمد في مسنده، والترمذي والنسائي -في التفسير من سننيهما- من حديث الزهري، به. وقال الترمذي: حسن صحيح.\nوقال البخاري أيضًا (^٣٨): حدثنا محمد بن بشار، حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري، حدثني أبي، عن ثُمَامَةَ، عن أنس بن مالك قال: نرى هذه الآية نزلت في أنس بن النضر: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيهِ﴾. انفرد به البخاري من هذا الوجه، ولكن له شواهد من طرق أخر، قال الإِمام أحمد (^٣٩):\nحدثنا هاشم بن القاسم، حدثنا سليمان بي الغيرة، عن ثابت قال: قال أنس: عَمّي أنس بن النضر سُميت به، لم يشهد مع رسول الله، ﷺ، يوم بدر، فشق عليه وقال: أول مشهد شهده رسول الله، ﷺ، غُيبتُ عنه، لئن أراني الله مشهدًا فيما بعد مع رسول الله، ﷺ، لَيَرَيَنّ الله ما أصنع. قال: فهاب أن يقول غيرها، فشهد مع رسول الله، ﷺ، يوم [¬١] أحد، فاستقبل سعد بن معاذ فقال له أنس: يا أبا عمرو [¬٢]؛ أين؟ واهًا [¬٣] لريح الجنة أجده دون أحد! قال: فقاتلهم حتى قُتل، قال: فَوُجد في جسده بضع [¬٤] وثمانون من ضربة وطعنة ورمية، فقالت أخته - عمتى الربيعُ بنة النضر-: فما عرفت أخي إلا ببنانه. قال: فنزلت هذه الآية: ﴿رجال صدقوا ما\n_________\n= وأطرافه عند البخاري في (٢٨٠٧، ٤٠٤٩، ٤٦٧٩، ٤٩٨٦، ٤٩٨٩، ٧١٩١، ٧٤٢٥)، وأخرجه أحمد (٥/ ١٨٨، ١٨٩) والترمذي في تفسير القرآن باب: ومن سورة التوبة، حديث (٣١٠٤)، والنسائي في التفسير (٤٢١) من طريق الزهري به.\n(^٣٨) - صحيح البخاري في التفسير، باب ﴿فمنهم من قضى نحبه …﴾ الحديث (٤٧٨٣).\n(^٣٩) - المسند (٣/ ١٩٤)، وفيه قال أحمد: ثنا بهز وثنا هاشم قالا: ثنا سليمان بن المغيرة فذكره.\nوأخرجه مسلم في الإمارة، حديث (١٩٠١) من طرق عن هاشم بن القاسم له.\nوأخرجه مسلم في نفس الموضع، حديث (١٩٠٣)، والترمذي في التفسير، باب: \"ومن سورة الأحزاب\"، حديث (٣٢٠٠)، والنسائي في فضائل الصحابة (١٨٦)، وفي التفسير (٤٢٢) من طريق سليمان بن المغيرة به.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في ز، خ: \"عمر\".\n[¬٣]- واها: كلمة تحنن وتلهف. والقائل هو أنس بن النضر.\n[¬٤]- في ز، خ: \"بضعة\".","vol":"11","page":135},{"text":"عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ قال: فكانوا يرون أنها نزلت فيه وفي أصحابه.\nورواه مسلم والترمذي والنسائي، من حديث سليمان بن المغيرة. ورواه النسائي أيضًا وابن جرير (^٤٠)، من حديث حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس، به نحوه.\nوقال ابن أبي حاتم (^٤١): حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا حميد، عن أنس: أن عمه -يعني أنس بن النضر- غاب عن قتال بدر فقال: غُيّبتُ عن أول قتال قاتله رسول الله، ﷺ، المشركين، لئنِ الله أشهدني قتالًا للمشركين لَيَرَينّ الله ما أصنع. قال: فلما كان يوم أحد انكشف المسلمون، فقال: اللهم، إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء -يعني أصحابه- وأبرأ إليك مما جاء به هؤلاء -يعني المشركين- ثم تقدم فلقيه سعد -يعني ابن معاذ- دون أحد، فقال: أنا معك. قال سعد: فلم أستطع أن أصنع ما صنع. قال: فوجد فيه بضع وثمانون ضربة سيف، وطعنة رمح، ورمية سهم. وكانوا يقولون فيه وفي أصحابه: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ﴾.\nوأخرجه الترمذي في التفسير عن عبد بن حميد، والنسائي فيه أيضًا عن إسحاق بن إبراهيم، كلاهما، عن يزيد بن هارون، به. وقال الترمذي: حسن.\nوقد رواه البخاري (^٤٢) في المغازي عن حسان بن حسان، عن محمد بن طلحة بن مُصرّف، عن حميد، عن [¬١] أنس، به. ولم يذكر نزول الآية.\nورواه ابن جرير (^٤٣) من حديث المعتمر بن سليمان، عن حميد، عن أنس، به.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن الفضل العسقلاني، حدثنا سليمان بن أيوب بن سليمان بن عيسى بن مرسى بن طلحة بن عبيد الله، حدثني أبي، عن جدي، عن موسى بن طلحة، عن أبيه طلحة قال: لما أن رجع النبي، ﷺ، من أحد صعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، وعَزّى المسلمين بما أصابهم، وأخبرهم بما لهم فيه من الأجر والذخر،\n_________\n(^٤٠) - أخرجه النسائي في التفسير (٤٢٢)، وأحمد (٣/ ٢٥٣)، والطبري من طريق حماد به.\n(^٤١) - الحديث أخرجه أحمد (٣/ ٢٠١)، وعبد بن حميد (١٣٩٦)، والترمذي في التفسير، باب: ومن سورة الأحزاب، حديث (٣٢٠١)، والنسائي في التفسير (٤٢٣) من طريق يزيد بن هارون به.\n(^٤٢) - صحيح البخاري في المغازي، باب غزوة أحد، حديث (٤٠٤٨) والحديث عند البخاري أيضًا في الجهاد والسير، باب قول الله ﷿ ﴿من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه﴾ حديث (٢٨٠٥) من طريق حميد الطويل به نحوه.\n(^٤٣) - تفسير الطبري (٢١/ ١٤٧).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"بن\".","vol":"11","page":136},{"text":"ثم قرأ هذه الآية: ﴿رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيهِ﴾ الآية كلها. فقام إليه رجل [¬١] من المسلمين فقال: يا رسول اللَّه، من هؤلاء؟ فأقبلت وعَليّ ثوبان أخضران حَضْرَميَّان فقال: \"أيها السائل، هذا منهم\".\nوكذا رواه ابن جرير (^٤٤) من حديث سليمان بن أيوب الطلحي به.\nوأخرجه الترمذي في التفسير والمناقب أيضًا، وابن جرير (^٤٥)، من حديث يونس بن بكير، عن طلحة بن يحيى، عن موسى وعيسى ابني [¬٢] طلحة، عن أبيهما، له. وقال: حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث يونس.\nوقال أيضًا (^٤٦): حدثنا أحمد بن عصام الأنصاري، حدثنا أبو عامر -يعني العقدي- حدثنا إسحاق -يعني ابن طلحة بن عبيد الله- عن موسى بن طلحة قال: [دخلت على معاوية ﵁ فلما خرجت دعاني فقال: ألا أضع عندك يا بن أخي حديثًا سمعته من رسول الله ﷺ؟ أشهد لَسَمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: \"طلحة ممن قضى نحبه\".\nورواه ابن جرير (^٤٧): حدثنا أبو كريب، حدثنا عبد الحميد الحمّاني، عن إسحاق بن يحيى بن طلحة الطلحي، عن موسى بن طلحة قال] [¬٣]: قام معاوية بن أبي سفيان فقال: إني سمعت رسول الله، ﷺ، يقول: \"طلحة ممن قضى نحبه\".\nولهذا قال مجاهد في قوله: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾، قال: عهده، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ﴾، قال: يومًا فيه قتال فيصدق في اللقاء.\nوقال الحسن: ﴿فمنهم من قضى نحبه﴾، يعني موته على الصدق والوفاء، ﴿ومنهم من ينتظر﴾ الموت على مثل ذلك، ومنهم من لم يبدل تبديلًا، وكذا قال قتادة وابن زيد. وقال بعضهم: ﴿نحبه﴾: نذره وقوله: ﴿وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ أي: وما غيروا عهدهم، وبدلوا\n_________\n(^٤٤) - تفسير الطبري (٢١/ ١٤٧).\n(^٤٥) - سنن الترمذي في تفسير القرآن، باب: ومن سورة الأحزاب، حديث (٣٢٠٣)، وفي المناقب، باب: مناقب طلحة بن عبيد الله حديث (٣٧٤٢)، الطبري (٢١/ ١٤٧) من طريق يونس بن بكير به. وأخرجه ابن أبي عاصم في السنة (١٣٩٩)، وأبو يعلى في مسنده (٦٦٣) من طريق يونس به.\n(^٤٦) - سنن الترمذي في تفسير القرآن، حديث (٣٢٠٢)، وفي المناقب، حديث (٣٧٤٠) وأخرجه ابن أبي عاصم في السنة (١٤٠١) وابن ماجه في المقدمة حديث (١٢٦، ١٢٧) من طريق إسحاق بن يحيى به.\n(^٤٧) - تفسير الطبري (٢١/ ١٤٧)، وانظر السابق.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في ز، خ: \"بن\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.","vol":"11","page":137},{"text":"الوفاء بالغدر، بل استمروا على ما عاهدوا الله عليه، وما نقضوه كفعل المنافقين الذين قالوا: ﴿إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إلا فِرَارًا﴾ ﴿وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ﴾.\nوقوله: ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيهِمْ﴾، أي: إنما يختبر عباده بالخوف والزلزال فيميز [¬١] الخبيث من الطيب، فيظهر أمر هذا بالفعل، وأمر [¬٢] هذا بالفعل. مع أنه تعالى يعلم الشيء قبل كونه، ولكن لا يعذب الخلق بعلمه فيهم، حتى يعملوا بما يعلمه فيهم، كما قال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ فهذا علم بالشيء بعد كونه وإن كان العلم السابق حاصلًا به قبل وجوده. وكذا قال تعالى: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيبِ﴾، لهذا قال هاهنا: ﴿ليجزي الله الصادقين بصدقهم﴾، أي: بصبرهم على ما عاهدوا الله عليه، وقيامهم به، ومحافظتهم عليه. ﴿ويعذب المنافقين﴾، وهم الناقضون لعهد الله، المخالفون لأوامره، فاستحقوا بذلك عقابه وعذابه، ولكن هم تحت مشيئته في الدنيا، إن شاء [¬٣] استمر بهم على ما فعلوه حتى يلقوه به فيعذبهم عليه، وإن شاء تاب عليهم بأن أرشدهم إلى النزوع عن النفاق إلى الإِيمان، وعمل الصالح بعد الفسوق والعصيان [¬٤]. ولما كانت رحمته ورأفته بخلقه هي الغالبة [¬٥] لغضبه قال: ﴿إن الله كان غفورًا رحيمًا﴾.\n﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَال وَكَانَ اللَّهُ قَويًّا عَزِيزًا (٢٥)﴾\nيقول تعالى مخبرًا عن الأحزاب، لما أجلاهم عن المدينة، بما أرسل عليهم من الريح والجنود الإلهية- ولولا أن جعل الله رسوله رحمة للعالمين؛ لكانت هذه الريح عليهم أشد من الريح العَقيم على عاد، ولكن قال الله تعالى: ﴿وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم﴾، فسلط عليهم هواء فرق شملهم، كما كان سبب اجتماعهم من الهوى، وهم أخلاط من قبائل شتى، أحزاب وآراء، فناسب أن يرسل عليهم الهواء الذي فرق جماعتهم، وردهم خائبين خاسرين بغيظهم وحَنقَهم، لم ينالوا خيرًا لا في الدنيا، مما كان في أنفسهم من الظفر والمغنم، ولا في الآخرة مما تحملوه من الآثام في مبارزة الرسول، ﷺ، بالعداوة، وهمهم بقتله، واستئصال جيشه. ومن هم بشيء وصدق هَمَّه بفعله فهو في الحقيقة كفاعله.\n_________\n[¬١]- في ت: \"ليميز\".\n[¬٢]- سقط من: خ، ز.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"إن\".\n[¬٤]- سقط من: خ، ز.\n[¬٥]- في خ، ز: \"الغاية\".","vol":"11","page":138},{"text":"وقوله: ﴿وكفى الله المؤمنين القتال﴾، أي: لم يحتاجوا إلى منازلتهم ومبارزتهم حتى يجلوهم عن بلادهم؛ بل كفى الله وحده [¬١]، ونصر عبده، وأعز جنده؛ ولهذا قال رسول الله، ﷺ: \"لا إله إلا الله وحده، صدق وعده، ونصر عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده، فلا شيء بعده\". أخرجاه من حديث أبي هريرة (^٤٨).\nوفي الصحيحين (^٤٩) من حديث إسماعيل بن أبي خالد، عن عبد الله بن أبي أوفى قال: دعا رسول الله، ﷺ، على الأحزاب فقال: \"اللهم، منزل الكتاب، سريع الحساب، اهزم الأحزاب، اللهم، اهزمهم وزلزلهم\".\nوفي قوله: ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَال﴾ - إشارة إلى وضع الحرب بينهم وبين قريش، وهكذا وقع بعدها، لم يغزهم المشركون بل غزاهم المسلمون في بلادهم.\nقال محمد بن إسحاق (^٥٠): لما انصرف أهل الخندق عن الخندق؛ قال رسول الله، ﷺ فيما بلغنا-: \"لن تغزوكم قريش بعد عامكم هذا، ولكنكم تغزونهم [¬٢] \". فلم تغز قريش بعد ذلك، وكان هو يغزوهم بعد ذلك، حتى فتح الله عليه مكة.\nوهذا الحديث الذي ذكره محمد بن إسحاق، حديث صحيح، كما قال الإمام أحمد (^٥١):\nحدثنا يحيى، عن سفيان حدثني أبو إسحاق قال [¬٣]: سمعت سليمان بن صُرَد يقول: قال رسول الله، ﷺ، يوم الأحزاب: \"الآن نغزوهم ولا يغزونا\".\nوهكذا رواه البخاري في صحيحه من حديث الثوري وإسرائيل عن أبي إسحاق به.\nوقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ قَويًّا عَزِيزًا﴾، أي: بحوله وقوته، ردهم خائبين، لم ينالوا\n_________\n(^٤٨) - صحيح البخاري في المغازي، باب غزوة الخندق وهي الأحزاب حديث (٤١١٣)، وصحيح مسلم في الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، حديث (٢٧٢٤) من طريق أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة.\n(^٤٩) - صحيح البخاري في الجهاد والسير، باب: الدعاء على المشركين بالهزيمة والزلزلة، حديث (٢٩٣٣)، وفي المغازي، باب غزوة الخندق، حديث (٤١١٥)، وفي الدعوات، باب: الدعاء على المشركين، حديث (٦٣٩٢)، وفي التوحيد، باب: قوله تعالى: ﴿أنزله بعلمه والملائكة يشهدون﴾، حديث (٧٤٨٩)، ومسلم في الجهاد والسير، باب: استحباب الدعاء والنصر عند لقاء العدو، حديث (١٧٤١) (٢١) من طريق إسماعيل بن أبي خالد به.\n(^٥٠) - سيرة ابن هشام (٣/ ٢٠٦) ورواه البيهقي في دلائل النبوة بسنده إلى ابن إسحاق.\n(^٥١) - المسند (٤/ ٢٦٢)، (٦/ ٢٩٤)، وأخرجه البخاري في المغازي، كتاب غزوة الخندق، حديث (٤١٠٩، ٤١١٠) من طرق عن أبي إسحاق به.\n_________\n[¬١]- سقط من: خ، ز.\n[¬٢]- في ز، خ: \"تغزوهم\".\n[¬٣]- سقط في: ز، خ.","vol":"11","page":139},{"text":"خيرًا، وأعز الله الإسلام وأهله، وصدق وعده، ونصر رسوله وعبده، فله الحمد والمنة.\n﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا (٢٦) وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرًا (٢٧)﴾\nقد تقدم أن بني قريظة لما قدمت جنود الأحزاب ونزلوا على المدينة، نقضوا ما كان بينهم وبين رسول الله، ﷺ، من العهد، وكان ذلك بسفارة حُييّ بن أخطب النَّضري -لعنه الله- دخل حصنهم، ولم يزل بسيدهم كعب بن أسد حتى نقض العهد، وقال له فيما قال: ويحك. قد جئتك بعز الدهر، أتيتك بقريش وأحابيشها، وغطفان وأتباعها، ولا يزالون هاهنا حتى يستأصلوا محمدًا وأصحابه.\nفقال له كعب: بل والله أتيتني بذل الدهر، ويحك يا حييّ، إنك مشئوم، فدعنا منك. فلم يزل يفتل في الذروة والغَارب (١) حتى أجابه، واشترط له حييّ إن ذهب الأحزاب، ولم يكن من أمرهم شيء، أن يدخل معهم في الحصن، فيكون له أسوتهم، فلما نَقَضت قريظةُ، وبلغ ذلك رسولَ الله، ﷺ، ساءه، وشق عليه وعلى المسلمين جدًّا، فلما أيد الله ونَصَر، وكبت الأعداء وردهم خائبين بأخسر صفقة، ورجع رسول الله، ﷺ، إلى المدينة مؤيدًا منصورًا، ووضع الناس السلاح، فبينما رسول اللَّه، ﷺ، يغتسل من وعثاء [¬٢] تلك المرابطة في بيت أم سلمة إذ تبدى له جبريل معتجزًا [¬٣] بعمامة من إستبرق، على بغلة عليها قطفة ديباج، فقال: أوضعت السلاح يا رسول الله؟ قال: \"نعم\". قال: لكن الملائكة لم تضع أسلحتها، وهذا الآن رجوعي من طلب القوم. ثم قال: إن الله يأمرك أن تنهض إلى بني قريظة- وفي رواية فقال له: عذيرك من مقاتل، أوضعتم السلاح؟ قال: \"نعم\" قال: لكنا لم نضع أسلحتنا بعد، انهض إلى هؤلاء، قال: \"أين؟ \" قال: بني قريظة، فإن الله أمرني أن أزلزل عليهم. فنهض رسول الله ﷺ من فوره، وأمر الناس بالمسير إلى بني قريظة، وكانت على أميال من المدينة، وذلك بعد صلاة الظهر، وقال: \"لا يصلين أحد منكم العصر إلا في بني قريظة\" (^٥٢).\n_________\n(^٥٢) - روى ذلك عن البيهقي في دلائل النبوة (٤/ ٧، ٨) من حديث عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن عمه عبيد الله بن مالك أن رسول الله ﷺ لما رجع من طلب الأحزاب وضع عنه اللأمة=\n_________\n[]- الغارب: مُقَدَّم السّنَام، والذروة أعلاه. أراد أنه ما زال يخادعه ويتلطفه حتى وافقه.\n[¬٢]- الوعثاء: المشقة والتعب.\n[¬٣]- في ت: \"متعجرًا\". والاعتجار بالعمامة: هو أن يَلُفَّها على رأسه ويردَّ طرفها على وجهه، ولا يعمل منها شيئًا تحت ذقنه. النهاية [٣/ ١٨٥].","vol":"11","page":140},{"text":"فسار الناس، فأدركتهم الصلاة في الطريق، فصلى بعضهم في الطريق وقالوا: لم يرد منا رسول الله، ﷺ، إلا تعجيل السير، وقال آخرون: لا نصليها إلا في بني قريظة. فلم يُعَنِّف واحدًا من الفريقين. وتبعهم رسول الله، ﷺ، وقد استخلف على المدينة ابن أم مكتوم، وأعطى الراية لعليّ بن أبي طالب.\nثم نازلهم رسول الله، ﷺ، وحاصرهم خمسًا وعشرين ليلة، فلما طال عليهم الحال نزلوا على حكم سعد بن معاذ سيد الأوس، لأنهم كانوا حلفاءهم في الجاهلية، واعتقدوا أنه يحسن إليهم في ذلك، كما في عبد الله بن أبيّ ابن سلول في مواليه بني قينقاع، حين استطلقهم من رسول الله ﷺ، فظن هؤلاء أن سعدًا سيفعل فيهم كما فعل ابن أبيّ في أولئك، ولم يعلموا أن سعدًا ﵁ كان قد أصابه سهم في أكحَله أيام الخندق، فكواه رسول الله ﷺ في أكحله، وأنزله في قبة في المسجد ليعوده من قريب.\nوقال سعد فيما دعا به، اللهم، إن كنت أبقيت من حرب قريش شيئًا فأبقني لها. وإن كنت وضت الحرب بيننا وبينهم، فافجرها ولا تمتني حتى تُقر عيني من بني قريظة. فاستجاب الله دعاءه، وقَدّر عليهم أن نزلوا على حكمه باختيارهم طلبًا [¬١] من تلقاء أنفسهم، فعند ذلك استدعاه رسول الله، ﷺ، من المدينة ليحكم فيهم، فلما أقبل وهو راكب [على حمار] [¬٢] قد وطئوا له عليه؛ جعل الأوس يلوذون به ويقولون: يا سعد؛ إنهم مواليك، فأحسن فيهم، ويرققونه [¬٣] عليهم ويعطفونه، وهو ساكت لا يرد عليهم، فلما أكثروا عليه قال: لقد آن لسعد أن لا تأخذه في الله لومة لائم. فعرفوا أنه غير مستبقيهم. فلما دنا من الخيمة التي فيها رسول الله، ﷺ، قال رسول الله، ﷺ: \"قوموا إلى سيدكم\". فقام إليه المسلمون، فأنزلوه إعظامًا وإكرامًا واحترامًا له في محل ولايته، ليكون أنفذ لحكمه فيهم، فلما جلس قال له رسول الله، ﷺ: \"إن هؤلاء -وأشار إليهم- قد نزلوا على حكمك، فاحكم فيهم بما شئت\". قال: وحكمي نافذ عليهم؟ قال: \"نعم\". قال: وعلى من في هذه الخيمة؟ قال: \"نعم\". قال: وعلى من هاهنا. وأشار إلى الجانب الذي فيه رسول الله، ﷺ، وهو معرض بوجهه عن رسول الله، ﷺ، إجلالًا وإكرامًا وإعظامًا، فقال له رسول الله ﷺ: \"نعم\". فقال: إني أحكم أن تقتل مُقَاتلتهم، وتسبى ذريتهم وأموالهم. فقال له رسول الله ﷺ: \"لقد حكمت بحكم الله من فوق سبعة\n_________\n= واغتسل. بالحديث وأصل القصة في البخاري كتاب المغازي، حديث (٤١٢٢) من حديث عائشة.\n_________\n[¬١]- سقط من: خ، ز.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٣]- في ت: \"يرفقونه\".","vol":"11","page":141},{"text":"أرقعة\" وفي رواية: \"لقد حكمت بحكم الملك\" (^٥٣).\nثم أمر رسول الله، ﷺ، بالأخاديد فخُذتْ في الأرض، وجيء بهم مكتفين، فضرب أعناقهم، وكانوا ما بين السبعمائة إلى الثمانمائة، وسبى من لم يُنبت منهم مع النساء، وأموالهم. وهذا كله مقرر مفصل بأدلته وأحاديثه وبسطه في كتاب السيرة، الذي أفردناه موجزًا ومقتصًّا، ولله الحمد والمنة.\nولهذا قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ﴾، أي: عاونوا الأحزاب وساعدوهم على حرب رسول الله، ﷺ ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ يعني بنى قريظة من اليهود، من بعض أسباط بنى إسرائيل، كان قد نزل آباؤهم الحجاز قديمًا، طمَعًا في اتباع النبيّ الأميّ الذي يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل، ﴿فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به﴾ فعليهم لعنة الله.\nوقوله: ﴿مِنْ صَيَاصِيهِمْ﴾ يعني: حصونهم. كذا قال مجاهد وعكرمة، وعطاء والسدي، وقتادة، وغيرهم، ومنهم سميت صياصي البقر، وهي قرونها لأنها أعلى شيء فيها ﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾، وهو الخوف؛ لأنهم كانوا مالئوا المشركين على حرب رسول الله، ﷺ، وليس من يعلم كمن لا يعلم، فأخافوا المسلمين وراموا قتلهم ليَعزوا [في الدنيا] [¬١]، فانعكس عليهم الحال، وانقلب الفال، انشمر المشركون ففازوا بصفقة المغبون، فكما راموا العز أذِلوا [¬٢]، وأرادوا استئصال المسلمين فاستؤصلوا، وأضيف إلى ذلك شقاوة الآخرة، فصارت الجملة أن هذه هي الصفقة الخاسرة؛ ولهذا قال تعالى: ﴿فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾، فالذين قتلوا هم المقاتلة، والأسراء هم الأصاغر والنساء.\nقال الإمام أحمد (^٥٤): حدثنا هُشَيم بن بشير، أخبرنا عبد الملك بن عمير، عن عطية القرظي قال: عُرضتُ على النبي، ﷺ، يوم قريظة فشكوا فيّ، فأمر بي النبي، ﷺ، أن ينظروا: هل أنبت بعد؟ فنظروا فلم يجدوني أنبت [بعد] [¬٣]. فخلى عني وألحقني بالسبي.\n_________\n(^٥٣) - السيرة النبوية (٣/ ١٩٢ - ١٩٣).\n(^٥٤) - المسند (٤/ ٣٨٣)، (٥/ ٣١١)، وأخرجه أحمد (٤/ ٣١٠، ٣٨٣)، (٥/ ٣٨٣)، وأبو داود في الحدود، باب: في الغلام يصيب الحد، حديث (٤٤٠٤، ٤٤٠٥)، والترمذي في السير، باب في النزول على الحكم، حديث (١٥٨٤)، والنسائي في الطلاق، باب: متى يقع طلاق الصبي (٦/ ١٥٥)، وفي قطع السارق، باب حد البلوغ .... (٨/ ٩٢)، وابن ماجه في الحدود، باب: من لا يجب عليه الحد، حديث (٢٥٤١، ٢٥٤٢) من طرق عن عبد الملك بن عمير به.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٢]- في ت: \"ذلوا\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من ت.","vol":"11","page":142},{"text":"وكذا رواه أهل السنن كلهم من طرق، عن عبد الملك بن عمير، به. وقال الترمذي: حسن صحيح.\nورواه النسائي (^٥٥) أيضًا، من حديث ابن جريج، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن عطية، بنحوه.\nوقوله: ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالهُمْ﴾، أي: جعلها لكم من قتلكم لهم ﴿وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا﴾، قيل: خيبر. وقيل: مكة. رواه مالك، عن زيد بن أسلم، وقيل: فارس والروم. وقال ابن جرير: يجوز أن يكون الجميع مرادًا.\n﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرًا﴾ قال الإمام أحمد (^٥٦):\nحدثنا يزيد، أخبرنا محمد بن عمرو، عن أبيه، عن جده علقمة بن وقاص قال: أخبرتني عائشة قالت: خرجت يوم الخندق أقفو الناس، فسمعت وئيد [¬١] [¬٢] الأرض ورائي، فإذا أنا بسعد بن معاذ و[¬٣] معه ابن أخيه الحارث بن أوس يحمل مجَنَّه، قالت: فجلست إلى الأرض فمر سعد وعليه درع من حديد [¬٤] قد خرجت منه أطرافه، فأنا أتخوف على أطراف سعد، قالت: وكان سعد من أعظم الناس وأطولهم، فمر وهو يرتجز ويقول:\nليت قليلًا [¬٥] يشهدُ الهيجا حَمَل … ما أحسن الموتَ إذا حان الأجل!\nقالت: فقمت فاقتحمت حديقة فإذا فيها نفر من المسلمين، وإذا فيها عمر بن الخطاب، وفيهم رجل عليه تَسْبغَة [¬٦] [¬٧] له - تعني المغفر- فقال عمر: ما جاء بك؟ لعمري والله إنك لجريئة [¬٨]، وما يؤمنُك أن يكون بلاء أو [¬٩] يكون تَحوّز [¬١٠]. قالت: فما زال يلومني حتى\n_________\n(^٥٥) - سنن النسائي الكبرى، كتاب السير، باب: حد الإدراك حديث (٨٦١٩)، وأخرجه الحميدي (٨٨٩) عن سفيان عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: سمعت رجلًا في مسجد الكوفة يقول: كنت يوم كلم سعد ابن معاذ في بني قريظة غلامًا فشكوا في، فنظروا إلى فلم يجدوا المواس جرت على فاستبقيت.\n(^٥٦) - المسند (٦/ ١٤١ - ١٤٢)، وانظر التالي.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"ويير\".\n[¬٢]- الوئيد: صوت شدَّة الوطء على الأرض يُسمَع كالدَّويِّ من بُعدٍ.\n[¬٣]- سقط في: ز، خ.\n[¬٤]- في ز، خ: \"حديث\".\n[¬٥]- مكررة في خ، ز.\n[¬٦]- في خ: \"نسيعة\"، وفي ز: \"نشيعة\".\n[¬٧]- جاء في المعجم الوسيط (سبغ): تسبغة الخوزة: ما توصل به من حلق الدروع فتستر العُنُق.\n[¬٨]- في ز رسمت هكذا: \"نخريه\" وفي خ: تحريه.\n[¬٩]- في ز: \"أن\".\n[¬١٠]- قال ابن الأثير [٥/ ٤٥٩]: هو من قوله تعالى: ﴿أو متحيزًا إلى فئة﴾ أي منضمًا إليها.","vol":"11","page":143},{"text":"تمنيت أن الأرض انشقت بي [¬١] ساعتئذ، فدخلت فيها. فرفع الرجل التسبغة [¬٢] عن وجهه، فإذا هو طلحة بن عبيد الله فقال: يا عمر، ويحك! إنك قد أكثرت منذ اليوم، وأين التّحَوّز أو الفرار إلا إلى الله تعالى؟ قالت: ويرمي سعدًا رجل من قريش، يقال له: ابن العَرقة بسهم له وقال له: خذها وأنا ابن العَرقة! فأصاب [¬٣] أكْحَلَه فقطعه، فدعا الله سعد فقال: اللهم؛ لا تمتني حتى تُقر عيني من قريظة. قالت: وكانوا حلفاءه ومواليه في الجاهلية، قالت: فرقًا [¬٤] كَلْمُه، وبعث الله الريح على المشركين، وكفى الله المؤمنين القتال، وكان الله قويًّا عزيزًا. فلحق أبو سفيان ومن معه بتهامة، ولحق عيينة بن بدر ومن معه بنجد، ورجعت بنو قريظة فتحصنوا في صياصيهم، ورجع رسول الله، ﷺ، إلى المدينة وأمر بقبة من أدم فضربت على سعد في المسجد، قالت: فجاءه جبريل ﵇ وإن على ثناياه لنقع الغبار، فقال: أو قد وضعت السلاح؟ لا، والله ما وضعت الملائكة بعد السلاح، اخرج إلى بنى قريظة فقاتلهم. قالت [¬٥]: فلبس رسول الله ﷺ لأمته وأذن في الناس بالرحيل أن يخرجوا، [فخرج رسول الله، ﷺ] [¬٦]، فمر علي بني غَنم [¬٧] وهم جيران المسجد حوله، فقال: من مر بكم؟ قالوا: مر بنا دحية الكلبيّ - وكان دحية الكلبيّ تشبه لحيته وسنه ووجهه جبريل ﵊ فأتاهم رسول الله، ﷺ، فحاصرهم خمسًا وعشرين ليلة، فلما اشتد حصارهم واشتد البلاء قيل لهم: انزلوا على حكم رسول الله، ﷺ، فاستشاروا أبا لبابة بن عبد المنذر، فأشار إليهم أنه الذبح. قالوا: ننزل على حكم سعد بن معاذ [فقال رسول الله، ﷺ: \"انزلوا على حكم سعد بن معاذ\". فنزلوا وبعث رسول الله، ﷺ، إلى سعد بن معاذ] [¬٨] فأتي به على حمارٍ عليه إكاف [¬٩] من ليف قد حُمل عليه، وحَفّ به قومه، فقالوا: يا أبا عمرو، حلفاؤك ومواليك وأهل النّكاية [¬١٠] ومن قد علمت. قالت: ولا يرجعُ إليهم شيئًا، ولا يلتفت إليهم، حتى إذا دنا من دورهم التفت إلى قومه فقال: قد آن لي أن لا أبالي في الله لومة لائم، قال: قال أبو سعيد: فلما طلع قال رسول الله، ﷺ: \"قوموا إلي سيدكم فأنزلوه\". فقال عمر: سيدنا الله. قال: \"أنزلوه\". فأنزلوه، قال رسول الله، ﷺ: \"احكم فيهم\". قال سعد: فإني أحكم فيهم أن تقتل مقاتلتهم، وتسبى ذراريهم، وتقسم أموالهم، فقال رسول الله، ﷺ:\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"لي\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"المسبغة\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"فأصابت\".\n[¬٤]- رقأ الدم: سكن وجفَّ وانقطع بعد جريانه. والكلْم: الجرح.\n[¬٥]- في ز، خ: \"قال\".\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٧]- في خ، ز: \"تميم\".\n[¬٨]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٩]- الإكاف: البرذعة التي توضع على ظهر الحمار.\n[¬١٠]- في ز، خ: \"الكتابة\".","vol":"11","page":144},{"text":"\"لقد حكمت فيهم بحكم الله وحكم رسوله\". ثم دعا سعد فقال: اللهم؛ إن كنت أبقيتَ على نبيك من حرب قريش شيئًا فأبقني لها، وإن كنت قطعت الحرب بينه وبينهم فاقبضني إليك. قال: فانفجر كَلْمُه، وكان قد برئ منه إلا مثل الخُرْص [¬١]، ورجع إلى قبته التي ضرب عليه رسول الله، ﷺ.\nقالت عائشة: فَحَضَره [¬٢] رسولُ الله ﷺ وأبو [¬٣] بكر، وعمر. قالت: فوالذي نفس محمد بيده، إني لأعرف بكاء أبي بكر من بكاء عمر، وأنا في حجرتي، وكانوا كما قال الله تعالى: ﴿رحماء بينهم﴾.\nقال علقمة: فقلت: أي أمّه؛ فكيف [¬٤] كان رسول الله، ﷺ، يصنع؟ قالت: كانت عينه لا تدمع على أحد، ولكنه كان إذا وجد فإنما هو آخذ بلحيته.\nوقد أخرج البخاري ومسلم (^٥٧) من حديث عبد الله بن نمير، عن هشام بن عروة، عن أبيه عن عائشة نحوًا من هذا، ولكنه [¬٥] أخصر منه، وفيه دُعاء سعد ﵁.\n﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالينَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (٢٨) وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا (٢٩)﴾\nهذا أمر من الله لرسوله [¬٦]، ﷺ، بأن يخير نساءه بين أن يفارقهن، فيذهبن إلى غيره ممن يَحصُلُ لهن [من] عنده الحياةُ الدنيا وزينتها، وبين الصبر على ما عنده من ضيق الحال، ولهن عند الله في ذلك الثواب الجزيل: فاخترن ﵅ وأرضاهن- الله ورسوله والدار الآخرة، فجمع الله لهن بعد ذلك بين خير الدنيا وسعادة الآخرة.\n_________\n(^٥٧) - صحيح البخاري في المغازي، باب فرجع النبي ﷺ من الأحزاب ومخرجه إلى بني قريظة، حديث (٤١٢٢)، ومسلم في الجهاد والسير، باب: إخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب، حديث (١٧٦٩) من حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة.\n_________\n[¬١]- الخرص: الحلقة الصغيرة من الذهب أو الفضة.\n[¬٢]- في ز، خ: \"ويحضره\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"أبي.\n[¬٤]- في ز، خ: \"كيف\".\n[¬٥]- في ز، خ: \"لكن\".\n[¬٦]- في ز، خ: \"رسوله\".","vol":"11","page":145},{"text":"قال البخاري (^٥٨): حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، عن الزهريّ، قال [¬١]: أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن، أن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ أخبرته: أن رسول الله ﷺ جاءها حين أمره الله أن يخير أزواجه، فبدأ بي رسول الله ﷺ فقال: \"إني ذاكر لك أمرًا، فلا عليك أن تستعجلي حتى تستأمري أبويك\". وقد عَلِمَ أن أبويّ لم يكونا يأمراني بفراقه، قالت: ثم قال: إن الله قال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ﴾ إلى تمام الآيتين، فقلت له: ففي أي هذا استأمر أبويّ، فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة؟\nوكذا رواه معلقًا عن الليث: حدثني يونس، عن الزهريّ، عن أبي سلمة، عن عائشة، فذكره وزاد، قالت: ثم فعل أزواج النبي ﷺ مثل ما فعلت (^٥٩).\nوقد حكى البخاريّ أن معمرًا اضطرب، فتارة رواه عن الزهري، عن أبي سلمة، وتارة رواه عن الزهري، عن عروة، عن عائشة.\nوقال ابن جرير (^٦٠): حدثنا أحمد بن عَبدة الضبي، حدثنا أبو عوانة، عن عمر بن أبي سلمة، عن أبيه قال: قالت عائشة: لما نزل الخيار قال لي رسول الله ﷺ: \"إني أريد أن أذكر لك أمرًا، فلا تقضي فيه شيئًا حتى تستأمري أبويك\". قالت: قلت: وما هو يا رسول الله؟ قال [¬٢]: فردّه عليها فقالت: فما هو يا رسول الله؟ قالت: فقرأ عليها: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾ إلى آخر الآية، قالت: فقلت: بل نختار الله ورسوله والدار الآخرة. قالت: ففرح بذلك النبي ﷺ.\nوحدثنا ابن وكيع (^٦١)، حدثنا محمد بن بشر، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن عائشة ﵂، قالت: لما نزلت آية التخيير، بدأ بي رسول الله ﷺ، فقال: \"يا عائشة؛ إني عارض عليك أمرًا، فلا تفتاتي فيه بشيء [¬٣] حتى تعرضيه على أبويك أبي بكر وأم رومان\". فقلت: يا رسول الله؛ وما هو؟ قال: قال الله ﷿:\n_________\n(^٥٨) - صحيح البخاري كتاب التفسير، باب: ﴿قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ حديث (٤٧٨٥)، وأخرجه مسلم في الطلاق، حديث (١٤٧٥) من طريق يونس بن يزيد عن الزهري به.\n(^٥٩) - صحيح البخاري في التفسير، باب: ﴿وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجرًا عظيمًا﴾.\n(^٦٠) - تفسير الطبري (٢١/ ١٥٧)، وأخرجه أحمد (٦/ ٧٧، ١٥٢) من طريق أبي عوانة به.\n(^٦١) - تفسير الطبري (٢١/ ١٥٨)، وأخرجه أحمد (٦/ ٢١١) عن محمد بن بشر به.\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- في ز، خ: \"قالت\".\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.","vol":"11","page":146},{"text":"﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالينَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾. قالت: فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة، ولا أؤامر في ذلك أبويّ أبا بكر وأم رومان، فضحك رسول الله ﷺ ثم استقرأ الحُجَر فقال: \"إن عائشة قالت كذا وكذا\". فقلن: ونحن نقول مثل ما قالت عائشة. ﵅ كلهن.\nورواه ابن أبي حاتم، عن أبي سعيد الأشج، عن أبي أسامة، عن محمد بن عمرو، به.\nقال ابن جرير (^٦٢): وحدثنا سعيد بن يحيى الأموي، حدثنا أبي، عن محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عَمرة، عن عائشة أن رسول الله ﷺ لما نزل إلى نسائه أمر أن يخيرهن، فدخل عَليّ فقال: \"سأذكر لك أمرًا فلا تعجلي حتى تستشيري أباك\": فقلت. وما هو يا نبي الله؟ قال: \"إني أمرت أن أخيركن\"، وتلا عليها آية التخيير، إلى آخر الآيتين. قالت: فقلت: وما الذي تقول لا تستعجلي [¬١] حتى تستشيري أباك؟ فإني أختار الله ورسوله. فَسُرّ بذلك، وعَرَض على نسائه فتتابعن كُلّهن، فاخترن الله ورسوله.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا يزيد بن سنان البصري، حدثنا أبو صالح عبد الله بن صالح، حدثني الليث، حدثني عُقَيل، عن الزهريّ، أخبرني عبيد الله بن [عبد الله بن] [¬٢] أبي ثَور، عن ابن عباس ﵄ قال: قالت عائشة ﵂: أنزلت آية التخيير، فبدأ بي أول امرأة من نسائه، فقال: إني ذاكر لك أمرًا، فلا عليك أن لا تعجلي حتى تستأمري أبويك\" قالت: قد عَلِمَ أن أبويّ لم يكونا يأمراني بفراقه قالت: ثم قال: إن الله قال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ …﴾ الآيتين. قالت عائشة: فقلت: أفي هذا أستأمر أبويّ؟ فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة. ثم خير نساءه كلهن، فقلن مثل ما قالت عائشة ﵅.\nوأخرجه البخاري ومسلم جميعًا (^٦٣) عن قتيبة عن الليث عن الزهري عن عروة عن عائشة مثله.\nوقال الإمام أحمد (^٦٤): حدثنا أبو معاودة، حدثنا الأعمش، عن مسلم بن صبيح، عن\n_________\n(^٦٢) - تفسير الطبري (٢١/ ١٥٨).\n(^٦٣) - لم أجده بهذا الإسناد فيهما، ولا ذكره الحافظ المزي في تحفة الأشراف.\n(^٦٤) - المسند (٦/ ٤٥، ٤٧)، وأخرجه البخاري في الطلاق باب: من خير أزواجه، حديث (٥٢٦٢)، ومسلم في الطلاق حديث (١٤٧٧) (٢٨) من طريق الأعمش به.\n_________\n[¬١]- في ت: \"تعجلي\".\n[¬٢]- سقط في: ز، خ.","vol":"11","page":147},{"text":"مسروق، عن عائشة قالت: خيرنا رسول الله ﷺ فاخترناه، فلم يعدها علينا شيئًا. أخرجاه من حديث الأعمش.\nوقال الإمام أحمد (^٦٥): حدثنا أبو عامر عبد الملك بن عمرو، حدثنا زكريا بن إسحاق، عن أبي الزبير، عن جابر قال: أقبل أبو بكر ﵁ يستأذن على رسول الله ﷺ، والناس ببابه جلوس، والنبي ﷺ جالس. فلم يؤذن له. ثم أقبل عمر فاستأذن فلم يؤذن له. ثم أذن لأبي بكر وعمر فدخلا، والنبي ﷺ جالس وحوله نساؤه، وهو ساكت، فقال عمر: لأكلمن النبي ﷺ لعله يضحك، فقال عمر: يا رسول الله؛ لو رأيت ابنة زيد -امرأة عمر- سألتني النفقة آنفًا، فوجأت عُنقها، فضحك النبي ﷺ حتى بدا ناجذه. وقال: \"هن حولي يسألنني النفقة\". فقام أبو بكر ﵁ إلى عائشة ليضربها، وقام عمر ﵁ إلى حفصة، كلاهما يقولان: تسألان النبي ﷺ ما ليس عنده! فنهاهما رسول الله ﷺ فقلن نساؤه: والله لا نسأل رسول الله بعد هذا المجلس ما ليس عنده. قال: وأنزل الله ﷿ الخيار، فبدأ بعائشة فقال: \"إني أذكر لك أمرًا ما أحب أن تعجلي فيه حتى تستأمري أبويك\". قالت: وما هو؟ قال: فتلا عليها: ﴿يا أيها النبي قل لأزواجك …﴾ الآية. قالت عائشة ﵂: أفيك أتستأمر أبوي، بل أختار الله ورسوله، وأسألك أن لا تذكر لامرأة من نسائِك ما اخترت. فقال: \"إن الله تعالى لم يبعثني معنفًا، ولكن بعثني معلمًا ميسرًا، لا تسألني امرأة منهن عما اخترت إلا أخبرتُها\". انفرد بإخراجه مسلم [¬١] دون البخاري، فرواه هو والنسائي، من حديث زكريا بن إسحاق المكيّ به.\nوقال عبد الله ابن الإمام أحمد (^٦٦): حدثنا سريج [¬٢] بن يونس، حدثنا علي بن هاشم بن البريد، عن محمد بن عبيد [الله بن عليّ] [¬٣] بن أبي رافع، عن عثمان بن عليّ بن الحسين،\n_________\n(^٦٥) - المسند (٣/ ٣٢٨)، وأخرجه مسلم في الطلاق، حديث (١٤٧٨)، والنسائي في الكبرى كتاب عشرة النساء، باب: إذا لم يجد الرجل ما ينفق على امرأته هل يخير امرأته، حديث (٩٢٠٨) من طريق زكريا بن إسحاق به.\n(^٦٦) - المسند (١/ ٧٨)، وأخرجه في نفس الموضع عن يحيى بن أيوب عن علي بن هاشم به.\nومحمد بن عبيد الله أبي رافع منكر الحديث وقد وقع اسمه في جميع النسخ \"محمد بن عبيد الله بن أبي رافع\" والصواب \"عبيد الله أبي رافع\" بدون (ابن) وهو منكر الحديث ترجمته في التاريخ الكبير للبخاري (١/ ١٧١)، وانظر تعليق العلامة أحمد شاكر على المسند (٢/ ٣٠) حديث (٥٨٨، ٥٨٩).\n_________\n[¬١]- سقط في: ز، خ.\n[¬٢]- في ز، خ: \"شريح\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.","vol":"11","page":148},{"text":"عن أبيه، عن علي ﵁: أن رسول الله ﷺ خَيّر نساءه الدنيا والآخرة، ولم يخيرهن الطلاق.\nوهذا منقطع، وقد رُوي عن الحسن وقتادة وغيرهما نحو ذلك. وهو خلاف الظاهر من الآية، فإنه قال: ﴿فَتَعَالينَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ أي: أعطيكن حقوقكن، وأطلق سراحكن.\nوقد اختلف العلماء في جواز تزويج غيره لهن لو طلقهن، على قولين، وأصحهما: نعم لو وقع، ليحصل المقصود من السراح، والله أعلم.\nقال عكرمة: وكان تحته يومئذ تسع نسوة، خمس من قريش: عائشة، وحفصة، وأم حبيبة، وسودة، وأم سلمة، وكانت تحته ﷺ صفية بنت حُييّ النَّضَريَّة، وميمونة بنت الحارث الهلالية، وزينب بنت جحش الأسدية، وجويرية بنت الحارث المصطلقية، ﵅ وأرضاهن.\n﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَينِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (٣٠) وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَينِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا (٣١)﴾\nيقول تعالى واعظًا نساء النبي ﷺ اللاتي اخترن الله ورسوله والدار الآخرة، واستقر أمرهن تحت رسول الله ﷺ أن يخبرهن [¬١] بحكمهن دون سائر النساء، بأن [¬٢] من يأت منهن بفاحشة مبينة -قال ابن عباس: وهي النشوز وسوء الخلق- وعلى كل تقدير فهو شرط، والشرط لا يقتضي الوقوع، كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾، وكقوله: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ (٨١)﴾ ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٤)﴾ فلما كانت محلتهن رفيعة، ناسب أن يجعل الذنب لو وقع منهن مغلظًا، صيانة لجنابهن وحجابهن الرفيع؛ ولهذا قال: ﴿مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَينِ﴾. قال مالك عن زيد بن أسلم: ﴿يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَينِ﴾. قال: في الدنيا والآخرة.\nوعن ابن أبي نجيح، [عن مجاهد] [¬٣] مثله.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"يخترن\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"فإن\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.","vol":"11","page":149},{"text":"﴿وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ أي: سهلًا هينًا ثم، ذكر عدله وفضله في قوله: ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾، أي: يطيع [¬١] الله ورسوله ويستجيب ﴿نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَينِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا﴾، أي: في الجنة، فإنهن في منازل رسول الله ﷺ، في أعلى عليين، فوق منازل جميع الخلائق، في الوسيلة التي هي أقرب منازل الجنة إلى العرش.\n﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٣٢) وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (٣٣) وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا (٣٤)﴾\nهذه آداب أمر الله بها نساء النبي ﷺ، ونساء الأمة تبع لهن في ذلك، فقال مخاطبًا لنساء النبي بأنهن إذا اتقين الله كما أمرهن، فإنهن [¬٢] لا يشبههن أحد من النساء، ولا يلحقهن في الفضيلة والمنزلة، ثم قال: ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ﴾. قال السدي وغيره: يعني بذلك ترقيق الكلام إذا خاطبن الرجال، ولهذا قال: ﴿فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾، أي: دَغَل، ﴿وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ قال ابن زيد: قولًا حسنًا جميلًا معروفًا في الخير، ومعنى هذا أنها تخاطب الأجانب بكلام ليس فيه ترخيم، أي: لا تخاطب المرأة الأجانب كما تخاطب زوجها.\nوقوله: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾، أي: الزمن بيوتكن فلا تخرجن لغير حاجة. ومن الحوائج الشرعية الصلاة في المسجد بشرطه، كما قال رسول الله ﷺ: \"لا تمنعوا إماء الله مساجد الله، وليخرجن وهن تَفِلاتٌ\" [¬٣]. وفي رواية: \"وبيوتهن خير لهن\" (^٦٧).\n_________\n(^٦٧) - أخرجه أحمد (٢/ ٤٣٨، ٤٧٥، ٥٢٨)، وأبو داود في الصلاة، باب: ما جاء في خروج النساء إلى المسجد، حديث (٥٦٥) والدارمي (١٢٨٢)، وابن خزيمة (١٦٧٩) من طرق عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة به مرفوعًا. =\n_________\n[¬١]- في ت: \"يطع\".\n[¬٢]- في ت: \"فإنه\".\n[¬٣]- غير متعطرات.","vol":"11","page":150},{"text":"وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا حميد بن مسعدة [¬١]، حدثنا أبو رجاء الكلبيّ: روح بن المسيب -ثقة- حدثنا ثابت البناني، عن أنس ﵁ قال: جئن النساء إلى رسول الله ﷺ فقلن: يا رسول الله؛ ذهب الرجال بالفضل والجهاد في سبيل الله تعالى، فما لنا عمل ندرك به عمل المجاهدين في سبيل الله؟ فقال رسول اللَّه ﷺ: \"من قعد -أو كلمة نحوها- منكن في بيتها فإنها تدرك عمل المجاهد [¬٢] في سبيل الله\".\nثم قال: لا نعلم رواه عن ثابت إلا روح بن المسيب وهو رجل من أهل البصرة مشهور.\nوقال البزار (^٦٨) أيضًا: حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا عمرو بن عاصم، حدثنا همام، عن قتادة، عن مُوَرِّق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله، عن النبي ﷺ قال: \"إن المرأة عورة، فإذا خرجت استشرفها الشيطان وأقرب ما تكون بروحة ربها وهي في قعر بيتها\".\nورواه الترمذي عن بندار عن عمرو بن عاصم به نحوه.\nوروى البزار بإسناده المتقدم، وأبو داود أيضًا (^٦٩)، عن النبي ﷺ قال: \"صلاة المرأة في مخدعها أفضل من صلاتها في بيتها، وصلاتها في بيتها أفضل من صلاتها في حجرتها\". وهذا إسناد جيد.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾، قال مجاهد: كانت المرأة تخرج تمشي بين يدي الرجال، فذلك تبرج الجاهلية.\nوقال قتادة: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ يقول: إذا خرجتن من بيوتكن -وكانت لهن مشية وتكسر وتغنج [¬٣]- فنهى اللَّه عن ذلك.\n_________\n= وروى أوله البخاري في صحيحه في الجمعة، حديث (٩٠٠)، ومسلم في الصلاة، حديث (٤٤٢) (١٣٦) من حديث عبد الله بن عمر، والرواية الثانية: \"وبيوتهن خير لهن\" عند أبي داود في الصلاة، باب ما جاء في خروج النساء إلى المسجد، حديث (٥٦٧) من حديث ابن عمر.\n(^٦٨) - مسند البزار (٢٠٦١) وأخرجه الترمذي في الرضاع، باب: (١٨)، حديث (١١٧٣) عن محمد بن بشار عن عمرو بن عاصم به مختصرًا، وأخرجه ابن خزيمة (١٦٨٥) عن أبي موسى عن عمرو بن عاصم به.\n(^٦٩) - مسند البزار (٢٠٦٠)، وسنن أبي داود في الصلاة، باب: التشديد في ذلك، حديث (٥٧٠) عن ابن المثنى بإسناد البزار السابق. وأخرجه ابن خزيمة (١٦٨٨، ١٦٩٠) من طريقين عن عمرو بن عاصم به.\n_________\n[¬١]- في خ، ز: \"مسعود\".\n[¬٢]- في ت: \"المجاهدين\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"وتقبح\".","vol":"11","page":151},{"text":"وقال مقاتل بن حيان: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾، والتبرج: أنها تلقى [¬١] الخمار على رأسها، ولا تشده فيواري قلائدها وقرطها وعنقها، ويبدو ذلك كله منها، وذلك التبرج، ثم عمت نساء المؤمنين في التبرج.\nوقال ابن جرير (^٧٠): حدثني ابن [¬٢] زهير، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا داود -يعني ابن أبي الفرات- حدثنا علي بن أحمر، عن عكرمة عن ابن عباس قال: تلا هذه الآية: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾. قال: كانت فيما بين نوح وإدريس، فكانت [¬٣] ألف سنة، وإن بطنين من ولد آدم كان أحدهما يسكن السهل، والآخر يسكن الجبل، وكان رجال الجبل صباحًا وفي النساء دمامة، وكان نساء السهل صباحًا وفي الرجال دمامة، وإن إبليس أبي رجلًا من أهل السهل في صورة غلام، فآجر [¬٤] نفسه منه، فكان يخدمه واتخذ إبليس شيئًا مثل الذي يزمر فيه الرعاء، فجاء فيه بصوت لم يسمع الناس مثله، فبلغ ذلك من حوله، فانتابوهم يسمعون إليه، واتخذوا عيدًا يجتمعون إليه في السنة، فيتبرَّجُ [النساء للرجال] [¬٥]- قال: ويتزين [¬٦] الرجال لهن، وإن رجلًا من أهل الجبل هَجَم عليهم في عيدهم ذلك، فرأى النساء وصباحتهن، فأتى أصحابه فأخبرهم بذلك، فتحولوا إليهن. فنزلوا معهن وظهرت الفاحشة فيهن، فهو قوله تعالى: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾.\nوقوله: ﴿وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ نهاهن أولًا عن الشر ثم أمرهن بالخير، من إقامة الصلاة -وهي: عبادة الله وحده لا شريك له- وإيتاء الزكاة، وهي: الإحسان إلى المخلوقين، ﴿وأطعن الله ورسوله﴾، وهذا من باب عطف العام على الخاص.\nوقوله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ وهذا نص في دخول أزواج النبي ﷺ في أهل البيت هاهنا. لأنهن سبب نزول هذه [¬٧] الآية، وسبب النزول داخل في قولًا واحدًا إما وحده على قول أو مع غيره على الصحيح.\nوروى ابن جرير، عن عكرمة أنه كان ينادي في السوق: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾، نزلت في نساء النبي ﷺ خاصة،\n_________\n(^٧٠) - تفسير الطبري (٢٢/ ٤)، وأخرجه الحاكم في المستدرك والبيهقي في شعب الإيمان (٥٤٥١)، وزاد السيوطي في الدر المنثور (٥/ ٣٧٤) إلى ابن المنذر، وابن أبي حاتم وابن مردويه.\n_________\n[¬١]- في خ: \"ترمي\".\n[¬٢]- سقط من: خ، ز.\n[¬٣]- في ت: \"وكانت\".\n[¬٤]- في خ: \"فأخرجه\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"الرجال للنساء\".\n[¬٦]- في خ، ز: \"وينزل\".\n[¬٧]- سقط من: خ، ز.","vol":"11","page":152},{"text":"وهكذا روى ابن أبي حاتم قال [¬١]: حدثنا علي بن حرب الموصلي، حدثنا زيد بن الحباب، حدثنا حسين بن واقد، عن يزيد النحوي، عن عكرمة عن ابن عباس في قوله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيتِ﴾، قال: نزلت في نساء النبي ﷺ خاصة.\nوقال عكرمة: من شاء باهلته (*) أنها نزلت في أزواج النبي ﷺ (^٧١).\nفإن كان المراد أنهن كن سبب النزول دون غيرهن فصحيح، وإن أريد أنهن المراد فقط دون غيرهن، ففي هذا نظر؛ فإنه قد وردت أحاديث تدل على أن المراد أعم من ذلك:\n(الحديث الأول): قال الإمام أحمد (^٧٢): حدثنا عفان، حدثنا حماد، أخبرنا علي بن زيد، عن أنس بن مالك ﵁ قال: إن رسول الله ﷺ كان يمر بباب فاطمة ستة أشهر إذا خرج إلى صلاة الفجر، يقول: الصلاة يا أهل البيت، ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾.\nورواه الترمذي عن عبد بن حميد عن عفان به، وقال: حسن غريب.\n(حديث آخر)، قال ابن جرير (^٧٣): حدثنا ابن وكيع، حدثنا أبو نعيم، حدثنا يونس بن أبي إسحاق، أخبرني أبو داود، عن أبي الحمراء قال: رابطت المدينة سبعة أشهر على عهد رسول الله ﷺ، [قال: رأيت رسول الله ﷺ] [¬٢] إذا طلع الفجر، جاء إلى باب عليّ وفاطمة فقال: \"الصلاة الصلاة، ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾.\nأبو داود الأعمى هو نفيع [¬٣] بن الحارث كذّاب.\n_________\n(*) بأهل القومُ بعضُهم بعضًا: اجتمعوا وتداعَوا، فاستنزلوا لعنة الله على الظالم منهم.\n(^٧١) - عزاه السيوطي في الدر المنثور (٥/ ٣٧٦) إلى ابن أبي حاتم وابن عساكر.\n(^٧٢) - المسند (٣/ ٢٨٥)، وأخرجه عبد بن حميد (١٢٣٠ منتخب) - وعنه الترمذي في السنن، كتاب تفسير القرآن، باب: ومن سورة الأحزاب حديث (٣٢٠٦) - عن عفان به. وأخرجه أحمد (٣/ ٢٥٩) من طريق حماد بن سلمة به.\n(^٧٣) - تفسير الطبري (٢٢/ ٦)، وزاد السيوطي في الدر المنثور (٥/ ٣٧٨) إلى ابن مردويه، وإسناد الحديث ضعيف جدًّا؛ نفيع بن الحارث أبو داود الأعمى متروك كذبه ابن معين، وهو من رجال التهذيب روى له الترمذي وابن ماجة.\n_________\n[¬١]- سقط من: خ، ز.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٣]- في ز، خ: \"بضع\".","vol":"11","page":153},{"text":"(حديث آخر): وقال الإِمام أحمد أيضًا (^٧٤): حدَّثنا محمد بن مصعب، حدثنا الأوزاعي، حدَّثنا شداد أَبو [¬١] عَمار قال: دخلت على واثلة بن الأسقع وعنده قوم، فذكروا علي ﵁ فلما قاموا قال لي: ألا أخبرك بما رأيتُ من رسول الله ﷺ؟ قلت.\" بلى. قال: أتيت فاطمة أسألها عن عليّ فقالت: تَوَجَّه إلى رسول الله ﷺ، فجلست أنتظره حتَّى جاء رسول الله ﷺ ومعه عليّ [¬٢] وحسن وحسين، آخذ كل واحد منهما بيده حتَّى دخل، فأدنى عليًّا وفاطمة وأجلسهما بين يديه، وأجلس حسنًا وحسينًا كل واحد منهما على فخذه، ثم لف عليهم ثوبه -أو قال: كساءه - ثم تلا هذه الآية: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾، \"اللَّهُم؛ هؤلاء أهل بيتي، وأهل بيتي أحق\".\nوقد رواه أَبو جعفر بن جرير (^٧٥) عن عبد الكريم بن [¬٣] أَبى عمير، عن الوليد بن مسلم، عن أبي عمرو الأوزاعي بسنده نحوه، زاد في آخره: قال واثلة: فقلت: وأنا، يا رسول اللَّه - صلى الله عليك - من أهلك؟ قال: \"وأنت من أهلي\". قال واثلة: إنها من أرجى ما أرتجي.\nثم رواه أيضًا (^٧٦) عن عبد الأعلى بن واصل [¬٤]، عن الفضل بن دكين، عن عبد السلام بن حرب، عن كلثوم المحاربي، عن شداد أبي [¬٥] عمار قال [¬٦]: إني لجالس عند واثلة بن الأسقع، إذ ذكروا عليًّا فشتموه، فلما قاموا قال: اجلس حتَّى أخبرك عن الذي شتموه: إني عند رسول الله ﷺ إذ جاء على وفاطمة وحسن وحسين فألقى ﷺ عليهم كساء له، ثم قال: \"اللهم؛ هؤلاء أهل بيتي، اللهم أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرًا\". قلت: يا رسول الله؟ وأنا؟ قال: \"وأنت\". قال: فوالله إنها لأوثق عملي عندي.\n[حديث آخر] [¬٧]: قال الإِمام أحمد (^٧٧): حدَّثنا عبد الله بن نمير، حدَّثنا عبد الملك بن\n_________\n(^٧٤) - المسند (٤/ ١٠٧)، وأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٧/ ٥٠١) عن محمد بن مصعب به، وأخرجه الحاكم (٢/ ٤١٦) والبيهقي في السنن (٢/ ١٥٢) من طريق الوليد بن مزيد عن الأوزاعي به. وانظر الحديثين التاليين.\n(^٧٥) - تفسير الطبري (٢٢/ ٧).\n(^٧٦) - تفسير الطبري (٢٢/ ٦، ٧).\n(^٧٧) - المسند (٦/ ٢٩٢) وللحديث طرق أخرى عن أم سلمة يأتي تخريجها عند المصنف.\n_________\n[¬١]- في خ، ز: \"بن\".\n[¬٢]- سقط من: خ، ز.\n[¬٣]- في ز: عن، وسقط من: خ.\n[¬٤]- في خ، ز: \"زامل\".\n[¬٥]- في ز، خ: ابن أبي.\n[¬٦]- سقط في: ز، خ.\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين سقط في: ز، خ.","vol":"11","page":154},{"text":"أبي سليمان، عن عصاء بن أبي رباح، حدثني منى سمع أم سلمة لذكر أن النبي ﷺ كان في بيتها، فأتته فاطمة ﵂ ببرمة فيها خزيرة (*)، فدخلت بها عليه فقال لها: \"ادعي زوجك وابنيك [¬١] \". قالت: فجاء عليّ وحسن وحسين فدخلوا عليه، فجلسوا يأكلون من تلك الخزيرة، وهو على منامة (**) له على دكان تحته كساء خيبري، قالت: وأنا في الحجرة أصلى، فأنزل الله ﷿ هذه الآية: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ قالت: فأنزل فضل الكساء فغطاهم به، أخرج [¬٢] يده فألوى بها إلى السماء، ثم قال: \"اللهم؛ هؤلاء أهل بيتي وحامَّتِي (* * *)، فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرًا\". قالت: فأخلت رأسي البيت، فقلت: وأنا معكم يا رسول الله؟ فقال: \"إنك إلى خير إنك إلى خير\".\nفي إسناده من لم يسم [¬٣] وهو شيخ عطاء وبقية رجاله ثقات.\n(طريق أخرى)، قال الإِمام أحمد (^٧٨): حدَّثنا محمد بن جعفر، حدَّثنا عوف، عن أبي المعدل [عطية] (* * **) الطفاوي، عن أبيه أن أم سلمة حدثته قالت: بينما رسول الله ﷺ في بيتي يومًا؛ [إذ قالت] [¬٤] الخادم: إن فاطمة وعليًّا بالسدة (* * * * *) قالت: فقاله لي: قومي فتَنَحي عن أهل بيتي. قالت: فقمت فتنحيت في البيت قريبًا، فدخل علي وفاطمة، ومعهما الحسن والحسين، وهما صبيان صغيران، فأخذ الصبيين فوضعهما في حجره فقبلهما، واعتنق عليًّا بإحدى يديه وفاطمة باليد الأخرى، وقبل فاطمة وقبل عليًّا، وأغدف [¬٥] (* * * * * *) عليهم خَميصَة سوداء وقال: (اللهم)؛ إليك لا إلى النار أنا وأهل بيتي\". قالت: قلت [¬٦]: وأنا يا رسول الله؟ صلى الله عليك! قال: \"وأنت\".\n_________\n(*) الخزيرة: لحم يقطع صغارًا ويصب عليه ماء كثير، فإذا نضح ذر عليه الدقيق.\n(**) أي قطفة.\n(* * *) في ت: خالتي، كذا في مطبوعة المسند، والمثبت من ز، خ، وكذا هو في مخطوطة المسند الأزهرية، وحامة الإنسان: خاصته ومن يقرب منه، وهو الحميم أيضًا. [النهاية: ١/ ٤٤٦].\n(^٧٨) - المسند (٦/ ٢٩٦)، وأخرجه في (٤/ ٣٠٦) عن عبد الوهاب بن عطاء عن عوف به.\n(* * **) في ز، خ: عن عطية، وهو تحريف؛ لأن عطية هو نفسه أَبو المعدل.\n(* * * * *) السدة كالظلة على الباب، لتقي الباب من المطر، وقيل: هي الباب نفسه، وقيل: الساحة بين يديه. النهاية [٢/ ٣٥٣].\n(* * * * * *) أي: أرسلها وأصبلها.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"وبنيك\".\n[¬٢]- في ت: \"أخرجه\".\n[¬٣]- في خ، ز: \"يسمع\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين في ز: \"فقالت\".\n[¬٥]- في ز: \"أغرف\".\n[¬٦]- في ت: \"فقلت\".","vol":"11","page":155},{"text":"(طريق أخرى) قال ابن جرير (^٧٩): حدَّثنا أَبو كريب، [حدَّثنا الحسن بن عطية] [¬١]، حدَّثنا فضيل بن مرزوق، عن عطية، عن أبي سعيد، عن أم سلمة أن هذه الآية نزلت في بيتها ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾، قالت: وأنا جالسة على باب البيت فقلت: يا رسول الله؛ ألستُ من أهل البيت؟ فقال: \"إنك إلي خير، أنت من أزواج النبي\" ﷺ، قالت: وفي البيت رسول الله ﷺ وعليّ، وفاطمة، والحسن، والحسين، ﵃.\n(طريق أخرى): رواه ابن جرير أيضًا (^٨٠)، عن أبي كريب، عن وكيع، عن عبد الحميد بن بهرام، عن شهر بن حوشب عن أم سلمة بنحوه.\n(طريق أخرى): قال ابن جرير (^٨١): حدَّثنا أَبو كريب، حدَّثنا خالد بن مخلد، حدثني موسى بن يعقوب، حدثني هاشم بن هاشم بن عتبة بن أبي وقاص، عن عبد الله بن وَهْب بن زمعة قال: أخبرتني أم سلمة ﵂ أن رسول الله ﷺ جمع فاطمة والحسن والحسين، ثم أدخلهم تحت ثوبه، ثم جأر إلى الله ﷿ ثم قال: \"هؤلاء أهل بيتي\". قالت أم سلمة: فقلت: يا رسول الله، أدخلني معهم. فقال: \"أنت من أهلي\".\n(طريق أخرى): رواه ابن جرير أيضًا (^٨٢) عن أحمد بن محمد الطوسي، عن عبد الرحمن بن صالح، عن محمد بن سليمان الأصبهاني، عن يحيى بن عبيد المكي، عن عطاء، عن عمر بن أبي سلمة، عن أمه بنحو ذلك.\n(طريق أخرى): قال ابن جرير (^٨٣): حدَّثنا أَبو كريب، حدَّثنا مصعب بن المقدام، حدَّثنا سعيد بن زَرْبيّ، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، عن أم سلمة قالت: جاءت فاطمة إلى رسول الله ﷺ ببُرْمة لها، قد صنعت فيها عَصيدة تحملها على\n_________\n(^٧٩) - تفسير الطبري (٧/ ٢٢)، وأخرجه الخطيب في تاريخه (١٠/ ٢٧٨) من طريق عمران بن مسلم عن عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري نحوه.\n(^٨٠) - المصدر السابق (٢٢/ ٧).\n(^٨١) - أخرجه الطَّبري في تفسيره (٧/ ٢٢) عن أبي كريب عن وكيع عن عبد الحميد عن شهر عن فضيل بن مرزوق بنفس الإسناد السابق، وأخرجه في (٦/ ٢٢) عن موسى بن عبد الرحمن المسروقي عن يحيى بن إبراهيم عن هلال بن مقلاص، عن زياد عن شهر عن أم سلمة.\n(^٨٢) - تفسير الطبري (٢٢/ ٨).\n(^٨٣) - تفسير الطبري (٢٢/ ٧).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.","vol":"11","page":156},{"text":"طبق، فوضعتها بين يديه فقال: \"أين ابن عمك وابناك؟ \" فقالت: في البيت. فقال: \"ادعيهم\"، فجاءت إلى عليّ فقالت: أجِبْ رسولَ الله أنت وابناك. قالت أم سلمة: فلما رآهم مقبلين مد يده إلى كساء كان على المنامة، فمده وبسطه، وأجلسهم عليه، ثم أخذ بأطراف الكساء الأربعة بشماله، فضمه فوق رءوسهم، وأومأ بيده اليمنى إلى ربه ﷿ فقال: \"اللهم؛ هؤلاء [¬١] أهل البيت، فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرًا\".\n(طريق أخرى): قال ابن جرير (^٨٤): حدَّثنا ابن حميد، حدَّثنا عبد الله بن عبد القدوس، عن الأعمَش، عن حكيم بن سعد قال: ذكرنا عليّ بن أبي طالب عند أم سلمة، فقالت: في بيتي نزلت: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾. قالت أم سلمة: جاء رسول الله ﷺ إلى بيتي فقال: \"لا تأذني لأحد\". فجاءت فاطمة فلم أستطع أن أحجبها عن أبيها. ثم جاء الحسن فلم أستطع أن أحجبه عن أمه وجده. ثم جاء الحسين فلم أستطع أن أحجبه، ثم جاء عليّ فلم أستطع أن أحجبه. فاجتمعوا فَجَلَّلهم رسول الله ﷺ بكساء كان عليه، ثم قال: \"هؤلاء أهل بيتي، فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرًا\". فنزلت هذه الآية حين اجتمعوا على البساط، قالت: فقلت: يا رسول الله، وأنا [¬٢]؟ قالت: فوالله ما أنعم وقال: \"إنك إلى خير\".\n(حديث آخر): قال ابن جرير (^٨٥): حدَّثنا ابن وكيع، حدَّثنا محمد بن بشر، عن زكريا، عن مصعب بن شيبة، عن صفية بنت شيبة قالت: قالت عائشة ﵂: خرج رسول الله ﷺ ذات غداة، وعليه مرط مرحل من شَعر أسود، فجاء الحسن فأدخله معه، [ثم جاء الحسين فأدخله معه، ثم جاءت فاطمة فأدخلها معه] [¬٣]، ثم جاء عليّ فأدخله معه، ثم قال: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾.\nورواه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة عن محمد بن بشر به.\n_________\n(^٨٤) - تفسير الطبري (٢٢/ ٨).\n(^٨٥) - تفسير الطبري\" (٢٢/ ٦)، وأخرجه أحمد (٦/ ١٦٢)، ومسلم في اللباس والزينة، حديث (٢٠٨١)، وفي فضائل الصحابة، حديث (٢٤٢٤) وأَبو داود في اللباس، باب: في لبس الصوف والشعر حديث (٤٠٣٢)، والترمذي في الأدب، باب: ما جاء في الثوب الأسود من حديث (٢٨٣١) من طريق زكريا بن أبي زائدة به.\n_________\n[¬١]- سقط من: خ، ز.\n[¬٢]- في ز، خ: \"فأنا\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.","vol":"11","page":157},{"text":"(طريق أخرى): قال ابن أَبي حاتم: حدثنا أبي، حدَّثنا سُرَيج [¬١] بن يونس أَبو الحارث، حدَّثنا محمد بن يزيد، عن العوام - يعني ابن حوشب - عن عم له قال: دخلت مع أبي على عائشة، فسألتها عن عليّ ﵁ فقالت ﵂: تسألني عن رجل كان من أحب الناس إلى رسول الله ﷺ، وكانت تحته ابنته وأحب الناس إليه؟ لقد رأيت رسول الله ﷺ دعا عليها وفاطمة وحسنًا وحسينًا. فألقى عليهم ثوبًا فقال: \"اللهم، هؤلاء أهل بيتي، فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرًا\". قالت: فدنوت منه فقلت: يا رسول الله؛ وأنا من أهل بيتك؟ فقال: \"تَنَحي، فإنك على خير\".\n(حديث آخر) قال ابن جرير (^٨٦): حدَّثنا ابن المثنى، حدَّثنا بكر بن يحيى بن زَبَّان العنزي [¬٢]، حدَّثنا مندل، عن الأعمش، عن عطية، عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله ﷺ: \"نزلت هذه الآية في خمسة: في، وفي علي، وحسن، وحسين، وفاطمة: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ وقد تقدم أن فضيل بن مرزوق رواه عن عطية عن أبي سعيد عن أم سلمة كما تقدم. وروى ابن أبي حاتم من حديث هارون بن سعد [¬٣] العجلي، عن عطية، عن أبي سعيد موقوفًا، فالله أعلم.\n(حديث آخر): قال ابن جريرر (^٨٧): حدَّثنا ابن المثنى، حدَّثنا أَبو بكر الحنفي، حدَّثنا بكير بن مسمار قال [¬٤]: سمعت عامر بن سعد قال: قال سعد: قال رسول الله ﷺ حين نزل عليه الوحي، فأخذ عليًّا وابنيه وفاطمة فأدخلهم تحت ثوبه، ثم قال: \"رب هؤلاء أهلي وأهل بيتي\".\n(حديث آخر): وقال مسلم في صحيحه (^٨٨): حدثني زُهير بن حرب، وشُجاع بن مَخْلَد - جميعًا - عن ابن عُلَيَّة قال زهير: حدَّثنا إسماعيل بن إبراهيم، حدثني أَبو [¬٥] حَيَّان، حدثني يزيد بن حَيَّان قال: انطلقت أنا وحُصَين بن سَبْرَةَ وعمر بن مسلم [¬٦] إلي زيد بن أرقم، فلما جلسنا إليه قال له حصين: لقد لقيتَ يا زيدُ خيرًا كثيرًا؛ [أرأيت رسول الله صلى الله عليه\n_________\n(^٨٦) - تفسير الطبري (٢٢/ ٦)، وأخرجه الطبراني.\n(^٨٧) - تفسير الطبري (٢٢/ ٨)، وأخرجه الحاكم (٣/ ١٤٧) من طريق بكير بن مسمار به. وزاد السيوطي في الدر (٥/ ٣٧٧) نسبته إلى ابن مردويه.\n(^٨٨) - صحيح مسلم في فضائل الصحابة، حديث (٢٤٠٨) (٣٦)، وانظر التالي.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"شُريح\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"العربي\".\n[¬٣]- في ز: \"سعيد\".\n[¬٤]- سقط من: خ، ز.\n[¬٥]- في خ، ز: \"بن\".\n[¬٦]- في ز: \"سلمة\".","vol":"11","page":158},{"text":"وسلم وسمعت حديثه، وغزوت معه، وصليت خلفه، لقد لقيت يا زيد خيرًا كثيرًا، حَدَّثنا يا زيد ما سمعتَ من رسول الله ﷺ. قال] [¬١]: يا بن أخي؛ والله لقد كَبِرَتْ سني، وقَدُم عهدي، ونسيتُ بعض الذي كنتُ أعي من رسول الله ﷺ، فما حَدّثتُكم فاقبلوا، وما لا فلا تُكَلَّفونيه [¬٢]. ثم قال: قام فينا رسول الله ﷺ يومًا خطبًا بماء يدعى خُمًّا [¬٣]-بين مكة والمدينة- فحمد الله وأثنى عليه، ووعظ وَذكر، ثم قال: \"أما بعد، ألا أيها الناس؟ فإنَّما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب، وأنا تارك فيكم ثقلين، وأولهما كتاب الله فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به\". فَحَثَّ على كتاب الله وَرَغَّب فيه، ثم قال: \"وأهلُ بيتي، أذَكّركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي\" ثلاثًا - فقال له حصين: ومن أهل بيته يا زيد؟ أليس نساؤه من أهل بيته قال: نساؤه من أهل بيته، ولكن أهل بيته من حُرمَ الصَّدقة بعده. قال: ومن هم؟ قال: هم آل عليّ، وآل عَقيل، وآل جعفر، وآل عبَّاس. قال: كل هؤلاء حُرمَ الصدقة؟ قال: نعم.\nثم [¬٤] رواه (^٨٩) عن محمد بن بكار بن الريان، عن حسان بن إبراهيم، عن سعيد بن مسروق، عن يزيد بن حَيَّان، عن زيد بن أرقم، فذكر الحديث كنحو [¬٥] ما تقدم، وفيه: فقلنا له: من أهل بيته نساؤه [¬٦]؟ قال: لا ولم [¬٧] ايم الله، إن المرأة تكون مع الرجل العصر من الدهر ثم يطلقها فتوجع إلى أبيها وقومها [¬٨]، أهل بيته أصله وعَصَبته الذين حُرموا الصدقة بعده.\nهكذا وقع في هذه الرواية والأُولى [¬٩] أَولى، والأخذ بها أحرى. وهذه الثانية تحتمل أنَّه أراد تفسير الأهل المذكورين في الحديث الذي رواه، إنما المراد بهم آله الذين حُرموا الصدقة، أو أنَّه ليس المراد بالأهل الأزواج فقط، بل هم مع آله، وهذا الاحتمال أرجح، جمعًا بينها وبين الرواية التي قبلها، وجمعًا أيضًا بين القرآن والأحاديث المتقدمة إن صحت، فإن في بعض أسانيدها نظرًا [¬١٠]، والله أعلم.\n_________\n(^٨٩) - صحيح مسلم الموضع السابق حديث (٢٤٠٨) (٣٧). والحديث أخرجه أحمد في مسنده (٤/ ٣٦٦)، وأَبو داود (٤٩٧٣٩. مختصرًا على (أمَّا بعد) وابن خزيمة (٢٣٥٧) من طريق أبي حيان التيمي به.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في ز، خ: \"تكلفونه\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"خمسًا\".\n[¬٤]- سقط في: ز، خ.\n[¬٥]- في ت: \"بنحو\".\n[¬٦]- في ز، خ \" كذا\": \"فتاوه\".\n[¬٧]- سقط في: ر، خ.\n[¬٨]- في خ، ز: \"وأمها\".\n[¬٩]- في ز، خ: \"الأول\".\n[¬١٠]- في ز، خ: \"نظر\".","vol":"11","page":159},{"text":"ثم الذي لا يَشُك فيه من تَدبَّر القرآن أن نساء النبي ﷺ داخلات في قوله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِرًا﴾، فإن سياق الكلام معهن؛ ولهذا قال بعد هذا كله: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾، أي: اعملن بما نزل [¬١] الله على رسوله في بيوتكن من الكتاب والسنة، قاله قَتَادة وغير واحد. واذكرن هذه النعمة التي [خصصتن بها] [¬٢] من بين الناس، إن الوحي ينزل في بيوتكن دون سائر الناس، وعائشة بنت الصديق أولاهن بهذه النعمة، وأحظاهن بهذه الغنيمة، وأخصهن من هذه الرحمة العميمة، فإنه اسم ينزل على رسول الله ﷺ الوحي في فراش امرأة سواها، كما نص على ذلك ﷺ (^٩٠).\nقال بعض العلماء ﵀: لأنه لم يزوج بكرًا سواها، ولم ينم معها رجل في فراشها سواه، فناسب أن تخصص بهذه المزية، وأن تفرد بهذه الرتبة العلية، ولكن إذا كان أزواجه من أهل بيته، فقرابته أحق بهذه التسمية، كما تقدم في الحديث: \"وأهل بيتي أحق\" (^٩١).\nوهذا يشبه ما ثبت في صحيح مسلم: أن رسول الله ﷺ لما سئل عن المسجد الذي أسس على التقوى من أول يوم، فقال: \"هو مسجدي هذا\" (^٩٢).\nفهذا من هذا القبيل؛ فإن الآية إنما نزلت في مسجد قُباء، كما ورد في الأحاديث الأخر (^٩٣). ولكن إذا كان ذاك أسس على التقوى من أول يوم، فمسجد رسول الله ﷺ أولى بِتَسمِيتِه بذلك، والله أعلم.\nوقد قال ابن أبي حاتم: حدَّثنا أبي، حدَّثنا أَبو [¬٣] الوليد، حدَّثنا أَبو عوانة، عن حُصَين بن عبد الرحمن، عن أبي [¬٤] جميلة قال [¬٥]: إن الحسن بن علي استُخلِفَ حين قُتِال عليّ - رضي\n_________\n(^٩٠) - أخرجه البخاري في صحيحه في الهبة، باب: من أهدى إلى صاحبه وتحرى بعض نسائه دون بعض، حديث، (٢٥٨١) من حدث عروة بن الزبير عن عائشة بحديث طويل فيه: \"لا تؤذيني في عائشة فإن الوحي لم يأتني وأنا في ثوب امرأة إلَّا عائشة\".\n(^٩١) - تقدم عن حديث واثلة برقم (٧٧).\n(^٩٢) - صحيح مسلم في الحج، حديث (١٣٩٨) من حدث أبي سعيد الخدري. بلفظ: \"هو مسجدكم هذا\".\n(^٩٣) - تقدم في التوبة الآية (١٠٨).\n_________\n[¬١]- في ت: \"ينزل\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"خصصتهن\".\n[¬٣]- سقط سن خ، ز.\n[¬٤]- في خ، ز: \"ابن\".\n[¬٥]- سقط في: ز، خ.","vol":"11","page":160},{"text":"الله عنهما - قال: فبينما هو يصلى إذ وثب عليه رجل فطعنه بخنجره [¬١]، وزعم حصين أنَّه بلغه أن الذي طعنه رجل من بني أسد، وحسن ساجد، قال: فيزعمون أن الطعنة وقعت في وَركه، فمرض منها أشهرًا، ثم بَرأ فقعد على المنبر، فقال: يا أ هل العراق؛ اتقوا الله فينا، فإنا أمراؤكم وضيفانكم، ونحن أهل البيت الذي قال الله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾، قال: فما زال يقولها حتَّى ما بقى أحد من أهل المسجد إلَّا وهو [¬٢] يَحِنُّ بكاء.\nوقال السدي، عن أبي الديلم قال: قال علي بن الحسين لرجل من أهل [¬٣] الشام: أما قرأت في الأحزاب: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾؟ قال: نعم، ولأنتم هم؟ قال: نعم.\nوقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾، أي: بلطفه بكنَّ بلغتُنَّ هذه المنزلة، وبخبرته [¬٤] بكن وأنكن أهل لذلك، أعطاكن ذلك وخصكن بذلك.\nقال ابن جرير، ﵀: واذكرن نعمة الله عليكن بأن جعلكن في بيوت تتلى فيها آيات الله والحكمة، فاشكرن الله على ذلك واحمدنه ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾، أي: ذا لطف بكن، إذ جعلكن في البيوت التي تتلى فيها آياته والحكمة. وهي السنة، خبيرًا بكن إذ اختاركن لرسوله أزواجًا.\nوقال قتادة: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ قال: \"يَمْتَنُّ عليهن بذلك\". رواه ابن جرير.\nوقال عطية العوفي في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾، يعني: لطف باستخراجها، خبير بموضعها. رواه ابن أبي حاتم، ثم [¬٥] قال: وكذا روي عن [¬٦] الربيع بن أَنس، و[¬٧] قَتَادة.\n﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا\n_________\n[¬١]- في ت: \"بخنجر\".\n[¬٢]- سقط في: ز، خ.\n[¬٣]- سقط في: ز، خ.\n[¬٤]- في ز، خ: \"بخيرته\".\n[¬٥]- سقط في: ز، خ.\n[¬٦]- سقط في: ز، خ.\n[¬٧]- في ت: \"عن\".","vol":"11","page":161},{"text":"وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٣٥)﴾\nقال الإِمام أحمد (^٩٤): حدَّثنا عفان، حدَّثنا عبد الواحد بن زياد، حدَّثنا عثمان بن حكيم، حَدثنا عبد الرحمن بن شيبة، سمعت أم سلمة زوج النبي ﷺ تقول: قلت للنبي ﷺ: ما لنا لا نُذكَرُ في القرآن كما يذكر الرجال؟ قالت: فلم يَرعني [¬١] منه ذات يوم إلا ونداؤه على المنبر، قالت: وأنا أسَرِّح شعري، فلففت شعري، ثم خرجت إلى [حُجرة من] [¬٢] حُجَر [¬٣] بيتي، فجعلت سمعي عند الجريد، فإذا هو يقول عند المنبر: ﴿يا أيها الناس، إن الله يقول: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ. . …﴾ إلى آخر الآية.\nوهكذا رواه النسائي وابن جرير من حديث عبد الواحد بن زياد، به مثله.\n(طريق أخرى عنها) قال النَّسائي أيضًا (^٩٥): حدَّثنا محمد بن حاتم، حدَّثنا سويد، أخبرنا عبد الله عن [¬٤] شريك، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أم سلمة أنَّها قالت للنبي ﷺ: يا نبي الله؛ ما لي أسمع الرجال يذكرون في القرآن، والنساء لا يذكرن [¬٥]؟ فأنزل الله: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾.\nوقد رواه ابن جرير (^٩٦)، عن أبي كريب، عن أبي معاوية، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة: أن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، حدثه عن أم سلمة ﵂ قالت: قلت [¬٦]: يا رسول الله؛ أيذكر الرجال في كل شيء ولا نذكر؟ فأنزل الله ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ. . .﴾ الآية.\n(طريق أخرى) قال سفيان الثَّوري (^٩٧)، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: قالت أم\n_________\n(^٩٤) - المسند (٦/ ٣٠١، ٣٠٥)، وأخرجه النَّسائي في الكبرى كما في تحفة الأشراف (١٨١٩١) وهو في التفسير برقم (٤٢٥) من طريق عبد الواحد بن زياد به.\n(^٩٥) - أخرجه النَّسائي في التفسير (٤٢٤)، وأخرجه الطبراني في الكبير (٢٣/ ٢٦٣) (٥٥٤) من طريق محمد بن عمرويه.\n(^٩٦) - تفسير الطبري (٢٢/ ١٠).\n(^٩٧) - أخرجه الطبري في تفسيره (٢٢/ ١٠) والحاكم (٢/ ٤١٦) كلاهما من حديث سفيان الثَّوري به.\n_________\n[¬١]- في ت: \"يرعى\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"حجرتي\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"حجرة\".\n[¬٤]- في ت: \"بن\".\n[¬٥]- في ز، خ: \"يذكرون\".\n[¬٦]- سقط في: ز، خ.","vol":"11","page":162},{"text":"سلمة: يا رسول الله؛ يذكر الرجال ولا نذكر؟ فأنزل الله: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ. . .﴾ الآية.\n(حديث آخر) قال ابن جرير (^٩٨): [حدَّثنا أبو كريب، قال] [¬١]: حدَّثنا سنّان [¬٢] بن مظاهر العَنَزي [¬٣]، حدَّثنا أبو كدينة يحيى بن المهلب، عن قابوس بن أبي ظبيان، عن أبيه، عن ابن عبَّاس قال: قال النساء للنبي ﷺ: ما له - يذكر المؤمنين ولا يذكر المؤمنات؟ فأنزل الله: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ. .﴾ الآية.\nوحدثنا بشر (^٩٩)، حدَّثنا يزيد، حدَّثنا سعيد، عن قَتَادة، قال: دخل نساء على نساء النبيّ ﷺ، فقلن: قد ذكَركُن الله في القرآن، ولم نُذكَر بشيء، أما فينا ما يذكر [¬٤]؟ فأنزل الله ﷿: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ. .﴾ الآية.\nفقوله: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ دليل على أن الإيمان غير الإِسلام، وهو أخص منه، لقوله تعالى: (﴿قَالتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾. وفي الصحيحين (^١٠٠) \" لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن\" فسلبه [¬٥] الإيمان، ولا يلزم من ذلك كفره بإجماع المسلمين، فدل على أنَّه أخص [¬٦] منه كما قررناه في أول شرح البخاري.\n﴿وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ﴾ القنوت: هو الطاعة في سكون، ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾، وقال تعالى: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ ﴿يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾. ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ فالإِسلام بعده مرتبة يرتقى إليها، ثم القنوت ناشيء عنهما.\n﴿وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ﴾ هذا في الأقوال، فإن الصدق خَصلة محمودة؛ ولهذا كان بعض الصحابة لم تُجرب عليه كِذْبة لا في الجاهلية ولا [في الإِسلام] [¬٧]، وهو علامة على الإِيمان، كما أن الكذب أمارة على النفاق، ومن صدق نجا، [\"عليكم بالصدق، فإن\n_________\n(^٩٨) - تفسير الطَّبري (٢٢/ ١٠)، وأخرجه الطبراني في الكبير (١٢/ ١٠٨) (١٢٦١٤) من طريق قابوس به. قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ٩٤): فيه قابوس وهو ضعيف وقد وثق وبقية رجاله ثقات.\n(^٩٩) - تفسير الطَّبري (٢٢/ ١٠).\n(^١٠٠) - تقدم تخريجه في تفسير المائدة الآية (٩١).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٢]- في ت، وابن جرير: \"سيار\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"العرى\".\n[¬٤]- في ز، خ: \"نذكر\".\n[¬٥]- في ت: \"فيسلبه\".\n[¬٦]- في خ: \"أحق\" وفي ز: \"أخف\".\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"إسلام\".","vol":"11","page":163},{"text":"الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنَّة، وإياكم والكذب؛ فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار] [¬١] ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقًا، ولا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتَّى يكتب عند الله كذابًا\" (^١٠١). والأحاديث فيه كثيرة جدًّا.\n﴿وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ﴾، هذه سَجِية [¬٢] الأثبات، وهي الصبر على المصائب، والعلم بأن المقدور كائن لا محالة، وَتَلَقي ذلك بالصبر والثبات، وإنما الصبر عند الصدمة الأولى، أي: أصعبه في أول وهلة، ثم ما بعده أسهل منه، وهو صدق السجية وثباتها.\n﴿وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ﴾، الخشوع [¬٣]: السكون والطمأنينة، والتؤدة والوقار والتواضع. والحامل عليه الخوف من الله ومراقبته، \"اعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك\" (^١٠٢).\n﴿وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ﴾، الصدقة: هي الإِحسان إلى الناس المحاويج الضعفاء، الذين لا كَسْبَ لهم ولا كاسب، يعطون من فضول الأموال طاعة لله، وإحسانًا إلى خلقه، وقد ثبت في الصحيحين (^١٠٣): \" سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلَّا ظله - فذكر منهم -: ورجل تصدق بصدقة فأخفاها، حتَّى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه\".\nوفي الحديث الآخر (^١٠٤): \" والصدقة تطفئ الخطيئة، كما يطفئ [¬٤] الماء النار\".\nوالأحاديث في الحث عليها كثيرة جدًّا، له موضع بذاته.\n﴿وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ﴾، في الحديث الذي رواه ابن ماجة (^١٠٥): \" والصوم زكاة\n_________\n(^١٠١) - حديث عبد الله بن مسعود تقدم تخريجه في تفسير سورة التوبة الآية (١١٩).\n(^١٠٢) - يأتي تخريجه في سورة الحديد عند الآية (٦).\n(^١٠٣) - تقدم تخرجه في تفسير سورة البقرة الآية (٢٧١).\n(^١٠٤) - أخرجه ابن ماجة في الزهد، باب الحسد، حديث (٤٢١٠) وأَبو يعلى في مسنده (٣٦٥٦) من حديث أَنس وإسناده ضعيف جدًّا فيه عيسى بن أبي عيسى ميسرة، متروك الحديث، وانظر مصباح الزجاجة (٣/ ٢٩٨).\n(^١٠٥) - سنن ابن ماجة في الصيام، باب: في الصوم زكاة الجسد، حديث (١٧٤٥) من حديث أبي هريرة، وفيه موسى بن عبيدة التِّرمِذي وهو مجمع على ضعفه، وانظر مصباح الزجاجة (٢/ ٣٤).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين هذه الفقرة جاءت في خ، ز بعد قوله: \"عند الله كذابا\".\n[¬٢]- في خ، ز: \"نتيجة\".\n[¬٣]- سقط من: خ، وفي ز: \"أي\".\n[¬٤]- في ت: \"تطفئ\".","vol":"11","page":164},{"text":"البدن\". أي: تزكِّيه وتطهره وتنقِّيه من الأخلاط الرديئة طبعًا وشرعًا.\nقال [¬١] سعيد بن جبير: من صام رمضان، وثلاثة أيام من كل شهر؛ دخل في قوله: ﴿وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ﴾.\nولما كان الصوم من أكبر العون على كسر الشهوة -كما قال رسول الله ﷺ: \"يا معشر الشباب؛ من استطاع منكم الباءة فليتزوج؛ فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء\" (^١٠٦) - ناسب أن يذكر بعده: ﴿وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ﴾، أي: عن المحارم والمآثم إلَّا عن المباح، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ \".\nوقوله ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ﴾: قال ابن أبي حاتم: حدَّثنا أبي، حدَّثنا هشام بن عبيد الله، حدَّثنا محمد بن جابر، عن علي بن الأقمر، عن الأغر أبي مسلم، عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \"إذا أيقظ الرجل امرأته من الليل، فصليا ركعتين، كتبا [¬٢] تلك الليلة من الذاكرين الله كثيرًا والذاكرات\".\nوقد رواه أَبو داود والنَّسائي وابن ماجة (^١٠٧)، من حديث الأعمَش عن الأغر أبي مسلم، عن أبي سعيد وأبي هريرة، عن النبي ﷺ، بمثله.\nوقال الإِمام أحمد (^١٠٨): حدَّثنا حسن، حدَّثنا ابن لهيعة، حدَّثنا دَرّاج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري ﵁ أنَّه قال: قلت: يا رسول الله؟ أيّ العباد أفضل درجة عند الله يوم القيامة؟ قال: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ﴾ قال [¬٣]: قلت: يا رسول الله؛ ومن الغازي في سبيل الله؟ قال: \"لو ضرب بسيفه في الكفار والمشركين حتَّى\n_________\n(^١٠٦) - تقدم تخريجه في تفسير البقرة الآية (١٨٣).\n(^١٠٧) - سنن أَبي داود في الصلاة، باب: قيام الليل، حديث (١٣٩٠) وفي باب: الحث على قيام الليل، حديث (١٤٥١)، والنَّسائي في قيام الليل، باب: ثواب من استيقظ وأيقظ امرأته فصليا حديث (١٣١٠)، وابن ماجة في إقامة الصلاة والسنة فيها باب: ما جاء فيمن أيقظ أهله من الليل، حديث (١٣٣٥) من طريق شيبان عن الأعمَش به.\n(^١٠٨) - المسند (٣/ ٧٥)، وأخرجه التِّرمِذي في الدعاء، حديث (٣٣٧٦) عن قتيبة عن ابن لهيعة به. وقال الترمذي: حديث غريب إنما نعرفه من حديث دراج.\n_________\n[¬١]- سقط في: ز.\n[¬٢]- في ز، خ: \"كانا\".\n[¬٣]- سقط من: خ.","vol":"11","page":165},{"text":"ينكسر ويختضبَ دمًا لكان الذاكرون الله أفضل منه\".\nوقال الإِمام أحمد (^١٠٩): حدَّثنا عفان، حدَّثنا [عبد الرحمن بن إبراهيم] [¬١]، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁ قال: كان النبي ﷺ يسير في طريق مكة، فأتى على جُمْدان (*). فقال: هذا جمدان، سيروا فقد سبق المفرّدون قالوا: وما المُفرِّدون؟ قال: \"الذاكرون الله كثيرًا\". ثم قال: \"اللهم، اغفر للمحلقين\". قالوا\" والمقصرين؟ قال: \"اللهم، اغفر للمحلقين\". قالوا: والمقصرين؟ قال: والمقصرين\".\nتفرد به من هذا الوجه، ورواه مسلم دون آخره.\nوقال الإِمام أحمد (^١١٠): حدَّثنا حُجَين [¬٢] بن المثنى، حدَّثنا عبد العزيز بن أبي سلمة، عن زيد بن أبي زياد -مولى عبد الله بن عَيَّاش [¬٣]، بن أبي ربيعة - أنَّه بلغه عن معاذ بن جبل ﵁، أنه قال: قال رسول الله ﷺ: \"ما عمل آدميٌّ من عملًا قطُّ أنجى له من عذاب الله من ذكر الله\".\nوقال معاذ: قال رسول الله ﷺ: \"ألا أخبركم بخير أعمالكم [لكم] [¬٤] و[¬٥] أزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من تعاطي الذهب والفضة، ومن أن تلقوا عدوكم غدًا [¬٦] فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟ \". قالوا: بلى، يا رسول الله. قال: \"ذكر الله ﷿\".\nوقال الإِمام أحمد (^١١١): حدَّثنا حسن، حدَّثنا ابن لهيعة، حدَّثنا زَبَّان بن فائد، عن سهل بن معاذ بن أَنس الجهني، عن أبيه، عن رسول الله ﷺ: أن رجلًا سأله فقال: أيّ المجاهدين أعظم أجرًا يا رسول الله؟ فقال: \"أكثرهم لله ذكرًا\". قال: فأيّ\n_________\n(^١٠٩) - المسند (١/ ٤١٢)، وأخرجه مسلم في الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، حديث (٢٦٧٦) من طريق روح بن القاسم عن العلاء به. دون قوله: \"ثم قال: اللهم اغفر للمحلقين. .. إلخ\".\n(*) جمدان: جبل على بعد ليلة من المدينة.\n(^١١٠) - المسند (٥/ ٢٣٩)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٧٦٠): رجاله رجال الصحيح إلا أن زياد بن أبي زياد مولى ابن عياش لم يدرك معاذًا.\n(^١١١) - المسند (٣/ ٤٣٨)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٧٧): رواه أحمد، والطبراني … وفيه زبان بن فائد وهو ضعيف وقد وثق وكذلك ابن لهيعة، وبقية رجاله ثقات.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في خ، ز: \"إبراهيم بن عبد الرحمن\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"حجير\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"عبَّاس\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من ت.\n[¬٥]- سقط في: ز، خ.\n[¬٦]- سقط في: ز، خ.","vol":"11","page":166},{"text":"الصائمين أكثر أجرًا؟ قال: \"أكثرهم لله ذكرًا\". ثم ذكر الصلاة والزكاة والحج والصدقة، كل ذلك قول رسول الله ﷺ: \"أكثرهم لله ذكرًا\". فقال أبو بكر لعمر ﵄: ذهب الذاكرون بكل خير! فقال رسول الله ﷺ: \"أجل\".\nوسنذكر بقية الأحاديث الواردة في كثرة الذكر عند قوله تعالى في هذه السورة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا. ..﴾ الآية. إن شاء الله تعالى.\nوقوله: ﴿أَعَدَّ اللَّهُ [¬١] لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ ل، أي: هيأ لهم منه لذنوبهم مغفرة وأجرًا عظيمًا وهو الجنَّة.\n﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا (٣٦)﴾\nقال العوفي، عن ابن عبَّاس، قوله: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ﴾ الآية. وذلك أن رسول الله ﷺ انطلق ليخطب على فتاه زيد بن حارثة، فدخل على زينب بنت جحش الأسدية فخطبها، فقالت: لست بناكحته. فقال رسول اللَّه ﷺ: \"بل فانكحيه\". قالت: يا رسول الله؛ أؤامر في نفسي؟ فبينما هما يتحادثان أنزل الله هذه الآية على رسوله ﷺ: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا …﴾ الآية. قالت: قد رضيته لي منكحًا يا رسول الله؟ قال: نعم. قالت: إذا لا أعصي رسولَ الله ﷺ، قد أنكحته نفسي.\nوقال ابن لهيعة، عن ابن أبي عمرة، عن عكرمة، عن ابن عبَّاس، قال: خطب رسول الله ﷺ زينب بنت جحش لزيد بن حارثة، فاستنكفت (*) منه، وقالت: أنا خير منه حسبًا -وكانت امرأة فيها حدة- فأنزل الله ﷿: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ.﴾ الآية كلها.\nوهكذا قال مجاهد، وقَتَادة، ومقاتل بن حيان: إنها نزلت في زينب بنت جحش حين خطبها رسول الله ﷺ على مولاه زيد بن حارثة، فامتنعت ثم أجابت.\nوقال عبد الرحمن بن زدد بن أسلم: نزلت في أم كلثوم بنت عقبة بن أبي مُعَيط، وكانت\n_________\n(*) استنكف من الشيء: امتنع عنه بكثير.\n_________\n[¬١]- سقط في: ز، خ.","vol":"11","page":167},{"text":"أول من هاجر من النساء -يعني بعد صلح الحديبية- فوهبت نفسها للنبي ﷺ، فقال: قد قبلت. فزوجها زيد بن حارثة -يعني، والله أعلم، بعد فراقه زينب- فسخطت هي وأخوها وقالا: إنما أردنا رسولَ الله ﷺ فزوجنا عبده، قال: فنزل القرآن: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا. ..﴾ إلى آخر الآية. قال: وجاء أمر أجمع من هذا: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾، قال: فذاك خاص وهذا جماع.\nوقال الإِمام أحمد (^١١٢): حدَّثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن ثابت البُناني، عن أَنس، قال: خطب النبي ﷺ على جُلَيبيب امرأة من الأنصار إلى أبيها، فقال: حتَّى أستأمر أمها. فقال النبي ﷺ \" \"فنعم [¬١] إذًا\". قال: فانطلق الرجل إلى امرأته [فذكر ذلك لها] [¬٢]، فقالت: لاها [الله (*) ذا] [¬٣]، ما وجد رسول الله ﷺ إلَّا جُليبيبًا [¬٤]، وقد منعناها من فلان وفلان. قال: والجارية في سترها تسمع، قال: فانطلق الرجل يريد أن يخبر النبي ﷺ بذلك. فقالت الجارية: أتريدون أن تَرُّدُوا على رسول الله ﷺ أمره، إن كان قد رضيه لكم فأنكحوه. قال: فكأنها جَلَّت عن أَبويها، وقالا: صدقت فذهب أَبوها إلى رسول الله ﷺ فقال: إن كُنْتَ رضيته فقد رضيناه. قال: \"فإني قد رضيته\". قال: فزوجها، ثم فزع أهل المدينة، فركب جُلَيبيب فوجدوه قد قتل، وحوله ناس من المشركين قد قتلهم، قال أنس: فلقد رأيتها وإنها [¬٥] لمن أنفق (**) بيت بالمدينة.\nوقال الإِمام أحمد (^١١٣): حدَّثنا عفان، حدَّثنا حمَّاد -يعني ابن سلمة- عن ثابت، عن كنانة بن نعيم العدوي، عن أبي برزة الأسلمي أن جليبيبًا كان امرءًا يدخل على النساء يَمُر بهنَّ\n_________\n(^١١٢) - المسند (٣/ ١٣٦)، وأخرجه عبد بن حميد (١٢٤٥ - منتخب) عن عبد الرزاق به. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٣٧١): رواه أحمد والبزار … ورجال أحمد رجال الصحيح.\n(*) الهاء - هاهنا - داخلة في القسم على لفظ الجلالة، وحرف القسم محذوف. وفي هذا الأسلوب لغات أخر، وإعرابات كثيرة فانظر شرح الكافية الشافية لابن مالك (٢/ ٨٥٩، ٨٦٥، ٨٦٦) والمصباح المنير (٢/ ٦٤٤).\n(**) اسم تفضيل من النَّفاق -بفتح النون- وهو الرواج. يُقال: نفقت السلعة والمرأة نَفَاقًا: كثر طُلَّابها وخُطَّابها.\n(^١١٣) - المسند (٤/ ٤٢٢)، وقد أخرجه أحمد (٤/ ٤٢١، ٤٢٥)، ومسلم في فضائل الصحابة، حديث =\n_________\n[¬١]- سقط من: خ، ز.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"والله\".\n[¬٤]- في ز، خ: \"جليبيب\".\n[¬٥]- سقط في: ز.","vol":"11","page":168},{"text":"ويلاعبهنّ، فقلت لامرأتي: لا يدخلن اليوم عليكم جُليبيب [¬١] فإنه إن دخل عليكن [¬٢] لأفعلن ولأفعلن. قال: وكانت الأنصار إذا كان لأحدهم أيّم لم يزوجها حتَّى يعلم: هل لنبي الله ﷺ فيها حاجة أم لا؟ فقال رسول الله ﷺ لرجل من الأنصار: \"زوجني ابنتك\". قال: نعم، وكرامة يا رسول الله، ونُعْمَة عين. فقال: \"إني لست أريدها لنفسي\". قال: فلمن [يا رسول الله] [¬٣]؟ قال: \"لجلبيب كتاب\". فقال [¬٤]: \"إني رسول الله؛ أشاور أمها. فأتى أمها فقال: رسول الله ﷺ يخطب ابنتك؟ فقالت: نعم ونُعمة عين. فقال: إنه ليس يخطبها لنفسه، إنما يخطبها لجليبيب. فقالت: أجُلَيبيب إنيه (*)؟ أجليبيب إنيه [¬٥]؟ لا، لعمر الله لا نَزوّجُه. فلما أراد أن يقوم ليأتى رسول الله ﷺ فيخبره بما قالت أمها، قالت الجارية: من خطبني إليكم؟ فأخبرتها أمها. قالت: أتردون على رسول الله ﷺ أمره؟! ادفعوني إِليه، فإنه لن يضيعني. فانطلق أَبوها إلى رسول الله ﷺ فقال: شأنَك بها. فزَوَّجها جليبيبًا. قال: فخرج رسول الله ﷺ في غزاة له، فلما أفاء الله عليه قال لأصحابه: \"هل تفقدون من أحد؟ \". قالوا: نفقد فلانًا ونفقد فلانًا. قال: \"انظروا هل تفقدون من أحد؟ \". قالوا: لا. قال: \"لكني أفقد جليبيبًا\". قال: \"فاطلبوه في القتلى\". فطلبوه فوجدوه إلى جنب سبعة قد قتلهم ثم قتلوه. [فقالوا: يا رسول الله، ها هو ذا إلى جنب سبعة قد قتلهم ثم قتلوه] [¬٦] فأتاه رسول الله ﷺ فقام عليه، فقال: \"قتل سبعة وقتلوه] [¬٧]، هذا مني وأنا منه\" -مرتين أو ثلًاثًا-، ثم وضعه رسول الله ﷺ على ساعديه [وحفر له، ما له سرير إلَّا ساعد النبي ﷺ، ثم] [¬٨]، وضعه في قبره، ولم يذكر أنَّه غسله ﵁ قال ثابت: فما كان في الأنصار؟ أيّم [¬٩] أنفق منها. وحدث إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة ثابتًا: هل تعلم ما دعا لها رسول الله ﷺ؟ فقال: \"اللهم؛ صب عليها الخير [¬١٠] صبًا، [ولا تجعل عيشها كدًّا] [¬١١]، كذا قال فما كان في الأنصار، أيّم أنفق منها. هكذا أورده الإِمام أحمد بطوله، وأخرج منه مسلم والنسائي في الفضائل قصة قتله.\n_________\n= (٢٤٧٢)، والنَّسائي في فضائل الصحابة (١٤٢) من طرق عن حمَّاد بن سلمة به مختصرًا على (قصة الغزو).\n(*) لفظ تستعملها العرب في الإنكار، يقول لك القائل: جاء زيد. فتقول أنت: أزيدُ نيه! أو أزيدٌ إنيه! كأَنَّك استبعدت مجيئه. وقيل في معناها ولفظها غير ذلك، فانظر النهاية لابن الأثير (١/ ٧٨، ٧٩).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"جليبيبًا\".\n[¬٢]- في ت: \"عليكم\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط في: ز، خ.\n[¬٤]- في ز، خ: \"قال\".\n[¬٥]- كررت في ز، خ بلفظ: \"لجليبيب إنيه\".\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٧]- سقط في: ز، خ.\n[¬٨]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٩]- في ز، خ: \"تأيم\".\n[¬١٠]- سقط في: ز، خ.\n[¬١١]- ما بين المعكوفتين في خ، ز: \"واجعل عيشها كذا وكذا\".","vol":"11","page":169},{"text":"وذكر الحافظ أَبو عمر بن عبد البر في \"الاستيعاب\" أن الجارية لما قالت في خدرها: \"أتردون على رسول الله ﷺ أمره؟ تلت هذه الآية: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾.\nوقال ابن جريج: [أخبرني عامر بن مصعب، على طاوس، قال: إنه سأل ابن عبَّاس عن ركعتين بعد العصر، فنهاه، وقرأ ابن عبَّاس ﵁: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾] [¬١].\nفهذه [¬٢] الآية عامة في جميع الأمور، وذلك أنَّه إذا حكم الله ورسوله بشيء، فليس لأحد مخالفته ولا اختيار لأحد هاهنا ولا رأي ولا قول، كما قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَينَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.\nوفي الحديث (^١١٤): \" والذي نفسي بيده، لا يؤمن أحدكم حتَّى يكون هواه تبعًا لما جئت به\". ولهذا شدد في خلاف ذلك، فقال: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ كقوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.\n﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيهِ أَمْسِكْ عَلَيكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَي لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا (٣٧)\nيقول تعالى مخبرًا عن نبيه ﷺ: إنه قال لمولاه زيد بن حارثة، وهو الذي ﴿أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيهِ﴾، أي: بالإِسلام ومتابعة الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام: ﴿وَأَنْعَمْتَ عَلَيهِ﴾، أي: بالعتق من الرق، وكان سيدًا كبير الشأن جليل القدر، حبيبًا إلى النبي ﷺ، يقال له: الحبّ، ويقال لابنه أسامة: الحب ابن الحبّ. قالت عائشة ﵂: ما بعثه رسول الله ﷺ في سرية إلَّا أثره عليهم، ولو عاش بعده لاستخلفه.\n_________\n(^١١٤) - تقدم تخريجه في تفسير التوبة الآية (٢٤).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٢]- في ز، خ: \"هذه\".","vol":"11","page":170},{"text":"رواه أحمد (^١١٥)، عن سعيد بن محمد الوراق ومحمد بن عبيد، عن وائل بن داود، عن عبد الله البهي، عنها.\nوقال البزار: حدَّثنا خالد بن يوسف، حدَّثنا أَبو عوانة (ح)، وحدثنا محمد بن معمر، حدَّثنا أَبو داود، حدَّثنا أَبو عوانة، أخبرني عمر بن أبي سلمة، عن أبيه: حدثني أسامة بن زيد، قال: كنت في المسجد، فأتاني العباس وعليّ بن أبي طالب ﵄ فقالا: يا أسامة؟ استأذن لنا على رسول الله ﷺ. قال: فأتيتُ رسولَ الله فأخبرته، فقلت: عليٌّ والعباس يستأذنان. فقال: \"أتدري ما حاجتهما؟ \". فقلت: لا يا رسول الله. فقال: \"لكني أدري\". قال: \"فأذن لهما\". قالا: يا رسول الله، جئناك لتخبرنا: أيُّ أهلك أحبُّ إليك؟ فقال: \"أحب أهلي إليَّ فاطمة بنت محمد\". قالا: يا رسول الله، ما نسألك عن فاطمة. قال: \"فأسامة بن زيد [ابن] حارثة، الذي أنعم الله عليه وأنعمتُ عليه\".\nوكان رسول الله ﷺ قد زَوَّجه بابنة عمته زينب بنت جحش الأسدية - وأمها أميمة بنت عبد المطلب - وأصدقها عشرة دنانير، وستين درهمًا، وخمارًا، وملْحَفة، ودرْعًا، وخمسين مُدًّا من طعام، وعشرة أمداد من تمر. قاله مقاتل بن حيان - فمكثتْ عنده قريبًا من سنة أو فوقها، ثم وقع بينهما، فجاء زيد يشكوها إلى رسول الله ﷺ، [فجعل رسول الله ﷺ] [¬١] يقول له: \"أَمْسِكْ عَلَيكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ\". قال الله تعالى: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾.\nذكر ابن جرير، وابن أبي حاتم - هاهنا - آثارًا عن بعض السلف ﵃، أحببنا أن نضرب عنها صفحًا [لعدم صحتها] [¬٢] فلا نوردها.\nوقد روى الإِمام أحمد (^١١٦) هاهنا أيضًا حديثًا، من رواية حمَّاد بن زيد، عن ثابت، عن أَنس، فيه غرابة تركنا سياقه أيضًا.\nوقد روى البخاري أيضًا (^١١٧) بعضه مختصرًا فقال: حدَّثنا محمد بن عبد الرحيم، حدَّثنا\n_________\n(^١١٥) - المسند (٦/ ٢٨١)، وأخرجه أحمد (٦/ ٢٢٦، ٢٥٤)، والنَّسائي في الكبرى (٨١٨٢) من طريق وائل بن داود به.\n(^١١٦) - المسند (٣/ ١٤٩، ١٥٠) عن مؤمل به سليمان عن حمَّاد به.\n(^١١٧) - صحيح البخاري في التفسير، باب: (﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ حديث (٤٧٨٧)، وأخرجه البخاري أيضًا في التوحيد، باب: \" ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ \" حديث (٧٤٢٠) من طريق =\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط في: ز، خ.","vol":"11","page":171},{"text":"معلى بن منصور، عن حمَّاد بن زيد، حدَّثنا ثابت، عن أَنس بن مالك، قال: إن هذه الآية: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ نزلت في شأن زينب بنت جحش، وزيد بن حارثة ﵄.\nوقال ابن أبي حاتم (^١١٨): حدَّثنا أبي، حدَّثنا علي بن هاشم بن مرزوق، حدَّثنا ابن عيينة، عن علي بن زيد بن جُدْعان، قال: سألني عليُّ بن الحسين ما يقول الحسن في قوله: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾؟ فذكرت له فقال: لا، ولكن الله أعلم نبيه أنَّها ستكون من أزواجه قبل أن يتزوجها، فلما أتاه زيد ليشكوها إليه قال: \"اتَّقِ اللَّهَ وَأَمْسِكْ عَلَيكَ زَوْجَكَ\". فقال: قد أخبرتك أني مُزَوِّجكها، وتخفي في نفسك ما الله مبديه. وهكذا روي عن السدي أنَّه قال نحو ذلك.\nوقال ابن جرير (^١١٩): حدثني إسحاق بن شاهين، حدثني خالد عن داود، عن عامر، عن عائشة ﵂ أنَّها قالت: لو كتم محمد ﷺ شيئًا مما أوحي إليه من كتاب الله لكتم: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾.\nوقوله: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾، الوطر: هو الحاجة والأرب، أي: لما فَرَغ منها وفارقها زَوّجناكها، وكان الذي وَلي تزويجها منه هو [¬١] الله ﷿ بمعنى: أنَّه أوحى إليه أن يدخل عليها بلا وليّ ولا مهر ولا عقد ولا شهود من البشر.\nقال الإِمام أحمد (^١٢٠): حدَّثنا هاشم -يعني: ابن القاسم- أَبو [¬٢] النضر، حدَّثنا سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن أَنس ﵁ قال: لما انقضت عدة زينب قال رسول الله ﷺ لزيد بن حارثة: \"اذهب فاذكرها عليّ\" فانطلق حتَّى أتاها وهي تُخَمّر عجينها، قال: فلما رأيتها عظمت في صدري، حتَّى ما أستطع أن أنظر إليها؛ أنّ\n_________\n= أبي بكر المقدمي عن حمَّاد بن زيد به نحوه.\n(^١١٨) - أخرجه الطبري (٢٢/ ١٣)، والبيهقي في الدلائل (٣/ ٤٦٦) من طريق سفيان بن عيينة به وليس فيه عند ابن جرير ذكر الحسن. وعزاه السيوطي في الدر المنثور (٥/ ٣٨٤) أيضًا إلى الحكيم الترمذي.\n(^١١٩) - تفسير الطبري (٢٢/ ١٣)، وأخرجه أحمد في المسند (٦/ ٢٤١) ومسلم في الإيمان، حديث (١٧٧) (٢٢٨) من طريق داود به.\n(^١٢٠) - المسند (٣/ ١٩٥)، وفيه حدَّثنا بهز، حدَّثنا هاشم قالا: حدَّثنا سليمان بن المغيرة به. وأخرجه مسلم في النكاح، حديث (١٤٢٨)، والنسائي في النكاح، باب: صلاة المرأة إذا خطبت واستخارتها ربها (٦/ ٧٩) وفي الكبرى (٥٣٩٩)، (١١٤١٠) من طريق سليمان بن المغيرة به.\n_________\n[¬١]- سقط في: ز، خ.\n[¬٢]- في ز: \"أبا\".","vol":"11","page":172},{"text":"رسول الله ﷺ ذكرها، فوليتها ظهري ونكصت على عقبي، وقلت: يا زينب؛ أبشري، أرسلني رسول الله ﷺ يذكرك. قالت: ما أنا بصانعة شيئًا حتَّى أؤامر ربي ﷿. فقامت إلى مسجدها، ونزل القرآن، وجاء رسول الله ﷺ فدخل عليها بغير إذن. ولقد رأيتنا حين دَخَلْتُ على رسول الله ﷺ أطعمنا عليها الخبز واللحم، خرج الناس وبقي رجال يتحدثون في البيت بعد الطَّعام، فخرج رسول الله ﷺ واتبعته [¬١] فجعل يَتَبْع [¬٢] حُجر نسائه يسلم عليهن، ويقلن: يا رسول الله؛ كيف وجدت أهلك؟ فما أدري أنا أخبرته أن القوم قد خرجوا أو أخِبرَ - قال: فانطلق حتَّى دخل البيت، فذهبت أدخل معه، فألقى الستر بيني وبينه، ونزل الحجاب، ووُعظَ القوم بما وعظوا به: ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إلا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ. .﴾ الآية. [] [¬٣].\nورواه [¬٤] مسلم والنَّسائي من طرق عن سليمان بن المغيرة به.\nوقد روى البخاري (^١٢١) ﵀ عن أَنس بن مالك ﵁ أن زينب بنت جحش كانت تفخر على أزواج النبي ﷺ فتقول: زوجكن أهاليكن وزوجني الله من فوق سبع سموات.\nوقد قدمنا في \"سورة النور\" عن محمد بن عبد الله بن جحش قال: تفاخرت زينب وعائشة، فقالت زينب ﵂: أنا التي نزل [¬٥] تزويجي من السماء. وقالت عائشة: أنا التي نزل عذري من السماء. فاعترفت لها زينب ﵂.\nوقال ابن جرير (^١٢٢): حدَّثنا ابن حميد، حدَّثنا جرير، عن المغيرة، عن الشعبي، قال [¬٦]: كانت زينب تقول للنبي ﷺ: إني لأدِلُّ عليكَ بثلاث ما من نسائك امرأة تدل بهن: إن جدي وجدك واحد، وإني أنكحنيك الله من السماء، وإن السفير جبريل ﵇.\nوقوله: ﴿لِكَي لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا﴾، أي: إنما أبحنا لك تزويجها وفعلنا ذلك، لئلا يبقى حرج على المؤمنين في تزويج مطلقات الأدعياء، وذلك أن رسولَ الله ﷺ كان قبل النبوة قد تبنى زيد بن حارثة،\n_________\n(^١٢١) - صحيح البخاري في التوحيد، باب: \"وكان عرشه على الماء وهو رب العرش العظيم\"، حديث (٧٤٢١) من حديث عيسى بن طمهان عن أَنس له.\n(^١٢٢) - تفسير الطبري (١٤/ ٢٢)، وأخرجه الحاكم (٢/ ٢٥) من طريق داود بن أبي هند عن الشعبي نحوه.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في ز، خ: \"يَتَّبع\".\n[¬٣]- في ت: به.\n[¬٤]- في ت: \"رواه\".\n[¬٥]- سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- في ز: \"قالت\".","vol":"11","page":173},{"text":"فكان يقال لـ: \"زيد بن محمد\"، فلما قطع الله هذه النسبة بقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ (٤) ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾، ثم زاد ذلك بيانًا وتأكيدًا بوقوع تزويج رسول الله ﷺ بزينب بنت جحش لما طلقها زيد بن حارثة ولهذا قال في آية التحريم: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ ليحترز من الابن الدعي؛ فإن ذلك كان كثيرًا فيهم.\nوقوله: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ أي: وكان هذا الأمر الذي وقع قد قدره الله تعالى وحَتَّمه، وهو كائن لا محالة، كانت زينب في علم الله ستصير من أزواج النبي ﷺ.\n﴿مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا (٣٨)﴾\nيقول تعالى: ﴿مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ﴾، أي: فيما أحل له وأمره به من تزويج زينب التي طلقها دَعيه زيد بن حارثة.\nوقوله: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ﴾، أي: هذا حكم الله في الأنبياء قبله، لم يكن ليأمرهم بشيء وعليهم في ذلك حَرَج، وهذا رَدٌّ على من تَوَهم من المنافقين نقصًا في تزويجه امرأة زيد مولاه ودَعيه الذي كان قد تبناه.\n﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾، أي: وكان أمره الذي يقدره كائنًا لا محالة، وواقعًا لا محيد عنه ولا معدل، فما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن.\n﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إلا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (٣٩) مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمًا (٤٠)﴾\nيمدح تعالى: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ﴾، أي: إلى خلقه ويؤدونها [¬١] بأمانتها، ﴿وَيَخْشَوْنَهُ﴾ أي: يخافونه ولا يخافون أحدًا سماه، فلا تمنعهم [¬٢] سطوة أحد عن إبلاغ رسالات الله، ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾، أي: وكفى بالله ناصرًا ومعينًا. وسيد الناس في هذا المقام -\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"ويؤديها\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"يمنعهم\".","vol":"11","page":174},{"text":"بل وفي كل مقام - محمد رسول الله ﷺ، فإنه قام بأداء الرسالة وإبلاغها إلى أهل المشارق والمغارب، إلى جميع أنواع بني آدم، وأظهر الله كلمته ودينه وشرعه على جميع الأديان والشرائع، فإنه قد كان النبي ييعث إلى قومه خاصة، وأما هو - صلوات الله وسلامه عليه - فإنه بعث إلى جميع الخلق عربهم وعجمهم، ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيكُمْ جَمِيعًا﴾، ثم ورَّث مقام البلاغ عنه أمته من بعده، فكان أعلى من قام بها بعده أصحابه ﵃ بلغوا عنه كما أمرهم به في جميع أقوال وأفعاله وأحوال، في ليله ونهاره، وحَضره وسفره، وسره وعلانيته، فرضى الله عنهم وأرضاهم. ثم ورثه كُلّ خلف عن سلفهم إلى زماننا هذا، فبنورهم يقتدي المهتدون، وعلى منهجهم يسلك الموفقون. فنسأل الله الكريم المنان أن يجعلنا من خلفهم.\nقال الإِمام أحمد (^١٢٣): حدَّثنا ابن نمير، أخبرنا الأعمش، عن عمرلي بن مُرّة، عن أبي البَخْتَرِيّ، عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا يَحْقرن أحدكم نفسه أن يرى أمر الله فيه مقال ثم لا يقوله، فيقول الله: ما يمنعك أن تقول فيه [¬١]؟ فيقول: رب، خشيت الناس، فيقول: فأنا أحق أن يخشى\".\nورواه أيضًا عبد الرزاق عن الثوري عن زبيد عن عمرو بن مرة.\nورواه ابن ماجة عن أبي كريب عن عبد الله بن نمير وأبي معاوية كلاهما عن الأعمَش به.\nوقوله: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾، نهى أن يقال بعد هذا: \"زيد بن محمد\"، أي: لم يكن أباه وإن كان قد تبناه، فإنه - صلوات الله عليه وسلامه - لم يعش له ولد ذكر حتَّى بلغ الحلم، فإنه ولد له القاسم، والطيب، والطاهر، من خديجة فماتوا صغارًا، وولد له إبراهيم من مارية القبطية، فمات أيضًا رضيعًا. وكان له من خديجة أربع بنات: زينب ورقية وأم كلثوم وفاطمة ﵃ أجمعين - فمات في حياته ثلاث وتأخرت فاطمة حتَّى أصيبت به ﷺ ثم ماتت بعده لستة أشهر.\nوقوله: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمًا﴾ كقوله: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيثُ يَجْعَلُ رِسَالتَهُ﴾ فهذه الآية نص في أنَّه لا نبي بعده، وإذا كان لا نبي بعده فلا\n_________\n(^١٢٣) - المسند (٣/ ٣٠)، وأخرجه ابن ماجة في الفتن، باب في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حديث (٤٠٠٨) وعبد بن حميد (٩٧١ منتخب) من طريق الأعشى به.\nورواه عبد االرزاق، وعنه أحمد في المسند (٣/ ٤٧، ٧٣) عن سفيان الثَّوري عن زبيد عن عمرو بن مرة به وأخرجه عبد بن حميد (٩٧٢) عن أبي نعيم عن سفيان به.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"منه\".","vol":"11","page":175},{"text":"رسول بطريق الأولى والأحرى؛ لأن مقام الرسالة أخص من مقام النبوة، فإن كل رسول نبي، ولا ينعكس. وبذلك وردت الأحاديث المتواترة عن رسول الله ﷺ من حديث جماعة من الصحابة.\nقال الإِمام أحمد (^١٢٤): حدَّثنا أبو عامر الأزدي، حدَّثنا زهير بن محمد، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن الطفيل بن أبي بن كعب، عن أبيه، عن النبي ﷺ قال: \"مثلي في النبيين كمثل رجل بنى دارًا فأحسنها [¬١] وأكملها، وترك فيها موضع لَبنة لم يَضَعها، فجعل الناس يطوفون بالبنيان ويعجبون منه، ويقولون: لو تم موضع هذه اللبنة! فأنا في النبيين موضع تلك اللبنة\". ورواه التِّرمِذي عن بندار عن أبي عامر العقدي به، وقال: حسن صحيح.\n(حديث آخر) قال الإِمام أحمد (^١٢٥): حدَّثنا عفان، حدَّثنا عبد الواحد بن زياد، حدَّثنا المختار بن فُلفُل، [قال] [¬٢] حدَّثنا أَنس بن مالك، قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن الرسالة والنبوة قد انقطعت، فلا رسول بعدي ولا نبي\". قال: فشَقّ ذلك على الناس، قال: \"ولكن المبشرات\". قالوا: يا رسول الله؛ وما المبشرات؟ قال: \"رؤيا الرجل المسلم، وهي [¬٣] جزء من أجزاء النبوة\".\nوهكذا روى التِّرمِذي، عن الحسن بن محمد الزعفراني، عن عفان بن مسلم، به، وقال: صحيح غريب من حديث المختار بن فُلفل.\n(حديث آخر) قال أبو داود الطيالسي (^١٢٦): حدَّثنا سَليم بن حَيَّان، عن سعيد بن ميناء، عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ: \"مثلي ومثل الأنبياء كمثل رجل بنى دارًا فأكملها وأحسنها إلَّا موضع لَبِنَة، فكان من دخلها فنظر إليها قال: ما أحسنها إلَّا موضع هذه اللبنة! فأنا موضع اللبنة، ختم بي الأنبياء ﵈\".\n_________\n(^١٢٤) - المسند (٥/ ١٣٦) وفيه قال: حدَّثنا عبد الرحمن بن مهدي، وأَبو عامر قالا: حدثنا زهير محمد به. وأخرجه التِّرمِذي في المناقب، باب في فضل النبي ﷺ، حديث (٣٦١٣) عن محمد بن بشار عن أبي عامر به.\n(^١٢٥) - المسند (٣/ ٢٦٧)، وأخرجه التِّرمِذي في الرؤيا، باب: ذهبت النبوة وبقيت المبشرات، حديث (٢٢٧٢) عن الحسن بن محمد الزعفراني عن عفان بن مسلم به.\n(^١٢٦) - وأخرجه البخاري في المنافب باب: خاتم النبيين ﷺ، حديث (٣٥٣٤)، ومسلم في الفضائل، حديث (٢٢٨٧)، والتِّرمِذي في الأمثال، باب: ما جاء في مثل النبي ﷺ والأنبياء قبله، حديث (٢٨٦٢)، من طريق سليم بن حيان به.\n_________\n[¬١]- في خ، ز: \"فأحكمها\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من ت.\n[¬٣]- في ز، خ: \"وهو\".","vol":"11","page":176},{"text":"ورواه البخاري، ومسلم، والتِّرمِذي، من طرق، عن سليم بن حيان، به. وقال التِّرمِذي: صحيح غريب من هذا الوجه.\n[حديث آخر] [¬١] قال الإِمام أحمد (^١٢٧): حدَّثنا أَبو معاوية، حدَّثنا الأعمَش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"مثلي ومثل النبيين [من قبلي] [¬٢] كمثل رَجَلَّ بنى دارًا فأتمها إلَّا لبنة واحدة، فجئت أنا فأتممت تلك اللبنة\".\nانفرد بإخراجه مسلم من رواية الأعمَش به.\n(حديث آخر) قال أحمد (^١٢٨): حدَّثنا يونس بن محمد، حدَّثنا حمَّاد بن زيد، حدَّثنا عثمان بن عُبيد الراسبي، قال [¬٣]: سمعت أبا الطفيل قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا نبوة بعدي إلَّا المبشرات\". قال: قيل: وما المبشرات يا رسول الله؟ قال: \"الرؤيا الحسنة\". أو قال: \"الرؤيا الصالحة\".\n(حديث آخر) قال الإِمام أحمد (^١٢٩): حدَّثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن هَمَّام بن مُنبه، قال: هذا ما حدَّثنا أَبو هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل ابتنى بيوتًا فأحسنها وأكملها وأجملها، إلَّا موضع لَبنة من زاوية من زواياها، فجعل الناس يطوفون ويعجبهم البنيان ويقولون: ألا وَضَعت هاهنا لبنة فيتم بنيانك؟! \". قال رسول الله ﷺ: \"فكنت ألا اللبنة\". أخرجاه من حديث عبد الرزاق.\n(حديث آخر، عن أبي هريرة أيضًا) قال الإِمام مسلم (^١٣٠): حدَّثنا يحيى بن أيوب وقتيبة وعليٌّ بن حجر [¬٤]، قالوا: حدَّثنا إسماعيل بن جعفر، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \"فُضلت على الأنبياء بست:\n_________\n(^١٢٧) - المسند (٣/ ٩)، وأخرجه مسلم في الفضائل، حديث (٢٢٨٦) (٢٢) عن أبي بكر بن أبي شيبة وأبي كريب عن أبي معاوية به.\n(^١٢٨) - المسند (٥/ ٤٥٤)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ١٧٦): رجاله ثقات.\n(^١٢٩) - المسند (٢/ ٣١٢)، وأخرجه مسلم في الفضائل، حديث (٢٢٨٦٩) (٢١) عن محمد بن رافع عن عبد الرزاق به. والحديث ليس عند البخاري من طريق عبد الرزاق إنما رواه من غير طريقه.\n(^١٣٠) - صحيح مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، حديث (٥٢٣)، وأخرجه أحمد (٢/ ٤١١)، والتِّرمِذي في السير، باب: ما جاء في الغنيمة حديث (١٥٥٣)، وابن ماجة في الطهارة وسننها، ما =\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٣]- سقط في: ز، خ.\n[¬٤]- في خ، ز: \"محمد\".","vol":"11","page":177},{"text":"أعطيت جوامع الكلم، ونصرت بالرعب، وأحلت لي الغنائم، وجعلت لي الأرض طهورًا مسجدًا، وأرسلت إلى الخلق كافة، وختم بي النبيون\". ورواه التِّرمِذي وابن ماجة من حديث إسماعيل بن جعفر، وقال الترمذي: حسن صحيح.\n(حديث آخر) قال الإِمام أحمد (^١٣١): حدَّثنا أَبو معاوية، حدَّثنا الأعمَش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: \"مثلي ومثل الأنبياء من قبلي، كمثل رجل بنى دارًا فأتمها [¬١] إلَّا موضع لبنة واحدة [¬٢] فجئت أنا فأتممت تلك اللبنة\".\nورواه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة وأبي كريب كليهما [¬٣] عن أبي معاوية به.\n(حديث آخر) قال الإِمام أحمد (^١٣٢): حدَّثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدَّثنا معاوية بن صالح، على سعيد بن سُوَيد الكلبي، عن عبد الأعلى بن هلال السلمي، عن العرباض بن سارية قال: قال النبي ﷺ: \"إني عند الله لخاتم [¬٤] النبيين وإن آدم لمنجدل في طينته\".\n(حديث آخر) قال الزهري: أخبرني محمد بن جبير [¬٥] بن مطعم، عن أبيه ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"إن لي أسماء: أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب الذي ليس بعده نبي\". أخرجاه في الصحيحين (^١٣٣).\nوقال الإِمام أحمد (^١٣٤): حدَّثنا يحيى بن إسحاق، حدَّثنا ابن لهيعة، عن عبد الله بن\n_________\n= جاء في السبب من حديث (٥٦٧) مختصرًا - من طريق العلاء بن عبد الرحمن به.\n(^١٣١) - تقدم تخريجه في رقم (١٣٥).\n(^١٣٢) - المسند (٤/ ١٢٧) وفي المطبوع منه: \"سعيد بن سويد الكلبي عن عبد الله بن هلال السلمي\" ثم رواه أحمد عن أبي العلاء وهو الحسين بن سوار عن ليث عن معاوية عن سعيد بن سويد عن عبد الأعلى بن هلال السلمي عن عرباض بن سارية.\n(*) أي ملقى على الجندلة وهي الأرض.\n(^١٣٣) - صحيح البخاري في المناقب، باب: ما جاء في أسماء رسول الله ﷺ، حديث (٣٥٣٢)، وفي التفسير، باب: سورة الصف، حديث (٤٨٩٦)، ومسلم الفضائل، حديث (٢٣٥٤) من طريق الزُّهْريّ به.\n(^١٣٤) - المسند (٢/ ١٧٢، ٢١٢) (٦٦٠٧، ٦٩٨١ - شاكر).\n_________\n[¬١]- سقط من: خ، ز.\n[¬٢]- سقط في: خ، ز.\n[¬٣]- في ز، خ: \"كلاهما\".\n[¬٤]- في ز، خ: \"خاتم\".\n[¬٥]- في خ، ز: \"حسين\".","vol":"11","page":178},{"text":"هُبيرة، عن عبد الرحمن بن جبير، قال: سمعت عبد الله بن عمرو يقول: خرج علينا رسول الله ﷺ يومًا كالمودِّع، فقال: \"أنا محمد النبيُّ [¬١] الأميُّ - ثلاثًا - ولا نبي بعدي أوتيت فواتح الكلم وجوامعه وخواتمه، وعلمت كم خزنة النار وحملة العرش، وتجوز بي، [وعُوفيتُ وعُوفيت] [¬٢] أمتي؛ فاسمعوا وأطيعوا ما دمت فيكم، فإذا ذُهب بي فعليكم بكتاب الله، أحلوا حلاله وحرموا حرامه\". تفرد به الإِمام أحمد.\nورواه أحمد أيضًا (^١٣٥) عن يحيى بن إسحاق، عن ابن لهيعة، عن عبد الله بن هُبيرة، عن عبد الله (٥) بن مريج [¬٣] الخولاني عن أبي قيس -مولى عمرو بن العاص - عن عبد الله بن عمرو، فذكر مثله سواء.\nوالأحاديث في هذا كثيرة، فمن رحمة الله تعالى بالعباد إرسال محمد ﷺ إليهم، ثم من تشرف له ختم الأنبياء والمرسلين به، وإكمال الدين الحنيف له. وقد أخبر تعالى في كتابه، ورسوله في السنة المتواترة عنه: أنَّه لا نبي بعده ليعلموا [¬٤] أن كل من ادعى هذا المقام بعده فهو كذاب أفاك، دجال ضال مضل، ولو تخرق [¬٥] [**] وشعبذ، وأتي بأنواع السحر والطلاسم والنيرجيات (* * *)، فكلها محال وضلال عند أولي الألباب، كما أجرى الله ﷾ على يدي [¬٦] الأسود العَنْسي باليمن، ومسيلمة الكذاب باليمامة، من الأحوال الفاسدة والأقوال الباردة، ما علم كل ذي لب وفهم وحجيّ أنهما كاذبان ضالان، لعنهما الله. وكذلك كل مدع لذلك [¬٧] إلى يوم القيامة حتَّى تموا بالمسيح الدجال، يخلق الله معه من الأمور ما يشهد العلماء والمؤمنون بكذب من جاء بها. وهنا من تمام لطف الله تعالى بخلقه، فإنهم بضرورة الواقع لا يأمرون بمعروف ولا ينهون عن منكر إلَّا على سبيل الاتفاق، أو لما لهم فيه من المقاصد إلى غيره، ويكون في غاية الإفك والفجور في أقوالهم وأفعالهم، كما قال تعالى: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (٢٢١) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ …﴾ الآية. وهذا بخلاف حال الأنبياء ﵈ فإنهم في غاية البر والصدق\n_________\n(^١٣٥) - المسند (٢/ ١٧٢) (٦٦٠٦ - شاكر).\n(*) كذا، وقد أورده كل من ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٥/ ٢٨٧) والذهبي في الميزان (٣/ ٣٠٣)، وابن حجر في اللسان (٣/ ٥٢٩): عبد الرحمن، وكلاهما صحيح.\n(**) تخرق الكذب: اختلقه.\n(* * *) قال في القاموس - النُّيرَج: أخذ كالسحر.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"وعرفت وعرفت\".\n[¬٣]- في خ، ز: \"سريج\".\n[¬٤]- في ز، خ: \"لتعلموا\".\n[¬٥]- في ز: \"تحرق\".\n[¬٦]- في ت: \"يد\".\n[¬٧]- في ز، خ: \"كذلك\".","vol":"11","page":179},{"text":"والرشد والاستقامة فيما يقولونه ويفعلونه ويأمرون به وينهون عنه، مع ما يؤيدون به من الخوارق للعادات، والأدلة الواضحات، والبراهين الباهرات. فصلوات الله وسلامه عليهم دائمًا مستمرًا ما دامت الأرض والسماوات.\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٤٢) هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا (٤٣) تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا (٤٤)﴾\nيقول تعالى آمرًا عباده المؤمنين بكثرة ذكرهم لربهم تعالى المنعم عليهم بأنواع النعم وأصناف المنن، لما لهم في ذلك من جزيل الثواب، وجميل المآب.\nقال الإِمام أحمد (^١٣٦): حدَّثنا يحيى بن سعيد، عن عبد الله بن سعيد، حدثني [¬١] مولى ابن عباس، عن أبي بَحرية، عن أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"ألا أنبئكم بخير أعمالكم، وأزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من إعطاء [¬٢] الذهب والوَرق، وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟ \". قالوا: وما هو يا رسول الله؟ قال: \"ذكر الله ﷿\".\nوهكذا رواه التِّرمِذي وابن ماجة، من حديث عبد الله بن سعيد بن أبي هند، عن زياد - مولى ابن عياش - عن أبي بَحريَّة -واسمه عبد الله بن قيس التراغمي- عن أبي الدرداء به.\nقال التِّرمِذي: ورواه بعضهم عنه فأرسله.\nقلت: وقد تقدم هذا الحديث عند قوله تعالى: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ﴾ في مسند أحمد، من حديث زياد بن أبي زياد مولى عبد الله بن عَيَّاش أنَّه بلغه عن معاذ بن جبل، عن رسول الله ﷺ، بنحوه [¬٣]، فالله أعلم.\n_________\n(^١٣٦) المسند (٥/ ١٩٥)، وأخرجه التِّرمِذي في كتاب الدعاء، باب: منه (٥/ ٤٥٩ / رقم: ٣٣٧٧). وابن ماجة في كتاب الأدب، باب: فضل الذكر (٢/ ١٢٤٥ / رقم: ٣٧٩). كلاهما من طريق عبد الله بن سعيد بن أبي هند، عن زياد بن أبي زياد، عن أبي بحرية به.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في ز، خ: \"إنفاق\".\n[¬٣]- سقط من: خ، ز.","vol":"11","page":180},{"text":"وقال الإِمام أحمد (^١٣٧): حدَّثنا وكيع، حدَّثنا فرج [¬١] بن فضالة، عن أبي سعيد [¬٢] الحمصي، قال [¬٣]: سمعت أبا هريرة يقول: دعاء سمعته [¬٤] من رسول الله ﷺ لا أدعه: \"اللهم؛ اجعلني أعظم شكرَك، وأتبع نصيحتك، وأكثر ذكرك، وأحفظ وصيتك\".\nورواه التِّرمِذي (^١٣٨) عن يحيى بن موسى، عن وكيع، عن أبي فضالة الفرج بن فضالة، عن أبي سعيد الحمصي عن أبي هريرة فذكر مثله وقال: غريب.\nوهكذا رواه الإِمام أحمد أيضًا عن أبي النضر هاشم بن القاسم، عن فرج بن فضالة، عن أبي سعيد المدني [¬٥]، عن أبي هريرة فذكره (^١٣٩).\nوقال الإِمام أحمد (^١٤٠): حدَّثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن معاوية بن صالح، عن عمرو بن قيس، قال: سمعت عبد الله بن بُشر [¬٦] يقول: جاء أعرابيان إلى رسول الله ﷺ، فقال أحدهما: يا رسول الله، أيّ الناس خير؟ قال: \"من طال عمره وحسن عمله\". وقال الآخر: يا رسول الله؛ إن شرائع الإِسلام قد كثرت علينا، فمرني بأمر أتشبث به. قال: \"لا يزال لسانك رطبًا بذكر الله\".\nوروى التِّرمِذي وابن ماجة الفصل الثاني (^١٤١)، من حديث معاوية بن صالح به. وقال التِّرمِذي: حسن غريب.\nوقال الإِمام أحمد (^١٤٢): حدَّثنا شُرَيج، حدَّثنا ابن وَهْب، عن عمرو بن الحارث،\n_________\n(^١٣٧) المسند (٢/ ٤٧٧).\n(^١٣٨) سنن التِّرمِذي برقم (٣٦٠٤).\n(^١٣٩) المسند (٢/ ٣١١).\n(^١٤٠) المسند (٤/ ١٩٠). أخرجه التِّرمِذي في كتاب الزهد، باب: ما جاء في طول العمر للمؤمن (٤/ ٤٨٩) حديث (٢٣٢٩). وحديث ٣٣٧٥. وابن ماجة في الأدب، باب: فضل الذكر (٢/ ١٢٤٦) حديث ٣٧٩٣. والبيهقي في كتاب الجنائز، باب: طوبى لمن طال عمره وحسن عمله (٣/ ٣٧١). وأبو نعيم في الحلية (٩/ ٥١).\n(^١٤١) سنن الترمذي برقم (٣٣٧٥)، وسنن ابن ماجة برقم (٣٧٩٣).\n(^١٤٢) المسند (٣/ ٦٨)، وأخرجه ابن حبان في \"صحيحه\" (٣/ ٨١٧)، وابن عدي في \"الكامل\" =\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"روح\".\n[¬٢]- في خ، ز: \"سعد\".\n[¬٣]- سقط في: ز، خ.\n[¬٤]- في ز، خ: \"سمعه\".\n[¬٥]- في خ، ز: \"المري\".\n[¬٦]- في ز، خ: \"بشر\".","vol":"11","page":181},{"text":"قال [¬١]: إنَّ دَرَّاجًا أبا السمح حدثه، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال: \"أكثروا ذكر الله حتَّى يقولوا: مجنون\".\nوقال الطبراني (^١٤٣): حدَّثنا عبد الله بن أحمد، حدَّثنا عقبة بن مُكرم العَمِّي، حدَّثنا سعيد بن سفيان [¬٢] الجحدري، حدَّثنا الحسن بن أبي جعفر، عن عقبة بن أبي ثُبيت [¬٣] الراسبي، عن أبي الجوزاء، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ: \"اذكروا الله [¬٤] ذكرًا كثيرًا حتَّى [¬٥] قول المنافقون: تراءون [¬٦] \".\nوقال الإمام أحمد (^١٤٤): حدَّثنا أَبو سعيد مولى بني هاشم، حدَّثنا شداد أَبو طلحة الراسبي، سمعت أبا الوازع [¬٧] جابر بن عمرو حدث عن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله ﷺ: \"ما من قوم جلسوا مجلسًا لم يذكروا الله فيه، إلَّا رأوه [¬٨] حسرة يوم القيامة\".\nوقال عليُّ بن أبي طلحة، عن ابن عبَّاس في قوله تعالى: ﴿اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾: إن الله لم يفرض [على عباده] [¬٩] فريضة إلا [جعل لها حدًّا معلومًا، ثم] [¬١٠] عذر أهلها في حال عذر، غير الذكر [¬١١]، فإن الله لم يجعل له حدًّا [¬١٢] ينتهي إليه [¬١٣]، ولم يعذر أحدًا [¬١٤] في تركه، إلَّا مغلوبًا على تركه، فقال: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾، بالليل والنهار، [في البر والبحر] [¬١٥]، وفي السفر والحضر، والغنى والفقر، والصحة والسقم، والسر\n_________\n= (٣/ ٩٨٠). والحاكم في \"المستدرك\" (١/ ٤٩٩) وصححه، وسكت عنه الذهبي. من طريقين عن عبد الله بن وَهْب به. وأخرجه عبد بن حميد في \"المنتخب\" (٩٢٥)، وأَبو يعلى في \"مسنده\" رقم (١٣٧٦). من طريق الحسن بن موسى قال: حدثنا ابن لهيعة عن دراج به. وذكره الهيثمي في \"المجمع\" (١٠/ ٧٨ - ٧٩) وقال: رواه أحمد وأَبو يعلى وفيه دراج وقد ضعفه جماعة، وبقية رجال أحد إسنادي أحمد ثقات. والحديث ضعفه الشيخ الألباني في \"الضعيفة\" (٥١٧).\n(^١٤٣) المعجم الكبير للطبراني (١٢/ ١٦٩)، وقال الهيثمي في المجمع (١٠/ ٧٦٠): \"فيه الحسين بن أبي جعفر الجعفري وهو ضعيف\".\n(^١٤٤) المسند (٢/ ٢٢٤)، وقال الهيثمي في المجمع (١٠/ ٨٠): \"رجاله رجال الصحيح\".\n_________\n[¬١]- سقط في: ز، خ.\n[¬٢]- في ز، خ: \"سفر\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"نبيب\".\n[¬٤]- سقط في: ز، خ.\n[¬٥]- بياض في: ز، خ.\n[¬٦]- في ز، خ: \"يراءون\".\n[¬٧]- في ز، خ: \"الورع\".\n[¬٨]- في خ، ز: \"زاده\".\n[¬٩]- ما بين المعكوفتين سقط في: ز، خ.\n[¬١٠]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬١١]- في ز، خ: \"الذاكر\".\n[¬١٢]- في ز، خ: \"حد\".\n[¬١٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬١٤]- في ز، خ: \"حد\".\n[¬١٥]- ما بين المعكوفتين سقط في: ز.","vol":"11","page":182},{"text":"والعلانية، وعلى كل حال، وقال: ﴿وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾. فإذا [¬١] فعلتم ذلك صلى عليكم هو وملائكته.\nوالأحاديث والآيات والآثار في الحث على ذكر الله كثيرة جدًّا، وفي هذه الآية الكريمة الحث على الإكثار من ذلك، وقد صنف الناس في الأذكار المتعلقة بآناء الليل والنهار كالنَّسائي [¬٢] والمَعمري وغيرهما، ومن أحسن الكتب المؤلفة في ذلك كتاب \"الأذكار\" للشيخ محيي الدين النووي ﵀ رحمه الله تعالى.\nوقوله: ﴿وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ أي: عند الصباح والمساء، كقوله: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (١٧) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾.\nوقوله: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ﴾، هذا تهييج إلى الذكر، أي: إنه سبحانه يذكركم فاذكروه أنتم، كقوله تعالى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (١٥١) فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾، وقال النبي ﷺ: \"يقول الله: من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، ومن ذكرني في مَلإ ذكرته في ملإ خير منهم\" (^١٤٥).\nوالصلاة من الله ثناؤه على العبد عند الملائكة. حكاه البخاري عن أبي العالية، ورواه أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أَنس عنه. وقال غيره: الصلاة من الله الرحمة وقد يقال: لا منافاة بين القولين والله أعلم.\nوأما الصلاة من الملائكة فبمعنى الدعاء للناس والاستغفار، كقوله: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ [وَيُؤْمِنُونَ بِهِ] [¬٣] وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (٧) رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٨) وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ﴾ الآية.\nوقوله: ﴿لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾، أي: بسبب رحمته بكم [¬٤] وثنائه عليكم ودعاء ملائكته لكم، يخرجكم من ظلمات الجهل والضلال إلى نور الهدى واليقين، ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾، أي: في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا فإنه هداهم إلى الحق الذي جهله\n_________\n(^١٤٥) رواه البخاري في صحيحه برقم (٧٤٠٥)، ومسلم في صحيحه برقم (٢٦٧٥) من حديث أبي هريرة، ﵁.\n_________\n[¬١]- في ت: \"إذا\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"كالنسى\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط في: ز، خ.\n[¬٤]- في ز، خ: \"لكم\".","vol":"11","page":183},{"text":"غيرهم، وبَصرهم الطريق الذي ضل عنه وحاد عنه مَن سواهم من الدعاة إلى الكفر أو البدعة وأشياعهم من الطغام (*). وأما رحمته بهم في الآخرة فآمنهم من الفزع الأكبر، وأمر ملائكته يتلقونهم بالبشارة بالفوز بالجنة والنجاة من النار، وما ذاك إلا لمحبته [¬١] لهم ورأفته بهم.\nقال الإِمام أحمد: حدثنا محمد بن أبي عديّ، عن حميد، عن أنس ﵁ قال: مر رسول الله ﷺ في نفر من أصحابه وصبي في الطريق، فلما رأت أمه القوم خشيت على ولدها أن يوطأ، فأقبلت تسعى وتقول: ابني! ابني! وَسَعَت فأخذته، فقال القوم: يا رسول الله، ما كانت هذه لتلقي ابنها في النار. قال: فَخَفَّضهم رسول الله ﷺ وقال: \"لا والله لا يلقي حبيبه في النار\".\nإسناده على شرط الصحيحين، ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة (^١٤٦)، ولكن في صحيح الإمام البخاري، عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب أن رسول الله ﷺ رأى امرأة من السبي قد أخذت صبيًّا لها، فألصقته إلى صدرها، وأرضعته فقال: \"أترون هذه تلقي ولدها في النار وهي تقدر على ذلك؟ \". قالوا: لا. قال: \"فوالله لله أرحم بعباده من هذه بولدها\" (^١٤٧).\nوقوله: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ﴾، الظاهر أن المراد -والله أعلم- ﴿تَحِيَّتُهُمْ﴾ أي: من الله تعالى يوم يلقونه ﴿سَلَامٌ﴾، أي: يوم يسلم عليهم كما قال تعالى: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾.\nوزعم قتادة أن المراد أنهم يتحون [¬٢] بعضهم بعضًا بالسلام يوم يلقون الله في الدار الآخرة، واختاره ابن جرير.\nقلت: وقد يستدل له بقوله تعالى: ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ﴾.\n_________\n(*) الطغام: أراذل الناس وأوساخهم.\n(^١٤٦) المسند (٣/ ١٠٤). ورواه الحاكم (٤/ ١٧٧) وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. ورواه الحاكم أيضًا (١/ ٥٨) وقال: صحيح على شرط الشيخين. ورواه أحمد ١٣٤٩٢ - (٣/ ٢٣٥). وأبو يعلى حديث ٣٧٤٨ - (٦/ ٣٩٨). وذكره في مجمع الزوائد (١٠/ ٣٨٣) وقال: رواه أحمد والبزار بنحوه وأبو يعلى ورجالهم رجال الصحيح.\nوللحديث شاهد من حديث عمر بن الخطاب عند البخاري في كتاب الأدب، باب: رحمة الولد وتقبيله ومعانقته حديث ٥٩٩٩.\n(^١٤٧) صحيح البخاري برقم (٥٩٩٩).\n_________\n[¬١]- في ز: \"لهبته\".\n[¬٢]- في ت: \"يحيي\".","vol":"11","page":184},{"text":"وقوله: ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا﴾، يعني: الجنة وما فيها من المآكل والمشارب، والملابس والمساكن، والمناكح والملاذ والمناظر، وما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.\n﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا (٤٦) وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا (٤٧) وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾\nقال الإِمام أحمد (^١٤٨): حدثنا موسى بن داود، حدثنا فُليح بن سليمان، عن هلال بن علي، عن عطاء بن يسار، قال: لقيت عبد الله بن عمرو بن العاص فقلت: أخبرني عن صفة رسول الله ﷺ في التوراة. قال: أجل، والله إنه لموصوف في التوراة بصفته في القرآن: يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدًا ومبشرًا ونذيرًا، وحرزًا للأميين، أنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل [لست بفظٍّ] [¬١] ولا غليظ ولا سخاب [¬٢] [في الأسواق] [¬٣]، ولا يدفع السيئة بالسيئة، ولكن يعفو ويغفر، ولن يقبضَه الله [¬٤] حتى [يقيمَ به] [¬٥] الملة العوجاء، بأن يقولوا: لا إله إلا الله، فيفتح بها أعينًا عميًا، وآذانًا صمًّا، وقلوبًا غلفًا.\nوقد رواه البخاري في \"البيوع\" عن محمد بن سنان، عن فليح بن سليمان، عن هلال بن علي، به. ورواه في التفسير عن عبد الله -قيل: ابن رجاء، وقيل: ابن صالح- عن عبد العزيز بن أبي سلمة، عن هلال، عن عطاء بن يسار، عن عبد الله بن عمرو، به. ورواه ابن أبي حاتم، عن أبيه، عن عبد الله بن رجاء، عن عبد العزيز بن [أبي سلمة] [¬٦] الماجشون به.\nوقال البخاري في البيوع: وقال سعيد عن هلال عن عطاء عن عبد الله بن سلام.\nوقال وهب بن منبه: إن الله أوحى إلى نبيٍّ من أنبياء بني إسرائيل - يقال له: شعياء -: \"أن قم في قومك بني إسرائيل، فإني [¬٧] منطق لسانك بوحي وأبعث أميًّا من الأميين، أبعثه\n_________\n(^١٤٨) المسند (٢/ ١٧٤) وصحيح البخاري برقم (٢١٢٥) ورقم (٤٨٣٨).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"لا فظّ\".\n[¬٢]- في ت: \"صخاب\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في ز: \"بالأسواق\".\n[¬٤]- سقط من: ز.\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"يقيموا\".\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٧]- في ت: \"إني\".","vol":"11","page":185},{"text":"ليس بفظٍّ ولا غليظ ولا سخاب [¬١] [بالأسواق] [¬٢]، لو يمر إلى جنب سراج لم يطفئه، من سكينته، ولو يمشي على القصب لم يسمع من تحت قدميه [¬٣]، أبعثه مبشرًا ونذيرًا، لا يقول الخنا، أفتح به أعينًا كُمهًا، وآذانًا صمًّا، وقلوبًا غلفًا، أسَدده لكل أمر جميل، وأهب له كل خلق كريم، وأجعل السكينة لباسه، والبر شعاره، والتقوى ضميره، والحكمة منطقه، والصدق والوفاء طبيعته، والعفو والمعروف خلقه، والحق شريعته، والعدل سيرته، والهدى إمامه، والإسلام ملته، وأحمدَ اسمه، أهدي به بعد الضلالة، وأعلم به بعد الجهالة، وأرفع به بعد الخَمَالة، وأعرف به بعد النَّكْرَة، وأكثر به بعد القلة، وأغني به بعد العَيلَة، وأجمع به بعد الفرقة، وأؤلف به بين أمم متفرقة، وقلوب مختلفة، وأهواء متشتتة، وأستنقذ به فئامًا من الناس عظيمة من الهلكة، وأجعل أمته خير أمة أخرجت للناس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، موحدين مؤمنين مخلصين، مصدقين لما جاءت به رسلي، ألهمهم التسبيح والتحميد، والثناء والتكبير والتوحيد، في مساجدهم ومجالسهم، ومضاجعهم ومنقلبهم ومثواهم، يصلون لي قيامًا وقعودًا، ويقاتلون في سبيل الله صفوفًا وزحوفًا، ويخرجون من ديارهم ابتغاء مرضاتى ألوفًا، يطهرون الوجوه والأطراف، ويشدون الثياب في الإنصاف، قربانهم دماؤهم، وأناجيلهم في صدورهم، رهبان بالليل ليوث بالنهار، وأجعل في أهل بيته وذريته السابقين، والصديقين والشهداء والصالحين، أمته من بعده يهدون بالحق وبه يعدلون، أعز من نصرهم، وأؤيد من دعا لهم، وأجعل دائرة السوء على من خالفهم أو بغى عليهم، أو أراد أن ينتزع شيئًا مما في أيديهم، أجعلهم ورثة لنبيهم، والداعية إلى ربهم، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويوفون بعهدهم، أختم بهم الخير الذي بدأته بأولهم، ذلك فضلي أوتيه من أشاء، وأنا ذو الفضل العظيم\".\nهكذا رواه ابن أبي حاتم عن وهب بن منبه اليماني ﵀.\nثم قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبد الرحمن بن صالح، حدثنا عبد الرحمن بن محمد بن عبيد الله العَرزَميّ [¬٤]، عن شيبان النحوي، أخبرني قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: لما نزلت: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ - وقد كان أمر عليًّا ومعاذًا أن يسيرا إلى اليمن- فقال: \"انطلقا فبشرا ولا تنفرا، ويسرا ولا تعسرا، إنه قد أنزل علي: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾.\nورواه الطبراني (^١٤٩) عن محمد بن نصر بن حميد البزاز البغدادي، عن عبد الرحمن بن\n_________\n(^١٤٩) المعجم الكبير (١١/ ٣١٢)، وقال الهيثمي في المجمع (٧/ ٩٢): \"وفيه عبد الرحمن بن محمد بن عبيد الله العرزمي وهو ضعيف\".\n_________\n[¬١]- في ت: \"صخاب\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في ت: \"في الأسواق\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"قدمه\".\n[¬٤]- في خ، ز: \"القرشي\".","vol":"11","page":186},{"text":"صالح الأزدي، عن عبد الرحمن [بن محمد] [¬١] بن عبيد الله العرزمي، بإسناده مثله، وقال في آخره: \"فإنه قد أنزل عليّ: يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدًا على أمتك ومبشرًا بالجنة، ونذيرًا من النار، وداعيًا إلى شهادة أن لا إله إلا الله بإذنه، وسراجًا منيرًا بالقرآن\".\nوقوله: ﴿شَاهِدًا﴾، أي: لله بالوحدانية، وأنه لا إله غيره، وعلى الناس بأعمالهم يوم القيامة، ﴿وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾، [كقوله: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيكُمْ شَهِيدًا﴾] [¬٢].\nوقوله: ﴿وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾، أي: بشيرًا للمؤمنين بجزيل الثواب، ونذيرا للكافرين من وبيل العقاب.\nوقوله: ﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ﴾، أي: داعيًا للخلق إلى عبادة ربهم عن أمره لك بذلك، ﴿وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾، أي: وأمرك ظاهر فيما جئت به من الحق، كالشمس في إشراقها وإضاءتها، لا يجحدها إلا معاند.\nوقوله: ﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ﴾، أي: لا تطعهم وتسمع [¬٣] منهم في الذي يقولونه، ﴿وَدَعْ أَذَاهُمْ﴾، أي: اصفح وتجاوز عنهم، وكِلْ أمرهم إلى الله، فإن فيه كفاية لهم، ولهذا قال: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾.\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾\nهذه الآية الكريمة فيها أحكام كثيرة، منها: إطلاق النكاح على العقد وحده، وليس في القرآن آية أصرح في ذلك منها، وقد اختلفوا في النكاح: هل هو حقيقة في العقد وحده، أو في الوطء، أو فيهما؟ على ثلاثة أقوال، واستعمال القرآن إنما هو في العقد والوطء بعده، إلا في هذه الآية فإنه استعمل في العقد وحده، لقوله: ﴿إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾، وفيها دلالة لإِباحة طلاق المرأة قبل الدخول بها.\nوقوله: ﴿الْمُؤْمِنَاتِ﴾ خرج مخرج الغالب؛ إذ لا فرق في الحكم بين المؤمنة والكتابية في ذلك بالاتفاق، وقد استدل ابن عباس، وسعيد بن المسيب، والحسن البصري، وعليّ بن الحسين زين العابدين، وجماعة من السلف بهذه الآية على أن الطلاق لا يقع إلا إذا تقدمه نكاح، لأن الله تعالى قال: ﴿إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾، فعقب النكاح بالطلاق، فدل على أنه لا يصح ولا يقع قبله. وهذا مذهب الشافعي، وأحمد بن حنبل، وطائفة كبيرة [¬٤] من\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٣]- في ز، خ: \"اسمع\".\n[¬٤]- في ت: \"كثيرة\".","vol":"11","page":187},{"text":"السلف والخلف رحمهم الله تعالى.\nوذهب مالك وأبو حنيفة رحمهما الله إلى صحة الطلاق قبل النكاح؛ فيما إذا قال: إن تزوجت فلانة فهي طالق. فعندهما متى تزوجها طلقت منه. واختلفا فيما إذا قال: كل امرأة أتزوجها فهي طالق. فقال مالك: لا تطلق حتى يعين المرأة. وقال أبو حنيفة ﵀: كل امرأة يتزوجها بعد هذا الكلام تطلق منه. فأما الجمهور فاحتجوا على عدم وقوع الطلاق بهذه الآية.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن منصور المروزي، حدثنا النضر بن شميل، حدثنا يونس -يعني: ابن أبي إسحاق- سمعت آدم مولى خالد، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: [إذا قال] [¬١]: كل امرأة أتزوجها فهي طالق. قال: ليس بشيء من أجل أن الله تعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ الآية.\nوحدثنا محمد بن إسماعيل الأحمسي، حدثنا وكيع، عن مطر، عن الحسن بن مسلم بن يَنّاق [¬٢]، عن ابن عباس، قال: إنما قال الله تعالى: ﴿إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾، ألا ترى أن الطلاق بعد النكاح.\nوهكذا روى محمد بن إسحاق، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال الله: ﴿إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ فلا طلاق [قبل النكاح] [¬٣].\nوقد ورد الحديث بذلك عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا طلاق لابن آدم فيما لا يملك\" (^١٥٠). رواه الإمام أحمد والترمذي، وأبو داود، وابن ماجة. وقال الترمذي: هذا حديث حسن، وهو أحسن شيء روي في هذا الباب. وهكذا روى ابن ماجة عن علي، والمشور بن مخرمة عن رسول الله ﷺ أنه قال: \"لا طلاق قبل نكاح\" (^١٥١).\n_________\n(^١٥٠) المسند (٢/ ١٨٩)، وسنن الترمذي برقم (١١٨١)، وسنن أبي داود برقم (٢١٩١)، وسنن ابن ماجة برقم (٢٠٤٧).\n(^١٥١) سنن ابن ماجه برقم (٢٠٤٨) من طريق علي بن الحسين، عن هشام بن سعد، عن الزهري، عن عروة، عن المسور، به. وقال البوصيري في الزوائد (٢/ ١٣٢): \"هذا إسناد حسن، علي بن الحسين، وهشام بن سعد مختلف فيهما\". وبرقم (٢٠٤٩) من طريق جويبر، عن الضحاك، عن النزال بن سبرة، عن علي، به. وقال البوصيري في الزوائد (٢/ ١٣٢): \"هذا إسناد ضعيف لاتفاقهم على ضعف جويبر بن سعيد البجلي، لكن لم ينفرد به جويير، فقد رواه البيهقي في الكبرى (٧/ ٣٢٠) من طريق معاذ العنبري =\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في ز، خ: \"نيَّاق\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.","vol":"11","page":188},{"text":"وقال: ﴿فَمَا لَكُمْ عَلَيهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾، هذا أمر مجمع عليه بين العلماء: أن المرأة إذا طلقت قبل الدخول بها لا عدة عليها فتذهب فتتزوج في فورها من شاءت، ولا يستثنى من هذا إلا المتوفى عنها زوجها، فإنها تعتد منه أربعة أشهر وعشرًا، وإن لم يكن دخل بها بالإِجماع أيضًا.\nوقوله: ﴿فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ المتعة هاهنا أعم من أن تكون نصف الصداق المسمى، أو المتعة الخاصة، إن لم يكن قد سمى لها، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ وقال: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾.\nوفي صحيح البخاري، عن سهل بن سعد وأبي أُسيد أن رسول الله ﷺ تزوج أميمة بنت شَرَاحيل، فلما أدخلت عليه بسط يده إليها، فكأنها كرهت ذلك، فأمر أبا أسَيد أن بجهزها ويكسوها ثوبين رازقيين (^١٥٢) (*).\nقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس ﵄: إن كان سمَّى لها صداقًا فليس لها إلا النصف، وإن لم يكن سمَّى لها صداقًا فأمتعها على قدر عسره ويسره، وهو السراح الجميل.\n﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيمَانُهُمْ لِكَيلَا يَكُونَ عَلَيكَ حَرَجٌ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾\nيقول تعالى مخاطبًا نبيه ﷺ بأنه قد أحل له من النساء أزواجه اللاتي\n_________\n= عن حميد الطويل، عن الحسن عن علي به، ثم رواه من طريق سعيد عن جويبر به موقوفًا من الطريقين معًا\".\n(^١٥٢) صحيح البخاري برقم (٥٢٥٦، ٥٢٥٧).\n(*) وفي رواية: رازقيتين. والرازقية: ثياب كتان بيض. والرازقي: الضعيف من كل شيء.","vol":"11","page":189},{"text":"أعطاهن مهورهن، وهي الأجور هاهنا. كما قاله مجاهد وغير واحد، وقد كان مَهْرُه لنسائه اثنتي عشرة أوقية ونَشَّا وهو نصف أوقية، فالجميع خمسمائة درهم. إلا أم حبيبة بنت أبي سفيان فإنه أمهرها عنه النجاشي ﵀ أربعمائة دينار، وإلا صفية بنت حُيَيّ فإنه اصطفاها من سَبَّى خيبر، ثم [¬١] أعتقها وجعل عتقها صداقها. وكذلك جُوَيرية بنت الحارث المصطلقية، أدّى عنها كتابتها إلى ثابت بن قيس بن شماس وتزوجها، رضي الله عن جميعهن.\nوقوله: ﴿وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيكَ﴾، أي: وأباح لك التسري مما أخذت من المغانم، وقد ملك صفية وجويرية فأعتقهما وتزوجهما. وملك ريحانة بنت شمعون النضرية، ومارية القبطية أم ابنه إبراهيم ﵇، وكانتا من السراري، ﵄.\nوقوله: ﴿وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ﴾ هذا عدل وَسَط بين الإِفراط والتفريط؛ فإن النصارى لا يتزوجون المرأة إلا إذا كان الرجل بينه وبينها سبعة أجداد فصاعدًا، واليهود يتزوج أحدهم بنت أخيه وبنت أخته، فجاءت هذه الشريعة الكاملة الطاهرة بهدم إفراط النصارى، فأباح [¬٢] بنت العم والعمة، وبنت الخال والخالة، وتحريم ما أفرّطت [¬٣] فيه اليهود من إباحة بنت الأخ والأخت، وهذا بشع فظيع.\nوإنما قال: ﴿وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالاتِكَ﴾ فَوَحَّدَ لفظ الذكر لشرفه، وجمع الإِناث لنقصهن، كقوله: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ﴾ ﴿يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ ﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ وله نظائر كثيرة.\nوقوله: ﴿اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ﴾ قال ابن أبي حاتم ﵀: حدثنا محمد بن عمار بن الحارث الرازي، حدثنا عبيد الله بن موسى، حدثنا إسرائيل، عن السدي، عن أبي صالح، عن أم هانئ قالت: خطبني رسول الله ﷺ فاعتذرت إليه فعذرني [¬٤]، ثم أنزل الله: ﴿إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ﴾ إلى قوله: ﴿اللَّاتِي هَاجَرْنَ [¬٥] مَعَكَ﴾، قالت: فلم أكن أحل له، ولم أكن ممن هاجر معه، كنت من الطلقاء.\nورواه ابن جرير (^١٥٣) عن أبي كريب، عن عبيد الله بن موسى به. ثم رواه ابن أبي حاتم من حديث إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح، عنها بنحوه. ورواه الترمذي في جامعه (^١٥٤).\n_________\n(^١٥٣) تفسير الطبري (٢٢/ ١٥).\n(^١٥٤) سنن الترمذي برقم (٣٢١٤) وقال: \"هذا حديث حسن صحيح لا أعرفه إلا من هذا الوجه من حديث السدي\".\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"فإنه\".\n[¬٢]- في خ، ز: \"مما بلغ\".\n[¬٣]- في ت: \"فرطت\".\n[¬٤]- في ز، خ: \"فعذر لي\".\n[¬٥]- في ز، خ: \"هاجرت\".","vol":"11","page":190},{"text":"وهكذا قال أبو رزين وقتادة: إن المراد: من هاجر معه إلى المدينة. وفي رواية عن قتادة: ﴿اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ﴾، أي: أسلمن. وقال الضحاك: قرأ ابن مسعود: (واللاتي هاجرت [¬١] معك).\nوقوله: ﴿امْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا﴾، أي: ويحل لك -يا أيها النبي- المرأة المؤمنة إذا وهبت نفسها لك أن تتزوجها بغير مهر إن شئت ذلك. وهذه الآية توالى [فيها شرطان] [¬٢]، كقوله تعالى إخبارًا عن نوح ﵇ أنه قال لقومه: ﴿وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْويَكُمْ﴾. وكقول موسى: ﴿يَاقَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾. وقال هاهنا: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا﴾.\nوقد قال الإمام أحمد (^١٥٥): حدثنا إسحاق، أخبرنا مالك، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد الساعدي: أن رسول الله ﷺ جاءته امرأة فقالت: يا رسول الله؛ إني قد وَهَبت نفسي لك. فقامت قيامًا طويلًا، فقال رجل فقال: يا رسول الله؛ زَوّجنيها إن لم يكن لك بها حاجة! فقال رسول الله ﷺ: \"هل عندك من شيء تُصدقها إياه؟ \" فقال: ما عندي إلا إزاري هذا! فقال رسول الله ﷺ: \"إن أعطيتها إِزارك جلستَ لا إزار لك، فالتمس شيئًا\". فقال: لا أجد شيئًا. فقال: \"التمس ولو خاتمًا من حديد\". فالتمس فلم يجد شيئًا، فقال له النبي ﷺ: \"هل معك من القرآن شيء؟ \". قال: نعم، سورة كذا، وسورة كذا -لِسُور يسميها- فقال له رسول الله ﷺ: \"زوجتكها بما معك من القرآن\". أخرجاه من حديث مالك.\nوقال الإمام أحمد (^١٥٦): حدثنا عفان، حدثنا مرحوم، سمعت ثابتًا يقول: كنت مع أنس جالسًا وعنده ابنة له، فقال أنس: جاءت امرأة إلى النبي ﷺ فقالت: يا نبي الله، هل لك في حاجة؟ فقالت ابنته: ما كان أقل حياءها! فقال: \"هي خير منك، رغبت في\n_________\n(^١٥٥) المسند (٥/ ٣٣٦)، أخرجه البخاري في كتاب الوكالة، باب: وكالة المرأة الإمام في النكاح (٤/ ٥٦٧ / رقم: ٢٣١٠). وأطرافه في (٥٠٢٩، ٥٠٣٠، ٥٠٨٧، ٥١٢١، ٥٢٢٦، ٥١٣٢، ٥١٣٥، ٥١٤١، ٥١٤٩، ٥١٥٠، ٥٨٧١، ٧٤١٧). ومسلم في كتاب النكاح، باب: الصداق وجواز كونه تعليم قرآن أو خاتم حديد (٢/ ١٠٤٠، ١٠٤١ / رقم: ١٤٢٥).\n(^١٥٦) المسند (٣/ ٢٦٨) (١٣٨٦٣)، وأخرجه البخاري في صحيحه في كتاب النكاح، باب: عرض المرأة نفسها على الرجل الصالح، حديث (٥١٢٠) (٩/ ١٧٤). والنسائي في كتاب النكاح، باب: عرض المرأة نفسها على من ترضى (٦/ ٧٨ - ٧٩). وفي الكبرى، حديث (٥٣٦١) - (٣/ ٢٧٧). وابن ماجه =\n_________\n[¬١]- في ت: \"هاجرن\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"شرطًا\".","vol":"11","page":191},{"text":"النبي ﷺ، فعرضت عليه نفسها\".\nانفرد بإخراجه البخاري، من حديث مرحوم بن عبد العزيز [¬١]، عن ثابت البناني، عن أنس به.\nوقال أحمد أيضًا: حدثنا عبد الله بن بكر [¬٢]، حدثنا سنان بن ربيعة، عن الحضرمي، عن أنس بن مالك، أن امرأة أتت النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله، ابنة لي كذا وكذا. فذكرت من حسنها وجمالها، فآثرتك [¬٣] بها. فقال: \"قد قبلتها\". فلم تزل تمدحها حتى ذكرت أنها لم تصدع ولم تَشْتَك شيئًا قطُّ، فقال: \"لا حاجة لي في ابنتك\". لم يخرجوه (^١٥٧).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا منصور بن أبي مزاحم، حدثنا ابن أبي الوضاح -يعني محمد بن مسلم- عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: التي وهبت نفسها للنبي ﷺ خولة بنت حكيم (^١٥٨).\nوقال ابن وهب، عن سعيد بن عبد الرحمن وابن أبي الزناد، عن هشام بن عروة، عن أبيه: أن خولة بنت حكيم بن الأوقص، من بني سليم، كانت من اللاتي وهَبْنَ أنفسهن لرسول الله ﷺ (^١٥٩).\n_________\n= في كتاب النكاح، باب: التي وهبت نفسها للنبي ﷺ حديث (٢٠٠١) (١/ ٦٤٥). من طرقٍ عن مرحوم بن عبد العزيز عن ثابت، به ..\n(^١٥٧) المسند (٣/ ١٥٥). وحضرمي بن لاحق التميمي السعدي: قال عبد الله بن أحمد: سألت أبي عن الحضرمي الذي حدث عنه سليمان التيمي. قال: كان قاصًّا، فزعم معتمر قال: قد رأيته قال: لا أعلم من يروي عنه غير سليمان التيمي. وقال عبد الله: وسألت يحيى بن معين فقال: ليس به بأس، وليس هو بالحضرمي بن لاحق. وقال أبو حاتم: حضرمي اليمامي وحضرمي بن لاحق هما عندي واحد. وقال عكرهة بن عمار: كان فقيهًا وخرجت معه إلى مكة سنة مائة، وذكره ابن حبان في الثقات. وقال ابن حجر: وفرق بين الحضرمي بن لاحق وحضرمي الذي يروي عنه سليمان التيمي، فقال في الثاني: لا أدري من هو ولا ابن من هو. انتهى كلامه. وكذلك قال ابن المديني: حضرمي شيخ بالبصرة، روح عنه التيمي مجهول، وكان قاصًّا، وليس هو بالحضرمي بن لاحق، قال ابن حجر: والذي يظهر لي أنهما اثنان. دس. والحديث أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٢/ ٢٩٤) وقال: رواه أحمد وأبو يعلى (٤٢٣٤) (٧/ ٢٣٢) ورجاله ثقات.\n(^١٥٨) ورواه البيهقي في السنن الكبرى (٧/ ٥٥) من طريق منصور بن أبي مزاحم، له.\n(^١٥٩) رواه الطبري في تفسيره (٢٢/ ٢٣).\n_________\n[¬١]- في خ، ز: \"الغفار\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"بكير\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"فآثرك\".","vol":"11","page":192},{"text":"وفي رواية له عن سعيد بن عبد الرحمن، عن هشام، عن أبيه، كنا نتحدث أن خولة بنت حكيم كانت وهبت نفسها لرسول الله ﷺ، وكانت امرأة صالحة (^١٦٠).\nفيحتمل أن أم سليم هي خولة بنت حكيم، أو هي امرأة أخرى.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن إسماعيل الأحمسي، حدثنا وكيع، حدثنا موسى بن عبيدة، عن محمد بن كعب، وعمر بن الحكم، وعبد الله بن عبيدة قالوا: تزوج رسول الله ﷺ ثلاث عشرة امرأة، ست من قريش، خديجة، وعائشة، وحفصة، وأم حبيبة، وسودة، وأم سلمة. وثلاث من بني عامر بن صعصعة، وامرأتان [¬١] من بني هلال بن عامر: ميمونة بنت الحارث، وهي التي وهبت نفسها للنبي ﷺ، وزينب أم المساكين، وامرأة من بني أبي بكر بن كلاب من القَرطاء، وهي التي اختارت الدنيا. وامرأة من بني الجون، وهي التي استعاذت منه، وزينب بنت جحش الأسدية، والسبيتان [¬٢] صفية بنت حيي بن أخطب، وجويرية بنت الحارث بن عمرو بن المصطلق الخزاعية (^١٦١).\nوقال سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن ابن عباس: ﴿امْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾، قال: هي ميمونة بنت الحارث.\nفيه انقطاع، هذا مرسل، والمشهور أن زينب التي كانت تدعى أم المساكين هي زينب بنت خُزيمة الأنصارية، وقد ماتت عند النبي ﷺ في حياته، فالله أعلم.\nوالغرض من هذا أن اللاتي وهبن أنفسهن من النبي ﷺ كثير [¬٣]، كما قال البخاري: حدثنا زكريا بن يحيى، حدثنا أبو أسامة قال هشام بن عروة: حدثنا عن أبيه، عن عائشة قالت: كنت أغار بن اللاتي وهبن أنفسهن من النبي ﷺ وأقول: أتهب امرأة نفسها؟ فلما أنزل الله: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوي إِلَيكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيكَ﴾، قلت: ما أرى ربك إلا يسارع في هواك (^١٦٢).\nوقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا محمد بن منصور الجعفي، حدثنا يونس بن بكير، عن عنبسة بن الأزهر، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: لم\n_________\n(^١٦٠) رواه الطبري في تفسيره (٢٢/ ٢٣).\n(^١٦١) وراه ابن أبي شيبة في المصنف (٥/ ٢٧٠) من طريق وكيع بلفظ: \"تزوج رسول الله ﷺ امرأة بني الجون فطلقها وهي التي استعاذت منه\".\n(^١٦٢) صحيح البخاري برقم (٤٧٨٨).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"امرأتين\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"السبيتين\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"كثيرًا\".","vol":"11","page":193},{"text":"يكن عند رسول الله ﷺ امرأة وهبت نفسها له.\nورواه ابن جرير (^١٦٣)، عن أبي كريب عن يونس بن بكير. أي إنه لم يقبل واحدة ممن وهبت نفسها له [¬١]، وإن كان ذلك مباحًا له ومخصوصًا به؛ لأنه مردود إلى مشيئته، كما قال الله تعالى: ﴿إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا﴾، أي: إن اختار ذلك.\nوقوله: ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾، قال عكرمة: أي لا تحل الموهوبة لغيرك، ولو أن امرأة وهبت نفسها لرجل لم تحل له حتى يعطيها شيئًا. وكذا قال مجاهد والشعبي وغيرهما.\nأي: إنها إذا فوضت المرأة نفسها إلى رجل فإنه متى دخل بها وجب لها عليه مهر مثلها، كما حكم به رسول الله ﷺ في بَرْوَع بنت واشق لما فوضت، فحكم لها رسول الله ﷺ بصداق مثلها لما توفى عنها زوجها، والموت والدخرل سواء في تقرير المهر، وثبوت مهر المثل في المفوضة لغير النبي ﷺ، فأما هو ﵇ فإنه لا يجب عليه للمفوضة شيء ولو دخل بها؛ لأن له أن يتزوج بغير صداق ولا ولي ولا شهود، كما في قصة زينب بنت جحش، ﵂؛ ولهذا قال قتادة في قوله: ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾، يقول: ليس لامرأة تهب نفسها لرجل بغير ولي ولا مهر إلا للنبي ﷺ.\n[وقوله تعالى: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [¬٢]، قال أبي بن كعب، ومجاهد، والحسن، وقتادة وابن جرير في قوله: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ﴾، أي: منْ حَصرِهم في أربع نسوة حرائر وما شاءوا من الإِماء، واشتراط الولي والمهر والشهود عليهم، وهم الأمة، وقد رخصنا لك في ذلك، فلم نوجب عليك شيئًا منه، ﴿لِكَيْلَا [¬٣] يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾.\n﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوي إِلَيكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيكَ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلَا يَحْزَنَّ وَيَرْضَينَ بِمَا آتَيتَهُنَّ كُلُّهُنَّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا (٥١)﴾\n_________\n(^١٦٣) تفسير الطبري (٢٢/ ١٧).\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٣]- في ز، خ: \"لئلا\".","vol":"11","page":194},{"text":"قال الإمام أحمد (^١٦٤): حدثنا محمد بن بشر، حدثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂: أنها كانت تُعَيِّر النساء اللاتي وهبن أنفسهن لرسول الله ﷺ، قالت: ألا تستحي المرأة أن [¬١] تعرض نفسها بغير صداق؟ فأنزل الله ﷿: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوي إِلَيكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيكَ﴾، قالت: إني أرى ربك يسارع لك في هواك.\nوقد تقدم أن البخاري رواه من حديث أبي [¬٢] أسامة، عن هشام بن عروة، فدل هذا على أن المراد بقوله: ﴿ترجي﴾، [أي: تؤخر] [¬٣] ﴿من تشاء منهن﴾، أي: من الواهبات، ﴿وتؤوي إليك من تشاء﴾، أي: من شئت قبلتها، ومن شئت رددتها، ومن رددتها فأنت [¬٤] فيها أيضًا بالخيار بعد ذلك، إن شئت عُدتَ فيها فآويتها؛ ولهذا قال ﴿وَمَنِ [¬٥] ابْتَغَيتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيكَ﴾.\nقال عامر الشعبي في قوله: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ كن نساء وهبن أنفسهن للنبي ﷺ، فدخل ببعضهن وأرجًا بعضهن لم يُنْكحن بعده، منهن أم شريك.\nوقال آخرون: بل المراد بقوله: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾، أي: من أزواجك، لا حرج عليك أن تترك القَسم لهن، فتقدم من شئت، وتؤخر من شئت، وتجامع من شئت، وتترك من شئت.\nهكذا يروى عن ابن عباس، ومجاهد، والحسن، وقتادة، وأبي رَزين، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وغيرهم، ومع هذا كان ﷺ يقسم لهن؛ ولهذا ذهب طائفة من\n_________\n(^١٦٤) المسند (٦/ ١٥٨). وأخرجه البخاري في كتاب التفسير، باب: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ من سورة الأحزاب (/ ٨/ ٣٨٥ رقم: ٤٧٨٨) وطرفه في (٥١١٣). ومسلم في كتاب الرضاع، باب: جواز هبتها نوبتها لضرتها. (٢/ ١٠٨٥، / ١٠٨٦ رقم: ١٤٦٤). والنسائي في كتاب النكاح،، كتاب: ذكر أمر رسول الله ﷺ في النكاح وأزواجه. (٦/ ٥٤ رقم: ٣١٩٩). وفي الكبرى في كتاب عشرة النساء، باب: تأويل قول الله جل ثناؤه: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ (٥/ ٢٩٤ / رقم: ٨٩٢٧). وكتاب التفسير، باب: قوله تعالى: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾. (٦/ ٤٣٤ / رقم: ١١٤١٤). وابن ماجة في كتاب النكاح، باب: التي وهبت نفسها للنبي ﷺ. (١/ ٦٤٤ / رقم: ٢٠٠٠). كلهم من طريق هشام بن عروة به.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٤]- في ز، خ: \"أنت\".\n[¬٥]- في ز، خ: \"من\".","vol":"11","page":195},{"text":"الفقهاء من الشافعية وغيرهم إلى أنه لم يكن القسم واجبًا عليه ﷺ واحتجوا بهذه الآية الكريمة.\nوقال البخاري (^١٦٥): حدثنا حبان بن موسى، حدثنا عبد الله -هو ابن المبارك- أخبرنا عاصم الأحول، عن مُعَاذة، عن عائشة: أن رسول الله ﷺ كان يستأذن في اليوم [¬١] المرأة منا بعد أن نزلت هذه الآية: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ﴾، فقلت لها: ما كنت تقولين؟ فقالت: كنت أقول: إن كان ذاك إلي فلإني لا أريد يا رسول الله؛ أن أوثر عليك أحدًا.\nفهذا الحديث عنها يدل على أن المراد من ذلك عدم وجوب القسم، وحديثها الأول يقتضي أن الآية نزلت في الواهبات، ومن هاهنا اختار ابن جرير أن الآية عامة في الواهبات، وفي النساء اللاتي عنده، أنه مخير [¬٢] فيهن، إن شاء قسم، وإن شاء لم يقسم، وهذا الذي اختاره حسن جيد قوي، وفيه جمع بين الأحاديث، ولهذا قال تعالى: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلَا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ﴾، أي: إذا علمن أن الله قد وضع عنك الحرج في القسم، فإن شئت قسمت، وإن شئت لم تقسم، لا جناح عليك في أي ذلك فعلت، ثم مع هذا أنت تقسم لهن اختيارًا منك لا أنه على سبيل الوجوب، فرحن بذلك واستبشرن به وحملن جميلك [¬٣] في ذلك، واعترفن بمنتك [¬٤] عليهن في قسمك لهن وتسويتك بينهن وإنصافك لهن وعدلك فيهن.\nوقوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ﴾، أي: من الميل إلى بعضهن دون بعض، مما لا يمكن دفعه، كما قال الإمام أحمد [¬٥] (^١٦٦):\nحدثنا يزيد، حدثنا حماد بن سلمة، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن عبد الله بن يزيد، عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ يقسم بين نسائه فيعدل، ثم يقول:\n_________\n(^١٦٥) صحيح البخاري برقم (٤٧٨٩).\n(^١٦٦) المسند (٦/ ١٤٤) (٢٥٢٢٢)، وأخرجه أبو داود في كتاب النكاح، باب: القسم بين النساء. (٢/ ٢٤٢ / رقم: ٢١٣٤). والترمذي في كتاب النكاح، باب: ما جاء في التسوية بين الضرائر. (٣/ ٤٣٧ رقم: ١١٤٠). والنسائي في كتاب عشرة النساء، باب: ميل الرجل إلى بعض نسائه دون بعض. (٧/ ٦٣، ٦٤ / رقم: ٣٩٤٣). وابن ماجة في كتاب النكاح، باب: القسمة بين النساء. (١/ ٦٣٣ / رقم: ١٩٧١). والدارمي في سننه (٢/ ١٩٣). وابن حبان في صحيحه (٦/ ٢٠٣ حديث ٤١٩٢). والحاكم في مستدركه (٢/ ١٨٧). كلهم من طريق حماد بن سلمة به. وقال الحافظ في التلخيص: وأعله النسائي والترمذي والدارقطني بالإرسال. وقال أبو زرعة: لا أعلم أحدًا تابع حماد بن سلمة على وصله ..\n_________\n[¬١]- في ت: \"يوم\".\n[¬٢]- في ز: \"يخير\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"جميلتك\".\n[¬٤]- في ز، خ: \"بمانتك\".\n[¬٥]- سقط من: ز، خ.","vol":"11","page":196},{"text":"\"اللهم هذا فعلي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك\".\nورواه أهل السنن الأربعة، من حديث حماد بن سلمة- وزاد أبو داود بعد قوله: \"فلا تلمني فيما تملك ولا أملك\" يعني القلب. وإسناده صحيح، و[¬١] رجاله كلهم ثقات. ولهذا عقب ذلك بقوله: ﴿وكان الله عليمًا﴾، أي: بضمائر السرائر، ﴿حليمًا﴾، أي: يحلم ويغفر.\n﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إلا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ رَقِيبًا (٥٢)﴾\nذكر غير واحد من العلماء -كابن عباس، ومجاهد، والضحاك، وقتادة، وابن زيد، وابن جرير، وغيرهم- أن هذه الآية نزلت مجازاة لأزواج النبي ﷺ ورضًا عنهن، على حسن صنيعهن في اختيارهن الله ورصوله والدار الآخرة، لما خيرهن رسول الله ﷺ كما تقدم في الآية. فلما اخترن رسول الله ﷺ كان جزاؤهن أن قَصَره عليهن، وحرم عليه أن يتزوج بغيرهن، أو يستبدل بهن أزواجًا غيرهن، ولو أعجبه حسنهن إلا الإماء والسراري فلا حجر عليه فيهن. ثم إنه تعالى رفع عنه الحجر في ذلك ونسخ حكم هذه الآية. وأباح له التزوج، ولكن لم يقع منه بعد ذلك تَزَوّج لتكون المنة للرسول ﷺ عليهن.\nقال الإمام أحمد (^١٦٧): حدثنا سفيان، عن عمرو، عن عطاء، عن عائشة ﵂ قالت: ما مات رسول الله ﷺ حتى أحل الله له النساء.\nورواه أيضًا (^١٦٨) من حديث ابن جريج عن عطاء عن عبيد بن عمير عن عائشة.\nورواه الترمذي والنسائي في سننيهما.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا عبد الرحمن بن عبد الملك بن شيبة، حدثني\n_________\n(^١٦٧) المسند (٦/ ٤١) (٢٤٢٤٦).\n(^١٦٨) المسند (٦/ ١٨٠) (٢٥٥٧٤)، وأخرجه الترمذي في كتاب تفسير القرآن، باب: ومن سورة الأحزاب (٥/ ٣٣٢ رقم: ٣٢١٦). والنسائي في كتاب النكاح، كتاب: ما افترض الله ﷿ على رسوله ﵇ وحرمه على خلقه. (٦/ ٥٦ رقم: ٣٢٠٤، ٣٢٠٥). وفي الكبرى في كتاب التفسير، باب: قوله تعالى ﴿لا يحل لك النساء من بعد﴾. (٦/ ٤٣٤ رقم: ١١٤١٥). وابن حبان (١/ ٢٨١٤ رقم ٦٣٦٦). والبيهقي (٧/ ٥٤). وقال الترمذي: هذا حديث حسن. كلهم من حديث عائشة ﵂.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.","vol":"11","page":197},{"text":"عمر بن أبي بكي، حدثني المغيرة بن عبد الرحمن الحزامي، عن أبي النضر مولى عمر بن عبيد الله، عن عبد الله بن وهب بن زمعة، عن أم سلمة أنها قالت: لم يمت رسول الله ﷺ حتى أحل الله له أن يتزوج من النساء ما شاء، إلا ذات محرم، وذلك قول الله ﷿ ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾.\nفجعلت هذه ناسخة للتي بعدها في التلاوة كآيتي عدة الوفاة في البقرة الأولى ناسخة للتي بعد بها، فالله [¬١] أعلم.\nوقال آخرون: بل معنى الآية: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾، أي: من بعد ما ذكرنا لك من صفة النساء اللاتي أحللنا لك من نسائك اللاتي آتيت أجورهن وما ملكت يمينك، وبنات العم والعمات والخال والخالات والواهبة وما سوى ذلك من أصناف النساء فلا يحل لك، هذا مرويّ عن أبي بن كعب، ومجاهد، وعكرمة، والضحاك -في رواية- وأبي رزين -في رواية عنه- وأبي صالح، والحسن، وقتادة -في رواية- والسدي، وغيرهم.\nقال ابن جرير (^١٦٩): حدثنا يعقوب، حدثنا ابن علية، عن داود بن أبي هند، حدثني محمد بن أبي موسى، عن زياد -رجل من الأنصار- قال: قلت لأبي بن كعب: أرأيت لو أن أزواج النبي ﷺ تُوُفين، أما كان له أن يتزوج؟ فقال: وما يمنعه من ذك؟ قال: قلت: قوله: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾. فقال: إنما أحل الله له ضربًا من النساء، فقال: ﴿يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك﴾ إلى قوله: ﴿إن وهبت نفسها للنبي﴾. ثم قيل له: ﴿لا يحل [¬٢] لك النساء من بعد﴾.\nورواه عبد الله بن أحمد من طرق، عن داود به.\nوروى الترمذي (^١٧٠)، عن ابن عباس ﵄ قال: نهى رسول الله ﷺ عن أصناف النساء، إلا ما كان من المؤمنات المهاجرات بقوله: ﴿لا يحل [¬٣] لك\n_________\n(^١٦٩) \" تفسير الطبري\" (٢١/ ٢٢)، وزوائد المسند (٥/ ١٣٢). وإسناده ضعيف: محمد بن أبي موسى: مجهول ورواه الضياء في المختارة حديث ١١٧٢ (٣/ ٣٧٧) بإسناده من طريق يزيد بن زريع وعبد الأعلى وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ٩٢، ٩٣) وقال: \"رواه عبد الله بن أحمد وزاد: كذا رأيت في ثقات ابن حبان: زياد أبو يحيى الأنصاري يروى عن ابن عباس فإن كان هو فهو ثقة، والظاهر أنه هو، ومحمد بن أبي موسى ذكره ابن حبان في الثقات، وبقية رجاله رجال الصحيح، والحديث أخرجه أيضًا الدارمي في سننه (٢/ ١٥٣، ١٥٤) من طريق يعلى بن سداد عن وهيب عن داود به.\n(^١٧٠) سنن الترمذي برقم (٣٢١٥) وقال: \"هذا حديث حسن إنما نعرفه من حديث عبد الرحميد بن بهرام، قال: سمعت أحمد بن الحسن يقول: قال أحمد بن حنبل: لا بأس بحديث عبد الحميد بن=\n_________\n[¬١]- في ت: \"والله\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"تحل\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"تحل\".","vol":"11","page":198},{"text":"النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾، فأحل الله فتياتكم المؤمنات ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾، وحرم كل ذات دين غير الإِسلام، ثم قال: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ [¬١]﴾ وقال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾ إلى قوله ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾، وحرم ما سوى ذلك من أصناف النساء.\nوقال مجاهد: ﴿لا يحل [¬٢] لك النساء من بعد﴾، أي: من بعد ما سمي لك، لا [¬٣] مسلمة ولا يهودية ولا نصرانية ولا كافرة.\nوقال أبو صالح: ﴿لا يحل [¬٤] لك النساء من بعد﴾، أُمِرَ أن لا [¬٥] يتزوج أعرابية ولا عربية، ويتزوج بعدُ من نساء تهامة، وما شاء من بنات العم والعمة، والخال والخالة، إن شاء ثلاثمائة.\nوقال عكرمة: ﴿لا يحل [¬٦] لك النساء من بعد﴾ أي: التي سمى الله.\nواختار ابن جرير ﵀ أن الآية عامة فيمن ذكر من أصناف النساء، وفي النساء اللواتي في عصمته وكن تسعًا. وهذا الذي قاله جيد، ولعله مراد كثير ممن حكينا عنه من السلف؛ فإن كثيرًا منهم روى عنه هذا وهذا، ولا منافاة، والله أعلم.\nثم أورد ابن جرير على نفسه ما روي أن رسول الله ﷺ طلق حفصة ثم راجعها، وعزم على فراق سودة حتى وهبته هومها لعائشة، ثم أجاب بأن هذا كان قبل نزول قوله: ﴿لا يحل [¬٧] لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ﴾، وهذا الذي قاله من أن هذا كان قبل نزول الآية- صحيح، ولكن لا يحتاج إلى ذلك؛ فإن الآية إنما دلت على أنه [¬٨] لا يتزوج بمن عدا اللواتي في عصمته، وأنه لا يستبدل بهن غيرهن، ولا يدل ذلك على أنه لا يطلق واحدة منهن من غير استبدال، والله أعلم.\nفأما قضية سودة ففي الصحيح عن عائشة ﵂ وهي سبب نزول قوله\n_________\n= بهرام عن شهر بين حوشب\".\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"الأخسرين\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"تحل\".\n[¬٣]- في خ، ز: \"من\".\n[¬٤]- في ز، خ: \"تحل\".\n[¬٥]- سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- في ز، خ: \"تحل\".\n[¬٧]- في ز، خ: \"تحل\".\n[¬٨]- في ز، خ: \"أن\".","vol":"11","page":199},{"text":"تعالى: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا [¬١] بَيْنَهُمَا صُلْحًا﴾ الآية (^١٧١).\nوأما قضية حفصة فروى أبو داود والنسائي وابن ماجة وابن حبان في صحيحه، من طرق عن يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، عن صالح بن صالح بن حَي، عن سلمة بن كهيل، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن عمر: أن رسول الله ﷺ طلق حفصة ثم راجعها. وهذا إسناد قوي (^١٧٢).\nوقال الحافظ أبو يعلى (^١٧٣): حدثنا أبو كريب، حدثنا يونس بن بكير، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن ابن عمر قال: دخل عمر على حفصة وهي تبكي، فقال: ما يبكيك؟ لعل رسول الله ﷺ طلقك؟ إنّه قد كان طلقك مرة ثم راجعك من أجلي، والله لئن كان طلقك مرة أخرى لا أكلمك أبدًا. ورجاله على شرط الصحيحين.\nوقوله: ﴿وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ﴾، فنهاه عن الزيادة عليهن، أو طلاق واحدة منهن واستبدال غيرها بها إلا ما ملكت يمينه [¬٢].\nوقد روى الحافظ أبو بكر البزار حديثًا مناسبًا ذكره هاهنا، فقال:\nحدثنا إبراهيم بن نصر، حدثنا مالك بن إسماعيل، حدثنا عبد السلام بن حرب، عن إسحاق بن عبد الله القُرَشي، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يَسَار، عن أبي هُرَيرة ﵁ قال: كان البدل في الجاهلية أن يقول الرجل للرجل: بادلني امرأتك وأبادلك بامرأتي. أي: تنزل لي عن امرأتك، وأنزل لك عن امرأتي. فأنزل الله: ﴿وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ﴾. قال: فدخل عيينة بن حصن على النبي ﷺ، وعنده عائشة، فدخل بغير إذن، فقال له رسول الله ﷺ: \"فأين الاسئئذان؟ \". فقال: يا رسول الله، ما استأذنت على رجل من مُضَر منذ أدركت. ثم قال: من هذه الحُمَيراء إلى جنبك؟ فقال رسول الله ﷺ: \"هذه عائشة أم المؤمنين\". قال: أفلا أنزل لك على أحسن الخلق؟ قال: أيا عيينة إن الله قد حرم ذلك\". فلما أن خرج قالت عائشة: من هذا؟ قال: \"هذا [¬٣] أحمقُ مطاع، وإنه -على\n_________\n(^١٧١) انظر تخريج هذا الحديث عند تفسير الآية: ١٢٨ من سورة النساء.\n(^١٧٢) سنن أبي داود رقم (٢٢٨٣)، وسنن النسائي (٦/ ٢١٣)، وسنن ابن ماجة برقم (٢٠١٦).\n(^١٧٣) مسند أبي يعلى (١/ ١٦٠).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"يصالحا\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"يمينك\".\n[¬٣]- سقط من: خ، ز.","vol":"11","page":200},{"text":"ما ترين- لسيد قومه\".\nثم قال البزار (^١٧٤): إسحاق بن عبد الله: لين الحديث جدا، وإنما ذكرناه لأنا لم نحفظه إلا من هذا الوجه، وبينا العلة فيه.\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إلا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا (٥٣) إِنْ تُبْدُوا شَيئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمًا (٥٤)﴾\nهذه آية الحجاب، وفيها أحكام وآداب شرعية، وهي مما وافق تنزيلها قول [¬١] عمر بن الخطاب ﵁ كما ثبت ذلك في الصحيحين عنه أنه قال: وافقت ربي في ثلاث فقلت: يا رسول الله؛ لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى؟ فأنزل الله: ﴿واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى﴾: وقلت: يا رسول الله؛ إن نساءك ليدخل [¬٢] عليهن البر والفاجر، فلو حجبتهن؟ فأنزل الله آية الحجاب. وقلت لأزواج النبي ﷺ لما [¬٣] تمالأن عليه في الغيرة: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ﴾، فنزلت كذلك (^١٧٥).\nوفي رواية لمسلم ذكر أسارى بدر وهي قضية رابعة.\nوقد قال البخاري: حدثنا مسدد، عن يحيى، عن حميد، عن أنس بن مالك قال [¬٤]:\n_________\n(^١٧٤) مسند البزار برقم (٢٢٥١) \"كشف الأستار\"، وقال الهيثمي في المجمع (٧/ ٩٢): \"وفيه إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة وهو متروك\".\n(^١٧٥) صحيح البخاري برقم (٤٠٢).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"لقول\".\n[¬٢]- في ت: \"يدخل\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"إنما\".\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.","vol":"11","page":201},{"text":"قال عمر بن الخطاب: يا رسول الله؛ يدخل عليك البر والفاجر، فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب؟ فأنزل الله آية الحجاب (^١٧٦).\nوكان وقت نزولها في صبيحة عرس رسول الله ﷺ بزينب بنت جحش، التي تولى الله تعالى تزويجها بنفسه، وكان ذلك في ذي القعدة من السنة الخامسة، في قول قتادة والواقدي وغيرهما.\nوزعم أبو عبيدة معمر بن المثنى، وخليفة بن خياط؛ أن ذلك كان في سنة ثلاث، فالله [¬١] أعلم.\nقال البخاري (^١٧٧): حدثنا محمد بن عبد الله الرّقاشي، حدثنا معتمر بن سليمان، سمعت أبي، حدثنا أبو مجْلز، عن أنس بن مالك ﵁ قال: لما تزوج رسول الله ﷺ زينب بنت جحش، دعا القوم فطعموا ثم جلسوا يتحدثون، فإذا هو كأنه [¬٢] يتهيأ للقيام فلم يقوموا، فلما رأى ذلك قام، [فلما قام قام] [¬٣] من قام، وقعد ثلاثة نفر. فجاء النبي ﷺ ليدخل، فإذا القوم جلوس، ثم إنهم قاموا. فانطلقت [¬٤] فجئت فأخبرت النبي ﷺ أنهم قد انطلقوا. فجاء حتى دخل، فذهبت أدخل، فألقى الحجاب [¬٥] بيني وبينه، فأنزل اللَّه ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ …﴾ الآية.\nوقد رواه أيضًا في موضع آخر، ومسلم والنسائي، من طرق، عن معتمر بن سليمان، به.\nثم رواه البخاري متفردًا [¬٦] به من حديث أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس بن مالك ﵁ [بنحوه (^١٧٨).\nثم قال: حدثنا أبو معمر، حدثنا عبد الوارث، حدثنا عبد العزيز بن صهيب، عن أنس بن مالك] [¬٧] قال: بنى [¬٨] النبي ﷺ بزينب بنت جحش بخبز ولحم،\n_________\n(^١٧٦) صحيح مسلم برقم (٢٣٩٩).\n(^١٧٧) صحيح البخاري برقم (٤٧٩١) وبرقم (٦٢٣٩، ٦٢٧١)، وصحيح مسلم برقم (١٤٢٨)، والنسائي في السنن الكبرى برقم (١١٤٢٠).\n(^١٧٨) صحيح البخاري برقم (٤٧٩٢).\n_________\n[¬١]- في ت: \"والله\".\n[¬٢]- سقط من: خ، ز.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٤]- في ز، خ: \"فانطلقوا\".\n[¬٥]- سقط من ز، خ.\n[¬٦]- في ت: \"منفردًا\".\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٨]- في ت: \"بني على\".","vol":"11","page":202},{"text":"فَأُرْسلْتُ على الطعام داعيًا، فيجيء القوم [¬١] فيأكلون ويخرجون، ثم يجيء قوم فيأكلون ويخرجون. فدعوتُ حتى ما أجد أحدًا أدعوه، فقلت: يا نبي الله، ما أجد أحدًا أدعوه. قال: \"ارفعوا طعامكم\" وبقي ثلاثة رهط يتحدثون في البيت، فخرج النبي ﷺ فانطلق إلى حجرة عائشة، فقال: \"السلام عليكم -أهل البيت- ورحمةُ الله وبركاته\". فقالت [¬٢]: وعليك السلام ورحمة الله، كيف وجدت أهلك، بارك الله لك؟ فَتقَرى (*) حُجر نسائه كلهن، ويقول لهن كما يقول لعائشة، ويقلن له كما قالت عائشة. ثم رجع رسول الله ﷺ فإذا رهط ثلاثة [في البيت] [¬٣] يتحدثون. وكان النبي ﷺ شديد الحياء، فخرج منطلقًا نحو حُجرة عائشة، فما أدري أخبرتُه أم أخبِرَ أن القوم خَرَجوا؟ فرجع حتى إذا وضع رجله في أُسْكُفَّةِ (**) الباب داخله وأخرى خارجه، أرخى الستر بيني وبينه، وأنزلت آية الحجاب.\nانفرد به البخاري من بين أصحاب الكتب الستة [¬٤] سوى النسائي في اليوم والليلة من حديث عبد الوارث (^١٧٩).\nثم رواه عن إسحاق -هو ابن منصور- عن عبد الله بن بكر السهمي، عن حُميَد، عن أنس، بنحو ذلك (^١٨٠)، وقال: \"رجلان\". انفرد به من هذا الوجه. وقد تقدم في أفراد مسلم من حديث سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن أنس.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو المظفر، حدثنا جعفر بن سليمان، عن الجعد -أبي عثمان اليشكري- عن أنس بن مالك قال: أعرس رسول الله ﷺ ببعض نسائه، فصنعت أم سليم حيسًا (* * *) ثم وضعته في تَوْر (* * *)، فقالت: اذهب بهذا إلى رسول الله ﷺ، وأقرئه [¬٥] مني السلام، وأخبره أن هذا منا له قليل -قال أنس: والناس يومئذ في جَهد، فجئت به فقلت: يا رسول الله؛ بعثت بهذا أم سُليم إليك، وهي\n_________\n(*) أي: تتبعها.\n(**) أسكفة الباب: عتبته.\n(^١٧٩) صحيح البخاري برقم (٤٧٩٣)، والنسائي في السنن الكبرى برقم (١٠١٠١).\n(^١٨٠) صحيح البخاري برقم (٤٧٩٤).\n(* * *) الحيس: تمر وأقط وسمن تخلط وتعجن وتسوَّى كالثريد.\n(* * **) التور: إناء يشرب فيه.\n_________\n[¬١]- في ت: \"قوم\".\n[¬٢]- في ت: \"قالت\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- في ز، خ: \"وأقره\".","vol":"11","page":203},{"text":"تقرئك السلام، وتقول: أخبره أن هذا منا له قليل فنظر إليه ثم قال: \"ضعه\" فوضعته في ناحية البيت، ثم قال: \"اذهب فادع لي فلالًا وفلانًا\"، وسمى رجالًا كثيرًا، و[¬١] قال: \"ومن لقيت من المسلمين\". [فدعوتُ مَن قال لي، ومن لقيت من المسلمين] [¬٢]، فجئت والبيت والصفة والحجرة مَلأى من الناس - فقلت: يا أبا عثمان؛ كم كانوا؟ فقال: كانوا زهاء ثلاثمائة- قال أنس: فقال لي رسول الله ﷺ: \"جِئ به\". فجئتُ به إليه، فوضع يده عليه، ودعا وقال: ما شاء الله. ثم قال: \"ليتَحَلَّق عَشَرة عَشَرة، وليسموا، وليأكل كل إنسان مما يليه\". فجعلوا يسمون ويأكلون، حتى أكلوا كلهم. فقال لي رسول الله ﷺ: \"ارفعه\". قال [¬٣]: فجئتُ فأخذت التَور فما أدري أهو حين وضعتُ أكثر أم حين أخذتُ؟ قال: وتخلف رجال يتحدثون في بيت رسول الله، وزوج رسول الله ﷺ [التي دخل بها] [¬٤] معهم مُولية وجهها إلى الحائط، فأطالوا الحديث، فشقوا على رسول الله ﷺ [وكان أشد الناس حياء- ولو أعلموا كان ذلك عليهم عزيزًا] [¬٥]- فقام رسول الله ﷺ فخرج فسلم على حُجره وعلى نسائه، فلما رأوه قد جاء ظنوا أنهم قد ثقلوا عليه، ابتدروا الباب فخرجوا، وجاء رسول الله صلي الله عليه وسم حتى أرخى الستر، ودخل البيت وأنا في الحجرة، فمكث رسول الله ﷺ في بيته يسيرًا، وأنزل الله عليه القرآن، فخرج وهو يقرأ هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إلا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا﴾ إلى قوله: ﴿بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمًا﴾. قال أنس: فقرأهن عليَّ قبل الناس [¬٦]، فأنا أحدث الناس بهن عهدًا.\nوقد رواه مسلم والترمذي والنسائي جميعًا عن قتيبة عن جعفر بن سليمان به (^١٨١). وقال الترمذي: حسن صحيح.\nوعلقه البخاري في كتاب النكاح فقال:\nوقال إبراهيم بن طهمان، عن الجعد أبي عثمان، عن أنس، فذكر نحوه (^١٨٢).\nورواه مسلم أيضًا عن محمَّد بن رافع عن عبد الرزاق عن معمر عن الجعد به (^١٨٣).\n_________\n(^١٨١) صحيح مسلم برقم (١٤٢٨)، وسنن الترمذي برقم (٣٢١٨)، وسنن النسائي (٦/ ١٣٦).\n(^١٨٢) صحيح البخاري برقم (٥١٦٣).\n(^١٨٣) صحيح مسلم برقم (١٤٢٨).\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٦]- في ز، خ: \"النساء\".","vol":"11","page":204},{"text":"وقد روى هذا الحديث عبد الله بن المبارك عن شريك عن بيان بن بشر عن أنس بنحوه.\n[وروى البخاري والترمذي، من طريقين آخرين، عن بيان بن بشر الأحمسي الكوفي، عن أنس، بنحوه (^١٨٤)] [¬١].\nورواه ابن أبي حاتم أيضًا، من حديث أبي نضرة العبدي، عن أنس بن مالك، بنحوه.\nورواه ابن جرير (^١٨٥) من حديث عمرو بن سعيد، ومن حديث الزهريّ، عن أنس بنحو ذلك.\nوقال الإمام أحمد (^١٨٦): حدثنا بهز وهاشم بن القاسم قالا: حدثنا سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن أنس قال: لما انقضت عدة زينب قال رسول الله ﷺ [لزيد] [¬٢]: \"اذهب فاذكرها علي\". قال: فانطلق زدد حتى أتاها، قال: وهي تُخمر عجينها، فلما رأيتُها عَظُمت في صدري … وذكر تمام الحديث كما قدمناه عند قوله: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيدٌ مِنْهَا وَطَرًا﴾، وزاد في آخره بعد قوله: وَوَعَظ القوم بما وعظوا به. قال هاشم في حديثه: ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إلا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾ به [¬٣].\nوقد أخرجه مسلم والنسائي من حديث [سليمان بن المغيرة] [¬٤].\nقال ابن جرير (^١٨٧): حدثنا أحمد بن عبد الرحمن بن أخي ابن وهب، حدثني عمي عبد الله بن وهب، حدثني يونس، عن الزهريّ، عن عروة، عن عائشة قالت: إن أزواج رسول الله ﷺ كنّ يخرجن بالليل إذا تبرزن إلى المناصع -وهو صعيد أفيح- وكان عمر يقول لرسول الله ﷺ: احجب نساءك. فلم يكن رسول الله صلى\n_________\n(^١٨٤) صحيح البخاري، كتاب النكاح (٥١٧٠)، وسنن الترمذي، كتاب تفسير القرآن (٣٢١٩).\n(^١٨٥) تفسير الطبري (٢٢/ ٢٧).\n(^١٨٦) المسند (٣/ ١٩٥)، (١٣٠٤٨) رواه مسلم في النكاح حديث ٨٩ - (١٤٢٨) عن محمَّد بن حاتم، عن بهز وعن محمَّد بن رافع، عن أبي النضر هاشم بن القاسم. والنسائي في النكاح، باب: صلاة المرأة إذا خطبت واستخارتها (٦/ ٧٩). وفي التفسير في الكبرى (١١٤١٠) (٤٣٣١٦) عن سويد بن نصر، عن ابن المبارك. ثلاثتهم عن سليمان به.\n(^١٨٧) تفسير الطبري (٢٢/ ٢٨).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من ت.\n[¬٣]- سقط من: خ، ز.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين في خ، ز: \"جعفر بن سليمان له\".","vol":"11","page":205},{"text":"الله عليه وسلم ليفعل. فخرجت سودة بنت زمعة زوج النبي ﷺ، وكانت امرأة طويلة، فناداها عمر بصوته الأعلى: قد عرفناك يا سودة، حرصًا أن ينزل الحجاب، قالت: فأنزل الله الحجاب.\nهكذا وقع في هذه الرواية، والمشهور أن هذا كان بعد نزول الحجاب، كما رواه الإِمام أحمد والبخاري ومسلم (^١٨٨)، من حديث هشام بن عروة، عن أنس، عن عائشة ﵂ قالت: خرجت سودة بعد ما ضرب الحجاب لحاجتها، وكانت امرأة جَسيمة لا تَخفى على من يعرفها، فرآها عمر بن الخطاب فقال: يا سودة؛ أما والله ما تَخْفَين علينا، فانظري كيف تخرجين؟. قالت: فانكفأت راجعة، ورسولُ الله ﷺ في بيتي، وإنّه ليتعشى، وفي يده عَرق (*)، فدخلت فقالت [¬١]: يا رسول الله؛ إني خرجت لبعض حاجتي، فقال لي عمر كذا وكذا. قالت: فأوحى الله إليه، ثم رُفعَ عنه وإن العرق في يده، ما وضعه. فقال: \"إنه قد [¬٢] أذنَ لكن أن تخرجن لحاجتكن\". لفظ البخاري.\nفقوله: ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ﴾ حَظَر على المؤمنين أن يدخلوا منازل رسول الله ﷺ بغير إذن، كما كانوا قبل ذلك يصنعون في بيوتهم في الجاهلية وابتداء الإِسلام، حتى غار الله لهذه الأمة، فأمرهم بذلك، وذلك من إكرامه تعالى على هذه الأمة؛ ولهَذا قال رسول الله ﷺ: \"إياكم والدخول على النساء! \" (^١٨٩).\nثم استثنى من ذلك فقال: ﴿إلا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾.\nقال مجاهد وقتادة وغيرهما: أي غير متحينين نضجه واستواءه، أي: لا ترقبوا الطعام حتى إذا قارب الاستواء تعرضتم للدخول، فإن هذا يكرهه الله ويذمه. وهذا دليل على تحريم التطفيل، وهو الذي تسميه العرب الضيفين [¬٣]، وقد صنف الخطيب البغدادي في ذلك كتابًا في ذم الطفيليين، وذكر من أخبارهم أشياء يطول إيرادها.\nثم قال تعالى: ﴿[وَلَكِنْ إِذَا] [¬٤] دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا﴾، وفي صحيح مسلم عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: \"إذا\n_________\n(^١٨٨) المسند (٦/ ٥٦) (٢٤٤٠١)، وأخرجه البخاري في كتاب الوضوء، باب: خروج النساء إلى البراز (١/ ٢٩٩ رقم: ١٤٦). وأطرافه في (١٤٧ - ٤٧٩٥ - ٥٢٣٧ - ٦٢٤٠). ومسلم في كتاب السلام، باب: إباحة الخروج للنساء لقضاء حاجة الإنسان. (٤/ ١٧٠٩، ١٧١٠ / رقم: ٢١٧٠).\n(*) العرق: العظم أخذ عنه معظم اللحم وبقي عليه لحوم رفيقة طيبة.\n(^١٨٩) رواه البخاري في كتاب النكاح برقم (٥٢٣٢)، ومسلم في كتاب السلام برقم (٢١٧٢) من حديث عقبة بن عامر، ﵁.\n_________\n[¬١]- في ز: \"فقلت\".\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- في ز، خ: \"الطيفن\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"فهذا\".","vol":"11","page":206},{"text":"دعا أحدكم أخاه فَلْيُجِب، عُرسًا كان أو غيره\" (^١٩٠). وأصله في الصحيحين.\nوفي الصحيح أيضًا (^١٩١)، عن رسول الله ﷺ: \"لو دُعيت إلى ذراع لأجبت، ولو أُهدي إلي كُرَاع لقبلت. فإذا فَرَغتم من الذي دُعيتم إليه فخففوا عن أهل المنزل، وانتشروا في الأرض\". ولهذا قال: ﴿وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ﴾، أي: كما وقع لأولئك النفر الثلاثة الذين استرسل بهم الحديث، ونشوا أنفسهم، حتى شَق ذلك على رسول الله ﷺ، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي [¬١] مِنْكُمْ﴾.\nوقيل: المراد أن دخولكم منزله بغير إذنه كان يشق عليه ويتأذى به، لكن كان يكره أن ينهاهم عن ذلك من شدة حيائه ﵇ حتى أنزل الله عليه النهي عن ذلك، ولهذا قال: ﴿وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي [¬٢] مِنَ الْحَقِّ﴾، أي: ولهذا نهاكم عن ذلكم وزجركم عنه.\nثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾، أي: وكما نهيتكم عن الدخول عليهن، كذلك لا تنظروا إليهن بالكلية، ولو كان لأحدكم حاجة يريد تناولها منهن فلا ينظر إليهن، ولا يسألهن حاجة إلا من وراء حجاب.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيان، عن مسعرٍ، عن موسى بن أبي كثير، عن مجاهد، عن عائشة قالت: كنت أكل مع النبي ﷺ حَيسًا في قَعْب [¬٣] (*) فمر عمر فدعاه فأصابت إصبعه إصبعي فقال: حس (**) -أو: أوه [¬٤]- لو أطاع فيكن ما رأتك عين. فنزل الحجاب (^١٩٢).\n﴿ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ أي: هذا الذي أمرتكم به، وشرعته لكم من الحجاب أطهر وأطيب.\nوقوله: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ\n_________\n(^١٩٠) صحيح مسلم، كتاب النكاح برقم (١٤٢٩).\n(^١٩١) في صحيح البخاري، كتاب الهبة برقم (٢٥٦٨) من حديث أبي هريرة، ﵁.\n(*) القعب: القدح الضخم.\n(**) في ز، خ: خير. وفي ت: حسن، وكلاهما تحريف غير ملائم للسياق. وقال ابن الأثير في النهاية: (١/ ٣٨٥) كلمة يقولها الإنسان إذا أصابه ما مضّه وأحرقه غفلة كالجمرة والضربة ونحوهما.\n(^١٩٢) ورواه النسائي في السنن الكبرى برقم (١١٤١٩) من طريق زكريا بن يحيى عن ابن أبي عمر، به.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"فيستحيي\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"يستحيي\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"لعب\".\n[¬٤]- في ز، خ: \"آه\".","vol":"11","page":207},{"text":"ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا محمَّد بن أبي [¬١] حماد، حدثنا مهران، عن سفيان، عن داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ﴾، قال: نزلت في رَجُل هَمَّ أن يتزوج بعضَ نساء النبي ﷺ. قال رجل لسفيان: أهي عائشة؟ قال: قد ذكروا ذاك.\nوكذا قال مقاتل بن حيان، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وذكر بسنده عن السدي أن الذي عزم على ذلك طلحة بن عبيد الله ﵁، حتى نزل التنبيه على [¬٢] تحريم ذلك؛ ولهذا أجمع العلماء قاطبة على أن من توفي عنها رسول الله ﷺ من أزواجه أنه يحرم على غيره تزويجها من بعده؛ لأنهن أزواجه في الدنيا والآخرة وأمهات المؤمنين كما تقدم. واختلفوا فيمن دخل بها ثم طلقها في حياته هل يحل [¬٣] لغيره أن يتزوجها؟ على قولين: مأخذهما: هل دخلت هذه في عموم قوله ﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾ أم لا؟ فأما من تزوجها ثم طلقها قبل أن يدخل بها، فما نعلم في حلها لغيره -والحالة هذه- نزاعًا. والله أعلم.\nوقال ابن جرير: حدثني [محمد] [¬٤] بن المثنى، حدثنا عبد الوهاب، حدثنا داود، عن عامر: أن نبي الله ﷺ مات وقد ملك قيلة بنت الأشعث -يعني ابن قيس- فتزوجها عكرمة بن أبي جهل بعد ذلك، فشق ذلك على أبي بكر مشقة شديدة؛ فقال له عمر: يا خليفة رسول الله، إنها ليست من نسائه، إنها لم يُخيّرها رسول الله ﷺ ولم يحجبها، وقد برأها الله منه بالردة التي ارتدت مع قومها. قال: فاطمأن أبو بكر ﵄ وسكن (^١٩٣).\nوقد عظم ﵎ ذلك، وشدد فيه وتوعد عليه بقوله: ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾، ثم قال: ﴿إِنْ تُبْدُوا شَيئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمًا﴾، أي: مهما تكنه ضمائركم وتنطوي عليه سرائركم، فإن الله يعلمه، بأنه لا تخفى عليه خافية، ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾.\n﴿لَا جُنَاحَ عَلَيهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلَا أَبْنَائِهِنَّ وَلَا إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ أَخَوَاتِهِنَّ وَلَا نِسَائِهِنَّ وَلَا مَا مَلَكَتْ أَيمَانُهُنَّ وَاتَّقِينَ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى\n_________\n(^١٩٣) تفسير الطبري (٢٢/ ٢٩).\n_________\n[¬١]- سقط من: خ، ز.\n[¬٢]- في ز، خ: \"في\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"تحل\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من ز، خ.","vol":"11","page":208},{"text":"كُلِّ شَيءٍ شَهِيدًا (٥٥)﴾.\nلما أمر تعالى النساء بالحجاب من الأجانب، لكن أن هؤلاء الأقارب لا يجب الاحتجاب منهم، كما استثناهم في \"سورة النور\"، عند قوله: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾ إلى آخرها، وفيها زيادات على هذه. وقد تقدم تفسيرها والكلام عليها بما أغنى عن إعادته، وقد سأل بعض السلف فقال: لم لم يذكر العم والخال في هاتين الآيتين؟ فأجاب عكرمة والشعبي بأنهما لم يذكرا؛ لأنهما قد يصفان ذلك لبنيهما.\nقال ابن جرير: حدثني محمَّد بن المثنى، حدثنا حجاج بن منهال، حدثنا حماد، حدثنا داود، عن الشعبي وعكرمة في قوله: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلَا أَبْنَائِهِنَّ وَلَا إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ أَخَوَاتِهِنَّ وَلَا نِسَائِهِنَّ وَلَا مَا مَلَكَتْ أَيمَانُهُنَّ﴾، قلت: ما شأن العم والخال لم يذكرا؟ قالا: هما ينعتانها [¬١] لأبنائهما. وكرها أن تضع خمارها عند خالها وعمها.\nوقوله: ﴿وَلَا نِسَائِهِنَّ﴾ يعني بذلك عدم الاحتجاب من النساء المؤمنات.\nوقوله: ﴿وَلَا مَا مَلَكَتْ أَيمَانُهُنَّ﴾ يعني به أرقاؤهن من الذكور والإناث كما تقدم التنبيه عليه، وإيراد الحديث فيه (^١٩٤).\nقال سعيد بن المسيب: إنما يعني به الإماء فقط. رواه ابن أبي حاتم.\nوقوله: ﴿وَاتَّقِينَ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ شَهِيدًا﴾، أي: واخشينه في الخلوة والعلانية، فإنه شهيد على كل شيء، لا تخفى عليه خافية، فراقبن الرقيب.\n﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٥٦)﴾\nقال البخاري (^١٩٥): قال أبو العالية: صلاة الله: ثناؤه عليه عند الملائكة، وصلاة الملائكة الدعاء. وقال ابن عباس: يصلون: يبركون. هكذا علقه البخاري عنهما.\n_________\n(^١٩٤) تقدم تخريج الحديث عند تفسير الآية: ٣١ من سورة النور.\n(^١٩٥) صحيح البخاري (٨/ ٥٣٢) \"فتح\".\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"ينعتاها\".","vol":"11","page":209},{"text":"وقد رواه أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية كذلك. وروى مثله عن الربيع أيضًا: وروى علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس كما قاله سواء. رواهما ابن أبي حاتم.\nوقال أبو عيسى الترمذي: و[¬١] روي عن سفيان الثوري وغير واحد من أهل العلم قالوا: صلاة الرب: الرحمة، وصلاة الملائكة: الاستغفار.\nثم قال ابن أبي حاتم: حدثنا عمرو [¬٢] الأودي، حدثنا وكيع، عن الأعمش، عن عمرو بن مرة قال الأعمش عن عطاء بن أبي رباح: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾، قال: صلاته ﵎: سبوح قدوس، سبقت رحمتي غضبي.\nوالمقصود من هذه الآية أن الله سبحانه أخبر عباده بمنزلة عبده ونبيه عنده في الملأ، الأعلى، بأنه [¬٣] يثني عليه عند الملائكة المقربين، وأن الملائكة تصلي عليه، ثم أمر تعالى أهل العالم السفلى بالصلاة والتسليم عليه. ليجتمع الثناء عليه من أهل العالمين العلوي والسفلي جميعًا.\nوقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا أحمد بن عبد الرحمن، حدثني أبي، عن أبيه، عن أشعث بن إسحاق، عن جعفر -يعني: ابن المغيرة- عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: أن بني إسرائيل قالوا لموسى ﵇ هل يصلي ربك؟ فناداه ربه: \"يا موسى، سألوك: هل يصلي ربك؟ فقل: نعم، إنما أصلي أنا [¬٤] وملائكتي علي أنبيائي ورسلي\". فأنزل الله ﷿ على نبيه ﷺ: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.\nوقد أخبر أنه ﷾ يصلي على عباده المؤمنين في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٤٢) هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾، وقال تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾.\nوفي الحديث: \"إن الله وملائكته يصلون على ميامن الصفوف\" (^١٩٦).\nوفي الحديث الآخر: \"اللهم، صل على آل أبي أوفى\" (^١٩٧).\n_________\n(^١٩٦) - رواه أبو داود في الصلاة حديث (٦٧٦)، وابن ماجه في إقامة الصلاة حديث (١٠٠٥).\n(^١٩٧) - رواه البخاري في الزكاة (١٤٩٨)، ومسلم في الزكاة حديث (١٠٧٨) من حديث عائشة.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في ز، خ: \"عمر\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"بأنه\".\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.","vol":"11","page":210},{"text":"وقال رسول الله ﷺ لامرأة جابر -وقد سألته أن يصلي عليها وعلى زوجها-: \"صلى الله عليك، وعلى زوجك\" (^١٩٨).\nوقد جاءت الأحاديث المتواترة عن رسول الله ﷺ بالأمر بالصلاة عليه، وكيفية الصلاة عليه، ونحن نذكر منها إن شاء الله تعالى ما تيسر، وبالله [¬١] المستعان.\nقال البخاري عند تفسير هذه الآية (^١٩٩): حدثنا سعيد بن يحيى بن سعيد، حدثنا أبي، عن مسعر، عن الحكم، عن ابن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة قال: قيل: يا رسول الله، أما السلام عليك فقد عرفناه، فكيف الصلاة؟ فقال: \"قولوا: اللهم؛ صل على محمَّد، وعلى آل محمَّد، [كما صليت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد. اللهم؛ بارك على محمَّد وعلى آل محمَّد] [¬٢]، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد\".\nوقال الإمام أحمد (^٢٠٠): حدثنا محمَّد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن الحكم قال: سمعت ابن أبي ليلى قال: لقيني كعب بن عجرة فقال: ألا أهدي لك هدية؟ خرج علينا رسول الله ﷺ فقلنا: يا رسول الله؛ قد علمنا -أو: عرفنا- كيف السلام عليك، فكيف الصلاة؟ قال: \"قولوا: اللهم صل على محمَّد وعلى آل محمَّد، كما صليت على آل [¬٣] إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمَّد وعلى آل محمَّد، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد\".\nوهذ الحديث قد أخرجه الجماعة في كتبهم، من طرق متعددة، عن الحكم -وهو [ابن عتيبة] [¬٤]- زاد البخاري: وعبد الله بن عيسى، كلاهما عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، فذكره.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن عرفة، حدثنا هشيم بن بُشير، عن يزيد بن أبي زياد، حدثنا عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عُجرة، قال: لما نزلت: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. قال: قلنا: يا رسول الله؛ قد علمنا السلام، فكيف الصلاة عليك؟ قال: \"قولوا؛ اللهم؛ صل\n_________\n(^١٩٨) رواه أحمد في مسنده (٣/ ٣٩٨) (١٥٣٢١)، وابن حبان في صحيحه برقم (١٩٥١) \"موارد\" من طريق الأسود بن قيس عن نبيح العنزي عن جابر ﵁.\n(^١٩٩) صحيح البخاري رقم (٤٧٩٧).\n(^٢٠٠) المسند (٤/ ٢٤١) (١٨١٥٦)، والحديث أخرجه: البخاري في كتاب أحاديث الأنبياء باب: رقم =\n_________\n[¬١]- في ت: \"والله\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٣]- سقط من: خ، ز.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين في خ، ز: \"بن أبي عيينة\".","vol":"11","page":211},{"text":"على محمَّد وعلى آل محمَّد، كما صليت على [إبراهيم وعلى] [¬١] آل إبراهيم، إنك حميد مجيد. وبارك على محمَّد وعلى آل محمَّد كما باركت على إبراهيم وعلى [¬٢] آل إبراهيم، إنك حميد مجيد\".\nوكان عبد الرحمن بن أبي ليلى يقول: \"وعلينا معهم\".\nورواه الترمذي بهذه الزيادة (^٢٠١).\nومعنى قولهم: أما السلام عليك فقد عرفناه، هو الذي في التشهد الذي كان يعلمهم إياه، كما كان يعلمهم السورة من القرآن، وفيه: \"السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته\".\nحديث آخر، قال البخاري: حدثنا عبد الله بن يوسف، حدثنا الليث، عن ابن الهاد، عن عبد الله بن خَبّاب، عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قلنا: يا رسول الله؛ هذا السلام، فكيف نصلي عليك؟ قال: \"قولوا: اللهم صل على محمَّد عبدك ورسولك، كما صليت على آل إبراهيم. وبارك على محمَّد وعلى آل محمَّد كما باركت على إبراهيم\". [قال أبو صالح، عن الليث: على محمَّد وعلى آل محمَّد، كما باركت على آل إبراهيم] [¬٣].\nحدثنا إبراهيم بن حمزة، حدثنا ابن أبي حازم والدراوَردِي، عن يزيد -يعني ابن الهاد [¬٤]- قال [¬٥]: \"كما صليت على إبراهيم، وبارك على محمَّد وآل محمَّد، كما\n_________\n= (١٠)، (٦/ ٤٠٨٩) حديث (٣٣٧٠). وطرفاه حديث رقم (٤٧٩٧)، (٦٣٥٧). ومسلم في كتاب الصلاة. باب: الصلاة على النبي ﷺ بعد التشهد (٤/ ١٦٥) حديث (٤٠٦). وأبو داود في كتاب الصلاة باب: الصلاة على النبي ﷺ بعد التشهد (١/ ٢٥٧) حديث (٩٧٦) وحديث ٩٧٧، و٩٧٨. والترمذي في كتاب الصلاة. باب: ما جاء في صفة الصلاة على النبي ﷺ (٢/ ٣٥٢) حديث (٤٨٣). والنسائي في المجتبى في كتاب الصلاة. باب: كيف الصلاة على النبي ﷺ نوع آخر (٣/ ٤٧). وابن ماجه في كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها. باب: الصلاة على النبي ﷺ (١/ ٢٩٣) حديث (٩٠٤). وأبو داود الطيالسي في مسنده (ص ١٤٢ - ١٤٣ / حديث ١٠٦١). والبيهقي في سننه الكبرى (٢/ ١٤٧ - ١٤٨). وأبو عوانة في مسنده (٢/ ٢٣١ - ٢٣٢). وأبو نعيم في حلية الأولياء (٤/ ٣٥٦). وابن الجارود في المنتقى حديث (٢٠٦). والطبراني في الكبير (١٩/ ١١٦) حديث (٢٤١)، (٢٤٢).\n(^٢٠١) سنن الترمذي، في الصلاة برقم (٤٨٣) وقال: \"حديث حسن صحيح\".\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٤]- في خ، ز: \"المنهال\".\n[¬٥]- سقط من: خ، ز.","vol":"11","page":212},{"text":"باركت على إبراهيم وآل إبراهيم\".\nوأخرجه النسائي وابن ماجه من حديث ابن الهاد [¬١] به (^٢٠٢).\nحديث آخر، قال الإِمام أحمد (^٢٠٣): قرأت على عبد الرحمن: مالك، عن عبد الله بن أبي بكر، عن أنس، عن عمرو بن سليم أنه قال: أخبرني أبو حميد الساعدي أنهم قالوا: \"يا رسول الله؛ كيف نصلي عليك؟ قال: قولوا: اللهم، صل على محمد وأزواجه وذريته، كما صلىت على آل [¬٢] إبراهيم، وبارك على محمَّد وأزواجه وذريته، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد\". وقد أخرجه بقية الجماعة سوى الترمذي من حديث مالك به.\nحديث آخر، قال مسلم (^٢٠٤): حدثنا يحيى بن يحيى التيمي قال: قرأت على مالك، عن نُعيم بن عبد الله، المجمر، أخبرني محمد بن عبد الله بن زيد الأنصاري -قال: وعبد الله بن زيد هو الذي كان أُري [¬٣] النداء بالصلاة- أخبره عن أبي مسعود الأنصاري، قال: أتانا رسول الله ﷺ ونحن في مجلس سعد بن عُبادَةَ، فقال له بَشير بن سَعد: أمرنا الله أن نصلي عليك يا رسول الله، فكيف نصلي عليك؟ قال: فسكت رسول الله ﷺ حتى تمنينا أنه لم يسأله، ثم قال رسول الله ﷺ: قولوا: \"اللهم، صل على محمَّد، وعلى آل محمَّد، كما صليت على آل إبراهيم، وبارك على محمَّد، وعلى آل محمَّد، كما باركت على آل إبراهيم، في العالمين، إنك حميد مجيد، والسلام كما [قد علمتم] [¬٤] \".\nوقد رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي، من حديث مالك به. وقال الترمذي: حسن صحيح.\n_________\n(^٢٠٢) صحيح البخاري برقم (٤٧٩٨).\n(^٢٠٣) المسند (٥/ ٤٢٤) (٢٣٧٠٣)، وأخرجه البخاري في كتاب أحاديث الأنبياء، باب: رقم (١٠) (٦/ ٤٦٩ / رقم: ٣٣٦٩) وطرفه في (٦٣٦٠). ومسلم في كتاب الصلاة، باب: الصلاة على النبي ﷺ بعد التشهد (١/ ٣٠٦ / رقم: ٤٠٧). وأبو داود في كتاب الصلاة، باب: الصلاة على النبي ﷺ بعد التشهد (١/ ٢٥٧ / رقم: ٩٧٩). والنسائي في كتاب السهو، باب: نوع آخر (من الصلاة على النبي ﷺ (٣/ ٤٩ رقم: ١٢٩٤)، وابن ماجه في كتاب إقامة الصلاة، كتاب: الصلاة على النبي ﷺ (١/ ٢٩٣ رقم: ٩٠٥). كلهم من طريق مالك به.\n(^٢٠٤) صحيح مسلم كتاب الصلاة برقم (٤٠٥)، وسنن أبي داود، كتاب الصلاة برقم (٩٨٠)، وسنن الترمذي كتاب الصلاة برقم (٣٢٢٠)، وسنن النسائي، كتاب السهو (٣/ ٤٥).\n_________\n[¬١]- في ت: \"الهادية\".\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في ز، خ: \"وأى\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين في خ: \"علمهم\"، وفي ز: \"علمتم\".","vol":"11","page":213},{"text":"وروى الإمام أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم في مستدركه، من حديث محمَّد بن إسحاق، عن محمَّد بن إبراهيم التيمي، عن محمَّد بن عبد الله بن زيد بن عبد ربه، عن أبي مسعود البدري أنهم قالوا: يا رسول الله؛ أما السلام فقد عرفناه، فكيف نصلي عليك إذا نحن صلينا في صلاتنا؟ فقال: \"قولوا: اللهم صل على محمَّد وعلى آل محمَّد … \". وذكره (^٢٠٥).\nورواه الشافعي (^٢٠٦) ﵀ في مسنده\"عن أبي هريرة، بمثله. ومن ها هنا ذهب الشافعي ﵀ إلى أنه يجب على المصلي أن يصلي على رسول الله ﷺ في التشهد الأخير، فإن تركه لم تصح صلاته. وقد شرع بعض المتأخرين من المالكية وغيرهم يشنع على الإِمام الشافعي في اشتراطه ذلك في الصلاة، ويزعم أنه قد تفرد بذلك، وحكى الإجماعَ على خلافه أبو جعفر الطبري والطحاوي والخطابي وغيرهم فيما نقله القاضي عياض. وقد تعسّف القائل في رده على الشافعي، وتكلف في دعواه الإجماع في ذلك. فإنه قد روينا وجوب ذلك والأمر بالصلاة على رسول الله ﷺ في الصلاة كما هو ظاهر الآية، ومفسر بهذا الحديث عن جماعة من الصحابة، منهم ابن مسعود، وأبو مسعود البدري وجابر بن عبد الله. ومن التابعين: الشعبي، وأبو جعفر الباقر، ومقاتل بن حيان. وإليه ذهب الشافعي، لا خلاف عنه في ذلك ولا بين أصحابه أيضًا، وإليه ذهب أحمد أخيرًا فيما حكاه عنه أبو زرعة الدمشقيُّ [] [¬١]. وبه قال إسحاق بن راهويه، والفقيه الإمام محمَّد بن إبراهيم المعروف بابن الموّاز المالكي، ﵏، حتى أن بعض أئمة الحنابلة أوجب أن يقال في الصلاة عليه ﷺ كما علمهم [¬٢] أن يقولوا لما سألوه، وحتى أن بعض أصحابنا أوجب الصلاة على الآل ممن حكاه البَنْدَنيجِي وسليم الرازي وصاحبه نصر بن إبراهيم المقدسي، ونقله إمام الحرمين وصاحبه الغزالي قولًا عن الشافعي، والصحيح أنه وجه، على أن الجمهور على خلافه، وحكوا الإجماع على خلافه، وللقول بوجوبه [ظواهر الحديث] [¬٣]، والله أعلم.\nوالغَرَض أن الشافعي ﵀ لقوله بوجوب الصلاة على النبي ﷺ\n_________\n(^٢٠٥) المسند (٤/ ١١٩) (١٧١٢٣)، وأخرجه أحمد حديث ٢٢٤٥٣ (٥/ ٢٧٣ - ٢٧٤). وأبو داود في الصلاة، باب: الصلاة على النبي ﷺ بعد التشهد حديث ٩٨٠، ٩٨١. والترمذي في التفسير، كتاب: ومن سورة الأحزاب، حديث ٣٢٢٠. وقال أبو عيسى: حسن صحيح. والنسائي في الصلاة (٣/ ٤٥ - ٤٦). والحاكم (١/ ٢٦٨). والدارقطني (١/ ٣٥٤ - ٣٥٥). والبيهقي (٢/ ١٤٦ - ١٤٧).\n(^٢٠٦) مسند الشافعي برقم (٢٦٨) \"بدائع المنن\"، ورواه النسائي في السنن الكبرى برقم (٩٨٧٥) من طريق داود بن قيس، عن نعيم بن عبد الله، عن أبي هريرة ﵁.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ت: به.\n[¬٢]- في ز، خ: \"علمتم\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"ظهور للحديث\".","vol":"11","page":214},{"text":"في الصلاة- سَلَفٌ وخَلَفٌ كما تقدم، ولله الحمد والمنة، فلا إجماع على خلافه في هذه المسأله لا قديمًا ولا حديثًا، والله أعلم.\nومما يؤيد ذلك الحديث الآخر الذي رواه الإِمام أحمد وأبو داود، والترمذي -صححه- والنسائي، وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما، من رواية حَيوة بن شُريح المصري، عن أبي هانئ حميد بن هانئ، عن عمرو بن مالك أبي علي الجنبي، عن فضالة بن عبيد ﵁ قال: سمع رسول الله ﷺ رجلًا يدعو في صلاته، لم يمجد الله ولم يصل [¬١] على النبي ﷺ فقال رسول الله ﷺ: \"عَجِل هذا\". ثم دعاه فقال له ولغيره: \"إذا صلى أحدكم فليبدأ بتمجيد [¬٢] الله ﷿ والثناء عليه، ثم ليصل [¬٣] على النبي ثم ليدع بعد [¬٤] بما شاء\" (^٢٠٧).\nوكذا الحديث الذي رواه ابن ماجه، من رواية عبد المهيمن بن عباس بن سهل بن سعد الساعدي، عن أنس، عن جده، عن رسول الله ﷺ أنه قال: \"لا صلاة لمن لا وضوء له، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم [¬٥] الله عليه، ولا صلاة لمن لم يصل على النبي، ولا صلاة لمن لم يحب الأنصار\" (^٢٠٨).\nولكن عبد المهيمن هذا متروك. وقد رواه الطبراني من رواية أخيه \"أبي بن عباس\"، ولكن في ذلك نظر (^٢٠٩)، وإنما يعرف من رواية \"عبد المهيمن\"، والله أعلم.\n(حديث آخر) قال الإمام أحمد (^٢١٠): حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا إسماعيل، عن أبي\n_________\n(^٢٠٧) المسند (٦/ ١٨)، وأخرجه أبو داود في كتاب الصلاة، باب: الدعاء. (٢/ ٧٧ / رقم: ١٤٨١). عن أحمد بن حنبل به. والترمذي في كتاب الدعوات، باب: رقم: (٦٥). (٥/ ٤٨٢ / رقم: ٣٤٧٦، ٣٤٧٧). عن محمود بن غيلان عن أبي عبد الرحمن المقرئ وقال: صحيح. والنسائي في كتاب الصلاة، باب: التمجيد والصلاة على النبي ﷺ في الصلاة. (٣/ ٤٤ / رقم: ١٢٨٤). عن محمَّد بن سلمة عن وهب عن حيوة به. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. والبيهقي (٢/ ١٤٨). وابن خزيمة (٧١٠). وابن حبان ح ١٩٦٠. والحاكم (١/ ٢٣٠، ٢٦٨). وقال مرة: على شرط مسلم، ومرة على شرط الشيخين ولم يتعقبه الذهبي.\n(^٢٠٨) سنن ابن ماجه، كتاب الطهارة وسننها (٤٠٠)، وقال البوصيري في الزوائد (١/ ١٦٧): \"هذا إسناد ضعيف لاتفاقهم على ضعف عبد المهيمن، لكن لم ينفرد لهه فقد تابعه عليه ابن أخي عبد المهيمن\".\n(^٢٠٩) المعجم الكبير للطبراني (٦/ ١٢١).\n(^٢١٠) السند (٥/ ٣٥٣) (٢٣٠٩٤)، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٢/ ١٤٤) و(١٠/ ١٦٣) =\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"يصلي\".\n[¬٢]- في ت: \"بتحميد\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"ليصلي\".\n[¬٤]- سقط من: خ، ز.\n[¬٥]- سقط من: خ.","vol":"11","page":215},{"text":"داود الأعمى، عن بُريدة قال: قلنا: يا رسول الله؛ قد علمنا كيف نسلم عليك، فكيف نصلي عليك؛ قال: \"قولوا: اللهم اجعل صلواتك ورحمتك وبركاتك على محمَّد وعلى آل محمَّد، كما جعلتها على إبراهيم [¬١] وآل إبراهيم، إنك حميد مجيد\".\nأبو داود الأعمى اسمه: نفيع بن الحارث متروك.\n(حديث آخر موقوف) رويناه من طريق سعيد بن منصور وزيد بن الحباب ويزيد بن هارون، ثلاثتهم عن نوح بن قيس: حدثنا سلامة الكندي أن عليًّا ﵁ كان يعلم الناس هذا الدعاء: اللهم داحي المدْحُوات (^١) وبارئ المسموكات (^٢)، وجبار (^٣) القلوب على فِطْرَتِها [¬٢] شقيها وسعيدها. اجعل شرائف صلواتك، ونوامي بركاتك، ورأفة تحننك [¬٣]، على محمَّد عبدك ورسولك، الخاتم لما سبق، والفاتح لما أغلق، والمعلن الحق بالحق، والدامغ (^٤) جيشات الأباطيل كما حمل فاضطلع (^٥) بأمرك لطاعتك مستوفزًا (^٦) في [¬٤] مرضاتك، غير نَكل في قَدَم (^٧) ولا واهن في عزم (^٨)، داعيًا [¬٥] برحيك [¬٦]، حافظًا لعهدك [¬٧]، ماضيًا على نفاذ أمرك، حتى أورى [قيسًا لقايس] [¬٨]، آلاء الله تصل بأهله أسبابه، به هديت القلوب بعد خوضات الفتن والإثم وأقام [¬٩] موضحات الأعلام، ومُنيرات الإِسلام ونائرات الأحكام، فهو\n_________\n= وعزاه لأحمد وقال: \"وفيه أبو داود الأعمى، وهو ضعيف\" ..\n(^١) - دحى الشيءَ: بسطه ووسعه. والمدحوات: الأرضون.\n(^٢) - سمك الشيء: رفعه. والمسموكات: السماوات السبع.\n(^٣) - قال ابن الأثير [١/ ٢٣٦]: هو من جَبَرَ العظمَ المكسور، كأنه أقام القلوب وأثبتها على ما فطرها عليه من معرفته والإقرار به، شقيها وسعيدها.\n(^٤) - أي: مهلكها. ودمغ فلان فلانًا: غلبه وعلاه، ودمغ الحق الباطل: محاه. والجيشات جمع جيشة، وهي المرة من جاش إذا ارتفع.\n(^٥) - اضطلع بالشيء: نهض به.\n(^٦) - استوفز: قعد على هيئة كأنه يريد القيام. والمعنى أنه ﷺ يسرع في مرضاة الله ﷿.\n(^٧) - القَدَم: الإقدام، ونَكِل: جبن وتقاعد.\n(^٨) - الواهن: الضعيف.\n_________\n[¬١]- سقط من: خ، ز.\n[¬٢]- في ز، خ: \"فطراتها\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"تحينك\".\n[¬٤]- في ز، خ: \"لي\".\n[¬٥]- في ز، خ: \"واعيًا\".\n[¬٦]- في ز، خ: \"لوحيك\".\n[¬٧]- في ز: \"لوحيك\".\n[¬٨]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"قبسًا لقابس\".\n[¬٩]- سقط من: خ، ز.","vol":"11","page":216},{"text":"أمينك المأمون، وخازن علمك المخزون، وشهيدك يوم الدين، وبَعِيثُك نعمة، ورسولك بالحق رحمة. اللهم؛ أفسح له مُفسحات في عدلك، واجزه مضاعفات الخير من فضلك [مهنآت له] [¬١] غير مكدرات من فوز ثوابك المعلول [¬٢]، وجزيل عطائك المجمول. اللهم؛ أعل [¬٣] على بناء البانين [¬٤] بنيانه، وأكرم مثواه لديك ونزله. وأتمم له نوره، واجزه من ابتعاثك له [مقبول الشهادة] [¬٥]، مرضي المقالة، ذا منطق عدل، وخُطة فصل، وحجة وبرهان عظّم (^٢١١).\nهذا مشهور من كلام على ﵁، وقد تكلم عليه ابن قتيبة في مشكل الحديث، وكذا أبو الحسين أحمد بن فارس اللغوي في جزء جمعه في فضل الصلاة على النبي ﷺ، إلا أن في إسناده نظرًا.\nقال شيخنا الحافظ أبو الحجاج المزي: سلامة الكندي (^٢١٢) هذا ليس بمعروف، ولم يدرك عليًّا -كذا قال- وقد روى الحافظ أبو القاسم الطبراني هذا الأثر عن محمَّد بن علي الصائغ، عن سعيد بن منصور، حدثنا نوح بن قيس، عن سلامة الكندي قال: كان عليّ ﵁ يعلمنا الصلاة على النبي ﷺ فيقول: \"اللهم داحي المدحُوات … \" وذكره (^٢١٣).\n(حديث آخر موقوف) قال ابن ماجه (^٢١٤): [حدثنا الحسين بن بيان] [¬٦]، حدثنا زياد بن عبد الله، حدثنا المسعودي، عن عون بن عبد الله، عن أبي فاختة، عن الأسود بن يزيد [¬٧]، عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: إذا صليتم على رسول الله ﷺ فأحسنوا الصلاة عليه؛ بأنكم لا تدرون لعل ذلك يعرَض عليه. قال: فقالوا له:\n_________\n(^٢١١) رواه أبو نعيم في عوالي سعيد بن منصور برقم (١٨) فقال: حدثنا سليمان بن أحمد، حدثنا مسعدة بن سعد، حدثنا سعيد بن منصور فذكره، ورواه الحنائي في الفوائد (١٠/ ١٦٢ / ب) -كما في حاشية العوالي- من طريق يزيد بن هارون، به.\n(^٢١٢) سلامة الكندي ذكره البخاري في التاريخ الكبير (٤/ ١٩٥)، وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٤/ ٣٠٠) وأشار ابن أبي حاتم إلى هذا الحديث وقال: \"مرسل\".\n(^٢١٣) المعجم الأوسط برقم (٤٦٥٣) \"مجمع البحرين\" لكن فيه: \"حدثنا مسعدة بن سعد، حدثنا سعيد كان منصور\" فلعل الحافظ نقله هنا من مسند العشرة.\n(^٢١٤) سنن ابن ماجه، إقامة الصلاة والسنة فيها برقم (٩٠٦)، وقال البوصيري في الزوائد (١/ ٣١١): \"هذا إسناد رجاله ثقات إلا أن المسعودي وأسمه عبد الرحمن بن عتبة بن مسعود اختلط بآخره، ولم يتميز حديثه الأول بالآخر، فاستحق الترك. قاله ابن حبان\".\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"له مهنئات\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"المعلون\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"عَلِّي\".\n[¬٤]- في ز، خ: \"المبنيين\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٧]- في ز، خ: \"زيد\".","vol":"11","page":217},{"text":"فَعَلِّمنا. قال: قولوا: اللهم؛ اجعل صلواتك ورحمتك وبركاتك على سيد المرسلين، وإمام المتقين، وخاتم النبيين، محمَّد عبدك ورسولك، إمام الخير وقائد الخير، ورسول الرحمة. اللهم؛ ابعثه مقاما محمودًا يَغْبِطُهُ به الأولون والآخرون. اللهم؛ صل [¬١] على محمَّد [وعلى آل محمَّد] [¬٢]، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد. اللهم؛ بارك على محمد وعلى آل محمَّد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد.\nوهذا موقوف، وقد روى إسماعيل القاضي (^٢١٥) عن عبد الله بن عمرو -أو: عمر، على الشك من الراوي- قريبًا من هذا.\n(حديث آخر) قال ابن جرير (^٢١٦): حدثنا أبو كريب، حدثنا مالك بن إسماعيل، حدثنا أبو إسرائيل، عن يونس بن خباب قال: خطبنا بفارس فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾، فقال: أنبأني من سمع ابن عباس يقول: هكذا أنزل. فقلنا -أو: قالوا-: يا رسول الله، عَلِمنا السلام عليك، فكيف الصلاة عليك؟ فقال: \"اللهم؛ صل [¬٣] على محمَّد وعلى آل محمَّد، كما صليت على إبراهيم، وآل إبراهيم، إنك حميد مجيد، وارحم محمدًا وآل محمَّد، كما رحمت آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، [وبارك على محمَّد وعلى آل محمَّد، كما باركت على إبراهيم، إنك حميد مجيد] [¬٤] \".\nفيستدل [¬٥] بهذا الحديث مَنْ ذهب إلى جواز الترحم على النبي ﷺ، كما هو قول الجمهور، ويعضده حديث الأعرابي الذي قال: اللهم ارحمني ومحمدًا، ولا ترحم معنا أحدًا. فقال رسول الله ﷺ: \"لقد حجرت واسعًا\" وحكى القاضي عياض عن جمهور المالكية منعه، قال: وأجازه أبو محمد بن أبي زيد.\n(حديث آخر) قال الإِمام أحمد (^٢١٧): حدثنا محمَّد بن جعفر، أخبرنا شعبة، عن\n_________\n(^٢١٥) فضل الصلاة على النبي ﷺ برقم (٦٢).\n(^٢١٦) تفسير الطبري (٢٢/ ٣١).\n(^٢١٧) المسند (٣/ ٤٤٥) (١٥٧٢١)، وإسناده ضعيف من أجل عاصم بن عبيد الله. والحديث رواه ابن ماجه، في كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب: الصلاة على النبي ﷺ، (١/ ٢٩٤) حديث ٩٠٧. وقال في الزوائد: إسناده ضعيف؛ لأن عاصم بن عبيد الله قال فيه البخاري وغيره: منكر الحديث. ورواه أبو يعلى في مسنده (١٣/ ١٥٤) ح ٧١٩٦. وعبد الرزاق (٥/ ٣١).\nوأبو نعيم في الحلية (١/ ١٢٠).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"صلي\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٣]- في ز، خ: \"صلي\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٥]- في ز، خ: \"فدل\".","vol":"11","page":218},{"text":"عاصم بن عبيد الله قال: سمعت عبد الله بن عامر بن ربيعة يحدث عن أبيه قال: سمعت النبي ﷺ يقول:، من صلى علي صلاة لم تزل الملائكة تصلي عليه ما صلى علي، فَلْيُقِل عبد من ذلك أو ليكثر\". ورواه ابن ماجة من حديث شعبة به.\n(حديث آخر) قال الإِمام أحمد (^٢١٨): حدثنا أبو سلمة منصور بن سلمة الخزاعي، ويونس -هو ابن محمَّد- قالا: حدثنا ليث، عن يزيد بن الهاد، عن عمرو بن أبي عمرو، عن أبي الحويرث، عن محمَّد بن جبير بن مطعم، عن عبد الرحمن بن عوف قال: خرج رسول الله ﷺ فاتبعته حتى دخل نخلًا، فسجد فأطال السجود، حتى خفت -أو: خشيت- أن يكون الله قد توفاه أو قبضه. قال: فجئت أنظر. فرفع رأسه فقال: \"ما لك يا عبد الرحمن؟ \". قال: فذكرت ذلك له. فقال: (إن جبريل ﵇ قال لي: ألا أبشرك؟ إن الله ﷿ يقول: من صلى عليك صليت عليه، ومن سلم عليك سلمت عليه\".\n(طريق أخرى) قال الإمام أحمد (^٢١٩): حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم، حدثنا سليمان بن بلال، حدثنا عمرو بن أسود عمرو، عن عبد الواحد بن محمَّد بن عبد الرحمن بن عوف، عن عبد الرحمن بن عوف [قال: خرج] [¬١] رسول الله ﷺ فتوجه نحو صدقته، فدخل فاستقبل القبلة، فخر ساجدًا فأطال السجود، حتى ظننت أن الله قد قبض نفسه فيها، فدنوت منه ثم جلست، فرفع رأسه فقال: \"من هذا؟ \". فقلت: عبد الرحمن. قال: \"ما شأنك؟ \". قلت: يا رسول الله، سجدت سجدة خشيت أن يكون [¬٢] الله ﷿ قبض نفسك فيها. فقال: \"إن جبريل أتاني فبشرني [¬٣] أن الله ﷿ يقول لك: من صلى عليك صليت عليه، ومن سلم عليك سلمت عليه. فسجدتُ لله ﷿ شكرًا\".\n(حديث آخر) قال [الحافظ] [¬٤] أبو القاسم الطبراني (^٢٢٠): حدثنا محمَّد بن عبد الرحيم [¬٥] ابن بَحير بن عبد الله بن معاوية بن بكير بن ريسان، [نا عمرو بن الربيع بن طارق] [¬٦] حدثنا\n_________\n(^٢١٨) المسند (١/ ١٩١).\n(^٢١٩) المسند (١/ ١٩١).\n(^٢٢٠) المعجم الصغير (٢/ ٨٩)، والمختارة برقم (٩٣). وقال الطبراني: \"لم يروه عن عبيد الله بن عمر إلا يحيى بن أيوب، تفرد به عمرو بن الربيع\".\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"قال: قال\".\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في ز، خ: \"وبشرني\".\n[¬٤]- سقط من: ت.\n[¬٥]- كذا في ز، خ. لكن الذي في الأوسط. عبد الرحمن. وكذا أورده الدارقطني في المؤتلف [١/ ٣٥٢]، وابن ماكولا في الإكمال [١/ ٢٠٠]، وابن ناصر الدين في التوضيح [١/ ٣٥٢] وابن حجر في تبصير المنتبه [١/ ٦٠].\n[¬٦]- ما بين المعكوفين سقط من ز، خ. وأثبتناه من المعجم الأوسط.","vol":"11","page":219},{"text":"يحيى بن أيوب، حدثنا عبيد [¬١] الله بن عمر، عي الحكم بن عتيبة [¬٢]، عن إبراهيم النخعي، عن الأسود بن يزيد، عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: خرج رسول الله ﷺ لحاجة فلم يجد أحدًا يتبعه، ففزع عمر، فأتاه بمطهَرة (^١) من خلفه فوجد النبي ساجدًا في مشربة (^٢)، فتنحى عنه من خلفه حتى رفع النبي ﷺ رأسه، فقال: \"أحسنت [¬٣]، يا عمر حين وجدتني ساجدًا فتنحيت عني، إن جبريل أتاني فقال: من صلى عليك من أمتك واحدة، صلى الله عليه [عشرًا] [¬٤]، ورفعه عشر درجات\".\nوقد اختار هذا الحديثَ الحافظُ الضياء المقدسي في كتابه \"المستخرج على الصحيحين\".\nوقد رواه إسماعيل القاضي، عن القعنبي، عن سلمة بن وردان، عن أنس، عن عمر بنحوه (^٣).\nورواه أيضًا عن يعقوب بن حميد، عن أنس بن عياض، عن سلمة بن وردان، عن مالك بن أوس بن الحدثان، عن عمر بن الخطاب، بنحوه (^٤).\n(حديث آخر) قال أبو عيسى الترمذي (^٥): حدثنا بن دار، حدثنا محمَّد بن خالد بن عَثْمة، حدثني موسى بن يعقوب الزمعي، حدثني عبد الله بن كيسان، أن عبد الله بن شداد أخبره، عن عبد الله بن مسعود أن رسول الله ﷺ قال: \"أولى الناس بي يوم القيامة أكثرهم علي صلاة\". تفرد بروايته الترمذي ﵀، ثم قال: هذا [¬٥] حديث حسن غريب.\n(حديث آخر) قال إسماعيل القاضي (^٦): [حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا سفيان] [¬٦]، عن يعقوب بن زيد بن طلحة قال: قال رسول الله ﷺ: \"أتاني آت من ربي فقال لي: ما من عبد يصلي عليك صلاة إلا صلى الله عليه بها عشرًا\".\n_________\n(^١) - المطهرة: كل إناء يتطهر له كالإبريق والسطل وغيرها.\n(^٢) - المشربة: الغرفة.\n(^٣) فضل الصلاة على النبي ﷺ برقم (٤).\n(^٤) فضل الصلاة على النبي ﷺ برقم (٥).\n(^٥) سنن الترمذي، كتاب الصلاة برقم (٤٨٤).\n(^٦) فضل الصلاة على النبي ﷺ برقم (١٣).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: عبيد الله. وهو تحريف.\n[¬٢]- في ز: \"عيينة\".\n[¬٣]- في ز: \"أخشيت\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين في ت: \"عشر صلوات\".\n[¬٥]- سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين في خ، ز: \"حدثنا شقيق\".","vol":"11","page":220},{"text":"فقام رجل فقال: يا رسول الله، ألا أجعل نصف دعائي لك؟ قال [¬١]: \"إن شئت\". قال: ألا أجعل ثلثي دعائي لك؟ قال: \"إن شئت\". قال: ألا أجعل دعائي [كله لك] [¬٢]؟ قال: \"إذن يكفيك الله هم الدنيا وهم الآخرة\". فقال شيخ -كان بمكة يقال له: منيع [¬٣]- لسفيان: عمن أسنده قال: لا أدري.\n(حديث آخر قال إسماعيل القاضي (^٢٢٥): حدثنا سعيد بن سَلام العطار، حدثنا سفيان- يعني: الثوري -عن عبد الله بن محمَّد بن عقيل، عن الطفيل بن أبي بن كعب، عن أبيه قال: كان رسول الله ﷺ يخرج في جوف الليل فيقول: \"جاءت الراجفة، تتبعها الرادفة جاء [¬٤] الموت بما فيه\". قال أبي: يا رسول الله؛ إني أصلي من الليل أفأجعل [¬٥] لك ثلث صلاتي؟ قال رسول الله ﷺ: \"الشطر\". قال: أفأجعل [¬٦] لك شطر صلاتي؟ قال رسول الله ﷺ: \"الثلثان\". قال: أفأجعل [¬٧] لك صلاتي كلها؟ قال: \"إذن يغفر الله لك ذنبك كله\".\nوقد رواه الترمذي بنحوه (^٢٢٦) فقال: حدثنا هَنّاد، حدثنا قبيصة، حدثنا سفيان، عن عبد الله بن محمَّد بن عقيل، عن الطفيل بن أبي بن كعب، عن أنس قال: كان رسول الله ﷺ إذا ذهب ثلثا الليل قام فقال: \"يا أيها الناس؛ اذكروا الله، [اذكروا الله] [¬٨]، جاءت الراجفة تتبعها الرادفة، جاء الموت بما فيه جاء الموت بما فيه\" قال أبي: قلت [¬٩]: \"رسول الله، إني أكثر الصلاة عليك، فكم أجعل لك من صلاتي؟ قال: \"ما شئت\". قلت: الربع؟ قال: \"ما شئت، فإن زدت فهو خير لك\". قلت: فالنصف؟ قال: \"ما شئت، فإن زدت فهو خير لك\". قلت: فالثلثين؟ قال: \"ما شئت، فإن زدت فهو خير لك\". قلت: أجعل لك صلاتي كلها؟ قال: \"إذن تكفى هَمّك، ويغفر لك ذنبك\". ثم قال: هذا [¬١٠] حديث حسن.\nوقال الإمام أحمد (^٢٢٧): حدثنا وكيع، حدثنا سفيان، عن عبد الله بن محمَّد بن عقيل،\n_________\n(^٢٢٥) فضل الصلاة على النبي ﷺ لرقم (١٤).\n(^٢٢٦) سنن الترمذي، صفة القيامة برقم (٢٤٥٧).\n(^٢٢٧) المسند (٥/ ١٣٦) (٢١٣٢٢). وأخرجه الترمذي في كتاب صفة القيامة، كتاب: رقم (٢٣). =\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"قال\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز: \"لك كله\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"نسيع\".\n[¬٤]- في ز، خ: \"جاءت\".\n[¬٥]- في خ، ز: \"إنما جعل\".\n[¬٦]- في خ، ز: \"إنما جعل\".\n[¬٧]- في خ، ز: \"إنما جعل\".\n[¬٨]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٩]- سقط من: ز، خ.\n[¬١٠]- سقط من: ز، خ.","vol":"11","page":221},{"text":"عن الطفيل بن أبي، عن أبيه قال: قال رجل: يا رسول الله؛ أرأيت أن جعلتُ صلاتي كلها عليك؟ قال: \"إذن يكفيك الله ما أهَمك من دنياك وآخرتك\".\n(حديث آخر) قال الإِمام أحمد (^٢٢٨): حدثنا أبو كامل، حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت بن سليمان مولى الحسن بن علي، عن عبد الله بن أبي طلحة، عن أبيه أن رسول الله ﷺ جاء ذات يوم، والسرور يرى في وجهه، فقالوا: يا رسول الله؛ أنا لنرى السرور في وجهك. فقال: \"إنه أتاني الملك فقال: يا محمَّد؛ أما يرضيك أن ربك ﷿ يقول: إنه لا يصلي عليك أحد من أمتك إلا صليت عليه عشرًا، ولا يسلم عليك أحد من أمتك إلا سلمت عليه عشرًا؟ قال: بلى\".\nورواه النسائي من حديث حماد بن سلمة به.\nوقد رواه إسماعيل القاضي (^٢٢٩)، عن إسماعيل ابن أبي أويس، عن أخيه، عن سليمان بن بلال، عن عُبيد الله بن عمر، عن ثابت، عن أنس، عن أبي طلحة، بنحوه.\n(طريق أخرى) قال أحمد (^٢٣٠): حدثنا سُريج، حدثنا أبو معشر، عن إسحاق بن كعب بن عُجرة، عن أبي طلحة الأنصاري قال: \"أصبح رسول الله ﷺ يوما طيب النفس، يرى في وجهه البشر، قالوا: يا رسول الله؛ أصبحت اليوم طيب النفس، يرى في وجهك البشر؟ قال: \"أجل، أتاني آت من ربي ﷿ فقال: من صلى عليك من أمتك صلاة، كتبَ الله له بها عشر حسنات، ومحا عنه عشر سيئات، ورفع له عشر درجات، ورد عليه [¬١] مثلها\". هذا أيضًا إسناد جيد ولم يخرجوه.\n(حديث آخر) روى مسلم (^٢٣١) وأبو داود والترمذي والنسائي، من حديث إسماعيل بن\n_________\n= (٤/ ٦٣٦، ٦٣٧ / رقم: ٢٤٥٧). من طريق هناد عن قبيصة به. ورواه عبد بن حميد مطولًا عن قبيصة بن عقبة حديث ١٧٠. ورواه الحاكم في المستدرك (٢/ ٥١٣) من طريق معاذ بن نجدة، عن قبيصة بن عقبة بنحوه. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ١٦٠) وقال: \"قلت: رواه الترمذي ولفظه إذًا تكفى همك، ويغفر ذنبك - رواه أحمد وإسناده جيد\".\n(^٢٢٨) المسند (٤/ ٣٠) (١٦٤١٥)، والنسائي في السنن الكبرى برقم (٩٨٨٨).\n(^٢٢٩) فضل الصلاة على النبي ﷺ برقم (١).\n(^٢٣٠) المسند (٤/ ٢٩) (١٦٤٠٤) إسحاق بن كعب بن عجرة: في التقريب: مجهول الحال، وفي التهذيب: قال ابن القطان: مجهول الحال، ما روى عنه غير ابنه سعد. قد روى عنه أبو معشر كما هنا. والحديث أخرجه النسائي (٣/ ٤٤ - ٥٠). والحاكم (٢/ ٤٢٠). والطبراني (٥/ ١٠٢) حديث (٤٧٢٤)، (٤٧١٧). وحسنه الشيخ الألباني، انظر صحيح النسائي (١/ ٢٧٤ - ٢٧٥).\n(^٢٣١) صحيح مسلم، كتاب الصلاة برقم (٤٠٨)، وسنن أبي داود، كتاب الصلاة برقم (١٥٣٠)، وسنن الترمذي كتاب الصلاة برقم (٤٨٥)، وسنن النسائي كتاب السهو (٣/ ٥٠).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"له\".","vol":"11","page":222},{"text":"جعفر، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أنس، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ:، من صلى عَلَي واحدة صلى الله عليه بها عشرًا\". قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وفي الباب عن عبد الرحمن بن عوف، وعامر بن ربيعة، وعمار، وأبي طلحة، وأنس، وأبي بن كعب.\nوقال [¬١] الإِمام أحمد (^٢٣٢): حدثنا حسين بن محمَّد، حدثنا شريك، عن ليث، عن كعب [¬٢] عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: \"صلوا علي؛ فإنها زكاة لكم. وسلوا الله لي الوسيلة، فإنها درجة في أعلى الجنة، لا [¬٣] ينالها إلا رجل، وأرجو أن أكون أنا هو\".\nتفرد به أحمد.\nوقد رواه البزار (^٢٣٣) من طريق مجاهد، عن أبي هريرة بنحوه فقال: حدثنا محمَّد بن إسحاق البَكالي، حدثنا عثمان بن سعيد، حدثنا ذَؤاد بن عُلبة، عن ليث، عن مجاهد، عن أبي هُرَيرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"صلوا علي فإنها زكاة لكم، وسلوا الله لي الدرجة الوسيلة من الجنة\". فسألناه -أو: أخبرنا- فقال: \"هي درجة في أعلى الجنة، وهي لرجل، وأنا أرجو أن فيكون ذلك الرجل\".\nفي إسناده بعض من تكلم فيهم [¬٤].\n(حديث آخر) قال الإِمام أحمد (^٢٣٤): حدثنا يحيى بن إسحاق، حدثنا ابن لهيعة، [عن عبد الله بن هبيرة] [¬٥]، عن عبد الرحمن بن مريج [¬٦] الخولاني، سمعت أبا قيس -مولى عمرو بن العاص- سمعت عبد الله بن عمرو [¬٧] قوله: من صلى على رسول الله ﵊ صلاة، صلى الله عليه وملائكته بها سبعين صلاة، فَلْيقِل عبد من ذلك أو ليكثر.\n_________\n(^٢٣٢) المسند (٢/ ٣٦٥).\n(^٢٣٣) مسند البزار برقم (٣٦٣) \"كشف الأستار\"، وقال الهيثمي: \"فيه ذَؤاد بن علبة، ضعفه ابن معين والنسائي غيرهما ووثقه ابن نمير، وقال موسى بن داود الضبي: ثنا ذَؤاد بن علبة وأثني عليه خيرًا، وقال ابن عدي: هو في جملة الضعفاء ممن يكتب حديثه\". كذا فيه ذؤاد بن علبة وهو الصواب. انظر: الكامل (٣/ ١٢١)، والتهذيب (٣/ ٢٢١)، والميزان (٢/ ٣٢).\n(^٢٣٤) المسند (٢/ ١٧٢).\n_________\n[¬١]- في ت: \"قال\".\n[¬٢]- في خ، ز: \"ثابت\".\n[¬٣]- في ز: \"ولا\".\n[¬٤]- في خ، ز: \"به\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٦]- في خ، ز: \"شريح\".\n[¬٧]- في ز، خ: \"عمر\".","vol":"11","page":223},{"text":"وسمعت عبد الله ابن عمرو يقول: خرج علينا رسول الله ﷺ يومًا كالمودع فقال: \"أنا محمد النبي الأمي -قاله ثلاث مرات- ولا نبي بعدي، أوتيت فواتح الكلم وخواتمه وجوامعه، وعَلمْتُ كم خزنة النار وحملة العرش، وتجوز بي، وعُوفيت وعُوفِيتْ أمتي، فاسمعوا وأطيعوا ما دمت فيكم، فإذا ذُهِب بي فعليكم بكتاب الله، أحلوا حلاله، وحرموا حرامه\".\n(حديث آخر) قال أبو داود الطيالسي: حدثنا أبو سَلَمة الخراساني، حدثنا أبو إسحاق، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: \"من ذُكرتُ عنده فَليُصَلّ عليّ، ومن صلي عليّ مرة واحدة [¬١]- صلى الله عليه عشرًا\".\nورواه النسائي في \"اليوم والليلة\"، من حديث أبي داود الطيالسي، عن أبي سلمة -وهو المغيرة بن مسلم الخراساني- عن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي، عن أنس به (^٢٣٥).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن فضيل، حدثنا يونس بن عمرو، عن يونس بن أبي إسحاق، عن بُريد [¬٢] بن أبي مريم، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: \"من صلي علي صلاة واحدة، صلي الله عليه عشر صلوات، وحط عنه عشر خطيئات\" (^٢٣٦).\n(حديث آخر) قال الإمام أحمد (^٢٣٧): حدثنا عبد الملك بن عمرو وأبو سعيد؛ قالا [¬٣]: حدثنا سليمان بن بلال، عن عمارة بن [¬٤] غزية، عن عبد الله بن علي بن الحسين، عن [أبيه\n_________\n(^٢٣٥) السنن الكبرى برقم (٩٨٨٩).\n(^٢٣٦) المسند (٣/ ١٠٢) (١٢٠١٦). بريد بن أبي مريم السلولي: قال ابن معين وأبو زرعة: ثقة. وقال أبو حاتم: صالح. وقال العجلي: ثقة. وقال الدارقطني: علي شرط الصحيح. وذكره ابن حبان في الثقات وأخرج له في الصحيح، وكذلك الحاكم. والحديث رواه النسائي في كتاب السهو، باب: الفضل في الصلاة علي النبي ﷺ (٣/ ٥٠) من حديث يونس، به. وفي \"اليوم والليلة\" حديث ٣٦٢ عن إسحاق بن منصور، عن محمد بن يوسف، عن يونس بن أبي إسحاق، عن بريد بن أبي مريم: حدثنا أنس … فذكره. وفي \"اليوم والليلة\" حديث ٣٦٣ عن عبد الله بن محمد بن تميم، عن حجاج. وحديث ٣٦٤ عن إسحاق بن إبراهيم، عن يحيى بن آدم، وأبي نعيم -ثلاثتهم- عن يونس، عن بريد بمعناه ورواه مخلد بن يزيد، عن يونس، عن بريد، عن الحسن عن أنس. ورواه أحمد حديث ١٣٧٨١ - (٣/ ٢٦١). قال ابن كثير في جامع المسانيد: ورُوي عن يونس، عن أبيه، عن بريد. وروي عن بريد، عن الحسن، عن أنس. وقد ثبت سماع بريد من أنس لهذا الحديث. واختاره الضياء، في صحيحه- المختارة. ورواه أحمد ١٢٥٩١ - (٣/ ١٥٤). وفي صحيح مسلم، عن أبي هريرة مرفوعًا، مثله.\n(^٢٣٧) المسند (١/ ٢٠١).\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في خ، ز: \"زيد\".\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- في ز، خ: \"عن\".","vol":"11","page":224},{"text":"علي بن الحسين عن] [¬١] أبيه: أن رسول الله ﷺ قال: \"البخيل من ذكرت عنده، ثم لم يصل عليّ\". وقال أبو سعيد: \"فلم يصل عليّ\".\nورواه الترمذي من حديث سليمان بن بلال ثم قال: هذا حديث حسن غريب صحيح.\nو[¬٢] من الرواة من جعله من مسند \"الحسين بن علي\"، ومنهم من جعله من مسند \"عليّ\" نفسه.\n(حديث آخر) قال إسماعيل القاضي (^٢٣٨): حدثنا حجاج بن منهال، حدثنا حماد بن سلمة، عن معبد بن هلال العَنْزي، حدثني رجل من أهل دمشق، عن عوف بن مالك، عن أبي ذر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \"إن أبخل الناس من ذُكرت عنده فلم يصلِّ علي\".\n(حديث آخر مرسل) قال إسماعيل (^٢٣٩): وحدثنا سُليمان بن حرْب، حدثنا جرير بن حازم، سمعت الحسن يقول: قال رسول الله ﷺ: \"بحسب امرئ من البخل أن أذْكر عنده فلا يُصَلِّي عليّ\". صلوات الله عليه.\n(حديث آخر) قال الترمذي (^٢٤٠): حدثنا أحمد بن إبراهيم الدورقي، حدثنا ربْعيّ بن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن سعيد بن أبي سعيد المَقْبري، عن أبي هريرة؛ قال: قال رسول الله ﷺ: \"رَغِمَ أنف رجل ذكرت عنده فلم يصلِّ عليّ. [ورغم أنف رجل دخل عليه شهر رمضان ثم انسلخ قبل أن يغفر له] [¬٣]، ورغم أنف رجل أدرك عنده أبواه الكبر فلم يدخلاه الجنة\". ثم قال: حسن غريب.\nقلت: وقد رواه البخاري في \"الأدب\" (^٢٤١) عن محمد بن عبيد الله، حدثنا ابن أبي حازم، عن كثير بن زيد، عن الوليد بن رباح، عن أبي هريرة مرفوعًا، [بنحوه، ورويناه من حديث محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة] [¬٤]، به. قال الترمذي: وفي الباب عن جابر وأنس.\nقلت: وابن عباس، وكعب بن عجرة، وقد ذكرت طرق هذا الحديث في أول كتاب\n_________\n(^٢٣٨) فضل الصلاة على النبي- ﷺ برقم (٣٧).\n(^٢٣٩) فضل الصلاة على النبي- ﷺ برقم (٣٨).\n(^٢٤٠) سنن الترمذي برقم (٣٥٤٥).\n(^٢٤١) - رواه الترمذي كتاب الدعوات (٣٥٤٥).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.","vol":"11","page":225},{"text":"الصيام، وعند قوله تعالى: ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا﴾.\nوهذا الحديث والذي قبله دليل علي وجوب الصلاة عليه ﷺ كلما ذُكر، وهو مذهب طائفة من العلماء.\nويتقوى بالحديث الآخر الذي رواه ابن ماجة (^٢٤٢):\nحدثنا جُبَارة بن المغلس، حدثنا حماد بن زيد، حدثنا عمرو بن دينار، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: \"من نسي الصلاة عليَّ خطئ طريق الجنة\".\nجُبَارة ضعيف.\nولكن رواه إسماعيل القاضي من غير وجه (^٢٤٣)، عن أبي جعفر محمد بن علي الباقر قال: قال رسول الله ﷺ: \"من نسي الصلاة عليَّ خطئ طريق الجنة\". وهذا مرسل يتقوي بالذي قبله.\nوذهب آخرون إلى أنه تجب الصلاة في المجلس مرة واحدة، ثم لا تجب في بقية ذلك المجلس، بل تستحب. نقله الترمذي عن بعضهم، ويتأيد بالحديث الذي رواه الترمذي (^٢٤٤):\nحدثنا محمد بن بشار، حدثنا عبد الرحمن، حدثنا سفيان، عن صالح -مولى التوأمة- عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: \"ما جلس قوم مجلسًا لم يذكروا الله فيه، ولم يصلوا على نبيهم إلا كان عليهم تِرَةً (*)، فإن شاء عذبهم، وإن شاء غفر لهم\".\nتفرد به الترمذي من هذا الوجه. ورواه الإمام أحمد عن حجاج ويزيد [¬١] بن هارون، كلاهما عن ابن أبي ذئب، عن صالح -مولى التوأمة- عن أبي هريرة، مرفوعًا مثله [¬٢]. ثم قال الترمذي: هذا حديث حسن.\nوقد روي عن أبي هريرة (^٢٤٥)، عن النبي ﷺ، من غير وجه. وقد رواه\n_________\n(^٢٤٢) سنن ابن ماجة، إقامة الصلاة والسنة فيها برقم (٩٠٨)، وقال البوصيري في الزوائد (١/ ٣١٣): \"هذا إسناد ضعيف لضعف جبارة بن المغلس\".\n(^٢٤٣) فضل الصلاة علي النبي- ﷺ برقم (٤١).\n(^٢٤٤) سنن الترمذي، كتاب الدعوات برقم (٣٣٨٠)، والمسند (٢/ ٤٥٣).\n(*) - أي: نقصًا. يقال: وَتَرَه يِتَرُه تِرَةً، وعلي ذلك تكون الهاء في \"ترة\" عوضًا من الواو المحذوفة، وقيل: أراد بالترة هاهنا: التبعة.\n(^٢٤٥) فضل الصلاة علي النبي ﷺ برقم (٥٥).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"زيد\".\n[¬٢]- سقط من: خ.","vol":"11","page":226},{"text":"إسماعيل القاضي من حديث شعبة، عن سليمان، عن ذكوان، عن أبي سعيد قال: ما من قوم يقعدون ثم يقومون ولا يصلون علي النبي ﷺ، إلا كان عليهم حسرة، وإن دخلوا الجنة لما يرون من الثواب.\nوحكي عن بعضهم أنه إنما تجب الصلاة عليه ﵇ في العمر مرة واحدة، امتثالًا لأمر الآية، ثم هي مستحبة في كل حال. وهذا هو الذي نصره القاضي عياض بعدما حكي الإجماع [¬١] على وجوب الصلاة عليه ﷺ في الجملة. قال: وقد حكي الطبري [¬٢] أن محمل الآية علي الندب، وادعي فيه الإجماع. قال: ولعله فيما زاد علي المرة، والواجب منه مرة كالشهادة له بالنبوة، وما زاد علي ذلك فمندوب مُرَغَّب فيه من سنن الإسلام، وشعار أهله.\nقلت: وهذا قول غريب، فإنه قد ورد الأمر بالصلاة عليه في أوقات كثيرة فمنها واجب ومنها مستحب على ما نبينه:\nفمنه [¬٣] بعد النداء للصلاة للحديث الذي رواه الإمام أحمد (^٢٤٦):\nحدثنا أبو عبد الرحمن، حدثنا حيوة، حدثنا كعب بن علقمة، أنه سمع عبد الرحمن بن جبير يقول: إنه سمع عبد الله بن عمرو بن العاص يقول: إنه سمع رسول الله ﷺ يقول: \"إذا سمعتم مؤذنًا فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا عليّ، فإنه من صلي علَيّ صلي الله عليه بها عشرًا، ثم سلوا لي الوسيلة، فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو [¬٤]، فمن سأل لي الوسيلة حلت عليه الشفاعة\".\nوأخرجه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي، من حديث كعب بن علقمة.\n(طريق أخرى) قال إسماعيل القاضي (^٢٤٧): حدثنا محمد بن أبي بكر [¬٥]، حدثنا عمرو [¬٦] ابن علي، عن أبي بكر الجشمي، عن صفوان بن سليم، عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ: \"من [¬٧] سأل الله لي الوسيلة، حلت [¬٨] عليه شفاعتي يوم القيامة\".\n_________\n(^٢٤٦) المسند (٢/ ١٦٨)، وصحيح مسلم، الصلاة برقم (٣٨٤)، وسنن أبي داود، الصلاة برقم (٥٢٣)، وسنن الترمذي، المناقب برقم (٣٦١٤)، وسنن النسائي في الأذان (٢/ ٢٥).\n(^٢٤٧) فضل الصلاة على النبي ﷺ برقم (٥٠).\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في ت: \"الطبراني\".\n[¬٣]- في خ، ز: \"عنه\".\n[¬٤]- سقط من: خ.\n[¬٥]- في خ، ز: \"بكير\".\n[¬٦]- في ز، خ: \"عمر\".\n[¬٧]- في ز: \"أو\".\n[¬٨]- في خ، ز: \"حقت\".","vol":"11","page":227},{"text":"(حديث آخر): قال إسماعيل القاضي: حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا سعيد بن [زيد، عن] [¬١] ليث، عن كعب -هو كعب الأحبار، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"صلوا عليّ، فإن صلاتكم عليَّ زكاة لكم، وسلوا الله لي الوسيلة\" قال: فإما حَدّثنا وإما سألناه؛ فقال: \"الوسيلة أعلى درجة في الجنة، لا ينالها إلا رجل، وأرجو أن أكون ذلك الرجل\".\nثم رواه (^٢٤٨) عن محمد بن أبي بكر، عن معتمر، عن ليث -وهو ابن أبي سليم- به.\nوكذا الحديث الآخر.\nقال الإمام أحمد (^٢٤٩): حدثنا حسن بن موسى، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا بكر بن سوادة، عن زياد بن نعيم، عن وفاء [¬٢] الحضرمي، عن رويفع بن ثابت الأنصاري: أن رسول الله ﷺ قال: \"من صلى على محمد وقال: اللهم أنزله المقعد المقرب عندك يوم القيامة؛ وجبت له شفاعتي\". وهذا إسناد لا بأس به، ولم يخرجوه.\n(أثر آخر): قال إسماعيل القاضي: حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا سفيان، حدثني معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، سمعت ابن عباس يقول: اللهم تقبل شفاعة محمد الكبرى، وارفع درجته العليا، وأعطه سؤله في الآخرة والأولي، كما آتيت [إبراهيم وموسي] [¬٣] ﵉. إسناد جيد قوي صحيح (^٢٥٠).\nومن ذلك عند دخول المسجد والخروج منه، للحديث الذي رواه الإمام أحمد (^٢٥١):\nحدثنا إسماعيل بن إبراهيم، حدثنا ليث بن أبي سليم، عن عبد الله بن الحسن [¬٤]، عن أمه فاطمة بنت الحسين، عن جدته فاطمة [¬٥] بنت رسول الله ﷺ قالت [¬٦]: كان رسول الله ﷺ إذا دخل المسجد صلي علي محمد وسلم وقال: \"اللهم اغفر\n_________\n(^٢٤٨) فضل الصلاة علي النبي- ﷺ برقم (٤٦، ٤٧).\n(^٢٤٩) المسند (٤/ ١٠٨) (١٧٠٤١). في إسناده ابن لهيعة وهو ضعيف. وفاء الحضرمي: مقبول. زياد بن نعيم: ثقة. وذكره الهيثمي في المجمع (١٠/ ١٦٦) وقال: رواه البزار والطبراني في الأوسط والكبير وأسانيده حسنة. ا هـ. وأخرجه الطبراني في الكبير (٥/ ٢٦) حديث (٤٤٨٠، ٤٤٨١).\n(^٢٥٠) فضل الصلاة علي النبي- ﷺ برقم (٥٢).\n(^٢٥١) المسند (٦/ ٢٨٢). ليث بن أبي سليم: صدوق اختلط جدًّا، ولم يتميز حديثه فترك. والحديث =\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في خ، ز: \"ورقاء\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"موسى وإبراهيم\".\n[¬٤]- في خ، ز: \"الحسين\".\n[¬٥]- سقط من: خ، ز.\n[¬٦]- في ز، خ: \"قال\".","vol":"11","page":228},{"text":"لي ذنوبي، وافتح لي أبواب رحمتك\". وإذا خرج صلي علي محمد وسلم، ثم قال: \"اللهم؛ اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب فضلك\".\nوقال إسماعيل القاضي (^٢٥٢): حدثنا يحيى بن عبد الحميد، حدثنا سفيان بن عمر التميمي، عن سليمان الضبي، عن عليّ بن الحسين قال: قال عليُّ بن أبي طالب ﵁: إذا مررتم بالمساجد فصلوا علي النبي ﷺ.\nوأما الصلاة عليه ﷺ في الصلاة؛ فقد قدمنا الكلام عليها في التشهد الأخير، ومن ذهب إلى ذلك من العلماء مع الشافعي ﵀. وأما التشهد الأول فلا تجب فيه قولًا واحدًا وهل تستحب؟ علي قولين للشافعي.\nومن ذلك الصلاة عليه ﷺ في صلاة الجنازة، فإن السنة أن يقرأ في التكبيرة الأولى فاتحة الكتاب، وفي الثانية يصلي علي النبي ﷺ، وفي الثالثة يدعو للميت، وفي الرابعة يقول: اللهم لا تحرمنا أجره ولا تفتنا بعده.\nقال الشافعي ﵀ (^٢٥٣): حدثنا مُطرف بن مازن، عن معمر، عن الزهري: أخبرني أبو أمامة بن سهل بن حُنيف أنه أخبره رجل من أصحاب النبي ﷺ: أن السنة في الصلاة علي الجنازة أن يكبر الإمام، ثم يقرأ بفاتحة الكتاب لعد التكبيرة الأولى سرًّا في نفسه، ثم صلي علي النبي ﷺ، ويخلص الدعاء للجنازة، وفي التكبيرات لا يقرأ في شيء منها، ثم يسلم سرًّا في نفسه.\nورواه [¬١] النسائي (^٢٥٤) عن أبي أمامة نفسه أنه قال: من السنة … فذكره.\nوهذا من الصحابي في حكم المرفوع علي الصحيح.\nورواه إسماعيل القاضي (^٢٥٥)، عن محمد بن المثنى، عن عبد الأعلى، عن معمر، عن الزهري، عن أبي أمامة بن [¬٢] سهل، عن سعيد بن المسيب أنه قال: السنة في الصلاة علي\n_________\n= أخرجه الترمذي في جامعه في كتاب الصلاة، باب: ما جاء ما يقول عند دخول المسجد. (٢/ ١٢٧، ١٢٨ / رقم: ٣١٤). وابن ماجة في سننه في كتاب المساجد، باب: الدعاء عند دخول المسجد. (١/ ٢٥٣، ٢٥٤ / رقم: ٧٧١). كلاهما من طريق ليث بن أبي سليم به. والحديث صححه الألباني في صحاح السنن المذكورة - الترمذي حديث ٤/ ٢٥٩، [٣] وابن ماجه ٦٢٥/ ٧٧١.\n(^٢٥٢) فضل الصلاة علي النبي- ﷺ برقم (٨٠).\n(^٢٥٣) من النسائي (٤/ ٧٥).\n(^٢٥٤) فضل الصلاة علي النبي- ﷺ برقم (٩٤).\n(^٢٥٥) فضل الصلاة علي النبي- ﷺ برقم (٨٨).\n_________\n[¬١]- في ت: \"رواه\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"عن\".","vol":"11","page":229},{"text":"الجنازة … فذكره.\nوهكذا روي عن أبي هريرة وابن عمر والشعبي.\nومن ذلك في صلاة العيد، قال إسماعيل القاضي: حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا هشام الدستوائي، حدثنا حمَّاد بن أبي سليمان، عن إبراهيم، عن علقمة، أن ابن مسعود وأبا موسى وحذيفة خرج عليهم الوليد بن عقبة [يومًا قبل العيد] [¬١] فقال لهم: إن هذا العيد قد دنا [¬٢] فكيف التكبير فيه؟ قال عبد الله: تبدأ فتكبر تكبيرة تفتتح بها الصلاة، وتحمد ربك وتصلي علي النبي ﷺ، ثم تدعو، وتكبر وتفعل مثل ذلك، ثم تكبر و[¬٣] تفعل مثل ذلك، ثم تكبر وتفعل مثل ذلك، ثم تقرأ ثم تكبر، وتركع، ثم تقوم فتقرأ وتحمد ربك وتصلي علي النبي ﷺ ثم تدعو وتكبر، وتفعل مثل ذلك، ثم تركع. فقال حذيفة وأبو موسى: صدق أبو عبد الرحمن. إسناد [¬٤] صحيح.\nومن ذلك أنه يستحب ختم الدعاء بالصلاة عليه ﷺ، قال الترمذي (^٢٥٦):\nحدثنا أبو داود، أخبرنا النضر بن شميل، عن أبي قُرّة الأسدي، عن سعيد بن المسيّب، عن عمر بن الخطاب قال: الدعاء موقوف بين السماء والأرض، لا يصعد منه شيء حتى تصلي علي نبيك.\nوهكذا رواه أيوب بن موسى عن سعيد بن المسيب عن عمر بن الخطاب -قوله-. ورواه معاذ بن الحارث، عن أبي قرة، عن سعيد بن المسيب، عن عمر مرفوعًا (^٢٥٧).\nوكذا رواه رزين بن معاودة في \"كتابه\" مرفوعًا، عن النبي ﷺ قال: \"الدعاء موقوف بين السماء والأرض، لا يصعد حتى يصلي عليّ، فلا تجعلوني كَغُمَر [¬٥] (*) الراكب، صلوا علي أول الدعاء وأوسطه وآخره\" (^٢٥٨).\n_________\n(^٢٥٦) سنن الترمذي، كتاب الصلاة برقم (٤٨٦). وإسناده ضعيف لجهالة أبي قرة. وأما أبو داود فهو سليمان بن مسلم المصاحفي: ثقة.\n(^٢٥٧) أخرجه الواحدي ومن طريقه الحافظ الرهاوي في الأربعين كما في تخريج الكشاف لابن حجر (ص ١٣٧).\n(*) - قال ابن الأثير في النهاية [٣/ ٣٨٥]: [الغُمَر -بضم الغين وفتح الميم-: القَدَح الصغير، أراد أن الراكب يحمل رحله وأزواده علي راحلته ويترك قَعْبَه إلى آخر تَرْحاله، ثم يُعَلِّقه علي رحله كالعِلاوة، فليس عنده بمهمّ، فنهاهم أن يجعلوا الصلاة عليه كالغُمَر الذي لا يُقَدِّم في المهامّ ويُجْعَل تَبَعًا\". ا هـ.\n(^٢٥٨) ذكره ابن الأثير في جامع الأصول (٤/ ١٥٥) رواية رزين.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في خ، ز: \"صلي العيد يوما\".\n[¬٢]- في خ، ز: \"وفي\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"ثم\".\n[¬٤]- في ز، خ: \"إسناد\".\n[¬٥]- في ز: \"لعمر\".","vol":"11","page":230},{"text":"وهذه الزيادة إنما تروي من رواية جابر بن عبد الله في مسند الإمام عبد بن حميد الكَشي\" قال (^٢٥٩): حدثنا جعفر بن عون، أخبرنا موسى بن عبيدة، عن إبراهيم بن محمد بن إبراهيم، عن أبيه قال: قال جابر: قال لنا رسول الله ﷺ: \"لا تجعلوني كقدح الراكب، إذا علق تعاليقه أخذ قدحه فملأه من الماء، فإن كان له حاجة في الوضوء توضأ، وإن كان له حاجة في الشرب شرب، وإلا أهراق ما فيه، اجعلوني في أول الدعاء، وفي وسط الدعاء، وفي آخر الدعاء\".\nفهذا حديث غريب، وموسي بن عبيدة ضعيف الحديث.\nومن ذلك دعاء القنوت، لما رواه الإمام أحمد وأهل السنن، وابن خزيمة، وابن حبَّان، والحاكم، من حديث أبي الجوزَاء، عن الحسن بن عليّ ﵄ قال: علَّمني رسول الله ﷺ كلمات أقولهن في الوتر: \"اللهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولني فيمن توليت، وبارك لي فيما أعطيت، وقني شر ما قضيت، فإنك تقضي ولا يقضي عليك، إنه لا يذل من واليت، تباركت ربنا [¬١]، وتعاليت\" (^٢٦٠).\nوزاد النسائي في سننه بعد هذا: \"وصلي الله [¬٢] علي النبي محمد [¬٣] \".\nومن ذلك أنه يستحب الإِكثار من الصلاة عليه يوم الجمعة وليلة الجمعة. قال الإِمام أحمد (^٢٦١): حدثنا حسين بن عليّ الجعفي، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن أبي [¬٤]\n_________\n(^٢٥٩) المنتخب لعبد بن حميد برقم (١١٣٠)، ورواه البزار في مسنده برقم (٣١٥٦) \"كشف الأستار\" من طريق موسى بن عبيدة به.\n(^٢٦٠) المسند (١/ ١٩٩)، وسنن أبي داود برقم (١٤٢٥)، وسنن الترمذي برقم (٤٦٤)، وسنن النسائي (٣/ ٢٤٨)، وسنن ابن ماجة برقم (١١٧٨)، وصحيح ابن خزيمة (١٠٩٥)، وصحيح ابن حبان (٢/ ١٤٨)، والمستدرك (٣/ ١٧١).\n(^٢٦١) المسند (٤/ ٨)، وعبد الرحمن بن يزيد بن جابر: ثقة، روي له الجماعة. وأبو الأشعث الصنعاني: هو شراحيل بن آدة، ويقال: آدة جد أبيه، وهو شرحبيل بن كليب، ثقة، روي له البخاري في الأدب ومسلم وأصحاب السنن. والحديث أخرجه أبو داود في كتاب الصلاة، باب: فضل يوم الجمعة وليلة الجمعة (١/ ٢٧٥). حديث ١٠٤٧. وفي كتاب الصلاة، باب: الاستغفار حديث (١٥٣١) (٢/ ٨٨) من طريق هارون بن عبد الله، ثنا حسين بن علي، عن عبد الرحمن به. والنسائي في كتاب الجمعة، باب: إكثار الصلاة علي النبي ﷺ يوم الجمعة (٣/ ٩١ - ٩٢). من طريق إسحاق بن منصور، ثنا حسين الجعفي به. وابن ماجة في كتاب الجنائز، باب: ذكر وفاته ودفنه ﷺ (١/ ٥٢٤) حديث (١٦٣٦). من طريق أبي بكر بن أبي شيبة، ثنا الحسين بن علي، عن عبد الرحمن به. وحديث ١٠٨٥. والحاكم في المستدرك (١/ ٢٧٨). وابن حبان كما في الموارد (٥٥٠). والحديث صححه الشيخ الألباني صحيح أبي داود (١/ ١٩٦).\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في ت: \"اللهم\".\n[¬٣]- سقط من: خ، ز.\n[¬٤]- في خ: \"ابن\".","vol":"11","page":231},{"text":"الأشعث الصنعاني، عن أوس بن أوس الثقفي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"من أفضل أيامكم يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه قبض، وفيه النفخة، وفيه الصعقة، فأكثروا عليّ من الصلاة فيه، فإن صلاتكم معروضة عليّ\". قالوا: يا رسول الله؛ وكيف تعرض عليك صلاتنا وقد أرمْتَ؟ -يعني: وقد بليت- قال: \"إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء\".\nورواه أبو داود والنسائي وابن ماجة من حديث حسين بن علي الجعفي. وقد صحح هذا الحديث ابن خزيمة، وابن حبان، والدارقطني، والنووي في \"الأذكار\".\n(حديث آخر) قال أبو عبد الله بن ماجة (^٢٦٢): حدثنا عمرو بن سوّاد المصري، حدثنا عبد الله بن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن سعيد [¬١]- بن أبي هلال، عن زيد بن أبيمن، عن عبادة بن نُسي، عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ: \"أكثروا الصلاة عليّ يوم الجمعة، فإنه مشهود تشهده الملائكة. وإن أحدًا لن يصلي عليَّ إلا عرضت [عَلَيّ صلاته] [¬٢] حتى يفرغ منها\". قال: قلت: وبعد الموت؟ قال: \" [وبعد الموت] [¬٣]. إن الله حرم علي الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء\" [فنبي الله حي يرزق] [¬٤]. هذا حديث غريب [¬٥] من هذا الوجه وفيه انقطاع بين عبادة بن نسيّ وأبي الدرداء فإنه لم يدركه، واللَّه أعلم.\nوقد روي البيهقي (^٢٦٣) من حديث أبي أمامة وابن مسعود، عن النبي ﷺ في الأمر بالإِكثار من الصلاة عليه ليلة الجمعة ويوم الجمعة، ولكن في إسنادهما ضعف، واللَّه أعلم.\nورُوي مرسلًا عن الحسن البصري فقال إسماعيل القاضي (^٢٦٤): حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا جرير بن حازم، سمعت الحسنَ -هو البصري- يقول: قال رسول الله ﷺ: \"لا تأكل الأرض جسدَ من كَلَّمهُ روحُ القدس\". مرسل حسن.\nوقال الشافعي: أخبرنا إبراهيم بن محمد، أخبرنا صفوان بن سليم أن النبي صلي الله عليه\n_________\n(^٢٦٢) سنن ابن ماجة برقم (١٦٣٧). وفيه أيضًا انقطاعًا آخر بين زيد وعبادة، قاله البخاري.\n(^٢٦٣) السنن الكبرى للبيهقي (٣/ ٢٤٩) من حديث أبي أمامة، ﵁، ولم أجده عنده من حديث أبي مسعود وإنما هو من حديث أنس، ﵁.\n(^٢٦٤) فضل الصلاة على النبي- ﷺ برقم (٢٣).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"شعيب\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز: \"صلاته عَلَيّ\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٥]- سقط من: خ، ز.","vol":"11","page":232},{"text":"وسلم قال: \"إذا كان يوم الجمعة وليلة الجمعة، فأكثروا الصلاة عليّ\". هذا مرسل.\nوهكذا يجب علي الخطيب أن يصلي علي النبي ﷺ يوم الجمعة علي المنبر في الخطبتين، ولا تصح الخطبتان إلا بذلك، لأنها عبادة، و[¬١] ذكر الله فيها شرط، فوجب ذكر الرسول ﷺ فيها كالأذان والصلاة. هذا مذهب الشافعي وأحمد رحمهما الله.\nومن ذلك أنه [¬٢] يستحب الصلاة والسلام عليه عند زيارة قبره صلوات الله وسلامه عليه، قال أبو داود (^٢٦٥): حدثنا [¬٣] ابن عوف -هو محمد- حدثنا المقريّ، حدثنا حيوة، عن أبي صخر حميد بن زياد، عن يزيد بن عبد الله بن قسيط، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: \"ما من أحد يسلم عليّ إلا رَدّ الله عليّ روحي حتى أود ﵇\".\nتفرد به أبو داود، وصححه النووي في \"الأذكار\"، ثم قال أبو داود (^٢٦٦):\nحدثنا أحمد بن صالح؛ قال: قرأت علي عبد الله بن نافع، أخبرني إلي أبي ذئب، عن سعيد المقبُري، عن أبي هريرة؛ قال: قال رسولُ الله ﷺ: \"لا تجعلوا بيوتكم قُبُورًا، ولا تجعلوا قبري عيدًا، وصلوا عليّ؛ فإن صلاتكم تبلغني حيثما كنتم\".\nتفرد به أبو داود أيضًا.\nوقد رواه الإمام أحمد (^٢٦٧) عن سُريج [¬٤]، عن عبد الله بن نافع -وهو الصائغ- به.\nوصححه النووي أيضًا.\nوقد روي من وجه آخر عن علي ﵁ قال القاضي إسماعيل بن إسحاق في كتابه \"فضل الصلاة علي النبي ﷺ\" (^٢٦٨):\nحدثنا إسماعيل بن أبي أويس، حدثنا جعفر بن إبراهيم بن محمد بن علي بن عبد الله بن جعفر إلي أبي طالب [عمن أخبره] [¬٥] من أهل بيته، عن علي بن الحسين بن [¬٦] علي؛ أن رجلًا كان\n_________\n(^٢٦٥) سنن أبي داود، كتاب المناسك، باب: زيارة القبور برقم (٢٠٤٩).\n(^٢٦٦) سنن أبي داود، كتاب المناسك، باب: زيارة القبور برقم (٢٠٤٢).\n(^٢٦٧) المسند (٢/ ٣٦٧).\n(^٢٦٨) فضل الصلاة علي النبي- ﷺ برقم (٢٠).\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في ز، خ: \"أن\".\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- في ز، خ: \"شريح\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين في خ، ز: \"عن أخيه\".\n[¬٦]- في ز، خ: \"عن\".","vol":"11","page":233},{"text":"يأتي كل [¬١]- غداة فيزور قبرَ النبي ﷺ ويصلي عليه، ويصنع من ذلك ما اشتهر عليه علي بن الحسين، فقال له عليُّ بن الحسين: ما يحملك على هذا؟ قال: أحب السلام على النبي ﷺ. فقال له علي بن الحسين: هل لك أن أحدثك حديثًا عن أبي؛ قال: نعم. فقال له علي بن الحسين: أخبرني أبي عن جدي أنه قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا تجعلوا قبري عيدًا ولا تجعلوا بيوتكم قبورًا، وصلوا عليّ وسلموا حيثما كنتم فتبلغني صلاتكم وسلامكم\".\nفي إسناده رجل مبهم [¬٢] لم يُسمّ.\nوقد رُوي من وجه آخر مرسلًا، قال عبد الرزاق في \"مصنفه\" (^٢٦٩)، عن الثوري، عن ابن عجلان، عن رجل -يقال له: سهيل- عن الحسن بن الحسن بن علي؛ أنه [¬٣] رأي قومًا عند القبر فنهاهم، وقال: إن النبي ﷺ قال: \"لا تتخذوا قبري عيدًا، ولا تتخذوا بيوتكم قبورًا، وصلوا علي حيثما كنتم، فإن صلاتكم تبلغني\". فلعله رآهم يسيئون الأدب برفع أصواتهم، فنهاهم.\nوقد رُوي أنه رأي رجلًا ينتاب القبر فقال: يا هذا؛ ما أنت ورجل بالأندلس منه إلا سواء. أي: الجميع يبلغه. صلوات الله وسلامه عليه دائمًا إلي يوم الدين.\nوقال الطبراني (^٢٧٠) في \"معجمه الكبير\": حدثنا أحمد بن رشدين [¬٤] المصري، حدثنا سعيد بن أبي مريم، حدثنا محمد بن جعفر، أخبرني حميد بن أبي زينب، عن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب ﵃ عن أبيه أن رسول الله ﷺ؛ قال: \"صلوا عليَّ حيثما كنتم، فإن صلاتكم تبلغني\".\nثم قال الطبراني (^٢٧١): حدثنا العباس بن حمدان الأصبهاني، حدثنا شعيب بن عبد الحميد الطحان، أخبرنا يزيد بن هارون [أنا] [¬٥] شيبان، عن الحكم بن عبد الله بن خُطّاف [¬٦]، عن أم أنيس بنت الحسن بن علي، عن أبيها؛ قال: [قالوا: يا] [¬٧] رسول الله صلي الله عليه\n_________\n(^٢٦٩) المصنف برقم (٦٧٢٦).\n(^٢٧٠) المعجم الكبير (٣/ ٨٢)، وقال الهيثمي في المجمع (١٠/ ١٦٢): \"فيه حميد بن أبي زينب لم أعرفه، وبقية رجاله رجال الصحيح\".\n(^٢٧١) المعجم الكبير (٣/ ٨٩)، وقال الهيثمي في المجمع (٧/ ٩٣): \"فيه الحكم بن عبد الله بن خطاف وهو كذاب\".\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في ز، خ: \"متهم\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"قال\".\n[¬٤]- في ز: \"رشد\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفين في ز، خ: بن أبي. والمثبت من المعجم الكبير.\n[¬٦]- في ز، خ: خطاب. وهو تحريف.\n[¬٧]- ما بين المعكوفين في ز، خ: قال.","vol":"11","page":234},{"text":"وسلم: أرأيت قول الله ﷿: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾؟ فقال: \"إن هذا من المكتوم، ولولا أنكم سألتموني عنه لما أخبرتكم، إن الله وكل بي ملكين لا أذكر عند عبد مسلم فيصلي علي إلا قال ذانك الملكان: غفر الله لك. وقال [¬١] الله وملائكته جوابًا لذينك الملكين: آمين ولا يصلي أحد إلا قال ذالك الملكان: لا غفر الله لك. وقال [¬٢] الله وملائكته جوابًا لذينك الملكين: آمين\".\nغريب جدًّا، وإسناده فيه ضعف شديد.\nوقد قال الإمام أحمد (^٢٧٢): حدثنا وكيع، عن سفيان، عن عبد الله بن السائب، عن زاذان، عن عبد الله بن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ؛ يقول [¬٣]: \"إن لله ملائكة سياحين في الأرض، يبلغوني عن [¬٤] أمتي السلام\".\nوهكذا رواه النسائي من حديث سفيان الثوري وسليمان بن مهران الأعمش، كلاهما عن عبد الله بن السائب به.\nفأما الحديث الآخر: \"من صلي عَلَيّ عند قبري سمعته، ومن صلي علي من بعيد بُلغته\" (^٢٧٣). ففي إسناده نظر. تفرد به محمد بن مروان السدي الصغير، وهو متروك، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة مرفوعًا.\nقال أصحابنا: ويستحب للمحرم إذا لبى وفرغ من تلبيته أن يصلي على النبي ﷺ، لما روي [] [¬٥] الشافعي (^٢٧٤) والدارقطني من رواية صالح بن محمد بن زائدة، عن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق؛ قال: كان يؤمر الرجل إذا فرغ من تلبيته أن يصلي على النبي ﷺ علي كل حال.\nوقال إسماعيل القاضي (^٢٧٥): حدثنا عارم بن الفضل، حدثنا عبد الله بن المبارك، حدثنا زكريا، عن الشعبي، عن وهب بن الأجدع؛ قال: سمعت عمر بن الخطاب؛ يقول: إذا قدمتم\n_________\n(^٢٧٢) المسند (١/ ٤٤١)، وسنن النسائي (٣/ ٤٣).\n(^٢٧٣) أخرجه الخطيب في تاريخ بغداد (٣/ ٢٩٢) من طريق الأصمعي عن السدي به، ثم روي بإسناد عن ابن قتيبة قال: سألت ابن نمير عن حديث: \"من صلى عليَّ عند قبري\" فقال: \"دع ذا، محمد بن مروان ليس بشيء\".\n(^٢٧٤) الأم (٢/ ١٣٤).\n(^٢٧٥) فضل الصلاة على النبي ﷺ برقم (٨١).\n_________\n[¬١]- في ز: \"قال\".\n[¬٢]- في ت: \"قال\".\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- في ت: \"من\".\n[¬٥]- في ز، خ: عن.","vol":"11","page":235},{"text":"فطوفوا بالبيت سبعًا، وصلوا عند المقام ركعتين، ثم ائتوا الصفا فقوموا عليه من حيث ترون البيت، فكبروا سبع تكبيرات، تكبيرًا بين حمد الله وثناء عليه، وصلاة على النبي علي الله عليه وسلم، ومسألة لنفسك، وعلي المروة مثل ذلك.\nإسناد جيد حسن قوي.\nوقالوا: ويستحب الصلاة على النبي ﷺ مع ذكر الله عند الذبح، واستأنسوا بقوله تعالى: ﴿ورفعنا لك ذكرك﴾ قال بعض المفسرين: يقول الله تعالى: \"لا أذكر إلا ذكرت معي\". وخالفهم في ذلك الجمهور، وقالوا: هذا موطن يفرد فيه ذكر الرب تعالى، كما عند الأكل، والدخول، والوقاع وغير ذلك، مما لم ترد فيه السنة بالصلاة على النبي ﷺ.\n(حديث آخر) قال [القاضي إسماعيل] (^٢٧٦): حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي، حدثنا عمر بن هارون، عن موسى بن عبيدة، عن محمد بن ثابت، عن أبي هريرة؛ أن رسول الله ﷺ؛ قال: \"صلوا على أنبياء الله ورسله، فإن الله بعثهم كما بعثني\".\nفي إسناده ضعيفان، وهما عمر بن هارون وشيخه، والله أعلم.\nوقد رواه عبد الرزاق (^٢٧٧)، عن الثوري، عن موسى بن عبيدة الرّبَذي به.\nومن ذلك أنه يستحب الصلاة عليه عند طنين الأذن، إن صح الخبر في ذلك، على أن الإمام أبا بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة قد رواه في صحيحه (^٢٧٨)؛ فقال: حدثنا زياد بن يحيى، حدثنا معمر بن محمد بن عبيد الله، عن [¬١] علي بن أبي رافع، عن أبيه [¬٢] أبي رافع؛ قال: قال رسول الله ﷺ: \"إذا طنت أذن أحدكم فَلْيذكرني وليصل عليّ، وَلْيَقُلْ: ذَكَر الله مَن ذكرني بخير\". إسناده غريب، وفي ثبوته نظر، والله أعلم.\n[مسألة]\n_________\n(^٢٧٦) فضل الصلاة على النبي ﷺ برقم (٤٥) وعمر بن هارون متروك، وموسي بن عبيدة ضعيف.\n(^٢٧٧) المصنف لعبد الرزاق برقم (٣١١٨).\n(^٢٧٨) ورواه الطبراني في المعجم الصغير (٢/ ١٢٠) وابن عدي في الكامل (٦/ ٤٥١) من طريق معمر به، وقال ابن عدي: \"معمر بن محمد بن عبيد الله بن أبي رافع عن أبيه منكر الحديث، مقدار ما يرويه لا يتابع عليه\".\n_________\n[¬١]- في خ، ز: \"بن\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"عن\".","vol":"11","page":236},{"text":"وقد استحب أهل الكتابة أن يكرر الكاتب الصلاة على النبي ﷺ كلما كتبه، وقد ورد في الحديث من طريق كادح بن رحمة، عن نهشل، عن الضحاك، عن ابن عباس؛ قال: قال رسول الله ﷺ: \"من صلي عليّ في كتاب، لم تزل الصلاة جارية له ما دام اسمي في ذلك الكتاب\" (^٢٧٩).\nوليس هذا الحديث بصحيح من وجوه كثيرة.\nوقد رُوي من حديث أبي هرووة، ولا يصح أيضًا (^٢٨٠)، قال الحافظُ أبو عبد الله الذهبي شيخُنا: أحسبه موضوعًا.\nوقد رُوي نَحوُه عن أبي بكر، وابن عباس (^٢٨١). ولا يصح من ذلك شيء. والله أعلم.\nوقد ذكر الخطيب البغدادي في كتابه: \"الجامع لآداب الراوي والسامع [¬١] \"، قال: رأيت بخط الإمام أحمد بن حنبل ﵀ كثيرًا ما يكتب اسم النبي ﷺ من غير ذكر الصلاة عليه كتابة، قال: وبلغني أنه كان يصلي عليه لفظًا (^٢٨٢).\n[فصل]\nوأما الصلاة على غير الأنبياء فإن كانت [¬٢] على سبيل التبعية كما تقدم في الحديث: \"اللهم صل على محمد وآله وأزواجه وذريته\"، فهذا جائز بالإجماع، وإنما وقع النزاع فيما إذا أفرد غير الأنبياء بالصلاة عليهم فقال قائلون: يجوز ذلك. واحتجوا بقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ﴾، وبقوله: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ وبقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾، وبحديث عبد الله بن أبي أوفى؛ قال: كان رسول الله ﷺ إذا أتاه قوم بصدقتهم قال: \"اللهم صلّ عليهم\". وأتاه أبي بصدمته فقال: \"اللهم صلِّ علي آل أبي أوفى\". أخرجاه في الصحيحين.\n_________\n(^٢٧٩) أخرجه أبو القاسم الأصبهاني في الترغيب والترهيب برقم (١٦٩٩) من طريق أحمد بن جعفر الهاشمي عن سليمان بن الربيع عن كادح بن رحمة له.\n(^٢٨٠) أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط برقم (٢٣٤) \"مجمع البحرين\" من طريق يزيد بن عياض عن الأعرج، عن أبي هريرة، ﵁.\n(^٢٨١) أما حديث ابن عباس فسبق، وأما حديث أبي بكر فرواه ابن عدي في الكامل (٣/ ٢٤٩) من طريق أبي داود النخعي، عن أيوب بن موسى، عن القاسم، عن أبي بكر، ﵁، وداود النخعي وضاع.\n(^٢٨٢) الجامع لأخلاق الراوي (١/ ٢٧١) ثم قال عقبه: \"وقد خالفه غيره من الأئمة المتقدمين في ذلك\".\n_________\n[¬١]- في خ، ز: \"والسائل\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"كان\".","vol":"11","page":237},{"text":"وبحديث جابر: أن امرأته قالت: يا رسول الله؛ صل عليّ وعلي زوجي. فقال: \"صلي الله عليك وعلي زوجك\" (^٢٨٣).\nوقال الجمهور من العلماء: لا يجوز إفراد غير الأنبياء بالصلاة، لأن هذا قد صار شعارًا للأنبياء إذا ذكروا، فلا يلحق بهم غيرهم، فلا يقال: قال أبو بكر صلي الله عليه. أو قال علي صلي الله عليه. وإن كان المعنى صحيحًا. كما لا يقال: قال محمد ﷿، وإن كان عزيزًا جليلًا؛ لأن هذا من شعار ذكر الله ﷿. وحملوا ما ورد في ذلك من الكتاب والسنة علي الدعاء لهم؛ ولهذا لم يثبت شعارًا لآل أبي أوفى، ولا لجابر وامرأته. وهذا مسلك حسن.\nوقال آخرون: لا يجوز ذلك؛ لأن الصلاة على غير الأنبياء قد صارت [¬١] من شعار أهل الأهواء، يصلون على من يعتقدون فيهم، فلا يقتدي بهم في ذلك، والله أعلم.\nثم اختلف المانعون من ذلك: هل هو من باب التحريم، أو الكراهة [¬٢] التنزيهية، أو خلاف الأولى؟ على ثلاثة أقوال، حكاها الشيخ أبو زكريا النووي في كتاب \"الأذكار\". ثم قال: والصحيح الذي عليه الأكثرون أنه مكروه كراهة تنزيه؛ لأنه شعار أهل البدع، وقد نهينا عن شعارهم، والمكروه هو ما ورد فيه نهي مقصود.\nقال أصحابنا: والمعتمد في ذلك أن الصلاة صارت مخصوصة في اللسان بالأنبياء -صلوات الله وسلامه عليهم -كما أن قولنا. ﷿، مخصوص بالله ﷾، فكما لا يقال: محمد ﷿، وإن كان عزيزًا جليلًا، لا يقال: أبو بكر -أو: علي - صلى الله عليه. هذا لفظه بحروفه. قال: وأما السلام، فقال الشيخ أبو محمد الجُوَيني من أصحابنا: هو في معنى الصلاة، فلا يستعمل في الغائب، ولا يفرد به غير الأنبياء، فلا يقال: عليٌّ ﵇، وسواء في هذا الأحياء والأموات، وأما الحاضر فيخاطب به، فيقال: سلام عليكم، أو سلام عليك، أو السلام عليك أو عليكم. وهذا مجمع عليه. انتهي ما ذكره (^٢٨٤).\nقلت: وقد غلب هذا في عبارة كثير من النساخ للكتب، أن يفرد علي ﵁ بأن يقال: ﵇ من دون سائر الصحابة، أو: كرم الله وجهه وهذا وإن كان معناه صحيحًا، لكن ينبغي أن يُسَاوي بين الصحابة في ذلك، فإن هذا من باب التعظيم والتكريم، فالشيخان [¬٣] وأمير المؤمنين عثمان أولى بذلك منه، ﵃ أجمعين.\n_________\n(^٢٨٣) - تقدم تخريج هذين الحديثين في هذه السورة.\n(^٢٨٤) الأذكار ص (١٥٩، ١٦٠).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"صار\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"الكراهية\".\n[¬٣]- في خ: \"قال شيخنا\".","vol":"11","page":238},{"text":"قال إسماعيل القاضي (^٢٨٥): حدثنا عبد الله بن عبد الوهاب، [حدثنا عبد الواحد] [¬١] بن زياد، حدثني عثمان بن حكيم بن عَبَّاد بن حُنَيف، عن عكرمة، عن ابن عباس أنه قال: لا تصلح [¬٢] الصلاة على أحد إلا على النبي ﷺ ولكن يدعي للمسلمين والمسلمات بالاستغفار [¬٣].\nوقال أيضًا: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة (^٢٨٦)، حدثنا حسين بن علي، عن جعفر بن بَرْقان قال: كتب عمر بن عبد العزيز ﵀: أما بعد، فإن أناسًا من الناس قد التمسوا الدنيا بعمل الآخرة، وإن ناسًا من القصاص قد أحدثوا في الصلاة على خلفائهم وأمرائهم عِدْلَ الصلاة علي النبي ﷺ، فإذا جاءك كتابي هذا فَمُرْهم أن تكون صلاتهم على النبيين ودعاؤهم للمسلمين عامة، ويدعوا ما سوى ذلك. أثر حسن.\nقال إسماعيل القاضي (^٢٨٧): حدثنا معاذ بن أسد، حدثنا عبد الله بن المبارك، حدثنا ابن لهيعة، حدثني خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن نُبَيه بن وهب: أن كعبًا دخل علي عائشة ﵂، فذكروا رسول الله ﷺ، فقال كعب: ما من فجر يطلع إلا نزل سبعون ألفًا من الملائكة حتى يحفوا بالقبر يضربون بأجنحتهم ويصلون على النبي ﷺ، سبعون ألفًا بالليل، وسبعون ألفًا بالنهار، حتى إذا انشقت عنه الأرض خرج في سبعين ألفًا من الملائكة يزفونه.\n[فرع]\nقال النووي: إذا صلى على النبي صبي الله عليه وسلم فليجمع بين الصلاة والتسليم، فلا يقتصر على أحدهما فلا يقل [¬٤]: صلى الله عليه فقط، ولا: ﵇ فقط. وهذا الذي قاله منتزع من هذه الآية الكريمة وهي قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾، فالأولى أن يقال: ﷺ تسليمًا.\n﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا (٥٧) وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ\n_________\n(^٢٨٥) فضل الصلاة على النبي ﷺ برقم (٧٥) ولفظه عنده \"لا تصلوا علي أحد إلا على النبي ﷺ، ولكن يدعي للمسلمين والمسلمات بالاستغفار\".\n(^٢٨٦) فضل الصلاة على النبي ﷺ برقم (٧٦).\n(^٢٨٧) فضل الصلاة على النبي ﷺ برقم (١٠٢).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٢]- في ت: \"تصح\".\n[¬٣]- في ت: \"بالمغفرة\".\n[¬٤]- في ت: \"يقول\".","vol":"11","page":239},{"text":"احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٥٨)﴾.\nيقول تعالى متهددًا ومتوعدًا من آذاه، بمخالفة أوامره وارتكاب زواجره وإصراره علي ذلك، وآذى رسوله بعيب أو تنقص، عياذًا بالله من ذلك.\nقال عكرمة: في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾، نزلت في المصوّرين.\nوفي الصحيحين (^٢٨٨)، من حديث سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"يقول الله ﷿: يؤذيني ابن آدم، يسب الدهر، وأنا الدهر، أقلب ليله ونهاره\". ومعنى هذا أن الجاهلية كانوا يقولون: يا خيبة الدهر؛ فعل بنا كذا وكذا. فيسندون أفعال الله تعالى إلى الدهر ويسبونه، وإنما الفاعل لذلك هو الله ﷿، فنهى عن ذلك.\nهكذا قرره [¬١] الشافعي وأبو عبيد وغيرهما من العلماء ﵏.\nوقال العوفي، عن ابن عباس في قوله: ﴿يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾، نزلت في الذين طعنوا في تزويجه صفية بنت حُيي بن أخطب.\nوالظاهر أن الآية عامة في كل من آذاه بشيء، ومن آذاه فقد آذى الله، ومن أطاعه فقد أطاع الله، كما قال الإمام أحمد (^٢٨٩):\nحدثنا يونس، حدثنا إبراهيم بن سعد، عن عَبيدة بن أبي رائطة الحذاء التميمي [¬٢]، عن عبد الرحمن [بن زياد] [¬٣]، عن عبد الله بن المغفل المزني قال: قال النبي ﷺ:\n_________\n(^٢٨٨) صحيح البخاري برقم (٤٨٢٦)، وصحيح مسلم برقم (٢٢٤٦).\n(^٢٨٩) المسند (٤/ ٨٧) (١٦٨٥٣)، وعبيدة بن أبي رائطة: قال في التقريب: صدوق، روي له الترمذي. وعبد الله بن عبد الرحمن: وقيل: عبد الرحمن بن زياد، وقيل: عبد الرحمن بن عبد الله، قال ابن معين: لا أعرفه. وذكره ابن حبان في الثقات. قال الحافظ: لكن ابن حبان لم يذكره إلا في عبد الله بن عبد الرحمن وتبع في ذلك البخاري وابن أبي حاتم، ثم إن البخاري لما ذكره حكي كلام من قال فيه عبد الرحمن بن زياد؛ قال: وفيه نظر.\nوالحديث رواه الترمذي حديث ٣٨٦٢ من حديث عبد الرحمن بن زياد ويقال: إنه أخو عبيد الله بن زياد - عن ابن مغفل به نحوه. وقال: غريب لا أعرفه إلا من هذا الوجه. وأخرجه أيضًا المزي في تهذيب الكمال في ترجمة عبد الرحمن بن زياد. والحديث أخرجه أحمد في مسنده حديث (٢٠٦٠٥، ٢٠٦٠٦، ٢٠٦٣٥) (٥/ ٥٤، ٥٥، ٥٧).\n_________\n[¬١]- في خ، ز: \"رواه\".\n[¬٢]- في خ، ز: \"التيمي\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.","vol":"11","page":240},{"text":"\"الله الله في أصحابي، لا تتخذوهم غَرضًا بعدي فمن أحبهم فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله، ومن آذى الله يوشك أن يأخذه\".\nوقد رواه الترمذي من حديث عُبيدة بن أبي رائطة، عن عبد الرحمن بن زياد، عن عبد الله بن المغفل به. ثم قال: وهذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه.\nوقوله: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيرِ مَا اكْتَسَبُوا﴾، أي: ينسبون إليهم ما هم بُرَآء منه لم يعملوه ولم يفعلوه، ﴿فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾، وهذا هو البهت البيّن أن يحكي أو ينقل عن المؤمنين والمؤمنات ما لم يفعلوه [¬١]، على سبيل العيب والتنقص لهم، ومن أكثر من يدخل في هذا [¬٢] الوعيد الكفرةُ بالله ورسوله، ثم الرافضة الذين ينتقصون [¬٣] الصحابة ويعيبونهم بما قد بَرَّأهم الله منه، ويصفونهم بنقيض ما أخبر الله عنهم؛ فإن الله ﷿ قد أخبر أنه قد رضي عن المهاجرين والأنصار ومدحهم، وهؤلاء الجهلة الأغبياء يسبونهم وينتقصونهم، ويذكرون عنهم ما لم يكن ولا فعلوه أبدًا، فهم في الحقيقة منكوسو [¬٤] القلوب، يذمون الممدوحين، ويمدحون المذمومين.\nوقال أبو داود: (^٢٩٠) حدثنا القعنبي، حدثنا عبد العزيز -يعني ابن محمد- عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة أنه قيل: يا رسول الله، ما الغيبة؟ قال: \"ذكرُكَ أخاك بما يكره\". قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: \"إن كان فيه ما تقول لقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بَهَتَّه\".\nوهكذا رواه الترمذي، عن قتيبة، عن الدراوردي، به. [ثم] [¬٥] قال: حسن صحيح.\nوقد قال ابن أبي حاتم (^٢٩١): حدثنا أحمد بن سلمة، حدثنا أبو كريب، حدثنا معاوية بن هشام، عن عمار بن أنس، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ لأصحابه: \"أي الربا أربى عند الله؟ \" قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: \"أربى الربا عند الله استحلالُ عرض امرئ مسلم\"، ثم قرأ: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾.\n_________\n(^٢٩٠) سنن أبي داود، كتاب الأدب برقم (٤٨٧٤)، وسنن الترمذي كتاب البر والصلة برقم (١٩٣٤).\n(^٢٩١) ورواه البيهقي في شعب الإيمان برقم (٦٧١١) من طريق يحيى بن واضح عن عمار بن أنس، به.\n_________\n[¬١]- في خ، ز: \"ينقلوه\".\n[¬٢]- سقط من: خ، ز.\n[¬٣]- في ت: \"يتنقصون\".\n[¬٤]- في ز، خ: \"منكوسي\".\n[¬٥]- سقط من ت.","vol":"11","page":241},{"text":"﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَينَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٥٩) لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاورُونَكَ فِيهَا إلا قَلِيلًا (٦٠) مَلْعُونِينَ أَينَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا (٦١) سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا (٦٢)﴾.\nيقول تعالى آمرًا رسوله ﷺ تسليمًا أن يأمر النساء المؤمنات خاصة أزواجه وبناته لشرفهن بأن يدنين عليهن من جلابيبهن، ليتميزن عن سمات نساء الجاهلية وسمات الإماء. والجلباب هو: الرداء فوق الخمار. قاله [¬١] ابن مسعود، وعبيدة، وقتادة [¬٢]، والحسن البصري، وسعيد بن جبير، وإبراهيم النخعي، وعطاء الخراساني، وغير واحد. وهو بمنزلة الإزار اليوم.\nقال الجوهري: الجلباب: الملحفة، قالت [¬٣] امرأة من هذيل ترثي قتيلًا لها:\nتَمْشي النّسور إليه وَهْي لاهيَةٌ … مَشْيَ العَذَارَي عَلَيهنّ الجَلابيبُ (^٢٩٢)\nقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: أمر الله نساء المؤمنات [¬٤] إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطين وجوههن من فوق رءوسهن بالجلابيب، ويبدين عينًا واحدة.\nوقال محمد بن سيرين: سألت عَبيدَةَ السلماني عن قول الله تعالى: ﴿يُدْنِينَ عَلَيهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾، فغطى وجهه ورأسه وأبرز عينه اليسرى.\nوقال عكرمة: تغطي ثُغْرَة نحرها بجلبابها تدنيه عليها.\nوقال ابن أبي حاتم (^٢٩٣)؛ أخبرنا أبو عبد الله الطَّهراني [¬٥] فيما كتب إليّ، حدثنا [¬٦] عبد\n_________\n(^٢٩٢) الصحاح (١/ ١٠١).\n(^٢٩٣) تفسير عبد الرزاق (٢/ ١٠١) ورواه الحسن بن مسلم عن صفية بنت شيبة عن عائشة مثله، وأخرجه البخاري في صحيحه برقم (٤٧٥٩).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"قال\".\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في ز، خ: \"قال\".\n[¬٤]- في ت: \"المؤمنين\".\n[¬٥]- في ت: \"الظهراني\".\n[¬٦]- سقط من: خ.","vol":"11","page":242},{"text":"الرزاق، أخبرنا معمر، عن ابن خُثَيم، عن صفية بنت شيبة، عن أم سلمة قالت: لما نزلت هذه الآية: ﴿يُدْنِينَ عَلَيهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾، خرج نساء الأنصار كأن على رءوسهن الغربان من السكينة، وعليهن أكسية سُود يلبسنها.\nو[¬١] قال ابن أبي حاتم، حدثنا أبي، حدثنا أبو صالح، حدثني الليث، حدثنا يونس يزيد قال: وسألناه -يعني الزهري-: هل علي الوليدة خمار متزوجة أو غير متزوجة؟ قال: عليها الخمار إن كانت متزوجة، وتنهي عن الجلباب لأنه يكره لهن أن يتشبهن بالحرائر إلا محصنات، وقد قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾.\nوروي عن سفيان الثوري أنه قال: لا بأس بالنظر إلى زينة نساء أهل الذمة، إنما ينهي عن ذلك لخوف الفتنة لا لحرمتهن. واستدل بقوله تعالى: ﴿ونساء المؤمنين﴾.\nوقوله: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَينَ﴾، أي: إذا فعلن ذلك عُرفْن أنَّهن حرائر، لسن بإماء ولا عواهر.\nقال السدي في قوله تعالى: ﴿قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَينَ﴾، قال: كان ناس من فساق أهل المدينة يخرجون بالليل حين يختلط الظلام إلى طرق المدينة، يتعرضون للنساء، وكانت مساكن أهل المدينة ضَيِّقة، فإذا كان الليل خرج النساء إلى الطرق يقضين حاجتهن، فكان أولئك الفساق يبتغون ذلك منهن، فإذا رأوا امرأة عليها جلباب قالوا: هذه حرة، كفوا عنها. وإذا رأوا المرأة ليس عليها جلباب، قالوا: هذه أمة. فوثبوا إليها.\nوقال مجاهد: يتجلببن فيعلم أنهن حرائر فلا يعرض لهن فاسق بأذى ولا ريبة.\nوقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾، أي: لا سلف في أيام الجاهلية حيث لم يكن عندهن علم بذلك.\nثم قال تعالى متوعدًا للمنافقين، وهم الذين يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر: ﴿والذين في قلوبهم مرض﴾ - قال عكرمة وغيره: هم الزناة هاهنا. ﴿والمرجفون في المدينة﴾، يعني: الذين يقولون: \"جاء الأعداء\"، \"وجاءت الحروب\". وهو كذب وافتراء -لئن لم ينتهوا عن ذلك ويرجعوا إلى الحق ﴿لنغْرينك بهم﴾، قال عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس: أي لنسلطَّك عليهم.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.","vol":"11","page":243},{"text":"وقال قتادة ﵀: لنحرشَنّك [¬١] بهم.\nوقال السدي: لنعلمنك بهم. ﴿ثُمَّ لَا يُجَاورُونَكَ فِيهَا﴾، أي: في [¬٢] المدينة ﴿إلا قَلِيلًا (٦٠) مَلْعُونِينَ﴾ حال منهم في مدة إقامتهم في المدينة مدة قريبة مطرودين مبعدين، ﴿أَينَمَا ثُقِفُوا﴾، أي: وجدوا، ﴿أُخِذُوا﴾ لذلتهم وقلتهم، ﴿وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾.\nثم قال: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ﴾، أي: هذه سنته في المنافقين إذا تمردوا على نفاقهم وكفرهم ولم يرجعوا عما هم فيه. إن أهل الإيمان يسلطون عليهم ويقهرونهم، ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾، أي: وسنة الله في ذلك لا تبدل ولا تغير.\n﴿يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا (٦٣) إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٤) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (٦٥) يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَاليتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا (٦٦) وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا (٦٧) رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَينِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا (٦٨)﴾\nيقول تعالى مخبرًا لرسوله ﷺ: أنه لا علم له بالساعة، وإن سأله الناس عن ذلك. وأرشده أن يرد علمها إلى الله ﷿ -كما قل له في \"سورة الأعراف\". وهي مكية وهذه مدنية، فاستمر الحال في رَدّ علمها إلى الذي يقيمها، لكن أخبره أنها قريبة بقوله: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾، كما قال: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾. وقال: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾. وقال: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾.\nثم قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ﴾، أي: أبعدهم من رحمته ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا﴾، أي: في الدار الآخرة، ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾، أي: ماكثين مستمرين، فلا خروج لهم منها ولا زوال لهم عنها، ﴿لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾، أي: وليس لهم مغيث ولا معين ينقذهم مما هم فيه.\nثم قال: ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَاليتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا﴾، أي:\n_________\n[¬١]- بعده في خ: \"عليهم\".\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.","vol":"11","page":244},{"text":"يسحبون في النار على وجوههم وتلوى وجوههم على جهنم، يقولون وهم كذلك، يتمنون أن لو كانوا في الدار الدنيا ممن أطاع الله وأطاع الرسول، كما أخبر عنهم في حال العرصات بقوله: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيهِ يَقُولُ يَاليتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (٢٧) يَاوَيلَتَى لَيتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا (٢٨) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا﴾.\nوقال تعالى: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾. وهكذا أخبر عنهم في حالتهم هذه أنهم يَوَدون أن لو كانوا أطاعوا الله وأطاعوا الرسول في الدنيا، ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا﴾. وقال طاوس: سادتنا يعني الأشراف، وكبراءنا يعني العلماء. رواه ابن أبي حاتم.\nأي: اتبعنا السادة وهم الأمراء والكبراء من المشيخة، وخالفنا الرسل واعتقدنا أن عندهم شيئًا، وأنهم على شيء [فإذا هم ليسوا على شيء] [¬١]، ﴿رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَينِ مِنَ الْعَذَابِ﴾، أي: بكفرهم وإغوائهم إيانا، ﴿وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا [¬٢]﴾ قرأ بعض القراء (*) بالباء الموحدة. وقرأ آخرون (**) بالثاء المثلثة، وهما [قريبًا المعنى] [¬٣]، كما في حديث عبد الله بن عمرو: أن أبا بكر قال: يا رسول الله، علمني دعاء أدعو به في صلاتي. قال: \"قل: اللهم، إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم\". أخرجاه في الصحيحين (^٢٩٤)، يروى \"كبيرًا\" و\"كثيرًا\" وكلاهما بمعنى صحيح.\nواستحب بعضهم أن يجمع الداعي بين اللفظين في دعائه، وفي ذلك نظر. بل الأولى أن يقول هذا تارة. وهذا تارة كما أن القارئ مخير بين القراءتين أيتهما قرأ فَحَسَن، وليس له الجمع بينهما، والله أعلم.\nوقال أبو القاسم الطبراني (^٢٩٥): حدثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة، حدثنا ضرار بن صُرَد، حدثنا علي بن هاشم [¬٤]، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن أبيه، في تسمية من شهد مع علي ﵁: الحجاج بن عمرو بن غَزيّة [¬٥]، وهو الذي كان يقول عند اللقاء: يا معشر\n_________\n(*) - وهم: ابن عامر، وعاصم.\n(**) - وهم: ابن كثير، وأبو عمرو، ونافع، وحمزة، والكسائي.\n(^٢٩٤) صحيح البخاري، الأذان برقم (٨٣٤)، وصحيح مسلم، الذكر والدعاء برقم (٢٧٠٥).\n(^٢٩٥) المعجم الكبير (٣/ ٢٢٣).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٢]- في ز: \"كثيرًا\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في ز: \"قريبان، يعني\".\n[¬٤]- في خ، ز: \"هشام\".\n[¬٥]- في خ، ز: \"عزمة\".","vol":"11","page":245},{"text":"الأنصار، أتريدون أن تقولوا لربنا إذا لقيناه: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا (٦٧) رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَينِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا [¬١]﴾.\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا (٦٩)﴾\nقال البخاري عند تفسير هذه الآية (^٢٩٦): حدثنا إسحاق بن إبراهيم، حدثنا روح بن عبادة، حدثنا عوف، عن الحسن ومحمد [¬٢] وخلاس، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن موسى كان رجلًا حَييًّا، وذلك قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ \".\nهكذا أورد هذا الحديث هاهنا مختصرًا جدًّا، وقد رواه في أحاديث\"الأنبياء\" بهذا السند بعينه (^٢٩٧)، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن موسى ﵇ كان رجلا حييًّا ستيرًا، لا يرى من جلده شيء استحياء منه، فآذاهُ من آذاه من بني إسرائيل، فقالوا: ما يتستر هذا التستر إلا من عيب بجلده، إما برص وإما أدْرَة (*) وإما آفة\". وإن الله ﷿ أراد أن يبرّئه مما قالوا لموسى ﵇، فخلا يومًا وحده، فخلع ثيابه على حجر. ثم اغتسل، فلمّا فرغ أقبل إلى ثيابه ليأخذها، وإن الحجر عدا بثوبه، فأخذ موسى عصاه وطلب الحجر، فجعل يقول: ثوبي حَجَرُ، ثوبي حَجرُ، حتى انتهى إلى ملأ من بني إسرائيل، فرأوه عريانًا أحسن ما خلق الله ﷿ وأبرأه مما يقولون، وقام الحجر، فأخذ ثوبه فلبسه، وطفق بالحجر ضربًا بعصاه، فوالله إن بالحجر لَنَدبًا (**) من أثر ضربه ثلاثًا أو أربعًا أو خمسًا- قال: فذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾.\nوهذا سياق حسن مطول. وهذا الحديث من أفراد البخاري دون مسلم.\nوقال الإمام أحمد (^٢٩٨): حدثنا روح، حدثنا عوف، عن الحسن، عن النبي صلى اللَّه عليه\n_________\n(^٢٩٦) صحيح البخاري برقم (٤٧٩٩).\n(^٢٩٧) صحيح البخاري برقم (٣٤٠٤).\n(*) - الأدرة: انتفاخ كيس الصفن من سائل يتجمع فيه.\n(**) - النَّدَب: أثر الجرح. والمقصود أثر العصا.\n(^٢٩٨) السند (٢/ ١٥٤).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"كثيرًا\".\n[¬٢]- سقط من: خ، ز.","vol":"11","page":246},{"text":"وسلم. وخلاس ومحمد، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال في هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا﴾، قال: قال النبي ﷺ: \"إن موسى كان رجلًا حييًّا ستيرًا، لا يكاد يرى من جلده شيء استحياءً منه … \".\nثم ساق الحديث كما رواه البخاري مطولًا. ورواه (*) في تفسيره عن روح، عن عوف، به. ورواه ابن جرير من حديث الثوري، عن جابر الجعفي، عن عامر الشعبي، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه بنحو هذا (^٢٩٩).\nوهكذا رواه من حديث سليمان بن مهران الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، وعبد الله بن الحارث، عن ابن عباس في قوله: ﴿لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى﴾ قال: قال قومه له: إنك آدر، فخرج ذات يوم يغتسل، فوضع ثيابه على صخرة، فخرجت الصخرة تشتد بثيابه، وخرج يتبعها عريانًا حتى انتهت به مجالس بني إسرائيل، قال: فرأوه ليس بآدر، فذلك قوله: ﴿فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا﴾.\nوهكذا روى [¬١] العوفي، عن ابن عباس سواء.\nوقال الحافظ أبو بكر البزار (^٣٠٠): حدثنا روح بن حاتم وأحمد بن المعلى الأدمي قالا: حدثنا يحيى بن حماد، حدثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن أنس عن النبي ﷺ؛ قال: \"كان موسى ﵇ رجلا حييًّا، وإنه أتى -أحسبه قال: الماء- ليغتسل، فوضع ثيابه على صخرة، وكان لا يكاد تبدو عورته، فقال بنو إسرائيل: إن موسى آدر أو به آفة يعنون أنه لا يضع ثيابه -فاحتملت الصخرة ثيابه حتى صارت بحذاء مجالس بني إسرائيل، فنظروا إلى موسى كأحسن الرجال، أو كما قال، فذلك قوله: ﴿فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا سعيد بن سليمان، حدثنا عباد بن العوام، عن سفيان بن حسين، حدثنا الحكم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن علي بن أبي طالب ﵃ في قوله: ﴿فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا﴾.\nقال: صعد موسى وهارون الجبل، فمات هارون ﵇، فقال بنو إسرائيل لموسى عليه\n_________\n(*) -أي: البخاري.\n(^٢٩٩) تفسير الطبري (٢٢/ ٣٦).\n(^٣٠٠) مسند البزار برقم (٢٢٥٢) \"كشف الأستار\"، وقال الهيثمي في المجمع (٧/ ٩٢): \"وفيه إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة وهو متروك\".\n_________\n[¬١]- في ت: \"رواه\".","vol":"11","page":247},{"text":"السلام: أنت قتلته، كان ألين [لنا منك] [¬١] وأشد حياء. فآذوه من ذلك، فأمر الله الملائكة فحملته، فمروا به على مجالس بني إسرائيل، فتكلمت بموته، فما عرف موضع قبره إلا الرخم، وإن الله جعله أصم أبكم.\nوهكذا رواه ابن جرير (^٣٠١)، عن علي بن موسى الطوسي، عن عباد بن العوام، به.\nثم قال: وجائز أن يكون هذا هو المراد بالأذى، وجائز أن يكون الأول هو المراد، فلا قول أولى من قول الله ﷿.\nقلت: يحتمل أن يكون الكل مرادًا، وأن يكون معه غيره، والله أعلم.\nقال الإمام أحمد (^٣٠٢): حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن شقيق، عن عبد الله قال: قسم رسول الله ﷺ ذات يوم قسمًا، فقال رجل من الأنصار: إن هذه لقسمة [¬٢] ما أريد بها وجه الله. قال: فقلت: يا عدو الله، أما لأخبرن رسول الله ﷺ بما قلت. قال: فذكر ذلك [¬٣] للنبي ﷺ فاحمرّ وجهُه، ثم قال: \"رحمة الله على موسى، لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر\".\nأخرجاه في الصحيحين من حديث سليمان بن مهران الأعمش، به.\n(طريق أخرى) قال الإمام أحمد (^٣٠٣): حدثنا حجاج، سمعت إسرائيل بن يونس، عن الوليد بن أبي هاشم -مولى الهمداني- عن زيد بن أبي زائد، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ لأصحابه: \"لا يبلغني أحد من أصحابي عن أحد شيئًا، فإني أحب أن أخرج إليكم وأنا [¬٤] [سليم الصدر] [¬٥]، فأتى رسول الله ﷺ مال [¬٦] فقسمه، قال: فمررت برجلين وأحدهما يقول لصاحبه: والله ما أراد محمد بقسمته وجه الله ولا الدار الآخرة. قال: فَتَثبّتُّ حتى سمعتُ ما قالا، ثم أتيت رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله، إنك قلت لنا: \"لا يبلغني أحد [¬٧] في أصحابي شيئًا\"، وإني مررت بفلان وفلان، وهما يقولان كذا وكذا. فاحمرّ وجهُ رسول الله ﷺ\n_________\n(^٣٠١) تفسير الطبري (٢٢/ ٣٧).\n(^٣٠٢) المسند (١/ ٣٨٠)، وصحيح البخاري برقم (٣٤٠٥)، وصحيح مسلم برقم (١٠٦٢).\n(^٣٠٣) المسند (١/ ٣٩٥).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ت: \"منك لنا\".\n[¬٢]- في ت: \"القسمة\".\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- في حاشية ز، خ هنا: \"هاهنا سقط لعله ورقتين فإنه في نصف الكراس\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين بياض في: ز.\n[¬٦]- في خ: \"قال\".\n[¬٧]- في ز، خ: \"أحدًا\".","vol":"11","page":248},{"text":"وشَقَّ عليه، ثم قال: \"دعنا منك، لقد أوذي موسى بأكثر من هذا، فصبر\".\nوقد رواه أبو داود (^٣٠٤) في الأدب، عن محمد [بن يحيى الذهلي، عن محمد بن يوسف الفريابي، عن إسرائيل عن الوليد] [¬١] بن أبي هاشم به مختصرًا: \"لا يبلغني أحد [من أصحابي] [¬٢] عن أحد شيئًا؛ إني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر\".\nوكذا رواه الترمذي (^٣٠٥) في \"المناقب\" عن الذهلي سواء، إلا أنه قال: \"زيد بن زائدة\". ورواه أيضًا عن محمد بن إسماعيل، عن عبد الله بن محمد، عن عبيد الله بن موسى وحسين بن محمد، كلاهما عن إسرائيل، عن السدي، عن الوليد بن أبي هاشم، به مختصرًا أيضًا، فزاد في إسناده السدى، ثم قال: غريب من هذا الوجه.\nوقوله: ﴿وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾. أي: له وجاهة وجاه عند ربه ﷿.\nقال الحسن البصري: كان مستجاب الدعوة عند الله. وقال غيره من السلف: لم يسأل الله شيئًا إلا أعطاه، ولكن منع الرؤية لما يشاء الله ﷿.\nوقال بعضهم: من وجاهته العظيمة: أنه شفع في أخيه هارون أن يرسله الله معه، فأجاب الله سؤله، وقال: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا﴾.\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾\nيقول تعالى آمرًا عباده المؤمنين بتقواه، وأن يعبدوه عبادة من كأنه يراه، وأن يقولوا ﴿قَوْلًا سَدِيدًا﴾، أي: مستقيمًا لا اعوجاج فيه ولا انحراف. ووعدهم أنهم إذا فعلوا ذلك، أثابهم عليه بأن يصلح لهم [¬٣] أعمالهم، أي: يوفقهم للأعمال الصالحة، وأن يغفر لهم الذنوب الماضية. وما قد يقع منهم [¬٤] في المستقبل يلهمهم التوبة منها [¬٥].\nثم قال: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾، وذلك أنه يجار من النار، ويصير إلى النعيم المقيم.\n_________\n(^٣٠٤) سنن أبي داود، كتاب الأدب برقم (٤٨٦٠).\n(^٣٠٥) سنن الترمذي، كتاب المناقب برقم (٣٨٩٦).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- في ز، خ: \"لهم\".\n[¬٥]- في ز، خ: \"فيها\".","vol":"11","page":249},{"text":"وقال ابن أبي حاتم (^٣٠٦): حدثنا أبي، حدثنا عمرو بن عون، حدثنا خالد، عن ليث، عن أبي بردة، عن أبي موسى الأشعري قال [¬١]، صلى بنا رسول الله ﷺ صلاة الظهر، فلما انصرف أومأ إلينا بيده فجلسنا، فقال: \"إن الله أمرني أن آمركم، أن تتقوا الله وتقولوا قولًا سديدًا\". ثم أتى النساء فقال: \"إن الله أمرني أن آمركن: أن تتقين الله وتقلن قولًا سديدًا\".\nوقال ابن أبي الدنيا في كتاب \"التقوى\": حدثنا محمد بن عباد بن موسى، حدثنا عبد العزيز بن عمران الزهري. حدثنا عيسى بن سَمُرة [¬٢]، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂ قالت: ما قام رسول الله ﷺ على المنبر إلا سمعته يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ الآية. غريب جدًّا.\nوروي [من حديث] [¬٣] عبد الرحيم بن زيد العمي، عن أبيه، عن محمد بن كعب عن ابن عباس موقوفًا: من سره أن يكون أكرم الناس فليتق الله.\nقال عكرمة: القول السديد: لا إله إلا الله.\nوقال غيره: السديد: الصدق. وقال مجاهد: هو السداد. وقال غيره: هو الصواب. والكل حق.\n﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَينَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (٧٢) لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٧٣﴾\nقال العوفي، عن ابن عباس: يعني بالأمانة: الطاعة، وعرضَها عليهم قبل أن يعرضها على\n_________\n(^٣٠٦) ورواه أحمد في مسنده (٤/ ٣٩١) (١٩٥٤٥) من طريق شيبان عن ليث، به. وإسناده ضعيف ليث هو ابن أبي سليم -كما جاء مصرحًا به في رواية البزار. ورواه البزار حديث ٣١٤٨ \"البحر الزخار\". وهو في كشف الأستار، باب: الأمر بالتقوى (٤/ ٦٨) حديث ٣٢١٧. والحديث ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ٩٧) وقال: رواه أحمد والطبراني وفيه ليث بن أبي سليم وهو مضطرب الحديث وبقية رجالهما رجال الصحيح.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في ز، خ: \"سبرة\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.","vol":"11","page":250},{"text":"آدم، فلم يطقنها. فقال لآدم: إني قد عرضتُ الأمانةَ على السماوات والأرض والجبال فلم يطقنها، فهل أنت آخذ بما فيها؟ قال: يا رب، وما فيها؟ قال: إن أحسنت جزيت، وإن أسأت عوقبت. فأخذها آدم فتحملها، وذلك [¬١] قوله: ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾.\nوقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: الأمانة: الفرائض، عرضها الله على السماوات والأرض والجبال إن أدوها أثابهم، وإن ضيعوها عذبهم [لله] [¬٢]، فكرهوا ذلك وأشفقوا من غير معصية، ولكن تعظيمًا لدين الله أن لا يقوموا بها، ثم عرضها على آدم فقبلها بما فيها، وهو قوله: ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾، يعني: غِرًّا بأمر الله.\nوقال ابن جرير: حدثنا ابن بشار، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس أنه قال في هذه الآية: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَينَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا﴾. قال: عرضت على آدم فقال: خذها بما فيها، فإن أطعت غَفَرتُ لك، وإن عَصَيت عذبتك. قال: قبلت. فما كان إلا قدر ما بين العصر إلى الليل من ذلك اليوم، حتى أصاب الخطيئة.\nوقد روى الضحاك، عن ابن عباس، قريبًا من هذا. وفيه نظر وانقطاع بين الضحاك وبينه، والله أعلم. وهكذا قال مجاهد، وسعيد بن جبير، والضحاك، والحسن البصري، وغير واحد: إن الأمانة هي الفرائض.\nوقال آخرون: هي الطاعة.\nوقال الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق: قال أبي بن كعب: من الأمانة [أن المرأة] [¬٣] اؤتمنت على فرجها.\nوقال قتادة: الأمانة الدين والفرائض والحدود.\nوقال بعضهم: الغسل من الجنابة.\nوقال مالك، عن زيد بن أسلم قال: الأمانة ثلاثة: الصلاة، والصوم، والاغتسال من الجنابة.\nوكل هذه الأقوال لا تنافي بينها، بل هي متفقة وراجعة إلى أنها التكليف، وقبول الأوامر والنواهي بشرطها، وهو أنه إن قام بذلك أثيب، وإن تركها عُوقِبَ، فقبلها الإنسان على ضعفه وجهله وظلمه، إلا من وفق الله، وبالله المستعان.\n_________\n[¬١]- في ت: \"فذلك\".\n[¬٢]- سقط من ت.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"11","page":251},{"text":"قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبد العزيز بن المغيرة، حدثنا حماد بن واقد -يعني أبا عمر الصفار- سمعت أبا معمر -يعني عون بن معمر- يحدث عن الحسن -يعني البصري- أنه تلا هذه الآية: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ﴾، قال: عرضها على السبع الطباق الطرائق التي زينت بالنجوم، وحملة العرش العظيم، فقيل لها: هل تحملين الأمانة وما فيها؟ قالت: وما فيها؟ قال: قيل لها: إن أحسنت جزيت، وإن أسأت عوقبت. قالت: لا. ثم عرضها على الأرضين السبع الشداد، التي شدت بالأوتاد، وذللت بالمهاد، قال: فقيل لها: هل تحملين الأمانة وما فيها؟ قالت: وما فيها؟ قال: قيل لها: إن أحسنت جزيت، وإن أسأت عوقبت، قالت: لا. ثم عرضها على الجبال الشم الشوامخ الصعاب الصلاب، قال: قيل لها: هل تحملين الأمانة وما فيها؟ قالت: وما فيها؟ قال: قيل لها: إن أحسنت جزيت، وإن أسأت عوقبت، قالت: لا.\nوقال مقاتل بن حيان: إن الله حين خلق خلقه، جمع بين الإنس والجن، والسماوات والأرض والجبال، فبدأ بالسماوات فعرض عليهن الأمانة وهي الطاعة، فقال لهن: أتحملن هذه الأمانة، ولكُن عليَّ الفضل والكرامة والثواب في الجنة؛ فقلن: يا رب، إنا لا نستطيع هذا الأمر، وليست بنا قوة، ولكنا لك مطيعين (*). ثم عرض الأمانة على الأرضين، فقال لهن: أتحملن هذه الأمانة وتقبلنها مني، وأعطيكن الفضل والكرامة؟ فقلن: لا صبر لنا على هذا يا رب ولا نطيق، ولكنا لك سامعين مطعين (*)، لا نعصيك في شيء تأمرنا به. ثم قرب آدم فقال له: أتحمل هذه الأمانة وترعاها حق رعايتها؟ فقال عند ذلك آدم: ما لي عندك؟ قال: يا آدم، إن أحسنت وأطعت ورعيت الأمانة؛ فلك عندي الكرامة والفضل وحسن الثواب في الجنة. وإن عصيت ولَم ترْعَها حق رعايتها وأسأت؛ فإني معذبك ومعاقبك وأنزلك النار. قال: رضيت رب.\nوتَحَمَّلها، فقال الله ﷿: قد حَمَّلْتُكَهَا. فذلك قوله: ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ﴾. رواه ابن أبي حاتم.\nوعن مجاهد أنه قال: عرضها على السماوات فقالت: يا رب، حملتني الكواكب وسكان السماء وما ذكر، وما أريد ثوابًا ولا أحمل فريضة. قال: وعرضها على الأرض فقالت: يا رب، غرست في الأشجار، وأجريت في الأنهار وسكان الأرض وما ذكر، وما أريد ثوابًا ولا أحمل فريضة. وقالت الجبال مثل ذلك، قال الله تعالى: ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ في عاقبة أمره. وهكذا قال ابن جريج.\nو[¬١] عن ابن أشوع أنه قال: لما عرض الله عليهن حمل الأمانة، ضَجَجْنَ إلى الله ثلاثة أيام\n_________\n(*) كذا في ز، خ.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.","vol":"11","page":252},{"text":"ولياليهن، وقلن: ربنا، لا طاقة لنا بالعمل، ولا نريد الثواب.\nثم قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا هارون بن زيد بن أبي الزرقاء الموصلي، حدثنا أبي، حدثنا هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم في هذه الآية: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ﴾، فقال الإنسان: بين أذني وعاتقي. فقال الله تعالى: إني مُعينك عليها، أي: معينك على عينيك بطبقتين [¬١]، فإذا نازعاك إلى ما أكره فأطبق. ومعينك على لسانك بطبقتين [¬٢]، فإذا نازعك [¬٣] إلى ما أكره فأطبق. ومعينك على فرجك بلباس، فلا تكشفه إلى ما أكره.\nثم روى عن أبي حازم نحو هذا.\nوقال ابن جرير: حدثنا يونس، حدثنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قول الله ﷿: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَينَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا﴾، قال: إن الله عرض عليهن الأمانة أن يفترض عليهن الدين، ويجعل لهن ثوابًا وعقابًا، ويستأمنهن على الدين. فقلن: لا، نحن مسخرات لأمرك [لا نريد ثوابًا ولا عقابًا] [¬٤]، قال: وعرضها الله على آدم فقال: بين أذني وعاتقي. قال ابن زيد: فقال الله تعالى له: أما إذْ تحملت هذا فسأعينك: أجعل لبصرك حجابًا، فإذا خشيت [¬٥] أن تنظر إلى ما لا يحل لك فأرخ عليه حجابه، وأجعل للسانك بابًا وغلقًا، فإذا خشيت فأغلق. وأجعل لفرجك لباسًا فلا تكشفه إلا على ما أحللت لك [¬٦].\nوقال ابن جرير (^٣٠٧): حدثني سعيد بن عمرو السّكُوني [¬٧]، حدثنا بقية، حدثنا عيسى بن إبراهيم، عن موسى بن أبي حبيب، عن الحكم بن عمير -وكان من أصحاب النبي ﷺ قال: قال النبي ﷺ: \"إن الأمانة والوفاء نزلا على ابن آدم مع الأنبياء، فأرسلوا به، فمنهم رسول [الله، ومنهم نبي] [¬٨]، ومنهم نبي رسول، ونزل القرآن وهو كلام الله، ونزلت العربية والعجمية، فعلموا أمر القرآن وعلموا أمر السنن بألسنتهم، ولم يدع الله شيئًا من أمره مما يأتون وما يجتنبون وهي الحجج عليهم، إلا بينه لهم. فليس\n_________\n(^٣٠٧) تفسير الطبري (٢٢/ ٣٩) وله شاهد من حديث حذيفة أخرجه البخاري في صحيحه برقم (٦٤٩٧) وسيأتي.\n_________\nzzz.\n[¬١] -  في خ: \"تطيعين\".\n[¬٢]- في خ: \"قطيعين\".\n[¬٣]- في ز، خ: نازعا.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين في ز: \"لا ثوابًا ولا عقابًا\".\n[¬٥]- في ز، خ: \"شئت\".\n[¬٦]- سقط من: ز، خ.\n[¬٧]- في ز، خ: \"السكوتي\".\n[¬٨]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.","vol":"11","page":253},{"text":"أهل لسان إلا وهم يعرفون الحسن والقبيح، ثم الأمانة أول شيء يرفع ويبقى أثرها في جذور قلوب الناس، ثم يرفع الوفاء والعهد والذمم وتبقى الكتب، فعالم يعمل، وجاهل يعرفها وينكرها ولا يحملها، حتى وعمل إليّ وإلى أمتي، ولا يهلك على الله إلا هالك، ولا يغفله إلا تارك. فالحذر أيها الناس. وإياكم والوسواس الخناس، فإنما يبلوكم أيكم أحسن عملًا\".\nهذا حديث غريب جدًّا، وله شواهد من وجوه أخر [¬١].\nثم قال ابن جرير (^٣٠٨): حدثنا محمد بن خلف العسقلاني، حدثنا عبيد الله بن عبد المجد الحنفي، أخبرنا أبو العوام القطان، حدثنا قتادة، وأبان بن أبي عياش، عن خُلَيد العَصَري [¬٢]، عن أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"خمس من جاء بهن يوم القيامة مع إيمان دخل الجنة: من حافظ على الصلوات الخمس على وضوئهن وركوعهن وسجودهن ومواقيتهن [¬٣]، وأعطى الزكاة من ماله طَيّب النفس بها، وكان يقول: وايم الله لا يفعل ذلك إلا مؤمن، [وصام رمضان، وحج البيت إن استطاع إلى ذلك سبيلًا] [¬٤]، وأدى الأمانة\". قالوا: يا أبا الدرداء؛ وما أداء الأمانة؟ قال: الغسل من الجنابة، فإن الله لم يأمن ابن آدم على شيء من دينه غيره.\nوهكذا رواه أبو داود عن محمد بن عبد الرحمن العنبري، عن أبي علي عبيد الله بن عبد المجيد الحنفي، عن أبي العوام عمران بن داور [¬٥] القطان به.\nوقال ابن جرير أيضًا: حدثنا تميم بن المنتصر، أخبرنا إسحاق، عن شريك، عن الأعمش، عن عبد الله بن السائب، عن زاذان، عن عبد الله بن مسعود، عن النبي ﷺ؛ أنه قال: \"القتل في سبيل الله يكفر الذنوب كلها -أو قال: يكفر كل شيء- إلا الأمانة، يؤتى بصاحب الأمانة فيقال له: أن أمانتك. فيقول: أنى يا رب وقد ذهبت الدنيا؟ فيقال له: أد أمانتك فيقول: أنى يا رب وقد ذهبت الدنيا؟ فيقال له: أد أمانتك. فيقول: أنى يا رب وقد ذهبت الدنيا؟ فيقول: اذهبوا به [¬٦] إلى أمه الهاوية. فيذهب به إلى الهاوية، فيهوي فيها حتى ينتهي إلى قعرها، فيجدها هنالك كهيئتها، فيحملها فيضعها على عاتقه، فيصعد بها إلى شفير جهنم، حتى إذا رأى أنه قد خرج زَلّت، فيهوى [¬٧] في أثرها أبد الأبدين. قال: والأمانة في الصلاة، والأمانة في الصوم، والأمانة في الوضوء، والأمانة في الحديث، وأشد\n_________\n(^٣٠٨) تفسير الطبري (٢٢/ ٣٩)، وسنن أبي داود \"كتاب الصلاة برقم (٤٢٩).\n_________\n[¬١]- في ت: \"أخرى\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"القيصري\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"مراتبتهن\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٥]- في ت: \"داود\".\n[¬٦]- سقط من: ز، خ.\n[¬٧]- في ت: \"فهوى\".","vol":"11","page":254},{"text":"ذلك الودائع. فلقيت البراء فقلت: ألا تسمع إلى ما يقول أخوك عبد الله؟ فقال: صدق. قال شريك: ليحدثنا عياش [¬١] العامري، عن زاذان، عن عبد الله بن مسعود ﵁، عن النبي ﷺ، بنحوه. ولم يذكر \"الأمانة في الصلاة وفي كل شيء\" (^١). إسناده جيد، ولم يخرجوه.\nومما يتعلق بالأمانة الحديث الذي رواه الإمام أحمد (^٢):\nحدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن زيد بن وهب، عن حذيفة؛ قال: حدثنا رسول الله ﷺ حديثين قد رأيت أحدهما وأنا أنتظر الآخر، حدثنا: \"أن الأمانة نزلت في جذر (^٣) قلوب الرجال، ثم نزل القرآن فعلموا من القرآن وعلموا من السنة\". ثم حدثنا عن رفع الأمانة. فقال: \"ينام الرجل النومة فتقبض الأمانة من قلبه. فيظل أثرها مثل أثر [الوكت (^٤)، فتقبض الأمانة من قلبه. فيظل أثرها] [¬٢] مثل أثر المجل (^٥) كجمر دحرجته [على رجلك، تراه مُنتبرا (^٦) وليس فيه شيء\" قال: ثم أخذ حصى فدحرجه] [¬٣] على رجله- قال: \"فيصبح الناس يتبايعون لا يكاد أحد يؤدي الأمانة، حتى يقال: إن في بني فلان رجلًا أمينًا، حتى يقال للرجل: ما أجلده وأظرفه [¬٤] وأعقله، وما في قلبه حبة من خردل من إيمان.\" ولقد أتى عَلَيَّ زمان وما أبالي أيكم بايعت، إن كان مسلمًا ليردنه على دينه، وإن كان نصرانيًّا أو يهوديًّا ليردنه على ساعيه، فأما اليوم فما كنت أبايع منكم إلا فلانًا وفلانًا.\nوأخرجاه في الصحيحين من حديث الأعمش به.\n_________\n(^١) تفسير الطبري (٢٢/ ٤٠).\n(^٢) المسند (٥/ ٣٨٣) (٢٣٣٦٢)، وأخرجه البخاري في كتاب الرقاق، كتاب: رفع الأمانة (١١/ ٣٤١ / رقم: ٦٤٩٧) وطرفاه في (٧٢٧٦، ٧٠٨٦). ومسلم في كتاب الإيمان، باب: رفع الأمانة والإيمان من بعض القلوب (١/ ١٢٦، ١٢٧ / رقم: ١٤٣). والترمذي في كتاب الفتن، باب: ما جاء في رفع الأمانة. (/ ٤/ ٤٧٤، ٤٧٥ رقم: ٢١٧٩). وقال: هذا حديث حسن صحيح. وابن ماجة في كتاب الفتن، باب: ذهاب الأمانة (٢/ ١٣٤٦ / رقم: ٤٠٥٣). كلهم من طريق الأعمش به.\n(^٣) - أي: في أصلها.\n(^٤) - الوكت: جمع وكتة وهي الأثر في الشيء كالنقطة من غير لونه.\n(^٥) - يقال: مجلت يده من العمل مَجْلًا: إذا تقرّحت من العمل وتكون بين الجلد واللحم فيها ماء بإصابة نار أو مشقة أو معالجة الشيء الخشن.\n(^٦) - أي: وَرِمًا.\n_________\n[¬١]- في ز: \"عبد الله\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من. خ، ز.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٤]- في ز: \"وأطرفه\".","vol":"11","page":255},{"text":"وقال الإمام أحمد (^٣١١): حدثنا حسن، حدثنا ابن لهيعة، عن الحارث بن يزيد الحضرمي، عن عبد الله بن عمرو؛ أن رسول الله ﷺ؛ قال: \"أربع إذا كن فيك فلا عليك ما فاتك من الدنيا: حفظ أمانة، وصدق حديث، وحسن خليقة، وعفة طُعمة\".\nهكذا رواه الإمام أحمد في مسند عبد الله بن عمرو بن العاص.\nوقد قال الطبراني (^٣١٢) في مسند عبد الله بن عمر بن الخطاب: حدثنا يحيى بن أيوب العلاف المصري، حدثنا سعيد بن أبي مريم، حدثنا ابن لهيعة، عن الحارث بن يزيد، عن ابن حُجَيرة، عن عبد الله بن عمر ﵄؛ قال: قال رسول الله ﷺ: \"أربع إذا كن فيك فلا عليك ما فاتك من الدنيا: حفظ أمانة، وصدق حديث، وحسن خليقة، وعفة طعمة\". فزاد في الإسناد: \"ابن حُجَيرة\"، وجعله من مسند ابن عمر.\nوقد ورد النهي عن الحلف بالأمانة، قال عبد الله بن المبارك في \"كتاب الزهد\" (^٣١٣): حدثنا شريك، عن أبي إسحاق الشيباني، عن خُنَاس بن سُحَيم -أو قال: جَبَلَة [¬١] بن سُحَيم- قال: أقبلت مع زياد بن حُدير من الجابية فقلتُ في كلامي: لا والأمانة. فجعل زياد يبكى ويبكى، فظننت أني أتيتُ أمرًا عظيمًا، فقلت له: أكان يكره هذا؟ فقال: نعم. كان عمر بن الخطاب ينهى عن الحلف بالأمانة أشد النهي.\nوقد ورد في ذلك حديث مرفوع، قال أبو داود (^٣١٤): حدثنا أحمد بن عبد الله بن يونس، حدثنا زهير، حدثنا الوليد بن ثعلبة الطائي، عن ابن بُرَيدة، عن أبيه؛ قال: قال رسول الله ﷺ: \"من حلف بالأمانة فليس منا\". تفرد به أبو داود، ﵀.\nوقوله تعالى: ﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ﴾، أي: إنما حمل ابن آدم الأمانة -وهي التكاليف- ليعذب الله [¬٢] المنافقين منهم والمنافقات، وهم الذين يظهرون الإيمان خوفًا من أهله ويبطنون الكفر متابعة لأهله، ﴿وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ﴾، وهم الذين ظاهرهم وباطنهم على الشرك باللَّه ﷿ ومخالفة رسله، ﴿وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ\n_________\n(^٣١١) المسند (٢/ ١٧٧).\n(^٣١٢) مجمع الزوائد (٤/ ١٤٥) وقال الهيثمي: \"رواه أحمد والطبراني في الكبير، وفيه ابن لهيعة وحديثه حسن، وبقية رجاله رجال الصحيح\".\n(^٣١٣) الزهد برقم (٢١٣).\n(^٣١٤) سنن أبي داود، كتاب الأيمان والنذور، باب: كراهية الحلف بالأمانة برقم (٣٢٥٣)، ورواه ابن حبان في صحيحه برقم (١٣١٨) \"موارد\" من طريق وكيع عن الوليد بن ثعلبة، به.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"خيلة\".\n[¬٢]- سقط من: خ.","vol":"11","page":256},{"text":"وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾، أي: وليرحم المؤمنين من الخلق [الذين آمنوا] [¬١] بالله وملائكته [¬٢] وكتبه ورسله العاملين بطاعته، وكان الله غفورًا رحيمًا.\n* * *\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.","vol":"11","page":257},{"text":"<span data-type='title' id=toc-148>تفسير سورة سبأ وهي مكية</span>\n﷽\n﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (١) يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ (٢) وَقَال الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٣)﴾\nيخبر تعالى عن نفسه الكريمة؛ أن له الحمد المطلق في الدنيا والآخرة، لأنه المنعم المتفضل على أهل الدنيا والآخرة، المالك لجميع ذلك، الحاكم في جميع ذلك، كما قال: ﴿وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إلا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيهِ تُرْجَعُونَ﴾؛ ولهذا قال هاهنا: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾، أي: الجميع ملكه وعبيده وتحت قهره وتصرفه، كما قال: ﴿وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى﴾.\nثم قال: ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ﴾، فهو المعبود أبدًا، المحمود على طول المدى. وقال: ﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ﴾، أي في أقواله وأفعاله وشرعه وقَدَره، ﴿الْخَبِيرُ﴾ الذي لا تخفى عليه خافية، ولا يغيب عنه شيء.\nوقال مالك عن [¬١] الزهري: خبير بخلقه، حكيم بأمره؛ ولهذا قال: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا﴾، أي: يعلم عدد القطر النازل في أجزاء الأرض، والحب المبذور والكامن فيها، ويعلم ما يخرج من ذلك. عدده وكيفيته وصفاته.\n﴿وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ﴾، أي: من قطر ورزق، ﴿وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا﴾، أي [¬٢]: من الأعمال الصالحة وغير ذلك، ﴿وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ﴾، أي: الرحيم بعباده فلا يعاجل عُصاتهم بالعقوبة، الغفور عن ذنوب التائبين إليه المتوكلين عليه.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- سقط من: ز.","vol":"11","page":258},{"text":"لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤) وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ (٥) وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (٦) وَقَال الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ (٧)﴾\nهذه إحدى الآيات الثلاث التي [¬١] لا رابع لهن، مما أمر الله رسوله ﷺ أن يقسم بربه العظيم على وقوع المعاد لمَّا أنكره من أنكره من أهل الكفر والعناد، فإحداهن في \"سورة يونس\": ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾، والثانية هذه: ﴿وَقَال الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾: والثالثة في \"التغابن\" ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾، فقوله: ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾، ثم وصفه بما يؤكد ذلك ويقرره: ﴿عَالِمِ الْغَيبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾.\nقال مجاهد وقتادة: ﴿لَا يَعْزُبُ عَنْهُ﴾، لا يغيب عنه، أي: الجميع مندرج تحت علمه فلا يخفى [¬٢] عليه منه شيء فالعظام -وإن تلاشت وتفرقت وتمزقت- فهو عالم أين ذهبت وأين تفرقت، ثم يعيدها كما بدأها أول مرة، فإنه بكل شيء عليم.\nثم بين حكمته في إعادة الأبدان وقيام الساعة بقوله: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤) وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ [¬٣]﴾، أي: سعوا في الصد عن سبيل الله وتكذيب رسله، ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ﴾، أي: لينعم السعداء من المؤمنين، ويعذب الأشقياء من الكافرين، كما قال: ﴿لَا يَسْتَوي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾. وقال تعالى: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾.\nوقوله: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ﴾، هذه حكمة أخرى معطوفة على التي قبلها. وهي أن المؤمنين بما أنزل على الرسل إذا شاهدوا قيام الساعة\n_________\n[¬١]- في ز: \"اللاتي\".\n[¬٢]- في ت: \"تخفى\".\n[¬٣]- في ز: \"معجرين\".","vol":"11","page":259},{"text":"ومجازاة الأبرار والفجار بالذي [¬١] كانوا قد علموه من كتب الله في الدنيا رأوه حينئذ عين اليقين، ويقولون يومئذ أيضًا: ﴿لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾، ويقال أيضًا: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾، ﴿لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ﴾ ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ - العزيز هو: المنيع الجناب، الذي لا يُغالب ولا يُمَانَع، بل قد قهر كل شيء، الحميد في جميع أقواله وأفعاله [¬٢] وشرعه وقدره، وهو المحمود في ذلك كله.\n﴿أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ (٨) أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَينَ أَيدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٩) وَلَقَدْ آتَينَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ (١٠)﴾\nهذا إخبار من الله عن استبعاد الكفرة الملحدين قيامَ الساعة واستهزائهم بالرسول ﷺ في [¬٣] إخباره بذلك: ﴿وَقَال الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾، أي: تفرقت أجسادكم في الأرض وذهبت فيها كل مذهب، وتمزقت كل ممزق: ﴿إِنَّكُمْ﴾، أي: بعد هذا الحال ﴿لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾، أي: تعودون أحياء ترزقون بعد ذلك. وهو في هذا الإخبار لا يخلو أمره من قسمين: إما أن يكون قد تعمد الافتراء على الله أنه قد أوحى إليه ذلك. أو أنه لم يتعمد لكن لُبّس عليه كما يُلَبَّس على المعتوه والمجنون؛ ولهذا قالوا: ﴿أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ﴾؟ قال الله تعالى رادًّا عليهم: ﴿بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ﴾، أي: ليس الأمر كما زعموا ولا كما ذهبوا إليه، بل محمد ﷺ هو الصادق البار الراشد الذي جاء بالحق، وهم الكذبة الجهلة الأغبياء، ﴿فِي الْعَذَابِ﴾، أي: الكفر المفضي بهم إلى عذاب الله، ﴿وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ﴾، من الحق في الدنيا.\nثم قال منبهًا لهم على قدرته في خلق السماوات والأرض- فقال: ﴿أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَينَ أَيدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾، أي: حيثما توجهوا وذهبوا فالسماء مُظلة مظللة عليهم، والأرض تحتهم، كما قال: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَينَاهَا بِأَيدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ (٤٧) وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا\n_________\n[¬١]- في ز: \"الذي\".\n[¬٢]- في ز: \"وأقواله\".\n[¬٣]- في ز: \"و\".","vol":"11","page":260},{"text":"فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ﴾.\nقال عبد بن حميد: أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة: ﴿أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَينَ أَيدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾، قال: إنك إن نظرت عن يمينك أو عن شمالك، أو من بين يديك أو من خلفك، رأيت السماء والأرض.\nوقوله: ﴿إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ﴾، أي: لو شئنا لفعلنا بهم ذلك؛ لظلمهم وقدرتنا عليهم، ولكن نؤخر ذلك لحلمنا وعفونا.\nثم قال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾، قال معمر، عن قتادة: ﴿مُنِيبٍ﴾ تائب.\nوقال سفيان عن قتادة: المنيب: المقبل إلى الله ﷿.\nأي: إن في النظر إلى خلق السماء والأرض لدلالة لكل عبد فَطِن لبيب رَجَّاع إلى الله، على قدرة الله على بعث الأجساد ووقوع المعاد، لأن من قدر على خلق [السماوات في] [¬١] ارتفاعها واتساعها، وهذه الأرضين في انخفاضها وأطوالها وأعراضها، إنه لقادر على إعادة الأجسام ونشر الرميم من العظام، كما قال تعالى: ﴿أَوَلَيسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ [يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ] [¬٢] بَلَى﴾ وقال: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ [¬٣] النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾.\n﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١) وَلِسُلَيمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَينَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَينَ يَدَيهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ (١٢)﴾\nيخبر تعالى عما أنعم به على عبده ورسوله داود -صلوات الله وسلامه عليه- مما آتاه من الفضل المبين، وجمع له بين النبوة والملك المتمكن، والجنود ذوي العدد والعُددَ، وما أعطاه ومنحه من الصوت العظيم، الذي كان إذا سبح به تسبح معه الجبال الراسيات، الصم الشامخات، وتقف له الطيور السارحات، والغاديات والرائحات، وتجاوبه بأنواع اللغات. وفي الصحيح أن رسول الله ﷺ سمع صوت أبي موسى الأشعري يقرأ من الليل،\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ز: \"هذه السماوات و\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز: \"يحيى الموتى\".\n[¬٣]- سقط من: ز.","vol":"11","page":261},{"text":"فوقف فاستمع لقراءته، ثم قال: \"لقد أوتى هذا مِزمَارًا من مزامير آل داود\" (^١).\nو[¬١] قال أبو عثمان النهدي: ما سمعت صوت صَنج ولا بَربَط [¬٢] ولا وَتَر أحسنَ من صوت أبي موسى الأشعري ﵁.\nومعنى قوله: ﴿أَوِّبِي مَعَهُ﴾، أي: سبحي. قاله ابن عباس، ومجاهد، وغير واحد.\nوزعم أبو ميسرة أنه بمعنى سبّحي بلسان الحبشة. وفي هذا نظر، فإن التأويب في اللغة هو الترجيع، فأمرت الجبال والطير أن ترجع معه بأصواتها.\nوقال أبو القاسم عبد الرحمن بن إسحاق الزجاجي في كتابه \"الجُمل\" في باب النداء منه ﴿يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ﴾، أي: سيري معه بالنهار كله، والتأويب: سير النهار كله، والإسار: سير الليل كله [¬٣]. وهذا لفظه، وهو غريب جدًّا لم أجده لغيره، وإن كان له مساعدة من حيث [¬٤] اللفظ في اللغة، لكنه بعيد في معنى الآية هاهنا. والصواب أن المعنى في قوله تعالى: ﴿أَوِّبِي مَعَهُ﴾، أي: رَجّعي مُسَبّحة معه، كما تقدم، والله أعلم.\nوقوله: ﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾، قال الحسن البصري، وقتادة، والأعمش وغيرهم: كان لا يحتاج أن يُدخلَه نارًا ولا يضربه بمطرقة، بل كان يفتله بيده مثل الخيوط، ولهذا قال: ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ﴾، وهي: الدروع- قال قتادة؛ وهو أول من عملها من الخلق، وإنما كانت قبل ذلك صفائح.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا ابن [¬٥] سماعة، حدثنا ابن ضمَرة، عن ابن شوذب؛ قال: كان داود ﵇ يرفع في كل يوم درعًا فيبيعها بستة آلاف درهم: ألفين له ولأهله، وأربعة ألاف درهم يطعم بها بني إسرائيل خبز الحوارى.\n﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾، هذا إرشاد من الله لنبيه، داود ﵇، في تعليمه صنعة الدروع.\nقال مجاهد في قوله: ﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾: لا تُدِق [¬٦] المسمار فَيقلَق في الحلقة، ولا تُغَلّظه فيفصمها [¬٧]، واجعله بقدر.\n_________\n(^١) تقدم تخريج الحديث.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- في ز: \"يربَط\".\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- سقط من: ز.\n[¬٥]- سقط من: خ.\n[¬٦]- في ز: \"بدق\".\n[¬٧]- في ز: \"فيقصهما\".","vol":"11","page":262},{"text":"وقال الحكم بن عُتيبة [¬١]: لا تُغَلظه فيفصم [¬٢]، ولا تدقه فيقلَق. وهكذا روي عن قتادة، وغير واحد.\nوقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: السرد: حَلَقُ [¬٣] الحديد. وقال بعضهم: يقال: درع مسرودة [¬٤]: إذا كانت مسمورة الحلق، واستشهد بقول الشاعر:\nوَعَليهما مَسْرُودتَان قَضَاهُهما [¬٥] … \"دَاوُد\"، أو صَنَعُ السّوابغ \"تُبّعُ\"\nوقد ذكر الحافظ ابن عساكر في ترجمة داود ﵇ (^٢) من طريق إسحاق بن بشر [¬٦]- وفيه كلام- عن أبي إلياس، عن وهب بن مُنَبه ما مضمونه: أن داود ﵇ كان يخرج متنكرًا، فيسأل الركبان عنه وعن سيرته، فلا يسأل أحدًا إلا أثني عليه خيرًا في عبادته وسيرته ومعدلته -صلوات الله وسلامه عليه- قال وهب: حتى بعث الله ملكا في صورة رجل، فلقيه داود فسأله كما كان يسأل غيره، فقال: هو خير الناس لنفسه ولأمته، إلا أن فيه خصلة لو لم تكن فيه كان كاملًا. [قال: ما هي؟] [¬٧] قال: كل ويطعم عياله من مال المسلمين- يعني بيت المال- فعند ذلك نصب داود ﵇ إلى ربه في الدعاء أن يعلمه عملًا بيده يستغني به [¬٨] ويغني به عياله، فألان له الحديد، وعلمه صنعة الدروع، فعمل الدرع، وهو أول من عملها، فقال الله: ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾، يعني مسامير الحلق، قال: وكان يعمل الدرع، فإذا ارتفع من عمله درع باعها، فتصدق بثلثها، واشترى بثلثها ما يكفيه وعياله، وأمسك الثلث يتصدق به يومًا [¬٩] بيوم إلى أن يعمل غيرها. وقال: إن الله أعطى داود شيئًا لم يعطه غيره من حسن الصوت، إنه كان إذا قرأ الزبور تسمع الوحش حتى يؤخذ بأعناقها وما تنفر، وما صنعت الشياطين المزامير والبرابط والصنوج إلا على أصناف صوته. وكان شديد الاجتهاد، وكان إذا افتتح الزبور بالقراءة كأنما ينفخ في المزامير، وكان قد أعطي سبعين مزمارًا [¬١٠] في حلقه.\nوقوله: ﴿وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾، أي: في الذي أعطاكم الله من النعم، ﴿إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾، أي: مراقب لكم، بصير بأعمالكم وأقوالكم، لا يخفى علي من ذلك شيء.\n_________\n(^٢) تاريخ دمشق (٥/ ٧٠٨ المخطوط).\n_________\n[¬١]- في ز: \"عيينة\".\n[¬٢]- في ز: \"فيقصم\".\n[¬٣]- في ز: \"هو\".\n[¬٤]- في ز: \"مسرود\".\n[¬٥]- في ز: \"يضاهما\".\n[¬٦]- في ز: \"بسر\".\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٨]- سقط من: خ، ز.\n[¬٩]- سقط من: خ، ز.\n[¬١٠]- سقط من: خ، ز.","vol":"11","page":263},{"text":"يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ (١٣) فَلَمَّا قَضَينَا عَلَيهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إلا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ (١٤)﴾\nلما ذكر تعالى ما أنعم به على داود، عطف بذكر ما أعطى سليمان بن داود، من تسخير الريح له تحمل بساطه، غدوها شهر ورواحها شهر.\nقال الحسن البصري: كان يغدو على بساطه من دمشق فينزل بإصطخر يتغدى بها، ويذهب [رائحا] [¬١] من إصطخر فيبيت بكابل، وبين دمشق وإصطخر شهر كامل للمسرع، وبين إصطخر وكابل شهر كامل للمسرع.\nوقوله: ﴿وَأَسَلْنَا لَهُ عَينَ الْقِطْرِ﴾ قال ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، وعطاء الخراساني، وقتادة، والسدي، ومالك عن زيد بن أسلم، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وغير واحد: القطر النحاس. قال قتادة: وكانت باليمن، فكل ما يصنع الناس مما أخرج الله تعالى لسليمان ﵇.\nقال السدي: وإنما أسيلت له ثلاثة أيام.\nوقوله: ﴿وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَينَ يَدَيهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾، أي: وسخرنا له الجن يعملون بين يديه بإذن الله، أي: بقدره [¬٢]، وتسخيره لهم بمشيئته ما يشاء من البنايات وغير ذلك. ﴿وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا﴾، أي: ومن يعدل ويخرج منهم عن الطاعة ﴿نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ﴾، وهو الحريق.\nوقد ذكر ابن أبي حاتم ها هنا حديثًا غريبًا فقال (^٣): [حدثنا أبي] [¬٣]، حدثنا أبو صالح، حدثنا معاوية بن صالح، عن أبي الزاهرية، عن جبير بن نُفَير، عن أبي ثعلبة الخُشَني؛ أن رسول\n_________\n(^٣) ورواه الحاكم في المستدرك (٢/ ٤٥٦) وصححه، ووافقه الذهبي، والطبراني في الكبير (٢٢/ ٢١٤) من طريق عبد الله بن صالح، عن معاوية بن صالح به، ورواه ابن حبان في صحيحه حديث (٢٠٠٧) من طريق ابن وهب، عن معاوية بن صالح، به.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من ز.\n[¬٢]- في ز: \"القدري\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.","vol":"11","page":264},{"text":"الله ﷺ؛ قال: \"الجن ثلاثة أصناف: صنف له أجنحة يطيرون في الهواء، وصنف حيات وكلاب، وصنف يحلون ويظعنون\". رفعه غريب جدًّا.\nوقال أيضًا: حدثنا أبي، حدثنا حرملة، حدثنا ابن وهب، أخبرني بكر بن مضر، عن محمَّد، عن ابن أنعم؛ إنّه قال: الجن ثلاثة: صنف لهم الثواب وعليهم العقاب، وصنف طيارون فيما بين السماء والأرض، وصنف حيات وكلاب.\nقال بكر بن مضر: ولا أعلم إلا أنه قال [¬١]: حدثني أن الإنس ثلاثة؛ صنف يظلهم الله بظل عرشه يوم القيامة، وصنف كالأنعام بل هم أضل سبيلًا، وصنف في صُور الناس على قلوب الشياطين.\nوقال أيضًا: حدثنا أبي، حدثنا علي بن هاشم بن مرزوق، حدثنا سلمة -يعني ابن الفضل- عن إسماعيل، عن الحسن؛ قال: الجن ولد إبليس، والإنس ولد آدم، ومن هؤلاء مؤمنون ومن هبزلاء مؤمنون، وهم شركاؤهم في الثواب والعقاب، ومن كان من هؤلاء وهؤلاء مؤمنًا فهو ولي الله، ومن كان من هؤلاء وهؤلاء كافرًا فهو شيطان.\nوقوله: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ﴾، أما المحاريب فهي البناء الحسن، وهو أشرف شيء في المسكن وصدره.\nوقال مجاهد: المحاريب بنيان دون القصور. وقال الضحاك: هي المساجد. وقال قتادة: هي المساجد والقصور. وقال ابن زيد: هي المساكن.\nوأما التماثيل فقال عطية العوفي، والضحاك والسدي: التماثيل: الصور. قال مجاهد: وكانت من نحاس. وقال قتادة: من طين وزجاج.\nوقوله: ﴿وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ﴾، الجواب: جمع جابية، وهي الحوض الذي يجبى فيه الماء، كما قال الأعشى ميمون بن قيس:\nتَرُوحُ عَلَى آل المحلَّق جَفْنَةٌ … كَجَابيَة الشيخ العرَاقي تَفْهَقُ\nوقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿كَالْجَوَابِ﴾، أي: كالجَوبة من الأرض.\nوقال العوفي، عنه: كالحياض. وكذا قال مجاهد، والحسن، وقتادة، والضحاك وغيرهم.\nوالقدور الراسيات: أي الثابتات في أماكنها [¬٢] لا تتحول ولا تتحرك عن أماكنها لعظمها.\nكذا قال مجاهد والضحاك، وغيرهما.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- في ز: \"أماكنهم\".","vol":"11","page":265},{"text":"وقال عكرمة: أثافيها منها.\nوقوله: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾، أي: وقلنا لهم اعملوا شكرًا على ما أنعم به عليكم في الدنيا والدين.\nوشكرًا: مصدر من غير الفعل، أو أنه مفعول له، وعلى التقديرين فيه دلالة على أن الشكر يكون بالفعل كما يكون بالقول وبالنية، كما قال:\nأفَادَتْكُمُ النّعْمَاء مني ثَلاثة … يدِي، ولسَاني، وَالضمير المُحَجَّبَا\nقال أبو عبد الرحمن الحبلي [¬١]: الصلاة شكر، والصيام شكر، وكل خير تعمله لله شكر.\nوأفضل الشكر الحمد. رواه ابن جرير.\nوروى هو وابن أبي حاتم، عن محمَّد بن كعب القرظي؛ قال: الشكر تقوى الله والعمل الصالح.\nوهذا قال لمن هو متلبس بالفعل، وقد كان آل داود ﵇ كذلك قائمين بشكر الله قولا وعملًا.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن أبي بكر، حدثنا جعفر -يعني ابن سليمان- عن ثابت البُناني؛ قال: كان داود ﵇ قد جزأ على أهله وولده ونسائه الصلاة، فكان لا تأتي [¬٢] عليهم ساعة من الليل والنهار إلا وإنسان من آل داود قائم يصلي، فغمرتهم هذه الآية: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾.\nوفي الصحيحين عن رسول الله ﷺ؛ أنه قال: \"إن أحب الصلاة إلى الله صلاةُ داودَ، كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه، وأحب الصيام إلى الله صيام داود، كان يصوم يوما ويفطر يومًا، ولا يَفر إذا لاقى\" (^٤).\nوقد روى أبو عبد الله بن ماجه من حديث سُنَيد بن داود، حدثنا يوسف بن محمَّد بن المنكدر، عن أبيه، عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ: \"قالت أمّ سليمان بن داود لسليمان: يا بني، لا تكثر النوم بالليل، فإن كثرة النوم بالليل تترك الرجل فقيرًا يوم القيامة\" (^٥).\n_________\n(^٤) صحيح البخاري، كتاب التهجد حديث (١١٣١)، وصحيح مسلم، كتاب الصيام حديث (١١٥٩).\n(^٥) سنن ابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها حديث (١٣٣٢)، وقال البوصيري في الزوائد (١/ ٤٣٣): \"هذا إسناد ضعيف\".\n_________\n[¬١]- في خ، ز: \"السلمي\".\n[¬٢]- في ز: \"يأتي\".","vol":"11","page":266},{"text":"وروى ابن أبي حاتم عن [عن أبي حاتم] [¬١] داود ﵇ ها هنا أثرًا غريبًا مطولًا جدًّا، وقال أيضًا:\nحدثنا أبي، حدثنا عمران بن موسى، حدثنا أبو يزيد [¬٢] قبيصة بن إسحاق الرقي؛ قال: قال فضيل في قوله تعالى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾. فقال داود: يا رب؛ كيف أشكرك، والشكر نعمة منك؟ قال: \"الآن شكرتني حين علمت [¬٣] أن النعمة [¬٤] مني\".\nوقوله: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾، إخبار عن الواقع.\n﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ (١٥)﴾\nيذكر تعالى كيفية موت سليمان ﵇، وكيف عَمَّى الله موته على الجانّ المسخرين له في الأعمال الشاقة، فإنه مكث متوكئًا على عصاه -وهي منسَأته -كما قال ابن عباس، ومجاهد، والحسن، وقتادة وغير واحد- مدة طويلة نحوًا من سنة، فلما أكلتها دابةُ الأرض، وهي الأرضة، ضعفت [¬٥] وسقط إلى الأرض، وعلم أنه قد مات قبل ذلك بمدة طويلة- تبينت الجن والإنس أيضًا أن الجن لا يعلمون الغيب، كما كانوا يتوهمون ويوهمون الناس ذلك.\nوقد ورد في ذلك حديث مرفوع غريب، وفي صحته نظر.\nوقال ابن جرير (^٦): حدثنا أحمد بن منصور، حدثنا موسى بن مسعود أبو حذيفة، حدثنا إبراهيم بن طهمان، عن عطاء بن [¬٦] السائب، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن النبي، ﷺ، قال: \"كان سليمان نبي الله ﵇ إذا صلى رأى شجرة نابتة بين يديه فيقول لها: ما اسمك؟ فتقول: كذا. فيقول: لأي شيء أنت؟ فإن كانت لغرس غُرِسَتْ، وإن كانت لدواء كُتبَتْ. فبينما هو يصلي ذات يوم إذ رأى شجرة بين يديه، فقال لها: ما اسمك؟ قالت: الخروب. قال: لأي شيء أنت؟ قالت: لخراب هذا البيت. فقال سليمان: اللهم، عَمِّ علي الجن موتي [¬٧] حتى يعلم الإنس أن الجن لا يعلمون الغيب. فنحتها عصا، فتوكأ عليها حولًا ميتا، والجن تعمل. فأكلتها الأرضة، فتبينت الإنس أن الجن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا حولًا [¬٨] في العذاب المهين\".\n_________\n(^٦) تفسير الطبري (٢٢/ ٧٤).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ت.\n[¬٢]- في خ: \"زيد\".\n[¬٣]- في ز: \"قلت\".\n[¬٤]- في خ: \"النعم\".\n[¬٥]- في ز: \"فضعفت\".\n[¬٦]- في ت: \"عن\".\n[¬٧]- في ز: \"موتتي\".\n[¬٨]- سقط من: ز.","vol":"11","page":267},{"text":"قال: وكان ابن عباس يقرؤها كذلك. قال: فشكرت الجن الأرضة، فكانت تأتيها [¬١] بالماء).\nوهكذا رواه ابن أبي حاتم، من حديث إبراهيم بن طهمان به. وفي رفعه غرابة ونكارة، والأقرب أن يكون موقوفًا، وعطاء بن أبي مسلم [¬٢] الخراساني له غرابات، وفي بعض حديثه نكارة.\nوقال السدي (^٧)، في حديث ذكره عن أبي مالك وعن أبي صالح، عن ابن عباس وعن مُرة\nالهمداني، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب رسول الله ﷺ؛ قال: كان سليمان يتحرَّد (*) في بيت المقدس السنة والسنتين والشهر والشهرين، وأقل من ذلك وأكثر، يدخل طعامه وشرابه، فأدخله في المرة التي توفي فيها، وكان بدء ذلك أنه لم يكن يوم يصبح فيه إلا نبتت في بيت المقدس شجرة، فيأتيها فيسألها، فيقول: ما اسمك؟ فتقول: اسمي كذا وكذا. فإن كانت لغرس غرسها، وإن كانت نبتَ دواء قالت: نَبَت دواء لكذا وكذا. فيجعلها كذلك، حتى نبتت شجرة يقال لها: الخروبة، فسألها: ما اسمك؟ فقالت: أنا الخروبة. قال: ولأي شيء نبَتّ؟ قالت: نبت لخراب هذا المسجد. قال سليمان: ما كان الله ليخربه وأنا حي؟ أنت التي على وجهك هلاكي وخراب بيت المقدس. فنزعها [¬٣] وغرسها في حائط له، ثم دخل المحراب فقام [¬٤] يصلى متكئًا على عصاه، فمات ولا تعلم به الشياطين، وهم في ذلك يعملون له، يخافون أن يخرج فيعاقبهم. وكانت الشياطين تجتمع حول المحراب، وكان المحراب له كُوى بين يديه وخلفه، فكان الشيطان الذي يريد أن [¬٥] يخلع يقول: ألست جلدًا إن دخلت فخرجت من ذلك الجانب؛ فيدخل حتى يخرج من الجانب الآخر، فدخل شيطان من أولئك فمر، ولم يكن شيطان ينظر إلى سليمان في المحراب إلا احترق. فمر ولم يسمع صوت سليمان، ثم رجع فلم يسمع، ثم رجع فوقع في البيت ولم يحترق. ونظر إلى سليمان ﵇ قد سقط ميتًا. فخرج فأخبر الناس أن سليمان قد مات، [ففتحوا عليه] [¬٦] فأخرجوه، وَوَجدوا منسأته -وهي: العصا بلسان الحبشة- قد أكلتها الأرضة، ولم يعلموا منذ كم مات؟ فوضعوا الأرضة على العصا، فأكلت منها يومًا وليلة، ثم حسبوا على ذلك النحو، فوجدوه قد مات منذ سنة. وهي في قراءة ابن مسعود: (فمكثوا يدأبون [¬٧] له من بعد موته حولًا كاملًا) فأيقن\n_________\n(^٧) - أخرجه ابن جرير من طريق السدي (٢٢/ ٧٥).\n(*) أي يعتزل ويتنحَّى.\n_________\n[¬١]- في ز: \"تأتيه\".\n[¬٢]- في ز: \"سليم\".\n[¬٣]- في خ، ز: \"فتزوجها\".\n[¬٤]- في ز: \"فدخل\".\n[¬٥]- سقط من: ز.\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين في خ، ز: \"فتنحوا عنه\".\n[¬٧]- في ز: \"بدئون\".","vol":"11","page":268},{"text":"الناس عند ذلك أن الجن كانوا يكذبونهم ولو أنهم علموا الغيب؛ لعلموا بموت سليمان، ولم يلبثوا في العذاب يعملون له سنة، وذلك قول الله ﷿: ﴿مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إلا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾، يقول: تبين أمرهم للناس أنهم كانوا يكذبونهم، ثم إن الشياطين قالوا للأرضة: لو كنت تأكلين الطعام أتيناك بأطيب الطعام، ولو كنت تشربين [¬١] الشراب سقيناك أطيب الشراب، ولكنا سننقل إليك الماء والطين -قال: فهم ينقلون إليها ذلك حيث كانت- قال: ألم تر إلى الطين الذي يكون في جوف الخشب؟ فهو ما تأتيها به الشياطين، شكرًا لها (^٨).\nوهذا الأثر -والله أعلم- إنما هو مما تلقي من علماء أهل الكتاب، وهي وَقفٌ، لا يصدق منها إلا ما وافق الحق، ولا يكذب منها إلا ما خالف الحق، والباقي لا يصدق ولا يكذب.\nوقال ابن وهب وأصبغ بن الفرج، عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله: ﴿مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إلا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ﴾، قال: قال سليمان ﵇ لملك الموت: إذا أمرتَ بي فأعلمني فأتاه فقال: يا سليمان؛ قد أمرت بك، قد بقيت لك سويعة؟ فدعا الشياطين فبنوا عليه صرحًا من قوارير، وليس له [¬٢] باب، فقام يصلي فاتكأ على عصاه، قال: فدخل عليه ملك الموت، فقبض روحه وهو متوكئ على عصاه، ولم يصنع ذلك فرارًا من ملك الموت- قال: والجن يعملون بين يديه وينظرون إليه، يحسبون أنه حي. قال: فبعث الله ﷿ دابة الأرض، قال: والدابة تأكل العيدان -يقال لها: القادح- فدخلت فيها فأكلتْها، حتى إذا أكلت جوف العصا ضعفت، وثقل عليها فخر ميتًا، فلما رأت ذلك الجن انفضوا [¬٣] وذهبوا، قال: فذلك قوله: ﴿مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إلا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ﴾.\nقال أصبغ: بلغني عن غيره أنها قامت سنة تأكل منها قبل أن يخر.\nوقد ذكر غير واحد من السلف نحوا من هذا، [والله أعلم] [¬٤].\n﴿فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيهِمْ سَيلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيهِمْ جَنَّتَينِ ذَوَاتَي أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ (١٦) ذَلِكَ جَزَينَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إلا الْكَفُورَ (١٧) وَجَعَلْنَا بَينَهُمْ وَبَينَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا\n_________\n(^٨) تفسير الطبري (٢٢/ ٧٥ - ٧٦).\n_________\n[¬١]- في خ، ز: \"تشتهين\".\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- في ز: \"انفضت\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.","vol":"11","page":269},{"text":"فِيهَا السَّيرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ (١٨)﴾\nكانت سبأ ملوكَ اليمن وأهلها، وكانت التبابعة [¬١] منهم، وبلقيس صاحبة سليمان منهم، وكانوا في نعمة وغبطة في بلادهم وعيشهم، واتساع أرزاقهم وزروعهم وثمارهم. وبعث الله إليهم الرسل تأمرهم أن يأكلوا من رزقه، ويشكروه بتوحيده وعبادته، فكانوا [¬٢] كذلك ما شاء الله، ثم أعرضوا عما أمروا به، فعوقبوا بإرسال السيل والتفرق في البلاد أيدي سبأ، شذر مَذرَ؛ كما يأتي تفصيله وبيانه تركها أن شاء الله تعالى وبه الثقة.\nقال الإِمام أحمد ﵀ (^٩): حدثنا أبو عبد الرحمن، حدثنا ابن لهيعة، عن عبد الله بن هُبَيرة، عن عبد الرحمن بن وَعلة [¬٣]؛ قال: سمعت ابن عباس يقول: أن رجلًا سأل رسول الله ﷺ عن سبأ: ما هو؟ رجل أم امرأة أم أرض؟ قال: \"بل هو رجل، ولد عَشَرَة، فسكن اليمن منهم ستة، وبالشام منهم أربعة، فأما اليمانيون فمَذْحِجٌ، وكِندَةُ، والأزد، والأشعريون وأنمار، وحمير، وأما الشامية فلخم، وجُذام، وعاملة، وغسان\".\nورواه عَبد، عن الحسن بن موسى، [عن ابن لهيعة] [¬٤] به. وهذا إسناد حسن، ولم يخرجوه. وقد رواه الحافظ أبو عمر بن عبد البر في كتاب \"القصد والأممُ، بمعرفة أصول [¬٥] أنساب العرب والعجم\"، من حديث ابن لهيعة، عن علقمة بن وعلة، عن ابن عباس فذكر نحوه. وقد روى نحوه من وجه آخر.\nوقال الإمام أحمد [¬٦] أيضًا وعبد بن حميد: حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا أبو جَنَاب يحيى بن أبي حية [¬٧] الكلبي، عن يحيى بن هانئ بن عروة، عن فروة بن مُسَيك؛ قال: أتيت رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله؛ أقاتل بمقبل قومي مدبرهم؟ قال: \"نعم، فقاتل بمقبل قومك مدبرهم\". فلما وليت دعاني فقال: \"لا تقاتلهم حتى تدعوهم إلى الإِسلام\". فقلت: يا رسول الله؛ أرأيت سبأ أواد هو، أو رجل، أو [¬٨] ما هو؟ قال: \"بل رجل من العرب، ولد له عشرة فَتَيَامَنَ ستة وتشاءم أربعة، تيامن الأزد، والأشعريون، وحمير، وكندة، ومذحج، وأنمار الذين يقال لهم: بجيلة [¬٩] وخثعم. وتشاءم لخم، وجذام، وعاملة،\n_________\n(^٩) المسند (١/ ٣١٦).\n_________\n[¬١]- في ز: \"التتابعة\".\n[¬٢]- في ز: \"وكانوا\".\n[¬٣]- في ز: \"وعكة\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٥]- سقط من: خ، ز.\n[¬٦]- سقط من: ز.\n[¬٧]- بياض في خ، ز.\n[¬٨]- في ز: \"أم\".\n[¬٩]- في ز: \"بجلة\".","vol":"11","page":270},{"text":"وغسَّان\" (^١٠).\nوهذا أيضًا إسناد جيد وإن كان فيه أبو جَنَاب [¬١] الكلبي، وقد تكلموا فيه. لكن رواه ابن جرير (^١١) عن أبي غريب، عن العنقزيّ، عن أسباط بن نصر، عن يحيى بن هانئ المرادي، عن عمه أو عن أبيه -يشك أسباط- قال: قدم فروة بن مُسَيك على رسول الله ﷺ، فذكره.\n(طريق أخرى لهذا الحديث)، قال ابن أبي حاتم: حدثنا يونس بن عبد الأعلى، حدثنا ابن وهب، حدثني ابن لهيعة، عن توبة بن نَمر [¬٢]، عن عبد العزيز بن يحيى أنه أخبره قال: كنا عند عبيدة بن عبد الرحمن بإفريقية فقال يومًا: ما أظن قومًا بأرض إلا هم من أهلها. فقال علي بن رباح: كلا، قد حدثني فلان أن فروة بن مُسَيك الغُطيفي قدم على رسول الله ﷺ فقال: بها رسول الله؛ إن سبأ قوم كان لهم عز في الجاهلية، وإني أخشى أن يرتدوا عن الإِسلام، أفأقاتلهم؟ فقال: \"ما أمرت فيهم بشيء بعد\". فأنزلت هذه الآية: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإ فِي [مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ] [¬٣]﴾ الآيات، فقال له رجل: يا رسول الله؛ ما سبأ؟ فذكر مثل [هذا الحديث الذي] [¬٤] قبله؛ أن رسول الله ﷺ سُئل عن سبأ: ما هو؟ أبلد، أم رجل، أم امرأة؟ قال: \"بل رجل، وَلَد عَشَرَة، فسكن اليمن منهم ستة، والشام أربعة، أما اليمانيون فمذحج، وكندة، والأزد، والأشعريون، وأنمار، وحمير غير ما حلها. وأما الشام فلخم، وجذام، وغسان، وعاملة\".\nفيه غرابة من حيث [¬٥] ذكر الآية بالمدينة، والسورة مكية كلها، والله [¬٦] أعلم.\n(طريق أخرى)، قال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا أبو أسامة، حدثني الحسن بن الحكم، حدثنا أبو سبرة النخعي، عن فروة بن مسيك الغطيفي؛ قال: قال رجل: يا رسول الله؛ أخبرني عن [¬٧] سبأ: ما هو؟ أرض، أم امرأة؟ قال: \"ليس بأرض ولا امرأة، ولكنه رجل ولد عشره من الولد، فتيامن ستة وتشاءم أربعة، فأما الذين تشاءموا فلخم وجذام وعاملة وغسان، وأما الذين تيامنوا فكندة، والأشعريون، والأزد، ومذحج، وحمير، وأنمار\". فقال رجل: ما أنمار؟ قال: \"الذين منهم خثعم وبجيلة\".\n_________\n(^١٠) مسند الإمام أحمد، سبعة مؤسسة قرطبة، حديث (٢٧٨٥٧)، وهو ساقط من باقي النسخ؛ المطبوعة.\n(^١١) تفسير الطبري (٢٢/ ٧٧).\n_________\n[¬١]- في ز: \"خباب\".\n[¬٢]- في ز: \"نمير\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في ز: \"مساكنهم\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين في ز: \"حديث\".\n[¬٥]- في ز: \"حديث\".\n[¬٦]- في ز: \"فالله\".\n[¬٧]- سقط من: ز.","vol":"11","page":271},{"text":"ورواه الترمذي في جامعه (^١٢)، عن أبي غريب وعبد بن حميد؛ قالا: حدثنا أبو أسامة … فذكره أبسط من هذا، ثم قال: هذا حديث حسن غريب.\nوقال أبو عمر بن عبد البر: حدثنا عبد الوارث بن سفيان، حدثنا قاسم بن أصبغ، حدثنا أحمد بن زهير، حدثنا عبد الوهاب بن نجدة الحوطي، حدثنا ابن كثير -هو عثمان بن كثير- عن الليث بن سعد، عن موسى بن علي، عن يزيد بن حصين، عن تميم الداري؛ أن رجلًا، أتي رسول الله ﷺ فسأله عن سبأ … فذكر مثله، فقوى [¬١] هذا الحديث وحَسّن.\nقال علماء النسب منهم محمَّد بن إسحاق: اسم سبأ: عبد شمس بن يشجب بن يعرب بن قحطان.\nوإنما سمى سبأ لأنه أول من سبأ في العرب، وكان يقال له: الرائش؛ لأنه أول من غنم في الغزو فأعطى قومه، فسمي الرائش، والعرب تسمي المال: ريشًا ورياشًا. وذكروا أنه بشر برسول الله ﷺ في زمانه المتقدم، وقال في ذلك شعرًا:\nسَيَمْلكُ بَعْدَنَا مُلْكًا عظيمًا … نَبيّ لا يُرَخّصُ في الحَرَام\nوَيمْلك بَعْدَه منْهُم مُلوك … يدينون العبادَ بغَير ذام\nوَيَمْلك بَعدهم منا مُلُوك … يَصير الملُك فينَا باقْتسَام [¬٢]\nوَيمْلك بَعْدَ قَحْطَان نَبي … تقي خَبتَة [¬٣] خير الأنام\nوسُمِّي أحْمَدًا يَا ليتَ أني … أعَمّر بَعْدَ مَبعَثه بعَام\nفأعضُده وأحبوه بنَصْري … بكُل مُدَجّج وبكُلَ رام\nمتى يَظْهَرْ فَكُونُوا نَاصريه … وَمَنْ يَلْقَاهُ يبلغُهُ سَلامي\nذكر ذلك الهمداني في كتاب \"الإكليل\".\nواختلفوا في قحطان على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه من سلالة إرم بن سام بن نوح، واختلفوا في كيفية اتصال نسبه به على ثلاث طرائق.\nوالثاني: أنه من سلالة عَابر، وهو هود ﵊، واختلفوا في كيفية اتصال نسبه به [¬٤] على ثلاث طرائق أيضًا.\n_________\n(^١٢) تفسير الطبري (٢٢/ ٧٦ - ٧٧)، وسنن الترمذي، كتاب تفسير القرآن، باب: ومن سورة سبأ، حديث (٣٢٢٢).\n_________\n[¬١]- في ز: \"تقوى\".\n[¬٢]- في ز: \"باقتسام\".\n[¬٣]- في خ: \"حببه\".\n[¬٤]- سقط من: ز.","vol":"11","page":272},{"text":"والثالث: أنه من سلالة إسماعيل بن إبراهيم الخليل ﵉ واختلفوا في كيفية [¬١] اتصال نسبه به على ثلاث طرائق أيضًا.\nوقد ذكر ذلك مستقصى الإِمام الحافظ أبو عمر بن عبد البر النمري ﵀، في كتابه: \"الإنباه على ذكر أصول القبائل الرواه\".\nومعنى قوله ﵇: \"كان رجلًا من العرب\"، يعني: العرب العاربة الذين كانوا قبل الخليل ﵇، من سلالة سام بن نوح. وعلى القول الثالث: كان من سلالة الخليل ﵇، وليس هذا بالمشهور عندهم، والله أعلم.\nوفي صحيح البخاري أن رسول الله ﷺ مر بنفر من \"أسلَمَ\" ينتضلون، فقال: \"ارموا بني إسماعيل، فإن أباكم كان راميًا\" (^١٣).\nفأسلم قبيلة من الأنصار، والأنصار [¬٢] أوسها وخزرجها من غسان من عرب اليمن من سبأ نزلوا بيثرب لما تفرقت سبأ في البلاد، حين بعث الله عليهم سيل [¬٣] العرم، ونزلت طائفة منهم بالشام، وإنما قيل: لهم: غَسَّان بماء نزلوا عليه؛ قيلَ: باليمن. وقيل: إنّه قرب من المشلل [¬٤]، كما قال حسان بن ثابت:\nإمَّا سَألت فَإنا مَعْشَرٌ نُجُبٌ [¬٥] … الأزْدُ نِسبَتُنَا، والماء غَسانُ\nومعنى قوله: \"ولد له [¬٦] عشرة من العرب\"، أي: كان من نسله هؤلاء العشرة الذين يرجع إليهم أصول القبائل من عرب اليمن، لا أنهم ولدوا من صلبه، بل منهم من بينه وبينه [¬٧] الأبوان والثلاثة والأقل والأكثر، كما هو مقرر مبين في مواضعه من كتب النسب.\nومعنى قوله: \"فتيامن منهم ستة، وتشاءم منهم أربعة\"، أي: بعد ما أرسل الله عليهم سيل العرم، منهم من أقام ببلادهم، ومنهم من نزح [¬٨] عنها إلى غيرها. وكان من أمر السد أنه كان الماء يأتيهم من بين جبلين، وتجتمع إليه أيضًا سيول أمطارهم وأوديتهم، فعَمَد [¬٩] ملوكهم الأقادم، فبنوا بينهما سدًّا عظيمًا محكمًا حتى ارتفع الماء، وحُكمَ على حافات ذينك الجبلين، فغرسوا الأشجار واستغلوا الثمار في غاية ما يكون من الكثرة والحسن. كما ذكره غير واحد من\n_________\n(^١٣) صحيح البخاري، كتاب المناقب، باب: نسبة اليمن إلى إسماعيل حديث (٣٥٠٧) من حديث سلمة، ﵁.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- في ز: \"المسلك\".\n[¬٥]- في ز: \"نُجُبٌ\".\n[¬٦]- سقط من: ز.\n[¬٧]- سقط من: ز.\n[¬٨]- في خ، ز: \"نزع\".\n[¬٩]- في ز: \"فتعمد\".","vol":"11","page":273},{"text":"السلف، منهم قتادة: أن المرأة كانت تمشي تحت الأشجار وعلى رأسها مكتل أو زنبيل، وهو الذي تخترف فيه الثمار، فيتساقط من الأشجار في ذلك ما يملؤه [¬١] من غير أن يحتاج إلى كلفة ولا قُطَّاف، لكثرته ونضجه واستوائه. وكان هذا السد بمأرب: بلدة بينها وبين صنعاء ثلاث مراحل، ويعرف بسد مأرب.\nوذكر آخرون أنه لم يكن ببلدهم شيء من الذباب ولا البعوض ولا البراغيث، ولا شيء من الهوام، وذلك لاعتدال الهواء وصحة المزاج وعناية اللَّه بهم، ليوحدوه ويعبدوه، كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإ فِي مَسْكَنِهِمْ [¬٢] آيَةٌ﴾، ثم فسرها بقوله: ﴿جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ﴾، أي: من ناحيتَيْ [¬٣] الجبلين والبلدة بين ذلك، ﴿كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾، أي: غفور لكم إن استمررتم [¬٤] على التوحيد.\nوقوله: ﴿فَأَعْرَضُوا﴾، أي: عن توحيد اللَّه وعبادته وشكره على ما أنعم به عليهم، وعدلوا إلى عبادة الشمس، كما قال هدهد سليمان: ﴿وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإ بِنَبَإ يَقِينٍ (٢٢) إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ (٢٣) وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيطَانُ أَعْمَالهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ﴾.\nوقال محمد بن إسحاق، عن وهب بن مُنبه: بعث اللَّه إليهم ثلاثة عشر نبيًّا.\nوقال السّدّي: أرسل اللَّه إليهم اثني عشر ألف نبي. واللَّه أعلم.\nوقوله: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيهِمْ سَيلَ الْعَرِمِ﴾، قيل المراد بالعرم المياه. وقيل: الوادي. وقيل: الجُرَذ: وقيل الماء الغزير. فيكون من باب إضافة الاسم إلى صفته، مثل: \"مسجد الجامع\" و\"سعيد [¬٥] كُرْز\"، حكى ذلك السهيلي.\nوذكر غير واحد منهم ابن عباس، ووهب بن منبه، وقتادة، والضحاك: أن اللَّه ﷿ لما أراد عقوبتهم بإرسال العرم عليهم، بعث على السد دابة من الأرض، يقال لها: \"الجُرَذ\" نقبته [¬٦]. قال وهب بن منبه: وقد كانوا يجدون في كتبهم أن سبب خراب هذا السد هو الجُرذ فكانوا يرصدون عنده السنانير برهة من الزمان، فلما جاء القدر غلبت الفأر السنانير، وولجت إلى السَّدّ فنقبته، فانهار عليهم.\nوقال قتادة وغيره: الجُرَذ: هو الخَلْد، نقبت أسافله حتى إذا ضَعف ووَهَى، وجاءت أيام\n_________\n[¬١]- في خ: \"علاه\".\n[¬٢]- في ز: \"مساكنهم\".\n[¬٣]- في ز: \"ناحية\".\n[¬٤]- في ز: \"استمريتم\".\n[¬٥]- في ز: \"معبد\".\n[¬٦]- في ز: \"نقبت\".","vol":"11","page":274},{"text":"السيول، صَدمَ الماءُ البناءَ فسقط، فانساب الماء في أسفل الوادي، وخرّبَ [¬١] ما بين يديه من الأبنية والأشجار وغير ذلك، ونضب الماء عن الأشجار التي في الجبلين عن يمين وشمال، فيبست وتحطمت، وتبدلت تلك الأشجار المثمرة الأنيقة النضرة، كما قال اللَّه [¬٢] تعالى: ﴿وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيهِمْ جَنَّتَينِ ذَوَاتَي أُكُلٍ خَمْطٍ﴾.\nقال ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، وعطاء الخراساني، والحسن، وقتادة، والسدي: وهو الأراك، وأُكُلُه البرير.\n﴿وَأَثْلٍ﴾، قال العوفي، عن ابن عباس: هو الطَّرْفاء.\nوقال غيره: هو شجر يشبه الطرفاء. وقيل: هو السَّمرُ. فاللَّه أعلم.\nوقوله: ﴿وَشَيءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ﴾، لما كان أجودَ هذه الأشجار البدل بها هو السَّدرُ قال: ﴿وَشَيءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ﴾، فهذا الذي صار أمر تَيْنك [¬٣] الجنتين إليه، بعد الثمار النضيجة والمناظر الحسنة، والظلال العميقة والأنهار الجارية، تبدلت إلى شجر الأراك والطرفاء والسدر ذي الشوك الكثير والثمر القليل. وذلك بسبب كفرهم وشركهم بالله، وتكذيبهم الحق وعدولهم عنه إلى الباطل.\nولهذا قال: ﴿ذَلِكَ جَزَينَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إلا الْكَفُورَ﴾؟ أي: عاقبناهم بكفرهم.\nقال مجاهد: ولا يعاقب إلا الكفور.\nوقال الحسن البصري: صدق اللَّه العظيم. لا يعاقب بمثل فعله إلا الكفور.\nوقال طاوس: لا يناقش إلا الكفور.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا أبو عمر بن النحاس الرملي، حدثنا حجاج بن محمد، حدثنا أبو البيداء، عن هشام بن صالح التغلبى [¬٤]، عن ابن خيرة -وكان من أصحاب علي ﵁ قال: جزاء المعصية الوهن في العبادهّ، والضيق في العيشة، والتعسر في اللذة. قيل: وما التعسر في اللذة؟ قال: لا يصادف لذة حلالًا إلا جاءه من يُنَغّصه إياها.\n﴿فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَينَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (١٩) وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيهِمْ إِبْلِيسُ\n_________\n[¬١]- في ز: \"خربت\".\n[¬٢]- سقط من: خ، ز.\n[¬٣]- في ز: \"تلك\".\n[¬٤]- في ز: \"الثعلبي\".","vol":"11","page":275},{"text":"ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إلا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٠)﴾\nيذكر تعالى ما كانوا فيه من الغبطة والنعمة، والعيش الهني الرغيد، والبلاد الرخية، والأماكن الآمنة، والقرى المتواصلة المتقاربة، بعضها من بعض، مع كثرة أشجارها وزروعها وثمارها، بحيث إن مسافرهم لا يحتاج إلى حَمل زاد، لا ماء، بل حيث نزل وجد ماء وثمرًا، ويَقيل في قرية ويبيت في أخرى، بمقدار ما يحتاجون إليه في سيرهم؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا بَينَهُمْ وَبَينَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ - قال وهب بن منبه: هي قرى بصنعاء. وكذا قال أبو مالك.\nوقال مجاهد، والحسن، وسعيد بن جبير، ومالك عن زيد بن أسلم، وقتادة، والضحاك، والسدي، وابن زيد، وغيرهم: يعني قرى الشام. يعنون أنهم كانوا يسيرون من [¬١] اليمن إلى الشام في قرى ظاهرة متواصلة [¬٢].\nوقال العوفي، عن ابن عباس: القرى التي باركنا فيها بيت المقدس.\nوقال العوفي، عنه أيضًا: هي قرى عربية بين المدينة والشام.\n﴿قُرًى ظَاهِرَةً﴾، أي: بينة واضحة، يعرفها المسافرون، يَقيلون في واحدة، ويبيتون في أخرى؛ ولهذا قال: ﴿وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيرَ﴾، أي: جعلناها بحسب ما يحتاج المسافرون إليه، ﴿سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ﴾، أي: الأمن حاصل لهم في سيرهم ليلًا ونهارًا.\n﴿فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَينَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ - وقرأ آخرون: ﴿بَاعِدْ بَينَ أَسْفَارِنَا﴾ - وذلك أنهم بَطروا هذه النعمة -كما قاله ابن عباس، ومجاهد، والحسن، وغير واحد- وأحبُّوا مفاوز ومهامه يحتاجون في قطعها إلى الزاد والرواحل والسير في الحَرُور والخاوف، كما طلب بنو إسرائيل من موسى أن يخرج اللَّه لهم مما تنبت الأرض، من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها، مع أنهم كانوا في عيش رغيد في مَنّ وسلوى وما يشتهون من [مآكل ومشارب] [¬٣] وملابس مرتفعة، ولهذا قال لهم: ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾، وقال تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا﴾. وقال تعالى: ﴿وَ[¬٤] ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ [الْجُوعِ وَالْخَوْفِ] بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾. وقال في حق هؤلاء: ﴿وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾، أي: بكفرهم، ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾، أي: جعلناهم حديثًا للناس، وسَمَرًا يتحدثون به من\n_________\n[¬١]- في ز: \"بين\".\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٤]- سقط من: ز.","vol":"11","page":276},{"text":"خبرهم، وكيف مكر اللَّه بهم، وفرق شملهم بعد الاجتماع والألفة والعيش الهنيء، تفرقوا في البلاد هاهنا وهاهنا؛ ولهذا تقول العرب في القوم إذا تفرقوا: \"تفرقوا أيدي سبأ\" \"وأيادي سبأ\" و\"تفرقوا شَذَرَ مَذَرَ\".\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد بن يحيى بن سعيد القطان، حدثنا إبراهيم بن حبيب ابن الشهيد، سمعت أبي يقول: سمعت عكرمة يحدث بحديث أهل سبأ، قال: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإ فِي مَسْكَنِهِمْ [¬١] آيَةٌ جَنَّتَانِ﴾ إلى قوله: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيهِمْ سَيلَ الْعَرِمِ﴾: وكانت فيهم كهنة، وكانت الشياطين يسترقون السمع، فأخبروا الكهنة بشيء من أخبار السماء، فكان فيهم رجل كاهن شريف كثير المال، وإنه خُبّر أن زوال أمرهم قد دنا، وأن العذاب قد أظلهم. فلم يدر كيف يصنع، لأنه كان له مال كثير من عقار [¬٢]، فقال لرجل من بنيه -وهو أعزهم أخوالًا-: إذا كان غدًا وأمرتك بأمر فلا تفعل، فإذا انتهرتك فانتهرني، فإذا تناولتك فالطمني. فقال: يا أبت؛ لا تفعل، إن هذا أمر عظيم، وأمر شديد. قال: يا بني؛ قد حديث أمر لا بد منه.\nفلم يزل به [¬٣] حتى وافاه على ذلك. فلما أصبحوا واجتمع الناس، قال: يا بني؛ افعل كذا وكذا. فأبى، فانتهره أبوه، فأجابه، فلم يزل ذلك بينهما حتى تناوله أبوه، فوثب على أبيه فلطمه، فقال: ابنى يلطمني؟. عَلَي بالشفرة، قالوا: وما تصنع بالشفرة؟ قال: أذبحه. قالوا: تذبح ابنك؟! الطمه [¬٤] أواصنع ما بدا لك. قال: فأبى، قال: فأرسلوا إلى أخواله فأعلموهم [¬٥] ذلك، فجاء أخواله فقالوا: خذ منا ما بدا لك. فأبى إلا أن يذبحه. قالوا: فلتموتن قبل أن تذبحه. قال: فإذا كان الحديث هكذا فإني لا أرى أن أقيم ببلد يحال بيني وبين ولدي فيه، اشتروا مني دوري، اشتروا مني أرضى. فلم يزل حتى باع دوره وأراضيه وعقاره، فلما صار الثمن في يده وأحرزه [¬٦]، قال: أي قوم؛ إن العذاب قد أظلكم، وزوال أمركم قد دنا، فمن أراد منكم دارًا جديدًا، وجملًا شديدًا، وسفرًا بعيدًا، فليلحق بعمان. ومن أراد منكم الخمر والخَمير والعَصير وكلمة، -قال إبراهيم: لم أحفظها- فليلحق ببصْرَى، ومن أراد الراسخات في الوحل، والمطعمات في المحل، القيمات في الضحل [¬٧]، فليلحق بيثرب ذات نخل. فأطاعه قومه، فخرج أهل عمان إلى عمان. وخرجت غسان إلى بصرى. وخرجت الأوس والخزرج وبنو عثمان إلى يثرب ذات النخل. قال: فأتوا على بطن مر فقال بنو عثمان: هذا مكان صالح، لا نبغي به بدلًا. فأقاموا به، فسموا لذلك خزاعة؛ لأنهم انخزعوا من أصحابهم، واستقامت الأوس والخزرج حتى نزلوا المدينة، وتوجه أهل عمان إلى عمان وتوجهت غسان إلى بصرى.\n_________\n[¬١]- في ز: \"مساكنهم\".\n[¬٢]- في ز: \"عقر\".\n[¬٣]- سقط من: خ، ز.\n[¬٤]- في ز: \"للطمة\".\n[¬٥]- في ز: \"فاعلموه\".\n[¬٦]- سقط من: خ، ز.\n[¬٧]- في ز: \"الفحل\".","vol":"11","page":277},{"text":"هذا أثر غريب عجيب، وهذا الكاهن هو عمرو بن عامر أحد روُساء اليمن وكبراء سبأ وكهانهم.\nوقد ذكر محمد بن إسحاق بن يسار في أول السيرة ما كان من أمر [عمرو بن] [¬١] عامر الذي كان أول من خرج من بلاد اليمن، بسبب استشعاره بإرسال العَرم فقال: وكان سبب خروج عمرو بن عامر من اليمن -فيما حدثني أبو زيد الأنصاري- أنه رأى جرذًا يَحفرُ [¬٢] في سد مأرب، الذي كان يحبس عنهم الماء فيصرفونه حيث شاءوا من أرضهم، فعلم أنه لا بقاء للسد على ذلك، فاعتزم على النَّقْلة عن اليمن فكاد [¬٣] قومه، فأمر أصغر أولاده إذا أغلظ له ولطمه أن يقوم إليه فيلطمه، ففعل ابنه ما أمره به، فقال عمرو: لا أقيم ببلد لَطَم وجهى فيها [¬٤] أصغر ولدي. وعرض أمواله، فقال أشراف من أشراف اليمن: اغتنموا غَضْبَةَ عمرو. فاشتروا منه أمواله. وانتقل في ولده وولد ولده. وقالت الأزد [¬٥]: لا نتخلف عن عمرو بن عامر. فباعوا أموالهم، وخرجوا [معه فساروا] [¬٦] حتى نزلوا بلاد \"عك\" [¬٧] مجتازين يرتادون البلدان، فحاربتهم عك، وكانت [¬٨] حربهم سجَالًا. ففي ذلك يقول عباس بن مرداس السلمي:\nوَعَكّ بنُ عَدنَانَ الذين تَغَلَّبُوا … بَغَسَّانَ، حتى طُرّدُوا كُلّ مَطْرَد\nوهذا البيت من [¬٩] قصيدة له.\nقال: ثم ارتحلوا عنهم فتفرقوا في البلاد، فنزل [¬١٠] آل جفنة بن عمرو بن عامر الشام، ونزلت الأوس والخزرج يثرب، ونزلت خزاعة مَرَّا. ونزلت أزد السواة السراة [¬١١]، ونزلت أزد عُمَان عُمَان، ثم أرسل اللَّه على السد السيل فهدمَه، وفي ذلك أنزل اللَّه ﷿ هذه الآيات (^١٤) [¬١٢].\nوقد ذكر السدي قصة عمرو بن عامر بنحو ما [¬١٣] ذكر محمد بن إسحاق، إلا أنه قال: \"فأمر ابن أخيه\"، مكان \"ابنه\"، إلى قوله: \"فباع ماله وارتحل بأهله، فتفرقوا\". رواه ابن أبي حاتم.\n_________\n(^١٤) السيرة النبوية لابن هشام (١/ ١٠).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٢]- في ز: \"تحفر\".\n[¬٣]- في ز: \"وكاد\".\n[¬٤]- في ز: \"فيه\".\n[¬٥]- في ز: \"الأسد\".\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٧]- في خ، ز: \"محل\".\n[¬٨]- في ز: \"فكان\".\n[¬٩]- في ز: \"في\".\n[¬١٠]- في خ، ز: \"فتفرق\".\n[¬١١]- سقط من: ز.\n[¬١٢]- في ز: \"الآية\".\n[¬١٣]- في ت: \"مما\".","vol":"11","page":278},{"text":"وقال ابن جرير (^١٥): حدثنا ابن [¬١] حميد، أخبرنا سلمة [¬٢]، عن ابن إسحاق؛ قال: يزعمون أن عمرو بن عامر، وهو عم القوم كان كاهنًا، فرأى في كهانته أن قومه سَيمزَّقون ويباعَدُ بين أسفارهم. فقال لهم: إني قد [¬٣] علمت أنكم ستمزقون، فمن كان منكم ذا هَمٍّ بعيد وجمل شديد، ومَزَاد جَديد [¬٤]- فليلحق بكاس أو كرود. قال: فكانت وادعة بن عمرو. ومن كان منكم ذا هَمٍّ مُدْن، وأمر دَعْن، فليلحق بأرض شَنّ. فكانت عوف بن عمرو، وهم الذين يقال لهم: بارق. ومن كان منكم يريد عيشًا آنيا، وحرمًا آمنًا، فليلحق بالأرزين [¬٥]. فكانت خزاعة، ومن كان منكم يريد الراسيات في الوحل، والمطعمات في المحل، فليلحق بيثرب ذات النخل. فكانت الأوس والخزرج، وهما هذان الحيان من الأنصار. ومن كان منكم يريد خمرًا وخَميرا، وذهبًا وحريرًا، وملكا وتأميرًا، فليلحق بكُوثى وبُصرى، فكانت غسان بنو جَفنة ملوكُ الشام. ومن كان منهم بالعراق.\nقال ابن إسحاق: وقد سمعت بعض أهل العلم يقول: إنما قالت [¬٦] هذه المقالة طريفةُ امرأة عمرو بن عامر، وكانت كاهنة، فرأت في كهانتها ذلك [¬٧]، فاللَّه أعلم أي ذلك كان.\nوقال سعيد، عن قتادة، عن الشعبي: أما غسان فلحقوا بالشام، وأما الأنصار فلحقوا بيثرب، وأما خزاعة فلحقوا بتهامة، وأما الأزد فلحقوا بعمان فمزقهم اللَّه كل ممزق. رواه ابن أبي حاتم وابن جرير.\nثم قال محمد بن إسحاق: حدثني أبو عبيدة؛ قال: قال الأعشى -أعشى بني قيس بن ثعلبة- واسمه: ميمون بن قيس.\nوَفي ذَاكَ [¬٨] للمُؤْتَسي [¬٩] أسْوَةٌ … ومَأربُ عَفَّى عليها العَرمْ\nرُخَام بَنَتْهَ لَهْمُ حِمْيرُ … إذا جاءَ مَوَّارهُ لم يَرِمْ\nفَأرْوَى الزّرُوعَ وَأعنَابَها … عَلَى سَعَةٍ مَاؤهُمْ إذْ قُسِمْ\nفَصَارُوا أيَادي مَا يَقْدرُو … نَ منْه علَى شُربِ طِفْلٍ فُطِم (^١٦)\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾، أي: إن في هذا الذي حل\n_________\n(^١٥) تفسير الطبري (٢٢/ ٨٦).\n(^١٦) السيرة النبوية لابن هشام (١/ ١٤).\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- سقط من: خ، ز.\n[¬٣]- سقط من: خ، ز.\n[¬٤]- في ز: \"حديد\".\n[¬٥]- في ز: \"بالأردين\".\n[¬٦]- في ز: \"قال\".\n[¬٧]- سقط من: خ، ز.\n[¬٨]- في ز: \"ذلك\".\n[¬٩]- في ز: \"للمتوسي\".","vol":"11","page":279},{"text":"بهؤلاء من النقمة والعذاب، وتبديل النعمة وتحويل العافية، عقوبةً على ما ارتكبوه من الكفر والآثام- لعبرةً ودَلالةً لكل عبد صبار على المصائب، شكور على النعم.\nقال الإمام أحمد (^١٧): حدثنا عبد الرحن وعبد الرزاق المعنى، قالا: أخبرنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن العَيْزَار بن حُرَيْث عن عمر بن سعد، عن أبيه -هو سعد بن أبي وقاص، ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ: \"عجبت من قضاء اللَّه للمؤمن، إن أصابه خير حَمدَ رَبَّه وشكر، وإن أصابته مصيبة حَمد ربه وصَبَر، يؤجر المؤمن في كل شيء، حتى في اللقمة يرفعها إلى في امرأته\".\nوقد رواه النسائي في \"اليوم والليلة\"، من حديث أبي إسحاق السَّبيعي به وهو حديث عزيز -من رواية عمر بن سعد، عن أبيه. ولكن له شاهد في الصحيحين من حديث أبي هريرة: \"عجبًا للمؤمن، لا يقضى اللَّه له قضاء إلا كان خيرًا، إن أصابته سراء شكر فكان [¬١] خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له؛ وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن\" (^١٨).\nقال عبد: حدثنا يونس، عن شيبان. عن قتادة ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾، قال: كان مطرِّف يقول: نعم العبد الصبار الشكور، الذي إذا أعطى شكر، وإذا ابتلي صبر.\n﴿وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ إلا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ حَفِيظٌ (٢١) قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَال ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (٢٢)﴾\nلما ذكر تعالى قصة سبأ وما كان من أمرهم في اتباعهم الهوى والشيطان، أخبر عنهم وعن أمثالهم ممن اتبع إبليس والهوى، وخالف الرشاد والهدى، فقال: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ﴾.\nقال ابن عباس وغيره: هذه الآية [¬٢] كقوله تعالى إخبارًا عن إبليس حين امتنع من السجود لآدم، ثم قال: ﴿قَال أَرَأَيتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ\n_________\n(^١٧) المسند (١/ ١٧٣)، والنسائي في السنن الكبرى، كتاب عمل اليوم والليلة، باب: ما يقول إذا أصابته مصيبة، حديث (١٠٩٠٦).\n(^١٨) لم أجده من حديث أبي هريرة، وقد رواه مسلم في صحيحه حديث (٢٩٩٩) من حديث صهيب، ﵁. وانظر حديث (١٣٣) من سورة الأعراف، آية (٩٥).\n_________\n[¬١]- في ز: \"وكان\".\n[¬٢]- سقط من: ز.","vol":"11","page":280},{"text":"إلا قَلِيلًا﴾، ثم قال: ﴿ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَينِ أَيدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ … والآيات في هذا كثيرة.\nو[¬١] قال الحسن البصري: لما أهبط اللَّه آدم من الجنة ومعه حواء، هبط إبليس فَرحًا بما أصاب منهما، وقال: إذا أصبت من الأبوين ما أصبت، فالذرية أضعف وأضعف. وكان ذلك ظنًّا من إبليس، فأنزل اللَّه ﷿: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إلا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، فقال عند ذلك إبليس: \"لا أفارق ابن آدم ما دام فيه الروح، أعدُه وأُمَنِّيه وأخدعه\". فقال اللَّه: \"وعزتي، لا أحجب عنه التوبة ما لم يُغَرغِر بالموت، ولا يدعوني إلا أجبته، ولا يسألني إلا أعطيته، ولا يستغفر لي إلا غفرت له\". رواه ابن أبي حاتم.\nوقوله: ﴿وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ﴾ - قال ابن عباس: أي من حجة.\nوقال الحسن البصري: واللَّه ما ضربهم بعصا، ولا أكرههم على شيء، وما كان إلا غرورا وأماني دعاهم إليها فأجابوه.\nوقوله: ﴿إلا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ﴾، أي: إنما سلطاه عليهم ليظهرَ أمر من هو مؤمن بالآخرة وقيامها والحساب فيها والجزاء، فيُحسنَ عبادة ربه ﷿ في الدنيا، ممن هو منها في شك.\nوقوله: ﴿وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ حَفِيظٌ﴾، أي: ومع حفظه ضَلَّ من ضلَّ من أتباع إبليس، وبحفظه وكلاءته سَلِم من سلم من المؤمنين أتباع الرسل.\n﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إلا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَال رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٢٣) قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٤)﴾\nيبيِّن [¬٢] تعالى أنه الإله [¬٣] الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لا نظير له ولا شريك له، بل هو المستقل بالأمر وحده، من غير مشارك ولا منازع ولا معارض، فقال: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾، أي: من الآلهة التي عبدت من دونه [﴿لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَال ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾، كما قال ﵎: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ] [¬٤] مَا\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- في ت: \"بيَّن\".\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.","vol":"11","page":281},{"text":"يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾.\nوقوله: ﴿وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ﴾، أي: لا يملكون شيئًا استقلالًا ولا على سبيل الشركة، ﴿وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾، أي: وليس لله من هذه الأنداد من ظهير يستظهر به في الأمور، بل الخلق كلهم فقراء إليه، عبيد لديه.\nقال قتادة في قوله: ﴿وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾، من عون يعينه بشيء.\nوقال: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إلا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾، أي: لعظمته وكبريائه لا يجترئ أحد أن يشفع عنده تعالى في شيء، إلا بعد إذنه له في الشفاعة، كما قال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلا بِإِذْنِهِ﴾، وقال: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيئًا إلا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾، وقال: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إلا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾.\nولهذا ثبت في الصحيحين (^١٩)، من غير وجه عن رسول اللَّه ﷺ -وهو سيد ولد آدم، وأكبر شفيع عند اللَّه- أنه حين يقوم المقام المحمود ليشفع في الخلق كلّهم أن يأتي ربّهم لفصل القضاء، قال: \"فأسجد للَّه فيدعني ما شاء اللَّه [¬١] أن يدعني، ويفتح علي بمحامد لا أحصيها الآن، ثم يقال: يا محمد؛ ارفع رأسك، وقل يُسمع، وسل تُعطَه، واشفع تشفع\" … الحديث بتمامه.\nوقوله: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَال رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ﴾. وهذا أيضًا مقام رفيع في العظمة. وهو أنه تعالى إذا تكلم بالوحي، فسمع أهل السماوات كلامه، أرْعدوا من الهيبة حتى يلحقهم مثل الغشي. قاله ابن مسعود ومسروق، وغيرهما.\n﴿[حَتَّى إِذَا] [¬٢] فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾، أي: زال الفزع عنها، قال ابن عباس، وابن عمر، وأبو عبد الرحمن السلمي، والشعبي، وإبراهيم النخعي، والضحاك والحسن، وقتادة في قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾، يقول: جُلّي عن قلوبهم. وقرأ بعض السلف -وجاء مرفوعًا-: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ﴾ بالغين المعجمة، ويرجع إلى الأول.\nفإذا كان كذلك يسأل [¬٣] بعضهم بعضًا: ماذا قال ربكم؟ فيخبر بذلك حملة العرش الذين [¬٤] يلونهم، ثم الذين يلونهم لمن تحتهم، حتى ينتهي الخبر إلى أهل السماء الدنيا؛ ولهذا قال: ﴿قَالُوا الْحَقَّ﴾، أي: أخبروا [¬٥] بما قال من غير زيادة ولا نقصان، ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ\n_________\n(^١٩) تقدمت أحاديث الشفاعة عند تفسير الآية: ٧٩ من سورة الإسراء.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز: \"فإذا\".\n[¬٣]- في ز: \"سأل\".\n[¬٤]- في ز: \"للذين\".\n[¬٥]- في ز: \"خبروا\".","vol":"11","page":282},{"text":"الْكَبِيرُ﴾.\nوقال آخرون: بل معنى قوله: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾، يعني المشركين عند الاحتضار، ويوم القيامة حتى إذا استيقظوا كما كانوا فيه من الغفلة في الدنيا، ورجعت إليهم عقولهم يوم القيامة، قالوا: ماذا قال ربكم؟ فقيل لهم: الحق. وأخبروا به مما كانوا عنه لاهين في الدنيا.\nقال ابن أبي نَجيح، عن مجاهد: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾، كشف عنها الغطاء يوم القيامة.\nوقال الحسن: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾، يعني: ما فيها من الشك والتكذيب.\nوقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾، أيعني: ما فيها من الشك،] [¬١] قال: فزع الشيطان عن قلوبهم ومآربهم [¬٢] وأمانيهم وما كان يضلهم، ﴿قَالُوا مَاذَا قَال رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾، قال: و[¬٣] هذا في بني آدم، هذا عند الموت، أقروا حين لا ينفعهم الإقرار.\nوقد اختار ابن جرير القول الأول (^٢٠): أن الضمير عائد على الملائكة. هذا هو الحق الذي لا مرية فيه، لصحة الأحاديث فيه والآثار، ولنذكر منها طرفًا يدل على غيره.\nقال البخاري عند تفسيو هذه الآية الكريمة في صحيحه (^٢١). حدثنا الحميدي، حدثنا سفيان، حدثنا عمرو، سمعت عكرمة، سمعت أبا هُرَيرة يقول: إن نبي اللَّه ﷺ قال: \"إذا قضى اللَّه الأمرَ في السماء، ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانًا لقوله: كأنه سلسلة على صفوانٍ، فإذا فُزّع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا للذي قال: الحقّ، وهو العلي الكبير، فيسمعها مُسْتَرق السمع، ومسترق السمع هكذا بعضه فوق بعض -ووصف سفيان بيده فحَرّفها وبَدّد بين أصابعه- فيَسمع الكلمة، فيلقيها إلى من تحته، ثم يلقيها الآخر إلى من تحته، حتى يلقيَها على لسان الساحر [¬٤] أو الكاهن. فربما أدركه الشّهاب قبل أن يلقيها، وربما ألقاها قبل أن يدركه، فيكذب معها مائة كذْبَة، فيقال: أليس قد قال لنا يوم كذا\n_________\n(^٢٠) تفسير الطبري (٢٢/ ٩٢).\n(^٢١) صحيح البخاري، كتاب التفسير، باب: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ ....﴾ حديث (٤٨٠٠)، وسنن أبي داود حديث (٣٩٨٩)، وسنن الترمذي حديث (٣٢٢٣)، وسنن ابن ماجه حديث (١٩٤).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٢]- في م: \"وفارقهم\".\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- في خ، ز: \"الآخر\".","vol":"11","page":283},{"text":"وكذا، كذا وكذا؟ فيصدّق بتلك الكلمة التي سُمعت من السماء\".\nانفرد بإخراجه البخاري دون مسلم من هذا الوجه.\nوقد رواه أبو داود، والترمذي، وابن ماجة، من حديث سفيان بن عيينة به.\nحديث آخر، قال الإمام أحمد (^٢٢): حدثنا محمد بن جعفر [ثنا معمر] [¬١] وعبد الرزاق أخبرنا معمر، أخبرنا الزهري، عن علي بن الحسين، عن ابن عباس؛ قال: كان رسول الله ﷺ جالسًا [¬٢] في نفر من أصحابة -قال عبد الرزاق: من الأنصار- فَرُمَي بنجم فاستنار، قال [¬٣]: \"ما كنتم تقولون إذا كان مثلُ هذا في الجاهلية؟ \" قالوا: كنا نقول يُولدَ عظيم، أو [¬٤] يموت عظيم - قلت للزهري: أكان رمى بها في الجاهلية؟ قال: نعم، ولكن غُلّظت حين بعث النبي ﷺ قال: فقال رسول الله ﷺ: \"فإنها لا يرمى بها لموت أحد ولا لحياته، ولكن ربنا ﵎، إذا قضى أمرًا سبح حَمَلةُ العرش، [ثم سبح أهل السماء الذين يلونهم، حتى يبلغ التسبيح هذه الدنيا، ثم يستخير أهل السماء الذين يَلونَ حملة العرش، فيقول الذين يلون حملة العرش لحملة العرش] [¬٥]: ماذا قال ربكم؟ فيخبرونهم، ويخبر أهل كل سماء سماء، حتى ينتهي الخبر إلى هذه السماء، وتخطف الجن السمع فيرمون، فما جاءوا به على وجهه فهو حق، ولكنهم يفرقون فيه ويزيدون\".\nهكذا [¬٦] رواه الإمام أحمد. وقد أخرجه مسلم في صحيحه (^٢٣)، من حديث صالح بن كيسان، والأوزاعي، ويونس ومعقل بن عبيد [¬٧] الله، أربعتهم عن الزهري، عن علي بن الحسين، عن ابن عباس عن رجل من الأنصار به. ورواه [¬٨] وقال يونس: عن رجال من الأنصار.\nوكذا رواه النسائي (^٢٤) في \"التفسير\" من حديث الزبيدي، عن الزهري به.\n_________\n(^٢٢) المسند (١/ ٢١٨).\n(^٢٣) - صحيح مسلم، كتاب السلام، باب: تحريم الكهانة وإتيان العراف حديث (٢٢٢٩).\n(^٢٤) النسائي في السنن الكبرى حديث (١١٢٧٢).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من ت.\n[¬٢]- سقط من: خ، ز.\n[¬٣]- سقط من: خ، ز.\n[¬٤]- في ز: \"و\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٦]- في ز: \"هذا\".\n[¬٧]- في خ، ز: \"عبد\".\n[¬٨]- سقط من: ز.","vol":"11","page":284},{"text":"ورواه الترمذي فيه (^٢٥) عن الحُسَين بن حريث، عن الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن الزهري، عن عُبيَد [¬١] الله بن عبد الله، عن ابن عباس، عن رجل من الأنصار ﵁ والله أعلم.\nحديث آخر، قال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عوف، وأحمد بن منصور بن سيار الرمادي [¬٢]-والسياق لمحمد بن عوف- قالا: حدثنا نعيم بن حماد، حدثنا الوليد، هو ابن مسلم، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن عبد الله بن أبي زكرياء، عن رجاء بن حيوة، عن النواس بن سمْعان؛ قال: قال رسول الله ﷺ: \"إذا أراد الله أن يوحي بأمره تكلم بالوحي، فإذا تكلم أخذت السماوات منه [¬٣] رجفة -أو قال: وعدة شديدة من خوف الله. فإذا سمع بذلك أهل المساوات صعقوا وخروا لله سجدًا، فيكون أول من يرفع رأسه جبريل، فيكلمه الله من وحيه بما أراد، فيمضي به جبريل على الملائكة، كلما مَرّ بسماء سماء سأله ملائكتها: ماذا قال ربنا يا جبريل؟ فيقول: قال: الحقّ، وهو العلي الكبير. فيقولون كلهم مثل ما قال جبريل، فينتهي جبريل بالوحي حيث أمره الله من السماء والأرض\".\nوكذا رواه ابن جرير وابن خُزَيمة (^٢٦)، عن زكريا بن أبان المصري، عن نعيم بن حماد به.\nقال ابن أبي حاتم: سمعت أبي يقول: ليس هذا الحديث بالشام عن الوليد بن مسلم ﵀.\nوقد روى ابن أبي حاتم من حديث العَوفي، عن ابن عباس عن قتادة: أنهما فسرا هذه الآية بابتداء إيحاء الله سبحانه إلى محمد ﷺ بعد الفترة التي كانت بينه وبين عيسى. ولا شك أن هذا أولى ما دخل في هذه الآية.\n﴿قُلْ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٢٥) قُلْ يَجْمَعُ بَينَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَينَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ (٢٦) قُلْ أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكَاءَ كَلَّا بَلْ هُوَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٧) وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إلا\n_________\n(^٢٥) سنن الترمذي، كتاب تفسير القرآن، باب: ومن سورة سبأ، عقب حديث رقم (٣٢٢٤).\n(^٢٦) تفسير الطبري (٢٢/ ٩٥)، والتوحيد لابن خزيمة ص (٩٥)، ورواه ابن أبي عاصم في السنة حديث (٥١٥) من طريق محمد بن عوف، عن نعيم بن حماد، به.\n_________\n[¬١]- في خ، ز: \"عبد\".\n[¬٢]- في ز: \"الزيادي\".\n[¬٣]- في ز: \"منها\".","vol":"11","page":285},{"text":"كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٢٨)﴾.\nيقول تعالى مُقَررًا [تفردَه بالخلق] [¬١] والرزق، وانفراده بالإلهية أيضًا، فكما كانوا يعترفون بأنه لا يرزقهم من السماء [¬٢] والأرض -أي: بما ينزل من المطر وينبت من الزرع-[إلا الله] [¬٣]، فكذلك فليعلموا أنه لا إله غيره.\nوقوله: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾، هذا من باب اللف والنشر، أي: واحد من الفريقين مبطل، والآخر محق، لا سبيل إلى أن تكونوا أنتم ونحن على الهدى أو على الضلال، بل واحد منا مصيب، ونحن قد أقمنا البرهان على التوحيد، فدل على بطلان ما أنتم عليه من الشرك بالله؛ ولهذا قال: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾.\nقال قتادة: قد قال ذلك أصحاب محمد ﷺ للمشركين: والله ما نحن وإياكم على أمر واحد، إن أحد الفريقين لمهتد.\nوقال عكرمة، وزياد بن أبي مريم: معناه: إنا نحن لعلى هدى، وإنكم لفي ضلال مبين.\nوقوله: ﴿قُلْ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾، معناه التبري منهم، أي: لستم منا ولا نحن منكم، بل ندعوكم إلى الله وإلى توحيده وإفراد العبادة له، فإن أجبتم فأنتم منا ونحن منكم، وإن كذبتم فنحن بُرآء منكم وأنتم برآء منا. كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾. وقال: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٢) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٣) وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (٤) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٥) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (٦)﴾.\nوقوله: ﴿قُلْ يَجْمَعُ بَينَنَا رَبُّنَا﴾، أي: يوم القيامة، كجمع الخلائق في صعيد واحد، ثم يفتح بيننا بالحق، أي: يحكم بيننا بالعدل، فيجزى كل عامل بعمله، إن خيرًا فخير وإن شرًّا فشر. وستعلمون يومئذ لمن [العزة والنصرة] والسعادة الأبدية، كما قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ (١٤) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ (١٥) وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ﴾؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ﴾، أي: الحاكم العادل العالم بحقائق الأمور.\nوقوله: ﴿قُلْ أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكَاءَ﴾، أي: أروني هذه الآلهة التي جعلتموها لله أندادًا وصَيَّرتموها له عدلًا؟ كلا، أي: ليس له نظير ولا نديد ولا شريك ولا عديل؛ ولهذا\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ز: \"تفرد بالحق\".\n[¬٢]- في ز: \"السماوات\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ ز.","vol":"11","page":286},{"text":"قال: ﴿بَلْ هُوَ اللَّهُ﴾، أي: الواحد الأحد الذي لا شريك له العزيز الحكيم، أي: ذو العزة التي قد قهر بها كل شيء، وَغَلَبت كل شيء، الحكيم في أفعاله وأقواله، وشرعه وقدره، تعالى وتقدس.\n﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٩) قُلْ لَكُمْ مِيعَادُ يَوْمٍ لَا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلَا تَسْتَقْدِمُونَ (٣٠) وَقَال الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلَا بِالَّذِي بَينَ يَدَيهِ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ (٣١)﴾\nيقول تعالى لعبده ورسوله محمد صلوات الله وسلامه عليه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إلا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾، أي: إلا إلى جميع الخلق من المكلفين، كقوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيكُمْ جَمِيعًا﴾، ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالمِينَ نَذِيرًا﴾، ﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾، أي: [تبشر من] [¬١] أطاعك بالجنة، وتنذر من عصاك بالنار.\n﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾، كقوله تعالى: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾، ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾.\nقال محمد بن كعب في قوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إلا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾، يعني إلى الناس عامة.\nوقال قتادة في هذه الآية: أرسل الله محمدًا ﷺ إلى العرب والعجم، فأكرمُهم على الله أطوعهم لله ﷿.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو عبد الله الطهراني، حدثنا حفص بن [¬٢] عمر العدني، حدثنا الحكم -يعني ابن أبان- عن عكرمة؛ قال: سمعت ابن عباس، يقول: إن الله فضل محمدًا ﷺ على أهل السماء وعلى الأنبياء. قالوا: يا بن عباس؛ فيم فضله الله على الأنبياء؟ قال: إن الله قال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إلا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾، وقال للنبي ﷺ: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إلا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾، فأرسله الله إلى الجن والإنس.\nوهذا الذي قاله ابن عباس قد ثبت في الصحيحين (^٢٧) رَفعهُ عن جابر؛ قال: قال رسول الله\n_________\n(^٢٧) صحيح البخاري، كتاب التيمم حديث (٣٣٥)، وصحيح مسلم، كتاب المساجد، ومواضع الصلاة حديث (٥٢١).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ز: \"بشيرًا لمن\".\n[¬٢]- في ز: \"عن\".","vol":"11","page":287},{"text":"ﷺ: \"أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لي الغنائم، ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه، وبعثت إلى الناس عامة\".\nوفي الصحيح أيضًا أن رسول الله ﷺ؛ قال: \"بعثت إلى الأسود والأحمر\" (^٢٨).\nقال مجاهد: يعني الجن والإنس. وقال غيره: يعني العرب والعجم. والكل صحيح.\nثم قال تعالى مخبرًا عن الكفار في استبعادهم قيام الساعة: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾، كما قال تعالى: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ﴾ … الآية.\nثم قال: ﴿قُلْ: لَكُمْ مِيعَادُ يَوْمٍ لَا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلَا تَسْتَقْدِمُونَ﴾، أي: لكم ميعاد مؤجل معدود محرر، لا يزداد ولا ينتقص، فإذا جاء فلا يؤخر ساعة ولا يقدم، كمال قال تعالى: ﴿إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ﴾ وقال ﴿وَمَا نُؤَخِّرُهُ إلا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ (١٠٤) يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إلا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾.\n﴿قَال الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ (٣٢) وَقَال الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَال فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إلا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٣٣) وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إلا قَال مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (٣٤)﴾\nيخبر تعالى عن تمادي الكفار في طغيانهم وعنادهم وإصرارهم على عدم الإيمان بالقرآن وما أخبر به من أمر المعاد؛ ولهذا قال: ﴿وَقَال الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلَا بِالَّذِي بَينَ يَدَيهِ﴾، قال الله تعالى متهددًا لهم ومتوعدًا، ومخبرًا عن مواقفهم الذليلة بين يديه في حال تخاصمهم وتحاجهم: ﴿يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ منهم وهم\n_________\n(^٢٨) وهو قطعة من حديث جابر السابق عند مسلم في صحيحه حديث (٥٢١).","vol":"11","page":288},{"text":"الأتباع ﴿لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾، وهم قادتهم وسادتهم: ﴿لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ﴾، أي: لولا أنتم تصدونا لكنا [¬١] اتبعنا الرسل وآمنا بما جاءونا به. فقال لهم القادة والسادة، وهم الذين استكبروا: ﴿أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ﴾، أي: نحن ما فعلنا بكم ذلك [¬٢] أكثر من أنَّا دعوناكم فاتبعتمونا من غير دليل ولا برهان، وخالفتم الأدلة والبراهين والحجج التي جاءت بها الأنبياء، لشهوتكم واختياركم لذلك، ولهذا قالوا: ﴿بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ (٣٢) وَقَال الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيلِ وَالنَّهَارِ﴾، أي: بل كنتم تمكرون بنا ليلًا ونهارًا، وتَغُرّونا وتُمَنونا، وتخبرونا أنا على هدى وأنا على شيء، فإذا جميع ذلك باطل وكَذبٌ ومَين [¬٣].\nوقال قتادة، وابن زيد: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيلِ وَالنَّهَارِ﴾، يقول: بل [¬٤] مكرهم بالليل والنهار. وكذا قال مالك، عن زيد بن أسلم: مكرهم بالليل والنهار.\n﴿إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا﴾، أي: نظراء وآلهة معه، وتقيموا لنا شُبَهًا وأشياءَ من المحال، تضلونا بها. ﴿وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ﴾، أي: الجميع من السادة والأتباع، كُلُّ نَدم على ما سَلَف منه.\n﴿وَجَعَلْنَا الْأَغْلَال فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، وهي السلاسل التي تجمع أيديهم مع أعناقهم، ﴿هَلْ يُجْزَوْنَ إلا مَا [كَانُوا يَعْمَلُونَ] [¬٥]﴾، أي: إنما نجازيكم بأعمالكم، كُلُّ بحسبه، للقادة عذاب بحسبهم، وللأتباع بحسبهم؛ قال: ﴿لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ﴾.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا فروة بن أبي المغراء، حدثنا محمد بن سليمان بن الأصبهاني، عن أبي سنان ضبرار بن صُرد، عن عبد الله بن أبي الهُذَيل، عن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن جهنم لما سيق إليها أهلها تَلَقَّاهم لهبها، لم لَفَحتهم [¬٦] لَفحةً فلم يبق لحم إلا سقط على العرقوب\" (^٢٩).\nوحدثنا أبي، حدثنا أحمد بن أبي الحواري، حدثنا الطيب أبو الحسن، عن الحسن بن يحيى الخُشُني؛ قال: ما في جهنم دار ولا مغار ولا غل ولا سلسلة ولا قيد، إلا اسم صاحبها عليه مكتوب. قال: فحدثتُه أبا سليمان -يعني الداراني، رحمة الله عليه، فبكى ثم قال: ويحك! فكيف به لو جمع هذا كله عليه، فجعل القيد في رجليه، والغُلّ في يديه، والسلسلة في عنقه،\n_________\n(^٢٩) ورواه الطبراني في المعجم الأوسط حديث (٢٧٨، ٩٣٦٥)، وأبو نعيم في الحلية (٤/ ٣٦٣) من طرق عن محمد بن سليمان الأصبهاني، به. وقال الهيثمي في المجمع (١٠/ ٣٨٩): \"وفيه محمد بن سليمان الأصبهاني وهو ضعيف\".\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- سقط من: ت.\n[¬٣]- في خ: \"مبين\".\n[¬٤]- في ت: \"بكل\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين في ز: \"كنتم تعملون\".\n[¬٦]- في ز: \"لحقتهم\".","vol":"11","page":289},{"text":"ثم أدخل الدار وأدخل المغار [¬١].\n﴿وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (٣٥) قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٦) وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إلا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ (٣٧) وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ (٣٨) قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيرُ الرَّازِقِينَ (٣٩) وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (٤٠)﴾\nيقول تعالى مسليًا لنبيه، وآمرًا له بالتأسي بمن قبله من الرسل، ومخبره بأنه ما بعث نبيًّا في قرية إلا كذبه مترفوها، واتبعه ضعفاؤهم، كما قال قوم نوح: ﴿أَنُؤْمِنُ [¬٢] لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ﴾، ﴿وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إلا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ﴾، وقال الكبراء من قوم صالح: ﴿لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ (٧٥) قَال الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيهِمْ مِنْ بَينِنَا أَلَيسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ وقال: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا﴾، وقال: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا﴾.\nوقال هاهنا: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ﴾، أي: نبي أو رسول ﴿إلا قَال مُتْرَفُوهَا﴾، وهم أولو النعمة والحشمة والثروة والرياسة.\nقال قتادة: هم جَبَابرتهم وقادتهم ورءوسهم في الشر. ﴿إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾، أي: لا نؤمن به ولا نتبعه.\nقال ابن أبي حاتم (^٣٠): حدثنا علي بن الحسين، حدثنا هارون بن إسحاق، حدثنا محمد\n_________\n(^٣٠) ورواه ابن أبي شيبة وابن المنذر كما في الدر المنثور (٦/ ٧٠٤) ووقع في الدر: \"ابن زيد\" بدل: \"أبو رزين\".\n_________\n[¬١]- في ز: \"الغار\".\n[¬٢]- في ز: \"لن نؤمن\".","vol":"11","page":290},{"text":"ابن عبد الوهاب، عن سفيان، عن عاصم، عن أبي رزين؛ قال: كان رجلان شريكين [¬١]، خرج أحدهما إلى الساحل وبقي الآخر، فلما بعث النبي ﷺ كتب إلى صاحبه يسأله: ما فعل؟ فكتب إليه أنه لم يتبعه أحد من قريش، إنما اتبعه أراذل الناس ومساكينهم. قال: فترك تجارته ثم أتى صاحبه فقال: دلني عليه -قال: وكان يقرأ الكتب، أو بعض الكتب- قال: فأتى النبي ﷺ فقال: إلام تدعو؟ فقال: إلى كذا وكذا. قال: أشهد أنك رسول الله. قال: \"وما علمك بذلك؟ \" قال: إنه لم يبعث نبي إلا اتبعه رُذَالة الناس ومساكينهم. قال: فنزلت هذه الآية: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إلا قَال مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾، قال: فأرسل إليه النبي ﷺ: إنّ الله قد أنزل تصديق ما قلت.\nوهكذا قال هرقل لأبي سفيان حين سأله عن تلك المسائل، قال فيها: وسألتك: أضعفاء الناس اتبعه أم أشرافهم؟ فزعمت: بل ضعفاؤهم، وهم أتباع الرسل.\nوقوله تعالى إخبارًا عن المترفين المكذبين: ﴿وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾، أي: افتخروا بكثرة الأموال والأولاد، واعتقدوا أن ذلك دليل على محبة الله لهم واعتنائه بهم، وأنه ما كان ليعطيهم هذا في الدنيا، ثم يعذبهم في الآخرة، وهيهات لهم ذلك. قال الله: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ﴾. وقال: ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ﴾. وقال تعالى: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا وَبَنِينَ شُهُودًا وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾.\nوقد أخبر الله عن صاحب تينك الجنتين؛ أنه كان ذا مال وولد وثمر، ثم لم تُغن عنه شيئًا، بل سُلب ذلك كله في الدنيا قبل الآخرة، ولهذا قال تعالى هاهنا: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ أي يعطي المال لمن يحب ومن لا يحب، فيفقر من يشاء ويغني من يشاء، وله الحكمة التامة البالغة والحجة الدامغة القاطعة ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾.\nثم قال: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى﴾ أي: ليست هذه دليلًا على محبتنا لكم، ولا اعتنائنا بكم.\nقال الإمام أحمد ﵀ (^٣١): حدثنا كُثير، حدثنا جعفر، حدثنا يزيد بن الأصم، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن الله لا ينظر إلى\n_________\n(^٣١) المسند (٢/ ٥٣٩)، وصحيح مسلم وكتاب البر والصلة، والآداب، حديث (٢٥٦٤)، وسنن ابن ماجه، كتاب الزهد، باب: القناعة حديث (٤١٤٣).\n_________\n[¬١]- في ت: \"شريكان\".","vol":"11","page":291},{"text":"صوركم وأموالكم، ولكن إنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم\".\nرواه مسلم وابن ماجة، من حديث كثير بن هشام، عن جعفر بن بُرْقَان [¬١] به.\nولهذا قال: ﴿إلا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾، أي: إنما يقربكم عندنا زلفى الإيمان والعمل الصالح، ﴿فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا﴾، أي: تضاعف لهم الحسنة بعشر [¬٢] أمثالها، إلى سبعمائة ضعف. ﴿وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ﴾. [أي: في منازل الجنة العالية آمنون] [¬٣] من كل بأس وخوف وأذى، ومن كل شر يُحَذر منه.\nقال ابن أبي حاتم (^٣٢): حدثنا أبي، حدثنا فروة بن أبي المغراء الكندي، حدثنا القاسم وعلي بن مُسهر، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن النعمان بن سعد، عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن في الجنة لَغرفًا ترى ظهورها من بطونها، وبطونها من ظهورها\". فقال أعرابي: لمن هي؟ قال: \"لمن طيب الكلام، وأطعم الطعام، وأدام الصيام\".\n﴿وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ [¬٤]﴾، أي: يسعون في الصد عن سبيل الله، واتباع الرسل والتصديق بآياته: ﴿أُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ﴾، أي: جميعهم مَجْزيون [¬٥] بأعمالهم فيها بحسبهم.\nوقوله: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ﴾، أي: بحسب مَاله في ذلك من الحكمة، [يبسط على هذا من المال كثيرًا، ويضيق على هذا ويقتر عليه رزقه جدًّا، وله في ذلك من الحكمة] [¬٦] ما لا يدركها غيره، كما قال تعالى: ﴿انْظُرْ كَيفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا﴾، أي: كما هم متفاوتون في الدنيا: هذا فقير مدقع، وهذا غنى مُوَسَّع عليه، فكذلك هم في الآخرة: هذا في الغُرفات في أعلى الدرجات، وهذا في الغَمرَات في أسفل الدركات. وأطيب الناس في الدنيا كما قال رسول الله ﷺ: \"قد أفلح من أسلم ورُزق كَفَافًا، وقَنَّعه الله بما آتاه\". رواه مسلم من حديث ابن عمرو (^٣٣) [¬٧].\n_________\n(^٣٢) ورواه الترمذي، كتاب البر والصلة، باب: ما جاء في قول المعروف، حديث (١٩٨٤) من طريق على ابن مسهر، عن عبد الرحمن بن إسحاق بأطول منه، وقال: \"هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث عبد الرحمن بن إسحاق، وقد تكلم أهل الحديث في عبد الرحمن بن إسحاق هذا من قبل حفظه وهو كوفي\". قلت: وله شواهد من حديث عبد الله بن عمرو وأبي مالك الأشعري، ﵃.\n(^٣٣) صحيح مسلم، كتاب الزكاة حديث (١٠٥٤).\n_________\n[¬١]- في خ: \"رومان\" في ز: \"رمان\".\n[¬٢]- في ت: \"بعشرة\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٤]- في ز: \"معجزين\".\n[¬٥]- في ز: \"مجتزئون\".\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٧]- في ز: \"عمر\".","vol":"11","page":292},{"text":"وقوله: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾، أي: مهما أنفقتم من شيء فيما أمركم به وأباحه لكم، فهو يخلفه عليكم في الدنيا بالبدل، وفي الآخرة بالجزاء والثواب، كما ثبت في الحديث: \"يقول الله تعالى: أَنْفق أُنْفق عليك\" (^٣٤). وفي الحديث \"أن ملكين يصيحان [¬١] كل يوم، يقول أحدهما: اللهم أعط ممسكًا تلفًا، ويقول الآخر: اللهم أعط منفقًا خلفًا\" (^٣٥). وقال رسول الله ﷺ \"أنفق بلال [¬٢]، ولا تخش من ذي العرش إقلالًا\" (^٣٦).\nوقال ابن أبي حاتم ذكر [¬٣] عن يزيد بن عبد العزيز الفلاس حدثنا هشيم عن الكوثر [¬٤] بن حكيم، عن مكحول قال: بلغني عن حذيفة قال: قال رسول الله ﷺ: \"ألا إن بعدكم زمان عضوض، يعض الموسر على ما في يديه [¬٥] حَذار الإنفاق\". ثم تلا هذه الآية: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيرُ الرَّازِقِينَ﴾ (^٣٧).\nوقال الحافظ أبو يعلى الموصلي (^٣٨): حدثنا روح بن حاتم، حدثنا هُشَيم، عن الكوثر بن حكيم، عن مكحول قال: بلغني عن حذيفة أنه قال: قال رسول الله ﷺ: \"ألا إن بعد زمانكم هذا زمان عضوض، يعض الموسر على ما في يديه حذار الإنفاق\"، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيرُ الرَّازِقِينَ﴾، وَيَنْهَل شرار الخلق يبايعون كل مضطر، ألا إن بيع المضطرين حرام، [ألا إن بيع المضطرين حرام] [¬٦]، المسلم أخو المسلم،\n_________\n(^٣٤) رواه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير، حديث (٤٦٨٤)، ومسلم في صحيحه، كتاب الزكاة حديث (٩٩٣) من حديث أبي هريرة ﵁.\n(^٣٥) رواه البخاري في صحيحه، كتاب الزكاة حديث (١٤٤٢)، ومسلم في صحيحه، كتاب الزكاة حديث (١٠١٠) من حديث أبي هريرة ﵁.\n(^٣٦) جاء عن جماعة من الصحابة، فرواه الطبراني في المعجم الكبير (١/ ٣٤٠) من طريق قيس بن الربيع، عن أبي حصين، عن يحيى بن وثاب، عن مسروق، عن ابن مسعود، ﵁، وقيس بن الربيع ضعفوه. ورواه الطبراني في المعجم الكبير (١/ ٣٤٢)، وأبو يعلى في مسنده (١٠/ ٤٢٩)، وأبو نعيم في الحلية (٢/ ٢٨٠) عن هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، ﵁. ورواه الطبراني في المعجم الكبير (١/ ٣٥٩) من طريق أبي إسحاق عن مسروق عن بلال، ﵁، وفيه ابن زبالة وهو ضعيف.\n(^٣٧) ذكره السيوطي في الدر (٦/ ٧٠٧) وقال: \"أخرج أبو يعلى وابن أبي حاتم وابن مردويه بسند ضعيف فذكره\".\n(^٣٨) ذكره الحافظ ابن حجر في المطالب العالية (١/ ٢٦١) وعزاه لأبي يعلى في مسنده.\n_________\n[¬١]- في ت: \"يتصيحان\".\n[¬٢]- في ت: \"بلالًا\".\n[¬٣]- سقط من: ت.\n[¬٤]- في ز: \"المكوثر\".\n[¬٥]- في ت: \"يده\".\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.","vol":"11","page":293},{"text":"لا يظلمه ولا يخذله، إن كان عندك معروف، فَعُد به على أخيك، وإلا فلا تَزده هلاكًا إلى هلاكه\".\nهذا حديث غريب من هذا الوجه، وفي إسناده ضعف.\nوقال سفيان الثوري، عن أبي يونس الحسن بن يزيد قال: قال مجاهد: لا يتأولن [¬١] أحدكم هذه الآية: ﴿وَ[¬٢] مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾: إذا كان عند أحدكم ما يقيمه فليقصد فيه، فإن الرزق مقسوم.\n﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ (٤١) فَالْيَوْمَ لَا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (٤٢) وَإِذَا تُتْلَى عَلَيهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إلا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ وَقَالُوا مَا هَذَا إلا إِفْكٌ مُفْتَرًى وَقَال الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ إِنْ هَذَا إلا سِحْرٌ مُبِينٌ (٤٣)﴾\nيخبر تعالى أنه يقرع المشركين يوم القيامة على رءوس الخلائق، فيسأل الملائكة الذين كان المشركون يزعمون أنهم يعبدون الأنداد التي هي على صور الملائكة ليقربوهم إلى الله زلفى، فيقول للملائكة: ﴿أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ﴾، أي: أنتم أمرتم هؤلاء بعبادتكم؟ كما قال في سورة الفرقان: ﴿أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ﴾؟ وكما يقول لعيسى: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَينِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَال سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيسَ لِي بِحَقٍّ﴾.\nوهكذا تقول الملائكة: ﴿سُبْحَانَكَ﴾، أي [¬٣]: تعاليت وتقدستَ عن أن يكون معك إله. ﴿أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ﴾، أي: نحن عبيدك ونبرأ إليك من هؤلاء، ﴿بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ﴾، يعنون الشياطين [لأنهم هم] [¬٤] الذين يزينون لهم عبادة الأوثان ويضلونهم [¬٥]، ﴿أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾، كما قال تعالى: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إلا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إلا شَيطَانًا [¬٦] مَرِيدًا﴾ قال الله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ لَا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا﴾، أي: لا يقع لكم نفع ممن كنتم ترجون نفعه اليوم من الأنداد والأوثان، التي ادخرتم عبادتها لشدائدكم\n_________\n[¬١]- في ز: \"يتناولن\".\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- في ز: \"و\".\n[¬٤]- في ز: \"ثم\".\n[¬٥]- في ز: \"يضلوهم\".\n[¬٦]- في ز: \"شيطان\".","vol":"11","page":294},{"text":"وكُرَبكم، اليوم لا يملكون لكم نفعًا ولا ضرًّا، ﴿وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ - وهم المشركون - ﴿ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾، أي: يقال لهم ذلك، تقريعًا وتوبيخًا.\n﴿وَمَا آتَينَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ (٤٤) وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا بَلَغُوا مِعْشَارَ مَا آتَينَاهُمْ فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيفَ كَانَ نَكِيرِ (٤٥) قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إلا نَذِيرٌ لَكُمْ بَينَ يَدَي عَذَابٍ شَدِيدٍ (٤٦)﴾\nيخبر تعالى عن الكفار أنهم يستحقون منه العقوبة والأليم من العذاب، لأنهم كانوا إذا تتلى عليهم آياته بينات يسمعونها غَضَّةً [¬١] طرية من لسان رسوله ﷺ، ﴿قَالُوا مَا هَذَا إلا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ﴾، يعنون أن دين آبائهم هو الحق، وأن ما جاءهم به الرسول عندهم باطل - عليهم وعلى آبائهم لعائن الله - ﴿وَقَالُوا مَا هَذَا إلا إِفْكٌ مُفْتَرًى وَقَال الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ إِنْ هَذَا إلا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾. قال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَينَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ﴾، أي: ما أنزل الله على العرب من كتاب قبل القرآن، وما أرسل إليهم نبيًّا قبل محمد ﷺ، وقد كانوا يَوَدّون ذلك ويقولون: لو جاءنا نذير أو أنزل علينا كتاب، لكنا أهدى من غيرنا، فلما مَنَّ الله عليهم بذلك كذبوه وعاندوه وجحدوه. ثم قال: ﴿وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾، أي: من الأمم، ﴿وَمَا بَلَغُوا مِعْشَارَ مَا آتَينَاهُمْ﴾ - قال ابن عباس: أي من القوة في الدنيا. وكذلك [¬٢] قال قتادة، والسدّي وابن زيد. كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾، ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً﴾، أي: وما دفع ذلك عنهم عذاب الله ولا رده، بل دمر الله عليهم لما [¬٣] كذبوا رسله، ولهذا قال: ﴿فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيفَ كَانَ نَكِيرِ﴾، أي: كيف كان نكالي وعقابي وانتصاري لرسلي؟.\n﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إلا عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ\n_________\n[¬١]- في خ، ز: \"محضة\".\n[¬٢]- في ز: \"كذا\".\n[¬٣]- في ز: \"ما\".","vol":"11","page":295},{"text":"شَهِيدٌ (٤٧)﴾.\nيقول تعالى: قل يا محمد لهؤلاء الكافرين الزاعمين أنك مجنون: ﴿إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ﴾، أي: إنما آمركم بواحدة، وهي: ﴿أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾، أي: تقوموا قيامًا خالصًا لله، من غير هوى ولا عصبية، فيسأل بعضكم بعضًا: هل بمحمد من جنون؟ فينصح بعضكم بعضًا، ﴿ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا﴾، أي: ينظر الرجل لنفسه في أمر محمد ﷺ ويسأل غيوه من الناس عن شأنه إن أشكل عليه، ويتفكر في ذلك، ولهذا قال: ﴿أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾.\nهذا معنى ما ذكره مجاهد، ومحمد بن كعب، والسدي، وقتادة، وغيرهم، وهذا هو المراد من الآية. فأما الحديث الذي رواه ابن أبي حاتم:\nحدثنا أبي، حدثنا هشام بن عمار، حدثنا صدقة بن خالد، حدثنا عثمان بن أبي العاتكة، عن علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة: أن رسول الله ﷺ كان يقول: \"أعطيت ثلاثًا لم يعطهن مَن قبلي ولا فخر: أحلت لي الغنائم، ولم تحل لمن قبلي، كانوا قبلي يجمعون غنائمهم فيحرقونها. وبُعثت إلى كل أحمر وأسود، وكان كل نبي يبعث إلى قومه، وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، أتيمم بالصعيد، وأصلي حيث أدركتني الصلاة، قال الله: ﴿أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى﴾ وأعنت بالرعب مسيرة شهر بين يدي\".\nفهو حديث ضعيف الإسناد، وتفسير الآية بالقيام في الصلاة في جماعة وفرادى، بعيد، ولعله مقحم في [¬١] الحديث من بعض الرواة، فإن أصله ثابت في الصحاح وغيرها (^٣٩)، والله أعلم.\nوقوله: ﴿إِنْ هُوَ إلا نَذِيرٌ لَكُمْ بَينَ يَدَي عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ - قال البخاري عندها (^٤٠):\nحدثنا علي بن عبد الله، حدثنا محمد بن خَازم [¬٢]، حدثنا الأعمش، عن عمرو بن مُرّة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: صَعدَ النبي ﷺ الصفا ذات يوم، فقال: يا صباحاه! فاجتمعت إليه قريش، فقالوا: ما لك؟ فقال: أرأيتم لو [¬٣] أخبرتكم أن العدو يُصَبِّحكم أو يُمَسِّيكم، أما كنتم تصدقوني؟ قالوا: بلى؟ قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب\n_________\n(^٣٩) سبق تخريج حديث جابر، ﵁، في الصحيحين عند تفسير الآية: ٢٨ من هذه السورة.\n(^٤٠) صحيح البخاري، كتاب التفسير حديث (٤٨٠١).\n_________\n[¬١]- في ز: \"من\".\n[¬٢]- في خ: \"محازم\"، وفي ز: \"حازم\".\n[¬٣]- في ز: \"إن\".","vol":"11","page":296},{"text":"شديد: فقال أبو لهب: تبًّا لك! ألهذا جمعتنا؟ فأنزل الله: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾.\nوقد تقدم عند قوله: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾.\nوقال الإمام أحمد (^٤١): حدثنا أبو نعيم، حدثنا بشير بن المهاجر، حدثني عبد الله بن بريدة، عن أبيه قال: خرج الينا رسول الله ﷺ يومًا فنادى ثلاث مرات فقال: \"أيها الناس تدرون ما مثلي ومثلكم؟ \" قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: \"إنما مثلي ومثلكم مثلُ قوم [¬١] خافوا غدوًّا يأتيهم، فبعثوا رجلًا يتراءى لهم، فبينما هو كذلك أبصر العدو، فأقبل لينذرهم وخشي أن يدركه العدو قبل أن ينذر قومه، فأهوى بثوبه: أيها الناس، أوتيتم. أيها الناس، أوتيتم. ثلاث مرات\".\nوبهذا الإسناد قال رسول الله ﷺ: \"بعثت أنا والساعة جميعًا، إن كادت لتسبقني\". تفرد به الإمام أحمد في مسنده (^٤٢).\n﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (٤٨) قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ (٤٩) قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ (٥٠) وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ (٥١)﴾\nيقول تعالى آمرًا رسوله أن يقول للمشركين: ﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ﴾، أي: لا أريد منكم جُعلًا ولا عطاءًا على أداء رسالة الله إليكم، ونصحي إياكم، وأمركم بعبادة الله، ﴿إِنْ أَجْرِيَ إلا عَلَى اللَّهِ﴾، أي: إنما أطلب ثواب ذلك عند الله، ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ شَهِيدٌ﴾، أي: عالم بجميع الأمور، بما أنا عليه من إخباري عنه بإرساله إياي إليكم، وما أنتم عليه.\nوقوله: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾، كقوله تعالى: ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾. أي: يرسل الملك إلى من يشاء من عباده من أهل الأرض، وهو\n_________\n(^٤١) المسند (٥/ ٣٤٨) (٢٣٠٥٤). ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٢/ ١٨٨) وعزاه لأحمد وقال: \"ورجاله رجال الصحيح\".\n(^٤٢) - المسند (٥/ ٣٤٨) (٢٣٠٥٣) ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٣١١) وقال: \"رواه أحمد والبزار؛ إلا أنه قال: \"بعثت أنا والساعة كهاتين\". وضم أصبعيه السبابة والوسطى، ورجال أحمد رجال الصحيح.\n_________\n[¬١]- في ز: \"قومًا\".","vol":"11","page":297},{"text":"علام الغيوب، فلا تخفى عليه خافية في السماوات ولا في الأرض.\nوقوله: ﴿قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ﴾، أي: جاء الحق من الله والشرع العظيم، وذهبَ الباطل لي زهق واضمحل، كقوله: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ﴾، ولهذا لما دخل رسول الله ﷺ المسجد الحرام يوم الفتح، ووجد تلك الأصنام منصوبة حول الكعبة، جعل يَطعُن الصنم بسيَة قَوْسه، ويقرأ: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾، ﴿قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ﴾.\nرواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وحده عند هذه الآية، كلهم من حديث الثوري، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن أبي معمر عبد الله بن سَخْبَرَةَ، عن ابن مسعود به (^٤٣).\nأي: لم يبق للباطل مقالة ولا رياسة ولا كلمة.\nوزعم قتادة والسدي: أن المراد بالباطل هاهنا إبليس، أي: إنه لا يخلق أحدًا ولا يعيده، ولا يقدر على ذلك. وهذا وإن كان حقًّا ولكن ليس هو المراد هاهنا، والله أعلم.\nوقوله: ﴿قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي﴾، أي: الخير كله من عند الله، وفيما أنزله الله ﷿ من الوحي والحق المبين فيه الهدى والبيان والرشاد، ومن ضل فإنما يضل من تلقاء نفسه، كما قال عبد الله بن مسعود ﵁ لما سئل عن تلك المسألة في المفوّضة: أقول فيها برأيي، فإن كن صوابًا فمن الله، وإن يكن خطأً فمني ومن الشيطان، والله ورسوله بريئان منه (^٤٤).\nوقوله: ﴿إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ﴾، أي: سميع لأقوال عباده، قريب يجيب دعوة الداعي إذا دعاه، وقد روى النسائي هاهنا حديث أبي موسى الذي في الصحيحين: \"إنكم لا تدعون أصم ولا غائبًا، إنما تدعون سميعًا قريبًا مجيبًا\" (^٤٥).\n﴿وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ (٥٢) وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيبِ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ (٥٣) وَحِيلَ بَينَهُمْ وَبَينَ مَا يَشْتَهُونَ\n_________\n(^٤٣) صحيح البخاري، كتاب المظالم حديث (٢٤٧٨)، وكتاب المغازي (٤٢٨٧)، وصحيح مسلم، كتاب الجهاد والسير حديث (١٧٨١)، وسنن الترمذي، كتاب تفسير القرآن، حديث (٣١٣٨)، والنسائي في السنن الكبرى، كتاب التفسير، حديث (١١٤٢٨).\n(^٤٤) انظر الأثر في المسند (١/ ٤٧٧).\n(^٤٥) النسائي في السنن الكبرى، كتاب التفسير حديث (١١٤٢٧)، وصحيح البخاري، كتاب المغازي، حديث (٤٢٠٥) وصحيح مسلم، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار حديث (٢٧٠٤).","vol":"11","page":298},{"text":"كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ (٥٤)﴾\nيقول تعالى: ولو ترى - يا محمد - إذ فَزع هؤلاء المكذبون يوم القيامة، ﴿فَلَا فَوْتَ﴾، أي: فلا مفر لهم، ولا وزر ولا ملجأ. ﴿وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ﴾، أي: لم يُمكَّنوا أن يُمعِنُوا في الهرب، بل أخذوا من أول وهلة.\nقال الحسن البصري: \"حين خرجوا من قبورهم\".\nوقال مجاهد، وعطية العوفي، وقتادة: \"من تحت أقدامهم\".\nوعن ابن عباس والضحاك: \"يعني عذابهم في الدنيا\".\nوقال عبد الرحمن بن زيد: \"يعني قتلهم يوم بدر\".\nوالصحيح أن المراد بذلك يوم القيامة، وهو الطامة العظمى، وإن كان ما ذكر متصلًا [¬١] بذلك.\nوحكى ابن جرير عن بعضهم قال: إن المراد بذلك جيش يخسف [¬٢] بهم بين مكة والمدينة في أيام بني العباس. ثم أورد في ذلك حديثًا موضوعًا بالكلية. ثم لم ينبه على ذلك، وهذا أمر عجيب غريب منه.\n﴿وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ﴾، أي: يوم القيامة يقولون: آمنا بالله وبكتبه ورسله. كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾، ولهذا قال تعالى: ﴿وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾، أي: وكيف لهم [] [¬٣] تعاطي الإيمان وقد بعدوا عن محل قبوله منهم وصاروا إلى الدار [¬٤] الآخرة، وهي دار الجزاء لا دار الابتلاء، فلو كانوا آمنوا في الدنيا لكان ذلك نافعهم، ولكن بعد مصيرهم إلى الدار الآخرة لا سبيل لهم إلى قبول الإيمان، كما لا سبيل إلى حصول الشيء لمن يتناوله من بعيد.\nقال مجاهد: ﴿وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ﴾، قال: التناول لذلك.\nوقال الزهري: التناوش: تناولهم الإيمان وهم في الآخرة، وقد انقطعت عنهم الدنيا [¬٥].\nوقال الحسن البصري: أما إنهم طلبوا الأمر من حيث لا ينال، تعاطوا الإيمان من مكان بعيد.\n_________\n[¬١]- في ز: \"متصل\".\n[¬٢]- في خ: \"خسف\" وفي ز: \"حشف\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في ز: \"عن\".\n[¬٤]- سقط من: ز.\n[¬٥]- سقط من: خ، ر.","vol":"11","page":299},{"text":"وقال ابن عباس: طلبوا الرجعة إلى الدنيا والتوبة مما هم فيه، وليس بحين رجعة ولا توبة.\nوكذا قال محمد بن كعب القرظي ﵀.\nوقوله: ﴿وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ﴾، أي: كيف يحصل لهم الإيمان في الآخرة، وقد كفروا بالحق في الدنيا، وكذبوا الرسل؟.\n﴿وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيبِ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾، قال مالك، عن زيد بن أسلم: ﴿وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيبِ﴾، قال: بالظن.\nقلت: كما قال تعالى: ﴿رَجْمًا بِالْغَيبِ﴾، فتارة يقولون: شاعر. وتارة يقولون: كاهن. وتارة يقولون: ساحر. وتارة يقولون مجنون إلى غير ذلك من الأقوال الباطلة ويكذبون بالغيب والنشور والمعاد: ويقولون ﴿إِنْ نَظُنُّ إلا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيقِنِينَ﴾.\nقال قتادة: يرجمون بالظن، لا بعث ولا جنة ولا نار.\nوقوله: ﴿وَحِيلَ بَينَهُمْ وَبَينَ مَا يَشْتَهُونَ﴾، قال الحسن البصري، والضحاك، وغيرهما: يعني الإيمان.\nوقال السدي: ﴿وَحِيلَ بَينَهُمْ وَبَينَ مَا يَشْتَهُونَ﴾، وهي: التوبة. وهذا اختيار ابن جرير، ﵀.\nوقال مجاهد: ﴿وَحِيلَ بَينَهُمْ وَبَينَ مَا يَشْتَهُونَ﴾ من هذه الدنيا، من مال وزهرة وأهل.\nوروي عن ابن عباس وابن عمر والربيع بن [¬١] أنس. وهو قول البخاري وجماعة.\nوالصحيح أنه لا منافاة بين القولين، فإنه قد حيل لينهم وبين شهواتهم في الدنيا وبين [¬٢] ما طلبوه في الآخرة، فمنعوا منه.\nوقد ذكر ابن أبي حاتم هاهنا أثرًا غريبًا عجيبًا جدًّا، فلنذكره بطوله فإنه قال: حدثنا محمد بن يحيى، حدثنا بشر بن حجر السامي، حدثنا علي بن منصور الأنباري، عن الشَرَقَى بن قُطَامى، عن سعد بن طريف، عن عكرمة، عن ابن عباس في قول الله ﷿: ﴿وَحِيلَ بَينَهُمْ وَبَينَ مَا يَشْتَهُونَ﴾ إلى آخر الآية، قال: كان رجل من بني إسرإئيل فاتحًا أي: فتح الله له مالًا -فمات فورثه ابن له تافه -أي: فاسد - فكان يعمل في مال الله بمعاصي الله. فلما رأى ذلك إخوان أبيه أتوا الفتى فعذلوه ولاموه، فضجر الفتى فباع عقاره بصامت، ثم رحل فأتى عينًا\n_________\n[¬١]- في خ: \"و\".\n[¬٢]- في خ: \"وهي\".","vol":"11","page":300},{"text":"ثجاجَة فسرح فيها ماله، وابتنى قصرًا. فبينما هو ذات يوم جالس إذ شَملت عليه ريح [¬١] بامرأة من أحسن الناس وجهًا وأطيبهم أرَجًا -أي: ريحًا- فقالت: من أنت يا عبد الله؟ فقال: أنا امرؤ من بني إسرائيل. قالت: فلك هذا القصر، وهذا المال؟ قال: نعم، قالت: فهل لك من زوجة؟ قال: لا. قالت: فكيف يَهْنيك العيش ولا زوجة لك؟ قال: قد كان ذلك. فهل لك من بَعل؟ قالت: لا. قال: فهل لك إلى أن أتزوجك؟ قالت: إنّي امرأة منك على مسيرة ميل، فإذا كان غد فتزود زاد يوم وأتني، وإن رأيت في طريقك هولًا فلا يَهُولنَّكَ. فلما كان من الغد تزود زاد يوم، وانطلق فانتهى إلى قصر، فقرع رتاجه، فخرج إليه شاب من أحسن الناس وجهًا وأطيبهم أرَجًا -أي: ريحًا- فقال: من أنت يا عبد الله؟ فقال: أنا الإسرائيلي. قال: فما حاجتك؟ قال: دعتني صاحبة هذا القصر إلى نفسها. قال: صدقت، فهل رأيت في طريقك هولًا [¬٢]؟ قال: نعم، ولولا أنها أخبرتني أن لا بأس عليَّ لهالني الذي رأيت. [قال: ما رأيت؟] [¬٣] قال: أقبلت حتى إذا انفرج بي السبيل إذ أنا بكلبة فاتحة فاها، ففزعت، فوَثَبت فإذا أنا من ورائها، وإذا جراؤها ينبحن في بطنها، فقال له الشاب: لست تدرك هذا، هذا يكون في آخر الزمان، يقاعد الغلام المشيخة في مجلسهم ويبتزهم [¬٤] حديثهم.\nقال: ثم أقبلت حتى إذا [¬٥] انفرج لي السبيل، إذا أنا بمائة عنز حُفَّل [¬٦]، وإذا فيها جدي يمصّها، فإذا أتى عليها وظن أنه لم يترك شيئًا، فتح فاه يلتمس الزيادة. فقال [¬٧]: لست تدرك هذا، هذا يكون في آخر الزمان، ملك يجمع صامت الناس كلّهم، حتى إذا ظن أنه لم يترك شيئًا فتح فاه يلتمس الزيادة.\nقال: ثم أقبلت حتى إذا [¬٨] انفرج بي السبيل إذا أنا [¬٩] بشجر، فأعجبني غصن من شجرة منها ناضر، فأردت قطعه، فنادتني شجرة أخرى: \"يا عبد الله، مني فخذ\". حتى ناداني الشجر أجمع: \"يا عبد الله؛ منا فخذ\". قال: لست تدرك هذا، هذا يكون في آخر الزمان، يقل الرجال ويكثر النساء، حتى إن الرجل ليخطب امرأة فتدعوه العشر والعشرون إلى أنفسهن.\nقال: ثم أقبلت حتى إذا انفرج بي السبيل إذا أنا برجل قائم على عين، يغرف لكل إنسان من الماء، فإذا تَصَدّعوا عنه صَبَّ في جَرَّته فلم تَعلَق جَرَّتُه من الماء بشيء. قال: لست تدرك هذا، هذا يكون في آخر الزمان، القاص يعلم الناس العلم ثم يخالفهم إلى معاصي الله.\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- سقط من: خ، ز.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٤]- في ت: \"يبذهم\".\n[¬٥]- سقط من: خ، ز.\n[¬٦]- في ز: \"جُفَّل\".\n[¬٧]- في ز: \"قال\".\n[¬٨]- سقط من: خ، ز.\n[¬٩]- سقط من: ز.","vol":"11","page":301},{"text":"قال: ثم أقبلت حتى إذا انفرج بي السبيل إذا أنا بعنز، وإذا قوم [¬١] قد أخذوا بقوائمها، وإذا رجل قد أخذ بقرنيها، وإذا رجل قد أخذ بذنَبها، وإذا رجل قد ركبها، وإذا رجل يحلبها. فقال: أما العنز فهي الدنيا، والذين أخذوا بقوائمها يتساقطون من عيشها، وأما الذي قد أخذ بقرنيها فهو يعالج من عيشها ضيقًا، وأما الذي أخذ بذنبها فقد أدبرت عنه، وأما الذي [¬٢] ركبها فقد تركها. وأما الذي يحلبها فَبخٍ بخ، ذهب ذلك بها.\nقال: ثم أقبلت حتى إذا انفرج لي السبيل، و[¬٣] إذا أنا برجل يمْتح على قَليب، كلما أخرج دلوه صبَّه في الحوض، فانساب الماء راجعًا إلى القليب. قال: هذا رجل رَدّ الله صالح عمله، فلم يقبله.\nقال: ثم أقبلت حتى إذا انفرج لي السبيل، إذا أنا برجل يبذُر بذرًا فيستحصد، فإذا حنطة طيبة. قال: هذا رجل قبل الله صالح عمله، وأزكاه له.\nقال: ثم أقبلت حتى إذا انفرج بي السبيل، إذا أنا برجل مستلق على قفاه، قال [¬٤]: يا عبد الله، ادن مني فخذ بيدي واقعدني، فوالله ما قعدت منذ خلقني الله ﷿ فأخذت بيده، فقام يسعى حتى ما أراه. فقال له الفتى: هذا عمر الأبعد نَفَد، أنا [¬٥] ملك الموت [وأنا المرأة التي أتتك] [¬٦] … أمرني الله ﷿ بقبض روح الأبعد في هذا المكان، ثم أصيره [¬٧] إلى نار جهنم. قال: ففيه نزلت هذه: ﴿وَحِيلَ بَينَهُمْ وَبَينَ مَا يَشْتَهُونَ﴾ الآية.\nهذا أثر غريب (^٤٦)، وفي صحته نظر، وتنزيل الآية عليه وفي حقه بمعنى أن الكفار كلهم يتوفون [¬٨] وأرواحهم متعلقة بالحياة الدنيا، كما جرى لهذا المغرور المفتون، ذهب بطلب [¬٩] مراده فجاءه الموت فجأة بغتة، وحيل بينه وبين ما يشتهي.\nوقوله: ﴿كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ﴾، أي: كما جرى للأمم الماضية المكذبة للرسل، لما جاءهم بأس الله تمنوا أن لو آمنوا فلم يقبل منهم، ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (٨٤) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ﴾.\n_________\n(^٤٦) الأثر ذكره السيوطي في الدر المنثور (٦/ ٧١٦) وعزاه لابن أبي حاتم.\n_________\n[¬١]- في ت: \"بقوم\".\n[¬٢]- بعده في خ، ز: \"قد\".\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- في ز: \"فقال\".\n[¬٥]- سقط من: خ، ز.\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٧]- في ز: \"أصبره\".\n[¬٨]- في خ: \"يتوقفون\".\n[¬٩]- في ز: \"يطلب\".","vol":"11","page":302},{"text":"وقوله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ﴾، أي: كانوا في الدنيا في شك وريبة، فلهذا لم يتقبل منهم الإيمان عند معاينة العذاب.\nقال قتادة: إياكم والشك والريبة! فإنه من مات على شك بعث عليه، ومن مات على يقين بعث عليه.\nآخر تفسير سورة سبأ، ولله الحمد والمنة.\n* * *","vol":"11","page":303},{"text":"<span data-type='title' id=toc-149>تفسير سورة فاطر وهي مكية</span>\n﷽\n﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ (١)﴾\nقال: سفيان الثَّوري، عن إبراهيم بن مهاجر، عن مجاهد، عن ابن عبَّاس قال: كنت لا أدري ما فاطر السموات والأرض، حتَّى أتاني أعرابيان يختصمان في بئر، فقال أحدهما: أنا فطرتها، أنا بدأتها. فقال ابن عبَّاس أيضًا: ﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، بديع السموات والأرض (^١).\nوقال الضحاك: كل شيء في القرآن: فاطر السموات والأرض؛ فهو خالق السموات والأرض (^٢).\nوقوله: ﴿جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا﴾، أي: بينه وبين أنبيائه، ﴿أُولِي أَجْنِحَةٍ﴾، أي: يطيرون بها ليبلغوا ما أمروا به سريعًا ﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾، أي: منهم من له جناحان، ومنهم من له ثلاثة، ومنهم من له أربعة، ومنهم من له أكثر من ذلك، كما جاء في الحديث: أن رسول الله ﷺ رأى جبريل ليلة الإسراء وله ستمائة جناح، بين كل جناحين كما بين المشرق والمغرب (^٣). ولهذا قال: ﴿يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ﴾.\nقال السدي: يزيد في الأجنحة وخلقهم ما يشاء. وقال الزُّهْريّ، وابن جريج في قوله: ﴿يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ﴾، يعني: حسن الصوت. رواه عن الزُّهْريّ [¬١] البخاري في الأدب، وابن أبي حاتم في تفسيره (^٤).\n_________\n(^١) - رواه أَبو عبيد في فضائله ص (٣٤٥)، والبيهقي في شعب الإيمان برقم (١٦٨٢) من طريق يحيى بن سعيد، عن سفيان، به. وأورده السيوطي في الدر (٥/ ٤٥٨) وعزاه لعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.\n(^٢) - أخرجه ابن أبي حاتم كما عزاه إليه السيوطي في الدر (٥/ ٤٥٨).\n(^٣) - تقدم في سورة الإسراء.\n(^٤) - وأورده السيوطي (٥/ ٤٥٨) وزاد نسبته إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، والبيهقي في الشعب.\n_________\n[¬١]- في خ، ز: \"السدي\".","vol":"11","page":304},{"text":"وقُرئ في الشاذ: (يزيد في الحلق)، بالحاء المهملة، والله أعلم.\n﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢)﴾\nيخبر تعالى أنَّه ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، وأنه لا مانع لما أ عطى، ولا معطى لما منع.\nقال الإمام أحمد (^٥): حدَّثنا علي بن عاصم، حدَّثنا مغيرة، أخبرنا عامر، عن وَرَّاد [¬١]- مولى المغيرة بن شعبة - قال: كتب معاوية إلى المغيرة بن شعبة: اكتب إليَّ بما سمعتَ بن رسول الله ﷺ. فدعاني المغيرة فكتبت إليه: إني سمعت رسول الله ﷺ إذا انصرف من الصلاة قال: \"لا إله إلَّا الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجدّ\". وسمعته ينهى عن: \"قيل وقال، وكثرة السؤال وإضاعة المال، وعن وأد البنات، وعقوق الأمهات، ومَنْع وَهَات\".\nوأخرجاه من طرق عن وَرَّاد [¬٢] به.\nوثبت في صحيح مسلم (^٦) عن أبي سعيد الخدري ﵁: أن رسول الله ﷺ كان إذا رفع رأسه من الركوع يقول: \"سمع الله لمن حمده، اللهُم ربنا لك الحمد، [ملء السموات وملء الأرض] [¬٣] وملء ما شئت من شيء بعد. اللهم، أهلَ الثناء والمجد. أحقّ ما قال العبد - وكلنا لك عبد - اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجَدّ منك الجَدّ\".\nوهذه الآية كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إلا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾. ولهذا نظائر كثيرة.\nوقال الإمام مالك (^٧): كان أبو هريرة إذا مُطروا يقول: مُطرنا بنَوء الفتح، ثم يقرأ هذه\n_________\n(^٥) - رواه أحمد ١٨٢٨٥ - (٤/ ٢٥٤)، ١٨١٩١ - (٤/ ٢٤٥)، والبخاري في الأذان برقم (٨٤٤)، وأطرافه (٦٣٣٠، ٦٤٧٣، ٦٦٥١، ٧٢٩٢)، ومسلم في المساجد، ومواضع الصلاة برقم (٥٩٣).\n(^٦) - مسلم في الصلاة برقم (٤٧٧).\n(^٧) - الموطأ (١/ ١٩٢).\n_________\n[¬١]- في ز: \"واردٍ\".\n[¬٢]- في ز: \"واردٍ\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في ت: \"ملء السماء والأرض\".","vol":"11","page":305},{"text":"الآية: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. ورواه ابن أبي حاتم، عن يونس، عن ابن وَهْب، عنه.\n﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إلا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٣)﴾\nينبه تعالى عباده ويرشدهم إلى الاستدلال على توحيده في إفراد العبادة له، كما أنَّه المستقل بالخلق والرزق فكذلك فَلْيفرد بالعبادة، ولا يشرك به غيره من الأصنام والأنداد والأوثان. ولهذا قال: ﴿لَا إِلَهَ إلا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ أي: فكيف تؤفكون بعد هذا البيان، ووضوح هذا البرهان، وأنتم بعد هذا تعبدون الأنداد والأوثان؟.\n﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٤) يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (٥) إِنَّ الشَّيطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ (٦)﴾\nيقول: وإن يكذبوك - يا محمد - هؤلاء المشركون بالله ويخالفوك [¬١] فيما جئتهم به من التوحيد، فلك فيمن [¬٢] سلف قبلك من الرسل أسوة؛ فإنهم كذلك جاءوا قومهم بالبينات وأمروهم بالتوحيد فكذبوهم وخالفوهم، ﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ [أي: وسنجزيهم] [¬٣] على ذلك أوفر الجزاء.\nثم قال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾، أي: المعاد كائن لا محالة، ﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾، أي: العيشة الدنيئة [¬٤] بالنسبة إلى ما أعبد الله لأوليائه وأتباع رسله من الخير العظيم فلا تَتَلَهوا [¬٥] عن ذلك الباقي بهذه الزهرة الفانية،، وهو الشيطان، قاله ابن عبَّاس. أي: لا يفتننكم الشيطان ويصرفنكم عن اتباع رسل الله وتصديق كلماته، فإنه غرَّار كذاب أفاك. وهذه الآية كالآية التي في آخر لقمان: ﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾.\n_________\n[¬١]- في ز: \"ويخالفونك\".\n[¬٢]- في ز: \"ممن\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في ز: \"وستجزيهم\".\n[¬٤]- في ز: \"الدنية\".\n[¬٥]- في ز: \"تلتهوا\".","vol":"11","page":306},{"text":"قال مالك، عن زيد بن أسلم: هو الشيطان. كما قال: يقول المؤمنون للمنافقين يوم القيامة حين يضرب ﴿بَينَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ (١٣) يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾.\nثم بين تعالى عداوة إبليس فيبن آدم فقال: ﴿إِنَّ الشَّيطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾، أي: هو مبارز لكم بالعداوة، فعادوه أنتم أشد العداوة، وخالفوه وكذبوه فيما يغركم به، ﴿إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ أي: إنما يقصد أن يضلكم حتَّى تدخلوا معه إلى عذاب السعير، فهذا هو العدو المبين. فنسأل الله القوي العزيز أن جعلنا أعداء الشيطان، وأن يزقنا اتباع كتابه، والاقتفاء بطريق رسوله، إنه على ما يشاء قدير، وبالإجابة جدير. وهذه كقوله: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إلا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾.\n﴿الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (٧) أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (٨)﴾\nلما ذكر تعالى أن أتباع إبليس مصيرهم إلى السعير، ذكر بعد ذلك أن [الذين كفروا لهم] [¬١] عذاب شديد، لأنهم أطاعوا الشيطان وعَصَوا الرحمن، وأن اللذين آمنوا بالله ورسله ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ أي: لما كان منهم من ذنب، ﴿وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ على ما عملوه من خير.\nثم قال: ﴿فَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾، يعني كالكفار والفجار، يعملون أعمالًا سيئة، وهم في ذلك يعتقدون ويحسبون أنَّهم يحسنون صنعًا، أي: أفمن [¬٢] كان هكذا قد أضله الله، ألك فيه حيلة؟ لا حيلة لك فيه، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾، أي: بقدره كان ذلك، ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيهِمْ حَسَرَاتٍ﴾، أي: لا تأسف علن ذلك فإن الله حكيم [¬٣] في قدره إنما يضل من يضل ويهدي من يهدي، لما له في ذلك من الحجة\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ز: \"للذين كفروا\".\n[¬٢]- في ز: \"فمن\".\n[¬٣]- في ز: \"حليم\".","vol":"11","page":307},{"text":"البالغة، والعلم التام، ولهذا قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾.\nوقال ابن أبي حاتم عند هذه الآية: حدَّثنا أبي، حدَّثنا محمد بن عوف الحمصي، حدَّثنا محمد بن كثير، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي [¬١] عمرو السيباني [¬٢] [أو: ربيعة]، عن عبد الله بن الديلمي [¬٣] قال: أتيت [¬٤] عبد الله بن عمرو، وهو في حائط بالطائف يقال له: الوهط، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"إن الله خلق خلقه في ظلمة، ثم ألقى عليهم من نوره، فمن أصابه من نوره يومئذٍ فقد اهتدى، ومن أخطأه منه ضل، فلذلك أقول: جف القلم على ما علم الله ﷿\" (^٨).\nثم قال: حدَّثنا يحيى بن عبدك القزويني، حدَّثنا حسان بن حسان البصري، حدَّثنا إبراهيم بن بشر [¬٥]، حدثنا يحيى بن مَعنٍ، حدَّثنا إبراهيم القرشي، عن سعيد [¬٦] بن شرحبيل، عن زيد بن أبي أوفى قال: خرج علينا رسول الله ﷺ فقال: \"الحمد لله الذي يهدي من الضلالة، ويلبس الضلالة على من أحب\" (^٩).\n_________\n(^٨) - رواه الطيالسي ٥٧ - (١/ ٣١) من طريق ابن المبارك، وأحمد (٢/ ١٧٦)، والحاكم (١/ ٣٠ - ٣١) من طريق أبي إسحاق الفزاري، والحاكم (١/ ٣٠ - ٣١) من طريق الوليد بن مزيد، ومحمد بن كثير المصيصي. ورواه ابن حبان في صحيحه (١٨١٢) \"موارد\"، من طريق ابن المبارك، جميعهم عن الأوزاعي، عن ربيعة بن يزيد، عن عبد الله الديلمي، بنحوه.\nورواه التِّرمِذي في السنن برقم (٢٦٤٤) من طريق إسماعيل بن عياش، عن يحيى بن أبي عمرو السيباني، عن عبد الله الديلمي، بنحوه، وقال الترمذي: \"هذا حديث حسن\".\nورواه أحمد (٢/ ١٩٧) من طريق أبي المغيرة، ثنا محمد بن مهاجر، أخبرنا عروة بن رويم، عن عبد الله الديلمي، به نحوه.\n(^٩) - إبراهيم بن بشر، قال أَبو حاتم (٢/ ٩٠): هو مجهول، ويحيى مجهول. وهذا الحديث هو جزء من حديث طوال في المؤاخاة بين الصحابة، رواه البخاري في التاريخ الصغير (١/ ٢٥٠) فقال: حدَّثنا حسان بن حسان، عن إبراهيم بن بشر، عن يحيى بن [معن] المدني، عن إبراهيم القرشي، عن سعيد بن شرحبيل، عن زيد بن أبي أوفى فذكره، ثم قال بعدما أورده: \"وهذا إسناد مجهول لا يتابع عليه، ولا يعرف سماع بعضهم من بعض\". ورواه الطبراني في المعجم الكبير (٥/ ٢٢٠) من طريق عبد المؤمن بن عباد، عن يزيد بن معن، عن عبد الله بن شرحبيل، عن رجل من قريش، عن زيد بن أبي أوفى بطوله، ورواه ابن الأثير في أسد الغابة (٢/ ٢٧٨) من طريق شعيب بن يونس، عن موسى بن صهيب، عن يحيى بن زكريا، عن عبد الله بن شرحبيل، عن شرحبيل من قريش، عن زيد بن أبي أوفى. وقال ابن السكن: روي حديثه من ثلاث طرق، ليس فيها ما يصح. وقال ابن عبد البر في الاستيعاب (٤/ ٤١) في ترجمة زيد: روى حديث المؤاخاة بتمامه؛ إلَّا أن في إسناده ضعفًا.\n_________\n[¬١]- سقط من: خ، ز.\n[¬٢]- في ز: \"الشيباني\".\n[¬٣]- في خ، ز: \"الديلي\".\n[¬٤]- سقط من: ز.\n[¬٥]- في ت، والجرح والتعديل: \"بشير\".\n[¬٦]- في ت: \"سعد\".","vol":"11","page":308},{"text":"وهذا أيضًا حديث غريب جدًّا.\n﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَينَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ (٩) مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ (١٠) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إلا بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إلا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (١١)﴾\nكثيرًا ما يستدل تعالى على المعاد بإحيائه الأرض بعد موتها -كما في سورة الحج ينبه عباده أن يعتبروا بهذا على ذلك، فإن الأرض تكون ميتة هامدة لا نبات فيها، فإذا أرسل إليها السحاب تحمل الماء وأنزله عليها، ﴿اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾، كذلك الأجساد [¬١]، إذا أراد الله سبحانه بعثها ونشورها، أنزل من تحت العرش مطرًا يعم [¬٢] الأرض جميعًا فتنبت الأجساد في قبورها كما ينبت الحب في الأرض ولهذا جاء في الصحيح: \"كل ابن آدم يبلى [¬٣] إلَّا عَجْبُ [¬٤] الذَّنَب، منه خلق ومنه [¬٥] يركب\". ولهذا قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ النُّشُورُ﴾.\nوتقدم في \"الحج\" حديث أبي رَزِين قلت: يا رسول الله، كيف يحيي الله الموت؟ وما آية ذلك في خلقه؟. قال: \"يا أبا رزين، أما مررت بوادي قومك محلًا [¬٦] ثم مررت به يهتز خَضِرًا؟ \" قلت: بلى. قال: \"فكذلك يحيى الله الموتى\".\nوقوله: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾، أي: من كان يحب أن يكون عَزيزًا في الدنيا والآخرة، فليلزم [¬٧] طاعة الله فإنه يحصل له مقصوده، لأن الله مالك الدنيا والآخرة، وله العزة جميعها [كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾] [¬٨].\n_________\n[¬١]- في خ، ز: \"الأجسام\".\n[¬٢]- في ز: \"فعم\".\n[¬٣]- سقط من: خ.\n[¬٤]- في ز: \"عجم\".\n[¬٥]- في ز: \"وفيه\".\n[¬٦]- في ز: \"ممحلًا\".\n[¬٧]- في ز: \"فليزم\".\n[¬٨]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.","vol":"11","page":309},{"text":"وقال تعالى: (ولا يحزنك ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾، وقال: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ [¬١]﴾.\nقال مجاهد: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ﴾ بعبادة الأوثان، ﴿فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾.\nوقال قتادة: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾، أي: فليتعزز بطاعة اللَّه ﷿.\nوقيل: من كان يريد علم العزة، لمن هي؟ ﴿فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾، حكاه ابن جرير.\nوقوله: ﴿إِلَيهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾، يعني: الذكر والتلاوة والدعاء. قاله غير واحد من السلف.\nوقال ابن جرير: حدثني محمد بن إسماعيل الأحمسي، أخبرني جعفر بن عون، عن عبد الرحمن بن عبد الله المسعودي، عن عبد الله بن المخارق، عن أبيه المخارق بن سليم قال: قال لنا عبد الله -هو ابن مسعود- إذا حدثناكم حديثًا أتيناكم بتصديق ذلك من كتاب الله: إن العبد المسلم إذا قال: \"سبحان اللَّه وبحمده، والحمد للَّه، و[¬٢] لا إله إلا الله، و[¬٣] اللَّه أكبر، تبارك الله [¬٤] \"، أخذهن ملك فجعلهن تحت جناحه، ثم صَعد بهن إلى السماء فلا يمرُّ بهن على جمع من الملائكة إلا استغفروا لقائلهن، حتَّى يجيء بهن وجه الرحمن ﷿، ثم قرأ عبد الله: ﴿إِلَيهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾.\nوحدثني يعقوب بن إبراهيم، حدَّثنا ابن عُلية، أخبرنا سعيد [¬٥] الجُرَيري، عن عبد الله بن شقيق قال: قال كعب الأحبار: إن لـ \"سبحان الله، والحمد للَّه، ولا إله إلا اللَّه، والله أكبر\" لدويًّا حول العرش كدويِّ النحل، يُذَكرن بصاحبهن، والعمل الصالح في الخزائن (^١٠).\nوهذا إسناد صحيح إلى كعب الأحبار ﵀، وقد روي مرفوعًا.\nقال الإمام أحمد (^١١): حدَّثنا ابن نمير، حدَّثنا موسى -يعني بن مسلم الطحان- عن عون بن عبد الله، عن أبيه -أو: عن أخيه- عن النعمان بن بشير قال: قال رسول اللَّه صلى الله\n_________\n(^١٠) - تفسير ابن جرير (٢٢/ ١٢٠).\n(^١١) - المسند ١٨٤١٥ - (٤/ ٢٦٨) ورواه ابن أبي شيبة في مصنفه (١٠/ ٢٨٩). والدَّويِّ: صوت ليس بالعالي. نهاية [٢/ ١٤٣].\n_________\n[¬١]- في ز: \"يفقهون\".\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- سقط من: خ.\n[¬٥]- بعده في ز \"بن\".","vol":"11","page":310},{"text":"عليه وسلم: \"الذين يذكرون الله من جلال الله، من تسبيحه وتكبيره وتحميده وتهليله، يتعاطفن حول العرش، لهن دوي كدوي النحل، يذكرون بصاحبهن؛ ألا يحب [¬١] أحدكم أن لا يزال [¬٢] له عند الله شيء يذكر به\".\nوهكذا رواه ابن ماجة (^١٢) عن أبي بشر [¬٣] بكر بن خلف، عن يحيى بن سعيد القطان، عن موسى بن أبي عيسى [¬٤] الطحان، عن عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن أبيه -أو: عن أخيه- عن النعمان بن بشير، به [¬٥].\nوقوله: ﴿وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾، قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عبَّاس: الكلم الطيب: ذكر الله، يصعد به إلى الله ﷿، [والعمل الصالح أداء فرائضه] [¬٦] ومن ذكر الله ولم يؤد فرائضه، رد كلامه على عمله، فكان أولى به.\nوكذا قال مجاهد: العمل الصالح [¬٧] يرفع الكلام الطيب. وكذا قال أَبو العالية، وعكرمة، وإبراهيم النخعي، والضحاك، والسدي، والربيع بن أنس، وشهر بن حوشب، وغير واحد. وقال إياس بن معاوية القاضي: لولا العمل الصالح لم يرفع الكلام. وقال الحسن، وقَتَادة: لا يقبل قول إلَّا بعمل.\nوقوله: ﴿وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ﴾، قال مجاهد، وسعيد بن جبير، وشهر بن حوشب: هم المراءون بأعمالهم، يعني يمكرون بالناس، يوهمون أنهم في طاعة الله، وهم بُغَضاء إلى الله ﷿، يراءون بأعمالهم، ﴿وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إلا قَلِيلًا﴾. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: هم المشركون.\nوالصحيح أنَّها عامة، والمشركون داخلون بطريق الأولى. ولهذا قال: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ﴾،، أي: يفسد ويبطل ويظهر زيفهم عن قريب لأولى البصائر والنهى، فإنه ما أسرَّ عبد سريرة إلَّا أبداها الله على صفحات وجهه وفلتات لسانه، وما أسر أحد سريرة إلَّا كساه الله رداءها، إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر. فالمرائي لا يروج أمره ويستمر إلَّا على غبي، أما المؤمنون المتفرسون فلا يروج ذلك عليهم، بل يُكشَفُ لهُم عن قريب، وعالم الغيب لا تخفى عليه خافية.\n_________\n(^١٢) - أخرجه ابن ماجة في كتاب الأدب، باب: فضل التسبيح، حديث (٣٨٠٩)، (٢/ ١٢٥٢)، وقال البوصيري في الزوائد (٣/ ١٩٣): \"هذا إسناد صحيح رجاله ثقات\".\n_________\n[¬١]- في ز: \"يحبن\" والمثبت موافق للمسند.\n[¬٢]- في خ، ز: \"يكون\" والمثبت موافق للمسند.\n[¬٣]- بعده في ز: \"بن\".\n[¬٤]- سقط من: خ، ز.\n[¬٥]- سقط من: خ، ز.\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٧]- سقط من: ز.","vol":"11","page":311},{"text":"وقوله: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ﴾، أي: ابتدأ خلق أبيكم آدم من تراب، ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين، ﴿ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا﴾، أي: ذكرًا وأنثى، لطفًا منه ورحمة أن جعل لكم أزواجًا من جنسكم، لتسكنوا إليها.\nوقوله: ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إلا بِعِلْمِهِ﴾، أي: هو عالم بذلك، لا يخفى عليه من ذلك شيء، بل ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إلا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾.\nوقد تقدم الكلام على قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ﴾، إلى قوله: ﴿الْمُتَعَالِ﴾.\nوقوله: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إلا فِي كِتَابٍ﴾،، أي: ما يعطى بعض النطف من العمر الطول يعلمه، وهو عنده في الكتاب الأول، ﴿وَمَا يَنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ﴾ [الضمير عائد] [¬١] على الجنس، لا على العين، لأن العين الطويل العمر في الكتاب وفي [¬٢] علم الله لا ينقص من عمره، وإنَّما عاد الضمير على الجنس.\nقال ابن جرير: وهذا كقولهم: \"عندي ثوب ونصفه\"، أي: ونصف آخر.\nوروى من طريق العَوْفى، عن ابن عباس (^١٣) في قوله: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إلا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾، يقول: ليس أحد قضيت له طول عُمُر وحياة إلَّا وهو بالغ ما قدرت له من العمر وقد قضيت ذلك] [¬٣] له، فإنما ينتهى إلى الكتاب الذي قدرت لا يزاد عليه، وليس أحد قَضَيتُ له أنَّه قصير العمر والحياة يبلغ العمر، ولكن ينتهي إلى الكتاب الذي كتبت له، فذلك قوله: ﴿وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إلا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾، يقول: كل ذلك في كتاب عنده. وهكذا قال الضحاك بن مزاحم.\nوقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه: ﴿وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إلا فِي كِتَابٍ﴾، قال: ما لَفَظت الأرحام من الأولاد من غير تمام. وقال عبد الرحمن في تفسيرها: ألا ترى الناس، يعيش من الإنسان مائة سنة، وآخر يموت حين يولد، فهذا هذا. وقال قَتَادة: والذي ينقص من عمره: فالذي يموت قبل ستين سنة. وقال مجاهد: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إلا فِي كِتَابٍ﴾، أي: في بطن أمه يكتب له ذلك، لم يخلق الخلق على عمر واحد، بل [¬٤] لهذا عمر، ولهذا عمر هو انقص من عمره، وكل ذلك مكتوب لصاحبه، بالغ ما بلغ.\n_________\n(^١٣) - تفسير الطبري (٢٢/ ١٢٢).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ز: \"عائد الضمير\".\n[¬٢]- في ز: \"أن\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٤]- سقط من: ز.","vol":"11","page":312},{"text":"وقال بعضهم: بل معناه: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ﴾، أي: ما كتب من الأجل ﴿وَلَا [¬١] يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ﴾، وهو ذهابه قليلًا قليلًا، الجميع معلوم عند اللَّه سنة بعد سنة، وشهرًا بعد شهر، وجمعة بعد جمعة، ويومًا بعد يوم، وساعة بعد ساعة، الجميع مكتوب عند الله في كتاب.\nنقله ابن جرير عن أبي مالك (^١٤). وإليه ذهب السدي، وعطاء الخراساني. واختار ابن جرير الأول، وهو كما قال:\nوقال النسائي عند تفسير هذه الآية الكريمة: حدَّثنا أحمد بن يحيى بن أبي زيد بن سليمان، سمعت ابن وَهْب، يقول: حدثني يونس، عن ابن شهاب، عن أنس بن مالك ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"من سره أن يبسط له في رزقه، وينسأ له في أجله فليصل رحمه\".\nوقد رواه البخاري ومسلم وأَبو داود، من حديث يونس بن يزيد الأيلي به (^١٥).\nوقال ابن أبي حاتم: حدَّثنا علي بن الحسين [¬٢]، حدَّثنا الوليد بني عبد الملك بن عبيد الله أَبو مسرح، حدَّثنا [عثمان بن عطاء] [¬٣]، عن مسلمة [¬٤] بن عبد الله، عن عمه أبي مَشجَعَةَ بن ربعي، عن أبي الدرداء ﵁ قال: ذكرنا عند رسول الله ﷺ فقال: \"إن الله لا يؤخر نفسًا إذا جاء أجلها، وإنَّما زيادة العمر بالذرية الصالحة يرزقها العبد، فيدعون له من بعده، فيلحقه دعاؤهم في قبره، فذلك زيادة العمر\" (^١٦).\nوقوله: ﴿إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾، أي: سهل عليه يسير، لديه علمه بذلك وبتفصيله\n_________\n(^١٤) - تفسير الطبري (٢٢/ ١٢٣).\n(^١٥) - رواه النَّسائي في السنن الكبرى برقم (١١٤٢٩)، والبخاري في البيوع برقم (٢٠٦٧)، ومسلم في البر والصلة والآداب برقم (٢٥٥٧)، وأَبو داود برقم (١٦٩٣).\n(^١٦) - رواه العقيلي في الضعفاء (٢/ ١٣٤) في ترجمة سليمان بن عطاء، وقال: لا يتابع عليه بهذا اللفظ، وقد رُوي بمتن هذا الإسناد بلفظ: \"الولد الصالح يتركه الرجل فيدعو له فيلحقه دعاؤه\" من طريق صالح الإسناد، والكلام الأول في الحديث ليس بمحفوظ. ورواه كذلك ابن عدي (٣/ ١١٣٣) وقال: ولسليمان بن عطاء عن مسلمة، عن عمه أبي مشجعة، عن أبي الدرداء وغيره، غير ما ذكرت من الحديث، وفي بعض أحاديثه وليس بالكثير مقدار ما يرويه بعض الإنكار كما ذكره البخاري. وقال البخاري: سليمان بن عطاء في حديثه بعض مناكير.\n_________\n[¬١]- في ز: \"ما\".\n[¬٢]- بعده في خ، ز: \"بن الوليد\".\n[¬٣]- عند ابن عدي، والعقيلي: سليمان بن عطاء.\n[¬٤]- في ز: \"سلمة\".","vol":"11","page":313},{"text":"جميع مخلوقاته، فإن علمه شامل لجميع ذلك لا يخفى [عليه منه] شيء.\n﴿وَمَا يَسْتَوي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢)﴾\nيقول تعالى منبها على قدرته العظيمة في خلقه الأشياء المختلفة: و[¬١] خلق البحرين العذب الزلال، وهو هذه الأنهار السارحة بين الناس، من كبار وصغار، بحسب الحاجة إليها في الأقاليم والأمصار، والعمران والبراري والقفار، وهي عذبة سائغ شرابها لمن أراد ذلك، ﴿وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾، وهو البحر الساكن الذي تسير فيه السفن الكبار، وإنما تكون مالحة زعاقًا مُرَّة، ولهذا قال: ﴿وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾، أي: مر.\nثم قال: ﴿وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا﴾، يعني السمك، ﴿وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾، كما قال تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ (٢٢) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾.\nوقوله: ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ [فِيهِ مَوَاخِرَ] [¬٢]﴾، أي: تمخره وتشقه بحيزومها، وهو مقدمها المُسَنَّم الذي يشبه جؤجؤ الطير - وهو: صدره.\nوقال مجاهد: تمخر الريح السفن، ولا يمخر الريح من السفن إلا العظام.\nوقوله: ﴿لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾، أي: بأسفاركم بالتجارة، من قطر إلى قطر، وإقليم إلى إقليم ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾، أي: تشكرون ربكم على تسخيره لكم هذا الخلق العظيم، وهو البحر، تتصرفون فيه كيف شئتم، وتذهبون أين أردتم، و[¬٣] لا يمتنع عليكم شيء منه، بل بقدرته قد سخر لكم ما في السماوات وما في الأرض، الجميع من فضله ومن رحمته.\n﴿يُولِجُ اللَّيلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز: \"مواخر فيه\".\n[¬٣]- سقط من: ز.","vol":"11","page":314},{"text":"دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (١٤)﴾\nوهذا أيضًا من قدرته التامة وسلطانه العظيم، في تسخيره الليل بظلامه والنهار بضيائه، ويأخذ من طول هذا فيزيده على قصر هذا فيعتدلان. ثم يأخذ من هذا في هذا فيطول هذا ويقصر هذا، ثم يتقارضان صيفًا وشتاء، ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾، أي: والنجوم السيارات [¬١]، والثوابت الثاقبات [¬٢] بأضوائهن أجرام السماوات، الجميع يسيرون بمقدار معين، وعلى منهاج مقنن محرر، تقديرًا من عزيز عليم.\n﴿[كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ] [¬٣] مُسَمًّى﴾، أي: إلى يوم القيامة.\n﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ﴾ أي: الذي فعل هذا هو الرب العظيم، الذي لا إله غيره، ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ﴾، أي: من الأنداد والأصنام التي هي على صورة من تزعمون من الملائكة المقربين، ﴿مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾.\nقال ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، وعطاء، وعطية [¬٤] العوفي، والحسن، وقتادة، وغيرهم: القطمير: هو اللفافة التي تكون على نواة التمرة. أي: لا يملكون من السماوات والأرض شيئًا، ولا بمقدار هذا القطمير.\nثم قال: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ﴾، يعني: الآلهة التي تدعونها من دون الله لا يسمعون دعاءكم، لأنها جماد لا أرواح فيها. ﴿وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ﴾، أي: لا يقدرون على ما تطلبون منها، ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾، أي: يتبرءون منكم، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾، وقال: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (٨١) كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيهِمْ ضِدًّا﴾.\nوقوله: ﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾، أي: ولا يخبرك بعواقب الأمور ومآلها وما تصير إليه؛ مثلُ خبير بها. قال قتادة: يعني نفسه ﵎، بأنه أخبر بالواقع لا محالة.\n_________\n[¬١]- في ز: \"السائرات\".\n[¬٢]- في ز: \"الباقيات\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في ز: \"إلى أجل\".\n[¬٤]- سقط من: خ، ز.","vol":"11","page":315},{"text":"﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥) إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (١٦) وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (١٧) وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وزْرَ أُخْرَى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيبِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (١٨)﴾\nيخبر تعالى بغنائه عما سواه، وبافتقار المخلوقات كلها إليه، وتذللها بين يديه، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ﴾، أي: هم محتاجون إليه في جميع الحركات والسكنات، وهو الغني عنهم بالذات، ولهذا قال: ﴿وَاللَّهُ [¬١] هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾، أي: هو المتفرد بالغنى وحده لا شريك له، وهو الحميد في جميع ما يفعله ويقوله، ويقدره ويشرعه.\nوقوله: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾، أي: لو شاء لأذهبكم أيها الناس وأتى بقوم غيركم، وما هذا عليه بصعب ولا ممتنع؛ ولهذا قال: ﴿وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾.\nوقوله: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وزْرَ أُخْرَى﴾، أي: يوم القيامة، ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا﴾، أي: وإن تدع نفس مثقلة بأوزارها إلى أن تُساعَدَ على حمل ما عليها من الأوزار أو بعضه، ﴿لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾، أي: ولو كان قريبًا إليها، حتى ولو كان أباها أو ابنها، كل مشغول بنفسه وحاله.\nقال عكرمة في قوله: ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا﴾ الآية، قال: هو الجار يتعلق بجاره يوم القيامة، فيقول: يا رب، سل هذا: لم كان يغلق بابه دوني؟ وإن الكافر ليتعلق بالمؤمن يوم القيامة، فيقول له: يا مؤمن، إن لي عندك يدًا، قد عرفت كيف كنت لك في الدنيا، وقد احتجت إليك اليوم. فلا يزال المؤمن يشفع له إلى ربه ﷿ حتى يرده إلى [منزل دون] [¬٢] منزله، وهو في النار. وإن الوالد ليتعلق بولده يوم القيامة، فيقول: يا بني، أيّ والد كنتُ لك؟ فيثنى خيرًا، فيقول له: يا بني؛ إني قد احتجت إلى مثقال ذرة من حسناتك أنجو بها مما ترى. فيقول له ولده: يا أبت، ما أيسر ما طلبت! ولكنني أتخوف مثل ما تتخوَّف، فلا أستطيع أن أعطيك شيئًا. ثم يتعلق بزوجته فيقول: يا فلانة -أو: يا هذه- أي زوج كنت لك؟ فتثني خيرًا، فيقول لها: إني أطلب إليك حسنة واحدة تَهَبينَها [¬٣] لي، لعلي أنجو بها مما\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٣]- في ز: \"تهبيها\".","vol":"11","page":316},{"text":"ترين. قال: فتقول: ما أيسر ما طلبت! ولكني لا أطيق أن أعطيك شيئًا، إني أتخوف مثل الذي تتخوف، يقول الله: ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ﴾ الآية، ويقول الله: ﴿لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيئًا﴾، ويقول تعالى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (٣٦) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾.\nرواه ابن أبي حاتم ﵀، عن أبي عبد الله الطهراني، عن حفص بن عمر، عن الحكم بن أبان، عن عكرمة به.\nثم قال: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيبِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾، أي: إنما يتعظ بما جئت به أولو البصائر والنهى، الخائفون من ربهم، الفاعلون ما أمرهم به، ﴿وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ﴾، أي: ومن عمل صالحًا فإنما يعود نفعه [¬١] على نفسه، ﴿وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾، أي: وإليه المرجع والمآب، وهو سريع الحساب، وسيجزي كل عامل بعمله، إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر.\n﴿وَمَا يَسْتَوي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ (١٩) وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ (٢٠) وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ (٢١) وَمَا يَسْتَوي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٢٢) إِنْ أَنْتَ إلا نَذِيرٌ (٢٣) إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إلا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ (٢٤) وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ (٢٥) ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيفَ كَانَ نَكِيرِ (٢٦)﴾\nيقول تعالى: كما لا تستوي هذه الأشياء المتباينة المختلفة، كالأعمى والبصير لا يستويان، بل بينهما فرق وبون كثير، وكما لا تستوي الظلمات ولا النور ولا الظل ولا الحرور، كذلك لا تستوي الأحياء ولا الأموات. وهذا مثل ضربه الله للمؤمنين وهم الأحياء، وللكافرين [¬٢] وهم الأموات، كقوله تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيتًا فَأَحْيَينَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾، وقال تعالى: ﴿مَثَلُ الْفَرِيقَينِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَ[الْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ] [¬٣] هَلْ يَسْتَويَانِ مَثَلًا﴾ فالمؤمن سميع بصير في نور يمشي، على صراط\n_________\n[¬١]- في ز: \"بنفسه\".\n[¬٢]- في ز: \"الكافرين\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في ز: \"السميع والبصير\".","vol":"11","page":317},{"text":"مستقيم في الدنيا والآخرة، حتى يستقر به الحال في الجنات ذات الظلال والعيون، والكافر أعمى أصم، في ظلمات يمشي، لا خروج له منها، بل هو يتيه في غيه وضلاله في الدنيا والآخرة، حتى يفضي به ذلك إلى الحَرور والسموم والحميم، ﴿وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ (٤٣) لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ﴾.\nوقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ﴾، أي: يهديهم إلى سماع الحجة وقبولها والانقياد لها، ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾، أي: كما لا ينتفع الأموات بعد موتهم وصيرورتهم إلى قبورهم، وهم كفار بالهداية والدعوة إليها، كذلك هؤلاء المشركون الذين كُتب عليهم الشقاوة لا حيلة لك فيهم، ولا تستطيع هدايتهم.\n﴿إِنْ أَنْتَ إلا نَذِيرٌ﴾، أي: إنما عليك البلاغ والإنذار، والله يضل من يشاء ويهدي من يشاء.\n﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ أي: بشيرًا للمؤمنين، ونذيرًا للكافرين، ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إلا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾، أي: وما من أمة خلت من بني آدم إلا وقد بعث الله إليهم النذر، وأزاح عنهم العلل، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾، وكما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيهِ الضَّلَالةُ﴾ الآية، والآيات في هذا كثيرة.\nوقوله ﵎: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾، وهي: المعجزات الباهرات، والأدلة القاطعات، ﴿وَبِالزُّبُرِ﴾، وهي الكتب، ﴿وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ﴾، أي: الواضح المبين. ﴿ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، أي: ومع هذا كله كَذَّب أولئك رسلهم فيما جاءوهم به، فأخذتهم، أي بالعقاب والنكال، ﴿فَكَيفَ كَانَ نَكِيرِ﴾؟ أي: فكيف رأيت [] [¬١] إنكاري عليهم [يعني عظيمًا شديدًا بليغًا].\n﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ (٢٧) وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (٢٨)﴾\nيقول تعالى منبهًا على كمال قدرته في خلقه الأشياء المتنوعة المختلفة من الشيء الواحد، وهو الماء الذي ينزله من السماء ويخرج به ثمرات مختلفًا ألوانها، من أصفر وأحمر وأخضر وأبيض،\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ز: \"كان\".","vol":"11","page":318},{"text":"إلى غير ذلك من ألوان الثمار، كما هو المشاهد من تنوع ألوانها وطعومها وروائحها، كما قال تعالى في الآية الأخرى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاورَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ [¬١] وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى [¬٢] بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾.\nوقوله ﵎: ﴿وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا﴾، أي: وخلق الجبال كذلك مختلفة الألوان، كما هو المشاهد أيضًا من بيض وحمر، وفي بعضها طرائق - وهي: الجُدَد، جمع جُدَّة - مختلفة الألوان أيضًا.\nقال ابن عباس ﵄: الجُدَد: الطرائق. وكذا قال أبو مالك، والحسن، وقتادة، والسدي. ومنها ﴿غَرَابِيبُ سُودٌ﴾، قال عكرمة: الغرابيب: الجبال الطوال السود. وكذا قال أبو مالك، وعطاء الخراساني، وقتادة. وقال ابن جرير: والعرب إذا وصفوا الأسود بكثرة السواد، قالوا [¬٣]: أسود غربيب. ولهذا قال بعض المفسرين في هذه الآية: هذا من المقدم والمؤخر في قوله تعالى: ﴿وَغَرَابِيبُ سُودٌ﴾، أي: سود غرابيب. وفيما قاله نظر.\nوقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ﴾، أي: وكذلك الحيوانات من الأناسي والدواب - وهو: كل ما دب على قوائم - والأنعام: من باب عطف الخاص على العام. كذلك هي مختلفة أيضًا، فالناس منهم بربر وحُبُوش وطُمَاطم في غاية السواد، وصقالبة وروم في غاية البياض، والعرب بين ذلك، والهنود دون ذلك؛ ولهذا قال تعالى في الآية الأخرى: ﴿وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ﴾. وكذلك الدواب والأنعام مختلفة الألوان، حتى في الجنس الواحد، [بل النوع الواحد منهن مختلف الألوان، بل الحيوان الواحد] [¬٤] يكون أبلق، فيه من هذا اللون وهذا اللون، فتبارك الله أحسن الخالقين.\nوقد قال الحافظ أبو بكر البزار في مسنده (^١٧): حدثنا الفضل بن سهل، حدثنا عبد الله بن عمر بن أبان بن صالح، حدثنا زياد بن عبد الله، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس؛ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: أيصبغ ربك؟ فقال: \"نعم صبغًا لا يُنفَض، أحمر وأصفر وأبيض\". ورُوي مرسلًا وموقوفًا، والله أعلم.\nولهذا قال تعالى بعد هذا: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾، أي: إنما يخشاه حق\n_________\n(^١٧) - مختصر زوائد البزار برقم (١١٨٤) و\"كشف الأستار\" (٢٩٤٤) وقال البزار: لا نعلم أحدًا أسنده عن ابن عباس؛ إلا زياد، وقال غيره عن عطاء، عن سعيد بن جبير مرسلًا. وقال الهيثمي في المجمع (٥/ ١٢٨): \"وفيه عطاء بن السائب وقد اختلط\".\n_________\n[¬١]- في ز: \"زروع\".\n[¬٢]- في ز: \"تُسقَى\".\n[¬٣]- في ز: \"قال\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.","vol":"11","page":319},{"text":"خشيته العلماء العارفون به؛ لأنه كلما كانت المعرفة للعظيم [القدير العليم] [¬١] الموصوف بصفات الكمال المنعوت بالأسماء الحسنى - كلما كانت المعرفة به أتم والعلم به أكمل، كانت الخشية له أعظم وأكثر.\nقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾، قال: الذين يعلمون أن الله على كل شيء قدير.\nوقال ابن لَهِيعَةَ، عن ابن [¬٢] أبي عمرة، عن عكرمة، عن ابن عباس؛ قال: العالم بالرحمن من لم يشرك به شيئًا، وأحل حلاله، وحرم حرامه، وحفظ وصيته، وأيقن أنه ملاقيه ومحاسبه بعمله. وقال سعيد بن جبير: الخشية هي [¬٣] التي تحول بينك وبين معصية الله ﷿. وقال الحسن البصري: الإيمان مَنْ خشي الرحمن بالغيب، ورغب فيما رغب الله فيه، وزهد فيما سَخط الله فيه، ثم تلا الحسن: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾. وعن ابن مسعود ﵁ أنه قال: ليس العلم عن كثرة الحديث، ولكن العلم عن كثرة الخشية. وقال أحمد بن صالح المصري، عن ابن وهب، عن مالك؛ قال: إن [العلم ليس] [¬٤] بكثرة الرواية، و[¬٥] إنما العلم نور يجعله الله في القلب.\nقال أحمد بن صالح المصري: معناه أن الخشية لا تدرك بكثرة الرواية، وأما العلم الذي فرض [¬٦] الله ﷿ أن يتبع فإنما هو الكتاب والسنة، وما جاء عن الصحابة ﵃ ومن بعدهم من أئمة المسلمين - فهذا لا يدرك إلا بالرواية ويكون تأويل قوله: (نور) يريد به فهم العلم، ومعرفة معانيه.\nوقال سفيان الثوري، عن أبي حيان، عن رجل؛ قال: كان يقال: العلماء ثلاثة: عالم بالله، عالم بأمر الله. وعالم بالله، ليس بعالم بأمر الله. وعالم بأمر الله، ليس بعالم [¬٧] بالله. فالعالم بالله وبأمر الله: الذي يخشى الله ويعلم الحدود والفرائض. والعالم بالله ليس بعالم [¬٨] بأمر الله: الذي يخشى الله ولا يعلم الحدود ولا الفرائض. والعالم بأمر الله ليس بعالم بالله: الذي يعلم الحدود والفرائض، ولا يخشى الله ﷿.\n﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا\n_________\n[¬١]- في ز: \"العليم القدير\".\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين في ز: \"ليس العلم\".\n[¬٥]- سقط من: ز.\n[¬٦]- في ز: \"فرضه\".\n[¬٧]- في ز: \"عالم\".\n[¬٨]- في ز: \"عالم\".","vol":"11","page":320},{"text":"وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ (٢٩) لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ (٣٠)﴾\nيخبر تعالى عن عباده المؤمنين الذين يتلون كتابه ويؤمنون به ويعملون بما فيه، من إقام [¬١] الصلاة، والإنفاق مما رزقهم الله في الأوقات المشروعة ليلًا ونهارًا، سرًّا وعلانية، ﴿يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُور﴾، أي: يرجون ثوابًا عند الله لا بد من حصوله. كما قدمنا في أول التفسير عند فضائل القرآن أنه يقول لصاحبه: \"إن كل تاجر من وراء تجارته، وإنك اليوم من وراء كل تجارة\". ولهذا قال تعالى: ﴿لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾، أي: ليوفيهم ثواب ما فعلوه ويضاعفه لهم بزيادات لم تخطر لهم، ﴿إِنَّهُ غَفُورٌ﴾، أي: لذنوبهم، ﴿شَكُورٌ﴾ للقليل من أعمالهم.\nقال قتادة: كان مُطَرّف ﵀ إذا قرأ هذه الآية يقول: هذه آية القراء.\nقال الإمام أحمد (^١٨): حدثنا أبو عبد الرحمن، حدثنا حيوة، حدثنا سالم بن غيلان؛ أنه سمع دَرَّاجًا أبا السمح يحدث عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخُدْري ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ؛ يقول: \"إن الله تعالى إذا رضي عن العبد أثنى عليه سبعة أصناف من الخير لم يعمله، وإذا سخط على العبد أثنى عليه سبعَة [¬٢] أصناف من الشر لم يعمله\". غريب جدًّا.\n﴿وَالَّذِي أَوْحَينَا إِلَيكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا بَينَ يَدَيهِ إِنَّ اللَّهَ\n_________\n(^١٨) - إسناده ضعيف لضعف رواية دراج أبي السمح عن أبي الهيثم.\nوهو في المسند ١١٣٥٤ - (٣/ ٣٨) وأخرجه ابن الجوزي في \"العلل المتناهية\" (١٣٨٢) (٢/ ٨٢٦) من طريق عبد الله بن أحمد به. وأخرجه عبد بن حميد في \"المنتخب\" (٩٢٨). وأبو يعلى في مسنده (١٣٣١)، وابن حبان في صحيحه (٣٦٨) (٢/ ٨٩ - ٩٠)، وفي الموارد (٢٥١٥) (٨/ ١٩٧ - ١٩٨)، وأبو نعيم في الحلية (١/ ٣٧٠). من طرق عن عبد الله بن يزيد أبي عبد الرحمن المقرئ به. إلا أن عند أبي يعلى وابن حبان \"تسعة\" بدلًا من \"سبعة\". وأخرجه البيهقي في \"الزهد الكبير\" (٨١٦)، وأبو نعيم في \"أخبار أصفهان\" (٢/ ١٩٦)، ورواه أحمد (١١٣٧٩) (٣/ ٤٠). من طريق أبي عاصم عن حيوة به. و(١١٧٤٥) (٣/ ٧٦) من طريق حسن بن موسى، ثنا ابن لهيعة، عن دراج به. وقال ابن الجوزي: هذا حديث لا يصح، قال أحمد: أحاديث دراج مناكير. وذكره الهيثمي في المجمع (١٠/ ٢٧٥ - ٢٧٦) وقال: رواه أحمد وأبو يعلى إلا أنه قال: تسعة أصناف -تصحفت إلى أضعاف- ورجاله وثقوا على ضعف في بعضهم.\n_________\n[¬١]- في ز: \"إيقامهم\".\n[¬٢]- في ز: \"بسبعة\".","vol":"11","page":321},{"text":"بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ (٣١)﴾\nيقول تعالى: ﴿وَالَّذِي أَوْحَينَا إِلَيكَ﴾، يا محمد من الكتاب، وهو القرآن ﴿هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا بَينَ يَدَيهِ﴾، أي من الكتب المتقدمة يصدقها، كما شهدت له بالنبوة [¬١]، وأنه منزل من رب العالمين.\n﴿إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾، أي: هو خبير بهم، بصير بمن يستحق ما يفضله به على من سواه، ولهذا فضل الأنبياء والرسل على جميع البشر، وفضل النبيين بعضهم على بعض، ورفع بعضهم درجات، وجعل منزلة محمد ﷺ فوق جميعهم، صلوات الله عليهم أجمعين.\n﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَينَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (٣٢)﴾\nيقول تعالى: ثم جعلنا القائمين بالكتاب العظيم، المصدق لما بين يديه من الكتب، الذين اصطفينا من عبادنا، وهم هذه الأمة، ثم قسمهم إلى ثلاثة أنواع، فقال: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾، وهو: المفرط [¬٢] في فعل بعض الواجبات، المرتكب لبعض المحرمات. ﴿وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾، وهو: المؤدي للواجبات، التارك للمحرمات، وقد يترك بعض المستحبات، ويفعل بعض المكروهات. ﴿وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾، وهو: الفاعل للواجبات والمستحبات، التارك للمحرمات والمكروهات وبعض المباحات.\nقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَينَا﴾، قال: هم أمة محمد ﷺ، ورثهم الله كل كتاب أنزله، فظالمهم يُغفَر له، ومقتصدهم يحاسب حسابًا يسيرًا، وسابقهم يدخل الجنة بغير حساب.\nوقال أبو القاسم الطبراني (^١٩): حدثنا يحيى بن عثمان بن صالح، وعبد الرحمن بن معاوية العُتْبي قالا: حدثنا أبو الطاهر بن السرح، حدثنا موسى بن عبد الرحمن الصنعاني، حدثني ابن\n_________\n(^١٩) - المعجم الكبير (١١/ ١٨٩) وأورده الهيثمي (١٠/ ٣٧٨) وقال: رواه الطبراني في الكبير والأوسط باختصار عنه وفيه موسى بن عبد الرحمن الصنعاني وهو وضّاع.\n_________\n[¬١]- في م: \"بالتنويه\".\n[¬٢]- في ز: \"مفرط\".","vol":"11","page":322},{"text":"جريج، عن عطاء، عن ابن عباس، عن رسول الله ﷺ؛ أنه قال ذات يوم: \"شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي\". قال ابن عباس: السابق بالخيرات يدخل الجنة بغير حساب، والمقتصد يدخل الجنة برحمة الله، والظالم لنفسه وأصحاب الأعراف يدخلون الجنة بشفاعة محمد ﷺ.\nوهكذا رُوي عن غير واحد من السلف: أن الظالم لنفسه من هذه الأمة من المصطفين، على ما فيه من عوج وتقصير. وقال آخرون: بل الظالم لنفسه ليس من هذه الأمة، ولا من المصطفين الوارثين الكتاب.\nقال ابن أبي حاتم، حدثنا أبي، حدثنا علي بن هاشم بن مرزوق، حدثنا ابن عيينة، عن عمرو، عن ابن عباس ﵄ ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾، قال: هو الكافر. وكذا رَوَى عنه عكرمة، وبه قال عكرمة أيضًا فيما رواه ابن جرير.\nوقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾، قال: هم أصحاب المشأمة. وقال مالك عن زيد بن أسلم، والحسن، وقتادة: هو المنافق. ثم قد قال ابن عباس، والحسن، وقتادة: وهذه الأقسام الثلاثة كالأقسام [¬١] الثلاثة المذكورة في أول \"سورة الواقعة\" وآخرها.\nوالصحيح أن الظالم لنفسه من [¬٢] هذه الأمة. وهذا [¬٣] اختيار ابن جرير كما هو ظاهر الآية، وكما جاءت به الأحاديث عن رسول الله ﷺ، من طرق يشد بعضها بعضًا، ونحن نورد منها ما تيسر:\n(الحديث الأول): قال الإمام أحمد (^٢٠): حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن الوليد بن العيزار أنه سمع رجلًا من ثقيف يُحدّث عن رجل من كنانة، عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: في هذه الآية: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَينَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾، قال: هؤلاء كلهم بمنزلة واحدة، وكلهم في الجنة\".\n_________\n(^٢٠) - المسند ١١٧٦١ - (٣/ ٧٨)، وأخرجه الطيالسي في \"مسنده\" (٢٢٣٦) حدثنا شعبة به. ومن طريقه البيهقي في \"البعث\" (٥٧). وأخرجه الترمذي، في تفسير القرآن، باب: \"ومن سورة الملائكة\" (٣٢٢٣). وابن جرير في \"تفسيره\" (٢٢/ ١٣٧). من طريقين عن محمد بن جعفر به. وقال الترمذي: حديث غريب حسن، لا نعرفه إلا من هذا الوجه.\n_________\n[¬١]- في ز: \"في الأقسام\".\n[¬٢]- في ز: \"في\".\n[¬٣]- في ز: \"هو\".","vol":"11","page":323},{"text":"هذا حديث غريب من هذا الوجه، وفي إسناده من لم يسم. وقد رواه ابن جرير وابن أبي حاتم، من حديث شعبة، به نحوه.\nومعنى قوله بمنزلة واحدة أي: في أنهم من هذه الأمة، وأنهم من أهل الجنة، وإن كان بينهم فرق في المنازل في الجنة.\n(الحديث الثاني) قال الإمام أحمد (^٢١): حدثنا إسحاق بن عيسى، حدثنا أنس بن عياض الليثي أبو ضمرة، عن موسى بن عقبة، عن علي [¬١] بن عبد الله الأزدي، عن أبي الدرداء ﵁ قال [¬٢]: سمعت رسول الله ﷺ؛ يقول: قال الله: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَينَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾، فأما الذين سبقوا فأولئك الذين يدخلون الجنة بغير حساب، وأما الذين اقتصدوا فأولئك يحاسبون حسابًا يسيرًا، وأما الذين ظلموا أنفسهم فأولئك الذين يحبسون [¬٣] في طول المحشر، ثم هم الذين تلافاهم برحمته [¬٤]، فهم الذين يقولون: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (٣٤) الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ﴾.\n(طريق أخرى) قال ابن أبي حاتم: حدثنا أسيد بن عاصم، حدثنا الحسين بن حفص، حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن رجل، عن أبي ثابت، عن أبي الدرداء، قال: سمعت رسول الله ﷺ؛ يقول: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَينَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾، قال: فأما الظالم لنفسه فيحبس حتى يصيبه الهم والحزن، ثم يدخل الجنة\".\nورواه ابن جرير (^٢٢) من حديث سفيان الثوري، عن الأعمش؛ قال: ذكر أبو ثابت أنه دخل المسجد، فجلس إلى جنب أبي الدرداء، فقال: اللهم، آنس [¬٥] وحشتي، وارحم غربتي، ويسر لي جليسًا صالحًا. قال أبو الدرداء: لئن كنت صادقًا لأنا أسعد بك [¬٦] منك، سأحدثك حديثًا\n_________\n(^٢١) - المسند ٢١٨١٨ - (٥/ ١٩٨). وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ٩٥) وقال: \"رواه أحمد بأسانيد، رجال أحدها رجال الصحيح، وهذا إن كان علي بن عبد الله الأزدي سمع من أبي الدرداء فإنه تابعي\".\n(^٢٢) - تفسير الطبري (٢٢/ ١٣٧)، ورواه أحمد (٢١٧٨٧) (٥/ ١٩٤) فقال: ثنا وكيع، ثنا سفيان، عن الأعمش، عن ثابت -أو عن أبي ثابت- أن رجلًا دخل مسجد دمشق فقال: اللهم آنس وحشتي، وارحم غربتي، وارزقني جليسًا صالحًا؛ فسمعه أبو الدرداء. .\" ورواه الحاكم في المستدرك (٢/ ٤٢٦) =\n_________\n[¬١]- سقط من: م.\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- في خ، ز: \"يحاسبون\".\n[¬٤]- في ز: \"رحمته\".\n[¬٥]- في ز: \"أنَّس\".\n[¬٦]- في خ، ز: \"به\".","vol":"11","page":324},{"text":"سمعته من رسول الله ﷺ لم أحدث به منذ سمعته منه، ذكر هذه الآية: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَينَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيرَاتِ﴾: \"فأما السابق بالخيرات فيدخلها بغير حساب، وأما المقتصد فيحاسب حسابًا يسيرًا. وأما الظالم لنفسه فيصيبه في ذلك المكان من الغم والحزن، وذلك قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ \".\n(الحديث الثالث): قال الحافظ أبو القاسم الطبراني (^٢٣): حدثنا عبد الله بن محمد بن العباس، حدثنا [ابن] [¬١] مسعود، أخبرنا سهل بن عبد ربه الرازي، حدثنا عمرو [¬٢] بن أبي قيس، عن ابن أبي ليلى، عن أخيه، [عن] [¬٣] عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أسامة بن زيد: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيرَاتِ﴾ … الآية، قال: قال رسول الله ﷺ: \"كلهم من هذه الأمة\".\n(الحديث الرابع): قال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عَزيز [¬٤]، حدثنا سلامة، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن عوف بن مالك، عن رسول الله ﷺ؛ أنه قال: \"أمتي ثلاثة أثلاث: فثلث يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، وثلث يحاسبون حسابًا يسيرًا ثم يدخلون الجنة، وثلث يُمَحَّصون ويكشفون، ثم تأتي الملائكة فيقولون: وجدناهم يقولون: لا إله إلا الله وحده. يقول الله ﷿: صدقوا لا إله إلا أنا، أدخلوهم الجنة بقولهم: لا إله إلا الله وحده واحملوا خطاياهم على أهل النار\"، وهي التي قال الله تعالى: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾، وتصديقها في التي فيها ذكر الملائكة، قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَينَا مِنْ عِبَادِنَا﴾، فجعلهم ثلاثة أنواع: وهم أصناف كلهم، فمنهم ظالم لنفسه، فهذا الذي يكشف ويمحص. غريب جدًّا (^٢٤).\n_________\n= ومن طريقه البيهقي في البعث برقم (٦٢) من طريق الأعمش، به. وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ٩٥، ٩٦) وقال: \"رواه الطبراني وأحمد باختصار إلا أنه قال: عن الأعمش، عن ثابت أو أبي ثابت: أن رجلًا دخل المسجد مسجد دمشق .... فذكر الحديث باختصار، وثابت بن عبيد ومن قبله من رجال الصحيح، وفي إسناد الطبراني رجل غير مسمى\".\n(^٢٣) - المعجم الكبير (١/ ١٦٧)، ورواه البيهقي في البعث (٦٠) من طريق محمد بن سعيد، عن عمرو بن قيس، عن ابن أبي ليلى، عن أخيه عيسى، عن أبيه، عن أسامة بن زيد، به. ورواه أيضًا برقم (٥٩) من طريق حصين بن نمير، عن ابن أبي ليلى، عن أخيه، عن أبيه، عن أسامة بن زيد، بنحوه. وأورده الهيثمي (٧/ ٩٦) وقال: رواه الطبراني وفيه محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وهو سيئ الحفظ. ورواه الخطيب في تاريخه (١٢/ ٣٧١)، وعزاه صاحب الكنز (٢/ ٤٨٦) إلى سعيد بن منصور.\n(^٢٤) - رواه الطبراني في المعجم الكبير (١٨/ ٨٠) من طريق محمد بن عزيز، به. وقال الهيثمي في المجمع =\n_________\n[¬١]- في الطبراني: أبو.\n[¬٢]- سقط من الطبراني.\n[¬٣]- في خ: \"عمر\".\n[¬٤]- في ز: \"عزير\".","vol":"11","page":325},{"text":"(أثر عن ابن مسعود): قال ابن جرير: حدثني ابن حميد، حدثنا الحكم بن بشير، عن عمرو بن قيس، عن عبد الله بن عيسى، عن يزيد بن الحارث، عن شقيق [¬١] أبي وائل، عن عبد الله بن مسعود؛ أنه قال: هذه [الأمة] [¬٢] ثلاثة أثلاث يوم القيامة، ثلث يدخلون الجنة بغير حساب، وثلث يحاسبون حسابًا يسيرًا، وثلث يجيئون بذنوب عظام حتى يقول: ما هؤلاء - وهو أعلم ﵎ فتقول الملائكة: هؤلاء جاءوا بذنوب عظام، إلا أنهم لم يشركوا بك. فيقول الرب ﷿: أدخلوا هؤلاء في سعة [¬٣] رحمتي. وتلا عبد الله هذه الآية: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَينَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ … الآية (^٢٥).\n(أثر آخر): قال أبو داود الطيالسي (^٢٦)، عن الصلت بن دينار [أبو شُعيب] [¬٤]، عن عقبة بن صهبان الهنائي؛ قال: سألت عائشة ﵂ عن قول الله: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَينَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ … الآية، فقالت لي: يا بني، هؤلاء في الجنة، أما السابق بالخيرات فمن مضى على عهد رسول الله ﷺ، شهد له رسول الله ﷺ بالحياة والرزق. وأما المقتصد فمن اتبع [¬٥] أثره من أصحابه حتى لحق به. وأما الظالم لنفسه فمثلي ومثلكم. قال: فجعلت نفسها معنا.\nوهذا منها ﵂، من باب الهَضْم والتواضع، وإلا فهي من أكبر السابقين بالخيرات؛ لأن فضلها على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام.\nوقال عبد الله بن المبارك ﵀: قال أمير المؤمنين عثمان بن عفان، ﵁، في قوله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾، قال: هي لأهل بدونا، ومقتصدنا أهل حضرنا، وسابقنا أهل الجهاد. رواه ابن أبي حاتم.\n_________\n= (٧/ ٩٦): \"فيه سلامة بن روح وثقه ابن حبان، وضعفه جماعة، وبقية رجاله ثقات\".\n(^٢٥) - تفسير الطبري (٢٢/ ١٣٤).\n(^٢٦) - ضعيف جدًّا، رواه الطيالسي برقم (١٤٨٩)، ورواه الطبراني في الأوسط ٦٠٩٤ - (٦/ ١٦٧)، والحاكم (٢/ ٤٢٦ - ٤٢٧) وجاء عنده الصلت بن عبد الرحمن، وقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن عقبة بن صهبان إلا أبو شعيب الصلت بن دينار، تفرد به معتمر، وقال الحاكم: صحيح، وتعقبه الذهبي بقوله: قلت: فيه الصلت بن عبد الرحمن قال النسائي: ليس بثقة، وقال أحمد: ليس بالقوي. وزاد نسبته السيوطي في الدر إلى عبد بن حميد، وابن أبي حاتم، وابن مردويه. وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ٩٦ - ٩٧) وقال: رواه الطبراني، وفيه الصلت بن دينار وهو متروك.\n_________\n[¬١]- بعده في ز: \"عن\" وهو خطأ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز: \"الآية\".\n[¬٣]- في ز: \"جنة\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين في خ: \"بن الأشعث\".\n[¬٥]- في ز: \"تبع\".","vol":"11","page":326},{"text":"وقال عوف الأعرابي: حدثنا عبد الله بن الحارث بن نوفل، قال: حدثنا كعب الأحبار؛ قال: إن الظالم لنفسه من هذه الأمة، والمقتصد والسابق بالخيرات كلهم في الجنة، ألم تر أن الله تعالى قال [¬١]: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَينَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (٣٢) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾ … إلى قوله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ﴾، قال: فهؤلاء أهل النار.\nرواه ابن جرير من طرق، عن عوف به (^٢٧). ثم قال:\nحدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن علية، أخبرنا حميد، عن إسحاق بن عبد الله بن الحارث، عن أبيه أن ابن عباس سأل كعبًا عن قوله: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَينَا مِنْ عِبَادِنَا﴾، إلى قوله: ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾، فقال [¬٢]: تماسَّت مناكبهم ورَبّ كعب، ثم أعطوا الفضل بأعمالهم (^٢٨).\nثم قال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا الحكم بن بشير، حدثنا عمرو [¬٣] بن قيس، عن أبي إسحاق السبيعي في هذه الآية: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَينَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ … الآية، قال أبو إسحاق: أما ما سمعت منذ ستين سنة فكلهم ناج (^٢٩).\nثم قال: حدثنا ابن حميد، حدثنا الحكم، حدثنا عمرو، عن [¬٤] محمد بن الحنفية؛ قال: إنها أمة مرحومة، الظالم مغفور له، والمقتصد في الجنان عند الله، والسابق بالخيرات في الدرجات عند الله (^٣٠).\nورواه الثوري، عن إسماعيل بن سميع، عن رجل، عن محمد بن الحنفية بنحوه.\nوقال أبو الجارود: سألت محمد بن علي -يعني الباقر- عن قوله: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾، فقال: هو الذي خلط عملًا صالحًا وآخر سيئًا.\nفهذا ما تيسر من إيراد الأحاديث والآثار المتعلقة بهذا المقام. وإذا تقرر هذا فإن الآية عامة في جميع الأقسام الثلاثة من هذه الأمة، فالعلماء أغبط الناس بهذه النعمة، وأولى الناس بهذه\n_________\n(^٢٧) - ابن جرير (٢٢/ ١٣٤).\n(^٢٨) - ابن جرير (٢٢/ ١٣٤).\n(^٢٩) - ابن جرير (٢٢/ ١٣٤).\n(^٣٠) - ابن جرير (٢٢/ ١٣٥).\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- في ت: \"قال\".\n[¬٣]- في خ، ز: \"عمر\".\n[¬٤]- في خ، ز: \"بن\".","vol":"11","page":327},{"text":"الرحمة، فإنهم كما قال الإمام أحمد ﵀ (^٣١):\nحدثنا محمد بن يزيد، حدثنا عاصم بن رجاء بن حيوة، عن قيس بن كثير؛ قال: قدم رجل من المدينة إلى أبي الدرداء وهو بدمشق؛ فقال: ما أقدمك أي أخي؟ قال: حديث بلغني أنك تحدث به عن رسول الله ﷺ. قال أما قدمت لتجارة؟ قال: لا. قال: أما قدمت لحاجة؟ قال: لا. قال: أما قدمت إلا في طلب هذا الحديث؟ قال: نعم. قال: فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"من سلك طريقًا يطلب فيه [¬١] علمًا، سلك الله به طريقًا إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضًا لطالب العلم، وإنه ليستغفر للعالم من في السماوات والأرض حتى الحيتان في الماء، وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب، إن العلماء هم ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا [دينارًا ولا درهمًا] [¬٢]، وإنما ورثوا العلم، فمن أخذ به أخذ بحظ وافر\".\nوأخرجه أبو داود، والترمذي، وابن ماجة، من حديث كثير بن قيس - ومنهم من يقول: قيس بن كثير - عن أبي الدرداء.\nوقد ذكرنا طرقه واختلاف الرواة فيه في [شرح \"كتاب] [¬٣] العلم\" من \"صحيح البخاري\"، ولله الحمد والمنة.\nوقد تقدم في أول \"سورة طه\" حديث ثعلبة بن الحكم، عن رسول الله ﷺ؛ قال: \"يقول الله تعالى يوم القيامة للعلماء [¬٤]: إني لم أضع علمي وحكمتي فيكم إلا وأنا أريد أن أغفر لكم، على ما كان منكم، ولا أبالي\" (^٣٢).\n﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاورَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (٣٣) وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ\n_________\n(^٣١) - كثير بن قيس: قال ابن حجر: وقيل: قيس بن كثير، ضعيف. ووهم ابن قانع فأورده في الصحابة. والحديث رواه أحمد ٢١٨٠٦ - (٥/ ١٩٦)، وأبو داود في كتاب العلم، باب: الحث على طلب العلم (٣/ ٣١٦ / رقم: ٣٦٤١). والترمذي في كتاب العلم، باب: ما جاء في فضل الفقه في العبادة (٥/ ٤٨، ٤٩ / رقم: ٢٦٨٢). وابن ماجة في كتاب المقدمة، باب: فضل العلماء والحث على طلب العلم (١/ ٨١ / رقم: ٢٢٣). كلهم من طريق كثير بن قيس به.\n(^٣٢) - تقدم تخريج الحديث عند تفسير الآية (٢) من سورة طه.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز: \"درهمًا ولا دينارًا\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في ز: \"كتاب شرح\".\n[¬٤]- سقط من: ز.","vol":"11","page":328},{"text":"شَكُورٌ (٣٤) الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ (٣٥)﴾\nيخبر تعالى أن مأوى هؤلاء المصطفين من عباده، الذين أورثوا الكتاب المنزل من رب العالمين مأواهم يوم القيامة ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾، أي: جنات الإقامة يدخلونها يوم معادهم وقدومهم على ربهم ﷿: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاورَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا﴾، كما ثبت في الصحيح عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ؛ أنه قال: \"تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء\" (^٣٣).\n﴿وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾، ولهذا كان محظورًا عليهم في الدنيا، فأباحه الله لهم في الدار الآخرة، وثبت في الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: \"من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة\" (^٣٤). وقال: \"هي لهم في الدنيا ولكم في الآخرة\".\nوقال ابن أبي حاتم (^٣٥): حدثنا عمرو بن سواد السرحى، أخبرنا ابن وهب، عن ابن لهيعة، عن عقيل بن خالد، عن الحسن، عن أبي هريرة ﵁، أن أبا أمامة حدث أن رسول الله ﷺ حدثهم، وذكر حلي [أهل الجنة] [¬١] فقال: \"مسورون بالذهب والفضة، مكللة بالدر، وعليهم أكاليل من دُرٍّ وياقوت متواصلة، وعليهم تاج كتاج الملوك، شباب جُرْدٌ مُرْدٌ مكحّلُون\".\n﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾، وهو الخوف من المحذور، أزاحه عنا، وأراحنا مما كنا نتخوفه، ونحذره من هموم الدنيا والآخرة.\nوقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن ابن عمر؛ قال: قال رسول الله ﷺ: \"ليس على أهل لا إله إلا الله وحشة في قبورهم ولا في منشرهم، وكأني بأهل لا إله إلا الله ينفضون التراب عن رءوسهم ويقولون: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ \". رواه ابن أبي حاتم من حديثه (^٣٦).\n_________\n(^٣٣) - صحيح مسلم برقم (٢٥٠).\n(^٣٤) - متفق عليه من حديث أنس، رواه البخاري في كتاب اللباس (٥٨٣٢)، ومسلم في اللباس والزينة (٢٠٧٣)، ورواه البخاري من حديث ابن الزبير وعمر (٥٨٣٣، ٥٨٣٤)، ومسلم من حديث أبي أمامة (٢٠٧٤).\n(^٣٥) - رواه أبو نعيم في صفة الجنة برقم (٢٦٧) من طريق علي بن الحسن، عن عمرو بن سواد، به. والحسن البصري لم يسمع من أبي هريرة.\n(^٣٦) - عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: ضعفه ابن معين، وابن المديني، والنسائي، والحديث رواه =\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.","vol":"11","page":329},{"text":"وقال الطبراني (^٣٧): حدثنا جعفر بن محمد الفريابي، حدثنا موسى بن يحيى المروزي، حدثنا سليمان بن عبد الله بن وهب الكوفي، عن عبد العزيز بن حكيم، عن ابن عمر؛ قال: قال رسول الله ﷺ: \"ليس على أهل لا إله إلا الله وحشة في الموت ولا في قبورهم ولا في النشور. و[¬١] كأني أنظر إليهم عند الصيحة ينفضون رءوسهم من التراب، يقولون: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾ \".\nقال ابن عباس، وغيره: غَفَر لهم الكثير من السيئات، وشكر لهم اليسيرَ من الحسنات.\n﴿الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ﴾، يقولون: الذي أعطانا هذه المنزلة، وهذا المقام من فضله ومَنِّه ورحمته، لم تكن أعمالنا تساوي ذلك. كما ثبت في الصحيح أن رسول الله ﷺ؛ قال: \"لن يُدخل أحدًا منكم عمله الجنة\". قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: \"ولا أنا، إلا أن يتغمّدني الله برحمة منه وفضل\" (^٣٨).\n﴿لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ﴾، أي: لا يمسنا فيها عناء ولا إعياء.\nوالنصَب واللغوب: كل منهما يستعمل في التعب. وكأن المراد بنفي هذا وهذا عنهم أنهم لا تعب على أبدانهم ولا أرواحهم، والله أعلم. فمن ذلك أنهم كانوا يُدْئِبون أنفسهم في العبادة في الدنيا، فسقط عنهم التكليف بدخولها، وصاروا في راحة دائمة مستمرة. قال الله تعالى: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾.\n﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ (٣٦) وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا\n_________\n= الطبراني في المعجم الأوسط برقم (٤٥٣١) \"مجمع البحرين\"، وابن عدي في الكامل (٤/ ١٥٨١) من طريق يحيى الحماني، عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، به. وقال المنذري في الترغيب (٢/ ٤١٦): \"في متنه نكارة\".\n(^٣٧) - وأورده الهيثمي في المجمع (١٠/ ٣٣٣) وقال: \"رواه الطبراني، وفيه جماعة لم أعرفهم\". ورواه ابن عدي في الكامل (٢/ ٤٩٨) من حديث الحسن بن قزعة، عن بهلول بن عبيد الكندي، عن سلمة بن كهيل عن ابن عمر، والبيهقي في البعث برقم (٨٢) من طريق ابن عدي، وقال ابن عدي: ليس بذاك، ولبهلول هذا غير ما ذكرت من الحديث قليل، وأحاديثه عمن روى عنه فيه نظر، وحديثه عن أبي إسحاق أنكر منه عن غيره، وإنما ذكرته لأبين أن أحاديثه مما يتابعه عليها الثقات؛ إذ لم أر لمن تكلم في الرجال فيه كلامًا.\nوقال البيهقي: \"هذا مرسل عن سلمة بن كهيل وابن عمر، وبهلول تفرد له، وليس بالقوي\".\n(^٣٨) - متفق عليه من حديث أبي هريرة، رواه البخاري في كتاب المرضى برقم (٥٦٧٣)، ومسلم في صفات المنافقين وأحكامهم برقم (٢٨١٦).\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.","vol":"11","page":330},{"text":"نَعْمَلْ صَالِحًا غَيرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ (٣٧)﴾\nلما ذكر تعالى حال السعداء، شرع في بيان مآل الأشقياء، فقال: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيهِمْ فَيَمُوتُوا﴾، كما قال تعالى: ﴿لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى﴾. وثبت في صحيح مسلم (^٣٩) أن رسول الله ﷺ، قال: \"أما أهل النار الذين هم أهلها فلا يموتون فيها ولا يحيون\". قال الله تعالى: ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَينَا رَبُّكَ قَال إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾. فهم في حالهم ذلك يرون موتهم راحة لهم، ولكن لا سبيل إلى ذلك - قال الله تعالى: ﴿لَا يُقْضَى عَلَيهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا﴾، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (٧٤) لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾، وقال: ﴿كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا﴾، ﴿فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إلا عَذَابًا﴾.\nثم قال: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ﴾، أي: هذا جزاء كل من كفر بربه، وكذّب بالحق.\nوقوله: ﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا﴾، أي: ينادون فيها، يجأرون إلى الله ﷿ بأصواتهم: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾، أي: يسألون الرجعة إلى الدنيا، ليعملوا غير عملهم الأول، وقد علم الرب ﷻ أنه لو ردهم إلى الدار الدنيا، لعادوا لما نهوا عنه، وإنهم لكاذبون. فلهذا لا يجيبهم إلى سؤالهم، كما قال تعالى مخبرًا عنهم في قولهم: ﴿فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ [¬١] مِنْ سَبِيلٍ (١١) ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا﴾. أي: لا يجيبكم إلى ذلك؛ لأنكم كنتم [¬٢] كذلك، ولو رددتم لعدتم إلى ما نهيتم عنه. ولهذا قال هاهنا: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ﴾، أي: أو ما عشتم في الدنيا أعمارًا لو كنتم ممن ينتفع بالحق لانتفعتم به في مدة عمركم؟.\nوقد اختلف المفسرون في مقدار العمر المراد هاهنا، فرُوي عن علي بن الحسين زين العابدين؛ أنه قال [¬٣]: مقدار سبع عشرة سنة.\nوقال قتادة: اعلموا أن طول العمر [حجة، فنعوذ بالله أن نُعَيَّر بطول العمر] [¬٤]، قد نزلت هذه الآية: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ﴾، وإن فيهم لابن ثماني عشرة سنة [¬٥].\n_________\n(^٣٩) - مسلم في كتاب الإيمان برقم (١٨٥).\n_________\n[¬١]- في ز: \"مرد\".\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- سقط من: خ، ز.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٥]- سقط من: خ، ز.","vol":"11","page":331},{"text":"وكذا قال أبو غالب الشيباني.\nوقال عبد الله بن المبارك، عن معمر، عن رجل، عن وهب بن منبه في قوله: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ﴾، قال: عشرين سنة.\nوقال هشيم، عن منصور، عن زاذان، عن الحسن في قوله: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ﴾، قال: أربعين سنة.\nوقال هشيم، عن مجالد، عن الشعبي، عن مسروق أنه كان يقول: إذا بلغ أحدكم أربعين سنة؛ فليأخذ حذره من الله ﷿.\nوهذا رواية عن ابن عباس فيما قال ابن جرير (^٤٠): حدثنا ابن عبد الأعلى، حدثنا بشر بن المفضل، حدثنا عبد الله بن عثمان بن خُثَيم، عن مجاهد؛ قال: سمعت ابن عباس، يقول: العمر الذي أعذر الله إلى ابن آدم: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ﴾ أربعون سنة.\nهكذا رواه من هذا الوجه، عن ابن عباس. وهذا القول هو اختيار ابن جرير.\nثم رواه (^٤١) من طريق الثوري وعبد الله بن إدريس، كليهما [¬١] عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن مجاهد، عن ابن عباس؛ قال: العمر الذي أعذر الله [] [¬٢] فيه لابن آدم في قوله: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ﴾؛ ستون سنة.\nفهذه الرواية أصح عن ابن عباس، وهي الصحيحة في نفس الأمر أيضًا، لما ثبت في ذلك من الحديث -كما سنورده- لا كما زعمه ابن جرير، من أن الحديث لم يصح؛ لأن \"في إسناده من يجب التثبت في أمره\" (^٤٢).\nوقد روى أصبغ بن نُباتة، عن عليّ ﵁ أنه قال: العمر الذي عَيَّرهم الله به في قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ﴾. ستون سنة.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا دُحَيم، حدثنا ابن أبي فديك، حدثني إبراهيم بن الفضل المخزومي، عن ابن أبي حُسَين المكي؛ أنه حدثه عن عَطاء -هو ابن أبي رباح- عن ابن عباس ﵄؛ أن النبي ﷺ؛ قال: \"إذا كان يوم القيامة قيل: أين أبناء الستين؟ وهو العمر الذي قال الله فيه: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ\n_________\n(^٤٠) - تفسير ابن جرير (٢٢/ ١٤١).\n(^٤١) - تفسير ابن جرير (٢٢/ ١٤١).\n(^٤٢) - تفسير ابن جرير (٢٢/ ١٤٢).\n_________\n[¬١]- في ز: \"كلاهما\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز: \"إليه\".","vol":"11","page":332},{"text":"وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ \".\nوكذا رواه ابن جرير، عن علي بن شعيب، [عن محمد بن إسماعيل بن أبي فُديك به. وكذا رواه] [¬١] الطبراني من طريق ابن أبي فُديك به (^٤٣).\nوهذا الحديث فيه نظر، لحال إبراهيم بن الفضل، والله أعلم.\n(حديث آخر) قال الإمام أحمد (^٤٤): حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معْمَر، عن رجُلٍ من بني غِفَار، عن سعيد المقبُرِيّ، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ أنه [¬٢] قال: \"لقد أعذر الله إلى عبد أحياه حتى بلغ ستين أو سبعين سنة، لقد أعذر الله إليه [لقد أعذر الله إليه] [¬٣] \".\nوهكذا رواه الإمام البخاري في \"كتاب الرقاق\" من صحيحه (^٤٥): حدثنا عبد السلام بن مُطَهَّر، عن عُمَر بن عليّ، عن مَعْن بن محمد الغفَاري، عن سعيد المقبُريّ، عن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ [\"أعذر الله ﷿ إلى امرئ أخَّر عمره حتى بَلَّغَه ستين سنة\".\nثم قال البخاري: تابعه أبو حازم وابنُ عجلان، عن سعيد المقبري] [¬٤].\nفأما أبو حازم فقال ابن جرير: حدثنا أبو صالح الفَزَاريّ [¬٥]، حدثنا محمد بن سوار، أخبرنا يعقوب بن عبد الرحمن بن عبد القاري الإسكندريّ، حدثنا أبو حازم، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة؛ قال: قال رسول الله ﷺ \" [من عَمَّره الله] [¬٦] ستين سنة، فقد أعذر إليه في العمر\".\nوقد رواه الإمام أحمد والنسائي في الرقاق جميعًا عن قتيبة [عن يعقوب بن عبد الرحمن به (^٤٦).\n_________\n(^٤٣) - إسناده ضعيف، وهو في تفسير الطبري (٢٢/ ١٤١)، والمعجم الكبير للطبراني (١١/ ١٧٧)، وقال الهيثمي في المجمع (٧/ ٩٧): \"وفيه إبراهيم بن الفضل المخزومي وهو ضعيف\".\n(^٤٤) - المسند (٢/ ٢٧٥).\n(^٤٥) - البخاري في الرقاق برقم (٦٤١٩).\n(^٤٦) - تفسير الطبري (٢٢/ ١٤٢)، والمسند (٢/ ٤١٧)، والنسائي في السنن الكبرى كما في تحفة الأشراف للمزي (٩/ ٤٧٢).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٥]- في ز: \"الصراري\".\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين في خ: \"إذا أحب الله ابن آدم\"، وفي ز: \"إذا أحيا الله ابن آدم\".","vol":"11","page":333},{"text":"ورواه البزار (^٤٧) قال: حدثنا هشام بن يونس، حدثنا عبد العزيز بن أبي حازم، عن أبيه] [¬١] عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ؛ قال: \"العمر الذي أعذر اللَّه فيه إلى ابن آدم ستون سنة\". يعني: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ﴾ (^٤٨).\nوأما متابعة ابن عجلان فقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو السفر يحيى بن محمد بن عبد الملك بن قرعة بسامراء، حدثنا أبو عبد الرحمن المقبري، حدثنا سعيد بن أبي أيوب، حدثني محمد بن عجلان، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول اللَّه ﷺ: \"من أتت عليه ستون سنة فقد أعذر اللَّه ﷿ إليه في العمر\".\nوكذا رواه الإمام أحمد عن أبي عبد الرحمن هو المقرئ به (^٤٩).\nورواه أحمد أيضًا، عن خلف عن أبي معشر، عن سعيد المقبُري (^٥٠).\n(طريق أخرى، عن أبي هريرة) قال ابن جرير: حدثني أحمد بن الفرج أبو عُتْبة الحمْصي، حدثنا بقية بن الوليد، حدثنا المطرف بن مازن الكناني، حدثني معمر بن راشد؛ قال: سمعت محمد بن عبد الرحمن الغفاري يقول: سمعت أبا هريرة؛ يقول: قال رسول اللَّه ﷺ: \"لقد أعذر اللَّه ﷿ في العمر إلى صاحب الستين سنة والسبعين\" (^٥١).\nفقد صح هذا الحديث من هذه الطرق، فلو لم يكن إلا الطريق التي ارتضاها أبو عبد اللَّه البخاري شيخ هذه الصناعة لكفت [¬٢]. وقول ابن جرير: \"إن في رجاله بعض من [¬٣] يجب التثبت في أمره\"، لا يلتفت إليه مع تصحيح البخاري، واللَّه أعلم.\nوذكر بعضهم أن العمر الطبيعي عند الأطباء مائة وعشرون سنة، فالإنسان لا يزال في ازدياد إلى كمال الستين، ثم يشرع بعد هذا في النقص والهرم، كما قال الشاعر:\n_________\n(^٤٧) - المسند (٢/ ٤٠٥).\n(^٤٨) - رواه ابن مردويه في تفسيره كما في تخريج الكشاف للزيلعي (٣/ ١٥٥) من طريق سليمان بن حرب، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد، وربما لم يقل: عن سهل، فذكر نحوه دون الآية، والمحفوظ عن أبي هريرة، ﵁.\n(^٤٩) - المسند (٢/ ٣٢٠).\n(^٥٠) - رواه أحمد (٢/ ٤٠٥).\n(^٥١) - تفسير الطبري (٢٢/ ١٤٢).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- سقط من: ز.","vol":"11","page":334},{"text":"إذَا بَلَغَ الفتى ستين عَاما … فقد ذَهَبَ المسَرَّةُ والفَتَاءُ\nو[¬١] لما كان هذا هو العمر الذي يعذر اللَّه إلى عباده به، ويزيح به عنهم العلل، كان هو الغالب على أعمار هذه الأمة، كما ورد بذلك الحديث، قال الحسن بن عرفة ﵀:\nحدثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي [¬٢]، حدثنا محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة؛ قال: قال رسول اللَّه ﷺ: \"أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين، وأقلهم مَن يجوز ذلك\".\nوهكذا رواه الترمذي وابن ماجة جميعًا في كتاب الزهد، عن الحسن بن عرفة به. ثم قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه (^٥٢).\nوهذا عَجَب من الترمذي، فإنه قد رواه أبو بكر بن أبي الدنيا [¬٣] من وجه آخر وطريق أخرى، عن أبي هريرة، حيث قال:\nحدثنا سليمان بن عمر، عن محمد بن ربيعة، عن كامل أبي العلاء، عن أبي صالح، عن أبي هريرة؛ قال: قال رسول اللَّه ﷺ: \"أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين، وأقلهم من يجوز ذلك\".\nوقد رواه الترمذي في \"كتاب الزهد\" (^٥٣) أيضًا عن إبراهيم بن سعيد الجوهري، عن محمد بن ربيعة به. ثم قال: هذا حديث حسن غريب، من حديث أبي صالح عن أبي هريرة، وقد روى من غير وجه عنه. هذا نصه بحروفه في الموضعين، واللَّه أعلم.\nو[¬٤] قال الحافظ أبو يعلى (^٥٤): حدثنا أبو موسى الأنصاري، حدثنا ابن أبي فُديك، حدثني إبراهيم بن الفضل مولى بني مخزوم، عن المقبُري [¬٥]، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه ﷺ: \"مُعْتَرك المنايا ما بين الستين إلى السبعين\".\n_________\n(^٥٢) - سنن الترمذي برقم (٣٥٥٠)، وسنن ابن ماجه برقم (٤٢٣٦).\n(^٥٣) - سنن الترمذي رقم (٢٣٣١).\n(^٥٤) - مسند أبي يعلى حديث ٦٥٤٣ - (١١/ ٤٢٢، ٤٢٣) وفيه إبراهيم بن الفضل وهو متروك. وأخرجه الخطيب في التاريخ (٥/ ٤٧٦) والشهاب في مسنده ٢٥١ - (١/ ١٧٤).\n_________\n[¬١]- قبله في خ، ز: \"قال حديث آخر\".\n[¬٢]- في ز: \"البخاري\".\n[¬٣]- في ز: \"الدرداء\".\n[¬٤]- سقط من: ز.\n[¬٥]- في ز: \"المقري\".","vol":"11","page":335},{"text":"وبه قال (^٥٥): قال رسول اللَّه ﷺ: \"أقل أمتي أبناء سبعين\". إسناده ضعيف.\n(حديث آخر في معنى ذلك) قال الحافظ أبو بكر البزار في مسنده (^٥٦):\nحدثنا إبراهيم بن هانئ، حدثنا إبراهيم بن مهدي، حدثنا عثمان بن مطر، عن أبي مالك، عن ربعي، عن حذيفة، أنه قال: يا رسول اللَّه، أنبئنا بأعمار أمتك. قال: \"ما بين الخمسين إلى الستين\". قالوا: يا رسول اللَّه؛ فأبناء السبعين؟ قال: \"قَلَّ من يبلغها من أمتي، وحم اللَّه [] [¬١] أبناء السبعين ورحم اللَّه أبناء الثمانين\".\nثم قال البزار: لا يروى بهذا اللفظ إلا بهذا الإسناد، وعثمان بن مطر من أهل البصرة ليس بقوي.\nوقد ثبت في الصحيح أن رسول اللَّه ﷺ عاش ثلاثة وستين سنة، قيل: ستين. وقيل: خمسًا وستين سنة. والمشهور الأول، واللَّه أعلم.\nوقوله: ﴿وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾، روي عن ابن عباس، وعكرمة، وأبي جعفر الباقر، وقتادة، وسفيان بن عُيَينة أنهم قالوا: يعني الشيب.\nوقال السدي، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم: يعني به الرسول ﷺ، وقرأ ابن زيد: ﴿هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى﴾. وهذا هو الصحيح عن قتادة، فيما رواه شيبان، عنه أنه قال: احتج عليهم بالعمر [¬٢] والرسل.\nوهذا اختيار ابن جرير، وهو الأظهر، لقوله [¬٣] تعالى: ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَينَا رَبُّكَ قَال إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ (٧٧) لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾، أي: لقد بينا لكم الحق على ألسنة الرسل، فأبيتم وخالفتم، وقال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾، وقال ﵎: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (٨) قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيءٍ إِنْ أَنْتُمْ إلا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ﴾.\nوقوله: ﴿فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾، أي: فذوقوا عذاب النار جزاء على مخالفتكم\n_________\n(^٥٥) - مسند أبي يعلى حديث ٦٥٤٤ - (١١/ ٤٢٣)، وعزاه صاحب الكنز إلى الحكيم في نوادر الأصول بلفظ: \"أقل أمتي أبناء السبعين\".\n(^٥٦) - مسند البزار برقم (٣٥٨٦) \"كشف الأستار\"، وقال الهيثمي في المجمع (١٠/ ٢٠٦): \"وفيه عثمان بن مطر وهو ضعيف\".\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ز: \"من\".\n[¬٢]- سقط من: خ، ز.\n[¬٣]- في ز: \"كقوله\".","vol":"11","page":336},{"text":"للأنبياء [¬١] في مدة أعماركم، فما لكم اليوم ناصر ينقذكم مما أنتم فيه من العذاب والنكال والأغلال.\n﴿إِنَّ اللَّهَ عَالِمُ غَيبِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٣٨) هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيهِ كُفْرُهُ وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إلا مَقْتًا وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إلا خَسَارًا (٣٩)﴾\nيخبر تعالى بعلمه غيب السحاوات والأرض، وأنه يعلم ما تكنه السرائر وتنطوي عليه الضمائر، وسيجازي كل عامل بعمله.\nثم قال: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ﴾، أي: يخلف قوم الآخرين قبلهم، وجيل لجيل قبلهم، كما قال: ﴿وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ﴾، ﴿فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيهِ كُفْرُهُ﴾، أي: فإنما يعود وبال ذلك على نفسه دون غيره، ﴿وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إلا مَقْتًا﴾، أي: كلما استمروا على كفرهم أبغضهم اللَّه، وكلما استمروا فيه خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة، بخلاف المؤمنين فإنهم كلما طال عمر أحدهم وحَسُن عمله؛ ارتفعت درجته ومنزلته في الجنة وزاد أجره، وأحبه خالقه وبارئه رب العالمين.\n﴿قُلْ أَرَأَيتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ أَمْ آتَينَاهُمْ كِتَابًا فَهُمْ عَلَى بَيِّنَتٍ مِنْهُ بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إلا غُرُورًا (٤٠) إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤١)﴾\nيقول تعالى لرسوله ﷺ أن يقول للمشركين: ﴿أَرَأَيتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾، أي: من الأصنام والأنداد، ﴿أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ﴾؟ أي: ليس لهم شيء من ذلك، ما يملكون من قطمير.\nوقوله [¬٢]: ﴿أَمْ آتَينَاهُمْ كِتَابًا فَهُمْ عَلَى بَيِّنَتٍ مِنْهُ﴾، أي: أم أنزلنا عليهم كتابًا بما يقولونه من الشرك والكفر؟ ليس الأمر كذلك، ﴿بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إلا غُرُورًا﴾، أي: بل إنما اتبعوا في ذلك أهواءهم وآراءهم وأمانيهم التي تمنوها لأنفسهم، وهي غرور وباطل وزور.\n_________\n[¬١]- في ز: \"الأنبياء\".\n[¬٢]- سقط من: ز.","vol":"11","page":337},{"text":"ثم أخبر تعالى عن قدرته العظيمة التي بها تقوم السماء والأرض عن أمره، وما جعل فيهما من القوة الماسكة لهما، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا﴾، أي: أن تضطربا عن أماكنهما، كما قال: ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إلا بِإِذْنِهِ﴾، وقال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ﴾.\n﴿وَلَئِنْ زَالتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ﴾، أي: لا يقدر على دوامهما وإبقائهما إلا هو، وهو مع ذلك حليم غفور أي: يرى عباده وهم يكفرون به ويعصونه، وهو يحلم فيؤخر وينظر ويؤجل ولا يَعجَل، ويستر آخرين ويغفر، ولهذا قال: ﴿إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾.\nوقد أورد ابن أبي حاتم (^٥٧) هاهنا حديثًا غريبًا بل منكرًا، فقال: حدثنا علي بن الحسين بن الجنيد، حدثنا إسحاق بن إبراهيم، حدثني هشام بن يوسف، في أمية بن شبل [¬١]، عن الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن أبي هريرة؛ قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يحكي عن موسى ﵇ على المنبر؛ قال: \"وقع في نفس موسى ﵇ هل ينام اللَّه ﷿؟ فأرسل اللَّه إليه ملكًا، فأرّقه ثلاثًا، وأعطاه قارورتين [في كل يد قارورة] [¬٢] وأمره أن [¬٣] يحتفظ بهما، قال: فجعل ينام وتكاد يداه تلتقيان، ثم يستيقظ فيحبس [¬٤] إحداهما عن الأخرى، حتى نام نومة فاصطفقت يداه [¬٥] فتكسَّرَت القارورتان، و[¬٦] قال: ضرب اللَّه له [¬٧] مثلًا: إن اللَّه لو كان ينام لم تستمسك السماء والأرض\".\nو[¬٨] الظاهر أن هذا الحديث ليس بمرفوع، بل من الإسرائيليات المنكرة، فإن موسى ﵇ أجَلُّ من [¬٩] أن يُجَوِّز على اللَّه ﷾ النوم، وقد أخبر اللَّه تعالى في كتابه العزيز بأنه: ﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾. وثبت في الصحيحين (^٥٨) عن أبي موسى الأشعري ﵁؛ قال: قال رسول اللَّه ﷺ: \"إن اللَّه لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، ويرفع إليه عمل الليل قبل النهار، وعمل النهار قبل الليل، حجابه الفور أو النار، لو كشفه لأحرقت سُبُحات وجهه\n_________\n(^٥٧) - سبق تخريجه عند تفسير الآية: ٢٥٥ من سورة البقرة.\n(^٥٨) - مسلم في كتاب الإيمان برقم (١٧٩)، وليس في صحيح البخاري، وهو عند أحمد (٤/ ٣٩٥، ٤٠٠، ٤٠٥) وقد ذكره الحافظ عند تفسير الآية: ٢٥٥ من سورة البقرة فقال: \"وفي الصحيح هكذا بالإفراد\".\n_________\n[¬١]- في خ، ز: \"سنبل\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- في ز: \"يجبس\".\n[¬٥]- سقط من: ز.\n[¬٦]- سقط من: ز.\n[¬٧]- سقط من: ز.\n[¬٨]- سقط من: ز.\n[¬٩]- في ز: \"عن\".","vol":"11","page":338},{"text":"ما انتهى إليه بصره من خلقه\".\nوقد قال أبو جعفر بن جرير (^٥٩): حدثنا ابن بشار، حدثنا عبد الرحمن، حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن أبي وائل؛ قال: جاء رجل إلى عبد اللَّه هو ابن مسعود - فقال: من أين جئت؟ قال: من الشام. قال: من لقيت؟ قال: لقيت كعبًا. قال ما حدثك كعب؟ قال: حدثني أن السماوات تدور على منْكَب مَلَك. قال: أفصدقته أو كذبته؟ قال: ما صدقته ولا كذبته. قال: لوددت أنك افتديت من رحلتك إليه براحلتك ورَحْلها، كَذَب كعب. إن اللَّه تعالى يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ﴾.\nوهذا إسناد صحيح إلى كعب وإلى ابن مسعود.\nثم رواه ابن جرير عن ابن حميد، عن جرير، عن مغيرة، عن إبراهيم؛ قال: ذهب جُندَب البَجَلي إلى كعب بالشام، فذكر نحوه (^٦٠).\nوقد رأيت في مصنف الفقيه يحيى بن إبراهيم بن مُزَين [¬١] الطليطي، سماه \"سير الفقهاء\"، أورد هذا الأثر عن محمد بن عيسى بن الطَّبَّاع، عن وكيع، عن الأعمش، به. ثم قال: وأخبرنا زونان يعني عبد الملك بن الحسن، عن ابن وهب، عن مالك؛ أنه قال: السماء لا تدور. واحتج بهذه الآية، وبحديث: \"إن بالمغرب بابًا للتوبة لا يزال مفتوحًا حتى تطلع الشمس منه\".\nقلت: وهذا الحديث في الصحيح (^٦١)، واللَّه أعلم.\n﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إلا نُفُورًا (٤٢) اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إلا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إلا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْويلًا (٤٣)﴾\n_________\n(^٥٩) - تفسير الطبري (٢٢/ ١٤٤).\n(^٦٠) - تفسير الطبري (٢٢/ ١٤٤، ١٤٥).\n(^٦١) - لم أجد الحديث في الصحيحين، وهو عند الترمذي في الدعوات برقم (٣٥٣٠) في حديث طويل، وهو في المسند للإمام أحمد ١٨١٤٥ - (٤/ ٢٤٠)، وصحيح ابن خزيمة برقم (١٩٣) من حديث صفوان بن عسال، ﵁.\n_________\n[¬١]- في ز: \"سرين\".","vol":"11","page":339},{"text":"يخبر تعالى عن قريش والعرب أنهم أقسموا باللَّه جهد أيمانهم، قبل إرسال الرسول إليهم: ﴿لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ﴾، أي: من جميع الأمم الذين أرسل إليهم الرسل. قاله الضحاك وغيره، كقوله تعالى: ﴿أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَينِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ (١٥٦) أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَينَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا﴾ وكقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانُوا لَيَقُولُونَ (١٦٧) لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْرًا مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٦٨) لَكُنَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (١٦٩) فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾.\nقال اللَّه تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ﴾، وهو: محمد ﷺ بما أنزل معه من الكتاب العظيم، وهو القرآن المبين، ﴿مَا زَادَهُمْ إلا نُفُورًا﴾، أي: ما ازدادوا إلا كفرًا إلى كفرهم، ثم بين ذلك بقوله: ﴿اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ﴾، أي: استكبروا عن اتباع آيات اللَّه، ﴿وَمَكْرَ السَّيِّئِ﴾، أي: ومكروا بالناس في صدِّهم إياهم عن سبيل اللَّه، ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إلا بِأَهْلِهِ﴾، [أي: وما يعود وبال ذلك إلا عليهم أنفسهم دون غيرهم.\nقال ابن أبي حاتم: ذكر علي بن الحسين، حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيان، عن أبي زكريا الكوفي، عن رجل حَدَّثه، أن رسول اللَّه ﷺ قال: \"إياك ومكر السيئ، فإنه لا يحيق المكر السيئ إلا بأهله] [¬١]، ولهم من اللَّه طالب\" (^٦٢).\nوقد قال محمد بن كعب القرظي: ثلاث من فعلهن لم ينجُ حتى ينزل به من مكر أو بغي أو نكث، وتصديقها في كتاب اللَّه: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إلا بِأَهْلِهِ﴾، [﴿إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾، ﴿فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ﴾] [¬٢].\nوقوله: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إلا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ﴾، يعني: عقوبة اللَّه لهم على تكذيبهم رسله ومخالفتهم أمره، ﴿ولَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾، أي: لا تغير ولا تبدل، بل هي جارية كذلك في كل مكذب، ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْويلًا﴾، أي: ﴿وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ﴾، ولا يكشف ذلك عنهم، ويحوله عنهم أحد.\n﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ\n_________\n(^٦٢) - في إسناده جهالة، وانقطاع، ولم أجد من أخرجه غير ابن أبي حاتم، وقد روى ابن المبارك في الزهد برقم (٧٢٥) عن الزهري مرسلًا نحوه.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين من: خ، ز.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.","vol":"11","page":340},{"text":"عَلِيمًا قَدِيرًا (٤٤) وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا (٤٥)﴾\nيقول تعالى: قل يا محمد لهؤلاء المكذبين بما جئتهم به من الرسالة: سيروا في الأرض، فانظروا كيف كان عاقبة الذين كذبوا الرسل، كيف دمر اللَّه عليهم وللكافرين أمثالها، فَخُلِّيَتْ منهم منازلهم، وسلبوا ما كانوا فيه من النَّعَم بعد كمال القوة، وكثرة العدد والعُدَد، وكثرة الأموال والأولاد، فما أغنى ذلك شيئًا، ولا دفع عنهم من عذاب اللَّه من شيء، لما جاء أمر ربك؛ لأنه تعالى لا يعجزه شيء، إذا أراد كونه في السماوات والأرض، ﴿إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾. أي عليم بجميع الكائنات، قدير على مجموعها.\nثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾، أي: لو آخذهم بجميع ذنوبهم؛ لأهلك جميع أهل الأرض، وما يملكونه من دواب وأرزاق.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا عبد الرحمن، حدثنا سفيان الثوري، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد اللَّه؛ قال: كاد الجُعَل أن يعذب في جُحْره بذنب ابن آدم، ثم قرأ: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾.\nوقال سعيد بن جبير، والسُّدّي في قوله: ﴿مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾، أي: لما سقاهم المطر، فماتت جميع الدواب.\n﴿وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾، أي: ولكن يُنْظرُهم إلى يوم القيامة، فيحاسبهم يومئذ، ويوفي كل عامل بعمله، فيجازي بالثواب أهل الطاعة، وبالعقاب أهل المعصية؛ ولهذا تال تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا﴾.\nآخر تفسير سورة فاطر، ولله الحمد والمنة [¬١]\n* * *\n_________\n[¬١]- في حاشية خ، ز: \"وهو آخر الجزء الخامس، يتلوه إن شاء الله تعالى في أول السادس تفسير سورة يس. والحمد لله رب العالمين آمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا ورضي الله عن أصحاب رسول الله أجمعين\".","vol":"11","page":341},{"text":"<span data-type='title' id=toc-150>تفسير سورة يس وهي مكية</span>\n﷽\nرب أعن على إتمامه [¬١]\nقال أبو عيسى الترمذي (^١): حدثنا قتيبة وسفيان بن وكيع، حدثنا حُمَيد بن عبد الرحمن الرّؤاسي، عن الحسن بن صالح، عن هارون أبي محمد، عن مقاتل بن حيان، عن قتادة، عن أنس؛ قال: قال رسول اللَّه ﷺ: \"إن لكل شيء قلبًا، وقلب القرآن يس. ومن قرأ يس كَتَب اللَّه له بقراءتها قراءةَ القرآن عشر مرات\".\nثم قال: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث حُمَيد بن عبد الرحمن، وهارون أبو محمد شيخ مجهول، وفي الباب عن أبي بكر الصديق ﵁، ولا يصح لضعف إسناده، وعن أبي هريرة منظور فيه.\nأما حديث الصديق فرواه [الحكيم الترمذي في كتابه \"نوادر الأصول\"] [¬٢] وأما حديث أبي هريرة فقال أبو بكر البزار (^٢): حدثنا عبد الرحمن بن الفضل، حدثنا زيد -هو ابن الحباب- حدثنا حُميد هو المكي، مولى آل علقمة، عن عطاء -هو ابن أبي رباح- عن أبي هريرة؛ قال: قال رسول اللَّه ﷺ: \"إن لكل شيء قلبًا، وقلب القرآن يس\". ثم قال: لا نعلم رواه إلا زيد، عن حميد.\nوقال الحافظ أبو يعلى (^٣): حدثنا إسحاق بن أبي إسرائيل، حدثنا حجاج بن محمد، عن هشام بن زياد، عن الحسن؛ قال: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول اللَّه ﷺ: \"من قرأ يس في ليلة أصبح مغفورًا له. ومن قرأ: \"حم\" التي يذكر فيها الدخان [في ليلة الجمعة] [¬٣] أصبح مغفورًا له\". إسناد جيد.\n_________\n(^١) - سنن الترمذي، كتاب فضائل القرآن، باب: ما جاء في فضل يس، حديث (٢٨٨٧)، وأخرجه الدارمي في فضائل القرآن، باب: في فضل يس، حديث (٣٤١٩) عن محمد بن سعيد، عن حميد بن عبد الرحمن به.\n(^٢) - كشف الأستار (٣/ ٨٧) (٢٣٠٤).\n(^٣) - مسند أبي يعلى (١١/ ٩٣، ٩٤) (٦٢٢٤)، وأخرجه الدارمي، في فضائل القرآن، باب: في فضل يس، حديث (٣٤٢٠)، والطبراني في الأوسط (٣٥٠٩) من طريق الحسن، عن أبي هريرة بنحوه، وعزاه السيوطي في الدر النثور (٥/ ٤٨١) أيضًا إلى ابن مردويه، والبيهقي في شعب الإيمان.\n_________\n[¬١]- في ت: \"وبه الإعانة\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين بياض في خ، ز.\n[¬٣]- سقط من ز، خ. ومثبت من مسند أبي يعلى.","vol":"11","page":342},{"text":"وقال ابن حبان في صحيحه (^٤): حدثنا محمد بن إسحاق بن إبراهيم مولى ثقيف، حدثنا الوليد بن شجاع بن الوليد السكوني، حدثنا أبي، حدثنا زياد بن خيثمة، حدثنا محمد بن جُحَادة، عن الحسن، عن جندب بن عبد اللَّه؛ قال: قال رسول اللَّه ﷺ: \"من قرأ يس في ليلة ابتغاء وجه اللَّه غفر له\".\nوقد قال الإمام أحمد (^٥): حدثنا عارم، حدثنا معتمر، عن أبيه، عن رجل، عن أبيه، عن معقل [¬١] بن يَسَار ﵁، أن رسول اللَّه ﷺ قال: \"البقرة سنام القرآن وذرْوَته، نزل مع كل آية منها ثمانون ملكًا، واستخرجت ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾، من تحت العرش فوصلت بها -أو: فوصلت بسورة البقرة-، ويس قلب القرآن، لا يقرؤها رجل يريد اللَّه والدار الآخرة، إلا غفر له، واقرءوها على موتاكم\".\nوكذا رواه النسائي في \"اليوم والليلة\"، عن محمد بن عبد الأعلى، عن معتمر بن سليمان به.\nثم قال الإمام أحمد (^٦): حدثنا عارم، [حدثنا ابن] [¬٢] المبارك، حدثنا سليمان التيمي، عن أبي عثمان - وليس بالنهدي - عن أبيه، عن معقل بن يسار؛ قال: قال رسول اللَّه ﷺ: \"اقرءوها على موتاكم\". يعني: يس.\nورواه أبو داود، والنسائي في \"اليوم والليلة\"، وابن ماجه من حديث عبد اللَّه بن المبارك، به. إلا أن في رواية النسائي: عن أبي عثمان، عن معقل بن يسار.\nولهذا قال بعض العلماء: من خصائص هذه السورة أنها لا تقرأ عند أمر عسير إلا يسره اللَّه. وكأن قراءتها عند الميت لتنزل الرحمة والبركة، وليسهل عليه خروج الروح، واللَّه أعلم.\nقال الإمام أحمد ﵀ حدثنا أبو المغيرة، حدثنا صفوان؛ قال: كان المشيخة يقولون: إذا قرئت -يعني: يس- عند الميت خُفِّف عنه بها.\n_________\n(^٤) - صحيح ابن حبان (٦/ ٣١٢) (٢٥٧٤) ورجاله ثقات لكن فيه عنعنة الحسن.\n(^٥) - المسند (٥/ ٢٦)، وأخرجه النسائي في \"عمل اليوم والليلة\" (١٠٧٥) عن محمد بن عبد الأعلى، عن معتمر به.\n(^٦) - المسند (٥/ ٢٦)، وأخرجه في (٥/ ٢٧)، وأبو داود في الجنائز، باب: القراءة عند الميت، حديث (٣١٢١)، وابن ماجة في الجنائز، باب: فيما يقال عند المريض، حديث (١٤٤٨) من طرق عن ابن المبارك به.\n_________\n[¬١]- في خ: \"مغفل\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"عن\".","vol":"11","page":343},{"text":"وقال البزار (^٧): حدثنا سلمة [¬١] بن شبيب، حدثنا إبراهيم بن الحكم بن أبان، عن أبيه، عن عكرمة، عن ابن عباس؛ قال: قال النبي ﷺ: \"لوددت أنها في قلب كل إنسان من أمتي\" يعني يس [¬٢].\n﷽\n﴿يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (٢) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٣) عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤) تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (٥) لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ (٦) لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٧)﴾ قد تقدم الكلام على الحروف المقطعة في أول \"سورة البقرة\".\nوروي عن ابن عباس وعكرمة، والضحاك، والحسن، وسفيان بن عُيينة: أن \"يس\" بمعنى: يا إنسان.\nوقال سعيد بن جبير: هو كذلك في لغة الحبشة.\nوقال مالك، عن زيد بن أسلم: هو اسم من أسماء اللَّه تعالى.\n﴿وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾، أي: المحكم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ﴿إِنَّكَ﴾ يا محمد ﴿لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٣) عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤)﴾، أي: على منهج ودين قويم، وشرع مستقيم، ﴿تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾، أي: هذا الصراط والمنهج والدين الذي جئت به مُنَزّل من رب العزة، الرحيم بعباده المؤمنين، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾.\nوقوله تعالى: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ﴾، يعني بهم العرب، فإنه ما أتاهم من نذير من قبله. وذكرهم وحدهم لا ينفي من عداهم، كما أن ذكر بعض الأفراد لا ينفي العموم. وقد تقدم ذكْر الآيات والأحاديث المتواترة في عموم بعثته صلوات اللَّه وسلامه عليه عند قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيكُمْ جَمِيعًا﴾.\nوقوله: ﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ﴾ قال ابن جرير: لقد وجب العذاب على أكثرهم\n_________\n(^٧) - كشف الأستار (٣/ ٧٨) (٢٣٠٥١)، وقال البزار: لا نعلمه يروى إلَّا عن ابن عباس بهذا الإسناد، وإبراهيم لم يتابع على أحاديثه، على أنه قد حدَّث عنه أهل العلم.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"مسلمة\".\n[¬٢]- سقط من: خ.","vol":"11","page":344},{"text":"بأن حَتَّم عليهم في أم الكتاب أنهم لا يؤمنون، ﴿فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ باللَّه، ولا يصدقون رسله.\n﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ (٨) وَجَعَلْنَا مِنْ بَينِ أَيدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَينَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (٩) وَسَوَاءٌ عَلَيهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠) إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ (١١) إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيءٍ أَحْصَينَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ (١٢)﴾\nيقول تعالى: إنا جعلنا هؤلاء المحتوم عليهم بالشقاء نسبتهم إلى الوصول إلى الهدى كنسبة من جُعل في عنقة غُلّ؛ فجَمَع يديه مع عنقه تحت ذقنه، فارتفع رأسُه، فصار مقمَحًا، ولهذا قال: ﴿فَهُمْ مُقْمَحُونَ﴾، والمقمح هو الرافع رأسه، كما قالت أم زَرْع في كلامها: \"وأشرب فأتقمَّح\"، أي: أشرب فأروى، وأرفع رأسي تهينًا وتَرَوّيًا. واكتفى بذكر الغل في العنق عن ذكر اليدين، وإن كانتا مرادتين، كما قال الشاعر:\nفَمَا أدْري إذَا يَمَّمْتُ أرْضا … أريد الخَيْرَ أيَّهما يَليني\nألخْيَرُ الذي أنَا أبْتَغيه … أم الشَّرُّ الذي لا يَأتَليني\nفاكتفى بذكر الخير عن ذكر الشر لَمَّا دل السياق والكلام عليه، وكذا هذا، لما كان الغُلّ إنما يعرف فيما جَمَع اليدين مع العنق، اكتفى بذكر العنق عن اليدين.\nقال العوفي، عن ابن عباس في قوله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ﴾، قال: هو كقول اللَّه تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ﴾، يعني بذلك أن أيديهم موثقة إلى أعناتهم، لا يستطيعون أن يبسطوها بخير.\nوقال مجاهد: ﴿فَهُمْ مُقْمَحُونَ﴾، قال: رافعو [¬١] رءوسهم، وأيديهم موضوعة على أفواههم، فهم مغلولون عن كل خير.\nوقوله: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَينِ أَيدِيهِمْ سَدًّا﴾، قال مجاهد: عن الحق، ﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا﴾، قال مجاهد: عن الحق، فهم يترددون. وقال قتادة: في الضلالات.\nوقوله: ﴿فَأَغْشَينَاهُمْ﴾، أي: أغشينا أبصارهم عن الحق، ﴿فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾، أي: لا ينتفعون بخير ولا يهتدون إليه.\n_________\n[¬١]- في خ، ز: \"راخي\".","vol":"11","page":345},{"text":"قال ابن جرير: وروي عن ابن عباس أنه كان يقرأ (فأعشيناهم)، بالعين المهملة، من العشا وهو داء في العين.\nوقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: جعل اللَّه هذا السد بينهم وبين الإسلام والإيمان، فهم لا يخلصون إليه، وقرأ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾. ثم قال: من منعه اللَّه لا يستطيع.\nوقال عكرمة: قال أبو جهل: لئن رأيتُ محمدًا لأفعلن ولأفعلنّ. فأنزلت: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا﴾ إلى قوله: ﴿يُبْصِرُونَ﴾، قال: وكانوا يقولون: هذا محمد. فيقول: أين هو؟ أين هو؟ لا يبصره. رواه ابن جرير.\nوقال محمد بن إسحاق (^٨): حدثني يزيد بن زياد، عن محمد بن كعب؛ قال: قال أبو جهل وهم جلوس: إن محمدًا يزعم أنكم إن تابعتموه كنتم ملوكًا، فإذا متُّم بُعثتُم بعد موتكم، وكانت لكم جِنانٌ خير من جنان الأرْدُن. وأنكم إن خالفتموه كان لكم منه ذبح، ثم بعثتم بعد موتكم وكانت لكم نار تُعذّبون بها. وخرج رسول اللَّه ﷺ عند ذلك. وفي يده حفنة من تراب، وقد أخذ اللَّه على أعينهم دونه، فجعل يَذرّها على رءوسهم، ويقرأ: ﴿يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾، حتى انتهى إلى قوله: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَينِ أَيدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَينَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾، وانطلق رسول اللَّه ﷺ لحاجته، وباتوا رُصَداء على بابه، حتى خرج عليهم بعد ذلك خارج من الدار، فقال: ما لكم؟ قالوا: ننتظر محمدًا. قال: قد خرج عليكم، فما بقي منكم من رجل إلا وضع على رأسه ترابًا، ثم ذهب لحاجته. فجعل كل رجل منهم ينفض ما على رأسه من تراب. قال: وقد بلغ النبي ﷺ قول أبي جهل فقال: \"وأنا أقول ذلك: إن لهم مني لذبحًا، وإنه أحدهم [¬١] \".\nوقوله: ﴿وَسَوَاءٌ عَلَيهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾، أي: قد ختم اللَّه عليهم بالضلالة، فما يفيد فيهم الإنذار ولا يتأثرون به.\nوقد تقدم نظيرها في أول \"سورة البقرة\"، وكما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾.\n﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ﴾، أي: إنما ينتفع بإنذارك المؤمنون الذين يتبعبون الذكر، وهو القرآن العظيم، ﴿وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيبِ﴾، أي: حيث [¬٢] لا يراه أحد إلا اللَّه، يعلم أن اللَّه مطلع عليه، وعالم بما يفعله، ﴿فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ﴾. أي: لذنوبه، ﴿وَأَجْرٍ كَرِيمٍ﴾، أي: كبير\n_________\n(^٨) - سيرة ابن هشام (٢/ ٩٥).\n_________\n[¬١]- في خ، ز: \"آخذهم\"\n[¬٢]- سقط من: خ، ز.","vol":"11","page":346},{"text":"واسع حسن جميل، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾.\nثم قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى﴾، أي: يوم القيامة، وفيه إشارة إلى أن اللَّه تعالى يحيي قلب من يشاء من الكفار الذين قد ماتت قلوبهم بالضلالة، فيهديهم بعد ذلك إلى الحق، كما قال بعد ذكر قسوة القلوب: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾.\nوقوله: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا﴾، أي: من الأعمال. وفي قوله: ﴿وَآثَارَهُمْ﴾ قولان:\nأحدهما: نكتب أعمالهم التي باشروها بأنفسهم، وآثارهم التي أثَروها من بعدهم، فنجزيهم على ذلك أيضًا، إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر، كقوله ﷺ: \"من سن في الإسلام سنة حسنة، كان له أجرها وأجر من عمل بها من بعده، من غير أن ينقص من أجورهم شيئًا، ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزرُ من عمل بها من بعده، من غير أن ينقص من أوزارهم شيئًا\".\nرواه مسلم (^٩)، من رواية شعبة، عن عون بن أبي جُحَيفة، عن المنذر بن جرير، [عن أبيه جرير] [¬١] بن عبد اللَّه البَجَلي ﵁، وفيه قصة المُجْتَابي [¬٢] النَّمار (*) [¬٣] المُضَريِّين.\nورواه ابن أبي حاتم عن أبيه، عن يحيى بن سليمان الجعفي، عن أبي المحياة يحيى بن يعلى، عن عبد الملك بن عمير، عن جرير بن عبد اللَّه فذكر الحديث بطوله، ثم تلا هذه الآية: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾.\nوقد رواه مسلم (^١٠) من رواية أبي عوانة، عن عبد الملك بن عمير، عن المنذر بن جرير، عن أبيه، فذكره.\nوهكذا الحديث الآخر الذي في صحيح مسلم (^١١) عن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال\n_________\n(^٩) - أخرجه مسلم في صحيحه في كتاب الزكاة، حديث (١٠١٧) وفي كتاب العلم، حديث (١٠١٧) من حديث عبد الرحمن بن هلال الراسبي، عن جرير بن عبد الله.\n(*) النمار: جمع نمرة، وهي ثياب صوف فيها خطوط بيض وسود. ومجتابي النمار: أي: خرقوها وقوروا وسطها.\n(^١٠) - صحيح مسلم، كتاب الزكاة، حديث (١٠١٧) (٧٠)، وفي العلم حديث (١٠١٧) (١٥).\n(^١١) - تقدم تخريجه في سورة البقرة، الآية (١٢٨).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٢]- في ت: \"مجتابي\".\n[¬٣]- بياض في ز، خ.","vol":"11","page":347},{"text":"رسول اللَّه ﵁: \"إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: من علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له، أو صدقة جارية من بعده\".\nو[¬١] قال سفيان الثوري، عن أبي سعيد، قال: سمعت مجاهدًا يقول في قوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾، قال: ما أورثوا من الضلالة.\nوقال ابن لهيعة، عن عطاء بن دينار، عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾، يعني: ما أثَرُوا، يقول: ما سنوا من سنة، فعمل بها قوم من بعد موته [¬٢]، فإن كان خيرًا فله مثل أجورهم، لا ينقص من أجر من عمله شيئًا، [وإن كانت شرًّا فعليه مثل أوزارهم، ولا ينقص من أوزار من عمله شيئًا] [¬٣]. ذكرهما ابن أبي حاتم. وهذا القول هو اختيار البَغَوي.\nوالقول الثاني: أن المراد بذلك آثار خطاهم إلى الطاعة أو المعصية.\nقال ابن أبي نَجيح وغيره، عن مجاهد: ﴿مَا قَدَّمُوا﴾: أعمالهم، ﴿وَآثَارَهُمْ﴾؛ قال: خطاهم بأرجلهم.\nوكذا قال الحسن وقتادة: ﴿وَآثَارَهُمْ﴾، يعني: خطاهم.\nقال قتادة: لو كان اللَّه تعالى مُغْفِلًا شيئًا من شأنك يا بن آدم؛ أغفل ما تُعَفي الرياحُ من هذه الآثار، ولكن أحصى على ابن آدم أثره وعمله كله، حتى أحصى هذا الأثر فيما هو من طاعة اللَّه أو من معصيته، فمن استطاع منكم أن يكتب أثره في طاعة اللَّه فليفعل.\nوقد وَرَدت [¬٤] في هذا المعنى أحاديث:\n(الحديث الأول) قال الإمام أحمد (^١٢): حدثنا عبد الصمد، حدثنا أبي، حدثنا الجُرَيري، عن أبي نَضْرَة، عن جابر بن عبد اللَّه؛ قال: خلت البقاع حول المسجد، فأراد بنو سلمة أن ينتقلوا قرب المسجد، فبلغ ذلك رسول اللَّه ﷺ، فقال لهم: \"إنه [¬٥] بلغني أنكم تريدون أن تنتقلوا قرب المسجد؟ \". قالوا: نعم [¬٦] يا رسول اللَّه؛ قد أردنا [¬٧] ذلك؛\n_________\n(^١٢) - المسند (٣/ ٣٣٢)، وأخرجه مسلم في المساجد ومواضع الصلاة، حديث (٦٦٥) من طريق كهمس عن أبي نضرة، عن جابر به.\n_________\n[¬١]- سقط من ز، خ.\n[¬٢]- في ت: \"موتهم\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٤]- في ز، خ: \"أوردت\".\n[¬٥]- في خ، ز: \"إني\".\n[¬٦]- سقط من: خ، ز.\n[¬٧]- في ز، خ: \"ردنا\".","vol":"11","page":348},{"text":"فقال: \"يا بني سلمة؛ دياركم تكتب آثاركم، دياركم تكتب آثاركم\".\nوهكذا رواه مسلم، من حديث سعيد الجُريري وكهمس بن الحسن، كليهما [¬١] عن أبي نضرة -واسمه: المنذر بن مالك بن قَطَعَة العَبْدي- عن جابر به.\n(الحديث الثاني) قال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن الوزير الواسطي، حدثنا إسحاق الأزرق، عن سفيان الثوري، عن أبي سفيان، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري؛ قال: كانت بنو سَلمة في ناحية من المدينة، فأرادوا أن ينتقلوا إلى قريب من المسجد؛ فنزلت: ﴿إِنَّا نَحْنُ [نُحْيِ الْمَوْتَى] [¬٢] وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾، فقال لهم النبي ﷺ: \"إن آثاركم تُكتَبُ\". فلم ينتقلوا.\nانفرد بإخراجه الترمذي (^١٣) عند تفسير هذه الآية الكريمة، عن محمد بن الوزير به. ثم قال: حسن غريب من حديث الثوري.\nورواه ابن جرير (^١٤)، عن سليمان بن عمر بن خالد الرقي، عن ابن المبارك، عن سفيان الثوري، عن طريف -وهو ابن شهاب أبي [¬٣] سفيان السعدي- عن أبي نضرة، به.\nوقد رُويَ من غير طريق الثوري، فقال الحافظ أبو بكر البزار:\nحدثنا عباد بن الساجي، حدثنا عثمان بن عمر، حدثنا شعبة، عن سعيد الجُريري، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد؛ قال [¬٤]: إن بني سَلمة شَكوا إلى رسول اللَّه ﷺ بعد منازلهم من المسجد؛ فنزلت: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾، فأقاموا في مكانهم.\nوحدثناه ابن المثنى (^١٥)، حدثنا عبد الأعلى، حدثنا الجُرَيري، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد، عن النبي ﷺ، بنحوه. وفيه غرابة مِن حيثُ [¬٥] ذكر نزول هذه الآية، والسورة بكمالها مكية، فاللَّه أعلم.\n(الحديث الثالث) قال ابن جرير (^١٦): حدثنا نصر بن علي الجهضمي، حدثنا أبو أحمد\n_________\n(^١٣) - سنن الترمذي، كتاب تفسير القرآن، باب: ومن سورة يس حديث (٣٢٢٦) عن محمد بن وزير به، وقد سقط من المطبوع من السنن (أبي سفيان) والصواب ذكره كما في تحفة الأشراف (٤٣٥٨).\n(^١٤) - تفسير الطبري (٢٢/ ١٥٤).\n(^١٥) - تقدم الحديث من طريق الجريري برقم (١٢).\n(^١٦) - تفسير الطبري (٢٢/ ١٥٤).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"كلاهما\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في خ، ز: \"بن\".\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- في ز، خ: \"حديث\".","vol":"11","page":349},{"text":"الزبيري، حدثنا إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس؛ قال: كانت منازل الأنصار متباعدة من المسجد فأرادوا أن ينتقلوا إلى المسجد، فنزلت: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ \". فقالوا: نثبت مكاننا. هكذا رواه، وليس فيه شيء مرفوع.\nورواه الطبراني (^١٧) عن عبد اللَّه بن محمد بن سعيد بن أبي مريم، عن محمد بن يوسف الفريابي، عن إسرائيل، عن سماك، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس؛ قال: كانت الأنصار بعيدة منازلهم من المسجد؛ فأرادوا أن يتحولوا إلى المسجد، فنزلت: ﴿وَنَكْتُبُ [¬١] مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾، فثبتوا في منازلهم.\n(الحديث الرابع) قال الإمام أحمد (^١٨): حدثنا حسن، حدثنا ابن لَهيعة، حدثني حُيَي بن عبد اللَّه، عن أبي عبد الرحمن الحُبُلي، عن عبد اللَّه بن عمرو؛ قال: توفي رجل بالمدينة، فصلى عليه النبي ﷺ، وقال: \"يا ليته مات في غير مولده\"؛ فقال رجل من الناس: ولم يا رسول اللَّه؟ فقال رسول اللَّه ﷺ: \"إن الرجل إذا توفي في غير مولده، قيس له من مولده إلى منقطع أثره في الجنة\".\nورواه النسائي عن يونس بن عبد الأعلى، وابن ماجة عن حرملة، كلاهما عن ابن وهب، عن حيي بن عبد اللَّه به.\nوقال ابن جرير (^١٩): حدثنا ابن حميد، حدثنا أبو تميلة، حدثنا الحسين، عن ثابت، قال: مشيت مع أنس فأسرعتُ المشي، فأخذ بيدي فمشينا رويدًا، فلما قضينا الصلاة؛ قال أنس: مشيت مع زيد بن ثابت فأسرعت المشي؛ فقال: يا أنس، أما شَعرتَ أن الآثار تكتب؟ أما شَعرت أن الآثار تكتب؟.\nوهذا القول لا تنافي بينه وبين الأول، بل في هذا تنبيه ودلالة على ذلك بطريق الأولى والأحرى، فإنه إذا كانت هذه الآثار تُكتَب، فَلأنْ تُكْتَبَ تلك التي فيها قُدوة بِهم من خير أو شر بطريق الأولى، واللَّه أعلم.\nوقوله: ﴿وَكُلَّ شَيءٍ أَحْصَينَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾، أي: جميع الكائنات مكتوب في كتاب\n_________\n(^١٧) - المعجم الكبير (١٢٣١٠)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ٩٩): رواه الطبراني عن شيخه عبد الله بن محمد بن سعيد بن أبي مريم وهو ضعيف.\n(^١٨) - المسند (٢/ ٧٧)، وأخرجه النسائي في الجنائز، باب: الموت بغير مولده (٤/ ٧)، وابن ماجة في الجنائز، باب: ما جاء فيمن مات غريبًا، حديث (١٦١٤) من طريق ابن وهب عن حُيي بن عبد الله به.\n(^١٩) - تفسير الطبري (٢٢/ ١٥٤).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"سنكتب\".","vol":"11","page":350},{"text":"مسطور مضبوط في لوح محفوظ، والإمام المبين هنا هو أم الكتاب. قاله مجاهد، وقتادة، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم.\nوكذا في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾، أي: بكتاب أعمالهم الشاهد عليهم بما عملوه من خير وشر، كما قال تعالى: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ﴾، وقال تعالى: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَاوَيلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إلا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾.\n﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ (١٣) إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيهِمُ اثْنَينِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيكُمْ مُرْسَلُونَ (١٤) قَالُوا مَا أَنْتُمْ إلا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيءٍ إِنْ أَنْتُمْ إلا تَكْذِبُونَ (١٥) قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيكُمْ لَمُرْسَلُونَ (١٦) وَمَا عَلَينَا إلا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (١٧)﴾\nيقول تعالى: واضرب - يا محمد - لقومك الذين كذبوك ﴿مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ﴾.\nقال ابن إسحاق فيما بلغه عن ابن عباس، وكعب الأحبار، ووهب بن منبه: إنها مدينة أنطاكية، وكان بها ملك يقال له: أنطيخس بن أنطيخس بن أنطيخس، وكان يعبد الأصنام، فبعث اللَّه إليه ثلاثة من الرسل، وهم: صادق وصدوق وشلوم [¬١]، فكذبهم.\nوهكذا رُوي عن بُرَيدة بن الحُصَيب، وعكرمة، وقتادة، والزهري: أنها أنطاكية.\nوقد استشكل بعضُ الأئمة كونَها [¬٢] أنطاكية، بما سنذكره بعد تمام القصة، إن شاء اللَّه تعالى.\nوقوله: ﴿إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيهِمُ اثْنَينِ فَكَذَّبُوهُمَا﴾، أي: بادروهما بالتكذيب، ﴿فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ﴾، أي: قويناهما وشددنا أزرهما برسول ثالث.\nقال ابن جريج، عن وهب بن سليمان، عن شعيب الجبائي؛ قال [¬٣]: كان اسم الرسولين الأولين شمعون ويوحنا، واسم الثالث بولص، والقرية أنطاكية.\n_________\n[¬١]- في ز: \"شكوم\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"أنها\".\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.","vol":"11","page":351},{"text":"﴿فَقَالُوا﴾، أي: لأهل تلك القرية: ﴿إِنَّا إِلَيكُمْ مُرْسَلُونَ﴾، أي: من ربكم الذي خلقكم، نأمركم بعبادته وحده لا شريك له. قاله أبو العالية.\nوزعم قتادة بن دعامة: أنهم كانوا رسل المسيح ﵇ إلى أهل أنطاكية.\n﴿قَالُوا مَا أَنْتُمْ إلا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾، أي: فكيف أوحي إليكم وأنتم بشر ونحن بشر، فلم لا أوحيَ إلينا مثلكم؟ ولو كنتم رسلًا لكنتم ملائكة. وهذه شُبَه كثير من الأمم المكذبة، كما أخبر اللَّه تعالى عنهم في قوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا﴾؟، فاستعجبوا من ذلك وأنكروه، وقوله: ﴿قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إلا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾. وقوله حكاية عنهم في قوله: ﴿وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ﴾، ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إلا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا﴾، ولهذا قال هؤلاء: ﴿مَا أَنْتُمْ إلا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيءٍ إِنْ أَنْتُمْ إلا تَكْذِبُونَ (١٥) قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيكُمْ لَمُرْسَلُونَ﴾، أي: أجابتهم رُسُلهم الثلاثة قائلين: اللَّه يعلم أنا رسله إليكم، ولو كنا كَذبة عليه لانتقم منا أشد الانتقام، ولكنه سيعزنا وينصرنا عليكم، وستعلمون لمن تكون عاقبة الدار، كقوله تعالى: ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَينِي وَبَينَكُمْ شَهِيدًا يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾.\n﴿وَمَا عَلَينَا إلا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾، يقولون: إنما علينا أن نبلغكم ما أرسلنا به إليكم، فإن أطعتم كانت لكم السعادة في الدنيا والآخرة، وإن لم [¬١] تجيبوا فستعلمون غِبَّ ذلك.\n﴿قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٨) قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾\nفعند ذلك قال لهم أهل القرية: ﴿إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ﴾، أي: لم نر على وجوهكم خيرًا في عيشنا.\nوقال قتادة: يقولون: إن أصابنا شر فإنما هو من أجلكم.\nوقال مجاهد: يقولون: لم يدخل مثلكم إلى قرية إلا عُذب أهلها.\n﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ﴾، قال قتادة: بالحجارة. وقال مجاهد: بالشتم.\n﴿وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، أي: عقوبة شديدة فقالت لهم رسلهم: ﴿طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ﴾، أي: مردود عليكم، كقوله تعالى في قوم فرعون: ﴿فَإِذَا [¬٢] جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا\n_________\n[¬١]- في ز: \"أنتم\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"وإذا\".","vol":"11","page":352},{"text":"هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾، وقال قوم صالح [¬١]: ﴿اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قَال طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾.\nوقال قتادة: ووهب بن منبه: أي أعمالكم معكم.\nوقال تعالى: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾.\nوقوله: ﴿أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾، أي: من أجل أنّا ذكرناكم وأمرناكم بتوحيد اللَّه وإخلاص العبادة له، قابلتمونا بهذا الكلام، وتوعدتمونا وتهددتمونا؟ بل أنتم قوم مسرفون.\nوقال قتادة، أي [¬٢]: إن ذكرناكم باللَّه تطيرتم بنا، بل أنتم قوم مسرفون.\n﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَال يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (٢٠) اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٢١) وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيهِ تُرْجَعُونَ (٢٢) أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيئًا وَلَا يُنْقِذُونِ (٢٣) إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٤) إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ (٢٥)﴾\nقال ابن إسحاق -فيما بلغه عن ابن عباس وكعب الأحبار ووهب بن منبه-: إن أهل القرية هَمُّوا بقتل رسلهم فجاءهم رجل من أقصى المدينة يسعى، أي: لينصرهم من قومه قالوا: وهو حبيب، وكان يعمل الجرير [¬٣]-وهو الحبال- وكان رجلًا سقيمًا، قد أسرع فيه الجذام، وكان كثير الصدقة، يتصدق بنصف كسبه، مستقيمَ النظرة.\nوقال ابن إسحاق عن رجل سماه، عن الحكم، عن مقْسَم -أو: عن مجاهد- عن ابن عباس؛ [كان] [¬٤]: اسم صاحب يس \"حبيب\"، وكان الجذام قد أسرع فيه\nوقال الثوري، عن عاصم الأحول، عن أبي مجلز: كان اسمه حبيب بن مرى [¬٥].\nوقال شبيب بن بشر، عن عكرمة، عن ابن عباس؛ قال: اسم صاحب يس حبيب النجار،\n_________\n[¬١]- في خ، ز: \"لوط\".\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في ز، خ: \"الجَريد\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين في ت: \"قال\".\n[¬٥]- في خ، ز: \"سرى\".","vol":"11","page":353},{"text":"فقتله قومه [¬١].\nوقال السدي: كان قَصَّارًا. وقال عمر بن الحكم: كان إسكافًا.\nوقال قتادة: كان يتعبد في غار هناك.\n﴿قَال يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ﴾، حض قومه على اتباع الرسل الذين أتوهم، ﴿اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا﴾، أي: على إبلاغ الرسالة، ﴿وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ فيما يدعونكم إليه، من عبادة الله وحده لا شريك لي.\n﴿وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي﴾، أي: و[¬٢] ما يمنعني من إخلاص العبادة للذي خلقني وحده لا شريك له، ﴿وَإِلَيهِ تُرْجَعُونَ﴾، أي [¬٣]: يوم المعاد، فيجازيكم على أعمالكم، إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر.\n﴿أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً﴾، استفهام إنكار وتوبيخ وتقريع، ﴿إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيئًا وَلَا يُنْقِذُونِ﴾، أي: هذه الآلهة التي تعبدونها من دونه لا يملكون من الأمر شيئًا، فإن الله لو أرادني بسوء ﴿فَلَا [¬٤] كَاشِفَ لَهُ إلا هُوَ﴾. وهذه الأصنام لا تملك دفع ذلك ولا منعه، ولا ينقذونني مما أنا فيه ﴿إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾، أي: إن اتخذتها آلهة من دون الله.\nوقوله: ﴿إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ﴾ قال ابن إسحاق -فيما بلغه عن ابن عباس وكعب ووهب:- يقول لقومه: ﴿إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ﴾، الذي كفرتم به، ﴿فَاسْمَعُونِ﴾، أي: فاسمعوا قولي.\nويحتمل أن يكون خطابه للرسل بقوله: ﴿إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ﴾، أي: الذي أرسلكم، ﴿فَاسْمَعُونِ﴾، أي: فاشهدوا لي بذلك عنده. وقد حكاه ابن جرير فقال: وقال آخرون: بل خاطب بذلك الرسل، وقال لهم: اسمعوا قولي، لتشهدوا لي بما أقول لكم عند ربي، اني آمنت بربكم واتبعتكم.\nوهذا الذي حكاه عن هؤلاء أظهر في المعنى، والله أعلم.\nقال ابن إسحاق -فيما بلغه عن ابن عباس وكعب ووهب-: فلما قال ذلك وثبوا عليه وثبة رجل واحد فقتلوه، ولم يكن له أحد يمنع عنه.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"قوم\".\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- في ز، خ: \"لا\".","vol":"11","page":354},{"text":"و[¬١] قال قتادة: جعلوا هجمونه بالحجارة، وهو يقول: \"اللهم، اهد قومي، فإنهم لا يعلمون\". فلم يزالوا به حتى أقعصوه (*) وهو يقول كذلك. فقتلوه ﵀.\n﴿قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَال يَاليتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (٢٦) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ (٢٧) وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ (٢٨) إِنْ كَانَتْ إلا صَيحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ (٢٩)﴾\nقال محمد بن إسحاق، عن بعض أصحابه، عن ابن مسعود: إنهم وطئوه بأرجلهم حتى خرج قُصْبَه (**) من دبره. وقال الله له: ﴿ادْخُلِ الْجَنَّةَ﴾، فدخلها فهو ورزق منها، قد أذهب الله عنه سُقْم الدنيا وحُزنها ونَصَبها.\nوقال مجاهد: قيل لحبيب النجار: ادخل الجنة. وذلك أنه قتل فوجبت له، فلما رأى الثواب ﴿قَال يَاليتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ﴾.\nقال قتادة: لا تلقى المؤمن إلا ناصحًا، لا تلقاه غاشًّا، لما عاين [ما عاين] [¬٢] من كرامة الله ﴿قَال يَاليتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (٢٦) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾، تمنى على [¬٣] الله أن يعلم قومه ما عاين من كرامة الله، وما هجم عليه.\nو[¬٤] قال ابن عباس: نصح قومه في حياته بقوله: ﴿يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ﴾، وبعد مماته في قوله: ﴿قَال يَاليتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (٢٦) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾. رواه ابن أبي حاتم.\nوقال سفيان الثوري، عن عاصم الأحول، عن أبي مجلز: ﴿بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾، بإيماني بربي، وتصديقي المرسلين.\nومقصوده أنهم لو اطلعوا على ما حَصَل من هذا الثواب والجزاء والنعيم المقيم؛ لقادهم ذلك إلى اتباع الرسل، فرحمه الله ورضي عنه، فلقد كان حريصًا على هداية قومه.\nقال [¬٥] ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا هشام بن عبيد الله، حدثنا ابن [¬٦] جابر-[وهو] [¬٧]\nمحمد -عن عبد الملك -يعني: ابن عمير -قال: قال عروة بن مسعود الثقفي للنبي صلى الله\n_________\n(*) أقعصه: أماته مكتنه.\n(**) قصبه: أمعاؤه.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من ت.\n[¬٣]- في ز، خ: \"و\".\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- بياض في: ز، خ.\n[¬٦]- سقط من: ز، خ.\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين في ز: \"هو ابن\".","vol":"11","page":355},{"text":"عليه وسلم: ابعثني إلى قومي أدعوهم إلى الإسلام؛ فقال رسول الله ﷺ: \"إني أخاف أن يقتلوك\". فقال: لو وجدوني نائمًا ما [¬١] أيقظوني، فقال له رسول الله ﷺ: \"انطلق\". فانطلق فمر على اللات والعزى، فقال: لأصْبحَنك غدًا بما يسؤوك. فغضبت ثقيف؛ فقال: يا معشر ثقيف، إن اللاتَ لالات، وإن العُزى لا عُزّى، أسلموا تسلموا. يا معشر الأحلاف؛ إن العزى لا عزى، وإن اللات لالات، أسلموا تسلموا. قال ذلك ثلاث مرات، فرماه رجل فأصاب أكْحله فقتله، فبلغ رسولَ الله ﷺ؟ فقال: \"هذا مثله كمثل صاحب يس ﴿قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَال يَاليتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (٢٦) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾.\nوقال محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن مَعمر بن حَزْم: إنه حديث عن كعب الأحبار: أنه ذكر له حبيب بن زيد بن عاصم -أخو بني مازن بن النجار- الذي كان مسيلمة الكذاب قَطَّعه باليمامة، حين جعل يسأله عن رسول الله ﷺ، فجعل يقول: أتشهد أن محمدًا رسول الله؟ فيقول: نعم. ثم يقول: أتشهد أني رسول الله؟ فيقول: لا أسمع. فيقول له مسيلمة: أتسمع هذا ولا تسمع ذاك؟ فيقول: نعم. فجعل يُقَطِّعه عضوا عضوًا، كلما سأله لم يزده على ذلك [حتى مات في يديه] [¬٢]: فقال كعب حين قيل له [¬٣]: اسمه حبيب، وكان والله صاحب يس اسمه حبيب.\nوقوله: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ﴾، يخبر تعالى أنه انتقم من قومه بعد قتلهم إياه، غضبًا منه تعالى عليهم؛ لأنهم كذبوا رسله، وقتلوا وليه. ويذكر تعالى: أنه ما أنزل عليهم، وما احتاج في إهلاكه إياهم إلى إنزال جند من الملائكة عليهم، بل الأمر كان أيسر من ذلك. قاله ابن مسعود، فيما رواه ابن إسحاق، عن بعض أصحابه، عنه أنه قال في قوله: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ﴾، أي: ما كاثرناهم بالجموع. الأمر كان أيسر علينا من ذلك، ﴿إِنْ كَانَتْ إلا صَيحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ﴾، قال: فأهلك الله ذلك الملك، وأهلك أهل [¬٤] أنطاكية، فبادوا عن وجه الأرض، فلم يبق منهم باقية.\nوقيل: ﴿وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ﴾، أي: وما كنا ننزل الملائكة على الأم إذا أهلكناهم، بل نبعث عليهم عقابًا [¬٥] يدمرهم.\nوقيل: المعنى في قوله: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾، أي: من\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٣]- سقط من: خ، ز.\n[¬٤]- سقط من: خ، ز.\n[¬٥]- في ت: \"عذابًا\".","vol":"11","page":356},{"text":"رسالة أخرى إليهم. قاله مجاهد وقتادة. قال قتادة: فلا والله ما عاتب الله قومه بعد قتله، ﴿إِنْ كَانَتْ إلا صَيحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ﴾.\nقال ابن جرير: والأول أصح؛ لأن الرسالة لا تسمى جندًا.\nقال المفسرون، بعث الله إليهم جبريل ﵇ فأخذ بِعضادتَي باب بلدهم، ثم صاح بهم صيحة واحدة فإذا هم خامدون عن آخرهم، لم تبق فيهم [¬١] روح تتردد في جسد.\nوقد تقدم عن كثير من السلف أن هذه القرية هي أنطاكية، وأن هؤلاء الثلاثة كانوا رسلًا من عند المسيح ﵇؛ كما نص عليه قتادة وغيره وهو الذي لم يذكر عن [¬٢] واحد من متأخري المفسرين غيره وفي ذلك نظر من وجوه.\nأحدها [¬٣]: أن ظاهر القصة يدل على أن هؤلاء كانوا رسل الله ﷿، لا من جهة المسيح، كما قال تعالى: ﴿إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيهِمُ اثْنَينِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيكُمْ مُرْسَلُونَ﴾ إلى أن قالوا: ﴿قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيكُمْ لَمُرْسَلُونَ (١٦) وَمَا عَلَينَا إلا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾، ولو كان [¬٤] هؤلاء من الحواريين لقالوا عبارة تناسب أنهم من عند المسيح ﵇، والله أعلم. ثم لو كانوا رسل المسيح لما قالوا لهم: ﴿إِنْ أَنْتُمْ إلا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾.\nالثاني: أن أهل أنطاكية آمنوا برسل المسيح إليهم، فكانوا [¬٥] أول مدينة آمنت بالمسيح؛ ولهذا كانت عند النصارى إحدى المدائن الأربعة اللاتي فيهن بتاركةٌ، وهن القدس لأنها بلد المسيح، وأنطاكية لأنها أول بلدة آمنت بالمسيح عن آخر أهلها.\nوالإسكندرية لأن فيها اصطلحوا على اتخاذ البتاركة والمطارنة والأساقفة والقساوسة [¬٦] والشمامسة والرهايين. ثم رومية لأنها مدينة الملك قسطنطين الذي نصر [¬٧] دينهم وأطده (*). ولما ابتنى القسطنطنيةَ نقلوا البترك من رومية إليها، كما ذكره غير واحد ممن ذكر تواريخهم كسعيد بن بطريق وغيره من أهل الكتاب والمسلمين، فإذا تقرر أن أنطاكية أول قرية [¬٨] آمنت. فأهل هذه القرية قد ذكر الله تعالى أنهم كذبوا رسلهم [¬٩]، وأنه أهلكهم بصيحة واحدة أخذتهم [¬١٠]، فالله أعلم.\n_________\n(*) أي ثبته.\n_________\n[¬١]- في ت: \"بهم\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"غير\".\n[¬٣]- في ت: \"أحدهما\".\n[¬٤]- في ز، خ: \"كانوا\".\n[¬٥]- في ت: \"وكانوا\".\n[¬٦]- في ز، خ: \"القساقسة\".\n[¬٧]- في خ، ز: \"حصر\".\n[¬٨]- في ت: \"مدينة\".\n[¬٩]- في ت: \"رسله\".\n[¬١٠]- في ت: \"أخمدتهم\".","vol":"11","page":357},{"text":"الثالث: أن قصة أنطاكية مع الحراريين أصحاب المسيح بعد نزول التوراة، وقد ذكر أبو سعيد الخدري وغير واحد من السلف؛ أن الله تعالى بعد إنزاله التوراة لم يهلك أمة من الأم عن آخرهم بعذاب يبعثه عليهم، بل أمر المؤمنين بعد ذلك بقتال المشركين، ذكروه عند قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَينَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى﴾. فعلى هذا يتعين أن [¬١] هذه القرية المذكورة في القرآن قرية أخرى غير أنطاكية، كما أطلق ذلك غير واحد من السلف أيضًا. أو تكون أنطاكية إن كان لفظها محفوظًا في هذه القصة، مدينة أخرى غير هذه المشهورة المعروفة، فإن هذه لم يعرف أنها أهلكت لا في الملة النصرانية ولا قبل ذلك، والله ﷾ أعلم.\nفأما الحديث الذي رواه الحافظ [¬٢] أبو القاسم الطبراني (^٢٠): حدثنا الحسين بن إسحاق التستري، حدثنا الحسين بن أبي السري العسقلاني، حدثنا حُسَين الأشقر، حدثنا ابن عيينة، عن ابن أبي نَجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: \"السُّبَّق ثلاثة: فالسابق إلى موسى يوشع بن نون، والسابق إلى عيسى صاحب يس، والسابق إلى محمد علي بن أبي طالب\". فإنه حديث منكر، لايعرف إلا من طريق حسين الأشقر، وهو شيعي متروك.\n﴿يَاحَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إلا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٣٠) أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيهِمْ لَا يَرْجِعُونَ (٣١) وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَينَا مُحْضَرُونَ (٣٢)﴾\nقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: ﴿يَاحَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ﴾، [أي: يا ويل العباد [¬٣].\nوقال قتادة: ﴿يَاحَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ﴾، أي: يا حسرة العباد على أنفسهم [¬٤]، على [¬٥] ما ضيعت من أمر الله، فرطت في جنب الله- قال: وفي بعض القراءة: \"يا حسرة [¬٦] العباد على أنفسها\".\n_________\n(^٢٠) - المعجم الكبير (١١/ ٩٣) (١١١٥٢)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ١٠٤): فيه حسين بن حسن الأشقر وثقه ابن حبان وضعفه الجمهور وبقية رجاله حديثهم حسن أو صحيح.\n_________\n[¬١]- بعده في خ، ز: \"أهل\".\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين مكررة في ز، خ.\n[¬٤]- في ت: \"أنفسها\".\n[¬٥]- سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- بعده في ز، خ: \"على\".","vol":"11","page":358},{"text":"ومعنى هذا: يا حسرتهم وندامتهم يوم القيامة إذا عاينوا العذاب، كيف كذبوا رسل الله، وخالفوا أمر الله، فإنهم كانوا في الدار الدنيا المكذبون منهم.\n﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إلا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾، أي: يكذبونه ويستهزئون به، ويجحدون ما أرسل به من الحق.\nثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيهِمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾، أي: ألم يتعظوا بمن أهلك الله قبلهم من المكذبين للرسل، كيف لم تكن لهم إلى هذه الدنيا كرة ولا رجعة، ولم يكن الأمر كما زعم كثير من جهلتهم وفَجَرتهم من قولهم: ﴿إِنْ هِيَ إلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا﴾، وهم القائلون بالدور من الدهرية، وهم الذين يعتقدون جهلًا منهم أنهم يعودون إلى الدنيا كما كانوا فيها، فرد الله تعالى عليهم باطلهم، فقال: ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيهِمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾،\nوقوله: ﴿وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَينَا مُحْضَرُونَ﴾، أي: وإن جميع الأمم الماضية والآتية ستحضر [¬١] للحساب يوم القيامة بين يدي الله ﷿، فيجازيهم بأعمالهم كلها خيرها وشرها، ومعنى هذه كقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالهُمْ﴾. وقد اختلف القراء في أداء هذا الحرف، فمنهم من قرأ: ﴿وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا﴾ بالتخفيف، فعنده أن ﴿إِنَّ﴾ للإثبات [¬٢]، ومنهم من شدد ﴿لَمَّا﴾، وجعل ﴿إِنَّ﴾ نافية، و﴿لَمَّا﴾ بمعنى إلا تقديره: وما كل إلا جميع لدينا محضرون، ومعنى القراءتين واحد، والله أعلم.\n﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيتَةُ أَحْيَينَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (٣٣) وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ (٣٤) لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيدِيهِمْ أَفَلَا يَشْكُرُونَ (٣٥) سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ (٣٦)﴾\nيقول تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ﴾، أي: دلالة لهم على وجود الصانع وقدرته التامة وإحيائه الموتى ﴿الْأَرْضُ الْمَيتَةُ﴾، أي: إذا كانت ميتة هامدة لا شيء فيها من النبات، فإذا أنزل الله عليها الماء اهتزت وربت، وأنبتت من كل زوج بهيج، ولهذا قال:\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"تستحضر\".\n[¬٢]- في ت: \"لإثبات\".","vol":"11","page":359},{"text":"﴿أَحْيَينَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ﴾، أي: جعلناه رزقًا لهم ولأنعامهم، ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ﴾، أي: جعلنا فيها أنهارًا سارحة في أمكنة، يحتاجون إليها ليأكلوا من ثمره. لما امتن [¬١] على خلقه بإيجاد الزروع لهم عَطَف بذكر الثمار وتنوعها وأصنافها.\nوقوله: ﴿وَمَا عَمِلَتْهُ أَيدِيهِمْ﴾، أي: وما ذاك كله إلا من رحمة الله بهم، لا بسعيهم ولا كدهم، ولا بحولهم ولا بقوتهم [¬٢]. قاله ابن عباس وقتادة. ولهذا قال: ﴿أَفَلَا يَشْكُرُونَ﴾، أي: فهلا يشكرونه على ما أنعم به عليهم في هذه النعم التي لا تعد ولا تحصى. واختار ابن جرر -بل جرم به، ولم يحك غيره إلا احتمالًا- أن ﴿مَا﴾ قوله: ﴿وَمَا عَمِلَتْهُ أَيدِيهِمْ﴾، بمعنى ﴿الَّذِي﴾، تقدره: ليأكلوا من ثمره ومما عملته أيديهم أي: غرسوه ونصبوه قال: وهي كذلك في قراءة ابن مسعود: ﴿لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَممَا عَمِلَتْهُ أَيدِيهِمْ أَفَلَا يَشْكُرُونَ﴾.\nثم قال: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ﴾، أي: من زروع وثمار ونبات، ﴿وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾، فجعلهم ذكرًا وأنثى، ﴿وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ﴾، أي: من مخلوقات شتى لا يعرفونها، كما قال تعالى: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيءٍ خَلَقْنَا زَوْجَينِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾.\n﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ (٣٧) وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٣٨) وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (٣٩) لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٤٠)﴾\nيقول تعالى: ومن الدلالة لهم على قدرته -تعالى- العظيمة خَلَقَ الليل والنهار، هذا بظلامه وهذا بضيائه، وجعلهما يتعاقبان، يجيء هذا فيذهب هذا، ويذهب هذا فيجيء هذا، كما قال: ﴿يُغْشِي اللَّيلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا﴾، ولهذا قال هاهنا: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ﴾، أي: نصرمه منه فيذهب، فيقبل الليل، ولهذا قال: ﴿فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ﴾، كما جاء في الحديث: \"إذا أقبل الليل من هاهنا، وأدبر النهار من هاهنا، وغربت الشمس، فقد أفطر الصائم\".\nهذا هو الظاهر من الآية، وزعم قتادة أنها كقوله تعالى: ﴿يُولِجُ اللَّيلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيلِ﴾. وقد ضعف ابن جرير قولَ قتادة هاهنا، وقال: إنما معنى الإيلاج الأخذُ من هذا في هذا، وليس هذا مرادًا في هذه الآية وهذا الذي قاله ابن جرير حق.\n_________\n[¬١]- في ت: \"أمن\".\n[¬٢]- في ت: \"وقوتهم\".","vol":"11","page":360},{"text":"وقوله: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾، في معنى قوله: ﴿لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾، قولان: أحدهما: أن المراد مستقرها المكاني، وهو تحت العرش مما يلي الأرض من ذلك الجانب، وهي أينما كانت فهي تحت العرش هي وجميع المخلوقات، لأنه سقفها، وليس بكُرَةٍ كما يزعمه كثير من أرباب الهيئة، وإنما هو قبة ذات قوائم تحمله الملائكة، وهو فوق العالم مما يلي رءوس الناس، فالشمس إذا كانت في قبة الفلك وقت الظهيرة تكون أقرب ما تكون إلى العرش، فإذا استدارت في فلكها الرابع إلى مقابلة هذا المقام، وهو وقت نصف الليل، صارت أبعد ما تكون من العرش، فحينئذ تسجد وتستأذن في الطلوع، كما جاءت بذلك الأحاديث.\nقال البخاري (^٢١): حدثنا أبو نُعَيم، حدثنا الأعمش، عن إبراهيم، عن أبيه، عن أبي ذر ﵁؛ قال: كنت مع النبي ﷺ في المسجد عند غروب الشمس، فقال: \"يا أبا ذو، أتدري أين تَغرُبُ الشمس؟ \". قلت: الله ورسوله أعلم. قال: \"فإنها تذهب حتى تسجد تحت العرش، فذلك قوله: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾.\nحدثنا عبد الله بن الزبير الحُمَيدي (^٢٢)، حدثنا وكيع عن الأعمش، عن إبراهيم، عن أبيه، عن أبي ذر؛ قال: سألت رسول الله ﷺ عن قوله: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾، قال: \"مستقرها تحت العرش\".\nكذا أورده هاهنا. وتد أخرجه في أماكن متعددة، ورواه بقية الجماعة إلا ابن ماجة، من طرق، عن الأعمش به.\nوقال الإمام أحمد (^٢٣): حدثنا محمد بن عبيد، حدثنا الأعمش، عن إبراهيم التيمي، عن أبيه، عن أبي ذر؛ قال: كنت مع رسول الله ﷺ في المسجد حين وجبت الشمس، فقال: \"يا أبا ذر؛ تدري أين تذهب الشمس؟ \". قلت: الله ورسوله أعلم. قال: \"فإنها تذهب حتى تسجد بين يدي ربها ﷿، تستأذن في الرجوع فيؤذن لها، وكأنها قد قيل لها: ارجعي من حيث جئت. فترجع إلى مطلعها، وذلك مستقرها، ثم قرأ: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ \".\nوقال سفيان الثوري (^٢٤)، عن الأعمش، عن إبراهيم التيمي، عن أبيه، عن أبي ذر رضي\n_________\n(^٢١) - تقدم تخريجه في تفسير سورة لقمان، الآية (٢٩).\n(^٢٢) - صحيح البخاري كتاب التفسير، باب: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾، حديث (٤٨٠٣)، وانظر رقم (٢٢).\n(^٢٣) - المسند (٥/ ١٥٢)، وانظر رقم (٢٢).\n(^٢٤) - أخرجه البخاري في بدء الخلق، باب: صفة الشمس والقمر، حديث (٣١٩٩) بسنده إلى سفيان به. وانظر رقم (٢٢).","vol":"11","page":361},{"text":"الله عنه؛ قال: قال رسول اللَّه ﷺ [لأبي ذر] [¬١] حين غربت الشمس: \"أتدري أين تذهب؟ \" قلت: الله ورسوله أعلم. قال: \"فإنها تذهب حين تسجد تحت [¬٢] العرش، فتستأذن فيؤذن لها، ويوشك أن تسجد فلا يقبل منها، ويستأذن فلا يؤذن لها، ويقال لها: ارجعي من حيث جئت. فتطلع من مغربها، ذلك كلوله: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾.\nوقال عبد الرزاق (^٢٥): أخبرنا معمر، عن أبي إسحاق، عن وهب بن جابر، عن عبد الله بن عمرو؟ قال في قوله: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾، قال: أن الشمس تطلع فتردها ذنوب بني آدم، حتى إذا غربت سَلَّمت وسجدت واستأذنت [¬٣] فيؤذن لها، حتى إذا كان يوم غربت فسلمت وسجدت، واستأذنت فلا يؤذن لها، فتقول: إن المسير بعيد وإني إلا يؤذن لي لا أبلغ، فتحبس ما شاء الله أن تحبس، ثم يقال لها: \"اطلعي من حيث غربت\" قال: فمن يومئذ إلى يوم القيامة لا ينفع نفسًا إيمانها، لم تكن آمنت من قبل، أو كسبت في إيمانها خيرًا.\nوقيل المراد بقوله: ﴿لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾، [هو انتهاء سيرها] [¬٤] وهو غاية ارتفاعها في السماء في الصيف وهو أوجها، ثم غاية انخفاضها في الشتاء وهو الحضيض.\nوالقول الثاني: أن المراد بمستقرها هو: منتهى سيرها، وهو يوم القيامة، يبطل سيرها وتسكن حركتها وتكور، وينتهي هذا العالم إلى غايته، وهذا هو مستقرها الزماني.\nقال قتادة: ﴿لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾، أي: لوقتها ولأجل لا تعدوه.\nوقيل: المراد أنها لا تزال تنتقل في مطالعها الصيفية إلى مدة لا تزيد عليها، ثم تنتقل في مطالع الشتاء إلى مدة لا تزيد عليها يروى هذا عن عبد الله بن عمرو.\nوقرأ ابن مسعود، وابن عباس: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لا مُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾، أي: لا قرار لها ولا سكون، بل هي سائرة ليلًا ونهارًا، لا تفتر ولا تقف. كما قال تعالى: ﴿وسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَينِ﴾، أي [¬٥]: لا يفتران ولا يقفان إلى يوم القيامة.\n﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ﴾، أي: الذي لا يخالف ولا يُمانَع، ﴿الْعَلِيمِ﴾، بجميع الحركات والسكنات، وقد قدر ذلك وقنَّنَه على منوال لا اختلاف فيه ولا تعاكس، كما قال تعالى:\n_________\n(^٢٥) - تفسير عبد الرزاق (٢/ ١٤٢).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- بعده في خ، ز: زيادة: \"وسجدت واستأذنت، وسجدت واستأذنت، وسجدت\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٥]- سقط من: ز، خ.","vol":"11","page":362},{"text":"﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ [¬١] اللَّيلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾. وهكذا ختم آية ﴿حم﴾ السجدة بقوله: ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾.\nثم قال: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ﴾، أي جعلناه يسير سيرًا آخر يستدل به على مضي [¬٢] الشهور، كما أن الشمس [بها يعرف] الليل والنهار، وكما قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾، وقال: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ …﴾ الآية وقال: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيلَ وَالنَّهَارَ آيَتَينِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا﴾. فجعل الشمس لها ضوء يخصها، والقمر له نور يخصه، وفاوت بين سير هذه وهذا، فالشمس تطلع كل يوم وتغرب في آخره على ضوء واحد، ولكن تنتقل في مطالعها ومغاربها صيفا وشتاء، يطول بسبب ذلك النهار ويقصر الليل، ثم يطول الليل ويقصر النهار، وجعل سلطانها بالنهار، فهي كوكب نهاري. وأما القمر فقدره منازل، يطلع في أول ليلة من الشهر ضئيلًا قليل النور، ثم يزداد نورًا في الليلة الثانية، و[يرتفع منزلة] [¬٣]، ثم كلما ارتفع ازداد ضياء، وإن كان مقتبسًا من الشمس، حتى يتكامل نوره في الليلة الرابعة عشرة، ثم يشرع في النقص إلى آخر الشهر، حتى يصير كالعرجون القديم.\nقال ابن عباس: وهو أصل العذْق.\nوقال مجاهد: العرجون القديم، أي: العذق اليابس.\nيعني ابن عباس أصل العنقود من الرطب إذا عَتُق ويس وانحنى، وكذا قال غيرهما. ثم بعد هذا يبديه الله جديدا في أول الشهر الآخر، والعرب تسمى كل ثلاث ليال من الشهر باسم باعتبار القمر، فيسمون الثلاث الأول \"غرَر\" واللواتي بعدها \"نُفَل\" واللواتي بعدها \"تسَع\" لأن أخراهن التاسعة، واللواتى بعدها \"عُشَر\" لأن أولاهن [¬٤] العاشرة، واللواتى بعدها \"البيض\" لأن ضوء القمر فيهن إلى آخرهن، واللواتى بعدهن \"دُرَع\" جمع دَرعاء، وإن أولهن سُود، لتأخر القمر في أولهن، ومنه الشاة الدرعاء وهي التي رسها أسود. وبعدهن ثلاث \"ظُلم\" ثم ثلاث \"حَنَادس\". وثلاث \"آدئ [¬٥] \"، وثلاث \"محَاق\"، لانمحاق القمر أواخر الشهر فيهن. وكان أبو عبَيد [¬٦] ينكر التُسَع والعُشَر. كذا قال في كتاب \"غريب المصنف\".\n_________\n[¬١]- في ز: \"وجاعل\" وهي قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو وابن عامر.\n[¬٢]- في ز، خ: \"معنى\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"ترتفع منزلته\".\n[¬٤]- في ز، خ: \"أولهن\".\n[¬٥]- في خ، ز: \"داري\".\n[¬٦]- في خ، ز: \"عبيدة\".","vol":"11","page":363},{"text":"وقوله: ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ﴾، قال مجاهد: لكل منهما حد لا يعدوه ولا يُقَصّر دونه، إذا جاء سلطان هذا ذهب هذا، وإذا ذهب سلطان هذا جاء سلطان هذا.\nوقال عبد الرزاق (^٢٦): أخبرنا معمر، عن الحسن في قوله: ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ﴾ قال: ذلك ليلة الهلال.\nوروى ابن أبي حاتم هاهنا، عن عبد الله بن المبارك، أنه قال: إن للريح جناحًا، وإن القمر يأوي [إلى [¬١] غلاف] من الماء.\nوقال الثوري، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح: لا يدرك هذا ضوء [¬٢] هذا، ولا هذا ضوء [¬٣] هذا.\nوقال عكرمة: ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ﴾، يعني أن لكل منهما سلطانًا، فلا ينبغي للشمس أن تطلع بالليل.\nوقوله: ﴿وَلَا اللَّيلُ سَابِقُ النَّهَارِ﴾، يقول: لا ينبغي إذا كان الليلُ أن يكون ليل آخر حتى يكون النهار، فسلطان الشمس بالنهار، وسلطان القمر بالليل.\nوقال الضحاك: لا يذهب الليل من هاهنا حتى يجيء النهار من هاهنا. وأومأ بيده إلى المشرق.\nوقال مجاهد: ﴿وَلَا اللَّيلُ سَابِقُ النَّهَارِ﴾: يَطلبان حَثيثين، نسلخ [¬٤] أحدهما من الآخر.\nوالمعنى في هذا: أنه لا فترة بين الليل والنهار، بل كل منهما يعقب الآخر بلا مهلة ولا تراخ، لأنهما مسخران دائبين [¬٥] يتطالبان [¬٦] طلبًا حثيثًا.\nوقوله: ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾، [يعني الليل والنهار، والشمس والقمر، كلهم يسبحون] [¬٧]، أي: يدورون في فلك السماء. قاله ابن عباس، وعكرمة، والضحاك، والحسن، وقتادة، وعطاء الخراساني.\nوقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: في فلك بين السماء والأرض.\n_________\n(^٢٦) - تفسير عبد الرزاق (٢/ ١٤٣).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"الاغلاف\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"ضر\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"ضر\".\n[¬٤]- في ت: \"ينسلخ\".\n[¬٥]- كذا في ز، خ.\n[¬٦]- في ز، خ: \"يتطلبان\".\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.","vol":"11","page":364},{"text":"رواه ابن أبي حاتم، وهو غريب جدًّا، بل منكر.\nقال ابن عباس وغير واحد من السلف: في فَلكة كفَلكة المِغْزَل.\nوقال مجاهد: الفَلَك كحديدة الرّحَى، أو [¬١] كفلكة المغزل، لا يدور المغزل إلا بها، ولا تدور إلا به.\n﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (٤١) وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ (٤٢) وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ (٤٣) إلا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ (٤٤)﴾\nيقول تعالى: و[¬٢] دلالة لهم أيضًا على قدرته تعالى تسخيره [¬٣] البحر ليحمل السفن، فمن ذلك -بل أوله- سفينة نوح ﵇ التي أنجاه الله فيها بمن معه من المؤمنين، الذين [¬٤] لم يبق على وجه الأرض من ذرية آدم غيرهم، ولهذا قال: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ﴾، أي: آباءهم، ﴿فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾، أي: في السفينة المملوءة من الأمتعة والحيوانات، التي أمره الله أن يحمل فيها [¬٥] من كل زوجين اثنين.\nقال ابن عباس: المشحون: المُوقَر.\nوكذا قال سعيد بن جبير، والشعبي، وقتادة، والسدي.\nو[¬٦] قال الضحاك، وقتادة، وابن زيد: وهي سفينة نوح ﵇.\nوقوله: ﴿وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ﴾، قال العوفي، عن ابن عباس: يعني بذلك الإبل، فإنها سفن البر يحملون عليها ويركبونها.\nوكذا قال عكرمة، ومجاهد، والحسن، وقتادة في رواية، وعبد الله بن شَداد، وغيرهم.\nوقال السدي في رواية: هي الأنعام.\nوقال ابن جرير (^٢٧): حدثنا الفضل بن الصباح، حدثنا محمد بن فضيل، عن عطاء، عن\n_________\n(^٢٧) - تفسير الطبري (٢٣/ ١٠).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"و\".\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في ز، خ: \"لتسخيره\".\n[¬٤]- في ز، خ: \"الذي\".\n[¬٥]- سقط من: خ، ر.\n[¬٦]- سقط من: ز، خ.","vol":"11","page":365},{"text":"سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس؟ قال: تدرون ما ﴿وَخَلَقْنَا لَهُمْ [مِنْ مِثْلِهِ] [¬١] مَا يَرْكَبُونَ﴾؟ [قلنا: لا] [¬٢]. قال: السفن، جعلت من بعد سفينة نوح على مثلها.\nوكذا قال أبو مالك، والضحاك، وقتادة، وأبو صالح، والسدي أيضًا: ﴿وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ﴾، أي: السفن.\nويُقَوّي هذا المذهب في المعنى قوله تعالى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ (١١) لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾.\nوقوله: ﴿وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ﴾، يعني الذين في السفن، ﴿فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ﴾، أي: فلا مغيث لهم مما هم فيه، ﴿وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ﴾، أي: مما أصابهم، ﴿إلا رَحْمَةً مِنَّا﴾. وهذا استثناء منقطع، تقديره: لكن برحمتنا نسيركم في البر والبحر، ونُسَلمكم إلى أجل مسمى، وفإذا قال: ﴿وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾، أي: إلى وقت معلوم عند الله.\n﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَينَ أَيدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٤٥) وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إلا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (٤٦) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَال الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إلا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٤٧)﴾\nيقول تعالى مخبرًا عن تمادي المشركين في غيهم وضلالهم، وعدم اكتراثهم بذنوبهم التي أسلفوها، وما هم يستقبلون بين أيديهم يوم القيامة: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَينَ أَيدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ﴾، قال مجاهد: من الذنوب. وقال غيره بالعكس ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾، أي: لعل الله باتقائكم ذلك يرحمكم ويؤمنكم من عذابه. وتقدير الكلام: أنهم لا يجيبون إلى ذلك ويعرضون عنه. واكتفى عن ذلك بقوله: ﴿وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ﴾، أي: على التوحيد وصدق الرسل ﴿إلا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ﴾، أي: لا يتأملونها ولا ينتفعون بها.\nوقوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾، أي: وإذا أمروا بالإنفاق مما رزقهم الله على الفقراء والمحاويج من المسلمين ﴿قَال الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾، أي: عن الذين آمنوا من الفقراء، أي: قالوا لمن أمرهم من المؤمنين بالإنفاق محاجّين لهم فيما أمروهم به: ﴿أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ﴾، أي: هؤلاء الذين أمرتمونا بالإنفاق عليهم، لو شاء الله لأغناهم ولأطعمهم من رزقه، فنحن\nنوافق مشيئة الله فيهم، ﴿إِنْ أَنْتُمْ إلا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾، أي: في\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.","vol":"11","page":366},{"text":"أمركم لنا بذلك.\nقال ابن جرير: ويحتمل أن يكون من قول الله للكفار حين ناظروا المسلمين وردوا عليهم، فقال لهم: ﴿إِنْ أَنْتُمْ إلا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾. وفي هذا نظر.\n﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤٨) مَا يَنْظُرُونَ إلا صَيحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ (٤٩) فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ (٥٠)﴾\nيخبر تعالى عن استبعاد الكفرة لقيام الساعة في قولهم: ﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ﴾؟ ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا﴾، قال الله تعالى: ﴿مَا يَنْظُرُونَ إلا صَيحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ﴾، أي: ما ينتظرون إلا صيحة واحدة، وهذه -والله أعلم- نفخة الفزع، ينفخ في الصور نفخة الفزع، والناس في أسواقهم ومعايشهم يختصمون ويتشاجرون على عادتهم، فبينما هم كذلك إذ أمر الله تعالى إسرافيل فنفخ في الصور نفخة يطوّلها وَيمُدّها، فلا يبقى أحد على وجه الأرض إلا أصغى ليتًا، ورفع ليتًا وهي صفحة العنق يتسمع الصوت من قبل السماء. ثم يساق الموجودون من الناس إلى محشر القيامة بالنار، تحيط بهم من جوانبهم، ولهذا قال: ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً﴾، أي: على ما يملكونه، الأمر أهم من ذلك، ﴿وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ﴾.\nوقد وردت هاهنا أثار وأحاديث ذكرناها في موضع آخر، ثم تكون بعد هذا نفخة الصعق، التي تموت بها الأحياء كلهم ما عدا الحي القيوم، ثم بعد ذلك نفخة البعث.\n﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ (٥١) قَالُوا يَاوَيلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ (٥٢) إِنْ كَانَتْ إلا صَيحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَينَا مُحْضَرُونَ (٥٣) فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيئًا وَلَا تُجْزَوْنَ إلا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾\nهذه هي النفخة الثالثة، وهي نفخة البعث والنشور للقيام من الأجداث والقبور، ولهذا قال: ﴿فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾، والنسلان هو: المشي [¬١] السريع، كما قال\n_________\n[¬١]- سقط من: خ، ز.","vol":"11","page":367},{"text":"تعالى: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾.\n﴿قَالُوا يَاوَيلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾؟ يعنون قبورهم التي كانوا يعتقدون في الدار الدنيا أنهم لا يبعثون منها، فلما عاينوا ما كذبوه في محشرهم ﴿قَالُوا يَاوَيلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾، وهذا لا ينفي عذابهم في قبورهم، لأنه بالنسبة إلى ما بعده في الشدة كالرقاد.\nوقال أبي بن كعب، ومجاهد، والحسن، وقتادة: ينامون نومة قبل البعث.\nقال قتادة: وذلك بين النفختين.\nفلذلك يقولون: ﴿مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾، فإذا قالوا ذلك أجابهم المؤمنون -قاله غير واحد من السلف-: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾.\nوقال الحسن: إنما يجيبهم بذلك الملائكة.\nولا منافاة إذ الجمع ممكن، والله أعلم.\nوقال عبد الرحمن بن زيد: الجميع من قول الكفار: ﴿يَاوَيْلَنَا [مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا] [¬١] هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾.\nنقله ابن جرير، واختار الأول، وهو أصح، وذلك كقوله تعالى في الصافات: ﴿وَقَالُوا يَا وَيلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ (٢٠) هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ (٥٥) وَقَال الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾.\nوقوله: ﴿إِنْ كَانَتْ إلا صَيحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَينَا مُحْضَرُونَ﴾، كقوله: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إلا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ﴾. وقال: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إلا قَلِيلًا﴾.\nأي: إنما يأمرهم [¬٢] أمرًا واحدًا، فإذا الجميع محضرون، ﴿فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيئًا﴾، أي: من عملها، ﴿وَلَا تُجْزَوْنَ إلا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.\n﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ (٥٥) هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ (٥٦) لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ (٥٧) سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ (٥٨)﴾\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في ت: \"نأمرهم\".","vol":"11","page":368},{"text":"يخبر تعالى عن أهل الجنة، أنهم يوم القيامة إذا ارتحلوا من العَرَصات فنزلوا في رَوْضات الجنات، أنهم في شُغُل عن غيرهم، بما هم فيه من النعيم المقيم، والفوز العظيم.\nقال الحسن البصري، وإسماعيل بن أبي خالد: ﴿فِي شُغُلٍ﴾ عما فيه أهل النار من العذاب.\nوقال مجاهد: ﴿فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ﴾، أي: في نعيم معجبون، أي: به. وكذا قال قتادة.\nوقال ابن عباس: ﴿فَاكِهُونَ﴾، أي: فرحون.\nوقال عبد الله بن مسعود، وابن عباس، وسعيد بن المسيب، وعكرمة، والحسن، وقتادة، والأعمش، وسليمان التيمي، والأوزاعي في قوله: ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ﴾، قالوا: شغلهم افتضاض [¬١] الأبكار.\nوقال ابن عباس في رواية عنه: ﴿فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ﴾، أي: بسماع الأوتار.\nوقال أبو حاتم: لعله غلط من المستمع، وإنما هو افتضاض [¬٢] الأبكار.\nوقوله: ﴿هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ﴾ قال مجاهد: وحلائلهم ﴿فِي ظِلَالٍ﴾، [أي: في ظلال] [¬٣] الأشجار، ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ﴾.\nقال ابن عباس: ومجاهد، وعكرمة، ومحمد بن كعب، والحسن، وقتادة، والسدي، وخُصيف: ﴿الْأَرَائِكِ﴾، هي: السرر تحت الحجال (*).\nقلت: نظيره في الدنيا هذه التخوت تحت البشاخين (**)، والله أعلم.\nوقوله: ﴿لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ﴾، أي: من جميع أنواعها، ﴿وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ﴾، أي: مهما طلبوا وجدوا من جميع أصناف أنواع الملاذ.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عوف الحمصي، حدثنا عثمان بن سعيد بن كثير بن دينار، حدثنا محمد بن مهاجر، عن الضحاك المَعَافري، عن سليمان بن موسى، حدثني كُرَيب؛ أنه سمع أسامة بن زيد، يقول: قال رسول الله ﷺ: \"ألا هل مُشَمّر إلى الجنة؟ فإن الجنة لا خَطَر (* * *) لها، هي ورب الكعبة دور كلها تتلألأ [¬٤]، وريحانة تهتز، وقصر\n_________\n(*) جمع حَجلة: وهي الستر يضرب للعروس داخل البيت.\n(**) كذا ولم أجدها.\n(* * *) -أي لا عِوض لها ولا مِثلَ. والخطر -بالتحريك- في الأصل: الرهن وما يُخاطر عليه. ومثلُ =\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"اقتضاض\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"اقتضاض\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- في ت: \"يتلالأ\".","vol":"11","page":369},{"text":"مَشيد، ونهر مُطَّرد (*)، وثمرة نضيجة، وزوجة حسناء جميلة، وحلل كثيرة، ومقام في أبد، في دار سلامة، وفاكهة خضرة وحَبرَة [¬١] (**) ونعمة، ومحلة عالية بَهيَّة\". قالوا: نعم يا رسول الله؛ نحن المشمّرون لها. قال: قولوا: \"إن شاء الله\". قال القوم: إن شاء الله.\nوكذا رواه ابن ماجة في \"كتاب الزهد\" من سننه (^٢٨)، من حديث الوليد بن مسلم، عن محمد بن مُهَاجر به.\nوقوله: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾، قال ابن جريج: قال ابن عباس في قوله: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾: فإن الله نفسه سلام على أهل الجنة.\nوهذا الذي قاله ابن عباس كقوله تعالى: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ﴾.\nوقد روى ابن أبي حاتم هاهنا حديثًا في إسناده نظر؛ فإنه قال: حدثنا موسى بن يوسف، حدثنا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، حدثنا أبو عاصم العَباداني، حدثنا الفضل الرقاشي، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: \"بينا أهل الجنة في نعيمهم، إذ سطع لهم نور، فرفعوا رءوسهم فإذا الرب تعالى قد أشرف عليهم من فوقهم، فقال: السلام عليكم يا أهل الجنة. فذلك قوله: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾، قال: فينظر إليهم وينظرون إليه، فلا يلفتون إلى [¬٢] شيء من النعيم ما داموا ينظرون إليه، حتى يحتجب عنهم، ويبقى نوره وبركته عليهم وفي ديارهم\".\nورواه ابن ماجة في \"كتاب السنة\" (^٢٩) من سننه، عن محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب به.\nوقال ابن جرير (^٣٠): حدثنا يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وهب، حدثنا حَرملَةُ، عن\n_________\n= الشيء وعِدْله. ولا يقال إلا في الشيء الذي له قدر ومَزِيَّة.\n(*) أي نهر جارٍ.\n(**) الحبرة: النعمة وسعة العيش.\n(^٢٨) - سنن ابن ماجة، كتاب الزهد، باب: صفة الجنة، حديث (٤٣٣٢) من طريق محمد بن مهاجر به، وقال البوصيري في الزوائد (٣/ ٣٢٥): (هذا إسناد فيه مقال).\n(^٢٩) - سنن ابن ماجة في المقدمة، باب: فيما أنكرت الجهمية حديث (١٨٤)، وقال البوصيري ١٠/ ٨٦): هذا إسناد ضعيف لضعف الفضل بن عيسى بن أبان الرقاشي.\n(^٣٠) - تفسير الطبري (٢١/ ٢٣)، وقد أورده الطبري من طرق انظر التفسير (٢٣/ ٢١، ٢٢).\n_________\n[¬١]- في ز: \"وخبزة\".\n[¬٢]- سقط من: خ، ز.","vol":"11","page":370},{"text":"سليمان بن حُمَيد؛ قال: سمعت محمد بن كعب القرظي يحدث عن عمر بن عبد العزيز؛ قال: إذا فرغ الله من أهل الجنة والنار، أقبل في ظُلَل من الغمام والملائكة. قال: فيسلم [¬١] على أهل الجنة، فيردون عليه¬ السلام. قال القرظي: وهذا في كتاب الله: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾، فيقول: سلوني فيقولون: ماذا نسألك أي رب؟ قال: بلى سلوني. قالوا: نسألك أي رب؛ رضاك. قال: رضائي أحكم دار كرامتي. قالوا: يا رب، فما الذي نسألك، فوعزتك وجلالك وارتفاع مكانك، لو قسمت علينا رزق الثقلين لأطعمناهم وأسقيناهم [¬٢] ولألبسناهم ولأخدمناهم، لا ينقصنا ذلك شيئًا. قال: إن لدي مزيدا. قال: فيفعل ذلك بهم في درجهم، حتى يستوي في مجلسه. قال: ثم تأتيهم التحف من الله ﷿ تحملها [¬٣] إليهم الملائكة. ثم ذكر نحوه.\nوهذا أثر غريب، أورده ابن جرير من طرق.\n﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ (٥٩) أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١) وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ (٦٢)﴾\nيقول تعالى مخبرًا عما يئول إليه حال الكفار يوم القيامة من أمره لهم أن يمتازوا، بمعنى يتميزون عن المؤمنين في موقفهم. كقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَينَهُمْ﴾. وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾، ﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾، أي: يصيرون صدْعَين فرقتين، ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (٢٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾.\nوقوله تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾: هذا تقريع من الله للكفرة من بني آدم، الذين أطاعوا الشيطان وهو عدو لهم مبين، وعصوا الرحمن وهو الذي خلقهم ورزقهم؛ ولهذا قال: ﴿وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾، أي: قد أمرتكم في الدار [¬٤] الدنيا بعصيان الشيطان، وأمرتكم بعبادتي، وهذا هو الصراط المستقيم، فسلكتم غير ذلك واتبعتم الشيطان فيما أمركم به [¬٥]، ولهذا قال: ﴿وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا﴾، يقال ﴿جِبِلًّا﴾ بكسر الجيم، وتشديد اللام. ويقال: ﴿جُبُلًّا﴾ بضم الجيم والباء،\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"فسلم\".\n[¬٢]- في ت: \"لأسقيناهم\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"تحمله\".\n[¬٤]- في ت: \"دار\".\n[¬٥]- سقط من: خ، ز.","vol":"11","page":371},{"text":"وتخفيف اللام. ومنهم من يسكن الباء. والمراد بذلك الخلق الكثير قاله مجاهد، والسدي، وقتادة، وسفيان بن عيينة.\nوقوله: ﴿أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ﴾، أي: أفما [¬١] كان لكم عقل في مخالفة ربكم فيما أمركم به من عادته وحده لا شريك له، وعُدُولكم إلى اتباع الشيطان.\nقال ابن جرير (^٣١): حدثنا أبو كريب، حدثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي، عن إسماعيل بن رافع [¬٢]، محمن حدثه عن محمد بن كعب القرظي، عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ؛ قال: \"إذا كان يوم القيامة أمر الله جهنم فيخرج منها عُنُق ساطع مظلم ثم [¬٣]، يقول: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١) وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ (٦٢) هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾، ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾. فيتميز الناس ويجثون، وهي التي يقول الله تعالى: ﴿وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.\n﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٦٣) اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٦٤) الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٦٥) وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ (٦٦) وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا وَلَا يَرْجِعُونَ (٦٧)﴾\nيقال للكفرة من [¬٤] بني آدم يوم القيامة، وقد برزَت الجحيم لهم تقريعًا وتوبيخًا: ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾، أي: هذه التي حَذَّرَتكم الرسل فكذبتموهم، ﴿اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا (١٣) هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (١٤) أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ (١٥)﴾.\nوقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾، هذا حال الكفار والمنافقين يوم القيامة، حين ينكرون ما اجترموه في الدنيا،\n_________\n(^٣١) - تفسير الطبري (٢٣/ ٢٢).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"أما\".\n[¬٢]- في خ: \"نافع\".\n[¬٣]- سقط من: ت.\n[¬٤]- في ز، خ: \"كما\".","vol":"11","page":372},{"text":"ويحلفون ما فعلوه، فيختم الله على أفواههم، ويستنطق جوارحهم بما عملت.\nقال ابن أبي حاتم: حدنا أبو شيبة إبراهيم بن عبد الله بن أبي شيبة، حدثنا منْجَاب بن الحارث التميمي، حدثنا أبو عامر الأسدي، حدثنا سفيان، عن عبيد المكتِب، عن الفُضَيل بن عمرو، عن الشعبي، عن أنس بن مالك؛ قال: كنا عند النبي ﷺ فضحك حتى بدت نواجذه، ثم قال: \"أتدرون مم أضحك؟ \". قلنا: الله ورسوله أعلم. قال: \"من مجادلة العبد ربه يوم القيامة، يقول: يا رب، ألم تجرني من الظلم؟ فيقول: بلى. فيقول: لا أجيز [¬١] علي إلا شاهدًا من نفسي. فيقول: كفى بنفسك اليوم عليك حسيبًا، وبالكرام الكاتبين شهودًا. فيختم على فيه، ويُقال [¬٢] لأركانه: انطقي. فتنطق بعمله، ثم يخلى بينه وبين الكلام، فيقول: بُعدًا لكن وسُحقًا، فعنكُنَّ كنتُ أناضل\".\nوقد رواه مسلم والنسائي (^٣٢)، كلاهما عن أبي بكر بن أبي النضر، عن أبي النضر، عن عبيد الله بن عبد الرحمن الأشجعي، عن سفيان -هو الثوري- به. ثم قال النسائي: \"لا أعلم أحدًا روى هذا. الحديث عن سفيان غير الأشجعي، وهو حديث غريب، والله تعالى أعلم.\nكذا قال: وقد تقدم من رواية أبي عامر عبد الملك بن عمرو الأسد -وهو العقدي- عن سفيان.\nوقال عبد الرزاق (^٣٣): أخبرنا معمر، عن بَهْز بن حكيم، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﷺ، قال: \"إنكم تدعَون مُفَدَّمة (*) أفواهكم بالفدَام، فأول ما يسأل عن أحدكم فخذه وكتفه\". رواه النسائي، [¬٣] عن محمد بن رافع، عن عبد الرزاق به.\nوقال سفيان بن عيينة (^٣٤)، عن سُهَيل، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁، عن رسول الله ﷺ في حديث القيامة الطويل، قال فيه: \"ثم يلقى الثالث فيقول: ما أنت؟ فيقول: أنا عبدك، آمنت بك وبنبيك وبكتابك، وصمت وصليت وتصدقت- ويثني\n_________\n(^٣٢) - أخرجه مسلم في الزهد والرقائق، حديث (٢٩٦٩)، والنسائي في التفسير (٦٧٣).\n(^٣٣) - أخرجه النسائي في التفسير، بسنده إلى عبد الرزاق وأخرجه أحمد في مسنده (٥/ ٣) من طريق الجريري عن حكيم به.\n(*) الفِدام: ما يُشَدُّ على فم الإبريق والكوز من خِرقَةٍ لتصفية الشراب الذي فيه، أي: يُمنعون الكلام بأفواههم حتى تتكلم جوارحهم، فشبه ذلك بالفدام.\n(^٣٤) - أخرجه الحميدي (١١٧٨)، ومسلم في الزهد والرقائق، حديث (٢٩٦٨)، وأبو داود -مختصرًا - في السنة، باب: في الرؤية، حديث (٤٧٣٠) بسندهما إلى سفيان به.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"أجز\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"يقول\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.","vol":"11","page":373},{"text":"بخير ما استطاع- قال: فيقال له: ألا نبعث عليك شاهدنا؟ قال: فيفكر في نفسه، من الذي يشهد عليه، فيختَم على فيه، ويقال لفخذه: انطقي. فتنطق فخذه ولحمه وعظامه بما كان يعمل، وذلك المنافق، وذلك ليعذر من نفسه. وذلك الذي سَخط الله عليه\".\nورواه مسلم [¬١] وأبو داود، من حديث سفيان بن عيينة، به بطوله.\nثم قال ابن أبي حاتم ﵀: حدثنا أبي، حدثنا هشام بن عمار، حدثنا إسماعيل بن عياش، حدثنا ضَمْضَم بن زُرْعَة، عن شريح بن عبيد، عن عقبة بن عامر؛ أنه سمع رسول الله ﷺ؛ يقول: \"إن أول عظم من الإنسان يتكلم يوم يُخَتم على الأفواه، فَخذُه من الرجل اليسرى\".\nورواه ابن جرير (^٣٥) عن محمد بن عوف، عن عبد الله بن المبارك، عن إسماعيل بن عياش، به مثله.\nوقد جَوَّد إسناده الإمام أحمد (^٣٦) ﵀ فقال [¬٢]: حدثنا الحكم بن نافع، حدثنا إسماعيل بن عَيَّاش، عن ضَمْضَمٍ بن زُرْعَةَ، عن شُرَيح بن عُبَيد الحَضْرمي، عمن حَدّثه عن عقبة بن عامر؛ أنه سمع رسول الله ﷺ؛ يقول: \"إن أول عظم من الإنسان يتكلم يوم يُختَم على الأفواه، فَخِذه من الرجل الشمال\".\nوقال ابن جرير (^٣٧): حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن عُلَيَّة، حدثنا يونس بن عُبَيد، عن حُمَيد بن هلال؛ قال: قال أبو بردة: قال أبو موسى، هو الأشعري، ﵁: يدعى المؤمن للحساب يوم القيامة، فَيَعرضُ عليه رَبُّه عملَه فيما بينه وبينه، فيعترف فيقول: نعم أي ربّ؛ عملتُ عملتُ عملت. قال: فيغفر الله له ذنوبه، ويستره منها. قال: فما على الأرض خليقة ترى من تلك الذنوب شيئًا، وتبدو [¬٣] حسناته، فَوَدّ أن الناس كلهم يرونها، ويدعى الكافر والمنافق للحساب، فيعرض ربه عليه عمله، فيجحده [¬٤] فيقول: أي رب؛ وعزتك لقد كتب على هذا الملك ما لم أعمل. فيقول له الملك: أما عملت كذا، في يوم كذا، في مكان كذا؟ فيقول: لا، وعزتك أي رب؛ ما عملتُه. فإذا فعل ذلك خُتِم على فيه. قال أبو موسى الأشعري: فإني أحسب أول ما ينطق منه الفخذ اليمنى، ثم تلا: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾.\n_________\n(^٣٥) - تفسير الطبري (٢٣/ ٢٤).\n(^٣٦) - المسند (٤/ ١٥١).\n(^٣٧) - تفسير الطبري (٢٣/ ٢٤)، زاد السيوطي في الدر المنثور (٥/ ٥٠٣) نسبته إلى ابن أبي حاتم.\n_________\n[¬١]- سقط من: خ، ز.\n[¬٢]- في ز، خ: \"وقال\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"يبدو\".\n[¬٤]- في ت: \"فيجحد\".","vol":"11","page":374},{"text":"وقوله: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ﴾، قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في تفسيرها: يقول: ولو نشاء لأضللناهم عن الهدى، فكيف يهتدون؟ وقال مرة: أعميناهم.\nوقال الحسن البصري: لو شاء الله لطمس على أعينهم، فجعلهم عُميًا يترددون.\nوقال السدي: لو شئنا أعمينا أبصارهم.\nقال مجاهد، وأبو صالح، وقتادة، والسدي: ﴿فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ﴾، يعني الطريق.\nوقال ابن زيد: يعني بالصراط هاهنا الحق، ﴿فَأَنَّى يُبْصِرُونَ﴾، وقد طمسنا على أعينهم.\nوقال العَوفي، عن ابن عباس: ﴿فَأَنَّى يُبْصِرُونَ﴾: لا يبصرون الحق.\nوقوله: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ﴾، قال العوفي، عن ابن عباس: أهلكناهم.\nوقال السدي: يعني لغيّرنا خَلْقهم.\nوقال أبو صالح: لجعلَناهم حجارة.\nوقال الحسن البصري، وقتادة: لأقعدهم على [¬١] أرجلهم.\nولهذا قال تعالى: ﴿فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا﴾، أي: إلى أمام، ﴿وَلَا يَرْجِعُونَ﴾، أي [¬٢]: إلى وراء، بل يلزمون حالًا واحدًا لا يتقدمون ولا يتأخرون.\n﴿وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلَا يَعْقِلُونَ (٦٨) وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إلا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ (٦٩) لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ (٧٠)﴾\nيخبر تعالى عن ابن [¬٣] آدم أنه كلما طال عمره رُدّ إلى الضعف بعد القوة، والعجز بعد النشاط، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾. وقال: ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيئًا﴾.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"عن\".\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في ز، خ: \"بني\".","vol":"11","page":375},{"text":"والمراد من هذا والله أعلم الإخبارُ عن هذه الدار بأنها دار زوال وانتقال، لا دار دوام واستقرار، ولهذا قال: ﴿أَفَلَا يَعْقِلُونَ﴾، أي: يتفكرون بعقولهم في ابتداء خلقهم ثم صيرورتهم إلى الشَّبيبَة [¬١]، ثم إلى الشيخوخة، ليعلموا أنهم خُلقوا لدار أخرى، لا زوال لها ولا انتقال منها، ولا محيد عنها، وهي الدار الآخرة.\nوقوله: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾، يقول تعالى مخبرًا عن نبيه محمد ﷺ: إنه ما علمه الشعر، ﴿وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾، أي: وما هو في طبعه، فلا يحسنه ولا يحبه، ولا تقتضيه جِبِلَّتُه، ولهذا وَرَد أنه ﵊ كان [¬٢] لا يحفظ بيتًا على وزن منتظم، بل إن أنشده زَحَّفه أو لم يتمه.\nوقال أبو زُرْعة الرازي: حُدّثت عن إسماعيل بن مجالد، عن أبيه، عن الشعبي أنه قال: ما ولد عبد المطلب ذكرًا ولا أنثى إلا يقول الشعر، إلا رسول الله ﷺ. ذكره ابن عساكر في ترجمة \"عتبة بن أبي لهب\" الذي أكله السّبُع بالزرقاء.\nقال ابن أبي حاتم (^٣٨): حدثنا أبي، حدثنا أبو سلمة، حدثنا حماد بن سلمة، عن علي [ابن زيد] [¬٣]، عن الحسن هو البصري؛ قال [¬٤]: إن رسول الله ﷺ كان يتمثل بهذا البيت:\n*كفى بالإسلام والشيب للمرء ناهيًا*\nفقال [¬٥] أبو بكر: يا رسول الله:\n* كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيًا*\nقال أبو بكر، أو عمر: أشهد أنك رسول الله، يقول الله: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾.\nوهكذا روى البيهقي في \"الدلائل\"، أن رسول الله ﷺ؛ قال للعباس ابن مرداس السلمي: \"أنت القائل:\nأتجعل نَهْبي ونَهْب العُبَي … د بينَ الأقرع وعيينة\"\nفقال: إنما هو: \"بين عيينة والأقرع\" فقال: \"الكل سواء\".\n_________\n(^٣٨) - زاد السيوطي نسبته في الدر المنثور (٥/ ٥٠٥) إلى ابن سعد في الطبقات والمرزباني في معجم الشعراء.\n_________\n[¬١]- في خ: \"الشيبة\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"أنه\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- في ز، خ: \"قال\".","vol":"11","page":376},{"text":"يعني في المعنى، صلوات الله وسلامه عليه.\nوقد ذكر السهيلي في \"الروض الأنف\" لهذا التقديم والتأخير الذي وقع في كلامه ﵇ في هذا البيت مناسبة أغرب فيها، حاصلها شَرَفُ الأقرع بن حابس على عُيَينَةَ بن بَدْر الفَزَاريّ، لأنه ارتد في أيام الصديق، بخلاف ذاك، والله أعلم.\nوهكذا روى الأموي في \"مغازيه\"؛ أن رسول الله ﷺ، جعل يمشي بين القتلى يوم بدر، وهو يقول:\nنُفَلّق هَامًا ................ … ....................\nفيقول الصديق ﵁ متممًا للبيت:\n......... مِنْ رجَال أعزّة … عَلَيْنَا، وهُمْ كَانُوا أعَقّ وَأظلما\nوهذا لبعض شعراء العرب في قصيدة له، وهي في \"الحماسة\".\nوقال الإمام أحمد (^٣٩): حدثنا هشيم، حدثنا مغيرة، عن الشعبي، عن عائشة ﵂، قالت: كان رسول الله ﷺ إذا استراب الخبر، تمثل فيه ببيت طَرَفَةَ.\n* وَيَأتيكَ بالأخْبار مَنْ لَمْ تُزَوّد*\nوهكذا رواه النسائي في \"اليوم والليلة\" من طريق إبراهيم بن مهاجر، عن الشعبي عنها ورواه الترمذي والنسائي أيضًا (^٤٠) من حديث المقدام بن شريح بن هانئ، عن أبيه، عن عائشة ﵂، كذلك. ثم. قال الترمذي: \"هذا حديث حسن صحيح\".\nوقال الحافظ أبو بكر البزار (^٤١): حدثنا يوسف بن موسى، حدثنا أبو أسامة، عن زائدة، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس؛ قال: كان رسول الله ﷺ يتمثل من الأشعار:\n* وَيَأتيكَ بالأخْبَار من لَمْ تُزَوّد*\nثم قال: رواه غير زائدة، عن سماك، عن عكرمة عن عائشة.\n_________\n(^٣٩) - المسند (٦/ ٣١، ١٣٦)، وأخرجه النسائي، في \"عمل اليوم والليلة\" (٩٩٥)، (٩٩٦) من طريق الشعبي به.\n(^٤٠) - الترمذي في الأدب، باب: ما جاء في إنشاد الشعر حديث (٢٨٤٨)، وفي الشمائل المحمدية (٢٤١)، والنسائي في \"عمل اليوم والليلة\" (٩٩٧) من طريق شريك، عن المقدام به. والحديث عند أحمد في المسند (٦/ ١٣٨، ١٥٦، ٢٢٢) والبخاري في الأدب المفرد (٨٦٧) من نفس الطريق.\n(^٤١) - وأخرجه عبد بن حميد (٦١٤ - منتخب)، والطبراني في الكبير (١١٧٦٢) من طريق أبي أسامة عن زائدة به.","vol":"11","page":377},{"text":"وهذا في شعر طرفة بن العبد، في معلقته المشهورة، وهذا المذكور منها، أوله:\nسَتُبْدي لكَ الأيامُ مَا كُنْتَ جَاهلًا … وَيَأتيكَ بالأخْبَار مَنْ لَمْ تُزِّودِ\nوَيَأتيكَ بالأخبْار مَنْ لَمْ تَبعْ لهُ … بَتَاتًا [¬١]، ولم تَضربْ له وَقْتَ مَوْعد\nوقال الحافظ أبو بكر البيهقي (^٤٢): أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو حفص عمر بن أحمد بن نعيم -وكيل المتقي ببغداد- حدثنا أبو محمد عبد الله بن هلال النحوي الضرير، حدثنا علي بن عمرو الأنصاري، حدثنا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة ﵂؛ قالت: ما جمع رسول الله ﷺ بيت شعر قط، إلا بيتًا واحدًا:\nتَفَاءلْ [¬٢] بما تَهْوَى يَكُنْ [¬٣]، فَلَقَلَّمَا … يُقَالُ لشَيء كَانَ إلّا تَحَقَّقَا\nسألت شيخنا الحافظ أبا الحجاج المزّي عن هذا الحديث؛ فقال: هو منكر. ولم يعرف شيخ الحاكم، ولا الضرير.\nوقال سعيد بن أبي [¬٤] عَرُوبة عن قتادة: قيل لعائشة: هل كان رسول الله ﷺ: يتمثل بشيء من الشعر؟ قالت: كان أبغض الحديث إليه، غير أنه كان يتمثل ببيت أخي [¬٥] بني قيس، فيجعل أوله آخره، وآخره أوله. فقال أبو بكر: ليس هكذا. فقال رسول الله ﷺ: \"إني والله ما أنا بشاعر ولا ينبغي لي\".\nرواه ابن أبي حاتم وابن جرير (^٤٣)، وهذا لفظه.\nوقال معمر [¬٦] عن قتادة: بلغني أن [¬٧] عائشة سُئلت: هل كان رسول الله ﷺ يتمثل بشيء من الشعر؟ فقالت: لا، إلا بيت طَرَفَةَ:\nسَتُبْدي لكَ الأيامُ مَا كُنْتَ جَاهلًا … ويَأَتيك بالأخْبَار مَنْ لمْ تُزَوّدِ\nفجعل يقول: \"من لم تُزَوِّد بالأخبار\". فقال أبو بكر: ليس هذا هكذا. فقال: \"إني لست\n_________\n(^٤٢) - سنن البيهقي (٧/ ٤٣).\n(^٤٣) - تفسير الطبري (٢٣/ ٢٧)، وزاد السيوطي في الدر المنثور (٥/ ٥٠٥) إلى عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر.\n_________\n[¬١]- في خ: \"ثيابا\".\n[¬٢]- في خ، ز: \"تنال\".\n[¬٣]- في خ: \"لمن\".\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- سقط من: خ، ز.\n[¬٦]- في خ: \"عمر\".\n[¬٧]- في ز، خ: \"عن\".","vol":"11","page":378},{"text":"بشاعر، ولا ينبغي لي\" (^٤٤).\nوثبت في الصحيحين (^٤٥) أنه ﵊ تمثل يوم حفر الخندق بأبيات عبد الله بن رواحة، ولكن تبعًا لقول أصحابه، فإنهم كانوا يرتجزون وهم يحفرون، فيقولون:\n[لا هُمّ] [¬١] لوْلَا أنتَ مَا اهْتَدَينَا … وَلَا تَصَدّقْنَا وَلَا صَلَّينَا\nفأنْزلَنْ سَكينَةً عَلَينَا … وَثَبّت الأقْدَام إنْ لاقينا\nإنّ الأُولى قَدْ بَغَوا عَلَينَا … إذا أرَادُوا فتْنَةً أبَينَا\nويرفع صوته بقوله: \"أبينا\" ويمدها.\nوقد روى هذا بزحاف في الصحيح أيضًا (^٤٦). وكذلك ثبت أنه قال يوم حنين وهو راكب البغلة، يُقدم بها في نحور العدو:\nأنا النبيّ لا كَذِب … أنا ابنُ عَبْد المُطَّلب\nلكن قالوا: هذا وقع اتفاقًا من غير قصد لوزن شعر، بل جرى على اللسان من غير قصد إليه.\nوكذلك ما ثبت في ألصحيحين (^٤٧) عن جُندب بن عبد الله؛ قال: كنا مع رسول الله ﷺ في غار فَنَكِبت أصبعه، فقال:\nهَلْ أنْتِ إلا إصْبع دَميت … وفي سَبيل الله مَا لَقيتِ\nوسيأتي عند قوله تعالى: ﴿إلا اللَّمَمَ﴾ إنشاد] [¬٢]:\nإنْ تَغْفر اللَّهُمّ تَغفر جَمَّا … وَأيُّ عَبْد لكَ مَا ألَمَّا\nوكل هذا لا ينافي كونه ﷺ ما عُلّم شعرًا ولا ينبغي له، فإن الله تعالى إنما علمه القرآن العظيم، ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَينِ يَدَيهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ\n_________\n(^٤٤) - انظر السابق.\n(^٤٥) - صحيح البخاري في المغازي، باب: غزوة الخندق، وهي الأحزاب، حديث (٤١٠٤)، ومسلم في الجهاد والسير، حديث (١٨٠٣) من طريق أبي إسحاق عن البراء بن عازب.\n(^٤٦) - أخرجه البخاري في الجهاد، باب: من قاد دابة غيره في الحرب حديث (٢٨٦٤)، وأطرافه في (٢٨٧٤، ٢٩٣٠، ٣٠٤٢، ٤٣١٥، ٤٣١٦، ٤٣١٧) من حديث البراء بن عازب.\n(^٤٧) - أخرجه البخاري في الجهاد باب: من يُنكب في سبيل الله ....، حديث (٢٨٠٢)، وطرفه في (٦١٤٦) ومسلم في كتاب الجهاد والسير، حديث (١٧٩٦).\n_________\n[¬١]- في البخاري: والله.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.","vol":"11","page":379},{"text":"حَمِيدٍ﴾، وليس هو بشعر كما زعمه طائفة من جهلة كفار قريش، ولا كهانة، ولا مفتعل، ولا سحر يُؤثر، كما تنوعت فيه أقوال الضُلَّال وآراء الجُهَّال. وقد كانت سجيته ﷺ تأبى صناعة الشعر طبعًا وشرعًا [¬١]، كما رواه أبو داود؛ قال (^٤٨):\nحدثنا [عبيد الله بن عُمَر [¬٢]، حدثنا عبد الله بن يزيد، حدثنا سعيد بن أبي أيوب، حدثنا شرحبيل بن يزيد المُعَافري، عن [عبد الرحمن] [¬٣] بن رافع التَّنُوخي؛ قال [¬٤]: سمعت عبد الله بن عمرو؛ يقول: [سمعت رسول الله ﷺ؛ يقول [¬٥]: \"ما أُبالي ما أتِيتُ [¬٦] إن أنا شَربت ترْياقا، أو تعلقت تميمة، أو قلت الشعر من قبل نفسي\". تفرد به أبو داود.\nوقال الإمام أحمد ﵀ (^٤٩): حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن الأسود بن [¬٧] شيبان، عن أبي نوفل؛ قال: سألت عائشة: أكان [¬٨] رسول الله ﷺ يتسامع [¬٩] عنده الشعر؟ فقالت: كان أبغض الحديث إليه. وقال عن عائشة: كان رسول الله ﷺ يعجبه الجوامع من الدعاء، ويدع ما بين ذلك.\nو[¬١٠] قال أبو داود (^٥٠): حدثنا أبو الوليد الطيالسي، حدثنا شعبة، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ: \"لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحًا خير له من أن يمتلئ شعرًا\".\nتفرد به من هذا الوجه، وإسناده على شرط الشيخين، ولم يخرجاه.\nوقال الإمام أحمد (^٥١): حدثنا يزيد، حدثنا قَزَعَةُ بن سُوَيد الباهلي، عن عاصم بن مخلد،\n_________\n(^٤٨) - سنن أبي داود، كتاب الطب، باب: في الترياق، حديث (٣٨٦٩) وأخرجه أحمد (٢/ ١٦٧، ٢٢٣) من طريق شرحبيل به.\n(^٤٩) - المسند (٦/ ١٤٨، ١٨٨)، وأخرجه أبو داود في الصلاة، باب: الدعاء، حديث (١٤٨٢) من طريق يزيد بن هارون عن الأسود به دون أوله.\n(^٥٠) - سنن أبي داود، كتاب الأدب، باب: ما جاء في الشعر، حديث (٥٠٠٩)، والحديث أخرجه أحمد (٢/ ٤٨٠) من طريق شعبة به. وأخرجه البخاري في الأدب، باب: ما يكره أن يكون الغالب على الإنسان الشعر، حديث (٦١٥٥)، ومسلم في كتاب الشعر، حديث (٢٢٥٧) من طريق الأعمش به.\n(^٥١) - المسند (٤/ ١٢٥).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"شعرًا\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"عبد بن عمرو\".\n[¬٣]- في ز، خ: عبد الله.\n[¬٤]- سقط من: خ، ز.\n[¬٥]- ما بين المعكوفين سقط من ز، خ.\n[¬٦]- في ز، خ: أوتيت.\n[¬٧]- بعده في خ: \"أبي\".\n[¬٨]- في ز، خ: كان.\n[¬٩]- في ت: \"بسائغ\".\n[¬١٠]- سقط من: ز، خ.","vol":"11","page":380},{"text":"عن أبي الأشعث الصنعاني، (ح) وحدثنا الأشيب فقال: عن أبي عاصم، عن أبي [¬١] الأشعث، عن شَداد بن أوس؛ قال: قال رسول الله ﷺ: \"من قرض بيت شعر بعد العشاء الآخرة، لم تقبل له صلاة تلك الليلة\".\nوهذا حديث غريب من هذا الوجه، ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة.\nوالمراد بذلك نظمه لا إنشاده، والله أعلم. على أن الشعر فيه ما هو مشروع، وهو هجاء المشركين الذي كان يتعاطاه شعراء الإسلام، كحسان بن ثابت، وكعب بن مالك وعبد الله بن رَوَاحة، وأمثالهم وأضرابهم، ﵃ أجمعين. ومنه ما فيه حكم ومواعظ وآداب، كما يوجد في شعر جماعة من الجاهلية، ومنهم أمية بن أبي الصلت الذي قال فيه النبي ﷺ: \"آمن شعره وكفر قلبه\". وقد أنشد بعض الصحابة منه للنبي ﷺ مائة بيت، يقول عقب كل بيت: \"هيه\"؛ يعني يستطعمه [¬٢] (*)، فيزيده [¬٣] من ذلك.\nوقد روى أبو داود (^٥٢) من حديث أبي بن كعب، وبُريدة بن الحُصَيب، وعبد الله بن عباس؛ أن رسول الله ﷺ؛ قال: \"إن من البيان سحرًا، وإن من الشعر حكمًا\".\nولهذا قال تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ﴾، ويعني [¬٤]: محمدًا ﷺ ما علمه الله شعرًا، ﴿وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾، أي [¬٥]: وما يصلح له، ﴿إِنْ هُوَ إلا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾، [أي: ما هذا الذي علمناه ﴿إلا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾،] [¬٦] أي: بين واضح جلي لمن تأمله وتدبره؛ ولهذا قال: ﴿لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا﴾، أي: لينذر هذا القرآن البينّ كلّ حي على وجه الأرض، كقوله: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾، وقال: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾. وإنما ينتفع بنذارته من هو حَيّ القلب، مستنير البصيرة، كما قال قتادة: حي القلب، حي البصر. وقال الضحاك: يعني عاقلًا، ﴿وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾، أي: هو [¬٧] رحمة للمؤمن، وحجة على الكافر ..\n_________\n(*) استطعم فلانًا الحديث: طلب منه أن يحدثه.\n(^٥٢) - حديث أبي بن كعب أخرجه أبو داود في الأدب باب: ما جاء في الشعر، حديث (٥٠١٠)، وهو عند البخاري في صحيحه في الأدب، باب: ما يجوز في الشعر، حديث (٦١٤٥) بلفظ: \"إن من الشعر حكمة\" وحديث بريدة أخرجه أبو داود في نفس الموضع حديث (٥٠١٢) وحديث ابن عباس أخرجه أبو داود في نفس الموضع حديث (٥٠١١) وهو عند البخاري في الأدب المفرد (٨٧٢)، والترمذي في السنن (٢٨٤٥).\n_________\n[¬١]- سقط من: خ، ز.\n[¬٢]- في خ، ز: \"يستعظمه\".\n[¬٣]- في ت: \"فيزيد\".\n[¬٤]- في ت: ويعني.\n[¬٥]- سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٧]- سقط من: خ، ز.","vol":"11","page":381},{"text":"﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ (٧١) وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ (٧٢) وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلَا يَشْكُرُونَ (٧٣)﴾\nيذكر تعالى ما أنعم به على خلقه من هذه [¬١] الأنعام التي سخرها لهم، ﴿فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ﴾، قال قتادة: مطيقون؛ أي: جعلهم يقهرونها وهي ذليلة لهم، لا تمتنع منهم، بل لو جاء صغير إلى بعير لأناخه، ولو شاء لأقامه وساقه، وذاك ذليل منقاد معه. وكذا لو كان القطَارُ مائة بعير أو أكثر، لسار الجميع بسير صغير.\nوقوله: ﴿فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ﴾، أي: منها ما يركبون في الأسفار، ويحملون عليه الأثقال، إلى سائر الجهات والأقطار. ومنها ما [¬٢] يأكلون إذا شاءوا نحروا واجتزروا، ﴿وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ﴾، أي: من أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثًا ومتاعًا إلى حين، ﴿وَمَشَارِبُ﴾، أي: من ألبانها وأبوالها لمن يتداوى، ونحو ذلك، ﴿أَفَلَا يَشْكُرُونَ﴾، أي: أفلا يُوحِّدُون خالق ذلك ومسخره، ولا يشركون به غيره؟\n﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ (٧٤) لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ (٧٥) فَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ (٧٦)﴾\nيقول تعالى منكرًا على المشركين في اتخاذهم الأنداد آلهة مع الله، يبتغون بذلك أن تنصرهم تلك الآلهة وترزقهم، وتقربهم إلى الله زلفى. قال الله تعالى: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ﴾، أي: لا تقدر الآلهة على نصر عابديها، بل هي أضعف من ذلك وأقل وأذل وأحقر وأدحر [¬٣]، بل لا تقدر على الانتصار لأنفسها، ولا الانتقام ممن أرادها بسوء، لأنها جماد لا تسمع ولا تعقل.\nوقوله: ﴿وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ﴾ قال مجاهد: يعني عند الحساب يريد أن هذه الأصنام محشورة مجموعة يوم القيامة، محضرة عند حساب عابديها، ليكون ذلك أبلغ في خزيهم، وأدل عليهم في إقامة الحجة عليهم.\n_________\n[¬١]- سقط من: خ، ز.\n[¬٢]- سقط من: ت.\n[¬٣]- في خ: \"وأزجر\".","vol":"11","page":382},{"text":"وقال قتادة: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ﴾، يعني الآلهة، ﴿وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ﴾،\nوالمشركون يغضبون للآلهة في الدنيا، وهي لا تسوق إليهم خيرًا، ولا تدفع عنهم سوءًا، وإنما هي أصنام.\nوهكذا قال الحسن البصري. وهذا القول حسن، وهو اختيار ابن جرير ﵀.\nوقوله: ﴿فَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ﴾، أي: تكذيبهم لك وكفرهم بالله، ﴿إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾، أي: نحن نعلم جميع ما هم عليه، وسنجزيهم وصْفَهم ونعاملهم على ذلك، يوم لا يفقدون من أعمالهم جليلًا ولا حقيرًا، ولا صغيرًا ولا كبيرًا، بل يعرض عليهم جميع ما كانوا يعملون قديمًا وحديثًا.\n﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٧٧) وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَال مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩) الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (٨٠)﴾\nقال مجاهد، وعكرمة وعروة بن الزبير، والسدي، وقتادة: جاء أبي بن خلف إلى رسول الله ﷺ وفي يده عظم رميم وهو يُفَتِّتُه ويُذَرِّيه في الهواء، وهو يقول: يا محمد؛ أتزعم أن الله يبعث هذا؟! فقال: \"نعم؛ يميتك الله تعالى، ثم يبعثك، ثم يحشرك إلى النار\". ونزلت هذه الآيات من آخر \"يس\": ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ إلى آخرهن.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين بن الجنيد، حدثنا محمد بن العلاء، حدثنا عثمان بن سعيد الزيات، عن هشيم، عن أبي بشر عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس؛ أن العاص بن وائل أخذ عظمًا من البطحاء ففته بيده، ثم قال لرسول الله ﷺ: أيحيي الله تعالى هذا بعد ما أرى؟ فقال رسول الله ﷺ: \"نعم [¬١]، يميتك الله [¬٢] ثم يحييك، ثم يدخلك جهنم\". قال: ونزلت الآيات من آخر \"يس\".\nورواه ابن جرير (^٥٣) عن يعقوب بن إبراهيم، عن هُشيم، عن أبي بشر، عن سعيد بن\n_________\n(^٥٣) - تفسير الطبري (٢٣/ ٣٠)، والحديث أخرجه الحاكم في المستدرك (٢/ ٤٢٩) من طريق هشيم بل مثل رواية ابن أبي حاتم. وذكره السيوطي في الدر المنثور (٥/ ٥٠٧) عن ابن عباس، وعزاه إلى ابن جرير=\n_________\n[¬١]- سقط من: خ، ز.\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.","vol":"11","page":383},{"text":"جبير، فذكره ولم يذكر \"ابن عباس\".\nوروى (^٥٤) من طريق العَوفي، عن ابن عباس؛ أنه [¬١] قال: جاء عبد الله بن أبي بعظم ففته .. وذكر نحو ما تقدم.\nوهذا منكر؛ لأن السورة مكية، وعبد الله بن أبي ابن سلول، إنما كان بالمدينة. وعلى كل تقدير، سواء كانت هذه الآيات نزلت في أبي بن خلف، أو في العاص، أو فيهما، فهي عامة في كل من أنكر البعث، والألف واللام في قوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ﴾ للجنس، يعم كل [¬٢] منكر للبعث.\n﴿أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾، أي: أو لم يستدل من أنكر البعث بالبداء [¬٣] على الإعادة، فإن الله ابتدأ خلق الإنسان من سلالة من ماء مهين، فخلقه من شيء حقير ضعيف مهين، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (٢٠) فَجَعَلْنَاهُ [] [¬٤] فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (٢١) إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾. وقال: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ﴾، أي: من نطفة من أخلاط متفرقة، فالذي خلقه من هذه النطفة الضعيفة أليس بقادر على إعادته بعد موته، كما قال الإمام أحمد في مسنده (^٥٥):\nحدثنا أبو المغيرة، حدثنا حَريز [¬٥]، حدثني عبد الرحمن بن ميسرة، عن جبير بن نفير، عن بسر بن جحاش؛ أن رسول الله ﷺ بَصَق يومًا في كفه، فوضع عليها أصبعه، ثم قال: \"قال الله تعالى: ابن [¬٦] آدم، أنَّى تُعجِزني وقد خلقتك من مثل هذه، حتى إذا سَوَّيتك وعَدَلتك، مشيت بين بُردَيك وللأرض منكَ وئيد، فجمعت ومنعت، حتى إذا بَلَغَت التراقي قلت: أتصدق. وأنى أوان الصدقة؟ \"\nورواه ابن ماجة عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن يزيد بن هارون، عن حَريز [¬٧] بن عثمان به.\n_________\n= وابن المنذر وابن أبي حاتم والإسماعيلي في معجمه والحاكم وابن مردويه والبيهقي في البعث، والضياء في المختارة.\n(^٥٤) - تفسير الطبري (٢٣/ ٣١)، وزاد السيوطي في الدر النثور (٥/ ٥٠٧) نسبته إلى ابن المنذر.\n(^٥٥) - المسند (٤/ ٢١٠)، وأخرجه ابن ماجه (٢/ ٩٠٣) حديث (٢٧٠٧) في كتاب الوصايا، باب: النهي عن الإمساك في الحياة والتبارير عند الموت بلفظ: \"يا ابن آدم … \". وقال في الزوائد: إسناده صحيح.\nورواه الطبراني في الكبير (٢/ ٣٢) حديث (١١٩٣)، (١١٩٤). وحسنه الشيخ الألباني في =\n_________\n[¬١]- سقط من: ت.\n[¬٢]- في ز، خ: \"لكل\".\n[¬٣]- في ت: \"بالبدء\".\n[¬٤]- ما بين المكوفتين في ز، خ: \"نطفة\".\n[¬٥]- في ز، خ: \"جرير\".\n[¬٦]- في ز، خ: \"يا بني\".\n[¬٧]- في ز، خ: \"جرير\".","vol":"11","page":384},{"text":"ولهذا قال: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَال مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾؟ أي: استبعد إعادة الله تعالى ذي القدرة العظيمة التي خلقت السماوات والأرض- للأجساد والعظام الرميمة، ونسي نفسه، وأن الله خلقه من العدم، فعلم من نفسه ما هو أعظم مما استبعده وأنكره وجحده؛ ولهذا قال تعالى: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾، أي: يعلم العظام في سائر أقطار الأرض وأرجائها، أين ذهبت، وأين تفرقت وتمزقت؟\nقال الإمام أحمد (^٥٦): حدثنا عفان، حدثنا أبو عوانة، عن عبد الملك بن عمير، عن [¬١] رِبْعيّ؛ قال: قال عقبة بن عمرو لحذيفة: ألا تحدثُنا ما سمعتَ من رسول الله ﷺ؟ فقال: سمعته يقول: \"إن رجلًا حضره الموت، فلما أيس من الحياة أوصى أهله: إذا أنا مت فاجمعوا لي حَطَبًا كثيرًا جَزْلا، ثم أوقدوا فيه نارًا، حتى إذا أكلت [¬٢] لحمي وخَلصت إلى عظمي فامتُحشْتُ فخذوها فَأذَرَّوها [¬٣] في اليم، ففعلوا، فجمعه الله إليه فقال له: لم فعلت ذلك؟ قال: من خشيتك، فغفر الله له\". فقال عقبة بن عمرو: وأنا سمعته يقول ذلك. وكان نَبَّاشًا [¬٤].\nوقد أخرجاه في الصحيحين، من حديث عبد الملك بن عمير، بألفاظ كثيرة، منها: \"أنه أمر بنيه أن يحرقوه ثم يسحقوه، فم يُذَرُّوا نصفه في البر ونصفه في البحر، في يوم رائح، أي: كثير الهواء- ففعلوا ذلك، فأمر الله البحر فجمع ما فيه وأمر البر فجمع ما فيه، ثم قال له: كن. فإذا هو رجل قائم، فقال له: ما حملك على ما صنعت؟ فقال: مخافتك وأنت أعلم. فما تلافاه أن غفر له\".\nوقوله: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ﴾، أي: الذي بدأ خلق هذا الشجر من ماء حتى صار خضرًا نَضرًا ذا ثمر ويَنْع، ثم أعاده إلى أن صار حطبًا يابسًا، توقد [¬٥] به النار، كذلك [هو فعال] [¬٦] لما يشاء، قادر على ما يريد لا يمنعه شيء.\nقال قتادة في قوله: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ﴾، يقول: الذي أخرج هذه النار من هذا الشجر قادر أن يبعثه.\n_________\n= السلسلة الصحيحة (١٠٩٩) وصحيح ابن ماجه (٢/ ١١١) حديث (٢١٨٨).\n(^٥٦) - المسند (٥/ ٣٩٥)، وأخرجه البخاري في أحاددث الأنبياء، باب: ما ذكر عن بني إسرائيل حديث (٣٤٥٢) وأطرافه في (٣٤٧٩، ٦٤٨٠).\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- سقط من: ت، خ.\n[¬٣]- في ت: \"فذروها\".\n[¬٤]- في ز، خ: \"ماشيا\".\n[¬٥]- في ز، خ: \"يوقد\".\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.","vol":"11","page":385},{"text":"وقيل: المراد بذلك [سَرْح المرخ] [¬١] والعَفَار، ينبت في أرض الحجاز فيأتي من أراد قَدْح [نار] [¬٢] وليس معه زناد، فيأخذ منه عودين أخضرين، ويقدح [¬٣] أحدهما بالآخر، فتتولد النار من بينهما، كالزناد سواء. روي هذا عن ابن عباس ﵄. [وفي المثل] [¬٤]: \"لكل شجر نار، واستمجد المَرْخُ والعَفَار\". وقال الحكماء: في كل شجر نار إلا الغاب.\n﴿أَوَلَيسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (٨١) إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢) فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيءٍ وَإِلَيهِ تُرْجَعُونَ (٨٣)﴾\nيقول تعالى منبهًا على قدرته العظيمة في خلقه [¬٥] السماوات السبع، بما فيها من الكواكب السيارة والثوابت، والأرضين [¬٦] السبع وما فيها من جبال ورمال، وبحار وقفار، وما بين ذلك، ومرشدًا إلى الاستدلال على إعادة الأجساد بخلق هذه الأشياء العظيمة، كقوله تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾. وقال هاهنا: ﴿أَوَلَيسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾؟، أي: مثل البشر، فيعيدهم كما بدأهم. قاله ابن جرير.\nوهذه الآية كقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ﴾. وقال: هاهنا ﴿بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (٨١) إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾، أي: إنما يأمر بالشيء أمرًا واحدًا، لا يحتاج إلى تكرار:\nإذَا مَا أرَادَ الله [¬٧] أمْرًا فَإنَّمَا … يَقُولُ لهُ \"كُنْ\" قَوْلة [¬٨] فَيَكُونُ\nوقال الإمام أحمد (^٥٧): حدثنا ابن نمير، حدثنا موسى بن المسيب، عن شهر، عن عبد الرحمن بن غنْم، عن أبي ذر ﵁؛ أن رسول الله ﷺ؛ قال: \"إن\n_________\n(^٥٧) - المسند (٥/ ١٧٧)، وأخرجه في (٥/ ١٥٤) والترمذي في صفة القيامة، حديث (٢٤٩٥)، وابن ماجة في الزهد، باب: ذكر التوبة، حديث (٤٢٥٧) من طريق شهر بن حوشب به.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"شرح المرح\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من ت.\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين في خ، ز: \"قال الراجز\".\n[¬٥]- في ت: \"خلق\".\n[¬٦]- في ز، خ: \"الأرض\".\n[¬٧]- سقط من: خ.\n[¬٨]- سقط من: خ.","vol":"11","page":386},{"text":"الله يقول: يا عبادي، كلكم مذنب إلا من عافيت، فاستغفروني أغفر لكم. وكلكم فقير إلا من أغنيت، إني جواد ماجد واجد أفعل ما أشاء، عطائي كلام، وعذابي كلام، إذا أردت شيئًا فإنما أقول له كن فيكون\".\nوقوله: ﴿فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيءٍ وَإِلَيهِ تُرْجَعُونَ﴾. أي: تنزيه وتقديس وتبرئة من السوء الحي القيوم، الذي بيده مقاليد السماوات والأرض [¬١]، وإليه يرجع الأمر كله، وله الخلق والأمر، وإليه ترجع العباد يوم القيامة، فيجازي كل عامل بعمله، وهو العادل المنعم المتفضل.\nومعنى قوله: ﴿فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيءٍ﴾ كقوله [﷿: ﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيءٍ﴾، وكقوله تعالى] [¬٢]: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾، فالملك والملكوت واحد في المعنى، كرحمة ورَحَمُوت، [ورَهْبة ورهبوت] [¬٣]، وجَبْر وجَبرُوت. ومن الناس من زعم أن المُلْك هو عالم الأجسام [¬٤]، والملكوت هو عالم الأرواح، والأول هو الصحيح، وهو الذي عليه الجمهور من المفسرين وغيرهم.\nقال الإمام أحمد (^٥٨): حدثنا سُرَيج [¬٥] بن النعمان، حدثنا حماد، عن عبد الملك بن عمير، حدثني ابن عم لحذيفة، عن حذيفة، و[¬٦] هو ابن اليمان، ﵁؛ قال: قمت مع رسول الله ﷺ ذات ليلة، فقرأ السبع الطُّوَل في سبع ركعات، وكان إذا رفع رأسه من الركوع قال: سمع الله لمن حمده. ثم قال: \"الحمد لله ذي الملكوت والجبروت والكبرياء والعظمة\" وكان ركوعه مثل قيامه، وسجوده مثل ركوعه، فأنصرف وقد كادت تنكسر رجلاي.\nوقد روى أبو داود، والترمذي في الشمائل، والنسائي، من حديث شعبة، عن عمرو بن مُرّة، عن أبي حَمْزة -مولى الأنصار- عن رجل من بني عَبْس [¬٧]، عن حذيفة؛ أنه رأى رسول الله ﷺ يصلي من الليل، وكان يقول: \"الله أكبر ثلاثًا ذو [¬٨] الملكوت والجبروت والكبرياء والعظمة\". ثم استفتح فقرأ البقرة، ثم ركع [فكان] [¬٩] ركوعه نحوًا من قيامه، وكان يقول في ركوعه: \"سبحان ربي العظيم\". ثم رفع رأسه من الركوع، فكان قيامه\n_________\n(^٥٨) - المسند (٥/ ٣٨٨)، وأخرجه في المسند (٥/ ٣٩٦) من طريق بهز عن حماد به.\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في ز: \"هبة وهبوت\".\n[¬٤]- في ت: \"الأجساد\".\n[¬٥]- في ز، خ: \"شريح\".\n[¬٦]- سقط من: ز، خ.\n[¬٧]- في ز، خ: \"عيش\".\n[¬٨]- في ز، خ: \"ذي\".\n[¬٩]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"وكان\".","vol":"11","page":387},{"text":"نحوًا من ركوعه [¬١]، [يقول: \"لربي الحمد\" ثم سجد، فكان سجوده نحوًا من قيامه] [¬٢]، وكان يقول في سجوده: \"سبحان ربي الأعلى\". ثم رفع رأسه من السجود، وكان يقعد فيما بين السجدتين نحوًا من سجوده، وكان يقول: \"رب اغفر لي، رب اغفر لي\". فصلى [أربع ركعات، فقرأ] [¬٣] فيهن البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة -أو الأنعام شك شعبة. هذا لفظ أبي داود (^٥٩).\nوقال النسائي: أبو حمزة عندنا طلحة بن يزيد، وهذا الرجل يشبه أن يكون صلة. كذا قال، والأشبه أن يكون ابن عم حذيفة، كما تقدم في رواية الإمام أحمد، فأما رواية صلة بن زفر، عن حذيفة، فإنها في صحيح مسلم (^٦٠)، ولكن ليس فيها ذكر الملكوت والجبروت والكبرياء والعظمة.\nوقال أبو داود (^٦١): حدثنا أحمد بن صالح، حدثنا ابن وهب، حدثني معاوية بن صالح، عن عمرو بن قيس، عن عاصم بن حُمَيد، عن عوف بن مالك الأشجعي؛ قال: قمتُ مع رسول الله ﷺ ليلة [¬٤] فقام فقرأ سورة البقرة، لا يمر بآية رحمة إلا وقف فسأل، ولا يمر بآية عذاب إلا وقف فتعوّذ، قال: ثم ركع بقدو قيامه، يقول في ركوعه: \"سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة\". ثم [¬٥]، سجد بقدر قيامه، ثم قال في سجوده مثل ذلك، ثم قام فقرأ بآل عمران، ثم قرأ سورة سورة.\nورواه الترمذي في الشمائل، والنسائي، من حديث معاوية بن صالح به.\n\nآخر تفسير سورة يس\n_________\n(^٥٩) - سنن أبي داود في الصلاة، باب: ما يقول الرجل في ركوعه وسجوده، حديث (٨٧٤)، وأخرجه الترمذي في الشمائل (٢٧٥) والنسائي في كتاب الافتتاح، باب: ما يقول في قيامه وذلك (٢/ ١٩٩، ٢٠٠) من طريق شعبة به.\n(^٦٠) - صحيح مسلم في صلاة المسافرين وقصرها، حديث (٧٧٢).\n(^٦١) - سنن أبي داود في الصلاة، باب: ما يقول الرجل في ركوعه وسجوده، حديث (٨٧٣)، وأخرجه الترمذي في الشمائل (٣١٣)، والنسائي في الافتتاح، باب: نوع آخر من الذكر في الركوع (٢/ ١٩١)، وفي نوع آخر [من الدعاء في السجود] (٢/ ٢٢٣) من طريق معاوية بن صالح به.\n_________\n[¬١]- في خ، ز: \"قيامه\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- سقط من: خ.\n[¬٥]- في ز، خ: \"و\".","vol":"11","page":388},{"text":"<span data-type='title' id=toc-151>تفسير سورة الصافات وهي مكية</span>\nقال النسائي (^١): أخبرنا إسماعيل بن مسعود، حدثنا خالد -يعني ابن الحارث- عن ابن أبي ذئب قال [¬١]: أخبرني الحارث بن عبد الرحمن عن [¬٢] سالم بن عبد الله، عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: كان رسول الله ﷺ يأمرنا بالتخفيف، ويؤمنا بالصافات. تفرد به النسائي.\n﷽\n﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا (١) فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا (٢) فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا (٣) إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ (٤) رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَينَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ (٥)﴾\nقال سفيان الثوري (^٢): عن الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن عبد الله بن\n_________\n(^١) - \" السنن الصغرى\"، كتاب الإمامة، باب: الرخصة للإمام في التطويل (٢/ ٩٥) وفي \"التفسير\" من الكبرى (٦/ ١١٤٣٢)، وإسناده حسن، رجاله كلهم ثقات؛ حاشا الحارث بن عبد الرحمن -خال ابن أبي ذئب- وهو صدوق كما في التقريب، ورواه ابن خزيمة في صحيحه (٣/ ١٦٠٦) من طريق بشر بن معاذ العقدي، نا خالد بن الحارث به، ورواه علي بن الجعد في مسنده (٢ / رقم ٢٨٦٠) - ومن طريقه الطبراني في المعجم الكبير (١٢/ ١٣١٩٤) - ثنا ابن أبي ذئب به، ورواه أحمد (٢/ ٢٦، ١٥٧، ٤٠) وأبو يعلى في مسنده (٩/ ٥٤٤٥، ٥٥٥٣) ومن طريقه الثاني ابن حبان في صحيحه (٥/ ١٨١٧) - وابن خزيمة أيضًا والبيهقي في السنن الكبرى (٣/ ١١٨) كلهم من طريق -مفرقًا- (وكيع وحَمَّاد بن الخياط ويزيد بن هارون، وعثمان بن عمر، وشبابة بن سوار) عن ابن أبي ذئب به، وفي رواية يزيد بن هارون، وإن كان لَيَؤمُّنَا بالصافات في صلاة الفجر، ويزيد ثقة ثبت، وهكذا رواه أصحاب ابن أبي ذئب بهذا الإسناد، ورواه أبو داود الطيالسي في مسنده (رقم ١٨١٦) ثنا ابن أبي ذئب، عن الزهري أو غيره، عن سالم به -شك أبو داود- ورواية الجماعة بغير الشك أولى، والحديث قصر في عزوه السيوطي في الدر المنثور (٥/ ٥٠٩) فلم يعزه لغير النسائي والبيهقي!!.\n(^٢) - رواه الفريابي - كما في الدر المنثور (٥/ ٥١٠) - ومن طريقه الطبراني في المعجم الكبير (١٢/ ٩٠٤١) عن سفيان الثوري به، وأورده الهيثمي في المجمع (٧/ ١٠١) وأعله بشيخ الطبراني: عبد الله بن محمد بن سعيد بن أبي مريم وهو متابع، فقد رواه الحاكم في المستدرك (٢/ ٤٢٩) من طريق أحمد بن حازم الغفاري، ثنا قبيصة بن عقبة، أنبأنا سفيان به وقال الحاكم: حديث صحيح على شرط الشيخين. ووافقه الذهبي، وهو كما قالا، ولا تضره عنعنة الأعمش حيث رواه شعبة عنه، عن أبي الضحى، به. كما عند ابن جرير (٢٣/ ٣٣) وشعبة كفانا تدليس الأعمش ولله الحمد. وقد رواه عبد الرزاق في تفسيره (٣/ ١٤٧) =\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في ت: \"بن\".","vol":"12","page":5},{"text":"مسعود ﵁ أنه قال: ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا﴾ وهي الملائكة، [﴿فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا﴾ هي الملائكة] [¬١]، ﴿فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا﴾ هي الملائكة.\nوكذا قال ابن عباس (^٣) ومسروق، وسعيد بن جبير وعكرمة، ومجاهد والسدي، وقتادة والربيع بن أنس. قال قتادة: الملائكة صفوف في السماء.\nوقال مسلم (^٤): حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا محمد بن فضيل، عن أبي مالك الأشجعي، عن ربعي، عن حذيفة قال: قال رسول الله ﷺ: \"فُضِّلنا على الناس بثلاث: جُعلت صفوفنا كصفوف الملائكة، وجعلت لنا الأرض كلها مسجدًا، وجُعلت لنا تُرْبَتها طهورًا إذا لم نجد الماء\".\nوقد روى مسلم أيضًا، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجة (^٥)، من حديث الأعمش، عن المُسَيب بن رافع، عن تميم [¬٢] بن طَرفَة، عن جابر بن سَمُرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"ألا تَصفّون كما تصف الملائكة عند رَبّهم؟ \". قلنا: وكيف تصفّ الملائكة عند ربهم؟ قال: \"يُتمون الصفوفَ المتقدمة ويَتَراصون في الصف\".\nوقال السدي وغيره: معنى قوله: ﴿فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا﴾: أنها تزجر السحاب زجرًا [¬٣].\nوقال الربيع بن أنس: ﴿فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا﴾ ما زجر الله عنه في القرآن. وكذا رَوَى مالك، عن زيد بن أسلم. ﴿فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا﴾ قال السدي: الملائكة يجيئون بالكتاب والقرآن من عند الله إلى الناس. وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا (٥) عُذْرًا أَوْ نُذْرًا﴾.\nوقوله: ﴿إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِد﴾ هذا هو المقسم عليه: أنه تعالى لا إله إلا هو ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَينَهُمَ﴾ أي: من المخلوقات ﴿وَرَبُّ الْمَشَارِقِ﴾ أي: هو المالك [¬٤]\n_________\n= عن معمر، عن الأعمش به. والخبر زاد نسبته السيوطي إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣) - رواه أبو الشيخ في العظمة (٣/ ٥١١) بإسناد ضعيف إليه، وذكره السيوطي في الدر المنثور (٥/ ٥١٠) وزاد نسبته إلى ابن المنذر.\n(^٤) - صحيح مسلم، فاتحة كتاب المساجد ومواضع الصلاة (٤) (٥٢٢).\n(^٥) - رواه مسلم، كتاب الصلاة، باب: الأمر بالسكون في الصلاة … (١١٩) (٤٣٠) وأبو داود، كتاب الصلاة، باب: تسوية الصفوف (٦٦١)، والنسائي، كتاب الصلاة، باب: حث الإمام على رَصِّ الصفوف والمقاربة بينها (٢/ ٩٢)، وابن ماجة، كتاب الصلاة والسنة فيها، باب: إقامة الصفوف (٩٩٢) من طرق عن الأعمش به.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٢]- سقط من: خ، ز.\n[¬٣]- سقط من: خ، ز.\n[¬٤]- سقط من: خ.","vol":"12","page":6},{"text":"المتصرف في الخلق بتسخيره بما فيه من [¬١] كواكب ثوابت وسيارات، تبدو من المشرق، وتغرب من المغرب. واكتفى بذكر المشارق عن المغارب لدلالتها عليهما [¬٢]، وقد صرح بذلك في قوله: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ﴾ وقال في الآية الأخرى: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَينِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَينِ﴾ يعني: في الشتاء والصيف، للشمس والقمر.\n﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ (٦) وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيطَانٍ مَارِدٍ (٧) لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ (٨) دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ (٩) إلا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ (١٠)﴾\nيخبر تعالى أنه زين السماء الدنيا للناظرين إليها من أهل الأرض ﴿بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ﴾ قرئ بالإِضافة وبالبدل، وكلاهما بمعنى واحد، فالكواكب السيارة والثوابت يَثْقُب ضوؤها جرمَ السماء الشفاف فتضيء لأهل الأرض، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ﴾، وقال: ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ (١٦) وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيطَانٍ رَجِيمٍ (١٧) إلا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ﴾.\nوقوله هاهنا: ﴿وَحِفْظًا [¬٣]﴾ تقديره: وحَفظناها حفظًا ﴿مِنْ كُلِّ شَيطَانٍ مَارِدٍ﴾ يعني: المتمرد العاتي إذا أراد أن يسترق السمع، أتاه شهاب ثاقب فأحرقه؛ ولهذا قال: ﴿لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى﴾ أي: لئلا يصلوا [¬٤] إلى الملأ الأعلى، وهي السموات ومن فيها من الملائكة، إذا تكلموا بما يوحيه الله مما يقوله من شرعه وقدره، كما تقدم بيان ذلك في الأحاديث التي أوردناها عند قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَال رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾.\nولهذا قال: ﴿وَيُقْذَفُونَ﴾ أي: يُرمَون ﴿مِنْ كُلِّ جَانِبٍ﴾ أي: من كل جهة يقصدون السماء منها ﴿دُحُورًا﴾ أي: رجمًا يدحرون به ويرجمون [¬٥]، ويمنعون من الوصول إلى ذلك ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ﴾ أي: في الدار الآخرة لهم عذاب دائم موجع مستمر، كما قال: ﴿وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ﴾.\nوقوله: ﴿إلا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ﴾ أي: إلا من اختطف من الشياطين الخطفة، وهي الكلمة يسمعها من السماء فيلقيها إلى الذي تحته، ويلقيها الآخر إلى الذي تحته، فربما أدركه\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- في ز: \"عليها\".\n[¬٣]- في ز: \"وحفظناها\".\n[¬٤]- في ز، خ: \"يصلون\".\n[¬٥]- في ت: \"ويزجرون\".","vol":"12","page":7},{"text":"الشهاب قبل أن يلقيها، وربما ألقاها بقدر الله قبل أن يأتيه الشهاب فيحرقه، فيذهب بها الآخر إلى الكاهن، كما تقدم في الحديث؛ ولهذا قال: ﴿إلا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾ أي: مستنير.\nقال ابن جرير (^٦): حدثنا أبو كريب، حدثنا وكيع، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس قال: كانت للشياطين مقاعد في السماء، فكانوا يستمعون الوحي، قال: وكانت النجوم لا تجري، وكانت الشياطين لا تُرْمى [¬١]، قال: فإذا سمعوا الوحى نزلوا إلى الأرض، فزادوا في الكلمة [¬٢] تسعًا، قال: فلما بعث رسول الله ﷺ جعل الشيطان إذا قعد مقعده جاء شهاب فلم يُخْطئه حتى يُحرقَه، قال: فشكوا ذلك إلى إبليس، فقال: ما هو إلا من أمر حدث، قال: فَبَثَّ جنوده فإذا رسول الله ﷺ قائم يصلي بين جبلي نخلة -قال وكيع: يعني بطن نخلة- قال: فرجعوا إلى إبليس فأخبروه فقال: هذا الذي حدث.\nوستأتي الأحاديث الواردة مع الآثار في هذا المعنى عند قوله تعالى إخبارًا عن الجن أنهم قالوا: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا (٨) وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا (٩) وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾.\n﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لَازِبٍ (١١) بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ (١٢) وَإِذَا ذُكِّرُوا لَا يَذْكُرُونَ (١٣) وَإِذَا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ (١٤) وَقَالُوا إِنْ هَذَا إلا سِحْرٌ مُبِينٌ (١٥) أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (١٦) أَوَ\n_________\n(^٦) - تفسير ابن جرير (٢٣/ ٣٦) ورواه أيضًا (٢٣/ ٣٦، ٣٧) وأحمد (١/ ٢٧٤) والترمذي، كتاب التفسير (٣٣٢٤) والنسائي في التفسير من الكبرى (٦/ ١١٦٢٦) والطبراني في المعجم الكبير (١٢/ ١٢٤٣١) من طرق عن إسرائيل به، وهذا إسناد صحيح رجاله كلهم ثقات من رجال الشيخين، ولا تضر عنعنة أبي إسحاق هنا، لأن إسرائيل من أوثق الناس فيه، كما قال أبو حاتم وغيره، وتابع إسرائيل فيه أبوه يونس بن أبي إسحاق. رواه من هذا الوجه البيهقي في الدلائل (٢/ ٢٣٩، ٢٤٠).\nورواه أحمد أيضًا (١/ ٣٢٣) ثنا وكيع، عن إسرائيل عن سماك، عن سعيد بن جبير به. وهذا إسناد حسن لكلام في سماك، والخبر أورده السيوطي في الدر المنثور (٦/ ٤٣٣) وزاد نسبته إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن مردويه وأبي نعيم في الدلائل وانظر ما تقدم (سورة سبإ / آية ٢٣).\n_________\n[¬١]- في خ: \"ترى\".\n[¬٢]- في خ، ز: \"الآية\".","vol":"12","page":8},{"text":"آبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ (١٧) قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ دَاخِرُونَ (١٨) فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ يَنْظُرُونَ (١٩)﴾\nيقول تعالى: فسل هؤلاء [¬١] المنكرين للبعث: أيما أشد خلقًا هم أم السماوات والأرض، وما بينهما من الملائكة والشياطين والمخلوفات العظيمة؟ وقرأ ابن مسعود: (أم من عددنا)، فإنهم يُقرّون أن هذه الخلوقات أشد خلقًا منهم، وإذا كان الأمر كذلك فلم ينكرون البعث، وهم يشاهدون ما هو أعظم مما أنكروا؟ كما [¬٢] قال تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ ثم بين أنهم خلقوا من شيء ضعيف فقال: ﴿إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لَازِبٍ﴾.\nقال مجاهد، وسعيد بن جبير، والضحاك: هو الجيّد [¬٣] الذي يلتزق بعضه ببعض.\nوقال ابن عباس (^٧)، وعكرمة: هو اللزج وقال قتادة: هو الذي يلزق باليد.\nوقوله: ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ﴾ أي: بل عجبت -يا محمد- من تكذيب هؤلاء المنكرين للبعث، وأنت موقن مصدق بما أخبر الله به من الأمر العجيب، وهو إعادة الأجسام بعد فنائها، وهم بخلاف أمرك، من شدة تكذيبهم يسخرون مما تقول لهم من ذلك.\nقال قتادة: عجب محمد ﷺ وسخر ضلال بني آدم.\n﴿وَإِذَا رَأَوْا آيَةً﴾ أي: دلالة واضحة على ذلك ﴿يَسْتَسْخِرُونَ﴾ قال مجاهد، وقتادة: يستهزئون.\n﴿وَقَالُوا إِنْ هَذَا إلا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ أي: إنْ هذا الذي جئت به إلا سحر مبين ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (١٦) أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ﴾ يستبعدون ذلك ويكذبون به ﴿قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ دَاخِرُونَ﴾ أي: قل لهم يا محمد: نعم تبعثون يوم القيامة بعدما تصيرون ترابًا وعظامًا ﴿وَأَنْتُمْ دَاخِرُونَ﴾ أي: حقيرون تحت القدرة العظيمة. كما قال تعالى: ﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾.\nوقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ ثم قال: ﴿فَإِنَّمَا\n_________\n(^٧) - رواه عنه ابن جرير في تفسيره (٢٣/ ٤٢، ٤٣) بأسانيد قابلة للصحة وانظر الدر المنثور (٥/ ٥١٢).\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في خ: \"الجسد\".","vol":"12","page":9},{"text":"هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ يَنْظُرُونَ﴾ أي: إنما هو أمر واحد من الله ﷿ يدعوهم دعوة واحدة [¬١] أن يخرجوا من الأرض، فإذا هم بين يديه، ينظرون إلى أهوال يوم القيامة.\n﴿وَقَالُوا يَاوَيلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ (٢٠) هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢١) احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (٢٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ (٢٣) وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ (٢٤) مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ (٢٥)﴾\nيخبر تعالى عن قِيلِ الكفار يوم القيامة: إنهم يرجعون على أنفسهم بالملامة، ويعترفون بأنهم كانوا ظالمين لأنفسهم في الدار الدنيا، فإذا عاينوا أهوال القيامة نَدمُوا كل الندم حيث لا ينفعهم الندم، ﴿وَقَالُوا يَاوَيلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ﴾، فتقول لهم الملائكة والمؤمنون: ﴿هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾. وهذا يقال لهم على وجه التقريع والتوبيخ، ويأمر الله الملائكة أن تُمَيز الكفار من المؤمنين في الموقف في محشرهم ومنشرهم؛ ولهذا قال تعالى: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾، قال النعمان بن بشير ﵁: يعني بأزواجهم: أشباههم وأمثالهم. وكذا قال ابن عباس، وسعيد بن جبير، وعكرمة، ومجاهد، والسدي، وأبو صالح، وأبو العالية، وزيد بن أسلم.\nوقال سفيان الثوري (^٨): عن سماك، عن النعمان بن بشير، عن عمر بن الخطاب ﵁: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ قال: إخوانهم.\nوقال شريك (^٩) عن سماك [¬٢] عن النعمان قال: سمعت عمر يقول: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ قال: أشباههم. قال: يجيء صاحب الربا مع أصحاب الربا، وصاحب الزّنا مع أصحاب الزّنا، وصاحب [¬٣] الخمر مع أصحاب الخمر.\n_________\n(^٨) - رواه ابن جرير (٢٣/ ٤٦) ثنا ابن بشار، ثنا عبد الرحمن، ثنا سفيان به، غير أنه قال: \"ضرباءهم\" ورواه الحاكم في المستدرك (٢/ ٤٣٠) من طريق عبيد الله بن موسى، أنبأ إسرائيل، ثنا سماك بن حرب به، وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبي، ورواه عبد الرزاق في تفسيره (٣/ ١٤٨) عن إسرائيل به، ليس فيه عمر، ولفظه: \"أمثالهم الذين مِثلهم\" وانظر ما بعده:\n(^٩) - لم أهتد له من هذا الوجه، وشريك هو ابن عبد الله القاضي سيئ الحفظ غير أنه متابع كما في السابق، وقد أورده السيوطي في الدر المنثور (٥/ ٥١٣) بنحو هذا اللفظ وزاد نسبته إلى الفريابي وابن أبي شيبة وابن منيع في مسنده وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في البعث -وهو غير موجود في الجزء المطبوع من البعث- فلعله عندهم أو أحدهم من هذا الوجه والله أعلم.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في ز، خ: \"شريك\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"أصحاب\".","vol":"12","page":10},{"text":"وقال خصيف (^١٠) عن مقسم عن ابن عباس: أزواجهم: نساءهم وهذا غريب، والمعروف عنه الأول، كما رواه مجاهد: سعيد بن جبير عنه: أزواجهم: قُرَناءهم.\n﴿وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (٢٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي: من الأصنام والأنداد، وتحشر [¬١] معهم في أماكنهم.\nو[¬٢] قوله: ﴿فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾ أي: أرشدوهم إلى طريق جهنم. وهذا كقوله تعالى: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَ[بُكْمًا وَصُمًّا] [¬٣] مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا﴾.\nوقوله: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾ أي: قفوهم حتى يُسألوا عن أعمالهم وأقوالهم التي صدرت عنهم في الدار الدنيا، كما قال الضحاك (^١١)، عن ابن عباس: يعني: احبسوهم إنهم محاسبون.\nوقال ابن أبي حاتم (^١٢): حدثنا أبي، حدثنا النّفيلي، حدثنا المعتمر بن سليمان قال [¬٤]: سمعت ليثًا يُحدّث عن بشر، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: \"أيما داع دعا إلى شيء كان موقوفًا معه إلى يوم القيامة، لا يغادره ولا يفارقه، وإن دعا رجل رجلًا\". ثم قرأ: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾.\n_________\n(^١٠) - خُصَيف هو ابن عبد الرحمن الجزري فيه ضعف، وقد ورد تفسيره عن ابن عباس كالجادة وهو الأصح سندًا وهذا غريب كما قال المصنف، وانظر تفسير ابن جرير (٢٣/ ٤٦، ٤٧) والدر المنثور (٥/ ٥١٤).\n(^١١) - والضحاك لم يسمع من ابن عباس، والأثر أورده السيوطي في الدر المنثور (٥/ ٥١٤) ولم يعزه لغير ابن أبي حاتم.\n(^١٢) - وعزاه إلى ابن أبي حاتم السيوطي في الدر المنثور (٥/ ٥١٤) وقد رواه البخاري في التاريخ الكبير (٢/ ٨٦) عن مسدد، والترمذي في الجامع، كتاب تفسير القرآن (٣٢٢٨) ثنا أحمد بن عبدة الضبي. وإسحاق بن راهويه- ومن طريقه الحاكم (٢/ ٤٣٠) - وابن جرير في تفسيره (٢٣/ ٤٨) ثنا يعقوب بن إبراهيم أربعتهم (مسدد وأحمد وإسحاق ويعقوب) ثنا معتمر بن سليمان به، وأبهم يعقوب في روايته اسم شيخ الليث فقال: عن رجل- وقد رواه الدارمي في سننه (١/ ٥٢٢) من طريق عبد السلام بن حرب، عن ليث به. وقال الترمذي: حديث غريب- يعني: ضعيف. وعلته ليث وهو ابن أبي سليم، فإنه اختلط جدًّا ولم يتميز حديثه فترك كما في التقريب. وشيخه مجهول، وقد تقدمت ترجمته عند (آية رقم ٩٢) من سورة الحجر، وقد اضطرب في تسميته ليث، فلم ينسبه هنا، بينما رواه ابن أبي شيبة- وعنه ابن أبي عاصم في السنة (١ / رقم ١١٢) وابن ماجة في المقدمة (٢٠٨) - ثنا أبو معاوية، عن ليث، عن بشر بن نهيك، =\n_________\n[¬١]- في ت: \"يحشر\".\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في ز: \"وصُمًّا وبكمًا\".\n[¬٤]- سقط من: خ، ز.","vol":"12","page":11},{"text":"ورواه الترمذي من حديث ليث بن أبي سليم. ورواه ابن جرير، عن يعقوب بن إبراهيم، عن معتمر، عن ليث، عن رجل، عن أنس مرفوعًا.\nوقال عبد الله بن المبارك (^١٣): سمعت عثمان بن زَائدَةَ يقول: إن أول ما يُسأل عنه الرجل جلساؤه، ثم يقال لهم على سبيل التقريع والتوبيخ: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ﴾ أي: كما زعمتم أنكم جميع منتصر، ﴿بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾ أي: منقادون [¬١] لأمر الله، لا يخالفونه ولا يحيدون عنه.\n﴿بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ (٢٦) وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (٢٧) قَالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ (٢٨) قَالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٢٩) وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طَاغِينَ (٣٠) فَحَقَّ عَلَينَا قَوْلُ رَبِّنَا إِنَّا لَذَائِقُونَ (٣١) فَأَغْوَينَاكُمْ إِنَّا كُنَّا غَاوينَ (٣٢) فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ (٣٣) إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (٣٤) إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إلا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ (٣٥) وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ (٣٦) بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ (٣٧)﴾\nيذكر تعالى أن الكفار يتلاومون في عرصات القيامة، كما يتخاصمون في دَرَكات النار،\n_________\n= عن أبي هريرة مرفوعًا به، دون ذكر الآية، وبشر بن نَهيك تابعي معروف، غير أن ليثًا ضعيف، وقد عُدَّ ذلك من تخاليطه، ثم إنه لا يعرف لليث رواية عن بشير، ولذلك لم يحسن المنذري حينما أورده في الترغيب (١/ ٩٢) وقال: رواه ابن ماجة، ورواية ثقات!!. وقد رواه الحاكم أيضًا، ثنا عمر بن جعفر البصري، ثنا الحسن بن أحمد التستري، ثنا عبيد الله بن معاذ العنبري، ثنا المعتمر بن سليمان، عن أبيه عن أنس مرفوعًا به. وقال الحاكم: هكذا حدَّث به الحسن بن أحمد التستري، عن عبيد الله بن معاذ عنه، ولو جاز لنا قبوله منه، لكنا نصححه على شرط الشيخين، ولكن نقول أن صوابه. ثم أسند طريق إسحاق بن راهويه المتقدمة، والحسن بن أحمد هذا ترجم له الذهبي في الميزان فقال: روى خبرًا موضوعًا عن إسماعيل بن إسحاق القاضي بسند كالشمس متنه. .. وقال الخطيب: الحسن بن أحمد صاحب مناكير، وفي اللسان لابن حجر عن الدارقطني قال: الحسن ضعيف جدًّا، كان يتهم بوضع الحديث. والحديث زاد نسبته السيوطي إلى ابن منذر وابن مرداويه.\n(^١٣) - أورده السيوطي في الدر المنثور (٥/ ٥١٤) ولم يعزه لغير ابن أبي حاتم.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"ينقادون\".","vol":"12","page":12},{"text":"﴿فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ (٤٧) قَال الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَينَ الْعِبَادِ﴾ وقال: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ (٣١) قَال الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ (٣٢) وَقَال الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَال فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إلا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، وهكذا قالوا لهم هاهنا: ﴿إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ﴾، قال الضحاك عن ابن عباس (^١٤): يقولون: كنتم تقهروننا بالقدرة منكم علينا، لأنا كنا أذلاء وكنتم أعزاء.\nوقال مجاهد: يعني: عن الحق. الكفار تقوله للشياطين.\nوقال قتادة: قالت الإِنس للجن: ﴿إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِين﴾ قال: من قبل الخير، فتنهونا عنه وتبطئونا عنه. وقال السدي: تأتوننا من قبل الحق تزينون لنا الباطل وتصدونا عن الحق. وقال الحسن في قوله: ﴿قَالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ﴾ إي والله يأتيه عند كل [¬١] خير يريده فيصده عنه.\nوقال ابن زيد: معناه تحولون بيننا وبين الخير، ورددتمونا عن الإسلام والإيمان والعمل بالخير الذي أمرنا به [¬٢]. وقال يزيد الرّشْك: من قبل \"لا إله إلا الله\". وقال خُصيف: يعنون من قبل ميامنهم.\nوقال عكرمة: ﴿إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ﴾ قال: من حيث نأمنكم.\nوقوله: ﴿قَالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾، تقول القادة من الجن والإنس للأتباع: ما الأمر كما تزعمون، بل كانت قلوبكم منكرة للإِيمان، قابلة للكفر والعصيان [¬٣] ﴿وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ﴾ أي: من حجة على صحة ما دعوناكم إليه، ﴿بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طَاغِينَ﴾ أي: بل كان فيكم طغيان ومجاوزة للحق؛ فلهذا استجبتم لنا وتركتم الحق الذي جاءتكم به الأنبياء، وأقاموا لكم الحجج على صحة ما جاءوكم به، فخالفتموهم.\n﴿فَحَقَّ عَلَينَا قَوْلُ رَبِّنَا إِنَّا لَذَائِقُونَ (٣١) فَأَغْوَينَاكُمْ إِنَّا كُنَّا غَاوينَ﴾، يقول الكبراء للمستضعفين: حقت علينا كلمة الله أنا من الأشقياء الذائقين العذاب يوم القيامة،\n_________\n(^١٤) - سنده فيه انقطاع بين الضحاك وابن عباس وانظر الدر المنثور (٥/ ٥١٥).\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- سقط من: خ، ز.","vol":"12","page":13},{"text":"﴿فَأَغْوَينَاكُمْ﴾ أي: دعوناكم إلى الضلالة، ﴿إِنَّا كُنَّا غَاوينَ﴾ أي: دعوناكم إلى ما نحن فيه فاستجبتم لنا. قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ أي: الجميع في النار، كل بحسبه، ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (٣٤) إِنَّهُمْ كَانُوا﴾ أي: [في الدار الدنيا [¬١] ﴿إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إلا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ أي: يستكبرون أن يقولوها، كما يقولها المؤمنون.\nقال ابن أبي حاتم (^١٥): حدثنا أبو عبيد الله ابن أخي ابن وهب، حدثنا عمي، حدثنا الليث، عن ابن مُسافر -يعني عبد الرحمن بن خالد- عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هُرَيرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فمن قال: لا إله إلا الله، فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه، وحسابه على الله\" وأنزل الله في كتابه -وذكر قومًا استكبروا- فقال: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إلا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ \".\nوقال ابن أبي حاتم أيضًا (^١٦): حدثنا أبي، حدثنا أبو سلمة موسى بن إسماعيل، حدثنا حَمَّاد، عن سعيد الجُرَيري، عن أبي العلاء قال: يؤتى باليهود يوم القيامة فيقال لهم: ما كنتم\n_________\n(^١٥) - وعزاه إلى ابن أبي حاتم السيوطي في الدر المنثور (٥/ ٥١٦) ورواه الدارقطني في العلل (٩/ ١٥٥ / س ١٦٨٧) ثنا النيسابوري ثنا أحمد بن عبد الرحمن بن وهب أبو عبيد الله به، وأورده المصنف أيضًا في (سورة الفتح / آية ٢٦) من طريق ابن أبي حاتم، ثنا أحمد بن منصور الرمادي، ثنا عبد الله بن صالح، حدثني الليث به. ورواه ابن جرير في تفسيره (٢٦/ ١٠٣، ١٠٤) والبيهقي في الأسماء والصفات (١ / رقم ١٩٦) من طريق إسماعيل بن أبي أويس عن أخيه، عن سليمان بن بلال، عن يحيى بن سعيد، وابن حبان في صحيحه (١ / رقم ٢١٨) من طريق شعيب بن أبي حمزة، كلاهما (يحيى وشعيب) عن ابن شهاب به وقوله: وأنزل الله في كتابه -وذكر قومًا استكبروا- فقال: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إلا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ وفيه زيادة بعده أيضًا ذكرها المصنف في (سورة الفتح) وهي: وقال الله جل ثناؤه ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا﴾ وهي لا إله إلا الله محمد رسول الله، فاستكبروا عنها، واستكبر عنها المشركون يوم الحديبية فكاتبهم رسول الله ﷺ على قضية المدة. قال ابن كثير: والظاهر أن هذه الزيادة مدرجة من كلام الزهري والله أعلم. لكن رواه البيهقي (رقم ١٩٥) من طريق إسحاق بن يحيى الكلبي، ثنا الزهري، حدثني سعيد بن المسيب أن أبا هريرة ﵁ أخبره عن النبي ﷺ قال: أنزل الله تعالى في كتابه فذكر قومًا استكبروا .... وهذا ظاهره الرفع، لكن إسحاق بن يحيى وإن كان صدوقًا- فقد خالف الثقات في ذلك لا سيما وقد رواه البخاري، كتاب الجهاد (٢٩٤٦)، ومسلم كتاب الإيمان (٣٣) (٢١) والنسائي (٦/ ٤، ٧، ٧٨) من طريقين عن ابن شهاب به، دون ذكر هذه الزيادة، وانظر العلل لأبي الحسن الدارقطني (١ / س ٣)، (٩ / س ١٦٨٧).\n(^١٦) - إسناده صحيح إلى أبي العلاء، وهو يزيد بن عبد الله الشخير، وحماد هو ابن سلمة، وقد روى عن الجريري قبل اختلاطه .. راجع الكواكب النيرات [ص ١٨٣]- وأبو نضرة هو المنذر بن مالك بن قطعة الجدي.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.","vol":"12","page":14},{"text":"تعبدون؟ فيقولون: الله وعُزَيرًا. فيقال لهم: خذوا ذات الشمال. ثم يؤتى بالنصارى فيقال لهم: ما كنتم تعبدون؟ فيقولون: نعبد الله والمسيح. فيقال لهم: خذوا ذات الشمال. ثم يؤتى بالمشركين فيقال لهم: \"لا إله إلا الله\"، فيستكبرون. ثم يقال لهم: \"لا إله إلا الله\"، فيستكبرون. ثم يقال لهم: \"لا إله إلا الله\" فيستكبرون. فيقال لهم: خذوا ذات الشمال، قال أبو نضرة: فينطلقون أسرع من الطير، قال أبو العلاء: ثم يؤتى بالمسلمين فيقال لهم: ما كنتم تعبدون؟ فيقولون: كنا نعبد الله. فيقال لهم: هل تعرفونه إذا رأيتموه؟ فيقولون: نعم. فيقال لهم: فكيف تعرفونه ولم تروه؟ قالوا: نعلم أنه لا عِدْلَ له قال: فيتعرف لهم ﵎ وينجي الله المؤمنين ﴿وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ أي: أنحن نترك عبادة آلهتنا وآلهة آبائنا عن قول الشاعر المجنون، يعنون رسول الله ﷺ! قال الله تعالى تكذيبًا لهم، وَرَدًّا عليهم: ﴿بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ﴾، يعني رسول الله ﷺ جاء بالحق في جميع شرْعة الله له من الإخبار والطلب، ﴿وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ﴾ أي: صدّقهم فيما أخبروا [¬١] عنه من الصفات الحميدة، والمناهج السديدة، وأخبر عن الله في شرعه وأمره كما أخبروا، ﴿مَا يُقَالُ لَكَ إلا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ …﴾ الآية.\n﴿إِنَّكُمْ لَذَائِقُو الْعَذَابِ الْأَلِيمِ (٣٨) وَمَا تُجْزَوْنَ إلا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٣٩) إلا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (٤٠) أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ (٤١) فَوَاكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ (٤٢) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٤٣) عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ (٤٤) يُطَافُ عَلَيهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (٤٥) بَيضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ (٤٦) لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ (٤٧) وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ (٤٨) كَأَنَّهُنَّ بَيضٌ مَكْنُونٌ﴾\nيقول تعالى مخاطبًا للناس: ﴿إِنَّكُمْ لَذَائِقُو الْعَذَابِ الْأَلِيمِ (٣٨) وَمَا تُجْزَوْنَ إلا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. ثم استثنى من ذلك عبادَه المخلصين، كما قال تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، وقال: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْويمٍ (٤) ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (٥) إلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ وقال: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إلا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا (٧١) ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ وقال: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨) إلا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾ ولهذا قال هاهنا: ﴿إلا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ أي: ليسوا يذوقون العذاب الأليم، ولا يناقشون في الحساب، بل\n_________\n[¬١]- في ت: \"أخبروه\".","vol":"12","page":15},{"text":"يتجاوز عن سيئاتهم، إن كان لهم سيئات، ويجزون الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، إلى ما يشاء الله من التضعيف.\nوقوله: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ﴾، قال قتادة، والسدي: يعني الجنة. ثم فسره بقوله تعالى: ﴿فواكه﴾ أي: متنوعة ﴿وهم مكرمون﴾ أي: يخدمون ويرفهون وينعمون، ﴿فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٤٣) عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾، قال مجاهد: لا ينظر بعضهم إلى قفا بعض.\nوقال ابن أبي حاتم (^١٧): حدثنا يحيى بن عبدك القزويني، حدثنا حسان بن حسان، حدثنا إبراهيم بن بشر، حدثنا يحيى بن معين، حدثنا إبراهيم القرشي، عن سعيد [¬١] بن شرحبيل، عن زيد بن أبي أوفى قال: خرج علينا رسول الله ﷺ فتلا هذه الآية: ﴿عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾: \"ينظر بعضهم إلي بعض\". حديث غريب.\nوقوله: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (٤٥) بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ (٤٦) لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ﴾، كما قال في الآية الأخرى: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ (١٧) بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (١٨) لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ﴾ فنزه الله خمر الآخرة عن الآفات التي في خمر الدنيا من صداع الرأس ووجع البطن -وهو الغول- وذهابها بالعقل جملة، فقال هاهنا: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ﴾ أي: بخمر من أنهار جارية، لا يخافون انقطاعها ولا فراغها.\n_________\n(^١٧) - إسناده مسلسل بالمجاهيل. وتقدم عند المصنف (سورة الحجر / آية ٤٧) كما هنا، وقد رواه البخاري في التاريخ الكبير (٣/ ٣٨٦) وفي الصغير (١/ ٢٥٠) ثنا حسان بن حسان به. وهو جزء من حديث المؤاخاة الطويل وقد قال البخاري: هذا إسناد مجهول لا يتابع عليه، ولا يعرف سماع بعضهم من بعض، رواه بعضهم عن إسماعيل بن أبي خالد، عن عبد الله بن أبي أوفى، عن النبي ﷺ ولا أصل له. وزيد بن أبي أوفى أخو عبد الله بن أبي أوفى صحابي لا يعرف إلا في هذا الحديث، ورجاله من إبراهيم بن بشر إلى سعيد بن شرحبيل جهلهم أبو حاتم كما في الجرح والتعديل (٤/ ٣٣). ويحيى بن معين في هذا الإسناد هو المدني مجهول، وهو غير يحيى بن معين أبي زكريا البغدادي إمام الجرح والتعديل. وأفاد محقق التاريخ الكبير أن هذا الاسم محرف، وصوابه: يحيى بن معن وهو محتمل بل يحتمل التحريف في الاسم كله، فقد رواه عبد الله بن محمد البغوي (؟؟) - ومن طريقه ابن عدي في الكامل (٥/ ١٩٨٤، ١٩٨٥) وابن عساكر في تاريخ دمشق (٧/ ٤١٢ / مخطوط) ومن طريق ابن عدي أبو الفرج بن الجوزي في العلل المتناهية (١ / رقم ٣٤٤). وابن جرير كما في السير لأبي عبد الله الذهبي (١/ ١٤١، ١٤٢) من طريق حسين بن محمد الزراع نا عبد المؤمن بن عباد نا يزيد بن معن عن عبد الله شرحبيل، عن زيد بن أبي أوفى به، قال ابن الجوزي: هذا حديث لا يصح عن رسول الله ﷺ قال أبو حاتم الرازي: عبد المؤمن ضعيف، فقد رواه نصر بن علي، عن ابن شرحبيل، عن رجل، عن يزيد، ولعل ذلك الرجل غير ثقة فقد أسقطه عبد المؤمن، ومن طريق نصر بن علي عن عبد المؤمن عن يزيد بن معن عن عبد الله بن شرحبيل عن رجل من قريش عن زيد بن أبي أوفى به رواه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني =\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"سعد\".","vol":"12","page":16},{"text":"قال مالك، عن زيد بن أسلم: خمر جارية بيضاء. أي: لونها مشرق حسن بهِيّ لا كخمر الدنيا في منظرها البشع الرديء، من حمرة أو سواد أو اصفرار أو كدورة إلى غير ذلك مما ينفر الطبع السليم.\nوقوله: ﴿لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ﴾ أي: طعمها طيب كلونها، وطيب الطعم دليل على طيب الريح، بخلاف خمر الدنيا في جميع ذلك.\nوقوله: ﴿لَا فِيهَا غَوْلٌ﴾ يعني: لا تؤثر فيهم غولًا وهو وجع البطن. قاله مجاهد، وقتادة، وابن زيد كما تفعله خمر الدنيا من القُولَنْج ونحوه لكثرة مائيتها.\nوقيل: المراد بالغول هاهنا صُدَاع الرأس. ورُوي هكذا عن ابن عباس (^١٨).\nو[] [¬١] قتادة: هو صداع الرأس ووجع البطن. وعنه وعن السدي: لا تغتال عقولهم. كما قال الشاعر:\nفما زالت الكأس تغتالنا … وتذهب بالأول الأولِ\nوقال سعيد بن جبير: لا مكروه فيها ولا أذى. والصحيح قول مجاهد: إنه وَجعُ البطن.\nوقوله: ﴿وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ﴾، قال مجاهد: لا تذهب عقولهم. وكذا قال ابن عباس، ومحمد بن كعب، والحسن، وعطاء بن أبي مسلم الخراساني، والسدي، وغيرهم.\nوقال الضحاك (^١٩): عن ابن عباس: في الخمر أربع خصال: السكر، والصداع، والقيء، والبول. فذكر الله خمر الجنة فنزهها [¬٢] عن هذه الخصال، كما ذكر في سورة الصافات.\n_________\n= (٥/ ٢٧٠٧) والطبراني في المعجم الكبير (٥/ ٥١٤٦) والحسن بن سفيان. كما في السير، والإصابة لابن حجر (٤/ ٤٠) -وابن عساكر، وقد رواه ابن مردويه- ومن طريقه ابن الأثير في أسد الغابة (٢/ ٢٧٨). وعلقه الذهبي في السير من طريق موسى بن صهيب، عن يحيى بن زكريا -كذا وقع- عن عبد الله بن شرحبيل، عن رجل، عن زيد به. وهذا مسلسل بالمجاهيل أيضًا. قال الذهبي: هو منكر جدًّا، وزيد لا يعرف إلا في هذا الحديث الموضوع … وقال ابن عبد البر في الاستيعاب (٤/ ٤١ هامش الإصابة): زيد بن أبي أوفى الأسلمي، له صحبة يَعدُّ في أهل المدينة … روى حديث المؤاخاة بتهامة، إلا أن في إسناده ضعفًا، وقال ابن السكن -كما في الإصابة-: روى حديثه من ثلاث طرق، ليس فيها ما يصح وبالله التوفيق.\n(^١٨) - رواه ابن جرير (٢٣/ ٥٥) والبيهقي في البعث والنشور (رقم ٣٢٢) وفي سنده انقطاع وزاد نسبته السيوطي في الدر المنثور (٥/ ٥١٧) إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^١٩) - الضحاك لم يسمع من ابن عباس كما قال شعبة وغيره. راجع جامع التحصيل [ص ١٩٩]- والخبر عزاه السيوطي في الدر المنثور (٥/ ٥١٧) إلى ابن أبي حاتم وابن مردويه.\n_________\n[¬١]- في ت: قال:\n[¬٢]- في ز، خ: \"فنزعها\".","vol":"12","page":17},{"text":"وقوله: ﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾ أي: عفيفات لا ينظرن إلى غير أزواجهن. كذا قال ابن عباس (^٢٠)، ومجاهد، وزيد بن أسلم، وقتادة، والسدي، وغيرهم.\nوقوله: ﴿عِينٌ﴾ أي: حسان الأعين. وقيل: ضخام الأعين. وهو يرجع إلى الأول، وهي النَّجلاء العيناء، فوصف عيونهن بالحسن والعفة، كقول زليخا في يوسف حين جمَّلته وأخرجته على تلك النسوة، فأعظمنه وأكبرنه، وظنن [¬١] أنه مَلك من الملائكة لحسنه وبهاء منظره: ﴿قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ﴾ أي: هو مع هذا الجمال عفيف تقي نقي، وهكذا الحور العين ﴿خيرات حسان﴾ ولهذا قال: ﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ﴾.\nوقوله: ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ بترافة وصفهن بترافة الأبدان بأحسن الألوان.\nقال علي بن أبي طلحة (^٢١)، عن ابن عباس ﵄: ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ [¬٢] يقول: اللؤلؤ المكنون، ويُنْشَدْ [¬٣] هاهنا بيت أبي دَهْبَل الشاعر في قصيدة له:\nوَهْيَ زَهْرَاءُ مثْلُ لُؤلُؤةِ الغَوَّ … اصِ ميّزَتْ [¬٤] مِن جوهر مكْنُون\nوقال الحسن: ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ يعني: محصون لم تمسه الأيدى.\nوقال السدي: البيضُ في عشه مكنون.\nوقال سعيد بن جبير: ﴿بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ يعني: بطن البيض.\nوقال عطاء الخراساني: هو السحاء الذي يكون بين قشرته العليا ولباب البيض [¬٥].\nوقال السدي: ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ يقول: بياض البيضُ حين يُنزع قشره. واختاره ابن جرير لقوله [¬٦]: ﴿مَكْنُونٌ﴾ قال: والقشرة العليا يمسها جناح الطير والعش وتنالها [¬٧] الأيدي بخلاف داخلها، والله أعلم.\n_________\n(^٢٠) - رواه ابن جرير (٢٣/ ٥٦) والبيهقي في البعث والنشور (رقم ٣٤١) وسنده فيه انقطاع وزاد عزوه السيوطي في الدر المنثور (٥/ ٥١٧) إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٢١) - علي بن أبي طلحة لم يسمع من ابن عباس. وانظر التخريج السابق.\n_________\n[¬١]- في ز: \"ظنين\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٣]- في ز: \"وينشد\".\n[¬٤]- في خ: \"ميزان\".\n[¬٥]- في خ، ز: \"البيضة\".\n[¬٦]- في ز: \"كقوله\".\n[¬٧]- في خ: \"ومالها\".","vol":"12","page":18},{"text":"وقال ابن جرير (^٢٢): حدثنا أحمد بن عبد الرحمن بن وهب، حدثنا محمد بن الفرج الصَّدَفي الدمياطى، عن عمرو [¬١] بني هاشم، عن ابن أبي كريمة، عن هشام، عن الحسن، عن أمه، عن أم سلمة ﵂ قلتُ: يا رسول الله، أخبرني عن قول الله: ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾. قال: \"رقتهن كرقة الجلدة التي رأيتها في داخل البيضة، التي تلي القشر، وهي الغِرقِي [¬٢] \".\nوقال ابن أبي حاتم (^٢٣): حدثنا أبي، حدثنا أبو غسَّان النهدي، حدثنا عبد السلام بن حرب، عن ليث، عن الربيع بن أنس، عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"أنا أول الناس خروجًا إذا بعثوا، وأنا خطيبهم إذا وفدوا، وأنا\n_________\n(^٢٢) - منكر.\nتفسير ابن جرير (٢٣/ ٥٨) ورواه الطبراني في المعجم الكبير (٢٣ / رقم ٨٧٠) وفي الأوسط (٣/ ٣١١٤) - ومن طريقه سيورده المصنف عند آية (٣٧) من سورة الواقعة- والعقيلي في الضعفاء (٢/ ١٣٨ / ترجمة سليمان بن أبي كريمة) وابن عدي في الكامل (٣/ ١١١١) كلهم من طريق بكر بن سهل، ثنا عمرو بن هشام به مطولًا. وقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن هشام بن حسان إلا سليمان بن أبي كريمة، تفرد به عمرو بن هاشم، وهو حسن الحدث غير أن شيخه ضعفه أبو حاتم واستنكر له ابن عدي هذا الحديث بعينه وقال: أحاديثه منكرة مسندة في التفسير وغيره. وقال العقيلي: يحدث بمناكير، ولا يتابع على كثير من حديثه، ولا يتابع على هذا الحدث ولا يعرف إلا به، وبه أعله الهيثمي في المجمع (٧/ ١٢٢)، (١٠، ٤٢٠، ٤٢١) وسكت عنه المنذري في الترغيب والترهيب (٤/ ٥٣٦، ٥٣٧)!! وذكره السيوطي في الدر المنثور (٦/ ٢١١) وزاد نسبته إلى ابن مردويه.\n(^٢٣) - ورواه الترمذي، كتاب المناقب، باب: فضل النبي ﷺ (٣٦١٠) ثنا الحسين بن يزيد الكوفي، ثنا عبد السلام بن حرب له، دون قوله: يطوف علي .... ورواه الدارمي (١ / رقم ٤٩) وابن أبي الدنيا -كما في النهاية للمصنف (٢/ ١٩٠، ١٩١) والبيهقي في الدلائل (٥/ ٤٨٣) والبغوي في الأنوار في شمائل النبي المختار (١ / رقم ٦٧) وفي شرح السنة (١٣/ ٣٦٢٤) من طريق سعيد بن سليمان -تحرف سليمان عند الدارمي إلى سفيان- ثنا منصور بين أبي الأسود، نا الليث به. وقال الترمذي: حديث حسن غريب. وقال البغوي: حديث غريب يعني: ضعيف. وهو أشبه؛ إذ إن ليث هو ابن أبي سليم، وهو صدوق اختلط أخيرًا، ولم يتميز حديثه فترك كذا في التقرب- وقد اختلط عليه فيه فرواه (عبد السلام بن حرب ومنصور بن أبي الأسود) عنه بالإسناد المتقدم، ورواه حبان بن علي العنزي عنه عن عبيد الله بن زحر، عن الربيع به، فزاد فيه: عبيد الله، رواه من هذا الوجه أبو يعلى في المعجم (١ / رقم ١٦٠) - ومن طريقه البيهقي (٥/ ٤٨٤) وابن زحر متكلم فيه وحبان بن علي ضعيف لكن الحمل فيه على ليث، حيث رواه محمد بن فضيل عنه بمثل رواية حبان، ذكر رواية ابن فضيل المزي في تحفة الأشراف (١ / رقم ٨٣١) والحديث أورده السيوطي في الدر المنثور (٦/ ١٤٩) وعزاه إلى الترمذي وابن مردويه ورمز لضعفه في الجامع الصغير وأقره المناوي في فيض القدير (٣/ ٤٠) - لكنه أغرب حيث اكتفي بإعلاله بشيخ الترمذي وهو متابع. وتبعهما الألباني فسود به حديث رقم (١٤٠٦) من ضعيف الجامع وبالله التوفيق.\n_________\n[¬١]- في خ: \"عمر\".\n[¬٢]- في ز: \"العزفي\".","vol":"12","page":19},{"text":"مُبشّرهم إذا حزنوا، وأنا شفيعهم إذا حُبسوا [¬١]. لواء الحمد يومئذ بيدي، وأنا أكرم ولد آدم على ربي ﷿ ولا فخر، يطوف عليّ ألف خادم كأنهن البيض المكنون -أو: اللؤلؤ المكنون\".\n﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (٥٠) قَال قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ (٥١) يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ (٥٢) أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَدِينُونَ (٥٣) قَال هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ (٥٤) فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ (٥٥) قَال تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ (٥٦) وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (٥٧) أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ (٥٨) إلا مَوْتَتَنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (٥٩) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٦٠) لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ (٦١)﴾\nيخبر تعالى عن أهل الجنة أنه أقبل بعضهم على بعض يتساءلون، أي: عن أحوالهم، وكيف كانوا في الدنيا، وماذا كانوا يعانون فيها؟ وذلك من حديثهم على شرابهم، واجتماعهم في تنادمهم وعشرتهم في مجالسهم، وهم جلوس على السّرُر، والخدم بين أيديهم، يسعون ويجيئون بكل خير عظيم، من مآكل ومشارب وملابس، وغير ذلك مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ﴾ قال مجاهد: يعني: شيطانًا.\nوقال العوفي (^٢٤)، عن ابن عباس: هو الرجل المشرك يكون له صاحب من أهل الإيمان في الدنيا، ولا تنافي بين كلام مجاهد وابن عباس، فإن الشيطان يكون من الجن فيوسوس في النفس، ويكون من الإِنس فيقول كلامًا تسمعه الأذنان، وكلاهما متعاديان [¬٢]، قال الله تعالى: ﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾، وكل منهما يوسوس، كما قال تعالى: ﴿مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (٤) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (٥) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾؛ ولهذا ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ (٥١) يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ﴾ أي: أأنت تُصدّق بالبعث والنشور والحساب والجزاء؟! يعني يقول ذلك على وجه التعجب والتكذيب والاستبعاد، والكفر والعناد، ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَدِينُونَ﴾، قال مجاهد، والسدي: لمحاسبون. وقال ابن عباس، ومحمد بن كعب القرظي: لمجزيون بأعمالنا. وكلاهما صحيح.\n_________\n(^٢٤) - رواه ابن جرير (٢٣/ ٥٩) بإسناد مسلسل بالضعفاء، أولهم عطية العوفي.\n_________\n[¬١]- في ز: \"جلسوا\".\n[¬٢]- في خ: \"متقاربان\".","vol":"12","page":20},{"text":"قال: ﴿قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾، أي: مشرفون. يقول المؤمن لأصحابه وجلسائه من أهل الجنة. ﴿فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾ قال ابن عباس، وسعيد بن جبير، وخُليد العَصَري، وقتادة، والسدي، وعطاء الخراساني: يعني في وسط الجحيم.\nوقال الحسن البصري: في وسط الجحيم كأنه شهاب يتقد [¬١].\nوقال قتادة: ذُكرَ لنا أنه اطلع فرأى جماجم القوم تغلى. وذكرَ لنا أن كعب الأحبار قال: في الجنة كُوى إذا أراد أحد من أهلها أن ينظر إلى عدوه في النار اطلع فيها، فازداد شكرًا. ﴿قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ يقول المؤمن مخاطبًا للكافر: والله إن كدت لتُهلكني لو أطعتك، ﴿وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ أي: ولولا فضل الله عليّ لكنت مثلكَ في سواء الجحيم حيث أنت، محضر معك في العذاب، ولكنه تفضل عليَّ [¬٢] ورحمني فهداني للإِيمان، وأرشدني إلى توحيده، ﴿وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله﴾.\nوقوله: ﴿أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ (٥٨) إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ هذا من كلام المؤمن مُغْبطًا نفسه بما أعطاه الله من الخلد في الجنة والإقامة في دار الكرامة، لا موت فيها ولا عذاب، ولهذا قال: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾.\nقال ابن أبي حاتم (^٢٥): حدثنا أبو عبد الله الظهراني، حدثنا حفص بن عُمر العدَني، حدثنا الحكم بن أبان، عن عكرمة قال: [قال ابن عباس ﵄ في قول الله ﵎ لأهل الجنة: ﴿كلوا واشربوا هنيئًا بما كنتم تعملون﴾] [¬٣] قال ابن عباس- ﵄: قوله ﴿هنيئًا﴾ أي: لا يموتون فيها. فعندها قالوا: ﴿أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ (٥٨) إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾.\n[وقال الحسن البصري: علموا أن كل نعيم فإن الموت يقطعه، فقالوا: ﴿أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ (٥٨) إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾،] [¬٤] قيل: لا. قالوا: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾.\nوقوله: ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾ [قال قتادة] [¬٥]: هذا من كلام أهل الجنة.\n_________\n(^٢٥) - حفص بن عمر العدني، ضعيف وشيخه صدوق له أوهام كما في التقريب- والخبر ذكره السيوطي في الدر المنثور (٥/ ٥٢١) ولم يعزه لغير عبد بن حميد.\n_________\n[¬١]- في خ، ز: \"يقد\".\n[¬٢]- سقط من: م.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين بياض في: خ، ز.","vol":"12","page":21},{"text":"وقال ابن جرير (^٢٦): هو من كلام الله تعالى، ومعناه: لمثل هذا النعيم وهذا الفوز فليعمل العاملون في الدنيا، ليصيروا إليه في الآخرة.\nوقد ذكروا قصة رجلين كانا شريكين في بني إسرائيل، تدخل في ضمن عموم هذه الآية الكريمة.\nقال أبو جعفر بن جرير (^٢٧): حدثني إسحاق بن إبراهيم بن حبيب بن الشهيد، حدثنا عتاب ابن بشير، عن [¬١] خُصيف، عن فرات بن ثعلبة البهْرَاني [¬٢] في قوله: ﴿إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ﴾ قال: إن رجلين كانا شريكين، فاجتمع لهما ثمانية آلاف دينار، وكان أحدهما له حرفة، والآخر ليس له حرفة، فقال الذي له حرفة للآخر: ليس عندك حرفة، ما أراني إلا مفارقك ومقاسمك. فقاسمه وفارقه، ثم إن الرجل اشترى دارًا بألف دينار كانت لملك مات، فدعا صاحبه فأراه فقال: كيف ترى هذه الدار؟ ابتعتها بألف دينار؟ قال: ما أحسنها! فلما خرج قال: اللهم؛ إن صاحبي ابتاع هذه الدار بألف دينار، وإني أسألك دارًا من دور الجنة. فتصدق بألف دينار، ثم مكث ما شاء الله أن يمكث. ثم إنه تزوج بامرأة بألف دينار، فدعاه وصَنع له طعامًا، فلما أتاه قال: إني تزوجت امرأة بألف دينار. [قال: ما أحسن هذا! فلما انصرف قال: يارب، إن صاحبي تزوج امرأة بألف دينار] [¬٣]، وإني أسألك امرأة من الحور العين. فتصدق بألف دينار، ثم إنه مكث ما شاء الله أن يمكث. ثم اشترى بستانين [¬٤] بألفي دينار، ثم دعاه فأراه فقال: إني ابتعت هذين البستانين. فقال: ما أحسن هذا! فلما خرج قال: يارب؛ إن صاحبي قد اشترى بستانين بألفي دينار، وأنا أسألك بستانين في الجنة. فتصدق بألفي دينار، ثم إن الملَك أتاهما فتوفاهما، ثم انطلق بهذا المتصدق، فأدخله دارًا تعجبه، وإذا امرأة تَطَّلعُ يضيء ما تحتها من حسنها، ثم أدخله بستانين وشيئًا الله به عليم، فقال عند ذلك: ما أشبه هذا برجل كان من أمره كذا وكذا قال: فإنه ذاك ولك هذا المنزل\n_________\n(^٢٦) - التفسير (٢٣/ ٦٢).\n(^٢٧) - تفسير ابن جرير (٢٣/ ٥٩) وفي إسناده انقطاع بن خُصَيف وفرات، فقد ترجم ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٧/ ٧٩) لفرات فقال: ابن ثعلية البهراني شامي، روى عن النبي ﷺ أدخله أبي في مسند الوحدان، وأدخله أبو زرعة في مسند الشاميين، ولم يذكر فيما هوى عن النبي ﷺ لقيًا ولا سماعًا روى عن أبي عامر، روى عنه سليم بن عامر، وضمرة والمهاصر بن حبيب. وروى عبد الكريم الجزري وحضيف عنه مرسلًا. وانظر أيضًا التاريخ الكبير لأبي عبد الله البخاري (٧/ ١٢٨، ١٢٩) وهذا الخبر ذكره السيوطي في الدر المنثور (٥/ ٥١٩) وزاد نسبته إلى سعيد بن منصور.\n_________\n[¬١]- في خ: \"بن\".\n[¬٢]- في خ، ز: \"البصرائي\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٤]- في ز: \"بساتين\".","vol":"12","page":22},{"text":"والبستانان [¬١] والمرأة. قال: فإنه كان لي صاحب يقول: أئنك لمن المصَّدِّقين؟ قيل له: فإنه في الجحيم. قال: هل أنتم مطلعون؟ فاطلع فرآه في سواء الجحيم. فقال عند ذلك: ﴿قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ (٥٦) وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ ....﴾ الآيات.\nقال ابن جرير: وهذا يقوي قراءة من قرأ: ﴿أئنك لمن المصّدّقين﴾.\nوقال ابن أبي حاتم (^٢٨): حدثنا الحسن بن عرفة، حدثنا عُمَر بن عبد الرحمن الأبَّار- أنا أبو حفص؛ قال: سألتُ إسماعيلَ السدّي عن هذه الآية: ﴿قال قائل منهم إني كان لي قرين * يقول: أئنك لمن المصدقين﴾؟ قال: فقال لي: ما ذَكَّرك هذا؟ قلت: قرأته آنفًا فأحببت أن أسألك عنه؟ فقال: أمَّا فاحفظْ: كان شريكان في بني إسرائيل، أحدهما مؤمن والآخر كافر، فافترقا على ستة آلاف دينار، كل واحد منهما ثلاثة آلاف دينار، فمكثا ما شاء الله أن يمكثا، ثم التقيا فقال الكافر للمؤمن: ما صنعت في مالك؟ أضَرَبْتَ به شيئًا؟ أتجرتَ به في شيء؟ فقال له المؤمن: لا، فما صنعت أنت؟ فقال: اشتريت به أرضًا ونخلًا وثمارًا وأنهارًا. قال: فقال له المؤمن: أوَ فعلت؟ قال: نعم. قال: فرجع المؤمن حتى إذا كان الليل صلى ما شاء الله أن يصلي، فلما انصرف أخذ ألف دينار فوضعها بين يديه، ثم قال: اللَّهم؛ إن [¬٢] فلانًا -يعني شريكه الكافر- اشترى أرضًا ونخلًا وثمارًا وأنهارًا بألف دينار، ثم يموت غدًا ويتركها، اللهم؛ إني اشتريت منك بهذه الألف دينار أرضًا ونخلًا وثمارًا [¬٣] وأنهارًا في الجنة. قال: ثم أصبح فقسمها في المساكين. قال: ثم مكثا ما شاء الله أن يمكثا، ثم التقيا فقال الكافر للمؤمن: ما صنعت في مالك؟ أضربت [¬٤] في شيء؟ أتجرت به في شيء؟ قال: لا، فما صنعت أنت؟ قال: كانت ضيعتي قد اشتد عليّ مؤنتها، فاشتريت رقيقًا بألف دينار، يقومون بي فيها، ويعملون لي فيها. فقال له المؤمن: أو فعلت؟ قال: نعم. قال: فرجع المؤمن [حتى إذا] [¬٥] كان الليل صلى ما شاء الله أن يصلي، فلما انصرف أخذ ألف دينار فوضعها بين يديه، ثم قال: اللهم؛ إن فلانًا -يعني: شريكه الكافر- اشترى رقيقًا من رقيق الدنيا بألف دينار، يموت غدًا ويتركهم، أو يموتون فيتركونه، اللَّهم؛ وإني أشتري منك بهذه الألف الدينار رقيقًا في الجنة. ثم أصبح فقسمها في المساكين.\n_________\n(^٢٨) - ولم يعزه السيوطي في الدر المنثور (٥/ ٥١٩) لغير أبي حاتم ورجاله ثقات غير أبي حفص هذا فلم أعرفه، وأخشى أن تكون كلمة أنا أبو حفص مقحمة، فإني لم أجد في الرواة عن السدي من يكنى بذلك، وكنية عمرو بن عبد الرحمن الأبار أبو حفص، فيحتمل أن يكون أنا بين عمرو وأبي حفص مقحمة، والذي جعلني لم أجزم بذلك أنهم لم يذكروا رواية لـ عمر بن عبد الرحمن عن إسماعيل السدي، فالله أعلم.\n_________\n[¬١]- في ز: \"البستانين\".\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- في ز: \"ضربت\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين في خ: \"فلما\".","vol":"12","page":23},{"text":"قال: ثم مكثا ما شاء الله أن يمكثا، ثم التقيا فقال الكافر للمؤمن: ما صنعت في مالك؟ أضربت به في شيء؟. أتجرت به في شيء؟. قال: لا، فما صنعت أنت؟ قال: أمري كله قد تم إلا شيئًا واحدًا، فلانة قد مات عنها زوجها، فأصدقتها ألف دينار، فجاءتني بها ومثلها معها. فقال له المؤمن: أو فعلت؟ قال: نعم. فرجع المؤمن حتى إذا كان الليل صلى ما شاء الله أن يصلى، فلما انصرف أخذ الألف الدينار الباقية فوضعها بين يديه، وقال: اللَّهم؛ إن فلانًا -يعني شريكه الكافر- تزوج زوجة من أزواج الدنيا فيموت غدًا فيتركها، أو تموت غدًا فتتركه، اللهم؛ [إني] [¬١] أخطب إليك بهذه الألف الدينار حَورَاء عيناء في الجنة. ثم أصبح فقسمها بين المساكين. قال: فبقى المؤمن ليس عنده شيء.\nقال: فلبس قميصًا من قطن، وكساء من صوف، ثم أخذ مَرًّا فجعله على رقبته، يعمل الشيء ويحفر الشيء بقوته. قال: فجاءه رجل فقال: يا عبد اللَّه؛ أتؤاجرني نفسك مشاهرة، شهرًا بشهر، تقوم على دواب لي تعلفها وتكنس سَرقِينها؟ قال: نعم. قال: فآجره نفسه مشاهرة، شهرًا بشهر، يقوم على دوابه. قال: فكان صاحب الدواب يغدو كل يوم ينظر إلى دوابه، فإذا رأى منها دابة ضامرة، أخذ برأسه فوجأ عنقه، ثم يقول له: سرقت شعير هذه البارحة؟ فلما رأى المؤمن هذه الشدة قال: لآتين شريكي الكافر، فَلأعملن في أرضه فيطعمني هذه الكسرة يومًا بيوم، ويكسوني هذين الثوبين إذا بليا.\nقال: فانطلق يريده فلما انتهى إلى بابه وهو مُمْس، فإذا قصر مَشيد في السماء، وإذا حوله البوابون، فقال لهم: استأذنوا لي على صاحب هذا القصر، فإنكم إذا فعلتم سَرّه ذلك. فقالوا له: انطلق إن كنت صادقًا فنَم في ناحية، فإذا أصبحت فَتَعَرّضْ له. قال: فانطلق المؤمن، فألقى نصف كسائه تحته، ونصفه فوقه، ثم نام.\nفلما أصبح أتى شريكه فتعرّض له، فخرج [¬٢] شريكه الكافر وهو راكب، فلما رآه عَرَفه فوقف عليه وسلم علية وصافحه، ثم قال له: ألم تأخذ من المال مثل ما أخذت؟! قال: بلى، وهذه حالي وهذه حالك. قال: أخبرني ما صنعت في مالك؟! قال: لا تسألني عنه. قال: فما جاء بك؟ قال: جئت أعمل في أرضك هذه، فتطعمني هذه الكسرة [يومًا بيوم] [¬٣]، وتكسوني هذين الثوبين إذا بليا. قال: لا، ولكن أصنع بك ما هو خير من هذا، ولكن لا ترى مني خيرًا حتى تخبرني ما صنعت في مالك؟! [قال: أقرضته] [¬٤] قال: من؟ قال: الملَيءَ الوفي. قال: من؟ قال: اللَّه ربي. قال وهو مصافحه، فانتزع يده من يده، ثم [¬٥] قال: ﴿يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ (٥٢) أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَدِينُونَ﴾ -\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- في خ: \"فلما خرج\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٥]- سقط من: ز.","vol":"12","page":24},{"text":"قال السدي: محاسبون- قال: فانطلق الكافر وتركه. قال: فلما رآه المؤمن ليس يلوي عليه، رجع وتركه، يعيش المؤمن في شدة من الزمان، ويعيش الكافر في رخاء من الزمان. قال: فإذا كان يوم القيامة وأدخل الله المؤمن الجنة يمر فإذا هو بأرض ونخل وثمار وأنهار، فيقول: لمن هذا؟ فيقال: هذا لك. فيقول: يا سبحان الله! أوبلغ من فضل عملي أن أثاب بمثل هذا؟! قال: ثم [يمر فإذا هو] [¬١] برقيق لا تحصى عدتهم، فيقول: لمن هذا؟ فيقال: هؤلاء لك. فيقول: يا سبحان الله؛ أو بلغ من فضل عملي أن أثاب بمثل هذا؟! قال ثم يمر فإذا هو بقبة [من ياقوتة] [¬٢] حمراء مجوفة، فيها حوراء عيناء، فيقول: لمن هذه؟ فيقال: هذه لك. فيقول: يا سبحان الله! أوبلغ من فضل عملي أن أثاب بمثل هذا؟! قال: ثم يذكر المؤمن شريكه الكافر فيقول [¬٣]: ﴿إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ (٥١) يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ (٥٢) أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَدِينُونَ﴾، قال: فالجنة عالية، والنار هاوية، قال: فيريه الله شريكه في وسط الجحيم، من [¬٤] بين أهل النار، فإذا رآه المؤمن عرفه، فيقوله: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ (٥٦) وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (٥٧) أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ (٥٨) إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (٥٩) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٦٠) لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾: بمثل ما منّ عليه. قال: فيتذكر المؤمن ما مَرّ [¬٥] عليه في الدنيا من الشدة، فلا يذكر مما [¬٦] مر عليه في الدنيا [من الشدة] [¬٧]، أشد عليه من الموت.\n﴿أَذَلِكَ خَيرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ (٦٢) إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ (٦٣) إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ (٦٤) طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ (٦٥) فَإِنَّهُمْ لآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٦٦) ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ (٦٧) ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ (٦٨) إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ (٦٩) فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ (٧٠)﴾\nيقول الله تعالى: أهذا [¬٨] الذي ذكره من نعيم الجنة وما فيها من مآكل ومشارب ومناكح وغير ذلك من الملاذ- خيرٌ ضيافةً وعطاءً ﴿أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾؟ أي: التي في جهنم.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٣]- في ز: \"يقول\".\n[¬٤]- سقط من: ز.\n[¬٥]- في ز: \"مُنَّ\".\n[¬٦]- في ز: \"ما\".\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٨]- في ز: \"هذا\".","vol":"12","page":25},{"text":"وقد يحتمل أن يكون المراد بذلك شجرة واحدة معينة، كما قاله [¬١] بعضهم من أنَّها شجرة تمتد فروعها إلى جميع محالّ جهنم، كما أن شجرة طوبى ما من دار في الجنَّة إلا وفيها منها غصن.\nوقد يحتمل أن يكون المراد بذلك جنس شجر، يقال له: الزقرم، كقوله تعالى: ﴿وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَينَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ﴾، يعني: الزيتونة، ويؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ (٥١) لآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ﴾ وقوله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ﴾ قال قَتَادة: ذُكرت شجرة الزقوم، فافتتن بها أهل الضلالة، وقالوا: صاحبكم ينبئكم أن في النار شجرة، والنار تأكل الشجر، فأنزل الله ﷿: ﴿إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ﴾ غُذيت من النار، ومنها خلقت. وقال مجاهد: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ﴾، قال أَبو جهل - لعنه الله -: إنما الزقرم التمر والزبد أتزقمه [¬٢].\nقلت: ومعنى الآية: إنما أخبرناك يا محمد بشجرة الزقرم اختبارًا نختبر [¬٣] به الناسَ، مَن يُصَدق منهم ممن يكذب، كقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَينَاكَ إلا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إلا طُغْيَانًا كَبِيرًا (٦٠)﴾ وقوله: ﴿إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ﴾ أي: أصل منبتها في قرار النار، ﴿طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾ تبشيع وتكريه لذكرها.\nقال وَهْب بن منبه: شعور الشياطين قائمة إلى السماء وإنما شبهها برءوس الشياطين وإن لم تكن معروفة عند المخاطبين؛ لأنه قد استقر في النفوس أن الشياطين قبيحة المنظر.\nوقيل: المراد بذلك ضرب من الحيات رءوسها بشعة المنظر وقيل [¬٤]: جنس من النبات، طلعه في غاية الفحاشة.\nوفي هذين الاحتمالين نظر، وقد ذكرهما ابن جرير، والأول أقوى وأولى، والله أعلم.\nوقوله: ﴿فَإِنَّهُمْ لآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ﴾، ذكر تعالى أنهم يأكلون من هذه الشجرة التي لا أبشع منها، ولا أقبح من منظرها، مع ما هي عليه من سوء الطعم والريح والطبع، فإنهم ليضطرون إلى الأكل منها؛ لأنهم لا يجدون إلَّا إياها، وما في معناها، كما قال: ﴿لَيسَ لَهُمْ طَعَامٌ إلا مِنْ ضَرِيعٍ (٦) لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ﴾.\n_________\n[¬١]- في ز: \"قاله\".\n[¬٢]- في ز: \"أثر فمه\".\n[¬٣]- في ز: \"تخبر\".\n[¬٤]- في ز: \"بقل\".","vol":"12","page":26},{"text":"وقال ابن أبي حاتم (^٢٩) ﵀: حدَّثنا أبي، حدثنا عمرو بن مرزوق، حدَّثنا شعبة، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عبَّاس ﵄: أن رسول الله ﷺ تلا هذه الآية، وقال [¬١]: \"اتقوا الله حق تقاته، فلو أن قطرة من الزقوم قُطرَت في بحار الدنيا، لأفسدت على أهل الأرض معايشهم، فكيف بمن يكون طعامه؟ \".\nورواه التِّرمِذي والنَّسائي وابن ماجة، من حديث شعبة، وقال التِّرمِذي: حسن صحيح.\nوقوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ﴾، قال ابن عبَّاس: يعني: شرب الحميم على الزقوم.\nوقال في رواية عنه: ﴿لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ﴾ مزجًا من حميم.\nو[¬٢] قال غيره: يعني: يمزج لهم الحميم بصديد وغساق مما يسيل من فروجهم وعيونهم.\n_________\n(^٢٩) - ورواه ابن أبي حاتم في تفسيره أيضًا (٢ / رقم / ١٠٩٨ / دار طيبة) ثنا أَبو سعيد بن يحيى بن سعيد القطان، ثنا عثمان بن عمر، ثنا شعبة به. ورواه أحمد في المسند (١/ ٣٠٠، ٣٣٨) والتِّرمِذي في الجامع كتاب صفة جهنم (٢٥٨٥) والنسائي في: التفسير من الكبرى (٦/ ١١٠٧٠) وابن ماجة، كتاب الزهد (٤٣٢٥) والطبراني في المعجم الكبير (١١/ ١٠٦٨١) وفي المعجم الصغير (٢/ ٥١) وغيرهم من طرق عن شعبة به، وقال التِّرمِذي: حديث حسن صحيح ونقل السيوطي في الدر المنثور (٢/ ١٠٦) تصحيح أحمد له وصححه أَبو حاتم ابن حبان (١٦/ ٧٤٧٠ / إحسان) وأَبو الأشبال أحمد شاكر في حاشيته على السند (٤ / رقم ٢٧٣٥) والحاكم (٢/ ٢٩٤، ٤٥١) على شرط الشيخين ووافقه الذهبي مع أنهما لم يخرجا شيئًا من رواية الأعمَش عن مجاهد، عن ابن عبَّاس. وقال الطبراني: لم يروه عن الأعمَش إلَّا شعبة، وهو ثقة حافظ متقن؛ غير أن الأعمَش مدلس وقد عنعن، لكن صح عن شعبة أنَّه قال: كفيتكم تدليس ثلاثة: الأعمَش وأبي إسحاق، وقَتَادة. وقال الحافظ ابن حجر ﵀ في مراتب المدلسين [ص ١٠٤] وهذه قاعدة جيدة في أحاديث هؤلاء الثلاثة أنَّها إذا جاءت من طريق شعبة دلت على السماع ولو كانت معنعنة، غير أن أبا عبيدة الآجري روى عن أبي داود السجستاني قال: عند شعبة عن الأعمَش نحو من خمس مئة، وشعبة قد أخطأ على الأعمَش في أكثر من عشرة أحاديث … وكان شعبة يصحب الأعمَش وهو شاب - التهذيب، هذا مع قول أبي حاتم الرازي كما في العلل لابنه (٢ / رقم ٢١١٩): أن الأعمَش قليل السماع من مجاهد، وعامة ما يروي عن مجاهد مدلس يجعل في القلب شيئًا من تصحيح هذا الحديث، لا سيما وأن هذا الحديث قد رواه أحمد (١/ ٣٣٨) من طريق فضيل بن عياض، وابن أبي شيبة في المصنف (٨/ ٩٦) وأسد بن موسى في الزهد (رقم ٣٦) والبيهقي في البعث والنشور (رقم ٥٤٤) من طريق يحيى بن عيسى الرملي، كلاهما (فضيل ويحيى) عن الأعمَش عن أبي يحيى عن مجاهد عن ابن عبَّاس به موقوفًا دون ذكر الآية. وأَبو يحيى هو القنات لين الحديث كما في التقريب - فمن المحتمل أن يكون هذا الوجه هو الصواب في هذا الخبر، وأن الأعمَش دلس في هذا الحديث، وشعبة سمعه منه تدليسه، فحدث به، فعُدَّ من أخطائه على الأعمش التي أشار لها أَبو داود. والعلم عند الله تعالى. وقد وجدت أبا عبد الرحمن الألباني وضع =\n_________\n[¬١]- سقط من: خ، ز.\n[¬٢]- سقط من: ز.","vol":"12","page":27},{"text":"وقال ابن أبي حاتم (^٣٠): حدَّثنا أبي، حدَّثنا حيوة بن شريح الحضرمي، حدَّثنا بقية بن الوليد، عن صفوان بن عمرو، أخبرني عبيد الله بن بشر [¬١]، عن أبي أمامة الباهلي ﵁، عن رسول الله ﷺ أنَّه كان يقول: \"يقرب -يعني: إلى أهل النار- ماء فيتكرهه [¬٢] فإذا أدني منه شوى وجهه، ووقعت فروة رأسه فيه، فإذا شربه قطع أمعاءه حتى تخرج من دبره\".\nوقال ابن أبي حاتم (^٣١): حدَّثنا أبي، حدَّثنا عمرو بن رافع، حدَّثنا يعقوب بن عبد الله، عن جعفر، وهارون بن عنترة، عن سعيد بن جبير قال: إذا جاع أهل النار استغاثوا بشجرة الزقوم، فأكلوا منها فاختلست جلود وجوههم، فلو أن مارًّا يمر بهم يعرفهم لعرف وجوههم فيها، ثم يصب عليهم العطش، فيستغيثون فيغاثون بماء كالمهل -وهو الذي قد انتهى حره-\n_________\n= هذا الحديث في ضعيف التِّرمِذي وابن ماجة (٤٨١، ٩٤٤) ونأمل أن نقف على كلامه في علة تضعيفه والله الموفق.\n(^٣٠) - ضعيف: وعزاه إلى ابن أبي حاتم السيوطي في \"الدر المنثور\" (٤/ ١٣٠) وقد رواه ابن جرير في تفسيره (١٦/ ٢٠٦٣٣ / شاكر) حدثني محمد بن خلف العسقلاني، ثنا حيوة بن شريح به. ورواه عبد الله بن المبارك في مسنده (رقم ١٢٩) وفي \"الزهد\" (رقم ٣١٤ / زوائد نعيم بن حمَّاد) نا صفوان بن عمرو به، غير أن الرواة عن ابن المبارك اختلفوا في تسمية شيخ صفوان فقال بعضهم: \"عبد الله بن بسر\" وقال بعضهم: \"عبيد الله بن بسر\" رواه من هذه الطرق أحمد في \"المسند\" (٥/ ٢٦٥) وفي كتاب \"الزهد\" (ص ٢٧) ومن طريق المسند نقله المصنف في تفسير (سورة إبراهيم الآية ١٦) - والتِّرمِذي، كتاب: صفة جهنم (٢٥٨٣) والنَّسائي في التفسير من \"الكبرى\" (٦/ ١١٢٦٣)، وابن أبي الدنيا في \"صفة النار\" (رقم ٧٣) وابن جرير (١٦/ ٢٠٦٣١، ٢٠٦٣٢) والطبراني في \"المعجم الكبير\" (٨/ ٧٤٦٠) - وعنه وعن غيره أَبو نعيم في \"الحلية\" (٨/ ١٨٢) - والحاكم (٢/ ٥١٣) - وعنه البيهقي في \"البعث والنشور\" (رقم ٥٤٩) - والبغوي في \"شرح السنة\" (١٥/ ٤٤٠٥) وقال الترمذي: \"هذا حديث غريب، وهكذا قال محمد بن إسماعيل - البخاري - عن عبيد الله بن بُسر، ولا نعرف عبيد الله بن بُسر إلَّا في هذا الحديث وقد روى صفوان بن عمرو عن عبد الله بن بُسر صاحب النبي ﷺ غير هذا الحديث. . وعبيد الله بن بُسر الذي روى عنه صفوان بن عمرو هذا الحديث رجلُ آخر ليس بصاحبي. وقال أَبو نعيم: \"تفرد به صفوان عن عبد الله بن بسر، وقيل: عبيد الله بن بسر -وهو محرف هناك فليصحح- وهو اليحصبي الحمصي يكنى أبا سعيد، ورواة بقية بن الوليد، عن صفوان مثله. وروى صفوان عن عبد الله بن بسر المازني، وله صحبة، وعن عبيد الله بن بسر، ولذلك اشتبه على بعض الناس وهذا هو عبيد الله بن بسر وهو مجهول كما قال الذهبي في \"الميزان\" وابن حجر ﵀ في \"التقريب\" غير أن الذهبي رجح أن يكون هو \"عبد الله بن بسر الجراني التابعي\" - وهذا \"ضعيف\" أيضًا كما في \"التقريب\" - ومع هذا فقد أقر الحاكم في تصحيحه لهذا الحديث على شرط مسلم!! والحديث زاد نسبته السيوطي إلى أبي يعلى وابن المنذر وابن مردويه.\n(^٣١) - إسناده حسن إلى سعيد بن جبير. وجعفر هو ابن أبي وحشية.\n_________\n[¬١]- في خ، ز: \"بشير\".\n[¬٢]- في ز: \"فتتكرهه\".","vol":"12","page":28},{"text":"فإذا أدنوه من أفواههم اشتوى من حَرّه لحومُ وجوههم التي قد سقطت عنها الجلود، ويصهر ما في بطونهم، فيمشون تسيل [¬١] أمعاؤهم وتسَّاقط [¬٢] جلودهم، ثم يضربون بمقامع من حديد، فيسقط كل عضو على حياله، يدعون بالثبور.\nوقوله: ﴿ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ﴾ أي: ثم إن مَرَدَّهم بعد هذا الفصل لإِلى نار تتأجج، وجحيم تتوقد، وسعير تتوهج، فتارة في هذا وتارة في هذا، كما قال تعالى: ﴿يَطُوفُونَ بَينَهَا وَبَينَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ هكذا تلا قَتَادة هذه الآية، عند هذه الآية وهو تفسير حسن قوى، وقال السدي في قراءة عبد الله: \"ثم إن مقيلهم لإلى الجحيم\" وكان عبد الله يقول: والذي نفسي بيده لا ينتصف نهار [¬٣] يوم القيامة حتَّى يقيلَ أهل الجنَّة في الجنَّة، وأهل النار في النار، ثم قرأ: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾.\nوروى الثَّوري (^٣٢)، عن ميسرة، عن المنهاج بن عمرو، عن أبي عبيدة، عن عبد الله قال: لا ينتصف النهار يوم القيامة حتَّى يقيل هؤلاء ويقيل هؤلاء. قال سفيان: أراه، ثم قرأ: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾. ثم إن مقيلهم لإلى الجحيم.\nقلت: على هذا التفسير تكون \"ثم\" عاطفة [لخبر على خبر] [¬٤].\nوقوله: ﴿إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ﴾ أي: إنما جازيناهم بذلك لأنهم وجدوا آباءهم على الضلالة فاتبعوهم فيها بمجرد ذلك، من غير دليل ولا برهان؟ ولهذا قال: ﴿فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ﴾، قال مجاهد [¬٥]: شبيهة بالهرولة. وقال سعيد بن جبير: يَسْفَهُون.\n﴿وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ (٧١) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ (٧٢) فَانْظُرْ كَيفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ (٧٣) إلا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (٧٤)﴾\n_________\n(^٣٢) - رواه ابن أبي حاتم -كما في \"الدر المنثور\" (٥/ ١٢٢، ٥٢٣) - ومن طريقه الحاكم في \"المستدرك\" (٢/ ٤٠٢) - ثنا قبيصة بن عقبة، ثنا سفيان الثَّوري به. وقال الحاكم: \"حديث صحيح على شرط مسلم\" ووافقه الذهبي!! ورجاله ثقات غير أن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه إلَّا أحرفًا يسيرة. ومسلم لم يرو بهذا الإسناد شيئًا. وزاد نسبته السيوطي إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن المبارك في \"الزهد\" وروى ابن جرير (٥/ ١٩) بإسناد صحيح إلى إبراهيم بن يزيد النخعي في قوله: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ قال: كانوا يرون أنَّه يرون أنه فرغ من حساب الناس - يوم القيامة من نصف النهار، فيقيل هؤلاء في الجنَّة، وهؤلاء في النار وقد صحح جماعة من الأئمة مراسيل إبراهيم النخعي انظر ترجمته في \"التهذيب\".\n_________\n[¬١]- سقط من: خ، ز.\n[¬٢]- في ت: \"تتساقط\".\n[¬٣]- في ت: \"النهار\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"بخير على خير\".\n[¬٥]- سقط من: خ، ز.","vol":"12","page":29},{"text":"يخبر تعالى عن الأمم الماضية [¬١] أن أكثرهم كانوا ضالين يجعلون مع الله آلهة أخرى، وذكر تعالى أنَّه أرسل فيهم منذرين، ينذرون بأس [¬٢] الله، ويحذرونهم سطوته ونقمته، ممن كفر به وعبد غيره، وأنهم تمادوا على مُخَالفَةُ رسلهم وتكذيبهم، فأهلك المكذبين ودَمَّرهم، ونجى المؤمنين ونصرهم وظفَّرهم؛ ولهذا قال: ﴿فَانْظُرْ كَيفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ (٧٣) إلا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾.\n﴿وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ (٧٥) وَنَجَّينَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (٧٦) وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ (٧٧) وَتَرَكْنَا عَلَيهِ فِي الْآخِرِينَ (٧٨) سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالمِينَ (٧٩) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٠) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (٨١) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (٨٢)\nلما ذكر تعالى عن أكثر الأولين أنهم ضلوا عن سبيل النجاة شرع يبين ذلك مفصلًا، فذكر نوحًا ﵇ وما لقي من قومه من التكذيب، وأنه لم يؤمن منهم إلَّا القليل مع طول المدة، لبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عامًا، فلما طال عليه ذلك واشتد عليه تكذيبهم، وكلما دعاهم ازدادوا نَفْرَة، فدعا ربه أني مغلوب فانتصر، فغضب الله لغضبه عليهم؛ ولهذا قال: ﴿وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ﴾ أي: فلنعم المجيبون له، ﴿وَنَجَّينَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾، وهو التكذيب والأذى، ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾، قال علي بن أبي طلحة: عن ابن عبَّاس (^٣٣) يقول: لم تبق إلَّا ذرية نوح ﵇ وقال سعيد بن أبي عروبة: عن قَتَادة في قوله: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾ قال: الناس كلهم من ذرية نوح.\nوقد روى التِّرمِذي (*)، وابن جرير، وابن أبي حاتم (^٣٤)، من حديث سعيد بن بشير، عن قَتَادة، عن الحسن، عن سمُرَة، عن النبي ﷺ في قوله: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾ قال: \"سام، وحام، ويافث\".\nوقال الإِمام أحمد (^٣٥): حدَّثنا عبد الوهاب، عن سعيد، عن قَتَادة، عن الحسن، عن سمُرة: أن نَبي الله ﷺ قال: \"سام أَبو العرب، وحام أَبو الحبش، ويافث أَبو\n_________\n(^٣٣) - رواه ابن جرير (٢٣/ ٦٨) وفي سنده انقطاع بين علي بن أبي طلحة وابن عبَّاس.\n(*) لم يروه الترمذي من طريق سعيد بن بشير [انظر التخريج].\n(^٣٤) - انظر الآتي.\n(^٣٥) - إسناده ضعيف. \"المسند\" (٥/ ٩) وفي هذا الموضع \"وحدثنا حُسين، ثنا شيبان\" ورواه أيضًا =\n_________\n[¬١]- في ز: \"الماضين\".\n[¬٢]- في خ: \"بأمر\".","vol":"12","page":30},{"text":"الروم\".\nورواه التِّرمِذي عن بشر بن معاذ العَقَدي، عن يزيد بن زُرَيع، عن سعيد - وهو ابن أبي عروبة [¬١]-[عن قَتَادة به] [¬٢].\n[قال الحافظ أَبو عمر بن عبد، البر: وقد روي عن عمران [¬٣] بن حصين، عن النبي ﷺ مثله (^٣٦).\nوالمراد بالروم ها هنا: هم الروم الأُوَل، وهم اليونان المنتسبون إلى رومي بن ليطي بن يونان بن يافث بن نوح ﵇.\nثم روى من حديث إسماعيل بن عياش (^٣٧)، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب قال: ولد نوح ثلاثة: سام وحام ويافث، وولد كل واحد من هذه الثلاثة ثلاثة، فولد سامُ العربَ وفارسَ والروم، وولد يافثُ التركَ والصقالبةَ ويأجوج ومأجوج، وولد حامُ القبطَ\n_________\n= (٥/ ١٠) ثنا روح من كتابه قال: ثنا سعيد بن أبي عروبة ومن طريق سعيد رواه أيضًا التِّرمِذي (٣٢٣١، ٣٩٣١) وابن سعد في \"الطبقات\" (١/ ٣٦) والطبراني في \"المعجم الكبير\" (٧/ ٦٨٧٢) ورواه الخطيب البغدادي في \"المتفق والمفترق\" (٢ / رقم ٥٠٠) من طريق شعبة، ثلاثتهم (شيبان وسعيد وشعبة) عن قتادة به وقال التِّرمِذي: \"حسن غريب\" وإسناده رجاله ثقات رجال الشيخين غير أن الحسن مدلس وعنعنه، وأما عنعنة قَتَادة فقد كفانا \"شعبة\" مؤونتها، ثم إن ابن أبي عروبة من أثبت الناس في قتادة، وقد رواه سعيد بن بشير عن قتادة به؛ غير أنَّه ذكره بلفظ (عن النبي ﷺ في قوله ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾ قال: \"سام وحام ويافث\") رواه من هذا الوجه ابن جرير في تفسيره (٢٣/ ٤٣) وفي \"التاريخ\" (١/ ١٩٢، ٢٠٩) والروياني في مسنده (٢ / رقم ٧٩٣) وأَبو نعيم في \"أخبار أصبهان\" (٢/ ٢٥٦) ورواه ابن عدي في \"الكامل\" (٣/ ٩١٩) والطبراني (٧/ ٦٨٧٢، ٦٨٧٣) من طريق سعيد بن بشير وخليد بن دعلج بلفظ: \"ولد نوح سام ويافث وحام\" وسعيد بن بشير وخليد ضعيفان، فالمعتمد عن قَتَادة رواية شعبة وغيره منه، وللحديث طريق آخر عن سمرة رواه الطبراني (٧/ ٧٠٣٣) لكن إسناده ضعيف، والحديث زاد نسبته السيوطي في \"الدر المنثور\" (/ ٥٢٤) إلى أبي يعلى وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٣٦) - كسابقه، رواه الطبراني في \"المعجم الكبير\" (١٨ / رقم ٣٠٩) من طريق عبد الأعلى، ثنا سعيد بن أبي عروبة، عن قَتَادة، عن الحسن، عن عمران بن حصين وسمرة بن جندب أن النبي ﷺ قال: … الحديث، ورواه الحاكم في \"المستدرك\" (٢/ ٥٤٦) من طريق عبد الأعلى به، غير أنَّه جعله \"عن الحسن، عن عمران، عن سمرة، وقال: \"صحيح الإسناد ولم يخرجاه\" ووافقه الذهبي، وقال الهيثمي في \"المجمع\" (١/ ١٩٨): \"رجاله موثقون\" وهذا أشبه، انظر السابق.\n(^٣٧) - رواه ابن جرير في \"التاريخ\" (١/ ٢١٠) وابن عياش ضعيف في غير أهل بلده، وهذه منها، غير =\n_________\n[¬١]- في خ، ز: \"البر\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٣]- في ز: \"عمر\".","vol":"12","page":31},{"text":"والسودان والبربر. ورُوي عن وَهْب بن منبه نحو هذا، والله أعلم.\nوقوله: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيهِ فِي الْآخِرِينَ﴾ قال ابن عبَّاس: يذكر بخير وقال مجاهد: يعني لسان صدق للأنبياء كلهم.\nوقال حمَّادة والسدى: [أبقى الله عليه الثناء الحسن في الآخرين.\nقال الضحاك: السلام والثناء الحسن.\nوقوله تعالى: ﴿سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالمِينَ﴾، مفسر لما] [¬١] أبقى عليه من الذكر الجميل والثناء الحسن: أنَّه يسلم عليه في جميع الطوائف والأمم.\n﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ أي: هكذا نجزي من أحسن من العباد في طاعة الله، نجعل له لسانَ صدق يذكر به بعده بحسب مرتبته في ذلك.\nثم قال: ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: المصدقين الموحدين الموقنين، ﴿ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ﴾ أي: أهلكناهم، فلم تبْقَ منهم عين تطرف، ولا ذكر لهم ولا عين ولا أثر، ولا يعرفون إلا بهذه الصفة القبيحة.\n﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ (٨٣) إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٤) إِذْ قَال لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ (٨٥) أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ (٨٦) فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالمِينَ (٨٧)﴾\n_________\n= أنَّه توبع، تابعه معاوية بن صالح - وهو صدوق له أوهام عن يحيى به، رواه من هذا الوجه ابن سعد في \"الطبقات\" (١/ ٣٦) والحاكم في \"المستدرك\" (٤/ ٤٦٣) هكذا من قول سعيد بن المسيب وأسنده بعض الضعفاء، كما في \"كشف الأستار\" (١ / رقم ٢١٨) وكذا \"مختصر الزوائد\" لابن حجر ﵀ (١ / رقم ١٣٤)، ورواه ابن حبان في \"المجروحين\" (٣/ ١٠٧) وابن عدي في \"الكامل\" (٧/ ٢٧٢٥)، والدارقطني في \"الأفراد\" (؟؟). كما في حاشية \"العلل\" له (٧ / س ١٣٥٤) من طريق محمد بن - يزيد بن سنان به، وقال الدارقطني: \"تفرد به محمد بن - يزيد بن سنان، عن أبيه، عنه\" يحيى بن سعيد ومحمد بن يزيد ليس بالقوي، وأَبوه ضعيف. ورواه سيمان بن أرقم - وهو ضعيف أيضًا - عن الزُّهْريّ، عن سعيد بن المسيب به، استنكره من هذا الوجه ابن عدي في \"الكامل\" (٣/ ١١٠) لابن أرقم، وضعف ابن حجر ﵀ في \"الفتح\" (١٣/ ١٠٧) سند حديث أبي هريرة بالكلية، فالخبر إذن صوابه أنَّه من قول سعيد بن المسيب وانظر \"الدر المنثور\" (/ ٥٢٤، ٥٢٥) وبالله التوفيق.\n_________\n[¬١]- سقط من: خ، ز.","vol":"12","page":32},{"text":"قال علي بن أبي طلحة (^٣٨) عن ابن عبَّاس: ﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ﴾ يقول: من أهل دينه وقال مجاهد: على منهاجه وسنته.\n﴿إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾، قال ابن عبَّاس: يعني [¬١] شهادة أن لا إله إلَّا الله.\nوقال ابن أبي حاتم (^٣٩): حدَّثنا أَبو سعيد الأشج، حدَّثنا أَبو أسامة، عن عوف: قلت لمحمد بن سيرين: ما القلب السليم؟ قال: يعلم أن الله حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور.\nوقال الحسن: سليم من الشرك. وقال عروة لا يكون لعانًا.\nوقوله: ﴿إِذْ قَال لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ﴾ أنكر عليهم عبادة الأصنام والأنداد؛ ولهذا قال: ﴿أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ (٨٦) فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالمِينَ﴾، قال قَتَادة: ما ظنكم به أنَّه فاعل بكم إذا لقيتموه وقد عبدتم غيره؟!\n﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (٨٨) فَقَال إِنِّي سَقِيمٌ (٨٩) فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ (٩٠) فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ فَقَال أَلَا تَأْكُلُونَ (٩١) مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ (٩٢) فَرَاغَ عَلَيهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ (٩٣) فَأَقْبَلُوا إِلَيهِ يَزِفُّونَ (٩٤) قَال أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (٩٥) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦) قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ (٩٧) فَأَرَادُوا بِهِ كَيدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ (٩٨)﴾\nإنما قال إبراهيم ﵊ لقومه ذلك، ليقيم في البلد إذا ذهبوا إلى عيدهم، فإنه كان قد أزفَ خروجُهم إلى عيد لهم، فأحب أن يختلي بآلهتهم ليكسرها، فقال لهم كلامًا هو حق في نفس الأمر، فَهِمُوا منه أنَّه سقيم على مقتضى ما يعتقدونه، ﴿فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ﴾، قال كعادة: والعرب تقول لمن تفكر: نظر في النجوم. يعني قَتَادة أنَّه نظر في السماء متفكرًا فيما يلهيهم به، فقال: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ أي: ضعيف.\n_________\n(^٣٨) - فيه انقطاع بين علي بن أبي طلحة وابن عبَّاس. والخبر رواه ابن جرير (٢٣/ ٦٩) وابن أبي حاتم - كما في \"الدر المنثور\" (٥/ ٥٢٥).\n(^٣٩) - إسناده صحيح إلى محمد بن سيرين، وعوف بن أبي جميلة الأعرابي.\n_________\n[¬١]- سقط من: خ، ز.","vol":"12","page":33},{"text":"فأما الحديث الذي رواه ابن جرير هاهنا (^٤٠) حدَّثنا أَبو كريب، حدَّثنا أَبو أسامة، حدثني هشام، عن محمد، عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: \"لم يكذب إبراهيم ﵊ غير ثلاث كذباب: ثنتين في ذات الله، قوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾، وقوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾، وقوله في سارة: هي أختي\".\nفهو حديث مخرج في الصحاح والسنن من طرق، ولكن ليس هذا من باب الكذب الحقيقي الذي يذم فاعله -حاشا وكلا ولما [¬١]- وإنَّما أطلق الكذب على هذا تجوزًا، وإنَّما هو من المعاريض في الكلام لمقصد شرعي ديني، كما جاء في الحديث (^٤١): \" إن [في] [¬٢] المعاريض لمندوحة عن الكذب\".\nوقال ابن أبي حاتم (^٤٢): حدَّثنا أبي، حدَّثنا ابن أبي عمر، حدَّثنا سفيان، عن علي بن زيد بن جدْعان، عن أبي نَضْرَةَ، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ في كلمات إبراهيم الثلاث التي قال: \"ما منها كلمة إلَّا ما حَلّ بها عن دين الله تعالى، ﴿فَقَال إِنِّي سَقِيمٌ﴾، وقال: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾، وقال للملك حين أراد المرأة: هي أختي\".\nقال سفيان في قوله: ﴿فَقَال إِنِّي سَقِيمٌ﴾ يعني: طعين. وكانوا يفرون من المطعون، فأراد أن يخلو بآلهتهم. وكذا قال العوفي، عن ابن عبَّاس: ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (٨٨) فَقَال إِنِّي سَقِيمٌ﴾، فقالوا له وهو في بيت آلهتهم: اخرج. فقال: إني مطعون، فتركوه مخافة الطاعون.\nوقال قَتَادة عن سعيد بن المسيب: رأى نجمًا طلع فقال: ﴿فَقَال إِنِّي سَقِيمٌ﴾ كابد [¬٣] نبي الله عن دينها ﴿فَقَال إِنِّي سَقِيمٌ﴾.\n_________\n(^٤٠) - صحيح، تفسير ابن جرير (٢٣/ ٧١) ورواه البزار -كما في \"قصص الأنبياء\" للمصنف و\"الفتح\" لابن حجر ﵀ (٦/ ٣٩١) - وأَبو داود، كتاب الطلاق (٢٢١٢) والنَّسائي في \"الكبرى\" (٥/ ٨٣٧٤)، وأبو يعلى (١٠/ ٩، ٦٠٣) - ومن طريقه ابن عساكر (٢/ ٣٢١ / مخطوط) - وابن حبان (١٣/ ٥٧٣٧) من طريق هشام بن حسان به، ورواه البخاري، كتاب البيوع (٢٢١٧) - وانظر أطرافه ثمة - ومسلم في الفضائل (٢٣٧١) وغيرهم عن أبي هريرة به.\n(^٤١) - بوب به البخاري باب رقم (١١٦) من كتاب \"الأدب\" داخل صحيحه، دون أن ينسبه لأحد، وقد رُوِيَ مرفوعًا إلى النبي ﷺ من حديث عمران بن حصين وعلي بن أبي طالب، ولا يصح، وقد صح موقوفًا على عمران وعمر بن الخطاب، انظر \"فتح الباري\" للحافظ ابن حجر ﵀ (١٠/ ٥٩٤) و\"الضعيفة\" لأبي عبد الرحمن الألباني (٣/ ١٠٩٤).\n(^٤٢) - إسناده ضعيف. ورواه ابن عساكر في \"تاريخ دمشق\" (٢/ ٣٢٠ / مخطوط) من طريق الحسين بن إسماعيل نا أَبو حاتم الرازي نا عثمان بن مطيع بن إبراهيم نا سفيان به، ورواه التِّرمِذي، كتاب: =\n_________\n[¬١]- سقط من: ت.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من ت.\n[¬٣]- في خ: \"دايد\".","vol":"12","page":34},{"text":"وقال آخرون: ﴿فَقَال إِنِّي سَقِيمٌ﴾ بالنسبة إلى ما يستقبل، يعني مرض الموت.\nوقيل: أراد ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ أي: مريض القلب من عبادتكم الأوثان من دون الله ﷿.\nوقال الحسن البصري: خرج قوم إبراهيم إلى عيدهم، فأرادوه على الخروج، فاضطجع على ظهره وقال: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾، وجعل ينظر في السماء، فلما خرجوا أقبل إلى آلهتهم فكسرها. رواه ابن أبي حاتم (^٤٣).\nولهذا قال تعالى: ﴿فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ﴾ أي: إلى عيدهم، ﴿فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ﴾ أي: ذهب إليها بعد أن خرجوا، في سرعة واختفاء، ﴿فَقَال أَلَا تَأْكُلُونَ﴾، وذلك أنهم كانوا قد وضعوا بين أيديها طعامًا قربانًا لتُبَرّك لهم فيه.\nقال السدي: دخل إبراهيم ﵇ إلى بيت الآلهة، فإذا هم في بهو عظيم، وإذا مستقبل باب البهو صنم عظيم، إلى جنبه أصغر منه، بعضها إلى جنب بعض، كل صنم يليه أصغر منه، حتَّى بلغوا باب البهو، وإذا هم قد جعلوا طعامًا وضعوه بين أيدي الآلهة، وقالوا: إذا كان حين نرجع وقد بَرّكَت الآلهة في طعامنَا أكلنا، فلما نظر إبراهيم ﵇ إلى ما بين أيديهم من الطعام قال: ﴿فَقَال أَلَا تَأْكُلُونَ (٩١) مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ﴾؟.\nوقوله: ﴿فَرَاغَ عَلَيهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ﴾ قال الفراء: معناه مال عليهم ضربًا باليمين. وقال قتادة والجوهرى: فأقبل عليهم ضربًا باليمين.\nوإنَّما ضربهم باليمين لأنها أشد وأنكى؛ ولهذا تركهم جذاذًا إلَّا كبيرًا لهم لعلهم إليه يرجعون، كما تقدم في \"سورة الأنبياء\" تفسير ذلك.\nوقوله هاهنا: ﴿فَأَقْبَلُوا إِلَيهِ يَزِفُّونَ﴾ قال مجاهد: وغير واحد أي: يسرعون، وهذه القصة هاهنا مختصرة، وفي \"سورة الأنبياء\" مبسوطة، فإنهم لما رجعوا ما عرفوا من أول وهلة من فعل ذلك حتَّى كشفوا واستعلموا، فعرفوا أن إبراهيم ﵇ هو الذي فعل ذلك. فلما جاءوا ليعاتبوه أخذ في تأنيبهم وعَيْبهم، فقال: ﴿أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ﴾؟! أي: أتعبدون [¬١] من دون الله من الأصنام ما أنتم تنحتونها وتجعلونها بأيديكم؟! ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾، يحتمل أن تكون \"ما\" مصدرية، فيكون تقدير الكلام: [والله خلقكم وعَملكم. ويحتمل أن تكون بمعنى \"الذي\"، تقديره] [¬٢]: والله خلقكم والذي\n_________\n= تفسير القرآن (٣١٤٨)، وأَبو يعلى في مسنده (٢/ ١٠٤٠) - ومن طريق ابن عساكر أيضًا عن سفيان به مطولًا ومختصرًا وصححه الترمذي!! مع أن ابن جدعان ضعفه الجمهور لكن يشهد له حديث أبي هريرة السابق.\n(^٤٣) - وعزاه له السيوطي في \"الدر المنثور\" (٥/ ٥٢٦) وزاد نسبته إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"تعبدون\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.","vol":"12","page":35},{"text":"تعملونه. وكلا القولين متلازم، والأول أظهر؛ لما رواه البخاري في كتاب \"أفعال العباد\" (^٤٤)، عن علي بن المديني؛ عن مروان [¬١] بن معاوية، عن أبي مالك، عن رِبْعِيّ بن حِرَاش [¬٢]، عن حذيفة مرفوعًا قال [¬٣]: \"إن الله يصنع كل صانع وصنعته\". وقرأ بعضهم: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ فعند ذلك لما قامت عليهم الحجة عدلوا إني أخذه باليد والقهر، فقالوا: ﴿قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ﴾. وكان من أمرهم ما تقدم بيانه في \"سورة الأنبياء\"، ونجاه الله من النار وأظهره عليهم، وأعلى حجته ونصرها؛ ولهذا قال تعالى: ﴿فَأَرَادُوا بِهِ كَيدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ﴾.\n﴿وَقَال إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ (٩٩) رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠٠) فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (١٠١) فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَال يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَال يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (١٠٢) فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣) وَنَادَينَاهُ أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ\n_________\n(^٤٤) - صحيح، رقم (١١٧) ومن طريق البخاري رواه الخطيب في \"تاريخ بغداد\" (٢/ ٣٠، ٣١) ورواه الحاكم في \"المستدرك\" (١/ ٣١) - وعنه البيهقي في \"الأسماء والصفات\" (٢ / رقم ٨٢٥) - وفي \"شعب الإيمان\" (١ / رقم ١٩٠) من طريق علي بن المديني به. دون ذكر الآية ورواه ابن أبي عاصم في \"السنة\" (١/ ٣٥٨) والبزار في مسنده (٧/ ٢٨٣٧ / البحر الزخار) ونقله ابن حجر ﵀ في \"مختصر زوائد البزار\" (٢/ ١٦٠٣) وابن منده في \"التوحيد\" (١/ ١١٥) - واللالكائي في \"شرح أصول الاعتقاد\" (٣/ ٩٤٣) والبيهقي في \"الأسماء والصفات\" (١ / رقم ٣٧) وفي \"الاعتقاد\" (٣٧٧) من طرق عن مروان بن معاوية به. وصحح إسناده ابن حجر ﵀ غير أن البزار أعله فقال: \"هذا الكلام لا نعلمه يروى عن النبي ﷺ إلَّا من هذا الوجه بهذا الإسناد، ورواه غير مروان موقوفًا كذا قال: وتابع مروان على رفعه.\n١ - الفضيل بن سليمان عن أبي مالك به، رواه من هذا الوجه ابن أبي عاصم (١/ ٥٧٣) وابن عدي في \"الكامل\" (٦/ ٢٠٤٦) والحاكم (١/ ٣١، ٣٢) وصححه على شرط مسلم ووافقه الذهبي وأقرهما أَبو عبد الرحمن الألباني في \"الصحيحة\" (١/ ١٦٣٧) وهو كما قالوا فقد روى مسلم حديث رقم (٥٢) (١٠٠٥) بهذا الإسناد وأغرب ابن عدي فقال: \"لا أعلم يرويه عن أبي مالك غير فصيل بهذا الإسناد!!\n٢ - وتابعهما أَبو خالد الأحمر سليمان بن حيان ويسين الزيات ويحيى بن زكريا - مفرقًا - عن أبي مالك به. رواه من هذه الوجوه \"المحاملي\" في \"أماليه\" (٣٢٥) واللالكائي (٩٤٢) وأَبو بكر القطيعي في \"جزء الألف دينار\" (٢١٧) وأَبو نعيم في \"أخبار أصبهان\" (١/ ٢٢٠) - وقد رواه البخاري (١١٨، ١١٩) من طريق (أبي معاوية ووكيع) عن الأعمش عن شقيق عن حذيفة موقوفًا به وهذه لا تقدح في صحة الرواية الموصولة؛ لأن ربعي بن حراش ثقة فاضل وأثبت من شفيق بن سلمة. وبالله التوفيق.\n_________\n[¬١]- في خ، ز: \"هارون\".\n[¬٢]- في ز: \"خِرَاش\".\n[¬٣]- سقط من: ز.","vol":"12","page":36},{"text":"صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٠٥) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (١٠٦) وَفَدَينَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (١٠٧) وَتَرَكْنَا عَلَيهِ فِي الْآخِرِينَ (١٠٨) سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ (١٠٩) كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١١٠) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (١١١) وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٢) وَبَارَكْنَا عَلَيهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ (١١٣)﴾\nيقول تعالى مخبرًا عن خليله إبراهيم: إنه بعد ما نصره الله على قومه وأيس من إيمانهم بعد ما شاهدوا من الآيات العظيمة، هاجر من بين أظهرهم، وقال: ﴿وَقَال إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ (٩٩) رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ يعني: أولادًا مطعين عوَضًا من قومه وعشيرته الذين فارقهم، قال الله تعالى: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ﴾، وهذا الغلام هو إسماعيل ﵇ فإنه أولُ ولد بُشِّرَ به إبراهيم ﵇ وهو أكبر من إسحاق باتفاق المسلمين وأهل الكتاب، بل في نص كتابهم أن إسماعيل وُلد ولإِبراهيم ﵇ ست وثمانون سنة، وولد إسحاق وعُمر إبراهيم تسع وتسعون سنة، وعندهم أن الله تعالى أمر إبراهيم أن يذبح ابنه وحيده، وفي نسخة: بكره، فأقحموا هاهنا كذبًا وبهتانًا \"إسحاق\"، ولا يجوز هذا لأنه مخالف لنص كتابهم، وإنَّما أقحموا \"إسحاق\" لأنه أَبوهم، وإسماعيل أَبو العرب، فحسدوهم، فزادوا ذلك وحَرَّفوا \"وحيدك\"، بمعنى الذي ليس عندك غيره، فإن إسماعيل كان ذهب به وبأمه إلى جنب مكة، وهذا تأويل وتحريف باطل، فإنه لا يقال: \"وحيد\". إلَّا لمن ليس له غيره، وأيضًا فإن أول ولد [له معزة] [¬١] ما ليس لمن بعده من الأولاد، فالأمر بذبحه أبلغ في الابتلاء والاختبار [¬٢]. وقد ذهب جماعة من أهل العلم إلى أن الذبيح هو إسحاق، وحُكي ذلك عن طائفة من السلف، حتَّى نقل عن بعض الصحابة أيضًا، وليس ذلك في كتاب ولا سنة، وما أظن ذلك تُلُقّي إلَّا عن أخبار [¬٣] أهل الكتاب، وأخذ ذلك مسلمًا [من غير] [¬٤] حجة، وهذا كتاب الله شاهد ومرشد إلى أنَّه إسماعيل، فإنه ذكر البشارة بالغلام الحليم، وذكر أنَّه الذبيح، ثم قال بعد ذلك: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾، ولما بشرت الملائكة إبراهيم بإسحاق قالوا: ﴿إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ﴾ وقال تعالى: ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ أي: يولد له في حياتهما ولد يسمى يعقوب، فيكون\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في خ: \"يعتبره\"، وفي ز: \"معتبرة\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"اختبارًا\".\n[¬٣]- في ت: \"أحبار\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين في خ: \"بن عمير\".","vol":"12","page":37},{"text":"من ذريته عقب [¬١] ونسل، وقد قدمنا هناك أنَّه لا يجوز بعد هذا أن يؤمر بذبحه وهو صغير، لأن الله قد وعدها بأنه سيعقب، ويكون له نسل، فكيف يمكن بعد هذا أن يؤمر بذبحه صغيرًا، وإسماعيل وصف هاهنا بالحليم، لأنه مناسب [¬٢] لهذا المقام.\nوقوله: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾ أي: كبر وترعرع وصار يذهب مع أبيه ويمشي معه، وقد كان إبراهيم ﵇ يذهب في كل وقت يتفقد ولده وأم ولده ببلاد \"فاران\" وينظر في أمرهما، وقد ذكر أنَّه كان يركب على البراق سريعًا إلى هناك، فالله أعلم.\nوعن ابن عبَّاس، ومجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير، وعطاء الخراساني، وزيد بن أسلم، وغيرهم: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾، بمعنى: شب وارتحل [¬٣] وأطاق ما يفعله أَبوه من السعي والعمل، ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَال يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى﴾، [قال عبيد بن عمير (^٤٥): رؤيا الأنبياء وحي، ثم تلا هذه الآية: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَال يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى﴾] [¬٤].\nوقد قال ابن أبي حاتم (^٤٦): حدَّثنا علي بن الحسين بن الجنيد، حدَّثنا [¬٥] أَبو عبد الملك الكرندي، حدَّثنا سفيان بن عيينة، عن إسرائيل بن يونس، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن\n_________\n(^٤٥) - أخرجه البخاري، كتاب: الوضوء، باب: التخفيف في الوضوء (١٣٨)، كتاب: الأذان، باب: وضوء الصبيان (٨٥٩) بسنده عن عبيد بن عمير قوله، وقال الحافظ في \"الفتح\" (١/ ٢٣٩) قوله: \"رؤيا الأنبياء وحي\" رواه مسلم مرفوعًا وسيأتي في التوحيد - (٧٥١٧) - من رواية شريك عن أَنس \"وهو غير موجود في مسلم بهذا اللفظ، ولعل الحافظ أراد معناه فانظر (١٢٥) (٧٣٨) من صحيح مسلم وانظر ما بعده.\n(^٤٦) - إسناده ضعيف مرفوعًا، وصح موقوفًا.\nوعزاه إلى ابن أبي حاتم السيوطي في \"الدر المنثور\" (٥/ ٥٢٨) - ورواية سماك عن عكرمة مضطربة كما قال ابن المديني وغيره، وراويه عن ابن عيينة (أَبو عبد الملك الكرندي) لم أهتد لترجمته ويحتمل أن يكون أحد الهلكى المجهولين حيث رواه ابن أبي عاصم في \"السنة\" (١/ ٤٦٣) وابن جرير في تفسيره (١٥/ ١٨٧٧٨١ / شاكر) من طريق أبي أحمد الزيبري وابن جرير أيضًا (١٥/ ١٨٧٧٩ / شاكر) من طريق أبي أسامة، والطبراني في \"المعجم الكبير\" (١٢/ ١٢٣٠٢) من طريق محمد بن يوسف الفريابي، والحاكم (٢/ ٤٣١) من طريق محمد بن جعثم الصنعاني (٤/ ٣٩٦) من طريق قبيصة بن عقبة، خمستهم (أَبو أحمد وأَبو أسامة والفريابي والصنعاني وقبيصة عن سفيان الثَّوري، عن سماك، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبَّاس به موقوفًا. وصححه الحاكم في الموضع الأول على شرط الشيخين ووافقه الذهبي وفي حاشية \"المطالب العالية\" (٣/ ٢٨٢٤) قال البوصيري: \"رواته ثقات\"!! وسماك: صدوق، وإنما روى له البخاري تعليقًا، وقد استدرك ذلك الحاكم في الموضع الثاني، واكتفى بتصحيحه على شرط مسلم وأعله الهيثمي في \"المجمع\" =\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"عاقبة\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"يناسب\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"ارتجل\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٥]- سقط من: ز.","vol":"12","page":38},{"text":"عبَّاس قال: قال رسول الله ﷺ: \"رؤيا الأنبياء في المنام وحي\". ليس هو في شيء من الكتب الستة من هذا الوجه.\nوإنَّما أعلم ابنه بذلك ليكون أهون عليه، وليختبر صبره وجلده وعزمه من صغره على طاعة الله وطاعة أبيه ﴿قَال يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ أي: امض لما أمرك الله من ذبحي، ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ أي: سأصبر وأحتسب ذلك عند الله ﷿. وصدق صلوات الله وسلامه عليه فيما وعد؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (٥٤) وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾.\nقال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ أي: فلما تشهدا وذكرا الله تعالى؛ إبراهيم على الذبح والولد على شهادة الموت، وقيل ﴿أَسْلَمَا﴾ استسلما وانقادا؛ إبراهيم امتثل أمْرَ الله، وإسماعيل طاعة الله وأبيه. قاله مجاهد، وعكرمة، والسدي، وقَتَادة، وابن إسحاق، وغيرهم.\nومعنى: ﴿وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ أي: صرعه على وجههه ليذبحه من قفاه ولا يشاهد وجهه عند ذبحه ليكون أهون عليه.\nقال ابن عبَّاس، ومجاهد، وسعيد بن جبير، والضحاك، وقتادة: ﴿وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾: أكبه على وجهه.\nوقال الإِمام أحمد (^٤٧): حدَّثنا سُرَيج [¬١] ويونس قالا: حدَّثنا حمَّاد بن سلمة، عن أبي عاصم الغَنَوَيّ، عن أبي الطفيل، عن ابن عبَّاس أنَّه قال: لما أمر إبراهيم بالمناسك عَرَض له الشيطان عند المسعى، فسابقه فسبقه إبراهيم، ثم ذهب به جبريل إلى جمرة العقبة، فعرض له الشيطان، فرماه بسبع حصيات حتَّى ذهب، ثم عرض له عند الجمرة الوسطى فرماه بسبع حصيات، و[¬٢] ثُمَّ تَلَّه للجبين، وعلى إسماعيل قميص أبيض، فقال له: يا أبت؛ إنه [¬٣] ليس\n_________\n= (٧/ ١٧٩) بشيخ الطبراني وهو متابع والخبر زاد نسبته السيوطي في \"الدر المنثور\" (٤/ ٦) إلى ابن المنذر وأبي الشيخ وابن مردويه، وعزاه الحافظ في \"المطالب العالية\" إلى أحمد بن منيع. وانظر ما قبله.\n(^٤٧) - \" المسند\" (١/ ٢٩٧، ٢٩٨) (رقم ٢٧٠٧ / شاكر) ورواه أبو داود، كتاب: المناسك (١٨٨٥) - ومن طريقه رواه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٥/ ١٥٤، ١٥٥) وابن جرير (٢٣/ ٨٠) والطبراني في \"المعجم الكبير\" (١٠/ ١٠٦٢٨) - ومن طريقه المزي في \"تهذيب الكمال\" (٣٤/ ١٠٤٩ / ترجمة أبي عاصم الغنوي) - والطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (٢/ ١٧٩) والبيهقي في \"الكبرى\" و\"الشعب\" (٣/ ٤٠٧٧) وفي \"دلائل النبوة\" (٤/ ٣٢٦، ٣٢٧) من طرق عن حمَّاد بن سلمة به مطولًا وذكره الهيثمي في \"المجمع\" (٣/ ٢٦٢): \"رواه أحمد والطبراني في \"الكبير\" ورجاله ثقات\" وقال في (٨/ ٢٠٤): \"رواه أحمد ورجاله =\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"شريح\".\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.","vol":"12","page":39},{"text":"لي ثوب تكفنني فيه غيره، فاخلعه حتَّى تكفِّنَني [¬١] فيه، فعالجه ليخلعه، فنُوديَ من خلفه: ﴿أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾، فالتفت إبراهيم فإذا بكبش أبيض أقرن أعين، قال ابن عبَّاس: لقد رأيتنا نبيع ذلك الضرب [¬٢] من الكباش.\nوذكر تمام الحديث في \"المناسك\" بطوله. ثم رواه أحمد (^٤٨) بطوله عن يونس، عن حمَّاد بن سلمة، عن عطاء بن [¬٣] السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبَّاس، فذكر نحوه إلَّا أنَّه قال [¬٤]: \"إسحاق\". فعن ابن عبَّاس في تسمية الذبيح روايتان، والأظهر عنه إسماعيل لما سيأتي بيانه.\nوقال محمد بن إسحاق (^٤٩): عن الحسن بن دينار، عن قتادة، عن جعفر بن إياس، عن ابن عبَّاس في قوله: ﴿وَفَدَينَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ قال: خرج عليه كبش من الجنَّة قد رعى قبل ذلك أربعين خريفًا، فأرسل إبراهيم ابنه واتبع الكبش، فأخرجه إلى الجمرة الأولى، فرماه بسبع حصيات فأفلَتَه عندها، فجاء الجمرة الوسطى فأخرجه عندها، فرماه بسبع حصيات ثم أفلته، [فأدركه عند] [¬٥] الجمرة الكبرى، فرماه بسبع حصيات فأخرجه عندها. ثم أخذه، فأتى به المنحر من منى فذبحه، فوالذي نفسُ ابن عبَّاس بيده لقد كان أولَ الإِسلام، وإن رأس الكبش لمعلق بقرنيه في ميزاب الكعبة قد حَشَّ [¬٦] يعني: يبس.\n_________\n= رجال الصحيح غير أبي عاصم الغنوي وهو ثقة غير أن أبا حاتم قال: \"لا أعلم روى عنه غير حمَّاد بن سلمة، ولا أعرفه، ولا أعرف اسمه\" لكن وثقه ابن معين، ومع هذا قصَّر ابن حجر ﵀ في \"التقريب\" فوسمه بأنه: \"مقبول\"!! وأصل الحديث عند مسلم كتاب: الحج (٢٣٧) (١٢٦٤) من طريق الجريري عن أبي الطفيل به بجزء من الحديث المطول والمشار إليه، وانظر ما بعده.\n(^٤٨) - رواه أحمد في \"المسند\" (١/ ٣٠٦، ٣٠٧) (٢٧٩٥ / شاكر) ورواه الطبراني (١١/ ١٢٢٩٢) من طريق سريج بن النعمان، ثنا حمَّاد بن سلمة به. وابن خزيمة في صحيحه (٤/ ٢٩٦٧). والطبراني (١١/ ١٢٢٩١) - وعنه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٥/ ١٥٣) - من طريق أبي حمزة والطبراني (١١/ ١٢٢٩٣) من طريق شعيب بن صفوان: كلاهما (أَبو حمزة وشعيب) عن عطاء بن السائب به. وقال البيهقي: \"تفرد به هكذا عطاء بن السائب\" هو مختلط وبه أعل الخبر الهيثمي في \"المجمع\" (٣/ ٢٦٢، ٢٦٣)، (٨/ ٢٠٤) غير أن حمَّاد بن سلمة روى عنه قبل الاختلاط كما قال ابن معين وأَبو داود وغيرهما ثم إنه قد صح من طرق أخرى عن ابن عبَّاس أنَّه كان هي أن الذبيح هو \"إسحاق\" فعنه روايتان في ذلك، وهذا ينفي شبهة اختلاط عطاء هنا.\n(^٤٩) - ومن طريق ابن إسحاق رواه ابن جرير في تفسيره (٢٣/ ٨٧) والحسن بن دينار كذبه أَبو حاتم وأَبو خثيمة وتركه وكيع وأحمد بن حنبل، وقال ابن عدي، أجمع من تكلم في الرجال على ضعفه - انظر ترجمته في \"اللسان\" لابن حجر ﵀ ثم إن فيه انقطاعًا بن جعفر بن إياس وابن عباس.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"تكفِّني\".\n[¬٢]- في ت: \"لضرب\".\n[¬٣]- في ز: \"عن\".\n[¬٤]- سقط من: خ، ز.\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين بياض في خ، ز.\n[¬٦]- سقط من: خ، ز.","vol":"12","page":40},{"text":"وقال عبد الرزاق (^٥٠): أخبرنا معمر، عن الزُّهْريّ، أخبرنا القاسم قال: اجتمع أبو هريرة وكعب، فجعل أبو هريرة يحدث عن النبي ﷺ، وجعل كعب يحدث عن الكُتُب، فقال أبر هروة: قال النبي ﷺ: \"إن لكل نبي دعوة مستجابة، وإني قد خَبأتُ دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة\". فقال له كعب: أنت سمعتَ هذا من رسول الله ﷺ؟ قال: نعم. قال: فداك أبي وأمي -أو: فداه أبي وأمي - أفلا أخبرك عن إبراهيم ﵇؟ إنه لما أري ذَبْح ابنه إسحاق قال الشيطان: إن لم أفتن هؤلاء عند هذه لم أفتنهم أبدًا. فخرج إبراهيم بابنه ليذبحه، فذهب الشيطان فدخل على سارة، فقال: أين ذهب إبراهيم بابنك؟ قالت: غدا به لبعض حاجته. قال: لم يغد به لحاجة، وإنَّما ذهب به ليذبحه. قالت: وَلِمَ يذبحه؟ قال: زعم أن ربه أمره بذلك. قالت: فقد أحسن أن يطيع ربه. فذهب الشيطان في أثرهما فقال للغلام: أين يذهب بك أبوك؟ قال: لبعض حاجته. قال: إنه لا يذهب بك لحاجة، ولكنه يذهب بك ليذبحك. قال: ولم يذبحني؟ قال: زعم أن ربه أمره بذلك. قال: فوالله لئن كان الله أمره بذلك ليفعلن. قال: فيئس منه فلحق بإبراهيم، فقال [¬١]: أين غدوت بابنك [¬٢]؟ قال: لحاجة. قال: فإنك لم تغد به لحاجة، وإنَّما غدوت به لتذبحه. قال: وَلم أذبَحه؟ قال: تزعم أن ربك أمرك بذلك. قال: فوالله لئن كان الله أمرني بذلك لأفعلن. قال: فتركه ويئس أن يطاع.\nوقد رواه ابن جرير (^٥١) عن يونس، عن ابن وَهْب، عن يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، أن [¬٣] عمرو بن أبي سفيان بن [¬٤] أسيد بن جَارية [¬٥] الثقفي أخبره، أن كعبًا قال لأبي\n_________\n(^٥٠) - تفسير عبد الرزاق (٣/ ١٥٠، ١٥١) وإسناده صحيح والقاسم هو ابن محمد بن أبي بكر، وقد رواه أحمد في \"المسند\" (٢/ ٢٧٥) ثنا عبد الرزاق به مقتصرًا على المرفوع منه وكذا رواه من طريق عبد الرزاق مختصرًا ابن منده في \"الإيمان\" (٢ / رقم ٩٠٠) وقال: \"رواه عبد الله بن المبارك ومحمد بن ثور وغيرهما عن معمر نحوه\". وانظر ما بعده.\n(^٥١) - تفسير ابن جرير (٢٣/ ٨٢، ٨٣) ورواه مسلم، كتاب: الإيمان (٣٣٧) (١٩٨) وابن منده في كتاب \"الإيمان\" (٢/ ١٩٩) من طريق حرملة بن يحيى والحاكم (٢/ ٥٥٨) من طريق محمد بن عبد الله بن الحكم كلاهما (حرملة ومحمد) ثنا عبد الله بن وَهْب به - رواية الحاكم مطولة كما بينا ورواه ابن منده أيضًا (٢/ ٨٩٧، ٨٩٨) والقضاعي في \"مسند الشهاب\" (٢/ ١٠٤٠) من طرق عن يونس بن يزيد به. ورواه مسلم (٣٣٦) والدارمي (٢٨٠٩) وابن منده (٨٩٦) من طريقين عن ابن شهاب الزُّهْريّ به. وقد رواه البخاري، كتاب: الدعوات (٦٣٠٤) ومسلم (١٩٨) وغيرهما من طرق عن أبي هريرة كلهم بالقسم المرفوع منه فحسب.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"قال\".\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في خ: \"عن\".\n[¬٤]- في خ، ز: \"عن أبي\".\n[¬٥]- في ز، خ: \"حارثة\".","vol":"12","page":41},{"text":"هريرة … فذكره بطوله، وقال في آخره: وأوحى الله إلى إسحاق [أني أعطيتك] [¬١] دعوة أستجيب لك فيها. قال إسحاق: اللهم، إني أدعو أن تستجيب لي: أيُّما عَبْد لقيك من الأولين والآخرين، لا يشرك بك شيئًا، فأدخله الجنَّة.\nوقال ابن أبي حاتم (^٥٢): حدَّثنا أبي، حدَّثنا محمد بن الوزير الدمشقي، حدَّثنا الوليد في مسلم، حدَّثنا عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن الله خيرني بين أن يغفر لنصف أمتي، وبين أن أختبئ شفاعتي، فاختبأت شفاعتي، ورجوت أن تكفر الجمّ لأمتي، ولولا الذي سبقني إليه العبد الصالح لتعجلت فيها دعوتي، إن الله لما فرج عن إسحاق كرْبَ الذبح قيل له: يا إسحاق، سَل تُعْطَهْ. فقال: أما والذي نفسي بيده لأتعجلنها قبل نزغات الشيطان، اللَّهم؛ من مات لا يشرك بك شيئًا فاغفر له وأدخله الجنَّة\".\nهذا حديث غريب منكر، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم ضعيف الحديث، وأخشى أن يكون في الحديث زيادة مدرجة، وهي قوله: \"إن الله تعالى لما فرج عن إسحاق … \" إلى آخره، والله أعلم. فهذا إن كان محفوظًا فالأشبه أن السياق إنما هو عن \"إسماعيل\"، وإنما حرفوه بإسحاق، حَسَدًا منهم كما تقدم، وإلا فالمناسك والذبائح إنما محلها بمنى [من أرض مكة، حيث كان إسماعيل لا إسحاق، فإنه إنما كان ببلاد كنعان] [¬٢] من أرض الشام.\nوقوله تعالى: ﴿وَنَادَينَاهُ أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ أي: قد حصل المقصود من رؤياك بإضجاعك ولدك للذبح.\nوذكر السَّدي وغيره أنَّه أَمَرَّ السكين على رقبته فلم تقطع شيئًا، بل حال بينها وبينه صفيحة من نحاس، ونودي إبراهيم ﵇ عند ذلك: ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾.\n_________\n(^٥٢) - منكر.\nوعزاه إلى ابن أبي حاتم السيوطي في \"الدر المنثور\" (٥/ ٥٣١). ورواه الطبراني في \"المعجم الأوسط\" (٧/ ٦٩٩٤) ثنا محمد بن عبد الله بن عمير، ثنا صفوان بن صالح، ثنا الوليد بن مسلم به. وقال الطبراني: \"لم يرو هذا الحديث عن زيد بن أسلم إلَّا ابنه عبد الرحمن، تفرد به الوليد بن مسلم\" وهو ثقة يُدلس ويُسوى غير أن شيخه هو المتهم بهذا الحديث، فقد استنكره ابن عدي في \"الكامل\" (٤/ ١٥٨٣) و\"عبد الرحمن بن زيد\" وقال الهيثمي في \"المجمع\" (٨/ ٢٠٦): \"وفيه عبد الرحمن بن زيد بن أسلم وهو ضعيف، وشيخ الطبراني لم أعرفه\" وكذا لم أهتد لترجمته غير أنَّه منالع من رواية ابن أبي حاتم، والحديث استنكره أَبو حاتم الرازي -كما في \"العلل\" لابنه (٢/ ٢١٤٨) - وضعف إسناده السيوطي ورقم به أَبو عبد الرحمن الألباني حديث (٣٣٣) من \"الضعيفة\".\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"أن أعطيك\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.","vol":"12","page":42},{"text":"وقوله: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ أي: هكذا نصرف عمن أطاعنا المكاره والشدائد، ونجعل لهم من أمرهم فرجًا ومخرجًا، كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيءٍ قَدْرًا﴾.\nوقد استدل بهذه الآية والقصة جماعة من علماء الأصول على صحة النسخ قبل التمكن من الفعل، خلافًا لطائفة من المعتزلة، والدلالة من هذه ظاهرة، لأن الله تعالى شرع لإِبراهيم ذَبْحَ ولده، ثم نسخه عنه وصرفه إلى الفداء، وإنَّما كان المقصود من شرعه أولًا إثابة الخليل على الصبر على ذبح ولده وعزمه على ذلك، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ﴾ أي: الاختبار الواضح الجلي؟ حيث أُمِرَ بذبح ولده، فسارع إلى ذلك مستسلمًا لأمر الله، منقادًا لطاعته، ولهذا قال تعالى: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ \".\nوقوله: ﴿وَفَدَينَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾، قال سفيان الثَّوري (^٥٣): عن جابر الجُعْفي، عن أبي الطفيل، عن علي ﵁: ﴿وَفَدَينَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ قال: بكبش أبيض أعين أقرن، قد ربط بسمرة، قال أبو الطفيل: وجدوه مربوطًا بَسُمَرة في ثَبِير، وقال الثَّوري أيضًا (^٥٤): عن عبد الله ابن عثمان بن خُثَيم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبَّاس قال: كبش قد رعى في الجنَّة أربعين خريفًا.\nوقال ابن أبي حاتم (^٥٥): حدَّثنا أبي، حدَّثنا يوسف بن يعقوب الصفار، حدَّثنا داود العَطّار [¬١]، عن ابن خثيم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبَّاس قال: الصخرة التي بمنى بأصل ثَبِير هي الصخرة التي ذبح عليها إبراهيم فداء ابنه، هبط عليه من ثبير كبش أعين أقرن له ثغاء،\n_________\n(^٥٣) - رواه ابن جرير (٢٣/ ٨٦) وجابر الجعفي ضعيف، والخبر ذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" (٥/ ٥٣٤) وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم وابن مردويه.\n(^٥٤) - إسناده هكذا حسن غير أني لم أقف على من دون الثَّوري، وقد ذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" (٥/ ٥٣٤) وعزاه إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن جرير، وهو عند الأخير في تفسيره (٢٣/ ٨٧) من طريق يحيى بن يمان، عن سفيان، عن عبد الله بن عيسى، عن سعيد بن جبير به. وأخشى أن يكون \"عبد الله بن عيسى\" - وهو ثقة \"كما في التقريب\" - محرفًا من \"عبد الله بن عثمان\" أو أن يحيى بن يمان قد أخطأ في هذا الإسناد فإنه موسوم في \"التقريب\" بأنه: \"صدوق يخطئ كثيرًا\".\n(^٥٥) - وعزاه إلى ابن أبي حاتم السيوطي في \"الدر النثور\" (٥/ ٥٣٤) وقد رواه الحاكم (٢/ ٥٥٩) من طريق الواقدي - وهو متروك، غير أنَّه متابع من شيخ أبي حاتم - عن داود العطار به. وإسناده حسن، وقد رواه ابن جرير في تفسيره (٢٣/ ٨٦) من طريق سفيان الثَّوري عن ابن خثيم به مختصرًا. والخبر زاد نسبته السيوطي إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"القطار\".","vol":"12","page":43},{"text":"فذبحه، وهو الكبش الذي قَرَّبه ابن آدم فتقبل منه، فكان مخزونًا حتَّى فدي به إسحاق.\nورُوي أيضًا عن سعيد بن جبير أنَّه قال: كان الكبش يرتع في الجنَّة حتَّى تشقق عنه ثبير وكان عليه عِهْنٌ [¬١] أحمرٌ. وعن الحسن البصري (^٥٦)؛ أنَّه [] [¬٢] كان اسم [¬٣] كبش إبراهيم: جرير.\nوقال ابن جريج: قال عبيد بن عمير: ذبحه بالمقام. وقال مجاهد: ذبحه بمنى عند المنحر. وقال هُشَيم (^٥٧): عن سيار، عن عكرمة: إن ابن عبَّاس كان أفتى الذي جعل عليه نذرًا [¬٤] أن ينحر نفسه، فأمره بمائة من الإبل. ثم قال بعد ذلك: [لو كنت أفتيته] [¬٥] بكبش لأجزأه أن يذبح كبشًا، فإن الله تعالى قال في كتابه: ﴿وَفَدَينَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾.\n_________\n(^٥٦) - رواه ابن جرير (٨٧/ ٢٣) بإسناد ضعيف إليه ونقله المصنف في قصص الأنبياء، وقال: \"لا يصح عنه.\n(^٥٧) - رواه ابن جرير (٨٦/ ٢٣) حدثني يعقوب بن إبراهيم ثنا هُشَيم به. وهذا إسناد حسن من أجل سيار وهو ابن عبد الرحمن الصدفي، فإنه \"صدوق\" كما في \"التقريب\" وقد رواه عبد الرزاق في \"المصنف\" (٨/ ١٥٩٠٥) - ومن طريقه الطبراني في \"المعجم الكبير\" (١١/ ١١٩٩٥) ثنا معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة - أحسبه عن ابن عبَّاس قال: من نذر أن ينحر نفسه أو ولده فليذبح كبشًا، ثم تلا ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ وورواه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (١٠/ ٧٣) من طريق شعبة، عن قَتَادة وخالد الحذاء عن عكرمة به نحوه. وجزم أنَّه عن ابن عبَّاس، وهذا أصح إسنادًا، ورواه عبد الرزاق أيضًا (٨/ ١٥٩٥٤): أخبرني ابن جريج، قال: أخبرني عطاء أن رجلًا جاء ابن عبَّاس فقال: نذرت لأنحرن نفسي، فقال ابن عبَّاس ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ ثم تلا ﴿وَفَدَينَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ ثم أمره بذبح كبش، وتابع عبد الرزاق، سفيان الثَّوري عن ابن جريج به، رواه الثوري في \"الجامع\" - ومن طريق الطبراني البيهقي، وقد رواه البيهقي أيضًا من طريق عثمان بن عمر أنبأ ابن جريج به، غير أن متنه: \"أن رجلًا قال لابن عبَّاس ﵄ إني نذرت أن أنحر بني … \" بدلًا من نحر نفسه، قال البيهقي: \"رواية عثمان بن عمر خطأ\" وقد رواه الطبراني في \"المعجم الكبير\" (١١/ ١١٤٤٣) وفي \"الأوسط\" (١ / رقم ٢٠٨) والبيهقي من طريقين عن عبد الملك بن شعيب نا ابن وَهْب، أخبرني اللَّيث، قال: قال يحيى بن سعيد الأنصاري: زعم ابن جريج أن عطاء بن أبي رباح حدثه أن رجلًا أتى ابن عبَّاس … الحديث وقال الطبراني: \"لم يرو هذا الحديث عن يحيى بن سعيد إلَّا اللَّيث، ولا عن اللَّيث إلَّا ابن وَهْب، تفرد به: عبد الملك بن شعيب\" كذا قال!! وتابعه أَبو عبيد الله أحمد بن عبد الرحمن ابن أخي ابن وَهْب حدثني عمي عبد الله بن وَهْب به. رواه من هذا الوجه البيهقي والخبر ذكره الهيثمي في \"المجمع\" (٤/ ١٩٣) وقال: \"رواه الطبراني في \"الكبير\" و\"الأوسط\" ..... ورجاله رجال الصحيح\" وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" (٥/ ٥٣٥) وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن مردويه.\n_________\n[¬١]- في ز: \"عهد\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من ت.\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- سقط من: خ، ز.\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.","vol":"12","page":44},{"text":"والصحيح الذي عليه الأكثرون أنَّه فُدي بكبش. وقال الثَّوري (^٥٨): عن رجل، عن أبي صالح، عن ابن عبَّاس في قوله: ﴿وَفَدَينَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ قال: وَعِل [¬١].\nوقال محمد بن إسحاق (^٥٩): عن عمرو بن عبيد، عن الحسن أنَّه كان يقول: ما فُدي إسماعيل إلَّا بتيس من الأرْوَى أهبط عليه من ثبير.\nوقد قال الإِمام أحمد (^٦٠): حدَّثنا سفيان، حدثني منصور، عن خاله مسافع، عن صفية بنت شيبة قالتَ: أخبرتني امرأة من بني سليم - وَلَدت عَامَّة أهل دارنا - أرسل رسول الله ﷺ إلى عثمان بن طلحة، وقال [¬٢] مَرَّة: إنها سألت عثمان: لم دعاك النبي ﷺ؟ قال: قال: \"إني كنتُ رأيتُ قرني الكبش حين دخلت البيت، فنسيت أن آمرك أن تخمّرهما، فخَمِّرْهما، فإنه لا ينبغي أن يكون في البيت شيء [¬٣] يشغل المصلي\". قال سفيان: لم يزل [¬٤] قرنا الكبش معلقين [¬٥] في البيت حتَّى احترق البيت، فاحترقا.\nوهذا دليل مستقل على أنَّه إسماعيل ﵇ فإن قريشًا توارثوا قرني الكبش الذي فدى به إبراهيم خلفًا عن سلف وجيلًا بعد جيل إلى أن بعث الله رسوله ﷺ.\n\n<span data-type='title' id=toc-152>فصل في ذكر الآثار الواردة عن السلف في أن الذبيح من هو؟</span>\n_________\n(^٥٨) - رواه ابن جريج في تفسيره (٢٣/ ٨٧) ثنا أَبو كريب، ثنا معاوية بن هشام، عن سفيان الثَّوري له وهذا إسناد ضعيف لجهالة شيخ الثَّوري، وقد أورده المصنف في \"قصص الأنبياء\" وقال: \"لا يصح عنه\".\n(^٥٩) - ومن طريق ابن إسحاق رواه ابن جرير (٢٣/ ٨٧) وعمرو بن عبيد متهم بالكذب لا سيما في مروياته عن الحسن. راجع ترجمته في \"التهذيب\".\n(^٦٠) - \" المسند\" (٤/ ٦٨)، (٥/ ٣٨٠) ورواه عبد الرزاق فِي \"المصنف\" (٥/ ٩٠٨٣) - ومن طريقه الطبراني في \"المعجم الكبير\" (٩/ ٨٣٩٦) ومن طريق الطبراني - المزي في \"تهذيب الكمال\" (٢٧/ ٤٢٤ / ترجمة مسافع\" - وابن أبي شيبة في \"المصنف\" (١/ ٤٩٧) والحميدي في مسنده (١ / رقم ٥٦٥) وأَبو داود في سننه، باب: الحج (٢٠٣٠) والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٢/ ٤٣٨) كلهم من طريق سفيان - وهو ابن عيينة - به نحوه، ورواية أبي داود: \"عن صفية قالت: سمعت الأسلمية تقول لعثمان. . \" الحديث ورجاله. كلهم ثقات، وصفية بنت شيبة لها رؤية واختلف في صحبتها، والأسلمية: قال ابن حجر ﵀ في \"التقريب\": \"لا تعرف\" وأثبت المزي صحبتها كما في \"تهذيب الكمال\" (١٩/ ٣٩٦ / ت عثمان بن طلحة) وعثمان بن طلحة صحابي مشهور.\n_________\n[¬١]- في ز: \"وعلًا\".\n[¬٢]- في ت: \"قال\".\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- في ز، خ: \"تزل\".\n[¬٥]- في خ، ز: \"معلقة\".","vol":"12","page":45},{"text":"ذكر من قال: هو إسحاق:\nقال حمزة الزيات (^٦١)، عن أبي يسرة ﵀ قال: قال يوسف ﵇ للملك في وجهه: ترغب أن تأكل معي، وأنا والله يوسف بن يعقوب نبي الله، ابن إسحاق ذبيح الله، ابن إبراهيم خليل الله.\nوقال الثوري (^٦٢): عن أبي سنان، عن ابن أبي الهذيل: أن يوسف ﵇ قال للملك كذلك أيضًا.\nوقال سفيان الثَّوري (^٦٣): عن زيد بن أسلم، عن عبد الله بن عبيد بن عمير، عن أبيه قال: قال موسى: يارب؛ يقولون: يا إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب، فبم قالوا ذلك؟ قال: إن إبراهيم لم يعدل بي شيء قط إلا اختارني عليه. وإن إسحاق جاد لي بالذبح، وهو بغير ذلك أجود. لأن يعقوب كلما زدته بلاء زادني حُسنَ ظن.\nوقال شعبة (^٦٤): عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص قال: افتخر رجل عند ابن مسعود فقال: أنا فلان بن فلان، ابن [¬١] الأشياخ الكرام. فقال عبد الله: ذاك يوسف بن يعقوب بن إسحاق ذبيح الله، ابن إبراهيم خليل الله.\n_________\n(^٦١) - رواه ابن جرير (٢٣/ ٨٣) بإسناد حسن إلى أبي ميسرة واسمه عمر بن شرحبيل.\n(^٦٢) - رواه ابن جرير (٢٣/ ٨٣) بإسناد صحيح إلى ابن أبي الهذيل واسمه عبد الله.\n(^٦٣) - رواه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٧/ ٤٤٩) وعبد الرزاق في تفسيره (٣/ ١٥٤) وابن جرير في تفسيره (٢٣/ ٨٢) والبيهقي في \"الشعب\" (٧/ ١٠٠٨) وابن عساكر في \"تاريخ دمشق\" (٢/ ٣٤٣ / مخطوط) من طرق عن سفيان به وإسناده صحيح وذكره السيوطي في \"الدر المنثور (٥/ ٥٣٠) وزاد نسبته إلى عبد بن حميد.\n(^٦٤) - رواه عبد الرزاق في تفسيره (٣/ ١٥٢) وابن جرير (٢٣/ ٨١) والطبراني في \"المعجم الكبير\" (٩/ ٨٩١٦) والحاكم (٢/ ٥٥٩) من طرق عن شعبة به وهذا إسناد صحيح إلى عبد الله بن مسعود كما قال المصنف وأعله الهيثمي في \"المجمع\" (٨/ ٢٠٥) بجهالة مشايخ الطبراني!! وهما متابعان ومعروفان .. والخبر ذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" (٥/ ٥٣٠) وعزاه إلى عبد بن حميد والطبراني. رواه الطبراني أيضًا (١٠/ ١٠٢٧٨) من طريق بقية بن الوليد عن شعبة عن أبي إسحاق عن أبي عبيدة عن عبد الله عن النبي ﷺ أنَّه سئل من أكرم الناس قال: \"يوسف بن يعقوب بن إسحاق ذبيح الله\" وهذا إسناده ضعيف لانقطاعه بين أبي عبيدة وأبيه عبد الله بن مسعود وبهذا أعله الهيثمي في \"المجمع\" (٨/ ٢٠٥) وزاد أنَّه من رواية بقية وهو مدلس وعنعن، غير أنَّه بقية متابع، من معاوية بن حفص عن شعبة به. رواه ابن الظفر في \"غرائب شعبة\" (١/ ١٣٨) -كما في \"الضعيفة\" لأبي عبد الرحمن الألباني (١ / رقم ٣٣٤) - فعلته الأصلية الانقطاع وبالله التوفيق.\n_________\n[¬١]- في خ: \"من\".","vol":"12","page":46},{"text":"وهذا صحيح إلى ابن مسعود، وكذا رَوَى عكرمة (^٦٥)، عن ابن عباس أنَّه إسحاق. وعن أبيه العباس (^٦٦)، وعلي بن أبي طالب (^٦٧) مثل ذلك. وكذا قال عكرمة وسعيد بن جبير، ومجاهد، والشعبي، وعبيد بن عمير، وأَبو ميسرة، وزيد بن أسلم، وعبد اللَّه بن شقيق، والزهري، والقاسم بن أبي بَزَّة [¬١]، ومكحول، وعثمان بن [¬٢] حاضر، والسدي، والحسن، وقَتَادة، وأَبو الهذيل، وابن سابط، وهو اختيار ابن جرير، وتقدم روايته عن كعب الأحبار أنَّه إسحاق.\nوهكذا روى ابن إسحاق (^٦٨) عن عبد الله بن أبي بكر، عن الزُّهْريّ، عن أبي سفيان ابن [¬٣] العلاء ابن جارية، عن أبي هريرة، عن كعب الأحبار، أنَّه قال: هو إسحاق.\nوهذه الأقوال - والله أعلم - كلها مأخوذة عن كعب الأحبار، فإنه لما أسلم في الدولة العُمَرية جعل يُحدِّث عمر ﵁ عن كتبه، فربما استمع له عمر ﵁ فترخص الناس في استماع ما عنده، ونقلوا عنه غَثَّها وسمينها، وليس بهذه [¬٤] الأمة - والله أعلم - حاجة إلى حرف واحد كما عنده. وقد حكى البغوي هذا القول بأنَّه إسحاق: عن عمر، وعلي، وابن مسعود، والعباس، ومن التابعين: عن كعب الأحبار، وسعيد بن جبير، وقَتَادة، ومسروق، وعكرمة، ومقاتل، وعطاء، والزهري، والسدي قال: وهو إحدى الروايتين عن ابن عباس.\nوقد ورد في ذلك حديث -لو ثبت لقلنا به على الرأس والعين، لكن لم يصح سنده- قال\n_________\n(^٦٥) - رواه ابن جرير (٢٣/ ٨١) والحاكم (٢/ ٥٥٨) من طرق عن داود بن أبي هند عن عكرمة به وهذا إسناد صحيح وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" (٥/ ٥٣١) وزاد عزوه إلى الفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد.\n(^٦٦) - يأتي تخريجه.\n(^٦٧) - رواه عبد الرزاق في تفسيره (٣/ ١٥٢) أنا رجل عن الحجاج بن أرطاة عن القاسبم بن أبي بزة، عن أبي الطفيل، عن علي به. وهذا إسناد ضعيف لجهالة شيخ عبد الرزاق وضعف الحجاج بن أرطاة وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" (٥/ ٥٣١) وزاد نسبته إلى سعيد بن منصور وابن المنذر.\n(^٦٨) - ومن طريقه ابن جرير في تفسيره (٨١/ ٢٣) وتحرف فيه اسم شيخ ابن إسحاق من (عبد الله بن أبي بكر\" إلى \"عبد الرحمن بن أبي بكر\" ووقع فيه تسمية شيخ الزهري - \"العلاء بن حارثة الثقفي\" وهو هنا: \"أَبو سفيان بن العلاء بن جارية، وكلاهما لم أهتد لترجمته وأظن أن الاسم محرف وصوابه \"عمرو بن أبي سفيان بن أسيد بن جارية الثقفي، وهذا مترجم في \"التهذيب\" ومذكور فيه روايته عن أبي هريرة، ورواية الزُّهْريّ عنه وقد تقدم الخبر مطولًا من طريقه فانظر رقم (٤٨).\n_________\n[¬١]- في خ: \"برزة\".\n[¬٢]- بعده في خ، ز: \"أبي\".\n[¬٣]-في ز: \"عن\".\n[¬٤]- في ت: \"لهذه\".","vol":"12","page":47},{"text":"ابن جرير (^٦٩):\nحدَّثنا أَبو كريب، حدَّثنا زيد بن حُبَاب، عن الحسن بن دينار، عن علي بن زيد بن جُدعان، عن الحسن، عن الأحنف بن قيس، عن العباس بن عبد المطلب، عن النبي ﷺ في حديث ذكره قال: \"هو إسحاق\".\nففي إسناده ضعيفان، وهما الحسن بن دينار البصري؛ متروك، وعلي بن زيد بن جُدْعان، منكر الحديث. وقد رواه ابن أبي حاتم، عن أبيه، عن مسلم بن إبراهيم، عن حمَّاد بن سلمة، عن علي بن زيد بن جُدْعان، به مرفوعًا. ثم قال [¬١]: قد رواه مبارك بن فضالة، عن الحسن، عن الأحنف، عن العباس قوله، وهذا أشبه وأصح.\n\n<span data-type='title' id=toc-153>ذكر الآثار الواردة بأنه إسماعيل ﵇ وهو الصحيح المقطوع به</span>\nقد تقدمت الرواية عن ابن عبَّاس أنَّه إسحاق، [وقال] [¬٢] سعيد بن جبير، وعامر الشعبي،\n_________\n(^٦٩) - ضعيف جدًّا.\nتفسير ابن جرير (٢٣/ ٨١) ورواه البزار في مسنده (٤/ ١٣٠٧ / [البحر الزخار]) وابن عساكر في \"تاريخ دمشق\" (٢/ ٤٢٣ / مخطوط) من طريق أبي كريب به، غير أنَّه وقع في بعض روايات ابن عساكر عدم التصريح بذكر \"الحسن بن دينار\" فقال: \"عن رجل أو شيخ هن أهل البصرة، عن علي بن زيد\" وكناه البزار في روايته بـ \"أَبو سعيد\" ولذلك لم يعرفه الهيثمي فقال في \"المجمع\" (٨/ ٢٠٥): \"رواه البزار من رواية أبي سعيد عن علي بن زيد، وأَبو سعيد لم أعرفه، وعلي بن زيد ضعيف، وقد وثق\" غير أن ابن عدي اتهم به \"أَبو سعيد الحسن بن دينار\" فاستنكره له في \"الكامل\" (٢/ ٧١٣) وقال: \"وهذا الحديث بهذا الإسناد لا أعرفه إلَّا من حديث الحسن بن دينار\" وقال البزار: \"وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن العباس عن النبي صلى الله عليه: سلم - إلَّا من حديث أبي سعيد عن علي بن زيد، وأَبو سعيد هذا هو الحسن بن دينار وهو ليس بالقوي في الحديث، وقد روى هذا الحديث حمَّاد بن سلمة عن علي بن زيد عن الحسن عن الأحنف بن قيس عن النبي ﷺ. مرسلًا ولم يقل عن العباس، وإنَّما ذكرنا هذا الحديث وإن كان الحسن لين الحديث لنبين أنَّه رفعه، وأن الحديث له أصل من حديث حمَّاد بن سلمة\" وقد رواه من طريقه الحاكم في \"المستدرك\" (٢/ ٥٥٦) ثنا الحسن بن يعقوب العدل، ثنا يحيى بن أبي طالب، ثنا زيد بن الحباب، عن حمَّاد بن سلمة، عن علي بن زيد عن الحسن عن الأحنف بن قيس عن العباس بن عبد المطلب به. ورواه ابن أبي حاتم -كما ذكر المصنف أعلاه- من طريق مسلم بن إبراهيم، عن حمَّاد بن سلمة به. هكذا مرفوعًا ومن رواية حمَّاد بن سلمة وقال الحاكم: \"حديث صحيح رواه الناس عن علي بن زيد بن جدعان تفرد به \"ووافقه الذهبي!! وعلي بن زيد ضعيف وله مناكير وتابعه مبارك بن فضالة -وهو مثله في الضعف- فرواه البزار (١٣٠٨) من طريق مسلم بن إبراهيم نا مبارك عن الحسن عن الأحنف عن العباس مرفوعًا =\n_________\n[¬١]- سقط من: خ، ز.\n[¬٢]- في ت: \"قال\".","vol":"12","page":48},{"text":"ويوسف بن مهران، ومجاهد، وعطاء، وغير واحد، عن ابن عبَّاس (^٧٠): هو إسماعيل ﵇.\nوقال ابن جرير (^٧١): حدثني يونس، أخبرنا ابن وَهْب، أخبرني عمر بن قيس، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عبَّاس أنَّه قال: المفدى إسماعيل ﵇، وزعمت اليهود أنَّه إسحاق، وكذبت اليهود.\nوقال إسرائيل (^٧٢) عن ثوير عن مجاهد عن ابن عمر قال: الذبيح إسماعيل.\nوقال ابن أبي نجيح عن مجاهد: هو إسماعيل. وكذا قال يوسف بن مهران.\nوقال الشعبي: هو إسماعيل ﵇ وقد رأيت قرني الكبش في الكعبة.\nوقال محمد بن إسحاق (^٧٣) عن الحسن بن دينار وعمرو بن عبيد، عن الحسن البصري: أنَّه كان لا يشك [¬١] في ذلك: أن الذي أمِرَ بذبحه من ابني إبراهيم: إسماعيل.\nقال ابن إسحاق (^٧٤): وسمعت محمد بن كعب القرظي وهو [¬٢] يقول: إن الذي أمر الله\n_________\n= بلفظ \"الذبيح إسحاق\" قال الهيثمي في \"المجمع\" (٨/ ٢٠٥): \"فيه مبارك بن فضالة وقد ضعفه الجمهور\" قال البزار: \"وقد رواه جماعة عن المبارك بن فضالة عن الحسن عن الأحنف عن العباس موقوفًا\" وهذا أشبه وأصح كما قال المصنف والله أعلم.\n(^٧٠) - انظر هذه الطرق في تفسير ابن جرير (٢٣/ ٨٣، ٨٤) وانظر \"الدر المنثور\" (٥/ ٥٢٩) وصححه الحاكم على شرط الشيخين من طريق الشعبي عنه ابن عبَّاس به \"المستدرك\" (٢/ ٥٥٥) ووافقه الذهبي.\n(^٧١) - تفسير ابن جرير (٢٣/ ٨٤) ورواه الحاكم (٢/ ٥٥٤، ٥٥٥) من طريق بحر بن نصر الخولاني، ثنا عبد الله بن وَهْب به، وسكت عنه الحاكم، قال الذهبي: \"سمعه ابن وَهْب منه - يعني من عمر بن قيس - وهو هالك\" وعمر بن قيس هنا هو المكي المعروف بـ \"سندل\" كذبه ابن معين في رواية وتركه أحمد وعمرو بن علي والنسائي وأَبو داود وأَبو حاتم وقال البخاري: \"منكر الحديث\" وضعفه غير واحد.\nوالخبر ذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" (٥/ ٥٢٩) ولم يعزه لغير ابن جرير والحاكم.\n(^٧٢) - رواه ابن جرير (٨٣/ ٢٣) والحاكم (٢/ ٢٥٤) من طريقين عن إسرائيل به وسكت عنه الحاكم - ونقل السيوطي في \"الدر المنثور\" (٥/ ٥٢٩) تصحيحه عنه، وقال الذهبي \"ثوير بن أبي فاختة: واهٍ\" ضعفه ابن معين وأَبو حاتم وغيرهما وتركه الدارقطني وقال النَّسائي: \"ليس بثقة\" وقال أَبو زرعة: \"ليس بذاك القوي\" وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" وزاد عزوه إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n(^٧٣) - ومن طريق ابن إسحاق رواه ابن جرير (٨٤/ ٢٣) وإسناده لا يصح إلى الحسن البصري. الحسن بن دينار تركه غير واحد وعمرو بن عبيد متهم بالكذب لا سيما في مروياته عن الحسن، والأول من رجال \"لسان الميزان\" والثاني من رجاله \"التهذيب\".\n(^٧٤) - ومن طريق ابن إسحاق رواه ابن جرير (٢٣/ ٨٤) والحاكم (٢/ ٥٥٥) وذكره السيوطي في =\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.","vol":"12","page":49},{"text":"إبراهيم بذبحه من ابنيه إسماعيل. وإنا لنجد ذلك في كتاب الله، وذلك أن الله حين فرغ من قصة المذبوح من ابني إبراهيم قال: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ يقول الله تعالى: ﴿فَبَشَّرْنَاهَا [¬١] بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾، يقول: بابن وابن ابن، فلم يكن ليأمره بذبح إسحاق وله فيه من الموعود ما وعده، وما الذي أمر بذبحه إلَّا إسماعيل.\nوقال ابن إسحاق (^٧٥): عن بُرَيدة بن سفيان بن فَرْوَةَ الأسلمي، عن محمد بن كعب القرظى أنَّه حدثهم: أنَّه ذكر ذلك لعمر بن عبد العزيز وهو خليفة إذ كان معه بالشام، فقال له عمر: إن هذا لشيء ما كنت أنظر فيه، وإني لأراه كما قلت. ثم أرسل إلى رجل كان عنده بالشام، كان يهوديًّا فأسلم وحَسُن إسلامه، وكان يرى أنَّه من علمائهم، فسأله عمر بن عبد العزيز عن ذلك - قال محمد بن كعب: وأنا عند عمر بن عبد العزيز - فقال له عمر: أيّ ابني إبراهيم أمِرَ بذبحه؟ فقال: إسماعيل والله. يا أمير المؤمنين، وإن يهود لتعلم بذلك، ولكنهم يحسدونكم معشر العرب على أن يكون أباكم الذي كان من أمر الله فيه والفضل الذي ذكره الله منه لصبره لمَا أمر به، فهم يجحدون ذلك، ويزعمون أنَّه إسحاق، بكون إسحاق أباهم [¬٢]، والله أعلم أيهما كان، وكلٌّ قد كان طاهرًا طيبًا مطيعًا لله ﷿.\nوقال عبد الله ابن الإِمام أحمد بن حنبل ﵀: سألت أبي عن الذبيح، مَن هو؟ إسماعيل أو إسحاق؟ فقال: إسماعيل. ذكره في \"كتاب الزهد\".\nوقال ابن أبي حاتم: وسمعت أبي يقول: الصحيع أن الذبيح إسماعيل ﵇. قال: ورُويَ عن علي، وابن عمر، وأبي هريرة، وأبي الطفيل، وسعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، والحسن، ومجاهد، والشعبي، ومحمد بن كعب القرظي، وأبي جعفر محمد بن علي، وأبي صالح أنهم قالوا: الذبيح إسماعيل.\nوقال البغوي في تفسيره: وإليه ذهب عبد الله بن عمر، وسعيد بن المسيب، والسدي، والحسن البصري، ومجاهد، والربيع بن أَنس، ومحمد بن كعب القرظي، والكلبي، وهو رواية عن ابن عبَّاس، وحكاه أيضًا عن أبي عمرو بن العلاء.\nوقد روى ابنُ جرير في ذلك حديثًا غريبًا فقال (^٧٦): حدثني محمد بن عمار الرازي،\n_________\n= \"الدر المنثور\" (٥/ ٥٢٩) وزاد نسبته إلى عبد بن حميد.\n(^٧٥) - ومن طريق ابن إسحاق رواه ابن جرير (٢٣/ ٨٤، ٨٥) وبريدة بن سفيان الأسلمي \"ليس بالقوي، وفيه رفض\" كذا في \"التقريب\" وابن إسحاق مدلس وقد عنعنه غير أنَّه رواه عن محمد بن كعب مباشرة دون واسطة، وفيه تصريحه بالسماع لكن دون ذكر لعمر بن عبد العزيز في الخبر انظر السابق.\n(^٧٦) - إسناده واهٍ. =\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"وبشرناها.\n[¬٢]- في ز، خ: \"أَبوهم\".","vol":"12","page":50},{"text":"حدَّثنا إسماعيل بن عبيد بن أبي كريمة، حدَّثنا عمر بن عبد الرحيم الخطابي، عن عُبيد الله بن محمد العُتْبي - من ولد عُتبة بن أبي سفيان - عن أبيه: حدثني عبد الله بن سعيد، عن الصُّنَابحي قال: كنا عند معاوية بن أَبي سفيان، فذكروا الذبيح: إسماعيل أو إسحاق؟ فقال: على الخبير سَقَطتُم، كنا عند رسول الله ﷺ، فجاءه رجل فقال: يا رسول الله، عُدْ علي مما أفاء الله عليك يا ابن الذبيحين. فضحك رسول الله ﷺ. فقيل له: يا أمير المؤمنين، وما الذبيحان؟ فقال: إن عبد المطلب لما أُمِر بحفر زمزم نذر لله إن سهل الله أمرها عليه [¬١] ليَذْبَحَن أحدَ ولده، قال: فخرج السهم على عبد الله، فمنعه أخواله وقالوا: افد ابنك بمائة من الإِبل. ففداه بمائة من الإِبل، وإسماعيل الثاني.\nوهذا حديث غريب جدًّا، وقد رواه الأموي في مغازيه: حدَّثنا بعض أصحابنا، أخبرنا إسماعيل بن عبيد بن أبي كريمة، حدَّثنا عمر بن عبد الرحمن القرشي، حدَّثنا عبيد [¬٢] الله بن محمد العتبي - من [¬٣] ولد عتبة بن أبي سفيان - حدَّثنا عبد الله بن سعيد [¬٤]، حدَّثنا الصنابحي قال: حضرنا مجلس معاوية، فتذاكر القوم إسماعيل وإسحاق، وذكره. كذا كتبته من نسخة [] [¬٥] وإنما عَوَّل ابنُ جرير في اختياره أن الذبيح إسحاق على قوله تعالى: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ [¬٦] بِغُلَامٍ حَلِيمٍ﴾ بغلام حليم، فجعل هذه البشارة هي البشارة بإسحاق في قوله: ﴿وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ﴾، وأجاب عن البشارة بيعقوب بأنه قد كان بلغ معه السعي، أي العمل، ومن الممكن أنَّه قد كان ولد له أولاد مع يعقوب أيضًا، قال: وأما القرنان اللذان كانا مُعَلَّقين بالكعبة فمن الجائز أنهما نقلا من بلاد الشام. قال [¬٧]: وقد تقدم أن من الناس من ذهب إلى أنَّه ذبيح [¬٨] إسحاق هناك. هذا ما اعتمد عليه في تفسيره، وليس ما ذهب إليه بمذهب ولا لازم، بل هو [¬٩] بعيد جدًّا، والذي استدل به محمد بن كعب القرظي على أنَّه إسماعيل أثبت\n_________\n= تفسير ابن جرير (٢٣/ ٨٥) وقد رواه الأموي -كما ذكره المصنف بعد هذا وعزاه له السيوطي في \"الدر المنثور\" (٥/ ٥٢٩) - والحاكم في \"المستدرك\" (٢/ ٥٥٤) من طريق إسماعيل بن عبيد به، وعند الحاكم تحريف في الإسناد يصوب من هنا وسكت عنه الحاكم وقال الذهبي: \"إسناده واه\" وضعف إسناده السيوطي في \"الدر المنثور\" وزاد عزوه إلى الخلعي في فوائده - وبين علة ضعفه في \"الفتاوى\" (٢/ ٣٥) فقال: \"هذا حديث غريب، وفي إسناده من لا يعرف حاله\" قلت: عبد الله بن سعيد جهله الذهبي في \"ديوان الضعفاء\" (ت / ٢١٨١) وعمر بن عبد الرحيم والعتبي لم أهتد لترجمة لهما، وانظر لزامًا \"الضعيفة\" لأبي عبد الرحمن الألباني (١/ ٣٣١)، (١/ ٤٦٧٧) والله المستعان.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في خ، ز: \"عبد\".\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- في خ، ز: \"سعد\".\n[¬٥]- بياض في: خ، ز.\n[¬٦]- في ز، خ: \"وبشرناه\".\n[¬٧]- سقط من: ز، خ.\n[¬٨]- في خ، ز: \"ذهب\".\n[¬٩]- سقط من: ز، خ.","vol":"12","page":51},{"text":"وأصح وأقوى، والله أعلم.\nوقوله: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾، لما تقدمت البشارة بالذبيح - وهو إسماعيل - عطف بذكر البشارة بأخيه إسحاق، وقد ذكرت في سورتي \"هود\" و\"الحجر\". وقوله: ﴿نَبِيًّا﴾ حال مقدرة [¬١] أي سيصير منه نبي من الصالحين.\nوقال ابن جرير (^٧٧): حدثني يعقوب، حدَّثنا ابن عُلَيّة، عن داود، عن عكرمة قال: قال ابن عبَّاس ﵄: الذبيح إسحاق. قال: وقوله: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾، قال: بشر بنبوته، قال: وقوله: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا﴾، قال: كان هارون أكبر من موسى، ولكن أراد: وَهَب له نبوته.\nوحدثنا ابن عبد الأعلى (^٧٨)، حدَّثنا المعتمر بن سليمان قال [¬٢]: سمعتُ داود يُحدّث، عن عكرمة، عن ابن عباس في هذه الآية: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾، قال: إنما بُشّر به نبيًّا حين فداه الله من الذبح، ولم تكن البشارة بالنبوة عند مولده.\nوقال ابن أبي حاتم (^٧٩): حدَّثنا أبي، حدَّثنا أَبو نُعَيم، حدَّثنا سفيان] [¬٣] الثوري، عن داود، عن عكرمة، عن ابن عبَّاس: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾، قال: بُشّر به حين ولد، وحين نُبّي.\nوقال سعيد بن أبي عَرُوبَةَ (^٨٠): عن قَتَادة في قوله: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾، قال: بعد ما كان من أمره، لما جاد لله بنفسه وقال الله: ﴿وَبَارَكْنَا عَلَيهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ﴾.\nوقوله: ﴿وَبَارَكْنَا عَلَيهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾، كقوله تعالى: ﴿قِيلَ يَانُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.\n_________\n(^٧٧) - (^٧٨) - تفسير ابن جرير (٨١، ٨٩) وإسناده صحيح وتقدم تخريجه برقم (٦١).\n(^٧٩) - وعزاه إلى ابن أبي حاتم السيوطي في \"الدر المنثور\" (٥/ ٥٣٦) ورواه الحاكم (٢/ ٥٥٧) من طريق وكيع عن سفيان به. وقال: \"صحيح الإسناد\" ووافقه الذهبي وهو كما قالا، وانظر السابق وقد زاد عزو هذا الخبر السيوطي إلى عبد حميد وابن أبي شيبة وابن المنذر\".\n(^٨٠) - تفسير ابن جرير (٢٣/ ٨٩) بإسناد صحيح إلى قَتَادة، ورواه عنه أيضًا عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n_________\n[¬١]- في خ، ز: \"تقرره\".\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.","vol":"12","page":52},{"text":"﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ (١١٤) وَنَجَّينَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (١١٥) وَنَصَرْنَاهُمْ فَكَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ (١١٦) وَآتَينَاهُمَا الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ (١١٧) وَهَدَينَاهُمَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (١١٨) وَتَرَكْنَا عَلَيهِمَا فِي الْآخِرِينَ (١١٩) سَلَامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ (١٢٠) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٢١) إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (١٢٢)﴾\nيذكر تعالى ما أنعم به على موسى وهارون من النبوة والنجاة بمن آمن معهما، من قهر فرعون وقومه، وما كان يعتمده في حقهم من الإِساءة العظيمة، من قتل الأبناء واستحياء النساء، واستعمالهم في أخسِّ الأشياء. ثم بعد هذا كله نصرهم عليهم، وأقر أعينهم منهم، فغلبوهم وأخذوا أرضهم وأموالهم وما كانوا جمعوه طول حياتهم. ثم أنزل الله على موسى الكتاب العظيم الواضح الجلي المستبين، وهو التوراة، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَينَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً﴾، وقال هاهنا: ﴿وَآتَينَاهُمَا الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ (١١٧) وَهَدَينَاهُمَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ أي: في الأقوال والأفعال، ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيهِمَا فِي الْآخِرِينَ﴾ أي: أبقينا لهما من بعدهما ذكرًا جميلًا وثناءً حسنًا ثم فسره بقوله: ﴿سَلَامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ (١٢٠) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٢١) إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾.\n﴿إِذْ قَال لِقَوْمِهِ أَلَا تَتَّقُونَ (١٢٤) أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ (١٢٥) اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (١٢٦) فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (١٢٧) إلا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (١٢٨) وَتَرَكْنَا عَلَيهِ فِي الْآخِرِينَ (١٢٩) سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ (١٣٠) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٣١)﴾\nقال قَتَادة ومحمد بن إسحاق، يقال: إلياس هو إدريس.\nوقال ابن أبي حاتم (^٨١): حدَّثنا أبي، حدَّثنا أَبو نُعَيم، حدَّثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق،\n_________\n(^٨١) - وعزاه إلى ابن أبي حاتم السيوطي في \"الدر المنثور\" (٥/ ٥٣٧) ورواه ابن عساكر في \"تاريخ دمشق\" (٣/ ٨٣ / مخطوط) وابن جرير وعبد بن حميد وابن المنذر وابن ماجة في \"التفسير\" -كما في \"التهذيب\" لابن حجر ﵀ ترجمة (عبيدة بن ربيعة) وكذا في \"الدر المنثور\" - من طريق إسرائيل به وعلقه البخاري في صحيحه، كتاب: الأنبياء، باب (رقم ٤) فقال: \"ويذكر عن ابن مسعود وابن عبَّاس أن إلياس هو =","vol":"12","page":53},{"text":"عن عَبيدة بن ربيعة عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: إلياس هو إدريس. وكذا قال الضحاك.\nوقال وَهْب بن منبه: هو إلياس بن ياسين [¬١] بن فنحاص بن العيزار بن هارون بن عمران، بعثه الله في بني إسرائيل بعد حزقيل ﵉ وكانوا قد عبدوا صنمًا يقال له: \"بعل\"، فدعاهم إلى الله، ونهاهم عن عبادة ما سواه، وكان قد آمن به ملكهم ثم ارتد، واستمروا على ضلالتهم، ولم يؤمن به منهم أحد. فدعا الله عليهم، فحَبَس عنهم القَطْر ثلاث سنين، ثم سألوه أن يكشف ذلك عنهم، ووعدوه [¬٢] الإيمان به إن هم أصابهم المطر. فدعا الله لهم، فجاءهم الغيث فاستمروا على أخبث ما كانوا عليه من الكفر، فسأل الله أن يقبضه إليه. وكان قد نشأ على يديه اليسع بن أخطوب ﵇ فأمر الياس أن يذهب إلى مكان [¬٣] كذا وكذا، فمهما جاءه فليركبه [ولا يهبه] [¬٤]، فجاءته فرس من نار فركب، وألبسه الله النور وكساه الريش، وكان يطير مع الملائكة ملكًا إنسيًّا سماويًّا أرضيًّا. هكذا حكاه وَهْب عن أهل الكتاب، والله أعلم بصحته.\n﴿إِذْ قَال لِقَوْمِهِ أَلَا تَتَّقُونَ﴾؟ أي: ألا تخافون الله في عبادتكم غيره؟ ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ﴾، قال ابن عبَّاس، ومجاهد، وعكرمة، وقَتَادة، والسدي: بعلًا يعني: ربًّا.\nقال قَتَادة وعكرمة: وهي لغة أهل اليمن. وفي رواية عن قَتَادة قال: هي لغة أزْد شَنُوءة.\nوقال ابن إسحاق: أخبرني بعض أهل العلم أنهم كانوا يعبدون امرأة اسمها \"بعل\".\nوقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه: هو اسم صنم كان يعبده أهل مدينة يقال لها: \"بعلبك\"، غربي دمشق.\nوقال الضحاك: هو صنم كانوا يعبدونه.\nوقوله: ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلًا﴾، أي: أتعبدون صنمًا؟ ﴿وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ (١٢٥) اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ أي: هو المستحق للعبادة وحده لا شريك له.\n_________\n= إدريس\" قال ابن حجر ﵀ في \"الفتح\" (٦/ ٣٧٣): \"قول ابن مسعود وصله عبد بن حميد وابن أبي حاتم بإسناد حسن عنه .... وقول ابن عبَّاس وصله جويبر في تفسيره عن الضحاك عنه، وإسناده ضعيف، ولهذا لم يجزم به البخاري وكذا لم يجزم بخبر ابن مسعود حيث أن عبيدة بن ربيعة لم يوثقه غير العجلي وابن حبان وقال ابن حجر ﵀ نفسه \"التقريب\". \"مقبول\"!!.\n_________\n[¬١]- في خ: \"نسبي\"، وفي ز: \"تسبي\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"فوعدوه\".\n[¬٣]- سقط من: خ، ز.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.","vol":"12","page":54},{"text":"قال اللَّه تعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ أي: للعذاب يوم الحساب، ﴿إلا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ أي: الموحدين منهم، وهذا استثناء منقطع من مثبت.\nوقوله: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيهِ فِي الْآخِرِينَ﴾ أي: ثناءً جميلًا، ﴿سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ﴾، كما يقال [¬١] في إسماعيل: إسماعين، وهي لغة بني أسد. وأنشد بعض بني نمير [¬٢] في ضبٍّ صاده:\nيقول رب السوق لما جينا … هذا ورب [البيت إسرائينا] [¬٣]\nويقال: ميكال وميكائيل وميكائين، وإبراهيم وإبراهام، واسرائيل وإسرائين، وطور سيناء، وطور سينين، وهو موضع واحد، وكل هذا سائغ.\nوقرأ آخرون: \"سَلَامٌ عَلَى إِدريس\" [¬٤] \". وهي قراءة عبد اللَّه بن مسعود. وآخرون: ﴿سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ﴾، يعني: آل محمد ﷺ.\nوقوله: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٣١) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾ قد تقدم تفسيره.\n﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (١٣٢) وَإِنَّ لُوطًا لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٣) إِذْ نَجَّينَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (١٣٤) إلا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ (١٣٥) ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ (١٣٦) وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٣٨)﴾\nيخبر تعالى عن عبده ورسوله لوط ﵇ أنَّه بعثه إلى قومه فكذبوه، فنجاه الله من بين أظهرهم هو وأهله، إلا امرأته فإنها هلكت مع من هلك من قومها، فإن الله تعالى أهلكهم بأنواع من العقوبات، وجعل محلتهم من الأرض بحيرة منتنة قبيحة المنظر والطعم والريح، وجعلها بسبيل مقيم يمر بها المسافرون ليلًا ونهارًا؛ ولهذا قال: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ أي: أفلا تعتبرون بهم، كيف دمر الله عليهم، وتعلمون أن للكافرين أمثالها؟!\n﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٩) إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١٤٠) فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ (١٤١) فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ (١٤٢) فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"قال\".\n[¬٢]- في خ، ز: \"تميم\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في ز: \"أَنس أبينا\".\n[¬٤]- في ز، خ: \"إل ياسين\".","vol":"12","page":55},{"text":"الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤٤) فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ (١٤٥) وَأَنْبَتْنَا عَلَيهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ (١٤٦) وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (١٤٧) فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ (١٤٨)﴾\nوقد تقدمت قصة يونس ﵇ في \"سورة الأنبياء\" وفي الصحيحين (^٨٢) عن رسول اللَّه ﷺ أنه قال: \"ما ينبغي لعبد أن يقول: أنا خير من يونس بن متى\". ونَسَبَه إلى أمه وفي رواية قيل: \"إلى أبيه\".\nوقوله: ﴿إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾، قال ابن عباس: هو المُوقر. أي: المملوء بالأمتعة.\n﴿فَسَاهَمَ﴾ أي: قارع، ﴿فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾ أي: المغلويين، وذلك أن السفينة تَلَغَّبَتْ بها الأمواج من كل جانب، وأشرفوا على الغرق، فتساهموا [¬١] على من تقع عليه القرعة يُلقى في البحر، لتخف بهم السفينة، فوقعت القرعة على نبي اللَّه يونس ﵊ ثلاث مرات، وهم يضنون به أن يلقى من بينهم، فتجرد من ثيابه ليلقي نفسه وهم يأبون عليه ذلك. وأمر اللَّه تعالى حوتًا من البحر الأخضر أن يشق البحار، وأن يلتقم يونس ﵇ فلا يَهْشِمُ له لحمًا، ولا يكسر له عظمًا. فجاء ذلك الحوت وألقى يونس ﵇ نفسه، فالتقمه الحوت، وذهب به فطاف به البحار كلها. ولما استقر يونس في بطن الحوت، حسب أنه قد مات، ثم حرك رأسه ورجليه وأطرافه فإذا هو حي، فقام يصلى في بطن الحوت، وكان من جملة دعائه: \"يا رب، اتخذتُ لك مسجدًا في موضع لم يبلغه أحد من الناس\". واختلفوا في مقدار ما لبث في بطن الحوت، فقيل: ثلاثة أيام. قاله قتادة. وقيل: جُمْعَة. قاله جعفر الصادق. وقيل: أربعين يومًا. قاله أبو مالك.\nوقال مُجَالد، عن الشعبي: التقمه ضحًى، وقذفه عشية.\nوالله أعلم بمقدار ذلك وفي شعر أمية بن أبي الصلت:\nوَأنْتَ بفضل منْكَ نجَّيتَ يُونُسا … وَقَدْ بَاتَ فيِ أضْعَاف حُوتٍ لَياليًا\nوقوله: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾، قيل: لولا ما تقدم له من العمل في الرخاء. قاله الضحاك بن قيس، وأبو العالية، ووهب بن منبه، وقتادة،\n_________\n(^٨٢) - صحيح البخاري: كتاب: الأنبياء (٤٣١٣) - وانظره بأطرافه عند رقم (٣٣٩٥) - ورواه أحمد (١/ ٢٤٢) ومسلم كتاب: الفضائل (١٦٧) (٢٣٧٧)، وأبو داود، كتاب: السنة (٤٦٦٩) من طريق شعبة عن قتادة عن أبي العالية عن ابن عباس مرفوعًا به.\n_________\n[¬١]- في ت: \"فساهموا\".","vol":"12","page":56},{"text":"وغير واحد، واختاره ابن جرير، وقد ورد في الحديث الذي سنورده ما يدل على ذلك إن صح الخبر. وفي حديث عن [¬١] ابن عباس (^٨٣): \" تَعَرّف إلى اللَّه في الرخاء يعرفك في الشدة\".\nوقال ابن عباس، وسعيد بن جبير، والضحاك، وعطاء بن السائب، والسدي، والحسن، وقتادة: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ﴾ يعني: المصلين. وصرح بعضهم بأنه كان من المصلين قبل ذلك، وقال بعضهم: كان من المسبحين في جوف أبويه.\nوقيل المراد: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ﴾ هو قوله: ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّينَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾، قاله سعيد بن جبير وغيره.\nوقال ابن أبي حاتم (^٨٤): حدثنا أبو عبيد اللَّه ابن أخي ابن وهب، حدثنا عمي، حدثنا أبو صخر: أن يزيد الرقاشي حَدّثه: أنه سمع أنس بن مالك- ولا أعلم إلا أنّ [¬٢] أنسًا يرفع الحديث إلى رسول اللَّه ﷺ: \"أن يونس النبي ﷺ حين بدا له أن يدعو بهذه الكلمات وهو في بطن الحوت، فقال: اللهم، لا إله إلا أنت سبحانك، إني كنت من الظالمين. فأقبلت الدعوة تحف [¬٣] بالعرش، قالت الملائكة: يا رب، هذا صوت ضعيف معروف من بلاد بعيدة [¬٤] غريبة؟ فقال: أما [¬٥] تعرفون ذلك. قالوا: يا رب، ومن هو؟ قال: عبدي يونس. قالوا: [عبدك يونس الذي] [¬٦] لم يزل يرفع له عمل متقبل [¬٧]، ودعوة مستجابة؟! قالرا: يارب، أو لا ترحم ما كان يصنع في الرخاء فتنجّيَه من البلاء؟ قال: بلى. فأمر الحوت فطرحه بالعراء\".\n_________\n(^٨٣) - رواه أحمد (١/ ٢٩٣، ٣٠٣) والترمذي، كتاب: صفة القيامة (٢٥١٦) وأبو يعلى في مسنده (٤/ ٢٥٥٦) وابن السني في \"عمل اليوم والليلة\" (٤٢٥) والطبراني في \"الدعاء\" (٢ / رقم ٤٢) والبيهقي في \"الشعب\" (١ / رقم ١٩٥) من طريق الليث بن سعد -مقرونًا به ابن لهيعة عند الترمذي- عن قيس بن الحجاج عن حنش عن ابن عباس مرفوعًا بالحديث المشهور- \"يا غلام، إني أعلمك كلمات احفظ اللَّه يحفظك … \" وليس فيه اللفظة التي هنا وهذه قد رواها أحمد (١/ ٣٠٧) والبيهقي في \"الأسماء والصفات\" (١ / رقم ١٢٦) من طريق نافع بن يزيد وابن لهيعة وكهمس بن الحسن وهمام عن قيس بن الحجاج به ورواه الآجري في \"الشريعة\" (١ / رقم ٤٥٠) من طريق يزيد بن أبي حبيب عن حنش له باللفظ الأول، وقال الترمذي: \"حديث حسن صحيح\"- قال الحافظ أبو عبدة بن منده: \"لهذا الحديث طرق- انظرها في، المصدر الآتي، و\"السنة\" لا بن أبي عاصم (٣١٨:٣١٦) - عن ابن عباس وهذا أصحها وهذا إسناد مشهور رواته \"ثقات\" - نقلًا من كتاب \"نور الاقتباس في مشكاة وصية النبي ﷺ لابن عباس\" لابن رجب الحنبلي (ص ٣٠، ٣١) وقال ابن رجب هنا أيضًا وفي \"جامع العلوم والحكم\" (١/ ٤٨٣): \"وقد روى هذا الحديث عن ابن عباس من رواية جماعة … وفي أسانيدها جميعها مقال: وفي ألفاظها بعض الزيادة والنقص، … وأجود أسانيده من رواية حنش عن ابن عباس، وهو إسناد حسن لا بأس به\" ومن هذا الوجه اختاره الضياء في \"المختارة\" (٨/ ١٢: ١٥) وصححه أبو عبد الرحمن الألباني كما في حاشية \"السنة\" (١ / رقم ٣١٦) واللَّه الموفق.\n(^٨٤) - وقد تقدم عند المصنف (سورة الأنبياء / آية ٨٧) كما هنا، وكذا نقله في \"قصص الأنبياء\" له وقد عزاه لابن أبي حاتم أيضًا السيوطي في \"الدر المنثور\" (٤/ ٥٩٩)، (٥/ ٥٤٠) وقد رواه ابن جرير (٢٣/ ١٠٠) حدثني يونس عن ابن وهب به، وإسناده ضعيف لضعف يزيد الرقاشي، لكن قواه المصنف بحديث أبي هريرة الآتي تخريجه- فقال في \"القصص\" عقب هذا الحديث \"غريب من هذا الوجه، ويزيد الرقاشي ضعيف\"، لكن يتقوى بحديث أبي هريرة، كما يتقوى ذلك بهذا واللَّه أعلم\" وقد تابع زيد الرقاشي هنا يحيى بن العلاء عن حميد أبي صخر به: وفيه زيادة خبر أبي هريرة رواه من هذا الوجه عبد الرزاق في تفسيره (٣/ ١٥٦، ١٥٧) غير أن يحيى بن العلاء هذا مرمى بالوضع، وقد روى خبر أبي هريرة ابن جرير (٢٣/ ١٠٣) من طريق آخر بإسناد حسن.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في ز، خ: \"تجن\".\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- في خ، ز: \"ألا\".\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٧]- في ز: \"متقبلًا\".","vol":"12","page":57},{"text":"ورواه ابن جرير عن يونس عن ابن وهب به. زاد ابن أبي حاتم: قال أبو صخر حُمَيد بن زياد: فأخبرني ابن قُسَيط وأنا أحدثه [¬١] هذا الحديث: أنه سمع أبا هريرة يقول: طرح بالعراء، وأنبت اللَّه عليه اليقطينة. قلنا: يا أبا هريرة، وما اليقطينة؟ قال: شجرة الدُّباء. قال أبو هريرة: وَهَيَّأ اللَّه له أُرْويَّة [¬٢] وحشيةً تأكل من خشاش الأرض -أو قال: هشاش الأرض- قال: فتتفشح [¬٣] عليه فَتَرْويه من لبنها كل عَشية وبُكرةٍ حتى نَبَت.\nوقال أمية بن أبي الصلت في ذلك بيتًا من شعره:\nفأنبت يقطينا عليه برحمةٍ … من اللَّه لولا اللَّه ألفى ضاحيًا\nوقد تقدم حديث أبي هريرة (^٨٥) مسندًا مرفوعًا في تفسير \"سورة الأنبياء\" ولهذا قال تعالى: ﴿فَنَبَذْنَاهُ﴾ أي: ألقيناه ﴿بِالْعَرَاءِ﴾ قال ابن عباس، وغيره: وهي الأرض التي ليس فيها [¬٤] نبت ولا بناء. قيل: على جانب دجلة. وقيل: بأرض اليمن. فالله أعلم.\n﴿وَهُوَ سَقِيمٌ﴾ أي: ضعيف البدن. قال ابن مسعود ﵁: كهيئة الفرخ ليس عليه ريش. وقال السدي: كهيئة الصبي يعني [¬٥] حين يولد، وهو المنفوس. وقاله ابن\n_________\n(^٨٥) - تقدم عند المصنف (سورة الأنبياء / آية ٨٧) من طريق محمد بن إسحاق عمن حدثه عن عبد الله بن رافع مولى أم سلمة، قال: سمعت أبا هريرة يقول، قال رسول اللَّه ﷺ \"لما أراد اللَّه حبس يونس في بطن الحوت .... \" الحديث ومن طريق ابن إسحاق رواه ابن جرير (١٧/ ٨١) وهذا إسنادٌ ضعيف لجهالة شيخ ابن إسحاق. وقد رواه البزار في مسنده (٣/ ٢٢٥٤ / كشف) (٢/ ١٥٠٢ / زوائد ابن حجر =\n_________\n[¬١]- في ز: \"أخدمه\".\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- في ز: \"فتتفسخ\".\n[¬٤]- في ت: \"بها\".\n[¬٥]- سقط من: ت.","vol":"12","page":58},{"text":"عباس، وابن زيد أيضًا.\n﴿وَأَنْبَتْنَا عَلَيهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ﴾ قال ابن مسعود (^٨٦)، وابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير، ووهب بن منبه، وهلال بن يَسَاف، وعبد اللَّه بن طاوس، والسدي [¬١]، وقتادة، والضحاك، وعطاء الخراساني، وغير واحد -قالوا كلهم-: اليقطين هو القرع.\nو[¬٢] قال هشيم (^٨٧) عن القاسم بن أبي أيوب عن سعيد بن جبير: كل شجرة لا ساق لها فهي من اليقطين. وفي رواية عنه: كل شجرة تهلك [¬٣] من عامها [¬٤] فهي من اليقطين.\nوذكر بعضهم في القرع فوائد، منها: سرعة نباته، وتظليلُ ورقه لكبره، ونعومته، وأنه لا يقربها الذباب، وجودة أغذية ثمره، وأنه يؤكل نيئًا ومطوخًا بلبه وقشره أيضًا. وقد ثبت أن رسول اللَّه ﷺ كان يُحبُّ الدباء، ويتتبعه من حَوَاشي الصَّحْفة (^٨٨).\nوقوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾، روى شهر بن حوشب، عن ابن عباس أنه قال: إنما كانت رسالة يونس بعد ما نبذه الحوت.\nرواه ابن جرير (^٨٩) [حدثني الحارث قال: حدثنا الحسن قال: حدثنا] [¬٥] أبو هلال عن شهر\n_________\n= ثنا بعض أصحابنا -عبيد الله بن سعيد وغيره- عن يعقوب بن إبراهيم حدثني أبي، عن ابن إسحاق عن عبد الله بن رافع به هكذا- بدون واسطة، وقال البزار: \"لا نعلمه مرفوعًا بهذا اللفظ إلا بهذا الإسناد\" وكأن عدم ذكر الواسطة من تدليس ابن إسحاق لا سيما وقد عنعنه، وفيه أيضًا جهالة شيخ البزار، وقد أعله الهيثمي في \"المجمع\" (٧/ ١٠١) بالعلتين فقال: \"رواه البزار عن بعض أصحابه ولم يسمه!! وفيه ابن إسحاق وهو مدلس وبقية رجاله رجال الصحيح\"، وقال الحافظ ابن حجر: \"هذا خبر منكر\" وقد أورده السيوطي في \"الدر المنثور\" (٥/ ٥٤١) ولم يعزه لغير المذكورين هنا، وانظر السابق.\n(^٨٦) - رواه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٧/ ٤٥٩) وابن أبي الدنيا في \"كتاب العقوبات\" (رقم ١٧١) في خير طويل عنه بإسناد صحيح إليه وقد رواه مختصرًا ابن جرير (٢٣/ ١٠٢، ١٠٣) وأورده مطولًا السيوطي في \"الدر المنثور\" (٥/ ٥٤١) وزاد عزوه إلى أحمد في (الزهد) -ولم أجده في المطبوع منه- وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٨٧) - رواه ابن جرير (٢٣/ ١٠٢) والرواية الأخرى من طريق الأصبع بن زيد عن القاسم به، وإسنادهما صحيح.\n(^٨٨) - صحيح البخاري، كتاب: البيوع، كتاب: الخياط (٢٠٩٢) وصحيح مسلم، كتاب: الأشربة، باب: جواز أكل المرق واستحباب أكل اليقطين … (١٤٤، ١٤٥) (٢٠٤١) من حديث أنس بن مالك.\n(^٨٩) - تفسير ابن جرير (٢٣/ ١٠٥) وشهر بن حوشب، ضعيف والخبر أورده السيوطي في \"الدر المنثور\"=\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"النسائي\".\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في ز، خ: \"يهلك\".\n[¬٤]- في ز، خ: \"عليها\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"حدثني\".","vol":"12","page":59},{"text":"به.\nوقال ابن أبي نَجِيح: عن مجاهد: أرسل إليهم قبل أن يلتقمه الحوت.\nقلت: ولا مانع أن يكون الذين أرسل إليهم أولًا أُمر بالعود إليهم بعد خروجه من الحوت، فصدقوه كلهم وآمنوا به. وحكى البغوي أنه أرسل إلى أمة أخرى بعد خروجه من الحوت، كانوا مائة ألف أو يزيدون.\nوقوله: ﴿أَوْ يَزِيدُونَ﴾، قال ابن عباس -في رواية عنه-: بل يزيدون، وكانوا مائة وثلاثين ألفًا. وعنه: مائة ألف وبضعة وثلانين ألفًا. وعنه: مائة ألف وبضعة وأربعين ألفًا.\nوقال سعيد بن جبير: يزيدون سبعين ألفًا. وقال مكحول: كانوا مائة ألف وعشرة آلاف.\nرواه ابن أبي حاتم.\nوقال ابن جرير (^٩٠): حدثنا محمد بن عبد الرحيم البرقي، حدثنا عمرو بن أبي سلمة قال [¬١]: سمعت زُهَيرًا، عمن سمع أبا العالية قال [¬٢]: حدثني [] [¬٣] أبي بن كعب أنه سأل رسول اللَّه ﷺ عن قوله: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ قال: \"يزيدون عشرين ألفًا\". ورواه الترمذي عن علي بن حُجْر، عن الوليد بن مسلم، عن زُهَير، عن رجل، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب، به، وقال: غريب. ورواه ابن أبي حاتم من حديث زهير به.\nقال ابن جرير: وكان بعض أهل العربية من أهل البصرة يقول في ذلك: معناه إلى المائة الألف [¬٤]، أو كانوا يزيدون عندكم، يقول: كذلك كانوا عندكم.\nوهكذا [¬٥] سلك ابن جرير هاهنا ما سلكه عند قوله تعالى: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ وقوله: ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾ وقوله: ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَينِ أَوْ أَدْنَى﴾ أن المراد ليس أنقص من ذلك بل أزيد.\n_________\n= (٥/ ٥٤٧) وزاد عزوه إلى أحمد في \"الزهد\" ولم أجده في المطبوع منه- وعبد بن حميد وابن مردويه.\n(^٩٠) - تفسير ابن جرير (٢٣/ ١٠٤) ورواه الترمذي، كتاب: التفسير (٣٢٢٩) من طريق الوليد بن مسلم عن زهير به، وفوق ما فيه من الجهالة، فإن رواية أهل الشام عن زهير -وهو ابن محمد التميمي- غير مستقيمة وهذه منها، والحديث ضعفه الترمذي فقال: \"حديث غريب\" وأورده السيوطي في \"الدر المنثور\" (٥/ ٥٤٧) وزاد عزوه إلى ابن المنذر وابن مردويه وابن أبي حاتم.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في ز: \"محمد بن\".\n[¬٤]- في ز، خ: \"ألف\".\n[¬٥]- في ز، خ: \"هلا\".","vol":"12","page":60},{"text":"وقوله: ﴿فَآمَنُوا﴾ أي: فآمن هؤلاء القوم الذين أرسل إليهم يونس ﵇ جميعهم، ﴿فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ أي: إلى وقت آجالهم، كقوله: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إلا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾.\n﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ (١٤٩) أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ (١٥٠) أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ (١٥١) وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١٥٢) أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ (١٥٣) مَا لَكُمْ كَيفَ تَحْكُمُونَ (١٥٤) أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (١٥٥) أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ (١٥٦) فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٥٧) وَجَعَلُوا بَينَهُ وَبَينَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (١٥٨) سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٥٩) إلا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (١٦٠)﴾\nيقول تعالى منكرًا على هؤلاء المشركين في جعلهم للَّه البنات -سبحانه- ولهم ما يشتهون، أي: من الذكور، أي: يَودون لأنفسهم الجيد. ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ أي: يسوؤه ذلك، ولا يختار لنفسه إلا البنين. يقول تعالى: فكيف نسبوا إلى اللَّه القسم الذي لا يختارونه لأنفسهم؟ ولهذا قال: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ﴾ أي: سلهم على سبيل الإِنكار عليهم: ﴿أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ﴾، كقوله: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (٢١) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾.\nوقوله: ﴿أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ﴾ أي: كيف حكموا على الملائكة أنهم إناث وما شاهدوا خلقهم؟ كقوله: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ﴾ أي: يسألون عن ذلك يوم القيامة.\nوقوله: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ﴾ أي: من كذبهم ﴿لَيَقُولُونَ (١٥١) وَلَدَ اللَّهُ﴾ أي: صدر منه الولد، ﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾. فذكر اللَّه عنهم في الملائكة ثلاثة أقوال في غاية الكفر والكذب: فأولا جعلوهم بنات اللَّه، فجعلوا للَّه ولدًا، وجعلوا ذلك الولد أنثى، ثم عبدوهم من دون اللَّه. وكل [¬١] منها كاف في التخليد في نار جهنم.\nثم قال منكرًا عليهم: ﴿أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ﴾، أي: أيّ شيء يحمله على [¬٢] أن\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"فكل\".\n[¬٢]- في ت: \"عن\".","vol":"12","page":61},{"text":"يختار البنات دون [¬١] البنين؟! كقوله: ﴿أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثًا إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا﴾؛ ولهذا قال: ﴿مَا لَكُمْ كَيفَ تَحْكُمُونَ﴾، أي: ما لكم عقول [تتدبرون بها] [¬٢] ما تقولون ﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (١٥٥) أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ﴾ أي: حجة على ما تقولونه، ﴿فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ أي: هاتوا برهانكم على ذلك يكون مستندًا إلى [كتاب مُنَزَّل] [¬٣] من السماء عن اللَّه أنه اتخذ ما تقولونه، فإن ما تقولونه لا يمكن استناده [¬٤] إلى عقل، بل لا يُجَوِّزُه العقل بالكلية.\nوقوله: ﴿وَجَعَلُوا بَينَهُ وَبَينَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾ قال مجاهد (^٩١): قال المشركون: الملائكة بنات اللَّه فسأل [¬٥] أبو بكر ﵁: فمن أمهاتهن؟ قالوا: بنات سروات الجن. وكذا قال قتادة، وابن زيد؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ﴾ أي: الذين نسبوا إليهم ذلك: ﴿إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾، أي: إن الذين قالوا ذلك لمحضرون في العذاب يوم الحساب لكذبهم في ذلك وافترائهم، وقولهم الباطل بلا علم.\nوقال العوفي (^٩٢): عن ابن عباس في قوله: ﴿وَجَعَلُوا بَينَهُ وَبَينَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾ قال: زعم أعداء اللَّه أنه ﵎ [] [¬٦] هو وإبليس أخوان. حكاه ابن جرير وقوله: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ أي: تعالى وتقدس وتنزه عن أن يكون له ولد، وعما يصفه به الظالمون الملحدون علوًّا كبيرًا.\nوقوله: ﴿إلا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ استثناء منقطع، وهو من مثبت، إلا أن يكون الضمير في قوله: ﴿عَمَّا يَصِفُونَ﴾ عائد إلى جميع الناس ثم استثنى منهم المخلصين، وهم المتبعون للحق المنزل على كل [¬٧] نبي ومرسل. وجعل ابن جرير هذا الاستثناء من قوله: ﴿إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (١٥٨) سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٥٩) إلا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾. وفي هذا الذي قاله نظر.\n﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ (١٦١) مَا أَنْتُمْ عَلَيهِ بِفَاتِنِينَ (١٦٢) إلا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ (١٦٣) وَمَا مِنَّا إلا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ (١٦٤) وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (١٦٥) وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ\n_________\n(^٩١) - رواه ابن جرير (٢٣/ ١٠٨) بإسناد صحيح إلى مجاهد غير أن مجاهدًا لم يسمع من أبي بكر والخبر عزاه السيوطي لغير واحدٍ فانظر \"الدر المنثور\" (٥/ ٥٤٨).\n(^٩٢) - رواه ابن جرير (٢٣/ ١٠٨) والعوفي. ضعيف.\n_________\n[¬١]- في خ: \"على\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"تدبرون\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"من نزل\".\n[¬٤]- في ز، خ: \"إسناده\".\n[¬٥]- في ز، خ: \"قال\".\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"أنه\".\n[¬٧]- سقط من: خ، ز.","vol":"12","page":62},{"text":"وَإِنْ كَانُوا لَيَقُولُونَ (١٦٧) لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْرًا مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٦٨) لَكُنَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (١٦٩) فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (١٧٠)﴾\nيقول تعالى مخاطبًا للمشركين: ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ (١٦١) مَا أَنْتُمْ عَلَيهِ بِفَاتِنِينَ (١٦٢) إلا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾ أي: ما ينقاد لمقالكم وما أنتم عليه من الضلالة والعبادة الباطلة إلا من هو أضل منكم ممن ذُرئ للنار. ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾. فهذا الضرب من الناس هو الذي ينقاد لدين الشرك والكفر والضلالة، كما قال تعالى: ﴿إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ (٨) يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ﴾ أي [¬١]: إنما يضل به من هو مأفوك ومبطل.\nثم قال تعالى مُنَزّهًا للملائكة مما نَسَبوا إليهم من الكفر بهم والكذب عليهم أنهم بنات اللَّه: ﴿وَمَا مِنَّا إلا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ﴾ أي: [] [¬٢] موضع مخصوص في السماوات ومقامات العبادة لا [يتجاوزه ولا يتعداه] [¬٣].\nقال [¬٤] إلى عساكر (^٩٣) في ترجمته لمحمد بن خالد، بسنده إلى عبد الرحمن بين العلاء بن سعد [¬٥]، [عن أبيه] [¬٦]-وكان ممن بايع يوم الفتح- أن رسول اللَّه ﷺ [] [¬٧] قال يومًا لجلسائه: \"أطَّتِ السماء وحُق لها أن تَئِطّ، ليس فيها موضع قَدَم إلا عليه ملك راكع أو ساجد\". ثم قرأ: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (١٦٥) وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾.\n_________\n(^٩٣) - رواه أبو عبد الله بن منده في \"الصحابة\" -كما في \"أسد الغابة\" لا بن الأثير (٤/ ٧٦) و\"الإصابة\" لابن حجر (٧/ ٤٠) - ومن طريق ابن منده ابن عساكر في \"تاريخ دمشق\" (١٥/ ٢٧٧٥ / مخطوط / ترجمة محمد بن خالد أبو جعفر الهاشمي\"، ورواه محمد بن نصر المروزي في \"تعظيم قدر الصلاة\" (١ / رقم ٢٥٥) وبإسناده نقله المصنف في تفسيره (سورة المدثر / آية ٣١) - وأبو نعيم في \"معرفة الصحابة\" (٢ / ورقة ٧٢٢ / مخطوط)، ثلاثتهم (ابن منده وأبو نعيم وابن نصر) من طريق محمد بن خالد أبي جعفر، ثنا المغيرة بن عمر بن عطية، حدثني عمرو بن عوف، حدثني سليمان بن أيوب -من بني سالم بن عوف- حدثني عطاء بن زيد بن مسعود -من بني الحبلي- حدثني سليمان بن عمرو بن الربيع بن سالم، حدثني عبد الرحمن بن العلاء به. وذكره السيوطي \"الدر المنثور\" (٥/ ٥٤٩) ولم يعزه لغير ابن نصر وابن عساكر وقال المصنف -في الموضع المشار إليه سابقًا- \"إسناده غريب جدًّا\" قلت: وهو موضوع والمتهم به: \"محمد بن خالد\" هذا فقد كذبه أبو حاتم الرازي، وله عن مالك خير منكر، واستنكره له ابن عساكر والذهبي في \"الميزان\" وتبعه ابن حجر =\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في ت: به.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في ت: \"يتجاوزه ولا يتعداه\".\n[¬٤]- في ت: وقال:\n[¬٥]- في خ، ز: \"سعيد\".\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"أنه\".","vol":"12","page":63},{"text":"وقال الضحاك في تفسيره (^٩٤): ﴿وَمَا مِنَّا إلا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ﴾ قال: كان مسروق يَرْوي عن عائشة ﵂ أنها قالت: قال رسول اللَّه ﷺ: \"ما من السماء الدنيا موضع إلا عليه ملك ساجد أو قائم\". فذلك قوله: ﴿وَمَا مِنَّا إلا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ﴾.\nوقال الأعمش (^٩٥): عن [أبي إسحاق] (٥)، عن مسروق، عن ابن مسعود ﵁ قال [¬١]: إن في السماوات لسماءً ما فيها موضع شبر إلا عليه جبهة ملك أو قدماه. ثم قرأ\n_________\n= في \"اللسان\" ثم إن من فوقه لم أجد لهم تراجم في كتب الرجال، لكن للحديث طريق آخر وهو الآتي:\n(^٩٤) - رواه ابن جرير في تفسيره (٢٣/ ١١٢) وأبو الشيخ في \"كتاب العظمة\" (٣ / رقم ٥٠٨) وابن نصر المروزي في \"تعظيم قدر الصلاة\" (١ / رقم ٢٥٣) - ومن طريقه نقله المصنف في تفسيره سورة المدثر آية (٣١) - من طريقين عن أبي معاذ النحوي الفضل بن خالد، ثنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك بن مزاحم يقول. .. فذكره وقال المصنف -في الموضع المشار إليه -: \"وهذا مرفوع غريب جدًّا ولا تضر غرابته فقد قال أبو عبد الرحمن الألباني في الصحيحة (٣/ ١٠٥٩) هذا إسناد حسن في الشواهد، رجاله ثقات غير الفضل بن خالد، فقد ترجمه ابن أبي حاتم (٣/ ٢ / ٦١) من رواية ثقتين عنه، ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا\" وأشار له البخاري في \"التاريخ الصغير\" (٢/ ٢٩٥) ووثقه ابن حبان \"الثقات\" (٩/ ٧) وقد أكثر عنه أبو منصور الأزهري في كتابه اللغوي \"التهذيب\" كما في \"بغية الوعاة\" للسيوطي (٢/ ٢٤٥) وشيخه عبيد بن سليمان الذي وثقه أبو عبد الرحمن!! لم يوثقه غير ابن حبان (٨/ ٤٢٨)، وقال أبو حاتم الرازي: \"لا بأس به\" وبهذا وسمه ابن حجر في \"التقريب\" فالحديث بهذا الإسناد لا شك أنه محتمل للتحسين جدًّا، لا سيما وأن له شاهدين -دون ذكر الآية- من حديث أبي ذر عند أحمد (٥/ ١٧٣) والترمذي (٢٣١٢) وابن ماجه (٤١٩٠) وقال الترمذي: \"حديث حسن غريب\" وصححه الحاكم على شرط الشيخين (٤/ ٥٧٩) ووافقه الذهبي. والشاهد الثاني من حديث حكيم بن حزام عند ابن نصر (١ / رقم ٢٥٠) والطبراني في \"المعجم الكبير\" (٣/ ٣١٢٢) وأبي الشيخ في \"العظمة\" (٣/ ٥٠٩) والطحاوي في \"مشكل الآثار\" (٢/ ٤٣) وقصر في عزوه السيوطي جدًّا فلم يعزه في \"الدر المنثور\" (٥/ ٥٥٠) لغير ابن مردويه. وإسناده صحيح، وانظر ما بعده.\n(^٩٥) - رواه عبد الرزاق في تفسيره (٣/ ١٥٨) وابن جرير (٢٣/ ١١٢) من طريق سفيان الثوري، ورواه الفريابي -كما في \"الدر المنثور\" (٥/ ٥٥٠) - ومن طريقه الطبراني في \"المعجم الكبير\" (٩٠٤٢/ ٩) من طريق قيس بن الربيع، ورواه محمد بن نصر المروزي في \"تعظيم قدر الصلاة\" (١ / رقم ٢٥٤) - ومن طريقه نقله المصنف في تفسيره (سورة المدثر / آية ٣١)، وابن جرير، والبيهقي في \"الشعب\" (١ / رقم ١٥٩) من طريق أبي معاوية محمد بن خازم، ثلاثتهم (الثوري وقيس وأبو معاوية) عن الأعمش له، وإسناده صحيح، ولا تضر عنعنة الأعمش هنا، إذ أن أبا معاوية من أثبت الناس فيه، والأغرب أن يُعله الهيثمي في \"المجمع\" (٧/ ١٠١) بشيخ الطبراني!! وهو متابع والخبر زاد نسبته السيوطي إلى سعيد بن منصور، وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(*) كذا وقع هنا، والصواب: \"أبي الضحى مسلم بن صبيح\".\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.","vol":"12","page":64},{"text":"عبد اللَّه: ﴿وَمَا مِنَّا إلا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ﴾. وكذا قال سعيد بن جبير.\nوقال قتادة: كانوا يصلون الرجال والنساء جميعًا، حتى نزلت: ﴿وَمَا مِنَّا إلا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ﴾، فتقدم الرجال وتأخر النساء.\n﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ﴾ أي: نقف صفوفًا في الطاعة، كما تقدم عند قوله: ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا﴾، قال ابن جريج [¬١] (^٩٦): عن الوليد بن عبد اللَّه بن أبي مغيث قال: كانوا لا يصفون في الصلاة حتى نزلت: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ﴾، فصفوا.\nوقال أبو نضرة: كان عمر إذا أقيمت الصلاة استقبل الناس بوجهه، ثم قال: أقيموا صفوفكم، استروا قيامًا، يريد اللَّه بكم هَدْيَ الملائكة، ثم يقول: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ﴾، تأخر يا فلان، تقدم يافلان، ثم يتقدم فيكبر ﵁. رواه ابن أبي حاتم، وابن جرير (^٩٧).\nوفي صحيح مسلم (^٩٨) عن حذيفة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ: \"فُضلنا على الناس بثلاث: جُعلَت صفوفنا كصفوف الملائكة، وجعلت لنا الأرض مسجدًا، وتربتها طهورًا … \". الحديث.\n﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾ أي: نصطف فنسبح الرب ونمجده ونقدسه وننزهه عن النقائص، فنحن عبيد له، فقراء إليه، خاضعون لديه.\nوقال ابن عباس، ومجاهد: ﴿وَمَا مِنَّا إلا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ﴾: الملائكة، ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ﴾: الملائكة، ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾: الملائكة يسبحون اللَّه، ﷿.\nوقال قتادة: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾ يعني: المصلون، يثبتون [¬٢] بمكانهم من العبادة، كما قال تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (٢٧) يَعْلَمُ مَا بَينَ أَيدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إلا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (٢٨) وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي\n_________\n(^٩٦) - رواه ابن أبي حاتم كما في \"الدر المنثور\" (٥/ ٥٥٠) - ورواه عبد الرزاق في \"المصنف\" (٢/ ٢٤٢٣) عن ابن جريج قال: حدثت أنهم كانوا لا يصفون حتى نزلت ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (١٦٥) وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾.\n(^٩٧) - رواه ابن جرير (٢٣/ ١١٢) حدثني يعقوب بن إبراهيم، ثنا ابن علية، أخبرنا الجريري عن أبي نضرة به وهذا إسناد رجاله ثقات، رجال الشيخين غير أنهم لم يذكروا رواية لأبي نضرة -واسمه المنذر ابن مالك العبدي- عن عمر بن الخطاب، فالإسناد منقطع.\n(^٩٨) - تقدم تخريجه في فاتحة هذه السورة (رقم ٤).\n_________\n[¬١]- في خ، ز: \"جرير\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"ينبيون\".","vol":"12","page":65},{"text":"الظَّالِمِينَ﴾.\nوقوله: ﴿وَإِنْ كَانُوا لَيَقُولُونَ (١٦٧) لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْرًا مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٦٨) لَكُنَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ أي: قد كانوا يتمنون قبل أن تأتيهم يا محمد لو كان عندهم من يذكرهم بأمر الله، وما كان من أمر القرون الأولى، ويأتيهم بكتاب الله، كما قال تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إلا نُفُورًا﴾، وقال: ﴿أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَينِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ (١٥٦) أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَينَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ (١٥٧)﴾، ولهذا قال هاهنا: ﴿فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾، وعيد أكيد وتهديد شديد، على كفرهم بربهم ﷾ وتكذبيهم رسوله ﷺ.\n﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ (١٧٣) فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (١٧٤) وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (١٧٥) أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ (١٧٦) فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ (١٧٧) وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (١٧٨) وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (١٧٩)﴾\nيقول تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ﴾ أي: تقدم في الكتاب الأول أن العاقبة للرسل وأتباعهم في الدنيا والآخرة، كما قال تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَويٌّ عَزِيزٌ﴾ وقال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ ولهذا قال: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ﴾ أي: في الدنيا والآخرة. كما تقدم بيان نصرتهم علي قومهم ممن كذبهم وخالفهم، و[¬١] كيف أهلك الله [¬٢] الكافرين، ونجي عباده المؤمنين، ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [أي: تكون لهم العاقبة. وقوله جل وعلا] [¬٣]: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ﴾ أي: اصبر علي أذاهم لك، وانتظر إلي وقت مؤجل، فإنا سنجعل لك العاقبة والنصرة والظفر، ولهذا قال [بعضهم: غيًّا ذلك إلى يوم بدر وما بعدها أيضًا في معناها.\nوقوله، [¬٤]: ﴿وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ أي: انظرهم وارتقب ماذا يحل بهم من العذاب والنكال على مخالفتك وتكذيبك؛ ولهذا قال علي وجه التهديد والوعيد: ﴿فَسَوْفَ\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.","vol":"12","page":66},{"text":"يُبْصِرُونَ﴾. ثم قال ﷿: ﴿أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ أي: هم إنما يستعجلون العذاب لتكذيبهم وكفرهم، فإن الله يغضب عليهم بذلك، ويعجل [¬١] لهم العقوبة، ومع هذا أيضًا كانوا من كفرهم وعنادهم يستعجلون العذاب والعقوبة، قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ﴾ أي: فإذا نزل العذاب بمحلتهم، فبئس ذلك اليوم يومُهم، بإهلاكهم ودمارهم [¬٢].\nقال السدي: ﴿فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ﴾ يعني: بدارهم، ﴿فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ﴾ أي: فبئس ما يصبحون، أي: بئس الصباح صباحهم؛ ولهذا ثبت في الصحيحين (^٩٩) من حديث إسماعيل بن عُلَية، عن عبد العزيز بن صُهَيب، عن أنس ﵁ قال: صَبَّح رسولُ الله ﷺ خيبر، فلما خرجوا بفئوسهم ومساحيهم و[¬٣] رأوا الجيش، رجعوا وهم [¬٤] يقولون: محمد والله، محمد والخميس. فقال النبي ﷺ: \"الله أكبر خَربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين.\nورواه البخاري (^١٠٠) من حديث مالك عن حميد عن أنس.\nوقال الإمام أحمد (^١٠١): حدثنا رَوح، حدثنا سعيد بن أبي عَرُوبة، عن قتادة، عن أنس بن مالك، عن أبي طلحة قال: لما صَبّح رسول الله ﷺ خيبر، وقد أخذوا مساحيَهم وغَدَوا إلى حروثهم وأرضيهم، فلما رأوا النبي ﷺ ولوا مدبرين، فقال نبي الله ﷺ: [\"الله أكبر، الله أكبر] [¬٥]، إنا إذا نزلنا بساحة قوم\n_________\n(^٩٩) - صحيح البخاري، كتاب: الصلاة: باب، ما يذكر في الفخذ. (٣٧١)، وصحيح مسلم، كتاب: النكاح، باب: فضيلة إعتاقه أمته ثم يتزوجها (٨٤) (١٣٦٥) وأبو داود، كتاب: الخراج والإمارة والفئ، باب: ما جاء في سهم الصيفي (٢٩٩٨) والنسائي، كتاب: النكاح، باب: البناء في السفر (٦/ ١٣١) وأحمد (٣/ ١٠١، ١٨٦) من طرق عن إسماعيل بن علية به.\n(^١٠٠) - صحيح البخاري، كتاب: الجهاد، باب: دعاء النبي ﷺ الناس إلى الإسلام والنبوة … (٢٩٤٥) - وهو في \"موطأ مالك\" كتاب، الجهاد باب: ما جاء في الخيل والمسابقة بينها. (رقم ٤٨) (٢/ ٣٧٣) ومن طريق مالك أخرجه أيضًا الترمذي، كتاب: السير، باب في البيات والغادات: والنسائي في الكبرى، كتاب / السير باب: وقت الغارة (٨٥٩٨).\n(^١٠١) - \" المسند\" (٢٩، ٤/ ٢٨) ورواه أحمد أيضًا (٤/ ٢٨) من طريقين عن شيبان عن قتادة به، وإسناده صحيح على شرط الشيخين كما قال المصنف، وذكره الهيثمي في \"المجمع\" (٦/ ١٥٢) وقال: \"رواه أحمد والطبراني بأسانيد ورجال أحمد رجال الصحيح\" ورواه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" كتاب: المغازي، =\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"ويجعل\".\n[¬٢]- في ز: \"وبإدمارهم\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"فلما\".\n[¬٤]- سقط من: ت.\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.","vol":"12","page":67},{"text":"فساء صباح المنذرين\". لم يخرجوه من هذا الوجه، وهو صحيح على شرط الشيخين.\nوقوله: ﴿وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (١٧٨) وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ تأكيد لما تقدم من الأمر بذلك.\n﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ﴾\nينزه تعالى نفسه الكريمة ويقدسها ويبرئها عما يقوله الظالمون المكذبون المعتدون [¬١]-تعالى وتقدس عن قولهم علوًّا كبيرًا- ولهذا قال: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ﴾ أي: ذي العزة التي لا تُرَام، ﴿عَمَّا يَصِفُونَ﴾ أي: عن قول هؤلاء المعتدين المفترين، ﴿وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ﴾ أي: سلام الله عليهم في الدنيا والآخرة، لسلامة ما قالوه في ربهم، وصحته وحَقّيّته [¬٢]، ﴿وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ﴾ أي: له الحمد في الأولى والآخرة في كل حال. ولما كان التسبيح يتضمن التنزيه والتبرئة من [¬٣] النقص بدلالة المطابقة، ويستلزم إثبات الكمال، كما أن الحمد يدل علي إثبات صفات الكمال مطابقة، ويستلزم التنزيه من النقص- قرن بينهما في هذا الموضع، وفي مواضع كثيرة من القرآن؛ ولهذا قال: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ﴾.\nوقال سعيد بن أبي عَرُوبة عن قتادة قال: قال [¬٤] رسول الله ﷺ: \"إذا سلمتم عليّ فسلموا علي المرسلين، فإنما أنا رسول من المرسلين\".\nهكذا [¬٥] رواه ابن جرير وابن أبي حاتم من حديث سعيد عنه كذلك (^١٠٢)، وقد أسنده ابن أبي حاتم ﵀ فقال (^١٠٣): حدثنا علي بن الحسين بن الجنيد، حدثنا أبو بكر الأعين، ومحمد\n_________\n= باب: غزوة خيبر (٨/ ٥٢١) ثنا يزيد بن هارون نا ابن عوف عن عمرو بن سعيد عن أبي طلحة به وهذا إسناد صحيح أيضًا.\n(^١٠٢) - رواه ابن جرير (٢٣/ ١١٦) ثنا بشر، ثنا يزيد، ثنا سعيد به، وهذا إسناد منقطع وقد ذكره من هذا الوجه السيوطي في \"الدر المنثور\" (٥/ ٥٥٣) وزاد نسبته إلى عبد الرزاق -وهو غير موجود في تفسيره المطبوع. وعبد بن حميد وابن المنذر وكذا ابن أبي حاتم. وانظر ما بعده.\n(^١٠٣) - ورواه ابن سعد وابن مردويه -كما في الدر المنثور (٥/ ٥٥٣) - من طريق سعيد عن قتادة به، ورجاله ثقات رجال الصحيحين، غير أن قتادة مدلس ولم يصرح فيه بالسماع ورواه ابن مردويه أيضًا كما في الدر المنثور من طريق أبي العوام عن قتادة عن أنس مرفوعًا، وفيه نفس العلة المشار إليها.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- في خ، ز: \"وحقيقته\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"و\".\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- في ز، خ: \"هذا\".","vol":"12","page":68},{"text":"بن عبد الرحيم -صاعقة- قالا: حدثنا حسين بن محمد، حدثنا شيبان [¬١]، عن قتادة قال: حَدّث أنس بن مالك، عن أبي طلحة قال: قال رسول الله ﷺ: \"إذا سلمتم علي فسلموا على المرسلين\".\nو[¬٢] قال الحافظ أبو يعلى (^١٠٤): حدثنا محمد بن أبي بكر، حدثنا نوح [¬٣] وحدثنا أبو هارون، عن أبي سعيد، عن رسول الله ﷺ أنه كان إذا سَلَّم قال: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ﴾. ثم يسلم. إسناده ضعيف.\nوقال ابن أبي حاتم (^١٠٥): حدثنا عمار بن خالد الواسطي، حدثنا شبابة، عن يونس بن أبي إسحاق، عن الشعبي قال: قال رسول الله ﷺ: \"من سره أن يكتال بالمكيال الأوفى من الأجر يوم القيامة، فليقل آخر مجلسه حين يريد أن يقوم: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ﴾.\nوروي من وجه آخر متصل موقوف على علي ﵁:\n_________\n(^١٠٤) - لم أجده في المسند لأبي يعلى بهذا الإسناد، وإنما رواه (٢ / رقم ١١١٨) ثنا إسحاق، ثنا حماد -وهو ابن سلمة- عن أبي هارون نحوه، ورواه الطيالسي في مسنده (رقم ٢١٩٨) ثنا حماد بن سلمة به وعنده: أنه كان يقول ذلك ثلاث مرات.\nورواه ابن أبي شيبة في المصنف (١/ ٣٣٧) ثنا هشيم، وعبد بن حميد في المنتخب (٩٥٦) أخبرنا علي بن عاصم، ورواه أيضًا (٩٥٤) والطبراني في الدعاء (٢ / رقم ٦٥١) وأبو بكر بن السُّنيّ في عمل اليوم والليلة (رقم ١١٩) من طريق سفيان الثوري، والخطيب البغدادي في تاريخ بغداد (١٣/ ١٣٨) من طريق مُطَرّف بن طريف، أربعتهم (هشيم وعلي والثوري ومطرف عن أبي هارون به وذكره الهيثمي في المجمع (٢/ ١٥٠، ١٥١) ووقع عنده: عن أبي هريرة قال: قلنا لأبي سعيد وهذا محرف وصوابه: عن أبي هارون … وكأن هذا تحرف على الهيثمي ولذلك قال: رواه أبو يعلى، ورجاله ثقات ونقل ذلك عنه أبو الأشبال في حاشيته على جامع الترمذي ولم ينبه على تصحيفه!! فجل من لا يسهو!!!! وأبو هارون العبدي -واسمه عمارة بن جوين البصري- متروك، وكذبه ابن معين وحماد بن زيد وغيرهما ولذلك علقه الترمذي في الجامع (٢/ ٩٧ / تحت حديث رقم ٢٩٩) بصيغة التحريض، وقد ذكر هذا الحديث ابن حجر في نتائج الأفكار في تخريج أحاديث الأذكار (٢/ ٢٩٠) وقال: مدارُ هذا الحديث على أبي هارون، .. وهو ضعيف جدًّا، اتفقوا على تضعيفه، وكذبه بعضهم وأورده السيوطي في الدر المنثور (٥/ ٥٥٣) وزاد نسبته إلى سعيد بن منصور وابن مردويه والدارقطني في الأفراد وانظر ما بعده:\n(^١٠٥) - وعزاه إلى ابن أبي حاتم السيوطي في الدر المنثور (٥/ ٥٥٤) ورجاله ثقات رجال الصحيح غير أنه مرسل والرسل من أقسام الضعيف، وقد ورد من وجه آخر متصلًا موقوفًا على علي بن أبي طالب، فانظر الآتي:\n_________\n[¬١]- في خ، ز: \"شيبة\".\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- في خ، ز: \"فرج\".","vol":"12","page":69},{"text":"قال أبو محمد البغوي في تفسيره: أخبرنا أبو سعيد أحمد بن شريح، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرني ابن منجويه، حدثنا أحمد بن جعفر بن حمدان، حدثنا إبراهيم بن سهلويه، حدثنا علي بن محمد الطنافسي، حدثنا وكيع، عن ثابت بن أبي صفية، عن الأصبغ بن نباتة، عن علي ﵁ قال: من أحب أن يكتال بالمكيال الأوفى من الأجر يوم القيامة فليكن آخر كلامه في [¬١] مجلسه: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ﴾.\nوروى الطبراني (^١٠٦) من طريق عبد الله بن صخر [بن أنس] [¬٢] عن عبد الله بن زيد بن أرقم، عن أبيه، عن رسول الله ﷺ أنه قال: \"من قال دُبُر كل صلاة: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ﴾، ثلاث مرات، فقد اكتال بالجرَيب الأوفى من الأجر\".\nوقد وردت أحاديث (^١٠٧) في كفارة المجلس: \"سبحالك اللَّهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك\".\nوقد أفردت لها جزءًا على حدة، فليكتب هاهنا إن شاء الله تعالى.\n[آخر تفسير سورة الصافات]\n_________\n(^١٠٦) - المعجم الكبير للطبراني (٥/ ٥١٢٤) ثنا أحمد بن رشدين المصري، ثنا عبد المنعم بن بشير الأنصاري، ثنا عبد الله بن محمد الإنسي من ولد أنس -كذا- عن عبد الله بن زيد به، وعبد الله بن محمد -أو ابن صخر كما هنا- لم أجد له ترجمة هو وشيخه عبد الله بن زيد، ثم إن عبد المنعم بن بشير هذا جرحه يحيى بن معين واتهمه. وقال ابن حبان: منكر الحديث جدًّا، لا يجوز الاحتجاج به، وقال ابن عدي: عامة ما يرويه لا يتابع عليه، وقال الخليلي في الإرشاد: هو وضاع على الأئمّة. راجع ترجمته في الميزان واللسان- وبه أعله الهيثمي، فأورده في المجمع (١٠/ ١٠٥، ١٠٦) وقال: رواه الطبراني وفيه عبد المنعم بن بشير، وهو ضعيف جدًّا. والحديث أورده المنذري في الترغيب والتوهيب والسيوطي في الدر المنثور (٥/ ٥٥٤) ولم يعزياه لغير الطبراني.\n(^١٠٧) - فمن ذلك حديث أبي هريرة عند الترمذي، كتاب الدعوات (٣٤٣٣) وقال: حديث حسن صحيح غريب. وصححه أيضًا الحاكم (١/ ٥٣٦) ووافقه الذهبي، وكذا صححه ابن حبان (٢/ ٥٩٤)، وهو عند أبي داود (٤٨٥٨، ٤٨٥٧) من وجه آخر بإسناد صحيح، وفي الباب عن جبير بن مطعم عند الطبراني في الكبير (٢/ ١٥٨٦) وصححه الحاكم (١/ ٥٣٧) ووافقه الذهبي، ومن حديث أبي برزة الأسلمي عند أبي داود (٤٨٥٩) والحاكم (١/ ٥٣٧) والدارمي (٢/ ٢٨٣) وإسناده صحيح: وآخر من حديث رافع بن خديج عند الطبراني (٤/ ٤٤٤٥) والحاكم وإسناده حسن.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"من\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في خ: \"الأنسي\".","vol":"12","page":70},{"text":"<span data-type='title' id=toc-154>تفسير سورة ص وهي مكية</span>\n﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (١) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ (٢) كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ (٣)﴾\nأما الكلام على الحروف المقطعة فقد تقدم في أول \"سورة البقرة\". بما أغنى عن إعادته هاهنا.\nوقوله: ﴿وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ أي: والقرآن المشتمل على ما فيه ذكر للعباد ونفع لهم في المعاش والمعاد. قال الضحاك في قوله: ﴿ذِي الذِّكْرِ﴾، كقوله: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾، أي: تذكيركم. وكذا قال قتادة، واختاره ابن جرير.\nوقال ابن عباس، وسعيد بن جبير، وإسماعيل بن أبي خالد، وابن عيينة، وأبو حصين، وأبو صالح، والسدي: ﴿ذِي الذِّكْرِ﴾: ذي الشرف، أي: ذي الشأن والمكانة.\nولا منافاة بين القولين فإنه كتاب شريف مشتمل على التذكير والإعذار والإنذار، واختلفوا في جواب هذا القسم، فقال بعضهم: هو قوله: ﴿إِنْ كُلٌّ إلا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ﴾. وقيل: قوله: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ﴾، حكاهما ابن جرير، [وهذا الثاني فيه بُعد كبير، وَضَعّفَه ابن جرير] [¬١].\nوقال قتادة: جوابه: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾، [واختاره ابن جرير] [¬٢].\nوقيل: جوابه ما تضمنه سياق السورة بكمالها، والله أعلم.\nثم حكى ابن جرير عن بعض أهل العربية [¬٣] أنه قال: جوابه: \"ص\" بمعنى [¬٤]: صدق حق والقرآن ذي الذكر.\nوقوله: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾ أي: إن في هذا القرآن لذكرًا [¬٥] لمن يتذكر، وعبرة لمن يعتبر. وإنما لم ينتفع به الكافرون لأنهم ﴿فِي عِزَّةٍ﴾ أي: استكبار عنه وحمية، ﴿وَشِقَاقٍ﴾ أي: مخالفة له ومعاندة ومفارقة.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٣]- في ت: \"العلم\".\n[¬٤]- سقط من: خ، ز.\n[¬٥]- في ز: \"لذكر\".","vol":"12","page":71},{"text":"ثم خوفهم ما أهلك به الأمم المكذبة قبلهم بسبب مخالفتهم للرسل وتكذيبهم الكتب المنزلة من السماء، فقال: ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ﴾ أي: من أمة مكذبة، ﴿فَنَادَوْا﴾ أي: حين جاءهم العذاب استغاثوا وجَأرُوا إلى الله، وليس ذلك بمُجدٍ عنهم شيئًا، كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ﴾ أي: يهربون، ﴿لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ﴾.\nقال أبو داود الطيالسي (^١): حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق، عن التميمي، قال: سألت ابن عباس عن قول الله: ﴿فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾، قال: ليس بحين نداء [¬١]، ولا نَزْو [¬٢]. ولا فرار وقال عليَّ بن أبي طلحة عن ابن عباس: ليس بحين مغاث.\nوقال شبيب بن بشر عن عكرمة، عن ابن عباس: نادوا النداء حين لا ينفعهم، وأنشد:\nتَذَكَّرَ [¬٣] لَيْلَى لَاتَ حَين تَذَكُّرِ.\nوقال محمد بن كعب في قوله: ﴿فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾، يقول: نادوا بالتوحيد حين تولت الدنيا عنهم، واستباصوا [¬٤] للتوبة [¬٥] حين تولت الدنيا عنهم.\nوقال قتادة: لما رأوا العذاب أرادوا التوبة في غير حين [¬٦] النداء.\nوقال مجاهد: ﴿فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾، ليس بحين فرار ولا إجابة.\nوقد روي نحو هذا عن عكرمة، وسعيد بن جبير، وأبي [¬٧] مالك، والضحاك، وزيد بن أسلم، والحسن، وقتادة.\nوعن مالك، عن زيد بن اسم: ﴿وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾، ولا نداء في غير حين النداء.\nوهذه الكلمة وهي ﴿وَلَاتَ﴾، هي\"لا\" التي للنفي، زيدت معها \"التاء\"، [كما تزاد] [¬٨] في \"ثُمّ\"، فيقولون: \"ثُمّت\"، و\"رب\" فيقولون [¬٩]: \"رُبَّت\". وهي\n_________\n(^١) - أخرجه أيضًا الطبري في تفسيره (٢٣/ ١٢١)، والحاكم (٢/ ٤٣٢ - ٤٣٣) من طرق عن أبي إسحاق به. وعزاه السيوطي في الدر المنثور (٥/ ٥٥٦) أيضًا إلى عبد الرزاق، والفريابي، وعبد بن حميد وابن المنذر.\n_________\n[¬١]- سقط من: خ، ز.\n[¬٢]- في ز: \"تروٍ\".\n[¬٣]- في ز: \"يذكر\".\n[¬٤]- في خ: \"واستناصوا\".\n[¬٥]- بياض في خ، ز.\n[¬٦]- بعده في ز: \"لا\".\n[¬٧]- في خ: \"أبو\".\n[¬٨]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٩]- في ز: \"ويقولون\".","vol":"12","page":72},{"text":"مفصولة، والوقف عليها. ومنهم من حكى عن المصحف الإمام فيما ذكره [بن جرير] [¬١] أنها متصلة بحين: (ولا تحين مناص). والمشهور الأول. ثم قرأ لجمهور بنصب ﴿حِينَ﴾، تقديره: وليس الحين حينَ مناص. ومنهم من جوز النصب بها، وأنشد:\nتَذَكُرَ حَبَّ لَيلَى لَاتَ حِينا … وَأَضْحَى الشَّيبَ قَدْ قَطَعَ الْقَرِينا\nومنهم من جَوَّز الجر بها، وأنشد:\nطَلَبُوا صُلْحَنَا وَلَاتَ أوَانٍ … فَأَجَبنَا أَنْ لَيسَ حَين بَقَاءِ\nوأنشد بعضهم أيضًا:\nولاتَ ساعةِ مَنْدَمِ [¬٢].\nبخفض الساعة، وأهل اللغة يقولون: \"النوص: التأخر، والبوص: التقدم\"؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ أي: ليس الحين حين فرار ولا ذهاب.\n﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَال الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (٤) أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيءٌ عُجَابٌ (٥) وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيءٌ يُرَادُ (٦) مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إلا اخْتِلَاقٌ (٧) أَأُنْزِلَ عَلَيهِ الذِّكْرُ مِنْ بَينِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ (٨) أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ (٩) أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَينَهُمَا فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبَابِ (١٠) جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزَابِ (١١)﴾\nيقول تعالى مخبرًا عن المشركين في تعجبهم من بعثه الرسول بشرًا، كما قال تعالى: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَينَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قَال الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ﴾، وقال هاهنا: ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ﴾ أي: بشر مثلهم، ﴿وَقَال الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (٤) أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ أي: أزعم أن المعبود [¬٣] واحد لا إله إلا هو؟! أنكر المشركون ذلك -قَبَّحهم الله تعالى- وتعجبوا من ترك الشرك بالله، فإنهم كانوا قد تلقوا عن آبائهم عبادة الأوثان وَأشربته\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين بياض في خ، ز.\n[¬٢]- في ز: \"مسند\".\n[¬٣]- بعده في ز، خ: إلهًا.","vol":"12","page":73},{"text":"قلوبهم، فلما دعاهم الرسول ﷺ إلي خلع ذلك من قلوبهم، وإفراد الله بالوحدانية، أعظموا ذلك وتعجبوا وقالوا: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيءٌ عُجَابٌ (٥) وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ﴾، وهم سادتهم وقادتهم ورؤساؤهم وكبراؤهم قائلين: ﴿امْشُوا﴾ أي: استمروا على دينكم ﴿وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ﴾، ولا تستجيبوا لما يدعوكم إليه محمد من التوحيد.\nوقوله: ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيءٌ يُرَاد﴾ قال ابن جرير: إن هذا الذي يدعونا إليه محمد من التوحيد لشيء يريد به الشرف عليكم، والاستعلاء، وأن يكون له منكم أتباع [¬١]، ولسنا [¬٢] مُجِيبيه إليه.\nذكر سبب نزول هذه الآيات\nقال السدي: إن ناسًا [¬٣] من قريش اجتمعوا، فيهم: أبو جهل بن هشام، والعاص بن وائل، والأسود بن المطلب، والأسود بن عبد يغوث في نفر من مشيخة قريش، فقال بعضهم لبعض: انطلقوا بنا إلى أبي طالب فَلْنُكَلّمه فيه، فَلْينصفنا منه، فَلْيكف عن شَتْم آلهتنا، ونَدَعه وإلهه الذي يعبده؛ فإنا نخاف أن يموت هذا الشيخ، فيكونَ منا إليه شيء، فتعيرنا العرب، يقولون: تركوه حتى إذا مات عنه تناولوه. فبعثوا رجلًا منهم يقال له: المطلب، فاستأذن لهم علي أبي طالب، فقال: هؤلاء مشيخة قومك وسَرَاتهم يستأذنون عليك؟ قال: أدخلهم. فلما دخلوا عليه قالوا: يا أبا طالب، أنت كبيرنا وسيدنا، فأنصفنا من ابن أخيك، فمره فليكف عن شتم آلهتنا وندعه وإلهه. قال: فبعث إليه أبو طالب، فلما دخل عليه رسول الله ﷺ قال: يا ابن أخي، هؤلاء مشيخة قومك وسَرَاتهم، وقد سألوك أن تكف عن شتم آلهتهم ويدَعُوك وإلهك. قال: \"ياعم، أفلا أدعوهم إلي ما هو خير لهم؟ \" قال: وإلام تدعوهم؟ قال: \"أدعوهم أن يتكلموا بكلمة تدين لهم بها [¬٤] العرب، ويملكون بها العجم\". فقال أبو جهل من بين القوم: ما هي وأبيك؟ لنعطينكها [¬٥] وعشرة أمثالها. قال: \"تقولون: لا إله إلا الله\". فنفر وقال: سلْنا غير هذا. قال: \"لو جئتموني بالشمس حتى تضعوها في يدي، ما سألتكم غيرها\". فقاموا من عنده غضَابًا، وقالوا: والله لنشتمنك وإلهك الذي أمرك بهذا. ﴿وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيءٌ يُرَادُ﴾.\nرواه ابن أبي حاتم، وابن جرير (^٢)، وزاد: فلما خرجوا دعا رسول الله صلي الله عليه\n_________\n(^٢) - تفسير الطبري (٢٣/ ١٢٧ - ١٢٨).\n_________\n[¬١]- في خ: \"الباع\".\n[¬٢]- في ز: \"لنا\".\n[¬٣]- في خ: \"أناسًا\".\n[¬٤]- سقط من: ز.\n[¬٥]- في ت: \"لنعطينها\".","vol":"12","page":74},{"text":"وسلم عمه [¬١] إلي قول \"لا إله إلا الله\"، فأبى وقال: بل على دين الأشياخ. ونزلت: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾.\nوقال أبو جعفر بن جرير (^٣): حدثنا أبو كريب وابن وكيع قالا: حدثنا أبو أسامة، حدثنا الأعمش، حدثنا عباد، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: لما مرض أبو طالب، دخل عليه رهط من قريش، فيهم [¬٢] أبو جهل، فقالوا: إن ابن أخيك يشتم آلهتنا. ويفعل ويفعل، ويقول ويقول، فلو بعثت إليه فنهيته؟ فبعث إليه، فجاء النبي ﷺ فدخل البيت وبينهم وبين أبي طالب قدر مجلس رجل، قال: فخشي أبو جهل إن جلس إلي جنب أبي طالب أن يكون أرق له عليه. فوثب فجلس في ذلك المجلس، ولم يجد رسول الله ﷺ مجلسًا قرب عمه، فجلس عند الباب. فقال له أبو طالب: أي ابنَ أخي، ما بال قومك يشكونك، يزعمون أنك تشتم آلهتهم، وتقول وتقول؟ قال: وأكثروا عليه من القول. وتكلم رسول الله ﷺ فنقال: \"يا عم، إني أريدهم علي كلمة واحدة يقولونها تدين لهم بها العرب، وتؤدي إليهم بها العجم الجزية\". ففزعوا لكلمته ولقوله، وقالوا: كلمة واحدة! نعم وأبيك عشرًا، فقالوا: وما [¬٣] هي؟ وقال أبو طالب: و[¬٤] أي كلمة هي يا بن أخي؟ فقال: \"لا إله إلا الله\". فقامرا فزعين ينفضون ثيابهم، وهم يقولون: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيءٌ عُجَابٌ﴾. قال: ونزلت من [¬٥] هذا الموضع إلى قوله: ﴿لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ﴾. لفظ أبي كريب.\nوهكذا رواه الإمام أحمد، والنسائي من حديث محمد بن عبد الله بن [¬٦] نمير، كلاهما عن أبي أسامة، عن الأعمش، عن عباد، غير منسوب، به نحوه. ورواه الترمذي، والنسائي، وابن أبي حاتم، وابن جرير أيضًا، كلهم في تفاسيرهم (^٤) من حديث سفيان الثوري، عن الأعمش، عن يحيى بن عُمَارة الكوفي، عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس، فذكر نحوه. وقال الترمذي: حسن.\nوقولهم: ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ﴾ أي: ما سمعنا بهذا الذي يدعونا إليه محمد من التوحيد في الملة الآخرة.\n_________\n(^٣) - تفسير الطبري (٢٣/ ١٢٥)، وأخرجه أحمد (١/ ٢٢٨، ٣٦٢) والنسائي في التفسير (٤٥٧) من طريق أبي أسامة عن الأعمش به.\n(^٤) - أخرجه أحمد (١/ ٢٢٧)، والترمذي في تفسير القرآن، باب: ومن سورة (ص)، حديث (٢٣٢٣)، والنسائي في التفسير (٤٥٦) وأبو يعلى (٢٥٨٣) والطبري (٢٣/ ١٢٥)، وابن حبان (١٧٥٧ - موارد)، والحاكم (٢/ ٤٣٢)، والبيهقي (٩/ ١٨٨) من طرق عن سفيان به.\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- في ز: \"منهم\".\n[¬٣]- في ز: \"فما\".\n[¬٤]- سقط من: ز.\n[¬٥]- في ز: \"في\".\n[¬٦]- في ز، خ: \"وابن\".","vol":"12","page":75},{"text":"و[¬١] قال مجاهد وقتادة وابن [¬٢] زيد: يعنون دين قريش.\nوقال غيرهم: يعنون النصرانية. قاله محمد بن كعب، والسدي.\nوقال العوفي عن ابن عباس: ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ﴾ يعني النصرانية، قالوا: لو كان هذا القرآن حقًّا أخبرتنا به النصارى ﴿إِنْ هَذَا إلا اخْتِلَاقٌ﴾ قال مجاهد وقتادة: كذب. وقال ابن عباس: تخرص.\nوقولهم: ﴿أَأُنْزِلَ عَلَيهِ الذِّكْرُ مِنْ بَينِنَا﴾: أنهم يستبعدون تخصيصه بإنزال القرآن عليه [¬٣] من بينهم كلهم، كما قالوا في الآية الأخرى: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَينِ عَظِيمٍ﴾، قال الله تعالى: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَينَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾، ولهذا لما قالوا هذا الذي دل علي [¬٤] جهلهم وقلة عقلهم، في استبعادهم إنزال القرآن علي الرسول من بينهم، قال الله تعالى: ﴿بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ﴾ أي: إنما يقولون هذا لأنهم ما ذاقوا إلي حين قولهم ذلك عذابَ الله ونقمته، سيعلمون غِبّ ما قالوا وما كذبوا به يوم يدعون إلى نار جهنم دعا ثم قال مبينًا أنه المنصرف في ملكه، الفعال لما يشاء، الذي يعطي من شاء لمن يشاء، [ويعز من يشاء، ويذل من يشاء، ويهدي من يشاء، ويضل من يشاء] [¬٥]، وينزل الروح من أمره علي من يشاء من عباده، ويختم علي قلب من يشاء، فلا يهديه أحد من بعبد الله، وإن العباد لا يملكون شيئًا من الأمر، وليس إليهم من التصرف [في الملك] [¬٦] ولا مثقال ذرة، وما يملكون من قطمير؛ ولهذا قال تعالى منكرًا عليهم: ﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ﴾ أي: العزيز الذي لا يُرَام جَنَابه، الوهاب الذي يعطي ما يريد لمن يريد.\nوهذه الآية شبيهة بقوله: ﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا (٥٣) أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَينَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَينَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا (٥٤) فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا﴾ وقوله: ﴿قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا﴾ وذلك بعد الحكاية عن الكفار أنهم أنكروا بعثة الرسول البَشَريّ، وكما أخبر تعالى عن قوم صالح حين قالوا: ﴿أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيهِ مِنْ بَينِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ (٢٥) سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ﴾.\nوقوله: ﴿أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَينَهُمَا فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبَابِ﴾ أي: إن\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- في ز: \"وأبو\".\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- في ز: \"عليه\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.","vol":"12","page":76},{"text":"كان لهم ذلك فليصعدوا في الأسباب.\nقال [¬١] ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وقتادة وغيرهم: يعني [¬٢]: طرق السماء.\nوقال الضحاك: فليصعدوا إلى السماء السابعة.\nثم قال: ﴿جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزَابِ﴾ أي: هؤلاء الجند المكذبون الذين هم في عزة وشقاق سيهزمون [¬٣] ويغلبون ويُكبَتُون، كما كبت الذين من قبلهم من الأحزاب المكذبين، وهذه كقوله: ﴿أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ (٤٤) سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾، [كان ذلك يوم بدر] [¬٤]، ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾.\n﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتَادِ (١٢) وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ الْأَيكَةِ أُولَئِكَ الْأَحْزَابُ (١٣) إِنْ كُلٌّ إلا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ (١٤) وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ إلا صَيحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ (١٥) وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ (١٦)﴾\nيقول تعالى مخبرًا عن هؤلاء القرون الماضية، وما حل بهم من العذاب والنكال والنقمات في مخالفة الرسل وتكذيب الأنبياء. وقد تَقَدمت قصَصُهم مبسوطة في أماكن متعددة.\nوقوله: ﴿أُولَئِكَ الْأَحْزَابُ﴾ أي: كانوا أكثر منكم وأشد قوة، وأكثر أموالًا وأولادًا، فما [¬٥] دافع ذلك عنهم من عذاب الله من شيء، لما جاء أمر ربك؛ ولهذا قال: ﴿إِنْ كُلٌّ إلا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ﴾، فجعل علة هلاكهم هو تكذيبهم بالرسل، فليحذر المخاطبون من ذلك أشد الحذر.\nوقوله: ﴿وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ إلا صَيحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ﴾ قال مالك، عن زيد بن أسلم: أي: ليس لها مثنوية. أي: ما ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة فقد جاء أشراطها، أي: قد اقتربت ودنت وأزفت. وهذه الصيحة هي نفخة الفزع التي يأمر [¬٦] الله إسرافيل أن يُطَوّلها، فلا يبقى أحد من أهل السماوات والأرض إلا فزع، إلا من استثنى الله، ﷿.\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- سقط من: ت.\n[¬٣]- في ز: \"فسيهزمون\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٥]- في ز: \"لما\".\n[¬٦]- في ز: \"أمر\".","vol":"12","page":77},{"text":"وقوله: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ﴾. هذا إنكار من الله على المشركين في دعائهم علي أنفسهم بتعجيل العذاب، فإن القط هو الكتابُ. وقيل: هو الحظ والنصيب.\nقال ابن عباس، ومجاهد، والضحاك، والحسن، وغير واحد: سألوا تعجيل العذاب. زاد قتادة: كما قالوا: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَينَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَو ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾\nوقيل: سألوا تعجيل نصيبهم من الجنة، إن كانت موجودة أن يلقوا ذلك [¬١] في الدنيا. وإنما خَرَج هذا [¬٢] منهم مَخْرَج الاستبعاد والتكذيب.\nوقال ابن جرير: سألوا تعجيل ما يستحقونه من الخير أو [¬٣] الشر في الدنيا. وهذا الذي قاله جيد، وعليه يدور كلام الضحاك، وإسماعيل بن أبي خالد، والله أعلم.\nولما كان هذا الكلام منهم علي وجه الاستهزاء والاستبعاد، قال الله تعالى لرسوله ﷺ آمرًا له بالصبر علي أذاهم، ومبشرًا له علي صبره بالعاقبة والنصمر [¬٤] والظفر.\n﴿اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ (١٧) إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَال مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ (١٨) وَالطَّيرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ (١٩) وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَينَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ (٢٠)﴾\nيذكر تعالى عن عبده ورسوله داود ﵊؛ أنه كان ذا أيد، والأيد: القوة في العلم والعمل، قال ابن زيد والسدي: الأيد القوة. وقرأ ابن زيد: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَينَاهَا بِأَيدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ وقال مجاهد: الأيد: القوة في الطاعة.\nوقال قتادة: أعطي داود ﵇ قوة في العبادة، وفقهًا في الإِسلام، وقد ذُكر لنا أنه ﵇ كان يقوم ثلث الليل، ويصوم نصف الدهر، وهذا ثابت في الصحيحين (^٥) عن رسول الله ﷺ أنه قال: \"أحب الصلاة إلي الله صلاة داود، وأحب الصيام إلي الله صيام داود، كان ينام نصف الليل، ويقوم ثلثه، وينام سدسه، وكان يصوم يومًا ويفطر يومًا، ولا يفر إذا لاقي، وإنه كان أوابًا\". وهو الرجاع إلى الله ﷿ في جميع أموره وشئونه.\n_________\n(^٥) - صحيح البخاري في التهجد، باب: من نام عند السحر، حديث (١١٣١) ومسلم في الصيام، حديث (١١٥٩) من حديث عبد الله بن عمرو به.\n_________\n[¬١]- في خ: \"هذا\".\n[¬٢]- في خ: \"ذلك\".\n[¬٣]- في خ: \"و\".\n[¬٤]- في خ: \"والصبر\".","vol":"12","page":78},{"text":"وقوله: ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَال مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ﴾ أي: إنه تعالى سخر الجبال تسبح معه عند إشراق الشمس وآخر النهار، كما قال تعالى: ﴿يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيرَ﴾، وكذلك كانت الطير تسبح بتسبيحه، وترجّع بترجيعه، إذا مر به الطير وهو سابح [¬١] في الهواء فسمعه [¬٢] وهو يترنم بقراءة الزبور، لا تستطيع الذهاب، بل تقف في الهواء، تسبح [¬٣] معه وتجيبه الجبال الشامخات، ترجع معه، وتسبح تبعًا له.\nقال ابن جرير (^٦): حدثنا أبو كريب، حدثنا محمد بن بشر، عن مسْعَر، عن عبد الكريم، عن موسى بن أبي كثير، عن ابن عباس أنه بلغه أن أم هانئ ذكرت أن رسول الله ﷺ يوم فتح مكة صلى الضحى ثمان ركعات. قال ابن عباس: [قد ظننت] [¬٤] أن لهذه الساعة صلاة، يقول الله تعالى: ﴿يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ﴾.\nثم رواه (^٧) من حديث سعيد بن أبي عروبة، عن أبي المتوكل، عن أيوب بن صفوان، عن مولاه [¬٥] عبد الله بن الحارث بن نوفل، أن ابن عباس كان لا يصلي الضحى. قال: فأدخلته على أم هانئ فقلت: أخبري هذا ما أخبرتيني به [¬٦]، فقالت أم هانئ: دخل علي رسول الله ﷺ يوم الفتح في بيتي، ثم أمر بماء صُبّ في قصعة، ثم أمر بثوب، فأخذ بيني وبينه، فاغتسل ثم رَش ناحية البيت، فصلى ثماني ركعات، وذلك من الضحى، قيامهن وركوعهن وسجودهن وجلوسهن [¬٧] سواء، قريب بعضهن من بعض. فخرج ابن عباس وهو يقول: لقد قرأت ما بين اللوحين ما عرفت صلاة الضحى إلا الآن: ﴿يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ﴾، وكنت أقول: أين صلاة الإِشراق؟! وكان بَعدُ يقول: صلاة الإِشراق.\n_________\n(^٦) - تفسير الطبري (٢٣/ ١٣٧)، وانظر التالي.\n(^٧) - تفسير الطبري (٢٣/ ١٣٧). وأخرجه الحاكم في المستدرك (٤/ ٥٣) من طريق عبد الوهاب بن عطاء عن سعيد بن أبي عروبة به.\n_________\n[¬١]- في ز: \"سانح\".\n[¬٢]- في ز: \"فيسمعه\".\n[¬٣]- في خ، ت: وتسبح.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين في ز: \"فظننت\".\n[¬٥]- في ز: \"مولا\".\n[¬٦]- سقط من: ز.\n[¬٧]- سقط من: خ، ز.","vol":"12","page":79},{"text":"ولهذا قال: ﴿وَالطَّيرَ مَحْشُورَةً﴾ أي: محبوسة في الهواء، ﴿كُلٌّ لَهُ أَوَّاب﴾ أي: مطيع يسبح تبعًا له.\nقال سعيد بن جبير وقتادة ومالك عن زيد بن أسلم وابن زيد ﴿كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ﴾ أي: مطيع.\n﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ﴾ أي: جعلنا له ملكًا كاملًا من جميع ما يحتاج إليه الملوك.\nقال ابن أبي نجيح عن مجاهد: كان أشد أهل الدنيا سلطانًا.\nوقال السدي: كان يحرسه في كل يوم أربعة آلاف.\nوقال بعض السلف: بلغني أنه كان حَرَسُه في كل ليلة ثلاثة وثلاثين ألفًا، لا تدور عليهم النوبة إلي مثلها من العام القابل.\nوقال غيره: أربعون ألفًا [مشملون بالسلاح] [¬١].\nوقد ذكر ابنُ جرير، وابن أبي حاتم (^٨)، من رواية علْباء بن أحمر، عن عكرمة، عن ابن عباس؛ أن نَفَرين من بني إسرائيل استعدى أحدهما علي الآخر إلي داود ﵇ أنه اغتصبه بقرًا، فأنكر الآخر، ولم يكن للمدعي بيّنة، فأرجأ أمرهما. فلما كان الليل أمر داود ﵇ في المنام بقتل المدعي. فلما كان النهار طلبهما وأمر بقتل المدعي، فقال: يا نبي الله؛ علام تقتلني وقد اغتصبني هذا بقري؟ فقال: إن الله ﷿ قد [¬٢] أمرني بقتلك، فأنا قاتلك لا محالة. فقال: والله [¬٣] يا نبي الله؛ إن الله لم يأمرك بقتلي لأجل هذا الذي ادعيتُ عليه، وإني لصادق فيما ادعيت، ولكني كنت قد اغتلت أباه وقتلته، ولم يشعر بذلك أحد، فأمر [داود بقتله فقتل] [¬٤].\nقال ابن عباس: فاشتدت هيبته في بني إسرائيل، وهو الذي يقول الله ﷿: ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ﴾.\nوقوله: ﴿وَآتَينَاهُ الْحِكْمَةَ﴾، قال مجاهد: يعني الفهم والعقل والفطة. وقال مَرّة: الحكمة والعدل. وقال مَرّة: الصواب.\nوقال قتادة: كتاب الله واتباع ما فيه.\n_________\n(^٨) - تفسير الطبري (٢٣/ ١٣٨).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ز: \"مشتكون السلاح\".\n[¬٢]- سقط من خ، ت.\n[¬٣]- في ز: \"يالله\".\n[¬٤]- في ت: \"به داود فقتل\".","vol":"12","page":80},{"text":"وقال السدي: ﴿الْحِكْمَةَ﴾ النبوة.\nوقوله: ﴿وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ قال شريح القاضي، والشعبي: فصل الخطاب الشهود والأيمان.\nوقال قتادة: شاهدان على المدعي، أو يمين المدعى عليه، هو فصل الخطاب الذي فصل به الأنبياء والرسل -أو قال: المؤمنون والصالحون- وهو قضاء هذه الأمة إلى يوم القيامة. وكذا قال أبو عبد الرحمن السلمي.\nوقال مجاهد والسدي: وإصابة القضاء وفهمه. وقال مجاهد أيضًا: هو الفصل في الكلام وفي الحكم، وهذا يشمل هذا كله، وهو المراد، واختاره ابن جرير.\nوقال ابن أبي حاتم (^٩): حدثنا عمر بن شَبَّة النميري، حدثنا إبراهيم بن المنذر، حدثني عبد العزيز بن أبي ثابت، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، عن بلال بن أبي بردة، عن أبيه، عن أبي موسى ﵁ قال: أول من قال: \"أما بعد\". داود ﵇ وهو فصل الخطاب.\nوكذا قال الشعبي فصل الخطاب: \"أما بعد\".\n﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ (٢١) إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَينَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ (٢٢) إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَال أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ (٢٣) قَال لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ (٢٤) فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ (٢٥)﴾\nقد ذكر المفسرون هاهنا قصة أكثرها مأخوذ [¬١] من الإِسرائيليات، ولم يثبت فيها عن المعصوم\n_________\n(^٩) - عزاه السيوطي في الدر المنثور (٥/ ٥٦٤) إلى ابن أبي حاتم والديلمي.\n_________\n[¬١]- في ز: \"مأخوذة\".","vol":"12","page":81},{"text":"حديث يجب اتباعه، ولكن روى ابن أبي حاتم (^١٠) هنا حديثًا لا يصح سنده؛ لأنه من رواية يزيد الرقاشي، عن أنس، ويزيد وإن كان من الصالحين لكنه ضعيف الحديث عند الأئمة، فالأولى أن يقتصر علي مجرد تلاوة هذه القصة وأن يُرَد علمها إلى الله ﷿ فإن القرآن حق، وما تضمن فهو حق أيضًا.\nوقوله: ﴿فَفَزِعَ مِنْهُمْ﴾، إنما كان ذلك لأنه كان في محرابه، وهو أشرف مكان في داره، وكان قد أمرَ أن لا يدخل عليه أحد ذلك اليوم، فلم يشعر إلا بشخصين قد تَسَوّرا عليه المحراب، أي: احتاطا به يسألانه عن شأنهما.\nوقوله: ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾ أي: غلبني يقال: عزّ يعزُّ: إذا قهر وغلب.\nوقوله: ﴿وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ﴾، قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: أي اختبرناه.\nوقوله: ﴿وَخَرَّ رَاكِعًا﴾ أي: ساجدًا ﴿وَأَنَابَ﴾ ويحتمل أنه ركع أولًا، ثم سجد بعد ذلك. وقد ذكر أنه استمر ساجدًا أربعين صباحًا، ﴿فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ﴾ أي: ما كان منه مما يقال فيه: \"إن حسنات الأبرار سيئات المقربين\".\nوقد اختلف الأئمة ﵃ في سجدة \"ص\"، هل هي من عزائم السجود؟ على قولين؛ الجديد من مذهب الشافعي ﵀ أنها ليست من عزائم السجود، بل هي سجدة شكر. والدليل علي ذلك ما رواه الإِمام أحمد حيث قال (^١١):\nحدثنا إسماعيل -وهو ابن عُلَيّة-، عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس أنه قال في السجود في \"ص\": ليست من عزائم السجود، وقد رأيت رسول الله ﷺ يسجد فيها.\nورواه البخاري، وأبو داود، والترمذي، والنسائي في تفسيره، من حديث أيوب به. وقال الترمذي: حسن صحيح.\nوقال النسائي (^١٢) أيضًا عند تفسير هذه الآية: أخبرني إبراهيم بن [¬١] الحسن، هو المقْسَمي،\n_________\n(^١٠) - أخرجه الطبري في تفسيره (٢٣/ ١٥٠)، من طريق يزيد الرقاشي عن أنس به، وزاد السيوطي نسبته في الدر المنثور (٥/ ٥٦٥) إلى الحكيم الترمذي في نوادر الأصول.\n(^١١) - المسند (١/ ٣٦٠)، وأخرجه البخاري في كتاب سجود القرآن، باب: سجدة (ص)، حديث (١٠٦٩)، وطرفه في (٣٤٢٢)، وأبو داود في سجود القرآن، باب: السجود في (ص)، حديث (١٤٠٩)، والترمذي في الصلاة، باب: ما جاء في السجدة في (ص)، حديث (٥٧٧)، والنسائي في الكبرى كما في تحفة الأشراف (٥٩٨٨) من طرق عن أيوب السختياني به.\n(^١٢) - تفسير النسائي رقم (٤٥٨)، وهو في السنن الصغرى له أيضًا في كتاب الافتتاح، باب:=\n_________\n[¬١]- في ز: \"عن\".","vol":"12","page":82},{"text":"حدثنا حجاج بن محمد، عن عمر بن ذر، عن أبيه، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄، أن النبي ﷺ سجد في \"ص\"، وقال: \"سجدها داود ﵇، توبة، ونسجدها شكرًا\".\nتفرد بروايته النسائي، [ورجال إسناده كلهم] [¬١] ثقات.\nوقد أخبرني شيخنا الحافظ أبو الحجاج المزي قراءة عليه وأنا أسمع:\nأخبرنا أبو إسحاق المدرجي، أخبرنا زاهر بن أبي طاهر الثقفي، أخبرنا زاهر بن طاهر الشحامي [¬٢]، أخبرنا أبو سعيد [¬٣] الكنجروذي [¬٤]، أخبرنا الحاكم أبو أحمد مححد [¬٥] بن محمد الحافظ، أخبرنا أبو العباس السراج، حدثنا هارون بن عبد الله، حدثنا محمد بن يزيد بن خُنَيس، عن الحسن بن محمد بن عبيد [¬٦] الله بن أبي يزيد، قال: قال لي ابن جريج: يا حسن، حدثني جدك عبيد الله بن أبي يزيد، عن ابن عباس؛ قال: جاء رجل إلي النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إني رأيت فيما يرى النائم كأني أصلى خلف شجرة، فقرأت السجدة، فسجدتُ فسجدتِ الشجرةُ لسجودي، فسمعتها تقول وهي ساجدة: \"اللهم، اكتب لي بها عندك أجرًا، واجعلها لي عندك ذخرًا، وضع عني بها وزرًا، واقبلها مني كما قبلتها من عبدك داود\".\nقال ابن عباس: فرأيت النبي ﷺ قام فقرأ السجدة، ثم سجد، فسمعته يقول وهو ساجد كما حكى الرجل عن كلام الشجرة (^١٣).\nرواه الترمذي عن قتيبة، وابن ماجة عن أبي بكر بن خلاد، كلاهما عن محمد بن يزيد بن خنيس، نحوه، وقال الترمذي: غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه.\n_________\n= سجود القرآن (السجود في ص) (٢/ ١٥٩)، وفي الكبرى برقم (١٠٢٩) بسنده ومتنه. وأخرجه الدارقطني في سننه (١/ ٤٠٧) من طريق عبد الله بن بذيع عن عمرو بن ذر به.\n(^١٣) - أخرجه الترمذي في أبواب الصلاة، باب: ما يقوله في سجود القرآن حديث (٥٧٩)، وفي الدعوات، باب ما يقول في سجود القرآن، حديث (٣٤٢٤)، وابن ماجه في إقامة الصلاة، والسنة، باب: سجود القرآن، حديث (١٠٥٣)، وابن خزيمة (٥٦٢، ٥٦٣) من طرق عن محمد بن يزيد بن خنيس به.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ز: \"وإسناده رجالهم كلهم\".\n[¬٢]- في ز: \"السحابي\".\n[¬٣]- في ز، خ، ت: \"أبو سعد\" والتصويب من اللباب لابن الأثير (٣/ ١١٣).\n[¬٤]- في ز: \"الكنجدروذي\".\n[¬٥]- سقط من: خ، ز.\n[¬٦]- في خ: \"عبد\".","vol":"12","page":83},{"text":"وقال البخاري (^١٤) عند تفسيرها أيضًا: حدثنا محمد بن عبد الله، حدثنا محمد بن عبيد الطنافسي، عن العوام؛ قال: سألت مجاهدًا عن سجدة \"ص\"؟ فقال: سألت ابن عباس: من أين سَجَدْتَ؟ فقال: أو ما تقرأ: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيمَانَ﴾، ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾، فكان داود ﵇ ممن [¬١] أمِرَ نَبيّكم ﷺ أن يقتدى به، فسجدها داود ﵇ فسجدها رسول الله ﷺ.\nوقال الإمام أحمد (^١٥): حدثنا عفان، حدثنا يزيد بن زُرَيع، حدثنا حميد، حدثنا بكر -هو ابن عبد الله المزني- أنه أخبره: أن أبا سعيد الخدري رأى رؤيا أنه يكتب \"ص\"، فلما بلغ إلى التي يسجد بها رأى الدواة والقلم وكل شيء بحضرته انقلب ساجدًا. قال [¬٢]: فقصها على النبي ﷺ، فلم يزل يسجد بها بعد. تفرد به أحمد.\nوقال أبو داود (^١٦): حدثنا أحمد بن صالح، حدثنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، عن سعيد بن أبي هلال، عن عياض بن عبد الله بن سعد بن أبي سَرْح، عن أبي سعيد الخُدْري ﵁ قال: قرأ رسول الله ﷺ وهو علي المنبر ﴿ص﴾، فلما بلغ السجدة نزل فسجد، وسجد الناس معه، فلما كان يوم آخر قرأها، فلما بلغ السجدة تَشَزَّن (*) الناس للسجود فقال: \"إنما هي توبه نبي، ولكني رأيتكم تشزَّنتم [¬٣] \". فنزل وسجد وسجدوا [¬٤]. تفرد به أبو داود، وإسناده على شرط الصحيح.\nوقوله: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ أي: وإن له يوم القيامة لقربة يُقَرِّبه الله، ﷿، بها، وحسن مرجع، وهو الدرجات العاليات في الجنة، لنبوته [¬٥] وعدله التام في ملكه، كما جاء في الصحيح: \"المقسطون علي منابر من نور عن يمين الرحمن، وكلتا يديه يمين، الذين يقسطون في أهليهم وما وُلُّوا\".\n_________\n(^١٤) - صحيح البخاري في التفسير، باب: سورة ص، حديث (٤٨٠٧)، وانظر أيضًا الحديث رقم (٤٨٠٦)، والحديث في مسند أحمد (١/ ٣٦٠) أيضًا من طريق يحيى بن أبي غنية عن العوام بن حوشب به.\n(^١٥) - المسند (٣/ ٧٨)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢/ ٢٨٧): رجاله رجال الصحيح.\n(^١٦) - سنن أبي داود في الصلاة، باب السجود في (ص) حديث (١٤١٠). وأخرجه الدارمي (١٤٧٤)، (١٥٦٢)، وابن خزيمة (١٤٥٥) (١٧٩٥) من طريق سعيد بن أبي هلال به.\n(*) التشزن: التأهب والتهيؤ للشيء، والاستعداد له. النهاية (٢/ ٤٧١).\n_________\n[¬١]- في ز: \"فيمن\".\n[¬٢]- في ز: \"فقال\".\n[¬٣]- في ز: \"نشزتم\".\n[¬٤]- سقط من: خ، ز.\n[¬٥]- في خ: \"لتوبته\".","vol":"12","page":84},{"text":"وقال الإِمام أحمد (^١٧): حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا فضيل، عن عطية، عن أبي سعيد الخدري؛ قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن أحب الناس إلى الله يوم القيامة وأقربهم منه مجلسًا، إمام عادل. وإن أبغض الناس إلى الله يوم القيامة وأشدهم عذابًا، إمام جائر\".\nورواه الترمذي من حديث فضيل -وهو ابن مرزوق الأغرَ عن عطية به. وقال: لا نعرفه مرفوعًا إلا من هذا الوجه.\nوقال ابن أبي حاتم (^١٨): حدثنا أبو زرعة، حدثنا عبد الله بن أبي زياد، حدثنا سيار، حدثنا جعفر بن سليمان، سمعت مالك بن دينار في قوله: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ قال: مقام [¬١] داود يوم القيامة عند ساق العرش، ثم يقول: يا داود؛ مجدني اليوم بذلك الصوت الحسن الرخيم الذي كنت تمجدني به [¬٢] في الدنيا. فيقول: وكيف وقد سُلِبتُه؟ فيقول: إني أرده عليك اليوم. قال: فيرفع داود بصوت يستفرغ نعيم أهل الجنان.\n﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَينَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (٢٦)﴾\nهذه وصية من الله ﷿ لولاة الأمور أن يحكموا بين الناس بالحق المنزل من عنده ﵎، ولا يعدلوا عنه فيضلوا عن سبيله. وقد توعد تعالى من ضل عن سبيله، وتناسى يوم الحساب، بالوعيد الأكيد والعذاب الشديد.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا هشام بن خالد، حدثنا الوليد، حدثنا مروان بن جناح، حدثني إبراهيم أبو زرعة -وكان قد قرأ الكتاب- أن الوليد بن عبد الملك؛ قال له: أيحاسب الخليفة، فإنك قد قرأت الكتاب الأول، وقرأت القرآن وفَقهتَ؟ فقلت: يا أمير المؤمنين؛ أقول؟ قال: قل في أمان. قلت: يا أمير المؤمنين؛ أنت أكرم على الله أو داود؟ إن الله ﷿ جمع له النبوة والخلافة، ثم توعده [¬٣] في كتابه فقال: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا\n_________\n(^١٧) - المسند (٣/ ٢٢)، وأخرجه في (٣/ ٥٥)، والترمذي في الأحكام باب: ما جاء في الإمام العادل، حديث (١٣٢٩) من طريق فضيل بن مرزوق به.\n(^١٨) - عزاه السيوطي أيضًا في الدر المنثور (٥/ ٥٧٣) إلى أحمد في الزهد والحكيم الترمذي وابن المنذر.\n_________\n[¬١]- في ز، خ، ت: يقم. والمثبت من الدر والمنثور.\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- في ز: \"تواعده\".","vol":"12","page":85},{"text":"جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَينَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (٢٦)﴾ الآية.\n[وقال عكرمة: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾، [¬١]، هذا من المقدم والمؤخر، لهم عذاب شديد يوم الحساب بما نسوا.\nوقال السدي: لهم عذاب شديد بما تركوا أن يعملوا ليوم الحساب.\nوهذا القول أمشى علي ظاهر الآية، فالله أعلم.\n﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَينَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ (٢٧) أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ (٢٨) كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٩)﴾\nيخبر تعالى أنه ما خلق الخلق عبثًا، وإنما خلقهم ليعبدوه ويوحدوه، ثم يجمعهم [¬٢] ليوم الجمع، فيثيب المطيع ويعذب الكافر؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَينَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: الذين لا يرون بعثًا ولا معادًا، وإنما يعتقدون هذه الدار فقط، ﴿فَوَيلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ أي: ويل لهم يوم معادهم ونشورهم من النار المعدة لهم.\nثم بين تعالى أنه من عدله وحكمته لا يساوي بين المؤمن والكافر، فقال: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ أي: لا نفعل ذلك، ولا يستوون عند الله، وإذا كان الأمر كذلك فلا بُدّ من دار أخرى، يثاب فيها هذا المطيع، ويعاقب فيها هذا الفاجر. وهذا الإِرشاد يدل العقول السليمة والفطَرَ المستقيمة على أنه لا بد من معاد وجزاء، فإنا نرى الظالم الباغي يزداد ماله وولده ونعيمه ويموت كذلك، ونرى المطيع المظلوم يموت بكَمَده، فلا بد في حِكمَة الحكيم العليم العادل، الذي لا يظلم مثقال ذرة، من إنصاف هذا من هذا. وإذا لم يقع هذا في هذه الدار، فتعين [أن هناك دارًا] [¬٣] أخرى لهذا الجزاء والمواساة. ولما كان القرآن يرشد إلي المقاصد الصحيحة والمآخذ العقلية الصريحة، قال: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ أي: ذوو العقول، وهي الألباب، جمع لب، وهو العقل.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٢]- في ز: \"جمعهم\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، وفي ز \"دار\".","vol":"12","page":86},{"text":"قال الحسن البصري: والله ما تَدَبُّرُه بحفظ حروفه وإضاعة حدوده، حتى إن أحدهم ليقول: قرأت القرآن، ما يُرَى له القرآن في خلق ولا عمل. رواه ابن أبي حاتم.\n﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (٣٠) إِذْ عُرِضَ عَلَيهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ (٣١) فَقَال إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ (٣٢) رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ (٣٣)﴾\nيقول تعالى مخبرًا [¬١]- أنه وهب لداود سليمان أي: نبيًّا؛ كما قال: ﴿وورث سليمان داود﴾ أي: في النبوة، وإلا فقد كان له بنون غيره، فإنه قد كان عنده مائة امرأة حرائر.\nوقوله: ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾، ثناء على سليمان ﵇ بأنه كثير الطاعة والعبادة والإِنابة إلي الله ﷿.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمود بن خالد، حدثنا الوليد، حدثنا ابن جابر، حدثنا مكحول؛ قال: لما وهب الله لداود سليمان ﵇ قال له: يا بني؛ ما أحْسَنُ؟ قال: سكينة الله وإيمان. قال: فما أقبح؟ قال: كفر بعد إيمان. قال: فما أحلى؟ قال: روح الله بين [¬٢] عباده. قال: فما أبردُ؟ قال: عفو الله عن الناس، وعفو الناس بعضهم عن بعض. قال داود ﵇: فأنت نبي.\nوقوله: ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ﴾ أي: إذ عرض على سليمان في حال مملكته وسلطانه الخيل الصافنات.\nقال مجاهد: وهي التي تقف على ثلاث وطرف حافر الرابعة. والجياد: السراع. وكذا قال غير واحد من السلف.\nو[¬٣] قال ابن جرير (^١٩): حدثنا محمد بن بشار، حدثنا مُؤمَّل، حدثنا سفيان، عن أبيه سعيد بن مسروق، عن إبراهيم التيمي في قوله: ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ﴾ قال: كانت عشرين فرسًا ذات أجنحة، كذا رواه ابن جرير.\n_________\n(^١٩) - تفسير الطبري (٢٣/ ١٥٤) لكن نقله السيوطي في الدر المنثور (٥/ ٥٨٠) عن إبراهيم بلفظ \"قال: عشرين ألف فرس ذات أجنحة، فعقرها\". وعزاه إلي الفريابي وكبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم.\n_________\n[¬١]- في خ: \"مختبرًا\".\n[¬٢]- في خ، ز: \"من\".\n[¬٣]- سقط من: ز.","vol":"12","page":87},{"text":"وقال ابن أبي حاتم (^٢٠): حدثنا أبو زرعة، حدثنا [¬١]- إبراهيم بن موسى، حدثنا ابن أبي زائدة، أخبرني إسرائيل، عن سعيد بن مسروق، عن إبراهيم التيمي؛ قال: كانت الخيل التي شغلت سليمان ﵊ عشرين ألف فرس، فعقرها. وهذا أشبه، والله أعلم.\nوقال أبو داود (^٢١): حدثنا محمد بن عوف، حدثنا سعيد بن أبي مريم، أخبرنا يحيى بن أيوب، حدثني عُمَارة بن غَزيّة؛ أن محمد بن إبراهيم حدثه، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن عائشة ﵂ قالت: قَدِمَ رسولُ الله ﷺ من غزوة تبوك -أو: خيبر- وفي سهوتها ستر، فهبت الريح، فكشفت ناحية الستر عن بنات لعائشة -لُعَب- فقال: \"ما هذا يا عائشة؟ \". قالت: بناتي. ورأي بينهن فرسًا له جناحان من رقاع، فقال: \"ما هذا الذي أرى وسطهن؟ \". قالت: فرس. قال: \"وما هذا [¬٢] الذي عليه؟ \". قالت: جناحان. قال: \"فرس له جناحان؟! \". [قالت: أما] [¬٣] سمعت أن لسليمان خيلًا لها أجنحة؟ قالت [¬٤]: فضحك حتى رأيت نواجذه ﷺ.\nوقوله: ﴿فَقَال إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ (٣٢)﴾، ذكر غير واحد من السلف والمفسرين أنه اشتغل بعرضها حتى فات وقت صلاة العصر، والذي يقطع به أنه لم يتركها عمدًا بل نسيانًا، كما شُغِل النبي ﷺ يوم الخندق عن صلاة العصر حتى صلاها بعد الغروب، وذلك ثابت في الصحيحين من غير وجه (^٢٢)؛ من ذلك: عن جابر؛ قال: جاء عمر ﵁ يوم الخندق بعد ما غربت الشمس، فجعل يسب كفار قريش، ويقول: يا رسول الله؛ والله ما كدْتُ أصلي العصر حتى كادت الشمس تغرب. فقال رسول الله ﷺ: \"والله ما صليتها\". فقال: فقمنا إلى بُطْحَان فتوضأ للصلاة وتوضأنا لها فصلى العصر بعدما غربت الشمس، ثم صلى بعدها المغرب.\nويحتمل أنه كان سائغًا في ملتهم تأخير الصلاة لعذر الغزو والقتال، والخيل تراد للقتال، وقد ادعي [¬٥] طائفة من العلماء أن هذا كان مشروعًا فنسخ ذلك بصلاة الخوف، ومنهم من ذهب إلي ذلك في حال المسايفة والمضايقة، حيث لا يمكن صلاة ولا ركوع ولا سجود، كما فعل\n_________\n(^٢٠) - انظر السابق.\n(^٢١) - سنن أبي داود في الأدب، باب: في اللعب بالبنات، حديث (٤٩٣٢).\n(^٢٢) - أخرجه البخاري في مواقيت الصلاة، باب: من صلي بالناس جماعة بعد ذهاب الوقت، حديث (٥٩٦)، وأطرافه في (٥٩٨، ٢٦٤١، ٥٤٩، ٤١١٢)، ومسلم في المساجد ومواضع الصلاة، حديث (٦٣١) من حديث جابر ﵁.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في ز: \"ما\".\n[¬٤]- سقط من خ، ت.\n[¬٥]- بعده في ز: هذا.","vol":"12","page":88},{"text":"الصحابة ﵃ في فتح تُستَر، وهو منقول عن مكحول، والأوزاعي، وغيرهما. والأول أقرب؛ لأنه قال بعدها: ﴿رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ﴾.\nقال الحسن البصري: قال: لا، والله لا تشغليني عن عبادة ربي آخر ما عليك. ثم أمر بها فعقرت. وكذا قال قتادة.\nوقال السدي: ضرب أعناقها وعراقيبها بالسيوف.\nوقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: جعل يمسح أعراف الخيل وعراقيبها؛ حُبَّالِها.\nوهذا القول اختاره ابن جرير، قال: لأنه لم يكن ليعذب حيوانًا بالعرقبة، ويهلك مالًا من ماله بلا سبب سوى أنه اشتغل عن صلاله بالنظر إليها ولا ذنب لها. وهذا الذي رَجّح به ابن جرير فيه نظر؛ لأنه قد يكون في شرعهم جواز مثل هذا، ولا سيما إذا كان غضبًا لله ﷿ بسبب أنه اشتغل بها حتى خرج [¬١] وقت الصلاة؛ ولهذا لما خرج عنها لله تعالى عوضه الله تعالى ما [¬٢] هو خير منها، وهي الريح التي تجري بأمره رخاء حيث أصاب، غدوها شهر ورواحها شهر، فهذا أسرع وخير من الخيل.\nو[¬٣] قال الإمام أحمد (^٢٣): حدثنا إسماعيل، حدثنا سليمان بن المغيرة، عن حميد بن هلال، عن أبي قتادة وأبي الدهماء -وكانا يكثران السفر نحو البيت- قالا: أتينا علي رجل من أهل البادية، فقال البدوي: أخذ بيدي رسول الله ﷺ فجعل يعلمني مما علمه الله تعالى، وقال: \"إنك لا تدع شيئًا اتقاء الله ﷿ إلا أعطاك الله خيرًا منه\".\n﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيمَانَ وَأَلْقَينَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ (٣٤) قَال رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٣٥) فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيثُ أَصَابَ (٣٦) وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (٣٧) وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (٣٨) هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيرِ حِسَابٍ (٣٩) وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ (٤٠)﴾\n_________\n(^٢٣) - المسند (٥/ ٧٨)، وأخرجه في (٥/ ٧٩) عن بهز، وعفان عن سليمان بن المغيرة به.\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- في ز: \"بما\".\n[¬٣]- سقط من: ز.","vol":"12","page":89},{"text":"يقول تعالى: ﴿ولقد فتنا سليمان﴾ أي: اختبرناه بأن سلبناه الملك مرة، ﴿وَأَلْقَينَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾، قال ابن عباس، ومجاهد، وسعيد بن جبير، والحسن، وقتادة، وغيرهم: يعني شيطانًا. ﴿ثُمَّ أَنَابَ﴾ أي: ثم [¬١] رجع إلى ملكه وسلطانه وأبهته.\nقال ابن جرير: وكان اسم ذلك الشيطان صخرًا [¬٢]. قاله ابن عباس، وقتادة. وقيل: آصف. قاله مجاهد. وقيل: أصروا. قاله مجاهد أيضًا. وقيل: حبقيق. قاله السدي. وقد ذكروا هذه القصة مبسوطة ومختصرة.\nوقد قال سعيد بن أبي عَرُوبة: عن قتادة، قال [¬٣]: أمر سليمان ﵇ ببناء بيت\nالمقدس، فقيل له: ابنِه ولا يُسمَعُ [¬٤] فيه صوت حديد. قال: فطلب ذلك فلم يقدر عليه.\nفقيل له: إن شيطانًا في البحر يقال له: \"صخر\" شبه المارد. قال: فطلبه وكانت عين في البحر يَردُها في كل سبعة أيام مرة، فنُزح ماؤها وجعل فيها خَمْرًا، فجاء يوم ورْده فإذا هو بالخمر، فقال: إنك لشراب طيب، إلا أنك تصبين الحليم وتزيدين الجاهل جهلًا. قال: ثم رجع حتى عَطِشَ عَطَشًا شديدًا، ثم أتاها فقال: إنك لشراب طيب، إلا أنك تصبين الحليم، وتزيدين الجاهل جهلًا. ثم شربها حتى غلبت علي عقله، قال: فأري الخاتم، أو ختم به بين كتفيه فَذَلّ. قال [¬٥]: وكان ملكه في خاتمه، فأتي به سليمان فقال: إنه قد أمرنا ببناء هذا البيت، فقيل لنا: لا يسمعن [¬٦] فيه صوت حديد. قال: فأتي ببيض الهدهد فجعل عليه زجاجة، فجاء الهدهد فدار حولها، فجعل يري بعضه ولا يقدر عليه، فذهب فجاء بالماس فوضعه عليه، فقطعها به، حتى أفضى إلى بيضه. فأخذ الماس، فجعلوا يقطعون به الحجارة. وكان سليمان إذا أراد أن يدخل الخلاء -أو: الحمام- لم يدخل بخاتمه، فانطلق يومًا إلي الحمام، وذلك الشيطان -صخر- معه، وذلك عند [مقارفة قارف] [¬٧] فيه بعض نسائه. قال: فدخل الحمام وأعطي الشيطان خاتمه، فألقاه في البحر، فالتقمته سمكة، ونُزع ملكُ سليمان منه، وألقيَ على الشيطان شَبَه سليمان. قال: فجاء فقعد علي كرسيه وسريره، وسُلّط علي ملك سليمان كله غير نسائه. قال: فجعل يقضي بينهم، وجعلوا ينكرون منه أشياء، [حتى قالوا: لقد فتن نبي الله] [¬٨]. وكان فيهم رجل يشبهونه بعمر بن الخطاب في القوة فقال: والله لأجربنه. قال: فقال: يا نبي الله -وهو لا يرى إلا أنه نبي الله- أحدنا تصيبه الجنابة في الليلة الباردة، فيدع الغسل عمدًا حتى تطلع الشمس، أتري عليه بأسًا؟ فقال: لا. قال: فبينا هو كذلك أربعين ليلة حتى وجد نبي الله خاتمه في بطن سمكة، فأقبل فجعل لا\n_________\n[¬١]- سقط من خ، ت.\n[¬٢]- في ز: \"صخر\".\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- في ز: \"تسمع\".\n[¬٥]- سقط من: ز.\n[¬٦]- في ز: \"تسمعن\".\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين في خ: \"مقارنة قارن\".\n[¬٨]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.","vol":"12","page":90},{"text":"يستقبله جني ولا طير إلا سجد له، حتى انتهي إليهم، ﴿وَأَلْقَينَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾ قال: هو الشيطان صخر.\nوقال السدي: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيمَانَ﴾ أي: ابتلينا سليمان، ﴿وَأَلْقَينَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾ قال: [جلس الشيطان] [¬١] علي كرسيه أربعين يومًا. قال: وكان لسليمان ﵇ مائة امرأة، وكانت امرأة منهن يقال لها: \"جرادة\"، وهي آثَرُ نسائه وآمَنُهُنَّ عنده، وكان إذا أجنب أو أتي حاجة نزع خاتمه، ولم يَأَتَمِنْ عليه أحدًا من الناس غيرها، فأعطاها يومًا خاتمه ودخل الخلاء، فخرج الشيطان في صورته، فقال: هاتي الخاتم. فأعطته الخاتم، فجاء حتى جلس علي مجلس سليمان، وخرج سليمان بعد ذلك [¬٢] فسألها أن تعطيه خاتمه، فقالت: ألم تأخذه قبل؟ قال: لا. وخرج مكانه تائهًا. قال: ومكث الشيطان يحكم بين الناس أربعين يومًا، قال: فأنكر الناس أحكامه، فاجتمع قراء بني إسرائيل وعلماؤهم، فجاءوا حتى دخلوا علي نسائه، فقالوا: إنا قد أنكرنا هذا، فإن كان سليمان فقد ذهب عقله وأنكرنا أحكامه. قال: فبكي النساء عند ذلك، قال: فأقبلوا يمشون حتى أتوا، فأحدقوا به ثم نشروا فقرءوا التوراة. قال: فطار من بين أيديهم حتى وقع علي شرفة، والخاتم معه. ثم طار حتى ذهب إلي البحر، فوقع الخاتم منه في البحر، فابتلعه حوت من حيتان البحر. قال: وأقبل سليمان في حاله التي كان فيها، حتى انتهي إلي صياد من صيادي [¬٣] البحر، وهو جائع، وقد اشتد جوعه، فاستطعمهم من صيدهم، وقال: إني أنا سليمان. فقام إليه بعضهم [فضربه بعصا] [¬٤] فشجَّه، فجعل يغسل دمه وهو علي شاطئ البحر، فلام الصيادون صاحبَهم الذي ضربه، وقالوا. بئس ما صنعت. حيث ضربته! قال: إنه زعم أنه سليمان. قال: فأعطوه سمكتين مما قد مَذر عندهم، فلم يشغله ما كان به من الضرب حتى قام إلي شط البحر، فشق بطونهما، فجعل يغسل، فوجد خاتمه في بطن إحداهما، فأخذه فلبسه، فرد الله عليه بهاءه وملكه، وجاءت الطير حتى حامت عليه، فعرف القوم أنه سليمان ﵇ فقام القوم يعتذرون مما صنعوا، فقال: ما أحدكم علي عذركم، ولا ألومكم علي ما كان منكم، كان هذا الأمر لا بد منه. قال: فجاء حتى أتي [¬٥] ملكه، وأرسل إلي الشيطان، فجيء به فأمر به، فجعل في صندوق من حديد، ثم أطبق عليه، وقفل عليه بقفل، وختم عليه بخاتمه، ثم أمر به فألقي في البحر، فهو فيه حتى تقوم الساعة. وكان اسمه حبقيق. قال: وسخر له الريح، ولم تكن سخرت له قبل ذلك، وهو قوله: ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ز: \"الشيطان جلس\".\n[¬٢]- سقط من: خ، ز.\n[¬٣]- في ز: \"صيادين.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين في ز: \"بعصا فضربه\".\n[¬٥]- سقط من: ز.","vol":"12","page":91},{"text":"وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد قوله: ﴿وَأَلْقَينَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾ قال: شيطانًا يقال له: آصف. فقال له سليمان: كيف تفتنون الناس؟ قال: أرني خاتمك أخبرك. فلما أعطاه إيا [¬١] نبذه آصف في البحر، فساح سليمان وذهب ملكه، وقعد آصف علي كرسيه، ومنعه الله نساء سليمان، فلم يقربهن ولم يقربنه وأنكرْنَه. قال: فكان [¬٢] سليمان يستطعم، فيقول: أتعرفوني؟ أطعموني، أنا سليمان. فيكذبونه، حتى أعطته امرأة يومًا حوتًا فجعل يطيّبُ بطنه، فوجد خاتمه في بطنه، فرجع إليه ملكه، وفر آصف، فدخل البحر فارًّا.\nوهذه كلها من الإسرائيليات ومن أنكرِها ما قال ابن أبي حاتم (^٢٤): حدثنا علي بن الحسين، حدثنا محمد بن العلاء، وعثمان بن أبي شيبة، وعلي بن محمد؛ قالوا: حدثنا أبو معاوية، أخبرنا الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿وَأَلْقَينَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ﴾ قال: أراد سليمان أن يدخل الخلاء، فأعطي الجرادة خاتمه [¬٣]- وكانت الجرادة امرأته، وكانت أحب نسائه إليه- فجاء الشيطان في صورة سليمان، فقال لها: هاتي خاتمي. فأعطته إياه [¬٤]. فلما لبسه [¬٥] دانت له الإنس والجن والشياطين، فلما خرج سليمان من الخلاء قال لها: هاتي خاتمي. قالت: قد [¬٦] أعطيته سليمان! [قال: أنا سليمان. قالت] [¬٧]: كذبت، لست سليمان. فجعل لا يأتي أحدًا فيقول له: أنا سليمان، إلا كذبه، حتى جعل الصبيان يرمونه بالحجارة. فلما رأي ذلك عرَف أنه من أمر الله ﷿. قال: وقام الشيطان يحكم بين الناس، فلما أراد الله أن يرد علي سليمان سلطانه، ألقي في قلوب الناس إنكار ذلك الشيطان، قال: فأرسلوا إلي نساء سليمان فقالوا لهن: أتنكرن [¬٨] من سليمان شيئًا؟ قلن: نعم، إنه يأتينا ونحن حُيَّض، وما كان يأتينا قبل ذلك. فلما رأي الشيطان أنْ قد فُطِن له، ظن أن أمره قد انقطع، فكتبوا كتبًا فيها سحر وكفر، فدفنوها تحت كرسي سليمان، ثم أثاروها وقرءوها علي الناس. وقالوا: بهذا كان يظهر سليمان علي الناس. فأكفر الناسُ سليمانَ ﵇ فلم يزالوا يكفرونه، وبحث ذلك الشيطانُ بالخاتم فطرحه في البحر، فتلقته سمكة فأخذته. وكان سليمان بحمل علي شط البحر بالأجر، فجاء رجل فاشتري سمكًا فيه تلك السمكة التي في بطنها الخاتم، فدعا سليمان فقال: تحمل لي [¬٩] هذا السمك؟ فقال: نعم. قال: فبكم [¬١٠]؟ قال: بسمكة من هذا السمك. قال: فحمل سليمان ﵇ السمك، ثم انطلق به إلي منزله، فلما انتهي الرجل إلي بابه أعطاه\n_________\n(^٢٤) - عزاه السيوطي في الدر المنثور (٥/ ٥٨٠) أيضًا إلي النسائي وابن جرير.\n_________\n[¬١]- في ز: \"سليمان\".\n[¬٢]- في ز: \"وكان\".\n[¬٣]- في ز: \"امرأته\".\n[¬٤]- سقط من: خ، ز.\n[¬٥]- في ز: \"لبس\".\n[¬٦]- سقط من: خ، ز.\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٨]- في ز: \"تنكرن\".\n[¬٩]- في خ: \"منا\".\n[¬١٠]- في خ: \"بكم\".","vol":"12","page":92},{"text":"تلك السمكة التي في بطنها الخاتم، فأخذها سليمان فشق بطنها، فإذا الخاتم في جوفها، فأخذه فلبسه. قال: فلما لبسه دانت له الجن والإِنس والشياطين، وعاد إلي حاله، وهَرَب الشيطان حتى دخل جزيرة من جزائر البحر، فأرسل سليمان في طلبه، وكان شيطانًا مريدًا، فجعلوا يطلبونه ولا يقدرون عليه، حتى وجدوه يومًا نائمًا، فجاءوا فبنوا عليه بنيانًا من رصاص، فاستيقظ فوثب فجعل لا يثب [¬١] في مكان من البيت إلا انماط معه الرصاص. قال: فأخذوه فأوثقوه، وجاءوا به إلي سليمان، فأمر به فنقر له تخت من، رخام، ثم أدخل في جوفه، ثم سد بالنحاس، ثم أمر به فطرح في البحر، فذلك قوله: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيمَانَ وَأَلْقَينَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ (٣٤)﴾ قال: يعني الشيطان الذي كان سلط عليه.\nإسناده إلي ابن عباس قوي، ولكن الظاهر أنه [مما تلقاه] [¬٢] ابن عباس -إن صح عنه- من أهل الكتاب، وفيهم طائفة لا يعتقدون نبوة سليمان ﵇، فالظاهر أنهم يكذبون عليه؛ ولهذا كان في هذا السياق منكرات من أشدها ذكر النساء، فإن المشهور أن ذلك الجني لم يسلط علي نساء سليمان، بل عصمهن الله منه، تشريفًا وتكريمًا لنبيه ﷺ وقد رُويت هذه القصة مطولة عن جماعة من السلف، كسعيد بن المسيب، وزيد بن أسلم، وجماعة آخرين، وكلها مُتلقَّاة من قصص أهل الكتاب، والله أعلم بالصواب.\nوقال يحيى بن أبي عمرو [¬٣] السيباني [¬٤]: وجد سليمان خاتمه في عسقلان، فمشي في خرقة [¬٥] إلي بيت المقدس، تواضعًا لله ﷿. رواه ابن أبي حاتم.\nوقد روى ابن أبي حاتم عن كعب الأحبار [في صفه كرسي سليمان ﵊ خبرًا عجيبًا، فقال: حدثنا أبي ﵀، حدثنا أبو صالح كاتب الليث، أخبرني أبو إسحاق المصري، عن كعب الأحبار] [¬٦]: أنه لما فرغ من حديث \"إرم ذات العماد\" قال له معاوية: يا أبا إسحاق، أخبرني عن كرسي سليمان بن داود، وما كان عليه؟ ومن أي شيء هو؟ فقال: كان كرسي سليمان من أنياب الفيلة مُفَصّصّا بالدر والياقوت والزبرجد واللؤلؤ. وقد جُعل له [¬٧] درجة منها مُفَصّصة [¬٨] بالدر والياقوت والزبرجد، ثم أمر بالكرسي فحُفّ من جانبيه بالنخل، نخل من ذهب، شماريخها من ياقوت وزبرجد ولؤلؤ. وجعل علي رءوس النخل [التي عن يمين الكرسي طواويس من ذهب، ثم جُعِل علي رءوس النخل التي علي يسار الكرسي نسور من ذهب مقابلة الطواويس. وجعل علي يمين الدرجة الأولى شجرتا صنوبر من\n_________\n[¬١]- في خ: \"يثيب\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في خ: \"مما تلقى\"، وفي ت: \"إنما تلقاه\".\n[¬٣]- في خ، ز: \"عروبة\".\n[¬٤]- في ز: \"الشيباني\".\n[¬٥]- في خ: \"جرته\".\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٧]- سقط من: خ، ز.\n[¬٨]- في ز: \"مفصَّصًا\".","vol":"12","page":93},{"text":"ذهب، وعن يسارها أسَدَان من ذهب، وعلى رءوس الأسدين عمودان من زبرجد] [¬١]، وجُعِل من جانبي الكرسي شجرتا [¬٢] كرم من ذهب، قد أظلتا الكرسي، وجعل عناقيدهما درًّا وياقوتًا أحمر. ثم جعل فوق دَرَج الكرسي أسدان عظيمان من ذهب مجوفان محشوان مسكًا وعنبرًا. فإذا أراد سليمان أن يصعد على كرسيه استدار الأسدان ساعة، ثم يقفان [¬٣] فينضحان ما في أجوافهما من المسك والعنبر حول كرسيّ سليمان ﵇ ثم يوضع منبران من ذهب، واحد لخليفته والآخر لرئيس أحبار بني إسرائيل ذلك الزمان. ثم يوضع أمام كرسيه سبعون منبرًا من ذهب، يقعد عليها سبعون قاضيًا من بني إسرائيل وعلمائهم، وأهل الشرف منهم والطول، ومن خلف تلك المنابر كلها خمسة وثلاثون منبرًا من ذهب، ليس عليها أحد، فإذا أراد أن يصعد على كرسيه وضع قدميه علي الدرجة السفلي، فاستدار الكرسي كله بما فيه وما عليه، ويبسط الأسد يده اليمنى وينشر النسر جناحه الأيسر، ثم يصعد علي الدرجة الثانية، فيبسط الأسد يده اليسري، وينشر النسر جناحه الأيمن، فإذا استوي سليمان علي الدرجة الثالثة وقعد علي الكرسي، أخذ نسر من تلك النسور عظيم تاج سليمان [¬٤] فوضعه علي رأسه، [فإذا وضعه علي رأسه] [¬٥] استدار الكرسي بما فيه كما تدور الرحي المسرعة. فقال معاوية [¬٦]﵁: وما الذي يديره يا أبا إسحاق؟ قال: تنين من ذهب، ذلك الكرسي عليه وهو عظيم مما عمله صخر الجني، فإذا أحست بدورانه تلك النسور والأسْدُ والطواويس التي في أسفل الكرسي دُرْنَ إلي أعلاه، فإذا وقف وقفن كلهن منكسات رءوسهن علي رأس سليمان ﵇ وهو جالس، ثم ينضحن جميعًا ما في أجوافهن من المسك والعنبر علي رأس سليمان ﵇ ثم تتناول حمامة من ذهب واقفة علي عمود من جوهر التوراة فتجعلها في يد [¬٧]، فيقرؤها سليمان علي الناس.\nوذكر تمام الخبر وهو غريب جدًّا.\n﴿قَال رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ قال بعضهم: معناه لا ينبغي لأحد من بعدي، أي: لا يصلح لأحد أن يسلبنيه بعدي كما كان من قضية الجسد الذي ألقي علي كرسيه، لا أنه يحجر علي من بعده من الناس. والصحيح أنه سأل من الله ملكًا لا يكون لأحد من بعده من البشر مثله، وهذا هو ظاهر السياق من الآية، وبه وردت الأحاديث الصحيحة من طرق عن رسول الله ﷺ:\nقال البخاري (^٢٥)، عند تفسير هذه الآية: حدثنا إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا روح،\n_________\n(^٢٥) - صحيح البخاري كتاب التفسير، باب: (هب لي ملكًا لا ينبغي لأحد من بعدي إنك أنت =\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٢]- في ز: \"شجرتي\".\n[¬٣]- في ت: \"يقعان\".\n[¬٤]- سقط من: خ، ز.\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٦]- في خ، ز: \"إسحاق\".\n[¬٧]- في ز: \"يدها\".","vol":"12","page":94},{"text":"ومحمد بن جعفر، عن شعبة، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: \"إن عفريتًا من الجن تَفَلَّت عليّ البارحة -أو كلمة نحوها- ليقطع عليّ الصلاة، فأمكنني الله منه، وأردت أن أربطه إلي سارية من سواري المسجد حتى تُصبحوا وتنظروا [¬١] إليه كلكم، فذكرت قول أخي سليمان: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾.\nقال روح: فرده خاسئًا.\nوكذا رواه مسلم والنسائي من حديث شعبة به.\nوقال مسلم في صحيحه (^٢٦): حدثنا محمد بن سلمة المُرَادي، حدثنا عبد الله بن وهب، عن معاوية بن صالح، حدثني ربيعة بن يَزيد [¬٢]، عن أبي إدريس الخولاني، عن أبي الدرداء قال: قام رسول الله ﷺ يصلي، فسمعناه يقول: \"أعوذ بالله منك\". ثم قال: \"ألعنك بلعنة الله\" -ثلاثًا [¬٣]- وبسط يَدَه كأنه يتناول شيئًا، فلما فرغ من [¬٤] الصلاة قلنا: يا رسول الله، قد [¬٥] سمعناك تقول في الصلاة شيئًا لم نسمعك تقوله قبل ذلك، ورأيناك بسطت يدك؟ قال: \"إن عدو الله إبليس جاء بشهاب من دار ليجعله في وجهي، فقلت: أعوذ بالله منك -ثلاث مرات- ثم قلت: ألعنك بلعنة الله التامة. فلم يستأخر ثلاث مرات، ثم أردت أخْذَه، والله لولا دعوة أخينا [¬٦] سليمان، لأصبح موثقًا يلعب [¬٧] به صبيان أهل المدينة\".\nوقال الإمام أحمد (^٢٧): حدثنا أبو أحمد، حدثنا ميسرة [¬٨] بن معبد، حدثنا أبو عبيد حاجب سليمان قال: رأيت عطاء بن يزيد الليثي قائمًا يصلي، فذهبت أمرّ بين يديه فردني، ثم قال: حدثني أبو سعيد الخدري: أن رسول الله ﷺ قام يصلي صلاة\n_________\n= الوهاب). حديث (٤٨٠٨)، وأطرافه في (٤٦١، ١٢١٠، ٣٢٨٤، ٣٤٢٣)، ومسلم في المساجد ومواضع الصلاة، حديث (٥٤١)، والنسائي في تفسيره (٤٦٠) من طريق شعبة به.\n(^٢٦) - صحيح مسلم كتاب المساجد ومواضع الصلاة، حديث (٥٤٢). وأخرجه النسائي في كتاب السهو، باب لعن إبليس والتعوذ بالله منه في الصلاة (٣/ ١٣) وفي الكبرى (٥٤٩)، (١١٣٨)، وابن خزيمة (٨٩١) من طريق عبد الله بن وهب به.\n(^٢٧) - المسند (٣/ ٨٢).\n_________\n[¬١]- في ز: \"فتنظروا\".\n[¬٢]- في خ، ز: \"زيد\".\n[¬٣]- سقط من: خ، ز.\n[¬٤]- سقط من: خ.\n[¬٥]- سقط من: خ.\n[¬٦]- خ، ز: \"أخي\".\n[¬٧]- في ز: \"تلعب\".\n[¬٨] في خ، ز: \"مرة\".","vol":"12","page":95},{"text":"الصبح وهو خلفه، فقرأ فالتبست عليه القراءة، فلما فرغ من صلاته قال: \"لو رأيتموني وإبليس، فأهويت بيدي، فما زلت أخنقه حتى وجدت بَردَ لعابه بين إصبعي هاتين -الإبهام والتي تليها- ولولا دعوة أخي سليمان لأصبح [¬١]، مربوطًا بسارية من سواري المسجد، يتلاعب به صبيان المدينة، فمن استطاع منكم أن لا يحول بينه وبين القبلة أحد فليفعل\".\n[وقد روى أبو داود منه (^٢٨): \" من استطاع منكم أن لا يحول بينه وبين القبلة أحد فليفعل\"] [¬٢]، عن أحمد بن أبي سُرَيج، عن أبي أحمد الزبيري، به.\nوقال الإمام أحمد (^٢٩): حدثنا معاوية بن عمرو، حدثنا إبراهيم بن محمد الفزاري، حدثنا الأوزاعي، حدثني ربيعة بن يزيد [¬٣]، عن [¬٤] عبد الله الديلمي قال: دخلت علي عبد الله بن عمرو، وهو في حائط له بالطائف يقال له \"الوهط\"، وهو مُخَاصر فتى من قريش يُزَن بِشُرب الخمر، فقلت: بلغني عنك حديث أنه من شرب شربة خَمر لم يقبل الله ﷿ له توبَةً أربعين صباحًا، وإن الشقي من شقي في بطن أمه، وإنه من أتى بيت المقدس لا يَنْهَزه إلا الصلاة فيه، خرج من خطيئته مثل يوم ولدته أمه، فلما سمع الفتى ذكر الخمر اجتذب يده من يده، ثم انطلق، فقال عبد الله بن عمرو: إني لا أحل لأحد أن يقول عَلَيّ ما لم أقل، سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"من شرب من الخمر شربة، لم تقبل له صلاة أربعين صباحًا، [فإن تاب تاب الله عليه، فإن عاد لم تقبل له صلاة أربعين صباحًا، فإن تاب تاب الله عليه. فإن عاد] [¬٥] قال: فلا أدري في الثالثة [¬٦] أو الرابعة- فإن عاد كان حقًّا على الله أن يسقيه من ردغة الخبال يوم القيامة\".\nقال: وسمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: \"إن الله خلق خلقه في ظلمة، ثم ألقى عليهم من نوره، فمن أصابه من دوره يومئذ اهتدى، ومن أخطأه ضل، فكذلك أقول: جف القلم علي علم الله ﷿\".\nوسمعت رسول الله ﷺ يقول: \"إن سليمان سأل الله تعالى ثلاثًا، فأعطاه اثنتين، ونحن نرجو أن تكون لنا الثالثة: سأله حكمًا يصادف حكمه، فأعطاه إياه، وسأله ملكًا لا ينبغي لأحد من بعده، فأعطاه إياه، وسأله: أيّما رجل خرج من بيته لا يريد\n_________\n(^٢٨) - سنن أبي داود في الصلاة، باب: ما يؤمر المصلي أن يدرأ عن الممر بين يديه، حديث (٦٩٩).\n(^٢٩) - المسند (٢/ ١٧٦)، وانظر التالي.\n_________\n[¬١]- في ز: \"أصبح\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٣]- في خ: \"زيد\".\n[¬٤]- في خ، ز: \"بن\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٦]- في خ: \"الثلاثة\".","vol":"12","page":96},{"text":"إلا الصلاة في هذا المسجد، خرج من خطيئته كيوم ولدته أمه، فنحن نرجو أن يكون الله تعالى قد أعطانا إياها\".\nوقد روى هذا الفصل الأخير من هذا الحديث النسائي وابن ماجة من طرق، عن عبد الله بن فيروز الديلمي، عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن سليمان لما بنى بيت [¬١]، المقدس سأل ربه ﷿ خلالًا ثلاثًا\" … وذكره (^٣٠).\nوقد روي من حديث رافع بن عمير ﵁ بإسناد وسياق غريبين، فقال الطبراني (^٣١):\nحدثنا محمد بن الحسن بن قتيبة العسقلاني، حدثنا محمد بن أيوب بن سويد، حدثني أبي، حدثنا إبراهيم بن أبي عبلة، عن أبي الزاهرية، عن رافع بن عمير قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"قال الله ﷿ لداود ﵇: ابن لي بيتًا في الأرض. فبنى داود بيتًا لنفسه قبل البيت الذي أمر به، فأوحى الله إليه: يا داود، نصبت بيتك قبل بيتي. قال: يا رب، هكذا قضيت، من ملك استأثر. ثم أخذ في بناء المسجد، فلما تم السور سقط، ثلاثا، فشكا ذلك إلي الله ﷿ فقال: يا داود، إنك لا تصلح أن تبني لي بيتًا. قال: ولم يا رب؟ قال: لما جرى على يديك من الدماء. قال: يا رب، أو ما كان ذلك في هواك ومحبتك؟ قال: بلى، ولكنهم عبادي، وأنا أرحمهم. فشق ذلك عليه، فأوحى الله إليه: لا تحزن، فإن سأقضي بناءه علي يدي ابنك سليمان. فلما مات داود أخذ سليمان في بنيانه فلما تم قرّب القرابين، وذبح الذبائح، وجمع بني إسرائيل، فأوحى الله إليه: قد أرى سرورَك ببنيان بيتي، فسلني أعطك. قال: أسألك ثلاث خصال: حكمًا يصادف حكمك، وملكًا لا ينبغي لأحد من بعدي، ومن أتى هذا البيت لا يريد إلا الصلاة فيه خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه\". قال رسول الله ﷺ: \"أما ثنتان [¬٢] فقد أعطيهما، وأنا أرجو أن يكون قد أعطي الثالثة\".\nو[¬٣] قال الإِمام أحمد (^٣٢): حدثنا عبد الصمد، حدثنا عُمَر بن راشد اليمامي، حدثنا إياس\n_________\n(^٣٠) - أخرجه النسائي في الأشربة، باب توبة شارب الخمر (٨/ ٣١٧)، وابن ماجة في الأشربة، باب: من شرب الخمر لم تقبل له صلاة، حديث (٣٣٧٧)، والدارمي (٢٠٩٧)، وأحمد (٢/ ٧٦) من طرق عن الأوزاعي به.\n(^٣١) - المعجم الكبير (٥/ ٢٤) (٤٤٧٧).\n(^٣٢) - السند (٤/ ٥٤)، وأخرجه عبد بن حميد (٣٨٧ - منتخب) عن عثمان بن عمر بن راشد اليمامي به.\n_________\n[¬١]- في ز: \"البيت\".\n[¬٢]- في ز: \"اثنتين\".\n[¬٣]- سقط من: ز.","vol":"12","page":97},{"text":"ابن سلمة بن الأكوع، عن أبيه قال: ما سمعت رسول الله ﷺ دعا إلا استفتحه: \"سبحان الله [¬١]، ربي الأعلى العليّ الوهاب\".\nوقد قال أبو عبيد: حدثنا علي بن ثابت، عن جعفر بن بَرْقان، عن صالح بن مسمار قال: لما مات نبي الله داود أوحى الله إلي ابنه سليمان ﵉: \"أن سلني حاجتك. قال: أسألك أن تجعل لي قلبًا يخشاك، كما كان قلب أبي، وأن تجعل قلبي يحبك كما كان قلب أبي. فقال الله: أرسلت إلي عبدي وسألته [¬٢] حاجته فكانت أن أجعل قلبه يخشاني وأن أجعل قلبه يحبني، لأهَبنّ له ملكا لا ينبغي لأحد من بعده. قال الله تعالى: ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيثُ أَصَابَ﴾ والتي بعدها، قال: فأعطاه ما أعطاه، وفي الآخرة لا حساب عليه\".\nكذا أورده أبو القاسم بن عساكر في ترجمة سليمان ﵇ في تاريخه.\nوروي عن بعض السلف أنه قال: بلغني عن داود أنه قال: \"إلهي، كن لسيمان كما كنت لي. فأوحى الله إليه أن قل لسليمان أن يكون لي كما كنتَ لي أكون له كما كنتُ لك\".\nوقوله: ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيثُ أَصَابَ﴾ قال الحسن البصري ﵀: لما عقر سليمان الخيل غضبًا لله ﷿ عوضه الله ما هو خير منها وأسرع، الريح التي [¬٣] غدوها شهر ورواحها شهر.\nوقوله: ﴿حَيثُ أَصَابَ﴾ أي: حيث أراد من البلاد.\nوقوله: ﴿وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ﴾ أي: منهم من هو مستعمل في الأبنية الهائلة من محاريب وتماثيل وجفان كالجوابي وقدور راسيات، إلي غير ذلك من الأعمال الشاقة التي لا يقدر عليها البشر، وطائفة غواصون في البحار يستخرجون مما فيها من اللآلئ والجواهر والأشياء النفيسة التي لا توجد إلا فيها، ﴿وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ﴾ أي: موثقون [¬٤] في الأغلال والأكبال، ممن قد تَمَرّد وعصى وامتنع من العمل وأبى، أو قد أساء في صنيعه واعتدى.\nوقوله: ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيرِ حِسَابٍ﴾ أي: هذا الذي أعطيناك من الملك التام والسلطان الكامل كما سألتنا، فأعط من شئت واحرم من شئت، لا حساب عليك، أي: مهما فعلت فهو جائز لك، احكم بما شئت فهو صواب.\nوقد ثبت في الصحيحين أن رسول الله ﷺ لما خُير بين أن يكون عبدًا\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- في ز: \"أسأله\".\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- في خ: \"موثوقون\".","vol":"12","page":98},{"text":"رسولًا -وهو الذي يفعل ما يؤمر به، وإنما هو قاسم يقسم بين الناس ما أمره الله به- وبين أن يكون ملكًا نبيًّا، يعطي من يشاء ويمنع من يشاء بلا حساب ولا جناح، اختار المنزلة الأولى بعد ما استشار جبريل، فقال له: تواضع. فاختار المنزلة الأولى؛ لأنها أرفع قدرًا عند الله وأعلي منزلة في المعاد. وإن كانت المنزلة الثانية وهي النبوة مع الملك عظيمة أيضًا في الدنيا وفي الآخرة. ولهذا لما ذكر تعالى ما أعطى سليمان في الدنيا نبه علي أنه ذو حظ عظيم عند الله يوم القيامة أيضًا، فقال: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ أي: في الدار الآخرة.\n﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ (٤١) ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ (٤٢) وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ (٤٣) وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (٤٤)﴾\nيذكر تعالى عبده ورسوله أيوب ﵇ وما كان ابتلاه تعالى به من الضر في جسده وماله وولده، حتى لم يبق من جسده مَغْرز إبرة سليمًا سوى قلبه، ولم يبق له من حال الدنيا شيء يستعين به علي مرضه وما هو فيه، غير أن زوجته حفظت وده لإِيمانها بالله ورسوله، فكانت تخدم الناس بالأجرة وتطعمه، وتخدمه نحو من ثماني عشرة سنة. وقد كان قبل ذلك في مال جزيل وأولاد وسعة طائلة من الدنيا، فَسُلبَ جميعَ ذلك. حتى آل به الحال إلي أن ألقي على مزبلة من مزابل البلدة هذه المدة بكمالها، ورفضه القريب والبعيد سوى زوجته ﵂ فإنها كانت لا تفارقه صباحًا ومساء إلا بسبب خدمة الناس، ثم تعود إليه قريبًا. فلما طال المطال، واشتد الحال، وانتهى القدر المقدور، وتم الأجل المقدّر، تضرع إلى رب العالمين وإله المرسلين، فقال: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ وفي هذه الآية الكريمة قال: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ﴾ قيل: بنصب في بدني، وعذاب في مالى وولدي. فعند ذلك استجاب له أرحم الراحمين، وأمره أن يقوم من مقامه، وأن يركض الأرض برجله. ففعل، فأنبع الله عينًا وأمره أن يغتسل منها، فأذهبت جميع ما كان في بدنه من الأذى. ثم أمره فضرب الأرض في مكان آخر، فأنبع له عينا أخرى وأمره أن يشرب منها، فأذهبت جميع ما كان في باطنه من السوء، وتكاملت العافية ظاهرًا وباطنًا، ولهذا قال تعالى: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾.\nقال ابن جرير، وابن أبي حاتم جميعًا (^٣٣): حدثنا يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وهب، أخبرني نافع بن يزيد، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن أنس بن مالك - رضي الله\n_________\n(^٣٣) - تفسير الطبري (٢٣/ ١٦٧).","vol":"12","page":99},{"text":"عنه-: أن رسول الله ﷺ قال: \"إن نبي الله أيوب ﵇ لبث به بلاؤه ثماني عشرة سنة، فرفضه القريب والبعيد، إلا رجلين كانا من أخص إخوانه به، كانا يغدوان إليه ويروحان، فقال أحدهما لصاحبه: تعلم -والله- لقد أذنب أيوب ذنبًا ما أذنبه أحد من العالمين. قال له صاحبه: وما ذاك؟ قال: من ثماني عشرة سنة لم يرحمه الله، فيكشفَ ما به. فلما راحا إليه لم يصبر الرجل حتى ذكر ذلك له، فقال أيوب: لا أدري ما تقول، غير أن الله يعلم أني كنت أمرّ علي الرجلين يتنازعان، فيذكران الله ﷿ فأرجع إلي بيتي فأكفر عنهما، كراهية أن يذكرا الله إلا في حق. قال: وكان يخرج إلي حاجته فإذا قضاها أمسكت امرأته بيده حتى يبلغ، فلما كان ذات يوم أبطأ عليها، وأوحى الله تعالى إلي أيوب ﵇ أن ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾، فاستبطأته، فتلقته [¬١] تنظر، فأقبل [¬٢] عليها، قد أذهب الله ما به من البلاء، وهو علي أحسن ما كان. فلما رأته قالت: أي بارك الله فيك، هل رأيت نبي الله هذا المبتلي. فوالله على ذلك، ما رأيت رجلًا أشبه به منك إذ كان صحيحًا، قال: فإني أنا هو. قال: وكان له أندران، أندر للقمح وأندر للشعير، فبعث الله سحابتين، فلما كانت إحداهما على أندر القمح أفرغَت فيه الذهب حتى فاض، وأفرغت الأخرى في أندر الشعير حتى فاض\". هذا لفظ ابن جرير ﵀.\nوقال الإمام أحمد (^٣٤): حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن همام بن مُنبّه قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"بينما [¬٣] أيوب يغتسل عريانًا، خَرّ عليه جراد من ذهب، فجعل أيوب يحثو [¬٤] في ثوبه، فناداه ربه: يا أيوب؛ ألم أكن أغنيتك عما ترى؟ قال: بلى يا رب، ولكن لا غنى بي عن بركتك\". انفرد بإخراجه البخاري من حديث عبد الرزاق به.\nولهذا قال تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾، قال الحسن، وقتادة: أحياهم الله تعالى له بأعيانهم وزادَه مثلهم معهم.\nوقوله: ﴿رَحْمَةً مِنَّا﴾ أي: به على صبره وثباته وإنابته وتواضعه واستكانته، ﴿وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ أي: لذوي العقول، ليعلموا أن عاقبة الصبر الفرجُ والمخرجُ والراحة.\nوقوله: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾، وذلك أن أيوب ﵇\n_________\n(^٣٤) - المسند (٤/ ٣١٢)، وأخرجه البخاري في الغسل، باب: من اغتسل عريانا وحده في الخلوة …، حديث (٢٧٨)، وأطرافه في (٣٤٠٤، ٤٧٩٩).\n_________\n[¬١]- في خ: \"فبلغته\".\n[¬٢]- في ز: \"وأقبل\".\n[¬٣]- في ز: \"فبينما\".\n[¬٤]- في ز: \"يحثي\".","vol":"12","page":100},{"text":"كان قد غضب على زوجته، ووَجَد عليها في أمر فعْلته. قيل: باعت ضفيرتها بخبز فأطعمته إياه [¬١]، فلامها على ذلك، وحلف إن شفاه الله ليضربنها مائة جلدة. وقيل: لغير ذلك من الأسباب. فلما شفاه الله وعافاه، ما كان جزاؤها مع هذه الخدمة التامة والرحمة والشفقة والإحسان أن تقابل بالضرب، فأفتاه الله ﷿ أن يأخذ ضغثًا -وهو: الشّمراخ- فيه مائة قضيب فيضربها به ضربة واحدة، وقد بَرّت يمينه، وخرج من حنثه ووفى [¬٢] بنذره، وهذا من الفرج والمخرج لمن اتقى الله وأناب إليه؛ ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾، أثنى الله تعالى عليه ومدحه بأنه ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ أي: رجاع منيب؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) يَرْزُقْهُ مِنْ حَيثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ وقد استدل كثير من الفقهاء [¬٣] بهذه الآية الكريمة علي مسائل في الإيمان وغيرها، وأخذوها بمقتضاها.\n﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيدِي وَالْأَبْصَارِ (٤٥) إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ (٤٦) وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَينَ الْأَخْيَارِ (٤٧) وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيَارِ (٤٨)﴾\nيقول تعالى مخبرًا عن فضائل عباده المرسلين وأنبيائه العابدين: ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيدِي وَالْأَبْصَارِ﴾، يعني بذلك: العمل الصالح والعلم النافع والقوة في العبادة والبصيرة النافذة.\nقال علي بن أبي طلحة: عن ابن عباس: ﴿أُولِي الْأَيدِي وَالْأَبْصَارِ﴾، يقول: أولي القوة والعبادة ﴿وَالْأَبْصَارِ﴾، يقول: الفقه في الدين.\nوقال مجاهد: ﴿أُولِي الْأَيدِي﴾ يعني: القوة في طاعة الله، ﴿وَالْأَبْصَارِ﴾ يعني: البصر في الحق.\nوقال قتادة والسدي أعطوا قوة في العبادة وبصرًا في الدين.\nوقوله: ﴿إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ﴾ قال مجاهد: أي جعلناهم يعملون للآخرة ليس لهم هَمّ غيرها. وكذا قال السدي: ذكرهم للآخرة وعملهم لها.\nوقال مالك بن دينار: نزع الله من قلوبهم حب الدنيا وذكرها، وأخلصهم لحب الآخرة\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- في خ: \"العلماء\".","vol":"12","page":101},{"text":"وذكرها. وكذا قال عطاء الخراساني.\nوقال سعيد بن جُبَير: يعني بالدار الجنة، يقول: أخلصناها لهم بذكرهم لها. وقال في رواية أخرى: ﴿ذِكْرَى الدَّارِ﴾: عقبى الدار.\nوقال قتادة: كانوا يذكرون الناس الدار الآخرة والعمل لها.\nوقال ابن زيد: جعل لهم خاصَّة أفضل شيء في الدار الآخرة.\nوقوله: ﴿وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَينَ الْأَخْيَارِ﴾ أي: لمن المختارين المجتبين الأخيار، فهم أخيار مختارون.\nوقوله: ﴿وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيَارِ﴾، قد تقدم الكلام على قصصهم وأخبارهم مستقصاة في \"سورة الأنبياء\" بما أغنى عن إعادته هاهنا.\nوقوله: ﴿هَذَا ذِكْرٌ﴾ أي: هذا فضل فيه ذكر لمن يتذكر.\nوقال السدي: يعني القرآن.\n﴿هَذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ (٤٩) جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ (٥٠) مُتَّكِئِينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ (٥١) وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ (٥٢) هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسَابِ (٥٣) إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ (٥٤)﴾\nيخبر تعالى عن عباده المؤمنين السعداء، أن لهم في الآخرة ﴿لَحُسْنَ مَآبٍ﴾ وهو: المرجع والمنقلب. ثم فسره بقوله: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ أي: جنات إقامة ﴿مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ﴾. والألف واللام هنا بمعنى الإضافة كأنه يقول: ﴿مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ﴾ أي: إذا جاءوها فتحت لهم [¬١]، أبوابها.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن ثواب [¬٢] الهَبّاري، حدثنا عبد الله بن نمير، حدثنا عبد الله بن مسلم -يعني ابن هرمز عن ابن سابط، عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن في الجنة قصرًا يقال له [¬٣]: عدن، حوله البروج والمروج، له خمسة آلاف باب، عند كل باب خمسة آلاف [¬٤] حِبَرَة، لا يدخله -أو: لا يسكنه- إلا نبي أو\n_________\n[¬١]- في ت: \"لها\".\n[¬٢]- بياض في خ، ز.\n[¬٣]- سقط من: خ، ز.\n[¬٤]- في ز: \"إلا\".","vol":"12","page":102},{"text":"صديق أو شهيد أو إمام عدل\". وقد ورد في ذكر أبواب الجنة الثمانية أحاديث كثيرة من وجوه عديدة.\nوقوله: ﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا﴾ قيل: متربعين فيها على سرر تحت الحجال، ﴿يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ﴾ أي: مهما طلبوا وجدوا، وحضر كما أرادوا. ﴿وَشَرَابٍ﴾ أي: من أيّ أنواعه شاءوا أتتهم به الخدام ﴿بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ﴾.\n﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾ أي: عن غير أزواجهن، فلا يلتفتن إلى غير بعولتهن، ﴿أَتْرَابٌ﴾ أي: متساويات في السن والعمر. هذا معنى قول ابن عباس، ومجاهد، وسعيد بن جبير، ومحمد بن كعب، والسّدّي.\n﴿هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسَابِ﴾ أي: هذا الذي ذكرنا من صفة الجنة التي [] [¬١] وعدها لعباده المتقين، التي يصيرون إليها بعد نشورهم وقيامهم من قبورهم وسلامتهم من النار.\nثم أخبر عن الجنة أنه لا فراغ لها ولا انقضاء ولا زوال ولا انتهاء، فقال: ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَاد﴾، كقوله تعالى: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ وكقوله: ﴿عَطَاءً غَيرَ مَجْذُوذٍ﴾ وكقوله: ﴿لَهُمْ أَجْرٌ غَيرُ مَمْنُونٍ﴾ أي: غير مقطوع، وكقوله: ﴿أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ﴾ والآيات في هذا كثيرة جدًّا.\n﴿هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ (٥٥) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمِهَادُ (٥٦) هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ (٥٧) وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ (٥٨) هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ لَا مَرْحَبًا بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُو النَّارِ (٥٩) قَالُوا بَلْ أَنْتُمْ لَا مَرْحَبًا بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا فَبِئْسَ الْقَرَارُ (٦٠) قَالُوا رَبَّنَا مَنْ قَدَّمَ لَنَا هَذَا فَزِدْهُ عَذَابًا ضِعْفًا فِي النَّارِ (٦١) وَقَالُوا مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرَارِ (٦٢) أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ (٦٣) إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ (٦٤)﴾\nلما ذكر تعالى مآل السعداء، ثَنّى بذكر حال الأشقياء ومرجعهم ومآبهم في دار معادهم وحسابهم، فقال: ﴿هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ﴾ وهم: الخارجون عن طاعة الله، المخالفون لرسل الله، ﴿لَشَرَّ مَآبٍ﴾ أي: لسوء منقلب ومرجع. ثم فسره بقوله: ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا﴾\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ز: \"هي\".","vol":"12","page":103},{"text":"أي: يدخلونها فتغمرهم من جميع جوانبهم، ﴿فَبِئْسَ الْمِهَادُ (٥٦) هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ﴾، أما الحميم فهو: الحار الذي قد انتهى حره، وأما الغَسّاق فهو ضده، وهو البارد الذي لا يستطاع من شدة برده المؤلم. ولهذا قال: ﴿وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾ أي: وأشياء من هذا القبيل، الشيء وضده يعاقبون بها.\nقال الإمام أحمد (^٣٥): حدثنا حسن بن موسى، حدثنا ابن لهِيعةَ، حدثنا دَرّاج، عن أبي [¬١] الهيثَم، عن أبي سعيد، عن رسول الله ﷺ أنه قال: \"لو أن دَلْوًا من غَسّاق يهراق في الدنيا، لأنتن أهل الدنيا\".\nورواه الترمذي، عن سويد بن نصر، عن ابن المبارك، عن رشْدين بن سعد، عن عمرو بن الحارث، عن دَرّاج، به. ثم قال: لا نعرفه إلا من حديث رشدين. كذا قال: وقد تقدم من غير حديثه.\nورواه ابن جرير (^٣٦)، عن يونس بن عبد الأعلى، عن ابن وهب، عن عمرو بن الحارث به.\nوقال كعب الأحبار: غساق [¬٢]: عين في جهنم يسيل إليها حمة كل ذات حمة من حية وعقرب وغير ذلك، فيستنقع، يؤتى [¬٣] بالآدمي فيغمس فيها غمسة واحدة، فيخرج وقد سقط جلده ولحمه عن العظام، ويتعلق جلده ولحمه في كعبيه وعقبيه، ويجر لحمه كما يجر الرجل ثوبه. رواه ابن أبي حاتم.\nوقال الحسن البصري في قوله: ﴿وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾ ألوان من العذاب.\nوقال غيره: كالزمهرير، والسموم، وشرب الحميم، وأكل الزقوم، والصعود والهَويّ، إلى غير ذلك من الأشياء المختلفة والمتضادة، والجميع مما يعذبون به، ويهانون بسببه.\nوقوله: ﴿هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ لَا مَرْحَبًا بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُو النَّارِ﴾، هذا إخبار عن قيل أهل النار بعضهم لبعض [كما قال تعالى] [¬٤]: ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾، يعني بدل السلام يتلاعنون ويتكاذبون، ويكفر بعضهم ببعض، فتقول الطائفة التي تدخل قبل\n_________\n(^٣٥) - المسند (٣/ ٢٨، ٨٣)، وأخرجه الترمذي في صفة جهنم، باب ما جاء في صفة شراب أهل النار حديث (٢٥٨٤).\n(^٣٦) - تفسير الطبري (٢٣/ ١٧٨).\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- في ت: وغساق.\n[¬٣]- في ز: \"يؤتى\".\n[¬٤]- المعكوفتين سقط من: خ، ز.","vol":"12","page":104},{"text":"الأخرى، إذا أقبلت التي بعدها مع الخزنة من الزبانية: ﴿هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ﴾ أي: داخل معكم، ﴿لَا مَرْحَبًا بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُو النَّارِ﴾؛ لأنهم من أهل جهنم. ﴿قَالُوا بَلْ أَنْتُمْ لَا مَرْحَبًا بِكُمْ﴾ أي: فيقول لهم الداخلون: بل أنتم لا مرحبًا بكم ﴿أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا﴾ أي: أنتم دعوتمونا إلى ما أفضى بنا إلى هذا المصير، ﴿فَبِئْسَ الْقَرَار﴾ أي: فبئس المنزل والمستقر والمصير. ﴿قَالُوا رَبَّنَا مَنْ قَدَّمَ لَنَا هَذَا فَزِدْهُ عَذَابًا ضِعْفًا فِي النَّارِ﴾، [كما قال ﷿: ﴿قَالتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ] [¬١] قَال لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ أي: لكل منكم عذاب بحسبه [¬٢] ﴿وَقَالُوا مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرَارِ (٦٢) أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ﴾، هذا إخبار عن الكفار في النار أنهم يفقِدُون رجالًا كانوا يعتقدون أنهم على الضلالة وهم المؤمنون في زعمهم قالوا: ما بينا لا نراهم معنا في النار؟\nقال مجاهد: هذا قول أبي جهل، يقول: ما لي لا أرى بلالًا وعمارًا وصهيبًا وفلانًا وفلانًا.\nوهنا مثل ضُرب، وإلا فكل الكفار هذا حالهم: يعتقدون أن المؤمنين يدخلون النار، فلما دخل الكفار النار [¬٣] افتقدوهم فلم يجدوهم، فقالوا: ﴿مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرَارِ (٦٢) أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا﴾ أي: في الدنيا، ﴿أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَار﴾، يُسَلون أنفسهم بالمحال، يقولون: أو لعلهم معنا في جهنم، ولكن لم يقع بصرنا عليهم. فعند ذلك يعرفون أنهم في الدرجات العاليات، وهو قوله: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَينَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ إلى قوله: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾.\nوقوله: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ﴾ أي: إن هذا الذي أخبرناك به يا محمد، من تخاصم أهل النار بعضهم في بعض، ولعن بعضهم لبعض، لحق لا مرية فيه ولا شَك.\n﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إلا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٦٥) رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَينَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ (٦٦) قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ (٦٧) أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ (٦٨) مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٦٩) إِنْ يُوحَى إِلَيَّ إلا أَنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٧٠)﴾\n_________\n[¬١]- سقط من خ، ز.\n[¬٢]- في خ: \"يحسبه\".\n[¬٣]- سقط من: خ، ز.","vol":"12","page":105},{"text":"يقول تعالى آمرًا رسوله ﷺ أن يقول للكفار باللَّه المشركين به المكذبين لرسوله: إنما أنا منذر، لست كما تزعمون، ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إلا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ أي: هو وحده قد قَهَرَ كل شيء وغلبه. ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَينَهُمَا﴾ أي: هو مالك جميع ذلك ومتصرف فيه، ﴿الْعَزِيزُ الْغَفَّار﴾ أي: غفار مع عزته وعظمته.\n﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾ أي: خبر عظيم وشأن بليغ وهو إرسال اللَّه إياي إليكم ﴿أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾ أي غافلون.\nقال مجاهد، وشُرَيح القاضي، والسُدّي في قوله: ﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾ يعني: القرآن.\nوقوله: ﴿مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ أي: لولا الوحي من أين كنت أدري باختلاف الملأ الأعلى؟ يعني في شان آدم وامتناع إبليس من السجود له، ومحاجته ربه في تفضيله عليه. فأما الحديث الذي رواه الإِمام أحمد (^٣٧) حيث قال:\nحدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم، حدثنا جَهْضَم اليمامي، عن يحيى بن أبي كثير، عن زيد بن أبي سلام، عن أبي سلام، عن عبد الرحمن بن عائش، عن مالك بن يَخَامر، عن معاذ ﵁ قال: احتبس علينا رسول اللَّه ﷺ ذات غداة عن صلاة الصبح، حتى كدنا نتراءى قَرن الشمس. فخرج [رسول اللَّه ﷺ] [¬١] سريعًا، فَثَوّب بالصلاة فصلى وتجوَّز في صلاته، فلما سلم قال: \"كما أنتم أعلى مَصَافّكم\"] [¬٢]. ثم أقبل إلينا فقال: \" [إني سَأحدثكم ما حَبَسني عنكم الغداة،] [¬٣] إني قمت من الليل فصليت ما قُدِّر لي، فَنَعَست في صلاتي حتى استيقظت، فإذا أنا بربي في أحسن صورة، فقال: يا محمد، أتدري فيم يختصم الملأ الأعلى قلت: لا أدري رَبّ - أعادها ثلاثًا - فرأيته وضع كفه بين كتفي حتى وجدت برد أنامله بين صدري، فتجلى لي كل شيء وعرفت، فقال [¬٤]: يا محمد فيم يختصم الملأ الأعلى قلت: في الكفارات. قال: وما الكفارات. قلت: نقل الأقدام إلى الجُمُعات، والجلوس في المساجد بعد الصلوات، وإسباغ الوضوء عند الكريهات. قال: وما الدرجات. قلت: إطعام الطعام، ولين الكلام، والصلاة والناس نيام. قال: سل. قلت: اللَّهم، إني أسألك فعل الخيرات، وترك المنكرات، وحب المساكين، وأن تغفر لي وترحمني، وإذا أردت فتنة بقوم فتوفني غير مفتون، وأسألك حُبَّك، وحُبَّ من يُحبك، وحُبّ عمل يقربني إلى حبك\". وقال رسول\n_________\n(^٣٧) - المسند (٥/ ٢٤٣)، وأخرجه الترمذي في تفسير القرآن، باب: ومن سورة ص حديث (٣٢٣٥) عن محمد بن بشار عن معاذ بن هانئ عن جهضم به.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٤]- في ز: \"فتلك\".","vol":"12","page":106},{"text":"اللَّه ﷺ: \"إنها حق فادرسوها [¬١] وتعلموها\".\nفهو حديث المنام المشهور، ومن جعله يقظة فقد غَلِط، وهو في السنن من طرق. وهذا الحديث بعينه قد رواه الترمذي من حديث جهضم بن عبد اللَّه اليمامي، به. وقال: حسن صحيح. وليس هذا الاختصام هو الاختصام المذكور في القرآن؛ فإن هذا قد فُسّر، وأما الاختصام الذي في القرآن فقد فسر بعد هذا، وهو قوله تعالى:\n﴿إِذْ قَال رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ (٧١) فَإِذَا سَوَّيتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (٧٢) فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٧٣) إلا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٧٤) قَال يَاإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ (٧٥) قَال أَنَا خَيرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (٧٦) قَال فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (٧٧) وَإِنَّ عَلَيكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ (٧٨) قَال رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٧٩) قَال فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٨٠) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (٨١) قَال فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْويَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إلا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٨٣) قَال فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ (٨٤) لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٥)﴾\nهذه القصة ذكرها اللَّه تعالى في \"سورة البقرة\"، وفي أول \"الأعراف\"، وفي \"سورة الحجر، وسبحان، والكهف\"، وهاهنا، وهي أن اللَّه سبحانه أعلمَ الملائكةَ قبل خلق آدم ﵇ بأنه سيخلق بشرًا من صلصال من حَمَأ مسنون، وتقدم إليهم بالأمر متى فرغ من خلقه وتسويته فَلْسْجُدوا له إكرامًا وإعظامًا واحترامًا وامتثالًا لأمر اللَّه ﷿. فامتثل الملائكةُ كلهم ذَلكَ سوى إبليس، ولم يكن منهم جنسًا، كان من الجن فخانه طبعه وجبلّته أحوجَ ما كان إليه، فاستنكف [¬٢] عن السجود لآدم، وخاصم ربه ﷿ فيه، وادعى أنه خير من آدم؛ فإنه مخلوق من نار وآدم خلق من طين، [والنار خير من الطين] [¬٣] في زعمه. وقد\n_________\n[¬١]- في ز: \"فارسوها\".\n[¬٢]- في ز: \"فاستأنف\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.","vol":"12","page":107},{"text":"أخطأ في ذلك، وخالف أمر اللَّه، وكفر بذلك، فأبعده اللَّه وأرغم أنفه، وطرده عن [¬١] باب رحمته ومحل أنسه، وحضرة قدسه، وسماه \"إبليس\"، إعلامًا له بأنه قد أبْلَس من الرحمة، وأنزله من السماء مذمومًا مَدْحورًا إلى الأرض، فسأل اللَّه النَّظِرَةَ إلى يوم البعث، فأنظره الحليم الذي لا يَعْجَل على من عصاه. فلما أمِنَ الهلاك إلى يوم القيامة تَمَرَّد وطغى، وقال: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْويَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إلا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾، كما قال: ﴿أَرَأَيتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إلا قَلِيلًا﴾، وهؤلاء هم المستثنون في الآية الأخرى، وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيسَ لَكَ عَلَيهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا﴾ وقوله: ﴿قَال فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ (٨٤) لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾، قرأ ذلك جماعة منهم مجاهد برفع \"الحق\" الأولى، وفسره مجاهد بأن معناه: أنا الحق، والحق أقول. وفي رواية عنه: الحقُّ مني، وأقول الحقَّ.\nوقرأ آخرون بنصبهما قال السدي: هو قسم أقسم اللَّه به.\nقلت: وهذه الآية الكريمة كقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾. وكقوله تعالى: ﴿قَال اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا﴾.\n﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ (٨٦) إِنْ هُوَ إلا ذِكْرٌ لِلْعَالمِينَ (٨٧) وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ (٧٧)﴾\nيقول تعالى: قل يا محمد لهؤلاء المشركين: ما أسألكم على هذا البلاغ وهذا النصح أجرًا تعطونيه من عرض الحياة الدنيا، ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ أي: وما أزيد على ما أرسلني اللَّه به، ولا أبتغي زيادة عليه، بل ما أمرت به أدّيته لا أزيد عليه ولا أنقص منه، وإنما أبتغي بذلك وجه اللَّه ﷿ والدار الآخرة.\nقال سفيان الثوري: عن الأعمش، ومنصور، عن أبي الضحى، عن مسروق قال: أتينا عبد اللَّه بن مسعود قال: يا أيها الناس، من علم شيئًا فليقل به، ومن لا يعلم فليقل: اللَّه أعلم؛ فإن من العلم أن يقولَ الرجلُ لما لا يعلم: اللَّه أعلم، فإن اللَّه قال لنبيكم ﷺ: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾. أخرجاه (^٣٨) من حديث الأعمش، به.\n_________\n(^٣٨) - أخرجه البخاري في التفسير، باب (وما أنا من المتكلفين) حديث (٤٨٠٩)، ومسلم في كتاب صفات المنافقين، حديث (٢٧٩٨).\n_________\n[¬١]- في خ: \"من\".","vol":"12","page":108},{"text":"وقوله: ﴿إِنْ هُوَ إلا ذِكْرٌ لِلْعَالمِينَ﴾ يعني: القرآن ذكر لجميع المكلفين من الإِنس والجن. قاله ابن عباس. ورواه ابن أبي حاتم، عن أبيه، عن أبي غسان مالك بن إسماعيل حدثنا قيس، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله: ﴿لِلْعَالمِينَ﴾ قال: الجن والإِنس.\nوهذه الآية كقوله تعالى: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾، ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾.\nوقوله: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ﴾ أي: خبره وصدقه ﴿بَعْدَ حِينٍ﴾ أي: عن قريب. قال قتادة: بعد الموت. وقال عكرمة: يعني يوم القيامة. ولا منافاة بين القولين، فإن من مات فقد [¬١] دخل في حكم القيامة.\nوقال قتادة في قوله تعالى: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾، قال الحسن [¬٢]: يا ابن آدم، عند الموت يأتيك الخبر اليقين.\n[آخر تفسير سورة \"ص\" وللَّه الحمد والمنة].\n* * *\n_________\n[¬١]- في ز: \"قد\".\n[¬٢]- سقط من: خ، ز.","vol":"12","page":109},{"text":"<span data-type='title' id=toc-155>تفسير سورة الزمر وهي مكية</span>\nقال النسائي (^١): حدثنا محمد بن النضر بن مساور، حدثنا حماد، عن مروان أبي لبابة [¬١]، عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول اللَّه ﷺ يصوم حتى نقول: ما يريد أن يفطر. ويفطر حتى نقول: ما يريد أن يصوم، وكان يقرأ في كل ليلة بني إسرائيل والزمر.\n﷽\n﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١) إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (٢) أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَينَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾\nيخبر تعالى أن تنزيل هذا الكتاب -وهو القرآن العظيم- من عنده ﵎، فهو الحق الذي لا مرية فيه ولا شك، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ وقال: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (٤١) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَينِ يَدَيهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ وقال هاهنا: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ﴾ أي: المنيع الجناب، ﴿الْحَكِيمِ﴾ أي: في أقواله وأفعاله، وشَرْعه وقَدَره.\n﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ أي: فاعبد اللَّه وحده لا شريك له، وادع الخلق إلى ذلك، وأعلمهم أنه لا تصلح العبادة إلا له، وأنه ليس له شريك ولا عَديل ولا نَديد، ولهذا قال: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ أي: لا يقبل من العمل إلا ما أخلص فيه العاملُ للَّه وحده، لا شريك له. وقال قتادة في قوله: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ شهادة أن لا إله إلا اللَّه.\nثم أخبر تعالى عن عباد الأصنام من المشركين أنهم يقولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى\n_________\n(^١) - \" عمل اليوم والليلة\" رقم (٧١٢)، أخرجه أحمد (٦/ ٦٨، ١٢٢، ١٨٩)، والترمذي في فضائل القرآن حديث (٢٩٢٠)، وفي الدعوات حديث (٣٤٠٥) وابن خزيمة (١١٦٣) من طرق عن حماد بن زيد به.\n_________\n[¬١] في ز، خ: مروان بن أبي لبابة، والمثبت من سنن النسائي، وغيره.","vol":"12","page":111},{"text":"اللَّهِ زُلْفَى﴾ أي: إنما يحملهم على عبادتهم لهم أنهم عَمَدوا إلى أصنام اتخذوها على صور الملائكة المقربين في زعمهم، فعبدوا تلك الصّور تنزيلًا لذلك منزلة عبادتهم الملائكة، ليشفعوا لهم عند اللَّه في نَصْرهم ورزْقهم، وما ينوبهم من أمْر الدنيا، فأما المعاد فكانوا جاحدين له كافرين به.\nقال قتادة، والسّديّ، ومالك عن زيد بن أسلم، وابن زيد: ﴿إلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ أي: ليشفعوا لنا، ويقربونا عنده منزلة.\nولهذا كانوا يقولون في تلبيتهم إذا حَجّوا في جاهليتهم: لبيك لا شريك لك، إلا شريكًا هو لك، تملكه وما ملك. وهذه الشبهة هي التي اعتمدها المشركون في قديم الدهر وحديثه، وجاءتهم الرسل -صلوات اللَّه وسلامه عليهم أجمعين- برَدّها والنهي عنها، والدعوة إلى إفراد العبادة للَّه [¬١] وحده لا شريك له، وأن هذا شيء اخترعه المشركون من عند أنفسهم، لم يأذَن اللَّه فيه ولا رَضِيَ به، بل أبغضه ونهى عنه: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إلا نُوحِي [¬٢] إِلَيهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إلا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ وأخبر أن الملائكة التي في السماوات من المقربين وغيرهم، كلّهم عبيد خاضعون لله، لا يشفعون عنده إلا بإذنه لمن ارتضى، وليسوا عنده كالأمراء عند ملوكهم، يشفعون عندهم بغير إذنهم فيما أحبه الملوك وأبَوه، ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَال﴾ تعالى اللَّه عن ذلك.\nوقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَينَهُمْ﴾ أي: يوم القيامة، ﴿فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ أي: سيفصل بين الخلائق يوم مَعَادِهم، ويجزي كل عامل بعمله، ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (٤٠) قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾.\nوقوله ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ أي: لا يرشد إلى الهداية مَن قَصْدُه الكذبُ والافتراء على اللَّه، وقلبه كَفّار يجحد بآياته وبراهينه.\nثم بين تعالى أنه لا ولد له كما يزعمه جَهَلة المشركين في الملائكة، والمعاندون من اليهود والنصارى في العُزَير وعيسى، فقال: ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ أبي: لكان الأمر على خلاف ما يزعمون. وهذا شرط لا يلزم وقوعه ولا جوازه، بل هو محال، وإنما قصد تجهيلهم فيما ادعوه وزعموه، كما قال: ﴿لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ كل هذا من باب الشرط، ويجوز تعليق الشرط على المستحيل لقصد المتكلم.\nوقوله: ﴿سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ أي: تعالى وتنزه وتقدس عن أن يكون له ولد، فإنه الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي كل شيء عبد لديه، فقير إليه، وهو الغني\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- في ز: \"يوحى\".","vol":"12","page":112},{"text":"عما سواه، الذي قد قهر الأشياء فدانت له وذَلَّت وخضعت.\n﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٤) خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ (٥) خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إلا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٦)﴾\nيخبر تعالى أنه الخالق لا في السماوات والأرض، وما بين ذلك من الأشياء، وأنه مالك الملك المتصرف فيه، يقلب ليله ونهاره، ﴿يُكَوِّرُ اللَّيلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيلِ﴾ أي: سخرهما يجريان متعاقبين لا يَقرّان، كل منهما يطلب الآخر طلبًا حثيثًا، كقوله: ﴿يُغْشِي اللَّيلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا﴾. هذا معنى ما روي عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي وغيرهم.\nوقوله: ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ أي: إلى مدة معلومة عند اللَّه ثم تنقضي [] [¬١] يوم القيامة. ﴿أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ﴾ أي: مع عزته وعظمته وكبريائه هو غفار لمن عصاه ثم تاب وأناب إليه.\nوقوله: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ أي: خلقكم مع اختلاف أجناسكم وأصنافكم وألسنتكم وألوانكم من نفس واحدة، وهو آدم ﵇، ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ وهي حواء ﵉، كقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾.\nوقوله: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ أي: وخلق لكم من ظهور الأنعام ثمانية أزواج، وهي المذكورة في \"سورة الأنعام\": ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَينِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَينِ﴾ ﴿وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَينِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَينِ﴾.\nوقوله: ﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ أي: قدركم [¬٢] في بطون أمهاتكم ﴿خَلْقًا مِنْ\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ز: \"بيوم\".\n[¬٢]- في ز: \"يخلقكم\".","vol":"12","page":113},{"text":"بَعْدِ خَلْقٍ﴾ أي: يكون أحدكم أولًا نطفة، ثم يكون علقة، ثم يكون مضغة، ثم يخلق فيكون لحمًا وعظمًا وعَصَبًا وعروقا، وينفخ فيه الروح فيصير خلقًا آخر، ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾.\nوقوله: ﴿فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ﴾ يعني: ظلمة الرحم، وظلمة المشَيمَة -التي هي كالغشاوة والوقاية على الولد-، وظلمة البطن. كذا قال ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، وأبو مالك، والضحاك، وقتادة، والسدي، وابن [¬١] زيد.\nوقوله: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ﴾ أي: هذا الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما وخلقكم [¬٢] وخلق آباءكم، هو الرب له الملك والتصرف في جميع ذلك، ﴿لَا إِلَهَ إلا هُوَ﴾ أي: الذي [¬٣] لا تنبغي العبادة إلا له وحده، ﴿فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ أي: فكيف تعبدون معه غيره؟ أين يُذْهَبُ بعقولكم؟!\n﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٧) وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ (٨)﴾\nيقول تعالى مخبرًا عن نفسه تعالى: بأنه [¬٤] الغني عما سواه من المخلوقات، كما قال موسى: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾.\nوفي صحيح مسلم (^٢): \" يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل منكم، ما نقص ذلك من ملكي شيئًا\".\nوقوله: ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ أي: لا يحبه ولا يأمر به، ﴿وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ أي: يحبه منكم ويزدكم [¬٥] من فضله.\n_________\n(^٢) - تقدم في تفسير سورة يونس الآية (٤٤).\n_________\n[¬١]- في خ، ز: \"وأبو\".\n[¬٢]- سقط من: خ، ز.\n[¬٣]- في ز: \"التي\".\n[¬٤]- في خ: \"إنه\".\n[¬٥]- في ز: \"ويزيدكم\".","vol":"12","page":114},{"text":"﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وزْرَ أُخْرَى﴾ أي: لا تحمل نفس عن نفس شيئًا [¬١]، بل كلٌّ مطالب بأمر نفسه، ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [أي: فلا تخفى عليه خافية] [¬٢].\nوقوله: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيهِ﴾ أي: عند الحاجة يضرع ويستغيث باللَّه وحده لا شريك له، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إلا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا﴾؛ ولهذا قال: ﴿ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيهِ مِنْ قَبْلُ﴾ أي: في حال الرفاهية ينسى ذلك الدعاء والتضرع، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ﴾.\n﴿وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ أي: في حال العافية يشرك باللَّه، ويجعل له أندادًا، ﴿قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ أي: قل لمن هذه حاله وطريقته ومسلكه: تمتع بكفرك قليلًا وهذا تهديد شديد ووعيد أكيد، كقوله: ﴿قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ﴾ وقوله: ﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾.\n﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (٩)﴾\nيقول تعالى: أمَّن هذه صفته كمن أشرك باللَّه وجعل له أندادًا؟ لا يستوون عند اللَّه، كما قال تعالى: ﴿لَيسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾، وقال هاهنا: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا﴾ أي: في حال سجوده وفي حال قيامه؛ ولهذا استدل بهذه الآية مَن ذهب إلى أن القنوت هو الخشوع في الصلاة، ليس هو القيام وحده، كما ذهب إليه آخرون.\nوقال الثوري، عن فراس، عن الشعبي، عن مسروق، عن ابن مسعود، أنه قال: القانت المطيع للَّه ولرسوله.\nوقال ابن عباس، والحسن، والسدي، وابن زيد: ﴿آنَاءَ اللَّيلِ﴾: جوف الليل.\nوقال الثوري، عن منصور: بلغنا أن ذلك بين المغرب والعشاء.\nوقال الحسن، وقتادة: ﴿آنَاءَ اللَّيلِ﴾: أوله وأوسطه وآخره.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.","vol":"12","page":115},{"text":"وقوله: ﴿يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ أي: في حال عبادته خائف راج، ولابدَّ في العبادة من هذا وهذا، وأن يكون الخوف في مدة الحياة هو الغالب؛ ولهذا قال: ﴿يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾، فإذا كان عند الاحتضار فَلْيَكُن الرجاء هو الغالب عليه [¬١]، كما قال الإمام عَبدُ بن حُمَيد في مسنده (^٣):\nحدثنا يحيى بن عبد الحميد، حدثنا جعفر بن سليمان، حدثنا ثابت، عن أنس قال: دخل رسول الله ﷺ على رجل وهو في الموت، فقال له: \"كيف تجدك؟ \". قال: أرجو وأخاف. فقال رسول الله ﷺ: \"لا يجتمعان في قلب عبد في مثل هذا الموطن إلا أعطاه الله ﷿ الذي يرجو، وأمنه الذي يخافه\".\nورواه الترمذي والنسائي في \"اليوم والليلة\"، وابن ماجة من حديث سَيَّار بن حاتم، عن جعفر بن سليمان، به، وقال الترمذي.: غريب. وقد رواه بعضهم عن ثابت، عن أنس، عن النبي ﷺ مرسلًا.\nو[¬٢] قال ابن أبي حاتم (^٤)، حدثنا عمر بن شَبَّة، عن عبيدة النميري، حدثنا أبو خلف [¬٣]، عبد الله بن عيسى الخزاز [¬٤]، حدثنا يحيى البكاء، أنه سمع ابن عمر قَرَأ: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ قال ابن عمر: ذاك عثمان بن عفان ﵁.\nوإنما قال ابن عمر ذلك؛ لكثرة صلاة أمير المؤمنين عثمان بالليل وقراءته، حتى إنه ربما قرأ القرآن في ركعة، كما روى ذلك أبو عبيدة عنه ﵁، وقال الشاعر:\nضَحوا بأشمط عنوان السجود به … يقطع الليل تسبيحًا وقرآنا\nوقال الإمام أحمد (^٥): كتب إلي الربيع بن نافع: حدثنا الهيثم بن حميد، عن زيد بن واقد، عن سليمان بن موسى، عن كثير بن مرة، عن تميم الداري قال: قال رسول الله ﷺ: \"من قرأ بمائة آية في ليلة، كُتبَ له قنوت ليلة\".\n_________\n(^٣) - المنتخب من مسند عبد بن حميد (١٣٧٠)، وأخرجه الترمذي في الجنائز، حديث (٩٨٣)، والنسائي في \"عمل اليوم والليلة\" (١٠٦٢) وابن ماجه في الزهد، باب: ذكر الموت والاستعداد له، حديث (٤٢٦١) من طريق سيار، عن جعفر بن سليمان به.\n(^٤) - عزاه السيوطي في الدر المنثور (٥/ ٣٥٥ - ٣٥٦) إلى ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه وأبي نعيم في الحلية، وابن عساكر.\n(^٥) - المسند (٤/ ١٠٣)، وأخرجه الدارمي (٣٤٥٣) من طريق يحيى بن حمزة، عن زيد بن واقد به.\n_________\n[¬١]- سقط من: خ، ز.\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- بعده في خ، ز: \"ابن\".\n[¬٤]- في: ز: \"الخراز\".","vol":"12","page":116},{"text":"وكذا رواه النَّسائي في \"اليوم والليلة\" (^٦) عن إبراهيم بن يعقوب، عن عبد الله بن يوسف والربيع بن نافع، كلاهما عن الهيثم بن حُمَيد، به.\nوقوله: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أي: هل يستوي هذا والذي قبله ممن جعل لله أندادا ليضل عن سبيله؟! ﴿إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ أي: إنما يعلم الفرق بين هذا وهذا مَن له لُبٌّ، وهو العقل.\n﴿قُلْ يَاعِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيرِ حِسَابٍ (١٠) قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (١١) وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ (١٢)﴾\nيقول تعالى آمرًا عباده المؤمنين بالاستمرار على طاعته وتقواه: ﴿قُلْ يَاعِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ﴾ أي: لمن أحسنَ العمل في هذه الدنيا حسنة في دنياهم وأخراهم.\nوقوله: ﴿وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ﴾ قال مجاهد: فهاجروا فيها وجاهدوا واعتزلوا الأوثان [¬١].\nوقال شريك عن منصور، عن عطاء في قوله: ﴿وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ﴾ قال: إذا دعيتم إلى المعصية فاهربوا، ثم قرأ: ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾.\nوقوله: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيرِ حِسَابٍ﴾، قال الأوزاعي: ليس يوزن لهم ولا يكال، إنما يغرف لهم غرفًا.\nوقال ابن جريج [¬٢]: بلغني أنَّه لا يحاسب [] [¬٣] ثواب عملهم قط ولكن يزادون على ذلك.\nوقال السدي: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيرِ حِسَابٍ﴾: يعني في الجنَّة.\nوقوله: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ أي: إنما [¬٤] أمرت بإخلاص العبادة لله وحده لا شريك له، ﴿وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ﴾، قال السدي: \"يعني من أمته ﷺ.\n_________\n(^٦) - عمل اليوم والليلة رقم (٧١٧).\n_________\n[¬١]- مكرره في: ز.\n[¬٢]- في خ، ز: \"جرير\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في ز: \"عليهم\".\n[¬٤]- سقط من: ز.","vol":"12","page":117},{"text":"﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٣) قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي (١٤) فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (١٥) لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَاعِبَادِ فَاتَّقُونِ (١٦)﴾\nيقول تعالى: قل يا محمد وأنت رسول الله: ﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾، وهو يوم القيامة. وهذا شَرْط، ومعناه التعريض بغيره بطريق الأولى والأحرى، ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي (١٤) فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾، وهذا أيضًا تهديد وتَبَرٍّ منهم، ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ﴾ أي: إنما الخاسرون كل الخسران [¬١] ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ أي: تفارقوا فلا التقاء لهم أبدًا، سواء ذهب أهلوهم إلى الجنَّة وقد ذهبوا هم إلى النار، أو أن الجميع أسكنوا النار، ولكن لا اجتماع لهم ولا سرور، ﴿أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ أي: هذا هو الخَسَار البيِّن الظاهر الواضح.\nثم وصف حالهم في النار فقال: ﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾، كما قال: ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ وقال: ﴿يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيَقُولُ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ وقوله: ﴿ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ﴾ أي: إنما يَقص [¬٢] خبر هذا الكائن لا محالة ليخوّف به عباده، لينزجروا عن المحارم والمآثم.\nقوله: ﴿يَاعِبَادِ فَاتَّقُونِ﴾ أي: اخشوا بأسي وسطوتي وعذابي ونقمتي.\n﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ (١٨)﴾\nقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا﴾، نزلت في زيد بن عمرو [¬٣] بن نفيل، وأبي ذر، وسلمان الفارسي. والصحيح أنَّها شاملة لهم\n_________\n[¬١]- في ز: \"الخاسرون\".\n[¬٢]- في ز: \"نقص\".\n[¬٣]- في خ: \"عمر\".","vol":"12","page":118},{"text":"ولغيرهم، ممن اجتنب عبادة الأوثان، وأناب إلى عبادة الرحمن. فهؤلاء هم [¬١] الذين لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة.\nثم قال: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ أي: يفهمونه ويعملون بما فيه، كقوله تعالى لموسى حين آتاه التوراة: ﴿فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا﴾.\n﴿الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ﴾ أي: المتصفون بهذه الصفة هم الذين هداهم الله في الدنيا والآخرة، ﴿وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ أي: ذوو العقول الصحيحة، والفطَر المستقيمة.\n﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ (١٩) لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ (٢٠)﴾\nقول تعالى: أفمن كتب الله أنَّه شَقِيٌّ تَقْدرُ [تَقْدرُ تُنْقذُه مما] [¬٢] هو فيه من الضلال والهلاك؟ أي: لا يهديه أحد من بعد الله؛ لأنه من يضلل الله فلا هادي له، ومن يهده فلا مضل له.\nثم أخبر عن عباده السعداء أنهم لهم غرف في الجنَّة، وهي [¬٣] القصور الشاهقة، ﴿مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي﴾ أي: طباق فوق طباق، مَبنيات محكمات مزخرفات عاليات.\nقال عبد الله ابن الإِمام أحمد (^٧): حدَّثنا عباد بن يعقوب الأسدي، حدَّثنا محمد [¬٤] بن فضيل، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن النعمان بن سعد، عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن في الجنَّة لغرفًا يُرَى بطونها من ظهورها، وظهورها من بطونها\". فقال أعرابي: لمن هي يا رسول الله؟ قال: \"لمن أطاب الكلام، وأطعم الطَّعام، وصلى [لله بالليل] [¬٥] والناس نيام\". ورواه التِّرمِذي من حديث عبد الرحمن بن إسحاق، وقال: حسن غريب، وقد تكلم بعض أهل العلم فيه من قِبَل حفظه.\n_________\n(^٧) - المسند (١/ ٩٥٥)، وأخرجه التِّرمِذي في البر والصلة، باب: ما جاء في قول المعروف، حديث (١٩٨٤)، وفي صفة الجنَّة، باب: ما جاء في صفة غرف الجنَّة حديث (٢٥٢٧)، وابن خزيمة (٢١٣٦) من طريق عبد الرحمن بن إسحاق به. وقال ابن خزيمة: في القلب من عبد الرحمن بن إسحاق أبي شيبة الكوفي.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز: \"بقدر يُنفذه بما\".\n[¬٣]- في ز: \"وهو\".\n[¬٤]- في خ: \"حمَّاد\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.","vol":"12","page":119},{"text":"وقال الإِمام أحمد (^٨): حدَّثنا عبد الرزاق، حدَّثنا معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن ابن مُعانِق -أو: أبي مُعَانِق- عن أبي مالك الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن في الجنَّة لغرفة يرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها، أعدها الله لمن أطعم الطَّعام، وألان الكلام، وتابع الصيام، وصلى والناس نيام\". تفرد به أحمد من حديث عبد الله بن معانق الأشعري عن أبي مالك به.\nوقال الإِمام أحمد (^٩): حدَّثنا قتيبة بن سعيد، حدَّثنا يعقوب بن عبد الرحمن، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد أن رسول الله ﷺ قال: \"إن أهل الجنَّة ليتراءون الغرفة في الجنَّة كما تراءون [¬١] الكوكب في السماء\". قال: فحدثتُ بذلك النعمان بن أبي عياش، فقال: سمعت أبا سعيد الخدري يقول: \"كما تراءون الكوكب الدري [¬٢] في الأفق الشرقي أو الغربي\".\nأخرجاه في الصحيحين (^١٠)، من حديث أبي حازم، وأخرجاه أيضًا [¬٣] في الصحيحين من حديث مالك، عن صفوان بن سليم، عن عطاء بن يَسَار، عن أبي سعيد، عن النبي ﷺ.\nوقال الإِمام أحمد (^١١): حدَّثنا فزارة، أخبرني فُلَيح، عن هلال بن علي، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: \"إن أهل الجنَّة ليتراءون في الجنَّة أهل الغرف، كما تراءون الكوكب الدرِّيّ الغارب في الأفق الطالع، في تفاضل [¬٤] أهل الدرجات\". فقالوا: يا رسول الله، أولئك النبيون؟ فقال: \"بلى، والذي نفسي بيده، وأقوام آمنوا بالله وصدقوا الرسل\".\nورواه التِّرمِذي عن سويد، عن ابن المبارك، عن فليح به، وقال: حسن صحيح.\n_________\n(^٨) - المسند (٥/ ٣٤٣)، وأخرجه ابن خزيمة في صحيحه (٢١٣٧) عن الحسين بن مهدي، عن عبد الرزاق به.\n(^٩) - المسند (٥/ ٣٤٠) وأخرجه البخاري في الرِّقاق، باب: صفة الجنَّة والنار، حديث (٦٥٥٥، ٦٥٥٦) ومسلم في الجنَّة وصفة نعيمها، حديث (٢٨٣٠، ٢٨٣١).\n(^١٠) - صحيح البخاري في بدء الخلق، باب: ما جاء في صفة الجنَّة وأنها مخلوفة حديث (٣٢٥٦)، ومسلم في الجنَّة وصفة نعيمها، حديث (٢٨٣١) من طريق مالك بن أَنس به.\n(^١١) - المسند (٢/ ٣٣٩)، وأخرجه في (٢/ ٣٣٥) عن أبي عامر، وسريج بن النعمان عن فليح به. وأخرجه الترمذي في صفة الجنَّة، باب: ما جاء في ترائى أهل الجنَّة في الغرف حديث (٢٢٥٦) من طريق فليح به.\n_________\n[¬١]- في خ، ز: \"يترائون\".\n[¬٢]- في ز: \"الذي\".\n[¬٣]- سقط من: خ، ز.\n[¬٤]- في ز: \"تفاضيل\".","vol":"12","page":120},{"text":"وقال الإِمام أحمد (^١٢): حدَّثنا أَبو النضر وأبو كامل [¬١] قالا: حدَّثنا زهير، حدَّثنا سعد الطائي، حدَّثنا أَبو المدَلِّه -مولى أم المؤمنين- أنَّه [¬٢] سمع أبا هريرة يقول [¬٣]: قلنا: يا رسول الله، إنا إذا رأيناك رقت قلوبنا، وكنا من أهل الآخرة، فإذا فارقناك أعجبتنا الدنيا وشَممْنَا النساء والأولاد. قال: \"لو أنكم تكونون على كل حال على الحال التي أنتم عليها عندي، لصافحتك الملائكة بأَكفهُم، ولزارتكم في بيوتكم. ولو لم تُذنبوا لجاء الله بقومٍ يذنبون كِي [¬٤] يغفر لهم\". قلنا: يا رسول الله، حدَّثنا عن الجنَّة، ما بناؤها؟ قال: \"لبنَةُ ذهب ولبنَة فضة، وملاطها المسك الأذفر، وحصباؤها اللؤلؤ والياقوت، وترابها الزعفوان، من يدخلها ينعم ولا يَبْأس [¬٥] ويخلد ولا يموت، لا تبلى ثيابه من لا يفنى شبابه. ثلاثة لا تُرَدُّ دعوتَهُم: الإِمام العادل، والصالم حتَّى يفطر، ودعوة المظلوم تحمل على الغمام، وتفتح لها أَبواب السماوَات، ويقول الرب: وعزتي لأنصرنك ولو بعد حين\". وروى التِّرمِذي، وابنُ ماجة بعضَه، من حديث سعد أبي مجاهد الطائي -وكان ثقة- عن أبي المُدَلِّه وكان ثقة، به.\nوقوله: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ أي: تسلك [¬٦] الأنهار بين خلال ذلك، كما يشاءوا وأين أرادوا، ﴿وَعْدَ اللَّهِ﴾ أي: هذا الذي ذكرناه وَعْدٌ وعَدَه الله عباده المؤمنين ﴿إِنَّ اللهَ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ﴾.\n﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ (٢١) أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٢)﴾\n_________\n(^١٢) - المسند (٢/ ٣٠٤)، وأخرجه الحميدي (١١٥٠)، وأحمد (٢/ ٣٠٥، ٤٤٣، ٤٤٥، ٤٤٧)، وعبد بن حميد، والدارمي (٢٨٢٤)، والتِّرمِذي في الدعوات، باب: في العفو، والعافية، حديث (٣٥٩٨)، وابن ماجة في الصيام، باب: في الصائم لا ترد دعوته، حديث (١٧٥٢)، وابن خزيمة (١٩٠١) من طرق عن سعد بن عبيد أبي مجاهد به. والروايات مطولة ومختصرة.\n_________\n[¬١]- في ز: \"عامر\".\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- في ز: \"لكي\".\n[¬٥]- في ز: \"يبأس\".\n[¬٦]- في ز: \"تلك\".","vol":"12","page":121},{"text":"يخبر تعالى أن أصل الماء في الأرض من السماء كما قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾، فإذا أنزل الماء من السماء كَمَن في الأرض، ثم يصرفه تعالى في أجزاء الأرض كما يشاء، ويُنبِعهُ عيونًا ما بين صغار وكبار، بحسب الحاجة إليها؛ ولهذا قال: \" ﴿فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ﴾.\nقال ابن أبي حاتم ﵀: حدَّثنا علي بن الحسين، حدَّثنا عمرو بن علي، حدَّثنا أَبو قتيبة عتبة بن يقظان، عن عكرمة، عن ابن عبَّاس في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ﴾ [قال: ليس في الأرض ماء إلَّا نزل من السماء، ولكن عروق في الأرض تغيره، فذلك قوله تعالى: ﴿فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ﴾] [¬١] فمن سره أن يعود الملح عذبًا فليصعده.\nوكذا قال سعيد بن جبير وعامر الشعبي: إن كل ماء في الأرض، فأصله من السماء.\nوقال سعيد بن جبير: أصله من الثلج. يعني أن الثلج يتراكم على الجبال، فيسكن في قرارها، فتنبع العيون من أسافلها.\nوقوله: ﴿ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ﴾ أي: ثم يخرج بالماء النازل من السماء والنابع من الأرض زرعًا ﴿مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ﴾ أي: أشكاله وطعومه وروائحه ومنافعه، ﴿ثُمَّ يَهِيجُ﴾ أي: [¬٢] بعد نضارته وشبابه يكتهل [¬٣] ﴿فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا﴾، قد خالطه اليُبْس، ﴿ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا﴾ أي: ثم يعود يابسًا يتحطم [¬٤]: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ أي: الذين يتذكرون بهذا، فيعتبرون إلى أن الدنيا هكذا، تكون خَضرةَ نضرة حسناء، ثم تعود عَجُوزًا شوهاء، والشاب يعود شيخا هَرِمًا كبيرًا ضعيفًا، وبعد ذلك كله الموت. فالسعيد من كان حاله بعده إلى خير، وكثيرًا ما يضرب الله تعالى مثل الحياة الدنيا بما ينزل الله من السماء من ماء، وينبت به زرعًا وثمارًا، ثم يكون بعد ذلك حُطامًا، كما قال تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ مُقْتَدِرًا﴾.\nوقوله: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ أي: هل يستوي هذا ومن هو قاسي القلب بعيد من الحق؟! كقوله تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيتًا فَأَحْيَينَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾؛ ولهذا قال: ﴿فَوَيلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ أي: فلا تلين [¬٥] عند ذكره [¬٦]، ولا [تخشع ولا تعي ولا\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- في ز: \"يكتمل\".\n[¬٤]- في ز: \"ينحطم\".\n[¬٥]- في ز: \"يلين\".\n[¬٦]- في ز: \"ذكرٍ\".","vol":"12","page":122},{"text":"تفهم] [¬١]، ﴿أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ].\n﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٢٣).\nهذا مَدْحٌ من الله ﷿ لكتابه القرآن العظيم المنزل على رسوله الكريم، قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾، قال مجاهد: يعني القرآن كله [¬٢] متشابه مثاني.\nوقال قَتَادة: الآية تشبه الآية والحرف يشبه الحرف.\nوقال الضحاك: ﴿مَثَانِيَ﴾: ترديد القول ليفهموا عن ربهم ﷿.\nوقال عكرمة والحسن: ثنى الله فيه القضاء. زاد الحسن: تكون السورة فيها آية وفي السورة الأخرى آية تشبهها.\nوقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: ﴿مَثَانِيَ﴾: مُرَدَّد، رُدِّد موسى في القرآن، وصالح وهود والأنبياء ﵈ في أمكنة كثيرة.\nوقال سعيد بن جبير، عن ابن عبَّاس: ﴿مَثَانِيَ﴾ قال: القرآن يشبه بعضه بعضًا، ويرد بعضه على بعض.\nوقال بعض العلماء: ويُرْوى عن سفيان بن عيينة معنى قوله: ﴿مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾: أن سياقات القرآن تارةً تكونُ في معنى واحد، فهذا من المتشابه، وتارة تكونُ بذكر الشيء وضده، كذكر المؤمنين ثم الكافرين، [¬٣] كصفة الجنَّة ثم صفة النار، وما أشبه هذا، فهذا من المثاني، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ وكقوله: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ﴾ إلى أن قال: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ ﴿هَذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ﴾ إلى أن قال: ﴿هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ﴾ ونحو هذا من السياقات، فهذا كله من المثاني، أي: في معنيين اثنين [¬٤]، وأما إذا كان السياق كله في معنى واحد يشبه بعضه بعضًا، فهو المتشابه. وليس هذا من المتشابه المذكور في قوله: ﴿مِنْهُ\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ز: \"يخشع ولا يعي ولا يفهم\".\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- سقط من: خ، ز.","vol":"12","page":123},{"text":"آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾، ذلك معنى آخر.\nوقوله: ﴿تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ أي: هذه صفة الأبرار، عند سماع كلام الجبار، [المهيمن العزيز الغفار] [¬١]، لما يفهمون منه من الوعد والوعيد، والتخويف والتهديد، تقشعر منه جلودهم من الخشية والخوف. ﴿ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾، لما يرجون ويُؤمِّلون من رحمته ولطفه، فهم مخالفون لغيرهم من الكفار من وجوه:\nأحدها: أن سماع هؤلاء هو تلاوة الآيات، وسماع أولئك نغمات الأبيات [¬٢] من أصوات القينات.\nالثاني: أنهم إذا تليت عليهم آيات الرحمن خروا سجدًا وَبُكيًّا، بأدب وخشية، ورجاء ومحبة، وفهم وعلم، كما قال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيهَا صُمَّا وَعُمْيَانًا﴾ أي: لم يكونوا عند سماعها متشاغلين لاهين عنها؛ بل مصغين إليها، فاهمين بصيرين بمعانيها، فلهذا إنما يعملون بها، ويسجدون عندها عن بصيرة لا عن جهل ومتابعة لغيرهم.\nالثالث: أنهم يلزمون الأدب عند سماعها، كما كان الصحابة ﵃ عند سماعهم كلام الله من تلاوة رسول الله ﷺ تقشعر جلودهم، ثم تلين مع قلوبهم إلى ذكر الله. لم [¬٣] يكونوا يتصارخُون ولا يتكلّفون ما [¬٤] ليس فيهم، بل عندهم من الثبات والسكون والأدب والخشية ما لا يلحقهم أحد في ذلك، ولهذا فازوا بالقدح المُعَلَّى في الدنيا والآخرة.\nقال عبد الرزاق: حدَّثنا معمر قال: تلا قَتَادة ﵀: ﴿تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ قال: هذا نعت أولياء الله، نعتهم الله بأن تقشعر جلودهم، وتبكي أعينهم، وتطمئن قلوبهم إلى ذكر الله، ولم ينعتهم بذهاب عقولهم والغشيان عليهم، إنما هذا في أهل البدع، وهذا من الشيطان.\nوقال السدي: ﴿ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَ] [¬٥] قُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ أي: إلى وعد الله.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٢]- في ز: \"الآيات\".\n[¬٣]- في ز: \"لا\".\n[¬٤]- في ز: \"لما\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.","vol":"12","page":124},{"text":"وقوله: ﴿ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ عِبَادِهِ﴾ أي: هذه صفة من هداه الله، ومن كان على خلاف ذلك نهو ممن أضله الله، ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ هَادٍ﴾.\n﴿أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (٢٤) كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيثُ لَا يَشْعُرُونَ (٢٥) فَأَذَاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٢٦)﴾\nيقول تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾، ويُقْرَعُ فيقال له ولأمثاله من الظالمين: ﴿ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾، كمن يأتي آمنًا يوم القيامة؟! كما قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَويًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. وقال [¬١]: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾ وقال: ﴿أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ في هذه الآية بأحد القسمين عن [¬٢] الآخر كقول الشاعر:\nفَمَا أَدْري إذَا يَمَّمْتُ أَرْضًا … أريدُ الخيرَ أيُّهما يَلِيني؟\n[يعني: الخير والشر] [¬٣].\nوقوله: ﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيثُ لَا يَشْعُرُونَ﴾ يعني: القرون الماضية المكذبة للرسل، أهلكهم الله بذنوبهم، وما كان لهم من الله من واق.\nوقوله: ﴿فَأَذَاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ أي: بما أنزل بهم من العذاب والنكال وتشفي المؤمنين بهم، فليحذر المخاطبون من ذلك، فإنهم قد كذبوا أشرف الرسل، وخاتم الأنبياء، والذي أعده الله لهم في الآخرة من العذاب الشديد أعظمُ مما أصابهم في الدنيا؛ ولهذا قال: ﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾.\n﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٧) قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (٢٨) ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَويَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا\n_________\n[¬١]- في خ: \"فقال\".\n[¬٢]- في خ: \"على\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.","vol":"12","page":125},{"text":"يَعْلَمُونَ (٢٩) إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ (٣١)﴾\nيقول تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ﴾ أي: بينا للناس فيه بضرب الأمثال، ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ فإان المثل يُقَرِّب المعنى إلى الأذهان، كما قال تعالى: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ أي: تعلمونه من أنفسكم، وقال: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إلا الْعَالِمُونَ﴾.\nوقوله: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (٢٨)﴾ أي: هو قرآن بلسان عربي مبين، لا اعوجاج فيه ولا انحراف ولا لبس، بل هو بيان ووضوح وبرهان، وإنما جعله الله كذلك، وأنزله بذلك، ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ أي: يحذرون ما فيه من الوعيد، ويعملون بما [¬١] فيه من الوعد.\nثم قال: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ﴾ أي: يتنازعون في ذلك العبد المشترك بينهم، ﴿وَرَجُلًا سَلَمًا [¬٢] لِرَجُلٍ﴾ أي: خالصًا لرجل لا يملكه أحد غيره ﴿هَلْ يَسْتَويَانِ مَثَلًا﴾ أي: لا يستوي هذا وهذا. كذلك لا يستوي المشرك الذي يعبد آلهة مع الله، والمؤمن المخلص الذي لا يعبد إلا الله وحده لا شريك له، فأين هذا من هذا؟\nقال ابن عباس ومجاهد وغير واحد: هذه الآية ضربت مثلًا للمشرك والمخلص، ولما كان هذا المثل ظاهرًا بَيِّنًا جليًّا، قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ أي: على إقامة الحجة عليهم، ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أي: فلهذا يشركون بالله.\nوقوله: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾، هذه الآية من الآيات التي استشهد بها الصديق عند موت الرسول ﷺ، حتى تحقق الناس موته، مع قوله: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ ومعنى هذه الآية: ستنقلون من هذه الدار لا محالة، وستجتمعون عند الله في الدار الآخرة، وتختصمون فيما أنتم فيه في الدنيا من التوحيد والشرك بين يدي الله ﷿ فيفصل بينكم، ويفتح بالحق وهو الفتاح العليم. فينجي المؤمنين المخلصين الموحدين، ويعذب الكافرين الجاحدين المشركين المكذبين.\nثم إن هذه الآية وإن كان سياقها في المؤمنين والكافرين، وذكر الخصومة بينهم في الدار الآخرة، فإنها شاملة لكل متنازعين في الدنيا، فإنه تعاد عليهم الخصومة في الدار الآخرة.\n_________\n[¬١]- في ز: \"لما\".\n[¬٢]- في ش: \"سالمًا\".","vol":"12","page":126},{"text":"قال ابن أبي حاتم ﵀: حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد المقرئ، حدثنا سفيان، عن محمد بن عمرو، عن ابن حاطب -يعني يحيى بن عبد الرحمن-[عن ابن الزبير] [¬١]، عن الزبير قال: لما نزلت: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾، قال الزبير: يا رسول الله؟ أتكرر علينا الخصومة؟ قال: \"نعم\". قال: إن الأمر إذًا لشديد.\nوكذا رواه الإمام أحمد (^١٣) [عن سفيان] [¬٢]، وعنده زيادة: ولما نزلت: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾، قال الزبير: أي رسول الله؟ أيُّ نعيم نُسألُ عنه وإنما -يعني- هما [¬٣] الأسودان: التمر والماء؟ قال \"أما إن ذلك سيكون\".\nوقد روى هذه الزيادةَ الترمذي وابن ماجة من حديث سفيان به. وقال الترمذي: \"حسن\".\nوقال الإِمام أحمد أيضًا (^١٤): حدثنا ابن نمير، حدثنا محمد -يعني ابن عمرو- عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، عن عبد الله بن الزبير، عن الزبير بن العوام؛ قال: لما نزلت هذه السورة على رسول الله ﷺ: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾، قال الزبير: أيّ رسول الله، أيكرر علينا ما كان بيننا في الدنيا مع [¬٤] خواص الذنوب؟ قال: \"نعم، ليكررَن [¬٥] عليكم، حتى [يُؤدِّي إلى] [¬٦] كل ذي حق حقه\". قال الزبير: والله إن الأمر لشديد.\nورواه الترمذي من حديث محمد بن عمرو، به وقال: \"حسن صحيح\".\nوقال الإِمام أحمد (^١٥): حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا ابن لهيعة، عن أبي عُشَّانَة، عن عقبة بن عامر قال؛ قال رسول الله ﷺ: \"أول الخصمين يوم القيامة\n_________\n(^١٣) - المسند (١/ ١٦٤) (١٤٠٥)، وأخرجه الترمذي في تفسير القرآن، باب: ومن سورة الزمر، حديث (٣٢٣٦) عن ابن أبي عمر عن سفان به، دون الزيادة، وهذه الزيادة أخرجها الحميدي (٦١)، وأحمد (١/ ١٦٤)، والترمذي في تفسير القرآن، باب: ومن سورة التكاثر حديث (٣٣٥٦)، وابن ماجة في الزهد، باب: معيشة أصحاب النبي ﷺ حديث (٤١٥٢) من طريق سفيان بإسناده إلى عبد الله بن الزبير عن الزبير.\n(^١٤) - المسند (١/ ١٦٧) (١٤٣٤)، وانظر السابق.\n(^١٥) - المسند (٤/ ١٥١)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ١٧٣): رواه أحمد، والطبراني بنحوه وأحد إسنادي الطبراني رجاله رجال الصحيح غير أبي عشانة وهو ثقة.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٣]- في ز: \"بهما\".\n[¬٤]- في ز: \"من\".\n[¬٥]- في ز: \"لتكررن\".\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين في ز: \"يؤدي\".","vol":"12","page":127},{"text":"جاران\". تفرد به أحمد.\nوقال الإمام أحمد (^١٦): حدثنا حسن بن موسى، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا دَرّاج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ: \"والذي نفس بيده، إنه ليختصم [¬١]، حتى الشاتان فيما انتطحتا\". تفرد به أحمد.\nوفي المسند عن أبي ذر (^١٧) ﵁ قال: رأى رسول الله ﷺ شاتين ينتطحان، فقال [¬٢]: \"أتدري فيم ينتطحان يا أبا ذر؟ \". قلت: لا. قال: \"لكن الله يدري وسيحكم بينهما\".\nوقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا سهل بن بحر، حدثنا حيان بن أغلب، حدثنا أبي، حدثنا ثابت، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: \"يجاء بالإِمام الخائن يوم القيامة، فتخاصمه الرعية فَيُفْلَجُون عليه، فيقال له: سُدَّ ركنًا من أركان جهنم\".\nثم قال: الأغلب بن تميم ليس بالحافظ.\nوقال علي بن أبي طلحة: عن ابن عباس ﵄: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ يقول: يخاصم الصادقُ الكاذبَ، والمظلوم الظالمَ، والمهديُّ الضالُّ، والضعيفُ المستكبرَ.\nوقد روى ابن مَنْده [¬٣] في كتاب \"الروح\"، عن ابن عباس أنه قال: يختصم الناس يوم القيامة، حتى تختصم الروح مع الجسد، فتقول الروح للجسد: أنتَ فعلت. ويقول الجسد للروح: أنت أمرت، وأنت سولت. فيبعث الله مَلَكًا يفصل بينهما، فيقول: إن مَثَلكما كمثل رجل مُقعَد بصير وآخر ضرير، دخلا بستانًا، فقال المقعد للضرير: إني أرى هاهنا ثمارًا، ولكن لا أصل إليها. فقال له الضرير: اركبني فتناولها. فركبه فتناولها، فأيهما المعتدي؟ فيقولان: كلاهما. فيقول لهما الملك: فإنكما [¬٤] قد حكمتما على أنفسكما. يعني أن الجسدَ للروح كالمطية، وهو راكبه.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا جعفر بن أحمد بن [¬٥] عوسجة، حدثنا ضرار، حدثنا أبو سلمة\nyyy\n_________\n(^١٦) -  المسند (٣/ ٢٩).\n(^١٧) - المسند (٥/ ١٦٢) قال: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة وأبو معاوية، عن أشياخ لمنذر الثوري عن أبي ذر به. ورواه أحمد (٥/ ١٧٢)، والطبراني في الأوسط (٦١١٠) من حديث هزيل بن شرحبيل عن أبي ذر قريبًا منه. وانظر مجمع الزوائد (١٠/ ٣٥٥).\n_________\n[¬١]- في ز: \"يختصم\".\n[¬٢]- في ز: \"قال\".\n[¬٣]- في خ، ز: \"أمية\".\n[¬٤]- في ز: \"إنكما\".\n[¬٥]- في ز: \"عن\".","vol":"12","page":128},{"text":"الخزاعي منصور بن سلمة، حدثنا القُمّي -يعني يعقوب بن عبد الله- عن جعفر بن المغيرة، عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عمر قال: نزلت هذه الآية، وما نعلم في أيّ شيء نزلت: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ قلنا: من نخاصم؟ ليس بيننا وبين أهل الكتاب خصومة، فمن نخاصم؟ حتى وقعت الفتنة، فقال ابن عمر: هذا الذي وَعَدنا ربُّنا ﷿ نختصم فيه.\nورواه النسائي (^١٨) عن محمد بن عامر عن منصور بن سلمة، به.\nوقال أبو العالية: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ قال: يعني أهل القبلة.\nوقال ابن زيد: يعني أهل الإسلام وأهل الكفر. وقد قدمنا أن الصحيح العموم، والله أعلم.\n﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ أَلَيسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ (٣٢) وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (٣٣) لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (٣٤) لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ (٣٥)﴾\nيقول تعالى مخاطبًا للمشركين الذين افتروا على الله، وجعلوا معه آلهة أخرى، وادّعوا أن الملائكة بناتُ الله، وجعلوا لله ولدًا -تعالى الله عن قولهم علوًّا كبيرًا- ومع هذا كذبوا بالحق إذ جاءهم على ألسنة رسل الله - صلوات الله عليهم أجمعين - ولهذا قال: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ﴾ أي: لا أحد أظلم من هذا؛ لأنه جمع بين طَرَفي الباطل، كَذَب على الله، وكَذّب رسول الله، قالوا الباطل وردوا الحق، ولهذا قال متوعدًا لهم: ﴿أَلَيسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ﴾، وهم الجاحدون المكذبون.\nثم قال: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾ قال مجاهد، وقتادة، والربيع بن أنس، وابن زيد: الذي جاء بالصدق هو الرسول.\n_________\n(^١٨) - سنن النسائي الكبرى (٦/ ٤٤٥) (١١٤٤٧)، وهو في تفسيره برقم (٤٦٧)، وأخرجه أيضًا الطبراني كما في مجمع الزوائد (٧/ ١٠٣) وقال الهيثمي: رجاله ثقات. وزاد السيوطي نسبته في الدر المنثور (٥/ ٣٢٧) إلى عبد بن حميد ونعيم بن حماد، وابن مردويه والحاكم.","vol":"12","page":129},{"text":"وقال السدي: هو جبريل ﵇ ﴿وَصَدَّقَ [¬١] بِهِ﴾ يعني: محمدًا ﷺ\nوقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ﴾ قال: من جاء بلا إله إلا الله، ﴿وَصَدَّقَ﴾ يعني: رسول الله ﷺ.\nوقرأ الربيع بن أنس: ﴿والذين جاءوا بالصدق﴾، يعني: الأنبياء، ﴿وَصَدَّقَ بِهِ﴾ يعني: الأتباع.\nوقال ليث بن أبي سليم عن مجاهد: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾ قال: أصحابُ القرآن المؤمنون يجيئون يوم القيامة، فيقولون: هذا ما أعطيتمونا، فعملنا فيه بما أمرتمونا.\nوهذا القول عن مجاهد يشمل كل المؤمنين؛ فإن المؤمن يقول الحق ويعمل به، والرسول ﷺ أولى الناس بالدخول في هذه الآية على هذا التفسير، فإنه جاء بالصدق، وصدَّق الموسلين، وآمن بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون، كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله.\nوقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ﴾: هو رسول الله ﷺ، ﴿وَصَدَّقَ بِهِ﴾ المسلمون.\n﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ قال ابن عباس: اتقوا الشرك ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ يعني: في الجنة، مهما طلبوا وجدوا، ﴿ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (٣٤) لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. كما قال في الآية الأخرى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ [¬٢] عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾.\n﴿أَلَيسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٣٦) وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ أَلَيسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقَامٍ (٣٧) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيهِ يَتَوَكَّلُ\n_________\n[¬١]- في ز: \"وصدقوا\".\n[¬٢]- في ز: \"يقبل\".","vol":"12","page":130},{"text":"الْمُتَوَكِّلُونَ (٣٨) قُلْ يَاقَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣٩) مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ (٤٠)﴾\nيقول تعالى: ﴿أَلَيسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ وقرأ بعضهم: (عباده)، يعني أنه تعالى يكفي مَن عَبَده وتوكل عليه.\nوقال ابن أبي حاتم هاهنا: حدثنا أبو عبيد الله ابن أخي ابن وهب حدثنا عمي، حدثنا أبو هانئ، عن أبي علي عمرو بن مالك الجَنْبِيِّ [¬١]، عن فضالة بن عبيد الأنصاري أنه [¬٢] سمع رسول الله ﷺ يقول: \"أفلح من هُدِيَ إلى الإسلام، وكان عيشه كفافًا، وقَنعَ به\".\n[ورواه الترمذي والنسائي (^١٩) من حديث حيوة بن شريح عن أبي هانئ الخولاني، به. وقال الترمذي: صحيح] [¬٣].\n﴿وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ يعني المشركين يخوفون الرسول ويتوعدونه بأصنامهم وآلهتهم التي يعبدونها [¬٤] من دونه جهلًا منهم وضلالًا؟ ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٣٦) وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ أَلَيسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقَامٍ﴾،، أي: منيع الجناب لا يضام، من استند إلى جنابه ولجأ إلى بابه، فإنه العزيز الذي لا أعز منه، ولا أشد انتقامًا منه، ممن كفر به وأشرك وعاند رسوله ﷺ.\nوقوله: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ يعني: المشركين كانوا يعترفون بأن الله هو الخالق للأشياء كلها، ومع هذا يعبدون معه غيره، مما [¬٥] لا يملك لهم ضرًّا ولا نفعًا، ولهذا قال: ﴿قُلْ أَفَرَأَيتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ﴾، أي: لا تستطيع [¬٦] شيئًا من الأمر.\nوذكر ابن أبي حاتم هاهنا حديث قيس بن الحجاج، عن. حَنَش الصَّنعاني، عن ابن عباس\n_________\n(^١٩) - أخرجه أحمد (١٩١٦) والترمذي في الزهد، باب: ما جاء في الكفاف والصبر عليه، حديث (١٣٤٩)، والنسائي في الكبرى كما في تحفة الأشراف (١١٠٣٣) من طريق حيوة بن شريح به.\n_________\n[¬١]- في ز: \"الجَميّ\".\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٤]- في خ: \"يدعونها\".\n[¬٥]- في ز: \"ممن\".\n[¬٦]- في ز: \"يستطيع\".","vol":"12","page":131},{"text":"مرفوعًا: \"احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، تَعَرَّف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يكتبه الله عليك لم يضروك، ولو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم يكتبه الله لك لم ينفعوك. جفَّت الصحف، ورُفعت الأقلام، واعمل لله بالشكر في اليقين. واعلم أن في الصبر على ما تكره خيرًا كثيرًا. وأن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرًا\" (^٢٠).\n﴿قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيهِ﴾ أي: الله كافيَّ، عليه توكلت وعليه يتوكل المتوكلون. كما قال هود ﵇ حين قال له قومه: ﴿إِنْ نَقُولُ إلا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَال إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٥٤) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ (٥٥) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إلا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن عصام الأنصاري، حدثنا عبد الله بن بكر السهمي، حدثنا محمد بن حاتم، عن أبي المقدام -مولى آل عثمان- عن محمد بن كعب القرظي، حدثنا ابن عباس، رفع الحديث إلى رسول الله ﷺ قال: \"من أحب أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله. ومن أحب أن يكون أغنى الناس فليكن بما في يد الله أوثق بما في يديه. ومن أحب أن يكون أكرم الناس، فليتق الله\" (^٢١).\nوقوله: ﴿قُلْ يَاقَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ﴾ أي: على طريقتكم. وهذا تهديد ووعيد، ﴿إِنِّي عَامِلٌ﴾ أي: على طريقتي ومنهجي، ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ أي: ستعلمون غِبَّ ذلك وَوَباله ﴿مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ﴾ أي: في الدنيا، ﴿وَيَحِلُّ عَلَيهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ أي: دائم مستمر، لا محيد له عنه. وذلك يوم القيامة.\n﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيهَا وَمَا أَنْتَ عَلَيهِمْ بِوَكِيلٍ (٤١) اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾\n_________\n(^٢٠) - أخرجه أحمد (١/ ٢٩٣، ٣٠٣)، والترمذي في صفة القيامة، حديث (٢٥١٦) من حديث قيس بن الحجاج به دون قوله: \"واعمل لله بالشكر في اليقين … الخ\".\n(^٢١) - أخرجه عبد بن حميد في مسنده (٦٧٥ - منتخب) عن محمد بن كثير، عن هشام بن زياد أبي المقدام به.","vol":"12","page":132},{"text":"يقول تعالى مخاطبًا رسولَه محمدًا ﷺ: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيكَ الْكِتَابَ﴾ يعني: القرآن ﴿لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ أي: لجميع الخلق من الإنس والجن لتنذرهم به، ﴿فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ﴾ أي: فإنما يعود نفعُ ذلك إلى نفسه، ﴿وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيهَا﴾ أي: إنما يرجع وبال ذلك على نفسه، ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيهِمْ﴾، أي [¬١]: بموكل [¬٢] أن يهتدوا ﴿إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ وَكِيلٌ﴾ ﴿فَإِنَّمَا عَلَيكَ الْبَلَاغُ وَعَلَينَا الْحِسَابُ﴾.\nثم قال تعالى مخبرًا عن نفسه الكريمة بأنه المتصرف في الوجود بما يشاء، وأنه يتوفى الأنفس الوفاة الكبرى، بما يرسل من الحفظة الذين يقبضونها من الأبدان. والوفاة الصغرى عند المنام، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٦٠) وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ﴾. فذكر الوفاتين: الصغرى ثم الكبرى. وفي هذه الآية ذكر الكبرى ثم الصغرى؛ ولهذا قال: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾، فيه دلالة على [¬٣] أنها تجتمع في الملأ الأعلى، كما ورد بذلك الحديث المرفوع الذي رواه ابن منده وغيره.\nوفي صحيحي البخاري ومسلم (^٢٢) من حديث عُبيد [¬٤] الله ابن عمر، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"إذا أوى أحدكم إلى فراشه فلينْفُضُه بدَاخلة إزاره، فإنه لا يدري ما خَلَفَهُ عليه، ثم ليقل: باسمك ربي وضعت جنبي، وبك أرفعه، إن أمسكتَ نفسي فارحمها، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين\".\nوقال بعض السلف: يقبض [¬٥] أرواح الأموات إذا ماتوا، وأرواح الأحياء إذا ناموا، فتتعارف ما شاء الله تعالى أن تتعارف، ﴿فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيهَا الْمَوْتَ﴾ التي: قد ماتت، ويرسل الأخرى إلى ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾.\n_________\n(^٢٢) - أخرجه البخاري في الدعوات، حديث (٦٣٢٠)، ومسلم في الذكر والدعاء، حديث (٢٧١٤). وجاء الحديث من طرق عن سعيد بن أبي سعيد عن أبي هريرة ليس فيه: (عن أبيه).\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- في حاشية ز: \"وقيل: الوكيل من يجعل إليه الشيء لعجز موكله عنه بنفسه يقول: لسنا بعاجزين عن حملهم الإيمان فنكل ذلك إليك بل نحن قادرون على ذلك قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ وقيل: نُسِخت بهذه الآية آية الأمر بالقتال. نسفي\".\n[¬٣]- في ز: \"إلى\".\n[¬٤]- في خ، ز: \"عبد\".\n[¬٥]- في ز: \"تقبض\".","vol":"12","page":133},{"text":"قال السدي: إلى بقية أجلها. وقال ابن عباس: يمسك [¬١] أنفس الأموات، ويرسل [¬٢] أنفس الأحياء، ولا يغلط. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾.\n﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيئًا وَلَا يَعْقِلُونَ (٤٣) قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيهِ تُرْجَعُونَ (٤٤) وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (٤٥)﴾\nيقول تعالى ذامًّا للمشركين في اتخاذهم شفعاء من دون الله، وهم الأصنام والأنداد، التي اتخذوها من تلقاء أنفسهم بلا دليل ولا برهان حداهم على ذلك، وهي لا تملك شيئًا من الأمر، بل وليس لها عقل تعقل به، ولا سمع تسمع به، ولا بصر تبصر به، بل هي جمادات أسوأ حالًا من الحيوان بكثير [¬٣]: قل، أي يا محمد لهؤلاء الزاعمين أن ما اتخذوه شفعاء لهم عند الله، أخبرهم أن الشفاعة لا تنفع عند الله إلا لمن ارتضاه وأذن له، فمرجعها كلها إليه، ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلا بِإِذْنِهِ﴾ ﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: هو المتصرف في جميع ذلك، ﴿ثُمَّ إِلَيهِ تُرْجَعُونَ﴾ أي: يوم القيامة، فيحكم بينكم بعدله، ويجزي كلًّا بعمله.\nثم قال تعالى ذامًّا للمشركين أيضًا: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ﴾ أي: إذا [¬٤] قيل: لا إله إلا الله ﴿اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾، قال مجاهد: ﴿اشْمَأَزَّتْ﴾ [¬٥] انقبضت. وقال السدي: نفرت. وقال قتادة: كفرت واستكبرت. وقال مالك، عن زيد بن أسلم: استكبرت. كما قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إلا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ أي: عن المتابعة والانقياد لها. فقلوبهم لا تقبل الخير، ومن لم يقبل الخير يقبل الشر؛ ولهذا قال: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ أي: من الأصنام والأنداد، قاله مجاهد، ﴿إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ أي: يفرحون ويسرون.\n﴿قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَينَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٤٦) وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي\n_________\n[¬١]- في ز: \"تمسك\".\n[¬٢]- في ز: \"ترسل\".\n[¬٣]- بعده في ت: ثم قال.\n[¬٤]- سقط من: ز.\n[¬٥]- سقط من: ز.","vol":"12","page":134},{"text":"الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ (٤٧) وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٤٨)﴾\nيقول تعالى بعد ما ذكر عن المشركين ما ذكر، من المذمة لهم في حبهم الشرك، ونفرتهم عن التوحيد: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ [عَالِمَ الْغَيبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ أي: ادع أنت الله وحده لا شريك له، الذي خلق السماوات والأرض] [¬١] وفطرها، أي: جعلها على غير مثال سبق، ﴿عَالِمَ الْغَيبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ أي: السر والعلانية، ﴿أَنْتَ تَحْكُمُ بَينَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ أي: في دنياهم، ستفصل بينهم يوم معادهم ونشورهم، وقيامهم من قبورهم.\nوقال مسلم في صحيحه (^٢٣): حدثنا عبد بن حميد، حدثنا عمر بن يونس، حدثنا عكرمة بن عمار، حدثنا يحيى بن أبي كثير، حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن قال: سألت عائشة: بأيِّ شيء كان رسول الله ﷺ يفتتح صلاته إذا قام من الليل؟ قالت: كان إذا قام من الليل افتتَح صلاته: \"اللهم؛ رب جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطرَ السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختُلِفَ فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم\".\nوقال الإِمام أحمد (^٢٤): حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، وأخبرنا سهيل بن [¬٢] أبي صالح، وعبد الله بن عثمان بن خُثَيمٍ، عن عون بن عبد اللَّه بن عتبة بن مسعود، عن عبد الله بن مسعود أن رسول الله ﷺ قال: \"من قال: اللهم فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، إني أعهد إليك في هذه الدنيا أني أشهد أن لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك، وأن محمدًا عبدك ورسولك، فإنك إن تكلني إلى نفسي تُقَرِّبني من الشر وتباعدني من الخير، وإني لا أثق إلا برحمتك، فاجعل لي عندك عهدًا تُوَفينيه يوم القيامة، إنك لا تُخْلف الميعاد، إلا قال الله ﷿ لملائكته يوم القيامة إن عبدي قد عهدَ إليَّ فأوفوه إياه، فيدخله الله الجنة\".\n_________\n(^٢٣) - صحيح مسلم في صلاة المسافرين وقصرها، حديث (٧٧٠)، قال: حدثنا محمد بن المثنى، ومحمد بن حاتم، وعبد بن حميد، وأبو معين الرقاشي قالوا: ثنا عمر بن يونس به.\n(^٢٤) - المسند (١/ ٤١٢) (٣٩١٦).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٢]- في خ، ز: \"عن\".","vol":"12","page":135},{"text":"قال سهيل: فأخبرت القاسم بن عبد الرحمن أن عونًا أخبر بكذا وكذا؟ فقال: ما في أهلنا جارية إلَّا وهي تقول هذا في خدرها. انفرد به الإمام أحمد.\nوقال الإِمام أحمد (^٢٥): [حدَّثنا حسن] [¬١]، حدَّثنا ابن لهيعة، حدثني حيي بن عبد الله: أن أبا عبد الرحمن حديثه قال: أخرج لنا عبد الله بن عمرو قرطاسًا وقال: كان رسول الله ﷺ يعلمنا يقول: \"اللَّهم فاطرَ السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت ربّ كل شيء، وإله كل شيء، أشهد أن لا إله إلَّا أنت، وحدك لا شريك لك، وأن محمدًا عبدك ورسولك، والملائكة يشهدون. أعوذ بك من الشَّيطان وشركه، وأعوذ بك أن أقترف على نفسي إثمًا، أو أجُرّه إلى مسلم\".\nقال أبو عبد الرحمن: كان رسول الله ﷺ يعلمه [¬٢] عبد الله بن عمرو أن يقول ذلك حين يريد أن ينام. تفرد به أحمد أيضًا.\nوقال أحمد أيضًا (^٢٦): حدَّثنا خلف بن الوليد، حدَّثنا ابن عَيَّاش [¬٣]، عن محمَّد بن زياد الألهاني، عن أبي راشد الحُبْرَاني قال: أتيت عبد الله بن عمرو فقلت له: حَدِّثنا ما سمعتَ من رسول الله ﷺ. فألقى بين يَدَيّ صحيفة فقال: هذا ما كتب لي رسول الله ﷺ. فنظرت فيها فإذا فيها أن أبا بكر الصِّديق قال: يا رسول الله، علّمني ما أقول إذا أصبحت وإذا أمسيت. فقال له رسول الله ﷺ: \"يا أبا بكر، قل: اللَّهم فاطرَ السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، لا إله إلَّا أنت، ربّ كل شيء ومليكه، أعوذ بك من شر نفسي، وشر الشَّيطان وشركه، أو أقترف على نفسي سوءًا، أو أجره إلى مسلم\". ورواه التِّرمذيُّ، عن الحسن بن عرفة، عن إسماعيل بن عياش، به، وقال: \"حسن غريب من هذا الوجه\".\nوقال الإمام أحمد (^٢٧): حدَّثنا هاشم، حدَّثنا شيبان [¬٤]، عن ليث، عن مجاهد قال: قال أبو بكر الصِّديق: أمرني رسول الله ﷺ أن أقول إذا أصبحت وإذا أمسيت، وإذا أخذت مضجعي من الليل: \"اللَّهم فاطر السماوات والأرض\" إلى آخره.\n_________\n(^٢٥) - المسند (١/ ١٧٢)، وأخرجه أيضًا عبد بن حميد (٣٣٨ - منتخب) عن عبد الله بن يزيد عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم عن أبي عبد الرحمن الحلبي به. وسيأتي من طريق عن ابن عمرو، انظر التخريج التالي.\n(^٢٦) - المسند (٢/ ١٩٦)، وأخرجه البُخاريّ في الأدب المفرد (١٢٠٤)، والترمذي في الدعوات، حديث (٣٥٢٩)، من طريق إسماعيل بن عياش به.\n(^٢٧) - المسند (١/ ١٤) (٨١) وضعفه العلامة أحمد شاكر في تعليقه على المسند.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٢]- في ز: \"يعلم\".\n[¬٣]- في ز: \"عباس\".\n[¬٤]- في خ، ز: \"سيار\".","vol":"12","page":136},{"text":"وقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ وهم المشركون ﴿مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ﴾ أي: ولو أن جميعَ ملْك الأرض وضِعْفَه معه [¬١] ﴿لَافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذَابِ﴾ أي: الذي أوجبه الله لهم يوم القيامة، ومع هذا لا يُتقَبَّل منهم الفداء ولو كان ملءَ الأرض ذهبًا، كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ أي: وظهر لهم من الله من العذاب والنكال بهم ما لم يكن في بالهم ولا في حسابهم، ﴿وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا﴾ أي: وظهر لهم جزاء ما اكتسبوا في الدار الدُّنيا من المحارم والمآثم، ﴿وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ أي: وأحاط بهم من العذاب والنكال ما كانوا يستهزئون به في الدار الدُّنيا.\n﴿فَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَال إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٤٩) قَدْ قَالهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٥٠) فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هَؤُلَاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ (٥١) أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥٢)﴾\nيقول تعالى مخبرًا عن الإِنسان: إنَّه في حال الضراء يَضرَع إلى الله ﷿ وينيب إليه ويدعوه، وإذا خوله منه نعمة بغى وطغى، وقال: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ أي: لما يعلم الله من استحقاقي له، ولولا أني عند الله تعالى خصيص لما خَوّلني هذا!\nقال قتادة: ﴿عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ على خير عندي.\nقال الله ﷿: ﴿بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ﴾ أي: ليس الأمر كما زعموا، بل أنعمنا عليه بهذه النعمة لنختبره فيما أنعمنا عليه، أيُطيع أم يعصى؟ مع علمنا المتقدم بذلك، فهي فتنة أي: اختبار، ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ [¬٢] لَا يَعْلَمُونَ﴾، فلهذا يقولون ما يقولون، ويَدّعون ما يدّعون.\n﴿قَدْ قَالهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أي: قد قال هذه المقالة وزَعَم هذا الزعم وادعى هذه [¬٣] الدعوى- كثير ممن سلف من الأمم، ﴿فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ أي: فما صح\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- في ز: \"أكثر النَّاس\".\n[¬٣]- سقط من: ز.","vol":"12","page":137},{"text":"قولهم ولا منعهم جمعهم [¬١]، [﴿فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا] [¬٢] وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هَؤُلَاءِ﴾ أي: من [¬٣] المخاطبين ﴿سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا﴾ أي: كما أصاب أولئك، ﴿وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ كما قال تعالى مخبرًا عن قارون أنه قال [له قوم] [¬٤]: ﴿لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ *وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ * قَال إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾. وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾.\nوقوله: ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ أي: يوسّعه على قوم ويضيقه على آخرين، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ أي: لعبرًا وحججًا.\n﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣) وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (٥٤) وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (٥٥) أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ (٥٦) أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٥٧) أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٨) بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٥٩)﴾\nهذه الآية الكريمة دعوة لجميع العصاة من الكفرة وغيرهم إلى التوبة والإِنابة، وإخبار بأن الله\n_________\n[¬١]- في ز: \"جميعهم\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين في خ: \"لقومه\".","vol":"12","page":138},{"text":"يغفر الذنوب جميعًا لمن تاب منها ورجع عنها، وإن كانت مهما كانت، وإن كثرت وكانت مثل زيد البحر. ولا يصح حمل هذه على غير توبة؛ لأنَّ الشرك لا يُغفر لمن لم يتب منه.\nوقال البُخاريّ (^٢٨): حدَّثنا إبراهيم بن موسى، أخبرنا هشام بن يوسف؛ أن ابن جُرَيج أخبرهم؛ قال يعلى: إن سعيد بن جبير أخبره عن ابن عباس؛ أن ناسًا من أهل الشرك كانوا قد قتلوا فأكثروا، وَزَنَوا فأكثروا. فأتوا محمدًا ﷺ؛ فقالوا: إن الذي تقول وتدعو إليه لحَسَنٌ لو تُخبرنا أنّ لما عملنا كفارة. فنزل: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ﴾، ونزل قوله: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾.\nوهكذا رواه مسلم وأبو داود والنَّسائيُّ (^٢٩)، من حديث ابن جُرَيج، عن يعلى بن مسلم المكيِّ، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس به.\nوالمراد من الآية الأولى قوله: ﴿إلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا …﴾ الآية.\nوقال الإمام أحمد (^٣٠): حدَّثنا حَسَن، حدَّثنا ابن لهيعة، حدَّثنا أبو قَبِيل؛ قال [¬١]: سمعت أبا [¬٢] عبد الرحمن المزي [¬٣]؛ قوله: سمعت ثوبان مولى رسول الله ﷺ؛ يقول: سمعت رسول الله ﷺ؛ يقول [¬٤]: \"ما أحب أن لي الدُّنيا وما فيها بهذه الآية: ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ … \". إلى آخر الآية، فقال رجل: يا رسول الله؛ فمن أشرك؟ فسكت النَّبيُّ ﷺ، ثم قال: \"ألا ومن أشرك\". ثلاث مرات. تفرد به الإمام أحمد.\nوقال الإمام أحمد أيضًا (^٣١): حدَّثنا سُرَيج [¬٥] بن النُّعمان، حدَّثنا نوح [¬٦] بن قيس، عن\n_________\n(^٢٨) - صحيح البُخاريّ كتاب التفسير، باب: ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ …﴾ حديث (٤٨١٠).\n(^٢٩) - أخرجه مسلم في الإيمان، حديث (١٢٢)، وأبو داود في الفتن والملاحم، باب: في تعظيم قتل المؤمن، حديث (٤٢٧٤) والنَّسائيُّ في تحريم الدم، باب تعظيم الدم (٧/ ٨٦) وفي التفسير (٤٦٩) من طريق ابن جريج به.\n(^٣٠) - المسند (٥/ ٢٧٥)، وأخرجه الطّبرانيّ في الأوسط (١٧٤) من طريق ابن أبي مريم عن ابن لهيعة به، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٢١٧): إسناده حسن.\n(^٣١) - المسند (٤/ ٣٨٥).\n_________\n[¬١]- سقط من: خ، ز.\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- في خ: \"المدني\".\n[¬٤]- سقط من: خ، ز.\n[¬٥]- في ز: \"شريح\".\n[¬٦]- في ز: \"فرج\".","vol":"12","page":139},{"text":"أشعث بن جابر الحُدّاني، عن مكحول، عن عمرو بن عَبَسَة [¬١]؛ قال: جاء رجل إلى النَّبيِّ ﷺ، شيخ كبير يَدّعمُ على عصا له، فقال: يا رسول الله؛ إن لي غَدَرَات وفَجَرَات، فهل يغفر لي؟ فقال: \"ألست تشهد أن لا إله إلَّا الله؟ \". قال: بلى، وأشهد أنك رسول الله. فقال: \"قد غفر لك غَدَرَاتك وفجرانك\". تفرد به أحمد.\nوقال الإِمام أحمد (^٣٢): حدَّثنا يزيد بن هارون، حدَّثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن شهر بن حَوشَب، عن أسماء بنت يزيد، قالت: سمعتُ رسول الله ﷺ يقرأ: ﴿إِنَّهُ عَمَلٌ غَيرُ صَالِحٍ﴾، وسمعته يقول: ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ -ولا يبالي- ﴿إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ورواه أبو داود والترمذي من حديث ثابت به.\nفهذه الأحاديث كلها دالة على أن المراد أنَّه يغفر جميع ذلك مع التوبة، ولا يقنطَنّ عبد من رحمة الله، وإن عَظُمت ذنوبه وكثرت؛ فإن باب التوبة والرحمة واسع، قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ [وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾] [¬٢] وقال تعالى في حق المنافقين: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا * إلا الَّذِينَ تَابُوا﴾، وقال: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إلا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، ثم قال: ﴿أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا﴾.\nقال الحسن البصري: انظر إلى هذا الكرم والجود، قتلوا أولياءه وهو يدعوهم إلى التوبة والمغفرة!\nوالآيات في هذا كثيرة جدًّا، وفي الصحيحين (^٣٣) عن أبي سعيد، عن رسول الله ﷺ، حديث الذي قتل تسعًا [¬٣] وتسعين نفسًا، ثم ندم وسأل عابدًا من عُباد بني إسرائيل: هل له من توبة؟ فقال: لا. فقتله وأكمل به مائة. ثم سأل عالمًا من علمائهم: [هل له من توبة] [¬٤]؟ فقال: ومن يحول بينك وبين التوبة؟ ثم أمره بالذهاب إلى قرية يعبد\n_________\n(^٣٢) - المسند (٦/ ٤٥٤)، وأخرجه في (٦/ ٤٦٠) عن عفَّان عن حماد به. وأخرجه أبو داود في الحروف والقراءات، حديث (٣٩٨١، ٣٩٨٢)، والترمذي في القراءات، باب: ومن سورة هود حديث (٢٩٣١، ٢٩٣٢) من طريق ثابت البناني به. وفي بعض الطرق عن شهر عن أم سلمة، قال الترمذي: سمعت عبد بن حميد يقول: أسماء بنت يزيد هي أم سلمة الأنصارية).\n(^٣٣) - أخرجه البخاري في أحاديث الأنبياء، حديث (٣٤٧٠)، ومسلم في التوبة، حديث (٢٧٦٦) من =\n_________\n[¬١]- في ز: \"عنسبة\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٣]- في ز: \"تسعة\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.","vol":"12","page":140},{"text":"الله فيها، فقصدها فأتاه الموت في أثناء الطَّريق، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فأمر الله أن يقيسوا ما بين الأرضين، فإلى أيهما كان أقرب فهو منها. فوجدوه أقرب إليَّ الأرض التي هاجر إليها بشبر، فقبضته ملائكة الرحمة. وذُكر أنَّه نأى بصدره عند الموت، وأن الله أمر البلدة الخَيِّرة أن تقترب، وأمر تلك البلدة [¬١] أن تتباعد.\nهذا معنى الحديث، وقد كتبناه في موضع آخر بلفظه.\nوقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، ﵄ قوله: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا …﴾ إلى آخر الآية، قال: قد دعا الله إلى مغفرته من زعم أن المسيح هو الله، ومن زعم أن المسيح هو ابن الله، ومن زعم أن عُزَيرًا ابن الله، ومن زعم أن الله فقير، ومن زعم أن يد الله مغلولة، ومن زعم أن الله ثالث ثلاثة، يقول الله تعالى لهؤلاء: ﴿أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، ثم دعا إلى توبته مَن [¬٢] هو أعظم قولًا من هؤلاء، من قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾، وقال: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيرِي﴾، قال ابن عباس: مَن آيَسَ عبادَ الله من التوبة بعد هذا فقد جَحَد كتاب الله، ولكن لا يقدر العبد أن يتوب حتَّى يتوب الله عليه.\nوروى الطبراني من طريق الشعبيّ، عن سنيد بن شَكَل؛ أنَّه قال: سمعتُ ابنَ مسعود يقول: إن أعظم آية في كتاب الله: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾، وإن أجمع آية في القرآن بخير وشر: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾، وإن أكثر آية في القرآن فرجًا في سورة الغرف: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾، وإن أشد آية في كتاب الله تصريفًا: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾. فقال له مسروق: صدقت.\nوقال الأعمش، عن أبي سعيد، عن أبي الكنود؛ قال: مر عبد الله -يعني ابن مسعود- على قاصٍّ، وهو يذكر النَّاس، فقال: يا مُذكِّر، لِمَ تُقَنّط النَّاس؟ ثم قرأ: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾. رواه ابن أبي حاتم.\n\n<span data-type='title' id=toc-156>ذكر أحاديث فيها نفى القنوط</span>\nقال الإمام أحمد (^٣٤): حدَّثنا سُرَيج بن النُّعمان، حدَّثنا أبو عُبيدة عبد المؤمن بن عبيد الله\n_________\n= حديث أبي الصِّديق الناجي عن أبي سعيد الخدري به.\n(^٣٤) - المسند (٣/ ٢٨٣) وأخرجه البُخاريّ في التَّاريخ (٢/ ٦٥)، وأبو يعلى في مسنده (٤٢٢٦) من طريق عبد المؤمن به. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٢١٨): رجاله ثقات.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- في ز: \"ومَن\".","vol":"12","page":141},{"text":"السدوسي، حدثني حسن السدوسي؛ قال: دخلت على أنس بن مالك؛ فقال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ؛ يقول: \"والذي نفسي بيده، لو أخطأتم حتَّى تملأ خطاياكم ما بين السماء والأرض، ثم استغفرتم الله لغفر لكم، والذي نفس محمَّد بيده، لو لم تخطئوا لجاء الله بقوم يخطئون، ثم يستغفرون الله فيغفر لهم\". تفرد به أحمد.\nوقال الإمام أحمد (^٣٥): حدَّثنا إسحاق بن عيسى، حدثني ليث، حدثني محمَّد بن قيس -قاصّ [¬١] عمر بن عبد العزيز- عن أبي صِرْمة، عن أبي أيوب الأنصاري ﵁، أنَّه قال حين حضرته الوفاة: قد كنت كتمت [¬٢] منكم شيئًا سمعته من رسول الله ﷺ، قوله: \"لولا أنكم تذنبون [¬٣]، لخلق الله قومًا يذنبون فيغفر لهم\".\nهكذا رواه الإِمام أحمد، وأخرجه مسلم في صحيحه، والترمذي جميعًا، عن قتيبة، عن اللَّيث بن سعد به.\nورواه مسلم من وجه آخر به (^٣٦)، عن محمَّد بن كعب القرظي، عن أبي صرمة -وهو الأنصاري، صحابي- عن أبي أيوب به.\nوقال الإمام أحمد (^٣٧): حدَّثنا أحمد بن عبد الملك الحراني، حدَّثنا يَحْيَى بن عمرو بن مالك النُكري [¬٤]؛ قال [¬٥]: سمعت أبي يحدث عن أبي الجوزاء، عن ابن عباس؛ قال: قال رسول الله ﷺ: [\"كفارة الذنب الندامة\". وقال رسول الله ﷺ] [¬٦]: \"لو لم تذنبوا لجاء الله بقوم يذنبون، فيغفر لهم\". تفرد به أحمد.\nوقال عبد الله ابن الإمام أحمد (^٣٨): حدثني عبد الأعلى بن حماد النَّرسيّ [¬٧]، حدَّثنا داود\n_________\n(^٣٥) - المسند (٥/ ٤١٤)، وأخرجه عبد بن حميد (٢٣٠ - منتخب) ومسلم في التوبة، حديث (٢٧٤٨) (٩)، والترمذي في الدعوات، باب، في فضل التوبة والاستغفار حديث (٣٥٣٩) من طريق اللَّيث بن سعد به.\n(^٣٦) - صحيح مسلم كتاب التوبة حديث (٢٧٤٨) (١٠).\n(^٣٧) - المسند (١/ ٢٨٩) (٢٦٢٣)، وإسناده ضعيف، وأخرجه ابن عدي في الكامل (٩/ ٣٧ - ترجمة يَحْيَى بن عمرو) وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٢١٨) وعزاه لأحمد والطبراني باختصار، والأوسط، والبراز وقال: فيه يَحْيَى بن عمرو بن مالك النكري وهو ضعيف وقد وثق، وبقية رجاله ثقات). وانظر تعليق الشَّيخ أحمد شاكر على المسند.\n(^٣٨) - المسند (١/ ٨٠، ١٠٣) وأخرجه أبو يعلى (٤٨٣). وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٢٠٣) وقال: رواه عبد الله وأبو يعلى، وفيه من لم أعرفه). وانظر تعليق العلامة أحمد شاكر على المسند (٦٠٥).\n_________\n[¬١]- في خ، ز: \"قاضي\".\n[¬٢]- في ز: \"كتمته\".\n[¬٣]- سقط من: خ.\n[¬٤]- في ز: \"البكري\".\n[¬٥]- سقط من: خ، ز.\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٧]- في خ، ز: \"القرشي\".","vol":"12","page":142},{"text":"ابن عبد الرحمن، حدَّثنا أبو عبد الله مسلمة الرَّازي، عن أبي عمرو البَجَلي، عن عبد الملك بن سفيان الثَّقفيُّ، عن أبي جعفر محمَّد بن علي، عن محمَّد بن الحنفية، عن أبيه علي بن أبي طالب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن الله يحب العبد المُفتَّن التواب\". لم يخرجوه من هذا الوجه.\nوقال ابن أبي حاتم: حدَّثنا أبي، حدَّثنا موسى بن إسماعيل، حدَّثنا حماد، أخبرنا ثابت، وحميد، عن عبد الله بن عبيد بن عمير؛ قال: أن إبليس -عليه لعائن الله- قال: يارب؛ إنك أخرجتني من الجنَّة من أجل آدم، و[¬١] إني لا أستطيعه إلَّا بسلطانك. قال: فأنت [¬٢] مسلط. قال: يا رب؛ زدني. قال: لا يولد له ولد إلا ولد لك مثله. قال: يارب؛ زدني. قال: أجعل [¬٣] صدورهم مساكن لكم، وتجرون منهم مجرى الدم. قال: يارب؛ زدني. قال: أجلب عليهم بخيلك ورجلك، وشاركهم في الأموال والأولاد، وعدْهم وما يعدهم الشَّيطان إلَّا غرورًا. فقال آدم: يارب؛ قد سلطته عليّ، وإني لا أمتنع به [¬٤] إلَّا بك. قال: لا يولد لك ولد إلَّا وَكلت به من يحفظه من قرناء السوء. قال: يارب؛ زدني. قال: الحسنة عشر أو أزيد، والسيئة واحدة أو أمحوها. قال: يارب؛ زدني. قال: باب التوبة مفتوح ما كان الروح في الجسد. قال: يارب، زدني. قال: ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾.\nوقال محمَّد بن إسحاق: قال نافع؛ عن عبد الله بن عمر، عن عمر ﵁ في حديثه؛ قال: وكنا نقول: ما الله بقابل ممن افتتن صَرفًا ولا عدلًا ولا توبة، عرفوا الله ثم رجعوا إلى الكفر لبلاء أصابهم. قال: وكانوا يقولون ذلك لأنفسهم. قال: فلما قدم رسول الله ﷺ المدينة [¬٥]، أنزل الله فيهم وفي قولنا وقولهم لأنفسهم: ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ * وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾. قال عمر ﵁: فكتبتها بيدي في صحيفة، [وبعثت بها] [¬٦] إلى هشام بن العاص؛ قال: فقال هشام: لما أتتني جعلت أقرؤها [¬٧] بذي طُوّي أصعِّد بها فيه وأصوت ولا أفهمها، حتَّى قلت: اللَّهم أفهمنيها. قال: فألقى الله في قلبي أنَّها إنما أنزلت فينا، وفيما كُنَّا نقول في أنفسنا، ويقال فينا. قال: فرجعت إلى بعيري فجلست عليه، فلحقت برسول الله صلى الله\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- في ز: \"فإنك\".\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- سقط من: ت.\n[¬٥]- سقط من: خ.\n[¬٦]- في ز: \"وبعثها\".\n[¬٧]- سقط من: خ، ز.","vol":"12","page":143},{"text":"عليه وسلم بالمدينة.\nثم استحث تعالى عباده إلى المسارعة إلى التوبة، فقال: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ [أي: ارجعوا إلى الله واستسلموا له، ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾ أي: بادروا] [¬١] بالتوبة والعمل الصالح قبل حلول النقمة، ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ وهو القرآن العظيم، ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ أي: من حيث لا [تعلمون ولا تشعرون] [¬٢].\nثم قال: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ أي: يوم القيامة يتحسر المجرم المفرط في التوبة والإنابة، ويود لو كان من المحسنين المخلصين المطيعين لله ﷿.\nوقوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾ أي: إنَّما كان عملي في الدُّنيا عمل ساخر مستهزئ غير موقن مصدق.\n﴿أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ * أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ أي: تود أن لو أعيدت إلى الدار الدُّنيا فتحسن العمل.\nقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: أخبر الله -سبحانه- ما العباد قائلون قبل أن يقولوه، وعملهم قبل أن يعملوه. وقال: ﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾، ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ * أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ * أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ فأخبر الله [¬٣] تعالى أن لو رُدّوا لما قدروا على الهدى، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾.\nوقد قال الإمام أحمد (^٣٩): حدَّثنا أسود، حدَّثنا أبو بكر، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: \"كل أهل النار يرى مقعده من الجنَّة فيقول: لو أن الله هداني! فتكون عليه حسرة\". قال: \"وكل أهل الجنَّة يرى مقعده من النار فيقول: لولا أن الله هداني! قال [¬٤]: فيكون له الشكر\". ورواه\n_________\n(^٣٩) - المسند (٢/ ٥١٢)، وأخرجه النَّسائيّ في تفسيره (٤٧٤)، والحاكم في مستدركه (٢/ ٤٣٥، ٤٣٦) وعنه البيهقي في البعث والنشور (٢٦٩) من طريق أبي بكر بن عياش به نحوه.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز: \"تعلموا أو تشعروا\".\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- سقط من: ز.","vol":"12","page":144},{"text":"النَّسائيّ من حديث أبي بكر بن عياش، به.\nولما تمنى أهل الجرائم العَودَ إلى الدُّنيا، وتحسروا [¬١] على تصديق آيات الله واتباع رسله، قال: ﴿بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ أي: قد جاءتك أيها العبد النادم على ما كان منه- آياتي [¬٢] في الدار الدُّنيا، وقامت حججي عليك، فكذبت بها واستكبرت عن اتباعها، وكنت من الكافرين بها، الجاحدين لها.\n﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ (٦٠) وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦١)﴾\nيخبر تعالى عن يوم القيامة أنَّه تسود فيه وجوه، وتبيض فيه وجوه، تسود وجوه أهل الفرقة والاختلاف، وتبيض وجوه أهل السنة والجماعة، قال تعالى ها هنا: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ﴾ أي: في دعواهم له شريكًا وولدًا ﴿وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ﴾ أي: بكذبهم وافترائهم.\nوقوله: ﴿أَلَيسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ [¬٣]﴾ أي: أليست جهنم كافية لهم [¬٤] سجنًا وموئلًا لهم فيها الخزي والهوان، بسبب تكبرهم وتجبرهم وإبائهم عن الانقياد للحق.\nقال ابن أبي حاتم: حدَّثنا أبو عبيد الله ابن أخي ابن وهب، حدَّثنا عمي، حدَّثنا عيسى بن أبي عيسى الخياط، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أن رسول الله ﷺ قال: \"إن المتكبرين يحشرون يوم القيامة أشباه الذر في صور النَّاس، يعلوهم كل شيء من الصغار، حتَّى يدخلوا سجنًا من النَّار في واد يقال له: بولس [¬٥]، من دار الأنيار [¬٦] ويسقون عصارة أهل النَّار، من طينة الخبال\".\nوقوله: ﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ﴾ أي: بما سبق لهم من السعادة والفوز عند الله، ﴿لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ﴾ أي: يوم القيامة، ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ أي: ولا يحزنهم الفزع الأكبر، بل هم آمنون من كل فَزَع، مزحزحون عن كل شر، مؤمّلون كل خير.\n_________\n[¬١]- في ز: \"ويتحسروا\".\n[¬٢]- في ز: \"بلى قد جائك\".\n[¬٣]- في ز: \"للكافرين\".\n[¬٤]- في خ: \"لها\".\n[¬٥]- في ز: \"بلولس\".\n[¬٦]- في ز: \"الأيّار\".","vol":"12","page":145},{"text":"اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ وَكِيلٌ (٦٢) لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٦٣) قُلْ أَفَغَيرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ (٦٤) وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥) بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٦)﴾\nيخبر تعالى أنَّه خالق الأشياء كلها، وربها ومليكها والمتصرف فيها، وكلّ تحت تدبيره وقهره وكلاءته.\nوقوله: ﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ قال مجاهد: المقاليد هي المفاتيح بالفارسية، وكذا قال قتادة وابن زيد وسفيان بن عيينة. وقال السدي: ﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: خزائن السماوات والأرض.\nوالمعنى على كلا القولين أن أزِمَّة الأمور بيده، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير؛ ولهذا قال: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ أي: حججه وبراهينه، ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾.\nوقد روى ابن أبي حاتم ها هنا حديثًا غريبًا جدًّا، في صحته [¬١] نظر، ولكن نذكره كما ذكره فإنَّه قال: حدَّثنا يزيد بن سنان البصري بمصر، حدَّثنا يَحْيَى بن حماد، حدَّثنا الأغلب بن تميم، عن مخلد بن هذيل العبدي، عن عبد الرحمن المدني، عن عبد الله بن عمر، عن عثمان بن عفَّان، ﵁، أنَّه سأل رسول الله ﷺ عن تفسير: ﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ فقال: \"ما سألني عنها أحد قبلك يا عثمان\"، قال: \"تفسيرها: لا إله إلَّا الله، والله أكبر، وسبحان الله وبحمده، أستغفر الله، ولا قوة إلَّا بالله الأول والآخر، والظاهر والباطن، بيده الخير يَحْيَى ويميت، [وهو على كل شيء قدير] [¬٢]. من قالها يا عثمان [إذا أصبح] [¬٣] عشر مرات [¬٤] أعطى خصالًا ستًّا [¬٥]، أما أولهن: فيحرس من إبليس وجنوده، وأمَّا الثانية: فيعطى قنطارًا من الأجر، وأمَّا الثَّالثة: فترفع\n_________\n[¬١]- في ز: \"جدته\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٤]- في ز: \"مرار\".\n[¬٥]- سقط من: خ، ز.","vol":"12","page":146},{"text":"له درجة في الجنَّة، وأمَّا الرابعة: فيزوج [¬١] من الحور العين، وأمَّا الخامسة: فيحضره لنا عشر ملكًا، وأمَّا السادسة: فيعطى من الأجر كمن قرأ القرآن والتوراة والإنجيل والزبور. وله مع هذا يا عثمان من الأجر كمن حج وتقبلت حجته، واعتمر فتقبلت عمرته، فإن مات من يومه طبع بطابع الشهداء\".\nورواه أبو يعلى الموصلي (^٤٠) من حديث يَحْيَى بن حماد، به مثله. وهو غريب، وفيه نكارة شديدة، والله أعلم.\nوقوله: ﴿قُلْ أَفَغَيرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ﴾، ذكروا في سبب نزولها ما رواه ابن أبي حاتم وغيره، عن ابن عباس؛ أن المشركين بجهلهم دَعَوا رسول الله ﷺ إلى عبادة آلهتهم، ويعبدوا معه إليه، فنزلت: ﴿قُلْ أَفَغَيرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ * وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾. وهذه كقوله: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.\nوقوله: ﴿بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ أي: أخلص العبادة لله وحده، لا شريك له، أنت ومن معك، أنت ومن اتبعك وصدقك.\n﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْويَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧)﴾\nيقول ﵎ ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ أي [¬٢] ما قدر المشركون الله حق قدره حين عبدوا معه غيره، وهو العظيم الذي لا أعظم منه، القادر على كل شيء، المالك لكل شيء، وكل شيء تحت قهره وقدرته.\nقال مجاهد: نزلت في قريش. وقال السدي: ما عظموه حق عظمته.\nوقال محمَّد بن كعب: لو قدروه حق قدره ما كذبوه.\nوقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾، هم الكفار الذين لم يؤمنوا بقدرة الله عليهم، فمن آمن أن [¬٣] الله على كل شيء قدير، فقد قَدَر الله حق قدره، ومن لم يؤمن بذلك فلم يقدر الله حق قدره.\n_________\n(^٤٠) - ذكره السيوطي في الدر المنثور (٥/ ٣٦٧) وعزاه إلى: أبي يعلى، ويوسف القاضي في سننه وأبي الحسن القطان في المطولات وابن السني في عمل اليوم والليلة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه.\n_________\n[¬١]- في خ: \"فيتزوج\".\n[¬٢]- في ز: \"و\".\n[¬٣]- سقط من: ز.","vol":"12","page":147},{"text":"وقد وردت [¬١] أحاديث كثيرة متعلقة بهذه الآية الكريمة، والطريق فيها [¬٢] وفي أمثالها مذهبُ السلف، وهو إمرارها كما جاءت من غير تكييف ولا تحريف.\nقال البُخاريّ (^٤١): قوله: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾: حدَّثنا آدم، حدَّثنا شيبان، عن منصور، عن إبراهيم، عن عبيدة، عن عبد الله بن مسعود؛ قال: جاء حبر من الأحبار إلى رسول الله ﷺ، فقال [¬٣]: يا محمد؛ إنا نجد أن الله ﷿ يجعل السماوات على إصبع، والأرضين على إصبع، والشجر على إصبع، والماء والثرى على إصبع، وسائر الخلائق على إصبع. فيقول: أنا الملك. فضحك رسول الله ﷺ حتَّى بدت نواجذه، تصديقًا لقول الحبر، ثم قرأ رسول الله ﷺ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ …﴾ الآية.\nورواه البُخاريّ أيضًا في غير هذا الموضع من صحيحه، والإمام أحمد، ومسلم، والترمذي والنَّسائيُّ في التفسير من سننيهما، كلهم من حديث سليمان بي مهران الأعمش، عن إبراهيم، عن عَبيدَةَ [¬٤]، [عن ابن مسعود ﵁ [بنحوه.\nوقال الإمام أحمد (^٤٢): حدَّثنا أبو معاوية، حدَّثنا الأعمش، عن إبراهيم] [¬٥]، عن علقمة، عن عبد الله ﵁ قال] [¬٦]: جاء رجل إلى النَّبي ﷺ من أهل الكتاب، فقال: يا أبا القاسم، أبلغك أن الله يحمل الخلائق على إصبع، والسماوات على إصبع، والأرضين على إصبع، والشجر على إصبع، والثرى على إصبع؟ قال [¬٧]: فضحك رسول الله ﷺ حتَّى بدت نواجذه. قال: وأنزل الله ﷿: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ إلى آخر الآية. وهكذا رواه البُخاريّ ومسلم والنَّسائيُّ من طرق عن الأعمش به.\nوقال الإِمام أحمد (^٤٣): حدَّثنا حُسَين بن حسن الأشقر، حدَّثنا أبو كُدَينة، عن عطاء،\n_________\n(^٤١) - صحيح البُخاريّ -كتاب التفسير، باب: (وما قدروا الله حق قدره)، حديث (٤٨١١)، وأطرافه في (٧٤١٤، ٧٤١٥، ٧٤٥١، ٧٥١٣)، وأخرجه مسلم في كتاب صفات المنافقين، حديث (٢٧٨٦)، والترمذي في تفسير القرآن، باب: \"ومن سورة الزمر\" حديث (٣٢٣٨، ٣٢٣٩)، والنَّسائيُّ في التفسير (٤٧٠، ٤٧١).\n(^٤٢) - المسند (١/ ٣٧٨)، وانظر السابق.\n(^٤٣) - المسند (١/ ٢٥١)، وأخرجه الترمذي في تفسير القرآن، باب: (ومن سورة الزمر)، حديث =\n_________\n[¬١]- في ز: \"ورد\".\n[¬٢]- سقط من: خ، ز.\n[¬٣]- في ز: \"قال\".\n[¬٤]- في خ: \"علقمة\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٧]- سقط من: خ.","vol":"12","page":148},{"text":"عن أبي الضحى، عن ابن عباس؛ قال: مر يهودي برسول الله ﷺ وهو جالس فقال [¬١]: كيف تقول يا أبا القاسم، يوم يجعل الله السماء على ذِهْ -وأشار بالسبابة- والأرض على ذِهْ، والجبال على ذِهْ، وسائر الخلق على ذِهْ -كل ذلك يشير بإصبعه- قال: فأنزل الله ﷿: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ الآية.\nوكذا رواه التِّرمذيُّ في التفسير عن عبد الله بن عبد الرحمن الدَّارميُّ، عن محمَّد بن الصلت أبي جعفر، عن أبي كُدَينة يَحْيَى بن المهلب، عن عطاء بن السائب، عن أبي الضحى مسلم بن صُبَيح، به، وقال: حسن صحيح غريب [¬٢]، لا نعرفه إلَّا من هذا الوجه.\nثم قال البُخاريّ (^٤٤): حدَّثنا سعيد بن عفير، حدَّثنا اللَّيث، حدثني عبد الرحمن بن خالد بن مسافر، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، أن أبا هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"يقبض الله الأرض، ويطوي السماء بيمينه، ثم يقول: أنا الملك، أين ملوك الأرض؟ \" تفرد به من هذا الوجه، ورواه مسلم من وجه آخر.\nوقال البُخاريّ في موضع آخر (^٤٥): حدَّثنا مُقَدّم بن محمَّد، حدَّثنا عمي القاسم بن يَحْيَى، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، عن رسول الله ﷺ؛ قال: \"إن الله يقبض يوم القيامة الأرضين على إصبع وتكون السماوات بيمينه ثم يقول: أنا الملك\".\nتفرد به أيضًا من هذا الوجه.\nورواه مسلم من وجه آخر.\nوقد رواه الإمام أحمد من طريق أخرى بلفظ آخر أبسط من هذا السياق وأطول، فقال (^٤٦):\n_________\n= (٣٢٤٠)، وقال الترمذي: \"حديث حسن غريب صحيح لا نعرفه إلَّا من هذا الوجه، وأبو كدينة اسمه يحيى بن المهلب\".\n(^٤٤) - صحيح البُخاريّ في التفسير، باب: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ …﴾ حديث (٤٨١٢)، وأخرجه الدَّارميُّ رقم (٢٨٠٢).\n(^٤٥) - صحيح البُخاريّ في التَّوحيد، باب: قول الله تعالى ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾، حديث (٧٤١٢)، وأخرجه مسلم في صفات المنافقين، حديث (٢٧٨٨) من طريق سالم بن عبد الله عن أبيه بمعناه.\n(^٤٦) - المسند (٢/ ٧٢) (٥٤١٤)، وأخرجه مسلم في صفات المنافقين، حديث (٢٧٨٨) (٢٥)، (٢٦)، والنَّسائيُّ في الكبرى كما في تحفة الأشراف (٧٣١٥)، وابن ماجة في المقدمة، باب فيما أنكرت الجهمية حديث (١٩٨)، وفي الزهد، باب: ذكر البعث، حديث (٤٢٧٥) من حديث عبيد الله بن مقسم عن ابن عمر به.\n_________\n[¬١]- في ز: \"قال\".\n[¬٢]- سقط من: ز.","vol":"12","page":149},{"text":"حدَّثنا عفَّان، حدَّثنا حماد بن سلمة، أخبرنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن عبيد الله بن مقسم، عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ قرأ هذه الآية ذات يوم على المنبر: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْويَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾، ورسول الله ﷺ يقول هكذا بيده، يحركها يقبل بها ويدبر: \"يمجد الرب نفسه: أنا الجبار، أنا المتكبر، أنا الملك، أنا العزيز، أنا الكريم\". فرجف برسول الله ﷺ المنبر حتَّى قلنا: ليخرّن به.\nوقد رواه مسلم، والنَّسائيُّ، وابن ماجة من حديث عبد العزيز بن أبي حازم، زاد مسلم: ويعقوب بن عبد الرحمن، كلاهما عن أبي حازم، عن عبيد الله بن مقسم، عن ابن عمر، به، نحوه. ولفظ مسلم عن عبيد الله بن مقسم في هذا الحديث: أنَّه نظر إلى عبد الله بن عمر كيف يحكي النَّبيُّ ﷺ، قال: \"يأخذ الله سماواته وأرضه\" بيده ويقول: أنا الملك ويقبض أصابعه ويبسطها: أنا الملك\" حتى نظرت إلى المنبر يتحرك من أسفل شيء منه، حتَّى إنِّي لأقول: أساقط هو برسول الله ﷺ؟\nوقال البزار: حدَّثنا سليمان بن سيف، حدَّثنا أبو علي الحنفي، حدَّثنا عَباد المِنْقَري، حدثني محمَّد بن المنكدر؛ قال: حدَّثنا عبد الله بن عمر، أن رسول الله ﷺ قرأ هذه الآية على المنبر: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ حتَّى بلغ: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾، فقال المنبر هكذا، فجاء [¬١] وذهب ثلاث مرات.\nورواه الإمام الحافظ أبو القاسم الطّبرانيّ من حديث عبيد بن عمير عن عبد الله بن عمرو وقال: صحيح.\nوقال الطّبرانيّ في \"المعجم الكبير\" (^٤٧): حدَّثنا عبد الرحمن بن معاوية العُتْبي، حدَّثنا حَيَّان بن نافع بن [¬٢] صخر بن جويرية، حدَّثنا سعيد بن سالم القداح، عن معمر بن الحسن، عن بكر بن خُنَيس [¬٣]، عن أبي شيبة، عن عبد الملك بن عمير، عن جرير؛ قال: قال رسول الله ﷺ لنفر من أصحابه: \"إني قارئ عليكم آيات من آخر سورة الزمَر، فمن بكى [¬٤] منكم وجبت له الجنَّة\". فقرأها من عند قوله: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾، إلى آخر السورة، فمنا من بكى، ومنا من لم يبك، فقال الذين لم يبكوا: يا رسول الله، لقد جهدنا أن نبكي، فلم نبك؟ فقال: \"إنِّي سأقرؤها عليكم، فمن لم يبك فليتباك\".\n_________\n(^٤٧) - المعجم الكبير (٢/ ٢٩٨) (٢٤٥٩)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ١٠٤): فيه بكر بن خنيس وهو متروك.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- في ز: \"عن\".\n[¬٣]- في ز: \"حبيش\".\n[¬٤]- في خ: \"يكن\".","vol":"12","page":150},{"text":"هذا حديث غريب جدًّا.\nوأغرب منه ما رواه في \"المعجم الكبير\" أيضًا: حدَّثنا هاشم بن زيد، حدَّثنا محمَّد بن إسماعيل بن عياش، حدثني أبي، حدثني ضمضم بن زرعة، عن شُريح بن عُبَيد، عن أبي مالك الأشعري؛ قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن الله تعالى يقول: ثلاث خلال غيَّبتُهُنَّ عن عبادي، لو رآهن رجل ما عمل سوءا أبدًا: لو كشفت غطائي فرآني حتى [¬١] يستيقن ويعلم كيف أفعل بخلْقي إذا أتيتهم، وقبضت السماوات بيدي، ثم قبضت الأرضين، ثم قلت: أنا الملك، من ذا الذي له الملك دوني؟ ثم أريتهم [¬٢] الجنَّة وما أعددت لهم فيها من كل خير، فيستيقنوها. وأريهم النَّار وما أعددت لهم فيها من كل شر فيستيقنوها، ولكن عمدًا غيبت ذلك عنهم لأعلم كيف يعملون [¬٣]، وقد بينته لهم\". وهذا إسناد متقارب وهي نسخة تروى بها أحاديث جمة، والله أعلم.\nوَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ (٦٨) وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَينَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٦٩) وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ (٧٠)\nيقول تعالى مخبرًا عن هول يوم القيامة، وما يكون فيه من الآيات العظيمة والزلازل الهائلة، فقوله: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾، هذه النفخة هي الثَّانية، وهي نفخة الصعق، وهي التي يموت بها الأحياء من أهل السماوات والأرض، إلَّا من شاء الله كما هو مُصَرَّح به مفسرًا في حديث الصور المشهور ثم يقبض أرواح الباقين حتَّى يكون آخر من يموت ملك الموت، وينفرد الحي القيوم الذي كان أولًا، وهو الباقي آخرًا بالديمومة والبقاء، ويقول: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ ﴿لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ ثلاث مرات. ثم يجيب نفسه بنفسه فيقول: ﴿لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ أي: الذي هو واحد وقد قهر كل شيء، وحكم بالفناء على كل شيء. ثم يَحْيَى أول من يحيي إسرافيل، ويأمره أن ينفخ في الصور أخرى، وهي النفخة الثَّالثة نفخة البعث، قال تعالى: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ أي: أحياء بعد ما كانوا عظامًا ورفاتًا، صاروا أحياء ينظرون إلى أهوال يوم القيامة، كما قال تعالى: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ * فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾ وقال تعالى: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ\n_________\n[¬١]- في ز: \"حيى\".\n[¬٢]- في ز: \"أريهم\".\n[¬٣]- في خ: \"يعلموني\".","vol":"12","page":151},{"text":"فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إلا قَلِيلًا﴾ وقال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾.\nقال الإمام أحمد (^٤٨): حدَّثنا محمَّد بن جعفر، حدَّثنا شعبة، عن النُّعمان بن سالم؛ قال: سمعت يعقوب بن عاصم بن عُروة بن مسعود؛ قال: سمعت رجلًا قال لعبد الله بن عمرو: إنك تقول: الساعة تقوم إلى كذا وكذا؟ قال: لقد هممت أن لا أحدثكم شيئًا، إنَّما قلت: سترون بعد قليل أمرًا عظيمًا. ثم قال عبد الله بن عمرو: قال رسول الله ﷺ: \"يخرج الدجال في أمتي، فيمكث فيهم أربعين -لا أدري أربعين يومًا أو أربعين عامًا أو أربعين شهرًا أو أربعين ليلة- فيبعث الله عيسى ابن مريم، كأنه عروة بن مسعود الثقفي، فيظهر فيهلكه الله، ثم يلبث النَّاس بعده سنين سبعًا ليس بين اثنين عداوة، ثم يرسل الله ريحًا باردة من قبل الشام، فلا يبقي أحد في قلبه مثقال ذرة من إيمان إلَّا قبضته، حتى [لو أن أحدهم كان] [¬١] في كبد جَبَل لدخلت عليه\". قال: سمعتها من رسول الله ﷺ، \"ويبقى شرار النَّاس في خفة الطير، وأحلام السباع، لا يعرفون معروفًا، ولا ينكرون منكرًا. قال: فيتمثل لهم الشَّيطان فيقول: ألا تستجيبون؟ فيأمرهم بالأوثان فيعبدونها، وهم في ذلك دَارَّة أرزاقهم، حسن عيشهم. ثم ينفخ في الصور فلا يسمعه أحد إلَّا أصغى له [¬٢]، وأول من يسمعه رجل يَلُوط حوضه، فيصعق. ثم لا يبقى أحد إلَّا صُعق. ثم يرسل الله -أو: ينزل الله- مطرًا كأنه الطل -أو: الظل، شك نعمان- فتنبت منه أجساد النَّاس ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾، ثم يقال: يا أيها الناس؛ هلموا إلى ربكم: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾، قال: ثم يقال: أخرجوا بَعْثَ النَّار. قال: فيقال: كم؟ فيقال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين [¬٣]. فيومئذ تبعث الولدان شيبًا، ويومئذ يكشف عن ساق\".\nتفرد بإخراجه مسلم في صحيحه.\nوقال البُخاريّ (^٤٩): حدَّثنا عمر بن حفص بن غياث، حدَّثنا أبي، حدَّثنا الأعمش؛ قال: سمعت أبا صالح؛ قال [¬٤]: سمعت أبا هريرة عن النَّبيِّ ﷺ؛ قال: \"بين\n_________\n(^٤٨) - المسند (٢/ ١٦٦) (٦٥٥٥) - وأخرجه مسلم في الفتن وأشراط الساعة حديث (٢٩٤٠)، والنَّسائيُّ في الكبرى (٦/ ٥٠١) (١١٦٢٩) من طريق شعبة به.\n(^٤٩) - صحيح البُخاريّ في التفسير، باب (ونفخ في الصور …) الحديث (٤٨١٤)، وطرفه في (٤٩٣٥)، وأخرجه مسلم في الفتن وأشراط الساعة (٢٩٥٥) والنَّسائيُّ في الكبرى (١١٤٥٩)، وفي التفسير (٤٧٩) من حديث الأعمش به.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ز: \"أن لو كان أحدهم كان\".\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- في ز: \"وتسعون\".\n[¬٤]- سقط من: ز.","vol":"12","page":152},{"text":"النفختين أربعون\". قالوا: يا أبا هريرة، أربعون يومًا؟ قال: أبيت. قالوا: أربعون سنة؟ قال: أبيت. قالوا: أربعون شهرًا؟ قال: أبيت. \"ويبلى كلّ شيء من الإنسان إلَّا عَجْبُ ذَنبِه فيه يركب الخلق\".\nو[¬١] قال أبو يعلى: حدَّثنا يَحْيَى بن معين [¬٢]، حدَّثنا أبو اليمان، حدَّثنا إسماعيل بن عياش، عن عمر بن محمَّد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النَّبيِّ ﷺ؛ قال: \"سألت [¬٣] جبريل ﵇ عن هذه الآية: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾: مَن الذين لم يشأ الله أن يصعقهم؟ قال: هم الشهداء، [] [¬٤] مُقَلَّدون أسيافهم حول عرشه، تتلقاهم ملائكة يوم القيامة إلى المحشر بنجائب من ياقوت نمارها ألين من الحرير، مَدُّ خطاها [¬٥] مد أبصار الرجال، يسيرون في الجنَّة يقولون عند طول النزهة: انطلقوا بنا إلى ربنا ﷿ لننظر كيف يقضي بين خلقه، يضحك إليهم إلهي، وإذا ضحك إلى عبد في موطن فلا حساب عليه [¬٦] \".\nرجاله كلهم ثقات إلَّا شيخ إسماعيل بن عياش، فإنَّه غير معروف، والله أعلم.\nوقوله: ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا﴾ أي: أضاءت يوم القيامة إذا تجلى الحق ﵎ للخلائق لفصل القضاء، ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ﴾ قال قتادة: كتاب الأعمال، ﴿وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ﴾، قال ابن عباس: يشهدون على الأمم بأنهم بلغوهم رسالات [¬٧] الله إليهم ﴿وَالشُّهَدَاءِ﴾ أي: الشهداء من الملائكة الحفظة على أعمال العباد من خير وشر، ﴿وَقُضِيَ بَينَهُمْ بِالْحَقِّ﴾ أي: بالعدل، ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾. قال الله: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَال حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَينَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَال ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ ولهذا قال: ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ﴾ أي: من خير أو شر ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾.\nوَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَال لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- في ز: \"معن\".\n[¬٣]- في ز: \"سأل\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين في ز: \"متقلدون\".\n[¬٥]- في ز: \"خطامها\".\n[¬٦]- سقط من: خ.\n[¬٧]- في خ: \"رسالة\".","vol":"12","page":153},{"text":"لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ (٧١)﴾ قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (٧٢)\nيخبر تعالى عن حال الأشقياء الكفار كيف يساقون إلى النَّار؟ وإنَّما يساقون سوقًا عنيفًا بِزَجْر وتهديد ووعيد، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ أي: يدفعون إليها دفعًا. هذا وهم عطاش ظماء، كما قال في الآية [¬١] الأخرى: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا * وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ ورْدًا﴾، وهم في تلك الحال صُمّ وبكم وعمي، منهم من يمشي على وجهه، ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا و[بُكْمًا وَصُمًّا] [¬٢] مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا﴾.\nوقوله: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ أي: بمجرد وصولهم إليها فتحت لهم أبوابها سريعًا، لتعجل لهم العقوبة، ثم يقول لهم خزنتها من الزبانية -الذين هم غلاظ الأخلاق، شداد القُوَى، على وجه التقريع والتوبيخ والتنكيل-: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ أي: من جنسكم تتمكنون من مخاطبتهم والأخذ عنهم، ﴿يَتْلُونَ عَلَيكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ﴾ أي: يقيمون عليكم الحجج والبراهين [¬٣] على صحة ما دعوكم إليه، ﴿وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ أي: ويحذرونكم من شر هذا اليوم؟ فيقول الكفار لهم: ﴿بَلَى﴾ أي: قد جاءونا وانذرونا، وأقاموا علينا الحجج والبراهين، ﴿وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ أي: ولكن كذبناهم وخالفناهم، لما سبق إلينا من الشقوة التي كُنَّا نستحقها، حيث عَدَلْنا عن الحق إلى الباطل، كما قال تعالى مخبرًا عنهم في الآية الأخرى: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ * قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيءٍ إِنْ أَنْتُمْ إلا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ * وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [أي: رجعوا على أنفسهم بالملامة والندامة. ﴿فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾] [¬٤] أي: بُعدًا لهم وخسارًا.\nوقوله ها هنا: ﴿قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أي: كل من رآهم وعَلِم حالهم يشهد عليهم بأنهم مستحقون للعذاب، ولهذا لم يسند هذا القول إلى قائل معين، بل أطلقه ليدل على أن الكون [¬٥] شاهد عليهم بأنهم مستحقون ما هم فيه بما حكم العدل الخبير عليهم به؛ ولهذا قال جل وعلا: ﴿قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أي: ماكثين فيها لا\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز: \"صمًّا وبكمًا\".\n[¬٣]- في ز: \"والبراهان\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٥]- في ز: \"القول\".","vol":"12","page":154},{"text":"خروج لكم منها، ولا زوال لكم عنها، ﴿فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ أي: فبئس المصير وبئس المقيل [¬١] لكم، بسبب تكبركم في الدُّنيا، وإبائكم عن أتباع الحق، فهو الذي صيركم إلى ما أنتم فيه، فبئس الحال وبئس المآل.\nوَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَال لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ (٧٣) وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (٧٤)\nوهذا إخبار عن حال السعداء المؤمنين حين يساقون على النجائب وفدًا إلى الجنَّة ﴿زُمَرًا﴾ أي: جماعة بعد جماعة: المقربون، ثم الأبرار، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، كل طائفة مع من يناسبهم: الأنبياء مع الأنبياء، والصديقون مع أشكالهم، والشهداء مع أضرابهم [¬٢]، والعلماء مع أقرانهم، وكل صنف مع صنف، كل زمرة تناسب بعضها بعضًا.\n﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا﴾ أي: وصلوا إلى أبواب الجنة بعد مجاوزة الصراط، حُبسوا على قنطرة بين الجنَّة والنَّار، فاقتص لهم مظالم كانت بينهم [¬٣] في الدُّنيا، حتَّى إذا هُذبوا ونُقّوا أذن لهم في دخول الجنَّة، وقد ورد في حديث الصور: أن المؤمنين إذا انتهوا إلى أبواب الجنَّة تشاوروا فيمن يستأذن لهم بالدخول [¬٤]، فيقصدون آدم، ثم نوحًا، ثم إبراهيم، ثم موسى، ثم عيسى، ثم محمدًا -صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين- كما فعلوا في العرصات [¬٥] عند استشفاعهم إلى الله ﷿ أن يأتي لفصل القضاء، ليظهر شرف محمَّد ﷺ على سائر البشر في المواطن كلها.\nوقد ثبت في صحيح مسلم (^٥٠) عن أنس ﵁ قال [¬٦]: قال رسول الله ﷺ: \"أنا أول شفيع في الجنَّة\". وفي لفظ لمسلم: \"و[¬٧] أنا أول من يقرع باب الجنَّة\".\n_________\n(^٥٠) - صحيح مسلم في كتاب الإيمان، حديث (١٩٦).\n_________\n[¬١]- في خ، ز: \"المعقل\".\n[¬٢]- في خ، ز: \"أقرانهم\".\n[¬٣]- في ز: \"لهم\".\n[¬٤]- في ز: \"في الدخول\".\n[¬٥]- في خ، ز: \"الصرخات\".\n[¬٦]- سقط من: ز.\n[¬٧]- سقط من ز.","vol":"12","page":155},{"text":"وقال الإِمام أحمد (^٥١): حدَّثنا هاشم، حدَّثنا سليمان، عن ثابت، عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"آتي باب الجنَّة يوم القيامة فأستتفتح، فيقول الخازن: من أنت؟ فأقول: محمد. قال: يقول: بك أمرتُ أن لا أفتح لأحد قبلك\".\nورواه مسلم عن عَمرو الناقد وزهير بن حرب، كليهما [¬١] عن أبي النضر هاشم بن القاسم، عن سليمان -وهو ابن المغيرة القيسي- عن ثابت، عن أَنس به.\nوقال الإِمام أحمد (^٥٢): حدَّثنا عبد الرزاق، حدَّثنا معمر، عن همام بن مُنبِّه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"أول زُمْرة تلج الجنَّة صُورهم على صورة القمر ليلة البدر، لا [¬٢] يبصقون فيها، ولا يمتخطون فيها، ولا يتغوطون فيها. آنيتهم وأمشاطهم الذهب والفضة، ومجامرهم [] [¬٣]، الألُوّة، ورشْحهم المسك، ولكل واحد منهم زوجتان، يرى مخ ساقهما من وراء اللحم من الحسن. لا اختلاف بينهم ولا تباغض، قلوبهم على قلب واحد، يسبحون الله بكرة وعشيًّا\". رواه البخاري عن محمد بن مقاتل، عن ابن المبارك.\nورواه مسلم عن محمد بن رافع، عن عبد الرزاق، كليهما [¬٤] عن معمر بإسناده نحوه. وكذا رواه أَبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ (^٥٣).\nوقال الحافظ أَبو يعلى (^٥٤): حدَّثنا أبو خيثمة، حدَّثنا جَرير، عن عُمَارة بن القعقاع، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"أول زُمْرَة يدخلون الجنَّة على صورة القمر ليلة البدر، والذين يلونهم على ضوء أشدّ كوكب دُرّيّ في السماء إضاءة، لا يبولون ولا يتغوطون ولا يتْفلون ولا يمتخطون، أمشاطهُم الذهب ورشحهم المسك،\n_________\n(^٥١) - المسند (٣/ ١٣٦)، وأخرجه عبد بن حميد (١٢٧١)، ومسلم في كتاب الإيمان، حديث (١٩٧) من طريق هاشم بن القاسم به.\n(^٥٢) - المسند (٢/ ٣١٦)، وأخرجه مسلم في كتاب الجنَّة وصفة نعيمها وأهلها، حديث (٢٨٣٤) (١٧) من طريق عبد الرزاق به، وأخرجه البخاري في بدء الخلق، باب: ما جاء في صفة الجنة وأنها مخلوقة حديث (٣٢٤٥) عن محمد بن مقاتل عن عبد الله عن معمر به.\n(^٥٣) - أخرجه البخاري في كتاب بدء الخلق، باب: \"ما جاء في صفة الجنَّة، وأنها مخلوقة\" حديث (٣٢٤٦) من طريق أبي الزناد عن الأعرج به.\n(^٥٤) - مسند أبي يعلى (٦٠٨٤).\n_________\n[¬١]- في ز: \"كلاهما\".\n[¬٢]- في خ: ولا.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في ز: \"من\".\n[¬٤]- في ز: \"كلاهما\".","vol":"12","page":156},{"text":"ومجامرهم الألوّة، وأزواجهم الحور العين، أخلاقهم على خلق رجل واحد، على صورة أبيهم آدم، ستون ذراعًا في السماء\".\nوأخرجاه (^٥٥) أيضًا من حديث جرير.\nوقال الزُّهْريّ، عن سعيد، عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: \"يدخل الجنَّة من أمتي زُمْرَة، هم سبعون ألفًا، تضيء وجوهم إضاءة القمر ليلة البدر\". فقام عُكَّاشة بن محْصَن فقال: يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني منه. فقال: \"اللهم اجعله منهم\". ثم قام رجل من الأنصار فقال: يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني منهم. فقال ﷺ: \"سبقك بها عُكاشة\". أخرجاه.\nوقد روى هذا الحدث - في السبعين ألفًا \"يدخلون الجنَّة\" [¬١] بغير حساب - البخاري ومسلم، عن ابن عبَّاس، وجابر بن عبد الله، وعمران بن حصين، وابن مسعود، ورفاعة بن عرابة الجهني، وأم قيس بنت محصن.\nولهما (^٥٦) عن أبي حازم، عن سهل بن سعد: أن رسول الله ﷺ الله عليه وسلم قال: \"ليدخلن الجنَّة من أمتي سبعون ألفًا -أو: سبعمائة ألف- آخذ بعضهم ببعض، حتَّى يدخل أولهم وآخرهم الجنَّة، وجوههم على صورة القمر ليلة البدر\".\nوقال أبو بكر بن أبي شيبة (^٥٧): حدَّثنا إسماعيل بن عياش، عن محمد بن زياد قال [¬٢]: سمعت أبا أمامة الباهلي يقول [¬٣]: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"وعدني ربي ﷿ أن يَدخُلَ الجنَّة من أمتي سبعون [¬٤] ألفًا، مع كل ألف سبعون [¬٥] ألفًا، ولا حساب عليهم ولا عذاب، وثلاث حَثَيات من حَثَيات ربي، ﷿\".\nوكذا رواه الوليد بن مسلم، عن صفوان بن عمرو، عن سليم [¬٦] بن عامر، عن أبي اليمان\n_________\n(^٥٥) - أخرجه البخاري في اللباس، باب البرود والحبر والشملة، حديث (٥٨١١)، وطرفه في (٦٥٤٢)، ومسلم في الإيمان حديث (٢١٦) من طريق ابن شهاب به.\n(^٥٦) - أخرجه البخاري في بدء الحلق، باب: ما جاء في صفة الجنَّة وأنها مخلوقة، حديث (٣٢٤٧)، وأطرافه في (٦٥٤٣، ٦٥٥٤)، ومسلم في الإيمان، حديث (٢١٩).\n(^٥٧) - مصنف ابن أبي شيبة (٧/ ٤٢٧)، وأخرجه أحمد (٥/ ٢٦٨)، والترمذي في صفة القيامة، حديث (٢٤٣٧)، وابن ماجة في الزهد، باب: صفة أمة محمد ﷺ حديث (٤٢٨٦) من طريق إسماعيل بن عياش به.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- في ز: \"سبعين\".\n[¬٥]- في ز: \"سبعين\".\n[¬٦]- في خ، ز: \"حكيم\".","vol":"12","page":157},{"text":"عامر بن عبد الله بن لُحَيّ، [¬١] عن أبي أمامة.\nورواه الطبراني، عن عُتبَة بن عَبْدٍ السُّلَميّ: \"ثم يشفع كل ألف في سبعين ألفًا\".\nوروى مثله عن ثوبان وأبي سعيد الأنماري [¬٢]. وله شواهد من وجوه كثيرة.\nوقوله: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَال لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾: لم يذكر الجواب هاهنا، وتقديره: حتَّى إذا جاءوها، وكانت هذه الأمور من فتح الأبواب لهم إكرامًا وتعظيمًا، وتلقتهم الملائكة الخَزَنة بالبشارة والسلام والثناء، لا كما تلقى الزبانيةُ الكفرة بالتثريب [¬٣] والتأنيب، فتقديره: إذا كان هذا، سَعدوا وطابوا، وسُرّوا وفرحوا، بقَدْر كل ما يكون لهم فيه نعيم. وإذا حذف الجواب هاهنا ذهب الذهن كلّ مذهب في الرجاء والأمل.\nومن زعم أن \"الواو\" في قوله: \" ﴿وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ واو الثمانية واستدل به على أن أَبواب الجنَّة ثمانية، فقد أبعد النجعة، وأغرق في النزع. وإنَّما يستفاد كون أَبواب الجنَّة ثمانية من الأحاديث الصحيحة:\nقال الإِمام أحمد (^٥٨): حدَّثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزُّهْريّ، عن حُمَيد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"من أنفق زوجين [من ماله] [¬٤] في سبيل الله، دُعِي من أَبواب الجنَّة، وللجنة أَبواب، فمن كان من أهل الصلاة دُعي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الصدقة دُعي من باب الصدقة، ومن كان من أهل الجهاد دُعِي من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصيام دُعي من باب الرَّيَّان\". فقال أَبو بكر - رضي الله تعالى عنه -: يا رسول الله، ما عَلى أحد من ضرورة دُعي من أيها دُعي فهل يُدعى منها كلها أحد يا رسول الله؟ قال: \"نعم، وأرجو أن تكون منهم\". رواه البخاري ومسلم من حديث الزهري بنحوه.\nوفيهما (^٥٩) من حديث أبي حازم سلمة بن دينار، عن سهل بن سعد أن رسول الله ﷺ قال: \"إن في الجنَّة ثمانية أَبواب، باب منها يسمى الريان، لا يدخله إلَّا الصائمون\".\n_________\n(^٥٨) - المسند (٢/ ٤٤٩)، وأخرجه البخاري في الصوم، باب الريان للصائمين، حديث (١٨٩٧)، وأطرافه في (٢٨٤١، ٣٢١٦، ٣٦٦٦)، ومسلم في الزكاة، حديث (١٠٢٧).\n(^٥٩) - أخرجه البخاري في بدء الخلق، باب صفة أَبواب الجنَّة حديث (٣٢٥٧) عن أبي حازم، عن سهل به، وأخرجه مسلم في الصيام حديث (١١٥٢) من حديث أبي حازم، عن سهل بن سعد به بنحوه.\n_________\n[¬١]- في خ، ز: \"يحيى\".\n[¬٢]- في ت: \"الأنباري\".\n[¬٣]- في ز: \"بالريب\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.","vol":"12","page":158},{"text":"وفي صحيح مسلم (^٦٠)، عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"ما منكم من أحد يتوضأ فيبلغ -أو: فيسبغ الوضوء- ثم يقول: أشهد أن لا إله إلَّا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله، إلَّا فتحت له أَبواب الجنَّة الثمانية، يدخل من أيها شاء\".\nوقال الحسن بن عرفة (^٦١): حدَّثنا إسماعيل بن عياش، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حُسَين، عن شهر بن حوشب، عن معاذ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"مفتاح الجنَّة: لا إله إلَّا الله\".\n\n<span data-type='title' id=toc-157>ذكر سعة أَبواب الجنَّة</span>\nنسأل الله العظيم من فضله أن يجعلنا من أهلها.\nفي الصحيحين (^٦٢) من حديث أبي زُرْعَةَ، عن أبي هريرة في حديث الشفاعة الطويل: \"فيقول الله: يا محمد، أدْخلُ مَن لا حساب عليه من أمتك من الباب الأيمن، وهم شركاء الناس في الأَبواب الأُخَر. والذي نفس محمد بيده، إن ما بين المصراعين من مصاريع الجنَّة - ما بين عضادتي الباب - لكما [¬١] بين مكة وهجر - أو: هجر و[¬٢] مكة\". وفي رواية: \"مكة وبصرى\".\nوفي صحيح مسلم (^٦٣)، عن عُتْبَة بن غَزْوَانَ أنَّه خَطَبهم خطبة [¬٣] فقال فيها: ولقد ذكر لنا أن: [ما بين] [¬٤] مصراعين من مصاريع الجنة، مسيرة أربعين سنة، وليأتين عليه يوم وَهُو كظيظ من الزحام\".\nوفي المسند (^٦٤) عن حكيم بن معاوية، عن أبيه، عن رسول الله ﷺ، مثله.\n_________\n(^٦٠) - صحيح مسلم في الطهارة، حديث (٢٣٤)، وفيه قصة.\n(^٦١) - أخرجه- أيضًا أحمد في السند (٥/ ٢٤٢) والبزار كما في كشف الأستار (١/ ٩) (٢) وابن عدي في الكامل (٥/ ٦٠) من طريق إسماعيل بن عياش به. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ٢١): رواه أحمد والبزار وفيه انقطاع بين شهر ومعاذ، وإسماعيل بن عياش روايته عن أهل الحجاز ضعيفة وهذا منها.\n(^٦٢) - حديث طول تقدم في الإسراء الآية (٧٩).\n(^٦٣) - صحيح مسلم في الزهد والرقائق، حديث (٢٩٦٧).\n(^٦٤) - المسند (٥/ ٣).\n_________\n[¬١]- في ز: \"كما\".\n[¬٢]- سقط من ز.\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.","vol":"12","page":159},{"text":"وقال عبد بن حميد: حدَّثنا الحسن بن موسى، حدَّثنا ابن لهيعة، حدَّثنا دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد، عن رسول الله ﷺ قال: \"إن ما بين مصراعين في الجنَّة مسيرة أربعين سنة\".\nوقوله: ﴿وَقَال لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيكُمْ طِبْتُمْ﴾ أي: طابت أعمالكم وأقوالكم، وطاب سعيكم فطاب جزاؤكم، كما أمر رسول الله ﷺ أن يُنادى بين المسلمين في بعض الغزوات: \"إن الجنَّة لا يدخلها إلَّا نفس مسلمة\". وفي رواية \"مؤمنة\".\nوقوله: ﴿فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ أي: ماكثين فيها أبدًا لا يبغون عنها حولا.\n﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ﴾ أي: يقول المؤمنون إذا عاينوا في الجنَّة ذلك الثواب الرافر، والعطاء العظيم، والنعيم المقيم، والملك الكبير، يقولون عند ذلك: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ﴾ أي: الذي كان وعدنا على ألسنة رسله الكرام، كما دعَوا في الدنيا: ﴿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾، ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾ [¬١]، ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (٣٤) الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ﴾.\nوقولهم: ﴿وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾، قال أَبو العالية، وأبو صالح، وقَتَادة، والسدي، وابن زيد: أي أرض الجنَّة.\nوهذه الآية كقوله: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾. ولهذا قالوا: ﴿نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيثُ نَشَاءُ﴾ أي: أين شئنا حللنا، فنعم الأجر أجرُنا على عملنا!\nوفي الصحيحين (^٦٥) من حديث الزُّهْريّ، عن أَنس في قصة المعراج، قال النبي ﷺ: \"أدخلت الجنَّة فإذا فيها جَنَابذُ اللؤلؤ، وإذا ترابها المسك\".\nوقال عبد بن حميد (^٦٦): حدَّثنا روح بن عبادة، حدَّثنا حمَّاد بن سلمة، حدَّثنا الجريري، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد أن رسول الله ﷺ سأل ابن صائد عن تربة الجنَّة؟ فقال: دَرْمَكَةٌ بيضاءُ مِسْكٌ خَالِص. فقال رسول الله ﷺ: \"صدق\".\n_________\n(^٦٥) - ورد ذلك من طرق عن جمع من الصحابة منها حديث أبي بكر عند أحمد فِي المسند (١/ ٣)، وحديث بشر بن سحيم عند أحمد (٣/ ٤١٥) والنسائي (٨/ ١٠٤)، وابن ماجة (١٧٢٠).\n(^٦٦) - تقدم في تفسير سورة الإسراء.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.","vol":"12","page":160},{"text":"وكذا رواه مسلم (^٦٧) من حديث أبي مسلمة [¬١] عن أبي نضرة عن أبي سعيد به.\nورواه مسلم (^٦٨) عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن أبي أسامة، عن الجُرَيري، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد: أن ابن صائد سأل رسول الله ﷺ عن تربة الجنَّة، فقال: \"دَرْمَكة بيضاء مسك خالص\".\nوقال ابن أبي حاتم: حدَّثنا أبي، حدَّثنا أَبو غسان مالك بن إسماعيل، حدَّثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة، عن علي بن أبي طالب ﵁ في قوله تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا﴾ قال: سيقوا حتَّى انتهوا إلى باب من أَبواب الجنَّة، فوجدوا [¬٢] عندها شجرة يخرج من تحت ساقها عينان، فعمدوا إلى إحداهما فتطهروا منها، فجرت عليهم نضرة النعيم، فلم تُغَير أبشارهم بعدها أبدًا، ولم تُشْعَث أشعارهم أبدًا بعدها، كأنما دُهنوا بالدُّهان. ثم عَمَدوا إلى الأخرى كأنما أمرُوا بها، فشربوا منها، فأذهبت ما كان ففي بطونهم من أذى [¬٣] أو قذى. وتلقتهم الملائكة على أَبواب [¬٤] الجنَّة: ﴿سَلَامٌ عَلَيكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾. ويلقى كل غلمان صاحبهم يُطيفون به، فعْلَ الولدان بالحميم جاء من الغيبة: أبْشِرْ، قد أعبد الله لك من الكرامة كذا وكذا، قد أعبد الله لك من الكرامة كذا وكذا. قال: وينطلق غلام من غلمانه إلى أزواجه من الحور العين، فيقول: هذا فلان -باسمه في الدنيا- فيقلن: أنت رأيتَه؟ فيقول: نعم. فيستخفهن الفَرَح حتَّى تخرج إلى أُسْكُفَّة الباب. قال: فيجيء فإذا هو بنمارق مصفوفة، وأكواب موضوعة، وزرابي مبثوثة. قال: ثم ينظر إلى تأسيس بنيانه، فإذا هو قد أسس على جندل اللؤلؤ، بين أحمر وأخضر وأصفر، ومن كل لون. ثم يرفع [طرفه إلى سقفه] [¬٥]، فلولا أن الله قَدّره [¬٦] له، لألَمّ أن يذهب يبصره، إنه لمثل البرق. ثم ينظر إلى أزواجه من الحور العين، ثم يتكئ على أريكة من أرائكه، ثم يقول: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ …﴾ الآية.\nثم قال: حدَّثنا أبي، حدَّثنا أَبو غسان مالك بن إسماعيل النهدي، حدَّثنا مسلمة [¬٧] بن جعفر البجلي قال [¬٨]: سمعت أبا معاذ البصري يقول [¬٩] إن عليًّا ﵁ كان ذات يوم\n_________\n(^٦٧) - المنتخب (٨٧٦)، وأخرجه مسلم في الفتن، حديث (٢٩٢٨) (٩٢).\n(^٦٨) - صحيح مسلم في الفتن، حديث (٢٩٢٨) (٩٣).\n_________\n[¬١]- في خ، ز: \"سلمة\".\n[¬٢]- في ز: \"وجدوا\".\n[¬٣]- في ز: \"الأذى\".\n[¬٤]- في ز: \"باب\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٦]- في ز: \"قدر\".\n[¬٧]- في خ، ز: \"سلمة\".\n[¬٨]- سقط من: ز.\n[¬٩]- سقط من: ز.","vol":"12","page":161},{"text":"عند رسول الله ﷺ فقال النبيّ ﷺ: \"والذي نفسي بيده، إنهُم إذا خرجوا من قبورهم يُستقبَلون -أو [¬١]: - يُؤْتَونَ - بنُوق لها أجنحة، وعليها رحال الذهب، شراك نعالهم نور يتلألأ، كل خطوة منها مَدَّ البصر، فينتهون إلى شجرة ينبع [¬٢] من أصلها عينان، فيشربون من إحداهما فيُغْسَل ما في بطونهم من دنس، ويغتسلون من الأخرى فلا تشعث أبشارهم ولا أشعارهم بعدها [¬٣] أبدًا، وتجري عليهم نضرة النعيم، فينتهون -أو: فيأتون- باب الجنَّة، فإذا حلقة من ياقوتة حمراء على صفائح الذهب، فيضربون بالحلقة على الصفيحة، فيسمع [¬٤] لها طنين يا علي، فيبلغ كل حوراء أن زوجها قد أقبل، فتبعث قَيّمها فيفتح له، فإذا رآه خَرّ له - قال مسلمة [¬٥]: أراه قال: ساجدًا - فيقول: ارفع رأسك، فإنما أنا قَيّمك، وكلت بأمرك. فيتبعه ويقفو أثره، فتستخف [¬٦] الحوراءَ العجلةُ، فتخرج من خيام الدر والياقوت حتَّى تعتنقه، فم تقول: أنت حبي، وأنا حبُّك، وأنا الخالدة التي لا أموت، وأنا الناعمة التي لا أبأس، وأنا الراضية التي لا أسخط، وأنا المقيمة التي لا أظعن، فيدخل بيتًا من أسّه إلى سقفه مائة ألف ذراع، بناؤه على جندل اللؤلؤ، طرائق أصفر وأخضر وأحمر، ليس فيها طريقة تشاكل صاحبتها، في البيت سبعون سريرًا، على كل سرير سبعون حَشْيَة، على كل حشية سبعون زوجة، على كل زوجة سبعون حلة، هي مُخّ ساقها من باطن الحلل، يقضي جماعها في مقدار ليلة من لياليكم هذه. الأنهار من تحتهم تَطّرد، أنهار من ماء غير آسن - قال: صاف، لا كَدَر فيه-، وأنهار من لبن لم يتغير طعمه - قال: لم يخرج من ضروع الماشية-، وأنهار من خمر لذة للشاربين - قال: لم تعصرها الرجال بأقدامهم-، وأنهار من عسل مصفى - قال: لم يخرج من بطون النحل -. يستجني الثمار، فإن شاء قائمًا، وإن شاء قاعدًا، وإن شاء متكئًا - ثم تلا: ﴿وَدَانِيَةً عَلَيهِمْ ظِلَالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا﴾ فيشتهي الطَّعام فيأتيه طير أبيض - قال: وربما قال: أخضر. قال: - فترفع أجنحتها، فيأكل من جنوبها، أيّ الألوان شاء، ثم [يطير فيذهب] [¬٧] فيدخل الملك فيقول: سلام عليكم، تلكم الجنَّة [] [¬٨] أورثتموها بما كنتم تعملون. ولو أن شعرة من شعر الحوراء وقعت في [¬٩] الأرض، لأضاءت الشمس معها سوادًا [¬١٠] في نور\".\nهذا حديث غريب. وكأنه مرسل، والله أعلم.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- في ز: \"ينبت\".\n[¬٣]- في ز: \"بعده\".\n[¬٤]- في خ، ز: \"فلو تسمع\".\n[¬٥]- في خ: \"سلمة\".\n[¬٦]- في ز: \"فيستخف\".\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين في ز: \"تطير فتذهب\".\n[¬٨]- ما بين المعكوفتين في ز: \"التي\".\n[¬٩]- في ت: \"الأهل\".\n[¬١٠]- في ز: \"سوًا\".","vol":"12","page":162},{"text":"﴿وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَينَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ (٧٥)﴾\nلما ذكر تعالى حكمه [¬١] في أهل الجنَّة والنار وأنه نزل كلًّا في المحل الذي يليق به ويصلح له، وهو العادل في ذلك الذي لا يجور، أخبر عن ملائكته أنهم محدقون من حول عرشه المجيد، يسبحون بحمد ربهم، ويمجدونه ويعظمونه ويقدسونه وينزهونه عن النقائص والجور، وقد [¬٢] فصل القضية، وقضى الأمر، وحكم بالعدل. ولهذا قال: ﴿وَقُضِيَ بَينَهُمْ﴾ أي: بين الخلائق ﴿بِالْحَقِّ﴾.\nثم قال: ﴿وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ﴾ أي: ونطق الكون أجمعه - ناطقه وبهيمه - لله رب العالمين، بالحمد في حكمه وعدله، ولهذا لم يسند القول إلى قائل بل أطلقه، فدل [¬٣] على أن جميع المخلوقات شَهِدَت له بالحمد.\nقال قَتَادة: افتتح الخلق بالحمد في قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾، واختتم بالحمد في قوله: ﴿وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ﴾.\nآخر تفسير سورة الزمر، ولله الحمد.\n* * * *\n_________\n[¬١]- في خ: \"محكمه\"، وفي ز: \"بحكمه\".\n[¬٢]- سقط من: خ، ز.\n[¬٣]- في خ، ز: \"فقال\".","vol":"12","page":163},{"text":"<span data-type='title' id=toc-158>تفسير سورة المؤمن وهي مكية</span>\nقد كره بعض السلف - منهم محمد بن سيرين - أن يقال: \"الحواميم\"، وإنَّما يقال: \"آل حم\" (^١).\nقال عبد الله بن مسعود: \"آل حم\" ديباج القرآن (^٢).\nوقال ابن عبَّاس: إن لكل شيء لبابًا، ولُبَاب القرآن: \"آل حم\"، أو قال: الحواميم (^٣).\nقال مسعر بن كدام: كان يقال لهن: \"العرائس\".\nروى ذلك كله الإِمام العَلَمُ أَبو عُبَيد القاسم بن سلام ﵀، في كتاب \"فضائل القرآن\" (^٤).\nوقال حُمَيد بن زَنْجويه: حدَّثنا عبيد الله بن موسى، حدَّثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله؛ قال: إن مثل القرآن كمثل رجل انطلق يرتاد لأهله منزلًا، فمر بأثر غيث، فبينما هو يسير فيه ويتعجب، إذ هبط على روضات دمثات؛ فقال: عجبت من الغيث الأول فهذا أعجب وأعجب. فقيل له: إن مثل الغيث الأول مثل عظم القرآن، وإن مثل هؤلاء الروضات الدمثات، مثل آل حم في القرآن. أورده البغوي (^٥).\nوقال ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب: إن الجَرَّاح بن أبي الجرَّاح حَدَّثه عن ابن عبَّاس، قال: لكل شيء لباب، ولُباب القرآن الحواميم (^٦).\n_________\n(^١) - رواه أَبو عبيد القاسم بن سلَّام في \"فضائل القرآن\" (ص ٢٥٦) بإسناد صحيح إلى ابن سيرين.\n(^٢) - رواه أَبو عبيد في \"فضائل القرآن\" (ص ٢٥٥) ثنا الأشجعي، والحاكم (٢/ ٤٣٧) وعنه البيهقي في \"الشعب\" (٢/ ٢٤٧١) من طريق الحميدي، كلاهما (الأشجعي، والحميدي) ثنا سفيان - مقرونًا به حبيب عند البيهقي - عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد عنه به، وسكت عنه الحاكم والذهبي، ومجاهد لم يسمع من ابن مسعود، كما قال أَبو زرعة وغيره. راجع \"جامع التحصيل\" (ص ٢٧٣ / ت: ٧٣٦) والخبر زاد نسبته السيوطي في \"الدر المنثور\" (٥/ ٦٤٣) إلى ابن الضريس وابن المنذر.\n(^٣) - رواه أَبو عبيد (ص ٢٥٥) ثنا الأشجعي، عن مسعر بن كدام قال: بلغني أنهنَّ كُنَّ يسمين العرائس.\nورواه الدارمي (٢/ ٤٥٨) ثنا جعفر بن عون، عن مسعر، عن سعد بن إبراهيم به. وهذا إسناد صحيح، وقد زاد نسبته السيوطي (٥/ ٦٤٤) إلى محمد بن نصر.\n(^٤) - إسناده صحيح. وعزاه السيوطي في \"الدر المنثور\" (٥/ ٦٤٣) إلى محمد بن نصر، وحميد بن زنجويه.\n(^٥) - رواه أَبو عبيد في \"فضائل القرآن\" (ص ٢٥٤) ثنا أبو الأسود، عن ابن لهيعة به، وابن لهيعة سيء الحفظ.\n(^٦) - رواه أَبو عبيد في \"فضائل القرآن\" (ص ٢٥٥) ثنا حجاج بن المسعودي، عن أبي إسحاق، عن =","vol":"12","page":165},{"text":"وقال ابن مسعود: إذا وقعت في \"آل حم\" فقد [¬١] وقعت في روضات أتأنق فيهن.\nوقال أَبو عبيد (^٧): حدَّثنا الأشجعي، حدَّثنا مسعر -هو ابن كدَام- عمن حدثه؛ أن رجلًا رأى أبا الدرداء يبنى مسجدًا فقال له: ما هذا؟ فقال: أبنيه من أجل \"آل حم\".\nوقد يكون هذا المسجد الذي بناه أَبو الدرداء، هو المسجدَ المنسوب إليه داخل قلعة دِمَشق.\nوقد يكون صيانتها وحفظها ببركته وبركة ما وُضع له، فإن هذا الكلام يدل على النصر على الأعداء، كما قال رسول الله ﷺ لأصحابه في بعض الغزوات: \"إن بيتم الليلة فقولوا: حم، لا ينصرون\" وفي رواية: \"لا تنصرون\" (^٨).\nوقال الحافظ أَبو بكر البزار (^٩): حدَّثنا أحمد بن الحكم [بن ظبيان] [¬٢] بن خلف المازني، ومحمد بن اللَّيث الهمداني؛ قالا: حدَّثنا موسى بن مسعود، حدَّثنا عبد الرحمن بن أبي بكر المليكي، عن زرارة بن مصعب، عن أبي سلمة، عن أبي هُرَيرة ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ: \"من قرأ آية الكرسي وأولَ حم المؤمن، عُصِمَ ذلك اليوم من كل سوء\". ثم قال: لا نعلمه يُروَى إلَّا بهذا الإِسناد.\nورواه الترمذي عن حديث المليكي، وقال: تكلم فيه بعض أهل العلم من قبل حفظه.\n﷽\n﴿حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٢) غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إلا هُوَ إِلَيهِ الْمَصِيرُ (٣)﴾\nأما الكلام على [¬٣] الحروف المقطعة فقد تقدم في أول \"سورة البقرة\" بما أغنى عن إعادته هاهنا. وقد قيل: إن ﴿حم﴾ اسم من أسماء الله ﷿ وأنشدوا في ذلك بيتًا:\n_________\n= أبي عبيدة قال: قال عبد الله: فذكره وإسناده ضعيف لاختلال المسعودى، ولانقطاع بين أبي عبيدة وأبيه عبد الله، وزاد نسبته السيوطي في \"الدر المنثور\" (٢/ ٦٤٣) إلى محمد بن نصر، وابن المنذر.\n(^٧) - في \"فضائل القرآن\" (ص ٢٥٥) وإسناده منقطع.\n(^٨) - يأتي تخريجه (رقم:١٠).\n(^٩) - وعزاه السيوطي أيضًا في \"الدر المنثور\" (٢/ ٦٤٤) إلى محمد بن نصر وابن مرويه، وقد رواه الترمذي، كتاب: فضائل القرآن، باب: ما جاء في فضل سورة البقرة وآية الكرسى (٢٨٧٩) - ومن طريقه أورده المصنف في تفسير سورة البقرة / ٢٥٥) - والطبراني ومن طريقه المزى في \"تهذيب الكمال\" (٩ / ت ١٩٧٩) - والدارمي (٢٣٨٩)، والبيهقي في \"الشعب\" (٢/ ٢٤٧٤)، والبغوى في \"شرح =\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٣]- في ت: \"عن\".","vol":"12","page":166},{"text":"يُذَكِّرُني حَاميمَ والرمحُ [¬١] شَاجرٌ … فهلَّا تلا حاميم قبل التقدم\nوقد ورد في [¬٢] الحديث الذي رواه أبو داود والترمذي (^١٠)، من حديث الثَّوري، عن أبي إسحاق، عن المهلب بن أبي صُفْرَة؛ قال [¬٣]: حدثني من سمع رسول الله ﷺ يقول: \"إن بيتم الليلة فقولوا: حم، لا ينصرون\". وهذ إسناد صحيح.\nواختار أَبو عبيد (^١١) أن يُروَى: \"فقولوا: حم، لا ينصروا\" أي: إن قلتم ذلك لا ينصروا. جعله جزاء لقوله: \"فقولوا\" [¬٤].\nوقوله: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ أي: تنزيل هذا الكتاب - وهو القرآن - من الله ذي العزة والعلم، فلا يرام جنابه، ولا يخفى عليه الذر وإن تكاثف حجَابه.\nوقوله: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ﴾ أي: يغفر ما سلف من الذنب، ويقبل التوبة في المستقبل لمن تاب إليه وخَضَع لديه.\nوقوله: ﴿شَدِيدِ الْعِقَابِ﴾ أي: لمن تمرد وطغى وآثر الحياة الدنيا، وعتا عن [¬٥] أوامر الله، وبغى. وهذه كقوله تعالى: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾ يقرن هذين الوصفين كثيرًا في مواضع متعددة من القرآن، ليبقى العبد بين الرجاء\n_________\n= السنة\" (٤/ ١١٩٨) من طريق عبد الرحمن بن أَبي بكر به. وقال الترمذي: \"هذا حديث غريب، وقد تكلَّم بعض أهل الحلم في عبد الرحمن بن أبي بكر ابن أبي مُليكة المليكى من قبل حفظه … فضعفه ابن معين، وقال أَبو حاتم: ليس بقوي في الحديث، وقال النسائي: ليس بثقة، وقال أحمد: منكر الحديث، وقال ابن عدي: \"لا يتابع في حديثه، وهو في جملة من يكتب حديثه\".\n(^١٠) - رواه أحمد (٤/ ٦٥)، (٥/ ٣٧٧)، وأَبو داود (٢٥٩٧)، والترمذي (٢٦٨٢) وأَبو عبيد القاسم بن سلام في \"فضائل القرآن\" (ص ٢٥٤) وابن الجارود في \"المنتقى\" (١٠٦٣) والحاكم (٢/ ١٠٧) من طريق سفيان الثوري له. ورواه النسائي في \"الكبرى\" (٦/ ١٠٤٥٣) من طريق شريك بن عبد الله، والنسائي أيضًا والحاكم من طريق زهير بن معاوية كلاهما (شريك وزهير) عن أَبي إسحاق به. وصححه الحاكم على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي!! ولم يرويا للمهلب بن أبي صفرة وهو ثقة، ومن دونه ثقات، والثورى من أثبت الناس في أَبي إسحاق، فالإسناد صحيح كما قال المصنف، وقد رواه أحمد (٤/ ٢٨٩) وغيره من طريق الأجلح الكندى، عن أبي إسحاق، عن البراء به، بلفظ: \"إنكم ستلقون العدو غدًا، وإن شعاركم حم لا ينصرون\" وأعله النسائي بالأجلح فقال: \"الأجلح ليس بالقوي، وكان مسرفًا في التشيع\" وتابعه شيبان عند النسائي أيضًا (٦/ ١٠٤٥١) لكن فيه عنعنة الوليد بن مسلم، وسوء حفظ هشام بن عمار. فالمعزل على الإسناد الأول، والله الموفق.\n(^١١) - فضائل القرآن (ص ٢٥٤).\n_________\n[¬١]- في ز: \"الريح\".\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- سقط من: خ، ز.\n[¬٥]- في ز: \"على\".","vol":"12","page":167},{"text":"والخوف.\nوقوال: ﴿ذِي الطَّوْلِ﴾ قال ابن عبَّاس: يعني السعة والغنى. وكذا قال مجاهد وقَتَادة.\nوقال يزيد بن الأصم: ﴿ذِي الطَّوْلِ﴾ يعني: الخير الكثير.\nوقال عكرمة: ﴿ذِي الطَّوْلِ﴾: ذي المن: وقال قتادة: ذي النعم والفواضل.\nوالمعنى: أنَّه المتفضل على عباده، المتطول عليهم بما هم فيه [¬١] من المنَن والإنعام، التي لا يطيقون القيام بشكر واحدة منها، ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ … الآية.\nوقوله: ﴿لَا إِلَهَ إلا هُوَ﴾ أي: لا نظير له في جميع صفاته، فلا إله غيره، ولا رب سواه\n﴿إِلَيهِ الْمَصِيرُ﴾ أي: إليه المرجع والمآب، فيجازي كل عامل بعمله، ﴿وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ \".\nوقال أَبو بكر بن عياش (^١٢): سمعت أبا إسحاق السبيعي؛ يقول [¬٢]: جاء رجل إلى عمر بن الخطاب؛ فقال: يا أمير المؤمنين؛ إني قَتَلْتُ، فهل لي من توبة؟ فقرأ عليه: ﴿حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٢) غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ﴾، وقال: اعمل ولا تيأس. رواه ابن أبي حاتم -واللفظ له- وابن جرير.\nوقال ابن أبي حاتم (^١٣): حدَّثنا أبي، حدَّثنا موسى بن مروان الرَّقِّي، حدَّثنا عمر -يعني ابن أيوب- أخبرنا جعفر بن بَرْقان، عن يزيد بن الأصم؛ قال: كان رجل من أهل الشام ذو بأس، وكان يفد [¬٣] إلى عمر بن الخطاب، ففقده عمر فقال: ما فعل فلان بن فلان؟ فقالوا: يا أمير المؤمنين؟ يتابع في هذا الشراب. قال [¬٤]: \"فدعا عمر كاتبه، فقال: اكتب: من عمر بن الخطاب إلى فلان بن فلان، سلام عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلَّا هو، غافر الذنب وقابل التوب، شديد العقاب، ذي الطول، لا إله إلَّا هو إليه المصير. ثم قال لأصحابه: ادعوا الله لأخيكم أن يُقبِلَ بقلبه، وأن [¬٥] يتوب عليه. فلما بلغ الرجل كتابُ عمر جعل يقرؤه\n_________\n(^١٢) - رواه ابن جرير (٢٤/ ٤١) وعزاه السيوطي في \"الدر المنثور\" (٥/ ٦٤٥) إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم، وفي إسناده جهالة.\n(^١٣) - ورواه أَبو نعيم في \"الحلية\" (٤/ ٩٧) - ومن طريقه أورده المصنف في \"مسند الفاروق\" (٢/ ٥١٧) - من طريق كثير بن هشام، ثنا جعفر بن برقان به، وقال المصنف في \"مسند الفاروق\": \"إسناده جيد\" وفيه انقطاع\" يعني: بين يزيد الأصم، وعمر بن الخطاب. وذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" (٥/ ٦٤٥) وزاد عزوه إلى عبد بن حميد.\n_________\n[¬١]- سقط من: خ، ز.\n[¬٢]- سقط من: خ، ز.\n[¬٣]- في خ، في: \"يوفد\".\n[¬٤]- سقط من: خ.\n[¬٥]- سقط من: خ.","vol":"12","page":168},{"text":"ويردده، ويقول: غافر الذنب، وقابل التوب، [شديد العقاب] [¬١]، قد حذرني عقوبته، ووعدني أن يغفر لي.\nورواه الحافظ أَبو نعيم من حديث جعفر بن برقان، وزاد: فلم يزل يُرَدِّدها على نفسه، ثم بكى، ثم نَزَع فأحسن النَّزع. فلما بلغ عمرَ خبرُه قال: هكذا فاصنعوا، إذا رأيتم أخاكم زَلَّ زلَّة فسددوه ووفقوه، وادعوا الله له [¬٢] أن يتوب عليه، ولا تكونوا أعوانًا للشيطان عليه.\nوقال ابن أبي حاتم (^١٤): حدثنا عمر بن شَبَّة [¬٣]، حدَّثنا حمَّاد بن واقد - أَبو عُمَر الصفّار - حدَّثنا ثابت البناني، قال: كنت مع مصعب بن الزبير في سواد الكوفة، فدخلت حائطًا أصلي ركعتين، فافتتحت: حم المؤمن، حتَّى بلغت: ﴿لَا إِلَهَ إلا هُوَ إِلَيهِ الْمَصِيرُ﴾ فإذا رجل خلفي على بغلة شهباء عليه مُقَطَّات يمنية، فقال: إذا قلت: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ﴾ فقل: \"غافر الذنب، اغفر لي ذنبي. وإذا قلتَ [¬٤]: ﴿قَابِلِ التَّوْبِ﴾، فقل: يا قابل التوب، اقبل توبتي. وإذا قلتَ: ﴿شَدِيدِ الْعِقَابِ﴾، فقل: يا شديد العقاب، لا تعاقبني. قال: فالتفت فلم أر أحدًا، فخرجت إلى الباب فقلت: مَرَّ بكم رجل عليه مقطعات يمنية؟ قالوا: ما رأينا أحدًا. فكانوا [¬٥] يُروَن أنَّه إلياس.\nثم رواه من طريق أخرى عن ثابت بنحوه. وليس فيه ذكر إلياس.\n﴿مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إلا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ (٤) كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيفَ كَانَ عِقَابِ (٥) وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ (٦)﴾\nيقول تعالى: ما يدفع الحق ويجادل فيه بعد البيان وظهور البرهان ﴿إلا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: الجاحدون لآيات الله وحججه وبراهينه، ﴿فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ﴾ أي: في\n_________\n(^١٤) - إسناده ضعيف، لضعف حمَّاد بن واقد، وزاد نسبته السيوطي في الدر (٢/ ٦٤٦) إلى ابن أبي شيبة.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط عن: خ، ز.\n[¬٢]- سقط من: خ، ز.\n[¬٣]- في ز: \"شعبة\".\n[¬٤]- في خ: \"بلغت\".\n[¬٥]- في ز: \"فكانوا\".","vol":"12","page":169},{"text":"أموالهم ونعيمها وزهرتها، كما قال: ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (١٩٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾.\nوقال تعالى: ﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾.\nثم قال تعالى مسليًا لنبيه محمد ﷺ في تكذيب من كذبه من قومه، بأن له أسوة من سلف من الأنبياء، فإنه قد كذبتهم [¬١] أممهم وخالفوهم، وما آمن بهم منهم إلا قليل، فقال: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ﴾، وهو أول رسول بَعَثه الله ينهى عن عبادة الأوثان، ﴿وَالْأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ أي: من كل أمة، ﴿وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ﴾ أي: حرصوا على قتله بكل ممكن، ومنهم من قتل رسوله، ﴿وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ﴾ أي: مَاحَلُوا بالشبهة [¬٢] ليردوا الحق الواضح الجلي.\nوقد قال أَبو القاسم الطبراني (^١٥): حدَّثنا علي بن عبد العزيز، حدَّثنا عارم أَبو النعمان، حدَّثنا معتمر بن سليمان؛ قال [¬٣]: سمعت أبي يحدث عن حَنَش [¬٤]، عن عكرمة، عن ابن عبَّاس، عن النبي ﷺ؛ قال: \"من أعان باطلًا ليدحض بباطله حَقًّا، فقد برئت منه ذمة الله، وذمة وسوله\".\n_________\n(^١٥) - \" المعجم الكبير\" للطبراني (١١/ ١١٥٣٩)، ورواه الحاكم في \"المستدرك\" (٤/ ١٠٠) ثنا محمد بن جعفر الخلدي، ثنا علي بن عبد العزيز له. وقال الحاكم: \"صحيح الإسناد، ولم يخرجاه\" وتعقبه الذهبي بأن\" حنش الرحبى، ضعيف\" وقد رواه الطبراني في \"الصغير\" (١/ ٨٢) وفي \"الأوسط\" (٣/ ٢٩٤٤)، وأَبو نعيم في \"الحلية\" (٥/ ٢٤٨) من طريق إبراهيم بن محمد بن الحسن بن متويه، ثنا سعيد بن رحمة المصيصى، قال: ثنا محمد بن حِمير، عن إبراهيم بن أبي عبلة، عن عكرمة به. وزاد فيه: \"ومن أكل درهمًا من ربا فهو مثلُ ثلاث وثلاثين زنيةً، ومن نبت لحمُه من السُّحْت فالنار أولى له\". ورواه ابن حبان في \"المجروحين (١/ ٣٢٤) ثنا أحمد بن عمير ثنا سعيد به مفرقًا. وقال الطبراني: \"لم يروه عن إبراهيم إلَّا محمد، ولا رواه عن محمد بن حمير إلَّا سعيد\" وهو ضعيف، قال ابن حبان: \"لا يجوز الاحتجاج به لمخالفته الأثبات في الروايات\" وله أعله الهيثمي في \"المجمع\" (٤/ ١٢٠)، (٤/ ٢٥٨) ورواه الطبراني أيضًا (١١/ ١١٢١٦) من طريق أبي محمد الجزرى - وهو حمزة النصيبى - عن عمرو بن دينار عن ابن عبَّاس به ضمن حديث طويل، وذكره من هذا الوجه الهيثمي في \"المجمع\" (٥/ ٢١٤، ٢١٥) وقال: رواه الطبراني وفيه أَبو محمد الجزرى - حمزة - ولم أعرفه، وبقية رجاله رجال الصحيح\" والجزرى هذا هو حمزة بن أبي حمزة النصيبى، تركه النسائي والدارقطني، وقال ابن معين: \"ليس حديثه بشيء\"، وقال البخاري وأَبو حاتم: \"منكر الحديث\" وقال ابن عدي: \"عامة ما رويه مناكير، موضوعة، والبلاء منه\" - راجع \"التهذيب\" وله طريق آخر رواه الخطيب في \"تاريخ بغداد\" (٦/ ٧٦) - ومن طريقه ابن الجوزي في \"العلل المتناهية\" (٢/ ١٢٧٢) - من طريق إبراهيم بن زياد القرشي عن خُصيف عن عكرمة به، وقال الخطيب: \"إبراهيم بن زياد، في حديثه نكارة\"، وقال يحيى بن معين: \"لا أعرفه\". وقال البخاري في =\n_________\n[¬١]- في خ: \"كذبهم\".\n[¬٢]- في ز: \"بالسنة\".\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- في خ، ز: \"حنيش\".","vol":"12","page":170},{"text":"وقوله: ﴿فَأَخَذْتُهُمْ﴾ أي: أهلكتهم على ما صنعوا من هذه الآثام والذنوب العظام، ﴿فَكَيفَ كَانَ عِقَابِ﴾ أي: فكيف بلغك عذابي لهم، ونكالي بهم؟ قد كان شديدًا موجعًا مؤلمًا.\nقال قَتَادة: كان والله شديدًا.\nوقوله: ﴿وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ أي: كما حقت كلمةُ العذاب على الذين كفروا من الأمم السالفة، كذلك حقت على المكذبين من هؤلاء الذين كذبوك وخالفوك يا محمد بطريق الأولى والأحرى؛ لأن من كذبك [¬١] فلا وثوق له بتصديق غيرك.\n﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (٧) رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٨) وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٩)﴾\nيخبر تعالى عن الملائكة المقربين من حملة العرش الأربعة ومن حوله من [¬٢] الكروبيين، بأنهم ﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾، أي: يقرنون بين التسبيح الدال على نفي النقائص، والتحميد المقتضي لإِثبات صفات المدح، ﴿وَيُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ أي: خاشعون له أذلاء بين يديه، وأنهم ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي: من أهل الأرض ممن آمن بالغيب، فقيض الله سبحانه ملائكته المقربين أن يَدْعُوا للمؤمنين بظهر الغيب، [ولما كان هذا من سجايا الملائكة - عليهم الصلاة والسلام - كانوا يُؤمِّنون على دعاء المؤمن لأخيه بظهر الغيب] [¬٣]، كما ثبت في\n_________\n= \"التاريخ الكبير\" (١/ ٢٨٧) عن إسناد آخر من طريق إبراهيم هذا: \"لم يصح إسناده\" وقد جهله الذهبي في \"الميزان\" (١/ ٣٢) فهذه طرق ضعيفة لا يتقوى الحديث بها، ومع هذا فقد رقم به أَبو عبد الرحمن الألباني حديث رقم (١٠٢٠) من \"الصحيحة\"!!.\n_________\n[¬١]- في ز: \"كذَّب بك\".\n[¬٢]- سقط من خ.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.","vol":"12","page":171},{"text":"صحيح مسلم: \"إذا دعا المسلم لأخيه بظهر الغيب قال الملَك: أمين، ولك بمثل [¬١] \" (^١٦).\nوقد قال الإِمام أحمد (^١٧): حدَّثنا عبد الله بن محمد -هو ابن أبي شيبة - حدَّثنا عبدة بن سليمان، عن محمد بن إسحاق، عن يعقوب بن عتبة، عن عكرمة، عن ابن عبَّاس؛ أن رسول الله ﷺ صدق أمية في شيء من شعره فقال:\nرَجُلٌ [¬٢] وَثَورٌ تَحْتَ رِجْل يَمينه … وَالنَّسْرُ [¬٣] للأُخْرَى، وَلَيثٌ مُرْصَدُ\nفقال رسول الله ﷺ: \"صدق\"، فقال:\nوَالشمسُ تَطلعُ كلّ آخر لَيلَةٍ … حَمراءَ يُصبحُ لَونُها يَتَوَرَّدُ [¬٤]\nتأبى فما تطلع لنا في رسلها … إلَّا معذبة وإلا تجلد\nفقال النبي ﷺ: \"صدق\". وهذا إسناد جيد. وهو يقتضي أن حملة العرش اليوم أربعة، فإذا كان هم القيامة [كانوا ثمانية] [¬٥]، كما قال تعالى: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾.\nوهنا سؤال، وهو أن يقال: ما الجمع بين المفهوم من هذه الآية ودلالة هذا الحديث؟ وبين الحديث الذي رواه أَبو داود (^١٨):\n_________\n(^١٦) - رواه مسلم، كتاب: الذكر والدعاء، باب: فضل الدعاء للمسلمين بظهر الغيب (٨٥، ٨٦، ٨٧) (٢٧٣٢، ٢٧٣٣) من حديث أبي الدرداء.\n(^١٧) - \" المسند\" (١/ ٢٥٦) (رقم: ٢٣١٤) وكلا رواه عبد الله بن أحمد عن عبد الله بن محمد به. وكذا رواه ابن أبي عاصم في \"السنة\" (١ / رقم: ٥٧٩) وأَبو يعلى في \"مسنده\" (٤/ ٢٤٨٢) عن ابن أبي شيبة به - مقرونًا به عبد الله بن عمر بن أبان عند أبي يعلى - ورواه الدارمي (٢٧٠٦) وابن خزيمة في \"التوحيد\" (١/ ١١١ / ص ٢٠٤) من طريق محمد بن عيسى، ثنا عبدة به، ورواه ابن خزيمة (١/ ١١١ / ص ٢٠٢، ٢٠٣) وعبد الله بن أحمد (٢/ ١١٦٩)، والبيهقي في \"الأسماء والصفات\" (٢/ ٧٧١) من طرق عن محمد بن إسحاق به والحديث ذكره المصنف في \"البداية والنهاية\" (١/ ١٣) وقال: \"حديث صحيح الإسناد، رجاله ثقات، وجوَّد إسناده ها هنا، وأعلّه الهيثمي في \"المجمع\" (٨/ ١٣٠) ومن بعده أَبو عبد الرحمن الألباني في \"تحقيق السنة\" بعنعنة ابن إسحاق، غير أنَّه متابع فقد رواه ابن خزيمة (١ / رقم: ١١٣) ثنا أَبو هشام زياد بن أيوب ثنا إسماعيل بن علية ثنا عمارة بن أبي حفصة عن عكرمة عن ابن عبَّاس فذكر القصة، وهذا إسناد صحيح والله الموفق.\n(^١٨) - \" السنن\" لأبي داود، كتاب: السنة، باب: الجهمية (٤٧٢٣) - ومن طريق البيهقي في \"الأسماء والصفات\" (٢/ ٨٤٧) - ورواه أحمد (١/ ٢٠٧) وابن ماجة في \"السنن\" (١٩٣)، والعقيلي في \"الضعفاء\" (٢/ ٢٨٤) واللالكائي في \"شرح أصول الاعتقاد\" (٣/ ٦٥١) من طريق محمد بن الصباح به ورواه =\n_________\n[¬١]- في ت: \"بمثله\".\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- في ز: \"واليسر\".\n[¬٤]- في خ، ز: \"يتردد\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.","vol":"12","page":172},{"text":"حدَّثنا محمد بن الصباح البزاز، حدَّثنا الوليد بن أبي ثور، عن سماك، عن عبد الله بن عَميرة، عن الأحنف بن قيس، عن العباس بن عبد المطلب، قال: كنت بالبطحاء في عصابة فيهم رسول الله ﷺ فمرت بهم سحابة، فنظر إليها فقال: \"ما تسمون هذه؟ \" قالوا: السحاب. قال: \"والمزن\" قالوا: والمزن. قال: \"والعَنَان\". قالوا: والعنان -قال أَبو داود: ولم أتقن العنان جيدًا- قال: \"هل تدرون بُعد ما بين السماء والأرض؟ \". قالوا: لا ندري. قال: \"بُعد ما بينهما إما واحدة، أو اثنتان [¬١] أو ثلاث [¬٢] وسبعون سنة، ثم السماء فوقها كذلك - حتَّى عَدَّ سبع سماوات - ثم فوق السماء السابعة بحر، بين [¬٣] أسفله وأعلاه مثل ما بين سماء إلى سماء\". ثم فوق ذلك ثمانية\n_________\n= لوين - ومن طريق ابن الجوزي في \"المتناهية\" (١ / رقم ٦) والآجري في \"الشريعة\" (٢/ ٧٠٦، ٧٠٧) والمزى في \"تهذيب الكمال\" (١٥/ ٣٤٦٦) مقرونًا بـ \"لوين\" عباد بن يعقوب، ومن طريق الأخير رواه عثمان بن أبي شيبة في \"كتاب العرش\" (رقم: ٩) والبزار (٤/ ١٣١٠ / البحر الزخار) وابن خزيمة في \"التوحيد\" (١/ ١٤٥) كلاهما حدَّثنا الوليد بن أبي ثور به.\nورواه أحمد (١/ ٢٠٧) وابن أبي شيبة (رقم: ٩) والدارمي في \"الرد على الجهمية\" (رقم ٢٤) من طرق عن الوليد به وأعله ابن الجوزي فقال: \"قال ابن نمير ويحيى بن معين، الوليد ليس بشيء، وقال ابن نمير -في رواية- هو كذاب، وقال أحمد والنسائي: ضعيف \"والوليد ضعيف كما قال: لكنه لم ينفرد، فقد تابعه:\n١ - عمرو بن أبي قيس: - وهو صدوق له أوهام - رواه أبو داود (٤٧٢٤)، والترمذي (٣٣٢٠)، والبزار (٩/ ١٣٠٤) وابن خزيمة في \"التوحيد\" (١/ ١٤٤)، وابن أبي عاصم في \"السنة\" (١ / ح ٥٧٧)، والروياني (٢/ ١٣٢٩)، وأَبو الشيخ في \"العظمة\" (٢ / رقم ٢٠٤) (١٠/ ٥٦٨) واللالكائي (٣/ ٦٥٠).\n٢ - إبراهيم بن طهمان: وهو ثقة إمام - والحديث في مشيخته (رقم: ١٨) ومن طريقه رواه أَبو داود (٤٧٢٥) والآجري (٢/ ٧٠٨)، والبيهقي (٢/ ٨٨٢).\n٣ - عمرو بن ثابت: وهو ضعيف عند أبي نعيم في أخبار أصبهان (٢/ ٢) والروياني (٢/ ١٣٣٠) ثلاثتهم (العَمْران وإبراهيم) عن سماك به وأعله البزار فقال: \"هذا الحديث لا نعلمه - سوى بهذا الكلام، وهذا اللفظ إلَّا من هذا الوجه عن العباس عن النبيّ ﷺ وعبد الله بن عَميرة لا نعلم روى عنه إلَّا سماك بن حرب\" وأعله بجهالة عبد الله الذهبي فقال: \"العلو\" (ص ٥٠) \"تفرد به سماك عن عبد الله، وعبد الله فيه جهالة\" وزاد البخاري: \"التاريخ الكبير\" (٥/ ٤٩٤) - \"ولا يعلم - له سماع من الأحنف\" مع هذا فقد مال ابن القيم في \"تهذيب السنن\" (٧/ ٩٢) ومن قبله شيخه ابن تيمية في \"مجموع الفتاوى\" (٣/ ١٩٢) إلى تصحيحه وحسنه أَبو عيسى الترمذي!! ولذلك تعقبهم أَبو عبد الرحمن الألباني، فانظر \"الضعيفة\" (٣/ ١٢٤٧)، ورواه عبد الرزاق - ومن طريقه أحمد (١/ ٢٠٦) ومحمد بن عثمان بن أبي شيبة (رقم ١٠٠) وأَبو يعلى في \"مسنده\" (١٢/ ٦٧١٣) والحاكم (٢/ ٣٧٨، ٥٠١) وابن الجوزي في \"المتناهية\" (١ / رقم ٥) عن يحيى بن العلاء عن عمه شعيب بن خالد، قال: حدثني سماك بن حرب به، لكنه أسقط الأحنف بن قيس وقال في لفظه: \"بينهما مسيرة خمسمائة سنة … \" وقال الحاكم: \"صحيح الإسناد ولم =\n_________\n[¬١]- في ز: \"اثنتين\".\n[¬٢]- في ز: \"ثلاثة\".\n[¬٣]- في خ، ز: \"ماء\".","vol":"12","page":173},{"text":"أوْعَال، بين أظلافهن ورُكَبهن مثل ما بين سماء إلى سماء، ثم على ظهورهن العرش بين أسفله وأعلاه مثل ما بين سماء إلى سماء، ثم الله ﷿ فوق ذلك\"؟ ثم رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة، من حديث سماك بن حرب، به. وقال التِّرمِذي: حسن غريب.\nوهذا يقتضي أن حملة العرش ثمانية، كما قال شهر بن حوشب: حملة العرش ثمانية، أربعة يقولون: \"سبحانك اللهم وبحمدك، لك الحمد على حلمك بعد علمك\". وأربعة يقولون: [\"سبحانك اللهم وبحمدك، لك الحمد على عفوك بعد قدرتك\".\nولهذا] [¬١] يقولون إذا استغفروا للذين آمنوا: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ أي: إن رحمتك تَسَع ذنوبهم وخطاياهم، وعلمك محيط بجميع أعمالهم وأقوالهم وحركاتهم وسكناتهم، ﴿فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ﴾ أي: فاصفح عن المسيئين إذا تابوا وأنابوا وأقلعوا عما كانوا فيه، واتبعوا ما أمرتهم به، من فعل الخيرات وترك المنكرات، ﴿وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ أي: وزحزحهم عن عذاب الجحيم، وهو العذاب الموجع الأليم. ﴿رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ﴾ أي: اجمع [¬٢] بينهم وبينهم، لتقر بذلك أعينهم بالاجتماع في منازل متجاورة، كما قال: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيءٍ﴾ أي: ساوينا بين الكل في المنزلة، لتقر أعينهم، وما نقصنا العالي حتَّى يساوي الداني، بل رفعنا الناقص في العمل، [فساويناه بكثير العمل] [¬٣]، تفصلًا منا [¬٤] ومنة.\nقال سعيد بن جبير (^١٩): إن المؤمن إذا دخل الجنَّة سأل عن أبيه وابنه وأخيه، وأين هم؟\n_________\n= يخرجاه\" ووافقه الذهبي!! مع أن يحيى بن العلاء متهم بالوضع، فقال ابن الجوزي: \"هذا حديث لا يصح، قال بعض الحفاظ: تفرد به يحيى بن العلاء. قال أحمد: هو كذاب يضع الحديث، وقال يحيى: ليس بثقة، وقال الفلاس: متروك الحدث. وقال ابن عدي: أحاديثه موضوعات، وقال ابن حبان: لا يجوز الاحتجاج به\".\nورواه الحاكم (٢/ ٣٧٨، ٥٠١) وأشار إلى هذه الرواية الترمذي - من طريق شريك عن سماك به موقوفًا على العباس مختصرًا جدًّا، ومع ضعف شريك - وهو القاضي - وجهالة ابن عميرة وعدم سماعه من الأحنف، فقد صححه الحاكم على شرط مسلم، ووافقه الذهبي!! ورواه أَبو الشيخ (٢/ ٢٠٥) من طريق أبي خالد الدالاني عن سماك عن ابن عميرة عن الأحنف عن النبيّ ﷺ وهذا مرسل والدالاني: \"صدوق يخطئ كثيرًا ويدلس\" كذا وصفه ابن حجر في \"التقريب\" وعليه فلا يصح الحديث من جميع وجوهه ولله الأمر.\n(^١٩) - تقدم تخريجه في سورة الرعد.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٢]- في ز: \"الجمع\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٤]- سقط من: خ، ز.","vol":"12","page":174},{"text":"فيقال: إنهم لم يبلغوا طبقتك في العمل. فيقول: إني إنما عملت لي ولهم. فَيُلحَقُونَ به في الدرجة، ثم تلا سعيد بن جبير هذه الآية: ﴿رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.\nقال مُطرّف بن عبد الله بن الشِّخير (^٢٠): أنصَحُ عبادِ الله للمؤمنين الملائكةُ، ثم تلا هذه الآية: ﴿رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ﴾. وأغشُّ عباد الله للمؤمنين الشياطينُ.\nوقوله: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ أي: الذي لا يمانع ولا يغالب، وما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، الحكيم في أقوالك وأفعالك، من شرعك وقَدَرك.\n﴿وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ﴾ أي: فعلها أو وَبَالها ممن وقعت منه، ﴿وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ﴾ أي: يوم القيامة، ﴿فَقَدْ رَحِمْتَهُ﴾ أي: لطفت به ونجَّيته من العقوبة، ﴿وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾.\n﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ (١٠) قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَينِ وَأَحْيَيتَنَا اثْنَتَينِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ (١١) ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ (١٢) هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا وَمَا يَتَذَكَّرُ إلا مَنْ يُنِيبُ (١٣) فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (١٤)﴾\nيقول تعالى مخبرًا عن الكفار: إنهم يُنَادَرن يوم القيامة وهم في غمرات النيران يتلظون، وذلك عندما باشروا من عذاب الله ما لا قِبَلَ لأحد به، فمقتوا عند ذلك أنفسهم وأبغضوها غاية البغض، بسبب ما أسلفوا من الأعمال السيئة، التي كانت سببَ دخولهم إلى النار: فأخبرتهم الملائكة عند ذلك إخبارًا عاليًا، نادوهم نداء بأن [¬١] مقت الله لهم في الدنيا - حين كان يُعرَض عليهم [¬٢] الإِيمان، فيكفرون - أشدُّ من مقتكم أيها المعذبون أنفسكم اليوم في هذه الحالة.\n_________\n(^٢٠) - إسناده صحيح إلى مطرف، وقد رواه ابن جرير (٢٤/ ٤٦).\n_________\n[¬١]- سقط من: خ، ز.\n[¬٢]- سقط من: خ، ز.","vol":"12","page":175},{"text":"قال قَتَادة في قوله: ﴿لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ﴾ يقول: لمقتُ اللَّه أهلَ الضلالة حين عُرض عليهم الإِيمان في الدنيا، فتركوه وأَبوَا أن يقبلوه، أكبرُ مما مقتوا أنفسهم حين عاينوا عذاب الله يوم القيامة.\nوهكذا قال الحسن البصري، ومجاهد، والسدي، وذر بن عبد [¬١] الله الهَمْداني، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وابن [¬٢] جرير الطبري، ﵏.\nوقوله: ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَينِ وَأَحْيَيتَنَا اثْنَتَينِ﴾ قال الثَّوري (^٢١): عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن ابن مسعود: هذه الآية كقوله تعالى: ﴿كَيفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيهِ تُرْجَعُونَ﴾. وكذا قال ابن عبَّاس، والضحاك، وقتادة، وأَبو مالك. وهذا هو الصواب الذي لا شك فيه ولا مرية.\nوقال السدي: أميتوا في الدنيا ثم أحيوا في قبورهم فخوطبوا، ثم أميتوا ثم أحيوا يوم القيامة.\nوقال ابن زيد: أحيوا حين أخذ عليهم الميثاق من صلب آدم، ثم خلقهم في الأرحام، ثم أماتهم [ثم أحياهم] [¬٣] يوم القيامة.\nوهذان القولان - من السدي، وابن زيد - ضعيفان، لأنه يلزمهما على ما قالا ثلاث إحياءات وإماتات. والصحيح قول ابن مسعود، وابن عبَّاس ومن تابعهما. والمقصود من هذا كله: أن الكفار يسألون الرجعة وهم وقوف بين يدي الله ﷿ في عرَصات القيامة، كما قال: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾، فلا يجابون. ثم إذا رأوا النار وعاينوها ووقفوا عليها، ونظروا إلى ما فيها من العذاب والنَّكال، سألوا الرجعة أشد مما سألوا أول مرة، فلا يجابون، قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَاليتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٧) بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾. فإذا دخلوا النار وذاقوا مَسها وحسيسها ومقامعها وأغلالها، كان سُؤالهم للرجعة أشد وأعظمَ، ﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ\n_________\n(^٢١) - رواه ابن جرير (٢٤/ ٤٧) من طريق عبد الرحمن بن مهدي ثنا سفيان به، ورواه الفريابي كما في \"الدر المنثور\" (٢/ ٦٥٥) - ومن طريق الطبراني في \"المعجم الكبير\" (٩/ ٩٠٤٣) - والحاكم في \"المستدرك\" (٢/ ٣٤٧) من طريق إسرائيل أنبأ أَبو إسحاق به، وقال الحاكم: \"حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه\" ووافقه الذهبي، وأعله الهيثمي في \"المجمع\" (٧/ ١٠٥) بشيخ الطبراني!! وهو متابع من غير واحد والخبر عزاه السيوطي أي في \"الدر المنثور\" إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n_________\n[¬١]- في خ، ز: \"عبيد\".\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ت.","vol":"12","page":176},{"text":"نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾. ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ (١٠٧) قَال اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ وفي هذه الآية الكريمة تلطفوا في السؤال، وقدموا بين يدي كلامهم مُقدمة، وهي قولهم: ﴿رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَينِ وَأَحْيَيتَنَا اثْنَتَينِ﴾ أي: قدرتك عظيمة، فإنك أحييتنا بعد ما كنا أمواتًا، ثم أمتنا ثم أحييتنا، فأنت قادر على ما تشاء، وقد [¬١] اعترفنا بذنوبنا، وإننا كنا ظالمين لأنفسنا في الدار الدنيا، ﴿فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ﴾ أي: فهل أنت مجيبنا [إلى أن تعيدنا] [¬٢] إلى الدار الدنيا؟ فإنك قادر على ذلك، لنعمل غير الذي كنا نعمل، فإن عدنا إلى ما كنا فيه فإنا ظالمون. فأجيبوا: أن لا سبيل إلى عودكم ومرجعكم إلى الدار الدنيا. ثم علل المنع من ذلك بأن سجاياكم لا تقبل الحق ولا تقتضيه بل تَجْحَده وتنفيه، ولهذا قال تعالى: ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا﴾ أي: أنتم هكذا تكونون، وإن رددتم إلى الدنيا، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ وقوله: ﴿فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ﴾ أي: هو الحاكم في خلقه، العادل الذي لا يجور، فيهدي من يشاء، ويضل من يشاء، ويرحم [¬٣] من يشاء، ويعذب من يشاء، لا إله إلَّا هو.\nوقوله: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ﴾ أي: يظهر قدرته لخلقه بما يشاهدونه في خلقه العُلوي والسفلي في الآيات العظيمة الدالة على كمال خالقها ومبدعها ومنشئها، ﴿وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا﴾، وهو المطر الذي يخرج به من الزروع والثمار ما هو مشاهد بالحس، من اختلاف ألوانه وطعومه، وروائحه وأشكاله وألوانه، وهو ماء واحد، فبالقدرة العظيمة فاوت بين هذه الأشياء، ﴿وَمَا يَتَذَكَّرُ﴾ أي: يعتبر ويتفكر في هذه الأشياء ويستدل بها على عظمة خالقها ﴿إلا مَنْ يُنِيبُ﴾ أي: من [¬٤] هو بصير منيب إلى الله عَزَّ رجل.\nوقوله: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ أي: فأخلصوا لله وحده العبادة والدعاء، وخالفوا المشركين في مسلكهم ومذهبهم.\nقال الإِمام أحمد (^٢٢): حدَّثنا عبد الله بن نمير، حدَّثنا هشام - يعني: ابن عروة بن\n_________\n(^٢٢) - \" المسند\" (٤/ ٤) ورواه مسلم، كتاب: المساجد ومواضع الصلاة، باب: استحباب الذكر بعد الصلاة (١٣٩) (٥٩٤) ثنا محمد بن عبد الله بن نمير، ثنا أبي به. ورواه مسلم (١٤٠) وأَبو داود، كتاب: الصلاة، باب: ما يقوله الرجل إذا سلَّم (١٥٠٧)، والنسائي، كتاب: الصلاة، باب: عدد التهليل والذكر بعد التسليم (٣/ ٧٠) من طريق عبدة ثنا هشام به. ورواه أحمد (٥/ ٤) ومسلم وأَبو داود (١٥٠٦) والنسائي (٣/ ٦٩) من طريق الحجاج بن أبي عثمان، ومسلم أيضًا من طريق موسى بن عقبة كلاهما (الحجاج وموسى) عن أبي الزبير به.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٣]- في ز: \"ورحم\".\n[¬٤]- سقط من: ز.","vol":"12","page":177},{"text":"الزبير - عن أبي الزبير محمد بن مسلم بن تدرس المكيّ قال: كان عبد الله بن الزبير يقول في دبر كل صلاة حين يسلم: \"لا إله إلَّا الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، لا حول ولا قوة إلَّا بالله، لا إله إلَّا الله، ولا نعبد إلَّا إياه، له النعمة وله الفضل، وله الثناء الحسن، لا إله إلَّا الله، مخلصين له الدين ولو كره الكافرون\". قال: وكان رسولُ الله ﷺ يُهلِّل [¬١] بهن دبر كل صلاة.\nورواه مسلم وأَبو داود والنَّسائي، من طرق، عن هشام بن عروة، وحجاج بن أبي عثمان، وموسى بن عقبة، ثلاثتهم عن أبي الزبير، عن عبد الله بن الزبير قال: كان رسول الله ﷺ يقول في دبر الصلاة: \"لا إله إلَّا الله وحده لا شريك له\". وذكر تمامه.\nوقد ثبت في الصحيح عن ابن الزبير: أن رسول الله ﷺ كان يقول عقب الصلوات المكتوبات: \"لا إله إلَّا الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير. لا حول ولا قوة إلَّا بالله، لا إله إلَّا الله ولا نعبد إلَّا إياه، له النعمة وله الفضل، وله الثناء الحسن، لا إله إلَّا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون\".\nوقال ابن أبي حاتم (^٢٣): حدَّثنا الربيع حدَّثنا الخصيب بن ناصح، حدَّثنا صالح -يعني المزي- عن هشام بن حسان، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: \"ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، واعلموا أن الله لا يستجيب دعاة من قلب غافل لاهٍ\".\n﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ (١٥) يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ\n_________\n(^٢٣) - ورواه الترمذي (٣٤٧٩) وابن حبان في \"المجروحين\" (١/ ٣٦٨)، والخطيب البغدادي في \"تاريخ بغداد\" (٤/ ٣٥٦) (١٤/ ٢٣٧)، والحاكم في \"المستدرك\" (١/ ٤٩٣)، وابن عساكر في \"تاريخ دمشق\" (٥/ ١٢٢ / مخطوط) من طرق عن صالح المري به وقال الحاكم: \"حديث مستقيم الإسناد، تفرد به صالح المري، وهو أحد زهاد البصرة\" وتعقبه الذهبي فقال: \"صالح متروك\" تركه النسائي وغيره وقال البخاري: منكر الحديث، وضعفه ابن معين وابن المديني وغيرهما، وبه أعل الحديث أَبو عيسى الترمذي فقال: \"حديث غريب، لا نعرفه إلَّا من هذا الوجه\" واستنكره ابن عدي لصالح هذا، \"الكامل\" (٤/ ١٣٨٠) وكذا أعله به المنذري في \"الترغيب والترهيب\" (٢/ ٤٩٣) فقال: \"صالح المري، لا شك في زهده، لكن تركه أَبو داود والنسائي\" - والعراقي في \"تخريج أحاديث الإحياء (٢/ ٩٥٢/ المستخرج) لكن له شاهد من حديث عبد الله بن عمرو عند أحمد (٢/ ١٧٧) ذكره المصنف (سورة البقرة / ١٨٦) بإسناده وفيه ابن لهيعة وهو ضعيف - ومن أجل هذا الشاهد رقم به أَبو عبد الرحمن الألباني حديث (٥٩٤) من \"الصحيحة\".\n_________\n[¬١] في ز: \"يهل\".","vol":"12","page":178},{"text":"الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (١٦) الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (١٧)﴾\nيقول تعالى عن عظمته وكبريائه، وارتفاع عرشه العظيم العالي على جميع مخلوقاته كالسقف لها، كما قال تعالى: ﴿مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ (٣) تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾، وسيأتي بيان أن هذه مسافة ما بين العرش إلى الأرض السابعة، في قول جماعة من السلف والخلف، وهو الأرجح إن شاء الله. وقد ذكر غير واحد: أن العرش من يقوتة حمراء، اتساع ما بين قطريه مسيرة خمسين ألف سنة. وارتفاعه عن الأرض السابعة مسيرة خمسين ألف سنة. وقد تقدم في حديث \"الأوعال\" (^٢٤) ما يدل على ارتفاعه عن [¬١] السماوات السبع بشيء عظيم.\nوقوله: ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾، كقوله تعالى: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إلا أَنَا فَاتَّقُونِ﴾.\nوكقوله: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ ولهذا قال: ﴿لِيُنْذِرَ [¬٢] يَوْمَ التَّلَاقِ﴾، قال علي بن أبي طلحة: عن ابن عبَّاس: يوم التلاق: اسم من أسماء يوم القيامة، حذر منه عباده.\nوقال ابن جريج: قال ابن عبَّاس: يلتقى فيه آدم وآخر ولده.\nوقال ابن زيد: يلتقي فيه العباد.\nوقال قتادة، والسدي، وبلال بن سعد، وسفيان بن عيينة: يلتقي فيه أهل السماء وأهل الأرض.\nوقال قتادة أيضًا: يلتقي فيه أهل السماء وأهل الأرض، والخالق والخلق.\nوقال ميمون بن مهران: يلتقي الظالم والمظلوم.\nوقد يقال: إن يوم القيامة هو يشمل هذا كله، ويشمل أن كل عامل سيلقى ما عمله من خير وشر. كما قاله آخرون.\nوقوله: ﴿يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ﴾ أي: ظاهرون بادون كلهم، لا شيء يكنهم ولا يظلهم ولا\n_________\n(^٢٤) - تقدم تخريجه (رقم ١٨).\n_________\n[¬١]- في ز: \"من\".\n[¬٢]- في ز: \"لتندر\".","vol":"12","page":179},{"text":"يسترهم؛ ولهذا قال: ﴿يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيءٌ﴾ أي: الجميع في علمه على السواء.\nوقوله: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ قد تقدم في حديث [¬١] ابن عمر (^٢٥): \" أنَّه تعالى يطوي السماوات والأرض بيده، ثم يقول: أنا الملك، أنا الجبار، أنا المتكبر، أين ملوك الأرض؟ أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ \" وفي حديث الصور (^٢٦): \" أنه تعالى إذا قبض أرواح جميع خلقه، فلم يبق سواه، وحده لا شريك له، حينئذ يقول: لمن الملك اليوم؟ - ثلاث مرات - ثم يجيب نفسه قائلا: ﴿لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ أي: الذي هو وحده قد قهر كل شيء وغلبه.\n[وقد قال] [¬٢] ابن أبي حاتم (^٢٧): حدَّثنا محمد بن غالب الدقاق، حدَّثنا عبيد بن عبيدة، حدَّثنا معتمر، عن أبيه، حدَّثنا أبو نضرة، عن ابن عبَّاس قال: ينادي مناد بين يدي الساعة: يا أيها الناس، أتتكم الساعة. فيسمعها الأحياء والأموات، قال: وينزل الله إلى سماء الدنيا فيقول [¬٣]: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾.\nوقوله: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾: يخبر تعالى عن عدله في حكمه بين خلقه، أنَّه لا يظلم مثقال ذرة من خير ولا من شر، بل يجزي بالحسنة عشر أمثالها، وبالسيئة واحدة، ولهذا قال: ﴿لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ﴾. كما ثبت في صحيح مسلم (^٢٨)، عن أبي ذر، عن رسول الله ﷺ فيما يحكي عن ربه ﷿ أنَّه قال: \"يا عبادي، إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرمًا، فلا تظالموا\" إلى أن قال: \"يا عبادي، إنما هي أعمالكم أحصيها عليكم [ثم أوفيكم إياها] [¬٤] فمن وجد خيرًا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومَنّ إلَّا نفسه\".\nوقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ أي: يحاسب الخلائق كلهم، كما يحاسب نفسًا واحدة، كما قال: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إلا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ وقال: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إلا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾.\n_________\n(^٢٥) - تقدم تخريجه.\n(^٢٦) - تقدم تخريجه (سورة الأنعام / آية ٨٢).\n(^٢٧) - إسناده صحيح ومعتمر هو ابن سليمان التيمي.\n(^٢٨) - تقدم تخريجه (سورة يونس / آية ٤٤).\n_________\n[¬١]- في ز: \"تفسير\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين بياض في: ز.\n[¬٣]- في خ: \"ويقول\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.","vol":"12","page":180},{"text":"﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ (١٨) يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ (١٩) وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيءٍ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (٢٠)﴾\nيوم الآزفة: هو اسم من أسماء يوم القيامة، سميت بذلك لاقترابها، كما قال تعالى: ﴿أَزِفَتِ الْآزِفَةُ (٥٧) لَيسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾ وقال: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ وقال: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ﴾ وقال: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ وقال: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَقِيلَ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ﴾.\nوقوله: ﴿إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ﴾ قال قَتَادة: وقفت القلوب في الحناجر من الخوف، فلا تخرج ولا تعود إلى أماكنها. وكذا قال عكرمة، والسدي، وغير واحد.\nومعنى ﴿كَاظِمِينَ﴾ أي -: ساكتين، لا يتكلم أحد إلا بإذنه. ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَال صَوَابًا﴾.\nوقال ابن جريج: ﴿كَاظِمِينَ﴾ أي: باكين.\nوقوله: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ أي: ليس للذين ظلموا أنفسهم بالشرك بالله من قريب منهم ينفعهم، ولا شفيع فيشفع فيهم، بل قد تقطعت بهم الأسباب من كل خير.\nوقوله: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ يخبر تعالى عن علمه التام المحيط بجميع الأشياء، جليلها وحقيرها، صغيرها وكبيرها، دقيقها ولطيفها، ليحذو الناس علمه فيهم، فيستحيوا من الله حق الحياء ويتقوه حق تقواه، ويراقبوه مراقبة من يعلم أنَّه يراه، فإنه تعالى يعلم العين الخائنة وإن أبدت أمانة، ويعلم ما تنطوي [¬١] عليه خبايا الصدور من الضمائر والسرائر.\nقال ابن عبَّاس في قوله: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾: وهو الرجل يدخل على أهل البيت بيتهم، وفيهم المرأة الحسناء، أو تمر به وبهم المرأة الحسناء، فإذا غفلوا لحظ إليها، فإذا فطنوا غضّ بصره عنها، فإذا غفلوا لحظ، فإذا فطنوا غضّ، وقد اطلع الله من قلبه\n_________\n[¬١]- في ز: \"ينطوى\".","vol":"12","page":181},{"text":"أنَّه ود لو اطلع على فرجها. رواه ابن أبي حاتم (^٢٩).\nقال الضحاك: ﴿خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ﴾: هو الغمز وقول الرجل: رأيت ولم ير، أو لم أر وقد رأى.\nوقال ابن عبَّاس: يعلم تعالى من العين في نظرها، هل تريد الخيانة أم لا؟ وكذا قال مجاهد وقَتَادة.\nوقال ابن عباس في قوله: ﴿وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ يعلم إذا أنت قدرت عليها هل تزني بها أم لا؟\nوقال السدي: ﴿وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ أي: من الوسوسة.\nوقوله: ﴿وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ﴾ أي: يحكم بالعدل.\nوقال الأعمَش (^٣٠): عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ﴾: قادر على أن يجزي بالحسنة الحسنة، وبالسيئة السيئةَ ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾.\nوهذا الذي فسره ابن عبَّاس في هذه الآية كقوله تعالى: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾.\nوقوله ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ﴾ أي: من الأصنام والأوثان والأنداد، ﴿لَا يَقْضُونَ بِشَيءٍ﴾ أي: لا يملكون شيئًا ولا يحكمون بشيء، ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ أي: سميع لأقوال خلقه، بصير بهم، فيهدي من يشاء، ويضل من يشاء، وهو الحاكم العادل في جميع ذلك.\n﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ\n_________\n(^٢٩) - وعزاه له السيوطي في \"الدر المنثور\" (٥/ ٦٥٣) وزاد نسبته إلى سعيد بن منصور وابن المنذر، وابن أبي شيبة. وقد رواه هنا في \"الزهد\" (٢/ ١٤٢٨) بإسناد فيه انقطاع، وانظر الآتي.\n(^٣٠) - رواه الطبراني في \"الأوسط\" (٢/ ١٢٨٣) من طريق الحسين بن واقد نا الأعمش، حدثني سعيد بن جبير عن ابن عبَّاس به، وقال الطبراني: \"لم يرو هذا الحديث عن الأعمش إلَّا الحسين بن واقد\" وهو ثقة إمام\" فالإسناد صحيح، وأعله الهيثمي في \"المجمع\" (٧/ ١٠٥) بمن فوق الحسين، ولا شك أنَّه متابع، - جزء من الخبر السابق وقد تقدم تخريجه.","vol":"12","page":182},{"text":"مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ (٢١) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ إِنَّهُ قَويٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢٢)\nيقول تعالى: أو لم يَسِرْ هؤلاء المكذبون برسالتك يا محمد ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أي [¬١]: من الأمم المكذبة بالأنبياء، ما حلّ بهم من العذاب والنكال، مع أنهم كانوا أشد من هؤلاء قوة، ﴿وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ﴾ أي: أثروا في الأرض من البنايات [¬٢] والمعالم والديارات، ما لا يقدر عليه هؤلاء، كما قال: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ﴾ وقال: ﴿وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا﴾ أي: ومع هذه القوة العظيمة والبأس الشديد، أخذهم الله بذنوبهم، وهي كفرهم برسلهم، ﴿فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ﴾ [أي: وما دفع عنهم عذاب الله أحد، ولا رده عنهم راد، ولا وقاهم واق] [¬٣].\nثم ذكر علة أخذه إياهم وذنوبهم التي ارتكبوها واجترموها، فقال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ أي: بالدلائل الواضحات والبراهين القاطعات، ﴿فَكَفَرُوا﴾ أي: مع هذا البيان والبرهان كفروا وجحدوا، ﴿فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ﴾ أي: أهلكهم ودمَّر عليهم وللكافرين أمثالها، ﴿إِنَّهُ قَويٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ أي: ذو [¬٤] قوة عظيمة وبطش شديد، ﴿وَهُوَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ أي: عقابه أليم شديد وجيع. أعاذنا الله منه.\n﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٢٣) إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (٢٤) فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ وَمَا كَيدُ الْكَافِرِينَ إلا فِي ضَلَالٍ (٢٥) وَقَال فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ (٢٦) وَقَال مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ (٢٧)﴾\nيقول تعالى مسليًا لنبيه ﷺ في تكذيب من كذبه من قومه، ومبشرًا له بأن\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- في ز: \"النباتات\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٤]- في ز: \"ذي\".","vol":"12","page":183},{"text":"العاقبة النصرة له في الدنيا والآخرة، كما جرى لموسى بن عمران، فإن الله تعالى أرسله بالآيات البينات، والدلائل الواضحات؛ ولهذا قال: ﴿بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾، والسلطان هو: الحجة والبرهان ﴿إِلَى فِرْعَوْنَ﴾ هو: ملك القبط بالديار المصرية، ﴿وَهَامَانَ﴾ وهو: وزيره في مملكته، ﴿وَقَارُونَ﴾ وكان أكثر الناس في زمانه مالًا وتجارة ﴿فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾ أي: كذبوه وجعلوه ساحرًا مجنونًا مموهًا كذابًا في أن الله أرسله، وهذه كقوله: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٥٢) أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾.\n﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنَا﴾ أي: بالبرهان القاطع الدال على أن الله تعالى أرسله إليهم، ﴿قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ﴾. وهذا أمر ثان من فرعون بقتل ذكور بني إسرائيل، أما الأول: فكان لأجل الاحتراز من وجود موسى، أو لإِذلال [¬١] هذا الشعب وتقليل عددهم، أو لمجموع الأمرين. وأما الأمر الثاني: فللعلة الثانية، لإهانة هذا الشعب، ولكي يتشاءموا بموسى ﵇؛ ولهذا قالوا: (﴿قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَال عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيفَ تَعْمَلُونَ﴾ قال قَتَادة: هذا أمر بعد أمر.\nقال الله تعالى: ﴿وَمَا كَيدُ الْكَافِرِينَ إلا فِي ضَلَالٍ﴾ أي: وما مكرهم وقصدهم الذي هو تقليل عدد بني إسرائيل لئلا ينُصَروا عليهم إلا ذاهب وهالك في ضلال.\n﴿وَقَال فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ﴾: و[¬٢] هذا عَزْمٌ من فرعون - لعنه الله - على قتل موسى ﵇، أي: قال لقومه: دعونى حتَّى [¬٣] أقتل لكم هذا، ﴿وَلْيَدْعُ رَبَّهُ﴾ أي: لا أبالي منه. وهذا في غاية الجحد والتجهرم والعناد.\nوقوله قبحه [¬٤] الله: ﴿إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ﴾ يعني: موسى، يخشى فرعون أن يُضِلَّ موسى الناسَ ويغير رسومهم وعاداتهم. وهذا كما يقال في المثل: صار فرعون مُذكِّرًا! [يعني: واعظًا] [¬٥]، يشفق على الناس من موسى ﵇.\nوقرأ الأكثرون: ﴿أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ﴾. وقرأ آخرون: (أو أن يُظْهِرَ في الأرض الفسادَ) وقرأ بعضهم: \"يَظْهرَ في الأرض الفسادُ\"، بالضم.\nوقال موسى: ﴿إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ﴾ أي: لما\n_________\n[¬١]- في ز: \"أولاد\".\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- سقط من: خ، ز.\n[¬٤]- في خ: \"لعنه\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.","vol":"12","page":184},{"text":"بلغه قولُ - فرعون: ﴿ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى﴾، [قال موسى] [¬١]: استجرتُ بالله وعُذْتُ به من شره وشر أمثاله؛ ولهذا قال: ﴿إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ﴾ أيها المخاطَبون، ﴿مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ﴾ أي: عن الحق، مجرم، ﴿لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ﴾. ولهذا جاء في الحديث عن أبي موسى ﵁: أن رسول الله ﷺ كان إذا خاف قومًا قال: \"اللهم، إنا نعوذ بك من شرورهم، وندرأ بك في نحورهم\" (^٣١).\n﴿وَقَال رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ (٢٨) يَاقَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا قَال فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إلا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إلا سَبِيلَ الرَّشَادِ (٢٩)﴾\nالمشهور أن هذا الرجل المؤمن كان قبطيًّا من آل فرعون.\nقال السدي: كان ابن عم فرعون، ويقال: إنه الذي نجا مع موسى. واختاره ابن جرير (^٣٢)، وَرَدَّ قول من ذهب إلى أنَّه كان إسرائيليًّا؛ لأن فرعون انفعل لكلامه واستمعه، وكفَّ عن قتل موسى ﵇ ولو كان إسرائيليًّا لأوشك أن يعاجل بالعقوبة؛ لأنه منهم.\nوقال ابن جريج: عن ابن عبَّاس: لم يؤمن من آل فرعون سوى هذا الرجل وامرأة فرعون، والذي قال: ﴿يَامُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾. رواه ابن أبي حاتم (^٣٣).\nوقد كان هذا الرجلُ يكتم إيمانه عن قومه القبط، فلم يظهر إلا هذا اليوم حين قال فرعون:\n_________\n(^٣١) - رواه أحمد (٣/ ٤١٤، ٤١٥) وأَبو داود، كتاب: الصلاة، باب: ما يقول إذا خاف قويًّا (١٥٣٧)، والنسائي في \"عمل اليوم والليلة\" (٦٠١) وغيرهم وصححه ابن حبان (١١/ ٤٧٦٥)، والحاكم (٢/ ١٤٢) على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي.\n(^٣٢) - تفسير ابن جرير (٢٤/ ٥٧، ٥٨).\n(^٣٣) - إسناده منقطع. والخبر ذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" (٥/ ٦٥٥) وعزاه إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.","vol":"12","page":185},{"text":"﴿ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى﴾، فأخذت الرجلَ غضبةٌ لله ﷿: \"وأفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر\" كما ثبت بذلك الحديث (^٣٤) ولا أعظم من هذه الكلمة عند فرعون وهي قوله: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾، اللَّهم إلَّا ما رواه البخاري في صحيحه (^٣٥) حيث قال:\nحدثنا علي بن عبد الله، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا الأوزاعي، حدثني يحيى بن أبي كثير، حدثني محمد بن ايراهيم التيمي، حدثني عروة بن الزبير قال: قلت لعبد الله بن عمرو بن العاص: أخبرني بأشد شيء مما صنعه المشركون برسول الله ﷺ. قال: بينا رسول الله ﷺ يصلي بفناء الكعبة، إذ أقبل عقبة بن أبي مُعَيط، فأخذ بمَنْكب رسول الله ﷺ ولَوى ثوبه في عنقه، فخنقه خنقًا شديدًا، فأقبل أبو بكر ﵁ فأخذ بمنكبه [¬١] ودَفَع عن النبي ﷺ، ثم قال: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ﴾.\nانفرد به البخاري من حديث الأوزاعي. قال: وتابعه محمد بن إسحاق، عن يحيى [¬٢]. عن عروة، عن أبيه به.\nوقال ابن أبي حاتم (^٣٦): حدثنا هارون بن إسحاق الهمداني، حدثنا عَبْدة، عن هشام -يعني ابن عروة-، عن أبيه، عن عمرو بن العاص أنه سئل: ما أشد ما رأيت قريشًا بلغوا من\n_________\n(^٣٤) - تقدم تخرجه (سورة المائدة / آية ٧٩).\n(^٣٥) - صحيح البخاري، كتاب: التفسير، باب: سورة المؤمن (٤٨١٥)، ورواه أيضًا، كتاب: فضائل الصحابة (٣٦٧٨) ثنا محمد بن يزيد الكوفي، ثنا الوليد به، وكتاب: مناقب الأنصار (٣٨٥٦) حدثنا عياش بن الوليد، ثنا الوليد بن مسلم به. وقال في هذا الموضع الأخير. \"تابعه ابن إسحاق حدثني يحيى بن عروة عن عروة، قلت لعبد الله بن عمرو، وقال عبدة عن هشام عن أبيه، قيل لعمرو بن العاص، وقال محمد بن عمرو عن أبي سلمة حدثني عمرو بن العاص\".\n(^٣٦) - ورواه النسائي في \"التفسير\" (رقم ٤٨٢) أخبرنا هناد بن السري عن عبدة به. ورواه البيهقي في \"الدلائل\" (٢/ ٢٧٧) من طريق خالد بن مخلد عن سليمان بن بلال عن هشام به. ورواه البخاري في \"خلق أفعال العباد\" (رقم ٣٠٨)، وأبو يعلى (٧٣٣٩) - وعنه ابن حبان (١٤/ ٦٥٦٩ / إحسان) (٥/ ١٦٨٥ / موارد) - من طريقين عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن عمرو به. قال ابن حجر في \"الفتح\" (٧/ ١٦٩): \"هكذا خالف هشام بن عروة أخاه يحيى بن عروة في الصحابي، فقال يحيى: \"عبد الله بن عمرو\"، وقال هشام: \"عمرو بن العاص\" ويرجح رواية يحيى موافقة محمد بن إبراهيم التيمي عن عروة، على أن قول هشام غير مدفوع. لأن له أصلًا من حديث عمرو بن العاص، بدليل رواية أبي سلمة عن عمرو، فيحتمل أن يكون عروة سأله مرة، وسأل أباه أخرى، ويؤيده اختلاف السياقين، وقد رواه عبد الله بن عروة بإسناد آخر عن عثمان، فلا مانع من التعدد … \".\n_________\n[¬١]- في ز: \"بمنكبيه\".\n[¬٢]- في خ، ز: \"كثير\".","vol":"12","page":186},{"text":"رسول الله ﷺ؟ قال: مر بهم ذات يوم فقالوا له [¬١]: أنت تنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا؟ فقال: \"أنا ذاك\". فقاموا إليه، فأخذوا بمجامع ثيابه، فرأيتُ أبا بكر محتضنه من ورائه، وهم يصيح بأعلى صوته، وإن عينيه ليسيلان، وهو يقول: يا قوم، ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ﴾؟ حتى فرغ من الآية كلها.\nوهكذا رواه النسائي من حديث عبدة، فجعله من مسند عمرو بن العاص، ﵁.\nوقوله: ﴿وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ أي: كيف تقتلون رجلًا لكونه يقول: ﴿ربي الله﴾، وقد أقام لكم البرهان على صدق ماجاءكم به من الحق؟ ثم تنَزّل معهم في المخاطبة فقال: ﴿وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾، يعني: إذا لم يظهر لكم صحة ما جاءكم به، فمن العقل والرأي التام والحزم أن تتركوه ونفسه، فلا تؤذوه، فإن يك كاذبًا فإن الله سيجازيه على كذبه بالعقوبة في الدنيا والآخرة، وإن يك صادقًا وقد آذيتموه يصبكم بعض الذي يعدكم، فإنه يتوعدكم إن خالقتموه بعذاب في الدنيا والأخرى، فمنَ الجائز عندكم أن يكون صادقًا، فينبغي على هذا أن لا تتعرضوا له، بل اتركوه وقومه يدعوهم ويتبعونه.\nوهكذا أخبر الله عن موسى ﵇ أنه طلب من فرعون وقومه الموادعة في قوله: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ (١٧) أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٨) وَأَنْ لَا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (١٩) وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ (٢٠) وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ﴾. وهكذا قال رسول الله ﷺ لقريش [¬٢] أن يتركوه يدعو إلى الله عبادَ الله، ولا يمسوه بسوء، وأن يصلوا ما بينه وبينهم من القرابة في ترك أذيته، قال الله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيهِ أَجْرًا إلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ أي: إلا أن لا تُؤذوني فيما بيني وبينكم من القرابة، فلا تؤذوني وتتركوا بيني وبين الناس. وعلى هذا وقعت الهدنة يوم الحديبية وكان فتحًا مبينًا.\nوقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾ أي [¬٣]: لو كان هذا الذي يزعم أن الله أرسله إليكم كاذبًا كما تزعمون، لكان أمره بيِّنًا، يظهر لكل أحد في أقواله وأفعاله، كانت تكون في غاية الاختلاف والاضطراب، وهذا نرى أمره سديدًا ومنهجه مستقيمًا، ولو كان من المسرفين الكذابين لما هداه الله، وأرشده إلى ما ترون من انتظام أمره وفعله.\nثم قال المؤمن محذرًا قومه زوال نعمة الله عنهم [¬٤]، وحلول نقم [¬٥] الله بهم: ﴿يَاقَوْمِ\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- في ز: \"عليهم\".\n[¬٥]- في خ: \"نقمة\".","vol":"12","page":187},{"text":"لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: قد أنعم الله عليكم بهذا الملك والظهور في الأرض بالكلمة النافذة والجاه العريض، فراعوا هذه النعمة بشكر الله، وتصديق رسوله ﷺ، واحذروا نقمة الله إن كذبتم رسوله، ﴿فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا﴾ أي [¬١]: لا تغني عنكم هذه الجنود وهذه العساكر، ولا ترد عنا شيئًا من بأس الله إن أرادنا بسوء.\n﴿قَال فِرْعَوْنُ﴾ لقومه، رادًّا على ما أشار له هذا الرجل الصالح البار الراشد الذي كان [¬٢] أحق بالملك من فرعون: ﴿مَا أُرِيكُمْ إلا مَا أَرَى﴾ أي: ما أقول لكم وأشير عليكم إلَّا ما أراه لنفسي. وقد كذب فرعون، فإنه كان يتحقق صدق موسى فيما جاءه [¬٣] به من الرسالة ﴿قَال لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إلا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ﴾.\nوقال الله تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾.\nفقوله: ﴿مَا أُرِيكُمْ إلا مَا أَرَى﴾: كذب فيه [¬٤] وافترى، وخان الله ورسوله ورعيته، فغشهم وما نصحهم. وكذا قوله: ﴿وَمَا أَهْدِيكُمْ إلا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ أي: وما أدعوكم إلَّا إلى طريق الحق والصدق والرشد. وقد كذب أيضًا ذلك، وإن كان قومه قد أطاعوه واتبعوه، قال الله تعالى: ﴿فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾. وقال تعالى: ﴿وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى﴾ وفي الحديث (^٣٧): \" ما من إمام يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا لم يرِح رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة خمسائة عام\".\n_________\n(^٣٧) - رواه البخاري، باب: الأحكام، باب: من استُرْعِيَ رعية فلم ينصح (٧١٥٠، ٧١٥١)، ومسلم، كتاب: الإيمان، باب: استحقاق الوالي، الغاش لرعيته النار (٢٢٧، ٢٢٩) (١٤٢) من حديث معقل بن يسار مرفوعًا بلفظ: \"ما من عبد يسترعيه الله رعية فلم يُحطها بنصحه لم يجد رائحة الجنة\" وفي لفظ آخر: \"ما من والٍ يلي رعية من المسلمين فيموت وهو غاش لهم إلَّا حرم الله عليه الجنة\"، قال الحافظ في \"الفتح\" (١٣/ ١٢٧): \"وفي رواية الطبراني من حدث عبد الله بن مغفل: وعرفها يوجد يوم القيامة من مسيرة سبعين عامًا\" وفي إسناده هذه الرواية جهالة، كما قال شيخه الهيثمي في \"المجمع\" (٥/ ٢١٦) وقد وردت روايات متعددة في ذكر مسافة ريح الجنة، أقلها: \"أربعون عامًا\" وأعلاها \"خمسمائة عام\"، وقد ذكر هذه الروايات جميعًا الحافظ ابن حجر في \"الفتح\" (١٢/ ٢٦٠) ثم قال: \"وهذا اختلاف شديد، وقد تكلم ابن بطال على ذلك فقال: \"الأربعون\" هي الأشد فمن بلغها زاد عمله ويقينه وندمه، فكأنه وجد ريح الجنة التي تبحثه على الطاعة، قال: والسبعون آخر المعترك، ويعرض عندها الندم وخشية هجوم الأجل فتزداد الطاعة بتوفيق الله فيجد ريحها من المده المذكورة، وذكر في الخمسمائة كلامًا متكلفًا حاصله أنها مدة الفترة التي بين كل نبي ونبي فمن جاء في آخرها وآمن بالنبيين يكون أفضل من غيره فيجد ريح الجنة، وقال الكرماني: يحتمل أن لا يكون العدد بخصوصه مقصودًا بل المقصود المبالغة في =\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- سقط من: خ، ز.\n[¬٣]- في خ: \"جاء\".\n[¬٤]- في ز: \"منه\".","vol":"12","page":188},{"text":"﴿وَقَال الَّذِي آمَنَ يَاقَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ (٣٠) مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ (٣١) وَيَاقَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ (٣٢) يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٣٣) وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ (٣٤) الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ (٣٥)﴾\nهذا إخبار من الله ﷿ عن هذا الرجل الصالح، مؤمن [¬١] آل فرعون؛ أنه حذر قومه بأس الله في الدنيا والآخرة فقال: ﴿يَاقَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ﴾ أي: الذين كذبوا رسل الله في قديم الدهر، كقوم نوح وعاد وثمود، والذين من بعدهم من الأمم المكذبة، كيف حَلَّ بهم بأس الله، وما رَدَّه عنهم رادّ، ولا صده عنهم صاد.\n﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ﴾ أي: إنما أهلكهم الله بذنوبهم، وتكذيبهم رسله، ومخالفتهم أمره، فأنفذ فيهم قَدَره، ثم قال: ﴿وَيَاقَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ﴾، يعني: يوم القيامة. وسُمي بذلك؛ قال بعضهم: لما جاء في حديث الصور (^٣٨): إن الأرض\n_________\n= التكثير، ولهذا خص الأربعين والسبعين، لأن الأربعين يشتمل على جميع أنواع العدد لأن فيه الآحاد، وآحاده عشرة، والمائة عشرات، والألف مئات، والسبع عدد فوق العدد الكامل وهو ستة إذ أجزاؤه بقدره وهي النصف، والثلث والسدس بغير زيادة ولا نقصان، وأما الخمسمائة فهي ما بين السماء والأرض. قلت - ابن حجر: والذي يظهر لي في الجمع أن يقال: إن الأربعين أقل زمن يدرك به ريح الجنة من في الموقف، ويختلف ذلك باختلاف الأشخاص والأعمال، فمن أدركه من المسافة البعدى أفضل ممن أدركه من المسافة القربى وبين ذلك، وقد أشار إلى ذلك شيخنا في \"شرح الترمذي\" فقال: الجمع بين هذه الروايات أن ذلك يختلف باختلاف الأشخاص بتفاوت منازلهم ودرجاتهم ثم رأيت نحوه في كلام ابن العربي، فقال: ريح الجنة لا يدرك بطبيعة ولا عادة وإنما يدرك بما يخلق الله من إدراكه، فتارة يدركه من شاء الله من مسيرة سبعين، وتارة من مسيرة خمسمائة\" ا هـ.\n(^٣٨) - تقدم تخريجه (سورة الأنعام / آية ٨٢).\n_________\n[¬١]- في خ: \"المؤمن من\".","vol":"12","page":189},{"text":"إذا زلزلت وانشقت من قطر إلى قطر، وماجت وارتجت، فنظر الناس إلى ذلك، ذهبوا هاربين ينادي بعضهم بعضًا.\nوقال آخرون - منهم الضحاك -: بل ذلك إذا جيء بجهنم، ذهب الناس هِرَابا، فتتلقاهم الملائكة فتردهم إلى مقام المحشر، وهو قوله تعالى: ﴿وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا﴾، وقوله: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إلا بِسُلْطَانٍ﴾ وقد روي عن ابن عباس والحسن والضحاك: أنهم قرءوا: ﴿يَوْمَ التَّنَادِ﴾ بتشديد الدال من ندَّ البعير إذا شرد وذهب. وقيل: لأن الميزانَ عنده مَلَك، و[¬١] إذا وُزنَ عَمَلُ العبد فرجحَ نادى بأعلى صوته: ألا قد سَعِد فلانُ بن فلان سعادة لا يشقى بعدها أبدًا. وإن خَفّ عَمَلُهُ نادى: ألا قد شقي فلانُ بن فلان.\nوقال قتادة: ينادى كل قوم بأعمالهم؛ ينادى أهلُ الجنة أهلَ الجنة، وأهلُ (*) النار أهلَ النار.\nوقيل: سُمي بذلك لمناداة أهل الجنة أهلَ النار: ﴿أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ﴾. ومناداة أهل النار أهلَ الجنة: ﴿أَنْ أَفِيضُوا عَلَينَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ ولمناداة أصحاب الأعراف أهلَ الجنة وأهلَ النار كما هو مذكور في سورة الأعراف. واختار البغوي وغيره: أنه سمى بذلك لمجموع ذلك. وهو قول حسن جيد، والله أعلم.\nوقوله: ﴿يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ﴾ أي: ذاهبين هاربين، ﴿كَلَّا لَا وَزَرَ (١١) إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ﴾. ولهذا قال ﴿مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ﴾ أي: ما لكم من مانع يمنعكم من بأس الله وعذابه، ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ أي: من أضله الله فلا هادي له غيره.\nوقوله: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ يعني: أهل مصر قد بعث اللَّه فيهم رسولًا من قبل موسى، وهو يوسف ﵇ كان عزيز أهل مصر، وكان رسولًا يدعو إلى الله أمته القبط، فما أطاعوه تلك الطاعة إلا لمجرد الوزارة والجاه الدنيوي؛ ولهذا قال: ﴿فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا﴾ [أي: يئستم فقلتم طامعين: ﴿لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا﴾] [¬٢] وذلك لكفرهم وتكذيبهم، ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ﴾، أي: كحالكم [¬٣]، هذا يكون حال من يضله الله لإِسرافه في أفعاله وارتياب قلبه.\nثم قال: ﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ﴾ أي: الذين يدفعون الحق\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٣]- في خ: \"كحاكم\".","vol":"12","page":190},{"text":"بالباطل، ويجادلون الحجج بغير دليل وحجة معهم من الله، فإن الله يمقت على ذلك أشد المقت؛ ولهذا قال تعالى: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي: والمؤمنون أيضًا يُبغضُون من تكون هذه صفته، فإن من كانت هذه صفته يطبع الله على قلبه، فلا يعرف بعد ذلك معروفًا، ولا ينكر منكرًا، ولهذا قال: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ﴾ أي: على اتباع الحق ﴿جَبَّارٍ﴾.\nوروى ابن أبي حاتم عن عكرمة - وحكى عن الشعبي - أنه قال: لا يكون الإنسان جبارًا حتى يقتل نفسين. وقال أبو عمران الجوني وقتادة: آية الجبابرة القتل بغير حق.\n﴿وَقَال فِرْعَوْنُ يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَه مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيدُ فِرْعَوْنَ إلا فِي تَبَابٍ (٣٧)﴾\nيقول تعالى مخبرًا عن فرعون وعتوه وتمرده، وافترائه في تكذيبه موسى ﵇: أنه أمر وزيره هامان أن بيني له ﴿صَرْحًا﴾، وهو: القصر العالي المنيف الشاهق. وكان اتخاذه من الآجرّ المضروب من الطين المشوي، كما قال: ﴿فَأَوْقِدْ لِي يَاهَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا﴾، ولهذا قال إبراهيم النخعي: كانوا يكرهون البناء بالآجر، وأن يجعلوه في قبورهم. رواه ابن أبي حاتم.\nوقوله: ﴿لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ﴾، قال سعيد بن جبير، وأبو صالح: أبواب السماوات. وقيل: طرق السماوات، ﴿فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَه مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾، وهذا من كفره وتمرده، أنه كذب موسى في أن الله ﷿ أرسله إليه، قال اللَّه تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ﴾ أي: بصنيعه هذا الذي أراد أن يوهم به الرعية أنه يعمل شيئًا يتوصل به إلى تكذيب موسى ﵇ ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَا كَيدُ فِرْعَوْنَ إلا فِي تَبَابٍ﴾، قال ابن عباس، ومجاهد: يعني: إلَّا في خسار.\n﴿وَقَال الَّذِي آمَنَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ (٣٨) يَاقَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ (٣٩) مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إلا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيرِ حِسَابٍ (٤٠)﴾\nيقول المؤمن لقومه ممن تمرد وطغى وآثر الحياة الدنيا، ونسي الجبار الأعلى، فقال لهم:","vol":"12","page":191},{"text":"﴿يَاقَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾، لا [¬١]، كما كذب فرعون في قوله: ﴿وَمَا أَهْدِيكُمْ إلا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾.\nثم زهدهم في الدنيا التي آثروها على الأخرى، وصدتهم عن التصديق برسول الله موسى، فقال: ﴿يَاقَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ﴾ أي: قليلة زائلة فانية عن قريب تذهب وتضمحل [¬٢]، ﴿وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾ [أي: الدار] [¬٣] التي لا زوال لها، ولا انتقال منها ولا ظعن عنها إلى غيرها، بل إما نعيم وإما جحيم؛ ولهذا قال: ﴿مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إلا مِثْلَهَا﴾ أي: واحدة مثلها، ﴿وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيرِ حِسَابٍ﴾ أي: لا [¬٤] يتقدر بجزاء، بل [¬٥] يثيبه الله ثوابًا كثيرًا لا انقضاء له ولا نفاد.\n﴿وَيَاقَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ (٤١) تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ (٤٢) لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيهِ لَيسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ (٤٣) فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (٤٤) فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ (٤٥) النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (٤٦)﴾\nيقول لهم المؤمن: ما بالي أدعوكم إلى النجاة، وهي عبادة الله وحده لا شريك له، وتصديق رسوله الذي بعثه، ﴿وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ (٤١) تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾ أي على: جهل بلا دليل ﴿وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ﴾ أي: هو في عزته وكبريائه يغفر ذنب من تاب إليه، ﴿لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيهِ﴾، يقول: حقًّا.\n_________\n[¬١]- بعده في خ، ز: \"ويضمحل\".\n[¬٢]- سقط من: خ، ز.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط عن: ز.\n[¬٤]- سقط من: ز.\n[¬٥]- في ز: \"ثم\".","vol":"12","page":192},{"text":"قال السدي وابن جرير: يعني قوله: ﴿لَا جَرَمَ﴾: حقًّا [¬١]. وقال: الضحاك: ﴿لَا جَرَمَ﴾: لا كذب.\nوقال علي بن أبي طلحة (^٣٩)، عن ابن عباس: ﴿لَا جَرَمَ﴾، يقول: بلى، إن الذي تدعونني إليه من الأصنام والأنداد ﴿لَيسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ﴾.\nقال مجاهد: الوثن ليس بشيء. وقال قتادة: يعني الوثن لا ينفع ولا يضر.\nوقال السدي: لا يجيب داعيه، لا في الدنيا ولا في الآخرة.\nوهذا كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾\n﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ﴾ وقوله: - ﴿وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ﴾ أي: في الدار الآخرة، فيجازي كلًّا بعمله، ولهذا قال: ﴿وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ أي: خالدين فيها بإسرافهم وهو شركهم بالله ﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ﴾ أي: سوف تعلمون صدق ما أمرتكم به ونهيتكم عنه، ونصحتكم ووضحت لكم، وتتذكرونه، وتندمون حيث لا ينفعكم الندم، ﴿وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ﴾ أي: وأتوكل على الله وأستعينه، وأقاطعكم وأباعدكم، ﴿إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ أي: هو بصير بهم، فيهدي من يستحق الهداية، ويضل من يستحق الإِضلال، وله الحجة البالغة، والحكمة التامة، والقدر النافذ.\nوقوله: ﴿فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا﴾ أي: في الدنيا والآخرة، أما في [¬٢] الدنيا فنجاه الله مع موسى ﵇ وأما في الآخرة فبالجنة. ﴿فَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ﴾ وهو: الغرَق في اليم، ثم النقلة منه إلى الجحيم. [فإن أرواحهم] [¬٣] تعرض على النار صباحًا ومساء إلى قيام الساعة، فإذا كان يومُ القيامة اجتمعت أرواحُهم وأجسادهم [¬٤] في النار؛ ولهذا قال: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ أي: أشدَّه ألمًا وأعظمه نكالًا. وهذه الآية أصل كبير في استدلال أهل السنة على عذاب البرزخ في القبور، وهي قوله: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾.\nولكن هاهنا سؤال، وهو أنه لا شك أن هذه الآية مكية، وقد استدلوا بها على عذاب القبر في البرزخ، وقد قال الإِمام أحمد (^٤٠):\n_________\n(^٣٩) - إسناده منقطع، علي بن أبي طلحة لم يسمع من ابن عباس.\n(^٤٠) - \" المسند\" (٦/ ٨١) وذكره الهيثمي في \"المجمع\" (٣١/ ٥٧ - ٥٨) وقال: \"هو في الصحيح باختصار، وهذا رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح، وصححه المصنف هنا على شرط الشيخين مع أنهما لم يرويا حديثًا =\n_________\n[¬١]- في ز: \"حق\".\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في ز: \"فأرواحهم\".\n[¬٤]- في ز: \"وأجسامهم\".","vol":"12","page":193},{"text":"حدثنا هاشم -هو ابن القاسم أبو النضر-، حدثنا إسحاق بن سعيد -هو ابن عمرو بن سعيد بن العاص- حدثنا سعيد -يعني أباه عن عائشة: أن يهودية كانت تخدمها، فلا تصنع عائشة إليها شيئًا من المعروف إلا قالت لها اليهودية: وقاك الله عذاب القبر. قالت: فدخل رسول الله ﷺ على فقلت: يا رسول الله؛ هل للقبر عذاب قبل يوم القيامة؟ قال: \"لا، وعمَّ ذلك؟ \" قالت: هذه اليهودية، لا نصنع إليها شيئًا من المعروف إلا قالت\" وقاك الله عذاب القبر. قال: \"كذبت يهودية، وهم على الله أكذب، لا عذاب دون يوم القيامة\". ثم مكث بعد ذلك ما شاء الله أن يمكث، فخرج ذات يوم نصفَ النهار مشتملًا بثوبه، محمرَّة عيناه، وهو ينادي بأعلى صوته: \" [أيها الناس أظلتكم الفتن] كقطع الليل المظلم، أيها الناس، لو تعلمون ما أعلم بكيتم كثيرًا وضحكتم قليلًا؛ أيها الناس استعيذوا بالله من عذاب القبر، فإن [¬١] عذاب القبر حق\".\nوهذا إسناد صحيح على شرط البخاري ومسلم، ولم يخرجاه.\nوروى أحمد ومسلم (^٤١) حدثنا يزيد، حدثنا سفيان، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة - قال [¬٢]: سألتها امرأة يهودية فأعطتها، فقالت لها [¬٣]: أعاذك الله من عذاب القبر! فأنكرت [¬٤] عائشة ذلك، فلما رأت رسول الله ﷺ قالت له، فقال: \"لا\". [قالت عائشة] [¬٥]: ثم قال لنا رسول الله ﷺ بعد ذلك: \"وإنه أُوحيَّ إليَّ أنكم تفتنون في قبوركم\".\nوهذا أيضًا على شرطهما فيقال: فما الجمع بين هذا وبين كون الآية مكية، وفيها الدليل على عذاب البرزخ؟ والجواب أن الآية دلت على عرض الأرواح على النار غدوًّا وعشيًّا في البرزخ، وليس فيها دلالة على اتصال تألمها بأجسادها في القبور، إذ قد يكون ذلك مختصًّا بالروح، فأما حصول ذلك للجسد وتألمه بسببه، فلم يدل عليه إلا السنة في الأحاديث المرضية الآتي ذكرها.\nوقد يقال: إن هذه الآية إنما دلَّتْ على عذاب الكفار في البرزخ، ولا [¬٦] يلزم من ذلك أن يعذب المؤمن في قبره بذنب. ومما يدل على هذا ما رواه الإِمام أحمد (^٤٢):\n_________\n= بهذا الإسناد، وإنما رووا لرجاله جميعًا من طرق أخرى، فالحديث صحيح الإسناد فحسب، والله أعلم.\n(^٤١) - \" المسند\" (٦/ ٢٣٨) وسفيان - وهو ابن حسين - ضعيف في الزهري، غير أنه متابع من غير واحدٍ، فانظر الآتي.\n(^٤٢) - \" المسند\" (٦/ ٢٤٨). وكذا رواه مسلم، كتاب: المساجد ومواضع الصلاة، باب:=\n_________\n[¬١]- في خ: \"قال\".\n[¬٢]- سقط من: خ، ز.\n[¬٣]- سقط من: خ.\n[¬٤]- في ز: \"أنكرت\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٦]- في ز: \"فلا\".","vol":"12","page":194},{"text":"حدثنا عثمان بن عمر، حدثنا يونس، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ دخل عليها وعندها امرأة من اليهود، وهي تقول: أشعرت [¬١] أنكم تُفتنُون في قبوركم؟ فارتاع رسول الله ﷺ وقال: \"إنما يُفتنُ يهود\". قالت عائشة: فلبثنا ليالي، ثم قال رسول الله ﷺ: \"أشعرث أنه أوحيَ إليَّ أنكم تفتنون في القبور؟ \" وقالت عائشة: سمعت رسول الله ﷺ بعد يستعيذ من عذاب القبر.\nوهكذا رواه مسلم، عن هارون بن سعيد وحرملة، كليهما [¬٢] عن ابن وهب، عن يونس بن يزيد الأيلي، عن الزهري، به.\nوقد يقال: إن هذه الآية دلَّتْ على عذاب الأرواح في البرزخ، ولا يلزم من ذلك أن يتصل بالأجساد في قبورها، فلما أوحي إليه في ذلك بخصوصيته استعاذ منه، والله ﷾ أعلم.\nوقد روى البخاري (^٤٣) من حديث شعبة، عن أشعث بن أبي الشعثاء، عن أبيه، عن مسروق، عن عائشة ﵂؛ أن يهودية دخلت عليها فقالت: أعاذك الله من عذاب القبر! فسألت عائشة رسول الله ﷺ عن عذاب القبر؟ فقال: \"نعم، عذابُ القبر حقّ\". قالت عائشة: فما رأيتُ رسولَ الله ﷺ بعدُ صلَّى صلاة إلا تَعَوَّذ من عذاب القبر.\nفهذا يدل على أنه بادر إلى تصديق اليهودية في هذا الخبر، وقرر عليه. وفي الأخبار المتقدمة أنه أنكر ذلك حتى جاءه الوحي، فلعلهما قضيتان، والله أعلم، وأحاديث عذاب القبر كثيرة جدًّا.\nوقال قتادة في قوله: ﴿غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾: صباحًا ومساء، ما بقيت الدنيا، يقال لهم: كما آل فرعون؛ هذه منازلكم، توبيخًا ونقمة وصَغَارًا لهم.\n_________\n= استحباب التعوذ من عذاب القبر (١٢٣) (٥٨٤)، والنسائي (٤/ ١٠٤) من طريق يونس بن يزيد به. ورواه أحمد (٦/ ٨٩، ٢٧١) من طريق شعيب وابن أخي الزهري عن الزهري به.\n(^٤٣) - رواه البخاري، كتاب: الجنائز: باب: ما جاء في عذاب القبر (١٣٧٢)، وكدا رواه أحمد (٦/ ١٧٤)، والنسائي (٣/ ٥٦) من طريق شعبة به، ورواه مسلم (١٢٦) (٥٨٦) من طريق أبي الأحوص عن أشعث به، ورواه أحمد (٦/ ٤٤ و٢٠٥)، والبخاري (٦٣٦٦)، ومسلم (١٢٥)، والنسائي (٤/ ١٠٥) من طريقين عن أبي وائل شقيق بن سلمة عن مسروق به مطولًا ومختصرًا.\n_________\n[¬١]- سقط من: خ، ز.\n[¬٢]- في ز: \"كلاهما\".","vol":"12","page":195},{"text":"وقال ابن زيد: هم فيها اليوم يُغدى بهم ويراح إلى أن تقوم الساعة.\nوقال ابن أبي حاتم (^٤٤): حدثنا أبو سعيد، حدثنا المحاربي، حدثنا ليث، عن عبد الرحمن بن ثَرْوان، عن هُزَيل، عن عبد الله -هو ابن مسعود ﵁ قال: إن أرواح الشهداء في أجواف طيور خُضْر، تَسرَح بهم في الجنة حيث شاءوا، وإن أرواح ولدان المؤمنين في أجواف عصافير تسرح في الجنة حيت شاءت، فتأوي إلى قناديل معلقة في العرش؛ وإن أرواح آل فوعون في أجواف طير سُود، تغدو على جهنم وتروح عليها، فذلك عرضها.\nوقد رواه الثوري عن أبي قيس عن [الهزيل] بن شرحبيل (^٤٥) من كلامه في أرواح آل فرعون، وكذلك قال السدي.\nوفي حديث الإسراء من رواية أبي هارون العبدي، عن أبي سعيد الخدري ﵁، عن رسول الله ﷺ؛ قال فيه: \"ثم انطلق بي إلى خلق كثير من خلق الله، رجالٍ، كلُّ [¬١]، رجل منهم بطنُه مثلُ البيت الضخم، مصفدون على سابلة آل فرعون، وآل فرعون يعرضون على النار غدوًّا وعشيًّا. ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ وآل فرعون كالإِبل المسومة [¬٢] يخبطون [¬٣] الحجارة والشجر ولا يعقدون [¬٤] \".\nوقال ابن أبي حاتم (^٤٦): حدثنا علي بن الحسين، حدثنا زيد بن أخزم، حدثنا عامر بن مدرك الحارثي، حدثنا عتبة -يعني ابن يقظان [¬٥]- عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب، عن ابن مسعود، عن النبي ﷺ؛ قال: \"ما أحسن [من محسن] [¬٦]\n_________\n(^٤٤) - وعزاه إلى ابن أبي حاتم السيوطي في \"الدر المنثور\" (٥/ ٦٥٩) وليث -هو ابن أبي سليم- ضعيف غير أنه توبع، فقد رواه عبد الرزاق في تفسيره (٣/ ١٨٢) عن الثوري عن أبي قيس عبد الرحمن بن ثروان به كذا رواه عبد الرزاق، ورواه وكيع- عند ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٨/ ٩٨) -وعبد الرحمن بن مهدي- عند ابن جرير في تفسيره (٢٤/ ٧١) كلاهما (وكيع وعبد الرحمن) عن الثوري به غير أنهما جعلاه من كلام هزيل لم ينم به إلى ابن مسعود. ورواه اللالكائي في \"شرح أصول الاعتقاد\" (٦/ ٢١٦٥) من طريق سفيان بن عيينة عن مسعر عن أبي قيس به إلى ابن مسعود، وخالفه محمد بن عبيد -كما عند هناد في \"الزهد\" (١ / رقم ٣٦٦) - فرواه عن مسعر عن أبي قيس لم ينم به إلى ابن مسعود، ويبدو أن الخلاف من هزيل، فكان مرة يوصله إلى ابن مسعود، ومرة يوقفه على نفسه، والله أعلم.\n(^٤٥) - تقدم تخريجه في سورة الإسراء.\n(^٤٦) - وعزاه إلى ابن أبي حاتم أيضًا السيوطي في \"الدر المنثور\" (٥/ ٦٦٠) ورواه البزار (٤/ ١٤٥٤ / البحر الزخار) و(١/ ٦٤٦ / مختصر زوائد ابن حجر) وابن ماجه في \"التفسير\" -كما في \"الميزان\" للذهبي =\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- في ز: \"المنسومة\".\n[¬٣]- في خ، ز: \"يختطفون\".\n[¬٤]- في ز: \"يعقلون\".\n[¬٥]- في خ: \"معطان\".\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين في ز: \"من محسن\".","vol":"12","page":196},{"text":"مسلم أو كافر إلا أثابه الله\". قال: قلنا: كما رسول الله؛ ما إثابة الكافر؟ فقال: \"إن كان قد وصل رَحمًا أو تصدق بصدقة أو عمل حسنة، أثابه الله المال والولدَ والصحة وأشباه ذلك\". قلنا: فما إثابته في الآخرة؟ قال: \"عذابًا دون العذاب\"، وقرأ: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾.\nرواه البزار في مسنده عن زيد بن أخزم ثم قال: لا نعلم له إسنادًا غير هذا.\nوقال ابن جرير (^٤٧): حدثنا عبد الكريم بن أبي عمير، حدثنا حماد بن محمد الفزاوي البلخي؛ قال: سمعتُ الأوزاعيّ وسأله وجل فقال: رحمك الله، وأرينا طيورًا تخرج من البحر، تأخذ ناحية الغرب، بيضًا، فوجًا فوجًا، لا يعلم عددها إلا الله ﷿ فإذا كان العشي وجع مثلها سودًا؟ قال: وفطنتم إلى ذلك؟ قال: نعم. قال: إن تلك [¬١] الطير في حواصلها أرواح آل فرعون، تُعرض على النار غدوًّا وعشيًّا، فترجع إلى وكورها وقد احترقت رياشُها وصارت سودًا، فينبت عليها من الليل ريش أبيض، وتتناثر السود، ثم تغدو على النار غدوًّا وعشيًّا، ثم ترجع إلى وكورها. فذلك دأبهم في الدنيا، فإذا كان يوم القيامة قال الله تعالى: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾، قال: وكانوا يقولون: إنهم ستمائة ألف مقاتل.\nوقال [¬٢] الإمام أحمد (^٤٨): حدثنا إسحاق، أخبرنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر، قال:\n_________\n= (٣/ ٥٤٨٠) - والحاكم في \"المستدرك\" (٢/ ٢٥٣)، والبيهقي في \"الشعب\" (١ / رقم ٢٨١) من طريق زيد بن أخزم به وقال البزار: \"هذا الحديث لا نعلمه رواه عن رسول الله ﷺ إلا عبد الله بن مسعود، ولا نعلم له إسنادًا عن عبد الله إلا هذا الإسناد\" وصحح إسناده الحاكم!! فتعقبه الذهبي بقوله: \"عتبة بن يقطان واهٍ\"، حيث تركه الدارقطني، وقال النسائي: غير ثقة، وقال ابن الجنيد: لا يساوى شيئًا- وقال في الميزان: \"الخبر منكر\". وقال البيهقي: \"في إسناده من لا يحتج به\" وكذا ضعف إسناده ابن حجر في \"الفتح\" (١١/ ٤٣٩ و٤٣١) وحاول تقويته الهيثمي فقال في \"المجمع\" (٤/ ١١٣): \"رواه البزار وفيه عتبة بن يقظان، وفيه كلام وقد وثقه ابن حبان \"الثقات\" (٧/ ٢٧١) وبقية رجاله ثقات وتعقبه ابن حجر في \"مختصر الزوائد\" فقال: \"قد تفرد بهذا، ولا يحتمل التفرد من مثله، والمتن شاذ بمرَّة\" ورواه الطبراني في تفسيره (٣٠/ ٢٧٠) عن كعب القرظي مرفوعًا بنحوه، وهنا مرسل، وفي إسناده ضعف والله الموفق.\n(^٤٧) - تفسير ابن جرير (٢٤/ ٧١) وحماد بن محمد ضعفه صالح جزرة، وقال العقيلي: \"لم يصح حديثه\" راجع \"الميزان\" للذهبي (٢/ ٢٢٦٩)، والخبر ذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" (٥/ ٦٦٠) وزاد عزوه إلى ابن أبي الدنيا في كتاب \"من عاش بعد الموت\"\n(^٤٨) - \" المسند\" (٢/ ١١٣). ورواه البخاري، كتاب: الجنائر، باب: الميت يعرض عليه مقعده بالغداة والعشي (١٣٧٩)، ومسلم، كتاب: الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب: عرض مقعد الميت من الجنة أو النار عليه (٢٨٦٦) (٦٥)، والنسائي، كتاب: الجنائز، باب: وضع الجريدة على القبر =\n_________\n[¬١]- في ز: \"ذاك\".\n[¬٢]- سقط من: خ.","vol":"12","page":197},{"text":"قال رسول الله ﷺ: \"إن أحدكم إذا مات عُرض عليه مقعده بالغداة والعشي، إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار؛ فيقال: هذا مقعدك حتى يبعثك الله ﷿ إليه يوم القيامة\". أخرجاه في الصحيحين من حديث مالك به.\n﴿وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ (٤٧) قَال الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَينَ الْعِبَادِ (٤٨) وَقَال الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ (٤٩) قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إلا فِي ضَلَالٍ (٥٠)﴾\nيخبر تعالى عن تحاج أهل النار في النار، وتخاصمهم -وفرعونُ وقومه من جملتهم- فيقول الضعفاء -وهم: الأتباع- للذَّين استكبروا -وهم: القادة والسادة والكبراء-: ﴿إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا﴾ أي: أطعناكم فيما دعوتمونا إليه في الدنيا من الكفر والضلال، ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ﴾ أي: قسطًا تتحملونه [¬١] عنا. ﴿قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا﴾ أي: لا نتحمل عنكم شيئًا، كفى بنا ما عندنا، وما حملنا من العذاب والنكال. ﴿إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ﴾ أي: يَقسم بيننا العذاب بقدر ما يستحقه كل منا، كما قال تعالى: ﴿قال لكل ضعف ولكن لا تعلمون﴾.\n﴿وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ﴾: لما علموا أن الله سبحانه لا يستجيب منهم، ولا يستمع لدعائهم، بل قد قال: ﴿اخسئوا فيها ولا تكلمون﴾ سألوا الخزنة -وهم كالبوَّابين لأهل النار - أن يدعُوا لهم الله في أن يخفف عن الكافرين ولو يومًا واحدًا من العذاب، فقالت لهم الخزنة رادّين عليهم: ﴿أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ أي: أو ما قامت عليكم الحججُ في الدنيا على ألسنة الرسل؟ ﴿قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا﴾ أي: أنتم لأنفسكم، فنحن لا ندعو لكم، ولا نسمع منكم، ولا نود\n_________\n= (٤/ ١٠٧، ١٠٨) من طرق عن مالك به. ورواه أحمد (٢/ ١٦، ٥٠، ٥٩، ١٢٣)، والبخاري (٣٢٤٠، ٦٥١٥)، والترمذي (١٠٧٢)، والنسائي (٤/ ١٠٦، ١٠٧) من طرق عن نافع به.\n_________\n[¬١]- في ز: \"تتحملون\".","vol":"12","page":198},{"text":"خلافكم، ونحن منكم برآء، ثم نخبركم أنه [¬١] سواء دعوتم أو لم تدعوا، لا يستجاب لكم ولا يخفف عنكم؛ ولهذا قالوا: ﴿وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ أي: إلا في ذهاب، لا يتقبل ولا يستجاب.\n﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (٥١) يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (٥٢) وَلَقَدْ آتَينَا مُوسَى الْهُدَى وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ (٥٣) هُدًى وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ (٥٤) فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ (٥٥) إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إلا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (٥٦)﴾\nقد أورد أبو جعفر بن جرير -رحمه الله تعالى- عند قوله تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ سؤالًا فقال: قد عُلِم أن بعض الأنبياء عليهم الصلاة والسلام قد [¬٢] قتله قومه بالكلية كيحيى وزكريا وشعياء، ومنهم من خرج من بين أظهرهم إما مهاجرًا كإبراهيم، وإما إلى السماء كعيسى، فأين النصرة في الدنيا؟ [ثم أجاب] [¬٣] عن ذلك بجوابين أحدهما: أن يكون الخبر خرج عامًّا، والمراد به البعض، قال: وهذا سائغ في اللغة.\nالثاني: أن يكون المراد بالنصر الانتصار لهم ممن آذاهم، وسواء كان ذلك بحضرتهم أو في غيبتهم أو بعد موتهم، كما فُعِل بقتلة يحيى وزكريا وشعياء، سلط عليهم من أعدائهم من أهانهم وسفك دماءهم، وقد ذكر أن النمروذ أخذه الله أخذ عزيز مقتدر، وأما الذين راموا صلب المسيح ﵇، من اليهود، فسلط الله عليهم الروم فأهانوهم وأذلوهم، وأظهرهم الله عليهم، ثم قبل يوم القيامة سينزل عيسى ابن مريم إمامًا عادلًا، وحكمًا مقسطًا، فيقتل المسيح الدجال وجنوده من اليهود، ويقتل الخنزير، ويكسر الصليب، ويضع الجزية فلا يقبل إلا الإسلام؛ وهذه نصرة عظيمة، وهذه سنة الله في خلقه في قديم الدهر وحديثه، أنه ينصر عباده المؤمنين في الدنيا، ويقر أعينهم ممن آذاهم، ففي صحيح البخاري (^٤٩) عن أبي هريرة -\n_________\n(^٤٩) - تقدم تخريجه (سورة البقرة / آية: ٩٨).\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- سقط من: ت.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في ز: \"فأجاب\".","vol":"12","page":199},{"text":"﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: \"يقول الله تعالى: من عادى لي وليًّا فقد بارزني بالحرب\". وفي الحديث الآخر: \"إني لأثأر لأوليائي كما يثأر الليث الحرِب\".\nولهذا أهلك تعالى قوم نوح وعاد وثمود، وأصحاب الرس، وقوم لوط، وأهل مدين، وأشباههم وأضرابهم، ممن كذب الرسل وخالف الحق؛ وأنجى الله من لكنهم المؤمنين، فلم يهلك منهم أحدًا، وعذب الكافرين، فلم يفلت منهم أحدًا [¬١].\nقال السدى: لم يبعث الله رسولًا قط إلى قوم فيقتلونه، أو قومًا من المؤمنين يدعون إلى الحق فيقتلون، فيذهب ذلك القرن حتى يبعث الله لهم من ينصرهم، فيطلب بدمائهم ممن فعل ذلك بهم في الدنيا، قال: فكانت الأنبياء والمؤمنون يقتلون في الدنيا، وهم منصورون فيها [¬٢].\nوَهكذا نصر الله نبيه محمدًا ﷺ وأصحابه على من [خالفه وناوأه] [¬٣]، وكذبه وعاداه، فجعل [¬٤] كلمته هي العليا، ودينه هو الظاهر على سائر الأديان؛ وأمره بالهجرة من بين ظهراني قومه إلى المدينة النبوية، وجعل له فيها أنصارًا وأعوانًا، ثم منحه أكتاف المشركين يوم بدر، فنصره عليهم وخذَّلهم له، وقتل صناديدهم، وأسر سراتهم، فاستاقهم مقرنين في الأصفاد؛ ثم منّ عليهم بأخذه الفداء منهم، ثم بعد مدة قريبة فتح مكة، فقرت عينه ببلده، وهو البلد المحرم الحرام المشرف المعظم، فأنقذه الله به مما كان فيه من الشرك والكفر، وفتح له اليمن، ودانت له جزيرة العرب بكمالها، ودخل الناس في دين الله أفواجًا؛ ثم قبضه الله تعالى إليه، لما له عنده من الكزامة العظيمة، فأقام الله أصحابه خلفاء بعده، فبلغوا عنه دينَ الله، ودعوا عباد الله إلى الله. وفتحوا البلاد والرّساتيق والأقاليم والمدائن والقرى والقلوب، حتى انتشرت الدعوة المحمدية في مشارق الأرض ومغاربها. ثم لا يزال هذا الدين قائمًا منصورًا ظاهرًا إلى قيام الساعة؛ ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ أي: يوم القيامة تكون النصرة أعظم وأكبر وأجلّ.\nقال مجاهد: الأشهاد الملائكة.\nوقوله: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ﴾ بدَل من قوله: ﴿وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾.\nوقرأ آخرون: (يومُ) بالرفع، كأنه فسره به (يومَ يقوم الأشهادُ: يومُ لا ينفع الظالمين)، وهم المشركون ﴿مَعْذِرَتُهُمْ﴾ أي: لا يقبل منهم عذر ولا فدية، ﴿ولهم اللعنة﴾ أي: الإبعاد والطرد من الرحمة، ﴿وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ وهي النار. قاله السدي، بئس المنزل\n_________\n[¬١]- في ز: \"واحدًا\".\n[¬٢]- سقط من: خ، ز.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في ز: \"خالفهم وناوأهم\".\n[¬٤]- في ز: \"جعل\".","vol":"12","page":200},{"text":"والمقيل.\nوقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: ﴿وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ أي: سوء العاقبة.\nوقوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْهُدَى﴾، وهو ما بعثه الله به من الهدى والنور، ﴿وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ﴾ أي: جعلنا لهم العاقبة، وأورثناهم بلادَ فرعونَ وأمواله وحواصله وأرضه، مما صبروا على طاعة الله واتباع رسوله موسى - علمه السلام- وفي الكتاب الذي أورثوه -وهو التوراة- ﴿هُدًى وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ وهي: العقول الصحيحة السليمة.\nوقوله: ﴿فاصبر﴾ أي: يا محمد، ﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾، أي: وعدناك أنا سنعلي كلمتك، ونجعل العاقبة لك ولمن اتبعك، والله لا يخلف الميعاد. وهذا الذي أخبرناك به حق [¬١] لا مرية فيه ولا شك.\nوقوله: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾، هذا تهييج للأمة على الاستغفار، ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ﴾ أي: في أواخر النهار وأوائل الليل، ﴿وَالْإِبْكَارِ﴾، وهي أوائل النهار وأواخر الليل.\nوقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ﴾ أي: يدفعون الحق بالباطل، ويردون الحجج الصحيحة بالشبه الفاسدة بلا برهان ولا حجة من الله، ﴿إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ﴾ أي: ما في صدورهم إلا كبر على اتباع الحق، واحتقار لمن جاءهم به [¬٢]، وليس ما يرومونه من [¬٣] إخمال الحق لاعلاء الباطل بحاصل لهم، بل الحق هو المرفوع، وقولهم وقصدهم هو الموضوع، ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ أي: من حال مثل هؤلاء، ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ أو: من شر مثل هؤلاء المجادلين في آيات الله بغير سلطان. هذا تفسير ابن جرير.\nوقال كعب وأبو العالية: نزلت هذه الآية في اليهود: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ﴾، قال أبو العالية: وذلك أنهم ادعوا أن الدجال منهم، وأنهم يملكون به الأرض. فقال الله لنبيه ﷺ آمرًا له أن يستعيذ من فتنة الدجال؛ ولهذا قال: ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾.\nوهذا قول غريب، وفيه تعسف بعيد، وإن كان قد رواه ابن أبي حاتم في كتابه، والله أعلم.\n﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- في ز: \"بين\".","vol":"12","page":201},{"text":"لَا يَعْلَمُونَ (٥٧) وَمَا يَسْتَوي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلَا الْمُسِيءُ قَلِيلًا مَا تَتَذَكَّرُونَ (٥٨) إِنَّ السَّاعَةَ لآتِيَةٌ لَا رَيبَ فِيهَا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ (٥٩)﴾\nيقول تعالى منبهًا على أنه يعيد الخلائق يوم القيامة، وأن ذلك سهل عليه، يسير لديه بأنه خلق السماوات والأرض، وخلقهما أكبر من خلق الناسِ بدأةَ وإعادة، فمن قدر على ذلك فهو قادر على ما دونه بطريق الأوْلى والأحرى، كما قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ [وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ] [¬١] بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، وقال هاهنا: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾، فلهذا لا يتدبرون هذه الحجة ولا [¬٢] يتأملونها، كما كان كثير من العرب يعترفون بأن الله خلق السماوات والأرض، وينكرون المعاد، استبعادًا وكفرًا وعنادًا، وقد اعترفوا بما هو أولى مما أنكروا.\nثم قال: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلَا الْمُسِيءُ﴾ أي: كما لا يستوي الأعمى الذي لا يبصر شيئًا، والبصير الذي يرى ما انتهي إليه بصره، بل بينهما فرق عظّم، كذلك لا يستوي المؤمنون الأبرار والكفرة الفجار، ﴿قَلِيلًا مَا تَتَذَكَّرُونَ﴾ أي: ما أقل ما يتذكر كثير من الناس!\nثم قال: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ﴾ أي: لكائنة وواقعة، ﴿لَا رَيْبَ فِيهَا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ أي: لا يصدقون بها، بل يكذبون بوجودها.\nقال ابن أبي حاتم (^٥٠): حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، حدثنا أشهب، حدثنا مالك، عن شيخ قديم من أهل اليمن -قدم من ثَمَّ- قال: سمعت أن الساعة إذا دنت اشتد البلاء على الناس، واشتد حر الشمس.\n﴿وَقَال رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠)﴾\nهذا من فضله ﵎ وكرمه؛ أنه ندب عباده إلى دعائه، وتكفل لهم بالإجابة، كما\n_________\n(^٥٠) - إسناده صحيح إلى مالك.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٢]- سقط من: ز.","vol":"12","page":202},{"text":"كان سفيان الثوري يقول: يا مَنْ أحبُّ عباده إليه مَنْ سأله كبر سؤاله، ويا مَنْ أبغض عباده إليه مَن لم يسأله، وليس كذلك غيرك يارب. رواه ابن أبي حاتم.\nوفي هذا المعنى يقول الشاعر:\nالله يغْضبُ أنْ تركْتَ سُؤَالهُ … وَبُنيُّ آدَمَ حِينَ يُسألُ يَغْضبُ!\nوقال قتادة: قال كعب الأحبار: أعطيت هذه الأمة ثلاثًا لم تُعطهُنّ [¬١] أمة قبلهم إلا نبي: كان إذا أرسل الله نبيًّا قيل له: أنت شاهد على أمتك، وجعلتكم شهداء على الناس. وكان يقال له: ليس عليك في الدين من حرج. وقال لهذه الأمة: ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾. وكان يقال له: ادعني أستجب لك، وقال لهذه الأمة: ﴿ادعوني استجب لكم﴾. رواه ابن أبي حاتم.\nوقال الإمام الحافظ أبو يعلى أحمد بن علي بن المثنى الموصلي في مسنده (^٥١)، حدثنا أبو إبراهيم الترجماني، حدثنا صالح المُري [¬٢]؛ قال: سمعت الحسن يحدّث عن أنس بن مالك ﵁، عن النبي ﷺ، فيما يروي عن ربه ﷿ قال: \"أربع خصال، واحدة منهن لي، وواحدة لك، وواحدة فيما بيني وبينك، وواحدة فيما بينك وبين عبادي؛ فأما التي لي فتعبددي لا تشرك بي شيئًا وأما التي لك عليّ فما عملتَ من خير جزيتُك به، وأما التي بيني وبينك فمنك الدعاء وعليّ الإِجابة، وأما التي بينك وبين عبادي فارضَ لهم ما ترضى لنفسك\".\nوقال الإمام أحمد (^٥٢): حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن ذَرّ، عن يُسيع الكنْدي، عن النعمان بن بشير ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن الدعاء هو العبادة\"، ثم قرأ: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾.\n_________\n(^٥١) - مسند أبي يعلى (٥/ ٢٧٥٧) ومن طريقه ابن حبان في \"المجروحين\" (١/ ٣٦٨، ٣٦٩) - ورواه البزار (١ / رقم ١٩) من طريق صالح المرى به وقال: \"تفرد به صالح المرى\" وهو ضعيف واستنكره له ابن عدي في \"الكامل\" (٤/ ١٣٨٠) وقال: \"لا أعرف يرويه عن الحسن غير صالح\" وبه أعله الهيثمي في \"المجمع\" (١/ ٥٦)، فقال: \"رواه أبو يعلى والبزار، وفي إسناده صالح المرى وهو ضعيف - وتدليس الحسن\".\n(^٥٢) -\" المسند\" (٤/ ٢٧١) ورواه أيضًا (٤/ ٢٦٧، ٢٧١، ٢٧٦)، والترمذي (٢٩٦٩، ٣٢٤٧)، ٣٣٧٢)، والنسائي في \"التفسير\" من \"الكبرى\" (٦/ ١١٤٦٤) وابن ماجه (٣٨٢٨)، وابن جرير (٢٤/ ٧٨) من طرق عن الأعمش به ورواه أحمد (٤/ ٣٧٦) ورواه أبو داود (١٤٧٩)، والترمذي (٢٩٦٩) والنسائي (٦/ ١١٦٤) وابن جرير (٢٤/ ٧٩)، والبخاري في \"الأدب المفرد\" (٧١٤) والحاكم=\n_________\n[¬١]- في ز: \"يعطهن\".\n[¬٢]- في خ: \"المدني\".","vol":"12","page":203},{"text":"وهكذا رواه أصحاب السنن: الترمذي، والنسائي، وابن ماجة، وابن أبي حاتم، وابن جرير، كلهم من حديث الأعمش به. وقال الترمذي: حسن صحيح.\nورواه أبو داود والترمذي والنسائي، وابنُ جرير أيضًا، من حديث شعبة، عن منصور، عن ذرّ به.\nوأخرجه الترمذي أيضًا من حديث الثوري عن منصور والأعمش كليهما [¬١] عن ذّر به.\nورواه ابن حبان والحاكم في صحيحيهما، وقال الحاكم: صحيح الإسناد.\nوقال الإمام أحمد (^٥٣): حدثنا وكيع، حدثنا أبو مليح [¬٢] المدني -شيخ من أهل المدينة- سمعه عن أبي صالح، وقال مرة: سمعت أبا صالح يحدث عن أبي هريرة؛ قال: قال رسول الله ﷺ: \"من لم يدع الله ﷿ غضب الله [¬٣] عليه\". تفرد به أحمد (*)، وهذا إسناد لا بأس به.\nوقال الإمام أحمد أيضًا (^٥٤): حدثنا مَروان الفزَاري، حدثنا صُبيح أبو المليح، سمعتُ أبا صالح يحدث عن أبي هريرة؛ قال: قال رسول الله ﷺ: \"من لا يسأله يغضب عليه\".\nقال ابن معين: أبو المليح هذا اسمه: صُبيح. كذا قيده بالضم عبد الغني بن سعيد؛ وأما أبو صالح هذا فهو [¬٤] الخُوزي، سكن شعب الخُوز. قاله البزار في مسنده.\nوكذا وقع في روايته أبو المليح الفارسي، عن أبي صالح الخُوزي، عن أبي هريرة؛ قال: قال رسول الله ﷺ: \"من لا يسأل الله يغضب عليه\".\n_________\n= (١/ ٤٩١) من طريق شعبة عن منصور به. ورواه الترمذي (٣٢٤٧) وأحمد (٢٦٧٤/ ٢٧٦) والحاكم من طريق سفيان الثوري ورواه ابن حبان (٣/ ٨٩٠) من طريق جرير عن منصور عن ذر به وقال الترمذي: \"حديث حسن صحيح\" وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي.\n(^٥٣) - \" المسند\" (٢/ ٤٤٣، ٤٧٧) ورواه ابن أبي شيبة في \"المصنف\" (٧/ ٢٤) - وعنه وعن غيره ابن ماجه في \"السنن\" (٣٨٢٧) - وابن عدي في \"الكامل\" (٧/ ٢٧٥٠) والبغوي في \"شرح السنة\" (٥/ ١٣٨٩) من طريق وكيع به، وانظر ما بعده.\n(^٥٤) - \" المسند\" (٢/ ٤٤٢). ورواه البخاري في \"الأدب المفرد\" (٦٥٨)، والحاكم في \"المستدرك\" (١/ ٤٩١) من طريق مروان بن معاوية به ورواه البخاري والترمذي (٣٣٧٣) من طريق حاتم بن إسماعيل ورواه الترمذي أيضًا والطبراني في \"الدعاء\" (٢/ ٧٩٦) وفي \"الأوسط\" (٣/ ٢٤٣١) ومن طريقه =\n_________\n[¬١]- في ز: \"كلاهما\".\n[¬٢]- في خ، ز: \"صالح\".\n[¬٣]- سقط من: خ.\n[¬٤]- في ز: \"هو\".","vol":"12","page":204},{"text":"وقال الحافظ أبو محمد الحسن بن عبد الرحمن الرامهرمزي (^٥٥): حدثنا همام، حدثنا إبراهيم بن الحسن، حدثنا نائل بن نجيح، حدثني عائذ بن حبيب، عن محمد بن سعيد؛ قال: لما مات محمد بن مسلمة الأنصاري، وجدنا في ذؤابة سيفه كتابًا: بسم الله الرحمن الرحيم، سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"إن لربكم في بقية دهركم نفحات، فتعرضوا له، لعل دعوة أن تُوافق رحمة فيسعد بها [¬١] صاحبها سعادة لا يخسر بعدها أبدًا\".\nوقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ أي: عن دعائي وتوحيدي، ﴿سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ أي: صاغرين حقيرين [¬٢]، كما قال الا مام أحمد (^٥٦):\nحدثنا يحيى بن سعيد، عن ابن عَجلان، حدثني عَمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﷺ؛ قال: \"يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذرّ، في صُوَر\n_________\n= المزي في \"تهذيب الكمال\" (٣٣ / ت ٧٤٣٨) والبيهقي في \"الشعب\" (٢/ ١٠٩٩) من طريق أبي عاصم الضحاك بن مخلد. كلاهما (حاتم وأبو عاصم) نا به وقال الطبراني: \"لم يرو هذا الحديث عن أبي صالح إلا أبو المليح\" وهو ثقة روى عنه جمع من الثقات، ووثقه ابن معين وابن حبان واعتمد توثيقه الحافظ في التقريب\" لكن شيخه ضعفه ابن معين، وقال أبو زرعة: \"لا بأس له\" وتوسط ابن حجر فلينه وقد استنكر له ابن عدي هذا الحديث في \"الكامل\" ومع هذا فقد قال الحاكم: \"حديث صحيح الإسناد، فإن أبا صالح الخوزي، وأبا المليح الفارسي لم يذكرا بالجرح، وإنما هما في عداد المجهولين لقلة الحديث\"!! وهذا عجيب، فإن أبا المليح تقدم توثيقه، والخوزي الراجح ضعفه، لكن للحديث شواهد -تقدم فها حديث ابن مسعود (رقم ٣٥٧ / في سورة النساء) وشاهدًا آخر من حديث أنس عند الطبراني في \"الدعاء\" (رقم ٢٤) لكن إسناده ضعيف، كما يشهد له حديث النعمان بن بشير المتقدم آنفًا، ولذلك رقم به أبو عبد الرحمن الألباني (حديث / ٢٦٥٤) من \"الصحيحة\" فراجعها إن شئت، وبالله التوفيق.\n(^٥٥) - في كتابه \"المحدث الفاصل بين الراوي والواعي\" (ص ٤٩٧ / رقم ٦١٥) ونائل ضعيف، والراوي عن محمد بن مسلمة لم أجد له ترجمة. وقد رواه الطبراني في \"المعجم الكبير\" (١٩/ ٥٢١٩) وفي الأوسط\" (٣/ ٢٨٥٦)، (٦/ ٦٢٤٣) من طريق أحمد بن عبدة الضبي نا الحسن بن صالح بن أبي الأسود، نا عمي منصور بن أبي الأسود، قال: حدثني شيخ يكنى أبو محمد حدثني شيخ يقال له: المهاجر عن محمد بن مسلمة له. وقال الطبراني: \"لا يروى هذا الحديث عن محمد بن مسلمة إلَّا بهذا الإسناد، تفرد به أحمد بن عبدة\" وهو ثقة إمام، لكن شيخه زائغ حائد عن الحق، كما قال الأزدي -راجع \"الميزان\" واللسان\"- والإسناد فيه جهالة، فهو مظلم من جهات متعددة، وذكره الهيثمي في \"المجمع\" (١٠/ ٢٣٤) وقال: \"رواه الطبراني في \"الأوسط\" و\"الكبير\" بنحوه، وفيه من لم أعرفهم، ومن عرفتهم فقد وثقوا\" لكن للحديث شاهدان من حديث أنس وأبي هريرة وبهما رقم أبو عبد الرحمن الألباني الحديث في \"الصحيحة\" (٤/ ١٨٩٠).\n(^٥٦) - تقدم تخريجه (سورة البقرة / آية ٨٩).\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- في خ: \"نفيرين\".","vol":"12","page":205},{"text":"الناس، يعلوهم كلّ شيء من الصغار، حتى يدخلوا سجنًا في جهنم يقال له: بولس، تعلوهم نار الأنيار، يسقون من طينة الحبال: عصاوة أهل النار\".\nوقال ابن أبي حاتم (^٥٧): حدثنا علي بن الحسين، حدثنا أبو بكر بن محمد بن يزيد بن خُنيس، سمعت أبي يحدث عن وُهيب بن الورد، حدثني رجل؛ قال: كنت أسير ذات يوم في أرض الروم، فسمعت هاتفًا من فوق رأس جبل وهو يقول: يارب؛ عجبتُ لمن عرفك كيف يرجو أحدًا غيرك! يارب؛ عجبت لمن عرفك كيف يطلبُ حوائجه إلي أحد غيرك؛ قال: ثم ذهبت، ثم جاءت الطامةُ الكبرى، قال: ثم عاد الثانية فقال: يارب؛ عجبت لمن عرفك كيف يتعرض لشيء من سخطك برضى [¬١] غيركَ. قال وَهيب: وهذه الطامة الكبرى. قال: فناديتُه: أجنيّ أنت أم إنسي؟ قال: بل إنسي، اشغلْ نفسك بما يَعْنيك عما لا يَعْنيك.\n﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (٦١) ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيءٍ لَا إِلَهَ إلا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٦٢) كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كَانُوا بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (٦٣) اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالمِينَ (٦٤) هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إلا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ (٦٥)﴾\nيقول تعالى ممتنًّا علي خلقه، بما جعل لهم من الليل الذي يسكنون فيه، ويستريحون من حركات ترددهم في المعايش بالنهار، وجعل النهار ﴿مُبْصِرًا﴾، أي: مضيئًا، ليتصرفوا فيه بالأسفار، وقطع الأقطار، والتمكن من الصناعات، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾ أي: لا يقومون بشكر نعم الله عليهم.\n_________\n(^٥٧) - رجاله ثقات معروفون حاشا: \"أبا بكر بن محمد\" فلم أجد فيه جرحًا ولا تعديلًا. وقد أشار له المزى في ترجمة \"أبيه\" من\"التهذيب\".\n_________\n[¬١]- في خ: \"يرضى\".","vol":"12","page":206},{"text":"ثم قال: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيءٍ لَا إِلَهَ إلا هُوَ﴾ أي: الذي فعل هذه الأشياء هو الله الواحد الأحد، خالق الأشياء، الذي لا إله غيره، ولا رب سواه، ﴿فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ أي: فكيف تعبدون غيرَه من الأصنام، التي لا تخلق شيئًا، بل هي مخلوقة منحوتة.\nوقوله: ﴿كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كَانُوا بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ أي: كما ضل هؤلاء بعبادة غير الله، كذلك أفك الذين من قبلهم، فعبدوا غيره بلا دليل ولا برهان، بل بمجرد الجهل والهوى، وجحدوا حُجج الله وآياته.\nوقوله: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا﴾ أي: جعلها مستقرًّا لكم، بساطًا مهادًا تعيشون عليها، وتتصرفون فيها، وتمشون في مناكبها، وأرساها بالجبال لئلا تَميد بكم، ﴿وَالسَّمَاءَ بِنَاءً﴾ أي: سقفًا للعالم محفوظا، ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ أي: فخلقكم في أحسن الأشكال، ومنحكم أكمل الصور في أحسن تقويم، ﴿وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ أي: من المآكل والمشارب في الدنيا. فذكر أنه خلق الدار، والسكان، والأرزاق، فهو الخالق الرازق، كما قال في سورة البقرة: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. وقال هاهنا بعد خلق هذه الأشياء: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالمِينَ﴾ أي: فتعالى وتقدس وتنزه رب العالمين كلهم.\nثم قال: ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إلا هُوَ﴾ أي: هو الحي أزلًا وأبدًا، لم يزل ولا يزال [¬١]، وهو الأول والآخر، والظاهر والباطن، ﴿لَا إِلَهَ إلا هُوَ﴾ أي: لا نظير له ولا عديل له، ﴿فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ أي: موحدين له مقرين بأنه لا إله إلا هو ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ﴾.\nقال ابن جرير (^٥٨): كان جماعة من أهل العلم يأمرون من قال: ﴿لَا إِلَهَ إلا اللَّهُ﴾ أن يتبعها بالحمد لله رب العالمين [عملًا] [¬٢] بهذه الآية.\nثم روى (^٥٩) عن محمد [¬٣] بن علي بن الحسن [¬٤] بن شقيق، عن أبيه، عن الحسين بن واقد، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: من قال: \"لا إله إلا الله\"، فليقل\n_________\n(^٥٨) - تفسير ابن جرير (٢٤/ ٨١).\n(^٥٩) - تفسير ابن جرير (٢٤/ ٨١) حدثني محمد بن علي بن الحسن به، وصححه الحاكم (٢/ ٤٣٨) على شرط الشيخين ووافقه الذهبي. وفي إسناده هناك سقط وخطأ يستدرك من هنا. والخبر ذكره السيوطي=\n_________\n[¬١]- في ز: \"لا زال\".\n[¬٢]- سقط من خ، ت.\n[¬٣]- في ز: \"حجر\".\n[¬٤]- في ز: \"الحسين\".","vol":"12","page":207},{"text":"علي [¬١]، أثرها: \"الحمد لله رب العالمين\"، [فذلك قوله تعالى: ﴿فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ﴾] [¬٢].\nوقال أبو أسامة وغيره (^٦٠)، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن سعيد بن جبير، قال: إذا قرأت: ﴿فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾، فقل: \"لا إله إلا الله\" وقل على أثرها: \"الحمد لله رب العالمين\"، ثم قرأ هذه الآية: ﴿فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ﴾.\n﴿قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَمَّا جَاءَنِيَ الْبَيِّنَاتُ مِنْ رَبِّي وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالمِينَ (٦٦) هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٦٧) هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ فَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٦٨)﴾\nيقول تعالى: قل يا محمد لهؤلاء المشركين: إن الله ينهى أن يُعْبَد أحد سواه من الأصنام والأنداد والأوثان. وقد بين تعالى أنه لا يستحق العبادة أحد سواه، في قوله: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا﴾ أي: هو الذي يقلبكم في هذه الأطوار كلها، وحده لا شريك له، وعن أمره وتدبيره وتقديره يكون ذلك كله، ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى﴾ أي: من قبل أن يوجد ويخرج إلي هذا العالم، بل تُسقطُه أمّه سقْطا، ومنهم من يتوفى صغيرًا وشابًّا، وكهلًا قبل الشيخوخة، كقوله: ﴿لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾، وقال هاهنا، ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾، قال ابن جريج: تتذكرون البعث.\n_________\n= في \"الدر المنثور\" (٥/ ٦٦٨) وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن مردويه والبيهقي في \"الأسماء والصفات\" ولم أجده في مظانه بعد البحث. والله أعلم.\n(^٦٠) - رواه ابن جرير (٢٤/ ٨١) من طرق عن إسماعيل به، وإسناده صحيح، ولم يعزه السيوطي في \"الدر المنثور\" (٥/ ٦٦٨) لغير عبد بن حميد.\n_________\n[¬١]- في ز: \"في\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.","vol":"12","page":208},{"text":"ثم قال: ﴿هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ أي: هو المتفرد بذلك، لا يقدر على ذلك أحد سواه، ﴿فَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ أي: لا يخالف ولا يمانع، بل ما شاء كان.\n﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ (٦٩) الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٧٠) إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ (٧١) فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ (٧٢) ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَينَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ (٧٣) مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيئًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ (٧٤) ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ (٧٥) ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (٧٦)﴾\nيقول تعالى: ألا تعجَبُ يا محمد من هؤلاء المكذبين بآيات الله، ويجادلون في الحق بالباطل، كيف تُصرَفُ عقولهم عن الهدى إلى الضلال، ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا﴾ أي: من الهدى والبيان، ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾: [هذا تهديد شديد، ووعيد أكيد] [¬١]، من الرب ﷻ لهؤلاء، كما قال تعالى: ﴿وَيلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾.\nوقوله: ﴿إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ﴾ أي: متصلة بالأغلال، بأيدي الزبانية يسحبونهم على وجوههم، تارة إلى الحميم وتارة إلى الجحيم؛ ولهذا قال: ﴿يُسْحَبُونَ (٧١) فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ﴾، كما قال تعالى: ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ (٤٣) يَطُوفُونَ بَينَهَا وَبَينَ حَمِيمٍ آنٍ﴾. وقال بعد ذكره [¬٢] أكلهم الزقوم وشربهم الحميم: ﴿ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ﴾ وقال: ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ (٤١) فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ (٤٢) وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ (٤٣) لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ (٤٤)﴾ إلي أن قال: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ (٥١) لآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ (٥٢) فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٥٣) فَشَارِبُونَ عَلَيهِ مِنَ الْحَمِيمِ (٥٤) فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ (٥٥) هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ﴾، وقال: ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ (٤٣) طَعَامُ الْأَثِيمِ (٤٤) كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ (٤٥) كَغَلْيِ الْحَمِيمِ (٤٦) خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ (٤٧) ثُمَّ\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في، ز: \"هذا تهديد ووعيد شديد\".\n[¬٢]- سقط من: خ.","vol":"12","page":209},{"text":"صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ (٤٨) ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (٤٩) إِنَّ هَذَا مَا كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ﴾ أي: يقال لهم ذلك علي وجه التقريع والتوبيخ، والتحقير والتصغير، والتهكم والاستهزاء بهم.\nقال ابن أبي حاتم (^٦١): حدثنا علي بن الحسين، حدثنا أحمد بن منيع، حدثنا منصور بن عمار، حدثنا بَشير بن طلحة الخزامي [¬١]، عن خالد بن دريك، عن يعلى بن مُنْيَةَ -رفع الحديث إلى رسول الله ﷺ قال: \"ينشئ الله سحابة لأهل النار سوداء مظلمة، ويقال: يا أهل النار، أي شيء تطلبون؟ فيذكرون بها سحاب الدنيا فيقولون: نسأل بَرْدَ الشراب. فتمطرهم أغلالًا تزيد في أغلالهم، وسلاسل تزيد في سلاسلهم، وجمرًا يلهب النار عليهم\". هذا حديث غريب.\nوقوله: ﴿ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَينَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ (٧٣) مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي: قيل لهم: أين الأصنام التي كنتم تعبدونها من دون الله؟ هل ينصرونكم اليوم؟ ﴿قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا﴾ أي: ذهبوا فلم ينفعونا، ﴿بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيئًا﴾ أي: جحدوا عبادتهم، كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إلا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ ولهذا قال: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ﴾ وقوله [¬٢]: ﴿ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ﴾ أي: تقول لهم الملائكة: هذا الذي أنتم فيه جزاءٌ على فَرَحكم في الدنيا بغير الحق، ومَرَحكم وأشركم وبطركم، ﴿ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ أي: فبئس المنزلُ والمَقِيلُ الذي فيه الهوانُ والعذاب الشديد، لمن استكبر عن آيات الله، واتباع دلائله وحُجَجه!\n﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَينَا\n_________\n(^٦١) - وعزاه السيوطي في \"الدر المنثور\" (٥/ ٦٦٩) أيضًا إلى ابن أبي حاتم. وقد رواه الطبراني في \"الأوسط\" (٤/ ٤١٠٣) ثنا علي بن سعيد الرازي نا أحمد بن منيع به. ورواه تمام في \"فوائده\" (٥/ ١٧٦٩ / الروض) من طريق محمد بن جعفر العباد نا منصور به. وقال الطبراني: \"لا يُروى هذا الحديث عن يعلى إلا بهذا الإسناد، تفرد به منصور\" وهو ضعيف، فقد قال أبو حاتم: ليس بالقوي. وقال العقيلي: \"فيه تجهم\"، وقال الدارقطني: \"يروى عن ضعفاء أحاديث لا يتابع عليها\" راجع \"اللسان\" لابن حجر (٦/ ٨٦٤٤) واستنكر له ابن عدي في \"الكامل\" (٦/ ٢٣٩٠) هذا الحديث بعينه. وقال الهيثمي في \"المجمع\" (١٠/ ٣٩٢): \"وفيه من فيه ضعف قليل، ومن لم أعرفه\"!! ورجاله معروفون بعضهم من رجال التهذيب، وبعضهم في \"الميزان\" للذهبي و\"لسانه\" لابن حجر، وقد رواه ابن أبي الدنيا في \"صفة النار\" (رقم / ٦٢) ثنا أحمد بن منيع ثنا منصور بن عمار به موقوفًا، قال المنذري في \"الترغيب\" (٤/ ٤٧٣): \"وهذا أصح\" بل مثل سابقه أيضًا فالخطأ فيه من منصور وهو ضعيف، ثم إن الحديث منقطع بين خالد ويعلى فإنه لم يسمع منه كما قال السخاوي في \"المقاصد\" (ص ١٦٠) ولذلك استغربه المصنف هنا.\n_________\n[¬١]- في خ: \"الجذامي\"، وفي ز: \"الجزامي\".\n[¬٢]- سقط من: ز.","vol":"12","page":210},{"text":"يُرْجَعُونَ (٧٧) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيكَ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إلا بِإِذْنِ اللَّهِ فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ (٧٨)﴾\nيقول تعالى آمرًا رسوله صلوات الله وسلامه عليه بالصبر على تكذيب من كذبه من قومه، فإن الله سينجز لك ما وعدك من النصر والظفر على قومك، وجعل العاقبة لك ولمن اتبعك في الدنيا والآخرة، ﴿فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ﴾ أي: في الدنيا. وكذلك وقع، فإن الله أقر أعينهم من كبرائهم وعظمائهم، أيبدوا في يوم بدر، ثم فتح الله عليه مكة وسائر جزيرة العرب في أيام حياته، ﷺ.\nوقوله: ﴿أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَينَا يُرْجَعُونَ﴾ أي: فنذيقهم العذاب الشديد في الآخرة.\nثم قال مسليًا له: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيكَ﴾ كما قال في \"سورة النساء\". سواء، أي: منهم من أوحينا إليك خبرهم وقصصهم مع قومهم كيف كذبوهم ثم كانت للرسل العاقبة والنصرة، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيكَ﴾، وهم أكثر ممن ذكر بأضعاف أضعاف، كما تقدم التنبيه على ذلك في \"سورة النساء\" ولله الحمد والمنة.\nوقوله: ﴿وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إلا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ أي: ولم يكن لواحد من الرسل أن يأتي قومه بخارق للعادات، إلا أن يأذن الله له في ذلك، فيدُلّ ذلك علي صدقه فيما جاءهم به، ﴿فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ﴾، وهو عذابه ونَكَاله المحيط بالمكذبين، ﴿قُضِيَ بِالْحَقِّ﴾، فينجو [¬١] المؤمنون، ويهلك الكافرون، ولهذا قال: ﴿وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ﴾.\n﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعَامَ لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٧٩) وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَلِتَبْلُغُوا عَلَيهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ وَعَلَيهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (٨٠) وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَأَيَّ آيَاتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ (٨١)﴾\nيقول تعالى ممتنًّا علي عباده، بما خلق لهم من الأنعام، وهي: الإِبل والبقر والغنم، ﴿فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ﴾، فالإِبل تركب وتُؤكل وتحلب، ويحمل عليها الأثقال في\n_________\n[¬١]- في ز: \"فينجي\".","vol":"12","page":211},{"text":"الأسفار والرحال إلى البلاد النائية، والأقطار الشاسعة. والبقر تؤكل، ويشرب لبنها، وتحرث عليها الأرض. والغنم تؤكل، ويشرب لبنها. والجميع تجز أصوافها وأشعارها وأوبارها، فيتخذ منه الأثاث والثياب والأمتعة، كما فصَّل وبيَّن في أماكن تقدم ذكرها في \"سورة الأنعام\" و\"سورة النحل\" وغير ذلك، ولهذا قال هاهنا: ﴿لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٧٩) وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَلِتَبْلُغُوا عَلَيهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ وَعَلَيهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾.\nوقوله: ﴿وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ﴾ أي: حججه وبراهينه في الآفاق وفي أنفسكم، ﴿فَأَيَّ آيَاتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ﴾، أي: لا تقدرون [¬١] على إنكار شيء من آياته، إلا أن تعاندوا وتكابروا.\n﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٨٣) فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (٨٤) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ (٨٥)﴾\nيخبر تعالى عن الأمم المكذبة بالرسل في قديم الدهر، وماذا حلّ بهم من العذاب الشديد، مع شدة قواهم، وما أثروه في الأرض، وجمعوه من الأموال، فما أغنى عنهم ذلك شيئًا، ولا رَدّ عنهم ذَرّةً من بأس الله؛ وذلك لأنهم لما جاءتهم الرسل بالبينات، والحجج القاطعات، والبراهين الدامغات، لم يلتفتوا إليهم، ولا أقبلوا عليهم، واستغنوا بما عندهم من العلم في زعمهم عما جاءتهم به الرسل.\nوقال مجاهد: قالوا: نحن أعلم منه، لن نبعث ولن نعذب.\nوقال السدي: فرحوا بما عندهم من العلم بجهالتهم، فأتاهم من بأس الله ما لا قِبَل لهم به ﴿وَحَاقَ بِهِمْ﴾ أي: أحاط بهم ﴿مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ أي: يكذبون ويستبعدون وقوعه.\n﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ أي: عاينوا وقوع العذاب بهم، ﴿قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ﴾ أي: وحدوا الله وكفروا بالطاغوت، ولكن حيث لا تُقَال العثرات، ولا تنفع المعذرة. وهذا كما قال فرعون حين أدركه الغرق: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إلا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ\n_________\n[¬١]- في ز: \"يقدروا\".","vol":"12","page":212},{"text":"بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾، قال الله تعالى: ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾، أي، فلم يقبل الله منه؛ لأنه قد استجاب لنبيه موسى دعاءه عليه حين قال: ﴿وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾، وهاهنا قال: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ﴾ أي: هذا حكم الله في جميع مَن تاب عند معاينة العذاب: أنه لا يقبل. ولهذا جاء في الحديث: \"إن الله يقبل توبة العبد ما لم يُغَرْغِرْ\" (^٦٢)، أي: فإذا غرغر وبلغت الروح الحنجرة، وعاين الملَكَ، فلا توبة حينئذ؛ ولهذا قال: ﴿وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ﴾.\nآخر تفسير سورة المؤمن [¬١]، ولله الحمد والمنة.\n* * *\n_________\n(^٦٢) - تقدم تخريجه في سورة النساء، آية (١٧).\n_________\n[¬١]- في ت: \"غافر\".","vol":"12","page":213},{"text":"<span data-type='title' id=toc-159>[تفسير حم السجدة وهي مكية]</span> [¬١]\n﷽\n﴿حم (١) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٢) كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣) بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (٤) وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَينِنَا وَبَينِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ (٥)﴾\nيقول تعالى: ﴿حم (١) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ﴾ يعني: القرآن منزل من الرحمن الرحيم كقوله تعالى: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقّ﴾، وقوله: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾، وقوله: ﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ﴾ أي: بُيّنت معانيه وأحكمت أحكامه، ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ أي: في حال كونه لفظًا عربيًّا، بيِّنًا واضحًا، فمعانيه مفصلة، وألفاظه واضحة غير مشكلة، كقوله: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ أي: هو معجز من حيث لفظه ومعناه، ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَينِ يَدَيهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾، وقوله؛ ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ أي: إنما يعرف هذا البيانَ والوضوحَ العلماءُ الراسخون، ﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ أي: تارة يبشر المؤمنين، وتارة ينذر الكافرين، ﴿فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ أي: أكثر قريش، فهم لا يفهمون منه شيئًا مع بيانه ووضوحه، ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ﴾ أي: في غلف مغطاة ﴿مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْر﴾ أي: صمم عما جئتنا به، ﴿وَمِنْ بَينِنَا وَبَينِكَ حِجَابٌ﴾، فلا يصل إلينا [¬٢] شيء مما تقول [¬٣]، ﴿فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ﴾ أي: اعمل أنت على طريقتك، ونحن علي طريقتنا لا نتابعك.\nقال الإمام العَلَم عبد بن حُمَيد في مسنده (^١): حدثني ابن أبي شيبة، حدثنا علي بن مسهر، عن الأجلح، عن الذَّيَّال بن حَرْمَلَة الأسدي، عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: اجتمعت [¬٤] قريش يومًا فقالوا: انظروا أعلمَكم بالسحر والكهانة والشعر، فليأت هذا\n_________\n(^١) - المنتخب (١١٢٣).\n_________\n[¬١]- في ت: \"تفسير سورة فصلت\".\n[¬٢]- في ز: \"إلى\".\n[¬٣]- في ز: \"يقول\".\n[¬٤]- في ز: \"اجتمع\".","vol":"12","page":215},{"text":"الرجل الذي قد فَرّق جماعتنا، وشتَّت أمرنا، وعاب ديننا، فَلْيكلمه وَلْننظُرْ ماذا يَرُدّ عليه؟ فقالوا: ما نعلم أحدًا غير عُتْبَة بن ربيعة. فقالها: أنت يا أبا الوليد. فأتاه عتبة فقال: يا محمد، أنت خير أم عبد الله؟ فسكت رسول الله ﷺ، فقال: أنت خير أم عبد المطلب؟ فسكت رسول الله ﷺ، قال [¬١]: فإن كنت تزعم أن هؤلاء خير منك، فقد عبدوا الآلهة التي عِبْتَ، وإن كنت تزعم أنك خير منهم فتكَلَّم حتى نسمع قولك، إنا والله ما رأينا سَخْلةً (*) قطٌّ أشأم على قومك (**) منك، فَرَّقت جماعتنا، وشتَّت أمرنا، وعِبْتَ ديننا، وفضحتنا في العرب، حتى لقد طار فيهم أن في قريش ساحرًا، وأن في قريش كاهنًا! والله ما ننتظر إلا مثل صيحة الحُبْلي أن يقوم بعضنا إلي بعض بالسيوف، حتى نتفانى! أيها الرجل، إن كان إنما بك الحاجة جمعنا لك حتى تكون أغنى قريش رجلًا، وإن كان إنما بك الباءة فاختر أيّ نساء قريش فَلْنُزوجك عشرًا. فقال رسول الله ﷺ: \"فرغت؟ \". قال: نعم. فقال رسول الله ﷺ: \"بسم الله الرحمن الرحيم ﴿حم، تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ حتى بلغ: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾. فقال عتبة: حسبك! حسبك! ما عندك غير هذا؟ قال: \"لا\". فرجع إلى قريش، فقالوا: ما وراءك؟ قال: ما تركت شيئًا أرى أنكم تكلمونه به إلا كلمته. قالوا: فهل أجابك؟ قال: لا، والذي نصبها بَنيَّةً (* * *) ما فهمتُ شيئًا مما قال، غير أنه أنذركم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود. قالوا: ويلك! يكلمك [¬٢] الرجل بالعربية ما تدري ما قال؟! قال: لا، والله ما فهمت شيئًا مما قال غير ذكر الصاعقة (^٢).\nوهكذا رواه الحافظ أبو يعلى الموصلي في مسنده (^٣) عن أبي بكر بن أبي شيبة بإسناده مثله سواء. وقد ساقه البغوي في تفسيره بسنده عن محمد بن فضيل، عن الأجلح -وهو ابن عبد الله الكنْدي، وقد ضُعّف بعض الشيء- عن الذّيَّال بن حرملة، عن جابر، فذكر الحديث إلى\n_________\n(*) السخلة: الذكر والأنثى من لد الضأن والمعز ساعة يولد.\n(**) في المنتخب: قومه.\n(* * *) يريد الكعبة. وهي بنية إبراهيم ﵇ لأنه بناها.\n(^٢) - إسناده ضعيف؛ الأجلح -وهو ابن عبد الله الكندي- ضعفه غير واحدٍ، وقد تفرد، ولا يحتمل تفرده، والحديث أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه ٨/ ٤٤٠ عن علي بن مسهر، وأخرجه الحاكم من طريق جعفر بن عون -كلاهما- عن الأجلح به.\nوقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ا هـ. والحديث عزاه السيوطي أيضًا في الدر إلى ابن مردويه، وابن عساكر، من هذا الوجه.\nوانظر بقية تخريجه فيما يلي.\n(^٣) - المسند (١٨١٨) (٣/ ٣٤٩).\n_________\n[¬١]- في ت: ف \"قال\".\n[¬٢] في ز: \"وكلمك\".","vol":"12","page":216},{"text":"قوله: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً [مِثْلَ صَاعِقَةِ] [¬١] عَادٍ وَثَمُودَ (١٣)﴾ فأمسك عتبة على فيه، وناشده بالرَّحِم، ورجع إلى أهله، ولم يخرج إلي قريش واحتبس عنهم. فقال أبو جهل: يا معشر قريش، والله ما نرى عتبة إلا قد صَبَا إلى محمد، وأعجبه طعامه، وما ذاك إلا من حاجة أصابته، فانطلقوا بنا إليه. فانطلقوا إليه فقال أبو جهل: يا عتبة، ماحَبَسك عنا إلا أنك صبوت إلى محمد وأعجبك طعامه، فإن كانت لك حاجة جمعنا لك من أموالنا ما يغنيك عن طعام محمد. فغضب عتبة، وأقسم أن لا يكلم محمدًا أبدًا، وقال: والله لقد علمتم أني من أكثر قريش مالًا، ولكني أتيته وقَصَصتُ عليه القصة [¬٢] فأجابني بشيء والله ما هو بشعر ولا كهانة ولا سحر، وقرأ السورة إلى قوله: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾، فأمسكت بفيه، وناشدته بالرحم أن يَكُفَّ، وقد علمتم أن محمدًا إذا قال شيئًا لم يكذب، فخشيت أن ينزل بكم العذاب.\nوهذا السياق أشبه من سياق البزار وأبي يعلى، والله أعلم. وقد أورد هذه القصة الإِمام محمد بن إسحاق بن يَسَار في كتاب \"السيرة\" (^٤) على خلاف هذا النمط [¬٣]، فقال:\nحدثني يزيد [¬٤] بن زياد، عن محمد بن كعب القرظي قال: حُدّثتُ أن عتبة بن ربيعة -وكان سيدًا- قال يومًا، هو جالس في نادي قريش، ورسول الله ﷺ جالس في المسجد وحده: يا معشر قريش، ألا أقوم إلى محمد فأكلِّمَه وأعرض عليه أمورًا لعله يقبل بعضها، فنعطيه أيَّها شاء ويكف عنا؟ وذلك حين أسلم [¬٥] حمزة، ورأوا أصحاب رسول الله ﷺ يزيدون ويكثرون، فقالوا: بلى يا أبا الوليد، فقم إليه فكلمه. فقام إليه عتبة حتى جلس إلى رسول الله ﷺ فقال: يا ابن أخي، إنك منا حيث قد علمت من [السِّطَة في] [¬٦] العشيرة، والمكان في النسب، وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم، فَرَّقْتَ به جماعتهم، وسفهت به أحلامهم، وعبت به آلهتهم ودينهم، وكفّرت به من مضى من آبائهم، فاسمع مني أعرض عليك أمورًا تنظر فيها لعلك تقبل منا بعضها. قال: فقال له رسول الله ﷺ: \"قل يا أبا الوليد أسمع\". قال: يا ابن أخي، إن كنتَ إنما تريدُ بما جئتَ به من هذا الأمر مالًا جمعنا لك من أموالنا؛ حتى تكون من أكثرنا أموالًا. وإن كنت تريد به شرفًا سَوّدناك علينا، حتى لا نقطع أمرًا دونك. وإن كنت تريد به ملكًا ملكناك علينا. وإن كان هذا [¬٧] الذي يأتيك رَئيًّا تراه لا تستطيع رده عن نفسك، طلبنا لك الطب، وبذلنا فيه أموالنا حتى نبرئك منه، فإنه ربما غَلَب التابعُ على الرجل حتى يُداوي منه -أو كما قال له-\n_________\n(^٤) - السيرة ١/ ٣٠٥، ومن طريق ابن إسحاق أخرجه البيهقي في الدلائل ٢/ ٢٠٤.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٢]- سقط من: ت.\n[¬٣]- في خ: \"الخط\".\n[¬٤]- سقط من: ز.\n[¬٥]- في ز: \"أقبل\".\n[¬٦]- في خ، ز: \"السيطة و\".\n[¬٧]- سقط من: ز.","vol":"12","page":217},{"text":"حتى إذا فرغ عتبة ورسول الله ﷺ يستمع منه قال: \"أَفرَغْتَ يا أبا الوليد؟ \". قال: نعم، قال: \"فاستمع مني\". قال: أفعل. قال: \"بسم الله الرحمن الرحيم ﴿حم (١) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٢) كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣) بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (٤)﴾ \". ثم مضي رسول الله ﷺ فيها يقرؤها عليه. فلما سمع عتبةُ أنصتَ لها [¬١]، وألقي يديه خلف ظهره معتمدًا عليهما يسمع منه، ثم انتهي رسول الله ﷺ إلي السجدة منها [¬٢]، فسجد، ثم قال: \"قد سمعتَ يا أبا الوليد ما سمعت، فأنت وذاك\". فقام عتبة إلي أصحابه، فقال بعضهم لبعض: أقسم -يحلف بالله- لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به. فلما جلس إليهم قالوا: ما وراءك يا أبا الوليد؟ قال: ورائي أني قد سمعت قولًا والله ما سمعت مثله قط، والله ما هو بالسحر ولا بالشعر ولا الكهانة [¬٣]. يا معشر قريش، أطيعوني واجعلوها قط [¬٤]، خلوا بين الرجل وبين ما هو فيه فاعتزلوه، فوالله ليكونَنّ لقوله الذي سمعت نبأ، فإن تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم، وإن يظهر علي العرب فمُلكُه مُلككم، وعِزه عزكم، وكنتم أسعد الناس به. قالوا: سحرك والله يا أبا الوليد بلسانه! قال: هذا رأبي فيه، فاصنعوا ما بدا لكم (^٥). وهذا السياق أشبه من الذي قبله، والله أعلم.\n﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (٧) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيرُ مَمْنُونٍ (٨)﴾\nيقول تعالى: ﴿قل﴾ يا محمد لهؤلاء [¬٥] المكذبين المشركين: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾، لا كما تعبدونه من الأصنام والأرباب والأرباب المتفرقين، إنما الله إله واحد، ﴿فاستقيموا إليه﴾ أي [¬٦]: أخلصوا له العبادة على منوال ما أمركم له على ألسنة الرسل ﴿واستغفروه﴾ أي: لسالف الذنوب، ﴿وويل للمشركين﴾ أي: دَمَارٌ لهم وهلاك\n_________\n(^٥) - إسناده ضعيف؛ فيه من لم يسم. ويشهد له ما أخرجه البيهقي في الدلائل ٢/ ٢٠٦ من حديث عبد الله بن عمر بلفظ: \"لما قرأ رسول الله ﷺ علي عتبة بن ربيعة ﴿حم تنزيل من الرحمن الرحيم﴾ أتي أصحابه فقال لهم: يا قوم أطيعوني في هذا الأمر اليوم، واعصوني فيما بعد … إلخ\". واستغربه المصنف في البداية والنهاية بقوله: وهذا حديث غريب جدًّا من هذا الوجه ا هـ.\n_________\n[¬١]- في خ: \"إليها\".\n[¬٢]- سقط من: خ، ز.\n[¬٣]- في خ: \"بالكهانة\".\n[¬٤]- في ت: \"لي\"، وفي ز: \"في\".\n[¬٥]- سقط من: ز.\n[¬٦]- سقط من: ز.","vol":"12","page":218},{"text":"عليهم، ﴿الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾، قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: يعني الذين لا يشهدون أن لا إله إلا الله. وكذا قال عكرمة.\nوهذا كقوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (١٠)﴾. وكقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (١٥)﴾ وقوله: ﴿فقل هل لك إلى أن تزكى﴾. والمراد بالزكاة هاهنا: طهارة النفس من الأخلاق الرذيلة، ومن أهم ذلك طهارة النفس من الشرك. وزكاة المال إنما سميت زكاة لأنها تُطَهّره من الحرام، وتكون سَببًا لزيادته وبركته وكثرة نفعه، وتوفيقًا إلي استعماله في الطاعات.\nوقال السدي: ﴿وَوَيلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ أي: الذين لا يدينون بالزكاة.\nوقال معاوية بن قرة [¬١]: ليس هم من أهل [¬٢] الزكاة.\nوقال قتادة: يمنعون زكاة أموالهم.\nوهذا هو الظاهر عند كثير من المفسرين، واختاره ابن جرير. وفيه نظر؛ لأن إيجاب الزكاة إنما كان في السنة الثانية من الهجرة إلي المدينة، علي ما ذكره غير واحد، وهذه الآية مكية، اللهم إلا أن يقال: لا يبعد أن يكون أصل الزكاة والصدقة كان مأمورًا به في ابتداء البعثة، كقوله تعالى: ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾، فأما الزكاة ذات النُّصُب والمقادير فإنما بين أمرها بالمدينة، ويكون هذا جمعًا بين القولين، كما أن أصل الصلاة كان واجبًا قبل طلوع الشمس وقبل غروبها في ابتداء البعثة، فلما كان ليلة الإسراء قبل الهجرة بسنة ونصف، فرض الله على رسوله الصلوات الخمس، وفَضّل شروطها وأركانها وما يتعلق بها بعد ذلك، شيئًا فشيئًا، والله أعلم.\nثم قال بعد ذلك: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾، قال مجاهد وغيره: لا مقطوع ولا مجبوب. كقوله: ﴿ماكثين فيه أبدًا﴾ وكقوله تعالى: ﴿عطاء غير مجذوذ﴾.\nوقال السدي: ﴿غير ممنون﴾ عليهم. وقد رد عليه بعض الأئمة هذا التفسير، فإن المنة لله علي أهل الجنة، قال الله تعالى: ﴿بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ﴾. وقال أهل الجنة: ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ﴾ وقال رسول الله ﷺ: \"إلا أن يَتَغَمَّدني الله برحمة منه وفضل\" (^٦).\n_________\n(^٦) - أخرجه البخاري، في كتاب المرض. باب: تمني المريض الموت (٥٦٧٣)، وفي الرقاق باب: القصد، والمداومة على العمل (٦٤٦٤)، ومسلم في كتاب: صفات المنافقين وأحكامهم، باب: =\n_________\n[¬١]- في خ: \"قيس\".\n[¬٢]- سقط من: ز.","vol":"12","page":219},{"text":"﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَينِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالمِينَ (٩) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (١٠) ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَال لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالتَا أَتَينَا طَائِعِينَ (١١) فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَينِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (١٢)﴾\nهذا إنكار من الله على المشركين الذين عبدوا معه غيره، وهو الخالق لكل شيء، القاهر لكل شيء، المقدَّر لكل شيء، فقال: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَينِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا﴾ أي: نظراء وأمثالًا تعبدونها معه، ﴿ذَلِكَ رَبُّ الْعَالمِينَ﴾ أي: الخالق للأشياء هو رب العالمين كلهم.\nوهذا المكان فيه تفصيل لقوله تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾، ففصّل هاهنا ما يختص بالأرض مما اختص بالسماء، فذكر أنه خلق الأرض أولًا لأنها كالأساس، والأصل أن يُبْدَأ بالأساس، ثم بعده بالسقف، كما قال: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ الآية. فأما قوله: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (٢٧) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (٢٨) وَأَغْطَشَ لَيلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا (٢٩) وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (٣٠) أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا (٣١) وَالْجِبَال أَرْسَاهَا (٣٢) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (٣٣)﴾ ففي هذه الآية أن دَحْيَ الأرض كان بعد خلق السماء فالدَّحْيُ هو مفسر بقوله: ﴿أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا﴾، وكان هذا بعد خلق السماء، فأما خلق الأرض فقبل خلق السماء بالنص، وبهذا أجاب ابن عباس فيما ذكره البخاري عند تفسير هذه الآية من صحيحه، فإنه قال:\nوقال المنهال: عن سعيد بن جبير قال: قال رجل لابن عباس: إني أجدُ في القرآن أشياء تختلف عليّ، قال: ﴿فَلَا أَنْسَابَ بَينَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾، ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾، ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾، ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾، فقد كتموا في هذه الآية؟ وقال: ﴿أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا﴾، إلي قوله: ﴿دَحَاهَا﴾، فذكر خَلْقَ\n_________\n= لن يدخل أحدٌ الجنة بعمله، بل برحمة الله تعالى (٢٨١٦) كلاهما من حديث أبي هريرة.\nوأخرجه البخاري في الرقاق من الموضع السابق (٢٤٦٧)، ومسلم في الموضع السابق (٢٨١٨) كلاهما من حديث عائشة وأخرجه مسلم في نفس الموضع (٢٨١٧) من حديث جابر بن عبد الله.","vol":"12","page":220},{"text":"السماء قبل الأرض، ثم قال: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَينِ﴾، إلي قوله: ﴿طائعين﴾، فذكر في هذه خلق الأرض قبل خلق السماء؟ وقال: ﴿وكان الله غفورًا رحيمًا﴾، ﴿عزيزًا حكيمًا﴾، ﴿سميعًا بصيرًا﴾، فكأنه كان ثُمّ مضي.\nقال -يعني ابن عباس-: ﴿فَلَا أَنْسَابَ بَينَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ في النفخة الأولى، ثم ينفخ في الصور، ﴿فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾، فلا أنساب بينهم عند ذلك ولا يتساءلون، ثم [¬١] في النفخة الأخرى ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ وأما قوله: ﴿ما كنا مشركين﴾، ﴿ولا يكتمون الله حديثًا﴾، فإن الله يغفر لأهل الإِخلاص ذنوبهم [¬٢]، فقال المشركون: تعالوا نقول: لم نكن مشركين، فيختم علي أفواههم، فتنطق أيديهم، فعند ذلك يعرف أن الله لا يُكتَمُ حديثًا، وعنده ﴿يود الذين كفروا﴾ الآية. وخلق الأرض في يومين، ثم خلق السماء، ثم استوى إلى السماء فسواهن في يومين آخرين، ثم دَحَى الأرض، ودَحْيُها: أن أخرج منها الماء والمرعي، وخلق الجبال والجماد والآكام وما بينهما في يومين آخرين، فذلك قوله ﴿دحاها [¬٣]﴾، وقوله: ﴿خلق الأرض في يومين﴾ فَخُلِقَتِ الأرض وما فيها من شيء في أربعة أيام، وخلِقَت [¬٤] السموات في يومين ﴿وكان الله غفورًا رحيمًا﴾: سمي نفسه بذلك، وذلك قوله، أي: لم يزل كذلك، فإن الله لم يُرِد شيئًا إلا أصاب به الذي أراده، فلا يختلفَنّ عليك القرآن، فإن كلًّا من عند الله ﷿، قال البخاري (^٧): حدثنيه يوسف بن عَدي، حدثنا عُبَيد الله بن عمرو، عن زيد بن أبي أنيسة، عن المنهال -هو ابن عمرو- بالحديث.\nفقوله: ﴿خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَينِ﴾، يعني: يوم الأحد ويوم الاثنين، ﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا﴾ أي: جعلها مباركة قابلة للخير والبذر والغراس، ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾ وهو: ما يحتاج أهلها إليه من الأرزاق والأماكن التي تزدرع [¬٥] وتغرس، يعني يوم الثلاثاء والأربعاء، فهما مع اليومين السابقين أربعة، ولهذا قال تعالى: ﴿فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ﴾ أي: لمن أراد السؤال عن ذلك ليعلمه.\nوقال مجاهد وعكرمة في قوله: ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾: جعل في كل أرض ما [¬٦] لا يصلح في غيرها، ومنه، العصب باليمن، والسابوري [¬٧] بسابور، والطيالسة بالري.\nوقال ابن عباس، وقتادة، والسدي في قوله تعالى: ﴿سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ﴾ أي: لمن أراد السؤال عن ذلك.\n_________\n(^٧) - في صحيحه، كتاب التفسير، سورة حم السجدة الفتح ٨/ ٥٥٥.\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- في ز: \"ذنبهم\".\n[¬٣]- في ز: \"دحيها\".\n[¬٤]- في ز: \"وخلق\".\n[¬٥]- في ت: \"تزرع\".\n[¬٦]- في ز: \"مما\".\n[¬٧]- في ت: \"السابري\".","vol":"12","page":221},{"text":"وقال ابن زيد: معناه: ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ﴾ أي: علي وفق مراد من له حاجة إلى رزق أو حاجة، فإن الله قَدّر له ما هو محتاج إليه.\nوهذا القول يشبه ما ذكروه في قوله تعالى: ﴿وآتاكم من كل ما سألتموه﴾، والله أعلم.\nوقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾ وهو بخار الماء المتصاعد منه [¬١] خلقت السماء [¬٢] ﴿فَقَال لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾ أي: استجيبا لأمري وانفعلا لفعلي [طائعتين أو مكرهتين] [¬٣].\nقال الثوري: عن ابن جُرَيج، عن سليمان بن موسى، عن مجاهد، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿فَقَال لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾، قال: قال الله تعالى للسماوات: أطلعي شمسي وقمري ونجومي. وقال للأرض: شققي أنهارك، وأخرجي ثمارك. فقالتا: ﴿أَتَينَا طَائِعِينَ﴾ واختاره ابن جرير ﵀.\n﴿قَالتَا أَتَينَا طَائِعِينَ﴾ أي: بل نستجيب لك ميعين بما فينا، مما تريد خلقه من الملائكة والإِنس والجن جميعًا مطيعين لك. حكاه ابن جرير عن بعض أهل العربية. قال: وقيل: تنزيلًا لهن معاملة من يعقل بكلامهما [¬٤].\nوقيل: إن المتكلم من الأرض بذلك هو مكان الكعبة، ومن السماء ما يسامته منها، والله أعلم.\nو[¬٥] قال الحسن البصري: لو أبيا عليه أمره لعذبهما عذابًا يجدان ألمه. رواه إلي أبي حاتم.\n﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَينِ﴾ أي: ففرغ من تسويتهن سبع سماوات في يومين، أي: آخرين، وهما يوم الخميس ويوم الجمعة.\n﴿وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا﴾ أي: ورتب مقررًا في كل سماء ما تحتاج إليه من الملائكة، وما فيها من الأشياء التي لا يعلمها إلا هو، ﴿وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾، وهنّ الكواكب النيرة [¬٦] المشرقة على أهل الأرض، ﴿وَحِفْظًا﴾ أي: حرسًا من الشياطين أن تستمع إلى الملأ الأعلى.\n﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ أي: العزيز الذي قد عَزّ كل شيء فغلبه وقهره، العليم بجميع حركات المخلوقات وسكناتهم.\n_________\n[¬١]- بعده في ت: حين.\n[¬٢]- في ت: \"الأرض\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في ت: \"طائعين أو مكرهين\".\n[¬٤]- في ز: \"لكلامهما\".\n[¬٥]- سقط من: ز.\n[¬٦]- في ت: \"المنيرة\".","vol":"12","page":222},{"text":"قال ابن جرير (^٨): حدثنا هَنّاد بن السري، حدثنا أبو بكر بن عياش، عن أبي سعد [¬١]- البقال، عن عكرمة، عن ابن عباس- قال هَنَّاد: قرأت سائر الحديث- أن اليهود أتت النبي ﷺ فسألته عن خلق السماوات والأرض، فقال: \"خلق الله الأرض يوم [¬٢] الأحد ويوم الاثنين، وخلق الجبال يوم الثلاثاء وما فيهن من منافع، وخلق يوم الأربعاء الشجر والماء والمدائن والعمران والخراب، فهذه أربعة، ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَينِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالمِينَ (٩) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (١٠)﴾: لمن سأل. قال: \"وخلق يوم الخميس السماء، وخلق يوم الجمعة النجوم والشمس والقمر والملائكة إلي ثلاث ساعات بقيت منه، [فخلق في أول ساعة من هذه الثلاثة الأجال، حين يموت من مات] [¬٣]، وفي الثانية ألقى الآفة على كل شيء مما ينتفع به الناس، وفي الثالثة آدم، وأسكنه الجنة، وأمر إبليس بالسجود له، وأخرجه منها في أخر ساعة\". ثم قالت اليهود: ثم ماذا يا محمد؟ قال: \"ثم استوى علي العرش\". قالوا: قد أصبت لو أتممت! قالوا: ثم استراح. فغضب النبي ﷺ غضبًا شديدًا، فنزل: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَينَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ (٣٨) فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾ (^٩).\nهذا الحديث فيه غرابة.\nفأما حديث ابن جريج، عن إسماعيل بن أمية، عن أيوب بن خالد، عن عبد الله بن رافع، عن أبي هريرة قال: أخذ رسول الله ﷺ بيدي فقال: \"خلق الله التربة يوم السبت، وخلق فيها الجبال يوم الأحد، وخلق الشجر يوم الاثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الأربعاء، وبث فيها الدوابّ يوم الخميس، وخلق آدم بعد العصر يوم الجمعة آخر الخَلْق في آخر ساعة من ساعات الجمعة، فيما بين العصر إلى [¬٤] الليل\". فقد [¬٥]، رواه مسلم والنسائي في كتابيهما، من حديث ابن جريج، به. وهو من\n_________\n(^٨) - في تفسيره ٢٤/ ٩٥.\n(^٩) - إسناده ضعيف؛ لضعف أبي سعد البقال، قاله الحافظ في الفتح ٨/ ٥٥٨، والحديث أخرجه عبد الرزاق -كما في الفتح (٨/ ٥٥٨)، والحاكم في المستدرك ٢/ ٥٤٣ من طريق أبي سعد البقال به، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسنناد ولم يخرجاه، وتعقبه الذهبي قائلًا: أبو سعد البقال، قال ابن معين: \"لا يكتب حديثه\".\n_________\n[¬١]- في ت: \"سعيد\".\n[¬٢]- في خ، ز: \"و\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٤]- سقط من: خ.\n[¬٥]- في ت: \"وقد\".","vol":"12","page":223},{"text":"غرائب الصحيح، وقد عَلَّله البخاري في التاريخ فقال: رواه بعضهم عن أبي هريرة، عن كعب الأحبار، وهو أصح [¬١] (^١٠).\n_________\n(^١٠) - هذا الحديث أخرجه أحمد ٢/ ٣٢٧، ومسلم في كتاب صفات المنافقين وأحكامهم من صحيحه، باب: ابتداء الخلق، وخلق آدم ﵇ (٢٧٨٩)، والنسائي في الكبرى (١١٠١٠)، وأبو يعلى (١٠/ ٥١٣، ٥١٤)، والبيهقي في الأسماء والصفات (٨١٢) وغيرهم من طريق ابن جريج عن إسماعيل بن أمية عن أيوب بن خالد، عن عبد الله بن رافع عن أبي هريرة به.\nقال المصنف في البداية والنهاية (١/ ١٨): وقد تكلم في هذا الحديث علي بن المديني والبخاري والبيهقي وغيرهم من الحفاظ ا هـ.\nقلت: حاصل هذا الكلام أن ابن المديني يري أن إسماعيل بن أمية لم يأخذ هذا الحديث عن شيخه أيوب بن خالد مباشرة، ولكن بينهما إبراهيم بن أبي يحيي، وهو متروك، وقد أجاب البيهقي عن هذا الكلام بقوله: وقد تابع إسماعيل بن أمية موسى بن عبيدة الربذي عن أيوب بن خالد، إلا أن موسى بن عبيدة ضعيف، وروي عن بكر بن الشرود عن إبراهيم بن أبي يحيي عن صفوان بن سليم عن أيوب بن خالد به، وإسناده ضعيف والله أعلم. ا هـ. قال الشيخ الألباني ردًّا علي كلام ابن المديني: هذه دعوي عارية عن الدليل، إلا مجرد الرأي، وبمثله لا ترد رواية إسماعيل بن أمية، فإنه ثقة ثبت ا هـ. الصحيحة (١٨٣٣).\nأما البخاري فيرى أن هذا الحديث من مسند كعب الأحبار حيث قال في التاريخ (١/ ٤١٣)، وقال بعضهم: عن أبي هريرة عن كعب وهو أصح. ا هـ. قال الشيخ المعلمي في كتابه \"الأنوار الكاشفة\" ردًّا علي كلام البخاري هذا: لم يرتض البخاري قول شيخه ابن المديني، وأعل الخبر بأمر آخر. . ومؤدي صنيعه أن يحدس أن أيوب أخطأ وهذا الحدس مبني علي ثلاثة أمور: الأول استنكار الخبر لما مر. الثاني: أن أيوب ليس بالقوي، وهو مقل لم خرج له مسلم إلا هذا الحدث كما يُعلم من الجمع بين رجال الصحيحين، وتكلم فيه الأزدي ولم ينقل توثيقه عن أحد من الأئمة إلا ابن حبان ذكره في الثقات، وشرط ابن حبان في التوثيق فيه تسامح معروف. الثالث: الرواية التي أشار إليها بقوله: \"وقال بعضهم\" وليته ذكر سندها ومتنها فقد تكون ضعيفة في نفسها وإنما قويت عنده للأمرين الآخرين. ويدل علي ضعفها أن المحفوظ عن كعب وعبد الله بن سلام ووهب بن منبه ومن يأخذ عنهم أن ابتداء الخلق كان يوم الأحد، وهو قول أهل الكتاب المذكور في كتبهم وعليه بنوا قولهم في السبت. انظر الأسماء والصفات ص ٢٧٢، ص ٢٧٥ وأوائل تاريخ ابن جرير، وفي الدر المنثور (٣/ ٩١): \"أخرجه ابن أبي شيبة عن كعب قال: بدأ الله بخلق السموات والأرض يوم الأحد والاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس والجمعة وجعل كل يوم ألف سنة\" وأسنده ابن جرير في أوائل التاريخ ١/ ٢٢ ط - الحسينية\" واقتصر علي أوله. فهذا يدفع أن يكون ما في الحديث من قول كعب. ا هـ المعلمي الأنوار الكاشفة ص ١٨٩ - ١٩٠ وقال الشيخ الألباني ردًّا علي كلام البخاري: وهذا كسابقه فمن هذا البعض؟ وما حاله في الضبط والحفظ حتى يُرجح علي رواية عبد الله بن رافع؟ وقد وثقه النسائي وابن حبان، واحتج به مسلم وروي عنه جمع، ويكفي في صحة الحديث أن ابن معين رواه ولم يعله بشيء! ا هـ هذا وقد استظهر المصنف في البداية والنهاية (١/ ١٨ - ١٩) قول الإمام البخاري فراجع كلامه هناك. ولابن جريج في هذا الحديث إسناد آخر. =\n_________\n[¬١]- في ت: \"الأصح\".","vol":"12","page":224},{"text":"﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ (١٣) إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَينِ أَيدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا تَعْبُدُوا إلا اللَّهَ قَالُوا لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (١٤) فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (١٥) فَأَرْسَلْنَا عَلَيهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَي وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ (١٦) وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَينَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَي عَلَي الْهُدَي فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٧) وَنَجَّينَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (١٨)﴾\nيقول تعالى: قل يا محمد لهؤلاء المشركين المكذبين بما جئتهم به من الحق: إن أعرضتم عما جئتكم به من عند الله، فإني أنذركم حُلولَ نقمة الله بكم، كما حلت بالأمم الماضين من المكذبين بالمرسلين، ﴿صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ أي: ومن شاكلهما [¬١] ممَّن فعل كفعلها، ﴿إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَينِ أَيدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾، كقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَينِ يَدَيهِ وَمِنْ خَلْفِهِ﴾ أي: في القرى المجاورة لبلادهم، بعث الله إليهم الرسل يأمرون بعبادة الله وحده لا شريك له، ومبشرين ومنذرين، ورأوا ما أحل الله بأعدائه من النقم، وما ألبس أولياءه من النعم، ومع هذا ما آمنوا ولا صدقوا، بل كذبوا وجَحَدوا، وقالوا: ﴿لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً﴾ أي: لو شاء [¬٢] أرسل الله رسلًا لكانوا ملائكة من عنده، ﴿فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ﴾ أي: أيها البشر\n_________\n= فقد أخرجه النسائي في الكبرى (١١٣٩٢) من طريق الأخضر بن عجلان عن ابن جريج عن عطاء عن أبي هريرة به. وهذه الطريق غير محفوظة تفرد بها الأخضر بن عجلان، وخالف بها أصحاب ابن جريج، منهم حجاج بن محمد وهشام بن يوسف، وحجاج أثبت الناس في ابن جريج انظر شرح العلل لابن رجب ص ٢٧٢ ويشبه أن يكون الأخضر قد روي هذا الحديث عن ابن جريج على الجادة. فعامة رواية ابن جريج عن عطاء عن أبي هريرة، فسلكها الأخضر ووهم فيها. قال الذهبي في العلو (٧٥) بعد أن ذكر هذا الحديث من طريق الأخضر: الأخضر ثقة، وثقه ابن معين وقال أبو حاتم: كتب حديثه. ولينه الأزدي، وحديثه في السنن الأربعة وهذا الحديث غريبٌ من أفراده ا هـ.\n_________\n[¬١]- في ز: \"شاكلها\".\n[¬٢]- سقط من خ.","vol":"12","page":225},{"text":"﴿كَافِرُونَ﴾ أي: لا نتبعكم وأنتم بشر مثلنا. قال الله تعالى: ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ أي: بغوا وعَتَوا وعَصَوا، ﴿وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ أي: مَنّوا بشدة تركيبهم وقواهم، واعتقدوا أنهم يمتنعون بها من بأس الله! ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ أي: أفما يتفكرون فيمن يبارزون بالعداوة؟ فإنه العظيم الذي خلق الأشياء وركب فيها قواها الحاملة لها، وإن بطشه شديد، كما قال تعالى: ﴿والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون﴾، فبارزوا الجبار بالعداوة، وجحدوا بآياته وعصوا رسوله، فلهذا قال: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا﴾، قال بعضهم: وهي الشديدة الهبوب. وقيل: الباردة. وقيل: هي التي لها صوت.\nوالحق: أنها متصفة بجميع ذلك، فإنها كانت ريحًا شديدة قوية؛ لتكون عقوبتهم من جنس ما اغتروا به من قواهم، وكانت باردة شديدة البرد جدًّا [كقوله تعالى: ﴿بريح صرصر عاتية﴾ أي: باردة شديدة] [¬١] وكانت ذات صوت مزعج، ومنه سمى النهر المشهور ببلاد المشرق \"صرصر\" لقوة صوت جريه.\nوقوله: ﴿فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ﴾ أي: متتابعات، ﴿سبع ليال وثمانية أيام حسومًا﴾ كقوله: ﴿في يوم نحس مستمر﴾ أي: ابتُدِئوا بهذا العذاب في يوم نحس عليهم، واستمر بهم هذا النحس سبع ليال وثمانية أيام، حتى أبادهم عن آخرهم، واتصل بهم خزي الدنيا بعذاب الآخرة، ولهذا قال تعالى: ﴿لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى﴾ أي: أشد خزيًا لهم [¬٢]. ﴿وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ﴾ أي: في الأخرى كما لم ينصروا في الدنيا، وما كان لهم من الله من واق يقيهم العذاب ويدرأ [¬٣] عنهم النكال.\nوقوله: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ﴾، قال ابن عباس، وأبو العالية، وسعيد بن جبير، وقتادة، والسدي، وابن زيد: بيّنا لهم. وقال الثوري: دعوناهم. ﴿فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ أي: بَصَّرناهم، وبَيَّنا لهم، ووضَّحنا لهم الحقّ على لسان نبيهم صالح ﷺ فخالفوه وكذبوه، وعقروا ناقة الله التي جعلها آية وعلامة على صدق نبيهم، ﴿فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ﴾ أي: بعث الله عليهم صيحة ورَجْفَةً وذلًّا وهوانًا وعذابًا ونكالًا ﴿بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ أي: من التكذيب والجحود ﴿وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي: من بين أظهرهم، لم يَمَسّهم سوء، ولا نالهم من ذلك ضرر، بل نجاهم الله مع نبيهم صالح بإيمانهم، وتقواهم لله ﷿.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٢]- في ز: \"بهم\".\n[¬٣]- في ز: \"ويزرأ\".","vol":"12","page":226},{"text":"﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (١٩) حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٠) وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَينَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيهِ تُرْجَعُونَ (٢١) وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ (٢٢) وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣) فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ (٢٤)﴾\nيقول تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ أي: اذكر لهؤلاء المشركين يوم يحشرون إلى النار، ﴿يوزعون﴾ أي: تجمع الزبانية أولهم على آخرهم، كما قال تعالى: ﴿ونسوق المجرمين إلى جهنم وردًا﴾ أي: عطاشًا.\nوقوله: ﴿حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا﴾ أي: وقفوا عليها، ﴿شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أي: بأعمالهم مما قدموه وأخَّروه، لا يُكتَم [¬١] منه حرف.\n﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا﴾، أي: لاموا أعضاءهم وجلودهم حين شهدوا عليهم، فعند ذلك أجابتهم الأعضاء: ﴿قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ أي: فهو لا يخالف ولا يمانع، وإليه ترجعون.\nقال الحافظ أبو بكر البزار (^١١): حدثنا [محمد بن] [¬٢] عبد الرحيم، حدثنا علي بن قادم، حدثنا شريك، عن عُبَيد المكتب، عن الشعبي، عن أنس بن مالك ﵁ قال: ضحك رسول الله ﷺ ذات يوم، أو تبسّم، فقال: \"ألا تسألوني عن أبي شيء ضحكت؟ \". قالوا: يا رسول الله، من أي شيء ضحكت؟ قال: \"عَجبتُ من مجادلة العبد ربَّه يوم القيامة، يقول: أي ربي، أليس وعدتني أن لا تظلمني؟ قال: بلى.\n_________\n(^١١) - وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (١٨٤٥٤) عن محمد بن عبد الرحيم، والحاكم (٤/ ٦٠١) من طريق إبراهيم بن أبي العنبس كلاهما عن علي بن قادم به وقال الحاكم: حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، قلت: قد أخرجه مسلم كما سيأتي.\n_________\n[¬١]- في ز: \"نكتم\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.","vol":"12","page":227},{"text":"فيقول: فإني لا أقبل عليّ شاهدًا إلا من نفسي. فيقول الله ﵎: أو ليس كفى بي شهيدًا، وبالملائكة الكرام الكاتبين؟ قال: فيردد هذا الكلام مرارًا. قال: فيختم على فيه، وتتكلم أركانه بما كان يعمل، فيقول: بُعدًا لَكُنَّ وسُحْقًا!! عنكن كنت أجادل\".\nثم رواه هو وابن أبي حاتم من حديث أبي عامر الأسدي، عن الثوري، عن عُبَيد المكتب، عن فُضيَل بن عمرو، عن [¬١] الشعبي، ثم قال: لا نعلم رواه عن أنس غير الشعبي. وقد أخرجه مسلم والنسائي جميعًا عن أبي بكر بن أبي النضر، [عن أبي النضر] [¬٢] عن عُبَيد الله بن عبد الرحمن الأشجعي، عن الثوري، به. ثم قال النسائي: لا أعلم أحدًا رواه عن الثوري غير الأشجعي. وليس كما قال كما رأيت، والله أعلم (^١٢).\nوقال ابن أبي حاتم (^١٣): حدثنا أبي، حدثنا أحمد بن إبراهيم، حدثنا إسماعيل بن عُلَية، عن يونس بن عُبيد، عن حُمَيد بن هلال قال: قال أبو بردة: قال أبو موسى: ويدعى الكافر والمنافق للحساب، فَيَعرض عليه ربه ﷿ عمله، فيجحد ويقول: أي ربّ، وعزتك لقد كتب عليّ هذا الملك ما لم أعمل! فيقول له الملك: أما عملت كذا، في يوم كذا، في مكان كذا؟ فيقول: لا وعزتك، أي ربّ ما عملته. فإذا فَعَل [¬٣] ذلك خُتِم على فيه، قال الأشعري: فإني لأحسب أول ما ينطق منه فخذه اليمنى.\nوقال الحافظ أبو يعلى (^١٤): حدثنا زهير، حدثنا حسن، عن ابن لهيعة، قال دراج عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ قال: \"إذا كان يوم القيامة، عُرِّف الكافر بعمله، فجحد وخاصم، فيقال: هؤلاء جيرانك يشهدون عليك؟ فيقول: كذبوا. فيقول: أهلك عشيرتك؟ فيقول: كذبوا. فيقول: احلفوا. فيحلفون، ثم يصمتهم الله وتشهد عليهم [¬٤] ألسنتهم، ويدخلهم النار\".\nو[¬٥] قال ابن أبي حاتم (^١٥): وحدثنا أبي، حدثنا أحمد بن إبراهيم، حدثنا عبد الصمد بن\n_________\n(^١٢) - صحيح مسلم، في آخر كتاب الزهد والرقائق (٢٩٦٩)، والنسائي في الكبرى (١١٦٥٣).\n(^١٣) - التفسير (١٨٤٥٥).\n(^١٤) - المسند (١٣٩٢)، وإسناده ضعيف؛ لضعف رواية دراج وهو أبو السمح عن شيخه أبي الهيثم وقد توبع ابن لهيعة عليه. فأخرجه الطبري في تفسيره ١٨/ ١٠٥ من طريق آخر عن دراج به. قال الإمام أحمد كما في الكامل لابن عدي - ترجمة دراج - أحاديث دراج عن أبي الهيثم فيها ضعف، وقال الآجري - كما في تهذيب الكمال - عن أبي داود: أحاديث دراج مستقيمة إلا ما كان عن أبي الهيثم عن أبي سعيد.\n(^١٥) - التفسير (١٨٤٥٦).\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- في خ: \"فيه\".\n[¬٣]- في ز: \"تعمل\".\n[¬٤]- سقط من: ز.\n[¬٥]- سقط من: ز.","vol":"12","page":228},{"text":"عبد الوارث سمعت أبي، حدثنا علي بن زيد، عن مسلم بن صبيح أبي الضُّحى، عن ابن عباس: أنه قال لابن الأزرق: إن يوم القيامة يأتي على الناس منه حين، لا ينطقون [¬١] ولا يعتذرون ولا يتكلمون حتى يؤذن لهم، ثم يؤذن لهم فيختصمون، فيجحد الجاحد بشركه بالله، فيحلفون له كما يحلفون لكم، فيبعث الله عليهم حين يجحدون شهداء من أنفسهم، جلودَهم وأبصارَهم وأيديَهم وأرجلَهم، ويختم على أفواههم، ثم يفتح لهم الأفواه فتخاصم الجوارحَ، فتقول: ﴿أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾، فتقر الألسنة بعد الجحود.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عَبْدَة بن سليمان، حدثنا ابن المبارك، حدثنا صفوان بن عمرو، عن عبد الرحمن بن جُبَير الحضرمي، عن رافع أبي الحسن - وَصف رجلًا جحد - قال: فيشير الله إلى لسانه، فيربو في فيه [¬٢]، حتى يملأه، فلا يستطيع أن ينطق بكلمة، ثم يقول لآرابه كلها: تكلمي واشهدي عليه. فيشهد عليه سمعه وبصره وجلده وفرجه ويداه ورجلاه: صنعنا، عملنا، فعلنا.\nوقد تقدم أحاديث كثيرة، وآثار [¬٣] عند قوله تعالى في سورة يس: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾، بما أغنى عن إعادته هاهنا.\nوقال ابن أبي حاتم (^١٦) ﵀: حدثنا أبي، حدثنا سُوَيد بن سعيد، حدثنا يحيى بن سُلَيم الطائفي، عن ابن خُثَيم، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله قال: لما رَجَعت إلى النبي ﷺ مُهَاجرَةُ البحر قال: \"ألا تحدثون بأعاجيب ما رأيتم بأرض الحبشة؟ \". فقال فتية منهم: بلى يا رسول الله، بينا نحن جلوس إذ مرت علينا عجوز من عجائز رهابينهم، تحمل على رأسها قلة من ماء، فمرت بفتى منهم، فجعل إحدى يديه بين كتفيها، ثم دفعها فخرت على ركبتيها، فانكسرت قلتها. فلما ارتفعت التفتت إليه فقالت: سوف تعلم يا غُدَر إذا وضع الله الكرسيّ، وجمع الأولين والآخرين، وتكلمت الأيدي والأرجل بما كانوا يكسبون، فسوف تعلم كيف أمري وأمرك عنده غدًا. قال: يقول رسول الله ﷺ: \"صَدَقتْ، صدقت، كيف يُقَدّس الله [¬٤] قومًا لا يؤخذ بضعيفهم من شديدهم؟ \". هذا حديث غريب من هذا الوجه.\nورواه ابن أبي الدنيا في \"كتاب الأهوال\": أخبرنا إسحاق بن إبراهيم قال: أخبرنا يحيى بن سليم، به (^١٧).\n_________\n(^١٦) - التفسير (١٨٤٥٧).\n(^١٧) - الأهوال (٢٤٣). والحديث أخرجه ابن ماجه (٤٠١٠)، وابن حبان (٥٠٥٨، ٥٠٥٩) =\n_________\n[¬١]- في ز: \"ينطلقون\".\n[¬٢]- في ت: \"فمه\".\n[¬٣]- في ز: \"آيات\".\n[¬٤]- سقط من: خ، ز.","vol":"12","page":229},{"text":"وقوله: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ﴾ أي: تقول لهم الأعضاء والجلود حين يلومونها على الشهادة عليهم: ماكنتم تتكتّمون منا [¬١] الذي كنتم تفعلونه، بل كنتم تجاهرون الله بالكفر والمعاصي، ولا تبالون منه في زعمكم، لأنكم كنتم لا تعتقدرن أنه يعلم جميع أفعالكم، ولهذا قال: ﴿وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ (٢٢) وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ﴾، أي: هذا الظن الفاسد - وهو اعتقادكم أن الله لا يعلم كثيرًا مما تعملون - هو الذي [¬٢] أتلفكم وأرداكم عند ربكم، ﴿فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾، أي: في مواقف القيامة خسرتم أنفسكم وأهليكم.\nقال الإِمام أحمد ﵀ (^١٨): حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن عُمَارة، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن عبد الله قال: كنت مستترًا بأستار الكعبة فجاء ثلاثة نفر: قرشي، وخَتْناه ثَقَفيّان [¬٣]-أو: ثَقَفي [¬٤] وخَتناه قُرشيَّان- كثير شحم بطونهم، قليل فقه قلوبهم. فتكلموا بكلام لم أسمعه، فقال أحدهم: أترَون أن الله يسمع كلامنا هذا؟ فقال الآخر: إنا إذا رفعنا أصواتنا سمعه، وإذا لم نرفعه لم يسمعه. فقال الآخر [¬٥]: إن سمع منه شيئًا سَمعه كله. قال: فذكرت ذلك للنبي ﷺ فأنزل الله ﷿: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ﴾، إلى قوله: ﴿مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾.\nوكذا رواه الترمذي عن هناد عن أبي معاوية بإسناده نحوه (^١٩).\nوأخرجه أحمد ومسلم والترمذي أيضًا، من حديث سفيان الثوري، عن الأعمش، عن عُمَارة بن عُمَير، عن وهب بن ربيعة، عن عبد الله بن مسعود ﵁ بنحوه (^٢٠).\n_________\n= والخطيب في تاريخه ٧/ ٣٩٦ من طريق مسلم بن خالد، والفضل بن العلاء - كلاهما - عن ابن خثيم عن أبي الزبير عن جابر به، وهذا الإسناد حسن، ابن خثيم من رجال مسلم. وللحديث شواهد من حديث بريدة بن الحصيب، وابن عباس وعبد الله بن عمرو وغيرهم. أخرجه ابن أبي شيبة ٦/ ٥٩٢، وابن أبي عاصم ١/ ٢٥٧، والطبراني (١١٢٣٠)، ١٩/ ٣٨٥، والبيهقي ٦/ ٩٥، وأبو نعيم في الحلية ٦/ ١٢٨.\n(^١٨) - المسند (١/ ٣٨١) (٣٦١٤)، (١/ ٤٢٦) (٤٠٤٧)، (١/ ٤٤٢) (٤٢٢٢).\n(^١٩) - أخرجه الترمذي في كتاب التفسير من جامعه باب: \"ومن سورة حم\" حديث (٣٢٤٩).\n(^٢٠) - أخرجه أحمد (١/ ٤٠٨) (٣٨٧٥)، (١/ ٤٤٢) (٤٢٢١)، (١/ ٤٤٣) (٤٢٣٨)، ومسلم في كتاب صفات المنافقين وأحكامهم من صحيحه، حديث (٢٧٧٥/ ٥)، والترمذي عقب الحديث رقم (٣٢٤٩) من الموضع السابق.\n_________\n[¬١]- في ز: \"من\".\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- في ز: \"ثقيفيان\".\n[¬٤]- في ز: \"ثقيفى\".\n[¬٥]- في ز: \"الآخران\".","vol":"12","page":230},{"text":"ورواه البخاري ومسلم أيضًا، من حديث السفيانين، عن منصور، عن مجاهد، عن أبي معمر عبد الله بن سَخْبرة، عن ابن مسعود، به (^٢١).\nوقال عبد الرزاق (^٢٢): أخبرنا مَعمر، عن بَهْز بن حكيم، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﷺ في قوله: ﴿أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ﴾، قال: \"إنكم تُدعَون مُفَدَّمًا على أفواهكم بالفِدَام، فأول شيء يبين عن أحدكم فخذه وكفه\".\nقال معمر: وتلا الحسن: ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ﴾، ثم قال: قال رسول الله ﷺ: \"قال الله: أنا مع عبدي عند ظنه بي، وأنا معه إذا دعاني\" (^٢٣). ثم افترّ الحسن ينظر في [¬١] هذا، فقال: ألا إنما عمل الناس على قدر ظنونهم بربهم، فأما المؤمن فأحسنَ الظنَّ بربه فأحسنَ العملَ، وأما الكافر والمنافق فأساءا [¬٢] الظنّ بالله فأساءا [¬٣] العمل. ثم قال: قال الله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ\n_________\n(^٢١) - أخرجه البخاري في التفسير من صحيحه، باب: ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ …﴾ الآية حديث (٤٨١٧) في كتاب التوحيد من صحيحه باب: ﴿وما كنتم تستترون …﴾ الآية، وأخرجه مسلم في كتاب صفات المنافقين وأحكامهم حديث (٢٧٧٥/ ٥) من طريق الثوري - وحده - عن منصور به والحديث أخرجه أيضًا الحميدي في مسنده (٨٧) عن ابن عيينة، وأحمد ١/ ١٤٣ (٤٢٣٨) من طريق الثوري، والنسائي في الكبرى (١١٤٦٨) من طريق السفيانين - كلاهما - عن منصور به، ورواه البخاري في كتاب التفسير باب: ﴿وما كنتم تستترون أن يشهد …﴾ الآية حديث (٤٨١٦) من طريق آخر عن منصور به.\n(^٢٢) - إسناده حسن؛ أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (٣/ ١٨٥)، وفي المصنف (٢٠١١٥) ١١/ ١٣٠ ومن طريقه النسائي في الكبرى (١١٤٦٩).\nوأخرجه أحمد (٥/ ٤)، والنسائي في الزكاة، باب: وجوب الزكاة (٥/ ٤ - ٥)، وباب من سأل بوجه الله ﷿ (٥/ ٨٢ - ٨٣)، وابن المبارك في الزهد (٩٨٧)، والطبراني في الكبير (٩٦٩ - ٩٧٧) ١٩/ ٤٠٧ - ٤٠٩ من طرق عن بهز بن حكيم عن أبيه به.\nوأخرجه أحمد (٤/ ٤٤٦)، (٥/ ٣)، والنسائي في الكبرى (١١٤٣١)، والطبراني في الكبير (١٠٣٦ - ١٠٣٨) (١٩/ ٤٢٦ - ٤٢٨) من طريق آخر عن حكيم به مطولًا ومختصرًا.\n(^٢٣) - أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٣/ ١٨٥ عن معمر بهذا السياق وهو مرسل وأصله في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة، فأخرجه البخاري في كتاب التوحيد باب ما يذكر في الذات والنعوت، حديث رقم (٧٤٠٥)، ومسلم في كتاب الذكر والدعاء، باب: الحث على ذكر الله تعالى حديث رقم (٢٦٧٥) كلاهما من طريق الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة به.\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- في ز: \"فأسيا\".\n[¬٣]- في ز: \"فأسيا\".","vol":"12","page":231},{"text":"ولا أبصاركم﴾، إلى قوله: ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (^٢٤).\nوقال الإِمام أحمد: حدثنا النضر بن إسماعيل القاص - وهو أبو المغيرة - حدثنا ابن أبي ليلى، عن أبي الزبير، عن جابر قال: قال [¬١] رسول الله ﷺ: \"لا يموتن أحد منكم إلا وهو يحسن [¬٢] بالله الظن، فإن قومًا قد [¬٣] أرداهم سوء ظنهم بالله، فقال الله تعالى: ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ \" (^٢٥).\nوقوله: ﴿فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾ أي: سواء عليهم أصبروا أم لم يصبروا هم في النار، لا محيد لهم عنها، ولا خروج لهم منها. وإن طلبوا أن يستعتبوا ويبدوا أعذارًا فما لهم أعذار، ولا تقال لهم عثرات.\nقال ابن جرير: ومعنى قوله: ﴿وإن يستعتبوا﴾ أي: يسألوا الرجعة إلى الدنيا، فلا جواب لهم، قال: وهذه كقوله تعالى إخبارًا عنهم: ﴿قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ (١٠٦) رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ (١٠٧) قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾.\n﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَينَ أَيدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ (٢٥) وَقَال الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ (٢٦) فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَابًا شَدِيدًا وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٧) ذَلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ النَّارُ لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ جَزَاءً بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (٢٨)\n_________\n(^٢٤) - عبد الرزاق في تفسيره (٣/ ١٨٥).\n(^٢٥) - حديث صحيح وهذا الإسناد ضعيف. النضر ضعفه غير واحد، وقال ابن حبان: كان ممن فحش خطؤه، وكثر وهمه. استحق الترك من أجله وقال ابن معين: ليس بشيء. والحديث أخرجه أحمد ٣/ ٣٩٠، وابن أبي الدنيا في حسن الظن بالله حديث رقم (٤) من طريق النضر به وأخرجه أحمد ٣/ ٣٢٥، ٣/ ٣٣٤، ومسلم في كتاب الجنة وصفة نعيمها باب الأمر بحسن الظن بالله تعالى عند الموت، حديث (٢٨٧٧) (٨٢)، وعبد بن حميد (١٠٤١) من طريق ابن جريج. وواصل عن أبي الزبير به، وأخرجه أحمد ٣/ ٢٩٣، ٣١٥، ٣٣٠ وعبد بن حميد ١٠١٥، ومسلم في الموضع السابق حديث رقم (٢٨٧٧) (٨١)، وأبو داود (٣١١٣)، وابن ماجه (٤١٦٧) من طريق آخر عن جابر به.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- في ز: \"محسن\".\n[¬٣]- سقط من: ز.","vol":"12","page":232},{"text":"وَقَال الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا اللَّذَينِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ (٢٩)﴾\nيذكر تعالى أنه هو الذي [¬١] أضل المشركين، وأن ذلك بمشيئته وكونه وقدرته، وهو الحكيم في أفعاله، بما قَيّض لهم من القُرَناء من شياطين الإنس والجن، ﴿فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ أي: حَسَّنوا لهم أعمالهم في الماضي [¬٢]، وبالنسبة إلى المستقبل فلم يروا أنفسهم إلا محسنين، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (٣٦) وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾.\nوقوله تعالى: ﴿وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ﴾ أي: كلمة العذاب كما حَقّ [¬٣] على أمم قد خلت من قبلهم، ممن فعل كفعلهم، من الجن والإِنس، ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ﴾ أي: استَوَوْا هم وإياهم في الخَسَار والدمار.\nوقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ﴾ أي: تواصوا فيما بينهم أن لا يطيعوا للقرآن، ولا ينقادوا لأوامره، ﴿وَالْغَوْا فِيهِ﴾ أي: إذا تُلي لا تستمعوا له. كما قال مجاهد: ﴿وَالْغَوْا فِيهِ﴾، يعني بالمُكاء والصفير والتخليط في المنطق على رسول الله ﷺ إذا قرأ القرآن، قريش تفعله.\nوقال الضحاك عن ابن عباس: ﴿وَالْغَوْا فِيهِ﴾: عيبوه.\nوقال قتادة: اجحدوا به، وأنكروه وعادوه.\n﴿لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾: هذا حال هؤلاء الجهلة من الكفار، ومن سلك مسلكهم عند سماع القرآن. وقد أمر الله سبحانه عباده المؤمنين بخلاف ذلك فقال: ﴿وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون﴾ ثم قال تعالى منتصرًا للقرآن، ومنتقمًا ممن عاداه من أهل الكفران: ﴿فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَابًا شَدِيدًا﴾ أي: في مقابلة ما اعتمدوه في القرآن وعند سماعه، ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أي: بشر أعمالهم، وسَيِّئ فعالهم [¬٤] ﴿ذَلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ النَّارُ لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ جَزَاءً بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (٢٨) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ﴾.\nقال سفيان الثوري عن سلَمَة بن كُهَيل، عن مالك بن الحُصَين الفَزَاري، عن أبيه، عن علي ﵁ في قوله: ﴿اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا﴾ قال: إبليس وابن آدم الذي قتل أخاه.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- في خ، ز: \"المعاصي\".\n[¬٣]- في ز: \"حقق\".\n[¬٤]- في ت: \"أفعالهم\".","vol":"12","page":233},{"text":"وهكذا روى [¬١] حبة العرني عن عليّ مثل ذلك.\nوقال السدي: عن علي: فإبليس يدعو به كلّ صاحب شرك، وابن آدم يدعو به كل صاحب كبيرة، فإبليس - لعنه الله - هو الداعي إلى كل شر من شرك فما دونه، وابن آدم الأول. كما ثبت في الحديث: \"ما قُتِلت نفس ظلمًا إلا كان على ابن آدم الأول كِفْل من دمها؛ لأنه أول من سن القتل\" (^٢٦).\nوقوله: ﴿نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا﴾ أي: أسفل منا في العذاب ليكونا أشد عذابًا منا، ولهذا قالوا: ﴿لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ﴾ أي: في الدرك الأسفل من النار، كما تقدم في \"الأعراف\" من سؤال الأتباع من الله أن يعذب قادتهم أضعافَ عذابهم، قال: ﴿لكل ضعف ولكن لا تعلمون﴾ أي: إنه تعالى قد أعطى كلًّا منهم ما يستحقه من العذاب والنكال، بحسب عمله وإفساده، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ﴾.\n﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢)﴾\nيقول تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ أي: أخلصوا العمل لله، وعملوا بطاعة الله تعالى على ما شرع اللَّه لهم.\nقال الحافظ أبو يعلى الموصلي (^٢٧): حدثنا الجراح، حدثنا سَلْم [¬٢] بن قتيبة أبو قتيبة الشَّعيري، حدثنا سُهَيل بن أبي حَزْم، حدثنا ثابت، عن أنس بن مالك قال: قرأ علينا رسول الله ﷺ هذه الآية: \" ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾، قد قالها ناس [¬٣] ثم كفر أكثرهم، فمن قالها حتى يموت فقد استقام عليها\".\n_________\n(^٢٦) - تقدم تخريجه في سورة المائدة الآية رقم (٣٠).\n(^٢٧) - إسناده ضعيف؛ في إسناده سهيل بن أبي حزم القطعي وهو ضعيف. وهو في مسند أبي يعلى (٦/ ٣٤٩٥) ومن طريقه ابن عدي في الكامل (٣/ ١٢٨٨) وأخرجه الترمذي (٣٢٥٠) في كتاب التفسير =\n_________\n[¬١]- في ت: \"رواه\".\n[¬٢]- في ز: \"مسلم\".\n[¬٣]- في ز: \"قوم\".","vol":"12","page":234},{"text":"وكذا رواه النسائي في تفسيره والبزار وابن جرير عن عمرو بن علي الفلاس عن سلم [¬١] بن قتيبة، به. وكذا رواه ابن أبي حاتم، عن أبيه، عن الفلاس، به [¬٢]. ثم قال ابن جرير:\nحدثنا ابن بشار، حدثنا عبد الرحمن، حدثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن عامر ابن سعد [¬٣]، عن سعيد بن نمران قال: قرأت عند أبي بكر الصديق هذه الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾، قال: هم الذين لم يشركوا بالله شيئًا (^٢٨).\nثم روى من حديث الأسود بن هلال قال: قال أبو بكر ﵁ ما تقولون [¬٤] في هذه الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾؟ قال [¬٥]: فقالوا: ﴿رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ من ذنب. فقال: لقد حملتموها على غير المحمل، ﴿قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾، فلم يلتفتوا إلى إله غيره، وكذا قال مجاهد وعكرمة والسدي وغير واحد.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو عبد الله الظهراني، أخبرنا حفص بن عمر العَدَنيّ، عن الحكم بن أبان، عن عكرمة قال: سئل ابن عباس ﵄: أيّ آية في كتاب الله أرخص؟ قال: قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ على شهادة أن لا إله إلا الله.\nوقال الزهري: تلا عمر هذه الآية على المنبر، ثم قال: استقاموا - والله - لله بطاعته، ولم يروغوا رَوَغَانَ الثعالب.\nوقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: ﴿قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ على أداء فرائضه. وكذا قال قتادة، قال: وكان الحسن يقول: اللَّهم، أنت ربنا، فارزقنا الاستقامة.\nوقال أبو العالية: ﴿ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾: أخلصوا له العمل والدين.\nوقال الإِمام أحمد (^٢٩): حدثنا هشيم، حدثنا يعلى بن عطاء، عن عبد الله بن سفيان\n_________\n= باب: ومن سورة حم السجدة، والنسائي في الكبرى (١١٤٧٠)، من طريق عمرو بن علي الفلاس عن سلم بن قتيبة به. قال أبو عيسى: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه. وزاد السيوطي في الدر نسبته إلى البزار، وابن مردويه، وابن أبي حاتم:\n(^٢٨) - تفسير الطبري (٢٤/ ١١٤).\n(^٢٩) - حديث صحيح. أخرجه أحمد (٤/ ٣٨٤) وأخرجه أيضًا (٣/ ٤١٣) والدارمي (٢٧١٣) والنسائي في الكبرى (١١٤٨٩) من طريق يعلى بن عطاء عن عبد الله بن سفيان عن أبيه به.\n_________\n[¬١]- في ز: \"مسلم\".\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- في ز: \"سعيد\".\n[¬٤]- في ز: \"تقول\".\n[¬٥]- مضبب عليه في: ز.","vol":"12","page":235},{"text":"الثقفي، عن أبيه، أن رجلًا قال: يا رسول الله، مرني بأمر في الإسلام لا أسأل عنه أحدًا بعدك. قال: \"قل: آمنت بالله، ثم استقم\". قلت: فما أتَّقي؟ فأومأ إلى لسانه. ورواه النسائي من حديث شعبة عن يعلى بن عطاء به.\nثم قال الإِمام أحمد (^٣٠): حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا إبراهيم بن سعد، حدثني ابن شهاب، عن محمد بن عبد الرحمن بن ماعز العامري [¬١]، عن سفيان بن عبد الله الثقفي قال: قلت: يا رسول الله، حدثني بأمر أعتصم به. قال: \"قل: ربي الله، ثم استقم\". قلت: يا رسول الله، ما أكثر ما تخاف علي؟ فأخذ رسول الله ﷺ بطرف لسان نفسه، ثم قال: \"هذا\". وهكذا رواه الترمذي وابن ماجه، من حديث الزهري، به. وقال الترمذي: حسن صحيح.\nوقد أخرجه مسلم في صحيحه والنسائي (^٣١)، من حديث هشام بن عروة، عن أبيه، عن سفيان بن عبد الله الثقفي قال: قلت: يا رسول الله، قل لي في الإِسلام قولًا لا أسأل عنه أحدًا بعدك. قال: \"قل: آمنت بالله، ثم استقم\". وذكر تمام الحديث.\nوقوله: ﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ قال مجاهد، والسدي، وزيد بن أسلم، وابنه: يعني عند الموت قائلين ﴿أَلَّا تَخَافُوا﴾ قال مجاهد، وعكرمة، وزيد بن أسلم: أي مما تقدمون [¬٢] عليه من أمر الآخرة، ﴿ولا تحزنوا﴾، على ما خلفتموه من أمر الدنيا، من ولد وأهل، ومال أو دين، فإنا نَخْلفكم فيه، ﴿وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ فيبشرونهم بذهاب الشر [وحصول الخير] [¬٣].\nوهذا كما في حديث البراء ﵁: \"إن الملائكة تقول لروح المؤمن: اخرجي أيتها الروح الطيبة في الجسد الطيب كنت تعمرينه، اخرجي إلى رَوح وريحان، ورب غير غضبان\".\nوقيل: إن الملائكة تتنزل عليهم يوم خروجهم من قبورهم. حكاه ابن جرير عن ابن عباس، والسدي.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا عبد السلام بن مطهر، حدثنا جعفر بن سليمان: سمعت ثابتًا [قرأ سورة \"حم.] [¬٤] السجدة\"، حتى بلغ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا\n_________\n(^٣٠) - مسلم في الإيمان من صحيحه باب جامع أوصاف الإسلام حديث رقم (٦٢) (٣٢)\n(^٣١) - أخرجه أحمد (٣/ ٤١٣)، والدارمي (٢٧١٤)، والترمذي (٢٤١٠)، وابن ماجه (٣٩٧٢)، من طريق الزهري عن محمد بن عبد الرحمن بن ماعز به.\n_________\n[¬١]- في ت: \"الغامدي\".\n[¬٢]- في ز: \"يقدمون\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين بياض في: ز.","vol":"12","page":236},{"text":"اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ﴾. فوقف فقال: بلغنا أن العبد المؤمن حين [¬١] يبعثه الله من قبره يتلقاه ملكاه [¬٢] اللذان كانا معه في الدنيا، فيقولان له: لا تخف ولا تحزن، ﴿وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ قال: فيؤمن الله خوفه، ويُقِرّ عينه، فما عظيمة يَخْشى الناس يوم القيامة إلا هي للمؤمن قُرّة عين، لما هَدَاه الله، ولما كان يعمل له في الدنيا (^٣٢).\nو[¬٣] قال زيد بن أسلم: يبشرونه عند موته وفي قبره وحين يبعث. رواه ابن أبي حاتم. وهذا القول يجمع الأقوال كلها، وهو حسن جدًّا، وهو الواقع.\nوقوله: ﴿نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ أي: [تقول الملائكة للمؤمنين] [¬٤] عند الاحتضار: نحن كنا أولياءكم، أي: قرناءكم في الحياة الدنيا، نُسددكم ونوفقكم، ونحفظكم بأمر الله، وكذلك نكون معكم في الآخرة، نُؤْنس منكم الوحشة في القبور، وعند النفخة في الصور، ونؤمنكم يوم البعث والنشور، ونجاوز بكم الصراط المستقيم، ونوصلكم إلى جنات النعيم. ﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ﴾ أي: في الجنة من جميع ما تختارون مما تشتهيه النفوس، وتقر به العيون، ﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ﴾ [أي: مهما طلبتم وجدتم، وحضر بين أيديكم كما اخترتم] [¬٥]، ﴿نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ [أي: ضيافة وعطاء وإنعاما من غفور لذنوبكم، رحيم بكم رءوف، حيث غفر، وستر، ورحم ولطف.\nوقد ذكر ابن أبي حاتم هاهنا حديث \"سُوق الجنة\" عند قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ [¬٦]، فقال:\nحدثنا أبي، حدثنا هشَام بن عَمّار، حدثنا عبد الحميد بن حَبِيب بن أبي العشْرين أبي سعيد، حدثنا الأوزاعي، حدثني حَسَّان بن عطية، عن سعيد بن المسيب: أنه لقي أبا هريرة، فقال أبو هريرة: نسأل الله أن يجمع بيني وبينك في سُوق الجنة. فقال سعيد: أوَ فيها سوق؟ قال: نعم، أخبرني رسول الله ﷺ: \"أن أهل الجنة إذا دخلوا فيها، نزلوا بفضل أعمالهم، فيؤذن لهم في مقدار يوم الجمعة من أيام الدنيا، فيزورون الله ﷿ ويبرز لهم عرشه، ويَتَبدّى لهم في روضة من رياض الجنة، وتوضع لهم منابر من نور، ومنابر من لؤلؤ، ومنابر من ياقوت، ومنابر من زبرجد، ومنابر من ذهب، ومنابر من\n_________\n(^٣٢) - عزاه السيوطي في الدر (٥/ ٦٨٣) إلى ابن أبي حاتم، وابن المنذر. وإسناده حسن، جعفر بن سليمان تكلم فيه بعضهم من قبل مذهبه في التشيع، ووثقه جماعة.\n_________\n[¬١]- في ز: \"حيث\".\n[¬٢]- في خ: \"الملكان\"\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين في ز: \"يقول للمؤمن الملائكة\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.","vol":"12","page":237},{"text":"فضة، ويجلس أدناهم وما فيهم دَنيء على كثبان المسك والكافور ما يرون بأن أصحاب الكراسي بأفضل منهم مجلسًا\".\nقال أبو هريرة: قلت: يا رسول الله، وهل نَرَى ربنا؟ قال: \"نعم، [هل تمارون في رؤية الشمس والقمر ليلة البدر؟ \" قلنا: لا. قال ﷺ: \"فكذلك لا تتمارون في رؤية ربكم تعالى] [¬١]، ولا يبقى في ذلك المجلس أحد إلا حاضره الله محاضرة، حتى إنه ليقول للرجل منهم: يا فلان بن فلان، أتذكر يوم عملت كذا وكذا؟ -يُذكّره ببعض غَدَراته في الدنيا- فيقول: أي ربّ، أفلم تغفر لي؟ فيقول: بلى، فَبِسَعَة مغفرتي بلغت منزلتك هذه. قال: فبينما هم على ذلك، غَشيتهم سحابة من فوقهم، فأمطرت عليهم طيبًا لم يجدوا مثل ريحه شيئًا قط. قال: ثم يقول ربنا ﷿: قوموا إلى ما أعددتُ لكم من الكرامة، وخذوا ما اشتهيتم. قال: فنأتي سوقا قد حَفَّت به الملائكة، فيها ما لم تنظر العيون إلى مثله، ولم تسمع الآذانُ، ولم يخطر على القلوب. قال: فيحمل لنا ما اشتهينا، ليس يباع فيه شيء ولا يُشترى، وفي ذلك السوق يلقى أهل الجنة بعضُهم بعضًا. قال: فيُقبِلُ الرجل ذو المنزلة الرفيعة، فيلقى من هو دونه - وما فيهم دَنيء فيَرُوعه ما يرى [¬٢] عليه مَن اللباس، فما ينقضي آخر [¬٣] حديثه حتى يَتَمثَّل عليه أحسن منه، وذلك لأنه لا ينبغي لأحد أن يحزن فيها. ثم ننصرف إلى منازلنا، فيتلقانا أزواجنا فيقلن: مرحبًا وأهلًا بحبّنا، لقد جئت وإن بك من الجمال والطيب أفضل مما فارقتنا عليه. فيقول: إنا جالسنا اليوم [ربنا الجبار] [¬٤]﷿ ويَحِقُّنا أن نَنْقَلب بمثل ما انقلبنا به\".\nوقد رواه الترمذي في \"صفة [¬٥] الجنة\" من جامعه، عن محمد بن إسماعيل، عن هشام بن عمار، ورواه ابن ماجة عن هشام بن عمار، به نحوه (^٣٣).\nثم قال الترمذي: \"هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه\".\nوقال الإمام أحمد: حدثنا ابن أبي عدي، عن حُميد، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: \"من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء اللَّه كره الله\n_________\n(^٣٣) - حديث ضعيف. أخرجه الترمذي (٢٥٤٩)، وابن ماجه (٤٣٣٦)، وابن أبي عاصم في السنة (٥٨٥، ٥٨٧)، وابن حبان (٧٤٣٨)، وتمام في فوائده (١٧٨٧)، والعقيلي في الضعفاء ٣/ ٤١ من طريق هشام بن عمار به. =\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٢]- سقط من: خ، ز.\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين في ز: \"الجبار ربنا\".\n[¬٥]- في خ، ز: \"قصة\".","vol":"12","page":238},{"text":"لقاءه\". قلنا: يا رسول الله، كلنا نكره الموت؟ قال: \"ليس ذلك كراهية الموت [¬١]، ولكن المؤمن إذا حُضِر جاءه البشير من الله بما هو صائر إليه، فليس شيء أحبّ إليه من أن يكون قد لقي الله فأحب الله لقاءه\". قال: \"وإن الفاجر -أو الكافر- إذا حُضِر جاءه بما هو صائر إليه من الشر -أو: ما يلقى من الشر- فكره لقاء الله، فكره الله لقاءه\".\nوهذا حديث صحيح وقد ورد في الصحيح من غير هذا الوجه (^٣٤).\n_________\n= وهذا الحديث اختلف فيه على الأوزاعي. فقد رواه عبد الحميد بن حبيب -كما ذكر المصنف- عن الأوزاعي عن حسان بن عطية به، وعبد الحميد بن حبيب لينه غير واحدٍ، وقد خالفه الوليد بن مسلم عند ابن عساكر في تاريخه (٤٠/ ٥)، والهقل بن زياد عند ابن أبي الدنيا في صفة الجنة، باب: سوق الجنة حديث رقم (٢٥٦) كلاهما عن الأوزاعي قال نبئت أن سعيد بن المسيب لقى أبا هريرة … الحديث. وهذا أصح. فالهقل بن زياد، والوليد بن مسلم من أثبت أصحاب الأوزاعي. ولم يذكرا الواسطة بين الأوزاعي وبين سعيد والحديث رواه سويد بن عبد العزيز عن الأوزاعي على ثلاثة أوجه:\nالأول: عن الأوزاعي عن حسان بن عطية عن سعيد أنه لقى أبا هريرة الحديث. فوافق بها رواية عبد الحميد بن حبيب عن الأوزاعي. أخرجه ابن أبي عاصم (٥٨٦)، والآجري في الشريعة ص ٢٦٠، والعقيلي في الضعفاء (٣/ ٤٢)، وتمام في فوائده (١٧٨٨ - الروض).\nالثاني: عن الأوزاعي قال: نبئت أن سعيد … الحديث، فوافق بها رواية الوليد بن مسلم، والهقل بن زياد عن الأوزاعي، أخرجه ابن عساكر (٤٠/ ٤).\nالثالث: عن الأوزاعي عن عبد الرحمن بن حرملة عن سعيد بن المسيب به فجعل الواسطة بين الأوزاعي وبين سعيد عبد الرحمن بن حرملة.\nوالحديث رواه أيضًا عبد القدوس بن حجاج عن الأوزاعي فقال: عن الزهري عن سعيد بن المسيب فذكره. فجعل الواسطة بين الأوزاعي وسعيد الزهري. أخرجه تمام في فوائده (١٧٩٠ - الروض)، وابن عساكر في تاريخه (٤٠/ ٧).\nوحكى الدارقطني في العلل (٧/ ٢٧٦) أن عبد القدوس بن حجاج رواه عن الأوزاعي قال: نبئت عن أبي هريرة. ولم يذكر حتى سعيد بن المسيب ثم رجحها قائلًا: وهذا أشبهها بالصواب ا هـ. ورواه محمد بن مصعب القرقساني عن الأوزاعي فقال: عن الزهري قال: قال لي سعيد. فجعل الزهري الواسطة بين الأوزاعي وبين سعيد، أخرجه ابن عساكر في تاريخه (٤٠/ ٧ - ٨)، قال الدارقطني في العلل: وهم في قوله عن الزهري ا هـ.\nفالحاصل: أن هذا الحديث ضعيف لإبهام الواسطة بين الأوزاعي وبين سعيد بن المسيب وكل الطرق التي ذكر فيها اسم الواسطة معلولة للمخالفة والله أعلم. وانظر الضعيفة (١٧٢٢)، والعلل للدارقطني (٧/ ٢٧٥).\n(^٣٤) - حديث صحيح. المسند (٣/ ٢٣٧)، وأخرجه أبو يعلى (٣٨٧٧)، والبزار (٧٨٠ - كشف) وعزاه المزى في التحفة (٧١٢) إلى النسائي في الكبرى مستدركه على الحافظ بن عساكر، وتبعه ابن حجر في الفتح (١١/ ٣٠٨) وهذا الحديث يرويه أنس عن عبادة بن الصامت، أخرجه أحمد ٥/ ٣٣١، والبخاري في الرقاق ح (٦٥٠٧)، ومسلم في الذكر والدعاء حديث (٢٦٨٣).\n_________\n[¬١]- سقط من: خ، ز.","vol":"12","page":239},{"text":"﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَال إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣) وَلَا تَسْتَوي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَينَكَ وَبَينَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤) وَمَا يُلَقَّاهَا إلا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إلا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٣٥) وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٦)﴾\nيقول تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ﴾، أي: دعا عبادَ الله إليه، ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ أي: وهو في نفسه مهتد بما يقوله، [فنفعُه لنفسه] [¬١] ولغيره لازم ومتعد، وليس هو من الذين يأمرون بالمعروف ولا يأتونه، وينهون عن المنكر ويأتونه، بل يأتمر بالخير ويترك الشر، ويدعو الخلق إلى الخالق ﵎. وهذه عامة في كل من دعا إلى خير، وهو في نفسه مهتد، ورسول الله ﷺ أولى الناس بذلك، كما قال محمد بن سيرين، والسدي، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم.\nوقيل: المراد بها المؤذنون الصلحاء، كما ثبت في صحيح مسلم: \"المؤذنون أطول الناس أعناقًا يوم القيامة\" (^٣٥).\nوفي السنن مرفوعًا: \"الإمام ضامن، والمؤذن مؤتمن، فأرشد الله الأئمة، وغفر للمؤذنين\" (^٣٦).\n_________\n(^٣٥) - صحيح مسلم في كتاب الصلاة، باب: فضل الأذان وهرب الشيطان عند سماعه، حديث رقم (٣٨٧).\n(^٣٦) - حديث صحيح. أخرجه الشافعي في الأم ١/ ١٤١، والحميدي (٩٩٩)، والطيالسي (٢٤٠٤)، وأحمد (٢/ ٢٨٤، ٣٨٢، ٤٢٤، ٤٦١، ٤٧٢)، وأبو داود (٥١٨)، والترمذي (٢٠٧)، والطحاوي في المشكل ٣/ ٥٢، والطبراني في الصغير ص ٥٩، ١٢٣، ١٦٤، وأبو نعيم في الحلية ٧/ ١١٨، والخطيب في تاريخه (٣/ ٢٤٢)، (٤/ ٣٨٧)، (٩/ ٤١٢)، (١١/ ٣٠٦)، والبيهقي (١/ ٤٣٠) من طريق الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة. وأعل البيهقي هذا الحديث بالانقطاع بين الأعمش وأبي صالح. فقد أخرجه أحمد ٢/ ٢٣٢، وأبو داود (٥١٧)، ومن طريقه البيهقي ١/ ٤٣٠ - من طريق الأعمش عن رجل عن أبي صالح به. وأجيب عن ذلك بأجوبة. انظرها في نيل الأوطار ١/ ٣٣٤، وفي الإرواء ١/ ٢٣٢، وفي الباب عن عائشة عند أحمد ٦/ ٦٥، والطحاوي ٣/ ٥٣، والبيهقي ١/ ٤٣١ وفي سنده ضعف. ولقوله ﷺ: \"الإمام ضامن والمؤذن مؤتمن\" شواهد انظرها في الإرواء ١/ ٢٣١ (٢١٧).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في خ: \"فنفسه بنفسه\".","vol":"12","page":240},{"text":"وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا محمد بن عروبة الهروي، حدثنا غسان قاضي هراة، وقال أبو زرعة: حدثنا إبراهيم بن طهمان، عن مطر، عن الحسن، عن سعد بن أبي وقاص أنه قال: سهام المؤذنين عند الله يوم القيامة كسهام المجاهدين، وهو بين الأذان والإِقامة كالمتشحّط في سبيل الله في دمه.\nقال: وقال ابن مسعود: لو كنت مؤذنًا ما باليت أن لا أحج ولا أعتمر ولا أجاهد.\nقال: وقال عمر بن الخطاب: لو كنت مؤذنًا لكَمُلَ أمري، وما باليت أن لا أنتصب لقيام الليل ولا لصيام النهار [¬١]، سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"اللهم اغفر للمؤذنين\". ثلاثًا، قال: فقلت: يا رسول الله، تركتنا ونحن نَجْتلدُ [¬٢] على الأذان بالسيوف. قال: \"كلا يا عمر، إنه يأتي على الناس زمان يتركون الأذان [¬٣] على ضُعَفائهم، وتلك لحوم حرمها الله على النار، لحوم المؤذنين\" (^٣٧).\nقال: وقالت عائشة: ولهم هذه الآية: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾، قالت [¬٤]: فهو المؤذن إذا قال: \"حي على الصلاة\". فقد دعا إلى الله.\nوهكذا قال ابن عمر وعكرمة: إنها نزلت في المؤذنين.\nوقد ذكر البغوي عن أبي أمامة الباهلي ﵁ أنه قال في قوله: ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾، قال: يعني صلاة ركعتين بين الأذان والإِقامة.\nثم أورد البغوي حديثَ عبد الله بن المُغفَّل قال: قال رسول الله ﷺ: \"بين كل أذانين صلاة\". ثم قال في الثالثة: \"لمن شاء\".\nوقد أخرجه الجماعة في كتبهم، من حديث عبد الله بن بُرَيدة، عنه (^٣٨).\nوَحَديث الثوري، عن زَيد [¬٥] العَمّي، عن [أبي إياس] [¬٦] معاوية بن قرة، عن أنس بن\n_________\n(^٣٧) - أورده المصنف في مسند الفاروق عن أبي بكر الإسماعيلي بسنده إلى الحسن البصري عن عمر بن الخطاب عن النبي ﷺ. وهذا إسنادٌ منقطع بين الحسن وعمر بن الخطاب. انظر مسند الفاروق ١/ ١٤٤.\n(^٣٨) - أخرجه أحمد (٤/ ٨٦)، (٥/ ٥٤)، (٥/ ٥٥)، والبخاري في كتاب الأذان باب كم بين =\n_________\n[¬١]- في ز: \"نهار\".\n[¬٢]- في خ، ز: \"نجتهد\".\n[¬٣]- سقط من: خ، ز\n[¬٤]- في ز: \"قال\".\n[¬٥]- في ز: \"يزيد\".\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين في خ، ز: \"أبي أمامة بن\".","vol":"12","page":241},{"text":"مالك ﵁، قال الثوري: لا أراه إلا قد رفعه إلى النبي ﷺ: \"الدعاء لا يرد بين الأذان والإِقامة\" (^٣٩).\nورواه أبو داود، والترمذي، والنسائي في \"اليوم والليلة\"، كلهم من حديث الثوري، به.\nوقال الترمذي: هذا حديث حسن (^٤٠).\nورواه النسائي أيضًا من حديث سليمان التيمي عن قتادة عن أنس به.\nوالصحيح أن الآية عامة في المؤذنين وفي غيرهم، فأما حال نزول هذه الآية فإنه لم يكن الأذان مشروعًا بالكلية؛ لأنها مكية، والأذان إنما شرع بالمدينة بعد الهجرة، حين أُرِيَهُ عبد الله بن زيد بن عبد رَبه الأنصاري في منامه، فقصَّه على رسول الله ﷺ فأمره أن يلقيه على بلال فإنه أندى صوتًا، كما هو مقرر [¬١] في موضعه، فالصحيح إذًا أنها عامة، كما قال عبد الرزاق، عن معمر، عن الحسن البصري: أنه تلا هذه الآية: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا\n_________\n= الأذان والإقامة ح (٦٢٤) وطرفه في (٦٢٧)، ومسلم في كتاب صلاة المسافرين وقصرها. باب: بين كل أذانين صلاة، ح (٨٣٨)، وأبو داود في الصلاة باب الصلاة قبل المغرب ح رقم (١٢٨٣)، والترمذي في كتاب الصلاة، باب ما جاء في الصلاة قبل المغرب، حديث (١٨٥)، والنسائي في كتاب الأذان، باب: الصلاة بين الأذان والإقامة حديث رقم (٦٨١)، وابن ماجه في كتاب إقامة الصلاة … باب: ما جاء في الركعتين قبل المغرب حديث (١١٦٢).\n(^٣٩) - هذا الحديث أخرجه عبد الرزاق في المصنف (١/ ٤٩٥) وابن أبي شيبة (١٠/ ٢٢٥)، وأحمد ٣/ ١١٩، وأبو داود في الصلاة (٥٢١)، والترمذي في الصلاة (٢١٢)، وفي الدعوات (٣٥٩٥)، والنسائي في كتاب عمل اليوم والليلة من الكبرى، باب: الترغيب في الدعاء بين الأذان والإقامة (٩٨٩٦ - ٩٨٩٧)، والطبراني في الدعاء باب فضل الدعاء بين الأذان والإقامة ح (٤٨٣)، والبيهقي (١/ ٤١٠) من طريق وكيع وأبي نعيم وأبي أحمد الزبيري عن سفيان الثوري عن زيد العمى عن أبي إياس عن أنس بن مالك به. وسقط من مصنف ابن أبي شيبة المطبوع ذكر \"سفيان\"، وهذا إسنادٌ ضعيف لحال زيد العمى فإنه كان سيئ الحفظ، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح وقد رواه أبو إسحاق الهمداني عن بريد بن أبي مريم عن أنس عن النبي ﷺ مثل هذا ا هـ. وأخرجه النسائي في الكبرى (٩٨٩٨) من طريق عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان الثوري به موقوفًا، وكذا رواه قتادة عن أنس من قوله. أخرجه النسائي في الكبرى (٩٨٩٩ - ٩٩٠٠). أما حديث بريد بن أبي مريم عن أنس والذي ذكره الترمذي فأخرجه ابن أبي شيبة (١٠/ ٢٢٦)، وأحمد (٣/ ١٥٥، ٢٥٤)، (٣/ ٢٢٥)، وابن خزيمة (٤٢٦ - ٤٢٧)، وابن حبان (١٦٩٥) من طرق عنه به، وانظر الإرواء (١/ ٢٦٢).\n(^٤٠) - كذا نقل المصنف عن الترمذي أنه قال: \"حديث حسن\" وسبق في التعليق على الهامش السابق أنه قال: \"حديث حسن صحيح\"، وكذا هي في النسخة التي بين أيدينا والتي قام الشيخ أحمد شاكر بتحقيقها وأثبت كلمة: \"صحيح\" ثم علق عليها قائلًا: \"زيادة من ع، و، م وهي زيادة جيدة ا هـ. وهذا يعني أن بعض النسخ ورد فيها: \"حديث حسن\" بدون صحيح، وكذا أثبتها الحافظ المزى في تحفة الأشراف (١٥٩٤) قائلًا: \"ت في الصلاة … وقال حسن\" ا هـ، وقال ابن حجر في نتائج الأفكار =\n_________\n[¬١]- في ز: \"مقدر\".","vol":"12","page":242},{"text":"مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾، فقال: هذا حبيب الله، هذا ولي الله، هذا صفوة الله، هذا خِيَرَةُ الله، هذا أحبّ أهل الأرض إلى الله، أجاب اللهَ في دعوته، ودعا الناسَ إلى ما أجاب الله [فيه من] [¬١] دعوته، وعمل صالحًا في إجابته، وقال: إنني من المسلمين، هذا خليفة الله.\nوقوله: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ﴾ أي: فرق عظيم بين هذه وهذه، ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ أي: من أساء إليك فادفعه عنك بالإِحسان إليه، كما قال عمر: ما عاقبتَ من عَصَى الله فيك بمثل [¬٢] أن تطيع الله فيه.\nوقوله: ﴿فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾، وهو الصديق، أي: إذا أحسنت إلى من أساء إليك قادته تلك الحسنةُ إليه إلى مصافاتك ومحبتك، والحنوّ عليك، حتى يصير كأنه وَلِيّ لك حَمِيم، أي: قريب إليك من الشفقة عليك والإِحسان إليك.\nثم قال: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ أي: وما يقبل هذه الوصية ويعمل بها إلا من صبر على [¬٣] ذلك، فإنه يشق [¬٤] على النفوس، ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ أي: ذو نصيب وافر من السعادة في الدنيا والأخرى.\nقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في تفسير هذه الآية: أمر الله المؤمنين بالصبر عند الغضب، والحلم عند الجهل، والعفو عند الإِساءة، فإذا فعلوا ذلك عصَمهم الله من الشيطان، وخضع لهم عدوهم كأنه ولي حميم.\nوقوله: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ أي: إن شيطان الإنس ربما ينخدع بالإِحسان إليه، فأما شيطان الجن فإنه لا حيلةَ فيه إذا وسوس إلا الاستعاذة بخالقه الذي سلطه عليك، فإذا استعذت بالله ولجأت إليه، كفه عنك ورد كيده. وقد كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة يقول: \"أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، من همزه ونفخه ونفثه\" (^٤١).\n_________\n= (٣٤ / أ) -كما في حاشية الدعاء للطبراني (٢/ ١٠٢١) -: \"ولم أر هذه الزيادة في النسخ الموثوقة … وعدَّدها\" ا هـ، يعني كلمة: \"صحيح\" فاللهُ أعلم.\n(^٤١) - حديث صحيح بمجموع طرقه. أخرجه ابن أبي شيبة ٢/ ٢٣١، وأبو داود الطيالسي (٩٤٧)، وأحمد ٤/ ٨٥، وأبو داود في الصلاة (٧٦٤)، وابن ماجه في الصلاة (٨٠٧)، وابن الجاوود في المنتقى (١٨٠)، والحاكم ١/ ٢٣٥، والبيهقي ٢/ ٣٥، وابن حبان في الثقات ٢/ ٢٢٢ وغيرهم من طريق عمرو بن مرة عن عاصم العنزي عن نافع بن جبير بن مطعم عن أبيه جبير به. قال الحاكم: \"صحيح الإسناد\" ووافقه الذهبي. قلت: في إسناده عاصم العنزي وقد اختلف في اسمه، ولم يوثقه أحد. وقال =\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في خ، ز: \"في\".\n[¬٢]- في ز: \"أن بمثل\".\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- في ز: \"مشق\".","vol":"12","page":243},{"text":"وقد قدمنا أن هذا المقام لا نظير له في القرآن إلا في \"سورة الأعراف\" عند قوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩) وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾، وفي سورة المؤمنين عند قوله: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ (٩٦) وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (٩٧) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾.\n﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (٣٧) فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ (٣٨) وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ (٣٩)﴾\nيقول تعالى منبهًا خَلْقه على قدرته العظيمة، وأنه الذي لا نظير له، وأنه على ما يشاء قادر، ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ أي: إنه خلق الليلَ بظلامه، والنهار بضيائه، وهما متعاقبان لا يَقرّان، والشمسَ ونورِهَا وإشراقها، والقمرَ وضياءه وتقدير منازله في فَلَكه، واختلاف سيره [في سمائه] [¬١]، ليعْرَف باختلاف سيره وسير الشمس مقاديرُ الليل والنهار، والجُمَع والشهور والأعوام، ويتبين بذلك حلولُ الحقوق، وأوقات العبادات والمعاملات.\nثم لما كان الشمس والقمر أحسن الأجرام المشاهدة في العالم العلوي والسفلي، نبه تعالى على أنهما مخلوقان عبدان من عبيده، تحت قهره وتسخيره، فقال: ﴿لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ أَي: ولا تشركوا به، فما تنفعكم [¬٢] عبادتكم له مع عبادتكم لغيره، فإنه لا يغفر أن يشرك به. ولهذا قال: ﴿فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا﴾ أي: عن إفراد العبادة له وأبَوا إلا أن يشركوا معه غيره، ﴿فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾، يعني الملائكة ﴿يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ﴾، كقوله: فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾.\nوقال الحافظ أبو يعلى (^٤٢): حدثنا سفيان -يعني ابن وكيع- حدثنا أبي، عن ابن أبي\n_________\n= الحافظ: \"مقبول\". وللحديث شواهد كثيرة انظر الإرواء ٢/ ٥٣ (٣٤٢).\n(^٤٢) - المسند (٢١٩٤) وأخرجه الطبراني في الأوسط (٤٦٩٨، ٢٧٩٥)، وفي الدعاء (٢٠٥١)، =\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ز: \"سماءه\".\n[¬٢]- في ز: \"ينفعكم\".","vol":"12","page":244},{"text":"ليلى، عن أبي الزبير، عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا تسبوا الليل ولا النهار، ولا الشمس ولا القمر، ولا الرياح فإنها تُرسَل رحمةً لقوم، وعذابًا لقوم\".\nوقوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ﴾ أي: على قدرته على إعادة الموتى ﴿أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً﴾ أي: هامدة لا نبات فيها، بل هي ميتة، ﴿فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾، أي: أخرجت من جميل [¬١] ألوان الزروع والثمار، ﴿إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.\n﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَينَا أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٤٠) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (٤١) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَينِ يَدَيهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢) مَا يُقَالُ لَكَ إلا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ (٤٣)﴾\nقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا﴾ قال ابن عباس: الإلحاد وضع الكلام على غير مواضعه. وقال قتادة: وغيره هو الكفر والعناد.\nوقوله: ﴿لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا﴾ [¬٢]: فيه تهديد شديد، ووعيد أكيد، أي: إنه تعالى عالم بمن يلحد في آياته وأسمائه وصفاته، وسيجزيه على ذلك بالعقوبة والنكال، ولهذا قال: ﴿أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ أي: أيستوي هذا وهذا؟ لا يستويان.\n[ثم قال ﷿ تهديدًا للكفرة: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ قال مجاهد، والضحاك، وعطاء الخراساني: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾: وعيد. أي: من خير أو شر، إنه عالم بكم وبصير بأعمالكم. ولهذا قال: ﴿إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [¬٣].\nثم قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ﴾، قال الضحاك، والسدي، وقتادة:\n_________\n= وتمام في فوائده (١١٣٦ - الروض) من طرق عن سعيد بن بشير. كلاهما - سعيد بن بشير وابن أبي ليلى - عن أبي الزبير عن جابر به مرفوعًا. قال الهيثمي في المجمع ٨/ ٧: رواه الطبراني في الأوسط وفيه سعيد بن بشير وثقه جماعة وضعفه جماعة وبقية رجاله ثقات. ورواه أبو يعلى بإسنادٍ ضعيف ا هـ.\n_________\n[¬١]- في ز: \"جميع\".\n[¬٢]- بعده في ت: أي.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.","vol":"12","page":245},{"text":"وهو القرآن، ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ﴾ أي: منيع الجناب، لا يُرَام أن يأتي أحد بمثله، ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَينِ يَدَيهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾ أي: ليس للبطلان إليه سبيل، لأنه منزل من رب العالمين، ولهذا قال: ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ أي: حكيم في أقواله وأفعاله، حميد بمعنى محمود، أي: في جميع ما يأمر به وينهى عنه الجميع محمودة عواقبه وغاياته.\nثم قال: ﴿مَا يُقَالُ لَكَ إلا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ﴾، قال قتادة، والسدي، وغيرهما: ما يقال لك من التكذيب إلا كما قد قيل للرسل من قبلك فكما قد كُذّبت فقد كذبوا، وكما صَبَروا على أذى قومهم لهم [¬١]، فاصبر أنت على أذى قومك لك. وهذا اختيار ابن جرير، ولم يحك هو ولا ابن أبي حاتم غيره.\nوقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ﴾ أي: لمن تاب إليه، ﴿وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ﴾ أي: لمن استمر على كفره، وطغيانه، وعناده، وشقاقه، ومخالفته.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد عن علي بن زيد عن سعيد بن المسيب قال: لما [¬٢] نزلت هذه الآية: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ﴾ قال رسول الله ﷺ: \"لولا غَفْرُ الله وتجاوزه ما هَنَأ أحدًا العيشُ، ولولا وعيده وعقابه لاتَّكل كلّ أحد\".\n﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ (٤٤) وَلَقَدْ آتَينَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَينَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (٤٥)﴾\nلما ذكر تعالى القرآن وفصاحته وبلاغته؛ وإحكامه في لفظه ومعناه، ومع هذا لم يؤمن به المشركون نَبّه على أن كفرهم به كُفْرُ عناد وتعنت، كما قال: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ (١٩٨) فَقَرَأَهُ عَلَيهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾، وكذلك لو أنزل القرآن كله بلغه العجم، لقالوا على وجه التعنت والعناد [¬٣]: ﴿لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾ أي: لقالوا: هلا أنزل مفصلًا بلغة العرب ولأنكروا ذلك وقالوا: أعجمي وعربي؛ أي: كيف ينزل كلام أعجمي\n_________\n[¬١]- سقط من: خ، ز.\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- في خ، ز: \"والفساد\".","vol":"12","page":246},{"text":"على مخاطب عربي لا يفهمه؟!\nهكذا رُوي هذا المعنى عن ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير، والسدي، وغيرهم.\nوقيل: المراد بقولهم: ﴿لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾ أي: هذا أنزل بعضهما بالأعجمي وبعضها بالعربي؛ هذا قول الحسن البصري، وكان يقرؤها كذلك بلا استفهام في قوله ﴿أَأَعْجَمِيٌّ﴾ وهو رواية عن سعيد بن جبير، وهو في العناد أبلغ.\nثم قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ﴾ أي: قل يا محمَّد: هذا القرآن لمن آمن به هدىً لقلبه، وشفاء لما في الصدور من الشكوك والريب، ﴿وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ﴾ أي: لا يفهمون ما فيه، ﴿وَهُوَ عَلَيهِمْ عَمًى﴾ أي: لا يهتدون إلى ما فيه من البيان، كما قال تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إلا خَسَارًا﴾ ﴿أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيد﴾ قال مجاهد يعني: بعيد من قلوبهم.\nقال ابن جرير: معناه كَأنّ [¬١] مَن يخاطبهم يناديهم من مكان بعيد، لا يفهمون ما يقول:\nقلت: وهذا كقوله تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إلا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ وقال الضحاك: ينادون يوم القيامة بأشنع أسمائهم وقال السدي: كان عمر بن الخطاب جالسًا عند رجل من المسلمين يقضي، إذ قال: يالبَّيكاه. فقال عمر: لم تُلبّي؟ هل رأيت أحدًا، أودعاك أحد؟ قال: دعاني داع من وراء البحر. فقال عمر: ﴿أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾. رواه ابن أبي حاتم.\nوقوله: ﴿وَلَقَدْ آتَينَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ﴾ أي: كُذِّب وأوذي [¬٢] ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ بتأخير الحساب إلى يوم المعاد، ﴿لَقُضِيَ بَينَهُمْ﴾ أي: لعجل لهم العذاب، بل لهم موعد لن يجدوا من دونه موئلًا، ﴿وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ﴾ أي: وما كان تكذيبهم له عن بصيرة منهم لما قالوا، بل كانوا شاكين فيما قالوا، غير محققين لشيء كانوا فيه. هكذا وجهه [¬٣] ابن جرير وهو محتمل، والله أعلم.\n﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (٤٦) إِلَيهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ مِنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا\n_________\n[¬١]- في خ: \"مكان\" وفي ز: \"فكأنَّ\".\n[¬٢]- في خ، ت: \"وأذي\".\n[¬٣]- في ز: \"وجه\".","vol":"12","page":247},{"text":"تَضَعُ إلا بِعِلْمِهِ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَينَ شُرَكَائِي قَالُوا آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ (٤٧) وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَدْعُونَ مِنْ قَبْلُ وَظَنُّوا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ (٤٨)﴾\nيقول تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ﴾ أي: [إنما يعود نفع ذلك على نفسه] [¬١]، ﴿وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيهَا﴾ أي: إنما يرجع وبَالُ ذلك عليه، ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ أي: لا يعاقب أحدًا إلا بذنب، ولا يعذب أحدًا إلا بعد قيام الحجة عليه، وإرسال الرسول إليه.\nثم قال: ﴿إِلَيهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ أي: لا يعلم ذلك أحدٌ سواه، كما قال ﷺ، وهو سيد البشر لجبريل وهو من سادات الملائكة، حين سألة عن الساعة، فقال: \"ما المسئول عنها بأعلم من السائل\" (^٤٣) وكما قال تعالى: ﴿إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا﴾ وقال: ﴿لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إلا هُوَ﴾.\nوقوله: ﴿وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ مِنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إلا بِعِلْمِهِ﴾ أي: الجميع بعلمه [¬٢] لا يعزب عن علمه من [¬٣] مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، وقد قال تعالى: ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إلا يَعْلَمُهَا﴾. وقال [جلت عظمته] [¬٤]: ﴿يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ وقال: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إلا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾.\nوقوله: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَينَ شُرَكَائِي﴾ أي: يوم القيامة ينادي الله المشركين على رءوس الخلائق: أين شركائي الذين عبدتموهم معي؟ ﴿قَالُوا آذَنَّاكَ﴾ أي: أعلمناك، ﴿مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ﴾ أي: ليس أحد منا اليوم يشهد أن معك شريكًا، ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَدْعُونَ مِنْ قَبْلُ﴾ أي: ذهبوا فلم ينفعوهم، ﴿وَظَنُّوا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ﴾ أي: وظن المشركون يوم القيامة، وهذا بمعنى اليقين ﴿مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ﴾] [¬٥] أي: لا محيد لهم عن عذاب الله، كقوله تعالى: ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا﴾.\n﴿لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ (٤٩) وَلَئِنْ\n_________\n(^٤٣) - أخرجه البخاري في الإيمان، باب: سؤال جبريل النبي ﷺ عن الإيمان والإسلام، حديث (٥٠)، ومسلم في الإيمان (١) (٨).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٢]- في ز: \"يعلمه\".\n[¬٣]- سقط من خ، ت.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.","vol":"12","page":248},{"text":"أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ (٥٠) وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ (٥١)﴾\nيقول تعالى: لا يَمَلُّ الإِنسان من دعائه ربّه بالخير - وهو: المال، وصحة الجسم، وغير ذلك، ﴿وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ﴾، وهو: البلاء أو الفقر ﴿فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ﴾ أي: [يقع في ذهنه] [¬١] أنه لا يتهيأ له بعد هذا خير.\n﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي﴾ أي: إذا أصابه خير ورزق بعد ما كان في شدة ليقولن: هذا لي، إني كنت أستحقه عند ربي، ﴿وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً﴾ أي: يكفر بقيام الساعة، أي: لأجل أنه خُوّل نعمة يفخر، ويبطر، ويكفر، كما قال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾.\n﴿وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى﴾ أي: ولئن كان ثَمّ معاد فليُحسنَنّ إليّ ربي، كما أحسن إليّ في هذه الدار، يتمنى على الله ﷿ بعد [¬٢] إساءته العمل وعدم اليقين. قال الله تعالى: ﴿فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ يتهدد تعالى من كان هذا عمله واعتقاده، بالعقاب والنكال.\nثم قال: ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ﴾ أي: أعرض عن الطاعة، واستكبر عن الانقياد لأوامر الله ﷿ كقوله تعالى: ﴿فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ﴾.\n﴿وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرّ﴾ أي: الشدة، ﴿فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ﴾، أي: يطيل المسألة في [الشيء الواحد] [¬٣]. فالكلام العريض: ما طال لفظه وقل معناه، والوجيز: عكسه، وهو: ما قلّ ودلّ. وقد قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ﴾ … الآية.\n﴿قُلْ أَرَأَيتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (٥٢) سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٢]- في ت: \"مع\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في خ، ز: \"الذي يؤاخذ\".","vol":"12","page":249},{"text":"أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ شَهِيدٌ (٥٣) أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيءٍ مُحِيطٌ (٥٤)﴾\nيقول تعالى: ﴿قُلْ﴾ يا محمَّد لهؤلاء المشركين المكذبين بالقرآن: ﴿أَرَأَيتُمْ إِنْ كَانَ﴾ هذا القرآن ﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ﴾ أي: كيف تُرَون حالكم عند الذي أنزله على رسوله ولهذا قال: ﴿مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ أي: في كفر وعناد ومشاقة للحق، ومسلك بعيد من الهدى.\nثم قال: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ﴾ أي: سنظهر لهم دلالاتنا وحججنا على كون القرآن حقًّا منزلًا من عند الله ﷿ على رسوله ﷺ بدلائل خارجية [¬١] ﴿فِي الْآفَاقِ﴾، من الفتوحات وظهور الإسلام على الأقاليم وسائر الأديان.\nقال مجاهد، والحسن، والسدي: ودلائل في أنفسهم، قالوا: وقعة بدر، وفتح مكة، ونحو ذلك من الوقائع التي حَلّت بهم، نصر الله فيها محمدًا وصحبه، وخذل فيها الباطل وحِزْبَه.\nويحتمل أن يكون المراد من ذلك ما الإنسان مركب منه وفيه وعليه من المواد والأخلاط والهيئات العجيبة، كما هو مبسوط في علم التشريح الدال على حكمة الصانع ﵎. وكذلك ما هو مجبول عليه من الأخلاق المتباينة، من حَسَن وقبيح وبين ذلك، وما هو متصرف فيه تحت الأقدار التي لا يقدر بحوله، وقوته، وحيَلِه، وحذره أن يجوزها، ولا يتعداها.\nكما أنشده ابن أبي الدنيا في كتابه \"التفكر والاعتبار\"، عن شيخه أبي جعفر القرشي: حيث قال -وأحسن المقالة-:\nوَإذَا نَظَرْتَ تُريدُ مُعْتَبَرا … فَانظُرْ إلَيكَ فَفِيكَ مُعْتَبَرُ\nأنتَ الذي يُمْسي وَيُصْبحُ في الـ … ـدانيَا وكُل أمُوره عِبَرُ\nأنْتَ المصرّفُ [¬٢] كانَ في صِغَرٍ … ثُمَّ استَقَلَّ بِشَخْصِكَ الكِبَرُ\nأنتَ الذي تَنْعاه خلْقَتُه … يَنْعاه منه الشَّعْرُ وَالبَشَرُ\nأنتَ الذي تُعْطَى وَتُسْلَبُ لَا … يُنْجِيه مِنْ أنْ يُسْلَبَ الحَذَرُ\nأنْتَ الذي لا شيءَ منْه لَهُ … وَأحَقُّ مِنه بمَاله القَدَرُ\n_________\n[¬١]- في ز: \"خارجة\".\n[¬٢]- في ز: \"المتصرف\".","vol":"12","page":250},{"text":"وقوله تعالى: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ شَهِيدٌ﴾ أي: كفى بالله شهيدًا على أفعال عباده وأقوالهم، وهو يشهد أن محمدًا صادق فيما أخبر به عنه، كما قال: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ﴾.\nوقوله: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ﴾ أي: في شك من قيام الساعة، ولهذا لا يتفكرون فيه، ولا يعملون له، ولا يحذرون منه، بل هو عندهم هَدَرٌ لا يعبأون به، وهو واقع لا ريب فيه وكائن لا محالة.\nقال ابن أبي الدنيا: حدثنا أحمد بن إبراهيم، حدثنا خلف بن تميم، حدثنا عبد الله بن محمَّد بن سعيد الأنصاري: أن عمر بن عبد العزيز صَعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد، أيها الناس، فإني لم أجمعكم لأمر أحدثته [¬١] فيكم، ولكن فكرت في هذا الأمر الذي أنتم إليه صائرون، فعلمت أن المصدق بهذا الأمر أحمق، والمكذب به هالك، ثم نزل.\nومعنى قوله ﵁: \"أن المصدق به أحمق\"، أي: لأنه لا يعمل له عمل مثله، ولا يحذر منه ولا يخاف من قوله، وهو [¬٢] مع ذلك مصدق به، موقن بوقوعه، وهو مع ذلك يتمادى في لعبه وغفلته وشهواته وذنوبه، فهو أحمق بهذا الاعتبار، والأحمق في اللغة: ضعيف العقل.\nوقوله: (والمكذب به هالك): هذا واضح، والله أعلم. ثم قال تعالى مقررًا على أنه على كل شيء قدير، وبكل شيء محيط، وإقامة الساعة لديه يسير سهل عليه ﵎: ﴿أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيءٍ مُحِيطٌ﴾ أي: المخلوقات كلها تحت قهره وفي قبضته، وتحت طي علمه، وهو المتصرف فيها كلها بحكمه، فما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن.\n[آخر تفسير سورة فصلت] [¬٣].\n* * *\n_________\n[¬١]- في ز: \"أحدثه\".\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- سقط من: ز.","vol":"12","page":251},{"text":"<span data-type='title' id=toc-160>تفسير سورة الشورى وهي مكية</span>\n﷽\n﴿حم (١) عسق (٢) كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣) لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٤) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥) وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيهِمْ وَمَا أَنْتَ عَلَيهِمْ بِوَكِيلٍ (٦)﴾\nوقد تقدم الكلام على الحروف المقطعة. وقد روى ابن جرير (^١) هاهنا أثرًا غريبًا عجيبًا منكرًا، فقال: حدثنا أحمد بن زُهَير، حدثنا عبد الوهاب بن نَجدَةَ الحَوْطي، حدثنا أبو المغيرة عبد القدوس بن الحجاج، عن أرطاة بن المنذر قال: جاء رجل إلى ابن عباس فقال له -وعنده حُذَيفة بن اليمان-: أخبرني عن تفسير قول الله: ﴿حم (١) عسق﴾، قال: فأطرق ثم أعرض عنه، ثم كرر مقالته فأعرض عنه، فلم يجبه بشيء وكره مقالته، ثم كررها الثالثة فلم يُحِرْ إليه شيئًا. فقال حذيفة: أنا أنبئك بها، قد عرفت لِمَ كرهها [¬١]؟ نزلت في رجل من أهل بيته قال له: عبد الإِله -أو: عبد الله- ينزل على نهر من أنهار المشرق [يبتني عليه مدينتين، شق] [¬٢] النهر بينهما شقًّا، فإذا أذن الله في زوال ملكهم وانقطاع دولتهم ومدتهم، بعث الله على إحداهما نارًا ليلًا، فتصبح سوداء مظلمة قد احترقت، كأنها لم تكن مكانها، وتصبح صاحبتها متعجبة: كيف أفلتت! فما هو إلا بياض يومها ذلك، حتى يجتمع فيها كل\n_________\n(^١) - أخرجه ابن جرير (٢٥/ ٦)، وابن أبي حاتم -كما في الدر المنثور- ونعيم بن حماد في الفتن ص ١٣٥، ومن طريقه الخطيب في تاريخه (١/ ٤٠) من طريق أبي المغيرة عبد القدوس بن حجاج، عن أرطاة بن المنذر؛ قال: جاء رجل … فذكره. وعند نعيم بن حماد، والخطيب … عن أرطاة بن المنذر، عمن حدثه عن ابن عباس. فعندهما واسطة بين أرطاه كان المنذر، وبين حضور لهذه القصة. وهو الأصوب. وعليه فإن هذا الإسناد ضعيفٌ، إما لإرساله، كما أخرجه الطبري من مرسل أرطاة بن المنذر، وإما لإبهام أحد رواته كما عند نعيم بن حماد \"عن أرطاة عمن حدثه عن ابن عباس\" وقد استنكره المصنف هاهنا كما ترى.\n_________\n[¬١]- في ز: \"كررها\".\n[¬٢]- في ت: \"يبنى عليه مدينتان يشق\".","vol":"12","page":253},{"text":"جبار عنيد منهم، ثم [¬١] يخسف الله بها وبهم جميعًا، فذلك قوله: ﴿حم (١) عسق﴾، يعني: عزيمة من الله تعالى وفتنة وقضاء حُمّ: ﴿حم﴾، \"عين\" يعني: عدلًا منه، \"سين\": يعني سيكون، \"ق\": يعني واقع لهاتين المدينتين.\nوأغرب منه ما رواه الحافظ أبو يعلى الموصلي (^٢) في الجزء الثاني من مسند ابن عباس، وعن أبي ذر، عن النبي ﷺ في ذلك، ولكن إسناده ضعيف جدًّا ومنقطع، فإنه قال:\nحدثنا أبو طالب عبد الجبار بن عاصم، حدثنا أبو عبد الملك الحسن بن يحيى الخشني الدمشقي، عن أبي [¬٢] معاوية قال: صعد عمر بن الخطاب المنبر فقال: أيها الناس، هل سمع منكم [¬٣] أحد رسول الله ﷺ يفسر: ﴿حم (١) عسق﴾؟ فوثب ابن عباس فقال: أنا. قال: ﴿حم﴾ اسم من أسماء الله [تعالى. قال: فعين؟ قال: عاين المولون عذاب يوم بدر. قال: فسين؟ قال: سيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون. قال: فقاف؟ فسكت، فقام أبو ذر ففسر كما قال ابن عباس ﵄ وقال: قاف: قارعة من السماء تغشى الناس] [¬٤].\nوقوله: ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ أي: كما أنزل إليك هذا القرآن، كذلك أنزل الكتب والصحف على الأنبياء قبلك. وقوله: ﴿اللَّهُ الْعَزِيزُ﴾ أي في انتقامه، ﴿الْحَكِيمُ﴾ في أقواله وأفعاله.\nقال الإمام مالك (^٣) ﵀: عن هشام بن عروة، عن أنس، عن عائشة: أن الحارث بن هشام سأل رسول الله ﷺ [فقال: يا رسول الله] [¬٥]، كيف يأتيك الوحي؟ فقال رسول الله ﷺ: \"أحيانًا يأتيني مثل صلصلة الجرس، وهو أشده عليَّ فيفصِمُ عني، وقد وعيت ما قال: وأحيانا يأتيني الملك رجلًا فيكلمني، فأعي ما يقول\". قالت عائشة: فلقد رأيتُه ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد، فَيفصِم عنه،\n_________\n(^٢) - عزاه في الدر المنثور إلى ابن عساكر، وأبي يعلى، وقال: إسناده ضعيفٌ. وهو -كما قال المصنف- ضعيف جدًّا. الحسن بن يحيى ضعفه غير واحدٍ. وقال الدارقطني: متروك، وقال ابن حبان: استحق الترك. والحديث عزاه في المطالب (٤٠٩٢) إلى أبي يعلى.\n(^٣) - أخرجه مالك في الموطأ \"جامع القراءة\" حديث (٢٧٠)، والبخاري في بدء الوحي من صحيحه حديث (٢)، ومسلم في الفضائل، باب: طيب عرق النبي ﷺ حديث (٢٢٣٣) من طريق هشام بن عروة به.\n_________\n[¬١]- في ز: \"من\".\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في ز: \"أحد منكم\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين بياض في خ، ز.\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.","vol":"12","page":254},{"text":"وإن جَبِينه ليتفَصَّدُ عَرَقًا.\nأخرجاه في الصحيحين ولفظه للبخاري.\nوقد رواه الطبراني (^٤) عن عبد الله ابن الإِمام أحمد، عن أبيه، عن عامر بن صالح، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، عن الحارث بن هشام: أنه سأل رسول الله ﷺ: كيف ينزل عليك الوحي؟ فقال: \"مثل صلصلة الجرس، فيفصِمُ عني وقد وَعَيتُ ما قال [¬١] \". قال: \"وهو أشده عليّ\". قال: \"وأحيانًا يأتيني الملك فيتمثل لي فيكلمني، فأعي ما يقول\".\nوقال الإِمام أحمد (^٥): حدثنا قتيبة، حدثنا ابن لَهِيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عمرو بن الوليد، عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: سألت رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله، هل تحس بالوحي؟ فقال رسول الله ﷺ: \"أسمع صلاصل ثم أسكن [¬٢] عند ذلك، فما من مرة يوحى إليّ إلا ظننت أن نفسي تُقبَض\". تفرد به أحمد.\nوقد ذكرنا كيفية إتيان الوحي إلى رسول الله ﷺ في أول شرح البخاري بما أغنى عن إعادته هاهنا، ولله الحمد والمنة.\nوقوله تعالى: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ أي: الجميع عبيد له وملك له، تحت قهره وتصريفه، ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾، [كقوله تعالى] [¬٣]: ﴿الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾ ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِير﴾ والآيات في هذا كثيرة.\n_________\n(^٤) - المعجم الكبير (٣٣٤٣) عن عبد الله بن أحمد له. والحديث أخرجه أحمد (٦/ ٢٥٧) عن عامر بن صالح - من ولد عبد الله بن الزبير، قال: حدثني هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، عن الحارث بن هشام. فجعله أيضًا من مسند الحارث بن هشام. قال الحافظ في الفتح (١/ ١٩): ويحتمل أن يكون الحارث أخبرها بذلك بعد، فيكون من مرسل الصحابة -يعني حديث عائشة السابق- وهو محكوم بوصله عند الجمهور. وقد جاء ما يؤيد ذلك؛ ففي مسند أحمد من طريق عامر بن صالح … وساق حديث أحمد ثم عقّب قائلًا: وعامر ضعيف، لكن وجدت له متابعًا … والمشهور الأول. ا هـ. يعني أن المشهور الحديث من مسند عائشة لا من مسند هشام.\n(^٥) - المسند (٢/ ٢٢٢). وعزاه في المجمع (٨/ ٢٥٦) إلى الطبراني وقال: إسناده حسن. قلت: في إسناده ابن لهيعة، والكلام فيه مشهور، والحديث صحيح بما سبق من مسند عائشة، والحارث بن هشام. والله أعلم.\n_________\n[¬١]- في ت: \"قاله\".\n[¬٢]- في ت: \"أسكت\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.","vol":"12","page":255},{"text":"وقوله: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ﴾، قال ابن عباس، والضحاك، وقتادة، والسدي، وكعب الأحبار: أي فَرَقًا من العظمة. ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾، كقوله: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ وقوله: ﴿أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ إعلام بذلك وتنويه به.\nوقوله: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ يعني المشركين ﴿اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيهِمْ﴾ أي: شهيد على أعمالهم، يحصيها ويَعدّها عدًّا، وسيجزيهم بها أوفر الجزاء. ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ أي: إنما أنت نذر، واللَّه على كل شيء وكيل.\n﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَينَا إِلَيكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ (٧) وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (٨)﴾\nيقول تعالى: وكما أوحينا إلى الأنبياء قبلك، ﴿أَوْحَينَا إِلَيكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ أي: واضحًا جليًّا بينًا، ﴿لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى﴾ وهي مكة ﴿وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ أي: من سائر البلاد شرقًا وغربًا. وسُمّيت مكة \"أمّ القرى\"؛ لأنها أشرف من سائر [¬١] البلاد، لأدلة كثيرة مذكورة في مواضعها. ومن أوجز ذلك وأدله ما قال الإِمام أحمد (^٦):\nحدثنا أبو اليمان، حدثنا شعيب، عن الزهري، أخبرنا أبو سلمة بن عبد الرحمن أن عبد اللَّه بن عبديّ بن الحمراء الزهري أخبره، أنه سمع رسول اللَّه ﷺ يقول وهو واقف\n_________\n(^٦) - المسند (٤/ ٣٠٥)، وأخرجه عبد بن حميد (٤٩١)، والدارمي (٢٥١٣)، والترمذي في المناقب، باب: فضل مكة (٣٩٢٥)، والنسائي في الكبرى: كتاب الحج، باب: فضل مكة (٤٢٥٢ - ٤٢٥٣)، وابن ماجه في المناسك، باب فضل مكة (٣١٠٨)، وابن حبان (٣٧٠٨)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٦٢١)، والفسوي في التاريخ (١/ ٢٤٤)، والحاكم (٣/ ٤٣١)، وابن الأثير في أسد الغابة (٣/ ٣٣٦)، وابن حزم في المحلى (٧/ ٢٨٩)، والمزى في تهذيب الكمال (١٥/ ٢٩١)، من طرق عن الزهري عن أبي سلمة عن عبد اللَّه بن عدي به. ورواه ابن أخي الزهري عند الحاكم (٣/ ٢٨٠) عن الزهري عن محمد بن جبير -بدلًا من أبي سلمة- عن عبد اللَّه بن عدي فذكره، وابن أخي الزهري روايته ضعيفة في الزهري انظر شرح العلل ص ٢٦٧ - ٢٦٨. ورواه عبد الرزاق عن معمر- عند أحمد (٤/ ٣٠٥) =\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.","vol":"12","page":256},{"text":"بالحَزْوَرَة [¬١] في سوق مكة: \"واللَّه إنك لخير أرض الله وأحب أرض اللَّه إلى اللَّه، ولولا أني أخرجت منك ما خرجت\". وهكذا رواه [¬٢] الترمذي، والنسائي، وابن ماجه، من حديث الزهري، به. وقال الترمذي: حسن صحيح.\nوقوله: ﴿وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ﴾، وهو يوم القيامة، يجمع اللَّه الأولين والآخرين في صعيد واحد.\nوقوله: ﴿لَا رَيبَ فِيهِ﴾ أي: لا شك في وقوعه وأنه كائن لا محالة.\nوقوله: ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾، كقوله: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ﴾ أي: يغبن [¬٣] أهل الجنة أهل النار وكقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ (١٠٣) وَمَا نُؤَخِّرُهُ إلا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ (١٠٤) يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إلا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾.\nقال الإِمام أحمد (^٧): حدثنا هاشم بن القاسم، حدثنا ليث، حدثني أبو قَبيل [¬٤]\n_________\n= والنسائي في الكبرى (٤٢٥٤)، والبزار ٢/ ٤٠ (١١٥٦ - كشف) - عن الزهري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة. فجعله من مسند أبي هريرة. وهذه الرواية وهمٌ. قال البزار: لا نعلم رواه عن الزهري إلا معمر ا هـ. يعني بهدا الإسناد، قال الحافظ في الإصابة (٦/ ١٦٣): اختلف على الزهري فيه، فقال الأكثر: عن أبي سلمة عن عبد اللَّه بن عدي بن الحمراء، وقال معمر: عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة ومرة أرسله، وقال ابن أخي الزهري: عن محمد بن جبير بن مطعم عن عبد اللَّه بن عدي. والمحفوظ الأول. قال البغوي لا أعلم له غيره. ا هـ. وثمَّ خلافٌ آخر على الزهري في هذا الحديث انظره في علل ابن أبي حاتم (١/ ٢٨٢) ورواه البزار برقم (١١٥٧ - كشف) من طريق محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة. وهذه الرواية أيها وهمٌ. فقد تفرد بها محمد بن عمرو، قال الترمذي: وحديث الزهري عن أبي سلمة عن عبد اللَّه بن عدي، أصح. وقال إلى أبي حاتم، وأبو زرعة كما في العلل (١/ ٢٨٠) عن حديث محمد بن عمرو: هذا خطأ، وهم فيه محمد بن عمرو، ورواه الزهري عن أبي سلمة عن عبد اللَّه بن عدي وهو الصحيح. ا هـ.\n(^٧) - المسند (٢/ ١٦٧)، وأخرجه الدارمي في الرد على الجهمية (٢٦٣)، والترمذي في القدر (٢١٤١)، والنسائي في التفسير من الكبرى (١١٤٧٣)، والطبري في التفسير (٢٥/ ٧)، وابن أبي عاصم في السنة (٣٤٨)، وابن وهب في القدر (١٣) والفريابي في القدر (٤٥ - ٤٦)، وأبو نعيم في الحلية ١٦٨/ ٥ - ١٦٩، والبغوي في التفسير من طرق عن أبي قبيل عن شُفى عن عبد اللَّه بن عمرو به، وهذا الإسناد جيد قوي. أبو قبيل وثقه غير واحد. وقال الحافظ: صدوق يهم. وشفى: تابعي جليل، وترجم له بعضهم في كتب الصحابة. وللعلامة أحمد شاكر كلام نفيس على توجيه معنى هذا الحديث، فانظره في تحقيقه لهذا الحديث على مسند أحمد. والحديث أخرجه البغوي في تفسيره (٤/ ١٢٠) من وجه آخر عن عبد اللَّه بن عمرو عن النبي، ﷺ.\n_________\n[¬١]- في ز: \"بالخزورة\".\n[¬٢]- في ت: \"رواية\".\n[¬٣]- في ت: \"يخدم\".\n[¬٤]- في ز: \"قيل\".","vol":"12","page":257},{"text":"المَعَافري [¬١]، عن شُفَي الأصبحي، عن عبد اللَّه بن عمرو ﵄ قال: خرج علينا رسول اللَّه ﷺ وفي يده كتابان، فقال: \"أتدرون ما هذان الكتابان؟ \". قال [¬٢]: قلنا: لا، إلا أن تخبرنا يا رسول اللَّه. قال للذي في يده اليُمني: \"هذا كتاب من رب العالمين، بأسماء أهل الجنة وأسماء آبائهم وقبائلهم، ثم أجملَ على آخرهم لا يزاد فيهم ولا ينقص منهم أبدًا\". ثم قال للذي في يساره: \"هذا كتاب أهل النار بأسمائهم وأسماء آبائهم وقبائلهم، ثم أجمل على آخرهم، لا يزاد فيهم ولا ينقص منهم أبدًا\". فقال أصحاب رسول اللَّه ﷺ: فلأي شيء إذًا [¬٣] نعمل إن كان هذا أمرًا [¬٤] قد فُرغ منه؟ فقال رسول اللَّه ﷺ: \"سَدّدوا وقاربوا، فإن صاحب الجنة يختم له بعمل الجنة، وإن عمل أيّ عمل، وإن صاحب النار ليختم له بعمل النار، وإن عمل أيّ عمل\". ثم قال بيديه فقبضهما [¬٥]، ثم قال: \"فرغ ربكم ﷿ من العباد\". ثم قال باليمنى فنبذ بها فقال: \"فريق في الجنة\"، ونبذ باليسرى فقال: \"فريق في السعير\".\nوهكذا رواه الترمذي والنسائي جميعًا، عن قتيبة، عن الليث بن سعد وبكر بن مضر، كلاهما عن أبي قَبيل [¬٦]، عن شُفيّ بن مانع الأصبحي، عن عبد اللَّه بن عمرو، به.\nوقال الترمذي: \"حسن صحيح غريب\". وساقه البغوي في تفسيره من طريق بشر بن بكر، عن سعيد بن عثمان، عن أبي الزاهرية، عن عبد اللَّه بن عمرو، عن النبي ﷺ، فذكره بنحوه. وعنده زيادات منها؛ ثم قال: \"فريق في الجنة وفريق في السعير، عدل من اللَّه ﷿\".\nورواه ابن أبي حاتم عن أبيه عن عبد اللَّه بن صالح - كاتب الليث- عن الليث، به.\nورواه ابن جرير (^٨) عن يونس، عن ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن أبي قَبيل، عن شُفَي، عن رجل من الصحابة، فذكره ثم روى عن يونس، عن ابن وهب، عن عمرو بن\n_________\n(^٨) - تفسير الطبري (٢٥/ ٧) بهذا الإسناد. وأخرجه البيهقي في الأسماء والصفات (٧١٣) من طريق آخر عن يحيى بن أسيد به. وقول المصنف: (والموقوف أشبه). يفهم منه أنه جعل حديث عبد اللَّه بن عمرو المرفوع وحديثه الموقوف حديثًا واحدًا وعليه رجح الموقوف، والذي يظهر لي أنهما حديثان مختلفان، والمرفوع فيه زيادات ليست في الموقوف، وإن كان الموقوف جزءًا منه واللَّه أعلم. هذا وإسناد الموقوف ضعيفٌ، يحيى بن أبي أسيد ترجم له البخاري في التاريخ (٨/ ٢٦١)، وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٩/ ١٢٩) ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا وروى عنه جماعة، ولم يوثقه معتبر فهو مجهول الحال.\n_________\n[¬١]- في ز: \"المغافري\".\n[¬٢]- سقط من: خ، ز.\n[¬٣]- سقط من: خ، ز.\n[¬٤]- في ت: \"أمر\".\n[¬٥]- في ت: \"فقبضها\".\n[¬٦]- في ز: \"قيل\".","vol":"12","page":258},{"text":"الحارث وحيوة بن شريح، عن يحيى بن [أبي أسيد] [¬١]: أن أبا فراس حَدّثه: أنه سمع عبد اللَّه بن عمرو يقول: إن اللَّه لما خلق آدم نفضه نفض المزْوَد [¬٢] وأخرج منه كل ذريته فخرج أمثال النغف فقبضهم قبضتين، ثم قال: شقي وسعيد. ثم ألقاهما ثم قبضهما فقال: فريق في الجنة وفريق في السعير. وهذا الموقوف أشبه بالصواب. واللَّه أعلم.\nوقال الإِمام أحمد ﵀ (^٩): حدثنا عبد الصمد، حدثنا حماد -يعني ابن سلمة- أخبرنا الجُرَيري، عن أبي نضرة أن رجلًا من أصحاب النبي ﷺ يقال له: أبو عبد اللَّه، دخل عليه أصحابه يعودونه وهو يبكي، فقالوا له: ما يُبكيك؟ ألم يقل لك رسول اللَّه ﷺ: \"خذ من شاربك ثم أقره حتى تلقاني\". قال: بلى، ولكن سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: \"إن اللَّه قبض بيمينه [¬٣] قبضة، وأخرى باليد الأخرى، قال: هذه لهذه، وهذه لهذه ولا أبالي\". فلا أدري في أيّ القبضتين أنا.\nوأحاديث القدر في الصحاح والسنن والمسانيد كثيرة جدًّا، منها حديث علي، وابن مسعود، وعائشة، وجماعة جمة.\nوقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ أي: إما على الهداية أو على الضلالة، ولكنه تعالى فاوت بينهم، فهدى من شاء [¬٤] إلى الحق، وأضل من شاء [¬٥] عنه، وله الحكمة والحجة البالغة. ولهذا قال: ﴿وَلَكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾.\nوقال ابن جرير (^١٠): حدثني يونس أخبرنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، عن أبي\n_________\n(^٩) - المسند (٤/ ١٧٦)، (٥/ ٦٨) وذكره ابن الأثير في أسد الغابة (٥/ ٢١٦) عن طريق حماد بن سلمة عن سعيد الجريري به وهذا الإسناد صحيح على شرط مسلم، والجريري وإن كان قد اختلط بأخرة إلا أن حماد بن سلمة ممن سمع منه قبل الاختلاط كما ذكر العجلي في ثقاته (١/ ٣٩٤) والحديث ذكره الهيثمي في المجمع (٧/ ١٨٦) وقال: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح ا هـ، وفي القبضتين أحاديث انظر الأسماء والصفات للبيهقي (٧٠٥ - ٧١٥)، والصحيحة (٤٧ - ٥٠).\n(^١٠) - أخرجه الطبري في تفسيره (٢٥/ ٩) ووقع في المطبوع عن التفسير \" … عن عمرو بن الحارث، عن أبي شبَّويه عن ابن حجيرة\" ولا أعرف من سماه بأبي شبويه، وإنما ترجم له المزى في تهذيبه باسم أبي سَوِيَّة، وترجم له ابن حبان باسم أبي سويد كما عند المصنف، وقال: وقد غلط عن سماه أبا سوية، وقال الحافظ في التقريب: أبو سويد ويقال: أبو سوية، فالله أعلم، قال ابن حجر في التقريب: صدوق ا هـ، وأثنى عليه ابن يونس، وابن ماكولا وعلى كل فلا يخفى أن الحديث بهدا السياق ضعيف من حيث =\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ز: \"الأسيد\".\n[¬٢]- في ز: \"المرود\".\n[¬٣]- سقط من: خ.\n[¬٤]- في ت: \"يشاء\".\n[¬٥]- في ت: \"يشاء\".","vol":"12","page":259},{"text":"سويد حدثه، عن ابن حُجَيرة: أنه بلغه أن موسى ﵇ قال: يا رب خَلقُك الذين خلقتهم، جعلت منهم فريقًا في الجنة وفريقًا في النار، لوما أدخلتهم كلهم الجنة؟! فقال: يا موسى، ارفع ذَرْعك. فرفع، قال: قد رفعت. قال: ارفع. فرفع [¬١]، فلم يترك شيئًا، قال: يا رب، قد رفعت. قال: ارفع. قال: قد رفعت، إلا ما لا خير فيه. قال: كذلك أدخل خلقي كلهم الجنة، إلا ما لا خير فيه.\n﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ (٩) وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيهِ أُنِيبُ (١٠) فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١) لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمٌ﴾\nيقول تعالى منكرًا على المشركين في اتخاذهم آلهة من دون اللَّه، ومخبرًا أنه الولي الحق الذي لا تنبغي العبادة إلا له وحده، فإنه القادر على إحياء الموتى وهو على كل شيء قدير.\nثم قال: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ أي: مهما اختلفتم فيه من الأمور، وهذا عام في جميع الأشياء، ﴿فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ أي هو الحاكم فيه بكتابه وسنة نبيه ﷺ، كقوله: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي﴾ أي: الحاكم في كل شيء، ﴿عَلَيهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيهِ أُنِيبُ﴾، أي: أرجع في جميع الأمور.\nوقوله: ﴿فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: خالقهما وما بينهما، ﴿جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾ أي: من جنسكم وشكلكم، منَّةً عليكم وتفضلًا، جعل من جنسكم ذكرًا وأنثى ﴿وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا﴾ أي: خلق لكم في الأنعام ثمانية أزواج.\nوقوله: ﴿يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ﴾ أي: يخلقكم فيه، أي: في ذلك الخلق على هذه الصفة لا\n_________\n= الإسناد فإنه من بلاغات ابن حجيرة عن موسى ﵇، وقد ورد نحو هذا الأثر عن موسى من بلاغات عمار بن يسار عن ابن عساكر في تاريخه ١٧/ ٣٧١ مخطوط \"ترجمة موسى بن عمران ﵇\".\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.","vol":"12","page":260},{"text":"يزال يذرؤكم [¬١] فيه ذكور وإناث، خلقًا من بعد خلق، وجيلًا بعد جيل ونسلًا بعد نسل من الناس والأنعام.\n[وقال البغوي ﵀: ﴿يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ﴾ أي: في الرحم. وقيل: في البطن. وقيل: في [¬٢] هذا الوجه من الخلقة.\nقال مجاهد: ونسلًا بعد نسل في الناس والأنعام] [¬٣]. وقيل: \"في\" بمعنى \"الباء\"، أي: يذرؤكم به.\n﴿لَيسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ﴾ أي: ليس كخالق الأزواج كلها شيء؛ لأنه الفرد الصمد الذي لا نظير له، ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾.\nوقوله: ﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ تقدم تفسيره في \"سورة الزمر\"، وحاصل ذلك أنه المتصرف الحاكم [¬٤] فيهما، ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ أي: يوسع على من يشاء، ويضيق على من يشاء، و[¬٥] له الحكمة والعدل التام، ﴿إِنَّهُ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمٌ﴾.\n﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَينَا إِلَيكَ وَمَا وَصَّينَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيهِ مَنْ يُنِيبُ (١٣) وَمَا تَفَرَّقُوا إلا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَينَهُمْ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَينَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (١٤)﴾\nيقول تعالى لهذه الأمة: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَينَا إِلَيكَ﴾، فذكر أول الرسل بعد آدم وهو نوح ﵇ وآخرهم وهو محمد ﷺ ثم ذكر من بين ذلك من أولى العزم وهم: إبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم ﵈. وهذه الآية انتظمت ذكر الخمسة، كما اشتملت آية \"الأحزاب\" عليهم في قوله:\n_________\n[¬١]- بعده في ت: \"يذرؤكم\".\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٤]- سقط من: خ.\n[¬٥]- سقط من: ز.","vol":"12","page":261},{"text":"﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ الآية. والدين الذي جاءت به الرسل كلهم هو: عبادة اللَّه وحده لا شريك له، كما قال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إلا نُوحِي إِلَيهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إلا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾. وفي الحديث: \"نحن معشر الأنبياء أولاد علات ديننا واحد\" (^١١). أي: القدر المشترك بينهم هو عبادة اللَّه وحده لا شريك له، وإن اختلفت شرائعهم ومناهجهم؛ كقوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾، ولهذا قال هاهنا: ﴿أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ أي: وصى اللَّه ﷾ جميع الأنبياء ﵈ بالائتلاف والجماعة، ونهاهم عن الافتراق والاختلاف.\nوقوله: ﴿كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيهِ﴾ أي: شق عليهم وأنكروا ما تدعوهم إليه يا محمد، من التوحيد.\nثم قال: ﴿اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيهِ مَنْ يُنِيبُ﴾ أي: هو الذي يُقَدّر الهداية لمن يستحقها، ويكتب الضلالة على من آثرها على طريق الرشد، ولهذا قال: ﴿وَمَا اخْتَلَفُوا إلا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ﴾ أي: إنما كان مخالفتهم للحق بعد بلوغه إليهم، وقيام الحجة عليهم، وما حملهم على ذلك إلا البغيُ والعنادُ والمشاقة.\nثم [¬١] قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَينَهُمْ﴾ أي: لولا الكلمة السابقة من اللَّه بإنظار العباد بإقامة حسابهم إلى يوم المعاد، لعجل لهم العقوبة في الدنيا سريعًا.\nوقوله: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾، يعني: الجيل المتأخر بعد القرن الأول المكذب للحق ﴿لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ﴾ أي: ليسوا على يقين من أمرهم، وإنما هم مقلدون لآبائهم وأسلافهم، بلا دليل ولا بُرهان، وهم في حيرة من أمرهم، وشك مريب، وشقاق بعيد.\n﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَينَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَينَنَا وَبَينَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَينَنَا وَإِلَيهِ الْمَصِيرُ (١٥)﴾\nاشتملت هذه الآية الكريمة على عشر كلمات مستقلات، كل منها منفصلة عن التي قبلها، حكم برأسه، قالوا: ولا نظير لها سوى آية الكرسي، فإنها أيضًا عشرة فصول كهذه.\nفقوله [¬٢]: ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ﴾ أي: فَلِلَّذي أوحينا إليك من الدين الذي وصّينا به جميعَ\n_________\n(^١١) - أخرجه البخاري في أحاديث الأنبياء برقم (٣٤٤٢، ٣٤٤٣)، ومسلم في كتاب الفضائل باب فضل عيسى ﵇ برقم (٢٣٦٥) من حديث أبي هريرة.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- في ت: \"قوله\".","vol":"12","page":262},{"text":"المرسلين قبلك أصحابَ الشرائع الكبار المتبعة كأولي العزم وغيرهم، فادعُ الناس إليه.\nوقوله: ﴿وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ أي: واستقم أنت ومن اتبعك على عبادة اللَّه كما أمرك اللَّه ﷿\nوقوله: ﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾، يعني: المشركين فيما اختلقوه، وكذبوه، وافتروه من عبادة الأوثان.\nوقوله: ﴿وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ﴾ أي: صَدّقتُ بجميع الكلب المنزلة من السماء على الأنبياء، لا نفرق بين أحد منهم.\nوقوله: ﴿وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَينَكُمُ﴾ أي: في الحكم كما أمرني اللَّه.\nوقوله: ﴿اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ﴾ أي: هو المعبود، لا إله غيره، فنحن نقر بذلك اختيارًا، وأنتم وإن لم تفعلوه اختيارًا، فله يسجد من في العالمين طوعًا واختيارًا.\nوقوله: ﴿لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾ أي: نحن برآء منكم، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾.\nوقوله: ﴿لَا حُجَّةَ بَينَنَا وَبَينَكُمُ﴾، قال مجاهد: أي لا خُصُومة. قال السدي: وذلك قبل نزول آية السيف. وهذا مُتَّجه؛ لأن هذه الآية مكية، وآية السيف بعد الهجرة.\nوقوله: ﴿اللَّهُ يَجْمَعُ بَينَنَا﴾ أي: يوم القيامة، كقوله: ﴿قُلْ يَجْمَعُ بَينَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَينَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ﴾.\nوقوله: ﴿وَإِلَيهِ الْمَصِيرُ﴾ أي: المرجع والمآب يوم الحساب.\n﴿وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ (١٦) اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ (١٧) يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ أَلَا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ (١٨)﴾\nيقول تعالى متوعدًا الذين يَصُدّون عن سبيل اللَّه مَن آمن به: ﴿وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ﴾ أي: يجادلون المؤمنين المستجيبين للَّه ولرسوله، ليصدوهم عما سلكوه من طريق الهدى، ﴿حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ أي: باطلة عند اللَّه، ﴿وَعَلَيهِمْ","vol":"12","page":263},{"text":"غَضَبٌ﴾ أي: منه، ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ أي يوم القيامة.\nقال ابن عباس، ومجاهد: جادلوا المؤمنين بعدما استجابوا للَّه ولرسوله، ليصدوهم عن الهدى، وطَمعوا أن تعود الجاهلية.\nوقال قتادة: هم اليهود والنصارى، قالوا لهم: ديننا خير من دينكم، [ونبينا قبل نبيكم، ونحن خير منكم] [¬١]، وأولى باللَّه [¬٢] منكم. وقد كذبوا في ذلك.\nثم قال: ﴿اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾، يعني: الكتب المنزلة من عنده على أنبيائه ﴿وَالْمِيزَانَ﴾، وهو: العدل والإنصاف. قاله مجاهد، وقتادة. وهذه كقوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ وقوله: ﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ (٧) أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ (٨) وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ﴾.\nوقوله: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ فيه ترغيب فيها وترهيب منها وتزهيد [¬٣] في الدنيا.\nوقوله: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا﴾ أي: يقولون: ﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾؟ وإنما يقولون ذلك تكذيبًا واستبعادًا، وكفرًا وعنادًا. ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا﴾ أي: خائفون وَجِلُون من وقوعها، ﴿وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ﴾ أي: كائنة لا محالة، فهم مستعدون لها عاملون من أجلها.\nوقد روي من طرق تبلغ درجة التواتر في الصحاح والحسان والسنن والمسانيد وفي بعض ألفاظه: أن رجلًا سأل رسول اللَّه ﷺ بصوت جهوريّ، وهو في بعض أسفاره، فناداه فقال: يا محمد. فقال له النبي ﷺ [نحوًا من صوته] [¬٤]: \"هاؤم\". فقال: متى الساعة؟ فقال له رسول اللَّه ﷺ: \"ويحك، إنها كائنة، فما أعددت لها؟ \". فقال: حُبّ اللَّه ورسولِه. فقال: \"أنت مع من أحببت\" (^١٢).\n_________\n(^١٢) - أخرجه البخاري في كتاب الأدب باب علامة الحب في اللَّه حديث رقم (٦١٧١)، ومسلم في البر والصلة باب المرء مع من أحب حديث (٢٦٣٩) من حديث أنس بن مالك، وأخرجه البخاري في الموضع السابق حديث (٦١٦٨ - ٦١٧٠)، ومسلم في الموضع السابق حديث (٢٦٤٠ - ٢٦٤١) من حديث عبد اللَّه بن مسعود.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- في ز: \"تزهد\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.","vol":"12","page":264},{"text":"فقوله في الحديث: \"المرء مع من أحب\". هذا متواتر لا محالة، والغرض أنه لم يجبه عن وقت الساعة، بل أمره بالاستعداد لها.\nوقوله: ﴿أَلَا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ﴾ أي: يحاجّون في وجودها ويدفعون وقوعها، ﴿لَفِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ﴾ أي: في جهل بيّن؛ لأن الذي خلق السماوات والأرض قادرٌ على إحياء الموتى بطريق الأولى والأخرى، كما قال: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيهِ﴾.\n﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْقَويُّ الْعَزِيزُ (١٩) مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ (٢٠) أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَينَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢١) تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (٢٢)﴾\nيقول تعالى مخبرًا عن لطفه بخلقه في رزْقه إياهم عن آخرهم، لا ينسى أحدًا منهم، سواء في رزْقه البَرّ والفاجر؛ كقوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إلا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾. ولها نظائر كثيرة.\nوقوله: ﴿يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ﴾ أي: يوسع على من يشاء، ﴿وَهُوَ الْقَويُّ الْعَزِيزُ﴾ أي: لا يعجزه شيء.\nثم قال: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ﴾ أي: عمل الآخرة، ﴿نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ﴾ أي: نقويه ونعينه على ما هو بصدده، ونكثر نماءه، ونجزيه بالحسنة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، إلى ما يشاء اللَّه. ﴿وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾ أي: ومن كان إنما سعيه ليحصل له شيء من الدنيا، وليس له إلى الآخرة همَّة ألبتة [¬١] بالكلية، حَرَمه اللَّه الآخرة، والدنيا إن شاء أعطاه منها، وإن لم يشأ لم يحصل له لا\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.","vol":"12","page":265},{"text":"هذه ولا هذه، وفاز هذا الساعي بهذه النية بالصفقة الخاسرة في الدنيا والآخرة.\nوالدليل على هذا أن هذه الآية هاهنا مُقَيَّدة بالآية التي في \"سبحان\" وهي قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا (١٨) وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا (١٩) كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا (٢٠) انْظُرْ كَيفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا﴾.\nوقال [¬١] الثوري: عن مُغيرَة، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ: \"بشر هذه الأمة بالسناء والرفعة، والنصرة والتمكين في الأرض، فمن عمل منهم عمل الآخرة للدنيا، لم يكن له في الآخرة من نصيب\" (^١٣).\nوقوله: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ أي: هم لا يتبعون ما شرع الله لك من الدين القويم، بل يتبعون ما شرع لهم شياطينهم من الجن والإِنس، من تحريم ما حرموا عليهم، من البَحيرة والسائبة والوصيلة والحام، وتحليل الميتة والدم والقمار، إلى نحو ذلك من الضلالات والجهالات الباطلة. التي كانوا قد اخترعوها في جاهليتهم، من التحليل والتحريم، والعبادات الباطلة، والأقوال الفاسدة.\nوقد ثبت في الصحيح (^١٤) أن رسول الله ﷺ قال: \"رأيت عَمرو بن لُحَيّ بن قَمَعَةَ يَجُرّ قصْبَه في النار أنه [¬٢] أول من سيب السوائب\". وكان هذا الرجل أحد\n_________\n(^١٣) - أخرجه أحمد، وابنه عبد الله في زوائده (٥/ ١٣٤)، والحاكم (٤/ ٣١١، ٣١٨)، والبيهقي في الدلائل (٦/ ٣١٨)، والبغوي في شرح السنة (٤١٤٥) من طريق المعتمر بن سليمان، ويحيى بن يمان، وزيد بن الحباب وغيرهم عن الثوري عن المغيرة بن مسلم عن الربيع بن أنس عن أبي العالية عن أبي … فذكره، ورواه قبيصة عن الثوري - فقال - عن أيوب عن أبي العالية عن أبَيٍّ - فجعل أيوب بدلًا من الربيع بن أنس. وقبيصة ضعفه ابن معين في حديثه عن الثوري، والذي يؤيد أن هذا الحديث حديث الربيع بن أنس أن غير الثوري رواه عنه عن أبي العالية. فقد أخرجه أحمد (٥/ ١٣٤)، وعبد الله بن أحمد في زوائده على المسند (٥/ ١٣٤) من طريق عبد الرحمن بن مهدي، وعبد الواحد بن غياث - كلاهما - عن عبد العزيز بن مسلم أخي المغيرة بن مسلم عن الربيع به. والحاصل: أن هذا الحديث يروه المغيرة بن مسلم، وأخوه عبد العزيز بن مسلم عن الربيع بن أنس عن أبي العالية عن أبي بن كعب. والربيع بن أنس قال الحافظ في التقريب: صدوق له أوهام ورمي بالتشيع.\nقلت: وقد تفرد بهذا الحديث. ومن حسَّن إسناده فقد أصاب. والله أعلم.\n(^١٤) - أخرجه البخاري في التفسير باب: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ …﴾ الآية حديث رقم (٤٦٢٣، ٤٦٢٤)، ومسلم في صفة الجنة حديث رقم (٢٨٥٦) من حديث أبي هريرة.\n_________\n[¬١]- في ت: وقال.\n[¬٢]- في ت: \"لأنه\".","vol":"12","page":266},{"text":"ملوك خزاعة، وهو أول من فعل هذه الأشياء، وهو الذي حَمَل قريشًا على عبادة الأصنام، لعنه الله وقبحه! ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَينَهُمْ﴾ أي: لعوجلوا بالعقوبة، لولا ما تقدم من الإِنظار إلى يوم المعاد، ﴿وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أي: شديد موجع في جهنم وبئس المصير.\nثم قال تعالى: ﴿تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا﴾ أي: في عرصات القيامة، ﴿وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ﴾ أي: الذي [¬١] يخافون منه واقع بهم لا محالة، هذا حالهم يوم معادهم، وهم في هذا الخوف والوجل، ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾، فأين هذا من هذا؟ أين من هو في العَرَصات في الذل والهوان والخوف المحقق عليه بظلمه، ممن هو في روضات الجنات، فيما شاء من مآكل ومشارب وملابس ومساكن ومناظر ومناكح وملاذ، فيما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر؟\nقال الحسن بن عرفة: حدثنا عُمَر بن عبد الرحمن الأبار، حدثنا محمد بن سعد الأنصاري، عن أبي طَيبة قال: إن الشَّرْبَ (*) من أهل الجنة لتظلهم السحابة فتقول: ما أُمطِرُكُم؟ قال: فما يدعو داع من القوم بشيء إلا أمطرتهم، حتى إن القائل منهم ليقول: أمطرينا كواعب أترابًا.\nرواه ابن جرير (^١٥) عن الحسن بن عرفة، به.\nولهذا قال تعالى: ﴿ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ أي: الفوز العظيم، والنعمة التامة السابغة الشاملة العامة.\n﴿ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيهِ أَجْرًا إلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ (٢٣) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٢٤)﴾\nيقول تعالى لما ذكر روضات الجنات [¬٢]، لعباده الذين آمنوا وعملوا الصالحات: ﴿ذَلِكَ\n_________\n(*) الشرب: الجماعة من القوم يجتمعون على الشراب.\n(^١٥) - عزاه أيضًا في الدر إلى ابن جرير. ولم أجده في هذا الموضع من الآية عند قوله: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ فلعله سقط من المطبوع والله أعلم، وهذا الإسناد رجاله لا بأس بهم، وقد ترجم الحافظ لكل واحدٍ منهم بقوله: \"صدوق\".\n_________\n[¬١]- في ز: \"الذين\".\n[¬٢]- في ت: \"الجنة\".","vol":"12","page":267},{"text":"الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ أي: هذا حاصل لهم، كائن لا محالة، ببشارة الله لهم به.\nوقوله: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيهِ أَجْرًا إلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ أي: قل يا محمد لهؤلاء المشركين من كفار قريش [] [¬١]: لا أسألكم على هذا البلاغ والنصح لكم مالًا تعطونيه، وإنما أطلب منكم أن تكفوا شركم عني، وتذروني أبلغ رسالات ربي، إن لم تنصروني فلا تؤذوني بما بيني وبينكم من القرابة.\nقال البخاري (^١٦): حدثنا محمد بن بشار، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن عبد الملك بن ميسرة قال [¬٢]: سمعت طاوسًا عن ابن عباس: أنه سُئِل عن قوله تعالى: ﴿إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾، فقال سعيد بن جبير: قربى آل محمد. فقال ابن عباس: عَجِلْتَ، إن النبي ﷺ لم يكن بطن من قريش إلا كان له فيهم قرابة [¬٣]، فقال: إلا أن [تصلوا ما] [¬٤] بيني وبينكم من القرابة. انفرد به البخاري.\nورواه الإمام أحمد عن يحيى القطان عن شعبة، به. وهكذا روى عامر الشعبي، والضحاك، وعلي بن أبي طلحة، والعوفي، ويوسف بن مهران، وغير واحد، عن ابن عباس، مثله. وبه قال مجاهد، وعكرمة، وقتادة، والسدي، وأبو مالك، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وغيرهم.\nوقال الحافظ أبو القاسم الطبراني (^١٧) حدثنا هاشم بن يزيد الطبراني وجعفر القلانسي قالا: حدثنا آدم بن أبي إياس، حدثنا شريك، عن خُصَيف، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال لهم رسول الله ﷺ: \"لا أسألكم عليه أجرًا إلا أن تَوَدّوني [¬٥] في نفسي لقرابتي منكم، وتحفظوا القرابة التي بيني وبينكم\".\n_________\n(^١٦) - أخرجه البخاري في التفسير باب: ﴿إلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ حديث رقم (٤٨١٨)، وأحمد (١/ ٢٢٩، ٢٨٦)، والترمذي في التفسير باب: \"ومن سورة حم عسق\" حديث رقم (٣٢٥١)، والنسائي في الكبرى (١١٤٧٤) من طرق عن شعبة به، وقول المصنف: \"انفرد به البخاري\" غير صحيح، فقد رأيت أن الترمذي أخرجه، وكذلك النسائي في الكبرى.\n(^١٧) - أخرجه الطبراني في الكبير (١١/ ١٢٢٣٣) من هذه الطريق، وأخرجه في الأوسط عن جعفر بن محمد القلانسي -وحده- به، ثم أعاده في الكبير (١١/ ١٢٢٣٨) من طريق آخر عن سعيد بن جبير، والحديث عزاه السيوطي في الدر إلى ابن أبي حاتم في تفسيره، وابن مردويه.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ز: \"قل\".\n[¬٢]- سقط من: خ، ز.\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين في ز: \"لما\".\n[¬٥]- في ز: \"تؤذوني\".","vol":"12","page":268},{"text":"وروى الإِمام أحمد (^١٨)، عن حسن بن موسى: حدثنا قَزَعة -يعني ابن سويد- وابن أبي حاتم، عن أبيه، عن. سلم بن إبراهيم، عن قَزَعة بن سويد، عن ابن أبي نَجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: \"لا أسألكم على ما آتيتكم من البينات والهدى أجرًا، إلا أن تُوَادوا الله، وأن تَقَرّبوا إليه بطاعته\".\nوهكذا روى قتادة (^١٩) عن الحسن البصري، مثله. وهذا كأنه تفسير بقولٍ ثان، كأنه يقول: ﴿إلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ أي: إلا أن تعملوا بالطاعة التي تقربكم عند الله زلفى.\nوقول [¬١] ثالث: وهو ما حكاه البخاري وغيره (^٢٠)، رواية عن سعيد بن جبير - ما معناه - أنه قال: معنى ذلك أن تودوني في قرابتي، أي: تحسنوا إليهم وتبروهم.\nوقال السدي (^٢١): عن أبي الديلم قال: لما جيء بعلي بن الحسين أسيرًا، فأقيم على دَرَج دمشق، قام رجل من أهل الشام فقال: الحمد لله الذي قتلكم واستأصلكم، وقطع قَرني الفتنة. فقال له علي بن الحسين: أقرأت القرآن؟ قال: نعم. قال: أقرأت آل حم؟ قال: قرأت القرآن، ولم أقرأ آل حم. قال: ما قرأت: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيهِ أَجْرًا إلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾؟ قال: وإنكم أنتم هم؟ قال: نعم.\nوقال [أبو إسحاق] [¬٢] السبيعي: سألت عمرو بن شعيب عن قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيهِ أَجْرًا إلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾، فقال: قربى النبي ﷺ. رواهما ابن جرير (^٢٢).\nثم قال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا مالك بن إسماعيل، حدثنا عبد السلام،\n_________\n(^١٨) - المسند (١/ ٢٦٨)، وأخرجه الطبراني في الكبير (١١/ ١١١٤٤)، والطبري في تفسيره ٢٥/ ٢٥، والحاكم (٢/ ٤٤٣، ٤٤٤) وعزاه في الدر إلى ابن مردويه، وابن أبي حاتم من هذا الوجه، وهذا الإسناد ضعيف لضعف قزعة، وقال في المجمع (٧/ ١٠٣): \"رواه أحمد والطبراني ورجال أحمد فيهم قزعة وثقه ابن معين وغيره وفيه ضعف، وبقية رجاله ثقات\"، والحديث صححه الحاكم ووافقه الذهبي.\n(^١٩) - أخرجه الطبري في تفسيره (٢٥/ ٢٦) من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة به.\n(^٢٠) - تقدم ضمن تخريج حديث ابن عباس فانظر الصفحة السابقة.\n(^٢١) - أخرجه الطبري في تفسيره (٢٥/ ٢٥) من طريق إسماعيل بن أبان قال ثنا الصباح بن يحيى المرى عن السدى به، وإسماعيل بن أبان الوراق رمى بالتشيع، فلا تقبل له الرواية التي تنصر مذهبه وهذا منه.\n(^٢٢) - أخرجه الطبري في المصدر السابق.\n_________\n[¬١]- في ت: وقول.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في خ، ز: \"أبو الحسن\".","vol":"12","page":269},{"text":"حدثني يزيد بن أبي زياد، عن مقْسم، عن ابن عباس قال: قالت الأنصار: فعلنا وفعلنا، وكأنهم فخروا. فقال ابن عباس -أو: العباس، شك عبد السلام-: لنا الفضل عليكم. فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فأتاهم في مجالسهم فقال: \"يا معشر الأنصار، ألم تكونوا أذلة فأعزكم الله بي؟ \" قالوا: بلى، رسول الله. قال: \" [ألم تكونوا ضلالًا فهداكم الله بي؟ \" قالوا: بلى، يا رسول الله] [¬١]. قال: \"أفلا تجيبوني؟ \" قالوا: ما نقول يا رسول الله؟ قال: \"ألا تقولون: ألَم يخرجك قومك فآويناك؟ أوَ لم يكذبوك فصدقناك؟ أو لم يخذلوك فنصرناك؟ \". قال: فما زال يقول حتى جَثوا على الرُّكَب، وقالوا: أموالنا وما في أيدينا لله ولرسوله. قال: فنزلت: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيهِ أَجْرًا إلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾.\nوهكذا رواه ابن أبي حاتم، عن علي بن الحسين، عن عبد المؤمن بن علي، عن [¬٢] عبد السلام، عن يزيد بن أبي زياد - وهو ضعيف - بإسناده مثله، أو قريبًا منه (^٢٣).\nوفي الصحيحين (^٢٤) في قسم غنائم حنين قريب من هذا السياق، ولكن ليس فيه ذكر نزول هذه الآية. وذكْرُ نُزولها في المدينة فيه [¬٣] نظر؛ لأن السورة مكية، وليس يظهر بين هذه الآية الكريمة وبين السياق مناسبة، والله أعلم.\nوقال ابن أبي حاتم (^٢٥): حدثنا علي بن الحسين، حدثنا رجل سماه، حدثنا حسين الأشقر، عن قيس، عن الأعمش، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: لما نزلت هذه\n_________\n(^٢٣) - أخرجه ابن جرير في تفسيره (٥/ ٢٥)، وعزاه في الدر إلى ابن مردويه وابن أبي حاتم من هذا الوجه، وأعله المصنف هنا بيزيد بن أبي زياد. وضعفه ابن حجر في الفتح (٨/ ٥٦٤) وقال: ويبطله أن الآية مكية\" ا هـ.\n(^٢٤) - أخرجه البخاري في المغازي والسير حديث رقم (٤٣٣٠)، وفي التمني باب ما يجوز من اللوِّ وقوله تعالى: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً﴾ حديث رقم (٧٢٤٥) مختصرًا، وأخرجه مسلم في الزكاة حديث رقم (١٠٦١) من مسند عبد الله بن زيد به، وفي الباب عن أنس بن مالك، وأبي سعيد الخدري، أخرجهما أحمد (٣/ ٦٧ و٧٦، ١٠٤، ٢٥٣).\n(^٢٥) - أخرجه الطبراني ١١/ ٤٤٤ (١٢٢٥٩) من طريق آخر عن حسين الأشقر به وعزاه السيوطي أيضًا في الدر إلى ابن المنذر وابن مردويه، وذكره الهيثمي في المجمع (٩/ ١٧١) وقال: رواه الطبراني وفيه جماعة ضعفاء وقد وثقوا. ا هـ. يعني حسين الأشقر وشيخه قيس بن الربيع، وعليه فهذا الحديث ضعيف، من حيث الإسناد، وأما من حيث المتن، فهذه الآية نزلت بمكة ولم يكن إذ ذاك لفاطمة أولاد بالكلية، فإنها لم تتزوج بعلي إلا بعد بدر من السنة الثانية للهجرة كما ذكر المصنف.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.\n[¬٢]- في ز: \"بن\".\n[¬٣]- سقط من: خ.","vol":"12","page":270},{"text":"الآية: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيهِ أَجْرًا إلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾، قالوا: يا رسول الله، من هؤلاء الذين أمر الله بمودتهم؟ قال: \"فاطمة وولدها ﵈\".\nوهذا إسناد ضعيف فيه مبهم لا يعرف عن شيخ شيعي متحرق، وهو حسين الأشقر، ولا يقبل خبره في هذا المحل. وذكْرُ نزول هذه الآية في المدينة بعيد، فإنها مكية ولم يكن إذ ذاك لفاطمة أولاد بالكلية، فإنها لم تتزوج بعلي إلا بعد بدر من السنة الثانية من الهجرة.\nوالحق تفسير الآية بما فسرها به الإِمام حَبْرٌ الأمة، وترجمان القرآن، عبد الله بن عباس، كما رواه عنه البخاري، ولا تنكر الوَصاةُ بأهل البيت، والأمر بالإحسان إليهم، واحترامهم وإكرامُهم، فإنهم من ذُرّية طاهرة، من أشرف بيت وجد على وجه الأرض، فخرًا وحسبًا ونسبًا، ولا سيما إذا كانوا متبعين للسنة النبوية الصحيحة الواضحة الجلية، كما كان عليه سلفهم، كالعباس وبنيه، وعليّ وأهل بيته وذويه [¬١]، ﵃ أجمعين.\nوفي الصحيح [¬٢] (^٢٦): أن رسول الله ﷺ قال في خطبته بغدير خم: \"إني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي، وإنهما لم يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض\".\nوقال الإِمام أحمد (^٢٧): حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد، عن يزيد\n_________\n(^٢٦) - أخرجه مسلم في فضائل الصحابة، كتاب: من فضائل علي بن أبي طالب حديث رقم (٣٤٠٨) من مسند زيد بن أرقم بنحو السياق التي ذكرها المصنف وليس بلفظه، ولهذا الحديث شواهد كثيرة. انظرها في الصحيحة (٤/ ٣٥٥، ٣٦١)، وسيأتي تخرجه مفصلًا عندما يذكر المصنف طرقه بعد قليل.\n(^٢٧) - هذا الحديث ضعيف مداره على يزيد بن أبي زياد وهو ضعيف وقد اختلط بأخرة، وقد اضطرب في هذا الحديث، فتارة يجعله من مسند العباس، وتارة يجعله من مسند عبد المطلب بن ربيعة، وفي بعض الطرق سماه المطلب بن ربيعة. أخرجه أحمد ١/ ٢٠٧، ٤/ ١٦٥، وفي الفضائل (١٧٥٧)، والترمذي في المناقب حديث رقم (٣٧٠٨)، والنسائي في المناقب من الكبرى حديث رقم (٨١٧٦)، والبزار (٣١٦)، والحاكم (٣/ ٣٣٢)، والخطيب في تاريخه (٣/ ٣٨٦) من طرق عن يزيد بن أبي زياد عن عبد الله بن الحارث به. قال البزار: لا نعلم رواه إلا يزيد بن أبي زياد عن عبد الله بن الحارث وللحديث طريق أخرى عند ابن ماجه في المقدمة برقم (١٤٠) من طريق محمد بن كعب القرظي عن العباس، وهذا الإِسناد ضعيف لانقطاعه، فإن محمد بن كعب لم يدرك العباس بن عبد المطلب كما يعلم من تاريخ وفاتهما، وله طريق أخرى من مرسل أبي الضحى وهو مسلم بن صبيح قال: قال العباس لرسول الله ﷺ … فذكره مرسلًا. أخرجه أحمد في الفضائل (١٧٥٦)، وقد وصله الطبراني في الكبير (١١/ ٤٣٣) (١٢٢٢٨)، والخطيب في تاريخه (٥/ ٣١٦، ٣١٧) عن أبي الضحى عن عبد الله بن عباس، عن العباس … فذكره. وإسناده ضعيف. ووصله الخطيب من وجه آخر عن أبي الضحى عن مسروق عن عائشة وضعفه أيضًا، فالحاصل أن هذا الحديث ورد بأسانيد هذا حالها وهي بينة الضعف، والله أعلم.\n_________\n[¬١]- في ت: \"وذريته\".\n[¬٢]- في ز: \"الصحيحين\".","vol":"12","page":271},{"text":"ابن أبي زياد، عن عبد الله بن الحارث، عن العباس بن عبد المطلب قال: قلت: يا رسول الله، إن قريشًا إذا لقي بعضهم بعضًا لَقُوهم ببشر حَسَن، وإذا لقونا لقونا بوجوه لا نعرفها؟ قال: فغضب النبي ﷺ غضبًا شديدًا، وقال: \"والذي نفسي بيده، لا يدخل قلبَ الرجل الإِيمانُ حتى يحبكم لله ولرسوله\".\nثم قال أحمد: حدثنا جرير، عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد الله بن الحارث، عن عبد المطلب بن ربيعة قال: دخل العباس على رسول الله ﷺ فقال: إنا لنخرج فنرى قريشًا تُحدّث، فإذا رأونا سكتوا. فغضب رسول الله ﷺ ودَرّ عِرْق بين عينيه، ثم قال: \"والله لا يدخل قلب امرئ مسلم إيمانٌ حتى يحبكم لله ولقرابتي\".\nوقال البخاري (^٢٨): حدثنا عبد الله بن عبد الوهاب، حدثنا خالد، حدثنا شعبة، عن واقد قال [¬١]: سمعتُ أبي يحدّث عن ابن عمر، عن أبي بكر الصديق ﵁ قال: ارقبوا محمدًا ﷺ في أهل بيته.\nوفي الصحيح (^٢٩): أن الصديق قال لعليّ ﵄: والله لقرابة رسول الله ﷺ أحبّ إليَّ أن أصل من قرابتي.\nوقال عمر بن الخطاب للعباس (^٣٠) ﵄: والله لإِسلامك يوم أسلمت كان أحبّ إليّ من إسلام الخطاب لو أسلم؛ لأن إسلامك كان [¬٢] أحب إلى رسول الله من إسلام الخطاب.\nفحال الشيخين ﵄ هو الواجب على كل أحد أن يكون كذلك، ولهذا كانا أفضل المؤمنين بعد النبيين والمرسلين ﵄ وعن سائر الصحابة أجمعين.\nوقال الإِمام أحمد ﵀: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن أبي حَيّان التيمي، حدثني يزيد بن حَيّان قال: انطلقتُ أنا وحصين بن ميسرة، وعمر بن مسلم إلى زيد بن أرقم، فلما جلسنا إليه قال له حصين: لقد لقيت يا زيدُ خيرًا كثيرًا، رأيتَ رسول الله ﷺ، وسمعت حديثه، وغزوتَ معه، وصليتَ معه. لقد رأيتَ يا زيد خيرًا كثيرًا. حدثنا\n_________\n(^٢٨) - أخرجه البخاري في المناقب باب مناقب قرابة رسول الله ﷺ حديث رقم (٣٧١٣)، ثم أعاده في فضل الحسن والحسين حديث رقم (٣٧٥١) من طريق آخر عن شعبة.\n(^٢٩) - أخرجه البخاري في الموضع السابق حديث رقم (٣٧١٢).\n(^٣٠) - أخرجه ابن عساكر في تاريخه ٨/ ٩١٤ من طريق إبراهيم بن المهاجر عن مجاهد عن ابن عباس قال: قال عمر للعباس … فذكره.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- سقط من: خ، ز.","vol":"12","page":272},{"text":"يا زيدُ ما سمعتَ من رسول الله ﷺ. فقال: يا ابن أخي، والله لقد [كَبُرَت] [¬١] سنّي وقدُم عهدي، ونسيت بعض الذي كنت أعي من رسول الله ﷺ، فما حدثتكم فاقبلوه، وما لا فلا تُكَلّفونيه. ثم قال: قام رسول الله ﷺ يومًا [¬٢] خطيبًا فينا، بماء يدعى خُمّا - بين مكة والمدينة - فحمد الله وأثنى عليه، وذَكَّر ووَعَظ، ثم قال: \"أما بعد، ألا أيها الناس إنما أنا بشر يوشك أن يأتيني رسول ربي فأجيب، وإني تارك فيكم الثقلين، أولهما: كتابُ الله، فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به\" - فحثَّ على كتاب الله ورَغَّب فيه - وقال: \"وأهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي\". فقال له حصين: ومَن أهل بيته يا زيد؟ أليس نساؤه من أهل بيته؟ قال: إن نساءه من أهل بيته، ولكن أهل بيته من حُرم الصدقة بعده. قال: ومن هم؟ قال: هم آل علي، وآل عَقِيل، وآل جعفر، وآل العباس. قال: أكلّ هؤلاء حُرمَ الصدقة؟ قال: نعم.\nوهكذا رواه مسلم في الفضائل والنسائي من طرق عن يزيد بن حيان، به (^٣١).\nوقال أبو عيسى الترمذي (^٣٢): حدثنا علي بن المنذر الكوفي، حدثنا محمد بن فضيل، حدثنا الأعمش، عن عطية، عن أبي سعيد - والأعمشُ، [عن حبيب بن أبي ثابت] [¬٣]، عن زيد بن أرقم - قال: قال رسول الله ﷺ: \"إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي، أحدهما أعظم من الآخر: كتابُ الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض، والآخر عترتي: أهل بيتي، ولن يتفرقا حتى يردا عليَّ الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما\". تفرد بروايته الترمذي ثم قال: هذا حديث حسن غريب [¬٤].\nوقال الترمذي أيضًا (^٣٣): حَدثنا نصر بن عبد الرحمن الكوفي، حدثنا زيد بن الحسن، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله قال: رأيت رسول الله ﷺ\n_________\n(^٣١) - أخرجه مسلم في فضائل الصحابة حديث رقم (٣٤٠٨)، وأبو داود (٤٩٧٣)، وأحمد ٤/ ٣٦٦، وعبد بن حميد (٢٦٥)، والدارمي (٣٣١٩)، وغيرهم من طرق عن يزيد بن حيان به.\n(^٣٢) - (^٣٣) - أخرجهما الترمذي في المناقب، باب: مناقب أهل بيت رسول الله ﷺ حديث رقم (٣٧٨٦، ٣٧٨٨)، وقد تقدمت الإشارة إلى صحة هذا الحديث بشواهده ومجموع طرقه، ويستغرب من رواية الترمذي هذه أن النبي ﷺ ذكر هذه الخطبة في حجة الوداع.\nوالمشهور أنه ذكرها يوم غد يرخم كما جاء في صحيح مسلم. لذلك قال الترمذي عقب هذه الرواية: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه. وانظر شواهد هذا الحديث وبعض طرقه في السلسلة الصحيحة (٤/ ٣٥٥)، (٤/ ٣٦١).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ز: \"لقد كبر\".\n[¬٢]- سقط من: خ، ز.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في ز: \"عن أبي حبيب عن أبي ثابت\".\n[¬٤]- في ت: \"صحيح\".","vol":"12","page":273},{"text":"في حجته يوم عرفة، وهو على ناقته القَصواء [¬١] يخطب، فسمعته يقول: \"يا أيها الناس، إني تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا: كتاب الله، وعترتي: أهل بيتي\".\nتفرد به الترمِذي أيضًا، وقال: حسن غريب. وفي الباب عن أبي ذر، وأبي سعيد، وزيد بن أرقم، وحُذيفة بن أسيد.\nثم قال الترمذي (^٣٤): حدثنا أبو داود [سليمان بن] [¬٢] الأشعث، حدثنا يحيى بن مَعِين، حدثنا هشام بن يوسف، عن عبد الله بن سليمان النوفلي، عن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، عن أبيه، عن جده عبد الله بن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: \"أحبوا الله لما يَغذُوكم من نِعَمه، وأحبوني بحب الله، وأحبوا أهل بيتي بحبي\".\nثم قال: حسن غريب، إنما نعرفه من هذا الوجه.\nوقد أوردنا أحاديث أخر عند قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ بما أغنى عن إعادتها هاهنا، ولله الحمد والمنة.\nوقال الحافظ أبو يعلى (^٣٥): حدثنا سُوَيد بن سَعيد، حدثنا مُفَضّل بن عبد الله، عن أبي إسحاق، عن حَنَش قال: سمعت أبا ذر وهو آخذ بحلقة الباب يقول: يا أيها الناس، من\n_________\n(^٣٤) - أخرجه أحمد في فضائل الصحابة (١٩٢٢)، والبخاري في التاريخ ١/ ١٨٣، والترمذي في المناقب باب: مناقب أهل بيت رسول الله ﷺ حديث رقم (٣٧٩٠)، والطبراني في الكبير (١/ ٣٨)، (١٠/ ٣٤٣)، والحاكم (٣/ ١٥٠)، والبيهقي في الشعب (١/ ٢٨٨)، وفي مناقب الشافعي (١/ ٤٥)، والذهبي في الميزان (٢/ ٤٣٢)، والمزى في التهذيب (١٥/ ٦٤)، والخطيب في تاريخه (٤/ ١٦٠)، وأبو نعيم في الحلية (٣/ ٢١١)، من طريق هشام بن يوسف عن عبد الله بن سليمان النوفلي به. وعبد الله بن سليمان ضعيف. قال الذهبي في الميزان: فيه جهالة. وقال في الديوان: مجهول. وقال الحافظ في التقريب: مقبول. وقد تفرد بهذا الحديث ولم يتابع عليه فإسناده ضعيف لا يثبت.\n(^٣٥) - أخرجه ابن عدي في الكامل (٦/ ٢٤٠٦) عن أبي يعلى به وأخرجه الحاكم (٣/ ١٥٠ - ١٥١) من طريق آخر عن المفضل بن صالح به. ووقع في رواية أبي يعلى كما ذكر المصنف: \"المفضل بن عبد الله\" وإنما هو المفضل بن صالح، قال ابن عدي في الكامل: وكان سويد - الراوي عنه - يسميه المفضل بن عبد الله. ا هـ. والمفضل ضعيف. قال البخاري: منكر الحديث، وقال الذهبي في استدراكه على الحاكم: \"المفضل واه\" وقال ابن عدي: أنكر ما رأيت له حديث الحسن بن علي. قال الذهبي في الميزان (٥/ ٢٩٢)، وحديث سفينة نوح أنكر وأنكر. ا هـ. بعنى هذا الحديث. والحديث أخرجه الطبراني في الكبير (٢٦٣٧)، وفي الصغير (١/ ١٣٩ - ١٤٠) من طريق الأعمش، عن أبي إسحاق له، وفي إسناده عبد الله بن داهر وهو متروك. وله طريق أخرى فقد أخرجه الطبراني في الكبير (٢٦٣٦)، والبزار (٣٩٠) من طريق سعيد بن المسيب عن أبي ذر وإسناده واه فيه الحسن بن أبي جعفر وهو متروك، ورواه الحسن بن أبي جعفر =\n_________\n[¬١]- في ز: \"القصوى\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز: \"وسليمان\".","vol":"12","page":274},{"text":"عرفني فقد عرفني، ومن أنكرني [¬١] فأنا أبو ذر، سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: \"إنما مثل أهل بيتي فيكم مَثَل سفينة دوح، من دخلها نجا، ومن تخلف عنها هلك\". هذا بهذا الإِسناد ضعيف.\nوقوله: ﴿وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا﴾ أي: ومن يعمل حسنة ﴿نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا﴾ أي: أجرًا وثوابا، كقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَال ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾.\nوقال بعض السلف: من ثواب الحسنة الحسنةُ بعدها، ومن جزاء السيئة السيئة بعدها.\nوقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ أي: كفر الكثير من السيئات، ويكثر القليل من الحسنات، فيستر ويغفر، ويضاعف فيشكر.\nوقوله: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ﴾ أي: لو افتريت عليه كذبًا كما يزعم هؤلاء الجاهلون ﴿يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ﴾ أي: لطَبَع على قلبك وسَلَبك ما كان آتاك من القرآن؛ كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَينَا بَعْضَ الْأَقَاويلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦) فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ أي: لانتقمنا منه أشد الانتقام، وما قدر أحد من الناس أن يحجز عنه.\nوقوله: ﴿وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ﴾، ليس معطوفًا على قوله: ﴿يَخْتِمْ﴾ فيكون مجزومًا، بل هو مرفوع على الابتداء. قاله ابن جرير، قال: وحذفت من كتابته \"الواو\" في رسم المصحف الإِمام، كما حذفت من [¬٢] قوله: ﴿سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾، وقوله: ﴿وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيرِ﴾.\nوقوله: ﴿وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ﴾ معطوف على ﴿وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ﴾ أي: يحققه ويثبته ويبينه ويوضحه، ﴿بِكَلِمَاتِهِ﴾ أي: بحججه وبراهينه، ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ أي: بما تكنه الضمائر، وتنطوي عليه السرائر.\n﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ (٢٥) وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَالْكَافِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ\n_________\n= بإسناد آخر أخرجه الطبراني في الكبير (٢٦٣٨)، من طريقه عن أبي الصهباء عن سعيد بن جبير عن ابن عباس وهذا من تخليط هذا الهالك الحسن بن أبي جعفر. وللحديث شواهد في أسانيدها كلها مقال وانظرها في مجمع الزوائد (٩/ ١٧١).\n_________\n[¬١]- في ز: \"أنكر\".\n[¬٢]- في ت: \"في\".","vol":"12","page":275},{"text":"شَدِيدٌ (٢٦) وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ (٢٧) وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ (٢٨)﴾\nيقول تعالى ممتنًّا على عباده بقبول توبتهم إليه إذا تابوا ورجعوا إليه: إنه من كرمه وحلمه أنه يعفو ويصفح ويستر ويغفو، كقوله: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ وقد ثبت في صحيح مسلم ﵀ حيث قال (^٣٦):\nحدثنا محمد بن الصباح وزهير بن حرب قالا: حدثنا عمر بن يونس، حدثنا عكرمة بن عمار، حدثنا إسحاق بن أبي طلحة، حدثني أنس بن مالك - وهو عمه - قال: قال رسول الله ﷺ: \"لله أشد فرحًا بتوبة عبده حين يتوب إليه، من أحدكم كان راحلته بأرض فلاة فانفلتت منه، وعليها طعامه وشرابه، فأيس منها، فأتى شجرة فاضطجع في ظلها، قد أيس من راحلته، فبينما هو كذلك إذا هو [¬١] بها قائمة عنده، فأخذ بخطامها ثم قال من شدة الفرح: اللهم، أنت عبدي وأنا ربك - أخطأ من شدة الفرح\".\nوقد ثبت أيضًا في الصحيح من رواية عبد الله بن مسعود نحوه (^٣٧).\nوقال عبد الرزاق (^٣٨)، عن معمر، عن الزهري في قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾: إن أبا هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"لله أشد فرحًا بتوبة عبده من أحدكم يجد ضالته في المكان الذي يخاف أن يقتله العطش فيه\".\nوقال همام بن الحارث: سُئل ابن مسعود عن الرجل يفجر بالمرأة ثم يتزوجها؟ قال: لا بأس به، وقرأ: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ الآية. رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم من حديث شَريك القاضي، عن إبراهيم بن مهاجر، عن إبراهيم النخعي، عن همام،\n_________\n(^٣٦) - أخرجه مسلم في كتاب التوبة من صحيحه، حديث رقم (٢٧٤٧).\n(^٣٧) - أخرجه مسلم في كتاب التوبة من صحيحه، حديث رقم (٢٧٤٤). وفي الباب عن أبي هريرة، والنعمان بن بشير، والبراء بن عازب، وكلها في صحيح الإمام مسلم، انظر كتاب التوبة باب في الحض على التوبة والفرح بها.\n(^٣٨) - أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ١٩١، وهو في صحيح مسلم حديثًا رقم (٢٦٧٥) من طريق عبد الرزاق عن معمر عن همام عن أبي هريرة فذكره، وانظر المصدر السابق.\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.","vol":"12","page":276},{"text":"فذكره (^٣٩).\nوقوله: ﴿وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ﴾ أي: يقبل التوبة في المستقبل، ويعفو عن السيئات في الماضي، ﴿وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ أي: هو عالم بجميع ما فعلتم وصنعتم وقلتم، ومع هذا يتوب على من تاب إليه.\nوقوله: ﴿وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، قال السدي: يعني يستجيب لهم. وكذا قال ابن جرير: معناه يستجيب الدعاء لهم ولأصحابهم وإخوانهم. وحكاه عن بعض النحاة، وأنه جعلها كقوله: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ﴾.\nثم روى هو وابن أبي حاتم (^٤٠)، من حديث الأعمش، عن شقيق بن سلمة، عن سلمة بن سبرة قال: خطبنا معاذ بالشام فقال: أنتم المؤمنون، وأنتم أهل الجنة. والله [¬١] إني أرجو أن يدخل الله من تَسْبُون من فارس والروم الجنة، وذلك بأن أحدكم إذا عمل له -يعني أحدُهم عملًا قال: أحسنت- رحمك [¬٢] الله أحسنت بارك الله فيك - ثم قرأ: ﴿وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾.\nوحكى ابن جرير عن بعض أهل العربية [أنه جعل] [¬٣] [﴿وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ كقوله: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ﴾، أي: هم الذين يستجيبون للحق ويتبعونه، كقوله ﵎: ﴿[إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ] [¬٤] الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ﴾ والمعنى الأول أظهر، لقوله تعالى: ﴿وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ أي: يستجيب دعاءهم ويزيدهم فوق ذلك. ولهذا قال ابن أبي حاتم:\nحدثنا علي بن الحسين، حدثنا محمد بن المصفى، حدثنا بقية، حدثنا إسماعيل بن عبد الله الكَنَدي، حدثنا الأعمش، عن شقيق، عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ في قوله: ﴿وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾، قال: \"الشفاعة لمن وجبت له النار، ممن صنع إليهم معروفًا في الدنيا\" (^٤١).\n_________\n(^٣٩) - أخرجه ابن أبي حاتم -كما في الدر المنثور - والطبري في تفسيره ٢٥/ ٢٨ وفي إسناده شريك كان صدوقًا سيئ الحفظ ولا سيما بعد توليه القضاء.\n(^٤٠) - انظر المصدر السابق.\n(^٤١) - أخرجه ابن أبي حاتم كما في الدر - وابن أبي عاصم في السنة (٨٤٦)، والطبراني في الكبير ١٠/ ٢٤٨، وفي الأوسط (٥٧٧٠)، من طرق عن بقية به. وهذا إسنادٌ ضعيفٌ لا يثبت كما قال المصنف فيما سبق، وعلته إسماعيل الكندي قال الذهبي: روى عن الأعمش، وعنه بقية بخبر عجيب منكر، =\n_________\n[¬١]- سقط من: خ، ز.\n[¬٢]- في ز: \"يرحمك\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في ز: \"أن جعله\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين في خ: \"جمله قوله\".","vol":"12","page":277},{"text":"و[¬١] قال قتادة عن إبراهيم النخعي اللخمي في قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، قال: يشفعون في إخوانهم، ﴿وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾، قال: يشفعون في إخوان إخوانهم.\nوقوله: ﴿وَالْكَافِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾، لما ذكر المؤمنين وما لهم من الثواب الجزيل، ذكر الكافرين وما لهم عنده يوم القيامة من العذاب الشديد الموجع المؤلم يوم معادهم وحسابهم.\nوقوله: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ﴾ أي: لو أعطاهم فوق حاجتهم من الرزق، لحملهم ذلك على البغي والطغيان من بعضهم على بعض، أشرًا وبطرًا.\nوقال قتادة: كان يقال: خير العيش ما لا يُلهيك ولا يُطغيك. وذكر قتدة حديث: \"إنما أخاف عليكم ما يخرج الله من زهرة الحياة الدنيا\"، و[¬٢] سؤال السائل: أيأتي الخير بالشر؟ الحديث (^٤٢).\nوقوله: ﴿وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ أي: ولكن يرزقهم من الرزق ما يختاره مما فيه صلاحهم، وهو أعلم بذلك، فيغني من يستحق الغنى، ويفقر من يستحق الفقر. كما جاء في الحديث المروي: \"إن من عبادي لمَنْ لا يصلحه إلا الغنى، ولو أفقرته لأفسدت عليه دينه، وإن من عبادي لمَنْ لا يصلحه إلا الفقر، ولو أغنيته لأفسدت عله دينه\" (^٤٣).\n_________\n= قلت: ولهدا الحديث إسناد آخر، فقد أخرجه أبو نعيم في الحلية ٤/ ١٠٨، ٧/ ١٢٨ من طريق ابن حمير عن الثوري عن الأعمش عن شقيق به، وقال في الموضع الأول: غريب من حديث الأعمش، عزيز عجيب من حديث الثوري، تفرد به إسماعيل الكندي عن الأعمش. وقال في الموضع الثاني: \"غريب من حديث الثوري تفرد به ابن حمير\"، ورواه بقية عن إسماعيل بن عبد الله الكندي عن الأعمش مثله. ا هـ.\nقلت: يعني أن حديث الثوري غير محفوظ، والحديث حديث إسماعيل الكندي، فقد أفحش الخطأ من اعتبر الثوري متابعًا لإسماعيل وصححه لذلك.\n(^٤٢) - أخرجه إلى جرير الطبري من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة به مرسلًا والحديث في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي سعيد الخدري فقد أخرجه البخاري في كتاب الجمعة، باب: يستقبل الإمام القوم حديث (٩٢١)، وأطرافه (١٤٦٥، ٢٨٤٢، ٦٤٢٧)، ومسلم في كتاب الزكاة باب: تخوف ما يخرج من زهرة الدنيا حديث رقم (١٢٢، ١٢٣) - (١٠٥٢).\n(^٤٣) - هذا الحديث يروى من مسند عمر بن الحطاب، ومن مسند أنس بن مالك.\nأولًا: حديث عمر، أخرجه الخطيب في تاريخه ٦/ ١٥، ومن طريقه ابن الجوزي في العلل المتناهية ١/ ٤٤ من طريق يحيى بن عيسى، عن سفيان الثوري، عن حماد بن زيد، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن كثير بن أفلح عن عمر بن الخطاب عن النبي ﷺ عن جبريل فذكره ويحيى بن عيسى =\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- سقط من: ز.","vol":"12","page":278},{"text":"وقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا﴾ أي: من بعد إياس الناس من نزول المطر، ينزله عليهم في وقت حاجتهم وفقرهم إليه، كقوله: ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ﴾.\nوقوله: ﴿وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ﴾ أي: يعم بها الوجود على أهل ذلك القُطر وتلك الناحية.\nقال قتادة: ذُكر لنا أن رجلًا قال لعمر بن الخطاب: يا أمير المؤمنين، قحط المطر وقَنَط الناس؟ فقال عمر ﵁: مطرتم، ثم قرأ: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ﴾ (^٤٤). أي: هو المتصرف لخلقه بما ينفعهم في دنياهم وأخراهم، وهو المحمود العاقبة في جميع ما يقدره ويفعله.\n_________\n= وهو الرملي. قال ابن معين: ليس بشيء. وقال النسائي: ليس بالقوي. وقال ابن حبان في المجروحين (٣/ ١٢٦ - ١٢٧)، وكان ممن ساء حفظه وكثر وهمه حتى جعل يخالف الأثبات فيما يروى الثقات، فلما كثر ذلك في روايته بطل الاحتجاج به. وقال ابن عدي في الكامل (٧/ ٢٦٧٣): \"عامة رواياته مما لا يتابع عليه\" وقال ابن الجوزي في العلل المتناهية عقب روايته لهذا الحديث: \"هذا حديث لا يصح … ففيه يحيى بن عيسى الرملي قال يحيى: ما هو بشيء. وقال ابن حبان: ساء حفظه فكثر وهمه فبطل الاحتجاج به\".\nثانيًا: حديث أنس بن مالك. أخرجه ابن الجوزي في العلل المتناهية (١/ ٤٤) وأبو نعيم في الحلية (٨/ ٣١٨)، والبغوي في شرح السنة (٥/ ٢٣) والحكيم الترمذي في نوادر الأصول ١/ ٤٢٩، وابن أبي الدنيا في الأولياء (١) وزاد السيوطي في الدر المنثور نسبته إلى ابن عساكر في تاريخه، وزاد ابن حجر في الفتح (١١/ ٣٤٢) نسبته إلى البزار وأبي يعلى وزاد الألباني في الصحيحة (٤/ ١٨٩) نسبته إلى محمد بن سليمان الربعي في جزء من حديثه، وزاد الهيثمي في المجمع نسبته إلى الطبراني في الأوسط. كلهم من طريق عمر بن سعيد الدمشقي، والحسن بن يحيى الدمشقي كلاهما عن صدقة بن عبد الله الدمشقي عن هشام الكناني، عن أنس مرفوعًا وهذا إسنادٌ ضعيف جدًّا، صدقة بن عبد الله - وهو أبو معاوية السمين - ضعيف، وشيخه هشام الكناني لا يعرف. وقال ابن الجوزي -كما في العلل المتناهية (١/ ٤٤): \"هذا حديث لا يصح ففيه الخشني، قال يحيى بن معين: ليس بشيء. وقال الدارقطني: متروك، وأما صدقة فمجروح\".\nأما الخشني وهو الحسن بن يحيى فقد تابعه عمر بن سعيد كما تقدم، والحديث ذكره الهيثمي في المجمع وعزاه للطبراني في الأوسط، وأعله بعمر بن سعيد هذا. وعليه فهذا الحديث لا يصح عن النبي ﷺ فالخشني، وصدقة ضعيفان، وشيخهما ضعيف، وهشام الكناني الراوي عن أنس لم أجد من ترجمه، وقال الشيخ الألباني في الصحيحة: لم أعرفه. وانظر كلام الحافظ ابن رجب الحنبلي على هذا الحديث في أثناء كلامه على شرح حديث: \"من عادى لي وليًّا\" الحديث الثامن والثلاثون من جامع العلوم والحكم، وانظر الصحيحة (٤/ ١٨٨).\n(^٤٤) - أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره، وعزاه في الدر إلى عبد بن حميد، وابن المنذر من هذا الوجه، وقول عمر: \"مطرتم\" أي ما دام أن الحال أصبح كما تقولون فسيفي الله ﷿ بوعده وينزل الغيث، وينشر رحمته، ويؤيد هذا المعنى قول عمر كما في الدر المنثور: \"مطرتم إذًا\".","vol":"12","page":279},{"text":"﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ (٢٩) وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (٣٠) وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (٣١)﴾\nيقول تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ﴾ الدالة على عظمته وقدرته العظيمة وسلطانه القاهر ﴿خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا﴾ أي: ذرأ فيهما، أي: في السماوات والأرض، ﴿مِنْ دَابَّةٍ﴾، وهذا يشمل الملائكة والجن والإِنس وسائر الحيوانات، على اختلاف أشكالهم وألوانهم ولغاتهم، وطباعهم وأجناسهم وأنواعهم، وقد فرقهم في أرجاء أقطار الأرض والسماوات، ﴿وَهُوَ﴾ ومع هذا كله ﴿وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ﴾ أي: يوم القيامة يجمع الأولين والآخرين وسائر الخلائق في صعيد واحد، يسمعهم الداعي، ويَنْفُذهم البصر، فيحكم فيهم بحكمه العدل الحق.\nوقوله: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيدِيكُمْ﴾ أي: مهما أصابكم أيها الناس من المصائب فإنما هو عن سيئات تقدمت لكم، ﴿وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ أي: من السيئات، فلا يجازيكم عليها بل يعفو عنها، ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾، وفي الحديث الصحيح: \"والذي نفسي بيده، ما يصيب المؤمن من نَصَب ولا وَصَب ولا هَمّ ولا حزن، إلا كفر الله عنه بها من خطاياه، حتى الشوكة يشاكها\" (^٤٥).\nوقال ابن جرير: حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن عُلَيّة، حدثنا أيوب قال: قرأت في كتاب أبي قلابة، قال: نزلت: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَال ذَرَّةٍ خَيرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَال ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾، وأبو بكر يأكل، فأمسك وقال: يا رسول الله، إني لَرَاء ما عملت من خير وشر؟ فقال: \"أرأيت ما رأيت مما تكره، فهو من مثاقيل ذَرّ الشر، وتَدّخر مثاقيل الخير حتى تعطاه يوم القيامة\". قال: قال أبو إدريس: فإني أرى مصداقها في كتاب الله: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾. ثم رواه من وجه آخر عن أبي قلابة عن أنس قال: والأول أصح (^٤٦).\n_________\n(^٤٥) - أخرجه البخاري في صحيحه -كتاب المرض، باب: ما جاء في كفارة المرض (٥٦٤١)، (٥٦٤٢)، ومسلم في صحيحه -كتاب البر والصلة، والآداب، باب: \"ثواب المؤمن فيما يصيبه من مرض أو حزن\" حديث (٢٥٧٣)، من حديث أبي سعيد الخدري، وفي الباب عن أبي هريرة، وعائشة وغيرهما.\n(^٤٦) - هذا الحديث يأتي تخريجه والكلام عليه في سورة الزلزلة حيث استوعب المصنف هناك طرقه، ورأيت أن الكلام عليه هناك أنسب، والله المستعان.","vol":"12","page":280},{"text":"وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن عيسى بن الطباع، حدثنا مروان بن معاوية الفَزَاري، حدثنا الأزهر بن راشد الكاهلي، عن الخَضْر بن القَوّاس البجلي [¬١]، عن [¬٢] أبي سخيلة، عن علي ﵁ قال: ألا أخبركم بأفضل آية في كتاب الله ﷿ وحدثنا به رسول الله ﷺ، قال: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾، وسأفسرها [¬٣] لك يا علي: ما أصابكم من مرض أو عقوبة أو بلاء في الدنيا، فبما كسبت أيديكم، والله تعالى أحلم من أن يُثنَّى عليه العقوبة في الآخرة، وما عفا الله عنه في الدنيا، فالله تعالى أكرم من أن يعود بعد عفوه\" (^٤٧).\nوكذا رواه الإمام أحمد عن مروان بن معاوية [وعنده] عن [¬٤] أبي سخيلة قال: قال عليٌّ … فذكر نحوه مرفوعًا.\nثم روى ابن أبي حاتم نحوه من وجه آخر موقوفًا فقال: حدثنا أبي، حدثنا منصور بن أبي مزاحم، حدثنا أبو سعيد بن أبي الوضاح، عن أبي الحسن، عن أبي جُحَيفة قال: دخلت على علي بن أبي طالب ﵁ فقال: ألا أحدثكم بحديث ينبغي لكل مؤمن أن يَعيَه؟ قال: فسألناه، فتلا هذه الآية: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾. قال: ما عاقب الله به في الدنيا فالله أحلم من أن يُثنّي عليه العقوبة يوم القيامة، وما عفا الله عنه في الدنيا فالله أكرم من أن يعود في عفوه يوم القيامة.\nوقال الإِمام أحمد (^٤٨): حدثنا يعلى بن عبيد، حدثنا طلحة -يعني ابن يحيى-، عن أبي بردة، عن معاوية -هو ابن أبي سفيان، ﵄ قال [¬٥]: سمعت رسول الله\n_________\n(^٤٧) - وعزاه في الدر المنثور إلى ابن أبي حاتم من هذا الوجه، والحديث أخرجه أحمد ١/ ٨٥، وأبو يعلى (١/ ٣٥٢، ٤٥٣)، والدولابي في الكنى (١/ ١٨٥ - ١٨٦)، وزاد السيوطي نسبته إلى ابن مردويه، والحكيم الترمذي في نوادر الأصول، وإسحاق بن راهويه، وابن منيع، وعبد بن حميد من هذا الوجه. وهذا إسنادٌ ضعيف، أزهر بن راشد الكاهلي ضعفه ابن معين وقال أبو حاتم: مجهول، وقال الحافظ في التقريب: ضعيف، والخضر بن القواس: جهله أبو حاتم وذكره ابن حبان في الثقات، وشيخه؛ قال أبو زرعة: لا أعرف اسمه. وقال الحافظ: مجهول، وللحديث طريق أخرى فقد أخرجه أحمد (١/ ٩٩)، وابن أبي حاتم كما ذكر المصنف، والسيوطى في الدر، والحاكم ٢/ ٤٤٥، وصححه على شرط الشيخين، وزاد الحاكم نسبته إلى ابن راهويه من طريقين عن أبي جحيفة. به موقوفًا وهذا هو الصحيح عن علي، والمرفوع لا يثبت لما سبق ذكره في إسناده.\n(^٤٨) - أخرجه أحمد (٤/ ٩٨)، وعبد بن حميد (٤١١٥)، وابن أبي الدنيا في المرض والكفارات، والحاكم ١/ ٣٤٧ من طريق طلحة بن يحيى عن أبي بردة به، وصححه على شرط البخاري ومسلم، وفي إسناده =\n_________\n[¬١]- في خ: \"الجليلى\"، وفي ز: \"الجيلى\".\n[¬٢]- بعده في خ: \"ابنَ\".\n[¬٣]- في ز: \"ما فسرها\".\n[¬٤]- بعده في خ: \"ابن\".\n[¬٥]- سقط من: خ.","vol":"12","page":281},{"text":"ﷺ يقول: \"ما من شيء يصيب المؤمن [¬١] في جسده يؤذيه إلا كفر الله عنه به من سيئاته\".\nوقال أحمد أيضًا (^٤٩): حدثنا حسين، عن زائدة، عن ليث، عن مجاهد، عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ: \"إذا كثرت ذنوب العبد، ولم يكن له ما يكفرها ابتلاه الله بالحزن ليكفرها\".\nوقال ابن أبي حاتم (^٥٠): حدثنا عمرو بن عبد الله الأودي، حدثنا أبو أسامة، عن إسماعيل بن مسلم، عن الحسن -هو البصري- قال في قوله: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾، قال [¬٢]: لما نزلت قال رسول الله ﷺ: \"والذي نفس محمد بيده، ما من خدش عود، ولا اختلاج [¬٣] عرق ولا عثرة قدم إلا بذنب، وما يعفو الله عنه [¬٤] أكثر\".\nوقال أيضًا: حدثنا أبي، حدثنا عمرو [¬٥] بن علي، حدثنا هشيم، عن منصور، عن الحسن، عن عمران بن حصين ﵁ قال: دخل عليه بعض أصحابه وقد كان ابتلي في جسده، فقال له بعضهم: إنا [لَنَبْتئسُ لك لما] [¬٦] نرى فيك. قال: فلا تبتئس بما\n_________\n= طلحة بن يحيى لم يحتج به البخاري، وقال الحافظ في التقريب: صدوق يخطئ. فإسناد الحديث ضعيف ولكن الحديث له شواهد كثيرة يرتقى بها إلى الصحة، وهو في الصحيحين وغيرهما، عن غير واحد من الصحابة، وقد سبق بعض الشيء من هذه الشواهد كما ذكر المصنف، وانظر السلسلة الصحيحة (٢٢٧٤).\n(^٤٩) - إسناده ضعيف، وأخرجه أحمد (٦/ ١٥٧)، والبزار ٤/ ٨٧ (٢٤٧١١ - كشف) من طريق حسين بن علي به. وفيه الليث -وهو ابن أبي سليم- وهو ضعيف، وقال الهيثمي في المجمع (٢/ ٢٩١): \"رواه أحمد وفيه ليث بن أبي سليم وهو مدلس وبقية رجاله ثقات\"، وذكره أيضًا في ١٠/ ١٩٢ وقال: \"رواه أحمد والبزار وإسناده حسن\"، وانظر شواهده فيما سبق.\n(^٥٠) - إسناده ضعيف، فبين الحسن والنبي ﷺ مفاوز تنقطع فيها أعناق الإبل، وإسماعيل بن مسلم - وهو المكي - ضعيف والحديث أخرجه هناد في الزهد (٤٢٩) ووكيع في الزهد (٩٣) وعبد بن حميد وابن المنذر -كما في الدر- من طرق عن إسماعيل بن مسلم به وفي رواية وكيع من طريق سفيان عن رجل عن الحسن به والحديث أخرجه البيهقي في الشعب ٧/ ١٥٣، وابن جرير الطبري ٢٥/ ٢١ من طريق قتادة عن النبي ﷺ مرسلًا أيضًا وفي الباب عن البراء بن عازب عند الطبراني في الأوسط -كما في الجامع الصغير للسيوطي، وصححه الألباني (صحيح الجامع الصغير ٥/ ١٢٠ - ١٢١) ولفظه ما اختلج عرق ولا عين إلا بذنب.\n_________\n[¬١]- في خ، ز: \"ابن آدم\".\n[¬٢]- سقط من: خ، ز.\n[¬٣]- في خ، ز: \"اختلاف\".\n[¬٤]- سقط من: ز.\n[¬٥]- في ز: \"عمرو\".\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين في ز: \"لنيس لمما\".","vol":"12","page":282},{"text":"ترى، فإن ما ترى بذنب، وما يعفو الله عنه أكثر، ثم تلا هذه الآية: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ (^٥١).\nوحدثنا أبي: حدثنا يحيى بن عبد الحميد الحمَّاني، حدثنا جرير، عن أبي البلاد قال: قلت للعلاء بن بدر: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيدِيكُمْ﴾، وقد ذهب بصري وأنا غلام؟ قال: فبذنوب والديك (^٥٢).\nوحدثنا أبي: حدثنا عليّ بن محمد الطنافسي، حدثنا وكيع، عن عبد العزيز بن أبي رَوّاد، عن الضحاك قال: ما [نعلم أحدًا حفظ] [¬١] القرآن ثم نسيه إلا بذنب، ثم قرأ الضحاك: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾. ثم يقول الضحاك: وأي مصيبة أعظم من نسيان القرآن (^٥٣)؟\n﴿وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ (٣٢) إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (٣٣) أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ (٣٤) وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ (٣٥)﴾\nيقول تعالى: ومن آياته الدالة على قدرته وسلطانه، وتسخيره البحر لتجري فيه الفلك\n_________\n(^٥١) - أخرجه ابن أبي الدنيا في الكفارات - ومن طريقه البيهقي في الشعب (٧/ ١٥٣)، وأخرجه عبد بن حميد -كما في الدر المنثور - والحاكم ٢/ ٤٤٥ - ٤٤٦، وقال: \"حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه\" والحديث رواه المبارك بن فضالة عن الحسن قال: \"دخلنا على عمران بن الحصين … فذكر نحوه\" أخرجه البيهقي في الشعب ٧/ ١٩٦، وفيه أن الحسن لقى عمران بن الحصين وسمع منه، وفي ذلك نظر، فقد قال علي بن المديني: \"سمعت يحيى بن القطان وقيل له كان الحسن يقول: سمحت عمران بن حصين؟ فقال: أما عن ثقة فلا\" وهذا طعن صريح في رواية المبارك هذه، وذكر صالح بن أحمد أنه أنكر على من يقول عن الحسن حدثني عمران - وسئل ابن معين عن الحسن هل لقى عمران بن الحصين؛ فقال: أما في رواية البصريين فلا وأما في رواية الكوفيين فنعم، وانظر ترجمة الحسن من جامع التحصيل.\n(^٥٢) - وعزاه في الدر أيضًا إلى ابن المنذر، وهذا الإسناد صحيح، أبو البلاد وهو يحيى بن سليمان كذا ترجم له البخاري في التاريخ الكبير، وابن حبان في الثقات، وقال ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٩/ ١٦٠): \"يحيى بن أبي سليمان\" واسم أبي سليمان الضحاك الغطفاني، ثم نقل بإسناده عن ابن معين أنه قال: \"ثقة\".\n(^٥٣) - أخرجه ابن أبي شيبة (٧/ ١٦٢) عن وكيع به، وعزاه في الدر إلى ابن أبي حاتم، وابن المبارك في الزهد، وعبد بن حميد وابن المنذر، والبيهقي في الشعب من هذا الوجه، وعبد العزيز بن أبي روّاد صدوق عابد، ورمى بالإرجاء، ووقع في المطبوع من المصنف لابن أبي شيبة: \"ابن أبي داود\" وهو تصحيف.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ز: \"تعلَّم أحد\".","vol":"12","page":283},{"text":"بأمره، وهي الجواري في البحر [كالأعلام، أي] [¬١]: كالجبال، [قاله مجاهد، والحسن، والسدي، والضحاك، أي: هي في البحر كالجبال] [¬٢] في البر، ﴿إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ﴾ أي: التي تسير بالسفن، لو شاء لسكنها حتى لا تتحرك السفن، بل تظل راكدة لا تجيء ولا تذهب، بل واقفة على ظهره، أي: على وجه الماء، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ﴾ أي: في الشدائد، ﴿شَكُورٍ﴾ أي: إن [¬٣] في تسخيره البحر وإجرائه الهواء بقدر ما يحتاجون إليه لسيرهم، لدلالات على نعمه تعالى على خلقه ﴿لِكُلِّ صَبَّارٍ﴾ أي: في الشدائد، ﴿شَكُورٍ﴾ في الرخاء.\nوقوله: ﴿أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا﴾ أي: ولو شاء لأهلك السفن وغَرَّقها بذنوب أهلها الذين هم راكبون عليها، ﴿وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ﴾ أي: من ذنوبهم. ولو أخذهم [¬٤] بجميع ذنوبهم لأهلك كل من ركب في البحر.\nوقال بعض علماء التفسير: معنى قوله: ﴿أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا﴾ أي: لو شاء لأرسل الريح قوية عاتية، فأخذت السفن وأحالتها عن سيرها المستقيم، فصرفتها ذات اليمين أو ذات الشمال، آبقة لا تسير على طريق، ولا إلى جهة مقصد.\nوهذا القول هو يتضمن هلاكها، وهو مناسب للأول، وهو أنه تعالى لو شاء لسكن الريح فوقفت، أو لقواه فشَرَدت وأبِقَت وهَلكت. ولكن من لطفه ورحمته أنه يرسله بحسب الحاجة، كما يرسل المطر بقدر الكفاية، ولو أنزله كثيرًا جدًّا لهدم البنيان، أو قليلًا لما أنبت الزرع والثمار، حتى إنه رسل إلى مثل بلاد مصر سيحًا من أرض أخرى غيرها، لأنهم لا يحتاجون إلى مطر، ولو أنزل عليهم لهدم بنيانهم، وأسقط جدرانهم.\nوقوله: ﴿وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ﴾، أي: لا محيد لهم عن بأسنا ونقمتنا، فإنهم مقهورون بقدرتنا.\n﴿فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٣٦) وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ (٣٧) وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَينَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣٨) وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ (٣٩)﴾\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- في ز: \"واخذهم\".","vol":"12","page":284},{"text":"يقول تعالى مُحَقرًا لشأن الحياة الدنيا وزينتها، وما فيها من الزهرة والنعيم الفاني، بقوله: ﴿فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ أي: مهما حصلتم وجمعتم فلا تغتروا به، فإنما هو متاع الحياة الدنيا، وهي دار دنيئة فانية زائلة لا محالة، ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيرٌ وَأَبْقَى﴾ أي: وثواب الله خير من الدنيا، وهو باق سَرْمَديّ، فلا تقَدّموا الفاني على الباقي، ولهذا قال: ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي: [للذين صبروا] [¬١] على ترك الملاذ في الدنيا، ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ أي: ليعينهم على الصبر في أداء الواجبات وترك المحرميات.\nثم قال: ﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ﴾ وقد قدمنا الكلام على الإثم والفواحش في \"سورة الأعراف\".\n﴿وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ أي: سجيتهم تقتضي الصفح والعفو عن الناس، ليس سجيتهم الانتقام من الناس.\nوقد ثبت في الصحيح (^٥٤): \" أن رسول الله ﷺ ما انتقم لنفسه قط إلا أن تنتهك [¬٢] حرمات الله\".\nوفي حديث آخر (^٥٥): كان يقول لأحدنا عند المعتبة: \"ما له؟ تَربت [¬٣] جبينه [¬٤] \".\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيان، عن زائدة، عن منصور، عن إبراهيم قال: كان المؤمنون يكرهون أن يستذلوا، وكانوا إذا قدروا عفوا (^٥٦).\nوقوله: ﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ﴾ أي: اتبعوا رسله وأطاعوا أمره، واجتنبوا زجره، ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾، وهي أعظم العبادات لله ﷿ ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَينَهُمْ﴾ أي: لا يبرمون أمرًا حتى يتشاوروا فيه، ليتساعدوا بآرائهم في مثل الحروب وما جرى مجراها، كما قال تعالى: ﴿وَشَاورْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ ولهذا كان ﵇ يشاورهم في الحروب ونحوها، ليطيب بذلك [¬٥] قلوبهم. وهكذا لما حضرت عمر بن\n_________\n(^٥٤) - أخرجه البخاري في الأدب باب قول النبي ﷺ: \"يسروا ولا تعسروا\" حديث رقم (٦١٢٦)، وفي المناقب حديث رقم (٣٥٦٠)، ومسلم في الفضائل حديث رقم (٢٣٢٧)، كلاهما من حديث عائشة به.\n(^٥٥) - أخرجه البخاري في الأدب من صحيحه، باب لم يكن النبي ﷺ فاحشًا ولا متفحشًا، وفي باب ما ينهى عن السباب واللعن حديث رقم (٦٠٣١)، (٦٠٤٦).\n(^٥٦) - وعزاه في الدر إلى ابن أبي حاتم، وابن جرير الطبري، وابن المنذر، من هذا الوجه.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٢]- في ز: \"انتهكت\".\n[¬٣]- في ز: \"ذلك\".\n[¬٤]- في خ، ز: \"يمينه\".\n[¬٥]- في ز: \"ذلك\".","vol":"12","page":285},{"text":"الخطاب الوفاة حين طُعِن جعل الأمر بعده شورى في ستة نفر، وهم: عثمان، وعلي، وطلحة، والزبير، وسعد، وعبد الرحمن بن عوف ﵃ أجمعين [¬١]- فاجتمع رأي الصحابة كلهم على تقديم عثمان عليهم ﵃.\n﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾، وذلك بالإِحسان [¬٢] إلى خلق الله، الأقرب إليهم منهم فالأقرب.\nوقوله: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾، أي: فيهم قوة الانتصار ممن ظلمهم واعتدى عليهم، ليسوا بعاجزين ولا أذلة، بل يقدرون على الانتقام ممن بغى عليهم، وإن كانوا مع هذا إذا قدروا عفوا، كما قال يوسف ﵇ لإِخوته: ﴿قَال لَا تَثْرِيبَ عَلَيكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ﴾، مع قدرته على مؤاخذتهم ومقابلتهم على صنيعهم إليه، وكما عفا رسول الله ﷺ عن أولئك النفر الثمانين الذين قصدوه عام الحديبية، ونزلوا من جبل التنعيم، فلما قدر عليهم [عفا عنهم] [¬٣] مع قدرته على الانتقام (^٥٧).\nوكذلك عفوه عن \"غَوْرَث بن الحارث\" لما [¬٤] أراد الفتك به حين اخترط سيفه وهو نائم، فاستيقظ ﵇ وهو في يده صَلْتًا، فانتهره، فوضعه من يده، وأخذ رسول الله ﷺ السيف [من يده] [¬٥]، ودعا أصحابه ثم أعلمهم بما كان من أمره وأمْر هذا الرجل، وعفا عنه. وكذلك عفا عن لبيد بن الأعصم الذي سحره ﵇ ومع هذا لم يعرض له ولا عاتبه مع قدرته عليه [¬٦]، وكذلك عفوه ﵇ عن المرأة اليهودية - وهي زينب أخت مرحب اليهودي الخيبري الذي قتله محمد بن مسلمة، التي سمت الذراع يوم خيبر - فأخبره الذراع بذلك، فدعاها فاعترفت، فقال: \"ما حملك على ذلك؟ \". قالت: أردت: إن كنت نبيًّا لم يضرك، وإن لم تكن نبييًّا استرحنا منك. فأطلقها ﵊، ولكن لما مات منه [¬٧] بشر بن البراء قتلها به، والأحاديث والآثار [في هذا] [¬٨] كثيرة جدًّا، ولله الحمد.\n_________\n(^٥٧) - ذكر المصنفُ في هذه الجزئية عدة مواقف لرسول الله ﷺ، فسنعرجُ على كل موقف من هذه المواقف ونخرجها من موضعها، سالكين في ذلك المنهج المتبع من أول الكتاب، وهو باختصار ما كان في الصحيحين أو أحدهما اكتفينا بتخريج الموضع منهما أو من أحدهما، وإن كان في غيرهما استقصينا بقدر المستطاع تخريجه والحكم عليه.\nأولًا: عفو النبي ﷺ عن الثمانين في غزوة الحديبية انظر هذا الخبر عند المصنف =\n_________\n[¬١]- في ز: \"جميعهم\".\n[¬٢]- في ز: \"الإحسان\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في ت: \"من عليهم\".\n[¬٤]- في ت: \"الذي\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٦]- سقط من: خ، ز.\n[¬٧]- في ز: \"معه\".\n[¬٨]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.","vol":"12","page":286},{"text":"﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (٤٠) وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (٤١) إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٤٢) وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (٤٣)﴾\nقوله تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾، كقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيكُمْ﴾ وقوله: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ فشرع العدل وهو القصاص، وندب إلى الفضل وهو العفو، كقوله: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾، ولهذا قال هاهنا: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ أي: لا ضيع ذلك عند الله، كما صح في الحديث (^٥٨): \" وما زاد الله عبدًا بعفو إلا عزًّا\".\nوقوله: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ أي: المعتدين وهو المبتدئ بالسيئة.\nثم قال: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾ أي: ليس عليهم جناح في الانتصار ممن ظلمهم.\nقال ابن جرير (^٥٩): حدثنا محمد بن عبد الله بن بَزيع، حدثنا معاذ بن معاذ، حدثنا ابن\n_________\n= في تضاعيف كلامه على غزوة الحديبية في البداية والنهاية ٤/ ١٩١.\nثانيًا: قصة غورث بن الحارث انظرها أيضًا في البداية والنهاية للمصنف ٤/ ٣ - ٤، والدلائل للبيهقي ٣/ ١٦٩ وأصل القصة في الصحيحين وغيرهما، أخرجه البخاري في المغازي باب (٣١) غزوة ذات الرقاع، الفتح (٧/ ٤٢٦)، ومسلم في الفضائل حديث (١٣)، (١٤).\nثالثًا: قصة لبيد بن الأعصم، سوف يذكر المصنف قصته وما ورد فيها عند تفسير سورتي المعوذتين ورأينا أن من الأنسب تخريجها هناك.\nرابعًا: قصة المرأة اليهودية وهي زينب بنت الحارث. وقد عقد المصنف لها فصلًا كاملًا في البداية والنهاية ٤/ ٢٣٧ باب: \"قصة الشاة المسمومة والبرهان الذي ظهر\"، وأصل الحديث أخرجه البخاري في كتاب الجزية الفتح (٦/ ٢٧٢) باب رقم (٥٨)، وأخرجه في كتاب المغازي باب غزوه خيبر الفتح (٧/ ٤٠٠)، وأخرجه في الطب باب (٥٥) ما يذكر في سم النبي ﷺ.\n(^٥٨) - سبق تخريج هذا الحديث عند الآية (١٤٩) من سورة النساء وهذا الحديث بلفظ: \"ما نقص مال من صدقة ولا زاد الله عبدًا بعفو إلا عزا، ومن تواضع لله رفعه\".\n(^٥٩) - إسناده ضعيف. لحال علي بن زيد بن جدعان، وأم محمد زوجة أبي علي بن زيد بن جدعان مجهولة الحال ترجم لها المزي، وابن حجر ولم يذكرا فيها جرحًا ولا تعديلًا، بينما قال الذهبي في الميزان =","vol":"12","page":287},{"text":"عون قال: كنت أسأل عن الانتصار ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾، فحدثني علي بن زيد بن جدعان، عن أم محمد - امرأة أبيه، قال ابن عون: زعموا أنها كانت تدخل على أم المؤمنين عائشة - قالت: قالت أم المؤمنين: دخل علينا [¬١] رسول الله ﷺ وعندنا زينب بنت جحش، [فجعل يصنع] [¬٢] بيده شيئًا فلم يَفْطِن لها، فقلت بيده حتى فطنته لها فأمسك، وأقبلت زينب تقحم [¬٣] لعائشة، فنهاها، فأبت أن تنتهي. فقال لعائشة: \"سُبّيها\". فسبّتها فغلبتها، وانطلقت زينب فأتت عليًّا فقالت: إنّ عائشة تقع بكم، وتفعل بكم. فجاءت فاطمة فقال لها: \"إنها حبّة أبيك وربّ الكعبة\". فانصرفت وقالت لعلي: إنّي قلت له كذا وكذا، فقال لي كذا وكذا. قال [¬٤]: وجاء عليّ إلى النبي ﷺ فكلمه في ذلك.\nهكذا ورد هذا السياقُ، وعلي بن زيد بن جدعان يأتي في رواياته بالمنكرات غالبًا، وهذا فيه نكارة، والحديث الصحيح خلاف هذا السياق، كما رواه النسائي وابن ماجة من حديث خالد بن سلمة الفأفاء، عن عبد الله البَهِيّ، عن عروة قال: قالت عائشة ﵂: ما علمتُ حتى دخلَت عَلَيّ زينبُ بغير إذن وهي غضبى، ثم قالت لرسول الله ﷺ: حسبك إذا قَلَبت لك ابنة أبي بكر ذُرَيِّعَتَيها [¬٥] .. ثم أقبلت عليّ [¬٦] فأعرضت عنها، حتى قال النبي ﷺ: \"دونك فانتصري\". فأقبلت عليها حتى رأيتها قد يَيِس ريقُها في فمها، ما تَرُدّ عليّ شيئًا. فرأيت النبي ﷺ يتهلل وجهه. وهذا لفظ النسائي (^٦٠).\n_________\n= (٤ / الترجمة ١٠٩٣٨): \"تفرد عنها علي بن زيد بن جدعان قلت: فهذا الإسناد واه والحديث أخرجه أحمد (٦/ ١٣٠) (٢٥٠٩٨) (٢٥٠٩٩)، وأبو داود في الأدب باب في الانتصار حديث رقم (٤٨٩٨) من طرق عن ابن عون به، وعزاه في الدر إلى ابن مردويه، ووقع عند أحمد \"أم سلمة\" بدلًا من \"زينب بنت جحش\" وذلك من رواية سليم بن أخضر عن ابن عون، قال أحمد \"إلا أن سليمًا قال أم سلمة\" يعني جعل الحمل في هذا على سليم بن أخضر.\n(^٦٠) - هذا الحديث رواه زكريا بن أبي زائدة. واختلف عليه، فرواه محمد بن بشر والمعلى بن منصور ويحيى بن زكريا بن أبي زائدة عنه عن خالد بن سلمة عن عبد الله البهى عن عروة عن عائشة به، أخرجه هكذا أحمد ٦/ ٩٣، وابنه عبد الله ٦/ ٩٣، والبخاري في الأدب المفرد (٥٥٨)، والنسائي في الكبرى كتاب عشرة النساء، باب: في الانتصار حديث رقم (٨٩١٤)، (٨٩١٥)، وفي التفسير، سورة الشورى باب: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ﴾ حديث رقم (١١٤٧٦)، وابن ماجه في النكاح باب حسن معاشرة النساء (١/ ٦٣٧) حديث رقم (١٩٨١)، وخالفهم إسحاق بن يوسف فرواه عن زكريا بن أبي زائدة =\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز: \"فجعلت تصنع\".\n[¬٣]- في ت: \"تقلم\".\n[¬٤]- سقط من: ز.\n[¬٥]- في ز: \"درعيها\".\n[¬٦]- في ز: \"إلى\".","vol":"12","page":288},{"text":"وقال البزار: حدثنا يوسف بن موسى، حدثنا أبو غسان، حدثنا أبو الأحوص، عن أبي حَمزة، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: \"من دعا عَلَى من ظلمه فقد انتصر\".\nورواه الترمذي (^٦١) من حديث أبي الأحوص، عن أبي حمزة -واسمه ميمون-، ثم قال: لا نعرفه إلا من حديثه، وقد تُكُلِّم فيه من قبل [¬١] حِفْظِه.\nوقوله: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ﴾ أي: إنّما الحرج والعنت ﴿عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيرِ الْحَقِّ﴾ أي: يبدءون الناس بالظلم. كما جاء في [¬٢] الحديث الصحيح: \"المسْتَبَّان ما قالا، فعلى البادي ما لم يعتد المظلوم\".\n﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أي: شديد موجع.\nقال أبو بكر بن أبي شيبة (^٦٢): حدثنا الحسن بن موسى، حدثنا سعيد بن زيد أخو حماد بن زيد حدثنا عثمان الشحام، حدثنا محمد بن واسع قال: قدمت مكة فإذا على الخندق مَنْظَرَة فأُخِذت فانطُلِق بي إلى مروان بن المهلب، وهو أمير على البصرة، فقال: ما حاجتَك يا أبا عبد الله؟ قلت: حاجتي إن استطعت أن تكون كما قال أخو بني عدي. قال: ومَن أخو بني عدي؟ قال: العلاء بن زياد، استعمل صديقًا له مرة على عمل، فكتب إليه: أما بعد، فإن [¬٣] استطعت أن لا تبيت إلا وظهرك خفيف، وبطنك خَميص، وكَفّك نَقية من في ماء المسلمين وأموالهم، فإنك إذا فعلت ذلك لم يكن عليك سبيل، ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ\n_________\n= عن عبد الله البهي عن عائشة، ولم يذكر عروة، أخرجه هكذا النسائي في الكبرى كتاب عشرة النساء باب الانتصار حديث رقم (٨٩١٦) والحديث صححه الشيخ الألباني على شرط مسلم انظر الصحيحة (١٨٦٢).\n(^٦١) - هذا الحديث ضعيف وعلته: أبو حمزة هذا، قال الإمام أحمد: متروك، والحديث أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف كتاب الدعاء، باب: الرجل يظلم فيدعو الله على من ظلمه ٧/ ٩٣، والترمذي في الدعوات من جامعه باب من دعا على من ظلمه فقد انتصر حديث رقم (٣٥٤٧)، وأبي يعلى حديث رقم (٤٤٥٤، ٤٦٣١) وابن عدي في الكامل ٦/ ٢٤٠٧ من طريق أبي حمزة به، قال ابن عدي: \" … وأحاديثه التي يرويها خاصة عن إبراهيم مما لا يتابع عليها\" قلت: وهذا منها. والحديث ضعفه الشيخ الألباني كما في ضعيف الجامع برقم (٥٥٨٨).\n(^٦٢) - إسناده صحيح. الحسن بن موسى - وهو الأشيب - ثقة ثبت، وسعيد بن زيد قال الحافظ: صدوق له أوهام وهو من رجال مسلم، وعثمان الشحام قال الحافظ في التقريب: \"لا بأس به\"، وهو من رجال مسلم.\n_________\n[¬١]- في ز: \"قبيل\".\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- في ز: \"إن\".","vol":"12","page":289},{"text":"يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. فقال: صدق والله ونَصح، ثم قال: ما [¬١] حاجتك يا أبا عبد الله؟ قلت: حاجتي أن تلحقني بأهلي. قال: نعم. رواه ابن أبي حاتم.\nثم إنه تعالى لما ذم الظلم وأهله وشرع القصاص، قال نادبًا إلى العفو والصفح: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ﴾ أي: صبر على الأذى وستر السيئة، ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾.\nقال سعيد بن جبير: لمن حق الأمور التي أمر الله بها، أي: لمن الأمور المشكورة والأفعال الحميدة التي عليها ثواب جزيل وثناء جميل.\nو[¬٢] قال ابن أبي حاتم (^٦٣): حدثنا أبي، حدثنا عمران بن موسى الطرسوسي [¬٣]، حدثنا عبد الصمد بن يزيد -خادم الفُضَيل بن عياض- قال: سمعت الفضيل بن عياض يقول: إذا أتاك رجل يشكو إليك رجلًا فقل: يا أخي، اعف عنه، فإن العفو أقرب للتقوى. فإن قال: لا يحتمل قلبي العفو، ولكن أنتصر كما أمرني الله ﷿. [فقل له] [¬٤]: إن كنت تحسن أن تنتصر وإلا فارجع إلى باب العفو، فإنه باب واسع، فإنه من عفا وأصلح فأجره على الله، وصاحب العفو ينام على فراشه بالليل، وصاحب الانتصار يقلب الأمور.\nوقال الإِمام أحمد (^٦٤): حدثنا يحيى -يعني ابن سعيد القطان- عن ابن عجلان، حدثنا سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هُرَيرة ﵁: أن رجلًا شتم أبا بكر والنبي ﷺ جالس، فجعل النبي ﷺ يعجب ويتبسم، فلما أكثر رَدّ عليه بعض قوله، فغضب النبي ﷺ وقام، فلحقه أبو بكر فقال: يا رسول الله، إنه\n_________\n(^٦٣) - صحيح إلى الفضيل، فقد أخرج أبو نعيم في حليته (٨/ ١١٢) هذا الخبر من وجه آخر عن عبد الصمد عن الفضيل به الحلية.\n(^٦٤) - أخرجه أحمد ٢/ ٤٣٦، وأبو داود في كتاب الأدب، باب: في الانتصار، حديث رقم (٤٨٩٨)، والبيهقي في الشعب ٦/ ٢٥٨ من طرق عن محمد بن عجلان عن سعيد المقبري به. ورواية محمد بن عجلان عن سعيد المقبري مضطربة. وقد اختلطت عليه رواية المقبري عن رجل عن أبي هريرة، ورواية المقبري عن أبي هريرة فجعلها جميعًا عن أبي هريرة. فروايته عن المقبري مردودة، ولاسيما إذا خولف عن المقبري كما في هذا الحديث فقد رواه الليث بن سعد، وهو ثقة ثبت، عن المقبري عن بشير بن المحرر عن سعيد بين المسيب مرسلًا. أخرجه هكذا أبو داود في الموضع السابق حديث رقم (٤٨٩٧) والبخاري في التاريخ الكبير ٢/ ١٠٢ كلاهما من طريق الليث به وقال البخاري: \"وقال ابن عجلان: عن سعيد عن أبي هريرة عن النبي ﷺ، والأول أصح\" يعني رواية الليث.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- في ز: \"الترسوسي\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين في خ، ز: \"قال له الفضيل\".","vol":"12","page":290},{"text":"كان يشتمني وأنت جالس، فلما رَدَدت عليه بعض قوله غضبتَ وقمتَ! قال: \"إنه كان معك مَلَك يرد عنك، فلما رددت عليه بعض قوله حضَر الشيطان، فلم أكن لأقعد مع الشيطان\". ثم قال: \"يا أبا بكر، ثلاث كلهن حَقّ: ما من عبد ظُلم بمظلمة فيغضي عنها لله، إلا أعَزّ الله بها نَصْرَه، وما فتح رجل باب عطية يريد بها صلة، إلا زاده الله بها كثرة، وما فتح رجل باب مسألة يريد بها كثرة، إلا زاده الله بها قلة\".\nوكذا [¬١] رواه أبو داود، عن عبد الأعلى بن حماد، عن سفيان بن عيينة. قال: ورواه صفوان بن عيسى، كلاهما عن محمد بن عجلان. ورواه من طريق الليث، عن سعيد المقبري، عن بشير بن المحرر، عن سعيد بن المسيب مرسلًا (^٦٥)، وهذا الحديث في غاية الحسن في المعنى وهو سبب سبه للصديق.\n﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ (٤٤) وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ وَقَال الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُقِيمٍ (٤٥) وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ أَوْلِيَاءَ يَنْصُرُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ سَبِيلٍ (٤٦)﴾\nيقول تعالى مخبرًا عن نفسه الكريمة: إنه ما شاء كان ولا رَادّ له، وما لم يشأ لم يكن فلا موجد له، وأنه من هداه فلا مُضِلّ له، ومن يضلل فلا هادي له، كما قال: ﴿وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ ثم قال مخبرًا عن الظالمين، وهم المشركون بالله ﴿لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ﴾ أي: يوم القيامة يتمنون الرجعة إلى الدنيا، ﴿يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ﴾، كما قال: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَاليتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٧) بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾.\nوقوله: ﴿وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيهَا﴾ أي: على النار ﴿خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ﴾ أي: الذي\n_________\n(^٦٥) - تقدم تخريجه في سورة البقرة عند الآية رقم (٢٨٢).\n_________\n[¬١]- سقط من: خ، ز.","vol":"12","page":291},{"text":"قد اعتراهم بما أسلفوا من عصيان الله، ﴿يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾، قال مجاهد: يعني ذليل. أي: ينظرون إليها مُسَارَقَةً خوفًا منها، والذي يحذرون منه واقع بهم لا محالة، وما هو أعظم مما في نفوسهم. أجارنا الله من ذلك.\n﴿وَقَال الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي: يقولون يوم القيامة: ﴿إِنَّ الْخَاسِرِينَ﴾ أي: الخَسَارَ الأكبرَ ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ أي: ذهب بهم إلى النار، فَعَدموا لذتهم في دار الأبد، وخسروا أنفسهم، وفرّق بينهم ولن أصحابهم وأحبابهم وأهاليهم وقراباتهم، فخسروهم، ﴿أَلَا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُقِيمٍ﴾ أي: دائم سرمدي أبدي، لا خروج لهم منها ولا محيد لهم عنها.\nوقوله: ﴿وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ أَوْلِيَاءَ يَنْصُرُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي: ينقذونهم مما هم فيه من العذاب والنكال، ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ سَبِيلٍ﴾ أي: ليس له خلاص.\n﴿اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَإ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ (٤٧) فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيهِمْ حَفِيظًا إِنْ عَلَيكَ إلا الْبَلَاغُ وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ كَفُورٌ (٤٨)﴾\nلما ذكر تعالى ما يكون في يوم القيامة من الأهوال والأمور العظام الهائلة، حَذّر منه وأمر بالاستعداد له، فقال: ﴿اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ أي: إذا أمر بكونه فإنه كلمح البصر يكون، وليس له دافع ولا مانع.\nوقوله: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَإ [¬١] يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ﴾ أي: ليس لكم حصن تتحصنون فيه، ولا مكان يستركم وتتنكرون [¬٢] فيه [¬٣]، فتغيبوا عن بصره ﵎ بل هو محيط بكم بعلمه وبصره وقدرته، فلا ملجأ منه إلا إليه، ﴿يَقُولُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَينَ الْمَفَرُّ (١٠) كَلَّا لَا وَزَرَ (١١) إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ﴾.\nوقوله: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا﴾، يعني المشركين ﴿فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيهِمْ حَفِيظًا﴾ أي: لست عليهم بمصيطر. وقال تعالى: ﴿لَيسَ عَلَيكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ قال تعالى: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيكَ الْبَلَاغُ وَعَلَينَا الْحِسَابُ﴾. وقال هاهنا: ﴿إِنْ عَلَيكَ إلا الْبَلَاغُ﴾ أي:\n_________\n[¬١]- في ز: \"نجاء\".\n[¬٢]- في ز: \"تكرون\".\n[¬٣]- سقط من: خ.","vol":"12","page":292},{"text":"إنما كلفناك أن تبلغهم رسالة الله إليهم.\nثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا﴾ أي: إذا أصابه رخاء ونعمة فرح بذلك، ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ﴾ يعني الناس ﴿سَيِّئَةٌ﴾ أي: جدب ونقمة وبلاء وشدة، ﴿فَإِنَّ الْإِنْسَانَ كَفُورٌ﴾ أي: يجحد ما تقدم من النعمة ولا يعرف إلا الساعة الراهنة، فإن أصابته نعمة أشر وبطر، وإن أصابته محنة يئس وقنط. كما قال رسول الله ﷺ (^٦٦): \" يا معشر النساء، تصدقن فإني رأيتكن أكثر أهل النار\". فقالت امرأة: ولم يا رسول الله؟ قال: \"لأنكن تُكثرن الشكاية، وتكفُرن العشير، لو أحسنت إلى إحداهن الدهر ثم تركت يومًا، قالت: ما رأيت منك خيرًا قط\". وهذا حال أكثر الناس إلا من هداه الله وألهمه رشده، وكان من الذين آمنوا وعملوا الصالحات، فالمؤمن كما قال رسول الله ﷺ: \"إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن\" (^٦٧).\n﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ (٤٩) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (٥٠)﴾\nيخبر تعالى أنه خالق السماوات والأرض ومالكهما والمتصرف فيهما، وأنه ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، وأنه يعطي من يشاء، ويمنع من يشاء، ولا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع، وأنه يخلق ما يشاء، و﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا﴾ أي: رزقه البنات فقط - قال البغوي: ومنهم لوط ﵇ ﴿وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ﴾ أي: يرزقه البنين فقط. قال البغوي: كإبراهيم الخليل ﵇ لم يولد له أنثى.\n﴿أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا﴾ أي: ويعطي من يشاء من الناس الزوجين الذكر والأنثى؛ أي: من هذا ومن [¬١] وهذا، قال البغوي، كمحمد ﵊. ﴿وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا﴾ أي: لا يولد له. قال البغوي: كيحيى وعيسى، ﵉. فجعل الناس أربعة أقسام: منهم من يعطيه البنات، ومنهم من يعطه البنين، ومنهم من يعطه من النوعين ذكورًا وإناثًا، ومنهم من يمنعه هذا وهذا، فيجعله عقيمًا لا نسل له ولا يولد له. ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ﴾ أي: بمن يستحق كل قسم من هذه الأقسام، ﴿قَدِيرٌ﴾ أي: على ما [¬٢] يشاء، من\n_________\n(^٦٦) - تقدم هذا الحديث مرارًا. في سورة البقرة الآية رقم (١٥٣)، وفي الأعراف رقم (٩٥)، وفي يونس (١٢)، وفي الروم رقم (٣٣)، وفي سبأ الآية (١٩) وسيأتي في التغابن الآية (١١)\n(^٦٧) - تقدم هذا الحددث في سورة البقرة عند الآية رقم (٨٧).\n_________\n[¬١]- سقط من: ت.\n[¬٢]- في خ، ت: \"من\".","vol":"12","page":293},{"text":"تفاوت الناس في ذلك.\nوهذا المقام شبيه بقوله تعالى عن عيسى: ﴿وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ﴾؛ أي: دلالة لهم [¬١] على قدرته - تعالى وتقدس - حيث خلق الخلق على أربعة أقصام: فآدم ﵇ مخلوق من تراب، لا من ذكر ولا أنثى، وحواء ﵍ من ذكر بلا أنثى، وسائر الخلق سوى عيسى من ذكر وأنثى، وعيسى ﵇ من أنثى بلا ذكر. فتمت الدلالة بخلق عيسى ابن مريم، ﵉؛ ولهذا قال: ﴿وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ﴾، فهذا المقام في الآباء، والمقام الأول في الأبناء، وكل منهما أربعة أقسام، فسبحان العليم القدير!.\n﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ (٥١) وَكَذَلِكَ أَوْحَينَا إِلَيكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ (٥٣)﴾\nهذه مقامات الوحي كالنسبة إلى جناب الله ﷿ وهو أنه تعالى تارة يقذف في روع النبي ﷺ شيئًا لا يتمارى فيه أنه من الله ﷿ -كما جاء في صحيح ابن حبان، عن رسول الله ﷺ أنه قال: \"إن روح القدس نفث في رُوعي: أن نفسًا لن تموت حتى تستكمل رزقها وأجلها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب\" (^٦٨).\nوقوله: ﴿أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ كما كلم موسى ﵇ فإنه سأل الرؤية بعد التكليم فحجب عنها. وفي الصحيح أن رسول الله ﷺ قال لجابر بن عبد الله: \"ما كلم الله أحدًا إلا من وراء حجاب، وإنه كلم أباك كفاحًا .. \" … الحديث. وكان قد قتل يوم أحد، ولكن هذا في عالم البرزخ، والآية إنما هي في الدار الدنيا.\nوقوله: ﴿أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ﴾، كما ينزل جبريل وغيره من الملائكة على الأنبياء ﵈، ﴿إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾، فهو على عليم خبير حكيم.\n_________\n(^٦٨) - تقدم تخريجه في سورة آل عمران عند الآية رقم (١٦٩، ١٧١).\n_________\n[¬١]- سقط من: خ، ز.","vol":"12","page":294},{"text":"وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَينَا إِلَيكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾، يعني القرآن، ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ﴾ أي [¬١]: على التفصيل الذي شرع لك في القرآن، ﴿وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ﴾ أي القرآن ﴿نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾، كقوله: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾.\nوقوله: ﴿وَإِنَّكَ﴾ أي يا محمد ﴿لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾، وهو الحق [¬٢] القويم، ثم فسره بقوله: ﴿صِرَاطِ اللَّهِ﴾ أي: شرعه الذي أمر به الله، ﴿الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ أي: ربهما ومالكهما والمتصرف فيهما، الحاكم الذي لا معقب لحكمه، ﴿أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾ أي ترجع الأمور، فيفصلها ويحكم فيها.\n[آخر تفسير سورة \"سورة الشورى\" والحمد لله رب العالمين].\n* * *\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- في ت: \"الخلق\".","vol":"12","page":295},{"text":"<span data-type='title' id=toc-161>تفسير سورة الزخرف وهي مكية</span>\n﷽\n﴿حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٣) وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَينَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ (٤) أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ (٥) وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ (٦) وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إلا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٧) فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا وَمَضَى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ﴾\nيقول تعالى: ﴿حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ أي: البَيِّن الواضح، الجلي المعاني والألفاظ؛ لأنه نزل بلغة العرب التي هي أفصح اللغات للتخاطب بين الناس؛ ولهذا قال: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ﴾ أي: أنزلناه ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ أي: بلغة العرب، فصيحًا واضحًا، ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ أي: تفهمونه وتتدبرونه، كما قال ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾.\nوقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ [لَدَينَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ] [¬١]﴾، [بيَّن شرفه في الملإ الأعلى، ليشرفه ويعظمه ويطيعه أهل الأرض، فقال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ﴾ أي: القرآن ﴿فِي أُمِّ الْكِتَابِ﴾] [¬٢] أي: اللوح المحفوظ، قاله ابن عباس، ومجاهد، ﴿لَدَينَا﴾ أي: عندنا، قاله قتادة وغيره، ﴿لَعَلِيٌّ﴾ أي: ذو مكانة عظيمة وشرف وفضل، قاله قتادة، ﴿حَكِيمٌ﴾ أي: محكم بريء من اللبس والزيغ.\nوهذا كله تنبيه على شرفه وفضله، كما قال: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (٧٨) لَا يَمَسُّهُ إلا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالمِينَ﴾، وقال: ﴿كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (١١) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (١٢) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾، ولهذا استنبط العلماء، ﵏، من هاتين الآيتين أن المُحدثَ لا يمس المصحف، كما ورد به الحديث إن صحَّ (^١)، لأن الملائكة يعظمون المصاحف المشتملة على القرآن في الملإ الأعلى، فأهل الأرض\n_________\n(^١) - يعني حديث: أنه ﷺ قال لحكيم بن حزام: \"لا يمس المصحف إلا طاهر\"=\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"12","page":297},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= الدارقطني (١/ ١٢٢، ١٢٣)، الحاكم في المعرفة من مستدركه (٣/ ٤٨٥)، والبيهقي في الخلافيات، والطبراني (٣/ ٢٠٥ / رقم: ٣١٣٥) من حديث حكيم، قال: لما بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن، قال: \"لا تمس القرآن إلا وأنت طاهر\" وفي إسناده سويد أبو حاتم، وهو ضعيف، وذكر الطبراني في الأوسط (٢ / ل ٣٠) مجمع البحرين (رقم: ٤٣٢): أنه تفرد به، وحسن الحازمي إسناده.\nوحديث عمرو بن حزم أن النبي ﷺ كتب في كتابه إلى أهل اليمن: \"وأن لا يمس القرآن إلا طاهر … \"، وهو مشهور قد رواه مالك (٢/ ٨٤٩) والشافعي -كما في معرفة السنن (٦/ ٢٦٦ / رقم: ٤٩٧٩) - عنه، عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه: أن في الكتاب الذي كتبه رسول الله ﷺ لعمرو بن حزم … ووصله نعيم بن حماد، عن ابن المبارك، عن معمر، عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم، عن أبيه، عن جده، وجده محمد بن عمرو بن حزم ولد في عهد النبي ﷺ ولكن لم يسمع منه. وكذا أخرجه عبد الرزاق (٤/ ٤ - ٥ / رقم: ٦٧٩٣)، عن معمر، ومن طريقه الدارقطني (١/ ١٢٢). ورواه أبو داود (ص ٢١١ - ٢١٢ / رقم: ٢٥٧) والنسائي في كتاب العقول: ذكر حديث عمرو بن حزم في العقول واختلاف الناقلين له (٨/ ٥٩ / رقم: ٤٨٥٥) من طريق ابن وهب، عن يونس، عن الزهري مرسلًا، ورواه أبو داود في المراسيل (ص ٢١١ - ٢١٢ / رقم: ٢٥٧) عن ابن شهاب قال: قرأت في كتاب رسول الله ﷺ لعمرو بن حزم حين بعثه إلى نجران …، وكان الكتاب عند أبي بكر بن حزم. ورواه النسائي في كتاب العقول، ذكر حديث عمرو بن حزم في العقول واختلاف الناقلين له (٨/ ٥٧، ٥٨ / رقم: ٤٨٥٣) وابن حبان (٨/ ١٨٠ - ١٨٢ / رقم: ٦٥٢٥)، والحاكم (١/ ٣٩٥ - ٣٩٧)، والبيهقي (٨/ ٢٨) موصولًا مطولًا، من حديث الحكم بن موسى، عن يحيى بن حمزة، عن سليمان بن داود، حدثني الزهري، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن جده. وفرقه الدارمي في مسنده (٢/ ٢٤٩) عن الحكم مقطعًا. وقد اختلف أهل الحديث في صحة هذا الحديث فقال أبو داود في المراسيل: قد أسند هذا الحديث ولا يصح، والذي في إسناده سليمان بن داود وهم، إنما هو سليمان بن أرقم.\nوقال في موضع آخر: لا أحدث به، وقد وهم الحكم بن موسى في قوله: سليمان بن داود، وقد حدثني محمد بن الوليد الدمشقي أنه قرأه في أصل يحيى بن حمزة: سليمان بن أرقم. وهكذا قال أبو زرعة الدمشقي: إنه الصواب. وتبعه صالح بن محمد جزرة، وأبو الحسن الهروي وغيرهما. وقال جزرة: نا دحيم قال: قرأت في كتاب يحيى بن حمزة حديث عمرو بن حزم، فإذا هو عن سليمان بن أرقم، قال صالح: كتب هذه الحكاية عني مسلم بن الحجاج. قلت: ويؤكد هذا ما رواه النسائي في كتاب العقول، ذكر حديث عمرو بن حزم في العقول واختلاف الناقلين له (٨/ ٥٨، ٥٩ / رقم: ٤٨٥٤) عن الهيثم بن مروان - مقبول - عن محمد بن بكار - صدوق - عن يحيى بن حمزة، عن سليمان بن أرقم - قال أحمد: لا يروى عنه. وقال عباس وعثمان عن ابن معين: ليس بشيء. وقال الجوزجاني: ساقط. وقال أبو داود والدارقطني: متروك. وقال أبو زرعة: ذاهب الحديث. (الميزان ٢/ ١٩٦). وقال في التقريب: ضعيف - عن الزهري، وقال: هذا أشبه بالصواب.\nوقال ابن حزم: صحيفة عمرو بن حزم منقطعة لا تقوم بها حجة، وسليمان بن داود متفق على تركه. وقال عبد الحق: سليمان بن داود هذا الذي يروي هذه النسخة عن الزهري ضعيف، ويقال: إنه سليمان بن أرقم. وتعقبه ابن عدي فقال: هذا خطأ إنما هو سليمان بن داود، وقد جوده الحكم بن موسى. انتهى.\nوقال أبو زرعة: عرضته على أحمد، فقال: سليمان بن داود هذا ليس بشيء. وقال ابن حبان: سليمان =","vol":"12","page":298},{"text":"بذلك أولى وأحرى، لأنه نزل عليهم، وخطابه متوجه إليهم، فهو [¬١] أحق أن يقابلوه بالإكرام والتعظيم، والانقياد له بالقبول والتسليم، لقوله: ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَينَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾.\nوقوله: ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ﴾، اختلف المفسرون في معناها، فقيل: معناها: أتحسبون أن نصفح عنكم فلا نعذبكم ولم تفعلوا ما أمرتم به؟! قاله ابن عباس، ومجاهد، وأبو صالح [والسدي] [¬٢] واختاره ابن جرير (^٢).\n_________\n= ابن داود اليمامي ضعيف، وسليمان بن داود الخولاني ثقة، وكلاهما يروى عن الزهري، والذي روى حديث الصدقات هو الخولاني، فمن ضعفه فإنما ظن أن الراوي له هو اليمامي. قلت: ولولا ما تقدم من أن الحكم بن موسى وهم في قوله: سليمان بن داود، وإنما هو سليمان بن أرقم لكان لكلام ابن حبان وجه، وصححه الحاكم، وابن حبان كما تقدم والبيهقي، ونقل عن أحمد بن حنبل أنه قال: أرجو أن يكون صحيحًا، قال: وقد أثنى على سليمان بن داود الخولاني هذا أبو زرعة، وأبو حاتم، وعثمان بن سعيد، وجماعة من الحفاظ.\nقال الحاكم: وحدثني أبو أحمد الحسين بن علي، عن ابن أبي حاتم، عن أبيه: أنه سئل عن حديث عمرو بن حزم؟ فقال: سليمان بن داود عندنا ممن لا بأس به، وقد صحح الحديث بالكتاب المذكور جماعة من الأئمة. لا من حيث الإسناد؛ بل من حيث الشهرة، فقال الشافعي في رسالته: لم يقبلوا هذا الحديث حتى ثبت عندهم أنه كتاب رسول الله ﷺ. وقال ابن عبد البر: هذا كتاب مشهور عند أهل السير، معروف ما فيه عند أهل العلم معرفة يستغنى بشهرتها عن الإسناد، لأنه أشبه التواتر في مجيئه لتلقي الناس له بالقبول والمعرفة، قال: ويدل على شهرته ما روى ابن وهب، عن مالك، عن الليث بن سعد، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب قال: وجد كتاب عند آل حزم يذكرون أنه كتاب رسول الله ﷺ. وقال العقيلي: هذا حديث ثابت محفوظ؛ إلا أنا نرى أنه كتاب غير مسموع عمن فوق الزهري. وقال يعقوب بن سفيان: لا أعلم في جميع الكتب المنقولة كتابًا أصح من كتاب عمرو بن حزم هذا، فإن أصحاب رسول الله ﷺ، والتابعين يرجعون إليه ويدعون رأيهم. وقال الحاكم: قد شهد عمر بن عبد العزيز، وإمام عصره الزهري، لهذا الكتاب بالصحة، ثم ساق ذلك بسنده إليهما.\nقال ابن حجر: حديث عمرو بن حزم أشهر -يعني من حديث حكيم المتقدم سابقًا- والشيخ محيي الدين في الخلاصة ضعف حديث حكيم بن حزام، وحديث عمرو بن حزم، جميعًا.\nوفي الباب عن ابن عمر: رواه الدارقطني (١/ ١٢١)، والطبراني (١٢/ ٣١٣، ٣١٤ / رقم: ١٣٢١٧)، وإسناده لا بأس به، ذكر الأثرم أن أحمد احتج به.\nوعثمان بن أبي العاص، رواه الطبراني، وابن أبي داود في المصاحف (ص: ١٨٥)، وفي إسناده انقطاع، وفي رواية الطبراني من لا يعرف.\nوعن ثوبان، أورده علي بن عبد العزيز في منتخب مسنده، وفي إسناده خصيب بن جحدر، وهو متروك. وروى الدارقطني (١/ ١٢٣) في قصة إسلام عمر، أن أخته قالت له قبل أن يسلم: \"إنك رجس، ولا يمسه إلا المطهرون\" وفي إسناده مقال.\nوفيه عن سلمان موقوفًا، أخرجه الدارقطني (١/ ١٢٣)، والحاكم (١/ ١٨٣).\n(^٢) - راجع تفسيره (٢٥/ ٤٩).\n_________\n[¬١]- في ت: \"فهم\".\n[¬٢]- سقط من ت.","vol":"12","page":299},{"text":"وقال قتادة في قوله: ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا﴾، والله، لو أن هذا القرآن رفع حين ردَّته أوائل هذه الأمة لهلكوا، ولكن الله عاد بعائدته [¬١] ورحمته، وكرره [¬٢] عليهم ودعاهم إليه عشرين سنة، أو ما شاء الله من ذلك.\nوقول قتادة لطيف المعنى جدًّا، وحاصله أنه يقول في معناه: إنه تعالى من لطفه ورحمته بخلقه لا يترك دعاءهم إلى الخير والذكر الحكيم - وهو القرآن - وإن كانوا مسرفين معرضين عنه، بل يأمر [¬٣] به ليهتدي [¬٤] من قدَّر هدايته، وتقوم الحجة على من كَتَب شقاوته.\nثم قال تعالى مسليًّا لنبيه في تكذيب من كذبه من قومه، وآمرًا له بالصبر عليهم، ﴿وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ﴾ أي: في شيع الأولين، ﴿وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إلا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ أي: يكذبونه ويسخرون به.\nوقوله: ﴿فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا﴾ [أي: فأهلكنا المكذبين بالرسل، وقد كانوا أشد بطشًا] [¬٥]، من هؤلاء المكذبين لك يا محمد؛ كقوله: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً﴾ والآيات في ذلك كثيرة.\nوقوله: ﴿وَمَضَى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ﴾، قال مجاهد: سنتهم. وقال قتادة: عقوبتهم. وقال غيرهما: عبرتهم. أي: جعلناهم عبرة لمن بعدهم من المكذبين أن يصيبهم ما أصابهم، كقوله في آخر هذه السورة: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ﴾ وكقوله: ﴿سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ﴾، وقال: ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾.\n﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (٩) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠) وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيتًا كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ (١١) وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ (١٢) لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيتُمْ\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"بعادته\".\n[¬٢]- في ت: \"وكررهم\".\n[¬٣]- في ت: \"أمر\".\n[¬٤]- في ز: \"ليهدى\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"12","page":300},{"text":"عَلَيهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (١٣) وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ (١٤)﴾.\nيقول تعالى: ولئن سألت - يا محمد - هؤلاء المشركين بالله العابدين معه غيره: ﴿مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ أي: ليعترفن [¬١] بأن الخالق لذلك [¬٢] هو الله وحده لا شريك له، وهم مع هذا يعبدون معه غيره من الأصنام والأنداد.\nثم قال: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا﴾، أي: فراشًا قرارًا ثابتة، يسيرون عليها ويقومون وينامون ويتصرفون [¬٣]، مع أنها مخلوقة على تيار الماء، لكنه أرساها بالجبال لئلا تميد هكذا ولا هكذا، ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا﴾ أي: طرقًا بين الجبال والأودية ﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ أي: في سيركم من بلد إلى بلد، وقطر إلى قطر، وإقليم إلى إقليم.\n﴿وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ﴾ أي: بحسب [¬٤] الكفاية؛ لزروعكم وثماركم وشربكم لأنفسكم ولأنعامكم.\nوقوله: ﴿فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيتًا﴾ أي: أرضًا ميتة، فلما جاءها الماء اهتزت وربت، وأنبتت من كل زوج بهيج.\nثم نبه بإحياء الأرض على إحياء الأجساد يوم المعاد [¬٥] بعد موتها، فقال: ﴿كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ ثم قال: ﴿وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا﴾ أي [¬٦]: مما تنبت الأرض من سائر الأصناف، من نبات وزروع وثمار وأزاهير، وغير ذلك من الحيوانات على اختلاف أجناسها وأصنافها، ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ﴾ أي: السفن ﴿وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ﴾ أي: ذلَّلها لكم وسخرها ويَسَّرها لأكلكم لحومها، وشربكم ألبانها، وركوبكم ظهورها، ولهذا قال: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ﴾ أي: لتستووا متمكنين واقفين [¬٧] ﴿عَلَى ظُهُورِهِ﴾ أي: على [¬٨] ظهور هذا الجنس، ﴿ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ﴾ أي: فيما سخر لكم ﴿إِذَا اسْتَوَيتُمْ عَلَيهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ أي: مقاومين. ولولا تسخير الله لنا هذا ما قدرنا عليه.\nقال ابن عباس وقتادة والسدي وابن زيد: ﴿مُقْرِنِينَ﴾ أي: مطيقين [¬٩]. ﴿وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"ليعرفن\".\n[¬٢]- في ز: \"كذلك\".\n[¬٣]- في ت: \"وينصرفون\".\n[¬٤]- في ت: \"في حسب\".\n[¬٥]- في ت: \"الميعاد\".\n[¬٦]- سقط من: ز، خ.\n[¬٧]- في ت: \"مرتفقين\".\n[¬٨]- سقط من: ز، خ.\n[¬٩]- في ز، خ: \"مطيعين\".","vol":"12","page":301},{"text":"لَمُنْقَلِبُونَ﴾ أي: لصائرون [¬١] إليه بعد مماتنا، وإليه سيرنا الأكبر. وهذا من باب التنبيه بسير الدنيا على سير الآخرة، كما نبه بالزاد الدنيوي على الأخروي في قوله: [﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ وباللباس الدنيوي على الأخروي في قوله تعالى] [¬٢]: ﴿وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيرٌ﴾.\n\n<span data-type='title' id=toc-162>ذكر الأحاديث الواردة عند ركوب الدابة</span>\nحديث أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁: قال الإمام أحمد: حدثنا يزيد، حدثنا شَريك بن عبد الله، عن أبي إسحاق، عن علي بن ربيعة؛ قال: رأيت عليًّا ﵁ أتي بدابة، فلما وضع رجله في الرِّكاب قال: باسم الله. فلما استوى عليها قال: الحمد لله، ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (١٣) وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ﴾، ثم حمد الله ثلاثًا، وكبر ثلاثًا، ثم قال: سبحانك، لا إله إلا أنت، قد ظلمت نفسي فاغفر لي. ثم ضحك، فقلت له: من أي شيء ضحكت يا أمير المؤمنين؟ فقال: رأيت رسول الله ﷺ صنع كما صنعت ثم ضحك. فقلت: مم ضحكت يا رسول الله فقال: \"يعجب الرب من عبده إذا قال: رب، اغفر لي، ويقول: علم عبدي أنه لا يغفر الذنوب غيري\".\nوهكذا رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي، من حديث أبي الأحوص - زاد النسائي ومنصور - عن أبي إسحاق السّبيعي، عن علي بن ربيعة الأسدي الوالبي، به. وقال الترمذي: حسن صحيح (^٣).\nوقد قال عبد الرحمن بن مهدي عن شعبة: قلت لأبي إسحاق السّبيعي [¬٣]: ممن سمعت\n_________\n(^٣) - \" المسند\" (١/ ٩٧). رواه أبو داود (٢٦٠٢)، والترمذي (٣٤٤٦)، والطيالسي في \"مسنده\" (ص ٢٠/ ١٣٢) والنسائي في \"عمل اليوم والليلة\" (٥٠٢) وابن حبان (٦/ ٢٦٩٨) والطبراني في \"الدعاء\" (٧٨٤)، والبيهقي في \"الأسماء والصفات\" (٢ / ج ٩٨١) كلهم من طريق أبي الأحوص به.\nوالنسائي أيضًا والبزار (٣/ ٧٧٣ / البحر الزخار)، وأبو يعلى في \"مسنده\" (١ / ج ٥٨٦) - ومن طريق الضياء في \"المختارة\" (٢/ ٦٧٦) والطبراني (٧٨٥) والحاكم (٣/ ٩٩) من طريق منصور بن المعتمر، عن أبي إسحاق به، ورواه عبد الرزاق في \"المصنف\" (١٠/ ٣٩٧، ٣٩٦) - ومن طريقه أحمد (١/ ١١٥) وعبد بن حميد في \"المنتخب\" (٨٨). ومن طريقه الضياء (٢/ ٦٧٧) - والطبراني في \"الدعاء\" (٧٨٢) والبيهقي في \"السنن الكبرى\" (٥/ ٢٥٢) - عن معمر بن راشد، وأحمد (١/ ١٢٨) وعبد بن حميد (٨٩) والطبراني (٧٨٣) من طريق إسرائيل بن يونس، والطبراني (٧٨١) والدارمي في \"الرد على المريسى\" (ص ٢٠٢) والدارقطني =\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"صائرون\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- بعده في خ: \"عن علي بن ربيعة الأسدي\".","vol":"12","page":302},{"text":"هذا الحديث؟ قال: من يونس بن خَبّاب. فلقيت يونس بن خَبَّاب فقلت: ممن سمعته؟ فقال من رجل سمعه من علي بن ربيعة (^٤).\nورواه بعضهم عن يونس بن خباب، عن شقيق بن عقبة الأسدي، عن علي بن ربيعة الوالبي، به (^٥).\nحديث عبد الله بن عباس ﵄: قال الإِمام أحمد: حدثنا أبو المغيرة، حدثنا أبو بكر بن عبد الله، عن علي بن أبي طلحة، عن عبد الله بن عباس؛ أن رسول الله ﷺ أردفه على دابته، فلما استوى عليها كبر رسول الله ﷺ ثلاثًا، وحمد الله [¬١] ثلاثًا، [وسبح ثلاثًا] [¬٢] وهَلَّل الله واحدة. ثم استلقى عليه فضحك، ثم أقبل عليه فقال: \"ما من امرئ مسلم يركب دابة فيصنع كما صنعت، إلا أقبل الله ﷿ عليه، فضحك إليه كما ضحكت إليك\". تفرد به أحمد (^٦).\n_________\n= في \"العلل\" (٤ / س ٤٣٠) عن سفيان الثوري.\nوالطبراني (٧٨٦) عن أجلح بن عبد الله الكندي، (٧٨٧) عن عبد الرحمن بن حميد الرؤاسي.\nوابن حبان (٦/ ٢٦٩٧) من طريق علي بن سليمان أبي نوفل الكيساني.\nوعمرو بن قيس الملائي كما قال أبو الحسن الدارقطني في \"العلل\" (٤ / س ٤٣٠).\nكلهم (معمر وإسرائيل والثوري والرؤاسي والكيساني والملائي) عن أبي إسحاق وانظر ما بعده:.\n(^٤) - قال أبو الحسن الدارقطني في \"العلل\" (٤ / س ٤٣٠): \" .. وأبو إسحاق لم يسمع هذا الحديث من علي بن ربيعة، يبين ذلك ما رواه عبد الرحمن بن مهدي، عن شعبة، قال: قلت لأبي إسحاق: سمعته من علي بن ربيعة؟ فقال: حدثني يونس بن خباب، عن رجل، عنه. وروى هذا الحديث شعيب بن صفوان عن يونس بن خباب، عن شقيق بن عقبة الأسدي، عن علي بن ربيعة، ورواه المنهال بن عمرو وإسماعيل بن عبد الملك بن أبي الصغير، عن علي بن ربيعة، فهو من رواية أبي إسحاق مرسلًا، وأحسنها إسنادًا حديث المنهال بن عمرو، عن علي بن ربيعة. \" ومن هذا الوجه صححه الحاكم على شرط مسلم (٢/ ٩٨، ٩٩) ووافقه الذهبي: وإسناده حسن فحسب وكأن لأجل هذا قال الترمذي: \"حديث حسن صحيح\" وصححه ابن حبان واختاره الضياء، ورقَّم به أبو عبد الرحمن الألباني (حديث / ٢٢٦٧) من \"صحيح أبي داود\".\n(^٥) - رواه من هذا الوجه الطبراني في \"المعجم الأوسط\" (١ / ج ١٧٥) وفي \"كتاب الدعاء\" (رقم ٧٧٩) من طريق ابن لهيعة، حدثني عبد ربه بن سعيد، عن يونس بن خباب، عن شقيق الأزدي، عن علي بن ربيعة به. وقال الطبراني: \"لم يرو هذا الحديث عن شقيق الأزدي - وهو: شقيق بن أبي عبد الله - إلا يونس بن خباب، ولا عن يونس إلا عبد ربه بن سعيد، تفرد به ابن لهيعة\" وهو ضعيف. ويونس بن خباب ضعفه جماعة، ووثقه آخرون: والضعف إليه أقرب، لكن الحديث حسن من طريق آخر، فانظر السابق.\n(^٦) - \" المسند\" (١/ ٣٣١)، ولم يعزه السيوطي في \"الدر المنثور\" (٥/ ٧١٦) لغير أحمد. وذكره الهيثمي في \"المجمع\" (١٠/ ١٣٤) وقال: \"رواه أحمد، وفيه أبو بكر بن أبي مريم وهو ضعيف كما أن في سنده انقطاعًا بين علي=\n_________\n[¬١]- سقط من ت.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من ت.","vol":"12","page":303},{"text":"حديث عبد الله بن عمر ﵄، قال الإمام أحمد: حدثنا أبو كامل، حدثنا حماد بن سلمة، عن أبي الزبير، عن علي بن عبد الله البارقي، عن عبد الله بن عمر ﵄ أن النبي ﷺ كان إذا ركب راحلته [¬١] كبر ثلاثًا ثم قال: \" ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (١٣) وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ \"، ثم يقول: \"اللهم، إني أسألك في سفري هذا البرَّ والتقوى، ومن العمل ما تَرضى؛ اللَّهم؛ هَوِّن علينا السفر واطو لنا البعيدَ؛ اللَّهم؛ أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل، اللَّهم؛ اصحبنا في سفرنا، واخلفنا في أهلنا\". وكان إذا رجع إلى أهله قال: \"آيبون تائبون إن شاء الله، عابدون، لربنا حامدون\".\nوهكذا رواه مسلم وأبو داود والنسائي، من حديث ابن جريج، والترمذي من حديث حماد بن سلمة، كلاهما عن أبي الزبير، به (^٧).\nحديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن عبيد، حدثنا محمد بن إسحاق، عن محمد بن إبراهيم، عن عمرو بن الحكم بن ثوبان، عن أبي لاس الخزاعي؛ قال: حملنا رسول الله ﷺ على إبل من إبل الصدقة إلى الحج، فقلنا: يا رسول الله، ما نرى أن تحملنا هذه! فقال: \"ما من بعير إلا في ذرْوَتِه شيطان، فاذكروا اسم الله عليها إذا ركبتموها كما آمركم، ثم امتهنوها لأنفسكم، فإنما يحمل الله، ﷿\" (^٨).\nأبو لاس اسمه: محمد بن الأسود بن خلف.\n_________\n= ابن أبي طلحة وابن عباس، ومع هذا فقد أورده المنذري في \"الترغيب والترهيب\" (٤/ ٧٣) وسكت عنه!!.\n(^٧) - \" المسند\" (٢/ ١٤٤)، ورواه الترمذي، كتاب: الدعوات (٣٤٤٧) والدارمي (٢٦٧٦، ٢٦٨٥) وصححه ابن حبان (٦/ ٢٦٩٥) والحاكم (٢/ ٢٥٤) من طرق عن حماد بن سلمة به.\nورواه أحمد (٢/ ١٥٠) ومسلم، كتاب: الحج (٤٢٥) (١٣٤٢) وأبو داود، كتاب: الجهاد (٢٥٩٩) والنسائي في \"عمل اليوم والليلة\" (٥٤٨) وغيرهم من طرق عن ابن جريح عن أبي الزبير به.\n(^٨) - \" المسند\" (٤/ ٢٢١). ورواه ابن خزيمة (٢٥٤٣، ٢٣٧٧) وابن سعد في \"الطبقات\" (٤/ ٢٢٢) وابن أبي عاصم في \"الآحاد والمثاني\" (٤/ ٢٣٢٨) والطبراني في \"المعجم الكبير\" (٢٢/ ٨٣٧) والحاكم (١/ ٤٤٤) - وعنه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٥/ ٢٥٢) وابن عبد البر في \"التمهيد\" (٥/ ٣٠٢) - ورواه إسحاق بن راهويه وابن منده -كما قال ابن حجر في \"تغليق التعليق\" (٣/ ٢٥) - كلهم من طريق محمد بن عبيد به.\nوصححه الحاكم على شرط مسلم، ووافقه الذهبي، وعلقه البخاري في صحيحه كتاب: الزكاة، باب: (٤٩) فقال: \"ويذكر عن أبي لاس الخزاعي .... \" قال ابن حجر في \"التغليق\": \"وإنما لم يجزم به لعنعنة ابن إسحاق\"، وقال في \"الفتح\" (٣/ ٣٣٢): \"رجاله ثقات، إلا أن فيه عنعنة ابن إسحاق ولهذا توقف ابن المنذر - \"الترغيب والترهيب\" (٤/ ٧٢) - في ثبوته \"لكن رواه أحمد\" والطبراني (٢٢/ ٨٣٨) من طريق يعقوب بن إبراهيم بن سعد، ثنا أبي، عن محمد بن إسحاق، حدثني محمد بن إبراهيم به، بتصريح=\n_________\n[¬١]- في خ: \"دابته\".","vol":"12","page":304},{"text":"حديث آخر في معناه: قال أحمد: حدثنا عَتَّاب، أخبرنا عبد الله (ح) وعلي بن إسحاق، أخبرنا عبد الله -يعني: ابن المبارك-، أخبرنا أسامة بن زيد، أخبرني محمد بن حمزة؛ أنه سمع أباه يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"على ظهر كل بعير شيطان، فإذا ركبتموها فسموا الله ﷿ ثم لا تقصروا عن حاجاتكم\" (^٩).\n﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ (١٥) أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ (١٦) وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (١٧) أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيرُ مُبِينٍ (١٨) وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ (١٩) وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إلا يَخْرُصُونَ (٢٠)﴾\nيقول تعالى مخبرًا عن المشركين فيما افتروه وكذبوه في جعلهم بعض الأنعام لطواغيتهم وبعضها لله، كما ذكر الله عنهم في سورة الأنعام، في قوله: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾. وكذلك جعلوا له من قسمي البنات والبنين أخسَّهما وأردأهما وهو البنات، كما قال تعالى: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (٢١) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾ وقال هاهنا: ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ﴾.\n_________\n= ابن إسحاق. وهذا إسناد حسن، وقد قال الهيثمي في \"المجمع\" (١٠/ ١٣٤): \"رواه أحمد والطبراني بأسانيد، ورجال أحدها رجال الصحيح غير محمد بن إسحاق، وقد صرح بالسماع في أحدها\".\n(^٩) - \" المسند\" (٣/ ٤٩٤)، وكذا رواه النسائي في \"عمل اليوم والليلة\" (٥٠٤) (٢/ ٢٨٥، ٢٨٦) والطبراني في \"المعجم الكبير\" (٣/ ٢٩٩٣) وفي \"الأوسط\" (٢/ ١٩٢٤) ابن حبان (٤/ ١٧٠٣) والحاكم (١/ ٤٤٤) من طريق أسامة بن زيد به. وقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن محمد بن حمزة إلا أسامة بن زيد الليثي\" وبه أعله أبو عبد الرحمن النسائي فقال عقبه: \"أسامة بن زيد ليس بالقوي في الحديث\". لكن وثقه ابن معين. وقال ابن عدي: ليس به بأس. وفي \"التقريب\": \"صدوق يهم\". فيحتمل تحسين حديثه، وصححه ابن حبان، وقال الحاكم: \"صحيح على شرط مسلم\" ووافقه الذهبي، والليثي إنما أخرج له مسلم متابعة. والحديث رقم به أبو عبد الرحمن الألباني (٣٩١٩) من \"صحيح الجامع\" وقد ذكره الهيثمي في \"المجمع\" (١٠/ ١٣٤) وقال: \"رواه أحمد والطبراني في \"الكبير\" و\"الأوسط\" ورجالهما رجال الصحيح غير محمد بن حمزة وهو ثقة\".","vol":"12","page":305},{"text":"ثم قال: ﴿أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ﴾، وهذا إنكار عليهم غاية الإنكار. ثم ذكر تمام الإنكار فقال: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ أي: إذا بشر أحد هؤلاء بما جعلوه لله من البنات يأنف من ذلك غاية الأنفة، وتعلوه كآبة من سوء ما بُشِّر بِه، ويتوارى من القوم من خَجَله من ذلك، يقول تعالى: فكيف تأنفون أنتم من ذلك، وتنسبونه إلى الله ﷿؟!\nثم قال: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيرُ مُبِينٍ﴾ أي: المرأة ناقصة يكمل نقصها بلبس الحلي منذ تكون طفلة، وإذا [خاصمت فلا عبارة] [¬١] لها، بل هي عاجزة عَييَّة، أو من يكون هكذا ينسب إلى جناب الله ﷿؟! فالأنثى ناقصة الظاهر والباطن، في الصورة والمعنى، فيكمل نقص ظاهرها وصورتها بلبس الحلي وما في معناه، ليجبر ما فيها من نقص، كما قال بعض شعراء العرب:\nوَمَا الحَلْي إلّا زينَةٌ مِنْ نَقيصةٍ … يُتمِّمُ مِنْ حُسْن إذا الحُسْنُ قَصَّرا\nوَأمَّا إذَا كَانَ الجَمَالُ مُوَفَّرًا … كَحُسْنك لَم يَحْتَجْ إلى أن يُزوَّرا\nوأما نقص معناها فإنها ضعيفة عاجزة عن الانتصار عند الانتصار، لا عبارة لها ولا همة، كما قال بعض العرب وقد بُشِّر ببنت: \"ما هي بنعم الولد: نصرها بكاء [¬٢]، وبرها سرقة [¬٣] \".\nوقوله: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا﴾ أي: اعتقدوا فيهم ذلك، فأنكر عليهم تعالى قولهم ذلك، فقال: ﴿أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾ أي: شاهدوه وقد خَلقهم الله إناثًا؟! ﴿سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ﴾ أي: بذلك، ﴿وَيُسْأَلُونَ﴾ عن ذلك يوم القيامة. وهذا تهديد شديد، ووعيد أكيد.\n﴿وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾ أي: لو أراد الله لحال بيننا وبين عبادة هذه الأصنام، التي هي على صور الملائكة التي هي بنات الله، فإنه [¬٤] عالم بذلك وهو يقررنا عليه، فجمعوا بين أنواع كثيرة من الخطأ: أحدها: جعلهم [¬٥] لله ولدًا تعالى وتقدس وتنزه عن ذلك علوًّا كبيرًا.\nالثاني: دعواهم أنه اصطفى البنات على البنين، فجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثًا.\nالثالث: عبادتهم لهم مع ذلك كله، بلا دليل ولا برهان، ولا إذن من الله ﷿، بل\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"حاضت فلا عبادة\".\n[¬٢]- في ت: \"بالبكاء\".\n[¬٣]- في ز: \"لسرقة\"، خ: \"تسرق\".\n[¬٤]- في ز، خ: \"إنه\".\n[¬٥]- في ت: \"جعلوهم\".","vol":"12","page":306},{"text":"بمجرد الآراء والأهواء [¬١]، والتقليد للأسلاف والكبراء والآباء، والخبط في الجاهلية الجهلاء.\nالرابع: احتجاجهم بتقريرهم على ذلك قدرًا وقد جهلوا في هذا الاحتجاج جهلًا كبيرًا، [فإنه تعالى قد أنكر ذلك عليهم أشد الإنكار، فإنه منذ بعث الرسل] [¬٢]، وأنزل الكتبَ يأمرُ بعبادته وحده لا شريك له، وينهى عن عبادة ما سواه، قال: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيهِ الضَّلَالةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ وقال في هذه الآية بعد أن ذكر حجتهم هذه: ﴿مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ﴾ أي: بصحة ما قالوه واحتجوا به، ﴿إِنْ هُمْ إلا يَخْرُصُونَ﴾ أي: يكذبون ويتقولون.\nوقال مجاهد في قوله: ﴿مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إلا يَخْرُصُونَ﴾ أي: ما يعلمون قدرة الله على ذلك.\n﴿أَمْ آتَينَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ (٢١) بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ (٢٢) وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إلا قَال مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ (٢٣) قَال أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (٢٤) فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَانْظُرْ كَيفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٢٥)﴾\nيقول تعالى منكرًا على المشركين في عبادتهم غيرَ الله بلا بُرهان ولا دليل ولا حُجَّة: ﴿أَمْ آتَينَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ [﴾، أي: من قبل شركهم، ﴿] [¬٣] فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ﴾ أي: فيما هم فيه. أي: ليس الأمر كذلك، كقوله: ﴿أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيهِمْ سُلْطَانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ﴾ أي: لم يكن ذلك.\nثم قال: ﴿بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ أي: ليس لهم مستند فيما هم فيه من الشرك سوى تقليد الآباء والأجداد، بأنهم كانوا على أمة، والمراد بها\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"12","page":307},{"text":"الدين هاهنا، وفي قوله: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾.\nوقولهم: ﴿وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ﴾ أي: وراءهم ﴿مُهْتَدُونَ﴾، دعوى منهم بلا دليل.\nثم بين تعالى أن مقالة هؤلاء قد سبقهم إليها أشباههم ونظراؤهم من الأمم السالفة المكذبة للرسل، تشابهت قلوبهم، فقالوا مثل مقالتهم: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إلا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٥٢) أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ وهكذا قال هاهنا: ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إلا قَال مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾.\nثم قال تعالى: ﴿قُل﴾ أي: يا محمد لهؤلاء المشركين: ﴿أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾ أي [¬١]: ولو علموا وتيقنوا صحة ما جئتهم به لما انقادوا لذلك بسوء قصدهم ومكابرتهم للحق وأهله.\nقال الله تعالى: ﴿فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ أي: من الأمم المكذبة بأنواع من العذاب، كما فصله تعالى في قصَصهم، ﴿فَانْظُرْ كَيفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ أي: كيف بادوا وهلكوا، وكيف نجى الله المؤمنين.\n﴿وَإِذْ قَال إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إلا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ (٢٧) وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢٨) بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلَاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى جَاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ (٢٩) وَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ (٣٠) وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَينِ عَظِيمٍ (٣١) أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَينَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٣٢) وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيهَا يَظْهَرُونَ (٣٣) وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيهَا يَتَّكِئُونَ (٣٤) وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.","vol":"12","page":308},{"text":"لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ (٣٥)﴾\nيقول تعالى مخبرًا عن عبده ورسوله وخليله إمام الحنفاء، ووالد من بعث بعده من الأنبياء، الذي تنتسب [¬١] إليه قريش في نسبها ومذهبها: إنه تبرأ من أبيه وقومه في عبادتهم الأوثان، فقال: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إلا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ (٢٧) وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ أي: هذه الكلمة، وهي عبادة الله تعالى وحده لا شريك له، وخلع ما سواه من الأوثان، وهي: \"لا إله إلا الله\"، أي: جعلها دائمة في ذريته يقتدي [به فيها] [¬٢] من هداه الله [¬٣] من ذرية إبراهيم ﵇ ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ أي: إليها.\nوقال عكرمة، ومجاهد، والضحاك، وقتادة، والسدي، وغيرهم في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾، يعني: لا إله إلا الله، لا يزال في ذريته من يقولها، وروي نحوه عن ابن عباس (^١٠)، وقال ابن زيد: كلمة الإسلام. وهو يرجع إلى ما قاله الجماعة.\nثم قال تعالى: ﴿بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلَاءِ﴾ يعني المشركين ﴿وَآبَاءَهُمْ﴾ أي: فتطاول عليهم العمر في ضلالهم، ﴿حَتَّى جَاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ﴾ أي: بيّن [¬٤] الرسالة والنّذارة.\n﴿وَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ﴾ أي: كابروه [¬٥] وعاندوه ودفعوا [¬٦] بالصدور [¬٧] والراح [¬٨] كفرًا وحسدًا وبغيًا، ﴿وَقَالُوا﴾ كالمعترضين على الذي أنزله تعالى وتقدس: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَينِ عَظِيمٍ﴾ أي: هلَّا كان إنزال هذا القرآن على رجل عظيم كبير في أعينهم من القريتين؟ يعنون مكة والطائف. قاله ابن عباس، وعكرمة، ومحمد بن كعب القُرظي، وقتادة، والسديّ، وابن زيد.\nوقد ذكر غير واحد منهم [قتادة] [¬٩]؛ أنهم أرادوا بذلك الوليد بن المغيرة وعروة بن مسعود الثقفي. وقال مالك: عن زيد بن أسلم، والضحاك، والسدي: يعنون الوليد بن المغيرة، ومسعود بن عمرو الثقفي.\n_________\n(^١٠) - انظر تفسير ابن جرير (٢٤/ ٦٢، ٦٣).\n_________\n[¬١]- في ز: \"تنسب\"، خ: \"ينسب\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"فيه بها\".\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- في ز، خ: \"من\".\n[¬٥]- في ز، خ: \"كما يروه\".\n[¬٦]- سقط من: ز، خ.\n[¬٧]- في ز، خ: \"بالصور\".\n[¬٨]- في خ: \"والسراح\".\n[¬٩]- ما بين المعكوفتين سقط من ت.","vol":"12","page":309},{"text":"وعن مجاهد: عمير بن عمرو بن مسعود الثقفي. وعنه أيضًا أنهم يعنون عتبة بن ربيعة وعن ابن عباس: جبار من جبابرة قريش. وعنه أنهم يعنون الوليد بن المغيرة، وحبيب بن عمرو بن عمير الثقفي.\nوعن مجاهد: يعنون [¬١] عتبة بن ربيعة بمكة وابن عبد يا ليل بالطائف.\nوقال السديّ: عنوا الوليد بن المغيرة، وكنانة بن عبد عمرو بن عمير الثقفي. والظاهر أن مرادهم رجل كبير من أي البلدتين كان.\nقال الله تعالى رادًّا عليهم في هذا الاعتراض: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾ أي: ليس الأمر مردودًا إليهم، بل إلى الله ﷿ والله أعلم حيث يجعل رسالاته، فإنه لا ينزلها إلا على أزكى الخلق قلبًا ونفسًا [¬٢]، وأشرفهم بيتًا، وأطهرهم أصلًا.\nثم قال تعالى مبينًا أنه قد فاوت بين خلقه فيما أعطاهم من الأموال والأرزاق والعقول والفهوم، وغير ذلك من القوى الظاهرة والباطنة، فقال: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَينَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾.\nوقوله: ﴿لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾، قيل: معناه ليُسخر بعضهم بعضًا في الأعمال، لاحتياج هذا إلى هذا، وهذا إلى هذا، قاله السدي وغيره. وقال قتادة والضحاك: ليملك بعضهم بعضًا. وهو راجع إلى الأول.\nثم [¬٣] قال: ﴿وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ أي: رحمة الله بخلقه خير لهم مما بأيديهم من الأموال ومتاع الحياة الدنيا.\nثم قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ أي: لولا أن [¬٤] يعتقد كثير من الناس الجهلة أن إعطاءنا المال دليل [¬٥] على محبتنا لمن أعطيناه [¬٦]، فيجتمعوا على الكفر لأجل المال - هذا معنى قول ابن عباس، والحسن، وقتادة، والسدي، وغيرهم ﴿لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ﴾ أي: سلالم ودَرَجًا من فضة قاله [¬٧] ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، والسدي، وابن زيد، وغيرهم - ﴿عَلَيهَا يَظْهَرُونَ﴾ أي: يصعدون، ﴿وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا﴾ أي: أغلاقًا على أبوابهم ﴿وَسُرُرًا عَلَيهَا يَتَّكِئُونَ﴾ أي: جميع ذلك يكون فضة، ﴿وَزُخْرُفًا﴾ أي [¬٨]: وذهبًا. قاله ابن عباس، وقتادة، والسدي، وابن زيد.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في ز، خ: \"يقينا\".\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- في ز، خ: \"قليل\".\n[¬٦]- في ز، خ: \"أعطينا\".\n[¬٧]- في خ: \"قال\".\n[¬٨]- سقط من: ز، خ.","vol":"12","page":310},{"text":"ثم قال: ﴿وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [أي: إنما ذلك من الدنيا] [¬١] الفانية الزائلة الحقيرة عند الله، أي: يعجل لهم بحسناتهم التي يعملونها [¬٢] في الدنيا مآكل ومشاربَ، ليوافوا الآخرة وليس لهم عند الله حسنة يجزيهم بها، كما ورد به الحديث الصحيح.\nوورد في حديث آخر: \"لو أن الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة، ما سقى منها كافرًا شَربة ماء\". أسنده البغوي من رواية زكريا بن منظور، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد [¬٣]، عن النبي ﷺ، فذكره (^١١).\nورواه الطبراني من طريق زَمعة بن صالح، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد، عن النبي ﷺ: \"لو عَدَلت الدنيا جناح بعوضة، ما أعطى كافرًا منها شيئًا\".\nثم قال: ﴿وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ أي: هي لهم خاصة لا يشاركهم فيها غيرهم؛ ولهذا لما قال عمر بن الخطاب (^١٢) لرسول الله ﷺ حين صَعد إليه في تلك المشرَبة لما آلى من نسائه، فرآه على رُمَال حصِير قد أثر بجنبه، فابتدرت عيناه بالبكاء، وقال: يا رسول الله؛ هذا كسرى وقيصر فيما هما فيه، وأنت صفوة الله من خلقه. وكان رسول الله ﷺ متكئًا فجلس وقال: \"أوَ في شكٍّ أنت يا ابن الخطاب؟! \" ثم قال: \"أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم في حياتهم الدنيا\"، وفي رواية: \"أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة؟! \".\nوفي الصحيحين أيضًا وغيرهما (^١٣) أن رسول الله ﷺ قال: \"لا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافها، فإنها لهم في الدنيا ولنا في الآخرة\".\nوإنما خولهم الله تعالى في الدنيا لحقارتها [] [¬٤]، كما روى الترمذي وابن ماجه (^١٤)، من\n_________\n(^١١) - ومن طريق زكريا بن منظور رواه ابن ماجه (٤١١٠) والحاكم (٤/ ٣٠٦) وصحح إسناده الحاكم فتعقبه الذهبي بأن: \"زكريا بن منظور ضعفوه\" ورواه الطبراني في \"الكبير\" (٦/ ٥٩٢١) من طريق عبيد بن عقيل، عن زمعة بن صالح به، وزمعة ضعيف، وقد رواه الترمذي (٢٣٢٠) وأبو نعيم في \"الحلية\" (٣/ ٢٥٣) وغيرهما من طريق عبد الحميد بن سليمان، عن أبي حازم به. وقال الترمذي: \"حديث صحيح غريب\"!! وعبد الحميد بن سليمان ضعفوه، لكن الحديث يتقوى بهذه المتابعات لا سيما وأن له شواهدًا عن عدد من الصحابة ولذلك رقم به أبو عبد الرحمن الألباني حديث (٦٨٦) من \"الصحيحة\" فراجعه بشواهده.\n(^١٢) - رواه البخاري (٢٤٦٨) - وانظره بأطرافه عند رقم (٨٩) - ومسلم (١٤٧٩) وغيرهما.\n(^١٣) - رواه البخاري (٥٤٢٦)، ومسلم (٤) (٢٠٦٧) وغيرهما من حديث حذيفة.\n(^١٤) - تقدم تخريجه انظر رقم (١٥).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في ز: \"تعجلونها\"، خ: \"تجعلونها\".\n[¬٣]- في ز: \"سعيد\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"في الدنيا\".","vol":"12","page":311},{"text":"طريق أبي حازم، عن سهل بن سعد؛ قال: قال رسول الله ﷺ: \"لو كانت الدنيا تَزنُ عند الله جَناح بعوضة ما سقى منها كافرًا شربة ماء أبدًا\". قال الترمذي: حسن صحيح.\n﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (٣٦) وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٧) حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَال يَاليتَ بَينِي وَبَينَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَينِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ (٣٨) وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ (٣٩) أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٤٠) فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ (٤١) أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ فَإِنَّا عَلَيهِمْ مُقْتَدِرُونَ (٤٢) فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤٣) وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ (٤٤) وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ (٤٥)﴾\nيقول تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ﴾ أي: يتعامى ويتغافل ويعرض [¬١] ﴿عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ﴾، والعشا في العين: ضعف بصرها، والمراد هاهنا عشا البصيرة، ﴿نُقَيِّضْ لَهُ شَيطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾، كقوله: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾، وكقوله: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ وكقوله: ﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَينَ أَيدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ﴾، ولهذا قال هاهنا: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٧) حَتَّى إِذَا جَاءَنَا﴾ أي: هذا الذي تَغَافل عن الهدى نُقَيّض له من الشياطين من يضله، ويهديه إلى صراط الجحيم. فإذا وافى الله يوم القيامة يتبرم بالشيطان الذي وكل به، ﴿قَال يَاليتَ بَينِي وَبَينَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَينِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ﴾، وقرأ بعضهم: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَنَا﴾ يعني القرين والمقارن.\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.","vol":"12","page":312},{"text":"قال عبد الرزاق (^١٥): أخبرنا معمر، عن سعيد الجُرَيري قال: بَلَغَنا أن الكافر إذا بُعث من قبره يوم القيامة شفع [¬١] بيده شيطان فلم يفارقه، حتى يصيرهما [¬٢] الله تعالى إلى النار، فذلك حين يقول: ﴿يَاليتَ بَينِي وَبَينَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَينِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ﴾.\nوالمراد بالمشرقين هُنا هو: ما بين المشرق والمغرب. وإنما استعمل هاهنا تغليبًا، كما قيل [¬٣]: القَمَران، والعُمَرَان، والأبوان. قاله ابن جرير (^١٦) وغيره.\nثم قال تعالى: ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ أي: لا يغني عنكم اجتماعكم في النار واشتراككم في العذاب الأليم.\nوقوله: ﴿أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ أي: ليس ذلك إليك، إنما عليك البلاغ، وليس عليك هداهم، ولكن الله يهدي من يشاء، ويضل من يشاء، وهو الحكم العدل في ذلك.\nثم قال: ﴿فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ﴾ أي: لا بد أن ننتقم [¬٤] منهم ونعاقبهم، ولو ذهبت أنت، ﴿أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ فَإِنَّا عَلَيهِمْ مُقْتَدِرُونَ﴾ أي: نحن قادرون على هذا وعلى هذا. ولم يقبض الله رسوله حتى أقَرَّ عينه من أعدائه، وحَكَّمه في نواصيهم، ومَلَّكه ما تضمنته صياصيهم، هذا معنى قول السدى، واختاره ابن جرير.\nوقال ابن جرير: حدثنا ابن عبد الأعلى، حدثنا ابن ثور، عن معمر؛ قال: تلا قتادة: ﴿فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ﴾ فقال: ذهب النبي ﷺ وبقيت النقمة، ولم يُرِ الله نبيه ﷺ في أمته شيئًا يكرهه حتى مضى، ولم يكن نبي قط إلا ورأى العقوبة في أمته، إلا نبيكم ﷺ. قال: وذُكر لنا أن رسول الله ﷺ أُرِيَ ما يصيب أمته من [¬٥] بعده، فما رُئِي ضاحكًا منبسطًا حتى قبضه الله ﷿ (^١٧).\n_________\n(^١٥) - \" التفسير\" لعبد الرزاق (٣/ ١٩٦) وإسناده صحيح إلى الجريري: وقد رواه ابن جرير (٢٤/ ٧٤، ٧٥) من طريق ابن ثور عن معمر به.\n(^١٦) - تفسير ابن جرير (٢٤/ ٧٤).\n(^١٧) - تفسير ابن جرير (٢٤/ ٧٥) ورواه عبد الرزاق (٣/ ١٩٧) عن معمر به، وهذا مرسل وقد وصله، الحاكم (٢/ ٤٤٧) من طريق محمد بن عبيد، عن محمد بن ثور به موصولًا، من حديث أنس، لكن فيه عنعنة قتادة، وقد ذكر السيوطي في \"الدر المنثور\" (٥/ ٧٢٤) وزاد عزوه إلى عبد بن حميد وابن المنذر.\n_________\n[¬١]- في ت: \"سَفَع\".\n[¬٢]- في خ: \"يصيرها\".\n[¬٣]- في ت: \"يقال\".\n[¬٤]- في ز: \"ينتقم\".\n[¬٥]- سقط من: ز، خ.","vol":"12","page":313},{"text":"وذكر من رواية سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة نحوه. ثم روى ابن جرير [عن الحسن] [¬١] نحو ذلك أيضًا.\nوفي الحديث: \"النجوم أمنة للسماء [¬٢] فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد، وأنا أمَنَة لأصحابي، فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعَدون\" (^١٨).\nثم قال تعالى: ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أي: خذ بالقرآن [المنزل] [¬٣] على قلبك، فإنه [] [¬٤] الحق، وما يهدي [¬٥] إليه هو الحق المفضِي إلى صراط الله المستقيم، الموصل إلى جنات النعيم، والخير الدائم المقيم.\nثم قال: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾، قيل [¬٦]: معناه لشرف لك ولقومك، قاله ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، والسدي، وابن زيد. واختاره ابن جرير ولم يحك سواه.\nوأورد البغَويّ هاهنا حديثَ الزهري، عن محمد بن جُبير بن مُطعم، عن معاوية قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"إن هذا الأمر في قريش لا ينازعهم فيه أحد إلا أكبَّه الله على وجهه ما أقاموا الدين\". رواه البخاري (^١٩).\nومعناه: أنه شرف لهم من حيث إنه أنزلَ بلغتهم، فهم أفهم الناس له، فينبغي أن يكونوا أقوَم الناس به وأعملهم بمقتضاه، وهكذا كان خيارهم وصفوتهم من الخُلَّص من المهاجرين السابقين الأولين، ومن شابههم وتابعهم.\nوقيل: معناه: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ أي: لتذكير لك ولقومك، وتخصيصهم بالذكر لا ينفي من سواهم، كقوله: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ وكقوله: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾.\n﴿وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾ أي: عن هذا القرآن وكيف كنتم في العمل به والاستجابة له.\nوقوله: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾\n_________\n(^١٨) - رواه مسلم، كتاب: فضائل الصحابة (٢٠٧) (٢٥٣١) من حديث أبي موسى الأشعري، وبقية الحديث: \" … وأصحابي أمنة لأمتي، فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون.\n(^١٩) - رواه البخاري، كتاب: المناقب قريش (٣٥٠٠)، وكذا رواه أحمد (٤/ ٩٤) والنسائي في الكبرى، كتاب: السير (٥/ ٨٧٥٠) من طريق شعيب بن أبي حمزة عن الزهري به.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في ز، خ: \"من السماء\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين مكرر في ز.\n[¬٤]- في ت: هو.\n[¬٥]- في ز: \"بيدي\"، خ: \"يجدى\".\n[¬٦]- سقط من: خ.","vol":"12","page":314},{"text":"أي: جميع الرسل دَعَوا إلى ما دَعَوت الناس إليه من عبادة الله وحده لا شريك له، ونَهوا عن عبادة الأصنام والأنداد، كقوله: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾، قال مجاهد: في قراءة عبد الله بن مسعود: (واسأل الذين أرسلنا إليهم قبلك رسلنا). وهكذا [¬١] حكاه قتادة والضحاك والسدى عن ابن مسعود. وهذا كأنه تفسير لا تلاوة، والله أعلم.\nوقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: واسألهم ليلة الإسراء فإن الأنبياء جمعوا له. واختار ابن جرير الأول (^٢٠).\n﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَقَال إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعَالمِينَ (٤٦) فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِآيَاتِنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَضْحَكُونَ (٤٧) وَمَا نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إلا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا وَأَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٤٨) وَقَالُوا يَاأَيُّهَ السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ (٤٩) فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ (٥٠)﴾\nيقول تعالى مخبرًا عن عبده ورسوله موسى ﵇: أنه ابتعثه إلى فرعون وملئه من الأمراء والوزراء والقادة، والأتباع والرعايا، من القبط وبني إسرائيل، يدعوهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وينهاهم عن عبادة ما سواه، وأنه بعث معه آيات عظامًا كَيَده وعصاه، وما أرسل معه من الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم، ومن نقص الزروع والأنفس والثمرات، ومع هذا كله استكبروا عن اتباعها والانقياد لها، وكذبوها [وسخروا منها] [¬٢]، وضحكوا ممن جاءهم بها. ﴿وَمَا نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إلا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا﴾، ومع هذا ما رجعوا عن غيهم وضلالهم، وجهلهم وخبالهم. وكلما جاءتهم آية من هذه الآيات يضرعون إلى موسى ﵇ ويتلطفون له في العبارة بقولهم: ﴿يَاأَيُّهَ السَّاحِرُ﴾ أي: العالم، قاله ابن جرير (^٢١).\nوكان علماء زمانهم هم السحرة. ولم يكن السحر عندهم في زمانهم مذمومًا، فليس هذا\n_________\n(^٢٠) - انظر تفسيره (٢٥/ ٧٨).\n(^٢١) - انظر تفسيره (٢٥/ ٨٠).\n_________\n[¬١]- في ت: \"هكذا\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في خ: \"وسخروها منهما\".","vol":"12","page":315},{"text":"منهم؛ على سبيل الانتقاص منهم، لأن الحال حال ضرورة منهم إليه لا تناسب [¬١] ذلك، وإنما هو تعظيم في زعمهم ففي كل مرة يَعدِون موسى إن كَشف عنهم هذا أن يؤمنوا ويرسلوا معه بني إسرائيل. وفي كل مرة ينكثون ما عاهدوا عليه، وهذا كقوله: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ (١٣٣) وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا يَامُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٣٤) فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ﴾.\n﴿وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَال يَاقَوْمِ أَلَيسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٥١) أَمْ أَنَا خَيرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ (٥٢) فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيهِ أَسْورَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ (٥٣) فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (٥٤) فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٥) فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ (٥٦)﴾\nيقول تعالى مخبرًا عن فرعون وتمرده وعتوه وكفره وعناده: أنه جمع قومه، فنادى فيهم مُتَبَجحًا مفتخرًا بملك مصر وتصرفه فيها: ﴿أَلَيسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾، قال قتادة: قد كانت لهم جنانٌ وأنهار ماء، ﴿أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾؟ أي: أفلا ترون ما أنا فيه من العظمة والملك، يعني: وموسى وأتباعه فقراء ضعفاء. وهذا كقوله تعالى: ﴿فَحَشَرَ فَنَادَى (٢٣) فَقَال أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (٢٤) فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَال الْآخِرَةِ وَالْأُولَى﴾.\nوقوله: ﴿أَمْ أَنَا خَيرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ﴾ قال السدي: يقول: بل أنا خير من هذا. الذي هو مهين. وهكذا قال بعض نحاة البصرة: إن \"أم\" هاهنا بمعنى \"بل\". ويؤيد هذا ما حكاه الفراء عن بعض القراء أنه قرأها: ﴿أَمْ أَنَا خَيرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ﴾. قال ابن جرير: ولو صحت هذه القراء لكان معناها صحيحًا واضحًا، ولكنها خلاف قراءة الأمصار، فإنهم قرأوا: ﴿أَمْ أَنَا خَيرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ﴾ على الاستفهام.\nقلت: وعلى كل تقدير فإنما يعني فرعون - عليه اللعنة - أنه خير من موسى ﵇ وقد كذب في قوله هذا كذبًا بينًا واضحًا، فعليه لعائن اللَّه المتتابعة [¬٢] إلى يوم\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"يناسب\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"التابعة\".","vol":"12","page":316},{"text":"القيامة.\nويعني بقوله ﴿مَهِينٌ﴾ كما قال سفيان: حقير. وقال قتادة، والسدي: يعني ضعيف.\nوقال ابن جرير: يعني لا مُلْك له ولا سلطان ولا مال.\n﴿وَلَا يَكَادُ يُبِينُ﴾ يعني: لا يكاد يفصح عن كلامه، فهو عيي [¬١] حصر.\nقال السدي: ﴿وَلَا يَكَادُ يُبِينُ﴾ أي: لا يكاد يفهم. وقال قتادة، والسدي، وابن جرير: يعني [¬٢] عييّ اللسان. وقال سفيان: يعني في: لسانه شيء من الجَمْرَة حين وضعها في فيه وهو صغير.\nوهذا الذي قاله فرعون - لعنه اللَّه - كذب واختلاق، وإنما حمله على هذا الكفر والعناد، وهو ينظر إلى موسى ﵇ بعين كافرة شقية، وقد كان موسى ﵇ من الجلالة والعظمة والبهاء في صورة يبهر أبصار ذوي الألباب. وقوله: ﴿مَهِينٌ﴾ كذب، بل هو المهين الحقير خلْقَةً وخلفًا ودينًا. وموسى هو الشريف الرئيس [¬٣] الصادق البار الراشد. وقوله: ﴿وَلَا يَكَادُ يُبِينُ﴾ افتراء أيضًا، فإنه وإن كان قد أصاب لسانه في حال صغره شيء من جهة تلك الجمرة، فقد سأل اللَّه ﷿ أن يحل عقدة من لسانه ليفقهوا قوله، وقد واستجاب اللَّه له في قوله: ﴿قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَامُوسَى﴾، وبتقدير أن يكون قد بقي شيء لم يسأل إزالته، كما قاله الحسن البصري، وإنما سأل زوال ما يحصل معه الإِبلاغ والأفهام، فالأشياء الخلْقية [¬٤] التي ليست من فعل العبد لا يعاب بها ولا يذم عليها، وفرعون وإن كان يفهم وله عقل فهو يدري هذا، وإنما أراد الترويج على رعيته، فإنهم كانوا جهلة أغبياء، وهكذا قوله: ﴿فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيهِ أَسْورَةٌ مِنْ ذَهَبٍ﴾ أي [¬٥]: وهي ما يجعل في الأيدي من الحلي. قاله ابن عباس وقتادة وغير واحد.\n﴿أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ﴾ أي: يكتنفونه خدمة له ويشهدون بتصديقه، [نظر إلى الشكل] [¬٦] الظاهر، ولم يفهم السر المعنوي الذي هو أظهر مما نظر إليه، لو كان يعلم، ولهذا قال تعالى: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ﴾ أي: استخف عقولهم، فدعاهم إلى الضلالة فاستجابوا له، ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾.\nقال اللَّه تعالى: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ﴾، قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿آسَفُونَا﴾: أسخطونا (^٢٢).\n_________\n(^٢٢) - رواه ابن جرير (٢٥/ ٨٤) وفيه انقطاع بين علي بن أبي طلحة، وابن عباس.\n_________\n[¬١]- في خ: \"غبي\".\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- سقط من: خ.\n[¬٤]- في ز، خ: \"الخِلقة\".\n[¬٥]- سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"نظرًا للشكل\".","vol":"12","page":317},{"text":"وقال الضحاك عنه: أغضبونا. وهكذا قال ابن عباس أيضًا، ومجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير، ومحمد بن كعب القرظي، وقتادة، والسدي، وغيرهم من المفسرين.\nوقال ابن أبي حاتم (^٢٣): حدثنا أبو عبيد [¬١] اللَّه ابن أخي ابن وهب، حدثنا عمي، حدثنا ابن لهيعة، عن عقبة بن مسلم التّجيبي، عن عقبة بن عامر أن رسول اللَّه ﷺ قال: \"إذا رأيت اللَّه ﷿ يعطي العبد ما شاء وهو مقيم على معاصيه، فإنما ذلك استدراج منه له [¬٢] \"، ثم تلا: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ﴾.\nوحدثنا أبي (^٢٤)، حدثنا يحيى بن عبد الحميد الحماني، حدثنا قيس بن الربيع، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب قال: كنت عند عبد اللَّه فذكر عنده موت الفجأة، فقال: تخفيف على المؤمن، وحسرة على الكافر. ثم قرأ: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾.\nوقال عمر بن عبد العزيز ﵁: وجدت النقمة مع الغفلة. يعني قوله: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ﴾.\nوقوله: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ﴾ قال أبو مجلز: ﴿سَلَفًا﴾ لمثل من عمل بعملهم وقال هو ومجاهد: ﴿وَمَثَلًا﴾ أي: عبرة لمن عبدهم [¬٣].\n﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ (٥٧) وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إلا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ (٥٨) إِنْ هُوَ إلا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ (٥٩) وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ (٦٠) وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١) وَلَا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيطَانُ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٢) وَلَمَّا جَاءَ عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ قَال قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ\n_________\n(^٢٣) - تقدم تخريجه (سورة الأنعام / آية ٤٥ / ج ٥٢).\n(^٢٤) - وكذا عزاه لابن أبي حاتم السيوطي في \"الدر المنثور\" (٥/ ٧٢٧، ٧٢٨)، وقد زاد عزوه إلى ابن المنذر وإسناده ضعيف لضعف الحماني وقيس بن الربيع، لكن صح مرفوعًا من وجه آخر [راجع كتاب (الفوائد) بتحقيقنا].\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في خ: \"بعدهم\".","vol":"12","page":318},{"text":"بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (٦٣) إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦٤) فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَينِهِمْ فَوَيلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾\nيقول تعالى مخبرًا عن تعنت قريش في كفوهم وتعمدهم العناد والجدل: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾، قال غير واحد، عن ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، والضحاك، والسدي: يضحكون، [أي: أعجبوا بذلك.\nوقال قتادة: يجزعون ويضحكون] [¬١]. وقال إبراهيم النخعي: يعرضون.\nوكان السبب في ذلك ما ذكره محمد بن إسحاق في السيرة حيث قال: وجلس رسول اللَّه ﷺ فيما بلغني - يومًا مع الوليد بن المغيرة في المسجد، فجاء النضر بن الحارث حتى جلس معهم، وفي المجلس غير واحد من رجال قريش، فتكلم رسول اللَّه ﷺ فعرض له النضر بن الحارث فكلمه رسول اللَّه ﷺ حتى أفحمه، ثم تلا عليه وعليهم: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ … الآيات. ثم قام رسول اللَّه ﷺ وأقبل عبد اللَّه بن الزّبعْرى التميمي، حتى جلس فقال الوليد بن المغيرة له: واللَّه ما قام النضر بن الحارث لابن عبد المطلب وما قعد، وقد زعم محمد أنَّا وما نعبد من آلهتنا هذه حصب جهنم. فقال عبد اللَّه بن الزبعري: أما واللَّه لو وجدته لخَصَمْتُه، سلوا محمدًا: أكل ما يعبد من دون اللَّه في جهنم مع من عبده، فنحن نعبد الملائلكة، واليهود تعبد عزيرًا، والنصارى تعبد المسيح ابن مريم؟ فعجب الوليد ومن كان معه في المجلس من قول عبد اللَّه بن الزّبعْرى، ورأوا أنه قد احتج وخاصم، فَذُكِرَ ذلك لرسول اللَّه ﷺ فقال: \"كل من أحَبّ [¬٢] أن يعبد من دون اللَّه، فهو مع من عبده، فإنهم إنما يعبدون الشيطان ومن أمرهم بعبادته\"، فأنزل اللَّه ﷿: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ أي: عيسى [وعزيز ومن عبد معهما] [¬٣] من الأحبار والرهبان الذين مضوا على طاعة اللَّه ﷿ فاتخذهم [¬٤] من يعبدهم من أهل الضلالة أربابًا من دون اللَّه. ونزل فيما يذكرون أنهم يعبدون الملائكة وأنها [¬٥] بنات اللَّه، ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ … الآيات، ونَزَل فيما يذكر من\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في ز، خ: \"أراد\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في ز: \"وعزيرًا ومن عبدوا\".\n[¬٤]- في خ: \"فاتخذوهم\".\n[¬٥]- في ت: \"وأنهم\".","vol":"12","page":319},{"text":"أمر عيسى وأنه يعبد من دون اللَّه. وعَجِب الوليد ومن حضره من حجته وخصومته ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾ أي: يصدون عن أمرك بذلك من قوله [¬١]. ثم ذكر عيسى فقال: ﴿إِنْ هُوَ إلا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ (٥٩) وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ (٦٠) وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ أي: ما وضعت على يديه من الآيات من إحياء الموتى وإبراء الأسقام، فكفى به دليلًا على علم الساعة. يقول: ﴿فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾.\nوذكر ابن جرير (^٢٥) من رواية العَوفي، عن ابن عباس قوله: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾، قال: يعني قريشًا، لما قيل لهم: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ إلى آخر الآيات، فقالت له قريش: فما ابن مريم؟ قال: \"ذاك عبد اللَّه ورسوله\". فقالوا: واللَّه ما يريد هذا إلا أن نتخذه ربًّا، كما اتخذت النصارى عيسى ابن مريم ربًّا. فقال اللَّه تعالى: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إلا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾.\nوقال الإِمام أحمد (^٢٦): حدثنا هاشم بن القاسم، حدثنا شيبان، عن عاصم بن أبي النَّجُود، عن أبي رَزين، عن أبي يحيى -مولى ابن عقيل الأنصاري- قال: قال ابن عباس: لقد علمت آية من القرآن ما سألني عنها رجل قط، فما أدري أعلمها الناس فلم يسألوا عنها، أم لم يفطنوا لها فيسألوا عنها. قال: ثم طَفق يحدثنا، فلما قام تَلاوَمْنا أن لا نكون سألناه عنها؟. فقلت: أنا لها إذا راح غدًا. فلما راح الغد قلت: يا ابن عباس؛ ذكرتَ أمس أن آية من القرآن لم يسألك عنها رجل قط، فلا تدري أعلمها الناس أم لم يفطنوا لها؟ فقلت: أخبرني عنها وعن اللاتي قرأت قبلها. قال: نعم، إن رسول اللَّه ﷺ قال\n_________\n(^٢٥) - رواه ابن جرير (٢٥/ ٨٦) بإسناد مسلسل بالضعفاء، أولهم عطية العوفي.\n(^٢٦) - \" المسند\" (١/ ٣١٧، ٣١٨) وصحح إسناده الشيخ أبو الأشبال أحمد شاكر في \"تعليقه على المسند\" [١ ج رقم ٢٩٢١ / (٤/ ٣٢٨، ٣٢٩)، وإسناده حسن لكلام في عاصم بن أبي النجود، وباقي رجاله ثقات، وقد رواه ابن أبي حاتم -كما قال المصنف هذا- من طريق آدم ثنا شيبان به، ورواه الطبراني في \"المعجم الكبير\" (١٢/ ١٢٧٤٠) من طريق الوليد بن مسلم ثنا سفيان، وشيبان عن عاصم به.\nورواه الطبراني أيضًا (١٢/ ١٢٧٣٩) من طريق علي بن المديني، ثنا يحيى بن آدم، عن أبي بكر بن عياش، عن عاصم بهدلة، عن أبي رزين، عن ابن عباس به، كذا ليس فيه \"أبو يحيى الأنصاري\" وأبو بكر بن عياش متكلم في حفظه، فرواية شيبان وسفيان أصح.\nوالحديث ذكره الهيثمي في \"المجمع\" (٧/ ١٠٧) وقال: \"رواه أحمد والطبراني .... وفيه عاصم بن بهدلة وثقه أحمد وغيره وهو سيئ الحفظ، وبقية رجاله رجال الصحيح\".\nوالخبر ذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" (٥/ ٧٢٨) وزاد نسبته إلى ابن مردويه.\n_________\n[¬١]- في خ: \"قولك\".","vol":"12","page":320},{"text":"لقريش: \"يا معشر قريش، إنه ليس أحد يعبد من دون اللَّه فيه خير\". وقد علمت قريش أن النصارى تعبد عيسى ابن مريم وما تقول في محمد، فقالوا: يا محمد؛ ألست تزعم أن عيسى كان نبيًّا وعبدًا من عباد اللَّه صالحًا، فإن كنت صادقًا كان آلهتهم كما [¬١] تقولون؟ قال: فأنزل اللَّه ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾. [قلت: ما يَصدّون؟] [¬٢] قال: يضحكون، ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾، قال: هو خروج عيسى ابن مريم قبل القيامة (^٢٧).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن يعقوب الدمشقي، حدثنا آدم، حدثنا شيبان، عن عاصم بن أبي النجود، عن أبي أحمد مولى الأنصار [¬٣]، عن ابن عباس قال: قال رسول اللَّه ﷺ: \"يا معشر قريش، إنه ليس أحد يعبد من دون اللَّه فيه خير\". فقالوا له: ألست تزعم أن عيسى كان نبيًّا وعبدًا من عباد اللَّه صالحًا، فقد كان يعبد من دون اللَّه؟ فأنزل اللَّه ﷿: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾ (^٢٨).\nوقال مجاهد في قوله: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾، قالت قريش: إنما يريد محمد أن نعبده كما عبد قوم عيسى عيسى [¬٤]. ونحو هذا قال قتادة.\nوقوله: ﴿وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيرٌ أَمْ هُوَ﴾، قال قتادة: يقولون [¬٥]: آلهتنا خير منه. وقال قتادة: قرأ ابن مسعود: (وقالوا أآلهتنا خير أم هذا) يعنون محمدًا ﷺ.\nوقوله: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إلا جَدَلًا﴾ أي: مراء، وهم يعلمون أنه ليس بوارد على الآية، لأنها لما لا يعقل، وهي قوله: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾. ثم هي خطاب لقريش، وهم إنما كانوا يعبدون الأصنام والأنداد، ولم يكونوا يعبدون المسيح حتى يوردوه [¬٦]، فتعين أن مقالتهم إنما كانت جَدَلًا منهم ليسوا يعتقدون صحتها.\nوقد قال الإِمام أحمد -رحمه اللَّه تعالى-: حدثنا ابن نمير، حدثنا حجاج بن دينار، عن أبي غالب، عن أبي أمامة قال: قال رسول اللَّه ﷺ: \"ما ضل قوم بعد هُدى كالوا عليه إلا أورثوا الجدل\"، ثم تلا هذه الآية: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إلا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾.\n_________\n(^٢٧) - المسند (١/ ٣١٨).\n(^٢٨) - الطبراني (١٢/ ١٥٤).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"لكما\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في ز، خ: \"الأنصاريين\".\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- في ز، خ: \"يقول\".\n[¬٦]- في ز، خ: \"يوردونه\".","vol":"12","page":321},{"text":"وقد رواه الترمذي، وابن ماجة، وابن جرير، من حديث حجاج بن دينار، به. ثم قال الترمذي: حسن صحيح، لا نعرفه إلا من حديثه (^٢٩). كذا قال.\nوقد روي من وجه آخر عن أبي أمامة بزيادة، فقال ابن أبي حاتم: حدثنا حميد بن عياش الرملي، حدثنا مُؤمل، حدثنا حماد، أخبرنا ابن مخزوم، عن القاسم أبي عبد الرحمن الشامي، عن أبي أمامة - قال حماد: لا أدري رفعه أم [¬١] لا؟ قال: ما ضلت أمة بعد نبيها إلا كان أول ضلالها التكذيب بالقدر، وما ضلت أمة بعد نبيها إلا أعطوا الجدل، ثم قرأ: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إلا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ (^٣٠).\nوقال ابن جرير أيضًا: حدثنا أبو كريب، حدثنا أحمد بن عبد الرحمن، عن عَبَّاد [¬٢] بن عباد، عن جعفر، عن القاسم، عن أبي أمامة قال [¬٣]: إن رسول اللَّه ﷺ خرج على الناس وهم يتنازعون في القرآن، فغضب غضبًا شديدًا حتى [¬٤] كأنما صب على وجهه الخل، ثم قال: \"لا تضربوا كتاب اللَّه بعضه ببعض، فإنه ماضل قوم [¬٥] قط إلا أوتوا الجدل\"، ثم تلا: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إلا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾.\nوقوله: ﴿إِنْ هُوَ إلا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيهِ﴾، يعني عيسى ﵇ ما هو إلا عبد أنعم اللَّه عليه بالنبوة والرسالة، ﴿وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ أي: دلالة وحجة وبرهانًا [¬٦] على قدرتنا على ما نشاء.\nوقوله: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ﴾ أي: بدلكم ﴿مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ﴾، قال السدي: يخلفونكم فيها. وقال ابن عباس، وقتادة: يخلف بعضهم بعضًا، كما يخلف بعضكم بعضًا [¬٧]. وهذا القول يستلزم الأول. وقال مجاهد: يعمرون الأرض بدلكم.\n_________\n(^٢٩) - المسند (٥/ ٢٥٢، ٢٥٦). حجاج بن دينار: قال أحمد ويحيى: ليس له بأس. وقال أبو حاتم: لا يحتج به. وقال الدارقطني: ليس بالقوي. وقد وثقه ابن المبارك ويعقوب بن شيبة والعجلي. (الميزان ١/ ٤٦١). وشهاب بن خراش: صدوق يخطئ روى له أبو داود.\nوأخرجه الترمذي في كتاب تفسير القرآن، باب: ومن سورة الزخرف (٥/ ٣٧٨، ٣٧٩ / رقم: ٣٢٥٣). وقال: هذا حديث حسن صحيح إنما نعرفه من حديث حجاج بن دينار، وحجاج ثقة مقارب الحديث\". وابن ماجة في المقدمة، باب: اجتناب الدرع والجدل (١/ ١٩ / رقم: ٤٨). كلاهما من طريق حجاج بن دينار به.\n(^٣٠) - تفسير الطبري (٢٥/ ٥٣).\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- في ز، خ: \"عُبادة\".\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- سقط من: خ.\n[¬٥]- في خ: \"أمة\".\n[¬٦]- في ت: \"وبرهان\".\n[¬٧]- سقط من: ز، خ.","vol":"12","page":322},{"text":"وقوله: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾، تقدم تفسير ابن إسحاق: أن المراد من ذلك ما بُعث [¬١] به عيسى ﵇ من إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص، وغير ذلك من الأسقام. وفي هذا نظر. وأبعد منه ما حكاه قتادة، عن الحسن البصري وسعيد بن جبير: أن [¬٢] الضمير في ﴿وَإِنَّهُ﴾، عائد على القرآن، بل الصحيح أنه عائد على عيسى، فإن [¬٣] السياق في ذكره، ثم المراد بذلك نزوله قبل يوم القيامة، [كما قال ﵎: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ قبل موت عيسى ﵇ ثم ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ] [¬٤] يَكُونُ عَلَيهِمْ شَهِيدًا﴾ ويؤيد هذا المعنى القرءة الأخرى: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ أي] [¬٥]: [أمارة ودليل على وقوع الساعة] [¬٦]، قال مجاهد: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ أي: آية للساعة خروج عيسى ابن مريم قبل يوم القيامة. وهكذا روي عن أبي هريرة، وابن عباس، وأبي العالية، وأبي مالك، وعكرمة، والحسن، وقتادة، والضحاك، وغيرهم.\nوقد تواترت الأحاديث عن رسول اللَّه ﷺ أنه أخبر بنزول عيسى [بن مريم] [¬٧]﵇ قبل يوم القيامة إمامًا عادلًا وحكمًا مقسطًا.\nوقوله: ﴿فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا﴾ أي: لا تشكوا فيها، إنها واقعة وكائنة لا محالة، ﴿وَاتَّبِعُونِ﴾ أي: فيما أخبركم به ﴿هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١) وَلَا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيطَانُ [﴾، أي: عن اتباع الحق ﴿] [¬٨] إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٢) وَلَمَّا جَاءَ عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ قَال قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ﴾ أي: بالنبوة، ﴿وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾.\nقال ابن جرير: يعني من الأمور الدينية لا الدنيوية (^٣١). وهذا الذي قاله حسن جيد، ثم رد قول من زعم أن \"بعض\" هاهنا بمعني \"كل\"، واستشهد بقول لَبيد الشاعر [حيث قال] [¬٩]:\nتَرَّاكَ أَمْكِنَة إِذَا لَمْ أَرْضَهَا … أَوْ يَعْتَلِق [¬١٠] بَعْضَ النفوسِ حمامها\nوأولوه على أنه أراد جميع النفوس [¬١١]. قال ابن جرير: وإنما أراد نفسه فقط، وعبر بالبعض عنها. وهذا الذي قاله محتمل.\n_________\n(^٣١) - تفسير الطبري (٢٥/ ٥٥).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"يبعث\".\n[¬٢]- في ت: \"أي\".\n[¬٣]- في خ: \"لأن\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- سقط من: خ.\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين في ز: \"آية للساعة\"، وسقط من: خ.\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين زيادة من: ز.\n[¬٨]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٩]- ما بين المعكوفتين سقط من ت.\n[¬١٠]- في ز، خ: \"تعتلق\".\n[¬١١]- سقط من: ز، خ.","vol":"12","page":323},{"text":"وقوله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ أي: فيما أمركم به، ﴿وَأَطِيعُونِ﴾، فيما جئتكم به، ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾، [أي: أنا وأنتم عبيد له، فقراء إليه، مشتركون في عبادته وحده لا شريك له، ﴿هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾، [¬١]، أي: هذا الذي جئتكم به هو الصراط المستقيم، وهو عبادة الرب ﷿ وحده.\nوقوله: ﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَينِهِمْ﴾ أي: اختلفت الفرق وصاروا شيعًا فيه، منهم من يقر بأنه عبد اللَّه ورسوله - وهو الحق - ومنهم من يدعي أنه ولد اللَّه، ومنهم من يقول: إنه اللَّه -تعالى اللَّه عن قولهم علوَّا كبيرًا- ولهذا قال: ﴿فَوَيلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾.\n﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٦٦) الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إلا الْمُتَّقِينَ (٦٧) يَاعِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (٦٨) الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ (٦٩) ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ (٧٠) يُطَافُ عَلَيهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٧١) وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٧٢) لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا تَأْكُلُونَ (٧٣)﴾\nيقول تعالى: هل ينتظر هؤلاء المشركون المكذبون للرسل ﴿إلا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ أي: فإنها كائنة لا محالة وواقعة، وهؤلاء غافلون عنها غير مستعدين. فإذا جاءت إنما تجيء وهم لا يشعرون بها، فحينئذ يندمون كل الندم، حيث لا ينفعهم ولا يدفع عنهم.\nوقوله تعالى: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إلا الْمُتَّقِينَ﴾ أي: كل صداقة وصحابة لغير اللَّه فإنها تنقلب يوم القيامة عداوة، إلا ما كان للَّه ﷿ فإنه دائم بدوامه. وهذا كما قال إبراهيم ﵇ لقومه: ﴿إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَينِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"12","page":324},{"text":"وقال عبد الرزاق: أخبرنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي ﵁: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إلا الْمُتَّقِينَ﴾، قال: خليلان مؤمنان، وخليلان كافران، فتوفي [¬١] أحد المؤمنين وبشر بالجنة فذكر خليله، فقال: اللَّه؛ إن فلانًا خليلي؛ كان يأمرني بطاعتك وطاعة رسولك، ويأمرني بالخير وينهاني عن الشر، وينبئني أني [¬٢] ملاقيك، اللَّهم؛ فلا تضله بعدي حتى تريه مثل ما أريتني، وترضى عنه كما رضيت عني. فيقال له: اذهب فلو تعلم ماله [¬٣] عندي لضحكت كثيرًا وبكيت قليلًا. قال: ثم يموت الآخر، فتجتمع أرواحهما، فيقال: ليثن أحدكما على صاحبه، فيقول كل واحد منهما لصاحبه: نعم الأخ، ونعم الصاحب، ونعم الخليل. وإذا مات أحد الكافرين فبشر [¬٤] بالنار ذكر خليله فيقول: اللَّهم؛ إن خليلي فلانًا كان يأمرني بمعصيتك ومعصية رسولك، ويأمرني بالشر وينهاني عن الخير، ويخبرني أني غير ملاقيك، اللَّهم؛ فلا تهده بعدي حتى تريه مثل ما أريتني، وتسخط عليه كما سخطت عليّ. قال: فيموت الكافر الآخر [¬٥]، فيجمع بين أرواحهما. فيقال: ليثن كل واحد منكما على صاحبه. فيقول كل واحد منهما لصاحبه: بئس الأخ، وبئس الصاحب، وبئس الخليل. رواه ابن أبي حاتم (^٣٢).\nوقال ابن عباس، ومجاهد، وقتادة: صارت كل خلة عداوة يوم القيامة إلا المتقين.\nوروى الحافظ ابن عساكر في ترجمة هشام بن أحمد، عن هشام بن عبد اللَّه بن كثير: حدثنا أبو جعفر محمد بن الخضر بالرقة، عن معافى، حدثنا [¬٦] حكيم بن نافع، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ \"لو أن رجلين تحابا في اللَّه، أحدهما بالمشرق والآخر بالمغرب، لجمع [¬٧] اللَّه بينهما يوم القيامة، يقول: هذا الذي أحببته فيّ\" (^٣٣).\nوقوله: ﴿يَاعِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ [ثم بشرهم فقال: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ﴾، أي: آمنت قلوبهم وبواطنهم، وانقادت لشرع اللَّه جوارحهم وظواهرهم.\nقال المعتمر بن سليمان، عن أبيه: إذا كان يوم القيامة فإن الناس حين يبعثون لا يبقى أحد منهم\n_________\n(^٣٢) - تفسير عبد الرزاق (٢/ ١٦٤).\n(^٣٣) - مختصر تاريخ دمشق (٢٧/ ٧٩).\n_________\n[¬١]- في ت: \"فتوفى\".\n[¬٢]- في خ: \"أنه\".\n[¬٣]- في تفسير عبد الرزاق: مالك.\n[¬٤]- في ت: \"وبشر\".\n[¬٥]- سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- في ز، خ: \"بن\".\n[¬٧]- في خ: \"يجمع\".","vol":"12","page":325},{"text":"إلا فزع، فينادي مناد: ﴿يَاعِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾] [¬١] فيرجوها الناس كلهم، قال: فيتْبِعُها: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ﴾، قال: فييأس الناس منها غير المؤمنين.\n﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾ أي: يقال لهم: ادخلوا الجنة ﴿أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ﴾ أي: نظراؤكم ﴿تُحْبَرُونَ﴾ أي: تنعمون [¬٢] وتسعدون، وقد تقدم تفسيرها في سورة الروم.\n﴿يُطَافُ عَلَيهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ﴾ أي: زبادى آنية الطعام، ﴿وَأَكْوَابٍ﴾، وهي: آنية الشراب، أي: من ذهب لا خراطيم لها ولا عُرى، ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِي الْأَنْفُسُ﴾ - وقرأ بعضهم: ﴿تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ﴾ ﴿وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ﴾ أي: طيب الطعم والريح و[¬٣] حسن المنظر.\nقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، أخبرني إسماعيل بن أبي سعيد، عن عكرمة -مولى ابن عباس- أخبره أن رسول الله ﷺ قال: \"إن أدنى أهل الجنة منزلة وأسفلهم درجة، لَرَجلٌ لا يدخل الجنة [بعده] [¬٤] أحد، يُفسَح [¬٥] له في بصره مسيرة مائة عام في قصور من ذهب، وخيام من [¬٦] لؤلؤ، ليس فيها موضع شبر إلا معمور يغدى عليه ويراح بسبعين ألف صحفة [¬٧] من ذهب، ليس فيها صحفة إلا فيها لون ليس في الأخرى مثله، شهوته [¬٨] في آخرها كشهوته في أولها، لو نزل به جميع أهل الأرض لوسع عليهم مما أعطي، لا ينقص ذلك مما أوتي شيئًا\" (^٣٤).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين بن الجنيد، حدثنا عمرو بن سوَّاد [¬٩] السّرْحي [¬١٠]، حدثنا عبد الله بن وهب، عن ابن لَهيعَة، عن عُقَيل بن خالد، عن الحسن، عن أبي هريرة؛ أن أبا أمامة ﵁ حديث أن رسول الله ﷺ حدثهم -وذكر الجنة- فقال: \"والذي نفس محمد بيده، لَيأخُذَنّ أحدكم اللقمة فيجعلها في فيه ثم يخطر على باله طعام آخر، فيتحول الطعام الذي في فيه على الذي اشتهى\" ثم قرأ: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.\nوقال الإمام أحمد: حدثنا حسن -هو ابن موسى- حدثنا سكين بن عبد العزيز، حدثنا\n_________\n(^٣٤) - تفسير عبد الرزاق (٢/ ١٦٥).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في خ: \"تتنعمون\".\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من ز، خ.\n[¬٥]- في ز، خ: \"يفتح\".\n[¬٦]- سقط من: ز، خ.\n[¬٧]- في ز: \"صحيفة\".\n[¬٨]- في ز: \"فشهوته\"، خ: \"فيشهونه\".\n[¬٩]- في ز: \"ثوار\".\n[¬١٠]- في ز، خ: \"الرخى\".","vol":"12","page":326},{"text":"[] [¬١] الأشعث الضرير، عن شهر بن حوشب، عن أبي هريرة؛ قال: قال رسول اللَّه ﷺ: \"إن أدنى أهل الجنة منزلة إن له لسبع درجات، وهو على السادسة وفوقه السابعة، وإن له ثلاثمائة خادم، ويغدى عليه ويراح كل يوم بثلاثمائة صحفة [¬٢]-ولا أعلمه [¬٣] إلا قال: من ذهب- في كل صحفة [¬٤] لون ليس في الأخرى، وإنه لَيَلَذّ أوله كما يلذ آخره، [ومن الأشربة ثلاثمائة إناء، في كل إناء لون ليس في الآخر، وإنه ليلذ أوله كما يلذ آخره] [¬٥] وإنه ليقول [¬٦]: رب [¬٧]، لو أذنت لي لأطعمت أهل الجنة وسقيتهم، لم ينقص مما عندي شيء، وإن له من الحور العين لاثنين وسبعين زوجة سوى أزواجه من الدنيا وإن الواحدة منهن ليأخذ مقعدها قدر ميل من الأرض (^٣٥).\n﴿وَأَنْتُمْ فِيهَا﴾ أي: في الجنة ﴿خَالِدُونَ﴾ أي: لا تخرجون منها ولا تبغون [¬٨] عنها حولًا. ثم قيل لهم على وجه التفضل والامتنان: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي: أعمالكم الصالحة كانت سببًا لشمول رحمة الله إياكم، فإنه لا يدخل أحدًا عملُه الجنة، ولكن بفضل من [¬٩] الله ورحمته. وإنما الدرجات تفاوتها بحسب عمل الصالحات.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا الفضل بن شاذان المقرئ، حدثنا يوسف بن يعقوب -يعني الصفار- حدثنا أبو بكر بن عياش، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّه ﷺ: \"كل أهل النار يرى منزله من الجنة حسرة، فيقول: ﴿أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾. وكل أهل الجنة يرى منزله من النار فيقول: ﴿وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾، فيكون [¬١٠]، له شكرًا\". قال: و[¬١١] قال رسول الله ﷺ: \"ما من أحد إلا وله منزل في الجنة ومنزل في النار، فالكافر يرث المؤمن منزله من [¬١٢] النار. والمؤمن يرث الكافر منزله من الجنة. وذلك قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (^٣٦).\nوقوله: ﴿لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ﴾ أي: من جميع الأنواع، ﴿مِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ أي:\n_________\n(^٣٥) - المسند (٢/ ٥٣٧).\n(^٣٦) - ورواه أحمد في المسند (٢/ ٥١٢).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"أبو\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"صحيفة\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"أعلم\".\n[¬٤]- في ز، خ: \"صحيفة\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين في سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- في ت: \"يقول\".\n[¬٧]- في ت: \"يا رب\".\n[¬٨]- في ز، خ: \"يبغون\".\n[¬٩]- سقط من: ز، خ.\n[¬١٠]- في ت: \"ليكون\".\n[¬١١]- سقط من: ز، خ.\n[¬١٢]- في ز، خ: \"في\".","vol":"12","page":327},{"text":"مهما [¬١] اخترتم وأردتم. ولما ذكر الطعام والشراب، ذكر بعده الفاكهة لتتم النعمة والغبطة.\n﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (٧٤) لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (٧٥) وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ (٧٦) وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَينَا رَبُّكَ قَال إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ (٧٧) لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ (٧٨) أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا فَإِنَّا مُبْرِمُونَ (٧٩)﴾\nلما ذكر حال السعداء، ثنَّى بذكر الأشقياء، فقال: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (٧٤) لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ﴾ أي: ساعة واحدة ﴿وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ أي: آيسون من كل خير، ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ﴾ أي: بأعمالهم السيئة بعد قيام الحجج عليهم وإرسال الرسل إليهم، فكذبوا وعصوا، فجوزوا بذلك جزاء وفاقًا، وما ربك بظلام للعبيد. ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ﴾ وهو: خازن النار.\nقال البخاري: حدثنا حجاج بن منهال، حدثنا سفيان بن عيينة، عن عَمرو بن عطاء، عن صفوان بن يعلى، عن أبيه، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقرأ على المنبر: ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَينَا رَبُّكَ﴾ (^٣٧). أي: ليَقْبض [¬٢] أرواحنا فيريحنا مما نحن فيه، فينهم كما قال تعالى: ﴿لَا يُقْضَى عَلَيهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا﴾ وقال: ﴿وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى (١١) الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى (١٢) ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى﴾ فلما سألموا أن يموتوا أجابهم مالك: ﴿قَال إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾، قال ابن عباس: مكث ألف سنة، ثم قال: إنكم ماكثون. رواه ابن أبي حاتم.\nأي: لا خروج لكم منها ولا محيد لكم عنها.\nثم ذكر سبب شقوتهم وهو مخالفتهم الحق [¬٣] ومعاندتهم له، فقال: ﴿لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ﴾ أي: بيناه لكم ووضحناه وفسرناه، ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾ أي: ولكن كانت سجاياكم لا تَقبله ولا تُقبل عليه، وإنما تنقاد للباطل وتعظمه، وتَصُدّ عن الحق وتأباه، وتُبغضُ أهله. فعودوا على أنفسكم بالملامة، واندموا حيث لا تنفعكم الندامة.\n_________\n(^٣٧) - صحيح البخاري (٤٨١٩).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"مما\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"ليقض\".\n[¬٣]- في ت: \"للحق\".","vol":"12","page":328},{"text":"ثم قال تعالى: ﴿أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا فَإِنَّا مُبْرِمُونَ﴾ قال مجاهد: أرادوا كيد شر فكدناهم وهذا الذي قاله مجاهد كما قال تعالى: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾، وذلك لأن المشركين كانوا يتحيلون في رد الحق بالباطل بحيل ومكر يسلكونه، فكادهم الله، ورد وبال ذلك عليهم، ولهذا قال: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ﴾ أي: سرهم وعلانيتهم، ﴿بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ أي: نحن نعلم ما هم عليه، والملائكة أيضًا يكتبون أعمالهم، صغيرَها وكبيرها.\n﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيهِمْ يَكْتُبُونَ (٨٠) قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ (٨١) سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (٨٢) فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (٨٣) وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (٨٤) وَتَبَارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَينَهُمَا وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَإِلَيهِ تُرْجَعُونَ (٨٥) وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إلا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٨٦) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (٨٧) وَقِيلِهِ يَا رَبِّ إِنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ لَا يُؤْمِنُونَ (٨٨) فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٨٩)﴾\nيقول تعالى: ﴿قُلْ﴾ محمد ﴿إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ أي: لو فرض فإذا لعبدته على ذلك، لأني عبد من عبيده، مطيع لجميع ما يأمرني به، ليس عندي استكبار ولا إباء عن عبادته، فلو فرض كان هذا، ولكن هذا ممتنع في حقه تعالى، والشرط لا يلزم منه الوقوع ولا الجواز أيضًا، كما قال تعالى: ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾.\nقال بعض المفسرين في قوله: ﴿فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ أي: الآنفين. ومنهم سفيان الثوري، والبخاري حكاه فقال: ويقال أول العابدين: الجاحدين من عَبدَ يَعْبَدُ.\nوذكر ابن جرير لهذا القول من الشواهد ما رواه عن يونس بن عبد الأعلى، عن ابن وهب:","vol":"12","page":329},{"text":"حدثني ابن أبي ذئب، عن أبي [¬١] قسيط، عن بعجة بن زيد الجهني؛ أن امرأة منهم دخلت على زوجها -وهو رجل منهم أيضًا- فولدت له في ستة أشهر، فذكر ذلك زوجُها لعثمانَ بن عفان، ﵁ فأمر بها أن ترجم، فدخل عليه [¬٢] علي بن أبي طالب ﵁ فقال: إن الله يقول في كتابه: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾، وقال: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَينِ﴾، قال: فوالله ما عَبد [¬٣] عثمان ﵁ أن بعث إليها: ترد، قال: يونس: قال ابن وهب: عَبد: استنكف (^٣٨).\nقال الشاعر:\nمَتَى مَا يَشَأ ذُو الوُدّ يصْرمْ خَليله … وَيَعْبَدْ عَلَيه لا محالة ظالمًا\nوهذا القول فيه نظر؛ لأنه كيف يلتئم مع الشرط فيكون تقدره: إن كان هذا فأنا ممتنع منه؟ هذا فيه نظر، فليتأمل. اللّهم إلا أن يقال: إن \"إن\" ليست شرطًا، وإنما هي نافية، كما قال علي بن أبي طلحة- عن ابن عباس في قوله: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ﴾، يقول: لم يكن للرحمن ولد [¬٤] فأنا أول الشاهدين.\nوقال قتادة: هي كلمة من كلام العرب: ﴿إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ أي: إن ذلك لم يكن فلا ينبغي.\nوقال أبو صخر: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ أي: فأنا [¬٥] أول من عبده بأن لا ولد له، وأول من وحّده. وكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم.\nوقال مجاهد: ﴿فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ أي: أول من عبده ووحده وكذبكم.\nوقال البخاري: ﴿فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ أي [¬٦]: الآنفين (^٣٩). وهما لغتان: رجل [¬٧] عابد وعَبِدٌ، والأول أقرب على أنه شرط وجزاء، ولكن هو ممتنع.\nو[¬٨] قال السدي: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾، يقول: لو كان له ولد كنت أول من عبده، بأن له ولدًا، لكن لا ولد له، وهذا [¬٩] اختيار ابن جرير، ورد قول\n_________\n(^٣٨) - تفسير الطبري (٢٥/ ٦١).\n(^٣٩) - صحيح البخاري- الفتح (٨/ ٥٦٨).\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في ز، خ: \"عند\".\n[¬٤]- سقط من: خ.\n[¬٥]- في ز، خ: \"أنا\".\n[¬٦]- سقط من: ز، خ.\n[¬٧]- سقط من: ز، خ.\n[¬٨]- سقط من: ز، خ.\n[¬٩]- في ت: \"هو\".","vol":"12","page":330},{"text":"من زعم أن \"إن\" نافية؛ ولهذا قال: ﴿سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ أي: تعالى وتقدس وتنزه خالق الأشياء عن أن يكون له ولد، فإنه فرد أحد صمد، لا نظير له ولا كفء له، فلا ولد له.\nوقوله: ﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا﴾ أي: في جهلهم وضلالهم ﴿وَيَلْعَبُوا﴾ في دنياهم ﴿حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾، وهو يوم القيامة، أي: فسوف يعلمون كيف يكون مصيرهم، ومآلهم، وحالهم في ذلك اليوم.\nوقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ أي: هو إله من في السماء، وإله من في الأرض، يعبده أهلهما، وكلهم خاضعون له [¬١]، أذلاء بين يديه، ﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ﴾.\nوهذه الآية كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَ[فِي] [¬٢] الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ﴾، أي: هو المدعو الله في السماوات والارض.\n﴿وَتَبَارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَينَهُمَا﴾ أي: هو خالقهما ومالكهما والمتصرف فيهما، بلا مدافعة ولا ممانعة، فسبحانه وتعالى عن الولد، ﴿وَتَبَارَكَ﴾: أي استقر له السلامة من العيوب والنقائص، لأنه الرب العلي العظيم، المالك للأشياء، الذي بيده أزمة الأمور نقضًا وإبرامًا، ﴿وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ أي: لا يجليها لوقتها إلا هو، ﴿وَإِلَيهِ تُرْجَعُونَ﴾ أي: فيجازي كلا بعمله إن خيرًا فخير وإن شرًّا فشر.\nثم قال تعالى: ﴿وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ﴾ أي: من الأصنام والأوثان ﴿الشَّفَاعَةَ﴾ أي: لا يقدرون على الشفاعة لهم، ﴿إلا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾، هذا استثناء منقطع، أي: لكن من شهد بالحق على بصيرة وعلم، فإنه تنفع شفاعته عنده بإذنه له.\nثم قال: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ أي: ولئن ساكت هؤلاء المشركين بالله العابدين معه غيره ﴿مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ أي: هم يعترفون أنه الخالق للأشياء جميعها، وحده لا شريك له في ذلك، ومع هذا يعبدون معه غيره ممن لا يملك شيئًا ولا يقدر على شيء، فهم في ذلك في غاية الجهل والسفاهة وسخافة العقل؛ ولهذا قال: ﴿فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾.\nوقوله: ﴿وَقِيلِهِ يَا رَبِّ إِنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ أي: وقال محمد قيله، أي: شكا إلى ربه شكواه من قومه الذين كذبوه، فقال: يارب إن هؤلاء قوم لا يؤمنون، كما أخبر تعالى في الآية الأخرى: ﴿وَقَال الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ وهذا الذي\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.","vol":"12","page":331},{"text":"قلناه هو قول ابن مسعود ومجاهد وقتادة، وعليه فسر ابن جرير (^٤٠).\nقال البخاري: وقرأ عبد الله -يعني ابن مسعود- ﴿وَقَال الرَّسُولُ يَا رَبِّ﴾ (^٤١).\nوقال مجاهد في قوله: ﴿وَقِيلِهِ يَا رَبِّ إِنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ لَا يُؤْمِنُونَ﴾، قال: فَأبرّ الله قول محمد.\nوقال قتادة: هو قول نبيكم ﷺ يشكو قومه إلى ربه ﷿.\nثم حكى ابن جرير في قوله: ﴿وَقِيلِهِ يَا رَبِّ﴾ قراءتين، إحداهما النصب، ولها توجيهان: أحدهما: أنه معطوف على قوله: ﴿نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ﴾. والثاني: أن يقدر فعل، وقال: قيلَه. والثانية: الخفض، وقيِله عطفًا على قوله: ﴿وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾، تقديره: وعلم قيله.\nوقوله: ﴿فَاصْفَحْ عَنْهُمْ﴾ أي: المشركين، ﴿وَقُلْ سَلَامٌ﴾ أي: لا تجاوبهم بمثل ما يخاطبونك به من الكلام السييء، ولكن تألفهم [¬١] واصفح عنهم فعلًا وقولًا، ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾، هذا تهديد منه تعالى لهم، ولهذا أحل بهم بأسه الذين لا يرُد، وأعلى دينه وكلمته، وشرع بعد ذلك الجهاد والجلاد، حتى دخل الناس في دين الله أفواجًا، وانتشر الإسلام في المشارق والمغارب.\n[آخر تفسير سورة الزخرف].\n* * *\n_________\n(^٤٠) - تفسير الطبري (٢٥/ ٦٢).\n(^٤١) - صحيح البخاري- الفتح (٨/ ٥٦٨).\n_________\n[¬١]- في خ: \"كالفهم\".","vol":"12","page":332},{"text":"<span data-type='title' id=toc-163>تفسير سورة الدخان وهي مكية</span>\nقال الترمذي: حدثنا سفيان بن وكيع، حدثنا زيد بن الحبُاب، عن عُمَر بن أبي خثعم، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"من قرأ حم الدخان، في ليلة، أصبح يستغفر له سبعون ألف ملك\".\nثم قال: غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وعمر بن أبي خثعم يضعف، قال البخاري: \"منكر الحديث\" (^١).\nثم قال: حدثنا نصر بن عبد الرحمن الكوفي، حدثنا زيد بن الحباب، عن [هشام أبي المقدام] [¬١]، عن الحسن، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"من قرأ حم الدخان، في ليلة الجمعة، غفر له\".\nثم قال: \"غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وهشام أبور [¬٢] المقدام [¬٣] يضعف، والحسن لم يسمع من أبي هريرة. كذا قال أيوب [¬٤]، ويونس بن عُبَيد، وعلي بن زيد\" (^٢).\nوفي مسند البزار من رواية أبي الطفيل عامر بن واثلة، عن زيد بن حارثة؛ أن رسول الله ﷺ قال لابن صياد: \"إني قد خَبَأت خَبْأ ما هو؟ \" وخبأ له رسول الله ﷺ سورة الدخان، فقال: هو الدُّخ، [فقال: \"اخسأ\" [¬٥] ما شاء الله كان\" ثم انصرف (^٣).\n_________\n(^١) - موضوع، وهو في سنن الترمذي رقم (٢٨٨٨).\n(^٢) - ضعيف، وهو في سنن الترمذي رقم (٢٨٩١).\n(^٣) - كشف الأستار (٣٣٩٩)، ورواه الطبراني في الكبير (٥/ ٨٨)، والأوسط (٣٨٧٥)، وقال البزار: لم هو هذا الحديث عن فرات الفزاز -ثقة- إلا ابنه الحسن -وثقه يحيى بن معين، وابن حبان، والدارقطني، وقال أبو حاتم وحده: منكر الحديث- ولا عن ابنه، إلا ابنه زياد -قال أبو حاتم الرازي: منكر الحديث، وقال الدارقطني: لا بأس به، ولا يحتج به- تفرد به إبراهيم بن عيسى التنوخي. وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ٤) وقال: رواه البزار، والطبراني في الكبير والأوسط (٣٨٧٥)، وفيه زياد بن الحسن بن فرات: ضعفه أبو حاتم، ووثقه ابن حبان.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"هشام عن أبي المقدام\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"بن\".\n[¬٣]- في ت: \"المقداد\".\n[¬٤]- في ز: خ: \"أبو زيد\".\n[¬٥]- سقط من ت.","vol":"12","page":333},{"text":"﴿حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (٣) فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (٤) أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (٥) رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦) رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَينَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (٧) لَا إِلَهَ إلا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (٨)﴾\nيقول تعالى مخبرًا عن القرآن العظيم: إنه أنزله في ليلة مباركة، وهي ليلة القدر، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيلَةِ الْقَدْرِ﴾ وكان ذلك في شهر رمضان، كما قال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ وقد ذكرنا الأحاديث الواردة في ذلك في \"سورة البقرة\" بما أغنى عن إعادته. ومن قال: إنها ليلة النصف من شعبان -كما رُوي عن عكرمة- فقد أبعد النجْعَة؛ فإن نص القرآن أنها في رمضان. والحديث الذي رواه عبد الله بن صالح، عن الليث، عن عقيل، عن الزهري، أخبرني عثمان بن محمد بن المغيرة بن الأخنس، أن رسول الله ﷺ قال: \"تقطع الآجال من شعبان إلى شعبان، حتى إن الرجل لينكح ويولد له، وقد أخرج اسمه في الموتى\" (^٤) فهو حديث مرسل ومثله لا يعارض به النصوص.\nوقوله: ﴿إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ﴾ [أي: معلمين] [¬١] الناس ما ينفعهم ويضرهم شرعًا، لتقوم حُجّة الله على عباده.\nوقوله: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ أي: في ليلة القدر، يفصل من اللوح المحفوظ إلى الكتَبَة أمر السنة، وما يكون فيها من الآجال والأرزاق، وما يكون فيها إلى آخرها. وهكذا\n_________\n(^٤) - عبد الله بن صالح- كاتب الليث، وثقه ابن معين، وكان أبو حاتم الرازي حسن الرأي فيه، وقال\nأبو زرعة الرزاي: حسن الحديث، وضعفه: النسائي وابن المديني وابن حبان وأبو أحمد الحاكم وغيرهم.\nوفي التقريب: صدوق كثير الغلط، ثبت في كتابه، وكانت فيه غفلة -والحديث رواه ابن الديبثي من طريق عبد الله بن صالح به، وهذا إسناد فيه انقطع فإن عثمان بن محمد بين المغيرة بين الأخنس- له مناكير، وروايته عن طبقة التابعين، فروايته عن النبي ﷺ مرسلة، بل معضلة. ورواه الطبري (٢٥/ ١٠٩) من حديث عبيد بن آدم بن أبي إياس -صدوق- عن أبيه، عن الليث، عن عقيل به مرفوعًا. ورواه البيهقي في شعب الإيمان (٣٨٣٩) من طريق محمد بن علي الوراق، عن سعيد بن سليمان، عن الليث، عن عقيل، عن الزهري، عن عثمان [عن] محمد بن المغيرة بن الأخنس به موقوفًا.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين مكرر في ز.","vol":"12","page":334},{"text":"رُوي عن ابن عمر، وأبي مالك، ومجاهد، والضحاك، وغير واحد من السلف.\nوقوله: ﴿حَكِيمٍ﴾ أي: محكم، لا يبدل ولا يغير؛ ولهذا قال: ﴿أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا﴾ أي: جميع ما يكون ويقدره الله تعالى وما يوحيه فبأمره وإذنه وعلمه، ﴿إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾ أي: إلى الناس، رسولًا يتلو عليهم آيات الله مبينات، فإن الحاجة كانت ماسة إليه؛ ولهذا قال: ﴿رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦) رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَينَهُمَا﴾ أي: الذي أنزل هذا القرآن هو رب السموات والأرض وخالقهما ومالكهما وما فيهما، ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ أي: إن كنتم متحققين.\nثم قال: ﴿لَا إِلَهَ إلا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾، وهذه الآية كقوله تعالى ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إلا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ الآية.\n﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ (٩) فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠) يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (١١) رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ (١٢) أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ (١٣) ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ (١٤) إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ (١٥) يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ (١٦)﴾\nيقول تعالى: بل هؤلاء المشركون في شك يلعبون، أي: قد جاءهم الحق اليقين، وهم يشكون فيه ويمترون، ولا يصدقون به، ثم قال تعالى متوعدًا لهم ومتهددًا: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾.\nقال سليمان بن مهْرَانَ الأعمش، عن أبي الضحى مسلم بن صبيح، عن مسروق قال: دخلنا المسجد -يعني مسجد الكوفة- عند أبواب كندة، فإذا رجل يقص على أصحابه: ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾، تدرون ما ذلك الدخان؟ ذلك دخان يأتي يوم القيامة، فيأخذ بأسماع المنافقين وأبصارهم، ويأخذ المؤمنين منه شبه الزكام. قال: فأتينا ابن مسعود فذكرنا ذلك له، وكان مضطجعًا ففزع فقعد، وقال: إن الله ﷿ قال لنبيكم ﷺ: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾، إن من العلم أن يقول الرجل لما لا يعلم: الله أعلم. سأحدثكم عن ذلك، إن قريشًا لما [¬١] أبطأت عن الإِسلام\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.","vol":"12","page":335},{"text":"واستعصت على رسول الله ﷺ، دعا عليهم بسنين كسني يوسف، فأصابهم من الجهد والجوع حتى أكلوا العظام والميتة، وجعلوا يرفعون أبصارهم إلى السماء فلا يرون إلا الدخان. وفي رواية: فجعل الرجل ينظر إلى السماء، فيرى ما بينه وبينها كهيئة الدخان من الجهد. قال الله تعالى: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠) يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، فأتي رسول الله ﷺ فقيل: يا رسول الله؛ استسق الله لمضر، فإنها قد هلكت. فاستسقى لهم فَسُقُوا، فأنزل الله: ﴿إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ﴾، قال ابن مسعود: فيكشف العذاب عنهم يوم القيامة، فلما أصابهم الرفاهية عادوا إلى حالهم، فأنزل الله: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ﴾، قال: يعني يوم بدر. قال ابن مسعود: فقد مضى خمسة: الدخان، والروم، والقمر، والبطشة، واللزام.\nوهذا الحديث مخرج في الصحيحين (^٥) ورواه الإمام أحمد في مسنده وهو عند الترمذي، والنسائي في تفسيرهما، وعند ابن جرير وابن أبي حاتم من طرق متعددة، عن الأعمش به (^٦). وقد وافق ابن مسعود على تفسير الآية بهذا، وأن الدخان مَضَى- جماعةٌ من السلف كمجاهد، وأبي العالية، وإبراهيم النخَعي، والضحاك، وعطية العوفي، وهو اختيار ابن جرير.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا جعفر بن مسافر، حدثنا يحيى بن حَسَّان، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا عبد الرحمن الأعرج في قوله: ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾، قال: كان ورم فتح مكة. وهذا قول غريب جدًّا بل منكر.\nوقال آخرون: لم يمض الدخان بعد، بل هو من أمارات الساعة، كما تقدم من حديث أبي سَريحة حُذَيفة بن أسيد الغفاري ﵁ قال: أشرف علينا رسول الله ﷺ من غرفة ونحن نتذاكر الساعة، فقال: \"لا تقوم الساعة حتى تروا عشر آيات: طلوع الشمس من مغربها، والدخان، والدابة، وخروج يأجوج ومأجوج، وخروج عيسى ابن مريم، والدجال، وللآية خسوف: خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، ونار تخرج من قعر عدن تسوق الناس -أو: تحشر الناس-: تبيت معهم حيث باتوا، وتقيل معهم حيث قالوا\". انفرد [¬١] بإخراجه مسلم في صحيحه (^٧).\nوفي الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال لابن الصياد: \"إني خَبأت لك\n_________\n(^٥) - البخاري (٤٨٢٠)، ومسلم (٢٧٩٨).\n(^٦) - المسند (١/ ٣٨٠، ٤٣١) وسنن الترمذي (٣٢٥٤) والنسائي في الكبرى (١١٤٨١) والطبري (٢٥/ ٦٦).\n(^٧) - صحيح مسلم (٢٩٠١).\n_________\n[¬١]- في ت: \"تفرد\".","vol":"12","page":336},{"text":"خَبْأ\"، قال: هو الدُّخّ. فقال له: \"اخسأ فلن تعدو قدرك\"، قال: وخبأ له رسول الله ﷺ: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ (^٨).\nوهذا فيه إشعار بأنه من المنتظر المرتقب، وابن صياد كاشف على طريقة الكهان بلسان [¬١] الجان، وهم يُقَرطمون العبارة؛ ولهذا قال: هو [¬٢] الدخ، يعني: الدخان. فعندها عرف رسول الله ﷺ مادته وأنها شيطانية، فقال له: \"اخسأ فلن تعدو قدرك\".\nثم قال ابن جرير: وحدثني عصام بن رَواد بن الجراح، حدثنا أبي، حدثنا سفيان بن سعيد الثوري، حدثنا منصور بن المعتمر، عن ربعي بن حِرَاش [¬٣]؛ قال: سمعت حذيفة بن اليمان يقول: قال رسول الله ﷺ: \"إن أول الآيات الدخان [¬٤]، ونزول عيسى ابن مريم، ونار تخرج من قعر عدن أبين، تسوق الناس إلى المحشر، تقيل معهم إذا قالوا، والدخان- قال حذيفة: يا رسول الله؟ وما الدخان؟ خلا رسول الله ﷺ هذه الآية: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠) يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ - يملأ مما بين المشرق والمغرب، يمكث أربعين يومًا وليلة، أما المؤمن فيصيبه منه كهيئة الزكمة، وأما الكافر [فيكون بمنزلة] [¬٥] السكران [¬٦] يخرج من منخريه وأذنيه ودبره\" (^٩).\nقال ابن جرير: لو صح هذا الحديث لكان فاصلًا، وإنما لم أشهد له بالصحة، لأن محمد بن خلف العسقلاني حدثني أنه سأل روادًا عن هذا الحدث: هل سمعه من سفيان؟ فقال له: لا. قال: فقلت: أقرأته عليه؟ قال: لا. قال: فقلت له: فقُرئ عليه وأنت حاضر [فأقر به] [¬٧]؟ فقال: لا. فقلت له: فمن أين جئت به؟! فقال: جاءني به قوم فعرضوه عليَّ، وقالوا لي: اسمعه منا. فقرءوه عليَّ ثم ذهبوا به [¬٨]، فحدثوا به عني، أو كما قال (^١٠).\nوقد أجاد ابن جرير في هذا الحديث هاهنا، فإنه موضوع بهذا السند، وقد أكثر ابن جرير من سياقه في أماكن من هذا التفسير، وفيه منكرات كثيرة جدا، ولا سيما في أول سورة \"بني إسرائيل\" في ذكر المسجد الأقصى، والله أعلم.\n_________\n(^٨) - صحيح البخاري (٣٠٥٥) ومسلم (٢٩٣٠) من حديث ابن عمر.\n(^٩) - تفسير الطبري (٢٥/ ٦٨).\n(^١٠) - تفسير الطبري (٢٥/ ٦٨).\n_________\n[¬١]- كررت في: خ.\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- في ز، خ: \"خراش\".\n[¬٤]- في ت: \"الدجال\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين في ز: \"كمنزلة\".\n[¬٦]- سقط من ت.\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٨]- سقط من: ز، خ.","vol":"12","page":337},{"text":"وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا صفوان، حدثنا الوليد، حدثنا خُليد [¬١]، عن الحسن، عن أبي سعيد الخدري ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: \"يهيج الدخان بالناس، فأما المؤمن فيأخذه كالزكمة، وأما الكافر فينفخه حتى يخرج من كل مسمع منه\".\nورواه سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن، عن أبي سعيد الخدري موقوفًا. ورواه عوف [¬٢] عن الحسن قوله.\nوقال ابن جرير أيضًا: حدثني محمد بن عوف، حدثنا محمد بن إسماعيل [بن عياش، حدثني أبي، حدثني ضمضم بن زرعة، عن شريح بن عُبَيد] [¬٣]، عن أبي مالك الأشعري؛ قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن ربكم أنذركم ثلاثًا: الدخان يأخذ المؤمن كالزكمة، ويأخذ الكافر فينتفخ حتى يخرج من كل مِسمَع منه، والثانية الدابة، والثالثة الدجال\".\nورواه الطبراني عن هاشم بن يزيد، عن محمد بن إسماعيل بن عياش به (^١١). وهذا إسناد جيد.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن صالح بن مسلم، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي ﵁ قال: لم تمض آية الدخان بعد، يأخذ [¬٤] المؤمن كهيئة الزكام، وتنفخ الكافر حتى ينفد [¬٥].\nوروى ابن جرير من حديث الوليد بن جميع، عن عبد الملك بن المغيرة، عن عبد الرحمن بن البيلماني، عن ابن عمر؟ قال: يخرج الدخان فيأخذ المؤمن كهيئة الزكام، ويدخل في مسامع الكافر والمنافق حتى يكون [¬٦] كالرأس الحنيذ، أي: المشوي على الرضف.\nثم قال ابن جرير: حدثني يعقوب، حدثنا ابن علية، عن ابن جريج، عن عبد الله بن أبي مليكة؟ قال: غدوت على ابن عباس ﵄ ذات يوم [¬٧] فقال: ما نمتُ [¬٨] الليلة حتى أصبحت. قلت: لم؟ قال [¬٩]: قالوا: طلع الكوكب ذو الذنب، فخشيت [¬١٠] أن يكون الدخان قد طرق، فما نمت حتى أصبحت (^١٢).\n_________\n(^١١) - تفسير الطبري (٢٥/ ٦٨) والمعجم الكبير (٣/ ٢٩٢).\n(^١٢) - تفسير الطبري (٢٥/ ٦٨).\n_________\n[¬١]- في ت: \"خليل\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"سعيد بن عوف\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- في ز: \"تأخذ\".\n[¬٥]- في ز، خ: \"تنفذ\".\n[¬٦]- سقط من: ز، خ.\n[¬٧]- سقط من: ز، خ.\n[¬٨]- في ز، خ: \"تمن\".\n[¬٩]- سقط من: ز، خ.\n[¬١٠]- في ز، خ: \"فحسبت\".","vol":"12","page":338},{"text":"وهكذا رواه ابن أبي حاتم، عن أبيه، عن ابن أبي [¬١] عمر، عن سفيان، عن عبد الله [¬٢] ابن أبي يزيد، عن عبد الله بن أبي مليكة، عن ابن عباس فذكره.\nوهذا إسناد صحيح إلى ابن عباس حبر الأمة وترجمان القرآن. وهكذا قول من وافقه من الصحابة والتابعين أجمعين [¬٣]، مع الأحاديث المرفوعة من الصحاح والحسان وغيرهما، التي أوردناها مما فيه مقنع ودلالة ظاهرة على أن الدخان من الآيات المنتظرة، مع أنه ظاهر القرآن. قال الله تعالى: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾، أي: بين واضح يراه كل أحد، وعلى ما فسر به ابن مسعود ﵁: إنما [¬٤] هو خيال رأوه في أعينهم من شدة الجوع والجهد. وهكذا قوله: ﴿يَغْشَى النَّاسَ﴾، أي: يتغشاهم ويَعُمهم، ولو كان أمرًا خياليًّا يخص أهل مكة المشركين لما قيل فيه: ﴿يَغْشَى النَّاسَ﴾.\nوقوله: ﴿هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. أي: يقال لهم ذلك تقريعًا وتوبيخًا، كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا (١٣) هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ أو يقول بعضهم لبعض ذلك. ليقوله: ﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ﴾. أي: يقول الكافرون إذا عاينوا عذاب الله وعقابه سائلين رفعه وكشفه عنهم، كقوله: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَاليتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِين﴾. وكذا قوله: ﴿وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ﴾ وهكذا قال هاهنا: ﴿أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ (١٣) ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ﴾.\n[يقول: كيف لهم بالتذكر وقد أرسلنا إليهم رسولًا بين الرسالة والنذارة، ومع هذا تولوا عنه وما وافقوه، بل كذبوه وقالوا: معلم مجنون] [¬٥]. وهذا كقوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى (٢٣) يَقُولُ يَاليتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾، وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ (٥١) وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ (٥٢) وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيبِ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ (٥٣) وَحِيلَ بَينَهُمْ وَبَينَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ﴾ وقوله: ﴿إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ﴾ يحتمل معنيين: أحدهما: أنه يقوله تعالى: ولو كشفنا عنكم [¬٦] العذاب ورجعناكم إلى الدار الدنيا، لعدتم إلى ما كنتم فيه من الكفر والتكذيب، كقوله: ﴿وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾. وكقوله: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- في ز، خ: \"عنهم\".","vol":"12","page":339},{"text":"لَكَاذِبُونَ﴾ والثاني: أن يكون المراد: إنا مؤخرو العذاب عنكم قليلًا بعد انعقاد أسبابه ووصوله إليكم، وأنتم مستمرون فيما أنتم فيه من الطغيان والضلال [¬١]، ولا يلزم من [¬٢] الكشف عنهم أن يكون باشرهم [¬٣]، [كقوله تعالى: ﴿إلا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾، ولم يكن العذاب باشرهم] [¬٤] واتصل بهم، بل كان قد انعقد سببه عليهم، ولا يلزم أيضًا أن يكونوا قد أقلعوا عن كفرهم ثم عادوا إليه.\nقال الله تعالى إخبارًا عن شعيب أنه قال لقومه حين قالوا: ﴿لَنُخْرِجَنَّكَ يَاشُعَيبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَال أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ (٨٨) قَدِ افْتَرَينَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا﴾. وشعيب لم يكن قط على ملتهم وطريقتهم.\nوقال قتادة: ﴿إِنَّكُمْ عَائِدُونَ﴾ إلى عذاب الله.\nوقوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ﴾، فسر ذلك ابن مسعود بيوم بدر. وهذا قول جماعة ممن وافق ابن مسعود على تفسيره الدخان بما تقدم، وروي أيضًا عن [¬٥] ابن عباس من رواية العوفي، عنه. وعن أبيّ بن كعب وجماعة [¬٦]، وهو محتمل.\nوالظاهر أن ذلك يوم القيامة وإن كان يوم بدْر يوم بطشة أيضًا.\nقال ابن جرير: حدثني يعقوب، حدثنا ابن علية، حدثنا خالد الحذاء، عن عكرمة؛ قال: قال ابن عباس: قال ابن مسعود: البطشة الكبرى ورم بدر، وأنا أفول: هي يوم القيامة (^١٣). وهذا إسناد صحيح عنه، وبه يقول الحسن البصري، وعكرمة في أصح الروايتين عنه.\n﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ (١٧) أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٨) وَأَنْ لَا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (١٩) وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ (٢٠) وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ (٢١) فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ (٢٢) فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيلًا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (٢٣)\n_________\n(^١٣) - تفسير الطبري (٢٥/ ٧٠).\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- في ز، خ: \"من رواية\".\n[¬٦]- بعده في خ: \"عنه\".","vol":"12","page":340},{"text":"وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ (٢٤) كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٢٥) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٢٦) وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ (٢٧) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ (٢٨) فَمَا بَكَتْ عَلَيهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ (٢٩) وَلَقَدْ نَجَّينَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ (٣٠) مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِنَ الْمُسْرِفِينَ (٣١) وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالمِينَ (٣٢) وَآتَينَاهُمْ مِنَ الْآيَاتِ مَا فِيهِ بَلَاءٌ مُبِينٌ (٣٣)﴾\nيقول تعالى: ولقد اختبرنا قبل هؤلاء المشركين قوم فرعون، وهم قبط مصر، ﴿وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ﴾، يعني موسى كليمه ﵇: ﴿أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ﴾، كقوله: ﴿فَأَرْسِلْ [¬١] مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى﴾.\nوقوله: ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ أي مأمون على ما أبلغكموه. وقوله: ﴿وَأَنْ لَا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ﴾، أي: لا تستكبروا عن اتباع آياته، والانقياد لحججه والإيمان ببراهينه، كقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾.\n﴿إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾، أي: بحجة ظاهرة واضحة، وهي ما أرسله الله به من الآيات البينات والأدلة القاطعات [¬٢].\n﴿وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ﴾ قال ابن عباس وأبو صالح: هو الرجم باللسان وهو الشتم، وقال قتادة: الرجم [¬٣] بالحجارة، أي: أعوذ بالله الذي خلقني وخلقكم أن تصلوا إليّ بسوءٍ من قول أو فعل.\n﴿وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ﴾، أي: فلا تتعرضوا [¬٤] لي ودعوا الأمر بيني وبينكم مسالمة إلى أن يقضي الله بيننا، فلما طال مقامه دين أظهرهم، وأقام حجج الله عليهم، كل ذلك وما زادهم ذلك إلا كفرًا وعِنادًا، دعا ربه عليهم دعوة نفذت فيهم، كما قال تعالى:\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"أن أرسل\".\n[¬٢]- في ت: \"القاطعة\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"بالرجم\".\n[¬٤]- في ز، خ: \"تعرضوا\".","vol":"12","page":341},{"text":"﴿وَقَال مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٨٨) قَال قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا﴾، وهكذا قال هاهنا: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ﴾، فعند ذلك أمره الله تعالى أن يخرج ببني إسرائيل من بين أظهرهم من غير أمر فرعون ومشاورته واستئذانه، ولهذا قال: ﴿فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيلًا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ﴾، كما قال: ﴿وَلَقَدْ أَوْحَينَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى﴾ وقوله هاهنا: ﴿وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ﴾، وذلك أن موسى ﵇ لما جاوز هو وبنو إسرائيل البحر، أراد موسى أن يضربه بعصاه حتى يعود كما كان، ليصير حائلًا بينهم وبين فرعون، فلا يصل إليهم. فأمره الله أن يتركه على حاله ساكنًا، وبَشَّره بأنهم جند مغرقون فيه، وأنه لا يخاف دركًا ولا يخشى.\nقال ابن عباس: ﴿وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا﴾ كهيئته وامضه. وقال مجاهد: ﴿رَهْوًا﴾ طريقًا يبسًا كهيئته، يقول: لا تأمره ورجع، اتركه حتى يرجع آخرهم. وكذا قال عكرمة، والربيع بن أنس، والضحاك، وقتادة، وابن زيد، وكعب الأحبار، وسماك بن حرب، وغير واحد.\nثم قال تعالى: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ﴾ -وهي البساتين- ﴿وَعُيُونٍ (٢٥) وَزُرُوعٍ﴾، والمراد بها الأنهار والآبار، ﴿وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾، وهي المساكن الأنيقة والأماكن الحسنة.\nوقال مجاهد وسعيد بن جبير: ﴿وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾ المنابر.\nو[¬١] قال ابن لهيعة، عن وهب بن عبد الله المعافري، عن عبد الله بن عمرو، قال: نيل مصر سيد الأنهار، سخر الله له كل نهر بين المشرق والمغرب، وذَلَّله له، فإذا أراد الله أن يُجري نيل مصر أمر كل نهر أن يَمُدّه، فأمدته الأنهار بمائها، وفجر الله له الأرض عيونًا، فإذا انتهى جريه [¬٢] إلى ما أراد الله، أوحى الله إلى كل ماء [أن يرجع] [¬٣] إلى عنصره.\nوقال في قوله تعالى: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٢٥) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٢٦) وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ﴾، قال: كانت الجنان بحافتي [¬٤] هذا النيل من أوله إلى آخره في [¬٥] الشقين جميعًا، ما بين أسوان إلى رشيد، وكان له تسعة خلج: خليج إسكندرية، وخليج دمياط، وخليج سَرْدَوس، وخليج مَنْف، وخليج الفيوم، وخليج المَنْهَى، متصلة لا ينقطع منها شيء عن شيء، وزروع ما بين الجبلين كله من أول مصر إلى آخر ما يبلغه الماء، وكانت جميع أرض\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في ز، خ: \"جربته\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"ارجع\".\n[¬٤]- في ز، خ: \"حافتي\".\n[¬٥]- في ز، خ: \"من\".","vol":"12","page":342},{"text":"مصر تروى من ستة عشر ذراعًا، لما قدروا ودبروا من قناطرها وجسورها وخلجها [¬١]، ﴿وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ﴾، أي: عيشة كانوا يتفكهون فيها فيأكلون ما شاءوا ويلبسون ما أحبوا، مع الأموال والجاهات والحكم في البلاد، فسلبوا ذلك جميعه في صبيحة واحدة، و[¬٢] فارقوا الدنيا وصاروا إلى جهنم وبئس المصير، واستولى على البلاد المصرية وتلك الحواصل الفرعونية والممالك القبطية بنو إسرائيل، كما قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾، وقال في موضع آخر: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ﴾ وقال هاهنا: ﴿كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ﴾ وهم بنو [¬٣] إسرائيل كما تقدم.\nوقوله: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ﴾. أي: لم تكن لهم أعمال صالحة تصعد في أبواب السماء فتبكي على فقدهم، ولا لهم في الأرض بقاع عبدوا الله فيها [¬٤] فقدتهم، فلهذا استحقوا أن لا ينظروا ولا يؤخروا لكفرهم وإجرامهم، وعتوهم وعنادهم.\nقال الحافظ أبو يعلى الموصلى في مسنده: حدثنا أحمد بن إسحاق البصري، حدثنا مكي [¬٥] ابن إبراهيم، حدثنا موسى بن عبيدة، حدثني يزيد الرّقاشي، حدثني أنس بن مالك، عن النبي ﷺ قال: \"ما من عبد إلا وله في السماء بابان: باب يخرج منه رزقه، وباب يدخل فيه [¬٦] عمله وكلامه، فإذا مات فقداه وبكيا عليه\"، وتلا هذه الآية: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ﴾. وذكر أنهم لم يكونوا عملوا على الأرض عملًا صالحًا يبكي عليهم، ولم يصعد لهم إلى السماء من كلامهم ولا من عملهم كلام طيب، ولا عمل صالح فتفقدهم فتبكي عليهم (^١٤).\nورواه [¬٧] ابن أبي حاتم من حديث موسى بن عبيدة [¬٨]، وهو الربذي.\nوقال ابن جرير: حدثني يحيى بن طلحة، حدثنا عيسى بن يونس، عن صفوان بن عمرو، عن شريح بن عُبيد الحضرمي؛ قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن الإِسلام بدأ\n_________\n(^١٤) - مسند أبي يعلى (٧/ ١٦٠) ورواه الترمذي (٣٢٥٥) مختصرًا. وقال: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، موسى بن عبيدة ويزيد بن أبان الرقاشي يضعفان في الحديث.\n==\n[¬١]- في ز، خ: \"وخليجها\".\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في ز، خ: \"بنى\".\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- في خ: \"بكر\".\n[¬٦]- في ت: \"منه\".\n[¬٧]- في ت: \"رواه\".\n[¬٨]- في ز: \"عبدة\".","vol":"12","page":343},{"text":"غريبًا وسيعود غريبًا، ألا لا غربة على مؤمن، ما مات مؤمن في غربة غابت عنه فيها بواكيه إلا بكت عليه السماء والأرض\". [ثم قرأ رسول الله ﷺ: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ﴾] [¬١]. ثم قال: \"إنهما لا يبكيان على الكافر\" (^١٥).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن عصام، حدثنا أبو أحمد -يعني الزبيري- حدثنا العلاء بن صالح، عن المنهال بن عمرو، عن عباد بن عبد الله؛ قال: سأل رجل عليًّا ﵁: هل تبكي السماء والأرض على أحد؟ فقال له: لقد سألتني عن شيء ما سألني عنه أحد قبلك، إنه ليس عبد إلا له مُصَلى في الأرض، ومصعد عمله من السماء، وإن آل فرعون لم يكن لهم عمل صالح في الأرض، ولا عمل يصعد في السماء، ثم قرأ علي ﵁: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ﴾.\nوقال ابن جرير: \"حدثنا أبو كريب، حدثنا طلق بن غَنَّام [¬٢]، عن زائدة، عن منصور، عن منهال، عن سعيد بن جُبَير قال: أتى ابن عباس رجل فقال: يا أبا عباس، أرأيت قول الله: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ﴾. فهل تبكي السماء والأرض على أحد؟ قال: نعم، إنه ليس أحد من الخلائق إلا وله باب في السماء منه ينزل رزقه؛ وفيه يصعد عمله، فإذا مات المؤمن فأغلق بابه من السماء الذي كان يصعد فيه عمله وينزل منه رزقه [] [¬٣] بكى عليه، وإذا فقده مصلاه من الأرض التي [¬٤] كان يصلي فيها ويذكر الله فيها بكت عليه، وإن قوم فرعون لم تكن لهم فلا الأرض آثار صالحة، ولم يكن يصعد إلى الله منهم خير، فلم تبك عليهم السماء والأرض (^١٦). وروى العوفي عن ابن عباس نحو هذا.\nوقال سفيان الثوري: عن أبي يحيى القَتَّات، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: كان يُقال: تبكي الأرض على المؤمن أربعين صباحًا. [وكذا قال مجاهد وسعيد بن جبير وغير واحد.\nوقال مجاهد أيضًا: ما مات مؤمن إلا بكت عليه السماء والأرض أربعين صباحًا] [¬٥]. قال: فقلت له: أتبكي الأرض؟ فقال: أتعجب؟ وما للأرض لا تبكي على عبد كان يعمرها بالركوع والسجود؟ وما للسماء لا تبكي على عبد كان لتكبيره وتسبيحه فيها دومي كدوي النحل؟.\n_________\n(^١٥) - تفسير الطبري (٢٥/ ٧٥) وعزاه السيوطي في الدر المنثور إلى ابن أبي الدنيا في \"ذكر الموت\".\n(^١٦) - تفسير الطبري (٢٥/ ٧٤).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في ز، خ: \"غشام\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"فقد\".\n[¬٤]- في ز، خ: \"الذي\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"12","page":344},{"text":"وقال قتادة: كانوا أهون على الله من أن تبكي عليهم السماء والأرض.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا عبد السلام بن عاصم، حدثنا إسحاق بن إسماعيل، حدثنا المستورد بن سابق، عن عبيد المكتب، عن إبراهيم قال: ما بكت السماء منذ كانت الدنيا إلا على اثنين. قلت لعبيد: أليس السماء والأرض تبكي على المؤمن؟ قال: ذاك مقامه حيث يصعد عمله. قال: وتدري ما بكاء السسماء؟ قلت [¬١]: لا. قال: تحمر وتصير وردة كالدّهان، إن يحيى بن زكريا لما قتل احمرت السماء وقطرت دمًا. وإن حسين بن على لما قتل احمرت السماء.\nوحدثنا علي بن الحسين، حدثنا أبو غسان محمد بن عمرو -زُنَيج- حدثنا جرير، عن يزيد بن أبي زياد قال: لما قتل الحسين [¬٢] بن علي - رصي الله عنهما - احمرت آفاق السماء أربعة أشهر. قال يزيد: واحمرارها بكاؤها. وهكذا قال السدي الكبير.\nوقال عطاء الخراساني: بكاؤها أن تحمر أطرافها.\nوذكروا أيضًا في مقتل الحسين أنه ما قلب حجر يومئذ [¬٣] إلا وجد تحته دم عَبيط، وأنه كسفت الشمس واحمر الأفق وسقطت حجارة. وفي كل ذلك نظر، والظاهر أنه من سُخْف [¬٤] الشيعة وكذبهم، ليعظموا الأمر -ولا شك أنه عظيم- ولكن لم يقع هذا الذي اختلقوه وكذبوه، وقد وقع ما هو أعظم من قتل الحسين ﵁ ولم يقع شيء مما ذكروه، فإنه قد قُتل أبوه علي بن أبي طالب، وهو أفضل منه بالإجماع ولم يقع ذلك، وعثمان بن عفان قتل محصورًا مظلومًا، ولم يكن شيء من ذلك، وعمر بن الخطاب ﵁ قتل في المحراب في صلاة الصبح، وكان المسلمين لم تطرقهم مصيبة قبل ذلك، ولم يكن شيء من ذلك.\nوهذا رسول الله ﷺ وهو سيد البشر في الدنيا والآخرة يوم مات لم يكن شيء مما ذكروه. ويوم مات إبراهيم ابن النبي ﷺ خسفت الشمس فقال الناس: خسفت لموت إبراهيم، فصلى بهم رسول الله ﷺ صلاة الكسوف، وخطبهم وبين لهم أنَّ الشمس والقمر لا يَنْخَسِفان لموت أحد ولا لحياته (^١٧).\nوقوله: ﴿وَلَقَدْ نَجَّينَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ (٣٠) مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِنَ الْمُسْرِفِينَ﴾. يمتن عليهم تعالى بذلك، حيث أنقذهم مما كانوا فيه من إهانة فرعون وإذلاله\n_________\n(^١٧) - رواه البخاري في صحيحه برقم (١٠٤٣) ومسلم في صحيحه (٩١٥).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"قال\".\n[¬٢]- في ت: \"حسين\".\n[¬٣]- سقط من: خ.\n[¬٤]- في ز، خ: \"خسف\".","vol":"12","page":345},{"text":"لهم، وتسخيره إياهم في الأعمال المهينة الشاقة.\nوقوله: ﴿مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِنَ الْمُسْرِفِينَ﴾ أي: مستكبرًا جبارًا عنيدًا. وكقوله: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ وقوله: ﴿فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ﴾، سَرِفًا في أمره، سخيف الرأي على نفسه.\nوقوله: ﴿وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالمِينَ﴾، قال مجاهد: ﴿اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالمِينَ﴾، على مَن هم بين ظَهْرَيه.\nوقال قتادة: اختيروا على أهل زمانهم ذلك. وكان يقال: إن لكل زمان عالمًا وهذه كقوله تعالى: ﴿قَال يَامُوسَى إِنِّي اصْطَفَيتُكَ عَلَى النَّاسِ﴾ أي: أهل زمانه، وكقوله لمريم: ﴿وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالمِينَ﴾، أي: في زمانها، فإن خديجة أفضل منها وكذا آسية بنت مزاحم امرأة فرعون، أو [¬١] مساوية لها في الفضل، وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام\".\nوقوله: ﴿وَآتَينَاهُمْ مِنَ الْآيَاتِ﴾، أي: الحجج والبراهين وخوارق العادات ﴿مَا فِيهِ بَلَاءٌ مُبِينٌ﴾، أي: اختبار ظاهر جليّ [¬٢] لمن اهتدى به.\n﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ لَيَقُولُونَ (٣٤) إِنْ هِيَ إلا مَوْتَتُنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ (٣٥) فَأْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣٦) أَهُمْ خَيرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ (٣٧)﴾\nيقول تعالى منكرًا على المشركين في إنكارهم البعث والمعاد، وأنه ما ثَمَّ إلا هذه الحياة الدنيا، ولا حياة بعد الممات، ولا بعث ولا نشور. ويحتجون بآبائهم الماضين الذين ذهبوا فلم يرجعوا، فإن كان البعث حقًّا ﴿فَأْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. وهذه حجة باطلة وشبهة فاسدة، فإن المعاد إنما هو يوم القيامة لا في هذه الدار، بعد انقضائها وذهابها وفراغها يعيد الله العالمين خلقًا جديدًا، ويجعل الظالمين لنار جهنم وقودًا، يوم تكونون [¬٣] شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدًا.\nثم قال تعالى متهددًا لهم، ومتوعدًا ومنذرًا لهم بأسه الذي لا يُرد، كما حل بأشباههم ونظرائهم من المشركين والمنكرين للبعث، وكقوم [¬٤] تبع -وهم سبأ- حيث أهلكهم الله\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"إما\".\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في ز، خ: \"تكونوا\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: وكقوم.","vol":"12","page":346},{"text":"وخَرّب بلادهم، وشرَّدهم في البلاد، وفرقهم شَذَر مَذَر، كما تقدم ذلك في سورة سبأ، وهي مُصَدّرة بإنكار المشركين للمعاد. وكذلك هاهنا شَبَّههم بأولئك، وقد كانوا عربًا من قحطان [كما أن] [¬١] هؤلاء عرب من عدنان، وقد كانت حمير -وهم سبأ- كلما مَلكَ فيهم رجل سموه تُبَّعًا، كما يقال: كسرى لمن ملك الفرس، وقيصر لمن ملك الروم، وفرعون لمن ملك مصر كافرًا، والنجاشي لمن ملك الحبشة، وغير ذلك من أعلام الأجناس.\nولكن اتفق أن بعض تبابعتهم خرج من اليمن وسار في البلاد حتى وصل إلى سمرقند، واشتد ملكه وعظم سلطانه وجيشه، واتسعت مملكته وبلاده، وكثرت رعاياه وهو الذي مَصَّر الحيرة فاتفق أنه مَرّ بالمدينة النبوية وذلك في أيام الجاهلية، فأراد قتال أهلها فمانعوه وقاتلوه بالنهار، وجعلوا يَقْرُونه بالليل، فاستحيا منهم وكَفّ عنهم، واستصحَبَ معه حَبْرين من أحبار يهود كانا قد نصحاه وأخبراه أنه لا سبيل له على هذه البلدة، فإنها مُهَاجَرُ نَبيّ يكون في آخر الزمان، فرجع عنها وأخذهما معه إلى بلاد اليمن، فلما اجتاز بمكة أراد هدم الكعبة فنهياه أيضًا، وأخبراه بعظمة هذا البيت، وأنه من بناية إبراهيم الخليل وأنه سيكون له شأن عظيم على يدي ذلك النبي المبعوث في آخر الزمان، فعظمها وطاف بها، وكساها المُلاء والوصائل والحَبِير. ثم كرّ راجعًا إلى اليمن ودعا أهلها إلى التهود معه، وكان إذ ذاك دين موسى ﵇ فيه من يكون على الهداية قبل بعثة المسيح ﵇ فتهود معه عامة أهل اليمن. وقد ذكر القصة بطولها الإِمام محمد بن إسحاق في كتابه \"السيرة\" (^١٨).\nوقد ترجمه الحافظ [ابن عساكر] في تاريخه ترجمة حافلة (^١٩)، أورد فيها أشياء كثيرة مما ذكرنا وما لم نذكر. وذكر أنه ملك دمشق، وأنه كان إذا استعرض الخيل صُفَّت له [الخيل] [¬٢] من دمشق إلى اليمن. ثم ساق من طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن ابن أبي ذئب، عن المقبري، عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: \"ما أدري الحدُود طهارة لأهلها أم لا؟ ولا أدري تُبَّع لَعينًا كان أم لا؟ ولا أدري ذو القرنين نبيًّا كان أم ملكًا؟ \" وقال غيره: \"أعزيزٌ كان نبيًّا أم لا؟ \". و[¬٣] كذا رواه ابن أبي حاتم، عن محمد بن حماد الطّهراني، عن عبد الرزاق (^٢٠).\n_________\n(^١٨) - السيرة النبوية (١/ ١٩).\n(^١٩) - تاريخ دمشق مخطوط (٣/ ٥٠٠).\n(^٢٠) - ورواه الحاكم في المستدرك (١/ ٣٦) من طريق عبد الرزاق به. ورواه أدو داود في سننه (٤٦٧٤) من طريق عبد الرزاق به إلا أنه قال: \"عزير\" بدل \"ذو القرنين\".\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"فإن\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من ت.\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.","vol":"12","page":347},{"text":"قال الدارقطني: تفرد به عبد الرزاق، ثم روى ابن عساكر من طريق محمد بن كريب، عن أبيه، عن ابن عباس ﵄ مرفوعًا: \"عُزير لا أدري أنبيًا كان أم لا؟ ولا أدري [ألعين تُبّع] [¬١] أم لا؟ \" (^٢١).\nثم أورد ما جاء في النهي عن سبه ولعنته كما سيأتي. وكأنه -والله أعلم- كان كافرًا ثم أسلم، وتابع دينَ الكليِم [¬٢] على يَدَي مَن كان من أحبار اليهود في ذلك الزمان على الحق قبل بعثة المسيح ﵇ وحج البيت في زمن الجُرهُميين، [وكساه الملاء والوصائل من الحرير والحبر ونحر عنده ست آلاف بدنة وعظمه وأكرمه. ثم عاد إلى] [¬٣] اليمن. وقد ساق قصته بطولها الحافظ ابن عساكر من طرق متعددة مطولة مبسوطة عن أبي بن كعب، وعبد الله بن سَلام، وعبد الله بن عباس، وكعب الأحبار. داليه المرجع في ذلك كله، وإلى عبد الله بن سلام أيضًا، وهو أثبت وأكبر وأعلم.\nوكذا روى قصته وهب بن مُنَبه، ومحمد بن إسحاق في \"السيرة\" كما هو مشهور فيها. وقد اختلط على الحافظ ابن عساكر في بعض السياقات ترجمة تُبَّع هذا [¬٤] بترجمة آخر [¬٥] متأخر عنه بدهر طويل، فإن تُبَّعًا هذا المشارَ إليه في القرآن أسلم قومه على يديه، ثم لما مات عادوا بعده إلى عبادة الأصنام والنيران، فعاقبهم الله تعالى كما ذكر [¬٦] في سورة سبأ، وقد بسطنا قصتهم هنالك، ولله الحمد والمنة.\nوقال سعيد بن جبير: كسا تبع الكعبة، وكان سعيد ينهى عن سبه.\nوتُبَّع هذا هو تُبَّع الأوسط، واسمه أسعد أبو كريب بن مَلْكيكَرب اليماني، ذكروا أنه ملك على قومه ثلاثمائة سنة وستًّا [¬٧] وعشرين سنة، ولم يكن في حمير أطول مُدّة منه، وتوفي قبل مبعث رسول الله ﷺ بنحو من سبعمائة عام. وذكروا أنه لما ذكر له الحَبْران من يهود المدينة أن هذه البلدة [¬٨] مُهاجَرُ [نبي في آخر الزمان] [¬٩]، اسمه أحمد، قال في ذلك شعرًا واستودعه عند أهل المدينة. وكانوا يتوارثونه ويَرْوُنه خلفًا عن سلف. وكان ممن يحفظه\n_________\n(^٢١) - تاريخ دمشق (٣/ ٥٠١) مخطوط.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ز: \"ألعن تتبعًا\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"الخليل\". وفي هامش ز: لعله الكليم.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- في ت: \"ذكره\".\n[¬٧]- في ز، خ: \"وستة\".\n[¬٨]- في ز، خ: \"المدينة\".\n[¬٩]- ما بين المعكوفتين في ت: \"نبي آخر في الزمان\".","vol":"12","page":348},{"text":"أبو أيوب خالد بن زيد الذي نزل رسول الله ﷺ في داره، وهو:\nشَهِدْتُ عَلَى أحْمَدَ أنَّه … رَسُولٌ مِنَ اللَّه بَاري النَّسَمْ\nفَلَو مُدّ عُمْري إلَى عُمْره … لَكُنْتُ وَزيرًا له وابنَ عَمْ\nوَجَاهَدْتُ بالسَّيف أعْدَاءَهُ … وَفَرّجتُ عَنْ صَدْره كُلّ غَمْ\nوذكر ابن أبي الدنيا، أنه حُفر قبر بصنعاء في الإِسلام، فوجدوا فيه امرأتين صحيحتين، وعند رءوسهما لوح من فضة مكتوب فيه بالذهب: هذا قبر حبي ولميس -ورُوي: حبي وتماضر- ابنتي تبع، ماتتا وهما تشهدان [¬١] أن لا إله إلا الله ولا تشركان [¬٢] به شيئًا، وعلى ذلك مات الصالحون قبلهما.\nوقد ذكرنا في سورة \"سبأ\" شعر سبأ في ذلك أيضًا.\nقال قتادة: ذكر لنا أن كعبًا كان يقول في تبع: نُعِتَ نعت الرجل الصالح، ذم الله تعالى قومه ولم يذمه. قال: وكانت عائشة تقول: لا تسبوا تُبَّعًا فإنه قد كان رجلًا صالحًا.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا صفوان، حدثنا الوليد، حدثنا عبد الله بن لَهِيعة، عن أبي زُرْعة -يعني عمرو بني جابر الحضرمي- قال [¬٣]: سمعت سهل بن سعد الساعدي يقول: قال رسول الله ﷺ: \"لا تسبوا تبعًا فإنه قد كان أسلم\".\nورواه الإمام أحمد في مسنده عن حسن بن موسى، عن ابن لهيعة به (^٢٢).\nوقال الطبراني: حدثنا أحمد بن علي الأبار، حدثنا أحمد بن محمد بن أبي بَزّة [¬٤]، حدثنا مؤمل بن إسماعيل، حدثنا سفيان، عن سماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: \"لا تسبوا تبعًا فإنه قد أسلم\" (^٢٣).\nوقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن ابن أبي ذئب، عن المقبري، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"ما أدري تبع نبيًّا كان أم غير نبي؟ \".\nوتقدم بهذا السند من رواية ابن أبي حاتم، كما أورده ابن عساكر: \"لا أدري تبع كان لعينًا أم لا؟ \". فالله أعلم.\n_________\n(^٢٢) - المسند (٥/ ٣٤٠).\n(^٢٣) - المعجم الكبير (١١/ ٢٩٦) وقال الهيثمي: فيه أحمد بن أبي بزة المكي، ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"يشهدان\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"يشر كان\".\n[¬٣]- سقط من: خ.\n[¬٤]- في خ: \"برزة\".","vol":"12","page":349},{"text":"ورواه ابن عساكر من طريق زكريا بن يحيى البَدِيّ [¬١]، عن عكرمة، عن ابن عباس موقوفًا.\nوقال عبد الرزاق: أخبرنا عمران أبو الهذيل، أخبرني تميم بن عبد الرحمن قال: قال عطاء بن أبي رباح: لا تسبوا تبعًا، فإن رسول الله ﷺ نهى عن سبِّه (^٢٤).\n﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَينَهُمَا لَاعِبِينَ (٣٨) مَا خَلَقْنَاهُمَا إلا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٣٩) إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ (٤٠) يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيئًا وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤١) إلا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٤٢)﴾\nيقول تعالى مخبرًا عن عَدْله وتنزيهه [¬٢] نَفْسَه [¬٣] عن اللعب والعبث والباطل، كقوله: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَينَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ وقال: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَينَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥) فَتَعَالى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إلا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾. ثم قال: ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ﴾ وهو يوم القيامة، يفصل الله فيه بين الخلائق، فيعذب الكافرين ويثيب المؤمنين.\nوقوله: ﴿مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾، أي: يجمعهم كلَّهم أولهم وآخرهم، ﴿يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيئًا﴾ أي: لا ينفع قريب قريبًا، كقوله: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَينَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ [وكقوله ﴿وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا (١٠) يُبَصَّرُونَهُمْ﴾] [¬٤] أي: لا يسأل أخًا له عن حاله وهو يراه عيانًا.\nوقوله: ﴿وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ أي: لا ينصر القريب قريبه، ولا يأتيه نصره من الخارج [¬٥].\nثم قال: ﴿إلا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ﴾، أي: لا ينفع يومئذ إلا مَن ﵀ ﷿ لخلقه ﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾، أي: هو عزيز ذو رحمة واسعة.\n﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ (٤٣) طَعَامُ الْأَثِيمِ (٤٤) كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ\n_________\n(^٢٤) - تفسير عبد الرزاق (٢/ ١٧١).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"المدني\".\n[¬٢]- سقط من: خ.\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- زيادة من: ز.\n[¬٥]- في ز: \"خارج\".","vol":"12","page":350},{"text":"(٤٥) كَغَلْيِ الْحَمِيمِ (٤٦) خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ (٤٧) ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ (٤٨) ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (٤٩) إِنَّ هَذَا مَا كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ (٥٠)﴾\nيقول تعالى مخبرًا عما يعذّب به الكافرين الجاحدين للقائه: ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ (٤٣) طَعَامُ الْأَثِيمِ﴾، والأثيم: أي في قوله وفعله، وهو الكافر، وذكر غير واحد أنه أبو جهل، ولا شك في دخوله في هذه الآية، ولكن ليست خاصة به.\nقال ابن جرير: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا عبد الرحمن، حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن هَمَّام بن الحارث: أن أبا الدرداء كان يقرئ رجلًا: [﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ (٤٣) طَعَامُ] [¬١] [الْأَثِيمِ﴾، فقال: طعام اليتيم. فقال أبو الدرداء قل] [¬٢]: [إن شجرة الزقوم] [¬٣] طعام الفاجر. أي: ليس له طعام من غيرها. قال مجاهد: ولو وقعت منها قطرة في الأرض لأفسدت على أهل الأرض معايشهم. وقد تقدم نحوه مرفوعًا.\nوقوله: ﴿كَالْمُهْلِ﴾ قالوا: كعكر [¬٤] الزيت، ﴿يَغْلِي فِي الْبُطُونِ (٤٥) كَغَلْيِ الْحَمِيمِ﴾، أي: من حرارتها ورداءتها، وقوله ﴿خُذُوهُ﴾، أي: الكافر، وقد ورد أنه تعالى إذا قال للزبانية: ﴿خُذُوهُ﴾ ابتدره سبعون ألفًا منهم.\n﴿فَاعْتِلُوهُ﴾ أي: سوقوه سحبًا ودفعًا في ظهره [¬٥].\nقال مجاهد: ﴿خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ﴾ أي: خذوه فادفعوه.\nوقال الفرزدق:\nلَيسَ الكِرَامُ بِنَاحِلِيكَ أبَاهُمُ … حَتَّى تُرَدّ [¬٦] إلَى عَطيَّة تُعْتَلُ\n﴿إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾، أي: وسطها، ﴿ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ﴾، كقوله: ﴿يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ (١٩) يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ﴾ وقد تقدم أن الملَكَ يضربه بمقْمعَة من حديد، فيفتح [¬٧] دماغه ثم يصب الحميم على رأسه فينزل في بدنه،\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n[¬٤]- في ت: \"كعقر\".\n[¬٥]- في ت: \"صدره\".\n[¬٦]- في ز، خ: \"يرَدّ\".\n[¬٧]- في ت: \"تفتح\".","vol":"12","page":351},{"text":"فيسلت ما في بطنه من أمعائه، حتى تَمرُق من كعبيه -أعَاذنا الله تعالى من ذلك-!.\nوقوله: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ أي: قولوا [¬١] له ذلك على وجه التهكم والتوبيخ.\nو[¬٢] قال الضحاك: عن ابن عباس: أي لست بعزيز و[¬٣] لا كريم.\nوقد قال الأموي في \"مغازيه\": حدثنا أسباط، حدثنا أبو بكر الهُذَلي، عن عكرمة قال: لقي رسول الله ﷺ أبا جهل -لعنه الله! - فقال: \"إن الله تعالى أمرني أن أقول لك: ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٤) ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾. قال: فنزع ثوبه من يده وقال: ما تستطيع لي أنت ولا صاحبك من شيء. ولقد علمت أني أمنعُ أهل البطحاء، وأنا العزيز الكريم. قال: فقتله الله تعالى يوم بدر وأذله وعَيّره بكلمته، وأنزل: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾.\nوقوله: ﴿إِنَّ هَذَا مَا كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ﴾، كقوله: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا (١٣) هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (١٤) أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ﴾. ولهذا [¬٤] قال هاهنا: ﴿إِنَّ هَذَا مَا كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ﴾.\n﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ (٥١) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٢) يَلْبَسُونَ مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقَابِلِينَ (٥٣) كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (٥٤) يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ (٥٥) لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إلا الْمَوْتَةَ الْأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (٥٦) فَضْلًا مِنْ رَبِّكَ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٥٧) فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٥٨) فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ (٥٩)﴾\nلما ذكر تعالى حال الأشقياء عطف بذكر السعداء -ولهذا سُمَّي القرآن مثاني- فقال: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ﴾، أي: لله في الدنيا ﴿فِي مَقَامٍ أَمِينٍ﴾. أي: في الآخرة وهو الجنة، قد أمنوا فيها من الموت والخروج، ومن كل هم وحزن وجزع وتعب ونصب، ومن الشيطان وكيده، وسائر الآفات والمصائب ﴿فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾. وهذا في مقابلة ما أولئك فيه من شَجَر الزقوم، وشرب الحميم.\n_________\n[¬١]- في ت: \"قل\".\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- في ت: \"وكهذا\".","vol":"12","page":352},{"text":"وقوله تعالى: ﴿يَلْبَسُونَ مِنْ سُنْدُسٍ﴾، وهو: رفيع الحرير، كالقمصان ونحوها، ﴿وَإِسْتَبْرَقٍ﴾، وهو: مافيه بريق ولمعان وذلك كالرياش، وما يلبس على أعالي القماش. ﴿مُتَقَابِلِينَ﴾، أي: على السرر، لا يجلس أحد منهم وظهره إلى غيره.\nوقوله: ﴿كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ﴾، أي: هذا العطاء مع ما قد منحناهم من الزوجات الحور العين الحسان اللاتي ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ﴾، ﴿كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ﴾، ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إلا الْإِحْسَانُ﴾.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا نوح بن حبيب، حدثنا نَصر [¬١] بن مُزاحم العَطَّار، حدثنا عمر بن سعد، عن رجل، عن أنس -رفعه نوح- قال: \"لو أن حوراء بزقت في بحر لُجيّ، لعذب ذلك الماء لعذوبة ريقها (^٢٥).\nوقوله: ﴿يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ﴾، أي: مهما طلبوا من أنواع الثمار أحضر لهم، وهم آمنون من انقطاعه وامتناعه، بل يحضر لهم [¬٢] كلما أرادوا.\nوقوله: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إلا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾، هذا الاستثناء يؤكد النفي، فإنه استثناء منقطع، ومعناه: أنهم لا يذوقون فيها الموت أبدًا. كما ثبت في الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال: \"يؤتى بالموت في صورة كبش أملح، فيوقف بين الجنة والنار ثم يذبح، ثم يقال: يا أهل الجنة؛ خلود فلا موت، ويا أهل النار، خلود فلا موت\".\nوقد تقدم الحديث في سورة مريم (^٢٦).\nوقال عبد الرزاق: حدثنا سفيان الثوري، عن أبي إسحاق، عن أبي [¬٣] مسلم الأغر، عن أبي سعيد وأبي هريرة ﵄ قالا: قال رسول الله ﷺ: \"يقال لأهل الجنة: إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبدًا، وإن لكم أن تعيشوا فلا تموتوا أبدًا، وإن لكم أن تنعموا فلا تبأسوا أبدًا، وإن لكم أن تَشِبّوا فلا تهرموا أبدًا\". رواه مسلم، عن إسحاق بن راهوية وعبد بن حُمَيد، كلاهما عن عبد الرزاق به [¬٤] (^٢٧).\n_________\n(^٢٥) - ورواه أبو نعيم في صفة الجنة (٣٨٦) من وجه آخر، فرواه من طريق محمد بن إسماعيل الحساني عن منصور الواسطي عن أبي نصر الآبار عن أنس مرفوعًا بنحوه.\n(^٢٦) - تقدم عند الآية (٣٩) من سورة مريم.\n(^٢٧) - مسلم (٢٨٣٧).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"نعمة\".\n[¬٢]- في ت: \"إليهم\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"ابن\".\n[¬٤]- سقط من ت.","vol":"12","page":353},{"text":"هكذا يقول أبو إسحاق وأهل العراق: \"أبو مسلم الأغر\". وأهل المدينة يقولون: \"أبو عبد الله الأغر\".\nوقال أبو بكر بن أبي داود السجستاني: حدثنا أحمد بن حفص، عن أبيه، عن إبراهيم ابن [¬١] طَهْمَان، عن الحجاج -هو: ابن حجاج-، عن عبادة، عن عبيد الله بن عمرو، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"من اتقى الله دخل الجنة، ينعم فيها ولا ييأس، ويحيا فيها فلا يموت، لا تبلى ثيابه ولا يفنى شبابه\" (^٢٨).\nوقال أبو القاسم الطبراني: حدثنا أحمد بن يحيى، حدثنا عمرو بن محمد [¬٢] الناقد، حدثنا سليمان بن عبيد [¬٣] الله الرقي، حدثنا مصعب بن إبراهيم، حدثنا عمران بن الربيع الكوفي، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن محمد بن المنكدر، عن جابر ﵁ قال: سُئل نَبيّ الله ﷺ: أينام أهل الجنة؟ فقال: \"النوم أخو الموت، وأهل الجنة لا ينامون\" (^٢٩).\nوهكذا رواه. أبو بكر بن مَرْدُويه في تفسيره: حدثنا أحمد بن القاسم بن صدقة المصري، حدثنا المقدام بن داود، حدثنا عبد الله بن المغيرة، حدثنا سفيان الثوري، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: \"النوم أخو الموت، وأهل الجنة لا ينامون\" (^٣٠).\nوقال أبو بكر البزار في مسنده: حدثنا الفضل بن يعقوب، حدثنا محمد بن يوسف الفريابي، عن سفيان، عن محمد بن المنكدر، عن جابر قال: قيل [¬٤]: يا رسول الله، هل ينام أهل الجنة؟ قال: \"لا، النوم أخو الموت\". ثم قال: لا نعلم أحدًا أسنده عن ابن المنكدر عن جابر إلا الثوري، ولا عن الثوري، إلا الفرْيابي (^٣١). هكذا قال: وقد تقدم خلاف ذلك، والله أعلم.\n_________\n(^٢٨) - ورواه الطبراني في الأوسط (٤٨٩٥) مجمع البحرين.\n(^٢٩) - مجمع البحرين (٤٨٧٥).\n(^٣٠) - ورواه أبو نعيم في الحلية (٧/ ٩٠) من طريق أحمد بن القاسم، عن المقدام بن داود به. وقال: غريب من حديث الثوري، تفرد به عبد الله.\n(^٣١) - كشف الأستار (٣٥١٧) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٤١٥): رجال البزار رجال الصحيح.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"عن\".\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في ز، خ: عبد.\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.","vol":"12","page":354},{"text":"وقوله: ﴿وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾، أي: مع هذا النعيم العظيم المقيم قَد وَقاهم، وسلمهم ونجاهم وزحزحهم من العذاب الأليم في دَركات الجحيم، فحصل لهم المطوب، ونجاهم من المرهوب، ولهذا قال: ﴿فَضْلًا مِنْ رَبِّكَ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾، أي: إنما كان هذا بفضله عليهم وإحسانه إليهم، كما ثبت في الصحيح عن رسول الله ﷺ أنه قال: \"اعملوا وسددوا وقاربوا، واعلموا أن أحدًا لن يُدخِلَه عملُه الجنة\". قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: \"ولا أنا، إلا أن يَتَغمّدني الله برحمة منه وفضل\" (^٣٢).\nوقوله: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾، أي: إنما يسرنا هذا القرآن الذي أنزلناه سهلًا واضحًا بينًا جليًّا بلسانك الذي هو أفصح اللغات وأجلاها وأحلاها وأعلاها ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾، أي [¬١]: يتفهمون ويعملون.\nثم لما كان مع هذا البيان والوضوح من الناس مَنْ كفر وخالف وعاند، قال الله تعالى لرسوله [مسليًا له وواعدًا] [¬٢] له بالنصر، ومتوعدًا لمن كذبه بالعطب والهلاك: ﴿فَارْتَقِبْ﴾، أي: انتظر ﴿إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ﴾، أي: فسيعلمون [¬٣] لمن يكون النصر [¬٤] والظفر وعُلُوّ الكلمة في الدنيا والآخرة، فإنها لك يا محمد ولإخوانك من النبيين والمرسلين ومن اتبعكم من المؤمنين، كما قال تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَويٌّ عَزِيزٌ﴾، وقال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (٥١) يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾.\n[آخر تفسير سورة الدخان. ولله الحمد والمنة، وبه التوفيق والعصمة] [¬٥].\n* * *\n_________\n(^٣٢) - صحيح البخاري (٦٤٦٧) من حديث عائشة.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز: \"ووعدًا\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"فستعلمون\".\n[¬٤]- في خ: \"النصرة\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"12","page":355},{"text":"<span data-type='title' id=toc-164>تفسير سورة الجاثية وهي مكية</span>\n﷽\n﴿حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (٢) إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ (٣) وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٤) وَاخْتِلَافِ اللَّيلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٥)﴾\nيُرشدُ تعالى خَلْقه إلى التفكر في آلائه ونعَمه، وقدرته العظيمة التي خلق بها السموات والأرض، وما فيهما من المخلوقات المختلفة الأجناس والأنواع، من الملائكة والجن والإنس، والدواب والطيور والوحوش والسباع والحشرات، وما في البحر من الأصناف المتنوعة، واختلاف الليل والنهار، في تعاقبهما دائبين لا يفتران، هذا بظلامه وهذا بضيائه، وما أنزل الله تعالى من السحاب من المطر في وقت الحاجة إليه، وسماه رزقًا لأن به يحصل الرزق، ﴿فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾، أي: بعد ما كانت هامدة لا نَبات فيها ولا شيء.\nوقوله: ﴿وتصريف الرياح﴾ أي: جنوبًا، وشآمًا [¬١]، ودبورًا وصبًا، بحرية وبرية، ليلية ونهارية. ومنها ما هو للمطر، ومنها ما هو للقاح، ومنها ما هو غذاء الأرواح، ومنها ما هو عقيم.\nوقال أولًا: ﴿لآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾، ثم ﴿يُوقِنُونَ﴾ ثم ﴿يَعْقِلُونَ﴾، وهو تَرَق من حال شريف إلى ما هو أشرف منه وأعلى. وهذه الآيات شبيهة بآية \"البقرة\" وهي قوله: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَينَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾.\nقد أورد ابن أبي حاتم هاهنا عن وهب بن منبه أثرًا طويلًا غريبًا في خلق الإنسان من الأخلاط الأربعة.\n﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ (٦) وَيلٌ\n_________\n[¬١]- في خ: \"وشمالًا\".","vol":"12","page":357},{"text":"لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٧) يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٨) وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آيَاتِنَا شَيئًا اتَّخَذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (٩) مِنْ وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ وَلَا يُغْنِي عَنْهُمْ مَا كَسَبُوا شَيئًا وَلَا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠) هَذَا هُدًى وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ (١١)﴾\nيقول تعالى: هذه آيات الله -يعني القرآن بما فيه من الحجج والبينات- ﴿نَتْلُوهَا عَلَيكَ بِالْحَقِّ﴾، أي: متضمنة الحق من الحق، فإذا كانوا لا يؤمنون بها ولا ينقادون لها، فبأي حديث بعبد الله وآياته يؤمنون؟! ثم قال: ﴿وَيلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾، أي: أفاك في قوله كذاب، حلاف مهين أثيم في فعله وَقيلهِ كافر بآيات الله، ولهذا قال: ﴿يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيهِ﴾، أي: تقرأ عليه ﴿ثُمَّ يُصِرُّ﴾، أي: على كفره وجُحُوده استكبارًا وعنادًا ﴿كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا﴾، أي: كأنه ما سمعها، ﴿فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ أي [¬١] فأخبره أن له عند الله يوم القيامة عذابًا أليمًا موجعًا.\n﴿وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آيَاتِنَا شَيئًا اتَّخَذَهَا هُزُوًا﴾. أي: إذا حفظ شيئًا من القرآن كفر به واتخذه سخريًّا وهُزُوًا، ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾، أي: في مقابلة ما استهان بالقرآن واستهزأ به؛ ولهذا روى مسلم في صحيحه عن ابن عمر (^١) قال: نهى [¬٢] رسول الله ﷺ أن يُسَافرَ بالقرآن إلى أرض العدو مخافةَ أن يناله العدو.\nثم فسر العذاب الحاصل له يوم معاده فقال: ﴿مِنْ وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ﴾، أي: كل من اتصف بذلك سيصيرون إلى جهنم يوم القيامة، ﴿وَلَا يُغْنِي عَنْهُمْ مَا كَسَبُوا شَيئًا﴾، أي: لا تنفعهم أموالهم ولا أولادهم، ﴿وَلَا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ﴾، أي: ولا تغنى عنهم الآلهة التي عبدوها من دون الله شيئًا، ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾.\nثم قال تعالى: ﴿هَذَا هُدًى﴾، يعني القرآن، ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ﴾. وهو المؤلم [¬٣] الموجع.\n_________\n(^١) - صحيح مسلم حديث (١٨٦٩).\n_________\n[¬١]- زيادة من: ز.\n[¬٢]- في خ: \"نبئ\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"المقلق\".","vol":"12","page":358},{"text":"﴿اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢) وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (١٣) قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٤) مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيهَا ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (١٥)﴾\nيذكر تعالى نِعَمه على عبيده فيما سخر لهم من البحر ﴿لتجري الفلك﴾، وهي السفن فيه بأمره تعالى، فإنه هو الذي أمر البحر أن يحملها ﴿وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾، أي: في المتاجر والمكاسب، ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾، أي: على حصول المنافع المجلوبة إليكم من الأقاليم النائية والآفاق القاصية.\nثم قال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ أي: من الكواكب والجبال، والبحار والأنهار، وجميع ما تنتفعون به، أي [¬١]: الجميع من فضله وإحسانه وامتنانه؛ ولهذا قال: ﴿جَمِيعًا مِنْهُ﴾ أي: من عنده وحده لا شريك له في ذلك، كما قال تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾.\nوروى ابن جرير من طريق العَوفي، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾: كل شيء هُو من الله، وذلك الاسم فيه [¬٢] اسم من أسمائه، فذلك [¬٣] جميعًا منه، ولا ينازعه فيه المنازعون، واستيقن [¬٤] أنه كذلك.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن خلف العسقلاني، حدثنا الفريابي، عن سفيان، عن الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن أبي أراكة قال: سأل رجل عبد الله بن عَمرو قال [¬٥]: ممّ خُلق الخلق؟ قال: من النور والنار، والظلمة والثرى. قال: [وأتِ] [¬٦] ابن عباس فاسأله. فأتاه فقال له مثل ذلك، فقال: ارجع إليه فسله: مم خلق ذلك كله؟ فرجع إليه فسأله، فتلا: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾. هذا أثر غريب، وفيه نكارة. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾.\nوقوله: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ﴾ أي: يصفحوا عنهم\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في ز، خ: \"منه\".\n[¬٣]- في ز: \"وذلك\".\n[¬٤]- في ز، خ: \"واستبين\".\n[¬٥]- سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- في ز، خ: ائت.","vol":"12","page":359},{"text":"ويحملوا الأذى منهم. وهذا كان في ابتداء الإسلام، أمروا أن يصبروا على أذى المشركين وأهل الكتاب، ليكون ذلك لتأليف قلوبهم، [ثم لما] [¬١] أصروا على العناد شَرَع الله للمؤمنين الجِلاد والجهَادَ. هكذا رُوي عن ابن عباس، وقتادة.\nوقال مجاهد: ﴿لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ﴾: لا ينالون [¬٢] نعم الله.\nوقوله: ﴿لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ أي [¬٣]: إذا صفحوا عنهم في الدنيا فإن الله مجازيهم بأعمالهم السيئة في الآخرة؛ ولهذا قال: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيهَا ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ أي: تعودون إليه يوم القيامة فتعرضون بأعمالكم، فيجازيكم [¬٤] بأعمالكم خيرها وشرها.\n﴿وَلَقَدْ آتَينَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالمِينَ (١٦) وَآتَينَاهُمْ بَيِّنَاتٍ مِنَ الْأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إلا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَينَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَينَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١٧) ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (١٨) إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ (١٩) هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٢٠)﴾\nيذكر تعالى ما أنعم به على بني إسرائيل من إنزال الكتب عليهم وإرسال الرسل إليهم، وجَعْله الملك فيهم؛ ولهذا قال: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ أي: من المآكل والمشارب، ﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ أي: في زمانهم، ﴿وَآتَيْنَاهُمْ بَيِّنَاتٍ مِنَ الْأَمْرِ﴾ أي: حُججًا وبراهين وأدلة قاطعات، فقامت عليهم الحُجَج، ثم اختلفوا بعد ذلك من بعد قيام الحجة، وإنما كان ذلك بَغيًّا منهم على بعضهم بعضًا، ﴿إِنَّ رَبَّكَ﴾ [يا محمد] [¬٥] يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ أي: سيفصل\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"فلما\".\n[¬٢]- في ت: \"يبالون\".\n[¬٣]- سقط من: خ.\n[¬٤]- في ت: \"فيجزيكم\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"12","page":360},{"text":"بينهم بحكمه العدل.\nوهذا فيه تحذير لهذه الأمة أن تسلك مسلكهم، وأن تقصد منهجهم، ولهذا قال: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا﴾ أي: اتبع ما أوحي إليك من ربك لا إله إلا هو، وأعرض عن المشركين.\nوقال هاهنا: ﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (١٨) إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ أي: وماذا تغني عنهم وَلَايتهم لبعضهم بعضًا، فإنهم لا يزيدُونهم إلا خسارًا ودمارًا وهلاكًا، ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ﴾، وهو تعالى يخرجهم من الظلمات إلى النور، والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات.\nثم قال: ﴿هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ﴾، يعني: القرآن، ﴿وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾.\n﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (٢١) وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٢٢) أَفَرَأَيتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٢٣)﴾\nيقول تعالى: لا يستوي المؤمنون والكافرون، كما قال: ﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾، وقال هاهنا: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ﴾ أي: عملوها وكسبوها ﴿أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ﴾ أي: نساويهم بهم في الدنيا والآخرة! ﴿سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ أي: ساء ما ظنوا بنا وبعدلنا أن نُسَاويَ بين الأبرار والفجار في الدار الآخرة، وفي هذه الدار.\nقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا مُؤمل بن إهاب، حدثنا بكير بن عثمان التنوخي، حدثنا الوَضِين بن عطاء، عن يزيد بن مرثد الصنعاني [¬١]، عن أبي ذر ﵁ قال: إن الله بنى دينه على أربعة أركان، فمن صبر عليهن ولم يعمل بهن لقي الله في الفاسقين. قيل: وما هن يا أبا ذر؟ قال: يسلم [¬٢] حلال الله لله، وحرام الله لله، [وأمر الله لله] [¬٣]، ونهي\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"الناجى\". وفي ت: الباجي.\n[¬٢]- في ز، خ: \"تسلم\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.","vol":"12","page":361},{"text":"الله لله، لا يؤتمن عليهن إلا الله. قال أبو القاسم ﷺ: \"كما أنه لا يُجتنى [¬١] من الشوك العنب، كذلك لا ينال الفجار منازل الأبرار\" (^٢).\nهذا حديث غريب [¬٢]. من هذا الوجه. وقد ذكر محمد بن إسحاق في كتاب \"السيرة\" (^٣) أنهم وجدوا حجرًا بمكة في أسِّ الكعبة مكتوبًا عليه: تعملون السيئات وترجون الحسنات؟ أجل كما يجتنى من الشوك العنب.\nوقد روى الطبراني (^٤) من حديث شعبة، عن عمرو بن مُرّة، عن أبي الضحى، عن مَسروُق: أن تميمًا الداريّ قام ليلة حتى أصبح يرُدّد هذه الآية: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾. ولهذا قال تعالى: ﴿سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾، وقال] [¬٣]: ﴿وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾ أي: بالعدل، ﴿وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾.\nثم قال: ﴿أَفَرَأَيتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ أي: إنما يأتمر بهواه، فمهما رآه حسنًا فعله، ومهما رآه قبيحًا تركه. وهذا قد يستدل به على المعتزلة في قولهم بالتحسين والتقبيح العقليين. وعن مالك -فيما روي عنه من التفسير-: لا يهوى شيئًا إلا عَبَدَهُ.\nوقوله: ﴿وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾، يحتمل قولين:\nأحدهما: وأضله الله لعلمه أنه يستحق ذلك. والآخر [¬٤]: وأضله الله بعد بلوغ العلم إليه، وقيام الحجة عليه. والثاني يستلزم الأول، ولا ينعكس.\n﴿وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً﴾ أي: فلا يسمع ما ينفعه، ولا يعي شيئًا يهتدي به، ولا يرى حجة يستضيء بها، ولهذا قال: ﴿فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾، كقوله: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾.\n﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إلا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إلا يَظُنُّونَ (٢٤) وَإِذَا تُتْلَى عَلَيهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إلا أَنْ قَالُوا ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٥) قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ\n_________\n(^٢) - ورواه أحمد بن منيع، انظر المطالب العالية (٣٤٥٦، ٣٤٥٧).\n(^٣) - السيرة النبوية (١/ ١٩٦).\n(^٤) - المعجم الكبير (٢/ ٥٠).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"يخشى\".\n[¬٢]- بياض في ز، خ.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.","vol":"12","page":362},{"text":"الْقِيَامَةِ لَا رَيبَ فِيهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٢٦)﴾\nيخبر تعالى عن قول الدهرية من الكفار ومن وافقهم من مشركي العرب في إنكار المعاد: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا﴾ أي: ما ثَمّ إلا هذه الدار، يموت قوم ويعيش آخرون، وما ثَمَّ معاد ولا قيامة. وهذا يقوله مشركو العرب المنكرون للمعاد، ويقوله الفلاسفة الإلهيون منهم، وهم ينكرون البدَاءة والرجعة، ويقوله الفلاسفة الدهرية الدّورية المنكرون للصانع المعتقدون أن في كل ستة وثلاثين ألف سنة يعود كل شيء إلى ما كان عليه. وزعموا أن هذا قد تكرر مرات لا تتناهى، فكابروا المعقول وكذبوا المنقول، ولهذا قالوا: ﴿وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ قال الله تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾، أي: يتوهمون ويتخيلون.\nفأما الحديث الذي أخرجه صاحبا الصحيح، وأبو داود، والنسائي، من رواية سفيان بن عُيَينة، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"يقول الله تعالى: يؤذيني ابن آدم، يسب الدهر وأنا الدهر، بيدي الأمر، أقلب ليله ونهاره\" (^٥). وفي رواية: \"لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر\" (^٦).\nوقد أورده ابن جرير بسياق غريب جدًّا فقال: حدثنا أبو كريب، حدثنا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: \"كان أهل الجاهلية يقولون: إنما يهلكنا الليل والنهار، وهو الذي يهلكنا، يميتنا ويحيينا، فقال الله في كتابه: ﴿وَقَالُوا [¬١] مَا هِيَ إلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إلا الدَّهْرُ﴾. قال [¬٢]: \"ويسبون الدهر، فقال الله ﷿: يؤذيني ابن آدم، يسب الدهر وأنا الدهر، بيدي الأمر أقلب الليل والنهار\" (^٧).\nوكذا رواه ابن أبي حاتم، عن أحمد بن منصور، عن سُريج بن النعمان، عن ابن عيينة، مثله. ثم روى عن يونس، عن ابن وهب [] [¬٣] عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"قال الله تعالى: يسبّ ابن آدم الدهر\n_________\n(^٥) - البخاري (٤٨٢٦)، وصحيح مسلم (٢٢٤٦) وسنن أبي داود (٥٢٧٤) والنسائي في الكبرى (١١٦٨٧).\n(^٦) - صحيح مسلم (٢٢٤٦).\n(^٧) - تفسير الطبري (٢٥/ ٩٢).\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"عن يونس\".","vol":"12","page":363},{"text":"وأنا الدهر، بيدي الليل والنهار\".\nوأخرجه صاحبا الصحيح والنسائي من حديث يونس بن يزيد [¬١] به (^٨).\nوقال محمد بن إسحاق، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: \" [يقول الله] [¬٢]: استقرضت عبدي فلم يعطني، وسبني عبدي يقول: وادهراه وأنا الدهر\" (^٩).\nقال الشافعي وأبو عبيد [¬٣] وغيرهما من الأئمة في تفسير قوله ﵊: \"لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر\": كانت العرب في جاهليتها إذا أصابهم شدة أو بلاء أو نكبة، قالوا: يا خيبة الدهر. فيسندون تلك الأفعال إلى الدهر ويسبونه، وإنما فاعلها هو الله، فكأنهم إنما سبوا الله ﷿ لأنه فاعل ذلك في الحقيقة، فلهذا نُهِيَ عن سب الدهر بهذا الاعتبار؛ لأن الله هو الدهر الذي يعنونه ويسندون إليه تلك الأفعال.\nهذا أحسن ما قيل في تفسيره، وهو المراد، والله أعلم. وقد غَلِطَ ابن حزم ومن نحا نحوه من الظاهرية في عدّهم الدهر من الأسماء الحسنى، أخذًا من هذا الحديث!\nوقوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ﴾ أي: إذا استُدِلّ عليهم وبُيّن لهم الحق، وأن الله قادر على إعادة الأبدان بعد فنائها وتفرقها، ﴿مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إلا أَنْ قَالُوا ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ أي: أحيوهم إن كان ما تقولونه حقًّا. قال اللَّه تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ﴾ أي: كما تشاهدون ذلك، يخرجكم [¬٤] من العدم إلى الوجود، ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ أي: الذي قدر على البداءة قادر على الإعادة بطريق الأولَى والأخرَى. ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾، ﴿ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ أي: إنما يجمعكم ليوم القيامة لا يعيدكم في الدنيا حتى تقولوا: ﴿ائتوا بآبائنا [إن كنتم صادقين] [¬٥]﴾، ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ﴾ ﴿لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ (١٢) لِيَوْمِ الْفَصْلِ﴾. ﴿وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ﴾. وقال هاهنا: ﴿ثم [¬٦] يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ أي: لا شك فيه، ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أي: فلهذا ينكرون المعاد، ويستبعدون قيام الأجساد. قال الله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ\n_________\n(^٨) - صحيح البخاري (٦١٨١)، وصحيح مسلم (٢٢٤٦) النسائي في الكبرى (١١٦٨٦).\n(^٩) - تفسير الطبري (٢٥/ ٩٢).\n_________\n[¬١]- في ت: \"زيد\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في ت: \"عبيدة\".\n[¬٤]- في ز، خ: \"بخروجكم\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- في ز: \"يوم\".","vol":"12","page":364},{"text":"﴿يَرَوْنَهُ بَعِيدًا (٦) وَنَرَاهُ قَرِيبًا﴾ أي: يرون وقوعه بعيدًا والمؤمنون يرون ذلك سهلًا قريبًا.\n﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ (٢٧) وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٨) هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٩) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾\nيخبر تعالى أنه مالك السموات والأرض، الحاكم فيهما في الدنيا والآخرة؛ ولهذا قال: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ﴾ أي: يوم القيامة ﴿يَوْمَئِذٍ [¬١] يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ﴾، وهم الكافرون بالله الجاحدون ما أنزله على رسله من الآيات البينات والدلائل الواضحات.\nوقال ابن أبي حاتم: قَدِمَ سفيان الثوري المدينة، فسمع المَعَافريّ يتكلم ببعض ما ضحك به الناس. فقال له: يا شيخ، أما علمتَ أن لله يومًا يخسر فيه المبطلون؟ قال: فما زالت تعرف في المعافري [¬٢] حتى لحق بالله ﷿. ذكره ابن أبي حاتم.\nثم قال: ﴿وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً﴾ أي: على ركبها من الشدة والعظمة، ويقال: إن هذا إذا جيء بجهنم فإنها تزفر زفرة لا يبقى أحد إلا جثا لركبتيه، حتى إبراهيم الخليل، ويقول: نفسي، نفسي، نفسي، لا أسألك اليوم إلا نفسي. وحتى إن عيسى ليقول: لا أسألك اليوم إلا نفسي، لا أسألك مريم التي ولدتني.\nقال مجاهد، وكعب الأحبار، والحسن البصري: ﴿وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً﴾ أي: على الركب.\nوقال عكرمة: جاثية متميزة على ناحيتها، وليس على الركب. والأول أولى.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد المقرئ، حدثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو، عن عبد الله بن باباه: أن رسول الله قال: \"كأني أراكم جاثين بالكوم دون جهنم\" (^١٠).\nوقال إسماعيل بن رافع المديني عن محمد بن كعب عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا في حديث الصور [¬٣]: فيتميز الناس، وتجثو الأمم\" (^١١)، وهي التي يقول الله: ﴿وَتَرَى كُلَّ\n_________\n(^١٠) - ورواه نعيم في زوائد زهد ابن المبارك برقم (٣٦٠)، وأبو نعيم في الحلية (٧/ ٢٩٩) من طريق ابن عيينة به.\n(^١١) - حديث الصور تقدم عند الآية (٧٣) من سورة الأنعام.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في خ: \"القاصرى\".\n[¬٣]- في ت: \"الصورة\".","vol":"12","page":365},{"text":"أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا﴾. وهذا فيه جمع بين القولين، ولا منافاة، والله أعلم.\nوقوله: ﴿كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا﴾، يعني كتاب أعمالها. كقوله: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ﴾؛ ولهذا قال: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي: تجازون بأعمالكم خيرها وشرها، كقوله تعالى: ﴿يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ (١٣) بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (١٤) وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ (١٥)﴾ ثم قال: ﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيكُمْ بِالْحَقِّ﴾ أي: يستحضر جميع أعمالكم من غير زيادة ولا نقص، كقوله تعالى: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَاوَيلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إلا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (٤٩)﴾. وقوله: ﴿إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون﴾ أي: إنا كنا نأمر الحفَظة أن تكتب أعمالكم عليكم.\nقال ابن عباس وغيره: تكتب الملائكة أعمال العباد، ثم تصعد بها إلى السماء، فيقابلون الملائكة الذين في ديوان الأعمال على ما بأيديهم مما قد أبرز لهم من اللوح المحفوظ في كل ليلة قدر، مما [قد] [¬١] كتَبه الله في القِدَم على العباد قبل أن يخلقهم، فلا يزيد حرفًا ولا ينقص حرفًا. ثم قرأ: ﴿إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون﴾.\n﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (٣٠) وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَفَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيكُمْ فَاسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنْتُمْ قَوْمًا مُجْرِمِينَ (٣١) وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لَا رَيبَ فِيهَا قُلْتُمْ مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إلا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيقِنِينَ (٣٢) وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٣٣) وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٣٤) ذَلِكُمْ بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَغَرَّتْكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ لَا يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٣٥) فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٧)﴾\nيخبر تعالى عن حكمه في خلقه يوم القيامة، فقال: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا\n_________\n[¬١]- سقط من ت.","vol":"12","page":366},{"text":"الصالحات﴾ أي: آمنت قلوبهم وعملت جوارحهم الأعمال الصالحات، وهي الخالصة الموافقة للشرع. ﴿فيدخلهم ربهم في رحمته﴾، وهي الجنة. كما ثبت في الصحيح [أن الله] [¬١] قال للجنة: \"أنت رحمتي، أرحم بك من أشاء\" (^١٢).\n﴿ذلك هو الفوز المبين﴾ أي: البين الواضح. ثم قال: ﴿وأما الذين كفروا أفلم تكن آياتي تتلى عليكم فاستكبرتم﴾ أي: يقال لهم ذلك تقريعًا وتوبيخًا: أما قُرئت عليكم آيات الرحمن فاستكبرتم عن اتباعها، وأعرضتم عند سماعها؟ ﴿وكنتم قومًا مجرمين﴾ أي: في أفعالكم، مع ما اشتملت عليه قلوبكم من التكذيب؟.\n﴿وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لَا رَيبَ فِيهَا﴾ أي: إذا قال لكم المؤمنون ذلك، ﴿قُلْتُمْ مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ﴾ أي: لا نعرفها، ﴿إِنْ نَظُنُّ إلا ظَنًّا﴾ أي: إن [¬٢] نتوهم وقوعها إلا توهمًا، أي مرجوحًا؛ ولهذا قالوا [¬٣]: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيقِنِينَ﴾ أي: بمتحققين، قال الله تعالى: ﴿وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا﴾ أي: وظهر لهم عقوبة أعمالهم السيئة، ﴿وَحَاقَ بِهِمْ﴾ أي: أحاط بهم ﴿مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ أي: من العذاب والنكال، ﴿وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ﴾ أي: نعاملكم معاملة الناسي لكم في نار جهنم، ﴿كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ أي: [فلم تعملوا] [¬٤] له لأنكم لم تصدقوا به، ﴿وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾.\nوقد ثبت في الصحيح أن الله تعالى يقول لبعض العبيد يوم القيامة: \"ألم أزوجك، ألم أكرمك، ألم أسَخِّر لك الخيل والإبل، وأذرك [¬٥] تَرأس وتَربَع؟! فيقول: بلى، يارب. فيقول: أفظنت أنك مُلاقيّ. فيقول: لا. فيقول الله تعالى: فاليوم أنساك كما نسيتني\" (^١٣).\nقال الله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾ أي: إنما جازيناكم هذا الجزاء لأنكم اتخذتم حُجَج الله عليكم سخريًّا، تسخرون وتستهزئون بها، ﴿وَغَرَّتْكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ أي: خدعتكم فاطمأننتم إليها، فأصبحتم من الخاسرين؛ ولهذا قال: ﴿فَالْيَوْمَ لَا يُخْرَجُونَ مِنْهَا﴾ أي: من النار ﴿وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ أي: لا [¬٦] منهم العُتْبى، بل\n_________\n(^١٢) - صحيح البخاري (٤٨٥٠) من حديث أبي هريرة.\n(^١٣) - صحيح مسلم (٢٩٦٨) من حديث أبي هريرة.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"أنه كما\".\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في ت: \"قال\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين في خ: \"فلما لا تعملوا\".\n[¬٥]- في ز: \"وأردك\".\n[¬٦]- سقط من: ز.","vol":"12","page":367},{"text":"يعذبون بغير حساب ولا عتاب، كما تدخل طائفة من المؤمنين الجنةَ بغير عذاب ولا حساب.\nثم لما ذكر حكمه في المؤمنين والكافرين قال: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ﴾ أي: المالك لهما وما فيهما؛ ولهذا قال: ﴿رب العالمين﴾.\nثم قال: ﴿وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، قال مجاهد: يعني السلطان. أي: هو العظيم المجد، الذي كل شيء خاضع لديه فقير إليه. وقد ورد في الحديث الصحيح: \"يقول الله تعالى: العظمة إزاري، والكبرياء ردائي، فمن نازعني واحدًا منهما أسكنته ناري\". ورواه [¬١] مسلم من حديث الأعمش، عن أبي إسحاق، عن الأغر أبي [¬٢] مسلم، عن أبي هريرة وأبي سعيد ﵄ عن رسول الله ﷺ بنحوه (^١٤).\nوقوله: ﴿وهو العزيز﴾ أي: الذي لا يُغالبُ ولا يمانَعُ، ﴿الحكيم﴾ في أقواله وأفعاله، وشرعه وقدره، تعالى وتقدس، لا إله إلا هو.\n[آخر تفسير سورة الجاثية ولله الحمد والمنة وبه التوفيق والعصمة].\n* * *\n\nانتهى بحمد الله وحسن توفيقه الجزء الثاني عشر ويليه إن شاء الله تعالى الجزء الثالث عشر وأوله تفسير سورة الأحقاف\n_________\n(^١٤) - صحيح مسلم (٢٦٢٠).\n_________\n[¬١]- في ت: \"ورواه\".\n[¬٢]- في خ: \"بن\".","vol":"12","page":368},{"text":"<span data-type='title' id=toc-165>تفسير سورة الأحقاف وهي مكية</span>\n﴿حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (٢) مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَينَهُمَا إلا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ (٣) قُلْ أَرَأَيتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤) وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ (٦)﴾\nيخبر تعالى أنه نزل الكتاب على عبده ورسوله محمد صلوات الله وسلامه عليه دائمًا إلى يوم الدين ووصف نفسه بالعزة التي لا ترام، والحكمة في الأقوال والأفعال، ثم قال: ﴿مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَينَهُمَا إلا بِالْحَقِّ﴾ أي: لا على وجه العبث والباطل، ﴿وأجل مسمى﴾ أي: وإلى مدة معينة مضروبة لا تزيد ولا تنقص.\nوقوله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾ أي: لاهون [¬١] عما يراد بهم، وقد أنزل إليهم كتاب وأرسل إليهم رسول، وهم معرضون عن ذلك كله، أي: وسيعلمون غِبَّ (*) ذلك.\nثم قال: ﴿قُلْ﴾ أي: لهؤلاء المشركين العابدين مع الله غيره: ﴿أَرَأَيتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ﴾ أي: أرشدوني إلى المكان الذي استقلوا بخلقه من الأرض، ﴿أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ أي: ولا شرك لهم في السموات ولا في الأرض، وما يملكون من قطمير، إنِ الملكُ والتصرّفُ كُلّه إلا لله ﷿ فكيف تعبدون معه غيره، وتشركون به؟ مَن أرشدكم إلى هذا؟ مَن دعاكم إليه؟ أهو\n_________\n(*) الغِبُّ من كل شيء: عاقبته وآخره.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"لاهين\".","vol":"13","page":5},{"text":"أمركم به؟ أم هو شيء اقترحتموه من عند أنفسكم؟ ولهذا قال: ﴿ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا﴾ أي: هاتوا كتابًا من كتب الله المنزلة على الأنبياء [¬١]- عليهم الصلاة والسلام - يأمركم بعبادة هذه الأصنام، ﴿أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ﴾ أو [¬٢] دليل بيّن على هذا المسلك الذي سلكتموه ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ إذ [¬٣]: لا دليل لكم نقليًّا ولا عقليًّا على ذلك. ولهذا قرأ آخرون: (أو أثرَة من علم) أي: أو علم صحيح [يأثرونه عن] [¬٤] أحد ممن قبلهم، كما قال مجاهد في قوله: ﴿أو أثارة عن علم﴾: أو أحد يأثُر علمًا. وقال العوفي عن ابن عباس: أو بينة من الأمر.\nوقال الإمام أحمد (^١): حدثنا يحيى، عن سفيان، حدثنا صفوان بن سُلَيم [¬٥]، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن ابن عباس- قال سفيان: لا أعلم إلا عن النبي صلى الله عليه\n_________\n(^١) - المسند (١/ ٢٢٦) (١٩٩٢) وإسناده صحيح، رجاله رجال الشيخين؛ إلا أنه ليس على شرط واحد منهما؛ فإن رواته صفوان ليس سليم عن أبي سلمة لم يخرجها من الستة غير النسائي، وقد صحح هذا الحديث العلامة أحمد شاكر في \"تعليقه على المسند\".\nوالحديث رواه أيضًا الطبراني في الكبير (١٠/ ٣٦٣) (١٠٧٢٥)، وفي الأوسط (٢٦٩) من طريق سعيد بن أبي أيوب، عن صفوان بن سليم، عن أبي سلمة، عن ابن عباس عن رسول الله ﷺ أنه سئل عن الخط فقال: هو أثارة من علم. وعزاه السيوطي في الدر المنثور (٦/ ٤) لابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ١٩٧)، (٧/ ١٠٨) وعزاه لأحمد والطبراني ثم قال: ورجال أحمد رجال الصحيح.\nورواه الحاكم في المستدرك (٢/ ٤٥٤) من طريق محمد بن كثير العبدي، ثنا سفيان، عن صفوان به موقوفًا على ابن عباس ثم قال: \"هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه وقد أُسنِد عن الثوري من وجه غير معتمد\". وقد أقر الذهبي الحاكم في تصحيحه هذا الحديث على شرط الشيخين وهو وهم منهما رحمهما الله- فإن رواته صفوان عن أبي سلمة ليست في الصحيحين ولا في أحدهما كما سبق بيانه.\nوقول الحاكم: \"وقد أسند عن الثوري من وجه غير معتمد\" لا أراه صحيحًا فإنه من رواية يحيى، عن سفيان ورفع الحديث لا يعد علة؛ فإنه رواية ثقة فيه زيادة علم وزيادة الثقة مقبولة. وقد رواه أيضًا ابن جرير في تفسيره (٢٦/ ٢) من طريق أبي عاصم النبيل، عن سفيان بهذا الإسناد موقوفًا.\nورواه الحاكم (٢/ ٤٥٤)، والطبراني في الصغير (٤٧٢) من طريق عمرو بن الأزهر، عن ابن عون، عن الشعبي، عن ابن عباس في قوله: \"أو أثارة من علم\" قال: جودة الخط، قال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن ابن عون إلا عمرو بن الأزهر.\nقلت: عمرو بن الأزهر هو العتكي قاضي جرجان ضعفه ابن معين، وقال البخاري: يرمى بالكذب، وقال النسائي وغيره: متروك، واتهمه أحمد. له ترجمة في الميزان (٤ / الترجمة ٦٣٢٨) وذكر هذا الحديث من مناكيره.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"أنبيائهم\".\n[¬٢]- في ت: \"أي\".\n[¬٣]- في: ت: \"أي\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"مما يرونه عن\".\n[¬٥]- في ز: \"حكيم\".","vol":"13","page":6},{"text":"وسلم -: (أو أَثَرَة من علم) قال: \"الخط\".\nوقال أبو بكر بن عياش: أو بقية من علم.\nوقال الحسن البصري: أو آثارة شيء يستخرجه فيثيره.\nوقال ابن عباس ومجاهد وأبو بكر بن عياش أيضًا: ﴿أو أثارة عن علم﴾ يعني: الخط.\nوقال قتادة: ﴿أو أثارة من علم﴾: خاصة من علم.\nوكل هذه الأقوال متقاربة وهي راجعة إلى ما قلناه، وهو اختيار ابن جرير ﵀ وأكرمه وأحسن مثواه.\nوقوله: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ أي: لا أضل ممن يدعو أصنامًا، ويطلب منها ما لا تستطيعه إلى يوم القيامة، وهي غافلة عما يقول [¬١]، لا تسمع ولا تبصر ولا تبطش، لأنها جماد، حجَارة، صُمّ.\nوقوله: ﴿وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾، كقوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (٨١) كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيهِمْ ضِدًّا﴾ أي: سيخونونهم [¬٢] أحوج ما يكونون إليهم. وقال الخليل: ﴿وَقَال إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَينِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٢٥)﴾.\n﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَال الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (٧) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيتُهُ فَلَا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيئًا هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ كَفَى بِهِ شَهِيدًا بَينِي وَبَينَكُمْ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٨) قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إلا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إلا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٩)﴾\nيقول تعالى مخبرًا عن المشركين في كفرهم وعنادهم: إنهم إذا تتلى عليهم آيات الله\n_________\n[¬١]- بياض في ز، خ.\n[¬٢]- غير واضحة في ز.","vol":"13","page":7},{"text":"بينات، أي: في حال بيانها ووضوحها وجلائها، يقولون: ﴿هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ أي: سحر واضح، وقد كَذَبوا وافتروا وضَلُّوا وكفروا. ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾ يعنون محمدًا ﷺ. قال الله: ﴿قُلْ إِنِ افْتَرَيتُهُ فَلَا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيئًا﴾ أي: لو كذبت عليه وزعمت أنه أرسلني - وليس كذلك - لعاقبني أشد العقوبة، ولم يَقْدرْ أحد [من أهل الأرض] [¬١]، لا أنتم ولا غيركم، أن يجيرني منه، كقوله: ﴿قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا (٢٢) إلا بَلَاغًا مِنَ اللَّهِ وَرِسَالاتِهِ﴾ قال: تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَينَا بَعْضَ الْأَقَاويلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦) فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾. ولهذا قال هاهنا: ﴿قُلْ إِنِ افْتَرَيتُهُ فَلَا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيئًا هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ كَفَى بِهِ شَهِيدًا بَينِي وَبَينَكُمْ﴾. هذا تهديد لهم، ووعيد أكيد، وترهيب شديد.\nوقوله: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾: ترغيب لهم إلى التوبة والإِنابة، أي: ومع هذا كله [¬٢] إن رجعتم وتبتم، تاب عليكم وعفا عنكم، وغفر ورحم. وهذه الآية كقوله في سورة الفرقان: ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٥) قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾.\nوقوله: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ أي: لست بأول رسول طرق العالم، بل قد جاءت الرُّسل من قبلي، فما أنا بالأمر الذي لا نظير له حتى تستنكروني وتستبعدوا [¬٣] بعثتي إليكم، فإنه قد أرسل الله قبلي جميع الأنبياء إلى الأمم.\nقال ابن عباس، ومجاهد، وقتادة: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ ما أنا بأول رسول. ولم يحك ابن جرير ولا ابن أبي حاتم غير ذلك.\nوقوله: ﴿وَمَا [¬٤] أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ﴾. قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في هذه الآية: نزل بعدها ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾. وهكذا قال عكرمة، والحسن، وقتادة: إنها منسوخة بقوله: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾، قالوا: ولما نزلت هذه الآية قال رجل من المسلمين: هذا قد بيّن الله ما هو فاعل بك يا رسول الله، فما هو فاعل بنا؟ فأنزل الله: ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ﴾.\nهكذا قال، والذي هو ثابت في الصحيح (^٢) أن المؤمنين قالوا: هنيئًا لك يا رسول الله،\n_________\n(^٢) - سيأتي تخريجه في أول سورة الفتح / الآية (١) من حديث أنس.\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- في ز، خ: \"وتستبعدون\".\n[¬٣]- سقط من: خ.\n[¬٤]- في ز، خ: \"ولا\".","vol":"13","page":8},{"text":"فما لنا؟ فأنزل الله هذه الآية.\nوقال الضحاك: ﴿وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ﴾ و[¬١] ما أدري بماذا أومر وبماذا أنهى بعد هذا؟\nوقال أبو بكر الهذلي، عن الحسن البصري في قوله: ﴿وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ﴾ قال: أما في الآخرة فمعاذ الله قد علم أنه في الجنة، ولكن قال: لا أدري ما يفعل بي ولا بكم في الدنيا، أخرج [¬٢] كما أخرجت الأنبياء قبلي؟ أم أقتل كما قتلت الأنبياء من قبلي؟ ولا أدري أَيُخسف بكم أو تُرمَون كالحجارة.\nوهذا القول هو الذي عَوَّل عليه ابن جرير، وأنه لا يجوز غيره، ولا شك أن هذا هو اللائق به صلوات الله وسلامه عليه فإنه بالنسبة إلى الآخرة جازم أنه يصير إلى الجنة هو ومن اتبعه، وأما في الدنيا فلم يدر ما كان يئول إليه أمره وأمر مشركي قريس إلى ماذا؛ أيؤمنون أم يكفرون فيعذبون فيستأصلون بكفرهم [¬٣]؟ فأما الحديث الذي رواه الإِمام أحمد (^٣):\nحدثنا يعقوب، حدثنا أبي، عن ابن شهاب، عن خارجة بن زيد بن ثابت، عن أم العلاء - وهي امرأة من نسائهم - أخبرته - وكانت بايعت رسول الله، ﷺ قالت: طار لهم في السُّكنى - حين اقترعت [¬٤] الأنصار على سكنى المهاجرين - عثمان بن مظعون فاشتكى عثمان عندنا فَمرَّضناه، حتى إذا توفي أدْرَجناه في أثوابه، فدخل علينا رسول الله ﷺ، فقلت: رحمةُ الله عليك أبا السائب، شهادتي عليك، لقد أكرمك الله. فقال رسول الله ﷺ: \"وما يدريك أن الله أكرمه؟ \". فقلت: لا أدري بأبي أنت وأمي! فقال رسول الله ﷺ: \"أما هو [¬٥] فقد [¬٦]، جاءه اليقين من ربه، وإني لأرجو له الخير، والله ما [¬٧] أدري وأنا\n_________\n(^٣) - المسند (٦/ ٤٣٦) قال: حدثنا أبو كامل، قال: حدثنا إبراهيم بن سعد (ح) ويعقوب قال: حدثنا أبي … فذكر الحديث كما نقله المصنف.\nورواه أحمد أيضًا فقال: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزهري … فذكر الحديث إلا أنه قال: \"ما أدري وأنا رسول الله ما يفعل بي ولا بكم\".\nورواه البخاري في \"صحيحه\" في كتاب الجنائز، باب: الدخول على الميت بعد الموت إذا أدرج في أكفانه الحديث (١٢٤٣) من طريق عقيل، عن الزهري مثل رواية أحمد الأولى. وكذا رواه في مناقب الأنصار، باب: مقدم النبي ﷺ وأصحابه المدينة حديث ٣٩٢٩) وفي كتاب التعبير، باب: رؤيا النساء =\n_________\n[¬١]- سقط من ت.\n[¬٢]- في ز، خ: \"أخرجت\".\n[¬٣]- في- ز، خ: \"كفرهم\".\n[¬٤]- في ز، خ: \"أقرعت\".\n[¬٥]- سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- في ز، خ: \"ذلك\".\n[¬٧]- في ز، خ: \"لا\".","vol":"13","page":9},{"text":"رسول الله ما يفعل بي! \". قالت: فقلت: والله لا أزكي أحدًا بعده أبدًا. وأحزنني ذلك، فنمت فرأيت لعثمان عينًا تجري، فجئت إلى رسول الله ﷺ فأخبرته بذلك، فقال رسول الله ﷺ: \"ذاك عمله\".\nفقد انفرد بإخراجه البخاري، دون مسلم وفي لفظ له: \"ما أدري وأنا رسول الله ما يفعل به\". وهذا أشبه أن يكون هو المحفوظ، بدليل قولها: فأحزنني ذلك. وفي هذا وأمثاله دلالة على أنه لا يقطع لمُعيَّن بالجنة إلا الذي نص الشارع على تعيينهم، كالعشرة، وابن سلام، والغُميصاء، وبلال، وسراقة، وعبد الله بن عمرو بن حرام والد جابر، والقراء السبعين الذين قتلوا ببئر معونة، وزيد بن حارثة، وجعفر، وابن رواحة، وما أشبه هؤلاء.\nوقوله: ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إلا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ أي: إنما أتبع ما ينزله الله عليَّ من الوحي، ﴿وَمَا أَنَا إلا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ أي: بين النَّذارة، وأمري ظاهر لكل ذي لب وعقل.\n﴿قُلْ أَرَأَيتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠) وَقَال الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ (١١) وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ لِسَانًا عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ (١٢) إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٣) أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٤)﴾\nيقول تعالى: ﴿قُلْ﴾ يا محمد؛ لهؤلاء المشركين الكافرين بالقرآن: ﴿أَرَأَيتُمْ إِنْ كَانَ﴾ هذا القرآن ﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ﴾ أي: ما ظنكم أن الله صانع بكم إن كان هذا الكتاب الذي جئتكم به قد أنزله عليَّ لأبلغكموه وقد كَفَرتم به وكذبتموه، ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ﴾ أي: وقد شهدَتْ بصدقه وصحته الكتب المتقدمة المنزلة على الأنبياء قبلي، بشرت به وأخبرت بمثل ما أخبر هذا القرآن به.\n_________\n= حديث (٧٠٠٣)، ورواه في كتاب التعبير، باب: العين الجارية في المنام حديث (٧٠١٨) من طريق معمر به، مثل رواية أحمد الثانية. وفي الشهادات، باب: القرعة في المشكلات حديث (٢٦٨٧)، وفي كتاب التعبير، باب: رؤيا النساء حديث (٧٠٠٤) بلفظ: \"ما أدرى ما يفعل به\". =","vol":"13","page":10},{"text":"وقوله: ﴿فَآمَنَ﴾ أي: هذا الذي شهد [¬١] بصدقه من بني إسرائيل لمعرفته بحقيته.\n﴿وَاسْتَكْبَرْتُمْ﴾ أنتم عن اتباعه.\nوقال مسروق: فآمن هذا الشاهد بنبيه وكتابه، وكفرتم أنتم بنبيكم وكتابكم ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾. وهذا الشاهد اسم جنس يعم عبد الله بن سَلَام وغيرَه، فإن هذه الآية مكية نزلت قبل إسلام عبد الله بن سلام، وهذه كقوله: ﴿وَإِذَا يُتْلَى عَلَيهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾. وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (١٠٧) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا﴾.\nقال مسروق، والشعبي: ليس بعبد الله بن سلام، هذه الآية مكية، وإسلام عبد الله بن سلام كان بالمدينة. رواه عنهما ابن جرير وابن أبي حاتم، واختاره ابن جرير (^٤).\nوقال مالك، عن أبي النضر، عن عامر بن سعد، عن أبيه قال: ما سمعت رسول الله، ﷺ يقول لأحد يمشي على وجه الأرض: \"إنه من أهل الجنة\". إلا لعبد الله بن سلام، قال: وفيه نزلت: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ﴾ (^٥).\n_________\n(^٤) - أمَّا الرواية عن مسروق فرواها ابن جرير في تفسيره (٢٦/ ٩) أن داود بن أبي هند سئل عن قوله: ﴿قُلْ أَرَأَيتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ﴾. . … الآية. قال داود: قال عامر: قال مسروق: والله ما نزلت في عبد الله بن سلام، ما نزلت إلا بمكة، وما أسلم عبد الله إلا بالمدينة، ولكنها خصومة خاصم محمد ﷺ بها قومه.\nوالأثر ذكره السيوطي في الدر المنثور (٦/ ٧) وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم.\nوأمَّا الرواية عن الشعبي: فرواها ابن جرير (٢٦/ ٩) من طريق داود بن أبي هند، عن الشعبي قال: إن ناسًا يزعمون أن الشاهد على مثله عبد الله بن سلام وأنا أعلم بذلك، وإنما أسلم عبد الله بالمدينة وقد أخبرني مسروق أن آل (حم)، إنما أنزلت بمكة وإنما كان محاجة رسول الله ﷺ لقومه.\nوقد ذكر السيوطي في الدر المنثور (٧/ ٦) عن الشعبي أنه قال: \"ما نزلت في عبد الله بن سلام ﵁ شيء من القرآن\" وعزاه لابن المنذر.\n(^٥) - رواه البخاري في كتاب مناقب الأنصار، باب: مناقب عبد الله بن سلام ﵁، حديث (٣٨١٢)، ومسلم في كتاب فضائل الصحابة، باب: من فضائل عبد الله بن سلام، ﵁، حديث (٢٤٨٣) (١٤٧)، والنسائي في فضائل الصحابة حديث (١٤٨)، وأحمد في مسنده (١/ ١٦٩، ١٧٧) من طريق مالك عن أبي النضر به. =\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"جاء\".","vol":"13","page":11},{"text":"رواه البخاري ومسلم والنسائي، من حديث مالك، به. و[¬١] كذا قال ابن عباس، ومجاهد، والضحاك، وقتادة، وعكرمة، ويوسف بن عبد الله بن سلام، وهلال بن يَسَاف [¬٢]، والسدي، والثوري، ومالك بن أنس، وابن زيد أنهم كلهم قالوا: إنه عبد الله بن سلام.\nوقوله تعالى: ﴿وَقَال الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيهِ﴾ أي: قالوا عن المؤمنين بالقرآن: لو كان القرآن خيرًا ما سبقنا [¬٣] هؤلاء إليه. يعنون بلالًا وعمارًا وصُهَيبًا [¬٤] وخبابًا وأشباههم وأقرانهم من المستضعفين والعبيد والإِماء، وما ذاك إلا لأنهم عند أنفسهم يعتقدون أن لهم عند الله وجاهة وله بهم عناية.\nوقد غلطوا في ذلك غلطًا فاحشًا، وأخطئوا خطأ بينًا، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيهِمْ مِنْ بَينِنَا﴾ أي: يتعجبون: كيف اهتدى هؤلاء دوننا؟ ولهذا قالوا: ﴿لَوْ كَانَ خَيرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيهِ﴾ وأما أهل السنة والجماعة فيقولون [¬٥] في كل فعل وقول لم يثبت عن الصحابة: هو بدعة، لأنه لو كان خيرًا لسبقونا إليه، لأنهم لم يتركوا خصلة من خصال الخير إلا وقد بادروا إليها.\nوقوله: ﴿وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ﴾ أي: بالقرآن ﴿فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ﴾ أي: كذب. ﴿قَدِيمٌ﴾ أي: مأثور عن الأقدمين، فينتقصون [¬٦] القرآن وأهله، وهذا هو الكبر الذي قال رسول الله ﷺ: \"بَطَر الحق، وغَمْص [¬٧] الناس\" (^٦).\nثم قال: ﴿وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى﴾، وهو التوراة ﴿إِمَامًا وَرَحْمَةً وَهَذَا كِتَابٌ﴾، يعني القرآن ﴿مُصَدِّقٌ﴾ أي: لما قبله من الكتب ﴿لِسَانًا عَرَبِيًّا﴾ أي: فصيحًا بينًا واضحًا، ﴿لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ﴾ أي: مشتمل على النّذارة للكافرين والبشارة للمؤمنين.\n_________\n= وقوله: (قال: وفيه نزلت: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ﴾ القائل هو مالك، كما رجحه الحافظ في فتح الباري (٧/ ١٣٠) وهذا الزيادة موجودة عند البخاري وحده ولم يذكرها مسلم ولا أحمد والنسائي.\n(^٦) - تقدم تخريجه في تفسير سورة لقمان عند الآية (١٩).\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في ز: \"يسار\"، في خ: \"بشار\".\n[¬٣]- في ز: \"سبقونا\".\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- في خ: \"فتنغصوا\".\n[¬٧]- في ت: \"وغمط\".","vol":"13","page":12},{"text":"وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ تقدم تفسيرها في سور (حم السجدة).\nوقوله: ﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيهِمْ﴾ أي: فيما يستقبلون، ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾، على ما خلفوا، ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أي: الأعمال سبب لنيل الرحمة لهم وسُبُوغها [¬١] عليهم.\n﴿وَوَصَّينَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَال رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (١٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ (١٦)﴾\nلما ذكر تعالى في الآية الأولى التوحيدَ له وإخلاص العبادة والاستقامة إليه - عطف بالوصية بالوالدين، كما هو مقرون في غير ما آية من القرآن، كقوله: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إلا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَينِ إِحْسَانًا﴾ وقال: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾، إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة. وقال هاهنا: ﴿وَوَصَّينَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيهِ﴾ أي: أمرناه بالإحسان إليهما والحنو عليهما.\nوقال [¬٢] أبو داود الطيالسي (^٧): حدثنا شعبة، أخبرني سماك بن حرب قال [¬٣]: سمعت مُصْعب بن سعد يحدث عن سعد قال: قالت أم سعد لسعد [¬٤]: أليس قد أمر الله بطاعة الوالدين، فلا آكل طعامًا، ولا أشرب شرابًا حتى [¬٥] تكفر بالله. فامتنعتْ من الطعام والشراب، حتى جعلوا يفتحون [فاها بالعصا] [¬٦]، ونزلت هذه الآية ﴿وَوَصَّينَا الْإِنْسَانَ\n_________\n(^٧) - مسند الطيالسي (٢٠٨) وقد تقدم تخريجه في سورة النساء (٤٤٧).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"وشياعها\".\n[¬٢]- في ت: وقال:\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- سقط من: خ.\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين في ت: \"فلها بالعصما\".","vol":"13","page":13},{"text":"بِوَالِدَيهِ حُسْنًا﴾. الآية.\nورواه مسلم وأهل السنن إلَّا ابن ماجة من حديث شعبة بإسناده نحوه [¬١] وأطول منه.\n﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا﴾ أي: قاست بسببه في حال حمله مشقة وتعبًا، من وِحَام وغشيان وثقل وكرب، إلى غير ذلك مما تنال الحوامل من التعب والمشقة، ﴿وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا﴾ أي: بمشقة أيضًا من الطلق وشدته، ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ﴾.\nوقد استدل علي ﵁ بهذه الآية مع [¬٢] التي في لقمان: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَينِ﴾، [وقوله: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَينِ كَامِلَينِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾] [¬٣]، على أن أقل مدة الحمل ستة أشهر، وهو استنباط قوى صحيح. ووافقه عليه عثمان وجماعة من الصحابة ﵃.\nقال محمد بن إسحاق بن يسار (^٨): عن يزيد بن عبد الله بن قُسَيط، عن بَعجَةَ [¬٤] بن عبد الله الجهني قال: تزوج رجل منا امرأة من جُهَينة، فولدت له لتمام ستة أشهر، فانطلق زوجها إلى عثمان فذكر ذلك له، فبعث إليها، فلما قامت لتلبس ثيابها بكت أختها، فقالت: ما يبكيك؟! فوالله ما التبس لي أحد من خلق الله غيره قط، فيقضي الله فيّ ما شاء، فلما أُتيَ بها عثمان أمر برجمها، فبلغ ذلك عليًّا فأتاه، فقال له: ما تصنع؟ قال: ولدتْ تمامًا لستة أشهر، وهل يكون ذلك؟ فقال له: أما تقرأ القرآن؟ قال: بلى. قال: أما سمعت الله يقول: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾. وقال: ﴿حَوْلَينِ كَامِلَينِ﴾. فلم نجده بقي إلا ستة أشهر، قال: فقال عثمان: والله ما [¬٥] فطنت لهذا، عليّ بالمرأة. فوجدوها قد فُرِغَ منها، قال: فقال بَعْجَةُ: فوالله ما الغراب بالغراب، ولا البيضة بالبيضة بأشبه منه بأبيه [] [¬٦]. فلما رآه أبوه قال: ابني! والله لا أشك فيه. قال: وأبلاه الله بهذه القرحة قرحة الأكلة [¬٧] فما [¬٨] زالت تأكله حتى مات. رواه ابن أبي حاتم،\n_________\n(^٨) - تفسير ابن أبي حاتم (١٠/ رقم ١٨٥٦٦) وذكره السيوطي في الدر المنثور (٦/ ٩) وزاد نسبته لابن المنذر، ورجال إسناده ثقات، إلَّا ابن إسحاق فإنه صدوق، لكنه يدلس وقد عنعن هنا فلا تقبل روايته وقد تقدم الخبر من طريق أخرى في تفسير سورة الزخرف الآية (٨١).\n_________\n[¬١]- سقط من ت.\n[¬٢]- في ت: \"على\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من ز، خ.\n[¬٤]- في ز، خ: \"معمر\".\n[¬٥]- سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"على\".\n[¬٧]- في خ: \"الأكلمة\".\n[¬٨]- في ز، خ: \"ما\".","vol":"13","page":14},{"text":"وقد أوردناه من وجه آخر عند قوله: ﴿فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾.\nوقال ابن أبي حاتم (^٩): حدثنا أبي، حدثنا فروة بن أبي المَغْرَاء [¬١]، حدثنا علي بن مُسْهِر، عن داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: إذا وضعت المرأة لتسعة أشهر، كفاه من الرضاع أحد وعشرون شهرًا، وإذا وضعته لسبعة أشهر كافاه من الرضاع ثلاثة وعشرون شهرًا، وإذا وضعته لستة أشهر فحولين كاملين، لأن الله تعالى يقول: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾.\n﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾ أي: قوي وشب وارتجل ﴿وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ أي: تناهى عقله وكمل فهمه وحلمه. ويقال: إنه لا يتغير غالبًا عما يكون عليه ابن [¬٢] الأربعين.\nقال أبو بكر بن عياش (^١٠): عن الأعمش، عن القاسم بن عبد الرحمن قال [¬٣]: قلت لمسروق: متى يؤخذ الرجل بذنوبه؟ قال: إذا بَلَغْتَ الأربعين، فَخُذْ حذرك.\nوقال الحافظ أبو يعلى الموصلي (^١١): حدثنا عُبَيد [¬٤] الله القواريري، حدثنا عزرة بن قيس الأزدي - وكان قد بلغ مائة سنة - حدثنا أبو الحسن السلولي عنه وزادني قال: قال [¬٥] محمد بن عمرو بن عثمان، عن عثمان، عن النبي ﷺ قال: \"العبد المسلم إذا بلغ أربعين سنة، خفف الله حسابه، وإذا بلغ ستين سنة رزقه الله الإنابة إليه، وإذا بلغ سبعين سنة أحبَّه أهل السماء، وإذا بلغ ثمانين سنة ثبت الله حسناته ومحا سيئاته، وإذا بلغ تسعين سنة غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وشَفَّعه الله في أهل\n_________\n(^٩) - تفسير ابن أبي حاتم (١٠ / حديث ١٨٥٦٧) وإسناده حسن ورجاله ثقات، غير فروة بن أبي المغراء، فإنه صدوق روى له البخاري والترمذي. والأثر ذكره السيوطي في الدر المنثور (٦/ ٩)، وزاد نسبته لسعيد بن منصور وعبد بن حميد.\n(^١٠) - ذكره السيوطي في الدر المنثور (٦/ ٩) وعزاه لابن أبي حاتم.\n(^١١) - في إسناده عزرة بن قيس الأزدي وهو ضعيف، ضعفه ابن معين، وقال البخاري: لا يتابع على حديثه ترجمته في الميزان (٣ / الترجمة ٥٦١٦) والحديث ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٢٠٨) وقال: \"رواه أبو يعلى في الكبير وفيه عزرة بن قيس الأزدي وهو ضعيف\".\nوأيضًا محمد بن عمرو بن عثمان لم أجد له ترجمة، وعمرو بن عثمان بن عفان لم أجد في الرواة عنه ابنه محمد ولم يذكر أحد ممن ترجمه أن له ابنًا يسمى محمد ولم أجده كذلك في الرواة عن عثمان ولعله يكون محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان وهو صدوق، روى له ابن ماجة لكن ليست له رواية عن عثمان ﵁ ولا يصح أن يكون سمع منه.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"الفداء\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"بين\".\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- في ز، خ: \"عبد\".\n[¬٥]- سقط من: خ.","vol":"13","page":15},{"text":"بيته، وكتب في السماء: أسير الله في أرضه\".\nوقد روي هذا من غير هذا الوجه، وهو في مسند الإمام أحمد.\nوقد قال الحجاج بن عبد الله الحكمي [¬١] أحد أمراء بني أمية بدمشق: تركت المعاصي والذنوب [] [¬٢] أربعين سنة حياء من الناس، ثم تركنها حياء من الله ﷿.\nوما أحسن قول الشاعر:\nصَبَا مَا صَبَا حَتَّى عَلَا الشَّيْبُ رَأْسَهُ … فَلَمَّا عَلَاهُ قَال لِلْبَاطِلِ: ابطُلِ\n﴿قَال رَبِّ أَوْزِعْنِي﴾ أي: ألهمني ﴿أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ﴾ أي: في المستقبل، ﴿وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي﴾ أي: نسلي وعَقبي، ﴿إِنِّي تُبْتُ إِلَيكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾. وهذا فيه إرشاد لمن بلغ الأربعين يجدد التوبة والإِنابة إلى الله ﷿ ويعزم [¬٣] عليها.\nوقد روى أبو داود في سننه (^١٢)، عن ابن مسعود ﵁، أن رسول الله ﷺ كان يعلمهم أن يقولوا في التشهد: \"اللهم، ألِّف بين قلوبنا، وأصلح ذات بيننا، واهدنا سُبُل السلام، ونجنا من الظلمات إلى النور، وجَنِّبنا الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وبارك لنا في أسماعنا وأبصارنا وقلوبنا، وأزواجنا وذرياتنا، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم. واجعلنا شاكرين لنعمتك، مثنين بها قابليها، وأتممها علينا [إنك أنت التواب الرحيم] [¬٤]. قال الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ أي: هؤلاء المتصفون بما ذكرنا، التائبون إلى الله المنيبون إليه، المستدركون ما فات بالتوبة والاستغفار، هم الذين يتقبل عنهم أحسن ما عملوا، ويتجاوز عن سيئاتهم] [¬٥] فيغفر لهم الكثير من الزلل، ويتقبل منهم اليسير من العمل، ﴿فِي\n_________\n(^١٢) - سنن أبي داود، كتاب الصلاة، باب: التشهد حديث (٩٦٩) من طريق شريك القاضي، عن جامع - يعني ابن شداد - عن أبي وائل، عن ابن مسمود كذا وقع في سنن أبي داود \"ابن شداد\" وهو خطأ والصواب \"ابن إلى راشد\" كذا قال المزى في تحفة الأشراف (٧ / حديث ٩٢٣٩) وهو حديث ضعيف من هذه الطريق فإن في إسناده شريكًا القاضي وهو ضعيف. والحديث رواه ابن حبان في صحيحه (٩٩٦) من طريق شريك، عن جامع بن شداد، عن أبي وائل، عن ابن مسعود. ورواه الحاكم في المستدرك (١/ ٢٦٥)، والطبراني في الكبير (١٠٤٢٦) ومن طريقه أبو نعيم في الحلية (٤/ ١١٠) من طريق شريك عن جامع بن أبي راشد به. وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. وله شاهد من حديث =\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"الحليمي\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في: ز، خ \"الله\".\n[¬٣]- في خ: \"ويقوم\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ت.\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"13","page":16},{"text":"أَصْحَابِ الْجَنَّةِ﴾ أي: هم في جملة أصحاب الجنة، وهذا حكمهم عند الله كما وَعَد الله من تاب إليه وأناب، ولهذا قال: ﴿وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾.\nقال ابن جرير (^١٣): حدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا المعتمر بن سليمان، عن الحكم بن أبان، عن الغطريف، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس، عن رسول الله ﷺ، عن الروح الأمين - عليه [¬١] السلام - قال: \"يؤتى بحسنات العبد وسيئاته، فيقتص بعضها ببعض، فإن بقيت حسنة وسع الله له في الجنة\". قال: فدخلتُ على يزداد [¬٢] فَحُدِّث بمثل هذا الحديث [¬٣] قال: قلت: فإن ذهبت الحسنة؟ قال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يُتَقَبَّلُ (*) عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيُتَجَاوَزُ (**) عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾.\nوهكذا رواه ابن أبي حاتم عن أبيه، عن محمد بن عبد الأعلى الصنعاني، عن المعتمر بن سليمان، وإسناده مثله. وزاد: عن الروح الأمين. قال: \"قال الرب ﷻ: يؤتى بحسنات العبد وسيئاته … \" فذكره، وهو حديث غريب، وإسنادٌ جيد لا بأس به.\nوقال ابن أبي حاتم (^١٤): حدثنا أبي، حدثنا سليمان بن معبد [¬٤]، حدثنا عمرو بن عاصم الكلابي [¬٥]، حدثنا أبو عوانة، عن [أبي بشر] [¬٦] جعفر بن أبي وَحْشية، عن\n_________\n= ابن جريج، عن جامع. ثم رواه من طريق عبد المجيد عبد العزيز بن أبي رواد، ثنا ابن جريج، عن جامع بن أبي راشد، عن أبي وائل، عن عبد الله مثل رواية شريك وعبد المجيد صدوق لكنه يخطيء كما قال الحافظ في \"التقريب\" وابن جريج ثقة لكنه يدلس ولم يصرح هنا بالسماع، ورواه الطبراني في الأوسط (٥٧٦٩) من طريق الوليد بن القاسم، عن داود بن يزيد الأزدي، عن شقيق بن سلمة، عن ابن مسعود عن النبي ﷺ أنه كان، يدعو بهذه الدعوات في أول قوله وبها يختم: \"اللهم أصلح ذات بيننا … \" فذكره نحوه، وداود بن يزيد الأزدي هو عم عبد الله بن إدريس وهو ضعيف. والحديث ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٦٧٩) ونسبه للطبراني في الكبير والأوسط وقال: وإسناده الكبير جيد.\n(^١٣) - تقدم تخريجه في سورة السجدة الآية / ١٧.\n(^١٤) - تفسير ابن أبي حاتم (١٠/ ١٨٥٧١) وإسناده حسن رجاله ثقات إلَّا أن عمرو بن عاصم صدوق في حفظه شيء كما قال الحافظ في \"التقريب\".\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"عليها\".\n[¬٢]- في خ: \"مزداد\".\n[¬٣]- سقط من: خ.\n(*) في ز، خ: نتقبل، وهي قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو وابن عامر.\n(**) في ز، خ: نتجاوز، وهي قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو وابن عامر.\n[¬٤]- سقط من: خ.\n[¬٥]- في ت: \"الكلائي\".\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"ابن بشر\".","vol":"13","page":17},{"text":"يوسف بن [¬١] سعد، عن محمد بن حاطب قال: ونزل في داري حيث ظهر عليٌّ على أهل البصرة، فقال لي يومًا: لقد شهدتُ أمير المؤمنين علما وعنده عمار وصعصعة والأشتر ومحمد بن أبي بكر، فذكروا عثمان فنالوا منه، وكان [علي ﵁] [¬٢] على السرير ومعه عود في يده، فقال قائل منهم: إن عندكم من يفصل بينكم. فسألوه، فقال علي: كان عثمان من الذين قال الله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يُتَقَبَّلُ (*) عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيُتَجَاوَزُ (**) عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾. قال: والله عثمان وأصحاب عثمان - قالها ثلاثًا - قال يوسف: فقلت لمحمد بن حاطب: آلله لسمعت هذا من عليّ؟ قال: آلله لسمعت هذا من علي ﵁.\n﴿وَالَّذِي قَال لِوَالِدَيهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ وَيلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هَذَا إلا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٧) أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ (١٨) وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١٩) وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ (٢٠)﴾\nلما ذكر تعالى حال الداعين للوالدين البارّين بهما ومالهم عنده من الفوز والنجاة، عطف بحال الأشقياء العاقين للوالدين فقال: ﴿وَالَّذِي قَال لِوَالِدَيهِ أُفٍّ لَكُمَا﴾ وهذا عام في كل من قال هذا، ومن زعم أنها نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر فقوله ضعيف، لأن عبد الرحمن بن أبي بكر أسلم بعد ذلك وحسن إسلامه، وكان من خيار أهل زمانه.\nوروى، العوفي، عن ابن عباس: أنها نزلت في ابن لأبي بكر الصديق. وفي صحة هذا نظر، والله أعلم.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"أبو\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.\n(*) في ز، خ: يُتقبل، وهي قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو وابن عامر.\n(**) في ز، خ: يُتجاوز، وهي قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو وابن عامر.","vol":"13","page":18},{"text":"وقال ابن جريج [¬١]، عن مجاهد: نزلت في عبد الله بن أبي بكر. [وهذا أيضًا] [¬٢] قاله ابن جريج. وقال آخرون: عبد الرحمن بن أبي بكر [وهذا أيضًا قاله] [¬٣] السدي. وإنما هذا عام في كل من عق والديه وكذب بالحق، فقال لوالديه: ﴿أُفٍّ لَكُمَا﴾: عقهما.\nوقال ابن أبي حاتم (^١٥): حدثنا علي بن الحسين، حدثنا محمد بن العلاء، حدثنا يحيى بن أبي زائدة، عن إسماعيل بن أبي خالد، أخبرني عبد [الله بن] [¬٤] المديني قال: إني لفي المسجد حين خطب مَرْوان فقال: \"إن الله أرى أمير المؤمنين في يزيد رأيًّا حسنًا، وإن يستخلفه فقد استخلف أبو بكر وعُمر. فقال عبد الرحمن بن أبي بكر: أهرقلية؟! إن أبا بكر والله ما جعلها في أحد من ولده، ولا أحد من أهل بيته، وما [¬٥] جعلها معاوية [في ولده] [¬٦] إلا رحمة وكرامة لولده. فقال مروان: ألست الذي قال لوالديه: ﴿أُفٍّ لَكُمَا﴾؟ فقال عبد الرحمن: ألست ابن اللعين الذي لعن رسولُ الله ﷺ أباك. قال: وسمعتهما عائشة فقالت: يا مروان؛ أنت القائل لعبد الرحمن كذا وكذا؟ كذبتَ، ما فيه نزلت، ولكن نزلت في فلان بن فلان. ثم انتحب مروان، ثم نزل عن المنبر حتى أتى باب حجرتها، فجعل يكلمها [¬٧] حتى [¬٨] انصرف.\nوقد رواه البخاري بإسناد آخر ولفظ آخر، فقال (^١٦): حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا أبو عوانة، عن أبي بشر، عن يوسف بن مَاهَكَ قال: كان مَرْوانُ على الحجاز، استعمله معاوية بن أبي سفيان، فخطب فجعل [¬٩] يذكر بن يزيدَ بن معاوية لكي [¬١٠] يبايع له\n_________\n(^١٥) - تفسير ابن أبي حاتم (١٠/ ١٨٥٧٢) وإسناده حسن رجاله ثقات إلَّا أن عبد الله البهي مولى مصعب بن الزبير ذكره ابن حبان في الثقات (٥/ ٣٣، ٤٧) وقال ابن سعد في الطبقات (٦/ ٢٩٩): كان ثقة معروفًا قليل الحديث وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: \"كما في تهذيب التهذيب ٦/ ٩٠): لا يحتج بالبهي وهو مضطرب الحديث. وقال ابن حجر في \"التقريب\": صدوق يخطيء. ورواه البزار (١٦٢٤ - كشف) من طريق إسماعيل بن عبد الله البهي نحوه، وذكره الهيثمي في المجمع (٥/ ٢٤١) وقال: \"رواه البزار بإسناد حسن، وزاد السيوطي في الدر المنثور (٦/ ١١) نسبته لابن المنذر وعزاه أيضًا ابن حجر في فتح الباري (٨/ ٥٧٧) لأبي يعلى من هذه الطريق وللخبر طريق أخرى عند البخاري وغيرها عند النسائي وسيأتي تخريجهما (انظر الحديث التالي والذي يليه).\n(^١٦) - رواه البخاري في \"صحيحه\" كتاب التفسير، باب: ﴿وَالَّذِي قَال لِوَالِدَيهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ …﴾ الآية حديث (٤٨٢٧)، وانظر السابق.\n_________\n[¬١]- في خ: \"جرير\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في ز، خ: \"وقاله\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين بياض في: ز، خ.\n[¬٥]- في ت: \"ولا\".\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٧]- في ز، خ: \"كلما\".\n[¬٨]- في خ: \"جئ\".\n[¬٩]- في ت: \"وجعل\".\n[¬١٠]- في ز، خ: \"بل\".","vol":"13","page":19},{"text":"بعد أبيه، فقال له عبد الرحمن بن أبي بكر شيئًا، فقال: خذوه. فدخل بيت عائشة ﵂ فلم يقدروا عليه، فقال مروان: إن هذا الذي أنزل فيه: ﴿وَالَّذِي قَال لِوَالِدَيهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي﴾. فقالت عائشة مِن وراء الحجاب: ما أنزل الله فينا شيئًا من القرآن، إلا أن الله أنزل عُذْري.\n(طريق أخرى) قال النسائي (^١٧): حدثنا علي بن الحسين، حدثنا أمية بن خالد، حدثنا شعبة، عن محمد بن زياد قال: لما بايع معاوية لابنه، قال مروان: سنة أبي بكر وعمر. فقال عبد الرحمن بن أبي بكر: سنة هرقل وقيصر. فقال مروان: هذا الذي أنزل الله فيه: ﴿وَالَّذِي قَال لِوَالِدَيهِ أُفٍّ لَكُمَا …﴾ الآية. فبلغ ذلك عائشة فقالت: كذب مروان! والله ما هو به، ولو شئت أن أسمي الذي أنزلت فيه لسميته، ولكن رسول الله ﷺ لعن أبا مروان، ومروانُ في صلبه، فمروان فَضَضٌ [¬١] (*) من لعنة الله.\nوقوله: ﴿أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ﴾ أي: أبعث ﴿وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي﴾ أي: قد مضى الناس فلم يرجع منهم مخبر، ﴿وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ﴾. أي: يسألان الله فيه أن يهديه ويقولان لولدهما: ﴿وَيلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هَذَا إلا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾.\nقال الله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ﴾ أي: دخلوا في زمرة أشباههم وأضرابهم من الكافرين الخاسرين أنفسهم وأهليهم يوم القيامة.\n[وقوله: ﴿أُولَئِكَ﴾ بعد قوله ﴿وَالَّذِي قَال﴾ دليل على ما ذكرناه من أنه جنس يعم كل من كان كذلك] [¬٢].\n_________\n(^١٧) - رواه النسائي في \"الكبرى\" كتاب التفسير، باب: قوله: ﴿وَالَّذِي قَال لِوَالِدَيهِ أُفٍّ لَكُمَا﴾ حديث (١١٤٩١) وهو في تفسيره رقم (٥١١) والحديث رواه الحاكم في المستدرك (٤/ ٤٨١) وصححه على شرط الشيخين وتعقبه الذهبي فقال: محمد لم يسمع من عائشة، وزاد ابن حجر نسبته في الفتح (٨/ ٥٧٦) للإسماعيلي. وزاد السيوطي نسبته في الدر المنثور (٦/ ١١) لعبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه ومحمد بن زياد هو القرشي الجمحي ثقة ثبت، ذكر المزى في ترجمته في \"التهذيب\" أنه روى عن عائشة ولم أجد من نص على عدم سماعه من عائشة ﵂ غير الذهبي ﵀ في تلخيصه للمستدرك.\n(*) أي قطعة وطائفة منها.\n_________\n[¬١]- في ز: \"نفيض\"، خ: \"يقتض\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من ت.","vol":"13","page":20},{"text":"وقال الحسن، وقتادة: هو الكافر الفاجر العاق لوالديه، المكذب بالبعث.\nوقد روى الحافظ ابن عساكر (^١٨) في ترجمة سهل بن داود، من طريق هشام بن عمار: حدثنا حماد بن عبد الرحمن، حدثنا خالد بن [¬١] الزبرقان الحلبي [¬٢]، عن سليمان [¬٣] بن حبيب المحاربي، عن أبي أمامة الباهلي، عن النبي ﷺ قال: \"أربعة لعنهم الله من فوق عرشه، وأمَّنت عليهم الملائكة: مضل المساكين\". قال خالد: الذي يهوي بيده إلى المسكين [¬٤] فيقول: هلم أعطيك، فإذا جاءه قال: ليس معي شيء. \"والذي يقول للمكفوف [¬٥]: اتق [¬٦] الدابة [¬٧] وليس بين يديه شيء، والرجل يسأل عن دار القوم فيدلونه على غيرها. والذي يضرب الوالدين حتى يستغيثا\". غريب جدًّا.\nوقوله: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾ أي: لكل عذاب بحسب عمله، ﴿وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ أي: لا يظلمهم مثقال ذرة فما دونها [قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: درجات النار تذهب سفالًا ودرجات الجنة تذهب علوًّا] [¬٨].\nوقوله: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا﴾ أي: يقال لهم ذلك تقريعًا وتوبيخًا. وقد تَورّعَ عمر بن الخطاب ﵁ عن كثير من طيبات المآكل والمشارب، وتنزه عنها، ويقول: أخاف أن أكون\n_________\n(^١٨) - رواه الطبراني في الكبير (٧٤٨٩) من طريق هشام بن عمَّار بنفس إسناد ابن عساكر إلى النبي ﷺ بلفظ: \"أربعة لعنهم الله فوق عرشه وأمنت عليهم ملائكته الذي يحصن نفسه عن النساء ولا يتزوج ولا يتسرى لأن لا ولد له ولد، والرجل يتشبه بالنساء وقد خلقه الله ذكرًا، والمرأة تتشبه بالرجال وقد خلقها الله ﷿ أنثى، ومضلل المساكين\". قال خالد بن الزبرقان يعني: الذي يهزأ بهم يقول للمسكين هل أعطيك فإذا جاءه الرجل قال: ليس معي شيء ويقول للمكفوف: اتق البئر، اتق الدابة. وليس بين يديه شيء. والرجل يسأل عن دار القوم فيرشده إلى غيرها. وإسناده ضعيف حمَّاد بن عبد الرحمن هو الكلبي ضعيف قال أبو زرعة الرازي: يروى أحاديث مناكير. وقال أبو حاتم: شيخ مجهول، منكر الحديث، ضعيف الحديث كذا في الجرح والتعديل (٣/ ١٤٣) وضعفه الحافظ في \"التقريب\" وشيخه خالد بن الزبرقان قال أبو حاتم في الجرح والتعديل (٣/ ٣٣٢): منكر الحديث وترجم له الذهبي في الميزان (٢/ ١٥٣) ونقل فيه قول أبي حاتم. والحديث من هذه الطريق أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٤/ ٢٥٤) وقال: (رواه الطبراني في الكبير من طريق حماد بن عبد الرحمن الكلبي (تحرف في المطبوع من المجمع إلى العكى) عن خالد بن الزبرقان وكلاهما ضعيف\". =\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- في ز: \"العدني\"، خ: \"العديني\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"سليم\".\n[¬٤]- في ز، خ: \"المسلمين\".\n[¬٥]- في خ: \"للماعون\".\n[¬٦]- بياض في: ز، خ: \"ابن\".\n[¬٧]- بياض في: ز، خ.\n[¬٨]- ما بين المعكوفتين سقط من ت.","vol":"13","page":21},{"text":"كالذين قال الله تعالى لهم وَقرَّعهم: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا﴾.\nوقال أبو مِجْلَز: ليتفقَّدَنّ [¬١] أقوامٌ حَسَنات كانت لهم في [¬٢] الدنيا، فيقال لهم: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا﴾.\nوقوله: ﴿فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ﴾، فجوزوا من جنس عملهم، فكما نَعَّموا أنفسهم واستكبروا عن اتباع الحق، وتعاطوا الفسق والمعاصي، جازاهم الله بعذاب الهون،. وهو الإِهانة والخزي والآلام الموجعة، والحسرات المتتابعة، والمنازل في الدركات المفظعة [¬٣]، أجارنا الله من ذلك كله [¬٤]!\n﴿وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَينِ يَدَيهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلَّا تَعْبُدُوا إلا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٢١) قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٢) قَال إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَأُبَلِّغُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ (٢٣) فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٤) تُدَمِّرُ كُلَّ شَيءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إلا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (٢٥)﴾\nيقول تعالى مسليًا لنبيه في تكذيب من كذبه من قومه: ﴿وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ﴾ - وهو\n_________\n= ورواه الطبراني في الكبير (٧٨٢٧) من طريق آخر عن القاسم عن أبي أمامة نحوه، وفي إسناده علي بن يزيد الألهاني وهو متروك، وبه أعل الهيثمي الحديث في مجمع الزوائد (٤/ ١٠٦) وقال المنذري في الترغيب والترهيب (٣/ ٢٩): \"رواه الطبراني من طريق علي بن يزيد الألهاني وفي الحديث غرابة\". والحديث من الطريق الأولى ذكره ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (١/ ٤١٣) وقال: قال أبي هذا حديث منكر بهذا الإسناد.\n_________\n[¬١]- في خ: \"ليتفقدون\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"من\".\n[¬٣]- في خ: \"المقطعة\".\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.","vol":"13","page":22},{"text":"هود ﵇ بعثه الله إلى عاد الأولى، وكانوا يسكنون الأحقاف - جمع حِقْف وهو: الجبل من الرمل - قاله ابن زيد.\nوقال عكرمة: الأحقاف: الجبل والغار.\nوقال علي بن أبي طالب ﵁: الأحقاف: واد بحضرموت، يدعى بَرَهوت، تُلقى [¬١] فيه أرواح الكفار.\nوقال قتادة: ذُكر لنا أن عادًا كانوا حيًّا باليمن، أهل رمل [] [¬٢]، مشرفين على البحر بأرض يقال لها: الشِّحْر [¬٣].\nقال ابن ماجة (^١٩): \" باب إذا دعا فليبدأ بنفسه\": حدثنا [الحسن بن علي الخلال] [¬٤] حدثنا زيد بن الحباب حدثنا [عن أبي إسحاق] [¬٥] عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: \"يرحمنا الله، وأخا عاد\".\nوقوله: ﴿وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ [¬٦] مِنْ بَينِ يَدَيهِ وَمِنْ خَلْفِهِ﴾ يعني: وقد أرسل الله إلى مَن حَول بلادهم من القرى مرسلين ومنذرين، كقوله: ﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَينَ يَدَيهَا وَمَا خَلْفَهَا﴾، وكقوله: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا [¬٧] فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ (١٣) إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَينِ أَيدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا تَعْبُدُوا إلا اللَّهَ﴾\n_________\n(^١٩) - رواه ابن ماجة في \"السنن\" كتاب الدعاء، باب: إذا دعا أحدكم فليبدأ بنفسه حديث (٣٨٥٢) كما نقله المصنف هنا. وإسناده ضعيف فإن زيد بن الحباب وإن وثقه ابن معين وغيره إلَّا أنه قال فيه: كان يقلب حديث الثوري. ولذلك قال الحافظ في \"التقريب\": صدوق يخطيء في حديث الثوري. وأبو إسحاق هو السبيعي ثقة لكنه مدلس ولم يصرح هنا بالسماع والحديث ضعفه الألباني في \"ضعيف الجامع\" (٦٤٤٤) وضعيف سنن ابن ماجة (٨٤٠) أما قول البوصيري في \"الزوائد\" (٣/ ٢٠٤): \"هذا إسناد صحيح\" ففيه ما فيه، والله أعلم.\nوقد روى الحديث من وجه آخر عند ابن أبي شيبة في مصفه (١٠/ ٢٢٠) (٩٢٧٧) من طريق سفيان عن إبراهيم بن المهاجر، عن إبراهيم به مرسلًا، وهو إسناد مرسل. وإبراهيم بن مهاجر هو البجلي قال الحافظ في \"التقريب\": صدوق لين الحفظ.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"يُلْقى\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"وذكرات\".\n[¬٣]- في خ: \"الشجرة\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"الحسين بن علي ثنا أبي\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"ثنا على إسحاق\".\n[¬٦]- في ز، خ: \"القرون\".\n[¬٧]- في ز، خ: \"تولوا\".","vol":"13","page":23},{"text":"أي: قال لهم هود ذلك، فأجابه قومه قائلين: ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا﴾ أي: لتصدنا ﴿عَنْ آلِهَتِنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾، استعجلوا عذاب الله وعقوبته، استبعادًا منهم وقوعه، كقوله: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾. ﴿قَال [¬١] إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ أي: الله أعلم بكم إن كنتم مستحقين لتعجيل العذاب فيفعل ذلك بكم، وما أنا فمن شأني أن أبلغكم ما أرسلت به، ﴿وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾ أي: لا تعقلون ولا تفهمون.\nقال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ﴾ أي: لما رأوا العذاب مستقبلهم، اعتقدوا أنه عارض ممطر [¬٢]، ففرحوا واستبشروا، وقد كانوا ممحلين محتاجين إلى المطر، قال الله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أي: هو العذاب الذي قلتم: ﴿فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾.\n﴿تُدَمِّرُ﴾ أي: تخرب. ﴿كُلَّ شَيءٍ﴾ من بلادهم مما [من شأنه الخراب] [¬٣].\n﴿بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ أي: بإذن الله لها في ذلك، كقوله: ﴿مَا تَذَرُ مِنْ شَيءٍ أَتَتْ عَلَيهِ إلا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ﴾ أي: كالشيء البالي؛ ولهذا قال: ﴿فَأَصْبَحُوا [لَا يُرَى] [¬٤] إلا مَسَاكِنُهُمْ﴾ أي: قد بادوا كلهم عن آخرهم ولم تبق لهم باقية، ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ﴾ أي: هذا حكمنا فيمن كذب رسلنا، وخالف أمرنا.\nوقد ورد حديث في قصتهم، وهو غريبٌ جدًّا من غرائب [¬٥] الحديث وأفراده. قال الإمام أحمد (^٢٠):\nحدثنا زيد بن الحباب، حدثني أبو [¬٦] المنذر سلام بن سليمان النحوي قال: حدثنا عاصم بن أبي النَّجُود، عن أبي وائل، عن الحارث البكري قال: خرجت أشكو العلاء بن [¬٧] الحضرمي إلى رسول الله ﷺ، فمررت بالرَّبذَة، فإذا عجوز من بني تميم منقطع بها، فقالت لي: يا عبد الله، إن لي إلى رسول الله ﷺ حاجةً، فهل أنت مبلِّغي إليه؟ قال: فحملتها فأتيت بها المدينة، فإذا المسجد غاصٌّ بأهله، وإذا راية\n_________\n(^٢٠) - تقدم في الأعراف (١٢٢)، وهو في المسند (١٦٠٠٠) (٣/ ٤٨٢).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"قال\".\n[¬٢]- في خ: \"مطر\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في خ: \"مر به الجواب\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"ترى\".\n[¬٥]- في ز، خ: \"غريب\".\n[¬٦]- في ز، خ: \"ابن\".\n[¬٧]- سقط من: ز، خ.","vol":"13","page":24},{"text":"سوداء تخفق، وإذا بلال مُتقَلِّدُ السيف بين يدي رسول الله ﷺ، فقلت: ما شأن الناس؟ قالوا: يريد أن يبعث عمرو بن العاص وجْهًا. قال: فجلست، فدخل منزله -أو قال: رحله- فاستأذنت عليه، فأذن لي، فدخلت. [فسلمت، فقال: \"هل كان بينكم وبين تميم شيء؟ \" قلت: نعم، وكانت لنا الدَّبَرَة (*) عليهم، ومررت بعجوز من بني تميم منقطع بها، فسألتني أن أحملها إليك، وها هي بالباب. فأذن لها فدخلَتْ] [¬١]، فقلت: يا رسول الله، إن رأيت أن تجعل بيننا وبين تميم حاجزًا فاجعل الدهناء. فحَمِيت العجوز واستوفزت، وقالت: [يا رسول الله] [¬٢]، فإلى [¬٣] أين يضطرُ [¬٤] مُضَرُك؟ قال: قلت: إن مثلي ما قال الأول: \"معْزَى [¬٥] حَمَلت حَتْفها\"، حَمَلْتُ هذه ولا أشعر أنها كانت لي خصمًا، أعوذ بالله ورسوله أن أكون كوافد عادٍ. قال: \"هيه، وما وافد عاد؟ \" - وهو أعلم بالحديث منه، ولكن يستطعمه - قلت: إن عادًا قُحطوا فبعثوا وافدًا لهم يقال له: قَيل، فمر بمعاوية بن بكر، فأقام عنده شهرًا يسقيه الخمر وتغنيه جاريتان - يقال لهما: \"الجرادتان\" - فلما مضى الشهر خرج إلى جبال مَهْرة فقال: اللهم؛ انك تعلم أني لم أجئ إلى مريض فأداويَه، ولا إلى أسير فأفاديه، اللهم؛ اسق عادًا ما كنت تسقيه. فمرت به سحابات سود، فنودي منها: \"اختر\"، فأومأ إلى سحابة منها سوداء، فنُودي منها: \"خذها رمادًا رِمْدَدًا [¬٦]، لا تُبقي من عاد أحدًا\". قال: فما بلغني أنه أرسل عليهم من الريح إلا كقدر ما يجري في خاتمي هذا، حتى هلكوا - قال أبو وائل: وصدق - وكانت المرأة والرجل إذا بعثوا وافدًا لهم قالوا: \"لا تكن كوافد عاد\".\nو[¬٧] رواه الترمذي والنسائي وابن ماجة كما تقدم في سورة \"الأعراف\".\nوقال الإِمام أحمد (^٢١): حدثنا هارون بن معروف، أخبرنا ابن وهب، أخبرنا عمرو: أن أبا النضر حدثه عن سليمان بن يَسَار [¬٨]، عن عائشة أنها قالت: ما رأيت رسول الله\n_________\n(*) الدبرة: الغلبة والنصر.\n(^٢١) - المسند (٦/ ٦٦) وفيه حدثنا هارون بن معروف ومعاوية بن عمرو قالا: حدثنا ابن وهب … الحديث ورواه البخاري في \"صحيحه\" كتاب التفسير، باب: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا. .﴾ الآية حديث (٤٨٢٨)، (٨٨٢٩) وفي كتاب الأدب، باب: التبسم والضحك حديث (٦٠٩٢) مختصرًا، ومسلم في صلاة الاستسقاء، باب: التعوذ عند رؤية الريح والغيم، والفرح بالمطر حديث (١٦) (٨٩٩) من طرق عن ابن وهب به.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين من: ز.\n[¬٣]- في ز، \"قال\"، سقط من: خ.\n[¬٤]- في خ: \"مضطرفه\".\n[¬٥]- في خ: \"بعرى\".\n[¬٦]- في خ: \"ومددا\".\n[¬٧]- سقط من: ز.\n[¬٨]- في ز: \"بشار\".","vol":"13","page":25},{"text":"ﷺ مستجمعًا ضاحكًا حتى أرى منه لَهوَاته (*)، إنما كان يتبسم. قالت: وكان إذا رأى غيمًا -أو ريحًا- عُرف ذلك في وجهه، قالت: يا رسول الله، الناس إذا رأوا الغيم فرحوا رجاء أن يكون فيه المطر، وأراك إذا رأيته عُرِفَت في وجهك الكراهية؟ فقال: \"يا عائشة، ما يُؤْمنُني أن يكون فيه عذاب، قد عُذِّب قوم بالريح، وقد رأى قوم العذاب فقالوا: هذا عارض ممطرنا\". وأخرجاه من حديث ابن وهب.\n(طريق أخرى) قال أحمد (^٢٢): حدثنا عبد الرحمن، عن سفيان، عن المقدام بن شريح، عن أبيه، عن عائشة أن رسول الله ﷺ كان إذا رأى ناشئًا (**) في أفق من آفاق [¬١] السماء، ترك عمله وإن كان في صلاته، ثم يقول: \"اللهم، إني أعوذ بك من شر ما فيه\". فإن كشفه الله حمد الله، وإن أمطرت قال: \"اللهم، صَيِّبًا (* * *) نافعًا\".\n(طريق أخرى) قال مسلم في صحيحه (^٢٣): حدثنا أبو الطاهر، أخبرنا ابن وهب،\n_________\n(*) جمع لَهَاة، وهي اللَّحمات في أقصى سقف الفم.\n(^٢٢) - المسند (٦/ ١٩٠) ورواه في (٦/ ١٣٧ - ١٣٨) من طريق وكيع. وأبو داود في الأدب، باب: ما يقول إذا هاجت الريح حديث (٥٠٩٩) من طريق عبد الرحمن. ورواه النسائي في عمل اليوم والليلة (٩١٥) من طريق يحيى. والبخاري في الأدب المفرد (٦٨٦) من طريق خلاد كلهم (وكيع، وعبد الرحمن، ويحيى، وخلاد) عن سفيان الثوري، عن المقدام بن شريح به، ورواه النسائي (٣/ ١٦٤) وابن حبان في صحيحه (٩٩٤) من طريق مسعر عن المقدام بن شريح به مختصرًا.\nورواه ابن أبي شيبة (١٠/ ٢١٨) ومن طريقه ابن ماجة في الدعاء - والنسائي في \"عمل اليوم والليلة\" (٩١٤) عن يزيد بن المقدام بن شريح، عن أبيه له. ورواه ابن حبان في صحيحه (١٠٠٦) وأحمد في المسند (٦/ ٢٢٢) من طريق شريك، عن المقدام بن شريح، عن أبيه، عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ إذا رأى في السماء غبارًا أو ريحًا تعوذ بالله من شره فإذا أمطرت قال: \"اللهم صيِّبًا نافعًا\" وفي إسناده شريك وهو ابن عبد الله القاضي ضعيف. والراوى عنه عند ابن حبان هو يحيى بن طلحة اليربوعي وهو لين الحديث، وعند أحمد: حجاج بن أرطأه، وهو ضعيف مدلس. لكن يشهد له الطرق السابقة غير قوله: \"غبار\" فإنه منكر كما قال أبو عبد الرحمن العلامة الشيخ ناصر الدين الألباني في - السلسلة الصحيحة (٢٧٥٧).\n(**) الناشئ: السحاب الذي لم يتكامل اجتماعه واصحابه. ومنه نشأ الصبي ينشأ نشأُ فهو ناشئ، إذا كبر وشب ولم يتكامل.\n(* * *) أي مطرًا منهمرًا متدفقًا.\n(^٢٣) - رواه مسلم في \"صحيحه\" كتاب صلاة الاستسقاء، باب: التعوذ عند رؤية الريح والغيم، والفرح بالمطر حديث (١٥) (٨٩٩) ورواه النسائي في \"عمل اليوم والليلة\" رقم (٩٤٠) قال أخبرنا: أحمد =\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"أفق\".","vol":"13","page":26},{"text":"سمعت ابن جريج يُحدِّث عن عطاء بن أبي رباح، عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ إذا عَصَفت الريح قال: \"اللهم، إني أسألك خيرها، وخير ما فيها، وخير ما أُرسِلَت به، وأعوذ بك من شرها، وشر ما فيها، وشر ما أرسِلَتْ به\". قالت: وإذا تَخَيَّلت [¬١] (*) السماء تغير لونه، وخرج ودخل، وأقبل وأدبر، فإذا أمطرت [¬٢] سري عنه، فعرفت ذلك عائشة فسألته فقال: \"لعله يا عائشة -كما قال قوم عاد: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾.\nوقد ذكرنا قصة هلاك عاد في سورتي [¬٣] \"الأعراف\" و\"هود\"، بما أغنى عن إعادته هاهنا، ولله الحمد والمنة.\nوقال الطبراني (^٢٤): حدثنا عبدان بن أحمد، حدثنا إسماعيل بن زكريا الكوفي، حدثنا أبو مالك بن مسلم الملائي، عن مجاهد وسعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: \"ما فتح على عاد من الريح إلا مثل موضع الخاتم، ثم أرسلت عليهم البَدْو [¬٤] إلى الحضر فلما رآها أهل الضر قالوا: هذا عارض ممطرنا مستقبل أوديتنا. وكان أهل البوادي فيها، فأُلقي أهل البادية على أهل الحاضرة حتى هلكوا. قال: عتت على خزانها حتى خرجت من خلال الأبواب\".\n﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا\n_________\n= ابن عمرو بن السرح، أخبرنا ابن وهب، فذكره ورواه برقم (٩٤١) من طريق عثمان بن عمر، عن ابن جريج به.\n(*) تخيلت السماء: تهيأت للمطر، فأغامت، ورعدت وبرقت.\n(^٢٤) - المعجم الكبير للطبراني (١٢٤١٦) وفي إسناده أبو مالك الجنبي، وهو عمرو بن هاشم ضعيف.\nضعفه البخاري في التاريخ (٦ / الترجمة ٢٧٠٢) فقال: فيه نظر. وقال أبو حاتم في الجرح والتعديل (٦ / الترجمة ١٤٧٨): لين الحديث يكتب حديثه. وقال الحافظ في \"التقريب\": لين الحديث. وشيخه مسلم الملائي هو مسلم بن كيسان الضبي الملائي روى له الترمذي وابن ماجة وهو ضعيف كما قال الحافظ في \"التقريب\". والحديث ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ١١٦) وقال: رواه الطبراني وفيه مسلم الملائي وهو ضعيف\". وذكره السيوطي في الدر المنثور (٦/ ١٥) وزاد نسبته إلى أبي الشيخ وابن مردويه وروى الطبراني (١٣٥٥٣) نحوه عن ابن عمر، وفي إسناده مسلم الملائي أيضًا وهو ضعيف كما تقدم ومن هذا الطريق ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ١١٦) وأعله بمسلم الملائي وذكره السيوطي في الدر المنثور (٦/ ١٥) وزاد نسبته إلى ابن أبي الدنيا وأبي يعلى وأبي الشيخ وابن مردويه.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"تجلت\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"مطر\".\n[¬٣]- في خ: \"سورة\".\n[¬٤]- في ز: \"البدر\"، خ: \"النذر\".","vol":"13","page":27},{"text":"أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٢٦) وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى وَصَرَّفْنَا الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢٧) فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٢٨).\nقول تعالى: ولقد مكنا الأمم السالفة [¬١] في الدنيا من الأموال والأولاد، وأعطيناهم منها ما لم نعطكم مثله ولا قريبًا منه، ﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ أي: وأحاط بهم العذاب والنكال الذي كانوا يكذبون به ويستبعدون وقوعه، أي: فاحذروا أيها المخاطبون أن تكونوا مثلهم، فيصيبَكم مثلُ ما أصابهم من العذاب في الدنيا والآخرة.\nوقوله: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى﴾ يعني: أهل مكة، قد أهلك الله [¬٢] الأمم المكذبة بالرسل مما حولها كعاد، و[¬٣] كانوا بالأحقاف لحضرموت عند اليمن، وثمود وكانت منازلهم بينهم وبين الشام، وكذلك سبأ وهم أهل اليمن، ومدين وكانت في طريقهم وممرهم إلى غزة، وكذلك بحيرة قوم لوط، كانو يمرون بها أيضًا.\nوقوله: ﴿وَصَرَّفْنَا الْآيَاتِ﴾ أي: بيَّناها وَوَضَّحناها ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢٧) فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً﴾ أي: فهلا نصروهم عند احتياجهم إليهم، ﴿بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ﴾ أي: بل [¬٤] ذهبوا عنهم أحوجَ ما كانوا إليهم، ﴿وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ﴾ أي: كذبهم، ﴿وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ أي: وافتراؤهم في اتخاذهم إياهم آلهة، وقد خابوا وخسروا في عبادتهم لها، واعتمادهم عليها.\n﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (٢٩) قَالُوا يَاقَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"السابقة\".\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.","vol":"13","page":28},{"text":"بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَينَ يَدَيهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٠) يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٣١) وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٣٢)﴾\nقال الإِمام أحمد (^٢٥): حدثنا سفيان، حدثنا عمرو: سمعت عكرمة، عن الزبير: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ﴾، قال: بنخلة، ورسول الله ﷺ يصلي العشاء الآخرة، ﴿كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيهِ لِبَدًا﴾، قال سفيان: اللِّبَد: بعضهم على بعض، كاللبد بعضه على بعض. تفرد به أحمد، وسيأتي من رواية ابن جرير، عن عكرمة، عن ابن عباس: أنهم سبعة من جن نَصِيبين.\nوقال الإِمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا أبو عوانة (خ). وقال الحافظ أبو بكر البيهقي في كتابه \"دلائل النبوة\": أخبرنا أبو الحسن علي بن أحمد بن عبدان، أخبرنا أحمد بن عبيد الصفار، حدثنا إسماعيل [] [¬١] القاضي، أخبرنا مسدد، حدثنا أبو عوانة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: ما قرأ رسول الله ﷺ على الجن ولا رآهم، انطلق رسول الله ﷺ في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ، وقد حيلَ بين الشياطين وبين خبر السماء، وأرسلت عليهم الشهب، فرجعت الشياطين إلى قومهم فقالوا: ما لكم؟ فقالوا: حيل بيننا وبين خبر السماء، وأرسلت علينا الشهب. قالوا: ما حال بينكم وبين خبر السماء إلا شيء حدث، فاضربوا مشارق الأرض\n_________\n(^٢٥) - المسند (١/ ١٦٧) وفيه: حدثنا سفيان قال عمرو: وسمعت عكرمة ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيكَ﴾، وقرئ على سفيان: عن الزبير ﴿نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ﴾ قال: بنخلة ورسول الله ﷺ يصلي العشاء الآخرة … الحديث، فذكره ابن كثير هنا عن الزبير وذكر فيه الآية كاملة. أما الهيثمي ﵀ فقد ذكر الحديث في مجمع الزوائد (٧/ ١٣٢) فقال: \"عن عكرمة وغيره ﴿نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ﴾ قال بنخلة … رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح\". كذا وقع في \"مجمع الزوائد\" فلعل كلمة (الزبير) تحرفت على الناسخ إلى (غيره) والحديث منقطع فإن عكرمة لم يسمع من الزبير، قال العلامة أحمد شاكر في تعليقه على المسند الحديث (١٤٣٥): إني أرجح أن عكرمة لم يسمع من الزبير؛ لأن مولاه إنما أهداه لابن عباس حين ولي البصرة من قبل علي بن أبي طالب سنة ٥٣٦ … وذلك بعد وقعة الجمل ومقتل الزبير يقينًا\" والحديث ذكره السيوطي في الدر المنثور (٦/ ١٦) وزاد نسبته لابن أبي حاتم وابن مردويه.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في خ: \"بن\".","vol":"13","page":29},{"text":"ومغاربها [وانظروا ما هذا الذي حال بينكم وبين خبر السماء. فانطلقوا يضربون مشارق الأرض ومغاربها] [¬١] يبتغون ما هذا الذي حال بينهم وبين خبر السماء، فانصرف أولئك النفر الذين [¬٢] توجهوا نحو تهامة إلى رسول الله ﷺ وهو بنخلة عامدًا إلى سوق عكاظ، وهو يصلي بأصحاده صلاة الفجر، فلما سمعوا القرآن استمعوا له، فقالوا: هذا - والله - الذي حال بينكم وبين خبر السماء. فهنالك حين رَجَعُوا إلى قومهم قالوا: يا قومنا، ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا﴾. وأنزل الله على نبيه: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ﴾. وإنما أوحي إليه قول الجن (^٢٦).\nرواه البخاري عن مسدد بنحوه، وأخرجه مسلم عن شيبان بن فَرُّوخ، عن أبي عوانة، به. ورواه الترمذي والنسائي في التفسير، من حديث أبي عوانة.\nوقال الإِمام أحمد أيضًا (^٢٧): حدثنا أبو أحمد، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: كان الجن يستمعون الوحي، فيسمعون الكلمة فيزيدون فيها عشرًا، فيكون ما سمعوا حقًّا وما زادوا باطلًا، وكانت النجوم لا يُرمى بها قبل ذلك، فلما بُعث رسول الله ﷺ كان أحدهم لا يأتي مقعده إلا رُمي بشهاب يُحرِقُ ما أصاب، فَشَكَوا ذلك إلى إبليس فقال: ما هذا إلا من أمر قد حَدَث، فبثَّ جنوده، فإذا بالنبي ﷺ يصلي بين جبلي نخلة، فأتوه فأخبروه، فقال: هذا الحدث الذي حدث في الأرض. رواه الترمذي والنسائي في كتابي التفسير من سننيهما، من حديث إسرائيل به.\nوقال الترمذي: حسن صحيح. وهكذا رواه أيوب عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس. وكذا رواه العوفي، عن ابن عباس أيضًا بمثل هذا السياق بطوله. وهكذا قال الحسن البصري: إنه ﵇ ما شعر بأمرهم حتى أنزل الله عليه بخبرهم.\n_________\n(^٢٦) - رواه أحمد في مسنده (١/ ٢٥٢) ورواه البخاري في \"صحيحه\" في الأذان، باب: الجهر بقراءة صلاة الفجر حديث (٧٧٣) وفي التفسير، حديث (٤٩٢١)، ومسلم في \"صحيحه\" في الصلاة، باب: الجهر بالقراءة في الصحيح، والقراءة على الجن حديث (٤٤٩) (١٤٩) والترمذي في \"جامعه\" كتاب التفسير، باب: ومن سورة الجن حديث (٣٣٢٣)، والنسائي في تفسيره رقم (٦٤٤) من طرق عن أبي عوانة به.\n(^٢٧) - المسند (١/ ٢٧٤) (٢٤٨٢) ورواه الترمذي في كتاب التفسير، باب: ومن سورة الجن حديث (٣٣٢٤) والنسائي في التفسير رقم (٦٤٦) من طريق إسرائيل به، ورواه أحمد (١/ ٣٢٣) (٢٩٧٩) من طريق إسرائيل، عن سماك، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في ز، خ: \"الذي\".","vol":"13","page":30},{"text":"وذكر محمد بن إسحاق (^٢٨)، عن يزيد بن رومان، عن محمد بن كعب القُرَظي قصَّةَ خروج رسول الله ﷺ إلى الطائف ودعائه إياهم إلى الله ﷿ وإبائهم عليه. فذكر القصة بطولها، واورد ذلك الدعاء الحسن: \"اللهم، إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي … \" إلى آخره. قال: فلما انصرف عنهم بات بنخلة، فقرأ تلك الليلة من القرآن فاستمعته [¬١] الجن من أهل نَصيبين.\nوهذا صحيح، ولكن قوله: \"إن الجن كان استماعهم تلك الليلة\". فيه نظر، لأن الجن كان استماعهم في ابتداء الإِيحاء، كما دل عليه حديث ابن عباس المذكور، وخروجه ﵇ إلى الطائف كان بعد موت عمه، وذلك قبل الهجرة بسنة أو سنتين، كما قرره ابن إسحاق وغيره.\nوقال أبو بكر بن أبي شَيْبَةَ (^٢٩): حدثنا أبو أحمد الزَّبيريّ، حدثنا سفيان، عن عاصم، عن زرّ، عن عبد الله بن مسعود قال: هبطوا على النبي ﷺ وهو يقرأ القرآن ببطن نخلة، فلما سمعوه قالوا: أنصتوا. قال: صه. وكانوا تسعة أحدهم زوبعة، فأنزل الله ﷿: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ إلى ﴿ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾.\nفهذا مع الأول من رواية ابن عباس يقتضي أن رسول الله ﷺ لم يشعر بحضورهم في هذه المرة، وإنما استمعوا قراءته، ثم رجعوا إلى قومهم، ثم بعد ذلك وفدوا إليه أرسالًا (*) قومًا بعد قوم، وفوجًا بعد فوج، كما ستأتي [¬٢] بذلك الأخبار في موضعه [¬٣]\n_________\n(^٢٨) - رواه ابن إسحاق كما في سيرة ابن هشام (٢/ ٤٤٤ - ٤٤٥) وإسناده مرسل فإن محمد بن كعب القرظي من ثقات التابعين ولد سنة أربعين على ما رجحه الحافظ في \"التقريب\" والحديث رواه الطبراني كما في مجمع الزوائد (٦/ ٣٨) من حديث عبد الله بن جعفر. وقال الهيثمي: فيه ابن إسحاق وهو مدلس ثقة وبقية رجاله ثقات. ولم أقف على إسناده في المطبوع من معجم الطبراني الكبير بسبب فقد الجزء الذي يحتوي على مرويات المبادلة من الصحابة عدا ابن مسعود وابن عباس، وجزء من حديث ابن عمر ﵃.\n(^٢٩) - رواه ابن أبي شيبة، ومن طريقه الحاكم في المستدرك (٢/ ٤٥٦)، والبيهقي في دلائل النبوة (٢/ ٢٢٨) وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وفي إسناده أبو أحمد الزبيري وهو محمد بن عبد الله بن الزبير الأسلمي ثقة ثبت؛ إلَّا أن الإمام أحمد قال: كان كثير الخطأ في حديث سفيان. كذا في \"التهذيب\" (٢٥/ ٤٧٩) والحديث ذكره السيوطي في الدر المنثور (٦/ ١٦) وزاد نسبته إلى ابن منيع وابن مردويه وأبي نعيم في \"دلائل النبوة\".\n(*) يقال: جاء القوم أرسالًا، أي جماعات متتابعين.\n_________\n[¬١]- في ت: \"فاستمعه\".\n[¬٢]- في ت: \"سيأتي\".\n[¬٣]- في ت: \"موضعها\".","vol":"13","page":31},{"text":"والآثار، مما سنوردها هاهنا إن شاء الله تعالى وبه الثقة.\nفأما ما رواه البخاري ومسلم جميعًا (^٣٠)، عن أبي قدامة عبيد الله بن سعيد السَّرخسي، عن أبي أسامة حماد بن أسامة، عن مسعر بن كدام، عن مَعن بن عبد الرحمن قال: سمعت أبي قال: سألت مسروقًا: من آذَنَ النبي ﷺ ليلة استمعوا القرآن؟ فقال: حدثني أبوك -يعني ابن مسعود- أنه آذنته [¬١] بهم شجرة - فيحتمل أن يكون هذا في المرة الأولى، ويكون إثباتًا مقدَّمًا على نفي ابن عباس، ويحتمل أن يكون هذا في بعض المرات المتأخرات، والله أعلم. ويحتمل أن يكون في الأولى ولكن لم يشعر بهم حال استماعهم حتى آذنته بهم الشجرة [¬٢]، أي: أعلمته باستماعهم، والله أعلم.\nقال الحافظ البيهقي (^٣١): وهذا الذي حكاه ابن عباس ﵄ [¬٣]- إنما هو في أول ما سمعت الجن قراءة رسول الله صلى الذ عليه وسلم وعلمت حاله، وفي ذلك الوقت لم يقرأ عليهم ولم يرهم، ثم بعد ذلك أتاه داعي الجن فقرأ عليهم القرآن، ودعاهم إلى الله ﷿ -كما رواه عبد الله بن مسعود ﵁.\n[ذكر الرواية عنه بذلك]\nقال الإِمام أحمد (^٣٢): حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، حدثنا داود، عن الشعبي - وابن أبي زائدة، أخبرنا داود، عن الشعبي، عن [¬٤] علقمة قال: قلت لعبد الله بن مسعود: هل صَحِب رسول الله ﷺ ليلة الجن منكم أحد؟ فقال: ما صحبه منا أحد،\n_________\n(^٣٠) - رواه البخاري في \"صحيحه\" كتاب مناقب الأنصار، باب: ذكر الجن. وقوله الله تعالى: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ﴾ حديث (٣٨٥٩)، ومسلم في \"صحيحه\" كتاب الصلاة، باب: الجهر بالقراءة في الصبح والقراءة على الجن حديث (١٥٣/ ٤٥٠) من طريق عبيد الله بن سعيد به. ورواه الحميدي كما في المنتخب من مسنده رقم (١٢٣) قال: حدثنا سفيان، عن مسعر، عن عمرو بن مرة، عن أبي عبيدة قال: قال لي مسروق: أخبرني أبوك أن شجرة أنذرت النبي ﷺ بالجن.\n(^٣١) - انظر دلائل النبوة للبيهقي (٢/ ٢٢٧) مع قليل من التصرف.\n(^٣٢) - المسند (١/ ٤٣٦) (٤١٤٩) ومن طريقه رواه البيهقي في الدلائل (٢/ ٢٢٩) ورواه مسلم في \"صحيحه\" كتاب الصلاة، باب: الجهر بالقراءة في الصبح والقراءة على الجن حديث (١٥٠/ ٤٥٥) والترمذي في باب تفسير القرآن، باب: \"ومن سورة الأحقاف\" حديث (٣٢٥٨) من طريق إسماعيل بن إبراهيم، عن داود بن أبي هند به نحوه. ورواه النسائي في الكبرى كما في تحفة الأشراف (٩٤٦٣) وهو في التفسير برقم (٦٤٣) وابن خزيمة في صحيحه (٨٢) من طريق يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، عن داود به. ورواه مسلم أيضًا في نفس الموضع حديث (١٥١/ ٤٥٠) من طريق عبد الله بن إدريس، عن =\n_________\n[¬١]- في خ: \"آذن\".\n[¬٢]- مكانها بياض في: ز، سقط من: خ.\n[¬٣]- في ز، خ: \"عنه\".\n[¬٤]- بعده في خ: \"أبي\".","vol":"13","page":32},{"text":"ولكنا فقدناه ذات ليلة بمكة، فقلنا: اغتيل؟ استُطير (*)؟ ما فعل؟ قال: فبتنا بشرِّ ليلة بات بها قوم، فلما كان في وجه الصبح -أو قال: في السحر- إذا نحن به يجيء من قِبَل حراء، فقلنا: يا رسول الله - فذكروا له الذي كانوا فيه - فقال: \"إنه أتاني داعي الجن [¬١] فأتيتهم فقرأت عليهم\". قال: فانطلق، فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم - قال: وقال الشعبي: سألوه الزاد - قال عابر: سألوه [ليلتئذٍ الزاد] [¬٢]، وكانوا من جن الجزيرة، فقال: \"كل عظم ذكر اسم الله عليه يقع في أيديكم أوفر ما كان عليه [¬٣] لحمًا، وكل بعرة أو روثة علف لدوابكم\" قال: \"فلا تستنجوا بهما فإنهما زاد إخوانكم من الجن\". وهكذا رواه مسلم في صحيحه، عن علي بن حُجْر، عن إسماعيل ابن عُلَية، به نحوه.\nوقال مسلم أيضًا (^٣٣): حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا عبد الأعلى، حدثنا داود - و[¬٤] هو ابن أبي هند - عن عامر قال: سألتُ علقمةَ: هل كان ابن مسعود ﵁ شَهِدَ مع رسول الله ﷺ ليلة الجن؟ قال: فقال علقمة: أنا سألتُ ابنَ مسعود، فقلت: هل شهد أحدٌ منكم مع رسول الله ﷺ ليلة الجن؟ قال: لا، ولكنا كنا مع رسول الله ﷺ ذات ليلة، ففقدناه [¬٥] فالتمسناه في الأودية والشعاب، فقلنا [¬٦]: استطير؟ اغتيل؟ قال: فبتنا بشرِّ ليلة بات بها قوم، فلما أصبحنا إذا هو جاء من قبل حراء قال: فقلنا: يا رسول الله؛ فقدناك فطلبناك فلم نجدك، فبتنا بشر ليلة بات بها قوم. فقال: \"أتاني داعي الجن، فذهبت معهم، فقرأت عليهم القرآن\". قال: فانطلق بنا فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم، وسألوه الزاد فقال: \"كل عظم ذُكر اسم الله عليه يقع في أيديكم أوفر ما يكون لحمًا، وكل بَعْرَة أو روثة علف لدوابكم\". قال رسول الله ﷺ: \"فلا تستنجوا بهما، فإنهما طعام إخوانكم\".\n_________\n= داود بنفس الإسناد مرفوعًا إلى قوله: وآثار نيرانهم. ولم يذكر ما بعده. ورواه أبو داود في الطهارة، باب: الوضوء بالنبيذ حديث (٨٥) من طريق وهيب، عن داود، عن عامر، عن علقمة قال: قلت لعبد الله بن مسعود: من كان منكم مع رسول الله ﷺ ليلة الجن؟ فقال: ما كان معه منا أحد.\n(*) أي: ذهبَ به بسرعة، كأن الطير حملته، أو اغتاله أحد.\n(^٣٣) - \" صحيح مسلم\" كتاب الصلاة، باب: الجهر بالقراءة في الصبح والقراءة على الجن حديث (١٥٠/ ٤٥٠) ورواه ابن خزيمة في صحيحه رقم (٨٢) قال: حدثنا أبو موسى محمد بن المثنى … فذكر الحديث.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في ز، خ: بمكة. والمثبت من المسند.\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- في ز، خ: \"فقدناه\".\n[¬٦]- في خ: \"فقال\".","vol":"13","page":33},{"text":"(طريق أخرى عن ابن مسعود) قال أبو جعفر بن جرير (^٣٤): حدثني أحمد بن عبد الرحمن، حدثني عمي، حدثني يونس، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله أن [¬١] ابن مسعود قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"بت الليلة أقرأ على الجن رُبعًا [¬٢] بالحَجُون\".\n(طريق أخرى فيها [¬٣] أنه كان معه ليلة الجن، قال ابن جرير (^٣٥) ﵀: حدثني أحمد بن عبد الرحمن بن وهب، حدثنا عمي [¬٤] عبد الله بن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن أبي عثمان بن سَنَّة الخزاعي، - وكان من أهل الشام -: أن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ لأصحابه وهو بمكة: \"من أحب منكم أن يحضر أمر الجن الليلة فليفعل\". فلم يحضر منهم أحد غيري، قال: فانطلقنا حتى إذا كنا بأعلى مكة خط لي [¬٥] برجله خطأ، ثم أمرني أن أجلس فيه، ثم انطلق حتى قام، فافتتح القرآن فغشيته أسودةٌ (*) كثيرة حالت بيني وبينه، حتى ما أسمع صوته، ثم طفقوا يتقطعون مثل قطع السحاب ذاهبين، حتى بقي منهم رهط، ففرغ [¬٦]\n_________\n(^٣٤) - تفسير ابن جرير الطبري (٢٦/ ٣٣) ورواه أحمد في مسنده (١/ ٤١٦) (٣٩٥٤) قال: حدثنا عثمان بن عمر، حدثنا يونس، عن الزهري به، ووقع فيه (رفقاء بالحجون) ورواه أبو الشيخ في \"العظمة\" (١١٠٤) من طريق عقيل، عن ابن شهاب به، ووقع عنده (رفقا) بدون همزة والحديث إسناده منقطع كما قال العلامة أحمد شاكر؛ فإن عبيد الله لم يدرك عم أبيه عبد الله بن مسعود ﵁. والحديث ذكره السيوطي في الدر المنثور (٦/ ١٦ - ١٧) وزاد نسبته لعبد بن حميد.\n(^٣٥) - تفسير ابن جرير (٢٦/ ٣٢) ورواه المزى في \"تهذيب الكمال\" ترجمة أبي عثمان بن سنة من طريق حرملة بن يحيى قال: أخبرنا عبد الله بن وهب … فذكره مثل رواية ابن جرير ورواه النسائي في \"المجتبي\" كتاب الطهارة، باب: النهي عن الاستطابة بالعظم (١/ ٣٧ - ٣٨) وفي \"السنن الكبرى\" كتاب الطهارة، باب: نهى النبي ﷺ عن الاستطابة بالعظم والروث حديث (٣٨) قال: أخبرنا أحمد بن عمرو بن السرح قال: أنبأنا ابن وهب فذكره بسنده مختصرًا: أن رسول الله ﷺ نهى أن يستطيب أحدكم بعظم أو روث. وأبو عثمان بن سنة بفتح السين وتشديد النون ترجم له ابن أبي حاتم في \"الجرح والتعديل\" (٩/ ٤٠٨) وقال: سئل أبو زرعة عنه اسمه فقال: لا أعرف اسمه.\nقلت: ذكر المزى في ترجمته من \"التهذيب\" أن الزهري قال: حدثني أبو عثمان بن سنة الحزاعي ثم الكعبي وكان من أهل دمشق وكان ممن بعلي بن أبي طالب في الذين خرجوا إليه من أهل الشام فكان يخصهم بمجلسه في حديثه دون أهل العراق فذكر عنه حديثًا. فحسبه أن الزهري روى عنه وهو من هو في الإتقان والحفظ وقال فيه الحافظ في \"التقريب\": مقبول. والحديث صححه الألباني في صحيح سنن النسائي رقم (٣٨).\n(*) - جمع قلة لسواد، وهو الشخص.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في خ: \"رفعا\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"فيه\".\n[¬٤]- بعده في خ: \"عن\".\n[¬٥]- سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- في ز، خ: \"فزع\".","vol":"13","page":34},{"text":"رسول الله ﷺ مع الفجر، فانطلق فتبرّز، ثم أتاني فقال: \"ما فعل الرهط؟ \". فقلت: هم أولئك يا رسول الله، فأعطاهم عظما وروثًا زادًا، ثم نهى [¬١] أن يستطيب أحد بروث أو عظم.\nورواه ابن جرير (^٣٦) عن [محمد بن] [¬٢] عبد الله بن عبد الحكم، عن أبي زرعة وهب الله بن راشد، عن يونس بن يزيد الأيلي، به. ورواه البيهقي (^٣٧) في \"الدلائل\" من حديث عبد الله بن صالح كاتب الليث، عن الليث، عن يونس، له.\nوقد روى إسحاق ابن راهويه، عن جرير، عن قابوس بن أبي ظبيان، عن أبيه، عن ابن مسعود، فذكر نحو ما تقدم.\nورواه الحافظ أبو نعيم، من طريق موسى بن عبيدة [¬٣]، عن سعيد بن الحارث، عن أبي المعلى، عن ابن مسعود، فذكر نحوه أيضًا.\n[(طريق أخرى) قال أبو نعيم (^٣٨): حدثنا أبو بكر بن مالك، حدثنا عبد الله بن\n_________\n(^٣٦) - تفسير ابن جرير (٢٦/ ٣٢).\n(^٣٧) - دلائل النبوة (٢/ ٢٣٠).\n(^٣٨) - وهو عند الإمام أحمد في مسنده (١/ ٣٣٩) ورجال إسناده ثقات. أبو تميمة: هو الهجيمى اسمه طريف بن مجالد، من ثقاث التابعين والبكالي هو عمرو (البكالي) بكسر الموحدة وتخفيف الكاف عده بعضهم في الصحابة. ترجمته في التاريخ الكبير للبخاري (٦/ ٣١٣)، والجرح والتعديل (٦/ ٢٧٠) والثقات لابن حبان (٣/ ٢٧٨) وذكره ابن الأثير في أسد الغابة (٤/ ١٩٩) وقال: له صحبة ونقل عن أبي نعيم أنه سماه: \"عمرو بن سفيان البكالي\" وانظر ترجمته في \"تعجيل المنفعة\" أيضًا (٢ / الترجمة ٨٠٧). والحديث رواه الترمذي في \"سننه\" كتاب الأمثال، باب: ما جاء في مثل الله لعباده حديث (٢٨٦١) قال: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا ابن أبي عدي، عن جعفر بن ميمون، عن أبي تميمة الهجيمي، عن أبي عثمان، عن ابن مسعود فذكر نحو رواية المسند. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه، وأبو تميمة هو الهجيمي واسمه طريف بن مجالد، وأبو عثمان النهدي اسمه عبد الرحمن بن مل، وسليمان التيمي قد روى هذا الحديث عنه معتمر … \" فلأبي تميمة في هذا الحديث شيخان هما أبو عثمان النهدي وأبو عثمان البكالي، والحديث رواه أيضًا الدارمي في المقدمة (١٢) باب صفة النبي في الكتب قبل مبعثه. من طريق أبي أسامة، عن جعفر بن ميمون التيمي عن أبي عثمان النهدي مرسلًا ولم يذكر فيه (أبا تميمة) أيضًا، والحديث ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ٢٦٤) وقال: رواه الترمذي باختصار - ورواه أحمد ورجاله رجال الصحيح غير عمرو البكالي وذكره العجلي في ثقات التابعين وابن حبان وغيره في الصحابة.\n_________\n[¬١]- في خ: \"نبئ\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في ز، خ: \"عبيد\".","vol":"13","page":35},{"text":"أحمد بن حنبل، حدثني أبي قال: حدثنا عفان [وعارم] [¬١] قالا: حدثنا معتمر قال: قال أبي: حدثني أبو تميمة، عن عمرو - ولعله قد يكون قال: البكالي - يحدثه عمرو، عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: استبعثني (*) رسول الله ﷺ فانطلقنا حتى أتينا مكان كذا وكذا، فخط لي خِطَّةً [¬٢] فقال: \"كن بين ظهري هذه لا تخرج منها؛ فإنك إن خرجت منها هلكت\" … فذكر الحديث بطوله وفيه غرابة شديدة] [¬٣].\n(طريق أخرى) قال ابن جرير (^٣٩): وحدثنا ابن عبد الأعلى، حدثنا ابن ثور، عن معمر، عن يحيى بن أبي محمير، عن عبد الله بن عمرو بن غيلان الثقفي: أنه قال لابن مسعود: حُدِّثتُ [¬٤] أنك كنت مع رسول الله ﷺ ليلة وفد الجن؟ قال: أجل. قال: فكيف كان؟ فذكر الحديث كله، وذكر أن النبي ﷺ خط عليه خطًّا، وقال: \"لا تبرح منها\" … فذكر مثل العَجَاجة (**) السوداء غشيت رسولَ الله ﷺ، فذُعر ثلاث مرات، حتى إذا كان قريبًا من الصبح، أتاني النبي ﷺ [فقال: \"أنمت؟ \" [¬٥] فقلت: لا والله، ولقد هممت مرارًا أن أستغيث بالناس حتى سمعتك تقرعهم بعصاك، تقول: \"اجلسوا\" فقال: \"لو خرجت لم آمن أن يخطفك بعضهم\".\nثم قال: \"هل رأيت شيئًا؟ \" فقلت: نعم، رأيت رجالًا سودًا [مستشعرين (* * *) ثيابًا بياضًا] [¬٦]. قال: \"أولئك جن نَصيبين، سألوني المتاع - والمتاع: الزاد -[فمتعتهم\n_________\n(*) من الباعث، وهو إثارة المبارك، أو الجالس.\n(^٣٩) - تفسير ابن جرير (٢٦/ ٣٢) وعبد الله بن عمرو بن غيلان الثقفي روى عنه قتادة وجعفر بن إياس وفيه ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٥/ ١١٧) فلم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا وذكره ابن حبان في الثقات (٧/ ٥١) وبقية رجاله ثقات.\n(**) العجاجة واحدة العجاج، وهو الغبار أو الدخان.\n(* * *) استشعر الثوب: لبسه شعارًا، والشعار: هو ما يلي الجسد من الثياب؛ لأنه يلي شعره.\n_________\n[¬١]- في ت: عكرمة.\n[¬٢]- في ت: خطَّأ. والمثبت من المسند، والخطة: ما يختطه الإنسان لنفسه من الأرض ونحوها.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- في ز، خ: \"حديث\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"مستنفرين ثيابًا بيضًا\".","vol":"13","page":36},{"text":"بكل] [¬١] عظم حائل (*)، أو بعْرَة، أو روثة\". فقلت: يا رسول الله، وما يغني ذلك عنهم؟ فقَال: \"إنهم لا يجدون عظمًا إلا وجدوا عليه لحمة يوم أكل، ولا روثًا إلا وجدوا فيها حبها يوم أكلت، فلا يستنقين أحدٌ منكم إذا خرج من الخلاء بعظم ولا بعرة ولا روثة\".\n(طريق أخرى) قال الحافظ أبو بكر البيهقي (^٤٠): أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي وأبو نصر بن قتادة قالا: أخبرنا أبو محمد يحيى بن منصور القاضي، حدثنا أبو عبد الله محمد بن إبراهيم البُوشَنْجي، حدثنا روح بن صلاح، حدثنا موسى بن عُلَيّ بن رباح، عن أبيه، عن عبد الله بن مسعود قال: استتبعني [¬٢] رسولُ الله ﷺ فقال: \"إن نفرًا من الجن - خمسةَ عشَرَ بني إخوة وبني عم - يأتونني [¬٣] الليلة، فأقرأ عليهم القرآن\". فانطلقتُ معه إلى المكان الذي أراد، فخط لي خطًّا، وأجلسني فيه، وقال لي: \"لا تخرج من هذا\". فبتُ فيه حتى أتاني رسول الله ﷺ مع السحر في يده عظم حائل وروثة [حُمَمة (**) فقال لي: \"إذا ذهبت إلى الخلاء فلا تستنج بشيء من هؤلاء\".\nقال: فلما أصبحت قلت: لأعلمن] [¬٤] علمي [¬٥] حيث كان رسول الله ﷺ. قال: فذهبت فرأيت موضع مبرك ستين بعيرًا.\n(طريق أخرى) قال البيهقي (^٤١): أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا أبو العباس الأصم، حدثنا العباس بن محمد الدُّوري [¬٦]، حدثنا عثمان بن عمر، عن المستمر بن الريان، عن أبي الجوزاء [¬٧]، عن عبد الله بن مسعود قال: انطقلت مع رسول الله صلى الله\n_________\n(*) أي متغيِّر قد غيَّره البِلَى.\n(^٤٠) - دلائل النبوة (٢/ ٢٣١) وفي إسناده روح بن صلاح المصري المعروف بسيابة، ضعفه ابن عدي لكن وثقه الحاكم، وذكره ابن حبان في الثقات. له ترجمة في الميزان (٢/ ٢٤٨)، وفي اللسان (٢/ ٥٣٩) وشيخه موسى بن علي بن رياح من رجال \"التهذيب\" قال ابن حجر: صدوق ربما أخطأ. فالإسناد حسن في ظاهره، والله أعلم.\n(**) - أي: متفحمة.\n(^٤١) - رواه البيهقي في دلائل النبوة (٢/ ٢٣١ - ٢٣٢) ورجاله ثقات. عثمان بن عمر هو عثمان بني عمر بن فارس العبدي ثقة، روى له الجماعة وشيخه المستمر بن الريان، روى له مسلم وغيره، وهو ثقة، وأبو الجوزاء هو أوس بن عبد الله الربعي، روى له الجماعة ونقل ابن عدي في الكامل (١/ ٤٠٢) عن البخاري أنه قال: في إسناده نظر. وقال ابن عدي: أبو الجوزاء روى عن الصحالة: ابن عباس، =\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ز: \"فمنعتهم كل\".\n[¬٢]- في خ: \"استبقني\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"بايتوني\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- في ز، خ: \"علم\".\n[¬٦]- في ز، خ: \"المدورى\".\n[¬٧]- في ز، خ: \"الموزاء\".","vol":"13","page":37},{"text":"عليه وسلم ليلة الجن، حتى أتى الحَجُون. فخط لي خِطًّا، ثم تقدم إليهم فازدحموا عليه، فقال سيّد لهم، يقال له \"وَرْدان\": أنا أرَحّلُهم عنك. فقال: إني لن يجيرني من الله أحد.\n(طريق أخرى) قال الإِمام أحمد (^٤٢): حدثنا عبد الرزاق، حدثنا سفيان، عن أبي فزارة العبسي، حدثنا أبو زيد - مولى عمرو بن حريث - عن ابن مسعود قال: لما كان ليلة الجن قال لي النبي ﷺ: \"أمعك ماء؟ \". قلت: ليس معي ماء، ولكن معي إداوة فيها نبيذ. فقال النبي ﷺ: \"تمرة طيبة، وماء طهور\". فتوضأ [¬١]. ورواه أبو داود والترمذي، وابن ماجة من حديث أبي [¬٢] زيد به [¬٣].\n(طريق أخرى) قال أحمد (^٤٣): حدثنا يحيى بن إسحاق، أخبرنا ابن لَهيعة، عن قيس بن الحجاج، عن حَنَش [¬٤] الصَّنعاني، عن ابن عباس، عن عبد الله بن مسعود أنه كان مع رسول الله ﷺ ليلة الجن، فقال رسول الله: \"يا عبد الله، أمعك ماء؟ \" قال: معي نبيذ في إداوة. فقال: \"اصبب عليَّ\". فتوضأ، فقال النبي ﷺ: \"يا عبد الله، شراب وطهور\". تفرد به أحمد من هذا الوجه، وقد أورده الدارقطني من طريق آخر [¬٥] عن ابن مسعود.\n_________\n= وعائشة، وابن مسعود وغيرهم وأرجو أنه لا بأس به، ولا يصحح رواته عنهم أنه سمع منهم، ويقول البخاري: في إسناده نظر أنه لم يسمع من مثل ابن مسعود وعائشة وغيرهما، لا لأنه ضعيف عنده، وأحاديثه مستقيمة مستغنية عن أن أذكر منها شيئًا في هذا الموضع\".\nويتضح من كلام ابن عدي هذا أن روايته عن عائشة وابن مسعود مرسلة ولذلك قال الحافظ في: \"التقريب\": \"يرسل كثيرًا، ثقة\". وعلى ذلك فهذا الحديث إسناده منقطع بين أبي الجوزاء وابن مسعود والله أعلم.\n(^٤٢) - المسند (١/ ٤٤٩) وفيه عن ابن مسعود قال: لما كان ليلة الجن تخلف منهم رجلان، وقالا: نشهد الفجر معك يا رسول الله فقال لي النبي ﷺ: \"أمعك ماء؟ .... \" الحديث ورواه عبد الرزاق في مصنفه (٦٩٣).\n(^٤٣) - المسند (١/ ٣٩٨) وفي إسناده ابن لهيعة وهو ضعيف، ورواه الطبراني في الكبير (٩٩٦١) والبزار في \"مسنده\" (١٤٣٧) والدارقطني في \"سننه\" (١/ ٧٦) من طريق يحيى بن كثير، ثنا ابن لهيعة له. وقال البزار: هذا الحديث لا يثبت لابن لهيعة، لأن ابن لهيعة كانت قد احترقت كتبه فكان يقرأ من كتب غيره فصار في أحاديثه أحاديث مناكير، وهذا منها،. وقال الدارقطني أيضًا عقب هذا الحديث: ابن لهيعة لا يحتج بحدثه. =\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في ز، خ: \"ابن\".\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- في خ: \"حسن\".\n[¬٥]- في ت: \"آخر\".","vol":"13","page":38},{"text":"(طريق أخرى) قال الإِمام أحمد (^٤٤): حدثنا عبد الرزاق، أخبرني أبي، عن ميناء، عن عبد الله قال: كنت مع رسول الله ﷺ ليلة وفد الجن، فلما انصرف تنفس، فقلت: ما شأنك؟ فقال لي [¬١]: \"نُعيَت إليَّ نفسي يا بن مسعود\". هكذا رأيته في المسند مختصرًا [¬٢]، وقد رواه الحافظ أبو نعيم في كتابه \"دلائل النبوة\" فقال: حدثنا سليمان بن أحمد بن أيوب، حدثنا إسحاق بن إبراهيم.\nوحدثنا أبو بكر بن مالك، حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثنا أبي قالا: حدثنا عبد الرزاق، عن أبيه، عن ميناء، عن [¬٣] ابن مسعود قال: كنت مع رسول الله ﷺ ليلة وفد الجن، فتنفس، فقلت: ما لك يا رسول الله؟ قال: \"نُعيت إليَّ نفسي يا بن مسعود\". قلت: استخلف. قال: \"مَن؟ \" قلت: [أبا بكر] [¬٤]. فسكت ثم مضى ساعة فتنفس [¬٥]، فقلت: ما شأنك بأبي أنت وأمي يا رسول الله؟ قال: \"نُعِيَت إليَّ نفسي يا بن مسعود\". قلت: استخلف. قال: \"من؟ \" قلت: عمر. فسكت ثم مضى ساعة، ثم تنفس فقلت: ما شأنك؟ قال: \"نُعيَتْ إليَّ نفسي\". قلت: فاستخلف. قال ﷺ: \"من؟ \" قلت: علي بن أبي طالب. قال ﷺ: \"أما والذي نفسي بيده، لئن أطاعوه ليدخلن الجنة أجمعين أكتعين (*) \".\n_________\n= والحديث رواه ابن ماجة في \"سننه\"، كتاب الطهارة، باب: الوضوء بالنبيذ حديث (٣٨٥)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٩٤) من طريق أبي لهيعة بنفس الإسناد عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال لابن مسعود ليلة الجن: \"معك ماء؟، … الحديث فجعل الحديث من مسند ابن عباس وقد أورد الألباني هذا الحديث في \"ضعيف سنن ابن ماجة\" برقم (٨٥)، وانظر أيضًا مصباح الزجاجة (١/ ١٦٠).\n(^٤٤) - المسند (١/ ٤٤٩) (٤٢٩٤) ورواه عبد الرزاق في مصنفه (٢٠٦٤٦) بالإسناد المذكور مطولًا ومن طريق عبد الرزاق رواه الطبراني في الكبير (٩٩٧٠) بنفس لفظ (المُصَنِّف) وعن الطبراني رواه أبو نعيم في \"دلائل النبوة\" كما ذكر ابن كثير هنا، وهو \"حديث موضوع\" في إسناده ميناء بن أبي ميناء، كذبه أبو حاتم في الجرح والتعديل (٨ / الترجمة ١٨١١) وقال أبو زرعة: ليس بالقوي وضعفه الترمذي وغيره، والحديث ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٥/ ١٨٨) وقال: رواه الطبراني وفيه ميناء وهو كذاب. وللحديث إسناد آخر عند الطبراني (٩٩٦٩) من طريق أبي عبد الله الجدلي، عن عبد الله بن مسعود وفي إسناده يحيى بن يعلى الأسلمي وهو ضعيف. كذا قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ٣١٨).\n(*) صيغة من صيغ التوكيد.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- بياض في ز، خ.\n[¬٤]- في ز، خ: \"أبو بكر\".\n[¬٥]- في ز، خ: \"ثم تنفس\".","vol":"13","page":39},{"text":"وهو حديث غريب جدًّا وأحْرِ به أن لا يكون محفوظًا، وبتقدير صحته فالظاهر أن هذا بعد وفودهم إليه بالمدينة على ما سنورده، فإن في ذلك الوقت في آخر الأمر لما فتحت مكة، ودخل الناس والجان أيضًا [¬١] في دين الله أفواجًا، نزلت سورة: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾. وهي السورة التي نعيت نفسه الكريمة فيها إليه كما قد نص على ذلك ابن عباس، ووافقه عمر بن الخطاب عليه. وقد ورد في ذلك حديث سنورده عند تفسيرها، والله أعلم.\nوقد رواه أبو نعيم أيضًا (^٤٥) عن الطبراني [¬٢]، عن محمد بن عبد الله الحضرمي [¬٣]، عن علي بن الحسين بن أبي بردة، عن يحيى بن سعيد [¬٤] الأسلمي، عن حرب بن صبيح، عن سعيد بن مسلمة، عن أبي مُرَّة الصنعاني، عن أبي عبد الله الجدلي، عن ابن مسعود، فذكره وذكر فيه قصة الاستخلاف، وهذا إسناد غريب، وسياق عجيب.\n(طريق أخرى) قال الإِمام أحمد (^٤٦): حدثنا أبو سعيد، حدثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن أبي رافع، عن ابن مسعود: أن رسول الله ﷺ خط حوله، فكان يجيء أحدهم مثل سواد النخل، وقال لي: \"لا تبرح مكانك فأقرأهم كتاب الله\". فلما رأى الزُّطَّ [¬٥] قال: \"كأنهم هؤلاء\". وقال النبي ﷺ: \"أمعك ماء؟ \". قلت: لا. قال: \"أمعك نبيذًا\". قلت: نعم. فتوضأ به.\n_________\n(^٤٥) - رواه الطبراني في معجمه الكبير (٦٩٦٩) عنه، ورواه أبو نعيم في \"الدلائل\" كما ذكر ابن كثير ﵀ هنا وإسناده ضعيف فإن يحيى بن يعلى الأسلمي \"ضعيف\" روى ابن عدي في الكامل (٧/ ٢٦٨٨) عن ابن معين قال: ليست بشيء. وقال البخاري في التاريخ الصغير (٢/ ٢٥٤): مضطرب الحديث، وضعفه أبو حاتم في الجرح والتعديل (٩ / الترجمة ٨٢٠).\nوالحديث ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ٣١٧ - ٣١٨) وعزاه للطبراني ثم قال: فيه يحيى بن يعلى الأسلمي وهو ضعيف\". وانظر الحديث السابق.\n(^٤٦) - المسند (١/ ٤٥٥) (٤٣٥٣) ورواه الدارقطني (١/ ٧٧) من طريق محمد بن عباد المكي، نا أبو سعيد مولى بني هاشم نا حماد بن سلمة به.\nوقال الدارقطني عقبة: علي بن زيد ضعيف وأبو رافع لم يثبت سماعه من ابن مسعود وليس هذا الحديث في مصنفات حماد بن سلمة وقد رواه أيضًا عبد العزيز بن أبي رزمة وليس هو بقوي\".\nثم ذكر الدارقطني الحديث من طريق عبد العزيز بن أبي رزمة عن حماد به، وقد صحح العلامة أحمد شاكر =\n_________\n[¬١]- سقط من: خ.\n[¬٢]- بياض في ز، خ.\n[¬٣]- في ز، خ: \"الحضري\".\n[¬٤]- بياض في ز، خ.\n[¬٥]- في ز، خ: \"المزعا\".","vol":"13","page":40},{"text":"(طريق أخرى مرسلة) قال ابن أبي حاتم (^٤٧): حدثنا أبو [¬١] عبد الله الطهراني، أخبرنا حفص بن عمر العَدَني [¬٢]، حدثنا الحكم بن أبان، عن عكرمة في قوله تعالى [¬٣]: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ﴾، قال: هم اثنا عشر ألفًا جاءوا من جزيرة الموصل، فقال النبي ﷺ لابن مسعود: \"أنظرني حتى آتيك\"، وخط عليه [خِطّةً] [¬٤]، وقال: \"لا تبرح حتى آتيك\". فلما خشيهم ابنُ مسعود كاد أن يذهب، فذكر قولَ رسول الله ﷺ فلم يرح، فقال له النبي ﷺ: \"لو ذهبتَ ما التقينا إلى يوم القيامة\".\n(طريق أخرى مرسلة أيضًا) قال سعيد بن أبي عَرُوبة، عن قتادة في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ﴾، قال: ذُكر لنا أنهم صُرفوا إليه [¬٥] من نينوَى، وأن نبي الله ﷺ قال: \"إني أمرت أن أقرأ على الجن، فأيكم يتبعني؟ \". فأطرقوا، ثم استتبعهم فأطرقوا، ثم استتبعهم الثالثة فقال رجل: يا رسول الله؛ إن ذاك لذو ندبة (*) فأتبعه ابن مسعود أخو هذيل، قال: فدخل النبي ﷺ شعبًا يقال له \"شعب الحَجُون\"، وخط عليه، وخط على ابن مسعود ليثبته بذلك، قال: فجعلت أهال (**) وأرى [¬٦] أمثال النسور تمشي في رفوفها، وسمعت لغطًا [¬٧] (* * *) شديدًا حتى خفت\n_________\n= هذا الإسناد في تعليقه على المسند فقال بعد نقل كلام الدارقطني: وهو تعليل متهافت، فإن علي بن زيد قد رجحنا توثيقه، وأبو رافع الصائغ: تابعي مخضرم، أدرك الجاهلية، وهو ثقة مشهور، روى عن كبار الصحابة الخلفاء الأربعة فمن بعدهم فلا يلتفت إلى التشكيك في سماعه من ابن مسعود .. وأما أن الحديث ليس في مصنفات حماد بن سلمة فهذا من أعجب تعليل سمعناه وأضعفه! \".\nوهذا الكلام يسلم للعلامة أحمد شاكر فيه عدا توثيقه لعلي بن زيد فإنه قد ضعفه أحمد وابن معين والعجلي والجوزجاني والنسائي والدارقطني وغيرهم. وانظر الكلام على هذا الحديث في \"نصب الراية\" (١/ ١٤١ - ١٤٧).\n(^٤٧) - تفسير ابن أبي حاتم (١٠/ ٣٢٩٦) وفي إسناده (حفص بن عمر السعدني) قال أبو حاتم: لين الحديث وقال النسائي: ليس بثقة وقال ابن عدي: عامة حديثه غير محفوظ وأخاف أن يكون ضعيفًا كما ذكره النسائي. وانظر ترجمته في \"تهذيب الكمال\" (٧ / ت ١٤٠٥) وشيخه الحكم بن أبان قال عنه الحافظ في \"التقريب): صدوق عابد له أوهام. ومع هذا فالحديث مرسل، وقد ذكر السيوطي في الدر المنثور (٦/ ١٧) الجزء الموقوف على عكرمة وعزاه لابن أبي حاتم وحده.\n(*) في ابن جرير: بدئة.\n(**) أهال: أخاف. وفعله: هال يهول هولًا، إذا خاف ورُعِبِ.\n(* * *) اللَّغِط: الصياح، والجَلَبَة.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في ز، خ: \"العبدي\".\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- في ت: خطأ.\n[¬٥]- سقط من: خ.\n[¬٦]- في ز، خ: \"ورأى\".\n[¬٧]- في ز: \"لفظا\".","vol":"13","page":41},{"text":"على نبي الله ﷺ ثم تلا القرآن، فلما رجع رسول الله ﷺ قلت: يا رسول الله، ما اللغط [¬١] الذي سمعت؟ قال: \"اختصموا في قتل، فقضي بينهم بالحق\" (^٤٨). رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم.\nفهذه الطرق كلها تدل على أنه ﷺ ذهب إلى الجن قصدًا، فتلا عليهم القرآن، ودعاهم إلى الله ﷿ وشرع الله لهم على لسانه ما هم محتاجون إليه في ذلك الوقت.\nوقد يحتمل أن أول مرة سمعوه يقرأ القرآن لم يشعر بهم، كما قاله ابن عباس ﵄.\nثم بعد ذلك وفدوا إليه كما رواه ابن مسعود، وأما ابن مسعود فإنه لم يكن مع رسول الله ﷺ حال مخاطبته للجن ودعائه إياهم، وإنما كان بعيدًا منه ولم يخرج مع النبي ﷺ أحد سواه، ومع هذا لم يشهد حال المخاطبة، هذه طريقة البيهقي.\nوقد يحتمل أن يكون أول مرة خرج إليهم لم يكن معه ابن مسعود ولا غيره، كما هو ظاهر سياق الرواية الأولى من طريق الإِمام أحمد، وهي عند مسلم. ثم بعد ذلك خرج معه ليلة أخرى والله أعلم.\nكما روى ابن أبي حاتم في تفسير ﴿قَلْ أُوْحِيَّ﴾ من حديث ابن جريج قال: قال عبد العزيز بن عُمَر: أما الجن الذين لقوه بنخلة فجن نينوى، وأما الجن الذين لقوه بمكة فجن نصيبين. وتأوله البيهقي على أنه يقول: \"فبتنا بشر ليلة بات بها قوم\". على غير ابن مسعود ممن [¬٢] لم يعلم بخروجه ﷺ إلى الجن، وهو محتمل على بُعْد، والله أعلم.\nوقد قال الحافظ أبو بكر البيهقي (^٤٩): أخبرنا أبو عمرو محمد بن عبد الله الأديب، أخبرنا أبو بكر الإِسماعيلي، أخبرنا الحسن بن سفيان، حدثني سُوَيد بن سعيد، حدثنا عمرو بن يحيى، عن جده سعيد بن عمرو قال: كان أبو هريرة يَتْبَع رسول الله ﷺ بإداوة لوضوئه وحاجته، فأدركه يومًا فقال: \"من هذا؟ \" قال: أنا أبو هريرة. قال: \"ائتني بأحجار أستنجي [¬٣] بها، ولا تأتني بعظم ولا رَوْثَة\". فأتيته بأحجار في\n_________\n(^٤٨) - تفسير ابن جرير (٢٦/ ٣١)، وإسناده صحيح لكنه مرسل.\n(^٤٩) - رواه البيهقي في (دلائل النبوة) (٢/ ٢٣٣) ورواه في السنن الكبرى (١/ ١٠٧ - ١٠٨) قال: =\n_________\n[¬١]- في ز: \"اللفظ\".\n[¬٢]- في خ: \"فمن\".\n[¬٣]- في ت: \"أستنج\".","vol":"13","page":42},{"text":"ثوبي، فوضعتها إلى جنبه حتى إذا فرغ وقام اتبعته، فقلت: يا رسول الله، ما بال العظم والروثة؟ قال: \"أتاني وَفدُ جن نصيبين، فسألوني الزاد، فدعوت الله لهم أن لا يمروا بعظم ولا روثة [¬١] إلا وجدوا طعامًا\". أخرجه البخاري في صحيحه، عن موسى بن إسماعيل، عن عمرو بن يحيى، بإسناده قريبًا منه. فهذا يدل مع ما تقدم على أنهم وفدوا عليه بعد ذلك، وسنذكر ما يدل على تكرار ذلك.\nوقد رُوِيَ عن ابن عباس غير ما ذكر عنه أولًا من وجه جيد فقال ابن جرير (^٥٠): حدثنا أبو كريب، حدثنا عبد الحميد الحمَّاني، حدثنا النضر بن عربي، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ﴾ … الآية، قال [¬٢] كانوا سبعة نفر من أهل نصيبين، فجعلهم رسول الله ﷺ رُسُلًا إلى قومهم، فهذا يدل على أنه قد روى القصتين.\n_________\n= أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحافظ أن أبو بكر محمد بن عبد الله (الأسلمي) فذكره وفيه \"أبغني أحجارًا أستنفص بها\" والحديث رواه البخاري في (صحيحه) في الوضوء، باب الاستنجاء بالحجارة، حديث (١٥٥) وفي كتاب مناقب الأنصار، باب: إسلام سعد بن أبي وقاص ﵁، من طريقين عن عمرو بن يحيى بن سعيد بن عمرو المكي عن جده به.\n(^٥٠) - تفسير ابن جرير الطبري (٢٦/ ٣٠ - ٣١) ورواه الطبراني في الكبير (١١٦٦٠) قال: حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي أبو كريب .. فذكره بسنده ومتنه، وإسناده لا بأس به، فإن عبد الحميد الحماني صدوق وإن كان له أوهام كما قال ابن حجر في \"التقريب\" وشيخه النضر أبو عمر، هو النضر بن عربي الباهلي وثقه أحمد وابن معين وأبو زرعة. وقال أبو حاتم والنسائي وابن عدي: لا بأس به، ولم يضعفه غير ابن سعد، وجرحه فيه غير مفسر، وقد قال ابن حجر في \"التقريب\": لا بأس به.\nوالحديث ذكره الهيثمي في المجمع (٧/ ١٠٩) وقال: فيه النضر أبو عمر، وهو متروك وقد تبين ما في كلام الهيثمي ﵀ هذا.\nوالحديث رواه الطبراني في الأوسط (٦) من طريق عفير بن معوان، عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: صرفت الجن إلى رسول الله ﷺ مرتين، وكان أشراف الحسن بـ \"نصيبين\". ورواه البزار كما في مجمع الزوائد (٧/ ١٠٩) من طريق عفير بن معوان وفيه \"كانت أشراف الجن بالموصل\" وقال الهيثمي (فيهما - إسنادي الطبراني والبزار - عفير بن معوان وهو متروك).\nوللحديث طريق آخر عند الطبراني في (الأوسط) كما في (مجمع الزوائد): أن الجن الذين أتوا رسول الله ﷺ أتوه وهو بنخلة).\nوفي إسناده جابر الجحفي وهو ضعيف وقد أخرجه من هذه الطريق ابن جرير في \"تفسيره\" (٢٦/ ٣٣) وزاد السيوطي في الدر المنثور (٦/ ١٦) نسبته لابن المنذر وأبي نعيم في \"الدلائل\".\n_________\n[¬١]- في ت: \"بروثة\".\n[¬٢]- سقط: من ت.","vol":"13","page":43},{"text":"وقال ابن أبي حاتم (^٥١): حدثنا علي بن الحسين، حدثنا سويد بن عبد العزيز، حدثنا رجل سماه، عن ابن جريج، عن مجاهد: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ﴾ … الآية. قال: كانوا سبعة نفر، ثلاثة من أهل حران، وأربعة من أهل نَصيببن، وكانت أسماؤهم حيي وحسي ومسي، وشاصر، وناصر، والأزد [¬١]، وإبيان، والأحقم.\nوذكر [أبو حَمْزَة] [¬٢] الثمالي أن هذا الحي من الجن كان يقال لهم: بنو الشيصبان، وكانوا أكثر [] [¬٣] الجن عددًا وأشرفهم [¬٤] نسبًا، وهم كانوا عامة جنود إبليس.\nوقال سفيان الثوري، عن عاصم، عن زر [¬٥]، عن ابن مسعود. كانوا تسعة، أحدهم ذوبعة [¬٦]، أتوه من أصل نخلة (^٥٢).\nوتقدم عنه أنهم كانوا خمسة عشر، وفي رواية: أنهم كانوا على ستين راحلة. وتقدم عنه أن اسم سيدهم وردان. وقيل: كانوا ثلاثمائة، وتقدم عن عكرمة أنهم كانوا اثني عشر ألفًا، فلعل هذا الاختلاف دليل على تكرر وفادتهم عليه صلوات الله وسلامه عليه، ومما يدل على ذلك ما قاله البخاري في صحيحه (^٥٣):\nحدثنا يحيى بن سليمان، حدثني ابن وهب، حدثني عمر -هو ابن محمد- أن سالمًا حدثه، عن عبد الله بن عمر قال: ما سمعت عمر يقول لشيء قط [¬٧]: إني [لأظنه كذا] [¬٨] إلا كان كما يظن، بينما عمر بن الخطاب جالس، إذ مَرَّ به رجل جميل، فقال: لقد أخطأ [¬٩] ظني أو إن هذا على دينه في الجاهلية، أو لقد كان كاهنهم - عَلَيّ بالرجل، فَدُعي له [¬١٠] فقال له ذلك، فقال: ما رأيت كاليوم استُقبِلَ به رجل مسلم.\n_________\n(^٥١) - تفسير ابن أبي حاتم (١٠/ ٣٢٩٧) وفي إسناده سويد بن عبد العزيز وهو \"ضعيف\" كما قال الحافظ في \"التقريب\"، وشيخه مجهول، وابن جريح مدلس معروف بالتدليس. والخبر ذكره السيوطي في الدر المنثور (٦/ ١٧) ولم يعزه لغير ابن أبي حاتم.\n(^٥٢) - تقدم تخريجه رقم (٣٠).\n(^٥٣) - صحيح البخاري: كتاب مناقب الأنصار، باب: إسلام عمر بن الخطاب ﵁، حديث (٣٨٦٦).\n_________\n[¬١]- في ت: \"والأرد\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"ابن حزَّة\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في خ: \"من\".\n[¬٤]- في ز، خ: \"وأبر لهم\".\n[¬٥]- في ت: \"ذر\".\n[¬٦]- في ت: \"ذوبعة\".\n[¬٧]- سقط من: ز، خ.\n[¬٨]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"لأظن لكذا\".\n[¬٩]- في خ: \"أخذ\".\n[¬١٠]- في ز، خ: \"به\".","vol":"13","page":44},{"text":"قال: فإني أعزم عليك إلا ما أخبرتني. قال: كنت كاهنَهم في الجاهلية. قال: فما أعجب ما جاءتك [¬١] به جِنِّيَّتُك. قال: بينما أنا يومًا في السوق جاءتني أعرف فيها الفزع، فقالت:\nألم تر الجن وإبلاسها (¬*) … ويأسها من بعد إنكاسها (¬**)\nولحوقها بالقلاص وأحلاسها (¬***).\nقال عمر: صدق، بينما أنا نائم عند آلهتهم، إذ جاء رجل بعجل فذبحه، فصرخ كه صارخ، لم أسمع صارخًا قط أشد صوتًا منه، يقول: يا جَليح، أمرٌ نَجِيح، رجل فصيح يقول: \"لا إله إلا الله\". فوثب القوم فقلت: لا أبرح حتى أعلم ما وراء هذا؟ ثم نادى: يا جَليِح؛ أمر نَجِيح، رجل فصيح، يقول: \"لا إله إلا الله\". فقمت، فما نَشِبنا (¬****) أن قيل: هذا نبي. هذا سياق البخاري، وقد رواه البيهقي من حديث ابن وهب، بنحوه، ثم قال: وظاهر هذه الرواية يُوهم [¬٢] أن عمر بنفسه سمع الصارخ يصرخ من العجل الذي ذُبِح، وكذلك هو صريح و[¬٣] في رواية ضعيفة عن عمر [في إسلامه] [¬٤]، وسائر الروايات تدل على أن هذا الكاهن هو الذي أخبر كذلك عن رؤيته [¬٥] وسماعه. والله أعلم (^٥٤).\nوهذا الذي قاله البيهقي هو المتجه، وهذا الرجل هو سواد بن قارب، وقد ذكرت [¬٦] هذا مُستقصى في \"سيرة عمر\" ﵁ فمن أراده فليأخذه من ثَمَّ، ولله الحمد.\nقال البيهقي (^٥٥): حديث سواد بن قارب، ويشبه أن يكون هذا: هو [¬٧] الكاهن الذي لم\n_________\n(¬*) الإبلاس: اليأس.\n(¬**) الإنكاس: الانقلاب. قال ابن فارس: معناه أنها يئست من استراق السمع بعد أن كانت قد ألقته.\n(¬***) القلاص: جمع الجمع لقلوص، وهي الفتية من الإبل. والأحلاس جمع حِلس، وهو ما يوضع على ظهور الإبل تحت الرحل. وهذا القسيم الأخير غير موزون.\n(¬****) أي لم تتعلق بشيء، من الأشياء حتى سمعنا أن النبي ﷺ قد خرج. يريد أن ذلك كان بقرب مبعث النبي ﷺ.\n(^٥٤) - انظر (دلائل النبوة) للإمام البيهقي (٢/ ٢٤٥).\n(^٥٥) - انظر (دلائل النبوة) (٢/ ٢٤٨) والحديث رواه البيهقي كما نقله المصنف، وإسناده ضعيف؛ أبو إسحاق هو عمرو بن عبد الله السبيعي ثقة؛ لكنه يدلس وقد عنعن، والحد يث له طريق آخر، رواه الحسن بن سفيان وأبو يعلى كما في \"الإصابة\" (٤/ ٢٩٥) الطبراني في الكبير (٦٤٧٥) والحاكم في =\n_________\n[¬١]- في ز: \"حدثتك\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"توهم\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"صريحًا\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- في ز، خ: \"ويته\".\n[¬٦]- في خ: \"ذكر\".","vol":"13","page":45},{"text":"يذكر اسمه في الحديث الصحيح.\nأخبرنا أبو القاسم الحسن بن [محمد بن] [¬١] حبيب المفسر من أصل سماعه، أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الصفار الأصبهاني قراءة عليه، حدثنا أبو جعفر [¬٢] أحمد بن موسى الحمَّار الكوفي بالكوفة [¬٣]، حدثنا زياد بن يزيد بن بادويه أبو كر القصري، حدثنا محمد بن النواس الكوفي، حدثنا أبو بكر بن عياش، عن أبي إسحاق، عن البراء قال: بينما عمر بن الخطاب يخطب الناس على منبر رسول الله ﷺ إذ قال: يا [¬٤] أيها الناس، أفيكم سواد بن قارب؟ قال: فلم يجبه أحد تلك السنة، فلما كانت السنة المقبلة قال: أيها الناس، أفيكم سواد بن قارب؟ قال: فقلت: يا أمير المؤمنين، وما سواد بن قارب؟ قال: فقال له عمر: إن سواد بن قارب كان بَدْءُ اسلامه شيئًا عجييًا، قال: فبينا نحن كذلك إذ طلع سواد بن قارب، قال: فقال له عمر: يا سواد، حدِّثْنا\n_________\n= المستدرك (٨/ ٦٠٣ - ٦١٠) والبيهقي في الدلائل (٢/ ٢٥٢) وأبو نعيم في الدلائل (ص:٧٣) من طريق علي بن منصور الأنباري، عن عثمان بن عبد الرحمن الوقاصي، عن محمد بن كعب القرظي قال: بينما عمر بن الخطاب ﵁ قاعد في المسجد إذ مر رجل في مؤخر المسجد فقال رجل: يا أمير المؤمنين أتعرف هذا المار؟ قال: لا، فمن هو؟ قال: سواد بن قارب وهو رجل من أهل اليمن … الحديث، وسكت عليه الحاكم فتعقبه الذهبي في تلخيص المستدرك لقوله: \"الإسناد منقطع\".\nوللحديث طريق ثالث: رواه البخاري في التاريخ (٢/ ٢٠٤) والطبراني في الكبير (٦٤٧٦)، والبغوي كما في \"الإصابة\" (٤/ ٢٩٤) والبيهقي في الدلائل (٢/ ٢٥٣) من طريق عباد بن عبد الصمد قال: سمعت سواد بن قارب الأزدي يقول: فذكر القصة.\nوطريق رابع: رواه ابن أبي خيثمة والروياني كما في الإصابة (٤/ ٢٩٣) وذكره ابن الأثير في \"أسد الغابة\" (٢/ ٢٨٥) عن أبي جعفر الباقر قال: دخل رجل يقال له: سواد بن قارب الدوسي على عمر … الحديث. وهو مرسل فإن أبا جعفر الباقر لم يدرك جده عليًّا فكيف يدرك عمر قال ابن أبي حاتم في المراسيل (ص ١٨٥ - ١٨٦): سمعت أبا زرعة يقول: محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵃ لم يدرك هو ولا أبوه عليًّا ﵁.\nوقال الترمذي في \"الجامع\" عقب الحديث (١٥١٩): أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين لم يدرك علي بن أبي طالب.\nوطريق خامس: رواه ابن شاهين كما في الإصابة (٤/ ٢٩٤) من طريق الفضل بن عيسى القرشي، عن العلاء بن ديزل عن أنس بن مالك قال: دخل رجل من دوس يقال له: سواد بن قارب على النبي ﷺ فذكر القصة لطولها، وإسناده ضعيف جدًّا (العلاء بن ديزل) متروك قال الذهبي في الميزان (٤/ ١٩): تالف وقال الحافظ في \"التقريب\": متروك ورموا أبو الوليد بالكذب.\nوطريق سادس: رواه الحسن بن سفيان كما في \"الإصابة\" من طريق الحسن بن عمارة عن عبد الله بن\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من ت.\n[¬٢]- في ز، خ: \"حنيف\".\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- سقط من ت.","vol":"13","page":46},{"text":"ببدء [¬١] إسلامك، كيف كان؟ قال سواد: فإني كنت نازلًا بالهند، وكان [¬٢] لي رَئِيٌّ (*) من الجن، قال: فبينا أنا ذات ليلة نائم، إذ جاءني في منامي ذلك قال: قم فافهم واعقل إن كنت تعقل، قد بعث رسول من لؤي بن غالب، ثم أنشأ يقول:\nعجبتُ للجنِّ [¬٣] وأنجاسها [¬٤] … وَشدِّها العِيسَ [¬٥] بأحلاسها\nتَهْوي إلى مَكَّةَ تَبْغي الهُدَى … مَا مُؤمنُو الجِنّ كأرْجَاسِها\nفانهض إلى الصفوة من هاشم … واسمُ بعينيك إلى راسها\nقال: ثم أنبهني فأفزعني، وقال: يا [¬٦] سواد بن قارب، إن الله بعث نبيًّا [¬٧].\" فانهض إليه تَهْتَد وتَرشُد. فلما كان من الليلة الثانية أتاني فأنبهني، ثم أنشأ، يقول كذلك:\nعَجِبْتُ للْجِنّ وَتَطْلابها … وشدها العيس بأقتابها\nتَهْوي إلى مَكَّةَ تَبْغي الهُدَى … لَيس قداماها [¬٨] كَأَذنَابِها\nفَانْهَض إلى الصَّفْوَة مِن هَاشِم … واسمُ بعينيك إلى نَابِها\nفلما كان في الليلة الثالثة أتاني فأنبهني ثم قال:\nعجبت للجن وتخبارها … وشدها العيس بأكوارها\nتَهْوي إلى مَكَّةَ تَبْغي الهُدَى … لَيس ذَوُو الشرِّ كأخيارهَا\nفَانْهَض إلَى الصَّفْوَة منْ هَاشِم … ما مُؤمنُو الجِنّ كَكُفَّارها\nقال [] [¬٩]: فلما سمعته تكرر ليلة بعد ليلة، وقع في قلبي حب الإِسلام من أمر رسول الله ﷺ ما شاء الله، قال: فانطلقت إلى رحلي فشددته على راحلتي [¬١٠]، فما حللت نشعةً ولا عقدت أخرى حتى أتيت رسول الله ﷺ، فإذا هو بالمدينة -يعني مكة- والناس عليه كعُرْف الفرس، فلما رآني النبي ﷺ قال: \"\"مرحبًا بك يا سواد بن قارب، قد علمنا ما جاء بك\". قال:\n_________\n= عبد الرحمن قال: دخل سواد بن قارب على عمر فذكر الحديث بطوله.\nوالحسن بن عمارة متروك كما في \"التقريب\".\n(*) الرِّئِيُّ: الجني يعرض للإنسان ويطلعه على ما يزعم من الغيب أو يلهمه الشعر.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"ببدو\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"فكان\".\n[¬٣]- في خ: \"من الجن\".\n[¬٤]- في ز، في: \"ألحاسها\".\n[¬٥]- في ت: \"العين\".\n[¬٦]- سقط من: ز.\n[¬٧]- في ز، خ: \"نبينا\".\n[¬٨]- في ت: \"قدامها\".\n[¬٩]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"قلت\".\n[¬١٠]- في ز، خ: \"راحلته\".","vol":"13","page":47},{"text":"قلت: يا رسول الله، قد قلت شعرًا، فاسمعه مني. قال سواد: فقلت:\nأَتانِي رَئِيٌّ بعد لَيلٍ وهَجْعَةٍ … وَلم يَكُ فِيما قَدْ بَلَوتُ بِكَاذبِ\nثَلاثُ لَيَال قَولُه كُلَّ لَيلَة: … أتاك رسولٌ من لُؤيّ بن غَالبَ\nفَشَمَّرتُ عَنْ سَاقي الإزَارَ ووسطت … بي الزِّعلب الوَجْنَاءُ [¬١] عند السَّبَاسب\nفأشهد أن الله لا شيء غيرُه … وأنَّك مأمونٌ على كلِّ غائبِ\nوأنكَ أدنى المرسلينَ شفاعةً … إلى الله يا بنَ الأكرمينَ الأطايبِ\nفَمُرنَا بمَا يَأتِيكَ يا خَيرَ مرسل [¬٢] … وإن كان فيما جاء شيب الذوائب\nوكن لي شفيعًا يوم لا ذو شفاعةٍ … سِوَاكَ بمغن عن سَوَاد بن قَارب\nقال: فضحك رسول الله ﷺ حتى بدت نواجذه وقال لي: \"أفلحت يا سواد\": فقال له عمر: هل يأتيك رَئيّك الآن؟ فقال: منذ قرأت القرآن لم يأتني، ونعم العوضُ كتابُ الله من الجن. ثم أسنده البيهقي من وجهين آخرين.\nومما يدل على وفادتهم إليه ﵇ بعد ما هاجر إلى المدينة الحديث الذي رواه الحافظ أبو نعيم في كتاب \"دلائل النبوة\":\nحدثنا سليمان بن أحمد، حدثنا محمد بن عبدة [¬٣] المصيصي، حدثنا أبو توبة الربيع بن نافع، حدثنا معاوية بن سلام، عن زيد بن أسلم: أنه سمع أبا سلام يقول: حَدَّثَني من حَدَّثه عَمرو بن غيلان الثقفي قال: أتيت عبد الله بن مسعود فقلت له: حُدِّثت أنك كنتَ مع رسول الله ﷺ ليلة وفد الجن؟ قال: أجل. قلت: حدثني كيف كان شأنه؟ فقال: أن أهل الصفة (*) أخَذَ كل رجلٍ منهم رجلٌ يُعَشيه، وتُركت فلم يأخذني أحد منهم، فمر بي رسول الله ﷺ فقال: \"من هذا؟ \" فقلت: أنا ابن مسعود. فقال: \"ما أخذك أحد يعشِّيك؟ \". فقلت: لا، قال: \"فانطلق لعلِّي أجد لك شيئًا\". قال [¬٤]: فانطلقنا حتى أتى حُجرة أم سلمة فتركني ودخل إلى أهله، ثم خرجت الجارية فقالت: يا بن مسعود، إن رسول الله لم يجد لك عشاءً، فارجع إلى مضجعك. قال: فرجعت إلى المسجد، فجمعت حصباء المسجد فتوسدته، والتففت بثوبي، فلم ألبث إلا قليلًا حتى جاءت الجارية، فقالت: أجب رسول الله. فاتبعتها وأنا أرجو العَشاء، حتى إذا [¬٥] بلغت مقامي، خرج رسول الله ﷺ وفي يده\n_________\n(*) هم فقراء المهاجرين ومن لم يكن له منهم منزل يسكنه فكانوا يأوون إلى موضع مظلل في مسجد المدينة يسكنونه.\n_________\n[¬١]- في ز: \"الرجا\".\n[¬٢]- في خ: \"من مشى\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"عبيد\".\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- سقط من: ز، خ.","vol":"13","page":48},{"text":"عَسِيب (*) من نخل فعرض [¬١] به على صدري فقال [¬٢]: \"أتنطلق أنت معي حيث انطلقت؟ \". قلت: ما شاء الله. فأعادها علي ثلاث مرات، كل ذلك أقول: ما شاء الله، فانطلق وانطلقت معه، حتى أتينا بقيع الغَرْقد، فخط بعصاه خِطَّة [¬٣]، ثم قال: \"اجلس فيها، ولا تبرح حتى آتيك\". ثم انطلق يمشي وأنا أنظر إليه خلال النخل، حتى إذا كان من حيث لا أراه ثارت العَجَاجة السوداء، فَفَرقْتُ (**) فقلت: ألحق برسول الله ﷺ، فإني أظن أن هوازن مَكَروا برسول الله ﷺ ليقتلوه، فأسعى إلى البيوت، فاستغيث الناس. فذكرت أن رسول الله ﷺ أوصاني: أن لا أبرح مكاني الذي أنا فيه، فسمعت رسول الله ﷺ يقرعهم بعصاه ويقول: \"اجلسوا\". فجلسوا حتى كاد ينشق عمود الصبح، ثم ثاروا وذهبوا، فأتاني رسول الله ﷺ فقال: \"أنمت بعدي؟ \" فقلت: لا، ولقد فزعت الفزعة الأولى، حتى رأيت أن آتي البيوت فأستغيثَ الناس حتى سمعتك تقرعهم بعصاك، وكنت أظنها هوازن، مكروا برسول الله ﷺ ليقتلوه. فقال: \"لو أنك خرجت من هذه الحلقة ما آمنهم عليك أن يختطفك بعضهم، فهل رأيت من شيء منهم؟ \". فقلت: رأيت رجالًا سودًا مستشعرين [¬٤] بثياب بيض. فقال رسول الله ﷺ: \"أولئك وفد جن نَصيبين، أتوني [¬٥] فسألوني الزاد [¬٦] والمتاع، فمتعتهم بكل [¬٧] عظمًا حائل أو روثة أو بعرة\". قلت: وما يغني عنهم ذلك؟ قال: \"إنهم لا يجدون عظمًا إلا وجدوا عليه لحمه الذي كان علية يوم أُكل، ولا روثة إلا وجدوا فيها حبها الذي كان فيها يوم أُكلت، فلا يستنقي أحد منكم بعظم ولا بعرة\".\nوهذا إسناد غريب جدًّا، ولكن فيه رجل مبهم لم يسم. وقد روى الحافظ أبو نعيم من حديث بقية بن الوليد، حدثني [نمير بن زيد القنبر، حدثنا أبي، حدثنا قحافة بن ربيعة حدثني الزبير] [¬٨] بن العوام قال: صلى بنا رسول الله ﷺ صلاة الصبح في مسجد المدينة فلما انصرف، قال: \"أيكم يتبعني إلى وفد الجبن الليلة؟ \". فأسكت القوم ثلاثًا، فمر بي فأخذ بيدي، فجعلت أمشي معه حتى حبست عنا جبال المدينة كلها، وأفضينا إلى أرض براز فإذا برجال طوال كأنهم الرماح، [مستشعرين بثيابهم من بين\n_________\n(*) جريدة من النخل، وهي الشعفة مما لا ينبت عليه الخوص.\n(**) فرق: خاف.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"فقبض\".\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في ت: \"خطًّا\".\n[¬٤]- في. ز، خ: \"مستنفرين\".\n[¬٥] سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- في ز، خ: \"المزاد\".\n[¬٧]- في ز: \"كل\".\n[¬٨]- ما بين المعكوفتين بياض في ز، خ.","vol":"13","page":49},{"text":"أرجلهم، فلما رأيتهم غشيتني رعدة شديدة] [¬١] … ثم ذكر نحو حديث ابن مسعود المتقدم، وهذا حديث غريب، والله أعلم.\nومما يتعلق بوفود الجن ما رواه الحافظ أبو نعيم (^٥٦): حدثنا أبو محمد بن حيان، حدثنا أبو الطيب أحمد بن روح، حدثنا يعقوب الدورقي، حدثنا الوليد بن بكير التميمي، حدثنا حصين بن عمر، أخبرني عبيد المكتب، عن إبراهيم قال: خرج نفر من أصحاب عبد الله يريدون الحج، حتى إذا كانوا في بعض الطريق إذا هم بحية تنثني على الطريق أبيضَ، ينفح منه ركح المسك، فقلت لأصحابي: امضوا، فلست ببارح حتى أنظر إلى ما يصير إليه أمر هذه الحية.\nقال: فما لبثت أن ماتت، فعمدت إلى خرقة بيضاء فلففتها فيها ثم نحيتها عن الطريق فدفنتها، وأدركت أصحابي في المتعشى. قال: فوالله إنا لقعود إذ أقبل أربع نسوة من قبل المغرب، فقالت واحدة منهن: أيكم دفن عمرًا؟ قلنا: ومن عَمْرو؟، قالت: أيكم دفن الحية؟ قال: قلت: أنا. قالت: أما والله لقد دفنت صوَّامًا قوَّامًا، يأمر بما أنزل الله، ولقد آمن بنبيكم، وسمع صفته من السماء قبل أن يبعث بأربعمائة عام. قال الرجل: فحمدنا الله ثم قضينا حجتنا ثم مررت بعمر بن الخطاب في المدينة فأنبأته بأمر الحية، فقال: صدقت، سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"لقد آمن بي قبل أن أبعث بأربعمائة سنة\".\nوهذا حديث غريب جدًّا والله أعلم.\nقال أبو نعيم: وقد روى الثوري، عن أبي إسحاق، عن الشعبي، عن رجل من ثقيف، بنحوه (^٥٧). وروى عبد الله بن أحمد والطهراني، عن صفوان بن المعطل -هو الذي نزل ودفن تلك الحية من بين الصحابة- وأنهم قالوا: أما [¬٢] إنه آخر التسعة موتًا الذين أتوا رسول\n_________\n(^٥٦) - \" دلائل النبوة\" لأبي نعيم (ص ٣٠٦ - ٣٠٧) وقد رواه أبو محمد بن حيان في كتاب \"العظمة\" رقم (١٠٩٩) وإسناده ضعيف؛ فإن في إسناده حصين بن عمرو وهو متروك. كما قال الحافظ في \"التقريب\".\n(^٥٧) - هذه الرواية التي ذكرها أبو نعيم روى نحوها الحكيم الترمذي في (نوادره) كما في (الإصابة) (٢/ ٥٢٧ - ترجمة عمرو بن جابر الجنبي)، من طريق سفيان، عن أبي إسحاق، عن ثابت بن قطبة الثقفي قال: جاء رجل إلى عبد الله بن مسعود فقال: إنا كنا في سفر فمررنا بحية مقتولة في دمها فواريناها … القصة وفي إسناده أبو إسحاق السبيعي وهو مدلس.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- سقط من: خ.","vol":"13","page":50},{"text":"الله ﷺ يستمعون القرآن (^٥٨).\nوروى أبو نعيم (^٥٩) من حديث الليث بن سعد عن عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون عن عمه عن معاذ بن عبيد [¬١] الله بن معمر قال: كنت جالسًا عند عثمان بن عفان فجاء رجل فقال: يا أمير المؤمنين؛ إني كنت بفلاة من الأرض، فذكر أنه رأى ثعبانين [¬٢] اقتتلا ثم قتل أحدهما الآخر، قال: فذهبت إلى المعترك، فوجدت حيات كثيرة مقتولة، وإذا ينفح من بعضها ريح المسك، فجعلت أشمها واحدة واحدة، حتى وجدت ذلك من [¬٣] حية صفراء دقيقة [¬٤]، فلففتها في عمامتي ودفنتها. فبينا أنا أمشي إذ ناداني مناد: يا عبد الله؛ لقد هديت! هذان [¬٥] حيان من الجن بنو أشعيبان وبنو أقيش التقوا، فكان من القتل [¬٦] ما رأيت، واستشهد الذي دفنته، وكان من الذين سمعوا الوحي من رسول الله ﷺ. قال: فقال عثمان لذلك الرجل: إن كنت صادقًا فقد رأت عجبًا، وإن كنت كاذبًا فعليك كذبك.\nفقوله تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ﴾ أي: طائفة من الجن ﴿يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا﴾ أي: استمعوا وهذا أدب منهم.\n_________\n(^٥٨) - رواه عبد الله بن أحمد في \"زوائد المسند\" (٥/ ٣١٢) وقد تحرف في المطبوع من المسند فجعل من رواية أحمد وهو خطأ - والطبراني في الكبير (٨/ ٦٣) رقم (٧٣٤٥) والحاكم في المستدرك (٣/ ٥١٩) والبارودي، وابن مردوية في \"التفسير\" كما في الإصابة (٢/ ٥٢٧) من طريق مسلم بن قتيبة عمرو بن نبهان عن سلام أبي عيسى، عن صفوان بن المعطل قال: خرجنا حجاجًا فلما كنا بالعرج إذا نحن بحية تضطرب فلم تلبث أن ماتت … فذكر القصة وسمى الجنبي \"عمرو بن جابر\" وإسناده ضعيف عمرو بن نبهان العبدي متروك كما قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٥).\n(^٥٩) - دلائل النبوة (ص ٣٠٥) لكن الذي في المطبوع من الدلائل قال أبو نعيم: حدثنا سليمان بن أحمد قال: حدثنا مطلب بن شعيب قال: حدثنا عبد الله بن صالح قال: حدثني عبد العزيز سلمة الماجشون عن معاذ بن عبد الله بن معمر قال: كنت جالسًا عند عثمان … الحديث.\nوليس في الإسناد ذكر \"عم عبد العزيز الماجشون\" وقد روى هذا الحديث أبو الشيخ ابن حيان في العظمة رقم (١١٠٠) من طريق يحيى بن كثير قال: حدثني الليث عن عبد العزيز الماجشون عن عمه معاذ بن عبد الله بن معمر قال: كنت عند عثمان فذكره.\nورواه ابن أبي الدنيا في \"آكام المرجان\" (ص: ٤٣) من طريق آخر عن عبد العزيز به نحوه، ومعاذ بن عبيد الله بن معمر ذكره البخاري في التاريخ (٧ / ت ١٥٦٠) وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل =\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"عبد\".\n[¬٢]- في ز: \"ثعبانات\".\n[¬٣]- في خ: \"في\".\n[¬٤]- في ت: \"رقيقة\".\n[¬٥]- في ز: \"هذا\".\n[¬٦]- في ت: \"القتلى\".","vol":"13","page":51},{"text":"وقد قال الحافظ البيهقي (^٦٠): حدثنا الإِمام أبو الطيب سهل بن محمد بن سليمان، أخبرنا أبو الحسن محمد بن عبد الله الدقاق، حدثنا محمد بن إبراهيم البُوشَنْجي، حدثنا هشام بن عمار الدمشقي، حدثنا الوليد بن مسلم، عن زهير بن محمد، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله قال: قرأ رسول الله ﷺ \"سورة الرحمن\" حتى ختمها، ثم قال: \"ما لي أراكم سكوتًا لَلْجنّ كانوا أحسن منكم ردًّا، ما قرأت عليهم هذه الآية من مرة: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. إلا قالوا: ولا بشيء من آلائك أو نعمك - ربنا - نكذب، فلك الحمد. ورواه الترمذي. في التفسير، عن أبي مسلم عبد الرحمن بن واقد، عن الوليد بن مسلم، به.\nقال: \"خرج رسول الله ﷺ على أصحابه، فقرأ عليهم سورة الرحمن …، فذكره، ثم قال الترمذي: غرب لا نعرفه إلا من حديث الوليد، عن زهير. كذا قال: وقد رواه [¬١] البيهقي من حديث مروان بن محمد الطاطري عن زهير بن محمد به مثله.\nوقوله: ﴿فَلَمَّا قُضِيَ﴾ أي: فرغ. كقوله: ﴿فَإِذَا قَضَيتُمُ الصَّلَاةَ﴾. ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَينِ﴾ ﴿فَإِذَا قَضَيتُمْ مَنَاسِكَكُمْ﴾.\n﴿وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ أي: رجعوا إلى قومهم فأنذروهم ما سمعوه من رسول الله ﷺ، كقوله: ﴿لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾.\nوقد استُدِلَّ بهذه الآية على أنه في الجن نُذُرٌ، وليس فيهم رسل. ولا شك أن الجن لم\n_________\n= (٨ / ت ١١٢٠) ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا، وذكره ابن حبان في الثقات (٥/ ٤٢٢) ومثل هذا يحسن حديثه خصوصًا أنه قد روى عنه عبد الله بن أبي مليكة كما ذكره البخاري وابن أبي حاتم ولم يتفرد كالرواية عنه عم الماجشون.\n\"وعم عبد العزيز الماجشون\" هو يعقوب بن أبي سلمة الماجشون وهو صدوق كما في \"التقريب\".\n(^٦٠) - دلائل النبوة (٢/ ٢٣٢) ورواه الترمذي في \"سننه\" كتاب تفسير القرآن، باب: ومن سورة الرحمن حديث (٣٢٩١) قال: حدثنا عبد الرحمن بن واقد أبو مسلم السعدي حدثنا الوليد بن مسلم عن زهير بن محمد به.\nوقال الترمذي: \"هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث الوليد بن مسلم، عن زهير بن محمد. قال ابن حنبل: كان زهير بن محمد الذي وقع بالشام ليس هو الذي يروي عنه بالعراق كأنه رجل آخر قلبوا اسمه يعني لما يروون عنه من المناكير، وسمعت محمد بن إسماعيل البخاري يقول: أهل الشام يروون عن زهير بن محمد مناكير وأهل العراق يروون عنه أحاديث مقاربة\". =\n_________\n[¬١]- في ت: \"روى\".","vol":"13","page":52},{"text":"يبعث الله منهم رسولًا لقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إلا رِجَالًا نُوحِي إِلَيهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾. وقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إلا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ﴾. وقال عن إبراهيم الخليل: ﴿وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ فكل نبي بعثه الله بعد إبراهيم فمن ذريته وسلالته، فأما قوله تعالى في الأنعام: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾، فالمراد من مجموع الجنسين، فيصدق على أحدهما وهو الإِنس، كقوله: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾، أي: أحدهما. ثم إنه تعالى فسر [¬١] إنذار الجن لقومهم فقال مخبرًا عنهم: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى﴾، ولم يذكروا عيسى لأن عيسى ﵇ أنزل عليه الإِنجيل فيه مواعظ وترقيقات وقليل من التحليل والتحريم، وهو في الحقيقة كالمتمم لشريعة التوراة، فالعمدة هو التوراة، فلهذا قالوا: ﴿أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى﴾. وهكذا قال ورقة بن نوفل، حين أخبره النبي ﷺ بقصة نزول جبريل عليه أول مرة، فقال: بَخٍ بَخٍ هذا الناموس الذي كان يأتي موسى، يا ليتني أكون فيها جذعًا.\n﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَينَ يَدَيهِ﴾ أي: من الكتب المنزلة قبله على الأنبياء. وقولهم: ﴿يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ﴾ أي: في الاعتقاد والإِخبار، ﴿وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾، في الأعمال، فإن القرآن يشتمل [¬٢] على شيئين: خبر، و[¬٣] طلب، فخبره صدق، وطلبه عدل، كما قال: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ وقال: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ﴾. فالهدى هو: العلم النافع، ودين الحق: هو العمل الصالح. وهكذا قالت الجن: ﴿يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ﴾ في الاعتقادات، ﴿وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أي: في العمليات.\n﴿يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ﴾، فيه دلالة على أنه تعالى أرسل محمدًا صلوات الله وسلامه عليه إلى الثقلين الإنس والجن حيث دعاهم إلى الله، وقرأ عليهم السورة التي فيها خطاب القومين [¬٤]، وتكليفهم ووعدهم ووعيدهم، وهي سورة الرحمن، ولهذا قال: ﴿أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ﴾.\nوقوله: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ قيل: إن \"من\" هاهنا زائدة، وفيه نظر، لأن\n_________\n= ومن هذا الوجه رواه الحاكم في المستدرك (٢/ ٤٧٣) وصححه على شرط الشيخين وافقه الذهبي! وهو وهم منهما رحمهما الله.\nلكن الحديث صحيحه الألباني في السلسة الصحيحة (٢١٥٠) بشواهد وسيورد ابن كثير ﵀ الحديث مرة أخرى في تفسير الرحمن.\n_________\n[¬١]- في ز: \"قدر\"، خ: \"قرر\".\n[¬٢]- في خ: \"مشتمل\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"أو\".\n[¬٤]- في ت: \"الفريقين\".","vol":"13","page":53},{"text":"زيادتها في الإِثبات [¬١] قليل. وقيل: إنها على بابها للتبعيض، ﴿وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ أي: ويقيكم من عذابه الأليم.\nوقد استدل بهذه الآية من ذهب من العلماء إلى أن الجن المؤمنين لا يدخلون الجنة، وإنما جزاء صالحيهم أن يجاروا من عذاب النار يوم القيامة، ولهذا قالوا هذا في هذا المقام، وهو مقام تبجح [¬٢] ومبالغة، فلو كان لهم جزاء على الإِيمان أعلى من هذا لأوشك أن يذكروه.\nقال ابن أبي حاتم (^٦١): حدثنا أبي قال: حُدِّثت عن جرير، عن ليث، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: لا يدخل مؤمنو الجن الجنة، لأنهم من ذرية إبليس، ولا تدخل ذرية إبليس الجنة.\nوالحق أن مُؤمنَهم كمؤمن [¬٣] الإنس يدخلون الجنة، كما هو مذهب جماعة من السلف، وقد استدل بعضهم لهذا بقوله: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ﴾ وفي هذا الاستدلال نظر. وأحسن منه قوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. فقد امتن تعالى على الثقلين بأن جعل جزاء محسنهم الجنة، وقد قابلت الجن هذه الآية بالشكر القولي [¬٤] أبلغ من الإِنس، فقالوا: \"ولا بِشَيءٍ [¬٥] من آلائك ربنا نكذب، فلك الحمد\".\nفلم يكن تعالى ليمتنّ عليهم بجزاء لا يحصل لهم، وأيضًا فإنه إذا كان يجازى كافرهم بالنار - وهو مقام عدل - فَلأنْ يجازى [¬٦] مؤمنهم بالجنة - وهو مقام فَضل- بطريق الأولى والأحرى.\nومما يدل أيضًا على ذلك عمومُ قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا﴾، وما أشبه ذلك من الآيات. وقد أفردت هذه المسألة في جزء على حدة، ولله الحمد والمنة.\nوهذه الجنة لا يزال فيها فضل حتى ينشيء الله لها خلقًا، أفلا يسكنها من آمن به وعمل له صالحًا؟ وما ذكروه هاهنا من الجزاء على الإِيمان من تكفير الذنوب والإِجارة من العذاب الأليم، هو يستلزم دخول الجنة، لأنه ليس في الآخرة إلا الجنة أو النار، فمن أجير من النار\n_________\n(^٦١) - تفسير ابن أبي حاتم (١٠/ ٣٢٩٧) (١٨٥١٨) وفي إسناده ليث بن أبي سليم وهو ضعيف كما تقدم مرارًا.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"الآيات\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"تنح\".\n[¬٣]- في ت: \"كمؤمني\".\n[¬٤]- في ز: \"بياض\"، سقط من: خ.\n[¬٥]- في ز، خ: \"شيء\".\n[¬٦]- في ز، خ: \"يجزى\".","vol":"13","page":54},{"text":"دخل الجنة لا محالة.\nولم يرد معنا نص صريح ولا ظاهر عن الشارع أن مؤمني [¬١] الجن لا يدخلون الجنة وإن أجيروا من النار، ولو صح لقلنا به، والله أعلم.\nوهذا نوح ﵇ يقول لقومه: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ [وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى] [¬٢]﴾. ولا خلاف أن مؤمني قومه في الجنة، فكذلك هؤلاء.\nوقد حُكي فيهم أقوال غريبة فعن عُمَر بن عبد العزيز: أنهم لا يدخلون بُحْبُوحَةَ [¬٣] (*) الجنة وإنما يكونون في رَبَضِها (**) وحولها وفي أرجلائها [¬٤]. ومن الناس من زعم أنهم في الجنة يراهم بنو آدم ولا يرون هم بني آدم عكس ما كانوا عليه في الدار الدنيا. ومن الناس من قال: يأكلون في الجنة ولا يشربون، وإنما يلهمون التسبيح والتحميد والتقديس، عِوَضًا عن الطعام والشراب كالملائكة، لأنهم من جنسهم. وكل هذه الأقوال فيها نظر، ولا دليل عليها.\nثم قال مخبرًا عنهم: (﴿وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: بل قدرة الله شاملة له ومحيطة به، ﴿وَلَيسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ﴾ أي: لا يجيرهم منه أحد ﴿أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ وهذا مقامُ تهديد وترهيب، فَدَعَوا [¬٥] قومهم بالترغيب والترهيب، ولهذا نجع في كثير منهم، وجاءوا إلى رسول الله ﷺ وفودًا وفودًا، كما تقدم بيانه [ولله الحمد والمنة] [¬٦].\n﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ (٣٣) وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَلَيسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَال فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٣٤) فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ\n_________\n(*) أي وسطها. وبحوبحة الدار: وسطها. يقال: تبحبح إذا تمكَّن وتوَّسَط المنزل والمقام.\n(**) رَبَض الجنة: ما حولها خارجًا عنها، تشبيهًا بالأبنية التي تكون حول المدن وتحت القلاع.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"مؤمنوا\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في خ، ز: \"ويجركم من عذاب أليم\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"بحبحة\".\n[¬٤]- في خ: \"رحابها\".\n[¬٥]- في ز، خ: \"يدعوا\".\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من ز.","vol":"13","page":55},{"text":"مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إلا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلَاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إلا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ (٣٥)﴾\nيقول تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ أي: هؤلاء المنكرون للبعث يوم القيامة، المستبعدون لقيام الأجساد يوم المعاد ﴿أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ﴾ أي: ولم يَكْرثهُ [¬١] (*) خَلْقُهن، بل قال لها: \"كوني\" فكانت، بلا ممانعة ولا مخالفة، بل طائعة مجيبة خائفة وَجلة، أفليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى؟ كما قال في الآية الأخرى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ ولهذا قال: ﴿بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ﴾ ثم قال متهددًا ومتوعدًا لمن كفر به: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَلَيسَ هَذَا بِالْحَقِّ﴾ أي: يقال لهم: أما هذا حق؟ أفسحر هذا؟ أم أنتم لا تبصرون؟ ﴿قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا﴾ أي: لا يسعهم إلا الاعتراف ﴿قَال فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾.\nثم قال تعالى آمرًا رسوله بالصبر على تكذيب من كذبه من قومه، ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ أي: [على تكذيب] [¬٢]. قومهم، وقد اختلفوا في تعداد أولي العزم على أقوال، وأشهرها أنهم: نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، وخاتم الأنبياء كلهم محمد، ﷺ و[¬٣] قد نص الله على [¬٤] أسمائهم من بين الأنبياء في آيتين من سُورَتَي \"الأحزاب\" و\"الشورى\" وقد يحتمل أن يكون المراد بأولي العزم جميع الرُّسُل، وتكون \"من\" في قوله: ﴿مِنَ الرُّسُلِ﴾ لبيان الجنس، والله أعلم. وقد قال ابن أبي حاتم (^٦٢):\nحدثنا محمد بين الحجاج الحضرمي، حدثنا السري [¬٥] بن حَيان، حدثنا عباد بن عباد، حدثنا مجالد بن سعيد، عن الشعبي، عن مسروق قال: قالت لي عائشة: ظل رسول الله\n_________\n(*) كرثه الأمر وغيره: اشتد عليه وبلغ منه المشقة.\n(^٦٢) - تفسير ابن أبي حاتم (١٠/ ٣٢٩٧) (١٨٥٨٣) وفي إسناده مجالد بن سعيد وهو ضعيف قال الحافظ في \"التقريب\": ليس بالقوي وقد تغير في آخر عمره. والحديث ذكره السيوطي في الدر المنثور (٦/ ١٧ - ١٨) ولم يعزه لغير ابن أبي حاتم.\n_________\n[¬١]- في خ: \"يكده\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"بتكذيب\".\n[¬٣]- سقط من ت.\n[¬٤]- في ز، خ: \"في\".\n[¬٥]- في ز، خ: \"السُّدِّي\".","vol":"13","page":56},{"text":"ﷺ صائمًا ثم طواه، ثم ظل صائمًا ثم طواه، ثم ظل صائمًا. قال: \"يا عائشة، إن الدنيا لا تنبغي لمحمد ولا لآل محمد، يا عائشة إن الله لم يرض من أولي العزم من الرسل إلا بالصبر على مكروهها والصبر عن [¬١] محبوبها، ثم لم يرض مني إلا أن يكلفني ما كلفهم، فقال: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾. وإني - والله - لأصبرن كما صبروا جهدي، ولا قوة إلا بالله\".\n﴿وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ﴾ أي: لا تستعجل لهم حلول العقوبة بهم. كقوله: ﴿وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا﴾ وكقوله: ﴿فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيدًا﴾. ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إلا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ﴾ كقوله: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إلا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾، وكقوله: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إلا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَينَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾.\nوقوله: ﴿بَلَاغٌ﴾. قال ابن جرير: يحتمل معنيين، أحدهما: أن يكون تقديره: وذلك لبثَ بلاغ.\nوالآخر: أن يكون تقديره: هذا القرآن بلاغ.\nوقوله: ﴿فَهَلْ يُهْلَكُ إلا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ﴾ أي: لا يهلك على الله إلا هالك، وهذا من عدله تعالى أنه لا يعذب إلا من يستحق العذاب.\n[آخر تفسير سورة الأحقاف].\n* * *\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"على\".","vol":"13","page":57},{"text":"<span data-type='title' id=toc-166>تفسير سورة محمد وهي مدنية</span>\n﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالهُمْ (١) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالهُمْ (٢) ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالهُمْ (٣)﴾\nيقول تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: بآيات الله، ﴿وَصَدُّوا﴾ غيرهم ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالهُمْ﴾ أي: أبطلها وأذهبها ولم يجعل لها جزاءً ولا ثوابًا، كقوله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ أي: آمنت قلوبهم وسرائرهم، وانقادت جوارحهم وبواطنهم [¬١] وظواهرهم، ﴿وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ﴾، عطف خاص على عام، وهو دليل على أنه شرط في صحة الإِيمان بعد بعثته صلوات الله وسلامه عليه.\nوقوله: ﴿وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ جملة معترضة حسنة، ولهذا قال: ﴿كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالهُمْ﴾. قال ابن عباس: أي أَمَرَهم. وقال مجاهد: شأنهم. وقال قتادة وابن [¬٢] زيد: حالهم. والكل متقارب وقد جاء في حديث تشميت العاطس: \"يهديكم الله، ويصلح بالكم\" (^١).\nثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ﴾ أي [¬٣]: [إنما أبطلنا أعمال الكفار. وتجاوزنا عن سيئات الأبرار، وأصلحنا شئونهم؛ لأن الذين كفروا اتبعوا الباطل، أي:] [¬٤] اختاروا الباطل على الحق، ﴿وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالهُمْ (٣)﴾ أي: يبين لهم مآل أعمالهم، وما يصيرون إليه في معادهم.\n_________\n(^١) - ورد من حديث أبي هريرة، رواه البخاري في كتاب الأدب من صحيحه (٦٢٢٤)، وأبو داود في كتاب الأدب برقم (٥٠٣٣).\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في ز، خ: \"وأبو\".\n[¬٣]- سقط من: خ.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز: خ.","vol":"13","page":58},{"text":"﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالهُمْ (٤) سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالهُمْ (٥) وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ (٦) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (٧) وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالهُمْ (٨) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالهُمْ (٩)﴾\nيقول تعالى مرشدًا للمؤمنين إلى ما يعتمدونه في حروبهم مع المشركين: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ أي: إذا واجهتموهم فاحصدوهم حصدًا بالسيوف، ﴿حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ﴾ أي: أهلكلتموهم قتلًا ﴿فَشُدُّوا﴾ الأسارى الذين تأسرونهم، ثم أنتم بعد انقضاء الحرب وانفصال المعركة مخيرون في أمرهم؛ إن شئتم مننتم عليهم فأطلقتم [¬١] أساراهم مجانًا، وإن شئتم فاديتموهم بمال تأخذونه منهم وتشارطونهم عليه. والظاهر أن هذه الآية نزلت بعد وقعة بدر، فإن الله سبحانه عاتب المؤمنين على الاستكثار من الأسارى ورمئذ ليأخذوا منهم الفداء، والتقليل من القتل يومئذ فقال: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٧) لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ثم قد ادعى بعض العلماء أن هذه الآية المخيرة بين مفاداة الأسير والمن عليه منسوخة بقوله تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ الآية رواه العوفي عن ابن عباس.\nوقاله قتادة، والضحاك، والسدي، وابن جريج.\nوقال الآخرون - وهم الأكثرون -: ليست منسوخة.\nثم قال بعضهم: إنما الإِمام مُخَيَّرٌ بين المن على الأسير ومفاداته فقط، ولا يجوز له قتله.\nوقال آخرون منهم: بل له أن يقتله إن شاء، لحديث قتل النبي ﷺ النضر بن الحارث وعقبة بن أبي مُعَيط من أسارى بدر (^٢).\n_________\n(^٢) - نقل ذلك ابن كثير في البداية والنهاية (٣/ ٣٧٢) عن ابن إسحاق، وروى الطبراني في الأوسط (٣٨٠١) عن ابن عباس قال: جعل رسول الله ﷺ يوم بدر ثلاثة حبرًا، قتل النضر بن الحارث من بني =\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"فأطلقتموا\".","vol":"13","page":59},{"text":"وقال ثمامة بن أثال [¬١] لرسول الله ﷺ حين قال له: \"ما [¬٢] عندك [¬٣] يا ثمامة؟ \" فقال: إِن تَقْتُلْ تَقْتُلْ ذا دَمٍ، وإِن تمنن تمنن على شاكر، وإن كنت تريد المال فَسَلْ [¬٤] تعطَ منه ما شئت (^٣).\nوزاد الشافعي ﵀ فقال: الإِمام مخير بين قتله أو المنّ عليه أو مفاداته أو استرقاقه أيضًا. وهذه المسألة مُحَرّرة في علم الفروع، وقد دللنا على ذلك في كتابنا \"الأحكام\"، ولله الحمد والمنة.\nوقوله: ﴿حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ قال مجاهد: حتى ينزل عيسى ابن مريم. وكأنه أخذه من قوله ﷺ: \"لا تزال [طائفة من] [¬٥] أمتي ظاهرين على الحق حتى يقاتل آخرهم الدجال\" (^٤).\nوقال الإِمام أحمد (^٥): حدثنا الحكم بن نافع، حدثنا إسماعيل بن عياش، عن إبراهيم\n_________\n= عبد الدار، وقتل طعيم بن عدي من بني نوفل، وقتل عقبة بن أبي معيط، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ٩٣)، وقال: رواه الطبراني في الأوسط وفيه عبد الله بن حماد بن نمير ولم أعرفه، وقية رجاله ثقات. وروى البزار كما في كشف الأستار (١٧٨١)، قال رسول الله ﷺ: لأقتلن اليوم رجلًا من قريش صبرًا قال: فنادى عقبة بن أبي ميعط بأعلى صوته: يا معشر قريش؛ ما لي أقتل من بينكم صبرًا؟ قال: فقال رسول الله ﷺ: \"بكفرك بالله وافترائك على رسول الله ﷺ. وقال الهيثمي (٦/ ٩٢): فيه يحيى بن سلمة بن كهيل، وهو ضعيف ووثقه ابن حبان.\nويحيى بن سلمة بن كهيل شيعي متروك كما في \"التقريب\" لابن حجر ولكن ذكر الهيثمي في \"المجمع\" عن ابن عباس قال: نادى رسول الله ﷺ أسارى بدر وكان فداء كل رجل منهم أربعة آلاف وقتل عقبة بن أبي معيط قبل الفداء قام إليه علي بن أبي طالب فقتله صبرًا قال: من للصبية يا رسول الله قال: النار. وقال الهيثمي: رواه الطبراني في الكبير والأوسط ورجاله رجال الصحيح.\n(^٣) - حديث ثمامة رواه البخاري في \"صحيحه\" في كتاب المغازي، باب: وفد بني حذيفة، الحديث (٤٣٧٢) ومسلم في \"صحيحه\" كتاب الجهاد والسير، باب ربط الأسير وحبسه وجواز المن عليه حديث (١٧٦٤) من حديث سعيد بن أبي سعيد عن أبي هريرة.\nوقد اختصره البخاري في مواضع من صحيحه انظر رقم (٤٦٢، ٤٦٩، ٢٤٢٢، ٢٤٢٣).\n(^٤) - تقدم في تفسير سورة البقرة الآية (١٢٠)، وانظر أيضًا تفسير سورة النور الآية (٥٥).\n(^٥) - المسند (٤/ ١٠٤)، ورواه البخاري في التاريخ الكبير (٤/ ٧٠)، وابن أبي عاصم في \"الآحاد والمثاني\" (٢٤٦٠)، والطبراني في الكبير (٦٣٥٨)، والبزار كما في كشف الأستار (١٦٨٩) والفسوي في تاريخه =\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"أبان\".\n[¬٢] في خ: \"يا\".\n[¬٣]- في ز: \"عندي\"، خ: \"عبدي\".\n[¬٤]- في ز، خ: فلي.\n[¬٥]- سقط من: ز، خ.","vol":"13","page":60},{"text":"ابن سليمان، عن الوليد بن عبد الرحمن الجُرَشي، عن جُبَير بن نُفَير أن سلمة بن نُفَيل أخبرهم: أنه أتى رسول الله ﷺ فقال: إني سَيَّبْتُ الخيل، وألقيت السلاح، ووضعت الحرب أوزارها، وقلت: لا قتال. فقال له النبي ﷺ: \"الآن جاء القتال، لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الناس يزيغ الله [¬١] قلوب أقوام فيقاتلونهم. ويرزقهم [¬٢] الله منهم، حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك. ألا إن [عُقْرَ دار المؤمنين الشام] [¬٣]. والخيل معقود [¬٤] في نواصيها الخير إلى يوم القيامة وهكذا رواه النسائي من طريقين، عن جبير بن نُفَير، عن سلمة بن نُفَيل السكوني [¬٥]، به.\nوقال أبو القاسم البغوي (^٦): حدثنا داود بن رشيد حدثنا الوليد بن [مسلم عن] [¬٦] محمد بن مهاجر عن الوليد بن عبد الرحمن الجُرَشي، عن جبير بن نُفَير، عن النواس بن سمعان قال: لما [¬٧] فتح على رسول الله ﷺ فَتْح فقالوا: يا رسول الله سيبت الخيل، ووضعت السلاح، ووضعت الحرب أوزارها، قالوا: لا قتال، قال: \"كذبوا! الآن جاء القتال، لا يزال الله يُرَفِّع قلوب قوم يقاتلونهم [¬٨]، فيرزقهم منهم،\n_________\n= (١/ ٣٣٦) من طريق إبراهيم بن سليمان الأفطس عن الوليد به، ورواه النسائي في كتاب الخيل (٦/ ٢١٤) وفي \"الكبرى\" كتاب الخيل، باب: ذكر الخيل حديث (٤٤٠١) من طريق إبراهيم بن أبي علية عن الوليد بن عبد الرحمن به.\nإلَّا أن رواية ابن أبي علية فيها عن سلمة بن نفيل قال: كنت جالسًا عند رسول الله ﷺ فقال رجل: يا رسول الله أذال الناس الخيل ووضعوا السلاح … الحديث.\nوإسناد هذا الحديث صحيح على شرط مسلم كذا قال الألباني في الصحيحة (١٩٣٥)، ورواه النسائي في \"الكبرى\" كتاب السير، باب: متى تضع الحرب أوزارها، حديث (٨٧١٢) والطبراني في الكبير (٣٦٦٠) من طريق يحيى بن حمزة الدمشقي عن نصر بن علقمة، عن جبير بن نفير، عن سلمة بن نفيل نحو رواية ابن أبي علية ويشهد له ما رواه ابن حبان في صحيحه (٧٣٠٧) من حديث الوليد بن عبد الرحمن عن جبير بن نفير عن النواس بن سمعان مثل حديث سلمة وسيأتي تخريجه بعد هذا الحديث.\n(^٦) - رواه أبو يعلى، وعنه ابن حبان في صحيحه (٧٣٠٣) قال: حدثنا داود بن رشيد فذكره. ورجال إسناده ثقات إلَّا أن الوليد بن مسلم مدلس وقد عنعن.\nوالحديث رواه ابن سعد (٧/ ٤٢٧ / ٤٢٨) والطبراني في الكبير - مختصرًا - (٦٣٥٩) من طريقين عن الوليد بن مسلم بهذا الإسناد وفيه \"سلمة بن نفيل\" بدلًا من النواس بن سمعان وقد صرح فيه الوليد بالتحديث وقد صح الحديث عن سلمة من غير هذا الطريق كما تقدم بيانه في التخريج السابق.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"له\".\n[¬٢]- في ز: \"ويرونهم\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"إلا إن عقدوا المؤمنين التام\".\n[¬٤]- في خ: \"بعقود\".\n[¬٥]- في ز: \"السلولي\".\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٧]- سقط من: ز، خ.\n[¬٨]- في ز، خ: \"يقاتلون\".","vol":"13","page":61},{"text":"حتى يأتي أمر الله وهم [¬١] على ذلك، [وعُقْر دار المسلمين بالشام\"] [¬٢].\nوهكذا رواه الحافظ أبو يعلى الموصلي عن داود بن [¬٣] رُشيد، به. والمحفوظ أنه من رواية سلمة بن نُفَيل كما تقدم. وهذا يقوي القول بعدم النسخ، كأنه شرع هذا الحكم في الحرب إلى أن لا يبقى حرب.\nوقال قتادة: ﴿حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ حتى لا يبقى شرك. وهذا كقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾. ثم قال بعضهم: ﴿حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ أي: أوزار المحاربين، وهم المشركون، بأن يتوبوا إلى الله ﷿. وقيل: أوزار أهلها بأن يبذلوا الوسع في طاعة الله ﷿.\nوقوله: ﴿وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ﴾ أي: هذا ولو شاء الله لانتقم من الكافرين بعقوبة ونكال من عنده، ﴿وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ﴾ أي: ولكن شرع لكم الجهاد وقتال الأعداء ليختبركم، ويبلو أخباركم. كما ذكر حكمته في شرعية الجهاد في سورتي \"آل عمران\" و\"براءة\" في قوله: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ وقال في سورة براءة: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (١٤) وَيُذْهِبْ غَيظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ ثم لما كان من شأن القتال أن يُقتل كثيرٌ من المؤمنين، قال: ﴿وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالهُمْ﴾ أي: لن يذهبها بل يكثرها وينميها [¬٤] ويضاعفها. ومنهم من يجري عليه عمله في طول بَرْزَخه، كما ورد بذلك الحديث الذي رواه الإِمام أحمد في مسنده (^٧)، حيث قال:\n_________\n(^٧) - المسند (٤/ ٢٠٠) وعنه البخاري في التاريخ (٧/ ١٤٣، ١٤٤) وابن الأثير في أسد الغابة (٤/ ٤١٥) ورواه ابن أبي عاصم في \"الآحاد والمثاني\" (٢٧٣٤١) قال: حدثنا محمد بن مصفى نابقيه قال: حدثني ابن ثوبان فذكره نحوه. وفي إسناده عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان وقد اختلف فيه فضعفه أحمد، والنسائي، وابن خراش، ووثقه أبو حاتم الرازي ودحيم وعبد الرحمن بن صالح وعمرو بن علي الفلاس وغيره ابن حبان في الثقات وقال ابن المديني والعجلي وغيرهما: لا بأس به، واختلف فيه قول ابن معين.\nوقال ابن حجر في \"التقريب\": صدوق يخطئ ورمى بالقدر وتغير بأخرة. فمثل ابن ثوبان هذا يحسن حديثه لا سيما إذا كان له شواهد مثل هذا الحديث فإنه يشهد له حديث المقداد الآتي والحديث ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٥/ ٢٩٦) وقال: رواه أحمد وفيه عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان وثقه أبو حاتم وجماعة وضعفه جماعة.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"وعقدوا من المسلمين بالشام\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"عن\".\n[¬٤]- في ز: \"ويتمها\".","vol":"13","page":62},{"text":"حدثنا زيد بن يحيى الدمشقي، حدثنا ابن ثوبان، عن أبيه، عن مكحول، عن كثير بن مُرَّة، عن قيس الجذامي - رجل كانت له صحبة - قال: قال رسول الله ﷺ: \"يعطى الشهيد ست خصال: عند أول قطرة من دمه يُكفّر عنه كل خطيئة، ويرى مقعده من الجنة، ويزوّج من الحور العين، ويُؤَمَّن من الفزع الأكبر، ومن عذاب القبر، ويحلى حُلَّة الإِيمان\" تفرد به أحمد ﵀.\n(حديث آخر) قال أحمد أيضًا (^٨): حدثنا الحكم بن نافع، حدثنا إسماعيل بن عياش، عن [بَحير بن سعد] [¬١]، عن خالد بن معدان، عن المقدام بن معد يكرب الكندي قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن للشهيد عند الله ست خصال: أن يغفر له في أول دَفعة [¬٢] من دمه، ويرى مقعده من الجنة، ويحلى حُلَّة [¬٣] الإِيمان، ويزوج من الحور العين، ويُجَار من عذاب القبر، ويأمَن من الفزع الأكبر، ويوضع على رأسه تاج الوقار، الياقوتة منه خير من الدنيا وما فيها، ويزوج اثنتين وسبعين زوجة من الحور العين، وَيُشَفَّع في سبعين إنسانًا [¬٤] من أقاربه\". وقد أخرجه الترمذي وصححه، وابن ماجة.\nوفي صحيح مسلم (^٩) عن عبد الله بن عَمرو، وعن أبي قتادة أن رسول الله ﷺ قال: \"يُغفَر للشهيد كل شيء إلا الدَّين\". ورُوي من حديث جماعة من الصحابة (^١٠).\n_________\n(^٨) - المسند (٤/ ١٣١) ومن هذا الطريق رواه ابن ماجة في الجهاد حديث (٢٧٩٩)، ورواه الترمذي في صحيحه \"كتاب فضائل الجهاد؛ باب: ثواب الشهيد حديث (١٦٦٣) من طريق بقية بن الوليد، عن بحير بن سعد به.\nوقال الترمذي: حديث حسن صحيح غريب. لكن رواه عبد الرزاق في مصنفه (٩٥٥٩) عن إسماعيل بن عياش بهذا الإسناد بلفظ: \"إن للشهيد عند الله ست خصال … \" الحديث مثل رواية أحمد. والحديث صححه الألباني في \"صحيح سنن ابن ماجة\" (٢٢٥٧) وانظر أيضًا أحكام الجنائز (ص ٣٦).\n(^٩) - صحيح مسلم كتاب الإمارة، باب: من قتل في سبيل الله كفرت خطاياه إلَّا الدين حديث (١٨٨٦) (١١٩) وهو عند أحمد في المسند (٢/ ٢٢٠).\nورواه مسلم (١٨٨٦) (١٢٠) من طريق سعيد بن أبي أيوب قال: حدثني عياش بن عباس القتباني به بلفظ \"القتل في سبيل الله يكفر كل شيء إلَّا الدَّين\".\n(^١٠) - ورد ذلك عن جمع من الصحابة ومن ذلك ما رواه مسلم في \"صحيحه\" في كتاب الإمارة باب: =\n_________\n[¬١]- في ز: \"يحيى بن سعيد\"، خ: \"يحيى بن سعد\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"خفقة\".\n[¬٣]- في ز: \"حلية\".\n[¬٤]- في ز، خ: \"نفسًا\".","vol":"13","page":63},{"text":"وقال أبو الدرداء: قال رسول الله ﷺ: \" [يشفع الشهيد] [¬١] في سبعين من أهل بيته\" (^١١) رواه [¬٢] أبو داود والأحاديث في فضل الشهيد كثيرة جدًّا.\nوقوله: ﴿سَيَهْدِيهِمْ﴾ أي: إلى الجنة، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾.\nوقوله: ﴿وَيُصْلِحُ بَالهُمْ﴾ أي: أمرهم وحالهم، ﴿وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾ أي: عرفهم بها وهداهم إليها.\nقال مجاهد: يهتدي أهلها [¬٣] إلى بيوتهم [¬٤] ومساكنهم، وحيث قسم الله لهم منها، لا يخطئون كأنهم ساكنوها منذ خلقوا، لا يستدلون عليها أحدًا. وروى مالك عن ابن زيد بن أسلم نحو هذا.\n_________\n= من قتل في سبيل الله كفرت خطاياه إلَّا من الدين حديث (١٨٨٥) (١١٧) من حديث أبي قتادة وفيه قال أبو قتادة: أرأيت إن قتلت في سبيل الله أتكفر عني خطاياي؟ فقال رسول الله ﷺ: \"نعم وأنت صابر فحتسب مقبل غير مدير إلا الدين فإن جبريل ﵇ قال لي ذلك\".\nوروى الترمذي في \"سننه\" كتاب فضائل الجهاد، باب: ما جاء في ثواب الشهداء حديث (١٦٤٠) من حديث أبي بكر بن عياش عن حميد عن أنس مرفوعًا بلفظ: \"القتل في سبيل الله يكفر كل خطيئة فقال جبريل: إلا الدين فقال النبي: \"إلَّا الدين\".\nقال الترمذي: وفي الباب عن كعب بن عجرة وجابر وأبي هريرة وأبي قتادة وهذا حديث غريب لا نعرفه من حديث أبي بكر إلا من حديث هذا الشيخ قال: وسألت محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث فلم يعرفه وقال: أرى أنه أراد حديث حميد عن أنس عن النبي ﷺ أنه قال: \"ليس أحد من أهل الجنة يسره أن يرجع إلى الدنيا إلَّا الشهد\".\nقلت: مراد البخاري أن أبا بكر بن عياش قد أخطأ في هذا الحديث لكن الحديث صححه الألباني ﵀ في \"صحيح سنن الترمذي\" (١٣٤٠).\n(^١١) - رواه أبو داود في \"سننه\" كتناب الجهاد، باب: في الشهيد يشفع حديث (٢٥٢٢) ومن طريقه البيهقي (٩/ ١٦٤) كتاب السير، باب: الشهيد يشفع، وابن حبان في \"صحيحه\" من طريق الوليد بن رباح الذماري، حدثني عمي نمران بن عتيبة الذماري قال: دخلنا على أم الدرداء ونحن أيتام فقالت: أكثروا فإني سمعت أبا الدرداء يقول: قال رسول الله ﷺ: \"يشفع الشهيد في سبعين من أهل بيته\" قال أبو داود: صوابه رباح بن الوليد.\nورباح بن الوليد بن يزيد بن نمران الذماري قال فيه الحافظ في \"التقريب\": صدوق. =\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٢]- في ز: \"ورواه\".\n[¬٣]- في خ: \"بها\".\n[¬٤]- في ز: \"يوم متونهم\"، خ: \"يوم مثواهم\".","vol":"13","page":64},{"text":"وقال محمد بن كعب: يعرفون بيوتهم إذا دخلوا الجنة، كما تعرفون بيوتكم إذا انصرفتم من الجمعة.\nوقال مقاتل بن حيان: بلغنا أن الملك الذي كان وُكِلَ بحفظ عمله في الدنيا يمشي بين يديه في الجنة، ويتبعه ابنُ آدم حتى يأتي أقصى منزل هو له، فيعرّفه كل شيء أعطاه الله في الجنة، فإذا انتهى إلى أقصى منزله في الجنة دخل [إلى] [¬١] منزله وأزواجه، وانصرف الملك عنه. ذكرهن ابن أبي حاتم ﵀!\nوقد ورد الحديث الصحيح بذلك أيضًا، رواه البخاري (^١٢) من حديث قتادة، عن أبي المتوكل الناجي، عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال: \"إذا خلص المؤمنون من النار حبسوا بقنطرة بين الجنة والنار يتقاصّون [¬٢] مظالم كانت بينهم في الدنيا، حتى إذا هُذّبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة، والذي نفسي بيده إن أحدهم بمنزله في الجنة أهدى منه بمنزله [] [¬٣] كان في الدنيا\".\nثم قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾، كقوله: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ﴾، فإن الجزاء من جنس العمل، ولهذا قال: ﴿وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾، كما جاء في الحديث: \"من بَلَّغ ذا سلطان حاجة من لا يستطيع إبلاغها، ثبت الله قدمه على الصراط يوم القيامة\".\nثم قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ﴾، عكس تثبيت الأقدام للمؤمنين الناصرين لله ولرسوله ﷺ. وقد ثبت في الحديث عن رسول الله ﷺ أنه قال: \"تعس عبد الدينار، [تعس عبد الدرهم] [¬٤]، تعس عبد القطيفة، تعس وانتكس، وإذا شِيكَ فلا انتقش\" (^١٣).\n_________\n= والحديث صححه الألباني في \"صحيح سنن أبي داود\" (٢٢٠١).\n(^١٢) - صحيح البخاري كتاب المظالم، باب: قصاص المظالم حديث (٢٤٤٠) من طريق هشام الدستوائي عن قتادة به، ورواه في كتاب الرقاق، باب: القصاص يوم القيامة وهي الحاقة لأن فيها الثواب وحواق الأمور حديث (٦٥٣٥) من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.\nوالحديث رواه أحمد (٣/ ١٣، ٥٧، ٦٣، ٧٤) وعبد بن حميد (٩٣٥) والبخاري في الأدب المفرد (٤٨٦) من طريق قتادة به.\n(^١٣) - تقدم تخريجه في تفسير سورة آل عمران الآية (٢٠٠).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"إلى\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"يتقاضون\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في خ: \"الدين\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"13","page":65},{"text":"وقوله: ﴿وَأَضَلَّ أَعْمَالهُمْ﴾ أي: أحبطها وأبطلها. ولهذا قال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [أي: لا يريدونه ولا يحبونه، ﴿فَأَحْبَطَ أَعْمَالهُمْ﴾] [¬١].\n﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا (١٠) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ (١١) إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ (١٢) وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ (١٣)﴾\nيقول تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا﴾ يعني المشركين بالله المكذبين لرسوله ﴿فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيهِمْ﴾ أي: عاقبهم بتكذيبهم وكفرهم، أي: ونجى المؤمنين من بين أظهرهم؛ ولهذا قال: ﴿وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا﴾. ثم قال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ﴾ ولهذا قال أبو سفيان صخر بن حرب رئيس المشركين يوم أحُدٍ حين - سأل عن النبي ﷺ، وعن أبي بكر وعمر فلم يُجَبْ، وقال: أما هؤلاء فقد هلكوا. وأجابه عمر بن الخطاب فقال: كذبت يا عدو الله، بل أبقى الله لك ما يسوءك، وإن الذين [¬٢] عَدَدت لأحياءٌ. فقال أبو سفيان: يوم بيوم بدر، والحرب سجال، أما إنكم ستجدون مُثْلَةً لم آمر بها ولم تسؤني، ثم ذهب يرتجز ويقول: * اعل هُبَل، اعل هُبَل * فقال رسول الله ﷺ: \"ألا تجيبوه؟ \" قالوا: يا رسول الله؟ وما نقول؟ قال: \"قولوا: الله أعلى وأجل\". ثم قال أبو سفيان: لنا العُزّى، ولا عُزى لكم. فقال: \"ألا تجيبوه؟ \" قالوا: وما نقول يا رسول الله؟ قال: \"قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم\" (^١٤).\n_________\n(^١٤) - رواه أحمد (٤/ ٢٩٣)، ورواه البخاري في \"صحيحه\" في المغازي، باب: غزوة أحد … حديث (٤٠٤٣) من حديث البراء بن عازب ورواه أيضًا أحمد في مسنده (٤/ ٢٩٣) والنسائي في \"الكبرى\" كتاب التفسير، باب: قوله تعالى: ﴿وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ﴾ حديث (١١٠٧٩) من حديث البراء أيضًا.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ز: ﴿فَأَحْبَطَ أَعْمَالهُمْ﴾ أي: لا يريدونه ولا يحبونه\".\n[¬٢]- في ز: \"الذي\".","vol":"13","page":66},{"text":"ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ أي: يوم القيامة، ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ﴾ أي: في دنياهم، يتمتعون بها ويأكلون منها كأكل الأنعام، خَضْمًا وقضمًا، ليس لهم همة إلا في ذلك. ولهذا ثبت في الصحيح (^١٥): \" المؤمن يأكل في مِعى واحد، والكافر يأكل في سبعة أمعاء\". ثم قال: ﴿وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ أي: يوم جزائهم.\nوقود: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ﴾ يعني: مكة، ﴿أَهْلَكْنَاهُمْ فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ﴾ وهذا تهديد ووعيد أكيد لأهل مكة، في تكذيبهم لرسول الله ﷺ، وهو سيد المرسلين وخاتم الأنبياء، فإذا كان الله ﷿ قد أهلك الأمم الذين كذبوا الرسل قبله، بسببهم، وقد كانوا أشد قوة من هؤلاء، فماذا ظن هؤلاء أن يفعل الله بهم في الدنيا والأخرى؟ فإن رفع عن كثير منهم العقوبة في الدنيا لبركة وجود الرسول نبي الرحمة، فإن العذاب يوفر على الكافرين به في معادهم، ﴿يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ﴾.\nوقوله: ﴿مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ﴾ أي: الذين أخرجوك من بين أظهرهم.\nقال [¬١] ابن أبي حاتم (^١٦): ذكر [¬٢] أبي، عن محمد بن عبد الأعلى، عن المعتمر بن سليمان، عن أبيه، عن حَنَش، عن عكرمة، عن ابن عباس: أن النبي ﷺ لما خرج من مكة إلى الغار - أراه [¬٣] قال [¬٤]: التفت [¬٥] إلى مكة - وقال: \"أنت أَحبّ بلاد الله إلى الله، وأنت أحب بلاد الله إليّ، ولو أن المشركين لم يخرجوني لم أخرج منك\".\n_________\n(^١٥) - رواه البخاري في \"صحيحه\" في كتاب الأطعمة، باب: المؤمن يأكل في معي واحد حديث (٥٣٩٣، ٥٥٣٩، ٥٣٩٥) ومسلم في \"صحيحه\" كتاب الأشربة من حديث عبد الله بن عمر.\nوقد ورد ذلك أيضًا من حديث أبي هريرة وأبي موسى وغيرهما.\n(^١٦) - ورواه ابن جرير في تفسيره (٢٦/ ٤٨) قال حدثنا ابن عبد الأعلى قال: ثنا المعتمر بن سليمان به. ورواه أبو يعلى في مسنده الكبير كما في (المطالب العالية - النسخة المسندة) (٤١٠٣) قال: حدثنا حسن بن عمر ثنا معتمر فذكره نحوه. وهذا إسناد رجاله ثقات غير أن حنش لا أدري من هو، ولعله يكون حنش بن المعتمر وهو مختلف في توثيقه ولا أراه يحتج به إلَّا في المتابعات والشواهد.\nوالحديث ذكره السيوطي في الدر المنثور (٦/ ٢٤) وزاد نسبته لعبد بن حميد.\n_________\n[¬١]- في ت: \"وقال\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"ذكره\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"وداراه\".\n[¬٤]- سقط من: ز.\n[¬٥]- في ز، خ: \"فالتفت\".","vol":"13","page":67},{"text":"فأعدى الأعداء من عَدَا على الله في حرمه، أو قتل غير قاتله، أو قتل بذُحُول [¬١] الجاهلية، فأنزل الله على نبيه ﷺ: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ﴾.\n﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ (١٤) مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ (١٥)﴾\nيقول: ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ أي: على بصيرة ويقين في أمر الله ودينه، بما أنزل الله في كتابه من الهدى والعلم، وبما جَبَله الله عليه من الفطرة المستقيمة، ﴿كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾ أي: ليس هذا كهذا. كقوله: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾، وكقوله: ﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾.\nثم قال: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾. قال عكرمة: ﴿مثل الجنة﴾ أي: نعتها. ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾. قال ابن عباس، والحسن، وقتادة: يعني غير متغير. وقال قتادة، والضحاك، وعطاء الخراساني: غير منتن. والعرب تقول: أسِنَ الماء إذا تَغَيَّر ريحه.\nوفي حديث مرفوع أورده ابن أبي حاتم: ﴿غير آسن﴾ يعني: الصافي [¬٢] الذي لا كدر فيه.\nوقال ابن أبي حاتم (^١٧): حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا وكيع، عن الأعمش، عن عبد الله بن مرة، عن مسروق قال: قال عبد الله: أنهار الجنة تُفجَّر من جبل من مسك.\n﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ﴾ أي: بل في غاية البياض والحلاوة والدسومة. وفي حديث مرفوع: \"لم يخرج من ضُرُوع الماشية\".\n_________\n(^١٧) - أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٨/ ٦٧) والبيهقي في البعث والنشور (٢٩٣) من طريق الأعمش به. وأخرجه عمر في جامعه (١١/ ٤١٦ - المصنف) عن الأعمش عن ابن مرة عن مسروق قوله.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"بدخول\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"الصان\".","vol":"13","page":68},{"text":"﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ﴾ أي: ليست كريهة الطعم والرائحة كخمر الدنيا، بل حسنة المنظر والطعم والرائحة والفعل، ﴿لا فيها غول ولا هم عنها ينزفون﴾، ﴿لا يصدعون عنها ولا يُنزِفون﴾، ﴿بيضاء لذة للشاربين﴾، وفي حديث مرفوع: \"لم تعصرها [الرجال بأقدامها\"] [¬١].\n﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى﴾ أي: وهو في غاية الصفاء، وحسن اللون والطعم والريح، وفي حديث مرفوع: \"لم يخرج من بطون النحل\".\nوقال الإِمام أحمد (^١٨): حدثنا يزيد هارون، أخبرنا الجريري، عن حكيم [بن معاوية] [¬٢]، عن أبيه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"في الجنة بحر اللبن، وبحر الماء، وبحر العسل، وبحر الخمر، ثم تشقق الأنهار منها بعد\".\nورواه الترمذي في \"صفة الجنة\"، عن محمد بن بَشار [¬٣]، عن يزيد بن هارون، عن سعيد بن إياس الجريري، به. وقال: حسن صحيح.\nوقال أبو بكر بن مردويه (^١٩): حدثنا أحمد بن محمد بن عاصم، حدثنا عبد الله بن محمد بن النعمان، حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا الحارث بن عبيد أبو [¬٤] قدامة الأيادي، حدثنا أبو عمران الجَوني، عن [أبي بكر] [¬٥] بن عبد الله بن قيس، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ: \"هذه الأنهار تشخُبُ من جنة عدن في جوبة [¬٦] ثم تصدع بعد أنهارًا\".\nوفي الصحيح (^٢٠): \" إذا سألتم الله فاسألوه [¬٧] الفردوس، فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة، ومنة تُفجّر أنهار الجنة، وفوقه عرش الرحمن\".\n_________\n(^١٨) - المسند (٥/ ٥) (٢٠١٠٠) وأخرجه عبد بن حصد (٤١٠) والدارمي في الرقاق، كتاب في أنهار الجنة (٢٨٣٦) والترمذي في كتاب صفة الجنة، كتاب: ما جاء في صفة أنهار الجنة (٢٥٧١) من طريق الجريري به.\n(^١٩) - أخرجه الطيالسي (٥٣١)، وأحمد (٤/ ٤١٦) من طريق الحارث به.\n(^٢٠) - أخرجه البخاري في كتاب التوحيد، كتاب: ﴿وكان عرشه على الماء﴾، حديث (٧٤٢٣) من حديث أبي هريرة.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في ز، خ: \"يسار\".\n[¬٤]- في ز، خ: \"بن\"\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"يزيد\".\n[¬٦]- في ز: \"حربة\".\n[¬٧]- في ز: \"فسلوه\".","vol":"13","page":69},{"text":"وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا مصعب بن إبراهيم بن حمزة الزبيري، وعبد الله بن الصقر السكري قال: حدثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي [¬١]، حدثنا عبد الرحمن بن المغيرة، حدثني عبد الرحمن بن عياش، عن دلهم بن الأسود [بن عبد الله بن حاجب بن عامر بن المنتفق العقيلي، عن أبيه، عن عمه لقيط بن عامر] [¬٢] قال دلهم: وحدثنيه أيضًا أبي [¬٣] الأسودُ عن عاصم بن لقيط أن [¬٤] لقيط بن عامر خرج وافدًا إلى رسول الله ﷺ، قلت: يا رسول الله، فعلام نطلع من الجنة؟ قال: \"على أنهار عسل مصفى، وأنهار من خمر ما بها صداع ولا ندامة [¬٥]، وأنهار من لبن لم يتغير طعمه [¬٦]، وماء غير آسن، وفاكهة لعمر إلهك ما تعلمون وخير من مثله، وأزواج مطهرة\". قلت: يا رسول الله، أو لنا فيها أزواج مصلحات؟ قال: \"الصالحات للصالحين، تلذونهن. مثل لذاتكم في الدنيا ويلذنكم [¬٧]، غير أن لا توالد\".\nوقال أبو بكر عبد الله بن محمد بن أبي الدنيا: حدثنا يعقوب بن عبيدة، عن يزيد بن هارون، أخبرني الجريري، عن معاوية بن قرة، [عن أبيه] [¬٨] عن أنس بن مالك قال: لعلكم تظنون أن أنهار الجنة تجري في أخدود في الأرض، والله إنها لتجري سائحة على وجه الأرض، حافاتها قباب اللؤلؤ، وطينها المسك الأذفر.\nوقد رواه أبو بكر بن مَرْدُويه، من حديث مهدي بن حكيم، عن يزيد بن هارون، به مرفوعًا.\nوقوله: ﴿وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾. كقوله: ﴿يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ﴾ وقوله: ﴿فيهما من كل فاكهة زوجان﴾.\nوقوله [¬٩]: ﴿وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ أي: مع ذلك كله. وقوله: ﴿كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ﴾ [أي: أهؤلاء الذين ذكرنا منزلتهم من الجنة كمن هو خالد في النار؟] [¬١٠] ليس هؤلاء كهؤلاء، أي [¬١١]: ليس من هو في الدرجات كمن هو في الدركات، ﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا﴾ أي: حارًّا شديد الحر، لا يستطاع ﴿فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾ أي: قطع ما في بطونهم من الأمعاء والأحشاء، عياذًا بالله من ذلك!\n_________\n[¬١]- في ز: \"الحرامي\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬٣]- في ز: \"أبو\".\n[¬٤]- في ز: \"بن\".\n[¬٥]- في ز: \"بدلعة\".\n[¬٦]- سقط من: ز.\n[¬٧]- في ز: \"ويلذوا بكم\".\n[¬٨]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٩]- سقط من: ز، خ.\n[¬١٠]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.\n[¬١١]- سقط من: ز، خ.","vol":"13","page":70},{"text":"﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَال آنِفًا أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ (١٦) وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ (١٧) فَهَلْ يَنْظُرُونَ إلا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ (١٨) فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إلا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾\nيقول تعالى مخبرًا عن المنافقين في بلادتهم وقلة فهمهم، حيث كانوا يجلسون إلى رسول الله ﷺ ويستمعون كلامه ولا يفهمون منه شيئًا، فإذا خرجوا من عنده ﴿قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ من الصحابة: ﴿مَاذَا قَالَ آنِفًا﴾ أي: الساعة، لا يعقلون ما يقال، ولا يكترثون له.\nقال الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾ أي: فلا فهم صحيح، ولا قصد صحيح.\nثم قال: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى﴾ أي: والذين [¬١] قصدوا الهداية وفقهم الله لها فهداهم إليها، وثبتهم عليها، وزادهم منها، ﴿وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ أي: ألهمهم رُشْدَهم.\nوقوله: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً﴾ أي: وهم غافلون عنها، ﴿فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ أي: أمارات اقترابها، كقوله تعالى: ﴿هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى (٥٦) أَزِفَتِ الْآزِفَةُ﴾ و[¬٢] كقوله: ﴿اقتربت الساعة وانشق القمر﴾، وقوله: ﴿أتى أمر الله فلا تستعجلوه﴾ وقوله: ﴿اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون﴾، فبعثة رسول الله ﷺ من أشراط الساعة؛ لأنه خاتم الرسل الذي أكمل الله به الدين، وأقام به [¬٣] الحجة على العالمين. وقد أخبر صلوات الله وسلامه عليه بأمارات الساعة وأشراطها، وأبان عن ذلك وأوضحه بما لم يؤته [نبي قبله] [¬٤]، كما هو مبسوط في موضعه.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"والمؤمنين\".\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- سقط من: خ.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"بنى قيله\".","vol":"13","page":71},{"text":"وقال الحسن البصري: بعثة محمد ﷺ من أشراط الساعة. وهو كما قال، ولهذا جاء في أسمائه ﵇ أنه نبي التوبة، ونبي الملحمة، والحاشر الذي يُحشَر الناس على قدميه، والعاقب الذي ليس بعده نبي.\nوقال البخاري (^٢١): حدثنا أحمد بن المقدام، حدثنا فضيل بن سليمان، حدثنا أبو حازم [¬١]، حدثنا سهل بن سعد قال: رأيت رسول الله على الله عليه وسلم قال بأصبعيه هكذا -بالوسطى والتي تليها-: \"بعثت أنا والساعة كهاتين\".\nثم قال تعالى: ﴿فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ﴾ أي: فكيف للكافرين بالتذكر إذا جاءتهم القيامة، حيث لا ينفعهم ذلك. كقوله تعالى: ﴿يومئذ يتذكر الإنسان وأنى له الذكرى﴾ ﴿وقالوا آمنا به وأنى لهم التناوش من مكان بعيد﴾، وقوله: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾: هذا إخبار بأنه لا إله إلا الله، ولا يتأتى كونه آمرًا بعلم ذلك؛ ولهذا عطف عليه بقوله: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾.\nوفي الصحيح (^٢٢) أن رسول الله ﷺ كان يقول: \"اللهم اغفر لي خطيئتي وجهلي، وإسرافي في أمري، وما أنت أعلم به مني. اللهم اغفر لي هَزْلي وجدي، وخَطَئي وعَمْدي، وكل ذلك عندي\".\nوفي الصحيح (^٢٣) أنه كان يقول في آخر الصلاة: \"اللهم؛ اغفر لي ما قدمتُ وما أخرتُ، وما أسررتُ وما أعلنتُ، وما أسرفتُ، وما أنت أعلم به مني، أنت إلهي لا إله إلا أنت\".\nوفي الصحيح (^٢٤) أنه قال: \"يا أيها الناس، توبوا إلى ربكم فإني أستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة\".\n_________\n(^٢١) - صحيح البخاري، كتاب التفسير، حديث (٤٩٣٦)، والحديث تقدم تخريجه في تفسير سورة الأعراف الآية (١٨٧).\n(^٢٢) - أخرجه البخاري في الدعوات، باب: قول النبي ﷺ: \"اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت\" حديث (٦٣٩٨، ٦٣٩٩)، ومسلم في الذكر والدعاء، حديث (٢٧١٩) من حديث أبي موسى الأشعري.\n(^٢٣) - جزء من حديث أخرجه مسلم في صلاة المسافر وقصرها، حديث (٧٧١) من حديث علي بن أبي طالب.\n(^٢٤) - أخرجه البخاري في صحيحه في الدعوات، باب: استغفار النبي ﷺ في اليوم والليلة، حديث (٦٣٠٧) من حديث أبي سلمة عن أبي هريرة.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"رجاء\".","vol":"13","page":72},{"text":"وقال الإِمام أحمد (^٢٥): حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن عاصم الأحول قال: سمعت عبد الله بن سَرْجس قال: أتيتُ رسول الله ﷺ فأكلت معه من طعامه [¬١] فقلت: غفر الله لك بها رسول الله؛ [قال: \"ولك\"] [¬٢]، فقلت: أستغفر لك؟ [فقال رسول الله على الله عليه وسلم] [¬٣]: \"نعم، ولكم\". وقرأ: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ثم نظرت إلى نُغْض كتفه الأيمن أو كتفه الأيسر -شعبة الذي شك- فإذا هو كهيئة الجُمع عليه الثآليل.\nرواه مسلم، والترمذي، والنسائي، وابن جرير، وابن أبي حاتم من طرق عن عاصم الأحول له.\nوفي الحديث الآخر الذي رواه أبو يعلى (^٢٦): حدثنا محمد بن عون، حدثنا عثمان بن مطر، حدثنا عبد الغفور، عن أبي نَصِيرَةَ، عن أبي رجاء، عن أبي بكر الصديق ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: \"عليكم بلا إله إلا الله والاستغفار، فأكثروا منهما [¬٤]، فإن إبليس بهال: أهلكتُ الناس بالذنوب، وأهلكوني بـ: لا إله إلا الله، والاستغفار. فلما رأيت ذلك أهلكتهم بالأهواء، فهم يحسبون أنهم مهتدون\".\nوفي الأثر المروي: \"قال إبليس: وعزتك وجلالك [¬٥] لا أزال أغويهم ما دامت أرواحهم في أجسادهم. فقال إلَّا ﷿: وعزتي وجلالي ولا أزال أغفر لهم ما استغفروني\" والأحاديث في فضل الاستغفار كثيرة جدًّا.\nوقوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ﴾ أي: يعلم تصرفكم في نهاركم ومستقركم في ليلكم، كقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾. وكقوله: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ وهذا القول ذهب إليه ابن جريج وهو اختيار ابن جرير. وعن ابن عباس: متقلبكم في الدنيا، ومثواكم في الآخرة.\n_________\n(^٢٥) - المسند (٥/ ٨٢)، ومسلم في الفضائل، حديث (٢٣٤٦)، والترمذي في الشمائل (٢٣)، والنسائي في عمل اليوم والليلة (٢٩٥، ٤٢١، ٤٢٢)، والطبري في تفسيره (٢٦/ ٥٤) من طرق عن عاصم الأحول به.\n(^٢٦) - مسند أبي يعلى (١٣٦).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"طعام\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين زيادة من: ز\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين زيادة من: ز.\n[¬٤]- في ز، خ: \"منها\".\n[¬٥]- سقط من: ز، خ.","vol":"13","page":73},{"text":"وقال السدي: متقلبكم في الدنيا، ومثواكم في قبوركم.\nوالأول أولى وأظهر، والله أعلم.\n﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ (٢٠) طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيرًا لَهُمْ (٢١) فَهَلْ عَسَيتُمْ إِنْ تَوَلَّيتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (٢٢) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ (٢٣)﴾\nيقول تعالى مخبرًا عن المؤمنين أنهم تمنوا شرعية الجهاد، فلما فرضه الله -عز رجل- وأمر به نَكَل عنه كثير من الناس، كقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾.\nوقال هاهنا: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ﴾ أي: مشتملة على حُكْم القتال، ولهذا قال: ﴿فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ أي: من فزعهم ورعبهم وجبنهم من لقاء الأعداء.\nثم قال مشجعًا لهم: ﴿فَأَوْلَى لَهُمْ (٢٠) طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾ أي: وكان الأولى بهم أن يسمعوا ويطيعوا، أي: في الحالة الراهنة، ﴿فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ﴾ أي: جد الحال، وحضر القتال، ﴿فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ﴾ أي: أخلصوا له النية، ﴿لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾.\nوقوله: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾ أي: عن الجهاد ونَكَلتم عنه، ﴿أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ أي: تعودوا إلى ما كنتم فيه من الجاهلية الجهلاء، تسفكون الدماء، وتقطعون الأرحام، ولهذا قال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾. وهذا نهي عن الإِفساد في الأرض عمومًا، وعن قطع الأرحام خصوصًا، بل قد أمر تعالى بالإِصلاح في الأرض وصلة الأرحام، وهو الإحسان إلى الاقارب في المقال والفعال وبذل الأموال. وقد وردت الأحاديث الصحاح والحسان بذلك عن رسول الله ﷺ، من طرق عديدة، ووجوه كثيرة.","vol":"13","page":74},{"text":"قال البخاري (^٢٧): حدثنا خالد بن مَخْلَد، حدثنا سليمان، حدثني معاوية بن أبي مُزَرّد، عن سعيد بن يسَار، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: \"خلق الله الخلق، فلما فرغ منه قامت الرحم فأخذت بحَقو [¬١] الرحمن ﷿ فقال: منه! فقالت: بهذا مقام العائذ بك من القطيعة. فقال: ألا ترضين أن أصل من وصلك، وأقطع من قطعك؟ قالت: بلى. قال: فذاك. قال أبو هريرة: اقرءوا إن شئتم: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾.\nثم رواه البخاري من طريقين آخرين، عن معاوية بن أبي مُزَرد به [] [¬٢] قال رسول الله ﷺ: \"اقرءوا إن شئتم: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ \". ورواه مسلم من حديث معاوية بن أبي مُزرد به.\nوقال الإِمام أحمد (^٢٨): حدثنا إسماعيل، أخبرنا [¬٣] عُيينة بن عبد الرحمن بن جَوشَن، عن أبيه، عن أبي بَكْرَةَ قال: قال رسول الله ﷺ: \"ما من ذنب أحرى أن يعجل الله عقوبته في الدنيا، مع ما يدخر لصاحبه في الآخرة، من البغي وقطيعة الرحم\" رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة، من حديث إسماعيل -هو ابن عُلَية- به. وقال الترمذي: هذا حديث صحيح.\nوقال الإمام أحمد (^٢٩): حدثنا محمد بن بكر، حدثنا ميمون أبو محمد المرئي [¬٤]، حدثنا محمد بن عباد المخزومي عن ثوبان عن رسول الله ﷺ قال: \"من سره النساء في الأجل، والزيادة في الرزق فليصل رحمه\". تفرد به أحمد، وله شاهد في الصحيح.\nوقال أحمد أيضًا (^٣٠): حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا حَجّاج بن أرطاة، عن عمرو بن\n_________\n(^٢٧) - صحيح البخاري في التفسير، باب ﴿وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾، حديث (٤٨٣٠)، وأطرافه في (٤٨٣١، ٤٨٣٢، ٥٩٨٧، ٧٥٠٢) وأخرجه مسلم في البر والصلة والآداب، حديث (٢٥٥٤) من طريق معاوية بن أبي مزرد به.\n(^٢٨) - المسند (٥/ ٣٨) (٢٠٤٥١)، وأخرجه أحمد (٥/ ٣٦) (٢٠٤٢٦) والبخاري في الأدب المفرد (٢٩، ٦٧)، وأبو داود في الأدب، كتاب: في النهي عن البغي، حديث (٤٩٠٢)، والترمذي في صفة القيامة، حديث (٢٥١١)، وابن ماجه في الزهد، باب البغي، حديث (٤٢١١) من طريق عن عيينة به.\n(^٢٩) - المسند (٥/ ٢٧٩) (٢٢٥٠١).\n(^٣٠) - المسند (٢/ ١٨١، ٢٠٨)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ١٥٧): رواه أحمد وفيه حجاج =\n_________\n[¬١]- بياض في: ز، خ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في خ: \"قال\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"بن\"\n[¬٤]- في ز، خ: \"المرائى\".","vol":"13","page":75},{"text":"شعيب، عن أبيه، عن جده قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، إن لي ذوي أرحام، أصل ويقطعون، وأعفو ويظلمون، وأحسن ويسيئون، أفأكافئهم [¬١]؟ قال: \"لا، إذن تتركون [¬٢] جميعًا، ولكن جُد بالفضل وصلهم، فإنه لن -يزال معك ظهير من الله ﷿ ما كنت على ذلك\". تفرد به من هذا الوجه، وله شاهد من وجه آخر.\nوقال الإِمام أحمد (^٣١): حدثنا يعلى، حدثنا فطْرٌ [¬٣]، عن مجاهد، عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن الرحم معلقة بالعرش، وليس الواصل بالمكافئ [¬٤]،، ولكن الواصل الذي إذا قطعت -رحمه وصلها\". رواه البخاري.\nوقال أحمد (^٣٢): حدثنا بهز، حدثنا حَمَّاد بن سلمة، أخبرنا قتادة، عن أبي ثُمَامَة الثقفي، عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ: \"تُوضَعُ الرّحِمُ يوم القيامة لها حُجْنَة [¬٥] كحُجنَة [¬٦] المغزل تكلم بلسانٍ طُلقٍ ذُلَقٍ، فتصل من وصلها وتقطع من قطعها\".\nوقال الإِمام أحمد (^٣٣): حدثنا سفيان، حدثنا عمرو، عن أبي قابوس، عن عبد الله بن عمرو- يبلغُ به النبي ﷺ قال: \"الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا أهل الأرض يرحمكم أهل السماء، والرحم شجنَة [¬٧] (*) مِنَ الرحمن، من وصلها وصلته، ومن قطعها بنته [¬٨] \".\n_________\n= ابن أرطاة وهو مدلس وبقية رجاله ثقات.\n(^٣١) - المسند (٢/ ١٦٣)، وأخرجه أيضًا في (٢/ ١٩٠) من طريق الحسن بن عمرو عن مجاهد به.\nوأخرجه البخاري في الأدب، باب: ليس الواصل بالمكافئ، حديث (٥٩٩١) من طريق الحسن، وفطر عن مجاهد به.\n(^٣٢) - المسند (٢/ ١٨٩) وفيه قال أحمد: حدثنا بهز، وعفان قال: حدثنا حماد. . فذكره، وأخرجه في (٢/ ٢٠٩) عن روح، عن حماد به، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ١٥٣): رجاله رجال الصحيح غير أبي ثمامة الثقفي وثقه ابن حبان.\n(^٣٣) - المسند - (٢/ ١٦٠) وأخرجه الحميدي (٥٩١، ٥٩٢)، وأبو داود في الأدب، باب في الرحمة، حديث (٤١)، والترمذي في البر والصلة، كتاب: ما جاء في رحمة المسلمين، حديث (١٩٢٤) من سفيان به.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"أنكافئهم\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"يتركون\".\n[¬٣]- في ز: \"تطر\".\n[¬٤]- في ز، خ: \"بالمكان\".\n[¬٥]- في خ: \"حجبة\".\n[¬٦]- في ز، خ: \"كمحجبة\".\n[¬٧]- في ز: \"محة\"، خ: \"منتحتة\".\n[¬٨]- في ز، خ: \"بثته\".","vol":"13","page":76},{"text":"وقد رواه أبو داود والترمذي، من حديث سفيان [¬١] بن عُييَنة، عن عمرو بن دينار، به [¬٢]. وهذا هو الذي يروى بتسلسل الأوّلية وقال الترمذي: حسن صحيح.\nوقال الإمام أحمد (^٣٤): حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا هشام الدستوائي، عن يحيى بن أبي كثير، عن إبراهيم بن عبد الله قارظ [¬٣]: أن أباه خدثه أنه دخل على عبد الرحمن بن عوف وهو مريض، فقال له [عبد الرحمن] [¬٤]: وصلتك رَحمٌ، إن رسول الله ﷺ قال: \"قال الله ﷿: أنا الرحمن، خلقت الرحم، وشققت لها من اسمي، فمن يصلها [¬٥] أصله، ومن يقطعها أقطعه فأبته -أو قال: من بيتها [¬٦] أبته\". تفرد به من هذا الوجه.\nورواه أحمد أيضًا من حديث الزهريّ، عن أبي سلمة، عن الرَّدَّاد [¬٧]-أو أبي الرّدّاد [¬٨]- عن عبد الرحمن بن عوف به.\nورواه أبو داود والترمذي، من رواية أبي سلمة، عن أبيه.\nوالأحاديث في هذا كثيرة.\nوقال الطبراني [¬٩] (^٣٥): حدثنا علي بن عبد العزيز، حدثنا محمد بن عمار الموصلي، حدثنا عيسى بن يونس، عن الحجاج بن يونس، عن [¬١٠] الحجاج بن الفُرَافِصَة، عن أبي عمر البصري، عن سليمان؛ قال: قال رسول الله ﷺ: \"الأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف\".\n_________\n(^٣٤) - المسند (١/ ١٩١، ١٩٤)، وأخرجه أحمد في المسند (١/ ١٩٤) والبخاري في الأدب المفرد (٥٣) وأبو داود في الأدب، باب: في صلة الرحم، حديث (١٦٩٥) من طرق عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي الدرداء عن عبد الرحمن بن عوف.\nوأخرجه الحميدي (٦٥) وأحمد (١/ ١٩٤)، وأبو داود في الأدب حديث (١٦٩٤)، والترمذي في البر والصلة، كتاب: في قطيعة الرحم حديث (١٩٠٧) والبيهقي في الآداب (١١) من طرق عن سفيان بن عيينة عن الزهري عن أبي سلمة عن أبيه.\n(^٣٥) - معجم الطبراني الكبر (٦١٦٩)، وهو في الأوسط (١٥٧٧).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"شقيق\".\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في ز، خ: \"فارض\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- في ز، خ: \"وصلها\".\n[¬٦]- في ز، خ: \"سبها\".\n[¬٧]- في ز، خ: \"المرداد\".\n[¬٨]- في ز، خ: \"المرداد\".\n[¬٩]- في ز، خ: \"الظهراني\".\n[¬١٠]- سقط من: ز، خ.","vol":"13","page":77},{"text":"وبه قال رسول الله ﷺ (^٣٦): \" إذا ظهر القول، وخزن العمل، وائتلفت الألسنة، وتباغضت القلوب، وقطع كل ذي رحم رحمه، فعند ذلك لعنهم الله فأصمهم. وأعمى أبصارهم\".\n﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٢٤) إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ (٢٥) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ (٢٦) فَكَيفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ (٢٧) ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالهُمْ (٢٨)﴾\nيقول تعالى آمرًا بتدبر القرآن وتفهمه، وناهيًا عن الإعراض عنه، فقال: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ أي: بل على قلوب أقفالها، فهي [¬١] طبقةٌ [¬٢] لا يخلص إليها شيء من معانيه.\nقال ابن جرير (^٣٧): حدثنا بشر؛ [قال: حدثنا يزيد؛ قال: حدثنا سعيد؛ قال] [¬٣]: حدثنا حماد بن زيد، حدثنا هشام بن عروة، عن أبيه؛ قال: تلا رسول الله ﷺ يومًا: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ فقال شابٌّ من أهل اليمن: بل عليها أقفالها حتى [يكون الله ﷿] [¬٤] يفتحها أو يفرجها. فما زال الشاب في نفس عمر [﵁] حتى ولي فاستعان به.\nثم قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِم﴾ أي: فارقوا الإيمان ورجعوا إلى\n_________\n(^٣٦) - أي بنفس إسناد الطبراني، وهو في المعجم الكبير (٦١٧٠)، والأوسط (١٥٧٨) وأخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء (٣/ ١٠٩) من طريق محمد بن عبد الله بن عمارة به، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ٢٩٥٠): فيه جماعة لم أعرفهم.\n(^٣٧) - تفسير الطبري (٢٦/ ٥٨)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور (٦/ ٧٣) إلى إسحاق بن راهويه وابن المنذر وابن مردويه.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"أي\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"مطبعة\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"13","page":78},{"text":"الكفر، ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ﴾ أي: زين لهم ذلك وَحسّنَه، ﴿وَأَمْلَى لَهُمْ﴾ أي: غَرّهم وخدعهم، ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ﴾ أي: مالئوهم وناصحوهم في الباطن علي الباطل، وهذا شأن المنافقين يظهرون خلاف ما يبطنون؛ ولهذا قال الله ﷿: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ﴾ أي: ما يسرون وما يخفون، الله مطلع عليه وعالم به، كقوله: ﴿وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ﴾.\nثم قال: ﴿فَكَيفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾ أي: كيف حالهم إذا جاءتهم الملائكة لقبض [¬١] أرواحهم، وتَعَصَّت الأرواح في أجسادهم، واستخرجتها الملائكة بالعنف والقهر والضرب، كما قال: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ …﴾ الآية. وقال: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيدِيهِمْ﴾ أي: بالضرب ﴿أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾. ولهذا قال هاهنا: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾.\n﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ (٢٩) وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَينَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالكُمْ (٣٠) وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ (٣١)﴾\nيقول تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ﴾ أي: اعتقَدَ المنافقون أن الله لا يكشف أمرهم لعباده المؤمنين؟! بل سيوضح أمرهم ويجليه حتى يفهمهم ذوو البصائر، وقد أنزل الله [¬٢] تعالى في ذلك سورة \"براءة\"، فبين فيها فضائحهم وما يعتمدونه من الأفعال الدالة على نفاقهم؛ ولهذا إنما كانت تسمى الفاضحة. والأضغان: جمع ضغن، وهو ما في النفوس من الحسد والحقد للإسلام وأهله والقائمين بنصره.\nوقوله: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَينَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾ يقول تعالى: ولو نشاء -يا محمد- لأريناك أشخاصهم، فعرفتهم عيانًا، ولكن لم يفعل تعالى ذلك [¬٣] في جميع المنافقين سترًا منه علي خلقه، وحملًا للأمور على ظاهر السلامة، وردّ السرائر إلى عالمها، ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ أي: فيما يبدو من كلامهم الدال علي مقاصدهم، يفهم\n_________\n==\n[¬١]- في خ: \"لتقيض\".\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.","vol":"13","page":79},{"text":"المتكلم من أي الحزبين هو بمعاني كلامه وفحواه، وهو المراد من لحن القول، كما قال أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁: ما أسَرَّ أحد سريرة إلا أبداها الله على صفحات [¬١]، وجهه، وفلتات لسانه (^٣٨).\nوفي الحديث (^٣٩): \" ما أسر أحد سريرة إلا كساه الله جلبابها؛ إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر\". وقد ذكرنا ما يستدل به علي نفاق الرجل، وتكلمنا علي نفاق العمل والاعتقاد في أول \"شرح البخاري\"، بما أغنى عن إعادته هاهنا. [وقد ورد في الحديث تعيين جماعة من المنافقين] [¬٢].\nقال الإمام أحمد (^٤٠): حدثنا وكيع، حدثنا سفيان، عن سلمة، عن عياض بن عياض، عن أبيه، عن أبي [¬٣] مسعود عقبة بن عمرو ﵁ قال: خَطبنا رسول الله ﷺ خطبةً فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: \"إن منكم منافقين، فمن سميت فليقم. ثم قال: قم يا فلان، قم [¬٤] يا فلان، قم [¬٥]، يا فلان -حتى سمى ستةً وثلاثين رجلا- ثم قال: إن فيكم -أو: منكم- فاتقوا الله. قال [¬٦]: فمر عمر برجل ممن سمى مُقَنّع قد كان يعرفه، فقال: ما لك؟ فحدثه بما قال رسول الله ﷺ، فقال: بعدًا لك سائر اليوم.\nوقوله: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ﴾ أي: ولنختبرنكم بالأوامر والنواهي، ﴿حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾. وليس في تَقَدّم علم الله تعالى بما هو كائن أنه سيكون شك ولا ريب، فالمراد: حتى نعلم وقوعه؛ ولهذا يقول ابن عباس في مثل هذا: إلا لنعلم، أي: لنرى.\n﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى\n_________\n(^٣٨) - انظر سورة الفتح الآية (٢٩).\n(^٣٩) - انظر سورة الفتح الآية (٢٩).\n(^٤٠) - المسند (٥/ ٢٧٣) (٢٢٤٤٩، ٢٢٤٥٠)، وعبد بن حميد (٢٣٧ - منتخب) عن أبي نعيم عن سفيان به. والحديث أخرجه الطبراني في الكبير (١٧/ ٢٤٦ / رقم: ٦٨٧). من نفس طريق أحمد. وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ١١٢) وعزاه لأحمد والطبراني في الكبير وقال: \"وفيه عياض بن عياض عن أبيه، ولم أر من ترجمهما\".\n_________\n[¬١]- في خ: \"صفحة\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتعين سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في ز، خ: \"ابن\".\n[¬٤]- في ز، خ: \"ثم\".\n[¬٥]- في ز، خ: \"ثم\".\n[¬٦]- سقط من: خ.","vol":"13","page":80},{"text":"لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيئًا وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالهُمْ (٣٢) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالكُمْ (٣٣) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ ﴿فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ (٣٤) فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالكُمْ (٣٥)﴾\nيخبر تعالى عمن كفر وصد عن سبيل الله، وخالف الرسول وشاقه، وارتد عن الإيمان من بعد ما تبين له الهدى أنه لن يضر الله شيئًا، وإنما يضر نفسه ليخسرها يوم معادها، وسيحبط الله عمله، فلا يثيبه على سالف ما تقدم من عمله الذي عَقّبه بردته مثقال بعوضة من خير، بل يحبطه ويمحقه بالكلية، كما أن الحسنات يذهبن السيئات.\nوقد قال الإمام محمد بن نصر المروزي في كتاب الصلاة (*): حدثنا أبو قدامة، حدثنا وكيع، حدثنا أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية؛ قال: كان أصحاب رسول الله ﷺ يظنون أنه لا يضر مع \"لا إله إلا الله\" ذنب، كما لا ينفع مع الشرك عمل، فنزلت: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالكُمْ﴾. فخافوا أن يبطل الذنب العمل.\nثم روي من طريق عبد الله بن المبارك، أخبرني بُكَير [¬١] بن معروف، عن مقاتل بن حيان، عن نافع، عن ابن عمر؛ قال: كنا معشر أصحاب رسول الله ﷺ نرى أنه ليس شيء من الحسنات إلا مقبول حتى نزلت: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالكُمْ﴾. فقلنا: ما هذا الذي يبطل أعمالنا؟ فقلنا: الكبائر الموجبات والفواحش، حتى نزلت: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾. فلما نزلت كففنا عن القول في ذلك، فكنا نخاف علي مَن أصاب الكبائر والفواحش، ونرجو لمن لم يصبها.\nثم أمر تعالى [عباده المؤمنين] [¬٢] بطاعته وطاعة رسوله التي هي سعادتهم في الدنيا والآخرة، ونهاهم عن الارتداد الذي هو مبطل للأعمال؛ ولهذا قال: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالكُمْ﴾ أي: بالردة؛ ولهذا قال بعدها: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ كقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ …﴾. الآية.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"بكر\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.","vol":"13","page":81},{"text":"ثم قال لعباده المؤمنين ﴿فَلَا تَهِنُوا﴾ أي: لا [¬١] تضعفوا عن الأعداء، ﴿وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ﴾ أي: المهادنة والمسالمة ووضع القتال بينكم وبين الكفار في حال قوتكم وكثرة عَدَدِكم وعُدَدِكُم؛ ولهذا قال: ﴿فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾ أي: في حال علوكم على عدوكم، فأما إذا كان الكفار فيهم [¬٢] قوة [¬٣] وكثرة بالنسبة إلى جميع المسلمين، ورأى الإمام في المعاهدة والمهادنة مصلحة، فله أن يفعل ذلك، كما فعل رسول الله ﷺ حين صدّه كفار قريش عن مكة، ودَعوه إلى الصلح ووضع الحرب بينهم وبينه عشر سنين، فأجابهم إلى ذلك.\nوقوله: ﴿وَاللَّهُ مَعَكُمْ﴾: فيه بشارة عظيمة بالنصر [¬٤] والظفر علي الأعداء، ﴿وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالكُمْ﴾ أي: ولن يحبطها ويبطلها ويسلبكم [¬٥] إاها، بل يوفيكم ثوابها ولا ينقصكم منها شيئًا.\n﴿إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلَا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالكُمْ (٣٦) إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ (٣٧) هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالكُمْ (٣٨)﴾\nيقول تعالى تحقيرًا لأمر الدنيا وتهوينًا لشأنها: ﴿إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ أي: حاصلها ذلك إلا ما كان منها [¬٦] لله ﷿ ولهذا قال: ﴿وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلَا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالكُمْ﴾ أي: هو غني عنكم لا يطلب منكم شيئًا، وإنما فرض عليكم الصدقات من الأموال مواساةً لإخوانكم الفقراء، ليعود نفع ذلك عليكم، ويرجع ثوابه إليكم.\nثم قال: ﴿إنْ يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا﴾ أي: يحوجكم [¬٧] تبخلوا: ﴿وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ﴾.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في ز، خ: \"فيه\".\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- في ز، خ: \"في النصر\".\n[¬٥]- في ز، خ: ويسليكم.\n[¬٦]- في خ: \"فيها\".\n[¬٧]- في ت: \"يخرجكم\".","vol":"13","page":82},{"text":"قال قتادة: قد علم الله أن في إخراج الأموال إخراج الأضغان. وصدق قتادة فإن المال محبوب، ولا يصرف إلا فيما هو أحب إلى الشخص منه.\nوقوله: ﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ﴾ أي: لا يجيب إلى ذلك، ﴿وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ﴾ أي: إنما نَقَص نفسَه من الأجر، وإنما يعود وبال ذلك عليه ﴿وَاللَّهُ الْغَنِيُّ﴾ أي: عن كل ما سواه، وكل شيء فقير إليه [¬١]، دائمًا؛ ولهذا قال: ﴿وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ﴾ أي: بالذات إليه. فوصفُهُ بالغني وصف لازم له، ووصف الخلق بالفقر وصف لازم لهم، لا ينفكون عنه [¬٢].\nوقوله: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا﴾ أي: عن طاعته واتباع شرعه ﴿يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالكُمْ﴾ أي: ولكن يكونون [¬٣] سامعين مطيعين له ولأوامره.\nوقال ابن أبي حاتم، وابن جرير (^٤١): حدثنا يونس بن عبد الأعلى، حدثنا ابن وهب، أخبرني مسلم [¬٤] بن خالد، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة؛ أن رسول الله ﷺ تلا هذه الآية: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالكُمْ﴾. قالوا: يا رسول الله؛ من هؤلاء الذين إن تولينا استبدل بنا ثم لا يكونوا أمثالنا؟ قال: فضرب بيده [¬٥] على كتف سلمان الفارسي ثم قال: \"هذا وقومه، ولو كان الدين عند الثريا لتناوله رجال من الفرس\".\nتفرد به مسلم بن خالد الزنجي، ورواه عنه غير واحد، وقد تكلّم فيه بعض الأئمة، والله أعلم.\nآخر تفسير سورة القتال [¬٦].\n* * *\n_________\n(^٤١) - تفسير الطبري (٢٦/ ٦٦، ٦٧)، وعزاه السيوطي أيضًا في الدر المنثور (٦/ ٧٤) إلى سعيد بن منصور وابن المنذر وابن مردويه.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في ز، خ: \"منه\".\n[¬٣]- بياض في: ز.\n[¬٤]- في ز: \"مسلمة\".\n[¬٥]- في ز: \"يده\".\n[¬٦]- في ت: \"محمد\".","vol":"13","page":83},{"text":"<span data-type='title' id=toc-167>تفسير سورة الفتح وهي مدنية</span>\nقال الإمام أحمد (^١): حدثنا وكيع، حدثنا شعبة، عن معاوية بن قرة؛ قال [¬١]: سمعت عبد الله بن مغفل يقول: قرأ رسول الله ﷺ عام الفتح [في مسيره] [¬٢] سورة الفتح علي راحلته فرجع فيها. قال معاوية: لولا أني أكره أن يجتمع الناس علينا لحكيت لكم [¬٣] قراءته. أخرجاه من حديث شعبة به.\n﷽\n﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٢) وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا (٣)﴾\nنزلت هذه السورة الكريمة لما رجع رسول الله ﷺ من الحديبية في ذي القعدة من سنة ست من الهجرة، حين صدّه المشركون عن الوصول إلي المسجد الحرام ليقضي عمرته فيه، وحالوا بينه وبين ذلك، ثم مالوا إلي المصالحة والمهادنة، وأن يرجع عامه هذا ثم يأتي من قابل، فأجابهم إلي ذلك علي تكرّه من جماعة من الصحابة، منهم عمر بن الخطاب ﵁ كما سيأتي تفصيله في موضعه من تفسير هذه السورة إن شاء الله. فلما نحر هديه حيث أحصر ورجع، أنزل الله ﷿ هذه السورة فيما كان من أمره وأمرهم، وجعل ذلك الصلح فتحًا باعتبار ما فيه من المصلحة، وما آل الأمر إليه، كما رُوِيَ عن ابن مسعود ﵁ وغيره [¬٤] أنه قال: إنكم تعدون الفتح فتحَ مكة، ونحن نعد الفتحَ صلحَ الحديبية.\nوقال الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر؛ قال: ما كنا نعدّ الفتح إلا يوم الحديبية.\nوقال البخاري (^٢): حدثنا عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن\n_________\n(^١) - المسند (٥/ ٥٤)، وأخرجه أحمد أيضًا في (٤/ ٨٥، ٥٥، ٥٦)، والبخاري في المغازي، باب أين ركز النبي ﷺ الراية يوم الفتح؟ حديث (٤٢٨١)، وأطرافه في (٤٨٣٥، ٥٠٣٤، ٥٠٤٧، ٧٥٤٠)، ومسلم في صلاة المسافرين وقصرها، حديث (٧٩٤) من طريق شعبة به.\n(^٢) - صحيح البخاري، كتاب المغازي، باب: غزوة الحديبية، حديث (٤١٥٠)، والحديث في المسند أيضًا (٤/ ٢٩٠، ٣٠١) من طريق إسرائيل به.\n_________\n[¬١]- سقط من ز.\n[¬٢]- في ز، خ: أي.\n[¬٣]- سقط من ز، خ.\n[¬٤]- في ز، خ: أو غيره.","vol":"13","page":84},{"text":"البراء؛ قال: تعدون أنتم الفتح فتح مكة، وقد كان فتح مكة فتحًا، ونحن نعدّ الفتح بيعةَ الرضوان يوم الحديبية، كنا معَ رسول الله ﷺ أربع عَشرةَ مائة، والحديبيةُ [بئر، فنزحناها فلم نَتْرُكْ [¬١]] [¬٢] فيها قطرة، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فأتاها فجلس على شفيرها، ثم دعا بإناء من ماء فتوضأ، ثم تمضمض ودعا، ثم صَبَّه فيها، فتركناها غير بعيد، ثم إنها أصدَرَتنَا ما شئنا نحن وركائبنا.\nوقال الإمام أحمد (^٣): حدثنا أبو [¬٣] نوح، حدثنا مالك بن أنس، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عمر بن الخطاب؛ قال: كنا مع رسول الله ﷺ في سفر، قال [¬٤]: فسألته عن شيء -ثلاث مرات- فلم يرد علي، قال: فقلت لنفسي: ثكلتك أمك يا بن الخطاب نَزَرْتَ رسول الله ﷺ ثلاث مرات فلم يرد عليك [¬٥]؟ قال: فركبت راحلتي فتقدمت مخافة أن يكون نزل [¬٦] فيّ شيء، قال: فإذا أنا بمناد ينادي [¬٧]: يا عمر، [أين عمر] [¬٨]؟. قال: فرجعت وأنا أظن أنه نزل فيّ شيء، قال: فقال النبي ﷺ: \"نزلت علي الليلة [¬٩] سورة هي أحب إليّ من الدنيا وما فيها: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾.\nورواه البخاري، والترمذي، والنسائي، من طرق عن مالك ﵀.\nوقال علي بن المديني: هذا إسناد مديني لم نجده إلا عندهم.\nوقال الإمام أحمد (^٤): حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن قتادة، عن أنس بن مالك ﵁ قال: نزلت على النبي ﷺ: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّر﴾ مَرجِعَه من الحديبية. قال النبي ﷺ: \"لقد أنزلت\n_________\n(^٣) - المسند (١/ ٣١) (٢٠٩)، وأخرجه البخاري في المغازي، باب: غزوة الحديبية حديث (٤١٧٧)، وأطرافه في (٤٨٣٣، ٥٠١٢)، والترمذي في تفسير القرآن، باب: ومن سورة الفتح، حديث (٣٢٦٤)، والنسائي في التفسير (٥١٩) من طريق مالك به.\n(^٤) - المسند (٣/ ١٩٧)، وأخرجه الترمذي في تفسير القرآن، باب: \"ومن سورة الفتح\"، =\n_________\n[¬١]- في ز: نقول.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في خ: \"هي قبر حساها فلم تقول\".\n[¬٣]- سقط من ز، خ.\n[¬٤]- في ز: ما. وسقط من خ.\n[¬٥]- في خ: على.\n[¬٦]- سقط من ز، خ.\n[¬٧]- سقط من ز، خ.\n[¬٨]- سقط من ز، خ.\n[¬٩]- في حاشية ز: البارحة. وعليها علامة \"خـ\" وتعني: نسخة.","vol":"13","page":85},{"text":"عليّ آية أحب إليّ مما على الأرض\"، ثم قرأها عليهم النبي ﷺ فقالوا: هنيئًا [¬١] مريئًا يا نبي الله؛ لقد [¬٢] بين الله ﷿ ماذا يفعل بك، فماذا يفعل بنا؟ فنزلت [¬٣] عليه: ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ﴾ حتى بلغ ﴿فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أخرجاه في الصحيحين من رواية قتادة به.\nوقال الإمام أحمد (^٥): حدثنا إسحاق بن عيسى، حدثنا مجمع بن يعقوب؛ قال [¬٤]: سمعت أبي يحدث، عن عمه عبد الرحمن بن يزيد الأنصاري، عن عمه مجمع بن جارية [¬٥] الأنصاري -وكان أحد القراء الذين قرءوا القرآن- قال: شهدنا الحديبية فلما انصرفنا عنها إذا الناس يُنفِرُونَ [¬٦] الأباعر، فقال الناس بعضهم لبعض: ما للناس؟ قالوا: أوحي إلى رسول الله ﷺ، فخرجنا مع الناس نوجفُ [¬٧]، فإذا رسول الله ﷺ على راحلته عند [¬٨] كراع الغَميم، فاجتمع الناس عليه فقرأ عليهم: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ قال: فقال رجل من أصحاب رسول الله ﷺ: أي رسولَ الله؛ وَفَتحٌ هو؟ قال: \"إي والذي نفس محمد بيده، إنه لفتح\". فقسمت [¬٩] خيبر على أهل الحديبية لم يدخل معهم فيها أحد إلا من شهد الحديبية، فقسمها رسول الله ﷺ عل [¬١٠] ثمانية عشر سهمًا، [وكان الجيش] [¬١١] ألفًا وخمسمائة [منهم ثلاثمائة] [¬١٢] فارس، فأعطى الفارس سهمين، وأعطى الراجل سهمًا. ورواه أبو داود [في الجهاد] [¬١٣] عن محمد بن [عيسى عن مُجَمّع] [¬١٤] بن يعقوب به [¬١٥].\n_________\n= حديث (٣٢٦٣) عن عبد بن حميد، عن عبد الرزاق به. وأخرجه البخاري في المغازي، باب: غزوة الحديبية، حديث (٤١٧٢) ومسلم في كتاب الجهاد والسير، حديث (١٧٨٦) من طريق قتادة عن أنس به نحوه.\n(^٥) - المسند (٣/ ٤٢٠)، وأخرجه أبو داود في كتاب الجهاد، باب: فيمن أسهم له سهمًا، حديث (٢٧٣٦)، وفي كتاب الخراج والإمارة والفئ، باب: ما جاء في حكم أرض خيبر، حديث (٣٠١٥) من حديث مجمع بن يعقوب به.\n_________\n[¬١]- سقط من ز، خ.\n[¬٢]- سقط من ز، خ.\n[¬٣]- في ز: فأنزلت. وسقط من خ.\n[¬٤]- سقط من ز، خ.\n[¬٥]- في ز: حارثة.\n[¬٦]- في- ز، خ: يتفرقون.\n[¬٧]- في ز: فوجف.\n[¬٨]- سقط من خ.\n[¬٩]- في ز، خ: فسمت.\n[¬١٠]- سقط من ز، خ.\n[¬١١]- في ز، خ: \"وجاءوا جيش\".\n[¬١٢]- سقط من ت.\n[¬١٣]- بياض في ز.\n[¬١٤]- في ز، خ: عبد الله عن محمد.\n[¬١٥]- سقط من ز، خ.","vol":"13","page":86},{"text":"وقال ابن جرير (^٦): حدثنا محمد بن عبد الله بن بزيع، حدثنا أبو بحر [¬١]، حدثنا شعبة [¬٢]، حدثنا جامع بن شداد، عن عبد الرحمن بن أبي علقمة، قال: سمعت عبد الله بن مسعود، يقول: لما أقبلنا من الحديبية أعرسنا فنمنا، فلم نستيقظ إلا بالشمس قد طلعت، فاستيقظنا ورسول الله ﷺ نائم.\nقال: فقلنا: \"امضوا\". فاستيقظ رسول الله ﷺ فقال: \"افعلوا كما [¬٣] كنتم تفعلون، [وكذلك] [¬٤] من نام أو نسي\". قال: وفقدنا ناقة رسول الله ﷺ، فطلبناها فوجدناها قد تعلق خطامُها بشجرة، فأتيته بها فركبها، فبينا نحن [¬٥] نسير إذ أتاه الوحي، قال: وكان إذا إتاه اشتد عليه، فلما سُري عنه أخبرنا أنه أنزل عليه: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾.\nوقد رواه أحمد، وأبو داود، والنسائي من غير وجه عن جامع بن شداد به.\nوقال الإمام أحمد (^٧): حدثنا عبد الرحمن، حدثنا سفيان، عن زياد بن علاقة؛ قال: سمعتُ المغيرةَ بن شعبة، يقول: كان النبي، ﷺ، يصلي [¬٦] حتى تَرِم [¬٧] قدماه، فقيل له: أليس قد غفَر الله لك ما تقدم من ذنبك ومما تأخر؟ فقال: \"أفلا أكون عبدًا شكورًا؟ \".\nأخرجاه، وبقية الجماعة إلا أبا داود، من حديث زياد به.\nوقال الإمام أحمد (^٨): حدثنا هارون بن معروف، حدثنا ابن وهب، حدثني أبو صخر،\n_________\n(^٦) - تفسير الطبري (٢٦/ ٦٩).\n(^٧) - المسند (٤/ ٢٥٥)، وأخرجه في (٤/ ٢٥١، ٢٥٥)، والبخاري في التهجد، باب: قيام النبي ﷺ، حديث (١١٣٠)، وطرفاه في (٤٨٣٦، ٦٤٧١)، ومسلم في صفات المنافقين، حديث (٢٨١٩)، والترمذي في الصلاة، باب: ما جاء في الاجتهاد في الصلاة، حديث (٤١٢)، والنسائي في كتاب قيام الليل وتطوع النهار، باب: الاختلاف على عائشة في إحياء الليل (٣/ ٢١٩)، وفي الكبرى (١٣٢٥، ١١٥٠١)، وابن ماجة حديث في إقامة الصلاة، باب: ما جاء في طول القيام في الصلوات حديث (١٤١٩) وابن خزيمة (١١٨٢، ١١٨٣) من طرق عن زياد بن علاقة به.\n(^٨) - المسند (٦/ ١١٥)، وأخرجه مسلم في صفات المنافقين حديث (٢٨٢٠) عن هارون=\n_________\n[¬١]- بياض في ز، خ.\n[¬٢]- بياض في ز، خ.\n[¬٣]- في خ: ما.\n[¬٤]- في ز: \"فكذلك يفعل\". وفي خ: \"فكذلك يفعل\".\n[¬٥]- سقط من ز، خ.\n[¬٦]- سقط من ز.\n[¬٧]- في ز، خ: تورم.","vol":"13","page":87},{"text":"عن ابن قسيط، عن عروة [بن] [¬١] الزبير، عن عائشة؛ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا صلى قام حتى تتَفطر رجلاه، فقالت له عائشة: يا رسول الله، أتصنع [¬٢] هذا وقد غفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال: \"يا عائشة؛ أفلا أكون عبدًا شكورًا؟ \".\nأخرجه مسلم في الصحيح من رواية عبد الله بن وهب به.\nوقال ابن أبي حاتم (^٩): حدثنا علي بن الحسين، حدثنا عبد الله بن عون الخراز -وكان ثقة بمكة- حدثنا محمد [¬٣] بن بشر، حدثنا مسعر، [عن قتادة] [¬٤]، عن أنس، قال: قام رسول الله ﷺ حتى تورمت قدماه -أو قال: ساقاه- فقيل له: أليس قد غفر الله لك ما تقدم من ذنْبك وما تأخر؟ قال: \"أفلا أكون عبدًا شكورًا\". غريب من هذا الوجه.\nفقوله: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ أي: بيّنًا ظاهرًا، والمراد به صلح الحديبية، فإنه حصل بسببه خير جزيل، وآمن الناس واجتمع بعضهم ببعض [¬٥]، وتكلم المؤمن مع الكافر، وانتشر العلم النافع والإِيمان.\nوقوله: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾: هذا من خصائصه -صلوات الله وسلامه عليه- التي لا يشاركه فيها [¬٦] غيره. وليس في حديث صحيح في ثواب الأعمال لغيره غَفَر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. وهذا فيه تشريف عظيم لرسول الله ﷺ، وهو -صلوات الله وسلامه عليه- في جميع أموره علي الطاعة والبر والاستقامة التي لم ينلها بَشَرٌ سواه، لا من الأولين ولا من الآخرين، وهو أكمل البشر علي الإِطلاق، وسيدهم في الدنيا والآخرة.\n_________\n= ابن معروف، وهارون بن سعيد الأيلي، عن ابن وهب به.\nوأخرجه البخاري في التفسير، باب: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ …﴾ حديث (٤٨٣٧) من طريق أبي الأسود، عن عروة به بنحوه وفيه زيادة في آخره.\n(^٩) - أخرجه أبو يعلى في مسند و(٢٩٠٠) والطبراني في الأوسط (٥٧٣٧) عن عبد الله بن عون الخراز به.\nوأخرجه ابن عدي في الكامل (٣/ ٢٤٥) من طريق محمد بن بشر به. قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢/ ٢٧٤): رواه أبو يعلى والبزار والطبراني في الأوسط ورجاله رجال الصحيح).\n_________\n[¬١]- في ز: \"عن ابن\". وفي خ: \"عن أبي\".\n[¬٢]- في ز، خ؛ أتفعل.\n[¬٣]- سقط من ز، خ.\n[¬٤]- سقط من خ.\n[¬٥]- في ز: بعضًا.\n[¬٦]- سقط من ز، خ.","vol":"13","page":88},{"text":"ولما كان أطوع خلق الله لله، وأكثرهم تعظيمًا لأوامره ونواهيه قال حين بركت به الناقة: \"حبسها حابس الفيل\". ثم قال: \"والذي نفسي بيده، لا يسألوني اليوم شيئًا يعظمون به حُرمات الله إلا أجبتهم إليها\" (^١٠).\nفلما أطاع الله في ذلك وأجاب إلى الصلح، قال الله له: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيكَ﴾ أي: في الدنيا والآخرة ﴿وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ أي: بما يشرعه لك من الشرع العظيم والدين القويم، ﴿وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا﴾ أي: بسبب خضوعك لأمر الله يرفعُك الله وينصرك على أعدائك. كما جاء في الحديث الصحيح (^١١): \" وما زاد الله عبدًا بعفو إلا عزًّا، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله\". وعن عمر بن الخطاب أنه قال: ما عاقبت-[أي: في الدنيا والآخرة] [¬١]- أحدًا عصى الله تعالى فيكَ بمثل أن تطيعَ الله فيه.\n﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (٤) لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا (٥) وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٦) وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (٧)﴾\nيقول تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ﴾ أي: جعل الطمأنينة. قاله ابن عباس، وعنه: الرحمة.\n_________\n(^١٠) - جزء من حديث المسور بن مخرمة، ومروان في قصة الحديبية، أخرجه البخاري في كتاب الشروط، باب: الشروط في الجهاد، حديث (٢٧٣١، ٢٧٣٢).\n(^١١) - جزء من حديث أبي هريرة تقدم تخريجه في تفسر سورة الإسراء وأوله: \"ما نقص مال من صدقة\".\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفين سقط من ز، خ.","vol":"13","page":89},{"text":"وقال قتادة: الوقار في قلوب المؤمنين. وهم الصحابة يوم الحديبية، الذين استجابوا لله ولرسوله، وانقادوا لحكم الله ورسوله، فلما اطمأنت قلوبهم بذلك، واستقرت، زادهم ايمانًا مع إيمانهم.\nوقد استدل به البخاري وغيره من الأئمة على تفاضل الإيمان في القلوب.\nثم ذكر تعالى أنه لو شاء لانتصر من الكافرين فقال: ﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: ولو أرسل عليهم مَلكًا واحدًا لأباد خَضْراءهم، ولكنه تعالى شرع لعباده المؤمنين الجهاد والقتال، لما له في ذلك من الحكمة البالغة، والحجة القاطعة، والبراهين الدامغة، ولهذا قال: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ ثم قال تعالى: ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا﴾، قد تقدم حديث أنس (^١٢): قالوا: هنيئًا لك يا رسول الله؛ هذا لك فما لنا؟ فأنزل الله: ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أي: ماكثين فيها أبدًا، ﴿وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ أي: خطاياهم وذنوبهم، فلا يعاقبهم [¬١] عليها، بل يعفو ويصفح ويغفر، ويستر ويرحم ويشكر، ﴿وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. كقوله: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إلا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ وقوله: ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ﴾ أي: يتهمون الله في حكمه، ويظنون بالرسول وأصحابه أن يقتلوا ويذهبوا بالكلية، ولهذا قال: ﴿عَلَيهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيهِمْ وَلَعَنَهُمْ﴾ أي: أبعدهم من رحمته، ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾.\nثم قال مؤكدًا لقدرته علي الانتقام من الأعداء أعداء الإِسلام من الكفرة والمنافقين: ﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾.\n﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٨) لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٩) إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١٠)﴾\n_________\n(^١٢) - تقدم تخريجه برقم (٤).\n_________\n[¬١]- في ز: يقابلهم.","vol":"13","page":90},{"text":"يقول تعالى لنبيه محمد -صلوات الله وسلامه عليه- ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا﴾ أي: علي الخلق، ﴿وَمُبَشِّرًا﴾ أي: للمؤمنين، ﴿وَنَذِيرًا﴾ أي: للكافرنى. وقد تقدم تفسيرها في \"سورة الأحزاب\".\n﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ﴾ قال ابن عباس وغير واحد: يعظموه. ﴿وَتُوَقِّرُوهُ﴾، من التوقير وهو الاحترام والإِجلال والإِعظام ﴿وَتُسَبِّحُوهُ﴾ أي: يسبحون الله ﴿بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ أي: أول النهار وآخره.\nثم قال تعالى لرسوله، ﷺ، تشريفًا له وتعظيمًا وتكريمًا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾، كقوله: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾.\n﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيدِيهِمْ﴾ أي: هو حاضر معهم يسمع أقوالهم ويري مكانهم، ويعلم ضمائرهم وظواهرهم، فهو تعالى هو المبايع [¬١] بواسطة رسوله ﷺ، كقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾.\nوقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا الفضل بن يحيى الأنباري، حدثنا علي بن بكار، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: \"من سل سيفه في سبيل الله، فقد بايع الله\".\nوحدثنا أبي (^١٣)، حدثنا يحيى بن المغيرة، أخبرنا جرير، عن عبد الله بن عثمان بن خُثيم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس؛ قال: قال رسول الله ﷺ في الحَجَر: \"والله ليبعثنه [¬٢] الله يوم القيامة له عينان ينظر بهما، ولسان ينطق به، ويشهد علي من استلمه بالحق، فمن استلمه فقد بايع الله\"، ثم قرأ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيدِيهِمْ﴾.\nولهذا قال هاهنا: ﴿فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ أي: إنما يعود وَبَالُ ذلك\n_________\n(^١٣) - أخرجه الترمذي في الحج، باب: ما جاء في الحجر الأسود، حديث (٩٦١) من طريق جرير، عن ابن خثيم به.\nوأخرجه أحمد (١/ ٢٤٧، ٢٦٦، ٢٩١، ٣٠٧، ٣٧١،)، والدارمي (١٨٤٦)، وابن ماجة (٢٩٤٤)، وابن خزيمة (٢٧٣٥، ٢٧٣٥) من طرق عن ابن خثيم به.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: البايع.\n[¬٢]- في ت: ليبعثه.","vol":"13","page":91},{"text":"على الناكث، والله غني عنه، ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ أي: ثوابًا جزيلًا. وهذه البيعة هي بيعة الرضوان وكانت تحت شجرة سمر بالحديبية، وكان الصحابة الذين بايعوا رسول الله ﷺ يومئذ قيل: ألف [¬١] وثلثمائة. وقيل: أربعمائة [¬٢]. وقيل: وخمسمائة. والأوسط أصح.\nذكر الأحاديث الواردة في ذلك\nقال البخاري (^١٤): حدثنا قتيبة، حدثنا سفيان، عن عمرو، عن جابر؛ قال: كنا يوم الحديبية ألفًا وأربعمائة. ورواه مسلم من حديث سفيان بن عيينة به. وأخرجاه (^١٥) أيضًا من حديث الأعمش، عن سالم بن أبي الجعد، عن جابر؛ قال: كنا يومئذ ألفًا وأربعمائة، ووضع يده في ذلك الماء فنبع الماء [¬٣] من بين أصابعه، حتى رَوَوْا كلهم.\nوهذا مختصر من سياق آخر حين ذكر قصة عطشهم يوم الحديبية، وأن رسول الله ﷺ أعطاهم سهمًا من كنانته فوضعوه في بئر الحديبية، فجاشت بالماء، حتى كفتهم، فقيل لجابر: كم كنتم يومئذ؟ قال: كنا ألفًا وأربعمائة، ولو كنا مائة ألف لكفانا. وفي رواية في [¬٤] الصحيحين (^١٦) عن جاير أنهم كانوا خمس عشرة مائة.\nوروى البخاري (^١٧) من حديث قتادة قلت لسعيد بن المسيب: كم كان الذين شهدوا بيعة الرضوان؟ قال: خمس عشرة مائة.\n[قلت: فإن جابر بن عبد الله ﵄ قال: كانوا أربع عشرة مائة. قال ﵀: وَهِمَ، هو حدثني أنهم كانوا خمس عشرة مائة. قال البيهقي: هذه الرواية تدل على أنه كان في القديم يقول: خمس عشرة مائة، ثم ذكر الوهم فقال: أربع عشرة مائة] [¬٥].\n_________\n(^١٤) - صحيح البخاري في التفسير، باب: ﴿إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾، حديث (٤٨٤٠)، وأخرجه مسلم في الإمارة، حديث (١٨٥٦) (٧١) من طرق عن سفيان به وعنده زيادة مرفوعة.\n(^١٥) - أخرجه البخاري في الأشربة، باب: شرب البركة والماء المبارك حديث (٥٦٣٩)، ومسلم في كتاب الإمارة، حديث (١٨٥٦) (٧٤) من طريق الأعمش به.\n(^١٦) - صحيح البخاري في الأشربة، باب: شرب البركة والماء المبارك، حديث (٥٦٣٩) ومسلم في الإمارة حديث (١٨٥٦) (٧٢) من حديث عمرو بن مرة عن سالم عن جابر.\n(^١٧) - هذا نص رواية البيهقي في الدلائل (٤/ ٩٧) من طريق قرة بن خالد عن قتادة به. وأخرجه=\n_________\n[¬١]- في ز: ألفا.\n[¬٢]- في خ: وأربعمائة.\n[¬٣]- سقط من ز، خ.\n[¬٤]- سقط من ت، خ.\n[¬٥]- ما بين المعكوفين سقط من ز، خ.","vol":"13","page":92},{"text":"وروى العوفي [¬١] عن ابن عباس؛ أنهم كانوا ألفًا وخمسمائة وخمسة وعشرين.\nوالمشهور الذي رواه غير واحد عنه أربع عشرة مائة، وهذا هو الذي رواه البيهقي (^١٨)، عن الحاكم، عن الأصم، عن العباس الدوري، عن يحيى بن معين [¬٢]، عن شَبَابة بن سوار، عن شعبة، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، عن أبيه، قال: كنا مع رسول الله ﷺ تحت الشجرة ألفًا وأربعمائة. وكذلك هو في رواية سلمة بن الأكوع (^١٩)، ومعقل بن يسار (^٢٠)، والبراء بن عازب (^٢١). وبه يقول غير واحد من أصحاب المغازي والسير. وقد أخرج صاحبا الصحيح (^٢٢) من حديث شعبة، عن عمرو بن مرة، قال [¬٣]: سمعت عبد الله بن أبي أوفى؛ يقول: كان أصحاب الشجرة ألفًا وأربعمائة [¬٤]، وكانت أسْلَمُ يومئذ ثُمْنَ المهاجرين.\nوروى محمد بن إسحاق في السيرة (^٢٣)، عن الزهري، عن عروة بن الزبير، عن المشور [ابن مخرمة] [¬٥] ومَرْوان بن الحكم أنهما حدثاه؛ قالا: خرج رسول الله ﷺ عام الحديبية يريد زيارة البيت، لا يريد قتالًا، وساق معه الهدي سبعين بدنة، وكان الناس سبعمائة رجل، كل بدنة عن عشرة نفر. وكان جابر بن عبد الله -فيما بلغني عنه- يقول: كنا أصحاب الحديبية أربع عشرة مائة كذا قال ابن إسحاق، وهو [معدود من أوهامه [¬٦]] [¬٧]، فإن المحفوظ في الصحيحين أنهم كانوا بضع عشرة مائة.\n_________\n= البخاري في المغازي، باب: غزوة الحديبية، حديث (٤١٥٣) من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة به نحوه.\n(^١٨) - أخرجه البيهقي في دلائل النبوة (٤/ ٩٨).\n(^١٩) - أخرجه مسلم في صحيحه كتاب الجهاد، والسير، حديث (١٨٠٧) من حديث إياس بن مسلمة عن أبيه.\n(^٢٠) - أخرجه أحمد (٥/ ٢٥)، ومسلم في الإمارة، حديث (١٨٥٨) من حديث الحكم بن عبد الله الأعرج عن معقل بن يسار.\n(^٢١) - تقدم في رقم (٢).\n(^٢٢) - أخرجه البخاري في المغازي، باب: غزوة الحديبية، حديث (٤١٥٥) ومسلم في الإمارة، حديث (١٨٥٧) قال البخاري: قال عبيد الله بن معاذ، وقال مسلم: حدثنا عبيد الله بن معاذ، عن أبيه، عن شعبة به.\n(^٢٣) - سيرة ابن هشام (٣/ ٢٦٥)، وأخرجه أحمد (٤/ ٣٢٣)، وابن خزيمة في صحيحه (٢٩٠٦) من طريق ابن إسحاق به.\n_________\n[¬١]- سقط من ز، خ.\n[¬٢]- في خ: الغيرة.\n[¬٣]- سقط من ز، خ.\n[¬٤]- في ز: وثلثمائة.\n[¬٥]- سقط من ز، خ.\n[¬٦]- في ز: رواته.\n[¬٧]- ما بين المعكوفين في خ: \"معذور ومن رواية\".","vol":"13","page":93},{"text":"<span data-type='title' id=toc-168>ذكر سبب هذه البيعة العظيمة</span>\nقال محمد بن إسحاق بن يَسَار في السيرة (^٢٤): ثم دعا رسول الله ﷺ عمر بن الخطاب ليبعثه إلى مكة، ليبلّغ عنه أشراف قريش ما جاء له، فقال: يا رسول الله، إني أخاف قريشًا علي نفسي، وليس بمكة من بني عَديّ بن كعب من يمنعني، وقد عرفت قريش عداوتي إياها، وغِلَظي عليها، ولكني أدلك علي رجل أعَزّ بها مني، عثمان بن عفان، فبعثه إلى أبي سفيان وأشراف قريش، يخبرهم أنه لم يأت لحرب، وأنه إنما جاء زائرًا لهذا البيت، ومعظّمًا لحرمته.\nفخرج عثمان إلى مكة، فلقيه أبان بن سعيد بن العاص حين دخل مكة، أو قبل أن يدخلها، فحمله بين يديه، ثم أجاره حتى بَلّغ رسالة رسول الله ﷺ فانطلق عثمان حتى أتى [¬١] أبا سفيان وعظماء قريش، فبلغهم عن رسول الله ما أرسله به، فقالوا لعثمان حين فرغ من رسالة رسول الله ﷺ إليهم: إن شئت أن تطوف بالبيت فطُفْ. فقال: ما كنت لأفعل حتى يطوف به [¬٢] رسول الله، ﷺ. واحتبسته قريش عندها، فبلغ رسولَ الله ﷺ والمسلمين أن عثمان قد قُتل.\nقال ابن إسحاق (^٢٥): فحدثني عبد الله بن أبي بكر؛ أن رسول الله ﷺ، قال حين بلغه أن عثمان قد قتل: \"لا نبرح حتى نناجز القوم\". ودعا رسول الله ﷺ الناسَ إلى البيعة، فكانت بيعة الرضوان تحت الشجرة، فكان الناس يقولون: بايعهم [¬٣] رسول الله، ﷺ، على الموت. وكان جابر بن عبد الله، يقول: إن رسول الله ﷺ لم يبايعهم على الموت، ولكن بايعنا على أن لا نفرّ.\nفبايع الناس ولم يتخلف أحد من المسلمين حضرها إلا الجَدّ بن قيس أخو بني سلمة [¬٤]، فكان جابر يقول: والله لكأني [¬٥] أنظر إليه لاصقًا بإبط ناقته، قد ضبَأ إليها [¬٦] يستتر [¬٧]\n_________\n= وأصل الحديث في صحيح البخاري في الحج، باب من أشعر وقلد بذي الحليفة ثم أحرم، حديث (١٦٩٤، ١٦٩٥) وانظر أطرافه هناك.\n(^٢٤) - سيرة ابن هشام (٣/ ٢٧١).\n(^٢٥) - المصدر السابق (٣/ ٢٧٢).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: بلغ.\n[¬٢]- سقط من ز، خ.\n[¬٣]- في ز: بايعتم.\n[¬٤]- في ز، خ: مسلم.\n[¬٥]- في ز: فكأني.\n[¬٦]- سقط من خ.\n[¬٧]- في ز: يستر.","vol":"13","page":94},{"text":"بها من الناس ثم أتى رسول الله، ﷺ، أن الذي كان من أمر عثمان باطل.\nوذكر ابن لَهِيعة (^٢٦)، عن الأسود، عن عروة بن الزبير قريبًا من هذا السياق، وزاد في سياقه: أن قريشًا بعثوا وعندهم عثمان [] [¬١] سهيلَ بن عمرو، وحُويطب بن عبد العُزَّى، ومكرز بن حفص إلى رسول الله ﷺ، فبينما هم عندهم [¬٢] إذ وقع كلام بين بعض المسلمين وبعض المشركين، وتراموا بالنَّبْل والحجارة، وصاح الفريقان كلاهما، وارتهن كل من الفريقين مَنْ عنده من الرسل، ونادى منادي رسول الله ﷺ: ألا إن [¬٣] روح القدس قد نزل على رسول الله ﷺ، فأمر [¬٤] بالبيعة، فاخرجوا على اسم الله فبايعوا. فسار المسلمون إلى رسول الله ﷺ وهو تحت الشجرة، فبايعوه على أن لا يفروا أبدًا، فأرعب ذلك المشركين، وأرسلوا من كان عندهم من المسلمين، ودعوا إلى الموادعة والصلح.\nوقال الحافظ أبو بكر البيهقي: أخبرنا علي بن أحمد بن عبدان، أخبرنا أحمد بن عبيد [¬٥] الصفار، حدثنا تمتام [¬٦]، حدثنا الحسن بن بشر، حدثنا الحكم بن عبد الملك، عن قتادة، عن أنس بن مالك؛ قال: لما أمر رسول الله ﷺ ببيعة الرضوان كان عثمان بن عفان رسولَ رسولِ الله ﷺ إلى أهل مكة فبايع الناس، فقال رسول الله ﷺ: \"اللهم؛ إن عثمان في حاجة الله وحاجة رسوله\". فضرب بإحدى يديه على الأخرى، فكانت يد رسول الله ﷺ لعثمان خيرًا من أيديهم لأنفسهم.\nقال ابن هشام (^٢٧): وحدثني من أثق به عمن حدثه بإسناد له، عن ابن أبي مليكة، عن ابن عمر؛ قال [¬٧]: بايع [رسول الله ﷺ] [¬٨] لعثمان، فضرب بإحدى يديه على الأخرى.\nوقال عبد الملك بن هشام النحْوي (^٢٨): فذكر وكيع، عن إسماعيل بن [¬٩] أبي خالد،\n_________\n(^٢٦) - أخرجه البيهقي في دلائل النبوة (٤/ ١١٢) بسنده إلى ابن لهيعة به.\n(^٢٧) - سيرة ابن هشام (٣/ ٢٧٢)، ونقله المصنف في تاريخه (٦/ ٢١٥، ٢١٢٦، هجر).\n(^٢٨) - سيرة ابن هشام (٣/ ٢٧٢).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: بن.\n[¬٢]- في خ: عنده.\n[¬٣]- في ز: وإن.\n[¬٤]- في ت: وأمر.\n[¬٥]- في ز، خ: عبد.\n[¬٦]- في ز، خ: تمام.\n[¬٧]- سقط من ز، خ.\n[¬٨]- ما بين المعكوفين سقط من ز.\n[¬٩]- في ز: عن.","vol":"13","page":95},{"text":"عن الشعبي أن أول من بايع رسول الله ﷺ بيعة الرضوان أبو سنَان الأسدي. وقال أبو بكر عبد الله بن الزبير الحميدي (^٢٩): حدثنا سفيان، حدثنا ابن أبي خالد، عن الشعبي؛ قال: لما دعا رسول الله ﷺ الناس إلى البيعة، كان أول من انتهى إليه أبو سنان، فقال: ابسط يدك أبايعك. فقال النبي ﷺ: \"علام تبايعني؟ \". فقال أبو سنان: على ما في نفسك. هذا أبو سنان وَهبُ الأسدي، ﵁.\nوقال البخاري (^٣٠): حدثنا. شجاع بن الوليد، سمع النضر [¬١] بن محمد، حدثنا صخر [¬٢]، عن نافع؛ قال: أن الناس يتحدثون أن ابن عُمَر أسلم قبل عُمَر، وليس كذلك، ولكن عمر يوم الحديبية أرسل عبد الله إلى فرس له عند رجل من الأنصار أن يأتي به ليقاتل عليه، ورسول الله ﷺ يبايع عند الشجرة، وعمر لا يدري بذلك، فبايعه عبد الله، ثم ذهب إلى الفرس فجاء به إلى عمر، وعمر يستلئم [¬٣] للقتال، فأخبره أن رسول الله ﷺ يُبايع تحت الشجرة، فانطلق فذهب معه حتى بايع رسولَ الله ﷺ، وهي التي يتحدث الناس أن ابن عمر أسلم قبل عمر.\nثم قال البخاري (^٣١): وقال هشام بن عمار: حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا عُمَر بن محمد العُمَري، أخبرني نافع، عن ابن عمر؛ أن الناس كانوا مع رسول الله ﷺ [يوم الحديبية] [¬٤] قد تفرقوا في ظلال الشجر، فإذا الناس مُحدقونَ [¬٥] بالنبي ﷺ فقال -يعني عمر-: يا عبد الله؛ انظر ما شأن الناس قد أحدقوا برسول الله ﷺ. فوجدهم يبايعون، فبايع ثم رجع إلى عمر فخرج فبايع.\nوقد أسنده البيهقي عن أبي [¬٦] عمرو الأديب، عن أبي بكر الإِسماعيلي، عن الحسن بن سفيان، عن دحيم: حدثني الوليد بن مسلم، فذكره.\n_________\n(^٢٩) - أخرجه البيهقي في دلائل النبوة (٤/ ١٣٧) بسنده إلى الحميدي به.\n(^٣٠) - صحيح البخاري في المغازي، كتاب: غزوة الحديبية (٤١٨٦).\n(^٣١) - صحيح البخاري في المغازي، باب: غروة الحديبية حديث (٤١٨٧) قال الحافظ في الفتح: كذا وقع بصيغة التعليق، وفي بعض النسخ \"قال لي\" وقد وصله الإسماعيلي عن الحسن بن سفيان عن دحيم وهو ابن عبد الرحمن بن إبراهيم عن الوليد بن مسلم بالإسناد المذكور.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: المنصور.\n[¬٢]- في خ: صخر بن الربيع.\n[¬٣]- في خ: مسلم.\n[¬٤]- سقط من خ.\n[¬٥]- في خ: سحدثون.\n[¬٦]- في ز، خ: ابن.","vol":"13","page":96},{"text":"وقال الليث، عن أبي الزبير، عن جابر؛ قال: كنا يوم الحديبية ألفًا وأربعمائة فبايعناه، وعمر آخذ بيده تحت الشجرة وهي سَمُرة، وقال: بايعناه على أن لا نفرَّ، ولم نبايعه على الموت. رواه مسلم (^٣٢)، عن قتيبة، عنه.\nوروى مسلم (^٣٣) عن يحيى بن يحيى، عن يزيد بن زُرَيع، عن خالد، عن الحكم بن عبد الله بن [¬١] الأعرج، عن معقل بن يَسَار، قال: لقد رأيتني يوم الشجرة والنبي ﷺ يبايع الناس، وأنا رافع غصنًا من أغصانها عن رأسه، ونحن أربع عشرة مائة، قال: ولم نبايعه على الموت، ولكن بايعناه على أن لا نفرَّ.\nوقال البخاري (^٣٤): حدثنا المكي بن إبراهيم، عن يزيد بن أبي عبيد، عن سلمة بن الأكوع؛ قال: بايعت رسول الله ﷺ تحت الشجرة. قال يزيد: قلت: يا أبا مسلم، على أي شيء كنتم تبايعون يومئذ؟ قال: على الموت.\nوقال البخاري أيضًا (^٣٥): حدثنا أبو عاصم، حدثنا يزيد بن أبي عُبَيد، عن سَلَمة؛ قال: بايعت رسول الله ﷺ يوم الحديبية ثم تنحيت، فقال: \"يا سلمة؛ ألا تبايع؟ \" قلت: قد بايعت. قال: \"أقبل فبايع\". فدنوت فبايعته، قلت: علام بايعته يا سلمة؛ قال: على الموت.\nوأخرجه مسلم من وجه أخر عن يزيد بن أبي عبيد. وكذا روى البخاري (^٣٦) عن عباد بن تميم: أنهم بايعوه على الموت.\nوقال البيهقي (^٣٧): أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا أبو الفضل بن إبراهيم، حدثنا أحمد بن سلمة، حدثنا إسحاق بن إبراهيم، حدثنا أبو عامر العَقَدي عبد الملك بن عمرو، حدثنا عكرمة بن عمار اليمامي، عن إياس بن سلمة، عن أبيه سلمة بن الأكوع؛ قال: قَدمنا\n_________\n(^٣٢) - صحيح مسلم في كتاب الإمارة، حديث (١٨٥٦).\n(^٣٣) - تقدم تخريجه برقم (٢٢).\n(^٣٤) - صحيح البخاري في الجهاد والسير، باب: البيعة في الحرب، حديث (٢٩٦٠).\n(^٣٥) - صحيح البخاري في الأحكام، باب: من بايع مرتين، حديث (٧٢٠٨) وأخرجه مسلم في الإمارة، حديث (١٨٦٠) من طريق يزيد بن أبي عبيد به.\n(^٣٦) - أخرجه البخاري في المغازي، باب: غزوة الحديبية، حديث (٤١٦٧) من حديث عياد بن تميم، عن ابن زيد به.\n(^٣٧) - دلائل النبوة (٤/ ١٣٩، ١٤٠)، وأخرجه مسلم في الجهاد والسير، حديث (١٨٠٧) عن إسحاق بن إبراهيم به.\n_________\n[¬١]- سقط من خ.","vol":"13","page":97},{"text":"الحديبية مع رسول الله ﷺ ونحن أربع عشرة مائة، وعليها خمسون شاة لا تُرْويها [¬١]، فقعد رسول الله ﷺ علي جَبَاها -يعني الرّكي- فإما دعا وإما بَصَق [¬٢] فيها، فجاشت فسقينا واستقينا. قال: ثم إن رسول الله ﷺ دعا إلي البيعة في أصل الشجرة، فبايعتُه أول الناس، ثم بايع وبايع، حتى إذا كان في وسط الناس قال [ﷺ: \"بايعني يا سلمة\". قال: قلت: يا رسول الله، قد بايعتك في أول الناس] [¬٣]. قال: \"وأيضًا\". قال [¬٤]: ورآني رسول الله، ﷺ، عَزِلًا فأعطاني حجفة -أو دَرَقَة- ثم بايع حتى إذا كان في آخر الناس قال ﷺ: \"ألا تبايع يا سلمة؟ \". قال: قلت: يا رسول الله؛ قد بايعتك في أول الناس وأوسطهم. قال: \"وأيضًا\". فبايعته الثالثة، فقال: \"يا سلمة؛ أين حَجَفَتك أو دَرَقَتك التي أعطيتك؟ \". قال: قلت: يا رسول الله؛ لقيني عامر عزلًا فأعطيتها أياه، فضحك رسول الله ﷺ ثم قال: \"إنك كالذي قال الأول: اللهم؛ أبغني حبيبًا هو أحب إليّ من نفسي\"، قال: ثم إن المشركين من أهل مكة راسلونا في الصلح حتى مشي بعضنا في بعض فاصطلحنا. قال: وكنت خادمًا لطلحة بن عُبَيد الله ﵁ أسقي فرسه وأحُسّهُ [¬٥] وآكل من طعامه، وتركت أهلي ومالي مُهَاجرًا إلى الله ورسوله. فلما اصطلحنا نحن وأهلُ مكة، واختلط بعضنا ببعض، أتيت شجرة فَكَسَحْتُ [¬٦] شوكها [¬٧]، ثم اضطجعت في أصلها في ظلها، فأتاني أربعة من مشركي أهل مكة، فجعلوا يقعون في رسول الله ﷺ فأبغضتهم، وتحولت إلي [¬٨] شجرة أخرى فَعلّقوا سلاحهم واضطجعوا، فبينما هم كذلك إذ نادي مناد من أسفل الوادي: [يا للمهاجرين] [¬٩]، قُتل ابن زُنَيم. فاخترطت سيفي فشددت علي أولئك الأربعة وهم رقود فأخذت سلاحهم وجعلته ضغثًا في يدي، ثم قلت: والذي كَرّم وجهَ محمد ﷺ لا يرفع أحد منكم رأسه إلا ضربت الذي فيه عيناه. قال: ثم جئت بهم أسوقهم إلي رسول الله ﷺ. قال: وجاء عمي عامر برجُل من العَبَلات يقال له: \"مكرَز [¬١٠] \" من المشركين يقوده، حتى وقفنا بهم علي رسول الله ﷺ في سبعين من المشركين، فنظر إليهم رسول الله ﷺ وقال: \"دعوهم يكن لهم بَدْءُ الفجور وثنَاه\". فعفا عنهم رسول الله صلي\n_________\n[¬١]- في ز، خ: يرونها.\n[¬٢]- في ز: بسق.\n[¬٣]- ما بين المعكوفين سقط من ز، خ.\n[¬٤]- سقط من ز، خ.\n[¬٥]- في ز، خ: وأجنبه.\n[¬٦]- في ز، خ: فكشحت.\n[¬٧]- في خ: بشوكها.\n[¬٨]- سقط من خ.\n[¬٩]- في خ: \"يا آل المهاجرين\".\n[¬١٠]- في ز، خ: مشكور.","vol":"13","page":98},{"text":"الله عليه وسلم وأنزل الله: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيهِمْ﴾ … الآية.\nوهكذا رواه مسلم عن إسحاق بن إبراهيم بن راهوية بسنده نحوه أو قريبًا منه.\nوثبت في الصحيحين (^٣٨) من حديث أبي عوانة، عن طارق، عن سعيد بن المسيب؛ قال: كان أبي ممن بايع رسول الله ﷺ تحت الشجرة. قال: فانطلقنا من قابل حاجين، فخفي علينا مكانها، فإن كان تَبَيّنتْ [¬١] لكم فأنتم أعلم.\nوقال أبو بكر الحميدي (^٣٩): حدثنا سفيان، حدثنا أبو الزبير، حدثنا جابر؛ قال: لما دعا رسول الله ﷺ الناس إلي البيعة، وجدنا رجلًا منا يقال له: \"الجد بن قيس\" مختبئًا تحت إبط بعيره [¬٢].\nرواه مسلم من حديث ابن جُرَيج، عن ابن الزبير به.\nوقال الحميدي أيضًا (^٤٠): حدثنا سفيان، عن عمرو، سمع جابرًا قال: كنا يوم الحديبية ألفًا وأربعمائة، فقال لنا رسول الله ﷺ: \"أنتم خير أهل [¬٣] الأرض اليوم\". قال جابر: لو كنت أبصرُ لأريتكم موضع الشجرة. قال سفيان: إنهم اختلفوا في موضعها. أخرجاه من حديث سفيان.\nوقال الإِمام أحمد (^٤١): حدثنا يونس، حدثنا الليث، عن أبي الزبير، عن جابر، عن رسول الله ﷺ، أنه قال: \"لا يدخل النار أحد ممن بايع تحت الشجرة\".\nوقال ابن أبي حاتم (^٤٢): حدثنا محمد بن هارون الفلاس المخرمي، حدثنا سَعيدُ [¬٤] بن\n_________\n(^٣٨) - أخرجه البخاري في المغازي، باب: غزوة الحديبية، حديث (٤١٦٣، ٤١٦٥، ٤١٦٤)، ومسلم في الإمارة، حديث (١٨٥٩)، من طريق طارق بن عبد الرحمن به.\n(^٣٩) - مسند الحميدي (١٢٧٧)، وأخرجه مسلم في صحيحه كتاب الإمارة، حديث (١٨٥٦) (٦٩) من طريق ابن جريج عن أبي الزبير به مطولًا بمعناه.\n(^٤٠) - مسند الحميدي (١٢٢٥)، وأخرجه البخاري في المغازي، باب: غزوة الحديبية، حديث (٤١٥٤)، ومسلم في الإمارة، حديث (١٨٥٦) (٧١) من طريق سفيان به.\n(^٤١) - المسند (٣/ ٣٥٠)، وفيه قال أحمد: حدثنا حجين، ويونس عن الليث به.\nوأخرجه أبو داود في السنة، باب: في الخلفاء، حديث (٤٦٥٣) والترمذي في المناقب -باب: في فضل من بايع تحت الشجرة، حديث (٣٨٦٠)، والنسائي في تفسيره (٥٢٨) من طرق عن الليث به.\n(^٤٢) - أخرجه الترمذي في المناقب، حديث (٣٨٦٣) من طريق سليمان التيمي عن خداش به نحوه، وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب.\n_________\n[¬١]- في ز: ثبت.\n[¬٢]- في ز: بعير.\n[¬٣]- سقط من خ.\n[¬٤]- في ز، خ: معتمر.","vol":"13","page":99},{"text":"عمرو الأشعثي، حدثنا محمد بن ثابت العبدي، عن خداش بن عياش، عن أبي الزبير، عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ: \"يدخل من بايع تحت الشجرة كلهم الجنة إلا صاحبُ الجمل الأحمر\". قال: فانطلقنا نبتدره فإذا رجل قد أضل بعيره، فقلنا: تعال فبايع. فقال: أصيبُ بعيري أحبّ إليّ من أن أبايع.\nوقال عبد الله بن أحمد (^٤٣): حدثنا عبيد الله بن معاذ، حدثنا أبي، حدثنا قُرّة، عن أبي الزبير، عن جابر، عن النبي ﷺ أنه قال: \"من يصعد الثنية ثَنيَّة المُرَار [¬١] فإنه يُحَطّ عنه ما حُطّ [¬٢] عن بني إسرائيل\". فكان أول من صَعد خيل [¬٣] بني [¬٤] الخزرج، ثم تبادر الناس بعد فقال رسول الله ﷺ: \"كلكم مغفور له [¬٥] إلا صاحب الجمل الأحمر\". فقلنا: تعال يستغفر لك رسول الله. فقال: والله لأن أجد ضالتي أحبّ إليّ من أن يستغفر لي صاحبكم. فإذا هو رجل يَنْشُدُ ضالة. رواه مسلم عن عُبَيد الله به.\nوقال ابن جُرَيج: أخبرني أبو الزبير، أنه سمع جابرًا؛ يقول: أخبرتني أم مبشر، أنها سمعت رسول الله ﷺ؛ يقول عند حفصة: \"لا يدخل النار -إن شاء الله- من أصحاب الشجرة الذين بايعوا تحتها أحد\". قالت: بلي يا رسول الله. فانتهرها. فقالت لحفصة: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾، فقال النبي ﷺ: \"قد قال الله: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ \". رواه مسلم (^٤٤).\nوفيه أيضًا عن قتيبة (^٤٥)، عن الليث، عن أبي الزبير، عن جابر، أن [عبدًا لحاطب] [¬٦] بن أبي بلتعة جاء يشكو حاطبًا، فقال: يا رسول الله؛ ليدخلن حاطب النار، فقال رسول الله ﷺ: \"كذبت: لا يدخلها؛ فإنه قد شهد بدرًا والحديبية\".\n_________\n(^٤٣) - لم أقف عليه في المسند، والحديث أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب صفات المنافقين وأحكامهم، حديث (٢٨٨٠) عن عبيد الله بن معاذ العنبري به.\n(^٤٤) - تقدم تخريجه في تفسير سورة مريم الآية (٧١).\n(^٤٥) - صحيح مسلم كتاب فضائل الصحابة حديث (٢١٩٥).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: الدار.\n[¬٢]- في ز: يحط.\n[¬٣]- في خ: جبل.\n[¬٤]- في ز، خ: من.\n[¬٥]- سقط من خ.\n[¬٦]- في ز، خ: عبد حاطب.","vol":"13","page":100},{"text":"ولهذا قال تعالى في الثناء عليهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَي نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَي بِمَا عَاهَدَ عَلَيهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١٠)﴾، كما قال في الآية الأخرى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا (١٨)﴾.\n﴿سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (١١) بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَي أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا (١٢) وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيرًا (١٣) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (١٤)﴾.\nيقول تعالى مخبرًا رسوله [¬١]-صلوات الله وسلامه عليه- بما يعتذر به المخلفون بن الأعراب الذين اختاروا المُقَام في أهليهم وشغلهم، وتركوا المسير مع رسول الله ﷺ فاعتذروا بشغلهم بذلك، وسألوا أن يستغفر لهم الرسول ﷺ، وذلك قول منهم لا على سبيل الاعتقاد، بل على وجه التقية والمصانعة، ولهذا قال تعالى: ﴿يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا﴾ أي: لا يقدر أحد أن يرد ما أراده فيكم -تعالى وتقدس- وهو العليم بسرائركم وضمائركم، وإن صانعتمونا وتابعتمونا؛ ولهذا قال: ﴿بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ [¬٢] خَبِيرًا﴾.\nثم قال: ﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا﴾ أي: لم يكن تخلفكم تخلف معذور ولا عاص، بل تخلف نفاق، ﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا﴾ أي: اعتقدتم أنهم يُقتلون وتُستأصل شأفتهم، وتستباد خَضراؤهم، ولا يرجع منهم مخبر، ﴿وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا﴾ أي:\n_________\n[¬١]- في ز: لرسوله.\n[¬٢]- في ز: يعملون.","vol":"13","page":101},{"text":"هلكى. قاله ابن عباس، ومجاهد، وغير واحد. وقال قتادة: فاسدين. وقيل: هي بلغة عمَّان.\nثم قال: ﴿وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ أي: من لم يخلص العمل في الظاهر والباطن لله فإن الله تعالى سيعذبه في السعير، وإن أظهر للناس ما يعتقدون خلاف ما هو عليه في نفس الأمر.\nثم بين تعالى أنه الحاكم المالك المتصرف في أهل السماوات والأرض: ﴿يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (١٤)﴾ أي: لمن تاب إليه وأناب، وخضع لديه.\n﴿سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَال اللَّهُ مِنْ قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا بَلْ كَانُوا لَا يَفْقَهُونَ إلا قَلِيلًا (١٥)﴾\nيقول تعالى مخبرًا عن الأعراب الذين تخلفوا عن النبي ﷺ في غزوة الحديبية، إذ ذهب النبي ﷺ وأصحابه إلى خيبر يفتتحونها: إنهم يسألون أن يخرجوا معهم إلى المغنم، وقد تخلفوا عن وقت محاربة الأعداء ومجالدتهم [¬١] ومصابرتهم، فأمر الله رسوله ﷺ أن لا يأذن لهم في ذلك، معاقبة لهم من جنس ذنبهم، فإن الله تعالى وعد أهل الحديبية بمغانم خيبر وحدهم لا يشركهم فيها [¬٢] غيرهم من الأعراب المتخلفين، فلا يقع غير ذلك شرعًا وقدرًا؛ ولهذا قال: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ﴾. قال مجاهد، وقتادة، وجويبر: وهو الوعد الذي وعد به أهل الحديبية. واختاره ابن جرير.\nوقال ابن زيد: هو قوله: ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ﴾.\nوهذا الذي قاله ابن زيد فيه نظر؛ لأن هذه الآية التي في \"براءة\" نزلت في غزوة تبوك، وهي متأخرة عن غزوة الحديبية.\nوقال ابن جريج: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ﴾ يعني: بتثبيطهم [¬٣] المسلمين عن\n_________\n[¬١]- في ز، خ: ومجادلتهم.\n[¬٢]- سقط من خ.\n[¬٣]- في ز: تثبطهم.","vol":"13","page":102},{"text":"الجهاد.\n﴿قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَال اللَّهُ مِنْ قَبْلُ﴾ أي: وعبد الله أهل الحديبية [قبل سؤالكم] [¬١] الخروج معهم، ﴿فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا﴾ قال أي: أن نشرككم في المغانم، ﴿بَلْ كَانُوا لَا يَفْقَهُونَ إلا قَلِيلًا﴾ أي: ليس الأمر كما زعموا ولكن لا فهم لهم.\n﴿قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٦)﴾\nاختلف المفسرون في هؤلاء القوم الذين يدعون إليهم، الذين هم أولو بأس شديد علي أقوال:\nأحدها: أنهم هَوَازن؛ رواه شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير -أو عكرمة، أو جميعًا- ورواه هشيم عن أبي بشر، عنهما. وبه يقول قتادة في رواية عنه.\nالثاني: ثقيف. قاله الضحاك:\nالثالث: بنو حنيفة، قاله جويبر، ورواه محمد بن إسحاق، عن الزهري، ورُوي مثله عن سعيد وعكرمة.\nالرابع: هم أهل فارس. رواه علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، وبه يقول عطاء، ومجاهد، وعكرمة [¬٢]- في إحدي الروايات عنه.\nوقال كعب الأحبار: هم الروم. وعن ابن أبي ليلي، وعطاء، والحسن، وقتادة: هم فارس والروم. وعن مجاهد: هم أهل الأوثان. وعنه أيضًا: هم رجال أولو بأس شديد، ولم يعين فرقة. وبه بقول ابن جريج، وهو اختيار ابن جرير.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا الأشج، حدثنا عبد الرحمن بن الحسن القواريري، عن معمر، عن الزهري في قوله: ﴿سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾، قال: لم يأت أولئك بعد.\nوحدثنا أبي، حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيان، عن ابن أبي خالد، عن أبيه، عن\n_________\n[¬١]- بياض في ز، خ.\n[¬٢]- سقط من ز، خ.","vol":"13","page":103},{"text":"أبي هريرة في قوله: ﴿سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ قال: هم البارزون.\nقال (^٤٦): وحدثنا سفيان، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ؛ قال: \"لا قوم الساعة حتى تقاتلوا قومًا صغار الأعين ذْلْفَ [¬١] الأنف، كأن وجوههم المجان المطرقة\". قال سفيان: هم الترك.\nقال ابن أبي عمر [¬٢]: وجدت في مكان آخر: ابن أبي خالد عن أبيه قال: نزل علينا أبو هريرة ففسر قول رسول الله ﷺ: \"تقاتلون قومًا نعالهم [¬٣] الشعر\". قال: هم البارزون؛ يعني: الأكراد.\nوقوله: ﴿تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾، يعني يشرع لكم جهادهم وقتالهم، فلا يزال ذلك مستمرًّا عليهم، ولكم النصرة عليهم، أو يسلمون فيدخلون في دينكم بلا قتال بل باختيار.\nثم قال: ﴿فَإِنْ تُطِيعُوا﴾ أي: تستجيبوا وتنفروا [¬٤] في الجهاد وتؤدوا الذي عليكم فيه، ﴿يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيتُمْ مِنْ قَبْلُ﴾، يعني زمن الحديبية حيث دعيتم فتخلفتم، ﴿يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾.\nثم ذكر تعالى الأعذار في ترك الجهاد، فمنها لازم كالعمي والعَرَج المستمر، وعارض كالمرض الذي يطرأ أيامًا ثم يزول، فهو في حال مرضه مُلحَقٌ بذوي الأعذار اللازمة حتى يبرأ.\nثم قال تعالى مرغبًا في الجهاد وطاعة الله ورسوله: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ﴾ أي: ينكلُ [¬٥] عن الجهاد، ويُقبل على المعاش ﴿يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا﴾، في الدنيا بالمذلة، وفي الآخرة بالنار.\n﴿لَيسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا (١٧)﴾\n_________\n(^٤٦) - أخرجه الحميدي (١١٠٠)، وأحمد (٢/ ٢٣٩)، والبخاري في الجهاد والسير، باب: قتال اللذين ينتعلون الشعر، حديث (٢٩٢٩) ومسلم في الفتن وأشراط الساعة، حديث (٢٩١٢)، من طريق سفيان به.\n_________\n[¬١]- في ز: دلف.\n[¬٢]- في ز: عمرو.\n[¬٣]- في ز، خ: يقال لهم.\n[¬٤]- في خ: وتستقروا.\n[¬٥]- في ز: نكل.","vol":"13","page":104},{"text":"لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا (١٨) وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٩)﴾\nيخبر تعالى عن رضاه عن المؤمنين الذين بايعوا رسول الله ﷺ تحت الشجرة، وقد تقدم ذكر عدتهم وأنهم كانوا ألفًا وأربعمائة، وأن الشجرة كانت سَمُرة بأرض الحديبية.\nقال البخاري (^٤٧): حدثنا محمود، حدثنا عبيد [¬١] الله، عن إسرائيل، عن طارق بن [¬٢] عبد الرحمن؛ قال: انطلقت حاجًّا فمررت بقوم يصلون، فقلت [¬٣]: ما هذا المسجد؟ قالوا: هذه الشجرة، حيث بايع رسول الله ﷺ بيعة الرضوان. فأتيتُ سعيد بن المسيب فأخبرته، فقال سعيد: حدثني أبي أنه كان فيمن بايع رسول الله ﷺ تحت الشجرة. قال: فلما خرجنا من العام المقبل نَسيناها فلم نَقدِر عليها، فقال سعيد: إن أصحاب محمد ﷺ لم، سلموها وعُلّمتموها [¬٤] أنتم، فأنتم أعلم.\nوقوله: ﴿فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ أي: من الصدق والوفاء، والسمع والطاعة، ﴿فأنزل [] [¬٥] السكينة﴾، وهي الطمأنينة، ﴿عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾، وهو ما أجرى الله على أيديهم من الصلح بينهم وبين أعدئهم، وما حصل بذلك من الخير العام المستمر المتصل بفتح خيبر وفتح مكة، ثم فتح سائر البلاد والأقاليم عليهم، وما حصل لهم من العز والنصر والرفعة في الدنيا والآخرة؛ ولهذا قال: ﴿وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٩)﴾.\nقال ابن أبي حاتم (^٤٨): حدثنا [أحمد بن محمد] [¬٦] بن يحيى بن سعيد القطان، حدثنا عبيد الله بن موسى، أخبرنا موسى -يعني إلي عبيدة- حدثني إياس بن سلمة، عن\n_________\n(^٤٧) - صحيح البخاري في المغازي، باب: غزوة الحديبية، حديث (٤١٦٣) وقد تقدم قريبًا.\n(^٤٨) - أخرجه ابن جرير في تفسيره (٢٦/ ٨٦) عن محمد بن عمارة الأسدي عن عبيد الله بن موسى به وعزاه السيوطي أيضًا في الدر المنثور (٦/ ٨١) إلي ابن مردويه.\n_________\n[¬١]- في خ: عبد.\n[¬٢]- في ز، خ: أبي.\n[¬٣]- في ز: قلت.\n[¬٤]- في ز: علمتوها.\n[¬٥]- في ز: الله.\n[¬٦]- في خ: \"محمد بن أحمد\".","vol":"13","page":105},{"text":"أبيه؛ قال: بينما نحن قائلون إذ نادى منادي رسول الله ﷺ: [أيها الناس؛ البيعةَ البيعةَ، نزل روح القدس. قال: فَثُرنا إلى رسول الله ﷺ] [¬١] وهو تحت شجرة سَمُرة فبايعناه [¬٢]، فذلك قول الله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾، فبايع لعثمان بإحدى [¬٣] يديه على الأخرى، فقال الناس: هنيئًا لابن عفان، يطوف بالبيت ونحن هاهنا. فقال رسول الله ﷺ: \"لو مكث كذا كذا سنةً ما طاف حتى أطوف\".\n﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ وَكَفَّ أَيدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٢٠) وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرًا (٢١) وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (٢٢) سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا (٢٣) وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (٢٤)﴾\nقال مجاهد في قوله: ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا﴾، هي جميع المغانم إلي اليوم، ﴿فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ﴾، يعني فتح خيبر.\nوروي العوفي، عن ابن عباس: ﴿فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ﴾، يعنيِ صلح الحديبية.\n﴿وَكَفَّ أَيدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ﴾ أي: لم ينلكم سوء مما كان أعداؤكم أضمروه لكم من المحاربة والقتال. وكذلك كف أيدي الناس الذين خلفتموهم وراء أظهركم عن عيالكم وحريمكم، ﴿وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: يعتبرون بذلك، فإن الله حافظهم وناصرهم علي سائر الأعداء، مع قلة عددهم، وليعلموا بصنيع الله هذا بهم أنه العليم بعواقب الأمور، وأن الخِيرَة فيما يختاره لعباده المؤمنين وإن كرهوه في الظاهر، كما قال: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيئًا وَهُوَ خَيرٌ لَكُمْ﴾.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفين سقط من خ.\n[¬٢]- في ز: فبايعنا.\n[¬٣]- في ز: إحدى.","vol":"13","page":106},{"text":"﴿وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ أي: بسبب انقيادكم لأمره واتباعكم طاعته، وموافقتكم رسوله.\nوقوله: ﴿وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرًا﴾ أي: وغنيمة أخرى وفتحًا آخر معينًا لم تكونوا تقدرون عليها، قد يَسَّرها الله عليكم، وأحاط بها لكم؛ فإنه تعالى يرزق عباده المتقين له من حيث لا يحتسبون.\nوقد اختلف المفسرون في هذه الغنيمة، ما المراد بها؟ فقال العوفي، عن ابن عباس: هي خيبر. وهذا على قوله في قوله تعالى: ﴿فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ﴾: إنها صلح الحديبية. وقاله الضحاك، وابن إسحاق، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم.\nوقال قتادة: هي مكة. واختاره ابن جرير.\nوقال ابن أبي ليلي، والحسن البصري: هي فارس والروم.\nوقال مجاهد: هي كل فتح وغنيمة إلي يوم القيامة.\nوقال أبو داود الطيالسي (^٤٩): حدثنا شعبة، عن سماك الحَنَفي، عن ابن عباس: ﴿وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا﴾، قال: هذه الفتوح التي [¬١] تفتح إلى اليوم.\nوقوله: ﴿وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ يقول تعالى مبشرًا لعباده المؤمنين بأنه لو ناجزهم المشركون لنصر الله رسوله وعباده المؤمنين عليهم، ولانهزم جيش الكفار [¬٢] فارًّا مدبرًا لا يجدون وليًّا ولا نصيرًا، لأنهم محاربون لله ولرسوله ولحزبه المؤمنين.\nثم قال: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا [¬٣]﴾ أي: هذه سنة الله وعادته في خلقه، ما تقابل الكفر والإِيمان في موطن فيصل إلا نصر الله الإِيمان على الكفر، فرفع الحق ووضع الباطل، كما فعل تعالى يوم بدر بأوليائه [¬٤] المؤمنين نصرهم علي\n_________\n(^٤٩) - أخرجه البيهقي في دلائل النبوة (٤/ ١٦٣) من طريق يحيى بن أبي زائدة عن شعبة به بلفظ هو ما أصبتم بعده.\nوعزاه السيوطي في الدر المنثور (٦/ ٨٣) إلي عبد بن حميد وابن أبي حاتم، وابن المنذر وابن مردويه والبيهقي في الدلائل باللفظ الذي ذكره المصنف.\n_________\n[¬١]- سقط من ز، خ.\n[¬٢]- في ز: الكفر.\n[¬٣]- في ز: تحويلًا.\n[¬٤]- في ز، خ: بأولئك.","vol":"13","page":107},{"text":"أعدائه من المشركين، مع قلة عدد المسلمين وعُدَدهم، وكثرة المشركين وعُددهم.\nوقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (٢٤)﴾: هذا امتنان من الله علي عباده المؤمنين حين كف أيدي المشركين عنهم، فلم يصل إليهم منهم سوء، وكفّ أيدي المؤمنين عن [¬١] المشركين فلم يقاتلوهم عند المسجد الحرام، بل صان كلًّا من الفريقين، وأوجد بينهم صلحًا فيه خِيَرَةٌ للمؤمنين، وعاقبة لهم في الدنيا والآخرة. وقد تقدم في حديث سلمة بن الأكوع حين جاءوا بأولئك السبعين الأساري فأوثقوهم بين يدي رسول الله ﷺ فنظر إليهم وقال: \"أرسلوهم يكن لهم بدء الفجور وثِنَاه [¬٢] \". قال: وفي ذلك أنزل الله: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيدِيَكُمْ عَنْهُمْ﴾ … الآية.\nوقال الإِمام أحمد (^٥٠): حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا حماد، عن ثابت، عن أنس بن مالك؛ قال: لما [¬٣] كان يوم الحديبية هبط علي رسول الله ﷺ وأصحابه ثمانون رجلًا من أهل مكة في السلاح من قبل جبل التنعيم يريدون غِرّة رسول الله ﷺ فدعا عليهم فأخذوا -قال عفان: فعفا عنهم- ونزلت هذه الآية: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيهِمْ﴾.\nورواه مسلم وأبو داود في سننه، والترمذي والنسائي في التفسير من سننيهما، من طرق، عن حماد بن سلمة به.\nوقال أحمد أيضًا [¬٤] (^٥١): حدثنا زيد [¬٥] بن الحباب، حدثنا الحسين بن واقد، حدثنا ثابت البُناني، عن عبد الله بن [مغفل المزني] [¬٦]، قال: كنا مع رسول الله، ﷺ، في أصل الشجرة التي قال الله تعالى في القرآن، وكان يقع من أغصان تلك\n_________\n(^٥٠) - المسند (٣/ ١٢٢، ١٢٤)، وأخرجه أيضًا في (٣/ ٢٩٠)، وعبد بن حميد (١٢٠٨) ومسلم في الجهاد والسير، حديث (١٨٠٨) وأبو داود في الجهاد، باب في المن علي الأسير بغير نداء حديث (٢٦٨٨)، والترمذي في تفسير القرآن، باب ومن سورة الفتح حديث (٣٢٦٤) والنسائي في التفسير (٥٣٠) من طرق عن حماد بن سلمة له.\n(^٥١) - المسند (٤/ ٨٦)، وأخرجه النسائي في التفسير (٥٣١) عن محمد بن عقيل عن علي بن الحسين بن واقد عن أبيه به.\nوأخرجه أيضًا الطبري في تفسيره (٢٦/ ٩٣ - ٩٤)، والحاكم في المستدرك (٣/ ٤٦٠ - ٤٦١)، والبيهقي (٦/ ٣١٩) من طريق الحسين بن واقد به.\n_________\n[¬١]- في ت: من.\n[¬٢]- في ز: وثناؤه.\n[¬٣]- سقط من ز.\n[¬٤]- سقط من ز، خ.\n[¬٥]- في خ: يزيد.\n[¬٦]- في ز، خ: المغفل الذي.","vol":"13","page":108},{"text":"الشجرة علي ظهر رسول الله ﷺ وعليٌّ بن أبي طالب، وسهيلُ بن عمرو بين يديه- فقال رسول الله ﷺ لعليّ: \"اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم\". فأخذ سهيل بيده وقال: ما نعرف الرحمن الرحيم. اكتب في قضيتنا ما نعرف. [قال: \"اكتب باسمك اللهم\". وكتب: \"هذا ما صالح عليه محمد رسول الله أهل مكة\". فأمسك سهيل بن عمرو بيده وقال: لقد ظلمناك إن كنت رسوله، اكتب في قضيتنا ما نعرف] [¬١]. فقال: \"اكتب هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله\". فبينا نحن كذلك إذ خرج علينا ثلاثون شابًّا عليهم السلاح، فثاروا في وجوهنا، فدعا عليهم رسول الله ﷺ، فأخذ الله بأسماعهم، فقمنا إليهم فأخذناهم، فقال رسول الله ﷺ: \"هل جئتم في عهد أحد؟ \" أو: \"هل جعل لكم أحد أمانا؟ \". فقالوا: لا. فخلي سبيلهم، فأنزل الله: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (٢٤)﴾. رواه النسائي من حديث حسين بن واقد به.\nوقال ابن جرير (^٥٢): حدثنا ابن حميد، حدثنا يعقوب القُمّي، حدثنا [¬٢] جعفر، عن ابن أبزي؛ قال: لما خرج النبي ﷺ بالهدي وانتهي إلي ذي الحليفة قال له عمر: يا نبي الله؛ تدخل [¬٣] على قوم لك حَرْب بغير سلاح ولا كُراع؟ قال: فبعث إلي المدينة، فلم يدع فيها كُراعًا ولا سلاحًا إلا حمله، فلما دنا من مكة منعوه أن يدخل، فسار حتى أتي مني، فنزل بمنى [فأتاه عينه] [¬٤] أن عكرمة بن أبي جهل قد خرج عليك في خمسمائة، فقال لخالد بن الوليد: \"يا خالد؛ هذا [] [¬٥] ابن عمك أتاك في الخيل\". فقال خالد: أنا سيف الله، وسيف رسوله -فيومئذ سُمي سيف الله- يا رسول الله؛ ارم بي أين شئت. فبعثه على خيل، فلقي عكرمة في الشعب فهزمه حتى أدخله حيطان مكة، ثم عاد في الثانية فهزمه حتى أدخله حيطان مكة، ثم عاد في الثالثة فهزمه حتى أدخله حيطان مكة، فأنزل الله: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ﴾ إلى ﴿عذابًا أليمًا﴾. قال: فكف الله النبي عنهم من بعد أن أظفره عليهم لبقايا [¬٦] من المسلمين كانوا بقوا [¬٧] فيها كراهية أن تطأهم الخيل.\n_________\n(^٥٢) - تفسير الطبري (٢٦، ٩٥)، وعزاه السيوطي أيضًا في الدر المنثور (٦/ ٨٧) إلي ابن أبي حاتم وابن المنذر.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفين سقط من خ.\n[¬٢]- في ز، خ: عن.\n[¬٣]-في ز: ندخل.\n[¬٤]- بياض في ز، خ.\n[¬٥]- في ت: ابن.\n[¬٦]- بياض في ز، خ.\n[¬٧]- بياض في ز، خ.","vol":"13","page":109},{"text":"ورواه ابن أبي حاتم (^٥٣) عن ابن أبزي [¬١] بنحوه. وهذا السياق فيه نظر، فإنه لا يجوز أن يكون عام الحديبية، لأن خالدًا لم يكن أسلم، بل قد كان طليعة المشركين يومئذ، كما ثبت في الصحيح. ولا يجوز أن يكون [في عمرة القضاء] [¬٢]؛ لأنهم قاضوه علي أن يأتي من العام المقبل [¬٣] فيعتمر ويقيم بمكة ثلاثة أيام، فلما قدم لم يمانعوه [¬٤] ولا حاربوه ولا قاتلوه. فإن قيل: فيكون يوم الفتح؟ فالجواب: ولا يجوز أن يكون يوم الفتح؛ لأنه لم يسق عام الفتح هَديًا [¬٥] وإنما جاء محاربًا مقلاتلًا في جيش عَرَمْرَم، فهذا السياق فيه خلل، وقد وقع فيه شيء فليتأمل، والله أعلم.\nوقال ابن إسحاق: حدثني من لا أتهم، عن عكرمة مولى ابن عباس؛ أن قريشًا بعثوا أربعين رجلًا منهم أو خمسين، وأمروهم أن يُطفيُوا بعسكر رسول الله ﷺ ليصبيوا من أصحابه أحدًا، فأخِذُوا أخذًا، فَأتي بهم رسولَ الله ﷺ فعفا عنهم وخلَّى سبيلهم، وقد كانوا رَموا إلى عسكر رسول الله ﷺ بالحجارة والنبل. قال ابن إسحاق: وفي ذلك أنزل الله: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيدِيَكُمْ عَنْهُمْ﴾ … الآية.\nوقال قتادة (^٥٤): ذُكر لنا أن رجلًا يقال له: \"ابن زُنيم\" اطلع علي الثنية من الحديبية، فرماه المشركون بسهم فقتلوه، فبعث رسول الله ﷺ خيلًا فأتوه باثني عشر فارسًا من الكفار، فقال لهم: \"هل لكم علي عهد؟ هل لكم علي ذمة؟ \". قالوا: لا. فأرسلهم، وأنزل الله في ذلك: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيدِيَكُمْ عَنْهُمْ﴾ … الآية.\n﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (٢٥) إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ\n_________\n(^٥٣) - سيرة ابن هشام (٣/ ٢٧١)، ومن طريق ابن إسحاق أخرجه الطبري في تفسيره (٢٦/ ٩٤).\n(^٥٤) - أخرجه الطبري في تفسيره (٢٦/ ٨٣)، وعزاه السيوطي أيضًا في الدر المنثور (٦/ ٨٣).\n_________\n[¬١]- في ز: بزي. وفي خ: ندي.\n[¬٢]- بياض في ز، خ. وقبله: ابن.\n[¬٣]- في ز: القابل.\n[¬٤]- في ز، خ: يتابعوه.\n[¬٥]- في ز، خ: هذا.","vol":"13","page":110},{"text":"حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمًا (٢٦)﴾\nيقول تعالى مخبرًا عن الكفار من مشركي العرب من قريش ومَن مالأهم علي نصرتهم علي رسول الله ﷺ: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: هم الكفار دون غيرهم، ﴿وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ أي: وأنتم أحق به، وأنتم أهله في نفس الأمر، ﴿وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ أي: وصدوا الهدي أن يصل إلي محله، وهذا [من بغيهم] [¬١] وعنادهم، وكان الهديُ سبعين بدنة كما سيأتي بيانه.\nوقوله: ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ﴾ أي: بين أظهرهم ممن يكتم إيمانه ويخفيه منهم خيفة علي أنفسهم من قومهم، لكنا سَلَّطناكم عليهم فقتلتموهم وأبدتم خَضْراءهم، ولكن بين أفنائهم من المؤمنين والمؤمنات أقوام لا تعرفونهم حالة القتل، ولهذا قال: ﴿لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ﴾ أي: إثم وغرامة ﴿بِغَيرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ أي: يؤخر عقوبتهم ليخلّص من بن أظهرهم المؤمنين، وليرجع كثير منهم إلي الإِسلام.\nثم قال: ﴿لَوْ تَزَيَّلُوا﴾ أي: لو تميز الكفار من المؤمنين الذين بين أظهرهم ﴿لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ أي: لسلطناكم عليهم فلقتلتموهم قتلًا ذريعًا.\nقال الحافظ أبو القاسم الطبراني (^٥٥): حدثنا أبو الزنباع [¬٢] روح بن الفرج، حدثنا عبد الرحمن بن أبي عباد المكي، حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله أبو [¬٣] سعيد - مولى بني هاشم - حدثنا حجر بن خلف: سمعت عبد الله بن عوف [¬٤]؛ يقول [¬٥]: سمعت جُنَيدَ بن سَبُع؛ قول: قاتلت رسول الله ﷺ أول النهار كافرًا وقاتلت معه آخر النهار مسلمًا، وفينا نزلت: ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ﴾. قال: كنا تسعة نفر: سبعة رجال وامرأتين.\n_________\n(^٥٥) - ذكر الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ١١٠) وقال: (رواه الطبراني بإسنادين رجال أحدهما ثقات). والحديث أخرجه أوبو يعلى في مسنده (١٥٦٠) من طريق أبي سعيد مولى بني هاشم به.\n_________\n[¬١]- بياض في خ.\n[¬٢]- في خ: الدباع.\n[¬٣]- في ز، خ: ابن.\n[¬٤]- في ز، خ: عمر.\n[¬٥]- سقط من ز، خ.","vol":"13","page":111},{"text":"ثم رواه من طريق أخرى عن محمد بن عباد المكي به، وقال فيه: عن أبي [¬١] جمعة جُنيد بن سبع … فذكره، والصواب أبو جعفر: حبيب بن سباع. ورواه ابن أبي حاتم من حديث حجر ابن خلف به. وقال: كنا ثلاثة رجال وتسع نسوة، وفينا نزلت: ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ﴾.\nوقال ابن أبي حاتم (^٥٦): حدثنا علي بن الحسين، حدثنا محمد بن إسماعيل البخاري، حدثنا عبد الله بن عثمان [¬٢] بن جَبَلَة، عن أبي حمزة، عن عطاء، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾، يقول: لو تزيل الكفار من المؤمنين، لعذبهم الله عذابًا أليما بقتلهم إياهم.\nوقوله: ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾، وذلك حين أبوا أن يكتبوا \"بسم الله الرحمن الرحيم\"، وأبوا أن يكتبوا: \"هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله\"، ﴿فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾، وهي قول \"لا إله إلا الله\"، كما قال ابن جرير، وعبد الله بن الإمام أحمد (^٥٧): حدثنا الحسن بن قَزَعة أبو علي البصري، حدثنا سفيان بن حبيب، حدثنا شعبة، عن ثُوَير، عن أبيه، عن الطفيل [¬٣]-يعني إلي أبيّ بن كعب- عن أبيه: سمع رسول الله ﷺ يقول: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾، قال: \"لا إله إلا الله\".\nوكذا رواه الترمذي عن الحسن بن قزعة، وقال: \"غريب لا نعرفه إلا من حديثه، وسألت أبا زرعة عنه فلم يعرفه إلا من هذا الوجه\".\nوقال ابن أبي حاتم (^٥٨): حدثنا أحمد بن منصور الرمادي، حدثنا عبد الله بن صالح، حدثني الليث، حدثني عبد الرحمن بن خالد، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب؛ أن أبا هريرة أخبره؛ أن رسول الله ﷺ، قال: \"أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فمن قال: لا إله إلا الله فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه، وحسابه علي الله\". وأنزل الله في كتابه، وذكر قومًا فقال: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ\n_________\n(^٥٦) - ذكره السيوطي في الدر المنثور (٦/ ٨٧) وعزاه إلي إلي أبي حاتم، وابن المنذر.\n(^٥٧) - أخرجه الطبري في تفسيره (٢٦/ ١٠٤)، وعبد الله بن أحمد في زوائد المسند (٥/ ١٣٨)، والترمذي في تفسير القرآن، باب: ومن سورة الفتح حديث (٣٢٦٥) عن الحسن بن قزعة به.\n(^٥٨) - تقدم تخريجه، وانظر تفسير سورة الصافات الآية (٣٥).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: ابن.\n[¬٢]- في ز: عيار. كذا بلا نقط. وفي خ: عباد.\n[¬٣]- في ز: الطفيلي.","vol":"13","page":112},{"text":"لَا إِلَهَ إلا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾. وقال الله جل ثناؤه: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا﴾، وهي: \"لا إله إلا الله، محمد رسول الله\"، فاستكبروا عنها واستكبر عنها المشركون يوم الحديبية، وكاتبهم رسول الله ﷺ علي قضية المدة.\nوكذا رواه بهذه الزيادات ابن جرير من حديث الزهري. والظاهر أنها مُدرجة [¬١] من كلام الزهري، والله أعلم.\nوقال مجاهد: ﴿كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾: الإِخلاص. وقال عطاء بن أبي رباح: هي لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو علي كل شيء قدير.\nوقال يونس بن بكير (^٥٩)، عن ابن إسحاق، عن الزهري، عن عروة، عن المسور: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾، قال: لا إله إلا الله، وحده لا شريك له.\nوقال الثوري (^٦٠)، عن سلمة بن كهيل، عن عَبَاية بن ربعي، عن عليٍّ: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾، قال: لا إله إلا الله، والله أكبر. وكذا [قال ابن عمر ﵄] [¬٢] وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾، قال: يقول: شهادة أن لا إله إلا الله، وهي رأس كل تقوى.\nوقال سعيد بن جبير: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾، قال: لا إله إلا الله، والجهاد في سبيله.\nوقال عطاء الخراساني: هي لا إله إلا الله، محمد رسول الله.\nوقال عبد الله بن المبارك (^٦١)، عن معمر، عن الزهري: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾،\nقال: بسم الله الرحمن الرحيم.\nوقال قتادة: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾، قال: لا إله إلا الله.\n[﴿وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا﴾،] [¬٣] كان المسلمون أحق بها وكانوا [¬٤] أهلها.\n_________\n(^٥٩) - ذكره السيوطي في الدر المنثور (٦/ ٨٨) عن السور، ومروان وعزاه إلي ابن أبي حاتم والدارقطني في الأفراد.\n(^٦٠) - تفسير الطبري (٢٦/ ١٠٤) وعزاه السيوطي في الدر المنثور (٦/ ٨٨) إلي ابن أبي الحسن بن مروان في فوائده.\n(^٦١) - أخرجه الطبري في تفسيره (٢٦/ ١٠٦) عن محمد بن عيسى عن ابن المبارك به، وعزاه السيوطي في الدر المنثور (٦/ ٨٩) إلي عبد الرزاق، وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n_________\n[¬١]- في ز: مندرجة.\n[¬٢]- سقط من ز، خ.\n[¬٣]- سقط من خ.\n[¬٤]- سقط من ز، خ.","vol":"13","page":113},{"text":"﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمًا﴾ أي: هو عليم بمن يستحق الخير ممن يستحق الشر.\nوقد قال النسائي (^٦٢): حدثنا إبراهيم بن سعيد [¬١]، حدثنا شبابة بن سوار، عن أبي رزين، عن [¬٢] عبد الله بن العلاء بن زَبْر، عن [بُسْر بن عُبيد الله] [¬٣]، عن أبي إدريس، عن أبيّ بن كعب؛ أنه كان يقرأ: ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾، ولو حميتم كما حموا لفسد المسجد الحرام. فبلغ ذلك عمر فأغلظ له، فقال: إنك لتعلم أني كنت أدخل على رسول الله ﷺ فيعلمني مما علمه الله. فقال عمر: بل أنت رجل عندك [¬٤] علم وقرآن، فاقرأ وعلم مما علمك الله ورسوله.\n\n<span data-type='title' id=toc-169>(وهذا ذكر الأحاديث الواردة في قصة الحديبية وقضية الصلح)</span>\nقال الإمام أحمد (^٦٣): حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا محمد بن إسحاق بن يسار، عن الزهري، عي عروة بن الزبير، عن المسور بن مَخْرَمة ومَروان بن الحكم؛ قالا: خرج رسول الله ﷺ [عام الحديبية] [¬٥] يريد زيارة البيت لا يريد قتالًا، وساق معه الهَدي سبعين بَدنة، وكان الناس سبعمائة رجل، فكانت كل بَدنة عن عشرة، وخرج رسول الله ﷺ حتى إذا كان بعُسْفان لقيه بشر بن سفيان الكعبي، فقال: يا رسول الله؛ هذه قريش قد سمعت بمسيرك فخرجت معها العوذ المطافيل، قد لبست جلود النمور، يعاهدون الله أن لا تدخلها عليهم عَنوة أبدًا، وهذا خالد بن الوليد في خيلهم قد قَدّموه إلي كُرَاع الغميم، فقال رسول الله ﷺ: \"يا ويح قريش! قد أكلتهم الحرب، ماذا عليهم لو خَلَّوا بيني وبين سائر الناس؟ فإن أصابوني كان الذي أرادوا، وإن أظهرني الله دخلوا في الإِسلام وهم وافرون، وإن لم يفعلوا قاتلوا وبهم قوة، فماذا تظن قريش؟ فوالله لا أزال أجاهدهم علي الذي بعثني الله به [¬٦] حتى يظهرني الله أو تنفرد هذه السالفة\".\nثم أمر الناس فسلكوا ذات اليمين بين [¬٧] ظهري الحمض علي طريق تخرجه علي ثنية المرار [¬٨] والحديبية من أسفل مكة. قال: فسلك بالجيش تلك الطريق، فلما رأت خيل\n_________\n(^٦٢) - أخرجه النسائي في تفسيره (٥٢٥)، وأخرجه الحاكم في مستدركه (٢/ ٢٢٥ - ٢٢٦) من طريق أبي زيد به، وصححه علي شرط الشيخين.\n(^٦٣) - المسند (٤/ ٣٢٣)، والحديث رواه الشيخان من غير طريق ابن إسحاق، وقد تقدم تخريجه.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: شهيد.\n[¬٢]- سقط من خ.\n[¬٣]- في ز: \"بشر بن عبد الله\".\n[¬٤]- في ز، خ: عندي.\n[¬٥]- سقط من ز، خ.\n[¬٦]- في ز: له.\n[¬٧]- في ز، خ: من.\n[¬٨]- في ز: المدار.","vol":"13","page":114},{"text":"قريش قُتْرَة الجيش قد خالفوا عن طريقهم، ركضوا راجعين الي قريش، فخرج رسول ﷺ حتى إذا سلك ثنية المرار [¬١]، بركت نافته، فقال الناس: خلأت. فقال رسول الله ﷺ: \"ما خلأت، وما ذلك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل عن مكة، والله لا تدعوني [¬٢] قريش اليوم إلي خطة يسألوني [¬٣] فيها صلة الرحم، إلا أعطيتهم إياها\".\nثم [¬٤] قال للناس: \"انزلوا\". قالوا: يا رسول الله؛ ما بالوادي من ماء ينزل عليه الناس. فأخرج رسول الله ﷺ سهمًا من كنانته، فأعطاه رجلًا من أصحابه، فنزل في قَليب من تلك القُلُب، فغرزه [¬٥] فيه فجاش بالماء حتى ضرب الناس عنه بعَطَن. فلما اطمأن رسول الله ﷺ إذا بُديل بن ورقاء في رجال من خزاعة، فقال لهم كقوله لبشر بن سفيان، فرجعوا إلى قريش فقالوا: يا معشر قريش؛ إنكم تَعجَلون على محمد، وإن [¬٦] محمدًا لم يأت لقتال، إنما جاء زائرًا لهذا البيت معظمًا لحقه، فاتهموهم.\nقال محمد بن إسحاق: قال الزهري: كانت [¬٧] خزاعة في عَيبة [¬٨] [] [¬٩] رسول الله ﷺ مشركها ومسلمها، لا يخفون على رسول الله ﷺ شيئًا كان [¬١٠] بمكة، فقالوا: وإن كان إنما جاء لذلك فوالله لا يدخلها أبدًا علينا عَنوة، ولا يتحدث بذلك العرب. ثم بعثوا إليه مكْرز بن حفص أحد بني عامر بن لؤي، فلما رآه رسول الله ﷺ قال: \"هذا رجل غادر\". فلما انتهي إلي رسول الله ﷺ كلّمه رسول الله ﷺ بنحو مما كَلَّم به أصحابه، ثم رجع إلي قريش فأخبرهم بما قال له رسول الله، فبعثوا إليه الحليس [¬١١]- بن علقمة الكناني، وهو يومئذ سيد الأحابيش، فلما رآه رسول الله ﷺ قال: \"هذا من قوم تألهون [¬١٢]، فابعثوا الهَدْي [في وجهه\"] [¬١٣]، فبعثوا الهدي] [¬١٤]، فلما رأي الهدي يسيل عليه من عُرْض الوادي في قلائده قد أكل أوتاره [¬١٥] من طول الحبس عن\n_________\n[¬١]- في ز: المدار.\n[¬٢]- في ز، خ: تعصوني. كذا.\n[¬٣]- في ز: فسألوني.\n[¬٤]- سقط من ت.\n[¬٥]- في ز: فغرسه.\n[¬٦]- في. ز: إن.\n[¬٧]- في ز: وكانت.\n[¬٨]- في ز، خ: غيبة.\n[¬٩]- في ت: في.\n[¬١٠]- سقط من خ.\n[¬١١]- في ز: الجليس.\n[¬١٢]- في ز، خ: يباهلون.\n[¬١٣]- سقط من ز.\n[¬١٤]- سقط من ز، خ.\n[¬١٥]- في ز، خ: أوباره.","vol":"13","page":115},{"text":"محله، رجع ولم يصل إلى رسول الله ﷺ إعظامًا لما رأي، فقال: يا معشر قريش، قد رأيت ما لا يحل صَده، الهدي في قلائده قد أكل أوتاره [¬١] من طول الحبس عن محله. قالوا: اجلس، إنما أنت أعرابي لا علم لك. فبعثوا إليه عروة بن مسعود الثقفي، فقال: يا معشر قريش، إني قد رأيت ما يلقي منكم من تبعثون إلي محمد إذا جاءكم، من التعنيف وسوء اللفظ، وقد عرفتم أنكم والد وأني ولد، وقد سمعت بالذي نابكم، فجمعت من أطاعني [¬٢] من قومي، [ثم جئت] [¬٣] حتى آسيتكم [¬٤] بنفسي. قالوا: صدقت، ما أنت عندنا بمتهم. فخرج حتى أتي رسول الله ﷺ فجلس بين يديه، فقال: يا محمد، جمعت أوباش الناس، ثم جئت بهم لبيضتك لتفضّها، إنها قريش قد خرجت معها العُود المطافيل، قد لبسوا جلُود النمور، يعاهدون الله أن لا تدخلها عليهم عنوة أبدًا. وايم الله لكأني بهؤلاء قد انكشفوا عنك غدًا. قال: وأبو بكر قاعد خلف رسول الله ﷺ، فقال: امصص بَظر اللات! أنحن ننكشف عنه؟! قال: من هذا يا محمد؟ قال: \"هذا ابن أبي قُحافة\". قال: أما والله لولا يد كانت لك عندي لكافأتك بها، ولكن هذه بها. ثم تناول لحية رسول الله ﷺ والمغيرة بن شعبة واقف علي رأس رسول الله ﷺ [في الحديد] [¬٥]، قال: فقَرع يده. ثم قال: أمسك يدك عن لحية رسول الله ﷺ [قبل -والله- لا تصل إليك [¬٦]. قال: ويحك! ما أفظك [¬٧] وأغلظك! فتبسم رسول الله، ﷺ،] [¬٨] قال: من هذا يا محمد؟ قال ﷺ: \"هذا ابن أخيك المغيرة بن شعبة\" قال: أغُدَرُ، وهل غسلت [¬٩] سوأتك إلا بالأمس؟! قال: فكلمه رسول الله ﷺ بمثل ما كلم به أصحابه، وأخبره أنه لم يأت يريد حربًا. قال [¬١٠]: فقام من عند رسول الله وقد رأي ما يصنع به أصحابه، لا يتوضأ وضوءًا إلا ابتدروه، ولا يبصق بصاقًا إلا ابتدروه، ولا يسقط من شعره شيء إلا أخذوه. فرجع إلي قريش فقال: يا معشر قريش، إني جئتُ كسري في ملكه، وجئت قيصر والنجاشي في ملكهما، والله ما رأيت مَلكًا قط مثل محمد في أصحابه، ولقد رأيت قوما لا يسلمونه لشيء أبدًا، فَرَوا رأيكم. قال: وقد كان رسول الله ﷺ قبل ذلك قد بعث خراش بن أمية الخزاعي إلي مكة، وحمله علي جمل له يقال له:\n_________\n[¬١]- في ز، خ: أوباره.\n[¬٢]- في ز: طاعني.\n[¬٣]- في ز: فجئت.\n[¬٤]- في ز: آسيكم.\n[¬٥]- في ز: بالحديد.\n[¬٦]- في ز: إليه.\n[¬٧]- في ت: أفظعك.\n[¬٨]- ما بين المعكوفين سقط من خ.\n[¬٩]- في خ: علمت.\n[¬١٠]- في ز: فقال:","vol":"13","page":116},{"text":"\"الثعلب\"، فلما دخل مكة عقرت به قريش، وأرادوا قتل خراش، فمنعتهم الأحابيش حتى أتى رسول الله ﷺ فدعا عمر ليبعثه، إلي مكة، فقال: يا رسول الله، إني أخاف قريشًا على نفسي، وليس بها من بني عَدي أحد يمنعني. وقد عرفت قريش عداوتي إياها وغلطتي [¬١] عليها، ولكن أدلّك على رجل هو أعز مني: عثمان بن عفان. قال: فدعاه رسول الله ﷺ [فبعثه إلى قريش] [¬٢] يخبرهم أنه لم يأت لحرب أحد، وإنما [¬٣] جاء زائرًا لهذا البيت، معظمًا لحرمته. فخرج عثمان حتى أتي مكة، فلقيه أبان بن سعيد بن العاص، فنزل عن دابته وحمله [¬٤] بين يديه ورَدِف خلفه، وأجاره حتى بَلّغَ رسالة رسول الله ﷺ فانطلق عثمان حتى أتي أبا سفيان وعظماء قريش، فبلّغهم عن رسول الله ﷺ ما أرسله به، فقالوا لعثمان: إن شئت أن تطوف بالبيت فطُفْ به. فقال: ما كنت لأفعل حتى يطوف به [¬٥] رسول الله قال: واحتبسته قريش عندها، قال: وبلغ رسول الله أن عثمان قد قُتل.\nقال محمد: فحدثني الزهري: أن قريشًا بعثوا سهيل بن عمرو وقالوا: ائت محمدًا فصالحه ولا تكن [¬٦] في صلحه إلا أن يرجع عنا عامه هذا، فوالله لا تَحدّثُ العرب أنه دخلها علينا عنوة أبدًا. فأتاه سهيل بن عمرو، فلما رآه رسول الله ﷺ؛ قال: \"قد أراد القوم الصلح حين بعثوا هذا الرجل\". فلما انتهي إلي رسول الله ﷺ تكلما وأطالا الكلام، وتراجعا حتى جري بينهما الصلح، فلما التأم الأمر ولم يبق إلا الكتاب، وثب عمر بن الخطاب فأتي أبا بكر فقال: يا أَبا بكر؛ أو ليس برسول الله؟ أوَ لسنا بالمسلمين؟ أوَ ليسوا بالمشركين؟ قال: بلي. قال: فعلام نعطي الذلة في ديننا؟ فقال أبو بكر: [يا عمر] [¬٧]، الزم غَرْزَه حيث كان فإني أشهد أنه رسول الله. قال عمر: وأنا أشهد. ثم أتي رسول الله فقال: يا رسول الله، أوَ لسنا بالمسلمين؟ أوَ ليسوا بالمشركين؟ قال: \"بلى\". قال: فعلام نعطي الذلة في ديننا؟ فقال: \"أنا عبد الله ورسوله، لن أخالف أمره ولن يضيعني\". ثم قال عمر: ما زلت أصوم وأصلي وأتصدق وأعتق من الذي صنعت مخافة كلامي الذي تكلمت به يومئذ حتى رجوت أن يكون خيرًا. قال: ثم دعا رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب فقال: \"اكتب بسم الله الرحمن الرحيم\". [فقال سهيل بن عمرو] [¬٨]: ولا أعرف هذا، ولكن اكتب: باسمك اللَّهم. فقال رسول الله: \"اكتب باسمك اللَّهم. هذا ما صالح [¬٩] عليه محمد\n_________\n[¬١]- في ز: غلظي.\n[¬٢]- سقط من ز، خ.\n[¬٣]- في ز: وإنه.\n[¬٤]- في ز: وحمل.\n[¬٥]- سقط من خ.\n[¬٦]- في ت: يكون.\n[¬٧]- سقط من خ.\n[¬٨]- سقط من ز، خ.\n[¬٩]- في ت: صلح.","vol":"13","page":117},{"text":"رسول الله [سهيل بن عمرو\"،] [¬١] فقال سهيل بن عمرو: ولو [¬٢] شهدت أنك رسول الله لم أقاتلك، ولكن اكتب هذا ما صالح [¬٣] عليه محمد بن عبد الله وسهيل بن عمرو، على وضع الحرب عشر سنين، يأمن من فيها الناس، ويكف بعضهم عن بعض، على أنه من أتى رسول الله من أصحابه بغير إذن وليه، رده عليهم، ومن أتى قريشًا ممن مع رسول الله لم يردوه عليه، وأن بيننا عيبة مكفوفة [¬٤]، وأنه لا أسلال ولا أغلال، وكان في شرطهم حين كتبوا الكتاب: أنه من أحب أن يدخل في عقد محمد وعهده دخل فيه، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه. فتواثبت خزاعة فقالوا: نحن في عقد رسول الله وعهده. وتواثبت بنو بكر فقالوا: نحن في عقد قريش وعهدهم. وأنك ترجع عنا عامنا هذا فلا تدخل علينا مكة، وأنه إذا كان عام قابل خرجنا عنك فتدخلها لأصحابك، وأقمت بها ثلاثًا معك سلاح الراكب لا تدخلها بغير [¬٥] السيوف في القرب، فبينا رسول الله ﷺ يكتب الكتاب إذ جاءه أبو جندل بل سهيل بن عمرو في الحديد قد انفلت إلى رسول الله، قال: وقد كان أصحاب رسول الله خرجوا وهم لا يشكون في الفتح، لرؤيا رآها رسول الله ﷺ فلما رأورا ما رأوا من الصلح والرجوع، وما تحمل رسول الله على نفسه، دخل الناس من ذلك أمر عظيم، حتى كادوا أن يهلكوا. فلما رأي سهيل أبا جندل قام إليه [فضرب وجهه] [¬٦] وقال: يا محمد، قد لجّت [¬٧] القضية بيني وبينك قبل أن يأتيك هذا. قال: \"صدقت\". فقام إليه فأخذ بتلابيبه [¬٨]. قال: وصرخ أبو جندل بأعلى صوته: يا معاشر المسلمين، أتردونني إلي أهل الشرك فيفتنوني في ديني؟ قال: فزاد الناس شرًّا إلي ما بهم، فقال رسول الله ﷺ: \"يا أبا جندل [اصبر و] [¬٩] احتسب فإن الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجًا ومخرجًا، إنا قد عقدنا بيننا وبين القوم صلحًا فأعطيناهم [علي ذلك وأعطونا عليه] [¬١٠] عهدًا، وإنا لن نغدر بهم\". قال: فوثب إليه عمر بن الخطاب فجعل يمشي مع أبي جندل إلي جنبه وهو [¬١١] يقول: اصبر أبا جندل، فإنما هم المشركون، وإنما دم أحدهم دم كلب. قال: ويدني [¬١٢] قائم السيف منه، قال: يقول: رجوت أن يأخذ السيف فيضرب به أباه.\n_________\n[¬١]- سقط من ز، خ.\n[¬٢]- في ز: إن.\n[¬٣]- في ت: اصطلح.\n[¬٤]- في ز، خ: مكتوبة.\n[¬٥]- في. ز، خ: معي.\n[¬٦]- في خ: \"فضربه\".\n[¬٧]- في ز: تمت.\n[¬٨]- في ز: بتلبيبه.\n[¬٩]- سقط من ز، خ.\n[¬١٠]- ما بين المعكوفين في ز: \"وأعطونا علي ذلك\".\n[¬١١]- سقط من ز.\n[¬١٢]- في ز، خ: وبدا.","vol":"13","page":118},{"text":"قال: فضنّ الرجل بأبيه. قال [¬١]: ونفذت القضية، فلما فرغا من الكتاب، وكان رسول الله ﷺ يصلي في الحرم، وهو مضطرب في الحل، قال: فقام رسول الله ﷺ فقال: \"يا أيا الناس، انحروا واحلقوا\". قال: فما قام أحد. قال: ثم عاد بمثلها، فما قام رجل [حتى عاد ﷺ بمثلها، فما قام رجل] [¬٢].\nفرجع رسول الله، ﷺ، فدخل علي أم سلمة فقال: \"يا أم سلمة، ما شأن الناس؟ \". قالت: يا رسول الله قد دخلهم ما رأيت، فلا تُكلِّمنَّ منهم إنسانًا، واعمد إلي هديك حيث كان فانحره واحلق، فلو قد فعلت ذلك فعل الناس ذلك، فخرج رسول الله ﷺ لا يكلم أحدًا حتى أتى هديه فنحره، ثم جلس فحلق، قال: فقام الناس ينحرون ويحلقون. قال: حتى إذا كان بين مكة والمدينة في وسط الطريق نزلت سورة الفتح.\nهكذا ساقه أحمد من هذا الوجه، وهكذا رواه يونس بن بكير وزياد البكائي عن ابن إسحاق بنحوه وفيه إغراب. وقد رواه أيضًا عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، به نحوه، وخالفه في أشياء. وقد رواه البخاري ﵀ في صحيحه، فساقه سياقة حسنة مطولة بزيادات جيده، فقال في كتاب الشروط من صحيحه (^٦٤):\nحدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، أخبرني الزهري، أخبرني عروة بن الزبير، عن المشور بن مخرمة ومَروان بن الحكم، يصدّق كل واحد منهما حديث صاحبه، قالا: خرج رسول الله ﷺ زَمَن الحديبية في بضع عشرة مائة من أصحابه، فلما أتي ذا الحليفة قَلَّدَ الهدي وأشعره، وأحرم منها بعُمرة وبعث عينًا له من خزاعة [¬٣]، وسار حتى إذا كان بغدير الأشطاط [¬٤] أتاه عينه فقال: إن قريشًا قد جَمَعوا لك جموعًا، وقد جمعوا لك الأحابيش وهم مقاتلوك وصادوك ومانعوك. فقال: \"أشيروا -أيا الناس- عليّ، أترون أن نميل على عيالهم. وذراريّ هؤلاء الذين يريدون أن يصدونا عن البيت؟ \" - وفي لفظ: \"أترون أن نميل على ذراري هؤلاء الذين أعانوهم. [فإن يأتونا كان الله قد قطع عُنقًا من المشركين وإلا تركناهم محزونين\". وفي\n_________\n(^٦٤) - صحيح البخاري في الشروط، باب الشروط في الجهاد والمصالحة مع أهل الحرب وكناية الشروط، حديث (٢٧٣١، ٢٧٣٢) وانظر التخريج السابق.\n_________\n[¬١]- سقط من خ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفين سقط من ز، خ.\n[¬٣]- في خ: جماعة.\n[¬٤]- في ز: الأشظاظ.","vol":"13","page":119},{"text":"لفظ] [¬١]: \"فإن قعدوا قعدوا موتورين مجهودين [¬٢] محرُوبين [¬٣] وإن نجوا [¬٤] يكن عُنقًا قطعها الله، أم تَرَون أن نَؤُمّ البيت فمن صَدّنا عنة قاتلناه [¬٥]؟ \". فقال أبو بكر: يا رسول الله؛ خرجت عامدًا لهذا البيت لا تريد قتل أحد ولا حربًا. فتوجه له، فمن صدنا عنه قاتلناه- وفي لفظ: فقال أبو بكر ﵁: الله ورسوله أعلم [¬٦] إنما جئتنا معتمرين، ولم نجئ لقتال أحد، ولكن مَن حال بيننا وبين البيت قاتلناه. فقال النبي ﷺ: \"فروحوا إذن\". وفي لفظ: \"فامضوا على اسم الله\".\nحتى إذا كانوا ببعض الطريق، قال النبي ﷺ: \"إن [¬٧] خالد بن الوليد في خيل لقريش طليعة، فخدوا ذات اليمين\". فوالله ما شعر بهم خالد حتى إذا هم بقَتَرة الجيش، فانطلق يركض نذيرًا لقريش، وسار النبي ﷺ حتى إذا كان بالثنية التي يُهبَطُ عليهم منها، بَرَكت به راحلته، فقال الناس: حَلْ حَلْ، فَألحت، فقالوا: خلأت القصواء، خلأت القصواء، فقال النبي ﷺ: \"ما خلأت القصواء، وما ذاك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل\". ثم قال: \"والذي نفسي بيده، لا يسألوني خُطَّة يعظمون فيها حرمات الله، إلا أعطيتهم إياها\". ثم زجرها فوثبت، فعدل عنهم حتى نزل بأقصى الحُديبية على ثَمَدٍ قليل الماء يتبرّضه الناس تَبَرّضًا، فلم يلبث [¬٨] الناس حتى نزحوه، وشُكي إلى رسول الله ﷺ العطش، فانتزع من كنانته سهمًا ثم أمرهم أن يجعلوه فيه، فوالله ما زال يجيش لهم بالرّي حتى صدروا عنه. فبينما هم كذلك إذ جاء بُديل بن ورقاء الخزاعي في نفر من قومه من خزاعة، وكانوا عَيْبَة [¬٩] نصح رسول الله من أهل تهامة، فقال: إني تركت كعب بن لؤي وعامر بن لؤي، نزلوا أعدادًا [¬١٠] مياه الحديبية معهم العُوذ المطافيل، وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت. فقال النبي ﷺ: \"إنا لم نجئ لقتال أحد، ولكن جئنا معتمرين، وإن قريشًا قد نَهَكَتْهُم الحرب فأضرت بهم، فإن شاءوا ماددتهم [¬١١] مُدة ويخَلّوا بيني وبين الناس، فإن أظهر، فإن فاءوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا، وإلا فقد جَمّوا [¬١٢]، وإن هم أبوا فوالذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي، و[¬١٣] لينفذن الله أمره\". قال بُديل: سأبلغهم [¬١٤] ما تقول. فانطلق حتى أتى\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفين بياض في ز. وسقط من خ.\n[¬٢]- في ز: مجهورين.\n[¬٣]- سقط من خ.\n[¬٤]- في ز: بياض. وسقط من خ.\n[¬٥] في ز: قاتلنا.\n[¬٦]- في ت، خ: علم.\n[¬٧] في خ: أتى.\n[¬٨]- في ز: يلبثه.\n[¬٩]- في ز، خ: عبيد.\n[¬١٠]- في ت: أعداد.\n[¬١١]- في ز: مادوتهم.\n[¬١٢]- في ز: حموا.\n[¬١٣] في خ: أو.\n[¬١٤]- في ز: سأسمعهم.","vol":"13","page":120},{"text":"قريشًا فقال: إنا قد جئنا من عند هذا الرجل، وسمعناه يقول. قولًا، فإن شئتم أن نعرضه عليكم فعلنا. فقال سفهاؤهم: لا حاجة لنا أن تخبرنا عنه بشيء. وقال ذوو الرأي منهم: هات ما سمعته يقول. قال: سمعته يقول كذا وكذا، فحدثهم بما قال رسول الله ﷺ، فقام عروة بن مسعود فقال: أي قوم، ألستم بالوالد؟ قالوا: بلى. قال: أو لست بالولد؟ قالوا: بلى. قال: فهل تتهموني؟ قالوا: لا. قال: ألستم تعلمون أني استَنْفَرْتُ أهل عكاظ، فلما بَلَّحوا عليّ جئتكم بأهلي وولدي ومن أطاعني؟ قالوا: بلى. قال: فإن هذا قد عَرض عليكم خُطة رُشد فاقبلوها ودعوني آته. قالوا: ائته. فأتاه فجعل يكلم رسول الله ﷺ، فقال النبي ﷺ له نحوًا من قوله لبُديل بن ورقاء. فقال عروة عند ذلك: أي محمد، أرأيت إن استأصلت أمر قومك، هل سمعت بأحد من العرب اجتاح أصله قبلك؟ وإن تك الأخري فإني والله لأري وجوهًا، وإني لأري أشوابًا من الناس خليقًا أن يفروا ويَدَعوك. فقال له أبو بكر ﵁: امصص بَظْر اللات أنحن نفرّ وندعه؟! قال: من ذا؟ قالوا: أبو بكر. قال: أما والذي نفسي بيده لولا يَد كانت [¬١] لك عندي لم أجزك بها، لأجبتك. قال: وجعل يكلم النبي، ﷺ، فكلما كلمه أخذ بلحيته، والمغيرة بن شعبة ﵁ قائم على رأس النبي ﷺ ومعه السيف وعليه المغْفَر، فكلما أهوى عروة بيده إلى لحية النبي ﷺ ضرب يده بنعل السيف، وقال له [¬٢]: أخِّرْ يدك عن لحية النبي ﷺ. فرفع عروة رأسه وقال: من هذا؟ قال: المغيرة بن شعبة. فقال: أي غُدر، ألست أسعى في غَدْرتك؟! وكان المغيرة بن شعبة صحب قومًا في الجاهلية فقتلهم وأخذ أموالهم، ثم جاء فأسلم. فقال: النبي ﷺ: \"أما الإِسلام فَأقبلُ، وأما المالُ فلست منه في شيء\". ثم إن عروة جعل يَرمُق أصحاب [¬٣] النبي ﷺ بعينيه، قال: فوالله ما تنخم رسول الله نُخامة إلا وقعت في كف رجل منهم، فَدلَك بها وجهه وجلْده، وإذا أمَرَهم ابتدَرُوا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وَضُوئه، وإذا تكلم خَفَّضوا أصواتهم عنده، وما يُحدون النظر إليه، تعظيمًا له ﷺ. فرجع عروة إلى أصحابه فقال: أيْ قوم، والله لقد وفدت على الملوك، ووفدت [¬٤] على كسرى وقيصر والنجاشي، والله إنْ رأيت مَلِكًا قط يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد محمدًا، والله إن تنخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم، فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وَضُوئه، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، وما يُحدون النظر إليه تعظيمًا له. وإنه قد عَرَض عليكم خُطة\n_________\n[¬١]- سقط من ز.\n[¬٢]- سقط من ز، خ.\n[¬٣]- سقط من خ.\n[¬٤]- في ز: وفدت.","vol":"13","page":121},{"text":"رشْد فاقبلوها. فقال رجل منهم من بني كنانة: دعوني آته. فقالوا: ائته. فلما أشرف على النبي ﷺ وأصحابه قال النبي ﷺ: \"هذا فلان، وهو من قوم يعظمون البُدْن، فابعثوها له\"، فبُعثَتْ له، واستقبله الناس يُلَبّون، فلما رأى ذلك قال: سبحان الله! ما ينبغي لهؤلاء أن يصدوا عن البيت. فلما رجع إلى أصحابه قال: رأيت البُدْن قد قُلَّدت وأشْعرَت، فما أرى أن يُصَدُّوا عن البيت. فقام [¬١] رجل منهم يقال له: \"مكْرَز بن حفص\"، فقال: دعوني آته. فقالوا: ائته. فلما أشرف عليهم قال النبي ﷺ: \"هذا مكرز، وهو رجل فاجر [¬٢] \". فجعل يكلم النبي ﷺ فبينما هو يكلمه إذ جاء سهيل بن عمرو.\nوقال معمر: أخبرني أيوب، عن عكرمة أنه قال: لما جاء سهيل بن عمرو قال النبي ﷺ: \"قد سَهُل لكم من أمركم\".\nقال معمر: قال الزهري في حديثه: فجاء سهيل بن عمرو فقال: هات اكتب بيننا وبينك كتابًا. فدعا النبي ﷺ الكاتب فقال النبي ﷺ: \"اكتب [¬٣] بسم الله الرحمن الرحيم\". فقال سهيل: أما \"الرحمن\" فوالله ما أدري ما هو؟، ولكن اكتب: باسمك اللهم، كما كنت تكتب. فقال المسلمون: والله لا [¬٤] نكتبها إلا: \"بسم الله الرحمن الرحيم\". فقال النبي ﷺ: \"اكتب: باسمك اللَّهم\". ثم قال: هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله\". فقال سهيل: والله لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك، ولكن اكتب: محمد بن عبد الله\". فقال النبي ﷺ: \"والله إني لرسول الله وإن كذبتموني. اكتب محمد بن عبد الله\". قال الزهري: وذلك لقوله: \"والله لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها\". فقال له النبي ﷺ: \"على أن تخلوا بيننا وبين البيت فنطوف به\". فقال سهيل: والله لا تتحدث العرب أنا أخذْنَا ضُغْطَة، ولكن ذلك من العام المقبل. فكتب، فقال سهيل: وعلى أنه لا يأتيك منا رجل وإن كان على دينك إلا رددتَه إلينا. فقال المسلمون: سبحان الله! كيف يُرَد إلى المشركين وقد جاء مسلمًا؟! فبينما هم كذلك إذ جاء أبو جندل بن سهيل بن عمرو يرسُفُ في قيوده، قد خرج من أسفل مكة حتى رمى بنفسه بين أظهر [¬٥] المسلمين، فقال سهيل: هذا يا محمد أول من أقاضيك عليه أن تَرُدّه إليّ. فقال النبي ﷺ \"إنا لم نقْضِ الكتاب بعد\". قال: فوالله إذا لا أصالحك على شيء أبدًا. فقال النبي ﷺ:\n_________\n[¬١]- في ت: فقال:\n[¬٢]- في خ: تاجر.\n[¬٣]- سقط من ت.\n[¬٤]- في ز: ما.\n[¬٥]- سقط من خ.","vol":"13","page":122},{"text":"\"فَأجزْه لي\". فقال: ما أنا بمجيز ذلك لك. مَال: \"بل [¬١] فافعل\". قال: ما أنا بفاعل. قال مكْرَز: بلى قد أجزناه لك. قال أبو جندل: أي معشر المسلمين، أُرَدّ إلى المشركين وقد جئت مسلمًا؟ ألا ترون ما قد لقيت؟! وكان قد عُذِّب عذابًا شديدًا في الله ﷿. قال عمر ﵁: فأتيت نبي الله ﷺ فقلتُ: ألستَ نبي الله حقًّا؟ قال ﷺ: \"بلى\". قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: \"بلى\". قلت: فلم نعطي الدنية في ديننا إذًا؟ قال: إني رسول الله؛ ولستُ أعصيه، وهو ناصري. قلت: أولست كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت ونطوف به؟ قال: \"بلى، أفأخبرتك [¬٢] أنا نأتيه العام؟ \". قلت: لا. قال: \"فإِنك آتيه ومُطَّوِّف به\". قال: فأتيت أبا بكر فقلت: يا أبا بكر؛ أليس هذا نبي الله حقًّا؟ قال: بلى. قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: بلى. قلت.: فلم نعطي الدنية في ديننا إذًا؟ قال: أيها الرجل؛ إنه رسول الله، وليس يعصي ربه، وهو ناصره، فاستمسك بغَرْزه، فوالله إنه على الحق. قلت: أو ليس كان يحدثنا أنا سنأتي البيت ونطوف به؟ قال: بلى. قال: [أفأَخبرك أنك تأتيه] [¬٣] العام؟ قلت: لا. قال: فإنك تأتيه وتطوف به.\nقال الزهري: قال عمر: فعملت لذلك أعمالًا. قال: فلما فرغ من قضية الكتاب قال رسول الله ﷺ لأصحابه: \"قواموا فانحروا ثم احلقوا\". قال: فوالله ما قام منهم رجل حتى قال ذلك ثلاث مرات!! فلما لم يقم منهم أحد دخل علي أم سلمة، فذكر لها ما لقي من الناس، قالت له أم سلمة: يا نبي الله؛ أتحب ذلك؟ اخرج ثم لا تكلم أحدًا منهم كلمة حتى تنحر كدنك وتدعو حالقك فيحلقك. فخرج فلم يكلم أحدًا منهم حتى فعل ذلك، نحر بدنه، ودعا حالقه فحلقه، فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا وجعل بعضهم يحلق بعضًا، حتى كاد بعضهم يقتل بعضا غمًّا، ثم جاءه نسوة مؤمنات، فأنزل الله ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ﴾ حتى بلغ: ﴿بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾. فطلّق عمر يومئذ امرأتين كانتا له في الشرك، فتزوج إحداهما معاوية بن أبي سفيان، والأخري صفوان بن أمية. ثم رجع النبي ﷺ إلي المدينة فجاءه أبو بصير -رجل من قريش- وهو مسلم، فأرسلوا في طلبه رجلين، فقالوا: العهدَ الذي جعلت لنا؟. فدفعه إلى الرجلين فخرجا به حتى بلغا ذا الحليفة، فنزلوا يأكلون من تمر لهم، فقال أبو بصير لأحد الرجلين: والله إني لأري سيفك هذا يا فلان جيدًا. فاستلَّه الآخر. فقال: أجَل والله إنه لجيد، لقد جَرّبت منه ثم جربت. فقال أبو بصير: أرني أنظر\n_________\n[¬١]- في ز: بلى.\n[¬٢]- في ز: فأخبرتك.\n[¬٣]- في ز: فأخبرك أنه يأتيه\".","vol":"13","page":123},{"text":"إليه. فأمكنه منه فضربه حتى بَرَد، وفرّ الآخر حتى أتي المدينة، فدخل المسجد يعدو، فقال رسول الله ﷺ حين رآه: \"لقد رأي هذا ذُعْرًا\". فلما انتهي إلي النبي ﷺ قال: قُتل والله صاحبي، وإني لمقتول. فجاء أبو بصير فقال: يا رسول الله؛ قد -والله -أو في الله ذمتك، قد رددتني إليهم ثم نجاني الله منهم. فقال النبي ﷺ: \"ويل أمّه مِسْعَرُ حرب! لو كان له أحد\". فلما سمع ذلك عرف أنه سيرده إليهم، فخرج حتى أتي سيفَ البحر: قال: وتفلت منهم أبو جندل بن سهيل، فلحق بأبي بصير، فجعل لا يخرج من قريش رجل قد أسلم إلا لحق بأبي بصير، حتى اجتمعت منهم عصابة، فوالله ما يسمعون بعِيرٍ خرجت لقريش إلي الشام إلا اعترضوا لها فقتلوهم، وأخذوا أموالهم. فأرسلت قريش إلي النبي ﷺ تناشده الله والرحم لمَّا أرسل إليهم: \"فمن أتاه منهم فهو آمن\". فأرسل النبي ﷺ إليهم وأنزل الله ﷿: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ﴾ حتى بلغ: ﴿حمية الجاهلية﴾، وكانت حميتهم أنهم لم يُقروا أنه رسول الله، ولم يقروا ببسم الله الرحمن الرحيم، وحالوا بينهم وبين البيت.\nهكذا ساقه البخاري هاهنا. وقد أخرجه في التفسير. وفي عُمرة الحديبية، وفي الحج، وغير ذلك من حديث معمر وسفيان بن عيينة، كليهما [¬١] عن الزهري به. ووقع في بعض الأماكن عن الزهري، عن عروة، عن [¬٢] مروان والمسور، عن رجال من أصحاب النبي ﷺ بذلك. وهذا أشبه والله أعلم. ولم يسقه أبسط من هاهنا، وبينه وبين سياق ابن إسحاق تباين في مواضع، وهناك فوائد ينبغي إضافتها إلي ما هاهنا، ولذلك سقنا تلك الرواية وهذه، والله المستعان وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله العزيز الحكيم.\nوقال البخاري في التفسير (^٦٥): حدثنا أحمد بن إسحاق السّلَمي، حدثنا يعلى، حدثنا عبد العزيز بن سياه، عن حبيب بن أبي ثابت؛ قال: أتيت أبا وائل أسأله فقال: كنا بصفين فقال رجل: ألم تر إلى الذين يدعون إلي كتاب الله؟ فقال علي بن أبي طالب: نعم. فقال سهل بن حُنَيف: اتّهمُوا [¬٣] أنفسكم، فلقد رأيتنا يوم الحديبية -يعني الصلح الذي كان بين النبي ﷺ و[بين] [¬٤] المشركين- ولو نرى قتالًا لقاتلنا،\n_________\n(^٦٥) - صحيح البخاري كتاب التفسير، باب: (إذ يبايعونك تحت الشجرة) حديث (٤٨٤٤)، وأخرجه البخاري أيضًا في الجزية والموادعة، حديث (٣١٨٢) ومسلم في الجهاد والسير، حديث (١٧٨٥) والنسائي في التفسير (٥٢٤) من طريق عبد العزيز بن سيارة به وأخرجه البخاري في (٤١٨٩ - ٧٣٠٨)، ومسلم في (١٧٨٥) من طرق عن أبي وائل به.\n_________\n[¬١]- في ز: كلاهما.\n[¬٢]- في ز: بن.\n[¬٣]- في ز: إنهم.\n[¬٤]- سقط من ت.","vol":"13","page":124},{"text":"فجاء عمر فقال: ألسنا علي الحق وهم علي الباطل؟ أليس قتلانا فِي الجنة وقتلاهم في النار؟ فقال: \"بلى\". قال: ففيم نُعطي الدنية في ديننا ونرجع ولَمَّا يحكم الله بيننا؟ فقال: \"يا بن الخطاب؛ إني رسول الله، ولن يضيعني الله أبًدا\". فرجع مُتَغَيّظًا فلم يصبر حتى جاء [¬١] أبا بكر فقال: يا أبا بكر؛ ألسنا علي الحق وهم علي الباطل؟ فقال: يا بن الخطاب؛ إنه رسول الله، ولن يضيعه الله [¬٢] أبدًا. فنزلت سورة الفتح.\nوقد رواه البخاري أيضًا في مواضع أخر، ومسلم والنسائي من طرق أخر عن أبي وائل سفيان [¬٣] بن سلمة، عن سهيل [¬٤] بن حنيف به. وفي بعض ألفاظه: يا أيها الناس؛ اتهموا الرأي، فلقد رأيتني يوم أبي جندل ولو أقدر علي أن أرد علي رسول الله ﷺ أمره لرددته. وفي رواية: فنزلت سورة الفتح، فدعا رسول الله ﷺ عمر بن الخطاب فقرأها عليه.\nوقال الإِمام أحمد (^٦٦): حدثنا عفان، حدثنا حماد، عن ثابت، عن أنس أن قريشا صالحوا النبي ﷺ فيهم سهيل [¬٥] بن عمرو، فقال النبي ﷺ لعليّ: \"اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم\". فقال سهيل: لا ندري، ما بسم الله الرحمن الرحيم، ولكن اكتب ما نعرف: باسمك اللَّهم. فقال: \"اكتب من محمد رسول الله\". قال: لو نعلم [¬٦] أنك رسول الله لاتبعناك، ولكن اكتب اسمك واسم أبيك. فقال النبي ﷺ: \"اكتب من محمد بن عبد الله\". واشترطوا على النبي ﷺ أن من جاء منكم لا [¬٧] نرده عليكم، ومن جاءكم [¬٨] منا رددتموه علينا. فقال: يا رسول الله؛ أنكتب [¬٩] هذا؟ قال: \"نعم، إنه من ذهب منا إليهم فأبعده الله\". رواه مسلم من حديث حماد بن سلمة به [¬١٠].\nوقال أحمد أيضًا (^٦٧): حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا عكرمة بن عمار\n_________\n(^٦٦) - المسند (٣/ ٢٦٨)، وأخرجه مسلم في الجهاد والسير، حديث (١٧٨٤) عن أبي بكر بن أبي شيبة عن عفان به.\n(^٦٧) - المسند (١/ ٣٤٢)، وأخرجه النسائي في الكبرى كما في تحفة الأشراف (٥٦٨٠) عن عمرو بن علي الفلاس عن عبد الرحمن بن مهدي به.\n_________\n[¬١]- في ز: \"أتي.\n[¬٢]- سقط من ز، خ.\n[¬٣]- كذا في كل الأصول سفيان، ولعل الصواب: شقيق.\n[¬٤]- في ز، خ: سهل.\n[¬٥]- في خ: سهل.\n[¬٦]- في ز: علمنا.\n[¬٧] في ز: لم.\n[¬٨]- في خ: جاء.\n[¬٩]- في ت: أتكتب.\n[¬١٠]- سقط من خ.","vol":"13","page":125},{"text":"قال [¬١]: حدثني سماك، عن عبد الله بن عباس قال: لما خرجت الحرورية اعتزلوا [¬٢]، فقلت لهم: إن رسول الله ﷺ يوم الحديبية صالح المشركين، فقال لعليّ: \"اكتب يا عليّ؛ هذا ما صالح عليه محمد رسول الله\". قالوا: لو نعلم أنك رسول الله ما قاتلناك. فقال رسول الله: \"امح يا علي؛ اللهم؛ إنك تعلم أني رسولك، امح يا عليّ واكتب: هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله\". والله لرسول الله خير من علي، وقد محا نفسه، ولم يكن محوه ذلك يمحاه من النبوة، أخرجت من هذه؟ قالوا: نعم.\nورواه أبو داود من حديث عكرمة بن عمار اليمامي، بنحوه.\nوروي الإِمام أحمد (^٦٨)، عن يحيى بن آدم: [حدثنا زهير] [¬٣] عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن الحكم، عن مقْسم، عن ابن عباس ﵄؛ قال: نحر رسول الله ﷺ يوم الحديبية سبعين بدنة فيها جمل لأبي جهل، فلما صُدّت عن البيت حَنَّت كما تَحِنّ إلي أولادها.\n﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا (٢٧) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (٢٨)﴾\nكان رسول الله ﷺ قد أُرِيَ في المنام أنه دخل مكة وطاف [] [¬٤] بالبيت، فأخبر أصحابه بذلك وهو بالمدينة، فلما ساروا عام الحديبية لم يشك جماعة منهم أن هذه الرؤيا تتفسر هذا العام، فلما وقع ما وقع من قضية الصلح، ورجعوا عامهم ذلك علي أن يعودوابن قابل، وقع في نفوس بعض الصحابة من ذلك شيء، حتى سأل عمر بن الخطاب ﵁ في ذلك، فقال له فيما قال: أفلم تكن تخبرنا أنا سنأتي البيت ونطوف به؟ قال: \"بلى، [] [¬٥] أفأخبرتك أنك تأتيه [¬٦] عامك هذا؟ \". قال: لا، قال: \"فإنك آتيه ومُطَّوِّف به\". وبهذا أجاب الصديق، ﵁، أيضًا حَذْو [القُذَّة\n_________\n(^٦٨) - المسند (١/ ٣١٤) وقد حسن إسناده العلامة أحمد شاكر في تعليقه علي المسند.\n_________\n[¬١]- سقط من خ.\n[¬٢]- في ز: اعزلوا.\n[¬٣]- في ز، خ: عن ابن نمير.\n[¬٤]- في ز: بها.\n[¬٥]- في ز: قال.\n[¬٦]- في ز: آتيه.","vol":"13","page":126},{"text":"بالقُذّة] [¬١]. ولهذا قال تعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾: هذا لتحقيق الخبر وتوكيده، وليس هذا من الاستثناء في شيء، ﴿آمنين﴾ أي: في حال دخولكم. وقوله: ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾، حال مقدرة، لأنهم في حال حرمهم لم يكونوا محلقين ومقصرين، وإنما كان هذا في ثاني الحال، كان منهم من حلق رأسه ومنهم من قصره.\nوثبت في الصحيحين (^٦٩) أن رسول الله ﷺ قال: \"رحم الله المحلقين\". قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟ قال: \"رحم الله المحلقين\". قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟ قال: \"رحم الله المحلقين\". قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟ قال: \"والمقصرين في الثالثة أو الرابعة.\nوقوله: ﴿لَا تَخَافُونَ﴾: حال مؤكدة في المعنى، فأثبت لهم الأمن حال الدخول، ونفى عنهم الخوف حال استقرارهم في البلد لا يخافون من أحد. وهذا كان في عمرة القضاء في ذي القعدة سنة سبع، فإن النبي ﷺ لما رجع من الحديبية في ذي القعدة رجع إلي المدينة فأقام بها ذا الحجة والمحرم، وخرج في صفر إلي خيبر ففتحها الله عليه بعضها عَنوة وبعضها صلحًا، وهي إقليم عظيم كثير النخيل [¬٢] والزروع، فاستخدم من فيها من اليهود عليها علي الشطر، وقسمها بين أهل الحديبية وحدهم، ولم يشهدها أحد غيرهم إلا الذين قدموا من الحبشة، جعفر بن أبي طالب وأصحابه، وأبو موسى الأشعري وأصحابه، ولم يغب منهم أحد -قال ابن زيد: إلا ألا دجانة [سماك بن خرشة] [¬٣]، كما هو مقرر في موضعه- ثم رجع إلي المدينة. فلما كان في ذي القعدة سنة سبع خرج إلي مكة معتمرًا هو وأهل الحديبية، فأحرم من ذي الحُلَيفة، وساق معه الهَدْي، قيل: كان ستين بدنة. فَلَبَّي وسار وأصحابه يُلَبّون. فلما كان قريبا من مَرّ الظهران بعث محمد بن مسلمة بالخيل والسلاح أمامه. فلما رآه المشركون رُعبوا رعبًا شديدًا وظنوا [¬٤] أن رسول الله ﷺ يغزوهم، وأنه قد نكث العهد الذي بينه ولعنهم من وضع القتال عشر سنين، وذهبوا فأخبروا أهل مكة، فلما جاء رسول الله ﷺ فنزل بمر [¬٥] الظهران حيث ينظر إلي أنصاب الحرم بعث السلاح من [¬٦] القسي والنبل والرماح إلي بطن يَأجج، وسار إلي مكة بالسيوف مغمدة في قربها، كما شارطهم عليه. فلما كان في أثناء\n_________\n(^٦٩) - تقدم في تفسير سورة البقرة عن الآية (١٩٦).\n_________\n[¬١]- في خ: بعده.\n[¬٢]- في ت: النخل.\n[¬٣]- بياض في ز، خ.\n[¬٤]- في ز: فظنوا.\n[¬٥]- في ز: مر.\n[¬٦]- في ز: مع.","vol":"13","page":127},{"text":"الطريق بعثت قريش مكرز بن حفص فقال: يا مُحمد، ما عرفناك تنقض العهد. قال: \"وما ذاك؟ \" قال: دخلت علينا بالسلاح والقسي والرماح. فقال: \"لم يكن [¬١] ذلك، وقد بعثنا به إلى يأجج\". فقال: بهذا عرفناك، بالبر والوفاء. وخرجت رءوس الكفار من مكة لئلا ينظروا إلى رسول الله ﷺ وإلى أصحابه غيظًا وحنقًا. وأما بقية أهل مكة بن الرجال والنساء والولدان فجلسوا في الطرق وعلى البيوت ينظرون إلى رسول الله ﷺ وأصحابه، فدخلها ﵊ وبين يديه أصحاله يُلبّون، والهدي قد بعثه إلى ذي طُوَى وهو راكب ناقته القصواء [¬٢] التي كان راكبها يوم الحديبية، وعبد الله بن رَوَاحة الأنصاري آخد بزمام ناقة رسول الله ﷺ يقودها، وهو يقول:\nباسْم الذي لا دينَ إلا دينُهُ … باسْم الذي محمدٌ رَسُولُه\nخَلّوا بَني الكُفَّار عَنْ سَبِيله … اليَوْمَ نَضْربكُم عَلَى تَأويله\nكَمَا ضَرَبْنَاكُم عَلى تَنْزِيله … ضَرْبًا يُزِيلُ الهَام عَنْ مَقِيله\nوَيُذْهِلُ الخَلِيلَ عَن خليله … قَدْ أنْزَل الرّحْمَنُ في تَنْزِيله\nفي صُحُف تُتْلَى عَلى رَسُوله … بِأَن خَير القَتْل في سَبِيله\nيا رَب إني مُؤمنٌ بقِيله\nفهذا مجموع من روايات متفرقة.\nقال يونس بن بكير (^٧٠)، عن محمد بن إسحاق: حدثني عبد الله بن أبي بكر بن حزم قال: لما دخل رسول الله ﷺ مكة في عُمرة القضاء، دخلها وعبد الله بن رواحة آخذ بخطام ناقته ﷺ، وهو يقول:\nخَلّوا بَني الكُفّار عَنْ سَبِيله … إنّي شَهيدٌ أنه رَسُولُه\nخَلّوا فَكلّ الخير في رَسُوله … يَارَبّ إنّي مُؤْمنٌ بقيله\nنَحن قَتَلْنَاكُم عَلى تَأويله … كَمَا قَتَلْنَاكُمْ عَلَى تَنْزِيله\nضَربًا يُزِيل الهَام عَنْ مَقيله … وَيُذهلُ الخَليلَ عَن خَلِيله\nوقال عبد الرزاق (^٧١): أخبرنا معمر، عن الزهري، عن أنس بن مالك؛ قال: لما دخل رسول الله ﷺ مكة في عمرة [¬٣] القضاء، مشى عبد الله بن رواحة بين\n_________\n(^٧٠) - سيرة ابن هشام (٣/ ٣٢٠ - ٣٢١)، ومن طريقه أخرجه البيهقي في دلائل النبوة (٤/ ٣٢٣).\n(^٧١) - أخرجه البيهقي في دلائل النبوة (٤/ ٣٢٢) بسنده إلى عبد الرزاق به.\n_________\n[¬١]- سقط من ز، خ\n[¬٢]- في ز: القصوى.\n[¬٣]- في ز، خ: غزوة.","vol":"13","page":128},{"text":"يديه، وفي رواية: وابن رواحة آخذ بغَرْزه، وهو يقول:\nخَلّوا بَنِي الكُفَّار عَن سَبيله … قَدْ نَزل الرّحْمَنُ في تنزِيله\nبأَنّ خَير القَتْل في سَبيله … يارَبّ إنّي مُؤمنٌ بقيله\nنَحن قَتَلنَاكمْ عَلى تَأويله … كَمَا قَتَلنَاكُم عَلى تَنزِيله\nضَربّا يُزِيل الهَام عَنْ مَقيله … ويُذْهِل الخَليل عَنْ خَليله\nوقال الإمام أحمد (^٧٢): حدثنا محمد بن الصباح، حدثنا إسماعيل -يعني ابن زكريا - عن عبد الله -يعني ابن عثمان- عن أبي الطفيل، عن ابن عباس، أن رسول الله ﷺ لما نزل مَرّ الظهران في عمرته، بلغ أصحابَ رسول الله ﷺ أن قريشًا ما يتباعثون من العَجَف، فقال أصحابه: لو انتحرنا [¬١] من ظهرنا فأكلنا من لحمه، وحَسَونا من مَرَقه، أصبحنا غدًا حين ندخل على القوم وبنا جَمَامَة. قال: \"لا تفعلوا ولكن اجمعوا لي من أزوادكم\". فجمعوا له وبسطوا الأنطاع، فأكلوا حتى تركوا، وحثا [¬٢] كل واحد منهم في جرَابه. ثم أقبل رسول الله ﷺ حتى دخل المسجد وقعدت قريش نحو الحجر، فاضطبع [¬٣] بردائه، ثم قال: \"لا يرى القوم فيكم غمير\". فاستلم الركن ثم رمل حتى إذا تغيب بالركن اليماني مشى إلى الركن الأسود، فقالت قريش: ما ترضون بالمشي أما إنكم [لتنقُزُون نَقزَ] [¬٤] الظباء، [ففعل ذلك ثلاثة أشواط] [¬٥]، فكانتْ سُنَّة. قال أبو الطفيل: فأخبرني ابن عباس أن رسول الله ﷺ فعل ذلك في حجة الوداع.\nوقال أحمد أيضًا (^٧٣): حدثنا يونس، حدثنا حماد بن زيد، حدثنا أيوب، عن سعيد [] [¬٦] بن جبير، عن ابن عباس قال: قدم رسول الله ﷺ وأصحابه مكة\n_________\n(^٧٢) - المسند (١/ ٣٠٥)، وأخرجه أيضًا في (١/ ٢٤٧، ٣٠٦، ٢٩٥، ٣١٤)، وأبو داود في المناسك، باب في الرمل حديث (١٨٨٩، ١٨٩٠) - مختصرًا-، وابن ماجه في المناسك باب: الرمل حول البيت، حديث (٢٩٥٣) - مختصرًا- من طريق عبد الله بن عثمان بن خيثم به.\n(^٧٣) - المسند (١/ ٢٩٤)، وأخرجه أحمد في (١/ ٢٩٠) والبخاري في كتاب الحج، باب: كيف كان بدء الرمل؟ حديث (١٦٠٢) ومسلم في كتاب الحج، حديث (١٢٦٦) وأبو داود في كتاب المناسك، باب: في الرمل، حديث (١٨٨٦) والنسائي في مناسك الحج، باب العلة التي من أجلها سعى النبي ﷺ بالبيت (٥/ ٢٣٠ - ٢٣١) من حديث حماد بن زيد به.\n_________\n[¬١]- في خ: استخرنا.\n[¬٢]- في ز: وحسا.\n[¬٣]- في ز: فاضطجع.\n[¬٤]- في ز، خ: لتنقرون نقر.\n[¬٥]- في ز، خ: \"يفعل ذلك ثلاثة أطواف\".\n[¬٦]- في ز: عن.","vol":"13","page":129},{"text":"وقد وَهَنتهم حُمَّى يثرب، ولقوا منها سوءًا، فقال المشركون: إنه يقدم عليكم قوم قد وهنتهم حمى يثرب ولقوا منها شرًّا. وجلس المشركون من الناحية التي تلي الحجر، فأطلع الله نبيه ﷺ على ما قالوا، فأمر رسول الله ﷺ أن يَرمُلوا الأشواط الثلاثة ليرى المشركون جَلَدهم، قال: فرملوا ثلاثة أشواط، وأمرهم أن يمشوا بين الركنين حيث لا يراهم المشركون، ولم يمنع النبي ﷺ أن يرملوا الأشواط كلها إلا إبقاء عليهم، فقال المشركون: أهؤلاء الذين زعمتم أن الحمى قد [¬١] وهنتهم؟ هؤلاء أجلد من كذا وكذا.\nأخرجاه في الصحيحين من حديث حماد بن زيد، به. وفي لفظ: قدم النبي ﷺ وأصحابه صبيحة رابعة، أي من ذي القعدة، فقال المشركون: إنه يقدم عليكم و[قد] [¬٢] قد وهنتهم حمى يثرب. فأمرهم النبي ﷺ أن يرملوا الأشواط الثلاثة، ولم يمنعهم أن يرملوا الأشواط كلها إلا الإِبقاء عليهم.\nقال البخاري (^٧٤): وزاد ابن [¬٣] سلمة -يعني حماد بن سلمة- عن أيوب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس؛ قال: لما قدم النبي ﷺ لعامه الذي استأمن قال: \"ارملوا\". ليُريَ المشركين [¬٤] قوتهم، والمشركون من قبل قُعَيقعَان [¬٥].\nوحدثنا محمد (^٧٥)، حدثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عطاء، عن ابن عباس؛ قال: إنما سعى النبي ﷺ كالبيت وبالصفا والمروة، ليرى المشركون [¬٦] قوته.\nورواه في مواضع أخر، ومسلم والنسائي، من طرق، عن سفيان بن عيينة به.\nوقال أيضًا (^٧٦): حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا سفيان، حدثنا إسماعيل بن أبي خالد سمع ابن أبي أوفى؛ يقول: لما اعتمر رسول الله ﷺ سترناه من غلمان المشركين. ومنهم؛ أن يؤذوا رسول الله ﷺ. انفرد به البخاري دون مسلم.\n_________\n(^٧٤) - صحيح البخاري في المغازي، باب: عمرة القضاء حديث (٤٢٥٦)، وانظر السابق.\n(^٧٥) - صحيح البخاري في المغازي، باب: عمرة القضاء، حديث (٤٢٥٧)، انظر الحديث (٢٨).\n(^٧٦) - صحيح البخاري كتاب المغازي، باب: عمرة القضاء، حديث (٤٢٥٥) وأطراف الحديث عند البخاري في (١٦٠٠، ١٧٩١، ٤١٨٨).\n_________\n[¬١]- سقط من ز، خ.\n[¬٢]- سقط من ز.\n[¬٣]- في ز: أبو.\n[¬٤]- في ز: المشركون.\n[¬٥]- في ز، خ: قيقعان.\n[¬٦]- في ز: المشركين.","vol":"13","page":130},{"text":"وقال البخاري أيضًا (^٧٧): حدثنا محمد بن رافع، حدثنا سُرَيج بن النعمان، حدثنا فُلَيح (ح) [¬١] وحدثني محمد بن الحسين بن إبراهيم، حدثنا أبي، حدثنا فُليح بن سليمان، عن نافع، عن ابن عمر؛ أن رسول الله ﷺ خرج معتمرا، فحال كفار قريش بينه وبين البيت، فنحر هديه وحلق رأسه بالحديبية، وقاضاهم على أن يعتمر العام المقبل، ولا يحمل سلاحًا عليهم إلا سيوفًا، ولا يقيم بها إلا ما أحبوا. فاعتمر من العام المقبل، فدخلها كما كان صالحهم، فلما أن أقام بها ثلاثًا [¬٢] أمروه أن يخرج، فخرج.\nوهو في صحيح مسلم أيضًا.\nوقال البخاري أيضًا (^٧٨): حدثنا عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء؛ قال: اعتمر النبي ﷺ في ذي القعدة، فأبى أهل مكة أن يَدعوه يدخل مكة حتى قاضاهم في أن يُقيم [¬٣] بها ثلاثة أيام، فلما كتبوا الكتاب كتبوا: \"هذا ما قاضانا عليه محمد رسول الله\". قالوا: لا نقر بهذا، ولو نعلم أنك رسول الله ما منعناك شيئًا، ولكن أنت محمد بن عبد الله. قال: \"أنا رسول الله، وأنا محمد بن عبد الله\". ثم قال لعلي بن أبي طالب: \"امحُ رسول الله\". قال: لا، والله لا أمحوك أبدًا؛ فأخذ رسول الله ﷺ الكتاب، وليس يحسن يكتبُ، فكتب: \"هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله: لا يُدْخِلُ مكة السلاحَ إلا السيف في القرَاب، وأن لا يخرج من أهلها بأحد أراد أن يتبعه، وأن لا يمنع من أصحابه أحدًا إن أراد أن يقيم بها\". فلما دخلها ومضى الأجل، أتوا عليًّا فقالوا: قل لصاحبك: اخرج عنا فقد مضى الأجل. فخرج النبي ﷺ فتبعته ابنة حمزة تنادي: يا عمّ يا عمّ. فتناولها عليّ فأخذ بيدها، وقال لفاطمة: دونك ابنةَ عمك. فحملتها [¬٤]، فاختصم فيها علي وزيد وجعفر، فقال عليّ: أنا أخذتها وهي ابنة عمي. وقال جعفر: ابنة عمي وخالتها تحتي. وقال زيد: ابنة أخي. فقضى بها النبي ﷺ لخالتها، وقال: \"الخالة بمنزلة الأم\". وقال لعلي: \"أنت مني وأنا منك\". وقال لجعفر: \"أشبهت خَلقي وخُلُقي\". وقال لزيد: \"أنت أخونا ومولانا\". قال علي: ألا تتزوج ابنة حمزة؟\n_________\n(^٧٧) - صحيح البخاري كتاب الصلح، باب: الصلح مع المشركين، حديث (٢٠٧١)، وفي المغازي، باب عمرة القضاء، حديث (٤٢٥٢) وأخرجه مسلم في الحج، حديث (١٢٢٧) من طريق سالم عن ابن عمر به.\n(^٧٨) - صحيح البخاري في المغازي، باب عمرة القضاء، حديث (٤٢٥١).\n_________\n[¬١]- سقط من خ.\n[¬٢]- سقط من ز، خ.\n[¬٣]- في ز، خ: يقيموا.\n[¬٤]- في ز: فاحتملتها.","vol":"13","page":131},{"text":"قال: \"إنها ابنة أخي من الرضاعة\". انفرد به من هذا الوجه.\nوقوله: ﴿فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ أي فعلم [¬١] الله تعالى من الخيرة والمصلحة في صَرْفكم عن مكة ودخولكم إليها عامكم ذلك ما لم تعلموه أنتم، ﴿فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ﴾ أي: قبل دخولكم الذي وعدتم به في رؤيا النبي ﷺ فتحًا قريبًا، وهو الصلح الذي كان بينكم وبين أعدائكم من المشركين.\nثم قال تعالى مبشرًا للمؤمنين بنصرة الرسول صلوات الله عليه على عدوه وعلى سائر أهل الأرض: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ﴾، أي: بالعلم النافع والعمل الصالح، فإن الشريعة تشتمل على شيئين: علم وعمل، فالعلم الشرعي صحيح، والعمل الشرعي مقبول، فإخباراتها حق وإنشاءاتها عدل، ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾، أي: على أهل جميع الأديان من سائر أهل الأرض، من عرب وعجم، ومليين [¬٢] ومشركين، ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾، أي: أنه رسوله، وهو ناصره.\n﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَينَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٢٩)﴾\nيخبر تعالى عن محمد - صلوات الله وسلامه عليه - أنه رسوله حقًّا بلا شك ولا ريب، فقال: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾، وهذا مبتدأ وخبر [¬٣]، وهو مشتمل على كل وصف جميل. ثم ثنى بالثناء على أصحابه فقال: ﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾، كما قال تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾. وهذه صفة المؤمنين أن يكون أحدهم شديدًا عنيفًا على الكفار، رحيمًا برًّا بالأخيار، غضوبًا عبوسًا في وجه الكافر، ضحوكًا بشوشًا في وجه أخيه المؤمن، كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً﴾. وقال النبي ﷺ: \"مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم\n_________\n[¬١]- في ز: يعلم.\n[¬٢]- في خ: مسلمين.\n[¬٣]- في خ. وخبره.","vol":"13","page":132},{"text":"كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر\". وقال: \"المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا\". وشبك بين أصابعه. كلا الحديثين في الصحيح.\nوقوله: ﴿تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾، وصفهم بكثرة العمل وكثرة الصلاة، وهي خير الأعمال، ووصفهم بالإِخلاص فيها لله ﷿ والاحتساب عند الله جزيل الثواب، وهو الجنة المشتملة على فضل الله، وهو سعة الرزق عليهم، ورضاه تعالى عنهم وهو أكبر من الأول [¬١]، كما قال: ﴿ورضوان من الله أكبر﴾.\nوقوله: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾: قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: سيماهم في وجوههم يعني: السمت الحسن.\nوقال مجاهد وغير واحد: يعني الخشوع والتواضع.\nوقال ابن أبي حاتم (^٧٩): حدثنا أبي، حدثنا علي بن محمد الطنافسي، حدثنا حسين الجعفي، عن زائدة، عن منصور، عن مجاهد: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾، قال: الخشوع. قلت: ما كنت أراه إلا هذا الأثر في الوجه. فقال: ربما كان بين عيني من هو أقسى قلبًا من فرعون.\nوقال السدي: الصلاة تحسن وجوههم.\nوقال بعض السلف: من كثرت صلاته بالليل حَسُن وجهه بالنهار.\nوقد أسنده ابن ماجة في سننه (^٨٠)، عن إسماعيل بن محمد الطّلْحي [¬٢]، عن ثابت بن موسى، عن شريك، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ: \"من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار\". والصحيح أنه [¬٣] موقوف.\nوقال بعضهم: إن للحسنة نورًا [¬٤] في القلب، وضياء في الوجه، وسعة في الرزق، ومحبة في قلوب الناس.\n_________\n(^٧٩) - أخرجه أيضًا الطبري في تفسيره (٢٦/ ١١١)، وانظر الدر المنثور (٦/ ٩١).\n(^٨٠) - سنن ابن ماجه في كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب: ما جاء في قيام الليل، حديث (١٣٣٣)، =\n_________\n[¬١]- في ز: الأولى.\n[¬٢]- في ز: الصالحي.\n[¬٣]- سقط من ز، خ.\n[¬٤]- في ز، خ: لنورًا.","vol":"13","page":133},{"text":"وقال أمير المؤمنين عثمان [¬١]: ما أسر أحد سريرة إلا أبداها الله على صفحات وجهه، وفلتات لسانه.\nوالغرض أن الشيء الكامن في النفس يظهر على صفحات الوجه، فالمؤمن إذا كانت سريرته صحيحة مع الله أصلح الله ظاهره للناس، كما روي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: من أصلح سريرته أصلح الله علانيته.\nوقال [¬٢] أبو القاسم الطبراني: حدثنا محمود بن محمد المروزي، حدثنا حامد بن آدم المروزي، حدثنا الفضل بن موسى، عن محمد بن عبيد الله العَرْزَمي، عن سلمة بن كُهَيل، عن جندَب بن سفيان البجلي؛ قال: قال النبي ﷺ: \"ما أسر أحد سريرة إلا ألبسه الله رداءها، إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر\". العرزمي متروك.\nوقال الإِمام أحمد (^٨١): حدثنا حسن بن موسى، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد، عن رسول الله ﷺ أنه قال: \"لو أن أحدكم يعمل في صخرة صماء ليس لها باب ولا كوة، لخرج عمله للناس كائنًا ما كان\".\nوقال الإِمام أحمد (^٨٢): حدثنا حسن، حدثنا زُهير، حدثنا قابوس بن أبي ظبيان؛ أن أباه حدثه عن ابن عباس، عن النبي ﷺ، قال: \"إن الهدي الصالح، والسمت الصالح، والاقتصاد جزء من خمسة وعشرين جزءًا من النبوة\". ورواه أبو داود عن عبد الله بن محمد النفيلي، عن زهير به.\nفالصحابة، ﵃، خلصت نياتهم وحسنت أعمالهم، فكل من نظر إليهم أعجبوه في سمتهم وهديهم.\nوقال [¬٣] مالك ﵀: بلغني أن النصارى كانوا إذا رأوا الصحابة الذين فتحوا الشام يقولون: \"والله لهؤلاء [¬٤] خير من الحواريين فيما بلغنا [¬٥] \". وصدقوا في ذلك،\n_________\n= وأخرجه العقليي في الضعفاء (١/ ١٧٦) وابن عدي في الكامل (٢/ ٣٠٤)، (٣/ ٢٠١)، والخطيب في التاريخ (١/ ٣٤١) من طريق شريك به وهو حديث لا أصل له، انظر الفوائد البديعة (ص ٣٥).\n(^٨١) - المسند (٣/ ٢٨).\n(^٨٢) - المسند (١/ ٢٩٦)، وأخرجه في (١/ ٢٩٦)، والبخاري في الأدب المفرد (٤٦٨، ٧١٩)، وأبو داود في الأدب، باب: في الوقار حديث (٤٧٧٦) من طرق عن قابوس بن أبي ظبيان به.\n_________\n[¬١]- سقط من ز، خ.\n[¬٢]- في ز: قال.\n[¬٣]- في ز: قال.\n[¬٤]- في ز: هؤلاء.\n[¬٥]- في خ: بلغوا.","vol":"13","page":134},{"text":"فإن هذه الأمة معظمة في الكتب المتقدمة، وأعظمها وأفضلها أصحاب رسول الله ﷺ وقد نوه الله بذكرهم في الكتب المنزلة والأخبار المتداولة؛ ولهذا قال هاهنا: ﴿ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ﴾، ثم قال: ﴿وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ﴾ أي: فراخه، ﴿فَآزَرَهُ﴾ أي: شده ﴿فَاسْتَغْلَظَ﴾ أي: شب وطال ﴿فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ﴾ أي: فكذلك أصحاب محمد ﷺ آزروه وأيدوه ونصروه فهم معه كالشطء مع الزرع، ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾.\nومن هذه الآية انتزع الإِمام مالك ﵀ في رواية عنه - بتكفير الروافض الذين يبغضون الصحابة، قال: لأنهم يغيظونهم، ومن غاظ الصحابة فهو كافر لهذه الآية. ووافقه طائفة من العلماء على ذلك. والأحاديث في فضائل الصحابة والنهي عن التعرض لهم [¬١] بمساءة كثيرة، ويكفيهم ثناء الله عليهم، ورضاه عنهم.\nثم قال: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ﴾، \"من\" هذه لبيان الجنس ﴿مَغْفِرَةً﴾ أي: لذنوبهم، ﴿وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ أي: ثوابًا جزيلًا ورزقًا كريمًا، ووعد الله حق وصدق، لا يُخْلَف ولا يبدل، وكل من اقتفى أثر الصحابة فهو في حكمهم [¬٢]، ولهم [¬٣] الفضل والسبق والكمال الذي لا يلحقهم فيه أحد من هذه الأمة، ﵃ وأرضاهم، وجعل جنات الفردوس مأواهم، وقد فعل.\nقال مسلم في صحيحه (^٨٣): حدثنا يحيى بن يحيى، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة؛ قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبًا، ما أدرك مُدّ أحدهم ولا نَصِيفه\".\nآخر تفسير سورة الفتح، ولله الحمد والمنة.\n. * * *\n_________\n(^٨٣) - صحيح مسلم في فضائل الصحابة، حديث (٢٥٤٠)، وأخرجه أيضًا النسائي في فضائل الصحابة (٢٠٤) وابن ماجه في المقدمة، فضل أهل بدر، حديث (١٦١) من طريق أبي صالح به.\n_________\n[¬١]- سقط من خ.\n[¬٢]- في ز، خ: جملتهم.\n[¬٣]- في ز: وله.","vol":"13","page":135},{"text":"<span data-type='title' id=toc-170>تفسير سورة الحجرات وهي مدنية</span>\n﷽\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَينَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (٢) إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (٣)﴾\nهذه آدابٌ أدّب الله بها عباده المؤمنين فيما يعاملون به الرسول ﷺ من التوقير والاحترام والتبجيل والإعظام، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَينَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ أي: لا تتسرعوا [¬١] في الأشياء بين يديه، أي قبله، بل كونوا تبعًا له في جميع الأمور، حتى يدخل في عموم هذا الأدب الشرعي حديثُ معاذ (^١)، قال له النبي ﷺ حين بعثه إلى اليمن: \"بم تحكم؟ \" قال: بكتاب الله. قال: \"فإن لم تجد؟ \". قال: بسنة رسول الله. قال: \"فإن لم تجد؟ \". قال: أجتهد رأيي. فضرب\n_________\n(^١) - أخرجه أحمد (٥/ ٢٣٠، ٢٤٢) برقم (٢٢١٠٥، ٢٢١٩٩). وأبو داود في كتاب الأقضية (٣/ ٣٠٣). والترمذي في كتاب الأحكام برقم (١٣٢٨) (٥/ ٨)، والبيهقي في السنن (١٠/ ١١٤). وأبو داود الطيالسي في مسنده -كما في منحة المعبود (١/ ٢٨٦) - وابن سعد في الطبقات (٢/ ٢٦٤ - ٢٦٥)، (٣/ ٤٣٨). والعقيلي في الضعفاء الكبير (١/ ٢١٥) في ترجمة الحارث بن عمرو بن أخي المغيرة الثقفي. كلهم من طريق شعبة، عن أبي عون، عن الحارث بن عمرو، عن أصحاب معاذ، عن معاذ. وأخرجه أبو داود (٣٥٩٢)، والترمذي (١٣٢٧)، وأحمد (٥/ ٢٣٦) برقم (٢٢١٦٠) من طريق شعبة ولم يذكرا معاذًا. قال البخاري في تاريخه الكبير (٢/ ٢٧٧): الحارث بن عمرو بن أخي المغيرة بن شعبة الثقفي، عن أصحاب معاذ، عن معاذ، روى عنه أبو عون ولا يصح، ولا يعرف إلا بهذا الإسناد، وهو مرسل. وقال الترمذي: هذا حديث لا نعرفه إلا من هذا الوجه وليس إسناده عندي بمتصل.\nوعلى هذا ففيه ثلاث علل كما ذكر ذلك الحافظ العراقي ونقل ذلك الألباني في الضعيفة برقم (٨٨١) وهي: الأولى: الإرسال. الثانية: جهالة الحارث. الثالثة: جهالة أصحاب معاذ.\n_________\n[¬١]- في ت: لا تسرعوا.","vol":"13","page":136},{"text":"في صدره وقال: \"الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله، لما يرضي رسول الله\". وقد رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه. فالغرض منه أنه أخر رأيه ونظره واجتهاده إلى ما بعد الكتاب والسنة، ولو قدمه قبل البحث عنهما لكان من باب التقديم بين يدي الله ورسوله.\nقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾، لا تقولوا خلاف الكتاب والسنة (^٢).\nوقال العوفي عنه: نهى أن يتكلموا وبين يدي كلامه (^٣).\nوقال مجاهد: لا تفتاتوا على رسول الله ﷺ بشيء حتى يقضي الله على لسانه (^٤).\nوقال الضحاك: لا تقضوا أمرًا دون الله ورسوله في [¬١] شرائع دينكم (^٥).\nوقال سفيان الثوري: ﴿لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ بقول ولا فعل (^٦).\nوقال الحسن البصري: ﴿لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾، قال: لا تدعوا قبل الإِمام.\n_________\n(^٢) - أخرجه الطبري (٢٦/ ١١٦)، وابن المنذر، وابن مردويه، وأبو نعيم في الحلية كما في الدر المنثور للسيوطي (٦/ ٨٥) من طريق علي أبي طلحة، عن ابن عباس.\nقال العلائي في جامع التحصيل: علي بن أبي طلحة؛ قال دحيم: لم يسمع التفسير من ابن عباس.\nوقال أبو حاتم: علي بن أبي طلحة عن ابن عباس مرسل؛ إنما يروى عن مجاهد والقاسم بن محمد.\n(^٣) - أخرجه الطبري (٢٦/ ١١٦) قال: حدثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه عن ابن عباس. ومحمد بن سعد لينه الخطيب كما في المغني في الضعفاء (٢/ ٥٨٤). وعطية بن سعد العوفي، قال في التقريب: صدوق يخطئ كثيرًا، وكان شيعيًّا مدلسًا وبقية الإسناد مجاهيل. والحديث ذكره السيوطي في الدر (٦/ ٨٥) وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس ﵁.\n(^٤) - أخرجه الطبري (٢٦/ ١١٦). والبيهقي في شعب الإيمان (٢/ ١٩٥) (١٥١٦) كلاهما من طريق ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد. وزاد السيوطي في الدر نسبته إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه (٦/ ٨٦).\n(^٥) - أخرجه الطبري (٢٦/ ١١٧) بنحوه.\n(^٦) - أخرجه الطبري (٢٦/ ١١٧) بنحوه.\n_________\n[¬١]- في ت: من.","vol":"13","page":137},{"text":"وقال قتادة: ذكر لنا أن ناسًا كانوا يقولون: لو أنزل في كذا كذا. وكذا لو صنع كذا، فكره الله ذلك وتقدم فيه (^٧).\n﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ أي: فيما أمركم به، ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ﴾ أي: لأقوالكم، ﴿عَلِيمٌ﴾ بنياتكم.\nوقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾: هذا أدب ثانٍ أدَّب الله به المؤمنين أن لا يرفعوا أصواتهم بين يدي النبي ﷺ وقد روي [أنها نزلت] [¬١] في الشيخين أبي بكر وعمر ﵄.\nوقال البخاري (^٨): حدثنا بَسْرَة بن صفوان اللخمي، حدثنا نافع بن عمر، عن ابن أبي مليكة؛ قال: كاد الخيّران أن يَهْلكا، أبو بكر وعمر ﵄ رفعا أصواتهما عند النبي ﷺ حين قدم عليه ركب بني تميم، فأشار أحدهما بالأقرع بن حابس أخي بني مجاشع، وأشار الآخر برجل آخر - قال نافع: لا أحفظ اسمه - فقال أبو بكر لعمر: ما أردتَ إلا خلافي. قال: ما أردتُ خلافك [¬٢]. فارتفعت أصواتهما في ذلك، فأنزل الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ﴾، الآية. قال ابن الزبير: فما كان عمر يُسمعُ رسولَ الله ﷺ بعد هذه الآية حتى يستفهمه [¬٣]، ولم يذكر ذلك عن أبيه؛ يعني أبا بكر ﵁. انفرد له دون مسلم.\nثم قال البخاري (^٩): حدثنا الحسن بن محمد، حدثنا حجاج، عن ابن جرَيج، حدثني ابن أبي مليكة؛ أن عبد الله بن الزبير أخبره؛ أنه قَدم ركب من بني تميم على النبي ﷺ فقال أبو بكر: أمّر القعقاع بن معبد. وقال عمر: بل أمّر الأقرع بن حابس. فقال أبو بكر: ما أردت إلى -أو: إلا- خلافي. فقال عمر: ما أردتُ خلافَك. فتماريا حتى ارتفعت أصواتهما، فنزلت في ذلك: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا\n_________\n(^٧) - أخرجه الطبري (٢٦/ ١١٦ - ١١٧).\n(^٨) - أخرجه البخاري في كتاب التفسير، في تفسير سورة الحجرات، باب: ﴿لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي﴾ برقم (٤٨٤٥) (٨/ ٥٩٠).\n(^٩) - أخرجه البخاري في كتاب التفسير، باب: ﴿إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون﴾ برقم (٤٨٤٧) (٨/ ٥٩٢).\n_________\n[¬١]- في ز: أنه أنزلت.\n[¬٢]- سقط من ز.\n[¬٣]- في ز: يستفهم.","vol":"13","page":138},{"text":"تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾، حتى انقضت الآية، ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ﴾ الآية.\nوهكذا رواه هاهنا منفردًا به أيضًا.\nوقال الحافظ أبو بكر البزار في مسنده (^١٠): حدثنا الفضل بن سهل [¬١]، حدثنا إسحاق بن منصور، حدثنا حصين بن عُمَر، عن مُخارق، عن طارق بن شهاب، عن أبي بكر الصديق قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾، قلت: يا رسول الله، والله؛ لا أكلمك إلا كأخي السّرار.\nحصين بن عمر هذا - وإن كان ضعيفًا - لكن قد رويناه من حديث عبد الرحمن بن عوف، وأبي هريرة، بنحو ذلك، والله أعلم.\nوقال البخاري: حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا أزهر بن سعد، أخبرنا ابن عون، أنبأني موسى بن أنس، عن أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ افتقد ثابت بن قيس، فقال رجل: يا رسول الله؛ أنا أعلم لك علْمه. فأتاه فوجده في بيته مُنَكِّسًا رأسه، فقال له: ما شأنك؟ فقال: شرّ، كان يَرْفَعُ صوته فوق صوت النبي ﷺ، فقد حبط عمله، فهو من أهل النار. فأتى الرجل النبي ﷺ فأخبره أنه قال كذا وكذا. قال موسى: فرجع إليه المرة الآخرة ببشارة عظيمة فقال: \"اذهب إليه فقل له: إنك لست من أهل النار، ولكنك من أهل الجنة\". تفرد به البخاري من هذا الوجه (^١١).\nوقال الإِمام أحمد (^١٢): حدثنا هاشم، حدثنا سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن أنس قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ إلى: ﴿وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾: وكان ثابت بن قيس بن الشماس رفيع الصوت فقال: أنا\n_________\n(^١٠) - أخرجه البزار (٢/ ١٠٦ مختصر زوائد مسند البزار) برقم (١٥٠٥) من طريق حصين بن عمر، وحصين هذا متروك كما في التقريب. والحديث ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ١١١)، وقال: رواه البزار، وفيه حصين بن عمر الأحمسي، وهو متروك، وقد وثقه العجلي، وبقيه رجاله رجال الصحيح.\n(^١١) - أخرجه البخاري في كتاب التفسير، في تفسير سورة الحجرات، باب: ﴿لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي﴾ برقم (٤٨٤٦) (٨/ ٥٩٠).\n(^١٢) - رجاله رجال الشيخين؛ غير هاشم بن القاسم فمن رجال مسلم. والحديث أخرجه أحمد (٣/ ١٣٧) برقم (١٢٤٢١).\n_________\n[¬١]-","vol":"13","page":139},{"text":"الذي كنت أرفع صوتي على رسول الله ﷺ، حبط عملي، أنا من أهل النار، وجلس في أهله حزينًا ففقده رسول الله ﷺ، فانطلق بعض القوم إليه فقالوا له: تفقدك رسول الله ﷺ ما لك؟ قال: أنا الذي أرفع صوتي فوق صوت النبي ﷺ وأجهر له بالقول، حبلى عملي، أنا من أهل النار. فأتوا النبي ﷺ، فأخبروه بما قال .. فقال: \"لا، بل هو من أهل الجنة\". قال أنس: فكنا نراه يمشي بين أظهرنا ونحن نعلم أنه من أهل الجنة. فلما كان يوم اليمامة كان فينا بعض الانكشاف، فجاء ثابت بن قيس بن شماس وقد تحنط ولبس كفنه، فقال: بئسما تُعوّدون أقرانكم. فقاتلهم حتى قُتل.\nوقال مسلم: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا الحسن بن موسى، حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت البُناني، عن أنس بن مالك، قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ .. إلى آخر الآية جلس ثابت في بيته، قال: أنا من أهل النار، واحتبس عن النبي ﷺ، فقال النبي ﷺ لسعد بن معاذ: \"يا أبا عمرو، ما شأن ثابت؟ أشتكى؟ \" فقال سعد: إنه لجاري، وما علمت له بشكوى. قال: فأتاه سعد فذكر له قولَ رسول الله ﷺ، فقال ثابت: أنْزلَت هذه الآية، ولقد علمتم أني من أرفعكم صوتًا على رسول الله ﷺ فأنا من أهل النار، فذكر ذلك سعد للنبي ﷺ؛ فقال رسول الله ﷺ: \"بل هو [¬١] من أهل الجنة\" (^١٣).\nثم رواه مسلم عن أحمد بن سعيد الدارمي، عن حَيَّان بن هلال، عن سليمان بن المغيرة، به قال: ولم يذكر سعدَ بن معاذ. وعن [قطن بن نُسير] [¬٢] عن جعفر بن سليمان، عن ثابت، عن أنس، بنحوه. وقال: ليس فيه ذكر سعد بن معاذ (^١٤).\nحدثنا هُرَيم بن عبد الأعلى الأسدي، حدثنا المعتمر [¬٣] بن سليمان، سمعت أبي يذكر [عن ثابت] [¬٤] عن أنس قال: لما نزلت هذه الآية … واقتص [¬٥] الحديث، ولم يذكر سعدَ بن معاذ وزاد: فكنا نراه يمشي بين أظهرنا رجلٌ من أهل الجنة (^١٥).\n_________\n(^١٣) - أخرجه مسلم في كتاب الإيمان، باب: ومخافة المؤمن أن يحبط عمله، حديث (١٨٧/ ١١٩) (٢/ ١٧٥ - ١٧٦).\n(^١٤) - أخرجه مسلم في الموضع السابق (١٨٨ م / ١١٩) (٢/ ١٧٦).\n(^١٥) - أخرجه مسلم (١٨٨/ ١١٩) (٢/ ١٧٧).\n_________\n[¬١]- سقط من ز.\n[¬٢]- في ز: مطر بن بشير.\n[¬٣]- في ز: زهير.\n[¬٤]- سقط من ز.\n[¬٥]- في ز: فاقتص.","vol":"13","page":140},{"text":"فهذه الطرق الثلاث مُعَلّلة لرواية حماد بن سلمة فيما تفرد به من ذكر سعد بن معاذ. والصحيح أن حال نزول هذه الآية لم يكن سعد بن معاذ موجودًا، لأنه كان قد مات بعد بني قريظة بأيام قلائل [سنة خمس] [¬١]، وهذه الآية نزلت في وفد بني تميم، والوفود إنما تواتروا في سنة تسع من الهجرة، والله أعلم.\nوقال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا زيد بن الحباب، حدثنا أبو ثابت بن ثابت بن قيس بن شَمَّاس، حدثني عمي إسماعيل بن محمد بن ثابت بن قيس بن شماس، عن أبيه قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ﴾، قال: قعد ثابت بن قيس في الطريق يبكي، قال: فمر به عاصم بن عدي من بني العجلان فقال: ما يبكيك يا ثابت؟ قال: هذه الآية أتخوف أن تكون نزلت فيّ وأنا صَيِّتٌ رفيع الصوت. قال: فمضى عاصم بن عدي إلى رسول الله ﷺ قال: وغلبه البكاء، فأتى امرأته جميلة ابنة [¬٢] عبد الله بن أبي بن سلول فقال لها: إذا دخلت بين فَرَسي فشدّي عَليّ الضبَّة بمسمار، فضربته بمسمار حتى إذا خرج عطفه، وقال: لا أخرج حتى يتوفاني الله ﷿ أو يرضى عني رسول الله ﷺ. قال: وأتى عاصم رسولَ الله ﷺ فأخبره خبره، فقال: \"اذهب فادعه لي\". فجاء عاصم إلى المكان فلم يجده، فجاء إلى أهله فوجده في بيت الفَرَس، فقال له: إن رسول الله ﷺ يدعوك. فقال: اكسر الضبة. قال: فخرجا فأتيا النبي ﷺ، فقال له رسول الله ﷺ: \"ما يبكيك، يا ثابت؟ \" فقال: أنا صيّت وأتخوف أن تكون هذه الآية نزلت فيّ: ﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ﴾. فقال له النبي ﷺ: \"أما ترضى أن تَعيش حَميدًا، وتقتل شهيدًا، وتدخل الجنة؟ \" فقال: رضيت ببشرى [¬٣] الله ورسوله ﷺ، ولا أرفع صوتي أبدًا على صوت رسول الله ﷺ. قال: وأنزل الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى﴾ الآية (^١٦).\n_________\n(^١٦) - في إسناده إسماعيل بن محمد بن ثابت بن قيس بن الشماس؛ ذكره ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٢/ ١٩٥) ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا.\nوأبو ثابت من ولد ثابت بن قيس بن شماس ذكره ابن أبي حاتم أيضًا في الجرح والتعديل (٩/ ٣٥١) ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا وبقية رجاله ثقات.\nوالحديث أخرجه الطبري (٢٦/ ١١٨).\n_________\n[¬١]- سقط من ز.\n[¬٢]- في ز: ابن.\n[¬٣]- في ز: بشير.","vol":"13","page":141},{"text":"وقد ذكر هذه القصة غير واحد من التابعين كذلك، فقد نهى الله ﷿ عن رفع الأصوات بحضرة رسول الله ﷺ، وقد روينا عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب أنه سمع صَوتَ رجلين في مسجد رسول الله ﷺ قد ارتفعت أصواتهما، فجاء فقال: أتدريان أين أنتما؟ ثم قال: مِن أين أنتما؟ قالا: من أهل الطائف. فقال: لو كنتما من أهل المدينة لأوجعتكما ضربًا.\nوقال العلماء: يكره رفع الصوت عند قبره، كما كان يكره في حياته، لأنه محترم حيًّا وفي قبره صلوات الله وسلامه عليه دائمًا. ثم نهى عن الجهر له بالقول كما يجهر الرجل لمخاطبه ممن عداه، بل يخاطب بسكينة ووقار وتعظيم؛ ولهذا قال: ﴿وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ﴾، كما قال: ﴿لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضًا﴾.\nوقوله: ﴿أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾، أي: إنما نهيناكم عن رفع الصوت عنده خشية أن يغضب من ذلك، فيغضب الله لغضبه، فيحبط الله عمل من أغضبه وهو لا يدرى، كما جاء في الصحيح: \"إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يُلقي لها بالًا يكتب له بها الجنة، وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط. الله لا يُلقي لها بالًا يهوي بها في النار أبعد ما بين السماوات والأرض\" (^١٧).\nثم ندب الله ﷿ إلى خفض الصوت عنده، وحَثّ على ذلك وأرشد إليه ورغَّب فيه، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى﴾ أي: أخلصها لها وجَعَلَها أهلًا ومحلًا، ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾.\nو[قد] [¬١] قال الإِمام أحمد في كتاب الزهد: حدثنا عبد الرحمن، حدثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد قال: كُتب إلى عمر: يا أمير المؤمنين، رجل لا يشتهي المعصية ولا يعمل بها أفضل، أم رجل يشتهي المعصية ولا يعمل بها؟ فكتب عمر ﵁: إن الذين يشتهون المعصية ولا يعملون بها ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ (^١٨).\n﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (٤) وَلَوْ أَنَّهُمْ\n_________\n(^١٧) - أخرجه البخاري في كتاب الرقاق، باب: حفظ اللسان، برقم (٦٤٧٨) (١١/ ٣٠٨).\n(^١٨) - إسناده صحيح إلى مجاهد.\n_________\n[¬١]- سقط من ز.","vol":"13","page":142},{"text":"صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيهِمْ لَكَانَ خَيرًا لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥)﴾\nثم إنه تعالى ذَمّ الذين، ينادونه من وراء الحجرات، وهي بيوت نسائه، كما يصنع أجلاف الأعراب، فقال: ﴿أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾.\nثم أرشد إلى الأدب في ذلك فقال: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾، أي: لكان لهم في ذلك الخيرَةُ والمصلحة في الدنيا والآخرة.\nثم قال داعيًا لهم [¬١] إلى التوبة والإِنابة: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.\nوقد ذُكر أنها نزلت في الأقرع بن حابس التميمي فيما أورده غير واحد، قال الإِمام أحمد:\nحدثنا عفان، حدثنا وُهَيب، حدثنا موسى بن عقبة، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن الأقرع بن حابس أنه نادى رسول الله ﷺ [من وراء الحجرات] [¬٢] فقال: يا محمد؛ يا محمد - وفي رواية: يا رسول الله - فلم يجبه. فقال: يا رسول الله؛ إن حمدي لزين، وإن ذمي لشين، فقال [¬٣]: \"ذاك الله ﷿\" (^١٩).\nوقال ابن جرير: حدثنا أبو عمار [¬٤] الحسين بن حريث المروزي، حدثنا الفضل بن موسى، عن الحسين بن واقد، عن أبي إسحاق، عن البراء في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ﴾ قال: جاء رجل إلى رسول الله فقال: يا محمد؛ إن حمدي زين وذمي شين. فقال: \"ذاك الله ﷿\" (^٢٠).\nوهكذا ذكره الحسن البصري، وقتادة مرسلًا.\n_________\n(^١٩) - صحيح لغيره، أخرجه أحمد (٣/ ٤٨٨)، والطبراني (١/ ٣٠٠) (٨٧٨). كلاهما من طريق أبي سلمة بن عبد الرحمن عن الأقرع بن حابس به. قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ١١١): رواه أحمد والطبراني وأحد إسنادي أحمد رجاله رجال الصحيح؛ إن كان أبو سلمة سمع من الأقرع وإلا فهو مرسل كإسناد أحمد الآخر. ويشهد له حديث البراء بن عازب الآتي بعده.\n(^٢٠) - أخرجه الطبري (٢٦/ ١١٢١). والترمذي في كتاب التفسير، باب: ومن سورة الحجرات، برقم (٣٢٦٣) (٩/ ١٩)، والنسائي في الكبرى، في كتاب التفسير باب: قوله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ برقم (١١٥١٥) (٦/ ٤٦٦). وأبو نعيم في \"تاريخ أصبهان\" (٢/ ٢٩٦) كلهم من طريق الحسين بن واقد عن أبي إسحاق عن البراء به. والحسين ثقة له أوهام، وأبو إسحاق ثقة اختلط بأخرة. والحديث صححه الألباني في صحيح الترمذي برقم (٢٦٠٥).\n_________\n[¬١]- سقط من ز.\n[¬٢]- سقط من ز.\n[¬٣]- في ز: قال.\n[¬٤]- في ز: عار. كذا.","vol":"13","page":143},{"text":"وقال سفيان الثوري، عن حبيب بن أبي عَمْرَة؛ قال: كان بشْر بن غالب ولَبِيد بن عطارد -أو بشر بن عطارد ولبيد بن غالب- وهما عند الحجاج جالسان - فقال بشر بن غالب للبيد بن عُطارد: نزلت في قومك بني تميم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ﴾، قال: فذكرت ذلك لسعيد بن جبير فقال: أما إنه لو علم بآخر الآية أجابه: ﴿يمنون عليك أن أسلموا﴾، قالوا: أسلمنا، ولم يقاتلك [¬١] بنو أسد.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عمرو بن علي الباهلي، حدثنا المعتمر بن سليمان: سمعت داود الطفاوي [¬٢] يحدّث عن أبي مسلم البجلي، عن زيد بن أرقم؛ قال: اجتمع أناس من العرب فقالوا: انطلقوا بنا إلى هذا الرجل، فإن يك نبيًّا فنحن أسعد [الناس به] [¬٣]، وإن يك مَلِكًا نَعشْ بجناحه. قال: فأتيت رسول الله ﷺ فأخبرته بما قالوا، فجاءوا إلى حجرته فجعلوا ينادونه وهو في حجرته: يا محمد؛ يا محمد؛ فأنزل الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾. قال: فأخذ رسول الله ﷺ [بأذني فَمَدّها فجعل] [¬٤] يقول: \"لقد صدق الله قولك يا زيد؛ لقد صدق الله قولك يا زيد\" (^٢١).\nورواه ابن جرير، عن الحسن بن عرفة، عن المعتمر بن سليمان، به (^٢٢).\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (٦) وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (٧)﴾\nيأمر تعالى بالتثبت في خبر [¬٥] الفاسق ليُحتَاطَ له، لئلا يحكم بقوله فيكون - في نفس الأمر - كاذبًا أو مخطئًا فيكون الحاكم بقوله قد اقتفى وراءه. وقد نهى الله عن اتباع سبيل\n_________\n(^٢١) - داود الطفاوي، وهو داود بن راشد بن بحر الطفاوي: لين الحديث. وأبو مسلم البجلي، قال الحافظ في التقريب: مقبول.\n(^٢٢) - أخرجه الطبري (٢٦/ ١٢١).\n_________\n[¬١]- في ز: يناطك. بلا نقط في ز.\n[¬٢]- في ز: الطائي.\n[¬٣]- سقط من ز.\n[¬٤]- سقط من ز.\n[¬٥]- في ز: أمر.","vol":"13","page":144},{"text":"المفسدين، ومن هاهنا امتنع طوائف من العلماء من قبول [¬١] رواية مجهول الحال لاحتمال فسقه في نفس الأمر، وقبلها آخرون لأنا إنما أمرنا بالتثبت عند خبر الفاسق، وهذا ليس بمحقق الفسق لأنه مجهول الحال. وقد قررنا هذه المسألة في كتاب العلم من شرح البخاري، ولله الحمد والمنة.\nوقد ذكر كثير من المفسرين أن هذه الآية نزلت في الوليد بن عقبة بن أبي مُعَيط، حين بعثه رسول الله ﷺ على صدقات بني المصطلق. وقد روي ذلك من طرق، ومن أحسنها ما رواه الإِمام أحمد في مسنده من رواية ملك [¬٢] بني المصطلق؛ وهو الحارث بن ضِرَار [] [¬٣]، والد جُوَيرية [¬٤] بنت الحارث أم المؤمنين ﵂، قال الإِمام أحمد:\nحدثنا محمد بن سابق، حدثنا عيسى بن دينار، حدثني أبي أنه سمع الحارث بن ضرار الخزاعي، يقول: قدمت على رسول الله ﷺ فدعاني إلى الإِسلام، فدخلت فيه وأقررت به. ودعاني إلى الزكاة فأقررت بها، وقلت: يا رسول الله؛ أرجع إليهم [¬٥] فأدعوهم إلى الإِسلام وأداء الزكاة، فمن استجاب لي جمعت زكاته. ويُرسل إليّ رسول الله رسولًا لإِبّان [¬٦] كذا وكذا ليأتيك ما جمعتُ من الزكاة. فلما جمع الحارث الزكاة ممن استجاب له، وبلغ الإِبَّان [¬٧] الذي أراد رسولُ الله ﷺ أن يبعث إليه، احتبس عليه الرسول فلم يأته، فظن الحارث أنه قد حدث فيه سخْطَة من الله ورسوله، فدعا بسَرَوات قومه فقال لهم: إن رسول الله ﷺ كان وَقّت لي وقتًا - يرسل إليّ رسوله ليقبض [¬٨] ما كان عندي من الزكاة، وليس من رسول الله ﷺ الخُلف، ولا أرى حبس رسوله إلا من سَخطة كانت [¬٩]، فانطلقوا فنأتي رسول الله ﷺ، وبعث رسولُ الله ﷺ الوليد بن عقبة إلى الحارث ليقبض ما كان عنده مما جمع من الزكاة، فلما أن سار الوليد حتى بلغ بعض الطريق فَرق -[أي: خاف] [¬١٠]- فرجع فأتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله؛ إن الحارث منعني الزكاة وأراد قتلي. فضَرَب رسول الله ﷺ البعث إلى\n_________\n[¬١]- في ز: قول.\n[¬٢]- في ز: مالك.\n[¬٣]- في ز: بن أبي ضرار.\n[¬٤]- في ز: ميمونة.\n[¬٥]- سقط من ز.\n[¬٦]- في ز: لاتيان. كذا.\n[¬٧]- في ز: الاتيان. كذا.\n[¬٨]- في ز: فيقبض.\n[¬٩]- سقط من ز.\n[¬١٠]- سقط من ز.","vol":"13","page":145},{"text":"الحارث، وأقبل الحارث بأصحابه حتى إذا استقبل البعث وفَصَل عن المدينة لقيهم الحارث، فقالوا: هذا الحارث. فلما غشيهم قال لهم: إلى من بُعثتم؟ قالوا: إليك. قال: ولم؟ قالوا: إن رسول الله ﷺ كان [¬١] بعث إليك الوليد بن عقبة، فزعم أنك منعته الزكاة وأردت قتله. قال: لا، والذي بعث محمدًا بالحق ما رأيته بَتَّةً ولا أتاني. فلما دخل الحارث على رسول الله ﷺ قال: \"منعت الزكاة وأردت قتلَ رسولي؟ \". قال: لا. والذي بعثك بالحق ما رأيته ولا أتاني، وما أقبلت إلا حين احتبس عليّ رسولُ رسول الله ﷺ، خشيت أن يكون كانت سخطة من الله ورسوله. قال: فنزلت الحجرات: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ﴾ إلى قوله: ﴿حكيم﴾ (^٢٣).\nورواه ابن أبي حاتم، عن المنذر [¬٢] بن شاذان التمار، عن محمد بن سابق، به. ورواه الطبراني من حديث محمد بن سابق، به، غير أنه سماه الحارث بن سرار، والصواب: الحارث بن ضرار، كما تقدم (^٢٤).\nوقال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا جعفر بن عون، عن موسى بن عُبيدة، عن ثابت مولى أم سلمة، عن أم سلمة قالت: بعث رسول الله ﷺ رجلًا في صدقات بني المصطلق بعد الوقيعة، فسمع بذلك القوم، فتلقوه يعظمون أمر رسول الله ﷺ، قالت: فحدثه الشيطان أنهم يريدون قتله، قالت [¬٣]: فرجع إلى رسول الله فقال: إن بني المصطلق قد منعوني صدقاتهم. فغَضب رسول الله ﷺ والمسلمون، قالت: فبلغ القومَ رجوعُه، فأتوا رسول الله ﷺ، فصفوا له حين صلى الظهر، فقالوا: نعوذ بالله من سَخَط الله وسَخَط رسوله، بعثت إلينا رجلًا مُصَدِّقًا فسررنا بذلك، وقَرت به أعيننا. ثم إنه رجع من بعض الطريق، فخشينا أن يكون ذلك غضبًا من الله ومن رسوله، فلم يزالوا يكلمونه حتى جاء بلال فأذن بصلاة العصر، قالت: ونزلت: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ (^٢٥).\n_________\n(^٢٣) - دينار الكوفي، قال عنه الحافظ في التقريب مقبول. والحديث أخرجه أحمد (٤/ ٢٧٩) برقم (١٨٥١٠)، والطبراني في الكبير (٣/ ٣١٠ - ٣١١) برقم (٣٣٩٥). قال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (٧/ ١١٢): رواه أحمد والطبراني - إلا أنه قال: الحارث بن سرار بدل ضرار، ورجال أحمد ثقات.\n(^٢٤) - ينظر تخريج الحديث السابق.\n(^٢٥) - موسى بن عبيدة: ضعيف كما في التقريب. وثابت مولى أم سلمة، ذكره ابن أبي حاتم في =\n_________\n[¬١]- سقط من ز.\n[¬٢]- في ز: البدر.\n[¬٣]- في ز: قال.","vol":"13","page":146},{"text":"وروى ابن جرير أيضًا من طريق العَوفي، عن ابن عباس في هذه الآية؛ قال: كان رسول الله ﷺ بعث الوليد بن عقبة بن أبي مُعَيط إلى بني المصطلق ليأخذ منهم الصدقات، وإنهم لما أتاهم الخبر فَرحُوا وخرجوا يتلقون رسولَ رسولِ الله ﷺ وإنه لما حُدّث الوليد أنهم خرجوا يتلقونه، رجع الوليد إلى رسول الله ﷺ؛ فقال: يا رسول الله؛ إن بني المصطلق قد منعوا الصدقة. فغضب رسول الله ﷺ من ذلك غضبًا شديدًا، فبينا هو يحدث نفسه أن يغزوهم إذ أتاه الوفد فقالوا: يا رسول الله، إنا [¬١] حُدّثنا أن رسولك رجع من نصف الطريق، وإنا خشينا أن ما رَدّة كتاب جاء منك لغضب غضبته علينا، وإنا نعوذ بالله من غَضَبه وغضب رسوله. وإن النبي ﷺ استغشهم وهَمّ بهم، فأنزل الله عذرهم في الكتاب، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإ فَتَبَيَّنُوا …﴾ إلى آخر الآية (^٢٦).\nوقال مجاهد وقتادة: أرسل رسول الله الوليد بين عقبة إلى بني المصطق ليُصَدّقهم، فتلقوه بالصدقة، فرجع فقال: إن بني المصطق قد جمعت لك لتقاتلك - زاد قتادة: وإنهم قد ارتدوا عن الإِسلام - فبعث رسول الله ﷺ خالد بن الوليد إليهم، وأمره أن يتثبت ولا يعجل. فانطلق حتى أتاهم ليلًا، فبعث عيونه، فلما جاءوا أخبروا خالدًا أنهم مستمسكون بالإِسلام، وسمعوا أذانهم وصلاتهم، فلما أصبحوا أتاهم خالد فرأى الذي يعجبه، فرجع إلى رسول الله ﷺ فأخبره الخبر، فأنزل الله هذه الآية. قال قتادة: فكان رسول الله ﷺ يقول: \"التبيّن [¬٢] من الله، والعجلة من الشيطان\" (^٢٧).\nوكذا ذكر غير واحد من السلف، منهم: ابن أبي ليلى، ويزيد [¬٣] بن رومان، والضحاك، ومقاتل بن حَيَّان، وغيرهم في هذه الآية: أنها نزلت في الوليد بن عقبة، والله أعلم.\n_________\n= الجرح والتعديل (٢/ ٤٦١) ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا. والحديث أخرجه الطبري (٢٦/ ١٢٣).\n(^٢٦) - وأخرجه الطبري (١٦/ ١٢٣ - ١٢٤) من طريق محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه عن ابن عباس. وقد تقدم الكلام على هذا الإسناد.\n(^٢٧) - وأخرجه الطبري (٢٦/ ١٢٤) والمرفوع منه ضعفه الألباني في ضعيف الجامع وعزاه إلى الخرائطي في مكارم الأخلاق وابن أبي الدنيا في ذم الغضب. وللحديث شاهد من حديث أنس أن النبي ﷺ قال: \"التأني من الرحمن والعجلة من الشيطان، أخرجه أبو يعلى (٧/ ٢٤٨) برقم (١٥٠١). والبيهقي (١٠/ ١٠٤). كلاهما من طريق سعد بن سنان عن أنس، وهو ضعيف.\n_________\n[¬١]- في ز: إنما.\n[¬٢]- في ز: التبيين.\n[¬٣]- في ز: زيد.","vol":"13","page":147},{"text":"وقوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ﴾ أي: اعلموا أن بين أظهركم رسولَ الله فعظّموه ووقروه، وتأدبوا معه، وانقادوا لأمره، فإنه أعلم بمصالحكم، وأشفق عليكم منكم، ورأيه فيكم أتمّ من رأيكم لأنفسكم، كما قال تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾.\nثم بَيَّن أن رأيهم سخيف بالنسبة إلى مراعاة مصالحهم فقال: ﴿لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾، أي: لو أطاعكم في جميع ما تختارونه لأدّى ذلك إلى عنتكم وحَرَجكم، كما قال تعالى: ﴿وَلَو اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَينَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ﴾.\nوقوله: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ أي: حببه إلى نفوسكم وحَسّنه في قلوبكم.\nقال الإِمام أحمد (^٢٨): حدثنا بهز، حدثنا علي بن مسعدة، حدثنا قتادة، عن أنس قال: كان رسول الله ﷺ يقول: \"الإسلام علانية، والإِيمان في القلب\". قال: ثم يشير بيده إلى صدره ثلاث مرات، ثم يقول: \"التقوى هاهنا التقوى هاهنا\".\n﴿وَكَرَّهَ إِلَيكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ [وَالْعِصْيَانَ﴾ أي: وبَغَّض إليكم الكفر والفسوق وهي] [¬١] الذنوب الكبار والعصيان، وهي جميع المعاصي. وهذا تدريج لكمال النعمة.\nوقوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾ أي: المتصفون بهذه الصفة هم الراشدون الذين قد آتاهم الله رشدهم.\nقال الإِمام أحمد (^٢٩): حدثنا مروان بن معاوية الفَزَاري، حدثنا عبد الواحد بن أيمن [¬٢]\n_________\n(^٢٨) - إسناده ضعيف؛ لعنعنة قتادة، وفيه أيضًا علي بن مسعدة؛ ضعفه أبو داود وقال النسائي ليس بالقول وقال البخاري فيه نظر، ووثقه الطيالسي وقال يحيى بن معين: صالح، وضعف به الألباني هذا الحديث. والحديث أخرجه أحمد (٣/ ١٣٥) (١٢٤٠٣)، وأبو يعلى (٥/ ٣٠١ - ٣٠٢) (٢٩٢٣)، والعقيلي (٣/ ٢٥٠) في ترجمة علي بن مسعدة. كلهم من طريق علي كان مسعدة عن قتادة عن أنس. قال الهيثمي في المجمع (١/ ٥٧): رواه أحمد وأبو يعلى بتمامه والبزار باختصار، ورجاله رجال الصحيح، ما خلا علي بن مسعدة وقد وثقه ابن حبان، وأبو داود، وأبو حاتم، وابن معين، وضعفه آخرون. ا هـ.\n(^٢٩) - أخرجه أحمد (٣/ ٤٢٤)، والنسائي في الكبرى في كتاب عمل اليوم والليلة، باب: الاستنصار عند اللقاء، حديث (١٠٤٤٥) (٦/ ١٥٦)، والطبراني (٥/ ٤٧) (٤٥٤٩)، والحاكم (١/ ٥٠٦ - ٥٠٧)، وأبو نعيم في الحلية (١٠/ ١٢٧). =\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفين في ز: وهو.\n[¬٢]- في ز: أنس.","vol":"13","page":148},{"text":"المكي، عن أبي [¬١] رفاعة الزّرَقي، عن أبيه قال: لما كان يوم أحد وانكفأ المشركون، قال رسول الله ﷺ: \"استووا حتى أثني على ربي ﷿\". فصاروا خلفه صفوفا، فقال: \"اللَّهم، لك الحمد [¬٢] كله. اللهم، لا قابض لما بسطت، ولا باسط لما قبضت، ولا هاديَ لمن أضللتَ، ولا مُضِلّ لمن هَدَيتَ، ولا مُعطِيَ لما منعت، ولا مانع لما أعطيت، ولا مقرب لما باعدت، ولا مباعد لما قربت. اللَّهم؛ ابسط علينا من بركاتك ورحمتك وفضلك ورزقك. اللَّهم؛ إلى أسألك النعيم المقيم الذي لا يَحول ولا يَزُول. اللَّهم؛ إلى أسألك النعيم يوم العَيلة، والأمن يوم الخوف. اللهم، إني [¬٣] عائذ بك من شر ما أعطيتنا، ومن شر ما منعتنا. اللهم؛ حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، وكرّه إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من الراشداين. اللَّهم، توفنا مسلمين، وأحينا مسلمين، وألحقنا بالصالحين غير خزايا ولا مفتونين. اللَّهم، قاتل الكفرة الذين يكذبون رسللك ويصدون عن سبيلك، واجعل عليهم رجْزَك وعذابك. اللَّهم، قاتل الكفرة الذين أوتوا الكتاب، إلَهَ الحق\".\nورواه النسائي في اليوم والليلة عن زياد بن أيوب، عن مَروان بن معاوية، عن عبد الواحد بن أيمن، عن عُبيد بن رفاعة، عن أبيه، به (^٣٠).\nوفي الحديث المرفوع: \"من سرته حسنته وساءته سيئتة فهو مؤمن\" (^٣١).\nثم قال: ﴿فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً﴾ أي: هذا العطاء الذي منحكموه هو فضل منه عليكم ونعمة من لدنه.\n﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ أي: عليم بمن يستحق الهداية ممن يستحق الغواية، حكيم في\n_________\n= كلهم من طريق عبد الواحد بن أيمن عن عبيد بن رفاعة -في الحلية بن دفيعة- ولعله تصحيف - عن أبيه به. قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. وتعقبه الذهبي؛ بأنهما لم يخرجا لعبيد، وهو ثقة، والحديث مع نظافة إسناده منكر أخاف ألا يكون موضوعًا رواه عن خلاد بن أبي سبرة.\nقال الألباني في تعليقه على فقه السيرة (٢٧٥): ولم أعرف لقوله وجهًا.\nقال الهيثمي في المجمع (٦/ ١٢٥): رواه أحمد والبزار، ورجال أحمد رجال الصحيح.\n(^٣٠) - ينظر تخريج الحديث السابق.\n(^٣١) - أخرجه أحمد (١/ ٢٦) قال: ثنا جرير - وهو ابن عبد الحميد عن عبد الملك بن عمير عن جابر بن سمرة، قال: خطب عمر الناس بالجابية … فذكر حَديثًا طويلًا وفي آخره \"ومن كان منكم تسره حسنته. \" إلخ، ورجاله كلهم ثقات. =\n_________\n[¬١]- في ت: ابن.\n[¬٢]- سقط من ز.\n[¬٣]- سقط من ز.","vol":"13","page":149},{"text":"أقواله وأفعاله، وشرعه وقدره.\n﴿فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٨) وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَينَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَينَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٩) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَينَ أَخَوَيكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٠)﴾\nيقول تعالى آمرًا بالإِصلاح لكن المسلمين الباغين بعضهم على بعض: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَينَهُمَا﴾ فسماهم مؤمنين مع الاقتتال. وبهذا استدل البخاري وغيره على أنه لا يخرج من الإِيمان بالمعصية وإن عظمت، لا [¬١] كما يقوله الخوارج ومن تابعهم من المعتزلة ونحوهم. وهَكذا ثبت في صحيح البخاري من حديث الحسن، عن أبي بكرة أن رسول الله ﷺ خطب يومًا ومعه على المنبر الحسن بن علي، فجعل ينظر إليه مرة وإلى الناس أخرى ويقول: \"إن ابني هذا سَيّد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين\" (^٣٢). فكان كما قال صلوات الله وسلامه عليه، أصلح الله به بين أهل الشام وأهل العراق بعد الحروب الطويلة والواقعات [¬٢] المهولة.\nوقوله: ﴿فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ أي: حتى ترجع إلى أمر الله وتسمع للحق وتطيعه، كما ثبت في الصحيح عن أنس، أن رسول الله ﷺ؛ قال: \"انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا\". قلت: يا رسول الله، هذا نصرته مظلومًا فكيف أنصره ظالمًا؟ قال: \"تمنعه من الظلم، فذاك نصرك\n_________\n= والحديث أخرجه الترمذي، في كتاب الفتن، باب: ما جاء في لزوم الجماعة، حديث (٢١٦٦) (٦/ ٣٣٣)، والحاكم (١/ ١١٤)، والطيالسي (ص ٧)، والحميدي (١/ ١٩، ٢٠) (٣٢).\nقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.\nوصحح الشيخ أحمد شاكر إسناد هذا الحديث في تعليقه على المسند.\n(^٣٢) - أخرجه البخاري في كتاب: الصلح، باب: قول النبي ﷺ للحسن بن علي ﵄: \"إن ابني هذا سيد … \" حديث (٢٧٠٤) (٥/ ٣٠٦ - ٣٠٧).\n_________\n[¬١]- في ز: إلا.\n[¬٢]- في ز: والوقعات.","vol":"13","page":150},{"text":"إياه\" (^٣٣).\nقال [¬١] الإِمام أحمد: حدثنا عارم، حدثنا معتمر؛ قال [¬٢]: سمعت أبي يحدث أن أنسًا قال: قيل للنبي ﷺ: لو أتيت عبد الله بن أبيّ؟ فانطلق إليه نبي الله ﷺ ليركب حمارًا، وانطلق المسلمون يمشون، وهي أرض سَبخَةٌ، فلما انطلق إليه النبي ﷺ قال: \"إليك عني، فوالله لقد آذاني ويح حمارك. فقال رجل من الأنصار: والله لحمار رسول الله أطيب ريحًا منك. قال: فغضب لعبد الله رجال من قومه، فغضب لكل واحد منهما أصحابه، قال: فكان بينهم ضرب بالجريد والأيدي والنعال، فبلغنا أنه أنزلت فيهم: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَينَهُمَا﴾ \" (^٣٤).\nورواه البخاري في \"الصلح\" عن مسدد (^٣٥)، ومسلم (^٣٦) في المغازي عن محمَّد بن عبد الأعلى، كلاهما عن المعتمر بن سليمان، عن أنس، به نحوه.\nوذكر سعيد بن جبير؛ أن الأوس والخزرج كان بينهما قتال بالسعف والنعال، فأنزل الله هذه الآية، فأمر بالصلح بينهما.\nوقال السدي: كان رجل من الأنصار يقال له \"عمران\"، كانت له امرأة تدعى أم زيد، وإن المرأة أرادت أن تزور أهلها فحبسها زوجها، وجعلها في عُلّيَّة له لا يدخل عليها أحد من أهلها، وإن المرأة بعثت إلى أهلها فجاء قومها [وأنزلوها لينطلقوا] [¬٣] بها، وإن الرجل قد كان خرج، فاستعان أهل الرجل، فجاء بنو عمه ليحولوا [¬٤] بين المرأة وبين أهلها، فتدافعوا واجتلدوا بالنعال، فنزلت فيهم هذه الآية. فبعث إليهم رسول الله ﷺ وأصلح بينهم، وفاءوا إلى أمر الله.\n_________\n(^٣٣) - أخرجه البخاري في كتاب: المظالم، كتاب: انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا حديث (٢٤٤٣) (٥/ ٩٨)، وأطرافه في (٢٤٤٤، ٦٩٥٢).\n(^٣٤) - أخرجه أحمد (٣/ ١٥٧) برقم (١٢٦٢٨).\n(^٣٥) - أخرجه البخاري في كتاب: الصلح، كتاب: ما جاء في الإصلاح بين الناس، حديث (٢٦٩١) (٥/ ٢٩٧).\n(^٣٦) - أخرجه مسلم في كتاب: الجهاد والسير، باب: في دعاء النبي ﷺ وصبره على أذى المنافقين، حديث (١١٧/ ١٧٩٩) (١٢/ ٢٢٠ - ٢٢١).\n_________\n[¬١]- في ت: وقال:\n[¬٢]- سقط من ز.\n[¬٣]- في ز: وأهلوها ينطلبوا.\n[¬٤]- في ز: ليموموا. كذا.","vol":"13","page":151},{"text":"وقوله: ﴿فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَينَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ أي: اعدلوا لكنهم فيما كان أصاب بعضهم لبعض، بالقسط، وهو العدل، ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا محمَّد بن أبي بكر المقدمي، حدثنا عبد الأعلى، عن معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن عبد الله بن عمرو؛ أن رسول الله ﷺ؛ قال: \"إن المقسطين في الدنيا على منابر من لؤلؤ بين يدي الرحمن، بما أقسطوا في الدنيا\" (^٣٧).\nورواه النسائي عن محمَّد بن المثنى عن عبد الأعلى به (^٣٨). وهذا إسناد جيد قوي رجاله على شرط الصحيح.\nوحدثنا محمَّد بن عبد الله بن يزيد، حدثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عمرو بن أوس، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ، قال: \"المقسطون عند الله يوم القيامة على منابر من نور على يمين العريش، الذين يعدلون في حكمهم وأهاليهم وما وَلُوا\".\nورواه مسلم والنسائي من حديث سفيان بن عيينة به (^٣٩).\nوقوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ أي: الجميع إخوة في الدين، كما قال رسول الله ﷺ: \"المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه\" (^٤٠).\n_________\n(^٣٧) - أخرجه أحمد (٢/ ١٥٩)، وابن أبي شيبة في مصنفه في كتاب الجنة، باب: ما ذكر في الجنة وما فيها مما أعد لأهلها، حديث (٨٣) (٨/ ٨١) ومن طريقه الحاكم (٤/ ٨٨).\nوصححه ووافقه الذهبي.\nكلهم يرونه من طريق عبد الأعلى عن معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن عبد الله بن عمرو ﵁ به.\nوالحديث صححه الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على المسند.\nوللحديث طريق آخر عن عبد الله بن عمرو عند مسلم في كتاب الإمارة، باب: فضيلة الإمام العادل، حديث (١٨/ ١٨٢٧) (١٢/ ٢٩١) بلفظ \"إن المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن ﷿ وكلتا يديه يمين؛ الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا\".\n(^٣٨) - أخرجه النسائي في الكبرى في كتاب القضاء، باب: ذكر الاختلاف على الزهري في هذا الحديث، حديث (٥٩١٧) (٣/ ٤٦٠) بنحو رواية مسلم السالفة في الحديث السابق.\n(^٣٩) - أخرجه مسلم (١٨/ ١٨٢٧)، والنسائي (٨/ ٢٢١) كلاهما من طريق سفيان بن عيينة بالإسناد السابق.\n(^٤٠) - متفق عليه، أخرجه البخاري في كتاب المظالم، باب: لا يظلم المسلم المسلم ولا يسلمه، =","vol":"13","page":152},{"text":"وفي الصحيح: \"والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه\" (^٤١).\nوفي الصحيح أيضًا: \"إذا دعا المسلم لأخيه بظهر الغيب قال الملك: آمين، ولك بمثله\" (^٤٢).\nوالأحاديث في هذا كثيرة، وفي الصحيح: \"مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتواصلهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر\" (^٤٣).\nوفي الصحيح أيضًا: \"المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا - وشبك بين أصابعه\" (^٤٤).\nوقال أحمد: حدثنا أحمد بن الحجاج، حدثنا عبد الله، أخبرنا مصعب بن [¬١] ثابت، حدثني أبو [حازم؛ قال] [¬٢]: سمعت سهل بن سعد الساعدي يُحدِّث عن رسول الله ﷺ؛ قال: \"إن المؤمن من أهل الإِيمان بمنزلة الرأس من الجسد، يألم المؤمن لأهل الإِيمان كما يألم الجسد لما في الرأس\" تفرد (^٤٥)، ولا بأس بإسناده.\n_________\n= حديث (٢٤٤٢) (٥/ ٩٧) وطرفه في (٦٩٥١)، ومسلم في البر والصلة، قال: \"تحريم الظلم\"، حديث (٥٨/ ٢٥٨٠) (١٦/ ٢٠٣).\n(^٤١) - أخرجه مسلم في كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب: فضل الاجتماع على تلاوة القرآن، حديث (٣٨/ ٢٦٩٩) (١٧/ ٣٤) من حديث أبي هريرة ﵁.\n(^٤٢) - أخرجه مسلم في كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، كتاب: فضل الدعاء للمسلمين يظهر الغيب، حديث (٨٥، ٨٦/ ٣٧٣٢) (١٧/ ٧٧، ٧٨) عن أبي الدرداء ﵁، (٨٧/ ٣٧٣٣) (١٧/ ٧٨ - ٧٩) من حديث أم الدرداء ﵂.\n(^٤٣) - أخرجه البخاري في كتاب الأدب، كتاب: رحمة الناس والبهائم، حديث (٦٠١١). ومسلم في كتاب البر والصلة والآداب، كتاب: \"تراحم المؤمنين وتعاطفهم وتعاضدهم، حديث (٦٦ و٦٧/ ٢٥٨٦) (١٦/ ٢١٠، ٢١١). كلاهما من حديث النعمان بن بشير ﵁.\n(^٤٤) - أخرجه البخاري في كتاب الصلاة، باب: تشبيك الأصابع في المسجد وغيره، حديث (٤٨١) (١/ ٥٦٥) وطرفاه في (٢٤٤٦، ٦٠٢٦). ومسلم في كتاب البر والصلة والآداب، كتاب: تراحم المؤمنين وتعاطفهم وتعاضدهم، حديث (٦٥/ ٢٥٨٥) (١٦/ ٢١٠). كلاهما من حدث أبي موسى الأشعري ﵁.\n(^٤٥) - رجاله رجال الصحيح عدا مصعب بن ثابت لين الحدث كما في التقريب. والحديث أخرجه أحمد (٥/ ٣٤٠)، والطبراني في الكبير (٦/ ١٣١) (٥٧٤٣) كلاهما من طريق أحمد بن الحجاج بهذا الإسناد.\n_________\n[¬١]- في ز: عن.\n[¬٢]- ما بين المعكوفين في ز: حاتم.","vol":"13","page":153},{"text":"وقوله: ﴿فَأَصْلِحُوا بَينَ أَخَوَيكُمْ﴾، يعني: الفئتين المقتتلتين، ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ أي: في جميع أموركم ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾، وهذا تحقيق منه تعالى للرحمة لمن اتقاه.\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (١١)﴾\nينهى تعالى عن السخرية بالناس، وهو احتقارهم [¬١] والاستهزاء بهم، كما ثبت في الصحيح عن رسول الله ﷺ أنه قال: \"الكبر بَطر الحق وغمص الناس\" (^٤٦) ويروى \"وغمط الناس\". والمراد من ذلك احتقارهم واستصغارهم، وهذا حرام، فإنه قد يكون المحتقر أعظم قدرًا عند الله وأحب إليه من الساخر منه المحتقر له، ولهذا قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيرًا مِنْهُنَّ﴾، فنص على نهي الرِّجال وعطف بنهي النساء.\nوقوله: ﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ أي: لا تلمزوا الناس. والهماز اللماز من الرجال مذموم ملعون، كما قال: ﴿وَيلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ فالهمز بالفعل واللمز بالقول، كما قال: ﴿هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ أي: يحتقر الناس ويهمزهم طاعنًا عليهم، ويمشي بينهم بالنميمة وهي [¬٢]: اللمز بالمقال، ولهذا قال هاهنا: ﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ﴾، كما قال: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ أي: لا يقتل بعضكم بعضًا.\nقال ابن عباس، ومجاهد، وسعيد بن جُبَير، وقتادة، ومقاتل بن حيان: ﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ أي [¬٣]: لا يطعنُ [¬٤] بعضكم على بعض.\nوقوله: ﴿وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾ أي: لا تتداعوا بالألقاب، وهي التي يسوء الشخصَ\n_________\n= وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ١٩٠) وقال: رواه أحمد والطبراني في الكبير والأوسط ورجال أحمد رجال الصحيح وهو وهم.\n(^٤٦) - أخرجه مسلم في كتاب الإيمان، كتاب: تحريم الكبر وبيانه، حديث (١٤٧/ ٩١) (٢/ ١١٧ - ١١٨) بلفظ \"وغمط\". وأخرجه الترمذي في كتاب \"البر والصلة\" باب: ما جاء في الكبر، حديث (٢٠٠٠) (٦/ ٢١١) بلفظ \"وغمص\".\n_________\n[¬١]- في ز: استحقارهم.\n[¬٢]- في ز: وهو.\n[¬٣]- سقط من ز.\n[¬٤]- في ز: يطفر. كذا.","vol":"13","page":154},{"text":"سماعُها.\nقال الإِمام أحمد: حدثنا إسماعيل، حدثنا داود بن أبي هند، عن الشعبي؛ قال [¬١]: حدثني أبو جَبيرة بن الضحاك قال: فينا نزلت في بني سَلمة: ﴿وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾، قال: قدم رسول الله ﷺ المدينة وليس فينا رجل إلا وله اسمان أو ثلاثة، فكان إذا دُعِيَ أحدٌ منهم باسم من تلك الأسماء قالوا: يا رسول الله، إنه يغضب من هذا. فنزلت: ﴿وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾ (^٤٧).\nورواه أبو داود عن موسى بن إسماعيل عن وهيب عن داود، به (^٤٨).\nوقوله: ﴿بِئْسَ الاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ﴾ أي: بئس الصفةُ والاسم الفسوقُ وهو: التنابز بالألقاب، كما كان أهل الجاهلية يتناعتون [¬٢] بعد ما دخلتم في الإِسلام وعَقَلتموه.\n﴿وَمَنْ لَمْ يَتُبْ﴾ أي: من هذا ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾.\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ (١٢)﴾\nقوله تعالى ناهيًا عباده المؤمنين عن كثير من الظن، وهو النهمة والتخون [¬٣] للأهل والأقارب والناس في غير محله؛ لأن بعض ذلك يكون إثمًا محضًا، فليجتنب كثير منه احتياطًا، وروينا عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: ولا تظنن بكلمة خرجت من أخيك [¬٤] المسلم إلا خيرًا، وأنت تجد لها في الخير محملًا.\nوقال أبو عبد الله بن ماجه: حدثنا أبو القاسم بن أبي ضَمْرة نصر بن محمَّد بن سليمان الحمصي، حدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن أبي قيس النصري [¬٥]، حدثنا عبد الله بن عمر، قال: رأيت النبي ﷺ يطوف بالكَعبة ويقول: \"ما أطيبك وأطيب\n_________\n(^٤٧) - إسناده صحيح، أخرجه أحمد (٤/ ٦٩) برقم (١٦٦٩٧).\n(^٤٨) - أخرجه أبو داود في كتاب: الأدب، باب: في الألقاب، حديث (٤٩٦٢) (٤/ ٢٩٠ - ٢٩١).\nوانظر السابق.\n_________\n[¬١]- سقط من ز.\n[¬٢]- في ز: يتعانون.\n[¬٣]- في ز: والتمرن. كذا. بلا نقط.\n[¬٤]- في ز: أصل.\n[¬٥]- في ز: النضري.","vol":"13","page":155},{"text":"ريحك! ما أعظمك وأعظم حرمتك! والذي نفس محمَّد بيده لحرمة المؤمن أعظم عند الله حرمةً منك، مال ودمه، وأن يظن به إلا خيرًا\" (^٤٩). تفرد به ابن ماجه [من هذا الوجه] [¬١].\nوقال مالك: عن أبي [¬٢] الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة؛ قال: قال رسول الله ﷺ: \"إياكم والظنّ، فإن الظن أكذب الحديث، ولا تجسسوا [ولا تحسسوا] [¬٣] ولا تنافسوا ولا تحاسدوا ولا تباغضوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانًا\" (^٥٠).\nرواه البخاري عن عبد الله بن يوسف، ومسلم عن يحيى بن يحيى، وأبو داود [عن العتبي] [¬٤]، عن مالك به (^٥١).\nوقال سفيان بن عُيَينَة، عن الزهريّ، عن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا تقاطعوا ولا تدابروا ولا تباغضوا ولا تحاسدوا، وكونوا عباد الله إخوانًا. ولا يحل للمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام\".\nرواه مسلم والترمذي -وصححه- من حديث سفيان بن عيينة به (^٥٢).\nوقال الطبراني: حدثنا محمَّد بن عبد الله القرمطي العدوي، حدثنا بكر بن عبد الوهاب\n_________\n(^٤٩) - إسناده ضعيف؛ لضعف نصر بن محمَّد بن أبي سليمان بن أبي ضمرة. أخرجه ابن ماجه في كتاب: الفتن، باب: حرمة دم المؤمن وماله، حديث (٣٩٣٢) (٢/ ١٢٩٧)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٥٠٠٨).\n(^٥٠) - أخرجه مالك في كتاب حسن الخلق، باب: ما جاء في المهاجرة، حديث (١٥) (٢/ ٦٩٢ - ٦٩٣).\n(^٥١) - أخرجه البخاري في كتاب الأدب، باب: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا﴾، حديث (٦٠٦٦) (١٠/ ٤٨٤). ومسلم في كتاب البر والصلة، باب: تحريم الظن والتجسس والتنافس والتناجش ونحوهما، حديث (٢٨/ ٢٥٦٣) (١٦/ ١٧٩). وأبو داود في كتاب الأدب، باب: في الظن، حديث (٤٩١٧) (٤/ ٢٨٠) كلهم من طريق مالك، لكن رواه عن مالك عند أبي داود عبد الله بن مسلمة.\n(^٥٢) - أخرجه مسلم في كتاب: البر والصلة، باب: تحريم التحاسد والتباغض والتدابر، حديث (٢٣/ ٢٥٥٩) (١٦/ ١٧٥). والترمذي في كتاب: البر والصلة، باب: ما جاء في الحسد، حديث (١٩٣٦) (٦/ ١٧٨)، وقال: حسن صحيح. =\n_________\n[¬١]- سقط من ز.\n[¬٢]- في ز: ابن.\n[¬٣]- سقط من ز.\n[¬٤]- في ز: وغيره والعنسي ثلاثتهم.","vol":"13","page":156},{"text":"المدني، حدثنا إسماعيل بن قيس الأنصاري، حدثني عبد الرحمن بن محمَّد بن أبي الرجال، عن أبيه، عن جده حارثة بن النعمان؛ قال: قال رسول الله ﷺ: \"ثلاث لازمات لأمتي: الطيرة، والحسد، وسوء الظن\". فقال رجل: ما يذهبهن يا رسول الله ممن هُنّ فيه؟ قال: \"إذا حَسَدت فاستغفر الله، وإذا ظننت فلا تحقق، وإذا تَطَيّرت فَأمض [¬١] \" (^٥٣).\nوقال أبو داود: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن زيد قال: أتي ابن مسعود ﵁ برجل، فقيل له: هذا فلان تقطر لحيته خمرًا، فقال عبد الله: إنا قد نُهِينا عن التجسس، ولكن إن يظهر لنا شيء نأخذ به سماه ابن أبي حاتم في رواه الوليد بن عقبة بن أبي معيط (^٥٤).\nقال [¬٢] الإِمام أحمد: حدثنا هاشم، حدثنا ليث، عن إبراهيم بن نشيط [¬٣] الخَوْلاني، عن كعب بن علقمة، عن أبي الهيثم، عن دخين [¬٤] كاتب عقبة، قال: قلت لعقبة: إن لنا جيرانًا يشربون الخمر، وأنا داع لهم الشُّرطَ فيأخذونهم. قال: لا تفعل، ولكن عظهم وتهددهم. قال: ففعل فلم ينتهوا. قال: فجاءه دُخَين [¬٥] فقال: إني قد [¬٦] نهيتهم فلم ينتهوا، وإني داع لهم الشرط فتأخذهم. فقال له عقبة: ويحك لا تفعل، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"من ستر عورة مؤمن فكأنما استحيا موءودة من قبرها\" (^٥٥) ورواه أبو داود والنسائي من حديث الليث بن سعد به نحوه (^٥٦).\n_________\n= والحديث أخرجه البخاري (٦٠٦٧)، ومسلم (٢٣/ ٢٥٥٩) كلاهما من طريق مالك عن الزهريّ عن أنس بنحوه.\n(^٥٣) - أخرجه الطبراني (٣/ ٢٥٨) برقم (٣٢٢٧). قال الهيثمي في \"المجمع\" (٨/ ٨١): رواه الطبراني وفيه: إسماعيل بن قيس الأنصاري وهو ضعيف.\n(^٥٤) - إسناده صحيح، رجاله ثقات رجال الشيخين، وأخرجه أبو داود في كتاب الأدب، باب: النهي عن التجسس، حديث (٤٨٩٠) (٤/ ٢٧٢ - ٢٧٣). وصححه الألباني في صحيح أبي داود برقم (٤٠٩٠).\n(^٥٥) - إسناده ضعيف؛ من أجل أبي الهيثم؛ قال ابن حجر في التهذيب (٢/ ٦٨١): مقبول، أي عند المتابعة وإلا فلين. والحديث أخرجه أحمد (٤/ ١٥٣) (١٧٤٤٤)، وانظر التالي.\n(^٥٦) - إسناده ضعيف كسابقه، وأخرجه أبو داود في كتاب الأدب، باب: في الستر عن المسلم، حديث (٤٨٩٢) (٤/ ٢٧٣). والنسائي في الكبرى في كتاب: الرجم، باب: الترغيب في ستر العورة، حديث (٧٢٨٣) (٤/ ٣٠٧ - ٣٠٨). وضعفه الألباني في الضعيفة برقم (١٢٦٥).\n_________\n[¬١]- في ز: فأغض.\n[¬٢]- في ز: وقال.\n[¬٣]- في ز: مشيط.\n[¬٤]- في ز: دحين.\n[¬٥]- في ز: دحين.\n[¬٦]- سقط من ز.","vol":"13","page":157},{"text":"وقال سفيان الثوري، عن ثور، عن راشد بن سعد، عن معاوية؛ قال: سمعت النبي ﷺ، يقول: \"إنك إن اتبعت عورات الناس أفسدتهم، أو: كدت أن تفسدهم\". فقال أبو الدرداء: كلمة سمعها معاوية من رسول الله ﷺ نفعه الله بها. رواه أبو داود منفردا [¬١] به من حديث الثوري، به (^٥٧).\nوقال أبو داود أيضًا: حدثنا سعيد بن عَمْرو الحضرمي، حدثنا إسماعيل بن عياش، حدثنا ضمضم بن زرعة، عن شريح بن عبيد، عن جبير بن نفير، وكَثِير بن مرة، وعمرو بن الأسود، والمقدام بن معد يكرب، وأبي أمامة، عن النبي ﷺ، قال: \"إن الأمير [¬٢] إذا ابتغى الريبة [¬٣] في الناس، أفسدهم\" (^٥٨).\n﴿وَلَا تَجَسَّسُوا﴾ أي: على بعضكم بعضًا. والتجسس غالبًا يطلق في الشر، ومنه الجاسوس. وأما التحسس فيكون غالبًا في الخير، كما قال تعالى إخبارًا عن يعقوب أنه قال: ﴿يَابَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ﴾، وقد يستعمل كل منهما في الشر، كما ثبت في الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: \"لا تجسسوا ولا تحسسوا ولا تباغضوا ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانًا\" (^٥٩).\nوقال الأوزاعي: التجسس: البحث عن الشيء. والتحسس: الاستماع إلى حديث القوم وهم له كارهون، [أن يستمع على أدبارهم] [¬٤]. والتدابر: الصَّرْم. رواه ابن أبي حاتم [عنه] [¬٥].\nوقوله: ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾: فيه نهي عن الغيبة، وقد فسرها الشارع كما جاء في الحديث الذي رواه أبو داود: حدثنا القعنبي، حدثنا عبد العزيز بن محمَّد، عن\n_________\n(^٥٧) - إسناده صحيح، وأخرجه أبو داود في كتاب الأدب، باب: في النهي عن التجسس حديث (٤٨٨٨) (٤/ ٢٧٢). وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود برقم (٤٠٨٨).\n(^٥٨) - أخرجه أبو داود في الموضع السابق برقم (٤٨٨٩)، وفيه سعيد بن عمرو الحضرمي، قال عنه الحافظ في التقريب: مقبول: أي عند المتابعة وإلا فلين. لكن يشهد له الحديث الذي قبله. والحديث صححه الألباني في صحيح سنن أبي داود برقم (٤٠٨٩) بما قبله.\n(^٥٩) - أخرجه البخاري في كتاب الأدب، باب: ما ينهي عن التحاسد والتدابر\"، حديث (٦٠٦٤) (١٠/ ٤٨١). ومسلم في كتاب: البر والصلة، باب: تحريم الظن والتجسس، حديث (٢٨/ ٢٥٦٣) (١٦/ ١٧٩). كلاهما من حديث أبي هريرة ﵁.\n_________\n[¬١]- في ز: متفردًا.\n[¬٢]- في ز: الأمر.\n[¬٣]- في ز: القرينة.\n[¬٤]- في ت: أو يتسمع على أبوابهم.\n[¬٥]- سقط من ت.","vol":"13","page":158},{"text":"العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة؛ قال: قيل: يا رسول الله، ما الغيبة؟ قال: \"ذكرك أخاك بما يكره\". قيل: أفرأيت أن كان في أخي ما أقول؟ قال: \"إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فية ما قول فقد بَهَتَّه\" (^٦٠).\nورواه الترمذي عن قتيبة عن الدراوردي، به (^٦١). وقال: \"حسن صحيح\". ورواه ابن جرير عن بندار عن غندر عن شعبة عن العلاء (^٦٢). وهكذا قال ابن عمر، ومسروق، وقتادة، وأبو إسحاق، ومعاوية بن قرة.\nوقال أبو داود: حدثنا مسدد، حدثنا يحيى، عن سفيان [¬١] حدثني علي بن الأقمر [¬٢]، عن أبي حذيفة، عن عائشة، قالت: قلت [¬٣] للنبي ﷺ: حسبك من صفية كذا وكذا! -قال غير مسدد: تعني قصيرة- فقال: \"لقد قلت كلمة لو مُزجت بماء البحر لَمَزَجَتْه\". قالت: وحكيت له إنسانًا فقال ﷺ: \"ما أحب أني حكيت إنسانًا وإن لي كذا وكذا\" (^٦٣).\nورواه الترمذي من حديث يحيى القطان، وعبد الرحمن بن مهدي، ووكيع، ثلاثتهم عن سفيان الثوري، عن علي بن الأقمر، عن أبي حذيفة سلمة بن صُهَيبة الأرحبي، عن عائشة به. وقال: \"حسن صحيح\" (^٦٤).\nوقال ابن جرير: حدثني ابن أبي الشوارب: حدثنا عبد الواحد بن زياد، حدثنا سليمان الشيباني، حدثنا حسان بن الخارق أن امرأة دخلت على عائشة، فلما قامت لتخرج أشارت عائشة بيدها إلى النبي ﷺ أي: إنها قصيرة - فقال النبي صلى الله عليه\n_________\n(^٦٠) - صحيح، أخرجه أبو داود في كتاب الأدب، باب: في الغيبة، حديث (٤٨٧٤) (٤/ ٢٦٩). والحديث بنحوه عند مسلم في كتاب البر والصلة، باب: تحريم الغيبة، حديث (٧٠/ ٢٥٨٩) (١٦/ ٢١٤) من طريق إسماعيل عن العلاء عن أبيه عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا.\n(^٦١) - أخرجه الترمذي في كتاب البر والصلة، باب: ما جاء في الغيبة، حديث (١٩٣٥) (٦/ ١٧٨). قال الترمذي: حديث حسن صحيح.\n(^٦٢) - أخرجه الطبري (٢٦/ ١٣٦).\n(^٦٣) - إسناده صحيح، وأخرجه أبو داود في كتاب الأدب، باب: في الغيبة، حديث (٤٨٧٥) (٤/ ٢٦٩)\n(^٦٤) - إسناده صحيح، وأخرجه الترمذي في كتاب: صفة القيامة، باب: تحريم الغيبة، حديث (٢٤٠٥) (٧/ ١٩٢ - ١٩٤).\n_________\n[¬١]- في ز: بياض.\n[¬٢]- في ز: الأحمر.\n[¬٣]- سقط من ز.","vol":"13","page":159},{"text":"وسلم: \"اغتبتيها\" (^٦٥).\nوالغيبة محرمة بالإِجماع، ولا يستثنى من ذلك إلا ما رَجحت مصلحته، كما في الجرح والتعديل والنصيحة، كقوله ﷺ لما استأذن عليه ذلك الرجل الفاجر: \"ائذنوا لي، بئس أخو العشيرة\" (^٦٦). وكقوله لفاطمة بنت قيس وقد خطبها معاوية وأبو الجهم: \"أما معاوية فصُعلوك، وأما أبو الجهم فلا يضع عصاه عن عاتقه\" (^٦٧). وكذا ما جَرَى مجرى ذلك. ثم بقيتها على التحريم الشديد، وقد ورد فيها الزجر الأكيد، ولهذا شبهها تعالى بأكل اللحم من الإِنسان الميت، كما قال تعالى: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ أي: كما تكرهون هذا طبعًا [¬١]، فاكرهوا ذاك شرعًا، فإن عقوبته أشد من هذا. وهذا من التنفير عنها والتحذير منها، كما قال ﵇ في العائد في هبته: \"كالكلب يقيء ثم يرجع في قيئه\" (^٦٨)، وقد قال: \"ليس لنا مثل السوء\" (^٦٩). وثبت في الصحاح والحسان والمسانيد من غير وجه أنه ﵇ قال في خطبة الوداع: \"إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا\" (^٧٠).\n_________\n(^٦٥) - أخرجه الطبري في \"تفسيره\" (١٦/ ١٣٦) وفيه حسان بن مخارق ذكره ابن أبي حاتم في \"الجرح والتعديل\" (٣/ ٢٣٥) ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلا، وبقية رجاله ثقات.\n(^٦٦) - أخرجه البخاري في كتاب الأدب، باب: ما جوز من اغتياب أهل الفساد والريب، حديث (٦٠٥٤) (١٠/ ٤٧١)، ومسلم في كتاب: البر والصلة، كتاب: مداراة من يتقى فحشه، حديث (٧٣/ ٢٥٩١) (١٦/ ٢١٧).\nكلاهما من حديث عائشة ﵂.\n(^٦٧) - أخرجه مسلم في صحيحه في كتاب: الطلاق، باب: المطلقة ثلاثًا لا نفقة لها، حديث (٣٦/ ١٤٨٠) (١٠/ ١٣٤ - ١٣٨)، (٤٧، ٤٨/ ١٤٨٠) (١٠/ ١٤٧، ١٤٨).\n(^٦٨) - أخرجه البخاري في كتاب: الهبة، باب: لا يحل لأحد أن يرجع في هبته وصدقته، حديث (٢٦٢٢) (٥/ ٢٣٥)، ومسلم في كتاب \"الهبات\"، باب: تحريم الرجوع في الصدقة والهبة، حديث (٥/ ١٦٢٢ وما بعده) (١١/ ٩٢ - ٩٤). كلاهما من حديث ابن عباس.\n(^٦٩) - أخرجه البخاري وهو جزء من الحديث السابق.\n(^٧٠) - متفق عليه من حديث أبي بكرة ﵁ أخرجه البخاري في كتاب: العلم، باب: قول النبي ﷺ \"رب مبلغ أوعى من سامع\" حديث (٦٧) (١/ ١٥٧ - ١٥٨)، وأطرافه في [١٠٥، ١٧٤١، ٣١٩٧، ٤٤٠٦، ٤٦٦٢، ٥٥٥٠، ٧٠٧٨، ٧٤٤٧]. ومسلم في كتاب: القسامة والمحاربين والقصاص والديات، باب: تغليظ تحريم الدماء والأعراض والأموال، حديث (٢٩، ٣٠/ ١٦٧٩) (١١/ ٢٤١ - ٢٤٧).\n_________\n[¬١]- سقط من ز.","vol":"13","page":160},{"text":"وقال أبو داود: حدثنا واصل بن عبد الأعلى، حدثنا أسباط بن محمَّد، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: \"كل المسلم على المسلم حرام: ماله وعرضه ودمه، حسب امرِئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم\" (^٧١).\nورواه الترمذي عن عُبَيد بن أسباط بن محمَّد، عن أبيه، به (^٧٢). وقال: \"حسن غريب\".\nوحدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا الأسود بن عامر، حدثنا أبو بكر بن عياش، عن الأعمش، عن سعيد بن عبد الله بن جُرَيج [¬١]، عن أبي بَرْزَةَ الأسلمي؛ قال: قال رسول الله ﷺ: \"يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإِيمان قلبه، لا تغتابوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من يتبع عوراتهم يتبع الله عورته، ومن يتبع الله عورته يفضحه في بيته\". تفرد به أبو داود (^٧٣).\nوقد روي من حديث البراء بن عازب، فقال الحافظ أبو يعلى في مسنده: حدثنا إبراهيم بن دينار، حدثنا مصعب بن سلام، عن حمزة بن حبيب [¬٢] الزيات، عن أبي إسحاق [] [¬٣] السبيعي، عن البراء بن عازب؛ قال: خطبنا رسول الله ﷺ حتى أسمع العواتق في بيوتها -أو قال: في خدورها [¬٤]- فقال: \"يا معشر من آمن بلسانه، لا تغتابوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من يتبع عروة أخيه يتبع الله عورة، ومن يتبع الله عورته يفضحه في جوف بيته (^٧٤).\n_________\n(^٧١) - إسناده صحيح، وأخرجه أبو داود في كتاب الأدب، باب: في الغيبة، حديث (٤٨٨٢) (٤/ ٢٧٠).\n(^٧٢) - والترمذي في كتاب: البر والصلة، باب: \"ما جاء في شفقة المسلم على المسلم، حديث (١٩٢٨) (٦/ ١٧٤). والحديث بنحوه عند مسلم في كتاب: البر، كتاب: تحريم ظلم المسلم وخذله، حديث (٣٢/ ٢٥٦٤) (١٦/ ١٨٢).\n(^٧٣) - إسناده حسن، سعيد بن عبد الله بن جريج صدوق ربما وهم. والحديث أخرجه أبو داود في كتاب الأدب يأتي: في الغيبة، حديث (٤٨٨٠)\nوذكره الألباني في صحيح أبي داود، وقال: حسن صحيح.\n(^٧٤) - أخرجه أبو يعلى (٣/ ٢٣٧ - ٢٣٨) برقم (١٦٧٥)، وهو شاهد لما قبله.\nقال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (٨/ ٩٦)، رواه أبو يعلى ورجاله ثقات.\n_________\n[¬١]- في ز: خديج.\n[¬٢]- في ز: حنيف.\n[¬٣]- في ز: الزيات.\n[¬٤]- في ز: خدرها.","vol":"13","page":161},{"text":"(طريق أخرى)، عن ابن عمر، قال أبو بكر أحمد بن إبراهيم الإِسماعيلي: أخبرنا عبد الله بن ناجية، حدثنا يحيى بن أكثم، حدثنا الفضل بن موسى الشيباني، عن الحسين بن واقد، عن [أوفى بن دلهم] [¬١]، عن نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ؛ قال: \"يا معشر من آمن بلسانه ولم يُفْضِ الإِيمانُ إلى قلبه، لا تغتابوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم؛ فإنه من يتبع عورات المسلمين يتبع الله عورته، ومن يتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف رحله\". قال: ونظر ابن عمر يومًا إلى الكعبة فقال: ما أعظمك وأعظم حرمتك، ولَلْمؤمن أعظمُ حرمة عند الله منك.\nقال أبو داود: وحدثنا حيوة بن شريح، حدثنا بقية، عن ابن [¬٢] ثوبان، عن أبيه، عن مكحول، عن وقاص بن ربيعة، عن المستورد أنه حدثه: أن النبي ﷺ؛ قال: \"من أكل برجل مسلم أكلة فإن الله يطعمه مثلها في جهنم، ومن كُسي ثوبًا برجل مسلم فإن الله يكسوه مثله في جهنم. ومن قام برجل مقام سمعة ورياء فإن الله يقوم به مقام سمعة ورياء يوم القيامة\". تفرد به أبو داود (^٧٥).\nوحدثنا ابن مصفى، حدثنا بقية وأبو المغيرة، قالا [¬٣]: حدثنا صفوان، حدثني راشد بن سعد وعبد الرحمن بن جبير، عن أنس بن مالك؛ قال: قال رسول الله ﷺ: \"لما عُرج بي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون وجوههم وصدورهم، قلت: من هؤلاء يا جبريل [¬٤]؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس، ويقعون في أعراضهم\".\nتفرد به أبو داود (^٧٦)، وهكذا رواه الإمام أحمد، عن أبي المغيرة عبد القدوس بن الحجاج الشامي به (^٧٧).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أحمد بن عبدة، حدثنا أبو عبد الصمد عبد\n_________\n(^٧٥) - أخرجه أبو داود في كتاب: الأدب، باب: في الغيبة، حديث (٤٨٨١) وفيه مكحول وقد أطلق الذهبي أنه كان يدلس، وبقية بن الوليد مدلس أيضًا وقد عنعنا، إلا أن الشيخ الألباني صححه بطرقه في السلسلة الصحيحة برقم (٩٣٤).\n(^٧٦) - إسناده حسن، من أجل ابن مصفى فإنه صدوق له أوهام، وقد شرح بالتحديث، وأبو المغيرة تابع بقية، وعبد الرحمن بن جبير تابع راشد بن سعد.\nوالحديث أخرجه أبو داود في كتاب: الأدب، باب: في الغيبة، حديث (٤٨٧٨) (٤/ ٢٦٩ - ٢٧٠).\n(^٧٧) - أخرجه أحمد (٣/ ٢٢٤) برقم (١٣٣٦٤).\n_________\n[¬١]- في ز: أول بن وهم.\n[¬٢]- سقط من ز.\n[¬٣]- سقط من ز.\n[¬٤]- في ت: جبرائيل.","vol":"13","page":162},{"text":"العزيز بن عبد الصمد العمي، حدثنا أبو هارون العَبْديّ، عن أبي سعيد الخدري؛ قال: قلنا: يا رسول الله، حَدثنا ما رأيت ليلةَ أسريَ بك؟ … قال: \"ثم انطلق بي إلى خلق من خلق الله كثير، رجال ونساء مُوَكَّل بهم رجال يعمدون إلى عُرْض جَنب أحدهم فَيَحْدُون منه الحُذْوَة من مثل النعل ثم يضعونه في فيّ أحدهم، فيقال له: كل كما أكلت. وهو يجد من أكله الموت -يا محمَّد- لو [¬١] يجد الموت وهو يكره عليه. فقلت: يا جبريل [¬٢] من هؤلاء؟ قال: هؤلاء الهمازون اللمازون أصحاب النميمة. فيقال: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ وهو يكره على أكل لحمه … (^٧٨).\nهكذا أورد هذا الحديث، وقد سقناه بطوله في أول تفسير \"سورة سبحان\" ولله الحمد.\nوقال أبو داود الطيالسي في مسنده: حدثنا الربيع، عن يزيد، عن أنس؛ أن رسول الله ﷺ أمر الناس أن يصوموا يومًا ولا يُفطِرَن أحد حتى آذن له. فصام الناس فلما أمسوا [¬٣] جعل الرجل يجيء إلى رسول الله ﷺ فيقول: ظللت [¬٤] منذ اليوم صائمًا، فائذن لي فأفطرَ. فيأذن له، ويجيء الرجل فيقول ذلك، فيأذن له، حتى جاء رجل فقال: يا رسول الله، إن فتاتين من أهلك ظلتا منذ اليوم صائمتين، فائذن لهما فَلْيفطرا. فأعرض عنه، ثم أعاد، فقال رسول الله ﷺ: \"ما صامتا، وكيف صام من ظل يأكل لحوم الناس؟! اذهب فمرهما إن كانتا صائمتين أن يستقيئا\". ففعلتا، فقاءت كل واحدة منهما عَلَقة علقَةً [¬٥] فأتى النبي ﷺ فأخبره، فقال رسول الله ﷺ: \"لو ماتتا وهما فيهما لأكلتهما النار\" (^٧٩).\nإسناد ضعيف، ومتن غريب. وقد رواه الحافظ البيهقي من حديث يزيد بن هارون: حدثنا سليمان التيمي؛ قال: سمعت رجلًا يحدث في مجلس أبي عثمان النهدي عن عبيد مولى رسول الله أن امرأتين صامتا على عهد رسول الله ﷺ وأن رجلًا أتى رسول الله فقال: يا رسول الله، إن هاهنا امرأتين صامتا، وإنهما كادتا تموتان من\n_________\n(^٧٨) - إسناده ضعيف، أبو هارون العبدي متروك ومنهم من كذبه.\n(^٧٩) - إسناده ضعيف، يزيد وهو بن أبان الرقاشي زاهد ضعيف.\nوأخرجه الطيالسي في مسنده (ص ٢٨٢) برقم (٢١٠٧).\n_________\n[¬١]- في ز: وهو.\n[¬٢]- في ت: جبرائيل.\n[¬٣]- في ز: أمنوا.\n[¬٤]- سقط من ز.\n[¬٥]- سقط من ز.","vol":"13","page":163},{"text":"العطش -أرَاهُ قال: بالهاجرة- فأعرض عنه -أو: سكت عنه- فقال: يا نبي الله؛ إنهما -والله- قد ماتتا أو كادتا تموتان. فقال: \"ادعهما\". فجاءتا، قال: فجيء بقدح -أو عُسّ- فقال لإِحداهما: \"قيئي\". فقاءت من قيح ودم وصديد، حتى قاءت نصف القدح. ثم قال للأخرى: قيئي. فقاءت قيحًا ودمًا وصديدًا ولحمًا ودمًا عَبيطا وغيره حتى ملأت الفدح. فقال: \"إن هاتين صامتا عما أحل الله لهما، وأفطرتا على ما حرم الله عليهما، جلست إحداهما إلى [¬١] الأخرى فجعلتا تأكلان لحوم الناس\" (^٨٠).\nوهكذا قد رواه الإمام أحمد عن يزيد بن هارون، وابن أبي عدي كليهما [¬٢] عن سليمان بن طرخان [¬٣] التيمي به مثله أو نحوه (^٨١).\nثم رواه أيضًا من حديث مسدد، عن يحيى القطان، عن عثمان بن غياث، حدثني رجل أظنه في حلقة أبي عثمان، عن سعد مولى رسول الله ﷺ؛ أنهم أمروا بصيام، فجاء رجل في نصف النهار فقال: يا رسول الله؛ فلانة وفلانة قد بلغتا الجهد. فأعرض عنه مرتين أو ثلاثًا، ثم قال: \"ادعهما\". فجاء بعُسٍّ -أو: قَدَح- فقال لأحداهما: \"قيئي\". فقاءت لحْمًا ودَمًا عبيطًا وقيحًا، وقال للأخرى مثل ذلك، فقال: \"إن هاتين صامتا عما أحل الله لهما، وأفطرتا على ما حرم الله عليهما، أتت إحداهما للأخرى فلم تزالا تأكلان لحوم الناس حتى امتلأت أجوافهما قيحًا\" (^٨٢).\nقال البيهقي: كذا قال عن سعد، والأول -وهو عبيد- أصح.\nوقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا عمرو بن الضحاك بن مخلد، حدثنا أبي أبو عاصم، حدثنا ابن جريج، أخبرني أبو الزبير عن ابن عَمّ لأبي هريرة أن ماعزًا جاء إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله؛ إني قد زنيت. فأعرض عنه -قالها أربعا- فلما كان في الخامسة قال: \"زنيت؟ \". قال: نعم. قال: \"وتدري ما الزنا\"؟ قال: نعم، أتيت منها حراما ما يأتي الرجل من امرأته حلالًا. قال: \"ما تريد إلى هذا\n_________\n(^٨٠) - إسناده ضعيف؛ لجهالة الرجل الذي يحدث في مجلس أبي عثمان. وأخرجه البيهقي في دلائل النبوة (٦/ ١٨٦، ١٨٧).\n(^٨١) - وأحمد (٥/ ٤٣١) برقم (٢٣٧٦٥). قال الهيثمي في \"المجمع\" (٣/ ١٧٤): رواه أحمد كله ورواه أبو يعلى نحوه (٣/ ١٤٦ - ١٤٧) وفيه رجل لم يسم.\n(^٨٢) - وأخرجه أحمد (٥/ ٤٣١) برقم (٢٣٧٦٧)، (٥/ ٤٣٢) برقم (٢٣٧٧٤) من طريقين آخرين إلا أن مدار الحديث على هذا الرجل المجهول.\n_________\n[¬١]- في ز: على.\n[¬٢]- في ز: كلاهما.\n[¬٣]- في ز: طوعان.","vol":"13","page":164},{"text":"القول\"؟ قال: أريد أن تطهرني. قال: فقال رسول الله ﷺ: \"أدخلتَ ذلك منك في ذلك منها كما يغيب الميل في المكحلة والعصا [¬١]، في البئر؟ \". قال: نعم، يا رسول الله. قال: فأمر برجمه فرُجِمَ، فسمع النبي ﷺ رجلين يقول أحدهما لصاحبه: ألم تر إلى هذا الذي ستر الله عليه فلم تدعه نفسه حتى رُجِم رجم الكلب. ثم سار النبي ﷺ حتى مَرّ بجيفة حمار فقال: \"أين فلان وفلان؟ انزلا فكلا من جيفة هذا الحمار\". قالا: غفر الله لك يا رسول الله، وهل يؤكل هذا؟ قال: فما نلتما من أخيكما آنفًا أشد أكلًا منه\". والذي نفسي بيده إنه الآن لفي أنهار الجنة ينغمس فيها\" (^٨٣).\nوقال الإِمام أحمد: حدثنا عبد الصمد، حدثني أبي، حدثنا واصل مولى ابن عيينة حدثني خالد بن عرفطة، عن طلحة بن نافع، عن جابر بن عبد الله؛ قال: كنا مع النبي ﷺ فارتفعت ريح جيفة منتنة، فقال رسول الله ﷺ: \"أتدرون ما هذه الريح؟ هذه ريح الذين يغتابون المؤمنين [¬٢] \" (^٨٤).\nطريق أخرى، قال عَبْد بن حُمَيد في مسنده: حدثنا إبراهيم بن الأشعث، حدثنا الفُضَيل بن عياض، عن سليمان، عن [¬٣] أبي سفيان -وهو طلحة بن نافع- عن جابر؛ قال: كنا مع النبي ﷺ في سفر فهاجت ريح منتنة، فقال النبي ﷺ: \"إن نفرًا من المنافقين اغتابوا ناسًا من المسلمين، فلذلك بعثت هذه الريح\". وربما قال: \"فلذلك هاجت هذه الريح\" (^٨٥).\n_________\n(^٨٣) - إسناده ضعيف، من أجل عبد الرحمن بن الصامت، وهو ابن عم أبي هريرة ﵁ قال عنه الحافظ في التقريب: مقبول، أي عند المتابعة وإلا فلين. والحديث أخرجه من طريق ابن جريج أيضًا: أبو داود في كتاب \"الحدود\" باب: رجم ماعز بن مالك، حديث (٤٤٢٨) (٤/ ١٤٨). والنسائي في الكبرى في: الرجم، باب: ذكر استقصاء الإمام على المعترف عنده بالزنا، حديث (٧١٦٤)، (٧١٦٥) (٤/ ٢٧٦ - ٢٧٧). وابن حبان (٤٣٩٩) (١٠/ ٢٤٤ - ٢٤٥)، والدارقطني (٣/ ١٩٦، ١٩٧) في كتاب الحدود (٣٣٩)، والبيهقي (٨/ ٢٧٧) في كتاب الحدود، باب: من قال: لا يقام عليه الحد حتى يعترف أربع مرات. والحديث ذكره الزيلعي في \"نصب الراية\" (٣/ ٣٠٨ - ٣٠٩)، وأعله بعبد الرحمن هذا، وقال: قال البخاري: وعبد الرحمن بن الصامت لا أراه محفوظًا. وضعفه الألباني في الإرواء برقم (٢٣٥٤).\n(^٨٤) أخرجه أحمد (٣/ ٣٥٠) برقم (١٤٨٢٧).\nوفيه خالد بن عرفطة وهو: مجهول، لكنه لم يتفرد به بل قاله أبو سفيان كما في الحديث التالي.\n(^٨٥) - حديث حسن. =\n_________\n[¬١]- في ت: والرشاء.\n[¬٢]- سقط من ز.\n[¬٣]- في ز: بن.","vol":"13","page":165},{"text":"وقال السدي في قوله: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيتًا﴾: زعم أن سلمان [¬١] الفارسي كان مع رجلين من أصحاب النبي ﷺ [في سفر] [¬٢] يخدمهما ويخف لهما، وينال من طعامهما، وأن سلمان لما سار الناس ذات يوم وبقي سلمان نائمًا، لم يسر معهم، فجعل صاحباه يكلمانه [¬٣] فلم يجداه، فضربا الخباء فقالا: ما يريد سلمان -أو [¬٤]: هذا العبد- شيئًا غير هذا: أن يجيء إلى طعام مقدور، وخباء مضروب! فلما جاء سلمان أرسلاه إلى رسول الله ﷺ يطلب لهما إدامًا، فانطلق فأتى رسول الله ومعه قَدَح له، فقال: يا رسول الله، بعثني أصحابي لتؤدمهم إن كان عندك؟ قال: \"ما يصنع أصحابك بالأدم؟ قد ائتدموا\". فرجع سلمان يخبرهما بقول رسول الله ﷺ فانطلقا حتى أتيا رسول الله ﷺ فقالا: لا، والذي بعثك بالحق ما أصبنا طعامًا منذ نزلنا. قال: \"إنكما قد ائتدمتما بسلمان بقولكما\". قال: ونزلت: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيتًا﴾، إنّه كان نائمًا (^٨٦).\nوروى الحافظ الضياء المقدسي [¬٥] في كتابه \"المختارة\" [¬٦] من طريق حَبَّان [¬٧] بن هلال، عن حماد [¬٨] بن سلمة، عن ثابت، عن أنس بن مالك؛ قال: كانت العرب تخدم بعضها بعضًا في الأسفار، وكان مع أبي بكر وعمر رجل يخدمهما، فناما فاستيقظا ولم يهيئ لهما طعامًا، فقالا: إن هذا لنئوم [¬٩]؛ فأيقظاه فقالا له: ائت رسول الله فقل له أن أبا بكر وعمر يقرئانك السلام، ويستأدمانك. فقال: \"إنهما قد ائتدما\". فجاءا فقالا: يا رسول الله، بأي شيء ائتدمنا؟ فقال: \"بلحم أخيكما، والذي نفسي بيده إني لأرى لحمه بين ثناياكما\". فقالا: استغفر لنا يا رسول الله. فقال: \"مرَاه فليستغفر لكما\".\nوقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا الحكم [¬١٠] بن موسى، حدثنا محمَّد بن مسلم، عن\n_________\n= أخرجه عبد بن حميد كما في \"المنتخب\" (ص ٣١٥) برقم (١٠٢٨).\nوقد تابع فيه أبو سفيان وهو: طلحة بن نافع خالد بن عرفطة وهو صدوق، غير أنه من طريق إبراهيم بن الأشعث البخاري، إلا أن إبراهيم لم يتفرد به بل تابعه مسدد عند البخاري في الأدب المفرد (٧٣٣).\nوالحديث حسنه الألباني في صحيح الأدب المفرد، وفي غاية المرام وقم (٤٢٩).\n(^٨٦) - أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره كما في الدر المنثور للسيوطي (٦/ ١٠٢).\n_________\n[¬١]- في ز: سليمان.\n[¬٢]- سقط من ز.\n[¬٣]- في ز: يكلماه.\n[¬٤]- في ز: أن.\n[¬٥]- في ز: الذي.\n[¬٦]- في ز: المختار.\n[¬٧]- في ز: حسان.\n[¬٨]- بياض في ز.\n[¬٩]- في ز: \"ليواتيهم يوم بينكم\".\n[¬١٠]- في ز: الحاكم.","vol":"13","page":166},{"text":"محمَّد بن إسحاق، عن عمه موسى بن يسار، عن أبي هريرة؛ قال: قال رسول الله ﷺ: \"من أكل من لحم أخيه في الدنيا، قرب له لحمه في الآخرة، ليقال له: كله ميتًا كما أكلته حيًّا\". قال: \"فيأكله ويَكْلَح ويصيح\" (^٨٧) غريب جدًّا.\nوقوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ أي: فيما أمركم به ونهاكم عنه، فراقبوه في ذلك واخشوا منه، ﴿إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾، أي: تواب على من تاب إليه، رحيم بمن رجع إليه، واعتمد عليه.\nقال الجمهور من العلماء: طريق المغتاب للناس في توبته أن يقلع عن ذلك، ويعزم على أن لا يعود. وهل يشترط الندم على ما فات؟ فيه نزاع، وأن يتحلل من الذي اغتابه. وقال آخرون: لا يشترط أن يتحللَّه فإنه إذا أعلمه بذلك ربما تأذى أشد مما إذا لم يعلم بما كان منه، فطريقه إذًا أن يثني عليه بما فيه في المجالس التي كان يذمه فيها، وأن يرد عنه الغيبة بحسبه وطاقته، فتكون تلك بتلك، كما قال الإِمام أحمد:\nحدثنا أحمد بن الحجاج، أخبرنا [¬١]ـ عبد الله، أخبرنا [يحيى بن] [¬٢] أيوب، عن عبد الله بن سليمان؛ أن إسماعيل بن يحيى المعافري أخبره أن سهل بن معاذ بن أنس الجهني أخبره، عن أبيه، عن النبي ﷺ؛ قال: \"من حمى مؤمنًا من منافق يعيبه [¬٣]، بعث الله إليه [¬٤] ملكًا يحمي لحمه يوم القيامة من نار جهنم. ومن رمى مؤمنًا بشيء يريد شينه [¬٥]، حبسه الله على جسر جهنم حتى يخرج مما [¬٦] قال\" (^٨٨).\nوكذا رواه أبو داود من حديث عبد الله -وهو ابن المبارك- به بنحوه (^٨٩).\n_________\n(^٨٧) - وإسناده ضعيف؛ لعنعنة ابن إسحاق وأخرجه الطبراني في \"الأوسط\" (٢/ ١٨٢) (١٦٥٦) من طريق محمَّد بن مسلمة بهذا الإسناد. قال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (٨/ ٩٥): رواه الطبراني في الأوسط وفيه ابن إسحاق وهو مدلس.\n(^٨٨) - إسناده ضعيف، من أجل إسماعيل بن يحيى المعافري فإنه مجهول كما في التقريب. والحديث أخرجه أحمد (٣/ ٤٤١) برقم (١٥٦٩١).\n(^٨٩) - سنن أبي داود كتاب: الأدب، باب: من رد عن مسلم غيبة، حديث (٤٨٨٣) (٤/ ٢٧٠ - ٢٧١). وحسنه الألباني في صحيح أبي داود برقم (٤٠٨٦).\n_________\n[¬١]- في ز: حدثنا.\n[¬٢]- بياض في ز.\n[¬٣]- في ز: يغتبه.\n[¬٤]- بياض في ز.\n[¬٥]- في ز: سبته.\n[¬٦]- في ز: بما.","vol":"13","page":167},{"text":"وقال أبو داود أيضًا: حدثنا إسحاق بن الصباح، حدثنا ابن أبي مريم، أخبرنا الليث: حدثني يحيى بن سليم أنه سمع إسماعيل بن بَشِير؛ يقول: سمعت جابر بن عبد الله، وأبا طلحة بن سهل الأنصاري؛ يقولان: قال رسول الله ﷺ: \"ما من امرئ يخذل امرءًا مسلمًا في موضع تُنتَهك ليه حُرمته ويُنْتَقص فيه من عرضه، إلا خذله الله في مواطن يحب فيها نصرته. وما من امرئ ينصر امرَءًا [¬١] مسلمًا في موضع ينتقص فيه من عرضه، [وينتهك فيه من حرمته] [¬٢]، إلا نصره الله في مواطن يحب فيها نصرته\". تفرد به أبو داود (^٩٠).\n﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (١٣)﴾\nيقول تعالى مخبرًا للناس أنه خلقهم من نفس واحدة، وجعل منها زوجها، وهما آدم وحواء، وجعلهم شعوبًا وهي أعم من القبائل، وبعد [¬٣] القبائل مراتب أخر كالفصائل والعشائر [والعمائر والأفخاذ] [¬٤] وغير ذلك.\nوقيل: المراد بالشعوب بطون العجم، وبالقبائل بطون العرب، كما أن الأسباط بطون بني إسرائيل. وقد لخصت هذا في مقدمة مفردة جمعتها من كتاب \"الإِنباه\" [¬٥] لأبي عمر بن عبد البر، ومن كتاب \" القَصْد والأمم، في معرفة أنساب العرب والعجم\". فجميع الناس في الشرف بالنسبة الطينية [¬٦] إلى آدم وحواء سواء، وإنما يتفاضلون بالأمور الدينية، وهي طاعة الله ومتابعة رسوله ﷺ؛ ولهذا قال تعالى بعد النهي عن الغيبَة واحتقار بعض الناس بعضًا، منبهًا على تساويهم في البشرية: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ أي: ليحصل التعارفُ بينهم، كل يرجع إلى قبيلته.\n_________\n(^٩٠) - إسناده ضعيف.\nأخرجه أبو داود في كتاب: الأدب، باب: من رد عن مؤمن غيبة، حديث (٤٨٨٤) (٤/ ٢٧١).\nوفيه إسماعيل بن بشير، وهو مولى بني مَغَالة، والراوي عنه يحيى بن سليم -وهو ابن زيد- كلاهما مجهولان.\n_________\n[¬١]- سقط من ز.\n[¬٢]- سقط من ز.\n[¬٣]- في ز: ويعرفه.\n[¬٤]- في ز: والعماء والاتخاذ.\n[¬٥]- في ز: الأشباه.\n[¬٦]- في ز: اللطيفة.","vol":"13","page":168},{"text":"وقال مجاهد في قوله: ﴿لِتَعَارَفُوا﴾ كما قال فلان بن فلان من كذا وكذا. أي: من قبيلة كذا وكذا.\nوقال سفيان الثوري: كانت حمير ينتسبون إلى مخاليفها [¬١] وكانت عرب الحجاز ينتسبون إلى قبائلها.\nوقد قال أبو عيسى الترمذي: حدثنا أحمد بن [¬٢] محمَّد، حدلنا عبد الله بن المبارك عن عبد الملك بن عيسى الثقفي، عن يزيد [¬٣] مولى المنبعث عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: \"تَعَلَّموا من أنسابكم ما تصلون به [¬٤] أرحامكم، فإن صلة الرحم مَحَبَّةٌ في الأهل، مَثْرَاة في المال، مَنْسَأة في الأثر\". ثم قال: غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه (^٩١).\nوقوله: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ أي: إنما تتفاضلون عند الله بالتقوى لا بالأحساب. وقد وردت الأحاديث بذلك عن رسول الله ﷺ:\nقال البخاري ﵀: حدثنا محمَّد بن سلام، حدثنا عبدة، عن عبيد الله، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة؛ قال: سئل رسول الله ﷺ: أيّ الناس أكرم؟ قال: \"أكرمهم عند الله أتقاهم\". قالوا: ليس عن هذا نسألك. [قال: \"فأكرم الناس يوسف نبي الله، ابن نبي الله، ابن خليل الله\". قالوا: ليس عن هذا نسألك!] [¬٥]. قال: \"فعن معادن العرب تسألوني؟ قالوا: نعم. قال: \"فخياركم في الجاهلية خياركم في الإِسلام إذا فقهوا\" (^٩٢).\n_________\n(^٩١) - أخرجه الترمذي في كتاب: البر والصلة باب: ما جاء في تعليم النسب، حديث (١٩٨٠) (٦/ ٣٠٠). وفيه عبد الملك بن عيسى الثقفي، قال فيه الحافظ: مقبول -أي عند المتابعة. وضعف الترمذي هذا الحديث قوله: غريب. ولعجز الحديث شاهد في الصحيح من حديث أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ: \"من سره أن يبسط له في رزقه وأن ينسأ له في أثره فليصل رحمه\". أخرجه البخاري في كتاب: الأدب، باب: من بسط له في الرزق بصلة الرحم، حديث (٥٩٨٥) (١٠/ ٤١٥).\n(^٩٢) - أخرجه البخاري في كتاب: التفسير، باب: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ (٧)﴾ [يوسف: ٧]، حديث (٤٦٨٩) (٨/ ٣٦٢).\n_________\n[¬١]- في ز: محاليفها.\n[¬٢]- في ز: حدثنا.\n[¬٣]- في ز: زيد.\n[¬٤]- سقط من ز.\n[¬٥]- ما بين المعكوفين سقط من ز.","vol":"13","page":169},{"text":"وقد رواه البخاري في غير موضع من طرق عن عَبْدَة [¬١] بن سليمان (^٩٣). ورواه النسائي في التفسير من حديث عُبيَد الله -وهو ابن عُمَر العُمَري- به (^٩٤).\n(حديث آخر)، قال مسلم ﵀: حدثنا عَمُرو [¬٢] الناقد، حدثنا كثير بن هشام، حدثنا جعفر بن بُرْقان، عن يزيد بن الأصَمّ، عن أبي هريرة؛ قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إن قلوبكم وأعمالكم\" (^٩٥). ورواه ابن ماجه عن أحمد بن سنان عن كثير بن هشام به (^٩٦).\n(حديث آخر)، وقال الإِمام أحمد: حدثنا وكيع، عن أبي هلال، عن بكر، عن أي [ذر؛ قال] [¬٣]: إن النبي ﷺ قال [] [¬٤]: \"انظر، فإنك لست بخير من أحمر ولا أسود إلا أن تفضله بتقوى\" (^٩٧). تفرد به أحمد.\n(حديث آخر)، وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا أبو عُبَيدة عبد الوارث بن إبراهيم العسكري، حدثنا عبد الرحمن بن عمرو بن جَبَلة، حدثنا عُبيد بن حُنَين الطائي، سمعت محمَّد بن حَبيب بن خَرَاش العَصري [¬٥] يحدث عن أبيه؛ أنه سمع رسول الله ﷺ؛ يقول: \"المسلمون إخوة، لا يفضل لأحد على أحد إلا بالتقوى\" (^٩٨).\n_________\n(^٩٣) - أخرجه البخاري في كتاب: أحاديث الأنبياء، كتاب: قول الله تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾، حديث (٢٣٥٣) (٦/ ٣٨٧) قال: حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا عبيد الله، قال: حدثني سعيد بن أبي سعيد، عن أبيه عن أبي هريرة .. فذكره. وأطرافه في [٣٣٧٤، ٣٣٨٣، ٣٤٩٠].\n(^٩٤) - وأخرجه النسائي في الكبرى في كتاب: التفسير، تفسير سورة يوسف، كتاب: قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ﴾، حديث (١١٢٤٩) (٦/ ٣٦٧).\n(^٩٥) - أخرجه مسلم في كتاب: البر والصلة، باب: تحريم ظلم المسلم وخذله واحتقاره ..، حديث (٣٤/ ٢٥٦٤).\n(^٩٦) - وابن ماجه في كتاب \"الزهد\"، باب: القناعة، حديث (٤١٤٣) (٢/ ١٣٨٨).\n(^٩٧) - مرسل. أخرجه أحمد في مسنده (٥/ ١٥٨) وقم (٢١٤٨٧). قال في جامع التحصيل (١٥٠): بكر بن عبد الله المزني عن أبي ذر، قال أبو حاتم: هو مرسل. قال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (٨/ ٨٧): رواه أحمد ورجاله ثقات، إلا أن بكر بن عبد الله المزني لم يسمع من أبي ذر.\n(^٩٨) - ضعيف جدًّا.\n_________\n[¬١]- في ز: عبيدة.\n[¬٢]- في ز: عمر.\n[¬٣]- في ز: ذكر.\n[¬٤]- في ت: له.\n[¬٥]- في ز: المعصري.","vol":"13","page":170},{"text":"(حديث آخر)، قال أبو بكر البزار في مسنده: حدثنا أحمد بن يحيى الكوفي، حدثنا الحسن بن الحسين، حدثنا قيس -يعني ابن الربيع- عن شبيب بن غرقدة، عن المستظل بن حُصين، عن حذيفة قال: قال رسول الله ﷺ: \"كلكم بنو آدم، وآدم خلق من تراب، ولَيَنْتَهِينَّ قوم يفخرون بآبائهم أو ليكونُنّ أهونَ على الله من الجِعْلان\" (^٩٩). ثم قال: لا نعرفه عن حذيفة إلا من هذا الوجه.\n(حديث آخر)؛ قال ابن أبي حاتم: حدثنا الربيع بن سليمان، حدثنا أسد بن موسى، حدثنا يحيى بن زكريا القطان [¬١]، حدثنا موسى بن عُبيدة، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر؛ قال: طاف رسول الله ﷺ يوم فتح مكة على ناقته القَصواء يستلم الأركان بِمحْجَن في يده، فما وجد لها مُنَاخًا في المسجد حتى نزل ﷺ على أيدي الرجال، فخرج بها إن بطن المسيل فأنيخَت. ثم إن رسول الله ﷺ خَطبهم على راحلته، فحمد الله وأثنى عليه بما هو له أهل ثم قال: \"يا أيها الناس؛ إن الله قد أذهب عنكم عُبَّيّة [¬٢] الجاهلية وبآبائها، فالناس رجلان: رجل بَرّ تقي كريم على الله. وفاجر شقي [¬٣] هين على الله، إن الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (١٣)﴾ \". ثم قال: \"أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم\" (^١٠٠).\nوهكذا رواه عبد بن حميد عن أبي عاصم الضحاك بن مخلد عن موسى بن عبيد به. (^١٠١).\n_________\n= أخرجه الطبراني في \"الكبير\" (٤/ ٢٥) برقم (٣٥٤٧). قال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (٨/ ٨٧): رواه الطبراني وفيه عبد الحميد بن عمرو بن جبله، وهو متروك. قال ابن أبي حاتم في \"الجرح والتعديل\" (٥/ ٢٦٧): كتبت عنه بالبصرة، وكان يكذب فضربت على حديثه.\n(^٩٩) - إسناده ضعيف. أخرجه البزار -كما في مختصر زوائد المسند (١/ ٢٢٤ - ٢٢٥) (١٧٤٦). وقال: الحسن هو العرني: ضعيف. قال الحافظ: وشيخه لين.\n(^١٠٠) - إسناده ضعيف؛ من أجل موسى بن عبيدة قال عنه الحافظ في التقريب: ضعيف ولا سيما في عبد الله بن دينار (٢/ ٥٥٢).\n(^١٠١) - وأخرجه عبد بن حميد في مسنده (ص ٢٥٣ - منتخب) (٧٩٥). ويشهد لبعض معاني الحديث ما رواه أبو داود في كتاب الأدب، باب: في التفاخر بالأحساب، حديث (٥١١٦) (٤/ ٣٣١). والترمذي في كتاب: المناقب، كتاب: فضل الشام واليمن، حديث (٣٩٥٠). =\n_________\n[¬١]- في ز: لفظا.\n[¬٢]- في ز: عتبة.\n[¬٣]- في ز: يتقى.","vol":"13","page":171},{"text":"(حديث آخر)، قال الإِمام أحمد: حدثنا يحيى بن إسحاق، حدثنا ابن لهيعة، عن الحارث بن يزيد، عن علي بن رَبَاح، عن عقبة [¬١] بن عامر؛ أن رسول الله ﷺ، قال [¬٢]: \"إن أنسابكم هذه ليست بمَسبّة على أحد، كلكم بنو آدم طَفَّ الصاع لم يملؤه، ليس لأحد على أحد فضل إلا بدين [¬٣] وتقوى وكفي بالرجل أن يكون بذيًّا [¬٤] بخيلًا فاحشًا (^١٠٢).\nوقد رواه ابن جرير، عن يونس، عن ابن وهب، عن ابن لهيعة به. ولفظه: \"الناس لآدم وحواء، طَفّ الصاع لم يملؤه، إن الله لا يسألكم عن أحسابكم ولا عن أنسابكم يوم القيامة، إن أكرمكم عند الله أتقاكم\" (^١٠٣). وليس هو في شيء من الكتب الستة من هذا الوجه.\n(حديث آخر)، قال الإِمام أحمد: حدثنا أحمد بن عبد الملك، حدثنا شريك، عن سماك، عن عبد الله بن عَميرة زوج دُرة بنة أبي لهب عن درة بنة أبي لهب، قالت: قام رجل إلى النبي ﷺ وهو على المنبر فقال: با رسول الله، أي الناس خير؟ فقال ﷺ: \"خير الناس أقرؤهم، وأتقاهم لله ﷿ وآمرهم بالمعروف، وأنهاههم عن المنكر، وأوصلهم للرحم\" (^١٠٤).\n(حديث آخر)، قال الإِمام أحمد: حدثنا حسن، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا أبو الأسود، عن القاسم بن محمَّد، عن عائشة؛ قالت: ما أعجب رسول الله صلى الله عليه\n_________\n= وكلاهما حسنه الألباني في صحيح السنن من حديث أبي هريرة ﵁.\n(^١٠٢) - حسن إسناد ضعيف، لضعف ابن لهيعة. أخرجه أحمد (٤/ ١٥٨) برقم (١٧٤٩٤)، وأخرجه أيضًا (٤/ ١٤٥) برقم (١٧٣٦١). والطبراني في الكبير (١٧/ ٢٩٥) برقم (٨١٤) من طريقين عن ابن لهيعة. قال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (٨/ ٨٧): رواه أحمد والطبراني، وفيه ابن لهيعة وفيه لين، وبقية رجاله وثقوا.\n(^١٠٣) - إسناده حسن؛ لأن ابن وهب لم يرو عن ابن لهيعة بعد الاختلاط. أخرجه الطبري (٢٦/ ١٤٠).\n(^١٠٤) - إسناد ضعيف. أخرجه أحمد (٦/ ٤٣٢)، والطبراني (٢٤/ ٢٥٧ - ٢٥٨) برقم (٦٥٧). كلاهما من طريق شريك. وفيه شريك بن عبد الله النخعي ضُعّف في الحديث. وعبد الله بن عميرة ذكره ابن حجر في التعجيل، ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا.\nوزوج درة لعله دحية بن خليفة الكلبي، فقد ذكر الحافظ في الإصابة أنه تزوجها بعد مقتل زوجها =\n_________\n[¬١]- في ز: عيينة.\n[¬٢]- سقط من ز.\n[¬٣]- في ت: بلين.\n[¬٤]- في ز: بدنا.","vol":"13","page":172},{"text":"وسلم شيء من الدنيا، ولا أعجبه أحد قُط، إلا ذو تقى. تفرد به أحمد، ﵀ (^١٠٥).\nوقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ أي: عليم بكم، خبير بأموركم، فيهدي من يشاء، ويضل من يشاء، ويرحم من يشاء، ويعذب من يشاء، ويفضل من يشاء على من يشاء، وهو الحكيم العلم الخبير في ذلك كله. وقد استدل بهذه الآية الكريمة، وهذه الأحاديث الشريفة، من ذهب من العلماء إلى أن الكفاءة في النكاح لا تشترط، ولا يشترط سوى الدين، لقوله: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾. وذهب الآخرون إلى أدلة أخرى مذكوره في كتب الفقه، و[قد ذكرنا] [¬١] طرفًا من ذلك في \"كتاب الأحكام\"، ولله الحمد والمنة. وقد [¬٢] روى الطبراني عن عبد الرحمن أنه سمع رجلًا منع بني هاشم يقول: أنا أولى الناس برسول الله. فقال: غيرك أولى به منك ولك منه نسبه [¬٣] (^١٠٦).\n﴿قَالتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥) قُلْ أَتُعَلِّمُونَ\n_________\n= ببدر كافرًا.\nقال ابن الأثير في \"أسد الغابة\" (٧/ ١٠٤): وقد روى عن شريك، عن عبد الله بن عميرة، عن رجل عن زوج درة بنت أبي عن بنت أبي جهل وهو وهم.\nأخرجه الثلاثة. ا هـ.\nقال الهيثمي في \"المجمع\" (٧/ ٢٦٦): رواه أحمد، والطبراني ورجالهما ثقات وفي بعضهم كلام لا يضر.\n(^١٠٥) - إسناده ضعيف؛ لضعف ابن لهيعة، أخرجه أحمد (٦/ ٩٦) برقم (٢٤٥١١).\nقال الهيثمي في \"المجمع\" (٨/ ٨٧): رواه أحمد وفيه ابن لهيعة وهو لين، وبقية رجاله رجال الصحيح.\n(^١٠٦) - إسناده ضعيف. أخرجه الطبراني في \"الكبير\" (١/ ١٣٤ - ١٣٥) برقم (٢٨٣).\nقال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (٨٧/ ٨): رواه الطبراني عن شيخه المقدام بن داود وهو ضعيف.\n_________\n[¬١]- سقط من ز.\n[¬٢]- سقط من ز.\n[¬٣]- سقط من ز.","vol":"13","page":173},{"text":"اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمٌ (١٦) يَمُنُّونَ عَلَيكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٧) إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٨)﴾\nيقول تعالى منكرًا على الأعراب الذين أول ما دخلوا في الإسلام ادّعوا لأنفسهم مقام الإيمان، ولم يتمكن الإِيمان في قلوبهم بعد: ﴿قَالتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا، قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾. وقد استفيد من هذه الآية الكريمة أن الأيمان أخص من الإِسلام كما هو مذهب أهل السنة والجماعة، ويدل عليه حديث جبريل ﵇ حين سأل عن الإسلام، ثم عن الإيمان، ثم عن الإحسان (^١٠٧)، فترقى من الأعم إلى الأخص، ثم للأخص منه.\nقال الإِمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزهري، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه قال: أعطى رسول الله ﷺ رجالًا ولم يعط رجلًا منهم شيئًا، فقال سعد: يا رسول الله، أعطيت فلانًا وفلانًا ولم تُعط فلانًا شيئًا، وهو مؤمن؟ فقال النبي ﷺ: \"أو مُسْلم\". حتى أعادها سعد ثلاثًا، والنبي ﷺ يقول: \"أوْ مسلم\". ثم قال النبي ﷺ: \"إني لأعطي رجالًا وأدع من هو أحب إليَّ منهم فلا أعطيه شيئًا مخافة أن يكبوا في النار على وجوههم\" (^١٠٨).\nأخرجاه في الصحيحين من حديث الزهريّ به (^١٠٩).\nفقد فرق النبي ﷺ بين المسلم والمؤمن فَدَلّ على أن الإيمان أخص بن الإسلام. وقد قررنا ذلك بأدلته في أول شرح كتاب الإِيمان من \"صحيح البخاري\" ولله الحمد والمنة. ودَلّ ذلك على أن ذاك الرجل كان مسلمًا ليس منافقًا؛ لأنه تركه من العطاء،\n_________\n(^١٠٧) - أخرجه بطوله مسلم في الصحيح في كتاب الإيمان، باب: بيان الإسلام والإيمان والإحسان، حديث (٨) (١/ ٢١٣ - ٢٢٥).\n(^١٠٨) - صحيح. أخرجه أحمد (١/ ١٧٦).\n(^١٠٩) - والبخاري في كتاب: الإيمان، باب: إذا لم يكن الناس على الحقيقة، حديث (٢٧) (١/ ٧٩) وطرفه في [١٤٧٨]. ومسلم في كتاب: الإيمان، باب: تأليف قلب من يخاف على إيمانه لضعفه، برقم (٢٣٦، ٢٣٧/ ١٠٥) (٢/ ٢٣٧ - ٢٣٨).","vol":"13","page":174},{"text":"ووكله إلى ما هو فيه من الإسلام، فدل هذا على أن هؤلاء الأعراب المذكورين في هذه الآية ليسوا بمنافقين، وإنما هم مسلمون لم يستحكم الإِيمان في قلوبهم، فادعوا لأنفسهم مقامًا أعلى مما وصلوا إليه، فأدبوا في ذلك. وهذا معنى قول ابن عباس وإبراهيم النَخْغي، وقتادة، واختاره ابن جرير. وإنما قلنا هذا لأن البخاري ﵀ ذهب إلى أن هؤلاء كانوا منافقين، يُظهرون الإِيمان وليسوا كذلك. وقد رُوي عن سعيد بن جُبير، ومجاهد، وابن زيد أنهم قالوا في قوله: ﴿وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ أي: استسلمنا خوف القتل والسّباء. قال مجاهد: نزلت في بني أسد بن خزيمة. وقال قتادة: نزلت في قوم امتنوا [¬١] بإيمانهم على رسول الله ﷺ.\nوالصحيح الأول: أنهم قوم ادعوا لأنفسهم مقام الإِيمان، ولم يحصُل لهم بعد، فأدّبوا وأعلموا أن ذلك لم يصلوا إليه بعد، ولو كانوا منافقين لعنّفوا وفُضِحوا، كما ذكر المنافقون [¬٢] في سورة براءة. وإنما قيل لهؤلاء تأديبًا: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ أي: لم تصلوا إلى حقيقة الإِيمان بعد.\nثم قال: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ [¬٣] مِنْ أَعْمَالِكُمْ﴾ أي: لا ينقصكم ملأ أجوركم [¬٤] ﴿شَيئًا﴾، كقوله: ﴿وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيءٍ﴾ وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أي: لمن تاب إليه وأناب.\nوقوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ﴾ أي: إنما المؤمنون الكُمل ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ أي: لم يشكوا ولا تزلزلوا بل ثبتوا على حال واحدة، وهي التصديق المحض، ﴿وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي: وبذلوا مهجهم [¬٥] ونفائس أموالهم في طاعة الله ورضوانه، ﴿أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ أي: في قولهم إذا قالوا: إنهم مؤمنون، لا كبعض الأعراب الذين ليس معهم من الدين إلا الكلمة الظاهرة.\nوقال الإِمام أحمد: حدثنا يحيى بن غَيلان، حدثنا رشدين، حدثني عمرو بن الحارث، عن أبي السَّمح، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد، قال [¬٦]: إن النبي ﷺ، قال: \"المؤمنون في الدنيا على ثلاثة أجزاء: [الذين] [¬٧] آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله. والذي يأمنه الناس على أموالهم وأنفسهم. ثم الذي إذا أشرف على طمع تركه [¬٨] لله ﷿\" (^١١٠).\n_________\n(^١١٠) - إسناده ضعيف. أخرجه أحمد (٣/ ٨) برقم (١١٠٦٤) وفيه رشدين بن سعد وهو ضعيف.\n_________\n[¬١]- في ز: أمنوا.\n[¬٢]- في ز: المنافقين.\n[¬٣]- في ز: يالتكم.\n[¬٤]- في ز: أجورها.\n[¬٥]- في ز: مهجتهم.\n[¬٦]- سقط من ز.\n[¬٧]- سقط من ت.\n[¬٨]- في ز: يذكر.","vol":"13","page":175},{"text":"وقوله: ﴿قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ﴾ أي أتخبرونه بما في ضمائركم، ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ أي: لا يخفي عليه من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر، ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمٌ﴾.\nثم قال: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيكَ أَنْ أَسْلَمُوا﴾، يعني الأعراب يمنون بإسلامهم ومتابعتهم ونصرتهم على الرسول، قوله الله ردًّا [¬١] عليهم: ﴿قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ﴾. فإن نفع ذلك إنما يعود عليكم، ولله المنة عليكم فيه، ﴿بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ أي: في دعواكم ذلك، كما قال النبي ﷺ للأنصار يوم حنين: \"يا معشر الأنصار، ألم أجدكم ضُلالًا فهداكم الله بي؟ وكنتم متفرقين فألفكم الله بي؟ وعالة فأغناكم الله بي\". كما قال شيئًا قالوا: الله ورسوله أمن (^١١١).\nوقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري، حدثنا يحيى بن سعيد الأموي، عن محمَّد بن قيس، عن أبي عون، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس؛ قال: جاءت بنو أسد إلى رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله؛ أسلمنا وقاتلتك العرب، ولم نقاتلك، فقال رسول الله ﷺ: \"إن فقههم قليل، وإن الشيطان ينطق [¬٢] على ألسنتهم\". ونزلت هذه الآية: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (^١١٢).\nثم قال: لا نعلمه يروى إلا من هذا الوجه، ولا نعلم روى أبو عون محمَّد بن عبيد الله، عن سعيد بن جبير، غير هذا الحديث.\nثم كرر الإِخبار بعلمه بجميع الكائنات، وبَصَره بأعمال المخلوقات فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾.\nأخر تفسير سورة الحجرات، ولله الحمد والمنة.\n* * *\n_________\n= وأبو السمح -دراج- في روايته عن أبي الهيثم ضعف. قال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (١/ ٥٧ - ٥٨)، رواه أحمد وفيه دراج وقد وثق وضعفه غير واحد.\n(^١١١) - متفق عليه من حديث عبد الله بن زيد بن عاصم ﵁ أخرجه البخاري في كتاب: المغازي، باب: غزوة الطائف، حديث (٤٣٣٠) (٨/ ٤٧). ومسلم في كتاب \"الزكاة\"، باب: إعطاء المؤلفة قلوبهم على الإسلام، وتصبر من قوى إيمانه، برقم (١٣٩/ ١٠٦١) (٧/ ٢٢٠ - ٢٢١).\n(^١١٢) - إسناده صحيح رجاله ثقات.\n_________\n[¬١]- في ز: رادًّا.\n[¬٢]- في ت: ينطلق.","vol":"13","page":176},{"text":"<span data-type='title' id=toc-171>تفسير سورة ق وهي مكية</span>\nوهذه السورة هي أول الحزب المُفصَّل على الصحيح، وقيل: من الحجرات. وأما ما يقوله العامة: إنه من ﴿عَمَّ﴾ فلا أصل له، ولم يقله أحد من العلماء المعتبرين فيما نعلم. والدليل على أن هذه السورة هي أول المفصَّل ما رواه أبو داود (^١) في سُننه، باب \"تحزيب القرآن\" ثم قال:\nحدثنا مسدد، حدثنا قرَّان [¬١] بن تمام، (ح) وحدثنا عبد الله بن سعيد أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو خالد سليمان بن حَيَّان -وهذا لفظه- عن عبد الله بن عبد الرحمن بن يعلى، عن عثمان بن عبد الله بن أوس، عن جده - قال عبد الله بن سعيد: [حدثنيه] [¬٢] أوس [¬٣] بن حذيفة - ثم اتفقا قال: قَدمنا على رسول الله ﷺ في وفد ثقيف، قال: فنزلت الأحلاف على المغيرة بن شعبة، وأنزل رسول الله ﷺ بني مالك في قُبَّة له. -قال مسدد: وكان في الوفد الذين قدموا على رسول الله ﷺ من ثقيف- قال: كان رسول الله ﷺ يأتينا كل ليلة بعد العشاء يحدثنا. قال أبو سعيد: قائمًا على رجليه حتى يُراوح بين رجليه من طول القيام، فأكثر ما يحدثنا ما لقي من قومه [¬٤] قريش ثم يقول: [لا سواء] [¬٥]، وكنا مستضعفين مستذلين -قال مسدد: بمكة- فلما خرجنا إلى المدينة كانت سجال الحرب بيننا وبينهم، نُدَال عليهم ويدالون علينا\". فلما كانت ليلة أبطأ [عنا] [¬٦] الوقت الذي كان يأتينا فيه، فقلنا: لقد أبطأت عنا الليلة! قال: \"إنه طَرأ عليّ جزئي [¬٧] من القرآن، فكرهت أن أجيء حتى أتمه\". قال أوس: سألتُ أصحاب رسول الله ﷺ: كيف تحزبون [¬٨] القرآن؟ فقالوا: ثلاث، وخمس، وسبع، وتسع، وإحدى عشرة، وثلاث عشرة، وحزب المفصل وحده.\n_________\n(^١) - أخرجه أبو داود في كتاب الصلاة، باب: تحزيب القرآن، حديث (١٣٩٣) (٢/ ٥٥ - ٥٦)، وابن ماجه في كتاب: الإقامة، باب: في كم يستحب يختم القرآن، حديث (١٣٤٥) (١/ ٤٢٧)، وأحمد في مسنده (٤/ ٩، ٣٤٣) برقم (١٦٢١٤، ١٩٠٧٥). وضعفه الألباني في ضعيف سنن أبي داود برقم (٢٩٧).\n_________\n[¬١]- في ز: فرات.\n[¬٢]- في ت: \"في حديثه\".\n[¬٣]- في خ: أويس.\n[¬٤]- سقط من خ.\n[¬٥]- في ز: لا أساء.\n[¬٦]- في ت: عن.\n[¬٧]- في خ: حزبي.\n[¬٨]- في ز: تجزئون.","vol":"13","page":177},{"text":"ورواه ابن ماجة عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن أبي خالد الأحمر به. ورواه الإمام أحمد، عن عبد الرحمن بن مهدي، عن عبد الله بن عبد الرحمن، هو ابن يعلى الطائفي به.\nإذا علم هذا فإذا عَدَدتَ ثمانيًا وأربعين سورة فالتي بعدهن سورة \"ق\". بيانه.\nثلاث: البقرة، وآل عمران، والنساء.\nوخمس: المائدة، والأنعام، والأعراف، والأنفال، وبراءة. وسبع؛ يونس، وهود، ويوسف، والرعد، وإبراهيم، والحجر، والنحل.\nوتسع: سبحان، والكهف، ومريم، وطه، والأنبياء، والحج، والمؤمنون، والنور، والفرقان.\nوإحدى عشرة: الشعراء، والنمل، والقصص، والعنكبوت، والروم، ولقمان، وألم السجدة، والأحزاب، وسبأ، وفاطر، ويس.\nوثلاث عشرة: الصافات، وص، والزمر، وغافر، وحم السجدة، وعسق، والزخرف، والدخان، والجاثية، والأحقاف، والقتال، والفتح، والحجرات. ثم بعد ذلك الحزب المفصل كما قاله الصحابة ﵃. فتعين أن أوله سورة \"ق\" وهو الذي قلناه، ولله الحمد والمنة.\nقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا مالك، عن ضَمرَة بن سعيد عن عُبيد [¬١] الله بن عبد الله؛ أن عمر بن الخطاب سأل أبا واقد الليثي: ما كان رسول الله ﷺ يقرأ في العيد؟ قال: بقاف.\nواقتربت (^٢). ورواه مسلم وأهل السنن الأربعة من حديثه مالك به. وفي رواية لمسلم عن\n_________\n(^٢) - المسند (٥/ ٢١٧ - ٢١٨) برقم (٢١٩٩١). وأخرجه مسلم في كتاب: صلاة العيدين، باب: ما يقرأ به في صلاة العيدين، حديث (١٤/ ٨٩١) (٦/ ٢٥٨). وأبو داود في باب: الصلاة، باب: ما يقرأ في الأضحى والفطر، حديث (١١٥٤)، والترمذي في كتاب: الصلاة، باب: ما جاء في القراءة في العيدين، حديث (٥٣٤) (٢/ ١٥١)، والنسائي في الكبرى في كتاب\"التفسير\"، باب: سورة القمر، حديث (١١٥٥٠) (٦/ ٤٧٥)، وأخرجه النسائي في الصغرى (١/ ١٨٣ - ١٨٤) كتاب: صلاة العيدين، باب: القراءة في العيدين بقاف واقتربت. وابن ماجة في كتاب الإقامة، باب: القراءة في صلاة العيدين، حديث (١٢٨٢) (١/ ٤٠٨).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: عبد.","vol":"13","page":178},{"text":"فليح [¬١] عن ضمرة عن عبيد [¬٢] الله عن أبي واقد، قال: سألني عمر، فذكره (^٣).\n(حديث آخر) وقال أحمد: حدثنا يعقوب، حدثنا أبي، عن ابن [¬٣] إسحاق: حدثني عبد الله بن محمد بن أبي بكر بن عمرو [¬٤] بن حزم، عن يحيى [¬٥] بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أسعد [¬٦] بن زرارة، عن أم هشام بنت حارثة؛ قالت: لقد كان تنُّورنا وتَنورُ النبي ﷺ واحدًا سنتين، أو سنة وبعض سنة، وما أخذت ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ إلا علي لسان رسول الله ﷺ، كان يقرؤها كل يوم جمعة علي المنبر إذا خطب الناس (^٤). [رواه مسلم] [¬٧] [من. حديث ابن إسحاق به] [¬٨].\nوقال أبو داود: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن [خُبَيب، عن] [¬٩] عبد الله بن محمد بن مَعْن، عن ابنة الحارث بن النعمان؛ قالت: ما حفظت \"ق\" إلا من في رسول الله ﷺ يخطب بها كل جمعة. قالت: وكان تنُّورنا وتنور رسول الله ﷺ واحدًا (^٥).\nو[¬١٠] كذا رواه مسلم والنسائي وابن ماجة من حديث شعبة به.\nوالقصد أن رسول الله ﷺ كان يقرأ بهذه السورة في المجامع الكبار، كالعيد والجمع، لاشتمالها على ابتداء الخلق والبحث والنشور، والمعاد والقيام، والحساب، والجنة والنار، والثواب والعقاب، والترغيب والترهيب.\n_________\n(^٣) - صحيح مسلم في الموضع السابق برقم (١٥/ ٨٩١) (٦/ ٢٥٨ - ٢٥٩).\n(^٤) - أخرجه أحمد (٦/ ٤٣٥) برقم (٢٧٥٦٣). ومسلم في كتاب الجمعة، باب: تخفيف الصلاة والخطبة، حديث (٥٢/ ٨٧٣).\n(^٥) - سنن أبي داود كتاب: الصلاة، باب: الرجل يخطب على قوس، حديث (١١٠٠) (١/ ٢٨٨).\nوأخرجه مسلم في كتاب: الجمعة، باب: تخفيف الصلاة والخطبة، حديث (٥١/ ٨٧٣).\nوأخرجه النسائي (٣/ ٧) كتاب: الجمعة، باب: القراءة في الخطبة، من طريق ابن المبارك عن يحيى عن محمد بن عبد الرحمن عن ابنة حارثة به.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: مالك.\n[¬٢]- في ز: عبد.\n[¬٣]- في ز، خ: أبي.\n[¬٤]- في خ: عمر.\n[¬٥]- في ز، خ: أبي. كذا.\n[¬٦]- في ت: سعد.\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين سنن من ز.\n[¬٨]- ما بين المعكوفتين سنن من ز، خ.\n[¬٩]- في ز: حبيب بن.\n[¬١٠]- سقط من ز.","vol":"13","page":179},{"text":"﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (١) بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَال الْكَافِرُونَ هَذَا شَيءٌ عَجِيبٌ (٢) أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ (٣) قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ (٤) بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ (٥)﴾.\n﴿ق﴾ حرف من حروف الهجاء المذكورة في أوائل السور، كقوله: (ص، ن [وألم وحم،] [¬١] طس) ونحو ذلك [¬٢]، قاله مجاهد وغيره. وقد أسلفنا الكلام عليها، في أول \"سورة القبرة\" بما أغنى عن إعادته.\nوقد روي عن بعض السلف أنهم قالوا: ﴿ق﴾: جبل محيط بجميع الأرض، يقال له: جبل قاف. وكأن هذا -والله أعلم- من خرافات بني إسرائيل التي أخذها عنهم بعض الناس، لما رأى من جواز الرواية عنهم فيما لا يصدق ولا يكذب. وعندي أن هذا وأمثاله وأشباهه من اختلاق بعض زنادقتهم، يُلبِسون به علي الناس أمر دينهم، كما افترى في هذه الأمة -مع جلالة قدر علمائها وحفاظها وأئمتها- أحاديث، عن النبي ﷺ وما بالعهد من قدم، فكيف بأمة بني إسرائيل مع طول المدى، وقلة الحفاظ النقاد فيهم، وشربهم الخمور، وتحريف علمائهم الكلم عن مواضعه، وتبديل كتب الله وآياته! وإنما أباح الشارع الرواية عنهم في قوله: \"وحَدثوا عن بني إسرائيل، ولا حَرَجَ\" (^٦) فيما قد يجوزه العقل، فأما فيما [تُحيله العقول] [¬٣] ويُحكم عليه بالبطلان. ويغلب علي الظنون كذبه، فليس من هذا القبيل، والله أعلم.\nوقد أكثر كثير من السلف من المفسرين، وكذا طائفة كثيرة من الخلف، من الحكاية عن كتب أهل الكتاب في تفسير القرآن المجيد، وليس بهم احتياج إلي أخبارهم، ولله الحمد والمنة، حتى أن الإِمام أبا محمد [] [¬٤] عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي ﵀ أورد هاهنا أثرًا غربيًا لا يصح سنده عن ابن عباس فقال:\nحدثنا أبي، قال: حدثت عن محمد بن إسماعيل المخزومي، حدثنا ليث بن أبي سليم، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: خلق الله من وراء هذه الأرض بحرًا محيطًا، ثم خلق من وراء ذلك [البحر] [¬٥] جبلًا يقال له: \"ق\"، السماء الدنيا مرفوفة عليه، ثم خلق الله\n_________\n(^٦) - أخرجه البخاري في أحاديث الأنبياء، باب: ما ذكر عن بني إسرائيل، حديث (٣٤٦١) (٦/ ٤٩٦).\n_________\n[¬١]- في خ، ت: ألم حم.\n[¬٢]- سقط من خ.\n[¬٣]- في ز: \"يحيله المعقول\".\n[¬٤]- في ز، خ: بن.\n[¬٥]- سقط من ز، ت.","vol":"13","page":180},{"text":"من وراء ذلك الجبل أرضًا مثل تلك الأرض سبع مرات. ثم خلق من وراء ذلك بحرًا محيطًا بها، ثم خلق من [¬١] وراء ذلك [] [¬٢] جبلًا يقال له \"ق\"، السماء الثانية مَرفُوفة عليه، حتى عد سبع أرضين، [وسبعة أبحر] [¬٣]، وسبعة أجبل، وسبع سماوات. قال: وذلك قوله: ﴿وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ﴾.\nفإسناد هذا الأثر فيه انقطاع (^٧)، والذي رواه ابن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: ﴿ق﴾ قال: هو اسم من أسماء الله، ﷿ (^٨).\nوالذي ثبت من مجاهد، أنه حرف من حروف الهجاء، كقوله: (ص- ن- حم- طس-[طسم] [¬٤]- ألم) ونحو ذلك. فهذه تبعد ما تقدم عن ابن عباس.\nوقيل: المراد.\n\"قُضي الأمر واللهِ\"\nوأن قوله: ﴿ق﴾ دلت على المحذوف من بقية الكلم كقول الشاعر:\nقلت لها: قفي فقالت قاف\nوفي هذا التفسير نظر؛ لأن الحذف في الكلام إنما يكون إذا دل دليل عليه، ومن أين يفهم هذا من ذكر هذا الحرف؟\nوقوله: ﴿وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ أي: الكريم العظيم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد.\nواختلفوا في جواب القسم ما هو؟ فحكي ابن جرير عن بعض النحاة أنه قوله: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ﴾.\n_________\n(^٧) - في إسناده أيضًا ليث بن أبي سليم: اختلط جدًّا ولم يتميز حديثه فترك.\n(^٨) - أخرجه ابن جرير (١٢٦/ ٤٧) من طريق علي بن داود، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثنا معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس به. والحديث أخرجه الحاكم (١/ ٥٥٢) من طريق زيد بن المبارك الصنعاني، ثنا سلام بن وهب الجندي، حدثني أبي، عن طاوس، عن ابن عباس. وصححه ووافقه الذهبي. وقال عنه ابن أبي حاتج في العلل (٢/ ١٨٧) (٢٠٢٩): حديث منكر.\n_________\n[¬١]- سقط من ز، خ.\n[¬٢]- في ز: بها.\n[¬٣]- سقط من ز، خ.\n[¬٤]- سقط من ت.","vol":"13","page":181},{"text":"وفي هذا نظر؛ بل الجواب هو مضمون الكلام بعد القسم، وهو إثبات النبوة، وإثبات المعاد، وتقريره وتحقيقه وإن لم يكن القسم مُتَلقًّى لفظًا، وهذا كثير في أقسام القرآن كما تقدم في قوله: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (١) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾ وهكذا قال هاهنا: ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (١) بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَال الْكَافِرُونَ هَذَا شَيءٌ عَجِيبٌ﴾ أي: تعجبوا من إرسال رسول إليهم من البشر، كقوله تعالى: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَينَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ﴾ أي: وليس هذا بعجيب فإن الله يصطفي من الملائكة رسلًا ومن الناس.\nثم قال مخبرًا عنهم في تعجبهم أيضًا من المعاد واستبعادهم لوقوعه [¬١]: ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ أي يقولون: أئذا متنا وبَلينا، وتقطعت الأوصال منا، وصرنا ترابًا كيف يمكن الرجوع بعد ذلك إلي هذه البنية والتركيب؟ ﴿ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ أي: بعيد الوقوع. ومعنى هذا أنهم يعتقدون استحالته وعدم إمكانه، قال الله تعالى رادًّا عليهم: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ﴾ أي: ما تأكل من أجسادهم في البلي، نعلم [¬٢] ذلك ولا يخفى علينا أين تفرقت الأبدان، وأين ذهبت، وإلي أين صارت؟ ﴿وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ﴾ أي: حافظ لذلك، فالعلم شامل، والكتاب أيضًا فيه كل الأشياء مضبوطة.\nقال العوفي، عن ابن عباس في قوله: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ﴾ أي: ما تأكل من لحومهم وأبشارهم، وعظامهم وأشعارهم، وكذا قال مجاهد وقتادة والضحاك وغيرهم.\nثم بين تعالى سبب كفرهم وعنادهم واستبعادهم ما ليس ببعيد؛ فقال: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾ أي: وهذا. حال كل من خرج عن الحق، مهما قال بعد ذلك فهو باطل. والمريج: المختلف المضطرب الملتبس المنكر [¬٣] خلاله، كقوله: ﴿إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ (٨) يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ﴾.\n﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيفَ بَنَينَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (٦) ﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَينَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٧) تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٨) وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ\n_________\n[¬١]- في ز: بوقوعه.\n[¬٢]- في ز: لعلم.\n[¬٣]- في ز: منكر.","vol":"13","page":182},{"text":"وَحَبَّ الْحَصِيدِ (٩) وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ (١٠) رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَينَا بِهِ بَلْدَةً مَيتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ﴾\nيقول تعالى منبهًا للعباد علي قدرته العظيمة التي أظهر بها ما هو أعظم مما تعجبوا مستبعدين لوقوعه: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيفَ بَنَينَاهَا وَزَيَّنَّاهَا﴾ أي؛ بالمصابيح، ﴿وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ﴾. قال مجاهد: يعني من شقوق. وقال غيره: فتوق. وقال غيره: من [¬١]، صدوع. والمعنى متقارب؛ كقوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (٣) ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَينِ يَنْقَلِبْ إِلَيكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ أي: كليل، أي: عن [أن يرى] [¬٢] عيبًا أو نقصًا.\nوقوله: ﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا﴾ أي: وسعناها وفرشناها، ﴿وَأَلْقَينَا فِيهَا رَوَاسِيَ﴾، وهي الجبال، لئلا تميد بأهلها وتضطرب، فإنها مُقَرة على تيار الماء المحيط بها من جميع جوانبها، ﴿وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ أي: من جميع الزروع والثمار والنبات والأنواع، ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيءٍ خَلَقْنَا زَوْجَينِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾. وقوله: ﴿بَهِيجٍ﴾ أي: حسن نَضِر ﴿تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ أي: ومشاهدة خلق السماوات والأرض [¬٣]، وما جُعل فيهما من الآيات العظيمة تبصرة ودلالة وذكرى ﴿لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ أي: خاضع خائف وَجِل رَجّاع إلى الله ﷿.\nوقوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا﴾، أي: نافعًا ﴿فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ﴾، أي: حدائق من بساتين ونحوها ﴿وَحَبَّ الْحَصِيدِ﴾، وهو: الزرع الذي يُرادُ لحبّه وادخاره.\n﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ﴾ أي: طوالًا شاهقات. وقال ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، والحسن، وقتادة، والسدي، وغيرهم: الباسقات الطوال ﴿لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾، أي: منضود ﴿رِزْقًا لِلْعِبَادِ﴾ أي: للخلق، ﴿وَأَحْيَينَا بِهِ بَلْدَةً مَيتًا﴾، وهي الأرض التي كانت هامدة، فلما نزل عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج، من أزاهير وغير ذلك، مما يحار الطرف في حسنها، وذلك بعد ما كانت لا نباتَ بها [¬٤]، فأصبحت تهتز خضراء، فهذا مثال للبعث بعد الموت والهلاك، كذلك يحيي الله الموتى. وهذا\n_________\n[¬١]- سقط من خ.\n[¬٢]- في ز: ترى.\n[¬٣]- سقط من ت.\n[¬٤]- سقط من ز، خ.","vol":"13","page":183},{"text":"المُشَاهَدُ من عظيم قدرته بالحس أعظمُ مما أنكره الجاحدون للبعث، كقوله تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾. وقوله: ﴿[أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ] [¬١] بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ﴾. وقال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ﴾.\n﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ (١٢) ﴿وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ (١٣) وَأَصْحَابُ الْأَيكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ (١٤) أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ (١٥)﴾\nيقول تعالى متهددًا لكفار قريش بما [¬٢] أحله بأشباههم ونظرائهم وأمثالهم من المكذبين قبله، من النقمات والعذاب الأليم في الدنيا، كقوم نوح وما عذبهم الله به [¬٣] من الغرق العام لجميع أهل الأرض، وأصحاب الرس وقد تقدمت قصتهم في \"سورة الفرقان\" ﴿وَثَمُودُ (١٢) وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ﴾، وهم أمته الذين بعث إليهم من أهل سَدُوم ومعاملتها من الغور، وكيف خسف الله بهم الأرض، وأحال أرضهم بحيرة منتنة خبيثة؛ بكفرهم وطغيانهم ومخالفتهم الحق ﴿وَأَصْحَابُ الْأَيكَةِ﴾ وهم قوم شعيب ﵇ ﴿وَقَوْمُ تُبَّعٍ﴾، وهو اليماني. وقد ذكرنا من شأنه في \"سورة الدخان\" بما أغنى عن إعادته هاهنا، ولله الحمد.\n﴿كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾ أي: كل من هذه الأمم وهؤلاء القرون كذب رسوله، ومن كذب برسول [¬٤] فكأنما كذب بجميع [¬٥] الرسل، كقوله: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾، وإنما جاءهم رسول واحد، فهم في نفس الأمر لو جاءهم جميع الرسل كذبوهم، ﴿فَحَقَّ وَعِيدِ﴾ أي: فحق عليهم ما أوعدهم الله على التكذيب من العذاب والنكال. فليحذر المخاطبون أن يصيبهم ما أصابهم؛ فإنهم قد كذبوا رسولهم كما كذب أولئك.\nوقوله: ﴿أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ﴾ أي: أفأعْجزنا ابتداء الخلق حتى هم في شك من الإِعادة، ﴿بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾: والمعنى أن ابتداء الخلق لم يعجزنا\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ز: \"أوليس الذي خلق السماوات والأرض\". وهو خطأ.\n[¬٢]- في ز: مما.\n[¬٣]- سقط من ز.\n[¬٤]- في خ: رسولًا.\n[¬٥]- في خ: جميع.","vol":"13","page":184},{"text":"والإعادة أسهل منه، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيهِ﴾ وقال الله تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَال مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾. وقد تقدم في الصحيح: \"يقول الله تعالى: يؤذيني ابن آدم، يقول: لن يعيدني كما بدأني. وليس أول الخلق بأهون عليّ من إعادته\" (^٩).\n﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (١٦) إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (١٧) مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إلا لَدَيهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (١٨) وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ (١٩) وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ (٢٠) وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ (٢١) لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ (٢٢)﴾\nيخبر تعالى عن قدرته على الإنسان بأنه خالقه، وعلْمهُ محيط بجميع أموره، حتى إنه تعالى يعلم ما توسوس به نفوس بني آدم من الخير والشر. وقد ثبت في الصحيح عن رسول الله ﷺ أنه قال: \"إن الله تجاوز لأمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تقل أو تعمل\" (^١٠).\nوقوله: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾، يعني ملائكته تعالى أقربُ إلي الإنسان من حبل وريده إليه. ومن تأوله علي العلم فإنما فَرّ لئلا يلزم حلول [¬١] أو اتحاد، وهما مَنفيان بالإجماع، تعالى الله وتقدس، ولكن اللفظ لا يقتضيه فإنه لم يقل: وأنا أقرب إليه من حبلَ الوريد، وإنما قال: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾، كما قال في المحتَضِر: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ﴾ يعني: ملائكته؛ وكما قال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ فالملائكة نزلت بالذكر -وهو القرآن- بإذن الله ﷿. وكذلك الملائكة أقرب إلي الإِنسان من حبل وريده إليه بإقدار [¬٢] الله لهم علي ذلك،\n_________\n(^٩) - أخرجه البخاري في كتاب: التفسير، باب: في تفسير سورة: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، حديث (٤٩٧٤) (٨/ ٧٣٩)، وأخرجه بنحوه برقم (٤٩٧٥).\n(^١٠) - أخرجه البخاري في كتاب: العتق، باب: الخطأ والنسيان في العتاقة والطلاق ونحوه، حديث (٢٥٢٨) (٥/ ١٦٠) من حديث أبي هريرة.\n_________\n[¬١]- في خ: طول.\n[¬٢]- في ز، خ: باقتدار.","vol":"13","page":185},{"text":"فللملك لَمّة في الإِنسان كما أن للشيطان لمة، وكذلك: \"الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم\" (^١١). كما أخبر بذلك الصادق المصدوق؛ ولهذا قال هاهنا: ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ﴾، يعني الملكين اللذين يكتبان عمل الإنسان. ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ أي مترصد ﴿مَا يَلْفِظُ﴾ أي [¬١]: ابن آدم ﴿مِنْ قَوْلٍ﴾ أي: ما يتكلم بكلمة ﴿إلا لَدَيهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ أي: إلا ولها من يراقبها مُعتَدّ لذلك يكتبها، لا يترك كلمة ولا حركة، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾.\nوقد اختلف العلماء: هل يكتب الملك كل شيء من الكلام، وهو قول الحسن وقتادة، أو إنما يكتب ما فيه ثواب وعقاب كما هو قول ابن عباس؟ على قولين، وظاهر الآية الأول؛ لعموم قوله: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إلا لَدَيهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾.\nوقد قال الإمام أحمد: حدثنا أبو [¬٢] معاوية، حدثنا محمد بن عمرو بن علقمة الليثي، عن أبيه، عن جَدّه علقمة، عن بلال بن الحارث المزني؛ قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله تعالى ما يظن أن تبلغ ما بلغت، يكتب الله له بها رضوانه إلى يوم يلقاه. وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سَخَط الله ما يظن أن تبلغ ما بلغت، يكتب الله عليه بها سَخَطه إلي يوم يلقاه\" (^١٢). قال: فكان علقمة يقول: كم من كلام قد منعنيه حديث بلال بن الحارث.\nورواه الترمذي والنسائي وابن ماجة، من حديث محمد بن عمرو، به (^١٣). وقال\n_________\n(^١١) - أخرجه البخاري في كتاب: الاعتكاف، باب: هل يخرج المعتكف لحوائجه إلى باب المسجد؟ حديث (٢٠٣٥) (٤/ ٢٧٨).\nوأطرافه في: [٢٠٣٨، ٢٠٣٩، ٣١٠١، ٣٢٨، ٦٢١٩، ٧١٧١].\nومسلم في كتاب: السلام، باب: بيان أنه يستحب لمن رُئي خاليًا بامرأة، وكانت زوجته، أو محرمًا له، أن يقول: هذه فلانة؛ ليدفع ظن السوء به، حديث (٢٤، ٢٥/ ٢١٧٥) (٤/ ٢٢٤ - ٢٢٥).\n(^١٢) - أخرجه أحمد (٣/ ٤٦٩) برقم (١٥٨٩٥) وفيه عمرو بن علقمة الليثي، قال فيه الحافظ: مقبول. لكن للحديث شاهد صحيح من حديث أبي هريرة.\nأخرجه البخاري في كتاب: الرقاق، باب: حفظ اللسان، حديث (٦٤٧٧) (١١/ ٣٠٨) وطرفه في [٦٤٧٨]. ومسلم في كتاب الزهد والرقائق، باب: التكلم بالكلمة يهوي بها في النار، حديث (٤٩، ٥٠/ ٢٩٨٨).\n(^١٣) - أخرجه الترمذي في كتاب \"الزهد\"، باب: في قلة الكلام، حديث (٢٣٢٠) (٧/ ٧٨). والنسائي في الكبرى كما في تحفة الأشراف (٢/ ٥٥٥) (٢٠٢٨)، وابن ماجة في كتاب: الفتن، باب: كف اللسان في الفتنة، حديث (٣٩٦٩) (٢/ ١٣١٢ - ١٣١٣). وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي برقم (١٨٨٨ - ٢٤٣٥).\n_________\n[¬١]- سقط من خ.\n[¬٢]- في ز، خ: ابن.","vol":"13","page":186},{"text":"الترمذي: \"حسن صحيح\". وله شاهد في الصحيح (^١٤).\nوقال الأحنف بن قيس: صاحب اليمين يكتب الخير، وهو أمير علي صاحب الشمال، فإن أصاب العبد خطئة [¬١]، قال له: أمسك فإن استغفر الله تعالى نهاه أن يكتبها، وإن أبى كتبها (^١٥). رواه ابن أبي حاتم.\nوقال الحسن البصري- وتلا هذه الآية: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾: يا بن آدم، بُسطت لك صحيفة، ووكل [¬٢] بك ملكان كريمان، أحدهما عن يمينك، والآخر عن شمالك، فأما الذي عن يمينك فيحفظ حسناتك، وأما الذي عن يسارك فيحفظ سيئاتك، [فاعمل] [¬٣] ما شئت، أقلل أو أكثر حتى إذا مت طُويت صحيفتك، وجُعلت في عنقك معك في قبرك، حتى تخرج يوم القيامة، فعند ذلك يقول: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (١٣) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيكَ حَسِيبًا﴾. ثم يقول: عَدَل -والله- فيك مَنْ جعلك حسيبَ نفسك.\nوقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إلا لَدَيهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾، قال: يكتب كل ما تكلم به من خير أو شر، حتى إنه ليكتب قوله: \"أكلت، شربت، ذهبت، جئت، رأيت\"، حتى إذا كان يوم الخميس عُرض قوله وعمله، فأقر منه ما كان فيه من خير أو شر، وألقي سائره، وذلك قوله: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾. وذكر عن الإِمام أحمد أنه كان يئن في مرضه، فبلغه عن طاووس\n_________\n(^١٤) - أخرجه البخاري (٦٤٧٧)، ومسلم (٤٩، ٥٠/ ٢٩٨٨)، كلاهما من حديث أبي هريرة وقد تقدم قريبًا.\n(^١٥) - أخرجه الطبراني (٨/ ٢١٧ - ٢١٨) برقم (٧٧٦٥)، (٨/ ٢٢٥) برقم (٧٧٨٧). والبيهقي في الشعب (٥/ ٣٩٠ - ٣٩١) برقم (٧٠٤٩، ٧٠٥٠). كلاهما من طريق القاسم بن عبد الرحمن أبو عبد الرحمن الأموي، عن أبي أمامة مرفوعًا به، نحوه. والقاسم قال عنه الحافظ: صدوق يغرب كثيرًا. وفي إسناد الطبراني الأول إسماعيل بن عياش، وقد رواه عن عاصم بن رجاء بن حيوة، وفي روايته عن الحجازيين ضعف. وفي إسناده الثاني: الوليد بن مسلم وهو مدلس ويسوي. وفي إسناد البيهقي الأول: جعفر بن الزبير وهو متروك. وفي إسناده الثاني بشر بن نمير متروك. فهذا الحديث رغم تعدد طرقه عن القاسم؛ إلا أن أحدها لا يخلو من مقال: قال الهيثمي في المجمع (١٠/ ٢١١): رواه الطبراني وفيه جعفر بن الزبير، وهو كذاب، ولكنه موافق لا قبله وليس فيه شيء زائد غير أن الحسنة يكتبها بعشر أمثالها وقد دل القرآن والسنة على ذلك. ا هـ. وقد ذكر الهيثمي حديثًا قبله بنحوه وقال: رواه الطبراني بأسانيد رجال أحدها وثقوا.\n_________\n[¬١]- سقط من خ.\n[¬٢]- في خ: ووكلت.\n[¬٣]- في ز، خ: فاملك.","vol":"13","page":187},{"text":"أنه قال: يكتب الملك كل شيء حتى الأنين. فلم يئن أحمد حتى مات ﵀.\nوقوله: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾، يقول تعالى وجاءت -أيها الإنسان- سكرة الموت بالحق، أي: كَشَفَت لك عن اليقين الذي كنت تمتري فيه ﴿ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ أي: هذا هو الذي كنت تفر منه قد جاءك، فلا محيد ولا مناص، ولا فكاك ولا خلاص.\nوقد اختلف المفسرون في المخاطب بقوله: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾، فالصحيح أن المخاطب بذلك الإنسان من حيث هو. وقيل: الكافر، وقيل غير ذلك.\nوقال أبو بكر بن أبي الدنيا: حدثنا إبراهيم بن زياد -سَبَلان- أخبرنا عَبّاد بن عَبّاد عن محمد بن عمرو بن علقمة، عن أبيه، عن جده علقمة بن وقاص؛ أن عائشة ﵂ قالت: حضرت أبي وهو يموت وأنا جالسة عند رأسه، فأخذته غشية فتمثلت ببيت من الشعر:\nمن لا يزال دمعه مقنعًا … فإنه لا بد مرة مدفوق [¬١]\nقالت: فرفع رأسه فقال: يا بنية [¬٢]؛ ليس كذلك، ولكن كما قال الله تعالى: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ (^١٦).\nوحدثنا خَلَف بن هشام، حدثنا أبو شهاب، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن البَهِيّ قال: لما أن ثقل أبو بكر ﵁ جاءت عائشة ﵂ فتمثلت بهذا البيت:\nلعمرك ما يغني الثراء عن الفتى … إذا حشرجت يومًا وضاق بها الصدر\nفكشف عن وجهه وقال: ليس كذلك، ولكن قوله: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ (^١٧). وقد أوردت لهذا الأثر طُرقًا في سيرة الصديق عند ذكر وفاته ﵁.\nوقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه [¬٣] لما تغشاه الموت جعل يمسح\n_________\n(^١٦) - في إسناده عمرو بن علقمة قال عنه الحافظ: مقبول.\n(^١٧) - في إسناده البهي، وقد ذكره ابن حبان في الثقات.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: مدفون.\n[¬٢]- في ز: بني.\n[¬٣]- سقط من ت.","vol":"13","page":188},{"text":"العرق عن وجهه ويقول: \"سبحان الله! إن للموت لَسَكرَات\" (^١٨).\nوفي قوله: ﴿ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ قولان:\nأحدهما: أن \"ما\" هاهنا موصولة، أي: الذي كنت منه تحيد -بمعنى: تبتعد وتنأى وتفر- قد حَلّ بك ونزل بساحتك.\nوالقول الثاني: أن \"ما\" نافية بمعنى ذلك ما كنت تقدر على الفرار منه ولا [الحيد عنه] [¬١].\nوقد قال الطبراني في \"المعجم الكبير\": حدثنا محمد بن علي الصائغ المكي، حدثنا حفص [] [¬٢] بن عُمر الحدي، حدثنا معاذ بن محمد الهذلي، عن يونس بن عبيد، عن الحسن، عن سمرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"مثل الذي يفر من الموت مثل الثعلب، تطلبه الأرض بدين، فجاء يسعى حتى إذا أعيى وأسهر دخل جُحره، فقالت له الأرض: يا ثعلب؛ ديني. فخرج وله حُصَاص (*) فلم يزل كذلك حتى تقطعت عنقه ومات\" (^١٩).\nومضمون هذا المثل: كما لا انفكاك له ولا محيد عن الأرض كذلك الإِنسان لا محيد له عن الموت.\nوقوله: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ﴾. قد تقدم الكلام علي حديث النفخ في الصور [والفَزَع] [¬٣] والصعق والبعث، وذلك يوم القيامة. وفي الحديث أن رسول الله ﷺ قال: \"كيف أنعم وصاحب القَرْن قد التقم القرن وحنى جبهته، وانتظر أن يؤذن له\". قالوا: يا رسول الله؛ كيف نقول؟ قال: \"قولوا: حسبنا الله ونعم الوكيل\". فقال القوم: حسبنا الله ونعم الوكيل (^٢٠).\n_________\n(^١٨) - أخرجه البخاري في كتاب: الرقائق، باب: سكرات الموت، حديث (٦٥١٠) (١١/ ٣٦١).\n(*) الحُصاص: شدة العدو وحدته. وقيل: هو أن يمصع بذنبه ويصر بأذنيه ويعدو. وقيل: هو الصراط. النهاية (١/ ٣٩٦).\n(^١٩) - أخرجه الطبراني في الكبير (٧/ ٢٦٨) (٦٩٢٢). قال الهيثمي في \"المجمع\" (٢/ ٣٢٣): رواه الطبراني في الكبير والأوسط، وفيه معاذ بن محمد الهذلي؛ قال العقيلي: لا يتابع على رفع حديثه.\n(^٢٠) - أخرجه أبو يعلى في مسنده (٢/ ٣٣٩ - ٣٤٠) (١٠٨٤). وابن حبان في صحيحه (٣/ ١٠٥) كتاب: الرقائق، باب: \"الأذكار\"،، حديث (٨٢٣). كلاهما من طريق ابن أبي شيبة، عن جرير =\n_________\n[¬١]- في ت: تحيد. وفي ز: الحيد.\n[¬٢]- في ز: عن.\n[¬٣]- في ز: للفزع.","vol":"13","page":189},{"text":"﴿وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾، أي: ملك يسوقه إلى المحشر، وملك يشهد عليه بأعماله. هذا هو الظاهر من الآية الكريمة. وهو اختيار ابن جرير ثم روى من حديث إسماعيل بن أبي خالد، عن يحيى بن رافع -مولى لثقيف- قال: سمعت عثمان بن عفان يخطب، فقرأ هذه الآية: ﴿وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾، فقال: سائق يسوقها إلى الله، وشاهد يشهد عليها بما عملت (^٢١). وكذا قال مجاهد وقتادة وابن زيد.\nوقال مُطَرِّف، عن [¬١]، أبي جعفر -مولى أشجع- عن أبي هُريرة: السائق الملك، والشهيد العمل. وكذا قال الضحاك والسدي.\nوقال العوفي، عن ابن عباس: السائق من الملائكة، والشهيد الإنسان نفسه يشهد على نفسه. وبه قال الضحاك بن مزاحم أيضًا.\nوحكى ابن جرير ثلاثة أقوال في المراد بهذا الخطاب في قوله: ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾، أحدها أن المراد بذلك الكافر. رواه علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس. وبه يقول الضحاك بن مُزاحم وصالح بن كيسان.\nوالثاني: أن المراد بذلك كل أحد من بَرّ وفاجر؛ لأن الآخرة بالنسبة إلي الدنيا كاليقظة والدنيا كالمنام [¬٢]. وهذا اختيار ابن جرير، ونقله عن حُسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس.\nوالثالث: أن المخاطب بذلك النبي ﷺ. وبه يقول زيد بن أسلم وابنه. والمعنى على قولهما: لقد كنت في غفلة من هذا الشأن قبل أن يُوحى إليك، فكشفنا عنك غطاءك بإنزاله إليك، فبصرك اليوم حديد.\nوالظاهر من السياق خلاف هذا، بل الخطاب مع الإِنسان من حيث هو، والمراد بقوله: ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا﴾، يعني من هذا اليوم، ﴿فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾، أي: قوي؛ لأن كل واحد يوم القيامة يكون مستبصرًا، حتى الكفار في الدنيا يكونون [¬٣] يوم القيامة على الاستقامة، لكن لا ينفعهم ذلك، قال الله تعالى:\n_________\n= عن الأعمش، عن أبي صالح عن أبي سعيد الخدري به، وهو إسناد صحيح. وللحديث طرق أخرى عند أحمد وغيره.\n(^٢١) - أخرجه الطبري في تفسيره (٢٦/ ١٦١). ومهران: صدوق له أوهام.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: و.\n[¬٢]- في ز، خ: كمنام.\n[¬٣]- في ز، خ: يدركون.","vol":"13","page":190},{"text":"﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا﴾. وقال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾.\n﴿وَقَال قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ (٢٣) أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ (٢٤) مَنَّاعٍ لِلْخَيرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ (٢٥) الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ (٢٦) قَال قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ (٢٧) قَال لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيكُمْ بِالْوَعِيدِ (٢٨) مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (٢٩)﴾.\nيقول تعالى مخبرًا [¬١] عن الملك الموكل بعمل ابن آدم: إنه يشهد عليه يوم القيامة بما فعل، ويقول: ﴿هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾ أي: معتَدّ محضر بلا زيادة ولا نقصان.\nوقال مجاهد: هذا كلام الملك السائق يقول: هذا ابن آدم الذي وكلتني به قد أحضرته.\nوقد اختار ابن جرير أنه يعم السائق والشهيد، وله اتجاه [¬٢] وقوة.\nفعند ذلك يحكم الله ﷾ في الخليقة بالعدل فيقول: ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ﴾.\nوقد اختلف النحاة في قوله: ﴿أَلْقِيَا﴾، فقال بعضهم: هي لغة لبعض العرب يخاطبون المفرد بالتثنية، كما روي عن الحجاج أنه كان يقول: يا حرسي، اضربا عنقه. ومما [¬٣] أنشد ابن جرير علي هذه اللغة قول الشاعر:\nفإن تزجراني -يا بن عفان- أنزجر … وإن تتركاني أحم عرضًا ممنعًا\nوقيل: بل هي نون التوكيد، سهلت إلى الألف. وهذا بعيد؛ لأَن هذا إنما يكون في الوقف، والظاهر أنها مخاطبة مع السائق والشهيد، فالسائق أحضره إلى عرصة الحساب، فلما أدى الشهيد عليه، أمرهما الله تعالى بإلقائه في نار جهنم وبئس المصير.\n﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ﴾ أي: كثير الكفر والتكذيب بالحق، ﴿عَنِيدٍ﴾:\n_________\n[¬١]- سقط من ز، خ.\n[¬٢]- في ز: الحياة.\n[¬٣]- في ز، خ: وفيما.","vol":"13","page":191},{"text":"معاند للحق، معارض له بالباطل مع علمه بذلك. ﴿مَنَّاعٍ لِلْخَيرِ﴾ أي: لا يؤدي ما عليه من الحقوق، ولا بر فيه ولا صِلة ولا صدقة، ﴿مُعْتَد﴾ أي فيما ينفقه ويصرفه، يتجاوز فيه الحد.\nوقال قتادة: معتد في منطقه وسيرته وأمره.\n﴿مُرِيبٍ﴾ أي: شاك في [¬١] أمره، مريب لمن نظر في أمره. ﴿الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ أي: أشرك بالله فعبد معه غيره، ﴿فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ﴾. وقد تقدم في الحديث أن [¬٢] عُنقًا من النار يبرز للخلائق فينادي بصوت يسمع الخلائق: إني وكلت بثلاثة؛ بكل جبار عنيد، ومن جعل مع الله إلهًا آخر، وبالمصورين. ثم تلوى عليهم (^٢٢).\nقال الإمام أحمد: حدثنا معاوية -هو ابن هشام- حدثنا شيبان، عن فِرَاس، عن عطية، عن أبي سعيد الخدري، عن نبي الله ﷺ؛ أنه قال: \"يخرج عُنُق من النار يتكلم، يقول: وكلت اليوم بثلاثة: بكل جبار، ومن جعل مع الله إلهًا آخر، ومن قتل نفسًا بغير نفس. فتنطوي عليهم، فتقذفهم في غمرات جهنم\" (^٢٣).\n﴿قَال قَرِينُهُ﴾. قال ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، وغيرهم: هو الشيطان الذي وُكِّل به. ﴿رَبَّنَا مَا أَطْغَيتُهُ﴾ أي: يقول عن الإنسان الذي قد وافى القيامة كافرًا، يتبرأ منه شيطانه، فيقول: ﴿رَبَّنَا مَا أَطْغَيتُهُ﴾ أي: ما أضللته، ﴿وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ﴾ أي: بل كان هو في نفسه ضالًّا قابلًا للباطل معاندًا للحق. كما أخبر تعالى في\n_________\n(^٢٢) - أخرجه الترمذي في كتاب: صفة جهنم، باب: ما جاء في صفة النار، حديث (٢٥٧٧) (٧/ ٢٤٧ - ٢٤٨). وأحمد (٢/ ٣٣٦). كلاهما من طريق عبد العزيز بن مسلم عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة بإسناد صحيح. والحديث مخرج في الصحيحة برقم (٥١٢).\n(^٢٣) - أخرجه أحمد (٣/ ٤٠) (١١٣٧٠). وأخرجه عبد بن حميد في \"المنتخب\" (٨٩٦)، وابن أبي شيبة في المصنف، كتاب ذكر النار، باب: ما ذكر فيما أعد لأهل النار وشدته (٢٥) (٨/ ٩٥)، وأبو يعلى في مسنده (١١٣٨، ١١٤٦)، والطبراني في \"الأوسط\" (٣٩٨١) (٤/ ٢٠٣)، والبزار (٣٥٠٠) (٤/ ١٨٥). من طرق عن عطية به.\nوأخرجه الطبراني (٣١٨) (١/ ١٠٣) من طريق موسى بن أعين عن الأعمش عن سعد بن عبيدة عن أبي سعيد به. وهذا إسناد صحيح لو كان سعد بن عبيدة سمع من أبي سعيد، فإني لم أجد من صرح أنه روى عنه غير أنه روى عن البراء بن عازب والمغيرة بن شعبة.\nوذكره الهيثمي في \"المجمع\" (١٠/ ٣٩٥) وقال: رواه البزار .. وأحمد باختصار وأبو يعلى بنحوه، والطبراني في الأوسط، وأحد إسنادي الطبراني رجاله رجال الصحيح. =\n_________\n[¬١]- سقط من ز، خ.\n[¬٢]- في ز: أي.","vol":"13","page":192},{"text":"الآية الأخرى في قوله: ﴿وَقَال الشَّيطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إلا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.\nوقوله: ﴿قَال لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ﴾، يقول الرب ﷿ للإِنسي وقرينه من الجن، وذلك أنهما يختصمان بين يدي الحق، فيقول الإنسي: يارب، هذا أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني. ويقول الشيطان: ﴿رَبَّنَا مَا أَطْغَيتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ﴾، أي [¬١]: عن منهج الحق. فيقول الرب ﷿ لهما: ﴿لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ﴾ أي: عندي ﴿وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيكُمْ بِالْوَعِيدِ﴾ أي: قد أعذرت إليكم على ألسنة الرسل، وأنزلت الكتب، وقامت عليكم الحُجج والبينات والبراهين.\n﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ﴾. قال مجاهد: يعني قد قضيتُ ما أنا قاض، ﴿وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ أي [¬٢]: لست أعذب أحدًا بذنب أحد، ولكن لا أعذب أحدًا إلا بذنبه، بعد قيام الحجة عليه.\n﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ (٣٠) وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيرَ بَعِيدٍ (٣١) هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ (٣٢) مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ (٣٣) ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ (٣٤) لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَينَا مَزِيدٌ (٣٥﴾\nيخبر تعالى أنه يقول لجهنم يوم القيامة: ﴿هَلِ امْتَلَأْتِ﴾؟ وذلك أنه وعدها أن سيملؤها من الجنّة والناس أجمعين، فهو سبحانه يأمر بمن يأمر به إليها، ويلقي وهي تقول: ﴿هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ أي: هل بقي شيء تزيدوني؟ هذا هو الظاهر من سياق الآية، وعليه تدل الأحاديث:\nقال البخاري عند تفسير هذه الآية: حدثنا عبد الله بن أبي الأسود، حدثنا [حَرَمي بن\n_________\n= وقال المنذري في \"الترغيب والترهيب\" (٣/ ٢٩٨) … ورواه الطبراني بإسنادين رواة أحدهما رواة الصحيح، وقد روي عن أبي سعيد من قوله موقوفًا.\nوزاد نسبته السيوطي في الدر المنثور (٤/ ١٣٨) إلى ابن مردويه.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: نهى.\n[¬٢]- سقط من ت.","vol":"13","page":193},{"text":"عُمَارة] [¬١]، حدثنا شعبة، عن قتادة، عن أنس بن مالك، عن النبي ﷺ؛ قال: \"يُلقَي في النار وتقول: هل من مزيد؟ حتى يضع قدمه فيها، فتقول: قَط قط\" (^٢٤).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الوهاب، عن سعيد، عن قتادة، عن أنس؛ قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا تزال جهنم يلقي فيها وتقول: هل من مزيد؟ حتى يضع رب العزة فيها قدمه، فينزوي بعضها إلي بعض، وتقول: قَط قَطْ، وعزتك وكرمك. ولا يزال في الجنة فضل حتى ينشئ الله لها خلقًا آخر، فيسكنهم [¬٢] في فضول الجنة (^٢٥).\nثم رواه مسلم من حديث قتادة بنحوه (^٢٦). و[قد] [¬٣] رواه أبان العطار وسليمان التيمي، عن قتادة، بنحوه (^٢٧).\n(حديث آخر) قال البخاري: حدثنا محمد بن موسى القَطّان، حدثنا أبو سفيان الحِميري سَعيد بن يحيى بن مهدي، حدثنا عوف، عن محمد، عن أبي هريرة -رفعه، وأكثر ما كان يوقفه أبو سفيان-: \"يقال لجهنم: هل امتلأت، وتقول: هل من مزيد، فيضع الرب ﷿ قدمه عليها، فتقول: قَط قَطْ\" (^٢٨).\n[ورواه أيوب] [¬٤]، وهشام بن حسان [¬٥]، عن محمد بن سيرين به.\n(طريق أخرى) قال البخاري: وحدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا\n_________\n(^٢٤) - أخرجه البخاري في كتاب التفسير، باب: ﴿وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾، حديث (٨٤٨) (٨/ ٥٩٤).\n(^٢٥) - أخرجه أحمد (٣/ ٢٣٤) (١٣٤٨٢) بهذا الإسناد، وسعيد هو ابن أبي عروبة وهو من أثبت الناس في قتادة. وعبد الوهاب: هو ابن عطاء، صدوق ربما أخطأ. وانظر التالي.\n(^٢٦) - وأخرجه البخاري في كتاب: التفسير، باب: ﴿وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾، حديث (٤٨٤٨) (٨/ ٥٩٤). ومسلم في كتاب: الجنة، باب: النار يدخلها الجبارون، والجنة يدخلها الضعفاء، حديث (٣٧/ ٢٨٤٨) (١٧/ ٢٦٨). كلاهما من طريق قتادة بنحو حديث أحمد.\n(^٢٧) - أخرجه مسلم عقب الحديث السابق.\n(^٢٨) - أخرجه البخاري في كتاب: التفسير، باب: ﴿وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيد﴾، حديث (٤٨٤٩) (٨/ ٥٩٥)، وطرفاه في [٤٨٥٠، ٧٤٤٩].\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: حربي.\n[¬٢]- في ز: فيسكنه.\n[¬٣]- سقط من ت.\n[¬٤]- في خ: ورواه أبو أيوب.\n[¬٥]- في ز، خ: عيان.","vol":"13","page":194},{"text":"معمر عن همّام [¬١]، عن أبي هريرة؛ قال: قال النبي ﷺ: \"تحاجّت الجنة والنار، فقالت النار: أوثرْتُ بالمتكبرين والمتجبرين. وقالت الجنة: ما لي [¬٢] لا يدخلني إلا ضعفاء الناس وسقَطُهم. قال الله ﷿ للجنة: أنت رحمتي، أرحم بك من أشاء من عبادي. وقال للنار: إنما أنت عذابي، أعذب بك من أشاء من عبادي، ولكل واحدة منكما ملؤها، فأما النار فلا تمتلئ حتى يضع رجله، فتقول: قَطْ قَطْ قَطْ [¬٣]، فهنالك تمتلئ [ويُزوَى بعضها إلي بعض] [¬٤]، ولا يظلم الله من خلقه أحدًا، وأما الجنة فإن الله ينشئ لها خلقًا [¬٥] (^٢٩).\n(حديث آخر) قال مسلم في صحيحه: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا جرير، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي [¬٦] سعيد؛ قال: قال رسول الله ﷺ: \"احتجت الجنة والنار، فقالت النار: في الجبارون والمتكبرون. وقالت الجنة: في ضعفاء الناس ومساكينهم. فقضى بينهما، فقال للجنة: إنما [¬٧] أنت رحمتي، أرحم بك من أشاء من عبادي. وقال للنار: إنما أنت عذابي، أعذب بك من أشاء من عبادي، ولكل واحدة منكما ملؤها\" (^٣٠).\nانفرد به مسلم دون البخاري، من هذا الوجه، والله ﷾ أعلم. وقد رواه الإمام أحمد من طريق أخرى، عن أبي سعيد بأبسط من هذا السياق؛ فقال:\nحدثنا حسن وروح؛ قالا: حدثنا حماد بن سلمة، عن عطاء بن السائب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عُتْبة [¬٨]، عن أبي سعيد الخُدري؛ أن رسول الله ﷺ؛ قال: \"افتخرت الجنة والنار، فقالت النار: يا رب؛ يدخلني الجبابرة والمتكبرون والملوك والأشراف. وقالت الجنة: أي رب؛ يدخلني الضعفاء والفقراء والمساكين. فيقول الله ﷿ للنار: أنت عذابي، أصيب بك من أشاء. وقال للجنة: أنت رحمتي، وسعت كل شيء، ولكل واحدة منكما ملؤها، فيلقي في النار أهلها فتقول: هل من\n_________\n(^٢٩) - أخرجه البخاري (٤٨٥٠).\n(^٣٠) - أخرجه مسلم في كتاب: الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب: النار يدخلها الجبارون، والجنة يدخلها الضعفاء، حديث (٢٨٤٧) (١٧/ ٢٦٧ - ٢٦٨).\n_________\n[¬١]- في ز: تمام.\n[¬٢]- سقط من ز.\n[¬٣]- سقط من ت.\n[¬٤]- سقط من ز.\n[¬٥]- بعده في ت: آخر.\n[¬٦]- سقط من خ.\n[¬٧]- سقط من ز، خ.\n[¬٨]- في ز، خ: عقبة.","vol":"13","page":195},{"text":"مزيد؟ \" قال: \"ويلقى فيها [¬١]، وتقول: هل من مزيد؟ ويلقي فيها وتقول: هل من مزيد حتى يأتيها ﷿ فيضع قدمه عليها، فتزوَى وتقول: قَدْني، قَدْني! وأما الجنة فيبقى فيها ما شاء الله أن يبقى، فينشئ الله لها خلقًا ما يشاء\" (^٣١).\nحديث آخر، وقال الحافظ أبو يعلى في مسنده: حدثنا عقبة بن مُكْرم، حدثنا يونس، حدثنا عبد الغفار بن القاسم، عن عدي بن ثابت، عن زرّ بن حُبَيش، عن أبي بن كعب؛ أن رسول الله ﷺ؛ قال: \"يعرّفني [¬٢] الله ﷿ نفسه يوم القيامة، فأسجد سجدة يرضى بها عني، ثم أمدحة مدْحَة يرضى بها عني، ثم يؤذن لي في الكلام، ثم تمر أمتي على الصراط -مضروب بين ظهراني جهنم- فيمرون أسرع من الطرف والسهم، وأسرع من أجود الخيل، حتى يخرج الرجل منها يحبو، وهي الأعمال. وجهنم تسأل المزيد، حتى يضع فيها قدمه، فينزوي بعضها إلي بعض وتقول: قَطْ قَطْ! وأنا علي الحوض\". قيل: وما الحوض يا رسول الله؟ قال: \"والذي نفسي بيده، إن شرابه أبيض من اللبن، وأحلي من العسل، وأبرد من الثلج، وأطيب ريحًا من المسك، وآنيته أكثر من عدد النجوم، لا يشرب منه إنسان فيظمأ أبدًا، ولا يصرف فَيَروَى أبدًا، (^٣٢). وهذا القول هو اختيار ابن جرير.\nوقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو يحيى [¬٣] الحمّاني عن [نَضْر الخزّاز] [¬٤]، عن عكرمة، عن ابن عباس ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾؟، قال: ما امتلأت، قال: تقول: وهل فيّ من مكان يزاد في.\nوكذا روى الحكم [¬٥] بن أبان عن عكرمة: ﴿وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾: وهل فيّ مدخل واحد؟ قد امتلأت.\nقال الوليد بن مسلم، عن يزيد بن أبي مريم: أنه سمع مجاهدًا يقول: لا يزال يُقذف فيها حتى تقول: قد امتلأت فتقول: هل من مزيد. وعن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم\n_________\n(^٣١) - أخرجه أحمد (٣/ ١٣) (١١١١٣) وإسناده ثقات.\nقال الهيثمي في \"المجمع\" (٧/ ١١٥): رواه أحمد ورجاله ثقات؛ لأن حماد بن سلمة روى عن عطاء بن السائب قبل الاختلاط.\n(^٣٢) - ذكره ابن حجر في المطالب العالية (٤/ ٣٨٣) (٤٦٣٥) وعزاه لأبي يعلى من حديث أبي بن كعب.\n_________\n[¬١]- سقط من خ.\n[¬٢]- في ز، خ: بعثني.\n[¬٣]- في ز، خ: بكر.\n[¬٤]- في ز: نصر الجزار.\n[¬٥]- في ز: الحاكم.","vol":"13","page":196},{"text":"نحو هذا (^٣٣).\nفعند هؤلاء أن قوله تعالى: ﴿هَلِ امْتَلَأْتِ﴾ إنما هو بعد ما يضع عليها قدمه، فتنزوي وتقول حينئذ: هل بقي في [مزيد يسع] [¬١] شيئًا؟ قال العوفي، عن ابن عباس: وذلك حين لا يبقى فيها موضع يسع [¬٢] إبرة. فالله أعلم.\nوقوله: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيرَ بَعِيدٍ﴾، قال قتادة، وأبو مالك، والسدي: ﴿وَأُزْلِفَتِ﴾ أدنيت وقُرّبت من المتقين ﴿غَيرَ بَعِيدٍ﴾، وذلك يوم القيامة، وليس ببعيد لأنه واقع لا محالة، وكل ما هو آت آت.\n﴿هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ﴾ أي: رجّاع، تائب مقلع ﴿حَفِيظٍ﴾ أي: يحفظ العهد فلا ينقضه وينكثه [¬٣].\nوقال عبيد بن عمير: الأواب الحفيظ الذي لا يجلس مجلسًا حتى يستغفر الله ﷿.\n﴿مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيبِ﴾ أي: من خاف الله [¬٤] في سره حيث لا يراه أحد إلا الله؛ كقوله ﵇: \"ورجل ذكر الله خاليًا، ففاضت عيناه\" (^٣٤).\n﴿وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾ أي: ولقي الله يوم القيامة بقلب سليم منيب إليه خاضع لديه.\n﴿ادْخُلُوهَا﴾ أي: الجنة ﴿بِسَلَامٍ﴾. قال قتادة: سَلموا من عذاب الله، وسلم عليهم ملائكة الله.\nوقوله: ﴿ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ﴾ أي: يخلدون في الجنة فلا يموتون أبدًا، ولا يظعنون أبدًا، ولا يبغون عنها حولًا.\nوقوله: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا﴾ أي: مهما اختاروا وجدوا، من أيّ أصناف الملاذ طلَبوا أحضِر لهم.\n_________\n(^٣٣) - الوليد بن مسلم يدلس ويسوي، وقد عنعن.\n(^٣٤) - أخرجه البخاري في كتاب: الأذان، باب: من جلس في المسجد ينتظر الصلاة، وفضل المساجد، حديث (٦٦٠) (٢/ ١٤٣). وأطرافه في: [١٤٢٣، ٦٤٧٩، ٦٨٠٦]. ومسلم في كتاب: الزكاة، باب: فضل إخفاء الصدقة، حديث (٩١/ ١٠٣١) (٧/ ١٦٩ - ١٧٠).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: من ولع.\n[¬٢]- سقط من ت.\n[¬٣]- في خ: يجليه.\n[¬٤]- في خ: الرحمن.","vol":"13","page":197},{"text":"قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا عمرو بن عثمان، حدثنا بقية، عن بَحير [¬١] ابن سعد [¬٢]، عن خالد بن معدان، عن كثير بن مرة؛ قال: [من المزيد] [¬٣] أن تمر السحابة بأهل الجنة فتقول: ماذا تريدون فأمطره لكم؟ فلا يدعون بشيء إلا أمطرتهم. قال كثير: لئن [¬٤] أشهدني الله ذلك لأقولن: أمطرينا جواري مزينات (^٣٥).\nوفي الحديث عن ابن مسعود أن رسول الله ﷺ قال له: \"إنك لتشتهي الطير في الجنة، فيخر بين يديك مشويًّا\" (^٣٦).\nوقال الإِمام أحمد: حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا معاذ بن هشام، حدثني أبي، عن عامر الأحول، عن أبي الصديق، عن أبي سعيد الخدري؛ أن رسول ﷺ؛ قال: \"إذا اشتهى المؤمن الولد في الجنة، كان حملة ووضعه وسِنّه في ساعة واحدة\" (^٣٧).\nورواه الترمذي وابن ماجه عن بندار، عن معاذ بن هشام به (^٣٨). وقال الترمذي: \"حسن غريب\". وزاد: \"كما [¬٥] يشتهي\".\n_________\n(^٣٥) - في إسناده بقية بن الوليد وهو مدلس وقد عنعن.\n(^٣٦) - أخرجه البزار في مسنده (٥/ ٤٠١) برقم (٢٠٣٢). والعقيلي في \"الضعفاء الكبير\" (١/ ٢٦٨). (٣٣١) في ترجمة حميد الأعرج. وابن عدي في \"الكامل\" (٢/ ٦٨٧). كلهم من طريق حميد الأعرج عن عبد الله بن الحارث عن ابن مسعود مرفوعًا. وحميد بن علي الأعرج قال العقيلي: سمعت يحيى بن معين يقول: حميد بن عطاء ليس بشيء. وقال أحمد بن حنبل: ضعيف ا. هـ \"الكامل\". والحديث ذكره الهيثمي في \"المجمع\" (١٠/ ٤١٧) وقال: رواه البزار وفيه حميد بن عطاء الأعرج، وهو ضعيف. وذكره ابن حجر في المطالب العالية (٤/ ٤٠٤) (٤٦٩١) وعزاه لأبي يعلى والبزار.\n(^٣٧) - أخرجه أحمد (٣/ ٩) برقم (١١٠٧٧)، وفي إسناده عامر بن عبد الواحد الأحول. وضعفه أحمد حنبل والنسائي. وقال ابن معين: ليس به بأس. وقال أبو حاتم: ثقة، لا بأس به. وذكره ابن حبان في الثقات. تهذيب الكمال (١٤/ ٦٦ - ٦٧). وبقية رجاله ثقات.\n(^٣٨) - وأخرجه الترمذي في كتاب: صفة الجنة، باب: ما جاء ما لأدنى أهل الجنة من الكرامة، حديث (٢٥٦٦) (٧/ ٢٤٠) من طريق عامر الأحول. قال الترمذي: وقد اختلف أهل العلم في هذا؛ فقال بعضهم: في الجنة جماع ولا يكون ولد؛ هكذا روى عن طاوس ومجاهد وإبراهيم النخعي. وقال محمَّد: قال إسحاق بن إبراهيم: في حديث النبي ﷺ: \"إذا اشتهى المؤمن الولد في الجنة كان في ساعة واحدة كما يشتهي \"ولكن لا يشتهي\" قال محمَّد: وقد روي عن =\n_________\n[¬١]- في ز، خ: يحيى.\n[¬٢]- في خ: سعيد.\n[¬٣]- في ز: مر المزيد. بلا نقط. وفي خ: \"مر الرمد\".\n[¬٤]- في ز: لا.\n[¬٥]- بياض في ز، خ.","vol":"13","page":198},{"text":"وقوله: ﴿وَلَدَينَا مَزِيدٌ﴾ كقوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا [الْحُسْنَى] [¬١] وَزِيَادَةٌ﴾. وقد تقدم في صحيح مسلم عن صهيب بن سنان الرومي: أنها النظر إلى وجه الكريم (^٣٩).\nوقد روى البزار وابن أبي حاتم، من حديث شريك القاضي [¬٢]، عن عثمان بن عمير [¬٣] أبي اليقظان، عن أنس بن مالك في قوله ﷿: ﴿وَلَدَينَا مَزِيدٌ﴾، قال: يظهر لهم الرب ﷿ في كل جمعة (^٤٠).\nوقد رواه الإِمام أبو عبد الله الشافعي مرفوعًا فقال في مسنده: أخبرنا إبراهيم بن محمَّد، حدثني موسى بن عبيدة، حدثني أبو الأزهر معاوية بن إسحاق بن طلحة، عن [عبيد بن عمير] [¬٤] أنه سمع أنس بن مالك يقول: [أتى جبرائيل] [¬٥] بمرآة بيضاء فيها نكتة إلى رسول الله ﷺ، [فقال النبي، ﷺ] [¬٦]: \"ما هذه؟ \". فقال: هذه الجمعة، فُضلت بها أنت وأمتك، فالناس [لكم فيها تبع] [¬٧]، اليهود والنصارى، ولكم [¬٨] فيها خير، ولكم فيها ساعة لا يوافقها مؤمن يدعو [] [¬٩] الله بخير إلا استجيب له، وهو عندنا يوم المزيد. قال النبي ﷺ: \"يا جبريل؛ وما يوم المزيد؟ \". قال إن: ربك اتخذ في الفردوس واديًا أفيح فيه كُثُب المسك، فإذا كان يوم الجمعة أنزل الله ما شاء من ملائكته، وحوله منابر من نور، عليها\n_________\n= أبي رزين العقيلي عن النبي ﷺ: \"إن أهل الجنة لا يكون لهم فيها ولد\".\nوأبو الصديق الناجي: اسمه بكر بن عمرو، ويقال: بكر بن قيس. ا هـ.\nقال ابن القيم في \"حادي الأرواح\" (٣٤٨): إسناد حديث أبي سعيد على شرط الصحيح؛ فرجاله محتج بهم فيه، ولكنه غريب جدًّا، وتأويل إسحاق فيه نظر، فإنه قال: \"إذا اشتهى المؤمن الولد\"، فـ \"إذا\" للمتحقق الوقوع، ولو أريد ما ذكره من المعنى لقال: لو اشتهى المؤمن الولد لكان حمله في ساعة؛ فإن ما لا يكون- أحق بأداة لو، كما أن المحقق الوقوع أحق بأداة إذا. ا هـ.\nوالحديث صححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (٢٠٧٧ - ٢٧٠١).\n(^٣٩) - أخرجه مسلم في كتاب: الإيمان، باب: إثبات رؤية المؤمنين في الآخرة ربهم ﷾ حديث (٢٩٧، ٢٩٨/ ١٨١) (٣/ ٢١ - ٢٢).\n(^٤٠) - ذكره الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (٧/ ١١٥)، وقال: رواه البزار، وفيه عثمان بن عمير وهو ضعيف.\n_________\n[¬١]- في ت: الحسنة.\n[¬٢]- في ز، خ: والقاضي.\n[¬٣]- في ز: عمر.\n[¬٤]- في ز: \"عبيد الله بن عمير\".\n[¬٥]- في ز، خ: أتانا جبريل.\n[¬٦]- ما بين المعكوفين سقط من ز، خ.\n[¬٧]- ما بين المعكوفين في ز: \"نعم فيها مع\". وفي خ: \"لكم فيها مع\".\n[¬٨]- سقط من خ.\n[¬٩]- في خ: فيها.","vol":"13","page":199},{"text":"مقاعد النبيين، وَحَفّ تلك [¬١] المنابر بمنابر [¬٢] من ذهب، مكللة بالياقوت والزبرجد، عليها الشهداء والصديقون، فجلسوا من ورائهم على تلك الكثُب، فيقول الله-﷿: أنا ربكم، قد صَدَقتكُم وعدي، فسلوني أعطكم. فيقولون: ربنا؛ نسألك رضوانك، فيقول: قد رَضِيتُ عنكم، ولكم عَلَيّ ما تمنّيتم، ولديّ مزيد. فهم يحبون يوم الجمعة لما يعطيهم فيه [¬٣] ربهم من الخير، وهو اليوم الذي استوى فيه ربكم على العرش، وفيه خلق آدم، وفيه تقوم الساعة (^٤١).\nهكذا أورده الإِمام الشافعي في كتاب الجمعة من \"الأم\"، وله طرق عن [¬٤] أنس بن مالك ﵁: وقد أورد ابن جرير هذا من رواية عثمان بن عمير، عن أنس بأبسط من هذا (^٤٢)، وذكر ها هنا أثرًا مطولًا عن أنس بن مالك موقوفًا وفيه غرائب كثيرة (^٤٣).\nوقال الإِمام أحمد: حدثنا حسن، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا دَرّاج عن [أبي الهيثم] [¬٥]، عن أبي سعيد، عن رسول الله ﷺ؛ قال: \"إن الرجل في الجنة ليتكئ [¬٦] في الجنة سبعين سنة [قبل أن يتحول] [¬٧] ثم تأتيه امرأة فتضرب على منكَبِه، فينظر وجْهَه في خَدّها أصفى من المرآة، وإن أدنى لؤلؤة عليها تضئ ما بين المشرق والمغرب؛ فتسلم عليه، فيرد السلام، فيسألها: من أنت؟ فتقول: أنا من المزيد. فإنّه ليكون عليها سبعون حلة، أدناها مثل النعمان، من طوبى، فينفذها بَصَره حتى يرى مخ ساقها من وراء ذلك، وإن عليها من التيجان، إن أدنى لؤلؤة منها لتضيء ما بين المشرق والمغرب\" (^٤٤).\nوهكذا رواه عبد الله بن وهب عن عمرو بن الحارث [¬٨] عن دراج به.\n_________\n(^٤١) - أخرجه الشافعي في مسنده (ص ٧٠ - ٧١)، وفيه موسى بن عبيدة وهو ضعيف.\n(^٤٢) - أخرجه الطبري في تفسيره (٢٦/ ١٧٥) وفيه عثمان بن عمير وهو ضعيف.\n(^٤٣) - أخرجه الطبري (٢٦/ ١٧٣ - ١٧٤).\n(^٤٤) - أخرجه أحمد (٣/ ٧٥) (١١٧٣٢) وفي إسناده ابن لهيعة وهو ضعيف، وفي رواية دراج عن أبي الهيثم أيضًا ضعف. قال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (١٠/ ٤٢٢): رواه أحمد، وأبو يعلى (١٣٨٦) وإسنادهما حسن.\n_________\n[¬١]- في خ: بتلك.\n[¬٢]- بياض في ز، وسقط من خ.\n[¬٣]- سقط من ز، خ.\n[¬٤]- في ت: على.\n[¬٥]- في ز، خ: إبراهيم.\n[¬٦]- في ز: ليسل. كذا بلا نقط.\n[¬٧]- بياض في ز، خ.\n[¬٨]- في ز، خ: قطرب.","vol":"13","page":200},{"text":"﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ (٣٦) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (٣٧) وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَينَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ (٣٨) فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ (٣٩) وَمِنَ اللَّيلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ (٤٠)﴾\nيقول تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا﴾ قبل هؤلاء المنكرين: ﴿مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا﴾ أي: كانوا أكثر منهم وأشد قوة، وآثاروا الأرض وعَمَرُوها أكثر مما عمروها؛ ولهذا قال ها هنا: ﴿فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ﴾. قال ابن عباس: أثَّروا فيها. وقال مجاهد: ﴿فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ﴾: ضربوا [¬١] في الأرض. وقال قتادة: فساروا في البلاد: أي ساروا فيها يبتغون الأرزاق والمتاجر والمكَاسب أكثر مما طفتم أنتم فيها. ويقال لمن [¬٢] طوف في البلاد: نقب فيها. قال امرؤٌ القيس:\nلَقَدْ نَقَّبتُ فيِ الْآفاقِ حَتى … رَضِيتُ مِنَ الْغَنِيمَةِ بِالإيَاب\nوقوله: ﴿هَلْ مِنْ مَحِيصٍ﴾: هل من مفر كان لهم من قضاء الله وقدره؟ وهل نفعهم ما جمعوه ورَدّ عنهم عذاب الله إذ جاءهم لما كذبوا الرسل؟ فأنتم أيضًا لا مفر لكم ولا محيد ولا مناص ولا محيص.\nوقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى﴾ أي: لعبرة ﴿لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ أي: لب يعي به. وقال مجاهد: عقل. ﴿أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ أي استمع الكلام فوعاه، وتعقله بقلبه وتفهمه بلبه.\nوقال مجاهد: ﴿أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ﴾ يعني: لا يحدث نفسه [بغيره، ﴿وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ وقال: شاهد بالقلب] [¬٣]. وقال الضحاك: العرب تقول: ألقى فلان سمعه: إذا استمع بأذنيه وهو شاهد، يقول [¬٤]: غير غائب. وهكذا قال الثوري وغير واحد.\n_________\n[¬١]- في ز، ظـ: خربوا.\n[¬٢]- في ز: أن.\n[¬٣]- ما بين المعكوفين في ز، خ: \"في هذا بقلب\".\n[¬٤]- في ز، خ: لقول.","vol":"13","page":201},{"text":"وقوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَينَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ فيه تقرير المعاد، لأن من قدر على خلق السماوات والأرض ولم يعي بخلقهن، قادر على أن يحيي الموتى بطريق الأولى والأحرى.\nوقال قتادة: قالت اليهود -عليهم لعائن الله- خلق الله السماوات والأرض في ستة أيام، ثم استراح في اليوم السابع، وهو يوم السبت، وهم يسمونه يوم الراحة، فأنزل الله تكذيبهم فيما قالوه وتأولوه: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ أي: من إعياء ولا نصب ولا تعب، كما قال في الآية الأخرى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ﴾ وكما [¬١] قال: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ وقال: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا﴾.\nوقوله: ﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾ يعني: المكذبين، اصبر عليهم، واهجرهم هجرًا جميلًا، ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ [وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾، وكانت الصلاة المفروضة قبل الإسراء، ثنتان قبل طلوع الشمس] [¬٢] في وقت الفجر، وقبل الغروب في وقت العصر، وقيام الليل كان واجبًا على النبي ﷺ [وعلى أمته] [¬٣] حولًا، ثم نسخ في حق الأمة وجوبُه. ثم بعد ذلك نسخ الله ذلك كله ليلة الإسراء بخمس صلوات، ولكن منهن صلاة الصبح والعصر، فهما قبل طلوع الشمس وقبل الغروب.\nوقد قال الإِمام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن جرير بن عبد الله؛ قال: كنا جلوسًا عند النبي ﷺ، فنظر إلى القمر ليلة البدر [¬٤] فقال: \"أما إنكم ستعرضون على ربكم فترونه كما ترون هذا القمر، لا تُضارون [¬٥] فيه، فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها، فافعلوا\". ثم قرأ: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ (^٤٥).\nورواه البخاري ومسلم وبقية الجماعة، من حديث إسماعيل به (^٤٦).\n_________\n(^٤٥) - أخرجه أحمد (٤/ ٣٦٥).\n(^٤٦) - البخاري في كتاب: مواقيت الصلاة، باب: فضل صلاة العصر، حديث (٥٥٤) (٢/ ٣٣). وأطرافه في: [٥٧٣، ٤٨٥١، ٧٤٣٤، ٧٤٣٥، ٧٤٣٦]. ومسلم في كتاب: المساجد، =\n_________\n[¬١]- في ز: كما.\n[¬٢]- ما بين المعكوفين سقط من ز، خ.\n[¬٣]- سقط من ز، خ.\n[¬٤]- سقط من ز، خ.\n[¬٥]- في خ: تضامون.","vol":"13","page":202},{"text":"وقوله: ﴿وَمِنَ اللَّيلِ فَسَبِّحْهُ﴾ أي: فصلِّ له، كقوله: ﴿وَمِنَ اللَّيلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾.\n﴿وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾ قال ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس: هو التسبيح بعد الصلاة.\nويؤيد هذا ما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة أنه قال: جاء فقراء [¬١] المهاجرين فقالوا: يا رسول الله؛ ذهب أهل الدثور بالدرجات العلى والنعيم المقيم. فقال: \"وما ذاك؟ \" قالوا: يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون ولا نتصدق، ويعتقون ولا نعتق! قال: \"أفلا أعلمكم شيئًا إذا فعلتموه سبقتم من بعدكم، ولا يكون أحد أفضل منكم إلا من فعل مثل ما فعلتم؟ تسبحون وتحمدون وتكبرون دبر [¬٢] كل صلاة ثلاثا وثلاثين\". قال: فقالوا: يا رسول الله، سمع إخواننا أهل الأموال [بما [¬٣] فعلنا] [¬٤]، ففعلوا مثله [¬٥]. قال: \"ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء\" (^٤٧).\nوالقول الثاني: أن المراد بقوله: ﴿وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾، هما الركعتان بعد المغرب، روي ذلك عن عمر وعليّ، وابنه الحسن، وابن عباس، وأبي هريرة، وأبي أمامة، وبه يقول مجاهد، وعكرمة، والشعبي، والنخَعي، والحسن، وقتادة، وغيرهم.\n_________\n= باب: فضل صلاتي الصبح والعصر والمحافظة عليهما، حديث (٢١١/ ٦٣٣) (٥/ ١٨٧). وأبو داود في كتاب: السنة، باب: في الرؤية، حديث (٤٧٢٩) (٤/ ٢٣٣). والترمذي في كتاب: صفة الجنة، باب: ما جاء في رؤية الرب ﵎، حديث (٢٥٥٤) (٧/ ٢٢٩ - ٢٣٠). والنسائي في الكبرى في كتاب: التفسير، باب قوله تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾، حديث (١١٣٣٠) (٦/ ٤٠٧). وابن ماجه في المقدمة، باب: فيما أنكرت الجهمية، حديث (١٧٧) (١/ ٦٣). قال الترمذي: حديث حسن صحيح.\nفائدة: ما جاء في الحديث هنا من كون المؤمنين يرون ربهم هو عقيدة أهل السنة، ومعنى تشبيه ذلك بالقمر هو من قبيل تشبيه الرؤية بالرؤية لا من قبيل تشبيه المرئي بالمرئي، فإنه تعالى ليس كمثله شيء، فيكون المعنى أنهم يرون الله بأعينهم كما يرون القمر بأعينهم بدون إحاطة فإنه تعالى لا يحيط به شيء فانتبه، والله أعلم بالصواب.\n(^٤٧) - أخرجه البخاري في كتاب: الأذان، باب: الذكر بعد الصلاة، حديث (٨٤٣) (٢/ ٣٢٥)، وطرفه في [٦٣٢٩]. ومسلم في كتاب: المساجد، باب: استحباب الذكر بعد الصلاة وبيان صفته، حديث (١٤٢/ ٥٩٥).\n_________\n[¬١]- في ز: نفر من.\n[¬٢]- سقط من ز، خ.\n[¬٣]- في ز: ما.\n[¬٤]- سقط من خ.\n[¬٥]- في خ: \"مثل مفعلنا\".","vol":"13","page":203},{"text":"قال الإِمام أحمد: حدثنا وكيع وعبد الرحمن، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة، عن علي؛ قال: كان رسول الله ﷺ يصلي على أثر كل صلاة مكتوبة ركعتين إلا الفجر والعصر. وقال عبد الرحمن: دُبُر كل صلاة (^٤٨).\nورواه أبو داود والنسائي، من حديث سفيان الثوري به. زاد النسائي: ومطرف، عن أبي إسحاق، به (^٤٩).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا هارون بن إسحاق الهمداني، حدثنا ابن [¬١] فضيل، عن رشدين بن كريب، عن أنس عن ابن [¬٢] عباس؛ قال: بت ليلة عند رسول الله ﷺ فصلى ركعتين خفيفتين، اللتين قبل الفجر. ثم خرج إلى الصلاة فقال: \"يا بن عباس؛ ركعتين قبل صلاة الفجر إدبار النجوم، وركعتين بعد المغرب أدبار السجود\".\nورواه الترمذي عن أبي [¬٣] هشام الرفاعي، عن محمَّد بن فضيل به. وقال: غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه (^٥٠).\nوحديث ابن عباس وأنه بات في بيت خالته ميمونة، وصلى تلك الليلة مع النبي ﷺ ثلاث عشرة ركعة - ثابت في الصحيحين وغيرهما (^٥١). فأما هذه الزيادة فغريبة لا تعرف إلا من هذا الوجه، ورشدين بن كريب ضعيف، ولعله من كلام ابن عباس موقوفًا عليه، والله أعلم.\n_________\n(^٤٨) - أخرجه أحمد (١/ ١٢٤). وقد صححه الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على المسند.\n(^٤٩) - وأخرجه أبو داود في كتاب الصلاة، باب: الصلاة بعد العصر، حديث (١٢٧٥) (٢/ ٢٤). والنسائي في الكبرى في كتاب: الصلاة الأول، باب: ذكر اختلاف الناقلين لخبر أبي إسحاق عن عاصم بن ضمرة عن علي في ذلك، حديث (٣٤١) (١/ ١٤٨). وضعفه الألباني في ضعيف سنن أبي داود برقم (٢٧٧).\n(^٥٠) - وأخرجه الترمذي في كتاب: تفسير القرآن، باب: ومن سورة الطور، حديث (٣٢٧١).\nوقد أخرج ابن عدي هذا الحديث من طريق رشدين هذا في الكامل (٣/ ١٠٠٨) ونقل تضعيف رشدين عن يحيى بن معين وغيره. وضعف الحديث أيضًا ابن حجر في الفتح (٨/ ٥٩٨) بعد أن عزاه للطبري (٢٦/ ١٨١).\n(^٥١) - أخرجه البخاري في: الوضوء، باب: التخفيف في الوضوء، حديث (١٣٨) (١/ ٢٣٨ - ٢٣٩). ومسلم في كتاب: صلاة المسافرين، باب: الدعاء في صلاة الليل وقيامه، حديث (٧٦٣) (٦/ ٦٤ وما بعدها).\n_________\n[¬١]- سقط من خ.\n[¬٢]- سقط من ز.\n[¬٣]- سقط من ز، خ.","vol":"13","page":204},{"text":"﴿وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ (٤١) يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ (٤٢) إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَينَا الْمَصِيرُ (٤٣) يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَينَا يَسِيرٌ (٤٤) نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنْتَ عَلَيهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ (٤٥)﴾\nيقول تعالى: ﴿وَاسْتَمِعْ﴾ يا محمَّد ﴿يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ﴾ قال قتادة: قال كعب الأحبار: يأمر الله ملكًا أن ينادي على صخرة بيت المقدس: أيتها [¬١] العظام البالية، والأوصال المتقطعة، إن الله يأمركن أن تجتمعن لفصل القضاء ﴿يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيحَةَ بِالْحَقِّ﴾، يعني النفخة في الصور التي تأتي بالحق الذي [¬٢] كان أكثرهم فيه [¬٣] يمترون.\n﴿ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ﴾ أي: من الأجداث، ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَينَا الْمَصِيرُ﴾ أي: هو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده، وهو أهون عليه، وإليه مصير الخلائق كلهم، فيجازي كلا بعمله، إن خيرًا فخير وإن شرًّا فشر.\nوقوله: ﴿يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا﴾، وذلك أن الله تعالى ينزل مطرًا من السماء تنبت به أجساد الخلائق في قبورها، كما ينبت الحب في الثرى بالماء، فإذا تكاملت الأجساد أمر الله إسرافيل [فينفخ في الصور، وقد أودعت الأرواح في ثقب في الصور، فإذا نفخ إسرافيل] [¬٤] فيه خرجت الأرواح تتوهج بين [¬٥] السماء والأرض، فيقول الله ﷿: وعزتي وجلالي، لترجِعَن كل روح إلى الجسد الذي كانت تعمره، فترجع كل روح إلى جسدها، فتدب فيه كما يدب السم في اللديغ [وتنشق الأرض عنهم فيقومون إلى موقف الحساب سراعًا مبادرين إلى أمر الله ﷿ ﴿مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ] [¬٦] يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾.\nوقال الله تعالى: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إلا قَلِيلًا﴾ وفي صحيح مسلم عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: \"أنا أول من تنشق عنه\n_________\n[¬١]- في ز، خ: أيها.\n[¬٢]- سقط من ز، خ.\n[¬٣]- في ز، خ: به.\n[¬٤]- ما بين المعكوفين سقط من ز، خ.\n[¬٥]- في ز، خ: من.\n[¬٦]- ما بين المعكوفين سقط من ز، خ.","vol":"13","page":205},{"text":"الأرض\" (^٥٢).\nوقوله: ﴿ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَينَا يَسِيرٌ﴾ أي تلك إعادة سهلة علينا، يسيرة لدينا، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إلا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾.\nوقال تعالى: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إلا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾.\nوقوله: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ﴾ أي: نحن علمنا محيط بما يقول لك المشركون من التكذيب فلا يهيدنك [¬١] ذلك، كقوله: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (٩٧) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (٩٨) وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾.\nوقوله: ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيهِمْ بِجَبَّارٍ﴾ أي: ولست بالذي تجبر هؤلاء على الهدى، وليس ذلك مما كلفت به.\nوقال قتادة، ومجاهد، والضحاك: ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيهِمْ بِجَبَّارٍ﴾ أي: لا تتجبر عليهم. والقول الأول أولى، ولو أراد ما قالوه لقال: ولا تكن جبارًا عليهم، وإنما قال: ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيهِمْ بِجَبَّارٍ﴾، بمعنى: وما أنت بمجبرهم على الإيمان إنما أنت مبلغ.\nقال الفراء: سمعت العرب تقول: جبر فلان فلانًا على كذا بمعنى أجبره.\nثم قال تعالى ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ﴾ أي: بلغ أنت رسالة ربك، فإنما يتذكر من يخاف الله ووعيده ويرجو وعده، كقوله: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيكَ الْبَلَاغُ وَعَلَينَا الْحِسَابُ﴾، وقوله: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيهِمْ بِمُصَيطِرٍ﴾ ﴿لَيسَ عَلَيكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ ولهذا قال ها هنا: ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ﴾. كان قتادة يقول: اللهم اجعلنا ممن يخاف وعيدك، [ويرجو موعودك] [¬٢]، يا بار يا رحيم.\nآخر تفسير سورة (ق)، والحمد لله وحده وحسبنا الله ونعم الوكيل\".\n* * *\n_________\n(^٥٢) أخرجه مسلم في كتاب الفضائل، باب: تفضيل نبينا ﷺ على جميع الخلائق، حديث (٢٢٧٨) (١٥/ ٥٤) بلفظ: \"ينشق عنه القبر\".\n_________\n[¬١]- في خ: يهدينك.\n[¬٢]- في ز،: \"المدحر عن عودك\". كذا.","vol":"13","page":206},{"text":"<span data-type='title' id=toc-172>تفسير سورة الذاريات وهي مكية</span>\n﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا (١) فَالْحَامِلَاتِ وقْرًا (٢) فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا (٣) فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا (٤) إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ (٥) وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ (٦) وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ (٧) إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ (٨) يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ (٩) قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ (١٠) الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ (١١) يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ (١٢) يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ (١٣) ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ (١٤)﴾\nقال شعبة بن الحجاج عن سماك، عن خالد بن عَرعَرَة أنه سمع عليًّا.\nوشعبة أيضًا، عن القاسم بن أبي بَزّة، عن أبي الطفيل، سمع عليًّا.\nوثبت أيضًا من غير وجه، عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب؛ أنه صعد منبر الكوفة فقال: لا تسألوني عن آية في كتاب الله، ولا عن سنة [عن] [¬١] رسول الله، إلا أنبأتكم بذلك. فقام إليه ابن الكواء فقال: يا أمير المؤمنين؛ ما معنى قوله تعالى: ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا﴾؟ قال: الريح. ﴿فَالْحَامِلَاتِ وقْرًا﴾؟ قال: السحاب. ﴿فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا﴾؟ قال: السفن. ﴿فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا﴾؟ قال: الملائكة (^١).\nوقد رُويَ في ذلك حديث مرفوع، فقال الحافظ أبو بكر البزار (^٢): حدثنا إبراهيم بن هانئ حدثنا سعيد بن سلام العطار، حدثنا أبو بكر بن أبي سبرة، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، قال: جاء صَبِيغ [¬٢] التميمي [¬٣] إلى عمر بن الخطاب، فقال: يا\n_________\n(^١) أخرجه الطبري في تفسيره (٢٦/ ١٨٦)، والحاكم (٢/ ٤٦٦ - ٤٦٧). وصححه ووافقه الذهبي. وعزاه السيوطي في \"الدر المنثور\" (٦/ ١٣٣) إلى عبد الرزاق والفريابي وسعيد بن منصور والحارث بن أبي أسامة وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري في المصاحف والبيهقي في شعب الإيمان.\n(^٢) - ضعيف جدًّا، أخرجه البزار (١/ ٤٢٣ - ٤٢٤) (٢٩٩). وقال الهيثمي في \"المجمع\" =\n_________\n[¬١]- سقط من ز.\n[¬٢]- في ز، خ: \"صنيع\"، وهو صبيغ بن عسل. انظر ترجمته في الإصابة (٢/ ١٩٨).\n[¬٣]- في ز، خ: اليمني.","vol":"13","page":207},{"text":"أمير المؤمنين؛ أخبرني عن \"الذاريات ذروًا\"؟ فقال: هي الرياح، ولولا أني سمعت رسول الله ﷺ يقوله ما قلته. قال: فأخبرني عن \"المقسمات أمرًا\"؟ قال: هي الملائكة، ولولا أني سمعت رسول الله ﷺ يقوله ما قلته. قال: فأخبرني عن \"الجاريات يسرًا\"؟ قال: هي السفن، ولولا أني سمعت رسول الله ﷺ يقوله ما قلته. ثم أمر به فضرب مائة، وجعل في بيت، فلما برأ ضربه مائة أخرى، وحمله على قتب وكتب إلى أبي موسى الأشعري: امنع الناس من مجالسته. فلم يزل كذلك حتى أتى أبا موسى فحلف بالأيمان الغليظة ما يجد في نفسه مما كان يجد شيئًا. فكتب في ذلك إلى عمر، فكتب عمر: ما إخاله إلا صدق، فخل بينه وبين مجالسة الناس.\nقال أبو بكر البزار: فأبو بكر بن أبي [¬١] سبرة لين، وسعيد بن سلام ليس من أصحاب الحديث.\nقلت: فهذا الحديث ضعيف رفعه، وأقرب ما فيه أنه موقوف على عمر، فإن قصة صَبيغ [¬٢] بن عسل مشهورة مع عمر، وإنما ضربه لأنه ظهر له من أمره فيما يسأل تعنتًا وعنادًا، والله أعلم.\nوقد ذكر الحافظ ابن عساكر هذه القصة في ترجمة صبيغ مطولة، وهكذا فسرها ابن عباس، وابن عمر، ومجاهد، وسعيد بن جبير، والحسن، وقتادة، والسدي، وغير واحد. ولم يحك ابن جرير وابن أبي حاتم غير ذلك.\nوقد قيل: أن المراد بالذاريات: الريح، كما تقدم، وبالحاملات وقرًا: السحاب، كما تقدم؛ لأنها تحمل الماء كما قال زيد بن عمرو بن نُفَيل:\nوَأَسْلَمتُ نَفْسِي لِمَنْ أَسلَمَت … لَهُ الْمُزنُ تَحْمِلُ عَذْبًا زُلَالًا\nفأما الجاريات يسرًا [فالمشهور عن الجمهور -كما تقدم- أنها السفن تجري ميسرة في الماء جريًا سهلًا. وقال بعضهم: هي النجوم تجري يسرًا] [¬٣] في أفلاكها، ليكون ذلك ترقيا من الأدنى إلى الأعلى، إلى ما هو أعلى منه، فالرياح فوقها السحاب، والنجوم فوق ذلك، والمقسمات أمرًا الملائكة فوق ذلك، تنزل بأوامر الله الشرعية والكونية. وهذا قسم من الله\n_________\n= (٧/ ١١٦): رواه البزار، وفيه أبو بكر بن أبا سبرة وهو متروك. وأخرجه الدارقطني في الأفراد وقال: غريب من حديث يحيى الأنصاري عنه. تفرد به أبو بكر بن أبي سبرة.\n_________\n[¬١]- سقط من ز.\n[¬٢]- في ز: منيع.\n[¬٣]- ما بين المعكوفين سقط من ز، خ.","vol":"13","page":208},{"text":"﷿ على وقوع المعاد؛ ولهذا قال: ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ﴾ أي: لخبر صدق، ﴿وَإِنَّ الدِّينَ﴾ وهو: الحساب ﴿لَوَاقِعٌ﴾ أي: لكائن لا محالة.\nثم قال: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ﴾. قال ابن عباس: ذات البهاء والجمال والحسن والاستواء. وكذا قال مجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جُبَير، وأبو مالك، وأبو صالح، والسدي وقتادة، وعطية العوفي، والربيع بن أنس، وغيرهم.\nو[¬١] قال الضحاك، والمنهال بن عمرو، وغيرهما: مثل تجعد الماء والرمل والزرع إذا ضربته الريح، فينسج بعضه بعضًا طرائق، فذلك الحبك.\nقال ابن جرير: حدثني، يعقوب بن إبراهيم، [حدثنا ابن عُلية] [¬٢]، حدثنا أيوب، عن أبي قلابة، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ عن رسول الله ﷺ أنه قال: \"إن من ورائكم الكذاب المضل، وإن رأسه من ورائه [حُبُكْ حُبُك] [¬٣] \". بعنى بالحبك: الجعودة (^٣).\nوعن أبي صالح ﴿ذَاتِ الْحُبُكِ﴾: الشدة. وقال خُصيف: ﴿ذَاتِ الْحُبُكِ﴾: ذات الصفاقة. وقال الحسن بن أبي الحسن البصري: ﴿ذَاتِ الْحُبُكِ﴾: حبكت بالنجوم.\nوقال قتادة: عن سالم بن أبي الجعد، عن معدان بن أبي طلحة، عن عمرو البَكالي، عن عبد الله بن عمرو [¬٤]: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ﴾ يعني: السماء السابعة. وكأنه، والله وأعلم- أراد كذلك السماء التي فيها الكواكب الثابتة، وهي عند كثير من علماء الهيئة في الفلك الثامن الذي فوق السابع، والله أعلم. وكل هذه الأقوال ترجع إلى شيء واحد، وهو الحسن والبهاء، كما قال ابن عباس ﵄ فإنها من حسنها مرتفعة شفافة صفيقة، شديدة البناء، متسعة الأرجاء، أنيقة البهاء، مكللة بالنجوم الثوابت والسيارات، موشحة بالشمس والقمر والكواكب الزاهرات.\nوقوله: ﴿إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ﴾ أي: إنكم أيها المشركون المكذبون للرسل لفي قول مختلف مضطرب، لا يلتئم ولا يجتمع.\nوقال قتادة: إنكم لفي قول مختلف، ما بين مصدق بالقرآن ومكذب به.\n_________\n(^٣) - أخرجه الطبري (٢٦/ ١٩٠) وفيه عبد الله بن زيد بن عمرو وهو أبو قلابة، ثقة فاضل، كثير الإرسال، وبقية رجاله ثقات، وجهالة الصحابي لا تضر.\n_________\n[¬١]- سقط من ز.\n[¬٢]- سقط من ز، خ.\n[¬٣]- في ز، خ: حبكًا حبكًا.\n[¬٤]- في ز: عمر.","vol":"13","page":209},{"text":"﴿يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ﴾ أي: إنما يروج على من هو ضال في نفسه؛ لأنه قول باطل، إنما ينقاد له ويضل بسببه ويؤفك عنه من هو مأفوك ضال عمر، لا فهم له، كما قال تعالى: ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ (١٦١) مَا أَنْتُمْ عَلَيهِ بِفَاتِنِينَ (١٦٢) إلا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾ قال ابن عباس، والسدي: ﴿يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ﴾: ضل عنه من ضل. وقال مجاهد: ﴿يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ﴾: يؤفَن عنه من أمِنَ. وقال الحسن البصري: يصرف عن هذا القرآن من كذب به.\nوقوله: ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ﴾. قال مجاهد: الكذابون. قال: وهي مثل التي في عبس: ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ﴾ والخراصون الذين يقولون: لا نبعث. ولا يوقنون. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ﴾، أي: لعن المرتابون.\nوهكذا كان معاذ ﵁ يقول في خطبه: هلك المرتابون. وقال قتادة: ﴿الْخَرَّاصُونَ﴾ أهل الغرة [¬١] والظنون.\nوقوله: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ﴾. قال ابن عباس وغير واحد: في [¬٢] الكفر والشك غافلون لاهون.\n﴿يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ﴾ وإنما يقولون هذا تكذيبها وعنادًا وشكًّا واستبعادًا. قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ﴾.\nقال ابن عباس، ومجاهد، والحسن وغير واحد: ﴿يُفْتَنُونَ﴾: يعذبون كما يفتن الذهب على النار.\nوقال جماعة [¬٣] آخرون كمجاهد أيضًا، وعكرمة، وإبراهيم النخَعي، وزيد بن أسلم، وسفيان الثوري: ﴿يُفْتَنُونَ﴾ يحرقون.\n﴿ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ﴾، قال مجاهد: حريقكم. وقال غيره: عذابكم، ﴿هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ أي: يقال لهم ذلك تقريعًا وتوبيخًا وتحقيرًا وتصغيرًا.\n﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٥) آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ (١٦) كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيلِ مَا يَهْجَعُونَ (١٧) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (١٨)\n_________\n[¬١]- بياض في ز، خ.\n[¬٢]- سقط من ز، خ.\n[¬٣]- في ز: جماعات.","vol":"13","page":210},{"text":"وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (١٩) وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ (٢٠) وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٢١) وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (٢٢) فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ (٢٣)﴾\nيقول تعالى مخبرًا عن المتقين لله ﷿: إنهم هم معادهم يكونون في جنات وعيون، بخلاف ما أولئك الأشقياء فيه من العذاب والنكال والحريق والأغلال.\nوقوله: ﴿آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ﴾. قال ابن جرير: أي [¬١] عاملين بما آتاهم الله من الفرائض: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ﴾ أي: قبل أن يفرض عليهم الفرائض كانوا محسنين في الأعمال أيضًا. ثم روي عن ابن حميد، حدثنا مِهْرَان، عن سفيان، عن أبي [¬٢] عمر، عن مسلم البطين، عن ابن عباس في قوله: ﴿آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ﴾، قال: من الفرائض، ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ﴾: قبل الفرائض فصلون (^٤). وهذا الإسناد ضعيف، ولا يصح عن ابن عباس. وقد رواه عثمان بن أبي شيبة، عن معاوية بن هشَام، عن سفيان، عن أبي عمر البزار، عن مسلم البطين، بن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، فذكره (^٥). والذي فسر به ابن جرير فيه نظر؛ لأن قوله: ﴿آخِذِينَ﴾ حال من قوله: ﴿جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾، فالمتقون في حال كونهم في الجنات والعيون آخذون ما آتاهم ربهم، أي [¬٣]: من النعيم والسرور والغبطة.\nوقوله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ﴾ أي: في الدار الدنيا ﴿مُحْسِنِينَ﴾، كقوله: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾. ثم إنه تعالى بيَّن إحسانهم في العمل فقال: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾، اختلف المفسرون في ذلك على قولين: أحدهما: أن \"ما\" نافية تقديره: كانوا قليلًا من الليل لا يهجعونه. قال ابن عباس: لم تكن تمضي عليهم ليلة إلا يأخذون منها ولو شيئًا.\nوقال قتادة، عن مطرف بن عبد الله: قَلَّ ليلة [] [¬٤] تأتي عليهم لا يصلون فيها لله-\n_________\n(^٤) - أخرجه الطبري (٢٦/ ١٩٦) وفي إسناده: أبو عمر وهو حفص بن سليمان: متروك الحديث مع إمامته في القراءة.\n(^٥) - في إسناده أبو عمر البزار متروك.\n_________\n[¬١]- سقط من خ.\n[¬٢]- في خ: ابن.\n[¬٣]- سقط من ز.\n[¬٤]- في ز: لا.","vol":"13","page":211},{"text":"﷿ إما من أولها وإما من أوسطها.\nوقال مجاهد: قَل ما يرقدون ليلة حتى الصباح لا يتهجدون. وكذا قال قتادة.\nوقال أنس بن مالك، وأبو العالية: كانوا يصلون بين المغرب والعشاء.\nوقال أبو جعفر الباقر: كانوا لا ينامون حتى يصلوا العتمة.\nو[¬١] القول الثاني: أن \"ما\" مصدرية، تقديره: كانوا قليلًا من الليل هجوعهم ونومهم.\nواختاره ابن جرير.\nوقال الحسن البصري: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾، كابدوا قيام الليل، فلا ينامون من الليل إلا أقله، ونشطوا فمدّوا [¬٢] إلى السحر، حتى كان الاستغفار بسحر.\nوقال قتادة: قال الأحنف بن قيس: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾، كانوا لا ينامون إلا قليلًا. ثم يقول: لست من أهل هذه الآية!\nوقال الحسن البصري: كان الأحنف بن قيس يقول [¬٣]: عرضت عملي على عمل أهل الجنة، [فإذا قوم] [¬٤] قد باينونا بَونًا بعيدًا، إذا قوم لا نبلغ أعمالهم، كانوا قليلًا من الليل ما يهجعون. وعرضت عملي على عمل أهل النار فإذا قوم لا خير فيهم، يكذبون [¬٥] بكتاب الله وبرسل الله، يكذبون بالبعث بعد الموت، فوجَدتُ من خيرنا منزلة قومًا خلطوا عملًا صالحًا وآخر سيئًا.\nوقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: قال رجل من بني تميم. لأبي: يا أبا أسامة؛ صفة لا أجدها فينا، ذكَرَ الله قوما فقال: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ [ونحن والله قليلًا من الليل] [¬٦] ما نقوم. فقال له أبي: طوبى لمن رقد إذا نَعَس، واتقى الله إذا استيقظ.\nوقال عبد الله بن سلام: لما قدم رسول الله ﷺ المدينة انجفل الناس إليه، فكنت فيمن انجفل. فلما رأيت وجهه عرفت أن وجهه ليس بوجه رَجُل كذاب، فكان أول ما سمعته يقول: \"يا أيها الناس؛ أطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وأفشوا السلام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام\" (^٦).\n_________\n(^٦) - أخرجه أحمد (٥/ ٤٥١) (٢٣٨٩٧)، والترمذي في كتاب: صفة الكتاب، باب: \"أفشوا =\n_________\n[¬١]- سقط من ز.\n[¬٢]- في ز، خ: عدوا.\n[¬٣]- سقط من ز، خ.\n[¬٤]- سقط من ز، خ.\n[¬٥]- في ز: فيكذبون.\n[¬٦]- ما بين المعكوفين سقط من ت.","vol":"13","page":212},{"text":"وقال الإمام أحمد: حدثنا حسن بن موسى، حدثنا ابن لهيعة، حدثني حُيي بن عبد الله، عن أبي عبد الرحمن الحبُلي، عن عبد الله بن عَمرو؛ أن رسول الله ﷺ قال: \"إن في الجنة غرفًا يرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها\". فقال أبو موسى الأشعري: لمن هي بها رسول الله؛ قال: \"لمن ألان الكلام، وأطعم الطعام، وبات لله قائمًا، والناس نيام\" (^٧).\nوقال معمر في قوله: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾: كان الزهريّ والحسن يقولان: كانوا كثيرًا من الليل ما يصلون.\nوقال ابن عباس، وإبراهيم النخعي: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾: ما ينامون.\nوقال الضحاك: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ (١٦) كَانُوا قَلِيلًا﴾. ثم ابتدأ فقال: ﴿مِنَ اللَّيلِ مَا يَهْجَعُونَ (١٧) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾.\n[وقوله ﷿: ﴿وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾] [¬١]. قال مجاهد، وغير واحد: يصلون. وقال آخرون: قاموا الليل، وأخروا الاستغفار الي الأسحار. كما قال تعالى: ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾، فإن كان الاستغفار في صلاة فهو أحسن. وقد ثبت في الصحاح (^٨) وغيرها عن جماعة من الصحابة، عن رسول الله ﷺ، أنه قال: \"إن الله ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر [¬٢]، فيقول: هل من\n_________\n= السلام، وأطعموا الطعام … \"، حديث (٢٤٨٧) (٧/ ١٨٢ - ١٨٣)، وابن ماجه في كتاب: الإقامة، باب: ما جاء في قيام الليل، حديث (١٣٣٤) (١/ ٤٢٣). والدارمي في كتاب: الصلاة، باب: فضل صلاة الله، حديث (١٤٦٨) (١/ ٢٨٠) والبغويُّ في \"شرح السنة\" (٤/ ٤٠) (٩٢٦)، قال الترمذي: حديث صحيح. وهو كما قال، وقد صححه الألباني في الصحيحة برقم (٥٦٩).\n(^٧) - أخرجه أحمد (٢/ ١٧٣) وفيه ابن لهيعة وهو ضعيف. قال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (١٠/ ٤٢٣): رواه أحمد ورجاله وثقوا على ضعف في بعضهم. لكن يشهد له حديث أبي مالك الأشعري أخرجه أحمد (٣٤٣/ ٥) (٢٣٠١٢)، والطبراني في \"الكبير\" (٣/ ٣٤٢) (٣٤٦٦)، وابن حبان (٢/ ٢٦٢) (٥٠٩).\nكلهم) من طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن ابن معانق عن أبي مالك الأشعري بنحو حديث ابن عمرو، وإسناده رجاله كلهم ثقات غير ابن معانق، وهو عبد الله، قال أبو بكر البرقاني: قلت لأبي الحسن الدارقطني: ابن معانق أو أبو معانق عن أبي مالك الأشعري؛ فقال: لا شيء، مجهول. [التهذيب (١٦/ ١٦١)]. ووثقه العجلي وابن حبان. قال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (١٠/ ٤٢٣): رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح، غير عبد الله بن معانق ووثقه ابن حبان.\n(^٨) - أخرجه البخاري في كتاب: التهجد، كتاب: الدعاء والصلاة من آخر الليل، حديث =\n_________\n[¬١]- سقط من ز، خ.\n[¬٢]- في خ، ت: الأخير.","vol":"13","page":213},{"text":"تائب فأتوب عليه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من سائل فَيعطى سؤله؟ حتى يطلع الفجر\".\nوقال كثير من المفسرين في قوله تعالى إخبارًا عن يعقوب: إنه قال لبنيه: ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي﴾، قالوا: أخَّرَهُم إلى وقت السحر.\nوقوله: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾: لما وصفهم بالصلاة ثنى بوصفهم بالزكاة والبر والصلة، فقال: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ﴾ أي: جزء مقسوم قد أفرزوه للسائل والمحروم، أما السائل فمعروف، وهو الذي يبتدئ بالسؤال وله حق؛ كما قال الإمام أحمد:\nحدثنا وكيع وعبد الرحمن؛ قالا: حدثنا سفيان، عن مصعب بن محمَّد، عن يعلى ابن [¬١] أبي يحيى، عن فاطمة بنت الحسين، عن أبيها الحسين بن علي؛ قال: قال رسول الله ﷺ: \"للسائل حق وإن جاء على فرس\" (^٩). ورواه أبو داود من حديث سفيان الثوري به (^١٠). ثم أسنده من وجه آخر عن علي بن أبي طالب (^١١). وروي من حديث الهرماس بن زياد مرفوعًا (^١٢).\n_________\n= (١١٤٥) (٣/ ٢٩). وطرفاه في [٦٣٢١، ٧٤٩٤]. ومسلم في كتاب: صلاة المسافرين، باب: الترغيب في الدعاء والذكر في آخر الليل والإجابة فيه، حديث (٧٥٨/ ١٦٨). وأبو داود في كتاب: الصلاة، باب: أي الليل أفضل، حديث (١٣١٥) (٢/ ٣٤)، وفي كتاب: السنة (٤٧٣٣) (٤/ ٣٣٤). والترمذي في كتاب: الدعوات، كتاب: استحباب الدعاء في الثلث الأخير من الليل، حديث (٣٤٩٣) (٩/ ١٦٧). والنسائي في الكبرى في كتاب النعوت، باب: المعافاة والعقوبة، حديث (٧٧٦٨) (٤/ ٤٢٠). وفي كتاب: عمل اليوم والليلة، باب: الوقت الذي يستحب فيه الاستغفار، حديث (١٠٣٦٣) (٦/ ١٢٣). وابن ماجه في كتاب: الإقامة، باب: ما جاء في أي ساعات الليل أفضل، حديث (١٣٦٦). كلهم من حديث أبي هريرة، ﵁. قال الترمذي: حديث حسن صحيح، وفي الباب عن علي، وعبد الله بن مسعود، وأبي سعيد، وجبير بن مطعم، ورفاعة الجهني، وأبي الدرداء، وعثمان بن أبي العاص.\n(^٩) - أخرجه أحمد (١/ ٢٠١)، وفي إسناد يعلى بن أبي يحيى وهو مجهول. ومصعب بن محمَّد وثقه ابن معين. وقال أبو حاتم: صالح، يكب حديثه ولا يحتج به. وذكره ابن حبان في كتاب الثقات.\n(^١٠) - سنن أبي داود، كتاب: الزكاة، كتاب: حق السائل، حديث (١٦٦٥) (٢/ ١٢٦).\n(^١١) - سنن أبي داود في الموضع السابق برقم (١٦٦٦) (٢/ ١٢٦) من طريق زهير، عن شيخ، قال: رأيت سفيان عنده، عن فاطمة بنت حسين، عن أبيها عن علي، عن النبي ﷺ مثله. وهو إسناد ضعيف لجهالة هذا الشيخ.\n(^١٢) - أخرجه الطبراني في \"الكبير\" (٢٢/ ٢٥٣ - ٢٠٤) (٥٣٥). =\n_________\n[¬١]- في خ: عن.","vol":"13","page":214},{"text":"وأما المحروم فقال ابن عباس، ومجاهد: هو المحارَف [¬١] الذي ليس له في الإسلام سهم. يعني لا سهم له في بيت المال، ولا كسب له، ولا حرفة يتقوت منها.\nوقالت أم المؤمنين عائشة: هو المعارف [¬٢] الذي لا يكاد يتيسر له مكسبه.\nوقال الضحاك: هو الذي لا يكون له مال إلا ذهبَ، قضى الله له ذلك.\nوقال أبو قلابة: جاء سيل باليمامة فذهب بمال رجل، فقال رجل من الصحابة: هذا المحروم.\nوقال ابن عباس أيضًا، وسعيد بن المسيب، وإبراهيم النخعي، ونافع مولى ابن عمر، وعطاء بن أبي رباح: المحروم: المحارَف.\nوقال قتادة، والزهري: المحروم: الذي لا يسأل الناس شيئًا. قال الزهريّ: وقد قال رسول الله، ﷺ: \"ليس المسكين بالطواف الذي ترده اللقمة واللقمتان، والتمرة والتمرتان، ولكن المسكين الذي لا يجد غنى يغنيه، ولا يُفطن له في فيتصدقَ عليه\" (^١٣).\nوهذا الحديث قد أسنده الشيخان في صحيحيهما من وجه آخر (^١٤).\nوقال سعيد بن جبير: هو الذي يجيء وقد قسم المغنم فيرضخ [¬٣] له.\nوقال محمَّد بن إسحاق: حدثني بعض أصحابنا؛ قال: كنا مع عمر بن عبد العزيز في طريق مكة [فجاء كلب] [¬٤] فانتزع عمر كتف شاة فرمى بها إليه، وقال: يقولون: إنه المحروم.\nوقال الشعبي: أعياني أن أعلم ما المحروم؟\n_________\n= من طريق عثمان بن فايد عن عكرمة بن عمار عن الهرماس بن زياد مرفوعًا به. قال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (٣/ ١٠٤): رواه الطبراني في الصغير والأوسط، وفيه عثمان بن فايد وهو ضعيف. وقد ضعف الألباني طرق هذا الحديث في السلسلة الضعيفة (٣/ ١٣٧٨) وفيها زيادة فائدة فأرجع إليها.\n(^١٣) - أخرجه الطبري (٢٦/ ٢٠٢) من حديث الزهريّ هكذا مرفوعًا، وقد وصله الشيخان من حديث أبي هريرة من طريق آخر، ويأتي في الحديث التالي.\n(^١٤) - أخرجه البخاري في كتاب: الزكاة، باب: قول الله تعالى: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ وكم الغنى …، حديث (١٤٧٦) (٣/ ٣٤٠). وطرفاه في: [١٤٧٩، ٤٥٣٩]. ومسلم في كتاب: الزكاة، باب: المسكين الذي لا يجد غنى، ولا يفطن له فيتصدق عليه، حديث (١٠١، ١٠٢/ ١٠٣٩). كلاهما من حديث أبي هريرة ﵁.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: المحارب.\n[¬٢]- في ز، خ: المحارب.\n[¬٣]- في ز، خ: فرضخ.\n[¬٤]- بياض في ز، خ.","vol":"13","page":215},{"text":"واختار ابن جرير أن المحروم الذي لا مال له بأي سبب كان قد ذهب ماله، سواء كان لا يقدر على الكسب، أو قد هلك ماله أو نحوه بآفة أو نحوها.\nوقال الثوري، عن قيس بن مسلم، عن الحسن بن محمَّد؛ أن رسول الله ﷺ بعث سرية فغنموا، فجاء قوم لم يشهدوا الغنيمة فنزلت هذه الآية: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ (^١٥) وهذا يقتضي أن هذه مدنية، وليس بهذلك، بل هي مكية شاملة لما بعدها.\nوقوله: ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ﴾، أي: فيها من الآيات الدالة على عَظَمة خالقها وقدرته الباهرة، مما قد ذرأ فيها من صنوف النبات والحيوانات، والمهاد والجبال، والقفار [¬١] والأنهار والبحار، واختلاف ألسنة الناس وألوانهم، وما جبلوا عليه من الإرادات والقُوَى، وما بينهم من التفاوت في العقول والفهوم والحركات، والسعادة والشقاوة، وما في تركيبهم من الحكم في وضع كل عضو من أعضائهم في المحل الذي هو محتاج إليه فيه، ولهذا قال: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾. قال قتادة: من تفكر في خلق نفسه عَرَف أنه إنما خلق ولينت مفاصله للعبادة.\nثم قال: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ﴾، يعني المطر، ﴿وَمَا تُوعَدُونَ﴾، يعني الجنة. قاله ابن عباس، ومجاهد، وغير واحد.\nوقال سفيان الثوري: قرأ واصل الأحدب هذه الآية: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾، فقال [¬٢]: ألا إني [¬٣] أرى رزقي [¬٤] في السماء وأنا أطلبه في الأرض؟ فدخل خَربة فمكث ثلاثًا لا يصيب شيئًا، فلما أن كان في اليوم الثالث إذًا هو بدَوخَلَة (*) من رطب، وكان له أخ أحسن نية منه، [فدخل معه] [¬٥] فصارتا دَوخلَتَين، فلم يزل ذلك دأبهما حتى فرق الموت بينهما.\nوقوله: ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾، قسم تعالى بنفسه الكريمة أن ما وعدهم به من أمر القيامة والبعث والجزاء، كائن لا محالة، وهو حق لا مربة فيه، فلا [¬٦] تشكوا فيه كما لا تشكوا في نطقكم حين تنطقون. وكان معاذ ﵁ إذا حَدث بالشيء، يقول لصاحبه: أن هذا لحق كما أنك ها هنا.\n_________\n(^١٥) - أخرجه الطبري (٢٦/ ٢٠٢ - ٢٠٣).\n(*) الدوخلة: سقيفة من خوص كالزنبيل والقوصرة، يترك فيها التمر وغيره. النهاية (٢/ ١٣٨).\n_________\n[¬١]- سقط من خ.\n[¬٢]- سقط من ز، خ.\n[¬٣]- سقط من ز، خ.\n[¬٤]- سقط من خ.\n[¬٥]- سقط من ز.\n[¬٦]- في ز: ولا.","vol":"13","page":216},{"text":"قال مسدد، عن ابن أبي عدي، عن عوف، عن الحسن البصري، قال: بلغني أن رسول الله ﷺ قال: \"قاتل الله أقواما أقسم لهم ربهم ثم لم يصدقوا\".\nورواه ابن جرير عن بندار عن ابن أبي عدي [¬١] عن عوف عن الحسن فذكره مرسلًا (^١٦).\n﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ (٢٤) إِذْ دَخَلُوا عَلَيهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَال سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (٢٥) فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ (٢٦) فَقَرَّبَهُ إِلَيهِمْ قَال أَلَا تَأْكُلُونَ (٢٧) فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ (٢٨) فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ (٢٩) قَالُوا كَذَلِكِ قَال رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (٣٠)﴾\nهذه القصة قد تقدمت في سورة \"هود\" والحجر أيضًا. وقوله: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ﴾ أي: الذين أرصد لهم الكرامة. وقد ذهب الإمام أحمد وطائفة من العلماء إلى وجوب الضيافة للنزيل، وقد وردت السنة بذلك كما هو ظاهر التنزل.\nوقوله: ﴿قَالُوا سَلَامًا قَال سَلَامٌ﴾، الرفع أقوى وأثبت من النصب، فرَدُّه أفضل من التسليم، ولهذا قال تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ فالخليل اختار الأفضل.\nوقوله: ﴿قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾، وذلك أن الملائكة وهم: جبريل وإسرافيل وميكائيل قدموا عليه في صُور شباب حسان، عليهم مهابة عطيمة، ولهذا قال: ﴿قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾.\nوقوله: ﴿فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ﴾ أي: انسل خفية في سرعة، ﴿فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ﴾ أي: من خيار ماله. وفي الآية الأخرى ﴿فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ أبي: مشويّ على الرَّضْف، ﴿فَقَرَّبَهُ إِلَيهِمْ﴾ أي: أدناه منهم، ﴿قَال أَلَا تَأْكُلُونَ﴾؟: تلطّفٌ [¬٢] في العبارة وعَرْضٌ حسن.\n_________\n(^١٦) - تفسير الطبري (٢٦/ ٢٠٦).\nوالحديث ذكره السيوطي في الدر (٦/ ١٣٨) وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم.\n_________\n[¬١]- في ز: علي.\n[¬٢]- في. ز: بلطف.","vol":"13","page":217},{"text":"وهذه الآية انتظمت آداب الضيافة، فإنه جاء بطعامه من حيث لا يشعرون بسرعة، ولم يمتن عليهم أولًا فقال: \"نأتيكم بطعام؟ \" بل جاء به بسرعة وخفاء، وأتى بأفضل ما وجد من ماله، وهو عجل فتي سمين مشوي، فقربه إليهم، لم يضعه. وقال: اقتربوا، بل وضعه لكن أيديهم، ولم يأمرهم أمرًا يشق على سامعه بصيغة الجزم، بل قال: ﴿أَلَا تَأْكُلُونَ﴾؟ على سبيل العرض والتلطف، كما يقول القلائل اليوم: إن رأيت أن تتفضل وتحسن وتتصدق، فافعل.\nوقوله: ﴿فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً﴾، هذا محال على ما تقدم في القصة في السورة الأخرى [¬١]، وهو قوله: ﴿فَلَمَّا رَأَى أَيدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ (٧٠) وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ﴾، أي: استبشرت بهلاكهم، لتمَردهم وعتوهم على الله. فعند ذلك بشرتها الملائكة باسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب. ﴿قَالتْ يَاوَيلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيخًا إِنَّ هَذَا لَشَيءٌ عَجِيبٌ (٧٢) قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيكُمْ أَهْلَ الْبَيتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾. ولهذا قال ها هنا: ﴿وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ﴾، فالبشارة له هي بشارة لها؛ لأن الولد [منهما، فكل منهام] [¬٢] بُشر به.\nوقوله: ﴿فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ﴾ أي: في صرخة عظيمة ورَنَّة. قاله ابن عباس، ومجاهد وعكرمة، وأبو صالح، والضحاك، وزيد بن أسلم، والثوري، والسدي. وهي قولها: ﴿يَاوَيلَتَا﴾. ﴿فَصَكَّتْ وَجْهَهَا﴾ أي: ضربت بيدها على جبينها. قاله مجاهد وابن سابط.\nوقال ابن عباس: لطمت، أي تعجبًا كما تتعجب النساء من الأمر الغريب، ﴿وَقَالتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ﴾، أي كيف ألد وأنا عجوز، وقد كنت في حال الصبا عقيمًا لا أحبل؟ ﴿قَالُوا كَذَلِكِ قَال رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ﴾، أي: عليم بما تستحقون من الكرامة، حكيم في أقواله وأفعاله.\n﴿قَال فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (٣١) قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (٣٢) لِنُرْسِلَ عَلَيهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ (٣٣) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ (٣٤) فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيرَ بَيتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٦) وَتَرَكْنَا فِيهَا\n_________\n[¬١]- في خ: الأولى.\n[¬٢]- في ز: \"منها، فكل منهم\".","vol":"13","page":218},{"text":"آيَةً لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٣٧)﴾\nقال الله مخبرًا عن إبراهيم ﵇ -: ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ (٧٤) إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ (٧٥) يَاإِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيرُ مَرْدُودٍ﴾. وقال ها هنا: ﴿قَال فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ﴾؟، أي ما شأنكم وفيم جئتم؟ ﴿قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ﴾، يعنون قوم لوط، ﴿لِنُرْسِلَ عَلَيهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ (٣٣) مُسَوَّمَةً﴾ أي: مُعلمة ﴿عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ﴾ أي: مكتتبة عنده بأسمائهم، كل حجر عليه اسم صاحبه، فقال في سورة العنكبوت: ﴿قَال إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إلا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾. وقال ها هنا: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، وهم لوط وأهل بيته إلا امرأته، ﴿فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيرَ بَيتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾. احتج بهذه من ذهب إلى رأي المعتزلة، ممن لا يفرق بين [¬١] مسمى الإيمان والإسلام؛ لأنه أطلق عليهم المؤمنين والمسلمين. وهذا الاستدلال ضعيف؛ لأن هؤلاء كانوا قوما مؤمنين، وعندنا أن كل مؤمن مسلم ولا ينعكس، فاتفق الاسمان ها هنا لخصوصية الحال، ولا يلزم ذلك في كل حال.\nوقوله: ﴿وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ أي: جعلناها عبرة، لما أنزلنا بهم من العذاب والنكال وحجارة السجيل، وجعل [¬٢] محلتهم بحيرة منتنة خبيثة، ففي ذلك عبرة للمومنين، ﴿لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾.\n﴿وَفِي مُوسَى إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَى فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٣٨) فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ وَقَال سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٣٩) فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٌ (٤٠) وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ (٤١) مَا تَذَرُ مِنْ شَيءٍ أَتَتْ عَلَيهِ إلا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ (٤٢) وَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ (٤٣) فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (٤٤) فَمَا اسْتَطَاعُوا مِنْ قِيَامٍ وَمَا كَانُوا مُنْتَصِرِينَ (٤٥) وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (٤٦)﴾\nقوله تعالى: ﴿وَفِي مُوسَى إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَى فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ أي: بدليل باهر\n_________\n[¬١]- في ز: من.\n[¬٢]- في ت: وجعلنا.","vol":"13","page":219},{"text":"وحجة قاطعة، ﴿فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ﴾ أي: فأعرض فرعون عما جاءه به موسى من الحق المبين استكبارا وعنادا.\nوقال مجاهد: تعزز بأصحابه. وقال قتادة: غلب عَدُوّ الله على قومه. وقال ابن زيد: ﴿فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ﴾ أي: بجموعه التي معه، ثم قرأ: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾.\nوالمعنى الأول قوي كقوله: ﴿ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي: معرض عن الحق مستكبر. ﴿وَقَال سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾، أي: لا يخلو أمرك فيما جئتني به من أن تكون ساحرًا أو مجنونًا، قال الله تعالى: ﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ﴾ أي ألقيناهم ﴿فِي الْيَمِّ﴾ وهو البحر، ﴿وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ أي: وهو ملوم كافر جاحد [¬١] فاجر معاند.\nثم قال: ﴿وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ﴾ أي: المفسدة التي لا تنتج شيئًا. قاله الضحاك، وقتادة، وغيرهما.\nولهذا قال: ﴿مَا تَذَرُ مِنْ شَيءٍ أَتَتْ عَلَيهِ﴾ أي: مما تفسده الريح ﴿إلا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ﴾، أي: كالشيء الهالك البالي.\nوقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو عبيد الله [ابن أخي ابن وهب، حدثنا عمي عبد الله بن وهب، حدثني عبد الله] [¬٢]-يعني ابن عياش القتْباني [¬٣] حدثني عبد الله بن سليمان، عن دَراج، عن عيسى بن هلال الصدَفي، عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ: \"الريح مسخرة من الثانية -يعني من الأرض الثانية- فلما أراد الله أن يهلك عادا أمر خازن الريح أن يرسل عليهم ريحا تهلك عادا، قال: أي رَب؛ أرسل عليهم من [¬٤] الريح قدر منخر الثور؟ قال له الجبار: لا إذا تكفأ الأرض ومن عليها ولكن أرسل بقدر خاتم. فهي التي يقول الله في كتابه: ﴿مَا تَذَرُ مِنْ شَيءٍ أَتَتْ عَلَيهِ إلا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ﴾ \".\nهذا الحديث رفعه منكر، والأقرب أن يكون موقوفًا على عبد الله بن عمرو من زاملتيه اللتين أصابهما يوم اليرموك. والله أعلم.\nقال سعيد بن المسيب وغيره في قوله: ﴿[إِذْ أَرْسَلْنَا] [¬٥] عَلَيهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ﴾ قالوا:\n_________\n[¬١]- سقط من ز، خ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفين سقط من ز، خ.\n[¬٣]- في ز: القتبان. وفي خ: العنان.\n[¬٤]- سقط من ت.\n[¬٥]- في ز: فأرسلنا.","vol":"13","page":220},{"text":"هي الجنوب. وقد ثبت في الصحيح من رواية شعبة، عن الحكم، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: \"نصرت بالصبَا، وأهلكت عاد بالدّبُور\" (^١٧).\n﴿وَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ﴾، قال ابن جرير: يعني إلى وقت فناء آجالكم. والظاهر أن هذه كقوله: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَينَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ﴾ وهكذا قال ها هنا: ﴿وَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ (٤٣) فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾، وذلك أنهم انتظروا العذاب ثلاثة أيام، وجاءهم في صبيحة اليوم الرابع بُكرَةَ النهار، ﴿فَمَا اسْتَطَاعُوا مِنْ قِيَامٍ﴾ أي: من هَرَب ولا نهوض، ﴿وَمَا كَانُوا مُنْتَصِرِينَ﴾ أي: ولا يقدرون على أن ينتصروا [¬١] مما هم فيه.\nوقوله: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ﴾ أي: وأهلكنا قوم نوح من قبل هؤلاء ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾. وكل هذه القصص قد تقدمت مبسوطة في أماكن كثيرة، من سور متعددة.\n﴿وَالسَّمَاءَ بَنَينَاهَا بِأَيدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ (٤٧) وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ (٤٨) وَمِنْ كُلِّ شَيءٍ خَلَقْنَا زَوْجَينِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٤٩) فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾\nيقول تعالى منبهًا على خلق العالم العلوي والسفلي: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَينَاهَا﴾ أي: جعلناها سقفًا رفيعًا ﴿بِأَيدٍ﴾ أي: بقوة. قال ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، والثوري، وغير واحد. ﴿وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ أي: [¬٢] قد وسعنا أرجاءها ورفعناها بغير عَمَد، حتى استقلت كما هي، ﴿وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا﴾ أي: جعلنها فراشًا للمخلوقات، ﴿فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ﴾ أي: وجعلناها مهدًا لأهلها، ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيءٍ خَلَقْنَا زَوْجَينِ﴾، أي: جميع المخلوقات أزواجٌ: سماء وأرض، وليل ونهار، وشمس وقمر، وبر وبحر، وضياء وظلام، وإيمان وكفر، وموت وحياة، وشقاء وسعادة، وجنة ونار، حتى الحيوانات والنباتات؛ ولهذا قال: ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾، أي: لتعلموا أن الخالق واحدٌ لا شريك\n_________\n(^١٧) - أخرجه البخاري في كتاب: الاستسقاء، باب: قول النبي ﷺ: \"نصرت بالصبا\" حديث (١٠٣٥) (٢/ ٥٢٠). وأطرافه في: [٣٢٠٥، ٣٣٤٣، ٤١٠٥].\n_________\n[¬١]- في ز: ينصروا.\n[¬٢]- سقط من خ.","vol":"13","page":221},{"text":"له، ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾، أي: الجئوا إليه، واعتمدوا في أموركم عليه، ﴿إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) [وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾، أي: لا تشركوا به شيئًا، ﴿إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾] [¬١].\n﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إلا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٥٢) أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ (٥٣) فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ (٥٤) وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (٥٥) وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إلا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨) فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ (٥٩) فَوَيلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (٦٠)﴾\nيقول تعالى مسليًا نبيه ﷺ: وكما قال لك [¬٢] هؤلاء المشركون، قال المكذبون الأولون لرسهم: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إلا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾!. قال الله تعالى: ﴿أَتَوَاصَوْا بِهِ﴾؛ أي: أوَصى بعضهم بعضًا بهذه المقالة؟ ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ أي: لكن هم قوم طغاة، تشابهت قلوبهم، فقال متأخرهم كما قال متقدمهم. قال الله تعالى: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ أي؛ فأعرض عنهم يا محمَّد، ﴿فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ﴾، يعني: فما نلومك على ذلك، ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾، أي: إنما تنتفع بها القلوب المؤمنة.\nثم قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إلا لِيَعْبُدُونِ﴾ أي: إنما خلقتهم لآمرهم بعبادتي لا لاحتياجي إليهم.\nوقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿إلا لِيَعْبُدُونِ﴾ أي: إلا ليقروا بعبادتي طوعًا أو كرهًا. وهذا اختيار ابن جرير.\nوقال ابن جريج: إلا ليعرفون. وقال الربيع بن أنس: ﴿إلا لِيَعْبُدُونِ﴾ أي: إلا للعبادة. وقال السدي: من العبادة ما ينفع ومنها ما لا ينفع، ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾، هذا منهم عبادة، وليس ينفعهم مع الشرك. وقال\n_________\n[¬١]- سقط من ز.\n[¬٢]- سقط من خ.","vol":"13","page":222},{"text":"الضحاك: المراد بذلك المؤمنون.\nوقوله: ﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾. قال الإمام أحمد:\nحدثنا يحيى بن آدم وأبو سعيد؛ قالا: حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن عبد الله بن مسعود؛ قال: أقرأني رسول الله ﷺ: (إني أنا [¬١] الرزاق ذو القوة المتين) (^١٨).\nورواه أبو داود، والترمذي، والنسائي، من حديث إسرائيل (^١٩)، وقال الترمذي: حسن صحيح.\nومعنى الآية أنه تعالى خلق العباد ليعبدوه وحده لا شريك له، فمن أطاعه جازاه أتم الجزاء، ومن عصاه عذبه أشد العذاب. وأخبر أنه غير محتاج إليهم، بل هم الفقراء إليه في جميع أحوالهم، فهو خالقهم ورازقهم.\nقال الإمام أحمد: حدثنا محمَّد بن عبد الله، حدثنا عمران -يعني ابن زائدة بن نشيط- عن أبيه، عن أبي خالد -هو الوالبي [¬٢]- عن أبي هُرَيرة؛ قال: قال رسول الله، ﷺ: [] [¬٣] \"قال الله: [يا بن] [¬٤] آدم، تفرغ لعبادتي أملأ صدوك غنى، وأسد فقرك، وإلا تفعل ملأت صدرك شغلا ولم أسد فقرك\" (^٢٠).\nورواه الترمذي وابن ماجه، من حديث عمران بن زائدة (^٢١)، وقال الترمذي: حسن\n_________\n(^١٨) - أخرجه أحمد (١/ ٣٩٤)، وفيه أبو إسحاق السبيعي ثقة إلا أنه اختلط بأخرة وكان يدلس، وقد عنعن.\n(^١٩) - سنن أبي داود في كتاب: الحروف والقراءات، حديث (٣٩٩٣) (٣/ ٣٥). والترمدي في كتاب: القراءات، باب: ومن سورة الذاريات، حديث (٢٩٤١) (٨/ ١٣٧ - ١٣٨). والنسائي في الكبرى في كتاب: التفسير، كتاب: قوله تعالى: ﴿وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ﴾، حديث (١١٥٢٧). كلهم من طريق أبي إسحاق. قال الترمذي: حسن صحيح. والحديث صححه الشيخ أحمد شاكر في تعليقاته على المسند. وصحح متنه الشيخ الألباني في صحيح سنن الترمذي (٢٣٤٣ - ٣١٢٢).\n(^٢٠) - أخرجه أحمد (٢/ ٣٥٨). وفي إسناده أهو خالد الوالبي والراوي عنه زائدة بن نشيط كلاهما قال عنه الحافظ: مقبول.\n(^٢١) - أخرجه الترمذي في كتاب: صفة القيامة، كتاب: من كانت الآخرة همه جاءته الدنيا راغمة، حديث (٢٤٦٨) (٧/ ١٧١). =\n_________\n[¬١]- في خ: لأنا.\n[¬٢]- في ز، خ: النواي. كذا.\n[¬٣]- في ز، خ: يعني.\n[¬٤]- في ز، خ: ابن.","vol":"13","page":223},{"text":"غريب.\nوقد روى الإمام أحمد عن وكيع وأبي معاوية، عن الأعمش، عن سلام أبي [¬١] شرحبيل، سمعت حَبّة [¬٢] وسواء ابني خالد يقولان: أتينا رسول الله ﷺ وهو يعمل عملًا -أو [¬٣] يبني بناء -وقال أبو معاوية: يصلح شيئًا- فأعناه عليه، فلما فرغ دعا لنا وقال: \"لا تيأسا من الرزق ما تَهَزّزت [¬٤] رءوسكما، فإن الإنسان تلد [¬٥] أمه أحمر ليس عليه قشْرة [¬٦]، ثم يعطيه الله ويرزقه\" (^٢٢).\nوفي بعض الكتب الإلهية [¬٧] قول الله تعالى: \"ابن آدم؛ خلقتك لعبادتي فلا تلعب. وتكفلت [¬٨] برزقك فلا تتعب. فاطلبني [¬٩] تجدني، فإن وجدتني وجدت كل شيء، وإن فُتك فاتك كل شيء، وأنا أحب إليك من كل شيء\".\nوقوله: ﴿فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا﴾ أي: نصيبًا من العذاب، ﴿مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ﴾ أي: فلا يستعجلوا ذلك، فإنه واقع بهم [¬١٠] لا محالة ﴿فَوَيلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ يعني: يوم القيامة.\n[آخر تفسير سورة الذاريات].\n* * **\n_________\n= وابن ماجه في كتاب: الزهد، كتاب: الهم بالدنيا، حديث (٤١٠٧) (٢/ ١٣٧٦). وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (١٣٥٩).\n(^٢٢) - أخرجه أحمد (٣/ ٤٦٩) برقم (١٥٨٩٨، ١٥٨٩٩).\nوفيه سلام أبو شرحبيل، قال فيه الحافظ: مقبول.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: ابن.\n[¬٢]- في ز: حية.\n[¬٣]- في ز، خ: و.\n[¬٤]- في ز، خ: تهزهزت.\n[¬٥]- في ز، خ: ط.\n[¬٦]- في ز: برة. وفي خ: بسرة.\n[¬٧]- بياض في ز. وسقط في خ.\n[¬٨]- في خ: وتكلفت.\n[¬٩]- في ز: واطلبني.\n[¬١٠]- سقط من ت، خ.","vol":"13","page":224},{"text":"<span data-type='title' id=toc-173>تفسير سورة الطور وهي مكية</span>\nقال مالك (^١): عن الزهري، عن محمَّد بن جُبَير بن مطعم، عن أنس: سمعت النبي ﷺ يقرأ في المغرب بالطور، فما سمعت أحدًا أحسن صوتًا -أو: قراءة- منه. أخرجاه من طريق مالك.\nوقال البخاري (^٢): حدثنا عبد الله بن يوسف، أخبرنا مالك، عن محمَّد بن عبد الرحمن بن نوفل، عن عروة، عن زينب بنت أبي [¬١] سلمة، عن أم سلمة قالت: شكوت إلى رسول الله ﷺ أني أشتكي، فقال: \"طوفي من وراء الناس وأنت راكبة\". فإنه ورسول الله ﷺ يصلي إلى جنب البيت يقرأ بالطور وكتاب مسطور.\n﴿وَالطُّورِ (١) وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ (٢) فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ (٣) وَالْبَيتِ الْمَعْمُورِ (٤) وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ (٥) وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ (٦) إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ (٧) مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ (٨) يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا (٩) وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيرًا (١٠) فَوَيلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١١) الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ (١٢) يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا (١٣) هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (١٤) أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ (١٥) اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ\n_________\n(^١) أخرجه مالك في الموطأ، كتاب: الصلاة، باب: القراءة في المغرب والعشاء، حديث (٢٣) (١/ ٨٨). ومن طريقه البخاري في كتاب الأذان، كتاب: الجهر في المغرب، حديث (٧٦٥). وأطرافه في: (٣٠٥٠، ٤٠٢٣، ٤٨٥٤). ومسلم في كتاب الصلاة، حديث ١٦٤ - (٤٦٣) (٤/ ٢٣٩) بنحوه.\n(^٢) - أخرجه البخاري في كتاب الصلاة، كتاب: إدخال البعير في المسجد للعلة، حديث (٤٦٤). وأطرافه في: (١٦١٩، ١٦٢٦، ١٦٣٣، ٤٨٥٣). ومسلم في كتاب الحج، كتاب: جواز الطواف على بعير وغيره، واستلام الحجر بمحجن ونحوه للراكب - حديث ٢٥٨ - (١٢٧٦).\n_________\n[¬١]- في خ: أم.","vol":"13","page":225},{"text":"مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٦)﴾\nيقسم تعالى بمخلوقاته الدالة على قدرته العظيمة، أن عذابه واقع بأعدائه، وأنه لا دافع له عنهم. فالطور هو: الجبل الذي يكون فيه أشجار، مثل الذي كلم الله عليه موسى، وأرسل منه عيسى. وما لم يكن فيه شجر لا يسمى طورًا، إنما يقال له: جبل.\n﴿وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ﴾ قيل: هو اللوح المحفوظ. وقيل: الكتب المنزلة المكتوبة التي تقرأ على الناس جهارًا؛ ولهذا قال: ﴿فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ (٣) وَالْبَيتِ الْمَعْمُورِ﴾. و[¬١] ثبت في الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال في حديث الإِسراء بعد مجاوزته إلى السماء السابعة: \"ثم رفع بي إلى البيت المعمور، وإذا هو يدخله في كل يوم سبعون ألفا لا يعودون إليه آخر ما عليهم\" (^٣). يعني: يتعبدون فيه ويطوفون به، كما يطوف أهل الأرض بكعبتهم. كذلك ذاك البيت، هو كعبة أهل السماء السابعة؛ ولهذا وجد إبراهيم الخليل ﵇ مسندًا ظهره إلى البيت المعمور؛ لأنه باني الكعبة الأرضية، والجزاء من جنس العمل، وهو بحيال الكعبة، وفي كل سماء بيت يتعبد فيه أهلها، ويصلون إليه، والذي في السماء الدنيا يقال له: بيت العزة. والله أعلم.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا هشام بن عمار، حدثنا الوليد [بن مسلم] [¬٢]، حدثنا روح بن جَنَاح [¬٣]، عن الزهريّ، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ؛ قال: \"في السماء السابعة [¬٤] بيت يقال له: المعمور، بحيال الكعبة، وفي السماء الرابعة نهر يقال له: الحيوان، يدخله جبريل كل يوم، فينغمس فيه انغماسة، ثم يخرج فينتفض انتفاضة يخر عنه سبعون ألف قطرة، يخلق الله من كل قطرة ملكًا يؤمرون أن يأتوا البيت المعمور، فيصلوا فيه فيفعلون، ثم يخرجون فلا يعودون إليه أبدًا، ويولى عليهم أحدهم، يؤمر أن يقف بهم من السماء موقفا يسبحون الله فيه إلى أن تقوم الساعة\" (^٤).\n_________\n(^٣) - أخرجه البخاري في كتاب: بدء الخلق، باب: ذكر الملائكة، حديث (٣٢٠٧) (٦/ ٣٠٢ - ٣٠٣). وأطرافه في [٣٣٩٣، ٣٤٣٠، ٣٨٨٧]. ومسلم في كتاب: الإيمان، باب: الإسراء برسول الله ﷺ حديث (١٦٤/ ٢٦٤) (٢/ ٢٩٠ - ٢٩٢).\nمن حديث مالك بن صعصعة.\n(^٤) - أخرجه العقيلي (٢/ ٥٩ - ٦٠) في ترجمة روح بن جناح. وابن عدي في الكامل (٣/ ١٠٠٤) في ترجمة روح أيضًا. كلاهما من طريق الوليد بن مسلم -زاد ابن عدي ثنا أبو سعد- ثنا روح … بهذا =\n_________\n[¬١]- سقط من ز.\n[¬٢]- سقط من ز، خ.\n[¬٣]- في ز، خ: حاج. كذا.\n[¬٤]- سقط من ز، خ.","vol":"13","page":226},{"text":"هذا حديث غريب جدًّا تفرد به روح بن جناح [¬١] هذا، وهو القرشي الأموي مولاهم أبو سعد [¬٢] الدمشقي، وقد أنكر هذا الحديث عليه جماعة من الحفاظ منهم: الجَوزَجَاني، والعقيلي، والحاكم أبو عبد الله النيسابوري، وغيرهم. قال الحاكم: لا أصل له من حديث أبي هريرة، ولا سعيد، ولا الزهريّ [] [¬٣].\nوقال ابن جرير: حدثنا هناد بن السري، حدثنا أبو الأحوص، عن سماك بن حرب، عن خالد بن عرعرة؛ أن رجلًا قال لعلي: ما البيت المعمور؟ قال: بيت في السماء يقال له \"الضّراح\"، وهو بحيال الكعبة من فوقها، حرمته في السماء كحرمة البيت في الأرض، يصلي فيه كل يوم سبعون ألفًا من الملائكة، لا يعودون فيه أبدًا (^٥).\nوكذا رواه شعبة وسفيان الثوري، عن سماك. وعندهما أن ابن الكواء هو السائل عن ذلك. ثم رواه ابن جرير عن أبي كريب، عن طلق بن غنام، عن زائدة، عن عاصم، عن علي بن ريبعة؛ قال: سأل ابن الكواء عليًّا عن البيت المعمور؟ قال: مسجد في السماء يقال له \"الضّراح\"، يدخله كل يوم سبعون ألفًا من الملائكة، ثم لا يعودون فيه أبدًا. ورواه من حديث أبي الطفيل، عن علي بمثله (^٦).\nوقال العوفي عن ابن [¬٤] عباس: هو بيت حذاء العرش تعمره الملائكة ويصلي فيه كل ليلة [¬٥] سبعون ألفًا من الملائكة ثم لا يعودون إليه. وكذا قال عكرمة، ومجاهد، والربيع بن أنس، والسدي، وغير واحد من السلف.\nوقال قتادة: ذكر لنا أن رسول الله ﷺ قال يوما لأصحابه: \"هل\n_________\n= الإسناد. قال العقيلي: لا يحفظ من حديث الزهري إلا عن روح بن جناح هذا، وفيه رواية من غير هذا الوجه بإسناد صالح في ذكر البيت المعمور. قال ابن عدي: ولا يعرف هذا الحديث إلا بروح بن جناح عن الزهريّ. ونقل عن السعدي أنه قال: روح بن جناح ذكر عن الزهريّ حديثًا معضلًا في البيت المعمور. قال الحافظ في التقريب: روح بن جناح: ضعيف اتهمه ابن حيان. والحديث فيه الوليد بن مسلم أيضًا وهو يدلس ويسوي.\n(^٥) - أخرجه الطبري (٢٧/ ١٦). وفي إسناده خالد بن عرعرة ذكره ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٣/ ٣٤٣) ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا.\n(^٦) - أخرجه الطبري (٢٧/ ١٧) وفيه عاصم بن بهدلة وهو ابن أبي النجود قال عنه الحافظ: صدوق له أوهام.\n_________\n[¬١]- في خ: حاج.\n[¬٢]- في ز، خ: سعيد.\n[¬٣]- في ز، خ: به.\n[¬٤]- سقط من ت.\n[¬٥]- في خ: يوم.","vol":"13","page":227},{"text":"تدرون ما البيت المعمور؟ \". قالوا: اللَّه ورسوله أعلم. قال: \"فإنه مسجد في السماء بحيال الكعبة [¬١]، لو خرّ لخر عليها، يصلي فيه كل يوم سبعون ألف ملك، إذا خرجوا منه لم يعودوا آخر ما عليهم\" (^٧).\nوزعم الضحاك أنه يعمره طائفة من الملائكة يقال لهم الحن [¬٢] من قبيلة إبليس، فاللَّه أعلم.\nوقوله: ﴿وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ﴾ قال سفيان الثوري، وشعبة، وأبو الأحوص، عن سماك، عن خالد بن عرعرة، عن علي: ﴿وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ﴾ يعني: السماء. قال سفيان: ثم تلا: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ﴾. وكذا قال مجاهد، وقتادة، والسدي، وابن جريج، وابن زيد، واختاره ابن جرير.\nوقال الربيع بن أنس: هو العرش. يعني: أنه سقف لجميع المخلوقات، وله اتجاه، وهو يُراد مع غيره كما قاله الجمهور.\nوقوله: ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾. قال الربيع بن أنس: هو الماء الذي تحت العرش، الذي ينزل اللَّه [¬٣] منه المطر الذي يحيي به الأجساد في قبورها يوم معادها. وقال الجمهور: هو هذا البحر. واختلف في معنى قوله: ﴿الْمَسْجُورِ﴾ فقال بعضهم: المراد أنه يوقد يوم القيامة نارًا كقوله: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾، أي: أضرمت فتصير نارًا تتأجج، محيطة بأهل الموقف. رواه سعيد بن المسيب، عن علي بن أبي طالب، ورُوي عن ابن عباس. وبه يقول سعيد بن جبير، ومجاهد، وعبد اللَّه بن عُبيد بن عُمَير، وغيرهم.\nوقال العلاء بن بدر: إنما سمي البحر المسجور؛ لأنه لا يُشرب منه ماء، ولا يسقى به زرع، وكذلك البحار يوم القيامة. كذا رواه عنه ابن أبي حاتم.\nوعن سعيد بن جبير: ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ يعني: المرسل وقال قتادة: المسجور: المملوء واختاره ابن جرير، ووجهه بأنه ليس موقدًا [¬٤] اليوم فهو مملوء. وقيل: المراد به الفارغ [¬٥]، قال الأصمعي، عن أبي [¬٦] عمرو بن العلاء، عن ذي الرمة، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ قال: الفارغ؛ خرجت أمَة تستسقي فرجعت فقالت: إن الحوض مسجور. تعني: فارغًا. رواه ابن مردويه في مسانيد الشعراء.\n_________\n(^٧) - أخرجه الطبري (٢٧/ ١٧). وقتادة مدلس وقد أرسل هذا الحديث أيضًا.\n_________\n[¬١]- في ز: البيت.\n[¬٢]- في ز: الجن.\n[¬٣]- سقط من ت.\n[¬٤]- في ت: موجودًا.\n[¬٥]- في ت: الفراغ.\n[¬٦]- في خ: ابن.","vol":"13","page":228},{"text":"وقيل: المراد بالمسجور الممنوع المكفوف عن الأرض؛ لئلا [¬١] يغمرها فيغرق أهلها. قاله علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس. وبه يقول السدي وغيره، وعليه يدل الحديث الذي رواه الإِمام أحمد ﵀ في مسنده، فإنه قال:\nحدثنا يزيد، حدثنا العوام، حدثني شيخ كان مرابطًا بالساحل؛ قال: لقيت أبا صالح مولى عمر بن الخطاب فقال: حدثنا عمر بن الخطاب، عن رسول اللَّه ﷺ قال: \"ليس من ليلة إلا والبحر يشرف فيها ثلاث مرات، يستأذن اللَّه أن ينفضخ عليهم فيكفه [¬٢] اللَّه ﷿ (^٨).\nوقال الحافظ أبو بكر الإِسماعيلي: حدثنا الحسن بن سفيان، عن إسحاق بن راهويه، عن يزيد -وهو ابن هارون- عن العوام بن حوشب، حدثني شيخ مرابط؛ قال: خرجت ليلة لحرسي لم يخرج أحد من الحرس غيري، فأتيت الميناء فصعدت، فجعل يخيل إلى أن البحر يشرف يحاذي رءوس [¬٣] الجبال، فعل ذلك مرارًا وأنا مستيقظ، فلقيت أبا صالح فقال: حدثنا عمر بن الخطاب؛ أن رسول اللَّه ﷺ؛ قال: \"ما من ليلة إلا والبحر يشرف ثلاث مرات يستأذن اللَّه أن ينفضخ عليهم، فيكفه اللَّه ﷿\" (^٩). فيه رجل مُبهم لم يسم.\nوقوله: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ﴾ هذا هو المقسم عليه، أي: واقع [¬٤] بالكافرين، كما قال في الآية الأخرى: ﴿مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ﴾ أي: ليس له دافع يدفعه عنهم إذا أراد اللَّه بهم ذلك.\nقال الحافظ أبو بكر بن أبي الدنيا: حدثنا أبي، حدثنا موسى بن داود، عن صالح المُرّي [¬٥]، عن جعفر بن زيد العبدي؛ قال: خرج عمر يعسُّ المدينة ذات ليلة، فمر بدار رجل من المسلمين، فوافقه قائمًا يصلي، فوقف يستمع قراءته فقرأ: ﴿وَالطُّورِ﴾ حتى بلغ: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ (٧) مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ﴾، قال: قَسَمٌ -ورب الكعبة- حَقٌّ. فنزل عن حماره، واستند إلى حائط، فمكث مليًّا ثم رجع إلى منزله، فمكث شهرًا يعوده\n_________\n(^٨) - أخرجه أحمد (١/ ٤٣). وإسناده ضعيف لجهالة هذا الشيخ،. وقد ضعف هذا الحديث أحمد شاكر في تعليقه على المسند.\n(^٩) - إسناده كسابقه.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: لا.\n[¬٢]- في ت: فيكفيه.\n[¬٣]- في ز، خ: برءوس.\n[¬٤]- في ت: الواقع.\n[¬٥]- في ز: المزي. وفي خ: المزني.","vol":"13","page":229},{"text":"الناس لا يدرون ما مرضه ﵁ (^١٠).\nوقال الإِمام أبو عُبَيد في \"فضائل القرآن\": حدثنا محمد بن صالح، حدثنا هشام بن حسان، عن الحسن، أن عمر قرأ: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ﴾، فرتا لها رتوة عِيدَ منها عشرين يومًا (^١١).\nوقوله: ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا﴾ قال ابن عباس وقتادة: تتحرك تحريكًا. وعن ابن عباس: هو تشققها، وقال مجاهد: تدور دورًا. وقال الضحاك: استدارتها وتحريكها لأمر اللَّه، وموج بعضها في بعض. وهذا اختيار ابن جرير أنه التحرك في استدارة. قال: وأنشد أبو عبيدة [¬١] معمر بن المثنى بيت الأعشى [¬٢].\nكَأَنَّ مِشْيَتَهَا مِنْ بَيتِ جَارَتِهَا … مَوْرُ [¬٣] السَّحَابَةِ لَا رَيثٌ وَلَا عَجَلُ\n﴿وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيرًا﴾ أي: تذهب فتصير هباء منبثًّا، وتنسف نسفًا، ﴿فَوَيلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ أي: ويل لهم ذلك اليوم من عذاب اللَّه ونكاله بهم، وعقابه لهم، ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ﴾ أي: هم في الدنيا يخوضون في الباطل، ويتخذون دينهم هزوًا ولعبًا، ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ﴾ أي: يدفعون ويساقون ﴿إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ وقال مجاهد، والشعبي، ومحمد بن كعب، والضحاك، والسدي، والثوري: يدفعون فيها دفعًا: ﴿هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ أي: تقول لهم الزبانية ذلك تقريعًا وتوبيخًا، ﴿أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ (١٥) اصْلَوْهَا﴾ أي: ادخلوها دخول من تغمره من جميع جهاته، ﴿فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا [] [¬٤] سَوَاءٌ عَلَيكُمْ﴾ أي: سواء صبرتم على عذابها ونكالها أم لم تصبروا، لا محيد لكم عنها ولا خلاص لكم منها، ﴿نَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي: ولا يظلم اللَّه أحدًا، بل يجازي كلًّا بعمله.\n﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ (١٧) فَاكِهِينَ بِمَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (١٨) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٩) مُتَّكِئِينَ عَلَى\n_________\n(^١٠) - في إسناده صالح المري وهو ضعيف.\n(^١١) - أخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن (١٣٦ - ١٣٧). والحسن لم يسمع من عمر بن الخطاب ولم يره.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: عبيد.\n[¬٢]- في ز، خ: الأعمش.\n[¬٣]- في. ز، خ: مرٌ.\n[¬٤]- في ز: \"أي\".","vol":"13","page":230},{"text":"سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (٢٠)﴾\nيخبر تعالى عن حال السعداء فقال: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ﴾، وذلك بضد ما أولئك فيه من العذاب والنكال، ﴿فَاكِهِينَ بِمَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ﴾ أي: يتفكهون بما آتاهم اللَّه من النعيم، من أصناف الملاذ؛ من كل ومشارب وملاس ومساكنَ ومراكب وغير ذلك، ﴿وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ أبي: وقد نجاهم من عذاب النار، وتلك نعمة مستقلة بذاتها على حِدَتها مع ما أضيف إليها من دخول الجنة، التي فيها من السرور ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خَطَر على قلب بشر.\nوقوله: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، كقوله: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ أي: هذا بذاك، تفضلًا منه وإحسانًا.\nوقوله: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ﴾، قال الثوري، عن حصين، عن مجاهد، عن ابن عباس: السرر [¬١] في الحجَال.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أي، حدثنا أبو [¬٢] اليمان، حدثنا صفوان بن عمرو؛ أنه سمع الهيثم بن مالك الطائي يقول: إن رسول اللَّه ﷺ يقول [¬٣]: \"إن الرجل ليتكئ [¬٤] المتكأ مقدار أربعين سنة ما يتحول عنه [¬٥] [ولا يمله] [¬٦] يأتيه ما اشتهت نفسه ولذت عينه\" (^١٢).\nوحدثنا أبي، حدثنا هُدْبَة بن خالد، عن سليمان بن المغيرة، عن ثابت قال: بلغنا أن الرجل ليتكئ [¬٧] في الجنة سبعين سنة، عنده من أزواجه وخَدمه وما أعطاه اللَّه من الكرامة والنعيم، فإذا حانت منه نظرة فإذا أزواج له لم يكن رَآهُنّ [¬٨] قبك ذلك، فيقلن: قد آن [¬٩] لك أن تجعل لنا منك نصيبًا.\nومعنى ﴿مَصْفُوفَةٍ﴾ أي: وجوه بعضهم إلى بعض؛ كقوله: ﴿عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾. ﴿وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ﴾ أي: وجعلنا لهم قرينات صالحات، وزوجات حسانًا [¬١٠] من\n_________\n(^١٢) - إسناده مرسل؛ فالهيثم بن مالك الطائي تابعي.\n_________\n[¬١]- في خ: السرور.\n[¬٢]- في ز، خ: ابن.\n[¬٣]- في خ: نال.\n[¬٤]- في ز: ليلى.\n[¬٥]- في ت: عنها.\n[¬٦]- سقط من خ.\n[¬٧]- في ز: ليلى.\n[¬٨]- في ز، خ: رآهم.\n[¬٩]- في ز: أنا.\n[¬١٠]- في ز: حسان.","vol":"13","page":231},{"text":"الحور العين.\nوقال مجاهد: ﴿وَزَوَّجْنَاهُمْ﴾ أنكحناهم بحور عين. وقد تقدم [] [¬١] وصفهن في غير موضع بما أغنى عن إعادته.\n﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ (٢١) وَأَمْدَدْنَاهُمْ بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٢٢) يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ (٢٣) وَيَطُوفُ عَلَيهِمْ غِلْمَانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ (٢٤) وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (٢٥) قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ (٢٦) فَمَنَّ اللَّهُ عَلَينَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ (٢٧) إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ (٢٨)﴾\nيخبر تعالى عن فضله وكرمه، وامتنانه ولطفه بخلقه وإحسانه، أن المؤمنين إذا اتبعتهم ذرياتهم في الإِيمان يُلحقهم بآبائهم [¬٢] في المنزلة وإن لم يبلغوا عملَهم، لتقرّ أعين الآباء بالأبناء عندهم في منازلهم، فيجمع بينهم على أحسن الوجوه، بأن يرفع الناقص العمل بكامل العمل، ولا ينقص ذاك من عمله ومنزلته، للتساوي بينه وبين ذاك، ولهذا قال: ﴿[أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ] [¬٣] وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيءٍ﴾ قال الثوري، عن عمرو بن مرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: أن اللَّه ليرفع ذرية المؤمن في درجته، وإن كانوا دونه في العمل، لتقَرّ بهم [¬٤] عينه. ثم قرأ: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيءٍ﴾ رواه ابن جرير وابن أبي حاتم من حديث سفيان الثوري له (^١٣). وكذا رواه ابن جرير من حديث شعبة، عن عمرو بن مُرّة به (^١٤). ورواه البزار، عن سهل [¬٥] بن بحر، عن الحسن بن حماد الوراق، عن قيس بن\n_________\n(^١٣) - أخرجه الطبري (٢٧/ ٢٤). وفي إسناده مؤمل وهو ابن إسماعيل البصري قال عنه الحافظ: صدوق سيئ الحفظ. وبقية رجاله ثقات.\n(^١٤) - أخرجه الطبري (٢٧/ ٢٤).\n_________\n[¬١]- في ز: في.\n[¬٢]- في خ: بإيمانهم.\n[¬٣]- في ز: \"ألحقناهم ذرياتهم\".\n[¬٤]- في ز، خ: به.\n[¬٥]- في خ: سهيل.","vol":"13","page":232},{"text":"الربيع، عن [¬١] عمرو [¬٢] بن مُرَّة، عن سعيد، عن ابن عباس مرفوعًا، فذكره (^١٥)، ثم قال: وقد رواه الثوري، عن عمرو بن مُرّة، عن سعيد، بن ابن عباس موقوفًا.\nوقال ابن أبي حاتم، حدثنا العباس بن الوليد بن مزيد [¬٣] البيروتي، أخبرني محمد بن شُعَيب [¬٤]، أخبرني شيبان، أخبرني ليث، عن [¬٥] حبيب بن أبي ثابت الأسدي، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قول اللَّه ﷿: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ [¬٦]﴾ قال: هم ذرية المؤمن، يموتون على الإيمان، فإن كانت منازل آبائهم أرفع من منازلهم ألحقوا بآبائهم، ولم ينقصوا من أعمالهم التي عملوا شيئًا (^١٦).\nوقال الحافظ الطبراني: حدثنا الحسين بن إسحاق التُّستري، حدثنا محمد بن عبد الرحمن بن غزوان، حدثنا شريك، عن سالم الأفطس، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس - أظنه عن النبي ﷺ قال: \"إذا دخل الرجل الجنة سأل عن أبويه وزوجته وولده، فيقال: أنهم لم يبلغوا درجتك. فيقول: يارب؛ قد عملتُ لي ولهم. فيؤمر بإلحقاهم به، وقرأ إلى عباس: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا [وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ] بِإِيمَانٍ﴾ الآية (^١٧).\nوقال العوفي، عن ابن عباس في هذه الآية: يقول: والذين أدرك ذريتهم الإِيمان فعملوا بطاعتي، ألحقتهم بإيمانهم إلى الجنة، وأولادهم الصغار تلحق بهم. وهذا راجع إلى التفسير الأول، فإن ذاك مفسر أصرح من هذا. وهكذا يقول الشعبي، وسعيد بن جبير، وإبراهيم، وقتادة، وأبو صالح، والربيع بن أنس، والضحّاك، وابن زيد. وهو اختيار ابن\n_________\n(^١٥) - أخرجه البزار كما في مختصر الزوائد (٢/ ١٠٨) (١٥٠٨). قال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (٧/ ١١٧): رواه البزار وفيه قيس بن الربيع؛ وثقه شعبة والثوري وفيه ضعف. قال ابن حجر بعد عبارة البزار التي ذكرها ابن كثير: وهو أحفظ من قيس وأوثق.\n(^١٦) - ليث: هو ابن أبي سليم: اختلط حديثه جدًّا ولم يتميز فترك، وبقية إسناده ثقات.\n(^١٧) - أخرجه الطبراني في الكبير (١١/ ٤٤٠ - ٤٤١) (١٢٢٤٨)، وفي الصغير (١/ ٢٢٩). كلاهما من طريق محمد بن عبد الرحمن بن غزوان به. قال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (٧/ ١١٧): رواه في الصغير والكبير، وفيه محمد بن عبد الرحمن بن غزوان وهو ضعيف. ا هـ. قلت: وشريك تكلم فيه من قبل حفظه.\n_________\n[¬١]- في ز: بن.\n[¬٢]- في ت: عمر.\n[¬٣]- في ز: يزيد.\n[¬٤]- في ز، خ: شعبة.\n[¬٥]- في ز، خ: بن.\n[¬٦]- في ز في هذا الموضع وما سيأتي من مواضع [وأتبعناهم ذرياتهم ألحقنا بهم ذرياتهم] وهي قراءة بن عامر انظر السبعة في القراءات لابن مجاهد ص ٦١٢.","vol":"13","page":233},{"text":"جرير. وقد قال عبد اللَّه ابن الإِمام أحمد:\nحدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا محمد بن فُضَيلٍ [¬١]، عن محمد بن عثمان، عن زاذان، عن علي؛ قال: سألت خديجةُ النبيَّ ﷺ عن ولدين ماتا لها في الجاهلية؟ فقال رسول اللَّه ﷺ: \"هما في النار\". فلما رأى الكراهة في وجهها قال: \"لو رأيت مكانهما لأبغضتهما\". قالت: يا رسول اللَّه؛ فولدي منك؟ قال: \"في الجنة\". قال: ثم قال رسول اللَّه ﷺ: \"إن المؤمنين وأولادهم في الجنة، وإن المشركين وأولادهم في النار\". ثم قرأ رسول اللَّه ﷺ: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ الآية (^١٨) .. هذا فضله تعالى على الأبناء ببركة عمل الآباء، وأما فضله على الآباء ببركة دعاء الأبناء، فقد قال الإِمام أحمد:\nحدثنا يزيد، حدثنا حماد بن سلمة، عن عاصم بن أبي النّجُود، عن أبي صالح، عن أبي هريرة؛ قال: قال رسول اللَّه ﷺ: \"إن اللَّه ليرفع الدرجة للعبد الصالح في الجنة فيقول: يارب؛ أنى لي هذه؟ فيقول: باستغفار ولدك لك\" (^١٩).\nإسناده صحيح ولم يخرجوه من هذا الوجه، ولكن له شاهد في صحيح مسلم، عن أبي هريرة، عن رسول اللَّه ﷺ: \"إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له\" (^٢٠).\nوقوله: ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾، لما أخبر عن مقام الفضل، وهو رفع درجة الذرية إلى منزلة الآباء من غير عمل يقتضي ذلك، أخبر عن مقام العدل، وهو أنه لا يؤاخذ\n_________\n(^١٨) - أخرجه عبد اللَّه بن أحمد في زوائد المسند (١/ ١٣٤ - ١٣٥). والحديث ذكره ابن حجر في التعجيل في ترجمته لمحمد بن عثمان ثم قال: قال الذهبي في الميزان: لا يدرى من هو؛ فتشت عليه في أماكن وخبره منكر. قال شيخنا الهيثمي: ذكره ابن حبان في الثقات وأغفله الحسيني.\nقلت: وذكره الأزدي في الضعفاء، والخبر الذي أشار إليه اللَّه الذهبي ساقه في الميزان، وهو المذكور في زيادات عبد اللَّه في المسند. ا هـ.\nقال الهيثمي في \"المجمع (٧/ ٢٢٠). رواه عبد اللَّه بن أحمد، وفيه محمد بن عثمان ولم أعرفه، وبقية رجاله رجال الصحيح. ا هـ.\n(^١٩) - أخرجه أحمد (٢/ ٥٠٩) وفي إسناده عاصم بن بهدلة وهو ضعيف لكن يشهد له ما بعده.\n(^٢٠) - أخرجه مسلم في كتاب: الوصية، باب: ما يلحق الإنسان من الثواب بعد وفاته، حديث (٤/ ١٦٣١) (١١/ ١٢٢).\n_________\n[¬١]- في ز: فضل.","vol":"13","page":234},{"text":"أحدًا بذنب أحد، بل ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ أي: مرتهن بعمله، لا يحمل عليه ذنب غيره من الناس، سواء كان أبًا أو ابنًا، كما قال: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨) إلا أَصْحَابَ الْيَمِينِ (٣٩) فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ (٤٠) عَنِ الْمُجْرِمِينَ﴾.\nوقوله: ﴿وَأَمْدَدْنَاهُمْ بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ أي: وألحقناهم بفواكه ولحوم من أنواع شَتّى، مما يستطاب ويشتهى.\nوقوله: ﴿يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا﴾ أي: يتعاطون فيها كأسًا أي: من الخمر؛ قاله الضحاك ﴿لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ﴾ أي: لا يتكلمون عنها [¬١] بكلام لاغ، أي: هَذيان وإثم [¬٢] أي: فُحْش، كما [¬٣] تتكلم به الشربة من أهل الدنيا.\nوقال ابن عباس: اللغو: الباطل، والتأثيم: الكذب. وقال مجاهد: لا يستبون ولا يؤثمون. وقال قتادة: كان ذلك في الدنيا مع الشيطان.\nفنزه اللَّه خمر الآخرة عن قاذورات خمر الدنيا وأذاها، فنفي عنها -كما تقدم- صداع الرأس، ووجع البطن وإزالة العقل بالكلية، وأخبر أنها لا تحملهم على الكلام السيئ الفارغ عن الفائدة المتضمن هَذيانًا وفُحشًا، وأخبر بحسن منظرها وطيب طعمها ومخبرها فقال: ﴿بَيضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ (٤٦) لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ﴾ وقال: ﴿لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ﴾ وقال هاهنا: ﴿يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ﴾.\nوقوله: ﴿وَيَطُوفُ عَلَيهِمْ غِلْمَانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ﴾: إخبار عن خَدَمهم وحَشَمهم في الجنة كأنهم اللؤلؤ الرطب، المكنون في حُسنهم وبهائهم ونظافتهم [¬٤] وحسن ملابسهم؛ كما قال: ﴿يَطُوفُ عَلَيهِمْ ولْدَانٌ مُخَلَّدُونَ (١٧) بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ﴾.\nوقوله: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ أي: أقبلوا يتحادثون ويتساءلون عن أعمالهم وأحوالهم في الدنيا، وهذا كما يتحادث أهل الشراب على شرابهم إذا أخذ فيهم الشراب بما كان من أمرهم، ﴿قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ﴾ أي قد كنا في الدار الدنيا ونحن بين أهلنا خائفين من ربنا مشفقين من عذابه وعقابه، ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَينَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ﴾ أي: فتصدق علينا وأجارنا مما نخاف، ﴿إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ﴾، أي: نتضرع إليه، فاستجاب لنا وأعطانا سؤلنا، ﴿إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾.\n_________\n[¬١]- في خ: فيها.\n[¬٢]- في ز، خ: ولا إثم.\n[¬٣]- سقط من خ.\n[¬٤]- في ز، خ: وتصافيهم.","vol":"13","page":235},{"text":"وقد ورد في هذا المقام حديث، رواه الحافظ أبو بكر البزار في مسنده فقال: حدثنا سلمة بن شَبيب، حدثنا سعيد بن دينار، حدثنا الربيع بن صبيح، عن الحسن، عن أنس، قال: قال رسول اللَّه ﷺ: \"إذا دخل أهل الجنة الجنة اشتاقوا إلى الإِخوان، فيجيء سرير هذا [¬١] حتى يحاذي سرير هذا فيتحدثان فيتكئ هذا ويتكئ هذا فيتحدثان بما كان في الدنيا، فيقول أحدهما لصاحبه: يا فلان؛ تدري أي يوم غفر اللَّه لنا؟ يوم كنا في موضع كذا وكذا، فدعونا اللَّه ﷿ فغفر لنا\" (^٢١).\nثم قال البزار: لا نعرفه يروى [¬٢] إلا بهذا الإسناد.\nقلت: وسعيد بن دينار الدمشقي، قال أبو حاتم: هو مجهول وشيخه الربيع بن صبيح قد تكلم فيه غير واحد من جهة حفظه، وهو رجل صالح ثقة في نفسه.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا عمرو بين عبد اللَّه الأودي، حدثنا وكيع، عن الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن عائشة؛ أنها قرأت هذه الآية: ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَينَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ (٢٧) إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾، فقالت: اللهم، مُنّ علينا وقنا عذاب السموم، إنك أنت البر الرحيم. قيل للأعمش: في الصلاة؟ قال: نعم (^٢٢).\n﴿فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ (٢٩) أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيبَ الْمَنُونِ (٣٠) قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ (٣١) أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُمْ بِهَذَا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ (٣٢) أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ (٣٣) فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ (٣٤)﴾\nيقول تعالى آمرًا رسوله صلوات اللَّه وسلامه عليه بأن يبلغ رسالته إلى عباده، وأن\n_________\n(^٢١) - أخرجه البزار كما في: \"مختصر الزوائد\" (٢/ ٤٨٦ - ٤٨٧) (٢٢٧٠) ثم قال: تفرد به أنس بهذا الإسناد الضعيف.\nقال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (١٠/ ٤٢٤): رواه البزار ورجاله رجال الصحيح، غير سعيد بن دينار والربيع صبيح وهما ضعيفان وقد وثقا. ا هـ. وأخرجه العقيلي (٢/ ١٠٣) في ترجمة سعيد بن دينار التمار، وقال: لا يتابع عليه ولا يعرف إلا به.\n(^٢٢) - إسناده صحيح.\n_________\n[¬١]- سقط من خ.\n[¬٢]- في ز، خ: مروي.","vol":"13","page":236},{"text":"يذكرهم مما أنزل اللَّه عليه. ثم نفى عنه ما يرميه [¬١] به أهل البهتان والفجور فقال: ﴿فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ﴾ أي لست بحمد اللَّه بكاهن كما تقوَّله الجهلة من كفار قريش. والكاهن: الذي يأتيه الرّئِيّ من الجان بالكلمة يتلقاها من خبر السماء، ﴿وَلَا مَجْنُونٍ﴾ وهو الذي يتخبطه الشيطان من المس.\nثم قال تعالى منكرًا عليهم [في قولهم] [¬٢] في الرسول- صلوات اللَّه وسلامه عليه: ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيبَ الْمَنُونِ﴾ أي: قوارع الدهر. والمنون: الموت. يقولون: ننظره [¬٣] ونصبر عليه حتى يأتيه الموت فنستريح منه ومن شأنه، قال اللَّه تعالى: ﴿قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ﴾ أي: انتظروا فإني منتظر معكم، وستعلمون لمن تكون العاقبة والنصرة في الدنيا والآخرة.\nقال محمد بن إسحاق، عن عبد اللَّه بن أبي نَجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس: أن قريشًا لما اجتمعوا في دار الندوة في أمر النبي، ﷺ، قال قائل منهم: احتبسوه في وثاق، ثم [¬٤] تربصوا به ريب المنون حتى يهلك، كما هلك من هلك قبله من الشعراء: زهير والنابغة، إنما هو كأحدهم. فأنزل اللَّه في [¬٥] ذلك من قولهم: ﴿أَمْ [¬٦] يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيبَ الْمَنُونِ﴾ ثم قال تعالى: ﴿أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُمْ بِهَذَا﴾ أي: عقولهم تأمرهم بهذا الذي يقولونه فيك من الأقوال الباطلة التي يعلمون في أنفسهم أنها كَذب وزُور ﴿أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ أي: ولكن هم قوم ضلال معاندون، فهذا هو الذي يحملهم على ما قالوه فيك (^٢٣).\nوقوله: ﴿أَمْ يَقُولُونَ﴾ أي: اختلقه وافتراه من عند نفسه، يعنون القرآن. قال اللَّه: ﴿بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ أي: كفرهم هو الذي يحملهم على هذه المقالة، ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾ أي: إن كانوا صادقين في قولهم: تَقَوّله وافتراه، فليأتوا بمثل ما جاء به محمد من هذا القرآن، فإنهم لو اجتمعوا هم [¬٧] وجميع أهل الأرض من الجن والإِنس، ما جاءوا بمثله، ولا بعشر سور مثله، ولا بسورة من مثله.\n﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيرِ شَيءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (٣٥) أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا\n_________\n(^٢٣) - سيرة ابن هشام (٢/ ٣٣١ - ٣٣٢).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: يريبه.\n[¬٢]- سقط من خ.\n[¬٣]- في خ: ننتظره.\n[¬٤]- سقط من ز، خ.\n[¬٥]- سقط من ز، خ.\n[¬٦]- في ز: ل.\n[¬٧]- سقط من خ.","vol":"13","page":237},{"text":"يُوقِنُونَ (٣٦) أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيطِرُونَ (٣٧) أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٣٨) أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ (٣٩) أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ (٤٠) أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ (٤١) أَمْ يُرِيدُونَ كَيدًا فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ (٤٢) أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيرُ اللَّهِ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٤٣)﴾\nهذا المقام في إثبات الربوبية وتوحيد الألوهية [¬١]، فقال تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيرِ شَيءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ أي: أوجدوا من غير موجد؟ أم هم أوجدوا أنفسهم؟ أي: لا هذا ولا هذا، بل الله هو الذي خلقهم وأنشأهم بعد أن لم يكونوا شيئًا مذكورًا.\nقال البخاري: حدثنا الحُمَيدي، حدثنا سفيان؛ قال: حدثوني عن الزهري، عن محمد بن جبير بن مُطعم، عن أبيه؛ قال: سمعت النبي ﷺ يقرأ في المغرب بالطور [¬٢]، فلما بلغ هذه الآية: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيرِ شَيءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (٣٥) أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ (٣٦) أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيطِرُونَ﴾ كاد قلبي أن يطير (^٢٤).\nوهذا الحديث مخرج في الصحيحين من طرق، عن الزهري به (^٢٥). وجبير بن مطعم كان قد [¬٣] قدم على النبي ﷺ بعد وقعة بدر في فداء الأسارى، وكان إذ ذاك مشركًا، وكان سماعه هذه [¬٤] الآية من هذه السورة من جملة ما حمله على الدخول في الإِسلام بعد ذلك.\nثم قال تعالى: ﴿أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ﴾؟ أي: أهم خلقوا\n_________\n(^٢٤) - أخرجه البخاري في كتاب: التفسير، تفسير سورة الطور، باب: (١)، حديث (٤٨٥٤) (٨/ ٦٠٣). وزاد: قال سفيان: فأما أنا فإنما سمعت الزهري يحدث عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه: سمعت النبي ﷺ يقرأ في المغرب بالطور لم أسمعه زاد الذي قالوا لي.\n(^٢٥) - أخرجه البخاري في كتاب: التفسر، باب: سورة الطور، حديث (٤٨٥٤) (٨/ ٤٦٩).\nوأطرافه في [٧٦٥، ٣٠٥٠، ٤٠٢٣]. ومسلم في كتاب: الصلاة، باب: القراءة في الصبح، حديث (١٧٤/ ٤٦٣) (٤/ ٢٣٩).\n_________\n[¬١]- في ز: الإلهية.\n[¬٢]- في ز: والطور.\n[¬٣]- سقط من ز، خ.\n[¬٤]- سقط من خ.","vol":"13","page":238},{"text":"السماوات والأرض؟، وهذا إنكار عليهم في شركهم بالله، وهم يعلمون أنه الخالق وحده، لا شريك له. ولكن عدم إيقانهم هو الذي [¬١] يحملهم على ذلك، ﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيطِرُونَ﴾؟ أي [¬٢]: أهم يتصرفون في الملك وبيدهم مفاتيح الخزائن، ﴿أَمْ هُمُ الْمُصَيطِرُونَ﴾؟ أي: المحاسبون للخلائق، ليس الأمر كذلك، بل الله ﷿ هو المالك المتصرف الفعال لما يريد.\nوقوله: ﴿أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ﴾ أي: مرقاة إلى الملأ الأعلى، ﴿فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ أي: فليأت الذي يستمع لهم بحجة ظاهرة على صحة ما هم فيه من الفعال والمقال، أي: وليس لهم سبيل إلى ذلك، فليسوا على شيء، ولا لهم دليل.\nثم قال منكرًا عليهم فيما نسبوه إليه من البنات، وجَعلهم الملائكة إناثًا، واختيارهم لأنفسهم الذكور على الإِناث، بحيث إذا بُشّر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودًّا وهو كظيم. هذا وقد جعلوا الملائكة بنات الله، وعبدوهم [¬٣] مع الله، فقال: ﴿أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ﴾؟. وهذا تهديد شديد [¬٤] ووعيد أكيد [¬٥]، ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا﴾؟ أي: أجرة على إبلاغك إياهم رسالة الله؟ أي: لست تسألهم على ذلك شيئًا، ﴿فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ﴾ أي: فإنهم [¬٦] من أدنى شيء يتبرمون منه، ويثقلهم ويشق عليهم، ﴿أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ﴾، أي: ليس الأمر كذلك، فإنه لا يعلم أحد من أهل السماوات والأرض الغيب إلا الله، ﴿أَمْ يُرِيدُونَ كَيدًا فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ﴾ يقول تعالى: أم يريدُ هؤلاء بقولهم هذا في الرسول وفي الدين غرور الناس وكيد الرسول وأصحابه، فكيدُهم إنما يرجع وباله على أنفسهم، فالذين كفروا هم المكيدون، ﴿أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيرُ اللَّهِ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. وهذا إنكار شديد على المشركين في عبادتهم الأصنام والأنداد مع الله. ثم نزه نفسه الكريمة عما يقولون ويفترون ويشركون، فقال: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾.\n﴿وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ (٤٤) فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ (٤٥) يَوْمَ لَا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيدُهُمْ شَيئًا وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ\n_________\n[¬١]- سقط من ز.\n[¬٢]- سقط من ز.\n[¬٣]- في ز، خ: وعنادهم.\n[¬٤]- سقط من ز، خ.\n[¬٥]- سقط من ز، خ.\n[¬٦]- في ت: فهم.","vol":"13","page":239},{"text":"(٤٦) وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٤٧) وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ (٤٨) وَمِنَ اللَّيلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ (٤٩)﴾\nيقول تعالى مخبرًا عن المشركين بالعناد والمكابرة للمحسوس: ﴿وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا﴾ أي: عليهم يعذبون به، لما صدقوا، ولما أيقنوا، بل يقولون: هذا ﴿سَحَابٌ مَرْكُومٌ﴾ أي: متراكم. وهذا كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ (١٤) لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ﴾. قال الله تعالى: ﴿فَذَرْهُمْ﴾ أي: دعهم يا محمد ﴿حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ﴾، وذلك يوم القيامة، ﴿يَوْمَ لَا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيدُهُمْ شَيئًا﴾ أي: لا ينفعهم كيدهم ولا [¬١] مكرهم الذي استعملوه في الدنيا، لا يجدي [¬٢] عنهم يوم القيامة شيئًا، ﴿وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾.\nثم قال: ﴿وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ﴾ أي: قبل ذلك في الدار الدنيا، كقوله: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾؛ ولهذا قال: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أي: نعذبهم في الدنيا، ونبتليهم فيها بالمصائب، لعلهم يرجعون وينيبون، فلا يفهمون ما يُرَاد بهم، بل إذَا جَلّى عنهم مما كانوا فيه، عادوا إلى أسوأ ما كانوا عليه، كما جاء في بعض الأحاديث: \"إن المنافق إذا مرض وعُوفي مَثَلُه في ذلك كمثل البعير، لا يدري فيما عَقَلوه [¬٣] ولا فيما أرسلوه\" (^٢٦). وفي الأثر الإِلهى: كم أعصيك ولا تعاقبني؟ قال الله: يا عبدي كم أعافيك وأنت لا تدري؟\n_________\n(^٢٦) - أخرجه أبو داود في كتاب الجنائز، باب: الأمراض المكفرة للذنوب، حديث (٣٠٨٩) (٣/ ١٨٢ - ١٨٣).\nوالبغوي في شرح السنة (٥/ ٢٥٠ - ٢٥١) (١٤٤٠). كلاهما من طريق محمد بن إسحاق قال: حدثني رجل من أهل الشام يقال له: أبو منظور عن عمه، قال: حدثني عمي، عن عامر الرامي أخي الخضر … فذكره مرفوعًا في حديث طويل.\nوأبو منظور هذا مجهول كما في التقريب. والحديث ذكره المنذري في الترغيب والترهيب، وقال: رواه أبو داود وفي إسناده رجل لم يسم. وضعفه الألباني في ضعيف سنن أبي داود برقم (٦٧٩).\n_________\n[¬١]- سقط من ت.\n[¬٢]- في خ: يجزي.\n[¬٣]- في ز: أعقلوه.","vol":"13","page":240},{"text":"وقوله: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾، أي: اصبر على أذاهم ولا تُبَالهم، فإنك بمرأى منا وتحت كَلاءتنا، والله يعصمك من الناس.\nوقوله: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ قال الضحاك: أي إلى الصلاة: سبحانك اللَّهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك. فقد روى مثله عن الربيع بن أنس وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغيرهما.\nوروى مسلم في صحيحه، عن عمر أنه كان يقول هذا في ابتداء الصلاة (^٢٧). ورواه أحمد وأهل السنن، عن أبي سعيد وغيره، عن النبي ﷺ أنه كان يقول ذلك (^٢٨).\nوقال أبو الجوزاء: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ أي: من نومك من فراشك. واختاره ابن جرير. ويتأيد هذا القولُ بما رواه الإِمام أحمد:\nحدثنا الوليد بن [¬١] مسلم؛ حدثنا الأوزاعي، حدثني عمير [¬٢] بن هانئ، حدثني جنادة بن أبي أمية، حدثنا عبادة بن الصامت؛ أن [¬٣] رسول الله، ﷺ؛ قال: \"من تَعَارّ من الليل فقال: لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: رَب اغفر لي -أو قال-: ثم دعا استُجيب له، فإن عزم فتوضأ [¬٤] ثم صلى تُقبِّلت صلاته\" (^٢٩). وأخرجه البخاري في صحيحه وأهل السنن\n_________\n(^٢٧) - أخرجه مسلم في كتاب: الصلاة، باب: حجة من قال: لا يجهر بالبسملة، حديث (٥٢/ ٣٩٩) (٤/ ١٤٦).\n(^٢٨) - أخرجه أحمد (٣/ ٥٠) (١١٤٨٩) وأبو داود في كتاب: الصلاة، باب: من رأى الاستفتاح بسبحانك اللهم وبحمدك، حديث (٧٧٥) (١/ ٢٠٦). والترمذي في كتاب: الصلاة، باب: ما يقول عند افتتاح الصلاة، حديث (٢٤٢) (١/ ٣٢٤). والنسائي في كتاب: الافتتاح، باب: نوع آخر من الذكر بين افتتاح الصلاة وبين القراءة. وابن ماجة في كتاب: الإقامة، باب: افتتاح الصلاة، حديث (٨٠٤) (١/ ٢٦٤). كلهم من طريق جعفر بن سليمان الضبعي، حدثني علي بن علي الرفاعي عن أبي المتوكل الناجي عن أبي سعيد ﵁ فذكره. قال أبو داود: وهذا الحديث يقولون هو عن علي بن علي عن الحسن مرسلًا. الوهم من جعفر. ا هـ. قال الترمذي: وقد تكلم في إسناد حديث أبي سعيد، كان يحيى بن سعيد يتكلم في علي بن علي الرفاعي. وقال أحمد: لا يصح هذا الحديث.\n(^٢٩) - أخرجه أحمد (٥/ ٣١٣) (٢٢٧٧٦) ورجاله كلهم ثقات، والوليد بن مسلم قد صرح بالتحديث في كل الإسناد.\n_________\n[¬١]- في خ: أبو.\n[¬٢]- في ز، خ: عمر.\n[¬٣]- في ز: عن.\n[¬٤]- في ز، خ: ثم توضأ.","vol":"13","page":241},{"text":"من حديث الوليد بن مسلم به [¬١] (^٣٠).\nوقال ابن أبي نجيح عن مجاهد: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ قال: من كل مجلس. وقال الثوري، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾، قال: إذا أراد الرجل أن يقوم من مجلسه قال: سبحانك اللهم وبحمدك.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو النضر إسحاق بن إبراهيم الدمشقي، حدثنا محمد بن شعيب، أخبرني طلحة بن عمرو الحضرمي، عن عطاء بن أبي رباح؛ أنه حدثه عن قول الله: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ يقول: حين تقوم من كل مجلس، إن كنت أحسنت ازددت خيرًا، وإن كان [¬٢] غير ذلك كان هذا كفارة له (^٣١).\nوقد قال عبد الرزاق في \"جامعه\": أخبرنا معمر، عن عبد الكريم الجَزَري، عن أبي عثمان الفقير؛ أن جبريل علَّم النبي ﷺ إذا قام من مجلسه أن يقول: سبحانك اللَّهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك. قال معمر: وسمعت غيره يقول: هذا القول كفارة المجالس (^٣٢).\nوهذا مرسل، وقد وردت أحاديث مسندة من طرق يقوي بعضها بعضًا بذلك، فمن ذلك حديث ابن جريج، عن سُهَيل [¬٣] بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ؛ أنه قال: \"من جلس في مجلس فكثر فيه لَغطُه فقال قبل أن يقوم من مجلسه: سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك، إلا غُفر له ما كان في مجلسه ذلك [¬٤] \" (^٣٣).\n_________\n(^٣٠) - وأخرجه البخاري في كتاب: التهجد، كتاب: فضل من تعار من الليل فصلى، حديث (١١٥٤) (٣/ ٣٩).\nوأبو داود في كتاب الأدب، باب: ما يقول الرجل إذا تعار من الليل، حديث (٥٠٦٠) (٤/ ٣١٤).\nوالترمذي في كتاب: الدعوات، باب: ما جاء في الدعاء إذا انتبه من الليل، حديث (٣٤١١) (٩/ ١١٥ وابن ماجة في كتاب: الدعاء، باب: ما يدعو به إذا انتبه من الليل، حديث (٣٨٧٨) (٢/ ١٣٧٦).\n(^٣١) - في إسناده طلحة بن عمرو بن عثمان الحضرمي المكي: متروك.\n(^٣٢) - أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١١/ ٢٤) (١٩٧٩٦) وهو حديث معضل؛ فأبو عثمان الفقير هو: يزيد بن صهيب وهو ثقة من الرابعة دون الطبقة الوسطى من التابعين.\n(^٣٣) أخرجه الترمذي في كتاب: الدعوات، باب: ما يقول إذا قام من مجلسه، حديث (٣٤٢٩) (٩/ ١٣١). =\n_________\n[¬١]- سقط من ز، خ.\n[¬٢]- في خ: كنت.\n[¬٣]- في ز: سهل.\n[¬٤]- سقط من ت.","vol":"13","page":242},{"text":"رواه الترمذي - وهذا لفظه - والنسائي في اليوم والليلة من حديث ابن جريج [¬١]. وقال الترمذي: \"حسن صحيح\". وأخرجه الحاكم في مستدركه وقال: \"إسناد على شرط مسلم إلا أن البخاري عللَّه\".\nقلت: علله الإِمام أحمد، والبخاري، ومسلم، وأبو حاتم، وأبو زرعة، والدارقطني، وغيرهم. ونسبوا الوهم فيه إلى ابن جُرَيج، على أن أبا داود قد رواه في سننه من طريق غير ابن جريج إلى أبي هُرَيرة ﵁ عن النبي ﷺ بنحوه (^٣٤). ورواه أبو داود -واللفظ له- والنسائي، والحاكم في المستدرك، من طريق الحجاج بن دينار، عن أبي [¬٢] هاشم، عن أبي العالية، عن أبي بَرْزَةَ الأسلمي؛ قال: كان رسول الله ﷺ يقول بأخَرَة إذا أراد أن يقوم من المجلس: \"سبحانك اللَّهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك\". فقال رجل: يا رسول الله؛ إنك لتقول قولًا ما كنت تقوله فيما مضى؟! قال: \"كفارة لما يكون في المجلس\" (^٣٥).\nوقد روي مرسلًا عن أبي العالية (^٣٦)، والله أعلم. وهكذا رواه النسائي والحاكم، من\n_________\n= والنسائي في الكبرى في كتاب: عمل اليوم والليلة، باب: ما يقول إذا جلس في مجلس كثر فيه لغطه، حديث (١٠٢٣٠) (٥/ ١٠٦ - ١٠٦). والحاكم في مستدركه (١/ ٥٣٦ - ٥٣٧). كلهم من طريق حجاج بن محمد عن ابن جريج به. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه، لا نعرفه من حديث سهيل إلا من هذا الوجه. قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم إلا أن البخاري قد علله بحديث وهيب بن موسى بن عقبة عن سهيل عن أبيه عن كعب الأحبار من قوله، فالله أعلم. ولهذا الحديث شواهد عن جبير بن مطعم وأبي برزة الأسلمي ورافع بن خديج. ا هـ. والحديث صححه الألباني في صحيح سنن الترمذي برقم (٢٧٣٠ - ٣٦٧٤).\n(^٣٤) - أخرجه أبو داود في كتاب: الأدب، باب: في كفارة المجلس، حديث (٤٨٥٨) (٤/ ٢٦٥). وفي إسناده عبد الرحمن بن أبي عمرو، قال فيه الحافظ: مقبول. وبقية إسناده ثقات.\nوقد صححه الألباني في صحيح سنن أبي داود برقم (٤٠٦٧).\n(^٣٥) - أخرجه أبو داود في كتاب: الأدب، باب: في كفارة المجلس، حديث (٤٨٥٩) (٤/ ٢٦٥).\nوالنسائي في الكبرى في كتاب: عمل اليوم والليلة، باب: كفارة ما يكون في المجلس، حديث (١٠٢٥٩) (٢/ ١١٦ - ١١٣)، والحاكم (١/ ٥٣٧).\nكلهم من طريق حجاج بن دينار عن أبي هاشم، عن أبي العالية، عن أبي درزة الأسلمي ﵁ به. وإسناده حسن من أجل الحجاج بن دينار فقد قال عنه الحافظ في التقريب: لا بأس به، وله ذكر في مقدمة مسلم. ا هـ. وقال الشيخ الألباني في صحيح أبي داود: حسن صحيح.\n(^٣٦) - أخرجه النسائي في الكبرى في كتاب: عمل اليوم والليلة، باب: كفارة ما يكون في المجلس، حديث (١٠٢٦١، ١٠٢٦٢) (٦/ ١١٣)، (١٠٢٦٤) (٦/ ١١٣ - ١١٤).\n_________\n[¬١]- في ت: جرير.\n[¬٢]- سقط من ت.","vol":"13","page":243},{"text":"حديث الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عي رافع بن خَديج، عن النبي ﷺ مثله سواء (^٣٧). وروى مرسلًا أيضًا، والله أعلم. وكذا رواه أبو داود عن عبد الله بن عمرو أنه قال: \"كلمات لا يتكلم بهن أحد في مجلسه عند قيامه ثلاث مرات إلا كُفر بهن عنه، ولا يقولهن في مجلس خير ومجلس ذكر إلا خُتم له بهن كما يختم بالخاتم [على الصحيفة] [¬١]: سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك\" (^٣٨). وأخرجه الحاكم من حديث أم المؤمنين عائشة، وصححه (^٣٩)، ومن رواية جُبَير بن مطعم (^٤٠). ورواه أبو بكر الإِسماعيلي عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، كلهم عن النبي، ﷺ. وقد أفردت لذلك جزءًا لي حِدَة بذكر طُرقه وألفاظه وعللَّه، وما يتعلق به، ولله الحمد والمنة.\nوقوله: ﴿وَمِنَ اللَّيلِ فَسَبِّحْهُ﴾ أي: اذكره واعبده بالتلاوة والصلاة في الليل، كما قال تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾.\nوقوله: ﴿وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾ قد تقدم في حديث ابن عباس أنهما الركعتان اللتان قبل صلاة الفجر (^٤١)، فإنهما مشروعتان عند إدبار النجوم، أي: عند جنوحها [¬٢] للغيبوبة. وقد روى ابن سِيلانَ [¬٣]، عن أبي هريرة مرفوعًا: \"لا تَدَعوهما، وإن طردتكم الخيل\" (^٤٢)، يعني: ركعتي الفجر. رواه أبو داود. ومن هذا الحديث حكي عن بعض أصحاب الإِمام أحمد القولُ بوجوبهما، وهو ضعيف لحديث: \"خمس صلوات في اليوم والليلة\". قال: هل\n_________\n(^٣٧) - أخرجه النسائي في الكبرى في كتاب: عمل اليوم والليلة، باب: كفارة ما يكون في المجلس، حديث (١٠٢٦٣) (٦/ ١١٣). والحاكم (١/ ٥٣٧).\n(^٣٨) - أخرجه أبو داود في كتاب: الأدب، باب: في كفارة المجلس، حديث (٤٨٥٧) (٤/ ٢٦٤ - ٢٦٥). وصححه الشيخ الألباني في صحيح سنن أبي داود دون لفظة: ثلاث مرات.\n(^٣٩) - أخرجه الحاكم (١/ ٤٩٦ - ٤٩٧). قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي.\n(^٤٠) - أخرجه الحاكم (١/ ٥٣٧) وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.\n(^٤١) - تقدم تخريجه في آخر سورة (ق).\n(^٤٢) - أخرجه أحمد (٢/ ٤٠٥)، وأبو داود في كتاب: الصلاة، باب: في تخفيفهما، حديث (١٢٥٨) (٢/ ٢٠).\nكلاهما من طريق ابن سيلان وهو جابر، وقيل: عبد ربه بن سيلان قال عنه الحافظ: مقبول.\nوضعفه الألباني في ضعيف سنن أبي داود برقم (٢٧٢).\n_________\n[¬١]- سقط من ز، خ.\n[¬٢]- في ز، خ: خروجها.\n[¬٣]- في ز: سبلان.","vol":"13","page":244},{"text":"علي غيرها؟ قال: \"لا، إلا أن تطوع\" (^٤٣). وقد ثبت في الصحيحين عن عائشة ﵂ أنها قالت: لم يكن رسول الله ﷺ على شيء من النوافل أشد تَعاهُدًا منه على ركعتي الفجر (^٤٤) وفي لفظ لمسلم: \"ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها\" (^٤٥).\n[آخر تفسير سورة الطور ولله الحمد والمنة].\n* * *\n_________\n(^٤٣) - أخرجه البخاري في كتاب: الإيمان، كتاب: الزكاة من الإسلام، حديث (٤٦) (١/ ١٠٦).\nوأطرافه في: [١٨٩١، ٢٦٧٨، ٦٩٥٦].\nومسلم في كتاب: الإيمان، باب: بيان الصلوات التي هي أحد أركان الإسلام، حديث (٨/ ١١) (١/ ٢٣٣ - ٢٣٤).\nكلاهما من حديث طلحة بن عبيد الله أن رجلًا من أهل نجد أتى النبي ﷺ وسأل عن الإسلام، الحديث.\n(^٤٤) - أخرجه البخاري في كتاب: التهجد، باب: تعاهد ركعتي الفجر ومن سماهما تطوعًا، حديث (١١٦٩) (٣/ ٤٥).\nومسلم في كتاب: صلاة المسافرين وقصرها، باب: استحباب ركعتي سنة الفجر، والحث عليهما وتخفيفهما، حديث (٩٤/ ٧٢٤).\n(^٤٥) - أخرجه مسلم في كتاب: صلاة المسافرين، في الباب السابق، حديث (٢٦/ ٧٢٥) (٦/ ٧ - ٨).","vol":"13","page":245},{"text":"<span data-type='title' id=toc-174>تفسير سورة النجم وهي مكية</span>\nقال البخاري (^١): حدثنا نصر بن علي، أخبرني أبو أحمد، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن الأسود بن يزيد، عن عبد الله قال: أولُ سورة أنزلت فيها سجدة ﴿وَالنَّجْمِ﴾، قال [¬١]: فسجد رسول الله ﷺ وسجد من خلفه، إلا رجلًا رأيته أخذ كفًّا من تراب فسجد عليه، فرأيته بعد ذلك قُتل كافرًا، وهو أمية بن خلف.\nوقد رواه البخاري أيضًا (^٢) في مواضع، ومسلم وأبو داود والنسائي، من طرق، عن أبي إسحاق، به. وقوله في الممتنع: إنه أمية بن خلف في هذه الرواية - مشكل، فإنه قد جاء من غير هذه الطريق أنه عتبة بن ربيعة [¬٢].\n﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (٢) وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إلا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾\nقال الشعبي وغيره: الخالق يُقسم بما شاء من خلْقه، والمخلوق لا ينبغي له أن يقسم إلا بالخالق. رواه ابن أبي حاتم.\nواختلف المفسرون في معنى قوله تعالى: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ فقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد: يعني بالنجم: الثريا إذا سقطت مع الفجر. وكذا رُوي عن ابن عباس وسفيان الثوري. واختاره ابن جرير. وزعم السدي أنها الزهرة.\nوقال الضحاك: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ إذا رمي به [¬٣] الشياطين، وهذا القول له اتجاه.\n_________\n(^١) - أخرجه البخاري في كتاب: التفسير، باب: ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا﴾، حديث (٤٨٦٣).\n(^٢) - أخرجه البخاري في كتاب: سجود القرآن، باب: ما جاء في سجود القرآن وسنتها، حديث (١٠٦٧). وأطرافه (١٠٧٠، ٣٨٥٣، ٤٨٦٣، ٣٩٧٢). ومسلم في كتاب: المساجد ومواضع الصلاة، حديث ١٠٥ - (٥٧٦). وأبو داود في كتاب: الصلاة، باب: من رأى فيها السجود، حديث (١٤٠٦). والنسائي في الكبرى، في كتاب: التفسير، باب: قوله تعالى: ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا﴾، حديث (١١٥٤٩). كلهم من طريق شعبة عن أبي إسحاق.\n_________\n[¬١]- سقط من ز، خ.\n[¬٢]- في ز، خ: شيبة.\n[¬٣]- في ز: بها.","vol":"13","page":246},{"text":"وروى الأعمش، عن مجاهد في قوله: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾، يعني: القرآن إذا نزل. وهذه الآية [¬١] كقوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (٧٥) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٧٦) إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (٧٨) لَا يَمَسُّهُ إلا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالمِينَ﴾.\nوقوله: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾: هذا هو المقسم عليه، وهو الشهادة للرسول - صلوات الله وسلامه عليه - بأنه بارّ راشد تابع للحق ليس بضال، وهو: الجاهل الذي يسلك على غير طريق بغير علم. والغاوي: هو العالم بالحق العادل عنه قصدًا إلى غيره، فنزه الله رسوله وشرعَه عن مشابهة أهل الضلال كالنصارى وطرائق اليهود، وعن علم الشيء وكتمانه والعمل بخلافه، بل هو صلوات الله وسلامه عليه، وما بعثه الله به من الشرع العظيم في غاية الاستقامة والاعتدال والسداد؛ ولهذا قال: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾، أي: ما يقول قولًا عن هوى وغرض ﴿إِنْ هُوَ إلا وَحْيٌ يُوحَى﴾ أي: إنّما يقول ما أمر به، يبلغه إلى الناس كاملًا موفّرًا من غير زيادة ولا نقصان، كما رواه الإمام أحمد (^٣):\nحدثنا يزيد، حدثنا حَريِز [¬٢] بن عثمان، عن عبد الوحمن بن ميسرة، عن أبي أمامة؛ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: \"ليدخلن [¬٣] الجنة بشفاعة رجل ليس بنبي مثلُ الحيين -أو مثل أحد الحيين-: ربيعة ومضر\". فقال رجل: يا رسول الله؛ أوَ مَا ربيعة من مضر؟ قال: \"إنما أقول ما أقول\".\nوقال الإِمام أحمد (^٤): حدثنا يحيى بن سعيد، عن عُبيَد الله بن الأخنس، أخبرنا الوليد بن عبد الله، عن يوسف بن مَاهَك، عن عبد الله بن عمرو؛ قال: كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله ﷺ أريد حفظه، فنهتني قريش فقالوا: إنك تكتب كل شيء تسمعه من رسول الله، ورسول الله صلى الذ عليه وسلم بشر [¬٤]، يتكلم في الغضب.\n_________\n(^٣) - أخرجه أحمد (٥/ ٢٥٧) (٥/ ٢٢٣) والطبراني (٨/ ١٦٩) (٧٦٣٨) وفي إسناده: عبد الرحمن بن ميسرة وهو الحضرمي، قال الحافظ: مقبول. وأخرجه أحمد أيضًا (٥/ ٢٥٧) (٢٢٣١٦)، (٥/ ٢٦٧) (٢٢٣٩٦). قال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (١٠/ ٣٨٤): رواه أحمد والطبراني بأسانيد ورجال أحمد وأحد أسانيد الطبراني رجالهم رجال الصحيح غير عبد الرحمن بن ميسرة وهو ثقة. وأخرجه الطبراني بنحوه من طرق أخرى (٨/ ٢٨٠، ٣٣٠) (٧٩١٩، ٨٠٥٨).\n(^٤) - أخرجه أحمد (٥/ ١٦٢، ١٩٢). وصحح إسناد هذا الحديث أحمد شاكر في تعليقاته على المسند.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: اللام.\n[¬٢]- في ز: جرير.\n[¬٣]- في ز: ليدخل.\n[¬٤]- سقط من ز.","vol":"13","page":247},{"text":"فأمسكت عن الكتاب.\n[فذكرت ذلك لرسول الله، ﷺ، فقال: \"اكتب؛ فوالذي نفسي بيده ما خرج مني إلا الحق\". ورواه أبو داود عن مسدد وأبي بكر بن أبي شيبة كلاهما عن يحيى بن سعيد القطان] [¬١].\nوقال الحافظ أبو بكر البزار (^٥): حدثنا أحمد بن منصور، حدثنا عبد الله بن صالح، حدثنا الليث، عن ابن عجلان، عن زيد بن أسلم، عن أبي صالح، عن أبي هُريرة، عن النبي ﷺ قال: \"ما أخبرتكم أنه الذي من عند الله، فهو الذي لا شك فيه\". ثم قال: لا نعلمه يُروى إلا بهذا الإِسناد.\nوقال الإِمام أحمد (^٦): حدثنا يونس، حدثنا ليث، عن بحر [¬٢]، عن سعيد بن أبي سعيد [¬٣]، عن أبي هريرة، عن رسول الله، ﷺ، أنه قال: \"لا أقول إلا حقًّا\". قال بعض أصحابه: فإنك تداعبنا يا رسول الله؟ قال: \"إني لا أقول إلا حقًّا\".\n﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (٥) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى (٦) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى (٧) ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨) فَكَانَ قَابَ قَوْسَينِ أَوْ أَدْنَى (٩) فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (١٠) مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (١١) أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى (١٢) وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (١٤) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى (١٥) إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى (١٦) مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (١٧) لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى (١٨)﴾\n_________\n(^٥) - أخرجه البزار كما في مختصر الزوائد (١/ ١٣٩) (١٢١) وقال: لا نعلمه روى عن أبي هريرة ﵁ إلا بهذا الإسناد.\nقال الشيخ: رجاله رجال الصحيح. قلت -أي ابن حجر-: عادة الشيخ يتكلم في عبد الله بن صالح. ا هـ. وقال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (١/ ٧٩): رواه البزار وفيه أحمد بن منصور الرمادي، وهو ثقة وفيه كلام لا يضر، وبقية رجاله رجال الصحيح، وعبد الله بن صالح مختلف فيه. والحديث في كشف الأستار (١/ ١١٢) حديث (٢٠٣)، ومجمع الزوائد (١/ ١٧٩).\n(^٦) - أخرجه أحمد (٢/ ٣٤٠) وإسناده حسن.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفين سقط من ت.\n[¬٢]- في ت: محمد.\n[¬٣]- في ز: سعد.","vol":"13","page":248},{"text":"يقول تعالى مخبرًا عن عبده ووسوله محمد ﷺ أنه عَلَّمه الذي جاء به إلى الناس ﴿شَدِيدُ الْقُوَى﴾، وهو جبريل ﵇ كما قال: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (٢٠) مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾، وقال هاهنا: ﴿ذُو مِرَّةٍ﴾، أي: ذو قوة. قاله مجاهد، والحسن، وابن زيد. وقال ابن عباس: ذو منظر [¬١] حسن، [وقال قتادة: ذو خلق طول حسن.\nولا منافاة بين القولين، فإنه ﵇ ذو منظر حسن] [¬٢] وقوة شديدة. وقد وود الحديث الصحيح من رواية أبي هريرة وابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: \"لا تحل الصدقة لغني، ولا لذي مرّة سوى\" (^٧).\nوقوله: ﴿فَاسْتَوَى﴾ يعني: جبريل ﵇. قاله مجاهد والحسن وقتادة، والربيع بن أنس. ﴿وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى﴾، يعني: جبريل، استوى في الأفق الأعلى.\n_________\n(^٧) - أما حديث أبي هريرة:\nفأخرجه النسائي (٥/ ٩٩) كتاب: الزكاة، باب: إذا لم يكن له دراهم وله عدلها. وابن ماجة في كتاب: الزكاة، باب: من سأل عن ظهر غنى، حديث (١٨٣٩) (١/ ٥٨٩). وابن حبان (٨/ ٨٤) (٣٢٩٠) كلهم من طريق أبي بكر بن عياش عن أبي حصين عن سالم بن أبي الجعد عن أبي هريرة. قال الزيلعي في: \"نصب الراية\" (٢/ ٣٩٩): قال صاحب التنقيح: رواته ثقات إلا أن أحمد بن حنبل قال: سالم بن أبي الجعد لم يسمع من أبي هريرة. ا هـ. لكن قال الشيخ الألباني في الإرواء (٣/ ٣٨٣): وقول أحمد هذا لم يذكر في ترجمة سالم من التهذيب، وقد جاء فيه نقول كثيرة عن الأئمة تبين أسماء الصحابة الذين لم يلقهم سالم أو لم يسمع منهم وليس فيهم أبو هريرة، بل جاء ذكره في الصحابة الذين روى عنهم سالم، ولم يعل بالانقطاع. فالله أعلم. والحديث أخرجه الحاكم (١/ ٤٠٧) عن ابن عيينة عن منصور عن أبي حازم عن أبي هريرة فذكره. قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي. وساق شاهدًا له حديث ابن عمر الآتي بإذن الله.\nوللحديث طريق آخر أخرجه البزار كما في \"نصب الراية\" عن إسرائيل عني منصور عن سالم بن أبي الجعد عن أبي هريرة. ثم قال: قال البزار: وهذا الحديث رواه ابن عيينة عن منصور عن أبي حازم عن أبي هريرة ﵁، والصواب حديث إسرائيل، وقد تابع إسرائيل على روايته أبو حصين، فرواه عن سالم عن أبي هريرة، ثم أخرجه كذلك، وهذا مخافه لكلام الحاكم. ا هـ.\nوقد صحح هذا الحديث الشيخ الألباني في الإرواء.\nوأما حديث إلى عمرو: فأخرجه أبو داود في كتاب: الزكاة، باب: من يعطى من الصدقة وحد الغنى، حديث (١٦٣٤) (٢/ ١١٨). والترمذي في كتاب: الزكاة، باب: ما جاء من لا تحل له الصدقة، حديث (٦٥٢) (٣/ ١٣ - ١٤). كلاهما من طريق سعد بن إبراهيم عن ريحان بن يزيد عن عبد الله بن عمرو.\nقال الترمذي: حديث حسن، وقد روى شعبة عن سعد بن إبراهيم هذا الحديث بهذا الإسناد =\n_________\n[¬١]- في ز، خ: منطق.\n[¬٢]- ما بين المعكوفين سقط من ز، خ.","vol":"13","page":249},{"text":"قاله عكرمة وغير واحد. قال عكرمة: والأفق الأعلى: الذي يأتي منه الصبح. وقال مجاهد: هو مطلع الشمس. وقال قتادة: هو الذي يأتي منه النهار. وكذا قال ابن زيد، وغيرهم.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا مُصَرّف بن عمرو اليامي [¬١] أبو القاسم، حدثنا عبد الرحمن بن محمد بن طلحة بن مصرف، حدثني أبي، عن الوليد -هو ابن قيس- عن إسحاق ابن أبي الكَهْتلَة - أظنه ذكره عن عبد الله بن مسعود - أن رسول الله، ﷺ، لم ير جبريل في صورته إلا مرتين، أما واحدة فإنه سأله أن يراه في صورته فسد الأفق. وأما الثانية فإنه كان معه حيث صعد، فذلك قوله: ﴿وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى﴾ (^٨).\nوقد قال ابن جرير هاهنا قولًا لم أره لغيره، ولا حكاه هو عن أحد، وحاصله: أنه ذهب إلى أن المعنى: ﴿فَاسْتَوَى﴾، أي: هذا الشديد القوي ذو المرة هو ومحمد صلى الله عليهما وسلم بالأفق الأعلى، أي: استويا جميعًا بالأفق، وذلك ليلة الإِسراء. كذا قال، ولم يوافقه أحد على ذلك. ثم شرع يوجه [¬٢] ما قال من حيث العربية فقال: وهذا كقوله تعالى: ﴿أَإِذَا [¬٣] كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا﴾، فعطف بالآباء على المكنى في ﴿كُنَّا﴾ من غير إظهار \"نحن\"، فكذلك قوله ﴿فَاسْتَوَى وَهُوَ﴾. قال: وذكر الفراء عن بعض العرب أنه أنشده:\nألم تر أن النبع [¬٤] يصلب عودُه … ولا يستوي والخروع [¬٥] المتقصّف\nوهذا الذي قاله من جهة العربية متجه، ولكن لا يساعده المعنى على ذلك، فإن هذه الرؤية لجبريل لم تكن ليلة الإِسراء، بل قبلها ورسولُ الله ﷺ في الأرض، فهبط عليه جبريل ﵇ وتدلى إليه، فاقترب [¬٦] منه وهو على الصورة التي خلقه\n_________\n= ولم يرفعه. ا هـ. قال الزيلعي (٢/ ٣٩٩): قال صاحب التنقيح: وريحان بن يزيد، قال أبو حاتم: شيخ مجهول. ووثقه ابن معين. وقال ابن حبان: كان أعرابيًّا صدوقًا. ا هـ. وصححه الألباني في الإرواء (٣/ ٣٨٢) بشواهده. ومن أراد زيادة فائدة فليراجع الإرواء فقد فصل الشيخ فيه تفصيلًا مفيدًا.\n(^٨) - في إسناده مصرف بن عمرو اليامي: مجهول. ومحمد بن طلحة بن مصرف اليامي: صدوق له أوهام، وأنكروا سماعه من أبيه لصغره كما في التقريب. وإسحاق بن أبي الكهتلة ذكره ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٢/ ٢٣٢) ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: اليمامي.\n[¬٢]- في ز، خ: فوجه.\n[¬٣]- في ز: إذا.\n[¬٤]- في ز، خ: البتع.\n[¬٥]- في ز: والخردع.\n[¬٦]- في ز: فأقرب.","vol":"13","page":250},{"text":"الله عليها، له ستمائة جناح، ثم رآه بعد ذلك نزلة أخرى عند سدرة المنتهى -يعني ليلة الإِسراء- وكانت هذه الرؤية [¬١] الأولى في أوائل البعثة بعد ما جاءه جبريل ﵇ أول مرة، فأوحى الله إليه صدر \"سورة اقرأ\"، ثم فتر الوحي فترة ذهب النبي ﷺ فيها مرارًا ليتردى من رءوس الجبال، فكلما هَمّ بذلك ناداه جبريل من الهواء: \"يا محمد، أنت رسول الله حقًّا، وأنا جبربل\". فيسكن لذلك جأشه، وتقر عينه، وكلما طال عليه الأمر عاد لمثلها (^٩)، حتى تَبَدّى له جبريل ورسول الله، ﷺ، في الأبطح في صورته التي خلقه الله عليها، له ستمائة جناح قد سد عُظْم [¬٢] خلقه الأفق، فاقترب [¬٣] منه وأوحى إليه عن الله ﷿ ما أمره به، فعرف عند ذلك\n_________\n(^٩) - وردت قصة محاولة تردي النبي ﷺ في صحيح البخاري في كتاب: التعبير، باب: أول ما بدء به رسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصادقة، حديث (٦٩٨٢) (٢/ ٣٥١ - ٣٥٢). قال ابن حجر في الفتح (١٢/ ٣٦٠): قال الإسماعيلي: موه بعض الطاعنين على المحدثين، فقال: كيف يجوز للنبي أن يرتاب في نبوته حتى يرجع إلى ورقة ويشكو لخديجة ما يخشاه، وحتى يوفى بذروة جبل ليلقى منها نفسه على ما جاء في رواية معمر؟!. قال: ولئن جاز أن يرتاب مع معاينة النازل عليه من ربه فكيف ينكر على من ارتاب فيما جاء به مع عدم المعاينة؟ قال: والجواب أن عادة الله جرت بأن الأمر الجليل إذا قضي بإيصاله إلى الخلق؛ أن يَقْدُمَه ترشيح وتأسيس؛ فكان ما يراه النبي ﷺ من الرؤية الصادقة ومحبة الخلوة والتعبد من ذلك؛ فلما فجئه الملك فجئه دعتة أمرٌ خالف العادة والمألوف فنفر طبعه البشرى منه وهاله ذلك، ولم يتمكن من التأمل في تلك الحال؛ لأن النبوة لا تزيل طباع البشرية كلها؛ فلا يتعجب أن يجزع مما لم يألفه وبنفر طبعه منه، حتى إذا تدرج عليه وألفه استمر عليه؛ فلذلك رجع إلى أهله التي ألف تأنيسها له فأعلمها بما وقع له؛ فهونت عليه خشيته بما عرفته من أخلاقه الكريمة وطريقته الحسنة؛ فأرادت الاستظهار بمسيرها به إلى ورقة؛ لمعرفتها بصدقه ومعرفته وقراءته الكتب القديمة؛ فلما سمع كلامه أيقن بالحق واعترف له، ثم كان من مقدمات تأسيس النبوة فترةُ الوحى ليتدرج فيه ويمرن عليه؛ فشق عليه فتوره إذ لم يكن خوطب عن الله بعد: أنك رسول من الله ومبعوث إلى عباده، فأشفق أن يكون ذلك أمر بدئ به ثم لم يرد استفهامه فحزن لذلك، حتى تدرج على احتمال أعباء النبوة، والصبر على ثقل ما يرد عليه فتح الله له من أمره بما فتح. قال: ومثال ما وقع له أول ما خوطب ولم يتحقق الحال على جليتها مثل رجل سمع آخر يقول: \"الحمد لله\" فلم يتحقق أنه يقرأ حتى إذا وصلها بما بعدها من الآيات تحقق أنه يقرأ، وكذا لو سمع قائلًا يقول: \"خلت الديار\" لم يتحقق أنه ينشد شعرًا حتى يقول: \"محلها فمقامها\" اننهى ملخصًا.\nثم قال: وأما إرادته إلقاء نفسه من رءوس الجبال بعد ما نبئ فلضعف قوته عن تحمل ما حمله من أعباء النبوة، وخوفًا مما يحصل له من القيام بها من مباينة الخلق جميعًا؛ كما يطلب الرجل الراحة من غم يناله في العاجل بما يكون فيه زواله عنه، ولو أفضى إلى إهلاك نفسه عاجلًا، حتى إذا تفكر فيما فيه صبره على ذلك من العقبى المحمودة صبر، واستقرت نفسه. =\n_________\n[¬١]- في ت: الرؤيا.\n[¬٢]- بياض في ز، خ.\n[¬٣]- في ز: واقترب.","vol":"13","page":251},{"text":"عظمة الملَك الذي جاء بالرسالة، وجلالة قَدْره وعلوّ مكانته عند خالقه الذي بعثه إليه. فأما الحديث الذي رواه الحافظ أبو بكر البزار في مسنده حيث قال:\nحدثنا سلمة بن شبيب، حدثنا سعيد بن منصور، حدثنا الحارث بن عبيد، عن أبي عمران الجَوْني، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ \"بينا أنا قاعد إذ جاء جبربل ﵇ فوكز بين كتفي، فقمت إلى شجرة فيها كَوَكْرَي الطير، فقعد في أحدهما [¬١] وقعدت في الآخر. فَسَمَت [¬٢] وارتفعت حتى سَدّت الخافقين وأنا أقلب طرفي، ولو شئت أن أمس السماء لمسست، فالتفت إليّ جبريل كأنه حلْس لاط فعرفتُ فضلَ علمه بالله عليّ، وفُتح لي باب من أبواب السماء ورأيت النور الأعظم، وإذا دون الحجاب رفرفة [¬٣] الدرّ والياقوت. وأوحى إلي ما شاء الله أن يوحي\" (^١٠).\nثم [¬٤] قال البزار: لا يرويه إلا الحارث بن عبيد، وكان رجلًا مشهورًا [¬٥] من أهل البصرة.\nقلت: الحارث بن عُبَيد هذا هو أبو قدامه الإِيادي، أخرج له مسلم في صحيحه إلا أن ابن [¬٦] معين ضعَّفه، وقال: ليس هو بشيء. وقال الإِمام أحمد: مضطرب الحديث. وقال أبو حاتم الرازي: يكتب حديثه ولا يحتج به. وقال ابن حبان: كَثُر وهمه فلا يجوز الاحتجاج لهه إذا انفرد. فهذا الحديث من غرائب رواياته، فإن فيه نكارة وغرابة ألفاظ وسياقًا عجيبًا، ولعله منام، والله أعلم.\nوقال الإِمام أحمد (^١١): حدثنا حجاج، حدثنا شريك، عن عاصم، عن أبي وائل، عن\n_________\n= قلت -أي ابن حجر-: أما الإرادة المذكورة في الزيادة الأولى ففي صريح الخبر أنها كانت حزنا على ما فاته من الأمر الذي بشره به ورقة، وأما الإرادة الثانية بعد أن تبدى له جبريل، وقال له: إنك رسول الله حقًّا فيحتمل ما قاله، والذي يظهر لي أنه بمعنى الذي قبله، وأما المعنى الذي ذكره الإسماعيلي فوقع قبل ذلك في ابتداء مجئ جبريل. ا هـ من الفتح.\n(^١٠) - أخرجه البزار كما في: \"مختصر الزوائد\" (١/ ٩٤ - ٩٥) (٣٥): وقال ابن حجر عن الحارث: أخرج له الشيخان، وهو مع ذاك له مناكير، هذا منها. والحديث في كشف الأستار (٥٨) ومجمع الزوائد (١/ ٧٥) وقال: رواه البزار والطبراني في الأوسط، وبقية رجاله رجال الصحيح.\n(^١١) المسند (١/ ٣٩٥). وفي إسناده شريك بن عبد الله النخعي تغير حفظه بعد أن ولي القضاء. =\n_________\n[¬١]- في خ: أحدها.\n[¬٢]- بياض في ز، خ.\n[¬٣]- في ز: رعرعة. وفي خ: زعزعة.\n[¬٤]- سقط من ت، خ.\n[¬٥]- في ز: مشهودا.\n[¬٦]- سقط من ز، خ.","vol":"13","page":252},{"text":"عبد الله قال: رأى رسول الله ﷺ جبريلَ في صورته وله [¬١] ستمائة جناح، كل جناح منها قد سَدّ الأفق، يسقط من جناحه من التهاويل والدر والياقوت ما الله به عليم، انفرد به أحمد.\nوقال أحمد (^١٢): حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا أبو بكر بن عياش عن إدريس بن منبه عن وهب بن منبه، عن اين عباس قال: سأل النبي ﷺ جبريل أن يراه في صورته، فقال: ادع ربك. فدعا ربه ﷿ فطلع عليه سواد من قبل المشرق، فجعل يرتفع وينتشر، فلما رآه النبي ﷺ صعِق، فأتاه فبعثه [¬٢]، ومسح البزاق عن شدقه. انفرد به أحمد.\nوقد رواه ابن عساكر في ترجمة \"عتبة بن أبي لهب\" من طريق محمد بن إسحاق عن عثمان بن عروة بن الزبير عن أبيه عن هبار [¬٣] بن الأسود قال: كان أبو لهب وابنه عتبة قد تجهزا إلى الشام، فتجهزت معهما، فقال ابنه عتبة: والله لأنطقن إلى محمد ولأوذينّه في ربه - سبحانه - فانطلق حتى أتى النبي ﷺ فقال: يا محمد، هو يكفر بالذي دنى فتدلى، فكان قاب قوسين أوأدني. فقال النبي ﷺ: \"اللهم ابعث إليه كلبًا من كلابك\". ثم انصرف عنه فرجع إلى أبيه فقال: يا بني، ما قلت له؟ فذكر له ما قال له، قال: فما قال لك؟ قال: قال: \"اللَّهم سلط عليه كلبًا من كلابك\". قال: يا بني، والله ما آمنُ عليك دُعاءه. فسرنا حتى نزلنا [الشراة - وهي مأسدة -] [¬٤] ونزلنا إلى صومعة راهب، فقال الراهب: يا معشر العرب، ما أنزلكم هذه البلاد، فإنما [¬٥] تسرح الأشدُ فيها كما تسرح الغنم؟ فقال لنا أبو لهب: إنكم قد عرفتم كبر سني وحقي، وإن هذا الرجل قد دعا على ابني دعوة - والله - ما آمنها عليه، فاجمعوا\n_________\n= وعاصم بن بهدلة صدوق له أوهام. وصحح إسناد هذا الحديث العلامة أحمد شاكر في تعليقه على المسند (٥/ ٢٨٢).\nوأخرجه (١/ ٤٠٧) من طريق عاصم بن بهدلة.\nولكن له شاهد في الصحيح من طريق ذر: أخرجه البخاري في كتاب التفسير، باب: ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَينِ أَوْ أَدْنَى﴾، باب: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ حديث (٤٨٥٦، ٤٨٥٧) (٨/ ٦١٠).\nومسلم (٢٨٠ - ٢٨٢/ ١٧٤) (٣/ ٤ - ٨) فذكر بعضه.\n(^١٢) - المسند (١/ ٣٢٢) (٢٩٦٧) قال الهيثمي في \"المجمع\" (٨/ ٢٦٠): رواه أحمد والطبراني ورجالهما ثقات. وفي إسناده إدريس بن سنان: أبو إلياس الصنعاني ابن بنت وهب بن منبه: ضعيف.\n_________\n[¬١]- في ز: له.\n[¬٢]- في ز، خ: فبعثه.\n[¬٣]- في ز، خ: هناد.\n[¬٤]- في ز: \"أسراه وهي بأسدة\".\n[¬٥]- في ت: فإنها.","vol":"13","page":253},{"text":"متاعكم إلى هذه الصومعة، وافرشوا لابني عليها ثم افرشوا حولها. ففعلنا، فجاء الأسد فَشَمّ وجوهنا، فلما لم يجد [ما يريد] [¬١] تَقَبّض، فوثب وثبة [¬٢]، فإذا هو فوق المتاع، فشم وجهه ثم هزمه هَزْمة ففتح [¬٣] رأسه. فقال أبو لهب: قد عرفت أنه لا ينفلت عن دعوة محمد (^١٣).\nوقوله: ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَينِ أَوْ أَدْنَى﴾، أي [¬٤]: فاقترب جبريل إلى محمد لما هبط عليه إلى الأرض، حتى كان بينه وبين محمد ﷺ قاب قوسين، أي: بقدرهما إذا مُدّا. فاله مجاهد، وقتادة.\nوقد قيل: إن المراد بذلك بُعد ما بين وتد القوس إلى كبدها.\nوقوله: ﴿أَوْ أَدْنَى﴾، قد تقدم أن هذه الصيغة تستعمل في اللغة لإِثبات المخبر عنه ونفي ما زاد عليه، كقوله: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾، أي: ما هي بألين [¬٥] من الحجارة، بل هي مثلها أو تزيد عليها في الشدة والقسوة. وكذا قوله: ﴿يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾ وقوله: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ أي: ليسوا أقل منها بل هم مائة ألف حقيقة، أو يزيدون عليها. فهذا تحقيق للمخبر به لا شك و[لا] [¬٦] تردد [¬٧]، فإن هذا ممتنع هاهنا، وهكذا هذه الآية: ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَينِ أَوْ أَدْنَى﴾.\nوهذا الذي قلناه من أن هذا المقترب [¬٨] الداني الذي صار بينه وبين محمد ﷺ إنما هو جبريل ﵇ هو قول أُم المؤمنين عائشة، وابن مسعود، وأبي ذر، وأبي هريرة، كما سنورد أحاديثهم قريبًا إن شاء الله.\nوروى مسلم في صحيحه، عن ابن عباس أنه قال: \"رأى محمد ربه بفؤاده مرتين\" (^١٤).\n_________\n(^١٣) - أخرجه الحاكم (٢/ ٥٣٩). وأبو نعيم في دلائل النبوة (٣٨٩ - ٣٩٢). قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي. وحسنه الحافظ ابن حجر في الفتح (٤/ ٣٩).\n(^١٤) - أخرجه مسلم في كتاب: الإيمان، باب: معنى قول الله ﷿: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾، حديث (٢٨٥/ ١٧٦).\n_________\n[¬١]- سقط من خ.\n[¬٢]- سقط من ت.\n[¬٣]- في ت، خ: ففضخ.\n[¬٤]- في ز: أو.\n[¬٥]- في ز، خ: بأكثر.\n[¬٦]- بياض في ز.\n[¬٧]- في ز، خ: ترديد.\n[¬٨]- في ز، خ: القرب.","vol":"13","page":254},{"text":"فجعل هذه إحداهما [¬١]. وجاء في حديث شريك بن أبي نمر، عن أنس في حديث الإِسراء: \"ثم دنا الجبار رب العزة فتدلى\" (^١٥). ولهذا تكلم كثير [¬٢] من الناس في متن هذه الرواية، وذكروا أشياء فيها من الغرابة، فإن صح فهو محمول على وقت آخر وقصة أخرى، لا أنها تفسير لهذه الآية، فإن هذه كانت ورسول الله ﷺ في الأرض لا ليلة الإِسراء، ولهذا قال بعده: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى﴾، فهذه هي ليلة الإِسراء، والأولى كانت في الأرض.\nوقد قال ابن جرير: حدثنا محمد بن عبد، الملك بن أبي الشوارب، حدثنا عبد الواحد بن زياد، حدثنا سليمان الشيباني، حدثنا زر بن حبيش قال: قال عبد الله بن مسعود في هده الآية: ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَينِ أَوْ أَدْنَى﴾، قال: قال رسول الله ﷺ: \"رأيت جبربل له ستمائة جناح\" (^١٦).\nوقال ابن وهب: حدثنا ابن لَهيعة، عن أبي الأسود، عن عروة، عن عائشة قالت: كان أولَ شأن رسول الله، ﷺ، أنه رأى في منامه جبريل بأجياد، ثم إنه خرج ليقضي حاجته فصرخ به جبربل: يا محمد. يا محمد، فنظر رسول الله، ﷺ، يمينًا وشمالًا فلم ير شيئًا - ثلاثًا - ثم رفع بصره فإذا هو ثان [¬٣] إحدى رجليه مع الأخرى على أفق السماء فقال: يا محمد، جبريل جبريلُ - يُسَكنه - فهرب النبي، ﷺ، حتى دخل في الناس، فنظر فلم ير شيئًا، ثم خرج بن الناس، ثم نظر فرآه، فدخل في الناس فلم ير شيئًا، ثم خرج فنظر فرآه، فدلك قول الله ﷿: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾. إلى قوله: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى﴾؛ يعني جبريل إلى محمد، ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَينِ أَوْ أَدْنَى﴾. ويقولون القاب نصف الأصبع. وقال بعضهم: ذراعين كان بينهما (^١٧). رواه ابن جرير. وابن أبي حاتم، من حديث ابن وهب. وفي حديث الزهري، عن أبي سلمة، عن جابر شاهد لهذا.\n_________\n(^١٥) - تقدم تخريجه في أوائل سورة الإسراء.\n(^١٦) - أخرجه الطبري (٢٧/ ٤٥). وإسناده صحيح. وقد تقدم تخريجه من طريق عبد الواحد بين زياد في الصحيحين قبل هذا الحديث بأربعة أحاديث.\n(^١٧) - أخرجه الطبري (٢٧/ ٤٩).\nوعبد الله بين وهب قد روى عن ابن لهيعة قبل الاختلاط، غير أن سفيان بن وكيع لا يعتد بروايته وهو شيخ الطبري.\n_________\n[¬١]- في ز: أحدهما.\n[¬٢]- في خ: بعض.\n[¬٣]- في ز: ثاني رجليه.","vol":"13","page":255},{"text":"[وروى البخاري عن طلق بن غنام، عن زائدة، عن الشيباني قال: سألت زرًّا عن قوله: ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَينِ أَوْ أَدْنَى (٩) فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾، قال: حدثنا عبد الله أن محمدًا ﷺ رأى جبريل له ستمائة جناح (^١٨).\nوقال ابن جرير: حدثني ابن بزيع البغدادي، حدثنا إسحاق بن منصور، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن عبد الله: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾، قال: رأى رسول الله، ﷺ، جبريل عليه حلتا رفرفٍ قد ملأ ما بين السماء والأرض] [¬١] (^١٩). فعلى ما ذكرناه يكون قوله: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ [مَا أَوْحَى﴾، معناه: فأوحى جبريل إلى عبد الله محمد ما أوحى، أو: فأوحى الله إلى عبده] [¬٢] محمد ما أوحى بواسطة جبريل. وكلا المعنيين صحيح. وقد ذكر عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾، قال: أوحى إليه: (ألم أجدك يتيمًا)، ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾.\nوقال غيره: أوحى إليه أن الجنة محرمة على الأنبياء حتى تدخلها، وعلى الأمم حتى تدخلها أمتك.\nوقوله: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (١١) أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى﴾. قال مسلم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا وكيع، حدثنا الأعمش، عن زياد بن حُصَين، عن أبي العالية، عن ابن عباس: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾، ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾، قال: رآه بفؤاده مرتين (^٢٠).\nوكذا رواه سماك عن عكرمة عن ابن عباس مثله. وكذا قال أبو صالح والسدي وغيرهما: انه رآه بفؤاده مرتين. [وقد خالفه ابن مسعود وغيره] [¬٣]، وفي رواية عنه أنه أطلق الرؤية، وهي مجمولة على المقيدة بالفؤاد. ومن روى عنه بالبصر فقد أغرب، فإنه لا يصح في ذلك شيء عن الصحابة ﵃. وقول البغوي في تفسيره: وذهب\n_________\n(^١٨) - أخرجه البخاري (٤٨٥٦، ٤٨٥٧)، ومسلم (٢٨٠ - ٢٨٢/ ١٧٤).\n(^١٩) - أخرجه الطبري (٢٧/ ٤٩)، وابن بزيع هو محمد بن عبد الله، وأخرجه البخاري من طريق آخر بنحوه في التفسير برقم (٤٨٥٨).\n(^٢٠) - أخرجه مسلم في كتاب: الإيمان، باب: قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ حديث (٢٨٥/ ١٧٦) (٣/ ١٠).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفين سقط من ز، خ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفين سقط من ز، خ.\n[¬٣]- ما بين المعكوفين سقط من ز. وبياض في خ.","vol":"13","page":256},{"text":"جماعة إلى آنه رآه بعينه -وهو قول أنس والحسن وعكرمة- فيه نظر، والله أعلم.\nوقال الترمذي: حدثنا محمد بن عمرو بن نَبْهان [¬١] بن صفوان، حدثنا يحيى بن كثير العنبري، عن سَلْم [¬٢] بن جعفر، عن الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: رأى محمد ربه! قلت: أليس الله يَقول: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾؟ قال: ويحك! ذاك إذا تَجَلّى بنوره الذي هو نوره وقد رأى ربه مرتين (^٢١).\nثم قال: \"حسن غريب\".\nوقال أيضًا: حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيان، عن مجالد، عن الشعبي قال: لقي ابن عباس كعبًا بعرفة [¬٣]، فسأله عن شيء فكَبّر [¬٤] حتى جاوبته الجبال، فقال ابن عباس: إنا بنو هاشم. فقال كعب: إن الله قسم رؤيته وكلامه بين محمد ومرسى، فكلم موسى مرتين ورآه محمد مرتين.\nوقال مسروق: دخلتُ على عائشة فقلت: هل رأى محمد ربه؟ فقالت: لقد تكلمت بشيء قَفّ له شعري. فقلت: رُوَيدًا! ثم قرأتُ: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾. فقالت: أين يُذهَبُ بك؟ إنما هو جبريل، من أخبرك أن محمدًا رأى ربه أو [¬٥] كتم شيئًا مما [أمر به] [¬٦]، [أو يعدم الخمس التي] [¬٧] [] [¬٨] قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيثَ …﴾ الآيات [¬٩]. فقد أعظم الفرية، [ولكنه رأى] [¬١٠] [] [¬١١] جبريل، لم يره في صورته إلا مرتين، مرة عند سدرة المنتهى ومرة في جيَاد، وله ستمائة جناح قد سد الأفق (^٢٢).\n_________\n(^٢١) - أخرجه الترمذي في كتاب: التفسير، باب: ومن سورة النجم، حديث (٣٢٧٥) (٩/ ٢٩).\nقال الترمذي: حديث حسن غريب، قلت: في إسناده محمد بن عمرو بن نبهان، قال الحافظ: مقبول. والحديث ضعفه الألباني في ضعيف سنن الترمذي (٦٤٧ - ٣٥١٠).\n(^٢٢) - أخرجه الترمذي في كتاب: تفسير القرآن، باب: ومن سورة النجم، حديث (٣٢٧٤) (٩/ ٢٨). وفي إسناده مجالد ليس بالقوي وقد تغير في آخر عمره. وابن أبي عمر هو محمد بن يحيى بن أبي عمر قال الحافظ: صدوق لازم ابن عيينة لكن قال أبو حاتم: كانت فيه غفلة. وقد ورد عن عائشة في الصحيح نحو عجز هذا الحديث، وسيأتي بإذن الله.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: منهال.\n[¬٢]- في ز، خ: مسلم.\n[¬٣]- في ز، خ: فعرفه.\n[¬٤]- في ز: قلت.\n[¬٥]- في ز، خ: و.\n[¬٦]- في خ: أمره.\n[¬٧]- ما بين المعكوفين بياض في ز، خ.\n[¬٨]- ما بين المعكوفين في ز، خ: لكن.\n[¬٩]- سقط من ز، خ.\n[¬١٠]- بياض في ز، خ.\n[¬١١]- في ز، خ: التي.","vol":"13","page":257},{"text":"وقال النسائي: حدثنا إسحاق بن إبراهيم، حدثنا معاذ بن هشام، حدثني أبي، عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: أتعجبون أن تكون الخلَّة [¬١] لإبراهيم، والكلام لموسى، والرؤية لمحمد ﵈؟! (^٢٣).\nوفي صحيح مسلم، عن أبي ذر قال: سألت رسول الله ﵌: هل رأيتَ ربك؟ فقال: \"نور أنَّى أراه\" (^٢٤). وفي رواية: \"رأيت نورًا\" (^٢٥).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو [¬٢] خالد، عن موسى بن عبيدة، عن محمد بن كعب قال: قالوا: يا رسول الله، رأيت ربك؟ قال: \"رأيته بفؤادي مرتين\" ثم قرأ: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ (^٢٦).\nورواه ابن جرير عن ابن حميد عن مهران عن موسى بن عبيدة عن محمد بن كعب، عن بعض أصحاب النبي ﷺ قال: قلنا: يا رسول الله، هل رأيت ربك؟ قال: \"لم أره بعيني، ورأيته بفؤادي مرتين\". ثم تلا: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى﴾ (^٢٧).\nثم قال ابن أبي حاتم: وحدثنا الحسن بن محمد بن الصباح، حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري، أخبرني عَبَّاد بن منصور قال: سألت عكرمة: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾؟ فقال عكرمة: تريد أن أخبرك أنه قد رآه؟ قلت: نعم. قال: قد رآه، ثم قد رآه. قال [¬٣]: فسألت عنه الحسن فقال: قد [¬٤] رأى جلاله وعظمته ورداءه (^٢٨).\n_________\n(^٢٣) - أخرجه النسائي في \"الكبرى\" في كتاب: التفسير، باب: قوله تعالى: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ حديث (١١٥٣٩) (٦/ ٤٧٢)، وابن أبي عاصم في السنة (١/ ١٩٢ / ٤٤٢)، وابن خزيمة في التوحيد (١٩٧)، وعبد الله بن أحمد في السنة. والآجري في الشريعة، والحاكم في المستدرك (٢/ ٤٦٩)، وابن منده (٧٦٢) واللالكائي (٩٠٥).\n(^٢٤) - أخرجه مسلم في كتاب: الإيمان، باب: قوله ﵇: \"نور أنى أراه\" حديث (٢٩١/ ١٧٨) (٣/ ١٥).\n(^٢٥) - أخرجه مسلم في الموضع السابق (٢٩٢/ ١٧٨) (٣/ ١٦).\n(^٢٦) - في إسناده موسى بن عبيدة وهو ضعيف.\n(^٢٧) - وأخرجه الطبري (٢٧/ ٤٩ - ٥٠).\n(^٢٨) - إن كان محمد بن عبد الله الأنصاري هو ابن زيد فقد كذبوه وإلا فإسناده صحيح إلى عكرمة.\nورواه ابن جرير الطبري من حديث خلاد بن أسلم قال: أخبرني النضر بن شميل قال: أخبرني عباد بن منصور … فذكره دون ذكر الحسن.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: الحكمة.\n[¬٢]- في ز: ابن.\n[¬٣]- سقط من خ.\n[¬٤]- سقط من ز، ت.","vol":"13","page":258},{"text":"وحدثنا أبي، حدثنا محمد بن مجاهد، حدثنا أبو عامر العَقَدي، أخبرنا أبو خلدة، عن أبي العالية قال: سُئِل رسولُ الله ﷺ: هل رأيت ربك؟ قال: \"رأيت نهرًا، ورأيت وراء النهر حجابًا، ورأيت وراء الحجاب نورًا لم أر غير ذلك [¬١] \".\nوذلك [¬٢] غريب جدًّا، فأمَّا الحديث الذي رواه الإمام أحمد:\nحدثنا أسود بن عامر، حدثنا حماد بن سلمة، عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: \"رأيت ربي ﷿\" (^٢٩). فإنه حديث إسناده على شرط الصحيح، لكنه مختصر من حديث المنام، كما رواه الإمام أحمد أيضًا:\nحدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن ابن عباس أن رسول الله، ﷺ، قال: \"أتاني ربي الليلة في أحسن صورة - أحسبه يعني في النوم - فقال: يا محمد، أتدري فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قال: قلت: لا. فوضع يده بين كتفي حتى وجدت بَرْدَها بين ثدييّ -أو قال: نحري - فعلمت ما في السماوات وما في الأرض، ثم قال: يا محمد، هل تدري فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قال: قلت: نعم، يختصمون في الكفارات والدرجات [¬٣]. قال: وما الكفارات والدرجات قال: قلت: المكث [¬٤] في المساجد بعد الصلوات، والمشي على الأقدام إلى الجمعات [¬٥]، وإبلاغ الوضوء في المكاره. من فعل ذلك عاش بخير ومات بخير، وكان من خطيئته كيوم ولدته أمه. وقال: قل يا محمد إذا صليت: اللهم، إني أسألك الخيرات، وترك المنكرات، وحب المساكين، وإذا أردت بعبادك فتنة أن تقبضني إليك غير مفتون. قال: والدرجات بذلُ الطعام، وإفشاء السلام، والصلاة بالليل والناس نيام\" (^٣٠). وقد تقدم في آخر سورة \"ص\" عن معاذ نحوه. وقد رواه ابن جرير من وجه آخر عن ابن عباس، وفيه سياق آخر وزيادة غريبة فقال:\nحدثني أحمد بن عيسى التميمي، حدثني سليمان بن عمر بن سيار [¬٦]، حدثني أبي،\n_________\n(^٢٩) - أخرجه أحمد (١/ ٢٨٥) (٢٥٨٠) وصححه الشيخ أحمد شاكر في تعليقاته على المسند، والشيخ الألباني في كتاب السنة لابن أبي عاصم (٤٦٩).\n(^٣٠) - أخرجه أحمد (١/ ٣٦٨) (٣٤٨٤) وصحح إسناده الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على المسند، والشيخ الألباني في تعليقاته على السنة برقم (٣٨٨).\n_________\n[¬١]- سقط من ت، خ.\n[¬٢]- سقط من ز.\n[¬٣]- سقط من ز، خ.\n[¬٤]- في ز، خ: الكثرة.\n[¬٥]- في ز، خ: الجماعات.\n[¬٦]- في خ: يسار.","vol":"13","page":259},{"text":"عن سعيد بن زربى [¬١]، عن عمر بن سليمان، عن عطاء، عن ابن عباس قال: قال النبي ﷺ: \"رأيت ربي في أحسن صورة فقال لي: يا محمد، هل تدري فيم يختصم الملأ الأعلى؟ فقلت: لا، يا رب. فوضع يده بين كتفي فوجدت بَرْدَها بين ثدييّ، فعلمت ما في السماوات والأرض، فقلت: يا رب، في الدرجات والكفارات، ونقل الأقدام إلى الجماعات [¬٢] وانتظار الصلاة بعد الصلاة. فقلت: يا رب؛ إنك اتخذت إبراهيم خليلًا، وكلمتَ موسى تكليمًا، وفعلت وفعلت. فقال: ألم أشرح لك صدرك؟ ألم أضع عنك وزرك؟ ألم أفعل بك؟ ألم أفعل؟ قال: فأفضى إليَّ بأشياء لم يؤذن لي أن أحدثكموها. قال: فذاك قوله في كتابه: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨) فَكَانَ قَابَ قَوْسَينِ أَوْ أَدْنَى (٩) فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (١٠) مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾، فجُعل نور بصري في فؤادي، فنظرت إليه بفؤادي\" (^٣١). إسناده [¬٣] ضعيف.\nوقد ذكر الحافظ ابن عساكر بسنده إلى هبار بن الأسود ﵁: أن عتبة [¬٤] ابن أبي لهب لما خرج في تجارة إلى الشام قال لأهل مكة: اعلموا أني كافر بالذي دنا فتدلى. فبلغ قولُه رسول الله، ﷺ، فقال: \"سَلَّط الله عليه كلبًا من كلابه\". قال هبار: فكنت معهم، فنزلنا بأرض كثيرة الأسد، قال: فلقد رأيت الأسد جاء فجعل يَشُمَّ رءوس القوم واحدًا واحدًا، حتى تخطى إلى عتبة فاقتطع رأسه من بينهم (^٣٢).\nوذكر ابن [¬٥] إسحاق وغيره في السيرة: أن ذلك كان بأرض الزرقاء، وقيل بالشراة، وأنه خاف [¬٦] ليلتئذ، وأنهم جعلوه بينهم وناموا من حوله، فجاء الأسد فجعل يزأر، ثم تخطاهم إليه فضغم رأسه، لعنه الله.\nوقوله: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (١٤) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى﴾، هذه هي المرة الثانية التي رأى رسول الله ﷺ فيها جبريل على صورته التي خلقه الله عليها، وكانت ليلة الإسراء. [وقد] [¬٧] قدمنا الأحاديث الواردة في الإسراء بطرقها وألفاظها في أول سورة \"سبحان\" بما أغنى عن إعادته هاهنا، وتقدم أن ابن عباس ﵄\n_________\n(^٣١) - أخرجه الطبري (٢٧/ ٤٨)، وفي إسناده سعيد بن زربي، منكر الحديث.\n(^٣٢) - تقدم تخريجه قريبًا وهو حديث حسن؛ حسنه الحافظ ابن حجر في الفتح.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: زرعي.\n[¬٢]- في ت: الجمعات.\n[¬٣]- في ت: إسناد.\n[¬٤]- في ز: عيينة.\n[¬٥]- في خ: ابن أبي.\n[¬٦]- في ز، خ: كان.\n[¬٧]- في خ: و.","vol":"13","page":260},{"text":"كان يثبت الرؤية ليلة الإسراء، ويستشهد بهذه الآية. وتابعه جماعة من السلف والخلف، وقد خالفه جماعات من الصحابة ﵃ والتابعين وغيرهم.\nوقال الإمام أحمد: حدثنا حسن بن موسى، حدثنا حماد بن سلمة، عن عاصم بن [¬١] بهدلة، عن زرّ بن حُبَيش، عن ابن مسعود في هذه الآية: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى﴾، قال: قال رسول الله ﷺ: \"رأيت جبريل وله ستمائة جناح، ينتثر من ريشه التهاويل: الدر والياقوت\" (^٣٣). وهذا إسناد جيد قوي.\nوقال أحمد أيضًا: حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا شريك، عن جامع بن أبي راشد، عن أبي وائل، عن عبد الله قال: رأى رسول الله ﷺ جبريل في صورته وله ستمائة جناح، كل جناح منها قد سد الأفق، يسقط من جناحه من التهاويل والدر والياقوت ما الله به عليم (^٣٤). إسناده حسن أيضًا.\nوقال أحمد أيضًا: حدثنا زيد بن الحباب، حدثني حسين، حدثني عاصم بن بهدلة قال: سمعت شقيق [¬٢] بن سلمة يقول: سمعت ابن مسعود يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسليم: \"رأيت جبريل على سدرة [¬٣] المنتهى، وله ستمائة جناح\". سألت عاصمًا عن الأجنحة؟ فأبى أن يخبرني. قال: فأخبرني بعض أصحابه أن الجناح ما بين المشرق والمغرب (^٣٥). وهذا أيضًا إسناد جيد.\nوقال أحمد: حدثنا زيد بن الحباب، حدثني حسين، حدثني حصين [¬٤] حدثني شقيق [¬٥] قال: سمعت ابن مسعود، يقول: قال رسول الله ﷺ: \"أتانى جبريل ﵇ في خُضر [¬٦] معلق به الدر\" (^٣٦). إسناده جيد أيضًا.\nوقال الإمام أحمد: حدثنا يحيى، عن إسماعيل، حدثنا عامر قال: أتى مسروقٌ عائشة فقال: يا أم المؤمنين، هل رأى محمد ﷺ ربه ﷿؟ قالت: سبحان الله! لقد قَفَّ شعري لما قلت، أين أنت من ثلاث من حَدَّثكَهُنَّ فقد كذب: من\n_________\n(^٣٣) - أخرجه أحمد (١/ ٤٦١) (٤٣٩٦). وصححه أحمد شاكر في المسند.\n(^٣٤) - ذكره ابن حجر في \"أطراف المسند\" (٤/ ١٥٨).\n(^٣٥) - أخرجه أحمد (١/ ٤٠٧) (٣٨٦٢) وصححه أحمد شاكر.\n(^٣٦) - أخرجه أحمد (١/ ٤٠٧) وصححه أحمد شاكر أيضًا.\n_________\n[¬١]- في خ: عن.\n[¬٢]- في ز، خ: منصور.\n[¬٣]- في ز: السدرة.\n[¬٤]- في ت: عاصم بن بهداة.\n[¬٥]- في ر، خ: سفيان.\n[¬٦]- في ز: حصر.","vol":"13","page":261},{"text":"حدثك أن محمدًا رأى ربه فقد كذب، ثم قرأت: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾، ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾، ومن أخبرك أنه يعلم ما في غد فقد كذب، ثم قرأت: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ﴾ .. الآية. ومن أخبرك أن محمدًا قد كتم، فقد كذب، ثم قرأت: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيكَ مِنْ رَبِّكَ﴾. ولكنه رأى جبريل [في صورته] [¬١] مرتين (^٣٧).\nوقال أحمد أيضًا: حدثنا محمد بن أبي عدي، عن داود، عن الشعبي، عن مسروق قال: كنت عند عائشة فقلت: أليس الله يقول: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ﴾، ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾؟ فقالت: أنا أول هذه الأمة [¬٢] سأل [¬٣] رسولَ الله، ﷺ، عنها، فقال: \"إنما ذاك جبربل\". لم يره في صورته التي خلق عليها إلا مرتين، رآه منهبطًا من السماء إلى الأرض، سادًّا عُظْمُ خلقه ما بين السماء والأرض (^٣٨). أخرجاه في الصحيحين من حديث الشعبي به (^٣٩).\n(رواية أبي ذر) قال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا همام، حدثنا قتادة، عن عبد الله بن شقيق قال: قلت لأبي ذر: لو رأيتُ رسول الله ﷺ لسألته. قال: وما كنت تسأله؟ قال: كنت أسأله: هل رأى ربه ﷿؟ فقال: إني قد سألته فقال: \"قد رأيته نورًا أنَّى أراه\" (^٤٠).\nهكذا وقع في رواية الإمام أحمد، وقد أخرجه مسلم من طريقين بلفظين فقال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا وكيع، عن يزيد بن إبراهيم، عن قتادة، عن عبد الله بن شقيق، عن أبي ذر قال: سألت رسول الله ﷺ: هل رأيت ربك؟ فقال:\n_________\n(^٣٧) - أخرجه أحمد (٦/ ٤٩) برقم (٢٤٣٣٨)، وهو عند البخاري برقم (٤٨٥٥) (٦/ ٦٠٦).\n(^٣٨) - أخرجه أحمد (٦/ ٢٤٠) برقم (٢٦١٤٩).\n(^٣٩) - أخرجه البخاري في كتاب: التوحيد، باب: قول الله تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيبِهِ أَحَدًا﴾ حديث (٧٣٨٠) (١٣/ ٣٦١). وباب: قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ حديث (٧٥٣١) (١٣/ ٥٠٣) مقطعًا. ومسلم في كتاب: الإيمان، باب: معنى قول الله ﷿: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ حديث (٢٨٧/ ١٧٧) (١/ ١٣ - ١٢).\n(^٤٠) - أخرجه أحمد (٥/ ١٤٧) (٢١٣٩٣) وهو عند مسلم من طريق عفان بهذا الإسناد بلفظ: \"رأيت نورًا\" ولم يزد (٢٩٢/ ١٧٨).\n_________\n[¬١]- سقط من خ.\n[¬٢]- في ز، خ: الآية.\n[¬٣]- في خ: سألت.","vol":"13","page":262},{"text":"\"نور أنَّى أراه\" (^٤١).\nوقال: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا معاذ بن هشام، حدثنا أبي، عن قتادة، عن عبد الله بن شقيق قال: قلت لأبي ذر: لو رأيت رسول الله ﷺ لسألته. فقال: عن أي شيء كنت تسأله؟ قال: قلت: كنت أسأله: هل رأيت ربك؟ قال أبو ذر: قد سألت؛ فقال: \"رأيت نورًا\" (^٤٢).\nوقد حكى الخلال في علله أن الإمام أحمد سئل عن هذا الحديث؟ فقال: ما زلتُ منكرًا له، وما أدرى ما وجهه.\nوقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عمرو بن عون الواسطي، أخبرنا هشيم، عن منصور، عن الحكم، عن إبراهيم، عن أبيه، عن أبي ذر قال: رآه بقلبه، ولم يره بعينه (^٤٣).\nوحاول ابن خزَيمة أن يدعى انقطاعه بين عبد الله بن شقيق وبين أبي ذر، وأما ابن الجوزي فتأوله على أن أبا ذر لعله سأل رسول الله، ﷺ، قبل الإسراء، فأجابه بما أجابه به، ولو سأله بعد الإسراء لأجابه بالإثبات. وهذا ضعيف جدًّا، فإن [¬١] عائشة أم المؤمنين ﵂ قد سألت عن ذلك بعد الإسراء، ولم يثبت لها الرؤية.\nومن قال: إنه خاطبها على قدر عقلها، أو حاول تخطئتها فيما ذهبت إليه - كابن خُزيمة في \"كتاب التوحيد\" - فإنه هو المخطئ، والله أعلم.\nوقال النسائي: حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا هشام، عن منصور، عن الحكم، عن يزيد بن شريك، عن أبي ذر قال: رأى رسول الله ﷺ ربه بقلبه، ولم يره ببصره (^٤٤).\nوقد ثبت في صحيح مسلم، عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن علي بن مُسْهر، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء بن أبي رباح، عن أبي هريرة ﵁ أنه قال\n_________\n(^٤١) - أخرجه مسلم (٢٩١/ ١٧٨) (٣/ ١٥).\n(^٤٢) - أخرجه مسلم (٢٩٢/ ١٧٨) (٣/ ٩٦).\n(^٤٣) - في إسناده هشيم وهو ثقة إلا أنه كثير التدليس وقد عنعن.\n(^٤٤) - أخرجه النسائي في الكبرى في كتاب: التفسير، باب: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ حديث (١١٥٣٦) (٦/ ٤٧٢). وفي إسناده هشيم ذكره ابن حجر في الطبقة الثالثة من المدلسين وقد عنعن، وبقية رجال الإسناد ثقات.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: قالت.","vol":"13","page":263},{"text":"في قوله: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾، قال: رأى جبريل ﵇ (^٤٥).\nوقال مجاهد في قوله: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾، قال: رأى رسول الله ﷺ جبريل في صورته مرتين. وكذا قال قتادة والربيع بن أنس وغيرهم.\nوقوله تعالى: ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى﴾، قد تقدم في أحاديث الإسراء أنه غشيتها الملائكة مثل الغِربان، وغشيها نور الرب، وغشيها ألوان ما أدرى ما هي؟\nوقال الإمام أحمد: حدثنا مالك بن مغْوَل، حدثنا الزبير بن عدي، عن طلحة، عن مرة، عن عبد الله -هو ابن مسعود- قال: لما أسري برسول الله ﷺ انتهي به إلى سدرة المنتهى، وهي في السماء السابعة [¬١]، إليها ينتهي ما يعرج به من الأرض فيقبض [¬٢] منها، وإليها ينتهي ما يهبط [¬٣] به من فوقها فيقبض منها، ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى﴾، قال: فراش من ذهب. قال: وأعطي رسول الله ﷺ ثلاثًا [¬٤]: أعطي الصلوات الخمس، وأُعطيَ خواتيم سورة البقرة، وغُفر لمن لا يشرك بالله شيئًا من أمته المقحمات (^٤٦). انفرد له مسلم.\nوقال أبو جعفر الرازي، عن الربيع، عن أبي العالية، عن أبي هريرة أو غيره - شك أبو جعفر - قال: لما أُسري برسول الله انتهى إلى السدرة، فقيل له: هذه السدرة، فغشيها نور الخلاق وغشيتها الملائكة مثل الغربان حين يقعن على الشجر [¬٥]، قال: فكلمه عند ذلك فقال له: سل … إلخ [¬٦] (^٤٧).\nوقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى﴾، قال: كان أغصان السدرة لؤلؤًا وياقوتًا وزبرجدًا، فرآها محمد، ورأى ربه بقلبه.\nوقال ابن زيد: قيل: يا رسول الله، أي شيء رأيت يغشى تلك السدرة؟ قال: \"رأيت يغشاها فراش من ذهب، ورأيت على كل ورقة من ورقها مَلَكًا قائمًا يسبح الله\n_________\n(^٤٥) - أخرجه مسلم في كتاب: الإيمان، باب: معنى قول الله ﷿: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾، حديث (٢٨٣/ ١٧٥) (٣/ ٩).\n(^٤٦) - أخرجه أحمد (١/ ٤٢٢)، ومسلم في كتاب: الإيمان، باب: في ذكر سدرة المنتهى، حديث (٢٧٩/ ١٧٣) (٣/ ٣ - ٤).\n(^٤٧) - أبو جعفر الرازي: سيئ الحفظ.\n_________\n[¬١]- في خ: السادسة.\n[¬٢]- في خ: فتفيض.\n[¬٣]- في خ: يقبض.\n[¬٤]- في خ: صلبا.\n[¬٥]- في خ: الشجرة.\n[¬٦]- سقط من ز، خ.","vol":"13","page":264},{"text":"﷿، (^٤٨).\nوقوله: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾، قال ابن عباس: ما ذهب يمينًا ولا شمالًا، ﴿وَمَا طَغَى﴾: ما جاوز ما أمر به.\nوهذه صفة عظيمة في الثبات والطاعة، فإنه ما فعل إلا ما أمر به، ولا سأل فوق ما أعطى. وما أحسن ما قال الناظم:\nرأى جنة المأوى وما فوقها ولو … رأى غيره ما قد رآه لتاها\nوقوله: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾، كقوله: ﴿لِنُرِيَهُ [¬١] مِنْ آيَاتِنَا﴾، أي: الدالة على قدرتنا وعظمتنا. وبهاتين الآيتين استدل من ذهب من أهل السنة أن الرؤية تلك الليلة لم تقع، لأنه قال: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾، ولو كان رأى ربه لأخبر بذلك ولقال ذلك للناس، وقد تقدم تقرير ذلك في سورة \"سبحان\". و[قد] [¬٢] قال الإمام أحمد:\nحدثنا أبو النضر، حدثنا محمد بن طلحة، عن الوليد بن قيس، عن إسحاق بن أبي الكَهْتَلَة [¬٣]- قال محمد: أظنه عن ابن مسعود - أنه قال: إن محمدًا لم ير جبريل في صورته إلا مرتين، أما مرة فإنه سأله أن يُريه نفسه في صورته، فأراه صورته فسد الأفق. وأما الأخرى فإنه صَعد معه حين صعد به.\nوقوله: ﴿وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى (٧) ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨) فَكَانَ قَابَ قَوْسَينِ أَوْ أَدْنَى (٩) فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾. قال [¬٤]: فلما أحس [¬٥] جبريل ربه ﷿ عاد في صورته وسجد، فقوله: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (١٤) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى (١٥) إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى (١٦) مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (١٧) لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾، قال: خَلْقَ جبريل ﵇ (^٤٩). هكذا رواه الإمام أحمد وهو غريب.\n_________\n(^٤٨) - تقدم تخريج أحاديث المعراج في أول سورة الإسراء.\n(^٤٩) - أخرجه أحمد (١/ ٤٠٧) (٣٨٦٤) وفي إسناده إسحاق بن أبي الكهتلة، قال ابن حجر في التعجيل (٢٩): قال البخاري: حديثه في الكوفيين، ولم يذكر فيه جرحًا، وتبعه ابن أبي حاتم، وذكره ابن حبان في الثقات.\n_________\n[¬١]- في ت، خ: لنريك.\n[¬٢]- سقط من ز، خ.\n[¬٣]- في ز: الكهيلة.\n[¬٤]- سقط من خ.\n[¬٥]- في ز، خ: أخبر.","vol":"13","page":265},{"text":"﴿أَفَرَأَيتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (٢٠) أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (٢١) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى (٢٢) إِنْ هِيَ إلا أَسْمَاءٌ سَمَّيتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إلا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى (٢٣) أَمْ لِلْإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى (٢٤) فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولَى (٢٥) وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيئًا إلا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى (٢٦) إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلَائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثَى (٢٧)﴾\nيقول تعالى مُقَرِّعًا للمشركين في عبادتهم الأصنام والأنداد والأوثان، واتخاذهم لها البيوت مضاهاة [¬١] للكعبة التي بناها خليل الرحمن ﵇: ﴿أَفَرَأَيتُمُ اللَّاتَ﴾، وكانت \"اللات\" صخرةً بيضاء منقوشة وعليها بيت بالطائف له أستار وسَدَنة، وحوله فناء معظَّم عند أهل الطائف، وهم ثقيف ومن تابعها يفتخرون بها على من عداهم من أحياء العرب بعد قريش.\nقال ابن جرير: وكانوا قد اشتقوا اسمها من اسم الله، فقالوا: اللات، يعنون مؤنثة منه، تعالى الله عن قولهم علوًّا كبيرًا. وحكي عن ابن عباس، ومجاهد، والربيع بن أنس: أنهم قرءوا: (اللاتّ) بتشديد التاء، وفسروه بأنه كان رجلًا يلت للحجيج في الجاهلية السويق، فلما مات عكفوا على قبره فعبدوه.\nوقال البخاري: حدثنا مسلم -هو ابن إبراهيم- حدثنا أبو الأشهب، حدثنا أبو الجوزاء، عن ابن عباس [عن] [¬٢]: ﴿اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾، قال: كان اللات رجلًا يلت السويق سويق الحاج (^٥٠).\nقال ابن جرير: وكذا العُزَّى من العزيز. وكانت شجرة عليها بناء وأستار بنخلة، وهي بين مكة والطائف، كانت قريش يعظمونها كما قال أبو سفيان يوم أحد: لنا العزى ولا عزى لكم. فقال رسول الله ﷺ: \"قولوا: الله [¬٣] مولانا ولا مولى\n_________\n(^٥٠) - أخرجه البخاري في كتاب: التفسير، باب: ﴿أَفَرَأَيتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾، حديث (٤٨٥٩) (٨/ ٦١١).\n_________\n[¬١]- في ز: مطاهاو. كذا.\n[¬٢]- سقط من ت.\n[¬٣]- سقط من ز.","vol":"13","page":266},{"text":"لكم\" (^٥١).\nوروى البخاري من حديث الزهري، عن حُمَيد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"من حلف فقال في حلفه: واللات والعزى فليقل: لا إله إلا الله. ومن قال لصاحبه: تعال أُقامِرْك فليتصدق\" (^٥٢).\nوهذا محمول على من سبق لسانه إلى [¬١] ذلك، كما كانت ألسنتهم قد اعتادته في زمن الجاهلية، كما قال النسائي: أخبرنا أحمد بن بكار وعبد الحميد بن محمد قالا: حدثنا مَخْلد، حدثنا يونس [¬٢]، عن أبيه: حدثني مصعب بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه قال: حلفت باللات والعزى، فقال لي أصحابي: بئس ما قلت! قلت هجرًا. فأتيت رسول الله ﷺ فذكرت ذلك له، فقال: \"قل: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير. وانفث عن شمالك ثلاثًا، وتعوَّذ بالله من الشيطان الرجيم، ثم لا تعد\" (^٥٣).\nوأما مناة فكانت بالمُشَلَّل [¬٣]- عند قُدَيد، بين مكة والمدينة - وكانت خزاعة والأوس والخزرج في جاهليتها يعظمونها، و[¬٤] يهلون منها للحج إلى الكعبة. وروى البخاري عن عائشة نحوه (^٥٤). وقد كانت بجزيرة العرب وغيرها طواغيت أُخَر تعظمها العرب كتعظيم الكعبة غير [¬٥] هذه الثلاثة التي نص عليها في كتابه العزيز، وإنما أفرد هذه بالذكر لأنها أشهر\n_________\n(^٥١) - أخرجه البخاري بطوله في كتاب المغازي باب: غزوة أحد، حديث (٤٠٤٣) (٧/ ٣٤٩ - ٣٥٠).\n(^٥٢) - أخرجه البخاري في كتاب: التفسير، باب: ﴿أَفَرَأَيتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾ حديث (٤٨٦٠) (٨/ ٦١١).\n(^٥٣) - أخرجه النسائي (٧/ ٨) في كتاب: الإيمان والنذور، باب: الحلف باللات والعزى، من طريق عبد الحميد بن محمد. وفي الكبرى في كتاب: عمل اليوم والليلة، باب: ما يقول من حلف باللات والعزى، حديث (١٠٨٢٦) (٦/ ٢٤٥ - ٢٤٦). وفيه يونس بن أبي إسحاق. قال الذهبي: قال ابن مهدي: لم يكن به بأس. وقال أبو حاتم: صدوق، لا يحتج به. وقال النسائي: ليس به بأس. وقال ابن خراش: في حديثه لين. وقال ابن حزم: ضعفه يحيى بن القطان وأحمد بن حنبل جدًّا. قلت -أي الذهبي-: بل هو صدوق ما به بأس، ما هو في قوة مسعر ولا شعبة. وعن يحيى بن سعيد: فيه غفلة.\nوقال أحمد: حديثه مضطرب. وعن ابن معين: ثقة. (ميزان الاعتدال ٦/ ١٥٦ - ١٥٧).\n(^٥٤) - أخرجه البخاري في كتاب: التفسير، باب: ﴿وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾، حديث (٤٨٦١) (٨/ ٦١٣).\n_________\n[¬١]- في ت: في.\n[¬٢]- في ز: قريش.\n[¬٣]- في ز: بالسلل. وفي خ: بالسكك.\n[¬٤]- سقط من ت.\n[¬٥]- في ز، خ: عن.","vol":"13","page":267},{"text":"من غيرها.\nقال ابن إسحاق في السيرة: وقد كانت العرب اتخذت مع الكعبة طواغيت، وهي بيوت تعظمها كتعظيم الكعبة، لها [¬١] سدنة وحجاب، وتهدي لها كما يهدى للكعبة، وتطوف بها كطَوفَانِها بها، وتنحر عندها، وهي تعرف فضل الكعبة عليها، لأنها كانت قد عرفت أنها بيت إبراهيم ﵇ ومسجده. فكانت لقريش وبني كنانة العُزَّى بنخلة، وكانت سدنتها وحجابها بني شيبان من سليم حلفاء بني هاشم.\nقلت: بعث إليها رسول الله، ﷺ، خالد بن الوليد فهدمها، وجعل يقول:\nيا عز، كفرانك لا سبحانك … إني رأيت الله قد أهانك.\nوقال النسائي: أخبرنا علي بن المنذر، أخبرنا ابن فُضيل، حدثنا الوليد بن جُمَيع، عن أبي الطفيل قال: لما فتح رسول الله ﷺ مكة بعث خالد بن الوليد إلى نخلة، وكانت بها العزى، فأتاها خالد وكانت على ثلاث سَمُرات، ففطع السَّمرات، وهدم البيت الذي كان عليها. ثم أتى النبي ﷺ فأخبره، فقال: \"ارجع فإنك لم تصنع شيئًا\". فرجع خالد، فلما أبصرته السدنة - وهم حَجَبتها - أمعنوا في الحيَل [¬٢] وهم يقولون: يا عزى، يا عزى. فأتاها [¬٣] خالد فإذا امرأة عريانة ناشرة شعرها تحفن التراب على رأسها، فغمسها بالسيف حتى قتلها. ثم رجع إلى رسول الله، ﷺ، فأخبره، فقال: \"تلك العزى\" (^٥٥).\nقال ابن إسحاق: وكانت اللات لثقيف بالطائف، وكان سدنتها وحجابها بني معتَّب.\nقلت: وقد بعث إليها رسول الله ﷺ المغيرة بن شعبة وأبا سفيان صخر بن حرب، فهدماها وجعلا مكانها مسجد الطائف.\nقال ابن إسحاق: وكانت مناة للأوس والخزرج ومن دان بدينهم من أهل يثرب على ساحل البحر من ناحية المشُلّل بقديد، فبعث رسول الله ﷺ أبا سفيان صخر [¬٤] بن حرب فهدمها. ويقال: علي بن أبي طالب. قال: وكانت ذو الخلصة [¬٥]\n_________\n(^٥٥) - أخرجه النسائي في الكبرى في كتاب التفسير، باب: قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾، حديث (١١٥٤٧) (٦/ ٤٧٤) ورجاله وثقوا.\n_________\n[¬١]- في ت: بها.\n[¬٢]- في خ: الجبل.\n[¬٣]- في ز: فأتاه.\n[¬٤]- سقط من ز، خ.\n[¬٥]- في خ: لحصة.","vol":"13","page":268},{"text":"لدوس، وخثعم، وبجيلة، ومن كان ببلادهم من العرب بتبالة. قلت: وكان يقال لها: الكعبة اليمانية، وللكعبة التي بمكة: الكعبة الشامية.\nفبعث إليه رسول الله، ﷺ، جرير بن عبد الله البجلي فهدمه.\nقال: وكانت فلس [¬١] لطيئ ولمن يليها بجبلي [¬٢] طيئ من سلمى وأجاء.\nقال ابن هشام:. فحدثني بعض أهل العلم أن رسول الله ﷺ بعث إليه علي بن أبي طالب فهدمه، واصطفى منه سيفين: [الرسُوب] [¬٣] والمخْذَم، فنفَّله إياهما رسول الله ﷺ فهما [¬٤] سيفا علي.\nقال ابن إسحاق: وكان لحمير وأهل اليمن بيت بصنعاء يقال له: رئام، وذكر أنه كان به كلب أسود، وأن الحبرين اللذين ذهبا مع تبع [¬٥] استخرجاه وقتلاه، وهدما البيت.\nقال ابن إسحاق: وكانت \"رُضاء\" بيتًا لبني ربيعة بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم، ولها يقول المستوغر [¬٦] بن ربيعة بن كعب بن سعد حين هدمها في الإسلام:\nولقد شددت على رضاء شدة … فتركتها قفرًا بقاع أسحما\nقال ابن هشام: يقال [¬٧]: إنه عاش ثلاثمائة وثلاثين سنة، وهو القائل:\nوَلَقَدْ سَئِمْتُ مِنَ الحَيَاةِ وَطُولهَا … وَعُمِّرْتُ مِن عَدَد السِّنِينَ مِئِينَا\nمائةً حَدَتْها بَعْدَها مِئَتَان لي … وازْدَدتُ [¬٨] من عدد الشهور سنينًا\nهل ما بقي إلا كَمَا قَدْ فَاتَنَا … يَومٌ يَمُرّ وَليلَةٌ تحْدُونَا\nقال ابن إسحاق: وكان ذو الكعبات لبكر وتغلب ابني وائل، وإياد بسنداد وله يقول أعشى بني قيس بن ثعلبة:\nبين الخورنق والسدير وبارق … والبيت ذي الكعبات من [¬٩] سنداد\nولهذا قال: ﴿أَفَرَأَيتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾؟.\nثم قال: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى﴾؟: أتجعلون له ولدًا، وتجعلون ولده أنثى،\n_________\n[¬١]- في خ: قلس. وكذا في البداية [٢/ ٢٤٢].\n[¬٢]- في خ: بجبل.\n[¬٣]- في. ز، خ: الرسوف.\n[¬٤]- في ز: لهما.\n[¬٥]- بياض في ز، خ.\n[¬٦]- في ز، خ: المستوعد.\n[¬٧]- سقط من ت.\n[¬٨]- في ز، خ: وعمرت.\n[¬٩]- في ز: في.","vol":"13","page":269},{"text":"وتختارون لأنفسكم الذكور، فلو اقتسمتم أنتم ومخلوق مثلكم هذه القسمة لكانت ﴿قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾، أي: جورًا باطلة، فكيف تقاسمون ربكم هذه القسمة التي لو كانت بين مخلوقين كانت جورًا وسفهًا.\nثم قال منكرًا عليهم فيما ابتدعوه وأحدثوه من الكذب والافتراء والكفر، من عبادة الأصنام وتسميتها آلهة: ﴿إِنْ هِيَ إلا أَسْمَاءٌ سَمَّيتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ﴾، أي: من تلقاء أنفسكم، ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾، أي: من حجة، ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إلا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ﴾، أي: ليس لهم مستند إلا حسن ظنهم بآبائهم الذين سلكوا هذا المسلك الباطل قبلهم، وإلا حظ نفوسهم في رياستهم وتعظيم آبائهم الأقدمين، ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾، أي: ولقد أرسل الله إليهم الرسل بالحق المنير والحجة القاطعة، ومع هذا ما اتبعوا ما جاءوهم به، ولا انقادوا له.\nثم قال: ﴿أَمْ لِلْإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى﴾ أي: ليس كل من تمنى خيرًا حصل له، ﴿لَيسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ ما كل من زعم أنه مهتد يكون كما قال، ولا كل من ودَّ شيئًا يحصل له.\nقال الإمام أحمد: حدثنا إسحاق، حدثنا أبو عَوَانة، عن عمر بن أبي سلمة، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"إذا تمنى أحدكم فلينظر ما تمنى [¬١]، فإنه لا يدري ما يكتب له من أمنيته\" (^٥٦) تفرد به أحمد.\nوقوله: ﴿فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولَى﴾، أي: إنما الأمر كله لله، مالك الدنيا والآخرة، والمتصرف في الدنيا والآخرة، فهو الذي ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن.\nوقوله: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيئًا إلا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾، كقوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلا بِإِذْنِهِ﴾ ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إلا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾، فإذا كان هذا في حق الملائكة المقربين، فكيف ترجون أيها الجاهلون شفاعة هذه الأصنام والأنداد عند الله، وهو لم يشرع عبادتها ولا أذن فيها، بل قد نهى عنها على ألسنة جميع رسله، وأنزل بالنهي عن ذلك جميع كتبه؟!\n_________\n(^٥٦) - أخرجه أحمد (٢/ ٣٥٧). وفي إسناده عمر بن أبي سلمة، وهو ابن عبد الرحمن، قال: ابن الجوزي في \"الضعفاء والمتروكين\" (٢/ ٢١٠): ضعفه شعبة ويحيى. وقال الرازي: لا يحتج به. وقال النسائي: ليس بالقوي. والحديث ضعفه الشيخ الألباني في الضعيفة برقم (٢٢٥٥).\n_________\n[¬١]- في ت: يتمنى.","vol":"13","page":270},{"text":"﴿وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إلا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيئًا (٢٨) فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إلا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٢٩) ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى (٣٠)﴾\nيقول تعالى منكرًا على المشركين في تسميتهم الملائكة تسمية الأنثى، وجعلهم لها أنها بنات الله كما قال: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ﴾. ولهذا قال: ﴿وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ﴾ أي: ليس لهم علم صحيح يُصَدِّق ما قالوه، بل هو كذب وزور وافتراء وكفر شنيع. ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إلا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيئًا﴾، أي: لا يجدي شيئًا، ولا يقوم أبدًا مقام الحق. وقد ثبت في الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: \"إياكم والظن! فإن الظن أكذب الحديث\" (^٥٧).\nوقوله: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا﴾، أي: أعرض عن الذي أعرض [¬١] عن الحق واهجره.\nوقوله: ﴿وَلَمْ يُرِدْ إلا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾، أي: وإنما أكثر همه ومبلغ علمه الدنيا، فذلك [¬٢] هو غاية ما لا خير فيه. ولذلك قال: ﴿ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾، أي: طلب الدنيا والسعي لها هو غاية ما وصلوا إليه. وقد روى الإمام أحمد عن أم المؤمنين عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ: \"الدنيا دار من لا دار له، ومال من لا مال له، ولها يجمع من لا عقل له\" (^٥٨). وفي الدعاء المأثور: \"اللَّهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا\" (^٥٩).\n_________\n(^٥٧) - أخرجه البخاري في كتاب: الأدب، باب: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا﴾ حديث (٦٠٦٦). ومسلم في كتاب: البر والصلة والآداب، باب: تحريم الظن والتجسس والتنافس والتناجش ونحوها، حديث (٢٨/ ٢٥٦٣) (١٦/ ١٧٩). كلاهما من حديث أبي هريرة.\n(^٥٨) - أخرجه أحمد (٦/ ٧١). وذكره الهيثمي في \"المجمع\" (١٠/ ٢٩١) وقال: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح غير دويد وهو ثقة. وضعفه الألباني في الضعيفة (١٩٣٣)، ونقل عن ابن قدامة في المنتخب أنه قال: هذا حديث منكر. ونقل العراقي في تخريج الإحياء (٤/ ١٨٥٨) قول المنذري بأن إسناده جيد.\n(^٥٩) - أخرجه الترمذي في كتاب: الدعوات، باب: الدعاء حين يقوم من مجلسه، حديث (٣٤٩٧) (٩/ ١٦٩ - ١٧٠). وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي (٢٧٨٨ - ٣٧٥٨).\n_________\n[¬١]- في خ: تولى.\n[¬٢]- في ز: فذاك.","vol":"13","page":271},{"text":"وقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى﴾، أي: هو الخالق لجميع المخلوقات، والعالم بمصالح عباده، وهو الذي يهدى من يشاء، ويضل من يشاء، وذلك كله عن قدرته وعلمه وحكمته، وهو العادل الذي لا يجور أبدًا، لا في شرعه ولا في قَدَره.\n﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى (٣١) الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إلا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى (٣٢)﴾\nيخبر تعالى أنه مالك السماوات والأرض، وأنه الغني عما سواه، الحاكم في خلقه بالعدل، وخَلَق الخلق بالحق، ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾، أي: يجازي كلًّا بعمله، إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر، ثم فسر المحسنين بأنهم ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ﴾ أي: لا يتعاطون المحرمات والكبائر وإن وقع منهم بعض الصغائر فإنه يغفر لهم ويستر عليهم، كما قال في الآية الأخرى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾. وقال هاهنا: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إلا اللَّمَمَ﴾. وهذا استثناء منقطع؛ لأن اللمم من صغائر الذنوب ومحقرات الأعمال.\nقال الإِمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن ابن طاوس، [عن أبيه، عن ابن عباس قال: ما رأيت شيئًا أشبَهَ باللمَم مما قال أبو هريرة عن النبي ﷺ] [¬١] قال: \"إن الله تعالى كتب على ابن آدم حظه من الزنا، أدرك ذلك لا محالة، فزنا العين النظر، وزنا اللسان النطق، والنفس تَمَنَّى وتشتهي، والفرج يُصَدِّق ذلك أو يكذبه\" (^٦٠).\nأخرجاه في الصحيحين من حديث عبد الرزاق به (^٦١).\n_________\n(^٦٠) - أخرجه أحمد (٢/ ٣١٧ - ٣٧٩).\n(^٦١) - أخرجه البخاري في كتاب: الاستئذان، باب: زنا الجوارح دون الفرج، (٦٣٤٣) (١١/ ٢٦).\nومسلم في كتاب: القدر، باب: قدر على ابن آدم حظه من الزنى وغيره (٢٠/ ٢٦٥٧) (١٦/ ٣١٥).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفين سقط من ز، خ.","vol":"13","page":272},{"text":"وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن ثور، حدثنا معمر، عن الأعمش، عن أبي الضحى: أن ابن مسعود قال: \"زنا العينين النظر، وزنا الشفتين التقبيل، وزنا اليدين البطش، وزنا الرجلين المشي، ويصدِّق ذلك الفرجُ أو يكَذِّبه، فإن تقدم بفرجه كان زانيًا، وإلا فهو اللمم\" (^٦٢) وكذا قال مسروق والشعبي، وقال عبد الرحمن بن نافع - الذي يقال له [¬١]: ابن لبابة [¬٢] الطائفي - قال: سألت أبا هريرة عن قول الله: ﴿إلا اللَّمَمَ﴾؟ قال: القبلة، والغمزة، والنظرة، والمباشرة، فإذا مس الختان الختان فقد وجب الغسل، وهو الزنا.\nوقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿إلا اللَّمَمَ﴾ إلا ما سلف. وكذا قال زيد بن أسلم.\nوقال ابن جرير: حدثنا ابن المثنى [¬٣]، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن منصور، عن مجاهد أنه قال: في هذه الآية: ﴿إلا اللَّمَمَ﴾، قال: الذي يلم بالذنب ثم يدعُه، قال الشاعر:\nإن تغفر اللهم تغفر جمّا … وأي عبد لك ما ألمّا (^٦٣)\nوقال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد في قول الله: ﴿إلا اللَّمَمَ﴾، قال: الرجل يلمّ بالذنب ثم ينزع عنه. قال: وكان أهل الجاهلية يطوفون بالبيت وهم يقولون:\nإن [تغفر اللَّهم تغفر] [¬٤] جمّا … وأي عبد لك ما ألمّا (^٦٤)\nوقد رواه ابن جرير وغيره مرفوعًا. قال ابن جرير: حدثني سليمان بن عبد الجبار، حدثنا أبو عاصم، حدثنا زكريا بن إسحاق، عن عمرو بن دينار، عن عطاء، عن ابن عباس: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إلا اللَّمَمَ﴾، قال: هو الرجل يلم بالفاحشة ثم يتوب.\nوقال: قال رسول الله ﷺ:\n_________\n(^٦٢) - تفسير الطبري (٢٧/ ٦٥).\n(^٦٣) - تفسير الطبري (٢٧/ ٦٦).\n(^٦٤) - تفسير الطبري (٢٧/ ٦٧).\n_________\n[¬١]- سقط من ت.\n[¬٢]- في ز: لبانة.\n[¬٣]- في ز: عيسى. وبعده في خ: ثنا ابن عيسى.\n[¬٤]- في ز: \"يغفر الله يغفر\".","vol":"13","page":273},{"text":"إن تغفر اللهم تغفر جمّا … وأي عبد لك ما ألمّا (^٦٥)\nوهكذا رواه الترمذي، عن أحمد بن عثمان أبي عثمان البصري، عن أبي عاصم النبيل (^٦٦). ثم قال: هذا حديث حسن صحيح غريب، لا نعرفه إلا من حديث زكريا بن إسحاق. وكذا قال البزار: لا نعلمه يُروى متصلًا إلا من هذا الوجه. وساقه ابن أبي حاتم والبغوي من حديث أبي عاصم النبيل. وإنما ذكره البغوي في تفسير [¬١] \"سورة تنزيل\"، وفي صحته مرفوعًا - نظر.\nثم قال ابن جرير: حدثنا محمد بن عبد الله بن بزيع، حدثنا يزيد بن زُرَيع، حدثنا يونس، عن الحسن، عن أبي هريرة - أراه رفعه -: [] [¬٢] ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إلا اللَّمَمَ﴾، قال: اللمَّةُ [¬٣] من الزنا ثم [¬٤] يتوب ولا يعود، واللمة من السرقة ثم يتوب ولا يعود، واللمة من شرب الخمر ثم يتوب ولا يعود، قال: ذلك الإلمام (^٦٧).\nوحدثنا ابن بشار، حدثنا ابن أبي عَديّ، عن عوف، عن الحسن في قول الله: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إلا اللَّمَمَ﴾، قال: اللمم من الزنا أو السرقة أو شرب الخمر، ثم لا يعود (^٦٨).\nوحدثني يعقوب، حدثنا ابن علية، عن أبي رجاء، عن الحسن في قول الله: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إلا اللَّمَمَ﴾، قال: كان أصحاب رسول الله ﷺ يقولون: هو الرجل يصيب اللمة من الزنا، واللمة من شرب الخمر، فيجتنبها ويتوب منها (^٦٩).\nوقال ابن جرير [¬٥]، عن عطاء، عن ابن عباس: ﴿إلا اللَّمَمَ﴾: يلم بها في الحين.\n_________\n(^٦٥) - تفسير الطبري (٢٧/ ٦٦).\n(^٦٦) - أخرجه الترمذي في كتاب: تفسير القرآن، باب: ومن سورة النجم، حديث (٣٢٨٠) (٩/ ٣١). وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي برقم (٢٦١٨).\n(^٦٧) - تفسير الطبري (٢٧/ ٦٦ - ٦٧) وفيه انقطاع بين الحسن وأبي هريرة. وقد ورد في الطبري: حدثني محمد بن عبد الله بن بزيع، قال: ثنا يونس، وقد أثبت ابن كثير هنا يزيد بن زريع بين ابن بزيع ويونس.\n(^٦٨) - تفسير الطبري (٢٧/ ٦٧).\n(^٦٩) - تفسير الطبري (٢٧/ ٦٧).\n_________\n[¬١]- سقط من ز، خ.\n[¬٢]- في ز: إن.\n[¬٣]- في خ: اللمم.\n[¬٤]- سقط من خ. وفي ز: من.\n[¬٥]- في ز، خ: جريج.","vol":"13","page":274},{"text":"قلت: الزنا؟ قال: الزنا ثم يتوب.\nوقال ابن جرير أيضًا: حدثنا أبو كريب، حدثنا ابن عيينة، عن عمرو، عن عطاء، عن ابن عباس قال: اللمم: الذي يلم المرَّةَ (^٧٠).\nوقال السدى: قال أبو صالح: سُئِلتُ عن اللمم؟ فقلت: هو الرجل يصيب الذنب ثم يتوب. وأخبرتُ بذلك ابن عباس فقال: لقد أعانك عليها مَلَك كريم. حكاه البغوي.\nوروى ابن جرير من طريق المثنى بن الصباح - وهو ضعيف - عن عمرو بن شعيب: أن عبد الله بن عمرو [¬١] قال: اللمم: ما دون الشرك (^٧١).\nوقال سفيان الثوري، عن جابر الجُعفي، عن عطاء، عن ابن الزبير: ﴿إلا اللَّمَمَ﴾، قال: ما بين الحدين: حد الدنيا [¬٢] وعذاب الآخرة، وكذا رواه شعبة عن الحكم عن ابن عباس مثله سواء.\nوقال العوفي، عن ابن عباس في قوله: ﴿إلا اللَّمَمَ﴾: كل شيء بين الحدين: حد الدنيا وحد الآخرة، تكفره [¬٣] الصلوات، وهو اللمم، وهو دون كل موجب، فأما حد الدنيا فكل حد فرض الله عقوبته في الدنيا، وأما حد الآخرة فكل شيء ختمه الله بالنار، وأخر عقوبته إلى الآخرة. وكذا قال عكرمة وقتادة والضحاك.\nوقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾، أي رحمته وَسعَت كل شيء، ومغفرته تَسَع الذنوب كلها لمن تاب منها، كقوله: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾.\nوقوله: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾، أي: هو بصير بكم، عليم بأحوالكم وأفعالكم وأقوالكم [التي تصدر] [¬٤] عنكم [¬٥] وتقع منكم، حين أنشأ أباكم آدم من الأرض، واستخرج ذريته من صلبه أمثال الذرّ، ثم قسمهم فريقين: فريقًا للجنة، وفريقًا للسعير. وكذا قوله: ﴿وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾: قد كتب الملك الذي يُوكَّل به رزقَه وأجلَه وعمله، وشقي أم سعيد.\n_________\n(^٧٠) - تفسير الطبري (٢٧/ ٦٧).\n(^٧١) - تفسير الطبري (٢٧/ ٦٧) والمثنى بن الصباح ضعيف اختلط بآخره وكان عائدًا كما في التقريب.\n_________\n[¬١]- في خ: عمر.\n[¬٢]- في ز، خ: الزنا.\n[¬٣]- في ز: تكفرها.\n[¬٤]- في ز، خ: الذي يقدر.\n[¬٥]- في خ: منكم.","vol":"13","page":275},{"text":"قال مكحول: كنا أجنة في بطون أمهاتنا، فسقط منا من سقط، وكنا فيمن بقي، ثم كنا مراضع فهلك منا من هلك، وكنا فيمن لقي، ثم صرنا يفَعة، فهلك منا من هلك. وكنا فيمن بقي ثم صرنا شبابًا فهلك منا من هلك. وكنا فيمن بقي ثم صرنا شيوخًا - لا أبا لك - فماذا بعد هذا ننتظر [¬١]؟ رواه ابن أبي حاتم عنه.\nوقوله: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ﴾، أي: تمدحوها وتشكروها و[¬٢] تمنوا بأعمالكم، ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾. كما قال: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾.\nوقال مسلم في صحيحه: حدثنا عَمرو الناقد، حدثنا هاشم بن القاسم، حدثنا الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن محمد بن عمرو بن عطاء قال: سميتُ ابنتي بَرَّةَ، فقالت لي زينب بنت أبي سلمة: إن رسول الله ﷺ نهى عن هذا الاسم، وسُميت بَرّة فقال رسول الله ﷺ: \"لا تزكوا أنفسكم، إن الله أعلم بأهل البر منكم\". فقالوا: بم نسميها؟ قال: \"سموها زينب\" (^٧٢) وقد ثبت أيضًا في الحديث الذي رواه الإمام أحمد حيث قال: حدثنا عفان، حدثنا وُهيب [¬٣]، حدثنا خالد الحذاء، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه قال: مدح رجل رجلًا عند النبي ﷺ فقال رسول الله ﷺ: \"ويلك [¬٤]! قطعتَ عنق صاحبك - مرارًا - إذا كان أحدكم مادحًا صاحبه لا محالة فليقل: أحسب فلانًا، والله حسيبه، ولا أزكي على الله أحدًا، أحسبه كذا وكذا، إن كان يعلم ذلك\" (^٧٣).\nثم رواه عن [غندر عن] [¬٥] شعبة عن خالد الحذاء به (^٧٤). [وكذا رواه البخاري، وأبو داود، وابن ماجة، من طرق، عن خالد الحذاء، به] [¬٦] (^٧٥).\n_________\n(^٧٢) - صحيح مسلم في كتاب: الآداب، باب: استحباب تغيير الاسم القبيح إلى حسن، حديث (١٩/ ٢١٤٢) (١٤/ ١٧١).\n(^٧٣) - مسند أحمد (٥/ ٤٦) (٢٥١٧).\n(^٧٤) - المسند (٥/ ٤١) (٢٠٤٧٥).\n(^٧٥) - صحيح البخاري في كتاب: الشهادات، باب: إذا زكى رجل رجلًا كفاه، حديث (٢٦٦٢) (٥/ ٢٧٤). ومسلم في كتاب: الزهد والرقائق، باب: النهي عن المدح إذا كان فيه إفراط، حديث =\n_________\n[¬١]- في خ: أنتظر.\n[¬٢]- سقط من ز.\n[¬٣]- في ز، خ: وهب.\n[¬٤]- سقط من ز، خ.\n[¬٥]- ما بين المعكوفين في خ: \"عبيد عن\". وفي ز: \"عبيد وعن\".\n[¬٦]- سقط من ز، خ.","vol":"13","page":276},{"text":"وقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، وعبد الرحمن قالا: حدثنا سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، عن همام بن الحارث قال: جاء رجل إلى عثمانَ فأثنى عليه في وجهه، قال: فجعل المقداد بن الأسود يحثو في وجهه التراب ويقول: أمَرَنا رسولُ الله ﷺ إذا لقينا المداحين أن نحثوَ في وجوههم التراب (^٧٦).\nورواه مسلم وأبو داود من حديث الثوري عن منصور به (^٧٧).\n﴿أَفَرَأَيتَ الَّذِي تَوَلَّى (٣٣) وَأَعْطَى قَلِيلًا وَأَكْدَى (٣٤) أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيبِ فَهُوَ يَرَى (٣٥) أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى (٣٦) وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (٣٧) أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وزْرَ أُخْرَى (٣٨) وَأَنْ لَيسَ لِلْإِنْسَانِ إلا مَا سَعَى (٣٩) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (٤٠) ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى (٤١)﴾\nيقول تعالى ذامًّا لمن تولَّى عن طاعة الله: ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى (٣١) وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾، ﴿وَأَعْطَى قَلِيلًا وَأَكْدَى﴾ قال ابن عباس: أطاع قليلًا ثم قطعه. وكذا قال مجاهد، وسعيد بن جبير، وعكرمة، وقتادة، وغير واحد.\nقال عكرمة، وسعيد: كمثل القوم إذا كانوا يحفرون بئرًا، فيجدون في أثناء الحفر صخرةً تمنعهم من تمام العمل، فيقولون: أكدينا، ويتركون العمل.\nوقوله: ﴿أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيبِ فَهُوَ يَرَى﴾ أي: أعند هذا الذي قد أمسك يده خشية الإنفاق، وقطع معروفه، أعنده علم الغيب أنه سينفد ما في يده، حتى قد أمسك عن معروفه، فهو يرى ذلك عيانًا؟! أي: ليس الأمر كذلك، وإنما أمسك عن الصدقة والمعروف والبر والصلة بخلًا وشحًّا وهلعًا؛ ولهذا جاء في الحديث: \"أنفق بلال [¬١] ولا\n_________\n= (٦٥، ٦٦/ ٣٠٠٠) (١٨/ ١٧١ - ١٧٢). وأبو داود في كتاب: الأدب، باب: في كراهية التمادح، حديث (٤٨٠٥) (٤/ ٢٥٤). وابن ماجة في كتاب الأدب، باب: المدح، حديث (٣٧٤٤) (٢/ ١٢٣٢).\n(^٧٦) - المسند (٦/ ٥) (٢٣٩٣٩). وإسناده رجاله ثقات.\n(^٧٧) - صحيح مسلم في كتاب: الزهد والرقائق، باب: النهي عن المدح إذا كان فيه إفراط، حديث (٦٩ م / ٣٠٠٢) (١٨/ ١٧٣ - ١٧٤). وأبو داود في كتاب: الأدب، باب: في كراهية التمادح، حديث (٤٨٠٤) (٤/ ٢٥٤).\n_________\n[¬١]- في ت، خ: بلالًا.","vol":"13","page":277},{"text":"تخش [¬١] من ذي العرش إقلالًا\" (^٧٨) وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيرُ الرَّازِقِينَ﴾.\nوقوله: ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى (٣٦) وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾، قال سعيد بن جبير، والثوري: أي بَلَغ جميع ما أمر به.\nوقال ابن عباس: ﴿وَفَّى﴾ لله [¬٢] بالبلاغ. وقال سعيد بن جُبيَر: ﴿وَفَّى﴾ ما أمر به. وقال قتادة: ﴿وَفَّى﴾ طاعة الله، وأدى رسالته إلى خلقه. وهذا القول هو اختيار ابن جرير، وهو يشمل الذي قبله، ويشهد له قوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَال إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾، فقام بجميع الأوامر، وترك جميع النواهي، وبَلّغ الرسالة على التمام والكمال، فاستحق بهذا أن يكون للناس إمامًا يُقْتَدى به في جميع أحواله وأفعاله وأقواله؛ قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَينَا إِلَيكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عوف الحمصي، حدثنا [] [¬٣] حدثنا آدم بن أبي إياس العسقلاني، حدثنا حماد بن سلمة، حدثنا جعفر بن الزبير، عن القاسم، عن أبي أمامة قال: تلا رسول الله ﷺ هذه الآية: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾، قال: \"أتدري [¬٤] ما وفى؟ \" قلت: الله ورسوله أعلم. قال: \"وَفَّى عمل يومه بأربع ركعات من أول النهار\".\nورواه ابن جرير من حديث جعفر بن الزبير وهو ضعيف (^٧٩).\n_________\n(^٧٨) أخرجه الطبراني في: الكبير (١/ ٣٤٠) (١٠٢٠)، والبزار كما في المختصر (٢/ ٤٩٣) (٢٢٧٨).\nكلاهما من طريق قيس بين الربيع عن أبي حصين عن يحيى بن وثاب عن مسروق عن عبد الله، .. فذكر الحديث. قال الهيثمي في \"المجمع\" (٣/ ١٢٩): رواه كله الطبراني في الكبير، وفيه قيس بين الربيع وثقه شعبة والثوري وفيه كلام. ا هـ. قال المنذري في \"الترغيب والترهيب\" (١/ ٥١): رواه البزار بإسناد حسن.\nوأخرجه الطبراني في الكبير (١/ ٣٤١ - ٣٤٢) (١٠٢٤)، وأبو يعلى (١٠/ ٤٢٩) (٦٠٤٠)، والبزار (٢/ ٤٩٤) (٢٢٨٠). كلهم من طريق محمد بن سيرين عن أبي هريرة. قال البزار: تفرد به مبارك وإسناده حسن. قال الهيثمي في \"المجمع\" (١٠/ ٢٤٤): رواه البزار وأبو يعلى والطبراني في الكبير والأوسط وإسناده حسن.\n(^٧٩) - تفسير الطبري (٢٧/ ٧٣).\n_________\n[¬١]- في ت: تخف.\n[¬٢]- في ز، خ: بينه.\n[¬٣]- بياض في ز، خ.\n[¬٤]- في ز، خ: أتدرون.","vol":"13","page":278},{"text":"وقال الترمذي في جامعه: حدثنا أبو جعفر السِّمناني، حدثنا أبو مسهر، حدثنا إسماعيل بن عياش، عن بَحير [¬١] بن سعد، عن خالد بن معدان، عن جبير بن نُفَير، عن أبي الدرداء و[¬٢] أبي ذر، عن رسول الله، ﷺ، عن الله ﷿ أنه قال: \"ابن آدم، اركع لي أربع ركعات من أول النهار، أكفك آخره\" (^٨٠).\nقال ابن أبي حاتم ﵀: حدثنا أبي، حدثنا الربيع بن سليمان، حدثنا أسد بن موسى، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا زبان [¬٣] بن فائد، عن سهل بن معاذ بن أنس، عن أبيه، عن رسول الله ﷺ أنه قال: \"ألا أخبركم لم سمى الله إبراهيم خليله الذي وفى؟ إنه كان يقول كلما أصبح وأمسى: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ \". حتى ختم الآية (^٨١). ورواه ابن جرير عن أبي كريب [عن رشدين بن سعد، عن زَبَّان به] [¬٤] (^٨٢).\nثم شرع تعالى يبين ما كان أوحاه في صحف إبراهيم وموسى فقال: ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وزْرَ أُخْرَى﴾، أي: كل نفس ظلمت نفسها بكفر أو شيء من الذنوب فإنما عليها وزرها، لا يحمله عنها أحد، كما قال: ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾، ﴿وَأَنْ لَيسَ لِلْإِنْسَانِ إلا مَا سَعَى﴾ أي: كما لا يحمل عليه وزر غيره، كذلك لا يحصل من الأجر إلا ما كسب هو لنفسه.\nومن هذه الآية الكريمة استنبط الشافعي ﵀ ومن اتبعه أن القراءة لا يصل إهداء ثوابها إلى الموتى، لأنه ليس من عملهم ولا كسبهم. ولهذا لم يندب إليه رسول الله ﷺ أمته ولا حَثّهم عليه، ولا أرشدهم إليه بنص ولا إيماء، ولم ينقل ذلك عن أحد من الصحابة ﵃ ولو كان خيرًا لسبقونا إليه، وباب القربات يقتصر فيه على النصوص، ولا يتصرف فيه بأنواع الأقيسة والآراء، فأما الدعاء والصدقة فذاك مجمع على وصولهما، ومنصوص من الشارع عليهما.\n_________\n(^٨٠) - أخرجه الترمذي في كتاب: الصلاة، باب: ما جاء في صلاة الضحى، حديث (٤٧٥) (٢/ ١١٥). وإسناده رجاله ثقات. وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي برقم (٣٩٥ - ٤٧٨).\n(^٨١) - في إسناده زبان بن فائد وهو ضعيف وكذا ابن لهيعة. وأسد بن موسى: صدوق يغرب وفيه نصب.\n(^٨٢) - تفسير الطبري (٢٧/ ٧٣) وفي إسناده رشدين بن سعد وهو ضعيف في زبان، وزبان ضعيف.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: يحيى.\n[¬٢]- في ز: أو.\n[¬٣]- في ز، خ: زياد.\n[¬٤]- بياض في ز، خ.","vol":"13","page":279},{"text":"وأما الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: من ولد صالح يدعو له، أو صدقة جارية من بعده، أو علم ينتفع به\" (^٨٣) فهذه الثلاثة في الحقيقة هي من سعيه وكده وعمله، كما جاء في الحديث: \"إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه، وإن ولده من كسبه\" (^٨٤). والصدقة الجارية كالوقف ونحوه هي من آثار عمله ووقفه، وقد قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ … الآية. والعلم الذي نشره في الناس فاقتدى به الناس بعده، هو أيضًا من سعيه وعمله، وثبت في الصحيح: \"من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه، من غير أن يَنقُص من أجورهم شيئًا\" (^٨٥)\nوقوله: ﴿وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى﴾، أي: يوم القيامة كما قال تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، أي: فيخبركم به، ويجزيكم عليه أتم الجزاء، إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر. وهكذا [¬١] قال هاهنا: ﴿ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى﴾، أي: الأوفر.\n﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى (٤٢) وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى (٤٣) وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا (٤٤) وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَينِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٤٥) مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى (٤٦) وَأَنَّ عَلَيهِ\n_________\n(^٨٣) - صحيح مسلم كتاب: الوصية، باب: ما يلحق الإنسان من الثواب بعد وفاته، حديث (١٤/ ١٦٣١) (١١/ ١٢٢).\n(^٨٤) - أخرجه أبو داود في كتاب: البيوع، باب: في الرجل يأكل من مال ولده، حديث (٣٥٢٨، ٣٥٢٩) (٣/ ٢٨٨ - ٢٨٩). والترمذي في كتاب الأحكام، باب: ما جاء أن الوالد يأخذ من مال ولده، حديث (١٣٥٨) (٥/ ٣٩). والنسائي (٧/ ٢٤١) كتاب: البيوع، باب: الحث على الكسب. وابن ماجة في كتاب: التجارات، باب: ما للرجل من مال ولده، حديث (٢٢٩٠) (٢/ ٧٦٩). كلهم من طريق عمارة بن عمير، عن عمته، عن عائشة ﵂. وأخرجه النسائي (٧/ ٢٤١) كتاب: البيوع، باب: الحث على الكسب. وابن ماجة في كتاب: التجارات، باب: الحث على المكاسب، حديث (٢١٣٧) (٢/ ٧٢٣). وأحمد (٦/ ٤٢). كلهم من طريق الأعمش عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة ﵂ به. وصححه الشيخ الألباني في الإرواء برقم (١٦٢٦).\n(^٨٥) - أخرجه مسلم في كتاب: العلم، باب: من سن سنة حسنة أو سيئة، حديث (١٦/ ٢٦٧٤) (١٦/ ٣٤٧) من حديث أبي هريرة ﵁.\n_________\n[¬١]- في خ: كما.","vol":"13","page":280},{"text":"النَّشْأَةَ الْأُخْرَى (٤٧) وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى (٤٨) وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى (٤٩) وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى (٥٠) وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى (٥١) وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى (٥٢) وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى (٥٣) فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى (٥٤) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى (٥٥)﴾\nيقول تعالى: ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى﴾ أي: المعاد يوم القيامة.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا سُويد بن سَعيد، حدثنا مسلم بن خالد، عن عبد الرحمن بن سابط، عن عمرو بن ميمون الأوْدي قال: قام فينا معاذ بن جبل فقال: يا بني أود، إني رسول رسول الله إليكم، تعلمون أن المعاد إلى الله، إلى الجنة أو إلى النار (^٨٦).\nوذكر البغوي من رواية أبي جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب، عن النبي ﷺ في قوله: ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى﴾، قال: \"لا فكرة في الرب\" (^٨٧).\nقال البغوي: وهذا مثلُ ما رُوي عن أبي هرَيرة مرفوعًا: \"تفكروا في الخلق ولا تفكروا في الخالق، فإنه لا تحيط به الفكرة\" (^٨٨).\nكذا أورده وليس بمحفوظ بهذا اللفظ، وإنما الذي في الصحيح: \"يأتي الشيطان أحدكم فيقول: من خلق كذا؟ من خلق كذا؟ حتى يقول: من خلق ربك؟ فإذا بلغ أحدكم ذلك فليستعذ بالله ولينته\". وفي الحديث الآخر الذي في السنن [¬١]: \"تفكروا في\n_________\n(^٨٦) - في إسناده سويد بن سعيد الهروي، صدوق في نفسه إلا أنه عمي فصار يتلقن ما ليس من حديثه فأفحش فيه ابن معين القول.\n(^٨٧) - أخرجه الدارقطني في الأفراد كما في فتح القدير (٥/ ١٣٩)، وأبو جعفر الرازي صدوق إلا أنه سيئ الحفظ، والربيع بن أنس صدوق له أوهام.\n(^٨٨) - ذكره العراقي في تخريج الإحياء (٦/ ٢٤٥٨) بنحو هذا في حديث طويل دون قوله: \"فإنه لا تحيط به الفكرة\" وعزاه إلى أبي الشيخ عن أبي هريرة ﵁ وبنحو ذلك أخرجه أبو الشيخ في العظمة (١/ ٢٠٩ - ٢١٦) من حديث ابن عمر وابن عباس وأبي ذر. قال السخاوي في المقاصد الحسنة: وهذه الأخبار أسانيدها ضعيفة لكن اجتماعها يكسب قوة، والمعنى صحيح، وفي صحيح مسلم من حديث=\n_________\n[¬١]- بياض في ز، خ.","vol":"13","page":281},{"text":"مخلوقات الله، ولا تفكروا في ذات الله، فإن الله خلق ملكًا ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرةُ ثلاثمائة سنة\"، أو كما قال (^٨٩).\nوقوله: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى﴾، أي: خلق في عباده الضحك والبكاء وسببهما وهما مختلفان، ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا﴾، كقوله: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ﴾. ﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَينِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٤٥) مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى﴾، كقوله: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (٣٦) أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى (٣٧) ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى (٣٨) فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَينِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٣٩) أَلَيسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾.\nوقوله: ﴿وَأَنَّ عَلَيهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى﴾، أي: كما خلق البداءة هو قادر على الإعادة، وهي النشأة الآخرة يوم القيامة ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى﴾، أي: مَلّك عباده المال، وجعله لهم قُنْيَةً مقيمًا عندهم، لا يحتاجون إلى بيعه، فهذا تمام النعمة عليهم. وعلى هذا يدور كلام كثير من المفسرين، منهم أبو صالح، وابن جرير، وغيرهما.\nوعن مجاهد: ﴿أَغْنَى﴾: مَوّل، ﴿وَأَقْنَى﴾: أخدم. وكذا قال قتادة.\nوقال ابن عباس، ومجاهد أيضًا: ﴿أَغْنَى﴾ أعطى ﴿وَأَقْنَى﴾ رضى.\nوقيل: معناه أغنى نفسه وأفقر الخلائق إليه. قاله الحضرمي بن لاحق.\nوقيل: ﴿أَغْنَى﴾ من شاء من خلقه و﴿وَأَقْنَى﴾: أفقر من شاء منهم. قاله ابن زيد. حكاهما ابن جرير، وهما بعيدان من حيث اللفظ.\nوقوله: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى﴾، قال ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، وابن زيد وغيرهم: هو هذا النجم الوقاد الذي يقال له: \"مزْزَم الجوزاء\"، كانت طائفة من العرب يعبدونه.\n﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى﴾، وهم: قوم هود. ويقال لهم: عاد بن إرم بن سام بن نوح، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (٦) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (٧) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ﴾، فكانوا من أشد الناس وأقواهم وأعتاهم على الله وعلى رسوله، فأهلكهم الله ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ (٦) سَخَّرَهَا عَلَيهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾.\n_________\n= أبي هريرة ﵁ لا يزال الناس يتساءلون … فذكر الحديث التالي. وقد أورد الألباني في الصحيحة برقم (١٧٨٨) بلفظ: \"تفكروا في آلاء الله، ولا تفكروا في الله ﷿\".\n(^٨٩) - أخرجه مسلم في كتاب: الإيمان، باب: الوسوسة من الإيمان وما يقوله من وجدها، حديث (٢١٢ - ٢١٤/ ١٣٤) (٢/ ٢٠٢، ٢٠٣).","vol":"13","page":282},{"text":"وقوله: ﴿وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى﴾، أي: دمرهم فلم يبق منهم أحدا، ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ﴾، أي: من قبل هؤلاء ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى﴾، أي: أشد تمردًا من الذين من بعدهم، ﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى﴾، يعني: مدائن لوط، قلبها عليهم فجعل عاليها سافلها، وأمطر عليها [¬١] حجارة من سجيل منضو؛ ولهذا قال: ﴿فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى﴾، يعني من الحجارة التي أرسلها عليهم ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ﴾.\nقال قتادة: كان في مدائن لوط أربعة آلاف ألف إنسان فانضرم عليهم الوادي شيئًا من نار ونِفْط وقَطران كفم الأتّون. رواه ابن أبي حاتم، عن أبيه، عن محمد بن وهب بن عطية، عن الوليد بن مسلم، عن خليد، عنه، به. وهو غريب جدًّا.\n﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى﴾ أي: ففي أي نعم الله عليك أبها الإنسان تمتري؟ قاله قتادة.\nوقال ابن جريج [¬٢]: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى﴾؟ يا محمد. والأول [¬٣] أولى، وهو اختيار ابن جرير.\n﴿هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى (٥٦) أَزِفَتِ الْآزِفَةُ (٥٧) لَيسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ (٥٨) أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ (٥٩) وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ (٦٠) وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ (٦١) فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا (٦٢)﴾\n﴿هَذَا نَذِيرٌ﴾. يعني: محمدًا ﷺ ﴿مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى﴾، أي: من جنسهم، أرسل كما أرسلوا، كما قال تعالى: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ ﴿أَزِفَتِ الْآزِفَةُ﴾، أي: اقتربت القريبة، وهي القيامة، ﴿لَيسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾، أي: لا يدفعها إذًا [من دون] [¬٤] الله أحد، ولا يطلع على علمها سواه.\nثم [¬٥] قال تعالى منكرًا على المشركين في استماعهم القرآن وإعراضهم عنه وتلهيهم: ﴿تَعْجَبُونَ﴾ من أن يكون صحيحًا، ﴿وَتَضْحَكُونَ﴾ منه استهزاء وسخرية، ﴿وَلَا تَبْكُونَ﴾، أي: كما يفعل الموقنون به، كما أخبر عنهم [¬٦]: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾.\n_________\n[¬١]- في خ: عليهم.\n[¬٢]- في ز، خ: جرير.\n[¬٣]- في ز: والأولى.\n[¬٤]- بياض في ز، خ.\n[¬٥]- في ز، خ: كما.\n[¬٦]- في ز: عنه.","vol":"13","page":283},{"text":"وقوله: ﴿وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ﴾ قال سفيان الثوري عن أبيه عن ابن عباس قال: الغناء هي [يمانية اسمد لنا: غنّ لنا] [¬١]. وكذا قال عكرمة.\nوفي رواية عن ابن عباس: ﴿سَامِدُونَ﴾: معرضون. وكذا قال مجاهد، وعكرمة. وقال الحسن: غافلون. وهو رواية عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب. وفي رواية عن ابن عباس: تستكبرون. وبه يقول السدى [¬٢].\nثم قال آمرًا لعباده بالسجود له، والعبادة [والمتابعة] [¬٣] لرسوله، ﷺ، والتوحيد والإخلاص: ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا﴾، أي: فاخضعوا له وأخلصوا ووحدوا.\nقال البخاري: حدثنا أبو معمر، حدثنا عبد الوارث، حدثنا أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: سجد النبي ﷺ بالنجم، وسَجَد معه المسلمون والمشركون والجن والإنس (^٩٠). انفرد به دون مسلم.\nوقال الإمام أحمد: حدثنا إبراهيم بن خالد، حدثنا رباح، عن معمر، عن ابن طاوس، عن عكرمة بن خالد، عن جعفر بن المطلب بن أبي وَدَاعة، عن أبيه قال: قرأ رسول الله ﷺ بمكة سورة النجم، فسجد وسَجَد من عنده، فرفعتُ رأسي وأبيتُ أن أسجد، ولم يكن أسلم يومئذ المطلب، فكان بعد ذلك لا يسمع أحدًا يقرؤها إلا سجد معه (^٩١).\nوقد رواه النسائي في الصلاة، عن عبد الملك بن عبد الحميد، عن أحمد بن حنبل به (^٩٢).\n[آخر سورة النجم، ولله الحمد والمنة].\nذكر حديث له مناسبة بما تقدم من قوله تعالى: ﴿هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى (٥٦) أَزِفَتِ\n_________\n(^٩٠) - أخرجه البخاري في كتاب: التفسير، باب: ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا﴾، حديث (٤٨٦٢) (٨/ ٦١٤).\n(^٩١) - المسند (٦/ ٣٩٩) (٢٧٣٥٣) وإسناده رجاله ثقات، غير جعفر بن المطلب بن أبي وداعة قال الحافظ: مقبول، لكن رواه الإمام أحمد في الحديث الذي يلي هذا عن المطلب دون ذكر جعفر، وانظر الحديث التالي.\n(^٩٢) - وأخرجه النسائي (٢/ ١٦٠) في سجود القرآن، باب: السجود في ﴿وَالنَّجْمِ﴾ من طريق جعفر، وحسنه الألباني في صحيح سنن النسائي برقم (٩١٨).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"ثمانية اشهر لنا يغن لنا\".\n[¬٢]- سقط من ز، خ.\n[¬٣]- في ز، خ: التابعة.","vol":"13","page":284},{"text":"الْآزِفَةُ﴾، فإن النذير هو: الحذرُ لما يعانى [¬١] من الشر، الذي يخشى وقوعه فيمن [¬٢] أنذرهم، كما قال: ﴿[إِنْ هُوَ إلا] [¬٣] نَذِيرٌ لَكُمْ بَينَ يَدَي عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾.\nوفي الحديث: \"أنا النذير العريان\" (^٩٣). أي: الذي أعجله شدةُ ما عاين من الشر عن أن يلبس عليه شيئًا، بل بادر، إلى إنذار قومه قبل ذلك، فجاءهم عُريانًا مسرعًا، مناسب لقوله: ﴿أَزِفَتِ الْآزِفَةُ﴾، أي: اقتربت القريبة. يعني يوم القيامة، كما قال في أول السورة التي بعدها: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾ قال الإمام أحمد:\nحدثنا أنس بن عياض، حدثني أبو حازم [¬٤]- لا أعلم إلا عن سهل بن سعد- قال: قال رسول الله ﷺ: \"إياكم ومحقرات الذنوب! فإنما مثل محقرات الذنوب كمثل قوم نزلوا بطن واد، فجاء ذا بعود وجاء ذا بعود، حتى أنضجوا خُبَزتهم، وإن محقرات الذنوب متى يؤخذ بها صاحبها تهلكه\" (^٩٤).\nوقال أبو حازم: قال رسول الله ﷺ قال أبو ضَمْرَةَ: لا أعلم إلا عن سهل بن سعد قال: \"مثلي ومثل الساعة كهاتين\"- وفرق [¬٥] بين إصبعيه الوسطى والتي تلي الإبهام- ثم قال: \"مثلي ومثل الساعة كمثل فَرَسي رهَان\"، ثم قال: \"مثلي ومثل الساعة كمثل رجل بعثه قومه طَليعةَ، فلما خشي أن يسبقَ ألاح بثوبه: أُتيتم أُتيتم\". ثم يقول رسول الله ﷺ\"أنا ذلك\" (^٩٥). [وله شواهد] [¬٦] من وجوه أخر من صحاح وحسان، ولله الحمد والمنة، وبه الثقة والعصمة.\n* * *\n_________\n(^٩٣) - أخرجه البخاري في كتاب: الرقاق، باب: الانتهاء عن المعاصى، حديث (٦٤٨٢) (١١/ ٣١٦). وطرفه في [٧٢٨٣]. ومسلم في كتاب: الفضائل، باب: شفقته ﷺ على أمته، ومبالغته في تحذيرهم مما يضرهم، حديث (١٦/ ٢٢٨٣) (١٥/ ٧٠).\n(^٩٤) - أخرجه أحمد (٥/ ٣٣١) (٢٢٩١٦) وإسناده صحيح رجاله رجال الشيخين.\n(^٩٥) - هو تتمة الحديث السابق عند أحمد، ولفظ \"ومثلي ومثل الساعة كهاتين\" أخرجه البخاري من طريق أبي حازم في كتاب: الطلاق، باب: اللعان، حديث (٥٣٠١) (١١/ ٤٣٩).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: عاين.\n[¬٢]- في ز، خ: ممن.\n[¬٣]- في ز: إني.\n[¬٤]- في ز، خ: حاتم.\n[¬٥]- في ز: قرن.\n[¬٦]- في ز، خ: له شاهد.","vol":"13","page":285},{"text":"<span data-type='title' id=toc-175>تفسير سورة اقتربت وهي مكية</span>\nقد تقدم في حديث أبي واقد (^١): أن رسول الله ﷺ كان يقرأ بقاف واقتربت الساعة، في الأضحى والفطر، وكان يقرأ بهما في المحافل الكبار، لاشتمالهما على ذكر الوعد والوعيد، وبدء الخلق وإعادته، والتوحيد وإثبات النبوات، وغير ذلك من المقاصد العظيمة.\n﷽\n﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١) وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ (٢) وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ (٣) وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ (٤) حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ (٥)﴾\nيخبر تعالى عن اقتراب الساعة وفراغ الدنيا وانقضائها، كما قال تعالى: ﴿أتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾، وقال: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾. وقد وردت الأحاديث بذلك، قال الحافظ أبو بكر البزار (^٢): حدثنا محمد بن المثنى وعمرو بن علي قالا: حدثنا خلف بن موسى، حدثني أبي، عن قتادة، عن أنس أن رسول الله ﷺ خَطَب أصحابَه ذات يوم، وقد كادت الشمس أن تَغْرُبَ فلم يبق منها إلا شفّ يسير، فقال: \"والذي نفسي بيده، ما بقي من الدنيا فيما مضى منها إلا كما بقي من يومكم هذا فيما مضى منه\" وما نرى من الشمس إلا يسيرًا\".\nقلت: هذا حديث مداره على خلف بن موسى بن خلف العَمِّي، عن أبيه. وقد ذكره\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في أوائل سورة \"ق\".\n(^٢) - خلف بن موسى: وثقه العجلي وابن خلفون، وقال الذهبي: صدوق. وموسى بن خلف العمي: وثقه العجلي ويعقوب بن شيبة، وقال أبو حاتم: صالح الحديث. واختلف فيه قول يحيى، فرُوي عنه أنه قال: ليس به بأس. وفي رواية: ضعيف. وقال أبو داود: ليس به بأس. ليس بذاك القوي. وقال الدارقطني: ليس بالقوي، يعتبر به. وضعفه ابن حبان. وقال ابن عدي: لا أرى بروايته بأسًا.\nوالحديث ذكره الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (١٠/ ٣١٤)، وقال: رواه البزار من طريق خلف بن موسى، عن أبيه، وقد وثق، وبقية رجاله ثقات. ا هـ.","vol":"13","page":286},{"text":"ابن حِبَّان في الثقات، وقال: ربما أخطأ.\nحديث آخر يعضد الذي قبله ويفسره، قال [¬١] الإِمام أحمد: حدثنا الفضل بن دكين، حدثنا شريك، حدثنا سَلَمة بن كهيل، عن مجاهد، عن ابن عمر قال: كنا جلوسًا عند النبي ﷺ والشمس على قُعَيقِعان [¬٢] بعد العصر فقال: \"وما أعماركم في أعمار من مضى إلا كما بقي من نهاري فيما مضى\" (^٣).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا حسين، حدثنا محمد بن مُطرِّف، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد قال: سمعت رسول الله، ﷺ، يقول: \"بُعِثتُ والساعة هكذا\" (^٤). وأشار بأصبعيه: السبابة والوسطى. أخرجاه من حديث أبي حازم سلمة بن دينار (^٥).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن عُبَيد [¬٣]، حدثنا الأعمش، عن أبي خالد، عن وهب السُّوَائي قال: قال رسول الله ﷺ: \"بعثت أنا والساعة كهذه من هذه، إن [كادت لتسبقها [¬٤] \" [¬٥] وجمع الأعمش بين السبابة والوسطى (^٦).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا أبو المغيرة، حدثنا الأوزاعي، حدثني إسماعيل بن عبيد [¬٦] الله قال: قدم أنس بن مالك على الوليد بن عبد الملك، فسأله: ماذا سمعت من رسول الله\n_________\n(^٣) - أخرجه أحمد (٢/ ١١٥ - ١١٦) وحسن هذا الإسناد ابن حجر في الفتح (١١/ ٣٥٠)، وصححه الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على المسند. وأخرج البخاري في كتاب أحاديث الأنبياء، باب: ما ذكر عن بنى إسرائيل، حديث (٣٤٥٩) من حديث نافع عن ابن عمر: \"إنما أجلكم في أجل من خلا من الأمم ما بين صلاة العصر إلى مغرب الشمس، وإنما مثلكم ومثل اليهود والنصارى كرجل … \" الحديث.\n(^٤) - أخرجه أحمد (٥/ ٣٣٨) (٢٢٩٦٩).\n(^٥) - البخاري في كتاب: الطلاق، باب: اللعان، حديث (٥٣٠١) (٩/ ٤٣٩)، وطرفاه في [٤٩٣٦، ٦٥٠٣]. ومسلم في كتاب: الفتن وأشراط الساعة، باب: قرب الساعة، حديث (١٣٢/ ٢٩٥٠) (١٨/ ١١٨).\n(^٦) - أخرجه أحمد (٤/ ٣٠٩) (١٨٨٢٤). قال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (٣١٥/ ١٠): رواه أحمد (٦) والطبراني، ورجالهما رجال الصحيح غير خالد الوالبي وهو ثقة. ا هـ.\nقلت: قال الحافظ في التقريب: مقبول؛ لكن يشهد لهذا الحديث الذي قبله فيكون به صحيحًا إن شاء الله.\n_________\n[¬١]- في ز: وقال.\n[¬٢]- في ز، خ: قيقعان. وقيقعان: جبل بمكة.\n[¬٣]- في ز: عبد.\n[¬٤]- بياض في ز.\n[¬٥]- ما بين المعكوفين في خ: كانت.\n[¬٦]- في ز، خ: عبد.","vol":"13","page":287},{"text":"ﷺ ذكر به الساعة؟ فقال: سمعت رسول الله ﷺ: \"أنتم والساعة كهاتين [¬١] \". تفرد به أحمد (^٧) ﵀ وشاهد ذلك أيضًا في الصحيح في أسماء رسول الله ﷺ: أنه الحاشر الذي يُحشَر الناس على قدمه [¬٢] (^٨).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا بهز بن أسد، حدثنا سليمان بن المغيرة، حدثنا حميد بن هلال، عن خالد بن عمير [¬٣] قال: خطب عتبة بن غزوان- قال بهز: وقال قبل [¬٤] هذه المرة: خَطبَنا رسول الله، ﷺ، قال: فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: \"أما بعد، فإن الدنيا قد آذنت بصَرْم [¬٥] وولت حَذّاء، ولم يبق منها إلا صُبَابة كصُبَابة الإناء يتصَابُّها صاحبها، وإنكم منتقلون [¬٦] منها إلى دار لا زوال لها، فانتقلوا بخير ما بحَضرتكم، فإنه قد ذكر لنا أن الحجر يُلقَى من شفِير جهنم فيهوي فيها سبعين عامًا ما يدرك لها قعرًا، والله لتملؤنه، أفعجبتم! والله لقد ذكر لنا أن ما بين مصراعي الجنة مسيرة أربعين عامًا، وليأتين عليه يوم وهو كظيظ الزحام … \" (^٩) وذكر تمام الحديث انفرد به مسلم (^١٠).\nوقال أبو جعفر بن جرير: حدثني يعقوب، حدثني ابن علية، أخبرنا عطاء بن السائب، عن أبي عبد الرحمن السّلَمي قال: نزلنا المدائن فكنا منها على فرسخ، فجاءت الجمعة، فحضر أبي وحضرت معه، فخَطبنا حذيفة فقال: ألا إن الله يقول: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾، ألا وإن الساعة قد اقتربت، ألا وإن القمر قد انشق، ألا وإن الدنيا قد آذنت بفراق، ألا وإن اليوم المضمار وغدًا السباق. فقلت لأبي: أستبق [¬٧] الناس غدًا؟\n_________\n(^٧) - أخرجه أحمد (٣/ ٢٢٣) (١٣٣٦٠).\nوفيه إسماعيل بن عبيد الله؛ قال العلائي في \"جامع التحصيل\" لم يسمع من الصحابة إلا من السائب بن يزيد، لكن يشهد له ما قبله.\n(^٨) - ويشهد له أيضًا حديث البخاري: \"لي خمسة أسماء … وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب\"، أخرجه البخاري في كتاب المناقب، باب: ما جاء في أسماء رسول الله ﷺ حديث (٣٥٣٢) (٧/ ٥٥٤) وطرفه في [٤٨٩٦].\n(^٩) - أخرجه أحمد (٤/ ١٧٤) (١٧٦٢٥).\n(^١٠) - مسلم في كتاب الزهد والرقائق، حديث (١٤/ ٢٩٦٧) (١٨/ ١٣٥ - ١٣٦).\n_________\n[¬١]- في ز: كتين\n[¬٢]- في ت: قدميه.\n[¬٣]- في ز، خ: عمر.\n[¬٤]- في ز، خ: مثل.\n[¬٥]- في ز: بصرمة. وفي خ: مصرمة.\n[¬٦]- في ز: منقلون.\n[¬٧]- في ز، خ: ليستبق.","vol":"13","page":288},{"text":"فقال: يا بني، إنك لجاهل، إنما هو السباق بالأعمال. ثم جاءت الجمعة الأخرى فحضرنا فَخَطب حذيفة فقال: ألا إن الله ﷿ يقول: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾، ألا وإن الدنيا قد آذنت بفراق، ألا وإن اليوم المضمار وغدًا السباق، ألا وإن الغاية النار، والسابق من سبق إلى الجنة (^١١).\nوقوله: ﴿وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾: قد كان هذا [¬١] في زمان رسول الله، ﷺ، كما ثبت ذلك في الأحاديث المتواترة بالأسانيد الصحيحة. وقد ثبت في الصحيح عن ابن مسعود أنه قال: \"خمس قد مضين: الروم، والدخان، واللزام، والبطشة، والقمر\" (^١٢). وهذا أمر متفق عليه بين العلماء أن انشقاق القمر قد وقع في زمان النبي ﷺ وأنه كان إحدى [¬٢] المعجزات الباهرات.\nذكر الأحاديث الواردة في ذلك\nرواية أنس بن مالك:\nقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن قتادة، عن أنس بن مالك قال: سأل أهل مكة النبي ﷺ آية، فانشق القمر بمكة مرتين، فقال: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ (^١٣). ورواه [¬٣] مسلم عن محمد بن رافع عن عبد الرزاق (^١٤).\nوقال البخاري: حدثني عبد الله بن عبد الوهاب، حدثنا بشر بن المفضل، حدثنا سعيد بن أبي عَروبة، عن قتادة، عن أنس بني مالك، أن أهل مكة سألوا رسول الله ﷺ أن يُريَهم آية، فأراهم القمر شِقَّين، حتى رأوا حراء بينهما (^١٥).\n_________\n(^١١) - أخرجه الطبري (٢٧/ ٨٦) وفي إسناده عطاء بن السائب كان قد اختلط.\n(^١٢) - أخرجه البخاري في كتاب: التفسير، باب: ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا﴾، حديث (٤٧٦٧) (٨/ ٤٩٦). وفي باب: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾، حديث (٤٨٢٠) (٨/ ٥٧١).\n(^١٣) - أخرجه أحمد (٣/ ١٦٠) (١٢٧١١).\n(^١٤) - صحيح مسلم كتاب: صفات المنافقين وأحكامهم، باب: انشقاق القمر، حديث (٤٦/ ٢٨٠٢ م) (١٧/ ٢١١).\n(^١٥) - أخرجه البخاري في كتاب: مناقب الأنصار، باب: انشقاق القمر، حديث (٣٨٦٨) (٧/ ١٨٢).\n_________\n[¬١]- في خ: ذلك.\n[¬٢]- في ز: أحد.\n[¬٣]- في ت: رواه.","vol":"13","page":289},{"text":"وأخرجاه أيضًا من حديث يونس بن محمد المؤدب، عن شيبان، عن قتادة (^١٦). ورواه أيضًا من حديث أبي داود الطيالسي ويحيى القطان وغيرهما عن شعبة عن قتادة به (^١٧).\nرواية جبير بن مطعم، ﵁:\nقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن كثير، حدثنا سليمان بن كثير، عن حُصَين بن عبد الرحمن، عن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه قال: انشق القمر على عهد رسول الله ﷺ فصار فرقتين: فرقة على هذا الجبل، وفرقة على هذا الجبل، فقالوا: سحرنا [¬١] محمد. فقالوا: إن كان سحرنا [¬٢] فإنه لا يستطع أن يسحر الناس كلهم. تفرد به الإمام أحمد من هذا الوجه (^١٨). وأسنده البيهقي في \"الدلائل\" من طريق محمد بن كثير، عن أخيه سليمان بن كثير، عن حصين بن عبد الرحمن (^١٩).\nوهكذا رواه ابن جرير من حديث محمد بن فضيل [¬٣] وغيره، عن حصين، به (^٢٠).\nورواه البيهقي [¬٤] أيضًا من طريق إبراهيم بن طهمان وهشيم، كلاهما [¬٥] عن حُصَين، عن جبير بن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه، عن جده فذكره (^٢١).\n_________\n(^١٦) - أخرجه البخاري في كتاب: المناقب، باب: سؤال المشركين أن يريهم النبي ﷺ آية، فأراهم انشقاق القمر، حديث (٣٦٣٧) (٦/ ٦٣١).\nومسلم في كتاب: صفات المنافقين، باب: انشقاق القمر، حديث (٤٦/ ٢٨٠٢) (١٧/ ٢١١).\n(^١٧) - أخرجه مسلم في كتاب: صفات المنافقين، باب: انشقاق القمر، حديث (٤٧/ ٢٨٠٢) (١٧/ ٢١١ - ٢١٢).\n(^١٨) - أخرجه أحمد (٤/ ٨١ - ٨٢) (١٦٨٠٠).\nوحصين بن عبد الرحمن هو السلمي؛ ثقة تغير حفظه في الآخر، وبقية رجاله ثقات.\nوالحديث أخرجه الترمذي في كتاب: تفسير القرآن، باب: ومن سورة القمر، حديث (٣٢٨٥) (٩/ ٣٢) من طريق محمد بن كثير بهذا الإسناد.\nوصحح إسناده الألباني في صحيح سنن الترمذي برقم (٢٦٢٢ - ٣٥٢٠).\n(^١٩) - الدلائل (٢/ ٢٦٨).\n(^٢٠) - تفسير الطبري (٢٧/ ٨٦) من طريق أبي كريب قال: ثنا ابن فضيل به مختصرًا.\n(^٢١) - الدلائل (٢/ ٢٦٨).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: سحره.\n[¬٢]- في ز: سحره.\n[¬٣]- في ز: فضل.\n[¬٤]- سقط من ز، خ.\n[¬٥]- في خ: كليهما.","vol":"13","page":290},{"text":"رواية عبد الله بن عباس:\nقال البخاري: حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا بكر، عن جعفر، عن عِرَاك بن مالك، عن عبيد [¬١] الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس قال: انشق القمر في زمان رسول الله ﷺ (^٢٢).\nورواه البخاري أيضًا ومسلم، من حديث بكر بن مضر، عن جعفر بن ربيعة، عن عِراك، به مثله (^٢٣).\nوقال ابن جرير: حدثنا ابن مثنى [¬٢]، حدثنا عبد الأعلى، حدثنا داود بن أبي هند [¬٣]، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١) وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾، قال: قد مضى ذلك، كان قبل الهجرة، انشق القمر حتى رأوا شقيه [¬٤] (^٢٤). وروى العوفي عن ابن عباس نحو هذا.\nوقال الطبراني: حدثنا أحمد [¬٥] بن عمرو البزّار [¬٦]، حدثنا محمد بن يحيى القُطَعي، حدثنا محمد بن بكر، حدثنا اين جُرَيج، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: كُسِفَ القمر على عهد رسول الله ﷺ فقالوا: سُحر القمر. فنزلت: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ إلى قوله: ﴿مُسْتَمِرّ﴾ (^٢٥).\nرواية عبد الله بن عمر:\nقال الحافظ أبو بكر البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، وأبو بكر حمد بن الحسن القاضي قالا: حدثنا أبو العباس الأصم، حدثنا العباس بن محمد الدوري، حدثنا وَهْب بن\n_________\n(^٢٢) - أخرجه البخاري في الصحيح، في كتاب: التفسير، باب: ﴿وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١) وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا﴾، حديث (٤٨٦٦) (٨/ ٦١٧).\n(^٢٣) - أخرجه البخاري في كتاب: مناقب الأنصار، باب: وانشقاق القمر، حديث (٣٨٧٠) (٧/ ١٨٢).\nومسلم في كتاب: صفات المنافقين وأحكامهم، باب: وانشقاق القمر، حديث (٤٨/ ٢٨٠٣) (١٧/ ٢١٢).\n(^٢٤) - تفسير الطبري (٢٧/ ٨٦).\n(^٢٥) - المعجم الكبير (١١/ ٢٥٠) (١١٦٤٢) وفي إسناده عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، =\n_________\n[¬١]- في ز، خ: عبد.\n[¬٢]- في ز، خ: عيسى.\n[¬٣]- في ز، خ: عبيد.\n[¬٤]- في خ: سببه.\n[¬٥]- في خ: محمد.\n[¬٦]- في ز، خ: الزوار.","vol":"13","page":291},{"text":"جَرير، عن شُعْبة، عن الأعمش، عن مجاهد، عن عبد الله بن عُمَرَ في قوله تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ قال: وقد كان ذلك على عهد رسول الله ﷺ انشق فلقتين: فلقة من دون الجبل، وفلقة من خلف الجبل، فقال النبي ﷺ: \"اللهم اشهد\" (^٢٦).\nوهكذا رواه مسلم والترمذي، من طُرُق عن شعبة، عن الأعمش، عن مجاهد، به (^٢٧). قال مسلم كرواية مجاهد عن أبي معمر عن ابن مسعود. وقال الترمذي: حسن صحيح.\nرواية عبد الله بن مسعود:\nقال الإِمام أحمد: حدثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن أبي معمر، عن ابن مسعود قال: انشق القمر على عهد رسول الله ﷺ شِقَّتين [¬١] حتى نظروا إليه، فقال رسول الله ﷺ: \"اشهدوا\" (^٢٨).\nوهكذا رواه البخاري ومسلم، من حديث سفيان بن عُيَينة، به (^٢٩). وأخرجاه من حديث الأعمش، عن إبراهيم، عن أبي معمر عبد الله بن سَخْبَرَة، عن ابن مسعود به [¬٢] (^٣٠).\nوقال ابن جرير: حدثني عيسى بن عثمان بن عيسى الرملي، حدثنا عمى يحيى بن\n_________\n= وصفه النسائي وغيره بالتدليس.\nقال الدارقطني: شر التدليس تدليس ابن جريج، فإنه قبيح التدليس، لا يدلس إلا فيما سمعه من مجروح. \"طبقات المدلسين\" وبقية رجاله ثقات.\n(^٢٦) - أخرجه البيهقي في \"الدلائل\" (٢/ ٢٦٧).\n(^٢٧) - صحيح مسلم، كتاب: صفات المنافقين وأحكامهم، باب: انشقاق القمر، حديث (٢٨٠١) (١٧/ ٢١٠ - ٢١١).\nوالترمذي في كتاب: تفسير القرآن، باب: ومن سورة القمر، حديث (٣٢٨٤) (٩/ ٣٢).\n(^٢٨) - أخرجه أحمد (١/ ٣٧٧) (٣٥٨٤).\n(^٢٩) - البخاري في كتاب: التفسير، باب: ﴿وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١) وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا﴾، حديث (٤٨٦٥) (٨/ ٦١٧).\nومسلم في كتاب: صفات المنافقين، باب: انشقاق القمر، حديث (٤٣/ ٢٨٠٠) (١٧/ ٢٠٩).\n(^٣٠) - أخرجه البخاري في كتاب: التفسير، باب: ﴿وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١) وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا﴾، =\n_________\n[¬١]- في ز: شقين.\n[¬٢]- سقط من ز، خ.","vol":"13","page":292},{"text":"عيسى، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن رجل، عن عبد الله قال: كنا مع رسول الله ﷺ بمنى فانشق القمر، فأخذت فرقة خلف الجبل، فقال رسول الله ﷺ: \"اشهدوا، اشهدوا\" (^٣١). قال البخاري: وقال أبو الضحى، عن مسروق، عن عبد الله: بمكة (^٣٢).\nوقال أبو داود الطيالسي: حدثنا أبو عَوَانة، عن المغيرة، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن عبد الله بن مسعود قال: انشق القمر على عهد رسول الله ﷺ فقالت قريش: هذا سِحْرُ ابن أبي كبشة. قال: فقالوا: انظروا ما يأتيكم به السفار، فإنّ محمدًا لا يستطيع أن يسحرَ الناس كُلَّهم. قال: فجاء السّفَّار فقالوا ذلك (^٣٣).\nوقال البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا العباس بن محمد الدوري، حدثنا سعيد بن سليمان، حدثنا هُشَيم [¬١]، حدثنا مغيرة، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن عبد الله قال: انشق القمر بمكة حتى صار فرقتين، فقال كفار قريش أهل مكة: هذا سحر سحركم به ابن أبي كبشة، انظروا السّفَّار؛ فإن كانوا رأوا ما رأيتم فقد صدق، وإن كانوا لم يروا مثل ما رأيتم فهو سحر سحركم به. قال: فشئل السّفَّار، قال: وقدموا من كل وجهة، فقالوا: رأينا [¬٢] (^٣٤).\nرواه ابن جرير من حديث المغيرة، به [¬٣] وزاد: فأنزل الله ﷿: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ (^٣٥). ثم قال ابن جرير:\nحدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن [¬٤] علية، أخبرنا أيوب، عن محمد -هو ابن\n_________\n=حديث (٤٨٦٤) (٨/ ٦١٧).\nومسلم في كتاب: صفات المنافقين، باب: انشقاق القمر، حديث (٤٤، ٤٥/ ٢٨٠٠) (١٧/ ٢١٠). كلاهما من طريق سفيان.\n(^٣١) - تفسير الطبري (٢٧/ ٨٥).\nوفي إسناده رجل مجهول، لكن يشهد له ما قبله وما بعده.\n(^٣٢) - أخرجه البخاري في كتاب: مناقب الأنصار، باب: انشقاق القمر، حديث (٣٨٦٩) (٧/ ١٨٢).\n(^٣٣) - أخرجه الطيالسي (٣٨) برقم (٢٩٥). وإسناده رجاله ثقات.\n(^٣٤) - الدلائل (٢/ ٢٦٦ - ٢٦٧) وهشيم صرح بالتحديث، وبقية إسناده موثقون.\n(^٣٥) - تفسير الطبري (٢٧/ ٨٥) من طريق الحسن بن يحيى المقدسي عن يحيى بن حماد عن أبي عوانة عن المغيرة.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: هشام.\n[¬٢]- في خ، ت: رأيناه.\n[¬٣]- سقط من ز، خ.\n[¬٤]- في ز: أبو.","vol":"13","page":293},{"text":"سيرين- قال: نبئت أن ابن مسعود ﵁ كان يقول: لقد انشق القمر (^٣٦).\nوقال ابن جرير أيضًا: حدثني محمد بن عمارة، حدثنا عمرو بن حماد، حدثنا أسباط، عن سماك، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عبد الله قال: لقد رأيت الجبل من فَرْج القمر حين انشق (^٣٧).\nورواه الإمام أحمد عن مُؤمل [¬١]، عن إسرائيل، عن سماك، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عبد الله قال: انشق القمر على عهد رسول الله ﷺ حتى رأيت الجبل من بين فرجتي القمر (^٣٨).\nوقال ليث، عن مجاهد: انشق القمر على عهد رسول الله ﷺ فصار فرقتين، فقال النبي ﷺ لأبي بكر: \"اشهد يا أبا بكر\". فقال المشركون: سُحر القمر حتى انشق (^٣٩).\nوقوله: ﴿وَإِنْ يَرَوْا آيَةً﴾ أي: دليلًا وحجة وبرهانًا ﴿يُعْرِضُوا﴾. أي: لا ينقادون له، بل يعرضون عنه ويتركونه وراء ظهورهم، ﴿وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾، أي: ويقولون: هذا الذي شاهدنا [¬٢] من الحجج، سحر سحرنا به.\nومعنى ﴿مُسْتَمِرٌّ﴾ أي: ذاهب. قاله مجاهد وقتادة وغيرهما. أي: باطل مضمحل لا دوام له.\n﴿وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾، أي: كذبوا بالحق إذ جاءهم، واتبعوا ما أمرتهم به آراؤهم وأهواؤهم من جهلهم وسخافة عقلهم.\nوقوله: ﴿وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ﴾ قال قتادة: معناه أن الخير واقع بأهل الخير، والشر واقع بأهل الشر.\nوقال ابن جُرَيج: مستقر بأهله.\n_________\n(^٣٦) - تفسير الطبري (٢٧/ ٨٦).\n(^٣٧) - أخرجه الطبري (٢٧/ ٨٥).\n(^٣٨) - أخرجه أحمد (١/ ٤١٣) (٣٩٢٤). وصححه الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على المسند.\n(^٣٩) - أخرجه الطبري (٢٧/ ٨٧) وإسناده مرسل.\n_________\n[¬١]- في ز: مويل.\n[¬٢]- في خ، ت: شاهدناه.","vol":"13","page":294},{"text":"وقال مجاهد: ﴿وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ﴾، أي: يوم القيامة.\nوقال السدي: ﴿مُسْتَقِرٌّ﴾ أي: واقع.\nوقوله: ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ﴾، أي: من الأخبار عن قصص الأمم المكذبين بالرسل، وما حل بهم من العقاب والنكال والعذاب، مما يتلى عليهم في هذا القرآن، ﴿مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ﴾، أي: ما فيه واعظ لهم عن الشرك والتمادي على التكذيب.\nوقوله: ﴿حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ﴾، أي: في هدايته تعالى لمن هداه وإضلاله لمن أضله، ﴿فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ﴾ يعني أي شيء تغني النذر عمن كتب الله عليه الشقاوة، وختم على قلبه؟ فمن الذي يهديه من بعد الله؟ وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ [¬١] الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾. وكذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾.\n﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيءٍ نُكُرٍ (٦) خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ (٧) مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾\nيقول تعالى: فتولّ يا محمد عن هؤلاء الذين إذا رأوا آية يعرضون ويقولون: هذا سحر مستمر، أعرض عنهم وانتظرهم ﴿يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيءٍ نُكُرٍ﴾، أي: إلى شيء منكر فظيع، وهو موقف الحساب، وما فيه من [البلاء، بل] [¬٢] والزلازل والأهوال، ﴿خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ﴾، أي: ذليلة أبصارهم، ﴿يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ﴾، وهي القبور، ﴿كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ﴾، أي: كأنهم في انتشارهم وسرعة سيرهم إلى موقف الحساب إجابة للداعي [¬٣] ﴿جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ﴾ في الآفاق، ولهذا قال: ﴿مُهْطِعِينَ﴾، أي: مسرعين ﴿إِلَى الدَّاعِ﴾، لا يخالفون ولا يتأخرون، ﴿يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾، أي: يوم شديد الهول عبوس قمطرير ﴿يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (٩) عَلَى الْكَافِرِينَ غَيرُ يَسِيرٍ﴾.\n﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ (٩) فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي\n_________\n[¬١]- في ز: لله.\n[¬٢]- في خ: والتلاتل.\n[¬٣]- في ز: الداعي.","vol":"13","page":295},{"text":"مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ (١٠) فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ (١١) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (١٢) وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ (١٣) تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ (١٤) وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٥)\nيقول تعالى: ﴿كَذَّبَتْ﴾ قبل قومك يا محمد ﴿قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا﴾، أي: صرحوا له بالتكذيب واتهموه بالجنون، ﴿[وَقَالُوا مَجْنُونٌ] [¬١] وَازْدُجِرَ﴾. قال مجاهد: ﴿وَازْدُجِرَ﴾، أي: استطير جنونًا. وقيل: ﴿وَازْدُجِرَ﴾، أي: انتهروه وزجروه وأوعدوه؛ ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَانُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ﴾. قاله ابن زيد، وهذا متوجه حسن. ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾، أي: إني ضعيف عن هؤلاء وعن مقاومتهم ﴿فَانْتَصِرْ﴾ أنت لدينك. قال الله تعالى: ﴿فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ﴾. قال السدي: هو الكثير. ﴿وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا﴾، أي: نبعت جميع أرجاء الأرض، حتى التنانير التي هي محال [¬٢] النيران نبعت عيونًا، ﴿فَالْتَقَى الْمَاءُ﴾ أي: من السماء ومن الأرض ﴿عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾، أي: أمر مقدر.\nقال ابن جريج، عن ابن عباس: ﴿فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ﴾ كثير، لم تمطر السماء قبل ذلك اليوم ولا بعده، ولا من السحاب، فتحت أبواب السماء بالماء من غير سحاب ذلك اليوم، فالتقى الماءان على أمر قد قدر.\nوروى ابن أبي حاتم أن ابن الكواء سأل عليًّا عن المجرة؟ فقال: هي شرج [¬٣] السماء، ومنها فتحت السماء بماء منهمر.\n﴿وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ﴾، قال ابن عباس، وسعيد بن جبير، والقرظي، وقتادة، وابن زيد: هي المسامير. واختاره ابن جرير، قال: وواحدها دسار، ويقال: دسير كما يقال: حَبِيك [¬٤] وحباك، والجمع حُبك.\nوقال مجاهد: الدُّسر: أضلاع السفينة. وقال عكرمة والحسن: هو صدرها الذي\n_________\n[¬١]- سقط من ز.\n[¬٢]- في ز: محل.\n[¬٣]- في ز: شرخ.\n[¬٤]- في ز، خ: حبك.","vol":"13","page":296},{"text":"تضربُ [¬١] به الموج.\nوقال الضحاك: الدسر: طرفاها وأصلها.\nوقال العوفي عن ابن عباس: هو كلكلها.\nوقوله: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾، أي: بأمرنا بمرأى منا وتحت حفظا وكلاءتنا، ﴿جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ﴾، أي: جزاء لهم على كفرهم بالله وانتصارًا لنوح ﵇.\nوقوله: ﴿وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً﴾، قال قتادة: أبقى الله سفينة نوح حتى أدركها أول هذه الأمة. والظاهر أن المراد من ذلك جنس السفن، كقوله تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (٤١) وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ﴾. وقال: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ (١١) لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾. ولهذا قال هاهنا: ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾، أي: فهل من يتذكر ويتعظ؟\nقال الإِمام أحمد: حدثنا حجاج، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن الأسود، عن ابن مسعود قال: أقرأني رسول الله ﷺ: ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾.\n[فقال رجل: يا أبا عبد الرحمن؛ مدَّكر أو مذَّكر؟ قال: أقراني رسول الله ﷺ مدَّكر] [¬٢] (^٤٠).\nوهكذا رواه البخاري: حدثنا يحيى، حدثنا وكيع، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن الأسود بن يزيد، عن عبد الله قال: قرأت على النبي ﷺ: (فهل من مُذَّكر [¬٣]. فقال النبي ﷺ: ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ (^٤١).\nوروى البخاري أيضًا من حديث شعبة، عن أبي إسحاق، عن الأسود، عن عبد الله قال: كان رسول الله ﷺ يقرأ: ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ (^٤٢).\nوقال: حدثنا أبو نعيم حدثنا زهير، عن أبي إسحاق: أنه سمع رجلًا يسأل [¬٤] الأسود:\n_________\n(^٤٠) - أخرجه أحمد (١/ ٣٩٥) (٣٧٥٥).\n(^٤١) - صحيح البخاري، كتاب: التفسير، باب: ﴿وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذَابٌ مُسْتَقِرٌّ …﴾، حديث (٤٨٧٤) (٨/ ٦١٨).\n(^٤٢) - أخرجه في الموضع السابق برقم (٤٨٧٣). وفي الباب الذي قبله برقم (٤٨٧٢) من طريق شعبة.\n_________\n[¬١]- في ت: يضرب.\n[¬٢]- سقط من ز، خ.\n[¬٣]- في ز: مدكر.\n[¬٤]- في ز، خ: سأل.","vol":"13","page":297},{"text":"﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾، أو: (مُذكر)؟ قال: سمعت عبد الله يقرأ: ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾. وقال سمعت رسول الله ﷺ يقرؤها: ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ دالًا (^٤٣).\nوقد أخرج مسلم هذا الحديث وأهل السنن إلّا ابن ماجة، من حديث أبي إسحاق (^٤٤).\nوقوله: ﴿فَكَيفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾، أي: كيف كان عذابي لمن كفر بي وكذب رسلي ولم يتعظ بما جاءت به نُذُري، وكيف انتصرت لهم، وأخذت لهم بالثأر؟\n﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾، أي: سهلنا لفظه، ويسرنا معناه لمن أراده، ليتذكر الناس. كما قال: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾.\nوقال تعالى: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾.\nقال مجاهد: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾ يعني: هونَّا قراءته.\nوقال السدي: يسرنا تلاوته على الألسن.\nوقال الضحاك، عن ابن عباس: لولا أن الله يسره على لسان الآدميين، ما استطاع أحد من الخلق أن يتكلم بكلام الله ﷿.\nقلت: ومن تيسيره تعالى على الناس تلاوة القرآن ما تَقدْم عن النبي ﷺ أنه قال: \"إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف\" (^٤٥). وأوردنا الحديث بطرقه وألفاظه بما أغنى عن إعادته هاهنا، ولله الحمد والمنة.\nوقوله: ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾، أي: فهل من متذكر بهذا القرآن الذي قد يَسَّر الله حفظه ومعناه؟\nوقال محمد بن كعب القرظي: فهل من منزجر عن المعاصي؟\n_________\n(^٤٣) - أخرجه البخاري في كتاب: التفسير، باب: ﴿أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ (٢٠) فَكَيفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾، حديث (٤٨٧١) (٨/ ٦١٨).\n(^٤٤) - أخرجه مسلم في كتاب: صلاة المسافرين، باب: ما يتعلق بالقراءات، حديث (٢٨٠، ٢٨١/ ٨٢٣). وأبو داود في كتاب: الحروف والقراءات، حديث (٣٩٩٤) (٤/ ٣٥). والترمذي في كتاب: القراءات، باب: ومن سورة الروم، حديث (٢٩٣٨) (٨/ ١٣٥). والنسائي في الكبرى في كتاب: التفسير، باب: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾، حديث (١١٥٥٥) (٦/ ٤٧٦). قال الترمذي: حديث حسن صحيح.\n(^٤٥) - أخرجه البخاري في كتاب: فضائل القرآن، باب: أنزل القرآن على سبعة أحرف، حديث =","vol":"13","page":298},{"text":"وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا الحسن بن رافع، حدثنا ضمرة، عن ابن شَوذب، عن مطر -هو الورّاق- في قوله تعالى: ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾: هل من طالب علم فيعان عليه؟\nوكذا علقه البخاري بصيغة الجزم عن مطر الوراق (^٤٦). ورواه ابن جرير (^٤٧)، وروي عن قتادة مثله.\n﴿كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (١٨) إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ (١٩) تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ (٢٠) فَكَيفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (٢١) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٢٢)﴾\nيقول تعالى مخبرًا عن عاد قوم هود أنهم كذبوا رسولهم أيضًا، كما صنع قوم نوح، وأنه تعالى أرسل ﴿عَلَيهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا﴾، وهي الباردة الشديدة البرد، ﴿فِي يَوْمِ نَحْسٍ﴾، أي: عليهم. قاله الضحاك، وقتادة، والسدي، ﴿مُسْتَمِرٍّ﴾ عليهم نحسه ودماره [¬١]، لأنه يوم اتصل فيه عذابهم الدنيوي بالأخروي.\nوقوله: ﴿تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾، وذلك أن الريح كانت تأتي أحدهم فترفعه حتى تغيبه عن الأبصار، ثم تنكسه على أم رأسه، فيسقط إلى الأرض، فتثلغ رأسه فيبقى جثة بلا رأس، ولهذا قال: ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ (٢٠) فَكَيفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (٢١) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾.\n﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ (٢٣) فَقَالُوا أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذًا لَفِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ (٢٤) أَأُلْقِيَ\nالذِّكْرُ عَلَيهِ مِنْ بَينِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ (٢٥) سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ\n_________\n= (٤٩٩١) (٩/ ٢٣).\nومسلم في كتاب: صلاة المسافرين، باب: بيان أن القرآن على سبعة أحرف، حديث (٢٧٢/ ٨١٩) (٦/ ١٤٦) كلاهما من حديث عبد الله بن عباس.\n(^٤٦) - أخرجه البخاري في كتاب: التوحيد، باب: قول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾.\n(^٤٧) - تفسير الطبري (٢٧/ ٩٧).\n_________\n[¬١]- في ز: ودمارهم.","vol":"13","page":299},{"text":"الْكَذَّابُ الْأَشِرُ (٢٦) إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ (٢٧) وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَينَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ (٢٨) فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ (٢٩) فَكَيفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (٣٠) إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيهِمْ صَيحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ (٣١) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٣٢)\nوهذا إخبار عن ثمود أنهم كذبوا رسولهم صالحا، ﴿فَقَالُوا أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذًا لَفِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ﴾، يقولون: لقد خبنا وخسرنا إن سلمنا كُلنا قيادنا لواحد منا! ثم تعجبوا من إلقاء الوحي عليه خاصة من دونهم، ثم رموه بالكذب فقالوا: ﴿بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ﴾، أي: متجاوز في حد الكذب. قال الله تعالى: ﴿سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ﴾. وهذا تهديد لهم شديد ووعيد أكيد.\nثم قال تعالى: ﴿إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ﴾، أي: اختبارًا لهم، أخرج الله لهم ناقة عظيمة عُشراء من صخرة صَمّاء طبق ما سألوا، لتكون حجة الله عليهم في تصديق صالح ﵇ فيما جاءهم به.\nثم قال آمرًا لعبده ورسوله صالح: ﴿فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ﴾، أي: انتظر ما يئول إليه أمرهم، واصبر عليهم، فإن العاقبة والنصر لك في الدنيا والآخرة. ﴿وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَينَهُمْ﴾، أي [¬١]: يوم لهم ويوم للناقة؛ كقوله: ﴿قَال هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾.\nوقوله: ﴿كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ﴾. قال مجاهد: إذا غابت حضروا الماء، وإذا جاءت حضروا اللبن.\nثم قال تعالى: ﴿فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ﴾. قال المفسرون: هو عاقر الناقة، واسمه قُدَار بن سالف، وكان أشقى قومه؛ كقواء: ﴿إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا﴾، ﴿فَتَعَاطَى﴾ أي: فجسر [¬٢] ﴿فَعَقَرَ (٢٩) فَكَيفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾؟ أي: فعاقبتهم فكيف كان عقابي على كفرهم بي وتكذيبهم رسولي؟ ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيهِمْ صَيحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ﴾، أي: فبادوا عن آخرهم لم تبق منهم باقية، وخَمَدوا وهَمَدوا كما يهمد يَبيس الزرع والنبات. قاله غير واحد من المفسرين. والمحتظر -قال السدي-: هو المرعى\n_________\n[¬١]- في ز: يعني.\n[¬٢]- سقط من خ.","vol":"13","page":300},{"text":"بالصحراء حين يبس وتحرَّق ونسفته الريح.\nوقال ابن زيد: كانت العرب يجعلون حِظارًا على الإِبل [والمواشي من] [¬١] يَبِيس الشّوك، فهو المراد من قوله: ﴿كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ﴾.\nوقال سعيد بن جُبَير: هشيم المحتظر: هو التراب المتناثر من الحائط. وهذا قول غريب، والأول أقوى، والله أعلم.\n﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ (٣٣) إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيهِمْ حَاصِبًا إلا آلَ لُوطٍ نَجَّينَاهُمْ بِسَحَرٍ (٣٤) نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنَا كَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ (٣٥) وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنَا فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ (٣٦) وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ (٣٧) وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذَابٌ مُسْتَقِرٌّ (٣٨) فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ (٣٩) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٤٠)﴾\nيقول تعالى مخبرًا عن قوم لوط كيف كذبوا رسولهم وخالفوه، وارتكبوا المكروه بن إتيان الذكور، وهي الفاحشة التي لم يسبقهم بها أحد من العالمين. ولهذا أهلكهم الله هلاكًا لم يُهلكْه أمةً من الأمم. فإنه تعالى أمر جبريل ﵇ فحمل مدائنهم حتى وصل بها إلى عَنَان السماء، ثم قلبها عليهم وأرسلها، وأتبعت بحجارة من سجيل منضود، ولهذا قال هاهنا. ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيهِمْ حَاصِبًا﴾، وهي: الحجارة، ﴿إلا آلَ لُوطٍ نَجَّينَاهُمْ بِسَحَرٍ﴾، أي: خرجوا من آخر الليل فنجوا مما أصاب قومهم، ولم يؤمن بلوط من قومه أحد ولا رجل واحد، حتى ولا امرأته، أصابها ما أصاب قومها، وخرج نبي الله لوط وبنات له من بين أظهرهم سالمًا لم يمسَسْه سوء.\nولهذا قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ (٣٥) وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنَا﴾، أي: ولقد كان قبل حلول العذاب بهم قد أنذرهم بأس الله وعذابه، فما التفتوا إلى ذلك، ولا أصغوا إليه، بل شكوا فيه وتماروا به، ﴿وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيفِهِ﴾، وذلك ليلة وَرَد عليه الملائكة: جبريل، وميكائيل، وإسرافيل في صورة شباب مُرد حسان محنَةً [¬٢] من الله بهم،\n_________\n[¬١]- في ز: الرايي ثم. وفي خ: الداني ثم.\n[¬٢]- في ر، خ: حجية. بلا نقط.","vol":"13","page":301},{"text":"فأضافهم لوط [وبعثت امرأته العجوزُ السوءُ إلى قومها، فأعلمتهم بأضياف لوط] [¬١] فأقبلوا يُهْرَعُون إليه من كل مكان، فأغلق لوط دونهم الباب، فجعلوا يحاولون كسر الباب، وذلك عشية، ولوط ﵇ يدافعهم ويمانعهم دون أضيافه، ويقول لهم: ﴿هَؤُلَاءِ بَنَاتِي﴾ يعني: نساءهم، ﴿إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾ ﴿قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ﴾، أي: ليس لنا فيهن أرَبٌ، ﴿وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ﴾: فلما اشتد الحال وأبوا إلا الدخول، خرج عليهم جبريل ﵇ فضرب أعينهم بطرف جناحه، فانطمست أعينهم. يقال: إنها غارت من وجوههم. وقيل: إنه لم تبق لهم عيون بالكلية، فرجعوا على أدبارهم يتحسسون بالحيطان، ويتوعدون لوطًا ﵇ إلى الصباح.\nقال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذَابٌ مُسْتَقِرٌّ﴾، أي: لا محيد لهم عنه، ولا انفكاك لهم منه، ﴿فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ (٣٩) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾.\n﴿وَلَقَدْ جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ (٤١) كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كُلِّهَا فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ (٤٢) أَكُفَّارُكُمْ خَيرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ (٤٣) أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ (٤٤) سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (٤٥) بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ (٤٦)﴾\nيقول تعالى مخبرًا عن فرعون وقومه أنهم جاءهم رسول الله موسى وأخوه هارون بالبشارة إن آمنوا، والنذارة إن كفروا، وأيدهما بمعجزات عظيمة وآيات متعددة، فكذبوا بها كلها، فأخذهم الله أخذ عزيز مقتدر، أي: فأبادهم الله ولم يُبق منهم مخبرًا ولا عينًا ولا أثرًا.\nثم قال: ﴿أَكُفَّارُكُمْ﴾، أي: أيها المشركون من كفار قريش ﴿خَيرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ﴾ يعني من الذين تقدم ذكرهم ممن أهلكوا بسبب تكذيبهم الرسل، وكفرهم بالكتب: أأنتم خير أم أولئك؟ ﴿أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ﴾، أي: أم معكم [¬٢] من الله براءة أن لا ينالكم عذاب ولا نكال [¬٣]؟.\nثم قال تعالى مخبرًا عنهم: ﴿أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ﴾، أي: يعتقدون أنهم مناصرون بعضهم بعضًا، أن جمعهم يغني عنهم مَن أرادهم بسوء، قال الله تعالى:\n_________\n[¬١]- سقط من ز، خ.\n[¬٢]- في ز، خ: معهم.\n[¬٣]- سقط من خ.","vol":"13","page":302},{"text":"﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾، أي: سيتفرق شملهم ويغلبون.\nقال البخاري: حدثنا إسحاق، حدثنا خالد، عن خالد. وقال أيضًا: حدثنا [محمد، حدثنا عفان بن مسلم] [¬١]، عن وُهَيب، عن خالد، عن عكرمة، عن ابن عباس: أن النبي ﷺ قال: وهو في قُبَّة له يوم بدر: \"أنشدك عهدك ووعدك، اللَّهم إن شئت لم تعبد بعد اليوم أبدًا\". فأخذ أبو بكر ﵁ بيده وقال: حسبك يا رسول الله، ألححت على ربك. فخرج وهو يثب في الدرع وهو يقول: \" ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (٤٥) بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾ (^٤٨) \". وكذا رواه البخاري والنسائي في غير موضع، من حديث خالد -وهو ابن [¬٢] مهران- الحذاء به.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو الربيع الزّهراني، حدثنا حماد، عن أيوب [¬٣]، عن عكرمة قال: لما نزلت: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾، قال [¬٤] عمر: أيّ جَمْع يهزم؟ أيّ جَمْع يغلب؟ قال عمر: فلما كان يوم بدر رأيت رسول الله، ﷺ، يثب في الدرع، وهو يقول: \" ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ \". فعرفت تأويلها يومئذ (^٤٩).\nوقال البخاري: حدثنا إبراهيم بن موسى، حدثنا هشام بن يوسف، أن ابن جُرَيج أخبرهم، أخبربي يوسف بن ماهَكَ قال: إني عند عائشة أم المؤمنين، قالت: نزل على محمد ﷺ بمكة وإني لجارية ألعب: ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾ (^٥٠) هكذا رواه هاهنا مختصرًا، ورواه في فضائل القرآن مطولًا (^٥١)، ولم يخرجه مسلم.\n_________\n(^٤٨) - أخرجه البخاري في كتاب: التفسير، باب: ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾ حديث (٤٨٧٧) (٨/ ٦١٩). وباب: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾، حديث (٤٨٧٥) (٨/ ٦١٩). والنسائي في الكبرى في كتاب: التفسير، باب: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾، حديث (١١٥٥٧) (٦/ ٤٧٧).\n(^٤٩) - تفسير الطبري (٢٧/ ١٠٨).\n(^٥٠) - أخرجه البخاري في كتاب: التفسير، باب: ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾، حديث (٤٨٧٦) (٨/ ٦١٩).\n(^٥١) - أخرجه البخاري في كتاب: فضائل القرآن، باب: تأليف القرآن، حديث (٤٩٩٣) (٩/ ٣٨ - ٣٩).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفين في ز، خ: \"محمد بن عفان\".\n[¬٢]- سقط من ز، خ، ت.\n[¬٣]- في خ، ت: أبي أيوب.\n[¬٤]- في ز: قال: قال.","vol":"13","page":303},{"text":"﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ (٤٧) يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (٤٨) إِنَّا كُلَّ شَيءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩) وَمَا أَمْرُنَا إلا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (٥٠) وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٥١) وَكُلُّ شَيءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ (٥٢) وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ (٥٣) إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (٥٥)﴾\nيخبر [¬١] تعالى عن المجرمين أنهم في ضلال عن الحق، وسُعُر مما هم فيه من الشكوك والاضطراب في الآراء، وهذا يشمل كل من اتصف بذلك من كافر ومبتدع [¬٢] من سائر الفرق.\nثم قال: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ﴾، أي: كما كانوا في سُعُر وشك وتردد أورثهم ذلك النار، وكما كانوا ضلالًا سحبوا [¬٣] فيها على وجوهم، لا يدرون أين يذهبون، ويقال لهم تقريعًا وتوبيخًا: ﴿ذُوقُوا مَسَّ سَقَر﴾.\nوقوله: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾، كقوله: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ وكقوله: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾ أي: قدر قدرًا، وهدى الخلائق إليه. ولهذا يستدل بهذه الآية الكريمة أئمةُ السنة على إثبات قَدَر الله السابق لخلقه، وهو علمه الأشياء قبل [¬٤] كونها، وكتابته لها قبل برئها [¬٥]، وردوا بهذه الآية وبما شاكلها من الآيات، وما ورد في معناها من الأحاديث الثابتات على الفرْقة القَدَرية الذين نبغوا في أواخر عصر الصحابة، وقد تكلمنا على هذا المقام مفصلًا، وما ورد فيه من الأحاديث في شرح \"كتاب الإيمان\" من \"صحيح البخاري\" ﵀ ولنذكر هاهنا الأحاديث المتعلقة بهذه الآية الكريمة.\nقال أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا سفيان [¬٦] الثوري، عن زياد بن [¬٧] إسماعيل السهمي، عن محمد بن عباد بن جعفر، عن أبي هُرَيرة قال: جاء مشركو قريش إلى النبي صلى الله\n_________\n[¬١]- في ت: يخبرنا.\n[¬٢]- في ز: مبتدع.\n[¬٣]- في خ: يسحبون.\n[¬٤]- سقط من ز، خ.\n[¬٥]- في خ تبرمها.\n[¬٦]- سقط من خ.\n[¬٧]- في ز، خ: عن.","vol":"13","page":304},{"text":"عليه وسلم يخاصمونه في القدر، فنزلت: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (٤٨) إِنَّا كُلَّ شَيءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ (^٥٢).\n[وهكذا رواه مسلم والترمذي وابن ماجة من حديث وكيع عن سفيان الثوري به] [¬١].\nوقال البزار: حدثنا عمرو بن علي، حدثنا الضحاك بن مخلد، حدثنا يونس بن الحارث، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: ما [¬٢] نزلت هذه الآيات [¬٣]: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ (٤٧) يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (٤٨) إِنَّا كُلَّ شَيءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾، إلا في أهل القدر (^٥٣).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا سهل بن صالح الأنطاكي، حدثني قرة بن حبيب، عن كنانة، حدثنا جرير بن حازم، عن سعيد [¬٤] بن عمرو بن جَعدَةَ، عن ابن [¬٥] زُرارة، عن أبيه، عن النبي ﷺ أنه تلا هذه الآية: ﴿ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (٤٨) إِنَّا كُلَّ شَيءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾. قال: \"نزلت في أناس من أمتي يكونون [¬٦] في آخر الزمان، يكذبون بقدر الله\" (^٥٤).\nوحدثنا الحسن بن عرفة، حدثنا مَرْوان بن شجاع الجَزَري، عن عبد الملك بن جُرَيج، عن عطاء بن أبي رَبَاح قال: أتيت ابن عباس، وهو يَنْزع من زمزم، وقد ابتلت أسافل ثيابه، فقلت له: قد تُكلِّم في القدر. فقال: أو فعلوها؟ قلت: نعم. قال: فوالله ما نزلت هذه الآية إلا فيهم: ﴿ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (٤٨) إِنَّا كُلَّ شَيءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾، أولئك شرار هذه الأمة، فلا تعودوا مرضاهم، ولا تُصَلّوا على موتاهم، إن رأيت أحدًا منهم فقأت عينيه بأصبعي هاتين (^٥٥).\n_________\n(^٥٢) - أخرجه أحمد (٢/ ٤٤٤). ومسلم في كتاب: القدر، باب: كل شيء بقدر، حديث (١٩/ ٢٦٥٦) (١٦/ ٣١٣ - ٣١٤) كلاهما من طريق وكيع.\n(^٥٣) - أخرجه البزار (٢/ ١١٠) (١٥١٣). قال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (٧/ ١٢٠): رواه البزار وفيه يونس بن الحارث وثقه ابن معين وابن حبان وفيه ضعف، وبقية رجاله ثقات.\n(^٥٤) - أخرجه الطبراني في \"الكبير\" (٥/ ٢٧٦) (٥٣١٦) من طريق جرير بن حازم.\nقال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (٧/ ١٢٠): رواه الطبراني وفيه من لم أعرفه.\nوالحديث صححه الألباني بالذي قبله في الصحيحة برقم (١٥٣٩).\n(^٥٥) - في إسناده ابن جريج وهو مدلس.\n_________\n[¬١]- سقط من ت.\n[¬٢]- في ز: لما.\n[¬٣]- في ز: الآية.\n[¬٤]- في ز، خ: سعد.\n[¬٥]- في ز، خ: أبي.\n[¬٦]- في ز: يكذبون.","vol":"13","page":305},{"text":"وقد رواه الإمام أحمد من وجه آخر، وفيه مرفوع فقال:\nحدثنا أبو المغيرة، حدثنا الأوزاعي، عن بعض إخوته عن محمد بن عبيد المكي، عن عبد الله بن عباس قال: قيل له: إن رجلًا قدم علينا يُكَذّب بالقدر. فقال: دلوني عليه -وهو أعمى- قالوا: وما تصنع به يا أبا عباس. قال: والذي نفسي بيده، لئن استمكنت منه لأعضنَّ أنفه حتى أقطعه، ولئن وقعت رقبته في يدي لأدُقنَّها، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"كأني بنساء بني فِهْر يَطُفْنَ بالخزرج، تصطفق ألياتهن مشركات، هذا أول شرك هذه الأمة، والذي نفسي بيده لينتهين بهم سوء رأيهم حتى يخرجوا الله من أن يكون قَدّر خيرًا، كما أخرجوه من أن يكون قَدّر شرًّا\" (^٥٦).\nثم رواه أحمد عن أبي المغيرة، عن الأوزاعي، عن العلاء بن الحجاج، عن محمد بن عبيد، فذكر مثله (^٥٧). لم يخرجوه.\nوقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الله بن يزيد، حدثنا سعيد بن [¬١] أبي أيوب، حدثني أبو صخر، عن نافع قال: كان لابن عمر صديق من أهل الشام يكاتبه، فكتب إليه عبد الله بن عمر: إنه بلغني أنك تكلمت في شيء من القدر، فإياك أن تكتب إليَّ، فإني سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: \"سيكون في أمتي أقوام يكذبون بالقدر\" (^٥٨). [رواه أبو داود (^٥٩) عن أحمد بن حنبل، به] [¬٢].\nوقال أحمد: حدثنا أنس بن عياض، حدثنا عمر بن عبد الله مولى غُفْرَة [¬٣]، عن عبد الله بن عمر، أن رسول الله ﷺ قال: \"لكل أمة مجوس، ومجوس\n_________\n(^٥٦) - أخرجه أحمد (١/ ٣٣٠) (٣٠٥٥).\nوإسناده ضعيف لجهالة من روى عنهم الأوزاعي لكن يشهد له ما بعده.\n(^٥٧) - أخرجه أحمد (١/ ٣٣٠) (٣٠٥٦). وفي إسناده العلاء بن الحجاج؛ ضعفه الأزدي كما في ميزان الاعتدال (٤/ ١٨) وكذا ذكر ابن حجر في التعجيل.\n(^٥٨) - أخرجه أحمد (٢/ ٩٠) (٥٦٣٩). وإسناده حسن من أجل أبي صخر وهو حميد بن زياد، صدوق يهم، وبقية رجاله ثقات. وصححه الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على المسند.\n(^٥٩) - أخرجه أبو داود في كتاب: السنة، باب: في القدر، حديث (٤٧١٠) (٤/ ٢٢٨) بلفظ: \"لا تجالسوا أهل القدر ولا تفاتحوهم\" من طريق سعيد بن أبي أيوب، قال: حدثني عطاء بن دينار، عن حكيم بن شريك الهذلي، عن يحيى بن ميمون الحضرمي، عن ربيعة الجرشي، عن أبي هريرة عن عمر بن الخطاب، به.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: عن.\n[¬٢]- سقط من ت.\n[¬٣]- في ز: غفر. وفي خ: غفار.","vol":"13","page":306},{"text":"أمتي الذين يقولون: لا قدر. إن مرضوا فلا تعودوهم، وإن ماتوا فلا تشهدوهم\" (^٦٠).\nلم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة من هذا الوجه.\nوقال أحمد: حدثنا قتيبة، حدثنا رشْدين، عن أبي [¬١] صخر حُميَد بن زياد، عن نافع، عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"سيكون في هذه الأمة مَسْخٌ، ألا وذاك في المكذبين بالقدر والزنديقية\" (^٦١).\nورواه الترمذي وابن ماجه، من حديث أبي صخر حميد بن زياد، به (^٦٢). وقال الترمذي: حسن صحيح غريب.\nوقال أحمد: حدثنا إسحاق بن الطباع، أخبرني مالك، عن زياد بن سعد، عن عمرو بن مسلم، عن طاوس اليماني قال: سمعت ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: \"كل شيء بقدر، حتى العجز والكيس\" (^٦٣). ورواه مسلم منفردًا له، من حديث مالك (^٦٤).\nوفي الحديث الصحيح: \"استعن بالله ولا تَعْجز، فإن أصابك أمر فقل: قَدّر الله وما شاء فعل، ولا تقل: لو أني فعلت لكان كذا [¬٢]، فإن \"لو تفتح عمل الشيطان\" (^٦٥).\nوفي حديث ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال له: \"واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء، لم يكتبه الله لك، لم ينفعوك. ولو اجتمعوا\n_________\n(^٦٠) - أخرجه أحمد (٢/ ٨٦). وفي إسناده عمر بن عبد الله مولى غفرة؛ قال العلائي في \"جامع التحصيل\": قال أبو حاتم: لم يلق أنس بن مالك، وحديثه عن ابن عباس مرسل. وقال ابن معين: لم يسمع من صحابي. ا هـ.\n(^٦١) - أخرجه أحمد (٢/ ١٠٨) (٥٨٦٧) وفي إسناده رشدين بن سعد وهو ضعيف.\n(^٦٢) - أخرجه الترمذي في كتاب: القدر، باب (١٦)، حديث (٢١٥٤) (٦/ ٣٢٤) من طريق رشدين. وأخرجه الترمذي برقم (٢١٥٣)، وابن ماجة في كتاب: الفتن، باب: الخسوف، حديث (٤٠٦١) (٢/ ١٣٥٠).\nكلاهما من طريق حيوة بن شريح عن حميد بن زياد بنحو حديث رشدين.\nوحسن هذا الحديث الألباني في صحيح سنن ابن ماجة (٣٢٨٢).\n(^٦٣) - أخرجه أحمد (٢/ ١١٠) (٥٨٩٣).\n(^٦٤) - مسلم في كتاب: القدر، باب: كل شيء بقدر، حديث (١٨/ ٢٦٥٥) (١٦/ ٣١٣).\n(^٦٥) - أخرجه مسلم في كتاب: القدر، باب: في الأمر بالقوة وترك العجز، والاستعانة بالله، وتفويض المقادير لله، حديث (٣٤/ ٢٦٦٤) (١٦/ ٣٢٩).\n_________\n[¬١]- في خ: ابن.\n[¬٢]- في ز، خ: هكذا.","vol":"13","page":307},{"text":"على أن يضروك بشيء، لم يكتبه الله عليك، لم يضروك. جفت الأقلام وطويت الصحف\" (^٦٦).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا الحسن بن سوار، حدثنا الليث، عن معاوية، عن أيوب بن زياد، حدثني عُبَادة بن الوليد بن عُبَادة، حدثني أبي قال: دخلتُ على عبادة وهو مريض أتخايل فيه الموت، فقلت: يا أبتاه، أوصني واجتهد لي. فقال: أجلسوني. فلما أجلسوه قال: يا بني، إنك لم تَطْعَم طَعْم الإِيمان، ولم تبلغ حَقّ حقيقة العلم بالله، حتى تؤمن بالقدر خيره وشره. قلت: يا أبتاه، وكيف لي أن اعلم ما خيرُ القدر وشره؟ قال: تعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وما أصابك لم يكن ليخطئك. يا بني، إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"إن أول ما خلق الله القلم. ثم قال له: اكتب. فجرى في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة\". يا بني، إن متّ ولستَ على ذلك دخلتَ النار (^٦٧).\nورواه الترمذي عن يحيى بن موسى البلخي، عن أبي داود الطيالسي، عن عبد الواحد بن سليم، عن عطاء بن أبي رباح، عن الوليد بن عبادة، عن أبيه (^٦٨). أو [¬١] قال: حسن صحيح غريب.\nوقال سفيان الثوري، عن منصور، عن ربعي بن خراش، عن رجل، عن علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا يؤمن عبد [¬٢] حتى يؤمن بأربع: يشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، بعثني بالحق [ويؤمن بالموت] [¬٣]، ويؤمن بالبعث بعدى الموت، ويؤمن بالقدر خيره وشره\". وكذا رواه الترمذي من حديث النضر بن شميل، عن شعبة، عن منصور، به. ورواه من حديث أبي داود الطيالسي، عن شعبة، عن منصور، عن ربعي، عن علي فذكره (^٦٩) وقال: هذا عندي أصح.\n_________\n(^٦٦) - أخرجه أحمد (٤/ ٢٣٣) (٢٦٦٩). والترمذي في كتاب: صفة القيامة، باب: ولكن يا حنظلة ساعة وساعة، حديث (٢٥١٨) (٧/ ٢٠٣ - ٢٠٤). كلاهما من طريق ليث بن سعد عن قيس بن الحجاج عن حنش الصنعاني عن ابن عباس ﵁ به.\n(^٦٧) - أخرجه أحمد (٥/ ٣١٧) (٢٢٨٠٨). وهو حديث حسن.\n(^٦٨) - أخرجه الترمذي في كتاب: القدر، باب: (١٧)، حديث (٢١٥٦). وفي إسناده عبد الواحد بن سليم: ضعيف. قال الترمذي: وهذا حديث غريب. وقد أخرجه أبو داود مختصرًا برقم (٤٧٠٠) من طريق آخر، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود برقم (٣٩٣٣).\n(^٦٩) - أخرجه الترمذي في كتاب: القدر، باب: ما جاء في الإيمان بالقدر خيره وشره، حديث =\n_________\n[¬١]- سقط من ز.\n[¬٢]- في خ: أحد.\n[¬٣]- سقط من ز، خ.","vol":"13","page":308},{"text":"وكذا رواه ابن ماجة من حديث شريك، عن منصور، عن ربعي، عن علي به (^٧٠).\nوقد ثبت في صحيح مسلم، من رواية عبد الله بن [وهب وغيره، عن أبي هانيء الخَوْلاني، عن أبي عبد الرحمن الحُبُلي، عن عبد الله بن] [¬١] عمرو قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن الله كتب مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة\". زاد ابن وهب: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ (^٧١). ورواه الترمذي وقال: حسن صحيح غريب (^٧٢).\nوقوله: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إلا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾. وهذا إخبار عن نفوذ مشيئته في خلقه كما أخبر بنفوذ قَدره فيهم، فقال: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إلا وَاحِدَةٌ﴾، أي: إنما نأمر بالشيء مرة واحدة، لا نحتاج إلى تأكيد بثانية، فيكون ذلك الذي نأمر به حاصلًا موجودًا كلمح البصر، لا يتأخر طرفة عين، وما أحسن ما قال بعض الشعراء:\nإذَا ما أرَادَ الله أمْرًا فَإِنَّمَا … يَقُولُ لهُ: كُن، قَولَةً فَيَكُونُ\nوقوله: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ﴾، يعني: أمثالكم وسلفكم من الأمم السالفة الكذبين بالرسل، ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾، أي: فهل من متعظ بما أخزى الله أولئك، وقدر لهم من العذاب. كما قال تعالى: (﴿وَحِيلَ بَينَهُمْ وَبَينَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ﴾.\nوقوله: ﴿وَكُلُّ شَيءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ﴾، أي: مكتوب عليهم في الكتب التي بأيدي الملائكة ﵈ ﴿وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ﴾، أي [¬٢]: من أعمالهم ﴿مُسْتَطَرٌ﴾، أي: مجموع عليهم ومسطر في صحائفهم، لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها.\nوقد قال الإِمام أحمد: حدثنا أبو عامر، حدثنا سعيد بن [مسلم بن بَانَكَ [¬٣]] [¬٤]:\n_________\n= (٢١٤٦) من طريق أبي داود والنضر كلاهما عن شعبة. وإسناده صحيح. وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (١٧٤٤ - ٢٢٤٦).\n(^٧٠) - أخرجه ابن ماجة في المقدمة برقم (٨١) من طريق شريك عن منصور (١/ ٣٢).\n(^٧١) - أخرجه مسلم في كتاب: القدر، باب: حجاج آدم وموسى ﵉ حديث (١٦/ ٢٦٥٣) (١٦/ ٣١٠ - ٣١١).\n(^٧٢) - أخرجه الترمذي في كتاب: القدر، باب: (١٨)، حديث (٢١٥٧) (٦/ ٣٢٦) من طريق حيوة بن شريح عن أبي هانئ - بنحو حديث مسلم.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من ز، خ.\n[¬٢]- سقط من ز.\n[¬٣]- في خ: ماهك.\n[¬٤]- ما بين المعكوفين في ز: \"سلم بن ماهك\".","vol":"13","page":309},{"text":"سمعت عامر بن عبد الله بن الزبير، حدثني عوف بن الحارث - وهو ابن أخي عائشة لأمها - عن عائشة أن رسول الله، ﷺ، كان يقول: \"عائشة، إياك ومحقرات الذنوب؛ فإن لها من الله طالبًا\". (^٧٣) ورواه النسائي وابن ماجة من طريق سعيد بن مسلم بن بانك [¬١] المدني (^٧٤). وثقه أحمد وابن معين، وأبو حاتم وغيرهم.\nوقد رواه الحافظ ابن عساكر في ترجمة سعيد بن مسلم هذا من وجه آخر، ثم قال سعيد: فحدثت بهذا الحديث عامر بن هشام فقال لي: ويحك يا سعيد بن مسلم! لقد حدثني سليمان بن المغيرة أنه عمل ذنبا فاستصغره، فأتاه آت في منامه فقال له: يا سليمان:\nلا تَحْقِرَنَّ من الذنوب صغيرًا … إن الصغيرَ غَدًا يَعُودُ كَبيرًا\nإن الصَّغيرَ وَلَو تَقَادَمَ عَهْدُهُ … عندَ الإلَه مُسَطَّرٌ تَسْطيرًا\nفَازْجُرْ هَوَاكَ عَن البَطَالة، لا تَكُنْ … صَعْبَ القيَاد، وَشَمِّرَنْ تَشْميرًا\nإن المُحَبَّ إذَا أحبَّ إلهَهُ … طَارَ الفُؤادُ وَأُلهِم التَّفْكِيرَا\nفَاسْألْ هدَايَتَك الإله بِنِيَّة … فَكَفَى بِرَبّكَ هَاديًا وَنَصِيرًا (^٧٥)\nوقوله: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ﴾، أي: بعكس ما الأشقياء فيه من الضلال والسعر، والسحب في النار على وجوههم، مع التوبيخ والتقريع والتهديد.\nوقوله: ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ﴾، أي: في دار كرامة الله ورضوانه وفضله، وامتنانه وجوده وإحسانه، ﴿عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾، أي: عند الملك العظيم الخالق للأشياء كلها ومقدرها، وهو مقتدر على ما يشاء مما يطلبون ويريدون، وقد قال الإِمام أحمد:\nحدثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن عمرو بن أوس، عن عبد الله بن عَمْرو - يَبلُغُ به النبي ﷺ قال: \"المقسطون عند الله [يوم القيامة] [¬٢] على منابر من نور، عن يمين الرحمن، وكلتا يديه يمين، الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا\" (^٧٦).\n_________\n(^٧٣) - أخرجه أحمد (٦/ ١٥١). وفي إسناده عوف بين الحارث بن الطفيل، قال الحافظ: مقبول.\n(^٧٤) - أخرجه النسائي في الكبرى في كتاب الرقائق كما في تحفة الأشراف للمزي (١٢/ ٢٥٠).\nوابن ماجة في كتاب: الزهد، باب: ذكر الذنوب، حديث (٤٢٤٣) (٢/ ١٤١٧).\nقال في الزوائد: إسناده صحيح، رجاله ثقات. وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (٥١٣).\n(^٧٥) - أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٧/ ٣٥٣) وانظر السابق.\n(^٧٦) - أخرجه أحمد (٢/ ١٦٠).\n_________\n[¬١]- في خ: ماهك.\n[¬٢]- سقط من ز، خ.","vol":"13","page":310},{"text":"انفرد بإخراجه مسلم والنسائي من حديث سفيان بن عيينة بإسناده مثله (^٧٧)\nآخر تفسير سورة \"اقتربت\" ولله الحمد والمنة، وبه التوفيق والعصمة.\n[] [¬١]\n* * *\n_________\n(^٧٧) - مسلم في كتاب: الإمارة، باب: فضيلة الإمام العادل، وعقوبة الجائر، حديث (١٨/ ١٨٢٧) (١٢/ ٢٩١).\nوالنسائي في الكبرى في كتاب الفضاء، باب: فضل الحاكم العادل، حديث (٥٩١٦) (٣/ ٤٦٠).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفين في ز: \"وصل الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم، وحسبنا الله ونعم الوكيل، يتلوه إن شاء الله تعالى في أول السابع تفسير سورة الرحمن ﷿ والحمد لله رب العالمين\".\nوفي خ: \"وحسبنا الله ونعم الوكيل، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم، وهذا آخر الجزء السادس من تفسير الإمام ابن كثير ويتلوه إن شاء الله الجزء السابع من أول تفسير سورة الرحمن، والحمد لله رب العالمين - آمين\".","vol":"13","page":311},{"text":"﷽\nرب أعن على إتمامه]\n\n<span data-type='title' id=toc-176>تفسير سورة الرحمن [وهي مدنية]</span> [¬١]\nقال الإِمام أحمد (^١): حدثنا عفان، حدثنا حماد، عن عاصم، عن زرٍّ؛ أن رجلًا قال [لابن مسعود] [¬٢]: كيف تعرف هذا الحرف: (ماء غير ياسن) أو آسن؟ قال: كل القرآن قد قرأتُ. قال: إني لأقرأ المفصل أجمعُ [¬٣] في ركعة واحدة. فقال: أهذًّا كهذ الشعر. لا أبا لك؟ قد علمت قرائن النبي ﷺ التي كان يَقْرنُ قرينتين قرينتين من أول المفصل، وكان أول مفصل ابن مسعود ﴿الرَّحْمَنُ﴾.\nوقال أبو عيسى الترمذي (^٢): حدثنا [عبد الرحمن بن واقد أبو مسلم] [¬٤]، حدثنا الوليد بن مسلم، عن زهير بن محمد، عن محمد بن المنكدر، عن جابر، قال: خرج رسول الله ﷺ على أصحابه فقرأ عليهم \"سورة الرحمن\"، من أولها إلى آخرها، فسكتوا فقال: \"لقد قرأتها على الجن ليلة الجن، فكانوا أحسن مَردُودًا منكم، كنت كلما أتيت على قوله: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾، قالوا: لا بشيء من نعمك - رَبَّنا - نكذب، فلك الحمد\".\nثم قال: هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث الوليد بن مسلم، عن زهير بن محمد. ثم حكي عن الإِمام أحمد أنه كان لا يعرفه، ينكر رواية أهل الشام عن زهير بن محمد هذا.\n_________\n(^١) - إسناده حسن، أخرجه أحمد (١/ ٤١٢) برقم (٣٩١٠). وقد صححه الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على المسند.\n(^٢) - حسن، أخرجه الترمذي في كتاب: تفسير القرآن، باب: ومن سورة الرحمن، حديث (٣٢٨٧)، وأخرجه الحاكم (٣/ ٤٧٣)، والبيهقي في الدلائل (٢/ ٢٣٢) من طريق عبد الرحمن بن واقد به، وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين. وقال أبو عيسى الترمذي: وسمعت محمد بن إسماعيل البخاري يقول: أهل الشام يروون عن زهير بن محمد مناكير، وأهل العراق يروون عنه أحاديث مقاربة. والحديث حسنه الشيخ الألباني في الصحيحة (٢١٥٠) بطرقه.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: وهي مكية.\n[¬٢]- سقط من ز، خ.\n[¬٣]- سقط من ز، خ.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين في خ: \"واقد حدثنا عبد الرحمن بن مسلم\".","vol":"13","page":312},{"text":"ورواه الحافظ أبو بكر البزار، عن عمرو بن مالك، عن الوليد بن مسلم. وعن عبد الله بن أحمد بن شَبويه، عن هشام بن عمار [¬١] كلاهما [¬٢] عن الوليد بن مسلم به. ثم قال: لا نعرفه يروى إلا من هذا الوجه.\nوقال أبو جعفر بن جرير (^٣): [حدثنا محمد بن عباد بن موسى وعمرو بن مالك البصري قالا] [¬٣] حدثنا يحيى بن سليم، عن إسماعيل بن أمية، عن نافع، عن ابن عمر؛ أن رسول الله ﷺ قرأ \"سورة الرحمن\" -أو: قُرئَت عنده- فقال: \"ما لي أسمع الجن أحسن جوابًا لربها منكم؟ \". قالوا: وما ذاك يا رسول الله؟ قال: \"ما أتيت على قول الله: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ إلا قالت الجن: لا بشيء [من نعمة] [¬٤] ربنا نكذّب.\nورواه الحافظ البزار، عن عمرو بن مالك به. ثم قال: \"لا نعلمه يروى عن النبي ﷺ إلا من هذا الوجه، بهذا الإِسناد.\n﴿الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (٤) الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ (٥) وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ (٦) وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ (٧) أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ (٨) وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ (٩) وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ (١٠) فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ (١١) وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيحَانُ (١٢) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (١٣)﴾\nيخبر تعالى عن فضله ورحمته بخلقه؛ أنه أنزل على عباده القرآن، وييسر حفظه وفهمه على من رحمه، فقال: ﴿الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾. قال الحسن: يعني النطق. وقال الضحاك، وقتادة، وغيرهما: يعني الخير والشر. وقول الحسن هاهنا أحسن وأقوى؟ لأن السياق في تعليمه تعالى القرآن، وهو أداء تلاوته، وإنما يكون ذلك بتيسير النطق على الخلق، وتسهيل خروج الحروف من مواضعها، من الحلق واللسان\n_________\n(^٣) - تفسير الطبري (٢٧/ ١٢٣ - ١٢٤). وأخرجه البزار كما في مجمع الزوائد (٧/ ١٢٠)، وهو حديث حسن بالذي قبله.\n_________\n[¬١]- في ت: \"عمارة\".\n[¬٢]- في ت: \"كليهما\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفين سقط من: ت.\n[¬٤]- سقط من ز، خ.","vol":"13","page":313},{"text":"والشفتين، على اختلاف مخارجها وأنواعها.\nوقوله: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾، أي: يجريان متعاقبين بحساب مُقنَّن لا يختلف ولا يضطرب، ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ [¬١] اللَّيلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾.\nوعن عكرمة أنه قال: لو جعل الله نور جميع أبصار الإنس والجن والدواب والطير في عيني عبد، ثم كشف حِجابًا واحدًا من سبعين حجابًا دونَ الشمس، لما استطاع أن ينظر إليها. و[نور] [¬٢] الشمس جزء من سبعين جزءًا من نور الكرسي، ونور الكرسي جزء من سبعين جزءًا من نور العرش، ونور العرش جزء من سبعين جزءًا من نور الستر. فانظر ماذا أعطى الله عبده من النور في عينيه [وقت] [¬٣] النظر إلى وجه ربه الكريم عيانًا. رواه ابن أبي حاتم.\nوقوله: ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾. قال ابن جرير: اختلف المفسرون في معنى قوله: ﴿وَالنَّجْمُ﴾ بعد إجماعهم على أن الشجر ما قام على ساق، فروى علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس؛ قال: النجم ما انبسط على وجه الأرض -يعني من النبات. وكذا قال سعيد بن جبير والسدي، وسفيان الثوري، وقد اختاره ابن جرير ﵀.\nوقال مجاهد: النجم الذي في السماء. وكذا قال الحسن، وقتادة. وهذا القول هو الأظهر، والله أعلم، لقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ. .﴾ الآية.\nوقوله: ﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ﴾، يعني العدل، كما قال: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾. وهكذا قال هاهنا: ﴿أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ﴾ أي: خلق السماوات والأرض بالحق والعدل، لتكون الأشياء كلها بالحق والعدل.\nولهذا قال: ﴿وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ﴾، أي: لا تبخسوا الوزن، بل زنوا بالحق والقسط، كما قال: ﴿وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ﴾.\n_________\n[¬١]- في ت: \"وجاعل\".\n[¬٢]- سقط من ز، خ.\n[¬٣]- سقط من ز، خ.","vol":"13","page":314},{"text":"وقوله: ﴿وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ﴾، أي: كما رفع السماء وضع الأرض ومَهَدها، وأرساها بالجبال الراسيات الشامخات، لتستقر لما على وجهها من الأنام، وهم: الخلائق المختلفة أنواعهم وأشكالهم وألوانهم وألسنتهم، في سائر أقطارها وأرجائها.\nقال ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، وابن زيد: الأنام: الخلق. ﴿فِيهَا فَاكِهَةٌ﴾، أي: مختلفة الألوان والطعوم والروائح، ﴿وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ﴾: أفرده بالذكر لشرفه ونفعه [¬١]، رطبًا ويابسًا. والأكمام قال ابن جريج، عن ابن عباس-: هي [¬٢] أوعية الطلع. وهكذا قال غير واحد من المفسرين، وهو الذي يطلع فيه القنو ثم ينشق عن العنقود، فيكون بسرًا، ثم رطبًا، ثم ينضج ويتناهى نفعه [¬٣] واستواؤه.\nقال ابن أ بي حاتم: ذُكرَ عن عمرو بن علي الصيرفي؛ حدثنا أبو قتيبة، حدثنا يونس بن الحارث الطائفي، عن الشعبي قال: كتب قيصر إلى عمر بن الخطاب، أخبرك أن رسلي أتتني من قبلك، فزعمت أن قبلكم شجرة ليست بخليقة لشئ من الخير، تخرج مثل آذان الحمير، ثم تشقق مثل اللؤلؤ، ثم تخضر فتكون مثل الزمرّد الأخضر، ثم تحمر فتكون كالياقوت الأحمر، ثم تينع وتنضُج فتكون كأطيب كالوذج أكل، ثم تيبس فتكون عصْمَةً للمقيم وزادًا للمسافر، فإن تكن رسلي صدقتني فلا أرى هذه الشجرة إلا من شجر الجنة. فكتب إليه عمر بن الخطاب: من عمر أمير المؤمنين إلى قيصر ملك الروم: إن رسلك قد صَدَقُوكَ، هذه الشجرة عندنا، وهي الشجرة التي أنبتها الله على مريم حين نفست بعيسى ابنها، فاتق الله ولا تتخذ عيسى إلهًا من دون الله فإن ﴿مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَال لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٩) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ (^٤).\nوقيل: الأكمام: رفاتها، وهو الليف الذي على عنق النخلة. وهو قول الحسن وقتادة.\n﴿وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيحَانُ﴾، قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ﴾، يعني: التبن.\nوقال العوفي عن ابن عباس: ﴿العصف﴾: ورق الزرع الأخضر الذي قطع رءوسه، فهو يسمى العصف، إذا يبس. وكذا قال قتادة والضحاك. وأبو مالك: عصفه: تبنه.\nوقال ابن عباس، ومجاهد، وغير واحد: ﴿والريحان﴾، يعني: الورق.\n_________\n(^٤) - في إسناده يونس بن الحارث الطائفي وهو ضعيف.\n_________\n[¬١]- في ز: \"ونعه\".\n[¬٢]- في ز: \"هو\".\n[¬٣]- في ت: \"ينعه\".","vol":"13","page":315},{"text":"وقال الحسن: هو ريحانكم هذا. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: ﴿وَالرَّيحَانُ﴾: خضر الزرع.\nومعنى هذا - والله أعلم - أن الحب كالقمح والشعير ونحوهما له في حال نباته عصف، وهو: ما على السنبلة، وريحان، وهو: الورق الملتف على ساقها.\nوقيل: العصف: الورق أول ما ينبت الزرع بقلًا. والريحان: الورق، يعني: إذا أدجن وانعقد فيه الحب. كما قال زيد بن عمرو بن نفيل في قصيدته المشهورة:\n[وقولا له: مَنْ يُنْبِتُ الحَبَّ في الثَّرى … فيُصْبحَ منه البقلُ يَهْتَزّ رَابيا؟] [¬١]\nوَيُخْرجُ منْه حَبَّه في رُءُوسه؟ … فَفي ذَاك آياتٌ لمن كَانَ وَاعيا\nوقوله: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾، أي: فبأي الآلاء - يا معشر الثقلين، من الإنس والجن - تكذبان؟ قاله مجاهد، وغير واحد. ويدل عليه السياق بعده، أي: النِّعَمُ ظاهرة عليكم وأنتم مغمورون بها، لا تستطعون إنكارها ولا جحودها، فنحن نقول كما قالت الجن المؤمنون: اللهم، ولا بشيء من آلائك ربنا نكذب، فلك الحمد. وكان [¬٢] ابن عباس يقول: لا، بأيها [¬٣] يا رب. أي: لا نكذب بشيء منها.\nقال الإِمام أحمد: حدثنا يحيى بن إسحاق، حدثنا ابن لَهِيعة، عن أبي الأسود، عن عروة، عن أسماء بنت أبي بكر، قالت: سمعت رسول الله ﷺ وهو يقرأ، وهو يصلي نحو الركن قبل أن يَصْدَع بما يؤمر، والمشركون يستمعون [¬٤]: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ (^٥).\n﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ (١٤) وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ (١٥) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (١٦) رَبُّ الْمَشْرِقَينِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَينِ (١٧) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (١٨) مَرَجَ الْبَحْرَينِ يَلْتَقِيَانِ (١٩) بَينَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ (٢٠) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٢١) يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ (٢٢) فَبِأَيِّ آلَاءِ\n_________\n(^٥) - المسند (٦/ ٣٤٩) (٢٧٠٦٧)، قال الهيثمي في \"المجمع\" (٧/ ١٢٠): رواه أحمد وفيه ابن لهيعة، وفيه ضعف وحديثه حسن، وبقية رجاله رجال الصحيح.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفين سقط من ز، خ.\n[¬٢]- في خ: وقال.\n[¬٣]- في ز: \"ما بها\" هكذا بدون نقط.\n[¬٤]- في ز: \"يسمعون\".","vol":"13","page":316},{"text":"رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٢٣) وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ (٢٤) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٢٥)﴾\nيذكر تعالى خَلْقَه الإِنسان من صلصال كالفخار، وخلقه الجان من مارج من نار، وهو: طرف لهبها. قاله الضحاك، عن ابن عباس. وبه يقول عكرمة ومجاهد، والحسن وابن زيد.\nوقال العوفي، عن ابن عباس: ﴿مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ﴾: من لهب النار، من أحسنها.\nوقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ﴾: من خالص النار.\nوكذا قال عكرمة، ومجاهد، والضحاك، وغيرهم.\nوقال الإمام أحمد (^٦): حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، قالت: قال رسول الله، ﷺ: \"خُلقت الملائكة من نور، وخُلق الجان من مارج [من نار] [¬١]،، وخلق آدم مما وصف لكم\".\nورواه مسلم عن محمد بن رافع وعبد بن حميد كلاهما [¬٢] عن عبد الرزاق به (^٧).\nوقوله: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾، تقدم تفسيره. ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَينِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَينِ﴾، يعني مشرقي الصيف والشتاء، ومغربي الصيف والشتاء. وقال في الآية الأخرى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ﴾، وذلك باختلاف مطالع الشمس وتنقلها في كل يوم، وبروزها منه إلى الناس. وقال في الآية الأخرى: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إلا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا﴾، وهذا المراد منه جنس المشارق والمغارب، [ولما كان في اختلاف هذه المشارق والمغارب] [¬٣] مصالح للخلق من الجن والإنس قال: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾.\nوقوله: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَينِ يَلْتَقِيَانِ﴾ قال ابن عباس: أي: أرسلهما.\n_________\n(^٦) - المسند أحمد (٦/ ١٥٣) (٢٥٣٠٣).\n(^٧) - مسلم في كتاب: الزهد، باب: في أحاديث متفرقة، حديث (٦٠/ ٢٩٩٦) (١٨/ ١٦٧). وعبد بن حميد (١٤٧٩ - منتخب).\n_________\n[¬١]- سقط من ز، خ.\n[¬٢]- في ت: \"كليهما\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من خ.","vol":"13","page":317},{"text":"[وقوله: ﴿يَلْتَقِيَانِ﴾ قال ابن زيد: أي منعهما أن يلتقيا، بما جعل بينهما من البرزخ الحاجز الفاصل بينهما] [¬١].\nوالمراد بقوله: ﴿الْبَحْرَينِ﴾: الملح والحلو، فالحلو [¬٢] هذه الأنهار السارحة بين الناس. وقد قدمنا الكلام على ذلك في \"سورة الفرقان\" عند قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَينِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَينَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا﴾. وقد اختار ابن جرير هاهنا أن المراد بالبحرين: بحر السماء وبحر الأرض. وهو يروى [¬٣] عن مجاهد، وسعيد بن جبير، وعطية، وابن أبزى.\nقال ابن جرير: لأن اللؤلؤ يتولد من ماء السماء وأصداف بحر الأرض.\nوهذا وإن كان هكذا ليس المراد ما ذهب إليه؛ فإنه لا يساعده اللفظ، فإنه تعالى قد قال: ﴿بَينَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ﴾، أي: وجعل بينهما برزخًا، وهو: الحاجز من الأرض، لئلا يبغي هذا على هذا، [وهذا على هذا] [¬٤] فيُفسد كل واحد منهما الآخر، ويزيله عن صفته التي هي مقصودة منه. وما بين السماء والأرض لا يسمى برزخًا وحجرًا محجورًا.\nوقوله: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾، أي: من مجموعهما، فإذا وُجدَ ذلك لأحدهما كفى، كما قال تعالى: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾. والرسل إنما كانوا في الإِنس خاصة دون الجن، وقد صح هذا الإِطلاق.\nواللؤلؤ [معروف] [¬٥]، وأما المرجان فقيل: هو] [¬٦] غار اللؤلؤ.\nقاله مجاهد [وقتادة] [¬٧]، وأبو رزين والضحاك. وروي عن علي.\nوقيل: كباره وجَيِّده. حكاه ابن جرير عن بعض السلف. ورواه ابن أبي حاتم عن الربيع بن أنس، وحكاه عن السدي، عمن حدثه، عن ابن عباس. وروى مثله عن علي، ومجاهد أيضًا، ومرة [¬٨] الهمداني.\nوقيل: هو نوع من الجواهر أحمر اللون.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفين سقط من ز، خ.\n[¬٢]- سقط من خ.\n[¬٣]- في ت: \"مروي\".\n[¬٤]- سقط من خ.\n[¬٥]- في ز: \"فردق\".\n[¬٦]- ما بين المعكوفين في خ: \"ورق والمرجان يقبل هذا\".\n[¬٧]- سقط من ز، خ.\n[¬٨]- بياض في ز. وفي خ: وقال.","vol":"13","page":318},{"text":"قال [السدي] [¬١]: عن أبي مالك، عن مسروق، عن عبد الله قال: المرجان: الخرز الأحمر. قال السدي: وهو البسَّذ [¬٢] بالفارسية.\nوأما قوله: ﴿وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ [¬٣] حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ فاللحم من كل من [¬٤] الأجاج والعذب، والحلية إنما هي من الملح دون العذب.\nقال ابن عباس: ما سقطت قط قطرة من السماء في البحر، فوقعت في صدفة إلا صار منها لؤلؤة. وكذا قال عكرمة، وزاد: فإذا لم تقع في صَدَفة نبتت بها عَنْبَرة. ورُوي من غير وجه عن ابن عباس نحوه.\nوقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا سفيان، عن الأعمش عن عبد الله بن عبد الله، عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس؛ قال: إذا أمطرت السماء، فتحت الأصداف في البحر أفواهها، فما وقع فيها - يعني من قطر - فهو اللؤلؤ.\nإسناده صحيح، ولما كان اتخاذ هذه الحلية نعمة على أهل الأرض، امتن بها عليهم فقال: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾.\n[وقوله: ﴿وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَآتُ﴾ يعني: السفن التي تجري في البحر، قال مجاهد: ما رفع قلعه من السفن فهي مُنْشأة، وما لم يرفع قلعه فليس بمنشأة. وقال قتادة: ﴿الْمُنْشَآتُ﴾: يعني المخلوقات. وقال غيره: المنشآت -بكسر الشين-: يعني البادئات.\n﴿كَالْأَعْلَامِ﴾، أي: كالجبال في كبرها، وما فيها من المتاجر والمكاسب المنقولة من قطر إلى قطر، وإقليم إلى إقليم، مما فيه صلاح للناس في جَلْب ما يحتاجون إليه من سائر أنواع البضائع، ولهذا قال: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾] [¬٥].\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد بن سلمة، حدثنا العَرَارُ [¬٦] بن سُوَيد، عن عميرة بن سعد [¬٧] قال: كنت مع علي بن أبي طالب ﵁ على شاطئ الفرات، إذ أقبلت سفينة مرفوع شراعها، فبسط عليٌّ يديه ثم قال: يقول الله ﷿: ﴿وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ﴾. والذي أنشأها\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"ابن عياش\".\n[¬٢]- في ز: \"الكسد\". وفي خ: \"الكسر\".\n[¬٣]- في ز: منه.\n[¬٤]- سقط من خ.\n[¬٥]- ما بين المعكوفين سقط من خ.\n[¬٦]- في خ: الفزار.\n[¬٧]- في ز: \"سويد\".","vol":"13","page":319},{"text":"تجري في بحوره ما قتلتُ عثمان، ولا مالأت [¬١] على قتله.\n﴿كُلُّ مَنْ عَلَيهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٢٧) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٢٨) يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ (٢٩) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٣٠)﴾\nيخبر تعالى أن جميع أهل الأرض سيذهبون ويموتون أجمعون، وكذلك أهل السماوات، إلا من شاء الله، ولا يبقى أحد سوى وجهه الكريم، فإن الرب تعالى وتقدس لا يموت، بل هو الحي الذي لا يموت أبدًا.\nقال قتادة: أنبأ بما خلق، ثم أنبأ أن ذلك كله فإن [¬٢].\nوفي الدعاء المأثور: يا حي، يا قيوم، يا بديع السماوات والأرض، يا ذا الجلال والإِكرام، لا إله إلا أنت، برحمتك نستغيث، أصلح لنا شأننا كله، ولا تكلنا إلى [أنفسنا طرفة عين، ولا إلى] [¬٣] أحد من خلقك.\nوقال الشعبي: إذا قرأت: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيهَا فَانٍ﴾ فلا تسكن [¬٤] حتى تقرأ: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾.\nوهذه الآية كقوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيءٍ هَالِكٌ إلا وَجْهَهُ﴾ \". وقد نعت تعالى وجهه الكريم في هذه الآية الكريمة بأنه ﴿ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾، أي: هو أهل أن يجل فلا يعصى، وأن يطاع فلا يخالف، كقوله: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾. وكقوله إخبارًا عن المتصدقين: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ﴾ \".\nقال ابن عباس: ﴿ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾: ذو العظمة والكبرياء.\nولما أخبر عن تساوي أهل الأرض كلهم في الوفاة، وأنهم سيصيرون إلى الدار الآخرة، فيحكم فيهم ذو الجلال والإِكرام بحكمه [¬٥] العدل قال: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾.\nوقوله: ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾، وهذا إخبار عن\n_________\n[¬١]- في ز: \"ساءلت\".\n[¬٢]- في ت: كان.\n[¬٣]- سقط من ز، خ.\n[¬٤]- في خ: تسكت.\n[¬٥]- في ز، خ: \"بعلمه\".","vol":"13","page":320},{"text":"غناه عما سواه، وافتقار الخلائق إليه في جميع الآنات، وأنهم يسألونه بلسان حالهم وقالهم، وأنه كل يوم هو في شأن.\nقال الأعمش عن مجاهد، عن عبيد بن عُمير: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ قال: من شأنه أن يجيب داعيًّا، أو [¬١] يعطي سائلًا أو يفك عانيًا، أو يشْفي سَقيمًا.\nوقال ابن أبي نَجيح، عن مجاهد، قال: كل يوم هو يجيب داعيًا، ويكشف كربًا، ويجيب مضطرًا، ويغفر ذنبًا.\nوقال قتادة: لا يستغني عنه أهل السماوات والأرض، يُحيي حَيًّا، ويميت ميتًا، ويربي صغيرًا، ويفك أسيرًا، وهو مُنتَهَى حاجات الصالحين وصريخهم، ومنتهى شكواهم.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا [¬٢] أبو اليمان الحمصي، حدثنا حريز [¬٣] بن عثمان، عن سويد بن جَبَلة -هو الفزاري- قال: إن ربكم كل يوم هو في شأن، فيعتق رقابًا، ويُعطي رغابًا، ويقحم عقابًا (^٨).\nوقال ابن جرير: حدثني عبد الله بن محمد بن عمرو [¬٤] الغُزي [¬٥]، حدثني إبراهيم بن محمد بن يوسف الفريابي، حدثني عمرو بن بكر السكسكي، حدثنا الحارث بن عبدة بن رباح الغساني، عن أبيه، عن مُنيب بن عبد الله بن مُنيت الأزدي، عن أبيه، قال: تلا رسول الله ﷺ هذه الآية: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾، فقلنا: يا رسول الله، وما ذاك الشأن؟ قال: \"أن يغفر ذنبًا، ويفرج كربًا، ويرفع قومًا، ويضع آخرين\" (^٩).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا هشام بن عمار، وسليمان بن أحمد الواسطي؛ قالا: حدثنا الوزير بن صَبيح الثقفي أبو روح الدمشقي - والسياق لهشام - قال: سمعت يونس [¬٦] ابن ميسرة بن حَلْبَس يحدث عن أم الدرداء، عن أبي الدرداء، عن النبي صلى الله\n_________\n(^٨) - عزاه السيوطي في الدر (٦/ ١٥٩) إلى عبد بن حميد.\n(^٩) - أخرجه الطبري (٢٧/ ١٣٥). وأخرجه البزار كما في مختصر ابن حجر (٢/ ١١١) (١٥١٦) من طريق عمرو، وقال: في الإسناد مجاهيل. قال الهيثمي في \"المجمع\" (٧/ ١٢٠): رواه الطبراني في الكبير والأوسط والبزار، وفيه من لم أعرفهم.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"و\".\n[¬٢]- سقط من خ.\n[¬٣]- في ز: \"جرير\".\n[¬٤]- في ز: \"عمر\".\n[¬٥]- في ز، خ: \"العبدي\".\n[¬٦]- في ز: \"يوسف\".","vol":"13","page":321},{"text":"عليه وسلم؛ قال: \"قال الله ﷿: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾، قال: من شأنه أن يغفر ذنبًا، ويفرج كربًا، ويرفع قومًا، ويضع آخرين\" (^١٠).\nوقد رواه ابن عساكر من طرق متعددة، عن هشام بن عمار به. ثم ساقه من حديث أبي [همام] [¬١] الوليد بن شجاع عن الوزير بن صبيح؛ قال: [ودلّنا] [¬٢] عليه الوليد بن مسلم، عن مُطرف، عن الشعبي، عن أم الدرداء، عن أبي الدرداء، عن النبي ﷺ … فذكره (^١١). قال: والصحيح الأول. يعني: إسناده الأول.\nقلت: وقد روي موقوفًا كما [] [¬٣] علقه البخاري بصيغة الجزم، فجلعه من كلام أبي الدرداء، فالله أعلم (^١٢).\nوقال البزار: حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا محمد بن الحارث، حدثنا محمد بن عبد الرحمن بن البيلماني [¬٤]، عن أبيه، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾، قال: \"يغفر ذنبًا، ويكشف كربًا\" (^١٣).\nثم قال ابن جرير: وحدثنا أبو كريب، حدثنا عبيد [¬٥] الله بن موسى، عن أبي حمزة [¬٦] الثمالي [¬٧]، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، أن الله خلق لوحًا محفوظًا من درة بيضاء، دفتاه ياقوتة حمراء، قلمه نور، وكتابته [¬٨] نور، عرضه ما بين السماء والأرض،\n_________\n(^١٠) - والحديث أخرجه ابن ماجة برقم (٢٠٢)، وفي الزوائد: إسناده حسن. والطبراني الأوسط (٣١٤٠). والوزير فيه ضعف. وانظر تغليق التعليق (٤/ ٣٣٣).\n(^١١) - تاريخ ابن عساكر (١٨/ ٧٧١ - مخطوط).\n(^١٢) - أخرجه البخاري في الصحيح في تفسير سورة الرحمن (٨/ ٦٢٠).\nووصله البيهقي في الشعب (٢/ ٣٦) (١١٠٢) قال: أخبرنا أبو نصر بن قتادة، أنا أبو عمرو بن مطر، قال: أنا جعفر بن محمد بن الحسن بن المستفاض، ثنا إبراهيم بن المستفاض، ثنا إبراهيم بن هشام، ثنا سعيد بن عبد العزيز التنوخي، عن إسماعيل بن عبيد الله، عن أم الدرداء قالت: قال أبو الدرداء … فذكره، وإبراهيم بن هشام هو ابن يحيى الغسان، قال أبو حاتم: كذاب. \"الجرح والتعديل\" (٢/ ١٤٣).\n(^١٣) - أخرجه البزار كما في مختصر ابن حجر (٢/ ١١١) (٥/ ١٥) وقال: البيلماني ضعيف. وكذا ضعفه ابن حجر كما في التقريب.\n_________\n[¬١]- سقط من ز، خ.\n[¬٢]- بياض في ز. وسقط من خ.\n[¬٣]- في ز، خ.\n[¬٤]- في ز: \"السلماني\".\n[¬٥]- في ز، خ: \"عبد\".\n[¬٦]- في ز: \"حزة\".\n[¬٧]- في ز، خ: \"اليماني\".\n[¬٨]- في ت: \"وكتابه\".","vol":"13","page":322},{"text":"ينظر فيه كل يوم ثلاثمائة وستين نظرة، يخلق في كل نظرة ويحيي ويميت، ويعز ويذل، ويفعل ما يشاء (^١٤).\n﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ (٣١) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٣٢) يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إلا بِسُلْطَانٍ (٣٣) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٣٤) يُرْسَلُ عَلَيكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنْتَصِرَانِ (٣٥) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٣٦)﴾\nقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ﴾، قال: وعيد من الله للعباد، وليس بالله شغل وهو فارغ [¬١]. وكذا قال الضحاك: هذا وعيد. وقال قتادة: قَدْ دَنَا من الله فراغ لخلقه. وقال ابن جريج: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ﴾، أي: سنقضي [¬٢] لكم (^١٥).\nوقال البخاري: سيحاسبكم [¬٣]، لا يشغله شيء عن شيء، وهو معروف في كلام العرب، يقال: لأتفرغَنَّ لك وما به شُغْل، يقول: لآخذنك [¬٤] على غرّتك.\nوقوله: ﴿أَيُّهَ الثَّقَلَانِ﴾ الثقلان: الإنس والجن، كما جاء في الصحيح: \"يسمعها [¬٥] كل شيء إلا العقلين (^١٦). وفي رواية: \"إلا الجن والإنس\". وفي حديث [الصور: \"الثقلان الإِنس والجن] [¬٦] ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ (^١٧).\nثم قال: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ\n_________\n(^١٤) - أخرجه الطبري (٢٧/ ١٣٥). وفي إسناده أبو حمزة الثمالي وهو ثابت بن أبي صفية: ضعيف.\n(^١٥) - البخاري في الصحيح (٨/ ٦٢١).\n(^١٦) - أخرجه البخاري في كتاب: الجنائز، باب: الميت يسمع فرع النعال، حديث (١٣٣٨) (٣/ ٣٠٥)، وطرفه في: [١٣٧٤].\n(^١٧) - في حديث فضل الجمعة من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \" .... وفيه تقوم الساعة والخلائق فيه مصيخة إلا الثقلين: الجن والإنس\". أخرجه أحمد (٥/ ٤٥٣) (٢٣٩٠٤). =\n_________\n[¬١]- في ز: \"فاع\".\n[¬٢]- في ز: \"سنفضى\".\n[¬٣]- في ت: \"سنحاسبكم\".\n[¬٤]- في خ: \"لآخذ\".\n[¬٥]- في ز، خ: \"يسمعه\".\n[¬٦]- ما بين المعكوفين بياض في ز، خ.","vol":"13","page":323},{"text":"فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إلا بِسُلْطَانٍ﴾، أي: لا تستطعون هربًا من أمر الله وقدره، بل هو محيط بكم، لا تقدرون على التخلص من حكمه، ولا النفوذ عن حكمه فيكم، أينما ذهبتم أحيط بكم.\nوهذا في مقام المحشر؛ الملائكة مُحدقَةٌ بالخلائق، سبع صفوف من كل جانب، فلا يقدر أحد على الذهاب. ﴿إلا بِسُلْطَانٍ﴾، أي: إلا بأمر الله، ﴿يَقُولُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَينَ الْمَفَرُّ (١٠) كَلَّا لَا وَزَرَ (١١) إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ﴾.\nوقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيلِ مُظْلِمًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾، ولهذا قال: ﴿يُرْسَلُ عَلَيكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنْتَصِرَانِ﴾.\nقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: الشواظ: هو لهب النار. وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس: الشواظ: الدخان. وقال مجاهد: هو اللهيب الأخضر المنقطع. وقال أبو صالح: الشواظ: هو اللَّهيب الذي فوق النار ودون الدخان. وقال الضحاك: ﴿شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ﴾: سيل من نار.\nوقوله: ﴿وَنُحَاسٌ﴾، قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿وَنُحَاسٌ﴾: دخان النار، ورُوي مثله عن أبي صالح، وسعيد بن جبير، وأبي سنان.\nقال ابن جرير: والعرب تسمي الدخان نُحَاسًا -بضم النون وكسرها-، والقراء [¬١] مجمعة على الضم، ومن النحاس [بمعنى] [¬٢] الدخان قول نابغة بني [¬٣] جعدة:\nيضيء كضوء سراج السليـ … ـطِ لم يجعلِ اللهُ فيه نحاسا\nيعني دخانًا، هكذا قال:\nوقد روى الطبراني من طريق جويبر، عن الضحاك: أن نافع بن الأزرق سأل ابن عباس عن الشواظ فقال: هو اللَّهب [¬٤] الذي لا دخان معه. فسأله شاهدًا على ذلك من اللغة، فأنشده قول أمية بن أبي الصلت في حسَّان:\n_________\n= وأخرجه أبو داود في كتاب الصلاة، كتاب: فضل يوم الجمعة وليلة الجمعة، حديث (١٠٤٦).\nولفظه: \"وما من دابة إلا وهي مسيخة يوم الجمعة من حين تصبح حتى نطلع الشمس شفقا من الساعة إلا الجن والإنس … \". وإسناده صحيح.\n_________\n[¬١]- في ز: \"والقراءة\".\n[¬٢]- في ز: \"يعني الرجال\".\n[¬٣]- سقط من ت.\n[¬٤]- في خ: اللهيب.","vol":"13","page":324},{"text":"ألا من مبلِّغٌ حسَّان عنِّي … مُغَلْغَلْةً تَدُبُّ إلى عُكاظِ\nألَيسَ أبُوكَ فِينَا كَانَ فينا [¬١] … إلى [¬٢] الْقَيِّنَاتِ فلا [¬٣] بي [¬٤] الحفَاظِ\nيَمَانِيًّا يَظَلُّ يشب [¬٥] كِيرًا … ويَنْفُخُ دَائبًا لَهَبَ الشُّواظ\nقال: صدقت، فما النحاس؟ قال: هو الدخان الذي لا لهب له. قال: فهل تعرفه العرب؟ قال: نعم، أما سمعت نابغة بني ذبيان يقول:\nيضيء كضوء سراج السليـ … ـطِ لم يجعل اللهُ فيه نحاسا\nوقال مجاهد: النحاس: الصفر، يذاب فيصب على رءوسهم. وكذا قال قتادة. [وقال] [¬٦] الضحاك: ﴿وَنُحَاسٌ﴾: سيل من نحاس.\nوالمعنى على كل قول: لو ذهبتم هاربين يوم القيامة لردتكم الملائكة والزبانية بإرسال اللَّهب من النار والنحاس المذاب عليكم لترجعوا، ولهذا قال: ﴿فَلَا تَنْتَصِرَانِ (٣٥) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾.\n﴿فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ (٣٧) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٣٨) فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ (٣٩) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٤٠) يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ (٤١) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٤٢) هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ (٤٣) يَطُوفُونَ بَينَهَا وَبَينَ حَمِيمٍ آنٍ (٤٤) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٤٥)\nيقول: ﴿فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ﴾ يوم القيامة، كما دلت عليه هذه الآية مع ما شاكلها من الآيات الواردة في معناها؛ كقوله: ﴿وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ﴾، وقوله: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾. وقوله: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾.\nوقوله: ﴿فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ﴾، أي: تذوب كما يذوب الدَّرْدي والفضة في\n_________\n[¬١]- في ت: \"قينا\".\n[¬٢]- في ت: \"لدى\".\n[¬٣]- في ت: \"فسلا\".\n[¬٤]- في ت: \"في\".\n[¬٥]- في ت: \"يشد\".\n[¬٦]- بياض في ز. وسقط من خ.","vol":"13","page":325},{"text":"السبك، وتتلون [¬١] كما تتلون الأصباغ التي يدهن بها، فتارة حمراء وصفراء وزرقاء وخضراء، وذلك من شدّة الأمر وهول يوم القيامة العظيم، وقد قال الإِمام أحمد:\nحدثنا أحمد بن عبد الملك، حدثنا عبد الرحمن بن أبي الصهباء، حدثنا نافع أبو غالب الباهلي، حدثنا أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: \"يبعث الناس يوم القيامة والسماء تَطِشّ عليهم\" (^١٨).\nقال الجوهري: الطش: المطر الضعيف.\nوقال الضحاك، عن ابن عباس في قوله: ﴿فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ﴾، قال: هو الأديم الأحمر. وقال أبو كُرَيب [¬٢]، عن قابوس، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ﴾: كالفرس [¬٣] الورد. وقال العوفي، عن ابن عباس: تغير [¬٤] لونها. وقال أبو صالح: كالبِرْذَون الورد، ثم كانت بعد كالدهان.\nوحكى البَغَوي وغيره أن الفرس الورد تكون في الربيع صفراء، وفي الشتاء حمراء، فإذا اشتد البرد اغبرّ لونها.\nوقال الحسن البصري: تكون ألوانًا. وقال السدي: تكون كلون البغلة الوردة، وتكون كالمهل كدرِديّ الزيت. وقال مجاهد: ﴿كَالدِّهَانِ﴾: كألوان الدهان. وقال عصاء الخراساني: كلون دُهْن الوَرْد في الصفرة. وقال قتادة: هي اليوم خضراء، ويومئذ لونها إلى الحمرة، يوم ذي ألوان. وقال أبو الجوزاء: في صفاء الدهن. وقال ابن جريج: تصير السماء كالدّهن الذائب، وذلك حين يُصِيبها حَرّ جهنم.\nوقوله: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ﴾ وهذه كقوله: ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ (٣٥) وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ فهذا في حال، وثم حال يسأل الخلائق [فيها] [¬٥] عن جميع أعمالهم، قال الله تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. ولهذا قال قتادة: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ﴾، قال: قد كانت مسألة، ثم ختم على أفواه القوم، وتكلمت أيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون.\n_________\n(^١٨) - أخرجه أحمد (٣/ ٢٦٦ - ٢٦٧) (١٣٨٤٢) وعبد الرحمن بن أبي الصهباء ذكره ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا. وبقية رجاله ثقات.\n_________\n[¬١]- في ز: \"وتلون\".\n[¬٢]- في ت: \"كدينة\".\n[¬٣]- في خ: كالغرس.\n[¬٤]- في خ: \"غير\". وفي ت: اغبر.\n[¬٥]- سقط من ز، خ.","vol":"13","page":326},{"text":"وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: لا يسألهم: هل عملتم كذا وكذا؟ لأنه أعلم بذلك منهم، ولكن يقول: لم عملتم كذا وكذا؟ فهذا قول ثان.\nوقال مجاهد في هذه الآية: لا يسأل الملائكة عن المجرم، يعرفون بسيماهم.\n[وهذا قول ثالث. وكأن هذا بعدما يؤمر بهم إلى النار، فذلك الوقت لا يسألون عن ذنوبهم، بل يقادون إليها ويلقون فيها، كما قال تعالى: ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ﴾] [¬١]، أي بعلاماتٍ تظهر عليهم.\nو[¬٢] قال الحسن وقتادة: يعرفونهم باسوداد الوجوه وزرقة العيون.\nقلت: وهذا كما يعرف المؤمنون بالغرة والتحجيل من آثار الوضوء.\nوقوله: ﴿فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ﴾ أي: تجمع الزبانية ناصيته مع قدميه، ويلقونه في النار كذلك.\nو[¬٣] قال الأعمش، عن ابن عباس: يؤخذ بناصيته: قدمه، فيكسر كما يكسر الحطب في التنور.\nوقال الضحاك: يجمع بين ناصيته وقدميه في سلسلة من وراء ظهره.\nوقال السدي: يجمع بين ناصية الكافر وقدميه، فتربط ناصيته بقدمه، ويفتل ظهره.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو توبة الربيع بن نافع، حدثنا معاوية بن سلام، عن أخيه زيد بن سلام: أنه سمع أبا سلام -يعني جده- أخبرني عبد الرحمن، حدثني رجل من كندة قال: أتيت عائشة فدخلت عليها، وبيني وبينها حجاب، فقلت: حدثك رسول الله ﷺ أنه يأتي عليه ساعة لا يملك لأحد فيها شفاعة؟ قالت: نعم، لقد سألته عن هذا وأنا وهو في شِعَار واحد، قال: \"نعم، حين يوضع الصراط، لا أملك لأحد فيها شفاعة، حتى أعلم أين يسلك بي؟ ويوم تبيض وجوه وتسود وجوه، حتى أنظر ماذا يفعل بي -أو [¬٤] قال: يوحي- وعند الجسر حين [¬٥] يستحد ويستحر\" فقالت: وما يستحد وما يستحر؟ قال: \"يستحد حتى يكون مثل شفرة السيف، ويستحر حتى يكون مثل الجمرة، فأما المؤمن فَيُجيزُه لا يضره، وأما\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفين سقط من ز، خ.\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- في ز: \"و\".\n[¬٥]- في ز: \"حتى\".","vol":"13","page":327},{"text":"المنافق فيتعلق حتى إذا بلغ أوسطه خَرَّ من قدمه فيهوي بيده إلى قدميه\". قالت: فهل رأيت من يسعى حافيًا فتأخذه شوكة حتى تكاد تنفذ قدميه، فإنها كذلك، يهوي بيده ورأسه إلى قدميه، فتضربه الزبانية بخطاف في ناصيته وقدمه، فتقذفه في جهنم، فيهوي فيها مقدار خمسين عامًا. قلت: ما ثقل الرجل؟ قالت: ثقل عشر خَلِفات سمان [¬١]، فيومئذٍ يعرف المجرمون بسيماهم فيؤخذ بالنواصي والأقدام (^١٩).\nهذا حديث غريب، وفيه ألفاظ منكر رفعها، وفي الإسناد من لم يسم، ومثله لا يحتج به، والله أعلم.\nوقوله: ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ﴾، أي: هذه النار التي كنتم تكذبون بوجودها ها هي حاضرة تشاهدونها عيانًا؛ يقال لهم ذلك تقريعًا وتوبيخًا وتصغيرًا وتحقيرًا.\nوقوله: ﴿يَطُوفُونَ بَينَهَا وَبَينَ حَمِيمٍ آنٍ﴾، أي: تارة يُعَذّبون في الجحيم، وتارة يسقون من الحميم، وهو الشراب الذي هو كالنحاس المذاب يقطع الأمعاء والأحشاء. وهذه كقوله تعالى: ﴿إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ (٧١) فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ﴾ وقوله: ﴿آنٍ﴾، أي: حار قد [¬٢] بلغ الغابة في الحرارة، لا يستطاع من شدة ذلك.\nقال ابن عباس في قوله: ﴿يَطُوفُونَ بَينَهَا وَبَينَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ أي: قد انتهى غليه واشتدَّ حرّه .. وكذا قال مجاهد، وسعيد بن جبير، والضحاك، والحسن، والثوري، والسدي.\nوقال قتادة: قد أنى [¬٣] طبخه منذ خلق الله] [¬٤] السماوات والأرض. وقال محمد بن كعب القرظي: يؤخذ العبد فيحرَّكُ بناصيته في ذلك الحميم، حتى يذوب اللحمُ ويبقى العظمُ والعينان في الرأس، وهي كالتي يقول الله تعالى: ﴿فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ﴾. والحميم الآن: يعني الحار. وعن القرظي رواية أخرى: ﴿حَمِيمٍ آنٍ﴾، أي: حاضر. وهو قول ابن زيد أيضًا، والحاضر، لا ينافي ما روي عن القرظي أولًا أنه الحار، كقوله تعالى: ﴿تُسْقَى مِنْ عَينٍ آنِيَةٍ﴾، أي: حارّة شديدة الحر لا تستطاع وكقوله: ﴿غَيرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾، يعني استواءه ونضجه. فقوله: ﴿حَمِيمٍ آنٍ﴾، أي: حميم حار جدًّا. ولما كان معاقبة العصاة المجرمين وتنعيم المتقين من فضله ورحمته وعدله ولطفه بخلقه، وكان إنذاره لهم عذابه وبأسَه مما [¬٥] يزجرهم عما هم فيه من الشرك\n_________\n(^١٩) - إسناده ضعيف لجهالة الراوي عن عائشة.\n_________\n[¬١]- في ز: \"ساني\".\n[¬٢]- في ز: وقد.\n[¬٣]- في ز: \"أنا\".\n[¬٤]- سقط من ز، خ.\n[¬٥]- في ز: \"فيما\".","vol":"13","page":328},{"text":"والمعاصي وغير ذلك، قال ممتنًا بذلك على بَريَّتِه [¬١]: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾.\n﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٤٧) ذَوَاتَا أَفْنَانٍ (٤٨) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٤٩) فِيهِمَا عَينَانِ تَجْرِيَانِ (٥٠) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٥١) فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ (٥٢) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٥٣)﴾\nقال ابن شوذب [¬٢] وعطاء الخراساني: نزلت هذه الآية: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ في أبي بكر الصديق.\n﴿وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن مصفى، [حدثنا بقية] [¬٣]، عن أبي بكر بن أبي مريم، عن عطية بن قيس في قوله: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾: نزلت في الذي قال: أحرقوني بالنار لعلي أضل [¬٤] الله، قال: تاب يومًا وليلة بعد أن تكلم بهذا، فقبل الله منه، وأدخله الجنة (^٢٠).\nوالصحيح أن هذه الآية عامة كما قاله ابن عباس وغيره، يقول تعالى: ولمن خاف مقامه بين يدي الله ﷿ يوم القيامة، ﴿وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى﴾، ولم يطغ ولا آثر الحياة الدنيا، وعلم أن الآخرة خير وأبقى، فأدى فرائض الله، واجتنب محارمه، فله يوم القيامة عند ربه جنتان، كما قال البخاري ﵀:\nحدثنا عبد الله بن أبي الأسود، حدثنا عبد العزيز بن عبد الصمد العَمِّي، حدثنا أبو عمران الجَوْني، عن أبي بكر بن عبد الله بن قيس، عن أبيه: أن رسول الله، ﷺ قال: \"جَنَّتان من فضة، آنيتهما وما فيهما، وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم ﷿ إلا رداء الكبرياء على وجهه لي جنة عدن\" (^٢١).\n_________\n(^٢٠) - أبو بكر بن أبي مريم ضعيف، وكان قد سرق بيته فاختلط. وبقية هو ابن الوليد وهو مدلس. ومحمد بن مصفى: صدوق له أوهام.\n(^٢١) - صحيح البخاري كتاب: التفسير، باب: ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ﴾، حديث (٤٨٧٨) (٨/ ٦٢٣ - ٦٢٤).\n_________\n[¬١]- في ز: \"تربيته\".\n[¬٢]- في خ: سوزن.\n[¬٣]- غير واضحة في خ.\n[¬٤]- في ز: \"أصل\".","vol":"13","page":329},{"text":"وأخرجه بقية الجماعة إلا أبا داود من حديث عبد العزيز به (^٢٢).\n[وقال حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أبي بكر بن أبي موسى، عن أبيه - قال حماد: ولا أعلمه إلا قد رفعه - في قوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾، وفي قوله: ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ﴾: جنتان من ذهب للمقربين، وجنتان من وَرِق لأصحاب اليمين] [¬١]. (^٢٣)\nوقال ابن جرير: حدثنا زكريا بن يحيى بن أبان [المصري] [¬٢]، حدثنا ابن أبي مريم، أخبرنا محمد بن جعفر، عن محمد بن [أبي] [¬٣] حرملة، عن عطاء بن يَسَار، أخبرني أبو الدرداء: أن رسول الله ﷺ قرأ يومًا هذه الآية: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾، فقلت: وإن زنى وإن سرق؟ فقال: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [فقلت: وإن زنى وإن سرق؟] [¬٤] [فقال: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾] [¬٥] [فقلت [¬٦]: وإن زنى وإن سرق؟] [¬٧] يا رسول الله؟ فقال: \"وإن رَغمَ أنف أبي الدرداء\" (^٢٤).\nورواه النسائي من حديث محمد بن [أبي] [¬٨] حرملة، به (^٢٥). ورواه النسائي أيضًا عن مؤمّل بن هشام، عن إسماعيل، عن الجريري، عن موسى، عن محمد بن سعد بن أبي وقاص، عن أبي الدرداء، به (^٢٦). [وقد روي موقوفًا على أبي الدرداء] [¬٩]. ورُوي\n_________\n(^٢٢) - مسلم في كتاب: الإيمان، باب: إثبات رؤية المؤمنين في الآخرة ربهم ﷾ حديث (٢٩٦ - ١٨٠) (٣/ ٢٠ - ٢١). والترمذي في كتاب: صفة الجنة، باب: ما جاء في صفة غرف الحنة، حديث (٢٥٣٠) (٧/ ٢١٢). والنسائي في الكبرى في كتاب: التفسير، باب: قوله تعالى: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾، حديث (١١٤٤١) (٦/ ٤٤٣). وابن ماجة في \"المقدمة\"، باب: فيما أنكرت الجهمية، حديث (١٨٦) (١/ ٦٦ - ٦٧).\n(^٢٣) - تفسير الطبري (٢٧/ ١٤٦).\n(^٢٤) - تفسير الطبري (٢٧/ ١٤٦).\n(^٢٥) - والنسائي في الكبرى في كتاب: التفسير، باب: سورة الرحمن، حديث (١١٥٦٠) (٦/ ٤٧٨). وإسناده ثقات.\n(^٢٦) - أخرجه النسائي في الكبرى في الوضع السابق حديث (١١٥٦١) (٦/ ٤٧٨).\nوفي إسناده موسى شيخ لسعيد الجريري وهو مجهول، لكن يقويه ما قبله.\n_________\n[¬١]- سقط من ز، خ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفين بياض في ز، خ.\n[¬٣]- سقط من ز، خ.\n[¬٤]- سقط من ز.\n[¬٥]- ما بين المعكوفين سقط من ز، خ.\n[¬٦]- في ز: \"قلت\".\n[¬٧]- ما بين المعكوفين سقط من خ.\n[¬٨]- ستقط من ز.\n[¬٩]- ما بين المعكوفين سقط من خ.","vol":"13","page":330},{"text":"عنه أنه قال: أن [من] [¬١] خاف مقام ربه لم يزن ولم يسرق.\nوهذه الآية [¬٢] عامة في الإِنس والجن، فهي من أدَلّ دليل على أن الجن يدخلون الجنة إذا آمنوا واتقوا، ولهذا امتن الله تعالى على الثقلين بهذا الجزاء فقال: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ. فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾.\nثم نعت هاتين الجنتين فقال: ﴿ذواتا أفنان﴾، أي: أغصان نَضِرة حسنة، تحمل من كل ثمرة نضيجة فائقة، ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. هكذا قال عطاء الخراساني وجماعة: إن الأفنان أغصانُ الشجَر، يمس بعضُها بعضًا.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عمرو بن علي، حدثنا مسلم بن قتيبة، حدثنا عبد الله بن النعمان، سمعت عكرمة يقول: ﴿ذواتا أفنان﴾، يقول: ظل الأغصان على الحيطان، ألم تسمع قول الشاعر حيث يقول:\nما هاجَ شَوقَكَ من هَديل حَمَامَةٍ … تَدْعُو على فَنَن الغُصُون حَمَاما\nتَدْعُو أبا فَرخين [¬٣] صادف طاويا [¬٤] … ذا مخلبين من الصقور قطاما [¬٥]\nوحكى البغوي عن مجاهد، وعكرمة، [والضحاك] [¬٦] والكلبي: إنه [الغصن المستقيم] [¬٧].\nقال [¬٨]: وحدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا عبد السلام بن حرب، حدثنا عطاء بن السائب، عن سعيد بن جُبَير عن ابن عباس: ﴿ذواتا أفنان﴾: ذواتا ألوان.\nقال: وروي عن سعيد بن جبير، والحسن، والسدي [وخُصيف] [¬٩]، والنضر بن عربي [¬١٠]، وأبي سنان مثلُ ذلك. ومعنى هذا القول أن فيهما فنونًا من الملاذ، واختاره ابن جرير.\nوقال عطاء: كل غصن يجمع فنونا من الفاكهة. وقال الربيع بن أنس: ﴿ذواتا أفنان﴾ [واسعتا الفناء.\n_________\n[¬١]- سقط من ز.\n[¬٢]- في ز، خ: \"للأمة\".\n[¬٣]- في ز: \"فرص\" بدون نقط.\n[¬٤]- في ز، خ: \"طارقا\".\n[¬٥]- في ز، خ: \"فطاما\".\n[¬٦]- بياض في ز، خ.\n[¬٧]- بياض في ز، خ.\n[¬٨]- بياض في خ.\n[¬٩]- بياض في: ز.\n[¬١٠]- في ز، خ: \"عدي\".","vol":"13","page":331},{"text":"وكل هذه الأقوال صحيحة، ولا منافات بينها، والله أعلم. وقال قتادة: ﴿ذواتا أفنان﴾] [¬١] ينبئ [¬٢] بفضلها وسعتها ومزيتها على ما سواها.\nوقال محمد بن إسحاق، عن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، عن أسماء قالت: سمعت رسول الله ﷺ وذكر سدرة النتهى - فقال: \"يسير في ظل الفنن منها الراكب مائة سنة -أو قال: يستظل في ظل الفنن منها مائة راكب، فيها فراش الذهب، كأن ثمرها [القلال] [¬٣].\nو[¬٤] رواه الترمذي من حديث يونس بن بكير [¬٥] به (^٢٧).\n[وقال حماد بن سلمة عن ثابت عن أبي بكر بن أبي موسى عن أبيه قال حماد: ولا أعلمه إلا قد رفعه في قوله: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ وفي قوله: ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ﴾ قال: جنتان من ذهب للمقربين وجنتان من ورق لأصحاب اليمين] [¬٦]. (^٢٨)\n﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ﴾ أي: تسرحان لسقي تلك الأشجار والأغصان فتثمر [¬٧] من جميع الألوان، ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾، قال الحسن البصري [¬٨]: إحداهما يقال لها: \"تسنيم\"، والأخرى: \"السلسبيل\".\nوقال عطية: إحداهما من ماء غير آسن، والأخرى [من خمر] [¬٩] لذة للشاربين.\nولهذا قال بعد هذا: ﴿فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ﴾، أي: من جميع أنواع الثمار مما يعلمون وخير مما يعلمون، ومما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾.\nقال إبراهيم بن الحكم بن أبان، عن أبيه، عن عكرمة، عن ابن عباس: ما في الدنيا\n_________\n(^٢٧) - أخرجه الترمذي في كتاب: صفة الجنة، باب: ما جاء في صفة ثمار أهل الجنة، حديث (٢٥٤٤) (٧/ ٢٢٠ - ٢٢١). والحديث ضعفه الألباني في ضعيف سنن الترمذي برقم (٤٥٨ - ٢٦٧٧).\n(^٢٨) - تقدم تخريجه قبل أربعة أحاديث.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفين سقط من ز، خ.\n[¬٢]- في خ: يعني.\n[¬٣]- بياض في ز، خ.\n[¬٤]- سقط من: ز.\n[¬٥]- في ز: \"بكر\".\n[¬٦]- ما بين المعكوفين سقط من ت.\n[¬٧]- في ز، خ: \"لتنمو\".\n[¬٨]- سقط من ز.\n[¬٩]- سقط من ز، خ.","vol":"13","page":332},{"text":"ثمرة حلوة ولا مرة إلا وهي في الجنة حتى الحنظلة (^٢٩).\nوقال ابن عباس: ليس في الدنيا مما في الآخرة إلا الأسماء. يعني أن بين ذلك بَونًا عظيمًا وفرقًا بينًا في التفاضل [¬١].\n﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَينِ دَانٍ (٥٤) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٥٥) فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ (٥٦) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٥٧) كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ (٥٨) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٥٩) هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إلا الْإِحْسَانُ (٦٠) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٦١)﴾\nيقول تعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ﴾، يعني أهل الجنة. والمراد بالاتكاء هاهنا: الاضطجاع. ويقال: الجلوس على صفة التوبع، ﴿عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾، وهو: ما غلظ من الديباج. قاله عكرمة، والضحاك، وقتادة.\nوقال أبو عمران الجوني: هو الديباج المغرى بالذهب. فنبه على شرف الظهارة بشرف البطانة. وهذا من التنبيه بالأدنى على الأعلى.\nقال أبو إسحاق عن هبيرة بن ريم [¬٢]، عن عبد الله بن مسعود قال: هذه البطائن، فكيف لو رأيتم الظواهر؟ وقال مالك بن دينار: بطائنها من إستبرق، وظواهرها من نور.\nوقال سفيان الثوري -أو شريك-: بطائنها من إستبرق، وظواهرها من نور جامد.\nوقال القاسم بن [محمد] [¬٣]: بطائنها من إستبرق، وظواهرها من الرحمة.\nوقال ابن شوذب، عن أبي عبد الله الشامي: ذكر الله البطائن ولم يذكر الظواهر، وعلى الظواهر المحابس [¬٤]، و[¬٥] لا يعلم ما تحت المحابس [¬٦] إلا الله. ذكر ذلك كله الإِمام ابن\n_________\n(^٢٩) - في إسناده الحكم بن أبان: ضعيف، والحديث ذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" (٦/ ٢٠٤) وعزاه إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.\n_________\n[¬١]- سقط من خ.\n[¬٢]- في ز: \"مريم\".\n[¬٣]- بياض في ز، خ.\n[¬٤]- في ز، خ: \"المحاسن\".\n[¬٥]- سقط من ت، خ.\n[¬٦]- في ز، خ: \"المحاسن\".","vol":"13","page":333},{"text":"أبي حاتم.\n﴿وَجَنَى الْجَنَّتَينِ دَانٍ﴾، أي: ثمرهما [¬١] قريب إليهم، متى شاءوا تناولوه [¬٢]، على أي صفة كانوا، كما قال: ﴿قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ﴾ وقال: ﴿وَدَانِيَةً عَلَيهِمْ ظِلَالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا﴾ أي: لا تمتنع ممن [¬٣] تناولها، بل تنحط إليه من أغصانها، ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾.\nولما ذكر الفرش وعظمتها قال بعد ذلك: ﴿فِيهِنَّ﴾، أي: في الفرش ﴿قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾، أي: غضيضات عن غير أزواجهن، فلا يرين شيئًا أحسن في الجنة من أزواجهن. قاله ابن عباس، وقتادة، وعطاء الخراساني، وابن زيد.\nوقد ورد أن الواحدة منهن تقول لبعلها: والله ما أرى في الجنة شيئًا أحسن منك، ولا في الجنة شيء أحب إليَّ منك، فالحمد لله الذي جعلك لي وجعلني لك (^٣٠).\n﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ﴾، أي: بل هن أبكار عُرُبٌ أتراب، لم يطأهن [أحد] [¬٤] قبل أزواجهن من الإِنس والجن. وهذه أيضًا من الأدلة على دخول مؤمني الجن الجنة.\nقال أرطاة بن المنذر: سئل ضمُرة بن حبيب: هل يدخل الجن الجنة؟ قال: نعم وينكحون، للجن جنيات، وللإنس إنسيات. وذلك قوله: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ (٥٦) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾.\nثم قال ينعتهن للخطاب: ﴿كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ﴾، [قال مجاهد، والحسن، وابن زيد، وغيرهم: في صفات الياقوت وبياض المرجان] [¬٥]. فجعلوا المرجان هاهنا اللؤلؤ.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن حاتم، حدثنا عَبيدة بن حُميد، عن عطاء بن السائب، عن عمرو بن ميمون الأودي، عن عبد الله بن مسعود، عن النبي ﷺ قال: \"إن المرأة من [نساء] [¬٦] أهل الجنة ليُرى بياض ساقها من وراء سبعين حُلَّة من الحَرير [¬٧]، حتى يرى مخّها] [¬٨] وذلك أن الله تعالى يقول: ﴿كَأَنَّهُنَّ\n_________\n(^٣٠) - هو جزء من حديث ذكره المنذري في الترغيب والترهيب (٤/ ٤٤٢ - ٤٤٣) وعزاه إلى أبي يعلى والبيهقي من رواية إسماعيل بن رافع أبي رافع، انفرد به عن محمد بن يزيد بن أبي زياد عن محمد =\n_________\n[¬١]- في ز: \"ثمرها\".\n[¬٢]- في ز: \"يتناولوه\".\n[¬٣]- في ز: \"من\".\n[¬٤]- سقط من ز.\n[¬٥]- ما بين المعكوفين سقط من ز، خ.\n[¬٦]- سقط من ز، خ.\n[¬٧]- في ز: \"حرير\".\n[¬٨]- سقط من: ز. وبياض في خ.","vol":"13","page":334},{"text":"الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ﴾، فأما الياقوت فإنه حَجَرٌ لو أدخلت فيه سلكًا ثم استصفيته لرأيته من ورائه.\nوهكذا رواه الترمذي من حديث عَبِيدةَ بن حميد وأبي الأحوص، عن\nعطاء بن السائب، به (^٣١). ورواه موقوفًا (^٣٢)، ثم قال: وهو أصح (^٣٣).\nوقال الإِمام أحمد: حدثنا عفان [¬١]، حدثنا حماد بن سلمة، أخبرنا يونس، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: \"للرجل من أهل الجنة زوجتان من الحور العين، على كل واحدة سبعون حلة، يرى مخ ساقها من وراء الثياب\" (^٣٤).\nتفرد به الإِمام أحمد من هذا الوجه. وقد رواه مسلم من حديث إسماعيل ابن عُلَية، عن أيوب، عن محمد بن سيرين [قال] [¬٢]: إما تفاخروا وإما [¬٣] تذاكروا، الرجال أكثر في الجنة أم النساء؟ فقال أبو هريرة: أو لم يقل أبو القاسم ﷺ: \"إن أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر، والتي تليها على أضوَء كوكب دُرِّي في السماء، لكل امرئ منهم زوجتان اثنتان، يرى مخ سوقهما [¬٤] من وراء اللحم، وما في الجنة أعزب\" (^٣٥).\nوهذا الحديث مخرج في الصحيحين من حديث همام بن منبه وأبي زرعة؛ عن أبي هريرة ﵁ (^٣٦).\n_________\n= ابن كعب عن رجل من الأنصار عن أبي هريرة. وإسماعيل هذا ضعيف الحفظ.\n(^٣١) - سنن الترمذي في باب: صفة الجنة، باب: في صفة أهل الجنة، حديث (٢٥٣٦) (٧/ ٢١٦).\n(^٣٢) - سنن الترمذي في باب: صفة الجنة، باب: في صفة أهل الجنة، حديث (٢٥٣٥) (٧/ ٢١٦).\n(^٣٣) - وأخرجه برقم (٢٥٣٦) من طريق جرير موقوفًا.\n(^٣٤) - المسند (٢/ ٣٤٥). وإسناده صحيح وقد رواه مسلم من طرق أخرى بمعناه، انظر التالي.\n(^٣٥) صحيح مسلم، كتاب: صفة الجنة، باب: أول زمرة تدخل الجنة، حديث (١٤/ ٢٨٣٤) (١٧/ ٢٥٠).\n(^٣٦) - صحيح البخاري، كتاب: أحاديث الأنبياء، باب: خلق آدم وذريته، حديث (٣٣٢٧) (٦/ ٣٦٢)، ومسلم في كتاب: الجنة، با اب: أول زمرة تدخل الجنة على سورة القمر ليلة البدر.، حديث (١٥/ ٢٨٣٤) (١٧/ ٢٥١). كلاهما من حديث أبي زرعة عنه، به. وأخرجه مسلم برقم (١٧/ ٢٨٣٤) (١٧/ ٢٥٣) من حديث همام عنه، به.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"عثمان\".\n[¬٢]- بياض في: ز.\n[¬٣]- في ز: \"إما\".\n[¬٤]- في خ: ساقها.","vol":"13","page":335},{"text":"وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو النضر، حدثنا محمد بن طلحة، عن حميد، عن أنس أن رسول الله ﷺ قال: \"لغدوة في سبيل الله أو رَوحةٌ خيرٌ من الدنيا وما فيها، ولقاب قوس أحدكم -أو موضع قيده؛ يعني سوطه- من الجنة خير من الدنيا وما فيها، ولو اطلعت امرأة من نساء أهل الجنة إلى الأرض لملأت ما بينهما ريحًا، ولطاب ما بينهما، ولَنَصِيفها على رأسها خيرٌ من الدنيا وما فيها\" (^٣٧).\nورواه البخاري من حديث أبي إسحاق، عن حُمَيد، عن أنس بنحوه وقوله: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إلا الْإِحْسَانُ﴾، أي: ما لمن أحسن في الدنيا العمل إلا الإحسان إليه في الدار الآخرة، كما قال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ (^٣٨).\nوقال البغوي: أخبرنا أبو سعيد الشَريحِيِّ، حدثنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرني ابن فَنجوَيه [¬١] حدثنا ابن شيبة، حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن بهرام، حدثنا الحجاج بن يوسف المكتب، حدثنا بشر بن الحسين، عن الزبير بن عَدي، عن أنس بن مالك قال: قرأ رسول الله ﷺ: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إلا الْإِحْسَانُ﴾، وقال: \"هل تدرون ما قال ربكم؟ \" قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: \"يقول: هل جزاء من أنعمتُ عليه بالتوحيد إلا الجنة\".\nولما كان في الذي ذُكِرَ نعمٌ عظيمة لا يقاومها عمل، بل مجرد تفضل وامتنان، قال بعد ذلك كله: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾.\nومما يتعلق بقوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾، ما رواه الترمذي والبغوي، من حديث أبي النضر [¬٢] هاشم بن القاسم، عن أبي عَقيل الثقفي، عن أبي فروة يزيد بن سنَان الرَّهاوي، عن بكير بن فيروز، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل، ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة\" (^٣٩).\nثم قال الترمذي: غريب لا نعرفه إلا من حديث أبي النضر.\n_________\n(^٣٧) - المسند (٣/ ١٤١) (١٢٤٥٨).\n(^٣٨) - صحيح البخاري، كتاب: الجهاد، باب: الحور العين وصفتهن، حديث (٢٧٩٦) (٥/ ١٦).\n(^٣٩) - سنن الترمذي، كتاب: صفة القيامة، باب: من خاف أدلج وسلعة الله غالية، حديث (٢٤٥٢) (٧/ ١٦٠). وأبو فروة: زيد بن سنان: ضعيف. وبكير بن فيروز؛ قال الحافظ: مقبول.\nوصحيح هذا الحديث الشيخ الألباني بشواهده في الصحيحة (٢٣٣٥).\n_________\n[¬١]- في ز: \"فتحويه\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"النضر بن\".","vol":"13","page":336},{"text":"وروى البغوي من حديث علي بن حجر، عن إسماعيل بن جعفر، عن محمد بن أبي حرملة -مولى حويطب بن عبد العزى- عن عطاء بن يسار، عن أبي الدرداء أنه سمع رسول الله ﷺ يقص على المنبر وهو يقول: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾. قلت: وإن زنى وإن سرق يا رسول الله؟ فقال رسول الله ﷺ: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾. [فقلت الثانية: وإن زنى وإن سرق يا رسول الله؟ فقال: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾] [¬١]. فقلت الثالثة: وإن زنى وإن سرق يا رسول الله؟ [فقال] [¬٢]: \"وَإِن رَغِم أنف أبي الدرداء\" (^٤٠).\n﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ (٦٢) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٦٣) مُدْهَامَّتَانِ (٦٤) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٦٥) فِيهِمَا عَينَانِ نَضَّاخَتَانِ (٦٦) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٦٧) فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ (٦٨) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٦٩) فِيهِنَّ خَيرَاتٌ حِسَانٌ (٧٠) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٧١) حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ (٧٢) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٧٣) لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ (٧٤) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٧٥) مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ (٧٦) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٧٧) تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٧٨)﴾\nهاتان الجنتان دون اللتين قبلهما في المرتبة والفضيلة والمنزلة بنص القرآن، قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ﴾، وقد تقدم في الحديث: \"جنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما، وجنتان من فضة آنيتهما وما فيهما\". فالأوليان [¬٣] للمقربين، والأخريان [¬٤] لأصحاب اليمين.\nوقال أبو موسى: جنتان من ذهب [للمقربين] [¬٥]، وجنتان من فضة لأصحاب اليمين.\nوقال ابن عباس: ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ﴾، من دونهما في الدرج [¬٦]. وقال ابن زيد:\n_________\n(^٤٠) - تقدم تخريجه قريبًا من طريق محمد بن أبي حرملة عند النسائي في الكبرى.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفين سقط من خ.\n[¬٢]- سقط من ز، خ.\n[¬٣]- في ز: \"فالأولتان\".\n[¬٤]- في ز: \"والأخيرتان\".\n[¬٥]- سقط من: ز.\n[¬٦]- في ز: \"المدرج\".","vol":"13","page":337},{"text":"من دونهما في الفضل.\nوالدليل على شرف الأوليين على الأخريين وجوه:\nأحدها: أنه نعت الأوليين [¬١] قبل هاتين، والتقديم يدل على الاعتناء. ثم قال: ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ﴾ وهذا ظاهر في شرف التقدم [¬٢] وعلوه [على الثاني] [¬٣].\nوقال هناك: (﴿ذَوَاتَا أَفْنَانٍ﴾، وهي الأغصان أو [¬٤] الفنون في الملاذ، وقال هاهنا: ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾، أي: سوداوان من شدة [الري].\nقال ابن عباس في قوله: ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾: قد اسودتا من الخضرة من شدة الري] [¬٥] من الماء.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا ابن فضيل، حدثنا عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس: ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾، قال: خضراوان. وروي عن أبي أيوب الأنصاري، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن أبي أوفى، وعكرمة، وسعيد بن جُبَير، ومجاهد - في إحدى الروايات - وعطاء، وعطية العوفي، والحسن البصري، ويحيى بن رافع، وسفيان الثوري، نحو ذلك.\nوقال محمد بن كعب: ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾: ممتلئتان من الخضرة. وقال قتادة: خضراوان من الري ناعمتان. ولا شك في نضارة الأغصان على الأشجار المشتبكة بعضها في بعض. وقال هناك: ﴿فِيهِمَا عَينَانِ نَضَّاخَتَانِ﴾، وقال هاهنا: ﴿نَضَّاخَتَانِ﴾، قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: أي فياضتان [¬٦]. والجري أقوى من النضخ.\nوقال الضحاك: ﴿نَضَّاخَتَانِ﴾ أي: ممتلئتان لا ينقطعان.\nوقال هناك: ﴿فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ﴾، وقال هاهنا: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ [¬٧] وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾، ولا شك أنّ الأولى [¬٨] أعم وأكثر في الأفراد والتنويع على فاكهة، وهي نكرة في سياق الإِثبات لا تعم. ولهذا فُسّر قوله: ﴿وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ من باب عطف الخاص على العام، كما قرره البخاري وغيره، وإنما أفرد النخل والرمان بالذكر لشرفهما على غيرهما.\n_________\n[¬١]- في ز: \"الأولتين\".\n[¬٢]- في خ: التقدم.\n[¬٣]- في خ: في الأواني.\n[¬٤]- في خ: و.\n[¬٥]- في خ: الذي.\n[¬٦]- في خ: نضاختان.\n[¬٧]- ما بين المعكوفين سقط من خ.\n[¬٨]- في ز، خ: \"الأول\".","vol":"13","page":338},{"text":"قال عبد بن حميد: حدثنا يحيى بن عبد الحميد، حدثنا حصين بن عمر، حدثنا [مخارق] [¬١]، عن طارق بن [¬٢] شهاب، عن عمر بن الخطاب قال: جاء أناس من [اليهود] [¬٣] إلى رسول الله، ﷺ، فقالوا: يا محمد، أفي الجنة فاكهة؟ قال: \"نعم، فيها فاكهة ونخل ورمان\". قالوا: أفيأكلون كما يأكلون في الدنيا؟ قال: \"نعم وأضعاف\". قالوا: فيقضون الحوائج؟ قال: \"لا، ولكنهم يَعرقُون ويرشَحُون، فيذهب الله ما في بطونهم من أذى\" (^٤١).\nو[¬٤] قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا الفضل بن دكين، حدثنا سفيان، عن حماد، عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس قال: نخل الجنة سعفها كسوة [¬٥] لأهل الجنة، منها مُقَطَّعاتهم، ومنها حُلَلهم وكرَبُها [¬٦] ذهب أحمر، وجذوعها زمزد أخضر، وثمرها أحلى من العسل، وألين من الزبد، وليس له عجم (^٤٢).\nوحدثنا أبي: حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد -هو ابن سلمة [¬٧]- عن أبي هارون، عن أبي سعيد الخدري، أن رسول الله ﷺ قال: \"نظرت إلى الجنة فإذا الرُّمانة من رمانها كمثل البعير المُقْتَب\" (^٤٣).\nثم قال: ﴿فِيهِنَّ خَيرَاتٌ حِسَانٌ﴾. قيل: المراد خيرات كثيرة حسنة في الجنة. قاله قتادة. وقيل: خيرات، جمع خيرة، وهي المرأة الصالحة الحسنة الخلق الحسنة الوجه. قاله الجمهور. ورُوي مرفوعًا عن أم سلمة (^٤٤). وفي الحديث الآخر الذي سنورده في \"سورة\n_________\n(^٤١) - أخرجه عبد بن حميد والحارث كما في المطالب العالية لابن حجر (١/ ٤٠٤) (٤٦٧٧). والحصين بن عمر الأحمسي متروك، وبقية إسناده ثقات.\n(^٤٢) - إسناده صحيح، رجاله ثقات.\n(^٤٣) - في إسناده أبو هارون العبدي، وهو عمارة بن جوين متروك ومنهم من كذبه.\n(^٤٤) - أخرجه الطبري (٢٧/ ١٥٨). والطبراني في الكبير (٢٣/ ٣٦٧ - ٣٦٨) (٨٧٠).\nكلاهما من طريق سليمان بن أبي كريمة عن هشام بن حسان عن الحسن عن أمه، عن أم سلمة ﵂ مرفوعًا.\nقال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (٧/ ١٢٢): رواه الطبراني وفيه سليمان بن أبي كريمة ضعفه أبو حاتم وابن عدي.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: طارق.\n[¬٢]- في ز، خ: عن.\n[¬٣]- بياض في ز، خ.\n[¬٤]- سقط في: ز.\n[¬٥]- في خ: \"أكسوة\".\n[¬٦]- في ز: \"كونها\".\n[¬٧]- في ز، خ: \"أسلم\".","vol":"13","page":339},{"text":"الواقعة\": أن الحور العين يغنين: نحن الخيرات الحسان، خلقنا لأزواج كرام. ولهذا قرأ بعضهم: ﴿فِيهِنَّ خَيرَاتٌ حِسَانٌ﴾ بالتشديد. ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾.\nثم قال: ﴿حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ﴾، وهناك قال: ﴿فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾، ولا شك أن التي قد قَصرت طرفها بنفسها أفضل ممن قُصرت، وإن كان الجميع مخدرات.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا عمرو بن عبد الله الأودي، حدثنا وكيع، عن سفيان، عن جابر، عن القاسم بن أبي بَزة، عن أبي عبيدة، عن مسروق، عن عبد الله قال: [إن] [¬١] لكل مسلم خَيرة، ولكل [¬٢] خَيّرة خيمة، ولكل خيمة أربعة أبواب، يدخل عليه كل يوم تحفة وكرامة وهدية لم تكن قبل ذلك، لا مرَّحات [¬٣] ولا طماحات [¬٤] ولا بخرات ولا ذفرات [¬٥]، حور عين، كأنهن بيض مكنون (^٤٥). وقوله: ﴿في الخيام﴾، قال البخاري:\nحدثنا محمد بن المثنى، حدثنا عبد العزيز بن عبد الصمد، حدثنا أبو عمران الجوني، عن أبي بكر بن عبد الله بن قيس، عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال: \"إن في الجنة خيمة من لؤلؤة مجولة، عرفها ستون ميلًا، في كل زاوية منها أهلٌ ما يَرون الآخرين، يطوف عليهم المؤمنون\" (^٤٦). ورواه أيضًا من حديث أبي [¬٦] عمران به، وقال: \"ثلاثون ميلًا\" (^٤٧). وأخرجه مسلم من حديث أبي عمران به ولفظه: \"إن للمؤمن في الجنة لخيمة من لؤلؤة واحدة مجوفة، طولها ستون ميلًا، للمؤمن [¬٧] فيها أهله [¬٨]، يطوف عليهم المؤمن فلا يرى بعضهم بعضًا\" (^٤٨).\n_________\n(^٤٥) - في إسناده جابر وهو ابن يزيد الجعفي: ضعيف.\n(^٤٦) - أخرجه البخاري في كتاب: التفسير، باب: ﴿حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ﴾ حديث (٤٨٧٩) (٨/ ٦٢٤).\n(^٤٧) - أخرجه البخاري في كتاب: بدء الخلق، لهاب: ما جاء في صفة الجنة وأنها مخلوقة، حديث (٣٢٤٣) (٦/ ٣١٨).\n(^٤٨) - أخرجه مسلم في كتاب: الجنة وصفة نعيمها، باب: في صفة خيام الجنة (٢٣/ ٢٨٣٨) (١٧/ ٢٥٦).\n_________\n[¬١]- سقط من ز، خ.\n[¬٢]- في ز: \"ولعل\".\n[¬٣]- في ز، خ: مرجان.\n[¬٤]- في ز: \"لحما حار\". وغير واضحة في خ.\n[¬٥]- في خ: فرات.\n[¬٦]- سقط من ز، خ.\n[¬٧]- في ت: \"للمؤمن\".\n[¬٨]- في ت: \"أهله\".","vol":"13","page":340},{"text":"وقال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن أبي الربيع، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن قتادة، أخبرني خُليد العصري، عن أبي الدرداء قال: الخيمة لؤلؤة واحدة، فيها سبعون بابا من در.\nوحدثنا أبي، حدثنا عيسى بن أبي فاطمة، حدثنا جرير، عن هشام، عن محمد بن المثنى، عن ابن عباس في قوله: ﴿حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ﴾، قال في خيام اللؤلؤ، وفي الجنة خيمة واحدة من لؤلؤة، أربعة فراسخ في أربعة فراسخ، عليها أربعة آلاف مصراع من الذهب (^٤٩).\nوقال عبد الله بن وهب: أخبرنا عمرو أن درّاجًا أبا السَّمْح حدثه، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد، عن النبي ﷺ قال: \"أدنى أهل الجنة منزلة الذي له ثمانون ألف خادم، واثنتان وسبعون زوجة، وتنصب له قبة من لؤلؤ وزبرجد وياقوت، كما بين الجابية وصنعاء\".\nورواه الترمذي من حديث عمرو بن الحارث به (^٥٠).\nوقوله: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ﴾: تقدم مثله سواء، إلا أنه زاد في وصف الأوائل بقوله: ﴿كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ (٥٨) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾.\nوقوله: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ﴾، قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: الرفرف: المحابس. وكذا قال مجاهد، وعكرمة، والحسن، وقتادة، والضحاك، وغيرهم: هي المحابس. وقال العلاء بن بدر: الرفرف على السرير، كهيئة المحابس المتدلي.\nوقال عاصم الجَحْدَري: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ﴾، يعني: الوسائد. وهو قول الحسن البصري في رواية عنه. وقال أبو داود الطيالسي، عن شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ﴾ قال: الرفرف رياض الجنة.\nوقوله: ﴿وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ﴾، قال ابن عباس، وقتادة، والضحاك، والسدي: العبقري: الزرابي. وقال سعيد بن جبير: هي عتاق الزرابي، يعني: جيادها وقال مجاهد:\n_________\n(^٤٩) - أخرجه الطبري (١٦١/ ٢٧) عن شيخه يحيى بن طلحة اليربوعي عن فضيل بن عياش عن هشام به، ويحيى هذا لين.\n(^٥٠) - أخرجه الترمذي في كتاب: صفة الجنة، باب: ما جاء ما لأهل الجنة من الكرامة، حديث (٢٥٦٥) (٢٣٩١٧). وفي إسناده رشدين بن سعد وهو ضعيف، ودراج أبو السمح ضعيف في أبي الهيثم.","vol":"13","page":341},{"text":"العبقري: الديباج وسُئل الحسن البصري عن قوله: ﴿وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ﴾، فقال: هي بُسُط أهل الجنة - لا أبا لكم - فاطلبوها.\nوعن الحسن رواية: أنها المرافق. وقال زيد بن أسلم: العبقري: أحمر وأصفر وأخضر. وسئل العلاء بن زيد عن العبقري فقال: البسط أسفل من ذلك. وقال أبو حَرْزَة [¬١] يَعقوب بن مجاهد: العبقري: من ثياب أهل الجنة، لا يعرفه أحد. وقال أبو العالية: العبقري: الطنافس المُخملَة، إلى الرّقة ما هي.\nوقال القُتيبي: كل ثوب مُوشي عند العرب عبقري. وقال أبو عُبيدة: هو منسوب إلى أرض يعمل بها الوشي وقال الخليل بن أحمد: كل شيء يُسر من الرجال وغير ذلك يسمى عند العرب عبقريًّا. ومنه قول النبي ﷺ في عمر: \"فلم أر عبقريًّا يَفْري فَرْيه\" (^٥١).\nوعلى كل تقدير فصفة [مرافق] [¬٢] أهل الجنتين الأوليين أرفعُ وأعلى من هذه الصفة، فإنه قد قال هناك: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾، فنعت بطائن فرشهم وسكت عن ظهائرها، اكتفاءً بما مَدَح به البطائن بطريق الأولى والأحرى.\nوتمام الخاتمة أنه قال بعد الصفات المتقدمة: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إلا الْإِحْسَانُ﴾ فوصف أهلها بالإِحسان وهو أعلى المراتب والنهايات. كما في حديث جبريل لما سأل عن الإسلام، ثم الإِيمان، ثم الإِحسان (^٥٢). فهذه وجوه عديدة في تفضيل الجنتين الأوليين على هاتين الأخريين، ونسأل الله الكريم الوهاب أن يجعلنا من [أهل] [¬٣] الأوليين.\nثم قال: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾، أي: هو أهل أن يجل فلا يعصى، وأن يكرم فيعبد، ويشكر فلا يكفر، وأن يَذكر فلا ينسى.\nوقال ابن عباس: ﴿ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾: ذو العظمة والكبرياء.\n_________\n(^٥١) - أخرجه البخاري في كتاب المناقب، باب: علامات النبوة في الإسلام، حديث (٣٦٣٣) (٦/ ٦٣٠) وأطرافه في [٣٦٧٦، ٣٦٨٢، ٧٠١٩، ٧٠٢٠]. ومسلم في كتاب: فضائل الصحابة، باب: فضائل عمر، حديث (١٩/ ٢٣٩٣) (١٥/ ٢٣١).\n(^٥٢) - تقدم تخريجه في تفسير قول الله ﷿ من سورة الحجرات: ﴿قَالتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا﴾ الآية.\n_________\n[¬١]- في ت: \"أبو حرزة\".\n[¬٢]- سقط من: ز.\n[¬٣]- سقط من: ز.","vol":"13","page":342},{"text":"وقال الإِمام أحمد: حدثنا موسى بن داود، حدثنا عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان، عن عمر [¬١] بن هانئ.\nعن أبي العزراء، عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ: \"أجلوا الله يغفر لكم\" (^٥٣).\nوفي الحديث الآخر: \"إن من إجلال الله إكرام ذي الشيبة المسلم، وذي السلطان، وحامل القرآن غير الغالي فيه ولا الجافي عنه\" (^٥٤).\nوقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا أبو يوسف الحيري [¬٢]، حدثنا مُؤمل بن إسماعيل، حدثنا حماد، حدثنا حميد الطويل، عن أنس أن رسول الله ﷺ [قال] [¬٣] \"ألظّوا بيا ذا الجلال والإكرام\" (^٥٥). وكذا رواه الترمذي، عن محمود بن غَيلان، عن مُؤمل بن إسماعيل، عن حماد بن سلمة، به. ثم قال: \"غلط المؤمل فيه، وهو غريب وليس بمحفوظ، وإنما يروى هذا غير [¬٤] حماد بن سلمة، عن حميد، عن الحسن، عن النبي ﷺ (^٥٦).\n_________\n(^٥٣) - أخرجه أحمد (٥/ ١٩٩) (٢١٨٢٥) وفي إسناده أبو العذراء، قال ابن حجر في \"التعجيل\" قال أبو حاتم: مجهول.\nوذكر الحديث الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (١/ ٣٦) وقال: رواه أحمد وفيه أبو العذراء وهو مجهول.\n(^٥٤) - أخرجه الطبراني في \"الأوسط\" (٢١/ ٧ - ٢٢) (٦٧٣٦) من طريق عبد الرحمن بن سليمان بن أبي الجون عن محمد بن صالح المدني عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله ﵁ مرفوعًا.\nقال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (٥/ ٢١٨): وفي إسناده عبد الرحمن بن سليمان بن أبي الجون: وثقه ابن حبان ودحيم وضعفه أبو داود وغيره، وبقية رجاله ثقات.\n(^٥٥) - أخرجه أبو يعلى (٦/ ٤٤٥) (٣٧٣٣) وفي إسناده مؤمل وهو وإن كان صدوقًا- سيئ الحفظ. وانظر التالي.\n(^٥٦) - أخرجه الترمذي في كتاب: الدعوات، باب: (٩٩)، حديث (٣٥٢٣) (٩/ ١٨٦) وضعفه. وأخرجه من طريق آخر عن أنس قبل هذا الحدث وضعفه أيضًا.\nقال أبو حاتم: هذا خطأ، أخطأ المؤمل. ا هـ علل الحديث (٢/ ١٩٢) لكن له شاهد من حديث ربيعة بن عامر سيأتي بعد هذا الحديث.\n_________\n[¬١]- في ت: \"عمير\".\n[¬٢]- في ت: \"الحربي\".\n[¬٣]- سقط من: ز.\n[¬٤]- في ت: \"عن\".","vol":"13","page":343},{"text":"وقال الإِمام أحمد: حدثنا [إبراهيم] [¬١] بن إسحاق، حدثنا عبد الله بن المبارك، عن يحيى بن حسان المقدسي، عن ربيعة بن عامر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"ألِظُّوا بذي الجلال والإكرام\" (^٥٧). ورواه النسائي من حديث عبد الله بن المبارك، به (^٥٨).\nقال الجوهري: ألظ فلان بفلان: إذا لزمه.\nوقول ابن مسعود: ألظوا بيا ذا الجلال والإِكرام. أي: الزموا. ويقال: الإِلظاظ هو الإِلحاح.\nقلت: وكلاهما قريب من الآخر -والله أعلم- وهو المداومة واللزوم والإِلحاح. وفي صحيح مسلم والسنن الأربعة، من حديث عبد الله بن الحارث، عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ إذا سَلَّم لا يقعد -يعني بعد الصلاة- إلا قدر ما يقول: \"اللهم أنت السلام ومنك السلام، تباركت ذا الجلال والإِكرام\" (^٥٩)\n[آخر تفسير سورة الرحمن، ولله الحمد]\n* * *\n_________\n(^٥٧) - أخرجه أحمد (٤/ ١٧٧) (١٧٦٤٦) وإسناده حسن.\n(^٥٨) - سنن النسائي الكبرى، كتاب: النعوت، باب: ذو الجلال والاكرام، حديث (٧٧١٦) (٤/ ٤٠٩). وفي \"التفسير\"، باب: ذي الجلال والإكرام، حديث (١١٥٦٣). والحديث صححه الألباني في الصحيحة (١٥٣٦).\n(^٥٩) - أخرجه مسلم في كتاب: المساجد، باب: استحباب الذكر بعد الصلاة وبيان صفته، حديث (١٣٥/ ٥٩١) (٥/ ١٢٥).\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.","vol":"13","page":344},{"text":"<span data-type='title' id=toc-177>تفسير سورة الواقعة وهي مكية</span>\nقال أبو إسحاق، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال أبو بكر: يا رسول الله، قد شبتَ! قال: \"شيبتْني هود، والواقعة، والمرسلات، وعَمَّ يتساءلون، وإذا الشمس كورت\". رواه الترمذي (^١) وقال: حسن غريب.\nوقال الحافظ ابن عساكر (^٢) في ترجمة عبد الله بن مسعود بسنده إلى عمرو بن الربيع بن طارق المصري: حدثنا السري بن يحيى الشيباني، عن أبي شجاع، عن أبي ظبية قال: مرض عبد الله مَرضَه الذي توفي فيه، فعاده عثمان بن عفان فقال: ما تشتكي؟ قال: ذنوبي. قال: فما تشتهي؟ قال: رحمة ربي. قال: ألا آمر لك بطيب؟ قال: الطيب أمرضني. قال: ألا آمر لك بعطاء؟ قال: لا حاجة لي فيه. قال: يكون [لبناتك] [¬١] من بعدك؟ قال: أتخشى على بناتي الفقر؟ إني أمرت [¬٢] بناتي [يقرأن] [¬٣] كل ليلة سورة الواقعة، إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"من قرأ سورة الواقعة كل ليلة لم تصبه فاقة أبدًا\".\nثم قال ابن عساكر: كذا قال، والصواب عن \"شجاع\"، كما رواه عبد الله بن وهب، عن السري.\nوقال عبد الله بن وهب: أخبرني السري بن يحيى أن شجاعًا حدثه، عن أبي ظبية، عن عبد الله بن مسعود قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"من قرأ\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في سورة هود.\n(^٢) - ضعيف، تاريخ دمشق (ل ٢٩٤)، ورواه ابن عبد البر في التمهيد (٥/ ٢٦٩) من طريق حبشي بن عمرو بن الربيع، عن أبيه عمرو بن الربيع المصري، به.\nورواه ابن الجوزي في العلل المتناهية (١/ ١١٣) من طريق خالد بن خداش، عن عبد الله بن وهب، به. ورواه عن أبي يعلى أبو بكر بن السني في عمل اليوم والليلة برقم (٦٧٤). وذكره ابن حجر في المطالب العالية، المرفوع منه (٣/ ٣٨٣) (٣٧٦٥) وعزاه للحارث.\nوقال ابن عراق في تنزيه الشريعة (١/ ٣٠١): حديث ابن مسعود أخرجه الحارث في مسنده. وأورده ابن الحوزي في الواهيات، وقال: قال أحمد بن حنبل: هذا حديث منكر والله أعلم. ا هـ وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة (٢٨٩).\n_________\n[¬١]- في ز: \"لسانك\".\n[¬٢]- في ز: \"آمر\".\n[¬٣]- في ز: \"لله أن\".","vol":"13","page":345},{"text":"سورة الواقعة كل ليلة لم تصبه فاقة أبدًا\". فكان أبو ظبية لا يدعها.\nوكذا رواه أبو يعلى، عن إسحاق بن إبراهيم، عن محمد بن منيب، عن السري [¬١] بن يحيى، عن شجاع، عن أبي ظبية، عن ابن مسعود به. ثم رواه عن إسحاق بن أبي إسرائيل، عن محمد بن [منيب العَدَني] [¬٢] عن السري بن يحيى، عن أبي ظبية، عن ابن مسعود: أن رسول الله ﷺ قال: \"من قرأ سورة الواقعة في كل ليلة لم تصبه فاقة أبدًا\" لم يذكر في سنده \"شجاعًا\"، قال: وقد أمرت بناتي أن يقرأنها كل ليلة (^٣).\nوقد رواه ابن عساكر أيضًا من حديث حجاج بن نصير وعثمان [بن] [¬٣] اليمان، عن السري بن يحيى، [عن شجاع] [¬٤]، عن أبي فاطمة قال: مرض عبد الله فأتاه عثمان بن عفان يعوده، فذكر الحديث بطوله.\nقال عثمان بن اليمان: كان أبو فاطمة هذا مولى لعلي بن أبي طالب:\nوقال أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا إسرائيل ويحيى بن آدم، حدثنا إسرائيل، عن سماك بن حرب: أنه سمع جابر بن سمُرة يقول: كان رسول الله ﷺ يصلي الصلوات كنحو من صلاتكم التي تصلون اليوم، ولكنه كان يخفف، كانت صلاته أخف من صلاتكم، وكان يقرأ في الفجر \"الواقعة\" ونحوها من السور (^٤).\n﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (١) لَيسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ (٢) خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ (٣) إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا (٤) وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا (٥) فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا (٦) وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً (٧) فَأَصْحَابُ الْمَيمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيمَنَةِ (٨) وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (٩) وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (١١) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (١٢)﴾\n_________\n(^٣) - ينظر تخريج الحديث السابق.\n(^٤) - أخرجه أحمد (٥/ ١٠٤) (٢١٠٧١). وفي إسناده سماك بن حرب صدوق وروايته عن عكرمة خاصة مضطربة -وليست هذه منها- وقد تغير بأخرة فكان ربما تلقن. وبقية إسناده ثقات.\n_________\n[¬١]- سقط من ز.\n[¬٢]- في ز: \"المنيب العبدي\".\n[¬٣]- في ز: \"بن أبي\".\n[¬٤]- سقط من ز.","vol":"13","page":346},{"text":"الواقعة: اسم [¬١] من أسماء يوم القيامة، سميت بذلك لتحقق كونها ووجودها، كما قال: ﴿فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ﴾.\nوقوله: ﴿لَيسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ﴾ أي: [ليس] [¬٢] لوقوعها إذا أراد الله كونَها صارفٌ يصرفها ولا دافع يدفعها، كما قال: ﴿اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ﴾، وقال: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ (١) لِلْكَافِرِينَ لَيسَ لَهُ دَافِعٌ﴾، وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾.\nومعنى ﴿كَاذِبَةٌ﴾ -كما قال محمد بن كعب-: لا بد أن تكون. وقال قتادة: ليس فيها [مثنوية] [¬٣] ولا ارتداد ولا رجعة.\nقال ابن جرير: والكاذبة: مصدر كالعاتبة والعافية.\nوقوله: ﴿خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ﴾، أي: تخفض أقوامًا إلى أسفل السافلين إلى الجحيم، وإن كانوا في الدنيا أعزاء، وترفع آخرين إلى أعلى عليين إلى النعيم المقيم [¬٤]، وإن كانوا في الدنيا وُضَعَاء. وهكذا قال الحسن، وقتادة وغيرهما.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا يزيد بن عبد الرحمن بن مصعب المعنى، حدثنا حميد بن عبد الرحمن الرؤاسي، عن أبيه، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس: ﴿خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ﴾: تخفض أناسًا وترفع آخرين (^٥).\nوقال عبيد الله العَتَكي، عن عثمان بن سراقة ابن خالة عمر بن الخضاب: ﴿خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ﴾ الساعة خفضت أعداء الله إلى النار، ورفعت أولياء الله إلى الجنة.\nوقال محمد بن كعب: تخفض رجالًا كانوا في الدنيا مرتفعين، وترفع رجالًا كانوا في الدنيا مخفوضين.\nوقال السدي: خفضت المتكبرين ورفعت المتواضعين.\nوقال العَوفي، عن ابن عباس: ﴿خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ﴾: أسمعت القريب والبعيد.\nوقال عكرمة: خفضت فأسمعت الأدنى، ورفعت فأسمعت الأقصى. وكذا قال\n_________\n(^٥) - في إسناده سماك بن حرب وفي روايته عن عكرمة اضطراب.\n_________\n[¬١]- سقط من ت.\n[¬٢]- سقط من ز، خ.\n[¬٣]- في ز: \"تنويه\".\n[¬٤]- سقط من ز، خ.","vol":"13","page":347},{"text":"الضحاك وقتادة.\nوقوله: ﴿إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا﴾، أي: حركت تحريكًا فاهتزت واضطربت بطولها وعرضها، ولهذا قال ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، وغير واحد في قوله: ﴿إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا﴾، أي: زلزلت زلزالًا.\nوقال الربيع بن أنس: ترج بما فيها كرج الغربال بما فيه.\nوهذه كقوله تعالى. (﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالهَا﴾، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيءٌ عَظِيمٌ﴾.\nوقوله: ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا﴾، أي: فُتِّتت فَتًّا. قاله ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، وقتادة، ويخرهم. وقال [¬١] ابن زيد: صارت الجبال كما قال تعالى: ﴿كَثِيبًا مَهِيلًا﴾.\nوقوله: ﴿فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا﴾، قال أبو إسحاق، عن الحارث، عن علي ﵁: ﴿هَبَاءً مُنْبَثًّا﴾ كرهَج الغبار يسطع ثم يذهب، فلا يبقى منه شيء.\nوقال العوفي، عن ابن عباس في قوله: ﴿فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا﴾: الهباء الذي يطير من النار إذا اضطرمت [¬٢] يطير منه الشرر، فإذا وقع لم يكن شيئًا.\nوقال عكرمة: المنبث: الذي قد ذرته الريح وبثته. وقال قتادة: ﴿هَبَاءً مُنْبَثًّا﴾ كيبيس الشجر الذي تذروه [¬٣] الرياح.\nوهذه الآية كأخواتها الدالة على زوال الجبال عن أماكنها يوم القيامة، وذهابها وتسييرها ونسفها [¬٤] وصيرورتها كالعهن المنفوش.\nوقوله: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً﴾، أي: ينقسم الناس يوم القيامة إلى ثلاثة أصناف: قوم عن يمين العرش، وهم [] [¬٥] الذين خرجوا من شق آدم الأيمن، ويؤتَون كتبهم [¬٦] بأيمانهم، ويؤخذ بهم ذات اليمين. قال السدي: وهم جمهور أهل الجنة. وآخرون عن يسار العرش، وهم الذين خرجوا من شق آدم الأيسر ويؤتون كتبهم بشمائلهم، ويؤخذ بهم ذات الشمال، وهم عامة أهل النار -عياذًا بالله من صنيعهم- وطائفة سابقون [¬٧] بين يديه\n_________\n[¬١]- في ز: \"وقاله\".\n[¬٢]- في خ: \"اضطربت\".\n[¬٣]- في ز: \"تذراه\".\n[¬٤]- بعده في ت: أي قلعها.\n[¬٥]- في ز: من.\n[¬٦]- في ت، خ: كتابهم.\n[¬٧]- في خ: منافقون.","vol":"13","page":348},{"text":"وهم أخص وأحظى وأقرب من أصحاب اليمين الذين [¬١] هم ساداتهم [¬٢]، فيهم الرسل والأنبياء والصديقون والشهداء، وهم أقل عددًا من أصحاب اليمين؛ لهذا قال: ﴿فَأَصْحَابُ الْمَيمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيمَنَةِ (٨) وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (٩) وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠)﴾. وهكذا قسمهم ابن هذه الأنواع الثلاثة في آخر السورة وقت احتضارهم، وهكذا ذكرهم في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَينَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ. .﴾ الآية. وذلك على أحد القولين في الظالم لنفسه كما تقدم بيانه.\nقال سفيان الثوري، عن جابر الجعفي، عن مجاهد، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً﴾، قال: هي التي في سورة الملائكة: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَينَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيرَاتِ﴾.\nوقال ابن جريج، عن ابن عباس: هذه الأزواج الثلاثة هم. المذكورون في آخر السورة و[¬٣] في سورة الملائكة.\nوقال يزيد الرقاشي: سألت ابن عباس عن قوله: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً﴾، قال: أصنافًا ثلاثة.\nوقال مجاهد: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً﴾، يعني: فرقًا ثلاثة. وقال ميمون بن مهران: أفواجًا ثلاثة. وقال عُبيد الله العَتَكي [¬٤]، عن عثمان بن سُراقة ابن خالة عمر بن الخطاب: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً﴾،: اثنان في الجنة، وواحد في النار.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن الصباح، حدثنا الوليد بن أبي ثَور، عن سماك، عن النعمان بن بشير؛ قال: قال رسول الله ﷺ: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾، قال: الضرَباء، [] [¬٥] كل رجل من كل قوم كانوا يعملون عمله، وذلك بأن الله يقول: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً (٧) فَأَصْحَابُ الْمَيمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيمَنَةِ (٨) وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (٩) وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠)﴾، قال: هم الضرَباء (^٦).\nوقال الإِمام أحمد: حدثنا محمد بن عبد الله بن المثنى، حدثنا البراء الغنوي [¬٦]، حدثنا\n_________\n(^٦) - في إسناده الوليد بن أبي ثور: ضعيف.\n_________\n[¬١]- سقط من ز.\n[¬٢]- في ز: \"سادتهم\".\n[¬٣]- سقط من ت، خ.\n[¬٤]- في ز: \"بن المعلى\".\n[¬٥]- في ز: \"قال\".\n[¬٦]- في ز: \"المعنوى\".","vol":"13","page":349},{"text":"الحسن، عن معاذ بن جبل: أن رسول الله ﷺ تلا هذه الآية: ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ﴾، ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ﴾، فتقبض بيديه [¬١] قبضتين فقال: \"هذه للجنة ولا أبالي، وهذه للنار ولا أبالي\" (^٧).\nوقال أحمد أيضًا: حدثنا حسن، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا خالد بن أبي عمران، عن القاسم بن محمد، عن عائشة، عن رسول الله ﷺ أنه قال: \"أتدرون من السابقون إلى ظل الله يوم القيامة؟ \" قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: \"الذين إذا أُعطوا الحق قبلُوه، وإذا سئلوه [¬٢] بذلوه، وحكموا للناس كحكمهم لأنفسهم\" (^٨).\nوقال محمد بن كعب وأبو حَززَة يعقوب بن مجاهد: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾: هم الأنبياء ﵈. وقال السدي: هم أهل [¬٣] عليين. وقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾، قال: يوشع بن نون سبق إلى موسى، [ومؤمن] [¬٤] آل \"يس\" سبق إلى عيسى، وعلي بن أ بي طالب سبق إلى محمد رسول الله ﷺ. رواه ابن أبي حاتم، عن محمد بن هارون الفلاس، عن عبد الله بن إسماعيل المدائني البزاز [¬٥]، عن شعيب [¬٦] بن الضحاك المدائني، عن سفيان بن عيينة، عن ابن أبي نحيح به.\nوقال ابن أبي حاتم: وذَكَر محمد بن أبي حماد، حدثنا مهران، عن خارجه، عن قرة [¬٧] عن ابن سيرين: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾، الذين صلوا القبلتين [¬٨].\nورواه ابن جرير من حديث خارجة [¬٩] به.\nوقال الحسن وقتادة: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾، أي: من كل أمة.\nوقال الأوزاعي، عن عثمان بن أبي سودة أنه قرأ هذه الآية: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾، ثم قال: أولهم رَوَاحًا إلى المسجد، وأولهم خروجًا فما سبيل الله.\n_________\n(^٧) - أخرجه أحمد (٥/ ٢٣٩) (٢٢١٧٦). وفي إسناده انقطاع بين الحسن ومعاذ، والبراء ضعيف.\n(^٨) - أخرجه أحمد (٦/ ٦٧) (٢٤٤٩٠). وفي إسناده ابن لهيعة وهو سيئ الحفظ.\n_________\n[¬١]- في ت: \"بيده\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"سئلوا\".\n[¬٣]- سقط من ز، خ.\n[¬٤]- في ز: \"ومن\".\n[¬٥]- في ز، خ: \"البزار\".\n[¬٦]- في ز، خ: \"سفيان\".\n[¬٧]- في خ: مرة.\n[¬٨]- في ت: \"القبلتين\".\n[¬٩]- في ز: \"الخارجة\".","vol":"13","page":350},{"text":"وهذه الأقوال كلها صحيحة؛ فإن المرادَ بالسابقين هم المبادرون إلى فعل الخيرات كما أمروا، كما قال تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾، وقال: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾. فمن سابق في هذه الدنيا وسَبَقَ إلى الخير، كان في الآخرة من السابقين إلى الكرامة، فإن الجزاء من جنس العمل، وكما تدين تدان؛ ولهذا قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (١١) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ (^٩).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا يحيى بن زكريا القزاز [¬١] الرازي، حدثنا خارجة بن مُصعب، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن عبد الله بن عمرو قال: قالت الملائكة: يا رب، جعلت لبني آدم الدنيا فهم يأكلون ويشربون ويتزوجون، فاجعل لنا الآخرة. فقال: لا أفعل. فراجعوا ثلاثًا، فقال: لا أجعل من خلقت بيدي كمن قلت له: كن، فكان، ثم قرأ عبد الله: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (١١) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾.\nوقد روى هذا الأثر الإِمام عثمان بن سعيد الدارمي في كتابه \"الرد على الجهمية\"، ولفظه: فقال الله ﷿: \"لن أجعل صالح ذرية من خلقت بيدي، كمن قلت له: كن، فكان\".\n﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ (١٤) عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ (١٥) مُتَّكِئِينَ عَلَيهَا مُتَقَابِلِينَ (١٦) يَطُوفُ عَلَيهِمْ ولْدَانٌ مُخَلَّدُونَ (١٧) بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (١٨) لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ (١٩) وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ (٢٠) وَلَحْمِ طَيرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٢١) وَحُورٌ عِينٌ (٢٢) كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ (٢٣) جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٤) لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا (٢٥) إلا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا (٢٦)﴾\n_________\n(^٩) - في إسناده خارجة بن مصعب: متروك. وكان يدلس عن الكذابين. وأخرجه ابن الجوزي في \"العلل المتناهية\" (١/ ٤٨) من طريق آخر عن ابن عمر ﵁ مرفوعًا. وقال: هذا حديث لا يصح، وكان الحميدي يتكلم في عبد المجيد. وقال ابن حبان: يقلب الأخبار ويروي المنكرات عن المشاهير، فاستحق الترك. قال الدارقطني: وقد رواه سريج بن يونس عن عبد المجيد فوقفه، والموقوف أصح.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: الفزاري.","vol":"13","page":351},{"text":"يقول تعالى مخبرًا عن هؤلاء السابقين القربين: إنهم ﴿ثُلَّةٌ﴾، أي: جماعة من الأولين وقليل من الآخرين. وقد اختلفوا في المراد بقوله ﴿الْأَوَّلِينَ﴾ و﴿الْآخِرِينَ﴾. فقيل: المراد بالأولين الأمم الماضية، وبالآخرين هذه الأمة. هذا رواية عن مجاهد، والحسن البصري، رواها [¬١] عنهما ابن أبي حاتم. وهو اختيار ابن جرير، واستأنس بقوله ﷺ: \"نحن الآخرون السابقون يوم القيامة\" (^١٠). ولم يحك غيره، ولا عزاه إلى أحد.\nومما يستأنس به لهذا القول ما رواه الإِمام أبو محمد بن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن عيسى بن الطباع، حدثنا شريك، عن محمد بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: \"نزلت ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣) [وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾، شق ذلك على أصحاب النبي ﷺ فنزلت: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ [¬٢] وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾ فقال النبي ﷺ: \"إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة، ثلث أهل الجنة، بل أنتم نصف أهل الجنة -أو: شَطر أهل الجنة- وتقاسمونهم النصف الثاني\" (^١١).\nورواه الإمام أحمد، عن أسود بن عامر، عن شريك، عن محمد بياع الملاء، عن أبيه، عن أبي هريرة … فذكره (^١٢).\nوقد روي من حديث جابر نحو هذا، ورواه الحافظ ابن عساكر من طريق هشام بن عمار: حدثنا عبد ربه بن صالح، عن عروة [¬٣] بن رُويم، عن جابر بن عبد الله، عن النبي ﷺ: [] [¬٤] لما نزلت: ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ﴾ ذكر [فيها] [¬٥] ثلة من الأولين وقليل من الآخرين. قال عمر: يا رسول الله، ثلة من الأولين وقليل منا؟ [قال: فأمسك] [¬٦] آخر السورة سنة، ثم نزل: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾، فقال رسول الله ﷺ: [\"يا عمر] [¬٧]، تعال فاسمع ما قد [¬٨] أنزل الله: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾، ألا وإن من [¬٩] آدم إليَّ ثلة، وأمتي ثلة، [ولن\n_________\n(^١٠) - تقدم تخريجه في تفسير سورة البقرة آية رقم (٢٢٤).\n(^١١) - في إسناده محمد بن عبد الرحمن بن خالد بن ميسرة، وأبوه، وكلاهما قال عنه الحافظ في التقريب: مقبول. وشريك وهو ابن عبد الله النخعي وهو ضعيف من قبل حفظه.\n(^١٢) - أخرجه أحمد (٢/ ٣٩١) وإسناده كسابقه.\n_________\n[¬١]- في ز: \"رواه\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفين سقط من خ.\n[¬٣]- في ز \"هروة\".\n[¬٤]- في ز: \"قال\".\n[¬٥]- في ز، خ: منها.\n[¬٦]- بياض في ز.\n[¬٧]- سقط من ز.\n[¬٨]- سقط من ز.\n[¬٩]- في ز، خ: \"بني\".","vol":"13","page":352},{"text":"نستكمل ثلتنا حتى نستعين بالسودان] [¬١] من رعاة الإبل ممن يشهد أن لا إله إلا إلَّا وحده لا شريك له\" (^١٣).\nهكذا أورده في ترجمة \"عُرْوة بن رُويم\"، إسنادًا ومتنًا [¬٢]، ولكن في إسناده نضر. وقد وردت طرق كثيرة متعددة بقوله ﷺ: \"إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة … (^١٤) الحديث بتمامه، وهو مفرد في \"صفة الجنة\" ولله الحمد والمنة.\nوهذا الذي اختاره ابن جرير هاهنا فيه نظر، بل هو قول ضعيف، لأن هذه الأمة هي خير الأمم بنص القرآن، فيبعد أن يكون المقربون في غيرها أكثر منها [¬٣]، اللهم إلا أن يقابل مجموع الأمم بهذه الأمة، والظاهر أن المقربين من هؤلاء أكثر من سائر الأمم، والله أعلم. فالقول الثاني في هذا المقام هو الراجح، وهو أن يكون المراد بقوله: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ﴾، أي: من [¬٤] صدر هذه الأمة، ﴿وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾، أي: من هذه الأمة.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن محمد بن [¬٥] الصباح، حدثنا عفان، حدثنا عبد الله بن بكر المزني [¬٦] سمعت الحسن أتى على هذه الآية: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾، فقال: أما السابقون فقد مضوا، ولكن، اللهم اجعلنا من أهل اليمين.\nثم قال: حدثنا أبي، حدثنا أبو الوليد، حدثنا السري بن يحيى قال: قرأ الحسن: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (١١) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ [¬٧] ﴿(١٢) ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ﴾ قال: ثلة ممن مضى من هذه الأمة.\n_________\n(^١٣) - أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق (١١/ ٥٥٥ - مخطوط). وهشام بن عمار صدوق مقرئ كبر فصار يتلقن فحديثه القديم أصح. وعبد ربه بن صالح ذكره ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٦/ ٤٤) ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا. وعروة بن رويم روايته عن جابر مرسلة كما في جامع التحصيل للعلائي (٢٣٦).\n(^١٤) - أخرجه البخاري في كتاب: الأنبياء، باب: قصة يأجوج ومأجوج، حديث (٣٣٤٨) (٦/ ٣٨٢).\nومسلم في كتاب: الإيمان، باب: قوله: \"يقول الله لآدم: أخرج بعث النار … \"، حديث (٣٧٩ - ٢٢٢) (٣/ ١٢١ - ١٢٣).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفين في ز، خ: \"وإن يستعمل حتى نستعين بالسروان\".\n[¬٢]- بياض في ز، وسقط من خ.\n[¬٣]- سقط من ز، خ.\n[¬٤]- سقط من ز، خ.\n[¬٥]- سقط من خ.\n[¬٦]- في ز: المزي.\n[¬٧]- سقط من ز، خ.","vol":"13","page":353},{"text":"وحدثنا أبي، حدثنا عبد العزيز بن المغيرة المنقري، حدثنا أبو هلال، عن محمد بن سيرين أنه قال في هذه الآية: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾، قال: كانوا يقولون أو يرجون أن يكونوا كلهم من هذه الأمة. فهذا قول الحسن وابن سيرين أن الجميع من هذه الأمة. ولا شك أن أول كل أمة خير من آخرها، فيحتمل أن يعم الأمر جميع الأمم كل أمة بحسبها، ولهذا ثبت في الصحاح وغيرها من غير وجه أن رسول الله ﷺ قال: \"خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم\" [الحديث بتمامه (^١٥).\nأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد] [¬١] حدثنا عبد الرحمن، حدثنا زياد أبو عمر، عن الحسن، عن محمار بن ياسر قال: قال رسول الله ﷺ: \"مثل أمتي مثل المطر، لا يدرى أوله خير أم آخره\" (^١٦). فهذا الحديثُ - بعد [¬٢] الحكم بصحة إسناده - محمول على أن الدين كما هو محتاج إلى أول الأمة في إبلاغه إلى من بعدهم، كذلك هو محتاج إلى القائمين به في أواخرها، وتثبيت الناس على السنة وروايتها وإظهارها، والفضل للمتقدم [¬٣]، وكذلك الزرع الذي يحتاج إلى المطر الأول وإلى المطر الثاني، ولكن العمدة الكبرى على الأول، واحتياج الزرع إليه آكد، فإنه لولاه ما نبت في الأرض [ولا تعلق] [¬٤] أساسه فيها، ولهذا قال ﵇: \"لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم إلى قيام الساعة\" - وفي لفظ: \"حتى يأتي أمر الله وهم كذلك\" (^١٧).\nوالغرض أن هذه الأمة أشرف من سائر الأمم، والمقربون فيها أكثر من غيرها وأعلى منزلة، لشرف دينها وعظَم نبيها، ولهذا ثبت بالتواتر عن رسول الله ﷺ أنه أخبر أن في هذه الأمة سبعين ألفًا يدخلون الجنة بغير حساب، وفي لفظ: \"مع\n_________\n(^١٥) - أخرجه البخاري في كتاب: فضائل أصحاب النبي ﷺ، باب: (١)، حديث (٣٦٥١).\nومسلم في كتاب: فضائل الصحابة، باب: فضل الصحابة، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، حديث (٢٥٣٣) (١٦/ ١٢٧ وما بعدها). كلاهما من حديث عبد الله بن مسعود بنحو هذا اللفظ.\n(^١٦) - أخرجه أحمد (٤/ ٣١٩) (١٨٩٣٤) والحسن يدلس ويرسل. لكن حسن ابن حجر هذا الحديث بطرقه في فتح الباري (٧/ ٦).\n(^١٧) - تقدم تخريجه في سورة البقرة آية: (١٢٩). وهو حديث صحيح متفق عليه.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفين سقط من ت.\n[¬٢]- في ز: يبعد.\n[¬٣]- في ز: متقدم.\n[¬٤]- سقط من ز، خ.","vol":"13","page":354},{"text":"كل ألف سبعون ألفًا\"، وفي آخر: \"مع كل واحد سبعون ألفًا\" (^١٨).\nوقد قال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا هشام [¬١] بن يزيد الطبراني، حدثنا محمد - هو ابن إسماعيل بن عياش - حدثني أبي، حدثني [] [¬٢]، ضمضم -يعني ابن زُرعة- عن شريح -هو ابن عبيد- عن أبي مالك قال: قال رسول الله ﷺ: \"أما والذي نفسي بيده، ليبعثن منكم يوم القيامة مثل الليل الأسود زُمرة جميعُها يحيطون الأرض، لقول الملائكة: لَمَا جاء مع [¬٣] محمد، ﷺ، أكثرُ مما جاء مع الأنبياء ﵈\" (^١٩).\nوحسن أن يذكر هاهنا الحديث الذي رواه الحافظ أبو بكر البيهقي في \"دلائل النبوة\" حيث قال: أخبرنا أبو نصر بن كعادة، أخبرنا أبو عمرو بن مطر، حدثنا جعفر بن محمد بن المستفاض الفريابي، حدثني أبو وهب الوليد بن عبد الملك بن عبدًا [¬٤] الله بن مسرح الحراني، حدثنا سليمان بن عطاء القرشي الحراني، عن مسلمة [¬٥] بن عبد الله الجُهني، عن عمه أبي مَشجَعَة بن ربعي، عن ابن زمْل الجُهني ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا صلى الصبح قال - وهو ثَان [رجليه] [¬٦]-: \"سبحان الله وبحمده، أستغفر الله، إن الله كان توابًا - سبعين مرة - ثم يقول: \"سبعين بسبعمائة، لا خير لمن كانت ذنوبه في يوم واحد أكثر من سبعمائة\". ثم يقول ذلك مرتين، ثم يستقبل الناس بوجهه، وكان يعجبه الرؤيا، ثم يقول: \"هل رأى أحد منكم شيئًا؟ \". قال [ابن زمل] [¬٧]: فقلت: أنا يا رسول الله. فقال: \"خير تلقاه، وشر توقاه، وخير لنا، وشر على أعدائنا، والحمد لله رب العالمين، اقصص رؤياك\".\nفقلت: رأيت جميع الناس على طريق رَحب سهل لاحب (*)، والناس على الجادة منطلقين، فبينما هم كذلك إذ أشفى (**) ذلك الطريق على مرج لم تر عيني مثله، يرف\n_________\n(^١٨) - تقدم تخريج هذه الروايات في تفسير سورة آل عمران آية: (١١٠).\n(^١٩) - إسناده ضعيف؛ شريح عن أبي مالك مرسل كما في جامع التحصيل (١٩٥). وضمضم: صدوق يهم. ومحمد في إسماعيل عابوا عليه أنه حدث عن أبيه بغير سماع.\n(*) اللاحب: الطريق الواسع المنقاد الذي لا ينقطع. النهاية (٤/ ٢٣٥).\n(**) أي: أشرف عليه. انظر النهاية (٢/ ٤٨٩).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: هاشم.\n[¬٢]- في ز: ابن.\n[¬٣]- سقط من خ.\n[¬٤]- في ت: عبيد.\n[¬٥]- في ز، خ: مسلم.\n[¬٦]- في ت: رجله.\n[¬٧]- في ز: \"أبو رتل\". بلا نقط.","vol":"13","page":355},{"text":"رفيفًا، يقطر ماؤه، فيه من أنواع الكلأ، قال: [وكأني] [¬١] بالرعلة الأولى حين أشفوا على المرج حجروا، ثم أكبوا رواحلهم في الطريق، فلم يظلموه [¬٢] يمينًا ولا شمالًا، قال: فكأني أنظر إليهم منطلقين. ثم جاءت الرّعلة الثانية وهم أكثر منهم أضعافًا، فلما أشفوا على المرج كبروا ثم أكبوا رواحلهم في الطريق [فمنهم المرتع] [¬٣]، ومنهم الآخذ الضغث. ومضوا على ذلك، قال: ثم قَدم عُظم الناس، فلما أشفوا على المرج كبروا وقالوا: هذا خير المنزل. كأني أنظر إليهم يميلون يمينًا وشمالًا، فلما رأيت ذلك لزمت الطريق حتى آتي أقصى المرج، فإذا أنا بك يا رسول الله على منبر فيه سبع درجات وأنت في أعلاها درجة، وإذا عن يمينك رجل آدم شثل [¬٤] أقنى، إذا هو تكلم يسمو فيفرع الرجال طولًا، وإذا عن يسارك [¬٥] رجل، ربعة باذّ كثير خيلان الوجه، كأنما حُمّم شَعْره بالماء، إذا هو تكلم أصغيتم إكرامًا له، وإذا أمام ذلك رجل شيخ أشبه الناس بك خلقًا ووجهًا، كلكم تؤمّونه تريدونه، وإذا أمام ذلك ناقة عجفاء شارف، وإذا أنت يا رسول الله كأنك تبعثها. قال: فامتقع لونُ رسول الله ﷺ ساعة ثم سرّي عنه، وقال رسول الله ﷺ: \"أمّا ما رأيت من الطريق السهل الرحب اللاحب، فذاك ما حُملتم عليه من الهدى وأنتم عليه. وأما المرج الذي رأيت فالدنيا [وغضارة عيشها] [¬٦]، مضيت [¬٧] أنا وأصحابي لم نتعلق منها بشيء، ولم تتعلق منا، ولم نردها ولم تردنا. ثم جاءت الرّعلة الثانية من بعدنا وهم أكثر منا أضعافًا، فمنهم المرتع [¬٨] ومنهم الآخذ الضغث، ونجوا على ذلك. ثم جاء عُظْمُ الناس فمالوا في المَرج يمينًا وشمالًا، فإنا لله وإنا إليه راجعون، وأما أنت فمضيت على طريقة صالحة فلن تزال عليها حتى تلقاني، وأما المنبر الذي رأيت فيه سبع درجات وأنا في أعلاها درجة، فالدنيا سبعة آلاف سنة، أنا في آخرها [ألفًا. و] [¬٩] أما الرجل الذي رأيتَ على يميني الآدَم الشّثل، فذاك موسى ﵇، إذا تكلم يعلو الرجال بفضل كلام الله إياه، والذي رأيت عن يساري الباذّ الربعة الكثير خيلان الوجه كأنما حُمّم شعروه بالماء، فذاك عيسى ابن مريم، نكرمه لإكرام اللَّه إياه. وأما الشيخ الذي رأيت أشبه الناس بي خلقًا ووجهًا فذالى أبونا إبراهيم، كلنا نؤمّه ونقتدي به. وأما الناقة التي رأيت ورأيتني أبعثها، فهي الساعة، علينا تقوم، لا نبي بعدي، ولا أمة بعد أمتي\". قال: فما سأل رسول الله ﷺ عن رؤيا بعد هذا إلا أن يجيء\n_________\n[¬١]- في ز، خ: وكانوا.\n[¬٢]- في خ: يكلموه.\n[¬٣]- في ز: منهم الريع.\n[¬٤]- في ز: شتل. وفي الدلائل: ضعث.\n[¬٥]- في الدلائل: يساره.\n[¬٦]- في ز، خ: وعصاك نصيب.\n[¬٧]- سقط من ز، خ.\n[¬٨]- في ز: المرقع.\n[¬٩]- سقط من ز.","vol":"13","page":356},{"text":"الرجل فيحدثه بها متبرعًا (^٢٠).\nوقوله: ﴿عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ﴾. قال ابن عباس: أي مرمولة [¬١] بالذهب؛ يعني: منسوجة به. وكذا قال مجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير، وزيد بن أسلم، وقتادة، والضحاك، وغيره.\nوقال السدي: مرمولة [¬٢] بالذهب واللؤلؤ. وقال عكرمة: مشبكة بالدر والياقوت. وقال ابن جرير: ومنه سمي وَضِين الناقة الذي تحت بطنها، وهو فعيل بمعنى مفعول، لأنه مضفور، وكذلك السرر في الجنة مضفورة بالذهب واللآلئ.\nوقوله [¬٣]: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَيهَا مُتَقَابِلِينَ﴾، أي: وجوه بعضهم إلى بعض، ليس أحد وراء أحد. ﴿يَطُوفُ عَلَيهِمْ ولْدَانٌ مُخَلَّدُونَ﴾، أي: مخلدون على صفة واحدة، لا يكبرون عنها ولا يشيبون ولا يتغيرون، ﴿بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ﴾، أما الأكواب فهي: الكيزان التي لا خراطيم لها ولا آذان، والأباريق: التي جمعت الوصفين. والكئوس: الهنابات، والجميع من خمر من عين جارية معين [¬٤]، ليس من أوعية تنقطع وتفرغ، بل من عيون سارحة.\nوقوله: ﴿لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ﴾، أي: لا تصدع رءوسهم ولا تنزف عقولهم، بل هي ثابتة مع الشدة المطربة واللذة الحاصلة.\nوروى الضحاك، عن ابن عباس أنه قال: في الخمر أربع خصال: السكر، والصداع، والقيء، والبول. فذكر الله خمر الجنة ونزهها عن هذه الخصال.\nوقال مجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير، وعطية، وقتادة، والسدي: ﴿لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا﴾، بقول: ليس لهم فيها صداع رأس.\nوقالوا في قوله: ﴿وَلَا يُنْزِفُونَ﴾ أي: لا تذهب بعقولهم.\n_________\n(^٢٠) - أخرجه البيهقي في الدلائل (٧/ ٣٦ - ٣٨) وفي إسناده سليمان بن عطاء شيخ يروى عن مسلمة بن عبد الله الجهني عن عمه أبي شجعة بن ربعي بأشياء موضوعة، لا تشبه حديث الثقات فلست أدري التخليط فيها منه أو من مسلمة. ا هـ من المجروحين لابن حبان (١/ ٣٢٥) وقد روى له هذا الحديث شاهدًا على ذلك.\n_________\n[¬١]- في ز: مزمولة.\n[¬٢]- في ز: مزمولة.\n[¬٣]- في ز: التي.\n[¬٤]- في خ: يعني. وفي ت، ز: معني.","vol":"13","page":357},{"text":"وقوله: ﴿وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ﴾، أي: ويطوفون عليهم بما [¬١] يتخيرون من الثمار.\nوهذه الآية دليل على جواز أكل الفاكهة على صفة التخير لها، ويدل على ذلك حديث [عِكرَاش بن ذُؤيب] [¬٢] الذي رواه الحافظ أبو يعلى الموصلي ﵀ في مسنده: حدثنا العباس بن الوليد النرسي [¬٣]، حدثنا العلاء بن [الفضل] [¬٤] بن عبد الملك بن أبي سَويَّة، حدثنا عبيد [¬٥] الله بن [عكراش، عن أبيه] [¬٦] عكراش بن ذؤيب قال: بعثني بنو [¬٧] مرة في صدقات أموالهم إلى رسول الله ﷺ، فقدمت المدينة فإذا هو جالس بين [¬٨] المهاجرين والأنصار، وقدمت عليه بإبل كأنها عُروق الأرْطَى، قال: \"من الرجل؟ \". قلت: عكراش بن ذُؤيب. قال: \"ارفع في [¬٩] النسب\". فانتسبت له إلى مُرة بن عُبيد، وهذه صدقة مرة بن عبيد. فتبسم رسول الله ﷺ. قال: \"هذه إبل قومي، هذه صدقات قومي\". ثم أمر بها أن تُوسم بِميسَم إبل الصدقة وتضم إليها. ثم أخذ بيدي فانطلقنا إلى منزل أم سلمة، فقال: \"هل من طعام؟ \" فأتينا بجفنة كثيرة الثريد والوَذر، فجعل يأكل منها (*)، فأقبلت أخبط بيدي في جوانبها، فقبض رسول الله ﷺ بيده اليسرى على يدي اليمنى، فقال: \"يا عكرَاش، كل من موضع واحد، فإنه طعام واحد\". ثم أتينا بطبق فيه تمر أو رطب -شك عبيد الله رطبًا كان أو تمرًا [¬١٠]- فجعلت آكل من بين يدي، وجالت يد رسول الله ﷺ في الطبق، وقال: \"يا [¬١١] عكراش، كل من حيث شئت، فإنه غير لون واحد\". ثم أتينا بماء فغسل رسول الله ﷺ يده [¬١٢] ومسح ببلل [¬١٣] كفيه وَجْهه وذراعيه ورأسه ثلاثًا، ثم قال: \"يا عكراش، هذا الوضوء مما غيرت [¬١٤] النار\" (^٢١).\n_________\n(*) أي كثيرة قطع اللحم.\n(^٢١) - في إسناده عبيد الله بن عكراش، قال البخاري: لا يثبت حديثه. والعلاء بن الفضل: ضعيف.\nوقد أخرجه ابن حبان في المجروحين، بإسناد أبي يعلى (٢/ ١٨٣ - ١٨٤)، وقال: العلاء بن الفضل كان ممن ينفرد بأشياء مناكير عن أقوام مشاهير، لا يعجبني الاحتجاج بأخباره التي انفرد بها، فأما ما وافق فيها الثقات، فإن اعتبر كذلك معتبر لم أر بذلك بأسًا.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: مما.\n[¬٢]- في ز، خ: \"علي بن أنس بن ذؤيب\".\n[¬٣]- في ز: المرسي.\n[¬٤]- في ز، خ: المفضل.\n[¬٥]- في ز، خ: عبد.\n[¬٦]- سقط من ز، خ.\n[¬٧]- سقط من ز، خ.\n[¬٨]- في ز: في.\n[¬٩]- في ز، خ: من.\n[¬١٠]- في ز: هذا.\n[¬١١]- سقط من ز، خ.\n[¬١٢]- سقط من ز، خ.\n[¬١٣]- في ز، خ: بتلك.\n[¬١٤]- في ز: عوت.","vol":"13","page":358},{"text":"وهكذا رواه الترمذي مطولًا وابن ماجة جميعًا، عن محمد بن بشار، عن أبي الهُذيل العلاء بن الفضل، به (^٢٢). وقال الترمذي: غريب لا نعرفه إلا من حديثه.\nوقال الإِمام أحمد: حدثنا بَهز بن أسد وعفان -وقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا شيبان- قالوا: حدثنا سليمان بن المغيرة، حدثنا ثابت قال: قال أنس: كان رسول الله، ﷺ، تعجبه الرؤيا، فربما رأى الرجل الرؤيا فسأل عنه إذا لم يكن يعرفه، فإذا أُثني عليه معروف كان أعجب لرؤياه إليه [¬١]، فأتته امرأة فقالت: يا رسول الله، رأيت كأني أتيت فأخرجت من المدينة فأدخلت الجنة، فسمعت وَجْبة انتحبت [¬٢] لها الجنة، فنظرت فإذا فلان بن فلان، وفلان بن فلان، فسمت اثني عشر رجلًا، كان النبي، ﷺ، قد بعث سرية قبل [¬٣] ذلك، فجيء بهم عليهم ثياب طُلْس تشخب أوداجُهم، فقيل: اذهبوا بهم إلى نهر [البيدخ، أو: البيذخ] [¬٤]- قال: فغمسوا فيه، فخرجوا ووجوههم كالقمر ليلة البدر، فأتوا بصحفة من ذهب فيها بُسر فأكلوا من بُسره ما شاءوا، فما يقلبونها من وجه إلا أكلوا من الفاكهة ما أرادوا، وأكلتُ معهم، فجاء البشير من تلك السرية، فقال: [كان من أمرنا] [¬٥] كذا وكذا، وأصيب فلان وفلان. حتى عد اثني عشر رجلًا، فدعا رسول الله ﷺ المرأة [¬٦] فقال: قصي رؤياك. فقصتها. وجعلت تقول: فجيء بفلان وفلان كما قال (^٢٣).\nوهذا لفظ أبي يعلى، قال الحافظ الضياء: وهذا على شرط مسلم.\nوقال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا معاذ بن المثنى؛ حدثنا علي بن المديني، حدثنا ريحان بن سعيد، عن عباد بن منصور، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي أسماء، عن [¬٧] ثوبان قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن [¬٨] الرجل إذا نزع ثمرة في الجنة،\n_________\n(^٢٢) - أخرجه الترمذي في كتاب: الأطعمة، باب: ما جاء في التسمية في الطعام، حديث (١٨٤٩) (٦/ ١٣٠). وابن ماجة في كتاب: الأطعمة، باب: الأكل مما يليك، حديث (٣٢٧٤) (٢/ ١٠٨٩ - ١٠٩٠).\n(^٢٣) - أخرجه أحمد (٣/ ١٣٥، ٢٥٧). وأبو يعلى (٦/ ٤٤ - ٤٥) (٣٢٨٩). قال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (٧/ ١٧٩): رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح.\n_________\n[¬١]- في أبي يعلى: عليه.\n[¬٢]- في أبي يلى: انتحت. وفي مسند أحمد: ارتجت.\n[¬٣]- في أبي يعلى: بمثل.\n[¬٤]- في خ: \"التياح أو السدح\".\n[¬٥]- في ز، خ: \"ما كان من رؤيا\".\n[¬٦]- سقط من خ.\n[¬٧]- في ز: هو.\n[¬٨]- سقط من خ.","vol":"13","page":359},{"text":"عادت مكانها أخرى\" (^٢٤).\nوقوله: ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ قال [¬١] الإمام أحمد:\nحدثنا سيار بن حاتم، حدثنا جعفر بن سليمان الضبعي [¬٢]، حدثنا ثابت، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن طير الجنة كأمثال البُخْت ترعى في شجر الجنة\". فقال أبو بكر: يا رسول الله، إن هذه لطير ناعمة. فقال: \"أكلَتُها [¬٣] أنعم منها -قالها ثلاثا- وإني لأرجو أن تكون ممن يأكل منها\" (^٢٥). تَفَرّد به أحمد من هذا الوجه. وروى الحافظ أبو عبد الله المقدسي في كتابه \"صفة الجنة\" من حديث إسماعيل بن علي الخُطبي [¬٤]، عن أحمد بن علي الخيوطي، عن عبد الجبار بن عاصم، عن عبد الله بن زياد، عن زرعة، عن نافع، عن ابن عمر قال: ذكرت عند النبي ﷺ طوبى، فقال رسول الله ﷺ: \"يا أبا بكر هل بلغك ما طوبى؟ \". قال: الله ورسوله أعلم. قال: \"طوبى شجرة في الجنة، ما يعلم طولها إلا الله، يسير الراكب تحت غصن من أغصانها سبعين خريفا، ورقها [¬٥] الحُلل، يقع عليها الطير كأمثال البخت\". فقال أبو بكر: يا رسول الله، إن هناك لطيرًا ناعمًا؟ قال: \"أنعم منه من يأكله، وأنت منهم إن يشاء الله\" (^٢٦).\nوقال قتادة في قوله: ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾: ذكر لنا أن أبا بكر قال: يا رسول لله، إني أرى طيرها ناعمة كما أهلها ناعمون. قال: \"من يأكلها -والله يا أبا بكر- أنعم منها، وإنها لأمثال البُخت، وإني لأحتسب على الله أن تأكل منها يا أبا بكر\".\nوقال أبو بكر بن أبي الدنيا: حدثني مجاهد بن مرسى، حدثنا معن بن عيسى، حدثني\n_________\n(^٢٤) - أخرجه الطبراني في الكبير (٢/ ١٠٢) (١٤٤٩) وفي إسناده عباد بن منصور وهو مدلس وقد تغير بأخرة، وقد ذكره ابن حجر في الطبقة الرابعة من طبقات المدلسين. وذكره الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (١٠/ ٤١٧) وقال: رواه الطبراني والبزار، ورجال الطبراني وأحد إسنادي البزار ثقات.\n(^٢٥) - أخرجه أحمد (٣/ ٢٢١) (١٣٣٣٥). وفي إسناده سيار بن حاتم صدوق له أوهام وبقية رجاله ثقات. قال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (١٠/ ٤١٧): رواه الترمذي باختصار، ورواه أحمد ورجاله رجال الصحيح غير سيار بن حاتم وهو ثقة.\n(^٢٦) - عزاه الألباني في الصحيحة (٢٥١٤) للمقدسي وأعله بعبد الله بن زياد، وقال تكلم فيه ابن حبان.\n_________\n[¬١]- في ز: وقال.\n[¬٢]- في ز: الطبيعي.\n[¬٣]- في ز: أكلها.\n[¬٤]- في ز: الخطي.\n[¬٥]- في ز: وورقها.","vol":"13","page":360},{"text":"ابنُ أخي ابن شهاب، عن أبيه، عن أنس بن مالك: أن رسول الله ﷺ سُئل عن الكوثر؟ فقال: \"نهر أعطانيه ربي ﷿ في الجنة، أشد بياضًا من اللبن، وأحلى من العسل، فيه طيور أعناقها يعني كأعناق الجُزُر\". فقال عمر: إنها لناعمة. قال رسول الله ﷺ: \"آكل أنعم منها\".\nوكذا رواه الترمذي عن عبد بن حميد، عن القعنبي، عن محمد بن عبد الله بن مسلم بن شهاب، عن أبيه، عن أنس (^٢٧)، وقال: حسن.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا علي بن محمد الطنافسي، حدثنا أبو معاوية، عن عبيد الله بن الوليد الوصافي [¬١]، عن عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن في الجنة لطيرًا فيه سبعون ألف ريشة، فيقع على [¬٢] صحفة الرجل من أهل الجة فينتفض، فيخرج من كل ريشة؛ يعني لونًا أبيض من اللبن، [وألين من الزبد] [¬٣]، وأعذب من الشهد، ليس منها لون يشبه صاحبه، ثم يطير\".\nهذا حديث غريب جدًّا، والوصافي [¬٤] وشيخه ضعيفان. ثم قال ابن أبي حاتم:\nحدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن صالح كاتب الليث، حدثني الليث، حدثنا خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن أبي حازم، عن عطاء، عن كعب قال: إن طائر الجنة كأمثال [¬٥] البُخْت، يأكل [¬٦] مما خُلق من ثمرات الجنة، ويشرب من أنهار الجنة، فيصطففن [¬٧] له، فإذا اشتهى منها شيئًا أتاه حتى يقع بين يديه، فيأكل من خارجه وداخله، ثم يطير [¬٨] لم ينقص منه شيء (^٢٨). صحيح إلى [¬٩] كعب.\nوقال الحسن بن عرفة: حدثنا خلف بن خليفة، عن حميد الأعرج، عن عبد الله بن الحارث، عن عبد الله بن مسعود قال: قال لي رسول الله ﷺ: \"إنك\n_________\n(^٢٧) - أخرجه الترمذي في كتاب: الجنة، كتاب: ما جاء في صفة طير أهل الجنة، حديث (٢٥٤٥) (٧/ ٢٢١). وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة برقم (٢٥١٤).\n(^٢٨) - في إسناده عبد الله بن صالح كاتب الليث، وهو صدوق كثير الغلط، ويقية رجاله ثقات.\n_________\n[¬١]- في ز: الرصافي.\n[¬٢]- في خ: كل.\n[¬٣]- سقط من خ.\n[¬٤]- في ز: الرصافي.\n[¬٥]- في ت: أمثال.\n[¬٦]- بياض، في ز، خ.\n[¬٧]- في ز: فيصطفين.\n[¬٨]- في ز: نظر.\n[¬٩]- في خ: أبي.","vol":"13","page":361},{"text":"لتنظر إلى الطير في الجنة فتشتهيه، فيخر بين يديه مشويًّا\" (^٢٩).\nوقوله: ﴿وَحُورٌ عِينٌ (٢٢) كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ﴾: قرأ بعضهم بالرفع، وتقديره: ولهم فيها حور عين. وقراءة الجر تحتمل معنين: أحدهما: أن يكون الإعراب على الإِتباع بما قبله، كقوله: ﴿بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (١٨) لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ (١٩) وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ (٢٠) وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٢١) وَحُورٌ عِينٌ﴾، كما قال: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾ وكما قال: ﴿عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ﴾. والاحتمال الثاني: أن يكون مما يطوف به الولدان المخلدون عليهم الحور العين، ولكن يكون ذلك في القصور، لا بين بعضهم بعضًا، بل في الخيام يطوف عليهم الخدام بالحور العين، والله أعلم.\nوقوله: ﴿كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ﴾، أي: كأنهن اللؤلؤ الرطب في بياضه وصفائه، كما تقدم في سورة الصافات: ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾. وقد تقدم في سورة الرحمن وصفهن أيضًا، ولهذا قال: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، أي: هذا الذي أتحفناهم [¬١] به مجازاة لهم على ما أحسنوا من العمل.\nثم قال: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا (٢٥) إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا﴾، أي: لا يسمعون في الجنة كلامًا لاغيًا، أي: غَثًّا خاليًا عن المعنى، أو مشتملًا على معنى [حقير أو ضعيف] [¬٢]، كما قال: ﴿لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً﴾ أي: كلمة لاغية ﴿وَلَا تَأْثِيمًا﴾ أي: ولا كلامًا فيه قبح [¬٣]، ﴿إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا﴾ أي: إلا التسليم منهم بعضهم على بعض، كما قال: ﴿تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ﴾ وكلامهم أيضًا سالم من اللغو والإثم.\n﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ (٢٧) فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ (٢٨) وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ (٢٩) وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (٣٠) وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ (٣١) وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (٣٢) لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ (٣٣) وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ (٣٤) إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً (٣٥) فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا (٣٦) عُرُبًا أَتْرَابًا (٣٧) لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ (٣٨) ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (٣٩) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ (٤٠)﴾\n_________\n(^٢٩) - في إسناده حميد الأعرج ضعيف وخلف بن خليفة: صدوق اختلط في الآخر.\n_________\n[¬١]- في ز: ألحقناهم.\n[¬٢]- في ز: حقيرًا وضعيفًا.\n[¬٣]- في ز: قبيحًا.","vol":"13","page":362},{"text":"لما ذكر تعالى مآل السابقين -وهم المقربون- عطف عليهم بذكر أصحاب اليمين -وهم الأبرار- كما قال ميمون بن مهران: أصحاب اليمين منزلة دون المقربين، فقال: ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ﴾. أي: أي شيءٍ أصحاب اليمين؟ وما حالهم؟ وكيف مآلهم؟ ثم فسر ذلك فقال: ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ﴾. قال ابن عباس، وعكرمة، ومجاهد، وأبو الأحوص، وقسامة بن زُهير، والسَّفر بن بشير [¬١]، والحسن، وقتادة، وعبد الله بن كثير، والسدي، وأبو حزرة [¬٢]، وغيرهم: هو الذي لا شوك فيه، وعن ابن عباس: هو المُوقر بالثمر. وهو رواية عن عكرمة، ومجاهد. وكذا قال قتادة أيضًا: كنا نُحَدّث أنه المُوقر الذي لا شوك فيه.\nوالظاهر أن المراد هذا وهذا؛ فإن سدر الدنيا محمير الشموك قليل الثمر، وفي الآخرة على العكس [¬٣] من هذا، لا شوك فيه، وفيه الثمر الكثير الذي قد أثقل أصله. كما قال الحافظ أبو بكر أحمد بن سلمان النجّاد [¬٤]:\n[حدثنا عبد الله [¬٥] بن محمد -هو البغوي- حدثني حمزة بن العباس، حدثنا عبد الله بن عثمان] [¬٦]، حدثنا عبد الله بن المبارك، أخبرنا صفوان بن عمرو، عن سليم بن عامر، قال: كان أصحاب رسول الله ﷺ بقولون: إن الله لينفعنا بالأعراب ومسائلهم. قال: أقبل أعرابي يومًا؛ فقال: يا رسول الله، ذَكَرَ الله في الجنة شجرة تؤذي بهاحبها. فقال [¬٧] رسول الله ﷺ: \"وما هي؟ \": قال السّدر، فإن له شوكًا مؤذيًا. فقال رسول الله ﷺ: \"أليس الله يقول: ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ﴾، خَضَد الله شوكه، فجعل مكان كل شوكة ثمرة، فإنها لتنبت ثمرًا تَفتَّق الثمرةُ منها عن اثنين وسبعين لونًا من طعام، ما فيها لون يشبه الآخر\" (^٣٠).\nطريق أخرى، قال أبو بكر بن أبي داود: حدثنا محمن بن المصفى، حدثنا محمد بن المبارك، حدثنا يحيى بن حمزة، حدثني ثور بن يزيد، حدثني حَبِيب بن عبيد، عن عُتْبة بن عبد السلمي؛ قال: كنت جالسًا مع رسول الله ﷺ فجاء أعرابي؛ فقال: يا رسول الله؛ أسمعك تذكر في الجنة شجرة لا أعلم شجرة أكثر شوكًا منها؟ -\n_________\n(^٣٠) - أخرجه ابن أبي الدنيا كما في \"الترغيب والترهيب\" (٤/ ٤٣٤) وقال: إسناده حسن. وأخرجه الحاكم (٢/ ٤٧٦) وصححه، ووافقه الذهبي.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: بشر.\n[¬٢]- في ز: حرزة.\n[¬٣]- في ت: عكس.\n[¬٤]- في خ: النجار.\n[¬٥]- في ت: محمد.\n[¬٦]- ما بين المعكرفين سقط من خ.\n[¬٧]- في ز: قال.","vol":"13","page":363},{"text":"يعني: الطلح- فقال رسول الله ﷺ: \"إن الله يجعل مكان كل شوكة منها ثمرة مثل خُصوة [¬١] التيس الملبود، فيها سبعون لونًا من الطعام، لا يشبه لون آخر\" (^٣١).\nوقوله: ﴿وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ﴾، الطلح: شجر عظام يكون بأرض الحجاز، من شجر العضَاه، واحدته طلحة، وهو شجر كثير الشوك، وأنشد ابن جرير لبعض الحداة:\nبَشَّرَها دَليلها وقالا: … غدًا تَرينَ الطَّلحَ والجبالا\n[] [¬٢].\nقال مجاهدًا: ﴿مَنْضُودٍ﴾، أي متراكم الثمر؛ يذكر بذلك قريشا؛ لأنهم كانوا يعجبون من وَجّ [¬٣] وظلاله من طلح وسدر. وقال السدي: ﴿مَنْضُودٍ﴾ مصفوف. قال ابن عباس: يشبه طلح الدنيا، ولكن له ثمر أحلى من العسل. قال الجوهري: والطلح لغةٌ في الطلع.\nقلت: وقد روى ابن أبي حاتم من حديث الحسن بن سعد، عن شيخ من همدان؛ قال: سمعت عليًّا يقول هذا الحرف في ﴿طَلْحٍ مَنْضُودٍ﴾، قال: ﴿طلع منضود﴾ (^٣٢)، فعلى هذا يكون هذا من صفة السدر، فكأنه وصفه بأنه مخضود، وهو الذي لا شوك له، وأن طلعه منضود، وهو كثرة ثمره، والله أعلم.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو معبد الأشج، حدثنا أبو معاوية، عن إدريس، عن جعفر بن إياس، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد ﴿وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ﴾، قال: الموز. قال وروي عن ابن عباس، وأبي هريرة، والحسن، وعكرمة، وقسامة بن زُهير، وقتادة، وأبي حزرة [¬٤]، مثل ذلك. وبه قال مجاهد، وابن زءلد، وزاد فقال: أهل اليمن يسمون الموز الطلح. ولم يحك ابن جرير غير هذا القول.\n_________\n(^٣١) - محمد بن المصفى صدوق له أوهام. لكن أخرجه الطبراني ومن طريقه أبو نعيم في الحلية (٦/ ١٠٣) من طريق أبي زرعة الدمشقي ثنا أبو مسهر ثنا يحيى بن حمزة، به. قال الهيثمي في المجمع (١٠/ ٤١٧): رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح.\n(^٣٢) - إسناده ضعيف لجهالة الشيخ الذي من همدان.\n_________\n[¬١]- في ز: حضرة.\n[¬٢]- ما بين المعكوفين في ز: \"كما قال ميمون بن مهران: أصحاب اليمين منزلة دون المقربين\".\n[¬٣]- وجٌّ: اسم وادٍ بالطائف. القاموس صـ (٢٦٦).\n[¬٤]- في ز: حرزة.","vol":"13","page":364},{"text":"وقوله: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾، قال البخاري: حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا سفيان، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة -يبلُغُ به النبي ﷺ قال: \"إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها، اقرءوا إن شئتم: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ \" (^٣٣). ورواه مسلم من حديث الأعرج به (^٣٤).\nوقال الإِمام أحمد: حدثنا سُرَيج، حدثنا فُلَيح، عن هلال بن عليّ، عن عبد الرحمن بن أبي عَمرة، عن أبي هُرَيرة، قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن [¬١] في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة سنة، اقْرءوا إن شئتم: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ \" (^٣٥). وكذا رواه البخاري عن محمد بن سنان [¬٢] عن فليح به (^٣٦). وكذا رواه عبد الرزاق، عن معمر، عن [¬٣] همام، عن أبي هريرة (^٣٧). وكذا رواه حماد بن سلمة، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة (^٣٨)، والليث بن سعد، عن سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة (^٣٩) وعوف عن ابن سيرين عن أبي هريرة.\nوقال الإِمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر وحجاج؛ قال: حدثنا شعبة، سمعت أبا الضحاك يحدث عن أبي هُرَيرة، عن رسول الله ﷺ أنه قال: \"إن [¬٤] في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها سبعين -أو مائة- سنة، هي شجرة الخلد\" (^٤٠).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا يزيد بن هارون، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن رسول الله، قال: \"في الجنة شجرة يسير\n_________\n(^٣٣) - أخرجه البخاري في كتاب: التفسير، باب: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾، حديث (٤٨٨١) (٨/ ٦٢٧).\n(^٣٤) - أخرجه مسلم في كتاب: الحنة، باب: إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها، حديث (٧/ ٢٨٢٦) (١٧/ ٢٤٤).\n(^٣٥) - أخرجه أحمد (٢/ ٤٨٢).\n(^٣٦) - البخاري في كتاب: بدء الخلق، كتاب: ما جاء في صفة الجنة وأنها مخلوقة، حديث (٣٢٥٢) (٦/ ٣١٩).\n(^٣٧) - عبد الرزاق في \"مصنفه\" (١١/ ٤١٧) (٢٠٨٧٧).\n(^٣٨) - أحمد (٢/ ٤٦٩).\n(^٣٩) - مسلم في كتاب: الجنة، باب: إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها، حديث (٦/ ٢٨٢٦) (١٧/ ٢٤٤).\n(^٤٠) - أخرجه أحمد (٢/ ٤٥٤). وفي إسناده أبو الضحاك: مقبول.\n_________\n[¬١]- سقط من ز.\n[¬٢]- في ز: شيبان.\n[¬٣]- في ز: بن.\n[¬٤]- سقط من ز.","vol":"13","page":365},{"text":"الراكب في ظلها مائة عام ما يقطعها، واقرءوا إن شئتم: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ \". إسناد جيد، ولم يخرجوه.\nوهكذا رواه ابن جرير عن أبي كريب عن [¬١] عبدة وعبد الرحيم، عن محمد بن [عمرو به] [¬٢] (^٤١).\nوقد رواه الترمذي، من حديث عبد الرحيم بن سليمان به (^٤٢).\nوقال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا مهران، حدثنا إسماعيل بن أبي خالد، عن زياد -مولى بني مخزوم- عن أبي هُرَيرة، قال: إن في الجنة لشجرة يسير الراكب في ظلها مائة سنة، اقرءوا إن شئتم: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾. فبلغ ذلك كعبًا فقال: صدق، والذي أنزل التوراة على موسى، والفرقان على محمد، لو أن رجلًا ركب حقة أو جذعة ثم دار حول تلك الشجرة ما بلغها حتى يسقط هَرَمًا [¬٣]، إن الله غرسها بيده، ونفخ فيها من روحه، وإن أفنانها لمن وراء سور [¬٤] الجنة، وما في الجنة نهر إلا وهو يخرج من أصل تلك الشجرة (^٤٣).\nوقال الحافظ أبو يعلى الموصلي: حدثنا محمد بن منهال الضرير، حدثنا يزيد بن زُرَيع، عن سعيد [¬٥] بن أبي عَرُوبة، عن قتادة، عن أنس، عن النبي ﷺ في قول الله ﷿: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾، قال: \"في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها\" (^٤٤).\nوكذا رواه البخاري عن روح بن عبد المؤمن عن بزيد بن زريع (^٤٥). وهكذا رواه أبو داود\n_________\n(^٤١) - أخرجه الطبري (٢٧/ ١٨٣).\n(^٤٢) - الترمذي في كتاب: تفسير القرآن، باب: ومن سورة الواقعة، حديث (٣٢٨٨) (٩/ ٣٤).\nقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.\n(^٤٣) - أخرجه الطبري في \"تفسيره\" (٢٧/ ١٨٢)، وفي إسناده زياد مولى بني مخزوم، قال يحيى بن معين: لا شيء. الجرح والتعديل (٣/ ٥٤٩) لكن يشهد لصدر الحديث الأحاديث السابقة.\n(^٤٤) - أخرجه أبو يعلى (٥/ ٣٤٨، ٣٨٠) (٢٩٩١، ٣٠٣٨) من طريقين عن قتادة بنحو هذا الحديث في ذكر الشجرة.\n(^٤٥) - أخرجه البخاري في كتاب: بدء الخلق، باب: ما جاء في صفة الحنة وأنها مخلوقة، حديث (٣٢٥١) (٦/ ٣١٩).\n_________\n[¬١]- في ز: و.\n[¬٢]- في ز: عبد ربه.\n[¬٣]- بياض في ز.\n[¬٤]- في ز: ستور.\n[¬٥]- في ز: حميد.","vol":"13","page":366},{"text":"الطيالسي، عن عمران بن [¬١] دَاوَر القطان، عن قتادة، به (^٤٦). وكذا رواه معمر، وأبو [¬٢] هلال، عن قتادة به (^٤٧).\nوقد أخرج البخاري ومسلم من حديث أبي سعيد وسَهل بن سَعد، عن رسول الله ﷺ؛ قال: \"إن في الجنة شجرة يسير الراكب الجواد المُضَمَّر السريع مائة عام ما يقطعها\" (^٤٨).\nفهذا حديث ثابت عن رسول الله ﷺ، بل متواتر مقطوع بصحته عند أئمة الحديث النقاد، لتعدد طرقه، وقوة أسانيده، وثقة رجاله.\nوقد قال الإمام أبو جعفر بن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا أبو بكر، حدثنا أبو حُصَين؛ قال: كنا على باب في موضع، ومعنا أبو صالح وشقيق -يعني الضبي- فحدّث أبو صالح؛ قال: حدثني أبو هُرَيرة؛ قال: إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها سبعين عامًا. قال أبو صالح: أتكَذّب أبا هريرة؟ قال: ما أكذب أبا هريرة، ولكني أكذّبك أنت. فشق ذلك على الفراء يومئذ [¬٣] (^٤٩).\nقلت: فقد أبطل من يكذب بهذا الحديث، مع ثبوته وصحته ورفعه إلى رسول الله ﷺ.\nوقال الترمذي: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا زياد بن الحسن بن الفُرَات القَزّاز، عن أبيه، عن جده، عن أبي حازم، عن أبي هُريرة؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه\n_________\n(^٤٦) - والطبري (٢٧/ ١٨٣) من طريق أبي داود.\n(^٤٧) - أخرجه الترمذي في كتاب: تفسير القرآن، كتاب: ومن سورة الواقعة، حديث (٣٢٨٩) (٩/ ٣٤ - ٣٥) من طريق معمر عن قتادة.\nقال الترمذي: حسن صحيح. وأخرجه الطبري (٢٧/ ١٨٤) من طريق معمر وأبي هلال عنه.\n(^٤٨) - أخرجه البخاري في كتاب: الرقاق، كتاب: صفة الجنة والنار، حديث ٦٥٥٣١ (١١/ ٤١٦).\nومسلم في كتاب: الجنة وصفة نعيمها وأهلها، كتاب: إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها، حديث (٦٥٥٢) (١١/ ٢٤٥) كلاهما من حديث أبي سعيد.\nوأخرجه البخاري رقم (٦٥٥٢) (١١/ ٤١٥). ومسلم برقم (٨/ ٢٨٢٧) كلاهما من طريق سهل بن سعد.\n(^٤٩) - أخرجه الطبري (٢٧/ ١٨٤).\n_________\n[¬١]- سقط من ز.\n[¬٢]- في ز: وابن.\n[¬٣]- سقط من ز.","vol":"13","page":367},{"text":"وسلم: \"ما في الجنة شجرة إلا ساقها من ذهب\" (^٥٠). ثم قال: حسن غريب.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن أبي الربيع، حدثنا أبو عامر العَقَدي، عن زمعة [¬١] بن صالح، عن سلمة بن وهرام، عن عكرمة، عن ابن عباس؛ قال: الظل الممدود شجرة في الجنة على ساق ظلها قدر ما يسير الراكب في نواحيها مائة عام.\nقال: فيخرج إليها أهل الجنة -أهل الغرف وغيرهم- فيتحدثون في ظلها. قال: فيشتهي بعضهم ويذكر لهو الدنيا، فيرسل الله ريحًا من الجنة فتحرك تلك الشجرة بكل لهو في الدنيا (^٥١). هذا أثر غريب، وإسناده جيد قوي حسن.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا ابن يمان، حدثنا سفيان، حدثنا أبو إسحاق، عن عمرو بن ميمون في قوله: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾، قال: سبعون ألف سنة. وكذا رواه ابن جرير عن بندار، عن ابن مهدي، عن سفيان، مثله. ثم قال ابن جرير:\nحدثنا ابن حميد، حدثنا مهران، عن سفيان، عن أبي أسحاق، عن عمرو بن ميمون ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾، قال: [خمسمائة ألف سنة.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو الوليد الطيالسي، حدثنا حُصَين بن نافع، عن الحسن في قول الله تعالى: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ قال] [¬٢]: في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة [ألف] [¬٣] سنة لا يقطعها.\nوقال عوف عن الحسن: بلغني أن رسول الله ﷺ؛ قال: \"إن في الجنة لشجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام، لا يقطعها\". رواه ابن جرير (^٥٢).\nوقال شبيب: عن عكرمة، عن ابن عباس: في الجنة شجر [¬٤] لا يحمل، يُستظَلّ به. رواه ابن أبي حاتم.\nوقال الضحاك، والسدي، وأبو حَزْرَةَ في قوله: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾: لا ينقطع، ليس\n_________\n(^٥٠) - أخرجه الترمذي في كتاب: صفة الجنة، باب: ما جاء في صفة شجر الجنة، حديث (٢٥٢٧) (٧/ ٢١٠). وزياد بن الحسن بن فرات: صدوق يخطئ، وأبوه صدوق بهم، وبقية إسناده ثقات. والحديث صححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (٢٠٤٩ - ٢٦٥٨).\n(^٥١) - في إسناده زمعة بن صالح ضعيف.\n(^٥٢) - أخرجه الطبري (٢٧/ ١٨٤) وهو ظاهر الانقطاع، لكن يشهد له ما سبق من أحاديث صحيحة.\n_________\n[¬١]- في ز: ربيعة.\n[¬٢]- ما بين المعكوفين سقط من ز.\n[¬٣]- سقط من خ.\n[¬٤]- في ز: شجرة.","vol":"13","page":368},{"text":"فيها شمس ولا حر، مثل قبل طلوع الفجر.\nوقال ابن مسعود: الجنة سجسج كما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس.\nوقد تقدمت الآيات كقوله: ﴿وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا﴾ وقوله: ﴿أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا﴾ وقوله: ﴿فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\nوقوله: ﴿وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ﴾، قال الثوري: [يعني] [¬١] يجري في غير أخدود.\nوقد تقدم الكلام عند [¬٢] تفسير قوله تعالى: ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيرِ آسِنٍ …﴾. الآية. بما أغنى عن إعادته هاهنا.\nوقوله: ﴿وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (٣٢) لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ﴾. أي: وعندهم من الفواكه الكثيرة المتنوعة في الألوان ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر: ﴿كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾. أي: يشبه الشكلُ الشكلَ، ولكن الطعمَ غيرُ الطعم. وفي الصحيحين في ذكر سدرة المنتهى قال: \"فإذا ورقها كآذان الفيلة، ونبقها [¬٣] مثل قلال هجر\" (^٥٣). وفيهما أيضًا، من حديث مالك، عن زيد، عن عطاء بن يَسَار، عن ابن عباس قال: خُسفَت الشمس، فصلى رسولُ الله ﷺ والناس معه، فذكر الصلاة. وفيه: \"قالوا: يا رسول الله؛ رأيناك تناولت شيئًا في مقامك هذا ثم رأيناك تكعكعت (*)! قال: إني رأيت الجنة، فتناولت فها عنقودًا، ولو أخذته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا\" (^٥٤).\nوقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا أبو خيثمة، حدثنا عبد الله بن جعفر، حدثنا عبيد الله، حدثنا ابن عقيل، عن جابر قال: بينا نحن في صلاة الظهر، إذ تقدم رسول الله ﷺ فتقدمنا معه، ثم تناول شيئًا ليأخذه ثم تأخر، فلما قضى الصلاة قال له أبيّ بن كعب: يا رسول الله، صنعتَ اليومَ في الصلاة شيئًا ما كنت تصنعه! قال: \"إنه عُرضَتْ علي الجنة، وما فيها من الزهرة والنضرة، فتناولت منها قِطفًا من عنب لآتيكم به، فحيل\n_________\n(^٥٣) - تقدم تخريجه في أول سورة الإسراء في أحاديث المعراج.\n(*) أي أحجمت وتراجعت إلى الوراء. (النهاية ٤/ ١٨٠)\n(^٥٤) - أخرجه البخاري في كتاب: الأذان، باب: رفع البصر إلى الإمام في الصلاة، حديث (٧٤٨) (٢/ ٢٣٢). ومسلم في كتاب: الكسوف، باب: ما عرض على النبي ﷺ في صلاة الكسوف من أمر الجنة والنار، حديث (١٧/ ٩٠٧ م) (٦/ ٣٠٢).\n_________\n[¬١]- سقط من ت، خ.\n[¬٢]- في ز: على.\n[¬٣]- في ز: وسعفها.","vol":"13","page":369},{"text":"بيني وبينه، ولو أتيتكم به لآكل منه من بين السماء والأرض لا ينقصونه\".\nوروى مسلم من حديث أبي الزبير عن جابر نحوه (^٥٥).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا علي بن بحر، حدثنا هشام بن يوسف، أخبرنا معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن عامر بن زيد البَكَالي: أنه سمع عُتبةَ بن عَبْد السلمي يقول: جاء الأعرابي إلى رسول الله ﷺ، فسأله عن الحوض وذكر الجنة، ثم قال الأعرابي: فيها فاكهة؟ قال: \"نعم، وفيها شجرة تدعى طوبى\"، فذكر شيئًا لا أدري ما هو، قال: أي [¬١] شجر أرضنا تشبه؟ قال: \"ليست تشبه شيئًا من شجر أرضك\"، فقال النبي ﷺ: \"أتيت الشام؟ \" قال: لا. قال: \"تشبه شجرة بالشام تدعى الجَوزة، تنبت عِلى ساق واحد، وينفرش أعلاها\". قال: ما عظم أصلها؟ قال: \"لو ارتحلت جَذَعة من إبل أهلك ما أحاطت [¬٢] بأصلها حتى تنكسر ترقوتها هرمًا [¬٣] \". قال: فيها عنب؟ قال: \"نعم\". قال: فما [¬٤] عظم العنقود؟ قال: \"مسيرة شهر للغراب الأبقع، ولا يفتر\". قال: فما عظَم الحبة [¬٥]؛ قال: \"هل ذبح أبوك تيسًا من غنمه قط عظيمًا؟ \" قال: نعم. قال: \"فسلخ إهابه فأعطاه أمك فقال: اتخذي لنا منه دلوًا؟ \" قال: نعم. قال الأعرابي: فإن تلك الحبة [¬٦] لتشبعني وأهل بيتي؟ قال: \"نعم وعامة عشيرتك\" (^٥٦).\nوقوله: ﴿لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ﴾، أي: لا تنقطع شتاء ولا صيفًا، بل أكلها دائم مستمر أبدًا، مهما طلبوا وجدوا، لا يمتنع عليهم بقدرة الله شيء.\nقال قتادة: لا يَمنعهم من تنَاولها عودٌ ولا شوك ولا بُعد. وقد تقدم في الحديث: إذا تناول الرجل الثمرة عادت مكانها أخرى.\n_________\n(^٥٥) - أخرجه مسلم في كتاب: الكسوف، باب: ما عرض على النبي ﷺ في صلاة الكسوف من أمر الجنة والنار، حديث (٩/ ٩٠٤) (٦/ ٢٩٣ وما بعدها).\n(^٥٦) - أخرجه أحمد (٤/ ١٨٣) (١٧٦٩٣). وعامر بن زيد البكالي، قال الحسيني: ليس بالمشهور، وتعقبه ابن حجر بقوله: بل معروف؛ ذكره البخاري فقال: سمع عتبة بن عدي، روي عنه أبو سلام، حديثه في الشاميين، ولم يذكر فيه جرحًا. وتبعه ابن أبي حاتم، وأخرج ابن حبان في صحيحه من طريق أبي سلام عنه أحاديث صرح فيها بالتحديث، ومقتضاه أنه عنده ثقة، ولم أر له ذكرًا في النسخة التي عندي من الثقات له، فما أدري هل أغفله أو سقط من نسختي، ولا ترجم له ابن عساكر في تاريخ =\n_________\n[¬١]- في ز: لهي.\n[¬٢]- في ز: أحطت.\n[¬٣]- في ز: هربًا.\n[¬٤]- في ز: ما.\n[¬٥]- في ز: الجنة.\n[¬٦]- في ز: الجنة.","vol":"13","page":370},{"text":"وقوله: ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ أي: عالية وطيئة ناعمة.\nقال النسائي وأبو عيسى الترمذي: حدثنا أبو كريب، حدثنا رشدين بن سعد، عن عَمرو بن الحارث، عن دَرّاج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد، عن النبي ﷺ في قوله: ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾، قال: \"ارتفاعها كما بين السماء والأرض، ومسيرة ما بينهما خمسمائة عام (^٥٧).\nثم قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث رشدين بن سعد. قال: وقال بعض أهل العلم [¬١]: معنى هذا الحديث: ارتفاع الفرش في الدرجات، وبعد ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض. هكذا قال: إنه لا يعرف هذا إلا من رواية رشدين بن سعد، وهو المصري، وهو ضعيف.\nوهكذا رواه أبو جعفر بن جرير، عن أبي كريب، عن رشدين، به (^٥٨).\nثم رواه هو وابن أبي حاتم، كلاهما عن يونس بن عبد الأعلى، عن ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، فذكره (^٥٩).\nوكذا رواه ابن أبي حاتم أيضًا عن نُعَيم بن حماد، عن ابن وهب، وأخرجه الضياء في صفة الجنة من حديث حرملة، عن ابن وهب، به مثله.\nورواه الإِمام أحمد عن حسن بن موسى، عن ابن لهيعة، حدثنا دراج، فذكره (^٦٠).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو معاوية، عن جويبر [¬٢]، عن أبي سهل -يعني كثير بن زياد- عن الحسن: ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾، قال: ارتفاع فراش الرجل من أهل الجنة مسيرة ثمانين سنة (^٦١).\n_________\n= دمشق. ا هـ من التعجيل (٢٠٤ - ٢٠٥) وبقية إسناده ثقات.\n(^٥٧) - أخرجه الترمذي في صفة الجنة، باب: ما جاء في صفة ثياب أهل الجنة، حديث (٢٥٤٠). وفي تفسير سورة الواقعة برقم (٣٢٩٠). وفي إسناده دراج في روايته عن أبي الهيثم ضعف، ورشدين ضعيف.\n(^٥٨) - أخرجه الطبري (٢٧/ ١٨٥).\n(^٥٩) - أخرجه (٢٧/ ١٨٥) من رواية دراج عن أبي الهيثم.\n(^٦٠) - أخرجه أحمد (٣/ ٧٥) (١١٧٣٦) وإسناده كسابقه.\n(^٦١) - في إسناده جويبر، وهو ضعيف جدًّا.\n_________\n[¬١]- في ز: المعاني.\n[¬٢]- في ز: جوهر.","vol":"13","page":371},{"text":"وقوله: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً (٣٥) فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا (٣٦) عُرُبًا أَتْرَابًا (٣٧) لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾، جرى الضمير علي غير مذكور. لكن لما دل السياق -وهو ذكر الفرش على النساء اللاتي يضاجَعن فيها- اكتفي بذلك عن ذكرهن، وعاد الضمير عليهن، كما في قوله: ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ (٣١) فَقَال إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ يعني الشمس على المشهور من قول المفسرين.\nقال الأخفش في قوله: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً﴾: أضمرهن ولم يذكرهن [¬١] قبل ذلك.\nوقال أبو عبيدة: ذكرن [¬٢]، في قوله: ﴿وَحُورٌ عِينٌ (٢٢) كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ﴾.\nفقوله: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ﴾ أي أعدناهن في النشأة الآخرة بعدما كن عجائز رمصا، صرن أبكارًا عربًا، أي: بعد الثيوبة عدن أبكارًا عُرُبًا، أي: متحببات إلى أزواجهن بالحلاوة والظرافة والملاحة. وقال بعضهم: ﴿عُرُبًا﴾ أي: غنِجات.\nقال موسى بن عُبَيدة الرّبَذيّ [¬٣]: عن يزيد الرّقاشي، عن أنس بن مالك قال: قال: رسول الله ﷺ: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً﴾، قال: \"نساءَ عجائزَ كُنّ في الدنيا عُمْشًا رُمْصًا (^٦٢) \". رواه الترمذي، وابن جرير، وابن أبي حاتم. ثم قال الترمذي: غريب، وموسى ويزيد ضعيفان.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عوف الحمصي، حدثنا آدم -يعني ابن أبي إياس- حدثنا شيبان، عن جابر، عن يزيد بن مُرّة، عن سلمة بن يزيد قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول في قوله: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً﴾ يعني: الثيب والأبكار اللاتي كُنّ في الدنيا (^٦٣).\nوقال عبد بن حُمَيد: حدثنا مصعب بن المقدام، حدثنا المبارك بن فضالة، عن الحسن قال: أتت عجوز فقالت: يا رسول الله؛ ادع الله أن يدخلني الجنة. فقال: \"يا أم فلان، إن الجنة لا يدخلها عجوز\". قال: فولت تبكي، قال: \"أخبروها أنها لا تدخلها وهي عجوز، إن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً (٣٥) فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا﴾.\n_________\n(^٦٢) - أخرجه الترمذي كتاب: تفسير القرآن، باب: ومن سورة الواقعة، حديث (٣٢٩٢) (٩/ ٣٦). والطبري (٢٧/ ١٨٥).\n(^٦٣) - في إسناده جابر -وهو بن يزيد الجعفي-: ضعيف.\n_________\n[¬١]- في ز: يذكر.\n[¬٢]- في ز: ذكر.\n[¬٣]- في ز: البريدي.","vol":"13","page":372},{"text":"وهكذا رواه الترمذي في الشمائل عن عبد بن حميد (^٦٤).\nوقال أبو القاسم الطبراني: حدثنا بكر بن سهل الدمياطي، حدثنا عمرو بن هاشم البيروتي، حدثنا سليمان بن أبي كريمة، عن هشام بن حسان، عن الحسن، عن أمه، عن أم سلمة قالت: قلت: يا رسول الله، أخبرني عن قول الله: ﴿حُورٌ عِينٌ﴾، قال: \"حور: بيض. عين: ضخام العيون، شُفْر (*) الحوراء بمنزلة جناح النسر\". قلت: أخبرني عن قوله: ﴿كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ﴾، قال: \"صفاؤهن صفاءُ الدر الذي في الأصداف الذي لم تَمَسّه الأيدي\". قلت: أخبرني عن قوله: ﴿فِيهِنَّ خَيرَاتٌ حِسَانٌ﴾. قال: \"خَيّراتُ الأخلاق، حسان الوجوه\". قلت: أخبرني عن قوله: ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيضٌ مَكْنُونٌ﴾. قال: \"رقتهن كرقة الجلد الذي رأيت في داخل البيضة مما يلي القشر، وهو: الغِرْقئُ [¬١]، \"قلت: يا رسول الله، أخبرني عن قوله: ﴿عُرُبًا أَتْرَابًا﴾. قال: \"هن اللوائي قبضن في دار الدنيا عجائز رُمْصًا شمطا، خلقهن الله بعد الكبر، فجعلهن عذارى عُرُبًا متعشقات محببات [¬٢]،، أترابًا على ميلاد واحد\". قلت: يا رسول الله، نساء الدنيا أفضل أم الحور العين؟ قال: \"بل نساء الدنيا أفضل من الحور العين، كفضل الظهارة على البطانة\" قلت: يا رسول الله، وبم ذاك؟. قال: \"بصلاتهن وصيامهن وعبادتهن الله ﷿ ألبس الله وجوهَهن النور، وأجسادهن الحرير، بيض الألوان، خضر الثياب، صفر الحلي، مجامرهن الدر [¬٣]، وأمشاطهن الذهب، يقلن: نحن الخالدات فلا نموت [¬٤]، ونحن الناعمات فلا نبأس أبدًا، ونحن المقيمات فلا نظعن أبدًا، ألا ونحن الراضيات فلا نسخط أبدًا، طوبى لمن كُنا له وكان لنا\". قلت: يا رسول الله؛ المرأة منا تتزوج الزوجين [¬٥] والثلاثة والأربعة، ثم تموت فتدخل الجنة ويدخلون معها، من [¬٦] يكون زوجها؟ قال \"يا أم سلمة، إنها تُخَيَّر فتختار أحسنهم خلقًا، فتقول: يارب، إن هذا كان أحسن خلقًا معي فزوجنيه، يا أم سلمة؛ ذهب حسن الخلق بخير الدنيا والآخرة\" (^٦٥).\n_________\n(^٦٤) - أخرجه الترمذي في الشمائل كما في مختصر الألباني برقم (٢٠٥). والحديث مرسل؛ فالحسن يرسل ويدلس والراوي عنه وهو المبارك بن فضالة يدلس ويسوي. والحديث حسنه الشيخ الألباني لشواهده في غاية المرام.\n(*) الشفر: بالضم وقد يفتح- حرف جفن العين الذي ينبت عليه الشعر. (النهاية ٢/ ٤٨٤).\n(^٦٥) - أخرجه الطبراني (٢٣/ ٣٦٧ - ٣٦٨) حديث (٨٧٠). قال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (٧/ ١٢٢): رواه الطبراني وفيه سليمان بن أبي كريمة ضعفه أبو حاتم وابن عدي.\n_________\n[¬١]- في ز: الغري.\n[¬٢]- في خ: متحببات.\n[¬٣]- في ز: الدرر.\n[¬٤]- بعده في خ: أبدًا.\n[¬٥]- في ز: زوجين.\n[¬٦]- في خ: فمن.","vol":"13","page":373},{"text":"وفي حديث الصور الطويل المشهور: أن رسول الله ﷺ يشفع للمؤمنين كلهم في دخول الجنة، فيقول الله: قد شفعتك وأذنت لهم في دخولها. فكان [¬١] رسول الله ﷺ يقول: \"والذدي بعثني بالحق ما أنتم في الدنيا بأعرفَ بأزواجكم ومساكنكم من أهل الجنة بأزواجهم ومساكنهم، فيدخل الرجل منهم على ثنتين وسعين زوجة، [سبعين] [¬٢] مما ينشئ الله، وثنتين من ولد آدم، لهما فضل على من أنشأ الله، بعبادتهما [¬٣] الله في الدنيا، يدخل على الأولى منهما في غرفة من ياقوتة، على سرير من ذهب مكلل باللؤلؤ، علية سبعون زوجًا من سندس وإستبرق، وإنه ليضع يده بين كتفيها، ثم ينظر إلى يده من صدرها من وراء ثيابها وجلدها ولحمها، وإنه لينظر إلى مخ ساقها كما ينظر أحدكم إلى السلك في قصبة الياقوت، كبده لها مرآة -يعني: وكبدها له مرآة- فبينما هو عندها لا يملها ولا تمله، ولا يأتيها من مرة إلا وجدها عذراء، ما يفتر ذكره ولا تشتكي قبلها إلا أنه لا [منيّ ولا مَنيَّة] [¬٤]، فبينما هو كذلك إذ نودي: إنا قد عرفنا أنك لا تَمَلُّ ولا تُمَلُّ، إلا أن لك أزواجًا غيرها. فيخرج [¬٥]، فيأتيهن واحدة واحدة، كلما جاء واحدة قالت: والله ما في الجنة شيء [¬٦] أحسن منك، وما في الجنة شيء أحب إليّ منك (^٦٦).\nوقال عبد الله بن وهب: أخبرني عمرو بن الحارث، عن دَرّاج، عن ابن حُجيرة، عن أبي هُرَيرة، عن رسول الله ﷺ أنه قال له: أنطأ في الجنة؟ قال: \"نعم والذي نفسي بيده، دَحْمًا دَحْمًا، فإذا قام عنها رجعت مطهرة بكرًا [¬٧] \" (^٦٧).\nوقال الطبراني: حدثنا إبراهيم بن جابر الفقيه البغدادي، حدثنا محمد بن عبد الملك الدقيقي الواسطي، حدثنا معلى بن عبد الرحمن الواسطي، حدثنا شريك، عن عاصم الأحول، عن أبي المتوكل، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن أهل الجنة إذا جامعوا نساءهم عدن أبكارًا\" (^٦٨).\n_________\n(^٦٦) - تقدم تخريجه في تفسير سورة إبراهيم آية ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيرَ الْأَرْضِ …﴾ (٤٨) وإسناده ضعيف، وهو عند البيهقي في البعث.\n(^٦٧) - أخرجه ابن حبان (٨/ ٣٥٩ - موارد) (٢٦٣٣) وفي إسناده دراج وهو ضعيف.\n(^٦٨) - أخرجه الطبراني في الصغير (١/ ٩١) وقال: لم يروه عن عاصم إلا شريك. تفرد به معلى بن عبد الرحمن.\n_________\n[¬١]- في ز: وكان.\n[¬٢]- سقط من ز.\n[¬٣]- في ز: بعبادتهم.\n[¬٤]- في ز: \"بني ولا صبية\". بلا نقط.\n[¬٥]- سقط من ز.\n[¬٦]- سقط من ز.\n[¬٧]- في ز: بكذا.","vol":"13","page":374},{"text":"وقال أبو داود الطيالسي: حدثنا عِمْران، عن قتادة، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: \"يعطى المؤمن في الجنة قوة كذا وكذا في النساء\". قلت: يا رسول الله، ويطيق [¬١]، ذلك؟! قال: \"يعطى قوة مائة\" (^٦٩).\nورواه الترمذي من حديث أبي داود وقال: صحيح غريب (^٧٠).\nوروى أبو القاسم الطبراني من حديث حُسَين بن علي الجعفي، عن زائدة، عن هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن أبي هُرَيرة قال: قيل: يا رسول الله، هل نصل إلى نسائنا في الجنة؟ قال: \"إن الرجل ليصل في اليوم إلى مائة عذراء\" (^٧١).\nقال الحافظ أبو عبد الله المقدسي: هذا الحديث عندي على شرط الصحيح، والله أعلم.\nوقوله: ﴿عُرُبًا﴾، قال سعيد بن جبير عن ابن عباس: يعني متحببات إلى أزواجهن، ألم تر إلى الناقة الضبِعة، هي كذلك.\nوقال الضحاك عن ابن عباس: العُرُب: العواشق لأزواجهن، وأزواجهن لهن عاشقون.\nوكذا قال عبد الله بن سرجس [¬٢]، ومجاهد، وعكرمة، وأبو العالية، ويحيى بن أبي كثير، وعطية، والحسن، وقتادة، والضحاك، وغيرهم.\nوقال [ثور بن] [¬٣] زيد عن عكرمة؛ قال: سئل ابن عباس عن قوله: ﴿عُرُبًا﴾ قال: هي الملقة لزوجها. وقال شعبة عن سماك عن عكرمة: هي الغنجة.\nوقال الأجلح بن عبد الله، عن عكرمة: هي الشَّكلة. وقال صالح بن حَيَّان، عن عبد الله بن بريدة في قوله: ﴿عُرُبًا﴾، قال: الشكلة بلغة أهل مكة، والغنجة بلغة أهل المدينة. وقال تميم بن حذلم: هي حسن التبعل. وقال زيد بن أسلم، وابنه عبد الرحمن:\n_________\n= قال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (١٠/ ٤٢٠): رواه البزار والطبراني في الصغير وفيه معلى بن عبد الرحمن الواسطي وهو كذاب.\n(^٦٩) - أخرجه الطيالسي في \"مسنده\" ص (٢٦٩) برقم (٢٠١٢).\n(^٧٠) - ومن طريقه الترمذي في كتاب: صفة الجنة، باب: ما جاء في صفة جماع أهل الجنة، حديث (٢٥٣٩) (٧/ ٢١٨). وفي إسناده قتادة مشهور بالتدليس، وعمران -وهو ابن داود القطان، صدوق يهم.\n(^٧١) - أخرجه الطبراني في الأوسط (١/ ٢١٩) (٧١٨). وإسناده رجاله ثقات.\n_________\n[¬١]- في ز: ونطيق.\n[¬٢]- في ز: سرخس.\n[¬٣]- ما بين المعكوفين في ز: أبو.","vol":"13","page":375},{"text":"العُرُب: حسنات الكلام.\nوقال ابن أبي حاتم: ذكر عن سهل بن عثمان العسكري: حدثنا أبو علي، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله ﷺ: [﴿عُرُبًا﴾] [¬١] قال: \"كلامهن عربي\".\nوقوله: ﴿أَتْرَابًا﴾ قال الضحاك عن ابن عباس: يعني في سن واحدة، ثلاث وثلاثين سنة.\nوقال مجاهد: الأتراب: المستويات. وفي رواية عنه: الأمثال. وقال عطية: الأقران. وقال السدي: ﴿أَتْرَابًا﴾، أي: في الأخلاق المتواخيات بينهن، ليس بينهن تباغض ولا تحاسد، يعني لا كما كن ضرائر متعاديات.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو أسامة عن عبد الله بن الكهف، عن الحسن ومحمد: ﴿عُرُبًا أَتْرَابًا﴾، قالا: المستويات الأسنان، يأتلفن جميعًا، ويلعبن جميعًا.\nوقد روى أبو عيسى الترمذي، عن أحمد بن منيع، عن أبي معاوية، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن النعمان بن سعد، عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن في الجنة لمجتمعًا للحور العين، يرفعن أصواتًا لم تسمع الخلائق بمثلها، يقلن: نحن الخالدات فلا نبيد، ونحن الناعمات فلا نبأس، ونحن الراضيات فلا نسخط، طوبى لمن كان لنا وكُنا له\" (^٧٢). ثم قال: هذا حديث غريب.\nوقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا أبو خيثمة، حدثنا إسماعيل بن عمر، حدثنا ابن أبي ذئب، عن فلان بن عبد الله بن رافع، عن بعض ولد أنس بن مالك، عن أنس، أن رسول الله ﷺ؛ قال: \"إن الحور العين ليغنين في الجنة، يقلن: نحن خَيرات حسان، خبئنا [¬٢] لأزواج كرام\" (^٧٣).\nقلت: إسماعيل بن عُمَر هذا هو أبو المنذر الواسطي أحد الثقات الأثبات. وقد روى هذا\n_________\n(^٧٢) - أخرجه الترمذي في كتاب: صفة الجنة، باب: ما جاء في كلام الحور العين، حديث (٢٥٦٧) (٧/ ٢٤٠ - ٢٤١). وفي إسناده عبد الرحمن بن إسحاق ضعيف. والنعمان بن سعد، قال الحافظ: مقبول.\n(^٧٣) - أخرجه أبو يعلى كما في المطالب العالية لابن حجر (٤/ ٤٠٢) (٤٦٨٤).\n_________\n[¬١]- سقط من ز.\n[¬٢]- في ز: حيينا.","vol":"13","page":376},{"text":"الحديث الإِمام عبد الرحيم بن إبراهيم الملقب بدُحيم، عن ابن أبي فديك، عن ابن أبي ذئب، عن عون بن الخطاب بن عبد الله بن رافع، عن ابن لأنس، عن أنس؛ قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن الحور العين يغنين في الجنة: نحن الجوار الحسان، خلقنا لأزواج كرام\" (^٧٤).\nوقوله: ﴿لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾، أي: خلقن لأصحاب اليمين [أو: ادّخرن لأصحاب اليمين] [¬١] أو: زوجن لأصحاب اليمين. والأظهر أنه متعلق بقوله: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً (٣٥) فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا (٣٦) عُرُبًا أَتْرَابًا (٣٧) لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾، فتقديره: أنشأناهن لأصحاب اليمين. وهذا توجيه ابن جرير.\nرُوي عن أبي سليمان الدّاراني ﵀ قال: صليتُ ليلة، ثم جلست أدعو، وكان البردُ شديدًا، فجعلت أدعو بيد واحدة، فأخذتني عيني فنمت، فرأيت حوراء لم ير مثلها وهي تقول: يا أبا سليمان، أتدعو بيد واحدة وأنا أغذى [¬٢] لك في النعيم من خمسمائة سنة!\nقلت: ويحتمل أن يكون قوله: ﴿لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ متعلقًا بما قبله، وهو قوله: ﴿أَتْرَابًا (٣٧) لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾، أي: في أسنانهم [¬٣]. كما جاء في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم، من حديث جَرير، عن عُمَارة بن القعقاع، عن أبي زُرعَةَ، عن أبي هُرَيرة؛ قال: قال رسول الله ﷺ: \"أول زمرة يدخلون الجنة على صورة القمر ليلة البدر، والذين يلونهم على ضوء أشدً كوكب دُري في السماء إضاءة، لا يبولون ولا يتغوطون، ولا يتفلون ولا يتمخطون، أمشاطهم الذهب، ورشحهم المسك، ومجامرهم الألُوّة [¬٤]، وأزواجهم الحور العين، أخلاقهم على خَلْق رجل واحد، على صورة أبيهم آدم، ستون ذراعًا في السماء (^٧٥).\n_________\n(^٧٤) - أخرجه أبو نعيم في صفة الجنة (٢/ ٢٨٠) (٤٣٢). وفي إسناده عون بن الخطاب ذكره ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا. والحديث أخرجه الطبراني في الأوسط (٦/ ٣١٢) (٦٤٩٧) وفيه الحسن بن داود المنكدري. قال البخاري: يتكلمون فيه. وقال ابن عدي أرجو أنه لا بأس به. قال الهيثمي في \"المجمع\" (١٠/ ٤٢٢): رواه الطبراني في الصغير والأوسط ورجاله وثقوا.\n(^٧٥) - أخرجه البخاري في كتاب: أحاديث الأنبياء، باب: خلق آدم وذريته، حديث (٣٣٢٧) (٦/ ٣٦٢). =\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفين سقط من ز.\n[¬٢]- في ز: أعدني.\n[¬٣]- في ز: أشباههم.\n[¬٤]- الألُوَّة: عود يتبخر به. الوسيط [١/ ٢٦].","vol":"13","page":377},{"text":"وقال الإِمام أحمد: حدثنا يزيد بن هارون وعفان؛ قالا: حدثنا حماد بن سلمة -وروى الطبراني واللفظ له، من حديث حماد بن سلمة- عن عليّ بن زيد بن جدعان، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة؛ قال: قال رسول الله ﷺ: \"يدخل أهل الجنة الجنةَ جُردًا مُردًا بيضًا جِعَادًا مكحلين، أبناء ثلاث وثلاثين، وهم على خَلْق آدم ستون ذراعًا في [¬١] عرض سبعة أذرع\" (^٧٦).\nوروى الترمذي من حديث أبي داود الطيالسي، عن عمران القطان، عن قتادة، عن شهر بن حوشب، عن عبد الرحمن بن غنم، عن مُعَاذ بن جَبَل؛ أن رسول الله ﷺ قال: \"يدخل أهل الجنة الجنة جردًا مردًا مكحلين أبناء [ثلاثين، أو] [¬٢]، ثلاث وثلاثين سنة\" (^٧٧) ثم قال: \"حسن غريب\".\nوقال ابن وهب: أخبرنا عمرو بن الحارث أنّ دَرّاجًا أبا السمح حَدّثه عن أبي [¬٣] الهيثم، عن أبي سعيد؛ قال: قال رسول الله ﷺ: \"من مات من أهل الجنة من صغير أو كبير، يُرَدّون بني ثلاث وثلاثين في الجنة، لا يزيدون عليها أبدًا، وكذلك أهل النار\" (^٧٨).\nورواه الترمذي عن سويد بن نصر عن ابن المبارك عن رشدين [¬٤] بن سعد عن عمرو بن الحارث به (^٧٩).\nوقال أبو بكر بن أبي الدنيا: حدثنا القاسم بن هاشم، حدثنا صفوان بن صالح، حدثني\n_________\n= ومسلم في كتاب: الجنة وصفة نعيمها، باب: أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر، حديث (١٥/ ٢٨٣٤) (١٧/ ٢٥١).\n(^٧٦) - أخرجه أحمد (٢/ ٢٩٥، ٣٤٣، ٤١٥). والطبراني في الأوسط (٥/ ٣١٨) (٥٤٢٢) وفي إسناده علي بن زيد بن جدعان وهو ضعيف.\n(^٧٧) - أخرجه الترمذي في كتاب: صفة الجنة، باب: ما جاء في سن أهل الجنة، حديث (٢٥٤٨) (٧/ ٢٢٤) وفي إسناده شهر بن حوشب: ضعيف.\nوقتادة مدلس، والراوي عنه عمران بن داود صدوق بهم.\n(^٧٨) - أخرجه أبو نعيم في صفة الجنة (٢/ ١٠٨) (٢٥٩) وفي إسناده دراج، في روايته عن أبي الهيثم ضعف.\n(^٧٩) - أخرجه الترمذي في كتاب: صفة الجنة، باب: ما جاء ما لأهل الجنة من الكرامة، حديث (٢٥٦٥) (٧/ ٢٣٩). وفي إسناده رشدين أيضًا وهو ضعيف.\n_________\n[¬١]- سقط من ز.\n[¬٢]- سقط من ز.\n[¬٣]- في ز: ابن.\n[¬٤]- في ز: رشد.","vol":"13","page":378},{"text":"رَوَّاد بن الجراح العسقلاني، حدثنا الأوزاعي، عن هارون بن رئاب، عن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ: \"يدخل أهل الجنة الجنةَ في طول آدم، ستين ذراعًا بذراع الملك! على حُسْن يوسف، وعلى ميلاد عيسى ثلاث وثلاثين سنة، وعلى لسان محمد، جُرْدٌ مُرْدٌ مُكحَّلون\" (^٨٠).\nوقال أبو بكر بن أبي داود: حدثنا محمود بن خالد وعباس بن الوليد، قالا: حدثنا عمر، عن الأوزاعي، عن هارون بن رئاب، عن أنس بن مالك؛ قال: قال رسول الله ﷺ: \"يبعث أهل الجنة على صورة آدم في ميلاد [عيسى] [¬١] ثلاث وثلاثين، جُردًا مردًا مكحلين. ثم يذهب بهم إلى شجرة في الجنة فيكسون منها لا تبلى ثيابهم ولا يفنى شبابهم\" (^٨١).\n[وقوله: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ﴾ أي: جماعة من الأولين، وجماعة من الآخرين] [¬٢].\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا المنذر بن شاذان، حدثنا محمد بن بكار، حدثنا سعيد بن بَشِير، عن قتادة، عن الحسن، عن عمران بن حُصَين، عن عبد الله بن مسعود -قال: وكان بعضهم يأخذ عن بعض- قال: أكرينا ذات ليلة عند رسول الله ﷺ ثم غدونا عليه، فقال: \"عُرضت على الأنبياء وأتباعها بأممها، فيمر عليَّ النبيّ، والنبي في العصابة، والنبي في الثلاثة، والنبي ليس معه أحد\". وتلا قتادة هذه الآية: ﴿أَلَيسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ - قال: \"حتى مرّ عليّ موسى بن عمران في كُبْكُبَة (*) من بني إسرائيل\". قال: \"قلتُ: ربِّ، من هذا؟ قال: هذا أخوك موسى بن عمران ومن معه من بني إسرائيل\". قال: \"قلتُ: ربِّ، فأين أمتي؟ قال: انظر عن يمينك في الظّراب\". قال: \"فإذا وجوه الرجال\". قال: \"قال: أرضيتَ؟ \" قال: \"قلت: قد رضيت، رب. قال: انظر إلى الأفق عن يسارك. فإذا وجوه الرجال. قال: أرضيت؟ قلت: رضيت، رب. قال: فإن مع هؤلاء سبعين ألفًا، يدخلون الجنة بغير حساب\". قال: وأنشأ عُكَّاشة بن مِحْصَن من بني أسد -قال سعيد: وكان بَدْريًّا-\n_________\n(^٨٠) - ذكره ابن القيم في حادي الأرواح (٢١٨) من حديث ابن أبي الدنيا بهذا الإسناد، وفيه رواد بن الجراح صدوق اختلط بأخرة فترك.\nوصفوان بن صالح يدلس تدليس التسوية.\n(^٨١) - أخرجه أبو نعيم في صفة الجنة (٢/ ١٠٤) (٢٥٥). وفي الحلية (٣/ ٥٦)، وقال الهيثمي في المجمع (١٠/ ٤٠٢): رواه الطبراني في الأوسط وإسناده جيد.\n(*) الجماعة المتضامة من الناس وغيرهم. النهاية (٤/ ١٤٤).\n_________\n[¬١]- سقط من ز.\n[¬٢]- ما بين المعكوفين سقط من ز.","vol":"13","page":379},{"text":"قال: يا نبي الله، ادع الله أن يجعلني منهم. قال:. فقال: \"اللَّهم؛ اجعله منهم\".\n[قال: أنشأ رحل آخر] [¬١]؛ قال: يا نبي الله، ادع الله أن يجعلني منهم. فقال: \"سبقك بها عكاشة\". قال: فقال رسول الله ﷺ: \"فإن استطعتم -فداكم أبي وأمي- أن تكونوا من أصحاب السبعين فافعلوا، وإلا فكونوا من أصحاب الظّراب، وإلا فكونوا من أصحاب الأفق، فإني قد رأيت ناسًا كثيرًا قد تأشَّبوا (*) حوله [¬٢] \". ثم قال: \"إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة\". فكبرنا، ثم قال: \"إني لأرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنة\". قال: فكبرنا، قال: \"إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة\". قال: فكبرنا. ثم تلا رسول الله ﷺ هذه الآية: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (٣٩) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾. قال: فقلنا بيننا: من هؤلاء السبعون [¬٣] ألفًا؟ فقلنا [¬٤]: هم الذين ولدوا في الإِسلام ولم يشركوا. قال: [فبلغه] [¬٥] ذلك، فقال: \"بل هم الذين لا يكتوون ولايسترقون ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون\".\nوكذا رواه ابن جرير من طريقين آخرين عن قتادة به نحوه (^٨٢). وهذا الحديث له طرق كثيرة من غير هذا الوجه [في] [¬٦] الصحاح وغيرها.\nوقال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا مهران، حدثنا سفيان، عن أبان بن أبي عياش، [عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس] [¬٧]: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (٣٩) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾، قال: قال رسول الله ﷺ: \"هُمَا جميعًا من أمتي\" (^٨٣).\n﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ (٤١) فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ (٤٢) وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ\n_________\n(*) أي: اجتمعوا عليه وأطافوا به. (النهاية ١/ ٥٠).\n(^٨٢) - أخرجه الطبري (٢٧/ ١٩٠)، و(٢٧/ ١٩١) وفي إسناده الحسن وقتادة وكلاهما عرف بالتدليس لكن يشهد لبعضه الحديث التالي.\n(^٨٣) - أخرجه البخاري في كتاب: الطب، باب: من اكتوى أو كوى غيره، وفضل من لم يكتو، حديث (٥٧٠٥) (١٠/ ١٥٥). وفي باب: ومن لم يرق، حديث (٥٧٥٢) (١٠/ ٢١١). ومسلم في كتاب: الإيمان، باب: الدليل على دخول طوائف من المسلمين الجنة بغير حساب ولا عذاب، حديث (٣٧٤/ ٢٢٠) (٣/ ١١٦ - ١١٨). كلاهما من حديث عبد الله بن عباس، ﵁.\n_________\n[¬١]- بياض في ز.\n[¬٢]- في ز: اخوا. كذا.\n[¬٣]- في ز: فإن. كذا.\n[¬٤]- في ز: قبلنا.\n[¬٥]- بياض في ز.\n[¬٦]- سقط من ز.\n[¬٧]- ما بين المعكوفين سقط من ز.","vol":"13","page":380},{"text":"(٤٣) لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ (٤٤) إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ (٤٥) وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ (٤٦) وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (٤٧) أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ (٤٨) قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ (٤٩) لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (٥٠) ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ (٥١) لآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ (٥٢) فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٥٣) فَشَارِبُونَ عَلَيهِ مِنَ الْحَمِيمِ (٥٤) فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ (٥٥) هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ (٥٦)﴾\nلما ذكر تعالى حال أصحاب اليمين، عطف عليهم بذكر أصحاب الشمال، فقال: ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ﴾. أي: أيّ شيء هم أصحاب الشمال؛ ثم فسَّر ذلك فقال: ﴿فِي سَمُومٍ﴾، وهو: الهواء الحار، ﴿وَحَمِيمٍ﴾، وهو: الماء الحار، ﴿وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ﴾، قال ابن عباس: ظل الدخان. وكذا قال مجاهد، وعكرمة، وأبو صالح، وقتادة، والسدي، وغيرهم.\nوهذه كقوله تعالى: ﴿انْطَلِقُوا إِلَى مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢٩) انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ (٣٠) لَا ظَلِيلٍ وَلَا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ (٣١) إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ (٣٢) كَأَنَّهُ جِمَالتٌ [¬١] صُفْرٌ (٣٣) وَيلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾، ولهذا قال هاهنا: ﴿وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ﴾، وهو: الدخان الأسود، ﴿لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ﴾، أي: ليس طَيّبَ الهبوب ولا حَسَن المنظر، كما قال الحسن وقتادة: ﴿وَلَا كَرِيمٍ﴾. أي: ولا كريم المنظر. وقال الضحاك: كل شراب ليس بعذب فليس [¬٢] بكريم.\nوقال ابن جرير: العرب تتبع هذه اللفظة في النفي، فيقولون: هذا الطعام ليس بطيب ولا كريم، هذا اللحم ليس بسمين ولا كريم، وهذه الدار ليست بنطفة ولا كريمة.\nثم ذكر تعالى استحقاقهم لذلك فقال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾. أي: كانوا في الدار الدنيا منعمين مقبلين علي لذات أنفسهم، لا يلوون علي ما جاءتهم به الرسل.\n﴿وَكَانُوا يُصِرُّونَ﴾ أي: يُصَمّمون ولا ينوون [¬٣]، توبة، ﴿عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ﴾.\n_________\n[¬١]- كذا في ز.\n[¬٢]- في ز: وليس.\n[¬٣]- في ز: يتوبون.","vol":"13","page":381},{"text":"وهو الكفر بالله، وجعل الأوثان والأنداد أربابًا من دون الله.\nقال ابن عباس: ﴿الْحِنْثِ الْعَظِيمِ﴾: الشرك. وكذا قال مجاهد، وعكرمة، والضحاك، وقتادة، والسدي، وغيرهم. وقال الشعبي: هو اليمين الغموس.\n﴿وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (٤٧) أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ [¬١]﴾ يعني أنهم يقولون [مثل] [¬٢] ذلك مكذبين به مستبعدين لوقوعه، قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ (٤٩) لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾. أي: أخبرهم يا محمد أن الأولين والآخرين من بني آدم سيجمعون إلى عَرَصات القيامة، لا نغادر منهم أحدًا. كما قال: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ (١٠٣) وَمَا نُؤَخِّرُهُ إلا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ (١٠٤) يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إلا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ ولهذا قال هاهنا: ﴿لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾، أي: هو موقت بوقت مُحَدّد، لا يتقدم ولا يتأخر، ولا يزيد ولا ينقص.\n﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ (٥١) لآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ (٥٢) فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ﴾، وذلك أنهم يقبضون ويُسجَرون حتى يأكلوا من شجر الزقوم [¬٣]، حتى يملَئوا منها بطونهم، ﴿فَشَارِبُونَ عَلَيهِ مِنَ الْحَمِيمِ (٥٤) فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ﴾. وهي الإِبل العطاش، واحدها أهيم والأنثى هيماء، ويقال: هائم وهائمة.\nقال ابن عباس ومجاهد، وسعيد بن جبير وعكرمة: الهيم: الإبل العطاش الظماء.\nوعن عكرمة أنه قال: الهيم: الإبل المراض، تمص الماء مصًّا ولا تَرْوَى.\nوقال السدى: الهيم: داء يأخذ الإِبل فلا تَرْوى أبدًا حتى تموت، فكذلك أهل جهنم لا يَرْوَون من الحميم أبدًا.\nوعن خالد بن معدان: أنه كان يكره أن يشرب شرب الهيم عبة [¬٤] واحدة من غير أن يتنفس ثلاثًا.\nثم قال تعالى: ﴿هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ﴾، أي: هذا الذي وصفنا هو ضيافتهم عند ربهم يوم حسابهم، كما قال في حق المؤمنين: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا﴾ أي: ضيافة وكرامة.\n_________\n[¬١]- في ز: الأولين.\n[¬٢]- سقط من خ.\n[¬٣]- في ز: من زقوم.\n[¬٤]- في ز: غبة.","vol":"13","page":382},{"text":"﴿نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ (٥٧) أَفَرَأَيتُمْ مَا تُمْنُونَ (٥٨) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ (٥٩) نَحْنُ قَدَّرْنَا بَينَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (٦٠) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ (٦١) وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ (٦٢)﴾\nيقول تعالى مقرّرًا للمعاد، ورَدًّا على المكذبين به من أهل الزيغ والإلحاد، من الذين قالوا: ﴿أَإِذَا [مِتْنَا وَ] [¬١] كُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾. وقولهم ذلكَ صَدَرَ منهم على وجه التكذيب والاستبعاد، فقال: ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ﴾، أي نحن ابتدأنا خلقكم بعد أن لم تكونوا شيئًا مذكورًا، أفليس الذي قدر على البَداءَة بقادر على الإِعادة بطريق الأولى [والأحرى] [¬٢]؛ فلهذا قال: ﴿فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ﴾، أي: فهلا تصدقون بالبعث! ثم قال مستدلًا عليهم بقوله: ﴿أَفَرَأَيتُمْ مَا تُمْنُونَ (٥٨) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ﴾، أي: أنتم تقرونه في الأرحام وتخلقونه فيها، أم الله الخالق لذلك؟ ثم قال: ﴿نَحْنُ قَدَّرْنَا بَينَكُمُ الْمَوْتَ﴾. أي: صرفناه بينكم. وقال الضحاك: ساوى فيه بين أهل السماء والأرض.\n﴿وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ أي: نحن بعاجزين ﴿عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالكُمْ﴾، أي: نغير خلقكم يوم القيامة، ﴿وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾، أي: من الصفات والأحوال.\nثم قال: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ﴾. أي: قد علمتم أنّ الله أنشأكم بعد أن لم تكونوا شيئًا مذكورًا، فخلقكم وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة، فهلا تتذكرون وتعرفون أن الذي قدر على هذه النشأة -وهي البَدَاءة- قادر على النشأة الأخرى -وهي الإِعادة- بطريق الأولى والأحرى؟ كما قال: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيهِ﴾، وقال: [﴿أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيئًا﴾ وقال] [¬٣]: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٧٧) وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَال مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾. وقال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (٣٦) أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى (٣٧) ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى (٣٨) فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَينِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٣٩) أَلَيسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾.\n_________\n[¬١]- سقط من ز.\n[¬٢]- سقط من ز.\n[¬٣]- ما بين المعكوفين سقط من ز.","vol":"13","page":383},{"text":"أَفَرَأَيتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (٦٤) لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (٦٥) إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (٦٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (٦٧) أَفَرَأَيتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (٦٩) لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ (٧٠) أَفَرَأَيتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ (٧١) أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ (٧٢) نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوينَ (٧٣) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٧٤)﴾\nيقول: ﴿أَفَرَأَيتُمْ مَا تَحْرُثُونَ﴾، وهو شق الأرض وإثارتها والبذر فيها، ﴿أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ﴾، أي: تنبتونه في الأرض ﴿أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ أي: بلى [¬١] نحن الذين نقره قراره وننبته في الأرض.\nقال ابن جرير: وقد حدثني أحمد بن الوليد القرشي، حدثنا مسلم بن أبي مسلم الجَرْمي، حدثنا مخلد بن الحسين، عن هشَام، عن محمد، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا تقولن: زرعت، ولكن قل: حرثت\". قال أبو هريرة: ألم تسمع إلى قوله: ﴿أَفَرَأَيتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ (^٨٤) [و] [¬٢] رواه البزار عن محمد بن عبد الرحيم عن مسلم [¬٣] الجرمي [به] [¬٤].\n[وقال] [¬٥] ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا مرسى بن إسماعيل، حدثنا حماد، عن عطاء عن أبي عبد الرحمن، لا تقولوا: زرعنا، ولكن قولوا: حرثنا.\nوروي عن حجر المدري أنه كان إذا قرأ: ﴿أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾: وأمثالها يقول: بل أنت يا رب.\nوقوله: ﴿لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا﴾. أي: نحن أنبتناه بلطفنا ورحمتنا، وأبقيناه لكم\n_________\n(^٨٤) - أخرجه الطبري (٢٧/ ١٩٨).\n_________\n[¬١]- في ز: بلى.\n[¬٢]- سقط من ز.\n[¬٣]- بعده في ت: عن.\n[¬٤]- بياض، في ز.\n[¬٥]- سقط من ز.","vol":"13","page":384},{"text":"رحمة بكم، ولو نشاء لجعلناه حطامًا، أي: لأيبسناه قبل استوائه واستحصاده، ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾. ثم فسر ذلك بقوله: ﴿إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (٦٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾، أي: لو جعلناه حطامًا لظَلْتم تفكهون في المقالة، تنوعون كلامكم، فتقولون تارة: ﴿إِنَّا لَمُغْرَمُونَ﴾ أي: لَمُلقَوْن [¬١]، وقال مجاهد، وعكرمة: إنا لمُولَع بنا. وقال قتادة: معذبون. وتارة تقولون: بل نحن محرمون.\nوقال مجاهد أيضًا: ﴿إِنَّا لَمُغْرَمُونَ﴾: ملقون للشر، أي: بل نحن مُحَارَفون. قاله قتادة، أي: لا يثبت لنا مال، ولا ينتج لنا ربح.\nوقال مجاهد: ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ [أي]: [¬٢] محدودون، يعني: لا حظ لنا.\nقال ابن عباس، ومجاهد: ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ تعجبون. وقال مجاهد أيضًا: ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾: تفجعون وتحزنون على ما فاتكم من زرعكم. وهذا يرجع إلى الأول، وهو التعجب من السبب الذي من أجله أصيبوا في مالهم. وهذا اختيار ابن جرير.\nوقال عكرمة: ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾: تلاومون. وقال الحسن، وقتادة، والسدي: ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾، تندمون. ومعناه إما على ما أنفقتم أو على ما أسلفتم من الذنوب. قال [الكسائي] [¬٣]: تفكَّه من الأضداد، تقول العرب: تفكهت [¬٤] بمعنى تنعمت، وتفكهت بمعنى حزنت.\nثم قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ﴾، يعني: السحاب. قاله ابن عباس، ومجاهد، وغير واحد. ﴿أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ﴾، يقول: بل نحن المنزلون. ﴿لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا﴾، أي: زُعاقًا [¬٥]، مرًّا لا يصلح لشرب [¬٦] ولا زرع، ﴿فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ﴾، أي: فهلا تشكرون نعمة الله عليكم في إنزاله المطر عليكم عذبًا زلالًا؟! ﴿لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ (١٠) يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عثمان بن سعيد بن مرة، حدثنا فُضَيل [¬٧] بن مرزوق، عن جابر، عن أبي جعفر، عن النبي ﷺ: أنه كان [¬٨] إذا\n_________\n[¬١]- في ز: لمعلون.\n[¬٢]- سقط من ز.\n[¬٣]- بياض في ز.\n[¬٤]- سقط من ز.\n[¬٥]- الزعاق من الماء: المرُّ الغليظ لا يطاق شربه. الوسيط [١/ ٤٠٨].\n[¬٦]- في ز: لشراب.\n[¬٧]- في ز: فضل.\n[¬٨]- سقط من ت.","vol":"13","page":385},{"text":"شرب الماء قال: \"الحمد لله الذي سقاناه عذبًا فراتًا برحمته، ولم يجعله ملحًا أجاجًا بذنوبنا\" (^٨٥).\nثم قال: ﴿أَفَرَأَيتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ﴾، أي: تقدحون من الزناد، وتستخرجونها من أصلها، ﴿أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ﴾. أي: بل نحن الذين جعلناها مودعة في موضعها، وللعرب شجرتان، إحداهما: المرخ [¬١]، والأخرى: العَفار [¬٢]، إذا أخِذَ منهما غصنان أخضران، فحُكّ أحدهما بالآخر، تناثر من بينهما شرر النار.\nوقوله: ﴿نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً﴾ قال مجاهد وقتادة: أي تذكر النار الكبرى.\nقال قتادة: ذكر لنا أن رسول الله ﷺ؛ قال: \"يا قوم؛ ناركم [¬٣] هذه التي توقدون جزء من سبعين جزءًا من نار جهنم\". قالوا: يا رسول الله؛ إن كانت لكافية! قال: \"قد ضُربت بالماء ضربتين -أو: مرتين- حتى يستنفع بها بنو آدم ويدنوا منها\" (^٨٦).\nوهذا الذي أرسله قتادة قد رواه الإمام أحمد في مسنده، فقال:\nحدثنا سفيان، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: \"إن ناركم هذه جزء من سبعين جزءًا من نار جهنم، وضربت بالبحر مرتين، ولولا ذلك ما جعل الله فيها منفعة لأحد\" (^٨٧).\nوقال الإِمام مالك عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: \"نار بني آدم التي يوقدون جزءٌ من سبعين جزءًا من نار جهنم\". فقالوا: يا رسول الله؛ إن كانت لكافية. فقال: \"إنها فُضلت عليها بتسعة وستين جزءًا\" (^٨٨).\n_________\n(^٨٥) - في إسناده عثمان بن سعيد بن مرة، قال الحافظ: مقبول. وفضيل بن مرزوق وثقه الثوري وابن معين، وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن فضيل بن مرزوق؟ فقال: هو صدوق، صالح الحديث يهم كثيرًا يكتب حديثه. قلت: يحتج به؟ قال: لا. الجرح والتعديل (٧/ ٧٥). وجابر هو ابن يزيد بن رفاعة العجلي ذكره ابن أبي حاتم في \"الجرح والتعديل\" (٢/ ٤٩٨) ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا.\n(^٨٦) - أخرجه الطبري (٢٧/ ٢٠١).\n(^٨٧) - أخرجه أحمد (٢/ ٢٤٤) وإسناده صحيح.\n(^٨٨) - وأخرجه مالك في كتاب: جهنم، باب: ما جاء في صفة جهنم، حديث (١) (٢/ ٧٥٩).\n_________\n[¬١]- في ز: المدح.\n[¬٢]- في ز: العيار.\n[¬٣]- سقط من ز.","vol":"13","page":386},{"text":"رواه البخاري من حديث مالك (^٨٩)، ومسلم من حديث أبي الزناد (^٩٠). ورواه مسلم، من حديث عبد الرزاق، عن معمر عن همام، عن أبي هريرة به (^٩١). وفي لفظ \"والذي نفسي بيده، لقد فضّلت [عليها] [¬١] بتسعة وستين جزءًا كلهن مثل حرّها\".\nوقال أبو القاسم الطبراني: حدثنا أحمد بن عمرو الخلال، حدثنا إبراهيم بن المنذر الحرامي، حدثنا معن بن عيسى القزاز، عن مالك، عن عمه أبي السهيل [¬٢]، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: \"أتدرون ما مثل ناركم هذه من نار جهنم؟ لهي أشد سوادًا من ناركم هذه بسبعين [¬٣] ضعفًا\" (^٩٢).\nقال الضياء المقدسي: وقد رواه ابن مصعب عن مالك ولم يرفعه، وهو عندي على شرط الصحيح.\nوقوله: ﴿وَمَتَاعًا لِلْمُقْوينَ﴾. قال ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، والضحاك، والنضر بن عربي [¬٤]: معنى ﴿لِلْمُقْوينَ﴾: المسافر. واختاره ابن جرير، وقال: ومنه قولهم: أقوت الدار إذا رحل أهلها. وقال غيره: القي والقَوَاء: القفر الخالي البعيد من العمران.\nوقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: المقوي ها هنا: الجائع.\nوقال ليث بن أبي سليم: عن مجاهد: ﴿وَمَتَاعًا لِلْمُقْوينَ﴾: للحاضر والمسافر، لكل طعام لا يصلحه إلا النار. وكذا روى سفيان، عن جابر الجعفي، عن مجاهد.\nوقال ابن أبي نجيح عن مجاهد قوله: ﴿لِلْمُقْوينَ﴾ المستمتعين، الناس أجمعين. وكذا ذكر عن عكرمة.\nوهذا التفسير أعم من غيره، فإن الحاضر والبادي من غني وفقير، الكل محتاجون للطبخ والاصطلاء والإِضاءة وغير ذلك من المنافع. ثم من لطف الله تعالى أن أودعها في الأحجار وخالص الحديد، بحيث يتمكن المسافر من حمل ذلك في متاعه وبين ثيابه، فإذا\n_________\n(^٨٩) - ومن طريقه البخاري في كتاب: بدء الخلق، باب: صفة النار وأنها مخلوقة، حديث (٣٢٦٥) (٦/ ٣٣٠).\n(^٩٠) - مسلم في كتاب: الجنة وصفة نعيمها، باب: في شدة حر نار جهنم، وبعد قعرها وما تأخذ من المعذبين، حديث (٣٠/ ٢٨٤٣) (١٧/ ٢٦١).\n(^٩١) - أخرجه في الموضع السابق برقم (٣٠/ ٢٨٤٣ م) (١٧/ ٢٦٢).\n(^٩٢) - أخرجه الطبراني في الأوسط (١/ ١٥٥) (٤٨٥).\n_________\n[¬١]- سقط من ز.\n[¬٢]- في ز: سهل.\n[¬٣]- في ز: بستين.\n[¬٤]- في ز: عدي.","vol":"13","page":387},{"text":"احتاج إلى ذلك في منزله أخرج زنده وأورى، وأوقد ناره فاطبخ بها واصطلى، واشتوى واستأنس بها، وانتفع بها سائر الانتفاعات.\nفلهذا أفردَ المسافرون وإن كان [¬١] ذلك عامًّا في حق الناس كلهم. وقد يستدل له بما رواه الإِمام أحمد وأبو داود من حديث أبي خدَاش حبَّانَ بن زَيد الشَّرعبي الشَّامي، عن رجل من المهاجرين من قرن [¬٢]، أن رسول الله ﷺ؛ قال: \"المسلمون شركاء في ثلاثة: النار، والكلإ، والماء\" (^٩٣).\nوروى ابن ماجة بإسناد جيد عن أبي هريرة؛ قال: قال: رسول الله، ﷺ: \"ثلاث لا يُمنعن: الماء، والكلأ، والنار\" (^٩٤). وله من حديث ابن عباس مرفوعًا مثل هذا وزيادة: \"وثمنه حرام\" (^٩٥). ولكن في إسناده عبد الله بن خِرَاش بن حَوْشب، وهو ضعيف، والله أعلم.\nوقوله: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾، أي: الذي بقدرته خلق هذه الأشياء المختلفة المتضادة: الماء العذب الزلال البارد، ولو شاء لجعله ملحًا أجاجًا كالبحار المغرقة. وخَلَق النار المحرقة، وجعل ذلك مصلحة للعباد، وجعل هذه منفعة لهم في معاش دنياهم، وزاجرًا لهم في المعاد.\n﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (٧٥) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٧٦)\n_________\n(^٩٣) - أخرجه أحمد (٥/ ٣٦٤) (٢٣١٨٨).\nوأبو داود في كتاب: البيوع، باب: في منع الماء، حديث (٣٤٧٧) (٣/ ٢٧٨).\nقال الزيلعي في \"نصب الراية\" (٤/ ٢٩٤): وأسند ابن عدي في الكامل عن أحمد وابن معين أنهما قالا في حريز: ثقة. وذكره عبد الحق في أحكامه -يعني الحديث- من جهة أبي داود، قال: لا أعلم روى عن أبي خداش إلا حريز بن عثمان، وقد قيل فيه: مجهول. ا هـ.\nقال البيهقي في المعرفة: وأصحاب النبي ﷺ كلهم ثقات، وترك ذكر أسمائهم في الإسناد لا يضر إن لم يعارضه ما هو أصح منه. انتهى. من النصب. والحديث صححه الشيخ الألباني في الإرواء (٦/ ٧ - ٨).\n(^٩٤) - أخرجه ابن ماجة في كتاب: الرهون، باب: المسلمون شركاء في ثلاث، حديث (٢٤٧٣) (٢/ ٨٢٦). قال في الزوائد: هذا إسناد صحيح رجاله موثقون، لأن محمد بن عبد الله بن يزيد أبا يحيى المكي وثقه النسائي وابن أبي حاتم وغيرهما، وباقي رجال الإسناد على شرط الشيخين.\n(^٩٥) - أخرجه ابن ماجة في الموضع السابق برقم (٢٤٧٢) (٢/ ٨٢٦). وفي الزوائد: عبد الله بن خراش قد ضعفه أبو زرعة والبخاري وغيرهما، وقال محمد بن عمار الموصلي: كذاب. ا هـ. =\n_________\n[¬١]- سقط من ز.\n[¬٢]- في ز: قرر.","vol":"13","page":388},{"text":"إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (٧٨) لَا يَمَسُّهُ إلا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالمِينَ (٨٠) أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ (٨١) وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (٨٢)﴾\nقال جويبر عن الضحاك: إن الله لا يقسم بشيء من خلقه، ولكنه استفتاح يستفتح به كلامه. وهذا القول ضعيف. والذي عليه الجمهور أنه قسم من الله ﷿ يقسم بما شاء من خلقه، وهو دليل على عظمته. ثم قال بعض المفسرين: \"لا\" هاهنا زائدة، وتقديره: أقسم بمواقع النجوم. ورواه ابن جرير، عن سعيد بن جبير. ويكون جوابه: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾.\nوقال آخرون: ليست \"لا\" زائدة لا معنى لها، بل يؤتى بها في أول القسم إذا كان مقسمًا به على منفي، كقول عائشة ﵂: لا، والله مَا مست يد رسول الله ﷺ يد امرأة قطُّ (^٩٦). وهكذا هاهنا تقدير الكلام: لا أقسم بمواقع النجوم: ليس الأمر كما زعمتم في القرآن أنه سحر أو كهانة، بل هو قرآن كريم.\nوقال ابن جرير: وقال بعض أهل العربية: معنى قوله: ﴿فَلَا أُقْسِمُ﴾، فليس الأمر كما تقولون، ثم استأنف القسم بعد فقيل: أقسم.\nواختلفوا في معنى قوله: ﴿بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ فقال حكيم بن جُبَير عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: يعني نجوم القرآن، فإنه نزل جملة ليلة القدر من السماء العليا إلى السماء الدنيا، ثم نزل مُفَرقًا في السنين بعد. ثم قرأ ابن عباس هذه الآية.\nوقال الضحاك عن ابن عباس: نزل القرآنُ جملة من عند الله من اللوح المحفوظ إلى السَّفَرة الكرام الكاتبين في السماء الدنيا، فنجَّمته السفرة على جبريل عشرين ليلة، ونجمه جبريل على محمد ﷺ عشرين سنة، فهو قوله: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾: نجوم القرآن. وكذا قال عكرمة ومجاهد، والسدي وأبو حزرة.\nوقال مجاهد أيضًا: ﴿بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ في السماء، ويقال: مطالعها ومشارقها. وكذا قال الحسن، وقتادة، وهو اختيار ابن جرير. وعن قتادة: مواقعها: منازلها. وعن الحسن أيضًا: أن المراد بذلك انتثارها يوم القيامة.\n_________\n= وقال البخاري: منكر الحديث. وقال أبو حاتم: ذاهب الحديث. كذا في نصب الراية (٤/ ٢٩٤).\n(^٩٦) - أخرجه البخاري في كتاب: الشروط، باب: (٥٤)، حديث (٢٧١٣) (٥/ ٣١٢).=","vol":"13","page":389},{"text":"وقال الضحاك: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾. يعني بذلك الأنواء التي كان أهل الجاهلية إذا مُطِروا قالوا: مطرنا بنَوء كذا وكذا.\nوقوله: ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾. أي: وإن هذا القسم الذي أقسمت به لقسم عظيم، لو تعلمون عظمته لعظمتم المقسم به عليه، ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيم﴾. أي: إن هذا القرآن الذي نَزَل على محمد لكتاب عظيم. ﴿فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ﴾ أي: معظم في كتاب معظم محفوظ موقر.\nقال ابن جرير: حدثني إسماعيل بن موسى [] [¬١]، أخبرنا شريك، عن حكيم -هو ابن جبير- عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس، ﴿لَا يَمَسُّهُ إلا الْمُطَهَّرُونَ﴾ قال: الكتاب الذي في السماء.\nوقال العَوفي: عن ابن عباس: ﴿إلا الْمُطَهَّرُونَ﴾، يعني الملائكة. وكذا قال أنس، ومجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جُبَير، والضحاك، وأبو الشعثاء جابر بن زيد، وأبو نَهِيك، والسدي، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وغيرهم.\nوقال ابن جرير: حدثنا ابن عبد الأعلى، حدثنا ابن ثور، حدثنا معمر، عن قتادة: ﴿لَا يَمَسُّهُ إلا الْمُطَهَّرُونَ﴾، قال: لا يمسه عند الله إلا المطهرون، فأما في الدنيا فإنه يمسه المجوسي النجس، والمنافق الرجس. و[¬٢] قال: وهي في قراءة ابن مسعود: (ما يمسه إلا المطهرون). وقال أبو العالية: ﴿لَا يَمَسُّهُ إلا الْمُطَهَّرُونَ﴾ ليس أنتم، [أنتم] [¬٣] أصحاب الذنوب.\nوقال ابن زيد: زعمت كفار قريش أن هذا القرآن تنزلت به الشياطين، فأخبر الله تعالى أنه لا يمسه إلا المطهرون، كما قال: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ (٢١٠) وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ (٢١١) إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾.\nوهذا القول قولٌ جيد، وهو لا يخرج عن الأقوال التي قبله. وقال الفراء: لا يجد طعمه ونفعه إلا من آمن به.\nوقال آخرون: ﴿لَا يَمَسُّهُ إلا الْمُطَهَّرُونَ﴾، أي: من الجنابة والحدث. قالوا: ولفظ الآية خبر ومعناها الطلب. قالوا: والمراد بالقرآن هاهنا المصحف، كما روى مسلم، عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسأنهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو، مخافة\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفين في ز: \"بن إسماعيل\".\n[¬٢]- سقط من ز.\n[¬٣]- سقط من ت.","vol":"13","page":390},{"text":"أن يناله العدو (^٩٧). واحتجوا في ذلك بما رواه الإمام مالك في موطئه، عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حَزم، أن في الكتاب الذي كتبه رسول الله ﷺ لعمرو بن حزم، أن لا يمس القرآن إلا طاهر (^٩٨). وروى أبو داود في المراسيل، من حديث الزهري؛ قال: قرأت في صحيفة عند أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حَزَم، أن رسول الله ﷺ، قال: \"ولا يمس القرآن إلا طاهر\" (^٩٩).\nوهذه وجادة جيدة. قد قرأها الزهري وغيره، ومثل هذا ينبغي الأخذ به. وقد أسنده الدارقطني عن عمرو بن حزم (^١٠٠)، وعبد الله بن عمر (^١٠١)، وعثمان بن أبي العاص (^١٠٢)، وفي إسناد كل منها نظر، والله أعلم.\nوقوله ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالمِينَ﴾. أي: هذا القرآن منزل من رب العالمين، وليس هو كما يقولون: إنه سحر، أو كهانة، أو شعر، بل هو الحق الذي لا مِرْية فيه، وليس وراءه حق نافع.\n_________\n= وأطرافه في [٢٧٣٣، ٤١٨٢، ٤٨٩١، ٥٢٨٨، ٧٢١٤].\n(^٩٧) - أخرجه مسلم في كتاب: الإمارة، باب: النهي أن يسافر بالمصحف إلى أرض الكفار إذا خيف وقوعه بأيديهم، حديث (٩٢ - ٩٤/ ١٨٦٩) (١٣/ ١٩ - ٢٠).\n(^٩٨) - أخرجه مالك في كتاب: القرآن، باب: الأمر بالوضوء لمن مس القرآن، حديث (١) (١/ ١٧٧). قال ابن عبد البر: لا خلاف عن مالك في إرسال هذا الحديث، وقد روى مسندًا من وجه صالح، وهو كتاب مشهور عند أهل السير معروف عند أهل العلم معرفة يستغنى بها في شهرتها عن الإسناد.\n(^٩٩) - أخرجه أبو داود في المراسيل (١٢٢) حديث (٩٤) قال أبو داود: روى هذا الحديث مسندًا ولا يصح. يعني لا يصح مسندًا.\n(^١٠٠) - أخرجه الدارقطني كتاب: الطهارة، باب: في نهي المحدث عن مس القرآن، حديث (٥) (١/ ١٢٢) من طريق سليمان بن داود عن الزهري عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده. وضعف الألباني هذا الإسناد بسليمان بن أرقم هذا ورجحه على سليمان بن داود في الإرواء (١/ ١٥٨).\n(^١٠١) - أخرجه الدارقطني (١/ ١٢١) في الموضع السابق برقم (٣) ومن طريقه البيهقي في الكبرى (١/ ٨٨) من طريق ابن جريج عن سليمان بن موسى عن سالم عن أبيه به.\nقال الزيلعي في \"نصب الراية\" (١/ ١٩٨): وسليمان بن موسى الأشدق مختلف فيه؛ فوثقه بعضهم وقال البخاري: عنده مناكير. وقال النسائي: ليس بالقوي. ا هـ.\nقال الهيثمي في \"المجمع\" (١/ ٢٨١): رواه الطبراني في الكبير (١٣٢١٧)، والصغير، ورجاله موثقون.\n(^١٠٢) - أخرجه الطبراني في الكبير (٩/ ٣٣) (٨٣٣٦).\nقال الهيثمي في \"المجمع\" (١/ ٢٨٢): رواه الطبراني في الكبير، وفيه إسماعيل بن رافع، ضعفه يحيى بن معين والنسائي، وقال البخاري: ثقة مقارب الحديث.=","vol":"13","page":391},{"text":"وقوله: ﴿أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ﴾، قال العَوفي: عن ابن عباس: أي: مكذبون غير مصدقين. وكذا قال الضحاك، وأبو حَزْرَة، والسُّدّي. وقال مجاهد: ﴿مُدْهِنُونَ﴾ أي: تريدون أن تمالئوهم فيه، وتركنوا إليهم.\n﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾، قال بعضهم: يعني وتجعلون رزقكم بمعنى شكركم ﴿أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ أي: تكذبون [بدل الشكر. وقد روي عن علي وابن عباس أنهما قرآها: (وتجعلون شكركم أنكم تكذبون) [¬١] كما سيأتي.\nوقال ابن جرير: وقد ذكر عن الهيثم [¬٢] بن عدي؛ أن من لغة أزد شَنُوءةَ: ما رزق فلان، بمعنى: ما شكر فلان.\nوقال الإِمام أحمد: حدثنا حسين بن محمد، حدثنا إسرائيل، عن عبد الأعلى، عن أبي عبد الرحمن، عن عليّ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ﴾، يقول: شكركم، ﴿أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾، تقولون: مطرنا بنوء كذا وكذا، بنجم كذا وكذا\" (^١٠٣).\nوهكذا رواه ابن أبي حاتم عن أبيه، عن مُخَوّل بن إبراهيم النهدي، وابن جرير، عن محمد بن المثنى، عن عبيد الله بن موسى، وعن يعقوب بن إبراهيم، عن يحيى بن أبي بكير، ثلاثتهم عن إسرائيل، به مرفوعًا (^١٠٤).\nوكذا رواه الترمذي عن أحمد بن مَنيع، عن حسين بن محمد -وهو المروزي- به (^١٠٥). وقال: حسن غريب. وقد رواه سفيان [الثوري] [¬٣]، عن عبد الأعلى، ولم يرفعه. وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة،\n_________\n= قال الألباني في الإرواء (١/ ١٦٠ - ١٦١): وجملة القول: أن الحديث طرقه كلها لا تخلو من ضعف، ولكنه ضعف يسير؛ إذ ليس في شيء منها من اتهم بكذب، وإنما العلة الإرسال أو سوء الحفظ، ومن المقرر في علم المصطح أن الطرق يقوى بعضها بعضًا إذ لم يكن فيها متهم كما قرره النووي في تقريبه ثم السيوطي في شرحه، وعليه فالنفس تطمئن لصحة هذا الحديث، لا سيما وقد احتج به إمام السنة أحمد بن حنبل كما سبق، وصححه أيضًا صاحبه الإمام إسحاق بن راهويه. ا هـ.\n(^١٠٣) - أخرجه أحمد (١/ ١٠٨) (٨٤٩). وفي إسناده عبد الأعلى وهو ابن عامر الثعلبي: ضعيف.\n(^١٠٤) - أخرجه الطبري (٢٧/ ٢٠٧ - ٢٠٨).\n(^١٠٥) - الترمذي في كتاب: تفسير القرآن، باب: ومن سورة الواقعة، حديث (٣٢٩١) (٩/ ٨ - ٩).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفين سقط من ز.\n[¬٢]- في ز: القاسم.\n[¬٣]- سقط من ت.","vol":"13","page":392},{"text":"عن أبي بشر، عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس قال: ما مُطِر قوم قط إلا أصبح بعضهم كافرًا، يقولون: مُطِرْنا بنَوء كذا وكذا.\nوقرأ ابن عباس: (وتجعلون شكركم أنكم تكذبون) (^١٠٦). وهذا إسناد صحيح إلى ابن عباس.\nوقال مالك في الموطأ: عن صالح بن كيسان، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، [¬١] عن زيد بن خالد الجهني؛ أنه قال: صلي لنا [¬٢] رسول الله ﷺ صلاة الصبح بالحديبية في أثر سماء كانت من الليل، فلما انصرف أقبل علي الناس، فقال: \"هل تدرون ماذا قال ربكم؟ \". قالوا: الله ورسوله. أعلم.\"قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته، فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب [¬٣]. وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا، فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب [¬٤] \" (^١٠٧). أخرجاه في الصحيحين، وأبو داود والنسائي كلهم من حديث مالك به (^١٠٨).\nوقال مسلم: حدثنا محمد بن سلمة المرادي وعَمْرو بن سَوّاد، حدثنا عبد الله بن وهب، عن عمرو بن الحارث: أن أبا يونس حَدّثه عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ، أنه قال: \"ما أنزل الله من السماء من بركة إلا أصبح فريق من الناس بها كافرين، ينزلُ الغيث فيقولون: بكوكب كذا وكذا\" (^١٠٩). تفرد به مسلم من هذا الوجه.\n_________\n(^١٠٦) - أخرجه الطبري (٢٧/ ٢٠٨).\n(^١٠٧) - أخرجه مالك كتاب الاستسقاء، باب: الاستمطار بالنجوم، حديث (٤) (١/ ١٧٠).\n(^١٠٨) - ومن طريقه البخاري في كتاب: الأذان، باب: يستقبل الإمام الناس إذا سلم، حديث (٨٤٦) (٢/ ٣٣٣) وأطرافه [١٠٣٨، ٤١٤٧، ٧٥٠٣]. ومسلم في كتاب: الإيمان، باب: بيان كفر من قال: مطرنا بالنوء حديث (١٢٥/ ٧١) (٢/ ٧٩ - ٨٠). وأبو داود في كتاب: الطب، باب: في النجوم، حديث (٣٩٠٦) (٤/ ١٦). والنسائي في الكبرى في كتاب: الاستسقاء، باب: القول عند المطر، حديث (١٨٣٣) (١/ ٥٦٢ - ٥٦٣).\n(^١٠٩) - أخرجه مسلم في صحيحه في كتاب: الإيمان، باب: بيان كفر من قال: مطرنا بالنوء، حديث (١٢٦/ ٧٢ م) (٢/ ٨١).\n_________\n[¬١]- في ز: و.\n[¬٢]- في ت: بنا.\n[¬٣]- في ت: بالكواكب.\n[¬٤]- في ت: بالكواكب.","vol":"13","page":393},{"text":"وقال ابن جرير: حدثني يونس، أخبرنا سفيان، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: \"إن الله ليُصْبحُ القوم بالنعمة أو يمسيهم [¬١] بها، فيصبح بها قوم كافرين، يقولون: مُطِرنا بنوء كذا وكذا\" (^١١٠).\nقال محمد -هو ابن إبراهيم-: فذكرت هذا الحديث لسعيد بن المسيب، فقال: ونحن قد سمعنا من أبي هُرَيرة، وقد أخبرني من شهد عمر بن الخطاب ﵁ وهو يستسقي، فلما استسقى التفت إلى العباس؛ فقال: يا عباس، يا عم رسول الله، كم بقي من نوء الثريا؟ فقال: العلماء يزعمون أنها تعترض في الأفق بعد سقوطها سبعًا (^١١١).\nقال: فما مضت ساعة حتى مُطِروا. وهذا مَحمول على السؤال عن الوقت الذي أجرى الله فيه العادة بإنزال المطر، لا أن ذلك النوء يؤثر بنفسه في نزول المطر، فإن هذا هو المنهي عن اعتقاده. وقد تقدم شيء من هذه الأحاديث عند قوله: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا﴾.\nوقال ابن جرير: حدثني يونس، أخبرنا سفيان، عن إسماعيل بن أمية -أحسبه أو غيره- أن رسول الله ﷺ سمع رجلًا -ومطروا- يقول: مطرنا ببعض عثانين [¬٢] الأسد، فقال: \"كذبت! بل هو رزق الله\" (^١١٢).\nثم قال ابن جرير: حدثني أبو صالح الصراوي [¬٣]، حدثنا أبو جابر محمد بن عبد الملك الأزدي، حدثنا جعفر بن الزبير، عن القاسم، عن أبي أمامة، عن النبي ﷺ قال: ما مُطِر قوم من ليلة إلا أصبح قوم بها كافرين.\nثم قال: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾. يقول قائل: مطرنا بنجم كذا وكذا (^١١٣).\n_________\n(^١١٠) - أخرجه الطبري (٢٧/ ٢٠٨) وفيه محمد بن إسحاق مدلس وقد عنعن، إلا أن الحديث له شواهد تقويه كما مر.\n(^١١١) - أخرجه الطبري في الموضع السابق.\n(^١١٢) - أخرجه الطبري في الموضع السابق، وهو ظاهر الانقطاع.\n(^١١٣) - أخرجه الطبري (٢٧/ ٢٠٩). وفي إسناده محمد بن عبد الملك الأزدي، قال في الجرح والتعديل (٨/ ٥): ليس بالقوي.\n_________\n[¬١]- في ز: يمسهم.\n[¬٢]- في ز: عانين.\n[¬٣]- في ز: الصراري.","vol":"13","page":394},{"text":"وفي حديث عن أبي سعيد مرفوعًا: \"لو قُحِط الناس سبع سنين ثم مطروا لقالوا: مطرنا بنوء المِجْدَح\" (^١١٤).\nوقال مجاهد: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ قال: قولهم في الأنواء: مطرنا بنوء كذا، وبنوء كذا، يقول: قولوا: هو من عند الله، هو رزقه. وهكذا قال الضحاك وغير واحد.\nوقال قتادة: أما الحسن فكان يقول: بئس ما أخذ قوم لأنفسهم! لم يرزقوا من كتاب الله إلا التكذيب. فمعنى [¬١] قول الحسن هذا: وتجعلون حظكم من كتاب الله أنكم تكذبون به؛ ولهذا قال قبله: ﴿أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ (٨١) وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾.\n﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (٨٣) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (٨٤) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ (٨٥) فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيرَ مَدِينِينَ (٨٦) تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٨٧)﴾\nبقول تعالى: ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ﴾ أي الروح ﴿الْحُلْقُومَ﴾ [أي: الحلق] [¬٢] وذلك حين الاحتضار. كما قال تعالى: ﴿كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ (٢٦) وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ (٢٧) وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ (٢٨) وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ (٢٩) إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ﴾، ولهذا. قال هاهنا ﴿وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ﴾ أي: إلى المحتضر [¬٣] وما يكابده من سكرات الموت، ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيهِ مِنْكُمْ﴾ أي: بملائكتنا ﴿وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ﴾ أي: ولكن لا ترونهم كما قال تعالى في الآية الأخرى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ (٦١) ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾.\nوقوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيرَ مَدِينِينَ (٨٦) تَرْجِعُونَهَا﴾ معناه فهلا ترجعون هذه النفس التي قد بلغت الحلقوم إلى مكانها الأول ومقرها من [¬٤] الجسد إن كنتم ﴿غَيرَ\n_________\n(^١١٤) - أخرجه أحمد (٣/ ٧) (١١٠٥٦). والنسائي في الكبرى في كتاب: عمل اليوم والليلة، باب: ما يقول إذا رأى المطر، حديث (١٠٧٦٢) (٦/ ٢٣٠) وغيرهما من طريق عتاب بن حنين عن أبي سعيد بنحو هذا اللفظ. وعتاب بن حنين، قال الحافظ: مقبول.\n_________\n[¬١]- في ز: يعني.\n[¬٢]- سقط من ز.\n[¬٣]- في ز: المحضر.\n[¬٤]- في ز: في.","vol":"13","page":395},{"text":"مَدِينِينَ﴾. قال ابن عباس يعني: محاسبين. وروي عن مجاهد وعكرمة، والحسن وقتادة، والضحاك والسدي، وأبي حزرة مثله.\nوقال سعيد بن جبير والحسن البصري: ﴿فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيرَ مَدِينِينَ﴾ غير مصدقين أنكم تدانون وتبعثون وتجزون فردوا هذه النفس. وعن مجاهد: ﴿غَيرَ [¬١] مَدِينِينَ﴾ غير موقنين، وقال ميمون بن مهران: غير معذبين مقهورين.\n﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٨٨) فَرَوْحٌ وَرَيحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ (٨٩) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩٠) فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩١) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ (٩٢) فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ (٩٣) وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ (٩٤) إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ (٩٥) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٩٦)﴾\nهذه الأحوال الثلاثة هي أحوال الناس عند احتضارهم، إما أن يكون من المقربين، أو يكون ممن دونهم من أصحاب اليمين، وإما أن يكون من المكذبين بالحق الضالين عن الهدى الجاهلين بأمر الله؛ ولهذا قال تعالى: ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ﴾ أي: المحتضر ﴿مِنَ الْمُقَرَّبِين﴾ وهم الذين فعلوا الواجبات والمستحبات، وتركوا المحرمات والمكروهات وبعض المباحات ﴿فَرَوْحٌ وَرَيحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ﴾ أي: فلهم روح وريحان، وتبشرهم الملائكة بذلك عند الموت. كما تقدم في حديث البراء أن ملائكة الرحمة؛ تقول: أيتها الروح الطيبة في الجسد الطيب كنت تعمرينه، اخرجي إلى روح وريحان ورب غير غضبان.\nقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: ﴿فَرَوْحٌ﴾ يقول راحة ﴿وَرَيحَانٌ﴾ يقول مستراحة، وكذا قال مجاهد: إن الروح الاستراحة. وقال أبو حزرة: الراحة من الدنيا، وقال سعيد بن جبير والسدي: الروح: الفرح. وعن مجاهد: ﴿فَرَوْحٌ وَرَيحَانٌ﴾: جنة ورخاء. وقال قتادة: فروح ورحمة. وقال ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير: ﴿وَرَيحَانٌ﴾ ورزق.\nوكل هذه الأقوال متقاربة صحيحة، فإن من مات مقربًا حصل له جميع ذلك من الرحمة والراحة والاستراحة، والفرح والسرور، والرزق الحسن ﴿وَجَنَّتُ نَعِيمٍ﴾ [¬٢]. وقال أبو العالية: لا يفارق أحد من المقربين حتى يؤتى بغصن من ريحان [الجنة فيقبض] [¬٣]\n_________\n[¬١]- سقط من ز.\n[¬٢]- في ز: النعيم.\n[¬٣]- في ز: \"لكنه فينفس\". كذا.","vol":"13","page":396},{"text":"روحه فيه.\nوقال محمد بن كعب: لا يموت أحد من الناس حتى يعلم أمن أهل الجنة هو أم من أهل النار؟ وقد قدمنا أحاديث الاحتضار عند قوله تعالى في سورة إبراهيم: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ ولو كتبت هاهنا لكان حسنًا، ومن جملتها حديث تميم الداري، عن النبي صلى الله عليه وطم؛ يقول: \"يقول الله تعالى لملك الموت: انطلق إلى [فلان فأتني به، فإنه قد جربته بالسراء والضراء] [¬١] فوجدته حيث أحب، ائتني به فلأريحنَّه، قال: فينطلق إليه ملك الموت ومعه خمسمائة من الملائكة، معهم أكفان وحنوط من الجنة ومعهم ضبائر الريحان أصل الريحانة [واحد] [¬٢]، وفي رأسها عشرون لونًا، لكل لون منها ريح سوى ريح صاحبه، ومعهم الحرير الأبيض فيه المسك\" (^١١٥). وذكر تمام الحديث بطوله كما تقدم، وقد وردت أحاديث تتعلق بهذه الآية.\nوقال الإِمام أحمد: حدثنا يونس بن محمد، حدثنا هارون عن بديل بن ميسرة، عن عبد الله بن شقيق [¬٣] عن عائشة أنها سمعت رسول الله ﷺ يقرأ \"فرُوح وريحان\" برفع الراء. (^١١٦) وكذا رواه أبو داود والترمذي والنسائي من حديث هارون، وهو ابن موسى الأعور به (^١١٧). وقال الترمذي: لا نعرفه إلا من حديثه، وهذه القراءة هي قراءة يعقوب وحده، وخالفه الباقون فقرءوا: ﴿فَرَوْحٌ وَرَيحَانٌ﴾ بفتح الراء.\nوقال الإِمام أحمد: حدثنا حسن، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا أبو الأسود محمد بن عبد الرحمن بن نوفل؛ أنه سمع درة بنت معاذ تحدث عن أم هانيء؛ أنها سألت رسول الله ﷺ: أنتزاور إذا متنا ويرى بعضنا بعضًا؟ فقال رسول الله ﷺ: \"تكون النسم طيرًا يعلق بالشجر، حتى إذا كان يوم القيامة دخلت كل نفس في جسدها\" (^١١٨).\n_________\n(^١١٥) - ذكره ابن حجر في \"المطالب العالية\" (٤/ ٣٦٢) (٤٦٠٢)، (٤/ ٢٧٥ - ٣٧٩) (٤٦٣٠) في الأول مختصرًا والثاني مطولا جدًّا، وعزاه لأبي يعلى.\nوقال البوصيري: رواه أبو يعلى بسند ضعيف لضعف يزيد الرقاشي.\n(^١١٦) - أخرجه أحمد (٦/ ٦٤) (٢٤٤٦٣) وإسناده ثقات.\n(^١١٧) - وأخرجه أبو داود في كتاب: الحروف والقراءات، حديث (٣٩٩١) (٤/ ٣٥). والترمذي في كتاب: القراءات، باب: ومن سورة الروم، حديث (٢٩٣٩) (٨/ ١٣٦). والنسائي في الكبرى في كتاب: التفسير، باب: ﴿فَرَوْحٌ وَرَيحَانٌ﴾، حديث (١١٥٦٦) (٦/ ٤٨٠).\n(^١١٨) - أخرجه أحمد (٦/ ٤٢٤) وفي إسناده ابن لهيعة وهو ضعيف من قبل حفظه، لكن يشهد له ما بعده.\n_________\n[¬١]- بياض في ز.\n[¬٢]- سقط من ز.\n[¬٣]- في ز: سفيان.","vol":"13","page":397},{"text":"هذا الحديث فيه بشارة لكل مؤمن؛ ومعنى يعلق: يأكل، ويشهد له بالصحة أيضًا ما رواه الإمام أحمد، عن الإمام محمد بن إدريس الشافعي، عن الإمام مالك بن أنس، عن الزهري، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن أبيه عن رسول الله ﷺ؛ قال: \"إنما نسمة المؤمن طائر يعلق في شجر الجنة، حتى يرجعه الله إلى جسده يوم يبعثه\" (^١١٩). وهذا إسناد عظيم ومتن قويم.\nوفي الصحيح [أن رسول الله، ﷺ؛ قال] [¬١]: \"إن أرواح الشهداء في حواصل طير خضر تسرح في [رياض] [¬٢] الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى قناديل معلقة بالعرش … \" الحديث (^١٢٠).\nوقال الإِمام أحمد: [حدثنا عفان] [¬٣] حدثنا همام، حدثنا عطاء بن السائب؛ قال: كان أول يوم عرفت فيه عبد الرحمن بن أبي ليلى رأيت شيخا أبيض الرأس واللحية على حمار، وهو يتبع [¬٤] جنازة، فسمعته يقول: حدثني فلان بن فلان سمع رسول الله، ﷺ؛ يقول: \"من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه\". قال: فأكب القوم يبكون؛ فقال [¬٥]: \"ما يبكيكم؟ \" فقالوا: إنا نكره الموت. قال: \"ليس ذاك ولكنه إذا احتضر [¬٦] ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٨٨) فَرَوْحٌ وَرَيحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ﴾ فإذا بشر بذلك أحب لقاء الله ﷿ والله ﷿ للقائه أحب ﴿وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ (٩٢) فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ (٩٣) وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ فإذا بشر بذلك كره لقاء الله. والله تعالى للقائه أكره (^١٢١). هكذا رواه الإِمام أحمد [وفي الصحيح] [¬٧] عن عائشة ﵂ شاهد لمعناه (^١٢٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ أي وأما إن كان المحتضر من\n_________\n(^١١٩) - أخرجه أحمد (٣/ ٤٥٥) (١٥٨٢٠).\n(^١٢٠) - أخرجه مسلم في كتاب: الإمارة، باب: بيان أن أرواح الشهداء في الجنة، حديث (١٢١/ ١٨٨٧) (١٣/ ٤٦ - ٤٧) من حديث عبد الله بن مسعود مطولا بنحو ذلك.\n(^١٢١) - أخرجه أحمد (٤/ ٢٥٩ - ٢٦٠) (١٨٣٣٦) وفي إسناده عطاء بن السائب وكان اختلط، لكن للحديث طريق آخر عن عائشة عند مسلم سيأتي بعد هذا.\n(^١٢٢) - أخرجه مسلم في كتاب: الذكر والدعاء، باب: من أحب لقاء الله، أحب الله لقاءه، حديث (١٥/ ٢٦٨٤ (١٨/ ١٥ - ١٦).\n_________\n[¬١]- في ز: من.\n[¬٢]- سقط من ز.\n[¬٣]- سقط من ت.\n[¬٤]- في ز: تبع.\n[¬٥]- في ز: قال:\n[¬٦]- في ز: حضر.\n[¬٧]- سقط من ت.","vol":"13","page":398},{"text":"أصحاب اليمين ﴿فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ أي: تبشرهم الملائكة بذلك تقول لأحدهم: سلام لك. أي: لا بأس عليك أنت إلى سلامة، أنت من أصحاب اليمين.\nوقال قتادة وابن زيد: سلم من عذاب الله، وسلّمت عليه ملائكة الله. كما قال عكرمة تسلم عليه الملائكة، وتخبره أنه من أصحاب اليمين، وهذا معنى حسن. ويكون ذلك [كقول الله] [¬١] تعالى: (﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢)﴾.\nوقال البخاري: ﴿فَسَلَامٌ لَكَ﴾ أي: مسلم لك أنك من أصحاب اليمين، وألغيت [إن وهو] [¬٢] معناها. كما تقول: أنت [مصدق] [¬٣] مسافر عن قليل إذا كان [قد] [¬٤] قال: إني مسافر عن قليل.\nوقد يكون كالدعاء له كقولك: سقيًا لك من الرجال إن رفعت السلام فهو من الدعاء.\nوقد حكاه ابن جرير هكذا عن بعض أهل العربية ومال إليه، والله أعلم.\nوقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ (٩٢) فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ (٩٣) وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ أي: وأما إن كان المحتضر من المكذبين بالحق الضالين عن الهدى ﴿فَنُزُلٌ﴾ أي؛ فضيافة ﴿مِنْ حَمِيمٍ﴾ وهو [المذاب] [¬٥] الذي يصهر به ما في بطونهم والجلود ﴿وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ أي: وتقرير له في النار التي تغمره من جميع جهاته.\nثم قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ﴾ أي: إذ هذا الخبر لهو حق اليقين الذي لا مرية فيه، ولا محيد لأحد عنه ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾.\nقال الإمام [¬٦] أحمد (^١٢٣): حدثنا أبو عبد الرحمن، حدثنا موسى بن أيوب الغافقي،\n_________\n(^١٢٣) - أخرجه أحمد (٤/ ١٥٥) (١٧٤٦١). وموسى بن أيوب الغافقي قال الحافظ: مقبول. وإياس بن عامر ذكره ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٢/ ٢٨١) ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا. قال العجلي: لا بأس به. وذكره ابن حبان في الثقات، وصحح له ابن خزيمة، وقال الذهبي في تعليقه على مستدرك الحاكم: ليس بالقوي.\n_________\n[¬١]- في ز: كقوله.\n[¬٢]- في ز: من وهي.\n[¬٣]-في ز: وقال: كذا.\n[¬٤]- سقط من ز.\n[¬٥]- سقط من ز.\n[¬٦]- سقط من ز.","vol":"13","page":399},{"text":"حدثني عمي إياس بن عامر عن عقبة بن عامر الجهني؛ قال: لما نزلت على رسول الله ﷺ ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ قال: \"اجعلوها في ركوعكم\". ولما نزلت ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ قال رسول الله ﷺ: \"اجعلوها في سجودكم\". وكذا رواه أبو داود وابن ماجة من حديث عبد الله بن المبارك عن موسى بن أيوب به (^١٢٤).\nوقال روح بن عبادة: حدثنا حجاج الصواف عن أبي الزبير عن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ: \"من قال: سبحان الله العظيم وبحمده- غُرسَت له نخلة في الجنة\". هكذا رواه الترمذي من حديث روح، ورواه هو والنسائي أيضًا من حديث حمّاد بن سلمة [من حديث أبي الزبير] [¬١] عن جابر عن النبي ﷺ به (^١٢٥).\nوقال الترمذي: حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث أبي [¬٢] الزبير.\nوقال البخاري في آخر كتابه: حدثنا أحمد بن إشكاب، حدثنا محمد بن فضيل، حدثنا عمارة بن القعقاع عن أبي زرعة عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: \"كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم\" (^١٢٦). ورواه بقية الجماعة إلا أبا داود من حديث محمد بن فضيل بإسناده مثله (^١٢٧).\n[آخر تفسير سورة الواقعة، ولله الحمد والمنّة].\n_________\n(^١٢٤) - الحديث أخرجه أبو داود في كتاب: الصلاة، باب: ما يقول الرجل في ركوعه وسجوده، حديث (٨٦٩) (١/ ٢٣٠). وابن ماجة في كتاب: الإقامة، باب: التسبيح في الركوع والسجود، حديث (٨٨٧) (١/ ٢٨٧).\n(^١٢٥) - أخرجه الترمذي في كتاب: الدعوات، باب: فضل سبحان الله، حديث (٣٤٦٠) (٩/ ١٤٩ - ١٥٠). والنسائي في الكبرى في كتاب: عمل اليوم والليلة، باب: ثواب من قال: سبحان الله العظيم، حديث (١٠٦٦٣) (٦/ ٢٠٧). وإسناده صحيح. وقد صححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (٢٧٥٧ - ٣٧١١).\n(^١٢٦) - أخرجه البخاري في كتاب: التوحيد، باب: قول الله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾. حديث (٧٥٦٣).\n(^١٢٧) - مسلم في كتاب: الذكر والدعاء، باب: فضل التهليل والتسبيح والدعاء، حديث (١١/ ٢٦٩٤) (١٧/ ٣١). والترمذي في كتاب: الدعوات، باب: فضل سبحان الله، حديث (٣٤٦٠) (٩/ ١٥٠). والنسائي في الكبرى في كتاب: عمل اليوم والليلة، باب: ما يثقل الميزان، حديث (١٠٦٦٦) (٦/ ٢٠٧ - ٢٠٨). وابن ماجة في كتاب: الأدب، باب: فضل التسبيح، حديث (٣٨٠٦) (٢/ ١٢٥١)، وأحمد (٢/ ٢٣٢).\n_________\n[¬١]- سقط من ز.\n[¬٢]- في ز: ابن.","vol":"13","page":400},{"text":"<span data-type='title' id=toc-178>تفسير سورة الحديد وهي مدنية</span>\nقال الإمام أحمد (^١): حدثنا يزيد بن عبد ربه، حدثنا بقية بن الوليد، حدثني بحير [¬١] بن سعد، عن خالد بن معدان، عن ابن أبي بلال، عن عرباض بن سارية، أنه حدثهم أن رسول الله ﷺ كان يقرأ المسبحات قبل أن يرقد. وقال: \"إن فيهن آية أفضل من ألف آية\".\nوهكذا رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي، من طرق [¬٢] عن بقية به. وقال الترمذي: \"حسن غريب\".\nورواه النسائي (^٢) عن ابن [أبي السرح] [¬٣]، عن ابن وهب، عن معاوية بن صالح، عن بَحير بن سعد، عن خالد بن معدان؛ قال: كان رسول الله ﷺ ..... فذكره [¬٤] مرسلًا، لم يذكر عبد الله بن أبي بلال، ولا العرباض بن سارية، والآية المشار إليها في الحديث هي -والله أعلم- قوله: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمٌ﴾، كما سيأتي بيانه إن شاء الله وبه الثقة.\n﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١) لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ (٢) هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمٌ (٣)﴾\nيخبر تعالى أنه يسبح له ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: من الحيوانات والنبات،\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٤/ ١٢٨) برقم (١٧٢١٠)، وأبو داود في كتاب: الأدب، باب: ما يقال عند النوم، حديث (٥٠٥٧)، والترمذي في كتاب: ثواب القرآن، باب (٢١)، حديث (٢٩٢٢). والنسائي في الكبرى في كتاب: عمل اليوم والليلة، باب: الفضل في قراءة ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾، حديث (١٠٥٤٩). وأخرجه الطبراني في الكبير (١٨/ ٢٥٠). وضعفه الشيخ الألباني في ضعيف أبي داود حديث ١٠٧٣.\n(^٢) - السنن الكبرى في الموضع السابق برقم (١٠٥٥١).\n_________\n[¬١]- في خ: بجير.\n[¬٢]- في ز: طريق.\n[¬٣]- ما بين المعكوفين في ز: المرح.\n[¬٤]- في ز، خ: يذكره.","vol":"13","page":401},{"text":"كما قال في الآية الأخرى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيءٍ إلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾.\nوقوله: ﴿وَهُوَ الْعَزِيز﴾، أي: الذي قد خضع له كل شيء ﴿الْحَكِيمُ﴾، في خلقه وأمره وشرعه. ﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾. أي: هو المالك المتصرف في خلقه، فيحيي ويميت، ويعطي من يشاء ما يشاء، ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ﴾. أي: ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن.\nوقوله: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِن﴾، وهذه الآية هي المشار إليها في حديث عرباض بن سارية، أنها أفضل من ألف آية.\nوقال أبو داود: حدثنا عباس بن عبد العظيم، حدثنا النضر بن محمد، حدثنا عكرمة -يعني ابن عمار- حدثنا أبو زُمَيل؛ قال: سألت ابن عباس فقلت: ما شيء أجده في صدري؟ قال: ما هو؟ قلت: والله لا أتكلم به. قال: فقال لي: أشيء من شك؟ قال: وضحك، قال: ما نجا من ذلك أحد، قال: حتى أنزل الله ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ …﴾. الآية. قال: وقال لي: إذا وجدت في نفسك شيئًا فقل: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمٌ﴾ (^٣).\nوقد اختلفت عبارات المفسرين في هذه الآية، وأقوالهم على نحو من بضعة عشر قولًا.\nوقال البخاري: قال يحيى: الظاهر على كل شيء علمًا، والباطن على كل شيء علمًا.\nقال شيخنا الحافظ المزّي [¬١]: يحيى هذا هو ابن زياد الفراء، له كتاب سماه \"معاني القرآن\".\nوقد ورد في ذلك أحاديث، فمن ذلك ما قال الإمام أحمد: حدثنا خلف بن الوليد، حدثنا ابن عياش [¬٢]، عن سُهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ كان يدعو عند النوم: \"اللهم، رب السماوات السبع ورب العرش العظيم، ربنا ورب كل شيء، منزل التوراة والإنجيل والفرقان، فالق الحب والنوى، لا إله إلا أنت، أعوذ بك من شر كل شيء أنت أخذ بناصيته، أنت الأول ليس [¬٣] قبللت\n_________\n(^٣) - أخرجه أبو داود في كتاب: الأدب، باب: في رد الوسوسة، حديث (٥١١٠) (٤/ ٣٢٩).\nوحسن إسناده الشيخ الألباني في صحيح سنن أبي داود (٤٢٦٢).\n_________\n[¬١]- في خ: المزني.\n[¬٢]- في خ: عباس.\n[¬٣]- في ز، خ: فليس.","vol":"13","page":402},{"text":"شيء وأنت الآخر ليس [¬١] بعدك شيء، وأنت الظاهر ليس [] [¬٢] فوقك شيء، وأنت الباطن ليس دونك شيء. اقض عنا الدين، وأغننا من الفقر\" (^٤).\nورواه مسلم في صحيحه: حدثني زهير بن حرب، [حدثنا جرير [¬٣] عن سهيل؛ قال: كان أبو صالح يأمرنا إذا أراد أحدنا أن ينام أن يضطجع على شقه الأيمن، ثم يقول: \"اللهم، رب السماوات ورب الأرض ورب العرش العظيم، ربنا ورب كل شيء، فالق الحب والنوى، ومنزل التوراة والإنجيل والفرقان، أعوذ بك من شر كل ذي شر أنت آخذ بناصيته. اللهم، أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء، اقض عنا الدين، وأغننا من الفقر\".\nوكان يروي ذلك عن أبي هريرة عن النبي ﷺ (^٥).\nوقد روى الحافظ أبو يعلى الموصلي في مسنده عن عائشة أم المؤمنين نحو هذا، فقال: حدثنا عقبة، حدثنا يونس، حدثنا السري بن إسماعيل، عن الشعبي، عن مسروق، عن عائشة أنها قالت: كان رسول الله ﷺ يأمر بفراشه فيفرش له مستقبل القبلة، فإذا أوى إليه توسد كفه اليمنى، ثم همس -ما يُدرَى ما يقول- فإذا كان في آخر الليل رفع صوته فقال: \"اللهم، رب السماوات السبع ورب العرش العظيم، إله كل شيء، ورب كل شيء، ألا [¬٤] منزل التوراة والإنجيل والفرقان، فالق الحب والنوى. أعوذ بك من شر كل شيء أنت آخذ ناصيته. اللهم؛ أنت الأول الذي ليس قبلك شيء، وأنت الآخر الذي ليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس [فوقك] [¬٥] شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء، اقض عنا الدين، وأغننا من الفقر\" (^٦). السري بن إسماعيل هذا ابن عم الشعبي، وهو ضعيف جدًّا، والله أعلم.\n_________\n(^٤) - المسند (٢/ ٤٠٤).\n(^٥) - صحيح مسلم في كتاب: الذكر، باب: ما يقول عند النوم وأخد المضجع، حديث (٦١/ ٢٧١٣) (١٧/ ٥٦).\n(^٦) - مسند أبي يعلى (٨/ ٢١٠ - ٢١١) (٤٧٤٤). قال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (١٠/ ١٢٤): رواه الطبراني وأبو يعلى وفيه السري بن إسماعيل وهو متروك. قلت: لكن يشهد له الحديث الذي قبله.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: فليس.\n[¬٢]- في ز: يعني.\n[¬٣]- سقط من ز.\n[¬٤]- سقط من ز.\n[¬٥]- في ز: فوق.","vol":"13","page":403},{"text":"وقال أبو عيسى الترمذي عند تفسير هذه الآية: حدثنا عبدُ بن حميد وغير واحد -المعنى واحد- قالوا: حدثنا يونس بن محمد، حدثنا شيبان بن عبد الرحمن، عن قتادة؛ قال: حدث الحسن، عن أبي هريرة؛ قال: بينما رسول الله ﷺ جالس وأصحابه، إذ أتى عليهم سحاب، فقال نبي الله ﷺ: \"هل تدرون ما هذا؟ \"قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: \"هذا العَنَان، هذه روايا الأرض تسوقه إلى قوم لا يشكرونه، ولا يدعونه\". ثم قال: \"هل [¬١] تدرون ما فوقكم؟ \" قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: \"فإنها الرقيع سقف محفوظ، وموج مكفوف\". ثم قال: \"هل تدرون كم بينكم وبينها؟ \" قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: \"بينكم وبينها خمسمائة سنة\". ثم قال: \"هل تدرون ما فوق ذلك؟ \" قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: \"فإن فوق ذلك سماءين [¬٢] بُعدُ ما بينهما مسيرة خمسمائة سنة\"، حتى عد سبع سماوات ما بين كل سماءين كما بين السماء والأرض، ثم قال: \"هل تدرون ما فوق ذلك؟ \" قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: \"فإن فوق ذلك العرش، وبينه وبين السماء [] [¬٣] بعدُ ما بين السماءين\"، ثم قال: \"هل تدرون ما الذي تحتكم؟ \" قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: \"فإنها الأرض\". ثم قال: \"هل تدرون ما الذي تحت ذلك؟ \" قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: \"فإن تحتها أرضًا أخرى بينهما مسيرة خمسمائة سنة\"، حتى عد سبع أرضين بين كل أرضين مسيرة خمسمائة سنة، ثم قال: \"والذي نفس محمد بيده، لو أنكم دليتم رجلًا [¬٤] بحبل إلى الأرض السفلى لهبط على الله\"، ثم قرأ: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمٌ﴾ (^٧).\nثم قال الترمذي: هذا حديث غريب من هذا الوجه، ويروى عن أيوب ويونس -يعني ابن عبيد- وعلي بن زيد، قالوا: لم يسمع الحسن من أبي هريرة. وفسر بعض أهل العلم هذا الحديث فقالوا: إنما هبط على علم الله وقدرته وسلطانه، وعلم الله وقدرته وسلطانه في كل مكان، وهو على العرش، كما وصف في كتابه. انتهى كلامه.\nوقد روى الإمام أحمد هذا الحديث عن سُريج، في الحكم بن عبد الملك، [] [¬٥] عن قتادة، عن الحسَن، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ … فذكره، وعنده: \"بعد ما بين الأرضَين مسيرة سبعمائة عام\". وقال: لو دليتم أحدكم بحبل إلى الأرض\n_________\n(^٧) - أخرجه الترمذي في كتاب: تفسير القرآن، باب: ومن سورة الحديث حديث (٣٢٩٤) (٩/ ٣٧ - ٣٨).\n_________\n[¬١]- سقط من ز، خ.\n[¬٢]- في ز، خ، ت: سماء، والمثبت من الترمذي.\n[¬٣]- في ز: من.\n[¬٤]- مثبت من سنن الترمذي.\n[¬٥]- في ز: ر.","vol":"13","page":404},{"text":"السفلى السابعة لهبط على الله، ثم قرأ: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمٌ﴾ (^٨).\nورواه ابن أبي حاتم والبزار من حديث أبي جعفر الرازي، عن قتادة، عن الحسن، عن أبي هريرة … فذكر الحديث، ولم يذكر ابن أبي حاتم آخره [¬١] وهو قوله: \"لو دليتم بحبل\". وإنما قال: حتى عد سبع أرضين بين كل أرضين مسيرة خمسمائة عام. ثم تلا: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمٌ﴾ (^٩).\nوقال البزار: لم يروه عن النبي ﷺ إلا أبو هريرة.\nورواه ابن جرير، عن بشر، عن يزيد، عن سعيد، عن قتادة: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾، ذكر لنا أن نبي الله ﷺ بينما هو جالس في أصحابه إذ ثار عليهم سحاب، فقال: \"هل تدرون ما هذا؟ … \" (^١٠). وذكر الحديث مثل سياق الترمذي سواء، إلا أنه مرسل من هذا الوجه، ولعل هذا هو المحفوظ، والله أعلم.\nوقد روي من حديث أبي ذر الغفاري ﵁ وأرضاه، رواه البزار في مسنده، والبيهقي في كتاب الأسماء والصفات (^١١) ولكن في إسناده نظر، وفي متنه غرابة ونكارة، والله ﷾ أعلم.\n_________\n(^٨) - المسند (٢/ ٣٧٠).\n(^٩) - أخرجه ابن الجوزي في العلل (١/ ٢٧ - ٢٨) (٨) من طريق الحكم بن عبد الملك عن قتادة عن الحسن عن أبي هريرة به.\nوقال: هذا حديث لا يصح عن رسول الله - صلى الله عيه إسلم- والحسن لم يسمع من أبي هريرة، وقيل له: من أين تحدث هذه الأحاديث؟ فقال: من كتاب عندنا سمعته من رجل، وكان الحسن يروى عن الضعفاء، وقد روى هذا الحديث أبو جعفر الرازي عن قتادة عن الحسن.\nقال أحمد بن حنبل: أبو جعفر مضطرب الحديث؛ يروى أبو جعفر عن قتادة عن الحسن عن الأحنف بن قيس عن العباس عن النبي ﷺ قال: \"والذي نفسي بيده لو دليتم أحدكم بحبل إلى الأرض السابعة لقدم على ربه ﷿\" ثم تلا: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾.\n(^١٠) - تفسير الطبري (٢٧/ ٢١٦).\n(^١١) - أخرجه البزار كما في الكشف (٢/ ٤٥٠).\nوالبيهقي في الأسماء والصفات (٢/ ٢٨٩) (٨٥٠)، قال ابن الجوزي في العلل (١/ ٢٧): هذا حديث منكر، رواه عن الأعمش محاضر فخالف فيه أبا معاوية؛ فقال: عن الأعمش عن عمرو بن مرة عن أبي نصر، وكان الأعمش يروى عن الضعفاء ويدلس. ا هـ. قال الذهبي في تذكرة الحفاظ (٢/ ٧٤٨): وأبو نصر لا يعرف والخبر منكر.\n_________\n[¬١]- سقط من ز.","vol":"13","page":405},{"text":"وقال ابن جرير عند قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾: حدثنا ابن عبد الأعلى، حدثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، قال: التقى أربعة من الملائكة بين السماء والأرض، فقال بعضهم لبعض: من أين جئت؟ قال أحدهم: أرسلني ربي ﷿ من السماء السابعة وتركته ثَمَّ. قال الآخر: أرسلني ربي ﷿ من الأرض السابعة وتركته ثَم. قال الآخر: أرسلني ربي من المشرق وتركته ثَمَّ. قال الآخر: أرسلني ربي من المغرب وتركته ثَم (^١٢).\nوهذا غريب جدًّا، وقد يكون الحديث الأول موقوفًا علي قتادة كما روي هاهنا من قوله، والله أعلم.\n﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَينَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٤) لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٥) يُولِجُ اللَّيلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيلِ وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٦)﴾\nيخبر تعالى عن خلقه السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام، ثم أخبر باستوائه علي العرش بعد خلقهن. وقد تقدم الكلام على هذه الآية وأشباهها في \"سورة الأعراف\" [بما أغنى عن إعادته هاهنا] [¬١].\n﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ﴾. أي: يعلم عدد ما يدخل فيها من حب وقطر، ﴿وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا﴾. من زرع ونبات وثمار، كما قال: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيبِ لَا يَعْلَمُهَا إلا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إلا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾.\nوقوله: ﴿وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ﴾، أي: من الأمطار، والثلوج والبرد [¬٢]، والأقدار والأحكام مع الملائكة الكرام، وقد تقدم في \"سورة البقرة\" أنه ما ينزل [من] [¬٣] قطرة من\n_________\n(^١٢) - تفسير الطبري (٢٧/ ١٥٤). وإسناده مرسل، وقتادة من المشهورين بالتدليس.\n_________\n[¬١]- سقط من ت.\n[¬٢]- في خ: البرود.\n[¬٣]- سقط من ز.","vol":"13","page":406},{"text":"السماء إلا ومعها ملك يقررها في المكان الذي يأمره [¬١] الله به حيث يشاء تعالى.\nوقوله: ﴿وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا﴾، أي: من الملائكة والأعمال، كما جاء في الصحيح: \"يرفع إليه عمل الليل قبل النهار، وعمل النهار قبل الليل\" (^١٣).\nوقوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَينَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾. أي: رقيب عليكم، شهيد على أعمالكم حيث أنتم، وأين كنتم، من بر أو بحر، في ليل أو نهار، في البيوت أو القفار، الجميع في علمه علي السواء، وتحت به بصره وسمعه، فيسمع كلامكم ويرى مكانكم، ويعلم سركم ونجواكم.\nكما قال: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾. وقال: ﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾ فلا إله غيره ولا رب سواه.\nوقد ثبت في الصحيح أن رسول الله ﷺ قال لجبريل -لما سأله عن الإحسان-: \"أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن، تراه فإنه يراك\" (^١٤).\nوروى الحافظ أبو بكر الإسماعيلي من حديث نصر بن خزيمة بن جنادة بن محفوظ بن علقمة، حدثني أبي، عن نصر بن علقمة، عن أخيه، عن عبد الرحمن بن عائذ؛ قال: قال عمر: جاء رجل إلي النبي ﷺ؛ فقال: زودني كلمة أعيش بها. قال [¬٢]: \"استح الله كما تستحي رجلا من صالح عشيرتك لا يفارقك\" (^١٥). هذا حديث غريب.\nوروى أبو نعيم من حديث عبد الله بن معاوية الغاضري [¬٣] مرفوعًا: \"ثلاث من فعلهن\n_________\n(^١٣) - أخرجه مسلم في كتاب: الإيمان، باب: في قوله ﵇: \"إن الله لا ينام … \"، حديث (٢٩٥/ ١٧٩) (٣/ ١٨).\n(^١٤) - هو جزء من حديث جبريل الطويل عند مسلم في بداية كتاب الإيمان وغيره وقد تقدم تخريجه كثيرًا.\n(^١٥) - أخرجه البيهقي في الشعب من حديث أبي الخير (٦/ ١٤٥ - ١٤٦) (٧٧٣٨).\nوأحمد في الزهد (٥٩) وأورده الألباني في الصحيحة (٧٤١) وعزاه إلى أبي عروبة الحراني في الطبقات، والسلمي في آداب الصحبة، والخرائطي في مكارم الأخلاق من طريقين عن الليث بن سعد عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الخير سمع سعيد بن يزيد الأنصاري.\n_________\n[¬١]- في ت، خ: يأمر.\n[¬٢]- في ز: قال.\n[¬٣]- في ز، خ: العامري.","vol":"13","page":407},{"text":"فقد طَعِم الإيمان: من عبد الله وحده، وأعطى زكاة ماله طيبة بها نفسه في كل عام، ولم يعط الهرمة ولا الدرنة [¬١]، ولا الشَّرَط اللئيمة (*)، ولا المريضة، ولكن من أوسط أموالكم، وزكى نفسه\". وقال رجل: يا رسول الله؛ ما تزكية المرء نفسه؟ فقال: \"يعلم أن الله معه حيث كان\" (^١٦).\nوقال نُعيم بن حماد ﵀: حدثنا عثمان [بن سعيد] [¬٢] بن كثير بن دينار الحمصي، عن محمد بن مهاجر، عن عروة بن رويم، عن عبد الرحمن بن غنم، عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله ﷺ: إن أفضل الإيمان أن تعلم أن الله معك حيثما كنت\" (^١٧). غريب.\nوكان الإمام أحمد ينشد هذين البيتين:\nإذا ما خَلوتَ الدهرَ يَومًا فلا تَقُلْ: … خَلَوتُ، ولكن قُل: عَليّ رقيبُ\nولَا تَحْسَبَنّ الله يَغفَلُ سَاعَة … ولا أن ما يخْفى عليه يغيبُ\nوقوله: ﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾. أي: هو المالك للدنيا والآخرة. كما قال: ﴿وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى﴾ وهو المحمود على ذلك كما قال: ﴿وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إلا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ﴾ وقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ [وَمَا فِي] [¬٣] الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ فجميع ما في السماوات والأرض ملك له [¬٤]، وأهلهما عبيد أرقاء أذلاء بين يديه. كما قال: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إلا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (٩٤) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾.\n_________\n(*) أي رذال المال. وقيل صغاره وشراره. النهاية (٢/ ٤٦٠).\n(^١٦) - أخرجه أبو داود في كتاب: الزكاة، باب: في زكاة السائمة، حديث (١٥٨٢) (٢/ ١٠٣ - ١٠٤)، والبيهقي (٤/ ٩٥ - ٩٦)، الطبراني في الصغير (١/ ٢٠١). كلهم من حديث عبد الله بن معاوية الغاضري به. والحديث صححه الألباني في الصحيحة (١٠٤٦).\n(^١٧) - أخرجه أبو نعيم في \"الحلية\" (٦/ ١٢٤)، والطبراني في الأوسط (٨/ ٣٣٦) (٨٧٩٦) كلاهما من طريق نعيم بن حماد. قال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (١/ ٦٥): رواه الطبراني في الأوسط والكبير، وقال: تفرد به عثمان بن كثير.\n_________\n[¬١]- في ز: الرزنة. والدرنة: الجرباء.\n[¬٢]- سقط من خ.\n[¬٣]- سقط من ز.\n[¬٤]- سقط من ز، خ.","vol":"13","page":408},{"text":"ولهذا قال: ﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾. أي: إليه المرجع يوم القيامة، فيحكم في خلقه بما يشاء، وهو العادل الذي لا يجور ولا يظلم مثقال ذرة، بل إن يكن أحدهم عمل حسنة واحدة يضاعفها إلي عشر أمثالها، ﴿وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾.\nوكما قال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَال حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَينَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾.\nوقوله: ﴿يُولِجُ اللَّيلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيل﴾، أي: هو المتصرف في الخلق، يقلب الليل والنهار ويقدرهما بحكمته كما يشاء، فتارة يطول الليل ويقصر النهار، وتارة بالعكس، وتارة يتركهما معتدلين. وتارة يكون الفصل شتاء ثم ربيعًا ثم قيظًا ثم خريفًا، وكل ذلك بحكمته وتقدوره لما يريده بخلقه، ﴿وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُور﴾، أي: يعلم السرائر وإن دقت، و[¬١] خفيت.\n﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ (٧) وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٨) هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٩) وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا يَسْتَوي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١٠) مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ (١١)﴾\nأمر تعالى بالإيمان به وبرسوله على الوجه الأكمل، والدوام والثبات على ذلك والاستمرار، وحث على الإنفاق ﴿مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ أي: [مما] [¬٢] هو معكم علي سبيل العاريّة، فإنه قد كَان في أيدي من قبلكم ثم صار إليكم، فأرشد تعالى [إلي] [¬٣]\n_________\n[¬١]- في ت: وإن.\n[¬٢]- في ز: ما.\n[¬٣]- سقط من ز.","vol":"13","page":409},{"text":"استعمال ما [استخلفهم] [¬١] فيه من المال في طاعته، [فإن] [¬٢] يفعلوا وإلا حاسبهم عليه وعاقبهم لتركهم الواجبات فيه.\nوقوله: ﴿مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾: إشارة إلي أنه سيكون مخلفًا عنك، فلعل وارثك أن يطيع الله فيه، فيكون أسعد بما أنعم الله به عليك منك، أو يعصي الله [به] [¬٣] فتكون قد سعيت في معاونته علي الإِثم والعدوان.\nقال الإِمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، سمعت قتادة يحدث، عن مطرف -يعني ابن عبد الله بن الشخير- عن أبيه؛ قال: انتهيت إلي رسول الله ﷺ وهو يقول: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾. يقول ابن آدم: مالي مالي! وهل لك من [مالك] [¬٤] إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت؟! \" (^١٨).\nورواه مسلم من حديث شعبة به (^١٩)، وزاد: \"ومما سوى ذلك فذاهب وتاركه للناس\" (^٢٠).\nوقوله: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِير﴾. ترغيب في الإيمان والإنفاق في الطاعة. ثم قال: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ﴾. أي: وأي شيء يمنعكم من الإيمان، والرسول بين أظهركم، يدعوكم إلي ذلك، ويبين لكم الحجج والبراهين علي صحة ما جاءكم به؟\nوقد روينا في الحديث من طرق في أوائل شرح \"كتاب الإيمان\" من صحيح البخاري:\nأن رسول الله ﷺ قال يومًا لأصحابه: \"أي المؤمنين أعجب إليكم إيمانًا؟! قالوا: الملائكة. قال: \"وما لهم لا يؤمنون وهم عند ربهم؟ \". قالوا: فالأنبياء. قال: \"وما لهم لا يؤمنون والوحي ينزل عليهم\". قالوا: فنحن؟ قال: \"وما لكم لا تؤمنون وأنا بين أظهركم؟ ولكن أعجب المؤمنين إيمانًا قوم يجيئون بعدكم يجدون صحفًا يؤمنون بما فيها\" (^٢١).\n_________\n(^١٨) - المسند أحمد (٤/ ٢٤).\n(^١٩) - صحيح مسلم، كتاب: الزهد والرقائق، حديث (٣/ ٢٩٥٨ م) (١٨/ ١٢٦).\n(^٢٠) - صحيح مسلم في الموضع السابق برقم (٤/ ٢٩٥٩) من حديث أبي هريرة.\n(^٢١) - تقدم تخريجه في سورة البقرة آية (٣).\n_________\n[¬١]- في ز: استخلفكم.\n[¬٢]- في ز: وإن لم.\n[¬٣]- في ت: فيه.\n[¬٤]- في ز: مال.","vol":"13","page":410},{"text":"وقد ذكرنا طرفًا من هذا في أول سورة البقرة عند قوله: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيبِ﴾.\nوقوله: ﴿وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ﴾ كما قال: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ ويعني بذلك بيعة الرسول ﷺ.\nوزعم ابن جرير: أن المراد بذلك الميثاق الذي أخذ عليهم في صلب آدم. وهو مذهب مجاهد، فالله أعلم.\nوقوله: ﴿هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾. أي: حججًا واضحات، ودلائل باهرات، وبراهين قاطعات، ﴿لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾. أي: من ظلمات الجهل والكفر والآراء المتضادة، إلى نور الهدى واليقين والإيمان، ﴿وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾. أي: في إنزاله الكتب وإرساله الرسل لهداية الناس، وإزاحة العلل وإزالة الشبه.\nولما أمرهم أولًا بالإيمان والإنفاق، ثم حثّهم على الإيمان، وبين أنه قد أزال عنهم موانعه، [] [¬١] حثّهم أيضًا علي الإنفاق فقال: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، [أي: أنفقوا ولا تخشوا فقرًا وإقلالًا، فإن الذي أنفقتم في سبيله هو مالك السماوات والأرض] [¬٢] وبيده مقاليدهما، وعنده خزائنهما [¬٣]، وهو مالك العرش بما حوى، وهو القائل: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيرُ الرَّازِقِينَ﴾ وقال: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ فمن توكل علي الله أنفق، ولم بخش من ذي العرش إقلالًا، وعلم أن الله سيخلفه عليه.\nوقوله: ﴿لَا يَسْتَوي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ﴾. أي: لا يستوي هذا ومن لم يفعل كفعله، وذلك [] [¬٤] قبل فتح مكة كان الحال شديدًا، فلم يكن يؤمن حينئذ إلا الصديقون، وأما بعد الفتح فإنه ظهر الإسلام ظهورًا عظيمًا، ودخل الناس في دين الله أفواجًا، ولهذا قال: ﴿أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾.\nوالجمهور علي أن المراد بالفتح هاهنا فتح مكة. وعن الشعبي وغيره أن المراد بالفتح هاهنا: صلح الحديبية، وقد يستدل لهذا القول بما قال الإمام أحمد:\nحدثنا أحمد بن عبد الملك، حدثنا زهير، حدثنا حُميد الطويل، عن أنس؛ قال: كان بين خالد بن الوليد وبين عبد الرحمن بن عوف كلام، فقال خالد لعبد الرحمن: تستطلون علينا بأيام سبقتمونا بها؟ فبلغنا أن ذلك ذكر للنبي ﷺ فقال: \"دعوا لي\n_________\n[¬١]- في ز: ثم.\n[¬٢]- سقط من ز، خ.\n[¬٣]- في ز: خزائنها.\n[¬٤]- في ز: أن.","vol":"13","page":411},{"text":"أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أنفقتم مثل أحد -[أو] [¬١]: مثل الجبال- ذهبًا، ما بلغتم أعمالهم\" (^٢٢).\nومعلوم أن إسلام خالد بن الوليد المواجه بهذا الخطاب كان بين صلح الحديبية وفتح مكة، وكانت هذه المشاجرة بينهما في بني جذيمة الذين بعث إليهم رسول الله ﷺ خالد بن الوليد بعد الفتح، فجعلوا يقولون: \"صبأنا صبأنا\". فلم يحسنوا أن يقولوا: \"أسلمنا\". فأمر خالد بقتلهم وقتل من أسر منهم، فخالفه عبد الرحمن بن عوف، وعبد الله بن عمر وغيرهما، فاختصم خالد وعبد الرحمن بسبب ذلك.\nوالذي في الصحيح عن رسول الله ﷺ أنه قال: \"لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبًا، ما بلغ مُدّ أحدهم ولا نصيفه\" (^٢٣).\nوروى ابن جرير، وابن أبي حاتم، من حديث ابن وهب: أخبرنا هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري أنه قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ عام الحديبية، حتى إذا كنا بعسفان قال رسول الله ﷺ: \"يوشك أن يأتي قوم تحقرون أعمالكم مع أعمال\". فقلنا: من هم يا رسول الله؟ أقريش؟ قال: \"لا، ولكن أهل اليمن، هم أرق أفئدَةَ وألين قلوبًا\". فقلنا: هم خير منا يا رسول الله؟ قال: \"لو كان لأحدهم جبل من ذهب فأنفقه، ما أدرك مُدَّ أحدكم ولا نصيفه، ألا إن هذا فضل ما بيننا وبين الناس. ﴿لَا يَسْتَوي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (^٢٤) [وهذا الحديث غريب بهذا السياق، والذي في الصحيحين من رواية جماعة، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد -ذكر الخوارج-: \"تحقرون صلاتكم مع صلاتهم، وصيامكم مع صيامهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرَّمية\" (^٢٥). الحديث.\n_________\n(^٢٢) - المسند (٣/ ٢٦٦) (١٣٨٤٠). قال الهيثمي في \"المجمع\" (١٠/ ١٩): رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح.\n(^٢٣) - أخرجه البخاري في كتاب: فضائل الصحابة، باب: قول النبي ﷺ: \"لو كنت متخذا خليلًا\" حديث (٣٦٧٣) (٧/ ٢١). ومسلم في كتاب: فضائل الصحابة، باب: تحريم سب الصحابة ﵃، حديث (٢٢٢/ ٢٥٤١) (١٦/ ١٣٩).\n(^٢٤) - تفسير الطبري (٢٧/ ٢٢١). وهشام بن سعد صدوق له أوهام- كذا قال الحافظ. وبقية رجاله ثقات.\n(^٢٥) - أخرجه مسلم في كتاب: الزكاة، باب: إعطاء المؤلفة قلوبهم على الإسلام، وتصبر من =\n_________\n[¬١]- في ز: و.","vol":"13","page":412},{"text":"ولكن روى ابن جرير هذا الحديث من وجه آخر فقال: حدثني ابن البرقى، حدثنا ابن أبي مريم، أخبرنا محمد بن جعفر، أخبرني زيد بن أسلم، عن أبي سعيد التمار، عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال: \"يوشك أن يأتي قوم تحقرون أعمالكم مع أعمالهم\". قلنا: من هم يا رسول الله؟ قريش؟ قال: \"لا، ولكن أهل اليمن، لأنهم أرق أفئدة، وألين قلوبًا\". وأشار بيده إلي اليمن، فقال: \"هم أهل اليمن، ألا إن الإيمان يمان، والحكمة يمانية\". فقلنا: يا رسول الله؛ هم خير منا؟ قال: \"والذي نفسي بيده، لو كان لأحدهم جبل من ذهب ينفقه ما أدى مدّ أحدكم ولا نصيفه\". ثم جمع أصابعه ومد خنصره، وقال: \"ألا، إن هذا فضل ما بيننا وبين الناس، ﴿لا يَسْتَوي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾] [¬١] (^٢٦). فهذا السياق ليس فيه ذكر الحديبية، فإن كان ذاك محفوظًا كما تقدم، فيحتمل أنه أنزل قبل الفتح إخبارًا عما بعده، كما في قوله تعالى في \"سورة المزمل\" -وهي مكية، من أوائل ما نزل-: ﴿وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾. الآية. فهي بشارة بما يستقبل، وهكذا هذه، والله أعلم.\nوقوله: ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ يعني المنفقين قبل الفتح وبعده، كلهم لهم ثواب على ما عملوا، وإن كان بينهم تفاوت في تفاضل الجزاء، كما قال: ﴿لَا يَسْتَوي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾. وهكذا الحديث الذي في الصحيح: \"المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير\" (^٢٧). وإنما نَبّه بهذا لئلا يهدر جانب الآخر بمدح الأول دون الآخر، فيتوهم مترهم ذمه، فلهذا عطف بمدح الآخر والثناء عليه؛ مع تفضيل الأول عليه، ولهذا قال: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾، أي: فلخبرته\n_________\n= قوى إيمانه، حديث (١٤٧/ ١٠٦٤) (٧/ ٢٣٠ - ٢٣١). من طريق عطاء عن أبي سعيد.\nوأخرجه البخاري في كتاب المناقب برقم (٣٦١٠)، وفي فضائل القرآن برقم (٥٠٥٨)، وفي استتابة المرتدين برقم (٦٩٣٣). ومسلم في كتاب الزكاة (١٠٦٤) كلاهما من طرق أخرى عن أبي سعيد الخدري به.\n(^٢٦) - تفسير الطبري (٢٧/ ٢٢١) وليس في الإسناد أبو سعيد الخدري.\n(^٢٧) - أخرجه مسلم في كتاب: القدر، باب: في الأمر بالقوة وترك العجز، والاستعانة بالله، وتفويض المقادير لله، حديث (٣٤/ ٢٦٦٤) (١٦/ ٣٢٩).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفين سقط من ز، خ.","vol":"13","page":413},{"text":"فاوت بين ثواب من أنفق من قبل الفتح وقاتل، ومن فعل ذلك بعد ذلك، وما ذاك إلا لعلمه بقصد الأول وإخلاصه التام، وإنفاقه في حال الجهد والقلة والضيق.\nوفي الحديث: \"سبق درهم مائة ألف\" (^٢٨). ولا شك عند أهل الإيمان أن الصديق أبا بكر ﵁ له الحظ الأوفر من هذه الآية، فإنه سيد من عمل بها من سائر أمم الأنبياء، فإنه أنفق ماله كله ابتغاء وجه الله ﷿ ولم يكن لأحد عنده نعمة يجزيه بها.\nوقد قال أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي عند تفسير هذه الآية: أخبرنا أحمد بن إبراهيم الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي، أخبرنا عبد الله بن حامد بن محمد، أخبرنا أحمد بن إسحاق بن أيوب، أخبرنا محمد بن يونس، حدثنا العلاء بن عمرو الشيباني، حدثنا أبو إسحاق الفزاري، حدثنا سفيان بن سعيد، عن آدم بن عليّ، عن ابن عمر قال: كنت عند النبي ﷺ وعنده أبو بكر الصديق، وعليه عباءة قد خلها في صدره بخلال، [فنزل جبريل فقال: ما لي أرى ألا بكر عليه عباءة قد خلها في صدره بخلال؟] [¬١] فقال: \"أنفق ماله علي قبل الفتح\". قال: فإن الله يقول: اقرأ عليه¬ السلام، وقل له: أراض أنت عني في فقرك هذا [أم] [¬٢] ساخط؟ فقال رسول الله: \"يا أبا بكر، إن الله يقرأ عليك السلام، ويقول لك: أراض أنت [عني] [¬٣] في فقرك هذا أو ساخط؟ \". فقال أبو بكر ﵁: أسخط علي ربي ﷿! إني عن ربي راض. هذا الحديث ضعيف الإسناد من هذا الوجه (^٢٩).\nوقول: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾. قال عمر بن الخطاب: هو الإنفاق في سبيل الله. وقيل: هو النفقة على العيال. والصحيح أنه أعم من ذلك، فكل من أنفق في سبيل الله بنية خالصة، وعزيمة صادقة، دخل في عموم هذه الآية؛ ولهذا قال: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ له﴾. كما قال في الآية الأخرى: ﴿أَضْعَافًا\n_________\n(^٢٨) - أخرجه النسائي (٥/ ٥٩) كتاب: الزكاة، باب: جهد المقل، من طريق عبيد الله بن سعيد عن صفوان بن عيسى عن ابن عجلان عن زيد بن أسلم عن أبي صالح عن أبي هريرة.\nوهذا إسناد رجاله رجال الصحيح كلهم ثقات، وقد صححه ابن خزيمة (٢٤٤٣)، وابن حبان (٣٣٤٧)، والحاكم (١/ ٤١٦) على شرط مسلم ووافقه الذهبي.\n(^٢٩) - أخرجه الخطيب البغدادي في \"تاريخ بغداد\" (٢/ ١٠٥ - ١٠٦) في ترجمة محمد بن بابشاذ وقال: في حديثه غرائب ومناكير، وساق هذا الحديث عنه.\n_________\n[¬١]- سقط من ز، خ.\n[¬٢]- في ز: أو.\n[¬٣]- سقط من ز.","vol":"13","page":414},{"text":"كَثِيرَةً ﴿وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيم﴾ أي: جزاءٌ جميلٌ، ورزق باهرٌ -وهو الجنة- يوم القيامة.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن عرفة، حدثنا خلف بن خليفة، عن حميد الأعرج، عن عبد الله بن الحارث، عن عبد الله بن مسعود قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ﴾. قال أبو الدحداح الأنصاري: يا رسول الله؛ وإن الله ليريد منا القرض؟ قال: \"نعم، أبا الدحداح\". قال: أرني يدك يا رسول الله. قال: فناوله يده، قال: فإني قد أقرضت ربي حائطي -وله حائط فيه ستمائة نخلة، وأم الدحداح فيه وعيالها قال: فجاء أبو الدحداح فناداها: يا أم الدحداح. قالت: لبيك. فقال: اخرجي، فقد أقرضته ربي ﷿ وفي رواية أنها قالت له: ربح بيعك يا أبا الدحداح. ونقلت منه متاعها وصبيانها، وأن رسول الله ﷺ قال: \"كم من عذق رداح في الجنة لأبي الدحداح\". وفي لفظ: \"رب نخلة مدلاة، عروقها در وياقوت، لأبي الدحداح في الجنة\" (^٣٠).\n﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَينَ أَيدِيهِمْ وَبِأَيمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٢) يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَينَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ (١٣) يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (١٤) فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلَاكُمْ وَبِئْسَ\n_________\n(^٣٠) - أخرجه البزار (٥/ ٤٠٢) (٢٠٣٣) وفي إسناده حميد الأعرج وهو ضعيف. وخلف بن خليفة: صدوق اختلط في الآخر. قال الهيثمي في \"المجمع\" (٩/ ٣٢٧): رواه أبو يعلى والطبراني ورجالهما ثقات، ورجال أبي يعلى رجال الصحيح. ولبعض لفظه شاهد في صحيح ابن حبان (١٦/ ١١٣ - ١١٤) حديث (٧١٥٩) من حديث أنس أن رجلًا أبي النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إن لفلان نخلة وأنا أقيم حائطي بها، فمره يعطني بها حائطي، فقال رسول الله ﷺ: \"أعطه إياها بنخلة في الجنة\" فأبي فأتاه أبو الدحداح، فقال: يعني نخلتك بحائطي، ففعل فأتي أبو الدحداح النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إني ابتعت النخلة بحائطي فاجعله له، فقال النبي ﷺ: \"كم من عذق رداح لأبي الدحداح في الجنة، مرارًا، فأتي أبو الدحداح امرأته فقالت: ربح السعر.","vol":"13","page":415},{"text":"الْمَصِيرُ (١٥)﴾.\nيقول تعالى مخبرًا عن المؤمنين المتصدقين: إنهم يوم القيامة يسعى نورهم بين أيديهم في عرَصَات القيامة، بحسب أعمالهم، كما قال عبد الله بن مسعود في قوله: ﴿يَسْعَى نُورُهُمْ بَينَ أَيدِيهِمْ﴾، قال: علي قدر أعمالهم يمرون علي الصراط، منهم من نوره مثل الجبل، ومنهم من نوره مثل النخلة، ومنهم من نوره مثل الرجل القائم، وأدناهم نورا من نوره في إبهامه يتّقد مرة ويطفأ مرة.\nرواه [¬١]، ابن أبي حاتم، وابن جرير (^٣١).\nوقال قتادة: ذكر لنا أن نبي الله، ﷺ، كان يقول: \"من المؤمنين من يضيء نوره من المدينة إلى عَدَن أبين وصنعاء، فدون ذلك، حتى إن من المؤمنين من يضيء نوره موضع قدميه\" (^٣٢).\nوقال سفيان الثوري: عن حُصَين (^٣٣)، عن مجاهد، عن جُنَادة بن أبي أمية قال: إنكم مكتوبون عند الله بأسمائكم، وسيماكم وحُلاكم، ونجواكم مجالسكم، فإذا كان يوم القيامة قيل: يا فلان، هذا نورك. يا فلان، لا نور لك. وقرأ: ﴿يَسْعَى نُورُهُمْ بَينَ أَيدِيهِمْ﴾ (٣٣).\nوقال الضحاك: ليس أحد إلا يعطى نورًا يوم القيامة، فإذا انتهوا إلى الصراط طفئ نور المنافقين، فلما رأى ذلك المؤمنون أشفقوا أن يطفأ نورهم كما طفئ نور المنافقين، فقالوا: ﴿رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا﴾.\nوقال الحسن: ﴿يَسْعَى نُورُهُمْ بَينَ أَيدِيهِمْ﴾: يعني على الصراط.\nوقد قال ابن أبي حاتم ﵀: حدثنا أبو عبيد [¬٢] الله ابن أخي ابن وهب، أخبرنا عمي، عن يزيد بن أبي حبيب، عن سعد بن مسعود، أنه سمع عبد الرحمن بن جُبَير يحدث؛ أنه سمع أبا الدرداء وأبا ذر يُخبران عن النبي ﷺ قال: \"أنا أول من يؤذن له يوم القيامة بالسجود، وأول من يؤذن له برفع رأسه، فأنظر من\n_________\n(^٣١) - تفسير الطبري (٢٧/ ٢٢٣)\n(^٣٢) - تفسير الطبري (٢٧/ ٢٢٢) وفي إسناده انقطاع.\n(^٣٣) - حصين هو ابن عبد الرحمن وهو ثقة تغير حفظه بأخرة، وبقية إسناده ثقات.\n_________\n[¬١]- في ت: ورواه.\n[¬٢]- في خ: عبد.","vol":"13","page":416},{"text":"بين يدي ومن خلفي، وعن يميني وعن شمالي، فأعرف أمتي من بين الأمم\". فقال له رجل: يا نبي الله، كيف تعرف أمتك من بين الأمم، ما بين نوح إلى أمتك؟! قال: \"أعرفهم، مُجَجَّلون من أثر الوضوء، ولا يكون لأحد [¬١] من الأمم غيرهم، وأعرفهم يؤتون كتبهم بأيمانهم، وأعرفهم بسيماهم في وجوههم، وأعرفهم بنورهم يسعى بين أيديهم وذريتهم\" (^٣٤).\nوقوله: ﴿وَبِأَيمَانِهِمْ﴾ قال الضحاك: أي: وبأيمانهم كتبهم. كما قال: ﴿فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ﴾.\nوقوله: ﴿بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَار﴾. [أي: يقال لهم: بشراكم اليوم جنات. أي: لكم البشارة بجنات تجري من تحتها الأنهار] [¬٢]، ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾، أي: ماكثين فيها أبدًا، ﴿ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾.\nوقوله: ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾. وهذا إخبار منه تعالى عما يقع يوم القيامة في العَرَصات من الأهوال المزعجة، والزلازل العظيمة، والأمور الفظيعة، وأنه لا ينجو يومئذ إلا من آمن بالله ورسوله، وعمل بما أمر الله، وترك ما عنه زجر.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبدة بن سليمان، حدثنا ابن المبارك، حدثنا صفوان بن عمرو، حدثني سليم بن عامر قال: خرجنا علي جنازة في باب دمشق، ومعنا أبو أمامة الباهلي، فلما صلّى علي الجنازة وأخذوا في دفنها، قال أبو أمامة: أيها الناس؛ إنكم قد أصبحتم وأمسيتم في منزل تقتسمون فيه الحسنات والسيئات، وتوشكون [¬٣] أن تظعنوا منه إلي منزل آخر، وهو [¬٤] هذا -يشير إلي القبر- بيت الموحدة، وبيت الظلمة، [وبيت الدود] [¬٥]، وبيت الضيق، إلا ما وسع الله، ثم تنتقلون منه إلي مواطن يوم القيامة، فإنكم في بعض تلك المواطن [حتى] [¬٦] يغشى الناس أمر من الله، فتبيض وجوه وتسود وجوه، ثم تنتقلون منه إلي منزل آخر فتغشى الناس ظلمة شديدة، ثم يقسم النور فيعطي\n_________\n(^٣٤) - أخرجه الحاكم (٢/ ٤٧٨). وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وسكت عنه الذهبي في التلخيص، وقال في الميزان: عبد الله بن صالح بن محمد بن مسلم الجهني المصري: هو صاحب حديث وعلم مكثر، وله مناكير.\n_________\n[¬١]- في ز: أحد.\n[¬٢]- ما بين المعكوفين سقط من ز.\n[¬٣]- في ز: أتوشكون.\n[¬٤]- في ز، خ: وهن.\n[¬٥]- ما بين المعكوفين سقط من ز، خ.\n[¬٦]- في ز، خ: يوم.","vol":"13","page":417},{"text":"المؤمن نورًا، ويترك الكافر والمنافق فلا يعطيان شيئًا، وهو المثل الذي ضربه اللَّه في كتابه، قال: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ﴾ إلى قوله: ﴿فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾، فلا يستضيء الكافر والمنافق بنور المؤمن كما لا يستضيء الأعمى بنور البصير، ويقول المنافقون للذين آمنوا: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا [] [¬١]﴾. وهي خدعة اللَّه التي خدع بها المنافقين حيث قال: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾. فيرجعون إلى المكان الذي قسم فيه النور، فلا يجدون شيئًا، [فينصرفون] [¬٢] إليهم وقد ضرب بينهم بسور له باب، ﴿بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ … الآية. يقول سليم بن عامر: فما نزال المنافق مغترًّا حتى يقسم النور، ويميز اللَّه بين المؤمن والمنافق (^٣٥).\nثم قال: حدثنا أبي، حدثنا يحيى بن عثمان، حدثنا ابن حيوة، حدثنا أرطاة بن المنذر، حدثنا يوسف بن الحجاج عن أبي أمامة قال: تُبعَثُ ظلمة يوم القيامة، فما من مؤمن ولا [¬٣] كافر يرى [كفه] [¬٤]، حتى يبعثَ اللَّه بالنور إلى المؤمنين بقدر أعمالهم، فيتبعهم المنافقون فيقولون: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾.\nوقال العوفي، والضحاك، وغيرهما، عن ابن عباس: بينما الناس في ظلمةٍ إذ بعث اللَّه نورًا، فلما راى المؤمنون النور توجهوا نحوه، وكان النور لهم [¬٥] دليلًا من اللَّه إلى الجنة، فلما رأى المنافقون المؤمنين قد انطلقوا اتبعوهم، فأظلم اللَّه على المنافقين، فقالوا حينئذ: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾، فإنا كنا معكم في الدنيا. قال المؤمنون: ﴿ارْجِعُوا﴾ من حيث جئتم من الظلمة، فالتمسوا هنالك النور (^٣٦).\nوقال أبو القاسم الطبراني: حدثنا الحسن [¬٦] بن علوية القطان [¬٧]، حدثنا إسماعيل بن عيسى العطار، حدثنا إسحاق بن بشر بن حذيفة، حدثنا ابن جريح، عن ابن أبي مليكة، عن ابن عباس، قال: قال رسول اللَّه ﷺ: إن اللَّه يدعو الناس يوم القيامة بأسمائهم سترًا منه على عباده. وأما عند الصراط فإن اللَّه يعطي كل مؤمن نورًا، وكل\n_________\n(^٣٥) - أخرجه ابن المبارك في الزهد (٢/ ١٠٨ - ١٠٩) (٣٦٨)، والحاكم (٢/ ٤٠٠)، والبيهقي في الأسماء والصفات (٢/ ٤٣٥ - ٤٣٦) (١٠١٥). وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي.\n(^٣٦) - أخرجه الطبري (٢٧/ ٢٢٤) من طريق العوفي وهو ضعيف.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: فضرب.\n[¬٢]- في ز: فيصرفون.\n[¬٣]- سقط من خ.\n[¬٤]- في ز: فيه.\n[¬٥]- سقط من ت.\n[¬٦]- في خ: الحسين.\n[¬٧]- في ز، خ: العطار.","vol":"13","page":418},{"text":"منافق نورًا، فإذا استووا على الصراط سلب اللَّه نور المنافقين [¬١] والمنافقات، فقال المنافقون: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾. وقال المؤمنون: ﴿رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا﴾. فلا يذكر عند ذلك أحد أحدًا (^٣٧).\nوقوله: ﴿فَضُرِبَ بَينَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾، قال الحسن، وقتادة: هو حائط بين الجنة والنار.\nوقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: هو الذي قال اللَّه تعالى: ﴿وَبَينَهُمَا حِجَابٌ﴾.\nوهكذا روي عن مجاهد ﵀ وغير واحد، وهو الصحيح.\n﴿بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ﴾، أي: ابنة ومافيها، ﴿وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾، أي النار. قاله قتادة وابن زيد، وغيرهما.\nقال ابن جرير: وقد قيل: إن ذلك السور سور بيت المقدس عند وادي جهنم، ثم قال: حدثنا ابن [] [¬٢] البرقي، حدثنا عصو بن أبي سلمة، عن سعيد بن عطية بن قيس، عن أبي العوام -مؤذن بيت المقدس- قال: سمعت عبد اللَّه بن عمرو [¬٣]؛ يقول: إن السور الذي ذَكَر اللَّه في القرآن: ﴿فَضُرِبَ بَينَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾، هو السور الشرقي [باطنه] [¬٤] المسجد وما يليه، وظاهره وادي جهنم (^٣٨).\nثم روي عن عبادة بن الصامت وكعب الأحبار، وعلي بن الحسين زين العابدين نحو ذلك، وهذا محمول منهم على أنهم أرادوا بهذا تقريب المعنى [] [¬٥] مثالًا لذلك، لا أن هذا هو الذي أريد من القرآن هذا الجدار المعين ونفس المسجد وما وراء من الوادي المعروف بوادي جهنم، فإن الجنة في السماوات في أعلى عليين، والنار في الدركات أسفل سافلين،\n_________\n(^٣٧) - أخرجه الطبراني في الكبير (١١/ ١٢٢) (١١٢٤٢).\nقال الهيثمي في \"المجمع\" (١٠/ ٣٦٢): رواه الطبراني وفيه إسحاق بن بشر أبو حذيفة وهو متروك.\n(^٣٨) - تفسير الطبري (٢٧/ ٢٢٥). والحديث أخرجه الحاكم (٢/ ٤٧٨) وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. قال الذهبي: بل منكر وآخره باطل، لأنه ما اجتمع عبادة برسول اللَّه ﷺ هناك.\n_________\n[¬١]- في ز: المنافق.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: أبي.\n[¬٣]- في خ: عمر.\n[¬٤]- في ز، خ: في باطن.\n[¬٥]- في ز: و.","vol":"13","page":419},{"text":"وقول كعب الأحبار: إن الباب المذكور في القرآن هو باب الرحمة الذي هو أحد أبواب المسجد، فهذا من إسرائيلياته وتُرَّهاتِه. وإنما المراد بذلك سور يُضرَب يوم القيامة ليحجز بين المؤمنين والمنافقين، فإذا انتهى إليه المؤمنون دخلوه من بابه، فإذا استكملوا دُخولهم أغلق الباب، وبقي المنافقون من ورائه في الحيرة والظلمة والعذاب، كما كانوا في الدار الدنيا في كفر وجهل وشك وحيرة، ﴿يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ﴾ أي: ينادي المنافقون المؤمنين: أما [¬١] كنا معكم في الدار الدنيا، نشهد معكم الجمعات، ونصلي معكم الجماعات، ونقف معكم بعرفات، ونحضر معكم الغزوات، ونؤدي معكم سائر الواجبات؟ ﴿قَالُوا بَلَى﴾، أي: فأجاب المؤمنون المنافقين قائلين: ﴿بَلَى﴾، قد كنتم معنا، ﴿وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ﴾، قال بعض السلف: أي فتنتم أنفسكم باللذات والمعاصي والشهوات، ﴿وَتَرَبَّصْتُمْ﴾، أي: أخرتم التوبة من وقت إلى وقت.\nوقال قتادة: ﴿تَرَبَّصْتُمْ﴾ بالحق وأهله. ﴿وَارْتَبْتُمْ﴾، أي: بالبعث بعد الموت، ﴿وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ﴾، أي: قلتم: سيغفر لنا. وقيل: غرتكم الدنيا. ﴿حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ﴾، أي: ما زلتم في هذا حتى جاء الموت، ﴿وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾، أي: الشيطان.\nقال قتادة: كانوا على خدعة من الشيطان، واللَّه ما زالوا عليها حتى قذفهم اللَّه في النار.\nومعنى هذا الكلام من المؤمنين للمنافقين: أنكم كنتم معنا بأبدان لا نية لها ولا قلوب معها، وإنما كنتم في حيرة وشك، فكنتم تراءون الناس ولا تذكرون اللَّه إلا قليلًا. قال مجاهد: كان المنافقون مع المؤمنين أحياء يناكحونهم [ويعينونهم] [¬٢] ويعاشرونهم، وكانوا معهم أمواتًا، ويعطون النور جميعًا يوم القيامة، ويطفأ النور من المنافقين إذا بلغوا السور، ويُماز [¬٣] بينهم حينئذ.\nوهذا القول من المؤمنين لا ينافي قولهم الذي أخبر اللَّه به عنهم، حيث يقول - وهو أصدق القائلين: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨) إلا أَصْحَابَ الْيَمِينِ (٣٩) فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ (٤٠) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (٤١) مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (٤٥) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (٤٦) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ﴾. فهذا إنما خرج منهم على وجه التقرى لهم والتوبيخ، ثم قال تعالى: ﴿فَمَا\n_________\n[¬١]- في ز، خ: إنا.\n[¬٢]- في ت: ويغشونهم.\n[¬٣]- في خ: يمتاز.","vol":"13","page":420},{"text":"تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾. كما قال تعالى هاهنا: ﴿فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. أي: لو جاء أحدكم اليوم بملء الأرض ذهبًا ومثله معه ليفتدي به من عذاب اللَّه، ما قبل منه.\nو[¬١] قوله: ﴿مَأْوَاكُمُ النَّار﴾ أي: هي مصيركم، وإليها منقلبكم.\nوقوله: ﴿هِيَ مَوْلَاكُمْ﴾، أي: هي أولى بكم من كل منزل على كفركم وارتيابكم، وبئس المصير.\n﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَال عَلَيهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (١٦) اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٧)﴾\nيقول تعالى: أما آنَ للمؤمنين ﴿أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾، أي: تلين عند الذكر والموعظة وسماع القرآن، فتفهمه وتنقاد له وتسمع له وتطيعه.\nقال عبد اللَّه بن المبارك: حدثنا صالح المرّي [¬٢]، عن قتادة، عن ابن عباس أنه قال: أن اللَّه استبطأ قلوب المهاجرين فعاتبهم على رأس ثلاث عشرة من نزول القرآن، فقال: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ الآية. رواه ابن أبي حاتم، عن الحسن بن محمد بن الصباح، عن حسين المروزي، عن ابن المبارك. به.\nثم قال هو ومسلم: حدثنا يونس بن عبد الأعلى، [أخبرنا إلى وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، عن سعيد بن أبي هلال -يعني الليثي- عن عون بن عبد اللَّه] [¬٣] عن أبيه، عن ابن مسعود ﵁ قال: ما كان بين إسلامنا وبين أن عاتبنا اللَّه بهذه الآية: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ إلا أربع سنين. كذا رواه مسلم في آخر الكتاب (^٣٩).\n_________\n(^٣٩) - صحيح مسلم، كتاب: التفسير، باب: في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ حديث (٢٤/ ٣٠٢٧) (١٨/ ٢١٤).\n_________\n[¬١]- سقط من ت، خ.\n[¬٢]- في ز، خ: المدني.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من ز، خ.","vol":"13","page":421},{"text":"وأخرجه النسائي عند تفسير هذه الآية عن هارون بن سعيد الأيلي، عن ابن وهب به (^٤٠).\nوقد رواه ابن ماجة من حديث موسى بن يعقوب الزمعي، عن أبي خازم، عن عامر بن عبد اللَّه بن الزبير، عن أبيه، مثله (^٤١). فجعله من مسند ابن الزبير. لكن رواه البزار في مسنده من طريق موسى بن يعقوب، عن أبي حازم، عن عامر، عن ابن الزبير، عن ابن مسعود، فذكره (^٤٢).\nوقال سفيان الثوري عن المسعودي، عن القاسم؛ قال: ملَّ [¬١] أصحاب رسول اللَّه ﷺ ملة [¬٢]، فقالوا: حدثنا يا رسول اللَّه، [فأنزل اللَّه تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾، قال: ثم مَلّوا مَلة؛ فقالوا: حَدثْنا يا رسول اللَّه، فأنزل اللَّه تعالى] [¬٣]: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ﴾. ثم ملوا [ملة] [¬٤]، فقالوا: حَدثْنا يا رسول اللَّه. فأنزل اللَّه: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ (^٤٣).\nوقال قتادة: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾: ذُكر لنا أن شَداد بن أوس كان يروي عن رسول اللَّه ﷺ؛ قال: \"إن أول ما يرفع من الناس الخشوع\" (^٤٤).\nوقوله: ﴿وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَال عَلَيهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ\n_________\n(^٤٠) - السنن الكبرى في كتاب: التفسير، كتاب: قوله تعالى ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾، حديث (١١٥٦٨) (٦/ ٤٨١).\n(^٤١) - سنن ابن ماجة في كتاب: الزهد، باب: الحزن والبكاء، حديث (٤١٩٢) (٢/ ١٤٠٢). قال في الزوائد: إسناده صحيح، رجاله ثقات. وحسنه الألباني في صحيح سنن ابن ماجة برقم (٣٣٨٠).\n(^٤٢) - أخرجه البزار (٤/ ٢٧٥) (١٤٤٣)، قال الهيثمي في \"المجمع\" (٧/ ١٢٤): رواه الطبراني وفيه موسى بن يعقوب الزمعي وثقه ابن معين وغيره وضعفه ابن المديني، وبقية رجاله رجال الصحيح. ا هـ.\nوالحديث صححه الحاكم (٢/ ٤٧٩) ووافقه الذهبي. ويشهد له الأحاديث قبله.\n(^٤٣) - أخرجه الطبري (٢٢/ ١٥٠) فذكر صدره من طريق وكيع عن المسعودي عن عون بن عبد اللَّه وفي إسناده والإسناد الذي ذكره ابن كثير انقطاع ظاهر. وأخرجه الطبري (٢٢/ ١٥٠) بنحوه من حديث سعد بن أبي وقاص بإسناد رجاله ثقات.\n(^٤٤) - أخرجه الطبري (٢٧/ ٢٢٨). وذكره السيوطي في الدر المنثور (٦/ ٢٥٤) وزاد نسبته لعبد بن حميد.\n_________\n[¬١]- في خ: ملأ.\n[¬٢]- في ز، خ: مكة.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"فنزلت\".\n[¬٤]- في ز، خ: مكة.","vol":"13","page":422},{"text":"قُلُوبُهُمْ﴾: نهى اللَّه المؤمنين أن يتشبهوا بالذين حُمّلوا الكتاب قبلهم من اليهود والنصارى، لما تطاول عليهم الأمد بَدلوا كتاب اللَّه الذي بأيديهم، واشتروا به ثمنًا قليلًا، ونبذوه وراء ظهورهم، وأقبلوا على الآراء المختلفة والأقوال المؤتفكة، وقلدوا الرجال في دين اللَّه، واتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون اللَّه، فعند ذلك قست قلوبهم، فلا يقبلون موعظة، ولا تلين قلوبهم بوعد ولا وعيد.\n﴿وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ أي: في الأعمال، فقلوبهم فاسدة، وأعمالهم باطلة؛ كما قال: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾، أي: فسدت قلوبهم فقست وصار من سجيتهم تحريف الكلم عن مواضعه، وتركوا الأعمال التي أمروا بها، وارتكبوا ما نهوا عنه؛ ولهذا نهى اللَّه المؤمنين أن يتشبهوا بهم في شيء من الأمور الأصلية والفرعية.\nوقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا هشام [بن عمار] [¬١]، حدثنا شهاب بن خرَاش، حدثنا حجاج بن دينار، عن منصور بن المعتمر، عن الرلعبن عَميلة الفزاري؛ قال: حدثنا عبد اللَّه بن مسعود حديثًا سمعت أعجب إليّ منه، إلا شيئًا من كتاب اللَّه، أو شيئًا قاله [¬٢] النبي ﷺ، قالا: أن بني إسرائيل لما طال عليهم الأمد [فقست] [¬٣] قلوبهم، اخترعوا كتابًا من عند أنفسهم، استهوته قلوبهم، واستحلَّته ألسنتهم واستلذته، وكان الحق يحول بينهم وبين كثير من شهواتهم، فقالوا: تعالوا ندع بني إسرائيل إلى كتابنا هذا، فمن تابعنا عليه تركناه، ومن كره أن يتابعنا قتلناه. ففعلوا ذلك، وكان فيهم رجل فقيه، فلما رأى ما يصنعون عَمَدَ إلى ما يعرف من كتاب اللَّه فكتبه في شيء لطيف، ثم أدرجه، فجعله في قرن ثم علق ذلك القرن في عنقه، فلما أكثروا القتل قال بعضهم لبعض: \"هؤلاء، إنكم قد أفشيتم القتل في بني إسرائيل، فادعوا فلانًا فاعرضوا عليه كتابكم، فإنه أن تابعكم فسيتابعكم بقية الناس، وإن أبى فاقتلوه. فدعَوا فلانًا ذلك الفقيه؛ فقالوا: تؤمن بما في كتابنا؟ قال: وما فيه؟ اعرضوه عليّ. فعرضوه عليه إلى آخره، ثم قالوا: أتؤمن بهذا؟ قال: نعم، آمنت بما في هذا -[وأشار بيده إلى القرن- فتركوه، فلما مات] [¬٤] نبشوه فوجدوه مُتَعلِّقًا ذلك القرن، فوجدوا فيه ما يعرف من كتاب اللَّه، فقال بعضهم لبعض: يا هؤلاء، ما كنا نسمع هذا أصابه فتنة. فافترقت بنو إسرائيل على ثنتين وسبعين ملة، وخير مللهم ملة أصحاب ذي [¬٥] القرن [¬٦].\n_________\n[¬١]- سقط من ز.\n[¬٢]- في خ: قال:\n[¬٣]- في ز: قست.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: فذكره.\n[¬٥]- في خ: ذلك.\n[¬٦]- في ز: الفرق.","vol":"13","page":423},{"text":"قال ابن مسعود: أوشك بكم إن بقيتم -أو بقي من بقي منكم- أن تروا أمورًا تنكرونها، لا تستطيعون لها غيرًا، فبحسب المرء منكم أن يعلم اللَّه من قلبه أنه [لها] [¬١] كاره (^٤٥).\nوقال أبو جعفر الطبري: حدثنا [ابن] [¬٢] حُمَيد، حدثنا جرير، عن مغيرة، عن أبي معشر، عن إبراهيم؛ قال: جاء عتْريس بن عُرقوب إلى ابن مسعود؛ فقال: يا [¬٣] عبد اللَّه؛ هلك من لم يأمر بالمعروف وينه عن المنكر. فقال عبد اللَّه: هلك من لم يعرف قلبُه معروفًا ولم ينكر قلبه منكرًا؛ إن بني إسرائيل لما طال عليهم الأمد وقست قلوبهم، اخترعوا كتابًا من بين أيديهم وأرجلهم، استهوته قلوبهم، واستحلته ألسنتهم، وقالوا: نعرض بني إسرائيل على هذا الكتاب [فمن] [¬٤] آمن به تركناه، ومن كفر به قتلناه. قال: فجعل رجل منهم كتاب اللَّه في قَرْن، ثم جعل القرن بين ثَنْدُوتَيه فلما قيل له: أتؤمن بهذا؟ قال: آمنت به -ويوميء إلى القرن بين ثندوتيه- وما لي لا أومن بهذا الكتاب؟ فمن [خير] [¬٥] مللهم اليوم ملّة صاحب القرن (^٤٦).\nوقوله: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾: فيه إشارة إلى أنه تعالى يلين القلوب بعد قسوتها، ويَهدي الحيَارى بعد ضَلتها، ويفرج الكروب بعد شدتها، فكما يحيي الأرض الميتة المجدبة الهامدة [بالغيث] [¬٦] الهَتَّان، كذلك يهدي القلوب القاسية ببراهين القرآن والدلائل، ويولج إليها النور بعد ما كانت مقفلة لا يصل إليها الواصل، فسبحان الهادي لمن يشاء بعد الإِضلال، والمضل لمن أراد بعد الكمال، الذي هو لما يشاء فعال، وهو الحكم العدل في جميع الفعال، اللطيف الخبير الكبير المتعال.\n﴿إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ (١٨) وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ\n_________\n(^٤٥) - أخرجه البيهقي (٦/ ٩٥ - ٩٦) (٧٥٨٩) من طريق عمارة بن الربيع عميلة عن عبد اللَّه بن مسعود بنحوه.\n(^٤٦) - تفسير الطبري (٢٧/ ٢٢٩).\n_________\n[¬١]- في ت، خ: له.\n[¬٢]- في ز: أبو.\n[¬٣]- في خ: يا أبا.\n[¬٤]- في ز: من.\n[¬٥]- في ز: حين.\n[¬٦]- في ز: بالبعث.","vol":"13","page":424},{"text":"رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١٩)﴾\nيخبر تعالى عما يثيب به المُصّدّقين [والمصّدّقات] [¬١] بأموالهم على أهل الحاجة والفقر والمسكنة، ﴿وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ أي: دفعوه بنية خالصة ابتغاء وجه اللَّه، لا يريدون جزاء ممن أعطوه ولا شكورًا؛ ولهذا قال: ﴿يُضَاعَفُ لَهُمْ﴾ أي: يقابل لهم الحسنة بعشر أمثالها، ويزاد على ذلك إلى سبعمائة ضعف وفوق ذلك، ﴿وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾، أي: ثواب جزيل حسن، ومرجع صالح ومآب ﴿كَرِيمٌ [¬٢]﴾.\nوقوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ﴾: هذا تمام الجملة، وصف المؤمنين باللَّه ورسله بأنهم صديقون.\nقال العوفي عن ابن عباس: قوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ﴾: هذه مفصولة، ﴿وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ﴾ وقال أبو الضحى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ﴾، ثم استأنف الكلام فقال: ﴿وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ - وهكذا قال مسروق، والضحاك، ومقاتل بن حيان، وغيرهم.\nوقال الأعمش عن أبي الضّحى، عن مسروق، عن عبد اللَّه في قوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ قال: هم ثلاثة أصناف: يعني المصَّدقين، والصدّيقين [¬٣]، والشهداء. كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ ففرق بين الصديقين والشهداء، فدل على أنهما صنفان. ولا شك أن الصّدّيق أعلى مقامًا من الشهيد، كما رواه الإِمام مالك بن أنس ﵀ في كتابه الموطأ، عن صفوان بن سليم، عن عطاء بن يَسَار، عن أبي سعيد الخدري أن رسول اللَّه ﷺ؛ قال: \"إن أهل الجنة ليتراءون أهل الغرف من فوقهم كما تتراءون الكوكب الدريّ الغابر في الأفق من المشرق أو المغرب، لتفاضل ما بينهم\". قالوا: يا رسول اللَّه؛ تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم؟ قال: \"بلى، والذي نفسي بيده رجال آمنوا باللَّه وصدقوا المرسلين\".\nاتفق البخاري ومسلم على إخراجه من حديث مالك به (^٤٧).\n_________\n(^٤٧) - أخرجه البخاري في كتاب: بدء الخلق، كتاب: ما جاء في صفة الجنة وأنها مخلوقة، حديث =\n_________\n[¬١]- في ز: والمصدقين. كذا.\n[¬٢]- سقط من خ.\n[¬٣]- في خ: المصدقات.","vol":"13","page":425},{"text":"وقال آخرون: بلى المراد من قوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ فَأخبر عن المؤمنين بالله ورسله بأنهم صديقون وشهداء. حكاه ابن جرير عن مجاهد، ثم قال إلى جرير:\nحدثني صالح بن حرب -أبو معمر- حدثنا إسماعيل بن يحيى، حدثنا ابن عجلان، عن زيد بن أسلم، عن البراء بن عازب؛ قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ، يقول: \"مؤمنو أمتي شهداء\". قال: ثم تلا النبي ﷺ هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ (^٤٨) هذا حديث غريب.\nوقال أبو إسحاق: عن عَمْرو بن ميمون في قوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ﴾، قال: يجيئون يوم القيامة معًا كالإِصبعين.\nوقوله: ﴿وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ أي: في جنات النعيم كما جاء في الصحيحين. \"إن أرواح الشهداء في حواصل طيرِ خضر تسرح في الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى تلك القناديل، فاطلع عليهم ربك اطلاعة فقال: ماذا تريدون؟ فقالوا: نحب أن تردنا إلى الدار الدنيا فنقاتلَ فيك فنقتل كما قُتلنا أول مرة. فقال: إني قضيت أنهم إليها لا يرجعون\" (^٤٩).\nوقوله: ﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ﴾، أي: لهم عند ربهم أجر جزيل ونور عظيم يسعى بين أيديهم، وهم في ذلك يتفاوتون بحسب ما كانوا في الدار الدنيا من الأعمال، كما قال الإِمام أحمد:\nحدثنا يحيى بن إسحاق، حدثنا ابن لهيعة، عن عطاء بن دينار، عن أبي يزيد الخَولاني؛ قال: سمعت فضالة بن عبيد، يقول: سمعت عمر بن الخطاب، يقول: سمعت النبي ﷺ؛ يقول: \"الشهداء أربعة: رجل مؤمن جيد الإِيمان، لقي العدو فصدق اللَّه فقتل، فذلك الذي ينظر الناس إليه هكذا\" - ورفع رأسه حتى سقطت قَلنسُوة رسول اللَّه ﷺ أو [¬١] قلنسوة عمر \"والثاني: مؤمن لقي العدو\n_________\n= (٣٢٥٦) (٦/ ٣٢٠). ومسلم في كتاب: الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب: ترائى أهل الجنة أهل الغرف كما هي الكوكب في السماء، حديث (١١/ ٢٨٣١) (١٧/ ٢٤٧ - ٢٤٨).\n(^٤٨) - تفسير الطبري (٢٧/ ٢٣١) وفي إسناده إسماعيل بن يحيى متهم بالكذب.\n(^٤٩) - تقدم تخريجه في سورة الواقعة آية (٨٩).\n_________\n[¬١]- في خ: و.","vol":"13","page":426},{"text":"فكأنما يضرب ظهره بشوك الطّلح جاءه سهم غرب فقتله، فذاك في الدرجة الثانية. والثالث: رجل مؤمن خلط عملًا صالحًا وآخر سيئًا لقي العدو فصدق اللَّه حتى قتل، فذاك في الدرجة الثالثة. والرابع: رجل مؤمن أسرف على نفسه إسرافًا كثيرًا، لقي العدو فصدق اللَّه حتى قتل، فذاك في الدرجة الرابعة\" (^٥٠).\nوهكذا رواه عليّ بن المديني، عن أبي داود الطيالسي، عن ابن المبارك، عن ابن لهيعة (^٥١)، وقال: هذا إسناد مصري صالح، ورواه الترمذي من حديث ابن لهيعة وقال: حسن غريب (^٥٢).\nوقوله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾: لما ذكر السعداء ومآلهم، عطف بذكر الأشقياء وبيَّن حالهم؛ فقال [¬١]:\n﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَينَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إلا مَتَاعُ الْغُرُورِ (٢٠) سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢١)﴾\nيقول تعالى مُوهّنًا أمر الحياة الدنيا، ومحقّرًا لها: ﴿أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَينَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ﴾. أي: إنما حاصل أمرها عند أهلها هذا، كما قال: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾\n_________\n(^٥٠) - المسند (١/ ٢٣). وفي إسناده ابن لهيعة وهو ضعيف. وأبو يزيد الخولاني: مجهول. وضعفه الألباني في الضعيفة (٢٠٠٤).\n(^٥١) - مسند الطيالسي (٢٠) برقم (١٣٣).\n(^٥٢) - سنن الترمذي في كتاب: فضائل الجهاد، باب: ما جاء في الشهداء عند اللَّه، حديث (١٦٤٤) (٥/ ٣٦٠ - ٣٦١). كلاهما من طريق أبي يزيد الخولاني وقد تقدم الكلام عليه في الذي قبله.\n_________\n[¬١]- سقط من ت، ز.","vol":"13","page":427},{"text":"ثم ضرب تعالى مثل الحياة الدنيا في أنها زهرة فانية ونعمة زائلة؛ فقال: ﴿كَمَثَلِ غَيثٍ﴾، وهو: المطر الذي يأتي بعد قنوط الناس، كما قال: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا﴾.\nوقوله: ﴿أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ﴾. أي: يعجب الزراع نبات ذلك الزرع الذي نبت كالغيث، وكما يعجب الزراع ذلك كذلك تعجب الحياة الدنيا الكفار، فإنهم أحرص شيء عليها [وأميل] [¬١] الناس إليها، ﴿ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا﴾، أي: يهيج ذلك الزرع فتراه مصفرًّا بعدما كان [خضرًا] [¬٢] نَضرًا، ﴿ثُمَّ يَكُونُ﴾ بعد ذلك كله [إلى أن] [¬٣]: يصير يَبَسًا متحطمًا، هكذا الحياة الدنيا تكون أولًا شابة، ثم تكتهل، ثم تكون عجوزًا شوهاء، والإِنسان كذلك يكون في أول عمره وعنقوان شبابه غضًّا طريًّا بين الأعطاف، بهي المنظر، ثم إنه كشرع في الكهولة فتتغير طباعه ويَنْفَدُ بعض قواه، ثم يكبر فيصير شيخًا كبيرًا ضعيف القوى قليل الحركة، يعجزه الشيء اليسير، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾. ولما كان هذا المثل دالًّا على زوال الدنيا وانقضائها وفراغها لا محالة، وأن الآخرة كائنة لا محالة، حَذّر من أمرها، ورغّب فيما فيها من الخير، فقال: ﴿وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إلا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾، أي: وليس في الآخرة الآتية القريبة إلا إما هذا وإما هذا؛ إما عذاب شديد، وإما مغفرة من اللَّه ورضوان.\nوقوله: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إلا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾، أي: هي متاع فانٍ غارّ لمن ركن إليه، فإنه يغتر بها، وتعجبه حتى يعتقد أنه لا دار سواها، ولا معاد وراءها، وهي [حقيرة] [¬٤] قليلة بالنسبة إلى الدار الآخرة.\nقال ابن جرير: حدثنا عليّ بن حرب الموصلي، حدثنا المحاربي، حدثنا محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة؛ قال: قال رسول اللَّه ﷺ: موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها. اقرءوا. ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إلا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ (^٥٣). وهذا الحديث ثابت في الصحيح بدون هذه الزياده (^٥٤)، واللَّه أعلم.\n_________\n(^٥٣) - تفسير الطبري (٢٧/ ٢٣٢).\n(^٥٤) - أخرجه البخاري في كتاب: الرقاق، باب: مثل الدنيا في الآخرة، حديث (٦٤١٥) (١١/ ٢٣٢). ومسلم في كتاب الإمارة، باب: فضل الغدوة والروحة في سبيل اللَّه، حديث (١١٣/ ١٨١) (١٣/ ٣٩). كلاهما من طريق عبد العزيز بن أبي حازم عن أبيه عن سهل بن سعد الساعدي مرفوعًا به.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: أقبل.\n[¬٢]- في ز: أخضرا. كدا.\n[¬٣]- في ت: حطامًا.\n[¬٤]- في ز: حضرة.","vol":"13","page":428},{"text":"وقال الإِمام أحمد: حدثنا ابن نمير ووكيع، كلاهما عن الأعمش، عن شقيق، عن عبد اللَّه؛ قال: قال رسول اللَّه ﷺ: \"للَجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله، والنار مثل ذلك\" (^٥٥).\nانفرد بإخراجه البخاري في الرقاق من حديث الثوري عن الأعمش به (^٥٦).\nففي هذا الحديث دليل على اقتراب الخير والشر من الإِنسان، وإذا كان الأمر كذلك، فلهذا حثه اللَّه على المبادرة إلى الخيرات، من [¬١] فعل الطاعات، وترك المحرمات، التي تكفر عنه الذنوب والزلات، وتحصل له الثواب والدرجات، فقال تعالى: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾: والمراد جنس السماء والأرض، كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾. وقال هاهنا: ﴿أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾، أي: هذا الذي أهلهم اللَّه له هو من فضله ومنه عليهم وإحسانه إليهم، كما قدمنا في الصحيح أن فقراء المهاجرين قالوا: يا رسول اللَّه، ذهب أهل الدثور بالدرجات العلى والنعيم المقيم. قال: \"وما ذاك؟ \" قالوا: يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون ولا نتصدق، ويُعتقون ولا نُعْتق. قال: \"أفلا أدلكم على شيء إذا فعلتموه سبقتم من بعدكم، ولا يكون أحد أفضل منكم إلا من صنع مثل ما صنعتم: تسبحون وتكبرون وتحمدون دبر كل صلاة ثلاثًا وثلاثين\". قال: فرجعوا فقالوا: سمع إخواننا أهل الأموال ما فَعَلْنا، ففعلوا مثله! فقال رسول اللَّه، ﷺ: \"ذلك فضل اللَّه يؤتيه من يشاء\" (^٥٧).\n﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إلا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٢٢) لِكَيلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (٢٣) الَّذِينَ يَبْخَلُونَ\n_________\n(^٥٥) - المسند (١/ ٤٤٢) (٤٢١٦).\n(^٥٦) - صحيح البخاري، كتاب: الرقاق، باب: الجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله، والنار مثل ذلك، حديث (٦٤٨٨) (١١/ ٣٢١).\n(^٥٧) - أخرجه البخاري في كتاب: الأذان، باب: الذكر بعد الصلاة، حديث (٨٤٣) (٢/ ٣٢٥) وطرفه في [٦٣٢٩]. ومسلم في كتاب: المساجد، باب: استحباب الذكر بعد الصلاة، حديث (١٤٢/ ٥٩٥) (٥/ ١٢٩ - ١٣١).\n_________\n[¬١]- في ز: و.","vol":"13","page":429},{"text":"وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٢٤)﴾\nبخبر تعالى عن قدره السابق في خلقه قبل أن يبرأَ البرية، فقال: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ﴾، أي: في الآفاق وفي نفوسكم، ﴿إلا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾، أي: من قبل أن نخلق الخليقة ونبرأ النسمة.\nوقال بعضهم: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾، عائد على النفوس. وقيل: عائد على المصيبة. والأحسن عوده على الخليقة والبرية، لدلالة الكلام عليها، كما قال ابن جرير:\nحدثني يعقوب، حدثنا ابن عُلَيّة، عن منصور بن عبد الرحمن، قال: كنت جالسًا مع الحسن فقال رجل: سله عن قوله: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إلا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ فسألته عنها، فقال: سبحان اللَّه! ومن يشك في هذا؟ كل مصيبة دن السماء والأرض ففي كتاب اللَّه من قبل أن يبرأ النسمة (^٥٨).\nوقال قتادة: ما أصاب من مصيبة في الأرض. قال: هي السنون. يعني: الجَدْب، ﴿وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ﴾، يقول: الأوجاع والأمراض. قال: وبلغنا أنه ليس أحد يصيبه خدش عود ولا نَكْبَة قَدَم، ولا خلجان عرق إلا بذنب، وما يعفو اللَّه عنه أكثر.\nوهذه الآية الكريمة من أدل دليل على القدرية نفاة العلم السابق قبَّحهم اللَّه. وقال الإمام أحمد:\nحدثنا أبو عبد الرحمن، حدثنا حيوة وابن لهيعة؛ قالا [¬١]: حدثنا أبو هانئ الخولاني؛ أنه سمع أبا عبد الرحمن الحُبُلي، قول: سمعت عبد اللَّه بن عمرو بن العاص؛ يقول: سمعت رسول اللَّه ﷺ؛ يقول: \"قَدّر اللَّه المقادير قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة\" (^٥٩).\nورواه مسلم في صحيحه، من حديث عبد اللَّه بن وَهب وحَيوة بن شُرَيح ونافع بن يزيد، ثلاثتهم عن أبي هانئ به. وزاد ابن وهب: \"وكان عرشه على الماء\" (^٦٠).\n_________\n(^٥٨) - تفسير الطبري (٢٧/ ٢٣٤).\n(^٥٩) - المسند (٢/ ١٦٩) (٦٥٧٩).\n(^٦٠) - صحيح مسلم، كتاب: القدر، كتاب: حجاج آدم وموسى ﵉، حديث (١٦/ ٢٦٥٣) (١٦/ ٣١٠).\n_________\n[¬١]- في خ: قالوا.","vol":"13","page":430},{"text":"ورواه الترمذي وقال: حسن صحيح (^٦١).\nوقوله: ﴿إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾، أي: إن علمه تعالى الأشياء قبل كونها وكتابته لها طبق ما يوجد في حينها، سهل على اللَّه ﷿ لأنه يعلم ما كان وما يكون، وما لم يكن لو كان كيف كان يكون.\nوقوله: ﴿لِكَيلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾، أي: أعلمناكم بتقدم علمنا وسبق كتابتنا للأشياء قبل كونها، وتقديرنا الكائنات قبل وجودها، لتعلموا أن ما أصابكم لم يكن ليخطئكم، وما أخطاكم لم يكن ليصيبكم، فلا تأسوا على ما فاتكم، فإنه لو قدر شيء لكان ﴿وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾، [أي] [¬١]: جاءكم، ويقرأ ﴿آتَاكُمْ﴾، أي أعطاكم. وكلاهما متلازم، أي: لا تفخروا على الناس بما أنعم اللَّه به عليكم، فإن ذلك ليس بسعيكم ولا كدكم، وإنما هو عن قدر [اللَّه ورزقه لكم، فلا تتخذوا نعم اللَّه أشرًا وبطرًا، تفخرون بها على الناس، ولهذا] [¬٢] قال: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾، أي: مختال في نفسه، متكبر ﴿فَخُورٍ﴾، أي: على غيره.\nوقال عكرمة: ليس أحد إلا وهو يفرح ويحزن، ولكن اجعلوا الفرح شكرًا، والحزن صبرًا.\nثم قال: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ﴾، أي: يفعلون المنكر ويحضّون الناس عليه، ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ﴾، أي: عن أمر اللَّه وطاعته، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾، كما قال موسى ﵇: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾.\n﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيبِ إِنَّ اللَّهَ قَويٌّ عَزِيزٌ (٢٥)﴾\nيقول تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ﴾، أي: بالمعجزات، والحجج الباهرات،\n_________\n(^٦١) - سنن الترمذي، كتاب: القدر، باب: (١٨)، حديث (٢١٥٧) (٦/ ٣٢٦).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: إن.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من ز، خ.","vol":"13","page":431},{"text":"والدلائل القاطعات، ﴿وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ﴾، وهو: النقل المصدق ﴿وَالْمِيزَانَ﴾، وهو: العدل. قاله مجاهد، وقتادة، وغيرهما، وهو الحق الذي تشهد به العقول الصحيحة المستقيمة المخالفة للآراء السقيمة، كما قال: ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ﴾، وقال: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيهَا﴾ وقال: ﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ﴾. ولهذا قال في هذه الآية: ﴿لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾، أي: بالحق والعدل، وهو اتباع الرسل فيما أخبروا به، وطاعتهم فيما أمروا به، فإن الذي جاءوا به هو الحق الذي ليس وراءه حق، كما قال: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ [¬١] رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾. أي: صدقًا في الإِخبار، وعدلًا في الأوامر والنواهي، ولهذا يقول المؤمنون إذا تبرءوا غرف الجنات، والمنازل العاليات، والسرر المصفوفات: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾.\nوقوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾، أي: وجعلنا الحديد رَادعًا لمن أبى الحق وعانده بعد قيام الحجة عليه؛ ولهذا أقام رسول اللَّه ﷺ بمكة بعد النبوة [ثلاث عشرة] [¬٢] سنة توحى إليه السور المكية، وكلها جدال مع المشركين، وبيان وإيضاح للتوحيد، وتبيان ودلائل، فلما قامت الحجة على من خالف [¬٣] منهم [¬٤]، شرع اللَّه الهجرة، وأمرهم بالقتال بالسيوف، وضرب الرقاب والهام لمن خالف القرآن وكذب به وعانده.\nوقد روى الإِمام أحمد وأبو داود، من حديث عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان، عن حسان بن عطية، عن [أبي المنيب] [¬٥] الجرشي الشامي، عن ابن عمر، قال: قال رسول اللَّه ﷺ: \"بعثت بالسيف بين يدي الساعة حتى يعبد اللَّه وحده لا شريك له، وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعل الذلة والصغار على من خالف أمري، ومن تشبه بقوم فهو منهم\" (^٦٢).\nولهذا قال تعالى: ﴿فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ يعني: السلاح، كالسيوف والحراب [¬٦]، والسنان\n_________\n(^٦٢) - أخرجه أحمد (٢/ ٥٠، ٩٢) (٥١١٤، ٥١١٥، ٥٦٦٧). وأبو داود في كتاب: اللباس، كتاب: في لبس الشهرة، حديث (٤٠٣١) (٤/ ٤٤). وفي إسناده عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان: صدوق يخطئ وتغير بأخرة. لكن للحديث طرق صحح بها الألباني هذا الحديث في الإرواء برقم (١٢٦٩) فراجعه. وقد صححه الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على المسند.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: كلمات.\n[¬٢]- في خ: ثلاثة عشر.\n[¬٣]- في ز: تخلف.\n[¬٤]- سقط من ت.\n[¬٥]- في ز، خ: ابن المسيب.\n[¬٦]- في ز: والجعاب.","vol":"13","page":432},{"text":"والنصال، والدروع ونحوها. ﴿وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾، أي: في معايشهم كالسكة والفأس والقدوم، والمنشار، والإزميل، والمجرفة، والآلات التي يستعان بها في الحراثة والحياكة والطبخ والخبز، وما لا قوام للناس بدونه، وغير ذلك.\nقال علباء بن أحمد عن عكرمة، عن ابن عباس؛ قال: ثلاثة أشياء نزلت مع آدم: السندَان والكلْبتان والميقعة [¬١]، يعني المطرقة. رواه ابن جرير وابن أبي حاتم (^٦٣).\nوقوله: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيبِ﴾، أي: من نيته في حمل السلاح نصرة اللَّه ورسله، ﴿إِنَّ اللَّهَ قَويٌّ عَزِيزٌ﴾، أي: هو قوي عزيز، ينصر من نصره [¬٢] من غير احتياج منه إلى الناس، وإنما شرع الجهاد ليبلو بعضكم ببعض [¬٣].\n﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (٢٦) ثُمَّ قَفَّينَا عَلَى آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّينَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَينَاهُ الْإِنْجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيهِمْ إلا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَينَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (٢٧)﴾\nيخبر تعالى أنه منذ بعث نوحًا ﵇ لم يرسل بعده رسولًا ولا نبيًّا إلا من ذريته، وكذلك إبراهيم ﵇ خليل الرحمن، لم ينزل من السماء كتابًا، ولا أرسل رسولًا ولا أوحى إلى بشر من بعده إلا وهو من سلالته، كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾، حتى كان آخر أنبياء بني إسرائيل عيسى ابن مريم الذي بشر بعده بمحمد -صلوات اللَّه وسلامه عليهما- ولهذا قال تعالى: ﴿ثُمَّ قَفَّينَا عَلَى آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّينَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَينَاهُ الْإِنْجِيلَ﴾، وهو الكتاب الذي أوحاه اللَّه إليه، ﴿وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾ وهم الحواريون ﴿رَأْفَةً وَرَحْمَةً﴾، أي: رأفة\n_________\n(^٦٣) - تفسير الطبري (٢٧/ ٢٣٧).\n_________\n[¬١]- في ز: المنفعة.\n[¬٢]- في ز: نصر.\n[¬٣]- في ز: بعضًا.","vol":"13","page":433},{"text":"وهي الخشية ﴿وَرَحْمَةً﴾ بالخلق.\nوقوله: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا﴾، أي: ابتدعها أمة النصارى، ﴿مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيهِمْ﴾، أي: ما شرعناها لهم، وإنما هم التزموها من تلقاء أنفسهم.\nوقوله: ﴿إلا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ﴾ فيه قولان أحدهما: أنهم قصدوا بذلك رضوان الله، قاله سعيد بن جبير وقتادة. والآخر: ما كتبنا عليهم ذلك إنما كتبنا عليهم ابتغاء رضوان اللَّه.\nوقوله: ﴿فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾، أي: فما قاموا بما [¬١] التزموه حق القيام. وهذا ذم لهم من وجهين، أحدهما: في الابتداع في دين اللَّه ما لم يأمر به اللَّه. والثاني: في عدم قيامهم بما التزموه مما زعموا أنه قربة يقربهم إلى اللَّه، ﷿.\nوقد قال ابن أبي حاتم: حدثني إسحاق بن أبي حمزة أبو يعقوب الرازي، حدثنا السندي [¬٢] ابن [عبدويه] [¬٣] حدثنا بكير [¬٤] بن معروف، عن مقاتل بن حيان، عن القاسم بن عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن مسعود، عن أبيه، عن جده ابن مسعود؛ قال: قال لي رسول اللَّه ﷺ: \"يا ابن مسعود\" قلت: لبيك يا رسول اللَّه، قال: هل علمت أن بني إسرائيل افترقوا على ثنتين وسبعين فرقة لم ينج منها إلا ثلاث فرق، قامت بين الملوك والجبابرة بعد عيسى ابن مريم ﵇ فدعت إلى دين اللَّه ودين عيسى ابن مريم، فقاتلت الجبابرة فقُتلت فصبرت ونجت، ثم قامت طائفة أخرى لم يكن لها قوة بالقتال، فقامت بين الملوك والجبابرة، فدعوا إلى دين اللَّه ودين عيسى ابن مريم، فقتلت، وقمت [بالمياشير] [¬٥]، وحرقت بالنيران، فصبرت ونجت، ثم قامت طائفة أخرى لم يكن لها قوة بالقتال، ولم تطق الفيام بالقسط، فلحقت بالجبال، [فتعبدت] [¬٦] وترهبت، وهم الذين ذكر اللَّه ﷿: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيهِمْ﴾.\nوقد رواه ابن جرير بلفظ آخر من طريق أخرى، فقال: حدثنا يحيى بن أبي طالب، حدثنا داود بن المحبر، حدثنا الصَّعق بن حزن، حدثنا عقيل الجعدي، عن أبي إسحاق الهمداني، عن سويد بن غفلة، عن عبد اللَّه بن مسعود؛ قال:: قال رسول اللَّه ﷺ: \"اختلف من كان قبلنا على ثلاث وسبعين فرقة، نجا منهم ثلاث وهلك سائرهم … \" وذكر نحو ما تقدم، وفيه: ﴿فَآتَينَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ﴾:\n_________\n[¬١]- في خ: بها.\n[¬٢]- في ز، خ: السري.\n[¬٣]- في ز، خ: عبد ربه.\n[¬٤]- في ز: بكر.\n[¬٥]- في ز: كالمناشير.\n[¬٦]- في- ز: فعبدت.","vol":"13","page":434},{"text":"[هم] [¬١] الذين آمنوا بي وصدقوني، ﴿وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾، وهم الذين كذبوني وخالفوني (^٦٤).\nولا [يقدح في هذه المتابعة] [¬٢] لحال داود بن المحبر، فإنه أحد الوضاعين للحديث، لكن قد أسنده أبو يعلى، وسنده عن شيبان بن فروخ، عن الصعق بن حَزْن، به مثل ذلك. فقوي الحديث من هذا الوجه (^٦٥).\nوقال ابن جرير، وأبو عبد الرحمن النسائي -[واللفظ له] [¬٣]-: أخبرنا الحسين بن حُرَيث، حدثنا الفضل بن موسى، عن سفيان بن سعيد، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس، ﵁؛ قال: كان ملوك بعد عيسى ﵇ بدلت التوراة والإِنجيل، فكان منهم مؤمنون يقرءون التوراة والإِنجيل، فقيل لملوكهم: ما نجد شيئًا أشد من شتم يشتمونا هؤلاء، إنهم يقرءون: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [هؤلاء] [¬٤] الآيات، مع ما يعيبوننا [به] [¬٥] من أعمالنا في قراءتهم، فادعهم فليقرءوا كما نقرأ، وليؤمنوا كما آمنا؛ فدعاهم فجمعهم وعرض عليهم القتل أو يتركوا قراءة التوراة والإِنجيل، إلا ما بدلوا منها، فقالوا: ما تريدون إلى ذلك؟ دعونا، فقالت طائفة منهم: ابنوا لنا أسطوانة، ثم ارفعونا إليها، ثم أعطونا شيئًا نرفع به طعامنا وشرابنا فلا نرد عليكم. وقالت طائفة: دعونا نسيح في الأرض ونهيم ونشرب كما يشرب الوحش، فإن قدرتم علينا في أرضكم فاقتلونا. وقالت طائفة: ابنوا لنا دورًا في الفيافي، ونحتفر الآبار [ونحترث البقول] [¬٦] فلا نَرد عليكم ولا نمر بكم. وليس أحد من القبائل إلا له حميم [فيهم، ففعلوا] [¬٧] ذلك، فأنزل اللَّه ﷿: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيهِمْ إلا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾. والآخرون\n_________\n(^٦٤) - أخرجه الطبري (٢٧/ ٢٣٩ - ٢٤٠).\n(^٦٥) - أخرجه الطبراني في الكبير (١٠/ ٢٧١ - ٢٧٢) (١٠٥٣١). والصغير (١/ ٢٢٣ - ٢٢٤). من طريق شيبان بن فروخ عن الصعق بن حزن. وأخرجه الحاكم (٢/ ٤٨٠) من طرق الصعق وقال: صحيح. وتعقبه الذهبي بقوله: ليس لصحيح فإن فيه الصعق بن حزن عن عقيل بن يحيى، فإن الصعق وإن كان موثقًا، فإن شيخه قال البخاري فيه: منكر الحديث. وقال الهيثمي (١/ ٩٥): رواه الطبراني في الصغير، وفيه عقيل بن الجعد، قال البخاري: منكر الحديث.\n_________\n[¬١]- سقط من ز.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز: \"يفرح بهذه المبالغة\".\n[¬٣]- سقط من ز، خ.\n[¬٤]- في خ، ت: هذه.\n[¬٥]- في ز، خ: فيه.\n[¬٦]- سقط من ز، خ.\n[¬٧]- في ز: \"فهم يفعلوا\".","vol":"13","page":435},{"text":"قالوا: نتعبد كما تعبد فلان، ونسيح كما ساح فلان، ونتخذ دورًا كما اتخذ فلان، وهم على شركهم لا علم لهم بإيمان الذين اقتدوا بهم، فلما بُعث النبي ﷺ ولم يبق منهم إلا القليل، انحط منهم رجل من صومعته، وجاء سائح من سياحته، وصاحب الدير من ديره، فآمنوا به وصدقوه، فقال [¬١] اللَّه ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا [اللَّهَ] [¬٢] وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَينِ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾، أجرين: بإيمانهم بعيسى ابن مريم، [نصب أنفسهم] [¬٣] [بالتوراة] [¬٤] والإنجيل، وبإيمانهم بمحمد، ﷺ، وتصديقهم [¬٥]، قال: ﴿وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ﴾: القرآن، واتباعهم النبي ﷺ، قال: ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ﴾ الذين يتشبهون بكم ﴿أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ (^٦٦).\nهذا السياق فيه غرابة وسيأتي تفسير هاتين [الآيتين] [¬٦] الأخريين على غير هذا، واللَّه أعلم.\nوقال الحافظ أبو يعلى الموصلي: حدثنا أحمد بن عيسى، حدثنا عبد اللَّه بن وهب، حدثني سعيد بن عبد الرحمن بن أبي العَمياء؛ أن سهل بن أبي أمامة حدثه؛ أنه دخل هو وأبوه على أنس بن مالك بالمدينة زمان عمر بن عبد العزيز وهو أمير، وهو يصلي صلاة خفيفة، [] [¬٧] كأنها صلاة مسافر أو قريبًا منها، فلما سلم قال: يرحمك اللَّه! أرأيت هذه الصلاة المكتوبة، أم شيء تنفلته؟ قال: إنها المكتوبة، وإنها صلاة برسول اللَّه ﷺ ما أخطأت إلا شيئًا سهرت عنه، إن رسول اللَّه ﷺ كان يقول: \"لا تشددوا على أنفسكم فيشدد عليكم، فإن قومًا شددوا على أنفسهم فشدد عليهم، فتلك بقاياهم في الصوامع والديارات، رهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم\". ثم غدوا من الغد فقالوا: نركب فننظر ونعتبر. قال: نعم، فركبوا جميعًا، فإذا هم بديار قفر قد باد أهلها وانقرضوا وفنوا، خاوية على عروشها، فقالوا: تعرف هذه الديار؟ قال: ما أعرفني بها وبأهلها. هؤلاء [أهل] [¬٨] الديار، أهلكهم البغي والحسد، أن الحسد يطفيء\n_________\n(^٦٦) - أخرجه الطبري (٢٧/ ٢٣٩)، والنسائي في الكبرى في كتاب: التفسير، باب: سورة الحديد، حديث (١١٥٦٧) (٦/ ٤٨٠ - ٤٨١). وفي إسناده عطاء بن السائب وكان قد اختلط.\n_________\n[¬١]- في خ: فأنزل.\n[¬٢]- سقط من ز.\n[¬٣]- في ت: \"وتصديقهم\".\n[¬٤]- في ز: والتوراة.\n[¬٥]- سقط من خ.\n[¬٦]- سقط من ز، خ.\n[¬٧]- في ز، خ: وقعة.\n[¬٨]- في ز، خ: على.","vol":"13","page":436},{"text":"نور الحسنات، والبغي يصدق ذلك أو يكذبه، والعين تزني والكف والقدم والجسد واللسان، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه (^٦٧).\nوقال الإِمام أحمد: حدثنا [معمر] [¬١]، حدثنا عبد اللَّه، أخبرنا سفيان، عن زيد العمّي، عن أبي إياس، عن أنس بن مالك؛ أن النبي، ﷺ، قال: \"لكل نبي رهبانية، ورهبانية هذه الأمة الجهاد في سبيل اللَّه ﷿\" (^٦٨). ورواه الحافظ أبي يعلى عن عبد اللَّه بن محمد بن إسماء، عن عبد اللَّه بن المبارك به، ولفظه: \"لكل أمة رهبانية، ورهبانية هذه الأمة الجهاد في سبيل اللَّه\" (^٦٩).\nوقال الإمام أحمد: حدثنا حسين -هو ابن محمد- حدثنا [ابن عياش] [¬٢]-يعني إسماعيل- عن الحجاج [بن مروان الكلاعي، وعقيل بن مدرك السلمي] [¬٣] عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رجلًا جاءه فقال: أوصني. فقال: سألت عما سألت عنه رسول اللَّه ﷺ من قبلك؛ أوصيك بتقوى اللَّه، فإنه رأس كل شيء، وعليك كالجهاد، فإنه رهبانية الإِسلام، وعليك بذكر اللَّه وتلاوة القرآن، فإنه روحك في السماء وذكرك في الأرض\" (^٧٠). تفرد به أحمد.\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَينِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٨) لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢٩)﴾\n_________\n(^٦٧) - مسند أبي يعلى (٦/ ٣٦٥) (٣٦٩٤). وفي إسناده سعيد بن عبد الرحمن بن أبي العمياء قال الحافظ: مقبول. والحديث أخرجه أبو داود (٤٠٩٤). وضعفه الألباني في الضعيفة (٣٤٦٨).\n(^٦٨) - المسند أحمد (٣/ ٢٦٦) (١٣٨٣٥)، في إسناده زيد العمى وهو ضعيف.\n(^٦٩) - مسند أبي يعلى (٧/ ٢١٠) (١٤٤٩). قال الهيثمي في \"المجمع\" (٥/ ٢٨١): رواه أبو يعلى وأحمد وفيه زيد العمى؛ وثقه أحمد وغيره، وضعفه أبو زرعة وغيره وبقية رجاله رجال الصحيح.\nوالحديث أخرجه ابن عدي في الكامل في ترجمة زيد هذا (٣/ ١٠٥٦) ونقل عن يحيى بن معين والنسائي تضعيفه.\n(^٧٠) - المسند (٣/ ٨٢) (١١٧٩٠) وفي إسناده حجاج بن مروان الكلاعي؛ قال الحسيني: ليس بالمشهور.\n_________\n[¬١]- في ت: يعمر.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: عياض.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من ز، خ.","vol":"13","page":437},{"text":"قد تقدم في رواية النسائي عن ابن عباس أنه حمل هذه الآية على مؤمني أهل الكتاب، وأنهم يؤتون أجرهم مرتين (^٧١)، كما في الآية التي في القصص، وكما في حديث الشعبي عن أبي بُرْدة، [] [¬١] عن أبي موسى الأشعري، قال: قال رسول الله ﷺ: \"ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين: رجل من أهل الكتاب آمن بنيه وآمن بي فله أجران، وعبد مملوك أدى حق الله وحق [مواليه] [¬٢] فله أجران، ورجل أدب أمته فأحسن تأديبها ثم أعتقها وتزوجها فله أجران\". أخرجاه في الصحيحين (^٧٢)، ووافق ابن عباس على هذا التفسير الضحاك وعتبة بن أبي حكيم، وغيرهما، وهو اختيار ابن جرير.\nوقال سعيد بن جبير: لما افتخر أهلُ الكتاب بأنهم يؤتون أجرهم مرتين، أنزل الله هذه الآية في حق هذه الأمة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَينِ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾، أي: ضعفين، وزادهم: ﴿وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ﴾، يعني هدًى يُتَبصَّر به من العمى والجهالة، ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ ففضلهم بالنور والمغفرة. ورواه ابن جرير [عنه] [¬٣].\nوهذه الآية كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ وقال سعيد بن عبد العزيز: سأل عمر بن الخطاب حَبرًا من أحبار يهود: [كم] [¬٤] أفضل ما [ضعف] [¬٥] لكم حسنة؟ قال: كفل ثلاثمائة [وخمسون] [¬٦] حسنة. قال: فحمد الله عمر على أنه أعطانا كفلين. [ثم] [¬٧] ذكر سعيد قول الله ﷿: ﴿يُؤْتِكُمْ كِفْلَينِ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾، قال\n_________\n= قال ابن حجر، حديثه في المسند مقرون بعقيل بن مدرك. كذا في التعجيل (٨٧)، وقد تابع عقيل بن مدرك حجاج، وعقيل بن مدرك ذكره ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٦/ ٢١٩) ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا. وقال الحافظ في التقريب: مقبول.\nوالحديث عند أبي يعلى (٢/ ٢٨٣ - ٢٨٤) (١٠٠٠)، وابن الضريس (٦٨) كلاهما من طريق ليث بن أبي سليم.\nقال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (٤/ ٢١٨): رواه أحمد وأبو يعلى .... ورجال أحمد ثقات، وفي إسناد أبي يعلى ليث بن أبي سليم وهو مدلس. ا هـ.\n(^٧١) - تقدم قبل أربعة أحاديث.\n(^٧٢) - أخرجه البخاري في كتاب: العلم، باب: تعليم الرجل أمته وأهله، حديث (٩٧) (١/ ١٩٠) وأطرافه [٢٥٤٤، ٢٥٤٧، ٢٥٥١، ٣٠١١، ٣٤٤٦، ٥٠٨٣]. =\n_________\n[¬١]- في ز، خ: عن أبيه.\n[¬٢]- في ز: مولاه.\n[¬٣]- سقط من ز.\n[¬٤]- سقط من ز.\n[¬٥]- في ت: ضعفت.\n[¬٦]- في ز: وخمسين.\n[¬٧]- سقط من ت.","vol":"13","page":438},{"text":"سعيد: والكفلان في الجمعة مثل ذلك. رواه ابن جرير.\nومما يؤيد هذا القول ما رواه الإِمام أحمد: حدثنا إسماعيل، حدثنا أيوب، عن نافع، عن ابن عمر؛ قال: قال رسول الله ﷺ \"مثلكم ومثل اليهود والنصارى كمثل رجل استعمل عمالًا، فقال: من يعمل لي من صلاة الصبح إلى نصف النهار على قيراط قيراط؟ ألا فعملت اليهود. ثم قال: من يعمل لي من نصف النهار إلى [صلاة] [¬١] العصر على قيراط قيراط؟ ألا فعملت النصارى. ثم قال: من يعمل لي من صلاة العصر إلى غروب الشمس على قيراطين قيراطين؟ ألا فأنتم الذين عملتم. فغضبت النصارى واليهود، وقالوا: نحن أكثر عملًا وأقل عطاء. قال: هل ظلمتكم من أجركم شيئًا؟ قالوا: لا. قال: فإنما هو فضلي أوتيه من أشاء\" (^٧٣). قال أحمد: وحدثناه مؤمل، عن سفيان، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، نحو حديث نافع، عنه (^٧٤) انفرد بإخراجه البخاري فرواه عن سليمان بن حرب، عن حماد، [عن أيوب] [¬٢] عن نافع به، وعن قتيبة عن الليث عن نافع بمثله (^٧٥).\nوقال البخاري: حدثني محمد بن العلاء، حدثنا أبو أسامة، [عن بريد] [¬٣]، عن أبي بردة، عن أبي موسى، عن النبي ﷺ؛ قال: \"مثل المسلمين واليهود والنصارى كمثل رجل استأجر قومًا يعملون له عملًا يومًا إلى الليل على أجر معلوم، فعملوا إلى نصف النهار، فقالوا: لا حاجة لنا إلى أجرك الذي شرطت لنا، وما عملنا باطل. فقال لهم: لا تفعلوا، أكملوا بقية عملكم وخذوا أجركم كاملًا، فأبوا وتَرَكوا، واستأجر آخرين بعدهم فقال: أكملوا بقية يومكم ولكم الذي شرطت لهم من الأجر. فعملوا حتى إذا كان حين صلوا العصر قالوا: ما عملنا باطل، ولك الأجر الذي جعلت لنا فيه. فقال: أكملوا بقية عملكم؛ فإن ما بقي من النهار شيء يسير. فأبوا، فستأجر قومًا أن يعملوا له بقية يومهم، فعملوا بقية يومهم حتى غابت الشمس، فاستكملوا أجر\n_________\n= ومسلم في باب الإيمان، باب: وجوب الإيمان برسالة نبينا محمد ﷺ إلى جميع الناس ونسخ الملل بملته، حديث (٢٤١/ ١٥٤) (٢/ ٢٤٥ - ٢٤٦).\n(^٧٣) - المسند (٢/ ٦) (٤٥٠٨).\n(^٧٤) - المسند (٢/ ١١١) (٥٩٠٢).\n(^٧٥) - صحيح البخاري، كتاب: الإجارة، باب: الإجارة إلى نصف النهار، حديث (٢٢٦٨) (٤/ ٤٤٥).\n_________\n[¬١]- سقط من ز.\n[¬٢]- سقط من خ، ز.\n[¬٣]- سقط من خ. وفي ز: \"عن يزيد\".","vol":"13","page":439},{"text":"الفريقين [كليهما] [¬١] فذلك مثلهم ومثل ما قَبلُوا من هذا النور\" (^٧٦). انفرد به البخاري؛ ولهذا قال تعالى: ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾، أي: ليتحققوا أنهم لا يقدرون على رد ما أعطاه الله، ولا إعطاء ما منع الله، ﴿وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾.\nقال ابن جرير: ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ﴾ أي: ليعلم. وقد ذكر عن ابن مسعود أنه قرأها: ﴿لِكَي يَعْلَمَ﴾. وكذا حطَّان [¬٢] بن عبد الله، وسعيد بن جبير، قال ابن جرير: لأن العرب تجعل \"لا\" صلة في كل كلام دخل في أوله أو آخره جحد غير [¬٣] مصرح، فالسابق كقوله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ﴾، ﴿وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾، ﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾.\nآخر تفسير سورة الحديد.\n[ولله الحمد والمنة] [¬٤]\n* * *\n_________\n(^٧٦) - أخرجه البخاري في كتاب: الإجارة، باب: الإجارة من العصر إلى الليل، حديث (٢٢٧١) (٤/ ٤٤٧ - ٤٤٨).\n_________\n[¬١]- سقط من ز، خ.\n[¬٢]- في خ: عطاء.\n[¬٣]- في ز: عن.\n[¬٤]- سقط من ز، ت.","vol":"13","page":440},{"text":"<span data-type='title' id=toc-179>تفسير سورة المجادلة وهي مدنية</span>\n﷽\n﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (١)﴾\nقال الإِمام أحمد (^١): حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن تميم [¬١] بن سلمة، عن عروة، عن عائشة قالت: الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات، لقد جاءت المجادلةُ إلى النبي ﷺ تكلمه وأنا في ناحية البيت، ما أسمع ما تقول، فأنزل الله ﷿: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ … إلى آخر الآية.\nوهكذا رواه البخاري في كتاب التوحيد تعليقًا، فقال: وقال الأعمش: عن [تميم بن سلمة] [¬٢]، عن عروة، عن عائشة .. فذكره.\nوأخرجه النسائي وابن ماجة، وابن أبي حاتم، وابن جرير من غير وجه، عن الأعمش، به.\nوفي رواية لابن أبي حاتم عن الأعمش، عن [تميم بن سلمة] [¬٣]، عن عروة، عن عائشة أنها قالت: تبارك الذي أوعى سمعه كل شيء، إني لأسمع [¬٤] كلام خولة بنت ثعلبة، ويخفى على بعضه، وهي تشتكي زوجها إلى رسول الله ﷺ وهي تقول: يا رسول الله؛ أكل شبابي، ونثرت [¬٥] له بطني، حتى إذا كبرت سني، وانقطع\n_________\n(^١) صحيح، أخرجه أحمد (٦/ ٤٦) برقم (٢٤٣٠٦)، والبخاري تعليقًا بصيغة الجزم في كتاب: التوحيد، باب: ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ (١٣/ ٣٧٢)، والنسائي (٨/ ١٦٨) كتاب الطلاق، باب: الظهار، وابن ماجة في المقدمة، باب: فيما أنكرت الجهمية، حديث (١٨٨)، وفي كتاب الطلاق، باب: الظهار، حديث (٢٠٦٣)، والطبري (٢٨/ ٥، ٦)، والحاكم (٢/ ٤٨١) وصححه. والبيهقي (٧/ ٣٨٢)، وأبو يعلى في مسنده (٨/ ٢١٤)، وسعيد بن منصور في سننه بأطول منه (٢/ ١٣)، وعبد بن حميد في مسنده (٣/ ٢٣٥).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"سهم\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"عبدة\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"سهم\". بن مسلمة.\n[¬٤]- في ز، خ: \"أسمع\".\n[¬٥]- في ز، خ: \"مرت\".","vol":"13","page":441},{"text":"ولدي، ظاهر مني، اللَّهم إني أشكو إليك. قالت: فما برحت حتى نزل جبريل بهذه الآية: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾. وقال: وزوجها أوس بن الصامت.\nوقال ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عروة: هو [¬١] أوس بن الصامت. وكان أوس امرءًا [¬٢] به لمم، فكان إذا أخذه لممه واشتد به يظاهر من امرأته، وإذا ذهب لم يقل شيئًا، فأتت رسول الله تستفتيه في ذلك وتشتكي إلى الله …، فأنزل الله: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ﴾ .. الآية.\nوهكذا [رواه هشام] [¬٣] بن عروة، عن أبيه: أن رجلًا كان به لمم، فذكر مثله (^٢).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا موسى بن إسماعيل - أبو سلمة - حدثنا جرير -يعني: ابن حازم- قال: سمعت أبا يزيد يحدث قال: لَقِيَتْ امرأةٌ عُمَرَ - يقال لها: خولة بنت ثعلبة - وهو يسير مع الناس، فاستوقفته فوقف لها ودنا منها وأصغى إليها رأسه، ووضع يديه على منكبيها حتى قضت حاجتها وانصرفت. فقال له رجل: يا أمير المؤمنين حبست رجالات قريش على هذه العجوز؟! قال: ويحك! وتدري من هذه؟ قال: لا. قال: هذه امرأة سمع الله شكواها من فوق سبع سماوات، هذه خولة بنت ثعلبة، والله لو لم تنصرف عني إلى الليل ما انصرفت حتى تقضي حاجتها إلا أن تحضر صلاة فأصليها ثم أرجع إليها حتى تقضي حاجتها.\nهذا منقطع بين أبي يزيد وعمر بن الخطاب. وقد روي من غير هذا الوجه.\nوقال ابن أبي حاتم أيضًا: حدثنا المنذر بن شاذان، حدثنا يعلى، حدثنا زكريا، عن عامر قال: المرأة التي جادلت في زوجها: خولة بنت الصامت، وأمها معاذة التي أنزل الله فيها: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾. صوابه: خولة امرأة أوس بن الصامت.\n﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إلا اللَّائِي\n_________\n(^٢) - أخرجه الطبري (٢٨/ ٦) من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: أن جميلة كانت امرأة أوس بن الصامت … الحديث فذكر نحوه. وصححه الحاكم (٢/ ٤٨١) على شرط مسلم ووافقه الذهبي.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"من\".\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"روى همام\".","vol":"13","page":442},{"text":"وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (٢) وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٣) فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَينِ مُتَتَابِعَينِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٤)﴾\nقال الإِمام أحمد (^٣): حدثنا سعد بن إبراهيم ويعقوب قالا: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن إسحاق، حدثني معمر بن عبد الله بن حنظلة، عن [يوسف] [¬١] ابن عبد الله بن سلام، عن خُويلة بنت ثعلبة قالت: فيّ -والله- وفي أوس بن الصامت أنزل الله صَدْرَ سورة \"المجادلة\"، قالت: كنت عنده وكان شيخًا كبيرًا قد ساء خلقه، قالت: فدَخل عليّ يومًا فراجعته بشيء فغضب فقال: أنت عليّ كظهر أمي. قالت: ثم خرج فجلس في نادي قومه ساعة، ثم دخل عليّ فإذا هو يريدني عن نفسي، قالت: قلت: كلا، والذي نفس خويلة بيده لا تخلصُ إليّ وقد قلتَ ما قلت حتى يحكم الله ورسوله فينا بحكمه، قالت: فواثبني وامتنعت منه، فغلبته [بما تغلب] [¬٢] به المرأة الشيخ الضعيف، فألقيته عني، قالت: ثم خرجتُ إلى بعض جاراتي، فاستعرت منها ثيابًا، ثم خرجتُ حتى جئت رسولَ الله ﷺ فجلست بين يديه، فذكرت له ما لقيتُ منه، وجعلت أشكو إليه ما ألقى من سوء خلقه. قالت: فجعل رسول الله ﷺ يقول: \"يا خويلة، ابنُ عمك شيخ كبير، فاتقي الله فيه\". قالت: فوالله ما بَرحت حتى نزل فيّ القرآن، فتغشى رسول الله صلى الذ عليه وسلم ما كان يتغشاه، ثم سُري عنه، فقال: \"يا خويلة، قد أنزل الله فيك وفي صاحبك\"، ثم قرأ عليّ [¬٣]: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ إلى قوله: ﴿وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. قالت: فقال لي رسول الله ﷺ: \"مُريه فليعتق رقبة\". قالت: فقلت: يا رسول الله؛ ما عنده ما يعتق. قال: \"فليصم شهرين متابعين\". قالت: فقلت: والله إنه شيخ كبير، ما به من صيام. قال: \"فليطعم ستين مسكينًا، وَسْقًا من تمر\". قالت: فقلت: يا رسول الله؛ ما ذاك عنده.\n_________\n(^٣) - أخرجه أحمد (٦/ ٤١٠ - ٤١١) (٢٧٤٢٧).\n_________\n[¬١]- سقط من ت.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"مما فعلت\".\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.","vol":"13","page":443},{"text":"قالت: فقال رسول الله ﷺ: \"فإنا سنعينه بعَرَقٍ من تمر\". قالت: فقلت: يا رسول الله، وأنا سأعينه بعَرَقٍ آخر. قال: \"فقد أصبت وأحسَنْت، فاذهبي فتصدقي به عنه، ثم استوصي بابن عمك خيرًا\". قالت: ففعلت.\nورواه أبو داود في كتاب الطلاق من سننه من طريقين، عن محمد بن إسحاق بن [¬١] يسار، به (^٤). وعنده: خولة بنت ثعلبة، ويقال فيها: خولة بنت مالك بن ثعلبة. وقد تصغر فيقال: خُوَيلة. ولا منافاة بين هذه الأقوال، فالأمر فيها قريب، والله أعلم.\nهذا هو الصحيح في سبب نزول صدر هذه السورة، فأما حديث سلَمَة بن صَخْر فليس فيه أنه كان سببَ النزول، ولكن أمر بما أنزل الله في هذه السورة، من العتق أو الصيام أو الإِطعام، كما قال الإِمام أحمد:\nحدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا محمد بن إسحاق، عن محمد بن عمرو بن عطاء، عن سليمان بن يَسَار، عن سلمة بن صخر الأنصاري قال: كنتُ امرءًا قد أوتيت من جماع النساء ما لم يؤت غيري، فلما دخل رمضان تظهَّرت من امرأتي حتى ينسلخ رمضان، فَرَقًا من أن أصيب في ليلتي شيئًا فأتابع في ذلك إلى أن يدركني النهار، وأنا لا أقدر أن أنزع، فبينما [¬٢] هي تخدمني [¬٣] من الليل إذ تَكشف لي منها شيء، فوثبت عليها، فلما أصبحتُ غدوتُ على قومي فأخبرتهم خبري وقلت: انطلقوا معي إلى النبي ﷺ فأخبره بأمري. فقالوا: لا، والله لا نفعل، نتخوف أن ينزل فينا -أو: يقول فينا رسول الله ﷺ مقالة يبقى علينا عارها، ولكن اذهب أنت فاصنع ما بدا لك. قال: فخرجت حتى أتيتُ النبي ﷺ فأخبرته خبري. فقال لي: \"أنت بذاك؟ \". فقلت: أنا بذاك. فقال: \"أنت بذاك؟ \". فقلت: أنا بذاك\". قال: \"أنت بذاك؟ \". قلت: نعم، هأنذا فامض فيّ حكم الله تعالى فإني صابر له. قال: \"أنت رقبة\" قال: فضربت صفحة رقبتي بيدي وقلت: لا، والذي بعثك بالحق ما أصبحت أملك غيرها. قال: \"فصم شهرين\". قلت: يا رسول الله، وهل أصابني ما أصابني إلا في الصيام؟! قال: \"فتصدق\". فقلت: والذي بعثك بالحق لقد بتنا ليلتنا هذه وَحْشَى ما لنا عشاء. قال: \"اذهب إلى صاحب صدقة بني زُريق فقل له فليدفعها إليك، فأطعم\n_________\n(^٤) أبو داود في كتاب: الطلاق، باب: في الظهار، حديث (٢٢١٤، ٢٢١٥) (٢/ ٢٦٦ - ٢٦٧)، والطبراني في الكبير (٢٤/ ٢٤٧) (٦٣٣) والمزي في ترجمة معمر بن عبد الله بن حنظلة (٢٨/ ٣١٢) كلهم من طريق معمر بن عبد الله بن حنظلة بهذا الإسناد. ومعمر هذا قال الحافظ فيه: مقبول. والحديث حسنه الألباني في صحيح أبي داود (١٩٣٤ - ١٩٣٥).\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في ت: \"فبينا\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"تحدثني\".","vol":"13","page":444},{"text":"عنك منها وسقًا من تمر ستين مسكينًا، ثم استعن بسائره عليك وعلى عيالك\". قال: فرجعت إلى قومي فقلت: وجدت عندكم الضيقَ وسوءَ الرأي، ووجدت عندَ رسول الله ﷺ السَّعة والبرَكة، قد أمر لي بصدقتكم، فادفعوها إليّ. فدفعوها إليّ (^٥).\nوهكذا رواه أبو داود وابن ماجة واختصره الترمذي وحسنه (^٦).\nوظاهر السياق أن هذه القصة كانت بعد قصة أوس بن الصامت وزوجته خُويلة بنت ثعلبة، كما دلّ عليه سياق تلك وهذه بعد التأمل.\nقال خصيف: عن مجاهد، عن ابن عباس: أول من ظاهر من امرأته أوس بن الصامت، أخو عبادة بن الصامت، وامرأته خولة بنت ثعلبة بن مالك، فلما ظاهر منها خَشِيَت أن يكون ذلك طلاقًا، فأتت رسول الله ﷺ فقالت: \"يا وسول الله، إن أوسًا ظاهر مني، وإنا إن افترقنا هلكنا، وقد نثرت بطني منه وقدمت صحبته\" - وهي تشكو ذلك وتبكي، ولم يكن جاء في ذلك شيء - فأنزل الله: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ فدعاه رسولُ الله ﷺ فقال: \"أتقدر على رقبة تعتقها؟ \" قال: لا والله يا رسول الله ما أقدر عليها. قال: فجمع له رسول الله ﷺ حتى أعتق عنه، ثم راجع أهله.\nرواه ابن جرير (^٧). ولهذا ذهب ابن عباس والأكثرون إلى ما قلناه والله أعلم.\nفقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾: أصل الظهار مشتق من الظهر،\n_________\n(^٥) - أخرجه أحمد (٤/ ٣٧).\n(^٦) - أبو داود في كتاب: الطلاق، باب: في الظهار، حديث (٢٢١٣) (٢/ ٢٦٥ - ٢٦٦)، وابن ماجة في كتاب: الطلاق، باب: في الظهار، حديث (٢٠٦٢) (١/ ٦٦٥).\nوفي إسناده إرسال بين سليمان بن يسار وسلمة بن صخر؛ قال الترمذي: لم يسمع عندي من سلمة بن صخر. راجع سنن الترمذي (٣٢٩٥)، وجامع التحصيل (١٩٠ - ١٩١). وفي الإسناد أيضًا محمد بن إسحاق وهو مدلس، وقد أخرجه الترمذي مطولًا في التفسير، ومن سورة المجادلة برقم (٣٢٩٥) (٩/ ٣٨ - ٤٠) من طريق يزيد بن هارون بالإسناد السابق. وأخرجه مختصرًا في كتاب: الطلاق، باب: ما جاء في كفارة الظهار، حديث (١٢٠٠) (٤/ ١٨٨ - ١٨٩) قال الترمذي: حديث حسن. وتبعه الألباني في صحيح أبي داود (١٩٣٣). وصححه بطرقه في الإرواء (٢٠٩١).\n(^٧) - أخرجه الطبري (٢٨/ ٦). وفي إسناده عبد العزيز بن عبد الرحمن الأموي قال ابن أبي حاتم في \"الجرح والتعديل\" (٥/ ٣٨٨): اضرب على أحاديثه؛ هي كذب، أو قال: موضوعة. وخصيف: صدوق سيئ الحفظ. راجع تهذيب الكمال (٨/ ٢٥٧) وما بعدها.","vol":"13","page":445},{"text":"وذلك أن الجاهلية كانوا إذا تظاهر أحد من امرأته قال لها: أنت علي كظهر أمي. ثم في الشرع كان الظهار في سائر الأعضاء قياسًا على الظهر، وكان الظهار عند الجاهلية طلاقًا، فأرخص الله لهذه الأمة وجعل فيه كفارة، ولم يجعله طلاقًا كما كانوا يعتمدونه في جاهليتهم. هكذا قال غير واحد من السلف.\nقال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا عبيد الله بن موسى، عن أبي حمزة، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: كان الرجل إذا قال لامرأته في الجاهلية: أنت عليّ كظهر أمي، حرمت عليه، فكان أول من ظاهر في الإِسلام أوس، وكانت تحته ابنة عم له يقال لها \"خويلة بنت خويلد [¬١] \" فظاهر منها، فأسقط في يديه، وقال: ما أراك إلا قد حَرُمت عليّ. وقالت له مثل ذلك، قال: فانطلقي إلى رسول الله ﷺ. فأتت رسول الله فوجدت عنده ماشطة تمشط رأسه، فقال: \"يا خويلة، ما أمرنا في أمرك بشيء\". فأنزل الله على رسوله ﷺ، فقال: \"يا خويلة أبشري\". قالت: خيرًا. فقرأ عليها: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا﴾ … إلى قوله: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾. قالت: وأي رقبة لنا؟ والله ما يجد [¬٢] رقبة غيرى. قال: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَينِ مُتَتَابِعَينِ﴾، قالت: والله لولا أنه يشرب في اليوم ثلاث مرات لذهب بصره! قال: ﴿فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾. قالت: من أين؟ ما هي إلا أكلة إلى مثلها! قال: فدعا بشطر وَسْق -ثلاثين صاعًا، والوسق: ستون صاعا- فقال: \"ليطعم ستين مسكينًا وليراجعك\" (^٨).\nوهذا إسناد جيد قوي، وسياق غريب، وقد روي عن أبي العالية نحو هذا، فقال ابن أبي حاتم.\nحدثنا محمد بن عبد الرحمن الهروي [¬٣]، حدثنا علي بن عاصم، عن داود بن أبي هند، عن أبي العالية قال: كانت خولة بنت دُليج تحت رجل من الأنصار، وكان ضرير البصر فقيرًا سيئ الخلق، وكان طلاق أهل الجاهلية إذا أراد الرجل أن يطلق امرأته، قال: أنت عليّ كظهر أمي. وكان لها [¬٤] منه عَيِّل أو عَيِّلان، فنازعته يومًا في شيء فقال: أنت عليّ كظهر أمي. فاحتملت عليها ثيابها حتى دخلت على النبي ﷺ، وهو في بيت عائشة، وعائشة تغسل شق رأسه، فقدمت عليه ومعها عَيّلها، فقالت: يا رسول الله، إن زوجي ضرير\n_________\n(^٨) - أخرجه الطبري (٣/ ٢٨). وفي إسناده أبو حمزة الثمالي وهو ضعيف.\n_________\n[¬١]- في ت: \"ثعلبة\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"نجد\".\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.","vol":"13","page":446},{"text":"البصر، فقير لا شيء له، سيئ الخلق، وإني نازعته في شيء فغضب، فقال: أنت عليّ كظهر أمي، ولم يرد به الطلاق، ولي منه عَيّل أو عَيّلان، فقال: \"ما أعلمك إلا قد حَرُمت عليه\". فقالت: أشكو إلى الله ما نزل بي وأبا صبيتي قال: ودارت عائشة فغسلت شق رأسه الآخر، فدارت معها، فقالت: يا رسول الله، زوجي [¬١] ضرير البصر، فقير سيئ الخلق، وإن لي منه [عَيّلا أو عيلين] [¬٢]، وإني نازعته في شيء فغضب وقال: أنت علي كظهر أمي، ولم يرد به الطلاق! قالت: فرفع إليّ رأسه وقال: \"ما أعلمك إلا قد حرمت عليه\". فقالت: أشكو إلى الله ما نزل بي وأبا صبيتي قال: ورأت [¬٣] عائشة وجه النبي ﷺ تغير، فقالت لها: وراءك وراءك. فتنحت، فمكث رسول الله ﷺ في غشيانه ذلك ما شاء الله، فلما انقطع الوحي قال: \"يا عائشة، أين المرأة؟ \" فدعتها، فقال لها رسول الله ﷺ: \"اذهبي فأتيني بزوجك\". فانطلقت تسعى فجاءت به، فإذا هو [كما قالت] [¬٤] ضرير البصر، فقير، سيئ الخلق. فقال النبي ﷺ \"أستعذ بالله السميع العليم بسم الله الرحمن الرحيم ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ إلى قوله: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾، قال النبي ﷺ: \"أتجد رقبة تعتقها من قبل أن تمسها؟ \" قال: لا. قال: \"أتستطيع أن تصوم شهرين متتابعين\"؟ قال: والذي بعثك بالحق، إني إذا لم آكل المرتين والثلاث يكاد أن يعشو بصري. وقال: \"أفتستطيع أن تطعم ستين مسكينًا؟ \". قال: لا، إلا أن تعينني. قال: فأعانه رسول الله ﷺ فقال: \"أطعم ستين مسكينًا\". قال: وحول الله الطلاق، فجعله ظهارًا (^٩).\nورواه ابن جرير، عن ابن المثنى، عن عبد الأعلى، عن داود، سمعت أبا العالية، فذكره نحوه، بأخصر من هذا السياق (^١٠).\nوقال سعيد بن جبير: كان الإيلاء والظهار من طلاق الجاهلية، فوقت الله الإيلاء أربعة أشهر، وجعل في الظهار الكفارة. رواه ابن أبي حاتم، بنحوه.\nوقد استدلّ الإِمام مالك [¬٥] على أن الكافر لا يدخل في هذه الآية بقوله: ﴿مِنْكُمْ﴾\n_________\n(^٩) - في إسناده علي بن عاصم وهو صدوق يخطئ ويصر، ورمي بالتشيع. وأبو العالية مرسل.\n(^١٠) - أخرجه الطبري (٢٨/ ١ - ٢)، وهو مرسل.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"زوجها\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"عيل أو عيلان\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"ودارت\".\n[¬٤]- سقط من ت.\n[¬٥]- في ز، خ: \"بذلك\".","vol":"13","page":447},{"text":"فالخطاب للمؤمنين، وأجاب الجمهور بأن هذا خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له، واستدل الجمهور عليه بقوله: ﴿مِنْ نِسَائِهِمْ﴾، على أن [الأمَة لا ظهار منها] [¬١]، ولا تدخل في هذا الخطاب.\nوقوله: ﴿مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إلا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ﴾ أي: لا تصير المرأة بقول الرجل: \"أنت علي كأمي\"، أو: \"مثل أمي\"، أو: \"كظهر أمي\"، وما أشبه ذلك، لا تصير أمّه بذلك، إنما أمه التي ولدته؛ ولهذا قال: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾، أي: كلامًا فاحشًا باطلًا، ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ أي: عما كان منكم في حال الجاهلية. وهكذا أيضًا عما خرج من سبق اللسان، ولم يقصد إليه المتكلم، كما رواه أبو داود: أن رسول الله ﷺ سمع رجلًا يقول لامرأته: يا أختي. فقال: \"أختك هي؟! \" (^١١) فهذا إنكار، ولكن لم يحرمها عليه بمجرد ذلك؛ لأنه لم يقصده، ولو قصده لحرمت عليه لأنه لا فرق على الصحيح بين الأم وبين غيرها من سائر المحارم من أخت وعمة وخالة وما أشبه ذلك.\nوقوله: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ اختلف السلف والأئمة في المراد بقوله: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ فقال بعض الناس: العود هو أن يعود إلى لفظ الظهار فيكرره، وهذا القول باطل، وهو اختيار ابن حزم [¬٢]، وقول داود، وحكاه أبو عمر [¬٣] بن عبد البر عن بكير [¬٤] بن الأشج، والفراء وفرقة من أهل الكلام.\nوقال الشافعي: هو أن يمسكها بعد الظهار زمانًا [¬٥] يمكنه أن يطلق فيه فلا يطلق.\nوقال أحمد بن حنبل: هو أن يعود إلى الجماع، أو يعزم عليه فلا يحل له حتى يكفر بهذه الكفارة.\nوقد حكي عن مالك أنه العزم على الجماع والإِمساك، وعنه أنه الجماع.\nوقال أبو حنيفة: هو أن يعود إلى الظهار بعد تحريمه، ورفع ما كان عليه أمر الجاهلية، فمتى تظاهر الرجل من امرأته فقد حرمها تحريمًا لا يرفعه إلا الكفارة. وإليه ذهب أصحابه، والليث بن سعد.\n_________\n(^١١) - أخرجه أبو داود في باب: الطلاق، باب: في الرجل يقول لامرأته: يا أختي، حديث (٢٢١٠). (٢/ ٢٦٤). من حديث أبي تميمة الهجيمي مرسلًا.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"الآية لا ظهار فيها\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"جرير\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"عمرو\".\n[¬٤]- في ز: \"بكر\".\n[¬٥]- في ز: \"ما\".","vol":"13","page":448},{"text":"وقال ابن لهيعة: حدثني عطاء، عن سعيد بن جبير ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾، يعني: يريدون أن يعودوا في الجماع الذي حرموه على أنفسهم.\nوقال الحسن البصري: يعني: الغشيان في الفرج. وكان لا يرى بأسًا أن يغشى فيما دون الفرج قبل أن يكفر.\nوقال عليّ بن أبي طلحة عن ابن عباس: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾. والمس: النكاح.\nوكذا قال عطاء، والزهري، وقتادة، ومقاتل بن حيان.\nوقال الزهري: ليس له أن يقبلها ولا يمسها حتى كفر.\nوقد رَوَى أهل السنن من حديث عكرمة، عن ابن عباس، أن رجلًا قال: يا رسول الله، إني ظاهرت من امرأتي فوقعت عليها قبل أن أكفر. فقال: \"ما حملك على هذا يرحمك الله؟ \" قال: رأيت خلخالها في ضوء القمر. قال: \"فلا تقربها حتى تفعل ما أمرك الله ﷿\" (^١٢).\nوقال الترمذي: حسن غريب صحيح، ورواه أبو داود، والنسائي من حديث عكرمة مرسلًا. قال النسائي: وهو أولى بالصواب (^١٣).\nوقوله: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾، أي: فإعتاق رقبة كاملة من قبل أن يتماسا، فهاهنا الرقبة مطلقة غير مقيدة بالإِيمان، وفي كفارة القتل مقيدة بالإِيمان، فحمل الشافعي ﵀ ما أطلق هاهنا على ما قيد هناك لاتحاد الموجب، وهو عتق الرقبة، واعتضد في ذلك بما رواه عن مالك بسنده، عن معاوية بن الحكم السلمي، في قصة الجارية السوداء، وأن رسول الله ﷺ قال: \"أعتقها فإنها مؤمنة\" (^١٤).\n_________\n(^١٢) - أخرجه أبو داود في كتاب: الطلاق، باب: في الظهار، حديث (٢٢٢٣) (٢/ ٢٦٨)، والترمذي في كتاب: الطلاق، باب: ما جاء في المظاهر يواقع قبل أن يكفر، حديث (١١٩٩) (٤/ ١٨٨). والنسائي (٦/ ١٦٧) كتاب الطلاق، باب الظهار، وابن ماجة في كتاب: الطلاق، باب: المجامع يظاهر قبل أن يكفر، حديث (٢٠٦٥) (١/ ٦٦٦ - ٦٦٧). كلهم من طرق عن الحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس. والحكم بن أبان صدوق له أوهام. والحديث حسن الحافظ أسانيده في فتح الباري (٩/ ٤٣٣)، وتبعه الألباني في الإرواء (٧/ ١٧٩). وانظر التالي.\n(^١٣) - وأخرجه أبو داود في كتاب: الطلاق، باب: في الظهار، حديث (٢٢٢٢) (٢/ ٢٦٨)، والنسائي (٢/ ١٦٧ - ١٦٨). كلاهما من طريق الحكم عن عكرمة مرسلًا. قال الزيلعي في \"نصب الراية\" (٣/ ٢٤٦): قال المنذري في \"مختصره\": قال أبو بكر المعافري: ليس هذا الحديث صحيحًا يعول عليه. قال: وفيما قال نظر؛ فقد صححه الترمذي، ورجاله ثقات مشهور سماع بعضهم من بعض. ا هـ.\n(^١٤) - أخرجه مالك في كتاب: العتق والولاء، باب: ما يجوز من العتق في الرقاب الواجبة، حديث (٨) (٢/ ٥٩٥). ومن طريقه الشافعي في الرسالة فقرة (٢٤٢).","vol":"13","page":449},{"text":"وقد رواه أحمد في مسنده، ومسلم في صحيحه (^١٥).\nوقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا يوسف بن موسى، حدثنا عبد الله بن نمير، عن إسماعيل بن مسلم، عن عمرو بن دينار، عن طاوس، عن ابن عباس؛ قال: أتى رسولَ الله ﷺ رجلٌ فقال: إني تظاهرت من امرأتي ثم وقعت عليها قبل أن أكفر. فقال رسول الله ﷺ: \"ألم يقل الله ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾؟ \". قال: أعجبتني. قال: \"أمسك حتى تكفر\" (^١٦).\nثم قال البزار: لا يروى عن ابن عباس [بأحسن من] [¬١] هذا، وإسماعيل بن مسلم تكلم فيه، وروى عنه جماعة كثيرة من أهل العلم.\nوفيه من الفقه أنه لم يأمره إلا بكفارة واحدة.\nوقوله: ﴿ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ﴾ أي: تزجرون به، ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾، أي: خبير بما يصلحكم، عليم بأحوالكم.\nوقوله: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَينِ مُتَتَابِعَينِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾. وقد تقدمت الأحاديث الواردة بهذا على الترتيب، كما ثبت في الصحيحين في قصة الذي جامع امرأته في رمضان (^١٧).\n﴿ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ أي: شرعنا هذا لهذا.\nوقوله: ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾، أي: محارمه فلا تنتهكوها.\nوقوله: ﴿وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، أي: الذين لم يؤمنوا ولا التزموا بأحكام هذه\n_________\n(^١٥) - وأخرجه أحمد (٥/ ٤٤٧) (٢٣٨٧٥)، ومسلم في كتاب: المساجد ومواضع الصلاة، باب: تحريم الكلام في الصلاة ونسخ ما كان من إباحته، حديث (٣٣/ ٥٣٧) (٥/ ٣٢ - ٣٣). كلاهما من طريق يحيى بن أبي كثير، عن هلال بن أبي ميمونة، عن عطاء بن يسار عن معاوية بن الحكم السلمي.\n(^١٦) - أخرجه البزار كما في نصب الراية (٣/ ٢٤٦)، والحاكم (٢/ ٢٠٤) وقال: ولم يحتج الشيخان بإسماعيل. وقال الذهبي: واهٍ.\n(^١٧) - أخرجه البخاري في كتاب الصوم، باب: إذا جامع في رمضان ولم يكن له شيء وتصدق عليه فليكفر، حديث (١٩٣٦) (٤/ ١٦٣) وانظر أطرافه هناك. ومسلم في كتاب: الصيام، باب: تغليظ تحريم الجماع في نهار رمضان على الصائم، حديث (٨١ - ٨٤/ ١١١١) (٧/ ٣١٧) وما بعدها. كلاهما من حديث أبي هريرة.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"فأخبرني\".","vol":"13","page":450},{"text":"الشريعة، لا تعتقدوا أنهم ناجون من البلاء، كلا، ليس الأمر كما زعموا، بل لهم عذاب أليم، أي في الدنيا والآخرة.\n﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ (٥) يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ شَهِيدٌ (٦) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إلا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إلا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إلا هُوَ مَعَهُمْ أَينَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمٌ (٧)﴾\nيخبر تعالى عمن شاقوا الله ورسوله وعاندوا شرعه، ﴿كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾، أي: أهينوا ولعنوا وأخزوا، كما فعل بمن أشبههم ممن قبلهم، ﴿وَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾، أي: واضحات لا يخالفها ويعاندها إلا كافر فاجر مكابر، ﴿وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ أي: في قبالة [¬١] ما استكبروا عن اتباع شرع الله، والانقياد له، والخضوع لديه.\nثم قال: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا﴾، وذلك يوم القيامة، يجمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد، ﴿فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا﴾، أي: فيخبرهم [¬٢] بالذي صنعوا من خير وشر، ﴿أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ﴾ أي: ضبطه الله وحفظه عليهم، وهم قد [¬٣] نسوا ما كانوا عملوا ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ شَهِيدٌ﴾ أي: لا يغيب عنه شيء، ولا يخفى، ولا ينسى شيئًا.\nثم قال تعالى مخبرًا عن إحاطة علمه بخلقه واطلاعه عليهم، وسماعه كلامهم، ورؤيته مكانهم حيث كانوا وأين كانوا، فقال: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ﴾، أي: من سر ثلاثة ﴿إلا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إلا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إلا هُوَ مَعَهُمْ أَينَ مَا كَانُوا﴾، أي: يطلع عليهم ويسمع كلامهم وسرهم ونجواهم، ورسله أيضًا مع ذلك تكتب ما يتناجون به، مع علم الله\n_________\n[¬١]- في ت: \"مقبالة\".\n[¬٢]- في ت: \"يخبرهم\".\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.","vol":"13","page":451},{"text":"به وسمعه لهم، كما قال: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾. وقال: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيهِمْ يَكْتُبُونَ﴾؛ ولهذا حكى غير واحد الإِجماع على أن المراد بهذه الآية معية علم الله تعالى، ولا شك في إرادة ذلك، ولكن سمعه [¬١] أيضًا مع علمه محيط بهم، وبصره نافذ فيهم، فهو سبحانه مطلع على خلقه، لا يغيب عنه من أمورهم شيء.\nثم قال: ﴿ثُمَّ [¬٢] يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمٌ﴾، قال الإِمام أحمد: افتتح الآية بالعلم، واختتمها بالعلم.\n﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٨) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيهِ تُحْشَرُونَ (٩) إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيسَ بِضَارِّهِمْ شَيئًا إلا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٠)﴾\nقال ابن أبي نجيح عن مجاهد: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى﴾ قال: اليهود. وكذا قال مقاتل بن حيان، وزاد: كان بين النبي ﷺ وبين اليهود موادعة، وكانوا إذا مر بهم رجل من أصحاب النبي ﷺ جلسوا يتناجون بينهم، حتى يظن المؤمن أنهم يتناجون بقتله -أو: بما يكره المؤمن- فإذا رأى المؤمن ذلك خَشيهم، فترك طريقه عليهم. فنهاهم النبي ﷺ عن النجوى، فلم ينتهوا وعادوا إلى النجوى، فأنزل الله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ (^١٨).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي، حدثني سفيان بن حمزة [¬٣]، عن كثير بن زيد، عن رُبَيح بن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري، عن أبيه،\n_________\n(^١٨) - أخرجه ابن أبي حاتم كما في الدر المنثور (٦/ ٢٦٩).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"وسمعه\".\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في ز، خ: \"حرة\".","vol":"13","page":452},{"text":"عن جده قال: كنا نتناوب رسول الله ﷺ نبيت عنده؛ يطرقه من الليل أمر، وتبدو له حاجة؛ فلما كانت ذات ليلة كَثُر أهل النَّوب والمحتسبون، حتى كنا أندية نتحدث، فخرج علينا رسول الله ﷺ؛ فقال: \"ما هذا النجوى؟ ألم تُنْهَوا عن النجوى؟ \" قلنا: تبنا إلى الله يا رسول الله؛ إنا كنا في ذكر المسيح، فَرَقًا منه. فقال: \"ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي منه! \". قلنا: بلى يا رسول الله؟ قال \"الشرك الخفي أن يقوم الرجل يعمل لمكان رجل\" (^١٩).\nهذا إسناد غريب، وفيه بعض الضعفاء.\nوقوله تعالى: ﴿وَيَتَنَاجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ [وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ﴾. أي: يتحدثون فيما بينهم بالإثم وهو ما يختص بهم ﴿وَالْعُدْوَانِ﴾.] [¬١] وهو ما يتعلق بغيرهم ومنه معصية الرسول ومخالفته يصرون عليها ويتواصون بها.\nوقوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ﴾ قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا ابن نمير عن الأعمش [عن مسلم] [¬٢] عن مسروق عن عائشة، قالت: دخل على رسول الله ﷺ، يهود فقالوا: السام عليك يا أبا القاسم، فقالت عائشة: وعليكم السام، قالت: فقال رسول الله ﷺ: \"يا عائشة، إن الله لا يحب الفحش ولا التفحش\" قلت: ألا تسمعهم يقولون السام عليك؟ فقال رسول الله ﷺ: \"أو ما سمعت أقول: وعليكم\"؟ فأنزل الله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ﴾ (^٢٠) وفي رواية في الصحيح أنها قالت لهم: عليكم السام والذام واللعنة، وأن رسول الله ﷺ قال: \"إنه يستجاب لنا فيهم، ولا يستجاب لهم فينا\" (^٢١).\n_________\n(^١٩) - في إسناده ربيح بن عبد الرحمن، قال الحافظ: مقبول. والراوي عنه كثير بن زيد صدوق يخطئ كثيرًا.\n(^٢٠) - أخرجه مسلم في كتاب: السلام، باب النهي عن ابتداء أهل الكتاب بالسلام، وكيف رد عليهم، حديث (١١/ ٢١٦٥) من طريق مسروق بنحوه، وإسناد ابن أبي حاتم صحيح. والحديث في الصحيح من طرق عن عائشة: أخرجه البخاري في كتاب: الجهاد، باب: الدعاء على المشركين بالهزيمة والزلزلة، حديث (٢٩٣٥) (٦/ ١٠٦). وأطرافه في [٦٠٢٤، ٦٠٣٠، ٦٢٥٦، ٦٣٩٥، ٦٤٠١، ٦٩٢٧]. ومسلم في كتاب: السلام، باب: النهي عن ابتداء أهل الكتاب بالسلام، وكيف يرد عليهم، حديث (١٠/ ١١، ٢١٦٥) (١٤/ ٢٠٧ - ٢٠٨). كلاهما من حديث عائشة.\n(^٢١) - ينظر أطراف الحديث السابق في البخاري.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.","vol":"13","page":453},{"text":"وقال ابن جرير: حدثنا بشر، حدثنا يزيد، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن أنس بن مالك، أن رسول الله ﷺ بينما هو جالس مع أصحابه، إذ أتى عليهم يهودي فسلّم عليهم، فردوا عليه، فقال نبي الله ﷺ: \"هل تدرون ما قال: \"قالوا: سلم يا رسول الله. قال: \"بل قال: سام عليكم\" أي: تسامون دينكم. قال رسول الله: \"ردوه\". فردوه عليه، فقال نبي الله: \"أقلت: سأم عليكم؟ \" قال: نعم. فقال رسول الله ﷺ: \"إذا سلم عليكم أحد من أهل الكتاب فقولوا: عليك\" أي عليك ما قلت. وأصل حديث أنس مخرج في الصحيح (^٢٢)، وهذا الحديث في الصحيح عن عائشة نحوه [¬١] (^٢٣).\nوقوله: ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ﴾، أي: يفعلون هذا، ويقولون ما يحرفون من الكلام وإيهام السلام، وإنما هو شتم في الباطن، ومع هذا يقولون في أنفسهم: لو كان هذا نبيًّا لعذبنا الله بما نقول له في الباطن، لأن الله يعلم ما نسره، فلو كان هذا نبيًّا حقًّا لأوشك أن يعاجلنا الله بالعقوبة في الدنيا، فقال الله تعالى: ﴿حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ﴾، أي: جهنم كفايتهم في الدار [¬٢] الآخرة ﴿يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ (^٢٤).\nوقال الإِمام أحمد: حدثنا عبد الصمد، حدثنا حماد، عن عطاء بن السائب، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو؛ أن اليهود كانوا يقولون لرسول الله ﷺ: سام عليك، ثم يقولون في أنفسهم: ﴿لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ﴾؟ فنزلت هذه الآية: ﴿وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ [¬٣] الْمَصِيرُ﴾. إسناد حسن ولم يخرجوه (^٢٥).\nوقال العوفي عن ابن عباس: ﴿وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ﴾، قال: كان المنافقون يقولون لرسول الله إذا حَيّوه: سام عليك، قال الله: ﴿حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ [¬٤] الْمَصِيرُ﴾ ثم قال الله مؤدبًا عباده المؤمنين أن لا يكونوا مثل الكفرة\n_________\n(^٢٢) - أخرجه الطبري (٢٨/ ١٥).\n(^٢٣) - وأصله في البخاري في كتاب: استتابة المرتدين، باب: إذا عرَّض الذمي أو غيره بسب النبي ﷺ ولم يصرح، حديث (٦٩٢٦) (١٢/ ٢٨٠).\n(^٢٤) - تقدم قبل ذلك بثلاثة أحاديث.\n(^٢٥) - أخرجه أحمد (٢/ ١٧٠) (٦٥٨٩). قال الهيثمي في \"المجمع\" (٧/ ١٢٥): رواه أحمد والبزار والطبراني وإسناده جيد؛ لأن حمادًا سمع من عطاء بن السائب في حالة الصحة.\n_________\n[¬١]- في ت: \"بنحوه\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"الدنيا و\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"وبئس\".\n[¬٤]- في ز، خ: \"وبئس\".","vol":"13","page":454},{"text":"والمنافقين: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ﴾، أي: كما يتناجى به الجهلة من كفرة أهل الكتاب ومن مالأهم على ضلالهم من المنافقين، ﴿وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيهِ تُحْشَرُونَ﴾، أي: فيخبركم بجميع أعمالكم وأقوالكم التي قد أحصاها عليكم، وسيجزيكم بها.\nوقال الإِمام أحمد: حدثنا بَهز وعفان؛ قالا: أخبرنا همام، حدثنا قتادة، عن صفوان بن محرز؛ قال: كنت آخذًا بيد ابن عمر، إذ عرض له رجل، فقال: كيف سمعت رسول الله ﷺ يقول في النجوى يوم القيامة؟ قال: سمعت رسول الله ﷺ؛ يقول: \"إن الله يدني المؤمن فيضع عليه كَنَفه ويستره من الناس، ويقرّره بذنوبه، ويقول له: أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ حتى إذا قَرّره بذنوبه، ورأى في نفسه أنه قد هلك، قال: فإني قد سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم. ثم يُعطى كتابَ حسناته، وأما الكفار والمنافقون فيقول الأشهاد: ﴿هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ (^٢٦). أخرجاه في الصحيحين من حديث قتادة (^٢٧).\nثم قال تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيسَ بِضَارِّهِمْ شَيئًا إلا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ أي: إنّما النجوى - وهي المُسَارّة - حيث [يتوهم منها مؤمن] [¬١] سوءًا ﴿مِنَ الشَّيطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾، يعني: إنّما يصدر هذا من المتناجين [¬٢] عن تسويل الشيطان وتزيينه، ﴿لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾، أي: ليسوءهم، وليس ذلك بضارهم شيئًا إلا بإذن الله، ومن أحس من ذلك شيئًا فليستعذ بالله، وليتوكل على الله؛ فإنه لا يضره شيء، بإذن الله.\nوقد وردت السنة بالنهي عن التناجي، حيث يكون في ذلك تأذ [¬٣] على مؤمن. كما قال الإمام أحمد:\nحدثنا وكيع وأبو معاوية؛ قالا: حدثنا الأعمش، عن أبي وائل، عن عبد الله بن\n_________\n(^٢٦) - أخرجه أحمد (٢/ ٧٤) (٥٤٣٦).\n(^٢٧) - البخاري في باب التفسير، باب: ﴿وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ حديث (٤٦٨٥) (٨/ ٣٥٣)، وفي كتاب الأدب (٦٠٧٠) (١٠/ ٤٨٦). ومسلم في كتاب: التوبة، باب: قبول توبة القاتل، وإن كثر قتله، حديث (٥٢/ ٢٧٦٨) (١٧/ ١٣٥).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ت: \"يتوهم مؤمن بها\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"المنافقين\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"تأذيًّا\".","vol":"13","page":455},{"text":"مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ: \"إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجَيَن اثنان دون صاحبهما، فإن ذلك يحزنه\" (^٢٨). أخرجاه من حديث الأعمش (^٢٩).\nوقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ: \"إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الثالث إلا بإذنه، فإن ذلك يحزنه\" (^٣٠). انفرد بإخراجه مسلم عن أبي الربيع وأبي كامل، كلاهما عن حماد بن زيد، عن أيوب، به (^٣١).\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١١)﴾\nيقول تعالى مؤدبًا عباده المؤمنين، وآمرًا لهم أن يحسن بعضهم إلى بعض في المجالس: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ﴾، وقريء: ﴿فِي [¬١] الْمَجْلِسِ﴾، ﴿فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ﴾ وذلك أن الجزاء من جنس العمل.\nكما جاء في الحديث الصحيح: \"من بنى لله مسجدًا بنى الله له بيتًا في الجنة\" (^٣٢). وفي الحديث الآخر: \"ومن يَسَّر على معسر يَسَّر الله عليه في الدنيا والآخرة، [ومن ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا والآخرة] [¬٢]، والله في عون العبد ما كان العبد في عون\n_________\n(^٢٨) - أخرجه أحمد (١/ ٤٣١ - ٤٣٢، ٤٢٥) (٤١٠٦، ٤٠٣٩).\n(^٢٩) - أخرجه مسلم في كتاب: السلام، باب: تحريم مناجاة الاثنين دون الثالث لغير رضاه، حديث (٣٨/ ٢١٨٤) (١٤/ ٢٤١ - ٢٤٢)، والبخاري في الأدب المفرد (١١٧١). كلاهما من طريق الأعمش.\nوأخرجه البخاري (٦٢٩٠) (١١/ ٨٢)، ومسلم (٣٧/ ٢١٨٤) كلاهما من طريق جرير عن منصور عن أبي وائل عنه به.\n(^٣٠) - أخرجه عبد الرزاق في المصنف (١١/ ٢٦) (١٩٨٠٦).\n(^٣١) - ومسلم في كتاب: السلام، باب: تحريم مناجاة الاثنين دون الثالث لغير رضاه، حديث (٣٦/ ٢١٨٣) (١٤/ ٢٤١).\n(^٣٢) - أخرجه البخاري في كتاب: الصلاة، باب: من بنى لله مسجدًا، حديث (٤٥٠) (١/ ٥٤٤)، ومسلم في كتاب: المساجد، باب: فضل بناء المساجد والحث عليها، حديث (٢٤، ٢٥/ ٥٣٣) (٥/ ٢٠). وفي الزهد (٤٣، ٤٤/ ٥٣٣) (١٨/ ١٥٢ - ١٥٣) كلاهما من حديث عثمان ﵁.\n_________\n[¬١]- في ت: في.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"13","page":456},{"text":"أخيه\" (^٣٣). ولهذا أشباه كثيرة، ولهذا قال: ﴿فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ﴾.\nقال قتادة: نزلت هذه الآية في مجالس الذكر، وذلك أنهم كانوا إذا رأوا أحدهم مقبلًا ضَنوا بمجالسهم عند رسول الله ﷺ، فأمرهم الله أن يفسح بعضهم لبعض.\nوقال مقاتل ابن حيان: أنزلت هذه الآية يوم جُمُعة وكان رسول الله ﷺ يومئذ في الصفة، وفي المكان ضيق، وكان يكرم أهل بدر من المهاجرين والأنصار، فجاء أناس من أهل بدر وقد سبقوا إلى المجالس، فقاموا حيال رسول الله ﷺ، فقالوا: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته. فرد النبي ﷺ عليهم، ثم سلموا على القوم بعد ذلك، فردوا عليهم، فقاموا على أرجلهم ينتظرون أن يوسع لهم، فعرف النبي ﷺ ما يحملهم على القيام، فلم يُفسَح لهم، فشق ذلك على النبي ﷺ فقال لمن حوله من المهاجرين والأنصار، من غير أهل بدر: \"قم يا فلان، وأنت يا فلان\". فلم يزل يقيمهم بعدّة النفر الذين هم قيام بين يديه من المهاجرين والأنصار أهل بدر، فشق ذلك على من أقيم من مجلسه، وعرف النبي ﷺ الكراهة في وجوههم، فقال المنافقون: ألستم تزعمون أن صاحبكم هذا يعدل بين الناس؟ والله ما رأيناه قبلُ عدلَ علن هؤلاء، إن قومًا أخذوا مجالسهم واحبوا القرب لنبيهم، فأقامهم وأجلس من أبطأ عمه. فبلغنا أن رسول الله ﷺ قال: \"رحم الله رجلًا فَسَح لأخيه\". فجعلوا يقومون بعد ذلك سراعًا، فَتَفَسَّحَ القومُ لإِخوانهم، ونزلت هذه الآية يوم الجمعة. رواه ابن أبي حاتم.\nوقد قال الإمام أحمد والشافعي: حدثنا سفيان، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ قال: \"لا يقيم الرجل الرجل من مجلسه فيجلس فيه، ولكن تفسحوا وتوسعوا\" (^٣٤). وأخرجاه في الصحيحين من حديث نافع به (^٣٥).\nوقال الشافعي: أخبرنا عبد المجيد، عن ابن جريج قال: قال سليمان بن موسى، عن جابر بن عبد الله: أن رسول الله ﷺ قال: \"لا يقيمن أحدكم أخاه يوم\n_________\n(^٣٣) - أخرجه مسلم في كتاب: الذكر، باب: فضل الاجتماع على تلاوة القرآن، حديث (٣٨/ ٢٦٩٩) (١٧/ ٣٤ - ٣٦).\n(^٣٤) - أخرجه أحمد (٢/ ١٦، ٢٢، ٣٢، ٤٥، ١٠٢، ١٢١، ١٢٤، ١٢٦، ١٤٩)، والشافعي (٦٦٣). كلاهما من طرق عن نافع به نحوه ومثله.\n(^٣٥) - وأخرجه البخاري في كتاب الاستئذان، باب: (٣٢)، حديث (٦٢٧٠) (١١/ ٦٢).\nوأخرجه مسلم في كتاب: السلام، باب: تحريم إقامة الإنسان من موضعه المباح الذي سبق إليه، حديث (٢٧، ٢٨/ ٢١٧٧) (١٤/ ٢٢٩ - ٢٣١) كلاهما من طريق نافع عن ابن عمر أيضًا نحوه ومثله.","vol":"13","page":457},{"text":"الجمعة، ولكن ليقل: افسحوا\" (^٣٦) على شرط السنن، ولم [¬١] يخرجوه.\nوقال الإمام أحمد (^٣٧): حدثنا عبد الملك بن عمرو، حدثنا فليح، عن أيوب بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة، عن يعقوب بن أبي يعقوب، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: \"لا يقم الرجل الرجل من مجلسه ثم يجلس فيه، ولكن افسحوا يفسح الله لكم\".\nورواه أيضًا عن سُريج [¬٢] بن يونس، ويونس [¬٣] بن محمد المؤدب، عن فليح، به.\nولفظه: \"لا يقوم الرجل للرجل من مجلسه، ولكن افسحوا يفسح الله لكم\" (^٣٨).\nتفرد به أحمد.\nوقد اختلف الفقهاء في جواز القيام للوارد إذا جاء على أقوال: فمنهم من رخص في ذلك محتجًّا بحديث: \"قوموا إلى سيدكم\" (^٣٩). ومنهم من منع من ذلك محتجًّا بحديث: \"من أحب أن يتمثل له الرجال قيامًا، فليتبوأ مقعده من النار\" (^٤٠).\n_________\n(^٣٦) - وأخرجه الشافعي (٦٦٥)، وابن جريج مدلس، وسليمان بن موسى: صدوق فقيه في حديثه بعض لين وخولط قبل موته بقليل. والحديث تقدم تخريجه في الصحيحين دون تقيده بالجمعة.\n(^٣٧) - أخرجه أحمد (٢/ ٥٢٣) من طريق عبد الملك.\n(^٣٨) - وأخرجه (٢/ ٣٣٨) من طريق يونس، (٢/ ٤٨٣) من طريق سريج ثلاثتهم عن فليح به.\nقال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (٨/ ٦٣): رواه أحمد ورجاله ثقات.\n(^٣٩) - أخرجه البخاري في كتاب: الجهاد، باب: إذا نزل العدو على حكم رجل، حديث (٣٠٤٣) (٦/ ١٦٥). وأطرافه في [٣٨٠٤، ٤١٢١، ٦٢٦٢]. ومسلم في كتاب: الجهاد، باب: جواز قتال من نقض العهد، حديث (٦٤/ ١٧٦٨) (١٢/ ١٣٢ وما بعدها). كلاهما من حديث أبي سعيد.\nقال النووي: \"قوموا إلى سيدكم أو خيركم\" فيه إكرام أهل الفضل وتلقيهم بالقيام لهم إذا أقبلوا، هذا احتج له جماهير العلماء لاستحباب القيام. قال القاضي: وليس هذا من القيام المنهى عنه، وإنما ذلك فيمن يقومون عليه وهو جالس، ويمثلون قيامًا طول جلوسه. قلت: القيام للقادم من أهل الفضل مستحب، وقد جاء فيه أحاديث، ولم يصح في النهي عنه شيء صريح، وقد جمعت كل ذلك مع كلام العلماء عليه في جزء، وأجبت فيه عما توهم النهي عنه، والله أعلم. انتهى من شرح مسلم.\n(^٤٠) - أخرجه أحمد (٤/ ٩١، ٩٣، ١٠٠)، وأبو داود في كتاب: الأدب، باب: في قيام الرجل للرجل، حديث (٥٢٢٩) (٤/ ٣٥٨)، والترمذي في كتاب: الأدب، باب: ما جاء في كراهية قيام الرجل للرجل، حديث (٢٧٥٦) (٨/ ٦). والبخاري في الأدب كما في صحيح الأدب المفرد للألباني (٩٧٧). كلهم من طريق حبيب بن الشهيد، عن أبي مجلز، قال خرج معاوية على ابن الزبير وابن عامر؛ فقام ابن عامر وجلس ابن الزبير، فقال معاوية لابن عامر: اجلس فإني سمعت رسول الله - صلى =\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"فلم\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"شريح\".\n[¬٣]- سقط من: ز.","vol":"13","page":458},{"text":"ومنهم من فصَّل فقال: يجوز عند القدوم من سفر، وللحاكم في محل ولايته، كما دل عليه قصة سعد بن معاذ، فإنه لما استقدمه النبي ﷺ حاكمًا في بني قريظة فرآه مقبلًا قال للمسلمين: \"قوموا إلى سيدكم\". وما ذاك إلا ليكون أنفذ لحكمه، والله أعلم.\nفأما اتخاذه ديدنًا فإنه من شعار العجم. وقد جاء في السنن أنه لم يكن شخص أحب إليهم من رسول الله ﷺ وكان إذا جاء لا يقومون له، لما يعلمون من كراهته لذلك (^٤١).\nوفي الحديث المروي في السنن أن رسول الله ﷺ كان يجلس حيث انتهى به المجلس، ولكن حيث يجلس يكون صدر ذلك المجلس، وكان الصحابة ﵃ يجلسون منه على مراتبهم، فالصِّديق يجلسه عن يمينه، وعمر عن يساره، وبين يديه غالبًا عثمان وعلي، لأنهما كانا ممن يكتب الوحي، وكان يأمرهم بذلك، كما رواه مسلم من حديث الأعمش، عن عمارة بن عمير [¬١]، عن أبي معمر، عن أبي مسعود: أن رسول الله ﷺ كان يقول: \"ليليني منكم أولو الأحلام والنهى، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم\". وما ذاك إلا ليعقلوا عنه ما يقوله - صلوات الله وسلامه عليه - ولهذا أمر أولئك النفر بالقيام ليجلس الذين وردوا من أهل بدر، إما لتقصير أولئك في حق البدريين، أو ليأخذ البدريون من العلم بنصيبهم، كما أخذ أولئك قبلهم، أو تعليمًا بتقديم الأفاضل إلى الإمام (^٤٢).\nوقال الإمام أحمد (^٤٣): حدثنا وكيع، عن الأعمش، عن عُمارة [¬٢] بن عمير التيمي [¬٣]، عن أبي معمر، عن أبي مسعود قال: كان رسول الله ﷺ يمسح مناكبنا في الصلاة ويقول: \"استووا، ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم، ليليني منكم\n_________\n= الله عليه وسلم - يقول:. فذكر الحديث. قال الترمذي: حديث حسن. وتعقبه الألباني فحكم بصحة الحديث في الصحيحة (٣٥٧).\n(^٤١) - أخرجه أحمد (٣/ ١٣٢) (١٢٣٦٦)، والترمذي في كتاب الأدب، باب: ما جاء في كراهية قيام الرجل للرجل، حديث (٢٧٥٦) (٨/ ٦)، والبغوي في شرح السنة (١٢/ ٢٩٤) (٣٣٢٩). كلهم من حديث أنس. قال الترمذي: حسن. وقال البغوي: حسن صحيح.\n(^٤٢) أخرجه مسلم في كتاب: الصلاة، باب: تسوية الصفوف وإقامتها، حديث (١٢٢/ ٤٣٢) (٤/ ٢٠٣ - ٢٠٤).\n(^٤٣) - وأحمد (٤/ ١٢٢) (١٧١٥٣).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"عمر\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"عمار\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"الليثي\".","vol":"13","page":459},{"text":"أولو الأحلام والنهى، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم\". قال أبو مسعود: فأنتم اليوم أشد اختلافًا.\nوكذا [¬١] رواه مسلم وأهل السنن - إلّا الترمذي - من طرق عن الأعمش به (^٤٤). وإذا كان هذا أمره لهم في الصلاة أن يليه العقلاء ثم العلماء، فبطريق الأولى أن يكون ذلك في غير الصلاة.\nوروى أبو داود من حديث معاوية بن صالح، عن أبي الزاهرية، عن كثير بن مرة، عن عبد الله بن عمر، أن رسول الله ﷺ قال: \"أقيموا الصفوف، وحاذوا بين المناكب، وسدوا الخلل، ولينوا بأيدي إخوانكم، ولا تذروا فرجات الشيطان، ومن وصل صفًّا وصله الله، ومن قطع صفًّا قطعه الله\" (^٤٥). ولهذا كان أبي بن كعب سيد القراء إذا انتهى إلى الصف الأول انتزع منه رجلًا يكون من أفناء [¬٢] الناس، ويدخل هو في الصف المقدم، ويحتج بهذا الحديث: \"ليليني منكم أولو الأحلام والنهى\".\nوأما عبد الله بن عمر فكان لا يجلس في المكان الذي يقوم له صاحبه عنه، عملًا بمقتضى ما تقدم من روايته الحديث الذي أوردناه. ولنقتصر على هذا المقدار من الأنموذج المتعلق بهذه الآية، وإلا فبسطه يحتاج إلى غير هذا الموضع.\nوفي الحديث الصحيح: بينا رسول الله ﷺ جالس، إذ أقبل ثلاثة نفر، فأما أحدهم فوجد فرجة في الحلقة فدخل فيها، وأما الآخر فجلس وراء الناس، وأدبر الثالث ذاهبًا. فقال رسول الله ﷺ: \"ألا أنبئكم بخبر [¬٣] الثلاثة، أما الأول فآوى إلى الله فآواه الله، وأما الثاني فاستحيا فاستحيا الله منه. وأما الثالث فأعرض فأعرض الله عنه\" (^٤٦)\n_________\n(^٤٤) - وأخرجه مسلم كما مر، وأبو داود في كتاب: الصلاة، باب: من يستحب أن يلي الإمام في الصف وكراهية التأخر، حديث (٦٧٤) (١/ ١٨٠)، والنسائي (٢/ ٨٧ - ٨٨)، وابن ماجة في كتاب: الإقامة، باب: من يستحب أن يلي الإمام، حديث (١٧٦) (٢/ ٣١١ - ٣١٣).\n(^٤٥) - أخرجه أبو داود في كتاب: الصلاة، باب: تسوية الصفوف، حديث (٦٦٦) (١/ ١٧٨ - ١٧٩)، وصححه الألباني في صحيح أبي داود (٦٢٠).\n(^٤٦) - أخرجه البخاري في كتاب العلم، باب: من قعد حيث ينتهي به المجلس، حديث (٦٦) (١/ ١٥٦) وطرفه في [٤٧٤]. ومسلم في كتاب: السلام، باب: من أتى مجلسًا فوجد فرجة فجلس فيها، حديث (٢٦/ ٢١٧٦) (١٤/ ٢٢٦) كلاهما من حديث أبي واقد الليثي ﵁.\n_________\n[¬١]- في ت: \"هكذا\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"أفناد\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"بخير\".","vol":"13","page":460},{"text":"وقال الإمام أحمد: حدثنا عَتَّاب [¬١] بن زياد، [أخبرنا عبد الله] [¬٢]، أخبرنا أسامة بن زيد، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله ﷺ قال: \"لا يحل لرجل أن يفرق بين اثنين إلا بإذنهما\" (^٤٧).\nورواه أبو داود والترمذي من حديث أسامة بن زيد الليثي به (^٤٨). وحسَّنه الترمذي.\nوقد رُوِيَ عن ابن عباس والحسن البصري وغيرهما أنهم قالوا في قوله تعالى: ﴿إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا﴾، يعني: في مجالس الحرب. قالوا: ومعنى قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ [] [¬٣] انْشُزُوا فَانْشُزُوا﴾ أي: انهضوا للقتال. وقال قتادة: ﴿وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا﴾، أي: إذا دعيتم إلى خير فأجيبوا. وقال مقاتل: إذا دعيتم إلى الصلاة فارتفعوا إليها.\nوقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: كانوا إذا كانوا عند النبي ﷺ في بيته فأرادوا الانصراف، أحب كل منهم أن يكون هو آخرهم خروجًا من عنده، فربما يشق ذلك عليه ﵇ وقد تكون له الحاجة، فأمروا أنهم إذا أمروا بالانصراف أن ينصرفوا، كقوله: ﴿[وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ] [¬٤] ارْجِعُوا فَارْجِعُوا﴾.\nوقوله: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ أي: لا تعتقدوا أنه إذا فَسَح أحد منكم لأخيه إذا أقبل، أو إذا أمر بالخروج فخرج، أن يكون ذلك نقصًا في حقه، بل هو رفعة ومزية عند الله، والله تعالى لا يضيع ذلك له، بل يجزيه بها في الدنيا والآخرة، فإن من تواضع لأمر الله رَفَع الله قدره، ونشَرَ ذكره؛ ولهذا قال: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ [بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾، أي:] [¬٥] خبير بمن يستحق ذلك وبمن لا يستحقه.\nقال الإمام أحمد: حدثنا أبو كامل، حدثنا إبراهيم، حدثنا ابن شهاب، عن أبي الطفيل\n_________\n(^٤٧) - أخرجه أحمد (٢/ ٢١٣) (٦٩٩٩).\n(^٤٨) - وأبو داود في كتاب: الأدب، باب: في تنزيل الناس منازلهم، حديث (٤٨٤٥) (٤/ ٢٦٢)، والترمذي في كتاب: الأدب، باب: ما جاء في كراهية الجلوس بين الرجلين بغير إذنهما، حديث (٢٧٥٣) (٨/ ٥). قال الترمذي: حسن صحيح، وصححه أحمد شاكر في تعليقه على المسند. وقال الألباني: حسن صحيح في صحيح أبي داود.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"عثمان\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"لكم\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"وإذا قيل\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"13","page":461},{"text":"عامر بن واثلة أن نافع بن عبد الحارث لقي [¬١] عمر بن الخطاب بعُسفان، وكان عمر استعمله على مكة، فقال له عمر: من استخلفت على أهل الوادي؟ قال: استخلفت عليهم ابن أبزى. قال: [وما ابن أبزى؟ فقال] [¬٢]: رجل من موالينا. فقال عمر: استخلفت عليهم مولى؟ فقال: يا أمير المؤمنين؛ إنه قارئ لكتاب الله، عالم بالفرائض، قاض. فقال عمر ﵁: أما إن نبيكم ﷺ قد قال: \"إن الله يرفع بهذا الكتاب قومًا ويضع به آخرين\" (^٤٩). وهكذا رواه مسلم من غير وجه عن الزهري به (^٥٠).\nورُوي من غير وجه عن عمر بنحوه. وقد ذكرت فضل العلم وأهله وما ورد في ذلك من الأحاديث مستقصاة في شرح كتاب العلم من صحيح البخاري، فلله [¬٣] الحمد والمنة.\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَينَ يَدَي نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢) أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَينَ يَدَي نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٣)﴾\nيقول تعالى آمرًا عباده المؤمنين إذا أراد أحدهم أن يناجي رسول الله ﷺ أي: يسارّه فيما بينه وبينه أن يقدم بين يدي ذلك صدقة تطهره وتزكيه وتؤهله لأن يصلح لهذا المقام، ولهذا قال: ﴿ذَلِكَ خَيرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ﴾.\nثم قال: ﴿فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا﴾، أي: إلا من عجز عن ذلك لفقده ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، فما أمر بها إلا من قدر عليها.\nثم قال: ﴿أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَينَ يَدَي نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ﴾، أي: أخفتم من استمرار هذا الحكم عليكم من وجوب الصدقة قبل مناجاة الرسول، ﴿فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾، فنسخ وجوب ذلك عنهم. وقد قيل: إنه لم يعمل بهذه الآية قبل نسخها سوى علي بن أبي طالب ﵁.\n_________\n(^٤٩) - أخرجه أحمد (١/ ٣٥) (٢٣٢).\n(^٥٠) - ومسلم في كتاب: صلاة المسافرين، باب: فضل من يقوم بالقرآن ويعلمه، حديث (٢٦٩/ ٨١٧) (٦/ ١٤٢).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"أتى\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في ت: \"ولله\".","vol":"13","page":462},{"text":"قال ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: نهوا عن مناجاة النبي ﷺ حتى يتصدقوا، فلم يناجه إلا علي بن أبي طالب، قدم دينارًا صدقة تصدق به، ثم ناجى النبي ﷺ، فسأله عن عشر خصال، ثم أنزلت الرخصة.\nوقال ليث بن أبي سليم عن مجاهد: قال عليّ ﵁: آية في كتاب الله ﷿ لم يعمل بها أحد قبلي، ولا يعمل بها أحد بعدي، كان عندي دينار فصرفته بعشرة [¬١] دراهم، فكنت إذا ناجيت رسول الله ﷺ تصدقت بدرهم، فنسخت ولم يعمل بها أحد قبلي، ولا يعمل بها أحد بعدي، ثم تلا هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَينَ يَدَي نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً …﴾ الآية (^٥١).\nوقال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا مهران، عن سفيان، عن عثمان بن المغيرة، عن سالم بن أبي الجعد، عن عليّ بن علقمة الأنمارى، عن عليّ ﵁ قال: قال النبي ﷺ: \"ما ترى؟ دينار؟ \" قال: [لا يطيقون] [¬٢]. قال: \"نصف دينار؟ \" قال: لا يطيقون [¬٣]. قال: \"ما ترى؟ \"؟ قال: شَعيرَة. فقال له النبي ﷺ: \"إنك زهيد [¬٤] \". قال [¬٥]: قال علي: فبي خفف الله عن هذه الأمة. وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَينَ يَدَي نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾. فنزلت: ﴿أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَينَ يَدَي نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ [¬٦]﴾ (^٥٢).\nورواه الترمذي عن سفيان بن وكيع، عن يحيى بن آدم، عن عبيد الله الأشجعي، عن سفيان الثوري، عن عثمان بن المغيرة الثقفي، عن سالم بن أبي الجعد، عن علي بن علقمة الأنمارى، عن عليّ بن أبي طالب قال: لما نزلت: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَينَ يَدَي نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾. قال لي [¬٧] النبي ﷺ: \"ما ترى؟ دينار؟ \" قلت [¬٨]: لا يطيقونه [¬٩]. وذكره بتمامه، مثله (^٥٣)، ثم قال: هذا\n_________\n(^٥١) - أخرجه الطبري (٢٨/ ٢٠). وفي إسناده ليث بن أبي سليم صدوق قد اختلط جدًّا، ولم يتميز حديثه فترك. والحديث أخرجه الحاكم من طريق آخر عن علي وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.\n(^٥٢) - أخرجه الطبري (٢٨/ ٢١). وفي إسناده علي بن علقمة الأنمارى، قال الحافظ: مقبول.\n(^٥٣) - وأخرجه الترمذي في كتاب: التفسير، باب: ومن سورة المجادلة، حديث (٣٢٩٧) (٩/ ٤١) =\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"بعشر\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"ما تطيقون\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"تطيقون\".\n[¬٤]- في ز: \"لن تميد\".\n[¬٥]- سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- في ز، خ: \"صدقة\".\n[¬٧]- سقط من: ز، خ.\n[¬٨]- في ز، خ: \"قال\".\n[¬٩]- في ز، خ: \"لا تطيقونه\".","vol":"13","page":463},{"text":"حديث حسن غريب، إنما نعرفه من هذا الوجه. ثم قال: ومعنى قوله \"شعيرة\": يعني وزن شعيرة من ذهب.\nورواه أبو يعلى عن أبي بكر بن أبي شيبة عن يحيى بن آدم به (^٥٤).\nوقال العوفي: عن ابن عباس في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَينَ يَدَي نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾ إلى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. كان المسلمون يقدمون بين يدي النجوى صدقة، فلما نزلت الزكاة نسخ هذا.\nوقال عليّ بن أبي طلحة: عن ابن عباس قوله: ﴿فَقَدِّمُوا بَينَ يَدَي نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾، وذلك أن المسلمين أكثروا المسائل على رسول الله ﷺ حتى شقوا عليه، فأراد الله أن يخفف عن نبيه ﵇ فلما قال ذلك [صبر كثير] [¬١] من الناس وكفوا عن المسألة، فأنزل الله بعد هذا: ﴿أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَينَ يَدَي نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ [¬٢] فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾، فوسع الله عليهم ولم يضيق.\nوقال عكرمة والحسن البصري في قوله: ﴿فَقَدِّمُوا بَينَ يَدَي نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾: نسختها الآية التي بعدها: ﴿أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَينَ يَدَي نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ [¬٣]﴾ إلى آخرها.\nوقال سعيد عن قتادة ومقاتل بن حيان: سأل الناس رسول الله ﷺ حتى أحفوه بالمسألة، فقطعهم الله بهذه الآية، فكان الرجل منهم [¬٤] إذا كانت له الحاجة إلى [¬٥] نبي الله ﷺ فلا يستطيع أن يقضيها حتى يقدم بين يديه صدقة، فاشتد ذلك عليهم، فأنزل الله الرخصة بعد ذلك: ﴿فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.\nوقال معمر: عن قتادة: ﴿إِذَا نَاجَيتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَينَ يَدَي نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾: إنها منسوخة، ما كانت إلا ساعة من نهار. وهكذا روى عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن أيوب، عن مجاهد، قال عليّ: ما عمل بها أحد غيري حتى نسخت، وأحسبه قال: وما كانت إلا ساعة.\n_________\n= وضعف إسناده الألباني في ضعيف سنن الترمذي (٦٥٢ - ٣٥٣٢).\n(^٥٤) - وأخرجه وأبو يعلى (١/ ٣٢٢ - ٣٢٣) (٤٠٠) من طريق علي بن علقمة، قال البخاري: في حديثه نظر، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال الحافظ: مقبول.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"حين كثر\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"صدقة\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"صدقة\".\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- في ز، خ: \"أتى\".","vol":"13","page":464},{"text":"﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيهِمْ مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٥) اتَّخَذُوا أَيمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٦) لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيئًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١٧) يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيءٍ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ (١٨) اسْتَحْوَذَ عَلَيهِمُ الشَّيطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ (١٩)﴾\nيقول تعالى منكرًا على المنافقين في موالاتهم الكفار في الباطن، وهم في نفس الأمر لا معهم ولا مع المؤمنين، كما قال تعالى: ﴿مُذَبْذَبِينَ بَينَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾. وقال هاهنا: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيهِمْ﴾، يعني اليهود، الذين كان المنافقون يمالئونهم ويوالونهم في الباطن. ثم قال: ﴿مَا [¬١] هُمْ مِنْكُمْ وَلَا مِنْهُمْ﴾، أي: هؤلاء المنافقون، ليسوا في الحقيقة لا منكم أيها المؤمنون، ولا من الذين تولوهم وهم اليهود.\nثم قال: ﴿وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ يعني: المنافقين يحلفون على الكذب وهم عالمون بأنهم كاذبون فيما حلفوا، وهي اليمين الغموس، ولا سيما في مثل حالهم اللعين - عياذًا بالله منه - فإنهم كانوا إذا لقوا الذين آمنوا قالوا: آمنا، وإذا جاءوا الرسول حلفوا بالله أنهم مؤمنون، وهم في ذلك يعلمون أنهم يكذبون فيما حلفوا به، لأنهم لا يعتقدون صدق ما قالوه، وإن كان في نفس الأمر مطابقًا. ولهذا شهد الله بكذبهم في إيمانهم وشهادتهم لذلك.\nثم قال: ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، أي: أرصد الله لهم على هذا الصنيع العذاب الأليم على أعمالهم السيئة، وهي موالاة الكافرين ونصحهم [¬٢]، ومعاداة المؤمنين وغشهم، ولهذا قال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَيمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾، أي: أظهروا الإيمان وأبطنوا الكفر، واتقوا بالأيمان الكاذبة، فظن كثير ممن لا يعرف حقيقة أمرهم صدقهم فاغتر بهم، فحصل بهذا صد عن سبيل الله لبعض\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"لا\".\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.","vol":"13","page":465},{"text":"الناس، ﴿فَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾، أي: في مقابلة ما امتهنوا من الحلف باسم الله العظيم في الأيمان الكاذبة الحانثة.\nثم قال: ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيئًا﴾، أي: لن يدفع ذلك عنهم بأسًا إذا جاءهم، ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.\nثم قال: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا﴾ أي: يحشرهم يوم القيامة عن آخرهم فلا يغادر منهم أحدًا ﴿فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيءٍ﴾ أي: يحلفون لله [¬١]﷿ أنهم كانوا على الهدى والاستقامة كما كانوا يحلفون للناس في الدنيا: لأن من عاش على شيء مات عليه وبعث عليه ويعتقدون أن ذلك ينفعهم عند الله كما كان ينفعهم عند الناس فيجرون عليهم الأحكام الظاهرة؛ ولهذا قال ﴿وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيءٍ﴾ أي: حلفهم ذلك لربهم ﷿ ثم قال منكرًا عليهم حسبانهم [ذلك] [¬٢]: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ فأكد الخبر عنهم بالكذب.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا ابن نفيل، حدثنا زهير، حدثنا [¬٣] سماك بن حرب، حدثني سعيد بن جُبَير: أن ابن عباس حَدثه: أن النبي ﷺ كان في ظل حجرة من حُجَره، وعنده نفر من المسلمين قد كاد يقلص عنهم الظل، قال: \"إنه سيأتيكم إنسان [¬٤] ينظر بعيني شيطان، فإذا أتاكم فلا تكلموه\". فجاء رجل أزرق، فدعاه رسول الله ﷺ فكلمه، فقال: \"علام تشتمني أنت وفلان وفلان؟ \" - نفر دعاهم بأسمائهم - قال: فانطلق الرجل فدعاهم، فحلفوا له واعتذروا إليه، قال: فأنزل الله ﷿: ﴿فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيءٍ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾.\nوهكذا رواه الإمام أحمد من طريقين عن سماك، به (^٥٥).\nورواه ابن جرير، عن محمد بن المثنى، عن غندر، عن شعبة، عن سماك، به نحوه (^٥٦).\nوأخرجه أيضًا من حديث سفيان الثوري عن سماك بنحوه إسناد جيد ولم يخرجوه (^٥٧).\n_________\n(^٥٥) - أخرجه أحمد (١/ ٢٤٠) (٢١٤٧).\n(^٥٦) - والطبرى (٢٨/ ٢٣) وشعبة روى عن سماك قبل الاختلاط وقد صحح إسناد هذا الحديث الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على المسند.\n(^٥٧) - وأخرجه الطبري (٢٨/ ٢٥) من طريق سفيان عن سماك، والحاكم (٢/ ٤٨٢) من طريق =\n_________\n[¬١]- في ت: \"بالله\".\n[¬٢]- سقط من ت.\n[¬٣]- في ت: \"عن\".\n[¬٤]- في ز، خ: \"البيان\".","vol":"13","page":466},{"text":"وحال هؤلاء كما أخبر تعالى عن المشركين حيث يقول: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إلا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣) انْظُرْ كَيفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾. ثم قال: ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيهِمُ الشَّيطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ﴾، أي: استحوذ على قلوبهم الشيطان حتى أنساهم أن يذكروا الله ﷿ وكذلك يصنع بمن استحوذ عليه. ولهذا قال أبو داود:\nحدثنا أحمد بن يونس، حدثنا زائدة، حدثنا السائب بن حُبَيش، عن معدان بن أبي طلحة اليَعْمُري، عن أبي الدرداء قال [¬١]: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"ما من ثلاثة في قرية ولا بدو، لا تقام فيهم الصلاة إلا قد استحوذ عليهم الشيطان، فعليك بالجماعة فإنما يأكل الذئب القاصية\"، قال زائدة: قال السائب: يعني الصلاة في الجماعة (^٥٨).\nثم قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيطَانِ﴾، يعني الذين استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله. ثم قال: ﴿أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾.\n﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ (٢٠) كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَويٌّ عَزِيزٌ (٢١) لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٢٢)﴾\nيقول تعالى مخبرًا عن الكفار المعاندين المحادين لله ورسوله، يعني: الذين هم في حَد\n_________\n= إسرائيل عنه. وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. وأورده الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (٧/ ١٢٥) وعزاه إلى الطبراني وأحمد والبزار، وقال: رجال الجميع رجال الصحيح.\n(^٥٨) - أخرجه أبو داود في كتاب: الصلاة، باب: في التشديد في ترك الجماعة، حديث (٥٤٧) (١/ ١٥٠). قال الزيلعي في \"نصب الراية\" (٢/ ٢٤): قال النووي: إسناده صحيح، ذكره في الخلاصة.\nوحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود (٥١١).\n_________\n[¬١]- سقط من ت.","vol":"13","page":467},{"text":"والشرع في حَد، أي: مجانبون للحق مشاقون له، هم في ناحية والهدى في ناحية، ﴿أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ﴾، أي: في الأشقياء المبعَدين المطرودين عن الصواب، الأذلين في الدنيا والآخرة.\n﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾، أي: قد حكم وكتب في كتابه الأول وقَدَره الذي لا يُخالف ولا يمانع ولا يبدل، بأن النصرة له ولكتابه ورسله وعباده المؤمنين في الدنيا والآخرة، وأن العاقبة للمتقين، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (٥١) يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾. وقال هاهنا: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَويٌّ عَزِيزٌ﴾، أي: كتب القوي العزيز أنه الغالب لأعدائه، وهذا قدر محكم وأمر مبرم، أن العاقبة والنصرة للمؤمنين في الدنيا والآخرة.\nثم قال تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾، أي لا يوادون المحادين ولوكانوا من الأقربين، كما قال تعالى: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيءٍ إلا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ … الآية. وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾.\nوقد قال سعيد بن عبد العزيز وغيره: أنزلت هذه الآية: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ إلى آخرها في أبي عبيدة عامر بن عبد الله بن الجراح، حين قتل أباه يوم بدر. ولهذا قال عمر بن الخطاب ﵁ حين جعل الأمر شورى بعده في أولئك الستة ﵃: ولو كان أبو عبيدة حيًّا لاستخلفته.\nوقيل في قوله: ﴿وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ﴾: نزلت في أبي عبيدة، قتل أباه يوم بدر. ﴿أَوْ أَبْنَاءَهُمْ﴾: في الصديق، هَمَّ يومئذ بقتل ابنه عبد الرحمن، ﴿أَوْ إِخْوَانَهُمْ﴾: في مصعب بن عمير، قتل أخاه عبيد بن عمير يومئذ. ﴿أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾: في عمر، قتل قريبًا له يومئذ أيضًا، وفي حمزة وعليّ وعبيدة بن الحارث، قتلوا عتبة وشيبة والوليد بن عتبة يومئذ، والله أعلم.\nقلت: ومن هذا القبيل حين استشار رسول الله ﷺ المسلمين [¬١] في أسارى بدر فأشار الصديق بأن يفادوا فيكون ما يؤخذ منهم قوة للمسلمين وهم بنو العم\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"المؤمنين\".","vol":"13","page":468},{"text":"والعشيرة، ولعل الله أن يهديهم، وقال عمر: لا أرى ما رأى يا رسول الله، هل تمكنني من فلان - قريب لعمر - فأقتله، وتُمكن [¬١] عليًّا من عقيل، وتُمكن [¬٢] فلانًا من فلان ليعلم الله أنه ليست في قلوبنا هوادة للمشركين … القصة بكمالها (^٥٩).\nوقوله: ﴿أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾، أي: من اتصف بأنه لا يواد من حاد الله ورسوله ولو كان أباه أو أخاه، فهذا ممن كتب الله في قلبه الإيمان، أي كتب له السعادة وقررها في قلبه وزين الإيمان في بصيرته.\nقال السدي: ﴿كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ﴾ أي [¬٣]: جعل في قلوبهم الإيمان.\nوقال ابن عباس: ﴿وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾، أي: قواهم.\nوقوله: ﴿وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾: كل هذا تقدم تفسيره غير مرة.\nوفي قوله: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾: سر بديع، وهو أنه لما سخطوا على القرائب والعشائر في الله عَوَّضهم الله بالرضا عنهم، وأرضاهم عنه بما أعطاهم من النعيم المقيم، والفوز العظيم، والفضل العميم.\nوقوله: ﴿أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. أي: هؤلاء حزب الله أي: عباد الله وأهل كرامته.\nوقوله: ﴿أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾: تنويه بفلاحهم وسعادتهم ونصرهم في الدنيا والآخرة، في مقابلة ما أخبر عن أولئك بأنهم حزب الشيطان، ثم قال: ﴿أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾.\nوقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا هارون بن حميد الواسطي، حدثنا الفضل بن عنبسة، عن رجل قد سماه -يقال: هو عبد الحميد بن سليمان، انقطع من كتابي-، عن الذيال بن عباد قال: كتب أبو [¬٤] حازم الأعرج إلى الزهري: اعلم أن الجاه جاهان، جاه يجريه الله على أيدي أوليائه لأوليائه. وإنهم الخامل ذكرهم، الخفية شخوصهم، ولقد جاءت صفتهم على لسان رسول الله ﷺ: \"إن الله يحب الأخفياء الأتقياء، الأبرياء الذين إذا غابوا لم يفتقدوا، وإذا حضروا لم يُدعَوا، قلوبهم مصابيح الهدى،\n_________\n(^٥٩) - تقدم تخريج القصة بكاملها في تفسير سورة الأنفال، آية (٦٧).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"يمكن\".\n[¬٢]- في ز، خ\" \"يمكن\".\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- في ز، خ: \"ابن\".","vol":"13","page":469},{"text":"يخرجون من كل فتنة سوداء مظلمة. فهؤلاء أولياء الله الذين قال الله: ﴿أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ \" (^٦٠).\nوقال نُعيم بن حماد: حدثنا محمد بن ثور، عن يونس، عن الحسن قال: قال رسول الله ﷺ: \"اللَّهم، لا تجعل لفاجر ولا لفاسق عندي يدًا ولا نعمة، فإني وجدت فيما أوحيته [¬١] إلي: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾. قال سفيان: يرون أنها نزلت فيمن يخالط السلطان (^٦١). ورواه أبو أحمد العسكري.\n[آخر تفسير سورة المجادلة. ولله الحمد].\n* * *\n_________\n(^٦٠) - المرفوع منه أخرجه ابن ماجة في كتاب الفتن، باب: من ترجى له السلامة من الفتن، حديث (٣٩٨٩) (٢/ ١٣٢٠ - ١٣٢١) بنحوه من حديث معاذ بن جبل ﵁. قال في الزوائد: في إسناده عبد الله بن لهيعة، وهو ضعيف. ولبعض ألفاظ الحديث شاهد عند مسلم (١١/ ٢٩٦٥) من حديث سعد بن أبي وقاص أنه قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن الله يحب العبد التقي الغنى الخفي\".\n(^٦١) - في إسناده انقطاع ظاهر.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"أوحاه\".","vol":"13","page":470},{"text":"<span data-type='title' id=toc-180>تفسير سورة الحشر وهي مدنية</span>\nقال سعيد بن منصور: حدثنا هُشيم، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير قال: قلت لابن عباس: سورة الحشر؟ قال: أنزلت في بني النضير. ورواه البخاري ومسلم من وجه آخر، عن هشيم، به (^١).\nورواه البخاري (^٢) من حديث أبي عوانة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير قال: قلت لابن عباس: سورة الحشر؟ قال: قل [¬١]: سورة النضير.\n﷽\n﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١) هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيدِيهِمْ وَأَيدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ (٢) وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيهِمُ الْجَلَاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ (٣) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٤) مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ (٥)﴾\nيخبر تعالى أن جميع ما في السماوات وما في الأرض من شيء يسبح له ويمجده ويقدسه، ويصلي له ويوحده، كقوله: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ\n_________\n(^١) - أخرجه البخاري في كتاب التفسير، باب: سورة الحشر، حديث (٤٨٨٢)، ومسلم في كتاب: التفسير، حديث ٣١ - (٣٠٣١) (١٨/ ٢١٩).\n(^٢) - أخرجه البخاري في الموضع السابق (٤٨٨٣).\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.","vol":"13","page":471},{"text":"وإن من شيء إلا يسبح بحمده\" وقوله: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ أي منيع الجناب ﴿الْحَكِيمُ﴾ في قدره وشرعه.\nوقوله: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾، يعني: يهود بني النضير. قاله ابن عباس، ومجاهد والزهري، وغير واحد. كان رسول الله ﷺ لما قدم المدينة هادنهم وأعطاهم عهدًا وذمة على أن لا يقاتلهم ولا يقاتلوه، فنقضوا العهد الذي كان بينهم وبينه، فأحل الله بهم بأسه الذي لا مَرَدَّ له، وأنزل عليهم قضاءه الذي لا يُصَدّ، فأجلاهم النبي ﷺ وأخرجهم من حصونهم الحصينة التي ما طمع فيها [¬١] المسلمون، وظنوا هم أنها مانعتهم من بأس الله، فما أغنى عنهم من الله شيئًا، وجاءهم ما لم يكن ببالهم، وسيَّرهم رسول الله وأجلاهم من المدينة، فكان منهم طائفة ذهبوا إلى أذرعات من أعالي الشام، وهي أرض المحشر والمنشر، ومنهم طائفة ذهبوا إلى خيبر. وكان قد أنزلهم منها على أن لهم ما حملت إبلهم، فكانوا يخربون ما في بيوتهم من المنقولات التي يمكن أن تحمل معهم ولهذا قال: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيدِيهِمْ وَأَيدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ﴾، أي: تفكروا في عاقبة من خالف أمر الله وخالف رسوله، وكذب كتابه، كيف يحل به من بأسه الخزي له في الدنيا، مع ما يدخره له في الآخرة من العذاب الأليم.\nقال أبو داود: حدثنا محمد بن داود بن [¬٢] سفيان، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزهري، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ: أن كفار قريش كتبوا إلى ابن [أبيّ ومن] [¬٣] كان معه يعبد معه الأوثان من الأوس والخزرج، ورسول الله ﷺ يومئذ بالمدينة قبل وقعة بدر: إنكم آويتم [¬٤] صاحبنا، وإنا [¬٥] نقسم بالله لتقاتلنه [أو لتخرجنه] [¬٦]، أو لنسيرن إليكم بأجمعنا، حتى نقتل مقاتلتكم ونستبيح نساءكم، فلما بلغ ذلك [] [¬٧] عبد الله بن أبيّ ومن كان معه من عبدة الأوثان، اجتمعوا [¬٨] لقتال النبي ﷺ فلما بلغ ذلك النبي ﷺ لقيهم فقال: \"لقد بلغ وعيد قريش منكم المبالغ، ما كانت تكيدكم بأكثر مما تريد أن تكيدوا به أنفسكم، تريدون أن تقاتلوا أبناءكم وإخوانكم؟ \" فلما سمعوا ذلك\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"بها\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"و\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"أم رب\".\n[¬٤]- في ز، خ: \"أدنيتم\".\n[¬٥]- في ز، خ: \"وإنما\".\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"ولنخرجنكم\".\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"ولد\".\n[¬٨]- في ز، خ: \"أحملوا\".","vol":"13","page":472},{"text":"من النبي ﷺ تفرقوا، فبلغ ذلك كفارَ قريش، فكتبت كفار قريش بعد وقعة بدر إلى اليهود: إنكم أهل الحلقة والحصون، وإنكم لتقاتلن مع صاحبنا أو لنفعلن كذا وكذا، ولا يحول بيننا وبين خدَم نسائكم شيء -[وهي الخلاخيل] [¬١]- فلما بلغ كتابهم النبي ﷺ أجمعت [¬٢] بنو النضير بالغدر، فأرسلوا إلى النبي ﷺ أخرج إلينا في [¬٣] ثلاثين رجلًا من أصحابك وليخرج منا ثلاثون [حبرًا، حتى نلتقي بمكان المنصف فيسمعوا منك، فإن صدقوك وآمنوا بك آمنا بك،] [¬٤] فلما كان الغد غدا عليهم رسول الله ﷺ بالكتائب [¬٥] فحصرهم، فقال لهم: \"إنكم والله لا تأمنون [¬٦] عندي إلا بعهد تُعاهدُني [¬٧] عليه\". فأبوا أن يعطوه عهدًا، فقاتلهم يومهم ذلك، ثم غدا الغدَ على بني قريظة بالكتائب، وترك [¬٨] بني النضير، ودعاهم إلى أن يعاهدوه، فعاهدوه، فانصرف [¬٩] عنهم. وغدا إلى بني النضير بالكتائب فقاتلهم، حتى نزلوا على الجلاء، فجلت بنو النضير، واحتملوا ما أقلَّت الإبل من أمتعتهم وأبواب بيوتهم وخشبها، وكان نخل بني النضير لرسول الله ﷺ خاصة، أعطاه الله إياها وخصه بها، فقال: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيهِ مِنْ خَيلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾، [يقول: بغير قتال] [¬١٠]. فأعطى النبي ﷺ أكثرها للمهاجرين، قسمها بينهم، وقسم منها لرجلين من الأنصار وكانا ذوي حاجة، ولم يقسم من الأنصار، غيرهما، وبقي منها صدقة رسول الله ﷺ التي في أيدي بني فاطمة (^٣) ولنذكر ملخص غزوة بني النضير على وجه الاختصار وبالله المستعان.\nوكان سبب ذلك فيما ذكره أصحاب المغازي والسيَر -أنه لما- قُتِل أصحابُ بئر [¬١١] معونة من أصحاب رسول الله ﷺ وكانوا سبعين-، وأفلت منهم عمرو بن أمية الضمري، فلما كان في أثناء الطريق راجعًا إلى المدينة قتل رجلين من بني عامر، وكان معهما\n_________\n(^٣) - أخرجه أبو داود في كتاب: الخراج والإمارة والفئ، باب: في خبر النضير، حديث (٣٠٠٤) (٣/ ١٥٦)، ومحمد بن داود بن سفيان، قال الحافظ: مقبول. والحديث صححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (٢٥٩٥).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"وهو الخلاخل\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"أيقنت\". والمثبت من سنن أبي داود.\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين بياض في: ز، خ.\n[¬٥]- سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- في ت: \"تأمنوا\".\n[¬٧]- في ت: \"تعاهدوني\".\n[¬٨]- في ز، خ: \"فنزل\".\n[¬٩]- في ز، خ: \"فصرف\".\n[¬١٠]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬١١]- في ز، خ: \"بنو\".","vol":"13","page":473},{"text":"عهد من رسول الله ﷺ، وأمان لم يعلم به عمرو، فلما رجع أخبر رسول الله ﷺ فقال له رسول الله ﷺ: \"لقد قتلت رجلين لأدينَّهما\" (^٤)، وكان بين بني النضير وبني عامر حلف وعهد، فخرج رسول الله ﷺ إلى بني النضير يستعينهم في دية ذينك الرجلين، وكانت منازل بني النضير ظاهر المدينة على أميال منها شرقيها.\nقال محمد بن إسحاق بن يسار في كتابه السيرة (^٥): ثم خرج رسول الله ﷺ إلى بني النضير يستعينهم في دية ذينك القتيلين من بني عامر، اللذين قتل عمرو بن أمية الضمري، للجوار الذي كان رسول الله ﷺ عقد لهما، فيما حدثني يزيد بن رومان، وكان بين بني النضير وبني عامر عَقد وحلف؛ فلما أتاهم رسول الله ﷺ يستعينهم في دية ذينك القتيلين؛ قالوا: نعم، يا أبا القاسم، نعينك على ما أحببت، مما استعنت بنا عليه، ثم خلا بعضهم ببعض فقالوا: إنكم لن تجدوا الرجل على مثل حاله هذه - ورسول الله ﷺ إلى جنب جدار من بيوتهم - فمَن رجل يعلو على هذا البيت، فيلقي عليه صخرة، فيريحنا منه؟ فانتدب لذلك عمرو بن جحاش بن كعب - أحدهم - فقال: أنا لذلك، فصعد ليلقي عليه صخرة كما قال، ورسول الله ﷺ في نفر من أصحابه، فيهم أبو بكر وعمر وعليّ ﵃، فأتى رسول الله ﷺ الخبر من السماء بما أراد القوم، فقام وخرج راجعًا إلى المدينة، فلما استلبثَ النبي ﷺ أصحابه قاموا في طلبه، فلقوا رجلًا مقبلًا من المدينة فسألوه عنه فقال: رأيته داخلًا المدينة، فأقبل أصحاب رسول الله ﷺ حتى انتهوا إليه، فأخبرهم الخبر بما كانت يهود أرادت من الغدر به، وأمر رسول الله ﷺ بالتهيؤ لحربهم والمسير إليهم، ثم سار حتى نزل بهم فتحصنوا منه في الحصون، فأمر رسول الله ﷺ بقطع النخل والتَّحريق فيها، فنادوه: أن [¬١] يا محمد؛ قد كنت تنهى عن الفساد وتعيبه على من صنعه، فما بال قطع النخل وتحريقها؟\nوقد كان رهط من بني عوف بن الخزرج منهم عبد الله بن أبيّ ابن سلول، ووديعة، ومالك بن أبي قوقل [¬٢]، وسُوَيد، وداعس، قد بعثوا إلى بني النضير: أن اثبتوا وَتمنَّعوا فإنا لن نسلمكم، إن قوتلتم قاتلنا معكم، وإن أخرجتُم خرجنَا [¬٣] معكم فتربصوا ذلك من\n_________\n(^٤) - السيرة النبوية لابن هشام (٣/ ٦٨٠).\n(^٥) - سيرة ابن هشام (٣/ ٦٨٢ - ٦٨٤) بأتم من ذلك.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"أي\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"نوفل\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"أخرجنا\".","vol":"13","page":474},{"text":"نصرهم، فلم يفعلوا، وقذف الله في قلوبهم الرعب، فسألوا رسول الله ﷺ أن يجليهم ويكف عن دمائهم، على أن لهم ما حملت الإبل من أموالهم إلا الحلقة، ففعل، فاحتملوا من أموالهم ما استقلت به الإبل، فكان الرجل منهم يهدم بيته عن نِجاف [¬١] بابه، فيضعه على ظهر بعيره فينطلق به، فخرجوا إلى خيبر، ومنهم من سار إلى الشام، وخَلّوا الأموال لرسول الله ﷺ فكانت لرسول الله خاصة يضعها حيث يشاء، فقسمها على المهاجرين الأولين دون الأنصار، إلا أن سهل بن حُنَيف وأبا دُجانة سماك بن خَرشَة ذكرا فقرًا، فأعطاهما رسول الله ﷺ.\nقال: ولم يسلم من بني النضير إلا رجلان: يامين بن عمير [¬٢] بن كعب ابن [عم] [¬٣] عمرو بن جحاش، وأبو سعد بن وهب، أسلما على أموالهما فأحرزاها.\nقال ابن إسحاق: وقد حدثني بعض آل يامين؛ أن رسول الله ﷺ، قال ليامين: \"ألم تر ما لقيتُ من ابن عمك، وما هَم به من شأني\". فجعل يامين بن عمَير لرجل جعلًا على أن يقتل عمرو بن جحاش، فقتله فيما يزعمون.\nقال ابن إسحاق: ونزل في بني النضير سورة الحشر بأسرها.\nوهكذا روى يونس بن بُكَير [¬٤] عن ابن إسحاق، بنحو ما تقدم.\nفقوله: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ يعني: بني النضير ﴿مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ﴾.\nقال ابن أبي حاتم (^٦): حدثنا أبي، حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيان، عن أبي سعد، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: من شك في أن أرض المحشر هاهنا -يعني الشام- فَلْيَتْل هذه الآية: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ﴾، قال لهم رسول الله ﷺ: \"اخرجوا\". قالوا: إلى أين؟ قال: \"إلى أرض المحشر\".\nوحدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو أسامة، عن عوف، عن الحسن؛ قال: لما أجلى رسول الله ﷺ بني النضير، قال: \"هذا أول الحشر، وأنا على الأثر\".\n_________\n(^٦) - أخرجه ابن أبي حاتم والبزار (٢/ ٤٧٢ - مختصر) (٢٢٣٧) من طريق سفيان. قال الهيثمي في \"المجمع\" (١٠/ ٣٤٦): رواه البزار وفيه أبو سعد البقال، والغالب فيه الضعف. وزاد السيوطي نسبته إلى ابن المنذر، وابن مردويه، والبيهقي في البعث.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"إنجاف\".\n[¬٢]- في ز: \"عمرو\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من ت.\n[¬٤]- في ز، خ: \"بكر\".","vol":"13","page":475},{"text":"ورواه ابن جرير (^٧) عن بندار عن ابن أبي عدي عن عوف عن الحسن به.\nوقوله: ﴿مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا﴾ أي: في مدة حصاركم لهم وقصَرها، وكانت ستة أيام، مع شدة حصونهم ومنعتها، ولهذا قال: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ [¬١] اللَّهُ مِنْ حَيثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا﴾، أي: جاءهم من أمر الله ما لم يكن لهم في بال، كما قال في الآية الأخرى: ﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيثُ لَا يَشْعُرُونَ﴾ وقوله: ﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾، أي: الخوف والهلع والجزع، وكيف لا يحصل لهم ذلك وقد حاصرهم الذي نُصر بالرعب مسيرةَ شهر، صلوات الله وسلامه عليه.\nوقوله: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيدِيهِمْ وَأَيدِي الْمُؤْمِنِينَ﴾، قد تقدم تفسير ابن إسحاق لذلك، وهو نقض ما استحسنوه من سقوفهم وأبوابهم، وتَحَمُّلها على الإبل. وكذا قال عروة بن الزبير، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وغير واحد.\nوقال مقاتل بن حيان (^٨): كان رسول الله ﷺ يقاتلهم، فإذا ظهر على دَرب أو دار، هدم حيطانها ليتسع المكان للقتال، وكان اليهود إذا عَلَوا مكانًا أو غلبوا على دَرب أو دار نقبوا من أدبارها [¬٢] ثم حصنوها ودَرّبوها [¬٣]، يقول الله تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾.\nوقوله: ﴿وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيهِمُ الْجَلَاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا﴾، أي: لولا أن كتب الله عليهم هذا الجلاء، وهو النفي من ديارهم وأموالهم، لكان [¬٤] لهم عند الله عذاب آخر من القتل والسبي، ونحو ذلك، قاله الزهري عن عروة، والسديُّ وابن [¬٥] زيد، لأن الله قد كتب عليهم أنه سيعذبهم في الدار الدنيا مع ما أعد لهم في الآخرة من العذاب في نار جهنم.\nقال ابن أبي حاتم (^٩): حدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن صالح - كاتب الليث - حدثني الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب؛ قال: أخبرني عروة بن الزبير؛ قال: ثم كانت وقعة\n_________\n(^٧) - أخرجه الطبري (٢٨/ ٢٩) وإسناده مرسل.\n(^٨) - صدوق من السادسة فحديثه عن النبي ﷺ منقطع.\n(^٩) - في إسناده عبد الله بن صالح كاتب الليث، وهو ضعيف من قبل حفظه.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"وأتاهم\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"أدبارها\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"ودبروها\".\n[¬٤]- في ز، خ: \"فكان\".\n[¬٥]- في ز، خ: \"وأبي\".","vol":"13","page":476},{"text":"بني النضير، وهم طائفة من اليهود، على رأس ستة أشهر من وقعة بدر، وكان منزلهم بناحية من المدينة، فحاصرهم رسول الله ﷺ حتى نزلوا على الجلاء، وأن لهم ما أقَلَّت الإبل من الأموال والأمتعة إلا الحلقة، وهي السلاح، فأجلاهم رسول الله ﷺ قِبَل الشام. قال: والجلاء أنه كُتب عليهم في آي من التوراة، وكانوا من سبط لم يصبهم الجلاء قبلما سلط عليهم رسول الله ﷺ، وأنزل الله فيهم: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾، إلى قوله: ﴿وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾.\nوقال عكرمة: الجلاء: القتل، وفي رواية عنه الفناء.\nوقال قتادة: الجلاء: خروج الناس من البلد إلى البلد.\nوقال الضحاك: أجلاهم إلى الشام وأعطى كل ثلاثة بعيرًا وسقاء، فهذا الجلاء.\nوقد قال الحافظ أبو بكر البيهقي (^١٠): أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا أحمد بن كامل القاضي، حدثنا محمد بن سعد [¬١] العوفي، حدثني أبي، عن عمي، حدثني أبي، عن جدي، عن ابن عباس؛ قال كان النبي ﷺ قد حاصرهم حتى بلغ منهم كل مبلغ، فأعطوه ما أراد منهم، فصالحهم على أن يحقن لهم دماءهم، وأن يخرجهم من أرضهم ومن ديارهم وأوطانهم، وأن يسيرهم إلى أذرعات الشام، وجعل لكل ثلاثة منهم بعيرًا وسقاء، والجلاء: إخراجهم من أرضهم إلى أرض أخرى.\nوروى أيضًا (^١١) من حديث يعقوب بن محمد الزهري [¬٢]، عن إبراهيم بن جعفر بن محمود بن محمد بن مسلمة [¬٣]، عن أبيه، عن جده، عن محمد بن مسلمة [¬٤]؛ أن رسول الله ﷺ بعثه إلى بني النضير، وأمره أن يؤجلهم [¬٥] في الجلاء ثلاث ليال.\nوقوله: ﴿وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ﴾ أي: حتم لازم لا بد لهم منه.\nوقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾، أي: إنما فَعَل الله بهم ذلك وسَلَّط\n_________\n(^١٠) - أخرجه البيهقي في \"دلائل النبوة\" (٣/ ٣٥٩)، وإسناده مسلسل بالضعفاء والمجاهيل.\n(^١١) - أخرجه البيهقي في \"دلائل النبوة\" (٣/ ٣٦٠)، وفي إسناده محمود بن محمد بن مسلمة ذكره ابن أبي حاتم في \"الجرح والتعديل\" (٨/ ٢٩٠) ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا. ومحمود بن محمد صدوق كثير الوهم والرواية عن الضعفاء.\n_________\n[¬١]- في ت: \"سعيد\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"الزبيري\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"مسلم\".\n[¬٤]- في ز، خ: \"سلمة\".\n[¬٥]- في ز، خ: \"يوصلهم\".","vol":"13","page":477},{"text":"عليهم رسوله وعباده المؤمنين، لأنهم خالفوا الله ورسوله، وكذبوا بما أنزل الله على رسله المتقدمين في البشارة بمحمد ﷺ، وهم يعرفون ذلك كما يعرفون أبناءهم. ثم قال: ﴿وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾.\nوقوله تعالى: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾، اللين: نوع من التمر، وهو جيد.\nقال أبو عبيدة: وهو ما خالف العجوة والبَرْنيَّ من التمر.\nوقال كثيرون من المفسرين: اللينة: ألوان التمر سوى العجوة.\nقال ابن جرير: هو جميع النخل، ونقله عن مجاهد: وهو البويرة. أيضًا، وذلك أن رسول الله ﷺ لما حاصرهم أمر بقطع نخيلهم إهانة لهم، وإرهابًا وإرعابًا لقلوبهم. فروى محمد بن إسحاق (^١٢)، عن يزيد بن رومان، وقتادة، ومقاتل بن حيان أنهم قالوا: [فبعث بنو النضير] [¬١] يقولون لرسول الله ﷺ: إنك تنهى عن الفساد، فما بالك تأمر بقطع الأشجار. فأنزل الله هذه الآية الكريمة، أي: ما قطعتم وما تركتم من الأشجار فالجميع بإذن الله ومشيئته وقدرته ورضاه، وفيه نكاية العدو، وخزي لهم، وإرغام لأنوفهم.\n[وقال الحافظ أبو يعلى في مسنده (^١٣): حدثنا سفيان بن وكيع، حدثنا حفص، عن ابن جريج، عن سليمان بن موسى، عن جابر، وعن أبي الزبير، عن جابر، قال: رخص لهم في قطع النخل، ثم شدد عليهم، [فأتوا النبي] [¬٢]ﷺ فقالوا [¬٣]: يا رسول الله، علينا إثم فيما قطعنا؟ أو علينا وزر فيما تركنا؟ فأنزل الله ﷿: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾] [¬٤].\nوقال مجاهد: نهى بعض المهاجرين بعضًا عن قطع النخل، وقالوا: إنما هي مغانم المسلمين. فنزل القرآن بتصديق من نهى عن قطعه، وتحليل من قطعه من الإثم، وإنما قطعه وتركه بإذنه.\n_________\n(^١٢) - أخرجه الطبري (٢٨/ ٣٢) وفيه عنعنة ابن إسحاق.\n(^١٣) - أخرجه أبو يعلى (٤/ ١٣٥) (٢١٨٩). قال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (٧/ ١٢٥): رواه أبو يعلى عن شيخه سفيان بن وكيع وهو ضعيف. ا هـ. وفي إسناده سليمان بن موسى في حديثه لين. وفيه عنعنة ابن جريج، وأبي الزبير.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين بياض في: ز.\n[¬٢]- في ت: \"فاحك\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"فقالوا للنبي\".\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.","vol":"13","page":478},{"text":"وقد روي نحو هذا مرفوعًا، فقال النسائي (^١٤): أخبرنا الحسن بن محمد، عن عفان، حدثنا حفص بن غياث، حدثنا حبيب بن أبي عمرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، في قوله: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾، قال: يستنزلونهم من حصونهم وأمروا بقطع النخل، فحكَّ [¬١] في صدورهم، فقال المسلمون: قطعنا بعضًا وتركنا بعضًا، فلنسألن رسول الله ﷺ: هل لنا فيما قطعنا من أجر؟ وهل علينا فيما تركنا من وزر؟ فأنزل الله: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ﴾.\nوقال الإمام أحمد (^١٥): حدثنا عبد الرحمن، حدثنا سفيان، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ قطع نخل بني النضير وحَرّق. وأخرجه صاحبا الصحيح (^١٦) من رواية موسى بن عقبة، بنحوه، ولفظ البخاري (^١٧) من طريق عبد الرزاق عن ابن جريج، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر؛ قال: حاربت النضيرُ وقريظة، فأجلى بني النضير وأقر قريظة ومَنّ عليهم حتى حاربت قريظة فقتل رجالهم وقسم نساءهم وأولادهم وأموالهم بين المسلمين، إلا بعضهم لحقوا بالنبي ﷺ فأمَّنهم وأسلموا، وأجلى يهود المدينة كلهم، بني قينقاع، وهم رهط عبد الله بن سلام، ويهود بني حارثة، وكل يهود المدينة.\nولهما (^١٨) أيضًا عن قتيبة، عن الليث بن سعد، عن نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ حَرق نخْل بني النضير وقطع -وهي [¬٢] البُوَيرةُ- فأنزل الله - عز\n_________\n(^١٤) - أخرجه النسائي في الكبرى في كتاب: التفسير، باب: ﴿وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾، حديث (١١٥٧٤) (٦/ ٤٨٣). وإسناده ثقات.\n(^١٥) - أخرجه أحمد (٢/ ٧ - ٨).\n(^١٦) - أخرجه البخاري في كتاب: الجهاد، باب: حرق الدور والنخيل، حديث (٣٠٢١) (٦/ ١٥٤)، ومسلم في كتاب: الجهاد والسير، باب: جواز قطع أشجار الكفار وتحريقها، حديث (٣٠/ ١٧٤٦) (١٢/ ٧٧).\n(^١٧) - أخرجه البخاري في كتاب المغازي، باب حديث بني النضير، حديث (٤٠٢٨) (٧/ ٣٢٩).\n(^١٨) - أخرجه البخاري في كتاب: التفسير، باب: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ﴾، حديث (٤٨٨٤) (٨/ ٦٢٩).\nومسلم في كتاب: الجهاد والسير، باب: جواز قطع أشجار الكفار وتحريقها، حديث (٢٩/ ١٧٤٦) (١٢/ ٧٦).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في: ت مكتوبة بعد قوله: وقد روي نحو هذا مرفوعًا- في الفقرة الآتية.\n[¬٢]- في ز، خ: \"وهو\".","vol":"13","page":479},{"text":"وجل- فيه: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾ وللبخاري (^١٩) ﵀ من رواية جُوَيرية [¬١] بن أسماء، عن نافع، عن عبد الله بن عمر، أن رسول الله ﷺ حرق نخل بني النضير وقطع البويرة ولها يقول حسان [ابن ثابت] [¬٢]﵁:\nوهَانَ عَلى سَراة بني لُؤيّ … حَريق بالبُوَيرة مستطير\nفأجابه أبو سفيان بن الحارث [¬٣] يقول:\nأدَام الله ذَلكَ من صَنيع … وَحَرّقَ في نَوَاحيها السَّعير\nسَتَعلم [¬٤] أيُّنا منْها بنُزْهٍ [¬٥] … وتعلم أي أرضينا نضيرُ\nكذا رواه البخاري، ولم يذكره ابن إسحاق، وقال محمد بن إسحاق (^٢٠): وقال كعب بن مالك يذكر إجلاء بني النضير وقتل ابن الأشرف:\nلَقَد خَزيت بغَدْرَتها الحُبُور … كَذَاكَ الدهرُ ذو صَرْف يَدُورُ\nوَذَلك أنَّهم كَفَرُوا برَبٍّ … عَظيم أمرُهُ أمْرٌ كَبيِرُ\nوقَد أُوتوا معًا فَهمًا وعلمًا … وجَاءَهُمُ مِن الله النَّذيرُ\nنَذير صَادق أدّى كتابًا … وَآيات مُبَيَّنةَ تُنيرُ\nفقالوا [¬٦]: مَا أتيتَ بأمرِ صدقٍ … وأنت بمنكر منا جَدير\nفَقال [¬٧]: بلى، لَقد أديتُ حقًّا … يصدّقني به الفَهِمُ الخبَيرُ\nفَمن يتَبعه يُهد لكُل رُشدٍ … وَمَن يكفُر به يُجزَ الكَفُور\nفَلَمَّا أشْربُوا غَدْرًا وكُفْرًا … وَجَدّ بهم عَن الحَق النّفور\nأرَى اللهُ النبيّ بِرَأي صدْق … وَكَان الله يَحكُم لا يَجُورُ\nفَأيَّدَه وَسَلَّطَه عَلَيهم … وَكَان نَصيرَه نعْمَ النَّصيرُ\nفَغُودرَ مِنْهمُو كَعب صريعًا … فَذَلَّتْ بعدَ مَصْرَعه النَّضيرُ\n_________\n(^١٩) - أخرجه البخاري في كتاب: الحرث والمزارعة، باب: قطع الشجر والنخل، حديث (٢٣٢٦) (٥/ ٩). وطرفه في [٤٠٣٢].\n(^٢٠) - السيرة النبوية (٣/ ٦٨٨ - ٦٨٩).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"جويرة\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في ز، خ: \"حرب\".\n[¬٤]- في ز: \"سيعلم\".\n[¬٥]- في ز، خ: \"سن\".\n[¬٦]- في ت: \"فقال\".\n[¬٧]- في ز، خ: \"قال\".","vol":"13","page":480},{"text":"عَلى الكَفَّين ثم وقَدْ عَلَتْهُ … بأيدينَا مُشَهَّرَة ذكُورُ\nبأمرِ محمَّدٍ إِذْ دَسَّ لَيلًا … إلى كعْبٍ أَخَا كَعْبٍ يَسِيرُ\nفَمَاكَرَه فَأنزَلَه بمَكر … وَمحمودٌ أخُو ثقَة جَسُورُ\nفَتلْكَ بَنُو النَّضير بدار سَوء … أبَارَهمُ بما اجترموا المُبِيرُ\nغَداةَ أتَاهُمُ فِي الزَّحْفِ رَهْوًا [¬١] … رَسُولُ الله، وَهْوَ [بهمِ بَصيرُ] [¬٢]\nوَغَسَّانُ الحماةُ مُوازرُوه … عَلَى الأعدَاءِ، وَهْوَ لهم وَزيرُ\nفَقَال: السِّلم [¬٣]، ويحكمُ فَصَدّوا … وَحَالفَ أمْرَهَم كَذبٌ وَزُورُ\nفَذَاقُوا غبّ أمْرِهِمُ دَبَالا … لِكلِّ ثَلَاثةٍ مِنْهُمْ بَعِيرُ\nوَأجْلُوا عامدين لقينُقَاعِ … وغُودِرَ مِنْهُمْ نَخْلٌ ودُورُ\nقال: وكان مما قيل من الأشعار في بني النضير قول ابن لُقَيم العَبسيّ -ويقال: قالها قيس بن بحر بن طريف، قال ابن هشام (^٢١): الأشجعي-:\nأهلي فداءٌ لامرِئ غَيرِ هالكٍ … أحلَّ اليهودَ بالحسيِّ المُزَنَّم\nيَقيلُونَ [¬٤] في جَمْر الغَضَاة وبُدِّلوا … أهَيضِبَ عودًا بالوادي المكممِ\nفإن يَكُ ظني صَادقًا بمُحَمد … يَرَوا خَيلَه بيَن الصّلا وَيَرَمْرِم\nيَؤمّ بها عَمرو بن بُهثَةَ، إنَّهُمْ … عَدُوّ، و[¬٥] ماحَيّ صَديق كمُجْرم\nعَلَيهنّ أبطالٌ مَسَاعيرُ في الوغى … يهزون أطراف الوشيج المُقَوّم\nوكُلّ رَقيق الشَّفرتَين مُهَنَّدٍ … تُوُرِّثْنَ من [¬٦] أزْمان عاد وَجُرْهُم\nفمَن مُبلغٌ عَني قُرَيشًا رسَالة … فَهَلْ بَعدَهُم في المَجْد من مُتَكرّم\nبأنّ أخاكُم فاعلَمُنّ مُحَمَّدًا … تَلِيدُ النَّدَى بينَ الحَجُون وزَمْزَمِ\nفَدينُوا له بالحقّ تَجْسُمْ [¬٧] أمُورُكم … وتَسْمُوا منَ الدنْيا إلى كُلّ مُعْظَمِ\nنبي تلافته [¬٨] من الله رحمة … ولا تَسْألُوهُ أمْرَ غَيب مُرَجَّم\nفَقَدْ كانَ في بَدْر لَعَمْريَ عِبرَةٌ … لَكُم يا قرَيش والقَليب المُلَمَّمَ\nغَدَاةَ أتَى في الخَزْرَجِيَّةِ عامِدًا … إليكم مُطِيعًا للعَظِيم المُكرّمِ\n_________\n(^٢١) - السيرة النبوية (٣/ ٦٨٦ - ٦٨٧).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"زهوًا\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"لهم نصير\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"السلام\".\n[¬٤]- في ز: \"يقولون\".\n[¬٥]- سقط من: ز.\n[¬٦]- في ز: \"في\".\n[¬٧]- في ز: \"تحثم\".\n[¬٨]- في ز: \"تلاقيه\".","vol":"13","page":481},{"text":"مُعَانّا برُوح القُدْس يَنْكى عدوه … رسولًا من الرحمن حقًّا بَمعْلم\nرسولًا من الرحمن يتلو كتابه … فَلَمّا أنارَ الحَقّ لم يَتَلَعْثَم\nأرَى أمْرَهُ يَزْدَادُ في كُلّ مَوْطن … عُلُوًّا لأمْر حَمَّه اللهُ محكمَ\nوقد أورد ابن إسحاق ﵀ هَاهنا أشعارًا كثيرة، فيها آداب ومواعظ وحكم، وتفاصيل للقصة، تركنا باقيها اختصارًا واكتفاء بما ذكرناه، ولله الحمد والمنة.\nقال ابن إسحاق: كانت وقعة بني النضير بعد [وقعة أحد وبعد بئر معونة. وحكى البخاري (^٢٢) عن الزهري، عن عروة؛ أنه قال: كانت وقعة بني النضير بعد] [¬١] بدر بستة أشهر.\n﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيهِ مِنْ خَيلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ (٦) مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَي لَا يَكُونَ دُولَةً بَينَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾\nيقول تعالى مبينًا لمال الفيء، وما صفته؟ وما حكمه؟ فالفيء: كل مال أخذ من الكفار بغير قتال ولا إيجاف خيل ولا ركاب، كأموال بني النضير هذه، فإنها مما لم يُوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب، أي: لم يقاتلوا الأعداء فيها بالمبارزة والمصاولة، بل نَزَل أولئك من الرعب الذي ألقى الله في قلوبهم من هَيبَة رسول الله ﷺ فأفاءه الله على رسوله، ولهذا تصرف فيه كما شاء، فردّه على المسلمين في وجوه البر والمصالِح التي ذكرها الله ﷿ في هذه الآيات، فقال: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ﴾، أي: من بني النضير، ﴿فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيهِ مِنْ خَيلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾، يعني: الإبل، ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ﴾، أي: هو قدير لا يُغالب ولا يُمانع، بل هو القاهر لكل شيء.\nثم قال: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾، أي: جميع البلدان التي تُفتَح\n_________\n(^٢٢) - أخرجه البخاري في كتاب: المغازي، باب: حديث في النضير معلقًا.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"13","page":482},{"text":"هكذا، فحكمها حكم أموال بني النضير؛ ولهذا قال: ﴿فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ﴾ إلى آخرها والتي بعدها، فهذه مصارف أموال الفيء ووجوهه.\nقال الإمام أحمد (^٢٣): حدثنا سفيان، عن عمرو، ومعمر، عن الزهري، عن مالك بن أوس بن الحَدَثان، عن عمر ﵁ قال: كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله، مما لم يُوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب، فكانت لرسول الله ﷺ خاصة [¬١]، فكان ينفق على أهله منها نفقة سنته -وقال مَرّة: قوت سنته- وما بقي جعله في الكُرَاع والسلاح في سبيل الله ﷿.\nهكذا أخرجه أحمد هاهنا مختصرًا، وقد أخرجه الجماعة (^٢٤) في كتبهم -إلا ابن ماجة- من حديث سفيان، عن عمرو بن دينار، عن الزهري، به. وقد رويناه مطوّلًا فقال [¬٢] أبو داود (^٢٥) ﵀:\nحدثنا الحسن بن عليّ، ومحمد بن يحيى بن فارس -المعنى واحد- قالا: حدثنا بشر بن عُمر الزهراني، حدثني مالك بن أنس، عن ابن شهاب، عن مالك بن أوس قال: أرسل إليَّ عمر بن الخطاب ﵁ حين تعالى النهار، فجئته فوجدته جالسًا على سرير مُفضيًا إلى رُماله، فقال حين دخلت عليه: يا مالِ؛ إنه قد دفّ أهل أبيات من قومك، وقد أمرت فيهم بشيء، فاقسم فيهم. قلت: لو أمرت غيري بذلك؟ فقال: خذه. فجاءه يرفأ فقال: يا أمير المؤمنين؟ هل لك في عثمان بن عفان، وعبد الرحمن بن عوف، والزبير بن العوام، وسعد بن أبي وقاص؟ فقال: نعم. فأذن لهم فدخلوا، ثم جاءه يرفأ فقال: يا أمير المؤمنين؛ هل لك في العباس وعليّ؟ قال: نعم. فأذن لهم، فدخلوا، فقال العباس: يا أمير المؤمنين؛ اقض بيني وبين هذا -يعني عليًّا- فقال بعضهم: أجل يا أمير المؤمنين؛ اقض بينهما وأرحهما، قال مالك بن أوس: خُيِّل إليَّ أنهما قَدّما أولئك النفر\n_________\n(^٢٣) - أخرجه أحمد (١/ ٢٥).\n(^٢٤) - البخاري في كتاب: الجهاد، باب: المجن ومن يتَّرس بترس صاحبه، حديث (٢٩٠٤) (٦/ ٩٣). وأطرافه في [٣٠٩٤، ٤٠٣٣، ٤٨٨٥، ٥٣٥٧، ٥٣٥٨، ٦٧٢٨، ٧٣٠٥]. ومسلم في كتاب الجهاد والسير باب حكم الفئ حديث (٤٨/ ١٧٥٧) (١٣/ ١٠٣). وأبو داود في كتاب: الخراج والإمارة والفئ، باب: في صفايا رسول الله ﷺ من الأموال، حديث (٢٩٦٥) (٣/ ١٤١). والترمذي في كتاب: الجهاد، باب: ما جاء في الفئ، حديث (١٧١٩) (٦/ ٣٩). والنسائي (٧/ ١٣٢) في كتاب قسم الفئ.\n(^٢٥) - أخرجه أبو داود في كتاب الخراج والإمارة والفئ، باب: صفايا رسول الله ﷺ حديث (٢٩٦٣) (٣/ ١٣٩ - ١٤٠) ورجال إسناده ثقات.\n_________\n[¬١]- في ت: \"خالصة\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"وقال\".","vol":"13","page":483},{"text":"لذلك. فقال عمر ﵁: اتئدا [¬١]، ثم أقبل على أولئك الرهط فقال: أنشدكم بالله الذي بإذنه تقوُم السماء والأرض، هل تعلمون أن رسول الله ﷺ قال: \"لا نُورث، ما تركنا صدقة\"؟ قالوا: نعم. ثم أقبل على عليّ والعباس فقال: أنشدُكُما بالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض، هل [¬٢] تعلمان أن رسول الله ﷺ قال: \"لا نورث، ما تركنا صدقة\"؟ فقالا: نعم. فقال: فإن الله خَصَّ رسوله بخاصة لم يخص بها أحدًا من الناس، فقال: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيهِ مِنْ خَيلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ﴾. فكان الله أفاء على رسوله أموال [¬٣] بني النضير، فوالله ما استأثر بها عليكم ولا أحرزها دونكم، فكان رسول الله ﷺ يأخذ منها نفقة سنة -أو: نفقته ونفقة أهله سنة- ويجعل ما بقي أسوة المال، ثم أقبل عَلَى أولئك الرهط فقال: أنشدكم بالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض: هل تعلمون ذلك؟ قالوا: نعم. ثم أقبل على عليّ والعباس فقال: أنشدُكما بالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض: هل تعلمان ذلك؟ قالا: نعم. فلما تُوفي رسول الله ﷺ؟ قال أبو بكر: أنا وليّ رسول الله، فجئت أنت وهذا إلى أبي بكر، تطلب أنت ميراثك من ابن أخيك، ويطلب هذا ميراث امرأته من أبيها، فقال أبو بكر ﵁: قال رسول الله ﷺ: \"لا نورث، ما تركنا صدقة\". والله يعلم إنه لصادق بار راشد متابع [¬٤] للحق. فوليها أبو بكر، فلما توفي قلتُ: أنا وَليّ رسول الله ﷺ ووليّ أبي بكر، فَوليتها ما شاء الله أن أليها، فجئتَ أنت وهذا، وأنتما جميع وأمركما واحد، فسألتمانيها، فقلت: إن شئتما فأنا أدفعها إليكما على أن عليكما عهد الله أن تلياها بالذي كان رسول الله ﷺ يليها، فأخذتماها مني على ذلك، ثم جئتماني لأقضي بينكما بغير ذلك، والله لا أقضي بينكما بغير ذلك حتى تقوم الساعة، فإن عَجَزتُما عنها فَرُدّاها إليّ.\nأخرجوه (^٢٦) من حديث الزهري [¬٥] به.\n_________\n(^٢٦) - أخرجه البخاري في كتاب: فرض الخمس، باب: فرض الخمس، حديث (٣٠٩٤) (٦/ ١٩٧ - ١٩٨). وأطرافه في [٤٠٣٣، ٥٣٥٨، ٦٧٢٨، ٧٣٠٥]. ومسلم في كتاب: الجهاد والسير، باب: حكم الفئ، حديث (٤٩، ٥٠/ ١٧٥٧) (١٢/ ١٠٤ - ١٠٩)، وأبو داود (٢٩٦٣، ٢٩٦٤). والترمذي مختصرًا في كتاب: السير، باب: ما جاء في تركة رسول الله ﷺ حديث (١٦١٠) (٥/ ٣٣٢ - ٣٣٣). وكذا النسائي في كتاب: التفسير، باب: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾، حديث (١١٥٧٥) (٦/ ٤٨٣ - ٤٨٤). قال الترمذي: حسن صحيح غريب.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"اتئد\".\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- في ت: \"تابع\".\n[¬٥]- في ز، خ: \"الترمذي\".","vol":"13","page":484},{"text":"وقال الإمام أحمد (^٢٧):\nحدثنا عارم وعفان؛ قالا: حدثنا معتمر، سمعت أبي يقول: حدثنا أنس بن مالك، عن نبي الله ﷺ؛ أن الرجل كان يجعل له من ماله النخلات، أو كما شاء الله، حتى فُتحت عليه قريظة والنضير. قال: فجعل يَرُدّ بعد ذلك، قال: وإن أهلي أمروني أن آتي النبي ﷺ فأسأله الذي كان أهله أعطوه أو بعضه، وكان نبي الله ﷺ قد أعطاه أم أيمن، أو كما شاء الله، قال: فسألتُ النبي ﷺ فأعطانيهن، فجاءت أم أيمن فجعلت الثوبَ في عنقي، وجعلت تقول: كلا، والله الذي لا إله إلا هو لا يُعطيكهن وقد أعطانيهن [¬١]-أو كما قالت- فقال نبي الله: \"لك كذا وكذا\". قال: وتقول: كلا، والله. قال: ويقول: \"لك كذا وكذا\". قال: وتقول: كلا والله. قال: ويقول: \"لك كذا وكذا\". قال: حتى أعطاها، حسبت أنه قال: عشرة أمثاله، أو قال: قريبًا من عشرة أمثاله، أو كما قال.\nرواه البخاري ومسلم (^٢٨) من طرق [¬٢] عن معتمر، به.\nوهذه المصارف المذكورة في هذه الآية هي المصارف المذكورة في خُمس الغَنيمة. وقد قدمنا الكلام عليها في \"سورة الأنفال\" بما أغنى عن إعادته هاهنا، ولله الحمد.\nوقوله: ﴿كَي لَا يَكُونَ دُولَةً بَينَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ أي: جعلنا هذه المصارف لمال الفيء لئلا يبقى مأكلة يتغلب عليها الأغنياء ويتصرفون فيها، بمحض الشهوات والآراء، ولا يصرفون منه شيئًا إلى الفقراء.\nوقوله: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾. أي: مهما أمركم به فافعلوه، ومهما نهاكم عنه فاجتنبوه، فإنه إنما يأمر بخير وإنما ينهى عن شر.\nقال ابن أبي حاتم (^٢٩): حدثنا يحيى بن أبي طالب، حدثنا عبد الوهاب، حدثنا سعيد [¬٣]، عن قتادة، عن الحسن العُرني [¬٤]، عن يحيى بن الجزار، عن مسروق؛ قال:\n_________\n(^٢٧) - أخرجه أحمد (٣/ ٢١٩) (١٣٥٨).\n(^٢٨) - البخاري في كتاب: المغازي، باب: مرجع النبي ﷺ من الأحزاب، حديث (٤١٢٠) (٧/ ٤١٠ - ٤١١). ومسلم في كتاب: الجهاد والسير، باب: رد المهاجرين إلى الأنصار منائحهم من الشجر والثمر حين استغنوا عنها بالفتوح، حديث (٧١/ ١٧٧١) (١٢/ ١٤٤).\n(^٢٩) - في إسناده الحسن العوفي: ضعيف لكن يشهد له ما بعده.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"فأعطاني\".\n[¬٢]- في، ز، خ: \"طريق\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"معبد\".\n[¬٤]- في ز، خ: \"العوى\". وفي ت: العوفي.","vol":"13","page":485},{"text":"جاءت امرأة إلى ابن مسعود فقالت: بلغني أنك تنهى عن الواشمة والواصلة، أشيء وجدته في كتاب الله أو عن رسول الله ﷺ؟ [قال: بلى، شيء وجدته في كتاب الله وعن رسول الله ﷺ[¬١]. قالت: والله لقد تصفحتُ ما بين دفتي المصحف فما وجدت الذي تقول! قال: فما وجدتِ فيه: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾؟ قالت: بلى. قال: فإني سمعت رسول الله ﷺ ينهى عن الواصلة والواشمة والنامصة. قالت: فلعله في بعض أهلك، قال: فادخلي فانظري. فدخلَت فنَظَرت [¬٢] ثم خرجت، قالت: ما رأيت بأسًا. فقال لها: أما حفظت وصية العبد الصالح: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾.\nوقال الإمام أحمد (^٣٠): حدثنا عبد الرحمن، حدثنا سفيان عن منصور عن [إبراهيم عن [¬٣] علقمة، عن عبد الله -هو ابن مسعود- قال: لعن الله الواشمات والمستوشمات، والمتنمصات، والمتُفَلجات للحُسن، المغَيِّرات خلق الله ﷿. قال: فبلغ امرأة في البيت يقال لها \"أم يعقوب\" فجاءت إليه فقالت: بلغني أنك قلت كيتَ وكيتَ. قال: ما لي لا ألعن مَن لعن رسول الله ﷺ، وفي كتاب الله. فقالت: إني لأقرأ ما بين لوحَيه فما وجدته. فقال: إن كنت قرأتيه فقد وجدتيه، أما قرأت: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ قالت: بلى. قال: فإن النبي ﷺ نهى عنه. قالت: إني لأظن أهلك يفعلونه. قال: اذهبي فانظري، فذهَبتْ فلم تر من حاجتها شيئًا، فجاءت فقالت: ما رأيتُ شيئًا. قال: لو كانت كذلك لم تُجامعنا. أخرجاه في الصحيحين (^٣١) من حديث سفيان الثوري.\nوقد ثبت في الصحيحين (^٣٢) أيضًا عن أبي هُريرة أن رسول الله ﷺ، قال: \"إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم، وما نهيتكم عنه فاجتنبوه\".\n_________\n(^٣٠) - أخرجه أحمد (١/ ٤٣٣ - ٤٣٤) (٤١٢٩).\n(^٣١) - البخاري في كتاب: التفسير، باب: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾، حديث (٤٨٨٦) (٨/ ٦٣٠). وأطرافه في [٤٨٨٧، ٥٩٣١، ٥٩٣٩، ٥٩٤٣، ٥٩٤٨]. ومسلم في كتاب: اللباس والزينة، باب: تحريم فعل الواصلة والمستوصلة، حديث (١٢٠/ ٢١٢٥) (١٤/ ١٥٠ - ١٥٢).\n(^٣٢) - أخرجه البخاري في كتاب: الاعتصام بالكتاب والسنة، باب: الاقتداء بسنن رسول الله، حديث (٧٢٨٨) (١٣/ ٢٥١). =\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.، خ\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.","vol":"13","page":486},{"text":"وقال النسائي (^٣٣): أخبرنا أحمد بن سعيد، حدثنا يزيد، حدثنا منصور بن حيان، عن سعيد بن جبير، عن ابن عُمَر، وابن عباس؛ أنهما شهدا على رسول الله ﷺ؛ أنه نهى عن الدُّباء والحَنْتَم والنَّقير والمزَفَّت، ثم تلا رسول الله ﷺ: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾.\nوقوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾، أي: اتقوه في امتثال أوامره وترك زواجره؛ فإنه شديد العقاب لمن عصاه وخالف أمره وأباه، وارتكب ما عنه زَجَره ونهاه.\n﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (٨) وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩) وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٠)﴾\nيقول تعالى مبينًا حال الفقراء، المستحقين لمال الفيء إنهم ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾، أي: خرجوا من ديارهم وخالفوا قومهم ابتغاءَ مرضاة الله ورضوانه، ﴿وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾، أي: هؤلاء الذين صدَّقوا قولهم بفعلهم، وهؤلاء هم سادات المهاجرين.\nثم قال تعالى مادحًا للأنصار، ومبينًا فضلهم وشرفهم وكرمهم وعدم حَسَدهم، وإيثارهم مع الحاجة، فقال: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾، أي: سكنوا دار الهجرة من قبل المهاجرين، وآمنوا قبلَ كثير منهم.\n_________\n= ومسلم في كتاب: الفضائل، باب: توقير رسول الله ﷺ، حديث (١٣٠، ١٣١/ ١٣٣٧) (١٥/ ١٥٩ - ١٦٠) بنحو هذا اللفظ.\n(^٣٣) - أخرجه النسائي في الكبرى في كتاب: التفسير، باب: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾، حديث (١١٥٧٨) وإسناده رجاله ثقات.","vol":"13","page":487},{"text":"قال عمر: وأوصي الخليفة بعدي بالمهاجرين الأولين أن يعرف لهم حقهم، ويحفظ لهم كرامتهم. وأوصيه بالأنصار خيرًا، الذين تَبوّءوا الدار والإيمان من قبل، أن يقبل من محسنهم، وأن يعفو عن مسيئهم. رواه البخاري هاهنا أيضًا (^٣٤).\nوقوله: ﴿يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيهِمْ﴾، أي: مِن كَرَمهم وشرف أنفسهم، يحُبُّون المهاجرين ويواسونهم بأموالهم.\nقال الإمام أحمد (^٣٥): حدثنا يزيد، أخبرنا حميد، عن أنس؟ قال: قال المهاجرون: يا رسول الله ما رأينا مثل قوم قدمنا عليهم أحسنَ مواساةً في قليل ولا أحسن بذلًا في كثير، لقد كفونا المُؤْنَةَ، وأشركونا في المهنأ [¬١]، حتى لقد خَشينا أن يذهبوا بالأجر كله! قال: \"لا، ما أثنيتم عليهم، ودعوتم الله لهم\". لم أره في الكتب من هذا الوجه.\nوقال البخاري (^٣٦): حدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا سفيان، عن يحيى بن سعيد، سمع أنس بن مالك حين خرج معه إلى الوليد؛ قال: دعا النبي ﷺ الأنصار أن يُقطِعَ لهم البحرين، قالوا: لا، إلا أن تُقطع لإِخواننا من [¬٢] المهاجرين مثلها.\nقال: \"إما لا، فاصبروا حتى تلقوني، فإنه سيصيبكم بعدي [¬٣] أثرة\". تفرد به البخاري من هذا الوجه.\nوقال البخاري (^٣٧): حدثنا الحكم بن نافع، أخبرنا شعيب، حدثنا أبو الزناد، عن الأعرج، عن أبي هُرَيرة؛ قال: قالت الأنصار: اقسم بيننا وبين إخواننا النخيل. قال: لا. فقالوا: تكفونا المؤنَةَ ونَشركُكم في الثمرة؟ قالوا: سمعنا وأطعنا. تفرد به دون مسلم.\n_________\n(^٣٤) - أخرجه البخاري في \"فضائل الصحابة\"، باب: قصة البيعة، حديث (٣٧٠٠) (٧/ ٥٩ - ٦٣) في حديث طويل.\n(^٣٥) - أخرجه أحمد (٣/ ٢٠٠) (١٣٠٩٨). وإسناده ثقات، رجال الصحيح. وصححه الألباني في صحيح الأدب المفرد (٢١٧). وأخرجه أبو داود (٤٨١٢)، والترمذي (٢٤٨٩) وغيرهما عن أنس من طرق بنحوه.\n(^٣٦) - أخرجه البخاري في كتاب: مناقب الأنصار، باب: قول النبي ﷺ للأنصار: \"اصبروا حتى تلقوني على الحوض\"، حديث (٣٧٩٤) (٧/ ١١٧).\n(^٣٧) - أخرجه البخاري في كتاب: الحرث والمزارعة، باب: إذا قال: اكفني مؤونة النخل وغيره وتشركني في التمر، حديث (٢٣٢٥) (٥/ ٨).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"الهنا\".\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.","vol":"13","page":488},{"text":"﴿وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا﴾، أي: ولا يجدون في أنفسهم حسَدًا للمهاجرين فيما فضلهم الله به من المنزلة والشرف، والتقديم في الذكر والرتبة.\nقال الحسن البصري: ﴿وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً﴾، يعني الحسد.\n﴿مِمَّا أُوتُوا﴾ قال قتادة: يعني فيما أعطي إخوانهم. وكذا قال ابن زيد. ومما يستدل به على هذا المعنى ما رواه الإِمام أحمد حيث قال:\nحدثنا عبد الرزاق (^٣٨)، حدثنا معمر، عن الزهري، عن أنس؛ قال: كنا جُلوسًا مع رسول الله ﷺ؛ فقال: \"يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة\". فطلع رجل من الأنصار تَنطُف لحيته من وضوئه، قد تَعَلَّق نعليه بيده الشمال، فلما كان الغد قال رسول الله ﷺ مثل ذلك، فطلع ذلك الرجل مثل [¬١] المرة الأولى، فلما كان في اليوم الثالث قال رسول الله ﷺ مثل، مقالته أيضًا، فطلع ذلك الرجل على مثل حاله الأولى، فلما قام رسولُ الله ﷺ تبعه عبد الله بن عمرو بن العاص، فقال: إني لاحيت أبي فأقسمت أن لا أدخل عليه ثلاثًا، فإن رأيت أن تؤويني إليك حتى تمضي فعلتُ [¬٢]. قال: نعم. قال أنس: فكان عبد الله يحدث أنه بات معه تلك الثلاث الليالي، فلم يره يقوم من الليل شيئًا، غير أنه إذا تَعار وتقلب على فراشه، ذكر الله وكبر، حتى يقوم لصلاة الفجر. قال عبد الله: غير أني لم أسمعه يقول إلا خيرًا، فلما مضت الثلاث ليال وكدت أن أحتقر عمله، قلت: يا عبد الله، لم يكن بيني وبين أبي غَضَب ولا هَجْر [¬٣]، ولكن سمعت رسول الله ﷺ يقول لك ثلاث مرات: \"يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة\". فطلعت أنت الثلاث المرات [¬٤]، فأردت أن آوي إليك لأنظر ما عملك فأقتديَ به، فلم أرك تعمل كثير عمل، فما الذي بلغ بك ما قال رسولُ الله ﷺ؟ قال: ما هو إلا ما رأيت. فلما وليت دعاني فقال: ما هو إلا ما رأيت، غيبر أني لا [¬٥] أجد في نفسي لأحد من المسلمين غشًّا، ولا أحسُد أحدًا على خير أعطاه الله! إياه. قال عبد الله: هذه التي بلغت بك وهي التي لا تطاق.\nورواه النسائي (^٣٩) في اليوم والليلة عن سُوَيد بن نصر، عن ابن المبارك، عن معمر، به.\n_________\n(^٣٨) - أخرجه أحمد (٣/ ١٦٦) (١٢٧٢٠) وإسناده صحيح.\n(^٣٩) - أخرجه النسائي في الكبرى في \"عمل اليوم والليلة، باب: ما يقول إذا انتبه من منامه، =\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"قبل\".\n[¬٢]- بياض في: ز.\n[¬٣]- في ز، خ: \"هجرة\".\n[¬٤]- في ت: \"المرار\".\n[¬٥]- في ز، خ: \"لم\".","vol":"13","page":489},{"text":"وهذا إسناد صحيح على شرط الصحيحين، لكن رواه عقيل وغيره عن الزهري، عن رجل، عن أنس (^٤٠)، فالله أعلم.\nوقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم (^٤١) في قوله: ﴿وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا﴾. يعني مما أوتوا: المهاجرون. قال: وتكلم في أموال بني النضير بعض من تكلم في الأنصار، فعاتبهم الله في ذلك، فقال: (﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيهِ مِنْ خَيلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ﴾. قال: وقال رسول الله: \"إن إخوانكم قد تركوا الأموال والأولاد، وخرجوا إليكم\". فقالوا: أموالنا بيننا قطائع. فقال رسول الله ﷺ: \"أو غير ذلك؟ \". قالوا: وما ذاك يا رسول الله؟ قال: \"هم قوم لا يعرفون العمل، فتكفونهم وتقاسمونهم الثمر\". فقالوا: نعم يا رسول الله.\nوقوله: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾، يعني: حاجة، أي: يقدمون المحاويج على حاجة أنفسهم، ويبدءون بالناس قبلهم في حال احتياجهم إلى ذلك.\nوقد ثبت في الصحيح (^٤٢) عن رسول الله ﷺ أنه قال: \"أفضل الصدقة جهد المقل\". وهذا المقام أعلى من حال الذين وَصَفَ الله بقوله: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ﴾. وقوله: ﴿وَآتَى الْمَال عَلَى حُبِّهِ﴾ فإن هؤلاء يتصدقون وهم يحبون ما تصدقوا به، وقد لا يكون لهم حاجة إليه ولا ضرورة به، وهؤلاء آثروا على أنفسهم مع خصاصتهم وحاجتهم إلى ما أنفقوه. ومن هذا المقام تصدق الصديق ﵁ لجميع ماله، فقال له رسول الله ﷺ: \"ما أبقيت لأهلك؟ \" فقال: أبقيت لهم الله ورسوله. وهذا الماء الذي عُرض على عكرمة وأصحابه يوم اليرموك، فكل منهم يأمر بدفعه إلى صاحبه، وهو جريح مثقل أحوج ما يكون إلى الماء، فرده الآخر إلى الثالث، فما وصل إلى الثالث حتى ماتوا عن آخرهم ولم يشربه أحد منهم، ﵃ وأرضاهم.\n_________\n= حديث (١٠٦٩٩) (٦/ ٢١٥ - ٢١٦).\n(^٤٠) - أورده المصنف في \"البداية والنهاية\" (٨/ ٨٠ - ٨١) وعزاه إلى أبي يعلى من طريق حرملة عن ابن وهب عن حيوة عن عقيل عن ابن شهاب قال: حدثني من لا أتهم عن أنس بن مالك ﵁ فذكر نحوه، وفيه راوٍ لم يسم لكن يشهد له ما قبله.\n(^٤١) - أخرجه الطبري (٢٨/ ٤١ - ٤٢).\n(^٤٢) - أخرجه أحمد (٣/ ٤١١ - ٤١٢)، وأبو داود في كتاب: الصلاة، حديث (١٤٤٩) (٢/ ٦٩). والنسائي (٥/ ٥٨) كتاب: الزكاة، باب: جهد المقل، والدارمي في كتاب: الصلاة، باب: أي الصلاة أفضل، حديث (١٤٣١) (١/ ٢٧١ - ٢٧٢) كلهم من حديث عبد الله بن جحش.\nوصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (١٢٨٦). والحديث أخرجه أحمد (٢/ ٣٥٨)، وأبو داود (١٦٧٧) (٢/ ١٢٩) كلاهما من حديث أبي هريرة وصححه الألباني في صحيح أبو داود (١٤٧١).","vol":"13","page":490},{"text":"وقال البخاري (^٤٣): حدثنا يعقوب بن إبراهيم بن كثير، حدثنا أبو أسامة، حدثنا فُضَيل بن غزوان، حدثنا أبو حازم الأشجعي، عن أبي هُرَيرة قال: أتى رجل رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، أصابني الجهدُ، فأرسل إلى نسائه فلم يجد عندهنَّ شيئًا، فقال النبي ﷺ: \"ألا رجل يُضَيِّفُ هذا الليلة، ﵀؟ \" فقام رجل في الأنصار فقال: أنا يا رسول الله، فذهب إلى أهله فقال لامرأته: ضيفُ رسول الله ﷺ لا تدخريه شيئًا. فقالت: والله ما عندي إلا قوتُ الصِّبية. قال: فإذا أراد الصبيةُ العَشاءَ فنوِّميهم وتعالى فأطفئي السراج ونطوي بطوننا الليلة. ففعلت، ثم غدا الرجل على رسول الله صلى الله عليه، سلم - فقال: \"لقد عجب الله ﷿ أو: ضحك من فلان وفلانة\". وأنزل الله ﷿: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾. وكذا رواه البخاري في موضع آخر (^٤٤)، ومسلم (^٤٥) والترمذي (^٤٦) والنسائي (^٤٧) من طرق، عن فضيل بن غزوان، به، نحوه. وفي رواية لمسلم (^٤٨) تسمية هذا الأنصاري بأبي طلحة، ﵁.\nوقوله: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾، أي: من سلم من الشح فقد أفلح وأنجح.\nقال أحمد (^٤٩): حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا داود بن قيس الفراء عن [¬١] عبيد الله بن مقسم، عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال: \"إياكم والظلم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشح، فإن الشح أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا [¬٢] دماءهم واستحلوا محارمهم\". انفرد بإخراجه مسلم (^٥٠)، فرواه عن\n_________\n(^٤٣) - أخرجه البخاري في كتاب: التفسير، باب: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾، حديث (٤٨٨٩) (٨/ ٦٣١).\n(^٤٤) - أخرجه البخاري في كتاب: مناقب الأنصار، باب (١٠)، حديث (٣٧٩٨) (٧/ ١١٩).\n(^٤٥) - مسلم في كتاب: الأشربة، باب: إكرام الضيف وفضل إيثاره، حديث (١٧٢، ١٧٣/ ٢٠٥٤) (١٤/ ١٧ - ١٩).\n(^٤٦) - الترمذي في كتاب: تفسير القرآن، باب: ومن سورة الحشر، حديث (٣٣٠١) (٩/ ٤٣) وقال: حسن صحيح.\n(^٤٧) - النسائي في الكبرى في كتاب: التفسير، باب: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾، حديث (١١٥٨٢) (٦/ ٤٨٦).\n(^٤٨) - أخرجه مسلم في الموضع السابق برقم (١٧٣ م / ٢٠٥٤) (٧/ ١٩).\n(^٤٩) - أخرجه أحمد (٣/ ٣٢٣) (١٤٥٠٣).\n(^٥٠) - مسلم في كتاب: البر والصلة والآداب، باب: تحريم الظلم، حديث (٥٦/ ٢٥٧٨).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"و\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"يسفكوا\".","vol":"13","page":491},{"text":"القعنبي عن داود بن قيس، به.\nوقال الأعمش وشعبة، عن عمرو بن مرة، عن عبد الله بن الحارث، عن زهير بن الأقمر، عن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله ﷺ: \"اتقوا الظلم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الفحش، فإن الله لا يحب الفحش ولا التفحش، وإياكم والشح؛ فإنه أهلَكَ من كان قبلكم، أمرهم بالظلم فظلموا، وأمرهم بالفجور ففجروا، وأمرهم بالقطيعة فقطعوا\".\nورواه أحمد (^٥١) وأبو داود (^٥٢)، من طريق شعبة. والنسائي (^٥٣) من طريق الأعمش كلاهما عن عمرو بن مرة، به.\nوقال الليث (^٥٤) عن يزيد [بن الهاد] [¬١] عن سهيل بن أبي صالح عن صفوان بن أبي يزيد عن القعقاع بن اللجلاج [¬٢]، عن أبي هريرة أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: \"لا يجتمع غبار في سبيل الله ودُخانُ جهنم في جوف عبد أبدًا، ولا يجتمع الشح والإِيمان في قلب عبد أبدًا\".\nوقال ابن أبي حاتم (^٥٥): حدثنا أبي، حدثنا عبدة بن سليمان، أخبرنا ابن المبارك،\n_________\n(^٥١) - أخرجه أحمد (٢/ ١٥٩ - ١٦٠).\n(^٥٢) - أبو داود في باب: الزكاة، باب: في الشح، حديث (١٦٩٨) (٢/ ١٣٣) مختصرًا.\n(^٥٣) - النسائي في الكبرى في كتاب: التفسير، باب: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ﴾، حديث (١١٥٨٣) (٦/ ٤٨٦). وفي إسناده أبو كثير الزبيدي، قال الحافظ: مقبول. لكن يشهد له ما قبله. وقد صححه العلامة أحمد شاكر في تعليقه على المسند، والألباني في صحيح سنن أبي داود (١٤٨٩).\n(^٥٤) - أخرجه النسائي في الكبرى: كتاب الجهاد، باب: فضل من عمل في سبيل الله على قدميه، حديث (٤٣٢٠) (٣/ ١٠)، وفي الصغرى (٦/ ١٣ - ١٤) باب: الجهاد، كتاب: فضل من عمل في سبيل الله على قدميه. وفي إسناده القعقاع بن اللجلاج وهو مجهول. وللحديث طريق آخر عند أحمد (٢/ ٣٤٠)، والنسائي (٦/ ١٢ - ١٣) من طريق الليث وهو ابن سعد عن ابن عجلان عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعًا بنحوه. وإسناده حسن من أجل محمد بن عجلان فهو صدوق اختلطت عليه أحاديث أبي هريرة. والحديث صححه ابن حبان (٣٢٥١). وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي (٢٩١٠ - ٢٩١٨).\n(^٥٥) - إسناده ثقات غير المسعودي فإنه كان اختلط. وأخرجه الطبري (٢٨/ ٤٣) أيضًا من طريق المسعودي. وذكره الهيثمي في المجمع (٧/ ١٢٥ - ١٢٦) وقال: رواه الطبراني عن شيخه عبد الله بن محمد بن أبي مريم وهو ضعيف.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من ت.\n[¬٢]- في ز، خ: \"الجلاح\".","vol":"13","page":492},{"text":"حدثنا المسعودي، عن جامع بن شداد [¬١]، عن الأسود بن هلال، قال: جاء رجل إلى عبد الله فقال: يا أبا عبد الرحمن؛ إني أخاف أن أكون قد هلكت! فقال له عبد الله: وما ذاك؟ قال: سمعت الله يقول: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ وأنا رجل شحيح، لا أكاد أن أخرج من يدي شيئًا! فقال عبد الله: ليس ذلك بالشح الذي ذكر الله في القرآن، إنما الشح الذي ذكر الله في القرآن أن تأكل مال أخيك ظلمًا، ولكن ذلك البخل، وبئس الشيء البخل.\nوقال سفيان الثوري: عن طارق بن عبد الرحمن، عن سعيد بن جبير، عن أبي الهياج الأسدي، قال: كنت أطوف بالبيت،، فرأيت رجلًا يقول: اللَّهم؛ قني شح نفسي. لا يزيد على ذلك، فقلت له، فقال: إني إذا وقيت شح نفسي لم أسرق ولم أزن ولم أفعل - وإذا الرجل عبد الرحمن بن عوف ﵁ .. ورواه ابن جرير (^٥٦).\nوقال ابن جرير (^٥٧): حدثني محمد بن إسحاق، حدثنا سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي، حدثنا إسماعيل بن عَياش [¬٢]، حدثنا مُجمع بن جارية [¬٣] الأنصاري، عن [عمه يزيد بن جارية] [¬٤]، عن أنسِ بن مالك، عن رسول الله ﷺ قال: \"بَرئ من الشح مَن أدَّى الزكاة وقَرَى الضيف، وأعطى في النائبة\".\nوقوله: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾: هؤلاء هم القسم الثالث ممن يستحق فقراؤهم من مال الفيء، وهم المهاجرون، ثم الأنصار، ثم التابعون بإحسان، كما قال في آية براءة: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾، فالتابعون لهم بإحسان هم: المتبعون لآثارهم الحسنة وأوصافهم الجميلة، الداعون لهم في السر والعلانية. ولهذا قال، في هذه الآية الكريمة: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ﴾، أي: قائلين: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا﴾ أي: بغضًا وحسدًا ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾. وما أحسن ما استنبط الإِمام مالك من هذه الآية الكريمة: أن الرافضي الذي\n_________\n(^٥٦) - أخرجه الطبري (٢٨/ ٤٣) وإسناده حسن من أجل طارق بن عبد الرحمن فهو صدوق له أوهام، وروى له الجماعة.\n(^٥٧) - أخرجه الطبري (٢٨/ ٤٣ - ٤٤). وفي إسناده إسماعيل بن عياش وفي روايته عن الحجازيين ضعف.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"سواد\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"عباس\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"حارثة\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين في ز: \"عمر بن زيد بن حارثة\".","vol":"13","page":493},{"text":"يسبّ الصحابة ليس له في مال الفيء نصيب لعدم اتصافه بما مدح الله به هؤلاء في قولهم: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ وقال ابن أبي حاتم (^٥٨): حدثنا موسى بن عبد الرحمن المسروقي، حدثنا محمد بن بشر، حدثنا إسماعيل بن إبراهيم بن مهاجر، عن أبيه، عن عائشة أنها قالت: أمروا أن يستغفروا لهم، فسبوهم! ثم قرأت هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ … الآية.\nوقال إسماعيل بن عليَّة (^٥٩): عن عبد الملك بن عمير، عن مسروق، عن عائشة، قالت: أمرتم بالاستغفار لأصحاب محمد ﷺ، فسببتموهم. سمعتُ نبيكم ﷺ يقول: \"لا تذهب هذه الأمة حتى يلعن آخرها أولها\". ورواه البغوي.\nوقال أبو داود (^٦٠): حدثنا مُسَدَّد، حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، حدثنا أيوب، عن الزهري قال: قال عمر ﵁: ﴿وَ[¬١] مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيهِ مِنْ خَيلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾ - قال الزهري -: قال عمر: هذه لرسول الله ﷺ خاصة، قُرى [¬٢] عربية: فدك [¬٣] وكذا فما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل، وللفقراء الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم، ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾، ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾، فاستوعبت هذه الآية الناس، فلم يبق أحد من المسلمين إلا له فيها حق - قال أيوب: أو قال: حظ - إلا بعض من تملكون من أرقائكم. كذا رواه أبو داود، وفيه انقطاع.\nوقال ابن جرير (^٦١): حدثنا ابن عبد الأعلى، حدثنا ابن ثور، عن معمر، عن أيوب، عن عكرمة بن خالد، عن مالك بن أوس بن الحَدثَان قال: قرأ عمر بن الخطاب: ﴿إِنَّمَا\n_________\n(^٥٨) - في إسناده إسماعيل بن إبراهيم بن مهاجر: ضعيف.\n(^٥٩) - عبد الملك بن عمير ثقة، إلا أنه مدلس. ذكره ابن حجر في الطبقة الثالثة من طبقات المدلسين، وبقية إسناده ثقات.\n(^٦٠) - أخرجه أبو داود في كتاب الخراج والإمارة والفئ، باب: في تدوين العطاء، حديث (٢٩٦٦) (٣/ ١٤١)، والزهري لم يسمع من عمر ﵁.\n(^٦١) - أخرجه الطبري (٢٨/ ٣٧) وإسناده ثقات.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في ز: \"قراى\".\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.","vol":"13","page":494},{"text":"الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ حتى بلغ ﴿عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾، ثم قال: هذه لهؤلاء، ثم قرأ: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ الآية [¬١]، ثم قال [¬٢]: هذه لهؤلاء، ثم قرأ: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ حتى بلغ: ﴿لِلْفُقَرَاءِ﴾، ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾، ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾، ثم قال: استوعبت هذه الآية [¬٣] المسلمين عامة، وليس أحد إلا له فيها حق، ثم قال: لئن عشت ليأتين الراعي - وهو [يسير حُمُرَه] [¬٤] حِميْر نصيبه فيها،، لم يعرق فيها جبينه.\n﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١١) لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لَا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ (١٢) لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (١٣) لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إلا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَينَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ (١٤) كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيبًا ذَاقُوا وَبَال أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٥) كَمَثَلِ الشَّيطَانِ إِذْ قَال لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَال إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالمِينَ (١٦) فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَينِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ (١٧)﴾\nيخبر تعالى: عن المنافقين كعبد الله بن أبيّ وأضرابه، حين بعثوا إلى يهود بني النضير يعدُونهم النصر من أنفسهم، فقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"هذه الآية\".\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- في ز، خ: \"بسرر\". والمثبت من الطبري.","vol":"13","page":495},{"text":"قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ﴾ قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾، أي: لكاذبون فيما وعدوهم به إما أنهم قالوا لهم قولًا ومن نيتهم أن لا يفوا لهم به، وإما أنهم لا يقع منهم الذي قالوه. ولهذا قال: ﴿وَلَئِنْ قُوتِلُوا لَا يَنْصُرُونَهُمْ﴾، أي: لا يقاتلون معهم، ﴿وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ﴾ أي: قاتلوا معهم ﴿لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ﴾، وهذه بشارة مستقلة بنفسها.\nثم قال تعالى: ﴿لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ﴾، أي: يخافون منكم أكثر من خوفهم من الله، كقوله: ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾؛ ولهذا قال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ﴾.\nثم قال: ﴿لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إلا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ [¬١]﴾، يعني أنهم من جُبنهم وهَلَعهم لا يقدرون على مواجهة جيش الإِسلام بالمبارزة والمقابلة، بل إما في حصون أو من وراء جدار [¬٢] محاصرين، فيقاتلون للدفع عنهم ضرورة.\nثم قال: ﴿بَأْسُهُمْ بَينَهُمْ شَدِيدٌ﴾ أي: عداوتهم بينهم شديدة، كما قال: ﴿وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾؛ ولهذا قال: ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾ أي: تراهم مجتمعين فتحسبهم مؤتلفين، وهم مختلفون غاية الاختلاف [¬٣].\nقال إبراهيم النخعي: يعني: أهل الكتاب والمنافقين: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ﴾.\nثم قال: ﴿كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيبًا ذَاقُوا وَبَال أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، قال مجاهد، والسدي، ومقاتل بن حيان: كمثل ما أصاب كفار قريش يوم بدر وقال ابن عباس: ﴿كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾، يعني: يهود بني قينقاع. وكذا قال قتادة، ومحمد بن إسحاق.\nوهذا القول أشبه بالصواب، فإن يهود بني قينقاع كان رسول الله ﷺ قد أجلاهم قبل هذا.\nوقوله: ﴿كَمَثَلِ الشَّيطَانِ إِذْ قَال لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَال إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ﴾ يعني: مثل هؤلاء اليهود في اغترارهم [بالذين وعدوهم] [¬٤] النصر من المنافقين، وقول المنافقين لهم: ﴿وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ﴾، ثم لما حقت الحقائق وجَدّ بهم الحصار والقتال، تخلوا [¬٥] عنهم وأسلموهم للهلكة، مثالهم في هذا كمثل الشيطان إذ سول\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"جدار\". وهي قراءة عبد الله بن كثير، وأبي عمرو.\n[¬٢]- في ت: \"جدر\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"الائتلاف\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"بالدين ووعدهم\".\n[¬٥]- في ز: \"تخلفوا\".","vol":"13","page":496},{"text":"للإنسان -والعياذ بالله- الكفر، فإذا دخل فيما سوله له [¬١] تبرأ منه وتنصل، وقال: ﴿إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالمِينَ﴾.\nوقد ذكر بعضهم هاهنا قصة لبعض عباد بني إسرائيل هي كالمثال لهذا المثل، لا أنها المرادة وحدها بالمثل، بل هي منه مع غيرها من الوقائع المشاكلة لها، فقال ابن جرير (^٦٢):\nحدثنا خلاد بن أسلم، أخبرنا النضر بن شُمَيل، أخبرنا شعبة، عن أبي إسحاق، سمعت عبد الله بن نَهيك؛ قال: سمعت عليًّا ﵁ يقول: إن راهبًا تعبد ستين سنة، وإن الشيطان أراده فأعياه، فعمد إلى امرأة فأجَنَّها ولها إخوة، فقال لإِخوتها: عليكم بهذا القس فيداويها. قال: فجاءوا بها إليه فداواها، وكانت عنده، فبينما هو يومًا عندها إذ أعجبته، فأتاها فحبلت [¬٢]، فعمد إليها فقتلها، فجاء إخوتها، فقال الشيطان للراهب: أنا صاحبك، إنك [¬٣] أعييتني، أنا صنعت هذا بك فأطعني أنجك مما صنعت بك، اسجد لي سجدة فسجد له، فلما سجد له قال: إني بريء منك، إني أخاف الله رب العالمين، فذلك قوله: ﴿كَمَثَلِ الشَّيطَانِ إِذْ قَال لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَال إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالمِينَ﴾.\nوقال ابن جرير (^٦٣): حدثني يحيى بن إبراهيم المسعودي، حدثنا أبي، عن أبيه، عن جده، عن الأعمش، عن عمارة، بن عبد الرحمن بن يزيد، عن عبد الله بن مسعود في هذه الآية: ﴿كَمَثَلِ الشَّيطَانِ إِذْ قَال لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَال إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالمِينَ﴾. قال: كانت امرأة ترعى الغنم، وكان لها أربعة إخوة، وكانت تأوي بالليل إلى صومعة راهب قال: \"فنزل الراهب ففجر بها، فحملت، فأتاه الشيطان فقال له: اقتلها ثم ادفنها، فإنك رجل مصدق [¬٤] يسمع قولك. فقتلها ثم دفنها، قال: فأتى الشيطان إخوتها في المنام فقال لهم: إن الراهب صاحب [¬٥] الصومعة فجر بأختكم، فلما أحبلها قتلها ثم دفنها في مكان كذا وكَذا. فلما أصبحوا قال رجل منهم: والله لقد رأيت البارحَة رؤيا ما أدري أقصها عليكم أم أترك؟ قالوا: لا بل قصها علينا، قال: فقصها. فقال الآخر: وأنا والله لقد رأيت ذلك فقال الآخر: وأنا والله لقد رأيت ذلك! فقالوا: والله [¬٦] ما هذا إلا لشيء، قال: فانطلقوا فاستعدوا ملكهم على ذلك الراهب، فأتوه\n_________\n(^٦٢) - أخرجه الطبري (٢٨/ ٤٩) وإسناده صحيح إلى عليّ ﵁ وأبو إسحاق قد صرح بالسماع.\n(^٦٣) - أخرجه الطبري (٢٨/ ٤٩ - ٥٠).\n_________\n[¬١]- سقط من ت.\n[¬٢]- في ت: \"فحملت\".\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- في ز، خ: \"تصدق\".\n[¬٥]- مكررة في: ز.\n[¬٦]- في ت: \"فوالله\".","vol":"13","page":497},{"text":"فانزلوه، ثم انطلقوا به فلقيه الشيطان فقال: إني أنا الذي أوقعتك في هذا، ولن ينجيك منه غيرى، فاسجد لي سجدة واحدة وأنجيك مما أوقعتك فيه. قال: فسجد له، فلما أتوا به ملكهم تَبَرأ منه، وأُخِذَ فقتل.\nوكذا روي عن ابن عباس، وطاوس، ومقاتل بن حيان، نحو ذلك. واشتهر عند كثير من الناس أن هذا العابد هو برصيصا، والله أعلم. وهذه القصة مخالفة لقصة جُريَج العابد، فإن جريجًا اتهمته [¬١] امرأة بَغِيٌّ بنفسها، وادعت أن حملَها منه، ورفعت أمره إلى وليّ الأمر، فأمر به فأنزل [من صومعته] [¬٢] وخُربت صومعته وهو يقول: ما لكم؟ ما لكم؟ فقالوا: يا عدو الله فعلت بهذه المرأة كذا وكذا. فقال جريج: اصبروا. ثم أخذ ابنها وهو صغير جدًّا ثم قال: يا غلام، من أبوك؟ فقال [¬٣]: أبي الراعي - وكانت قد أمكنته من نفسها فحملت منه، فلما رأى بنو إسرائيل ذلك عظموه كلهم تعظيمًا بليغًا وقالوا: نعيد صومعتك من ذهب. قال: لا، بل أعيدوها من طين كما كانت.\nوقوله: ﴿فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَينِ فِيهَا﴾، أي: فكان عاقبة الآمر بالكفر والفاعل له، ومصيرهما [¬٤] إلى نار جهنم خالدين فيها، ﴿وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾، أي: جزاء كل ظالم.\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٨) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (١٩) لَا يَسْتَوي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ (٢٠)﴾\nقال الإمام أحمد (^٦٤): حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن عون بن أبي جُحَيفة، عن المنذر بن جرير، عن أبيه؛ قال: كنا [¬٥] عند - رسول الله ﷺ في صدر النهار، قال: فجاءه قوم حفاة عُرَاة محتابي النمار -أو: العَبَاء [¬٦]- متقلدي\n_________\n(^٦٤) - القصة أوردها البخاري في صحيحه بإسناده من حديث أبي هريرة في كتاب أحاديث الأنبياء، باب: قول الله: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا﴾، حديث (٣٤٣٦) (٦/ ٤٧٦).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"أتته\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في ت: \"قال\".\n[¬٤]- في ت: \"تصيرهما\".\n[¬٥]- في ز، خ: \"كان\".\n[¬٦]- في، خ: \"الغبار\".","vol":"13","page":498},{"text":"السيوف، عامتهم من مضر، بل كلهم من مضر، فتغير وجه رسول الله ﷺ لما رأى بهم من الفاقة، قال: فدخل ثم خرج، فأمر بلالًا فأذن وأقام الصلاة، فصلى ثم خطب، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ إلى آخر الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيكُمْ رَقِيبًا﴾، وقرأ الآية التي في الحشر: ﴿وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾، تصدق رجل من ديناره، من درهمه، من ثوبه، من صاع بره، من ماع تمره،\" حتى قال: \"ولو بشق تمرة\".\nقال: فجاء رجل من الأنصار بصُرة كادت كفه تَعجز عنها، بل قد عجزت، ثم تتابع الناس حتى رأيت كومين من طعام وثياب، حتى رأيت رسول الله ﷺ يتهلل وجهه كأنه مُذْهَبة فقال رسول الله ﷺ: \"مَن سن في الإِسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها به بعده من غير أن ينقُص من أجورهم شيء، ومن سن في الإِسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من غير أن ينقص من أوزارهم شيء\".\nانفرد بإخراجه مسلم (^٦٥)، من حديث شعبة بإسناده مثله:\nفقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾: أمر بتقواه، وهي تشمل فعل ما أمر، وترك ما عنه زجر\".\nوقوله: ﴿وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾، أي: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وانظروا ماذا ادخرتم لأنفسكم من الأعمال الصالحة ليوم معادكم وعَرضكم على ربكم، ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾: تأكيد ثان، ﴿إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾، أي: اعلموا أنه عالم بجميع أعمالكم وأحوالكم، لا تخفى [¬١] عليه منكم خافية، ولا يغيب عنه [¬٢] من أموركم جليل ولا حقير.\nوقال: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾ أي: لا تنسوا ذكر الله فينسيكم العمل لمصالح [¬٣] أنفسكم التي [¬٤] تنفعكم في معادكم، فإن الجزاء من جنس العمل؛ ولهذا قال: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾، أي: الخارجون من [¬٥] طاعة الله، الهالكون يوم القيامة، الخاسرون يوم معادهم، كما قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ\n_________\n(^٦٥) - أخرجه أحمد (٤/ ٣٥٨ - ٣٥٩) (١٩٢٣٠).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"يخفى\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"عليه\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"الصالح\".\n[¬٤]- في ز، خ: \"الذي\".\n[¬٥]- في ت: \"عن\".","vol":"13","page":499},{"text":"أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾.\nوقال الحافظ أبو القاسم الطبراني (^٦٦): حدثنا أحمد بن عبد الوهاب بن نَجدة الحوطي، حدثنا [أبو المغيرة]، حدثنا حَريز [¬١] بن عثمان، عن نعيم بن نَمحة قال: كان في خطبة أبي بكر الصديق ﵁: أما تعلمون أنكم تغدون وتروحون لأجل معلوم؟ فمن استطاع أن ينقضي [¬٢] الأجل وهو في عمل الله ﷿ فليفعل، ولن تنالوا ذلك إلا بالله ﷿ إن قومًا جعلوا آجالهم لغيرهم، فنهاكم الله أن تكونوا أمثالهم: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾. أين من تعرفون من إخوانكم؟ قدموا على ما قدموا في أيام سلفهم، وخلوا بالشقوة والسعادة، أين الجبارون الأولون الذين بنوا المدائن وحصونها بالحوائط؟ قد صاروا تحت الصخر والآبار، هذا كتاب الله لا تفنى عجائبه فاستضيئوا منه ليوم ظلمة، واستنصحوا كتابه وبيانه [¬٣]. إن الله أثنى على زكريا وأهل بيته فقال: ﴿إِنَّهُمْ [¬٤] كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾، لا خير في قول لا هاديه وجه الله ولا خير في مال لا ينفق في سبيل الله. ولا خير فيمن يغلب جهله حلمه، ولا خير فيمن يخاف في الله لومة لائم.\nهذا إسناد جيد، و[¬٥] رجاله كلهم [¬٦] ثقات، وشيخ حريز [¬٧] بن عثمان [¬٨]- وهو نعيم بن نمحة -. لا أعرفه بنفي ولا إثبات، غير [¬٩] أن أبا داود السجستاني قد حكم بأن شيوخ حَريز [¬١٠] كلهم ثقات. وقد روي لهذه الخطبة شواهد من وجوه أخر، والله أعلم.\nوقوله: ﴿لَا يَسْتَوي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾. أي: لا يستوي هؤلاء وهؤلاء في حكم الله يوم القيامة، كما قال: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾. وقال: ﴿وَمَا يَسْتَوي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلَا الْمُسِيءُ﴾. الآية. وقال: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾. في آيات أخر دالات على أن الله سبحانه يكرم الأبرار، ويهين الفجار، ولهذا قال هاهنا:\n_________\n(^٦٦) - مسلم في كتاب الزكاة، باب: الحث على الصدقة ولو بشق تمرة، أو كلمة طيبة، وأنها حجاب من النار، حديث (٦٩/ ١٠١٧) (٧/ ١٤٢ - ١٤٥).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"جرير\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"ينقص\".\n[¬٣]- في ت: \"تبيانه\".\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- سقط من: ز، خ.\n[¬٧]- في ز، خ: \"جرير\".\n[¬٨]- في ت: \"سفيان\".\n[¬٩]- في ز، خ: \"يخبر\".\n[¬١٠]- في ز: \"جرير\".","vol":"13","page":500},{"text":"﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾. أي: الناجون المسلمون من عذاب الله ﷿.\n﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٢١) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إلا هُوَ عَالِمُ الْغَيبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (٢٢) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إلا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣) هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٤)﴾\nيقول تعالى معظِّمًا لأمر القرآن ومبينًا علوَّ قدره، وأنه ينبغي أن تخشع له القلوب، وتتصدع عند سماعه لما فيه من الوعد الحق والوعيد الأَكيد: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾. أي: فإذا كان الجبل في غلظه وقساوته لو أفهم [¬١] هذا القرآن فتدبر ما فيه، لخشع وتصدع من خوف الله ﷿ فكيف يليق بكم أيها البشر أن لا تلين قلوبكم وتخشع، وتتصدع من خشية الله، وقد فهمتم عن الله أمره وتدبرتم كتابه؟ ولهذا قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾.\nقال العوفي: عن ابن عباس في قوله ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ. .﴾ إلى آخرها، يقول: لو أني أنزلت هذا القرآن على جبل حَمّلته إياه، لتصدع وخشع من ثقله، ومن خشية الله. فأمر الله الناس إذا نزل عليهم القرآن أن يأخذوه بالخشية الشديدة والتخشع. ثم قال: كذلك يضرب الله الأمثال للناس لعلهكم يتفكرون. وكذا قال قتادة وابن جرير.\nوقد ثبت في الحديث المتواتر (^٦٧) أن رسول الله ﷺ لما عمل له المنبر، وقد كان يوم الخطبة يقف إلى جانب جذع من جذوع المسجد، فلما وضع المنبر أول ما\n_________\n(^٦٧) - أخرجه الطبراني في الكبير (١/ ٦٠ - ٦١) (٣٩).\n_________\n[¬١]- في ت: \"فهم\".","vol":"13","page":501},{"text":"وضع، وجاء النبي ﷺ ليخطب فجاوز الجذع إلى نحو المنبر، فعند ذلك حَنَّ الجذع وجعل يئن كما يئن الصبي الذي يُسَكَّنُ [¬١]، لما كان يُسَمع من الذكر والوحي عنده. ففي بعض روايات هذا الحديث: قال الحسن البصري بعد إيراده: فأنتم أحق أن تشتاقوا إلى رسول الله ﷺ من الجذع.\nوهكذا هذه الآية الكريمة، إذا كانت الجبال الصم لو سمعت كلام الله وفهمته، لخشعت وتصدعت من خشيته، فكيف بكم وقد سمعتم وفهمتم؟ وقد قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى﴾. الآية. وقد تَقَدم أن معنى ذلك: أي لكان هذا القرآن. وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾.\nثم قال تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إلا هُوَ عَالِمُ الْغَيبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ أخبر تعالى أنه الذي لا إله إلا هو فلا رب غيره، ولا إله للوجود سواه، وكل ما يعبد من دونه فباطل، وأنه عالم الغيب والشهادة، أي: يعلم جميع الكائنات المشاهَدات لنا والغائبات عنا فلا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء من جليل وحقير وصغير وكبير، حتى الذر في الظلمات.\nوقوله: ﴿هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾: قد تقدم الكلام على ذلك في أول التفسير، بما أغنى عن إعادته هاهنا. والمراد: انه ذو الرحمة الواسعة الشاملة لجميع المخلوقات، فهو رحمان الدنيا والآخرة ورحيمهما، وقد قال تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيءٍ﴾ وقال: ﴿عَلَيكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ وقال: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ [فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾.\nوقال: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إلا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ﴾ أي: المالك لجميع الأشياء، المتصرف فيها بلا ممانعة ولا مدافعة.\nوقوله: ﴿الْقُدُّوسُ﴾] [¬٢] قال وهب بن منبه: أي الطاهر. وقال مجاهد، وقتادة: أي المبارك. وقال ابن جريج: تقدسه الملائكة الكرام.\n﴿السَّلَامُ﴾ [¬٣] أي: من جميع العيوب والنقائص؛ بكماله في ذاته وصفاته وأفعاله.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"سلب\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين كذا في ز، خ: \"أي المالك لجميع الأشياء، المتصريف فيها بلا ممانعة ولا مدافعة. وقوله: ﴿هُوَ خَيرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ وقال: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إلا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ﴾.\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.","vol":"13","page":502},{"text":"وقوله: ﴿الْمُؤْمِنُ﴾، قال الضحاك، عن ابن عباس: أمن [خلقه مرد] [¬١] أن يظمهم.\nوقال قتادة: أمَّن بقوله إنه حق. وقال ابن زيد: صدَّق عبادَه المؤمنين في إيمانهم له.\nوقوله: ﴿الْمُهَيمِنُ﴾، قال ابن عباس وغير واحد: أي: الشاهد على خلقه بأعمالهم، بمعنى هو رقيب عليهم، كقوله: ﴿وَاللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ شَهِيدٌ﴾ وقوله: ﴿ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ [¬٢]﴾.\nوقوله: ﴿أَفَمَنْ [¬٣] هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ الآية.\nوقوله: ﴿الْعَزِيزُ﴾، أي: الذي قد عَزّ كل شيء فقهره، وغلب الأشياء فلا ينال جنابه، لعزته وعظمته وجبروته وكبريائه، ولهذا قال: ﴿الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ﴾، أي [¬٤]: الذي لا تليق الجَبْرية إلا له، ولا التكبر إلا لعظمته، كما تقدم في الصحيح (^٦٨): \" العظمة إزاري، والكبرياء ردائي، فمن نازعني واحدًا منهما عذبته\".\nوقال قتادة: الجبار: الذي جبر خلقه على ما يشاء:. وقال ابن جرير: الجبار: المصلحُ أمورَ خلقه، المتصرف فيهم بما فيه صلاحهم.\nوقال قتادة: المتكبر، يعني: عن كل سوء. ثم قال: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾.\nوقوله: ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ﴾ الخلق: التقدير، والبَراء [¬٥]: هو الفري، وهو: التنفيذ وإبراز ما قدره وقرره إلى الوجود، وليس كل من قدر شيئًا ورتبه يقدر على تنفيذه وإيجاده سوى الله ﷿. قال الشاعر يمدح آخر:\nولأنت تَفري ما خَلَقتَ وبعضُ … القوم يخلق ثم لا يَفْري\nأي: أنت تنفذ ما خلقت، أي: قدرت، بخلاف غيرك فإنه لا يستطيع ما يريد. فالخلق: التقدير، والفري: التنفيذ. ومنه يقال: قدر الجلاد ثم فَرَى، أي: قطع على ما قدره بحسب ما يريده.\nوقوله تعالى: ﴿الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ﴾، أي: الذي إذا أراد شيئًا قال له: كن،\n_________\n(^٦٨) - قصة حنين الجذع أخرجها البخاري في كتاب المناقب، باب: علامات النبوة، حديث (٣٥٨٣ - ٣٥٨٥) من حديث ابن عمر وجابر بن عبد الله ﵃. وهي قصة مشهورة.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين بياض في: ز.\n[¬٢]- في ز، خ: \"تعملون\".\n[¬٣]- في ز: \"أمَّن\".\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- في ز، خ: \"البر\".","vol":"13","page":503},{"text":"فيكون على الصفة التي يريد، والصورة التي يختار، كقوله: ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾، ولهذا قال: ﴿الْمُصَوِّرُ﴾، أي: الذي ينفذ ما يريد إيجاده على الصفة التي يريدها.\nوقوله: ﴿لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾، قد تقدم الكلام على ذلك في \"سورة الأعراف\"، وذكر الحديث المروي في الصحيحين (^٦٩) عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ: \"إن لله تسعة وتسعين اسمًا، مائة إلا واحدًا، من أحصاها دخل الجنة، وهو وتر يحب الوتر\" .. وتقدم سياق الترمذي (^٧٠) وابن ماجة له (^٧١)، عن أبي هريرة أيضًا، وزاد بعد قوله: \"وهو وتر يحب الوتر\" -واللفظ للترمذي-: \"هو الله الذي لا إله إلا هو الرحمن، الرحيم، الملك، القدوس، السلام، المؤمن، المهيمن، العزيز، الجبار، المتكبر، الخالق، البارئ [¬١]، المصور، الغفار، القهار، الوهاب، الرزاق، الفتاح، العليم، القابض، الباسط، الخافض، الرافع، المعز، المذل، السميع، البصير، الحكم، العدل، اللطيف، الخبير، الحليم، العظيم، الغفور، الشكور، العلي، الكبير، الحفيظ، المقِيت، الحسيب، الجليل، الكريم، الرقيب، المجيب، الواسع، الحكيم، الودود، المجيد، الباعث، الشهيد، الحق، الوكيل، القوي، المتين، الولي، الحميد، المحصي، المبدي، المعيد، المحيي، المميت، الحي، القيوم، الواجد، الماجد، الواحد، الصمد، القادر، المقتدر، المقدم، المؤخر، الأول، الآخر، الظاهر، الباطن، الوالي، المتعالي، البر، التواب، المنتقم، العفو، الرءوف، مالك الملك، ذو الجلال والإكرام، المقسط، الجامع، الغني، المغني، المانع [¬٢]، الضار، النافع، النور، الهادي، البديع، الباقي، الوارث، الرشيد، الصبور.\nوسياق ابن ماجة بزيادة ونقصان، وتقديم وتأخير، وقد قدمنا ذلك مبسوطًا مطولًا بطرقه وألفاظه، بما أغنى عن إعادته هنا وقوله: ﴿[يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ] [¬٣] وَالْأَرْضِ﴾ كقوله: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيءٍ إلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾. وقوله: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾، أي: فلا\n_________\n(^٦٩) - أخرجه مسلم في باب: البر والصلة، باب: \"تحريم الكبر\"، حديث (١٣٦/ ٢٦٢٠) (١٦/ ٢٦٤) من حديث أبي سعيد وأبي هريرة بنحوه.\n(^٧٠) - تقدم تخريجه في تفسير سورة الأعراف، آية (١٨٠).\n(^٧١) - إسناده ضعيف وقد تقدم في الوضع السابق.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"الرازق\".\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في ز، خ: \"تسبح له السموات\".","vol":"13","page":504},{"text":"يرام جَنَابه ﴿الْحَكِيمُ﴾ في شرعه وقدره. وقد قال الإِمام أحمد (^٧٢):\nحدثنا أبو أحمد الزبيري، حدثنا خالد -يعني: ابن طهمان، أبو العلاء [¬١] الخَفَّاف- حدثنا نافع بن أبي نافع، عن مَعقل بن يسار، عن النبي ﷺ قال: \"من قال حين يصبح ثلاث مراث: أعوذ بالله السميع العليم، من الشيطان الرجيم، ثم قرأ الثلاث [¬٢] آيات من آخر سور الحشر، وَكَّل الله به سبعين [¬٣] ألف ملك يصلون عليه حتى يمسي، وإن مات في ذلك اليوم مات شهيدًا. ومن قالها حين يمسي كان بتلك المنزلة\" ورواه الترمذي (^٧٣) عن محمود بن غيلان، عن أبي أحمد الزبيري، به، وقال: غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه.\n[آخر تفسير سورة الحشر].\n* * * *\n_________\n(^٧٢) - أخرجه أحمد (٥/ ٢٦) (٢٠٣٥٧).\n(^٧٣) - الترمذي في كتاب: ثواب القرآن، باب: فضل آخر سورة الحشر، حديث (٢٩٢٣) (٨/ ١٢٢).\nوفي إسناده خالد بن طهمان صدوق إلا أنه اختلط وضعفه الترمذي بقوله: غريب.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"المعلى\".\n[¬٢]- في ت: \"ثلاث\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"سبعون\".","vol":"13","page":505},{"text":"<span data-type='title' id=toc-181>تفسير سورة الممتحنة وهي مدنية</span>\n﷽\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (١) إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيكُمْ أَيدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ (٢) لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَينَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٣)﴾\nكان سبب نزول صدر هذه السورة [¬١] الكريمة قصة حاطب بن أبي بلتعة، وذلك أن حاطبًا هذا كان رجلًا من المهاجرين، وكان من أهل بدر أيضًا، وكان له بمكة أولاد ومال، ولم يكن من قريش أنفسهم، بل كان حليفًا لعثمان. فلما عزم رسول الله ﷺ على فتح مكة لما نقض أهلها العهد، فأمر النبي ﷺ المسلمين [بالتجهز لعدوهم] [¬٢]، وقال: \"اللَّهم عَمِّ عليهم خبرنا\" (^١). فعمد حاطب هذا فكتب كتابًا، وبعثه مع امرأة من قريش إلى أهل مكة، يعلمهم بما عزم عليه رسول الله ﷺ ليتخذ بذلك عندهم يدًا، فأطلع الله رسوله على ذلك، استجابة لدعائه. فبعث في أثر المرأة فأخذ الكتاب منها، وهذا بين في الحديث المتفق على صحته؛ قال الإِمام أحمد (^٢):\n_________\n(^١) - أخرجه الطبراني في \"الكبير\" (٢٣/ ٤٣٥) رقم (١٠٥٢) في قصة طويلة من حديث ميمونة، وفي الصغير (٢/ ٧٣ - ٧٥). وقال الهيثمي في المجمع (٦/ ١٦٧): رواه الطبراني في الصغير والكبير، وفيه يحيى بن سليمان بن نضلة وهو ضعيف. والقصة أوردها ابن هشام في السيرة من طريق ابن إسحاق في ذكر الأسباب الموجبة المسير إلى مكة (٤/ ٨٥٢ وما بعدها).\n(^٢) - أخرجه أحمد (١/ ٧٩ - ٨٠) (٦٠٠).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"الآية\".\n[¬٢]- في ت: \"بالتجهيز لغزوهم\".","vol":"13","page":506},{"text":"حدثنا سفيان، عن عَمْرو [¬١]، أخبرني حَسَن بن محمد بن عليّ، أخبرني عُبيد [¬٢] الله ابن أبي رافع، وقال مرة: إن عبيد الله بن أبي رافع أخبره: أنه سمع عليًّا ﵁ يقول: بعثني رسول الله ﷺ أنا والزبير والمقداد، فقال: \"انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ فإن بها ظعينة معها كتاب فخذوه منها\"، فانطلقنا تعادي بنا خيلنا حتى أتينا الروضة، فإذا نحن بالظعينة، قلنا: أخرجي الكتاب. قالت: ما معي كتاب. قلنا لتخرجن الكتاب أو، لنْلقين الثياب. قال: فأخرجت الكتاب من عقاصها، فأخذنا الكتاب فأتينا به رسول الله ﷺ. فإذا فيه: من حاطب بن أبي بلتعة إلى ناس من المشركين بمكة، يخبرهم ببعض أمر رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ: \"يا حاطب؛ ما هذا؟ \" قال: لا تعجل عليَّ، إني كنت امرأ مُلصَقًا في قريش، ولم أكن من أنفسهم، وكان من كان معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون أهليهم بمكة، فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب فيهم أن أتخذ فيهم يدًا يحمون بها قرابتي، وما فعلت ذلك كفرًا ولا ارتدادًا عن ديني ولا رضي [¬٣] بالكفر بعد الإِسلام. فقال رسول الله ﷺ: \"إنه صَدَقكم\" فقال عمر: دعني أضرب عنق هذا المنافق. فقال: \"إنه قد شهد بدرًا، وما يدريك لَعَلَّ [¬٤] الله اطلع إلى أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم\".\nوكذا أخرجه الجماعة إلا ابن ماجة (^٣) من عير وجه عن سفيان بن عيينة، به.\nوزاد البخاري (^٤) في كتاب المغازي: فأنزل الله السورة ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾.\n_________\n(^٣) - أخرجه البخاري في كتاب الجهاد، باب: الجاسوس، حديث (٣٠٠٧) (٦/ ١٤٣)، وأطرافه في [٣٨١١، ٣٩٨٣، ٤٢٧٤، ٤٨٩٠: ٦٢٥٩، ٦٩٣٩]. ومسلم في باب: فضائل الصحابة، باب: من فضائل أهل بدر ﵃ وقصة حاطب بن أبي بلتعة، حديث (١٦/ ٢٤٩٤) (١٦/ ٨٠ - ٨٢). وأبو داود في كتاب: الجهاد، باب: في حكم الجاسوس إذا كان مسلمًا، حديث (٢٦٥٠) (٣/ ٤٧ - ٤٨). والترمذي في كتاب: تفسير القرآن، باب: ومن سورة الممتحنة، حديث (٣٣٠٢) (٩/ ٤٣ - ٤٤). والنسائي في الكبرى في كتاب: تفسير القرآن، باب: قوله تعالى: ﴿لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾، - حديث (١١٥٨٥) (٦/ ٤٨٧).\n(^٤) - أخرجه البخاري في كتاب المغازي، باب: غزوة الفتح، حديث (٤٢٧٤) (٧/ ٥١٩).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"عمه و\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"عبد\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"أرضى\".\n[¬٤]- في ز، خ: \"أن\".","vol":"13","page":507},{"text":"و[¬١] قال في كتاب التفسير (^٥): قال عمرو: ونزلت فيه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾، قال: لا أدري الآية في الحديث أو قال عمرو. قال البخاري (^٦): قال عليّ -يعني: ابن المديني-: قيل لسفيان: في هذا نزلت: ﴿لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾؟ فقال سفيان: هذا في حديث الناس، حفطته من عمرو، ما تركت منه حرفًا، وما أرى أحدًا حفظه غيري. وقد أخرجاه في الصحيحين (^٧) من حديث حُصَين بن عبد [¬٢] الرحمن، عن سعد بن عُبَيدة، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن عليّ، قال: بعثني رسول الله ﷺ وأبا مَرْثد، والزبير بن العوام، وكلنا فارس، وقال: \"انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ، فإن بها امرأة من المشركين معها كتاب من حاطب إلى المشركين\". فأدركناها تسير على بعير لها حيث قال رسول الله ﷺ، فقلنا: الكتابُ؟ فقالت: ما معي كتاب. فأنخناها فالتمسنا فلم نر كتابًا، فقلنا: ما كذب رسول الله ﷺ! لتخرجن الكتاب أو لنجردنك. فلما رأت الجد أهوت إلى حجزتها وهي محتجزة [¬٣] بكساء فأخرجته. فانطلقنا بها إلى رسول الله ﷺ فقال عمر: يا رسول الله؟ قد خان الله ورسوله والمؤمنين فدعني فَلأضرِبْ عنقه. فقال: \"ما حملك على ما صنعت؟ \" قال: والله ما بي إلا أن أكون مؤمنا بالله ورسوله، أردت أن تكون لي عند القوم يَدٌ [¬٤] يدفع الله بها عن أهلي ومالي، وليس أحد من أصحابك إلا له هنالك من عشيرته من يدفع الله به عن أهله وماله. فقال: \"صَدَق، لا تقولوا له إلا خيرًا\". فقال عمر: إنه قد [¬٥] خان الله ورسوله والمؤمنين، فدعني فَلأضربْ عنقه. فقال: \"أليس [] [¬٦]، من أهل بدر؟ فقال: \"لعل الله قد اطلع إلى أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد وجبت لكم الجنة\"، أو: \"قد غفرت لكم\" فدمعَت عينا عمر وقال: الله ورسوله أعلم. هذا لفظ البخاري في \"المغازي\" في غزوة بدر، وقد روي من وجه آخر عن علي، قال ابن أبي حاتم (^٨):\n_________\n(^٥) - أخرجه البخاري برقم (٤٨٩٠)، باب: ﴿لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾.\n(^٦) - أخرجه البخاري رقم (٨/ ٦٣٤).\n(^٧) - أخرجه البخاري في باب المغازي، باب: فضل من شهد بدرًا، حديث (٣٩٨٣) (٤/ ٣٠٧ - ٣٠٥)، ومسلم في كتاب: فضائل الصحابة، باب: من فضائل أهل بدر، حديث (١٦١/ ٢٤٩٤ م) (١٦/ ٨٣).\n(^٨) - ينظر الحديث التالي.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- مكررة في: ز.\n[¬٣]- في ز، خ: \"محتجرة\".\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين في ز: \"أنه\".","vol":"13","page":508},{"text":"حدثنا عليّ بن الحسن [¬١] الهسنجاني، حدثنا عبيد [¬٢]، بن يعيش، حدثنا إسحاق بن سليمان الرازي، عن أبي سنان -هو: سعيد بن سنان- عن عمرو بن مُرَّة الجَمَلي، عن أبي [] [¬٣]، البختري الطائي، عن الحارث، عن علي، قال: لما أراد النبي ﷺ أن، يأتي مكة، أسر إلى أناس من أصحابه أنه يريد مكة، فيهم حاطب بن أبي بلتعة، وأفشى في الناس أنه يريد خيبر قال: فكتب حاطب بن أبي بلتعة إلى أهل مكة: أن رسول الله ﷺ يريدكم. فأخْبِر رسول الله ﷺ، قال: فبعثني رسول الله ﷺ وأبا مَرْثد، وليس منا رجل إلا وعنده فرس، فقال: \"ائتوا روضة خاخ، فإنكم ستلقون بها امرأة معها كتاب، فخذوه منها\". فانطلقنا حتى رأيناها بالمكان الذي ذَكَر رسول الله ﷺ فقلنا لها: هات الكتاب. فقالت: ما معي كتاب. فوضعنا متاعها، وفتشناها فلم نجده في متاعها، فقال أبو مرثد: لعله أن لا يكون معها. فقلت: ما كذب رسول الله ﷺ ولا كذبنا. فقلنا لها: لتخرجِنَّه أو لنُعرينَّك. فقالت: أما تتقون الله؟! ألستم مسلمين؟! فقلنا: لتخرجنه أو لنعرينك، قال عمرو بن مرة: فأخرجته من حُجزتها، وقال حبيب بن أبي ثابت: أخرجته من قُبُلها. فأتينا به رسول الله ﷺ فإذا الكتاب من حاطب بن أبي بلتعة، فقام عمر فقال: يا رسول الله، خان الله ورسوله، فَأذَن لي فلأضرب عنقه. فقال رسول الله: \"أليس قد شهد بدرًا؟ \" قالوا: بلى. قال عمر: بلى، ولكنه قد نكث وظاهر أعداءك عليك. فقال رسول الله ﷺ: \"فلعل الله اطلع إلى أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم، إني بما تعلمون بصير\". ففاضت عينا عمر وقال: الله ورسوله أعلم. فأرسل رسول الله - صلى الله غليه وسلم - إلي حاطب فقال: \"يا حاطب، ما حملك على ما صنعت؟ \". فقال: يا رسول الله، إني كنت امرأ مُلصَقًا في قريش، وكان لي بها مال وأهل، ولم يكن من أصحابك أحد إلا وله بمكة من يمنع أهله وماله، فكتبت إليهم بذلك ووالله -يا رسول الله- إني لمؤمن بالله ورسوله. فقال رسول الله ﷺ: \"صدق حاطب، فلا تقولوا، لحاطبا إلا خيرًا\" - قال حبيب بن أبي ثابت: فأنزل الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيهِمْ بِالْمَوَدَّةِ.﴾ الآية.\nهكذا رواه ابن جرير (^٩) عن ابن حميد عن مهران عن أبي سنان سعيد بن سنان بإسناد [¬٤]\n_________\n(^٩) - أخرجه الطبري (٢٨/ ٥٩). وفي إسناده مهران، وهو ابن أبي عمر العطار: صدوق له أوهام سيئ الحفظ، لكن تابعة عند أبي حاتم إسحاق بن سليمان الرازي وهم ثقة، إلا أن مدار الحديث على سعيد =\n_________\n[¬١]- في ز: \"الحسين\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"عبد\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في ز: \"إسحاق،، وهي زيادة مقحمة\".\n[¬٤]- في ت: \"إسناد\".","vol":"13","page":509},{"text":"مثله. وقد ذكر ذلك أصحاب المغازي والسير، فقال محمد بن إسحاق بن يَسَار في السيرة (^١٠): حدثني محمد بن جعفر بن الزبير، عن عروة بن الزبير وغيره من علمائنا قال: لما أجمع رسول الله ﷺ المسير [¬١] إلى مكة، كتب حاطب بن أبي بلتعة كتابًا إلى قريش يخبرهم بالذي أجمع عليه رسول الله ﷺ من الأمر في السير إليهم، ثم أعطاه إلى امرأة - زعم محمد بن جعفر أنها من مزينة، وزعم غيره أنها. سارة، مولاة لبني عبد المطلب - وجعل لها جُعلًا على أن تبلغة قُريشًا فجعلته في رأسها، ثم فتلت عليه قرونها، ثم خرجت به، وأتى رسول الله ﷺ الخبر من السماء بما صنع حاطب، فبعث علي بن أبي طالب والزبير بن العوام فقال: \"أدركا امرأة قد كتب معها حاطب بكتاب إلى قريش يحذرهم ما قد أجمعنا له من أمرهم\". فخرجا حتى أدركاها بالخُلَيفة - خليفة بني [¬٢] أبي أحمد - فاستنزلاها بالخليفة، فالتمسا في رحلها فلم يجدا شيئًا فقال لها علي بن أبي طالب: إني أحلف بالله ما كذب رسول الله وما كذبنا ولتخرجني لنا هذا الكتاب أو لنكشفنَّك. فلما رأت الجدّ منه قالت: أعرض. فأعرض، فحلت قرون رأسها، فاستخرجت الكتاب منها، فدفعته إليه، فأتى به رسول الله ﷺ فدعا رسول الله حاطبًا فقال: \"يا حاطب؟ ما حملك على هذا؟ \". فقال: يا رسول الله، أما والله إني لمؤمن بالله ورسوله، ما غَيرت ولا بَدّلت، ولكني كنت امرأ ليس لي في القوم من أهل ولا عشيرة، وكان لي بين أظهرهم ولَدٌ وأهل فصانعتهم عليهم. فقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله، دعني فَلأضربْ عنقه، فإن الرجل قد نافق. فقال رسول الله ﷺ: \"وما يدريك يا عمر! لعل الله قد اطلع إلى أصحاب بدر يوم بدر فقال: اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم. فأنزل الله ﷿ في حاطب: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾ إلى قوله: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَينَنَا وَبَينَكُمُ الْعَدَاوَةُ\n_________\n= ابن سنان؛ قال أحمد: ليس بالقوي. وقال مرة: كان رجلًا صالحًا، ولم يكن يقيم الحديث. وقال النسائي: ليس به بأس، ووثقه الدارقطني ومن قبله ابن معين. وقال ابن عدي: له أفراد، وأرجو أنه بن لا يتعمد الكذب \"ميزان الاعتدال\" (٢/ ٣٣٣). وقال ابن حجر في التقريب: \"صدوق له أوهام. والحارث هو ابن عبد الله الأعور كذبه الشعبي في رواية، ورمي بالرفض وفي حديثه ضعف.\n(^١٠) - السيرة النبوية لابن هشام (٤/ ٨٥٨ - ٨٥٩). ورواته ثقات وابن إسحاق صرح بالتحديث إلا أنه مرسل.\n_________\n[¬١]- في ز: \"السير\".\n[¬٢]- في ز: \"ابن\".","vol":"13","page":510},{"text":"وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ. …﴾. إلى آخر القصة.\nوروى معمر (^١١)، عن الزهري، عن عروة نحو ذلك. وهكذا ذكر مقاتل بن حيان: أن هذه الآيات نزلت في حاطب بن أبي بلتعة: أنه بعث سارة مولاة بني هاشم، وأنه أعطاها عشرة دراهم، وأن رسول الله ﷺ بعث في أثرها عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب ﵄ فأدركها بالجحفة … وذكر تمام القصة كنحو ما تقدم. وعن السدي قريب منه. وهكذا قال العوفي، عن ابن عباس ومجاهد، وقتادة، وغير واحد: إن هذه الآيات نزلت في حاطب بن أبي [¬١] بلتعة.\nفقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ﴾. يعني: المشركين والكفار الذين هم محاربون لله ولرسوله والمؤمنين [¬٢] الذين شرع الله عداوتهم ومصارمتهم [¬٣]، ونهى أن يتخذوا أولياء وأصدقاء وأخلاء، كما قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾، وهذا تهديد شديد ووعيد أكيد، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾. وقال تعالى: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيءٍ] [¬٤] إلا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ ولهذا قَبل رسول الله ﷺ عُذْرَ: حاطب لما ذكر أنه إنما فعل ذلك مصانعة لقريش، لأجل ما كان له عندهم من الأموال والأولاد.\nويذكر هاهنا الحديث الذي رواه الإمام أحمد (^١٢).\nحدثنا مصعب بن سلام، حدثنا الأجلح، عن قيس بن أبي مسلم، عن ربعي بن حراش [¬٥]، سمعت حُذيفة يقول: ضَرَب لنا رسول الله ﷺ أمثالًا:\n_________\n(^١١) - أخرجه الطبري (٢٨/ ٦٠) وانظر السابق.\n(^١٢) - أخرجه أحمد (٥/ ٤٠٧) (٢٣٥٦٩). وفي إسناده قيس بن أبي مسلم ذكره البخاري في التاريخ (٧/ ١٥٤ - ١٥٥) ولم يذكر فيه جرحًا، لا تعديلًا وذكره ابن حبان، وابن خلفون في الثقات كما في التعجيل. والحديث ذكره الهيثمي في \"المجمع\" (٥/ ٢٣٥) وقال: رواه أحمد وفيه الأجلح (في =\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في ت: \"والمؤمنين\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"ومضاربتهم\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- في ز، خ: \"خراش\".","vol":"13","page":511},{"text":"واحدًا وثلاثة، وخمسة وسبعة، وتسعة، وأحد عشر - قال: فضرب لنا منها مثلًا وترك سائرها، قال: \"إن قومًا كانوا أهل ضعف ومسكنة، قاتلهم أهل تجبر وعداء، فأظهر الله أهل الضعف عليهم، فَعَمَدوا إلى عَدوهم فاستعملوهم وسلّطوهم، فأسخطوا الله عليهم إلى يوم يلقونه\".\nوقوله: ﴿يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ﴾: هذا مع ما قبله من التهييج على عداوتهم وعدم موالاتهم، لأنهم أخرجوا الرسول وأصحابه من بين أظهرهم، كراهة لما هم عليه من التوحيد وإخلاص العبادة لله وحده، ولهذا قال: ﴿أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ﴾ أي: لم يكن لكم [¬١] عندهم ذنب إلا إيمانكم [¬٢] بالله رب العالمين، كقوله: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إلا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾. وكقوله: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيرِ حَقٍّ إلا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا﴾.\nوقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي﴾، أي: إن كنتم كذلك فلا تتخذوهم أولياء، إن كنتم خرجتم مجاهدين في سبيلي باغين لمرضاتي عنكم فلا توالوا أعدائي وأعداءكم، وقد أخرجوكم من دياركم وأموالكم حَنَقًا عليكم وسخطًا لدينكم.\nوقوله: ﴿تُسِرُّونَ إِلَيهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ﴾ أي: تفعلون ذلك وأنا العالم بالسرائر والضمائر والظواهر ﴿إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيكُمْ أَيدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ﴾ أي: لو قدروا عليكم لما اتقوا [¬٣] فيكم من أذى ينالونكم به بالمقال والفعال، ﴿وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ﴾، أي: ويحرصون على أن لا تنالوا خيرًا، فهم عداوتهم لكم كامنة وظاهرة، فكيف توالون مثل هؤلاء؟ وهذا تهييج على عداوتهم أيضًا.\nوقوله: ﴿لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَينَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ أي: قراباتكم [¬٤] لا تنفعكم عند الله إذا أراد الله بكم سوءًا، ونفعهم لا يصل إليكم إذا أرضيتموهم بما يسخط الله، ومن وافق أهله على الكفر ليرضيهم فقد خاب وخَسِر وضَل عمله، ولا ينفعه عند الله قرابته من أحد، ولو كان قريبًا إلى نبي من الأنبياء، قال الإِمام أحمد (^١٣):\n_________\n= المطبوع الأحلج ولعله تصحيف) الكندي وهو ثقة وقد ضعف، وبقية رجاله ثقات.\n(^١٣) - أخرجه أحمد (٣/ ٢٦٨) (١٣٨٦٢).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"لهم\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"إيمانهم\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"أبقوا\".\n[¬٤]- في ت: \"قرابتكم\".","vol":"13","page":512},{"text":"حدثنا عفان، حدثنا حمَّاد عن ثابت [¬١] عن أنس أن رجلًا قال: يا رسول الله؛ أين أبي؟ قال: \"في النار\" فلما قَفَّى [¬٢] دعاه فقال: \"إن أبي وأباك في النار\". ورواه مسلم (^١٤) وأبو داود من حديث حماد بن سلمة به.\n﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَينَنَا وَبَينَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إلا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيءٍ رَبَّنَا عَلَيكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيكَ أَنَبْنَا وَإِلَيكَ الْمَصِيرُ (٤) رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٥) لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٦)﴾\nيقول تعالى لعباده المؤمنين الذين أمرهم بمصارمة الكافرين وعداوتهم ومجانبتهم والتبري منهم: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾، أي: وأتباعه الذين آمنوا معه، ﴿إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ [¬٣] إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ﴾، أي: تبرأنا منكم ﴿وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ﴾ أي: بدينكم وطريقتكم [¬٤]، ﴿وَبَدَا بَينَنَا وَبَينَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا﴾، يعني: وقد شُرعت العداوة والبغضاء من الآن بيننا وبينكم، ما دمتم على كفركم فنحن أبدًّا نتبرأ منكم ونبغضكم، ﴿حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾، أي: إلى أن تُوحدوا الله فتعبدوه وحده لا شريك له، وتخلعوا ما تعبدون معه من الأنداد والأوثان.\nو[¬٥] قوله تعالى: ﴿إلا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾ أي: لكم في إبراهيم وقومه\n_________\n(^١٤) - مسلم في كتاب الإيمان، باب: بيان أن من مات على الكفر فهو في النار، حديث (٣٤٧/ ٢٠٣) (٣/ ٩٧). وأبو داود في كتاب السنة، باب: في ذراري المشركين، حديث (٤٧١٨) (٤/ ٢٣٠).\nقال النووي: ومعنى قفى: ولى قفاه منصرفًا.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"أبيه\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"بقى\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"أمر مبهم\".\n[¬٤]- في ز، خ: \"وطريقكم\".\n[¬٥]- سقط من: ت.","vol":"13","page":513},{"text":"أسوة حسنة تتأسون بها، إلا في استغفار إبراهيم لأبيه فإنه إنما كان عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه، وذلك أن بعض المؤمنين كانوا يدعون لآبائهم الذين ماتوا على الشرك ويستغفرون لهم ويقولون إن إبراهيم كان يستغفر لأبيه فأنزل الله ﷿ ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إلا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ (١١٤)﴾ \". وقال تعالى في هذه الآية الكريمة ﴿قَدْ كَانَتْ [¬١] لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ [إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ] [¬٢]﴾ - إلى قوله تعالى- ﴿إلا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيءٍ﴾. أي: ليس لكم في ذلك أسوة. أي في الاستغفار للمشركين هكذا قال ابن عباس ومجاهد وقتادة ومقاتل [بن حيان] [¬٣] والضحاك وغير واحد.\nثم قال تعالى مخبرًا عن قول إبراهيم والذين معه حين فارقوا قومهم وتبرءوا منهم فلجئوا إلى الله وتضرعوا إليه فقالوا ﴿رَبَّنَا عَلَيكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيكَ أَنَبْنَا وَإِلَيكَ الْمَصِيرُ﴾ [أي توكلنا عليك في جميع الأمور وسلمنا أمورنا إليك وفوضناها إليك، وإليم المصير:] [¬٤] أي المعاد في الدار الآخرة ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قال مجاهد: معناه لا تعذبنا بأيديهم ولا بعذاب من عندك فيقولوا لو كان هؤلاء على حق ما أصابهم هذا، وكذا قال الضحاك.\nوقال قتادة: لا تظهرهم علينا فيفتتنوا بذلك يرون أنهم إنما ظهروا علينا لحق هم عليه واختاره ابن جرير.\nوقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس لا تسلطهم علينا فيفتنونا.\nوقوله تعالى: ﴿وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ أي واستر ذنوبنا عن غيرك واعف عنها فيما بينا وبينك ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ﴾ [¬٥]: الذي لا يضام من لاذ بجنابك ﴿الْحَكِيمُ﴾ في أقوالك وأفعالك وشرعك وقدرك.\nثم قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ وهذا تأكيد لما تقدم ومستثنى منه ما تقدم أيضًا لأن هذه الأسوة المثبتة [¬٦] هاهنا هي الأولى بعينها. وقوله تعالى: ﴿لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾. تهييج إلى ذلك [لكل مؤمن] [¬٧] بالله والمعاد، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ﴾ أي: عما أمر الله به ﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ\n_________\n[¬١]- في ز: \"كان\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- سقط من: ز، خ.\n[¬٦]- في ز، خ: \"المبنية\".\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"كل مقر\".","vol":"13","page":514},{"text":"الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ كقوله تعالى: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ وقال عدي بن أبي طلحة عن ابن عباس: الغني الذي قد كمل في غناه وهو الله هذه صفته لا تنبغي إلا له ليس له كفء وليس كمثله شيء سبحان الله الواحد القهار، والحميد المستحمد إلى خلقه أي هو المحمود في جميع أقواله وأفعاله لا إله [¬١] غيره ولا رب سواه.\n﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَينَكُمْ وَبَينَ الَّذِينَ عَادَيتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧) لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٨) إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٩)﴾\nيقول تعالى لعباده المؤمنين بعد أن أمرهم بعداوة الكافرين: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَينَكُمْ وَبَينَ الَّذِينَ عَادَيتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً﴾ أي: محبة بعد البِغضَة، ومودة بعد النفرة، وألفة بعد الفرقة. ﴿وَاللَّهُ قَدِيرٌ﴾، أي: على ما يشاء من الجمع بين الأشياء المتنافرة والمتباينة والمختلفة، فيؤلف بين القلوب بعد العداوة والقَساوة، فتصبح مجتمعة متفقة، كما قال تعالى ممتنًا على الأنصار: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَينَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا …﴾ الآية. وكذا قال لهم النبي ﷺ: \"ألم أجدكم ضلالًا فهداكم الله بي؟ وكنتم متفرقين فألفكم الله بي؟ \" (^١٥). وقال الله تعالى: ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (٦٢) وَأَلَّفَ بَينَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَينَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَينَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ وفي الحديث \"أحبِبْ حَبيبَكَ هونًا مَا، فعسى أن يكونَ بغيضَكَ يومًا ما. وأبغِض بغَيضك هونًا ما، فعسى أن يكون حبيبك يومًا ما\" (^١٦).\n_________\n(^١٥) - أخرجه البخاري في كتاب: المغازي، باب: غزوة الطائف، حديث (٤٣٣٠) (٨/ ٤٧) وطرفه في [٧٢٤٥]. ومسلم في باب الزكاة، باب: إعطاء المؤلفة قلوبهم وتصبر من قوى إيمانه، حديث (١٣٩/ ١٠٦١) (٧/ ٢٢٠ - ٢٢١). كلاهما من حديث عبد الله بن زيد بن عاصم.\n(^١٦) - أخرجه الترمذي في باب البر. والصلة، باب: ما جاء في المداراة، حديث (١٩٩٨) =\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"رب\".","vol":"13","page":515},{"text":"[وقال الشاعر:] [¬١]\nوقَد يجمعُ الله الشتِيتَين بعدما … يظنان كل الظنِّ أن لا تلاقيا\nوقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، أي: يغفر للكافرين كفرهم إذا تابوا منه وأنابوا إلى ربهم وأسلموا له، وهو الغفور الرحيم بكل من تاب إليه، من أيّ ذنب كان.\nوقد قال مقاتل بن حيان: إن هذه الآية نزلت في أبي سفيان صخر بن حرب، فإن رسول الله ﷺ تزوج ابنته، فكانت هذه مودة ما بينه وبينه.\nوفي هذا الذي قاله مقاتل نظر، فإن رسول الله تزوج بأم حبيبة بنت أبي سفيان قبل الفتح، وأبو سفيان إنما أسلم ليلة الفتح بلا خلاف. واحسن من هذا ما رواه ابن أبي حاتم (^١٧) حيث قال:\nقُرئ على محمد بن عَزيز: حدثني سلامة، حدثني عقيل، حدثني ابن شهاب: أن رسول الله ﷺ استعمل أبا سفيان بن حرب على بعض اليمن، فلما قبض رسول الله ﷺ أقبل فلقي ذا الخمار مرتدًّا، فقاتله، فكان أول من قاتل في الردة وجاهد عن الدين - قال ابن شهاب: وهو ممَّن [¬٢] أنزل الله فيه: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَينَكُمْ وَبَينَ الَّذِينَ عَادَيتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.\nوفي صحيح مسلم (^١٨)، عن ابن عباس أن أبا سفيان قال: يا رسول الله، ثلاث\n_________\n= (٦/ ٢٠٩ - ٢١٠) وغيره من طريق سويد بن عمرو الكلبي، عن حماد بن سلمة، عن أيوب، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة - أراه رفعه -. قال الترمذي: حديث غريب لا نعرفه بهذا الإسناد إلا من هذا الوجه. وقد روي هذا الحديث عن أيوب بإسناد غير هذا؛ رواه الحسن بن أبي جعفر بإسناده عن علي عن النبي ﷺ والصحيح عن علي موقوف قوله. ا هـ.\nقال الألباني في \"غاية المرام\" (٤٧٢): واستغراب الترمذي له لا وجه له، ولذلك قال المناوي: وقد استدرك الحافظ العراقي على الترمذي دعواه غرابته وضعفه؛ فقال: قلت: رجاله رجال مسلم، لكن الراوي تردد في رفعه. انتهى. والمصنف -يعني السيوطي- رمز لحسنه. والتردد الذي ذكره في رفعه لم أره في شيء من طرقه عن أبي هريرة ثم بدا لي أنه كثير إلى قوله \"أراه رفعه\" والله أعلم. ا هـ كلام الشيخ الألباني.\nوقد ورد الحديث من طرق أخرى ضعيفة في العلل المتناهية (١٢٢٥) وابن عدي في الكامل وغيرهما وراجع غاية المرام للشيخ الألباني إن أردت زيادة فائدة.\n(^١٧) - في إسناده إرسال ظاهر.\n(^١٨) - أخرجه مسلم في كتاب: فضائل الصحابة، باب: من فضائل أبي سفيان بن حرب، =\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ت.\n[¬٢]- في ت: \"من\".","vol":"13","page":516},{"text":"أعطيهنّ [¬١] قال: \"نعم\" قال: تُؤمّرني حتى أقاتل الكفار كما كنت أقاتل المسلمين قال: \"نعم\". قال: ومعاوية تجعله كاتبًا بين يديك قال: \"نعم\" [] [¬٢]. قال: وعندي أحسن العرب وأجمله [¬٣]، أمّ حبيبة بنت أبي سفيان أزوجكها … الحديث، وقد تقدم الكلام عليه.\nوقوله تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ﴾ أي: لا ينهاكم عن الإِحسان إلى الكفرة الله الذين لا يقاتلونكم في الدين، كالنساء والضعفة منهم، ﴿أَنْ تَبَرُّوهُمْ﴾، أي: تحسنوا إليهم ﴿وَتُقْسِطُوا إِلَيهِمْ﴾، أي: تعدلوا ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾.\nقال الإمام أحمد (^١٩): حدثنا أبو معاوية، حدثنا هشام بن عروة، عن فاطمة بنت\n_________\n= حديث (١٦٨/ ٢٥٠١) (١٦/ ٩٠) بنحو هذا اللفظ.\nقال الإمام النووي في شرحه لهذا الحديث:\nواعلم أن هذا الحديث من الأحاديث المشهورة بالإشكال ووجه الإشكال أن أيضًا سفيان إنما أسلم يوم فتح مكة سنة ثمان من الهجرة وهذا مشهور لا خلاف فيه وكان النبي ﷺ قد تزوج أم حبيبة قبل ذلك بزمان طويل. قال أبو عبيدة وخليفة بن خياط وابن البرقي والجمهور: تزوجها سنة ست وقيل سنة سبع. قال القاضي عياض: واختلفوا أين تزوجها فقيل بالمدينة بعد قدومها من الحبشة. وقال الجمهور: بأرض الحبشة. قال: واختلفوا فيمن عقد له عليها هناك. فقيل عثمان وقيل خالد بن سعيد بن العاصي بإذنها وقيل النجاشي: لأنه كان أمير الموضع وسلطانه. قال القاضي: والذي في مسلم هنا أنه زوجها أبو سفيان غريب جدًّا وخبرها مع أبي سفيان حين ورد المدينة في حال كفره مشهور، ولم يزد القاضي على هذا. وقال ابن حزم: هذا الحديث وهم من بعض الرواة لأنه لا خلاف بين الناس أن النبي ﷺ تزوج أم حبيبة قبل الفتح بدهر، وهي بأرض الحبشة وأبوها كافر وفي رواية عن ابن حزم أيضًا أنه قال: موضوع. قال: والآفة فيه من: عكرمة بن عمار الراوي عن أبي زميل. وأنكر الشيخ أبو عمرو بن الصلاح ﵀. هذا على ابن حزم، وبالغ في الشناعة عليه. قال: وهذا القول من جسارته فإنه كان هجومًا على تخطئه الأئمة الكبار وإطلاق اللسان فيهم. قال: ولا نعلم أحدًا من أئمة الحديث نسب عكرمة بن عمار إلى وضع الحديث وقد وثقه وكيع ويحيى بن معين وغيرهما. وكان مستجاب الدعوة قال: وما توهمه ابن حزم من منافاة هذا الحديث لتقدم زواجها غلط منه وغفلة، لأنه سأله تجديد عقد النكاح تطيبًا لقلبه، لأنه كان ربما يرى عليها غضاصة من رياسته ونسبة أن تزوج بنته بغير رضاه، أو أنه ظن أن إسلام الأب في مثل هذا يقتضي تجديد العقد وقد خفى أوضح من هذا على أكبر مرتبة من أبي سفيان ممن كثر علمه وطالت صحبته. هذا كلام أبي عمرو ﵀. وليس في الحديث أن النبي ﷺ جدد العقد ولا قال أبي سفيان أنه يحتاج إلى تجديده فلعله ﷺ أراد بقوله أن مقصودك يحصل وإن لم يكن بحقيقة عقد. والله أعلم.\n(^١٩) - لم أجده من هذا الطريق عند أحمد، وقد أخرجه من، طرق أخرى (٦/ ٣٤٤، ٣٤٧، ٣٥٥) =\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"أعطيتهن\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"وقد تقدم الكلام عليه\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"وأكمله\".","vol":"13","page":517},{"text":"المنذر، عن أسماء - هي بنت أبي بكر ﵄ قالت: قَدمَت أمي وهي مشركة في عهد قريش إذ عاهدوا، فأتيتُ النبي ﷺ فقلت: يا رسول الله، إن امي قدمت وهي راغبة، أفأصلها؟ قال: \"نعم، صلي أمك\". أخرجاه (^٢٠).\nوقال الإِمام أحمد (^٢١): حدثنا عارم، حدثنا عبد الله بن المبارك، حدثنا مصعب بن ثابت، حدثنا عامر بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه قال: قدمت قتيلة على ابنتها أسماء بنة أبي بكر بهدايا: [صِنَاب وأقط] [¬١] وسمن، وهي مشركة، فأبت أسماء أن تقبل هديتها، وتدخلها بيتها فسألت عائشة النبي ﷺ فأنزل الله ﷿: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ.﴾. إلى آخر الآية، فأمرها أن تقبل هديتها، وأن تدخلها بيتها.\nوهكذا رواه ابن جرير (^٢٢) وابن أبي حاتم، من حديث مصعب بن ثابت، به.\nوفي رواية لأحمد وابن جرير (^٢٣): \" قُتَيلة بنت عبد [¬٢] العزى بن عبد [¬٣] أسعد، من بني مالك بن حسل\".\nوزاد ابن أبي حاتم: \"في المدة التي كانت بين قريش، ورسول الله ﷺ\".\nوقال أبو بكر أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البزار (^٢٤): حدثنا عبد الله بن شبيب، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو قتادة العدوي، عن ابن أخي الزهري، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة وأسماء أنهما قالتا: قَدِمَتْ علينا أُمُّنا المدينة، وهي مشركة، في الهدنة التي كانت بين قريش وبين رسول الله ﷺ فقلنا:\n_________\n= عن هشام بن عروة عن أبيه عن أسماء به مرفوعًا مثله ونحوه.\n(^٢٠) - أخرجه البخاري في كتاب: الهبة، باب: الهدية للمشركين، حديث (٢٦٢٠) (٥/ ٣٣٣)، وأطرافه في [٣١٨٣، ٥٩٧٨، ٥٩٧٩]. ومسلم في كتاب: الزكاة، باب: فضل النفقة والصدقة على الأقربين، حديث (٤٩، ٥٠/ ١٠٠٣) (٧/ ١٢٣، ١٢٤) كلاهما من طريق هشام بن عروة أيضًا.\n(^٢١) - أخرجه أحمد (٤/ ٤) وفي إسناده مصعب بن ثابت وهو: لين الحديث، وانظر السابق.\n(^٢٢) - أخرجه الطبري (٢٨/ ٦٩) من طريق مصعب.\n(^٢٣) - يراجع الموضع السابق.\n(^٢٤) - أخرجه البزار في مسنده (٢/ ٢٤١ - زوائد) (١٧٨٤). قال ابن حجر: إسناده ضعيف. قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ١٤٨): رواه البزار عن شيخه عبد الله بن شبيب وهو ضعيف. ا هـ.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"ضباب وقرط\".\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.","vol":"13","page":518},{"text":"يا رسول الله؛ أن أمنا قدمت علينا المدينة [¬١] راغبةً، أفنصلها. قال: \"نعم، فَصِلاها\".\nثم قال: وهذا الحديث لا نعلمه [¬٢] يروى عن الزهري عن عروة عن عائشة إلا من هذا الوجه.\nقلت: وهو منكر بهذا السياق، لأن أم عائشة هي أم رومان، وكانت مسملة مهاجرة، وأم أسماء غيرها، كما هو مصرح باسمها في هذه الأحاديث المتقدمة، والله أعلم.\nوقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾: تقدم تقدير ذلك في \"سورة الحجرات\". وأورد الحديث الصحيح: \"المقسطون على منابر من نور عن يمين العرش: الذين [يعدلون في حكمهم] [¬٣]، وأهاليهم، وما وَلُوا\" (^٢٥).\nوقوله ﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ﴾ أي: إنما ينهاكم عن موالاة هؤلاء الذي ناصبوكم بالعداوة، فقاتلوكم وأخرجوكم، وعاونوا على إخراجكم، ينهاكم الله عن موالاتهم ويأمركم بمعاداتهم ثم أكد الوعيد على موالاتهم فقال: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾، كقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾.\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا وَلَا جُنَاحَ عَلَيكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَينَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٠) وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ (١١)﴾\nتقدم في \"سورة الفتح\" ذكر صلح الحديبية الذي وقع بين رسول الله - صلى الله عليه\n_________\n(^٢٥) - تقدم تخريجه في تفسير سورة الحجرات، آية: (٩) وهو حديث صحيح.\n_________\n[¬١]- سقط من: ت.\n[¬٢]- في ز: \"نعلم\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين مكررة في: ز.","vol":"13","page":519},{"text":"وسلم - وبين كفار قريش، فكان فيه: \"على أن لا يأتيك منا رجل [¬١]- وإن كان على دينك - إلا رددته إلينا\". وفي رواية: \"على أنه لا يأتيك منا أحد - وإن كان على دينك - إلا رددته إلينا\". وهذا قول عروة، والضحاك، وعبد الرحمن بن زيد، والزهري، ومقاتل، والسدي، فعلى هذه الرواية تكون هذه الآية مخصصة للسنة، وهذا من أحسن أمثلة ذلك، وعلى طريقة بعض السلف ناسخة، فإن الله ﷿ أمر عباده المؤمنين إذا جاءهم النساء مهاجرات أن يمتحنوهن، فإن عَلِموهن مؤمنات فلا يرجعوهن إلى الكفار، لا هن حل لهم، ولا هم يحلون لهن.\nوقد ذكرنا في ترجمة عبد الله بن أبي [¬٢] أحمد بن جحش، من المسند الكبير (^٢٦)، من طريق أبي بكر بن أبي عاصم، عن محمد بن يحيى الذهلي، عن يعقوب بن محمد، عن عبد العزيز بن عمران، عن مُجمَع بن يعقوب، عن [حسين بن السائب بن أبي لُبابة] [¬٣]، عن عبد الله بن أبي أحمد قال: هاجرت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي مُعيط في الهجرة، فخرج أخواها عمارة والوليد حتى قدما على رسول الله ﷺ فكلماه فيها أن يردها إليهما، فنقض الله العهد بينه وبين المشركين في النساء خاصة، ومنعهن أن يُرْدَدْنَ [¬٤] ابن المشركين، وأنزل الله آية الامتحان.\nقال ابن جرير (^٢٧): حدثنا أبو كريب، حدثنا يونس بن بكير، عن قيس بن الربيع، عن الأغر بن الصباح، عن خليفة بن حُصَين، عن أبي نصر الأسدي قال: سُئِل ابنُ عباس: كيف كان امتحانُ رسول الله ﷺ النساء؟ قال: كان يمتحنهن: بالله ما خَرجت من بُغض زوج؟ وبالله ما خَرجت رَغبةً عن أرض ابن أرض؟ وبالله ما خرجت التماس دنيا؟ وبالله ما خرجت إلا حبًّا لله ولرسوله.\nثم رواه من وجه آخر، عن الأغر بن الصباح، به (^٢٨).\nوكذا رواه البزار (^٢٩) من طريقه، وذكر فيه [¬٥] أن الذي كان يحلفهن عن أمر رسول\n_________\n(^٢٦) - في إسناده عبد العزيز بن عمران متروك، احترقت كتبه فحدث من حفظ فاشتد غلطه.\n(^٢٧) - أخرجه الطبري (٦٧/ ٢٨). وفي إسناده أبو نصر وهو مجهول. وانظر التالي.\n(^٢٨) - أخرجه الطبري (٢٨ - ٦٧) من طريق الحسن بن عطية عن قيس عن الأغر، وانظر التالي.\n(^٢٩) - أخرجه البزار (٢ - ١١٢ - زوائد) (١٥١٧) قال البزار: لا نعلمه يروى عن ابن عباس إلا =\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"أحد\".\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في ز، خ: \"حنين بن أبي لبانة\".\n[¬٤]- في ز، خ: \"ابانة\".\n[¬٥]- في ز، خ: \"يردون\".","vol":"13","page":520},{"text":"الله ﷺ له عمر بن الخطاب.\nوقال العوفي، عن ابن عباس في قول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾: كان امتحانهن أن يشهدن أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبد الله ورسوله. وقال مجاهد: ﴿فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾: فاسألوهن: ما جاء بهن؟ فإن كان جاء بهن غضبٌ على أزواجهن أو سَخطة أو غيره، ولم يؤمن فأرجعوهن إلى أزواجهن.\nوقال عكرمة: قال لها: ما جاء بك إلا حب الله، ورسوله؟ وما جاء بك عشق رجل منا، ولا فرار من زوجك؟ فذلك قوله ﴿فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾.\nوقال قتادة: كانت محنتهن أن يستحلفن بالله: ما أخرجكن النشوز؟ وما أخرجكن إلا حب الإِسلام وأهله وحِرص عليه؟ فإذا ألق ذلك قُبِل ذلك منهن.\nوقوله: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾: فيه دلالة على أن الإِيمان يمكن الاطلاع عليه يقينًا.\nوقوله: ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾: هذه الآية هي التي حَرَّمَت المسلمات على المشركين، وقد كان جائزًا في أعداء الإِسلام أن يتزوج المشرك المؤمنة، ولهذا كان أبو [¬١] العاص بن الربيع زوج ابنة النبي - صلى الله، عليه وسلم - زينب ﵂ وقد كانت مسلمة وهو على دين، قومه، فلما رآها في الأسارى هم بدر بعثت امرأته زينب في فدائه بقلادة لها كانت لأمها خديجة، فلما رآها رسول الله ﷺ رَقّ لها رقَّةً شديدة وقال للمسلمين: \"إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها فافعلوا\" ففعلوا [¬٢] \"، فأطلقه رسول الله ﷺ على أن يبعث ابنته إليه، فوفى له بذلك وصدقه فيما وعده، وبعثها إلى رسول الله ﷺ مع زيد بن حارثة ﵁ فأقامت بالمدينة من بعد وقعة بدر، وكانت سنة اثنتين [¬٣] إلى أن أسلم زوجها أبو العاص بن الربيع سنة ثمان [فردها عليها] [¬٤] بالنكاح الأول، ولم يحدث لها صداقًا (^٣٠).\n_________\n= بهذا الإسناد، ولا روى عن أبي نصر إلا خليفة. قلت -أي ابن حجر-: أعله الشيخ بقيس، وقد ذكر البخاري أن أبا نصر لم يسمع من ابن عباس؛ فهي العلة. قال الهيثمي في \"المجمع\" (٧/ ١٢٦): رواه البزار وفيه قيس بن الربيع وثقه شعبة، والثورى وضعفه غيرهما وبقية رجاله ثقات.\n(^٣٠) - أخرجه أحمد (٦/ ٢٧٦) (٢٦٤٧٢)، وأبو داود في كتاب الجهاد، باب: في فداء الأسير بالمال، حديث (٢٦٩٢) (٣/ ٦٢)، والحاكم (٣/ ٢٣). كلهم من طريق ابن إسحاق عن يحيى بن عباد عن =\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"منه\".\n[¬٢]- سقط من ت.\n[¬٣]- في ز، خ: \"اثنين\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"13","page":521},{"text":"كما قال الإِمام أحمد (^٣١):\nحدثنا يعقوب، حدثنا أبي، حدثنا ابن إسحاق، حدثني داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ رد ابنته زينب على أبي العاص بن الربيع، وكانت هجرتها قبل إسلامه بست سنين على النكاح الأول، ولم يحدث شهادة ولا صَدَاقًا.\nورواه أبو داود والترمذي وابن ماجة. ومنهم من يقول: \"بعد سنتين\". وهو صحيح، لأن إسلامه كان بعد تحريم المسلمات على المشركين بسنتين.\nوقال الترمذي (^٣٢): \" ليس إسناده بأس، ولا نعرف وجه هذا الحديث، و[¬١] لعله جاء من حفظ داود بن الحصين … وسمعت عبد بن حميد يقول: سمعت زيد [¬٢] بن هارون يذكر عن ابن إسحاق هذا الحديث، وحديثَ الحجاج -يعني ابن أرطأة- عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن رسول الله ﷺ رد ابنته على أبي العاص بن الربيع بمهر جديد ونكاح جديد فقال يزيد: حديث ابن عباس أجودُ إسنادًا، والعمل على حديث عمرو بن شعيب.\nقلت: وقد رَوَى حديث الحجاج بن أرطأة، عن عمرو بن شعيب الإمامُ أحمدُ (^٣٣) والترمذي وابن ماجة. وضعفه الإمام أحمد وغير واحد، والله أعلم.\n_________\n= أبيه عن عائشة ﵂ به. وإسناده حسن وابن إسحاق صرح بالتحديث عند أحمد. قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود (٢٣٤١).\n(^٣١) - أخرجه أحمد (١/ ٢٦١) (٢٣٦٦). وأبو داود في كتاب الطلاق، باب: إلى متى ترد عليه امرأته إذا أسلم بعدها، حديث (٢٢٤٥) (٢/ ٢٧٢). والترمذي في كتاب النكاح، باب: ما جاء في الزوجين المشركين يسلم أحدهما، حديث (١١٤٣) (٤/ ١٠٩). وابن ماجة في كتاب النكاح، باب: الزوجين يسلم أحدهما قبل الآخر، حديث (٢٠٠٩) (١/ ٦٤٧).\nكلهم من طرق عن ابن إسحاق عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس ﵁ به. وداود بن حصين، قال ابن حجر في التقريب: ثقة إلا في عكرمة.\nوقال علي بن المديني: ما روى عن عكرمة فمنكر. تهذيب التهذيب (٣/ ١٥٧).\nوصححه الألباني في الإرواء (١٩٢١) بشواهده.\n(^٣٢) - ذكره الترمذي بعد حديث (١١٤٤). والحجاج بن أرطاة كثير الخطأ والتدليس.\n(^٣٣) - أخرجه أحمد (٢/ ٢٠٧ - ٢٠٨). والترمذي في آخر حديث (١١٤٤) في الموضع السابق. =\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في ت: \"زيد\".","vol":"13","page":522},{"text":"وأجاب الجمهور عن حديث ابن عباس بأن ذلك كان قضية عين يحتمل أنه لم تنقض عِدَتُها منه؛ لأن الذي عليه الأكثرون أنها متى انقضت العدة ولم يسلم؛ انفسخ نِكاحُها منه.\nوقال آخرون: بل إذا انقضت العدّة هي بالخيار، إن شاءت أقامت على النكاح واستمرت، وإن شاءت فسخته وذهبت فتزوجت، وحملوا عليه حديث ابن عباس، والله أعلم.\nوقوله: ﴿وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا﴾؛ يعني: أزواجَ المهاجرات من المشركين، ادفعوا إليهم الذي غرموه عليهن [¬١] من الأصدقة. قاله ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، والزهري، وغير واحد.\nوقوله: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾: يعني إذا أعطيتموهن أصدقتهن فانكحوهن، أي: تزوجوهن بشرطه من انقضاء العدة والولي وغير ذلك.\nوقوله: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾: تحريم من الله ﷿ على عباده المؤمنين نكاحَ المشركات، والاستمرار معهن.\nوفي الصحيح (^٣٤)، عن الزهري، عن عروة، عن المسور و[¬٢] مَرْوان بن الحكم: أن رسول الله ﷺ لما عاهد كفار قريش يوم الحديبية جاء نساءٌ من المؤمنات، فأنزل الله ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾. فطق عمر بن الخطاب يومئذ امرأتين، تزوج إحداهما معاوية بن أبي سفيان، والأخرى صفوانُ بن أمية.\n_________\n= وابن ماجة في كتاب النكاح، باب: الزوجين يسلم أحدهما قبل الآخر، حديث (٢١٠) (١/ ٦٤٧). كلهم من طريق الحجاج عن عمرو بن شعيب.\nقال أحمد بن حنبل: هذا حديث ضعيف أو قال: واه. ولم يسمعه الحجاج من عمرو بن شعيب، إنما سمعه من محمد بن عبيد الله العرزمي، والعرزمي لا يساوى حديثه شيئًا، والحديث الصحيح الذي روي أن النبي ﷺ أقرهما على النكاح الأول.\n(^٣٤) - أخرجه البخاري في كتاب الشروط، باب الشروط في الجهاد، حديث (٢٧٣١، ٢٧٣٢) (٥/ ٣٢٩ - ٣٣٣) في حديث طويل.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"عليهم\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"بن\".","vol":"13","page":523},{"text":"وقال ابن ثَور (^٣٥)، عن معمر، عن الزهري: أنزلت هذه الآية على رسول الله ﷺ وهو بأسفل الحديبية، حين صالحهم على أنه من أتاه منهم رده إليهم، فلما جاء النساء نزلت هذه الآدة، وأمره أن يرد الصداق إلى أزواجهن، وحكم على المشركين مثل ذلك إذا جاءتهم امرأة من المسلمين أن هدوا الصداق إلى زوجها، وقال: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾. وهكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وقال: وإنما حكم الله بينهم بذلك، لأجل ما كان بينهم وبينهم [¬١] من العهد.\nوقال محمد بن إسحاق (^٣٦)، عن الزهري: طلق عمر يومئذ قريبة بنت أبي أمية بن المغيرة، فتزوجها معاوية - وأمَّ كلثوم بنت عمرو بن جرول الخزاعية، وهي أم عبيد الله، فتزوجها أبو جهم بن حذيفة بن غانم، رجل من قومه، وهما على شركهما. وطلق طلحةُ بن عبيد الله أروى بنتَ ربيعة [¬٢] بن الحارث بن عبد المطلب، فتزوجها بعده خالد بن سعيد بن العاص.\nوقوله: ﴿وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا﴾، أي: وطالبوا بما أنفقتم على أزواجكم اللاتي يذهبن إلى الكفار، إن ذهبن، وليطالبوا بما أنفقوا على أزواجهم اللاتي هاجرن إلى المسلمين.\nوقوله: ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَينَكُمْ﴾، أي: في الصلح واستثناء النساء منه، والأمر بهذا كله هو حكم الله حكم به [¬٣] خلقه، ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾، أي: عليم بما يصلح عباده، حكيم في ذلك.\nثم قال: ﴿وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا﴾ - قال مجاهد، وقتادة: هذا في الكفار الذين ليس لهم عهد، إذا فرت [¬٤] إليهم امرأة ولم يدفعوا إلى زوجها شيئًا، فإذا جاءت منهم امرأة لا يدفع إلى زوجها شيء، حتى يدفع إلى زوج الذاهبة إليهم مثل نفقته عليها.\nوقال ابن جرير (^٣٧): حدثنا يونس، حدثنا ابن وهب، أخبرني يونس، عن الزهري قال: أقر المؤمنون بحكم الله، فأدوا ما أمروا به من نفقات المشركين التي أنفقوا على\n_________\n(^٣٥) - أخرجه الطبري (٧٠/ ٢٨) وهو مرسل.\n(^٣٦) - ذكره ابن هشام في السيرة النبوية (٣/ ٧٩٠ - ٧٩١) من طريق ابن إسحاق.\n(^٣٧) - أخرجه الطبري (٢٨/ ٧٥) هكذا مرسلًا.\n_________\n[¬١]- سقط من: ت.\n[¬٢]- في ز، خ: \"النضر\".\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- في ز، خ: \"قرب\".","vol":"13","page":524},{"text":"نسائهم، وأبى المشركون أن يقروا بحكم الله فيما فرض عليهم من أداء نفقات المسلمين، فقال الله للمؤمنين به: ﴿وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾. فلو أنها ذهبت بعد هذه الآية امرأةٌ من أزواج المؤمنين إلى المشركين، رَدَّ المؤمنون إلى زوجها النفقة التي أنفق عليها من العَقِب اللاتي بأيديهم، الذي [¬١] أمروا أن يردوه على المشركين من نفقاتهم التي أنفقوا على أزواجهم اللاتي آمن وهاجرنَ، ثم ردوا إلى المشركين فضلًا [إن كان بقي لهم] [¬٢]. والعقب: ما كان [بأيدي المؤمنين] [¬٣] من صداق نساء [¬٤] الكفار حين [¬٥] آمنّ وهاجرنَ.\nوقال العوفي، عن ابن عباس في هذه الآية: يعني إن لحقت [¬٦] امرأة رجل من المهاجرين بالكفار، أمر له رسول الله ﷺ أنه يعطى من الغنيمة مثل ما أنفق.\nوهكذا قال مجاهد: ﴿فَعَاقَبْتُمْ﴾: أصبتم غنيمة من قريش أو غيرهم، ﴿فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا﴾، يعني: مهر مثلها. وهكذا قال مسروق، وإبراهيم، وقتادة، ومقاتل، والضحاك، وسفيان بن حسين، والزهري أيضًا.\nوهذا لا ينافي الأول؛ لأنه إن أمكن، الأول فهو أولي، وإلا فمن الغنائم اللاتي تؤخذ من أيدي الكفار. وهذا أوسع، وهو اختيار ابن جرير، ولله الحمد والمنة.\n﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَينَ أَيدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢)\nقال البخاري (^٣٨): حدثنا إسحاق، حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن أخي ابن شهاب، في عمه قال: أخبرني عروة أن عائشة زوج النبي ﷺ أخبرته: أن رسول الله ﷺ كان يمتحن من هاجر إليه من المؤمنات بهذه الآية:\n_________\n(^٣٨) - أخرجه البخاري في كتاب التفسر، باب ﴿إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ﴾، حديث (٤٨٩١) (٨/ ٦٣٦).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"الذين\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"منزلهم\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في ز:، خ \"على\".\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- في ز، خ: \"من\".\n[¬٦]- في ز، خ: \"تجنب\".","vol":"13","page":525},{"text":"﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ - قال عروة: قالت عائشة: فمن أقرّ بهذا الشرط من المؤمنات، قال لها رسول الله ﷺ: \"قد بايعتك\". كلامًا، ولا والله ما مست يده يد امرأة قَطٌّ في المبايعة، ما يبايعهن إلا بقوله: \"قد بايعتك على ذلك\". هذا لفظ البخاري. وقال الإِمام أحمد (^٣٩):\nحدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا سفيان، عن محمد بن المنكدر، عن أميمة بنت رُقَيقة [¬١] قالت: أتيت رسول الله ﷺ في نساء لنبايعه، فأخذ علينا ما في القرآن: أن لا نشرك بالله شيئًا … الآية. وقال: \"فيما استطعتن وأطقتن\". قلنا: الله ورسوله أرحم بنا من أنفسنا، قلنا: يا رسول الله، ألا تصافحنا؟ قال: \"إني لا أصافح النساء، إنما قولي لامرأة واحدة كقولي لمائة امرأة\". هذا إسناد صحيح، وقد رواه الترمذي والنسائي وابن ماجة، من حديث سفيان بن عيينة - والنسائي أيضًا من حديث الثوري - ومالك بن أنس كلهم، عن محمد بن المنكدر به. وقال الترمذي: \"حسن صحيح، لا نعرفه إلا من حديث محمد بن المنكدر\".\nوقد رواه أحمد أيضًا (^٤٠) من حديث محمد بن إسحاق، عن محمد بن المنكدر، عن أميمة، به. وزاد: \"ولم يصالح منا امرأة\".\nوكذا رواه ابن جرير (^٤١) من طريق موسى بن عقبة عن محمد ابن المنكدر به.\nورواه ابن أبي حاتم (^٤٢) من حديث أبي جعفر الرازي، عن محمد بن المنكدر [¬٢] حدثتني أميمة بنت رقيقة - وكانت أخت خديجة خالة فاطمة، من فيها إلى فيَّ … فذكره.\nوقال الإِمام أحمد (^٤٣): حدثنا يعقوب، حدثني أبي، عن ابن إسحاق، حدثني سليط\n_________\n(^٣٩) - أخرجه أحمد (٦/ ٣٥٧) (٢٧١٢١). والترمذي في باب السير، باب: ما جاء في بيعة النساء، حديث (١٥٩٧) (٥/ ٣٢٢). والنسائي (٧/ ١٤٩) كتاب: البيعة، باب: بيعة النساء. وابن ماجة في كتاب الجهاد، باب: بيعة النساء، حديث (٢٨٧٤) (٢/ ٩٥٩). والنسائي في الكبرى في كتاب السير، باب: بيعة النساء، حديث (٨٧١٣) (٥/ ٢١٨)، وفي التفسير (١٥٨٩) من طريق مالك.\n(^٤٠) - أخرجه أحمد (٦/ ٣٥٧) (٢٧١١٩).\n(^٤١) - الطبري (٨٠/ ٢٨).\n(^٤٢) - في إسناده أبو جعفر الرازي، هو: صدوق سيء الحفظ.\n(^٤٣) - أخرجه أحمد (٦/ ٣٧٩ - ٣٨٠) (٢٧٢٤٤). وفي إسناده سليط بن أيوب، قال الحافظ: مقبول. وأمه ذكرها ابن حجر في \"التعجيل\" (ص ٣٦٥) فيمن روى عن سلمى بنت قيس ولم أجد =\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"رقية\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"بعده \"و\".","vol":"13","page":526},{"text":"ابن أيوب بن الحكم بن سُلَيم، عن أمه سلمى بنت قيس - وكانت إحدى خالات رسول الله ﷺ قد صلت معه القبلتين، وكانت إحدى نساء بني عدي بن النجار - قالت: جئت رسول الله ﷺ نبايعه في نسوة من الأنصار، فلما شرط علينا: ألا نشرك بالله شيئًا، ولا نسرق، ولا نزني، ولا نقتل أولادنا، ولا نأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا،، لا نعصيه في معروف- قال: \"ولا تغشُشْنَ أزواجكن\". قالت: فبايعناه، ثم انصرفنا، فقلت لامرأة منهن: ارجعي فسلي رسول الله ﷺ: ما غش أزواجنا؟ قال: فسألته فقال [¬١]: \"تأخذ ماله، فتحابي به غيره\".\nوقال الإِمام أحمد (^٤٤): حدثنا إبراهيم بن أبي العباس، حدثنا عبد الرحمن بن عثمان بن إبراهيم بن محمد بن حاطب، حدثني أبي، عن أمه عائشة بنت قُدامة -يعني ابن مظعون- قالت: أنا مع أمي رائطة [بنت سفيان] [¬٢] الخزاعية، والنبي ﷺ يبايع النسوة ويقول: \"أبايعكنّ على أن لا تشركن بالله شيئًا، ولا تسرقن ولا تزنين ولا تلقتلن أولادكن، ولا تأتين ببهتان تفترينه بين أيديكن وأرجلكن، ولا تعصينني في معروف\". [قالت: فأطرقن. فقال لهن النبي ﷺ:] [¬٣] \"قلن نعم فيما استطعتن\". [فكنَّ يلقن] [¬٤] وأقول معهن، وأمي [تلقنني: قولي] [¬٥]-أي بنية؛ نعم [فيما استطعتُ] [¬٦] فكنت أقول كما يقلن.\nوقال البخاري (^٤٥): حدثنا أبو [¬٧] معمر، حدثنا عبد الوارث، حدثنا أيوب، عن حفصة بنت سيرين، عن أم عطية قالت: بايَعنا، رسولَ الله ﷺ فقرأ علينا:\n_________\n= فيها جرحًا ولا تعديلًا إلا ما كان من توثيق الهيثمي في المجمع (٦/ ٤١) بعد أن عزا الحديث لأحمد وأبي يعلى والطبراني، فقال: رجاله ثقات. والحديث في مسند أبي يعلى (٧٠٧٠). والطبراني (٢٤/ ٢٩٦) (٧٥١، ٧٥٢).\n(^٤٤) - أخرجه أحمد (٦/ ٣٦٥) (٢٧١٧٤). وفي إسناده عبد الرحمن بن عثمان بن محمد بن إبراهيم، قال أبو حاتم الرازي: يهولني كثرة ما يسند. وذكر الذهبي في الميزان أن أبا حاتم ضعفه. وقال البخاري: حديثه في الكوفيين. وذكره ابن حبان في الثقات في الطبقة الثالثة. ا هـ. كذا في \"تعجيل المنفعة\" (٢٥٤). قال الهيثمي في \"المجمع\" (٦/ ٤١): رواه أحمد والطبراني. فيه عبد الرحمن بن عثمان بن إبراهيم وهو ضعيف.\n(^٤٥) - أخرجه البخاري في باب: التفسير، باب ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ﴾، حديث (٤٨٩٢) (٨/ ٦٣٧).\n_________\n[¬١]- في ز، خ \"قال\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"لكن فقلن\".\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"تقول\".\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٧]- سقط من: ز، خ.","vol":"13","page":527},{"text":"﴿[أَنْ لَا يُشْرِكْنَ] [¬١] بِاللَّهِ شَيئًا﴾، ونهانا عن النياحة، فقبضت امرأة، يدها فقالت [¬٢]: أسعدتني فلانة أريد أن أجزيها. فما قال لها رسول الله ﷺ شيئًا، فانطلقت ورجعت فبايعها.\nورواه مسلم (^٤٦). وفي رواية: \"فما وفَّى منهن امرأة غيرها، وغير أم سليم بنة ملحان\".\nوللبخاري (^٤٧) عن أم عطية قالت: أخذ علينا رسول الله ﷺ عند [¬٣] البيعة أن لا ننوح، فما وَفَت منا امرأة غير خمس نسوة: أم سليم، وأم العلاء، وابنة أبي سَبرة امرأة معاذ، وامرأتان -أو: ابنة أبي سَبرة، وامرأة معاذ، وامرأة أخرى.\nوقد كان رسول الله ﷺ يتعاهدُ النساءَ بهذه البيعة يومَ العيد، كما قال البخاري (^٤٨):\nحدثنا محمد بن عبد الرحيم، حدثنا هارون بن معروف، حدثنا عبد الله بن وهب، أخبرني ابن جُريج أن الحسن بن مسلم أخبره، عن طاوس، عن ابن عباس قال: شهدت الصلاة يوم الفطر مع رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان، فكلهم يصليها قبل الخطبة ثم يخطب بعدُ، فنزل نبي الله ﷺ فكأني أنظر إليه حين يُجَلِّس الرجال بيده، ثم أقبل يَشقَهم حتى أتى النساء، مع بلال فقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَينَ أَيدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ﴾. حتى فرغ من الآية كلها. ثم قال حين فرغ: \"أنتن على ذلك\"؟ فقالت امرأة واحدة: لم يجبه غيرها: نعم يا\n_________\n(^٤٦) - أخرجه مسلم في كتاب: الجنائز، باب: التشديد في النياحة، حديث (٣١، ٣٢/ ٩٣٦) (٦/ ٣٣٦ - ٣٣٧)، لكن في رواية مسلم فما وفت منا امرأة إلا خمس: أم سليم، وأم العلاء، وابنة أبي سبرة امرأة معاذ، أو ابنة أبي سبرة وامرأة معاذ، وهو عند البخاري بنحوه (٧٢١٥). فعلى هذا يكون المجموع أربع نسوة، ولعل الخامسة هي أم عطية ﵃ أجمعين.\nقال النووي في شرح قولها: فما وفت منا امرأة إلا خمس،: قال القاضي: معناه لم يف ممن بايع مع أم عطية في الوقت الذي بايعت فيه من النسوة إلا خمس، لا أنه لم يترك النياحة من المسلمات غير خمس.\n(^٤٧) - أخرجه البخاري في كتاب: الجنائز، باب: ما ينهى من النوح والبكاء والزجر عن ذلك، حديث (١٣٠٦) (٣/ ١٧٦). وطرفاه في [٤٨٩٢، ٧٢١٥].\n(^٤٨) - أخرجه البخاري في كتاب: التفسير، باب: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ﴾، حديث (٤٨٩٥) (٨/ ٦٣٨).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"ولا تشركن\".\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- سقط من: ز.","vol":"13","page":528},{"text":"رسول الله - لا يدرى حسن من هي - قال: فتصدقن، قال: وبسط بلال ثوبه فجعلن يلقين الفتخ [¬١] والخواتيم في ثوب بلال.\nوقال الإِمام أحمد (^٤٩): حدثنا خاف بن الوليد، حدثنا [ابن عياش] [¬٢] عن سليمان بن سُليم، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: جاءت أميمة بنت رقيقة إلى رسول الله ﷺ تبايعه على الإِسلام، فقال: \"أبايعك على أن لا تشركي بالله شيئًا، ولا تسرقي ولا تزني ولا تقتلي ولدك، ولا تأتي ببهتان تفترفه بين يديك ورجليك، ولا تنوحي، ولا تبرجي تبرج الجاهلية الأولى\".\nوقال الإِمام أحمد (^٥٠): حدثنا سيان، عن الزهري، عن أبي إدريس الخولاني، عن عبادة بن الصامت قال: كنا عند رسول الله ﷺ في مجلس فقال: \"تبايعوني على ألا تشركوا بالله شيئًا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم\" - قرأ الآية التي أخدت على النساء: ﴿إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ﴾ - فمن وفَّى منكم فأجره على الله، [ومن أصاب من ذلك شيئًا فعوقب به، فهو كفارة له] [¬٣]. ومن أصاب من ذلك شيئًا فستره الله عليه، فهو إلى الله، إن شاء غفر له، وإن شاء عذبه\". أخرجاه في الصحيحين (^٥١).\nوقال محمد بن إسحاق (^٥٢)، عن يزيد بن أبي حبيب، عن مرثد بن عبد الله اليَزَني، عن أبي عبد الله عبد الرحمن بن عُسَيلة الصنابحي [¬٤]، عن عبادة بن الصامت قال: كنت فيمن حضر العقبة الأولى، وكنا اثني عشر رجلًا، فبايعنا رسول الله - صلى الله عليه\n_________\n(^٤٩) - أخرجه أحمد (٢/ ١٩٦) (٦٨٥٠). وإسناده حسن للخلاف في رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وابن عباس هنا روى عن سليمان بن سليم وهو شامي، وروايته عن الشاميين مستقيمة، وقد صححه أحمد شاكر في تعليقه على المسند.\n(^٥٠) - أخرجه أحمد (٥/ ٣١٤) (٢٢٧٨١).\n(^٥١) - البخاري في كتاب الإيمان، باب: (١٨)، حديث (١٨) (١/ ٦٤). وأطرافه في [٣٨٩٢، ٣٨٩٣، ٣٩٩٩، ٤٨٩٤، ٦٧٨٤، ٦٨٠١، ٦٨٧٣، ٧٠٥٠، ٧١٩٩، ٧٢١٣، ٧٤٦٨].\nومسلم في كتاب: الحدود، باب: الحدود كفارات لأهلها، حديث (٤١ - ٤٤/ ١٧٠٩) (١١/ ٣١٦ - ٣١٨).\n(^٥٢) - السيرة النبوية لابن هشام (٢/ ٢٩٥) وإسناده ثقات وابن إسحاق صرح بالتحديث. والحديث أصله في الصحيحين وقد تقدم قريبًا.\n_________\n[¬١]- في ت: \"الفتح\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"عباس\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين مكررة في: ز.\n[¬٤]- في ز، خ: \"الصالحي\".","vol":"13","page":529},{"text":"وسلم - على بيعة النساء، وذلك قبل أن يفرض الحرب، على ألا نشرك بالله شيئًا، ولا نسرق، ولا نزني، ولا نقتل أولادنا، ولا نأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا، ولا نعصيه في معروف. وقال [¬١]: \"فإن وَفَيتُمْ فلكم الجنة\". رواه ابن أبي حاتم.\nوقد روى ابن جرير (^٥٣) من طريق العوفي، عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ أمر عمر بن الخطاب فقال: \"قل لهن: إن رسول الله يبايعكن على أن لا تشركن بالله شيئًا\". وكانت هند بنة عتبة بن ربيعة التي شقت بطن حمزة مُنَكرة في النساء، فقالت: إني [¬٢] إن أتكلم يعرفني، وإن عرفني قتلني. وإنما تنكرت فِرقًا من رسول الله ﷺ فسكت النسوة اللاتي مع هند [¬٣]، وأبَيْنَ أن يتكلمن فقالت [¬٤] هند وهي مُنكرة: كيف يقبل من النساء شيئًا لم يقبله من الرجال؟ ففطن إليها رسول الله وقال لعمر: \"قل لهن: ولا تسرقن\". قالت هند: والله إني لأصيب من أبي سفيان الهَنَات، ما أدري أيحلهن لي أم لا؟ قال أبو سفيان: ما أصبت من شيء مضى أو قد بقي، فهو لك حلال. فضحك رسول الله ﷺ وعرفها، فدعاها فأخذت بيده [¬٥]، فعاذت به، فقال: \"أنت هند\"؟ فقالت [¬٦]: عفا الله عما سلف فصرف عنها رسول الله ﷺ فقال: \"ولا تزنين\"، فقالت: يا رسول الله، وهل تزني الحرة؟ قال: \"لا، والله ما تزني الحرة\". فقال: ﴿وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾. قالت هند: أنت قتلتهم يوم بدر، فأنت وهم أبصر قال: ﴿وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَينَ أَيدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ﴾ قال: ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾. قال: منعهن أن يَنُحْنَ، وكان أهل الجاهلية يمزقن الثياب ويخدشن الوجوه، ويقطعن الشعور، ويدعون بالثبور. والثبور: الويل.\nوهذا أثر غريب، وفي بعضه نكارة، والله أعلم. فإن أبا سفيان وامرأته لما أسلما لم يكن رسول الله ﷺ يخيفهما، بل أظهرا الصفاء والود له، وكذلك كان الأمر من جانبه ﵇ لهما.\nوقال مقاتل بن حيان: أنزلت هذه الآية يوم الفتح، فبابع رسول الله ﷺ الرجال [¬٧] على الصفا، وعمر يبايع النساء [¬٨] تحتها عن رسول الله ﷺ فذكر بقيته كما تقدم وزاد: فلما قال: ﴿وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾ قالت هند:\n_________\n(^٥٣) - أخرجه الطبري (٧٨/ ٢٨) وإسناده لا تقوم به حجة.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في ز، خ: \"أي\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"هذا\".\n[¬٤]- في ز، خ: \"فقال\".\n[¬٥]- في ز: \"به\".\n[¬٦]- في ت: \"قالت\".\n[¬٧]- سقط من: ز، خ.\n[¬٨]- سقط من: ز، خ.","vol":"13","page":530},{"text":"ربيناهم صغارًا فقتلتموهم كبارًا، فضحك عمر بن الخطاب حتى استلقى. رواه ابن أبي حاتم.\nوقال ابن أبي حاتم (^٥٤): حدثنا أبي حدثنا نصر بن علي، حدثتني غبطة بنت [عمرو]، [حدثتني عمتي، عن جدتها] [¬١]، عن عائشة قالت: جاءت هند بنت عتبة إلى رسول الله ﷺ لتبايعه، فنظر إلى يدها فقال: \"اذهبي فغيري يدك\". فذهبت فغيرتهار [¬٢] [بحناء، ثم] [¬٣] جاءت فقال: \"أبايعك على أن لا تشركي بالله شيئًا\". فبايعها وفي يدها سواران من ذهب، فقالت: ما تقول في هذين السوارين؟ فقال: \"جمرتان من جمر جهنم\".\nفقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ﴾، أي: من جاءك منهن يبايع على هذه الشروط، فبايعها، ﴿عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيئًا وَلَا يَسْرِقْنَ﴾، أي: أموال الناس الأجانب، فأما إذا كان الزوج مقصرًا في نفقتها، فلها أن تأمل من ماله بالمعروف، ما جرت به عادة أمثالها، وإن كان بغير علمه، عملًا بحديث هند بنت عتبة أنها قالت: \"يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل شحيح، لا يعطيني من النفقة ما يكفيني ويكفي بني، فهل علي جناح إن أخذت من ماله بغير علمه؟ فقال رسول الله ﷺ: \"خذي من ماله بالمعروف ما يكفيك ويكفي بنيك\" (^٥٥). أخرجاه في الصحيحين.\nوقوله: ﴿وَلَا يَزْنِينَ﴾، كقوله: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ وفي حديث سمرة (^٥٦) ذكر عقوبة الزنا: بالعذاب الأليم في نار الجحيم.\n_________\n(^٥٤) - أخرجه أبو يعلى (٨/ ١٩٤ - ١٩٥) (٤٧٥٤) في طريق، نصر بن علي عن غبطة أم عمرو - عجوز من بني مجاشع عن عمتها عن جدتها عن عائشة به مطولًا. وعن طريقه المزي في تهذيب الكمال (٣٥/ ٢٤٥ - ٢٤٦). وأخرجه أبو داود (٤١٦١٥) من طريق بن مسلم إبراهيم عن غبطة فذكر طرفًا منه.\nقال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (٦/ ٤٠): رواه أبي يعلى وفيه من لم أعرفهن. ا هـ. وضعفه الألباني في ضعيف أبي داود (٨٩٤).\n(^٥٥) - أخرجه البخاري في كتاب: البيوع، باب: من أجرى أمر الأمصار على ما يتعارفون بينهم، حديث (٢٢١١) (٥/ ٤٠٤). وأطرافه في [٢٤٦٠، ٣٨٢٥، ٥٣٥٩، ٥٣٦٤، ٥٣٧٠، ٦٦٤١، ٧١٦١، ٧١٨٠]. ومسلم في كتاب: الأقضية، باب: قضية هند، حديث (٧ - ٩/ ١٧١٤) (١٢/ ١١ - ١٤).\n(^٥٦) - وهو حديث رؤيا النبي ﷺ في آخر كتاب التعبير من صحيح البخاري، =\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"حدثني عمي عن جدي\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"فقيرتها\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين بياض في: ز.","vol":"13","page":531},{"text":"وقال الإِمام أحمد (^٥٧): حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: جاءت فاطمة بنت عتبة تبايع النبي ﷺ فأخذ عليها: ﴿أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ﴾. الآية. قال: فوضعت يدها على رأسها حياء، فأعجبه ما رأى منها، فقالت عائشة: أقرِّي أيتها المرأة، فوالله ما بايعنا إلا على هذا. قالت: فنعم إذًا. فبايعها [¬١] بالآية.\nوقال ابن أبي حاتم (^٥٨): حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا ابن فضيل، عن حصين، عن عامر -هو الشعبي- قال بايع رسول الله ﷺ النساء، وعلى يده ثوب قد وضعه على كفه، ثم قال: ﴿وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾. فقالت امرأة: تقتل آباءهم وتوصينا بأولادهم؟ قال: وكان بعد ذلك إذا جاءه النساء يبايعنه، جمعهن فعرض عليهن. فإذا أقررن رجعن.\nوقوله: ﴿وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾: وهذا يشمل قتله بعد [¬٢] وجوده، كما كان أهل الجاهلية يقتلون أولادهم خشية الإِملاق، ويعم قتله وهو جنين، كما قد يفعله بعض الجهلة من النساء، تطرح نفسها لئلا تحبل إما لغرض فاسد أو ما أشبهه.\nوقوله: ﴿وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَينَ أَيدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ﴾ - قال ابن عباس: يعني لا يلحقن بأزواجهن غير أولادهم. وكذا قال مقاتل: ويؤيد هذا الحديث الذي رواه أبو داود (^٥٩):\nحدثنا أحمد بن صالح، حدثنا ابن وهب، حدثنا عمرو -يعني ابن الحارث- عن ابن الهاد، عن عبد الله بن يونس، عن سعيد المَقْبُري، عن أبي هريرة أنه سمع رسول الله ﷺ يقول حين نزلت آية الملاعنة: \"أيما امرأة أدخلت على قوم من ليس منهم، فليست من الله في شيء، ولن يدخلها الله جَنَّته، وأيما وجل جَحَدَ ولده وهو\n_________\n= في باب: تعبير الرؤيا بعد صلاة الصبح، حديث (٧٠٤٧)، وفيه أن النبي ﷺ رأى مثل التنور وفيه لغط وأصوات. قال: \"فاطلعنا فيه فإذا فيه رجال ونساء عراة، وإذا هم يأتيهم لهب من أسفل منهم، فإذا أتاهم ذلك اللهب ضوضوا\". وكان هذا حال من زنا في الدنيا - نسأل الله العافية.\n(^٥٧) - أخرجه أحمد (٦/ ١٥١) (٢٥٢٨٤) وإسناده صحيح.\n(^٥٨) - في إسناده انقطاع ظاهر.\n(^٥٩) - أخرجه أبو داود في كتاب: الطلاق، حديث (٢٢٦٣) (٢/ ٢٧٩). وفي إسناده عبد الله بن يونس: مجهول. وضعف الحديث الشيخ الألباني في ضعيف سنن أبي داود برقم (٤٩٧).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"يبايعها\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"قبل\".","vol":"13","page":532},{"text":"ينظر إليه، احتجب الله منه، وفضحه على رءوس الأولين والآخرين\".\nوقوله: ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾، يعني: في ما أمرتهن به من معروف، ونهيتهن عنه من منكر.\nقال البخاري (^٦٠): حدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا وهب بن جرير، حدثنا أبي قال: سمعت الزبير، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾، قال: إنما هو شرط شَرَطه الله للنساء. وقال ميمون بن مهران: لم يجعل الله لنبيِّه طاعة إلا لمعروف. والمعروف طاعة. وقال ابن زيد: أمر الله بطاعة رسوله، وهو خيَرَة الله من خلقه في المعروف.\nوقد [¬١] قال غيره عن ابن عباس وأتس بن مالك وسالم بن أبي [الجعد وأبي] [¬٢] صالح وغير واحد: نهاهن يومئذٍ عن النوح، وقد تقدم حديث أم عطية في ذلك أيضًا.\nوقال ابن جرير (^٦١): حدثنا بشر، حدثنا يزيد، حدثنا سعيد، عن قتادة في [] [¬٣] هذه الآية: ذكر لنا أن نبي الله ﷺ أخذ عليهن النياحة، ولا تحدثن [¬٤] الرجال إلا رجلًا منكن محرمًا. فقال عبد الرحمن بن عوف: يا نبي الله، إنَّ لنا أضيافًا، وإنا نغيب عن نسائنا. فقال رسول الله ﷺ: \"ليس أولئك عَنَيتُ. ليس أولئك عَنَيتُ\".\nوقال ابن أبي حاتم (^٦٢): حدثنا أبو زرعة، حدثنا إبراهيم بن موسى الفراء، أخبرنا ابن أبي زائدة، حدثني مبارك، عن الحسن قال: كان فيما أخذ النبي ﷺ: \"ألا يحدثن الرجال إلا أن تكون ذات محرم، فإن الرجل لا يزال يحدث المرأة حتى يَمذي [¬٥] بين فخذيه\".\nوقال ابن جرير (^٦٣): حدثنا ابن حميد، حدثنا هارون، عن عمرو، عن عاصم، عن\n_________\n(^٦٠) - أخرجه البخاري في كتاب التفسير، باب: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ﴾، حديث (٤٨٩٣) (٨/ ٦٣٧).\n(^٦١) - أخرجه الطبري (٢٨/ ٧٨ - ٧٩)، إسناده منقطع.\n(^٦٢) - في إسناده انقطاع بين الحسن والنبي ﷺ.\n(^٦٣) - أخرجه الطبري (٢٨/ ٧٩) وأصله في الصحيحين وقد تقدم قريبًا، وانظر التالي.\n_________\n[¬١]- في ت: \"و\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"أسعد وأبو\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"قوله\".\n[¬٤]- في ز، خ: \"يحدثن\".\n[¬٥]- في ز، خ: \"تهدى\".","vol":"13","page":533},{"text":"ابن سيرين، عن أم عطية الأنصارية قالت: كان فيما اشتُرط علينا من المعروف حين بايعنا: أن لا ننوح وقالت امرأة من بني فلان: إن بني فلان أسعدوني، فلا حتى أجزيهم! فانطلقت فأسعَدَتهم، ثم جاءت فبايعت، قالت: فما وفى منهن غيرها، وغير أم سليم بنة ملحان أم أنس بن مالك.\nوقد روى البخاري (^٦٤) هذا الحديث من طريق حفصة بنت سيرين، عن أم عطية نسيبة الأنصارية ﵂ وقد روى نحوه من وجه آخر أيضًا.\nوقال ابن جرير (^٦٥): حدثنا أبو كريب، حدثنا أبو نعيم، حدثنا عمر بن فروخ القَتَّاب، حدثني مصعب بن نوح الأنصاري قال: أدركت عجوزًا لنا كانت فيمن بايع رسول الله ﷺ قالت [¬١]: فأتيته لأبايعه، فأخذ علينا فيما أخذ أن لا تنحن. فقالت عجوز: يا رسول الله، إن ناسًا قد كانوا أسعدوني على مصائب أصابتني، وإنهم قد أصابتهم مصيبة، فأنا أريد أن أسعدهم. قال: \"فانطلقي فكافئيهم\". فانطلقت فكافأتهم، ثم إنها أتته فبايعته، وقال: هو المعروف الذي قال الله ﷿: ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾.\nوقال ابن أبي حاتم (^٦٦): حدثنا أحمد بن منصور الرمادي، حدثنا القعنبي، حدثنا الحجاج بن صفوان عن أسيد بن أبي أسيد البراد [¬٢]، عن امرأ ة من المبايعات قالت: كان ممَّا [¬٣] أخذ علينا رسول الله ﷺ أن لا نعصيه في معروف: أن لا نخمش وجوهًا، ولا ننشر شعرًا، ولا نشق جيبًا، [ولا ندعو ويلًا] [¬٤].\nوقال ابن جرير (^٦٧): حدثنا أبو كُريب، حدثنا وكيع، عن يزيد مولى الصهباء، عن شهر بن حوشب، عن أم سلمة، عن رسول الله ﷺ في قوله: ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾، قال: النوح.\n_________\n(^٦٤) - أخرجه البخاري في كتاب الأحكام، باب: بيعة النساء، حديث (٧٢١٥) (١٣/ ٢٠٣ - ٢٠٤). وطرفاه في [١٣٠٦، ٤٨٩٢].\n(^٦٥) - أخرجه الطبري (٢٨/ ٧٩). وفي إسناده مصعب بن نوح الأنصاري وهو مجهول. الجرح والتعديل (٨/ ٣٠٧).\n(^٦٦) - إسناده رجاله موثقون.\n(^٦٧) - أخرجه الطبري (٢٨/ ٨٠) وفيه شهر بن حوشب وهو ضعيف.\n_________\n[¬١]- في ت: \"قال\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"البزار\".\n[¬٣]- في ت: \"فيما\".\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"13","page":534},{"text":"ورواه الترمذي في التفسير (^٦٨)، عن عبد بن حُميد، عن أبي نُعَيم - وابن ماجة (^٦٩)، عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن وكيع - كلاهما عن يزيد بن عبد الله الشيباني مولى الصهباء، به. وقال الترمذي: \"حسن غريب\".\nوقال ابن جرير (^٧٠): حدثنا محمد بن سنان [¬١] القزاز، حدثنا إسحاق بن إدريس، حدثنا إسحاق [بن] عثمان بن [¬٢] يعقوب، حدثني إسماعيل بن عبد الرحمن بن عطية، عن جدته أم عطية قالت: لما قدم رسول الله ﷺ جمع نساء الأنصار في بيت، ثم أرسل إلينا عمر بن الخطاب ﵁ فقام على الباب وسلم علينا، فرددن - أو: فرددنا - عليه¬ السلام، ثم قال: أنا رسولُ رسولِ الله ﷺ إليكن. قالت: فقلنا: مرحبًا برسول الله، وبرسول رسول الله. فقال: تبايعن علي أن لا تشركن بالله شيئًا، ولا تسرقن ولا تزنين؟ قالت: قلنا: نعم. قالت: فمد يده من خارج الباب -أو: البيت- ومددنا أيدينا من داخل البيت،، ثم قال: اللهم اشهد. قالت وأمرنا [¬٣] في العيد أن نخرج فيه الحُيَّض والعواتق، ولا جمعة علينا، ونهانا عن اتباع الجنائز قال إسماعيل: فسألت جدتي عن قوله: ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾. قالت: النياحة.\nوفي الصحيحين (^٧١) من طريق الأعمش، عن عبد الله بن مُرة، عن مسروق، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: \"ليس منا من ضرب الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية\". وفي الصحيحين (^٧٢) أيضًا عن أبي موسى\n_________\n(^٦٨) - وأخرجه الترمذي في باب: ومن سورة الممتحنة، حديث (٣٣٠٤) (٩/ ٤٦).\n(^٦٩) - وابن ماجة في كتاب الجنائز، باب: في النهي عن النياحة، حديث (١٥٧٩) (١/ ٥٠٣) كلهم من طريق شهر وهو ضعيف.\n(^٧٠) - أخرجه الطبري (٢٨/ ٨٠ - ٨١). وفي إسناده محمد بن سنان القزاز: ضعيف. وإسماعيل بن عبد الرحمن بن عطية؛ قال الحافظ: مقبول.\nوقد استدل البعض على حل المصافحة بهذا الحديث، وهو ضعيف كما ترى، وعلى فرض صحته فإنه ليس فيه دليل على ذلك القول؛ لأن الحديث ليس فيه أن يده مست يد النساء، بل إن الظاهر من نص الحديث خلاف ذلك.\n(^٧١) - أخرجه البخاري في كتاب الجنائز، باب: ليس منا من ضرب الخدود، حديث (١٢٩٧، ١٢٩٨) (٣/ ١٦٦)، ومسلم في باب \"الإيمان\"، باب: تحريم ضرب الخدود وشق الجيوب، والدعاء بدعوى الجاهلية، حديث (١٦٥، ١٦٦/ ١٠٣) (٢/ ١٤٤).\n(^٧٢) - أخرجه البخاري في الموضع السابق، باب: ما ينهى عن الحلق عند المصيبة، حديث (١٢٩٦) (٣/ ١٦٥)، ومسلم في الموضع السابق أيضًا، حديث (١٦٧/ ١٠٤) (٢/ ١٤٥ - ١٤٧).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"يسار\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"بن\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"فأمرنا\".","vol":"13","page":535},{"text":"أن رسول الله ﷺ برئ من الصالقة والحالقة والشاقة.\nوقال الحافظ أبو يعلى (^٧٣): حدثنا هُدبة بن خالد، حدثنا أبان بن يزريد، حدثنا يحيي ابن أبي [¬١] كثير أن زيدًا حدثه أن أبا سلام حدثه أن أبا مالك الأشعري حدثه أن رسول الله ﷺ قال: \"أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن [¬٢]: الفخر في [¬٣] الأحساب. والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة، وقال: النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة وعليها سربال من قَطران، ودرع من جرب\".\nورواه مسلم (^٧٤) في صحيحه منفردًا به من حديث أبان بن يزيد العطار به.\nوعن أبي سعيد: أن رسول الله ﷺ لعن النائحة والمستمعة، رواه أبو داود (^٧٥).\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ (١٣)﴾\nينهى ﵎ عن موالاة الكافرين في آخر هذه السورة كما نهى عنها [¬٤] في أولها فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيهِمْ﴾ يعني اليهود والنصارى وسائر الكفار، ممن [¬٥] غضب الله عليه ولعنه واستحق من الله الطرد والإِبعاد، فكيف توالونهم وتتخذونهم أصدقاء وأخلاء، وقد يئسوا من الآخرة. أي: من ثواب الآخرة ونعيمها في حكم الله ﷿.\nوقوله: ﴿كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ﴾، فيه قولان:\n_________\n(^٧٣) - أخرجه أبو يعلى (٣/ ١٤٨) (١٥٧٧).\n(^٧٤) - ومسلم في كتاب: الجنائز، باب: التشديد في النياحة، حديث (٢٩/ ٩٣٤).\n(^٧٥) - أخرجه أبو داود في كتاب: الجنائز، باب: في النوح، حديث (٣١٢٨) (٣/ ١٩٣ - ١٩٤) وفي إسناده الحسن بن عطية، وعطية العوفي وكلاهما ضعيف.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في ز، خ: \"يتركوهن\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"من\".\n[¬٤]- في ز، خ: \"عنه\".\n[¬٥]- في ت: \"من\".","vol":"13","page":536},{"text":"أحدهما: كما يئس الكفار الأحياء من قراباتهم الذين في القبور أن يجتمعوا بهم بعد ذلك، لأنهم لا يعتقدون بعثًا ولا نشورًا، فقد انقطع رجاؤهم منهم فيما يعتقدونه.\nقال [¬١] العوفي عن ابن عباس: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيهِمْ.﴾ إلى آخر السورة. يعني: من مات من الذين كفروا فقد يئس الأحياء من الذين كفروا أن يرجعوا إليهم أو يبعثهم الله ﷿.\nقال الحسن البصري: ﴿كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ﴾ قال: الكفار الأحياء قد يئسوا من الأموات.\nوقال قتادة: كما يئس الكفار أن يرجع إليهم أصحاب القبور الذين ماتوا. وكذا قال الضحاك. رواهن ابن جرير. والقول الثاني معناه كما يئس الكفار الذين هم في القبور من كل خير.\nقال الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن ابن مسعود: ﴿كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ﴾، قال: كما يئس هذا الكافر إذا مات وعاين ثوابه واطلع عليه وهذا قول مجاهد، وعكرمة، ومقاتل، وابن زيد، والكلبي، ومنصور. وهو اختيار ابن جرير.\n[آخر تفسير سورة الممتحنة ولله الحمد].\n* * *\n_________\n[¬١]- بياض في: ز.","vol":"13","page":537},{"text":"<span data-type='title' id=toc-182>تفسير سورة الصف وهي مدنية</span>\nقال الإمام أحمد (^١) ﵀: حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا ابن المبارك، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة- و[¬١] عن عطاء بن يسار، عن أبي سلمة، عن عبد الله بن سلام قال: تذاكرنا: أيكم يأتي رسول الله ﷺ فيسأله: أي الأعمال أحب إلى الله؟ فلم يقم منا أحد، فأرسل رسولُ الله ﷺ إلينا رجلًا، فجمعنا فقرأ علينا هذه السورة، يعني سورة الصف كلها. هكذا رواه الإِمام أحمد.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا العباس بن الوليد بن مَزيد البيروتي قراءة قال: أخبرني أبي، سمعت الأوزاعي، حدثني يحيى بن أبي كثير، حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن، حدثني عبد الله بن سلام أن أناسًا من أصحاب رسول الله ﷺ قالوا: لو أرسلنا إلى رسول الله نسأله عن أحب الأعمال إلى الله ﷿؟ فلم يذهب إليه أحد منَّا، وهبنَا أن نسأله عن ذلك، قال: فدعا رسول الله ﷺ أولئك النفر رجلًا رجلًا حتى جمعهم، ونزلتْ فيهم هذه السورة: (سبح) الصف- قال عبد الله بن سلام: فقرأها علينا رسول الله ﷺ كلها. [قال أبو سلمة: وقرأها علينا عبد الله بن سلام كلها] [¬٢]. قال يحيى بن أبي كثير: وقرأها علينا أبو سلمة كلها [¬٣]. قال الأوزاعي: وقرأها علينا يحيى بن أبي كثير كلها قال أبي: وقرأها علينا الأوزاعي كلها.\nوقد رواه الترمذي (^٢) عن عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي: حدثنا محمد بن كثير، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي [¬٤] كثير، بن أبي سلمة، عن عبد الله بن سلام قال: قعدنا نفرًا من أصحاب رسول الله ﷺ فتذاكرنا، فقلنا: لو نعلم أي الأعمال أحب إلى الله ﷿ لعملناه. فأنزل الله: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ - قال عبد الله بن سلام: فقرأها علينا رسول الله ﷺ. قال أبو سلمة: فقرأها\n_________\n(^١) - صحيح، أخرجه أحمد (٥/ ٤٥٢) (٢٣٩٠١).\n(^٢) - صحيح، أخرجه الترمذي في كتاب التفسير، باب: ومن سورة الصف، حديث (٣٣٠٦).\nوصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (٢٦٣٦).\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.","vol":"13","page":538},{"text":"علينا ابن سلام. قال يحيى: فقرأها علينا أبو سلمة. قال ابن كثير: فقرأها علينا الأوزاعي.\nقال عبد الله: فقرأها علينا ابن كثير.\nثم قال الترمذي (^٣): وقد خولف محمد بن كثير في إسناد هذا الحديث عن الأوزاعي، فروى ابن المبارك، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن هلال بن أبي ميمونة، عن عطاء بن يسار، عن عبد الله بن سلام- أو: عن أبي سلمة، عن عبد الله بن سلام.\nقلت: وهكذا رواه الإمام أحمد عن [¬١] عن ابن المبارك به.\nقال الترمذي: وروى الوليد بن مسلم هذا الحديث عن الأوزاعي نحو رواية محمد بن كثير.\nقلت: وكذا رواه الوليد بن يزيد عن الأوزاعي، كما رواه ابن كثير.\nقلت: وقد أخبرني بهذا الحديث الشيخ المسند أبو العباس أحمد بن أبي طالب الحجار قراءةً عليه، وأنا أسمع، أخبرنا أبو المنجا عبد الله بن عمر بن اللّتّي، أخبرنا أبو الوقت عبد الأول بن عيسى بن شعيب السجزي قال: أخبرنا أبو الحسن عبد الرحمن بن المظفر بن محمد بن داود الداودي أخبرنا أبو محمد عبد الله بن أحمد بن حمويه السرخسي أخبرنا عيسى بن عُمَر بيع عمران السمرقندي، أخبرنا الإِمام الحافظ أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن الدارميّ (^٤) بجميع مسنده، أخبرنا محمد بن كثير، عن الأوزاعي … فذكر بإسناده مثله، وتسلسل لنا [¬٢] قراءتها إلى [¬٣]، شيخنا الي العباس الحجار، ولم يقرأها لأنه كان أميًّا، وضاق الوقت عن تلقينها إياه. ولكن أخبرني الحافظ الكبير أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي ﵀: أخبرنا القاضي تقي الدين سليمان ابن الشيخ أبي عمر، أخبرنا أبو المُنَجَّا بن اللّتيّ … فذكره بإسناده، وتسلل في من طريقه، وقرأها عليّ بكمالها، ولله الحمد والمنة.\n﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (٣) إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ\n_________\n(^٣) - أخرجه أحمد (٥/ ٤٥٢) (٢٣٩٠٢) بنحو رواية الترمذي السابقة.\n(^٤) - أخرجه الدارمي في كتاب الجهاد، باب: الجهاد في سبيل الله أفضل الأعمال، حديث (٢٣٩٥) (٢/ ١٢٠) وانظر ما سبق.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"معمر\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"إلى\".\n[¬٣]- في ز: \"أي\".","vol":"13","page":539},{"text":"بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ (٤)﴾.\nتقدم الكلام على قوله: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ غير مرة، بما أغنى عن إعادته.\nوقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ إنكار على من يَعِدُ عِدَةً، أو يقول قولًا لا يفي به، ولهذا استدل بهذه الآية الكريمة [من ذهب] [¬١] من علماء السلف إلى أنه يجب الوفاء بالوعد مطلقًا، سواء ترتب عليه غُرم للموعود أم [¬٢] لا. واحتجوا أيضًا من السنة بما ثبت في الصحيحين (^٥) أن رسول الله ﷺ؛ قال: \"آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمِنَ خان\". وفي الحديث الآخر في الصحيح (^٦): \" أربع من كنَّ فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه واحدة منهن كانت فيه خصلة من نفاق حتى يدعها\". فذكر منهن إخلاف الوعد. وقد استقصينا الكلام على هذين الحديثين في أول \"شرح البخاري\"، ولله الحمد والمنة؛ ولهذا أكد تعالى هذا الإنكار عليهم بقوله: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾.\nوقد روى الإمام أحمد (^٧) وأبو داود عن عبد الله بن عامر بن ربيعة؛ قال: أتانا رسول الله ﷺ [في بيتنا] [¬٣] وأنا صبي، قال: فذهبت لأخرج ولألعب، فقالت أمي: يا عبد الله، تعال أعطك. فقال لها رسول الله ﷺ: \"وما أردت أن تُعطيه؟ \" قالت: تمرًا. فقال: \"أما إنك لو لم تفعلي كتبت عليك كذبة\".\nوذهب الإِمام مالك ﵀ إلى أنه إذا تعلق بالوعد غُرم على الموعود وجب الوفاء به، كما لو قال لغيره: \"تزوج ولك عليَّ كل يوم كذا\" فتزوج، وجب عليه أن يعطيه ما دام\n_________\n(^٥) - أخرجه البخاري في كتاب الإيمان، باب: علامة المنافق، حديث (٣٣) (١/ ٨٩) وأطرافه في [٢٦٨٢، ٢٧٤٩، ٦٠٩٥]، ومسلم في كتاب الإيمان، باب: بيان خصال المنافق، حديث (١٠٧ - ١١٠/ ٥٩) (٢/ ٦٢ - ٦٤).\n(^٦) - أخرجه البخاري في الموضع السابق برقم (٣٤)، ومسلم في الموضع السابق عنده أيضًا برقم (١٠٦/ ٥٨) (٢/ ٦١ - ٦٢)\n(^٧) - أخرجه أحمد (٣/ ٤٤٧) (١٥٧٤٤). وأبو داود في باب: التشديد في الكذب، حديث (٤٩٩١) (٤/ ٢٩٨). كلاهما من طريق مولى من موالي عبد الله بن عامر عن عبد الله بن عامر ﵁ به. وإسناده ضعيف لجهالة هذا المولى؛ إلا أن الشيخ الألباني أورده في الصحيحة (٧٤٨) لشواهده.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في ز، خ: \"أو\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"13","page":540},{"text":"كذلك، لأنه تعلق به حق آدمي، وهو مبنيٌّ على المضايقة.\nوذهب الجمهور إلى [¬١] أنه لا يجب، مطلقًا، وحملوا الآية على أنها نزلت حين تمنوا فَرضيَّة الجهاد عليهم، فلما فرض نكل عنه بعضهم، كقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٧٧) أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾. وقال تعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ الآية. وهكذا هذه الآية معناها، كما قال عليّ بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾، قال: كان ناس من المؤمنين قبل أن يفرض الجهاد يقولون: لَوددنا أن الله ﷿ دلنا على أحب الأعمال إليه، فنعمل به، فأخبر الله نبيه أن أحب الأعمال: إيمانٌ بالله [¬٢] لا شك فيه، وجهاد أهل معصيته الذين خالفوا الإِيمان ولم يقروا به.\nفلما نزل الجهاد كره ذلك أناس، المؤمنين، وشق عليهم أمره، فقال الله سبحانه:\n﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾. وهذا اختيار ابن جرير.\nوقال مقاتل بن حَيَّان: قال المؤمنون: لو نعلم أحبّ الأعمال إلى الله لعملنا به. فدلهم الله على أحب الأعمال إليه، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا﴾، فبين لهم، فابتلوا يوم أحد بذلك، فولوا عن النبي ﷺ مدبرين، فأنزل الله في ذلك: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾؟ وقال: أحبكم إليّ من قاتل في سبيلي.\nومنهم من يقول: أنزلت في شأن القتال. قوله الرجل: قاتلت، ولم يقاتل. وطعنت، ولم يطعن. وضربت، ولم يضرب. وصبرت، ولم يصبر.\nوقال قتادة والضحاك: نزلت توبيخًا لقوم كانوا كولون: قتلنا، ضربنا، طعنا، وفعلنا. ولم يكونوا فعلوا ذلك.\nوقال ابن زيد: نزلت في قوم من المنافقين كانوا يعدون المسلمين النصر، ولا يوفون لهم بذلك.\nوقال مالك عن زيد بن أسلم: ﴿لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ قال: في الجهاد.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"على\".\n[¬٢]- في ت: \"به\".","vol":"13","page":541},{"text":"وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد: ﴿لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ إلى قوله: ﴿كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ [فما بين ذلك] [¬١] في نفر من الأنصار، فيهم عبد الله بن رواحة، قالوا في مجلس: لو نعلم أيّ الأعمال أحب إلى الله، لعملنا بها حتى نموت. فأنزل الله هذا فيهم. فقال عبد الله بن رواحة: لا أبرح حبيسًا في سبيل الله حتى أموت. فقتل شهيدًا.\nوقال ابن أبي حاتم (^٨): حدثنا أبي، حدثنا فروة بن أبي المغراء، حدثنا علي بن مسهر، عن داود بن أبي هند، عن أبي حَرب بن [¬٢] أبي الأسود الدّيلي، عن أبيه، قال: بعث أبو موسى إلى قراء أهل البصرة، فدخل عليه منهم ثلاثمائة رجل، كلهم قد قرأ القرآن، فقال: أنتم قراء أهل البصرة وخيارهم. وقال: كنا نقرأ سورة كنا نشبهها بإحدى المسبحات، فأنسيناها، غير أني قد حفظت منها: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾. فتكتب شهادة في أعناقكم، فتسألون عنها يوم القيامة.\nولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾. فهذا إخبار منه تعالى بمحبة عباده المؤمنين إذا اصطفوا مواجهين لأعداء الله في حومة الوغى، يقاتلون في سبيل الله مَن كفر بالله، لتكون كلمة الله هي العليا، ودينه هو الظاهر العالي على سائر الأديان.\nقال الإِمام أحمد (^٩): حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا هشيم، قال: مجالد أخبرنا عن أبي الودّاك، عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"ثلاثة يضحك الله إليهم: الرجل يقوم من الليل، والقوم إذا صفوا للصلاة، والقوم إذا صفوا للقتال\".\nورواه ابن ماجة من حديث مجالد عن أبي الوداك جبر بن نوف به.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو نعيم الفضل بن دكين، حدثنا الأسود -يعْني: ابن شيبان- حدثني يزيد بن عبد الله بن الشخير، قال:: قال مُطَرّف: كان يبلغني\n_________\n(^٨) - إسناده رجاله ثقات.\n(^٩) - أخرجه أحمد (٣/ ٨٠) (١١٧٧٧). وابن ماجة في \"المقدمة\"، كتاب: فيما أنكرت الجهمية، حديث (٢٠٠) (١/ ٧٣). وفي إسناده مجالد وهو ابن سعيد: ليس بالقوي. قال البوصيري في الزوائد (١/ ٨٧): هنا إسناد فيه مقال: مجالد بن سعيد وإن أخرج له مسلم، فإنما روى له مقرونا بغيره. قال ابن عدي: عامة ما يرويه غير محفوظ. وعبد الله بن إسماعيل، قال أبو حاتم: مجهول، وذكره في الميزان. انتهى.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في ز، خ: \"عن ابن\".","vol":"13","page":542},{"text":"عن أبي ذر حديث كنت أشتهي لقاءه، فلقيته فقلت: يا أبا ذر، كان يبلغني عنك حديث، فكنت أشتهي لقاءك. فقال: لله أبوك! فقد لقيت، فهات. فقلت: كان يبلغني عنك أنك تزعم أن رسول الله ﷺ حدثكم أن الله يحب ثلاثة ويبغض ثلاثة؟ قال: أجل، فلا إخالني أكذب على خليلي ﷺ! قلت: فمن هؤلاء الثلاثة الذين يحبهم الله؟ قال: رجل غزا في سبيل الله، خرج محتسبًا مجاهدًا فلقى العدو فقتل، وأنتم تجدونه في كتاب الله المنزل، ثم قرأ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ … وذكر الحديث.\nهكذا أورد هذا الحديث من هذا الوجه بهذا السياق، وبهذا اللفظ، واختصره.\nوقد أخرجه الترمذي (^١٠) والنسائي من حديث شعبة، عن منصور بن المعتمر، عن ربعي بن حِرَاش [¬١]، عن زيد بن ظَبيان، عن أبي ذَر بأبسط من هذا السياق وأتم. وقد أوردناه في مواضع أخر، ولله الحمد.\nوعن كعب الأحبار أنه قال: يقول الله تعالى لمحمد ﷺ: عبدي المتوكل المختار ليس بفظ ولا غليظ، ولا صخاب في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويغفر، مولده بمكة، وهجرته بطابة، وملكه بالشام، وأمته الحمادون [¬٢] يحمدُون الله على كل حال، وفي كل منزلة، لهم دويّ كدويّ النحل في جو السماء بالسحَر، يُوَضّون أطرافهم، ويأتزرون على أنصافهم، صفهم في القتال مثل صفهم في الصلاة، ثم قرأ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ، رعاة الشمس، يصلون الصلاة حيث أدركتهم، ولو على ظهر دابة [¬٣]. رواه ابن أبي حاتم.\n_________\n(^١٠) - أخرجه الترمذي في كتاب صفة الجنة، باب: ثلاثة يحبهم الله، حديث (٢٥٧٠) (٧/ ٢٤٢) من طريق الأعمش عن منصور، وحديث (٢٥٧١) من طريق شعبة. والنسائي (٣/ ٢٠٧)، (٥/ ٨٤) من طريق شعبة. وفي إسناده زيد بن ظبيان، قال الحافظ: مقبول. قال الترمذي: هذا حديث غريب من هذا الوجه، وهو غير محفوظ -يعني طريق ابن عباس عن الأعمش- والصحيح ما روى شعبة وغيره عن منصور عن ربعي بن خراش عن زيد بن ظبيان عن أبي ذر عن النبي ﷺ.\nوأبو بكر بن عياش كثير الغلط.\nوقال بعد الثاني: حسن صحيح.\nوالحديث ضعفه الألباني في ضعيف سنن الترمذي (٤٧١ - ٢٧٠٦)، (٤٧٢ - ٢٧٠٩).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"خراش\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"الحامدون\".\n[¬٣]- في ز، خ: \"دابته\".","vol":"13","page":543},{"text":"وقال سعيد بن جبير في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا﴾، قال: كان رسول الله ﷺ لا يقاتل العدو إلا أن يصافهم، وهذا تعليم من الله للمؤمنين. قال: وقوله: ﴿كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾: ملتصق بعضه في بعض، من الصف في القتال.\nوقال مقاتل بن حيان: ملتصق بعضه إلى بعض.\nوقال ابن عباس: ﴿كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾: مُثبت، لا يزول، ملصق بعضه ببعض.\nوقال قتادة: ﴿كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾: ألم تر إلى صاحب [¬١] البنيان، كيف لا يحب أن يختلف بنيانه؟ فكذلك الله ﷿ لا [¬٢] يختلف أمره، وإن الله صف المؤمنين في قتالهم وصفهم في صلاتهم، فعليكم بأمر الله، فإنه عصمة لمن أخذ به. أورد ذلك كله ابن أبي حاتم.\nوقال ابن جرير (^١١): حدثني سعيد بن عَمرو السكوني، حدثنا بقية بن الوليد، عن أبي بكر بن أبي مريم، عن يحيى بن جابر الطائي، عن أبي بحرية؛ قال: كانوا يكرهون القتال على الخيل، ويستحبون القتال على الأرض، لقول الله ﷿: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾، قال: وكان أبو بحرية يقول: إذا رأيتموني التفتُّ في الصف فَجئُوا في لحيي.\n﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (٥) وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (٦)﴾\nيقول تعالى مخبرًا عن عبده ورسوله وكليمه موسى بن عمران ﵇: إنه قال لقومه: ﴿لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ﴾، أي: لم توصلون الأذى إليَّ، وأنتم تعلمون صدقي فيما جئتكم به من الرسالة؟ وفي هذا تسلية لرسول الله ﷺ فيما أصاب من الكفار من قومه وغيرهم، وأمر له بالصبر، ولهذا قال: \"رحمة\n_________\n(^١١) - أخرجه الطبري (٢٨/ ٨٦) وفي إسناده بقية بن الوليد وهو مدلس.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"أصحاب\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"أن\".","vol":"13","page":544},{"text":"الله على موسى، لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر\" (^١٢).\nوفيه نهي للمؤمنين أن ينالوا من النبي ﷺ أو يوصلوا إليه أذى، كما قال\nتعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾.\nوقوله: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾، أي: فلما عدلوا عن اتباع الحق مع علمهم به، أزاغ الله قلوبهم عن الهدى، وأسكنها الشك والحيرة والخذلان، كما قال تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾. وقال: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى [وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ] [¬١] نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾؛ ولهذا قال تعالى في هذه الآية: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾.\nوقوله: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾. يعني: التوراة قد بَشَّرت بي، وأنا مصداقُ ما أخبرت عنه، وأنا مُبَشر بمن بعدي، وهو الرسول النبي الأمي العربي المكي أحمد. فعيسى ﵇ هو خاتم أنبياء بني إسرائيل، وقد أقام في ملإ بني إسرائيل مبشرًا بمحمد، وهو أحمد خاتم الأنبياء والمرسلين، الذي لا رسالة بعده ولا نبوة. وما أحسن ما أورد البخاري (^١٣) الحديث الذي قال فيه:\nحدثنا أبو اليمان، حدثنا شعيب، عن الزهريّ، قال: أخبرني محمد بن جُبَير بن مُطعم، عن أبيه؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ؛ يقول: \"إن لي أسماء: أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يمحو الله به الكفر، وأنا الحاشر الذي يُحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب\".\nورواه مسلم من حديث الزهريّ به نحوه.\nوقال أبو داود الطيالسي (^١٤): حدثنا المسعودي، عن عمرو بن مُرّة، عن أبي عُبَيدة،\n_________\n(^١٢) - أخرجه البخاري في كتاب المغازي، باب: غزوة الطائف، حديث (٤٣٣٥، ٤٣٣٦) (٨/ ٥٥).\n(^١٣) - أخرجه البخاري في كتاب التفسير، باب: ﴿يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾، حديث (٤٨٩٦) (٨/ ٦٤٠، ٦٤١). ومسلم في كتاب الفضائل، باب: في أسمائه ﷺ حديث (١٢٤، ١٢٥/ ٢٣٥٤) (١٥/ ١٥٢ - ١٥٤).\n(^١٤) - أخرجه الطيالسي في مسنده (٦٧) برقم (٤٩٢) وليس عند الطيالسي \"نبي الرحمة\"، وهي=\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"13","page":545},{"text":"عن أبي موسى؛ قال: سمى لنا رسول الله ﷺ نفسَه أسماء، منها ما حفظنا، فقال: \"أنا محمد، و[¬١] [١] أحمد، والحاشر، والمقفي، ونبي الرحمة، والتوبة، والملحمة\". ورواه مسلم (^١٥) من حديث الأعمش عن عمرو بن مرة به.\nوقد قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ .. الآية. وقال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾. قال ابن عباس: ما بعث الله نبيًّا إلا أخذ عليه العهد: لئن بعث محمد وهو حي ليتبعنه، وأخذ عليه أن يأخذ على أمته لئن بعث محمد وهم أحياء ليتبعنه وينصرنه.\nوقال محمد بن إسحاق (^١٦): حدثني ثور بن يزيد، عن خالد بن مَعدَان، عن أصحاب رسول الله ﷺ أنهم قالوا: يا رسول الله؛ أخبرنا عن نفسك. قال: \"دعوة أبي إبراهيم، وبشرى عيسى، ورأت أمي حين حملت بي كأنه خرج منها نور أضاءت له قصور بصرى من أرض الشام\". وهذا إسناد جيد، وروي له شواهد من وجوه أخر، فقال الإمام أحمد (^١٧):\nحدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا معاوية بن صالح، عن سعيد بن سُوَيد الكلبي، عن عبد الأعلى بن هلال السلمي، عن العرباض بن سارية، قال: قال رسول الله ﷺ: \"إني عند الله لخاتم النببين، كان آدم لمنجَدل في طينته، وسأنبئكم بأول ذلك: دعوة أبي إبراهيم، وبشارة عيسى بي، ورؤيا أمي التي رأت، وكذلك أمهات النبيين يرين\".\n_________\n= عند مسلم وليس عنده \"نبي الملحمة\".\n(^١٥) - هو عند مسلم في كتاب الفضائل، باب: في أسمائه ﷺ حديث (١٢٦/ ٢٣٥٥) (١٥/ ١٥٤).\n(^١٦) - سيرة ابن هشام (١/ ١٠٧ وما بعدها) وإسناده ثقات وابن إسحاق صرح كالتحديث إلا أن خالد بن معدان يرسل كثيرًا.\n(^١٧) - أخرجه أحمد (٤/ ١٢٧) (١٧٢٠٠). وفي إسناده سعيد بن سويد؛ ذكره ابن حبان في الثقات، وقال البخاري: لم يصح حديثه -يعني هذا الحديث-، وخالفه ابن حبان والحاكم فصححاه. \"التعجيل\" (١٥٢). وعبد الأعلى بن هلال: ذكره ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٦/ ٢٥) ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"أنا\".","vol":"13","page":546},{"text":"وقال أحمد أيضًا (^١٨): حدثنا أبو النضر، حدثنا الفرج بن فضالة، حدثنا لقمان بن عامر؛ قال: سمعت أبا أمامة؛ قال: قلت: يا نبيّ الله، ما كان بدء أمرك؟ قال: \"دعوة أبي إبراهيم، وبشرى عيسى، ورأت أمي أنه يخرجُ منها نورٌ أضاءت له قصورُ الشام\".\nوقال أحمد أيضًا (^١٩): حدثنا حسن بن موسى، سمعت حُدَيجًا [¬١]، أخا زهير بن معاوية، عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن عتبة، عن عبد الله بن مسعود؛ قال: بعثنا رسول الله ﷺ إلى النجاشي ونحن نحو من ثمانين رجلًا، منهم: عبد الله بن مسعود، وجعفر، وعبد الله بن عرفطة [¬٢]، وعثمان بن مظعون، وأبو موسى. فأتوا النجاشي، وبعَثت قريش عَمرو بن العاص، وعمارة بن الوليد بهدية، فلما دخلا على النجاشي سَجَدا له، ثم ابتدراه عن يمينه وعن شماله، ثم قالا له: أن نفرًا من بني عمنا نزلوا أرضك، ورغبوا عنا وعن ملتنا. قال: فأين هم؟ قال: هم في أرضك، فابعث إليهم. فبعث إليهم، فقال جعفر: أنا خطيبكم اليوم. فاتبعوه فسلم ولم يسجد، فقالوا له: ما لك لا تسجد للملك؟ قال: إنا لا نسجد إلا لله ﷿ قال: وما ذاك؟ قال: إن الله بعث إلينا رسوله فأمرنا أن لا نسجد لأحد إلا لله ﷿ وأمرنا بالصلاة والزكاة. قال عمرو بن العاص: فإنهم يخالفونك في عيسى ابن مريم. قال: ما تقولون في عيسى ابن مريم وأمه قالوا: نقول كما قال الله ﷿: هو كلمة الله وروحه ألقاها إلى العذراء البتول التي لم يمسها بشر، ولم يفرضها ولد. قال: فرفع عودًا من الأرض ثم قال: يا معشر الحبشة والقسيسين والرهبان؛ والله ما يزيدون على الذي نقول فيه ما يساوي هذا، مرحبا بكم وبمن جئتم من عنده، أشهد أنه رسول الله، وأنه الذي نجد في الإِنجيل، وأنه الذي بشر به عيسى ابن مريم. انزلوا حيث شئتم، والله لولا ما أنا فيه من الملك لأتيته حتى أكون أنا أحمل\n_________\n(^١٨) - أخرجه أحمد (٥/ ٢٦٢) (٢٢٣٦١). وفي إسناده فرج بن فضالة وهو ضعيف. قال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (٨/ ٢٢٥): رواه أحمد وإسناده حسن وله شواهد تقويه. ا هـ.\n(^١٩) - أخرجه أحمد (١/ ٤٦٠) (٤٤٠٠). وفي إسناده خديج بن معاوية، قال أهو حاتم: محله الصدق، وليس مثل أوخويه، في بعض حديثه ضعف، يكتب حديثه. وقال البخاري يتكلمون في بعض حديثه. وقال النسائي: ضعيف. ا هـ من تهذيب الكمال. وقال الحافظ: صدوق يخطئ. وأبو إسحاق السبيعي مدلس وقد عنعن. قال ابن كثير في البداية والنهاية (٣/ ٨٨) بعد إيراده لهذا الحديث: وهذا إسناد جيد قوي، وسياق حسن، وفيه ما يقتضي أن أبا موسى كان ممن هاجر من مكة إلى أرض الحبشة، إن لم يكن ذكره مدرجًا من بعض الرواة، والله أعلم، وقد روي عن أبي إسحاق السبيعي من وجه آخر. ا هـ. راجع البداية والنهاية للمصنف (٣/ ٨٤ وما بعدها).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"خديجًا\".\n[¬٢]- بياض في: ز، خ.","vol":"13","page":547},{"text":"نعليه وأوضئه. وأمَرَ بهدية الآخرَين فردّت إليهما، ثم تعجل عبد الله بن مسعود حتى أدرك بدرًا، وزعم أن النبي ﷺ استغفر له حين بلغَه موته.\nوقد رُويت هذه القصةُ عن جعفر وأم سلمة ﵄ وموضع ذلك كتاب السيرة. والقصد [¬١] أن الأنبياء ﵈ لم تزل تنعته وتحكيه في كتبها على أممها، وتأمرهم باتباعه ونصره وموازرته إذا بعث، وكان مما اشتهر الأمر في أهل الأرض على لسان إبراهيم الخليل والد [¬٢] الأنبياء بعده، حين دعا لأهل مكة أن يبعث الله فيهم رسولًا منهم، وكذا على لسان عيسى ابن مريم؛ ولهذا قالوا: \"أخبِرْنا عن بَدْء أمرك\". يعني في الأرض، قال: \"دعوة أبي إبراهيم، وبشارة عيسى ابن مريم، ورؤيا أمي التي رأت\". أي: ظهر في أهل مكة أثر ذلك، والإِرهاص [¬٣] بذكره صلوات الله وسلامه عليه.\nوقوله: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾، قال ابن جريج وابن جرير: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ﴾ أحمد، أي: المبشر به في الأعصار المتقادمة، المنوه بذكره في القرون السالفة، لما ظهر أمره وجاء بالبينات قال الكفرة المخالفون: ﴿هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾.\n﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الْإِسْلَامِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٧) يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (٨) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٩)﴾\nيقول تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الْإِسْلَامِ﴾، أي: لا أحد أظلم ممن يفتري الكذب علي الله، ويجعل له أندادًا وشركاء، وهوَ يدعى إلى التوحيد والإِخلاص؛ ولهذا قال: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾.\nثم قال: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾، أي: يحاولون أن يَرُدوا الحق بالباطل، ومثلهم في ذلك كمثل من [يريد أن] [¬٤] يطفئ شعاع الشمس بفيه، وكما أن هذا مستحيل كذلك [¬٥] ذاك مستحيل، ولهذا قال: ﴿وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (٨) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾،\n_________\n[¬١]- في ت: \"المقصد\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"و\".\n[¬٣]- بياض في: ز، خ.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٥]- في ت: \"كذاك\".","vol":"13","page":548},{"text":"وقد تقدم الكلام على هاتين الآيتين في \"سورة براءة\" بما فيه كفابة، ولله الحمد والمنَّة.\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٢) وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (١٣)﴾\nتقدم في حديث عبد الله بن سلام أن الصحابة ﵃ أرادوا أن يسألوا عن أحب الأعمال إلى الله ﷿ ليفعلوه فأنزل الله هذه السورة، ومن جملتها هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ ثم فسر هذه التجارة العظيمة التي لا تبور، التي هي [متحصل الموجود] [¬١] ومزيلة للمحذور، فقال: ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، أي: من تجارة الدنيا، والكد لها والتصدي لها وحدها.\nثم قال: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾، أي: إن فعلتم ما أمرتكم به ودللتكم عليه، غفرت لكم الزلات، وأدخلتكم الجنات، والمساكن الطيبات، والدرجات العاليات؛ ولهذا قال: ﴿وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾.\nثم قال: ﴿وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا﴾ [أي: وأزيدكم على ذلك زيادة تحبونهما] [¬٢]، وهي: ﴿نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾ أي: إذا قاتلتم في سبيله ونصرتم دينه، تكفل الله بنصركم، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (٧)﴾ [محمد: ٧] وقال تعالى: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَويٌّ عَزِيزٌ﴾ وقوله: ﴿وَفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾، أي: عاجل. فهذه الزيادة هي خير الدنيا موصول بنعيم الآخرة، لمن أطاع الله ورسوله ونصر الله ودينه؛ ولهذا قال: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾.\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَال عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَال الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ت: \"محصلة للمقصود\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"13","page":549},{"text":"فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ (١٤)﴾\nيقول تعالى آمرًا عبادَه المؤمنين أن يكونوا أنصار الله في جميع أحوالهم، بأقوالهم وأفعالهم وأنفسهم وأموالهم، وأن يستجيبوا لله ولرسوله، كما استجاب الحواريون لعيسى حين قال: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾؟ أي: من مُعيني في الدعوة إلى الله ﷿؟ ﴿قَال الْحَوَارِيُّونَ﴾ -وهم أتباع عيسى ﵇: ﴿نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ﴾، أي: نحن أنصارك على ما أرسلتَ به ومُوَازروك على ذلك؛ ولهذا بعثهم دعاةً إلى الناس في بلاد الشام في الإِسرائيلين واليونانيين. وهكذا كان رسول الله ﷺ يقول في أيام الحج: \"من رجل يُؤويني حتى أبلغ وسالة ربي، [فإن قريشًا قد منعوني أن أبلغ رسالة ربي\"] [¬١] (^٢٠) حتى قيض الله ﷿ له الأوس والخزرج من أهل المدينة، فبايعوه ووازروه، وشارطوه أن يمنعوه من الأسود والأحمر إن هو هاجر إليهم، فلما هاجر إليهم بمن معه من أصحابه وَفَوا له بما عاهدوا الله عليه، ولهذا سماهم الله ورسوله الأنصارَ، وصار ذلك علمًا عليهم، ﵃ وأرضاهم.\nوقوله: ﴿فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ﴾ أي: لما بلغ عيسى ابن مريم ﵇ رسالة ربه إلى قومه، و[¬٢] وازره مَن وازره من الحواريين، اهتدت طائفة من بني إسرائيل بما جاءهم به، وضلت طائفة فخرجت عما جاءهم به، وجحدوا بنبوته [¬٣]، ورموه وأمه بالعظائم، وهم اليهود عليهم لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة!! وغلت فيه طائفة ممن اتبعه، حتى رفعوه فوق ما أعطاه الله من النبوة، وافترقوا فِرَقًا وشِيعًا، فمن قائل منهم: إنّه ابن الله، وقائل: إنه ثالث ثلاثة: الأب، والابن، وروح القدس، ومن قائل: إنه الله. وكل هذه الأقوال مفصلة في سورة النساء.\nوقوله: ﴿فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ﴾، أي: نصرناهم على من عاداهم من فِرق\n_________\n(^٢٠) - أخرجه أحمد (٣/ ٣٢٢ - ٣٢٣) (١٤٤٩٨)، والبيهقي (٨/ ١٤٦) كتاب: قتال أهل البغي، باب: كيفية البيعة، من طريق أبي الزبير عن جابر مطولًا. وإسناده صحيح، وصححه ابن حبان (٦٢٧٤)، والحاكم (٢/ ٦٢٤ - ٦٢٥) ووافقه الذهبي. وحسنه الحافظ ابن حجر في الفتح (٧/ ٦٣).\nوقد أخرجه أبو داود (٤٧٣٤)، والترمذي (٢٩٢٦)، والنسائي في الكبرى (٧٧٢٧)، وابن ماجه (٢٠١) مختصرًا من طريق سالم عن جابر نحو هذا اللفظ.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في ت: \"نبوته\".","vol":"13","page":550},{"text":"النصارى، ﴿فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾ أي: عليهم، وذلك ببعثة محمَّد ﷺ، كما قال الإِمام أبو جعفر بن جرير (^٢١) ﵀:\nحدثني أبو السائب، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن المنهال -يعني ابن عمرو- عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس ﵄ قال: لما أراد الله ﷿ أن يرفع عيسى إلى السماء، خرج إلى أصحابه، وهم في بيت اثنا عشر رجلًا، من عين في البيت، ورأسه يقطر ماء، فقال: إن منكم من يكفر بي اثنتي عشرة مرةً بعد أن آمن بي. قال: ثم قال: أيكم يلقى عليه شبهي فيقتل مكاني، ويكون معي في درجتي؟ قال: فقام شاب من أحدثهم سنًّا فقال: أنا. قال: فقال له [¬١]: اجلس. ثم أعاد عليهم، فقام الشاب فقال: أنا. فقال له: اجلس. ثم أعاد عليهم فقام الشاب فقال: أنا. فقال: نعم، أنت ذاك. قال: فألقي عليه شبه عيسى، ورُفع عيسى ﵇ من روَزنة في البيت إلى السماء، قال: وجاء الطلَبُ من اليهود، فأخذوا شِبْهه فقتلوه وصلبوه، وكفر به بعضهم اثنتي عشرة مرة بعد أن آمن به فتفرقوا ثلاث فرق، قالت فرقة: كان الله فينا ما شاء، ثم صعد إلى السماء، وهؤلاء اليعقوبية، وقالت فرقة: كان فينا ابن الله ما شاء، ثم رفعه إليه -وهؤلاء النسطورية- وقالت فرقة: كان فينا عبد الله ورسوله ما شاء الله ثم رفعه إليه -وهؤلاء المسلمون- فتظاهرت الكافرتان على المسلمة، فقتلوها، فلم يزل الإسلام طامسًا حتى بعث الله محمدًا ﷺ، ﴿فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ﴾، يعني: الطائفة التي كفرت من بني إسرائيل في زمن عيسى، والطائفة التي آمنت في زمن عيسى، ﴿فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾، بإظهار محمَّد ﷺ دينهم على دين الكفار، ﴿فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾.\nهذا لفظه في كتابه عند تفسير هذه الآية الكريمة. وهكذا رواه النسائي عند تفسير هذه الآية من سننه، عن أبي كريب محمَّد بن العلاء [¬٢]، عن أبي معاوية، بمثله سواء فأمة محمَّد ﷺ لا يزالون ظاهرين على الحق، حتى يأتي أمر الله وهم كذلك، وحتى يقاتل آخرهم الدجال مع المسيح عيسى ابن مريم ﵇ كما وردت\n_________\n(^٢١) - أخرجه الطبري في تفسيره (٢٨/ ٩٢). (٢٢) - والنسائي في الكبرى في كتاب التفسير، باب: قوله تعالى: ﴿فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ﴾، حديث (١١٥٩١) (٦/ ٤٨٩ - ٤٩٠). والحديث عزاه المصنف في \"البداية والنهاية\" (٢/ ١٠٨ - ١٠٩) لأبي حاتم من طريق أحمد بن سنان عن أبي معاوية بهذا الإسناد ثم قال: وهذا إسناد صحيح إلى ابن عباس على شرط مسلم. ا هـ.\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في ز، خ: \"المعلى\".","vol":"13","page":551},{"text":"الأحاديث الصحاح، والله أعلم.\n[أخر تفسير سورة \"الصفّ\" ولله الحمد والمنّة] [¬١].\n* * *\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"13","page":552},{"text":"<span data-type='title' id=toc-183>تفسير سورة الجمعة وهي مدنية</span>\nعن ابن عباس، وأبي هريرة: أن رسول الله ﷺ كان يقرأ في صلاة الجمعة بسورة \"الجمعة\" و\"المنافقون [¬١] \". رواه مسلم في صحيحه (^١).\n﷽\n﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١) هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢) وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣) ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٤)﴾\nيخبر تعالى أنَّه يُسَبح له ما في السنوات وما في الأرض، أي: من جميع المخلوقات ناطقها وجامدها، كما قال: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيءٍ إلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾.\nثم قال: ﴿الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ﴾، أي: هو مالك السموات والأرض، المتصرف فيهما بحكمه، وهو ﴿الْقُدُّوسِ﴾، أي [¬٢]: المنزه عن النقائص، الموصوف بصفات الكمال. ﴿الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ تقدم تفسير غير مرة.\nوقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾، الأميون هم: العرب كما قال تعالى: ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ وتخصيص الأميين بالذكر لا ينفي من عداهم، ولكن المنة عليهم أبلغ وأكد، كما في قوله: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ وهو ذكر لغيرهم [¬٣] يتذكرون به، وكذا قوله: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ وهذا وأمثاله لا ينافي\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في كتاب الجمعة، حديث (٦١/ ٨٧٧) (٦/ ٢٣٦) من حديث أبي هريرة، ﵁. وحديث (٦٤/ ٨٧٩) (٦/ ٢٣٨ - ٢٣٩) من حديث ابن عباس ﵁.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"المنافقين\".\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في ت: \"لقومهم\".","vol":"13","page":553},{"text":"قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيكُمْ جَمِيعًا﴾. وقوله: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ وقوله إخبارًا عن القرآن: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على عموم بعثته -صلوات الله وسلامه عليه- إلى جميع الخلق، أحمرهم وأسودهم، وقد قدمنا تفسير ذلك في سورة الأنعام، بالآيات والأحاديث الصحيحة، ولله الحمد والمنة.\nوهذه الآية هي مصداق إجابة الله لخليله [¬١] إبراهيم حين دعا لأهل مكة أن يبعث الله فيهم رسولًا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة. فبعثه الله ﷾، وله الحمد والمنة- على حين فترة من الرسل، وطُمُوس من السبل، وقد اشتدت الحاجة إليه، وقد مقت الله أهل الأرض عربهم وعجمهم، إلا بقايا من أهل الكتاب -أي: نزرًا يسيرًا-[ممن تمسك] [¬٢] بما بعث الله به عيسى ابن مريم ﵇ ولهذا قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾. وذلك أن العرب كانوا متمسكين بدين إبراهيم ﵇ فبدلوه وغيروه، وقلبوه [¬٣] وخالفوه، واستبدلوا بالتوحيد شركًا، وباليقين شكًّا، وابتدعوا أشياء لم يأذن بها الله، وكذلك أهل الكتابين قد بدلوا كتبهم وحرفوها وغيروها [¬٤] وأولوها، فبعث الله محمدًا -صلوات الله وسلامه عليه- بشرع عظيم كامل شامل لجميع الخلق، فيه هدايتهم، والبيان لجميع ما يحتاجون إليه من أمر معاشهم ومعادهم، والدعوة لهم إلى ما يقربهم إلى الجنة، ورضا الله عنهم، والنهى عما يقربهم إلى النار وسخط الله، حاكم فاصل لجميع الشبهات والشكوك والريب في الأصول والفروع. وجَمَع له تعالى -وله الحمد والمنة- جميع المحاسن ممن كان قبله، وأعطاه ما لم يُعطِ أحدًا من الأولين، ولا يعطيه أحدًا من الآخرين، فصلوات الله وسلامه عليه إلى يوم الدين.\nوقوله: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ قال الإمام أبو عبد الله البخاري (^٢) ﵀:\nحدثنا عبد العزيز بن عبد الله، حدثنا سليمان بن بلال، عن ثور، عن أبي الغَيث، عن أبي هريرة ﵁ قال: كنا جلوسًا عند النبي ﷺ فأنزلت عليه\n_________\n(^٢) - أخرجه البخاري في كتاب التفسير، باب: سورة الجمعة، حديث (٤٨٩٧) (٨/ ٦٤١) وطرفه في [٤٨٩٨]. ومسلم في كتاب: فضائل الصحابة، كتاب: في فضل فارس، حديث =\n_________\n[¬١]- في ت: \"خليله\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين بياض في: ز. وسقط من خ.\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- سقط من: ز، خ.","vol":"13","page":554},{"text":"سورةُ الجمعة: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾، قالوا: من هم يا رسول الله؟ فلم يراجعهم حتى سئل ثلاثًا، وفينا سلمان الفارسي، فوضع رسول الله ﷺ طه على سلمان ثم [¬١] قال: \"لو كان الإِيمان عند الثريا لناله رجال -أو: رَجُلٌ- من هؤلاء\".\nورواه مسلم، والترمذي، والنسائي، وابن أبي حاتم، وابن جرير، من طرق عن ثور بن زيد الدّيلي، عن سالم أبي الغيث، عن أبي هريرة، به\nففي هذا الحديث دليل على أن هذه السورة مدنية، وعلى عموم بعثته ﷺ إلى جميع الناس؛ لأنه فسر قوله: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ﴾ بفارس، ولهذا كتب كتبه إلى فارس والروم وغيرهم من الأمم، يدعوهم ابن الله ﷿ وإلى اتباع ما جاء به؛ ولهذا قال مجاهد وغير واحد في قوله: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾، قال: هم الأعاجم، وكل من صدق النبي ﷺ من غير العرب.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا إبراهيم بن العلاء الزبيدي، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا أبو محمَّد عيسى بن موسى، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد الساعدي؛ قال: قال رسول الله ﷺ: \"إنَّ في أصلاب أصلاب أصلاب رجال [من أصحابي، رجالًا ونساء] [¬٢] من أمتي يدخلون الله بغير حساب\". ثم قرأ: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ يعني بقية من بقي من أمة محمَّد ﷺ.\nوقوله: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ أي: ذو العزة والحكمة في شرعه وقدره.\nوقوله: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾، يعني ما أعطاه الله محمدًا ﷺ من النبوة العظيمة، وما خص به أمته من بعثته ﷺ إليهم.\n﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥) قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا\n_________\n= (٢٣١/ ٢٥٤٦) (١٦/ ١٥١). والترمذي في كتاب: التفسير، كتاب: ومن سورة الجمعة، حديث (٣٣٠٧) (٩/ ٤٨). والطبري (٢٨/ ٩٦).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"و\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"13","page":555},{"text":"الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٦) وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٧) قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨)﴾\nيقول تعالى ذامًّا لليهود الذين أعطوا التوراة وحمِّلوها للعمل بها، فلم يعملوا بها، مثلهم في ذلك ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾، أي: كمثل الحمار إذا حمل كتبًا لا يدري ما فيها، فهو يحملها حَملًا حسيًّا ولا يدري ما عليه، وكذلك هؤلاء في حملهم الكتاب الذي أوتوه، حفظوه لفظًا ولم يفهموه، ولا عملوا بمقتضاه، بل أوّلوه وحرّفوه وبذلوه، فهم أسوأ حالًا من الحمير؛ لأن الحمار لا فهمَ له، وهؤلاء لهم فهوم لم يستعملوها؛ ولهذا قال في الآية الأخرى: ﴿أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ وقال هاهنا: ﴿بِئْسَ مَثَلُ [¬١] الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾.\nوقال الإِمام أحمد ﵀ (^٣): حدثنا ابن نُمَير، عن مجالد، عن الشعبي، عن ابن عباس؛ قال: قال رسول الله ﷺ: \"من تكلم يوم الجمعة والإِمام يخطب فهو كمثل الحمار يحمل أسفارًا، والذي يقول له أنصت ليس له جمعة\".\nثم قال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ أي] [¬٢]: إن كنتم تزعمون أنكم على هدى، وأن محمدًا وأصحابه على ضلالة، فادعوا بالموت على الضال من الفئتين ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ فيما تزعمونه. قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيدِيهِمْ﴾، أي: بما يعملون لهم من الكفر والظلم والفجور، ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾.\nوقد قدمنا في \"سورة البقرة\" الكلام على هذه المباهلة لليهود، حيث قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٩٤) وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٩٥) وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (٩٦)﴾. وقد أسلفنا الكلام هناك، وبينا أن المراد أن يدعوا على\n_________\n(^٣) - أخرجه أحمد (١/ ٢٣٠) (٢٠٣٣). وفي إسناده مجالد بن سعيد وهو ضعيف. قال الهيثمي في المجمع (٢/ ١٨٧): رواه أحمد والبزار والطبراني في الكبير وفيه مجالد بن سعيد، وقد ضعفه الناس، ووثقه النسائي في رواية.\n_________\n[¬١]- في ز: \"مثلًا\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"13","page":556},{"text":"الضال من أنفسهم أو خصومهم، كما تقدمت مباهلة النصارى في آل عمران: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ ومباهلة المشركين في سورة مريم ﴿قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلَالةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾.\nوقد قال الإمام أحمد (^٤): حدثنا إسماعيل بن يزيد الرقي [] [¬١] أبو يزيد حدثنا فرات، عن عبد الكريم بن مالك الجزري، عن عكرمة، عن ابن عباس؛ قال: قال أبو جهل لعنه الله: إن رأيتُ محمدًا عند الكعبة لآتينه حتى أطأ على عُنقه. قال: فقال رسول الله ﷺ: \"لو فعل لأخذته الملائكة عيانًا، ولو أن اليهود تَمَنَّوا الموت لماتوا ورأوا مقاعدهم من النار، ولو خرج الذين يُبَاهلون رسول الله على الله عليه وسلم لرجعوا لا [¬٢] يجدون مالًا ولا أهلًا\".\nرواه البخاري والترمذي والنسائي، من حديث عبد الرزاق، عن معمر، [عن عبد الكريم. قال البخاري: \"وتبعه عمرو] [¬٣] بن خالد عن عبيد الله بن عمرو عن عبد الكريم.\nورواه النسائي أيضًا عن عبد الرحمن بن عبيد الله الحلبي، عن عبيد الله بن عمرو الرقي، به أتم.\nوقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، كقوله تعالى في سورة النساء: ﴿أَينَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾.\nوفي معجم الطبراني (^٥) من حديث معاذ بن محمَّد الهذلي، عن يونس، عن الحسن، عن سمرة مرفوعًا: \"مثل الذي يفر من الموت كمثل الثعلب تطلبه الأرض بدين، فجاء\n_________\n(^٤) - أخرجه أحمد (١/ ٢٤٨) (٢٢٢٥) وصححه أحمد شاكر. وأخرجه البخاري في كتاب التفسير، باب: ﴿كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ (١٥) نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾، حديث (٤٩٥٨) (٨/ ٧٢٤). والترمذي في كتاب تفسير القرآن، كتاب: ومن سورة ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾، حديث (٣٣٤٥) (٩/ ٧٨). والنسائي في الكبرى في كتاب التفسير، باب: سورة العلق، حديث (١١٦٨٥) (٦/ ٥١٨). كلهم من طريق عبد الرزاق فأخرجوا صدره. وأخرجه النسائي في الكبرى في كتاب التفسير، كتاب: ﴿ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾، حديث (١١٠٦١) (٦/ ٣٠٨) نحو رواية أحمد الأولى.\n(^٥) أخرجه الطبراني (٧/ ٢٦٨) (٦٩٢٢). قال الهيثمي في \"المجمع\" (٢/ ٣٢٣): رواه الطبراني في الكبير والأوسط وفيه معاذ بن محمَّد الهذلي، قال العقيلي: لا يتابع على رفع حديثه. ا هـ.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"حدثنا\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"ما\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"13","page":557},{"text":"يسعى حتى إذا أعيا وانبهر دخل جحره، فقالت له الأرض: يا ثعلب ديني. فخرج له حُصَاص فلم يزل كذلك حتى تقطعت عنقه فمات\".\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيعَ ذَلِكُمْ خَيرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٩) فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠)﴾\nإنما سميت الجمعة جمعة، لأنها مشتقة من الجمع، بأن أهل الإسلام يجتمعون فيه في كل أسبوع مَرةً بالمعابد الكبار، وفيه كَمُل جميع الخلائق، فإنه اليوم السادس من الستة التي خلق الله فيها السماوات والأرض، وفيه خُلق آم، وفيه أدخل الجنة، وفيه أخرج منها، وفيه تقوم الساعة، وفيه ساعة لا يوافقها عبد مؤمن يسأل الله فيها خيرًا إلا أعطاه إياه، كما ثبتت [¬١] بذلك الأحاديث الصحاح.\nوقال ابن أبي حاتم (^٦): حدثنا الحسن بن عرفة، حدثنا عبيدة بن حميد [¬٢] عن منصور، عن أبي معشر، عن إبراهيم، عن علقمة، عن قَرْثَع الضبي، حدثنا سلمان؛ قال: قال أبو القاسم ﷺ: \"يا سلمان؛ ما يوم الجمعة؟ \" قلت: الله ورسوله أعلم. فقال رسول الله ﷺ: \"يوم جُمع فيه أبواك -أو: أبوكم-\". وقد روي عن أبي هريرة من كلامه نحو هذا، فالله أعدم.\nوقد كان يقال له في اللغة القديمة: يوم العروبة، وثبت أن الأمم قبلنا أمروا به فَضَلوا عنه، واختار اليهود يوم السبت الذي لم يقع فيه خلق، واختار النصارى يومَ الأحد الذي ابتديء فيه الخلق، واختار الله لهذه الأمة الجمعة الذي أكمل الله فيه الخلَيقَة، كما أخرجه البخاري (^٧) ومسلم من حديث عبد الرزاق، عن معمر، عن همام بن منبه؛ قال: هذا ما\n_________\n(^٦) - أخرجه الطبراني في الأوسط (١/ ٢٥٠) (٨٢١) بنحو رواة أبي حاتم وهو عنده مطولًا. والحديث أخرج أحمد (٥/ ٤٤٠)، والنسائي (٣/ ١٠٤). كلاهما من طريق القرثع عن سلمان بنحو لفظ الزيادة عند الطبراني.\n(^٧) - أخرجه البخاري في كتاب التعبير، باب: النفخ في المنام، حديث (٧٠٣٦) (١٢/ ٤٢٣). ومسلم في كتاب الجمعة، كتاب: هداية هذه الأمة ليوم الجمعة، حديث (٢١/ ٨٥٥) (٦/ ٢٠٥).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"ثبت\".\n[¬٢]- في ز، خ: \"حماد\".","vol":"13","page":558},{"text":"حدثنا أبو هُرَيرة؛ قال: قال رسول الله ﷺ: \"نحن الآخرون السابقون يوم القيامة، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، ثم هذا يَومُهم الذي فرَض الله عليهم، فاختلفوا فيه، فهدانا الله له، فالناس لنا فيه تبع، اليهود غدًا، والنصارى بعد غد\". لفظ البخاري.\nوفي لفظ لمسلم (^٨): \" أضل الله عن الجمعة من كان قبلنا، فكان لليهود يوم السبت، وكان للنصارى يوم الأحد، فجاء الله بنا فهدانا ليوم الجمعة، فجعل الجمعة والسبت والأحد، وكذلك هم تبع لنا يوم القيامة، نحن الآخرون من أهل الدنيا، والأولون يوم القيامة، المقضي بينهم قبل الخلائق\".\nوقد أمر الله المؤمنين بإلاجتماع لعبادته يوم الجمعة، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾، أي: اقصدوا واعمدوا [¬١] واهتموا في مَسيركم إليها، وليس المراد بالسعي هاهنا المشي السريع، وإنما هو الاهتمام بها، كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ وكان عمر بن الخطاب، وابن مسعود ﵄ يقرآنها ﴿فَامضوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾. فأما المشي السريع إلى الصلاة فقد نهي عنه، لما أخرجاه في الصحيحين (^٩) عن أبي هُريرة، عن النبي ﷺ. قال: \"إذا سمعتم الإقامة فامشوا إلى الصلاة وعليكم السكينة والوقار ولا تسرعوا، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا\". لفظ البخاري.\nوعن أبي قتادة قال: بينما نحن نصلي مع النبي ﷺ إذ سمع جَلبة رجال، فلما صلى قال: \"ما شأنكم؟ \" قالوا: استعجلنا إلى الصلاة. قال: \"فلا لفعلوا، إذا أتيتم الصلاة أفامشوا وعليكم بالسكينة] [¬٢]، فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا\". أخرجاه (^١٠).\nوقال عبد الرزاق (^١١): أخبرنا مَعمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة\n_________\n(^٨) - أخرجه مسلم في الموضع السابق برقم (٢٢/ ٨٥٦) (٦/ ٢٠٦) من حديث حذيفة.\n(^٩) - أخرجه البخاري في كتاب الأذان، كتاب: لا يسعى إلى الصلاة، وليأت بالسكنية والوقار، حديث (٦٣٦) (٧/ ١١٢). وطرفه في [٩٠٨]. ومسلم في كتاب المساجد، باب: استحباب إتيان الصلاة بوقار وسكينة، حديث (٦٠٢) (٥/ ١٣٨ - ١٤١).\n(^١٠) - أخرجه البخاري في كتاب الأذان، كتاب: قول الرجل: فاتتنا الصلاة، حديث (٦٣٥) (٢/ ١١٦). ومسلم في الموضع السابق، حديث (١٥٥/ ٦٠٣) (٥/ ١٤١).\n(^١١) - أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٢/ ٢٨٨) (٣٤٠٤).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"واعتمدوا\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"فعليكم السكينة والوقار\".","vol":"13","page":559},{"text":"﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها تسعون، ولكن ائتوها تمشون، وعليكم السكينة والوقار، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا\".\nرواه الترمذي (^١٢) من حديث عبد الرزاق كذلك، وأخرجه (^١٣) من طريق يزيد بن زُريع، عن معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، بمثله.\nقال الحسن: أما والله ما هو بالسعي على الأقدام، ولقد نُهُوا أن يأتوا الصلاة إلا وعليهم السكينةُ والوقار، ولكن بالقلوب والنية والخشوع.\nوقال قتادة في قوله: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾، يعني أن تسعى بقلبك وعملك، وهو المشي إليها، وكان يتأولُ قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾ أي: المشي معه. وروي عن محمد بن كعب، وزيد بن أسلم، وغيرهما، نحو ذلك.\nويستحَبّ لمن جاء إلى الجمعة أن يغتسل قبل مجيئه إليها، لما ثبت في الصحيحين (^١٤) عن عبد الله بن عُمَر أن رسول الله ﷺ؛ قال: \"إذا جاء أحدكم الجمعةَ فَليغتسل\".\nولهما عن أبي سعيد (^١٥) ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ [] [¬١] \" [غسل يوم الجمعة واجب على كل مُحتلِم\".\nوعن أبي هُريرة؛ قال: قال رسول الله ﷺ:] [¬٢] \"حق لله على كل مسلم أن يغتسل في كل جمعة أيام، يغسل رأسه وجسده\". رواه مسلم (^١٦).\nوعن جابر ﵁ قال: قال رسول ﷺ: \"على كل رجل\n_________\n(^١٢) - سنن الترمذي في كتاب الصلاة، باب: ما جاء في المشي إلى المسجد، حديث (٣٢٨) (٢/ ١٠).\n(^١٣) - سنن الترمذي في الموضع السابق، حديث (٣٢٧) (٢/ ٩ - ١٠).\n(^١٤) - أخرجه البخاري في كتاب الجمعة، باب: فضل الغسل يوم الجمعة، حديث (٨٧٧) (٦/ ٣٥٢)، ومسلم في كتاب الجمعة (١/ ٨٤٤) (٦/ ١٨٦).\n(^١٥) - صحيح البخاري، الموضع السابق، حديث (٨٧٩) (٢/ ٣٥٧)، ومسلم في كتاب الجمعة، باب: وجوب غسل الجمعة على كل بالغ من الرجال، حديث (٥/ ٨٤٦) (٦/ ١٨٨).\n(^١٦) - صحيح مسلم في كتاب الجمعة، باب: الطيب والسواك يوم الجمعة، حديث (٩/ ٨٤٩) (٦/ ١٩٢ - ١٩٣).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"قال\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"13","page":560},{"text":"مسلم في كل سبعة أيام غسل يوم، وهو يوم الجمعة\". رواه أحمد (^١٧)، والنسائي، وابن حبان.\nوقال الإمام أحمد (^١٨): حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا ابن المبارك، عن الأوزاعي، عن حسان بن عطية، عن أبي الأشعث الصنعاني، عن أوس بن أوس الثقفي؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ؛ يقول: \"من غَسَّل واغتسل يوم الجمعة، وبكر وابتكر، ومشى ولم يركب، ودنا من الإمام واستمع ولم يَلغُ كان له بكل خطوة أجر سنة، أجر صيامها وقيامها\".\nوهذا الحديث له طرق وألفاظ، وقد أخرجه أهل السنن الأربعة وحسنه الترمذي.\nوعن أبي هُريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ، قال: \"من اغتسل يوم الجمعة غُسل الجنابة، ثم راح فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشا أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة، فإذا خرج الإِمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر\". أخرجاه [¬١] (^١٩).\nويستحب له أن يلبس أحسن ثيابه، ويتطيب ويتسوك، ويتنظف ويتطهر. وفي حديث أبي سعيد (^٢٠) المتقدم: \"غسلُ يوم الجمعة واجب على كل محتلم، والسواك، وأن يَمَس من طيب أهله\".\nوقال الإِمام أحمد (^٢١): حدثنا يعقوب، حدثنا أبي، عن محمد بن إسحاق، حدثني\n_________\n(^١٧) - أخرجه أحمد (٤/ ٣٠٣) (١٤٣٠٧). والنسائي (٣/ ٩٣) كتاب الجمعة، باب: إيجاب الغسل يوم الجمعة. وابن حبان (٤/ ٢١) (١٢١٩).\n(^١٨) - أخرجه أحمد (٩/ ٤). وأبو داود في كتاب الطهارة، باب: في الغسل يوم الجمعة، حديث (٣٤٥) (١/ ٩٥). والترمذي في كتاب الصلاة، باب: ما جاء في فضل الغسل يوم الجمعة، حديث (٤٩٦) (٢/ ١٢٨ - ١٢٩)، والنسائي (٣/ ٩٥ - ٩٦) كتاب الجمعة، باب: فضل غسل يوم الجمعة. وابن ماجة في كتاب: الإقامة، كتاب: ما جاء في الغسل يوم الجمعة، حديث (١٠٨٧) (١/ ٣٤٦). قال الترمذي: حديث حسن. وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (٣٣٣، ٣٣٤).\n(^١٩) - أخرجه البخاري في كتاب الجمعة، باب: فضل الجمعة، حديث (٨٨١) (٢/ ٣٦٦).\nومسلم في كتاب الجمعة، باب: الطيب والسواك يوم الجمعة، حديث (١٠/ ٨٥٠) (٦/ ١٩٣).\n(^٢٠) - تقدم تخريجه برقم (٢٤).\n(^٢١) - أخرجه أحمد (٥/ ٤٢٠) (٢٣٦٧٩). =\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.","vol":"13","page":561},{"text":"محمد بن إبراهيم التيمي، عن عمران بن أبي يحيى، عن عبد الله بن كعب بن مالك، عن أبي أيوب الأنصاري سمعت رسول الله ﷺ، يقول: \"من اغتسل يوم الجمعة ومس من طيب أهله [¬١]-إن كان عنده- ولبس من أحسن ثيابه، ثم خرج حتى يأتي المسجد فيركع -إن بدا له- ولم يؤذِ أحدًا، ثم أنصت إذا خرج إمامه حتى يصلي، كانت كفارة لما بينها وبين الجمعة الأخرى\".\nوفي سنن أبي داود (^٢٢)، وابن ماجة، عن عبد الله بن سلام ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول على المنبر: \"ما على أحدكم لو اشترى ثوبين ليوم الجمعة سوى ثوبي مَهنَتِه\".\nوعن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ خطب الناس يوم الجمعة، فرأى عليهم ثياب النمار؛ فقال: \"ما على أحدكم إن وجد سعة أن يتخذ ثوبين لجمعته سوى ثوبي مهنته\". رواه ابن ماجة (^٢٣).\nوقوله تعالى ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ﴾: المراد بهذا النداء هو النداء الثاني الذي كان يفعل بين يدي رسول الله ﷺ إذا خرج فجلس على المنبر، فإنه كان حينئذ يؤذن بين يديه، فهذا هو المراد، فأما النداء الأول الذي زاده أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ فإنما كان هذا لكثرة الناس، كما رواه البخاري (^٢٤) ﵀ حيث قال: حدثنا آدم -هو ابن أبي إياس- حدثنا ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن السائب بن [¬٢] يزيد، قال: \"كان النداء يوم الجمعة أولهُ إذا جلس الأمام على المنبر على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر، فلما كان عثمان بعد زمن وكثر الناس زاد النداء الثاني على الزوراء\" يعني: يؤذن به على الدار التي تسمى بالزوراء [¬٣]، وكانت أرفعَ دار [¬٤]\n_________\n= قال الهيثمي في \"المجمع\" (٢/ ١٧٤): رواه أحمد والطبراني في الكبير ورجاله ثقات.\n(^٢٢) - أخرجه أبو داود في كتاب الصلاة، باب: اللبس للجمعة، حديث (١٠٧٨) (١/ ٢٨٣). وابن ماجة في كتاب الإقامة، باب: ما جاء في الزينة يوم الجمعة، حديث (١٠٩٥) (١/ ٣٤٨). وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (٩٥٣).\n(^٢٣) - أخرجه ابن ماجة في كتاب الإقامة، باب: ما جاء في الزينة يوم الجمعة، حديث (١٠٩٦). وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجة (٨٩٩).\n(^٢٤) - أخرجه البخاري في كتاب الجمعة، باب: الأذان يوم الجمعة، حديث (٩١٢) (٢/ ٣٩٣). وأطرافه في [٩١٣، ٩١٥، ٩١٦].\n_________\n[¬١]- سقط من: ز، خ.\n[¬٢]- في ز، خ: \"عن\".\n[¬٣]- في ت: \"الزوراء\".\n[¬٤]- في ز، خ: \"دارًا\".","vol":"13","page":562},{"text":"بالمدينة بقرب المسجد.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو نعيم، حدثنا محمد بن راشد المكحولي [¬١]، عن مكحول؛ أن النداء كان في يوم [¬٢] الجمعة مؤذن واحد حين يخرج الإمام، ثم تقام الصلاة، وذلك النداء الذي يحرم عنده [¬٣] البيع والشراء إذا نودي به، فأمر عثمان ﵁ أن ينادى قبل خروج الإمام حتى يجتمع الناس.\nوإنما يؤمر بحضور الجمعة الأحرار دون النساء والعبيد والصبيان، ويعذر المسافر والمريض، وقيم المريض، وما أشبه ذلك من الأعذار، كما هو مقرر في كتب الفروع.\nوقوله: ﴿وَذَرُوا الْبَيعَ﴾، أي: اسعوا إلى ذكر الله واتركوا البيع إذا نودي للصلاة، ولهذا اتفق العلماء على تحريم البيع بعد النداء الثاني. واختلفوا، هل يصح إذا تعاطاه متعاط أم لا؟ على قولين، وظاهر الآية عدم الصحة كما هو مقرر في موضعه، والله أعلم.\nوقوله: ﴿ذَلِكُمْ خَيرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، أي: ترككم البيع وإقبالكم إلى ذكر الله وإلى الصلاة- خير لكم، أي: في الدنيا والآخرة إن كنتم تعلمون.\nوقوله: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ﴾، أي: فُرغ منها، ﴿فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾: لما حَجَر عليهم في التصرف بعد النداء وأمرهم بالاجتماع، أذن لهم بعد الفراغ في الانتشار في الأرض والابتغاء من فضل الله. كان عرَاك بن مالك ﵁ إذا صلى الجمعة انصرف فوقف على باب المسجد، فقال: اللهم؛ أجبتُ دعوتَك، وصليتُ فريضتك، وانتشرت كما أمرتني، فارزقني من فضلك، وأنت خير الرازقين. رواه ابن أبي حاتم.\nورُوي أيضًا [¬٤] عن بعض السلف أنه قال: من باع واشترى في يوم الجمعة بعد الصلاة، بارك الله له سبعين مرة، لقول الله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾.\nوقوله: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾، أي: في حال بيعكم وشرائكم، وأخذكم وعَطَائكم، اذكروا الله ذكرًا كثيرًا، ولا تشغلكم الدنيا عن الذي ينفعكم في الدار الآخرة؛ ولهذا جاء في الحديث: \"من دخل سوقًا من الأسواق فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، [له الملك] [¬٥]، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير كتبَتْ له\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"المكحول\".\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- في ز، خ: \"عند\".\n[¬٤]- سقط من: ت.\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"13","page":563},{"text":"ألفُ ألف حَسنة، ومُحي عنه ألفُ ألف سَيئة\" (^٢٥).\nوقال مجاهد: لا يكون العبد من الذاكرين الله كثيرًا حتى يذكر الله [قائمًا] [¬١] قاعدًا ومضطجعًا.\n﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيرٌ مِنَ اللَّهْو وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيرُ الرَّازِقِينَ (١١)﴾\nيعاتب ﵎ على ما كان وقع من الانصراف عن الخطبة يوم الجمعة إلى التجارة التي قدمت المدينة يومئذ، فقال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمً﴾، أي: على المنبر تخطب. هكذا ذكره غير واحد من التابعين، منهم: أبو العالية، والحسن، وزيد بن أسلم، وقتادة.\nوزعم مقاتل بن حيان أن التجارة كانت لدحية بن خليفة قبل أن يسلم، وكان معها طبل، فانصرفوا إليها وتركوا رسول الله ﷺ قائمًا على المنبر إلا القليل منهم. وقد صَحَّ بذلك الخبر، فقال الإمام أحمد (^٢٦):\nحدثنا ابن إدريس، عن حُصَين، عن سالم بن أبي الجعد، عن جابر؛ قال: قَدمت عِير المدينةَ، ورسول الله ﷺ يخطب، فخرج الناس وبقي اثنا عشر رجلًا،\n_________\n(^٢٥) - أخرجه أحمد (١/ ٤٧) (٣٢٧)، والترمذي في كتاب الدعوات، باب: ما يقول إذا دخل السوق، حديث (٣٤٢٤، ٣٤٢٥) (٩/ ١٢٧ - ١٢٨). وابن ماجة في كتاب التجارات، باب: الأسواق ودخولها، حديث (٢٢٣٥) (٢/ ٧٥٢). والدارمي في كتاب الاستئذان، كتاب: ما يقول إذا دخل السوق، حديث (٢٦٩٥) (٢/ ٢٠٣ - ٢٠٤)، وعبد بن حميد (٢٨) كلهم من حديث عمر ﵁ قال الترمذي: هذا حديث غريب. وقد رواه عمرو بن دينار وهو قهرمان آل الزبير عن سالم عن عبد الله هذا الحديث نحوه.\nوعمرو بن دينار هذا هو شيخ بصري، تكلم فيه بعض أصحاب الحديث من غير هذا الوجه، ورواه يحيى بن سليم الطائفي عن عمران بن مسلم عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر عن النبي ﷺ ولم يذكر فيه عن عمر. ا هـ.\nوالحديث أخرجه الحاكم (١/ ٥٣٨) وصححه.\nقال المنذري في الترغيب والترهيب (٢/ ٥١٨): قال المحلي: ورواه الحاكم أيضًا من حديث عبد الله بن عمر مرفوعًا أيضًا، وقال: صحيح الإسناد كدا قال: وفي إسناده مرزوق بن المرزبان يأتي الكلام عليه. ا هـ. والحديث ضعفه أحمد شاكر في تعليقه على المسند.\n(^٢٦) - أخرجه أحمد (٣/ ٣١٣) (١٤٣٩٧).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.","vol":"13","page":564},{"text":"فنزلت ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيهَا﴾ أخرجاه في الصحيحين (^٢٧)، من حديث سالم به.\nوقال الحافظ أبو يعلى (^٢٨): حدثنا زكريا بن يحيى، حدثنا هُشَيم، عن حُصَين عن سالم بن أبي الجعد، وأبي سفيان عن جابر بن عبد الله؛ قال: بينا النبي ﷺ يخطب يوم الجمعة، فقدمت عِيرٌ إلى المدينة، فابتدرها أصحابُ رسول الله ﷺ حتى لم يبق مع رسول الله ﷺ إلا اثنا [¬١] عشر رجلًا، فقال رسول الله ﷺ: \"والذي نفسي بيده، لو تتابعتم حتى لم يبق منكم أحد، لسال بكم الوادي نارًا\". ونزلت هذه الآية: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾، وقال: كان [¬٢] في الاثني عشر الذين ثَبتوا مع رسول الله ﷺ: أبو بكر وعمر، ﵄.\nوفي قوله تعالى: ﴿وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾، دليل على أن الإمام يخطب يوم [¬٣] الجمعة قائمًا. وقد رَوَى مسلم (^٢٩) في صحيحه عن جابر بن سَمُرَةَ؛ قال: كانت للنبي ﷺ خطبتان يجلس بينهما، يقرأ القرآن ويذكر الناس.\nلكن هاهنا شيء [¬٤] ينبغي أن يُعلَم، وهو أن هذه القصة قد قيل: إنها كانت لما كان رسول الله ﷺ يقدّم الصلاة يوم الجمعة على الخطبة، كما رواه أبو داود (^٣٠) في كتاب المراسيل حدثنا محمود بن خالد، عن الوليد، أخبرني أبو معاذ بُكير بن معروف، أنه سمع مُقاتل بن حَيَّان؛ يقول: كان رسول الله ﷺ يصلي يوم الجمعة قبل الخطبة مثل العيدين، حتى إذا كان يومٌ والنبي ﷺ يخطب، وقد صلى الجمعة، فدخل رجل فقال: إن دحية بن خليفةَ قد قَدمَ بتجارة. يعني: فانفضوا [¬٥] ولم يبق [¬٦] معه إلا نفر يسير.\n_________\n(^٢٧) - والبخاري في كتاب البيوع، باب: قول الله ﷿: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيهَا﴾، حديث (٢٠٥٨) (٤/ ٢٩٦) وطرفه في [٤٨٩٩]. ومسلم في كتاب الجمعة، باب: في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيهَا﴾، حديث (٣٦/ ٨٦٣) (٦/ ٢١٥).\n(^٢٨) - وأبو يعلى (٣/ ٤٦٨ - ٤٦٩) (١٩٧٩).\n(^٢٩) - أخرجه مسلم في كتاب الجمعة، باب: ذكر الخطبتين قبل الصلاة، وما فيهما من الجلسة، حديث (٣٤/ ٨٦٢) (٦/ ٢١٣).\n(^٣٠) - أخرجه أبو داود في المراسيل (١٠٤ - ١٠٥) (٦٢).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"اثنى\".\n[¬٢]- سقط من: ز، خ.\n[¬٣]- سقط من: ز، خ.\n[¬٤]- سقط من. ز، خ.\n[¬٥]- في، ز، خ: \"فانقضوا\".\n[¬٦]- في ت: \"يبقى\".","vol":"13","page":565},{"text":"وقوله: ﴿قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ﴾، أي: الذي عند الله من الثواب في الدار الآخرة ﴿خَيرٌ مِنَ اللَّهْو وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيرُ الرَّازِقِينَ﴾، أي: لمن توكل عليه، وطلب الرزق في وقته.\n[آخر تفسير سورة الجمعة، ولله الحمد والمنة].\n\n* * *\nانتهى بحمد الله تعالى وحسن توفيقه المجلد الثالث عشر ويليه بعون الله تعالى المجلد الرابع عشر وأوله سورة المنافقون","vol":"13","page":566},{"text":"<span data-type='title' id=toc-184>تفسير سورة المنافقون وهي مدنية</span>\n﷽\nإِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (١) اتَّخَذُوا أَيمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ (٣) وَإِذَا رَأَيتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيحَةٍ عَلَيهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٤)﴾\nيقول تعالى مخبرًا عن المنافقين: إنهم إنما يتفوهون بالإسلام إذا جاءوا النبي ﷺ، فأما في باطن الأمر فليسوا كذلك، بل على الضد من ذلك؛ ولهذا قال تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾، أي: إذا حَضَروا عندك واجهوك بذلك، وأظهروا لك ذلك، وليسوا كما يقولون؛ ولهذا اعترض بجملة مخبرة أنه رسول الله، فقال: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ﴾.\nثم قال: ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾، أي: فيما أخبروا به، وإن كان مطابقًا للخارج، لأنهم لم يكونوا يعتقدون صحة ما يقولون ولا صدقه، ولهذا كذبهم بالنسبة إلى اعتقادهم.\nوقوله: ﴿اتَّخَذُوا أَيمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي: اتقوا الناس بالأيمان الكاذبة والحلْفَات [¬١] الآثمة، ليصدقوا فيما يقولون [فاغتر بهم من لا يعرف جلية أمرهم، فاعتقدوا أنهم مسلمون، فربما اقتدى بهم فيما يفعلون] [¬٢] وصدقهم فيما يقولون، وهم من شأنهم أنهم كانوا في الباطن لا يألون الإسلام وأهله خبالًا، فحصل بهذا القدر ضرر كبير على كثير من الناس؛ ولهذا قال تعالى: ﴿فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾؛ و[لهذا] [¬٣] كان الضحاك بن مُزاحم يقرؤها: ﴿اتَّخَذُوا أَيمَانَهُمْ جُنَّةً﴾، أي: تصديقهم الظاهر\n_________\n[¬١]- في خ: الحلفان.\n[¬٢]- سقط من ز، خ.\n[¬٣]- سقط من ز، خ.","vol":"14","page":5},{"text":"جُنَّة، أي: تقية يتقون به القتل. والجمهور يقرؤها: ﴿أَيمَانَهُمْ﴾ جمع يمين.\n﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ﴾، [أي: إنما قُدر عليهم النفاق لرجوعهم عن الإِيمان إلى الكفران، واستبدالهم الضلالة بالهدى ﴿فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ﴾] [¬١] أي: فلا يصل إلى قلوبهم هدى، ولا يخلص إليها خير، فلا تعي ولا تهتدي. ﴿وَإِذَا رَأَيتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾، أي: كانوا أشكالًا حسنة وذوي فصاحة وألسنة، إذا سمعهم السامع يصغي إلى قولهم لبلاغتهم، وهم مع ذلك في غاية الضعف والخَور والهلع والجزع والجبن، ولهذا قال: ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيحَةٍ عَلَيهِمْ﴾، أي: كلما وقع أمر [¬٢] أو كائنة أو خوف، يعتقدون لجبنهم أنه نازل بهم، كما قال تعالى: ﴿أَشِحَّةً عَلَيكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيرِ أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ فهم جهامات وصور بلا معاني. ولهذا قال: ﴿هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾، أي: كيف يُصرفون عن الهدى إلى الضلال.\nوقد قال الإمام أحمد (^١): حدثنا يزيد، حدثنا عبد الملك بن قدَامة الجُمَحي، عن إسحاق بن بكر بن أبي الفرات، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة، ﵁، عن النبي ﷺ؛ قال: \"إن للمنافقين علامات يعرفون بها: تحيتهم لحنة، وطعامهم نُهبَة، وغنيمتهم غلول، ولا يقربون المساجد إلَّا هجرًا، ولا يأتون الصلاة إلا دَبْرًا مستكبرين لا يألفون ولا يؤلفون خشب بالليل، صُخُب بالنهار\". وقال يزيد مَرة: \"سُخُبٌ بالنهار\".\n﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَرَأَيتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (٥) سَوَاءٌ عَلَيهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (٦) هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ\n_________\n(^١) المسند (٢/ ٢٩٣) (٧٩١٣). وقال الهيثمي في \"المجمع\" (١/ ١١٢): رواه أحمد والبزار وفيه عبد الملك بن قدامة الجمحي وثقه يحيى بن معين وغيره، وضعفه الدارقطني وغيره.\n_________\n[¬١]- سقط من ز، خ.\n[¬٢]- في ز: أمرًا.","vol":"14","page":6},{"text":"وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ (٧) يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ (٨)﴾\nيقول تعالى مخبرًا عن المنافقين -عليهم لعائن الله-: إنهم ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ﴾ أي: صدوا وأعرضوا عما قيل لهم، استكبارًا عن ذلك، واحتقارًا لما قيل لهم. ولهذا قال: ﴿وَرَأَيتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾. ثم جازاهم على ذلك فقال: ﴿سَوَاءٌ عَلَيهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾. كما قال في سورة \"براءة\" وقد تقدم الكلام على ذلك، وإيراد الأحاديث المروية هنالك.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا ابنُ أبي عُمر العَدَني؛ قال: قال سفيان: ﴿لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ﴾، قال ابن أبي عمر: حولَ سفيان وجهه على يمينه، ونظر بعينيه [¬١] شزْرًا، ثم قال: هُم هذا.\nوقد ذكر غير واحد من السلف؛ أن هذا السياق كله نزل في عبد الله بن أبيّ بن سلول، كما سنورده قريبًا إن شاء الله تعالى، وبه الثقة وعليه التكلان.\nوقد قال محمد بن إسحاق في السيرة (^٢): ولما قدم رسول الله ﷺ المدينة [¬٢]-يعني مَرجعَه من أحد- وكان عبد الله بن أبيّ بن سلول -كما حدثني بن شهاب الزهري- له مقام يَقُومه كل جُمعَة لا ينكر، شَرَفًا له من نفسه ومن قومه، وكان فيهم شريفًا، إذا جلس النبي ﷺ يوم الجمعة وهو يخطب الناس قام، فقال: أيها [¬٣] الناس، هذا رسول الله ﷺ بين أظهركم، أكرمكم الله به وأعزكم به، فانصروه وعَزروه، واسمعوا له وأطيعوا. ثم جلس، حتى إذا صَنَع يوم أحد ما صنع -يعني مرجعه بثلث الجيش- ورجع الناس، قام يفعل ذلك كما كان يفعله، فأخذ المسلمون بثيابه من نواحيه وقالوا: اجلس، أي عدو الله، لست لذلك بأهل، وقد صنعتَ ما صنعتَ. فخرج يتخطى رقاب الناس وهو يقول: والله لكأنما قلت بَجْرًا، أن [¬٤] قُمت أشدد أمره. فلقيه رجال من الأنصار بباب المسجد فقالوا: ويلك، ما لك؟ قال: [قمتُ أشدد] [¬٥] أمره، فوثب علي\n_________\n(^٢) - السيرة النبوية لابن هشام (٣/ ٦١٨ - ٦١٩).\n_________\n[¬١]- في ت: بعينه.\n[¬٢]- سقط من خ.\n[¬٣]- في ز: يا أيها.\n[¬٤]- في ز: الآن.\n[¬٥]- في ز، خ: قمنا نشد.","vol":"14","page":7},{"text":"رجال من أصحابه يجذبونني ويعنفونني، لكأنما قلت بَجْرًا، أن [¬١] قمت أشدد أمره. قالوا: ويلك، ارجع يستغفر لك رسول الله ﷺ. فقال: والله ما أبتغي أن يستغفر لي.\nوقال قتادة والسدي: أنزلت هذه الآية في عبد الله بن أُبيّ، وذلك أن غلامًا من قرابته انطلق إلى رسول الله ﷺ فحدثه بحديث عنه وأمر شديد، فدعاه رسول الله ﷺ، فإذا هو يحلف بالله ويتبرأ من ذلك، وأقبلت الأنصار على ذلك الغلام فلاموه وعَذَموه، وأنزل الله فيه ما تسمعون، وقيل لعدو الله: لو أتيت رسول الله ﷺ فجعل يلوي رأسه، أي: لست فاعلًا.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو الربيع الزهراني، حدثنا حماد بن زيد، حدثنا أيوب، عن سعيد بن جبير؛ أن رسول الله ﷺ كان إذا نزل منزلًا لم يرتحل حتى يصلي فيه، فلما كانت غزوة تبوك، بلغه أن عبد الله بن أبي بن سلول؛ قال: ﴿لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾. فارتحل قبل أن ينزل آخر النهار، وقيل لعبد الله بن أبيّ: إيت النبي ﷺ حتى يستغفر لك. فأنزل الله: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾ إلى قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ﴾.\nوهذا إسناد صحيح إلى سعيد بن جبير. وقوله: إن ذلك كان في غزوة تبوك - فيه نظر، بل ليس بجيد، فإنّ عبد الله بن أبيّ بن سلول لم يكن ممن خرج في غزوة تبوك، بل رجع بطائفة من الجيش، وإنما المشهور عند أصحاب المغازي والسير أن ذلك كان [¬٢] في غزوة المُرَيسيع، وهي غزوة بني المصطلق:\nقال يونس بن بكير عن ابن [¬٣] إسحاق (^٣): حدثني محمد بن يحيى بن حَبان، وعبد الله بن أبي بكر، وعاصم بن عُمَر بن قتادة، في قصة بني المصطلق، فبينا رسول الله ﷺ مقيم هناك، اقتتل على الماء جَهجاه بن سعيد الغفاري [¬٤] وكان أجيرَا لعمر بن الخطاب -وسنان بن وبر [¬٥]. قال ابن إسحاق: فحدثني محمد بن يحيى بن حَبان؛ قال: ازدحما على الماء فاقتتلا، فقال سنان: يا معشر الانصار. وقال الجهجاه: يا معشر المهاجرين -وزيد بن أرقم ونفر من الأنصار عند عبد الله بن أبيّ- فلما سمعها قال: قد\n_________\n(^٣) - السيرة النبوية (٣/ ٧٥٨ - ٧٦٠). وأخرجه البيهقي في الدلائل (٤/ ٥٢ - ٥٣) من طريق ابن إسحاق عن محمد بن يحيى.\n_________\n[¬١]- في خ: الآن.\n[¬٢]- سقط من ز.\n[¬٣]- في ز، خ: أبي.\n[¬٤]- في ز، خ: المعافري.\n[¬٥]- في ز، خ: يزيد.","vol":"14","page":8},{"text":"ثاوَرُونا في بلادنا، والله ما مثلنا وجلابيب قريش هذه إلا كما قال القائل: سَمّن كلبك يأكلك، والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل. ثم أقبل على من عنده من قومه وقال: هذا ما صنعتم بأنفسكم، أحللتموهم بلادكم، وقاسمتموهم أموالكم، أما والله لو كففتم عنهم لتحولوا عنكم من بلادكم إلى غيرها. فسمعها زيد بن أرقم، فذهب بها إلى رسول الله ﷺ وهو غُليمٌ و[¬١] عنده عمر بن الخطاب ﵁ -فأخبره الخبر، فقال عمر ﵁: يا رسول الله مُر عَباد بن بِشْر فليضرب عنقه. فقال ﷺ: \"فكيف إذا تحدث الناس يا عمر أن محمدًا يقتل أصحابه؟ لا، ولكن ناد يا عمر في الرحيل\".\nفلما بلغ عبدَ الله بن أبيّ أن ذلك قد بلغ رسولَ الله ﷺ، أتاه فاعتذر إليه، وحلف بالله ما قال ما قال عليه زيد بن أرقم -وكان عند قومه بمكان- فقالوا: يا رسول الله، عسى أن يكون هذا الغلام أوهم ولم يثبت ما قال الرجل.\nوراح رسول الله ﷺ مُهَجرًا في ساعة كان لا يروح فيها، فلقيه أسيد بن الحضير، فسلم عليه بتحية النبوة، ثم قال: والله لقد رحت في ساعة مُنكرَة ما كنت تروح فيها. فقال رسول الله ﷺ: \"أما بلغك ما قال صاحبك ابن أبيّ؟ زعم أنه إذا قدم المدينة أنه سيخرج الأعز منها الأذل\". قال: فأنت يا رسول الله العزيز وهو الذليل. ثم قال: يا [¬٢] رسول الله، ارفق به فوالله لقد جاء الله بك وإنا لننظم لي الحززَ لنُتَوجه، فإنه يرى أن [¬٣] قد [استلبتَه ملكا] [¬٤].\nفسار رسول الله ﷺ بالناس [¬٥] حتى أمسوا، وليلته حتى أصبحوا، وصَدر يومه حتى اشتد الضحى، ثم نزل بالناس ليشغلهم عما كان من الحديث، فلم يأمن الناس أن وجدوا مس الأرض فناموا، ونزلت سورة المنافقين.\nوقال الحافظ أبو بكر البيهقي (^٤): أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا أبو بكر بن إسحاق، أخبرنا بشر بن موسى، حدثنا الحُمَيدي، حدثنا سفيان، حدثنا عمرو بن دينار، سمعت جابر بن عبد الله؛ يقول: كنا مع رسول الله ﷺ [في غَزاة] [¬٦] فكسع رجل من المهاجرين رجلًا من الأنصار، فقال الأنصاري: يا للأنصار. وقال المهاجرى: يا للمهاجرين. فقال رسول الله ﷺ: \"ما بال دعوى الجاهلية؟ دعوها فإنها منتنة\". وقال\n_________\n(^٤) - دلائل النبوة (٤/ ٥٣ - ٥٤).\n_________\n[¬١]- في خ: وهو.\n[¬٢]- سقط من خ.\n[¬٣]- سقط من ز.\n[¬٤]- في خ: استلبسته.\n[¬٥]- سقط من خ.\n[¬٦]- في خ: فمر عروة.","vol":"14","page":9},{"text":"عبد الله بن أبيّ ابن سلول: وقد فعلوها، والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل. قال جابر: وكان الأنصار بالمدينة أكثرَ من المهاجرين حين قدم رسول الله ﷺ ثم كثر المهاجرون بعد ذلك، فقال عمر: دعني أضرب عنق هذا المنافق. فقال النبي ﷺ \"دعه؛ لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه\".\nورواه الإمام أحمد (^٥)، عن حسين بن محمد المروزي عن سفيان بن عيينة. ورواه البخاري، عن الحميدي، ومسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة، وغيره عن سفيان، به نحوه.\nوقال الإمام أحمد (^٦): حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن الحكم، عن محمد بن كعب القُرَظَي، عن زيد بن أرقم؛ قال: كنت مع رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، فقال عبد الله بن أبيّ: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل. قال: فأتيت النبي ﷺ فأخبرته، قال: فحلف عبد الله بن أبيّ أنه لم يكن شيء من ذلك. قال: فلامني قومي وقالوا: ما أردتَ إلى هذا؟ قال: فانطلقت فنمتُ كئيبًا حزينا، قال: فأرسل إلي نبي الله ﷺ؛ فقال: \"إنَّ الله قد أنزل عُذرك وصَدقك\". قال: فنزلت هذه الآية: ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا﴾ حتى بلغ: ﴿لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾.\nورواه البخاري عند هذه الآية، عن آدم بن أبي إياس، عن شعبة، ثم قال: وقال ابن أبي زائدة، عن الأعمش، عن عمرو، عن ابن أبي ليلى، عن زيد، عن النبي ﷺ.\n[ورواه الترمذي والنسائي عندها أيضًا من حديث شعبة به] [¬١].\n(طريق أخرى) عن زيد، قال الإمام أحمد (^٧) ﵀: حدثنا يحيى بن آدم، ويحيى بن أبي بُكَير [¬٢]، قالا: حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق؛ قال: سمعت زيد بن أرقم، وقال [ابن أبي بكير [¬٣]] [¬٤] عن زيد بن أرقم؛ قال: خرجت مع عمي في غزاة، فسمعت عبد الله\n_________\n(^٥) - المسند (٣/ ٣٩٢ - ٣٩٣) (١٥٢٦٥). والبخاري في كتاب التفسير، باب (٧)، حديث (٤٩٠٧) (٨/ ٦٥٢). ومسلم في كتاب البر والصلة والآداب، باب: نصر الأخ ظالمًا أو مظلومًا، حديث (٦٢ - ٦٤/ ٢٥٨٤) (١٦/ ٢٠٧ - ٢٠٩).\n(^٦) - أخرجه أحمد (٤/ ٣٦٨ - ٣٦٩) (١٩٣٤٠). والبخاري في التفسير، باب: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا …﴾، حديث (٤٩٠١) (٨/ ٦٤٦).\n(^٧) - المسند (٤/ ٣٧٣) (١٩٣٨٨).\n_________\n[¬١]- سقط من ت.\n[¬٢]- في ز، خ: بكر.\n[¬٣]- في خ: بكر.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين في ز: أبو بكر.","vol":"14","page":10},{"text":"ابن أبيّ [ابن سلول] [¬١] يقول لأصحابه: لا تنفقوا على من عند رسول الله، ولئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل. فذكرت ذلك لعمي، فذكره عمي لرسول الله ﷺ، فأرسل إلى رسول الله ﷺ، فحدثته، فأرسل إلى عبد الله بن أبيّ بن سلول وأصحابه [¬٢] فحلفوا ما قالوا، فكَذّبني رسول الله ﷺ وصَدّقه، فأصابني هَمّ لم يصبني مثله قط، وجلست في البيت، فقال عمي: ما أردت إلا أن كذبك [¬٣] رسول الله ﷺ ومقتك. قال: حتى أنزل الله: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾، قال: فبعث إلى رسول الله ﷺ فقرأها رسول الله عليَّ [¬٤]، ثم قال: \"إن الله قد صدقك\".\nثم قال أحمد (^٨) أيصًا: حدثنا حسن بن موسى، حدثنا زهير، حدثنا أبو إسحاق؛ أنه سمع زيد بن أرقم؛ يقول: خرجنا مع رسول الله ﷺ في سفر، فأصاب الناس شدة، فقال عبد الله بن أبيّ لأصحابه [¬٥]: لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا من حوله، وقال: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل. فأتيت النبي ﷺ فأخبرته بذلك، فأرسل إلى عبد الله بن أبيّ فسأله، فاجتهد يمينَه ما فعل، فقالوا كذب زيد يا رسول الله. فوقع في نفسي مما قالوا، حتى أنزل الله تصديقي: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾. قال: ودعاهم رسول الله ﷺ ليستغفر لهم، فلووا رءوسهم. وقوله تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾، قال: كانوا رجالًا أجمل شيء.\nوقد رواه البخاري ومسلم والنسائي، من حديث زهير.\nورواه البخاري (^٩) أيصًا والترمذي من حديث إسرائيل، كلاهما عن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي الهَمداني الكوفي، عن زيد به.\n(طريق أخرى) عن زيد، قال أبو عيسى الترمذي (^١٠): حدثنا عبد بن حُميد، حدثنا عبيد\n_________\n(^٨) - المسند (٤/ ٣٧٣) (١٩٣٨٩). وأخرجه البخاري في كتاب التفسير، باب: ﴿وَإِذَا رَأَيتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ …﴾، حديث (٤٩٠٣) (٨/ ٦٤٧). ومسلم في كتاب صفات المنافقين وأحكامهم، حديث (١/ ٢٧٧٢) (١٧/ ١٧٦ - ١٧٧) والنسائي في الكبرى كتاب: التفسير، باب: ﴿لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾، حديث (١١٥٩٨) (٦/ ٤٩٢).\n(^٩) - وأخرجه البخاري في كتاب التفسير، باب: اتخذوا أيمانهم جنة يجتنون بها، حديث (٤٩٠١). والترمذي في ك \"التفسير\"، باب: \"ومن سورة المناففين\"، حديث (٣٣٠٩) (٩/ ٥٠). قال الترمذي: حسن صحيح.\n(^١٠) - أخرجه الترمذي في الموضع السابق (٣٣١٠) (٩/ ٥٠ - ٥٢).\n_________\n[¬١]- سقط من ز.\n[¬٢]- سقط من ز، خ.\n[¬٣]- في ز، خ: يكذبك.\n[¬٤]- سقط من ز.\n[¬٥]- سقط من ز.","vol":"14","page":11},{"text":"الله بن موسى، عن إسرائيل، عن السدي، عن أبي سعد [¬١] الأزدي؛ قال: حدثنا زيد بن أرقم؛ قال: غزونا مع رسول الله ﷺ، وكان معنا أناس من الأعراب، فكنا نَبتَدرُ الماء، وكان الأعراب يسبقوننا، يسبق الأعرابي أصحابه يملأ الحوض، ويجعل حوله حجارة، ويجعل النّطع عليه [¬٢] حتى يجيء أصحابه. قال [¬٣]: فأتى رجل من الأنصار الأعرابي، فأرخى زمام ناقته لتشرب، فأبى أن يدعه، فانتزع حجرًا ففاض الماء، فرفع الأعرابي خشبة، فضرب بها رأس الأنصاري فشجّه، فأتى عبد الله بن أبيّ رأسَ المنافقين، فأخبره وكان من أصحابه، فغضب عبد الله بن أبيّ، ثم قال: لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا من حوله -يعني الأعراب- وكانوا يحضرون رسول الله ﷺ عند الطعام. فقال عبد الله لأصحابه: إذا انفضوا من عند محمد فائتوا محمدًا بالطعام، فليأكل هو ومن عنده، ثم قال لأصحابه: إذا رجعتم إلى المدينة فليخرج الأعز منها الأذل. قال زيد: وأنا ردف عمي فسمعتُ عبد الله فأخبرت عَمّي، فانطلق فأخبر رسول الله ﷺ، فأرسل إليه رسول الله، فحلف وجَحَد، قال [¬٤]: فصدقه رسول الله ﷺ وكذبني، فجاء إليّ عمي؛ فقال: ما أردت إلا [¬٥] أن مقتك رسول الله ﷺ وكذبَك والمسلمون. فوقع عليَّ من الغم ما لم يقع على أحد قط، فبينما أنا أسير مع رسول الله ﷺ في سفر وقد خَفَقْتُ برأسي من الهم، إذ أتاني رسول الله ﷺ فَعَرَك أذني، وضحك في وجهي، فما كان يسرني أن لي بها الخلد في الدنيا [¬٦]، ثم إن أبا بكر لحقني وقال: ما قال لك رسول الله ﷺ؟ قلت: ما قال لي رسول الله ﷺ شيئًا غير أنْ عرك أذني، وضحك في وجهي. فقال: \"أبشر\". ثم لحقني عمر فقلت له مثل قولي لأبي بكر. فلما أن أصبحنا قرأ رسول الله ﷺ سورة المنافقين.\nانفرد بإخراجه الترمذي، وقال: هذا حديث حسن صحيح، وهكذا رواه الحافظ البيهقي (^١١) عن الحاكم، عن [أبي العباس محمد بن أحمد المحبوبي، عن سعيد بن مسعود، عن] [¬٧] عبيد الله بن موسى به. وزاد بعد قوله \"سورة المنافقين\" ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ حتى بلغ: ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا﴾ حتى بلغ: ﴿لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾.\n_________\n(^١١) - الدلائل (٤/ ٥٤ - ٥٥).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: سعيد.\n[¬٢]- سقط من خ.\n[¬٣]- سقط من ز، خ.\n[¬٤]- سقط من ز.\n[¬٥]- سقط من ز.\n[¬٦]- سقط من ز، خ.\n[¬٧]- ما بين المعكوفين بياض في خ، وسقط من ز.","vol":"14","page":12},{"text":"وقد روى عبد الله بن لهيعة (^١٢)، عن أبي الأسود، عن عُروَةَ بن الزبير في المغازي، وكذا ذكر موسى بن عقبة في مغازيه أيضًا هذه القصة بهذا السياق، ولكن جعلا الذي بَلْغ رسول الله ﷺ كلام عبد الله بن أبيّ بن سلول إنما هو أوس بن أرقم [¬١] من بني الحارث بن الخزرج، فلعله مبلغ آخر، أو تصحيف من جهة السمع، والله أعلم.\nوقد قال ابن أبي حاتم ﵀: حدثنا محمد بن عزيز الأيلي، حدثني سلامة، حدثني عقيل، أخبرني محمد بن مسلم؛ أن عروة بن الزبير وعمرو بن ثابت الأنصاري [¬٢] أخبراه؛ أن رسول الله ﷺ غزا غزوة المريسيع، وهي التي هدم رسول الله ﷺ فيها مناة الطاغية التي كانت بين قفا المُشلّل ودين البحر، فبعث رسول الله ﷺ خالد بن الوليد فكسر مناة، فاقتتل رجلان في غزوة رسول الله ﷺ تلك، أحدهما من المهاجرين، والآخر من بَهْز، وهم حلفاء الأنصار، فاستعلى الرجل الذي من المهاجرين على البهزي، فقال البهزي: يا معشر الأنصار، فنصره رجال من الأنصار، وقال المهاجري: يا معشر المهاجرين، فنصره رجال من المهاجرين، حتى كان بين أولئك الرجال من المهاجرين والرجال من الأنصار شيء من القتال، ثم حُجز بينهم فانكفأ كل منافق -أو رجل في قلبه مرض- إلي عبد الله بن أبيّ بن سلول، فقال: قد كنت تُرْجَى وتدفع، فأصبَحت لا تضر ولا تنفع، قد تناصرت علينا الجلابيب -وكانوا يَدعُون كُل حديث هجرة [¬٣]: الجلابيب- فقال عبد الله بن أبيّ عدو الله: لئن رجعنا إلي المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل. قال مالك بن الدخْشُم [¬٤]- وكان من المنافقين: أو لم أقل لكم لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا. فسمع بذلك عُمر بن الخطاب، فأقبل يمشي حتى جاء رسول الله ﷺ؛ فقال: يا رسول الله، ائذن لي في هذا الرجل الذي قد أفتن الناس أضربُ عنقه -يريد عمرُ عبد الله بن أبيّ- فقال رسول الله ﷺ لعمر: \"أو قاتله أنتَ إن أمرتُك بقتله؟ \" قال عمر: نعم [¬٥] والله لئن أمرتني بقتله لأضربَنَّ [¬٦] عنقه. فقال رسول الله ﷺ\"اجلس\". فأقبل أسَيدُ بن الحُضَير -وهو أحد الأنصار، ثم أحد بني عبد الأشهل- حتى أتى رسول الله ﷺ؛ فقال: يا رسول الله، ائذن لي في هذا الرجل الذي قد أفتنَ الناس أضربُ عنقه. فقال رسول الله ﷺ: \"أو قاتله أنتَ إن أمرتك بقتله؟ \"، قال: نعم، والله لئن أمرتني بقتله لأضربن [¬٧]\n_________\n(^١٢) - أخرجه البيهقي (٤/ ٥٦).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: أقرم.\n[¬٢]- سقط من خ.\n[¬٣]- في ز، خ: أهجرة.\n[¬٤]- في ز، خ: الدخشن.\n[¬٥]- سقط من ت.\n[¬٦]- في ز: لأضرب.\n[¬٧]- في ز، خ: لأضرب.","vol":"14","page":13},{"text":"بالسيف تحت قُرط أذنيه. فقال رسول الله ﷺ: \"اجلس\". ثم قال رسول الله ﷺ: \"آذنوا بالرحيل\". فهجَّرَ بالناس، فسار يومه وليلته والغد حتى مَتَعَ النهار ثم نزل. ثم هَجَّر بالناس مثلها، فَصبَّح بالمدينة في ثلاث سارها من قفا المشُلّل، فلما قدم رسول الله ﷺ المدينة أرسل إلى عمر فدعاه، فقال له رسول الله: \"أي عمر؛ أكنت قاتلَه لو أمرتك بقتله؟ \" قال عمر: نعم. فقال رسول الله ﷺ: \"والله لو قتلته يومئذ لأرغمت أنوف رجال لو أمرتهم اليومَ بقتله امتثلوه فيتحدث الناسُ أني قد [¬١] وقعت على أصحابي فأقتلهم صبرًا\". وأنزل الله-﷿: ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا﴾ … إلي قوله: ﴿لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ …﴾ الآية.\nوهذا سياق غريب وفيه أشياء نفيسة لا توجد إلا فيه.\nوقال محمد بن إسحاق بن يَسار (^١٣): حدثني عاصم بن عُمر بن قتادة؛ أن عبدَ الله بن عبد الله بن أبيّ -يعني لما بلغه ما كان من أمر أبيه- أتى رسول الله ﷺ؛ فقال: يا رسول الله؛ إنه بلغني أنك تردد قتل عبد الله بن أبَيّ فيما بلغك عنه، فإن كنت فاعلًا فمرني به، فأنا أحمل إليك رأسه، فوالله لقد علمَتِ الخزرج ما كان لها من رجل أبرّ بوالده مني، إني أخشى أن تأمر به غيري فيقتله، فلا تدعني نفسي أنظر إلى قاتل عبد الله بن أبيّ يمشي في الناس، فأقتله فأقتل مؤمنًا بكافر فأدخل النار. فقال رسول الله ﷺ: \"بل نترفق به ونحسن صحبته، ما بقى معنا\".\nوذكر عكرمةُ وابن زيد وغيرهما؛ أن الناس لما قفلوا راجعين إلي المدينة، وقف عبدُ الله بن عبد الله هذا علي باب المدينة، واستل سيفه، فجعل الناس يمرون عليه، فلما جاء أبوه عبد الله بن أبيّ قال له ابنه: وراءك. فقال: ما لك؟ ويلك. فقال: والله لا تجوز من هاهنا حتى يأذن لك رسول الله ﷺ، فإنه العزيز وأنت الذليل. فلما جاء رسول الله ﷺ وكان إنما يسير ساقة، فشكا إليه عبدُ الله بن أبيّ ابنَه، فقال ابنُه عبد الله: والله يا رسول الله؛ لا يدخلها حتى تأذن له. فأذن له رسول الله ﷺ؛ فقال: أما إذ أذن لك رسول الله ﷺ فَجُز الآن.\nوقال أبو بكر عبد الله بن الزبير الحُمَيدي (^١٤) في مسنده: حدثنا سفيان بن عُيَينة، حدثنا أبو هارون المدني [¬٢]؛ قال: قال عبد الله بي عبد الله بن أبيّ بن سلول لأبيه: والله لا تدخل المدينة أبدًا حتى تقول: رسولُ الله ﷺ الأعزُ وأنا الأذل، قال: وجاء النَّبي\n_________\n(^١٣) - السيرة النبوية لابن هشام (٣/ ٧٦٠).\n(^١٤) - أخرجه الحميدي (٢/ ٥٢٠ - ٥٢١) (١٢٤٠).\n_________\n[¬١]- سقط من ز.\n[¬٢]- في ز: المديني.","vol":"14","page":14},{"text":"ﷺ، فقال: يا رسول الله، إنه بلغني أنك تريد أن تقتل أبي، فوالذي بعثك بالحق ما تأملت وجهه قط هيبة له، ولئن شئت أن آتيك برأسه لآتينك [¬١]، فإني أكره أن أرى قاتل أبي.\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٩) وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠) وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١١)﴾\nيقول تعالى آمرًا لعباده المؤمنين بكثرة ذكره، وناهيًا لهم عن أن تشغلهم الأموال والأولاد عن ذلك، ومخبرًا لهم بأنه مَنِ الْتَهَى بمتاع الحياة الدنيا وزينتها عما خُلِقَ له [¬٢] من طاعة ربه وذكره، فإنه من الخاسرين الذين يخسرون أنفسهم وأهليهم يوم القيامة، ثم حثهم على الإِنفاق في طاعته فقال: ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ فكل مُفَرّط يندم عند الاحتضار، ويسأل طول المدة ولو شيئًا يسيرًا، ليستعتب ويستدرك ما فاته، وهيهات! كان ما كان، وأتى ما هو آت، وكل بحسب تفريطه، أما الكفار فكما قال تعالى: ﴿وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ﴾ وقال تعالى] [¬٣]: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَال رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾.\nثم قال تعالى: ﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾، أي لا ينظر أحدًا بعد حلول أجله، وهو أعلم وأخبر بمن يكون صادقًا في قوله وسؤاله ممن لو رُد لعاد إلى شر مما كان عليه؛ ولهذا قال: ﴿وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾.\nوقال أبو عيسى الترمذي (^١٥): حدثنا عبد بن حميد، حدثنا جعفر بين عون، حدثنا\n_________\n(^١٥) - سنن الترمذي، كتاب \"التفسير، باب: ومن سورة المنافقين، حديث (٣٣١٣) (٩/ ٥٣ - ٥٤).=\n_________\n[¬١]- في خ: لأتيتك.\n[¬٢]- سقط من ز.\n[¬٣]- سقط من ز، خ.","vol":"14","page":15},{"text":"أبو جَنَاب الكلبي، عن الضحاك بن مُزَاحم، عن ابن عباس؛ قال: من كان له مال يبلغه حجّ بيت ربه، أو تجب فيه عليه زكاة، فلم يفعل، سأل الرجعة عند الموت. فقال رجل: يا بن عباس، اتق الله، فإنما يسأل الرجعة الكفار. فقال: سأتلو عليك بذلك قرآنا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٩) [وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ﴾] [¬١] إلي قوله: ﴿وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾، قال: فما يوجب الزكاة؟ قال: إذا بلغ المال مائتين فصاعدًا. قال: فما يوجب الحج؟ قال: الزاد والبعير ثم قال: حدثنا عبد بن حُمَيد، حدثنا عبد الرزاق، عن الثوري، عن يحيى بن أبي حَية -وهو أبو جناب الكلبي- عن الضحاك، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ بنحوه.\nثم قال: وقد رواه سفيان بن عيينة وغيره، عن أبي [جَنَاب، عن ابن] [¬٢] الضحاك، عن ابن عباس، من قوله. وهو أصح وضعف أبا جناب الكلبي.\nقلت: ورواية الضحاك عن ابن عباس فيها انقطاع، والله أعلم.\nوقال ابن أبي حاتم (١٦): حدثنا أبي، حدثنا ابن نُفيل، حدثنا سليمان بن عَطاء، عن مسلمة الجهني، عن عمه -يعني أبا مشجعة بن ربعي- عن أبي الدرداء ﵁ قال: ذكرنا عند رسول الله ﷺ الزيادة في العمر [فقال: \"إن الله لا يؤخر نفسًا إذا جاء أجلها، وإنما الزيادة في العمر] [¬٣] أن يرزق الله العبد ذرية صالحة يدعون له، فيلحقه دعاؤهم في قبره\".\n[آخر تفسير سورة \"المنافقون [¬٤] \"، ولله الحمد والمنة وبه التوفيق والعصمة].\n* * *\n_________\n= قال الترمذي، وأبو جناب القصاب اسمه يحيى بن أبي حية وليس هو بالقوي في الحديث. وأخرجه العقيلي (٢/ ١٣٤)، وابن عدي (٣/ ١١٣٣). كلاهما من طريق سليمان بن عطاء بهذا الإسناد قال العقيلي: لا يتابع عليه بهذا اللفظ، وقد روى بمتن هذا الإسناد بلفظ \"الولد الصالح يتركه الرجل فيدعوا له فيلحقه دعاؤه\" من طريق صالح الإسناد، والكلام الأول في الحديث ليس بمحفوظ. قال ابن عدي: قال البخاري: سليمان بن عطاء في حديثه بعض المناكير. والحديث عزاه ابن حجر في الفتح للطبراني الصغير (١٠/ ٤١٦) وضعفه.\n_________\n[¬١]- سقط من ز.\n[¬٢]- في ز: الحباب عن.\n[¬٣]- سقط من ز، خ.\n[¬٤]- في ز: المنافقين.","vol":"14","page":16},{"text":"<span data-type='title' id=toc-185>تفسير سورة التغابن وهي مدنية</span>\nقال الطبراني (^١): حدثنا محمد بن هارون بن محمد بن بكار الدمشقي، حدثنا العباس بن الوليد الخلال، حدثنا الوليد بن الوليد، حدثنا ابن [¬١] ثوبان، عن عطاء بن أبي رباح، عن عبد الله بن عَمرو ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"ما من مولود يولد إلا مكتوب في تشبيك رأسه خمس آيات من سورة التغابن\". أورده ابن عساكر في ترجمة الوليد بن صالح، وهو غريب جدًّا، بل منكر.\n﷽\n﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ (١) هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢) خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيهِ الْمَصِيرُ (٣) يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٤)﴾\nهذه السورة هي آخر المسبحات، وقد تقدم الكلام على تسبيح المخلوقات لبادئها ومالكها، ولهذا قال: ﴿لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ﴾، أي: هو المتصرف في جميع الكائنات، المحمود علي جميع ما يخلقه ويقدره. [وقوله: ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ﴾ أي: مهما أراد كان بلا ممانع ولا مدافع وما لم يشأ لم يكن] [¬٢]. وقوله: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾، أي: هو الخالق لكم على هذه الصفة، وأراد منكم ذلك، فلا بد من وجود مؤمن وكافر، وهو البصير بمن يستحق الهداية ممن يستحق الإِضلال، وهو شهيد علي أعمال عباده، وسيجزيهم بها أتم الجزاء. ولهذا قال: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾.\n_________\n(^١) الوليد بن الوليد: قال ابن حبان: يروي عن ابن ثوبان العجائب. قال: وقد روى عن ابن ثوبان، عن عمرو بن دينار نسخة أكثرها مقلوبة، يطول الكتاب بذكرها، لا يجوز الاحتجاج به فيما يروي. وقال الدارقطني: متروك. والحديث أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق من طريق الطبراني لهذا الإسناد (١٧/ ٨٣١ - مخطوط). وأخرجه ابن حبان في الضعفاء (٣/ ٨١)، وعنده\" … خمس آيات من فاتحة سورة التغابن\". وعزاه السيوطي في الدر (٦/ ٣٤٢) لابن مردويه. =\n_________\n[¬١]- في ز، خ: أبو.\n[¬٢]- سقط من ز، خ.","vol":"14","page":17},{"text":"ثم قال: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾ أي: بالعدل والحكمة، ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾، أي: أحسن أشكالكم، كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (٦) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (٧) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ وكقوله: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا [¬١] وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ الآية وقوله: ﴿وَإِلَيهِ الْمَصِيرُ﴾ أي: المرجع والمآب.\nثم أخبر تعالى عن علمه بجميع الكائنات السمائية والأرضية والنفسية، فقال: ﴿يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَ[¬٢] الْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾.\n﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ فَذَاقُوا وَبَال أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٥) ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (٦)﴾\nيقول تعالى مخبرًا عن الأمم الماضين، وما حل بهم من العذاب والنكال؛ في [¬٣] مخالفة الرسل والتكذيب بالحق، فقال: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ﴾، أي: خبرهم وما كان من أمرهم، ﴿فَذَاقُوا وَبَال أَمْرِهِمْ﴾، أي: وخيم تكذيبهم ورديء أفعالهم، وهو ما حل بهم في الدنيا من العقوبة والخزي، ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، أي: في الدار الآخرة مضاف إلى هذا [¬٤] الدنيوي. ثم علل ذلك فقال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾، أي: بالحجج والدلائل والبراهن، ﴿فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا﴾، أي: استبعدوا أن تكون الرسالة في البشر، وأن يكون هداهم على يدي بشر مثلهم، ﴿فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا﴾، أي: كذبوا بالحق ونكلوا عن العمل، ﴿وَاسْتَغْنَى اللَّهُ﴾، أي: عنهم، ﴿وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾.\n﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ\n_________\n= وقد أخرج الحديث الطبراني في الأوسط (٢/ ٢١٢) (١٧٦٣) من طريق الوليد بن الوليد بهذا الإسناد لكن الذي فيه: \"خمس آيات من فاتحة الكتاب\". وبهذا اللفظ الأخير ذكره الهيثمي في المجمع (٦/ ٣١٤)، وقال: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه الوليد بن الوليد، وثقه أبو حاتم وابن حبان وتركه جماعة، وبقية رجاله ثقات.\n_________\n[¬١]- في ز: فراشًا.\n[¬٢]- في ز: وما في.\n[¬٣]- في ز: و.\n[¬٤]- سقط من ز.","vol":"14","page":18},{"text":"يَسِيرٌ (٧) فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٨) يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٩) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ خَالِدِينَ فِيهَا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٠)﴾\nيقول تعالى مخبرًا عن المشركين والكفار والملحدين: إنهم يزعمون أنهم لا يبعثون، ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ﴾، أي لتُخْبَرُنّ [¬١] بجميع أعمالكم، جليلها وحقيرها، صغيرها وكبيرها، ﴿وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾، أي: بعثكم ومجازاتكم.\nوهذه هي الآية الثالثة التي أمر الله رسوله ﷺ أن يقسم بربه ﷿ على وقوع المعاد ووجوده، فالأولى في سورة يونس: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ والثانية في سورة سبأ: ﴿وَقَال الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ الآية، والثالثة هي هذه.\nثم قال تعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا﴾، يعني: القرآن، ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾، أي: فلا تخفى عليه من أعمالكم خافية.\nوقوله: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ﴾، وهو يوم القيامة، سمي بذلك لأنه يُجمع فيه الأولون والآخرون في صعيد واحد، يسمعهم الداعي ويَنفُذُهم البصر، كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ (٤٩) لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾.\nوقوله: ﴿ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ﴾ قال ابن عباس: هو اسم من أسماء يوم القيامة، وذلك أن أهل الجنة يغبنون أهل النار، وكذا قال قتادة ومجاهد.\nوقال مقاتل بن حيان: لا غبن أعظمُ من أن يدخل هؤلاء إلى الجنة، ويُذْهَب بأولئك إلى النار.\nقلت: وقد فسر ذلك بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٩) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ خَالِدِينَ فِيهَا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾. وقد تقدم تفسير مثل\n_________\n[¬١]- في ر: لتجزن.","vol":"14","page":19},{"text":"هذه [¬١] غير مرة.\n﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إلا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمٌ (١١) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّيتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (١٢) اللَّهُ لَا إِلَهَ إلا هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٣)﴾\nيقول تعالى مخبرًا بما أخبر به في سورة الحديد: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إلا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾، وهكذا قال ها هنا: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إلا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾، قال ابن عباس: بأمر الله. يعني عن قدره ومشيئته.\n﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمٌ﴾، أي: ومن أصابته مصيبة فعلم أنها بقضاء الله وقدره، فصبر واحتسب، واستسلم لقضاء الله، هدى الله قلبه، وعَوّضه عما فاته من الدنيا هُدى في قلبه، ويقينًا صادقًا، وقد حلف عليه ما كان أخذ [منه، أو] [¬٢] خيرًا منه.\nقال عليّ بن أبي طلحة: عن ابن عباس: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾، يعني: يهد قلبه لليقين، فيعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه.\nوقال الأعمش: عن أبي ظبيان؛ قال: كنا عند علقمة فقُرئ عنده هذه الآية: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾، فسُئل عن ذلك فقال: هو الرجل تصيبه المصيبة، فيعلم أنها من عند الله، فيرضى ويسلم. رواه ابن جرير وابن أبي حاتم.\nوقال سعيد بن جير، ومقاتل بن حيان: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾، يعني: يسترجع، يقول: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيهِ رَاجِعُونَ﴾.\nوفي الحديث المتفق عليه (^٢): \" عجبًا للمؤمن! لا يقضي الله له قضاء إلا كان خيرًا له، إن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له، وإن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن\".\nوقال أحمد (^٣): حدثنا حسن، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا الحارث بن رزيد، عن عليّ بن\n_________\n(^٢) - تقدم تخريجه في سورة يونس آية: (١٢)، وسررة إبراهيم آية (٥). ولم أجد الحديث في البخاري، وقد تقدم هناك عند مسلم وغيره.\n(^٣) - المسند (٥/ ٣١٨ - ٣١٩) (٢٢٨٢٠)، وقال الهيثمي (١/ ٦٤): رواه أحمد وفي إسناده ابن لهيعة.\n_________\n[¬١]- في ز: هذا\n[¬٢]- سقط من ز.","vol":"14","page":20},{"text":"رَبَاح: أنه سمع جنادة بن أبي أمية يقول: سمعت عبادة بن الصامت يقول: إن رجلًا أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله؛ أي العمل أفضل؟ قال: \"إيمان [¬١] بالله، وتصديق به، وجهاد في سبيله\". قال: أريد أهونَ من هذا يا رسول الله. قال: [\"السماحة والصبر\". قال: أريد أهون من ذلك يا رسول الله] [¬٢]. قال: \"لا تتهم الله في شيء قضا لك به\". لم يخرجوه.\nوقوله: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾: أمرٌ بطاعة الله ورسوله فيما شرع، وفعل ما به [¬٣] أمر وترك ما عنه [نهى و] [¬٤] زجر، ثم قال: ﴿فَإِنْ تَوَلَّيتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ أي: إن نكلتم عن العمل فإنما عليه ما حُمِّل من البلاغ، وعليكم ما حُمّلتم من السمع والطاعة.\nقال الزهري: من الله الرسالة، وعلى الرسول البلاغ، وعلينا التسليم.\nثم قال تعالى مخبرًا أنه الأحد الصمد، الذي لا إله غيره، فقال: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إلا هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾، فالأول خَبرٌ عن التوحيد، ومعناه معنى [¬٥] الطب، أي: وحدوا الإلهية له، وأخلصوها لديه، وتوكلوا عليه، كما قال تعالى: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إلا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا (٩)﴾.\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤) إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٥) فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيرًا لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٦) إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ (١٧) عَالِمُ الْغَيبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨)﴾\nيقول تعالى مخبرًا عن الأزواج والأولاد: إن منهم من هو عدو الزوج والوالد، بمعنى أنه [¬٦]\n_________\n[¬١]- في ز: الإيمان.\n[¬٢]- سقط من ز، خ.\n[¬٣]- سقط من ز، خ.\n[¬٤]- سقط من ز.\n[¬٥]- في ز: مضي.\n[¬٦]- في ز: أن.","vol":"14","page":21},{"text":"يلتهي به عن العمل الصالح، كقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ ولهذا قال هاهنا: ﴿فَاحْذَرُوهُمْ﴾. قال ابن زيد: يعني على دينكم.\nوقال مجاهد: ﴿إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ﴾، قال: يحملُ [¬١] الرجل على قطيعة الرحم أو معصية ربه، فلا يستطيع الرجل مع حبه إلا أن يطيعه.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا محمد بن خلف العسقلاني [¬٢] حدثنا الفريابي، حدثنا إسرائيل، حدثنا سماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عباس -وسأله رجل عن هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾ - قال: فهؤلاء رجال أسلموا من مكة، فأرادوا أن يأتوا رسول الله ﷺ فأبى أزواجهم وأولادهم أن يَدَعوهم، فلما أتوا رسول الله ﷺ رأوا الناس قد فقهوا في الدين، فَهَموا أن يعاقبوهم، فأنزل الله هذه الآية: ﴿وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.\nوكذا رواه الترمذي (^٤) عن محمد بن يحيى عن الفريابي -وهو محمد بن يوسف- به، وقال: \"حسن صحيح\" ورواه إلى جرير والطبراني، من حديث إسرائيل، به، ورُوي من طريق العوفي، عن ابن عباس، نحوه، وهكذا قال عكرمة مولاه سواء.\nوقوله: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾، يقول تعالى: إنما الأموال والأولاد فتنة، أي اختبار وابتلاء من الله لخلقه. ليعلم من يطيعه ممن يعصيه.\nوقوله: ﴿وَاللَّهُ عِنْدَهُ﴾، أي: يوم القيامة ﴿أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾، كما قال: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ﴾ … الآية.\nوقال الإِمام أحمد (^٥): حدثنا زيد بن الحباب، حدثني حُسين بن واقد، حدثني عبد الله بن بُرَيدة، سمعت أبي -بريدة يقول: كان رسول الله ﷺ يخطب، فجاء الحسن والحسين ﵄ عليهما قميصان أحمران يمشيان ويعثران، فنزل رسول الله ﷺ من المنبر فحملهما فوضعهما بين يديه، ثم قال: \"صدق الله ورسوله: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾، نظرت إلى هذين الصبيين يمشيان ويعثران، فلم أصبر حتى قطعت حديثي ورفعتهما\".\n_________\n(^٤) - أخرجه الترمذي في كتاب \"تفسير القرآن\"، باب: \"ومن سورة التغابن\"، حديث (٣٣١٤) (٩/ ٥٥). والطبري (٢٨/ ١٢٤). والطبراني (١١/ ٢٧٥ - ٢٧٦) (١١٧٢٠).\n(^٥) - المسند (٥/ ٣٥٤) (٢٣١٠١). وأبو داود في كتاب: \"الصلاة\"، باب: \"الإمام يقطع الخطبة=\n_________\n[¬١]- في خ: عمل.\n[¬٢]- في ز: الصيدلاني.","vol":"14","page":22},{"text":"ورواه أهل السنن من حديث حسين بن واقد، به وقال الترمذي: \"حسن غريب، إنما نعرفه من حديثه\".\nوقال الإِمام أحمد (^٦): حدثنا سُرَيج بي النعمان، حدثنا هشيم، أخبرنا مجالد، عن الشعبي، حدثنا الأشعث بن قيس قال: قدمت علي رسول الله ﷺ في وفد كندة [¬١]، فقال لي: \"هل لك من ولد؟ \" قلت: غلام ولد لي في مَخرَجي إليك من ابنة جَمْد، وَ[¬٢] لَوددت أن بمكانه شبع القوم. قال: \"لا\" [¬٣] تقولن ذلك، فإن فيهم قرةَ عين، وأجرًا إذا قبضوا\"، ثم قال [¬٤]: \"ولئن قلت ذاك: إنهم لمجبنة مَحْزنة إنهم لمجبنة [¬٥] مَحزنة\" تفرد به الإمام أحمد -رحمه الله تعالى-.\nوقال الحافظ أبو بكر البزار (^٧): حدثنا محمود بن بكر، حدثنا أبي، عن عيسى، عن ابن أبي ليلى، عن عطية، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ: \"الولد ثمرة القلوب، وإنهم مَجبنة مَبْخلة محزنة\" ثم قال: لا يعرف إلا بهذا الإِسناد.\nوقال الطبراني (^٨): حدثنا هاشم بن مزيد [¬٦]، حدثنا محمد بن إسماعيل بن عياش، حدثني أبي، حدثني ضَمْضَمُ بن زُرعَةَ، عن شريح بن عبيد، عن أبي مالك الأشعري، أن رسول الله ﷺ قال: \"ليس عدوك الذي إن قتلته كان فوزًا [¬٧] لك وإن قتلك دخلت الجنة، ولكن الذي لعله عدو لك ولدك الذي خرج من صلبك، ثم أعدى عدو لك مالُك الذي ملكت يمينك\".\n_________\n= للأمر حديث\"، حديث (١١٠٩) (١/ ٢٩٠). والترمذي في كتاب: \"المناقب\"، باب: \"مناقب الحسن والحسين\" حديث (٣٧٧٦) (٩/ ٣٣٤). والنسائي (٣/ ١٠٨) كتاب: \"الجمعة،، باب: \"نزول الإمام عن المنبر قبل فراغه من الخطبة … \"، (٣/ ١٩٢) كتاب \"صلاة العيدين\"، باب: \"نزول الإمام عن المنبر قبل فراغه من الخطبة\". وابن ماجه في كتاب: اللباس، باب: لبس الأحمر للرجال، حديث (٣٦٠٠) (٢/ ١١٩٠). وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (٩٨١).\n(^٦) - أخرجه أحمد (٥/ ٢١١) (٢١٩٣٣). قال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (٨/ ١٥٨): رواه أحمد والطبراني وفيه مجالد بن سعيد، وهو ضعيف وقد وثق، وبقية رجال أحمد رجال الصحيح. ا هـ.\n(^٧) - أخرجه البزار (٢/ ٢٤٧) (١٧٩٧). قال ابن حجر: عطية ضعيف، ومحمد سيئ الحفظ. قال الهيثمي في \"المجمع\" (٨/ ١٥٨) رواه أبو يعلى والبزار وفيه عطية العوفي وهو ضعيف.\n(^٨) - أخرجه الطبراني (٣/ ٣٣٣) (٣٤٤٥). قال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (١٠/ ٢٤٨): رواه الطبراني وفيه محمد بن إسماعيل بن عياش وهو ضعيف.\n_________\n[¬١]- في خ: كثير. وفي ز: كبير.\n[¬٢]- سقط من ز.\n[¬٣]- سقط من ز.\n[¬٤]- سقط من ز، خ.\n[¬٥]- في ز: مجبنة.\n[¬٦]- في ز، خ: مرثد.\n[¬٧]- في ز، خ: نورًا.","vol":"14","page":23},{"text":"وقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾، أي: جهدكم وطاقتكم. كما ثبت في الصحيحين (^٩) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"إذا أمرتكم بأمر فائتوا منه ما استطعتم، وما نهيتكم عنه فاجتنبوه\".\nوقد قال بعض المفسرين -كما رواه مالك عن زيد بن أسلم- إن هذه الآية العظيمة [¬١] ناسخة للتي في \"آل عمران\" وهي قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثني يحيى بن عبد الله بن بكير، حدثني ابن لهيعة، حدثني عطاء -هو ابن دينار-، عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، قال: لما نزلت هذه [¬٢] الآية اشتد على القوم العمل، فقاموا حتى ورمت عراقيبهم وتقرحت جباههم، فأنزل الله تخفيفًا علي المسلمين: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾، فنسخت الآية الأولى.\nوروي عن أبي العالية، وزيد بن أسلم، وقتادة، والربيع بن أنس، والسدي [¬٣] ومقاتل بن حيان نحو ذلك.\nوقوله: ﴿وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا﴾، أي: كونوا منقادين لما يأمركم الله به ورسوله لا تحيدوا عنه يمنة ولا يسرة، ولا تقدموا بين يدي الله ورسوله، ولا تتخلفوا عما به [¬٤] أمرتم، ولا تركبوا ما عنه زُجرتم.\nوقوله تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا خَيرًا لِأَنْفُسِكُمْ﴾، أي: وابذلوا مما رزقكم الله علي الأقارب والفقراء والمساكين وذوي الحاجات، وأحسنوا إلي خلق الله كما أحسن إليكم، يكن خيرًا لكم في الدنيا والآخرة، وإن لا تفعلوا يكن شرًّا لكم في الدنيا والآخرة.\nوقوله: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾، تقدم تفسيره في \"سورة الحشر\" وذكر الأحاديث الواردة في معنى هذه الآية بما أغنى عن إعادته هاهنا ولله الحمد والمنة.\nوقوله: ﴿إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾، أي: مهما أنفقتم من\n_________\n(^٩) - أخرجه البخاري في كتاب: الاعتصام، باب: الاقتداء بسنن رسول الله، ﷺ، حديث (٧٢٨٨) (١٣/ ٢٥١). ومسلم في كتاب الحج باب فرض الحج مرة في العمر حديث (٤١٢/ ١٣٣٧) (٩/ ١٤٤).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: الكريمة.\n[¬٢]- سقط من ت.\n[¬٣]- سقط من خ.\n[¬٤]- سقط من ز، خ.","vol":"14","page":24},{"text":"شيء فهو يخلفه، ومهما تصدقتم من شيء فعليه جزاؤه، ونزل ذلك منزلة القرض له، كما ثبت في الصحيح (^١٠) أن الله تعالى يقول: \"من يقرض غير ظلوم ولا عديم\" ولهذا قال: يضاعفه لكم، كما تقدم في سورة البقرة: ﴿فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾.\n﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾، أي: ويكفر عنكم السيئات. ولهذا قال: ﴿وَاللَّهُ شَكُورٌ﴾، أي: يجزي على القليل بالكثير [¬١]، ﴿حَلِيمٌ﴾ أي: يصفح ويغفر ويستر، ويتجاوز عن الذنوب والزلات والخطايا والسيات.\n﴿عَالِمُ الْغَيبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ تقدم تفسيره غير مرة.\n[آخر تفسير \"سورة التغابن\" ولله الحمد والمنة، وبه التوفيق والعصمة].\n* * *\n_________\n(^١٠) - أخرجه مسلم في كتاب: صلاة المسافرين وقصرها، باب: الترغيب في الدعاء والذكر في آخر الليل والإجابة فيه، حديث (١٧١/ ٧٥٨) (٦/ ٥٦).\n_________\n[¬١]- في ز: والكثير.","vol":"14","page":25},{"text":"<span data-type='title' id=toc-186>تفسير سورة الطلاق وهي مدنية</span>\n﷽\n﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا (١)﴾\nخوطب النبي ﷺ أولًا [¬١] تشريفًا وتكريمًا، ثم خاطب الأمة تبعًا فقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن ثواب بن سعيد الهباري، حدثنا أسباط بن محمد، عن سعيد، عن قتادة، عن أنس؛ قال: طلق رسول الله ﷺ حفصة، فأتت أهلها، فأنزل الله ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾، فقيل له: راجعها فإنها صوامة قوامة، وهي من أزواجك ونسائك في الجنة.\nورواه ابن جرير (^١)، عن ابن بشار، عن عبد الأعلى، عن سعيد، عن قتادة فذكره مرسلًا. وقد ورد من غير وجه أن رسول الله ﷺ طلّق حفصة ثم راجعها.\nوقال البخاري (^٢): حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا الليث [حدثني] [¬٢] عقيل، عن ابن شهاب، أخبرني سالم، أن عبد الله بن عمر أخبره أنه طلق امرأة له وهي حائض، فذكر عمرُ لرسول الله ﷺ، فتغيظ رسول الله ﷺ [] [¬٣] ثم قال له:\n_________\n(^١) - تفسير الطبري (٢٨/ ١٣٢).\n(^٢) - صحيح البخاري، كتاب: التفسير، باب: سورة الطلاق، حديث (٤٩٠٨) (٨/ ٦٥٣) وأطرافه في (٥٢٥١ - ٥٢٥٢، ٥٢٥٣، ٥٢٥٨، ٥٢٦٤، ٥٣٣٢، ٥٣٣٣، ٧١٦٠). ومسلم في كتاب: الطلاق، حديث (١٤٧١) (١٠/ ٨٨) وما بعدها، وأحمد (٦/ ٤١١) (٢٧٤٢٨) من حديث فاطمة بنت قيس ﵂.\n_________\n[¬١]- سقط من خ.\n[¬٢]- في ت: و.\n[¬٣]- في ز، خ: فيه.","vol":"14","page":26},{"text":"\" [ليراجها، لم يمسكها، [¬١] حتى تطهر، لم تَحيض فتطهرَ، فإن بدا له أن يطلقها فليطلقها طاهرًا قبل أن يمسها، فتلك العدة التي أمر الله ﷿\".\nهكذا رواه البخاري هاهنا، وقد رواه في مواضع من كتابه، ومسلم، ولفظه: \"فتلك العدة التي أمر الله أن يطلق لها النساء\". ورواه أصحاب الكتب والمسانيد من طرق متعددة وألفاظ كثيرة، ومواضع استقصائها كتب الأحكام.\nوأمَسُّ لفظ يورَد هاهنا ما رواه مسلم (^٣) في صحيحه، من طريق ابن جريج، أخبرني أبو الزبير، أنه سمع عبد الرحمن بن أيمن -مولى عَزّة- يسأل ابن عمر، وأبو الزبير [يسمع، ذلك [¬٢]: كيف ترى في رجل طلق امرأته حائضًا [¬٣]؟ فقال: طَلَّق ابن عُمر امرأتهُ حائضًا على عهد رسول الله ﷺ فسأل عمر رسول الله ﷺ، [¬٤]؛ [فقال: إن عبد الله بن عمر طلق امرأته وهي حائض؟] [¬٥]، فقال رسول اللَّه ﷺ: \"ليراجعها\". فَرَدها، وقال: \"إذا طهرت فليطلق أو يمسك\". قال ابن عمر: وقرأ النبي ﷺ: \"يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن في قُبُل عدتهن\".\nوقال الأعمش عن مالك بن الحارث، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن عبد الله في قوله: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ قال: الطهر من غير جماع. وروي عن ابن عمر، وعطاء، ومجاهد، والحسن، وابن سيرين، وقتادة، وميمون بن مهران، ومقاتل بن حيان مثل ذلك، وهو رواية عن عكرمة، والضحاك.\nوقال عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنّ﴾ قال: لا يطلقها [¬٦] وهي حائض ولا في طهر قد جامعها [¬٧] فيه، ولكن: تتركها حتى إذا حاضت وطهرت طلقها تطليقة.\nوقال عكرمة: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾، العدة: الطهر، والقرء الحيضة، أن يطقها حبلى مستبينًا حملها، ولا يطلقها وقد طاف عليها، ولا يدرى حبلى هي أم لا.\n_________\n(^٣) صحيح مسلم في كتاب: الطلاق، باب: المطلقة ثلاثًا لا نفقة لها، حديث (٤٤/ ١٤٨٠) (١٠/ ١٤٥) والقصة بطولها في الموضع السابق (١٤٨٠) (١٠/ ١٣٤) وما بعدها.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"راجعها ثم أمسكها\".\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من ز، خ.\n[¬٣]- سقط من خ.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من ز، خ.\n[¬٥]- ما بين المعكوفين سقط من خ.\n[¬٦]- في ز: تطلقها:\n[¬٧]- في ز: جامعتها.","vol":"14","page":27},{"text":"ومن هاهنا أخذ الفقهاء أحكام الطلاق وقسموه إلى طلاق سنة وطلاق بدعة، فطلاق السنة أن يطلقها طاهرًا من غير جماع، أو حاملًا قد استبان حملها. والبدْعي: هو أن يطلقها في حال الحيض، أو في طهر قد جامعها فيه، ولا يدري أحملت أم لا؟ وطلاق ثالث لا سنة فيه ولا بدعة، وهو طلاق الصغيرة والآيسة وغير المدخول بها، وتحرير الكلام في ذلك وما يتعلق به مستقصى في كتب الفروع [¬١]، والله ﷾ أعلم.\nوقوله: ﴿وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ﴾، أي: احفظوها واعرفوا ابتداءها وانتهاءها، لئلا تطول العدة على المرأة فتمتنع من الأزواج. ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ﴾، أي: في ذلك.\nوقوله: ﴿[] [¬٢] لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ﴾ أي: في مدة العدة لها حق السكنى على الزوج ما دامت معتدة منه، فليس للرجل أن يخرجها، ولا يجوز لها أيضًا الخروج؛ لأنها [معتقلة لحق] [¬٣] الزوج أيضًا.\nوقوله: ﴿إلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ أي: لا يخرجن من بيوتهن إلا أن ترتكب المرأة فاحشة مبينة، فتخرج من المنزل، والفاحشة المبينة تشمل [¬٤] الزنا، كما قاله ابن مسعود، وابن عباس، وسعيد بن المسيب، والشعبي، والحسن، وابن سيرين، ومجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير، وأبو قلابة، وأبو صالح، والضحاك، وزيد بن أسلم، وعطاء الخراساني، والسدي، وسعيد بن أبي هلال، وغيرهم. وتشمل ما إذا نشزت المرأة أو بَذَت على اهل الرجل وآذتهم في الكلام والفعال، كما قاله أبيّ بن كعب، وابن عباس وعكرمة وغيرهم.\nوقوله: ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾، [أي: شرائعه ومحارمه، ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ﴾] [¬٥]، أي: يخرج عنها ويتجاوزها إلى غيرها ولا يأتمر بها، ﴿فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾، أي: بفعل ذلك.\nوقوله: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾، أي: إنما أبقينا المطلقة في منزل الزوج في مدة العدة، لعل الزوج يندم على طلاقها، ويخلق الله في قلبه رَجْعَتَهَا، فيكون ذلك أيسر وأسهل.\nقال الزهري عن عبيد الله بن عبد الله، عن فاطمة بنت قيس في قوله: ﴿لَا تَدْرِي] [¬٦] لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾، قالت: هي الرجعة، وكذا قال الشعبي، وعطاء، وقتادة، والضحاك، ومقاتل بن حيان، والثوري. ومن هاهنا ذهب من ذهب من السلف ومن\n_________\n[¬١]- سقط من خ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز: \"و\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"متعلقة بحق\".\n[¬٤]- في ز، خ: كمثل.\n[¬٥]- ما بين المعكوفتين مكرر في ز، خ.\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من ز.","vol":"14","page":28},{"text":"تابعهم، كالإمام أحمد بن حنبل ﵀ إلي أنه لا تجب السكنى للمبتوتة، وكذا المتوفى عنها زوجها، واعتمدوا أيضًا علي حديث فاطمة بنت قيس الفهرية، حين طلقها زوجها أبو عمرو بن حفص آخر ثلاث تطليقات، وكان غائبًا عنها باليمن، فأرسل إليها بذلك، فأرسل إليها وكيله بشعير -نفقة- فَتَسَخَّطته فقال: والله ليس لك علينا نفقة. فأتت رسول الله ﷺ؛ فقال: \"ليس لك عليه نفقة\" (^٤). ولمسلم (^٥): \" ولا سكنى\"، وأمرها أن تعتد في بيت أم شريك، ثم قال: \"تلك امرأة يغشاها أصحابي، اعتدي عند ابن أم مكتوم، فإنه رجل أعمى تضعين ثيابك\" … الحديث.\nوقد رواه الإمام أحمد (^٦) من طريق أخرى؛ بلفظ آخر فقال: حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا مجالد، حدثنا عامر؛ قال: قدمت المدينة فأتيت فاطمة بنت قيس، فحدثتني أن زوجها طلقها على عهد رسول الله ﷺ؛ فبعثه رسول الله ﷺ في سَربة، قالت: فقال لي أخوه: اخرجي من الدار- فقلت: إن لي نفقة وسكنى حتى يحل الأجل. قال: لا. [قالت] [¬١]: فأتيت رسول الله ﷺ؛ فقلت: إن فلانًا طلقني، وإن أخاه أخرجني ومنعني السكني والنفقة. [فأرسل إليه] [¬٢] فقال: \"مالك ولابنة آل قيس [¬٣]؟ \"، قال: يا رسول الله، إن أخي طلقها ثلاثًا جميعًا. قالت: فقال رسول الله ﷺ: \"انظري يا بنت آل قيس، إنما النفقة والسكنى للمرأة على زوجها ما كانت له عليها رجعة، فإذا لم يكن له عليها رجعة فلا نفقة ولا سكنى، اخرجي فانزلي على فلانة\". ثم قال: \"إنه يُتحدَّث إليها، انزلي على ابن أم مكتوم، فإنه أعمى لا يراك\" … وذكر تمام الحديث.\nوقال أبو القاسم الطبراني (^٧): حدثنا أحمد بن عبد الله البزار التسْتَريّ، حدثنا إسحاق بن إبراهيم الصواف، حدثنا بكر بن بكار، حدثنا سعيد بن يزيد البَجلي، حدثنا عامر الشعبي؛ أنه دخل على فاطمة بنت قيس أخت الضحاك بن قيس القرشي، وزوجها أبو عمرو بن حفص بن المغيرة المخزومي، فقالت: إن أبا عمرو بن حفص أرسل إليّ وهو منطلق في جيش إلى اليمن بطلاقي، فسألت أولياءه النفقة عليّ والسكنى، فقالوا: ما أرسل إلينا في ذلك شيئًا، ولا أوصانا به. فانطلقت إلى رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله؛ إن أبا عمرو بن حفص أرسل إليّ بطلاقي، فطلبت السكنى والنفقة عليّ، فقال أولياؤه: لم يرسل إلينا في\n_________\n(^٤) - مسلم في الطلاق حديث (١٤٨٠) من حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن فاطمة بنت قيس به.\n(^٥) - مسلم في الطلاق حديث (١٤٨٠) من حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن فاطمة بنت قيس به.\n(^٦) المسند (٦/ ٣٧٣) (٢٧٢١٢).\n(^٧) المعجم الكبير (٢٤/ ٣٨٢ - ٣٨٣) (٩٤٨).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من ز.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من ز، خ.\n[¬٣]- في خ: قريش.","vol":"14","page":29},{"text":"ذلك بشيء [¬١]. فقال رسول الله ﷺ: \"إنما النفقة والسكنى للمرأة إذا كان لزوجها عليها رجعة، فإذا كانت لا تحل له حتى تنكح زوجًا غيره، فلا نفقة لها ولا سكنى\".\nوكذا رواه النسائي (^٨)، عن أحمد بن يحيى الصوفي، عن أبي نعيم الفضل بن دُكَين، عن سعيد بن يزيد -وهو الأحمسي البَجَلي الكوفي- قال أبو حاتم الرازي: هو شيخ يروى عنه.\n﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَي عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيءٍ قَدْرًا (٣)﴾\nيقول تعالى: فإذا بلغت المعتدات ﴿أَجَلَهُنَّ﴾، أي: شارفن [¬٢] على انقضاء العدة وقاربن ذلك، ولكن لم تفرغ العدة بالكلية، فحينئذ إما أن يعزم الزوج على إمساكها، وهو رجعتها إلى عصمة نكاحه، والاستمرار بها على ما كانت عليه عنده ﴿بِمَعْرُوفٍ﴾، أي: محسنًا إليها في صحبتها، وإما أن يعزم على مفارقتها، ﴿بِمَعْرُوفٍ﴾ أي: من غير مقابحة ولا مشاتمة ولا تعنيف، بل يطلقها على وجه جميل وسبيل حسن.\nوقوله: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَي عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾، أي: على الرجعة إذا عَزَمتم عليها، كما رواه أبو داود وابن ماجة (^٩)، عن عمران بن حُصين، أنه سُئل عن الرجل يطلق امرأته ثم يقع بها ولم يشهد علي طلاقها ولا على رجعتها؟ فقال: طَلَّقتَ لغير سنة، ورجعتَ لغير سنة، أشهدْ على طلاقها وعلى رجعتها، ولا تَعُدْ.\nوقال ابن جريج: كان عطاء يقول: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَي عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ قال: لا يجوز في نكاح ولا طلاق ولا رجاع إلا شاهدَا عدل، كما قال الله ﷿ إلا أن يكون من\n_________\n(^٨) سنن النسائي (٦/ ١٤٤) كتاب: الطلاق، باب: الرخصة في ذلك.\n(^٩) أخرجه أبو داود في كتاب: الطلاق، باب: الرجل يراجع ولا يشهد، حديث (٢١٨٦) (٢/ ٢٥٧). وابن ماجة في كتاب: الطلاق، باب: الرجعة، حديث (٢٠٢٥) (١/ ٦٥٢). وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (١٩١٥).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: شيء.\n[¬٢]- في ز: سافرن.","vol":"14","page":30},{"text":"عذر.\nوقوله: ﴿ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾، أي: هذا الذي أمرناكم به من الإِشهاد وإقامة الشهادة، إنما يأتمر به من يؤمن بالله وأنه شرع هذا، ويخاف عقاب الله في الدار الآخرة.\nومن هاهنا ذهب الشافعي -في أحد قوليه- إلى وجوب الإِشهاد في الرجعة، كما يجب عنده [¬١] في ابتداء النكاح. وقد قال بهذا طائفة من العلماء، ومن قال بهذا يقول: إن الرجعة لا تصح إلا بالقول ليقع الإِشهاد عليها.\nوقوله: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾، أي: ومن يتق الله فيما أمره [¬٢] به وتَرَك ما نهاه عنه، يجعل له من أمره مخرجًا، ويرزقه من حيث لا يحتسب، أي: من جهة لا تخطر بباله.\nقال الإِمام أحمد (^١٠): حدثنا يزيد، أخبرنا كهمس بن الحسن، حدثنا أبو السليل، عن أبي ذر قال: جعل رسول الله ﷺ يتلو عَليَّ هذه الآية ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾، حتى فرغ من الآية، ثم قال: \"يا أبا ذر؛ لو أن الناس كلهم أخذوا بها كفتهم\". قال: فجعل يتلوها ويُرددها عليَّ حتى نَعَست، ثم قال: \"يا أبا ذر؛ كيف تصنع إن أخرجت من المدينة؟ \". قال [¬٣]: قلت: إلى السعة والدّعَة أنطلق، فأكون حمامة من حمام مكة. قال: \"كيف تصنع إن أخرجت من مكة؟ \" قال: قلت: إلى السعة والدّعة، إلى الشام والأرض المقدسة. قال: \"وكيف تصنع إن أُخرجتَ من الشام؟ \". قلت: إذًا -والذي بعثك بالحق- أضع سيفي على عاتقي. قال: \"أوخير من ذلك؟ \". قلت: أوخير من ذلك؟! قَال: \"تسمع وتطيع، وإن كان عبدًا حبشيًّا\".\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن منصور الرمادي [¬٤]، حدثنا يعلى بن عبيد، حدثنا زكريا، عن عامر، عن شُتَير [¬٥] بن شَكل؛ قال: سمعت عبد الله بن مسعود؛ يقول: إن أجمع آية في القرآن: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾، وإن أكثر آية في القرآن فرجًا: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾.\n_________\n(^١٠) المسند (٥/ ١٧٨ - ١٧٩) (٢١٦٣٤) قال الهيثمي في \"المجمع\" (٥/ ٢٢٦): رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح، إلا أن أبا السليل: ضريب بن نفير لم يدرك أبا ذر.\n_________\n[¬١]- سقط من خ.\n[¬٢]- في ز: أمر.\n[¬٣]- سقط من ز.\n[¬٤]- في ز: الريادي. وفي خ: الدياري.\n[¬٥]- في ز: شتيل.","vol":"14","page":31},{"text":"وفي المسند (^١١) حدثني مهدي بن جعفر، حدثنا الوليد بن مسلم، عن الحكم بن مصعب، عن محمد بن عليّ بن عبد الله بن عباس، عن أبيه، عن جده عبد الله بن عباس؛ قال: قال رسول الله ﷺ: \"من أكثر من الاستغفار جعل الله له [¬١] من كل هم فرجًا، ومن كل ضيق مخرجًا، ورزقه من حيث لا يحتسب\".\nوقال عليّ بن أبي طلحة عن ابن عباس: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾، يقول: ينجيه من كل كرب في الدنيا والآخرة، ﴿وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ وقال الربيع بن خثيم: ﴿يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ أي: من كل شيء ضاق علي الناس، [وقال عكرمة: من طلق كما أمره الله جعل له مخرجًا، وكذا روي عن ابن عباس، والضحاك] [¬٢].\nوقال ابن مسعود، ومسروق: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾، يعلم أن الله إن شاء منع، وإن شاء أعطى ﴿مِنْ حَيثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾، أي: من حيث لا يدري.\nوقال قتادة: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾، أي: من شبهات الأمور والكرب عند الموت، ﴿وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾، [ومن] [¬٣] حيث لا يرجو أو لا يأمل.\nوقال السدي: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ﴾ يطلق للسنة ويراجع للسنة، وزعم أن رجلًا من أصحاب رسول الله ﷺ يقال له: عوف بن مالك الأشجعي، كان له ابن، وأن المشركين أسروه، فكان فيهم، وكان أبوه يأتي رسول الله ﷺ فيشكو إليه مكان ابنه وحاله التي هو بها وحاجته، فكان [¬٤] رسول الله ﷺ يأمره بالصبر، ويقول له [¬٥]: \"إن الله سيجعل لك فرجًا\". فلم يلبث بعد ذلك إلا يسيرًا أن انفلت ابنه من أيدي العدو، فمر يغنم من أغنام العدو، فاستاقها فجاء بها إلي أبيه، وجاء معه [بغني] [¬٦] قد أصابه من الغنم، فنزلت هذه الآية: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ رواه ابن جرير (^١٢)، وروي أيضًا من طريق سالم بن أبي الجعد (^١٣) مرسلًا نحوه.\nوقال الإِمام أحمد (^١٤): حدثنا وكيع، حدثنا سفيان، عن [¬٧] عبد الله عيسى، عن\n_________\n(^١١) المسند (١/ ٢٤٨) (٢٢٣٤) وانظر ما تقدم (سورة هود / آية ٥٢).\n(^١٢) تفسير الطبري (٣٨/ ١٣٨).\n(^١٣) التفسير (٢٨/ ١٣٨ - ١٣٩).\n(^١٤) المسند (٥/ ٢٧٧) (٢٢٤٨٧).\n_________\n[¬١]- سقط من ز.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من ز، خ.\n[¬٣]- في ز: من.\n[¬٤]- في ز: وكان.\n[¬٥]- سقط من ز.\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين بياض في ز، خ.\n[¬٧]- في ز، خ: بن.","vol":"14","page":32},{"text":"عبد الله بن أبي الجعد، عن ثوبان قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن العبد لَيُحْرَمُ الرزقَ بالذنب يصيبُه، ولا يرد القدَر إلا الدعاء ولا يزيد في العمر إلا البر\". [من حديث سفيان -وهو الثوري- به] [¬١].\nوقال محمد بن إسحاق (^١٥): جاء مالك الأشجعي إلي رسول الله ﷺ فقال له: أسر ابني عوف. فقال له رسول الله ﷺ: \"أرسل إليه أن رسول الله يأمرك أن تكثر من قول: لا حول ولا قوة إلا بالله\". وكانوا قد شدوه بالقدّ فسقط القِدُّ عنه فخرج فإذا هو بناقة لهم، فركبها وأقبل، فإذا بسرح القوم الذين كانوا [¬٢] شدوه فصاح بهم، فاتبع أولها آخرها، فلم يفجَأ أبويه إلا وهو ينادي بالباب، فقال أبوه: عَوفٌ ورب الكعبة. فقالت أمه: وا سوأتاه، وعوف [كيف يقدم] [¬٣] لما هو فيه من القد، فاستبقا الباب والخادم فإذا عوف قد ملأ الفناء إبلًا، فقص عل أبيه أمره وأمر الإِبل، فقال أبوه: قفا حتى آتي رسول الله ﷺ فأسأله عنها. فأتي رسول الله ﷺ فأخبره بخبر عوف وخبر الإِبل، فقال له رسول الله ﷺ: \"اصنع بها ما أحببت، وما كنت صانعًا بمالك\". ونزل: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾. رواه ابن أبي حاتم.\nوقال ابن أبي حاتم (^١٦): حدثنا عليّ بن الحسين، حدثنا محمد بن علي بن الحسن بن شقيق [¬٤]، حدثنا إبراهيم بن الأشعث، حدثنا الفضيل بن عياض عن هشام بن الحسن عن عمران بن حُصَين، قال: قال رسول الله ﷺ: \"من انقطع إلي الله كفاه الله كل مَئُونة، ورزقه من حيث لا يحتسب، ومن انقطع إلي الدنيا وَكَله إليها\".\nوقوله: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ قال الإمام أحمد (^١٧): حدثنا يونس، حدثنا ليث، حدثنا قيس بن الحجاج، عن حَنَش الصنعاني، عن عبد الله بن عباس، أنه حدثه أنه ركب خلف رسول الله ﷺ يومًا، فقال له [¬٥] رسول الله صلى الله عليه\n_________\n(^١٥) ذكره المنذري في \"الترغيب والترهيب\" (٢/ ٤٣٦) (٢٣٥٢) ثم قال: رواه آدم بن أبي إياس في تفسيره، ومحمد بن إسحاق لم يدرك مالكًا.\n(^١٦) أخرجه الطبراني في الأوسط (٣/ ٣٤٦) (٣٣٥٩) من طريق محمد بن علي بن الحسن بهذا الإسناد. قال الهيثمي في \"المجمع\" (١٠/ ٣٠٦ - ٣٠٧): وفيه إبراهيم بن الأشعث صاحب الفضيل وهو ضعيف، وقد ذكره ابن حبان في الثقات وقال: يغرب ويخطئ ويخالف. وبقيه رجاله ثقات، ا هـ.\n(^١٧) المسند (١/ ٢٩٣) (٢٦٦٩). والترمذي في كتاب: صفة القيامة، باب: ولكن يا حنظلة =\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من ز، خ.\n[¬٢]- سقط من خ.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين بياض في ز، خ.\n[¬٤]- في ز، خ: سفيان.\n[¬٥]- سقط من ز، خ.","vol":"14","page":33},{"text":"وسلم: \"يا غلام، إني معلمك كلمات: احفظ الله [يحفظك، احفظ الله] [¬١] تجده تجاهك، وإذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمه لو اجتمعوا على أن ينفعوك، لم ينفعوك إلا بشيء [قد كتبه الله لك] [¬٢]، ولو اجتمعوا علي أن يضروك، لم يضروك إلا بشيء [قد كتبه الله عليك] [¬٣]، رفعت الأقلام، وجفت الصحف\". وقد رواه الترمذي من حديث الليث بن سعد، وابن لهيعة به [¬٤]، وقال: \"حسن صحيح\".\nوقال الإمام أحمد (^١٨): حدثنا وكيع، حدثنا بشير بن سلمان، عن سيار أبي الحكم، عن طارق بن شهاب، عن عبد الله -هو ابن مسعود- قال: قال رسول الله ﷺ: \"من نزل به حاجة فأنزلها بالناس كان قَمنًا أن لا تُسَهَّلَ حاجته، ومن أنزلها بالله أتاه الله برزق عاجل، أو بموت آجل\".\nثم رواه (^١٩) عن عبد الرزاق، عن سفيان، عن بشير، عن سيار أبي حمزة، ثم قال: وهو الصواب، وسيار أبو الحكم لم يحدث عن طارق.\nوقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ﴾، أي: منفذ قضاياه وأحكامه في خلقه بما يريده ويشاؤه، ﴿قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيءٍ قَدْرًا﴾، كقوله: ﴿وكل شيء عنده بمقدار﴾.\n﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا (٤) ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيكُمْ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا (٥)﴾\nيقول تعالى مبينًا لعدة الآيسة -وهي التي قد انقطع عنها الحيض لكبرها-: إنها ثلاثة\n_________\n= ساعة وساعة، حديث (٢٥١٨) (٩/ ٢٠٣ - ٢٠٤). وحسَّن ابن رجب طريق الترمذي في جامع العلوم والحكم (١٧٤). وصحح إسناده أحمد شاكر في تعليقه علي المسند وكذا الألباني في صحيح الترمذي.\n(^١٨) المسند (١/ ٤٤٢) (٤٢١٩) وقَمَنٌ وقَمِنٌ وقَمِين: أي خليق وجدير. كذا في النهاية (٤/ ١١١).\n(^١٩) المسند (١/ ٤٤٢) (٤٢٢٠).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من ز، خ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"كتبه الله عليك\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"كتبه الله لك\".\n[¬٤]- سقط من ز.","vol":"14","page":34},{"text":"أشهر، عوضًا عن الثلاثة قروء في حق من تحيض، كما دلت على ذلك آية \"البقرة\"، وكذا الصغار اللائي لم يبلغن سن [¬١] الحيض: إن عدتهن كعدة الآيسة ثلاثة أشهر؛ ولهذا قال: ﴿وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾.\nوقوله: ﴿إن ارتبتم﴾ فيه قولان:\nأحدهما- وهو قول طائفة من السلف، كمجاهد، والزهري، وابن زيد -أي: إن رأين دمًا وشككتم في كونه حيضًا أو استحاضة، وارتبتم فيه.\nوالقول الثاني: إن ارتبتم في حكم عدتهن، ولم تعرفوه فهو ثلاثة أشهر. وهذا مروي عن سعيد بن جبير، و[هو] [¬٢] اختيار ابن جرير، وهو أظهر في المعنى، وَاحتَجّ عليه بما رواه (^٢٠) عن أبي كريب وأبي السائب؛ قالا: حدثنا ابن إدريس، أخبرنا مطرف، عن عمرو بن سالم؛ قال: قال أبيّ بن كعب: يا رسول الله، إن عِدَدًا من عدد النساء لم تذكر في الكتاب: الصغار والكبار وأولات الأحمال. قال: فأنزل الله ﷿: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾.\nورواه ابن أبي حاتم بأبسط من هذا السياق؛ فقال: حدثنا أبي، حدثنا يحيى بن المغيرة، أخبرنا جرير، عن مُطَرِّف، عن عمر بن سالم، عن أبي بن كعب؛ قال: قلت لرسول الله ﷺ: إن ناسًا من أهل المدينة لما أنزلت هذه الآية التي في \"البقرة\" في عدة النساء؛ قالوا: لقد بقي من عدة النساء عدَدٌ لم يُذكَرْنَ في القرآن: الصغار والكبار اللائي قد انقطع عنهن الحيض وذوات الحمل. قال: فأنزلت التي في النساء القصري: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ [فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ] [¬٣]﴾.\nوقوله: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ يقول تعالى: ومن كانت حاملًا فعدتها بوضعه، ولو كان بعد الطلاق أو الموت [بفُواق ناقة] [¬٤]، في قول جمهور العلماء من السلف والخلف، كما هو نص هذه الآية الكريمة، [و] [¬٥] كما وردت به السنة النبوية. وقد رُوي عن علي، وابن عباس ﵃ أنهما ذهبا في المتوفى عنها زوجها أنها تعتد بأبعد الأجلين من الوضع أو الأشهر، عملًا بهذه الآية الكريمة والتي في سورة البقرة، وقد قال\n_________\n(^٢٠) أخرجه الطبري (٢٨/ ١٤١).\n_________\n[¬١]- في ز: من.\n[¬٢]- سقط من ز.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في ز: \"إلى قد يئست ثلاثة أشهر\".\n[¬٤]- في خ: بفراق.\n[¬٥]- سقط من ز.","vol":"14","page":35},{"text":"البخاري (^٢١):\nحدثنا سعد [¬١] بن حفص، حدثنا شيبان، عن يحيي؛ قال: أخبرني أبو سلمة؛ قال: جاء رجل إلي ابن عباس -وأبو [¬٢] هريرة جالس- فقال: أفتني في امرأة ولدت بعد زوجها بأربعين ليلة. فقال ابن عباس: آخر الأجلين. قلت أنا: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾. قال أبو هريرة: أنا مع ابن أخي -يعني أبا سلمة- فأرسل ابن عباس غلامه كريبًا [إلى أم سلمة] [¬٣] يسألها، فقالت: قُتِل زوج سُبيعة الأسلمية وهي حبلى، فوضعت بعد موته بأربعين ليلة، فخطبت، فأنكحها رسول الله ﷺ، وكان أبو السنابل فيمن خطبها.\nهكذا أورد البخاري هذا الحديث هاهنا مختصرًا، وقد رواه هو ومسلم، وأصحاب الكتب مطولًا من وجوه أخر. وقال الإمام أحمد (^٢٢):\nحدثنا حماد بن أسامة، أخبرنا هشام، عن أبيه، عن المسْور بن مَخْرَمَة؛ أن سُبَيعَة الأسلمية تُوُفي عنها زوجها وهي حامل، فلم تمكث إلا ليالي حتى وضعت، فلما تَعَلَّت من نفاسها خطبت، فاستأذنت رسول الله ﷺ في النكاح، فأذن لها أن تُنْكَح، فنُكحت. ورواه البخاري (^٢٣) في صحيحه، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجة من طرق عنها، كما قال مسلم بن الحجاج:\nحدثني أبو الطاهر، أخبرنا ابن وهب، حدثني يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، حدثني عبيد الله بن عبد الله بن عُتبة؛ أن أباه كتب إلي عمر بن عبد الله بن الأرقم الزهري يأمره أن يدخل على سُبَيعة بنت الحارث الأسلمية، فيسألها عن حديثها، وعمَّا قال لها رسول الله صلى\n_________\n(^٢١) أخرجه البخاري في كتاب: التفسير، باب: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ.﴾، حديث (٤٩٠٥) (٨/ ٦٥٣)،\n(^٢٢) أخرجه أحمد (٤/ ٣٢٧) (١٨٩٧١).\n(^٢٣) صحيح البخاري، كتاب: الطلاق، باب: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ.﴾، حديث (٥٣٢٠) (٩/ ٤٧٠). وأخرجه مسلم في كتاب: الطلاق، باب: انقضاء عدة المتوفى عنها زوجها، حديث (٥٦/ ١٤٨٤) (١٠/ ١٥٣ - ١٥٥) من طريق أبي الطاهر الآتي. وأبو داود في كتاب: الطلاق، باب: في عدة الحامل، حديث (٢٣٠٦) (٢/ ٢٩٣) من طريق ابن وهب بنحو حديث مسلم. وأخرجه النسائي (٦/ ١٩٦ - ١٩٧) من حديث محمد بن سيرين، وأخرجه (٦/ ١٩٠) هو. وابن ماجة في كتاب: الطلاق، باب: الحامل المتوفى عنها زوجها، إذا وضعت حلت للأزواج، حديث (٢٠٢٩) (١/ ٦٥٤).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: سعيد.\n[¬٢]- في ز: وأبي.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من ز، خ.","vol":"14","page":36},{"text":"الله عليه وسلم حين استفتته. فكتب عُمر بن عبد الله يخبره أن سبيعة [أخبرته] [¬١]؛ أنها كانت تحت سَعد [¬٢] بن خَولة -وكان ممن شهد بدرًا- فتوفي عنها في حجة الوداع وهي حامل، فلم تَنشَب أن وضعت حملها بعد وفاته، فلما تَعَلَّت من نفاسها تجمّلت للخطاب، فدخل عليها أبو السنابل بن بَعكك فقال لها: ما لي أراك متجملة؟ لعلك تَرجين النكاح، إنك والله ما أنت بناكح حتى تَمرّ عليك أربعة أشهر وعشرٌ [¬٣]. قالت سُبَيعة: فلما قال لي ذلك جَمعتُ عليّ ثيابي حين أمسيتُ فأتيتُ رسول الله ﷺ فسألته عن ذلك، فأفتاني بأني قد حللْت حين وضعتُ حملي، وأمرني بالتزوج [¬٤] إن بدا لي.\nهذا لفظ مسلم، ورواه البخاري (^٢٤) مختصرًا، ثم قال البخاري (^٢٥) بعد رواية الحديث الأول عند هذه الآية:\nوقال سليمان بن حرب، وأبو النعمان: حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن محمد، هو ابن سيرين، قال: كنت في حلقة فيها عبد الرحمن بن أبي ليلى، ﵀، وكان أصحابه يعظمونه، فذكر آخر الأجلين، فحدّثتُ بحديث سُبَيعة بنت الحارث عن عبد الله بن عتبة، قال: [فَضَمَّزَلي] [¬٥] بعض أصحابه، قال محمد: ففطنت له فقلت: إني لجريءٌ أن أكذب على عبد الله وهو في ناحية الكوفة؛ قال: فاستحيا [و] [¬٦] قال: لكن عَمّه لم يقل ذلك، فلقيت أبا عطية مالك بن عامر فسألته، فذهب يحدثني بحديث سبيعة، فقلت: هل سمعت عن عبد الله فيها شيئًا؟ فقال: كنا عند عبد الله فقال: أتجعلون عليها التغليظ، ولا تجعلون عليها الرخصة؟ نزلت سورة النساء القصرى بعد الطولى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾.\n[ورواه ابن جرير (^٢٦)، من طريق سفيان بن عيينة وإسماعيل بن علية، عن أيوب به مختصرًا] [¬٧].\n_________\n(^٢٤) صحيح البخاري، كتاب: الطلاق، باب: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ …﴾، حديث (٥٣١٩) (٩/ ٤٧٠).\n(^٢٥) صحيح البخاري، كتاب: التفسير، باب: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ …﴾، حديث (٤٩١٠) (٨/ ٦٥٤).\n(^٢٦) تفسير الطبري (٢٨/ ١٤٢، ١٤٣).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من ز، خ.\n[¬٢]- في ز، خ: سعيد.\n[¬٣]- في ز: وعشرًا.\n[¬٤]- في ز، خ: بالتزويج.\n[¬٥]- في ز: فضمر لي.\n[¬٦]- سقط من ز.\n[¬٧]- ما بين المعكوفتين سقط من ت.","vol":"14","page":37},{"text":"ورواه النسائي (^٢٧) في التفسير، عن محمد بن عبد الأعلى، عن خالد بن الحارث، عن ابن [¬١]، عون، عن محمد بن سيرين، فذكره.\nوقال ابن جرير (^٢٨): حدثني زكريا بن يحيى بن أبان المصري، حدثنا سعيد بن أبي مريم، حدثنا محمد بن جعفر، حدثني ابن شَبْرَمة الكوفي، عن إبراهيم، عن علقمة [¬٢] بن قيس أن عبد الله بن مسعود؛ قال: من شاء لاعنتُه، ما نزلت ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ إلا بعد آية المتوفى عنها زوجها. قال: وإذا وضعت المتوفى عنها زوجها فقد حلت. يريد بآية المتوفى عنها زوجها: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾. وقد رواه النسائي من حديث سعيد بن أبي مريم به، ثم قال ابن جرير (^٢٩):\nحدثنا أحمد بن منيع، حدثنا محمد بن عبيد، حدثنا إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي؛ قال [¬٣]: ذُكرَ عند ابن مسعود آخر الأجلين، فقال: من شاء قاسمته بالله أن هذه الآية التي في النساء القصرى نزلت بعد الأربعة الأشهر [¬٤] والعشر، ثم قال: أجل الحامل أن تضع ما في بطنها.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان الواسطي، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، عن الأعمش، عن أبي الضحي، عن مسروق؛ قال: بلغ ابن مسعود أن عليًّا ﵁ يقول: آخر الأجلين. فقال: من شاء لاعنته، إن التي في النساء القصري نزلت بعد البقرة: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾.\nورواه أبو داود وابن ماجة (^٣٠) من حديث أبي معاوية عن الأعمش.\nوقال عبد الله بن الإِمام أحمد (^٣١): حدثني محمد بن أبي بكر المقدّمي، أخبرنا عبد الوهاب\n_________\n(^٢٧) سنن النسائي الكبرى في التفسير، باب: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾، حديث (١١٠٤٣) (٦/ ٣٠٣).\n(^٢٨) تفسير الطبري (٢٨/ ١٤٢). والنسائي (٦/ ١٩٧).\n(^٢٩) تفسير (٢٨/ ١٤٣).\n(^٣٠) أخرجه أبو داود في كتاب: الطلاق، باب: في عدة الحامل، حديث (٢٣٠٧) (٢/ ٢٩٣). وابن\nماجة في كتاب: الطلاق، باب: الحامل إذا توفي عنها زوجها، إذا وضعت حلت للأزواج، حديث (٢٠٣٠) (١/ ٦٥٤). وقد تقدم من طريق ابن سيرين عند البخاري نحوه برقم (٣٢).\n(^٣١) أخرجه عبد الله بن أحمد في \"زوائد المسند\" (٥/ ١١٦) (٢١١٨٥). قال الهيثمي في \"المجمع\" (٥/ ٥) =\n_________\n[¬١]- في ز: أبي.\n[¬٢]- في خ: عن إبراهيم.\n[¬٣]- في خ: قال قال.\n[¬٤]- في ز: أشهر.","vol":"14","page":38},{"text":"الثقفي، حدثني المثني، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو، عن أبي بن كعب؛ قال: قلت للنبي ﷺ: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾: المطلقة ثلاثًا أو المتوفى عنها زوجها [¬١]؟ فقال: هي المطلقة ثلاثًا والمتوفي عنها.\nهذا حديث غريب جدًّا، بل منكر؛ لأن في إسناده المثنى بن الصباح، وهو متروك الحديث بِمرة، ولكن رواه ابن أبي حاتم بسند آخر، فقال:\nحدثنا محمد بن داود السمناني، حدثنا عمرو بن خالد -يعني الحراني- حدثنا ابن لهيعة، عن عمرو بن شعيب، عن سعيد بن السيب، عن أبيّ بن كعب؛ أنه لما نزلت هذه الآية قال لرسول الله ﷺ: لا أدري أمشتركة أم مبهمة؟ قال رسول الله ﷺ: \"آية آية؟ \" قال: ﴿أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾، المتوفى عنها والمطلقة؟ قال: \"نعم\".\nوكذا رواه ابن جرير (^٣٢)، عن أبي كريب، عن موسى بن داود، عن ابن لهيعة به. ثم رواه عن أبي كريب أيضًا، عن مالك بن إسماعيل، عن ابن عيينة، في عبد الكريم بن أبي المخارق؛ أنه حدث عن أبي بن كعب؛ قال: سألت رسول الله ﷺ عن: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾، قال: \"أجَل كل حامل أن تضع ما في بطنها\".\nعبد الكريم هذا ضعيف ولم يدرك أبيًّا.\nوقوله: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾، أي: يسهل له أمره، وييسره عليه، ويجعل له فرجًا قريبًا ومخرجًا عاجلًا.\nثم قال: ﴿ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيكُمْ﴾، أي: حكمه وشرعه أنزله إليكم بواسطة رسوله ﷺ، ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا﴾، أي: يذهب عنه المحذور، ويجزل له الثواب على العمل اليسير.\n﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَينَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى (٦) لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ\n_________\n= رواه عبد الله بن أحمد، وفيه المثنى بن الصباح؛ وثقه ابن معين وضعفه الجمهور.\n(^٣٢) - تفسير الطبري (٢٨/ ١٤٣).\n_________\n[¬١]- سقط من ت، ز.","vol":"14","page":39},{"text":"وَمَنْ قُدِرَ عَلَيهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا (٧)﴾\nيقول تعالى آمرًا عباده إذا طلَّق أحدُهم المرأة أن يُسكنها في منزل حتى تنقضي عدتها، فقال: ﴿أسكنوهن من حيث سكنتم﴾، أي: عندكم، ﴿من وجدكم﴾، قال ابن عباس، ومجاهد، وغير واحد: يعني: سَعَتكم حتى قال قتادة: وإن لم تجد إلا جنب بيتك فأسكنها فيه.\nوقوله: ﴿وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيهِنَّ﴾، قال مقاتل بن حيان: يعني يضاجرها لتفتدي منه بمالها أو تخرج من مسكنه.\nوقال الثوري: عن منصور، عن أبي الضحى: ﴿وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيهِنَّ﴾، قال: يطلقها فإذا بقي يومان راجعها.\nوقوله: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾، قال كثير من العلماء منهم ابن عباس، وطائفة من السلف، وجماعات من الخلف: هذه في البائن، إن كانت حاملًا أنفق عليها حتى تضع حملها. قالوا: بدليل أن الرجعية تجب نفقتها سواء كانت حاملًا أو حائلًا.\nوقال آخرون: بل السياق كله في الرجعيات، وإنما نص على الإِنفاق [علي الحامل] [¬١] وإن كانت رجعية؛ لأن الحمل تطول مدته غالبًا، فاحتيج إلى النص علي وجوب الإِنفاق إلى الوضع، لئلا يتوهم أنه [¬٢] إنما تجب النفقة بمقدار مدة العدة.\nواختلف العلماء: هل النفقة لها بواسطة الحمل، أو للحمل وحده؟ علي قولين منصوصين عن الشافعي وغيره، ويتفرع عليها [¬٣] مسائل مذكورة في علم الفروع.\nوقوله: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ﴾، أي: إذا وضعن حملهن وهن طوالق، فقد بنّ بانقضاء عدتهنّ، ولها حينئذ أن ترضع الولد، ولها أن تمتنع منه، ولكن بعد أن تغذيه باللَّبَأ -وهو باكورة اللبن الذي لا قوام للولد غالبًا إلا به- فإن أرضعت استحقت أجرة مثلها، ولها أن تعاقد [أباه أو] [¬٤] وليه على ما يتفقان عليه من أجرة؛ ولهذا قال تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من ز.\n[¬٢]- سقط من ز.\n[¬٣]- في ز: عليهما.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين في ز: \"إياه أي\".","vol":"14","page":40},{"text":"وقوله: ﴿وَأْتَمِرُوا بَينَكُمْ بِمَعْرُوفٍ﴾، أي: ولتكن أموركم فيما بينكم بالمعروف، من غير إضرار ولا مضارة [¬١] كما قال في سورة البقرة: ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ﴾.\nوقوله: ﴿وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾، أي: وإن اختلف الرجل والمرأة، فطلبت المرأة في أجرة الرضاع كثيرًا ولم يجبها الرجل إلى ذلك، أو بذل الرجل قليلًا ولم توافقه عليه فليسترضع [¬٢] له غيرَها. فلو رَضيت الأم بما استؤجرت عليه الأجنبية فهي أحق بولدها.\nوقوله: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾، أي: لينفق علي المولود والده، أو وليه، بحسب قدرته: ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا مَا آتَاهَا﴾، كقوله: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَهَا﴾.\nقال [¬٣] ابن جرير (^٣٣): حدثنا ابن حميد، حدثنا حكام، عن أبي سنان؛ قال: سأل عمر بن الخطاب عن أبي [¬٤] عبيدة، فقيل: إنه يلبس الغليظ من الثياب، ويأكل أخشن المام. فبعث إليه بألف دينار، وقال للرسول: انظر ما يصنع بها إذا هو أخذها: فما لبث أن لبس اللين من الثياب، وأكل أطيب الطعام، فجاء الرسول فأخبره، فقال: ﵀، تأول هذه الآية: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾.\nوقال الحافظ أبو القاسم الطبراني (^٣٤) في معجمه الكبير: حدثنا هاشم بن مرثد الطبراني، حدثنا محمد بن إسماعيل بن عياش، أخبرني أبي أخبرني ضمضم بن زرعة عن شريح بن عبيد عن [¬٥] أبي مالك الأشعري -واسمه الحارث- قال: قال رسول الله ﷺ: \"ثلاثة نفر، كان لأحدهم عشرة دنانير، فتصدق منها بدينار. وكان لآخر عشر أواق، فتصدق منها بأوقية [¬٦]. وكان لآخر مائة أوقية، فتصدق منها بعشر أواق\". فقال رسول الله ﷺ: \"هم في الأجر [¬٧] سواء كلٌّ تصدق بعشر ماله، قال الله تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ هذا حديث غريب من هذا الوجه.\n_________\n(^٣٣) تفسير الطبري (٢٨/ ١٤٩).\n(^٣٤) المعجم الكبير (٣/ ٣٣١) (٣٤٣٩). قال الهيثمي في \"المجمع\" (٣/ ١١٤)، وفيه محمد بن إسماعيل بن عياش وفيه ضعف.\n_________\n[¬١]- في ز: مضاررة.\n[¬٢]- في ز: فلترضع.\n[¬٣]- في ت: روي.\n[¬٤]- سقط من خ.\n[¬٥]- في ز: بن.\n[¬٦]- في ز: \"بوقية.\n[¬٧]- في ز: الآخرة.","vol":"14","page":41},{"text":"وقوله: ﴿سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾: وعدٌ منه تعالى، ووعده حق، وهو لا يخلفه، وهذه كقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٦) [¬١]﴾.\nوقد روي الإمام أحمد (^٣٥) حديثًا يحسن أن نذكره هاهنا، فقال: حدثنا هاشم بن القاسم، حدثنا عبد الحميد بن بهرام، حدثنا شهر بن حوشب؛ قال: قال أبو هريرة: بنا رجل وامرأة له في السلف الخالي لا يقدران على شيء، فجاء الرجل من سفره، فدخل على امرأته جائعًا قد أصاب مَشغَبةٌ [¬٢] شديدة فقال لامرأته: عندك شيء؟ قالت: نعم، أبشر أتاك [¬٣] رزق الله. فاستحثها، فقال: ويحك، ابتغي إن كان عندك شيء. قالت: نعم، هُنَيهة [¬٤]- ترجو رحمة الله - حتى إذا طال عليه الطوى [¬٥] قال: ويحك؟ قومي فابتغي إن كان عندك شيء فأتيني به، فإني قد بلغت وجَهِدتُ. فقالت: نعم، الآن يُنضج التنور فلا تعجل. فلما أن سكت عنها ساعة وتحيّنت أن يقول لها، قالت من عند نفسها: لو قمتُ فنظرت إلى تَنوري؟ فقامَتْ فنظرت إلى تَنورها ملآن جُنوبَ الغنم، [ورَحييها تطحَنان] [¬٦]. فقامت إلى الرحي فنفَضتها، واستخرجت ما في تنورها من جنوب الغنم.\nقال أبو هريرة: فوالذي نفس أبي القاسم بيده هو قول محمد ﷺ: \"لو أخذت ما في رَحْييها [¬٧] ولم تنفضها لطحنتها إلى يوم القيامة\".\nوقال في موضع آخر (^٣٦): حدثنا أبو عامر، حدثنا أبو بكر، عن هشام، عن [¬٨] محمد -هو ابن سيرين- عن أبي هريرة؛ قال: دخل رجل علي أهله، فلما رأي ما بهم من الحاجة خرج إلى البَرية، فلما رأت امرأته قامت إلي الرحي فرضعتها، وإلي التنور فسَجَرته، ثم قالت: اللهم ارزقنا. فنظرت، فإذا الجفنة قد امتلأت، قال [¬٩]: وذهبت إلي التنور فوجدته ممتلئًا، قال: فرجع الزوج، قال: أصبتم بعدي شيئًا؟ قالت امرأته: نعم، من ربنا. قام إلي الرحي، فذكر ذلك للنبي ﷺ فقال النبي ﷺ: \"أما إنه لو لم ترفعها، لم تزل تدور إلي يوم القيامة\".\n_________\n(^٣٥) المسند (٢/ ٤٢١). قال الهيثمي في \"المجمع\" (١٠/ ٢٦٠): رواه أحمد ورجاله وثقوا.\n(^٣٦) المسند (٢/ ٥١٣). قال الهيثمي (١٠/ ٢٦٠): رواه أحمد والبزار والطبراني في الأوسط بنحوه، ورجالهم رجال الصحيح غير شيخ البزار وشيخ الطبراني وهما ثقتان.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من ز.\n[¬٢]- في ت: \"مصبغة\"، وفي ز: \"مسبغة\"، والمثبت من المسند.\n[¬٣]- في ز: أنالي.\n[¬٤]- في خ: هنية.\n[¬٥] في ز: الطول.\n[¬٦]- ما بين المعكوفتين في ز: \"ورحبتها يطحنان\".\n[¬٧]- في ز: رحيها.\n[¬٨]- في ز: بن.\n[¬٩] في ز: قالت.","vol":"14","page":42},{"text":"﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا (٨) فَذَاقَتْ وَبَال أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا (٩) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فَاتَّقُوا اللَّهَ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيكُمْ ذِكْرًا (١٠) رَسُولًا يَتْلُو عَلَيكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَي النُّورِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا (١١)﴾\nيقول تعالى متوعدًا لمن خالف أمره، وكذب رسله، وسلك غير ما شرعه، ومخبرًا عما حل بالأمم السالفة بسبب ذلك، فقال: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا [وَرُسُلِهِ] [¬١]﴾، أي: تمردت وطغَت واستكبرت عن اتباع أمر الله ومتابعة رسله، ﴿فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا﴾، أي: منكرًا فظيعًا.\n﴿فَذَاقَتْ وَبَال أَمْرِهَا﴾، أي: غبّ مخالفتها، وندموا حيث لا ينفع الندم، ﴿وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا (٩) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾، أي: في الدار الآخرة، مع ما عَجَّل لهم في الدنيا.\nثم قال بعد ما قَص من خبر هؤلاء: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ﴾، أي: الأفهام المستقيمة، لا تكونوا مثلهم فيصيبكم ما أصابهم يا أولي الألباب، ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾، أي: صدقوا بالله ورسله، ﴿قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيكُمْ ذِكْرًا﴾، يعني القرآن. كقوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ] [¬٢]﴾ وقوله: ﴿رَسُولًا يَتْلُو عَلَيكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ﴾ قال بعضهم: ﴿رَسُولًا﴾ منصوب على أنه بدل اشتمال وملابسة؛ لأن الرسول هو الذي بلغ الذكر.\nوقال ابن جرير: الصواب أن الرسول ترجمة عن الذكر يعني تفسيرًا له؛ ولهذا قال: ﴿رَسُولًا يَتْلُو عَلَيكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ﴾، أي: في حال كونها بينة واضحة جلية ﴿لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾، كقوله: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ وقال تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [. أي: من ظلمات الكفر والجهل إلى نور الإِيمان والعلم. وقد سمى\n_________\n[¬١]- سقط من ز.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من ز.","vol":"14","page":43},{"text":"الله تعالى الوحي الذي أنزله نورًا؛ لما يحصل به من الهدي، كما سماه روحًا؛ لما يحصل به من حياة القلوب، فقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَينَا إِلَيكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [¬١].\nوقوله: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا﴾. قد تقدم تفسير مثل هذا غير مَرّة، بما أغنى عن إعادته.\n﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَينَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيءٍ عِلْمًا (١٢)﴾\nيقول تعالى مخبرًا عن قدرته التامة وسلطانه العظيم، ليكون ذلك باعثًا على تعظيم ما شرع من الدين القويم: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾، كقوله إخبارًا عن نوح: إنه قال لقومه: ﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا (١٥)﴾. وقال تعالى: ﴿تسبح له السماوات السبع [والأرض ومن فيهن] [¬٢]﴾.\nوقوله: ﴿وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾، أي: سبعًا أيضًا، كما ثبت في الصحيحين (^٣٧): \" من ظلم قيدَ شِبر من الأرضِ طوّقه من سبع أرضين\"، وفي صحيح البخاري (^٣٨): \" خُسِف به إلى سبع أرضين\"، وقد ذَكرتُ طرقه وألفاظه وعزوه في أول \"البداية والنهاية\" عند ذكر خلق الأرض وللَّه الحمد والمنة.\nومن حمل ذلك علي سبعة أقاليم، فقد أبعد النّجعة، وأغرق في النزع [¬٣]، وخالف القرآن والحديث بلا مستند. وقد تقدم في \"سورة الحديد\" عند قوله: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾ ذكر الأرضين السبع، وبعد ما بينهن، وكثافة كل واحدة منهن [خمسمائة عام] [¬٤]. وهكذا قال ابن مسعود وغيره، وكذا الحديث الآخر: \"ما السماوات السبع وما\n_________\n(^٣٧) أخرجه البخاري في كتاب: الظالم، باب: إثم من ظلم شيئًا من الأرض، حديث (٢٤٥٣) (٥/ ١٠٣)، وطرفه في (٣١٩٥). ومسلم في كتاب: البيوع، باب: تحريم الظلم وغصب الأرض وغيرها، حديث (١٤٢/ ١٦١٢)، (١١/ ٧١) كلاهما من حديث عائشة ﵂ وفي الصحيحين في نفس الموضع عن غيرها من الصحابة.\n(^٣٨) أخرجه البخاري في كتاب: بدء الخلق، باب: ما جاء في سبع أرضين، حديث (٣١٩٦) (٦/ ٢٩٢ - ٢٩٣).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من ز، خ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من ز.\n[¬٣]- في ز: الشرع.\n[¬٤]- ما بين المعكوفتين مكرر في ز.","vol":"14","page":44},{"text":"فيهن وما بينهن والأرضون [¬١] السبع وما فيهن وما بينهن في الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة\" (^٣٩).\nوقال ابن جرير (^٤٠): حدثنا عمرو بن عليّ، حدثنا وكيع، حدثنا الأعمش، عن إبراهيم بن مُهاجر، عن مجاهد، عن ابن عباس في قوله: ﴿سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾، قال: لو حدثتكم بتفسيرها لكفرتم، وكفركم [¬٢] تكذيبكم بها.\nوحدثنا ابن حميد (^٤١)، حدثنا يعقوب بن عبد الله بن سعد القُمّي [¬٣] الأشعري، عن جعفر بن أبي المغيرة الخزاعي، عن سعيد بن جبير، قال: قال رجل لابن عباس: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ. . .﴾ الآية، فقال ابن عباس: ما يؤمنك إن أخبرتك بها فتكفر.\nوقال ابن جرير (^٤٢): حدثنا عمرو بن عليّ، ومحمد بن المثنى؛ قالا: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن عمرو بن مُرَّة، عن أبي الضحى، عن ابن عباس في هذه الآية: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾، قال عمرو: قال: في كل أرض مثل إبراهيم، ونحو ما على الأرض من الخلق. وقال ابن المثنى في حديثه: في كل سماء إبراهيم.\nوقد روى البيهقي (^٤٣) في كتاب \"الأسماء والصفات\" هذا الأثر عن ابن عباس بأبسط من هذا، فقال: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، وحدثنا أحمد بن يعقوب، حدثنا عبيد بن غنام النخعي، أخبرنا عليّ بن حكيم، حدثنا شريك، عن عطاء بن السائب، عن أبي الضحى، عن ابن عباس أنه قال: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾، قال: سبع أرضين، في كل أرض نبي كنبيكم، وأدم كآم، ونوح كنوح، وإبراهيم كإبراهيم، وعيسي كعيسي.\n_________\n(^٣٩) أورده المصنف في البداية والنهاية (١/ ١٤ - ١٥) وعزاه إلى ابن مردوية من طريق الطبراني بنحو ذلك من حديث أبي ذر. وأخرجه أبو الشيخ في \"العظمة\" (٢/ ٥٨٧) (٢٢٠) من حديث أبي ذر أيضًا بنحو حديث إلى مردويه.\n(^٤٠) تفسير الطبري (٢٨/ ١٥٣).\n(^٤١) تفسير الطبري (٢٨/ ١٥٣).\n(^٤٢) تفسير الطبري (٢٨/ ١٥٣).\n(^٤٣) الأسماء والصفات (٢/ ٢٦٧) (٨٣١).\n_________\n[¬١]- في ز: والأرضين.\n[¬٢]- في ز: وكفرتم.\n[¬٣]- في: اللّمي.","vol":"14","page":45},{"text":"ثم رواه البيهقي من حديث شعبة، عن عمرو بن مرة، عن أبي الضحى، عن ابن عباس في قول الله ﷿: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾، قال: في كل أرض نحو إبراهيم ﵇.\nثم قال البيهقي: إسناد هذا عن ابن عباس صحيح وهو شاذ بمرة، لا أعلم لأبي الضحى عليه متابعًا، والله أعلم.\nقال الإِمام أبو بكر عبد الله بن محمد بن أبي الدنيا القرشي في كتابه \"التفكر [¬١] والاعتبار\": حدثني إسحاق بن حاتم المدائني، حدثنا يحيى بن سليمان، عن عثمان بن أبي دهرش؛ قال: بلغني أن رسول الله ﷺ انتهى إلى أصحابه وهم سكوت لا يتكلمون، فقال: \"ما لكم لا تتكلمون؟ \" فقالوا: نتفكر في خلق الله ﷿. قال: \"فكذلك فافعلوا، تفكروا في خلقه ولا تفكروا فيه، فإن بهذا المغرب أرضًا بيضاء، نورها ساحتها -أبي قال: ساحتها نورها- مسيرة الشمس أربعين يومًا، بها [خلقٌ من خلقِ] [¬٢] الله لم يعصُوا الله طَرفة عين قطّ\". قالوا: فأين الشيطان عنهم؟ قال: \"ما يدرون خلق الشيطان أم لم يخلق\". قالوا: أمن ولد آدم؟ قال: \"ما يدرون خلق آدم أم لم يخلق\".\nوهذا حديث مرسل، وهو منكر جدًّا، وعثمان بن أبي دهرش ذكره ابن أبي حاتم في كتابه فقال: روي عن رجل من آل الحكم بن أبي العاص، وعنه سفيان بن عيينة، ويحيى بن سليم الطائفي، وابن المبارك، سمعت أبي يقول ذلك.\n[آخر [تفسير سورة] [¬٣] الطلاق].\n* * *\n_________\n[¬١]- في ز، خ: التفكير.\n[¬٢]- في ت: \"خلق\".\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من ز.","vol":"14","page":46},{"text":"<span data-type='title' id=toc-187>تفسير سورة التحريم وهي مدنية</span>\n﷽\n﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١) قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٢) وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَي بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَال نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ (٣) إِنْ تَتُوبَا إِلَي اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ (٤) عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا (٥)﴾\nاختُلف في سبب نزول صدر هذه السورة، فقيل: نزلت في شأن مارية، وكان رسول الله ﷺ قد حرمها، فنزل قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ﴾ الآية. قال أبو عبد الرحمن النسائي (^١): أخبرنا إبراهيم بن يونس بن محمد، حدثنا أبي، حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس: أن رسول الله ﷺ كانت له أمة يطؤها، فلم تزل به عائشة وحفصة حتى حَرّمها، فأنزل الله ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ إلى آخر الآية.\nوقال ابن جرير (^٢): حدثني ابن عبد الرحيم البرقي، حدثنا ابن أبي مريم، حدثنا أبو غسان، حدثني زيد بن أسلم: أن رسول الله ﷺ أصاب أم إبراهيم في بيت بعض نسائه، فقالت: أي رسول الله، في بيتي وعلى فراشي؟! فجعلها عليه حرامًا.\n_________\n(^١) صحيح، أخرجه النسائي في الكبرى في كتاب: التفسير، باب: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾، حديث (١١٦٠٧) (٦/ ٤٩٥). وأخرجه الحاكم (٣/ ٤٩٣) وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. وصححه الحافظ في الفتح (٩/ ٣٧٦). وزاد السيوطي في الدر نسبته على ابن مردويه.\n(^٢) تفسير الطبري (٢٨/ ١٥٥).","vol":"14","page":47},{"text":"فقالت: أي رسول الله، كيف يَحْرُم عليك الحلال [¬١]؟ فحلف لها بالله لا يصيبها. فأنزل الله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾. قال زيد: فقوله: \"أنت عليَّ حرام\" لغوٌ. وهكذا روي عبد الرحمن بن زيد، عن أبيه.\nوقال ابن جرير أيضًا: حدثنا يونس، أخبرنا ابن وهب، عن مالك، عن زيد بن أسلم قال: قال لها: \"أنت عليّ حرام ووالله لا أطؤك\". وقال سفيان الثوري (^٣) وابن عُليَّة [¬٢] (^٤)، عن داود بن أبي هند، عن الشعبي، عن مسروق قال: آلى رسول الله ﷺ وحَرّم فعُوتبَ في التحريم، وأمر بالكفارة في اليمين. رواه ابن جرير. وكذا روي عن قتادة، وغيره، عن الشعبي، نفسُه. وكذا قال غير واحد من السلف، منهم الضحاك، والحسن، وقتادة، ومقاتل بن حيان، وروي العوفي عن ابن عباس القصة مطولة.\nوقال ابن جرير (^٥): حدثنا سعيد بن يحيى، حدثنا أبي، حدثنا محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن عُبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس قال: قلت لعمر بن الخطاب: من المرأتان؟ قال: عائشة وحفصة. وكان بدء الحديث في شأن أم إبراهيم القبطية، أصابها النبي ﷺ في بيت حفصة في نوبتها، فَوَجدت حفصة، فقالت: يا نبي الله، لقد جئت إليّ شيئًا ما جئت إلى أحد من أزواجك في يومي، وفي دوري، وعلى فراشي. قال: \"ألا ترضين أن أحرّمها فلا أقربها؟ \" قالت: بلى. فحرّمها، وقال: \"لا تذكري ذلك لأحد\". فذكرته لعائشة، فأظهره الله عليه، فأنزل الله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ﴾ … الآيات، فبلغنا: أن رسول الله ﷺ كفر يمينه، وأصاب [¬٣] جاريته.\nوقال الهيثم بن كليب في مسنده: حدثنا أبو قلابة عبد الملك بن محمد الرقاشي، حدثنا مسلم بن إبراهيم حدثنا جرير بن حازم، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر قال: قال النبي ﷺ لحفصة: \"لا تخبري أحدًا، وإن أم إبراهيم، عليّ حرام\". فقالت: أتحرم ما أحل الله لك؟ قال: \"فوالله لا أقربها\". قال: فلم يقربها حتى أخبرت عائشة. قال: فأنزل الله: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيمَانِكُمْ﴾.\nوهذا إسناد صحيح، ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة، وقد اختاره الحافظ\n_________\n(^٣) تفسير الطبري (٢٨/ ١٥٦).\n(^٤) تفسير الطبري (٢٨/ ١٥٦).\n(^٥) تفسير الطبري (٢٨/ ١٥٨).\n_________\n[¬١]- سقط من ز، خ.\n[¬٢]- في ز، خ: عيينة.\n[¬٣]- في ز: واحتاب.","vol":"14","page":48},{"text":"الضياء المقدسي في كتابه المستخرج.\nوقال ابن جرير (^٦): حدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن علية، حدثنا هشام الدستوائي قال: كتب إلي يحيي يحدّث عن يعلى [¬١] بن حكيم، عن سعيد بن جبير: أن ابن عباس كان يقول في الحرام: يمين تكفرها، وقال ابن عباس: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة﴾، يعني: أن رسول الله حرم جاريته فقال الله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ إلى قوله: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيمَانِكُمْ﴾، فكفر يمينه، فصير الحرام يمينًا.\nورواه البخاري (^٧) عن معاذ بن فضالة، عن هشَام -هو الدستوائي-، عن يحيى -هو ابن أبي كثير-، عن ابن حكيم -وهو يَعلى-، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في الحرام: يمين تُكَفر. قال ابن عباس: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة﴾.\nورواه مسلم (^٨) من حديث هشام الدّستوائي به، وقال النسائي (^٩): أخبرنا عبد الله بن عبد الصمد بن عليّ، حدثنا مخلد -هو ابن يزيد-، حدثنا سفيان، عن سالم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: أتاه رجل فقال: إني جعلت امرأتي عليّ حَرَامًا؟ قال: كذبتَ ليست عليك بحرام، ثم تلا هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ عليك [¬٢] أغلظ الكفارات، عتق رقبة.\nتفرد به النسائي من هذا الوجه بهذا اللفظ. وقال الطبراني (^١٠): حدثنا محمد بن زكرّيا، حدثنا عبد الله بن رجاء، حدثنا إسرائيل، عن مسلم، عن مجاهد، عن ابن عباس في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ قال: حرم رسول الله ﷺ سُرّيَّته.\nومن هاهنا ذهب من ذهب من الفقهاء ممن قال بوجوب الكفارة علي من حَرّم جاريته أو زوجته، أو طعامًا أو شرابًا، أو ملبسًا، أو شيئًا من المباحات. وهو مذهب الإِمام أحمد\n_________\n(^٦) تفسير الطبري (٢٨/ ١٥٧).\n(^٧) صحيح البخاري، كتاب: التفسير، باب: سورة التحريم (١)، حديث (٤٩١١) (٨/ ٦٥٦).\n(^٨) صحيح مسلم، كتاب: الطلاق، باب: وجوب الكفارة على من حرم امرأته ولم ينو الطلاق (١٨/ ١٤٧٣) (١٠/ ١٠٦).\n(^٩) سنن النسائي (٦/ ١٥١) كتاب: الطلاق، باب: تأويل قوله- ﷿: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾.\n(^١٠) المعجم الكبير (١١/ ٨٦) (١١١٣٠). قال الهيثمي في \"المجمع\" (٧/ ١٢٩): رواه البزار بإسنادين والطبراني، ورجال البزار رجال الصحيح غير بشر بن آدم الأصغر وهو ثقة.\n_________\n[¬١]- في ز: يحيى.\n[¬٢]- في ز: \"و\". سقط من خ.","vol":"14","page":49},{"text":"وطائفة. وذهب الشافعي إلى أنه لا تجب الكفارة فيما عدا الزوجة والجارية، إذا حَرّم عينيهما أو أطلق التحريم فيهما في قوله، فأما إن نوى بالتحريم طلاقَ الزوجة أو عتق الأمة، نفذ فيهما.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثني أبو عبد الله الظهراني، أخبرنا حفص بن عمر العدني، أخبرنا الحكم بن أبان، حدثنا عكرمة، عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ في المرأة التي وهبت نفسها للنبي ﷺ. وهذا قول غريب والصحيح. أن ذلك كان في تحريمه العسل كما قال البخاري (^١١) عند هذه الآية:\nحدثنا إبراهيم بن موسى، أخبرنا هشام بن يوسف، عن ابن جريج، عن عطاء، عن عبيد بن عمير، عن عائشة قالت: كان النبي ﷺ يشرب عسلًا عند زينب بنت جَحش، ويمكث عندها، فتواطأت أنا وحفصة على أيتنا دخل عليها، فلتقل [¬١] له: أكلت مغافير؟ إني أجد منك ريح مغافير قال: \"لا، ولكني كنت أشرب عسلًا عند زينب بنت جحش فلن أعود له، وقد حلفت، لا تخبري بذلك أحدًا [¬٢] \"، ﴿تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ﴾ هكذا أورد هذا الحديث هاهنا بهذا اللفظ، وقال في كتاب الإيمان والنذور (^١٢): حدثنا الحسن بن محمد، حدثنا الحجاج، عن ابن جريج قال: زعم عطاء أنه سمع عُبَيد بن عمير يقول: سمعتُ عائشة تزعم: أن رسول الله ﷺ كان يمكث عند زينب بنت جَحش ويشرب عندها عَسَلًا، فتواصيتُ [¬٣] أنا وحفصة أن أيتُنا دخل عليها النبي ﷺ فَلْتقُلْ: إني أجد منك ريح مغافير؛ أكلت مغافير؟ فدخل على إحداهما النبي ﷺ فقالت ذلك له، فقال: \"لا، بل شربت عسلًا عند زينب بنت جَحش، ولن أعود له\"، فنزلت: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ إلى: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ لعائشة وحفصة ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا﴾ لقوله: \"بل شربت عسلًا\". وقال إبراهيم ابن موسى، عن هشام: \"ولن أعود له، وقد حلفت، فلا تخبري [¬٤] بذلك أحدًا\".\nوهكذا رواه في كتاب الطلاق (^١٣) بهذا الإسناد ولفظه قريب منه. ثم قال: المغافير: \"شبيه بالصمغ، يكون في الرمت فيه حلاوة، أغفر الرّمث. إذا ظهر فيه. واحدها مُغفور، ويقال:\n_________\n(^١١) صحيح البخاري، كتاب: التفسير، باب: (٦٦ - ١)، حديث (٤٩١٢) (٨/ ٦٥٦) وأطرافه في: [٥٢١٦، ٥٢٦٧، ٥٢٦٨، ٥٤٣١، ٥٥٩٩، ٥٦١٤، ٥٦٨٢، ٦٦٩١، ٦٩٧٢].\n(^١٢) صحيح البخاري، كتاب: الإيمان والنذور، باب: إذا حرم طعامًا، حديث (٦٦٩١) (١١/ ٥٧٤).\n(^١٣) صحيح البخاري، كتاب: الطلاق، باب: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾، حديث (٥٢٦٧).\n_________\n[¬١]- في ت: فلنقل.\n[¬٢]- في ز، خ: واحدًا.\n[¬٣]- في خ: فتواطأت.\n[¬٤]- في ز، خ: تخبرين.","vol":"14","page":50},{"text":"مغاثير [¬١] \". وهكذا قال الجوهري، قال: \"وقد يكون المغفور أيضًا للعُشر والثُّمام والسَّلَم والطلح\" قال: والرمّث، بالكسر: مرعى من مراعي الإِبل، وهو من الحَمْض. قال: والعرفط: شجر من العضاه ينضَح المغفُور منه [¬٢].\nوقد روي مسلم (^١٤) هذا الحديث في كتاب \"الطلاق\" من صحيحه، عن محمد بن حاتم، عن حجاج بن محمد، عن ابن [¬٣] جريج، أخبرني عطاء، عن عُبيد بن عمير، عن عائشة، به. ولفظه كما أورده البخاري في الإيمان والنذور.\nثم قال البخاري (^١٥) في كتاب الطلاق: حدثنا فروة بن أبي المغراء، حدثنا عليّ بن مُسهر، عن هشام بن عُروة، عن أبيه عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ يحب الحَلوى والعَسل، وكان إذا انصرف من العصر دخل على نسائه، فيدنو من إحداهن. فدخل على حفصة بنت عمر فاحتبس أكثر ما كان يحتبس، فَغرْتُ فسألت عن ذلك، فقيل لي: أهدت لها امرأة من قومها عُكَّة عَسَل، فسقت النبي ﷺ منه شربة، فقلت: أما والله لنحتالن له. فقلت لسودة بنت زَمْعَة: إنه سيدنو منك، فإذا دنا منك فقوله: أكلت مغَافير؟، فإنه سيقول لك: لا. فقولي له: ما هذه الريح التي أجد؟ فإنه سيقول لك: سقتني حفصة شربة عسل. فقوله: جَرَسَتْ نحلُه العُرفُطَ. وسأقول ذلك، وقولي أنت له يا صفية ذلك [¬٤]، قالت: تقول سودة: فوالله [¬٥] ما هو إلا أن قام على الباب، فأردت أن أناديه بما أمرتني فرقًا منك، فلما دنا منها قالت له سودة: يا رسول الله، أكلت مغافير؟ قال: \"لا\". قالت: فما هذه الريح التي أجد منك؟ قال \"سقتني حفصة شَربة عسل\". قالت: جَرَسَت نَحْلُه العرفطَ. فلما دار إليّ قلت نحو ذلك، فلما دار إلى صفية قالت له مثل ذلك، فلما دار إلى حفصة قالت له: يا رسول الله، ألا أسقيك منه؟ قال: \"لا حاجة لي فيه\".\nقالت تقول سودة: والله لقد حَرَمْنَاه. قلت لها: اسكتي.\nهذا لفظ البخاري. وقد رواه مسلم (^١٦) عن سُويد بن سَعيد، عن عليّ بن مسهر [¬٦]، به.\n_________\n(^١٤) صحيح مسلم في كتاب: الطلاق، باب: وجوب الكفارة على من حرم امرأته ولم ينو الطلاق، حديث (٢٠/ ١٤٧٤) (١٠/ ١٠٨ - ١٠٩).\n(^١٥) صحيح البخاري في كتاب: الطلاق، باب: ﴿لم تحرم ما أحل الله لك﴾، حديث (٥٢٦٨) (٩/ ٣٧٤ - ٣٧٥).\n(^١٦) صحيح مسلم في كتاب: الطلاق، باب: وجوب الكفارة على من حرم امرأته ولم ينو الطلاق، حديث (٢١ م / ١٤٧٤) (١٠/ ١١٢).\n_________\n[¬١]- في ت: مغافير. والمثبت من ز.\n[¬٢]- سقط من ز، خ.\n[¬٣]- سقط من ز، خ.\n[¬٤]- في ز ذاك.\n[¬٥]- في ز: والله.\n[¬٦]- في خ: بهز.","vol":"14","page":51},{"text":"وعن أبي كريب وهارون بن عبد الله والحسن بن بشر (^١٧)، ثلاثتهم عن أبي أسامة حماد بن أسامة، عن هشام بن عروة، به. وعنده: قالت: وكان رسول الله ﷺ يشتد عليه أن يوجد منه الريح -يعني: الريح الخبيثة- ولهذا قلن له: أكلت مغافير، لأن ريحها فيه شيء. فلما قال: \"بل شربت عسلًا\". قلن: جَرَست نحلُه العرفطَ. أي: رَعَت نحلُه شَجَر العرفط الذي صَمغه المغافير، فلهذا ظهر ريحه في العسل الذي شربته.\nقال الجوهري: جرست النحل العرفط تجرس [¬١]،: إذا أكلته ومنه قيل للنحل: جوارس، قال الشاعر:\n* تَظَلّ عَلَى الثَّمرَاء مِنها جَوَارسُ*\nوقال: الجَرْس والجِرْس: الصوت الخفي. ويقال: سمعت جرس [الطير: إذا سمعت صوت مناقيرها على شيء تأكله، وفي الحديث: \"فيسمعون جَرْس] [¬٢] طير الجنة\". قال الأصمعي: كنت في مجلس شُعبة قال: \"فيسمعون جَرْش طير الجنة\" بالشين، فقلت: \"جرس\" فنظر إليّ وقال [¬٣]: خذوها عنه، فإنه أعلم بهذا منا.\nوالغرض أن هذا السياق فيه [¬٤]: أن حفصة هي الساقية للعسل، وهو من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن خالته عائشة. وفي طريق ابن جريج، عن عطاء، عن عبيد بن عمير، عن عائشة: أن زينب بنت جحش هي التي سقت العسل، وأن عائشة وحفصة تواطأتا [¬٥] وتظاهرتا عليه، فالله أعلم. وقد يقال: إنهما واقعتان، ولا بُعدَ في ذلك، إلا أن كونَهما سببًا لنزول هذه الآية فيه نظر، والله أعلم.\nومما يدل علي أن عائشة وحفصة ﵄ هما المتظاهرتان الحديث الذي رواه الإمام أحمد (^١٨) في مسنده حيث قال: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزهري، عن عُبَيد الله بن عبد الله بن أبي ثور، عن ابن عباس قال: لم أزل حريصًا علي أن أسأل عمر عن المرأتين من [¬٦] أزواج النبي ﷺ اللتين قال الله تعالى: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾، حتى حج عمر وحججت معه، فلما كان ببعض الطريق عدل عمر وعدلت معه بالإداوة، فتبرّز ثم، أتاني، فسكبت على يديه فتوضأ، فقلت: لها أمير المؤمنين، من المرأتان من أزواج النبي ﷺ اللتان قال الله تعالى: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ\n_________\n(^١٧) صحيح مسلم في الموضع السابق (٢١/ ١٤٧٤) (١٠/ ١٠٩ - ١١٢).\n(^١٨) المسند (١/ ٣٣ - ٣٤) (٢٢٢).\n_________\n[¬١]- سقط من خ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من ز، خ.\n[¬٣]- في ت: وقال: والمثبت من.\n[¬٤]- سقط من خ.\n[¬٥]- في ز: تواصّتا.\n[¬٦]- في ز، خ: في.","vol":"14","page":52},{"text":"قُلُوبُكُمَا﴾؟ فقال عمر: واعجبًا لك يا ابن عباس -قال الزهري: كره والله ما سأله [¬١] عنه ولم يكتمه- قال: هي حفصة وعائشة. قال: ثم أخذ يسوق الحديث قال: كنا مَعشر قريش قومًا نغلبُ النساء، فلما قدمنا المدينة وجدنا قومًا تَغلبهم نساؤهم، فطفق نساؤنا يتعلمن من نسائهم، قال: وكان منزلي في دار بني [¬٢] أمية بن زيد بالعَوَالي، قال [¬٣]: فغضِبَت يومًا [¬٤] عليّ امرأتي فإذا [¬٥] هي تراجعني، فأنكرت أن تُراجِعني، فقالت: ما تنكر أن أراجعك؟ فوالله إن أزواج النبي ﷺ ليراجعنه، وتهجره إحداهن اليوم إلى الليل. قال: فانطلقت فدخلت على حفصة فقلت: أتراجعين رسول الله ﷺ؟! قالت: نعم. قلت: وتهجره إحداكن اليوم إلي الليل؟ قالت: نعم. قلت: قد خاب من فعل ذلك منكن وخَسر، أفتأمنُ إحداكن أن يغضب الله عليها لغضب رسوله، فإذا هي قد هلكت؟! لا تراجعي رسول الله ولا تسأليه شيئًا، وسليني من مالي ما بدا لك، ولا يغرنك أن كانت جارتك هي أوسمُ وأحب إلى رسول الله ﷺ منك -يريد عائشة- قال: وكان لي جار من الأنصار، وكنا نتناوب النزول إلى رسول الله ﷺ ينزل يومًا وأنزل يومًا، فيأتيني بخبر الوحى وغيره، وآتيه بمثل ذلك. قال: وكنا نتحدث أن غَسّان تُنعِل الخيل لتغزونا، فنزل صاحبي يومًا ثم أتى عشاءً، فضرب بابي ثم ناداني، فخرجت إليه فقال: حدث أمر عظيم! فقلت: وما ذاك؟ أجاءت غسان؟ قال: لا، بل أعظم من ذلك وأطول! طلَّق رسول الله ﷺ نساءه. فقلت: قد خابت حفصةُ وخَسِرت، قد كنت أظن هذا كائنًا. حتى إذا صليتُ الصبح شددتُ علي ثيابي ثم نزلت، فدخلت على حفصة وهي تبكي فقلت: أطلقَكن رسول الله ﷺ؟ فقالت: لا أدري، هو هذا معتزل في هذه المشْرَبة. فأتيت غلامًا له أسود فقلت: استأذن لعمر. فدخل الغلام ثم خرج إليّ فقال: ذكرتك له فصمت. فانطلقت حتى أتيت المنبر، فإذا عنده رهط جلوس يبكي بعضهم، فجلست عنده [¬٦] قليلًا، ثم غلبني ما أجد، فأتيت الغلام فقلت: استأذن لعمر. فدخل ثم خرج فقال: [] [¬٧] ذكرتك له فصمت. فخرجت فجلست إلى المنبر، ثم غلبني ما أجد فأتيت الغلام فقلت: استأذن لعمر. فذخل ثم خرج إلي فقال: قد ذكرتك له فصمت. فوليت مدبرًا، فإذا الغلام يدعوني فقال: ادخل، قد أذن لك. فدخلتُ فسلمتُ على رسول الله ﷺ؛ فإذا هو متكئ على رمال حصير.\nقال الإمام أحمد: وحدثَناه يعقوب في حديث صالح قال [¬٨]: رُمَال حصير قد أثر في جنبه، فقلت: أطلّقت يا رسول الله نسائك؟ فرفع رأسه إليّ [وقال: \"لا\"] [¬٩]، فقلت:\n_________\n[¬١]- في ت: سألته. والمثبت من ز، خ.\n[¬٢]- سقط من ز، خ.\n[¬٣]- سقط من خ.\n[¬٤]- سقط من خ.\n[¬٥]- في ز، خ: فلما.\n[¬٦]- سقط من ت، ز.\n[¬٧]- في ت: فقد.\n[¬٨]- سقط من ت.\n[¬٩]- ما بين المعكوفتين سقط من ز.","vol":"14","page":53},{"text":"الله أكبر، لو رأيتنا يا رسول الله وكنا معشر قريش قومًا نغلب النساء، فلما قدمنا المدينة وجدنا قومًا تغلبهم نساؤهم، فطفق نساؤنا يتعلمن من نسائهم، فغضبت عليّ امرأتي يومًا فإذا هي تراجعني، فأنكرت أن تراجعني، فقالت: ما تنكر أن أراجعك؟ فوالله إن أزواج النبي ﷺ ليراجعنه، وتهجره إحداهن اليوم إلى الليل. فقلت: قد خاب من فعل ذلك منكن وخسر [¬١]، أفتأمنُ إحداكن أن يغضب الله عليها لغضب رسوله، فإذا هي قد هلكت. فتبسم رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله، فَدخَلت [¬٢] علي حفصة فقلت: لا يغرّنّك أن كانت جارتُك هي أوسَم -أو [¬٣]: أحب- إلى رسول الله ﷺ منك [¬٤]. فتبسم أخرى.\nفقلت: أستأنس يا رسول الله؟ قال: \"نعم\". فجلست فرفعت رأسي في البيت، فوالله ما رأيت في البيت شيئًا يرد البصر إلا أهَبَةٌ ثلاثة فقلت: ادع الله يا رسول الله أن يوسع على أمتك، فقد وسَّع على فارس والروم، وهم لا يعبدون الله. فاستوى جالسًا وقال: \"أفي شك أنت يا ابن الخطاب؟! أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم في الحياة الدنيا؟. فقلت: استغفر لي يا رسول الله. وكان أقسم أن لا يدخل عليهن شهرًا من شدة موجدته عليهن حتى عاتبه الله ﷿.\nوقد رواه البخاري (^١٩) ومسلم والترمذي والنسائي، من طرق، عن الزهري به.\nوأخرجه الشيخان (^٢٠) من حديث يحيى بن سعيد الأنصاري، عن عُبيد بن حُنَين، عن ابن عباس، قال: مكثت سنة أريد أن أسأل عمر بن الخطاب عن آية، فما أستطيع أن أسأله هيبةً له، حتى خرج حاجًّا فخرجت معه، فلما رجعنا وكنا ببعض الطريق، عدل إلى الآرَاك لحاجة له، قال: فوقفت حتى فرغ، ثم سرت معه، فقلت: يا أمير المؤمنين، من المرأتان [¬٥] اللتان تظاهرتا على [¬٦] النبي ﷺ؟.\n_________\n(^١٩) صحيح البخاري، كتاب: المظالم، باب: (٢٥)، حديث (٢٤٦٨) (٥/ ١١٦) وأطرافه في [٨٩، ٤٩١٣، ٤٩١٤، ٤٩١٥، ٥١٩١، ٥٢١٨، ٥٨٤٣، ٧٢٥٦، ٧٢٦٣]. ومسلم في كتاب: الطلاق، باب: في الإيلاء واعتزال النساء وتخييرهن، حديث (٣٤/ ١٤٧٩) (١٢٨/ ١٠ - ١٣١). والترمذي في كتاب: التفسير، باب: ومن سورة التحريم، حديث (٣٣١٥) (٩/ ٥٥ - ٥٨). والنسائي (٤/ ١٣٧ - ١٣٨).\n(^٢٠) صحيح البخاري، كتاب: التفسير، باب: تبتغي مرضاة أزواجك …، حديث (٤٩١٣) (٨/ ٦٥٧ - ٦٥٨). وأطرافه في [٤٩١٤، ٤٩١٥، ٥٢١٨، ٥٨٤٣، ٧٢٥٦، ٧٢٦٣]. ومسلم في كتاب: الطلاق، حديث (٣١، ٣٢، ٣٣/ ١٤٧٩) (١٠/ ١٢٢) وما بعدها.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: وخسرت.\n[¬٢]- في خ: قد دخلت.\n[¬٣]- في ز: و.\n[¬٤]- سقط من ز.\n[¬٥]- سقط من ت، ز.\n[¬٦]- في ز: من.","vol":"14","page":54},{"text":"هذا لفظ البخاري، ولمسلم: من المرأتان اللتان قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيهِ﴾؟ قال: عائشة وحفصة. ثم ساق الحديث بطوله، ومنهم من اختصره.\nوقال مسلم (^٢١) أيضًا: حدثني زهير بن حرب، حدثنا عمر بن يونس الحنفي، حدثنا عكرمة بن عمار، عن سماك بن الوليد -أبي زميل-، حدثني عبد الله بن عباس، حدثني عمر بن الخطاب قال: لما اعتزل نبي الله ﷺ نساءه، دخلت المسجد فإذا الناس يَنكُتُون بالحصي، ويقولون: طلق رسول الله ﷺ نساءه! وذلك قبل أن يؤمرَ بالحجاب. فقلت: لأعلمن ذلك اليوم … فذكر الحديث في دخوله على عائشة وحفصة، ووعظه إياهما، إلى أن قال: فدخلت فإذا أنا برباح غلام رسول الله ﷺ على أسكُفّة المشربة، فناديت فقلت: يا رباح، استأذن لي على رسول الله ﷺ … فذكر نحو ما تقدم، إلى أن قال: فقلت: يا رسول الله، ما يَشُقّ عليك من أمر النساء، فإن كنت طلقتهن فإن الله معك وملائكته وجبريل وميكائيل، وأنا وأبو بكر والمؤمنون معك، وقلما تكلمتُ -وأحمد الله- بكلام إلا رجوتُ أن يكون الله يصدق قولي، ونزلت هذه الآية، آية التخيير: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيرًا مِنْكُنَّ﴾ ﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾. فقلت: أطلقتهن؟ قال: \"لا\" … فقمت على باب المسجد فناديت بأعلى صوتي: لم يطلق نساءه، ونزلت هذه الآية: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَو الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾، فكنت أنا استنبطت ذلك الأمر.\nوكذا قال سعيد بن جبير، وعكرمة، ومقاتل بن حيان، والضحاك، وغيرهم ﴿وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾: أبو بكر وعمر، زاد الحسن البصري وعثمان: وقال [ليث بن أبي] [¬١] سليم، عن مجاهد: ﴿وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾، قال: عليّ بن أبي طالب.\nوقال ابن أبي حاتم حدثنا علي بن الحسين حدثنا محمد بن أبي [¬٢] عمر حدثنا محمد بن جعفر بن محمد [بن علي] [¬٣] بن الحسين قال: أخبرني رجل ثقة يرفعه إلى عليّ قال: قال رسول الله ﷺ: قوله: ﴿وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾، قال: \"هو علي بن أبي طالب\". إسناده ضعيف، وهو منكر جدًّا.\n_________\n(^٢١) صحيح مسلم، الموضع السابق (٣٠/ ١٤٧٩) (١٠/ ١١٨ - ١٢١).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين بياض في ز. وسقط من خ.\n[¬٢]- سقط من ز، خ.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من ز، خ.","vol":"14","page":55},{"text":"وقال البخاري (^٢٢): حدثنا عمرو بن عون، حدثنا هُشيم، عن حُميد، عن أنس، قال: قال عمر: اجتمع نساء النبي ﷺ في الغيرة عليه، فقلت لهن: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيرًا مِنْكُنَّ﴾ فنزلت هذه الآية وقد تقدم أنه وافق القرآن في أماكنَ، منها في نزول الحجاب، ومنها في أسارى بدر، ومنها قوله: لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى؟ فأنزل الله: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ (^٢٣).\nوقال ابن أبي حاتم: [حدثنا أبي] [¬١] حدثنا الأنصاري، حدثنا حُمَيد، عن أنس قال: قال عمر بن الخطاب: بلغني شيء كان بين أمهات المؤمنين وبين النبي ﷺ فاستقريتهن أقول: لتكفن عن رسول الله أو ليبدلَنّه الله أزواجًا خيرًا منكن، حتى أتيت على آخر أمهات المؤمنين، فقالت: يا عمر، أما لي برسول الله ما يعظ نساءه، حتى تعظهن؟!\nفأمسكت، فأنزل الله ﷿: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا﴾.\nوهذه المرأة التي ردته عما كان فيه من وعظ النساء: هي أم سلمة، كما ثبت ذلك في صحيح البخاري (^٢٤).\nوقال الطبراني (^٢٥): حدثنا إبراهيم بن نائلة الأصبهاني، حدثنا إسماعيل البجلي، حدثنا أبو عوانة، عن أبي سنان، عن الضحاك، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا﴾، قال: دخلت حفصة على النبي ﷺ في بيتها وهو يَطَأ مارية، فقال لها رسول الله ﷺ: \"لا تخبري عائشة حتى أبشرك [¬٢] ببشارة، فإن أباك يَلي الأمرَ من بعد أبي بكر إذا أنا مت\". فذهبت حفصة فأخبَرتْ عائشة، فقالت عائشة لرسول الله ﷺ: من أنبأك هذا؟ قال: ﴿نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾. فقالت عائشة: لا انظر إلك حتى تحرم مارية. فحرمها، فأنزل الله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ﴾.\n_________\n(^٢٢) صحيح البخاري، كتاب: التفسير، باب: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيرًا مِنْكُنَّ﴾، حديث (٤٩١٦) (٨/ ٦٦٠).\n(^٢٣) صحيح البخاري، كتاب: الصلاة، باب: ما جاء في القبلة حديث (٤٠٢) (١/ ٥٠٤). وأطرافه في [٤٤٨٣، ٤٧٩٠، ٤٩١٦].\n(^٢٤) تقدم تخريجه قريبًا.\n(^٢٥) المعجم الكبير (١٢/ ١١٧) (١٢٦٤٠). قال الهيثمي (٥/ ١٨١): وفيه إسماعيل بن عمرو البجلي، وهو ضعيف، وقد وثقه ابن حبان، والضحاك بن مزاحم لم يسمع من ابن عباس، وبقية رجاله ثقات.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من ت. والمثبت من ز.\n[¬٢]- في ز، خ: أنزل.","vol":"14","page":56},{"text":"إسناده فيه نظر، وقد تبين مما أوردناه تفسير هذه الآيات الكريمات.\nومعنى قوله: ﴿مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ﴾ ظاهر.\nوقوله ﴿سَائِحَاتٍ﴾، أي: صائمات، قاله أبو هريرة، وعائشة، وابن عباس، وعكرمة، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وعطاء، ومحمد بن كعب القرظي، وأبو عبد الرحمن السلمي، وأبو مالك، وإبراهيم النخعي، والحسن، وقتادة والضحاك، والربيع بن أنس، والسُدّي، وغيرهم، وتقدم فيه حديث مرفوع عند قوله ﴿السائحون﴾ من سورة \"براءة\"، ولفظه: \"سياحةُ هذه الأمة الصيامُ\" (^٢٦) وقال زيد بن أسلم، وابنه عبد الرحمن: ﴿سَائِحَاتٍ﴾، أي: مهاجرات: وتلا عبد الرحمن: ﴿السائحون﴾، أي المهاجرون، والقول الأول أولى، والله أعلم.\nوقوله: ﴿ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا﴾، أي: منهن ثيبات، ومنهن أبكارًا، ليكون ذلك أشهى إلى النفوس، فإن التنوع يبسط النفسَ، ولهذا قال: ﴿ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا﴾.\nوقال أبو القاسم الطبراني في معجمه الكبير: حدثنا أبو بكر بن صدقة، حدثنا محمد بن محمد [] [¬١] بن مرزوق، حدثنا عبد الله بن أمية [¬٢]، حدثنا عبد القدوس، عن صالح بن حَيّان، عن ابن بُرَيدة، عن أبيه: ﴿ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا﴾، قال: وعد الله نبيه ﷺ في هذه الآية أن يزوجه، فالثيب آسية امرأة فرعون، وبالأبكار مريم بنت عمران.\nوذكر الحافظ ابن عساكر في ترجمة \"مريم ﵍\" (^٢٧)، من طريق سُوَيد بن سعيد [¬٣]: حدثنا محمد بن صالح بن عمر، عن الضحاك ومجاهد، عن ابن عمر قال: جاء جبريل إلى رسول الله ﷺ بموت خديجة فقال: إن الله يقرئها السلام، ويبشرها ببيت في الجنة من قصب، بعيد من اللهب، لا نصب فيه ولا صخب، من لؤلؤة [جوفاء] [¬٤] بين بيت مريم بنت عمران وبيت آسية بنت مزاحم.\nومن حديث أبي بكر الهذلي (^٢٨)، عن عكرمة، عن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه\n_________\n(^٢٦) راجع تفسير سورة التوبة، آية: (١٠٢).\n(^٢٧) أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق (١٩/ ٥٤٣ - مخطوط).\n(^٢٨) أخرجه ابن عساكر في الموضع السابق.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"بن محمد\".\n[¬٢]- في ز: أبي.\n[¬٣]- في خ: سعد.\n[¬٤]- بياض في ز، خ.","vol":"14","page":57},{"text":"وسلم دخل على خديجة وهي في الموت، فقال: \"يا خديجة، إذا لقيت ضرائرك فأقرئيهن مني السلام\". فقالت: يا رسول الله، وهل تزوجت قبلي؟! قال:! لا، ولكن الله زوجني مريم بنت عمران، وآسية امرأة فرعون، وكلثم أخت موسى\". ضعيف أيضًا.\nوقال أبو يعلى (^٣٠): حدثنا إبراهيم بن [¬١] عرعرة. حدثنا عبد النور بن عبد الله، حدثنا يوسف [¬٢] بن شعيب، عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ: \"أعلمت أن الله زوجني في الجنة مريم بنت عمران، وكلثم أخت موسى، وآسية امرأة فرعون؟ \" فقلت: هنيئًا لك يا رسول الله.\nوهذا أيضًا ضعيف، وروي مرسلًا عن ابن أبي داود [¬٣].\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٦) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٧) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَينَ أَيدِيهِمْ وَبِأَيمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ (٨)﴾\nقال سفيان الثوري: عن منصور، عن رجل، عن علي ﵁ في قوله تعالى: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾، يقول: أدبوهم، علموهم.\nوقال عليّ بن أبي طلحة: عن ابن عباس: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾، يقول اعملوا بطاعة الله، واتقوا معاصي [¬٤] الله، ومُروا أهليكم بالذكر، ينجيكم الله من النار.\n_________\n(^٣٠) أخرجه ابن عساكر في الموضع السابق من طريق أبي يعلى بهذا الإسناد.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: عن.\n[¬٢]- في ز، خ: يونس. وكذا في تاريخ دمشق لابن عساكر.\n[¬٣]- في ز: رواد.\n[¬٤]- في خ: معصية.","vol":"14","page":58},{"text":"وقال مجاهد: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ قال: اتقوا الله وأوصوا أهليكم بتقوى الله.\nوقال قتادة: يأمرهم بطاعة الله، وينهاهم عن معصية الله، وأن يقوم عليهم بأمر الله ويأمرهم به ويساعدهم عليه، فإذا رأيت لله معصية، قَدَعتَهم [¬١] عنها وزجرتهم عنها.\nوهكذا قال الضحاك ومقاتل: حق على المسلم أن يعلم أهله من قرابته وإمائه وعبيده ما فرض الله عليهم وما نهاهم الله [¬٢] عنه.\nوفي معنى هذه الآية الحديثُ الذي رواه الإمام أحمد (^٣١)، وأبو داود، والترمذي، من حديث عبد الملك بن الربيع بن سَبرَة، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله ﷺ: \"مروا الصبي بالصلاة إذا بلغ سبع سنين، فإذا بلغ عشر سنين فاضربوه عليها\". هذا لفظ أبي داود، قال الترمذي: هذا حديث حسن.\nوروى أبو داود (^٣٢)، من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﷺ مثل ذلك.\nقال الفقهاء: وهكذا في الصوم؛ ليكون ذلك تمرينًا له على العبادة، لكي يبلغ وهو مستمر على العبادة والطاعة ومجانبة المعصية وترك المنكر، والله الموفق.\nوقوله: ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾، وقودها: أي حطبها الذي يلقى فيها جُثث بني آدم، ﴿وَالْحِجَارَةُ﴾ قيل: المراد بذلك الأصنام التي كانت تعبد لقوله: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾.\nوقال ابن مسعود، ومجاهد، وأبو جعفر الباقر، والسدي: هي حجارة من كبريت. زاد مجاهد: أنتن من الجيفة، [وروى ذلك ابن أبي حاتم ﵀، ثم قال: حدثنا أبي، حدثنا عبد الرحمن بن سنان المنقري] [¬٣] حدثنا عبد العزيز -يعني: ابن أبي رَوَّاد- قال: بلغني أن\n_________\n(^٣١) المسند (٣/ ٤٠٤) (١٥٣٧٧). وأبو داود في كتاب: الصلاة، باب: متى يؤمر الغلام بالصلاة، حديث (٤٩٤) (١/ ١٣٣). والترمذي في كتاب: الصلاة، باب: ما جاء متى يؤمر الصبي بالصلاة، حديث (٤٠٧) (٢/ ٧٤). قال الترمذي: حديث حسن صحيح. وتبعه الألباني في هذا الحكم في صحيح سنن أبي داود (٤٦٥).\n(^٣٢) سنن أبي داود، الموضع السابق برقم (٤٩٥).\n_________\n[¬١]- في الطبراني (٢٨/ ١٦٦): ردعتهم. وأصل القدع الكف والمنع، كما في النهاية (٤/ ٢٤).\n[¬٢]- سقط من خ.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من ز، خ.","vol":"14","page":59},{"text":"رسول الله ﷺ تلا هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾، وعنده بعض أصحابه، وفيهم شيخ، فقال الشيخ: يا رسول الله، حجارة جهنم كحجارة الدنيا؟ فقال النبي ﷺ: \"والذي نفسي بيده، لَصَخرة من صخر جهنم أعظمُ من جبال الدنيا كلها\". قال: فوقع الشيخُ مغشيًّا عليه، فوضع النبي ﷺ يده على فؤاده [فإذا هُوَ حَيّ] [¬١] فناداه، قال [¬٢]: \"يا شيخ، قل: لا إله إلا الله\". فقالها، فبشره بالجنة، قال: فقال أصحابه: يا رسول الله، أمن بيننا؟ قال \"نعم، يقول الله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ﴾. هذا حديث مرسل غريب.\nوقوله ﴿عَلَيهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ﴾، أي: طباعهم غليظة، قد نُزعت من قلوبهم الرحمة بالكافرين بالله، ﴿شِدَادٌ﴾ أي تركيبهم في غاية الشدة والكثافة والمنظر المزعج.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا سلمة بن شبيب، حدثنا إبراهيم بن الحكم بن أبان، حدثنا أبي، عن عكرمة أنه قال: إذا وصل أول أهل النار إلى النار، وجَدوا [¬٣] على الباب أربعمائة ألف من خَزنة جهنم، سود وجوههم، كالحة أنيابهم قد نزع الله من قلوبهم الرحمة ليس في قلب واحد منهم مثقال ذَرّة من الرحمة، لو طُيّر الطير من منكب أحدهم لطار شهرين قبل أن يبلغ منكبه الآخر، ثم يجدون على الباب التسعة عشر، عرض صدر أحدهم سبعون خريفًا، ثم يهوون من باب إلى باب خمسمائة سنة، ثم يجدون على كل باب منها مثل ما وجدوا على الباب الأول، حتى ينتهوا إلى آخرها.\nوقوله: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾، أي: مهما أمرهم به تعالى يبادروا إليه، لا يتأخرون عنه طرفة عين، وهم قادرون على فعله [¬٤] ليس بهم عجز عنه، وهؤلاء هم الزبانية -عياذًا بالله منهم-. وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، أي: يقال للكفرة يوم القيامة: لا تعتذروا فإنه لا يقبل منكم، وإنما تجزون اليوم بأعمالكم.\nثم قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾، أي: توبة صادقة جازمة، تمحو ما قبلها من السيئات وتلم شعث التائب وتجمعه، وتكفه عما كان يتعاطاه من الدناءات.\nقال ابن جرير (^٣٣): حدثنا ابن مثنى، حدثنا محمد، حدثنا شعبة، عن سمَاك بن حَرب،\n_________\n(^٣٣) تفسير الطبري (٢٨/ ١٦٧).\n_________\n[¬١]- في ز: \"فإذاه\".\n[¬٢]- في ز: فقال.\n[¬٣]- في ز: ووجدوا.\n[¬٤]- في خ: ذلك.","vol":"14","page":60},{"text":"سمعت النعمان بن بشير يخطب: سمعت عمر بن الخطاب ﵁ يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾، قال: يذنب الذنب ثم لا رجع فيه.\nوقال الثوري: عن سماك، عن النعمان، عن عمر قال: التوبة النصوح: أن يتوب من الذنب ثم لا يعود فيه، أو لا يريد أن يعود فيه.\nوقال أبو الأحوص وغيره: عن سماك، عن النعمان: سُئِل عمر عن التوبة النصوح، فقال: أن يتوب الرجل من العمل السّيء، ثم لا يعود إليه أبدًا.\nوقال الأعمش: عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله: ﴿تَوْبَةً نَصُوحًا﴾، قال: يتوب ثم لا يعود، وقد روي هذا مرفوعًا، فقال الإِمام أحمد (^٣٤): حدثنا علي بن عاصم، عن إبراهيم الهَجَري، عن أبي الأحوص، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: \"التوبة من الذنب أن يتوب منه، ثم لا يعود فيه\" تفرد به أحمد من طريق إبراهيم بن مسلم الهَجَري، وهو ضعيف، والموقوف أصح، والله أعلم.\nولهذا قال العلماء [¬١]: التوبة النصوح: هو أن يُقلعَ عن الذنب في الحاضر، ويندم على ما سلف منه في الماضي، ويعزم على أن لا يفعل في المستقبل، ثم إن كان الحق لآدمي ردّه إليه بطريقه.\nقال الإمام أحمد (^٣٥): حدثنا سفيان، عن عبد الكريم، أخبرني زياد بن أبي مريم، عن عبد الله بن مَعَقل قال: دخلت مع أبي عَلى عبد الله بن مسعود فقال: أنت سمعت [] [¬٢] النبي ﷺ يقول: \"الندم توب؟ \" قال: نعم. وقال مَرّة: نعم سمعته يقول: \"الندم توبة\".\nورواه ابن ماجة، عن هشام بن عَمار، عن سفيان بن عُيينة، عن عبد الكريم -وهو ابن مالك الجزَريّ- به.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن عرفة، حدثني الولد بن بكير -أبو خباب [¬٣] عن عبد الله بن محمد العدَوي [¬٤]، عن أبي سنان البصري، عن أبي قلابة، عن زرّ بن حُبَيش، عن أبي بن كعب قال: قيل لنا أشياء تكون في آخر [¬٥] هذه الأمة عند اقتراب الساعة، منها:\n_________\n(^٣٤) المسند (١/ ٤٤٦). قال الهيثمي في \"المجمع\" (١٠/ ٢٠٣): رواه أحمد وإسناده ضعيف.\n(^٣٥) المسند (١/ ٣٧٦). وابن ماجة في كتاب: الزهد، باب: ذكر التوبة، حديث (٤٢٥٢) (٢/ ١٤٢٠). قال البوصيري في \"الزوائد\": (٣/ ٣٠٨): هذا إسناد صحيح، رجاله ثقات.\n_________\n[¬١]- سقط من ز، خ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: من.\n[¬٣]- في ز: هباب. بلا نقط.\n[¬٤]- في ز، خ: العبدي.\n[¬٥]- سقط من خ.","vol":"14","page":61},{"text":"نكاح الرجل امرأته أو أمته في دبرها، وذلك مما حرم الله ورسوله، ويمقت الله عليه ورسوله. ومنها نكاح الرجل الرجل، وذلك مما حرم الله ورسوله، ويمقت الله عليه ورسوله. ومنها نكاح المرأة المرأة، وذلك مما حرم الله ورسوله، ويمقت الله عليه ورسوله. وليس لهؤلاء صلاة ما أقاموا على هذا، حتى يتوبوا إلى الله توبة نصوحًا. قال زر: فقلت لأبيّ بن كعب: فما التوبة النصوح؟ فقال: سألت عن ذلك رسول الله ﷺ فقال: \"هو الندم على الذنب حينَ يَفرُط منك، فتستغفرُ الله بندامتك منه [¬١] عند الحاضر، ثم لا تعود إليه أبدًا\".\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عمرو بن علي، حدثنا عباد بن عمرو [¬٢]، حدثنا أبو عمرو بن العلاء، سمعت الحسن يقول التوبة النصوح: أن تُبَغِض الذنب كما أحببته، وتستغفر منه إذا ذكرته.\nفأما إذا جَزَم بالتوبة وصمم عليها فإنها تَجُبّ ما قبلها من الخطيئات، كما ثبت في الصحيح (^٣٦): \" الإسلام يجُب ما قبله، والتوبة تجب ما قبلها\".\nوهل من شرط التوبة النصوح الاستمرارُ على ذلك إلى الممات، كما تقدم في الحديث وفي الأثر: \"لا يعود فيه أبدًا\"، أو يكفي العزم على أن لا يعود في تكفير الماضي، بحيث لو وقع منه ذلك الذنب بعد ذلك لا يكون ذلك ضارًّا في تكفير ما تقدم، لعموم قوله ﵇: \"التوبة تجب ما قبلها\"؟ وللأول أن يحتج بما ثبت في الصحيح (^٣٧) أيضًا: \"من أحسنَ في الإسلام لم يؤاخَذ بما عمل في الجاهلية، ومن أساء في الإسلام أخذ بالأول والآخر\" فإذا كان هذَا في الإسلام الذي هو أقوى من التوبة، فالتوبة بطريق الأولى، والله أعلم.\nوقوله: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا\n_________\n(^٣٦) صحيح مسلم، كتاب: الإيمان، باب: كون الإسلام يهدم ما قبله وكذا الهجرة والحج، حديث (١٩٢ - ١٢١) (٢/ ١٧٩ - ١٨١) من حديث عمرو بن العاص بلفظ: \"أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله؛ وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها وأن الحج يهدم ما كان قبله؟ \".\n(^٣٧) صحيح مسلم في كتاب: الإيمان، باب: هل يؤاخذ بأعمال الجاهلية، حديث (١٢٠) (٢/ ١٧٨). قال الإمام النووي: وأما معنى الحديث فالصحيح فيه ما قاله جماعة من المحققين: أن المراد بالإحسان في الإسلام هنا: الدخول في الإسلام كالظاهر والباطن جميعًا، وأن يكون مسلمًا حقيقيًّا، فهذا يغفر له ما سلف في الكفر بنص القرآن العزيز والحديث الصحيح: الإسلام يهد ما قبله، وبإجماع المسلمين والمراد بالإساءة عدم الدخول في الإسلام لقلبه؛ بل يكون منقادًا في الظاهر مظهرًا للشهادتين غير معتقد الإسلام بقلبه فهذا منافق باق على كفره بإجماع المسلمين؛ فيؤاخذ بما عمل في الجاهلية قبل إظهار صورة الإسلام، وبما عمل بعد إظهارها؛ لأنه مستمر على كفره، وهذا معروف في استعمال الشرع، يقولون: حسن إسلام فلان إذا دخل فيه حقيقة بإخلاص، وساء إسلامه أو لم يحسن إسلامه إذا لم يكن كذلك. والله أعلم. ا هـ.\n_________\n[¬١]- سقط من خ.\n[¬٢]- في ز: عمر.","vol":"14","page":62},{"text":"الْأَنْهَارُ﴾، \"وعسى\" من الله موجبة، ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾، أي: ولا يخزيهم معه يعني يوم القيامة ﴿نُورُهُمْ يَسْعَى بَينَ أَيدِيهِمْ وَبِأَيمَانِهِمْ﴾ كما تقدم في سورة الحديد ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ﴾: قال مجاهد، والضحاك، والحسن البصري، وغيرهم: [هذا يقوله] [¬١] المؤمنون حين يرون يوم القيامة نورَ المنافقين قد طفئ.\nوقال محمد بن نصر المروزي: حدثنا محمد بن مقاتل المروزي، حدثنا ابن المبارك، أخبرنا ابن لهيعة، حدثني يزيد بن أبي حبيب، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير، أنه سمع أبا ذر وأبا الدرداء قالا: قال رسول الله ﷺ: \"أنا أول من يؤذن له في السجود يوم القيامة، وأول من يؤذن له برفع رأسه، فأنظر بين يَدَي فأعرف أمتي من بين الأمم، وأنظر عن يميني فأعرف أمتي من بين الأمم، وأنظر عن شمالي فأعرف أمتي من بين الأمم\"، فقال رجل: يا رسول الله؛ وكيف تعرف أمتك من بين الأم؟ قال: \"غر محجلون من آثار الطهور، ولا يكون أحد من الأمم كذلك غيرهم، وأعرفهم أنهم يؤتَون كتبهم بأيمانهم، وأعرفهم بسيماهم في وجوههم من أثر السجود، وأعرفهم بنورهم يسعى بين أيديهم\" (^٣٨).\nوقال الإمام أحمد (^٣٩): حدثنا إبراهيم بن إسحاق الطالقاني، حدثنا ابن المبارك، عن يحيى بن حسان، عن رجل من بني كنانة قال: صليت خلف النبي ﷺ عام الفتح، فسمعته يقول: \"اللهم لا تخزني يوم القيامة\".\n﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٩) ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَينِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَينِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ (١٠)﴾\nيقول تعالى آمرًا رسوله ﷺ بجهاد الكفار والمنافقين، هؤلاء بالسلاح\n_________\n(^٣٨) مسند أحمد (٥/ ١٩٩) (٢١٨٢٨) من طريق ابن لهيعة بهدا الإسناد من حديث أبي الدرداء ﵁. قال المنذري في \"الترغيب والترهيب\" (٢٩٠): رواه أحمد وفي إسناده ابن لهيعة، وهو حديث حسن في المتابعات.\n(^٣٩) المسند (٤/ ٢٣٤) (١٨١١١) قال الهيثمي في \"المجمع\" (١٠/ ١١٢): رواه أحمد ورجاله ثقات.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين بياض في ز.","vol":"14","page":63},{"text":"والقتال، وهؤلاء بإقامة الحدود عليهم، ﴿وَاغْلُظْ عَلَيهِمْ﴾، أي: في الدنيا، ﴿وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾، أي: في الآخرة.\nثم قال: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾، أي: في مخالطتهم المسلمين ومعاشرتهم لهم، أن ذلك لا يجدي عنهم شيئًا ولا ينفعهم عند الله، إن لم يكن الإيمان حاصلًا في قلوبهم، ثم ذكر المثل فقال: ﴿امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَينِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَينِ﴾، أي: نبيين رسولين عندهما في صحبتهما ليلًا ونهارًا، يؤاكلانهما ويضاجعاتهما ويعاشرانهما أشد العشرة والاختلاط، ﴿فَخَانَتَاهُمَا﴾ أي: في الإيمان، لم يوافقاهما على الإيمان، ولا صدقاهما في الرسالة، فلم يُجْد ذلك كلّ شيئًا، ولا دفع عنهما محذورًا؛ ولهذا قال: ﴿فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيئًا﴾ أي لكفرهما [¬١]، ﴿وَقِيلَ﴾ أي: للمرأتين ﴿ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ﴾.\nوليس المراد ﴿فَخَانَتَاهُمَا﴾ في فاحشة، بل في الدين، فإن نساء الأنبياء معصوماتٌ عن الوقوع في الفاحشة، لحرمة الأنبياء، كما قدمنا في سورة النور.\nقال سفيان الثوري (^٤٠) عن موسى بن أبي عائشة، عن سليمان بن قتة: سمعتُ ابن عباس يقولُ في هذه الآية: ﴿فَخَانَتَاهُمَا﴾ قال: ما زنتا، أما امرأة نوح فكانت تخبر أنه مجنون، وأما خيانة امرأة لوط فكانت تدل قومها على أضيافه.\nوقال العَوفي (^٤١): عن ابن عباس قال: كانت خيانتهما أنهما كانتا على عَورتيهما، فكانت امرأة نُوح تَطلع على سر نوح، فإذا آمن مع نوح أحد أخبرت الجبابرة من قوم نوح به، وأما امرأة لوط فكانت إذا أضاف لوط أحدًا أخبرت به أهل المدينة ممن يعمل السوء.\nوهكذا قال عكرمة، وسعيد بن جبير، والضحاك، وغيرهم.\nوقد استدل بهذه الآية الكريمة بعضُ العلماء علي ضعف الحديث الذي يأثره كثير من الناس: \"من أكل مع مغفور له غفر له\" (^٤٢). وهذا الحديث لا أصل له، وإنما [¬٢] يروى هذا عن بعض الصالحين أنه رأى النبي ﷺ في المنام فقال: يا رسول الله؛ أنت قلت: من أكل مع مغفور له [غفر له] [¬٣]؟ قال: لا، ولكني الآن أقوله.\n_________\n(^٤٠) تفسير الطبري (٢٨/ ١٦٩ - ١٧٠).\n(^٤١) تفسير الطبري (٢٨/ ١٧٠).\n(^٤٢) موضوع، انظر الأسرار المرفوعة (٣٣١، ٤٩٦) والمقاصد الحسنة للسخاوي. وقال الألباني في الضعيفة (٣١٥): كذب لا أصل له. ونقل كلام شيخ الإسلام ابن تيمية أنه قال: هذا ليس له إسناد عند=\n_________\n[¬١]- في ز: بكفرهما.\n[¬٢]- في خ: ولا.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من ز، خ.","vol":"14","page":64},{"text":"﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (١١) وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ (١٢)﴾\nوهذا مَثَلٌ ضربه الله للمؤمنين أنهم لا تضرهم مخالطة الكافرين إذا كانوا محتاجين إليهم، كما قال تعالى: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيءٍ إلا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾.\nقال قتادة: كان فرعون أعتى أهل الأرض وأكفره [¬١].\nفوالله ما ضر امرأته كُفر زوجها حين [¬٢] أطاعت ربها لتعلموا أن الله حَكَمٌ عدل، لا يؤاخذ أحدًا إلا بذنبه.\nوقال ابن جرير (^٤٣): حدثنا إسماعيل بن حفص الأبلي، حدثنا محمد بن جعفر، عن سليمان التيمي، عن أبي عثمان النهدي، عن سلمان قال: كانت امرأة فرعون تُعَذّب في الشمس، فإذا انصرف عنها أظلتها الملائكة بأجنحتها، وكانت ترى بيتها في الجنة.\nثم رواه (^٤٤) عن [محمد بن عبيد] [¬٣] المحاربي، عن أسباط بن محمد، عن سليمان التيمي به.\nثم قال ابن جرير (^٤٥): حدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن عُلَيّة، عن هشام الدّستوائي، حدثنا القاسم بن أبي بزة قال: كانت امرأة فرعون تسأل: من غلب؟ فيقال: غلب موسى وهارون. فتقول: آمنت برب موسى وهارون، فأرسل إليها فرعون فقال: انظروا أعظم صخرة\n_________\n= أهل العلم، ولا هو في شيء من كتب المسلمين، إنما يروونه عن سنان وليس معناه صحيحًا على الإطلاق، فقد يأكل مع المسلمين الكفار والمنافقون. ا هـ.\n(^٤٣) تفسير الطبري (٢٨/ ١٧١).\n(^٤٤) تفسير الطبري في المرضع السابق.\n(^٤٥) تفسير الطبري، الموضع السابق.\n_________\n[¬١]- في ش، خ: وأبعده.\n[¬٢]- في ز، خ: حتى.\n[¬٣]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: \"عبيد بن محمد\".","vol":"14","page":65},{"text":"تجدونها، فإن مضت على قولها فألقوها عليها، وإن رجعت عن قولها فهي امرأته فلما أتوها رفعت [¬١] بصرها إلى السماء فأبصرت بيتها [¬٢] في الجنة، فمضت على قولها، وانتزع الله [¬٣] روحها وألقيت الصخرة على جسد ليس فيه روح.\nفقولها: ﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيتًا فِي الْجَنَّةِ﴾ قال العلماء: اختارت الجار قبل الدار. وقد ورد شيء من ذلك [¬٤] في حديث مرفوع: ﴿وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ﴾، أي: خلصني منه، فإني أبرأ [إليك] [¬٥] من عمله، ﴿وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾. وهذه المرأة هي آسية بنت مزاحم ﵂.\nوقال أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية قال: كان إيمانُ امرأة فرعونَ من قبل إيمان امرأة خازن فرعون: وذلك أنها جلست تمشط ابنة فرعون، فوقع المشط من يدها، فقالت: تعس من كفر بالله. فقالت لها ابنة فرعون: ولك رب غير أبي؟ قالت: [نعم] [¬٦] ربي ورب أبيك ورب كل شيء الله. فلطمتها بنتُ فرعونَ وضربتها، وأخبرت أباها، فأرسل إليها فرعون فقال: تعبدين ربًّا غيري؟ قالت: نعم، ربي وربك ورب كل شيء الله، إياه أعبد. فعذبها فرعون وأوتد لها أوتادًا، فشد رجليها ويديها وأرسل عليها الحيات، وكانت كذلك، فأتى عليها يومًا فقال لها: ما أنت منتهية؟ فقالت له: ربي وربك وربُ كل شيء الله. فقال لها: إني ذابح ابنك في فيك إن لم تفعلي. فقالت له: اقض ما أنت قاض. فذبح ابنها في فيها، وإن روح ابنها بشرها فقال لها: أبشري يا أمه، فإن لك عند الله من الثواب كذا وكذا، فصبرت.\nثم أتى [عليها] [¬٧] فرعون يومًا آخر فقال لها مثل ذلك، فقالت له مثل ذلك، فذبح ابنها الآخر [¬٨] في فيها، فبشرها روحه أيضًا، وقال لها: اصبري يا أمه، فإن لك عند الله من الثواب كذا وكذا. قال: وسمعت امرأة فرعون كلام روح [¬٩] ابنها الأكبر ثم الأصغر فآمنت امرأةُ فرعونَ، وقبض اللَّه روح امرأة خازن فرعون، وكشف الغطاء عن ثوبها ومنزلتها وكرامتها في الجنة لامرأة فرعون حتى رأت فازدادت إيمانًا ويقينًا وتصديقًا، فاطلع فرعونُ على إيمانها، فقال للملإ: ما تعلمون من آسية بنت مزاحم؟ فأثنوا عليها، فقال لهم: إنها تعبد غيري. فقالوا له: اقتلها. فأوتد لها أوتادًا، فشد يديها ورجليها، فدعت آسية ربها فقالت: ﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيتًا فِي الْجَنَّةِ﴾ فوافق ذلك أن حضرها فرعون، فضحكت حين رأت بيتها في الجنة فقال فرعون: ألا تعجبون من جنونها، إنا نعذبها وهي تضحك، فقبض الله روحها-\n_________\n[¬١]- في ز: وقع.\n[¬٢]- في ز، خ: بيتًا.\n[¬٣]- سقط من ز، خ.\n[¬٤]- في ز: هذا.\n[¬٥]- سقط من ت.\n[¬٦]- سقط من ت.\n[¬٧]- سقط من ت.\n[¬٨]- سقط من ز.\n[¬٩]- سقط من خ.","vol":"14","page":66},{"text":"﵂. وقوله ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾، أي [حفظته و] [¬١]، صانته.\n[و] [¬٢] الإحصان: هو العفاف والحرية، ﴿فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا﴾، أي: بواسطة الملك، وهو جبريل، فإن الله بعثه إليها [¬٣] فتمثل لها في صورة بشر سَوي، وأمره الله تعالى أن ينفخ بفيه في جيب [¬٤] درعها، فنزلت النفخة فولجت في فرجها، فكان منه الحمل بعيسى ﵇؛ ولهذا قال: ﴿فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ﴾، أي: بقدره وشرعه، ﴿وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾. قال الإمام أحمد (^٤٦): حدثنا يونس، حدثنا داود بن أبي الفرات، عن علباء، عن عكرمة، عن ابن عَباس قال: خط رسول الله ﷺ في الأرض أربعة خطوط، وقال: \"أتدرون ما هذا؟ \" قالوا: الله ورسوله أعلم. فقال رسول الله ﷺ: \"أْفضل نساء أهل الجنة: خديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد، ومريم ابنة عمران، وآسية ابنة مزاحم امرأة فرعون\".\nوثبت في الصحيحين (^٤٧) من حديث شعبة، عن عمرو بن مُرّة، عن مُرّة الهَمْداني، عن أبي موسى الأشعري، عن النبي ﷺ أنه قال: \"كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا آسية امرأة فرعون، ومريم بنت عمران، وخديجة بنت خويلد، وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام\".\nوقد ذكرنا طرق هذه الأحاديث وألفاظها، والكلام عليها في قصة عيسى ابن مريم ﵉ في كتابنا \"البداية والنهاية\"، ولله الحمد والمنة، وذكرنا ما ورد من الحديث من أنها تكون هي وآسية بنت مزاحم من أزواجه ﵇ في الجنة عند قوله: ﴿ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا﴾.\nآخر تفسير سورة التحريم، ولله الحمد [والمنة] [¬٥].\n* * *\n_________\n(^٤٦) المسند (١/ ٢٩٣) (٢٦٦٨) قال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (٩/ ٢٢٦): رواه أحمد وأبو يعلى والطبراني ورجالهم رجال الصحيح. ا هـ.\n(^٤٧) صحيح البخاري، كتاب: أحاديث الأنبياء، باب: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ﴾ إلى قوله: ﴿وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾، حديث (٣٤١١) (٦/ ٤٤٦). وأطرافه في [٣٤٣٣، ٣٧٦٩، ٥٤١٨]. ومسلم في كتاب: فضائل الصحابة، باب: فضائل خديجة أم المزمنين - رضي الله تعالى عنها - حديث (٧٠/ ٢٤٣١) (١٥/ ٢٨٥).\n_________\n[¬١]- سقط من خ.\n[¬٢]- سقط من ت.\n[¬٣]- سقط من ز، خ.\n[¬٤]- في ز: جنب.\n[¬٥]- سقط من ز.","vol":"14","page":67},{"text":"<span data-type='title' id=toc-188>تفسير سورة الملك وهي مكية</span>\nقال أحمد (^١): حدثنا حجاج بن محمد وابن جعفر؛ قالا: حدثنا شعبة، عن قتادة، عن عباس الجُشَمي [¬١]، عن أبي هُرَيرة، عن رَسُول الله ﷺ؛ قال: \"إن سورة في القرآن ثلاثين آية شَفَعت لصاحبها حتى غفر له: تبارك الذي بيده الملك\". ورواه أهل السنن الأربعة من حديث شعبة به. وقال الترمذي: هذا حديث حسن.\nوقد روى الطبراني (^٢) والحافظ الضياء المقدسي، من طريق سَلام بن مسكين، عن ثابت، عن أنس؛ قال: قال رسول الله ﷺ: \"سورة في القرآن خَاصمت عن صاحبها حتى أدخلته الجنة: تبارك الذي بيده الملك\".\nوقال الترمذي (^٣): حدثنا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، حدثنا يحيى بن عمرو بن مالك النُكري [¬٢]، عن أبيه، عن أبي الجوزاء، عن ابن عباس؛ قال: ضرب بعض أصحاب النبي ﷺ خباءه على قبر، وهو لا يحسب أنه قبر [فإذا قبر] [¬٣] إنسان يقرأ سورة الملك حتى ختمها، فأتى النبيّ ﷺ فقال: يا رسول الله؛ ضربت خبائي\n_________\n(^١) المسند (٨٢٥٩ - ط شاكر)، وأبو داود في كتاب: الصلاة، باب: في عد الآي، حديث (١٤٠٠)، والترمذي في كتاب: ثواب القرآن، باب: ما جاء في فضل سورة الملك، حديث (٢٨٩٣)، والنسائي في الكبرى في كتب: التفسير، باب: سورة الملك، حديث (١١٦١٢) (٦/ ٤٩٦)، وفي كتاب: عمل اليوم والليلة، باب: الفضل في قراءة ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾، حديث (١٠٥٤٦) (٦/ ١٧٨). وابن ماجة في كتاب: الأدب، باب: ثواب القرآن، حديث (٣٧٨٦) (٢/ ١٢٤٤). ورواه الحاكم وصححه (٢/ ٤٩٧ - ٤٩٨)، وعزاه السيوطي في الدر لابن الضريس وابن مردويه. وصححه الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على المسند، وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود.\n(^٢) المعجم الأوسط (٤/ ٧٦) (٣٦٥٤)، والصغير (١/ ١٧٦)، والضياء في المختارة حديث (١٧٣٨، ١٧٣٩)، وعزاه السيوطي لابن مردويه. وقال الهيثمي في \"المجمع\" (٧/ ١٣٠): رواه الطبراني في الصغير والأوسط ورجاله رجال الصحيح.\n(^٣) ضعيف، يحيى بن مالك النكري: ضعيف، والحديث أخرجه الترمذي في كتاب: ثواب القرآن، باب: ما جاء في فضل سورة الملك، حديث (٢٨٩٢) (٨/ ١٠٣) قال الترمذي: حسن غريب. وقال السيوطي: رواه الحاكم، وابن مردويه، وابن نصر، والبيهقي في الدلائل (٧/ ٤١). وقال البيهقي: تفرد به يحيى بن عمرو النكري، وهو ضعيف؛ إلا أن لمعناه شاهدًا عن ابن مسعود. ثم ذكر حديث ابن مسعود. والحديث ضعفه الألباني في ضعيف سنن الترمذي (٥٤٦ - ٣٠٦٤) قال: وإنما يصح منه قوله: \"هي المانعة\".\n_________\n[¬١]- في خ: عياش الحسمي.\n[¬٢]- في ز، خ: المنكري.\n[¬٣]- زيادة من ز.","vol":"14","page":68},{"text":"على قبر وأنا لا أحسب أنه قبر، فإذا إنسان يقرأ سورة الملك: ﴿تَبَارَكَ﴾، حتى ختمها، فقال رسول الله ﷺ: \"هي المانعة، هي المنجية، تنجيه من عذاب القبر\". ثم قال: هذا حديث غريب من هذا الوجه. وفي الباب عن أبي هريرة.\nثم روى الترمذي [¬١] أيضًا (^٤) من طريق ليث بن أبي سليم، عن أبي الزبير، عن جابر، أن رسول الله ﷺ كان لا ينام حتى يقرأ: ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾، و﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾. وقال ليث (^٥) عن طاوس: يفضلان كل سورة في القرآن بسبعين حسنة.\nوقال الطبراني (^٦): حدثنا محمد بن الحسن بن علّاف الأصبهاني، حدثنا سلمة بن شبيب، حدثنا إبراهيم بن الحكم بن أبان عن أبيه، عن عكرمة عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: \"لوددت أنها في قلب كل إنسان من أمتي\". يعني: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾.\nهذا حديث غريب، وإبراهيم ضعيف، وقد تقدم مثله في سورة \"يس\".\nوقد روى هذا الحديث عبدُ بن حُمَيد في مسنده بأبسط من هذا، فقال (^٧):\nحدثنا إبراهيم بن الحكم، عن أبيه، عن عكرمة، عن ابن عباس أنه قال لرجل: ألا أتحفك بحديث تفرح به؟ قال: بلى. قال: اقرأ: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾، وعلمها أهلك وجميع ولدك وصبيان بيتك وجيرانك، فإنها المنجية والمجادلة، تجادل -أو تخاصم- يوم القيامة عند ربها لقارئها، وتطلب له [أن ينجيه] [¬٢] من عذاب النار، وينجى بها صاحبها من عذاب القبر، قال رسول الله ﷺ: \"لَوددتُ أنها في قلب كل إنسان من أمتي\".\n_________\n(^٤) سنن الترمذي، الموضع السابق (٢٨٩٤) (٨/ ١٠٤). قال الترمذي: هذا حديث رواه غير واحد عن ليث بن أبي سليم مثل هذا. ورواه مغيرة في مسلم عن أبي الزبير عن جابر عن النبي ﷺ نحو هذا. وروى زهير قال: قلت لأبي الزبير سمعت من جابر فذكر هذا الحديث، فقال أبو الزبير: إنما أخبرنيه صفوان أو ابن صفوان، وكان زهيرًا أنكر أن يكون هذا الحديث عن أبي الزبير عن جابر. ا هـ.\n(^٥) سنن الترمذي في الموضع السابق وضعفه الألباني في ضعيف سنن أبي داود (٥٤٧ - ٣٠٦٨) وقال بأنه مقطوع.\n(^٦) المعجم الكبير (١١/ ٢٤١ - ٢٤٢) (١١٦١٦) وذكره الهيثمي في \"المجمع\" (٧/ ١٣٠) وأعله بإبراهيم بن الحكم بن أبان أيضًا.\n(^٧) أخرجه عبد بن حميد (ص ٢٠٦) (٦٠٣).\n_________\n[¬١]- في خ: الفهري.\n[¬٢]- بياض في ز، خ.","vol":"14","page":69},{"text":"وقد روى الحافظ ابن عساكر (^٨) في تاريخه، في ترجمة أحمد بن نصر بن زياد، أبي عبد الله القرشي النيسابوري، المقرئ الزاهد الفقيه، أحد الثقات الذين روى عنهم البخاري ومسلم، لكن في غير الصحيحين، وروى عنه الترمذي وابن ماجة وابن خزيمة، وعليه تفقه في مذهب أبي عُبَيد بن حَربَويه، وخلق سواهم، ساق بسنده من حديثه عن فرات بن السائب، عن الزهري، عن أنس بن مالك؛ قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن رجلًا ممن كان قبلكم مات وليس معه شيء من كتاب الله إلا \"تبارك\"، فلما وضع في حفرته أتاه الملَك فثارت السورة في وجهه، فقال لها: إنك من كتاب الله، وأنا أكره مساءتك، وإني لا أملك [لك ولا] [¬١] له ولا لنفسي ضرًّا ولا نفعًا، فإن أردت هذا به فانطلقي إلى الرب ﵎ فاشفعي له. فتنطلق إلى الرب فتقول: يا رب، إن فلانًا عَمَد إليّ من بين كتابك فتَعَلّمني وتلاني، أفتحرقه أنت بالنار وتعذبه وأنا في جوفه؟ فإن كنت فاعلًا ذاك به فامحني من كتابك. فيقول: ألا أراك غضبت؟ فتقول: وحُق لي أن أغضب. فيقول: اذهبي فقد وهبته لك، وشَفعتك فيه\". قال: \"فتجيء فيخرج [¬٢] الملك، فيخرج كاسف البال، لم يحل منه بشيء\". قال: \"فتجيء فتضع فاها على فيه، فتقول: مرحبًا بهذا الفم، فربما تلاني، ومرحبًا بهذا الصدر، فربما وعاني، ومرحبًا بهاتين القدمين، فربما قامتا بي؛ وتؤنسه في قبره مخافة الوحشة عليه\". قال: فلما حَدّث بهذا رسول الله ﷺ لم يبق صغير ولا كبير ولا حُرّ ولا عَبد إلا تعلمها، وسماها رسول الله ﷺ المنجية.\nقلت: وهذا حديث منكر جدًّا، وفرات بن السائب هذا ضعفه الإمام أحمد، ويحيى بن معين، والبخاري، وأبو حاتم، والدارقطني وغير واحد. وقد ذكره ابن عساكر من وجه آخر، عن الزهري، من قوله مختصرًا، وروى البيهقي في كتاب \"إثبات عذاب القبر\" عن ابن مسعود موقوفًا ومرفوعًا ما يشهد لهذا، وقد كتبناه في كتاب الجنائز [¬٣] من الأحكام الكبرى، ولله الحمد والمنة.\n﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ (١) الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (٢) الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (٣) ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَينِ يَنْقَلِبْ إِلَيكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ (٤) وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ\n_________\n(^٨) أخرجه ابن عساكر في \"تاريخه\" (٢/ ٢٥٦ - مخطوط).\n_________\n[¬١]- سقط من ز، خ.\n[¬٢]- بياض في ز.\n[¬٣]- في ز: المنابر.","vol":"14","page":70},{"text":"الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ (٥) وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٦)﴾\nيمجد تعالى نفسه الكريمة، ويخبر أنه بيده الملك [¬١]، أي: هو المتصرف في جميع المخلوقات بما يشاء لا معقب لحكمه، ولا يسأل عما يفعل لقهره وحكمته وعدله؛ ولهذا قال: ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ﴾.\nثم قال: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ﴾، [واستدل بهذه الآية] [¬٢] من قال: إن الموت أمر وجودي لأنه مخلوق. ومعنى الآية أنه أوجد الخلائق من العدم، ليبلوهم ويختبرهم أيهم أحسن عملًا؟ كما قال: ﴿كَيفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ﴾، فسمى الحال الأول -وهو العلم- موتًا [¬٣]، وسمى هذه النشأة حياة. ولهذا قال: ﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا [¬٤] صفوان، حدثنا الوليد، حدثنا خُلَيد، عن قتادة في قوله: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ﴾، قال: كان رسول الله ﷺ يقول: \"إن الله أذل بني آدم بالموت، وجعل الدنيا دار حياة، ثم دار موت، وجعل الآخرة دار جزاء ثم دار بقاء\".\nورواه معمر عن قتادة [] [¬٥].\nوقوله: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ أي: خير عملًا، كما قال محمد بن عجلان: ولم يقل أكثر عملا.\nثم قال: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾، أي: هو [¬٦] العزيز العظيم المنيع الجناب، وهو مع ذلك غفور لمن تاب إليه وأناب، بعدما عصاه وخالف أمره، وإن كان تعالى عزيزًا هو [مع ذلك] [¬٧] يغفر ويرحم ويصفح ويتجاوز.\nثم قال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا﴾، أي: طبقة بعد طبقة، وهل هن متواصلات بمعنى أنهن علويات بعضهن على بعض، أو متفاصلات بينهن خلاء؟ فيه قولان: أصحهما الثاني، كما دل على ذلك حديث الإسراء وغيره.\n_________\n[¬١]- سقط من خ.\n[¬٢]- في ز: \"استدل هذا الأمر\".\n[¬٣]- سقط من خ.\n[¬٤]- سقط من ز.\n[¬٥]- في ز: قوله.\n[¬٦]- سقط من خ.\n[¬٧]- سقط من خ.","vol":"14","page":71},{"text":"وقوله: ﴿مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ﴾، أي: بل هو مصطحب مستو، ليس فيه اختلاف ولا تنافر ولا مخالفة، ولا نقص ولا عيب ولا خلل، ولهذا قال: ﴿فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ﴾، أي: انظر إلى السماء فتأملها، هل ترى فيها عيبًا أو نقصًا أو خللًا أو فطورًا؟\nقال ابن عباس، ومجاهد، والضحاك، والثوري، وغيرهم، في قوله: ﴿فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ﴾، أي: شقوق وقال السدي: ﴿هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ﴾، أي: من خرُوق. وقال ابن عباس في رواية: ﴿مِنْ فُطُور﴾، أي: من وُهِيّ [¬١].\nوقال قتادة: ﴿هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ﴾ أي [¬٢]: هل ترى خللًا يا بن آدم؟\nوقوله: ﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَينِ﴾، قال قتادة [¬٣]: مرتين. ﴿يَنْقَلِبْ إِلَيكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا﴾، قال ابن عباس: ذليلًا. وقال مجاهد وقتادة: صاغرًا. ﴿وَهُوَ حَسِير﴾، قال ابن عباس: يعني وهو كليل. وقال مجاهد وقتادة والسدي: الحسير: المنقطع [¬٤] من الإِعياء.\nومعنى الآية أنك لو كررت البصر -مهما كروت- لانقلب إليك [¬٥]، أي: لرجع إليك البصر، ﴿خَاسِئًا﴾ أي [¬٦]: عن أن يرى عيبًا أو خللًا، ﴿وَهُوَ حَسِير﴾ أي: كليل، وقد انقطع من الأعياء من كثرة التكرر ولا هي نقصًا، ولما نفى عنها في خلقها النقص دين كمالها وزينتها فقال: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾، وهي الكواكب التي وضعت فيها من السيارات والثوابت [¬٧].\nوقوله: ﴿وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ﴾، عاد الضمير في قوله ﴿وَجَعَلْنَاهَا﴾ على جنس المصابيح لا على عينها، لأنه لا يرمي بالكواكب التي في السماء، بل بشهب من دونها، رقد تكون مستمدة منها، واللَّه أعلم.\nوقوله: ﴿وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ﴾، أي: جعلنا للشياطين هذا الخزي في الدنيا، وأعتدنا لهم عذاب السعير في الأخرى، كما قال في أول الصافات: ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ (٦) وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيطَانٍ مَارِدٍ (٧) لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ (٨) دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ (٩) إلا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: وهاء.\n[¬٢]- سقط من ز.\n[¬٣]- سقط من خ، ت.\n[¬٤]- في ز: المنقع.\n[¬٥]- سقط من خ.\n[¬٦]- سقط من ت.\n[¬٧]- في خ: والكواكب.","vol":"14","page":72},{"text":"قال قتادة: إنما خلقت هذه النجوم لثلاث خصال: خلقها زينة للسماء، ورجومًا للشياطين، وعلامات يهتدى بها. فمن تأول فيها غير ذلك فقد قال برأيه، وأخطأ حظه، وأضاع [¬١] نصيبه، وتكلف ما لا علم له به. رواه ابن جرير وابن أبي حاتم.\n﴿إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ (٧) تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (٨) قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيءٍ إِنْ أَنْتُمْ إلا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ (٩) وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (١٠) فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ (١١)﴾\nيقول تعالى: ﴿وَ﴾ أعتدنا ﴿لِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾، أي: بئس المآل والمنقلب. ﴿إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا﴾، قال ابن جرير: يعني الصياح ﴿وَهِيَ تَفُور﴾، قال الثوري: تغلي بهم كما كغلي الحَبّ القليل في الماء الكثير.\nوقوله: ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيظِ﴾، أي: تكاد ينفصل بعضها من بعض، من شدة غيظها عليهم وحنقها بهم، ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (٨) قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيءٍ إِنْ أَنْتُمْ إلا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ﴾: يذكر تعالى عدله في خلقه وأنه لا يعذب أحدًا إلا بعد قيام الحجة عليه، وإرسال الرسول إليه، كما قال: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾، وقال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَال لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾. وهكذا عادوا على أنفسهم بالملامة، وندموا حيث لا تنفعهم الندامة، فقالوا: ﴿لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾، أي: لو كانت لنا عقول ننتفع بها أو نسمع ما أنزل اللَّه من الحق، لما كنا على ما كنا عليه من الكفر بالله والاغترار به، ولكن لم يكن لنا فهم نعي به ما جاءت به الرسل، ولا كان لنا عقل يرشدنا إلى اتباعهم، قال اللَّه تعالى: ﴿فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾.\nقال الإمام أحمد (^٩): حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن عمرو بن مرة، عن أبي البَختَريّ الطائي؛ قال: أخبرني من سمعه من رسول اللَّه ﷺ أنه قال: \"لن\n_________\n(^٩) المسند (٤/ ٢٦٠) (١٨٣٤٢). وصححه الألباني في صحيح أبي داود (٣٦٥٣، ٤٣٤٧).\n_________\n[¬١]- سقط من ز، خ.","vol":"14","page":73},{"text":"يهلك الناسُ حتى يُعذروا من أنفسهم\".\nوفي \"حديث آخر] [¬١]: \"لا يدخل أحد النار إلّا وهو يعلم أن النار أولى به من الجنة\".\n﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (١٢) وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَو اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١٣) أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤) هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيهِ النُّشُورُ (١٥)﴾\nيقول تعالى مخبرًا عمن يخاف مقام ربه فيما بينه وبينه إذا كان غائبًا عن الناس، فينكف عن المعاصي ويقوم بالطاعات، حيث لا يراه أحد إلا اللَّه: بأنه له مغفرة وأجر كبير، أي [¬٢]: يكفر عنه ذنوبه، ويجازى بالثواب الجزيل، كما ثبت في الصحيحين (^١٠): \" سبعة يظلهم اللَّه في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله\". فذكر منهم رجلا دعته امرأة ذات منصب وجمال، فقال: إني أخاف اللَّه، ورجلا تصدق بصدقة فأخفاها، حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه.\nوقال الحافظ أبو بكر البزار (^١١) في مسنده: حدثنا طالوت بن عباد، حدثنا الحارث بن عبيد، عن ثابت، عن أنس؛ قال: قالوا: يا رسول اللَّه؛ إنا نكون عندك على حال، باذا فارقناك كنا على غيره؟ قال: \"كيف أنتم وربكم؟ \" قالوا: اللَّه ربنا في السر والعلانية. قال: \"ليس ذلكم النفاق\".\nلم يروه عن ثابت إلا الحارث بن عبيد فيما نعلمه.\nثم قال تعالى منبهًا على أنه مطلع على الضمائر والسرائر: ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَو اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾، أي: بما خطر في القلوب، ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾، أي: ألا يعلم الخالق. وقيل: معناه: ألا [¬٣] يعلم اللَّه مخلوقه؟ والأول أولى، لقوله، ﴿وَهُوَ اللَّطِيفُ\n_________\n(^١٠) أخرجه البخاري في كتاب: الأذان، باب: من جلس في المسجد ينتظر الصلاة، وفضل المساجد، حديث (٦٦٠) (٢/ ١٤٣). وأطرافه في [١٤٢٣، ٦٤٧٩، ٦٨٠٦]. ومسلم في كتاب: الزكاة، باب: فضل إخفاء الصدقة، حديث (٩١/ ١٠٣١) (٧/ ١٦٩) وما بعدها.\n(^١١) أخرجه البزار (١/ ٦٦ - مختصر) (١٠) قال الهيثمي في \"المجمع\" (١/ ٣٩): رواه أبو يعلى [٣٣٦٩ - إلا أنه قال ونبيكم] والبزار ورجال أبي يعلى رجال الصحيح.\n_________\n[¬١]- في خ: الحديث الآخر.\n[¬٢]- سقط من ز، خ.\n[¬٣]- سقط من ز، خ.","vol":"14","page":74},{"text":"الْخَبِيرُ﴾.\nثم ذكر نعمته على خلقه في تسخيره لهم الأرض وتذليله إياها لهم، بأن جعلها قارة ساكنة لا تميد [¬١] ولا تضطرب، بما جعل فيها من الجبال، وأنبع فيها من العيون، وسلك فيها من السبل، وهَيأها [¬٢] فيها من المنافع ومواضع الزروع [¬٣] والثمار، فقال: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا﴾، أي: فسافروا حيث شئتم من أقطارها، وترددوا في أقاليمها وأرجائها في أنواع المكاسب والتجارات، واعلموا أن سعيكم لا يجدي عليكم شيئًا، إلا أن ييسره اللَّه لكم؛ ولهذا قال: ﴿وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾، فالسعي في السبب لا ينافي التوكل، كما قال الإِمام أحمد (^١٢):\nحدثنا أبو عبد الرحمن، حدثنا حيوة، أخبرني بكر بن عمرو: أنه سمع عبد اللَّه بن هُبَيرة؛ يقول: إنه سمع أبا تميم [¬٤] الجيَشَاني؛ يقول: إنه سمع عمر بن الخطاب يقول: إنه سمع رسول اللَّه ﷺ يقول: \"لو أنكم تتوكلون [¬٥] على اللَّه حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصًا وتروح بطانًا\".\nرواه الترمذي والنسائي وابن ماجة، من [¬٦] حديث ابن هبيرة، وقال الترمذي: \"حسن صحيح\". فأثبت لها رواحًا وغدوًّا لطلب الرزق، مع توكلها على اللَّه ﷿ وهو المسخر المسير المسبب. ﴿وَإِلَيهِ النُّشُورُ﴾، أي: المرجع يوم القيامة.\nقال ابن عباس ومجاهد، وقتادة والسدي: ﴿مَنَاكِبِهَا﴾ أطرافها وفجاجها ونواحيها. وقال ابن عباس وقتادة: ﴿مَنَاكِبِهَا﴾ الجبال.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عمرو بن حكام [¬٧] الأزدي، حدثنا شعبة، عن قتادة، عن يونس بن جبير، عن بشير بن كعب: أنه قرأ هذه الآية: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا﴾ فقال لأم ولد له: إن علمت ما [¬٨] ﴿مَنَاكِبِهَا﴾ فأنت عتيقة. فقالت: هي\n_________\n(^١٢) المسند (١/ ٣٠) (٢٠٥). والترمذي في كتاب: الزهد، كتاب: في التوكل على اللَّه، حديث (٢٣٤٥) (٧/ ٩٢). والنسائي في الكبرى في كتاب: الرقائق كما في تحفة الأشراف للمزي (٨/ ٧٩) (١٠٥٨٦). وابن ماجة في كتاب: الزهد، باب: التوكل واليقين، حديث (٤١٦٤) (٢/ ١٣٩٤). وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة برقم (٣١٠).\n_________\n[¬١]- في ت: تمتد.\n[¬٢]- في ز: وهيأ.\n[¬٣]- في ز: الزرع.\n[¬٤]- في ز: سهل.\n[¬٥]- في ز: توكلون.\n[¬٦]- في ز: خ: في.\n[¬٧]- في ز: حجام.\n[¬٨]- سقط من ت.","vol":"14","page":75},{"text":"الجبال. فسأل أبا الدرداء فقال: هي الجبال.\n﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ (١٦) أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيفَ نَذِيرِ (١٧) وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَكَيفَ كَانَ نَكِيرِ (١٨) أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إلا الرَّحْمَنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيءٍ بَصِيرٌ (١٩)﴾\nوهذا أيضًا من لطفه ورحمته بخلقه أنه قادر على تعذيبهم، بسبب كفر بعضهم به، وعبادتهم معه غيره، وهو مع هذا يحلم ويصفح، ويؤجل ولا يعجل، كما قال: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا﴾ وقال هاهنا: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ﴾، أي: تذهب وتجيء وتضطرب، ﴿أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيكُمْ حَاصِبًا﴾، أي: [ريحًا فيها حصباء تدمغكم] [¬١]، كما قال: ﴿أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا﴾. وهكذا توعدهم هاهنا بقوله: ﴿فَسَتَعْلَمُونَ كَيفَ نَذِير﴾ أي: كيف يكون إنذاري وعاقبة من تخلف عنه، وكذب به.\nثم قال: ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أي: من الأمم السالفة، والقرون الخالية، ﴿فَكَيفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ أي: فكيف كان إنكاري عليهم، ومعاقبتي لهم؟ أي: عظيمًا شديدًا أليمًا.\nثم قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ﴾ أي: تارة يصففن أجنحتهن في الهواء، وتارة تجمع جناحًا، وتنشر جناحًا، ﴿مَا يُمْسِكُهُنَّ﴾، أي: في الجو ﴿إلا الرَّحْمَنُ﴾، أي: بما سخر لهن [¬٢] من الهواء، [] [¬٣] من رحمته ولطفه، ﴿إِنَّهُ بِكُلِّ شَيءٍ بَصِيرٌ﴾، أي: بما يصلح كل شيء من مخلوقاته. وهذه كقوله: ﴿أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إلا اللَّهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾.\n﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ إِنِ الْكَافِرُونَ إلا فِي غُرُورٍ (٢٠) أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ (٢١) أَفَمَنْ\n_________\n[¬١]- في ت، خ: \"ريحًا حصباء تدمغهم\".\n[¬٢]- في ز: لهم.\n[¬٣]- في ز: لهن.","vol":"14","page":76},{"text":"يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَويًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٢) قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (٢٣) قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيهِ تُحْشَرُونَ (٢٤) وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٥) قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢٦) فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَقِيلَ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ (٢٧)﴾\nيقول تعالى للمشركين الذين عبدوا غيره، يبتغون عندهم نصرًا ورزقًا منُكرًا عليهم فيما اعتقدوه، ومُخبرًا لهم أنه لا يحصل لهم ما أملوه، فقال: ﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ﴾، أي: ليس لكم من دونه من ولي [ولا واق] [¬١]، ولا ناصر لكم غيره؛ ولهذا قال: ﴿إِنِ الْكَافِرُونَ إلا فِي غُرُور﴾.\nثم قال: ﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ﴾، أي: من هذا الذي إذا قطع اللَّه رزقه عنكم يرزقكم بعده؟! أي: لا أحد يعطي ويمنع ويخلق ويرزق وينصر إلا اللَّه ﷿ وحده لا شريك له، أي: وهم يعلمون ذلك، ومع هذا يعبدون غيره؛ ولهذا قال: ﴿بَلْ لَجُّوا﴾ أي: استمروا في طغيانهم وإفكهم [¬٢] وضلالهم، ﴿فِي عُتُوٍّ وَنُفُور﴾، أي: معاندة واستكبارًا ونفورًا على أدبارهم عن الحق لا يسمعون له ولا يتبعونه.\nثم قال: ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَويًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾، وهذا مثل ضربه اللَّه للمؤمن والكافر، فالكافر مثله فيما هو فيه كمثل من يمشى مُكبًّا على وجهه، أي يمشي منحنيًا لا مستويًا على وجهه، أي: لا يدري أين يسلك ولا كيف يذهب، بل تائه حائر ضال، أهذا أهدى ﴿أَمَّنْ يَمْشِي سَويًّا﴾، أي: منتصب القامة ﴿عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾، أي: على طريق واضح بين، وهو في نفسه مستقيم، وطريقه مستقيمة، هذا مثلهم في الدنيا، وكذلك يكونون في الآخرة، فالمؤمن يحشر يمشي سويًّا على صراط مستقيم، مُفْضَى به إلى الجنة الفيحاء، وأما الكافر فإنه يحشر يمشى على وجهه إلى نار جهنم، ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (٢٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ (٢٣) وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ (٢٤) مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ (٢٥) بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾.\nقال الإِمام أحمد (^١٣) ﵀: حدثنا ابن نمير، حدثنا إسماعيل، عن نفيع؛ قال:\n_________\n(^١٣) المسند (٣/ ١٦٧) (١٢٧٣١).\n_________\n[¬١]- سقط من ز، خ.\n[¬٢]- في ز: وإثمهم.","vol":"14","page":77},{"text":"سمعت أنس بن مالك؛ يقول: قيل: يا رسول اللَّه؛ كيف حشر الناس على وجوههم؟ فقال: \"أليس [¬١] الذي أمشاهم على أرجلهم قادرًا [¬٢] على أن يمشيهم على وجوههم؟! \".\nوهذا الحديث مخرج في الصحيحين (^١٤) من طريق [يونس بن محمد، عن شيبان، عن قتادة، عن أنس، به نحوه] [¬٣].\nوقوله: ﴿قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ﴾، أي: ابتَدأ خلقكم بعد أن لم تكونوا شيئًا مذكورًا، ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ﴾، أي: العقول والإِدراك، ﴿قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ أي: ما أقلَّ ما تستعملون هذه القوى اقى أنعم اللَّه بها عليكم، في طاعته وامتثال أوامره، وترك زواجره.\n﴿قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ﴾، أي [¬٤]: بثكم ونشركم في أقطار الأرض وأرجائها، مع اختلاف ألسنتكم في لغاتكم وألوانكم، و[¬٥] حلاكم وأشكالكم وصوركم، ﴿وَإِلَيهِ تُحْشَرُونَ﴾، أي: تجمعُون بعد هذا التفرق والشتات، يجمعكم كما فرقكم، ويعيدكم كما بدأكم.\nثم قال مخبرًا عن الكفار المنكرين المعاد المستبعدين وقوعه: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾، أي: متى هذا الذي تخبرنا بكونه من [¬٦] الاجتماع بعد هذا التفرق؟ ﴿قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ﴾، أي: لا يعلم وقت ذلك على التعيين إلا اللَّه ﷿ لكنه أمرني أن أخبركم أن هذا كائن ووقع لا محالة فاحذروه، ﴿وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾: وإنما على البلاغ، وقد أديته إليكم.\nقال اللَّه تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، أي: لما قامت القيامة وشاهدها الكفار، ورأوا أن الأمر كان قريبًا؛ لأن كل ما هو آت آت وإن طال زمنه [¬٧]، فلما وقع ما كذبوا به ساءهم ذلك، لما يعلمون ما لهم هناك من الشر، أي: فأحاط بهم ذلك، وجاءهم من أمر اللَّه ما لم يكن لهم في بال ولا حساب، ﴿[وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا\n_________\n(^١٤) صحيح البخاري في كتاب: التفسير، باب: ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ﴾، حديث (٤٧٦٠) (٨/ ٤٧٦٠). وطرفه في [٦٥٢٣]. ومسلم في كتاب: صفات المنافقين، باب: يحشر الكافر على وجهه، حديث (٥٤/ ٢٨٦) (١٧/ ٢١٧).\n_________\n[¬١]- سقط من ز، خ.\n[¬٢]- في خ: قادرٌ.\n[¬٣]- بياض في ز، خ.\n[¬٤]- سقط من ز.\n[¬٥]- سقط من ز.\n[¬٦]- في ز: في.\n[¬٧]- في ز: زمانه.","vol":"14","page":78},{"text":"يَحْتَسِبُونَ] [¬١] (٤٧) وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا [¬٢] وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾؛ ولهذا يقال لهم على وجه التقريع والتوبيخ: ﴿هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ﴾، أي: تستعجلون.\n﴿قُلْ أَرَأَيتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنَا فَمَنْ يُجِيرُ الْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٢٨) قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيهِ تَوَكَّلْنَا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٩) قُلْ أَرَأَيتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ (٣٠)﴾\nيقول تعالى: ﴿قُلْ﴾: يا محمد لهؤلاء المشركين باللَّه الجاحدين لنعمه: ﴿أَرَأَيتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنَا فَمَنْ يُجِيرُ الْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ؟﴾. أي: خَلّصوا أنفسكم، فإنه لا منقذ لكم من اللَّه إلا التوبة والإِنابة، والرجوع إلى دينه، ولا ينفعكم وقوع ما تتمنون لنا من العذاب والنكال، فسواء عذبنا اللَّه أو رحمنا، فلا مناص لكم من نكاله وعذابه الأليم الواقع بكم.\nثم قال: ﴿قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيهِ تَوَكَّلْنَا﴾، أي: آمنا برب العالمين الرحمن الرحيم، وعليه توكلنا في جميع أمورنا، كما قال: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيهِ﴾، ولهذا قال: ﴿فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾، أي: منا ومنكم، ولمن تكون العاقبة في الدنيا والآخرة.\nثم قال: ﴿قُلْ أَرَأَيتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا﴾، أي: ذاهبًا في الأرض إلى أسفل، فلا يُنَال بالفئوس الحداد، ولا السواعد الشداد.\nوالغائر: عكس النابع؛ ولهذا قال: ﴿فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ﴾، أي: نابع سائح [¬٣] جار على وجه الأرض، لا يقدر على ذلك إلا اللَّه ﷿ فمن فضله وكرمه أنبع لكم المياه، وأجراها في سائر أقطار الأرض، بحسب ما يحتاج العباد إليه من القلة والكثرة، فله الحمد والمنة.\n[آخر تفسير سورة الملك، وللَّه الحمد والمنة].\n* * *\n_________\n[¬١]- سقط من ز، خ.\n[¬٢]- في ز: عملوا.\n[¬٣]- في ز، خ: صالح.","vol":"14","page":79},{"text":"<span data-type='title' id=toc-189>تفسير سورة \"ن\" وهي مكية</span>\n﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (١) مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (٢) وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيرَ مَمْنُونٍ (٣) وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤) فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ (٥) بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ (٦) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (٧)﴾\nقد تقدم الكلام على حروف الهجاء في أول \"سورة البقرة\"، وأن قوله: ﴿ن﴾ كقوله: ﴿ص﴾، ﴿ق﴾، ونحو ذلك من الحروف المقطعة في أوائل السور، وتحرير القول في ذلك بما أغنى عن إعادته. وقيل: المراد بقوله: ﴿ن﴾: حوت عظيم على تيار الماء العظيم المحيط، وهو حامل للأرضين السبع، كما قال الإِمام أبو جعفر بن جرير (^١): حدثنا ابن بشار، حدثنا يحيى، حدثنا سفيان -هو الثوري- حدثنا سليمان -هو الأعمش- عن أبي ظبيان، عن ابن عباس قال: أول ما خلق اللَّه القلم قال: اكتب. قال: وما أكتب؟ قال: اكتب القدرَ. فجرى [¬١] بما يكون من ذلك اليوم إلى يوم قيام الساعة. ثم خلق \"النون\" ورفع بخار الماء، ففُتقت منه السماء، وبسطت الأرض على ظهر النون، فاضطرب النون فمادت الأرض، فأثبتت [¬٢] بالجبال، فإنها لتفخر [¬٣] على الأرض.\nوكذا رواه ابن أبي حاتم، عن أحمد بن سنان، عن أبي معاوية، عن الأعمش، به [¬٤]. وهكذا رواه شعبة، ومحمد بن فُضَيل [¬٥]، ووكيع، عن الأعمش، به. وزاد شعبة في روايته: ثم قرأ: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾. وقد رواه شريك، عن الأعمش؛ عن أبي ظبيان [¬٦]-أو مجاهد- عن ابن عباس، فذكر نحوه. ورواه معمر، عن الأعمش: أن ابن عباس [قال .... فذكره] [¬٧]، ثم قرأ: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾. ثم قال ابن\n_________\n(^١) تفسير الطبري (٢٩/ ١٤)، وفي التاريخ (١/ ١٧)، والحاكم وصححه (٢/ ٤٩٨)، والبيهقي في الأسماء والصفات (حديث ٨٠٤)، وفي السنن (٩/ ٣)، والآجري في الشريعة (١٧٨، ١٧٩)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور (٦/ ٣٨٧). لعبد الرزاق، والفريابي، وسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن المنذر=\n_________\n[¬١]- في خ: يجري.\n[¬٢]- في ت: فأنبتت.\n[¬٣]- في ز، خ: لتفجر.\n[¬٤]- سقط من ز، خ.\n[¬٥]- في ز، خ: فضل.\n[¬٦]- تقرأ في ز: حليان. أو: حلبان.\n[¬٧]- في خ: فذكر نحوه.","vol":"14","page":80},{"text":"جرير (^٢): حدثنا ابن حميد، حدثنا جرير، عن عطاء، عن أبي الضحى، عن ابن عباس؛ قال: إن أول شيء خلق ربي ﷿ القلم، [فقال له] [¬١]: اكتب. فكتب ما هو كائن إلى أن تقوم الساعة، ثم خلق \"النون\" فوق الماء، ثم كبس الأرض عليه.\nوقد روى الطبراني ذلك مرفوعًا فقال (^٣): حدثنا أبو حبيب [زيد بن] [¬٢] المهتدي المَرُّودي [¬٣]، حدثنا سعيد بن يعقوب الطالقاني، حدثنا مؤمل بن إسماعيل [¬٤]، حدثنا حماد بن زيد، عن عطاء بن السائب، عن أبي الضحى -مسلم بن صبيح- عن ابن عباس قال: قال رسول اللَّه ﷺ: \"إن أول ما خلق اللَّه القلم والحوت، [قال للقلم: اكتب] [¬٥]. قال: ما أكتب؟ قال: كل شيءٍ كائن إلى يوم القيامة\". ثم قرأ: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾، فالنون: الحوت. والقلم: القلم.\nحديث آخر في ذلك رواه [ابن عساكر] [¬٦] (^٤) عن أبي عبد اللَّه مولى بني أمية، عن أبي صالح، عن أبي هُريرة: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: \"إن أول شيء خلقه اللَّه القلم، ثم خلق \"النون\" وهي: الدواة. ثم قال له: اكتب. قال: وما أكتب؟ [قال: اكتب] [¬٧] ما يكون -أو: ما هو كائن- من عمل أو رزق أو أثر أو أجل. فكتب ذلك إلى يوم القيامة، فذلك قوله: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾، ثم ختم على القلم فلم يتكلم إلى يوم القيامة، ثم خلق العقل، وكلال: وعزتي لأكملنك [¬٨] [فيمن أحببت، ولأنقصنك ممن أبغضت\"] [¬٩].\n_________\n= وابن مردويه، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ في العظمة، والخطب في تاريخه، والضياء في المختارة.\n(^٢) تفسير الطبري (٢٩/ ١٥).\n(^٣) المعجم الكبير (١١/ ٤٣٣) رقم (١٢٢٢٧). وقال الطبراني: لم يرفعه عن حماد بن زيد إلا مؤمل بن إسماعيل. قال الهيثمي في: \"المجمع\" (٧/ ١٣١): ومؤمل ثقة كثير الخطأ، وقد وثقه ابن معين وغيره، وضعفه البخاري وغيره، وبقية رجاله ثقات. ا هـ. وفي إسناده عطاء بن السائب وقد اختلط.\n(^٤) - تاريخ دمشق (١٧/ ٤٩٢ مخطوط)، و(١٦/ ٩٥ مخطوط)، ورواه ابن عدي في الكامل (٦/ ٢٢٧٢) من طريق محمد بن وهب، عن الوليد بن مسلم، عن مالك، عن سمي، عن أبي صالح، عن أبي هريرة مرفوعًا به نحوه، وقال: هذا بهذا الإسناد باطل منكر، وآفته محمد بن وهب قال الذهبي في الميزان (٤/ ٦١): صدق ابن عدي في أن هذا الحديث باطل. وقال ابن القيم في المنار المنيف (٩٦): \"أحاديث العقل كلها كذب\".\n_________\n[¬١]- في ت، خ: ثم قال له.\n[¬٢]- بياض في ز، خ.\n[¬٣]- في ز،: المبرود. وفي المطبوع من الطبراني: المروذي.\n[¬٤]- في ز: إسحاق.\n[¬٥]- سقط من ز، خ.\n[¬٦]- سقط من خ.\n[¬٧]- سقط من ز.\n[¬٨]- في ز، خ: لاكلمنك.\n[¬٩]- بياض في ز.","vol":"14","page":81},{"text":"وقال ابن أبي نجيح: إن إبراهيم بن أبي بكر أخبره، عن مجاهد قال: كان يقال: النون: الحوت الذي تحت الأرض السابعة.\nوقد ذكر البغوي وجماعة من المفسرين؛ أن على ظهر هذا الحوت صخرة سمكها كغلظ السموات والأرض، وعلى ظهرها ثور له أربعون ألف ترن، وعلى متنه الأرضون السبع وما فيهن وما بينهن، فالله أعلم. ومن العجيب أن بعضهم حمل على [¬١] هذا المعنى الحديث الذي رواه الإِمام أحمد (^٥): حدثنا إسماعيل، حدثنا حُميد، عن أنس: أن عبد اللَّه بن سلام بَلَغه مَقدَم رسول اللَّه ﷺ المدينة فأتاه فسأله عن أشياء، قال: إني سائلك عن أشياء لا يعلمها إلا نبي، قال: ما أول أشراط الساعة؟ و[¬٢] ما أول طعام يأكله أهل الجنة؟ وما بال الولد ينزع إلى أبيه؟ والولد ينزع إلى أمه؟ قال: \"أخبرني بهن جبريل آنفًا\". قال ابن سلام: فذاك عدو اليهود من الملائكة. قال: \"أما أول أشراط الساعة فنار تَحشرهم من المشرق إلى المغرب. وأول طعام يأكله أهل الجنة زيادةُ كبد حوت. وأما الولد فإذا سبق ماء الرجل ماء المرأة نَزَع الولد، وإذا سبق ماء المرأة ماء الرجل نزعت\".\nورواه البخاري من طرق، عن حميد، ورواه مسلم أيضًا. وله من حديث ثوبان مولى رسول اللَّه ﷺ نحو [¬٣] هذا.\nوفي صحيح مسلم (^٦) من حديث أبي أسماء الرحبي، عن ثوبان: أن حَبرًا سأل رسول اللَّه ﷺ عن مسائل، فكان منها: قال: فما تحفتهم؟ -يعني أهل الجنة حين يدخلون الجنة- قال: \"زيادة كبد الحوت\"، قال: فما غذاؤهم على إثرها؟ قال: \"ينحر لهم [¬٤] ثور الجنة الذي كان يأكل من أطرافها\". قال: فما شرابهم عليه؟ قال: \"من عين فيها [¬٥] تسمى سلسبيلًا\". وقيل: المراد بقوله: ﴿ن﴾ لوح من نور.\nقال ابن جرير (^٧): حدثنا الحسن بن شبيب المكتب، حدثنا محمد بن زياد الجزري، عن فرات بن أبي الفرات، عن معاوية بن قُرَّة، عن أبيه؟ قال: قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه\n_________\n(^٥) المسند (٣/ ١٨٩) (١٢٩٩٣). والبخاري في كتاب: أحاديث الأنبياء، باب: خلق آدم وذريته، حديث (٣٣٢٩) (٦/ ٣٦٢ - ٣٦٣)، وأطرافه في [٣٩١١، ٣٩٣٨، ٤٤٨٠]. ولم أجده في مسلم.\n(^٦) صحيح مسلم في كتاب: الحيض، باب: بيان صفة مني الرجل والمرأة، وأن الولد مخلوق من مائهما، حديث (٣٤/ ٣١٥) (٣/ ٢٩١ - ٢٩٣).\n(^٧) تفسير الطبري (٢٩/ ١٥ - ١٦).\n_________\n[¬١]- سقط من ز، خ.\n[¬٢]- سقط من ز.\n[¬٣]- في ز: عن.\n[¬٤]- سقط من ز.\n[¬٥]- سقط من ز.","vol":"14","page":82},{"text":"وسلم: \" ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾: لوح من نور، وقلم من نور يجري بما هو كائن إلى يوم القيامة\". وهذا مرسل غريب.\nوقال ابن جريج [¬١]: أخبرت أن ذلك القلم من نور طوله مائة عام.\nوقيل: المراد بقوله: ﴿ن﴾ دواة، والقلم: القلم. قال ابن جرير:\nحدثنا [] [¬٢] عبد الأعلى، حدثنا ابن ثور، عن معمر، عن الحسن وقتادة في قوله: ﴿ن﴾، قالا: هي الدواة. وقد روي في هذا حديث مرفوع غريب جدًّا، فقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا هشام بن خالد، حدثنا الحسن بن يحيى، حدثنا أبو عبد اللَّه مولى في [¬٣] أمية، في أبي صالح، عن أبي هريرة؛ قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: \"خلق اللَّه النون، وهي الدواة\".\nوقال ابن جرير (^٨): حدثنا ابن حميد، حدثنا يعقوب، حدثنا أخي عيسى بن عبد اللَّه، حدثنا ثابت [البناني] [¬٤] عن ابن عباس؛ قال: أن اللَّه خلق النون -وهي الدواة- وخلق القلم، فقال: اكتب. قال: وما أكتب؟ قال [¬٥]: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة من عمل معمول، بر [¬٦] أو فجور، أو رزق مقسوم حلال أو حرام. ثم ألزم كلّ شيء من ذلك شأنه: دخوله في الدنيا، ومقدمه فيها كم [¬٧]؟ وخروجه منها كيف؟ ثم جعل على العباد حفظة، وللكتاب خزانًا، فالحفظة ينسخون كل يوم من الخزان عمل ذلك اليوم، فإذا فني الرزق وانقطع الأثر وانقضى الأجل؛ أنت الحفظة الخزنة يطلبون عمل ذلك اليوم، فتقول لهم الخزنة: ما نجد لصاحبكم عندنا شيئًا. فترجع الحفظة فيجدونهم قد ماتوا. قال: فقال ابن عباس: ألستم قومًا عَرَبًا تسمعون الحفظة يقولون: ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾؟ وهل يكون الاستنساخ إلا من أصل؟!\nوقوله: ﴿وَالْقَلَمِ﴾: الظاهر أنه جنس القلم الذي يكتب به [¬٨] كقوله: ﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾. فهو قسم منه تعالى، وتنبيه لخلقه على ما أنعم به عليهما من تعليم الكتابة التي بها تنال العلوم؛ ولهذا قال: ﴿وَمَا يَسْطُرُونَ﴾، قال ابن عباس، ومجاهد، وقتادة: يعني وما [يكتبون.\n_________\n(^٨) تفسير الطبري (٢٩/ ١٥).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: جرير.\n[¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز: ابن.\n[¬٣]- في ز: ابن.\n[¬٤]- في ز، خ: الثمالي.\n[¬٥]- في ز: فقال.\n[¬٦]- في ز، خ: به.\n[¬٧]- سقط من ز، خ.\n[¬٨]- سقط من ز، خ.","vol":"14","page":83},{"text":"وقال أبو الضحى، عن ابن عباس: ﴿وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ أي: وما يعملون] [¬١].\n[وقال السدي: ﴿وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ يعني: الملائكة، وما] [¬٢] تكتب من عمل العباد.\nوقال آخرون: بل المراد هاهنا بالقلم الذي أجراه اللَّه بالقدر حين كتب مقادر الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرضين بخمسين ألف سنة. وأوردوا في [¬٣] ذلك الأحاديث الواردة في ذكر القلم، فقال ابن أبي حاتم:\nحدثنا أبو سعيد بن يحيى بن سعيد القطان، ويونس بن حبيب؛ قالا: حدثنا أبو داود الطيالسي (^٩)، حدثنا عبد الواحد بن سُليم السلمي، عن عطاء -هو ابن أبي رباح- حدثني الوليد بن عبادة بن الصامت قال: دعاني أبي حين حضره الموت فقال: إني سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: \"إن أول ما خلق اللَّه القلم، فقال له: اكتب. قال: يا رب، ما أكتب؟ قال: اكتب القدر [ما كان] [¬٤] وما هو كائن إلى الأبد.\nوهذا الحديث قد رواه الإِمام أحمد من طرق، عن الوليد بن عبادة، عن أبيه به [¬٥]. وأخرجه الترمذي من حديث أبي داود الطيالسي به. وقال: حسن صحيح غريب. ورواه أبو داود في \"كتاب السنة\" من سننه، عن جعفر بن مسافر، عن يحيى بن حسان، عن ابن رباح، عن إبراهيم بن أبي عبلة، عن أبي [¬٦] حفصة -واسمه حُبَيش بن شُريح الحَبشي الشامي- عن عبادة؛ فذكره.\nوقال ابن جرير (^١٠): حدثنا محمد بن عبد اللَّه الطوسي، حدثنا عليّ بن الحسن بن شقيق، أنبأنا عبد اللَّه بن المبارك، حدثنا رباح بن زيد، عن عمر بن حبيب، عن القاسم بن أبي بَزة، عن سعيد بن جبير، عن أبي عباس؛ أنه كان يحدث أن رسول اللَّه ﷺ قال: \"إن أول شيء خلقه اللَّه القلم، فأمره فكتب كل شيء\". غريب من هذا الوجه، ولم يخرجوه.\nوقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿وَالْقَلَمِ﴾ يعني: الذي كتب به الذكر.\n_________\n(^٩) أخرجه الطيالسي (ص ٧٩) (٥٧٧). وأخرجه أحمد (٥/ ٣١٧). والترمذي في كتاب: القدر، باب: (١٧)، حديث (٢١٥٦) (٦/ ٣٢٥ - ٣٢٦). وأبو داود في كتاب: السنة، باب: في القدر، حديث (٤٧٠٠) (٤/ ٢٢٥ - ٢٢٦). وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (٣٩٣٣).\n(^١٠) تفسير الطبري (٢٩/ ١٦).\n_________\n[¬١]- سقط من ز، خ.\n[¬٢]- سقط من ز، خ.\n[¬٣]- في ز: إلى.\n[¬٤]- سقط من ز، خ.\n[¬٥]- سقط من خ.\n[¬٦]- في ز: ابن.","vol":"14","page":84},{"text":"وقوله: ﴿وَمَا يَسْطُرُونَ﴾، أي: يكتبون، كما تقدم.\nوقوله: ﴿مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾، أي: لست -وللَّه الحمد- بمجنون كما قد [¬١] يقوله الجهلة من قومك، والمكذبون بما جئتهم به من الهدى والحق المبين، فنسبوك فيه إلى الجنون، ﴿وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيرَ مَمْنُونٍ﴾، أي: بل لك الأجر العيم، والثواب الجزل الذي لا ينقطع ولا يبيد، على إبلاغك رسالة ربك إلى الخلق، وصبرك على أذاهم.\nومعنى ﴿غَيرَ مَمْنُونٍ﴾ أي: غير مقطوع كقوله: ﴿عَطَاءً غَيرَ مَجْذُوذٍ﴾.\n[﴿فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيرُ مَمْنُونٍ﴾ أي غير مقطوع عنهم. وقال مجاهد: ﴿غَيرَ مَمْنُونٍ﴾] [¬٢] أي غير محسوب وهو رجع إلى ما قلناه.\nوقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾، قال العوفي، عن ابن عباس: أي وإنك لعلى دين عظيم، وهو الإسلام. وكذلك قال مجاهد، وأبو مالك، والسدي، والربيع بن أنس، والضحاك، وابن زيد.\nوقال عطية: لعلى أدب عظيم. وقال معمر، عن قتادة: سُئلت عائشةُ عن خلق رسول اللَّه ﷺ قالت: كان خلقه القرآن، تقول [¬٣]: كما هو في القرآن. وقال سعيد بن أبي عَرُوبة عن قتادة قوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾، ذُكر لنا أن سعد [¬٤] بن هشام سأل عائشة عن خلق رسول اللَّه ﷺ فقالت: ألست تقرأ القرآن؟ قال: بلى. قالت: فإن خلق رسول اللَّه ﷺ كان القرآن (^١١).\nوقال عبد الرزاق (^١٢) عن معمر، عن قتادة، عن زرارة بن أوفى، عن سعد بن هشام؛ قال: سألت عائشة فقلت: أخبريني يا أم المؤمنين؟ عن خُلُق رسول اللَّه ﷺ. فقالت: أتقرأ القرآن؟ قلت: نعم. فقالت: كان خلقه القرآن.\nهذا حديث طويل، وقد رواه الإمام مسلم (^١٣) في صحيحه، من حديث قتادة بطوله، وسيأتي في \"سورة المزمل\" إن شاء اللَّه تعالى.\n_________\n(^١١) تفسير الطبري (٢٩/ ١٩)، وأحمد (٦/ ٩٤) (٢٤٧٤٨) كلاهما من طريق قتادة، وهو عند مسلم وسيأتي قريبًا بإذن اللَّه.\n(^١٢) وأخرجه أحمد (٦/ ١٦٣) (٢٥٤٠٩) من طريق عبد الرزاق.\n(^١٣) صحيح مسلم في كتاب: صلاة المسافرين، كتاب: جامع صلاة الليل، ومن نام عنه أو مرض، حديث (١٣٩ - ١٤٢/ ٧٤٦) (٦/ ٣٧ - ٤٢).\n_________\n[¬١]- سقط من خ.\n[¬٢]- سقط من ز، خ.\n[¬٣]- في ز، خ: يقول سعيد.\n[¬٤]- في ز، خ: سعيد.","vol":"14","page":85},{"text":"وقال الإمام أحمد (^١٤): حدثنا إسماعيل، حدثنا يونس، عن الحسن؛ قال: سألت [¬١] عائشة عن خلق رسول اللَّه ﷺ، فقالت: كان خلقه القرآن.\nوقال الإِمام أحمد (^١٥): حدثنا أسود، حدثنا شريك، عن قيس بن وهب، عن رجل من بني سواد؛ قال: سألت عائشة عن خلق رسول اللَّه ﷺ فقالت: أما تقرأ [¬٢] القرآن: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾؟ قال: قلت: حدثيني عن ذاك. قالت: صنعت له طعامًا، وصنعت له حفصة طعامًا، فقلت لجاريتي: اذهبي فإن جاءت هي بالطعام فوضعته قبلُ فاطرحي الطعام! قالت: فجاءت بالطعام، قالت: فألقت الجارية فوقعت القصعة فانكسرت - وكان نطْعٌ - قالت: فجمعه [¬٣] رسول اللَّه ﷺ وقال: \"اقتصوا -أو: [اقتصي، شك] [¬٤] أسود- ظَرفًا مكان ظَرفِك\". قالت: فما قال شيئًا.\nوقال ابن جرير (^١٦): حدثنا عبيد بن آدم بن أبي أياس، حدثنا أبي، حدثنا المبارك بن فضالة، عن الحسن، عن سعد [¬٥] بن هشام؛ قال: أتيت عائشة أم المؤمنين فقلت لها: أخبريني بخُلق النبي ﷺ. فقالت: كان خلقه القرآن، أما تقرأ: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾؟\nوقد روى أبو داود والنسائي من حديث الحسن نحوه.\nوقال ابن جرير (^١٧): حدثني يونس، أنبأنا ابن وهب، أخبرني معاوية بن صالح، عن أبي الزاهرية، عن جبير بن نُفير؛ قال: حججتُ فدخلتُ على عائشة ﵂ فسألتها عن خُلُق رسول اللَّه ﷺ فقالت: كان خُلُق رسول اللَّه ﷺ القرآن.\nهكذا رواه [أحمد (^١٨) عن] [¬٦] عبد الرحمن بن مهدي. ورواه النسائي في التفسير، عن\n_________\n(^١٤) المسند (٦/ ٢١٦) (٢٥٩٢٢).\n(^١٥) المسند (٦/ ١١١) (٢٤٩١٢).\n(^١٦) تفسير الطبري (٢٩/ ١٩).\n(^١٧) تفسير الطبري (٢٩/ ١٩).\n(^١٨) المسند (٦/ ١٨٨) (٢٥٦٥٥). والنسائي في الكبرى (٦/ ٣٣٣) (١١١٣٨) في كتاب: التفسير، باب: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾.\n_________\n[¬١]- في خ: سئلت.\n[¬٢]- في ز، خ: هذا.\n[¬٣]- في ز، خ: فحفه.\n[¬٤]- في ز، خ: \"اقتفي بيد\".\n[¬٥]- في ز، خ: سعيد.\n[¬٦]- سقط من خ.","vol":"14","page":86},{"text":"إسحاق بن منصور، عن عبد الرحمن بن مهدي، عن معاوية بن صالح به.\nومعنى هذا أنه ﵇ صار امتثالُ القرآن، أمرًا ونهيًا- سجيةً له [¬١]، وخلقًا تَطَبَّعَه، وترك طبعه الجبِلي، فمهما أمره القرآن فعله، ومهما نهاه عنه تركه، هذا مع ما جَبَله اللَّه عليه من الخلق العظيم، من الحياء والكرم، والشجاعة والصفح، والحلم، وكل خلق جميل، كما ثبت في الصحيحين (^١٩) عن أنس قال: خدمتُ رسول اللَّه ﷺ عشر سنين فما قال لي: أف قط، ولا قال لشيء فعلته: لم فعلتَه؟ ولا لشيء لم أفعله: ألا فعلته؟ وكان رسول اللَّه ﷺ [] [¬٢] أحسن الناس خلقًا، ولا مَسسْتُ خزًّا ولا حريرًا ولا شيئًا كان ألين من كف رسول اللَّه عليه اللَّه عليه وسلم، ولا [شَممْتُ مسكًا] [¬٣]، ولا عطرًا كان أطيب من عَرَق رسول اللَّه ﷺ.\nوقال البخاري (^٢٠): [حدثنا أحمد بن سعيد أبو عبد اللَّه] [¬٤]، حدثنا إسحاق بن منصور، حدثنا إبراهيم بن يوسف عن أبيه، عن أبي إسحاق؛ قال: سمعت البراء يقول: كان رسول اللَّه ﷺ أحسن الناس وجهًا وأحسن الناس خلقًا، ليس بالطويل البائن [¬٥] ولا بالقصير.\nوالأحاديث في هذا كثيرة، ولأبي عيسى الترمذي في هذا كتاب [¬٦] \"الشمائل\".\nوقال الإِمام أحمد (^٢١): حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن الزهري، عن عُرْوة، عن عائشة، قالت: ما ضرب رسول اللَّه ﷺ بيده خادمًا له قط، ولا امرأة، ولا ضرب بيده شيئًا قط، إلا أن يجاهد في سبيل اللَّه، ولا خُير بين شيئين قط إلا كان أحبهما إليه أيسرهما حتى يكون إثمًا، فإذا كان إثمًا كان أبعد الناس من الإِثم، ولا انتقم لنفسه من شيء يؤتى [¬٧] إليه إلا أن تنتهك حرمات اللَّه، فيكون هو ينتقم للَّه ﷿.\nوقال الإِمام أحمد (^٢٢): حدثنا سعيد بن منصور، حدثنا [عبد العزيز] [¬٨] بن محمد، عن\n_________\n(^١٩) صحيح البخاري في كتاب: النكاح، كتاب: الوليمة حق، حديث (٥١٦٦) (٣/ ٣٧٩ - متن) ومسلم في كتاب: الفضائل، باب: كان رسول اللَّه ﷺ أحسن الناس خلقًا (٥١ - ٥٣/ ٢٣٠٩) (١٥/ ١٠٠ - ١٠٢).\n(^٢٠) صحيح البخاري في كتاب: المناقب، كتاب: صفة النبي ﷺ، حديث (٣٥٤٩) (٦/ ٥٦٤).\n(^٢١) المسند (٦/ ٢٣٢) (٢٦٠٦٥).\n(^٢٢) المسند (٢/ ٣٨١). وصححه الألباني في الصحيحة (٤٥).\n_________\n[¬١]- سقط من خ.\n[¬٢]- في ز، خ: من.\n[¬٣]- في خ: تيممت.\n[¬٤]- سقط من ز، خ.\n[¬٥]- سقط من ز.\n[¬٦]- في ت خ: الكتاب.\n[¬٧]- في ز: يعني.\n[¬٨]- في ز: عبد اللَّه.","vol":"14","page":87},{"text":"محمد بن عجلان، عن القعقاع بن حكيم، عن أبي صالح، عن أبي هُرَيرة؛ قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ: \"إنما بُعثتُ لأتمم صالح الأخلاق … \" تفرد به.\nوقوله: ﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ (٥) بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ﴾، أي: فستعلم يا محمد، وسيعلم مخالفوك ومكذبوك من المفتون الضال منك ومنهم، وهذه كقوله تعالى: ﴿سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ﴾، وكقوله: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾.\nقال ابن جريج: قال ابن عباس في هذه الآية: ستعلم ويعلمون يوم القيامة.\nوقال العوفي عن ابن عباس: ﴿بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ﴾ أي: الجنون وكذا قال مجاهد، وغيره.\nوقال قتادة وغره: ﴿بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ﴾ أي: أولى بالشيطان.\nومعنى المفتون ظاهر، أي: الذي قد افتتن عن الحق وضل عنه، وإنما دخلت الباء في قوله: ﴿بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ﴾ لتدل على تضمين الفعل في قوله: ﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ﴾، وتقديره فستعلم ويعلمون، أو [¬١]: فستُخْبَر ويُخْبَرون بأيكم المفتون، واللَّه أعلم.\nثم قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾، أي: هو يعلم تعالى أي الفريقين منكم ومنهم هو المهتدي، ويعلم الحزب الضال عن الحق.\n﴿فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ (٨) وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ (٩) وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (١٠) هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (١١) مَنَّاعٍ لِلْخَيرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (١٢) عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ (١٣) أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ (١٤) إِذَا تُتْلَى عَلَيهِ آيَاتُنَا قَال أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٥) سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ (١٦)﴾\nيقول تعالى: كما أنعمنا عليك وأعطيناك الشرع المستقيم والخلق العظيم، ﴿فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ﴾. ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾. قال ابن عباس: لو ترخص لهم فيرخصون، وقال مجاهد: ودوا لو تركن إلى آلهتهم، وتترك ما أنت عليه من الحق.\nثم قال تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ﴾، وذلك أن الكاذب لضعفه ومهانته إنما يتقي بأيمانه الكاذبة التي يجتريء بها على أسماء اللَّه تعالى، واستعمالها في كل وقت في غير محلها.\nقال ابن عباس: المهين: الكاذب. وقال مجاهد: هو الضعيف القلب. و[¬٢] قال الحسن:\n_________\n[¬١]- سقط من خ.\n[¬٢]- سقط من ت.","vol":"14","page":88},{"text":"كل حلاف مكابر مهين ضعيف. وقوله: ﴿هَمَّازٍ﴾. قال ابن عباس وقتادة: يعني الاغتياب.\n﴿مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾، يعني: الذي يمشي بين الناس، ويحرش بينهم، وينقل الحديث لفساد ذات البين، وهي الحالقة، وقد ثبت في الصحيحين (^٢٣) من حديث مجاهد، عن طاوس، عن ابن عباس؛ قال: مر رسول اللَّه ﷺ بقبرين فقال: \"إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان لا يستتر [¬١] من البول، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة\". الحديث. وأخرجه بقية الجماعة في كتبهم، من طرق عن مجاهد به.\nوقال أحمد (^٢٤): حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن إبراهيم، عن هَمام، أن حُذيفة؛ قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: \"لا يدخل الجنة قَتّات\". رواه الجماعة إلا ابن ماجة من طرق عن إبراهيم [¬٢] به.\nوحدثنا عبد الرزاق (^٢٥)، حدثنا الثوري، عن منصور، عن إبراهيم، عن همام، عن حذيفة؛ قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: \"لا يدخل الجنة قتات\". يعني نمامًا.\nوحدثنا يحيى بن سعيد القطان (^٢٦) - أبو سعيد الأحول- عن الأعمش، حدثني إبراهيم منذ نحو ستين سنة، عن همام بن الحارث [¬٣] قال: مر رجل على حذيفة فقيل: إن هذا يرفع الحديث إلى الأمراء. فقال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول -أو: قال:\n_________\n(^٢٣) صحيح البخاري في كتاب: الوضوء، كتاب: ما جاء في غسل البول، حديث (٢١٨) (١/ ٣٢٢). وأطرافه في: [١٣٦١، ١٣٧٨، ٦٠٥٢]. ومسلم في كتاب: الطهارة، باب: الدليل على نجاسة البول ووجوب الاستبراء منه، حديث (١١١/ ٢٩٢) (٣/ ٢٥٧ - ٢٥٨). وأبو داود في كتاب: الطهارة، باب: الاستبراء من البول، حديث (٢٠) (١/ ٢٠). والترمذي في كتاب: الطهارة، باب: ما جاء في التشديد في البول، حديث (٧٠) (١/ ٧٥ - ٧٦). والنسائي (١/ ٢٨ - ٣٥)، (٦/ ١٠٦). وابن ماجة في كتاب: الطهارة، باب: التشديد في البول، حديث (٣٤٧) (١/ ١٢٥). قال الترمذي: حسن صحيح.\n(^٢٤) أخرجه أحمد (٥/ ٣٨٢). والبخاري في كتاب: الأدب، كتاب: ما يكره من النميمة، حديث (٦٠٦٥) (١٠/ ٤٧٢). ومسلم في كتاب: الإيمان، باب: بيان غلظ تحريم النميمة، حديث (١٦٨ - ١٧٠/ ١٠٥). وأبو داود في كتاب: الأدب، باب: في القتات، حديث (٤٨٧١) (٤/ ٢٦٨). والترمذي في كتاب: البر والصلة، باب: ما جاء في النمام، حديث (٢٠٢٧) (٦/ ٢٢٩). والنسائي في الكبرى في كتاب: التفسير، باب: سورة القلم، حديث (١١٦١٤) (٦/ ٤٩٦).\n(^٢٥) المسند (٥/ ٣٨٩).\n(^٢٦) المسند (٥/ ٣٨٩).\n_________\n[¬١]- في خ: يستبرئ.\n[¬٢]- في ز: ابن ماجة. كذا.\n[¬٣]- في ز: حرب.","vol":"14","page":89},{"text":"قال رسول اللَّه ﷺ: \"لا يدخل الجنة قتات\".\nوقال أحمد (^٢٧): حدثنا هاشم [¬١]، حدثنا مهدي، عن واصل الأحدب، عن أبي وائل؛ قال: بلغ حذيفة عن رجل أنه ينم الحديث، فقال سمعت رسول اللَّه ﷺ قال: \"لا يدخل الجنة نمام\".\nوقال الإِمام أحمد (^٢٨): حدثنا عبد الرزاق، أنبأنا معمر، عن ابن خثيم، عن شهر بن حوشب، عن أسماء بنت يزيد بن السكن؛ أن النبي ﷺ قال: \"ألا أخبركم بخياركم؟ \". قالوا: بلى يا رسول اللَّه. قال [¬٢]: \"الذين إذا رُءُوا ذُكرَ اللَّه ﷿\". ثم قال: \"ألا أخبركم بشراركم؟ المشاءون بالنميمة، المفسدون بين الأحبة، الباغون للبرآء العَنَت\".\nورواه ابن ماجة عن سويد بن سعيد، عن يحيى بن سليم، عن ابن خثيم به.\nوقال الإِمام أحمد (^٢٩): حدثنا سفيان، عن ابن أبي حُسَين، عن شهر بن حوشب، عن عبد الرحمن بن غَنْم - يبلغ به النبي ﷺ: \"خيار عباد اللَّه الذين إذا رُءُوا ذكر اللَّه، وشرار عباد اللَّه المشاءون بالنميمة، المفرقون بين الأحبة، الباغون للبرآء العنت\".\nوقوله: ﴿مَنَّاعٍ لِلْخَيرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ﴾ أي: يمنع ما عليه وما لديه من الخير، ﴿مُعْتَدٍ﴾ في تناول ما أحل اللَّه له [¬٣]، يتجاوز فيها الحد المشروع ﴿أَثِيمٍ﴾، أي يتناول المحرمات.\nوقوله: ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ أما العتل فهو: الفظ الغليظ الصحيح، الجموع المنوع.\nقال الإِمام أحمد (^٣٠): حدثنا وكيع وعبد الرحمن، عن سفيان، عن مَعْبَد بن خالد، عن حارثة [¬٤] بن وهب؛ قال: قال رسول اللَّه ﷺ: \"ألا أنبئكم بأهل الجنة؟\n_________\n(^٢٧) المسند (٥/ ٣٩١) وليس في الإسناد أبو وائل. وأخرجه (٥/ ٣٩٩) عن حماد بن خالد عن مهدي بهذا الإسناد.\n(^٢٨) المسند (٦/ ٤٥٩) (٢٧٧٠٧). وابن ماجة في كتاب: الزهد، باب: من لا يؤبه له، حديث (٤١١٩) (٢/ ١٣٧٩). قال البوصيري في \"الزوائد\" (٣/ ٢٧٣): هذا إسناد حسن؛ شهر وسويد مختلف فيهما وباقي رجال الإسناد ثقات.\n(^٢٩) المسند (٤/ ٢٢٧) (١٨٠٥٣) قال الهيثمي في \"المجمع\" (٨/ ١٩٦): رواه أحمد وفيه شهر بن حوشب وبقية رجاله رجال الصحيح.\n(^٣٠) المسند (٤/ ٣٠٦) (١٨٧٨٢، ١٨٧٨٤).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: هشام.\n[¬٢]- سقط من ز.\n[¬٣]- سقط من ز.\n[¬٤]- في ز، خ: جارية.","vol":"14","page":90},{"text":"كل ضعيف مُتَضَعّف لو أقسم على اللَّه لأبره، ألا أنبئكم بأهل النار؟ كل عُتلّ جَوّاظ مستكبر\". وقال وكيع: كل جواظ جعظري مستكبر.\nأخرجاه في الصحيحين (^٣١) وبقية الجماعة إلا أبا داود، من حديث سفيان الثوري وشعبة، كليهما عن معبد [¬١] بن خالد به.\nوقال الإِمام أحمد أيضًا (^٣٢): حدثنا أبو عبد الرحمن، حدثنا موسى بن عليّ؛ قال: سمعت أبي يحدّث عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص، أن النبي ﷺ قال عند ذكر أهل النار: \"كل جعظري جواظ مستكبر جماع مناع\". تفرد به أحمد.\nقال أهل اللغة: الجعظري: الفظ الغليظ، والجواظ: الجموع المنوع.\nوقال الإِمام أحمد (^٣٣): حدثنا وكيع، حدثنا عبد الحَميد، عن شهر بن حَوشب، عن عبد الرحمن بن غَنْم، قال: سُئل رسول اللَّه ﷺ عن العُتلِّ الزنيم، فقال: \"هو الشديد الخَلْق المصحح الأكول الشروب الواجد للطعام والشراب، الظلوم للناس، رحيب الجوف\".\nوبهذا الإسناد قال رسول اللَّه ﷺ: \"لا يدخل الجنة الجواظ الجعظري؛ والعتل الزنيم\" (^٣٤). وقد أرسله أيضًا غير واحد من التابعين.\nوقال ابن جرير (^٣٥): حدثنا ابن عبد الأعلى، حدثنا ابن [¬٢] ثور، عن، معمر، عن زيد بن\n_________\n(^٣١) صحيح البخاري، كتاب: التفسير، باب: ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾، حديث (٤٩١٨) (٨/ ٦٦٢). وطرفاه في: [٦٠٧١، ٦٦٥٧]. ومسلم في كتاب،: الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب: النار يدخلها الجبارون والجنة يدخلها الضعفاء، حديث (٤٦، ٤٧/ ٢٨٥٣). والتومذي في كتاب: صفة جهنم، باب: أهل الجنة كل ضعيف، وأهل النار كل متكبر، حديث (٢٦٠٨) (٧/ ٢٦٦). والنسائي في كتاب: التفسير، باب: ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ حديث (١١٦١٥) (٦/ ٤٩٧). وابن ماجة في كتاب: الزهد، باب: من لا يؤبه له، حديث (٤١١٦) (٢/ ١٣٧٨).\n(^٣٢) المسند (١/ ١٦٩) (٦٥٨٠). قال الهيثمي في \"المجمع\" (١٠/ ٣٩٦): رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح. ا هـ. وصححه أحمد شاكر في تعليقه على المسند.\n(^٣٣) المسند (٤/ ٢٢٧) (١٨٠٤٦). قال الهيثمي في \"المجمع\" (١٠/ ٣٩٦): رواه أحمد وإسناده حسن إلا أن ابن غنم لم يسمع من النبي ﷺ. ا هـ.\n(^٣٤) المسند (٤/ ٢٢٧) (١٨٠٤٨). وصححه الألباني في صحيح أبي داود (٤٠١٦ - ٤٨٠١).\n(^٣٥) تفسير الطبري (٢٩/ ٢٤).\n_________\n[¬١]- في ز: سعيد.\n[¬٢]- في خ: أبو.","vol":"14","page":91},{"text":"أسلم؛ قال: قال رسول الله ﷺ: \"تبكي السماء من عبد أصح الله جسمه، وأرحب جوفه، وأعطاه [من الدُّنيا] [¬١] مِقْضَمًا، فكان للنَّاس ظلومًا\" قال: \"فذلك العُتُل [¬٢] الزنيم\".\nوهكذا رواه ابن أبي حاتم من طريقين مرسلين، ونص عليه غير واحد من السلف، منهم مجاهد، وعكرمة، والحسن، وقتادة، وغيرهم: أن العتل هو: المصُحَّح الخَلْق، الشديد القوي في المأكل والمشرب والمنكح وغير ذلك، وأمَّا الزنيم فقال البُخاريّ (^٣٦):\nحدَّثنا محمود، حدَّثنا عُبَيد [¬٣] الله، عن إسرائيل، عن أبي حَصِين، عن مجاهد، عن ابن عباس: ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾، قال: رجل من قريش له زَنمة مثل زنمة الشَّاةِ.\nومعنى هذا أنَّه كان مشهورًا بالشر كشهرة الشَّاةِ ذات الزنمة من بين أخواتها. وإنَّما الزنيم في لغة العرب: هو الدَّ عِيّ في القوم. قاله ابن جرير وغير واحد من الأئمة، قال: ومنه قول حسَّان بن ثابت، يعني يذم بعض كفار قريش:\nوأنت زنيم نيط في آل هاشم … كما نيط خلف الراكب القدح الفرد\nوقال آخر:\nزنيم ليس يعرف من أبوه … بغي الأم ذو حسب لئيم\nوقال ابن أبي حاتم: حدَّثنا عمار بن خالد الواسطيّ، حدَّثنا أسباط، عن هشام، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله: ﴿زَنِيمٍ﴾، قال: الدعي [¬٤] الفاحش اللئيم. ثم قال ابن عباس:\nزنيم تداعاه الرجال زيادة … كما زيد في عرض الأديم إلا كارع [¬٥]\nوقال العوفي عن ابن عباس: الزنيم: الدعي. ويقال: الزنيم: رجل كانت به زنمة، يعرف بها. ويقال: هو الأخنس بن شريق الثَّقفيُّ، حليف بني زهرة. وزعم أناس من بنى زهرة أن الزنيم الأسودُ بن عبد يغوث الزُّهريّ، وليس به.\nوقال ابن أبي نجيح عن مجاهد، عن ابن عباس: إنَّه زعم أن الزنيم المُلحَق النسب.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثني يونس، حدَّثنا ابن وهب، حدثني سليمان بن بلال، عن عبد\n_________\n(^٣٦) صحيح البُخاريّ في كتاب: التفسير، باب: ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾، حديث (٤٩١٧) (٨/ ٦٦٢).\n_________\n[¬١]- سقط من خ.\n[¬٢]- في ز، خ: العبد\n[¬٣]- في ز: عبد.\n[¬٤]- في ز: المدعي.\n[¬٥]- في ز، خ: أكارعه.","vol":"14","page":92},{"text":"الرحمن بن حرملة، عن سعيد بن المسيب، أنَّه سمعه قوله في هذه الآية: ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾، قال سعيد: هو الملصق في القوم، ليس منهم.\nوقال ابن أبي حاتم: حدَّثنا أبو سعيد الأشج، حدَّثنا عقبة بن خالد، عن عامر بن قدامة قال: سئل عكرمة [عن الزنيم قال: هو ولد الزنا.\nوقال الحكم بن أبان عن عكرمة] [¬١] في قوله تعالى: ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾، قال: يعرف المؤمن من الكافر مثل الشَّاةِ الزنماء، [والزنماء من الشياه] [¬٢]: التي في عنقها [هَنتَان معلقتان في حلقها] [¬٣].\nوقال الثوري، عن جابر، عن الحسن، عن سعيد بن جبير؛ قال: الزنيم: الذي يعرف بالشر كما تعرف الشاة بزنمتها. والزنيم: الملصق. رواه ابن جرير.\nوروى أيضًا من طريق داود بن أبي هند عن عكرمة، عنِ ابن عباس أنَّه قال في الزنيم: قال: نُعتَ فلم يعرف حتَّى قيل: زنيم. قال: وكانت له زَنمَة في عنقه يعرَف بها. [] [¬٤] وقال آخرون: كان دَعيًّا.\nوقال ابن جرير: حدَّثنا أبو كريب، حدَّثنا ابن إدريس، عن أبيه، عن أصحاب التفسير قالوا: هو الذي تكون له زَنمة مثل زَنمة الشَّاةِ.\nوقال الضَّحَّاك: كانت له زنَمة في أصل أذنه، ويقال: هو اللئيم الملصق في النسب.\nوقال أبو إسحاق، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: هو المريب الذي يعرف بالشر.\nوقال مجاهد: الزنيم يعرف بهذا الوصف كما تعرف الشاة، وقال أبو رَزين: الزنيم علامة الكفر. وقال عكرمة: الزنيم الذي يعرف باللؤم كما تعرف الشاة [¬٥] بزنمتها.\nوالأقوال في هذا كثيرة، وترجع إلى ما قلناه، وهو أن الزنيم هو المشهور بالشر، الذي يعرف به من بين النَّاس، وغالبًا يكون دعيًّا ولد زنا، فإنَّه في الغالب يتسلط الشَّيطان عليه ما لا يتسلط على غيره، كما جاء في الحديث: \"لا يدخل الجنَّة ولد زنا\" (^٣٧) وفي الحديث الآخر:\n_________\n(^٣٧) المسند (٢/ ٢٠١، ٢٠٣) (٦٨٨٢، ٦٨٩٣). والبخاري في \"التَّاريخ الصَّغير\" (١/ ٢٩٨). وابن خزيمة (٣٦٥)، والطيالسي (٣٠٣) برقم (٢٢٩٥)، وابن حبان (٣٣٨٣). وأخرجه النسائي (٨/ ٣١٨) دون ذكر ولد الزنا. كلهم من طريق جابان عن عبد الله بن عمرو به. قال البُخاريّ: ولا يعلم لجابان سماع من عبد الله، ولا لسالم سماع من جابان ولا نبيط. ا هـ. وقال ابن خزيمة: ليس هذا الخبر =\n_________\n[¬١]- سقط من ز، خ.\n[¬٢]- سقط من ز، خ.\n[¬٣]- في ز، خ: \"المتعلقتين في حلق الشَّاةِ\".\n[¬٤]- في ز: قال.\n[¬٥]- سقط من ز.","vol":"14","page":93},{"text":"\"ولد الزنا شر الثلاثة إذا عمل بعمل أبويه\" (^٣٨).\nوقوله: ﴿أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ * إِذَا تُتْلَى عَلَيهِ آيَاتُنَا قَال أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾، يقول تعالى: هذا مقابلة ما أنعم الله عليه من المال والبنين، كفر بآيات الله وأعرض عنها، وزعم أنها كَذب مأخوذ من أساطير الأولين، كقوله: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا * وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا * وَبَنِينَ شُهُودًا * وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا * ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ * كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا * سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ * فَقُتِلَ كَيفَ قَدَّرَ * ثُمَّ قُتِلَ كَيفَ قَدَّرَ ثُمَّ نَظَرَ * ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ * ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ * فَقَال إِنْ هَذَا إلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ * إِنْ هَذَا إلا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ قال الله تعالى: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾. وقال تعالى هاهنا: ﴿سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ﴾.\nقال ابن جرير: سنبين أمره بيانًا واضحًا حتَّى يعرفوه ولا يخفى عليهم، كما لا تخفى السمة على الخراطيم. وهكذا قال قتادة: ﴿سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ﴾: شين [¬١] لا يُفارقه آخر ما عليه. وفي رواية عنه: سيما على أنفه. وكذا قال السدي.\nوقال العوفي عن ابن عباس: ﴿سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ﴾ [يقاتل يوم بدر، فيُخطم بالسيف في القتال. وقال آخرون: ﴿سَنَسِمُهُ﴾] [¬٢]: سمة أهل النَّار، يعني نسود وجهه يوم القيامه، وعبر عَنْ الوجه بالخرطوم. و[¬٣] حكى ذلك كله أبو جعفر بن جرير، ومال إلى أنَّه لا مانع من [¬٤] اجتماع الجميع عليه في الدُّنيا والآخرة، وهو مُتجه.\nوقد قال ابن أبي حاتم في سورة ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾: حدَّثنا أبي، حدَّثنا أبو صالح كاتب اللَّيث، [حدثني اللَّيث] [¬٥]، حدثني خالد بن سعيد، عن عبد الملك بن عبد الله، عن عيسى بن هلال الصدفي، عن عبد الله بن عمرو، عن رسول الله ﷺ أنَّه\n_________\n= من شرطنا، ولا خبر نبيط عن جابان لأنَّ جابان مجهول. ا هـ.\nوله شاهد من حديث أبي سعيد الخدري أخرجه أبو يعلى (٢/ ٣٩٤) (١١٦٨). وأخرجه أحمد (٣/ ٢٨) دون ذكر ولد الزنا. كلاهما من طريق يزيد بن أبي زياد وهو ضعيف وقد حسن الألباني الحديث بطرقه في الصحيحة (٦٧٣) وفيه بحث جيد فليراجعه من شاء الاستزادة.\n(^٣٨) أخرجه الطّبرانيّ (١٠/ ٣٤٦) (١٠٦٧٤) وابن عدي في الكامل (٣/ ٩٥٨). والبيهقيّ (١٠/ ٥٨) كتاب الإيمان، باب: ما جاء في ولد الزنا. كلهم من طريق ابن أبي ليلى عن داود بن علي عن جده ابن عباس ﵁ به. قال البيهقي: هذا إسناد ضعيف. قال الهيثمي (٦/ ٢٦٠): فيه محمَّد بن أبي ليلى وهو سيئ الحفظ. وقد صحح الألباني \"ولد الزنا شر الثلاثة\" في الصحيحة برقم (٦٧٢) بشواهده.\n_________\n[¬١]- في خ: سن.\n[¬٢]- سقط من ز.\n[¬٣]- سقط من ز.\n[¬٤]- في ز: في.\n[¬٥]- سقط من ز.","vol":"14","page":94},{"text":"قال: \"إن العبد يكتب مؤمنًا [أحقابًا ثم أحقابًا] [¬١] ثم يموت والله عليه ساخط. وإن العبد يكتب كافرًا [أحقابًا ثم أحقابًا] [¬٢] ثم يموت والله عنه [¬٣] راض. ومن مات همَّازًا لمَّازًا مُلَقِّبًا للنَّاس، كان علامته يوم القيامة أن يسمه الله على الخرطوم، من كلا الشفتين\".\n﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ (١٧) وَلَا يَسْتَثْنُونَ (١٨) فَطَافَ عَلَيهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ (١٩) فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ (٢٠) فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ (٢١) أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ (٢٢) فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ (٢٣) أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيكُمْ مِسْكِينٌ (٢٤) وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ (٢٥) فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ (٢٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (٢٧) قَال أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ (٢٨) قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (٢٩) فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ (٣٠) قَالُوا يَاوَيلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ (٣١) عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيرًا مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ (٣٢) كَذَلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٣٣)﴾\nهذا مَثَلٌ ضَرَبَه الله تعالى لكفار قريش فيما أهدى إليهم من الرحمة العظيمة، وأعطاهم من النعم الجسيمة، وهو بَعْثُهُ محمدًا ﷺ إليهم، فقابلوه بالتكذيب والرد والمحاربة، ولهذا قال: ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ﴾، أي: اختبرناهم، ﴿كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ﴾، وهي البستان المشتمل على أنواع الثمار والفواكه، ﴿إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ﴾، أي: حلفوا فيما بينهم ليَجُذُّنّ ثَمرها ليلًا، لئلا يعلم بهم فقير ولا سلائل، ليتوفى ثمرُها عليهم ولا يتصدقوا منه بشيء، ﴿وَلَا يَسْتَثْنُونَ﴾ أي: فيما حلفوا به، ولهذا حَنَّثهم الله في أيمانهم، فقال: ﴿فَطَافَ عَلَيهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ﴾، أي: أصابتها آفةٌ سماوية، ﴿فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ﴾، قال ابن عباس: أي كالليل الأسود. وقال الثوري، والسدي: مثل الزرع إذا حُصِد، أي: هشيمًا يبسًا.\nوقال ابن أبي حاتم: ذكر من أحمد بن الصباح: أنبأنا بَشِير [¬٤] بن زاذان، عن عمر بن صبح، عن ليث بن أبي سليم، عن عبد الرحمن بن سابط، عن ابن مسعود؛ قال: قال رسول\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"أحيانًا ثم أحيانًا\".\n[¬٢]- في خ: \"أحيانًا ثم أحيانًا\".\n[¬٣]- في ت، خ: عليه.\n[¬٤]- في ز: بشر.","vol":"14","page":95},{"text":"الله ﷺ: \"إياكم والمعاصي، أن العبد ليذنب الذنبَ فيحرم به رزقًا قد كان هُيِّء له\"، ثم تلا رسول الله ﷺ: ﴿فَطَافَ عَلَيهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ * فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ﴾، قد حُرموا خَير جنَّتهم بذنبهم (^٣٩).\n﴿فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ﴾، أي: لما كان وقت الصبح نادى بعضهم بعضًا ليذهبوا إلى الجَذاذ، ﴿أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ﴾، أي: تريدون الصرام. قال مجاهد: كان حرثهم عِنبًا ﴿فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ﴾، أي: يتناجون فيما بينهم بحيث لا يُسمعون أحدًا كلامهم. ثم فسر الله عالم السر والنجوى ما كانوا يتخافتون به، فقال: ﴿فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ * أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيكُمْ مِسْكِينٌ﴾، أي: [يقول بعضهم لبعض] [¬١]: لا تمكنوا اليوم فقيرًا يدخلها عليكم! قال الله تعالى: ﴿وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ﴾، أي: قوة وشدة. وقال مجاهد: ﴿وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ﴾، أي جِد. وقال عكرمة: غيظ. وقال الشعبي: ﴿عَلَى حَرْدٍ﴾: على المساكين. وقال السدي: ﴿عَلَى حَرْدٍ﴾، أي: كان اسم قريتهم \"حرد\". فأبعد السدي في قوله هذا!\n﴿قَادِرِينَ﴾، أي: عليها فيما يزعمون ويَرومون. ﴿فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ﴾، أي: فلما وصلوا إليها وأشرفوا عليها، وهي على [¬٢] الحالة التي قال الله ﷿ قد استحالت عن تلك النضارة والزهرة وكثرة الثمار إلى أن صارت سوداء مُدْلَهمة، لا يُنتَفع بشيء منها، فاعتقدوا أنهم قد أخطئوا الطَّريق. ولهذا قالوا: ﴿إِنَّا لَضَالُّونَ﴾، أي: قد سلكنا إليها غير الطَّريق فتهنا عنها. قاله ابن عباس وغيره. ثم رجعوا عما كانوا فيه، وتيقنوا أنَّها هي فقالوا: ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾، أي: بل هذه هي، ولكن نحن لا حَظّ لنا ولا نصيب.\n﴿قَال أَوْسَطُهُمْ﴾، قال ابن عباس، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وعكرمة، ومحمد بن كعب، والربيع بن أَنس، والضَّحَّاك، وقتادة: أي أعدلهم وخيرهم: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ﴾، قال مجاهد، والسدي، وابن جريج: ﴿لَوْلَا تُسَبِّحُونَ﴾، أي: لولا تستثنون، قال السدي: وكان استثناؤهم في ذلك الزمان تسبيحًا.\nوقال ابن جريج: هو قول القائل: أن شاء الله.\nوقيل: معناه: ﴿قَال أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ﴾، أي: هلا تسبحون الله وتشكرونه على ما أعطاكم وأنعم به عليكم، ﴿قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾، أتوا\n_________\n(^٣٩) ذكره السيوطي في \"الدر\" (٦/ ٣٩٥) وزاد نسبته إلى ابن مردويه من حديث ابن مسعود.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"يقولون لبعضهم بعضًا\".\n[¬٢]- سقط من ز، خ.","vol":"14","page":96},{"text":"بالطاعة حيث لا تنفع، وندموا واعترفوا حيث لا ينجع، ولهذا قالوا: ﴿إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ * فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ﴾، أي: يلوم بعضهم بعضًا على ما كانوا أصروا عليه من منع المساكين من حق الجَذَاذ، فما كان جواب بعضهم لبعض إلَّا الاعتراف بالخطيئة والذنب، ﴿قَالُوا يَاوَيلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ﴾، أي: اعتدينا وبَغَينا وطغينا وجاوزنا الحد حتَّى أصابنا ما أصابنا، ﴿عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيرًا مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ﴾، قيل: رغبوا في بدلها لهم في الدُّنيا. وقيل: احتسبوا ثوابها في الدار الآخرة، والله أعلم.\nثم قد ذكر بعض السلف أن هؤلاء قد [¬١] كانوا من: أهل اليمن، قال سعيد بن جبير: كانوا من قرية يقال لها: ضروان، على ستة أميال من صنعاء. وقيل: كانوا من أهل الحبشة، وكان أبوهم قد خلف لهم هذه الجنَّة، وكانوا من أهل الكتاب، وقد كان أبوهم يسير فيها سيرة حسنة، فكان ما استغله [¬٢] منها يرد فيها ما يحتاج إليه ويدّخر لعياله قوت سنتهم، ويتصدق بالفاضل. فلما مات وورثه بنوه، قالوا: لقد كان أبونا أحمق إذ كان يصرف من هذه شيئًا للفقراء، ولو أنا منعناهم لتوفر ذلك علينا. فلما عزموا على ذلك عُوقِبوا بنقيض قصدهم، فأذهب الله ما بأيديهم بالكلية، و[¬٣] رأس المال والربح والصدقة، فلم يبق لهم شيء.\nقال الله تعالى: ﴿كَذَلِكَ الْعَذَابُ﴾، أي: هكذا عذاب من خالف أمر الله، وبخل بما آتاه الله وأنعم به عليه، ومنع حق المساكين والفقراء، وذوي الحاجات، وبدل نعمة الله كفرًا ﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾، أي: هذه عقوبة الدُّنيا كما سمعتم، وعذاب الآخرة أشق. وقد ورد في حديث رواه الحافظ البيهقي [¬٤] (^٤٠) من طريق جعفر بن محمَّد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، عن أبيه، عن جده: أن [¬٥] رسول الله ﷺ نهى عن الجَذَاذ دالليل، والحصاد بالليل.\n﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٣٤) أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (٣٥) مَا لَكُمْ كَيفَ تَحْكُمُونَ (٣٦) أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ (٣٧) إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ (٣٨) أَمْ لَكُمْ أَيمَانٌ عَلَينَا بَالِغَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ (٣٩) سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِيمٌ (٤٠) أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكَائِهِمْ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ (٤١)﴾\n_________\n(^٤٠) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (٤/ ١٣٣).\n_________\n[¬١]- سقط من ز.\n[¬٢]- في خ: استقله.\n[¬٣]- سقط من ز.\n[¬٤]- في ز، خ: السهيلي.\n[¬٥]- في ز: إلى.","vol":"14","page":97},{"text":"لما ذكر تعالى حال أهل الجنَّة الدنيوية، وما أصابهم فيها من النقمة حين عصوا الله ﷿ وخالفوا أمره، بين أن لمن اتقاه وأطاعه في الدار الآخرة جنات النعيم التي لا تَبِيد ولا تفرغ ولا ينقضي نعيمها.\nثم قال: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ﴾، أي: أفنساوي بين هؤلاء وهؤلاء في الجزاء؟ كلا ورب الأرض والسماء، ولهذا قال: ﴿مَا لَكُمْ كَيفَ تَحْكُمُونَ﴾ أي كيف تظنون [¬١] ذلك؟\nثم قال: ﴿أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ * إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ﴾، يقول: أفبأيديكم كتاب منزل من السماء تدرسونه وتحفظونه وتتداولونه بنقل [¬٢] الخلف عن السلف، مُتضمّن حكمًا مؤكدًا كما تدعونه؟ ﴿إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ * أَمْ لَكُمْ أَيمَانٌ عَلَينَا بَالِغَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ﴾ أي: أمعكم عهود منا ومواثيق مؤكدة، ﴿إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ﴾، أي: إنَّه سيحصل لكم ما تريدون وتشتهون، ﴿سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِيمٌ﴾ أي: قل لهم: من هو المتضمن المتكفل بهذا؟ ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ﴾، أي: من الأصنام والأنداد، ﴿فَلْيَأْتُوا بِشُرَكَائِهِمْ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾.\n﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ (٤٢) خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ (٤٣) فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيثُ لَا يَعْلَمُونَ (٤٤) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيدِي مَتِينٌ (٤٥) أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ (٤٦) أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ (٤٧)﴾\nلما ذكر تعالى أن للمتقين عنده جنات النعيم، بين متى ذلك كائن وواقع، فقال: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾، يعني يوم القيامة وما يكون فيه من الأهوال والزلازل والبلابل والامتحان والأمور العظام، وقد قال البُخاريّ (^٤١) ها هنا:\nحدَّثنا آدم، حدَّثنا الليث، عن خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يَسَار، عن أبي سعيد الخدري قال: سمعت النَّبيَّ ﷺ يقول [¬٣]: \"يَكشِفُ رَبُّنا عن ساقه، فيسجد له كل مؤمن ومؤمنة، ويبقى من كان يسجد في\n_________\n(^٤١) صحيح البخاري في بابه: التفسير، باب: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾، حديث (٤٩١٩) (٨/ ٦٦٣ - ٦٦٤).\n_________\n[¬١]- بياض في ز، خ.\n[¬٢]- في ز: نقل.\n[¬٣]- سقط من خ.","vol":"14","page":98},{"text":"الدنيا رياء وسمعة، فيذهب ليسجد فيعود ظهره طَبقًا واحدًا\".\nوهذا الحديث مخرج في الصحيحين (^٤٢) وفي غيرهما من طرق، وله ألفاظ، وهو حديث طويل مشهور.\nوقد قال عبد الله بن المبارك: عن أسامة بن زيد، عن عكرمة، عن ابن عباس: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ قال: هو يوم كرب وشدة. رواه ابن جرير (^٤٣) ثم قال:\nحدَّثنا ابن حميد حدَّثنا مهران عن سفيان عن المغيرة عن [¬١] إبراهيم عن ابن مسعود، أو ابن عباس- الشَّك من ابن جرير: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ قال: عن أمر عظيم يقول الشَّاعر:\n* [وقامت الحرب بنا على ساق] [¬٢] *\nوقال ابن أبي نجيح: [عن مجاهد] [¬٣]: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾، قال: شدة الأمر.\nوقال ابن عباس: هي أول ساعة تكون في يوم القيامة.\nوقال عليّ بن أبي طلحة: عن ابن عباس: قوله: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾، هو: الأمر الشديد المُفظع من الهول يوم القيامة.\nوقال العوفي: عن ابن عباس قوله: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾، يقول: حين يكشف الأمر وتبدو الأعمال وكشفه [¬٤] دخول الآخرة، وكشف الأمر عنه. وكذا روى الضَّحَّاك عن ابن عباس.\nأورد ذلك كله أبو جعفر بن جرير (^٤٤) ثم قال: حدثني أبو زيد عمر بن شبة [¬٥]، حدَّثنا هارون بن عمر المخزومي، حدَّثنا الوليد بن مسلم، حدثنا أبو سعيد روح بن جناح، عن مولى لعمر بن عبد العزيز، عن أبي بردة بن أبي موسى، عن أبيه، عن النَّبيِّ ﷺ قال: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾، قال [¬٦]: عن نور عظيم، يخرون له سجدًا.\n_________\n(^٤٢) سيأتي تخريجه بإذن الله عند تفسير آية (٢٣) من سورة القيامة.\n(^٤٣) أخرجه الطبري (٢٩/ ٣٨) من حديث ابن عباس من غير شك فيه.\n(^٤٤) أخرجه الطبري (٢٩/ ٤٢).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: بن.\n[¬٢]- في ز، خ: \"سألت الحرب عن ساق\".\n[¬٣]- سقط من خ.\n[¬٤]- في ز: يكشفه.\n[¬٥]- في ز: شيبة.\n[¬٦]- في خ: يعني.","vol":"14","page":99},{"text":"ورواه أبو يعلى (^٤٥)، عن القاسم بن يَحْيَى، عن الوليد بن مسلم، به، وفيه رجل مبهم، فالله أعلم.\nوقوله: ﴿خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ﴾، أي: في الدار الآخرة بإجرامهم وتكبرهم في الدُّنيا، فعوقبوا بنقيض ما كانوا عليه، ولما دعوا إلى السُّجود في الدُّنيا فامتنعوا منه مع صحتهم وسلامتهم، كذلك عوقبوا بعدم قدرتهم عليه في الآخرة، إذا تجلى الرب ﷿ فسجد له المؤمنون، لا يستطع أحد من الكافرين ولا المنافقين أن يسجدَ، بل يعود ظهر أحدهم طبقًا واحدًا، كما أراد أحدهم أن يسجد خَرَّ لقفاه، عكس السُّجود، كما كانوا في الدُّنيا، بخلاف ما عليه المؤمنون.\nثم قال تعالى: ﴿فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ﴾ يعني: القرآن، وهذا تهديد شديد أي: دعني وإياه مني ومنه. أنا أعلم به كيف أستدرجه، وأمده في غيه وأنظره [¬١]، ثم آخذه أخذ عزيز مقتدر. ولهذا قال: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾، أي: وهم لا يشعرون، بل يعتقدون أن ذلك من الله كرامة، وهو في نفس الأمر إهانة، كما قال: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ وقال: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾. ولهذا قال ها هنا: ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيدِي مَتِينٌ﴾، [أي: وأؤخرهم وأنظرهم وأمدهم، وذلك من كيدي ومكري بهم، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ كَيدِي مَتِينٌ﴾] [¬٢] أي: عظيم لمن خالف أمري، وكذب رسلي، واجترأ على معصيتي.\nوفي الصحيحين (^٤٦) عن رسول الله ﷺ أنَّه قال: \"إن الله ليملي للظالم، حتَّى إذا أخذه لم يفلته\" ثم قرأ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾.\nوقوله: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ * أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ﴾، تقدم تفسيرهما في سورة الطور. والمعنى في ذلك: أنك يا محمَّد تدعوهم إلى الله ﷿ بلا أجر تأخذه منهم، بل ترجو ثواب ذلك عند الله ﷿ وهم يكذبون بما جئتهم به، بمجرد الجهل والكفر والعناد.\n_________\n(^٤٥) أخرجه أبو يعلى (١٣/ ٢٦٩) (٧٢٨٣).\n(^٤٦) أخرجه البُخاريّ في كتاب: التفسير، باب: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾، حديث (٤٦٨٦) (٨/ ٣٥٤). ومسلم في كتاب: البر والصلة والآداب، باب: تحريم الظلم، حديث (٦١/ ٢٥٨٣) (١٦/ ٢٠٥ - ٢٠٦). كلاهما من حديث أبي موسى الأشعري ﵁.\n_________\n[¬١]- في ت: وأنظر.\n[¬٢]- سقط من ز، خ.","vol":"14","page":100},{"text":"﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ (٤٨) لَوْلَا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ (٤٩) فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٥٠) وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ (٥١) وَمَا هُوَ إلا ذِكْرٌ لِلْعَالمِينَ (٥٢)﴾\nيقول تعالى: ﴿فَاصْبِرْ﴾ يا محمَّد على أذى قومك لك وتكذيبهم، فإن الله سيحكم لك عليهم، ويجعل العاقبة لك ولأتباعك في الدُّنيا والآخرة، ﴿وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ﴾، يعني: ذا النون، وهو يونس بن متى ﵇ حين ذهب مُغَاضِبًا على قومه، فكان من أمره ما كان من ركوبه في البحر والتقام الحوت له، وشرود الحوت به في البحار وظلمات غمرات أليم، وسماعه تسبيح البحر بما فيه للعلي القدير، الذي لا يُرَدّ ما أنفذَه من التقدير، فحينئذ نادى في الظلمات: ﴿أَنْ لَا إِلَهَ إلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ قال الله تعالى: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّينَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ وقال تعالى: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾. وقال ها هنا: ﴿إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾ قال ابن عباس، ومجاهد، والسدي: مغموم وقال: عطاء الخراساني، وأبو مالك: مكروب. وقد قدمنا في الحديث أنَّه لما قال: ﴿لَا إِلَهَ إلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾، خرجت [الكلمة تَحُفّ [¬١]] [¬٢] حول العرش، فقالت الملائكة: يا رب، هذا صوت ضعيف معروف من بلاد غريبة! فقال الله تعالى: أما تعرفون هذا. قالوا: لا! قال: هذا يونس. قالوا: يا رب، عبدك الذي لا يزال يرفع له عمل صالح ودعوة مجابة؟ قال: نعم. قالوا: أفلا ترحم ما كان يعمله في الرخاء فتنجيه من البلاء؟ فأمر الله الحوت فألقاه بالعراء، ولهذا قال تعالى: ﴿فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾.\nوقد قال الإمام أحمد (^٤٧): حدَّثنا وكيع، حدَّثنا سفيان، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا ينبغي لأحد أن يقول: أنا خير من يونس بن متى\" ورواه البُخاريّ من حديث سفيان الثوري، وهو في الصحيحين (^٤٨) من حديث أبي هريرة.\n_________\n(^٤٧) المسند (١/ ٣٩٠) - (٣٧٠٣). والبخاري في كتاب: أحاديث الأنبياء، كتاب: قول الله تعالى: ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ …﴾ حديث (٣٤١٢) (٦/ ٤٥٠).\n(^٤٨) صحيح البُخاريّ في الموضع السابق (٣٤١٦) (٦/ ٤٥١) وطرفه في [٤٦٣١]. ومسلم في كتاب: الفضائل، باب: في ذكر يونس ﵇، حديث (١٦٦/ ٢٣٧٦) (١٥/ ١٩٢ - ١٩٣) وهو عنده من كلام رب العزة ﵎.\n_________\n[¬١]- في ز: عن.\n[¬٢]- في خ: الظلمة.","vol":"14","page":101},{"text":"وقوله: ﴿وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ﴾، قال ابن عباس ومجاهد وغيرهما: ﴿لَيُزْلِقُونَكَ﴾ لَيَنْفُذونك بأبصارهم. [أي: ليَعينُوك] [¬١]، بأبصارهم، بمعنى يحسدونك لبغضهم [¬٢] إياك لولا وقاية الله لك، وحمايته إياك منهم. وفي هذه الآية دليل على أن العين إصابتها وتأثيرها حق بأمر الله ﷿-كما وردت بذلك الأحاديث المروية من طرق متعددة كثيرة.\n(حديث أنس بن مالك) ﵁: قال أبو داود (^٤٩): حدَّثنا سليمان بن داود العَتَكي، حدَّثنا شريك ح وحدثنا العباس العنبري، حدَّثنا يزيد بن هارون، أنبأنا شريك، عن العباس بن ذَريح، عن الشعبي -قال العباس: عن أنس- قال: قال النَّبيُّ ﷺ: \"لا رقية إلَّا من عين أو حُمة أو دم لا يرقأ\" لم يذكر العباس العين، وهذا لفظ سليمان.\n(حديث بُرَيدة بن الحُصَيب) ﵁: قال أبو عبد الله بن ماجه (^٥٠): حدَّثنا محمَّد بن عبد الله بن نُمَير، حدَّثنا إسحاق بن سليمان، عن أبي جعفر الرَّازي، عن حُصَين، عن الشعبي، عن بريدة بن الحصيب قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا رقية إلَّا من عين أو حُمة\".\nهكذا رواه ابن ماجة، وقد أخرجه مسلم (^٥١) في صحيحه، عن سعيد بن منصور، عن هشيم، عن حُصَين بن عبد الرحمن، عن عامر الشعبي، عن بريدة موقوفًا، وفيه قصَّة.\nوقد رواه شعبة عن حصين عن الشعبي عن بريدة. قاله التِّرمذيُّ (^٥٢).\nوروى هذا الحديث الإِمام البُخاريّ (^٥٣) من حديث محمَّد بن فضيل، وأبو داود من حديث مالك بن مِغْول، والترمذيُّ من حديث سفيان بن عيينة، ثلاثتهم عن حصين، عن عامر الشعبي، عن عمران بن حُصين موقوفًا.\n_________\n(^٤٩) سنن أبي داود في كتاب: الطب، باب: ما جاء في الرقي، حديث (٣٨٨٩) (٤/ ١١). وضعفه الألباني في \"ضعيف سنن أبي داود\" (٨٣٨).\n(^٥٠) سنن ابن ماجة في كتاب: الطب، باب: ما رخص فيه من الرقي، حديث (٣٥١٣) (٢/ ١١٦١).\n(^٥١) صحيح مسلم في كتاب: الإيمان، باب: الدليل على دخول طوائف من المسلمين الجنَّة بغير حساب ولا عذاب، حديث (٢٢٠/ ٣٧٤) (٣/ ١١٦) وما بعدها في حديث طويل.\n(^٥٢) السنن، كتاب: الطب، باب: ما جاء في الرخصة في ذلك، حديث (٢٠٥٨) (٦/ ٢٥٢).\n(^٥٣) صحيح البُخاريّ في كتاب: الطب، باب: من اكتوى أو كوى غيره، حديث (٥٧٠٥) =\n_________\n[¬١]- في ز: ليعنونك.\n[¬٢]- في ز: لبغضتهم.","vol":"14","page":102},{"text":"(حديث أبي ذر جندب بن جنادة) (^٥٤): قال الحافظ أبو يعلى الموصلي ﵀:- حدَّثنا إبراهيم بن محمَّد [بن عرعرة بن البرند] [¬١] السامي [¬٢]، حدَّثنا ديلم بن [¬٣] غَزوان، حدَّثنا وهْب بن أبي دبي، عن أبي حرب [] [¬٤] عن أبي ذر قال: قال رسول رسول الله ﷺ: \"إن العين لتولع الرجل بإذن الله فيتصاعد حالقًا ثم يتردى منه\" إسناده غريب ولم يخرجوه.\n(حديث حابس التميمي): قال الإمام أحمد (^٥٥): حدَّثنا عبد الصَّمد، حدَّثنا حرب، حدَّثنا يحيى بن أبي كثير، حدثني حَيَّة بن حابس التميمي: أن أباه أخبره: أنَّه سمع رسول الله ﷺ يقول: \"لا شيء في الهام والعين حق وأصدق الطيرة الفأل\". وقد رواه التِّرمذيُّ عن عمرو بن علي، عن أبي غسان يَحْيَى بن كثير، عن علي بن المبارك، عن يَحْيَى بن أبي كثير، به ثم قال: \"غريب\" قال: وروى شيبان، عن يَحْيَى بن أبي كثير، عن حية [¬٥] بن حابس، عن أبيه، عن أبي هريرة عن النَّبيِّ ﷺ.\n[قلت: كذلك رواه الإمام أحمد (^٥٦) عن حسن بن موسى، وحُسَين بن محمَّد، عن شيبان، عن يحيى بن أبي كثير، عن حية حديثه، عن أبيه، عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: \"لا بأس في الهام، والعين حق، وأصدق الطيرة الفأل\"] [¬٦].\nحديث ابن عباس: قال الإمام أحمد (^٥٧): حدَّثنا عبد الله بن الوليد، عن سفيان، في دُوَيد، حدثني إسماعيل بن [¬٧] ثَوبان عن جابر بن زيد، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: \"العين حق، العين حق، تستنزل الحالق\". غريب.\n_________\n= (١٠/ ١٥٥). وسنن أبي داود، كتاب: الطب، باب: ما جاء في الرقي، حديث (٣٨٨٤) (٤/ ١٠). والتّرمذيُّ في كتاب: الطب، باب: ما جاء في الرخصة في ذلك، حديث (٢٠٥٨) (٦/ ٢٥٢).\n(^٥٤) المسند (٥/ ١٤٦) (٢١٣٨٢)، (٢١٥٥٢) والبزار كما في المجمع (٥/ ١٠٩) كلاهما من حديث أبي ذر ﵁. قال الهيثمي: ورجال أحمد ثقات. والحديث صححه الألباني في الصحيحة (٨٨٩). ولم أجده في المطبوع من أبي يعلى.\n(^٥٥) المسند (٥/ ٧٠) (٢٠٧٣٧). والترمذي في كتاب: الطب، باب: ما جاء أن العين حق، حديث (٢٠٦٢) (٦/ ٢٤٥ - ٢٥٥).\n(^٥٦) المسند (٥/ ٧٤) (٢٠٧٣٨) والحديث ضعفه الألباني في ضعيف التِّرمذيّ (٣٥٨ - ٢١٥٥) وعزاه إلى الضعيفة (٤٨٠٤) دون قوله: \"العين حق\" فقد عزاه للصحيحة (١٢٤٨).\n(^٥٧) المسند (١/ ٢٩٤) (٢٦٨١).\n_________\n[¬١]- في ز: \"عن عروة بن الزُّبير\".\n[¬٢]- في خ: الشَّامي.\n[¬٣]- في ز: عن.\n[¬٤]- في ز: عن محجن.\n[¬٥]- في خ: حنة.\n[¬٦]- سقط من ز، خ.\n[¬٧]- في ز: عن.","vol":"14","page":103},{"text":"طريق أخرى قال مسلم (^٥٨) في صحيحه: حدَّثنا عبد الله بن عبد الرحمن الدَّارميُّ، أخبرنا مسلم بن إبراهيم، حدَّثنا وُهَيب، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس، عن النَّبيِّ ﷺ قال: \"العين حق، ولو كان شيء سَابَقَ القَدَرَ سَبَقَت العين وإذا استغسلتم [¬١] فاغسلوا\". انفرد به دون البُخاريّ. وقال عبد الرَّزاق (^٥٩): عن سفيان الثوري، عن منصور، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس قال: كان رسول الله ﷺ يُعَوِّذ الحسن والحسين، يقول: \"أعيذكما بكلمات الله التَّامة، من كل شيطان وهَامَّة ومن كل عين لامة\" ويقول: \"هكذا كان [¬٢] إبراهيم يعوذ إسحاق وإسماعيل ﵈\".\nأخرجه البُخاريّ (^٦٠) [وأهل السنن] [¬٣] من حديث المنهال به. حديث أبي أمامة أسعد بن سهل بن خيف ﵁: قال ابن ماجة: حدَّثنا هشام بن عمار، حدَّثنا سفيان، عن الزُّهريّ، عن أبي أمامة بن سهل بن حُنَيف [قال: مر عامر بن ربيعة بسهل بن حُنَيف] [¬٤] وهو يغتسل، فقال: لم أر كاليوم ولا جلد مخبأة. فما لبث أن لُبطَ به، فأُتي به رسول الله ﷺ، فقيل له: أدرك [سهلًا صريعًا] [¬٥]. قال: \"من تتهمون به؟ \" قالوا: عامر بن ربيعة. قال: \"علام يقتل أحدكم أخاه؟ إذا رأى أحدكم من أخيه ما يُعجبه فَليدْعُ له [¬٦] بالبركة\". ثُمَّ دعا بماء فأمر عامرًا أن يتوضّأ فيغسل وجهه ويديه إلى المرفقين، وركبتيه، وداخلة إزاره وأمره أن يصب عليه.\nقال سفيان: قال معمر؛ عن الزُّهريّ: وأمر أن يكفَأ إناءً [¬٧] من خلفه.\n_________\n(^٥٨) صحيح مسلم في كتاب: السَّلام، باب: الطب والمرض والرقى، حديث (٤٢/ ٢١٨٨) (١٤/ ٢٤٥).\n(^٥٩) أخرجه عبد الرَّزاق في مصنفه (٤/ ٣٣٧) (٧٩٨٨).\n(^٦٠) صحيح البُخاريّ في كتاب: الأنبياء، باب: (١٠)، حديث (٣٣٧١) (٦/ ٤٠٨) وأبو داود في كتاب: السنة، باب: في الرد على الجهمية، حديث (٤٧٣٧) (٤/ ٢٣٥). والترمذي في كتاب: الطب، باب: \"١٨\"، حديث (٢٠٦١) (٦/ ٢٥٣ - ٢٥٤). والنَّسائيُّ في الكبرى في كتاب: النعوت، باب: كلمات الله ﷾ حديث (٧٧٢٦) (٤/ ٤١١)، وفي التفسير (١٠٨٤٤، ١٠٨٤٥). وابن ماجة في كتاب: الطب، باب: رقية الحية والعقرب، حديث (٣٥١٩) (٢/ ١١٦٣).\n_________\n[¬١]- في ت: اغتُسلتم.\n[¬٢]- سقط من ت.\n[¬٣]- بياض في ز، خ.\n[¬٤]- سقط من ز، خ.\n[¬٥]- بياض في ز، خ.\n[¬٦]- سقط من ز، خ.\n[¬٧]- في ز: الإناء.","vol":"14","page":104},{"text":"وقد رواه النَّسائيّ (^٦١)، من حديث سفيان بن عيينة ومالك بن أنس، كليهما عن الزُّهريّ، به. ومن حديث سفيان بن عيينة أيضًا عن معمر، عن الزُّهريّ، عن أبي أمامة: ويكفَأ الأناء من خلفه. ومن حديث ابن أبي ذئب عن الزُّهريّ، عن أبي أمامة [] [¬١] أسعد بن سهل بن [] [¬٢] حُنَيف، عن أبيه، به. ومن حديث مالك أيضًا، عن محمَّد بن أبي أمامة بن سهل، عن أبيه به.\n(حديث أبي سعيد الخدري): قال ابن ماجة (^٦٢): حدَّثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدَّثنا سعيد [¬٣] بن سليمان، حدَّثنا عباد، عن الجريري، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد قال: كان رسول الله ﷺ يتعوذ من أعين الجان وأعن الإنس. فلما نزل المعوذتان أخذهما وتَرك ما سوى ذلك.\nورواه التِّرمذيُّ والنَّسائيُّ، من حديث سعيد بن [] [¬٤] إياس أبي مسعود الجُرَيري به. وقال التِّرمذيُّ: \"حسن\".\n(حديث آخر) عنه: قال الإمام أحمد (^٦٣): حدَّثنا عبد الصَّمد بن عبد الوارث، حدثني أبي، حدثني عبد العزيز بن صُهَيب، حدثني أبو نضرة، عن أبي سعيد؛ أن جبريل أتى رسول الله ﷺ فقال: اشتكيت يا محمَّد؟ قال: \"نعم\". قال: باسم الله أرقيك، من كل شيء يؤذيك، من شر كل نفس وعين يشفيك، باسم الله أرقيك.\nورواه عن عفَّان (^٦٤) عن عبد الوارث مثله، ورواه مسلم وأهل السنن -إلَّا أبا داود - من حديث عبد الوارث به.\n_________\n(^٦١) سنن النسائي في الكبرى في كتاب: الطب، باب: وضوء العائن، حديث (٧٦١٧ - ٧٦١٩).\n(^٦٢) سنن ابن ماجة في كتاب: الطب، باب: من استرقى من العين، حديث (٣٥١١) (٢/ ١١٦١). والترمذي في كتاب: الطب، باب: \"ما جاء في الرقية بالمعوذتين\" حديث (٢٠٥٩) (٦/ ٢٥٢). والنَّسائيُّ (٨/ ٢٧١) كتاب الاستعاذة باب: الاستعاذة من عين الجان.\n(^٦٣) المسند (٣/ ٢٨) (١١٢٣٩).\n(^٦٤) المسند (٣/ ٥٦) (١١٥٥٠). ومسلم في كتاب: السَّلام، باب: الطب والمرض والرقى، حديث (٤٠/ ٢١٨٦) (١٤/ ٢٤٤). والترمذي في كتاب: الجنائز، باب: ما جاء في التعوذ للمريض، حديث (٩٧٢) (٣/ ٣٥٣). والنَّسائيُّ في الكبرى في كتاب: عمل اليوم والليلة، باب: ذكر ما كان جبريل يعوذ به النبي ﷺ حديث (١٠٨٤٣) (٦/ ٢٤٩). وابن ماجة في كتاب: الطب، باب: ما عَوَّذَ به النَّبيُّ ﷺ وما عَوَّذ به، حديث (٣٥٢٣) (٢/ ١١٦٤).\n_________\n[¬١]- في ز: عن.\n[¬٢]- في ز، خ: أبي.\n[¬٣]- في ز، خ: معبد.\n[¬٤]- في ز، خ: أبي.","vol":"14","page":105},{"text":"وقال الإمام أحمد (^٦٥) أيضًا: حدَّثنا عفَّان، حدَّثنا وهيب، حدَّثنا داود، عن أبي نَضرَة، عن أبي سعيد -أو عن جابر بن عبد الله-: أن رسول الله ﷺ اشتكى، فأتاه جبريل فقال: باسم الله أرقيك، من كل شيء يؤذيك، من كل حاسد وعين الله يشفيك.\nورواه أيضًا (^٦٦)، عن محمَّد بن عبد الرحمن الطفاوي، عن داود، عن أبي نَضرَةَ، عن أبي سعيد، به.\nقال أبو زرعة الرَّازي: روى عبد الصَّمد بن عبد الوارث، عن أبيه، عن عبد العزيز [عن أبي نَضْرَة، وعن عبد العزيز] [¬١]، عن أنس في معناه وكلاهما صحيح.\nحديث أبي هُرَيرة: قال الإِمام أحمد (^٦٧): حدَّثنا عبد الرَّزاق، أنبأنا معمر، عن هَمَّام بن منبه قال: هذا ما حدَّثنا أبو هُرَيرة عن رسول الله ﷺ قال [¬٢]: \"إن العين حق\".\nأخرجاه (^٦٨) من حديث عبد الرَّزاق. وقال ابن ماجة (^٦٩): حدَّثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدَّثنا إسماعيل بن عُليَّة، عن الجُرَيري، عن مُضَارب بن حَزن، عن أبي هُرَيرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"العين حق\" تفرد به. ورواه أحمد (^٧٠) عن إسماعيل بن علية عن سعيد الجريري به.\nوقال الإمام أحمد (^٧١): حدَّثنا ابن نمير، حدَّثنا ثور -يعني ابن يزيد-، عن مكحول، عن أبي هُرَيرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"العين حق، ويحضُرها [¬٣] الشيطانُ وحسد ابن آدم\".\n_________\n(^٦٥) المسند (٣/ ٧٥) (١١٧٢٧).\n(^٦٦) المسند (٣/ ٥٨) (١١٥٧٣).\n(^٦٧) المسند (٢/ ٣١٩).\n(^٦٨) صحيح البُخاريّ في كتاب: الطب، باب: العين حق، حديث (٥٧٤٠) (١٠/ ٢٠٣) وطرفه في [٥٩٤٤]، ومسلم في كتاب: السَّلام، باب؛ الطب والمرض والرقى، حديث (٤١/ ٢١٨٧) (١٤/ ٢٤٥).\n(^٦٩) سنن ابن ماجة في كتاب: الطب، باب: العين، حديث (٣٥٠٧) (٢/ ١١٥٩).\n(^٧٠) المسند (٢/ ٤٨٧).\n(^٧١) أخرجه أحمد (٢/ ٤٣٩). قال الهيثمي (٥/ ١١٠): رجاله رجال الصَّحيح.\n_________\n[¬١]- سقط من ز، خ.\n[¬٢]- سقط من ت.\n[¬٣]- في ز: ومحضرها.","vol":"14","page":106},{"text":"وقال أحمد (^٧٢): حدَّثنا خلف بن الوليد، حدَّثنا أبو [¬١] معشر، عن محمَّد بن قيس: سُئل أبو هُرَيرة: هل سمعت رسول الله يقول: الطيرة في ثلاث: في المسكن والفرس والمرأة؟ قال: قلت: إذًا أقول على رسول الله ﷺ ما لم يقل! ولكني سمعت رسول الله ﷺ [يقول: \"أصدق [¬٢]] [¬٣] الطيرة الفألُ، والعين حق\".\nحديث أسماء بنت عُمَيس: قال الإمام أحمد (^٧٣): حدَّثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن عُروةَ بن عامر، عن عُبيد بن رفاعة الزُرقي قال: قالت أسماء: يا رسول الله، إن بني جعفر تصيبهم العين، أفأسترقي لهم؟ قال: \"نعم، فلو كان شيء يسبق القدرَ لسبقته العين\".\nوكذا رواه التِّرمذيُّ وابن ماجة، من حديث سفيان بن عيينة، به، ورواه التِّرمذيُّ (^٧٤) أيضًا والنَّسائيُّ، من حديث عبد الرَّزاق، عن معمر، عن أيوب، عن عمرو بن دينار، عن عروة بن عامر، عن عُبيَد بن رفاعة، عن أسماء بنت عميس، به [¬٤]، وقال التِّرمذيُّ: حسن صحيح.\nحديث عائشة ﵂: قال ابن ماجة (^٧٥): حدَّثنا علي بن أبي الخَصِيب [¬٥]، حدَّثنا وكيع، عن سفيان، ومسعر، عن معبد بن خالد، عن عبد الله بن شَداد، عن عائشة: أن رسول الله ﷺ أمرها أن تسترقي من العين، ورواه البُخاريّ (^٧٦) عن محمَّد بن كثير، عن سفيان، عن معبد [بن خالد، به. وأخرجه مسلم (^٧٧) من حديث سُفيان ومِسعر، كليهما عن معبد، به] [¬٦] ثم قال ابن ماجة (^٧٨):\n_________\n(^٧٢) المسند (٢/ ٢٨٩).\n(^٧٣) المسند (٦/ ٤٣٨) (٢٧٥٧٧). والترمذي في كتاب: الطب، باب: ما جاء في الرقية من العين، حديث (٢٠٥٩) (٦/ ٢٥٣). وابن ماجة في كتاب: الطب، باب: من استرقى من العين، حدث (٣٥١٠) (٢/ ١١٦٠).\n(^٧٤) أخرجه الترمذي في الموضع السابق بهذا الإسناد. وأخرجه النَّسائيّ في الكبرى في كتاب: الطب، باب: رقية العين، حديث (٧٥٣٧) (٤/ ٣٦٥) من طريق أحمد بن الأزهر عن عبد الرحمن عن معمر بالإسناد السابق. وصححه الألباني في الصحيحة (١٢٥٢).\n(^٧٥) سنن ابن ماجة في كتاب: الطب، كتاب: من استرقى من العين، حديث (٣٥١٢) (٢/ ١١٦١).\n(^٧٦) صحيح البُخاريّ في كتاب: الطب، كتاب: رقية الدين، حديث (٥٧٣٨) (١٠/ ١٩٩).\n(^٧٧) صحيح مسلم في كتاب: السَّلام، كتاب: استحباب الرقية من العين والنملة والحمة والنظرة، حديث (٥٥/ ٥٦، ٢١٩٥) (١٤/ ٢٦٤).\n(^٧٨) سنن ابن ماجة في كتاب: الطب، كتاب: العين، حديث (٣٥٠٨) (٢/ ١١٥٩). وصححه الألباني في الصحيحة (٧٣٧).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: ابن.\n[¬٢]- سقط من ز.\n[¬٣]- سقط من خ.\n[¬٤]- سقط من ز.\n[¬٥]- في ز: الحصيب.\n[¬٦]- سقط من ز، خ.","vol":"14","page":107},{"text":"حدَّثنا محمَّد بن بشار، حدَّثنا أبو [¬١] هشام المخزومي، حدثنا وُهَيب، عن أبي واقد، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ: \"استعيذوا بالله، فإن العين [¬٢] حق\". تفرد به [خالد وأخرجه مسلم من حديث سفيان ومسعر كلاهما عن معبد به] [¬٣] وقال أبو داود (^٧٩): حدَّثنا عثمان بن أبي شيبة، حدَّثنا جرير، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة قالت: كان يؤمر العائن فيتوضأ ويغسل [¬٤] منه المَعِين.\n[قلت: كذلك رواه أحمد عن حسن بن موسى وحسين بن محمَّد عن سنان أن ابن حية حدثه عن أبيه، عن أبي هريرة عن رسول الله، ﷺ، قال: \"لا […] [¬٥] إلهام والعين حق وأصدق طيرة الفأل] [¬٦].\nحديث سهل بن حُنَيف: قال الإمام أحمد (^٨٠): حدَّثنا حُسَين بن محمَّد، حدَّثنا أبو أويس، حدَّثنا الزّهري، عن أبي أمامة بن سَهل بن حُنَيف: أن أباه حديثه: أن النَّبيَّ ﷺ خرج وساروا معه نحو مكّة، حتَّى إذا كانوا بشعب الخَرّار -من الجحفة- اغتسل سهلُ بن حُنَيف - وكان رجلًا أبيض حَسن الجسم والجلدَ فنظر إليه عامر بن ربيعة أخو [¬٧] بني عدي بن كعب وهو يغتسل، فقال: ما رأيت كاليوم ولا جلد مُخبَّأة. فلُبطَ سهل، فأتى رسول الله ﷺ فقيل له: يا رسول الله، هل لك في سهل!. والله ما يرفع رأسه ولا يُفيق. قال: \"هل تتهمون فيه من أحد؟ \" قالوا: نظر إليه عامر بن ربيعة. فدعا رسول الله ﷺ عامرًا فتغيظ عليه، وقال: \"علام يقتل أحدكم أخاه، هلا إذا رأيت ما يعجبك بَرّكت؟ \" ثم قال له: \"اغتسل له [¬٨] \". فغسل وجهه ويديه ومرفقيه وركبتيه وأطراف رجليه وَداخلَة إزاره في قَدح، ثم صُبَّ ذلك الماء عليه، يَصُبّه [¬٩] رجل على رأسه وظهره من خلفه، ثم يكفأ القدح وراءه. ففعل [¬١٠] ذلك، فراح سهل مع النَّاس، ليس\n_________\n(^٧٩) سنن أبي داود في كتاب: الطب، باب: ما جاء في العين، حديث (٣٨٨٠) (٤/ ٩). وصححه الألباني في صحيح أبي داود (٣٢٨٦).\n(^٨٠) أخرجه أحمد (٣/ ٤٨٦ - ٤٨٧) (١٦٠٢٧) قال الهيثمي في \"المجمع\" (٥/ ١١٠): رواه أحمد والطبراني ورجال أحمد رجال الصَّحيح، وفي أسانيد الطّبرانيّ ضعف.\n_________\n[¬١]- في ز: ابن.\n[¬٢]- في ز: النَّفس.\n[¬٣]- سقط من ت.\n[¬٤]- في ز: يغتسل.\n[¬٥]- بياض في ز.\n[¬٦]- سقط من ت.\n[¬٧]- في ز: أحد.\n[¬٨]- سقط من خ.\n[¬٩]- في ز: فصبه.\n[¬١٠]- في ز: يفعل.","vol":"14","page":108},{"text":"به بأس.\n(حديث عامر بن ربيعة): قال الإمام أحمد (^٨١) في مسند عامر: حدَّثنا وكيع، حدَّثنا أبي، حدَّثنا عبد الله بن عيسى عن أميه بن هند بن سهل بن حُنيف، عن عبد الله بن عامر قال: انطلق عامر بن ربيعة، وسهل بن حنيف يريدان الغسل، قال: فانطلقا يلتمسان الخمَر، قال: فوضع عامر جُبّة كانت عليه من صوف، فنظرت إليه فأصبته بعيني، فنزل الماء يغتسل، قال: فسمعت له في الماء فرقعة، فأتيته فناديته ثلاثًا فلم يجبني. فأتيت النَّبيَّ ﷺ فأخبرته، قال: فجاء يمشي فخاض الماء كأني أنظر إلى بياض ساقيه، قال: فضرب صدره بيده ثم قال: \"اللَّهم اصرف عنه حرها وبردها ووصبها\". قال: فقام. فقال رسول الله ﷺ: إذا رأى أحدكم من أخيه أو من نفسه أو من ماله، ما يعجبه، فليبرّك، فإن العين حق\".\n(حديث جابر): قال الحافظ أبو بكر البزار (^٨٢) في مسنده: حدَّثنا محمَّد بن معمر، حدَّثنا أبو داود، حدَّثنا طالب بن حبيب بن عمرو [¬١] بن سهل الأنصاري- ويقال له: ابن الضَجيع، ضجيع حمزة ﵁ حدثني عبد الرحمن بن جابر بن عبد الله، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ: \"أكثر من يموت من أمتي بعد كتاب الله وقضائه وقدره بالأنفس\".\nقال البزار: يعني: العين. قال: ولا نعلم يروى هذا الحديث عن النَّبيِّ ﷺ إلَّا بهذا الإسناد.\nقلت: بل قد روي من وجه آخر عن جابر، قال الحافظ أبو عبد الرحمن محمَّد بن المنذر الهروي -المعروف بشَكَّر- في كتاب العجائب، وهو مشتمل على فوائد جليلة وغريية: حدَّثنا الرهاوي، حدَّثنا يعقوب بن محمَّد، حدَّثنا علي بن أبي علي الهاشمي، حدَّثنا محمَّد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال: \"العين حق لتورد الرجل القبر، والجمل القدر، وإن أكثر هلاك أمتي في [¬٢] العين\".\nثم رواه عن شعيب بن أيوب، عن معاوية بن هشام، عن سفيان، عن محمَّد بن المنكدر، عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ: \"قد تُدخل الرجلَ العينُ في القبر،\n_________\n(^٨١) المسند (٣/ ٤٤٧) (١٥٧٤١). قال الهيثمي في \"المجمع\" (٥/ ١١١): رواه الطّبرانيّ وفيه أميَّة بن هند، وهو مستور ولم يضعفه أحد، وبقية رجاله رجال الصَّحيح.\n(^٨٢) أخرجه البزار (١/ ٦٤٣ - مختصر) (١١٦٤). قال الهيثمي في \"المجمع\" (٥/ ١٠٩): رواه البزار ورجاله رجال الصَّحيح خلا طالب بن حبيب بن عمرو وهو ثقة.\n_________\n[¬١]- في خ: عمر.\n[¬٢]- سقط من ز، خ.","vol":"14","page":109},{"text":"وتدخل الجمَل القدر\".\n(حديث عبد الله بن عمرو): قال الإمام أحمد (^٨٣): حدَّثنا قتيبة، حدَّثنا رشدين [¬١] بن سعد، عن الحسن بن ثوبان، عن هشام بنَ أبي رُقية، عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا عدوى ولا طيرة، ولا هَامة ولا حَسَد، والعين حق\" تفرد به أحمد.\nحديث عن عليٍّ: روى الحافظ ابن عساكر (^٨٤) من طريق خَيثمة بن سليمان الحافظ: حدَّثنا عبيد بن محمَّد الكشُوري، حدَّثنا عبد الله بن عبد الله بن عبد ربه البصري، عن أبي رجاء، عن شعبة، عن [¬٢] أبي إسحاق، عن الحارث، عن [¬٣] علي: أن جبريل أتى النَّبيَّ ﷺ فوافقه مغتمًّا، فقال له [¬٤]: يا محمَّد؛ ما هذا الغم الذي أراه في وجهك؟ قال: \"الحسن والحسين أصابتهما عين\" قال: صَدّق بالعين، فإن العين حق، أفلا عوذتهما بهؤلاء الكلمات؟ قال: \"وما هن يا جبريل؟ \". قال: قل: اللَّهم ذا السلطان العظيم، [ذا المن] [¬٥] القديم، ذا الوجه الكريم، ولي الكلمات التامات، والدعوات المستجابات، عاف الحسن والحسين من أنفس الجن، وأعين الإنس. فقالها النَّبيُّ ﷺ، فقاما يلعبان دين يديه. فقال النَّبيُّ ﷺ: \"عَوّذوا أنفسكم ونساءكم وأولادكم بهذا التعويذ، فإنَّه لم يعوذ المتعوذون بمثله\".\nقال الخطيب البغدادي: تفرد بروايته أبو رجاء محمَّد بن عبيد [¬٦] الله الحبطي من أهل تُستَر، ذكره ابن عساكر في ترجمة طراد بن الحسين، من تاريخه.\nوقوله ﴿وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ﴾، أي: يزدرونه بأعينهم ويؤذونه بألسنتهم، ويقولون: ﴿إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ﴾، أي: لمجيئه بالقرآن. قال الله تعالى: ﴿وَمَا هُوَ إلا ذِكْرٌ لِلْعَالمِينَ﴾.\n[آخر تفسير سورة \"ن\" ولله الحمد].\n* * *\n_________\n(^٨٣) أخرجه أحمد (٢/ ٢٢٢) (٧٠٧٠) قال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (٥/ ١٠٤): رواه أحمد وفيه رشدين بن سعد وهو ضعيف وقد وثق، وبقية رجاله ثقات. ا هـ.\n(^٨٤) أخرجه ابن عساكر في تاريخه (٨/ ٥٠٣ - مخطوط).\n_________\n[¬١]- في خ: رشيد.\n[¬٢]- في ز، خ: ابن.\n[¬٣]- في ز: ابن.\n[¬٤]- سقط من ت.\n[¬٥]- بياض في ز، خ.\n[¬٦]- في خ: عبد.","vol":"14","page":110},{"text":"<span data-type='title' id=toc-190>تفسير سورة الحاقة وهي مكية</span>\n﴿الْحَاقَّةُ (١) مَا الْحَاقَّةُ (٢) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ (٣) كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ (٤) فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ (٥) وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ (٦) سَخَّرَهَا عَلَيهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاويَةٍ (٧) فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ (٨) وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ (٩) فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً (١٠) إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ (١١) لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ (١٢)﴾\nالحاقةُ من أسماء يوم القيامة؛ لأنَّ فيها يَتَحقَّقُ الوَعدُ والوَعيد؛ ولهذا عَظّم تعالى أمرَها فقال: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ﴾.\nثم ذكر تعالى إهلاكه الأمم المكذبين بها فقال تعالى: ﴿فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ﴾، وهي الصيحة التي [أسكتتهم] [¬١]، والزلزلة التي [أسكنتهم] [¬٢]. هكذا قال قتادة: الطاغية الصيحة. [وهو اختيار ابن جرير] [¬٣]. وقال مجاهد: الطاغية: الذنوب. وكذا قال الرَّبيع بن أنس، وابن زيد: إنَّها الطغيان، وقرأ ابن زيد: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا﴾. وقال السدي: ﴿فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ﴾ [] [¬٤] يعني: عاقر الناقة.\n﴿وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ﴾، أي: باردة. قال قتادة، والربيع، والسدي، والثوري: ﴿عَاتِيَةٍ﴾، أي: شديدة الهبوب. قال قتادة: عتت عليهم حتى نَقَّبت عن أفئدتهم. وقال الضَّحَّاك: ﴿صَرْصَرٍ﴾: باردة، ﴿عَاتِيَةٍ﴾: عتت عليهم بغير رحمة ولا بركة. وقال [علي وغيره: عتت] [¬٥] على الخزنة فخرجت بغير حساب.\n﴿سَخَّرَهَا عَلَيهِمْ﴾ أي: سلطها عليهم ﴿سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾ أي: كوامل متتابعات مشائيم. قال ابن مسعود، وابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، والثوري، وغيرهم:\n_________\n[¬١]- ز، خ: أسكنتهم.\n[¬٢]- في ز، خ: أسكتتهم.\n[¬٣]- سقط من ز، خ.\n[¬٤]- في ز، خ: قال.\n[¬٥]- سقط من خ.","vol":"14","page":111},{"text":"﴿حُسُومًا﴾ متتابعات. وعن عكرمة، والربيع بن خثيم: مشائيم عليهم، كقوله: ﴿فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ﴾ قال الربيع: كان أولها الجمعة. وقال غيره: الأربعاء. ويقال: إنها التي تسميها الناس: الأعجاز، كأن الناس أخذوا ذلك من قوله تعالى: ﴿فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاويَةٍ﴾ \". وقيل: لأنها تكون في عجز الشتاء، ويقال: أيام العجوز؛ لأن من قوم عادٍ دخلت سربًا فقتلها الريح في اليوم الثامن. حكاه البغوي والله أعلم. قال ابن عباس: ﴿خَاويَةٍ﴾: خربة. وقال غيره: بالية. أي جعلت الريح تضرب بأحدهم الأرض فيخر ميتًا على أم رأسه، فينشدخ رأسه، وتبقى جثته، كأنها قائمة النخلة إذا خرت بلا أغصان، وقد ثبت في الصحيحين: \"نصرت بالصبا، وأهلكت عاد بالدبور\".\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن يحيى بن الضريس العبدي، ثنا بن فضيل عن مسلم، عن مجاهد، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ \"ما فتح الله على عادٍ من الريح التي أهلكوا فيها إلا مثل موضع الخاتم، فمرت بأهل البادية بين السماء والأرض، فلما رأى ذلك أهل الحاضرة من عادٍ من الريح وما فيها قالوا: هذا عارض ممطرنا. فألقت أهل البادية ومواشيهم على أهل الحاضرة\". وقال الثوري: عن ليث، عن مجاهد: الريح لها جناحان وذنب.\n﴿فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ﴾ أي هل تحس منهم من أحدٍ من بقاياهم أو ممن ينتسب إليهم؟ بل بادوا عن آخرهم، ولم يجعل الله لهم خلفًا.\nثم قال تعالى: ﴿وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ﴾ قرئ بكسر القاف. أي: ومن عنده ممن في زمانه من أتباعه من كفار القبط. وقرأ آخرون بفتحها أي: ومن قبله من الأمم المشبهين له. وقوله: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَاتُ﴾ وهم الأمم المكذبة بالرسل.\n﴿بِالْخَاطِئَةِ﴾ أي بالفعلة الخاطئة وهي التكذيب بما أنزل الله.\n[قال الربيع: ﴿بِالْخَاطِئَةِ﴾، أي: بالمعصية. وقال مجامد: بالخطايا؛ ولهذا قال: ﴿فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ﴾: وهذا جنس، أي: كُلٌ كذَّبَ رسول الله إليهم، كما قال: ﴿إِنْ كُلٌّ إلا كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾ فحق وعيد، ومن كذب رسول الله فقد كذب بالجميع، كما قال: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ﴾، ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ﴾ وإنما جاء إلى كل أمة رسول واحد؛ ولهذا قال هاهنا: ﴿فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً﴾، أي: عظيمة شديدة أليمة.\nقال مجاهد: ﴿رَابِيَةً﴾ شديد. وقال السدي: مهلكة، ثم قال الله تعالى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ﴾، أي: زاد على الحد بإذن الله، وارتفع على الوجود، قال ابن عباس وغيره: ﴿طَغَى الْمَاءُ﴾. كثر، وذلك بسبب دعوة نوح ﵇ على قومه حين كذبوه وخالفوه، فعبدوا غير الله، فاستجاب الله له وعَمَّ أهل الأرض بالطوفان إلا من كان مع نوح في السفينة،","vol":"14","page":112},{"text":"فالناس كلهم من سلالة نوح وذريته.\nقال ابن جرير (^١): حدثنا ابن حميد، حدثنا مهران، عن أبي سنان سعيد بن سنان، عن غير واحد، عن علي بن أبي طالب؛ قال: لم تنزل قطرة من ماء إلا بكيل على يدي ملك. فلما كان يوم نوح أذن للماء دون الخزان، فطغى الماء على الخزان فخرج، فذلك قول الله: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾، ولم ينزل شيء من الريح إلا بكيل على يدي [¬١]، ملك، إلا يوم عاد، فإنه أذن لها دون الخزان، فخرجت، فذلك قوله: ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾: عتت على الخزان.\nولهذا قال تعالى ممتنًّا على الناس: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾، وهي السفينة الجارية على وجه الماء ﴿لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً﴾ عاد الضمير على الجنس لدلالة المعنى [¬٢] عليه، أي: وأبقينا [¬٣] لكم من جنسها ما تركبون على تيار الماء في البحار، كما قال: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ (١٢) لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ [¬٤] تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيتُمْ عَلَيهِ﴾ وقال تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (٤١) وَخَلَقْنَا [¬٥] لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ﴾ وقال قتادة: أبقى الله السفينة حتى أدركها أوائل هذه الأمة، والأول أظهر؛ ولهذا قال: ﴿[و] [¬٦] وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ أي: وتفهم [¬٧] هذه النعمة وتذكرها [¬٨] أذن واعية.\nقال ابن عباس: حافظة سامعة. وقال قتادة: ﴿أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾: عقلت [¬٩] عن الله فانتفعت بما سمعت من كتاب الله. وقال الضحاك: ﴿وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾: سمعنها أذن ووعت أي: من له سمع صحيح وعقل رجيح، وهذا عام في من فهم ووعى.\nوقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة الدمشقي، حدثنا العباس بن الوليد [بن صبح] [¬١٠] الدمشقي، حدثنا زيد بن يحيى، حدثنا علي بن حوشب، سمعت مكحولا؛ يقول: لما نزلت [¬١١] على رسول الله ﷺ: ﴿﴿وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾﴾، قال رسول الله: \"سألت ربي أن يجعلها أذُنَ عَلِيِّ\". فكان عَليّ يقول: ما سمعت من رسول الله ﷺ شيئًا قط فنسيته.\n_________\n(^١) أسنده الطبري (٢٩/ ٥٤) من حديث سعيد بن جبير بنحوه.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: يد.\n[¬٢]- في ز، خ: المعين.\n[¬٣]- في ز، خ: وأنبتنا.\n[¬٤]- في ز: و.\n[¬٥]- في ز: وجعلنا.\n[¬٦]- سقط من ز.\n[¬٧]- في ز: ويفهم.\n[¬٨]- في ز: ويتذكرها.\n[¬٩]- في ز، خ: تحفظت.\n[¬١٠]- في ز، خ: عن صبيح.\n[¬١١]- في ت: نزل.","vol":"14","page":113},{"text":"وهكذا رواه ابن جرير (^٢) عن علي بن سهل عن الوليد بن مسلم عن علي بن حوشب عن مكحول به، وهو حديث مرسل.\nوقال ابن أبي حاتم أيضًا: حدثنا جعفر بن محمد بن عامر، حدثنا بشر بن آدم، حدثنا عبد الله بن الزبير أبو محمد -يعني: والد أبي أحمد الزبير، حدثني صالح بن الهيثم [¬١]، سمعت بريدة الأسلمي؟ يقول: قال رسول الله ﷺ لعليّ: \"إني أمرت أن أدنيك ولا أقصيك، [وأن أعلمك وأن تعي، وحُقَّ لك أن تعي] [¬٢]. قال: فنزلت هذه الآية: ﴿وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾.\nورواه ابن جرير (^٣) عن محمد بن خلف عن بشر بن آدم به. ثم رواه ابن جرير (^٤) من طريق آخر عن أبي [¬٣] داود الأعمى، عن بُرَيدة به. ولا يصحُّ أيضًا.\n﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً (١٤) فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (١٥) وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ (١٦) وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ (١٧) يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ (١٨)﴾\nيقول [تعالى مخبرًا] [¬٤] عن أهوال يوم القيامة، وأول ذلك نفخة الفزع، ثم يعقبها نفخة الصعق حين يُصعَق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله، ثم بعدها نفخة القيام لرب العالمين والبعث والنشور، وهي هذه [¬٥] النفخة. وقد أكدها ها هنا بأنها واحدة؟ لأن أمر الله لا يخالف ولا يمانع، ولا يحتاج إلى تكرار وجميد.\nوقال الربيع: هي النفخة الأخيرة. والظاهر ما قلناه، ولهذا قال هاهنا: ﴿وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً﴾ أي: فمدت مَدّ الأديم العُكاظي، وتَبَدَّلت الأرض غير الأرض،\n_________\n(^٢) تفسير الطبري (٢٩/ ٥٥).\n(^٣)، (^٤) تفسير الطبري (٢٩/ ٥٦).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: هشيم. وفي الطبري: عبد الله بن رستم.\n[¬٢]- في خ: [وأن أملك درائعي، وحولك أربعي]. وفي ز: [وأن أعلمك، وأن أملك دار تعي، وحولك أربعي].\n[¬٣]- سقط من ز.\n[¬٤]- سقط من ز، خ.\n[¬٥]- سقط من ز، خ.","vol":"14","page":114},{"text":"﴿فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ﴾، أي: قامت القيامة: ﴿وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ﴾، قال سماك: عن شيخ من بني أسد، عن عليّ؛ قال: تنشق السماء من المجرة [¬١]. رواه ابن أبي حاتم.\nوقال ابن جريج: هي كقوله: ﴿وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا﴾ وقال ابن عباس: متخرقة والعرش بحذائها ﴿وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا﴾، الملك: اسما جنس، أي: الملائكة على أرجاء السماء.\nقال ابن عباس: على ما لم يَهِ [¬٢] منها [أي: حافتها] [¬٣]. وكذا قال سعيد بن جبير، والأوزاعي. وقال الضحاك: أطرافها. وقال الحسن البصري: أبوابها. وقال الربيع بن أنس في قوله: ﴿وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا﴾، يقول: على ما استدقّ من السماء، ينظرون إلى أهل الأرض.\nوقوله: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾، أي: يوم القيامة يحمل العرش ثمانية من الملائكة. ويحتمل أن يكون المراد بهذا [العرشِ العرش] [¬٤] العظيم، أو: العرش الذي يوضع في الأرض يوم القيامة لفصل القضاء، والله أعلم بالصواب. وفي حديث عبد الله بن عَمِيرة [¬٥]، عن الأحنف بن قيس، عن العباس بن عبد المُطب، في ذكر حَمَلة العرش أنهم ثمانية أوعال (^٥).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد [يحيى] [¬٦] بن سعيد، حدثنا زيد بن الحباب، حدثني أبو السمح البصري، حدثنا أبو قبيل حيي بن هانئ، أنه سمع عبد الله بن عمرو؛ يقول: حملة العرش ثمانية [¬٧]، ما بين موق أحدهم إلى مؤخر عينه مسيرة مائة عام.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي؛ قال: كتب إليَّ أحمد بن حفص بن عبد الله النيسابوري: حدثني أبي، حدثنا إبراهيم بن طهمان، عن موسى بن عقبة، عن محمد بن المنكدر، عن جابر؛ قال: قال رسول الله ﷺ: \"أذن لي أن أحدثكم عن\n_________\n(^٥) أخرجه أبو يعلى (١٢/ ٧٤) (٦٧١٢)، والحاكم (٢/ ٥٠٠) وصححه على شرط مسلم. وابن أبي شيبة في العرش (٢٨)، وابن خزيمة في التوحيد (١٠٩). وذكره السيوطي في الدر (٦/ ٤٨٠ - ٤٠٩) وزاد نسبته إلى عبد بن حميد، وعثمان بن سعيد الدارمي في الرد على الجهمية وابن المنذر وابن مردويه والخطيب في تالي التلخيص.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: المحد. والعبارة فيها تقديم وتأخير في ز، خ.\n[¬٢]- في ز: يهي.\n[¬٣]- في ز: وقال.\n[¬٤]- سقط من ز، خ.\n[¬٥]- في خ: عمرة ز.\n[¬٦]- في ز، خ: ابن نمر.\n[¬٧]- سقط من خ.","vol":"14","page":115},{"text":"ملك من حملة العرش، بُعدُ ما بين شحمة أذنه وعنقه مَخفق [¬١] الطير سبعمائة عام\".\nوهذا إسناد جيد، رجاله كلهم ثقات. وقد رواه أبو داود (^٦) في \"كتاب السنة\" من سُنَنه: حدثنا أحمد بن حفص بن عبد الله، حدثنا أبي، حدثنا إبراهيم بن طهمان عن موسى بن عقبة، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله؛ أن رسول الله ﷺ، قال: \"أذنَ لي أن أحدث عن ملك من ملائكة الله من حَمَلة العرش؛ أن ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام\". هذا لفظ أبي داود.\nوقال ابن أبي حاتم (^٧): حدثنا أبو زرعة، حدثنا يحيى بن المغيرة، حدثنا جرير، عن أشعث، عن جعفر، عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾، قال: ثمانية صفوف من الملائكة. قال: ورُوي عن الشعبي، والضحاك، وابن جريج، مثل ذلك. وكذا روى السُّدي عن أبي [¬٢] مالك، عن ابن عباس: ثمانية صفوف. وكذا روى العوفي [¬٣] عنه.\nوقال الضحاك عن ابن عباس: الكروبيون ثمانية أجزاء، كل جنس منهم بقدر الإنس والجن والشياطين والملائكة.\nوقوله: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾، أي: تعرضون على عالم السر والنجوى، الذي لا يخفى عليه شيء من أموركم، بل هو عالم بالظواهر والسرائر والضمائر، ولهذا قال: ﴿لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾.\nوقد قال ابن أبي الدنيا: أخبرنا إسحاق بن إسماعيل، أخبرنا سفيان بن عيينة، عن جعفر بن بُرْقان، عن ثايت بن الحجاج، قال: قال عمر بن الخطاب ﵁: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أنفسكم قبل أن تُوزنَوا، فإنه أخف عليكم في الحساب غدًا أن تحاسبوا أنفسكم اليوم، وتَزَيِّنُوا للعرض الأكبر: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾.\nوقال الإمام أحمد (^٨): حدثنا وكيع، حدثنا علي بن علي بن رفاعة، عن الحسن، عن أبي موسى، قال: قال رسول الله ﷺ: \"يعرض الناس يوم القيامة ثلاث\n_________\n(^٦) سنن أبي داود في كتاب: السنة، باب: في الجهمية، حديث (٤٧٢٧) (٤/ ٢٣٢). وصححه الألباني في الصحيحة (١٥١).\n(^٧) رواه ابن جرير عن ابن عباس (٢٩/ ٥٨) بنحوه.\n(^٨) المسند (٤/ ٤١٤) (١٩٧٦٩).\n_________\n[¬١]- في خ: يخفق.\n[¬٢]- سقط من ز، خ.\n[¬٣]- في ز، خ: المعري.","vol":"14","page":116},{"text":"عرضات، فأما عرضتان فجدالٌ [¬١] ومعاذيرُ [¬٢]، وأما الثالثة فعند ذلك تطير الصحف [في الأيدي] [¬٣]، فآخذ بيمينه وآخذ بشماله\". ورواه ابن ماجة (^٩) عن أبي بكر بن أبي شيبة عن وكيع به. وقد رواه الترمذي (^١٠) عن أبي [¬٤] كريب، عن وكيع، عن علي بن علي، عن الحسن، عن أبي هريرة، به.\nوقد روى ابنُ جرير (^١١) عن مجاهد بن موسى، عن يزيد، عن [سلمان بن حَيّان] [¬٥]، عن مروان الأصغر، عن أبي وائل، عن عبد الله؛ قال: يعرض الناس يوم القيامة ثلاث عرضات: [عرضتان، معاذير] [¬٦] وخصومات، والعرضة الثالثة تطير الصحف في الأيدي. ورواه سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة مرسلًا مثله.\n﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ (١٩) إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ (٢٠) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٢١) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (٢٢) قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ (٢٣) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ (٢٤)﴾\nيخبر تعالى عن سعادة من أوتي كتابه يوم القيامة بيمينه، وفرحه بذلك، وأنه من شدة فرحه يقول لكل من لقيه: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾، أي: خذوا اقرءوا كتابيه؛ لأنه يعلم أن الذي فيه خير وحسنات محضة؛ لأنه مِمَّنْ بَذل الله سيئاته حسنات.\nقال عبد الرحمن بن زيد: معنى ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾، أي: ها اقرءوا كتابيه، و\"ؤم\" زائدة. كذا قال، والظاهر أنها بمعنى [¬٧]: هاكم.\n_________\n(^٩) سنن ابن ماجة في كتاب: الزهد، باب: ذكر البعث، حديث (٤٢٧٧) (٢/ ١٤٠). قال الترمذي: ولا يصح هذا الحديث من قبل أن الحسن لم يسمع من أبي موسى. وفي الزوائد: رجال الإسناد ثقات؛ إلا أنه منقطع، والحسن لم يسمع من أبي موسى، قاله علي بن المديني وأبو حاتم وأبو زرعة. ا هـ. انظر التالي.\n(^١٠) سنن الترمذي، كتاب صفة القيامة، باب: ما جاء في العرض، حديث (٢٤٢٧) (٧/ ١٤١). قال الترمذي: ولا يصح هذا الحديث من قبل أن الحسن لم يسمع من أبي هريرة.\n(^١١) أخرجه الطبري (٢٩/ ٥٩).\n_________\n[¬١]- في ز: وجداي.\n[¬٢]- في ز، خ: ومقادير.\n[¬٣]- سقط من ز، خ.\n[¬٤]- في خ: ابن.\n[¬٥]- في ز، خ: وسليم بن حبان.\n[¬٦]- في ز: معادية.\n[¬٧]- في ز: هي.","vol":"14","page":117},{"text":"وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا بشر بن مطر الواسطي، حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا عاصم الأحول، عن أبي عثمان؛ قال: المؤمن يعطى كتابه في ستر من الله، فيقرأ سيئاته، فكلما قرأ سيئةً تغير لونه حتى يمر بحسناته فيقرؤها، فيرجع إليه لونه. ثم ينظر فإذا سيئاته قد بُدلت حسنات، قال: فعند ذلك يقول: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾.\nوحدثنا أبي، حدثنا إبراهيم بن الوليد بن سلمة، حدثنا روح بن عبادة [¬١]، حدثنا موسى بن عبيدة، أخبرني عبد الله بن عبد الله بن حنظة - غسيل الملائكة - قال: إن الله يوقف [¬٢] عبده يوم القيامة فيبدي سيئاته في ظهر صحيفته [¬٣]، فيقول له: أنت عملت هذا. فيقول: نعم، أي رب. فيقول له: إني لم أفضحك به، وإني قد غفرت لك. فيقول عند ذلك: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ (١٩) إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ﴾، حين نجا من فَضْحة يوم القيامة.\nوقد تقدم في الصحيح (^١٢) حديث ابن عمر حين سئل عن النجوى، فقال: سمعت النبي ﷺ؛ يقول: \"يدني الله العبد يوم القيامة، فيقرره بذنوبه كلها، حتى إذا رأى أنه قد هلك قال الله: إني سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم. ثم يُعطى كتاب حسناته بيمينه. وأما الكافر والمنافق ﴿وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾.\nوقوله: ﴿إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ﴾، أي: قد كنت موقنًا في الدنيا أن هذا اليوم كائن لا محالة، كما قال: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾ قال الله تعالى: ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾، أي [¬٤]: مرضية، ﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ﴾، أي: رفيعة قصورها، حسان حورها، نعيمة دورها، دائم حبورها.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو عُتبَةَ الحسن بن علي بن مسلم السَّكُوني [¬٥]، حدثنا إسماعيل بن عياش، عن سعيد بن يحيىسف، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلام الأسود؛ قال: سمعت أبا أمامةَ؟ قال: سأل رجلٌ رسول الله ﷺ: هل يتزاور أهل الجنة؟ قال: \"نعم، إنه ليهبط أهل الدرجة العليا إلى أهل الدرجة السفلى، فيحيونهم [¬٦] ويسلمون عليهم، ولا يستطيع أهل الدرجة السفلى يصعدون إلى الأعلين، تقصر بهم\n_________\n(^١٢) تقدم تخريجه في تفسير سورة هود، آية: ١٨.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: عباد.\n[¬٢]- في ز، خ: يقف.\n[¬٣]- في ز، خ: فضيحة.\n[¬٤]- في ز: يعني.\n[¬٥]- في ز، خ: السكري.\n[¬٦]- في خ: فيجيئونهم.","vol":"14","page":118},{"text":"أعمالهم\". وقد ثبت في الصحيح (^١٣): \" إن الجنة مائة درجة ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض\".\nوقوله: ﴿قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ﴾، قال البراء بن عازب: أي قريبة، يتناولها، أحدهم، وهو نائم على سريره. وكذا قال غير واحد. قال الطبراني (^١٤): عن عبد الرزاق، عن سفيان الثوري، عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم، عن عطاء بن يسار، عن سلمان الفارسي؛ قال: قال رسول الله ﷺ: \"لا يدخل الجنة أحد إلا بجواز: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ هذا كتاب من الله لفلان بن فلان، أدخلوه جنة عالية، قطوفها دانية\".\nوكذا رواه الضياء في \"صفة الجنة\" من طريق سعدان بن سعيد، عن سليمان التيمي، عن أبي عثمان النهدي، عن سلمان، عن رسول الله ﷺ؛ قال: \"يعطي المؤمن جَوَازًا على الصراط: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، هذا كتاب من الله العزيز الحكيم لفلان، أدخلوه جنة عالية، قطوفها دانية\".\nوقوله: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ أي: يقال لهم ذلك تفضلًا عليهم، وامتنًانا وإنعامًا وإحسانًا، والا فقد ثبت في الصحيح (^١٥)، عن رسول الله ﷺ أنه قال: \"اعملوا وسدِّدوا وقَارِبُوا، واعلموا أن أحدًا منكم لن يدخله عملُه الجنةَ\". قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: \"ولا أنا، إلا أن يَتَغَمَّدَني الله برحمة منه وفضل\".\n﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَاليتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ (٢٥) وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ (٢٦) يَاليتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ (٢٧) مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ (٢٨) هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ (٢٩) خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (٣٠) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (٣١) ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ (٣٢) إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (٣٣) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (٣٤) فَلَيسَ\n_________\n(^١٣) أخرجه البخاري في كتاب: الجهاد، باب: درجات المجاهدين في سبيل الله .. حديث (٢٧٩٠) (٢/ ٣٠٣ - ٣٠٤ - متن) وطرفه في [٧٤٢٣] من حديث أبي هريرة ﵁.\n(^١٤) أخرجه الطبراني (٦/ ٢٧٢) (٦١٩١). من طريق إسحاق بن إبراهيم الدبري عن عبد الرزاق بهذا الإسناد. قال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (١٠/ ٤٠١): رواه الطبراني في الكبير والأوسط. ولم يذكر شيئًا. وفيه عبد الرحمن بن زياد بن أنعم: ضعيف في حفظه.\n(^١٥) أخرجه البخاري في كتاب: الرقاق، باب: القصد والمداومة على العمل، حديث (٦٤٦٧، ٦٤٦٤) (١١/ ٢٩٤) ومسلم في كتاب: صفات المنافقين وأحكامهم، باب: لن يدخل أحد الجنة بعمله، بل برحمة الله تعالى، حديث (٧٨/ ٢٨١٨) (١٧/ ٢٣٦). كلاهما من حديث عائشة ﵂.","vol":"14","page":119},{"text":"لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ (٣٥) وَلَا طَعَامٌ إلا مِنْ غِسْلِينٍ (٣٦) لَا يَأْكُلُهُ إلا الْخَاطِئُونَ (٣٧)﴾\nوهذا إخبار عن حال الأشقياء إذا أعطي أحدهم [¬١] كتابه في العَرَصات بشماله، فحينئذ يندم غاية الندم، فيقول: ﴿يَاليتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ يَاليتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ﴾.\nقال الضحاك: يعني موتة لا حياة بعدها. وكذا قال محمد بن كعب، والربيع، والسدي.\nوقال قتادة: تمنى الموت، ولم يكن شيء في الدنيا أكره إليه منه.\n﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ (٢٨) هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾، أي: لم يدفع عني مالي ولا جاهي عذاب الله وبَأسه، بل خَلص الأمر إليَّ وحدي، فلا معين لي [¬٢] ولا مجير. فعندها يقول الله ﷿: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (٣٠) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾، أي: يأمر الزبانية أن تأخذه عُنْفًا من المحشر، فَتَغُله، أي: تضع الأغلال في عنقه، ثم تورده إلى جهنم فتصليه إياها، أي: تغمره فيها.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو خالد، عن عمرو بن قيس، و[¬٣] عن المنهال بن عمرو؛ قال: إذا قال الله ﷿: خذوه، ابتدره سبعون ألف ملك، إن الملك منهم ليقول هكذا فيلقي سبعين ألفًا في النار.\nوروى ابن أبي الدنيا في \"الأهوال\": إنه يبتدره أربعمائة ألف، ولا يبقى شيء إلا دَقّه، فيقول: ما لي ولك؟ فيقول: أن الرب عليك غضبان، فكل شيء غضبان عليك.\nوقال الفضيل -هو ابن عياض -: إذا قال الرب ﷿: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ﴾، ابتدره سبعون ألف ملك، أيهم يجعل الغل في عنقه. ﴿ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾ أي: اغمروه فيها.\nوقوله: ﴿ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ﴾، قال كعب الأحبار: كل حلقة منها قدر حديد الدنيا، وقال العَوفي عن ابن عباس، وابن جريج: بذراع الملك. وقال ابن جريج، قال ابن عباس: ﴿فَاسْلُكُوهُ﴾: تدخل في استه ثم تخرج من فيه، ثم ينظمون فيها كما ينظم الجراد في العود حين يشوى. وقال العَوفي عن ابن عباس: يسلك في دبره حتى يخرج من منخريه، حتى لا يقوم [¬٤] على رجليه.\n_________\n[¬١]- سقط من ز.\n[¬٢]- سقط من ز.\n[¬٣]- سقط من ز.\n[¬٤]- في ز: يقو.","vol":"14","page":120},{"text":"وقال الإمام أحمد (^١٦): حدثنا علي بن إسحاق، أخبرنا عبد الله، أخبرنا سعيد بن يزيد، عن أبي السمح، عن عيسى بن هلال الصَّدَفي [¬١]، عن عبد الله بن عمرو؛ قال: قال رسول الله صلى الله معحليه وسلم: \"لو أن رَصَاصةً مثل هذه - وأشار إلى مثل [¬٢] جُمْجُمة - أرسلت من السماء إلى الأرض، وهي مسيرة خمسمائة سنة، لبلغت الأرض قبل الليل. ولو أنها أرسلت من رأس السلسلة، لسارت أربعين خريفًا الليلَ والنهارَ، قبل أن تبلغ قعرها أو أصلها\".\nوأخرجه الترمذي (^١٧)، عن سُويد [بن نصر] [¬٣]، عن عبد الله بن المبارك به. وقال: هذا حديث حسن.\nوقوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (٣٣) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾، أي: لا يقوم بحق الله عليه من طاعته وعبادته، ولا ينفع خلقه ويؤدي حقهم، فإن لله على العباد أن يوحدوه ولا يشركوا به شيئًا، وللعباد بعضهم على بعض حق الإِحسان والمعاونة على البر والتقوى؛ ولهذا أمر الله بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وقبض النبي ﷺ وهو يقول: \"الصلاة، وما ملكت أيمانكم\" (^١٨).\nوقوله: ﴿فَلَيسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ (٣٥) وَلَا طَعَامٌ إلا مِنْ غِسْلِينٍ (٣٦) لَا يَأْكُلُهُ إلا الْخَاطِئُونَ﴾، أي: ليس له اليوم من ينقذه من عذاب الله، لا حميم، وهو القريب، ولا شفيع يطاع، ولا طعام له هاهنا إلا من غسلين. قال قتادة: هو شر طعام أهل النار، وقال الربيع والضحاك: هو شجرة في جهنم. وقال ابن أبي حاتم (^١٩): حدثنا أبي، حدثنا منصور بن أبي مزاحم، حدثنا أبو سعيد المؤدب، عن خصيف، عن مجاهد، عن ابن عباس؛ قال: ما أدري ما الغسلين؟ ولكني أظنه الزقوم. وقال شبيب بن بشر عن عكرمة، عن ابن عباس؛ قال: الغسلين: الدم والماء يسيل من لحومهم. وقال علي بن أبي طلحة عنه: الغسلين: صديد أهل النار.\n_________\n(^١٦) أخرجه أحمد (٢/ ١٩٧) (٦٨٥٦).\n(^١٧) والترمذي في كتاب: صفة الجنة، باب: ذكر السلسة بالنار، حديث (٢٥٩١) (٧/ ٢٥٦، ٢٥٧). قال الترمذي: إسناده حسن وفي بعض النسخ قال: حسن صحيح.\n(^١٨) أخرجه أحمد (٣/ ١١٧) (١٢١٨٩). والنسائي في الكبرى (٤/ ٢٥٨) في كتاب: الوفاة، باب: ذكر ما كان يقوله النبي ﷺ في مرضه، حديث (٧٠٩٤، ٧٠٩٥). وابن ماجة في كتاب: الوصايا، باب: هل أوصى رسول الله ﷺ، حديث (٢٦٩٧) (٢/ ٩٠٠ - ٩٠١)، والحاكم (٣/ ٥٧) وعزاه للصحيحين، وأقره الذهبي، ولم يعزه المزي في التحفة لهما. وصححه الألباني في الإرواء (٧/ ٢٣٧) (٢١٧٨).\n(^١٩) ذكره السيوطي في \"الدر\" (٦/ ٤١٢) وزاد نسبته إلى أبي القاسم الزجاجي النحوي في أماليه.\n_________\n[¬١]- في ز: الصيدلي.\n[¬٢]- سقط من ز.\n[¬٣]- في ز، ابن سعيد. وهي سقط من خ.","vol":"14","page":121},{"text":"﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (٣٨) وَمَا لَا تُبْصِرُونَ (٣٩) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ (٤١) وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٤٢) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالمِينَ (٤٣)﴾\nيقول تعالى مقسمًا لخلقه بما يشاهدونه من آياته في مخلوقاته الدالة على كماله في أسمائه وصفاته، وما غاب عنهم مما لا يشاهدونه من المغيبات عنهم: إن القرآن كلامُه ووحيه وتنزيلُه على عبده ورسوله، الذي اصطفاه لتبليغ الرسالة وأداء الأمانة، فقال: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (٣٨) وَمَا لَا تُبْصِرُونَ (٣٩) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾، يعني محمدًا ﷺ أضافه إليه على معنى التبليغ؛ لأن الرسول من شأنه أن يبلغ عن المرسل؛ ولهذا أضافه في سورة التكوير إلى الرسول الملكي: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (٢٠) مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾ وهذا جبريل، ﵇.\nثم قال: ﴿وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ﴾ يعني محمدًا ﷺ ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ﴾، يعني أن محمدًا رأى جبريل على صورته التي خلقه الله عليها، ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيبِ بِضَنِينٍ﴾، أي: بمتهم، ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيطَانٍ رَجِيمٍ﴾ وهكذا قال هاهنا ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ (٤١) وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾، فأضافه تارة إلى قول الرسول الملكي، وتارة إلى الرسول البشري؛ لأن كل منهما مبلغ [¬١] عن الله ما استأمنه عليه من وحيه وكلامه؛ ولهذا قال: ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالمِينَ﴾.\nقال الإمام أحمد (^٢٠): حدثنا أبو المغيرة، حدثنا صفوان، حدثنا شُريح بن عبيد؛ قال: قال عمر بن الخطاب: خرجت أتعرّض رسول الله صلى عليه وسلم قبل أن أسلم، فوجدته قد سبقنى إلى المسجد، فقمت خلفه، فاستفتح سورة الحاقة، فجعلت أعجب من تأليف القرآن، قال: فقلت: هذا والله شاعر كما قالت قريش. قال: فقرأ: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ﴾ قال: فقلت: كاهن. قال: فقرأ ﴿وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٤٢) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالمِينَ (٤٣) وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَينَا بَعْضَ الْأَقَاويلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦) فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ … إلى آخر السورة، قال: فوقع الإِسلام في قلبي كل موقع.\n_________\n(^٢٠) أخرجه أحمد (١/ ١٧) (١٠٧). قال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (٩/ ٦٥): رواه الطبراني في الأوسط ورجاله ثقات إلا أن شريح بن عبيد لم يدرك عمر. ا هـ. وضعفه أحمد شاكر في تعليقه على المسند.\n_________\n[¬١]- في خ: يبلغ.","vol":"14","page":122},{"text":"فهذا من جملة الأسباب التي جعلها الله مؤثرة في هداية عمر بن الخطاب، كما أوردنا كيفية إسلامه في سيرته المفردة، [ولله الحمد] [¬١].\n﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَينَا بَعْضَ الْأَقَاويلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦) فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ (٤٧) وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (٤٨) وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ (٤٩) وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ (٥٠) وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ (٥١) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٥٢)﴾\nيقول تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَينَا﴾، أي: محمد ﷺ لو كان كما يزعمون مفتريًا علينا فزاد في الرسالة أو نقص منها، أو قال شيئًا من عنده فنسبه إلينا، وليس كذلك: لعاجلناه بالعقوبة؛ ولهذا قال: ﴿لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ﴾، قيل، معناه لانتقمنا منه باليمين؛ لأنها أشد في البطش. وقيل: لأخذنا بيمنه.\n﴿ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾، قال ابن عباس: وهو نياط القلب، وهو العرْقُ الذي القلب معلق فيه، وكذا قال عكرمة، وسعيد بن جبير، والحكم، وقتادة، والضحاك، ومسلم البَطِين، وأبو صخر حُمَيد بن زياد. وقال محمد بن كعب: هو القلب ومراقه وما يليه.\nوقوله: ﴿فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾، أي: فما يقدر أحد منكم على أن يحجز بيننا وبينه إذا أردنا به شيئًا من ذلك، والمعنى في هذا: بل هو صادق بار راشد؛ لأن الله ﷿ مقرر له ما يبلغه عنه، مؤيد له بالمعجزات الباهرات والدلالات القاطعات.\nثم قال: ﴿وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾، يعني: القرآن، كما قال: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيهِمْ عَمًى﴾ ثم قال: ﴿وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ﴾، أي: مع هذا البيان والوضوح سيوجد منكم من يكذب بالقرآن.\nثم قال: ﴿وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ - قال ابن جرير: وإن التكذيب لحسرة على الكافرين يوم القيامة وحكاه - عن قتادة بمثله. وروى ابن أبي حاتم، من طريق السدي، عن أبي مالك: ﴿وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾، يقول: لَنَدَامة [¬٢]. ويحتمل عود الضمير على القرآن، أي: وإن القرآن والإيمان به لحسرة في نفس الأمر على الكافرين، كما قال: ﴿كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (٢٠٠) لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ وقال تعالى: ﴿وَحِيلَ بَينَهُمْ وَبَينَ مَا يَشْتَهُونَ﴾؛ ولهذا قال هاهنا: ﴿وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ﴾، أي: الخبر الصدق الحق الذي لا مرية\n_________\n[¬١]- سقط من خ.\n[¬٢]- في ز: الندامة.","vol":"14","page":123},{"text":"فيه، ولا شك، ولا ريب.\nثم قال: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾: أي الذي أنزل هنا القرآن العظيم.\nآخر سورة [¬١] الحاقة، ولله الحمد والمنة [¬٢].\n* * **\n_________\n[¬١]- سقط من: ز.\n[¬٢]- زيادة من خ.","vol":"14","page":124},{"text":"<span data-type='title' id=toc-191>تفسير سورة المعارج وهي مكية</span>\n﷽\n﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ (١) لِلْكَافِرِينَ لَيسَ لَهُ دَافِعٌ (٢) مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ (٣) تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (٤) فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا (٥) إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا (٦) وَنَرَاهُ قَرِيبًا (٧)﴾\n﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ﴾: فيه تضمين دل عليه حرف \"الباء\"، كأنه مُقَدّر: استعجل سائل بعذاب واقع، كقوله: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾. أي: وعذابه واقع لا محالة.\nقال النسائي (^١): حدثنا بشر بن خالد حدثنا [¬١] أبو أسامة، حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ﴾، قال: النضر بن الحارث بن كَلَدَة، وقال العوفي: عن ابن عباس: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ﴾،، قال: ذلك سؤال الكفار عن عذاب الله وهو واقع. وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ﴾: دعا داع بعذاب واقع يقع في الآخرة، قال [¬٢]: وهو قولهم: ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَينَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَو ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾.\nوقال ابن زيد وغيره: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ﴾، أي: واد في جهنم، يسيل يوم القيامة بالعذاب. وهذا القول ضعيف، بعيد عن المراد، والصحيح الأول لدلالة السياق عليه.\nوقوله: ﴿وَاقِعٍ (١) لِلْكَافِرِينَ﴾ أي: مرصد معد [¬٣] للكافرين.\n_________\n(^١) رجاله ثقات؛ إلا أن الأعمش مدلس، والأثر أخرجه النسائي في الكبرى في كتاب: التفسير، باب: سورة المعارج، حديث (١١٦٢٠) (٦/ ٤٩٨). ورواه الحاكم من حديث الأعمش عن سعيد بن جبير قوله. وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. ورمز له الذهبي في التلخيص أنه على شرط البخاري. وزاد نسبته السيوطي في الدر المنثور إلى الفريابي، وعبد بن حميد، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، عن ابن عباس.\n_________\n[¬١]- سقط من ز.\n[¬٢]- سقط من ز.\n[¬٣]- في ز: معه.","vol":"14","page":125},{"text":"وقال ابن عباس: ﴿وَاقِعٍ﴾: جاء ﴿لَيسَ لَهُ دَافِعٌ﴾، أي: لا دافع له إذا أراد الله كونه، ولهذا قال: ﴿مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ﴾، قال الثوري: عن الأعمش، عن رجل، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله: ﴿ذِي الْمَعَارِجِ﴾، قال: ذو الدرجات.\nوقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: ﴿ذِي الْمَعَارِجِ﴾ يعني: العلو والفواضل. وقال مجاهد: ﴿ذِي الْمَعَارِجِ﴾: معارج السماء. وقال قتادة: ذي الفواضل والنعم.\nوقوله: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيهِ﴾، قال عبد الرزاق: عن معمر، عن قتادة: ﴿تَعْرُجُ﴾: تصعد. وأما الروح فقال أبو صالح: هم خلق من خلق الله يشبهون الناس، وليسوا ناسًا.\nقلت: ويحتمل أن يكون المراد به جبريل، ويكون من باب عطف الخاص على العام. ويحتمل أن يكون اسم جنس لأرواح بني آدم، فإنها إذا قبضت يُصعَد بها ابن السماء، كما دل عليه حديث البراء، وفي [¬١] الحديث الذي رواه الإمام أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجة، من حديث المنهال، عن زاذان، عن البراء مرَفوعًا (^٢) الحديث بطوله في قبض الروح الطيبة، قال فيه: \"فلا يزال يصعد بها من سماء إلى سماء حتى ينتهي بها إلى السماء السابعة\". والله أعلم بصحته، فقد تكلم في بعض رواته، ولكنه مشهور، وله شاهد في حديث أبي هريرة (^٣) فيما تقدم من رواية الإِمام أحمد والترمذي وابن ماجة، من طريق ابن أبي ذئب [¬٢]، عن محمد بن عمرو بن عطاء، عن سعيد بن يسار، عنه. وهذا إسناد رجاله على شرط الجماعة، وقد بسطا لفظه عند قوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾.\nوقوله: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ فيه أربعة أقوال. أحدها: أن المراد بذلك مسافة ما بين العرش العظيم إلى أسفل السافلين، وهو قرار الأرض السابعة، وذلك مسيرة خمسين ألف سنة، هذا ارتفاع العرش عن المركز [¬٣] الذي في وسط الأرض السابعة. وذلك اتساع العرش من قطر [إلى قطر] [¬٤] مسيرة خمسين ألف سنة، وأنه من ياقوتة حمراء، كما ذكره ابن أبي شيبة في كتاب [صفة العرش]. وقد قال ابن أبي حاتم عند هذه الآية:\nحدثنا أحمد بن سلمة، حدثنا إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا حكام، عن عُمَر بن معروف، عن ليث، عن مجاهد، عن ابن عباس، قوله: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ\n_________\n(^٢) تقدم تخريجه في سورة إبراهيم آية: (٢٧) ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا …﴾. الآية.\n(^٣) تقدم تخريجه في الموضع السابق.\n_________\n[¬١]- في ز: كما في.\n[¬٢]- في ز: الدنيا.\n[¬٣]- في ز: الذكر.\n[¬٤]- في ز: قطره.","vol":"14","page":126},{"text":"سَنَةٍ﴾، قال: منتهى أمره من أسفل الأرضين إلى منتهى أمره من فوق السماوات مقدار خمسين ألف سنة ويرم كان مقداره ألف سنة. يعني بذلك تنَزّل الأمر من السماء إلى الأرض، ومن الأرض إلى السماء في يوم واحد، فذلك مقداره ألف سنة، لأن ما بين السماء والأرض مقدار [¬١] مسيرة خمسمائة سنة.\nوقد رواه ابن جرير (^٤) عن ابن حميد، عن حكام بن سَلم، عن عُمر بن معروف، عن ليث، عن مجاهد قوله، لم يذكر ابن عباس.\nقال ابن أبي حاتم: وحدثنا أبي، حدثنا علي بن محمد الطنافسي، حدثنا إسحاق [¬٢] بن منصور، حدثنا [روح المؤدب] [¬٣] عن عبد الوهاب بن مجاهد، عن أبيه، عن ابن عباس قال: غلظ كل أرض خمسمائة عام، وبين كل أرض إلى أرض خمسمائة عام، وذلك سبعة آلاف عام: وغلظ كل سماء خمسمائة عام، وبين السماء إلى السماء خمسمائة عام، وذلك أربعة عشر ألف عام، وبين السماء السابعة وبين العرش مسيرة سنة وثلاثين ألف عام، فذلك قوله: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾.\nالقول الثاني: أن المراد بذلك مدة بقاء الدنيا منذ خلق الله هذا العالم إلى قيام الساعة، قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، أخبرنا إبراهيم بن مرسى، أخبرنا ابن أبي زائدة، عن ابن جريج، عن مجاهد: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾، قال: الدنيا عمرها خمسون ألف سنة. وذلك عمرها يوم سماها الله تعالى دوم، ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيهِ فِي يَوْمٍ﴾، قال: اليوم: الدنيا.\nوقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، وعن الحكم بن أبان، عن عكرمة، ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾، قال: الدنيا من أولها إلى آخرها مقدار خمسين ألف سنة، لا يدري أحدٌ كم مضى، ولا كم بقي إلا الله ﷿.\nالقول الثالث: أنه اليوم الفاصل بين الدنيا والآخرة، وهو قول غريب جدًّا، قال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن محمد بن يحيى بن سعيد القطان، حدثنا بُهلول بن المورق، حدثنا موسى بن عبيدة، أخبرني محمد بن كعب: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾. قال: هو يوم الفصل بين الدنيا والآخرة.\n_________\n(^٤) تفسير الطبري (٢٩/ ٧١).\n_________\n[¬١]- سقط من ز.\n[¬٢]- في ز: إبراهيم.\n[¬٣]- في ز، خ: نوح المعروف.","vol":"14","page":127},{"text":"القول الرابع: أن المراد بذلك يوم القيامة، قال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان الواسطي، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾، قال: يوم القيامة. وهذا إسناد صحيح [ورواه الثوري] [¬١] عن سماك بن حرب، عن عكرمة: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾، يوم القيامة. وكذا قال الضحاك، وابن زيد.\nوقال علي بن أبي طلحة: عن ابن عباس في قوله: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾، قال: فهذا [¬٢]. يوم القيامة جعده الله على الكافرين مقدار [¬٣] خمسين ألف سنة. وقد وردت أحاديث في معنى ذلك، قال الإمام أحمد (^٥): حدثنا الحسن بن موسى، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا دَرَّاج، عن أبي الهيثم، عنَ أبي سعيد قال: قيل لرسول الله ﷺ: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾، ما أطول هذا اليوم! فقال رسول الله ﷺ: \"والذي نفسي بيده إنه ليخفف على المؤمن حتى يكون أخفّ عليه من صلاة مكتوبة يصليها في الدنيا\". ورواه ابن جرير (^٦) عن يونس عن ابن وهب عن عمرو بن الحارث عن دراج به إلا أن دراج وشيخه ضعيفان، والله أعلم.\nوقال الإِمام أحمد (^٧): حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن قتادة، عن أبي عمر الغُدّاني قال: كنت عند أبي هُرَيرة فمرّ رجل من بني عامر بن صعصعة، فقيل له: هذا أكثر عامري مالًا. فقال أبو هريرة: رُدُّوه [إليَّ فردوه] [¬٤]. فقال: نبئت أنك ذو مال كثير؟ فقال العامري: إي والله، إن لي لمائة حُمْرًا ومائةً أدمًا - حتى عد من ألوان الإِبل، وأفنان الرقيق ورباط الخيل - فقال أبو هريرة: إياك وأخفاف الإبل وأظلات النعم - يُردّد ذلك عليه - حتى جعل لونُ العامريّ يتغير - فقال: ما ذاك يا أبا هُرَيَرة؟ قال: سمعتُ رسول اللَّه ﷺ يقول: \"من كانت له إبل لا يعطي حَقها في نَجدتها ورِسْلها\"، قلنا: يا رسول اللَّه: ما نجدتُها ورِسْلها؟ قال: \"في عُسرها ويسرِها، فإنها تأتي يوم القيامة كأغذّ ما كانت، وأكثره، وأسمنه، وآشره حتى يبطح لها بقاع قرقَر [¬٥]، فتطؤه بأخفافها، فإذا جاوزته أخراها أعيدت عليه أولاها، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يقضى بين الناس فيرى\n_________\n(^٥) المسند (٣/ ٧٥) (١١٧٣٤). قال الترمذي (١٠/ ٣٤٠): رواه أحمد وأبو يعلى، وإسناده حسن على ضعف في راويه.\n(^٦) تفسير الطبري (٢٩/ ٧٢).\n(^٧) المسند (٢/ ٤٨٩ - ٤٩٠).\n_________\n[¬١]- في ز: رواه الترمذي.\n[¬٢]- في ز، خ: فهو.\n[¬٣]- في ز: مقداره.\n[¬٤]- زيادة من ز.\n[¬٥]- في ز: قرقرة.","vol":"14","page":128},{"text":"سبيله، وإذا كانت له بقر لا يعطي حقها في نجدتها ورسلها، فإنها تأتي يوم القيامة كأغذ ما كانت وأكثره وأسمنه وآشره لم يبطح لها بقاع قَرقر فتطؤه كل ذات ظلف بظلفها، وتنطحه كل ذات قرن بقرنها، إذا جاوزته أخراها أعيدت عليه أولاها، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضى بين الناس فيرى سبيله. وإذا كانت له غنم لا يعطي حقها في نجدتها ورسلها، فإنها تأتي يوم القيامة كأغذ ما كانت وأسمنه وآشره، حتى يبطح لها بقاع قرقَر، فتضؤه كل ذات ظلف بظلفها وتنطحه كل ذات قرن بقرنها، ليس فيها عَقصاء ولا عَضباء، إذا جاوزته أخراها أعيدت عليه أولاها، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يقضى بين الناس، فيرى سبيله\". فقال العامري: وما حق الإِبل يا أبا هريرة؟ قال: أن تعطيَ الكريمة وتمنع الغزيرة [¬١] وتفقر الظهر وتسقي اللبن [¬٢]، وتطرق الفحل. وقد رواه أبو داود (^٨) من حديث شعبة، والنسائي من حديث سعيد بن أبي عَرُوبة، كلاهما عن قتادة، به.\nطريق أخرى لهذا الحديث: قال الإِمام أحمد (^٩): حدثنا أبو كامل، حدثنا حماد، عن سُهَيل [¬٣] بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"ما من صاحب كنز لا يؤدي حقه إلا جعل صفائح يحمى [¬٤] عليها في دار جهنم، فتكوى بها جبهته وجنبه [¬٥] وظهره، حتى يحكم الله بين عباده في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة مما يعدون، لم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار\" … وذكر بقية الحديث في الغنم والإِبل كما تقدم، وفيه، \"الخل لثلاثة: [لرجل أجر، ولرجل ستر، وعلى رجل وزر] [¬٦] إلى آخره.\nورواه مسلم (^١٠) في صحيحه بتمامه منفردًا به دون البخاري، من حديث سُهَيل، عن أبيه، عن أبي هُرَيرة وموضع استقصاء طرقه وألفاظه في كتاب الزكاة في \"الأحكام\"، والغرض من إيراده هاهنا قوله: \"حتى يحكم الله بين عباده، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة\".\nوقد روى ابن جرير (^١١) عن يعقوب، عن [ابن عُلّية] [¬٧]، وعبد الوهاب، عن أيوب،\n_________\n(^٨) سنن أبي داود في كتاب: الزكاة، باب: في حقوق المال، حديث (١٦٦٠) (٢/ ١٢٥) مختصرًا. والنسائي (٥/ ١٢) كتاب الزكاة، باب: التغليظ في حبس الزكاة بنحو حديث أحمد.\n(^٩) أخرجه أحمد (٢/ ٢٦٢).\n(^١٠) ومسلم في كتاب: الزكاة، باب: إثم مانع الزكاة، حديث (٢٦/ ٩٨٧) (٧/ ٩٤ - ٩٦).\n(^١١) أخرجه الطبري (٢٩/ ٧٢).\n_________\n[¬١]- في ز: العزيزة.\n[¬٢]- في ز، خ: الإبل.\n[¬٣]- في ز: سهل.\n[¬٤]- في ز: فحمي.\n[¬٥]- في ز: وجبينه.\n[¬٦]- سقط من ز.\n[¬٧]- في ز: ابن عيينة.","vol":"14","page":129},{"text":"عن ابن أبي مليكة قال: سأل رجل ابن عباس عن قوله: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾، قال: فاتهمه [¬١]، [فقيل له فيه] [¬٢]، فقال: ما يوم كان مقداره خمسين ألف سنة؟ فقال: إنما سألتك لتحدثني. قال: هما يومان ذكرهما الله، الله أعلم بهما، وأكره أن أقول في كتاب الله بما لا أعلم.\nوقوله: ﴿فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا﴾، أي: اصبر يا محمد على تكذيب قومك لك [¬٣]، واستعجالهم العذاب استبعادًا لوقوعه، كقوله: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ﴾، ولهذا قال: ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا﴾، أي: وقوع العذاب وقيام الساعة يراه الكفرة بعيد الوقوع، بمعنى مستحيل الوقوع، ﴿وَنَرَاهُ قَرِيبًا﴾، أي: المؤمنون يعتقدون كونه قريبًا، وإن كان له أمد لا يعلمه إلا الله ﷿ لكن كل ما هو آت فهو قريب وواقع لا محالة.\n﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ (٨) وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ (٩) وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا (١٠) يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ (١١) وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ (١٢) وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْويهِ (١٣) وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنْجِيهِ (١٤) كَلَّا إِنَّهَا لَظَى (١٥) نَزَّاعَةً لِلشَّوَى (١٦) تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى (١٧) وَجَمَعَ فَأَوْعَى (١٨)﴾\nيقول تعالى: العذابُ واقع بالكافرين، ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ﴾، قال ابن عباس، ومجاهد، وعطاء، وسعيد بن جبير، وعكرمة، والسدي، وغير واحد: كدرديّ الزيت، [﴿وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ﴾، أي: كالصوف المنفوش، قاله مجاهد، وقتادة، والسدي. وهذه الآية كقوله تعالى:] [¬٤] ﴿وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ﴾.\nوقوله: ﴿وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا (١٠) يُبَصَّرُونَهُمْ﴾، أي: لا يسأل القريب قريبه [¬٥] عن حاله، وهو يراه في أسوأ الأحوال، فتشغله نفسه عن غيره.\nقال العوفي: عن ابن عباس: يعرف بعضهم بعضًا، ويتعارفون بينهم، ثم يفر بعضهم من\n_________\n[¬١]- في ز: فاتهم.\n[¬٢]- سقط من.\n[¬٣]- سقط من ز.\n[¬٤]- سقط من ز.\n[¬٥]- في ز: قريب.","vol":"14","page":130},{"text":"بعض بعد ذلك، يقول: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ وهذه الآية الكريمة كقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ [¬١] اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾، وكقوله: ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ وكقوله: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَينَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾. وكقوله: ﴿يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (٣٦) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾.\nوقوله: ﴿يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ (١١) وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ (١٢) وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْويهِ (١٣) وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنْجِيهِ (١٤) كَلَّا﴾، أي: لا يقبل منه فداء ولو جاء بأهل الأرض وبأعز ما يجده من المال [¬٢]، ولو بملء الأرض ذهبًا، أو من ولده الذي كان في الدنيا حُشَاشة كبده، يودُّ يوم القيامة إذا رأى الأهوال أن يفتدي من عذاب الله به ولا يقبل منه. قال مجاهد والسدي: ﴿وَفَصِيلَتِهِ﴾: قبيلته وعشيرته. وقال عكرمة: فَخذه الذي هو منهم. وقال أشهب: عن مالك: ﴿وَفَصِيلَتِهِ﴾: أمه.\nوقوله: ﴿كَلَّا إِنَّهَا لَظَى﴾، يصف النار وشدة حرها، ﴿نَزَّاعَةً لِلشَّوَى﴾، قال ابن عباس، ومجاهد: جلدة الرأس. وقال العوفي: عن ابن عباس: ﴿نَزَّاعَةً لِلشَّوَى﴾: الجلود والهام. وقال مجاهد: ما دون العظم من اللحم. وقال سعيد بن جبير: العصب. وقال أبو [¬٣] صالح: ﴿نَزَّاعَةً لِلشَّوَى﴾، يعني: أطراف اليدين والرجلين، وقال أيضًا: نزاعة لحم الساقين. وقال الحسن البصري، وثابت البناني: ﴿نَزَّاعَةً لِلشَّوَى﴾، أي: مكارم وجهه. وقال الحسن أيضًا: تحرق كل شيء فيه، ويبقى فؤاده يصيح. وقال قتادة: ﴿نَزَّاعَةً لِلشَّوَى﴾، أي: نزاعة لهامته ومكارم وَجْهه وخَلْقه وأطرافه. وقال الضحاك: تبري اللحم رالجلد عن العظم، حتى لا تترك منه شيئًا. وقال ابن زيد: الشوى: الآراب العظام.\nفقوله: ﴿نَزَّاعَةً﴾ قال: تقطع [عظامه ثم جدد خلقهم وتبدل جلودهم] [¬٤].\nوقوله: ﴿تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى (١٧) وَجَمَعَ فَأَوْعَى﴾، أي: تدعو النار إليها أبناءها الذين خلقهم الله لها، وقدر لهم أنهم في الدار الدنيا يعملون عملها، فتدعوهم يوم القيامة بلسان طَلق ذَلق، ثم تلتقطهم من بين أهل المحشر كما يلتقط الطير الحب، وذلك أنهم كما قال الله ﷿: كانوا ممن ﴿أَدْبَرَ وَتَوَلَّى﴾، أي: كذب بقلبه، وترك العمل بجوارحه ﴿وَجَمَعَ فَأَوْعَى﴾، أي: جمع المال بعضه على بعض فأرعاه، أي: أوكاه ومنع حق الله منه من\n_________\n[¬١]- في ز: الذين آمنوا.\n[¬٢]- في ز: مال.\n[¬٣]- في ز، خ: ابن.\n[¬٤]- في ز: عظامهم ثم تبدل جلودهم وخلقهم وتبدل جلودهم.","vol":"14","page":131},{"text":"الواجب عليه في النفقات ومن إخراج الزكاة. وقد ورد في الحديث (^١٢): \" ولا تُوعي فيوعي الله عليك\" وكان عبد الله بن عكيم [¬١] لا يربط له كيسًا ويقول: سمعت الله يقول: ﴿وَجَمَعَ فَأَوْعَى﴾.\nوقال الحسن البصري: يا بن آدم، سمعت وعيد الله ثم أوعيت الدنيا. وقال قتادة في قوله: ﴿وَجَمَعَ فَأَوْعَى﴾، قال: كان جَمُوعًا قَمُومًا] [¬٢] للخَبيث [¬٣].\n﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (١٩) (٢٠) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيرُ مَنُوعًا (٢١) إلا الْمُصَلِّينَ (٢٢) الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ (٢٣) وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (٢٥) وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (٢٦) وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٢٧) إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيرُ مَأْمُونٍ (٢٨) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٢٩) إلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيرُ مَلُومِينَ (٣٠) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٣١) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (٣٢) وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ (٣٣) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (٣٤) أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ (٣٥)﴾\nيقول تعالى مخبرًا عن الإِنسان وما هو مجبول عليه من الأخلاق الدنيئة: ﴿[إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ] [¬٤] هَلُوعًا﴾، ثم فسره بقوله: ﴿إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا﴾، أي: إذا أصابه الضر فزع وجزع وانخلع قلبه من شدة الرعب، وأيس أن يحصل له بعد ذلك خير، ﴿وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيرُ مَنُوعًا﴾، أي: إذا حصلت له نعمة من الله بخل بها على غيره، ومنع حق الله فيها.\nقال الإِمام أحمد (^١٣): حدثنا أبو عبد الرحمن، حدثنا موسى بن عُلَيّ بن رَبَاح، سمعت\n_________\n(^١٢) أخرجه البخاري في كتاب: الزكاة، باب: الصدقة فيما استطاع، حديث (١٤٣٤) (٣/ ٣٠١)، وطرفه في [٢٥٩١]. ومسلم في كتاب: الزكاة، باب: الحث في الإنفاق وكراهة الإحصاء، حديث (٨٩/ ١٠٨٩) (٧/ ١٦٦ - ١٦٧). كلاهما من حديث أسماء ﵂.\n(^١٣) المسند (٢/ ٣٢٠) (٨٢٤٦). وأخرجه أبو داود في كتاب: الجهاد، باب: في الجرأة والجبن، حديث (٢٥١١) (٣/ ١٢). وصححه الألباني في صحيح أبي داود (٢١٩٢).\n_________\n[¬١]- في خ: عليم.\n[¬٢]- بياض في ز.\n[¬٣]- في ز: الحديث.\n[¬٤]- في ز: لخلق.","vol":"14","page":132},{"text":"أبي يحدث عن عبد العزيز بن مروان بن الحكم قال: سمعت أبا هُرَيرة يقول: قال رسول الله ﷺ: \"شر ما في رجل: شح هالع، وجبن خالع\".\nورواه أبو داود عن عبد الله بن الجراح، عن أبي عبد الرحمن المقري، به. وليس لعبد العزيز عنده سواه [¬١].\nثم قال: ﴿إلا الْمُصَلِّينَ﴾، أي: الإِنسان من حيث هو متصف لصفات الذم إلا من عصمه [¬٢] الله ووفَّقَهُ [¬٣]، وهداه إلى الخير ويسر له أسبابه، وهم المصلون: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾. قيل: معناه يحافظون على أوقاتها وواجباتها، قاله ابن مسعود، ومسروق، وإبراهيم النخعي.\nوقيل: المراد بالدوام هاهنا: السكون والخشوع، كقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُون﴾ قاله عتبة [¬٤] بن عامر، ومنه الماء الدائم أي: الساكن الراكد. وقيل: المراد بذلك الذين إذا عملوا عملًا داوموا عليه وأثبتوه، كما جاء في الصحيح عن عائشة (^١٤)، عن رسول الله ﷺ أنه قال: \"أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قَلّ\"، وفي لفظ: \"ما داوم عليه صاحبه\" (^١٥)، قالت: وكان رسول الله ﷺ إذا عمل عملًا داوم عليه (^١٦). وفي لفظ: أثبته (^١٧).\nوقال قتادة في قوله: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾: ذُكر لنا أن دانيال ﵇ نعت أمة محمد ﷺ فقال: يصلون صلاة لو صلاها قوم نوح ما غرقوا، أو قوم عاد ما أرسلت عليهم الريح العقيم، أو ثمود ما أخذتهم الصيحة. فعليكم بالصلاة فإنها خلق للمؤمنين [¬٥] حسن.\n_________\n(^١٤) صحيح البخاري، كتاب: اللباس، باب: الجلوس على الحصير ونحوه، حديث (٥٨٦١) (١٠/ ٣١٤).\n(^١٥) صحيح البخاري، كتاب: الإيمان، باب: أحب الدين إلى الله أدومه، حديث (٤٣) (١/ ١٠١).\nومسلم في كتاب: صلاة المسافرين، باب: أمر من نعس في صلاته …، حديث (٢٢١/ ٧٨٥) (٦/ ١٠٥).\n(^١٦) صحيح البخاري في كتاب: الصوم، باب: صوم شعبان، حديث (١٩٧٠) (٣/ ٢١٤) بلفظ: \"إذا صلى صلاة\".\n(^١٧) صحيح مسلم في كتاب: صلاة المسافرين، باب: جامع صلاة الليل، ومن نام عنه أو مرض، حديث (١٤١/ ٧٤٦).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: بياض.\n[¬٢]- في ز: عصم.\n[¬٣]- في ز: وفق.\n[¬٤]- في ز، خ: عقبة.\n[¬٥]- في ز: المؤمنين.","vol":"14","page":133},{"text":"وقوله: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾، أي: في أموالهم نصيب مقرر لذوي الحاجات. وقد تقدم الكلام على ذلك في \"سورة الذاريات\".\nوقوله: ﴿وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾، أي: يوقنون بالمعاد والحساب والجزاء، فهم يعملون عمل من يرجو الثواب ويخاف العقاب. ولهذا قال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾، أي: خائفون وجلون، ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيرُ مَأْمُونٍ﴾، أي: لا يأمنه أحد ممن عَقل عن الله أمره إلا بأمان من الله ﵎.\nوقوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾، أي: يكفونها عن الحرام ويمنعونها أن توضع في غير ما أذن الله. ولهذا قال: ﴿إلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيمَانُهُمْ﴾، أي: من الإِماء، ﴿فَإِنَّهُمْ غَيرُ مَلُومِينَ (٣٠) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾. وقد تقدم تفسير هذا [¬١] في أول سورة: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ بما أغنى عن إعادته هاهنا.\nوقوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾ أي: إذا اؤتمنوا لم يخونوا، وإذا عاهدوا لم يغدروا. وهذه صفات المؤمنين، وضدها صفات المنافقين، كما ورد [في الحديث، [¬٢] الصحيح (^١٨): \" آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد [¬٣] أخلف، وإذا اؤتمن خان\"، وفي رواية: \"إذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر\" وقوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ [¬٤] قَائِمُونَ﴾، أي: محافظون عليها لا يزيدون فيها [¬٥]، ولا ينقصون منها [¬٦]، ولا يكتمونها، ﴿وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ \".\nثم قال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ أي: على مواقيتها وأركانها وواجباتها ومستحباتها، فافتتح الكلام بذكر الصلاة واختتمه بذكرها، فدل على الاعتناء بها والتنويه بشرفها، كما تقدم في أول [¬٧] سورة: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾، سواء. ولهذا قال هناك: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.\nوقال هاهنا: ﴿أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ﴾ أي: مكرمون بأنواع الملاذ والمسار.\n﴿فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ (٣٦) عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ (٣٧) أَيَطْمَعُ كُلُّ\n_________\n(^١٨) تقدم تخريجه في أول سورة الصف.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: هذه.\n[¬٢]- في ز، خ: به الحديث في.\n[¬٣]- في خ: أوعد.\n[¬٤]- في ز: بشهادتهم.\n[¬٥]- سقط من ز، خ.\n[¬٦]- سقط من ز.\n[¬٧]- سقط من ز.","vol":"14","page":134},{"text":"امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ (٣٨) كَلَّا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ (٣٩) فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ (٤٠) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ خَيرًا مِنْهُمْ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (٤١) فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (٤٢) يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ (٤٣) خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ (٤٤)﴾\nيقول تعالى منكرًا على الكفار الذين كانوا في زمن [¬١] النبي ﷺ وهم مشاهدون [¬٢] له، ولما أرسله الله به من الهدى وأيده به من المعجزات الباهرة، ثم هم مع هذا كله فارُّون منه، متفرقون عنه، شاردون [¬٣] يمينًا وشمالًا، فرقًا فرقًا، وشِيَعًا شيَعًا، كما قال تعالى: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ (٤٩) كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ (٥٠) فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾، الآية. وهذه مثلها، فإنه قال تعالى: ﴿فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ﴾، أي: [فمال هؤلاء] [¬٤] الكفار الذين عندك يا محمد ﴿مُهْطِعِينَ﴾، أي: مسرعين نافرين منك، كما قال الحسن البصري: ﴿مُهْطِعِينَ﴾، أي: منطلقين، ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ﴾، واحدها عِزَةٌ، أي: متفرقين. وهو حال من مهطعين، أي: في حال تفرقهم واختلافهم، كما قال الإِمام أحمد في [¬٥] أهل الأهواء: فهم مخالفون للكتاب، مختلفون في الكتاب، متفقون على مخالفة الكتاب.\nوقال العوفي: عن ابن عباس: ﴿فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ﴾، قال: قبلك ينظرون، ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ﴾، قال: العزين: العُصَب من الناس، عن يمين وشمال معرضين يستهزئون به.\nوقال ابن جرير (^١٩): حدثنا ابن بشار، حدثنا أبو عامر، حدثنا قُرة، عن الحسن في قوله: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ﴾، متفرقين، يأخذون يمينًا وشمالًا يقولون: ما قال هذا الرجل؟. وقال قتادة: ﴿مُهْطِعِينَ﴾: عامدين، ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ﴾، أي: فِرَقًا حول النبي ﷺ لا يرغبون في كتاب الله، ولا في نبيه صلى الله عليه\n_________\n(^١٩) أخرجه الطبري (٢٩/ ٨٥).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: زمان.\n[¬٢]- في ز: يشاهدون.\n[¬٣]- في ز: شاردين.\n[¬٤]- في ز: ما لهؤلاء.\n[¬٥]- سقط من ز، خ.","vol":"14","page":135},{"text":"وسلم. وقال الثوري، وشعبة، وعيسى بن يونس وعبثر [¬١] بن القاسم، ومحمد بن فضيل، ووكيع، ويحيى القطان، وأبو معاوية، كلهم عن الأعمش، عن المسيب بن رافع، عن تميم بن طرفة، عن جابر بن سمرة: أن رسول الله ﷺ خرج عليهم وهم حلق، فقال: \"ما لي أراكم عزين؟ \".\nرواه أحمد (^٢٠)، ومسلم، وأبو داود، والنسائي وابن جرير من [¬٢] حديث الأعمش به.\nوقال ابن جرير (^٢١): حدثنا محمد بن بشار، حدثنا مؤمل، حدثنا سفيان [¬٣]، عن عبد الملك بن عمير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ خرج على أصحابه وهم حِلَق حِلق، فقال: \"ما لي أراكم عزين؟ \" وهذا إسناد جيد ولم أره في شيء من الكتب الستة من هذا الوجه.\nوقوله: ﴿أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ ﴿(٣٨) كَلَّا﴾، أي: أيطمع هؤلاء - والحالة هذه - من فرارهم عن الرسول ونفارهم عن الحق - أن يدخلوا جنات النعيم؟ لا [¬٤] بل مأواهم نار الجحيم.\nثم قال تعالى مقررًا لوقوع المعاد والعذاب بهم الذي أنكروا كونه واستبعدوا وجوده مستدلًا عليهم بالبداءة التي الإعادة أهون منها وهم معترفون بها، فقال: ﴿إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ﴾، أي: من [¬٥] المني الضعيف، كما قال: ﴿أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾، وقال: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ (٥) خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (٦) يَخْرُجُ مِنْ بَينِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ (٧) إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ (٨) يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ (٩) فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ﴾.\nثم قال: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ﴾، أي: الذي خلق السماوات والأرض، وجعل مشرقًا ومغربًا، وسخر الكواكب تبدو من مشارقها وتغيب في [¬٦] مغاربها، وتقرير [¬٧]، الكلام: ليس الأمر كما تزعمون أن لا معاد ولاحساب ولا بعث ولا نشور، بل كل ذلك واقع\n_________\n(^٢٠) أخرجه أحمد (٥/ ٩٣) (٢٠٩٤١). ومسلم في كتاب: الصلاة، باب: الأمر بالسكون في الصلاة …، حديث (١١٩/ ٤٣٠) (٤/ ٢٠٠ - ٢٠١). وأبو داود في كتاب: الأدب، باب: التحلق، حديث (٤٨٢٣) (٤/ ٢٥٨). والنسائي في كتاب: التفسير، باب: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا﴾، حديث (١١٦٢٢) (٦/ ٤٩٨). والطبري (٢٩/ ٨٦).\n(^٢١) أخرجه الطبري (٢٩/ ٨٥ - ٨٦).\n_________\n[¬١]- في خ: عنبر.\n[¬٢]- في ز، خ: في.\n[¬٣]- في الطبري: شقيق.\n[¬٤]- زيادة من خ.\n[¬٥]- سقط من ز.\n[¬٦]- في ز: من.\n[¬٧]- في ز: وتقدير.","vol":"14","page":136},{"text":"وكائن لا محالة. ولهذا أتى بـ \"لا\" في ابتداء القسم ليدل على أن المقسم عليه نفي، وهو مضمون الكلام، وهو الرد على زعمهم الفاسد في نفي يوم القيامة، وقد شاهدوا من عظيم قدرة الله تعالى ما هو أبلغ من إقامة القيامة، وهو خلق السماوات والأرض، وتسخير ما فيهما من المخلوقات من الحيوانات والجمادات، وسائر صنوف الموجودات، ولهذا قال تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾، وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ﴾، وقال تعالى في الآية الأخرى: ﴿أَوَلَيسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (٨١) ﴿(٨١) إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾، وقال هاهنا: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ (٤٠) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ خَيرًا مِنْهُمْ﴾، أي: يوم القيامة [] [¬١] نعيدهم بأبدان خير من هذه، فإن قدرته صالحة لذلك، ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾، أي: بعاجزين. كما قال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ (٣) بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾، وقال تعالى: ﴿نَحْنُ قَدَّرْنَا بَينَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (٦٠) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ واختار ابن جرير ﴿عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ خَيرًا مِنْهُمْ﴾، أي: أمة تطيعنا، ولا تعصينا وجعلها كقوله: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالكُمْ﴾. والمعنى الأول أظهر لدلالة الآيات الأخر عليه، والله أعلم.\nثم قال تعالى: ﴿فَذَرْهُمْ﴾، أي: يا محمد ﴿يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا﴾، أي: دعهم في تكذيبهم وكفرهم وعنادهم، ﴿حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾، أي: فسيعلمون غِب ذلك ويذوقون وباله، ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾، أي: يقومون من القبور إذا دعاهم الرب ﵎ لموقف [¬٢] الحساب، ينهضون سراعًا كأنهم إلى نصب يوفضون. قال ابن عباس ومجاهد والضحاك: إلى علم يسعون. وقال أبو العالية، ويحيى بن أبي كثير: إلى غاية يسعون إليها.\nوقد قرأ الجمهور: ﴿نُصْبٍ﴾، بفتح النون وإسكان الصاد، وهو مصدر بمعنى المنصوب.\nوقرأ الحسن البصري: ﴿نُصُبٍ﴾ بضم النون والصاد، وهو الصنم، أي: كأنهم في إسراعهم إلى الموقف كما كانوا في الدنيا يهرولون إلى النصب إذا عاينوه يوفضون، يبتدرون أيهم يستلمه أول؟ وهذا مروي عن مجاهد، ويحيى بن أبي كثير، ومسلم البَطِين، وقتادة، والضحاك، والربيع بن أنس، وأبي صالح، وعاصم بن بهدلة، وابن زيد، وغيرهم.\nوقوله: ﴿خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ﴾، أي: خاضعة (﴿تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ﴾، أي: في مقابلة ما استكبروا في الدنيا عن الطاعة، ﴿ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾.\n[آخر تفسير سورة \"سأل سائل\"] [¬٣] [ولله الحمد والمنة] [¬٤].\n_________\n[¬١]- في ز: أي.\n[¬٢]- في ز: لوقت.\n[¬٣]- سقط من ز.\n[¬٤]- سقط من ز، خ.","vol":"14","page":137},{"text":"<span data-type='title' id=toc-192>تفسير سورة نوح وهي مكية</span>\n﷽\n﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١) قَال يَاقَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢) أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ (٣) يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤)﴾\nيقول تعالى مخبرًا عن نوح ﵇: إنه أرسله إلى قومه آمرًا له أن ينذرهم بأس الله قبل حلوله بهم، فإن تابوا وأنابوا رفع عنهم؟ ولهذا قال: ﴿أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١) قَال يَاقَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ أي: بَيِّن النّذارة، ظاهر الأمر واضحه، ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ﴾، أي اتركوا محارمه واجتنبوا مآثمه، ﴿وَأَطِيعُونِ﴾ فيما آمركم به وأنهاكم عنه. ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾، أي: إذا فعلتم ما أمرتكم به، وصدقتم ما أرسلت به إليكم، غفر الله لكم ذنوبكم.\n\"ومن\" هاهنا قيل: إنها زائدة. ولكن القول بزيادتها في الإِثبات قليل. ومنه قول بعض العرب: \"قد كان من مطر\". وقيل: إنها بمعنى \"عن\"، تقديره يصفح لكم عن ذنوبكم. واختاره [¬١] ابن جرير. وقيل: إنها للتبعيض، أي يغفر لكم الذنوب العظام التي [¬٢] وعدكم على ارتكابكم إياها الانتقام.\n﴿وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾، أي: يمد في أعماركم ويدرأ عنكم العذاب الذي إن لم تنزجروا عما نهاكم عنه: أوقعه بكم.\nوقد يستدل بهذه الآية من يقول: إن الطاعة والبر وصلة الرحم، يزاد بها في العمر حقيقة، كما ورد به [¬٣] الحديث: \"صلة الرحم تزيد في العمر\" (^١).\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في \"الكبير\" (٨/ ٣١٢) (٨٠١٤) من حديث أبي أمامة ﵁ وحسنه المنذري في الترغيب والترهيب (١/ ٦٧٩)، وقال الهيثمي في \"المجمع\" (٣/ ١١٨): إسناده حسن. ا هـ =\n_________\n[¬١]- في ز، خ: وأجازه.\n[¬٢]- في ز: الذي.\n[¬٣]- في ز: بها.","vol":"14","page":138},{"text":"وقوله: ﴿إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤)﴾، أي: بادروا بالطاعة قبل حلول النقمة، فإنه إذا أمر تعالى بكون ذلك لا يرد ولا يمانع، فإنه العظيم الذي قهر كل شيء، العزيز الذي دانت لعزته جميع المخلوقات.\n﴿قَال رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيلًا وَنَهَارًا (٥) فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إلا فِرَارًا (٦) وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا (٧) ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا (٨) ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا (٩) فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيكُمْ مِدْرَارًا (١١) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا (١٢) مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا (١٣) وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا (١٤) أَلَمْ تَرَوْا كَيفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا (١٥) وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا (١٦) وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا (١٧) ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا (١٨) وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا (١٩) لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا (٢٠)﴾\nيخبر تعالى عن عبده ورسوله نوح ﵇ أنه اشتكى إلى ربه ﷿ [] [¬١] ما لقي من قومه، وما صبر عليهم في تلك المدة الطويلة التي هي ألف سنة إلا خمسين عامًا، وما بيَّن لقومه و[¬٢] وضَّح لهم ودعاهم إلى الرشد والسبيل الأقوم، فقال: ﴿قَال رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيلًا وَنَهَارًا﴾: أي: لم أترك دعاءهم في ليل ولا نهار، امتثالًا [¬٣] لأمرك وابتغاءً لطاعتك، ﴿فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إلا فِرَارًا﴾، أي كلما دعوتهم ليقتربوا من الحق فَرّوا منه وحَادُوا عنه، ﴿وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ﴾، أي: سدوا آذانهم لئلا يسمعوا ما أدعوهم إليه، كما أخبر تعالى عن كفار قريش: ﴿وَقَال الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾.\n_________\n= وفي الباب عن عبد الله بن عباس، وعمر بن الخطاب، وابن مسعود، وأم سلمة، ومعاوية بن حيدة ﵃ راجع الصحيحة للشيخ الألباني (١٩٠٨).\n_________\n[¬١]- في ز: و.\n[¬٢]- في ز، خ: وما.\n[¬٣]- في ز: \"اتباعًا\".","vol":"14","page":139},{"text":"﴿وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ﴾: قال ابن جريج عن ابن عباس: تنكروا له لئلا يعرفهم. وقال سعيد بن جبير والسدي: غطوا رءؤسهم لئلا يسمعوا ما يقول:\n﴿وَأَصَرُّوا﴾، أي: استمروا على ما هم فيه من الشرك والكفر العظيم الفظيع، ﴿وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا﴾، أي: واستنكفوا [¬١] عن اتباع الحق والانقياد له.\n﴿ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا﴾، أي: جهرة بين [¬٢] الناس ﴿ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ﴾، أي: كلامًا ظاهرًا بصوت عال، ﴿وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا﴾، أي: فيما بيني وبينهم، فنوَّع عليهم الدعوة لتكون أنجع فيهم. ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾، أي: ارجعوا إليه، وارجعوا عما أنتم فيه، وتوبوا إليه من قريب، فإنه من تاب إليه تاب عليه، ولو كانت ذنوبه مهما كان في الكفر والشرك؟ ولهذا قال: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيكُمْ مِدْرَارًا﴾، أي: متواصلة الأمطار، ولهذا يستحب قراءة هذه السورة في صلاة الاستسقاء؛ لأجل هذه الآية. وهكذا روي عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب (^٢) أنه صعد المنبر ليستسقي، فلم يزد على الاستغفار، وقرأ الآيات في الاستغفار، ومنها هذه الآية: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيكُمْ مِدْرَارًا﴾ ثم قال: لقد طلبت الغيث بمجاديح [¬٣] السماء التي يستنزل بها المطر. وقال ابن عباس وغيره: يتبع بعضه بعضًا.\nوقوله: ﴿وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾، أي: إذا تبتم إلى الله واستغفرتموه وأطعتموه، كثر الرزق عليكم، وأسقاكم من بركات السماء، وأنبت لكم من بركات الأرض، وأنبت لكم الزرع، وأدرّ لكم [¬٤] الضرع، وأمدكم بأموال وبنين، أي: أعطاكم الأموال والأولاد، وجعل لكم جنات فيها أنواع الثمار، وخللها بالأنهار الجارية بينها.\nهذا مقام الدعوة بالترغيب. ثم عدل بهم إلى دعوتهم بالترهيب فقال: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾، أي: عظمة. قاله ابن عباس، ومجاهد، والضحاك. وقال ابن عباس: لا تعظمون الله حق عظمته، أي: لا تخافون من بأسه ونقمته، ﴿وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا﴾، قيل: معناه من نطفة، ثم من علقة، ثم من مضغة. قاله ابن عباس، وعكرمة، وقتادة، ويحيى ابن رافع، والسدي، وابن زيد.\nوقوله: ﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا﴾، أي: واحدة فوق واحدة، وهل هذا يتلقى من جهة السمع فقط؟ أو هو من الأمور المدركة بالحس، مما علم من التسيير\n_________\n(^٢) ذكره المصنف في \"البداية والنهاية\" (٧/ ١٠٥) وعزاه لابن أبي الدنيا من طريق إسحاق بن إسماعيل عن سفيان عن مطرف بن طريف عن الشعبي قال: خرج عمر يستسقى … فذكره.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: واستكبروا.\n[¬٢]- في ز: من.\n[¬٣]- في ز، خ: بمجادح.\n[¬٤]- سقط من ز.","vol":"14","page":140},{"text":"والكسوفات، فإن الكواكب السبعة السيارة يكسف بعضها بعضًا، فأدناها القمر في السماء [¬١] الدنيا وهو يكسف ما فوقه، وعطارد في الثانية، والزهرة في الثالثة، والشمس في الرابعة، والمريخ في الخامسة، والمشترى في السادسة، وزُحَل في السابعة، وأما بقية الكواكب - وهي الثوابت - ففي فَلَك ثامن يسمونه فَلَك الثوابت. والمتشرعون منهم يقولون: هو الكرسي، والفلك التاسع، وهو الأطلس، والأثير عندهم الذي حركته على خلاف حركة سائر الأفلاك، [وذلك أن حركته مبدأ الحركات، وهي من المغرب إلى المشرق، وسائر الأفلاك] [¬٢] عكسه من المشرق إلى المغرب، ومعها يدور سائر الكواكب تبعًا، ولكن للسيارة حركة معاكسة لحركة أفلاكها، فإنها تسير من المغرب إلى المشرق. وكل يقطع فلكه بحسبه، فالقمر يقطع فلكه في كل شهر مرة، والشمس في كل سنة مرة، وزحل في كل ثلاثين سنة مرة، وذلك بحسب اتساع أفلاكها، وإن كانت حركة الجميع في السرعة متناسبة.\nهذا ملخص ما يقولونه في هذا المقام، على اختلاف بينهم في مواضع كثيرة، لسنا بصدد بيانها، وإنما المقصود أن الله سبحانه خلق سبع سموات طباقًا. ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا﴾، أي: فاوت بينهما في الاستنارة، فجعل كلا منهما [نموذجًا على حدة، ليعرف الليل والنهار بمطع الشمس ومغيبها، وقدر القمر منازل وبروجًا، وفاوت نوره، فقارة يزداد حتى يتناهى ثم يشرع في النقص حتى يستسر ليدل على مضي الشهور والأعوام، كما قال: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إلا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾.\nوقوله: ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا﴾: هذا اسم مصدر، والإِتيان به هاهنا أحسن، ﴿ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا﴾، أي: إذا متم ﴿وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا﴾، أي: يوم القيامة يعيدكم كما بدأكم أول مرة، ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا﴾، أي: بسطها ومهدها وقررها وثَبتها بالجبال الراسيات الشم الشامخات، ﴿لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا﴾، أي: خلقها لكم لتستقروا عليها وتسلكوا فيها أين شئتم، من [¬٣] نواحيها وأرجائها وأقطارها، وكل هذا مما ينبههم [¬٤] به نوح ﵇ على قدرة الله وعظمته في خلق السماوات والأرض، ونعمه عليهم فيما جعل لهم من المنافع السماوية والأرضية، فهو الخالق الرازق، جعل السماء بناءً، والأرض مهادًا، وأوسع على خلقه من رزقه، فهو الذي يجب أن يعبد ويوحد ولا يشرك به أحد، لأنه لا نظير له ولا عَديل [¬٥] له، ولا نِدَّ ولا كفء، ولا صاحبة ولا ولد، ولا وزير ولا مشير، بل هو العلي الكبير.\n_________\n[¬١]- في ز: ساء.\n[¬٢]- سقط من ز.\n[¬٣]- في ز، خ: في.\n[¬٤]- في ز: ينبئهم.\n[¬٥]- في ز: عدل.","vol":"14","page":141},{"text":"﴿قَال نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إلا خَسَارًا (٢١) وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا (٢٢) وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (٢٣) وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إلا ضَلَالًا (٢٤)﴾\nيقول تعالى مخبرًا عن نوح ﵇: إنه أنهى إليه -وهو العليم الذي لا يعزب عنه شيء- أنه مع البيان المتقدم ذكوه، والدعوة المتنوعة المشتملة على الترغيب تارة والترهيب أخرى: أنهم عصوه وكذبوه وخالفوه، واتبعوا أبناء الدنيا ممن غَفَل عن أمر الله، ومتع بمال وأولاد، وهي في نفس الأمر استدراج وإنظار لا إكرام؛ ولهذا قال: ﴿وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا﴾، قُريء: ﴿ووُلْده﴾ بالضم وبالفتح، وكلاهما متقارب.\nوقوله: ﴿ومكروا مكرًا كبارًا﴾، قال مجاهد: ﴿كبارًا﴾، أي: عظيمًا. وقال ابن زيد: ﴿كبارًا﴾، أي: كبيرًا. والعرب تقول: أمر عجيب وعُجَاب وعجّاب، ورجل حُسَان وحسَّان، وجُمَال وجُمَّال، بالتخفيف والتشديد، بمعنى واحد. والمعنى في قوله: ﴿ومكروا مكرا كبارا﴾، أي: بأتباعهم في تسويلهم لهم أنهم على الحق والهدى، كما يقولون لهم يوم القيامة: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا﴾، ولهذا قال هاهنا: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا (٢٢) وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾، وهذه أسماء أصنامهم التي كانوا يعبدونها من دون الله.\nقال البخاري (^٣): حدثنا إبراهيم، حدثنا هشام، عن ابن جريج، و[¬١] قال عطاء، عن ابن عباس: صارت الأوثان التي كانت في قوم نوح في العرب بعد: أما وَدّ فكانت لكلب بدَومة الجندل؛ وأما سواع فكانت لهذيل، وأما يغوث فكانت لمراد، ثم لبني غُطَف بالجُرُف [¬٢] عند سبأ، وأما يَعوقُ فكانت لهَمْدان، وأما نسر فكانت لحمير لآل ذي كَلاع، وهي [¬٣] أسماء رجال صالحين من قوم نوح ﵇ فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا\n_________\n(^٣) أخرجه البخاري في كتاب: التفسير، باب: ﴿ودًّا ولا سواعًا ولا يغوث ويعوق ونسرًا﴾، حديث (٤٩٢٠) (٨/ ٦٦٧).\n_________\n[¬١]- سقط من ز.\n[¬٢]- في ز، خ: بالخوف.\n[¬٣]- في ز، خ: نسرًا.","vol":"14","page":142},{"text":"إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصابًا وسموها بأسمائهم، ففعلوا، فلم تعبد حتى إذا [¬١] هلك أولئك وتنَسَّخَ العلم عبدت.\nوكذا ووي عن عكرمة، والضحاك، وقتادة وابن إسحاق نحو هذا.\nوقال علي بن أبي طلحة: عن ابن عباس: هذه أصنام كانت تعبد في زمن [¬٢] نوح.\nوقال ابن جرير (^٤): حدثنا ابن حميد، حدثنا مهران، عن سفيان، عن موسى، عن [¬٣] محمد بن قيس ﴿ويعوق ونسرًا﴾، قال: كانوا قومًا صالحين بين [¬٤] آدم ونوح، وكان لهم أتباع [¬٥] يقتدون بهم، فلما ماتوا قال أصحابهم الذين كانوا يقتدون بهم: لو صوّرناهم كان أشوق لنا إلى العبادة إذا ذكرناهم، فصوروهم، فلما ماتوا وجاء آخرون دَبّ إليهم إبليس فقال: إنما كانوا يعبدونهم وبهم يُسقَون المطر. فعبدوهم.\nوروى الحافظ ابن عساكر (^٥) في ترجمة شيث ﵇ من طريق إسحاق بن بشر قال: وأخبرني جُويبر ومقاتل، عن الضحاك، عن ابن عباس أنه قال: ولد لآدم ﵇ أربعون ولدًا، عشرون غلامًا وعشرون جارية، فكان ممن عاش منهم: هابيل، وقابيل، وصالح، وعبد الرحمن -والذي كان سماه [¬٦] عبد الحارث- ووَدّ، وكان وَدّ يقال له \"شيث\"، ويقال له \"هبة الله\"، وكان إخوته قد سَوّدوه، وولد له سُواع ويغوث ويعوق ونسر.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو عُمَر الدّوري، حدثني أبو إسماعيلَ المؤدّب، عن عبد الله بن مسلم بن هُرمز، عن أبي حزْرَة، عن عروة بن الزبير قال: اشتكي آدم ﵇ وعنده بنوه: ود، ويغوث، ويعوق، وسواع، ونسر، وكان وَدّ أكبرَهم وأبرّهم به.\nوقال ابن أبي حاتم (^٦): حدثنا أحمد بن منصور، حدثنا الحسن بن موسى، حدثنا يعقوب، عن أبي المطهر [¬٧] قال: ذكروا عند أبي جعفر -وهو قائم يصلي-[يزيد بن] [¬٨]\n_________\n(^٤) أخرجه الطبري (٢٩/ ٩٨ - ٩٩).\n(^٥) أخرجه ابن عساكر في \"تاريخ دمشق\" (٨/ ١٦٥ مخطوط).\n(^٦) ذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" (٦/ ٤٢٨) وعزاه إلى عبد بن حميد من طريق أبي مطهر.\n_________\n[¬١]- سقط من ز، خ.\n[¬٢]- في ز: زمان.\n[¬٣]- في خ: ابن.\n[¬٤]- في ز: عن.\n[¬٥]- في خ: الذين.\n[¬٦]- في ز، خ: سماهم.\n[¬٧]- في خ: الطهر.\n[¬٨]- في ز: بين يدي.","vol":"14","page":143},{"text":"المهلب، قال: فلما انفتل من صلاته قال: ذكرتم يزيدَ بن المهلب، أما إنه قتل في أول أرض عُبد فيها غير الله، قال: ثم [ذكر ودًّا،] [¬١] [قال: وكان ودّ] [¬٢] رجلًا مسلمًا، وكان محببًا في قومه، فلما مات عسكروا حول قبره في أرض بابل وجزعوا عليه، فلما رأى إبليس جَزَعهم عليه، تشبه في سورة إنسان، ثم قال: إني أرى جزعكم على هذا الرجل، فهل لكم أن أصوّر لكم مثله، فيكون في ناديكم فتذكرونه؟ قالوا: نعم. فصوّر لهم مثله، قال: ووضعوه في ناديهم وجعلوا يذكرونه. فلما رأى ما بهم من ذكره قال: هل لكم أن أجعل في منزل كل واحد منكم تمثالًا مثله، فيكون له في بيته، فتذكرونه؟ قالوا: نعم. قال: فمثل لكل أهل بيت تمثالًا مثله. فأقبلوا فجعلوا يذكرونه به، قال: وأدرك أبناؤهم فجعلوا يرون ما يصنعون به، وتناسلوا ودَرَس أمر ذكرهم إياه حتى اتخذوه إلهًا يعبدونه من دون الله أولاد أولادهم، فكان أول ما عبد غير الله: الصنم الذي سموه وَدًّا.\nوقوله: ﴿وقد أضلوا كثيرًا﴾، يعني الأصنام التي اتخذوها أضلوا بها خلقًا كثيرًا فإنه استمرت [¬٣] عبادتها في القرون إلى زماننا هذا في العرب والعجم وسائر صنوف بني آدم. وقد قال الخليل ﵇ في دعائه: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ (٣٥) رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾.\nوقوله: ﴿وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا﴾: دعاء منه على قومه لتمردهم وكفرهم وعنادهم، كما دعا موسى على فرعون وملئه في قوله: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾. وقد استجاب الله لكل من النبيين في قومه، وأغرق أمته بتكذيبهم لما جاءهم به.\n﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصَارًا (٢٥) وَقَال نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (٢٦) إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إلا فَاجِرًا كَفَّارًا (٢٧) رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إلا تَبَارًا (٢٨)﴾\nقوله تعالى: ﴿مما خطاياهم﴾ وقرئ: ﴿خطيئاتهم﴾.\n﴿أغرقوا﴾، أي: من كثرة ذنوبهم وعتوهم وإصرارهم على كفرهم ومخالفتهم رسولهم، ﴿أغرقوا فأدخلوا نارًا﴾، أي: نقلوا من تيار البحار إلى حرارة النار، ﴿فلم يجدوا لهم من\n_________\n[¬١]- في ز: ذكروا.\n[¬٢]- سقط من ز، خ.\n[¬٣]- في ز: استمر.","vol":"14","page":144},{"text":"دون الله أنصارًا﴾، أي: لم يكن لهم معين ولا مُغيث ولا مُجير ينقذهم من عذاب الله كقوله: ﴿قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ﴾.\n﴿وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾، أي: لا تترك على الأرض منهم أحدًا ولا تُومُريًّا [¬١]، وهذه من صيغ توكيد [¬٢] النفي. قال الضحاك: ﴿ديارًا﴾: واحدًا. وقال السدي: الديار الذي يسكن الدار.\nفاستجاب الله له، فأهلك جميع [¬٣] من على وجه الأَرض من الكافرين، حتى ولد نوح لصلبه الذي اعتزل عن أبيه، و: ﴿قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾.\nوقال ابن أبي حاتم (^٧): [] [¬٤] قرئ على يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وهب، أخبرني شَبيب بن سعيد، عن أبي الجوزاء، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: \"لو رحم الله من قوم نوح أحدًا لرحم امرأة لما رأت الماء حملت ولدها ثم صعدت الجبل، فلما بلغها الماء صعدت به منكبها، فلما بلغ الماء منكبها وضعت ولدها على رأسها، فلما بلغ الماء رأسها رفعت ولدها بيدها. فلو رحم الله منهم أحدًا لرحم هذه المرأة\".\nهذا حديث غريب، ورجاله ثقات. ونجى الله أصحاب السفينة الذين آمنوا مع نوح ﵇ وهم الذين أمره الله بحملهم معه.\nوقوله: ﴿إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ﴾، أي: إنك [¬٥]، إن أبقيت منهم أحدًا أضلوا عبادك، [أي: الذين] [¬٦] تخلفهم بعدهم، ﴿وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾، أي: فاجرا في الأعمال كافر القلب، وذلك لخبرته بهم ومكثه بين أظهرهم ألف سنة إلا خمسين عامًا.\nثم قال: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا﴾، قال الضحاك: يعني مسجدي. ولا مانع من حمل الآية على ظاهرها، وهو أنه دعا لكل من دخل منزله وهو مؤمن، وقد قال الإمام أحمد (^٨):\nحدثنا أبو عبد الرحمن، حدثنا حيوة، أنبأنا سالم بن غيلان: أن الوليد بن قيس التجيبيّ\n_________\n(^٧) أخرجه الحاكم (٢/ ٣٤٢) من حديث عائشة ﵂ مرفوعًا بنحو حديث ابن عباس. قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وتعقبه الذهبي بأن إسناده مظلم، وموسى ليس بذاك.\n(^٨) المسند (٣/ ٣٨) (١١٣٥٣). وأخرجه أبو داود في كتاب: الأدب، باب: من يؤمر أن يجالس=\n_________\n[¬١]- في ز: دومريًّا.\n[¬٢]- في ز، خ: تأكيد.\n[¬٣]- سقط من خ.\n[¬٤]- في ز: لما.\n[¬٥]- سقط من ز، خ.\n[¬٦]- سقط من ز، خ.","vol":"14","page":145},{"text":"أخبره: أنه سمع أبا سعيد الخدري -أو: عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد-: أنه سمع رسول الله ﷺ قوله: \"لا تصحب إلا مؤمنًا، ولا يأكل طعامك إلا تقي\".\nورواه أبو داود والترمذي، من حديث عبد الله بن المبارك، عن حيوة بن شريح، به. ثم قال الترمذي: \"إنما نعرفه من هذا الوجه\".\nوقوله: ﴿وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾: دعاء لجميع المؤمنين والمؤمنات، وذلك يَعُمّ الأحياءَ منهم والأموات؛ ولهذا يستحب مثل هذا الدعاء، اقتداءً بنوح ﵇ وبما جاء في الآثار والأدعية المشروعة.\nوقوله: ﴿وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا﴾ قال السدي: إلا [¬١] هلاكًا. وقال مجاهد: إلا خسارًا. أي: في الدنيا والآخرة.\nآخر تفسير سورة نوح [﵇، ولله الحمد والمنة، وبه التوفيق والعصمة] [¬٢].\n* * *\n_________\n= حديث (٤٨٣٢) (٤/ ٢٥٩). والترمذي في كتاب: الزهد، باب: ما جاء في صحبة المؤمن، حديث (٢٣٩٧) (٧/ ١٢٣). قال الترمذي: هذا حديث حسن. وحسنه الألباني في صحيح أبي داود (٤٠٤٥).\n_________\n[¬١]- سقط من ز، خ.\n[¬٢]- من ز.","vol":"14","page":146},{"text":"<span data-type='title' id=toc-193>تفسير سورة الجن وهي مكية</span>\n﷽\n﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا (٢) وَأَنَّهُ تَعَالى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا (٣) وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا (٤) وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا (٥) وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا (٦) وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا (٧)﴾\nيقول تعالى آمرًا رسوله ﷺ أن يخبر قومه: إن الجن استمعوا القرآن فآمنوا به وصدقوه وانقادوا له فقال تعالى: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ﴾، أي: إلى السداد والنجاح، ﴿فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا﴾. وهذا المقام شبيه بقوله تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ﴾. وقد قدمنا الأحاديث الواردة في ذلك بما أغنى عن إعادتها هاهنا.\nوقوله: ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا﴾: قال عليّ بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿جَدُّ رَبِّنَا﴾، أي: فعلُه وأمره وقدرته. وقال الضحاك عن ابن عباس: جد الله: آلاؤه وقدرته ونعمته على خلقه. وروي عن مجاهد وعكرمة: جلال ربنا. وقال قتادة: تعالى جلاله وعظمته وأمره. وقال السدي: تعالى أمر ربنا. وعن أبي الدرداء ومجاهد أيضًا وابن جريج: تعالى ذكره. وقال سعيد بن جبير: ﴿تعالى جد ربنا﴾ أي: تعالى ربنا.\nفأما ما رواه ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد المقرئ، حدثنا سفيان، عن عمرو، عن [¬١] عطاء، عن ابن عباس قال: الجد أب، ولو علمت الجن أن في الإِنس [¬٢] جدًّا [¬٣] ما قالوا: ﴿تعالى جَدّ ربنا﴾.\nفهذا إسناد جيد، ولكن لست أفهم ما معنى هذا الكلام، ولعله قد سقط شيء، والله أعلم.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: ابن.\n[¬٢]- في ز: الأرض.\n[¬٣]- في ز: جد.","vol":"14","page":147},{"text":"وقوله: ﴿مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا﴾، أي. تعالى عن اتخاذ الصاحبة والأولاد [أي: قالت] [¬١] الجن: تنزه الرب تعالى جلاله وعظمته حين أسلموا وآمنوا بالقرآن، عن اتخاذ الصاحبة والولد.\nثم قالوا: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا﴾، قال مجاهد، وعكرمة، وقتادة، والسدي: ﴿سفيهنا﴾ يعنون إبليس ﴿شططا﴾، قال السدي: عن أبي [¬٢] مالك ﴿شططًا﴾، أي: جورًا. وقال ابن زيد: ظلمًا كبيرًا [¬٣].\nويحتمل أن يكون المراد بقولهم ﴿سفيهنا﴾: اسم جنس لكل من زعم أن لله صاحبة أو ولدًا، ولهذا قالوا: ﴿وأنه كان يقول سفيهنا﴾، أي: قبل إسلامه ﴿على الله شططًا﴾، أي: باطلًا وزورًا؛ ولهذا قالوا: ﴿وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾، أي: ما حسبنا أن الإنس والجن يتمالئون على الكذب على الله في نسبة الصاحبة والولد إليه، فلما سمعنا هذا القرآنَ وآمنا به، علمنا أنهم كانوا يكذبون على الله في ذلك.\nوقوله: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ أي: كنا نرى أن لنا فضلًا على الإنس، لأنهم كانوا يعوذون بنا، أي: إذا نزلوا واديًا أو مكانا موحشًا من البراري وغيرها كما كان عادة العرب في جاهليتها يعوذون بعظيم ذلك المكان من الجان، أن يصيبهم بشيء [¬٤] يسوؤهم، كما كان أحدهم يدخل بلاد أعدائه في جوار رجل كبير وذمامه وخفارته، فلما رأت الجن أن الإِنس يعوذون بهم من خوفهم منهم ﴿زادوهم رهقًا﴾، أي: خوفًا وإرهابًا وذعرًا، حتى تبقوا أشد منهم مخافة وأكثر تعوذًا بهم، كما قال قتادة: ﴿فزادوهم رهقًا﴾، أي: إثمًا، وازدادت الجن عليهم بذلك جراءة.\nوقال الثوري: عن منصور، عن إبراهيم: ﴿فزادوهم رهقًا﴾، أي: ازدادت الجن عليهم جرأة. وقال السدي: كان الرجل يخرج بأهله فيأتي الأرض فينزلها فيقول: أعوذ بسيد هذا البوادي من الجن أن أضر أنا فيه أو مالي أو ولدي أو ماشيتي، قال: فإذا عاذ بهم من دون الله، رهقتهم الجن الأذى عند ذلك.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد [] [¬٥] يحيى بن سعيد القطان، حدثنا وهب بن جرير، حدثنا أبي، حدثنا الزبير بن الخريت [¬٦]، عن عكرمة قال: كان الجن يَفْرَقُون من الإِنس كما يفرق الإنس منهم أو أشد، وكان الأنس إذا نزلوا واديًا هرب الجن، فيقول سيد القوم: نعوذ [بسيد أهل] [¬٧] هذا الوادي. فقال الجن: نراهم يفرقون منا كما نفرق منهم. فدنوا من\n_________\n[¬١]- سقط من ز، خ.\n[¬٢]- في ز: ابن.\n[¬٣]- في خ: كثيرًا.\n[¬٤]- في ز: شيء.\n[¬٥]- في ز، خ: ابن.\n[¬٦]- في ز، خ: حرب.\n[¬٧]- في ز، خ: بأهل.","vol":"14","page":148},{"text":"الإِنس فأصابوهم بالخَبَل والجنون، فذلك قول الله: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾.\nوقال أبو العالية، والربيع، وزيد بن أسلم: ﴿رهقًا﴾، أي: خوفًا. وقال العوفي: عن ابن عباس: ﴿فزادوهم رهقا﴾، أي: إثمًا. وكذا قال قتادة. وقال مجاهد: زاد الكفار طغيانًا.\nوقال ابن أبي حاتم (^١): حدثنا أبي، حدثنا فروة بن أبي المغراء الكندي، حدثنا القاسم بن مالك -يعني المزني [¬١]- عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن أبيه، عن كَردم بن أبي السائب الأنصاري قال: خرجت مع أبي من المدينة في حاجة، وذلك أول ما ذكر رسول الله ﷺ بمكة، فآوانا المبيت إلى راعي غنم. فلما انتصف الليل جاء ذئب فأخذ حَملا من الغنم، فوثب الراعي فقال: يا عامر الوادي، جارك. فنادى مناد [لا نراه، يقول:] [¬٢] يا سرحان، أرسله. فأتى الحمل يشتد، حتى دخل في الغنم لم تصبه كدمة. وأنزل الله تعالى على رسوله بمكة: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾.\nثم قال: ورُوي عن عبيد بن عمير، ومجاهد، وأبي العالية، والحسن، وسعيد بن جبير، وإبراهيم النخعي، نحوه. وقد يكون هذا الذئب الذي أخذ الحمل -وهو ولد الشاة- كان جنيًّا حتى رُهب الإِنسي ويخاف منه، ثم رَدّه عليه لما استجار به، ليضله ويهينه، ويخرجه عن دينه، والله أعلم.\nوقوله: ﴿وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا﴾ أي: لن يبعث الله [] [¬٣] بعد هذه المدة رسولا. قاله الكلبي، وابن جرير.\n﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا (٨) وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا (٩) وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا (١٠)﴾\nيخبر تعالى عن الجن حين بعث الله رسوله محمدًا ﷺ، وأنزل عليه القرآن، وكان من [¬٤] حفظه له أن السماء مُلِئَت حرسًا شديدًا، وحفظت من سائر أرجائها، وطردت\n_________\n(^١) ضعيف، أخرجه العقيلي في \"الضعفاء الكبير\" (١/ ١٠١) في ترجمة إسحاق بن الحارث الكوفي. والطبراني (١٩/ ١٩١ - ١٩٢) (٤٣٠). وأبو الشيخ في \"العظمة\" (٥/ ١٦٦٤ - ١٦٦٦) (١١٠٥). كلهم من طريق القاسم بن مالك، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن أبيه، عن كردم في أبي السائب=\n_________\n[¬١]- في ز، خ: المدني.\n[¬٢]- في خ: يقول وهو لا يراه.\n[¬٣]- في ز: أحدًا أي لن يبعث.\n[¬٤]- في ز، خ: في.","vol":"14","page":149},{"text":"الشياطين عن مقاعدها التي كانت تقعد فيها قبل ذلك، لئلا يسترقوا شيئًا من القرآن فيلقوه على ألسنة الكهنة، فيلتبس الآمر ويختلط ولا يدرى من الصادق، و[¬١] هذا من لطف الله بخلقه، ورحمته بعباده، وحفظه لكتابه العزيز؛ ولهذا قالت الجن: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا (٨) وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا﴾ [أي: من يوم أن يسترق السمع اليوم يجد له شهابًا مرصدًا] [¬٢] له، لا يتخطاه ولا يتعداه، بل يمحقه ويهلكه، ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾، أي: ما ندري [¬٣] هذا الأمر الذي قد حدث في السماء، لا ندري أشر أريد بمن في الأرض، أم أراد بهم ربهم رشدًا؟ وهذا من أدبهم في العبارة حيث أسندوا الشر إلى غير فاعل، والخير أضافوه إلى الله ﷿.\nوقد ورد في الصحيح (^٢): \" والشر ليس إليك\". وقد كانت الكواكب يرمى بها قبل ذلك، ولكن ليس بكثير به. في الأحيان بعد الأحيان، كما في حديث [ابن عباس] [¬٤] (^٣): ينما نحن جلوس مع رسول الله ﷺ إذا رمي بنجم فاستنار، فقال: \"ما كنتم تقولون في هذا؟ \" فقلنا: كنا نقول: يولد عظّم، يموت عظّم. فقال: \"ليس كذلك، ولكن الله إذا قضى الأمر في السماء … \". وذكر تمام الحديث.\nوقد أوردناه في \"سورة سبأ\" بتمامه. وهذا هو السبب الذي حَمَلهم على تطلب السبب في ذلك، فأخذوا يضربون مشارق الأرض ومغاربها، فوجدوا رسول الله ﷺ يقرأ بأصحابه في الصلاة فعرفوا أن هذا هو الذي حُفظت من أجله السماء، فآمن من آمن منهم، وتمرد في طغيانه من بقى، كما تقدم في [¬٥] حديث ابن عباس في ذلك، عند قوله في \"سورة الأحقاف\": ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ …﴾. الآية.\nولا شك أنه لما حدث هذا الأمر، وهو كثرة الشهب في السماء والرمي بها، هال ذلك الإنس والجن، وانزعجوا له وارتاعوا لذلك، وظنوا أن ذلك لخراب العالم، كما قال السدي: لم تكن السماء تحرس إلا أن يكون في الأرض نبي أو دين لله ظاهر، وكانت الشياطين قبل\n_________\n= فذكره، قال ابن عدي: إسحاق بن الحارث الكوفي، قال البخاري يتكلمون فيه، وفيه نظر. قال: وضعف أحمدُ عبدَ الرحمن بن إسحاق. ا هـ. قال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (٧/ ١٣٢): وفيه عبد الرحمن بن إسحاق الكوفي وهو ضعيف.\n(^٢) أخرجه مسلم في كتاب صلاة المسافرين، حديث (٢٠١/ ٧٧١) (٦/ ٨٢ - ٨٦).\n(^٣) تقدم تخريجه في تفسير سورة سبأ آية: ٢٣.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: وكان.\n[¬٢]- سقط من ز، خ.\n[¬٣]- في ز، خ: تدرون.\n[¬٤]- في ز، خ: العباس.\n[¬٥]- سقط من ز.","vol":"14","page":150},{"text":"محمد ﷺ قد اتخذت المقاعد في السماء الدنيا، يستمعون ما يحدث في السماء من أمر، فلما بعث الله محمدًا نبيًّا، رُجموا ليلة من الليالي، فنزع لذلك أهل الطائف، فقالوا: هلك أهل السماء؛ لما رأوا من شدة النار في السماء واختلاف الشهب، فجعلوا يعتقون أرقاءهم ويُسَيبون مواشيهم، فقال لهم عبد ياليل بن عمرو بن عمير: ويحكم بها معشر أهل الطائف، أمسكوا عن أموالكم، وانظروا إلى معالم النجوم، فإن رأيتموها مستقرة في أمكنتها فلم يهلك أهل السماء، إنما هذا من أجل ابن أبي كبشة -يعني محمدًا ﷺ وإن أنتم لم تروها فقد هلك أهل السماء. فنظروا فرأوها، فكفوا عن أموالهم. وفزعت الشياطين في تلك الليلة، فأتوا إبليس فحدثوه بالذي كان من أمرهم، فقال: أئتوني من كل أرض بقبضة من تراب أشمها. فأتوه فشئم فقال: صاحبكم بمكة. فبعث سبعة نفر من جن نصيبين، فقوموا مكة فوجدوا رصعول الله ﷺ قائما يصلي في المسجد الحرام يقرأ [¬١] القرآن، فدنوا [¬٢] منه حرصًا على القرآن حتى كادت كَلاكِلهم تصيبه، ثم أسلموا. فأنزل الله تعالى أمرهم على نبيه ﷺ، وقد ذكرنا هذا الفصل مستقصى في أول البعث من [¬٣] كتاب السيرة المطول، والله أعلم، ولله الحمد والمنة.\n﴿وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا (١١) وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا (١٢) وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِهِ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا (١٣) وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا (١٤) وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا (١٥) وَأَلَّو اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَينَاهُمْ مَاءً غَدَقًا (١٦) لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا (١٧)﴾\nيقول تعالى مخبرًا عن الجن: إنهم قالوا مخبرين عن أنفسهم: ﴿وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ﴾ [أي: غير ذلك] [¬٤] ﴿كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا﴾، أي: طرائق متحددة مختلفة وآراء متفرقة.\nقال ابن عباس ومجاهد وغير واحد: ﴿كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا﴾ أي: منا المؤمن ومنا الكافر.\nوقال أحمد بن سليمان النَّجاد في أماليه: حدثنا أسلم بن سَهل بحشل حدثنا علي بن\n_________\n[¬١]- في ز: يقرأن.\n[¬٢]- في خ: فقدموا.\n[¬٣]- في ز، خ: في.\n[¬٤]- سقط من ز، خ.","vol":"14","page":151},{"text":"الحسن [¬١] بن سليمان -وهو أبو الشعثاء الحضرمي، شيخ مسلم-، حدثنا أبو معاوية قال: سمعتُ الأعمش يقول: تروح إلينا جني، فقلت له: ما أحب الطعام إليكم؟ فقال: الأرز. قال: فأتيناهم به، فجعلت أرى اللقم ترفع ولا أرى أحدًا. فقلت: فيكم من هذه الأهواء التي فينا؟ قال: نعم. قلت: فما الرافضة فيكم؟ قال: شرنا. عرضت هذا الإسناد على شيخنا الحافظ أبي الحجاج المزي فقال: هذا إسناد صحيح إلى الأعمش.\nوذكر الحافظ ابن عساكر (^٤) في ترجمة العباس بن [¬٢] أحمد الدمشقي قال: سمعتُ بعض الجنّ، [وأنا في منزلي] [¬٣] بالليل ينشد:\nقُلوبٌ بَرَاها الحبّ حَتى تعلَّقت … مَذَاهبُها في كُلّ غَرب وشَارقِ\nتَهيم بحب الله، والله رَبُّها … مُعَلَّقة بالله دُونَ الخَلائقِ\nوقوله: ﴿وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا﴾، أي: نعلم أن قدرة الله حاكمة علينا، وأنا لا نعجزه في الأرض، ولو أمعنا في الهرب، فإنه علينا قادر، لا يعجزه أحد منا.\n﴿وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِهِ﴾: يفتخرون بذلك، وهو مفخرٌ لهم، وشرفٌ رفيعٌ، وصفةٌ حسنةٌ.\nوقولهم: ﴿فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا﴾، قال ابن عباس، وقتادة، وغيرهما: فلا يخاف أن يُنقَص من حسناته، أو يحمل عليه غير [¬٤] سيئاته، كما قال تعالى: ﴿فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا﴾.\n﴿وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ﴾، أي: منا المسلم ومنا القاسط، وهو: الجائر عن الحق الناكب عنه، بخلاف المقسط فإنه العادل، ﴿فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا﴾، أي: طلبوا [¬٥] لأنفسهم النجاة. ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ أي: وقودًا تُسعر بهم.\nوقوله: ﴿وَأَلَّو اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَينَاهُمْ مَاءً غَدَقًا (١٦) لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾: اختلف المفسرون في معنى هذا على قولين:\nأحدِهما: وأن لو استقام القاسطون على طريقة الإسلام وعدلوا إليها واستمروا عليها،\n_________\n(^٤) أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٨/ ٨٨٧ مخطوط).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: الحسين.\n[¬٢]- في ز: أن.\n[¬٣]- في ز، خ: زارنا في منزل.\n[¬٤]- في ز: عن.\n[¬٥]- في ز: ظنوا.","vol":"14","page":152},{"text":"﴿لَأَسْقَينَاهُمْ مَاءً غَدَقًا﴾، أي: كثيرًا. والمراد بذلك سَعَة الرزق، كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾، وكقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾. وعلى هذا يكون معنى قوله: ﴿لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾، أي: لنختبرهم، كما قال مالك: عن زيد بن أسلم: ﴿لِنَفْتِنَهُمْ﴾: لنبتليهم، مَن يستمر على الهداية ممن يرتد إلى الغواية؟\nذكر من قال بهذا القول\nقال العوفي عن ابن عباس: ﴿وَأَلَّو اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ﴾: يعني بالاستقامة: الطاعة. وقال مجاهد: ﴿وَأَلَّو اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ﴾، قال: الإسلام. وكذا قال سعيد بن جُبير، وسعيد بن المسيب، وعطاء، والسدي، ومحمد بن كعب القرظي.\nوقال قتادة: ﴿وَأَلَّو اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ﴾ يقول: لو آمنوا كلهم لأوسعنا عليهم من الدنيا.\nوقال مجاهد: ﴿وَأَلَّو اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ﴾، أي: طريقة الحق. وكذا قال الضحاك، واستشهد على ذلك بالآيتين اللتين ذكرناهما، وكل هؤلاء أو أكثرهم قالوا في قوله: ﴿لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾، أي: لنبتليهم به. وقال مقاتل [¬١]: نزلت في كفار قريش حين منعوا المطر سبع سنين.\nوالقول الثاني: ﴿وَأَلَّو اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ﴾: الضلالة ﴿لَأَسْقَينَاهُمْ مَاءً غَدَقًا﴾، أي: لأوسعنا عليهم في الرزق استدراجًا، كما قال: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾. وكقوله: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ وهذا قول أبي مِجْلز لاحق بن حُميد، فإنه قال في قوله: ﴿وَأَلَّو اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ﴾، أي: طريقة الضلالة. رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم، وحكاه البغوي عن الربيع بن أنس، وزيد بن أسلم، والكلبي، وابن كيسان. وله [¬٢] اتجاه، ويتأيد بقوله: ﴿لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾.\nوقوله: ﴿وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ [¬٣] عَذَابًا صَعَدًا﴾، أي: عذابًا شاقًّا [¬٤] شديدًا موجعًا مؤلمًا. قال ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، وقتادة، وابن زيد: ﴿عَذَابًا صَعَدًا﴾ أي: مشقة لا راحة معها. وعن ابن عباس: جبل في جهنم، وعن سعيد بن جبير: بئر [¬٥] فيها.\n_________\n[¬١]- في خ: مجاهد.\n[¬٢]- في ز: لا.\n[¬٣]- في ز: نسلكه.\n[¬٤]- في ز: مشقا.\n[¬٥]- سقط من ز.","vol":"14","page":153},{"text":"﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا (١٨) وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيهِ لِبَدًا (١٩) قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا (٢٠) قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا (٢١) قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا (٢٢) إلا بَلَاغًا مِنَ اللَّهِ وَرِسَالاتِهِ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا (٢٣) حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِرًا وَأَقَلُّ عَدَدًا (٢٤)﴾\nيقول تعالى آمرًا عباده أن يُوحِّدوه في محال عبادته، ولا يدْعى معه أحد ولا يشرك به، كما قال قتادة في قوله: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾، قال: كانت اليهود والنصارى إذا دخلوا كنائسهم وبيعَهم، أشركوا بالله، فأمر الله نبيه ﷺ أن يوحدوه وحده.\nوقال ابن أبي حاتم: ذكر علي بن الحسين: حدثنا إسماعيل ابن بنت السدي، أخبرنا رجل سماه، عن السدي، عن أبي مالك -أو: أبي صالح-، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾، قال: لم يكن يوم نزلت هذه الآية في الأرض مسجد إلا المسجد الحرام، ومسجد إليا: بيت المقدس. وقال الأعمش: قالت الجن: يا رسول الله، ائذن لنا نشهد معك الصلوات في مسجدك، فأنزل الله: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾، يقول: صلوا، و[¬١] لا تخالطوا الناس.\nوقال ابن جرير (^٥): حدثنا ابن حميد، حدثنا مهران، حدثنا سفيان، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن محمود [¬٢]، عن سعيد بن جبير: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾ قال: قالت الجن لنبي الله ﷺ: كيف لنا أن نأتي المسجد [ونحن ناءون؟ وكيف نشهد الصلاة] [¬٣] ونحن ناءون عنك؟ فنزلت: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾.\nوقال سفيان عن خُصيف عن عكرمة: نزلت في المساجد كلها.\n_________\n(^٥) أخرجه الطبري (٢٩/ ١١٧).\n_________\n[¬١]- سقط من ز.\n[¬٢]- في ز: محمول.\n[¬٣]- سقط من خ.","vol":"14","page":154},{"text":"[قال سعيد بن جبير: نزلت في أعضاء السجود، أي: هي لله فلا تسجدوا بها لغيره. وذكروا عند هذا القول الحديث الصحيح، من رواية عبد الله بن طاووس عن أبيه، عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ (^٦): \" أمرت أن أسجد على سبعة أعظم: على الجبهة -أشار بيده إلى أنفه- واليدين والركبتين وأطراف القدمين\".] [¬١]\nوقوله: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيهِ لِبَدًا﴾، قال العوفي (^٧): عن ابن عباس يقول: لما سمعوا النبي ﷺ يتلو القرآن كادوا يركبونه من الحرص لَما سمعوه يتلو القرآن، ودنوا منه فلم يعلم بهم حتى أتاه الرسول فجعل يقرئه: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ﴾، يستمعون القرآن.\nهذا قوله [¬٢]، وهو مروي عن الزبير بن العوام ﵁.\nوقال ابن جرير (^٨): حدثني محمَّد بن معمر، حدثنا [أبو مسلم] [¬٣]، عن أبي عوانة، على أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال الجن لقومهم: ﴿لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيهِ لِبَدًا﴾، قال: لما رأوه يصلي وأصحابه يركعون بركوعه ويسجدون بسجوده، قال: عجبوا من طواعية أصحابه له، قال: فقالوا لقومهم: ﴿لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيهِ لِبَدًا﴾. وهذا قول ثان، وهو مروي عن سعيد بن جبير أيضًا. وقال الحسن (^٩): [لما قام] [¬٤] رسول الله ﷺ يقول: \"لا إله إلا الله\"، ويدعو الناس إلى ربهم، كادت العرب تَلبُد عليه جميعًا. وقال قتادة (^١٠) في قوله: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيهِ لِبَدًا﴾، قال: تَلَبَّدت [¬٥] الإنس والجنّ على هذا الأمر ليطفئوه، فأبى الله إلا أن ينصره ويمضيَه ويظهره على من ناوأه.\n_________\n(^٦) أخرجه البخاري في كتاب: الأذان، باب: السجود على الأنف، حديث (٨١٢) (٢/ ٢٩٧)، ومسلم في كتاب: الصلاة، باب: أعضاء السجود والنهي عن كف الشعر والثوب …، حديث (٢٣٠/ ٤٩٠) (٤/ ٢٧٦).\n(^٧) أخرجه الطبري (٢٩/ ١١٨).\n(^٨) أخرجه الطبري (٢٩/ ١١٨).\n(^٩) أخرجه الطبري (٢٩/ ١١٩).\n(^١٠) أخرجه الطبري (٢٩/ ١١٨).\n_________\n[¬١]- سقط من ز، خ.\n[¬٢]- في ز: قول.\n[¬٣]- في ز، خ: ابن هشام.\n[¬٤]- في ز: فأقام.\n[¬٥]- في ز، خ: يلبدون.","vol":"14","page":155},{"text":"وهذا قول ثالث، وهو مَروي عن ابن عباس، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وقول ابن زيد، واختيار ابن جرير، وهو الأظهر لقوله بعده: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا﴾، أي: قال لهم الرسول، لما آذوه وخالفوه وكذبوه وتظاهروا عليه، ليبطلوا ما جاء به من الحق، واجتمعوا على عداوته: ﴿إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي﴾، أي: إنما أعبد ربي وحده لا شريك له، وأستجير به وأتوكل عليه، ﴿وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا﴾.\nوقوله: ﴿قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا﴾، أي: إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي وعبد من عباد الله ليس إليّ من الأمر شيء في هدايتكم ولا غوايتكم، بل المرجع في ذلك كله إلى الله ﷿.\nثم أخبر عن نفسه أيضًا أنه لا يجيره من الله أحد، أي: لو عصيته فإنه لا يقدر أحد على إنقاذي من عذابه، ﴿وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾، [قال مجاهد، وقتادة، والسدي: لا ملجأ. وقال قتادة أيضًا: ﴿قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾،] [¬١] أي: لا نصير ولا ملجأ. وفي رواية: لا وليّ ومَوْئِلَ.\nوقوله تعالى: ﴿إلا بَلَاغًا مِنَ اللَّهِ وَرِسَالاتِهِ﴾، قال بعضهم: هو مستثنى من قوله: ﴿لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا﴾ … ﴿إلا بَلَاغًا﴾، ويحتمل أن يكون استثناء من قوله: ﴿لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ﴾، أي: لا يجيرني منه ويخلصني إلا إبلاغي الرسالة التي أوجب أداءها عليّ، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾.\nوقوله: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ أي: إنما أبلغكم رسالة الله فمن يعص بعد ذلك فله جزاء على ذلك نارُ جهنم خالدين فيها إذا، لا محيد لهم عنها، ولا خروج لهم منها.\nوقوله: ﴿حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِرًا وَأَقَلُّ عَدَدًا﴾، أي: حتى إذا رأى هؤلاء المشركون من الجن والإنس ما يوعدون يوم القيامة، فسيعلمون يومئذ من أضعف ناصرًا وأقل عددًا، هم أم المؤمنون الموحدون لله ﷿ أي: بل المشركون لا ناصر لهم بالكلية، وهم أقل عددًا من جنود الله ﷿.\n﴿قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا (٢٥) عَالِمُ الْغَيبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيبِهِ أَحَدًا (٢٦) إلا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَينِ\n_________\n[¬١]- سقط من ز، خ.","vol":"14","page":156},{"text":"يَدَيهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا (٢٧) لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيءٍ عَدَدًا (٢٨)\nقوله تعالى آمرًا رسوله ﷺ أن يقول للناس: إنه لا علم له بوقت الساعة، ولا يدري أقريب وقتها أم بعيد، ﴿قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا﴾، أي: مدة طويلة.\nوفي هذه الآية الكريمة دليل على أن الحديث الذي يتداوله كثير من الجهلة من أنه ﵇ لا يؤلّف تحت الأرض، كذب لا أصل له، ولم نره في شيء من الكتب. وقد كان ﷺ يُسأل عن وقت الساعة فلا يجيب عنها، ولما تبدى له جبريل في صورة أعرابي، كان فيما سأله أن قال له [¬١]: يا محمَّد، فأخبرني عن الساعة؟ قال: \"ما المسئول عنها بأعلم من السائل\" (^١١). ولما ناداه ذلك الأعرابي بصوت جَهوريّ فقال: يا محمَّد، متى الساعة؟ قال: \"ويحك! إنها كائنة، فما أعددت لها؟ \" قال: أما إني لم أعد لها كثير صلاة ولا صيام، ولكني أحب الله ورسوله. قال: \"فأنت مع من أحببت\".\nقال أنس: فَمَا فرح المسلمون بشيء فرحهم بهذا الحديث (^١٢).\nوقال ابن أبي حاتم (^١٣): حدثنا أبي، حدثنا محمَّد بن مصفّى، حدثنا محمَّد بن حمير [¬٢]، حدثني أبو بكر بن أبي مريم، عن عطاء بن أبي رباح، عن أبي سعيد الخُدْريّ، عن النبي ﷺ قال: \"يابني آدم، إن كنتم تعقلون [¬٣] فعدوا أنفسكم من الموتى، والذي نفسي بيده، إنما توعدون لآت.\n_________\n(^١١) تقدم تخريجه في سورة الأعراف، آية ١٨٧.\n(^١٢) أخرجه البخاري في كتاب: الأدب، باب: علامة الحب في الله، حديث (٦١٧١) (١٠/ ٥٥٧)، وطرفه في [٧١٥٣]. ومسلم في كتاب البر والصلة والآداب، باب: المرء مع من أحب، حديث (١٦١ - ١٦٤/ ٢٦٣٩) (١٦/ ٢٨٥ - ٢٨٨). كلاهما من حديث أنس بنحو هذا اللفظ من طريق سالم بن أبي الجعد دون قول أنس. وأخرجه الترمذي في كتاب الزهد، باب: ما جاء أن المرء مع من أحب، حديث (٢٣٨٦) (٧/ ١١٦ - ١١٧). وأحمد (٣/ ١٠٤) (١٢٠٣١)، كلاهما من طريق حميد عن أنس بنحو حديث البخاري ومسلم وفيه إِيراد قول أنس.\n(^١٣) أخرجه ابن أبي الدنيا في قصر الأمل (ص ٢٨ - ٢٩) حديث (٦). وأبو نعيم في الحلية (٦/ ٩١). والبيهقي في \"شعب\" الإيمان (٧/ ٣٥٥) (١٠٥٦٤) كلهم من حديث أبي سعيد. قال أبو نعيم: غريب من حديث عطاء وأبي بكر، تفرد به محمَّد. =\n_________\n[¬١]- سقط من ت.\n[¬٢]- في ز: جبير.\n[¬٣]- في ز: تعلمون.","vol":"14","page":157},{"text":"وقد قال أبو داود (^١٤) في آخر \"كتاب الملاحم\": حدثنا موسى بن سهل، حدثنا حجاج بن إبراهيم، حدثنا ابن وهب، حدثني معاوية بن صالح، عن عبد الرحمن بن جُبَير، عن أبيه، عن أبي ثَعلبة الخُشني قال: قال رسول الله ﷺ: \"لن يعجز [¬١] الله هذه الأمة [¬٢] من نصف يوم\". انفرد به أبو داود.\nثم قال أبو داود (^١٥): حدثنا عمرو بن عثمان، حدثنا أبو المغيرة، حدثني صفوان، عن شُريح بن عبيد، عن سعد بن أبي وقاص عن النبي ﷺ أنه قال: \"إني لأرجو أن لا تعجز أمتي عند ربها أن يؤخرهم نصف يوم\". قيل لسعد: وكم نصف يوم؟ قال: خمسمائة عام. انفرد به أبو داود.\nوقوله: ﴿عَالِمُ الْغَيبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيبِهِ أَحَدًا (٢٦) إلا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾، هذه كقوله تعالى: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيءٍ مِنْ عِلْمِهِ إلا بِمَا شَاءَ﴾، وهكذا قال هاهنا: إنه يعلم الغيب والشهادة، وإنه لا يطلع أحد من خلقه على شيء من علمه إلا مما [¬٣] أطلعه تعالى عليه، ولهذا قال: ﴿فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيبِهِ أَحَدًا (٢٦) إلا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾، وهذا يعم الرسول الملكي والبشري.\nثم قال: ﴿فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَينِ يَدَيهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا﴾، أي [¬٤]: يَخْتَصّه بمزيد معقبات من الملائكة يحفظونه من أمر الله. ويساوقونه على ما معه من وحي الله؛ ولهذا قال: ﴿لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيءٍ عَدَدًا﴾.\nوقد اختلف المفسرون في الضمير الذي في قوله: ﴿لِيَعْلَمَ﴾: إلى من يعود؟ فقيل: إنه عائد على النبي ﷺ.\nقال ابن جرير (^١٦): حدثنا ابن حميد، حدثنا يعقوب القُمّي [¬٥]، عن جعفر، عن سعيد بن\n_________\n= وقال في تخريج أحاديث الإحياء (٦/ ٢٤٨٢) (٣٩٠٥): رواه ابن أبي الدنيا في قصر الأمل والطبراني في مسند الشاميين وأبو نعيم في الحلية والبيهقي في الشعب بسند ضعيف.\n(^١٤) أخرجه أبو داود في كتاب الملاحم، باب: قيام الساعة، حديث (٤٣٤٩) (٤/ ١٢٥). وصححه الألباني في الصحيحة (١٦٤٣).\n(^١٥) أخرجه أبو داود في الموضع السابق حديث (٤٣٥٠). وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (٣٦٥٦).\n(^١٦) أخرجه الطبري (٢٩/ ١٢٣) هذا الإسناد عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، به.\n_________\n[¬١]- في ز: نعجز.\n[¬٢]- في ز: الآية.\n[¬٣]- في ز: بما.\n[¬٤]- سقط من ز.\n[¬٥]- في خ: القيمي.","vol":"14","page":158},{"text":"جبير في قوله: ﴿عَالِمُ الْغَيبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيبِهِ أَحَدًا (٢٦) إلا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَينِ يَدَيهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا﴾، قال: أربعة حفظة من الملائكة مع جبريل، ﴿لِيَعْلَمَ﴾ محمَّد ﷺ ﴿أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيءٍ عَدَدًا﴾.\nورواد ابن أبي حاتم من حديث يعقوب القمي [¬١] به. وهكذا رواه الضحاك، والسدي، ويزيد بن أبي حبيب. وقال عبد الرزاق عن معمر، عن قتادة: ﴿لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالاتِ رَبِّهِمْ﴾، قال: ليعلم نبي الله أن الرسل قد بلغت عن الله، وأن الملائكة حفظتها ودفعت [¬٢] عنها [¬٣].\nوكذا رواه سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة. واختاره ابن جرير. وقيل غير ذلك، كما رواه العَوفي عن ابن عباس (^١٧) في قوله: ﴿إلا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَينِ يَدَيهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا﴾، قال: هي معقبات من الملائكة يحفظون النبي من الشيطان، حتى يتبين الذي [¬٤] أرسل به [¬٥] إليهم، وذلك حين يقول ليعلم أهل الشرك أن قد أبلغوا رسالات ربهم.\nوكذا قال ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالاتِ رَبِّهِمْ﴾، قال: ليعلم من كذب الرسل أن قد أبلغوا رسالات ربهم. وفي هذا نظر.\nوقال البغوي: قرأ يعقوب: ﴿لِيَعْلَمَ﴾ بالضم، أي: ليعلم الناس أن الرسل قد بَلَّغوا.\nويحتمل أن كون الضمير عائدًا إلى الله ﷿ وهو قول حكاه ابن الجوزي في \"زاد المسير\" ويكون المعنى في ذلك أنه يحفظ رسله بملائكته؛ ليتمكنوا من أداء رسالاته، ويحفظ ما بُيِّن إليهم من الوحي، ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم، ويكون ذلك كقوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيهَا إلا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيهِ﴾ وكقوله: ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ [¬٦] اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ﴾، إلى أمثال ذلك، مع العلم لأنه تعالى يعلم الأشياء قبل كونها قطعًا لا محالة ولهذا قال بعد هذا: ﴿وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيءٍ عَدَدًا﴾.\nآخر تفسير سورة الجن، ولله الحمد والمنة.\n* * *\n_________\n(^١٧) أخرجه الطبري (٢٩/ ١٢٢).\n_________\n[¬١]- في خ: القيمي.\n[¬٢]- في ز: ودفعتها.\n[¬٣]- في خ: عن الله.\n[¬٤]- في ز، خ: الذين.\n[¬٥]- سقط من ز.\n[¬٦]- في ز: وليعلم.","vol":"14","page":159},{"text":"<span data-type='title' id=toc-194>تفسير سورة المزمل وقوله مكية</span>\nقال الحافظ أبو بكر بن عمرو بن عبد الخالق البزار (^١): حدثنا محمد بن موسى القطان الواسطي، حدثنا معلى بن عبد الرحمن، حدثنا شريك، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر قال: اجتمعت قريش في دار الندوة فقالوا: سموا هذا الرجل اسمًا يصدر الناس عنه. فقالوا: كاهن. قالوا: ليس بكاهن. قالوا: مجنون. قالوا: ليس بمجنون. قالوا: ساحر. قالوا: ليس بساحر. فتفرق المشركون على ذلك، فبلغ ذلك النبي ﷺ فتزمل في ثيابه وتدثر فيها. فأتاه جبريل ﵇ فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾.\nثم قال البزار: معلى بن عبد الرحمن: قد حدَّث عنه جماعة من أهل العلم، واحتملوا حديث، لكنه تفرد بأحاديث لا يتابع عليها.\n﷽\n﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيلَ إلا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ أَو انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) أَوْ زِدْ عَلَيهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (٤) إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (٥) إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا (٦) إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَويلًا (٧) وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيهِ تَبْتِيلًا (٨) رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إلا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا (٩)﴾\nأمر تعالى رسوله صلى الله عليه وعلم أن يترك التزمل، وهو: التغطي في الليل، وينهض إلى القيام لربه ﷿ -كما قال تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ وكذلك [¬١] كان رسول الله ﷺ ممتثلًا ما أمره الله تعالى به من قيام الليل، وقد كان واجبًا عليه وحده، كما قال تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ وهاهنا بين له مقدار ما يقوم، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيلَ إلا قَلِيلً﴾.\n_________\n(^١) أخرجه البزار (٢/ ١١٣ - ١١٤ مختصر) (١٥٢١). قال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (٧/ ١٣٣): رواه البزار والطبراني في الأوسط. وفيه معلى بن عبد الرحمن الواسطي وهو كذاب. ا هـ.\n_________\n[¬١]- في ز: ولذلك.","vol":"14","page":160},{"text":"قال ابن عباس، والضحاك، والسدي: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾، يعني: يا أيها النائم. وقال قتادة: المزمل في ثيابه. وقال إبراهيم النخعيّ: نَزَلت وهو مُتزمّل بقطيفة. وقال شبيب بن بشر عن عكرمة، عن ابن عباس: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ قال: يا محمَّد، زملت القرآن.\nوقوله: ﴿نِصْفَهُ﴾: بدل من الليل، ﴿أَو انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) أَوْ زِدْ عَلَيهِ﴾ أي: أمرناك أن تقوم نصف الليل بزيادة قليلة أو نقصان قليل، لا حرج عليك في ذلك.\nوقوله: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾، أي: اقرأه على تمهل، فإنه يكون عونًا على فهم القرآن وتدبره. وكذلك كان يقرأ، صلوات الله وسلامه عليه، قالت عائشة: كان يقرأ السورة فيرتلها، حتى تكون أطول من أطول منها. وفي صحيح البخاري (^٢)، عن أنس أنه سُئِل عن قراءة رسول الله ﷺ فقال: كانت مدًّا، ثم قرأ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، يمد بسم الله، ويمد الرحمن، ويمد الرحيم.\nوقال ابن جريج. عن ابن أبي مليكة عن أم سلمة: أنها سُئلت عن قراءة رسول الله ﷺ فقالت: كان يقَطع قراءته آية آية ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾. رواه أحمد (^٣)، وأبو داود، والترمذي.\nوقال الإِمام أحمد (^٤): حدثنا عبد الرحمن، عن سفيان، عن عاصم، عن زرّ، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ قال: \"يقال لصاحب القرآن: اقرأ وارق، ورتل كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها\".\nورواه أبو داود والترمذي، والنسائي من حديث سفيان الثوري به. وقال الترمذي: حسن صحيح.\nوقد قدمنا في أول التفسير الأحاديث الدالة على استحباب الترتيل وتحسين الصوت بالقراءة، كما جاء في الحديث: \"زينوا القرآن بأصواتكم\" (^٥).\n_________\n(^٢) أخرجه البخاري في كتاب: فضائل القرآن، باب: مد القراءة، حديث (٥٠٤٦) (٩/ ٩١).\n(^٣) أخرجه أحمد (٦/ ٣٠٢) (٢٦٦٩٢). وأبو داود في كتاب: الحروف والقراءات، حديث (٤٠٠١).\nوالترمذي في كتاب: القراءات، باب: في فاتحة الكتاب، حديث (٢٩٢٨) (٨/ ١٢٦ - ١٢٧).\nوصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (٣٣٧٩).\n(^٤) أخرجه أحمد (٢/ ١٩٢) (٦٧٩٩). وأبو داود في كتاب: الصلاة، باب: استحباب الترتيل في القراءة، حديث (١٤٦٤) (٢/ ٧٣). والترمذي في كتاب: ثواب القرآن، باب: الذي ليس في بيته قرآن كالبيت الخرب، حديث (٢٩١٥) (٨/ ١١٧). والنسائي في الكبرى في كتاب: فضائل القرآن، باب: الترتيل، حديث (٨٠٥٦) (٥/ ٢٢). وصححه أحمد شاكر في تعليقه على المسند.\n(^٥) أخرجه البخاري معلقا في كتاب: التوحيد، باب: (٥٢)، حديث (٧٥٤٤) (١٣/ ٥١٨). وأخرجه مسندًا في خلق أفعال العباد (٢٥٠، ٢٥١). وأخرجه أحمد (٤/ ٢٨٣) (١٨٥٤٥). وأبو داود في =","vol":"14","page":161},{"text":"و\"ليس منا من لم يتغن بالقرآن\" (^٦). و\"لقد أوتي هذا مزمارًا من مزامير آل داود\" يعني: أبا موسى. فقال أبو موسى: لو كنت أعلم أنك كنت تسمع قراءتي لحبرته لك تحبيرًا (^٧).\nوعن ابن مسعود أنه قال: لا تنثروه نثر الرمل، ولا تهذوه هذّ الشعر، قفوا عند عجائبه، وحركوا به القلوب، ولا يكن هم أحدكم آخر السورة رواه البغوي.\nوقال البخاري (^٨): حدثنا آدم، حدثنا شعبة، حدثنا عمرو بن مرة: سمعت أبا وائل قال: جاء رجل إلى ابن مسعود فقال: قرأت المفصل الليلة في ركعة. فقال: هَذًّا كهذّ الشعر، لقد عرفت النظائر التي كان رسول الله ﷺ بقرن بينهن. فذكر عشرين سورة من المُفصّل، سورتين [من آل حم] في ركعة.\nوقوله: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾، قال الحسن، وقتادة: أي العمل به.\nوقيل: ثقيل وقت نزوله، من عظمته. كما قال زيد بن ثابت: أنزل على رسول الله ﷺ وفَخذُه على فخذي، فكادت تُرض فَخذي.\nوقال الإِمام أحمد (^٩): حدثنا قتيبة، حدثنا ابن لَهيعة، عن يزيد بن أبي حَبيب، عن عَمرو بن الوليد، عن عبد الله بن عمرو قال: سألتُ النبي ﷺ: فقلت: يا رسول الله، هل تحس بالوحي؟ فقال رسول الله ﷺ: \"أسمع صَلاصلَ، لم أسكتُ عند ذلك، فما من مرة يوحى إليّ إلا ظننت أن نفسي تَفيِض. تفرد به أحمد.\nوفي أول صحيح البخاري (^١٠) عن عبد الله بن يوسف، عن مالك، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة: أن الحارث بن هشام سأل رسول الله ﷺ: كيف يأتيك الوحي؟ فقال: \"أحيانا يأتيني في مثل صلصلة الجرس، وهو أشده عَلَيّ فيفصم عني [¬١]، وقد وعيت\n_________\n= كتاب: الصلاة، باب: استحباب الترتيل في القراءة، حديث (١٤٦٨) (٢/ ٧٤). والنسائي (١٧٩ - ١٨٠). وابن ماجة في كتاب: الإقامة، باب: في حسن الصوت بالقرآن، حديث (١٣٤٢) (١/ ٤٢٦). وصححه ابن حبان (٣/ ٢٥) (٧٤٩).\n(^٦) تقدم تخريجه في سورة الحجر آية (٨٧).\n(^٧) تقدم تخريجه في سورة سبأ، آية: (١٠).\n(^٨) صحيح البخاري، كتاب: الأذان، باب: الجمع بين السورتين في الركعة، حيث (٧٧٥) (٢/ ٢٥٥)، وطرفاه في [٤٩٩٦، ٥٠٤٣].\n(^٩) أخرجه أحمد (٢/ ٢٢٢) (٧٠٧١). وصححه أحمد شاكر في المسند وله شاهد من حديث عائشة يأتي قريبًا.\n(^١٠) صحيح البخاري، كتاب: بدء الوحي، باب: (٢)، حديث (٢) (١/ ١٨).\n_________\n[¬١]- في ز: عنه.","vol":"14","page":162},{"text":"عنه ما قال، وأحيانًا يتمثل لي الملك رجلًا فيكلمني فأعي ما يقول\".\nقالت عائشة: ولقد رأيته ينزل عليه الوحي ﷺ في اليوم الشديد البرد، فيفصم عنه، وإن جبينه ليتفصد عرقًا. هذا لفظه.\nوقال الإِمام أحمد (^١١): حدثنا سليمان بن داود، أخبرنا عبد الرحمن، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: إن كان ليوحَى إلى رسول الله ﷺ وهو على راحلته، فتضرب بجرانها.\nوقال ابن جرير (^١٢): حدثنا ابن عبد الأعلى، حدثنا ابن ثور، عن معمر، عن هشام بن عروة، عن أبيه: أن النبي ﷺ كان إذا أوحي إليه وهو على ناقته، وسمعت جرَانها، فما تستطيع أن تحرك حتى يُسَرّى عنه. وهذا مرسل. الجران، وهو باطن العنق.\nواخنار ابن جرير أنه ثقيل من الوجهين معًا، كما قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: كما ثقل في الدنيا ثقل يوم القيامة في الموازين:\nوقوله: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾: قال أبو إسحاق عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: نشأ: قام بالحبشة.\nوقال عمر، وابن عباس، وابن الزبير: الليل كله ناشئة. وكذا قال مجاهد، وغير واحد قال: نشأ: إذا قام من الليل. وفي رواية عن مجاهد: بعد العشاء. وكذا قال أبو [¬١] مِجْلَز وقتادة، وسالم وأبو حازم، ومحمد بن [¬٢] المنكدر.\nوالغرض أن ناشئة الليل هي: ساعاته وأوقاته، وكل ساعة منه تسمى ناشئة، وهي الآنات [¬٣]. والمقصود أن قيام الليل هو أشدّ مواطأة دين القلب واللسان، وأجمع على التلاوة؟ ولهذا قال: ﴿هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾، أي: أجمع للخاطر في أداء القراءة وتفهمها من قيام النهار؛ لأنّه وقتُ انتشار الناس، ولَغَط الأصرات، وأوقات المعاش.\nو[¬٤] قال الحافظ أبو [¬٥] يعلى الموصلي (^١٣): حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري، حدثنا\n_________\n(^١١) أخرجه أحمد (٦/ ١١٨) (٢٤٩٨٠). قال الهيثمي في \"المجمع\" (٨/ ٢٦٠): رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح.\n(^١٢) أخرجه الطبري (٢٩/ ١٢٧).\n(^١٣) أخرجه أبو يعلى (٧/ ٨٨) (٤٠٣٣). قال البزار: لا نعلم رواه عن الأعمش إلا الحماني، وإنما =\n_________\n[¬١]- في ز: ابن.\n[¬٢]- في ز: وابن.\n[¬٣]- في ز: الآيات.\n[¬٤]- في ز: وقد.\n[¬٥]- في ز: ابن.","vol":"14","page":163},{"text":"أبو أسامة، حدثنا الأعمش: أن أنس بن مالك قرأ هذه الآية: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾. فقال له رجل: إنما نقرؤها ﴿وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾ فقال له: أن أصوب وأقوم وأهيأ وأشباه هذا واحد.\nولهذا قال: ﴿إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَويلًا﴾، قال ابن عباس، وعكرمة، وعطاء بن أبي مُسلم: الفراغ والنوم، وقال أبو العالية، ومجاهد، وأبو مالك، والضحاك، والحسن، وقتادة، والربيع بن أنس، وسفيان الثوري: فراغًا طويلًا. وقال قتادة: فراغًا وبغيةً ومنقلبًا. وقال السدي: ﴿سَبْحًا طَويلًا﴾: تطوعًا كثيرًا.\nوقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله: ﴿سَبْحًا طَويلًا﴾، قال: لحوائجك، فأفْرغ لدينك الليل. قال: وهذا حين كانت صلاة الليل فريضة، ثم إن الله من على العباد فخففها ووضعها، وقرأ: ﴿قُمِ اللَّيلَ إلا قَلِيلً﴾ إلى آخر الآية، ثم قال: ﴿نَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيلِ﴾ حتى بلغ: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ [الليل نصفه أو ثلثه. ثم جاء أمر أوسع وأفسح وضع الفريضة عنه وعن أمته فقال:] [¬١] وقال: ﴿وَمِنَ اللَّيلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾. وهذا الذي قاله كما قاله.\nوالدليل عليه ما رواه الإمام أحمد (^١٤) في مسنده حيث قال: حدثنا يحيى، حدثنا سعيد بن أبي عَرُوبة، عن قتادة، عن زرارة بن أوفى، عن سعد [¬٢] بن هشام: أنه طلق امرأته ثم ارتحل إلى المدينة ليبيع عقارًا له بها ويجعله في الكراع والسلاح، ثم يجاهد الروم حتى يموت، فلقي رهطًا من قومه فحدثوه أن رهطًا من قومه ستةً أرادوا ذلك على عهد رسول الله ﷺ فقال: \"أليس لكم في أسوة؟ \" فنهاهم عن ذلك، فأشهدهم على رَجعتها، ثم رجع إلينا فأخبرنا أنه أتى ابن عباس فسأله عن الوتر فقال: ألا أنبئك بأعلم أهل الأرض بوتر رسول الله ﷺ؟ قال: نعم. قال: ائت عائشة فاسألها ثم ارجع إليّ فأخبرني بردّها عليك. قال: فأتيت على حَكيم بن أفلحَ فاستلحقتُه إليها، فقال: ما أنا بقاربها. إني نهيتها أن تقول في هاتين الشّيعَتَين شيئًا، فأبت فيهما إلا مُضِيًّا. فأقسمتُ عليه، فجاء معي، فدخلنا عليها فقالت: حكيم؟ -وعرفته- قال: نعم. قالت: من هذا معك؟ قال: سعد [¬٣] بن هشام. قالت: من هشام؟ قال: ابن عامر. قال [¬٤]: فترحمت [¬٥] عليه وقالت: نعم المرء\n_________\n= ذكرت ذلك لأبين أن الأعمش سمع من أنس. ا هـ. قال الهيثمي في \"المجمع\" (٧/ ١٥٩): رواه البزار (١٥٦٠ - مختصر)، وأبو يعلى … ورجال أبي يعلى رجال الصحيح ورجال البزار ثقات. ا هـ.\n(^١٤) أخرجه أحمد (٦/ ٥٣ - ٥٤) (٢٤٣٨٠). وأخرجه مسلم في كتاب: صلاة المسافرين وقصرها =\n_________\n[¬١]- سقط من ز.\n[¬٢]- في ز: سعيد.\n[¬٣]- في ز: سعيد.\n[¬٤]- سقط من ز.\n[¬٥]- في ز: فرحبت.","vol":"14","page":164},{"text":"كان عامر. قلت: يا أم المؤمنين، أنبئيني عن خلق رسول الله ﷺ قالت: ألست تقرأ القرآن؟ قلت: بلى. قالت: فإن خلق رسول الله ﷺ كان القرآن. فهمَمتُ أن أقوم، ثم بدا لي قيامُ رسول الله ﷺ. قلت: يا أم المؤمنين، أنبئيني عن قيام رسول الله ﷺ. قالت: ألست تقرأ هذه السورة: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّل﴾؟ قلت: بلى. فقالت: فإن الله افترض [¬١] قيام الليل في أول هذه السورة، فقام رسول الله ﷺ وأصحابه حولًا حتى انتفخت أقدامهم، وأمسك الله خاتمتها في السماء اثني عشر شهرًا، ثم أنزل الله التخفيف في آخر هذه السورة، فصار قيام الليل تطوعًا من بعد فريضة. فهمَمتُ أن أقومَ، ثم بدا لي وتر رسول الله ﷺ، قلت: يا أم المؤمنين، أنبئيني عن وتر رسول الله ﷺ. قالت: كنا نعد له سواكه وطَهُوره، فيبعثه الله لما شاء أن يبعثه من الليل، فيتسوك ثم يتوضأ ثم يصلي ثماني ركعات لا يجلس فيهن إلا عند الثامنة، فيجلس ويذكر ربه [ودعو ويستغفر ثم ينهض ولا يسلم، ثم يصلي التاسعة فيقعد فيحمد ربه ويذكره ويدعو،] [¬٢] ثم يسلم تسليمًا يسمعنا، ثم يصلي ركعتين وهو جالس بعد ما يسلم. فتلك [¬٣] إحدى عشرة ركعة [¬٤] يابني. فلما أسن رسول الله ﷺ وأخذ اللحم، أوتر بسبع، ثم صلى ركعتين وهو جالس بعد ما يسلم، فتلك تسع يا بني. وكان رسول الله ﷺ إذا صلى صلاة أحب أن يداوم عليها، وكان إذا شَغَله عن قيام الليل نوم أو وَجَعٌ أو مرض، صلى من النهار ثنتي عشرة ركعة، ولا أعلم نبي الله ﷺ قرأ القرآن كله في ليلة، [ولا قام ليلة] [¬٥] حتى أصبح، ولا صام شهرًا كاملًا غير رمضان. فأتيت ابن عباس فحدثته بحديثها، فقال [¬٦]: صدقت [¬٧]، أما لو كنت أدخل عليها [¬٨] لأتيتها حتى تشافهني مشافهة.\nهكذا رواه الإمام أحمد بتمامه. وقد أخرجه مسلم في صحيحه من حديث قتادة بنحوه [¬٩].\nطريق أخرى عن عائشة في هذا المعنى، قال ابن جرير: حدثنا ابن وكيع، حدثنا زيد بن الحباب، وحدثنا ابن حميد، حدثنا مهران، قالا جميعًا، واللفظ لابن وكيع: عن موسى بن عُبيدَة، حدثني محمَّد بن طحلاء، عن أبي سلمة، عن عائشة قالت: كنت أجعل لرسول الله\n_________\n= باب: جامع صلاة الليل ومن نام عنه أو مرض، حديث (١٣٩/ ٧٤٦) (٦/ ٣٧ - ٤٠). والطبري (٢٩/ ١٢٥).\n_________\n[¬١]- في ز: أفرض.\n[¬٢]- سقط من ز.\n[¬٣]- في ز: لذلك.\n[¬٤]- سقط من ز.\n[¬٥]- سقط من ز.\n[¬٦]- سقط عن ز.\n[¬٧]- في ز: فصدقت.\n[¬٨]- في ز: إليها.\n[¬٩]- في ز: نحوه.","vol":"14","page":165},{"text":"ﷺ حصيرًا يُصَلي عليه من الليل، فتسامع الناس به [¬١] فاجتمعوا، فخرج كالمغضَب -وكان بهم رحيمًا، فخشي أن يكتب عليهم قيام الليل- فعَال: \"أيها الناس، اكلَفُوا من الأعمال ما تطيقون، فإن الله لا يَمَلّ من الثواب حتى تملوا من العمل، وخير الأعمال ما ديمَ عليه\"، ونزل القرآن: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيلَ إلا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ أَو انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) أَوْ زِدْ عَلَيهِ﴾، حتى كان الرجل يربط الحبل ويتعلق، فمكثوا بذلك ثمانية أشهر، فرأى الله ما يبتغون من رضوانه، فرحمهم فردهم إلى الفريضة، وترك قيام الليل.\nورواه ابن أبي حاتم من طريق موسى بن عبيدة الربذي [¬٢]، وهو ضعيف. والحديث في الصحيح (^١٥). بدون زيادة نزول هذه السورة، وهذا السياق قد يُوهم أن نزول هذه السورة بالمدينة، وليس كذلك، وإنما هي مكية. وقوله في هذا السياق: إن بين نزول أولها وآخرها ثمانية أشهر غريب؛ فقد تقدم في رواية أحمد أنه كان بينهما سنة.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو أسامة، عن مسعر، عن سماك الحنفي، سمعت ابن عباس يقول: أول ما نزل أول المزمل، كانوا يقومون نحوًا من قيامهم في شهر رمضان، وكان بين أولها وآخرها قريب من سنة.\nوهكذا رواه ابن جرير عن أبي كريب، عن أبي أسامة به (^١٦).\nوقال الثوري ومحمد بن بشر العَبدي (^١٧)، كلاهما عن مسعر، عن سماك، عن ابن عباس: كان بينهما سنة. وروى ابن جرير (^١٨)، عن أبي كريب، عن وكيع، عن إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس مثله.\nوقال ابن جرير (^١٩): حدثنا ابن حميد، حدثنا [¬٣] مهران، عن سفيان، عن قيس بن وهب، عن أبي عبد الرحمن قال: لما نزلت: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾، قاموا حولًا حتى ورمت أقدامهم وموقهم، حتى نزلت: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ قال: فاستراح الناس.\n_________\n(^١٥) أخرجه البخاري في كتاب: الأذان، باب: صلاة الليل، حديث (٧٣٠) (٢/ ٢١٤)، وطرفه في [٥٨٦١]. ومسلم في كتاب: صلاة المسافرين وقصرها، باب: فضيلة العمل الدائم من قيام الليل وغيره، حديث (٢١٥/ ٧٨٢) (٦/ ١٠٠). كلاهما من طريق أبي سلمة عن عائشة ﵂.\n(^١٦) تفسير الطبري (٢٩/ ١٢٤).\n(^١٧) تفسير الطبري (٢٩/ ١٢٥) من طريق محمد بن بشر.\n(^١٨) تفسير الطبري (٢٩/ ١٢٦).\n(^١٩) تفسير الطبري (٢٩/ ١٢٦).\n_________\n[¬١]- سقط من ز.\n[¬٢]- في ز: الزيدي.\n[¬٣]- في ز: عن.","vol":"14","page":166},{"text":"وكذا قال الحسن البصري.\nوقال ابن أبي حاتم: [حدثنا أبو زرعة، حدثنا عُبَيد الله بن عمر القواريري، حدثنا معاذ بن هشام، حدثنا أبي] [¬١] عن قتادة، عن زُرارة بن أوفى؛ عن سعد [¬٢] بن هشام قال: فقلت -يعني لعائشة-: أخبرينا عن قيام رسول الله ﷺ. قالت: ألست تقرأ: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾؟ قلت: بلى. قالت: فإنها كانت قيام رسول الله ﷺ وأصحابه حتى انتفخت أقدامهم، وحُبس آخرها في السماء ستةَ عشرَ شهرًا، ثم نزل.\nوقال معمر عن قتادة: ﴿قُمِ اللَّيلَ إلا قَلِيلًا﴾ قاموا حولًا أو حولين، حتى انتفخت سُوقهم وأقدامهم، فأنزل الله تخفيفها بعد في آخر السورة.\nوقال ابن جرير (^٢٠): حدثنا ابن حُميد، حدثنا يعقوب القمي، عن جعفر، عن سعيد -هو ابن جبير- قال: لما أنزل الله على نبيه ﷺ: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾، قال، مكث النبي ﷺ على هذه الحال عشر سنين يقوم الليل كما أمره، وكانت طائفة من أصحابه يقومون معه، فأنزل الله عليه بعد عشر سنين: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ﴾ إلى قوله: ﴿وَأَقِيمُوا [¬٣] الصَّلَاةَ﴾، فخفف الله تعالى عنهم بعد عشر سنين ورواه ابن أبي حاتم، عن أبيه، عن عمرو بن رافع، عن يعقوب القمّي به.\nوقال علي بن أبي طلحة: عن ابن عباس في قوله: ﴿قُمِ اللَّيلَ إلا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ أَو انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) أَوْ زِدْ عَلَيهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ فأمر الله نبيه والمؤمنين بقيام الليل إلا قليلًا] [¬٤]، فشق ذلك على المؤمنين، ثم خفف الله عنهم ورحمهم، فأنزل بعد هذا: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾، فوسع الله -وله الحمد- ولم يضيق.\nوقوله: ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيهِ تَبْتِيلًا﴾، أي: أكثر من ذكره، وانقطع إليه، وتفرغ لعبادته إذا فرغت من أشغالك، وما تحتاج إليه من أمور دنياك، كما قال: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (٧)﴾ [الشرح: ٧] أي: إذا فرغت [¬٥] من مهامك [¬٦] فانصب في طاعته وعبادته، لتكونَ فارغَ البال. قاله ابن زيد بمعناه أو قريب منه.\n_________\n(^٢٠) تفسير الطبري (٢٩/ ١٢٥).\n_________\n[¬١]- سقط من ز.\n[¬٢]- في ز: سعيد.\n[¬٣]- في ز: فأقيموا.\n[¬٤]- سقط من ز.\n[¬٥]- في ز: تفرغت.\n[¬٦]- في ز: مهامتك.","vol":"14","page":167},{"text":"قال ابن عباس ومجاهد، وأبو [¬١] صالح وعطية، والضحاك والسدي: ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيهِ تَبْتِيلًا﴾، أي: أخلص له العبادة.\nوقال الحسن: اجتهد وبتل [¬٢] إليه نفسك.\nوقال ابن جرير: قال للعابد: متبتل، ومنه الحديث المروي أنه [¬٣] نهى عن التبتل (^٢١). يعني الانقطاع إلى العبادة، وترك التزوج [¬٤]. وقوله: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إلا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا﴾، أي: هو المالك المتصرف في المشارق والمغارب، الذي لا إله إلا هو، وكما أفردته بالعبادة [¬٥] [فأفرده بالتوكل] [¬٦] ﴿فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا﴾، كما قال في الآية الأخرى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيهِ﴾، وكقوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، و[¬٧] آيات كثيرة في هذا المعنى، فيها الأمر بإفراد العبادة والطاعة لله، وتخصيصه بالتوكل عليه.\n﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا (١٠) وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا (١١) إِنَّ لَدَينَا أَنْكَالًا وَجَحِيمًا (١٢) وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا (١٣) يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلًا (١٤) إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (١٥) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا (١٦) فَكَيفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْولْدَانَ شِيبًا (١٧) السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا (١٨)﴾\nيقول تعالى آمرًا رسوله ﷺ بالصبر على ما يقوله مَن كذبه مِن سفهاء قومه، وأن يهجرهم هجرًا جميلًا، وهو الذي لا عتاب معه. ثم قال له متوعدًا لكفار قومه ومتهددًا -وهو العظيم الذي لا يقوم لغضبه شيء-: ﴿وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ﴾، أي: دعني والمكذبين المترفين أصحاب الأموال، فإنهم أقدر على الطاعة من غيرهم، وهم يطالبون من\n_________\n(^٢١) أخرجه أحمد (٣/ ١٥٨) (١٢٦٣٤) قال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (٤/ ٢٦١): رواه أحمد، والطبراني في الأوسط وإسناده حسن. ا هـ. وصححه ابن حبان (٤٠٢٨).\n_________\n[¬١]- في ز: ابن.\n[¬٢]- في ز: وأبتل.\n[¬٣]- سقط من ز.\n[¬٤]- في ز: التزويج.\n[¬٥]- في ز: في العبادة.\n[¬٦]- في ز: وأفردته في التوكل.\n[¬٧]- في ز: في.","vol":"14","page":168},{"text":"الحقوق بما ليس عند غيرهم، ﴿وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا﴾ أي: رويدًا، كما قال: ﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾؛ ولهذا قال هاهنا: ﴿إِنَّ لَدَينَا أَنْكَالًا﴾، وهي: القيود. قاله ابن عباس، وعكرمة، وطاووس، ومحمد بن كعب، وعبد الله بن بُرَيدة، وأبو عمران الجوني، وأبو مجلز، والضحاك، وحماد بن أبي سليمان، وقتادة، والسدي، وابن المبارك، والثوري، وغير واحد ﴿وَجَحِيمًا﴾، وهي السعير المضطرمة [¬١]. ﴿وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ﴾: قال ابن عباس: ينشب في الحلق فلا يدخل ولا يخرج، ﴿وَعَذَابًا أَلِيمًا (١٣) يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ﴾، أي: تزلزل، ﴿وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلًا﴾، أي: تصير ككثبان الرمل بعد ما كانت حجارة صماء، ثم إنها تنسف نسفًا فلا يبقى منها شيء إلا ذهب، حتى تصير الأرض قاعًا صفصفًا، لا ترى فيها عوجًا، أي: واديًا، ولا أمتًا، أي: رابية، ومعناه: لا شيء ينخفض ولا شيء يرتفع.\nثم قال مخاطبًا لكفار قريش - والمراد سائر الناس: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيكُمْ﴾، أي: بأعمالكم، ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (١٥) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا﴾ قال ابن عباس ومجاهد، وقتادة والسدي، والثوري: ﴿أَخْذًا وَبِيلًا﴾، أي: شديدًا. أي: فاحذروا أنتم أن تكذبوا هذا الرسول، فيصيبَكم ما أصابَ فرعونَ، حيث أخذه الله أخذ عزيز مقتدر، كما قال تعالى: ﴿فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَال الْآخِرَةِ وَالْأُولَى﴾، وأنتم أولى بالهلاك والدمار إن كذبتم؛ لأن رسولكم أشرف وأعظم من موسى بن عمران. ووُروَى عن ابن عباس، ومجاهد.\nوقوله: ﴿فَكَيفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْولْدَانَ شِيبًا﴾، يحتمل أن يكون ﴿يَوْمًا﴾ [¬٢] معمولًا لتتقون، كما حكاه ابن جرير عن قراع وابن مسعود: \"فكيف تخافون أيضًا الناس يومًا يجعل الولدان شيبًا إن كفرتم بالله ولم تصدقوا به؟ \" ويحتمل أن يكون معمولًا [¬٣] لكفرتم، فعلى الأول: كيفَ يحصلُ لكم أمان من يوم هذا الفزع العظيم إن كفرتم؟ وعلى الثاني: كيف يحصل لكم تقوى إن كفرتم يوم القيامة وجحدتموه؟ وكلاهما معنى حسن، ولكن الأول أولى، والله أعلم.\nومعنى قوله: ﴿يَوْمًا يَجْعَلُ الْولْدَانَ شِيبًا﴾ أي: من شدة أهواله وزلازله وبلابله، وذلك حين يقول الله لآدم: ابعَثْ بعثَ النار. فيقول: مِن كم؟ فيقول: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون إلى النار، وواحد إلى الجنة.\nقال الطبراني (^٢٢): حدثنا يحيى بن أيوب العلاف، حدثنا سعيد بن أبي مريم [¬٤]، حدثنا\n_________\n(^٢٢) المعجم الكبير (١١/ ٣٦٦) (١٢٠٣٤). قال الهيثمي في \"المجمع\" (٧/ ١٣٣): رواه الطبراني =\n_________\n[¬١]- في ز: المضطربة.\n[¬٢]- سقط من ز.\n[¬٣]- سقط من ز.\n[¬٤]- في ز: هريم.","vol":"14","page":169},{"text":"نافع بن يزيد، حدثنا عثمان بن عطاء الخراساني، عن أبيه، عن عكرمة، عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ قرأ: ﴿يَوْمًا يَجْعَلُ الْولْدَانَ شِيبًا﴾، قال: \"ذلك يوم القيامة، وذلك يوم يقول الله لآدم: قم فابعث من ذريتك بعثًا إن النار. قال: من كم يا رب؟ قال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون [¬١] وينجو واحد\". فاشتد ذلك على المسلمين، وعرف ذلك رسول الله ﷺ ثم قال حين أبصر ذلك في وجوههم: \"إن بني آدم كثير، وإن يأجوج ومأجوج من [¬٢] ولد آدم، وإنه لا يموت منهم رجل [حتى ينتشر] [¬٣] لصلبه ألف رجل ففيهم [¬٤] وفي أشباههم جنة لكم\".\nهذا حديث غريب، وقد تقدم في أول سورة الحج ذكر هذه الأحاديث [¬٥].\nوقوله: ﴿السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾: قال الحسن، وقتادة: أي بسببه من شدته وهوله [¬٦]. ومنهم من يعيد الضمير على الله ﷿. [وروي عن ابن عباس ومجاهد،] [¬٧] وليس بقوي: لأنه لم يجر له ذكر هاهنا.\nوقوله تعالى: ﴿كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا﴾: أي. كان وعد هذا اليوم مفعولًا، أي: واقعا لا محالة، وكائنًا لا محيد عنه.\n﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (١٩) إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٠)﴾\n_________\n= وفيه عثمان بن عطاء الخراساني وهو ضعيف.\n_________\n[¬١]- في ز: تسعين.\n[¬٢]- في ز: في.\n[¬٣]- بياض في ز.\n[¬٤]- في ز: ومنهم.\n[¬٥]- بياض في ز.\n[¬٦]- سقط في ز.\n[¬٧]- سقط في ز.","vol":"14","page":170},{"text":"يقول تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ﴾، أي: السورة ﴿تَذْكِرَةٌ﴾، أي: يتذكر [¬١] بها أولو الألباب، ولهذا قال: ﴿فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ أي: ممن شاء الله هدايته، كما قيده في السورة الأخرى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾.\nثم قال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ﴾، أي: تارة هكذا وتارة هكذا، وذلك كله من غير قصد منكم، ولكن لا تقدرون على المواظبة على ما أمركم به من قيام الليل؛ لأنه يشق عليكم؛ ولهذا قال: ﴿وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيلَ وَالنَّهَارَ﴾، أي: تارة يعتدلان، وتارة يأخذ هذا من هذا، أو هذا من هذا، ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ﴾، أي: الفرض الذي أوجبه عليكم ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾، أي: من غير تحديد بوقت، أي: ولكن قوموا من الليل ما تيسر، وعبر عن الصلاة بالقراءة، كما قال في سورة سبحان: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ﴾، أي: بقراءتك، ﴿وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾.\nوقد استدل أصحاب الإمام أبي حنيفة ﵀ بهذه الآية - وهي قوله: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ - على أنه لا يتعين قراءة الفاتحة في الصلاة، بل لو قرأ بها أو بغيرها من القرآن، ولو بآية، أجزأه، واعتضدوا بحديث المسيء [] [¬٢] صلاته الذي في الصحيحين (^٢٣): \" ثم قرأ ما في تيسر معك من القرآن\".\nوقد أجابهم الجمهور بحديث عبادة بن الصامت، وهو في الصحيحين أيضًا: أن رسول الله ﷺ قال: \"لا صلاة [لمن لم] [¬٣] يقرأ بفاتحة الكتاب\" (^٢٤)، وفي صحيح مسلم، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: \"كل صلاة لا يقرأُ فيها بأم القرآن فهي خداج، فهي خداج، فهي خداج، غير تمام\" (^٢٥). [يقرأ بأم القرآن] [¬٤] وفي صحيح ابن خزيمة عن أبي هريرة مرفوعًا: \"لا تجزئ صلاة من لم يقرأ بأم القرآن\" (^٢٦).\n_________\n(^٢٣) صحيح البخاري في كتاب: الأذان، كتاب: أمر النبي ﷺ الذي لا يتم ركوعه بالإعادة، حديث (٧٩٣) (٢/ ٢٧٦ - ٢٧٧). ومسلم في كتاب: الأذان، باب: وجوب قراء الفاتحة في كل ركعة، حديث (٤٥/ ٣٩٧).\n(^٢٤) صحيح البخاري في كتاب: الأذان، باب: وجوب القراءة للإمام والمأموم في الصلوات الخمس كلها في الحضر والسفر وما يجهر فيها وما يخافت، حديث (٧٥٦) (٢/ ٢٣٧). ومسلم في كتاب: الصلاة، باب: وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة …، حديث (٣٩٤) (٤/ ١٣٢ - ١٣٣).\n(^٢٥) صحيح مسلم في كتاب: الصلاة، باب: وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة. حديث (٣٨/ ٣٩٥) (٤/ ١٣٤).\n(^٢٦) أخرجه ابن خزيمة في صحيحه (١/ ٢٤٨) (٤٩٠).\n_________\n[¬١]- في ز: ليذكر.\n[¬٢]- في ز: في.\n[¬٣]- في ز: إلا أن.\n[¬٤]- سقط من ز.","vol":"14","page":171},{"text":"وقوله: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، أي: علم أن سيكون من هذه الأمة ذوو أعذار في ترك قيام الليل، من مرضى لا يستطيعون ذلك، ومسافرين في الأرض يبتغون من فضل اللَّه في المكاسب والمتاجر، وآخرين مشغولين بما هو الأهم في حقهم من الغزو في سبيل اللَّه، وهذه الآية -بل السورة كلها- مكية، ولم يكن القتال شُرع بَعدُ، فهي من أكبر دلائل النبوة، لأنه من باب الإِخبار [¬١] بالمغيبات المستقبلة؛ ولهذا قال: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾، أي: قوموا بما [¬٢] تيسر عليكم منه.\nقال ابن جرير (^٢٧): حدثنا يعقوب، حدثنا ابن علية، عن أبي رجاء -محمد- قال: قلت للحسن: يا أبا سعيد، ما تقول في رجل قد استظهر القرآن كله عن ظهر قلبه، ولا يقوم به، إنما يصلي المكتوبة؟ قال: يتوسَّد القرآن، لعن اللَّه ذاك، قال اللَّه تعالى للعبد الصالح: ﴿وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ﴾، ﴿وَعُلِّمْتُمْ [¬٣] مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ﴾. قلت: يا أبا سعيد، قال اللَّه: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ قال: نعم، ولو خمس آيات.\nوهذا ظاهر من مذهب الحسن البصري، أنه كان يرى حقًّا واجبًا على حَمَلة القرآن أن يقوموا ولو بشيء منه في الليل؛ ولهذا جاء في الحديث: أن رسول اللَّه ﷺ سُئل عن رجل نام حتى أصبح، فقال: \"ذاك رجل بال الشيطان في أذنه\" (^٢٨). فقيل: معناه: نام عن المكتوبة. وقيل: عن قيام الليل، وفي السنن: \"أوتِرُوا، أهل القرآن\" (^٢٩). وفي الحديث الآخر: \"من لم يوتر فليس منا\" (^٣٠).\n_________\n(^٢٧) أخرجه الطبري (٢٩/ ١٤١).\n(^٢٨) أخرجه البخاري في كتاب: التهجد، كتاب: إذا نام ولم يصل بال الشيطان في أذنه، حديث (١١٤٤) (٣/ ٢٨)، وطرفه في [٣٢٧٠]. ومسلم في كتاب: صلاة المسافرين وقصرها، كتاب: ما روى فيمن نام الليل أجمع حتى أصبح، حديث (٢٠٥/ ٧٧٤) (٦/ ٩١).\n(^٢٩) أخرجه أبو داود في كتاب: الصلاة، باب: استحباب الوتر، حديث (١٤١٦) (٢/ ٦١). والترمذي في كتاب: الوتر، باب: ما جاء أن الوتر ليس بحتم، حديث (٤٥٣) (٢/ ١٠٣). والنسائي (٣/ ٢٢٨ - ٢٢٩) كتاب قيام الليل وتطوع النهار، باب: الأمر بالوتر. وابن ماجة في كتاب: الإقامة، كتاب: ما جاء في الوتر، حديث (١١٦٩) (١/ ٣٧٠). كلهم من حديث علي بن أبي طالب ﵁. قال الترمذي: وفي الباب عن ابن عمر وابن مسعود وابن عباس. ثم قال: حديث علي حديث حسن. وصححه الألباني في صحيح أبي داود (١٢٥٦).\n(^٣٠) أخرجه أحمد (٥/ ٣٥٧) (٢٣١٢٥). وأبو داود في كتاب: الصلاة، باب: فيمن لم يوتر، حديث (١٤١٩) (٢/ ٦٢). كلهم من حديث بريدة. وصححه الحاكم (١/ ٣٠٥ - ٣٠٦) وقال: أبو المنيب العتكي مروزي ثقة يجمع حديثه، ولم يخرجاه. وتعقبه الذهبي بأن البخاري قال: عنده مناكير. =\n_________\n[¬١]- في ز: إخبار.\n[¬٢]- في ز: ما.\n[¬٣]- في ز: علمكم.","vol":"14","page":172},{"text":"وأغرب من هذا ما حكي عن أبي بكر عبد العزيز، من الحنابلة، من إيجابه قيام شهر رمضان، فاللَّه أعلم.\nوقال الطبراني (^٣١): حدثنا أحمد بن سعيد بن فرقد الجُدّي، حدثنا [أبو محمد] [¬١] بن يوسف الزّبيدي، حدثنا عبد الرحمن. عن محمد بن عبد اللَّه بن طاوس، من ولد طاووس- عن أبيه، عن طاووس، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾، قال: \"مائة آية\".\nوهذا حديث غريب جدًّا، لم أره إلّا في معجم الطبراني ﵀.\nوقوله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾، أي: أقيموا صلاتكم الواجبة عليكم، وآتوا الزكاة المفروضة، وهذا يدل لمن قال: إن [¬٢] فرض الزكاة نزل بمكة، لكن مقادير النّصب والمَخْرَج لم تُبَين إلا بالمدينة، واللَّه أعلم.\nوقد قال ابن عباس، وعكربة، ومجاهد، والحسن، وقتادة، وغير واحد من السلف: إن هذه الآية نَسَخت الذي كان اللَّه قد أوجبه على المسلمين أولًا من قيام الليل. واختلفوا في المدة التي بينهما على أقوال كما تقدم.\nوقد ثبت في الصحيحين (^٣٢) أن رسول اللَّه ﷺ قال لذلك الرجل: \"خمس صلوات في اليوم والليلة\". قال: هل عليّ غيرها؟ قال: \"لا، إلا أن تَطّوّع\".\n[وقوله تعالى] [¬٣]: ﴿وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾، يعني من الصدقات، فإن اللَّه يجازي على ذلك أحسن الجزاء وأوفره، كما قال: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾.\n_________\n= وضعفه الألباني في الإرواء (٤١٧). وله شاهد من حديث أبي هريرة عند أحمد (٢/ ٤٤٣). قال الزيلعي في \"نصب الراية\" (٢/ ١١٣): وهو منقطع، قال أحمد: لم يسمع معاوية بن قرة من أبي هريرة شيئًا، ولا لقيه، والخليل بن مرة ضعفه يحيى والنسائي، وقال البخاري: منكر الحديث.\n(^٣١) أخرجه الطبراني (١١/ ٢٩) (١٠٩٤٠). قال الهيثمي في \"المجمع\" (٧/ ١٣٣): رواه الطبراني وفيه عبد الرحمن بن طاوس، ولم أعرفه، وبقية رجاله وثقوا. ا هـ.\n(^٣٢) صحيح البخاري، كتاب: الإيمان، باب: الزكاة من الإسلام، حديث (٤٦) (١/ ١٠٦). وأطرافه في [١٨٩١، ٢٦٧٨، ٦٩٥٦]. وصحيح مسلم، كتاب: الإيمان، باب: بيان الصلوات التي هي أحد أركان الإسلام، حديث (٨/ ١١) (١/ ٢٣٣ - ٢٣٤). كلاهما من حديث أنس ﵁ به.\n_________\n[¬١]- في ز: أبو أحمد محمد.\n[¬٢]- في ز: بأن.\n[¬٣]- سقط من ز.","vol":"14","page":173},{"text":"وقوله: ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا﴾، أي: جميع ما تقدموه بين أيديكم فهو لكم حاصل، وهو خير مما أبقيتموه لأنفسكم في الدنيا.\nوقال الحافظ أبو يعلى الموصلي (^٣٣): حدثنا أبو خيثمة، حدثنا جرير، عن [¬١] الأعمش، عن إبراهيم، عن الحارث بن سُوَيد قال: قال عبد اللَّه: قال رسول اللَّه ﷺ: \"أيكم ماله أحب إليه من مال وارثه؟ \" قالوا: يا رسول اللَّه، ما منا من أحد إلا ماله أحب إليه من مال وارثه! قال: \"اعلموا ما تقولون\". قالوا: ما نعلم إلا ذلك يا رسول اللَّه؟! قال: \"إنما مال أحدكم ما قَدّم ومال وارثه ما أخر\".\nورواه البخاري (^٣٤) من حديث حفص بن غياث، والنسائي من حديث [] [¬٢] أبي معاوية، كلاهما عن الأعمش له.\nثم قال تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، أي: أكثروا من ذكره واستغفاره في أموركم كلها، فإنه غفور رحيم لمن استغفره.\n[آخر تفسير سورة المزمل، وللَّه الحمد].\n* * *\n_________\n(^٣٣) مسند أبي يعلى (٩/ ٩٧ - ٩٨) (٥١٦٣).\n(^٣٤) صحيح البخاري، كتاب: الرقاق، باب: ما قدم من ماله فهو له، حديث (٦٤٤٢) (١١/ ٢٦٠). والنسائي (٦/ ٢٣٧ - ٢٣٨) كتاب الوصايا، كتاب: الكراهية في تأخير الوصية.\n_________\n[¬١]- في ز: ابن.\n[¬٢]- في ز: ابن.","vol":"14","page":174},{"text":"<span data-type='title' id=toc-195>تفسير سورة المدثر وهي مكية</span>\n﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾\n﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥) وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (٦) وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ (٧) فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ (٨) فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (٩) عَلَى الْكَافِرِينَ غَيرُ يَسِيرٍ (١٠)﴾\nثبت في صحيح البخاري عن جابر أنه كان يقول: أول شيء نزل من القرآن: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾. وخالفه الجمهور فذهبوا إلى أن أول القرآن نزولًا قوله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾، كما سيأتي بيان ذلك هنالك.\nقال البخاري (^١): حدثنا يحيى، حدثنا وكيع، عن علي بن المبارك، عن يحيى بن أبي كثير قال: سألت أبا سلمة بن عبد الرحمن عن أول ما نزل من القرآن، قال: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾. قلت: يقولون: ﴿قْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾؟ فقال أبو [¬١] سلمة: سألت جابر بن عبد اللَّه عن ذلك، و[¬٢] قلت له مثل ما قلتَ لي [¬٣]، فقال جابر: لا أحدثك إلا ما [¬٤] حدثنا رسول اللَّه صلى اللَّه اعيه وسلم، قال: \"جاورت بحراء، فلما قضيت جواري هبطتُ فنُوديت فنظرت عن يميني فلم أر شيئًا، ونظرت عن شمالي فلم أر شيئًا، ونظرت أمامي فلم أر شيئًا، ونظرت خلفي فلم أر شيئًا، فرفعت رأسي فرأيت شيئًا، فأتيت خديجة فقلت: دَثّروني، وصُبّوا عليَّ ماء باردًا\" قال: \"فدثَّروني وصَبّوا عليّ ماءً باردًا\"، قال: فنزلت ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾.\nهكذا ساقه من هذا الوجه، وقد رواه مسلم (^٢) [¬٥] من طريق عُقيل، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة قال: أخبرني جابر بن عبد اللَّه أنه سمع رسول اللَّه ﷺ يحدث عن فترة الوحي: \"فبينا أنا أمشي إذ [¬٦] سمعت صوتًا من السماء، فرفعت بصري قبَلَ السماء،\n_________\n(^١) - صحيح البخاري، كتاب: التفسير، حديث (٤٩٢٢) (٨/ ٦٧٦).\n(^٢) - صحيح مسلم، كتاب: الإيمان، باب: بدء الوحي إلى رسول اللَّه ﷺ حديث (٢٥٦/ ١٦١).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: ابن.\n[¬٢]- سقط من ز.\n[¬٣]- سقط من ز، خ.\n[¬٤]- في ز: مثلما.\n[¬٥]- في ز: ومسلم.\n[¬٦]- سقط من ز، خ.","vol":"14","page":175},{"text":"فإذا الملك الذي جاءني بحراء قاعد على كرسي بين السماء والأرض، فَجَثثْتُ [¬١] منه حتى هَوَيتُ إلى الأرض، فجئت إلى أهلي، فقلت: زملوني زملوني. فزملوني، فأنزل اللَّه: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١ ضض) قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ إلى: ﴿فَاهْجُرْ﴾ -قال أبو سلمة: والرجز: الأوثان- ثم حَميَ الوحيُ وتَتَابع\".\nهذا لفظ البخاري (^٣)، وهذا السياق هو المحفوظ، وهو يقتضي أنه قد نزل الوحي قبل هذا، لقوله: \"فإذا الملك الذي جاءني بحراء\"، وهو جبريل حين أتاه بقوله: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾. ثم إنه حصل بعد هذا فترة، ثم نزل الملك بعد هذا ووجه الجمع أن أولَ شيء نزل بعد فترة الوحي هذه السورة، كما قال الإِمام أحمد (^٤):\nحدثنا حجاج، حدثنا ليث، حدثنا عُقَيل، عن ابن شهاب قال: سمعت أبا سلمة بن عبد الرحمن يقول: أخبرني جابر بن عبد اللَّه: أنه سمع رسول اللَّه ﷺ يقول: \"ثم فتر الوحي عني فترة، فبينا أنا أمشي سمعتُ صوتًا من السماء، فوفعت بصري قِبَلَ السماء، فإذا الملك الذي جاءني [بحراء الآن] [¬٢] قاعد على كرسي بين السماء والأرض، فجثثتُ [¬٣] منه فرقًا، حتى هَوَيت إلى الأرض، فجئت أهلي فقلت لهم: زملوني زملوني. فزملوني، فأنزل اللَّه: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤) وَالرُّجْزَ فَاهْجُر﴾، ثم حمي الوحي بعدُ [¬٤] وتتابع. أخرجاه (^٥) من حديث الزهري به.\nوقال الطبراني (^٦): حدثنا محمد بن علي بن شعيب السمسار، حدثنا الحسن بن بِشر البَجَلي، حدثنا المعافى بن عمران، عن إبراهيم بن يزيد، سمعت ابن أبي مليكة يقول: سمعت ابن عباس يقول: إن الوليد بن المغيرة صنع لقريش طعامًا، فلما أكلوا قال: ما تقولون في هذا الرجل؟ فقال بعضهم: ساحر. وقال بعضهم: ليس بساحر. وقال بعضهم: كاهن. وقال بعضهبم: ليس بكاهن. وقال بعضهم: شاعر. وقال بعضهم: ليس بشاعر. وقال بعضهم: سحر يؤثر. فأجمع رأيهم على أنه سحر يؤثر. فبلغ ذلك النبي ﷺ، فحزن\n_________\n(^٣) - صحيح البخاري، كتاب: التفسير، باب: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُر﴾، حديث (٤٩٢٦) (٨/ ٦٧٩). وأطرافه في: [٤، ٣٢٣٨، ٤٩٢٢، ٤٩٢٣، ٤٩٢٤، ٤٩٢٥، ٤٩٢٦، ٤٩٥٤، ٦٢١٤].\n(^٤) - المسند (٣/ ٣٢٥) (١٤٥٢٥).\n(^٥) - راجع أطواف الأحاديث رقم (٢، ٣).\n(^٦) - المعجم الكبير (١١/ ١٢٥ - ١٢٦) (١١٢٥٠). وقال الهثيمي في المجمع (٧/ ١٣٤): وفيه إبراهيم بن يزيد الخوزي وهو متروك.\n_________\n[¬١]- في ز: فجثيت.\n[¬٢]- سقط من ز، خ.\n[¬٣]- في ز: فجثيت.\n[¬٤]- سقط من ز.","vol":"14","page":176},{"text":"وقنع رأسه، وَتَدثّر، فأنزل اللَّه: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥) وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (٦) وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾.\nفقوله: ﴿قُمْ فَأَنْذِرْ﴾، أي: شمر عن ساق العزم، وأنذر الناس. وبهذا حصل الإِرسال، كما حصل بالأول النبوة. ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ أي: عظم.\nوقوله: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾، قال الأجلح الكندي عن عكرمة، عن ابن عباس: إنه أتاه رجل فسأله عن هذه الآية: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾، قال: لا تلبسها على معصية ولا على غَدْرة [¬١]. ثم قال: أما سمعت قول غيلان بن سلمة [¬٢] الثقفي:\nفإني [¬٣] بحمد اللَّه لا ثَوبَ فَاجر … لبستُ، ولا من غَدْرَة [¬٤] أتَقَنّع\nوقال ابن جريج [¬٥] عن عطاء، عن ابن عباس: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾، قال: في كلام العرب: نَقِيّ الثياب. وفي رواية بهذا الإسناد: فطهر من الذنوب. وكذا قال إبراهيم، والشعبي، وعطاء.\nوقال الثوري [¬٦] عن رجل، عن عطاء، عن ابن عباس في هذه الآية: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾، قال: من الإثم. وكذا قال إبراهيم النخعي. وقال مجاهد: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾، قال: [نفسك، ليسَ ثيابه] [¬٧]. وفي رواية عنه: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾: عملك فأصلح. وكذا قال أبو رزين، وقال في رواية أخرى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾، أي: لست بكاهن ولا ساحر، فأعرض عما قالوا. وقال قتادة: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾، أي: طهرها من المعاصي، وكانت العرب تسمي الرجل إذا نكث [¬٨] ولم يَف بعهد اللَّه إنه لَمُدَنّس الثياب، وإذا وفى وأصلح إنه لمطهر الثياب. وقال عكرمة والضحاك: لا تلبسها على معصية.\nوقال الشاعر:\nإذا المرءُ لم يَدْنَس منَ اللُؤم عرْضُه … فَكلّ ردَاء يَرْتَديه جَميلُ\nوقال العوفي: عن ابن عباس: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾: لا تكُ ثيابك التي تلبس من مكسب [¬٩] غير طائب [¬١٠]، ويقال: لا تلبس ثيابك على معصية. وقال محمد بن سيرين: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ أي: اغسلها بالماء. وقال ابن زيد: كان المشركون لا يتطهرون، فأمره اللَّه أن يتطهر وأن يطهر ثيابه. وهذا القول اختاره ابن جرير، وقد تشمل الآية جميع ذلك مع\n_________\n[¬١]- في ز: عذرة.\n[¬٢]- في ز، خ: مسلمة.\n[¬٣]- في ز، خ: إني.\n[¬٤]- في ز: عذرة.\n[¬٥]- في خ: جرير.\n[¬٦]- في ز، خ: البردي.\n[¬٧]- في خ: يغسل لبس ثيابه.\n[¬٨]- في ز: سكت.\n[¬٩]- في ز، خ: مليسة.\n[¬١٠]- في ز، خ: طايل.","vol":"14","page":177},{"text":"طهارة القلب، فإن العرب تطلق الثياب عليه، كما قال امرؤ القيس\nأفاطمَ مَهْلًا بَعْضَ [¬١] هذا التدللِ [¬٢] … وإِنْ كُنْتِ قَدّ أَزْمَعْتِ [¬٣] هجري فَأَجْمِلي\nوإنْ تَكُ [¬٤] قَدْ سَاءَتْكِ مِنِّي خَلِيقَةٌ … فَسُلِّي [¬٥] ثَيَابِي مِنْ ثَيَابِكِ تَنْسَلِ\nوقال سعيد بن جبير: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾: وقلبك ونيتك فطهر. وقال محمد بن كعب القرظي، والحسن البصري: وخُلقك فحسّن.\nوقوله: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿وَالرُّجْزَ﴾ وهو الأصنام، فاهجر. وكذا قال مجاهد، وعكرمة، وقتادة، والزهري، وابن [¬٦] زيد: إنها الأوثان. وقال إبراهيم والضحاك: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ أي: اترك المعصية. وعلى كل تقدير فلا يلزم تلبسه بشيء من ذلك، كقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾.\n﴿وَقَال مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾.\nوقوله: ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ قال ابن عباس: لا تعط العطة تلتمس [أكثر منها] [¬٧]. وكذا قال عكرمة، ومجاهد، وعطاء، وطاوس، وأبو الأحوص، وإبراهيم النخعي، والضحاك، وقتادة، والسدي، وغيرهم. وروي عن ابن مسعود أنه قرأ: ولا تمنن أن تستكثر.\nوقال الحسن البصري: لا تمنن بعملك على ربك تستكثره. وكذا قال الربيع بن أنس، واختاره ابن جرير. وقال خُصَيف عن مجاهد في قوله: ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾، قال: لا تضعف أن تستكثر من الخير، قال: تمتن في كلام العرب: تضعف. وقال ابن زيد: لا تمنن بالنبوة على الناس، تستكثرهم بها، تأخذ عليه عوضا من الدنيا. فهذه أربعة أقوال، والأظهر القول الأول، واللَّه أعلم.\nوقوله: ﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾، أي: اجعل صبرك على أذاهم لوجه اللَّه ﷿ قاله مجاهد. وقال إبراهيم النخعي: اصبر على [¬٨] عطيتك للَّه تعالى.\nوقوله: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ (٨) فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (٩) عَلَى الْكَافِرِينَ غَيرُ يَسِيرٍ﴾، قال ابن عباس، ومجاهد، والشعبي، وزيد بن أسلم، والحسن، وقتادة، والضحاك، والربيع\n_________\n[¬١]- في ز، خ: بعد.\n[¬٢]- في ز: التذلل.\n[¬٣]- في خ: أرمقت.\n[¬٤]- في ز: بك.\n[¬٥]- في خ: فتبلى.\n[¬٦]- في ز، خ: وأبو.\n[¬٧]- في ز، خ: المن معها.\n[¬٨]- سقط من ز.","vol":"14","page":178},{"text":"ابن أنس، والسدي، وابن زيد: ﴿النَّاقُورِ﴾: الصور. قال مجاهد: وهو كهيئة القرن.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أسباط بن محمد، عن مُطَرِّف، في عطية العوفي، عن ابن عباس: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾، فقال: قال رسول اللَّه ﷺ: \"كيف أنعم وصاحب القرن قد التقم القرن وحنى جبهته، ينتظر متى يؤمر فينفخ؟ \" فقال أصحاب رسول اللَّه ﷺ: فما تأمرنا يا رسول اللَّه؟ قال: \"قولوا: حسبنا اللَّه ونعم الوكيل، على اللَّه توكلنا\".\nوهكذا رواه الإِمام أحمد (^٧) عن أسباط به.\nورواه ابن جرير (^٨) عن أبي كريب، عن ابن فضيل [¬١] وأسباط، كلاهما عن مطرف به.\nورواه من طريق أخرى، عن العوفي، عن ابن عباس، به.\nوقوله: ﴿فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾، أي: شديد، ﴿عَلَى الْكَافِرِينَ غَيرُ يَسِيرٍ﴾، أي: غير سهل عليهم. كما قال تعالى: ﴿يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾ وقد روينا عن زُرَارة بن أوفى قاضي البصرة، أنه صلى بهم الصبح، فقرأ هذه السورة، فلما وصل إلى قوله: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ (٨) فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (٩) عَلَى الْكَافِرِينَ غَيرُ يَسِيرٍ﴾: شَهِقَ شهقة، ثم خر ميتًا ﵀ (^٩).\n﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (١١) وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا (١٢) وَبَنِينَ شُهُودًا (١٣) وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا (١٤) ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (١٥) كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا (١٦) سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا (١٧) إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (١٨) فَقُتِلَ كَيفَ قَدَّرَ (١٩) ثُمَّ قُتِلَ كَيفَ قَدَّرَ (٢٠) ثُمَّ نَظَرَ (٢١) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (٢٢) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (٢٣) فَقَال إِنْ هَذَا إلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (٢٤) إِنْ هَذَا إلا قَوْلُ الْبَشَرِ (٢٥) سَأُصْلِيهِ سَقَرَ\n_________\n(^٧) - المسند (١/ ٣٢٦) (٣٠١٠). وأخرجه الطبري (٢٩/ ١٥٠ - ١٥١). وقال الهيثمي في \"المجمع\" (٧/ ١٣٤): وفيه عطية وهو ضعيف.\n(^٨) - تفسير الطبري (٢٩/ ١٥١).\n(^٩) - أخرجه ابن سعد في \"الطبقات\" (٧/ ١١٠)، والحاكم (٢/ ٥٠٧).\n_________\n[¬١]- في ز: فضل.","vol":"14","page":179},{"text":"(٢٧) لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ (٢٨) لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ (٢٩) عَلَيهَا تِسْعَةَ عَشَرَ (٣٠)﴾\nيقول تعالى متوعدًا لهذا الخبيث الذي أنعم اللَّه عليه بنعم الدنيا، فكفر بأنعم اللَّه، وبدلها كفرًا، وقابلها بالجحود بآيات اللَّه والافتراء عليها، وجعلها من قول البشر، وقد عدد اللَّه عليه نعَمه حيث قال: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾، أي: خرج من بطن أمه وحده لا مال له ولا ولد، ثم رزقه اللَّه ﴿مَالًا مَمْدُودًا﴾، أي: واسعًا كثيرًا. قيل: ألف دينار. وقيل: مائة ألف دينار. وقيل: أرضا يستغلها. وقيل غير ذلك. وجعل له ﴿وَبَنِينَ شُهُودًا﴾، قال مجاهد: لا يغيبون. أي: حضورًا عنده لا يسافرون في التجارات، بل مَواليهم وأجرَاؤهم يتولون ذلك عنهم وهم قعود عند أبيهم، يتمتع بهم ويَتَملَّى بهم. وكانوا -فيما ذكره السدي، وأبو مالك، وعاصم بن عمر بن قتادة- ثلاثة عشر، وقال ابن عباس، ومجاهد: كانوا عشرة. وهذا أبلغ في النعمة [وهو إقامتهم عنده] [¬١]. ﴿وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا﴾، أي: مكنته من صنوف المال والأثاث وغير ذلك، ﴿ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (١٥) كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا﴾، أي: معاندًا، وهو: الكفر على نعمه بعد العلم. قال اللَّه: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾، قال الإِمام أحمد (^١٠):\n[حدثنا حسن] [¬٢]، حدثنا ابن لهيعة، عن دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد، عن رسول اللَّه ﷺ قال: \"ويل: [وادٍ] في جهنم، يهوي فيه الكافر أربعين خريفًا قبل أن يبلغ قعره، والصَّعُود: جبل من نار يصعد [¬٣] فيه سبعين خريفًا، ثم يهوي به كذلك فيه أبدًا\".\nوقد رواه الترمذي عن عبد [بن حُمَيد] [¬٤]، عن الحسن بن موسى الأشيب، به. ثم قال: \"غريب، لا نعرفه إلا من حديث ابن لهيعة عن دراج\" كذا قال:\nوقد رواه ابن جرير، عن يونس، عن [¬٥] عبد اللَّه بن وهب، عن عمرو [¬٦] بن الحارث، عن دَزاج. وفيه غرابة ونكارة: وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة وعلي بن عبد الرحمن - المعروف بعلان المصري [¬٧]- قال [¬٨]: حدثنا منجاب، أخبرنا شريك، عن عمار الدُّهنيّ [¬٩]،\n_________\n(^١٠) - المسند (٣/ ٧٥) (١١٧٢٩). والترمذي في كتاب: صفة جهنم، باب: ما جاء في صفة قعر جهنم، حديث (٢٥٧٩) (٧/ ٢٤٩). والطبري (٢٩/ ١٥٥).\n_________\n[¬١]- سقط من ز، خ.\n[¬٢]- سقط من ز، خ.\n[¬٣]- في ز: فيصعد.\n[¬٤]- في ز، خ: الرحمن.\n[¬٥]- في ز: بن.\n[¬٦]- في ز: عمر.\n[¬٧]- في ز، خ: البصري.\n[¬٨]- في ز: قالا.\n[¬٩]- في ز، خ: الذهبي.","vol":"14","page":180},{"text":"عن عطية العوفي، عن أبي سعيد، عن النبي ﷺ: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾، قال: \"هو جبل في النار من نار يكلف أن يصعده [¬١]، فإذا وضع يده ذابت، وإذا [¬٢] رفعها عادت، وإذا وضع رجله ذابت، وإذا رفعها عادت\".\nورواه البزار (^١١) وابن جرير من حدثنا شريك به. وقال قتادة عن ابن عباس: صعود: صخرة عظيمة يسحب عليها الكافر على وجهه. وقال السدي: صعود: صخرة ملساء في جهنم يكلف أن يصعدها. وقال مجاهد: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾، أي: مشقة من العذاب. وقال قتادة: عذابًا لا راحة فيه. واختاره ابن جرير.\nوقوله: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ﴾، أي: إنما أرهقناه صعودًا، أي: قربناه من العذاب الشاق لبعده عن الإيمان، لأنه فكر وقدر، أي: تَرَوى ماذا يقول في القرآن حين سُئل عن القرآن، ففكر ماذا يختلق [¬٣] من المقال، ﴿وَقَدَّرَ﴾، أي: تروى، ﴿فَقُتِلَ كَيفَ قَدَّرَ (١٩) ثُمَّ قُتِلَ كَيفَ قَدَّرَ﴾: دعاء عليه، ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾، أي: أعاد النظر [¬٤] والتروي، ﴿ثُمَّ عَبَسَ﴾، أي: قبض بين [¬٥] عينيه وقطب ﴿وَبَسَرَ﴾، أي: كلح وكره، ومنه قول توبة بن الحُمَير الشاعر:\nوَقَد رَابَني منها صُدُودٌ رَأيتُهُ … وَإعرَاضُها عَن حاجَتي وبُسُوْرُهَا\nوقوله: ﴿ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ﴾، أي: صُرف عن الحق ورجع القهقرى مستكبرًا عن الانقياد للقرآن، ﴿فَقَال إِنْ هَذَا إلا سِحْرٌ يُؤْثَر﴾، أي: هذا سحر ينقله محمد عن غيره ممن [¬٦] قبله ويحكيه عنهم؛ ولهذا قال: ﴿إِنْ هَذَا إلا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾، أي: ليس بكلام اللَّه.\nوهذا المذكور في هذا السياق هو: الوليد بن المغيرة المخزومي، أحد رؤساء قريش -لعنه اللَّه- وكان من خبره في هذا ما رواه العوفي، عن ابن عباس (^١٢) قال: دخل الوليد بن المغيرة على أبي بكر بن أبي قحافة فسأله عن القرآن، فلما أخبره خرج على قريش فقال: يا عجبًا لما يقول ابن أبي كبشة، فواللَّه ما هو بشعر ولا بسحر ولا بهَذْي من الجنون، وإن قوله لمن كلام\n_________\n(^١١) أخرجه الطبري (٢٩/ ١٥٥). والطبراني في الأوسط (٥/ ٣٦٦) (٥٥٧٣). قال الهيثمي في \"المجمع\" (٧/ ١٣٤): وفيه عطية وهو ضعيف.\n(^١٢) - أخرجه الحاكم (٢/ ٥٠٦ - ٥٠٧). والبيهقي في الدلائل (٢/ ١٩٨ - ١٩٨) كلاهما من طريق عكرمة عن ابن عباس بنحو هذا الحديث. قال الحاكم: حديث صحيح الإسناد على شرط البخاري ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.\n_________\n[¬١]- في ز: يصعد.\n[¬٢]- في ز: فإذا.\n[¬٣]- في ز، خ: يخلق.\n[¬٤]- في ت: النظرة.\n[¬٥]- في ز: من.\n[¬٦]- في ز: عمن.","vol":"14","page":181},{"text":"الله. فلما سمع بذلك النفرُ من قريش ائتمروا فقالوا: والله لئن صبا الوليد لتصْبُوَنَّ قريش. فلما سمع بذلك أبو جهل بن هشام قال: أنا والله أكفيكم شأنه. فانطلق حتى دخل عليه بيته فقال الوليد: ألم تر قومك قد جمعوا لك الصدقة؟ فقال: ألستُ أكثرهم مالًا وولدًا؟! فقال له أبو جهل: يتحدثون أنك إنّما تدخل على ابن أبي قحافة لتصيب من طعامه. فقال الوليد: أقد تحدث به عشيرتي؟! فلا والله لا أقرب ابن أبي قحافة، ولا عمر، ولا ابن أبي كبشة، وما قوله إلا سحر يؤثر. فأنزل الله على رسوله ﷺ: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ إلى قوله: ﴿لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ﴾.\nوقال قتادة: زعموا أنه قال: والله لقد نظرت فيما قال الرجل فإذا هو ليس بشعر، وإن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنّه ليعلو وما يُعلَى، وما أشك أنه سحر. فأنزل الله: ﴿فَقُتِلَ كَيفَ قَدَّرَ﴾ … الآية … ﴿ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ﴾: قبض ما بين عينيه وكلح.\nوقال ابن جرير: حدثنا ابن عبد الأعلى، أخبرنا محمد بن ثور، عن معمر، عن عَبّاد [¬١] ابن منصور، عن عكرمة أن الوليد بن المغيرة جاء إلى النبي ﷺ فقرأ عليه القرآن، فكأنه رق له. فبلغ ذلك أيا جهل بن هشام، فأتاه فقال: أي عم، إن قومك يريدون أن يجمعوا لك مالًا. قال: لِمَ؟ قال: يعطونكه، فإنك أتيت محمدًا تتعرض لما قبله. قال: قد علمت قريش أني أكثرها مالًا. قال: فقل فيه قولًا يعلم قومك أنك منكر لما قال، وأنك كاره له. قال: فماذا أقول فيه؟ فوالله ما منكم رجل أعلم بالأشعار مني، ولا أعلم برجزه ولا بقصيده ولا بأشعار الجن، والله ما يشبه الذي يقول شيئًا من ذلك، والله إن لقوله الذي يقول لحلاوة، وإنه ليحطم [¬٢] ما تحته، وإنّه ليعلو وما يُعْلَى. قال: والله لا يرضى قومك حتى تقول فيه. قال: فدعني حتى أفكر فيه. فلما فكر قال: هذا سحر يأثُره عن غيره. فنزلت: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ [] [¬٣] حتى بلغ: ﴿تِسْعَةَ عَشَرَ﴾.\nوقد ذكر محمد بن إسحاق وغير واحد نحوًا من هذا. وقد زعم السدي أنهم لما اجتمعوا في دار الندوة ليجمعوا رأيهم على قول يقولونه فيه، قبل أن يقدم عليهم وفودُ العرب للحج ليصدّوهم عنه، فقال قائلون: شاعر. وقال آخرون: ساحر. وقال آخرون: كاهن. وقال آخرون: مجنون. كما قال تعالى: ﴿انْظُرْ كَيفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَال فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾، كل هذا والوليد يفكر فيما يقوله فيه، ففكر وقدر، ونظر وعبس وبسر، فقال: ﴿إِنْ هَذَا إلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (٢٤) إِنْ هَذَا إلا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾، قال الله ﷿: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾، أي: سأغمره فيها من جميع جهاته، ثم قال: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ﴾ وهذا\n_________\n[¬١]- في ز: عبادة.\n[¬٢]- في ز: أعظم.\n[¬٣]- في ت: قال قتادة: خرج من بطن أمه وحيدًا.","vol":"14","page":182},{"text":"تهويل لأمرها وتفخيم، ثم فسر ذلك بقوله: ﴿لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ﴾، أي: تأكل لحومهم وعروقهم وعَصَبهم وجلودهم، ثم تبدل غير ذلك، وهم في ذلك لا يموتون ولا يحيون، قاله ابن بريدة وأبو سنان وغيرهما.\nوقوله: ﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾، قال مجاهد: للجلد، وقال أبو [¬١] رزين: تلفح الجلد لفحة فتدعه أسود من الليل. وقال زيد بن أسلم: تلوح أجسادهم عليها.\nوقال قتادة: ﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾، أي: حراقة للجلد. وقال ابن عباس: تحرق بشرة الإنسان.\nوقوله: ﴿عَلَيهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾، أي: [من مقَدّمُى] [¬٢] الزبانية، عَظِيم خَلْقهم، غليظ خلُقُهم.\nوقد قال ابن أبي حاتم (^١٣): حدثنا أبو زرعة، حدثنا إبراهيم بن موسى، حدثنا ابن أبي زائدة، أخبرني [حارث عن] [¬٣] عامر عن البراء - في قوله: ﴿عَلَيهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾، قال: إن رهطا في اليهود سألوا رجلًا من أصحاب رسول الله ﷺ عن خزنة جهنم، فقال: الله ورسوله أعلم. فجاء رجل فأخبر النبي ﷺ فنزل عليه ساعتئذ: ﴿عَلَيهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾. فأخبر أصحابه وقال: \"ادعهم، أما إني سائلهم عن تُربة الجنة إن أتوني، أما إنها دَرْمَكة بيضاء\". فجاءوه فسألوه عن خزنة جهنم، فأهوى بأصابع كفيه مرتين وأمسك الإبهام في الثانية، ثم قال: \"أخبروني في تربة الجنة\". فقالوا: أخبرهم يا بن سلام. فقال: كأنها خبزة بيضاء. فقال رسول الله ﷺ: \"أما إن الخبز إنما يكون من الدَرمَك\".\nهكذا وقع عند ابن أبي حاتم عن البراء، والمشهور عن جابر بن عبد الله، كما قال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا مندة [¬٤]، حدثنا أحمد بن عَبدَة، أخبرنا سفيان ويحيى بن حكيم، حدثنا سفيان، عن مجالد، عن الشعبي، عن جابر بن عبد الله، قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ؛ فقال: يا محمد؛ غُلِب أصحابك اليوم. فقال: \"بأي شيء\"؟ قال: سألتهم يَهودُ هل أعلمكم نبيكم عدة خزنة أهل النار؟ قالوا: لا نعلم حتى نسأل نبينا ﷺ. قال رسول الله ﷺ: \"أفغلب قوم سئُلوا عما لا يدرون فقالوا: لا ندرى حتى نسأل نبينا؟ عليّ بأعداء الله؟ لكن سألوا نبيهم أن يريهم الله جهرة\". فأرسل إليهم فدعاهم\n_________\n(^١٣) أخرجه البيهقي في البعث والنشور (٤٦٢) من طريق ابن أبي زائدة بإسناد ابن أبي حاتم فذكر إلى قوله …: ﴿عَلَيهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾.\n_________\n[¬١]- في ز: ابن.\n[¬٢]- في ز، خ: يعد من.\n[¬٣]- في: مرثب بن.\n[¬٤]- في ز: مسندة.","vol":"14","page":183},{"text":"قالوا: يا أبا القاسم، كم عدة خزنة أهل النار؟ قال: \"هكذا\"، وطبق كفيه، ثم طبق كفيه، مرتين، وعقد واحدة، وقال لأصحابه: \"إن سئُلتم عن تُربة الجنة فهي الدَّرمك\". فلما سألوه فأخبرهم بعدة خزنة أهل النار، قال لهم رسول الله ﷺ: \"ما تربة الجنة؟ \" فنظر بعضهم إلى بعض، فقالوا: خبزة يا أبا القاسم. فقال: \"الخبز من الدّرمَك\".\nوهكذا رواه الترمذي (^١٤) عند هذه الآية عن ابن أبي عمر، عن سفيان، به. وقال هو والبزار: \"لا نعرفه إلا من حديث مجالد\".\nوقد رواه الإمام أحمد (^١٥)، عن علي بن المديني، عن سفيان، فقص الدرمك فقط.\n﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إلا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إلا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إلا هُوَ وَمَا هِيَ إلا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ (٣١) كَلَّا وَالْقَمَرِ (٣٢) وَاللَّيلِ إِذْ أَدْبَرَ (٣٣) وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ (٣٤) إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ (٣٥) نَذِيرًا لِلْبَشَرِ (٣٦) لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ (٣٧)﴾\nيقول تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ﴾، أي: خُزانها ﴿إلا مَلَائِكَةً﴾، أي: غلاظًا شدادًا. وذلك ردٌّ على مشركي قريش حين ذكر [¬١] عدد الخزنة، فقال أبو جهل: يا معشر قريش؛ أما يستطيع كل عشرة منكم لواحد منهم فتغلبونهم؟، فقال الله: ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إلا مَلَائِكَةً﴾، أي: شديدي الخَلْق لا يقاومون ولا يغالبون. وقد قيل: إن أبا الأشدين - واسمه: كَلَدة بن أسيد بن خلف - قال: يا معشر قريش؛ اكفونى منهم اثنين وأنا أكفيكم [¬٢] سبعة عشر، إعجابًا منه بفسه، وكان قد بلغ من القوة فيما يزعمون أنه كان يقف على جلد البقرة ويجاذبه عشرة لينتنرعوه من تحت قدميه، فيتمزق الجلد ولا يتزحزح عنه. قال السهيلي: وهو الذي دعا رسول الله ﷺ إلى مصارعته، وقال: إن عرضني آمنت بك.\n_________\n(^١٤) سنن الترمذي، كتاب: تفسير القرآن، باب: ومن سورة المدثر، حديث (٣٣٢٤) (٩/ ٦٤ - ٦٥).\n(^١٥) المسند (٣/ ٣٦١) (١٤٩٢٧).\n_________\n[¬١]- في خ: ذكروا.\n[¬٢]- في خ: اكفيكم منهم.","vol":"14","page":184},{"text":"فصرعه النبي ﷺ مرارًا، فلم يؤمن. قال: وقد نَسَب ابن إسحاق خبر المصارعة إلى ركانة بن عبد يزيد بن هاشم [¬١] بن المطب.\nقلت: ولا منافاة بين ما ذكراه، والله أعلم.\n﴿وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إلا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾، أي: إنّما ذكرنا عدتهم أنهم تسعة عشر اختبارًا منّا للناس، ﴿لِيَسْتَيقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾، أي: يعلمون أن هذا الرسول حق؛ فإنه نطق بمطابقة ما بأيديهم من الكتب السماوية المنزلة على الأنبياء قبله.\n﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾، أي: إلى إيمانهم، أي: بما يشهدون من صدق إخبار نبيهم محمد ﷺ ﴿وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾، أي: من المنافقين ﴿وَالْكَافِرُونَ: مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا﴾؟ أي يقولون: ما الحكمة في ذكر هذا هاهنا؟ قال الله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾، أي: من مثل هذا وأشباهه يتأكد الإيمان في قلوب أقوام، ويتزلزل عند [¬٢] آخرين، وله الحكمة البالغة، والحجة الدامغة.\nوقوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إلا هُوَ﴾، أي: ما يعلم عددهم وكثرتهم إلا هو تعالى، لئلا يتوهم متوهم أنما هم تسعة عشر فقط، كما قد قاله طائفة من أهل الضلَالة والجهالة من الفلاسفة اليونانيين، ومن تابعهم من الملتين الذين سمعوا هذه الآية، فأرادوا تنزيلها على العقول العشرة والنفوس التسعة، التي اخترعوا دعواها، وعجزوا عن إقامة الدلالة على مقتضاها، فَأفهِمُوا صدر الآية وقد كفروا بآخرها، وهو قوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إلا هُوَ﴾.\nوقد ثبت في حديث الإسراء المروي في الصحيحين وغيرهما (^١٦)، عن رسول الله ﷺ أنه قال في صفة البيت المعمور الذي في السماء السابعة: \"فإذا هو يدخله في كل يوم سبعون ألف ملك، لا يعودون إليه آخرَ ما عليهم\".\nوقال الإمام أحمد (^١٧): حدثنا أسود، حدثنا إسرائيل، عن إبراهيم بن مهاجر، عن مجاهد، عن مورق، عن أبي ذر؛ قال: قال رسول الله ﷺ: \"إني أرى ما لا ترون، وأسمع ما لا تسمعون، أطَت السماء وحُقَّ لها أن تَئِطَ، ما فيها موضع أربع [¬٣] أصابع إلا عليه ملك ساجد، لو علمتم ما أعلم لضحكتم قليلًا ولبكيتم كثيرًا، ولا تَلَذّذتم بالنساء على\n_________\n(^١٦) تقدم تخريج كل هذه الروايات في أول سورة الإسراء.\n(^١٧) المسند (٥/ ١٧٣). والترمذي في كتاب: الزهد، باب: في قول النبي ﷺ: \"لو تعلمون ما أعلم =\n_________\n[¬١]- في ز، خ: هشام.\n[¬٢]- في ز: عنه.\n[¬٣]- سقط من ز.","vol":"14","page":185},{"text":"الفُرشات، ولخرجتم إلى الصُّعُدَات تجأرون إلى الله، ﷿\". فقال أبو ذر: والله لوددت أني شجرة تُعضَد.\nورواه الترمذي وابن ماجة، من حديث إسرائيل، وقال الترمذي: \"حسن غريب، ويروى عن أبي ذر موقوفًا\".\nوقال الحافظ أبو القاسم الطبراني (^١٨): حدثنا خير [¬١] بن عرفة المصري، حدثنا عروة بن مروان الرقي، حدثنا عبيد الله بن عمرو، عن عبد الكريم بن مالك، عن عطاء بن أبي رباح، عن جابر بن عبد الله؛ قال: قال رسول الله ﷺ: \"ما في السماوات السبع موضع قدم ولا شبر ولا كف إلا وفيه ملك قائم، أو ملك ساجد، أو ملك راكع، فإذا كان يوم القيامة قالوا جميعًا: سبحانك! ما عبدناك حَقَّ عبادتك، إلا أنا لم نشرك بك شيئًا\".\nوقال محمد بن نصر المروزي (^١٩) في \"كتاب الصلاة\": حدثنا عمرو بن زرارة، أخبرنا عبد الوهاب بن [¬٢] عطاء، عن سعيد، عن قتادة، عن صفوان بن محرز، عن حكيم بن حزام؛ قال: بينما رسول الله ﷺ مع أصحابه إذ قال لهم: \"هل تسمعون ما أسمع؟! قالوا: ما نسمع من شيء. فقال رسول الله ﷺ \"أسمع [¬٣] أطيط السماء، وما تلام أن تَئِط، وما فيها موضع شبر إلا وعليه ملك راكع أو ساجد\".\nوقال أيضًا (^٢٠): حدثنا محمد بن عبد الله بن قهزاذ [¬٤]، حدثنا أبو معاذ الفضل بن خالد النحوي، حدثنا عبيد بن سليمان الباهلي، سمعت الضحاك بن مزاحم، يحدث عن مسروق بن الأجدع، عن عائشة أنها قالت: قال رسول الله ﷺ: \"ما في السماء الدنيا موضع قدم إلا عليه ملك ساجد أو قائم، وذلك قول الملائكة: ﴿وَمَا مِنَّا إلا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ (١٦٤) وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (١٦٥) وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾.\n_________\n= لضحكتم قليلًا\". وابن ماجة في كتاب: الزهد، باب: الحزن والبكاء، حديث (٤١٩٠) (٢/ ١٤٠٢). وأورده الألباني في الصحيحة (١٧٢٢)، وحسنه في صحيح سنن ابن ماجة دون قوله: \"والله لوددت .. إلخ\" فإنه مدرج.\n(^١٨) المعجم الكبير (٢/ ١٨٤) (١٧٥١). وقال الهيثمي (١/ ٥٧): وفيه عروة بن مروان.\n(^١٩) تعظيم قدر الصلاة، (١/ ٢٥٨ - ٢٥٩) (٢٥٠). وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (١٠٦٠).\n(^٢٠) تعظيم قدر الصلاة (١/ ٢٦٠) (٢٥٣). وحسنه الألباني في المصدر السابق.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: حسين.\n[¬٢]- في ز: عن.\n[¬٣]- سقط من ز.\n[¬٤]- في ز، خ: مهراء.","vol":"14","page":186},{"text":"وهذا مرفوع غريب جدًّا، ثم رواه (^٢١) عن محمود بن آدم، عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن أبي الضُّحى، عن مسروق، عن ابن مسعود، أنه قال: إن من السماوات سماءً ما فيها موضع شبر إلا وعليه جبهة ملك أو قدماه قائمًا، ثم قرأ: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (١٦٥) وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾.\nثم قال (^٢٢): حدثنا أحمد بن سيار [¬١]: حدثنا أبو جعفر بن [¬٢] محمد بن خالد الدمشقي المعروف بابن أمه، حدثنا المغيرة بن عمر [¬٣] بن عَطية من بني عمرو بن عوف، حدثني سليمان بن أيوب، عن [¬٤] سالم بن عوف، حدثني عطاء بن زيد [¬٥] بن مسعود من بني الحبلى [¬٦]، حدثني سليمان بن عمرو ابن الربيع، من بني سالم، حدثني عبد الرحمن بن العلاء من بني ساعدة، عن أبيه العلاء بن سعد - وقد شهد الفتح وما بعده - أن النبي ﷺ، قال يومًا لجلسائه: \"هل تسمعون ما أسمع؟ \": قالوا: وما تسمع يا رسول الله؟ قال: \"أطت السماء وحُقّ لها أن تَئط، إنه ليس فيها موضع قَدَم إلا وعليه ملك قائم أو راكع أو ساجد، وقال الملائكة: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (١٦٥) وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾ \". وهذا إسناد غريب جدًّا.\nثم قال (^٢٣): [حدثنا محمد بن يحيى] [¬٧] حدثنا إسحاق بن محمد بن إسماعيل الفرَوي، حدثنا عبد الملك [¬٨] بن قدامة، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار، عن أبيه، عن عبد الله بن عمر؛ أن عمر جاء والصلاة قائمة، ونفر ثلاثة [¬٩] جلوس، أحدهم أبو جحش الليثي، فقال: قوموا فصلوا مع رسول الله. فقام اثنان وأبَى أبو جحش أن يقوم، وقال: لا أقوم حتى يأتي رجل هو أقوى مني ذراعين، وأشد مني بطشًا فيصرعني، ثم يَدس وجهي في التراب. قال عمر: فصرعتُه ودسستُ وجهه في التراب، فأتى عثمان بن عفان فحجزني عنه، فخرج عمر مغضبًا، حتى انتهى إلى رسول الله ﷺ؛ فقال: \"ما رأيك يا أبا حفص؟ \". فذكر له ما كان منه، فقال رسول الله ﷺ: \"إن [¬١٠] [رضي عمر رحمه] [¬١١] \" والله لوددْتُ أنك جئتني برأس الخبيث، فقام عمر يُوَجّهُ نحوه، فلما أبعد ناداه\n_________\n(^٢١) تعظيم قدر الصلاة (١/ ٢٦٠ - ٢٦١) (٢٥٤).\n(^٢٢) تعظيم قدر الصلاة (١/ ٢٦١) (٢٢٥).\n(^٢٣) تعظيم قدر الصلاة (١/ ٢٦٢ - ٢٦٤) (٢٥٦).\n_________\n[¬١]- في ز، خ تقرأ: بشار. لكنها بغير نقط.\n[¬٢]- سقط من ز.\n[¬٣]- في تعظيم قدر الصلاة: عثمان.\n[¬٤]- في تعظيم قدر الصلاة: من سني.\n[¬٥]- في تعظم قدر الصلاة: يزيد.\n[¬٦]- في ز، خ: الحكم.\n[¬٧]- زيادة من كتاب تعظيم قدر الصلاة.\n[¬٨]- في تعظيم قدر الصلاة: عبد الله.\n[¬٩] في خ: يليه.\n[¬١٠]- في ز، خ: إني.\n[¬١١]- بياض في ز.","vol":"14","page":187},{"text":"فقال: \"اجلس حتى أخبرك بغنى الرب ﷿ عن صلاة أبي جحش، إن لله في السماء الدنيا ملائكة خشوعًا [¬١]، لا يرفعون رءوسهم حتى تقوم الساعة. فإذا قامت رفعوا رءوسهم، ثم قالوا: ربنا، ما عبدناك حق عبادتك، وإن لله في السماء الثانية ملائكة سجودًا [¬٢]، لا يرفعون رءوسهم حتى تقوم الساعة، فإذا قامت الساعة رفعوا رءوسهم، وقالوا: سبحانك! ما عبدناك حق عبادتك\". فقال له عمر: وما يقولون يا رسول الله؟ فقال: \"أما أهل السماء الدنيا فيقولون: سبحان ذي الملك والملكوت، وأما أهل السماء الثانية فيقولون: سبحان ذي العزة والجبروت، وأما أهل السماء الثالثة فيقولون: سبحان الحي الذي لا يموت؛ فقلها يا عمر في صلاتك\".\nفقال عمر: رسول الله؛ فكيف بالذي كنت علمتني وأمرتني أن أقوله في صلاتي؟ فقال: \"قل هذا مرة وهذا مرة\".\nوكان الذي أمره به أن يقوله: \"أعوذ بعفوك من عقابك، وأعوذ برضاك من سَخَطك [¬٣]، وأعوذ بك منك، جل وجهك\".\nهذا حديث غريب جدًّا، بل منكر نكارة شديدة، وإسحاق الفَروي روى عنه البخاري، وذكره ابن حبان في الثقات وضعفه أبو داود والنسائي والعقيلي والدارقطني، وقال أبو حاتم الرازي: \"كان صدوقًا إلا أنه ذهب بصره، فربما لقن [¬٤] وكتبه صحيحة\". وقال مرة: هو مضطرب، وشيخه عبد الملك بن قدامة أبو قتادة الجمحي: تكلم فيه أيضًا.\nوالعجب من الإمام محمد بن نصر، كيف رواه ولم يتكلم عليه، ولا عَرّف بحاله، ولا تعرض لضعف بعض رجاله؟! غير أنه رواه من وجه آخر عن سعيد بن جبير مرسلًا بنحوه. ومن طريق أخرى عن الحسن البصري مرسلًا (^٢٤)، قريبًا منه، ثم قال محمد بن نصر (^٢٥):\nحدثنا محمد بن عبد الله بن قهزاذ [¬٥] أخبرنا النضر، أخبرنا عباد بن منصور، قال: سمعت عدي بن أرطاة، وهو يخطبنا على منبر المدائن؛ قال: سمعت رجلًا من أصحاب النبي ﷺ، عن رسول الله ﷺ، قال: \"إن لله تعالى ملائكة تَرعدُ فرائصهم من خيفته، ما منهم ملك تقطر منه دمعة من عينه إلا وقعت على ملك يصلي، وإن منهم ملائكة سجودًا منذ خلق الله السماوات والأرض لم يرفعوا رءوسهم، ولا يرفعونها إلى يوم\n_________\n(^٢٤) تعظيم قدر الصلاة (١/ ٢٦٣ - ٢٦٥) (٢٥٧).\n(^٢٥) تعظيم قدر الصلاة (١/ ٢٦٦ - ٢٦٧) (٢٥٨).\n_________\n[¬١]- في ز: خشوع.\n[¬٢]- في ز: سجود.\n[¬٣]- في ت: سخطتك.\n[¬٤]- بياض في ز.\n[¬٥]- في ز: مهراد.","vol":"14","page":188},{"text":"القيامة. وإن منهم ملائكة ركوعًا لم يرفعوا رءوسهم منذ خلق الله السموات والأرض، ولا يرفعونها إلى يوم القيامة، فإذا رفعوا رءوسهم نظروا إلى وجه الله ﷿ قالوا: سبحانك! ما عبدناك حق عبادتك\". وهذا إسناد لا بأس به.\nوقوله: ﴿وَمَا هِيَ إلا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ﴾، قال مجاهد وغير واحد: ﴿وَمَا هِيَ﴾، أي: النار التي وصفت، ﴿إلا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ﴾.\nثم قال: ﴿كَلَّا وَالْقَمَرِ (٣٢) وَاللَّيلِ إِذْ أَدْبَرَ﴾، أي: ولى، ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ﴾، أي: أشرق، ﴿إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ﴾، أي: العظائم، يعني النار. قاله ابن عباس، ومجاهد. وقتادة، والضحاك، وغير واحد من السلف: ﴿نَذِيرًا لِلْبَشَرِ (٣٦) لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ﴾، أي: لمن شاء أن يقبل النّذارة ويهتدي للحق، أو يتأخر عنها ويولي ويردها.\n﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨) إلا أَصْحَابَ الْيَمِينِ (٣٩) فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ (٤٠) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (٤١) مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (٤٥) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (٤٦) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ (٤٧) فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ (٤٨) فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ (٤٩) كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ (٥٠) فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ (٥١) بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً (٥٢) كَلَّا بَلْ لَا يَخَافُونَ الْآخِرَةَ (٥٣) كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ (٥٤) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (٥٥) وَمَا يَذْكُرُونَ إلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ (٥٦)﴾\nيقول تعالى مخبرًا أن ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾، أي: معتقلة بعملها يوم القيامة. قاله ابن عباس وغيره ﴿إلا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾ فإنهم في جنات يتساءلون عن المجرمين، أي: يسألون المجرمين وهم في الغرفات وأولئك في الدركات قائلين لهم: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ؟ قَالُوا: لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ﴾، أي: ما عبدنا ربنا ولا أحسنَّا إلى خلقه من جنسنا، ﴿وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ﴾، أي: نتكلم فيما لا نعلم. وقال قتادة: كلما غوى غاو [¬١] غوينا معه، ﴿وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (٤٦) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ﴾، يعني الموت. كقوله:\n_________\n[¬١]- في ز: عاد.","vol":"14","page":189},{"text":"﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾. وقال رسول الله ﷺ: \"أما هو -يعني عثمان بن مظعون- فقد جاءه اليقين من ربه\" (^٢٦).\nقال الله تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾، أي: من كان متصفًا بهذه الصفات، فإنه لا تنفعه [¬١] يوم القيامة شفاعه شافع فيه؛ لأن الشفاعة إنّما تنجع إذا كان المحل قابلًا، فأم من وافى الله كافرًا يوم القيامة، فإنه [¬٢] له النار لا محالة، خالدًا فيها.\nثم قال تعالى: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ [أي: فما لهولاء الكفرة الذين قبلَك عما تدعوهم إليه وتذكرهم به معرضين] [¬٣] ﴿كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ (٥٠) فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾، أي: كأنهم في نفارهم عن الحق وإعراضهم عنه حُمُر من حمر الوحش، إذا فرت ممن يريد صيدها من أسد. قاله أبو هريرة، وابن عباس - في رواية عنه - وزيد بن أسلم، وابنه عبد الرحمن. أو: رام، وهو رواية عن ابن عباس، وهو قول الجمهور.\nوقال حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن يوسف بن مهران [¬٤]، عن ابن عباس: الأسد بالعربية، ويقال له بالحبشية قسورة، وبالفارسية شير [¬٥]، وبالنبطية أويا.\nوقوله: ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾، أي: بل يريد كل واحد من هؤلاء المشركين أن ينزل عليه كتابًا [¬٦] كما أنزل على النبي.\nقاله مجاهد وغيره، كقوله: ﴿وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيثُ يَجْعَلُ رِسَالتَهُ [¬٧]﴾. وفي رواية عن قتادة: يريدون أن يؤتوا براءة بغير عمل.\nفقوله: ﴿كَلَّا بَلْ لَا يَخَافُونَ الْآخِرَةَ﴾، أي: إنما أفسدهم عدم إيمانهم بها، وتكذيبهم بوقوعها. ثم قال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ﴾، أي: حقًّا إنّ القرآن تذكرة ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (٥٥) وَمَا يَذْكُرُونَ إلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ كقوله: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾.\nوقوله: ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾، أي: هو أهل أن يُخاف منه، وهو أهل أن يَغفر ذنب من تاب إليه وأناب. قاله قتادة.\n_________\n(^٢٦) تعظيم قدر الصلاة (١/ ٢٦٧ - ٢٦٨) (٢٦٠).\n_________\n[¬١]- في ز: ينفعه.\n[¬٢]- في ز: فإن.\n[¬٣]- سقط من ز، خ.\n[¬٤]- في ز، خ: ماهك.\n[¬٥]- في ز، خ: سار.\n[¬٦]- في ز: كتاب.\n[¬٧]- في ز: رسالاته.","vol":"14","page":190},{"text":"وقال الإمام أحمد (^٢٧): حدثنا زيد بن الحباب، أخبرني سهيل أخو حزم، حدثنا ثابت البناني، عن أنس بن مالك؛ قال: قرأ رسول الله ﷺ هذه الآية: ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾، وقال: \"قال ربكم: أنا أهل أن أتقى، فلا يجعل معي إله، فمن اتقى أن يجعل معي إلهًا كان أهلًا أن أغفر له\".\nورواه الترمذي وابن ماجة من حديث زيد بن الحباب، والنسائي من حديث المعافى بن عمران، كلاهما عن سهيل بن عبد الله القُطَعي به.\nوقال الترمذي: حسن غريب، وسهيل ليس بالقوي. ورواه ابن أبي حاتم عن أبيه، عن هُدَبَة بن خالد، عن سُهَيل، به. وهكذا رواه أبو يعلى والبزَّار والبَغَوي، وغيرهم، من حديث سُهَيل القُطَعي، به.\n[آخر تفسير سورة المدثر، ولله الحمد والمنة] [¬١]\n* * *\n_________\n(^٢٧) أخرجه أحمد (٣/ ١٤٢) (١٢٤٦٤). والترمذي في كتاب: تفسير القرآن، باب: ومن سورة المدثر، حديث (٣٣٢٥) (٩/ ٦٥ - ٦٦). وابن ماجة في كتاب: الزهد، باب: ما يرى من رحمة الله يوم القيامة، حديث (٤٢٩٩) (٢/ ١٤٣٧). والنسائي في الكبرى في كتاب: التفسير، باب: قوله تعالى: ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾، حديث (١١٦٣٠) (٦/ ٥٠١). وأبو يعلى (٦/ ٦٦) (٣٣١٧). وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. سهيل ليس بالقوي في الحديث، وقد تفرد سهيل بهذا الحديث عن ثابت. ا هـ.\n_________\n[¬١]- سقط من ز.","vol":"14","page":191},{"text":"<span data-type='title' id=toc-196>تفسير سورة القيامة وهي مكية</span>\n﷽\n﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (١) وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (٢) أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ (٣) بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ (٤) بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ (٥) يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ (٦) فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ (٧) وَخَسَفَ الْقَمَرُ (٨) وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ (٩) يَقُولُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَينَ الْمَفَرُّ (١٠) كَلَّا لَا وَزَرَ (١١) إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ (١٢) يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ (١٣) بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (١٤) وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ (١٥)﴾\nقد تقدم غير مرة أن المقسم عليه متى كان منتفيًا، جاز الإتيان بـ\"لا\" قبل القسم لتأكيد النفي. والمقسوم عليه هاهنا هو إثبات العاد، والردّ على ما يزعمه الجهلة من العباد من عدم بَعث الأجساد، ولهذا قال تعالى: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (١) وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾ قال الحسن: أقسم بيوم القيامة، ولم يقسم بالنفس اللوامة. وقال قتادة: بل أقسم بهما جميعًا. هكذا حكاه ابن أبي حاتم. وقد حكى ابن جرير، عن الحسن والأعرج أنهما قرأا: ﴿لأُقْسِمُ﴾ [¬١] وهذا يوجه قول الحسن؛ لأنه أثبت القسم بيوم القيامة، ونفى القسم بالنفس اللوامة. والصحيح أنه أقسم بهما جميعًا، كما قاله قتادة، ﵀، وهو المروي عن ابن عباس، وسعيد بن جبير، واختاره ابن جرير. فأما يوم القيامة فمعروف، وأما النفس اللوامة؛ فقال قرة بن خالد، عن الحسن البصري في هذه الآية: إنّ المؤمن - والله - ما نراه إلا يلوم نفسه: ما أردت بكلمتي؟ ما أردت بأكلتي؟ ما أردت بحديث نفسي؟ وإن الفاجر يمضي قُدُمًا قُدُمًا ما يعاتب نفسه.\nوقال جويبر: بلغنا عن الحسن أنه قال في قوله: ﴿وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾، قال: ليس أحد من أهل السموات والأرض إلا يلوم نفسه يوم القيامة.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن صالح بن مسلم، عن إسرائيل، عن سماك؛ أنه سأل عكرمة عن قوله: ﴿وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾، قال: يلوم على الخير\n_________\n[¬١]- في حاشية ز، وحاشية خ: \"لعله: ﴿وَلأُقْسِمُ بِالنَّفْسِ﴾ على أحد الوجهين عن ابن كثير.","vol":"14","page":192},{"text":"والشر: لو فعلت كذا وكذا.\nورواه ابن جرير (١)، عن أبي كُرَيب، عن وكيع عن إسرائيل به.\nوقال ابن جرير (^٢): حدثنا محمد بن بشار، حدثنا مؤمل، حدثنا سفيان، عن ابن جُرَيج، عن الحسن بن مسلم، عن سعيد بن جبير في: ﴿وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾، قال: تلوم على الخير والشر.\nثم رواه من وجه آخر (^٣) عن سعيد أنه سأل ابن عباس عن ذلك، فقال: هي النفس اللئوم.\nوقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد: تندم على ما فات وتلوم عليه. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿اللَّوَّامَةِ﴾: المذمومة [¬١]. وقال قتادة: ﴿اللَّوَّامَةِ﴾: الفاجرة.\nقال ابن جرير: وكل هذه الأقوال متقاربة بالمعنى، والأشبة بظاهر التنزيل أنها التي تلوم صاحبها على الخير والشر، وتندم على ما فات.\nوقوله: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ﴾، أي: يوم القيامة، أيظن أنا لا نقدر على إعادة عظامه وجمعها من أماكنها المتفرقة؟ ﴿بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾ - قال سعيد بن جُبَير والعَوفي، عن ابن عباس: أن نجعله خفًّا أو حافرًا [¬٢].\nوكذا قال مجاهد، وعكرمة، والحسن، وقتادة، والضحاك، وابن جرير. ووجَّهه ابنُ جرير بأنه تعالى لو شاء لجعل ذلك في الدنيا.\nوالظاهر من الآية أن قوله ﴿قَادِرِينَ﴾ حال من قوله: ﴿نَجْمَعَ﴾، أي: أيظن الإنسان أنا لا نجمع عظامه؟ بلى سنجمعها قادرين على أن نُسَوِّي بنانه، أي: قدرتنا صالحة لجمعها، ولو شئنا لبعثناه أزيد مما كان، فنجعل بنانه - وهي أطراف أصابعه - مستوية. وهذا معنى قول ابن قتيبة، والزجاج.\nوقوله: ﴿بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ﴾ - قال سعيد، عن ابن عباس: يعني يمضي قُدُمًا.\nوقال العوفي، عن ابن عباس: ﴿لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ﴾ يعني الأمل [¬٣]، يقول الإنسان. أعمل ثم أتوب قبل يوم القيامة، ويقال: هو الكفر بالحق بين يدي القيامة.\n_________\n(^٢) تفسير الطبري (٢٩/ ١٧٤).\n(^٣) تفسير الطبري في الموضع السابق.\n_________\n[¬١]- في ز: مذمومة.\n[¬٢]- في ز: حايفًا.\n[¬٣]- في ز: الإبل.","vol":"14","page":193},{"text":"وقال مجاهد: ﴿لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ﴾: يمضى أمامه راكبًا رأسه. وقال الحسن: لا يلقى [¬١] ابنُ آدم إلا تنزع نفسه إلى معصية الله قُدُمًا قُدُمًا، إلا من عصمه الله.\nوروي عن عكرمة، وسعيد بن جبير، والضحاك، والسدي، وغير واحد من السلف: هو الذي يُعجِّل الذنوبَ ويُسوِّف التوبة. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: هو الكافر يكذِّب بيوم الحساب.\nوكذا قال ابن زيد، وهذا هو الأظهر من المراد، ولهذا قال بعده: ﴿يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ﴾، أي: يقول متى يكون يوم القيامة؟ وإنما سؤاله سؤال استبعاد لوقوعه وتكذيب لوجوده، كما قال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٩) قُلْ لَكُمْ مِيعَادُ يَوْمٍ لَا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلَا تَسْتَقْدِمُونَ﴾.\nوقال تعالى هاهنا: ﴿فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ﴾ - قال أبو عمرو بن العلاء: (بَرق) -بكسر الراء- أي: حار. وهذا الذي قاله شبيه بقوله تعالى: ﴿لَا يَرْتَدُّ إِلَيهِمْ طَرْفُهُمْ﴾، بل ينظرون من الفزع هكذا وهكذا، لا يستقر لهم بصر على شيء، من شدة الرعب.\nوقرأ آخرون: (بَرَق) بالفتح، وهو قريب في المعنى من الأول. والمقصود أن الأبصار تنبهر يوم القيامة، وتخشعُ وتحار وتذل من شدّة الأهوال، ومن عِظم ما يشاهده يوم القيامة من الأمور.\nوقوله: ﴿وَخَسَفَ الْقَمَرُ﴾، أي: ذهب ضوؤه، ﴿وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾. قال مجاهد: كُورا. وقرأ ابن زيد عند تفسير هذه الآية: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١) وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ﴾. وروي عن ابن مسعود أنه قرأ: ﴿وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾.\nوقول: ﴿يَقُولُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَينَ الْمَفَرُّ﴾، أي: إذا عانى ابنُ آدمَ هذه الأهوال يوم القيامة حينئذ [يريد أن] [¬٢] يفر ويقول: أين المفر؟ أي: هل من ملجأ أو موئل؟ قال الله تعالى: ﴿كَلَّا لَا وَزَرَ (١١) إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ﴾.\nقال ابن مسعود، وابن عباس، وسعيد بن جبير، وغير واحد من السلف: أي لا نجاة.\nوهذه كقوله: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَإ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ﴾، أي: ليس لكم مكان تتنكرون [¬٣] فيه، [وكذا قال هاهنا: ﴿كَلَّا لَا وَزَرَ﴾، أي: ليس لكم مكان تعتصمون فيه] [¬٤]\n_________\n[¬١]- في ز: لا يكف. وفي خ: لا يكفي.\n[¬٢]- سقط من ز، خ.\n[¬٣]- في ز، خ: تعتصمون.\n[¬٤]- سقط من ز، خ.","vol":"14","page":194},{"text":"ولهذا قال: ﴿إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ﴾، أي: المرجع والمصير.\nثم قال تعالى: ﴿يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾، أي: يخبر بجميع أعماله قديمها وحديثها، أولها وآخرها، [صغيرها وكبيرها، كما قال تعالى: ﴿وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾] [¬١].\nوهكذا قال هاهنا: ﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (١٤) وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾، أي: هو شهيد على نفسه، عالم بما فعله ولو اعتذر وأنكر، كما قال تعالى: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيكَ حَسِيبًا﴾. قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾، يقول: سمعهُ وبصرهُ [ويداه ورجلاه] [¬٢] وجوارحُه. وقال قتادة: شاهد على نفسه. وفي رواية قال: إذا شئت والله رأيته بصيرًا بعيوب الناس وذنوبهم، غافلًا عن ذنوبه [¬٣]، وكان يقال: إن في الإنجيل مكتوبًا: يا بن آدم، تُبصر القَذَاة في عين أخيك، وتترك الجِذْل [¬٤] في عينك لا تبصره.\nوقال مجاهد: ﴿وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾: ولو جادل عنها فهو بصير عليها. وقال قتادة: ﴿وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾: ولو اعتذر يومئذ بباطل لا يقبل منه. وقال السدي: ﴿وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾: حجته. وكذا قال ابن [¬٥] زيد، والحسن البصري، وغيرهم. واختاره ابن جرير.\nوقال قتادة، عن زرارة، عن ابن عباس: ﴿وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾، يقول: لو ألقى ثيابه [¬٦].\nوقال الضحاك: ولو أرخى ستوره، وأهل اليمن يسمون الستر: المعذار [¬٧].\nوالصحيح قول مجاهد وأصحابه، كقوله: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إلا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾، وكقوله: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيءٍ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾.\nوقال العوفي، عن ابن عباس: ﴿وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾، هي: الاعتذار، ألم تسمع أنه قال: ﴿لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ﴾، وقال: ﴿وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ﴾، ﴿[فَأَلْقَوُا السَّلَمَ] [¬٨] مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ﴾ وقولهم: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾.\n_________\n[¬١]- سقط من ز، خ.\n[¬٢]- في ز، خ: ويديه ورجليه.\n[¬٣]- في ز: ذنبه.\n[¬٤]- في ز: الجدح. وفي خ: الجذع.\n[¬٥]- في ز: أبو.\n[¬٦]- في ز: بهتانه.\n[¬٧]- في ز: العذار.\n[¬٨]- سقط من خ.","vol":"14","page":195},{"text":"﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَينَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَينَا بَيَانَهُ (١٩) كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ (٢٠) وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ (٢١) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ (٢٤) تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ (٢٥)﴾\nهذا تعليم من الله ﷿ لرسوله ﷺ في كيفية تلقيه الوحي من الملك، فإنه كان يبادر إلى أخذه ويسابقُ [¬١] المَكَ في قراءته، فأمره الله ﷿ إذا جاءه الملك بالوحي أن يستمع له، وتكفل له أن يجمعه في صدره، وأن ييسره لأدائه على الوجه الذي ألقاه إليه، وأن يبينه له ويفسره ويوضحه.\nفالحالة الأولى: جمعه في صدره، والثانية: تلاوته، والثالثة: تفسيره وإيضاح معناه.\nولهذا قال: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾، أي: بالقرآن، كما قال: ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾.\nثم قال: ﴿إِنَّ عَلَينَا جَمْعَهُ﴾، أي: في صدرك، ﴿وَقُرْآنَهُ﴾، أي: أن [¬٢] تقرأه، ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ﴾، أي: إذا تلاه عليك الملك عن الله ﷿ ﴿فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾، أي: فاستمع له ثم اقرأه كما أقرأك، ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَينَا بَيَانَهُ﴾، أي: بعد حفظه وتلاوته نبينه لك ونوضحه، ونلهمك معناه على ما أردنا وشرعنا.\nوقال الإمام أحمد (^٤): حدثنا عبد الرحمن، عن أبي عوانة، عن موسى بن أبي عائشة، عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس؛ قال: كان رسول الله ﷺ يعالج من التنزيل شدة، فكان [¬٣] يحرك شفتيه، قال: فقال لي ابن عباس: أنا أحرك شفتي كما كان رسول الله ﷺ يحرك شفتيه.\nوقال لي سعيد: وأنا أحرك شفتي كما رأيت ابن عباس يحرك شفتيه، فأنزل الله ﷿: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَينَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾، قال: جمعه في صدرك، ثم تقرؤه، ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾: فاستمع [¬٤] له وأنصت، ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَينَا بَيَانَهُ﴾. فكان بعد ذلك\n_________\n(^٤) المسند (١/ ٣٤٣) (٣١٩١).\n_________\n[¬١]- في ز: ويسارق. وفي خ: ويساوق.\n[¬٢]- سقط من ز.\n[¬٣]- في ز: وكان.\n[¬٤]- في ز: فاسمع.","vol":"14","page":196},{"text":"إذا انطلق جبريل قرأه كما أقرأه.\nوقد رواه البخاري ومسلم (^٥)، من غير وجه، عن موسى بن أبي عائشة به.\nولفظ البخاري: فكان إذا أتاه جبريل أطرق، فإذا ذهب قرأه كما وعد [¬١] الله ﷿.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو يحيى التيمي، حدثنا موسى بن أبي عائشة، عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس؛ قال: كان رسول الله ﷺ إذا نزل عليه الوحي يلقى منه شدة، وكان إذا نزل عليه عُرف في تحريكه شفتيه، يتلقى أوله ويحرك شفتيه خشية أن ينسى أوله قبل أن يفرغ من آخره، فأنزل الله: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾.\nوهكذا قال الشعبي، والحسن البصري، وقتادة، ومجاهد، والضحاك، وغير واحد: إن هذه الآية نزلت في ذلك.\nوقد روى ابن جرير (^٦) من طريق العَوفي، عن ابن عباس: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾، قال: كان لا يفتر من القراءة مخافة أن ينساه، فقال الله: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَينَا﴾ [أن نجمعه لك] [¬٢] ﴿وَقُرْآنَهُ﴾، أن نقرئك فلا تنسى.\nوقال ابن عباس وعطية العوفي: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَينَا بَيَانَهُ﴾: تبين [¬٣] حلاله وحرامه. وكذا قال قتادة.\nوقوله: ﴿كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ [¬٤] الْعَاجِلَةَ (٢٠) وَتَذَرُونَ [¬٥] الْآخِرَةَ﴾، أي: إنّما يحملهم على التكذيب بيوم القيامة ومخالفة ما أنزل الله ﷿ على رسوله ﷺ من الوحي الحق والقرآن العظيم - أنهم إنما همتهم إلى الدار الدنيا العاجلة، وهم لاهون متشاغلون عن الآخرة.\nثم قال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾، من النضارة، أي: حسنة بَهِيَّة مشرقة مسرورة،\n_________\n(^٥) - صحيح البخاري، باب: بدء الوحي، باب: (٤)، حديث (٥) (١/ ٢٩). وأطرافه في [٤٩٢٧، ٤٩٢٨، ٤٩٢٩، ٥٠٤٤، ٧٥٢٤]. ومسلم في باب: الصلاة، باب: الاستماع للقراءة، حديث (١٤٧، ١٤٨/ ٤٤٨).\n(^٦) تفسير الطبري (٢٩/ ١٨٨).\n_________\n[¬١]- في ز: وعد.\n[¬٢]- في ز، خ: جمعه.\n[¬٣]- سقط من ز.\n[¬٤]- في ز: يحبون.\n[¬٥]- في ز: ويذرون.","vol":"14","page":197},{"text":"﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾، أي: تراه عيانًا، كما رواه البخاري (^٧) ﵀ في صحيحه: \"إنكم سترون ربكم عيانًا\".\nوقد ثبت رؤية المؤمنين لله ﷿ في الدار الآخرة في [¬١] الأحاديث الصحاح، من طرق متواترة عند أئمة الحديث، لا يمكن دفعها ولا منعها؛ لحديث أبي سعيد وأبي هريرة - وهما في الصحيحين (^٨) -: أن ناسًا قالوا: يا رسول الله؛ هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال: \"هل تضارون في رؤية الشمس والقمر ليس دونهما سحاب؟ \" قالوا: لا. قال: \"فإنكم تَرَون ربكم كذلك\". وفي الصحيحين (^٩) عن جرير قال: نظر رسول الله ﷺ إلى القمر ليلة البدر؛ فقال: \"إنكم تَرَون ردكم كما تَرَون هذا القمر، فإن استطعتم أن لا تُغلَبوا على صلاة قبل طلوع الشمس ولا قبل غروبها فافعلوا\".\nوفي الصحيحين (^١٠) عن أبي موسى؛ قال: قال رسول الله ﷺ: \"جنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما، وجنتان من فضة آنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى الله إلّا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن\".\nوفي أفراد مسلم (^١١)، عن صهيب، عن النبي ﷺ؛ قال: \"إذا دخل أهلُ الجنة الجنة؛ قال: يقول الله تعالى: تريدون شيئًا أزيدكم؟ فيقولون: ألم تُبَيّض وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة وتنجنا من النار؟ قال: فيكشف الحجاب، فما أعطوا شيئًا أحبّ إليهم من النظر إلى ربهم، وهي الزيادة\". ثم تلا هذه الآية: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾.\n_________\n(^٧) صحيح البخاري باب: التوحيد، باب: قول الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾، حديث (٧٤٣٥) (١٣/ ٤١٩).\n(^٨) أخرجه البخاري في كتاب: التوحيد، باب: قول الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾، حديث (٧٤٣٧، ٧٤٣٨) (١٣/ ٤١٩ - ٤٢٠). ومسلم في كتاب: الإيمان، باب: معرفة طريق الرؤية، حديث (٢٩٩/ ١٨٢) (٣/ ٢٢ - ٣١).\n(^٩) أخرجه البخاري في كتاب: مواقيت الصلاة، باب: فضل صلاة العصر، حديث (٥٥٤) (٢/ ٣٣). وأطرافه في [٥٧٣، ٤٨٥١، ٧٣٤٣، ٧٤٣٥، ٧٤٣٦]. ومسلم في كتاب: المساجد ومواضع الصلاة، باب: فضل صلاتي الصبح والعصر والمحافظة عليهما، حديث (٢١١، ٢١٢/ ٦٣٣) (٥/ ١٨٧ - ١٨٨).\n(^١٠) أخرجه البخاري في كتاب: التوحيد في الموضع السابق، حديث (٧٤٤٤) (١٣/ ٤٢٣)، وأخرجه مسلم في كتاب: الإيمان، باب: إثبات رؤية المؤمنين في الآخرة لربهم ﷾ حديث (٢٩٦/ ١٨٠).\n(^١١) أخرجه مسلم في كتاب: الإيمان، باب: إثبات رؤية المؤمنين في الآخرة لربهم ﷾ حديث (٢٩٧، ٢٩٨/ ١٨١) (٣/ ٢١ - ٢٢).\n_________\n[¬١] سقط من ز.","vol":"14","page":198},{"text":"وفي أفراد، مسلم (^١٢)، عن جابر في حديثه: \"إن الله يَتَجلّى للمؤمنين يضحك\" يعني في عرصات القيامة ففي هذه الأحاديث أن المؤمنين ينظرون إلى ربهم ﷿ في العرصات، وفي روضات الجنات.\nوقال الإمام أحمد (^١٣): حدثنا أبو معاوية، حدثنا عبد الملك بن أبجر، حدثنا [ثُوير] [¬١] بن أبي [فاختة] [¬٢]، عن ابن عمر؛ قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن أدنى أهل الجنة منزالة لينظر في ملكه ألفي سنة، يرى أقصاه كما يرى أدناه، ينظر إلى أزواجه وخدمه، وإن أفضلهم منزلة لينظر في وجه الله كل يوم مرتين\".\nورواه الترمذي عن عبد بن حميد، عن شبابة، عن إسرائيل، عن ثوير قال: \"سمعت ابن عمر … \". فذكره، قال: \"رواه عبد الملك بن أبجر، عن ثُوَير، عن مجاهد، عن ابن عمر، قوله\". وكذلك رواه الثوري، عن ثُوَير، عن مجاهد، عن ابن عمر، ولم يرفعه. ولولا خشية الإطالة لأوردنا الأحاديث بطرقها وألفاظها من الصحاح والحسان والمسانيد والسنن، ولكن ذكرنا ذلك مفرقًا في مواضعَ من [¬٣] هذا التفسير، وبالله التوفيق.\nوهذا بحمد الله مجمع عليه بين الصحابة والتابعين وسلف هذه الأمة، كما هو متفق عليه بين أئمة الإسلام، وهُداة الأنام.\nومن تأول [¬٤] ذلك بأن المراد: (إلى [¬٥] مفرد الآلاء، وهي النعم، كما قال الثوري، عن منصور، عن مجاهد: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾، فقال: تنتظر الثواب من ربها.\nرواه ابن جرير (^١٤) من غير وجه عن مجاهد.\nوكذا قال أبو صالح أيضًا فقد [¬٦] أبعد هذا القائل النجعة، وأبطل فيما ذهب إليه. وأين هو من قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾؟ قال الشافعي؛ ﵀: ما حَجَب الفجار إلا وقد عَلِم أن الأبرار يرونه، ﷿. ثم قد تواترت الأخبار عن رسول الله ﷺ بما دل عليه سياق الآية الكريمة، وهي قوله: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾. قال\n_________\n(^١٢) صحيح مسلم في كتاب: الإيمان، باب: أدنى أهل الجنة منزلة فيها، حديث (٣١٤/ ١٩٠) (٣/ ٥٧ - ٥٨).\n(^١٣) المسند (٢/ ١٣) (٤٦٢٣). والترمذي في تفسير القرآن، باب: ومن سورة القيامة، حديث (٣٣٢٧) (٩/ ٦١٧) وضعفه أحمد شاكر في تعليقه على المسند.\n(^١٤) تفسير الطبري (٢٩/ ١٩٢).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: يزيد.\n[¬٢]- في خ: باحتة. وفي ز لا نقط.\n[¬٣]- في ز: في.\n[¬٤]- في ز: تأمل.\n[¬٥]- في ز: بإلى.\n[¬٦]- في ز: وقد.","vol":"14","page":199},{"text":"ابن جرير (^١٥): حدثنا محمد بن إسماعيل البخاري، حدثنا آدم، حدثنا المبارك، عن الحسن: \" ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾، قال: حسنة، ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾، قال: تنظر إلى الخالق، وحُق [¬١] لها أن تَنضُر وهي تنظر إلى الخالق.\nوقوله: ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ (٢٤) تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ﴾: هذه وجوه الفجار تكون يوم القيامة باسرة، قال قتادة: كالحة. وقال السدى: تغير ألوانها. وقال ابن زيد ﴿بَاسِرَةٌ﴾، أي: عابسة.\n﴿تَظُنُّ﴾، أي: تستيقن ﴿أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ﴾، قال مجاهد: داهية [¬٢]. وقال قتادة: شر. وقال السدي: تستيقن أنها هالكة. وقال ابن زيد: تظن أن ستدخل النار. وهذا المقام كقوله: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾. وكقوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (٣٨) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (٣٩) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيهَا غَبَرَةٌ (٤٠) تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ (٤١) أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ﴾، وكقوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ (٢) عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ (٣) تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً﴾ إلى قوله: ﴿وُجُوهٌ [¬٣] يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ (٨) لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ (٩) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ﴾، في أشباه ذلك من الآيات والسياقات.\n﴿كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ (٢٦) وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ (٢٧) وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ (٢٨) وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ (٢٩) إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ (٣٠) فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى (٣١) وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (٣٢) ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى (٣٣) أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٤) ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٥) أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (٣٦) أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى (٣٧) ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى (٣٨) فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَينِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٣٩) أَلَيسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى (٤٠)﴾\nيخبر تعالى عن حالة الاحتضار وما عنده من الأهوال - ثبتنا الله هناك بالقول الثابت - فقال تعالى: ﴿كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ﴾، إن جعلنا ﴿كَلَّا﴾ رادعة فمعناها: لست يا بن آدم تكذب هناك بما أخبرت به، بل صار ذلك عندك عيانًا. وإن جعلناها بمعنى (حقًّا) فظاهر، أي: حقًّا إذا بلغت التراقي، أي: انتزعت روحك من جسدك وبلغت تراقيك. والتراقي: جمع\n_________\n(^١٥) تفسير الطبري (٢٩/ ١٩٢).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: وعن.\n[¬٢]- في خ: ذاهبة.\n[¬٣]- في ز: ووجوه.","vol":"14","page":200},{"text":"ترقوة، وهي العظام التي بين ثغرة النحر والعاتق، كقوله: ﴿فَلَوْلَا [¬١] إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (٨٣) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (٨٤) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ (٨٥) فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيرَ مَدِينِينَ (٨٦) تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.\nوهكذا قال هاهنا: ﴿كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ﴾، ونذكر هاهنا حديث بُسْر بن جِحَاش [¬٢] (^١٦) الذي تقدم في سورة \"يس\". والتراقى: جمع ترقوة، وهي قريبة من الحلقوم.\n﴿وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ؟﴾ قال: عكرمة، عن ابن عباس: أي مَن راق يرقي؟ وكذا قال أبو قلابة ﴿وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ﴾، أي: من طبيب شاف. وكذا قال قتادة، والضحاك، وابن زيد.\nوقال ابن أبي حاتم (^١٧): حدثنا أبي، حدثنا نصر بن علي، حدثنا روح بن المسيب أبو رجاء الكلبي، حدثنا عمرو بن مالك، عن أبي الجوزاء، عن ابن عباس: ﴿وَقِيلَ: مَنْ رَاقٍ﴾، قال: قيل: من يرقى بروحه ملائكة الرحمة أم ملائكة العذاب؟ فعلى هذا يكون من كلام الملائكة.\nوبهذا الإسناد (^١٨)، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ﴾، [قال: التفت عليه الدنيا والآخرة.\nوكذا قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ﴾،] [¬٣] يقول: آخر يوم من أيام الدنيا، وأول يوم من أيام الآخرة، فتلتقى الشدة بالشدة إلا من رحم الله.\nوقال عكرمة: ﴿وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ﴾. الأمر العظيم بالأمر العظيم. وقال مجاهد: بلاء ببلاء. وقال الحسن البصري في قوله: ﴿وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ﴾: هما ساقاك إذا التفتا. وفي رواية عنه: ماتت [¬٤] رجلاه فلم تحملاه، وقد كان عليهما جوالًا. وكذا قال السدي، عن أبي مالك. وفي رواية عن الحسن: هو لفهما في الكفن. وقال الضحاك: ﴿وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ﴾، اجتمع عليه أمران: الناس يجهزون جسده، والملائكة يجهزون روحه.\nوقوله: ﴿إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ﴾، أي: المرجع والمآب، وذلك أن الروح ترفع إلى السماوات، فيقول الله ﷿: ردّوا عبدي إلى الأرض، فإني منها خلقتهم، وفيها أعيدهم، ومنها أخرجهم تارة أخرى. كما ورد في حديث البراء الطويل.\n_________\n(^١٦) - تقدم في سورة يس، آية: (٧٧)، وفي سورة النحل، آية: (٤) أن النبي ﷺ بصق يومًا في كفه فوضع عليه أصبعه، ثم قال ﷺ \"قال الله تعالى: بني آدم تعجزني وقد خلقتك من مثل هذه … الحديث.\n(^١٧) أخرجه الطبري (٢٩/ ١٩٥) من طريق عمرو بن مالك به نحوه.\n(^١٨) أخرجه الطبري من طريق عمرو بن مالك (٢٩/ ١٩٥).\n_________\n[¬١]- في ز: كلا.\n[¬٢]- في ز، خ: حجاج.\n[¬٣]- سقط من ز.\n[¬٤]- في ز: ما ثبت.","vol":"14","page":201},{"text":"وقد قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ (٦١) ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾.\nوقوله: ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى (٣١) وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾: هذا إخبار عن الكافر الذي كان في الدار الدنيا مكذبًا للحق بقلبه، متوليا عن العمل بقالبه، فلا خير فيه باطنًا ولا ظاهرًا؛ ولهذا قال: ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى (٣١) وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (٣٢) ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى﴾، أي: جَذلًا أشرًا بَطرًا كسلانًا، لا همة له ولا عمل، كما قال: ﴿وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ [¬١]﴾.\nوقال: ﴿إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا (١٣) إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ﴾، أي: يرجع، ﴿بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا﴾. وقال الضحاك، عن ابن عباس: ﴿ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى﴾: يختال. وقال قتادة، وزيد ابن أسلم: يتبختر.\nقال الله تعالى: ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٤) ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾. وهذا تهديد ووعيد أكيد منه تعالى للكافر به المتبختر في مشيته، أي: يحق لك أن تمشي هكذا وقد كفرت بخالقك وبارئك، كما يقال في مثل هذا على سبيل التهكم والتهديد.\nكقوله: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾. وكقوله: ﴿كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ﴾. وكقوله: ﴿فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾. وكقوله: ﴿اعْمَلُوا [¬٢] مَا شِئْتُمْ﴾. إلى غير ذلك.\nوقد قال ابن أبي حاتم (^١٩): حدثنا أحمد بن سنان الواسطي، حدثنا عبد الرحمن -يعني: ابن مهدي، عن إسرائيل، عن موسى بن أبي عائشة؛ قال: سألت سعيد بن جبير، قلت: ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٤) ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾؟ قال: قال النبي ﷺ لأبي جهل، ثم نزل به القرآن.\nوقال أبو عبد الرحمن النسائي (^٢٠): حدثنا [يعقوب بن إبراهيم] [¬٣]، حدثنا أبو النعمان، حدثنا أبو عوانة (ح) وحدثنا أبو داود: حدثنا محمد بن سليمان، حدثنا أبو عوانة، عن\n_________\n(^١٩) أخرجه الطبري (٢٩/ ٢٠٠) من طريق موسى بن أبي عائشة بنحوه.\n(^٢٠) أخرجه النسائي في الكبرى في كتاب: التفسير، باب: قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾، حديث (١١٦٣٨) (٤/ ٥٠٦).\n_________\n[¬١]- في ز: فاكهين.\n[¬٢]- في ز: اعملوا.\n[¬٣]- عند النسائي: إبراهيم بن يعقوب.","vol":"14","page":202},{"text":"موسى ابن أبي عائشة، عن سعيد بن جبير؛ قال: قلت لابن عباس: ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾؟ قال: قاله رسول الله ﷺ ثم أنزله الله ﷿.\nقال ابن أبي حاتم (^٢١): وحدثنا أبي، حدثنا، هشام بن خالد، حدثنا شعيب بن إسحاق، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٤) ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾، وعيد على إثر وعيد، كما تسمعون [] [¬١]، وزعموا أن عدو الله أبا جهل أخذ نَبيّ الله بمجامع ثيابه، ثم قال: ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٤) ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾. فقال عدو الله أبو [¬٢] جهل: أتوعدني يا [¬٣] محمد؟ والله لا تستطيع أنت ولا ربك شيئًا، وإنّي لأعز من مشى بين جبليها.\nوقوله: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾، قال السدي: يعني لا يبعث.\nوقال مجاهد، والشافعي، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم: يعني لا يؤمر ولا ينهى.\nوالظاهر أن الآية تعم الحالين، [أي: ليس يترك في هذه الدنيا مهملًا لا يؤمر ولا ينهى] [¬٤]، ولا يترك في قبره سدى لا يبعث، بل هو مأمور منهي في الدنيا، محشور إلى الله في دار الآخرة.\nوالمقصود هنا إثبات المعاد، والرد على من أنكره من أهل الزيغ والجهل والعناد؛ ولهذا قال مستدلًّا على الإعادة بالبداءة فقال: ﴿أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى﴾؟ أي: أما كان الإنسان نطفة ضعيفة من ماء مهين، يمنى يراق من الأصلاب في الأرحام. ﴿ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى﴾، أي: فصار علقة، ثم مضغة، ثم شُكّل ونفخ فيه الروح، فصار خلقًا آخر سَويًّا سليم الأعضاء، ذكرًا أو أنثى بإذن الله وتقديره؛ ولهذا قال: ﴿فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَينِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾.\nثم قال: ﴿أَلَيسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى؟﴾، أي: أما هذا الذي أنشأ هذا الخلق السوي من هذه النطفة الضعيفة بقادر على أن يعيده كما بدأه؟ وتناولُ القدرة للإعادة إما بطريق الأولى بالنسبة إلى البداءة، وإما مساوية على القولين في قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيهِ﴾. والأول أشهر كما تقدم في \"سورة الروم\" بيانه وتقريره، والله أعلم.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن محمد بن [¬٥] الصباح، حدثنا شبابة، عن شعبة، عن\n_________\n(^٢١) ذكره السيوطي بنحوه في الدر المنثور (٦/ ٤٧٨) وعزاه إلى عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة به.\n_________\n[¬١]- في خ: وتزعمون.\n[¬٢]- في ز: أبا.\n[¬٣]- سقط من ز.\n[¬٤]- سقط من خ.\n[¬٥]- بياض في ز، خ.","vol":"14","page":203},{"text":"موسى بن أبي عائشة، عن آخر: أنه كان فوق سطح يقرأ ويرفع صوته بالقرآن، فإذا قرأ: ﴿أَلَيسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى؟﴾ قال: سبحانك اللَّهم؛ فبلى [¬١]. فسئل عن ذلك فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول ذلك.\nوقال أبو داود ﵀ (^٢٢): حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن موسى بن أبي عائشة، قال: كان رجل يصلي فوق بيته، فكان إذا قرأ: ﴿أَلَيسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى؟﴾. قال: سبحانك، فبلى. فسألوه عن ذلك فقال: سمعته من رسول الله ﷺ.\nتفرد به أبو داود، ولم يسم هذا الصحابي، ولا يضر ذلك.\nوقال أبو داود (^٢٣) أيضًا: حدثنا عبد الله بن محمد الزهري، حدثنا سفيان، حدثني إسماعيل بن أمية: سمعت أعرابيًّا يقول: سمعت أبا هُرَيرة يقول: قال رسول الله ﷺ: \"من قرأ منكم بالتين والزيتون فانتهى إلى آخرها: ﴿أَلَيسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ؟﴾ فليقل: بلى، وأنا على ذلك من الشاهدين. ومن قرأ: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ فانتهى إلى: ﴿أَلَيسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى؟﴾ فليقل: بلى. ومن قرأ: ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ﴾ فبلغ: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ؟﴾ فليقل: آمنا بالله\".\nورواه أحمد، عن سفيان بن عيينة.\nورواه الترمذي عن ابن أبي [¬٢] عمر، عن سفيان بن عيينة.\nوقد رواه شعبة، عن إسماعيل بن أمية؛ قال: قلت له: من حدثك؟ قال رجل صدق، عن أبي هريرة.\nوقال ابن جرير (^٢٤): حدثنا بشر، حدثنا يزيد، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿أَلَيسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾؟: ذُكِرَ لنا أن رسول الله ﷺ كان إذا قرأها قال: \"سبحانك، وبلى [¬٣] \".\n_________\n(^٢٢) سنن أبي داود في كتاب: الصلاة، باب: الدعاء في الصلاة، حديث (٨٨٤) (١/ ٢٣٣ - ٢٣٤). وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (٧٨٦).\n(^٢٣) سنن أبي داود في كتاب: الصلاة، باب: مقدار الركوع والسجود، حديث (٨٨٧) (١/ ٢٣٤).\nوالمسند (٢/ ٢٤٩) (٧٣٨٥). وسنن الترمذي في باب: التفسير، باب: ومن سورة التين، حديث (٣٣٤٤) (٩/ ٧٧ - ٧٨). وضعفه الألباني في ضعيف أبي داود (١٨٨).\n(^٢٤) تفسير الطبري (٢٩/ ٢٠١).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: فبكى.\n[¬٢]- سقط من ز، خ.\n[¬٣]- سقط من خ.","vol":"14","page":204},{"text":"قال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان الواسطي، حدثنا أبو أحمد الزبيري [¬١]، حدثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس؛ أنه مرَّ بهذه الآية: ﴿أَلَيسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى؟﴾، قال: سبحانك، فبلى [¬٢].\n[آخر تفسير سورة القيامة، ولله الحمد والمنة]\n* * *\n_________\n[¬١]- في ز: الزهري.\n[¬٢]- في خ: فبكى.","vol":"14","page":205},{"text":"<span data-type='title' id=toc-197>تفسير سورة الإنسان وهي مكية</span>\nقد تقدم في صحيح مسلم (^١)، عن ابن عباس - أن رسول الله ﷺ كان يقرأ في صلاة الصبح يومَ الجمعة ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ السجدة، و﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾.\nوقال عبد الله بن وهب، أخبرنا ابن زيد، أن رسول الله ﷺ قرأ هذه السورة: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾، وقد أنزلت عليه وعنده رجل أسود، فلما بلغ صفة الجنان، زفر زفرة فخرجت نفسه. فقال رسول الله ﷺ: \"أخرج نفس صاحبكم -أو قال: أخيكم- الشوقُ إلى الجنة\". مرسل غريب.\n﷽\n﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيئًا مَذْكُورًا (١) إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (٢) إِنَّا هَدَينَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (٣)﴾\nيقول تعالى مخبرًا عن الإنسان أنه أوجده بعد أن لم يكن شيئًا يذكر، لحقارته، وضعفه، فقال: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيئًا مَذْكُورًا﴾.\nثم بين ذلك فقال: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ﴾، أي: أخلاط. والمشج والمشيج: الشيء الخَليط، بعضه في بعض.\nقال ابن عباس في قوله: ﴿مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ﴾، يعني: ماء الرجل وماء المرأة إذا اجتمعا واختلطا، ثم ينتقل بعدُ من طور إلى طور، وحال إلى حال، ولون إلى لون. وهكذا قال عكرمة، ومجاهد، والحسن، والربيع بن أنس: الأمشاج هو اختلاط ماء الرجل بماء المرأة.\nوقوله: ﴿نَبْتَلِيهِ﴾، أي: نختبره، كقوله: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾. ﴿فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾، أي: جعلنا له سمعًا وبصرًا يتمكن بهما من الطاعة والمعصية.\nوقوله: ﴿إِنَّا هَدَينَاهُ السَّبِيلَ﴾، أي: بيناه له ووضحناه وبصرناه به، كقوله: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَينَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾. وكقوله: ﴿وَهَدَينَاهُ النَّجْدَينِ﴾، أي: بينا له طريق الخير وطريق الشر. وهذا قول عكرمة، وعطية، وابن زيد، ومجاهد - في المشهور عنه -\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في أول سورة السجدة.","vol":"14","page":206},{"text":"والجمهور.\nورُوي عن مجاهد، وأبي صالح، والضحاك، والسدي أنهم قالوا في قوله: ﴿إِنَّا هَدَينَاهُ السَّبِيلَ﴾: يعني خروجه من الرحم. وهذا قول غريب، والصحيح المشهور الأول.\nوقوله: ﴿إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ منصوب على الحال من \"الهاء\" في قوله: ﴿إِنَّا هَدَينَاهُ السَّبِيلَ﴾: تقديره فهو في ذلك إما شقى وإما سعيد، كما جاء في الحديث الذي رواه مسلم (^٢)، عن أبي مالك الأشعري، قال: قال رسول الله ﷺ: \"كل الناس يغدو، فبائع نفسه فموبقها أو معتقها\". وتقدم في \"سورة الروم\"، عند قوله: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيهَا﴾ من رواية جابر بن عبد الله؛ قال: قال رسول الله ﷺ: \"كل مولود يولد على الفطرة حتى يُعرب عنه لسانه [فإذا أعرب عنه لسانه] [¬١]، فإما شاكرًا وإما كفورًا\" (^٣).\nوقال الإمام أحمد (^٤): حدثنا أبو عامر، حدثنا عبد الله بن جعفر، عن عثمان بن محمد، عن المقبري، عن أبي هُرَيرة عن النبي ﷺ؛ قال: \"ما من خارجٍ يخرج إلا ببابه رايتان: رايةُ بيد مَلَك، وراية بيد شَيطان، فإن خرج لما يُحِبّ الله اتبعَه الملك برايته، فلم يزل تحت راية الملك حتى يرجع إلى بيته. وإن خرج لما يُسخِط الله اتبعه الشيطان برايته، فلم يزل تحت راية الشيطان، حتى يرجع إلى بيته\".\nوقال الإِمام أحمد (^٥): حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن ابن خُثَيم، عن عبد الرحمن بن سابط، عن جابر بن عبد الله؛ أن النبي ﷺ قال لكعب بن عُجْرة: \"أعاذك الله من إمارة السفهاء\". قال: وما إمارة السفهاء؟ قال: \"أمراء يكونون من بعدي، لا يهتدون بهداي، ولا يستنون بسنتي، فمن صَدقهم بكذبهم وأعانهم على ظلمهم، فأولئك ليسوا مني ولست منهم، ولا يَرِدُون على حوضي، ومن لم يصدقهم بكذبهم ولم يُعنِهم على ظلمهم، فأولئك مني وأنا منهم، وسيردون على حوضي، يا كعب بن عُجرة: الصوم جنة، والصدقة تطفئ الخطيئة، والصلاة قُربان -أو قال: برهان. يا كعب بن عُجرةَ: إنه لا يدخل الجنة لحم نبت من سحت، النار أولى به، يا كعب: الناس غَاديان، فمبتاعُ [¬٢] نفسه فمعتقها، وبائع نفسه فموبقها\".\n_________\n(^٢) صحيح مسلم، كتاب: الطهارة، باب: فضل الوضوء، حديث (١/ ٢٢٣) (٣/ ١٢٥ - ١٢٦).\n(^٣) تقدم تخريجه في تفسير سورة الروم آية: ٣٠.\n(^٤) المسند (٨٢٦٩)، وصححه أحمد شاكر.\n(^٥) المسند (٣/ ٣٢١) (١٤٤٨٣).\n_________\n[¬١]- سقط من ز.\n[¬٢]- في ز: فبائع.","vol":"14","page":207},{"text":"ورواه عن عَفّان (^٦)، عن وُهَيب، عن عبد الله بن عثمان بن خثَيم به.\n﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا (٤) إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا (٥) عَينًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا (٦) يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا (٧) وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (٨) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا (٩) إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا (١٠) فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا (١١) وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا (١٢)﴾\nيخبر تعالى عما أرصده للكافرين من خَلقه به من السلاسل والأغلال والسعير، وهو اللَّهيب والحريق في نار جهنم، كما قال: ﴿إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ (٧١) فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ﴾.\nولما ذكر ما أعدّه لهؤلاء الأشقياء من السعير قال بعده: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا﴾، وقد علم ما في الكافور من التبريد والرائحة الطيبة، مع ما يضاف إلى ذلك من اللذاذة في الجنة.\nقال الحسن: برد الكافور في طيب الزنجبيل؛ ولهذا قال: ﴿عَينًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا﴾، أي: هذا الذي مُزج لهؤلاء الأبرار من الكافور هو عين يشرب بها المقربون من عباد الله صِرفًا بلا مزج وَيُرْوونَ [¬١] بها؛ ولهذا [¬٢] ضمن يشرَب \"يروى\" حتى عداه بالباء، ونصب ﴿عَينًا﴾ على التمييز.\nقال بعضهم: هذا الشراب في طيبه كالكافور. وقال بعضهم: هو من عين كافور. وقال بعضهم: يجوز أن يكون منصوبًا بـ ﴿يَشْرَبُ﴾. حكى هذه الأقوال الثلاثة ابن جرير.\nوقوله: ﴿يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا﴾، أي [¬٣]: يتصرفون فيها حيث شاءوا وأين شاءوا، من قصورهم ودورهم ومجالسهم ومحالهم. والتفجير هو الإنباع، كما قال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ\n_________\n(^٦) المسند (٣/ ٣٩٩) (١٥٣٢٤).\n_________\n[¬١]- في ز: ويسون.\n[¬٢]- في ز: هذا.\n[¬٣]- سقط من ز.","vol":"14","page":208},{"text":"نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا﴾. وقال: ﴿وَفَجَّرْنَا خِلَالهُمَا [¬١] نَهَرًا﴾. قال مجاهد: ﴿يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا﴾ يقودونها حيث شاءوا. وكذا قال عكرمة، وقتادة: وقال الثوري: يصرفونها حيث شاءوا.\nوقوله: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾، أي: يتعبدون لله فيما أوجبه عليهم من الطاعات الواجبة بأصل الشرع، وما أوجبوه على أنفسهم بطريق النذر.\nقال الإمام مالك (^٧)، عن طلحة بن عبد الملك الأيلي، عن القاسم بن مالك، عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ؛ قال: \"من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومق نذر أن يَعصي الله فلا يَعصِه\". رواه البخاري، من حديث مالك.\nويتركون المحرمات التي نهاهم عنها خيفة من سوء الحساب يوم المعاد، وهو اليوم الذي شره مستطير، أي: منتشر عام على الناس إلا من رَحِمَ الله.\nقال ابن عباس: فاشيًا. وقال قتادة: استطار - والله - شرّ ذلك اليوم حتى مَلأ السماوات والأرض. قال ابن جرير: ومنه قولهم: استطار الصَدع في الزجاجة واستطال. ومنه قول الأعشى:\nفَبَانَتْ [¬٢] وَقَد أسْأرت في الفُؤا … د صَدْعًا على نَأيها مُستَطيرًا\nيعني: ممتدًّا فاشيًا.\nوقوله: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ﴾، قيل: على حب الله تعالى. وجعلوا الضمير عائدًا إلى الله ﷿ لدلالة السياق [¬٣] عليه. والأظهر أن الضمير عائد على الطعام، أي: ويطعمون الطعام في حال محبتهم وشهوتهم له. قاله مجاهد، ومقاتل، واختاره ابن جرير، [كقوله تعالى: ﴿وَآتَى الْمَال عَلَى حُبِّهِ﴾.\nوكقرله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾] [¬٤].\nوروى البيهقي (^٨)، من طريق الأعمش، عن نافع؛ قال: مرض ابن عمر فاشتهى عنبًا أول ما\n_________\n(^٧) \" الموطأ\" كتاب: النذور والأيمان، باب: ما لا يجوز من النذور في معصية الله، حديث (٨) (١/ ٣٧٩). والبخاري في كتاب: الأيمان والنذر، باب: النذر في الطاعة، حديث (٦٦٩٦) (١١/ ٥٨١). وطرفه في [٦٧٠٠].\n(^٨) أخرجه البيهقي في السنن (٤/ ١٨٥) باب الزكاة، باب: ما ورد في قوله تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ =\n_________\n[¬١]- في ز: خلالها.\n[¬٢]- في ز: فباتت.\n[¬٣]- في ز: الضمير.\n[¬٤]- هذه العبارة مكانها في ز، خ بعد الفقرة القادمة.","vol":"14","page":209},{"text":"جاء العنب فأرسلت صفية - يعني امرأته - فاشترت عنقودًا بدرهم، فاتبع الرسولَ السائل [¬١]، فلما دخل به قال [¬٢] السائل: السائل. فقال ابن عمر أعطوه إياه. فأعطوه إياه. ثم أرسلت بدرهم آخر فاشترت عنقودًا فاتبع الرسول السائلُ: فلما دخل قال السائل: السائل. فقال ابن عمر: أعطوه إياه. فأعطوه إياه. فأرسلت صفية إلى السائل فقالت: والله إن عُدتَ لا تصيبُ منه خيرًا أبدًا. ثم أرسلت بدرهم آخر فاشترت به.\nوفي الصحيح (^٩): \" أفضل الصدقة أن تَصَدّقَ وأنت صحيح، شحيح، تأمل الغنى وتخشى الفقر\"، أي: في حال محبتك للمال وحرصك عليه وحاجتك إليه ولهذا قال تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ أما المسكين واليتيم فقد تقدم بيانهما وصفتهما. وأما الأسير فقال سعيد بن جبير، والحسن، والضحاك: الأسير: من أهل القبلة.\nوقال ابن عباس (^١٠): كان أسراؤهم يومئذ مشركين. ويشهد لهذا أن رسول الله ﷺ أمر أصحابه يوم بدر أن يكرموا الأسارى، فكانوا يقدمونهم على أنفسهم عند الغداء.\nوهكذا قال سعيد بن جبير، وعطاء، والحسن، وقتادة.\nوقد وصى رسول الله ﷺ بالإحسان إلى الأرقاء في غير ما حديث، حتى إنه كان آخر ما أوصى أن جعل يقول: \"الصلاةَ وما ملكت أيمانكم\" (^١١).\nوقال عكرمة: هم العبيد - واختاره ابن جرير - لعموم الآية للمسلم والمشرك.\nوقال مجاهد: هو المحبوس. أي: يطعمون لهؤلاء الطعام وهم يشتهونه ويحبونه، قائلين بلسان الحال: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ﴾، أي: رجاءَ ثواب الله ورضاه، ﴿لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾، أي: لا نطلب منكم مجازاة تكافئونا بها ولا أن تشكرونا [¬٣] عند الناس.\n_________\n= عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾.\n(^٩) أخرجه البخاري في كتاب: الزكاة، باب: فضل صدقة الشحيح الصحيح، حديث (١٤١٩) (٣/ ٢٨٤ - ٢٨٥). ومسلم في كتاب: الزكاة، باب: بيان أن أفضل الصدقة صدقة الصحيح الشحيح، حديث (٩٢، ٩٣/ ١٠٣٢) (٧/ ١٧٣ - ١٧٤). كلاهما من حديث أبي هريرة ﵁ به.\n(^١٠) أخرجه الطبراني في الكبير (٣٩٣/ ٢٢) (٩٧٧) والصغير (١/ ١٤٦) من حديث أبي عزيز بن عمير أخي مصعب بن عمير فذكر قصة في معنى ذلك. قال الهيثمي في \"المجمع\" (٦/ ٨٩): رواه الطبراني في الصغير والكبير وإسناده حسن.\n(^١١) تقدم تخريجه في تفسير سورة الحاقة، آية: (٣٤) برقم (٢٠).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: سائل.\n[¬٢]- في ز: فقال.\n[¬٣]- في ز: تشكروا منا.","vol":"14","page":210},{"text":"قال مجاهد وسعيد بن جبير: أما والله ما قالوه بألسنتهم، ولكن علم الله به من قلوبهم، فأثنى عليهم به ليرغب في ذلك راغب.\n﴿إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا﴾، أي: إنما نفعل هذا لعل الله أن يرحمنا ويتلقانا بلطفه، في اليوم العبوس القمطرير. قال عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿عَبُوسًا﴾: ضيقًا، ﴿قَمْطَرِيرًا﴾: طويلًا. وقال عكرمة وغيره، عنه، في قوله: ﴿يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا﴾، أي [¬١]: يعبس الكافر يومئذ حتى يسيل من بين عينيه عَرَق مثل القَطرَان.\nوقال مجاهد: ﴿عَبُوسًا﴾، العابس الشفتين ﴿قَمْطَرِيرًا﴾، قال: تقبيض الوجه بالبُسُور.\nوقال سعيد بن جبير، وقتادة: تعبس فيه الوجوه من الهول، ﴿قَمْطَرِيرًا﴾: تقليص الجيين وما بين العينين، من الهول.\nوقال ابن زيد: العبوس: الشر. والقمطرير: الشديد.\nوأوضح العبارات وأجلاها وأحلاها، وأعلاها وأولاها - قولُ ابن عباس ﵁.\nقال ابن جرير: والقمطرير هو: الشديد؛ يقال: هو يوم قمطرير ويوم قُمَاطِر، ويوم عَصِيب وعَصَبْصَب، وقد اقمطرّ اليومُ يقمطرّ اقمطرارًا، وذلك أشد الأيام وأطولها [¬٢] في البلاء والشدة، ومنه قول بعضهم.\nبَني عَمّنا هل تَذكُرونَ بَلاءَنَا … عَلَيكم إذَا ما كَانَ يَومُ قُمَاطرُ\nقال الله تعالى: ﴿فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا﴾، وهذا من باب التجانس البليغ، ﴿فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ﴾، أي: آمنهم مما خافوا منه، ﴿وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً﴾، أي: في وجوههم، ﴿وَسُرُورًا﴾، أي: في قلوبهم. قاله الحسن البصري، وقتادة، وأبو العالية، والربيع بن أنس.\nوهذه كقوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (٣٨) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ وذلك أن القلب إذا سر استنار الوجه، قال كعب بن مالك في حديثه الطويل: \"وكان رسول الله ﷺ إذا سُرّ، استنار وجهه حتى كأنه قطعة [¬٣] قَمَر] (^١٢).\nوقالت عائشةُ: \"دخل عَلَيّ رسول الله ﷺ مسرورًا تَبرُقُ أسَاريرُ\n_________\n(^١٢) أخرجه البخاري في باب: المناقب، باب: صفة النبي ﷺ حديث (٣٥٥٦) (٦/ ٥٦٥). ومسلم في كتاب: التوبة، باب: حديث توبة كعب بن مالك وصاحبيه، حديث (٥٣/ ٢٧٦٩) (١٧/ ١٤٧).\n_________\n[¬١]- في ز: قال.:\n[¬٢]- في ز: أطوله.\n[¬٣]- في ز: فلقة.","vol":"14","page":211},{"text":"وَجْهه … \" (^١٣) الحديث.\nوقوله: ﴿وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا﴾ أي: بسبب صبرهم أعطاهم ونَولهم وبَوأهم ﴿جَنَّةً وَحَرِيرًا﴾، أي: منزلًا رحبًا، وعيشًا رَغَدًا، ولباسًا حَسَنًا.\nوروى الحافظ ابن عساكر في ترجمة هشام بن سليمان الدّارَاني قال: قرئ على أبي [¬١] سليمان الداراني سورة: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾، فلما بلغ القاري إلى قوله: ﴿وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا﴾، قال: بما [¬٢] صبروا على ترك الشهوات في الدنيا، ثم أنشد:\nكَم قَتِيل بشَهوةٍ وأسير … أفّ مِنْ مُشتهى خِلَاف الجمِيل\nشَهوَات الإنْسان تورثه الذّلْ … وَتُلقيه في البَلَاء الطويل\n﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا (١٣) وَدَانِيَةً عَلَيهِمْ ظِلَالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا (١٤) وَيُطَافُ عَلَيهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا (١٥) قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا (١٦) وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا (١٧) عَينًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا (١٨) وَيَطُوفُ عَلَيهِمْ ولْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا (١٩) وَإِذَا رَأَيتَ ثَمَّ رَأَيتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا (٢٠) عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاورَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا (٢١) إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا (٢٢)﴾\nيخبر تعالى عن أهل الجنة وما هم فيه من النعيم المقيم، وما أسبغ عليهم من الفضل العَمِيم فقال: ﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ﴾. وقد تقدم الكلام على ذلك في \"سورة الصافات\" وذكر الخلاف في الاتكاء: هل هو الاضطجاع، أو التمرفق، أو التربع، أو التمكن في الجلوس؟ وأن الأرائك هي السرر تحت الحجال.\nوقوله: ﴿لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا﴾، أي: ليس عندهم حَر مزعج، ولا برد مؤلم، بل هي مزاج واحد دائم سرمَدي، ﴿لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا﴾.\n_________\n(^١٣) أخرجه البخاري في الموضع السابق برقم (٣٥٥٥). وأطرافه في [٣٧٣١، ٦٧٧٠، ٦٧٧١]. ومسلم في كتاب: الرضاع، باب: العمل بإلحاق القائف الولد، حديث (٣٨/ ١٤٥٩) (١٠/ ٥٩ - ٦٠).\n_________\n[¬١]- في ز: ابن.\n[¬٢]- في ز: لما.","vol":"14","page":212},{"text":"﴿وَدَانِيَةً عَلَيهِمْ ظِلَالُهَا﴾، أي: قريبة إليهم أغصانها، ﴿وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا﴾، أي: متى تعاطاه دنا القطْفُ إليه وتدلى من أعلى غصنه، كأنه سامع طائع، كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَجَنَى الْجَنَّتَينِ دَانٍ﴾. وقال تعالى: ﴿قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ﴾.\nقال مجاهد: ﴿وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا﴾: إن قام ارتفعت بقَدْره [¬١]، وإن قعد تَدَلتْ له [¬٢] حتى ينالها، وإن اضطجع تَدَلت له [¬٣] حتى ينالها، فذلك قوله: ﴿تَذْلِيلًا﴾.\nوقال قتادة: لا يرد أيديَهم عنها شوك ولا بُعدُ.\nوقال مجاهد: أرض الجنة من وَرق، وترابها المسك، وأصول شجرها من ذهب وفضة، وأفنانها من اللؤلؤ وَالرطب [¬٤] والزبرجد والياقوت، والوَرَق والثمر بين ذلك. فمن أكل منها قائمًا لم يؤذه، ومن أكل منها قاعدًا لم يؤذه، ومن أكل منها مضطجعًا لم يؤذه.\nوقوله: ﴿وَيُطَافُ عَلَيهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ﴾، أي: يطوف عليهم الخدمُ بأواني الطعام، وهي من [¬٥] فضة، وأكواب الشراب وهي الكيزان التي لا عرى لها ولا خراطيم.\nوقوله [¬٦]: ﴿كَانَتْ [¬٧] قَوَارِيرَا (١٥) قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ﴾، فالأول منصوب بخبر كان؛ أي [¬٨]: كانت قوارير. والثاني منصوب إما على البدلية، أو تمييز؛ لأنه أنَّه بقوله: ﴿قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ﴾.\nقال ابن عباس، ومجاهد، والحسن البصري، وغير واحد: بياض الفضة في صفاء الزجاج، والقوارير لا تكون إلا من زجاج. فهذه الأكواب هي من فضة، وهي مع هذا شفافة يرى ما في باطنها من ظاهرها، وهذا مما لا نظير له في الدنيا.\nقال ابن المبارك، عن إسماعيل، عن رجل، عن ابن عباس: ليس في الجنة شيء إلا قد أعطيتم في الدنيا شبهه إلا قوارير فضة. رواه ابن أبي حاتم.\nوقوله: ﴿قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا﴾، أي: على قدر ربهم، لا تزيد عنه ولا تنقص [¬٩]، بل هي مُعَدة لذلك، مقدرة بحسب ري صاحبها. هذا معنى قول ابن عباس، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وأبي صالح، وقتادة، وابن أبزى، وعبد الله بن عُبيد بن عمير، وقتادة، والشعبي، وابن زيد.\n_________\n[¬١]- في ز: بقدر.\n[¬٢]- في ز: تذللت.\n[¬٣]- في ز: تذللت.\n[¬٤]- سقط من ز.\n[¬٥]- سقط من ز.\n[¬٦]- في ز، خ: وهذه.\n[¬٧]- سقط من ز.\n[¬٨]- سقط من ز.\n[¬٩]- في ز: ينقص منه.","vol":"14","page":213},{"text":"وقاله ابن جرير وغير واحد. وهذا أبلغ في الاعتناء والشرف والكرامة. وقال العوفي، عن ابن عباس: ﴿قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا﴾، قدرت للكف.\nوهكذا قال الربيع بن أنس. وقال الضحاك على قدر أكُفّ الخُدام. وهذا لا ينافي القول الأول، فإنها مقدرة في القَدْر والري [¬١].\nوقوله: ﴿وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا﴾ أي: ويسقون -يعني الأبرار أيضًا- في هذه الأكواب ﴿كَأْسًا﴾، أي: خمرًا، ﴿كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا﴾، فتارة يمزَج لهم الشراب بالكافور وهو بارد، وتارة بالزنجبيل وهو حار، ليعتدل الأمر، وهؤلاء يمزج لهم من هذا تارة ومن هذا تارة.\nوأما المقربون فإنهم يشربون من كل منهما صِرفًا، كما قاله قتادة وغير واحد. وقد تقدم قوله: ﴿عَينًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾، وقال ها هنا: ﴿عَينًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا﴾ أي: الزنجبيل عين في الجنة تسمى سلسبيلا.\nقال عكرمة: اسم عين في الجنة. وقال مجاهد: سميت بذلك لسلاسة سيلها وحِدّة جَريها.\nوقال قتادة: ﴿عَينًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا﴾: عين سَلِسَة مُستَقِيد ماؤها.\nوحكى ابنُ جرير عن بعضهم أنها سميت بذلك لسلاستها في الحلق. واختار هو أنها تَعُم ذلك كله، وهو كما قال:\nوقوله تعالى: ﴿وَيَطُوفُ عَلَيهِمْ ولْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا﴾، أي: يطوف على أهل الجنة للخدْمَة ولدان من ولدان الجنة ﴿مُخَلَّدُونَ﴾، أي: على حالة واحدة مُخَلَّدون عليها، لا يتغيرون عنها، لا تزيد أعمارهم عن تلك السنن. ومن فسرهم بأنهم مُخَرّصُونَ في آذانهم الأقرطة، فإنما عبر عن المعنى بذلك؛ لأن الصغير هو الذي يليق له ذلك دون الكبير.\nوقوله: ﴿إِذَا رَأَيتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا﴾، أي: إذا رأيتهم في انتشارهم في قضاء حوائج السادة، وكثرتهم، وصباحة وجوههم، وحُسن ألوانهم وثيابهم وحليهم، حسبتهم لؤلؤا منثورًا. ولا يكون في التشبيه أحسن من هذا، ولا في المنظر أحسن من اللؤلؤ المنثور على المكان الحسن.\nقال قتادة، عن أبي أورب، عن عبد الله بن عمرو: ما من أهل الجنة من أحد إلا يسعى عليه ألف خادم، كل خادم على عمل ما عليه صاحبه.\n_________\n[¬١]- في ز: والذي.","vol":"14","page":214},{"text":"وقوله: ﴿وَإِذَا رَأَيتَ﴾، أي: وإذا رأيت يا محمَّد ﴿ثَمَّ﴾، أي: هناك، يعني في الجنة ونعيمها وَسَعَتها وارتفاعها وما فيها من الحَبرَة والسرور، ﴿رَأَيتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا﴾، أي: مملكة لله هُناك عظيمةً وسلطانًا باهرًا.\nوثبت في الصحيح (^١٤) أن الله تعالى يقول لآخر أهل النار خروجًا منها، وآخر أهل الجنة دخولا إليها: إن لك مثلَ الدنيا وعشرة أمثالها.\nوقد قَدمنا في الحديث المَروي من طريق ثُوَير بن أبي فاختة، عن ابن عمر (^١٥) قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن أدنى أهل الجنة منزلة لمن [¬١] ينظر في ملكة مسيرة ألفي سنة ينظر إلى [¬٢] أقصاه كما ينظر إلى [¬٣] أدناه\" باذا كان هذا عطاؤه تعالى لأدنى من يكون في الجنة، فما ظنك بما هو أعلى منزلة، وأحظى عنده تعالى.\nوقد روى الطبراني (^١٦) ها هنا حديثًا غَريبا جدًّا فقال: حدثنا علي بن عبد العزيز، حدثنا محمَّد بن عمار الموصلي، حدثنا عقبة [¬٤] بن سالم، عن أيوب بن عتبة، عن عطاء، عن ابن عمر قال: جاء رجل من الحبشة إلى رسول الله ﷺ فقال له رسول الله: \"سل واستفهم\". فقال: يا رسول الله، فُضّلْتُم علينا بالصور والألوان والنبوة، أفرأيت إن آمنتُ بما آمنت به وعملتُ بمثل ما عملتَ به، إني لكائن معكَ في الجنة؟ قال: \"نعم والذي نفسي بيده إنه لَيُرَى بياض الأسود في الجنة من مسيرة ألف عام\" ثم قال رسول الله ﷺ: فمن قال: لا إله إلا الله، كان له بها عَهد عند الله، ومن قال: سبحان الله وبحمده، كتب له مائة ألف حسنة، وأربعة وعشرون ألف حسنة\". فقال رجل: كيف نهلك بعد هذا يا رسول الله؟ فقال رسول الله ﷺ: \"إن الرجل ليأتى يوم القيامة بالعمل لو وُضِعَ على جبل لأثقله، فتقوم النعمة -أو: نعَم الله فتكاد تستنفد ذلك كله، إلا أن يَتَغَمده الله برحمته\" ونزلت هذه السورة: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾ إلى قوله: ﴿وَمُلْكًا كَبِيرًا﴾ فقال الحبشي: وإن عيني لترى ما ترى عيناك في الجنة؟ قال: \"نعم\". فاستبكى حتى فاضت نفسه. قال ابن عمر: فَلَقد رأيت رسول الله ﷺ يُدليه في\n_________\n(^١٤) أخرجه مسلم في كتاب: الإيمان، باب: أدنى أهل الجنة منزلة فيها، حديث (٣١١/ ١٨٨) (٣/ ٥٣ - ٥٤). من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.\n(^١٥) تقدم تخريجه في تفسير سورة القيامة، آية: ٢٣، برقم (١٣).\n(^١٦) المعجم الكبير (١٢/ ٤٣٦ - ٤٣٧) (١٣٥٩٥). قال الهيثمي في \"المجمع\" (١٠/ ٤٢٣): وفيه أيوب بن عتبة وهو ضعيف. ا هـ.\n_________\n[¬١]- في ز: أن.\n[¬٢]-[¬٣]- سقط من خ.\n[¬٤]- عند الطبراني: عفيف.","vol":"14","page":215},{"text":"حُفرَته بيده.\nوقوله: ﴿عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ﴾، أي: لباس أهل الجنة فيها الحرير، ومنه سندس، وهو رفيع الحرير كالقمصان ونحوها مما يلي أبدانهم، والأستبرق منه ما فيه بريق ولمعان، وهو مما هي الظاهر، كما هو المعهود في اللباس، ﴿وَحُلُّوا أَسَاورَ مِنْ فِضَّةٍ﴾ وهذه صفة الأبرار، وأما المقربون فكما قال: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاورَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾.\nولما ذكر تعالى زينةَ الظاهِر بالحرير والحلي قال بعده: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾، أي: طهر بواطنهم من الحَسَد والحقد [¬١] والغل والأذى وسائر الأخلاق الردية، كما روينا عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب أنه قال: إذا انتهى أهل الجنة إلى باب الجنة وَجَدوا هنالك عينين فكأنما ألهموا ذلك فشربوا من إحداهما [فاذهب الله] [¬٢] ما في بطونهم من أذى، ثم اغتسلوا من الأخرى فَجَرت عليهم نضرةُ النعيم.\nوقوله: ﴿إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا﴾، أي: يقال لهم ذلك تكريمًا لهم وإحسانًا إليهم كقوله: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾.\nوكقوله: ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.\nوقوله: ﴿وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا﴾، أي: جزاكم الله على القليل بالكثير.\n﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا (٢٣) فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا (٢٤) وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٢٥) وَمِنَ اللَّيلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيلًا طَويلًا (٢٦) إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا (٢٧) نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالهُمْ تَبْدِيلًا (٢٨) إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (٢٩) وَمَا تَشَاءُونَ إلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (٣٠) يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (٣١)﴾\n_________\n[¬١]- سقط من ز.\n[¬٢]- في ز: قال: يذهب.","vol":"14","page":216},{"text":"يقول تعالى ممتنًّا على رسوله ﷺ بما نَزله [¬١] عليه من القرآن العظيم تنزيلا: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾، أي: كما أكرمتُكَ بما أنزلتُ عليك، فاصبر على قضائه وقَدَره، واعلم أنه سيدبرك بحسن تدبيره، ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ أي: لا تطع الكافرين والمنافقين إن أرادوا صدّك عما أنزل إليك، بل بَلغ ما أنزل إليك من ربك، وتوكل على الله؛ فإن الله يعصمك من الناس. فالآثم هو الفاجر في أفعاله، والكفور هو الكافر بقلبه.\n﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾، أي: أولَ النهار وآخره. ﴿وَمِنَ اللَّيلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيلًا طَويلًا﴾.\nكقوله: ﴿وَمِنَ اللَّيلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾.\nوكقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيلَ إلا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ أَو انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) أَوْ زِدْ عَلَيهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾.\nثم قال تعالى منكرًا على الكفار ومن أشبههم في حُب الدنيا والأقبال عليها والانصباب إليها، وتركِ الدار الآخرة وراء ظهررهم: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا﴾، يعني يوم القيامة.\nثم قال: ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ﴾ قال ابن عباس، ومجاهد، وغير واحد: يعني خَلْقَهم.\n﴿وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالهُمْ تَبْدِيلًا﴾، أي: وإذا شئنا بعثناهم يوم القيامة، وبدَلناهم فأعدناهم خلقًا جديدًا. وهذا استدلال بالبداءة على الرجعة.\nوقال ابن [¬٢] زيد، وابن جرير: ﴿وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالهُمْ تَبْدِيلًا﴾: وإذا شئنا أتينا بقوم آخرين غيرهم. [كقوله: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا﴾.] [¬٣]\nوكقوله: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (١٦) وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾.\nثم قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ﴾ -يعني هذه السورة ﴿تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾، أي: طريقًا ومسلكًا، أي: من شاء اهتدى بالقرآن كقوله: ﴿وَمَاذَا عَلَيهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا﴾.\nثم قال: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ أي: لا يقدر أحد أن يهديَ نفسه، ولا\n_________\n[¬١]- في ز: أنزله.\n[¬٢]- في ز: أبو.\n[¬٣]- سقط من ز، خ.","vol":"14","page":217},{"text":"يدخل في الإيمان [¬١] ولا يجر لنفسه نفعا، ﴿إلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾، [أي: عليم بمن يستحق الهداية فَيُيَسّرها له، ويقيض له أسبابها، ومن يستحق الغَوَاية فيصرفه عن الهدى، وله الحكمة البالغة، والحجة الدامغة، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾.] [¬٢]\nثم قال: ﴿يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾، أي: يهدى من يشاء ويضل من يشاء، ومن يهده فلا مضل له، ومن يضل فلا هادى له.\nآخر سورة الإنسان\n* * *\n_________\n[¬١]- في ز: إيمان.\n[¬٢]- سقط من ز، خ.","vol":"14","page":218},{"text":"<span data-type='title' id=toc-198>تفسير سورة المرسلات وهي مكية</span>\nقال البخاري (^١)، [] [¬١] حدثنا عمر بن حفص بن غياث، [حدثنا أبي] [¬٢]، حدثنا الأعمش، حدثني إبراهيم، عن الأسود عن عبد الله هو ابن مسعود قال: بينما نحن مع النبي ﷺ في غار بمنى، إذ نَزَلت عليه: ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ﴾، فإنه ليتلمها وإني لأتلقاها من فيه، وإن فاه لرطب بها، إذ وثَبَت علينا حَيَّة، فقال النبي ﷺ: \"اقتلوها\". فابتدرناها فذهبت، فقال النبي ﷺ: \"وُقيَتْ شكركم كما وُقيتُم شرها\". وأخرجه مسلم أيضًا، من طريق الأعمش.\nوقال الإمام أحمد (^٢): حدثنا سفيان بن عُيَينة، عن الزهريّ، عن عُبيد الله، عن ابن عباس، عن أمه: أنها سَمعَت النبي ﷺ يقرأ في المغرب بالمرسلات عُرفًا.\nوفي رواية مالك (^٣)، عن الزهري، عن عبيد الله، عن ابن عباس، أن أم الفضل سمعته يقرأ ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا﴾ فقالت: يا بني، ذكرتني بقراءتك هذه السورة، إنها لآخر ما سمعتُ رسول الله ﷺ يقرأ بها في المغرب. أخرجاه في الصحيحين، من طريق مالك، بهم [¬٣].\n\n﷽\n﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا (١) فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا (٢) وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا (٣) فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا (٤) فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا (٥) عُذْرًا أَوْ نُذْرًا (٦) إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ (٧) فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ (٨) وَإِذَا السَّمَاءُ فُرِجَتْ (٩) وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ (١٠) وَإِذَا الرُّسُلُ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في كتاب: جزاء الصيد، باب: ما يقتل المحرم من الدواب، حديث (١٨٣٠) (٤/ ٣٥). وأطرافه [٣٣١٧، ٤٩٣٠، ٤٩٣١، ٤٩٣٤] ومسلم في كتاب: السلام، باب: قتل الحيات وغيرها، حديث (١٣٧/ ٢٢٣٤) (١٤/ ٣٣٤ - ٣٣٥).\n(^٢) المسند (٦/ ٣٣٨) (٢٦٩٧٧).\n(^٣) الموطأ كتاب: الصلاة، كتاب: القراءة في المغرب والعشاء، حديث (٢٤) (١/ ٨٨). ومن طريقه البخاري =\n_________\n[¬١]- في ز، خ: حدثنا أحمد.\n[¬٢]- سقط من ز، خ.\n[¬٣]- في خ: به.","vol":"14","page":219},{"text":"أُقِّتَتْ (١١) لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ (١٢) لِيَوْمِ الْفَصْلِ (١٣) وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ (١٤) وَيلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٥)﴾\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا زكريا بن سهل المروزي، حدثنا علي بن الحسن بن شقيق، أخبرنا الحسين بن واقد، حدثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هرَيرة: ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا﴾، قال: الملائكة.\nقال: ورُوي عن مسروق، وأبي الضحى، ومجاهد -في إحدى الروايات- والسدي، والربيع بن أنس، مثل ذلك.\nورُوِيَ عن أبي صالح أنه قال: هي الرسل. وفي رواية عنه: هي الملائكة. وهكذا قال أبو [¬١] صالح في ﴿فَالْعَاصِفَاتِ﴾ و﴿وَالنَّاشِرَاتِ﴾، و﴿فَالْفَارِقَاتِ﴾، و﴿فَالْمُلْقِيَاتِ﴾: إنها الملائكة.\nقال الثوري، عن سلمة بن كُهَيل، عن مسلم البَطين، عن أبي العُبَيدَين قال: سألت ابنَ مسعود عن ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا﴾، قال: الريح.\nوكذا قال في: ﴿فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا (٢) وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا﴾: إنها الريح.\nوكذا قال ابن عباس: ومجاهد، وقتادة، وأبو صالح -في رواية عنه- وتوقف ابن جرير في ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا﴾: هل هي الملائكة أرسلت بالعُرْف، أو كَعُرف الفَرَس يتبع بعضهم بعضًا؟ أو: هي الريح إذا هَبَّت شيئًا فشيئًا وقطع بأن ﴿فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا [¬٢]﴾ هي الرياح، كما قاله ابن مسعود ومن تابعه. وممن قال ذلك في العاصفات أيضًا: علي بن أبي طالب، والسدي. وتوقف في ﴿وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا﴾، هل هي الملائكة أو الريح؟ كما تقدم.\nوعن أبي صالح: أن الناشرات نشرًا: المطر.\nوالأظهر أن ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ﴾ هي الرياح، كما قال تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾.\nوقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَينَ يَدَي رَحْمَتِهِ﴾.\nوهكذا العاصفات هي: الرياح، يقال: عصفت الريح إذا هَبت بتصويت.\n_________\n= في كتاب: الأذان، باب: القراءة في المغرب، حديث (٧٦٣) (٢/ ٢٤٦). وطرفه فيه [٤٤٢٩]. ومسلم في كتاب: الصلاة، باب: القراءة في الصبح، حديث (١٧٣/ ٤٦٢) (٤/ ٢٣٨).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: ابن.\n[¬٢]- سقط من خ.","vol":"14","page":220},{"text":"وكذا الناشرات هي: الرياح التي تنشر السحاب في آفاق السماء، كما يشاء الرب ﷿.\nوقوله: ﴿فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا (٤) فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا (٥) عُذْرًا أَوْ نُذْرًا﴾، يعني: الملائكة. قاله ابن مسعود، وابن عباس، ومسروق، ومجاهد، وقتادة، والربيع بن أنس، والسدي، والثوري. ولا خلاف ها هنا؛ بأنها تنزل بأمر الله على الرسل، تفرق بين الحق والباطل، والهدى والغَي، والحلال والحرام، وتلقى إلى الرسل وحيًا فيه إعذار إلى الخلق، وإنذارٌ لهم عقابَ الله إن خالفوا أمره.\nوقوله: ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ﴾: هذا هو المقسم عليه بهذه الأقسام، أي [¬١]: ما وعدتم به من قيام الساعة، والنفخ في الصور، وبها الأجساد، وجمع الأولين والآخرين في صعيد واحد، ومجازاة كل عامل بعمله، إن خيرا فخير وإن شرا فشر، إن هذا كله- ﴿لَوَاقِعٌ﴾، أي؛ لكائن لا محالة.\nثم قال: ﴿فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ﴾، أي: ذهب ضوؤها، كقوله: ﴿وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ﴾.\nوكقوله: ﴿وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ﴾.\n﴿وَإِذَا السَّمَاءُ فُرِجَتْ﴾، أي: انفطرت وانشقت، وتدلت [¬٢] أرجاؤها، وَوَهَت أطرافها.\n﴿وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ﴾، أي: ذُهِب بها، فلا يبقى لها عين ولا أثر، كقوله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا (١٠٥) فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا (١٠٦) لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا﴾.\nوقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَال وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾.\nوقوله: ﴿وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾ قال العوفي، عن ابن عباس: جمعت.\nوقال ابن زيد: وهذه كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ﴾.\nوقال مجاهد: ﴿أُقِّتَتْ﴾: أجلت.\nوقال الثوري، عن منصور، عن إبراهيم: ﴿أُقِّتَتْ﴾: أوعدت. وكأنه يجعلها كقوله: ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَينَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾.\nثم قال: ﴿لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ (١٢) لِيَوْمِ الْفَصْلِ (١٣) وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ (١٤) وَيلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾، يقول تعالى: لأي يوم أجلت الرسل وأرجئ أمرها؟ حتى تقوم الساعة، كما قال\n_________\n[¬١]- في ز: أن.\n[¬٢]- في ز: بدلت.","vol":"14","page":221},{"text":"تعالى: ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (٤٧) يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾. وهو يوم الفصل، كما قال: ﴿لِيَوْمِ الْفَصْلِ﴾.\nثم قال معظمًا لشأنه: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ (١٤) وَيلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ أي: ويل لهم من عذاب الله غدًا.\nوقد قدمنا في الحديث أن \"ويل\" واد في جهنم. ولا يصح.\n﴿أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ (١٦) ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ (١٧) كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (١٨) وَيلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٩) أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (٢٠) فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (٢١) إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢٢) فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ (٢٣) وَيلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٢٤) أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (٢٥) أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا (٢٦) وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ وَأَسْقَينَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا (٢٧) وَيلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٢٨)﴾\nيقول تعالى: ﴿أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ﴾ يعني من المكذبين للرسل المخالفين لما جاءوهم به، ﴿ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ﴾، أي: ممن أشبههم.\nولهذا قال: ﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (١٨) وَيلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾. قاله ابن جرير.\nثم قال ممتنًا على خلقه ومحتجًّا على الإعادة بالبدَاءة: ﴿أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ أي: ضعيف حقير بالنسبة إلى قُدرَة الباري ﷿، كما تقدم في سورة ﴿يس﴾ في حديث بُسر بن جحاش: \"ابنَ آدم، [أنَّى تُعجزُني] [¬١] وقد خلقتك من مثل هذه؟! \" (^٤).\n﴿فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ﴾، يعني: جمعناه في الرَّحِم، وهو قرار الماء من الرجل والمرأة، والرحم معد لذلك [¬٢]، حافظ لما أودع فيه من الماء.\nوقوله: ﴿إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾، يعني إلى مدة معينة من ستة أشهر أو تسعة أشهر.\nولهذا قال: ﴿فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ (٢٣) وَيلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾.\n_________\n(^٤) تقدم تخريجه في سورة يس، آية: (٧٧).\n_________\n[¬١]- في ز: أي معجزين.\n[¬٢]- في ز: الملك.","vol":"14","page":222},{"text":"ثم قال: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (٢٥) أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا﴾ قال ابن عباس: ﴿كِفَاتًا﴾: كنًّا [¬١]. وقال مجاهد: يُكفت المَيت فلا يُرَى منه شيء. وقال الشعبي: بطنها لأمواتكم، وظهرها لأحيائكم. وكذا قال مجاهد وقتادة.\n﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ﴾، يعني: الجبال أرسى [¬٢] بها الأرض لئلا تميد وتضطرب.\n﴿وَأَسْقَينَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا﴾: عذبًا زُلالًا من السحاب، أو مما أنبعه الله من عيون الأرض.\n﴿وَيلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾، أي: ويل لمن تأمل هذه المخلوقات الدالة على عظمة خالقها، ثم بعد هذا يستمر على تكذيبه وكفره.\n﴿انْطَلِقُوا إِلَى مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢٩) انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ (٣٠) لَا ظَلِيلٍ وَلَا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ (٣١) إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ (٣٢) كَأَنَّهُ جِمَالتٌ صُفْرٌ (٣٣) وَيلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٣٤) هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ (٣٥) وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ (٣٦) وَيلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٣٧) هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْنَاكُمْ وَالْأَوَّلِينَ (٣٨) فَإِنْ كَانَ لَكُمْ كَيدٌ فَكِيدُونِ (٣٩) وَيلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٠)﴾\nيقول تعالى مخاطبًا للكفار المكذبين بالمعاد والجزاء والجنة والنار، أنهم يقال لهم يوم القيامة: ﴿انْطَلِقُوا إِلَى مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢٩) انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ﴾، يعني لهَبَ النار إذا ارتفع وصَعِدَ معه دخان، فمن شدته وقوته أن له ثلاث شعب، ﴿لَا ظَلِيلٍ وَلَا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ﴾، أي: ظل الدخان المقابل للَّهب لا ظليل هو في نفسه، ولا يغني من اللهب، يعني ولا يقيهم حر اللهب.\nوقوله: ﴿إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ﴾، أي: يتطار الشرر [¬٣] من لهبها كالقصر.\nقال ابن مسعود: كالحصون.\nوقال ابن عباس وقتادة، ومجاهد، ومالك عن زيد بن أسلم، وغيرهم: يعني أصول الشجر.\n﴿كَأَنَّهُ جِمَالتٌ [¬٤] صُفْرٌ﴾، أي: كالإبل السود. قاله مجاهد، والحسن، وقتادة،\n_________\n[¬١]- سقط من خ.\n[¬٢]- في ز: رسى.\n[¬٣]- سقط من ت.\n[¬٤]- في ز: جمالات. وكذلك تكررت في المواضع الآتية.","vol":"14","page":223},{"text":"والضحاك. واختاره ابن جرير.\nوعن ابن عباس، ومجاهد، وسعيد بن جبير: ﴿جِمَالتٌ صُفْرٌ﴾، يعني: حبال السفن.\nوعنه أعني ابن عباس: ﴿جِمَالتٌ صُفْرٌ﴾: قطع نحاس.\nوقال البخاري (^٥): حدثنا عمرو بن علي، حدثنا يحيى، أخبرنا سفيان، عن عبد الرحمن بن عابس قال: سمعت ابن عباس: ﴿إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ﴾، قال: كنا نعمد إلى الخشبة ثلاثة أذرع وفوقَ ذلك، فنرفعه للشتاء [¬١]، فنسميه القَصَرَ، ﴿كَأَنَّهُ جِمَالتٌ صُفْر﴾: حبال السفن، تجمع حتى تكون كأوساط الرجال.\n﴿وَيلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾. ثم قال تعالى: ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ﴾، أي: لا يتكلمون. ﴿وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾، أي: لا يقدرون على الكلام، ولا يؤذن لهم فيه ليعتذروا، بل قد قامت عليهم الحجة ووقع القولُ عليهم بما ظلموا فهم لا ينطقون. وعرصات القيامة حالات، والرب تعالى يخبر عن هذه الحالة تارة، وعن هذه الحالة تارة؛ ليدل على شِدَّة الأهوال والزلازل يومئذ.\nولهذا يقول بعد كل فصل من هذا الكلام: ﴿وَيلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾.\nوقوله: ﴿هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْنَاكُمْ وَالْأَوَّلِينَ (٣٨) فَإِنْ كَانَ لَكُمْ كَيدٌ فَكِيدُونِ﴾: وهذه مخاطبة من الخالق لعباده يقول لهم: ﴿هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْنَاكُمْ وَالْأَوَّلِينَ﴾، يعني: أنه جمعهم بقدرته في صعيد واحد، يُسمعهم الداعى ويَنفُذُهم البصر.\nوقوله: ﴿فَإِنْ كَانَ لَكُمْ كَيدٌ فَكِيدُونِ﴾: تهديد شديد ووعيد أكيد، أي: إن قدرتم على أن تتخلصوا من قبضتي، وتَنجُوا من حكمي فافعلوا، فإنكم لا تقدرون على ذلك، كما قال تعالى: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إلا بِسُلْطَانٍ﴾.\nوقد قال تعالى: ﴿وَلَا تَضُرُّونَهُ [¬٢] شَيئًا﴾.\nوفي الحديث (^٦): \" يا عبادي، إنكم لن تبلغوا نفعي فتنفعوني، ولن تبلغوا ضَرّي فتضروني\".\n_________\n(^٥) أخرجه البخاري في كتاب: التفسير، باب: قوله: ﴿كَأَنَّهُ جِمَالتٌ صُفْرٌ﴾، حديث (٤٩٣٣) (٨/ ٦٨٨) وطرفه في (٤٩٣٢).\n(^٦) أخرجه مسلم في كتاب البر والصلة، باب: تحريم الظلم، حديث (٥٥/ ٢٥٧٧) (١٦/ ١٩٩ - ٢٠٠).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: للنساء.\n[¬٢]- في ز: يضرونه.","vol":"14","page":224},{"text":"وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن المنذر الطريقي [¬١] الأودي، حدثنا محمد بن فضيل، حدثنا حُصَين بن عبد الرحمن، عن حسان بن أبي المخارق، عن أبي عبد الله الجدَلَى قال: أتيت بيت المقدس، [فإذا عُبادة بن الصامت وعبد الله بن عمرو، وكعب الأحبار يتحدثون في بيت المقدس] [¬٢]، فقال عبادة: إذا كان يوم القيامة جمع الله الأولين والآخرين بصعيد واحد، ينفذهم البصر ويسمعهم الداعي، ويقول الله: ﴿هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْنَاكُمْ وَالْأَوَّلِينَ (٣٨) فَإِنْ كَانَ لَكُمْ كَيدٌ فَكِيدُونِ﴾، اليوم لا ينجو مني جبار عنيد، ولا شيطان مريد. فقال عبد الله بن عمرو: [فإنا، نحدث] [¬٣] يومئذ أنه [¬٤] يخرج عنُقُ من النار فتنطق حتى إذا كانت بين ظهراني الناس نادت: أيها الناس، إني بُعثتُ إلى ثَلَاثة أنا أعرف بهم من الأب بولده ومن الأخ بأخيه، لا يُغَيِّبهم [¬٥] عني وَزَر، ولا تُخفِيهم عني خَافية: الذي جعل مع الله إلها آخر، وكل جبار عنيد، وكلَ [¬٦] شيطان مريد. فتنطوي عليهم فتقذف بهم في النار قبل الحساب بأربعين سنة (^٧).\n﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ (٤١) وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٤٢) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٤٣) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٤٤) وَيلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٥) كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ (٤٦) وَيلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٧) وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ (٤٨) وَيلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٩) فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (٥٠)﴾\nيقول تعالى مخبرًا عن عباده المتقين الذين عبدوه بأداء الواجبات، وترك المحرمات: أنهم يوم القيامة يكونون في جنات وعيون، أي: بخلاف ما أولئك الأشقياء فيه، من ظل اليحموم، وهو: الدخان الأسود المنتن.\n﴿وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾، أي: ومن سائر أنواع الثمار، مهما [¬٧] طلبوا وجدوا. ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، أي: يقال لهم ذلك على سبيل الإحسان إليهم.\nثم قال تعالى مخبرًا خبرًا مستأنفًا: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾، أي: هذا جزاؤنا لمن\n_________\n(^٧) ذكره السيوطي في الدر المنثور (٦/ ٤٩٦) وعزاه لسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن المنذر عن أبي عبد الله الحبلي به.\n_________\n[¬١]- في ز: الطريفي.\n[¬٢]- سقط من ز، خ.\n[¬٣]- في ز، خ: \"كأنها تحدث\".\n[¬٤]- سقط من ز.\n[¬٥]- في ز، خ: كنيهم.\n[¬٦]- سقط من ز.\n[¬٧]- في ز: مما.","vol":"14","page":225},{"text":"أحسن العمل، ﴿وَيلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾.\nوقوله: ﴿كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ﴾ خطاب للمكذبين يوم الدين، وأمَرَهم آمر تهديد ووعيد فقال تعالى] [¬١]: ﴿كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا﴾، أي: مدة قليلة قريبة قصيرة، ﴿إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ﴾، أي: [ثم تساقون] [¬٢] إلي نار جهنم التي تقدم ذكرها، ﴿وَيلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ كما قال تعالى: ﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (٦٩) مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَينَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾.\nوقوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ﴾، أي: إذا أمر هؤلاء الجهلة من الكفار أن يكونوا من المصلين مع الجماعة، امتنعوا من ذلك واستكبروا عنه. ولهذا قال: ﴿وَيلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾.\nثم قال: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾، أي: إذا لم يؤمنوا بهذا القرآن فبأي كلام يؤمنون به؟ كقوله تعالى: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ﴾.\nقال ابن أبي حاتم (^٨): [] [¬٣] حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيان، عن إسماعيل بن أمية: سمعت رجًا أعرابيًّا بَدَويًّا يقول: سمعت أبا هريرة يرويه إذا قرأ: ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا﴾، فقرأ [¬٤]: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ فليقل: آمنت بالله وبما أنزل.\nوقد تقدم هذا الحديث في \"سورة القيامة\".\n[آخر تفسير سورة \"والمرسلات\" ولله الحمد والمنة وبه التوفيق والعصمة]\n* * **\n_________\n(^٨) تقدم في آخر سورة القيامة.\n_________\n[¬١]- سقط من ز، خ.\n[¬٢]- في ز، خ: هم يساقون.\n[¬٣]- في ز، خ: \"حدثنا أبي\".\n[¬٤]- في ز: يقرأ.","vol":"14","page":226},{"text":"<span data-type='title' id=toc-199>تفسير سورة النبأ وهي مكية</span>\n﷽\n﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (١) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ (٢) الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ (٣) كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (٤) ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (٥) أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا (٦) وَالْجِبَال أَوْتَادًا (٧) وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا (٨) وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا (٩) وَجَعَلْنَا اللَّيلَ لِبَاسًا (١٠) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا (١١) وَبَنَينَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا (١٢) وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا (١٣) وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا (١٤) لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا (١٥) وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا (١٦)﴾\nيقول تعالى منكرًا على المشركين في تساؤلهم عن يوم القيامة إنكارًا لوقوعها: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (١) [عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ﴾، أي: عن أي شيء يتساءلون؟] [¬١] عن أمر القيامة، وهو النبأ العظيم، يعني: الخبر الهائل المفظع الباهر. قال قتادة، وابن زيد: النبأ العظيم: البعث بعد الموت. وقال مجاهد: هو القرآن. والأظهر الأول لقوله: ﴿الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ﴾، يعني الناس فيه على قولين مؤمن به وكافر. ثم قال تعالى متوعدًا لمنكري القيامة: ﴿كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (٤) ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ﴾، وهذا تهديدٌ شديد ووعيد أكيد. ثم شرع تعالى يُبِّين قدرته العظيمة على خلق الأشياء [¬٢]، الغريبة والأمور العجيبة، الدالة على قدرته على ما يشاء من أمر المعاد وغيره، فقال: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا﴾؟ أي: ممهدة للخلانق ذَلُولًا لهم، قارّةً ساكنة ثابتة، ﴿وَالْجِبَال أَوْتَادًا﴾، أي: جعلها لها أوتادًا أرساها [¬٣] بها وثبتها وقَرَّرها حتى سكنت ولم تضطرب بمن عليها. ثم قال: ﴿وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا﴾، يعني: ذكرًا وأنثى يستمتع كل منهما بالآخر، ويحصل التناسل بذلك، كقوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ [¬٤] لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيهَا وَجَعَلَ بَينَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾. وقوله: ﴿وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا﴾، أي: قَطعًا للحركة لتحصل [¬٥] الراحة من كثرة الترداد والسعي. في [المعايش في عرض] [¬٦] النهار. وقد\n_________\n[¬١]- سقط من ز، خ.\n[¬٢]- في ز: الإنسان.\n[¬٣]- في ز: رعاها.\n[¬٤]- في ز: جمل.\n[¬٥]- في ز: فتحصل.\n[¬٦]- في ز، خ: أرض.","vol":"14","page":227},{"text":"تقدم مثل هذه الآية في \"سورة الفرقان\".\n﴿وَجَعَلْنَا [¬١] اللَّيلَ لِبَاسًا﴾، أي: يغشى الناس ظلامه وسواده، كما قال: ﴿وَاللَّيلِ إِذَا يَغْشَاهَا﴾، وقال الشاعر:\nفلمَّا لَبِسْنَ الليلَ أو حِينَ نَصّبَتْ … لَهُ مِن خَذَا آذانِها وَهْوَ جَانِحُ\nوقال قتادة في قوله: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيلَ لِبَاسًا﴾، أي: سكنًا.\nوقوله: ﴿وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا﴾، أي: جعلناه مشرقًا مُنِيرًا مضيئًا، ليتمكن الناس من التصرف فيه والذهاب والمجيء للمعاش والتكسب والتجارات، وغير ذلك.\nوقوله: ﴿وَبَنَينَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا﴾، يعني: السنوات السبع، في اتساعها وارتفاعها وإحكامها وإتقانها، وتزيينها بالكواكب الثوابت [¬٢] والسيارات؛ ولهذا قال: ﴿وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا﴾، يعني: الشمس المنيرة على جميع العالم التي يتوهج ضوؤها لأهل الأرض كلهم.\nوقوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا﴾ قال العوفي عن ابن عباس: ﴿الْمُعْصِرَاتِ﴾: الريح.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد، حدثنا أبو داود الحَفَري، عن سفيان، عن الأعمش، عن المنهال، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ﴾، قال: الرياح، وكذا قال عكرمة، ومجاهد، وقتادة، ومقاتل، والكلبي، وزيد بن أسلم، وابنه عبد الرحمن. إنها الرياح. ومعنى هذا القول أنها تستدر المطر من السحاب. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿مِنَ الْمُعْصِرَاتِ﴾، أي: من السحاب. وكذا قال عكرمة أيضًا، وأبو العالية، والضحاك، والحسن، والربيع بن أنس، والثوري. واختاره ابن جرير.\nوقال الفراء: هي السحاب التي تتَحلَّب بالمطر [ولم تُمطر] [¬٣] بعدُ، كما يقال [¬٤]: امرأة معصر: إذا دنا حيضها ولم تحض.\nوعن الحسن وقتادة: ﴿مِنَ الْمُعْصِرَاتِ﴾ يعني السماوات. وهذا قول غريب.\nوالأظهر أن المراد بالمعصرات: السحاب، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيفَ يَشَاءُ وَ[¬٥] يَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ﴾، أي: من بينه.\n_________\n[¬١]- سقط من ز.\n[¬٢]- سقط من ز.\n[¬٣]- في ز، خ: يوم المطر.\n[¬٤]- في ز: قال.\n[¬٥]- في ز: ثم.","vol":"14","page":228},{"text":"وقوله: ﴿مَاءً ثَجَّاجًا﴾ قال مجاهد وقتادة، والربيع بن أنس: ﴿ثَجَّاجًا﴾: منصبًّا، وقال الثوري: متتابعًا. وقال ابن زيد: كثيرًا.\nقال ابن جرير: ولا يعرف في كلام العرب في صفة الكثرة: الثج، وإنما الثج: الصب المتتابع ومنه قول النبي ﷺ: \"أفضلُ الحجّ العجّ والثجّ\" (^١). يعني: صَبّ دماء البُدْن. هكذا قال: قلت: وفي حديث المستحاضة (^٢) حين قال لها رسول الله ﷺ: \"أنعتُ لك الكُرسُفَ\" -يعني: أن تحتشي بالقطن- قالت: يا رسول الله، هو أكثر من ذلك، إنما أثج ثجًّا. وهذا فيه دلالة على استعمال الثج في الصبّ المتتابع الكثير، والله أعلم.\nوقوله: ﴿لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا (١٥) وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا﴾، أي: لنخرج بهذا الماء الكثير الطب النافع المبُارَك ﴿حَبًّا﴾ يدخر للأناسي والأنعام، ﴿وَنَبَاتًا﴾، أي: خضرا يؤكل رطبًا، ﴿وَجَنَّاتٍ﴾، أي: بساتين وحدائقَ من ثمرات متنوعة، وألوان مختلفة، وطعوم وروائح متفاوتة، وإن كان ذلك في بقعة واحدة من [¬١] الأرض مجتمعًا؛ ولهذا قال: ﴿وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا﴾ قال ابن عباس، وغيره: ﴿أَلْفَافًا﴾: مجتمعة. وهذه كقوله تعالى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاورَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ﴾ … الآية.\n﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا (١٧) يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا (١٨) وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا (١٩) وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا (٢٠) إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا (٢١) لِلطَّاغِينَ مَآبًا (٢٢) لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا (٢٣) لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي في كتاب: الحج، باب: ما جاء في فضل التلبية والنحر، حديث (٨٢٧) (٣/ ١٧٥)، والدارمي (٢/ ٣١) كتاب المناسك، باب: أي الحج أفضل. وصححه ابن خزيمة (٤/ ١٧٥) (٢٦٣١). والحاكم (١/ ٤٥٠ - ٤٥١) كلهم من حديث أبي بكر الصديق ﵁. وصححه الألباني في الصحيحة (١٥٠٠) بشواهده.\n(^٢) أخرجه أحمد (٦/ ٤٣٩) (٢٧٥٨١). وأبو داود في كتاب: الطهارة، باب: من قال: إذا أقبلت الحيضة تدع الصلاة، حديث (٢٨٧) (١/ ٧٦ - ٧٧). والترمذي في كتاب: الطهارة، باب: ما جاء في المستحاضة، حديث (١٢٨) (١/ ١٤٨ - ١٥٠). وابن ماجة في كتاب: الطهارة، باب: ما جاء في البكر إذا ابتدأت مستحاضة أو كان لها أيام حيض فنسيتها، حديث (٦٢٧) (١/ ٢٠٥ - ٢٠٦). كلهم من حديث حمنة بنت جحش ﵂ قال الترمذي: حسن صحيح. وقال: وسألت محمدًا عن هذا الحديث؟ فقال: هو حديث حسن صحيح. ا هـ. وحسنه الألباني في الإرواء (١٨٨).\n_________\n[¬١]- في ز: في.","vol":"14","page":229},{"text":"شَرَابًا (٢٤) إلا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا (٢٥) جَزَاءً وفَاقًا (٢٦) إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا (٢٧) وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا (٢٨) وَكُلَّ شَيءٍ أَحْصَينَاهُ كِتَابًا (٢٩) فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إلا عَذَابًا (٣٠)﴾\nيقول تعالى مخبرًا عن يوم الفصل، وهو يوم القيامة، أنه مؤقت بأجل معدود، لا يزاد عليه ولا ينقص منه، ولا يعلم وقته على التعيين إلا الله ﷿ -كما قال: ﴿وَمَا نُؤَخِّرُهُ إلا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ﴾.\n﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا﴾؛ قال مجاهد: زمَرًا زمرًا [¬١]. قال ابن جرير: يعني تأتي كل أمة مع رسولها، كقوله: ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾.\nوقال [¬٢] البخاري (^٣): ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا﴾، حدثنا محمد، حدثنا أبو [¬٣] معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"ما بين النفختين أربعون\". قالوا: أربعون يومًا؟ قال: \"أبيتُ\". قالوا: أربعون شهرًا؟ قال: \"أبيتُ\". قالوا: أربعون سنة؟ قال: \"أييتُ\". قال: \"ثم يُنزلُ الله من السماء ماءً فينبُتُونَ كما ينبتُ البقلُ، ليس من الإِنسان شيءٌ إلا يَبَلَى، إلا عظمًا واحدًا، وهو عَجْبُ الذنَب، و[¬٤] منه يُرَكبُ الخلقُ يوم القيامة\". ﴿وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا﴾، أي: طرقًا ومسالك لنزول الملائكة، ﴿وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا﴾ كقوله: ﴿وَتَرَى الْجِبَال تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾، وكقوله: ﴿وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ﴾.\nوقال هاهنا: ﴿فَكَانَتْ سَرَابًا﴾، أي: يخيل إلى الناظر أنها شيءٌ، وليست بشيء، وبعد هذا تَذهب بالكلية، فلا عين ولا أثر، كما قال: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا (١٠٥) فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا (١٠٦) لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا﴾، وقال: (﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ [¬٥] الْجِبَال وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً﴾.\n_________\n(^٣) أخرجه البخاري في كتاب: التفسير، باب: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا﴾ زمرًا، حديث (٤٩٣٥) (٨/ ٦٨٩ - ٦٩٠).\n_________\n[¬١]- سقط من ت.\n[¬٢]- في ز: وقوله.\n[¬٣]- في ز: ابن.\n[¬٤]- سقط من ز.\n[¬٥]- في ز: تسير.","vol":"14","page":230},{"text":"وقوله: ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا﴾، أي: مرصدة مُعَدّة ﴿لِلطَّاغِينَ﴾، وهم: المَرَدة العصاة المخالفون [¬١] للرسل، ﴿مَآبًا﴾، أي: مرجعًا ومنقلبًا ومصيرًا ونُزُلًا. وقال [¬٢] الحسن، وقتادة في قوله: ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا﴾: يعني: أنه لا يدخل أحد [¬٣] الجنة حتى يجتاز بالنار، فإن كان معه جواز نجا وإلا احتبس. وقال سفيان الثوري: عليها ثلاث قناطر.\nوقوله: ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾، أي: ماكثين فيها أحقابًا، وهي جمع \"حُقب\"، وهو: المدة من الزمان وقد اختلفوا في مقداره، فقال ابن جرير (^٤)، عن ابن حميد، عن مهران، عن سفيان الثوري، عن عَمَّار الدّهنيّ، عن سالم بن أبي الجعد قال: قال علي بن أبي طالب لهلال الهَجَري: ما تجدونَ الحُقْبَ في كتاب الله المنزل؟ قال: نجده ثمانين سنة، كل سنة اثنا عشر شهرًا، كل شهر ثلاثون يومًا، كل يوم ألف سنة.\nوهكذا رُوي عن أبي هُرَيرة (^٥)، وعبد الله بن عَمرو (^٦)، وابن عباس (^٧)، وسعيد بن جُبَير، وعَمرو بن ميمون، والحسن، وقتادة، والربيع بن أنس، والضحاك. وعن الحسن (^٨)، والسّدِّي أيضًا: سبعون سنة كذلك. وعن عبد الله بن عمرو: الحُقبُ أربعون سنة، كل يوم منها كألف سنة مما تعدون. رواهما ابن أبي حاتم.\nوقال بشير بنُ كعب: ذُكر لي أن الحُقب الواحد ثلاثمائة سنة، كل سنة ثلاثمائة وستون يومًا، كل يوم ألف سنة. رواه ابن جرير (^٩) وابن أبي حاتم.\nثم قال ابن أبي حاتم (^١٠): ذكر عن عُمَر بن علي بن أبي بكر الأسْفَذْنِيّ، حدثنا مروان بن معاوية الفَزَاري، عن جعفر بن الزبير، عن القاسم، عن أبي أمامة، عن النبي ﷺ في قوله: ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾، قال: فالحقب شهر، الشهر ثلاثون يومًا، والسنة\n_________\n(^٤) أخرجه الطبري (٣٠/ ١١)، وهناد في الزهد (٢٢٠) من طريق سفيان به.\n(^٥) أخرجه الطبري (٣٠/ ١١). وهناد في الزهد (٢١٩) كلاهما من حديث أبي هريرة بنحوه. وزاد السيوطي (٦/ ٥٠٢) نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.\n(^٦) ذكره السيوطي في الدر المنثور وعزاه إلى سعيد بن منصور وابن المنذر (٦/ ٥٠٣).\n(^٧) أخرجه الطبري (٣٠/ ١١).\n(^٨) أخرجه الطبري (٣٠/ ١١ - ١٢).\n(^٩) تفسير الطبري (٣٠/ ١١).\n(^١٠) ذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" (٦/ ٥٠٢)، والطبراني وابن مردويه بسند ضعيف وزاد نسبته إلى ابن عمر العدني في مسنده، وعزاه الهيثمي (٧/ ١٣٦) للطبراني مختصرًا وقال: فيه جعفر بن الزبير وهو ضعيف.\n_________\n[¬١]- في ز: المخالفين.\n[¬٢]- في ز: وقوله.\n[¬٣]- سقط من ز، خ.","vol":"14","page":231},{"text":"اثنا عشر شهرًا، والسنة ثلاثمائة وستون يومًا، كل يوم منها ألف سنة مما تعدون، فالحقب ثلاثون ألف ألف سنة: وهذا حديثُ منكر جدًّا، والقاسم والراوي عنه وهو جعفر بن الزبير كلاهما متروك.\nوقال البزار (^١١): حدثنا محمد بن مِردَاس، حدثنا سليمان بن [¬١] مسلم أبو المُعلى قال: سألت سليمان التيمي: هل يخرج من النار أحد؟ فقال: حدثني نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ أنه قال: \"والله لا يخرج من النار أحد حتى يمكث فيها أحقابًا\". قال: والحُقْب: بضع وثمانون سنة، والسنة ثلاثمائة وستون يومًا مما تعدون\".\nثم قال: سليمان بن مسلم بصري مشهور.\nوقال السدي: ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾: سبعمائة حُقب، كل حُقب سبعون سنة، كل سنة ثلاثماثة وستون يومًا، كل يوم كألف سنة مما تعدون.\nوقد قال مقاتل بن حيان: إن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: ﴿فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إلا عَذَابًا﴾.\nوقال خالد بن معدان: هذه الآية. وقوله: ﴿إلا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ في أهل التوحيد. رواهما ابن جرير. ثم قال: ويحتمل أن يكون قوله: ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾ متعلقا بقوله: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا﴾ ثم يحدث الله لهم بعد ذلك عذابًا من شكل آخر ونوع آخر. ثم قال: والصحيح أنها لا انقضاء لها، كما قال قتادة والربيع بن أنس. وقد قال قبل ذلك:\nحدثني محمد بن عبد الرحيم البَرقي، حدثنا عمرو بن أبي سلمة، عن زهير، عن سالم: سمعت الحسن يسأل عن قوله: ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾، قال: أما الأحقاب فليس لها عِدة إلا الخلود في النار، ولكن ذكروا أن الحُقب سبعون سنة، كل يوم منها [¬٢] كألف سنة مما تعدون.\nوقال سعيد عن قتادة: قال الله تعالى: ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾، وهو: ما لا انقطاع له، وكلما مضى حُقب جاء حقب بعده، وذكر لنا أن الحُقبَ ثمانون سنة.\n[وقال الربيع بن أنس: ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾: لا يعلم عدة هذه الأحقاب إلا الله، ولكن الحقب الواحد ثمانون سنة] [¬٣]، والسنة ثلاثمائة وستون يوما، كل يوم كألف سنة مما تعدون.\n_________\n(^١١) أخرجه البزار في كتاب: صفة جهنم، باب: متى يخرج من النار من دخلها، حديث (٣٥٠٣) (٤/ ١٨٦ - كشف). وقال الهيثمي في \"المجمع\" (١/ ٣٩٨٠): رواه البزار وفيه سليمان بن مسلم الخشاب وهو ضعيف جدًّا. ا هـ.\n_________\n[¬١]- في خ: أبو.\n[¬٢]- سقط من ز.\n[¬٣]- سقط من ز، خ.","vol":"14","page":232},{"text":"رواهما أيضًا ابن جرير (^١٢).\nوقوله: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا﴾، أي: لا يجدون في جَهنَّم بردًا لقلوبهم، ولا شرابًا طيبًا يتغذون به؛ ولهذا قال: ﴿إلا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا﴾. قال أبو العالية: استثنى من البرد الحميم ومن الشراب الغساق. وكذا قال الربيع بن أنس.\nفأما الحميم: فهو الحار الذي قد انتهى حره وحُموه. والغَسَّاق: هو ما اجتمع من صديد أهل النار وعرقهم ودموعهم وجروحهم، فهو بارد لا يستطاع من برده ولا يواجه من نتنه. وقد قدمنا الكلام على الغساق في سورة \"ص\" بما أغنى عن إعادته، أجارنا الله من ذلك بمنه وكرمه.\nقال ابن جرير: وقيل: المراد بقوله: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا﴾، يعني: النوم، كما قال الكندي:\nبَرَدَت مَرَاشفها عَلَيَّ فصدّني … عنها وَعَن قُبلاتها البرد\nيعني بالبرد: النعاس والنوم. هكذا ذكره ولم يَعزه إلى أحد.\nوقد رواه ابن أبي حاتم، من طريق السدي، عن مرة الطيب. ونقله عن مجاهد أيضًا. وحكاه البغوي عن أبي عُبَيدة والكسائي أيضًا. وقوله: ﴿جَزَاءً وفَاقًا﴾، أي: هذا الذي صاروا إليه من هذه الحقوبة وَفق أعمالهم الفاسدة التي كانوا يعملونها في الدنيا. قاله مجاهد، وقتادة، وغير واحد.\nثم قال: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا﴾، أي: لم يكونوا يعتقدون أن ثَم دارًا يجازون فيها ويحاسبون، ﴿وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا﴾، أي: وكانوا يكذبون بحجج الله ودلائه على خلقه التي أنزلها على رسله، فيقابلونها بالتكذيب والمعاندة.\nوقوله: ﴿كِذَّابًا﴾، أي: تكذيبًا، وهو مصدر من مخير الفعل. قالوا: وقد سُمع أعرابي يستفتي الفَرّاءَ على المروة: الحلقُ أحبّ إليك أو القِصَّار؟ وأنشد بعضهم:\nلَقَد طال ما ثَبَّطْتني عَن صَحَابتي … وعن حوَج قضاؤها [¬١] من شفَائيا\nوقوله تعالى: ﴿وَكُلَّ شَيءٍ أَحْصَينَاهُ كِتَابًا﴾، أي: وقد عَلِمنا أعمال العباد كلهم، وكتبناها عليهم، وسنجزيهم على ذلك، إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر.\nوقوله: ﴿فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إلا عَذَابًا﴾، أي: يقال لأهل النار: ذوقوا ما أنتم فيه،\n_________\n(^١٢) تقدم تخريجه برقم (٨).\n_________\n[¬١]- في ز: قصارها.","vol":"14","page":233},{"text":"فلن نزيدكم إلا عذابًا من جنسه وآخر من شكله أزواج.\nقال قتادة، عن أبي أيوب الأزدي، عن عبد الله بن عمرو قال: لم ينزل على أهل النار آية أشد من هذه: ﴿فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إلا عَذَابًا﴾. قال: فهم في مزيد من العذاب أبدًا.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن محمد بن مصعب الصوري، حدثنا خالد بن عبد الرحمن، حدثنا [¬١] جَسر بن فرقد، عن الحسن قال: سألت أبا برزة الأسلمي عن أشد آية في كتاب الله على أهل النار. قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ قرأ: ﴿فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إلا عَذَابًا﴾، فعَال: \"هلك القوم بمعاصيهم الله ﷿\" (^١٣).\nجسر بن فرقد ضعيف الحديث بالكلية.\n﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا (٣١) حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا (٣٢) وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا (٣٣) وَكَأْسًا دِهَاقًا (٣٤) لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا كِذَّابًا (٣٥) جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا (٣٦)﴾\nيقول تعالى مخبرًا عن السعداء وما أعد لهم تعالى من الكرامة والنعيم المقيم، فقال: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا﴾. قال ابن عباس والضحاك: متنزهًا. وقال مجاهد، وقتادة: فازوا فنجوا من النار. والأظهر هاهنا قول ابن عباس؛ لأنه قال بعده: ﴿حَدَائِقَ﴾، وهي البساتين من النخيل وغيرها ﴿وَأَعْنَابًا (٣٢) وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا﴾، أي: وحورًا كواعب. قال ابن عباس ومجاهد، وغير واحد: ﴿وَكَوَاعِبَ﴾، أي: نواهد، يعنون أن [ثُدُيَّهن نواهد] [¬٢] لم يتدلين لأنهن أبكار عرب أتراب، أي: في سن واحدة، كما تقدم بيانه في سورة الواقعة.\nقال ابن أبي حاتم (^١٤): حدثنا عبد الله بن أحمد بن عبد الرحمن الدشتَكي، حدثني أبي، عن أبي سفيان عبد الرحمن بن عبد الله بن تيم، حدثنا عطية بن سليمان أبو الغيث، عن أبي عبد الرحمن القاسم بن أبي القاسم الدمشقي، عن أبي أمامة، أنه سمعه يحدث عن النبي ﷺ أنه قال: \"إن قُمُص أهل الجنة لتبدو من رضوان الله، وإن السحابة لتمر بهم فتناديهم: يا أهل الجنة، ماذا تريدون أن أمطركم؟ حتى إنها لتمطرهم الكواعب الأتراب\".\nوقوله: ﴿وَكَأْسًا دِهَاقًا﴾ - قال ابن عباس: مملوءة متتابعة. وقال عكرمة: صافية.\n_________\n(^١٣) أخرجه الطبري (٣٠/ ١١).\n(^١٤) أخرجه البيهقي في \"البعث والنشور\" (ص ٣١٨) حديث (٥٧٩). وقال الهيثمي في \"المجمع\" (٧/ ١٣٦): رواه الطبراني وفيه شعيب بن بيان وهو ضعيف.\n_________\n[¬١]- سقط من خ.\n[¬٢]- في ز، خ: \"بدنهن كواعب\".","vol":"14","page":234},{"text":"وقال مجاهد، والحسن، وقتادة، وابن زيد: ﴿دِهَاقًا﴾: الملأى المترعة. وقال مجاهد، وسعيد بن جبير: هي المتتابعة.\nوقوله: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا كِذَّابًا﴾، كقوله: ﴿لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ﴾، أي: ليس فيها كلام لاغ عار عن الفائدة، ولا إثم كذب، بل هي دار السلام، وكل كلام فيها سالم من النقص.\nوقوله: ﴿جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا﴾، أي: هذا الذي ذكرناه جازاهم الله به وأعطاهموه، بفضله ومَنِّه وإحسانه ورحمته، ﴿عَطَاءً حِسَابًا﴾، أي: كافيًا وافرًا شاملًا كثيرًا، تقول العرب: أعطاني فأحسبني، أي: كفاني. ومنه: حسبي الله، أي: الله كافي.\n﴿رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَينَهُمَا الرَّحْمَنِ لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا (٣٧) يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَال صَوَابًا (٣٨) ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآبًا (٣٩) إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَاليتَنِي كُنْتُ تُرَابًا (٤٠)﴾\nيخبر تعالى عن عظمته وجلاله، وأنه رب السموات والأرض وما فيهما وما بينهما، وأنه الرحمن الذي شملت رحمته كل شيء.\nوقوله: ﴿لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا﴾، أي: لا يقدر أحد على ابتداء مخاطبته إلا بإذنه، كقوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلا بِإِذْنِهِ﴾، وكقوله: ﴿يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إلا بِإِذْنِهِ﴾.\nوقول: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ﴾: اختلف المفسرون في المراد بالروح ها هنا، ما هو؟ على أقوال:\nأحدها: رواه العوفي، عن ابن عباس: أنهم أرواح بني آدم.\nالثاني: هم بنو آدم. قاله الحسن وقتادة [] [¬١]: هذا مما كان ابن عباس يكتمه.\nالثالث: أنهم خَلق من خَلق الله، على صُوَر بني آدم، وليسوا بملائكة ولا ببشر، وهم يأكلون ويشربون. قاله ابن عباس، ومجاهد، وأبو صالح، والأعمش.\n_________\n[¬١]- في خ: وقال قتادة.","vol":"14","page":235},{"text":"والرابع: هو جبريل. قاله الشعبي، وسعيد بن جبير، والضحاك. ويستشهد لهذا القول بقوله: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ وقال مقاتل بن حيان: الروح: أشرف الملائكة، وأقرب إلى الرب ﷿ وصاحب الوحي.\nوالخامس: أنه القرآن. قاله ابن زيد، كقوله: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَينَا إِلَيكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا …﴾ الآية.\nوالسادس: أنه ملك من الملائكة بقدر جميع المخلوقات؛ قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: قوله: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ﴾، قال: هو ملك من أعظم الملائكة خلقا.\nوقال ابن جرير (^١٥): حدثني محمد بن خلف العسقلاني، حدثنا رَوّاد بن الجراح، عن أبي حمزة، عن الشعبي، عن علقمة، عن ابن مسعود قال: \"الروح: في السماء الرابعة هو أعظم من السماوات ومن الجبال ومن الملائكة، يسبح كل يوم اثني عشر ألف تسبيحة، يخلق الله من كل تسبيحة مَلكًا من الملائكة يجيء يوم القيامة صفًّا وحده\". وهذا قول غريب جدًّا.\nوقد قال الطبراني (^١٦): حدثنا محمد بن عبد الله [بن عرس] [¬١] المصري، حدثنا وهب [الله ابن روق بن هُبَيرة، حدثنا بشر بن بكر] [¬٢]، حدثنا الأوزاعي، حدثني عطاء، عن عبد الله بن عباس: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"إن لله ملكًا لو قيل له: التقم السماوات السبع والأرضين بلقمة واحدة، لفعل؛ تسبيحه: سبحانك حيث كنت\".\nوهذا حديث غريب جدًّا، وفي رفعه نظر، وقد يكون موقوفًا على ابن عباس، ويكون مما تلقاه من الإسرائيليات، والله أعلم.\nوتَوَقَّفَ ابن جرير فلم يقطَع بواحد [¬٣] من هذه الأقوال كلها، والأشبه -والله أعلم- أنهم بنو آدم.\nوقوله: ﴿إلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾، كقوله: ﴿لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إلا بِإِذْنِهِ﴾ كما [¬٤] ثبت في الصحيح: \"ولا يتكلم يومئذ إلا الرسل\". وقوله: ﴿وَقَال صَوَابًا﴾، أي: حقًّا، ومن الحق: \"لا إله إلا الله\"، كما قاله أبو صالح، وعكرمة.\n_________\n(^١٥) تفسير الطبري (٣٠/ ٢٢).\n(^١٦) - المعجم الكبير (١١/ ٩٥١) (١١٤٧٦). وقال الهيثمي (١/ ٨٥): رواه الطبراني في الأوسط والكبير، وتفرد به وهب بن رزق، ولم أر من ذكر له ترجمة ا هـ.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: عوس.\n[¬٢]- ما بين المعكوفين بياض في ز، خ.\n[¬٣]- في ز: بواحدة.\n[¬٤]- في ز: وكما.","vol":"14","page":236},{"text":"وقوله: ﴿ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ﴾، أي: الكائن لا محالة، ﴿فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ آبًا﴾، أي: مرجعًا وطريقًا يهتدي إليه ومنهجًا يمر به عليه.\nوقوله: ﴿إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا﴾ يعني: يوم القيامة لتأكد وقوعه صار قريبًا، لأن كل ما هو آت آت.\n﴿يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾، أي: يعرض عليه جميع أعماله، خيرها وشرها، قديمها وحديثها، كقوله: ﴿وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا﴾، وكقوله: ﴿يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾.\n﴿وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَاليتَنِي كُنْتُ تُرَابًا﴾، أي: يود الكافر يومئذ أنه كان في الدار الدنيا ترابًا، ولم يكن خُلِقَ، ولا خرج إلى الوجود، وذلك [حين عاين] [¬١] عذابَ الله، ونظر إلى أعماله الفاسدة، قد سُطرت عليه بأيدي الملائكة السفَرة الكرام البَرَرة.\nوقيل: إنما ورد ذلك حين يحكم الله بين الحيوانات التي كانت في الدنيا، فيفصل بينها بحكمه [¬٢] العدل الذي لا يجور، حتى إنه ليقتص للشاة الجمَّاء من القرناء. فإذا فرغ من الحكم بينها قال لها: كوني ترابًا؛ فتصير ترابًا، فعند ذلك يقول الكافر: ﴿يَاليتَنِي كُنْتُ تُرَابًا﴾، أي: كنت حيوانا فأرجع إلى التراب. وقد ورد معنى هذا في حديث الصور المشهور (^١٧)، وورد في آثار عن أبي هريرة و[عن] [¬٣] عبد الله بن عمرو وغيرهم.\n[آخر تفسير سورة \"عم\"].\n* * *\n_________\n(^١٧) أخرجه البيهقي في \"البعث والنشور\" (ص ٣٣٦ - ٣٤٤) (٦٠٩) وقد تقدم تخريجه مطولًا.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"جزعًا من\".\n[¬٢]- في ز: بحكم.\n[¬٣]- سقط من ز.","vol":"14","page":237},{"text":"<span data-type='title' id=toc-200>تفسير سورة النازعات وهي مكية</span>\n﷽\n﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا (١) وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا (٢) وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا (٣) فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا (٤) فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا (٥) يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (٦) تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ (٧) قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ (٨) أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ (٩) يَقُولُونَ أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ (١٠) أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً (١١) قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ (١٢) فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ (١٤)﴾\nقال ابن مسعود، وابن عباس، ومسروق، وسعيد بن جبير، وأبو صالح، وأبو الضحى، والسدي: ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا﴾: الملائكة، يعنون حين تنزع أرواح بني آدم، فمنهم من تأخذ روحه بعُنف فتغرق [¬١] في [¬٢] نزعها، ومَن تأخذ روحه بسهولة وكأنما حَلَّته من نشاط، وهو قوله: ﴿وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا﴾ قاله ابن عباس. وعن ابن عباس: ﴿وَالنَّازِعَاتِ﴾: هي أنفس الكفار، تُنزَع ثم تنشط، ثم تغرق في النار.\nرواه ابن أبي حاتم.\nوقال مجاهد: ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا﴾: الموت. وقال الحسن، وقتادة: ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا (١) وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا﴾: هي النجوم. وقال عَطَاءُ بن أبي رَباح في قوله: ﴿وَالنَّازِعَاتِ﴾ و﴿النَّاشِطَاتِ﴾: هي القِسِي في القتال.\nوالصحيح الأول، وعليه الأكثرون.\nوأما قوله: ﴿وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا﴾ فقال ابن مسعود: هي الملائكة.\nورُوي عن علي، ومجاهد، وسعيد بن جُبَير، وأبي صالح مثلُ ذلك.\nوعن مجاهد: ﴿وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا﴾: الموت.\n_________\n[¬١]- في ز: فيغرق.\n[¬٢]- في خ: من.","vol":"14","page":238},{"text":"وقال قتادة: هي النجوم. وقال عطاء بن أبي رباح: هي السفن. وقوله: ﴿فَالسَّابِقَاتِ [¬١] سَبْقًا﴾ رُوي عن علي، ومسروق، ومجاهد، وأبي صالح، والحسن البصري: يعني الملائكة؛ قال الحسن: سبقت إلى الإيمان والتصديق به. وعن مجاهد: الموت. وقال قتادة: هي النجوم. وقال عطاء: هي الخيلُ في سبيل الله.\nوقوله: ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا﴾، قال علي، ومجاهد، وعطاء، وأبو صالح، والحسن، وقتادة، والربيع بن أنس، والسدي: هي الملائكة -زاد الحسن: تدبر الأمر من السماء إلى الأرض- يعني بأمر ربها ﷿. ولم يختلفوا في هذا، ولم يقطع ابن جرير بالمراد في شيء من ذلك، إلا أنه حكى في ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا﴾ أنها الملائكة، ولا أثبت ولا نفى.\nوقوله: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (٦) تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ﴾ قال ابن عباس؛ هما النفختان الأولى والثانية. وهكذا قال مجاهد، والحسن، وقتادة، والضحاك، وغير واحد.\nوعن مجاهد: أما الأولى -وهي قوله-: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ﴾، [فكقوله جلت عظمته: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ﴾، والثانية -وهي الرادفة-] [¬٢] فهي كقوله: ﴿وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً﴾.\nوقد قال الإمام أحمد (^١): حدثنا وكيع، حدثنا سفيان، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن الطفيل بن أبي بن كعب، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ: \"جاءت الراجفة، تتبعها الرادفة، جاء الموت بما فيه\". فقال رجل: يا رسول الله، أرأيت إن جعلت صلاتي كلها عليك؟ قال: \"إذا يكفيك الله ما أهَمَّك [¬٣] من دنياك وآخرتك\".\nوقد رواه الترمذي، وابن جرير، وابن أبي حاتم، من حديث سفيان الثوري، بإسناده مثله، ولفظ الترمذي وابن أبي حاتم: كان رسول الله ﷺ إذا ذهب ثلثا [¬٤] الليل قام فقال: طيا أيها الناس، اذكروا الله، جاءت الراجفة، تتبعها الرادفة، جاء الموت بما فيه\".\nوقوله: ﴿قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ﴾ قال ابن عباس: يعني خائفة. وكذا قال مجاهد، وقتادة.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٥/ ١٣٦). والترمذي في كتاب: صفة القيامة، باب: (٢٤)، حديث (٢٤٥٩) (٧/ ١٦٤). وقال الترمذي: حسن صحيح. وحسنه الألباني في الصحيحة (٩٥٤). والطبري (٣٠/ ٣٢).\n_________\n[¬١]- في ز: والسابقات.\n[¬٢]- ما بين المعكوفين مكانه في ز، خ: \"تتبعها الرادفة\" قال ابن عباس: هما النفختان الأولى\".\n[¬٣]- في ز: همك.\n[¬٤]- في حاشية ز: ثلث. وعليها علامة \"نسخة\".","vol":"14","page":239},{"text":"﴿أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ﴾، أي: أبصار أصحابها، وإنما أضيف إليها، للملابسة. أي: ذليلة حقيرة؛ مما عاينت من الأهوال.\nوقوله: ﴿يَقُولُونَ أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ﴾؟ يعني مشركي قريش، ومن قال بقولهم في إنكار المعاد، يستبعدون وقوع البعث بعد المصير إلى الحافرة وهي القبور. قاله مجاهد. وبعد تمزق أجسادهم وتفتت عظامهم ونخورها؛ ولهذا قالوا ﴿أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً﴾ وقرئ: (ناخرة).\nو[¬١] قال ابن عباس، ومجاهد، وقتادة: أي بالية. قال ابن عباس: وهو العظم إذا بلى ودَخَلت الريح فيه ﴿قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ﴾.\nوعن ابن عباس، ومحمد بن كعب، وعكرمة، وسعيد بن جبير، وأبي مالك، والسدي، وقتادة: الحافرة الحياة بعد الموت. وقال ابن زيد: الحافرة: النار وما أكثر أسماءها! هي النار، والجحيم، وسقر، وجهنم، والهاوية، والحافرة، ولظى، والحُطَمة.\nوأما قولهم: ﴿تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ﴾، فقال محمد بن كعب: قالت قريش: لئن أحيانا الله بعد أن نموت لنخسرن.\nقال الله تعالى: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾، أي: فإنما هو أمر من اللَّه لا مثنوية فيه ولا تأكيد، فإذا الناس فيام ينظرون، وهو أن يأمر تعالى إسرافيل فينفخ في الصور نفخةَ البعث، فإذا الأولون والآخرون قيام بين يَدَي الرب ﷿ ينظرون. كما قال: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إلا قَلِيلًا﴾. وقال تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إلا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إلا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ﴾.\nقال مجاهد: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ﴾: صيحة واحدة.\nوقال إبراهيم التيمي: أشد ما يكون الرب غَضَبًا على خلقه يوم يبعثهم.\nوقال الحسن البصري: زجرة من الغضب. وقال أبو مالك والربيع بن أنس: زجرة واحدة: هي النفخة الآخرة.\nوقوله: ﴿فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾ قال ابن عباس: (الساهرة) الأرض كلها. وكذا قال سعيد بن جُبَير، وقتادة، وأبو صالح.\n_________\n[¬١]- سقط من ز.","vol":"14","page":240},{"text":"وقال عكرمة، والحسن، والضحاك، وابن [¬١] زيد: ﴿السَّاهِرَةِ﴾ وجه الأرض.\nوقال مجاهد: كانوا بأسفلها فأخرجوا إلى أعلاها - قال: و﴿السَّاهِرَةِ﴾: المكان المستوي.\nوقال الثوري: ﴿السَّاهِرَةِ﴾ أرض الشام، وقال عثمان بن أبي العاتكة [¬٢]: ﴿السَّاهِرَةِ﴾: أرض بيت المقدس. وقال وهب بن مُنَبه: ﴿السَّاهِرَةِ﴾: جبل إلى جانب بيت المقدس. وقال قتادة أيضًا: ﴿السَّاهِرَةِ﴾: جهنم.\nوهذه أقوال كلها غريبة، والصحيح أنها الأرض وجهها الأعلى.\nوقال ابن أبي حاتم (^٢): حدثنا علي بن الحسين، حدثنا خَزَر [¬٣] بن المبارك الشيخ الصالح، حدثنا بشر بن السري، حدثنا مصعب بن ثابت، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد الساعدي: ﴿فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾، قال: أرض بيضاء عفراء كالخُبزَة النقي.\nوقال الربيع بن أنس: ﴿فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾، يقول الله ﷿: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾. ويقول: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا (١٠٥) فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا (١٠٦) لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا﴾، وقال: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ [¬٤] الْجِبَال وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً﴾: وبرزت الأرض التي عليها الجبال، وهي لا تعد من هذه الأرض، وهي أرض لم يعمل عليها خطيئة، ولم يُهَراق عليها دم.\n﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (١٥) إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (١٦) اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (١٧) فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (١٨) وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى (١٩) فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى (٢٠) فَكَذَّبَ وَعَصَى (٢١) ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى (٢٢) فَحَشَرَ فَنَادَى (٢٣) فَقَال أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (٢٤) فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَال الْآخِرَةِ وَالْأُولَى (٢٥) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى (٢٦)﴾\nيخبر تعالى وسوله محمدًا ﷺ عن عبده ورسوله موسى ﵇\n_________\n(^٢) ذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" (٦/ ٥١٢) وزاد نسبته إلى ابن المنذر.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: وأبو.\n[¬٢]- في ز، خ: العالية.\n[¬٣]- في ز بلا نقط.\n[¬٤]- في ز: تسير.","vol":"14","page":241},{"text":"أنه ابتعثه إلى فرعون، وأيده بالمعجزات، ومع هذا استمر على كفره وطغيانه، حتى أخذه الله أخذ عزيز مقتدر. وكذلك عاقبة من خالفك وكذب بما جئت به، ولهذا قال في آخر القصة: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾.\nفقوله: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى﴾ أي: هل سمعت بخبره؟ ﴿إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ﴾، أي: كلمه نداءً، ﴿بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ﴾، أي: المطهر، ﴿طُوًى﴾ وهو اسم الوادي على الصحيح، كما تقدم في سورة \"طه\". فقال له: ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾، أي تجبر وتمرد وعتا، ﴿فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى﴾ أي: قل له: هل لك أن تجيب إلى طريقة ومسلك تزَكَّى به. أي: تسلم وتطيع. ﴿وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ﴾، أي: أدلك إلى عبادة ربك، ﴿فَتَخْشَى﴾، أي: فيصير قلبك خاضعًا له مطيعًا خاشيًا بعد ما كان قاسيًا خبيثًا بعيدًا من الخير. ﴿فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى﴾، يعني: فأظهر له موسى مع هذه الدعوة الحقّ حجة قوية، ودليلًا واضحًا على صدق ما جاءه به من عند الله، ﴿فَكَذَّبَ وَعَصَى﴾، أي: فكذب بالحق [¬١] وخالف ما أمره به من الطاعة. وحاصِلُه أنه كَفَر قلبُه فلم ينفعل لموسى بباطنه ولا بظاهره، وعلمُهُ بأن ما جاء به أنه حق لا يلزم منه أنه مؤمن به؛ لأن المعرفة علمُ القلب، والإيمان عمله، وهو الانقياد للحق والخضوع له.\nوقوله: ﴿ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى﴾، أي: في مقابلة الحق بالباطل، وهو جَمعُهُ السحرةَ ليقابلوا ما جاء به موسى ﵇ من المعجزة الباهرة، ﴿فَحَشَرَ فَنَادَى﴾، أي: في قومه ﴿فَقَال أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾.\nقال ابن عباس ومجاهد: وهذه الكلمة قالها فرعون بعد قوله: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيرِي﴾ بأربعين سنة.\nقال الله تعالى: ﴿فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَال الْآخِرَةِ وَالْأُولَى﴾ أي: انتقم الله منه انتقامًا جعله به عبرة ونكالًا لأمثاله من المتمردين في الدنيا ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ﴾ كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ﴾، هذا هو الصحيح في معنى الآية أن المراد بقوله: ﴿نَكَال الْآخِرَةِ وَالْأُولَى﴾، أي: الدنيا والآخرة. وقيل: المراد بذلك كلمتاه [¬٢] الأولى والثانية. وقيل: كفره وعصيانه. والصحيح الذي لا شك فيه الأول.\nوقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾ أي: لمن يتعظ وينزجر.\n﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (٢٧) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (٢٨) وَأَغْطَشَ لَيلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا (٢٩) وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (٣٠) أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا (٣١)\n_________\n[¬١]- في ز: الحق.\n[¬٢]- في ز: كلمتيه.","vol":"14","page":242},{"text":"وَالْجِبَال أَرْسَاهَا (٣٢) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (٣٣)﴾\nيقول تعالى محتجًا على منكري البعث في إعادة الخلق بعد بدئه: ﴿أَأَنْتُمْ﴾ أيها الناس ﴿أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ﴾ يعني بل السماءُ أشدّ خلقًا منكم، كما قال تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾، وقال: ﴿أَوَلَيسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾. فقوله: ﴿بَنَاهَا﴾ فسره بقوله: ﴿رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا﴾، أي: جعلها عالية البناء، بعيدة الفناء، مستوية الأرجاء، مكللة بالكواكب في الليلة الظلماء.\nوقوله: ﴿وَأَغْطَشَ لَيلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا﴾، أي: جعل ليلها مظلمًا أسود حالكًا، ونهارها مضيئًا مشرقًا نيرًا واضحًا.\nقال ابن عباس: أغطش ليلها: أظلمه. وكذا قال مجاهد وعكرمة، وسعيد بن جبير وجماعة كثيرون.\n﴿وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا﴾، أي: أنار نهارها.\nوقوله: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ فسره بقوله: ﴿أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا﴾، وقد تقدم في سورة \"حم السجدة\" أن الأرض خلقت قبل السماء، ولكن إنما دُحيت بعد خلق السماء، بمعنى أنه أخرج ما كان فيها بالقوة إلى الفعل. وهذا معنى قول ابن عباس، وغير واحد، واختاره ابن جرير.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن جعفر الرقي، حدثنا عبيد الله -يعني ابن عَمرو [¬١]- عن زيد بن أبي أنيسة، عن المنهال بن عَمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿دَحَاهَا﴾: وَدَحْيها أن أخرج منها الماء والمرعى، وشقق الأنهار، وجعل فيها الجبال والرمال والسبل والآكام، فذلك قوله: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾. وقد تقدم تقرير ذلك هنالك.\nوقوله: ﴿وَالْجِبَال أَرْسَاهَا﴾، أي: قررها وأثبتها [¬٢] وأكَّدها في أماكنها، وهو الحكيم العليم: الرءوف بخلقه الرحيم.\nقال الإمام أحمد (^٣): حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا العوام بن حوشب، عن سليمان بن أبي\n_________\n(^٣) المسند (٣/ ١٢٤) (١٢٢٧٤). وسليمان بن أبي سلمان لم يوثقه غير ابن حبان، وقال الحافظ في التقريب \"مقبول\" وباقي رجاله ثقات رجال الصحيح. والحديث رواه الترمذي في التفسير ٣٣٦٩ عن =\n_________\n[¬١]- في ز: عمر.\n[¬٢]- في ز: وثبتها.","vol":"14","page":243},{"text":"سليمان، عن أنس بن مالك عن النبي ﷺ قال: \"لما خلق الله الأرض جعلت تميد، فخلق الجبال فألقاها عليها، فاستقرت، فتعجبت الملائكةُ من خَلق الجبال فقالت: يا رب؛ فهل من خلقك شيء أشد من الجبال؟ قال: نعم، الحديد، قالت: يا رب؛ فهل من خلقك شيء أشد من الحديد؟ قال: نعم، النار. قالت: يا رب؛ فهل من خلقك شيء أشد من النار؟ قال: نعم، الماء. قالت: يا رب، فهل من خلقك شيء أشد من الماء؟ قال: نعم، الريح، قالت: يا رب؛ فهل من خلقك شيء أشد من الريح؟ قال: نعم، ابن آدم، يتصدق بيمينه يخفيها من [¬١] شماله\".\nوقال أبو جعفر بن جرير (^٤): حدثنا ابنُ حميد، حدثنا جرير، عن عطاء، عن أبي عبد الرحمن السُلَمي، عن علي قال: لما خلق الله الأرض قمصت [¬٢] وقالت: تخلق عَلي آدم وذريته، يلقون عليّ نتنهم ويعملون عَلَيّ بالخطايا، فأرساها الله بالجبال، فمنها ما ترون، ومنها ما لا ترون، وكان أول قَرَار الأرض كلحم الجزور إذا نُحِر، يختلج لحمه. غريب.\nوقوله: ﴿مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾، أي: دحا الأرض فأنبع عيونها، وأظهر مكنونها، وأجرى أنهارها [¬٣]، وأنبت زروعها وأشجارها وثمارها، وثبت جبالها لتستقر بأهلها ويقر قرارها، كل ذلك متاعًا لخلقه ولما يحتاجون إليه من الأنعام التي يأكلونها ويركبونها مدّةَ احتياجهم إليها في هذه الدار إلى أن ينتهي الأمد، وينقضي الأجل.\n﴿فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى (٣٤) يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ مَا سَعَى (٣٥) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى (٣٦) فَأَمَّا مَنْ طَغَى (٣٧) وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٣٨) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى (٣٩) وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (٤١) يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا (٤٢) فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا (٤٣) إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا (٤٤) إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا (٤٥) كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إلا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا (٤٦)﴾\n_________\n= ابن بشار، عن يزيد بن هارون، عن العوام بن حوشب عنه به. وقال: غريب لا نعرفه مرفوعًا إلا عن هذا الوجه. ورواه عبد بن حميد ١٢١٥. وأبو يعلى (٤٣١٠) (٧/ ٢٨٦ - ٢٨٧) حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا يزيد بن هارون به. والحديث صححه الضياء في \"المختارة\" (١/ ١٢٥ / ب).\n(^٤) أخرجه الطبري (٣٠/ ٤٧).\n_________\n[¬١]- في خ: عن.\n[¬٢]- بياض في ز، خ.\n[¬٣]- في ز: أُنهارًا.","vol":"14","page":244},{"text":"يقول تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى﴾، وهو يوم القيامة. قاله ابن عباس، سميت بذلك لأنها تَطمّ على كل أمرٍ هائل مفظع، كما قال تعالى: ﴿وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾.\n﴿يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ مَا سَعَى﴾، أي: حينئذٍ يتذكرُ ابنُ آدم جميع عمله [¬١] خيره وشره، كما قال: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى﴾. ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى﴾، أي: أظهرت للناظرين فرآها الناس عيانًا. ﴿فَأَمَّا مَنْ طَغَى﴾، أي: تَمَرّد وعتا، ﴿وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾، أي: قدمها على أمر دينه وأخراه، ﴿فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى﴾، أي: فإن مصيرَه إلى الجحيم، وإن مطعمه من الزقوم ومشربه من الحميم. ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى﴾، أي: خاف القيامَ بين يدي الله ﷿ وحكمَ الله فيه، ونهى نفسه عن هواها، ورَدّها إلى طاعة مولاها، ﴿فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ أي: منقلبه ومصيره ومرجعه إلى الجنة الفيحاء.\nثم قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا (٤٢) فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا (٤٣) إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا﴾، أي: ليس علمها إليك ولا إلى أحد من الخلق، بل مَرَدّها ومَرجعها إلى الله ﷿ فهو الذي يعلم وقتها على التعيين؛ ﴿ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إلا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ﴾. وقال هاهنا: ﴿إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا﴾ ولهذا [¬٢] لما سأل جبريلُ رسولَ الله ﷺ عن وقت الساعة قال: \"ما المسئول عنها بأعلم من السائل\".\nوقوله: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا﴾، أي: إنما بعثتك لتنذر الناس وتحذرهم من بأس الله وعذابه، فمن خشي الله وخاف مقامه ووعيده، اتبعك فأفلح وأنجح، والخيبة والخسار على من كذبك وخالفك.\nوقوله: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إلا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾، أي: إذا قاموا من قبورهم إلى المحشر يستقصرون مُدّة الحياة الدنيا، حتى كأنها عندهم كانت عشية من يوم أو ضُحى من يوم.\nقال جويبر، عن الضحاك، عن ابن عباس: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إلا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾، أما عَشِيَّة فما بين الظهر إلى غروب الشمس، ﴿أَوْ ضُحَاهَا﴾، ما بين طلوع الشمس إلى نصف النهار.\nوقال قتادة: وقت الدنيا في أعين القوم حين عاينوا الآخرة.\n[آخر تفسير سورة النازعات ولله الحمد والمنة].\n_________\n[¬١]- سقط من ز، خ.\n[¬٢]- في ز: وهذا.","vol":"14","page":245},{"text":"<span data-type='title' id=toc-201>تفسير سورة عبس وهي مكية</span>\n﷽\n﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (٢) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (٣) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى (٤) أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (٥) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (٦) وَمَا عَلَيكَ أَلَّا يَزَّكَّى (٧) وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (٨) وَهُوَ يَخْشَى (٩) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى (١٠) كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (١١) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (١٢) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ (١٦)﴾\nذكر غيرُ واحدٍ من المفسرين أن رسول الله ﷺ كان يومًا يخاطبُ بعض عظماء قريش، وقد طَمع في إسلامه، فبينما هو يخاطبه ويناجيه إذ أقبل ابنُ أم مكتوم -وكان ممن أسلم قديمًا- فجعل يسأل رسول الله ﷺ عن شيء ويلح عليه، ووَدّ النبي ﷺ أن لو كف ساعته تلك؛ ليتمكن من مخاطبة ذلك الرجل؛ طمعًا ورغبة في هدايته؛ وعَبَس في وجه ابن أم مكتوم وأعرض عنه، وأقبل على الآخر، فأنزل الله ﷿: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (ض ٢) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى﴾ أي: يحصل له زكاة [¬١] وطهارة في نفسه، ﴿أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى﴾، أي: يحصل له اتعاظ وانزجار عن المحارم، ﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (٥) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى﴾، أي: أما الغنيّ فأنت تتعرض له لعله يهتدي ﴿وَمَا عَلَيكَ أَلَّا يَزَّكَّى﴾ أي: ما أنت بمطالب به إذا لم يحصل له زكاة [¬٢]. ﴿وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (٨) وَهُوَ يَخْشَى﴾ أي: يقصدك ويؤمك ليهتدي بما تقول له ﴿فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى﴾، أي: تتشاغل. ومن ها هنا أمر الله ﷿ رسوله ﷺ أن لا يخص بالإنذار أحدًا، بل يساوي فيه بين الشريف والضعيف، والفقير والغني، والسادة والعبيد، والرجال والنساء، والصغار والكبار. ثم الله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم، وله الحكمة البالغة [¬٣]، والحجة الدامغة [¬٤].\nقال الحافظ أبو يعلى في مسنده (^١): حدثنا محمد -هو ابن مهدي- حدثنا عبد الرزاق،\n_________\n(^١) مسند أبي يعلى (٥/ ٤٣١ - ٤٣٢) (٣١٢٣).\n_________\n[¬١]- في ز: زكاء.\n[¬٢]- في ز: زكاء.\n[¬٣]- سقط من ز، خ\n[¬٤]- سقط من ز، خ.","vol":"14","page":246},{"text":"أخبرنا معمر، عن قتادة عن أنس في قوله: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾، جاء ابن أم مكتوم إلى النبي ﷺ وهو يكلم أبي بن خلف، فأعرض عنه، فأنزل الله: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾، فكان النبيّ ﷺ بعد ذلك يكرمه.\nوقال قتادة: وأخبرني أنس بن مالك؛ قال: رأيته يوم القادسية وعليه درع، ومعه راية سوداء، يعني ابن أم مكتوم.\nوقال أبو يعلى (^٢) وابن جرير (^٣): حدثنا سعيد بن يحيى الأموي، حدثني أبي، عن هشام بن عروة [مما عرضه [¬١] عليه عن عروة، عن عائشة؛ قالت: أنزلت: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾ في ابن أم مكتوم الأعمى، أتى إلى رسول الله ﷺ فجعل يقول: أرشدني -قالت: وعند رسول الله ﷺ من عظماء المشركين- قالت: فجعل النبي ﷺ يُعرض عنه ويقبل على الآخر، ويقول: \"أترى بما أقول بأسًا؟ \". فيقول: لا. ففي هذا أنزلت: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾.\nوقد روى الترمذي (^٤) هذا الحديثَ، عن سعيد بن يحيى الأموي، بإسناده مثله، ثم قال: \"وقد رواه بعضهم عن هشام بن عروة، عن أبيه؛ قال: أنزلَت ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾ في ابن أم مكتوم، ولم يذكر فيه عن عائشة\". قلت: كذلك هو في الموطأ.\nثم روى ابن جرير (^٥) وابن أبي حاتم أيضًا من طريق العوفي، عن ابن عباس في قوله: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾، قال: بينا رسول الله ﷺ يناجي عتبَة بن ربيعة، وأبا جهل بنَ هشام، والعباس بن عبد المطلب -وكان يتصدى لهم كثيرًا، ويحرص عليهم أن يؤمنوا -فأقبل إليه رجل أعمى- يقال له عبد الله بن أم مكتوم- يمشي وهو يناجيهم، فجعل عبد الله يستقرئ النبي ﷺ آية من القرآن، وقال: يا رسول الله؛ علّمني مما علمك الله، فأعرض عنه رسول الله ﷺ، وعبس في وجهه، وتولى وكره كَلامَه، وأقبل على الآخرين، فلما قضى رسولُ الله ﷺ نجواه، وأخذ ينقلب إلى أهله، أمسك الله بعض بصره، ثم خَفَقَ برأسه، ثم أنزل الله. ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (٢) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (٣) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى﴾. فلما نزل فيه ما\n_________\n(^٢) مسند يعلى (٨/ ٢٦١) (٤٨٤٨).\n(^٣) تفسير الطبري (٣٠/ ٥٠).\n(^٤) سنن الترمذي، كتاب: التفسير، باب: ومن سورة عبس، حديث (٣٣٢٨) (٩/ ٦٧ - ٦٨). وقال الترمذي: حسن غريب. وصحح إسناده الألباني في صحيح سنن الترمذي (٢٦٥١، ٣٥٦٦).\n(^٥) تفسير الطبري (٣٠/ ٥١).\n_________\n[¬١]- بياض في ز، خ.","vol":"14","page":247},{"text":"نزل، أكرمه رسول الله ﷺ وكلمه، وقال له النبي ﷺ \"ما حاجتك؟ هل تريد في شيء؟ \" وإذا ذهب من عنده قال: \"هل لك حاجة في شيء؟ \". وذلك لما أنزل الله تعالى ﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (٥) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (٦) وَمَا عَلَيكَ أَلَّا يَزَّكَّى﴾ فيه غرابة ونكارة، وقد تكلم في إسناده.\nوقال ابن أبي حاتم (^٦): حدثنا أحمد بن منصور الرّمادي، حدثنا عبد الله بن صالح، حدثني الليث، حدثني يونس، عن ابن شهاب؛ قال: قال سالم بن عبد الله، عن عبد الله بن عمر: سمعت رسول الله ﷺ؛ يقول: \"إن بلالًا يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى تسمعوا أذان ابن أم مكتوم\". وهو الأعمى الذي أنزل الله فيه: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾، وكان يؤذن مع بلال. قال سالم: وكان رجلًا ضرير البصر، فلم يك يؤذن حتى يقول له الناس -حين ينظرون إلى بزوغ [¬١] الفجر-: أذن.\nوهكذا ذكر عروة بن الزبير، ومجاهد، وأبو مالك، وقتادة، والضحاك، وابن زيد، وغير واحد من السلف والخلف؛ أنها نزلت في ابن أم مكتوم. والمشهور أن اسمه عبد الله، ويقال: عمرو، والله أعلم.\nوقوله: ﴿كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ﴾، أي: هذه السورة، أو الوصية بالمساواة بين الناس في إبلاغ العلم من شريفهم ووضيعهم.\nوقال قتادة والسدي: ﴿كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ﴾؛ يعني القرآن. ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ﴾، أي: فمن شاء ذكر الله في جميع أموره. ويحتمل عود الضمير على الوحي؛ لدلالة الكلام عليه.\nوقوله: ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ﴾، [أي: هذه السورة أو العظة، وكلاهما متلازم، بل جميع القرآن ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ﴾] [¬٢]، أي: معظمة موقرة. ﴿مَرْفُوعَةٍ﴾، أي: عالية القدر، ﴿مُطَهَّرَةٍ﴾ أي: من الدنس والزيادة والنقص.\nوقوله: ﴿بِأَيدِي سَفَرَةٍ﴾ قال ابن عباس ومجاهد، والضحاك وابن [¬٣] زيد: هي الملائكة.\nوقال وهب بن منبه: هم أصحاب محمد ﷺ. وقال قتادة: هم القراء.\n_________\n(^٦) وأصله في الصحيحين دون ذكر أنه هو الذي أنزل الله فيه: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾. أخرجه البخاري في كتاب: الأذان، باب: أذان الأعمى إذا كان له من خبره، حديث (٦١٧) (٢/ ٩٩). وأطرافه في [٦٢٠، ٦٢٣، ١٩١٨، ٢٦٥٦، ٧٢٤٨]. ومسلم في كتاب: الصيام، باب: بيان أن الدخول في الصوم يحصل بطلوع الفجر. حديث (٣٦، ٣٧/ ١٠٩٢) (٧/ ٢٨٤ - ٢٨٥). كلاهما من طريق ابن شهاب بهذا الإسناد وقد ورد الحديث عن عدة من الصحابة، راجع الإرواء (٢١٩).\n_________\n[¬١]- في ز: فروع.\n[¬٢]- سقط من خ.\n[¬٣]- في ز: وأبو.","vol":"14","page":248},{"text":"وقال ابن جرير، عن ابن عباس: السفرة بالنبطية: القراء.\nوقال ابن جرير: الصحيح أن السفرة الملائكة، [والسفرة] [¬١] يعني بين الله وبين خلقه، ومنه يقال: السفير: الذي يسعى بين الناس في الصلح والخير، كما قال الشاعر:\nوما أدع السفارة بين قومي … وما أمشي بغش إن مشيت\nوقال البخاري (^٧): \" سَفَرَة: الملائكة. سفرت: أصلحت بينهم. وجعلت الملائكةُ إذا نَزَلت بوحي الله وتأديته [¬٢] كالسفير الذي يصلح بين القوم [¬٣] \".\nوقوله: ﴿كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾، أي: خُلقهم كريم حَسَن شريف، وأخلاقهم وأفعالهم بارة طاهرة كاملة. ومن ها هنا ينبغي لحامل القرآن أن يكون في أفعاله وأقواله على السداد والرشاد.\nقال الإمام أحمد (^٨): حدثنا إسماعيل، حدثنا [¬٤] هشام، عن قتادة، عن زُرَارة بن أوفى، عن سعد بن هشام، عن عائشة؛ قالت: قال رسول الله ﷺ \"الذي يقرأ القرآن -وهو ماهر به- مع السَفَرَة الكرام البررَة، والذي يقرؤه -وهو عليه شاق- له أجران\".\nأخرجه الجماعة من طريق قتادة به.\n﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ (١٧) مِنْ أَيِّ شَيءٍ خَلَقَهُ (١٨) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (١٩) ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ (٢٠) ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ (٢١) ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ (٢٢) كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ (٢٣) فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (٢٤) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا (٢٥) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا\n_________\n(^٧) في كتاب: التفسير، باب: سورة عبس (٨/ ٦٩١).\n(^٨) المسند (٦/ ٤٨) (٢٤٣٢٢). وأخرجه البخاري كتاب: التفسير، باب: سورة عبس، حديث (٤٩٣٧) (٨/ ٦٩١). ومسلم في كتاب: صلاة المسافرين، باب: فضل الماهر بالقرآن والذي يتتعتع فيه، حديث (٢٤٤/ ٧٩٨) (٦/ ١٢١). وأبو داود في كتاب: الصلاة، باب: في ثواب قراءة القرآن، حديث (١٤٥٤) (٢/ ٧٠ - ٧١). والترمذي في كتاب: ثواب القرآن، باب: ما جاء في فضل قارئ القرآن، حديث (٢٩٠٦) (٨/ ١١١ - ١١٢). والنسائي الكبرى في كتاب: فضائل القرآن، باب: الماهر بالقرآن، حديث (٨٠٤٥) (٥/ ٢٠) باب: المتتعتع في القرآن، حديث (٨٠٤٦، ٨٠٤٧) (٥/ ٢١). وابن ماجة في كتاب: الأدب، باب: ثواب القرآن، حديث (٣٧٧٩) (٢/ ١٢٤٢). قال الترمذي: حسن صحيح.\n_________\n[¬١]- سقط من ت.\n[¬٢]- في ز: تأديبه.\n[¬٣]- في ز: الناس.\n[¬٤]- في خ: أخبرنا.","vol":"14","page":249},{"text":"فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (٢٨) وَزَيتُونًا وَنَخْلًا (٢٩) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (٣٠) وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (٣١) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (٣٢)﴾\nيقول تعالى ذامًّا لمن أنكر البعث والنشور من بني آدم: ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ﴾. قال الضحاك، عن ابن عباس: ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ﴾: لعن الإنسان. وكَذا قال أبو مالك. وهذا لجنس الإنسان المكذب؛ لكثرة تكذيبه بلا مستند، بل بمجرد الاستبعاد وعدم العلم.\nقال ابن جرير: ﴿مَا أَكْفَرَهُ﴾: ما أشد كفره! وقال ابن جرير: ويحتمل أن يكون المراد أي شيء جعله كافرًا؟ أي: ما حمله على التكذيب بالمعاد.\nوقال قتادة -وقد حكاه البغوي عن مقاتل والكلبي-: ﴿مَا أَكْفَرَهُ﴾ ما لعنه.\nثم بين تعالى له كيف خَلَقَه الله من الشيء الحقير، وأنه قادر على إعادته كما بدأه، فقال: ﴿مِنْ أَيِّ شَيءٍ خَلَقَهُ (١٨) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾، أي: قدر أجله ورزقه وعمله وشقي أو سعيد. ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ قال العوفي، عن ابن عباس: ثم كسر عليه خروجه من بطن أمه. وكذا قال عكرمة، والضحاك، وأبو صالح، وقتادة، والسدي، واختاره ابن جرير.\nوقال مجاهد: هذه كقوله: ﴿إِنَّا هَدَينَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾. أي: بيّنا له ووضَّحناه وسَهلنا عليه علمه، وهكذا قال الحسن، وابن زيد. وهذا هو الأرجح، والله أعلم.\nوقوله: ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾ أي: إنه بعد خلقه له ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾ أي: جعله ذا قبر. والعرب تقول: \"قبرتُ الرجل\": إذا ولّى ذلك منه، وأقبره الله. \"وعَضَبتُ [¬١] قرن الثور، وأعضبه [¬٢] الله، وبترت ذنب البعير وأبتره الله: وطردت عني فلانًا، وأطرده الله. أي: جعله طريدًا، قال الأعشى:\nلو أسْنَدتَ مَيتًا إلى نحرها [¬٣] … عَاش ولَم يُنقَل إلى قابر\nوقوله: ﴿ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ﴾، أي: بعثه بعد موته، ومنه يقال: البعث والنشور، ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾.\n﴿وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا﴾.\nوقال ابن أبي حاتم (^٩): حدثنا أبي، حدثنا أصبغُ بن الفَرج، أخبرنا ابن وهب، أخبرني\n_________\n(^٩) في رواية دراج عن أبي السمح ضعف لكن يشهد لبعضه ما بعده.\n_________\n[¬١]- في ز: عصبت.\n[¬٢]- في ز: وأعصبه.\n[¬٣]- في ز: خدرها.","vol":"14","page":250},{"text":"عمرو بن الحارث: أن دراجًا أبا السمح أخبره، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد، عن النبي ﷺ؛ قال: \"يأكل الترابُ كل شيء من الإنسان إلا عَجبَ ذَنبِه [¬١] \". قيل: وما هو يا رسول الله؟ قال: \"مثل حبة خردل منه ينشئون\".\nوهذا الحديث ثابت في الصحيح (^١٠) من رواية الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، بدون هذه الزيادة، ولفظه: \"كل ابن آدم يبلى إلا عَجبُ الذنب، منه خلق وفيه يركب\". وقوله: ﴿كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ﴾ - قال ابن جرير: يقول: كلا، ليس الأمر كما يقول هذا الإنسان الكافر؛ من أنه قد [¬٢] أدى حق الله عليه في نفسه وماله، ﴿لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ﴾، يقول: لم يؤدّ ما فرض عليه من الفرائض لربه ﷿.\nثم روى هو وابن أبي حاتم من طريق ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله ﴿كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ﴾، قال: لا يقضي أحد أبدًا كل ما افتُرض عليه. وحكاه البغوي، عن الحسن البصري، بنحو من هذا. ولم أجد للمتقدمين فيه كَلامًا سوى هذا. والذي يقع لي في معنى ذلك -والله أعلم- أن المعنى: ﴿ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ﴾، أي: بعثه، ﴿كَلَّا [¬٣] لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ﴾: لا يفعله الآن حتى تنقضي المدة، ويفرغ القدر من بني آدم ممن كتب تعالى له أن [¬٤] سيُوجَدُ منهم، ويخرج إلى الدنيا، وفد أمر [¬٥] به تعالى كونًا وقدرًا، فماذا تناهى ذلك عند الله أنشر الله الخلائق وأعادهم كما بدأهم.\nوقد روى ابنُ أبي حاتم، عن وهب بن مُنبه؛ قال: قال عُزَير ﵇: قال الملك الذي جاءني: فإن القبور [¬٦] هي بطنُ الأرض، وإن الأرض هي أم الخلق، فإذا خلق الله ما أراد أن يخلق، وتمت هذه القبور التي مدّ الله لها، انقطعت الدنيا ومات من عليها، ولفظت الأرض ما في جوفها، وأخرجت القبورُ ما فيها. وهذا شبيه بما قلناه من معنى الآية، والله ﷾ أعلم بالصواب.\nوقال: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ﴾: فيه [امتنان وفيه] [¬٧] استدلال بإحياء النبات من الأرض الهامدة على إحياء الأجسام بعد ما كانت عظامًا بالية وترابًا ممزقًا [¬٨]: ﴿أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ\n_________\n(^١٠) أخرجه البخاري في كتاب: التفسير، باب: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ …﴾، حديث (٤٨١٤) (٨/ ٥٥١ - ٥٥٢) وطرفه في [٤٩٣٥]. ومسلم في كتاب: الفتن، باب: ما بين النفختين، حديث (١٤١/ ٢٩٥٥). كلاهما من رواية الأعمش بمعناه.\n_________\n[¬١]- في خ: الذنب.\n[¬٢]- سقط من ز، خ.\n[¬٣]- سقط من ز.\n[¬٤]- سقط من ز، خ.\n[¬٥]- في ز: أمره.\n[¬٦]- في ز: الصور.\n[¬٧]- سقط من ز.\n[¬٨]- في ز: متمزقًا.","vol":"14","page":251},{"text":"صَبًّا﴾، أي: أنزلناه من السماء علي الأرض، ﴿ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا﴾، أي: أسكناه فيها فدَخَلَ [¬١] في تُخُومها، وتخَلّل [¬٢] في أجزاء الحب المودَع فيها، فنبت [¬٣] وارتفع، وظهر على وجه الأرض، ﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا وَقَضْبًا﴾، فالحب: كل ما يذكر من الحبوب، والعنب معروف، والقضب هو: الفصفصة التي تأكلها الدواب رطبة. ويقال لها: القت أيضًا. قال ذلك ابن عباس، وقتادة، والضحاك والسدي.\nوقال الحسن البصري: القضب: العلف.\n﴿وَزَيتُونًا﴾، وهو معروف، وهو أدْمٌ وعصيره أدم، ويستصبح به، ويدهن به [¬٤]، ﴿وَنَخْلًا﴾ يؤكل بلحًا بسرًا [¬٥] ورطبًا، وتمرًا، ونيئًا، ومطبوخًا، ويعتصر منه رُبّ وخل. ﴿وَحَدَائِقَ غُلْبًا﴾: أي بساتين. قال الحسن، وقتادة: ﴿غُلْبًا﴾: نخل غلاظ كرام. وقال ابن عباس، ومجاهد: الحدائق: كل ما التف [¬٦] واجتمع. وقال ابن عباس أيضًا: ﴿غُلْبًا﴾: الشجر الذي يستظل به. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿وَحَدَائِقَ غُلْبًا﴾، أي: طوال. وقال عكرمة: ﴿غُلْبًا﴾ أي: غلاظ الأوساط. وفي رواية: غلاظ الرقاب، ألم تر إلى الرجل إذا كان غليظ الرقبة قيل: والله إنه لأغلب. رواه اين أبي حاتم، وأنشد ابن جرير للفرزدق:\nعوى فأثار أغلب ضيغميًّا … فويل ابن المراغة [¬٧] ما استثارا\nوقوله: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾، أما الفاكهة فهو كل [¬٨] ما يتفكه به من الثمار. قال ابن عباس: الفاكهة: كل ما أكل رطبًّا، والأب ما أنبتت الأرض، مما تأكله الدواب ولا يأكله الناس -وفي رواية عنه: هو الحشيش للبهائم. وقال مجاهد، وسعيد بن جبير، وأبو مالك: الأب: الكلأ. وعن مجاهد، والحسن، وقتادة، وابن زيد: الأب للبهائم كالفاكهة لبني آدم. وعن عطاء: كل شيء نبت على وجه الأرض فهو أب. وقال الضحاك: كل شيء أنبتته الأرض سوى الفاكهة فهو أبّ.\nوقال ابن إدريس، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن ابن عباس: الأب: نبت الأرض مما [] [¬٩] تأكله الدواب ولا يأكله الناس. ورواه ابن جرير (^١١) من ثلاث طرق، عن ابن\n_________\n(^١١) أخرجه الطبري (٣٠/ ٦٠).\n_________\n[¬١]- في ز: فيدخل.\n[¬٢]- في ز: وتحلل.\n[¬٣]- في ز: فينبت.\n[¬٤]- سقط من ز.\n[¬٥]- سقط من خ.\n[¬٦]- في ز: ملتف.\n[¬٧]- في ز: المراعة.\n[¬٨]- سقط من ت.\n[¬٩]- في ز: لا.","vol":"14","page":252},{"text":"إدريس، ثم قال:\nحدثنا [¬١] أبو كريب وأبو السائب؛ قالا: حدثنا ابن إدريس، حدثنا عبد الملك، عن سعيد بن جبير؛ قال: عدَّ [¬٢] ابن عباس وقال: الأب: ما أنبتت الأرض للأنعام. هذا لفظ أبي كريب وقال أبو السائب: ما أنبتت الأرض مما يأكل الناس وتأكل الأنعام.\nوقال العوفي عن ابن عباس: الأب: الكلأ والمرعى. وكذا قال مجاهد والحسن، وقتادة وابن زيد وغير واحد.\nوقال أبو عبيد القاسم بن سلام (^١٢): حدثنا محمد بن يزيد، حدثنا العوام بن حَوشب، عن إبراهيم التَّيمي؛ قال: سُئِل أبو بكر الصديق ﵁ عني قوله تعالى: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ فقال: أي سماء تظلني وأي أرض تقلني إن قلتُ في كتاب الله ما لا أعلم.\nوهذا منقطع بين إبراهيم التيمي والصديق. فأمَّا ما رواه ابن جرير (^١٣) حيث قال:\nحدثنا ابن بشار، حدثنا إلي أبي عَدي، حدثنا حُمَيد، عن أنس؛ قال: قرأ عمر بين الخطاب ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾ فلما أتى علي هذه الآية: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ قال: قد [¬٣] عرفنا ما الفاكهة؛ فما الأب؟ فقال: لعمرك يا بن الخطاب إن هذا لهو التكلف.\nفهو إسناد صحيح، وقد رواه غير واحد عن أنس (^١٤)، به. وهو محمول على أنه أراد أن يعرف شكله وجنسه وعينه، وإلا فهو وكل من قرأ هذه الآية يعلم أنه من نبات الأرض، لقوله: ﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (٢٨) وَزَيتُونًا وَنَخْلًا (٢٩) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (٣٠) وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ وقوله: ﴿مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾، أي: عيشة لكم ولأنعامكم في هذه الدار إلي يوم القيامة.\n﴿فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ (٣٣) يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ\n_________\n(^١٢) أخرجه أبو عبيد في \"فضائل القرآن\" (ص ٣٧٥).\n(^١٣) أخرجه الطبري (٣٠/ ٥٩).\n(^١٤) أخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن (ص ٣٧٥) من طريق حميد. وأخرجه البخاري في كتاب: الاعتصام، باب: ما يكره من كثرة السؤال …، حديث (٧٢٩٣) (١٣/ ٢٦٤ - ٢٦٥) من طريق حماد بن زيد، عن ثابت، عن أنس، فأخرج منه قول عمر ﵁: \"نهينا عن التكلف\". قال الحافظ في الفتح (١٣/ ٢٧٠ - ٢٧١): هكذا أورده مختصرًا، وذكر الحميدي أنه جاء في رواية أخرى عن ثابت عن أنس أن عمر ﵁ قرأ ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ … الحديث -نحو حديث الطبري وأبي عبيد- ثم قال: وهذا أولى أن يكمل به الحديث الذي أخرجه البخاري. ا هـ.\n_________\n[¬١]- سقط من خ.\n[¬٢]- في ز: عدا.\n[¬٣]- سقط من ت.","vol":"14","page":253},{"text":"وَبَنِيهِ (٣٦) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (٣٧) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (٣٨) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (٣٩) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيهَا غَبَرَةٌ (٤٠) تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ (٤١) أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ (٤٢)﴾\nقال ابن عباس: ﴿الصَّاخَّةُ﴾ اسم من أسماء يوم القيامة، عظمه الله وحذره عباده.\nقال ابن جرير: لعله اسم للنفخة [¬١] في الصور. وقال البغَويّ: ﴿الصَّاخَّةُ﴾. يعني صيحة القيامة، سميت بذلك لأنها تَصُخّ الأسماع، أي: تبالغ في إسماعها حتى تكاد تُصمّها.\n﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ﴾، أي: يراهم، ويفر منهم، ويبتعد [¬٢] عنهم؛ لأن الهول عظيم، والخطب جليل.\nقال عكرمة: يلقى الرجل زوجته فيقول لها: يا هذه، أيّ بعل كنتُ لك؟ فتقول: نعم البعل كنتَ! وتثني بخير ما استطاعت، فيقول لها: فإني أطلب إليك اليومَ حسنةً واحدةً تهبينها [¬٣] لي لعلي أنجو مما ترين [¬٤]. فتقول له: ما أيسر ما طلبتَ، ولكني لا أطيق أن أعطيك شيئًا أتخوف مثل الذي تخاف. قال: وإن الرجل ليلقى ابنه فيتعلق [¬٥] به يقول: يا بني، أيّ والد كنتُ لك؟ فيثني بخير. فيقول له: يا بني؛ إني احتجت إلى مثقال ذرة من حسناتك لعلي أنجو بها مما ترى. فيقول ولده: يا أبت، ما أيسر ما طلبت، ولكني أتخوف مثل الذي تتخوف، فلا أستطيع أن أعطيك شيئًا. يقول الله تعالى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ﴾.\nوفي الحديث الصحيح (^١٥) - في أمر الشفاعة- أنه إذا طلب إلى كل من أولي العزم أن يشفع عند الله في الخلائق، يقول: نفسي نفسي، لا أسأله اليوم إلا نفسي، حتى إن عيسى ابن مريم يقول: لا أسأله اليومَ إلا نفسي، لا أسأله مريم التي ولدتني؛ ولهذا قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ﴾.\n_________\n(^١٥) تقدم تخريجه في تفسير سورة الإسراء آية: ٧٩.\n_________\n[¬١]- في ز: النفخة.\n[¬٢]- في ز: يتبعد.\n[¬٣]- في ز: تهبيها.\n[¬٤]- في ز: ترى.\n[¬٥]- في ز: فيعلق.","vol":"14","page":254},{"text":"قال قتادة: الأحب فالأحب، والأقرب فالأقرب، من هول ذلك اليوم.\nوقوله: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾، أي: هو في شُغُل شاغل عن غيره.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عمار بن الحارث، حدثنا الوليد بن صالح، حدثنا ثابت أبو زيد العباداني، عن هلال بن خَبَّاب [¬١]، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس؛ قال: قال رسول الله ﷺ: \"تحشرون حفاة عراة مشاة غُرلًا\". قال: فقالت زوجته: يا رسول الله، أوَ يرى بعضنا عورة بعض؟ قال ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾. أو قال: \"ما أشغله عن النظر\".\nوقد رواه النسائي (^١٦) منفردًا به، عن أبي داود، عن [¬٢] عارم، عن ثابت بن يزيد -وهو أبو زيد الأحول البصري، أحد الثقات- عن هلال بن خَبَّاب [¬٣]، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، به. وقد رواه الترمذي عن عَبد [¬٤] بن حُميد، عن محمد بن الفضل، عن ثابت بن يزيد [¬٥]، عن هلال بن خَبَّاب [¬٦]، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ؛ قال: \"تحشرون حفاة عراة غُرلًا\". فقالت امرأة: أيبصر -أو: يرى- بعضنا عورة بعض؟ قال: \"يا فلانة؛ ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ \". ثم قال الترمذي: \"وهذا حديث حسن صحيح، وقد روي من غير وجه عن ابن عباس ﵁.\nوقال النسائي (^١٧): أخبرني عمرو بن عثمان، حدثنا بقية، حدثنا الزبيدي، أخبرني الزهري، عن عروة، عن عائشة؛ أن رسول الله ﷺ، قال: \"يبعث الناس يوم القيامة حفاة عراة غُرلًا\". فقالت عائشة: يا رسول الله؛ فكيف بالعورات؟ فقال: \" ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ \". انفرد به النسائي من هذا الوجه.\nثم قال ابن أبي حاتم أيضًا [¬٧]: حدثنا أبي، حدثنا أزهر بن حاتم، حدثنا الفضل بن موسى، عن عائذ [¬٨] بن شرَيح، عن أنس بن مالك؛ قال: سألَتْ عائشة ﵂ رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله؛ بأبي أنتَ وأمي، إني سائلتك عن\n_________\n(^١٦) سنن النسائي الكبرى، كتاب: التفسير، باب: سورة عبس، حديث (١١٦٤٧) (٦/ ٥٠٦ - ٥٠٧).\nوأخرجه الترمذي في كتاب: التفسير، باب: ومن سورة عبس، حديث (٣٣٢٩) (٩/ ٦٨ - ٦٩).\n(^١٧) سنن النسائي الكبرى، كتاب: التفسير، باب: سورة عبس، حديث (١١٦٤٨) (٦/ ٥٠٧).\n_________\n[¬١]- في ز: حباب.\n[¬٢]- في ز: وعن.\n[¬٣]- في ز: حباب.\n[¬٤]- في ز: عبد الله.\n[¬٥]- في ز، خ: زيد.\n[¬٦]- في ز: حباب.\n[¬٧]- سقط من ت.\n[¬٨]- في ز، ت: عائد. والمثبت من الجرح والتعديل.","vol":"14","page":255},{"text":"حديث فتخبرني أنتَ به. قال: \"إن كان عندي منه علم\". قالت: يا نبي الله؛ كيف يُحشر الرجال؟ قال: \"حفاة عراة\". ثم انتظرتْ ساعة فقالت: يا نبي الله؛ كيف يحشر النساء؟ قال: \"كذلك حفاة عراة\". قالت: وا سوأتاه من [¬١] يوم القيامة! قال: \"وعن أبي ذلك تسألين، إنه قد نزل علي آية لا يضرك كان عليك ثياب أو لا يكون\". قالت: أيةُ آية هي يا رسول الله؟ قال: \" ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ [¬٢] شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾.\nوقال البغوي في تفسيره: أخبرنا أحمد بن إبراهيم الشّريحي، أخبرنا أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي، أخبرني الحسين بن عبد الله، حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن، حدثنا محمد بن عبد العزيز، حدثنا ابن أبي أويس، حدثنا أبي، عن محمد بن أبي عياش، عن عطاء بن يسار، عن سودة زوج النبي ﷺ؛ قالت: قال رسول الله ﷺ: \"يبعث الناس حفاة عراة غُرلًا قد ألجمهم العرق، وبلغ شحوم الآذان\". فقلت: يا رسول الله، وا سوأتاه ينظر بعضنا إلى بعض؟ فقال: \"قد شغل الناس ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ \". هذا حديث غريب من هذا الوجه جدًّا، وهكذا رواه ابن جرير (^١٨) عن أبي عمار الحسين بن حريث المروزي، عن الفضل بن موسى، به. ولكن قال أبو حاتم الرازي: عائذ [¬٣] بن شريح ضعيف، في حديثه ضعف.\nوقوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (٣٨) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾، [أي: يكون الناس هنالك فريقين ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ﴾، أي: مستنيرة ﴿ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾] [¬٤]، أي: مسرورة فرحة من سرور قلوبهم، قد ظهر البشر على وجوههم، وهؤلاء أهل الجنة. ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيهَا غَبَرَةٌ (٤٠) تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ﴾، أي: يعلوها ويغشاها قترة، أي: سواد.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا سهل بن عثمان العسكري، حدثنا أبو علي محمد مولى جعفر بن محمد، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده؛ قال: قال رسول الله ﷺ: \"يلجم الكافر العرق ثم تقع الغبرة على وجوههم\". قال: \"فهو قوله: ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيهَا غَبَرَةٌ﴾.\nوقال ابن عباس: ﴿تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ﴾ أي: يغشاها سواد الوجوه.\nوقوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ﴾، أي: الكفرة قلوبهم، الفجرة في أعمالهم، كما قال تعالى: ﴿وَلَا يَلِدُوا إلا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾.\n[آخر تفسير سورة عبس، ولله الحمد والمنة].\n_________\n(^١٨) تفسير الطبري (٣٠/ ٦١ - ٦٢).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: في.\n[¬٢]- سقط من ز.\n[¬٣]- في ز: عائد. وفي خ: عابد.\n[¬٤]- سقط من ز، خ.","vol":"14","page":256},{"text":"<span data-type='title' id=toc-202>تفسير سورة التكوير وهي مكية</span>\nقال الإِمام أحمد (^١): حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا عبد الله بن بحير القاص، أن عبد الرحمن بن يزيد الصنعاني أخبره أنه سمع ابن عمر، يقول: قال رسول الله ﷺ: \"من سرَّه أن ينظر إلى يوم القيامة كأنه رأي عين فليقرأ: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ و﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ وهكذا رواه الترمذي (^٢) عن العباس بن عبد العظيم العنبري عن عبد الرزاق، به.\n﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١) وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ (٢) وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ (٣) وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ (٤) وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (٥) وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ (٦) وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ (٧) وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (٩) وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ (١٠) وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ (١١) وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ (١٢) وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ (١٣) عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ (١٤)﴾\nقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ يعني أظلمت. وقال العوفي عنه: ذهبت. وقال مجاهد: اضمحلت وذهبت. وكذا قال الضحاك. وقال قتادة: ذهب ضوؤها. وقال سعيد بن جبير: كورت: غورت. وقال الربيع بن خُثيم: كورت يعني رمى بها. وقال أبو صالح: كورت: ألقيت، وعنه أيضًا نكست. وقال زيد بن أسلم: تقع في الأرض.\nقال ابن جرير: والصواب من القول عندنا في ذلك أن التكوير جمع الشيء بعضه على [¬١] بعض، ومنه تكوير العمامة، [وهو لفها على الرأس، وكتكوير الكاره وهي] [¬٢] وجمع الثياب بعضها إلى [¬٣] بعض، فمعنى قوله تعالى: ﴿كُوِّرَتْ﴾ جمع بعضها إلى بعض، ثم لفت فرمي بها، وإذا فعل بها ذلك ذهب ضوؤها.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٢/ ٢٧) (٤٨٠٦).\n(^٢) والترمذي في كتاب: التفسير، باب: \"ومن سورة إذا الشمس كورت\"، حديث (٣٣٣٠) (٩/ ٦٩). وصححه الألباني في الصحيحة (١٠٨١).\n_________\n[¬١]- في ز: إلى.\n[¬٢]- سقط من ز، خ.\n[¬٣]- في ز: على.","vol":"14","page":257},{"text":"وقال ابن أبي حاتم (^٣): حدثنا أبو سعيد الأشج، وعمرو بن عبد الله الأودي، حدثنا أبو أسامة، عن مجالد، عن شيخ من بجيلة، عن ابن عباس: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾، قال: يكور الله الشمس والقمر والنجوم يوم القيامة في البحر، ويبعث الله ريحًا دبورًا فتضرمها [¬١] نارًا. وكذا قال عامر الشعبي. ثم قال ابن أبي حاتم (^٤):\nحدثنا أبي، حدثنا أبو صالح، حدثني معاوية بن صالح، عن ابن يزيد بن أبي مريم، عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال في قول الله: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾، قال: \"كورت في جهنم\".\nوقال الحافظ أبو يعلى (^٥) في مسنده: حدثنا موسى بن محمد بن حيان [¬٢]، حدثنا دُرُسْتُ [¬٣] بن زياد، حدثنا يزيد الرقاشي، حدثنا أنس؛ قال: قال رسول الله ﷺ: \"الشمس والقمر ثوران [¬٤] عقيران في النار\".\nهذا حديث ضعيف؛ لأن يزيد الرقاشي ضعيف، والذي رواه البخاري في الصحيح بدون هذه الزيادة، ثم قال البخاري (^٦):\nحدثنا مسدد، حدثنا عبد العزيز بن المختار، حدثنا عبد الله الداناج، حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، عن النبيِّ ﷺ: \"الشمس والقمر يكوران يوم القيامة\". انفرد به البخاري وهذا لفظه، وإنما أخرجه في كتاب \"بدء الخلق\"، وكان جديرًا أن يذكره هاهنا أو يكرره، كما هي عادته في أمثاله! وقد رواه البزار فجود إيراده، فقال:\nحدثنا إبراهيم بن زياد البغدادي، حدثنا يونس بن محمد، حدثنا عبد العزيز بن المختار، عن عبد اللَّه الداناج؛ قال: سمعت أبا سلمة بن عبد الرحمن بن خالد بن [عبد الله] [¬٥] القسريَّ في هذا المسجد مسجد الكوفة، وجاء الحسن فجلس إليه فحدث؛ قال: حدثنا أبو هريرة أن رسول الله ﷺ؛ قال: \"إن الشمس والقمر نوران في النار يوم القيامة\". فقال الحسن: وما ذنبهما؟ فقال: أحدثك عن رسول الله ﷺ وتقول -\n_________\n(^٣) تفسير الطبري (٣٠/ ٦٨) من طريق أبي أسامة بهذا الإسناد بنحوه.\n(^٤) ذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" (٦/ ٥٢٥) وزاد نسبته إلى الديلمي.\n(^٥) مسند أبي يعلى (٧/ ١٤٨) (٤١١٦).\n(^٦) صحيح البخاري، كتاب: بدء الخلق، باب: صفة الشمس والقمر، حديث (٣٢٠٠) (٦/ ٢٩٧).\n_________\n[¬١]- في ز: فيضرمها.\n[¬٢]- في ز: حبان.\n[¬٣]- في ز، خ: درسب.\n[¬٤]- في ت: نوران.\n[¬٥]- في ز: \"عبد لقوم\". وغير واضحة في خ.","vol":"14","page":258},{"text":"أحسبه قال [¬١]-: وما ذنبهما.\nثم قال: لا يروى عن أبي هريرة إلا من هذا الوجه، ولم يرو عبد الله الداناج عن أبي سلمة سوى هذا الحديث.\nوقوله: ﴿وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ﴾، أي: انتثرت، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ﴾. واصل الانكدار [¬٢]: الانصباب.\nقال الربيع بن أنس (^٧)، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب؛ قال: ست آيات قبل يوم القيامة، بينا الناس في أسواقهم إذ ذهب ضوء الشمس، فبينما هم كذلك إذ تناثرت النجوم، فبينما هم كذلك إذ وقعت الجبال على وجه الأرض فتحركت واضطربت واختلطت، ففزعت الجن إلى الإِنس والإِنس إلى الجن، واختلطت الدواب والطير والوحوش، فماجوا بعضهم في بعض. ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾، قال: اختلطت، ﴿وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ﴾، قال: أهملها أهلها، ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾، قال: قالت الجن: نحن نأتيكم بالخبر. قال: فانطقوا إلى البحر فإذا هو نار تأجج، قال: فبينما هم كذلك إذ تصدعت الأرض صدعة واحدة إلى الأرض السابعة السفلى وإلى السماء السابعة العليا، قال: فبينما هم كذلك إذ جاءتهم الريح فأماتتهم.\nرواه ابن جرير (^٨) - وهذا لفظه- وابن أبي حاتم، ببعضه، وهكذا قال مجاهد والربيع بن خثيم، والحسن البصري وأبو صالح، وحماد بن أبي سليمان، والضحاك في قوله: ﴿وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ﴾، أي: تناثرت.\nوقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ﴾، أي: تغيرت. وقال يزيد بن أبي مريم (^٩)، عن النبي ﷺ: ﴿وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ﴾، قال: \"انكدرت في جهنم، وكل من عبد من دون الله فهو في جهنم، إلا ما كان من عيسى وأمه، ولو رضيا أن يُعْبَدَا لدخلاها\". رواه ابن أبي حاتم بالإِسناد المتقدم.\nوقوله: ﴿وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ﴾ أي: زالت عن أماكنها ونسفت، فتركت الأرض قائعًا صفصفًا.\nوقوله: ﴿وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ﴾، قال عكرمة، ومجاهد: عشار الإِبل. قال مجاهد:\n_________\n(^٧) أخرجه إلي أبي الدنيا في الأهوال (ص ٨٥) (٢٣).\n(^٨) والطبري (٣٠/ ٦٣ - ٦٤).\n(^٩) تقدم تخريجه قريبًا.\n_________\n[¬١]- سقط من ز، خ.\n[¬٢]- في ز: الانكباب.","vol":"14","page":259},{"text":"﴿عُطِّلَتْ﴾: تركت و[¬١] سُيِّبت.\nوقال أبي بن كعب والضحاك: أهملها أهلها. وقال الربيع بن خثيم: لم تحلب ولم تصرّ، تخلى منها أربابها. وقال الضحاك أيضًا [¬٢]: تركت لا راعي لها.\nوالمعنى في هذا كله متقارب. والمقصود أن العشار من الإِبل -وهي: خيارها والحوامل منها التي قد وصلت في حملها إلى الشهر العاشر، واحدها: عشراء، ولا يزال ذلك اسمها حتى تضع- قد اشتغل الناس عنها وعن كفالتها والانتفاع بها، بعد ما كانوا أرغب شيء فيها، بما دهمهم من الأمر العظيم المفظع الهائل، وهو أمر القيامة وانعقاد أسبابها، ووقوع مقدماتها.\nوقيل: بل [¬٣] يكون ذلك يوم القيامة يراها أصحابها كذلك ولا سبيل لهم إليها، وقد قيل في العشار: إنها السحاب يعطل عن المسير بين السماء والأرض، لخراب الدنيا، وقيل: إنها الأرض التي تعشر. وقيل: إنها الديار التي كانت [¬٤] تسكن تعطل لذهاب أهلها، حكى هذه الأقوال كلها الإمام أبو عبد الله القرطبي في كتابه \"التذكرة\"، ورجح أنها الإِبل، وعزاه إلي أكثر الناس. قلتَ: بل لا يعرف عن السلف والأئمة سواه، والله أعلم.\nوقوله. ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾ أي: جمعت. كما قال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيهِ إلا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ - قال ابن عباس: يحشر كل شيء حتى الذباب [¬٥]. رواه ابن أبيِ حاتم. وكذا قال الربيع بن خثيم والسدي، وغير واحد. وكذا قال قتادة في تفسير هذه الآية: إن هذه [الخلائق موافية [¬٦] فيقضي] [¬٧] الله فيها ما يشاء.\nوقال عكرمة: حشرها موتها.\nوقال ابن جرير (^١٠): حدثني علي [بن مسلم] [¬٨] الطوسي، حدثنا عباد بن العوام، أخبرنا حصين، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾، قال: حشر البهائم موتها، وحشر كل شيء الموت غير الجن والإنس؛ فإنهما يوقفان يوم القيامة.\nحدثنا أبو كريب (^١١)، حدثنا وكيع، عن سفيان، عن أبيه، عن أبي يعلى، عن الربيع بن\n_________\n(^١٠) تفسير الطبري (٣٠/ ٦٧).\n(^١١) تفسير الطبري (٣٠/ ٦٧).\n_________\n[¬١]- سقط من ز.\n[¬٢]- سقط من ت.\n[¬٣]- سقط من ز، خ.\n[¬٤]- سقط من خ.\n[¬٥]- في ز، خ: الدواب.\n[¬٦]- سقط من خ.\n[¬٧]- في ز: \"يقضي\".\n[¬٨]- سقط من ز، خ.","vol":"14","page":260},{"text":"خثيم: ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾، قال: أتى عليها أمر الله. قال سفيان: قال أبي: فذكرته لعكرمة، فقال: قال ابن عباس: حشرها موتها.\nوقد تقدم عن أبي بن كعب أنه قال: ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾: اختلطت.\nقال ابن جرير: والأولى قول من قال: ﴿حُشِرَتْ﴾: جمعت، قال الله تعالى: ﴿وَالطَّيرَ مَحْشُورَةً﴾، أي: مجموعة.\nوقوله: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾، قال ابن جرير (^١٢): حدثني يعقوب، حدثنا ابن عُليَّة، عن داود، عن سعيد بن المسيب؛ قال: قال علي ﵁ لرجل من اليهود: أين جهنم؛ قال: البحر. فقال [¬١]: ما أراه إلا صادقًا. ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾، ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾ مخففة [¬٢].\nوقال ابن عباس وغير واحد: يرسل الله عليها الدبور فتسعرها، وتصير [¬٣] نارًا تأجج. وقد تقدم الكلام علي ذلك عند قوله: ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين بن الجنيد، حدثنا أبو طاهر، حدثني عبد الجبار بن سليمان أبو سليمان النفاط -شيخ صالح يشبه بمالك [¬٤] بن أنس- عن معاوية بن سعيد؛ قال: إن هذا البحر بركة -يعني بحر الروم- وسط الأرض، والأنهار كلها تصب فيه، والبحر الكبير [¬٥] يصب فيه، وأسفله آبار مطبقة بالنحاس، فإذا كان يوم القيامة أسجر.\nوهذا أثر غريب عجيب. وفي سنن أبي داود (^١٣): \" لا يركب البحر إلا حاج أو معتمر أو غاز، فإن تحت البحر نارًا، وتحت النار بحرًا\". الحديث. وقد تقدم الكلام عليه في \"سورة فاطر\".\nوقال مجاهد، والحسن بن مسلم: ﴿سُجِّرَتْ﴾ أوقدت. وقال الحسن: يبست. وقال الضحاك، وقتادة: غاض ماؤها فذهب ولم يبق فيها قطرة. وقال الضحاك أيضًا: ﴿سُجِّرَتْ﴾ فجرت. وقال السدي: فتحت وسيرت. وقال الربيع بن خثيم: ﴿سُجِّرَتْ﴾: فاضت.\n_________\n(^١٢) تفسير الطبري (٣٠/ ٦٧).\n(^١٣) تقدم تخريجه في سورة إبراهيم، آية: ٤٨.\n_________\n[¬١]- في ز: قال.\n[¬٢]- سقط من ز، خ.\n[¬٣]- في ز: فتصير.\n[¬٤]- في ت: مالك.\n[¬٥]- سقط من ز، خ.","vol":"14","page":261},{"text":"وقوله: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ [أي: جمع كل شكل إلى نظيره، كقوله: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾.\nوقال ابن أبي حاتم (^١٤): حدثنا أبي، حدثنا محمد بن الصباح البزار، حدثنا الوليد بن أبي ثور، عن سماك، عن النعمان بن بشير أنه قال: قال رسول الله ﷺ: \" ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾] [¬١]، قال: الضرباء، كل رجل مع كل قوم كانوا يعملون عمله\". وذلك بأن الله ﷿ يقول: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً (٧) فَأَصْحَابُ الْمَيمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيمَنَةِ (٨) وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (٩) وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾، قال: \"هم الضرباء\".\nثم [¬٢] رواه ابن أبي حاتم من طرق أخر، عن سماك بن حرب، عن النعمان بن بشير أن عمر خطب الناس فقرأ: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾، فقال: تزوجها أن تؤلف كل شيعة إلي شيعتهم. وفي رواية: هما الرجلان يعملان العمل فيدخلان به [¬٣] الجنة أو النار.\nوفي رواية عن النعمان (^١٥) قال: سئل عمر عن قوله تعالى: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾، فقال: يقرن بين الرجل الصالح مع الرجل الصالح، ويقرن بين الرجل السوء مع الرجل السوء في النار، فذلك تزويج الأنفس.\nوفي رواية عن النعمان أن عمر قال للناس: ما تقولون في تفسير هذه الآية: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾؟ فسكتوا. قال: ولكن هو الرجل يزوج نظيره من أهل الجنة، والرجل في يزوج نظيره من أهل النار، ثم قرأ: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾.\nوقال العوفي عن ابن عباس في قوله: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ قال: ذلك حين يكون الناس أزواجًا ثلاثة.\nوقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾، قال: الأمثال من الناس جمع بينهم. وكذا قال الربيع بن خثيم والحسن، وقتادة. واختاره ابن جرير، وهو الصحيح.\n(قول آخر) في قوله: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ قال ابن أبي حاتم:\nحدثنا علي بن الحسين بن الجنيد، حدثنا أحمد بن عبد الرحمن، حدثني أبي، عن أبيه، عن أشعث، عن جعفر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: يسيل [] [¬٤] واد من أصل\n_________\n(^١٤) وأخرجه ابن مردويه كما في \"الدر المنثور\" (٦/ ٥٢٧) من حديث النعمان بن بشير بنحوه.\n(^١٥) أخرجه الطبري (٣٠/ ٦٩). والحاكم (٢/ ٥١٦) وصححه ووافقه الذهبي، كلاهما من طريق سفيان =\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفين سقط من ز، خ.\n[¬٢]- سقط من خ.\n[¬٣]- سقط من ز، خ.\n[¬٤]- في خ: \"كماء\".","vol":"14","page":262},{"text":"العرش من ماء فيما بين الصيحتين، ومقدار ما بينهما أربعون عامًا، فينبت منه كل خلق بلى، من الإِنسان أو طير أو دابة، ولو مر عليهم مار قد عرفهم قبل ذلك لعرفهم علي الأرض قد نبتوا، ثم ترسل الأرواح فتزوج الأجساد، فذلك قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾.\nوكذا قال أبو العالية، وعكرمة، وسعيد بن جبير، والشعبي، والحسن البصري أيضًا في قوله: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾، أي: زوجت بالأبدان. وقيل: زوج المؤمنون بالحور العين، وزوج الكافرون بالشياطين. حكاه القرطبي في \"التذكرة\".\nوقوله: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (٩)﴾ هكذا قراءة [¬١] الجمهور ﴿سئلت﴾. والموءودة هي التي كان أهل الجاهلية يدسونها في التراب كراهية البنات، فيوم القيامة تسأل الموءودة على أي ذنب قتلت، ليكون ذلك تهديدًا لقاتلها، فإذا سئل المظلوم فما ظن الظالم إذًا؟!\nوقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ﴾، أي: سألت. وكذا قال أبو الضحى (سألت [¬٢]، أي: طلبت بدمها. وعن السدي، وقتادة، مثله.\nوقد وردت أحاديث تتعلق بالموءودة، فقال الإمام أحمد (^١٦):\nحدثنا عبد الله بن يزيد [¬٣]، [حدثنا سعيد] [¬٤] بن أبي أيوب، حدثني أبو الأسود -وهو: محمد بن عبد الرحمن بن نوفل- عروة عروة، عن عائشة، عن جدامة [¬٥] بنت وهب- أخت عكاشة؛ قالت: حضرت رسول الله ﷺ في ناس وهو يقول: \"لقد هممت أن أنهي عن الغيلة، فنظرت في الروم وفارس فإذا هم يغيلون أولادهم، ولا يضر أولادهم ذلك شيئًا\". ثم سألوه عن العزل، فقال رسول الله ﷺ: \"ذلك [¬٦] الوأد الخفي، وهو [¬٧] الموءودة سئلت\".\nورواه مسلم من حديث أبي عبد الرحمن المقرئ -وهو عبد الله بن يزيد- عن سعيد بن [¬٨]\n_________\n= عن سماك عن النعمان بن بشير ﵁ والحديث ذكره السيوطي في \"الدر\" (٦/ ٥٢٧) وزاد نسبته لعبد الرزاق وابن أبي شيبة وسعيد بن منصور والفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في البعث والنشور وأبي نعيم في الحلية.\n(^١٦) أخرجه أحمد (٦/ ٤٣٤) (٢٧٥٥٤). ومسلم في كتاب: النكاح، باب: جواز الغيلة وهي =\n_________\n[¬١]- في ز: قرأه.\n[¬٢]- في ز: سئلت.\n[¬٣]- في ز، خ: زيد.\n[¬٤]- سقط من ز، خ.\n[¬٥]- في خ: خزامة.\n[¬٦]- في ز: ذاك.\n[¬٧]- في ز: وهي.\n[¬٨]- في ز، خ: عن.","vol":"14","page":263},{"text":"أبي أيوب. ورواه أيضًا ابن [¬١] ماجة، عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن يحيى بن إسحاق السيلحيني، عن يحيى بن أيوب.\nورواه مسلم (^١٧) أيضًا وأبو داود والترمذي والنسائي، من حديث مالك بن أنس، ثلاثتهم عن أبي الأسود، به.\nوقال الإِمام أحمد (^١٨): حدثنا ابن أبي عدي، عن داود بن أبي هند، عن الشعبي، عن علقمة، عن سلمة بن يزيد الجعفي؛ قال: انطلقت أنا وأخي إلى رسول الله ﷺ فقلنا: يا رسول الله؛ إن أمنا مليكة كانت تصل الرحم وتقري الضيف، وتفعل [وتفعل] [¬٢]، هلكت في الجاهلية، فهل، لك نافعها شيئًا؟ قال: \"لا\". قلنا: فإنها كانت وأدت أختًا لنا [¬٣] في الجاهلية، فهل ذلك نافعها شيئًا؟ قال: \"الوائدة والموءودة في النار، إلا أن يدرك الوائدة الإِسلام، فيعفو الله عنها\". رواه النسائي من حديث داود بن أبي هند، به.\nوقال ابن أبي حاتم (^١٩): حدثنا أحمد بن سنان الواسطي، حدثنا أبو أحمد الزبيري، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن علقمة وأبي الأحوص، عن ابن مسعود؛ قال: قال رسول الله ﷺ: \"الوائدة والموءودة في النار\".\nوقال أحمد (^٢٠) أيضًا: حدثنا إسحاق الأزرق، أخبرنا عوف، حدثتني حسناء [¬٤] ابنة معاوية الصريميّة، عن عمها [¬٥].\n_________\n= وطئ المرضع، وكراهة العزل، حديث (١٤١/ ١٤٤٢) (١٠/ ٢٥). وابن ماجة في كتاب: النكاح، باب: الغيل، حديث (٢٠١١) (١/ ٦٤٨).\n(^١٧) صحيح مسلم في الموضع السابق (١٤٠/ ١٤٤٢) (١٠/ ٢٣ - ٢٤). وأخرجه أبو داود في كتاب: الطب، باب: في الغيل، حديث (٣٨٨٢) (٤/ ٩). والترمذي في كتاب: الطب، باب: ما جاء في الغيلة، حديث (٢٠٧٨) (٦/ ٢٦٦). والنسائي في الكبرى في كتاب: النكاح، باب: الغيلة والعزل، حديث (٥٤٨٥) (٣/ ٣٠٦ - ٣٠٧). قال الترمذي: حسن غريب صحيح.\n(^١٨) أخرجه أحمد (٣/ ٤٧٨) (١٥٩٦٩). والنسائي في الكبرى في كتاب: التفسير، باب: سورة التكوير، حديث (١٩٦٤٩) (٦/ ٥٠٧). قال الهيثمي في \"المجمع\" (١/ ١٢٤): رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح والطبراني في الكبير بنحوه. ا هـ.\n(^١٩) وأخرجه أبو داود في كتاب: السنة، باب: في ذراري المشركين، حديث (٤٧١٧) (٤/ ٢٣٠) من طريق علقمة به. وصححه الألباني من حديث عامر (٣٩٤٨).\n(^٢٠) أخرجه أحمد (٥/ ٥٨) (٢٠٦٤٢). وصححه الألباني في صحيح أبي داود (٢٢٠٠ - ٢٥٢١).\n_________\n[¬١]- في ز: وابن.\n[¬٢]- سقط من ز، خ.\n[¬٣]- في ز، خ: لها.\n[¬٤]- في ز: خنساء.\n[¬٥]- في ز، خ: عمتها.","vol":"14","page":264},{"text":"قال [¬١]: قلت: يا رسول الله، من في الجنة؟ قال: \"النبي في الجنة، والشهيد في الجنة، والمولود في الجنة، والموءودة في الجنة\".\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا قرة؛ قال: سمعت الحسن؛ يقول: قيل: يا رسول الله، من في الجنة؟ قال: \"الموءودة [¬٢] في الجنة\".\nهذا حديث مرسل من مراسيل الحسن، ومنهم من قبله.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثني [¬٣] أبو عبد الله الظهراني، حدثنا حفص بن عمر العدني، حدثنا الحكم بن أبان، عن عكرمة؛ قال: قال ابن عباس: أطفال المشركين في الجنة، فمن زعم أنهم في النار فقد كذب، يقول الله ﷿: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾، قال ابن عباس: هي المدفونة.\nوقال عبد الرزاق (^٢١): أخبرنا إسرائيل، عن سماك بن حرب، عن النعمان بن بشير، عن عمر بن الخطاب في قوله: ﴿وإذا الموءودة سئلت﴾، قال: جاء قيس بن عاصم إلى رسول الله ﷺ؛ فقال: يا رسول الله، إني وأدت بنات لي في الجاهلية، فقال: \"أعتق عن كل واحدة منهن رقبة\". قال: يا رسول الله؛ إني صاحب إبل؟ قال: \"فانحر عن كل واحدة منهن بدنة\".\nقال الحافظ أبو بكر البزار: خولف فيه عبد الرزاق، ولم يكتبه إلا عن الحسين بن مهدي عنه.\nوقد رواه ابن أبي حاتم فقال: أخبرنا أبو عبد الله الظهراني -فيما كتب إليّ- قال: حدثنا عبد الرزاق … فذكره بإسناده مثله، إلا أنه قال: وأدت ثمان بنات لي في الجاهلية. وقال في آخره: \"فأهد إن شئت عن كل واحدة بدنة\". ثم قال:\nحدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن رجاء، حدثنا قيس بن الربيع، عن الأغر بن الصباح، عن خليفة بن حصين؛ قال: قدم قيس بن عاصم علي رسول الله ﷺ؛ فقال: يا رسول الله، إني وأدت اثنتي عشرة ابنة لي في الجاهلية -أو: ثلاث عشرة- قال: \"أعتق عددهن نسمًا\". قال: فأعتق عددهن نسمًا، فلما كان في العام المقبل جاء بمائة ناقة، فقال: يا رسول الله، هذه صدقة قومي على أثر ما صنعت بالمسلمين. قال علي بن أبي\n_________\n(^٢١) أخرجه البزار (٢/ ١١٥ - مختصر) (١٥٢٥). والبيهقي (٨/ ١١٦) كتاب: الديات، باب: ما جاء في الكفارة في الجنين، وغير ذلك. قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ١٣٧): رواه البزار والطبراني ورجال البزار رجال الصحيح غير حسين بن مهدي الأيلي وهو ثقة. ا هـ.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: قالت.\n[¬٢]- في ز: والموءودة.\n[¬٣]- سقط من ز.","vol":"14","page":265},{"text":"طالب: فكنا [¬١] نريحها، ونسميها القيسية.\nوقوله: ﴿وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ﴾ قال الضحاك: أعطي كل إنسان صحيفته [¬٢] بيمينه أو بشماله.\nوقال قتادة: صحيفتك [¬٣] يا بن آدم، تملي فيها، ثم تطوى، ثم تنشر عليك يوم القيامة، فلينظر [¬٤] رجل ماذا يملي في صحيفته.\nوقوله: ﴿وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ﴾ قال مجاهد: اجتذبت. وقال السدي: كشفت. وقال الضحاك: تنكشط فتذهب.\nوقوله: ﴿وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ﴾، قال السدي: أحميت. وقال قتادة: أوقدت. قال: وإنما يسعرها غضب الله وخطايا بني آدم.\nوقوله: ﴿وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ﴾ قال الضحاك وأبو مالك، وقتادة والربيع بن خثيم: أي: قربت إلى أهلها.\nوقوله: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ﴾: هذا هو الجواب، أي: إذا وقعت هذه الأمور حينئذ تعلم كل نفس ما عملت وأحضر ذلك [¬٥] لها، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَينَهَا وَبَينَهُ أَمَدًا بَعِيدًا﴾. وقال تعالى: ﴿يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ (١٣)﴾.\nقال ابن أبي حاتم (^٢٢): حدثنا أبي، حدثنا عبدة، حدثنا ابن المبارك، أخبرنا محمد بن مطرف، عن زيد بن أسلم، عن أبيه؛ قال: لما نزلت: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١)﴾، قال عمر: لما بلغ ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ (١٤)﴾، قال: لهذا أجري [¬٦] الحديث.\n﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ (١٦) وَاللَّيلِ إِذَا عَسْعَسَ (١٧) وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ (١٨) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (٢٠) مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (٢١) وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ (٢٢) وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ (٢٣) وَمَا هُوَ عَلَى\n_________\n(^٢٢) زاد السيوطي نسبته لعبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه (٦/ ٥٢٨).\n_________\n[¬١]- في ز: كنا.\n[¬٢]- في ز: صحيفة.\n[¬٣]- سقط من ز، خ.\n[¬٤]- في ز: فينظر.\n[¬٥]- سقط من خ.\n[¬٦]- في ز: حري.","vol":"14","page":266},{"text":"الْغَيبِ بِضَنِينٍ (٢٤) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيطَانٍ رَجِيمٍ (٢٥) فَأَينَ تَذْهَبُونَ (٢٦) إِنْ هُوَ إلا ذِكْرٌ لِلْعَالمِينَ (٢٧) لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالمِينَ (٢٩)﴾\nروى مسلم (^٢٣) في صحيحه، والنسائي في تفسيره عند هذه الآية، من حديث مسعر بن كدام، عن الوليد بن سريع، عن عمرو بن حريث؛ قال: صليت خلف النبي ﷺ الصبح، فسمعته يقرأ: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ (١٦) وَاللَّيلِ إِذَا عَسْعَسَ (١٧) وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ (١٨)﴾.\nورواه النسائي (^٢٤) عن بندار [¬١]، عن غندر، عن شعبة، عن الحجاج بن عاصم، عن أبي الأسود، عن عمرو بن حريث، به نحوه.\nقال ابن أبي حاتم وابن جرير (^٢٥)، من طريق الثوري، عن أبي إسحاق، عن رجل من مراد، عن علي: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ﴾ [¬٢]﴾، قال: هي النجوم تخنس بالنهار، وتظهر بالليل.\nوقال ابن جرير (^٢٦): حدثنا ابن المثنى، حدثنا محمد بن [جعفر؛ قال: حدثنا] [¬٣] شعبة، عن سماك بن حرب، سمعت خالد بن عرعرة، سمعت عليًّا وسئل عن ﴿لَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ﴾، فقال: هي النجوم، تَخنس بالنهار وتكنس بالليل.\nوحدثنا أبو كريب (^٢٧)، حدثنا وكيع، عن إسرائيل، عن سماك، عن خالد، عن علي؛ قال: هي النجوم.\n_________\n(^٢٣) أخرجه مسلم في كتاب: الصلاة: باب: متابعة الإمام والعمل بعده، حديث (٢٠١/ ٤٧٥) (٤/ ٢٥٥ - ٢٥٦) من طريق خلف بن خليفة الأشجعي عن الوليد بن سريع. والنسائي في الكبرى في كتاب: التفسير، باب: ﴿وَاللَّيلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾، حديث (١١٦٥١) (٦/ ٥٠٧ - ٥٠٨) مختصرًا.\n(^٢٤) سنن النسائي، الكبرى، الموضع السابق برقم (١١٦٥٠) (٦/ ٥٠٧).\n(^٢٥) أخرجه الطبري (٣٠/ ٧٥).\n(^٢٦) أخرجه الطبري (٣٠/ ٧٤).\n(^٢٧) أخرجه الطبري (٣٠/ ٧٤). وليس فيه إسرائيل، إنما أخرجه من طريق وكيع عن سماك.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: سرار.\n[¬٢]- سقط من ز.\n[¬٣]- سقط من ز، خ.","vol":"14","page":267},{"text":"وهذا إسناد جيد صحيح إلي [¬١] خالد بن عرعرة، وهو السهمي الكوفي، قال أبو حاتم الرازي: روي عن علي، وروي عنه سماك والقاسم بن عوف الشيباني، ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا، والله أعلم.\nوروى يونس، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي، أنها النجوم. رواه ابن أبي حاتم. وكذا رُوي عن ابن عباس، ومجاهد، والحسن، وقتادة، والسدي، وغيرهم، أنها النجوم.\nوقال ابن جرير (^٢٨): حدثنا محمد بن بشار، حدثنا هوذة بن خليفة، حدثنا عوف، عن بكر بن عبد الله في قوله: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ﴾، قال: هي النجوم الدراري، التي تجري تستقبل المشرق.\nوقال بعض الأئمة: إنما قيل للنجوم \"الخنس\"، أي: في حال طلوعها، ثم هي جوار في فلكها، وفي حال غيبوبتها يقال لها \"كُنَّس\"، من قول العرب: أوى الظبي إلى كناسة، إذا تغيب فيه.\nوقال الأعمش، عن إبراهيم قال: قال عبد الله ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ﴾، [قال: بقر الوحش.\nوكذا قال الثوري (^٢٩)، عن أبي إسحاق، عن أبي ميسرة، عن عبد الله: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ [¬٢] الْجَوَارِ الْكُنَّسِ﴾، ما هي يا عمرو [¬٣]؟ قلت: البقر. قال: وأنا أرى ذلك.\nوكذا روي يونس بن أبي [¬٤] إسحاق عن أبيه.\nوقال أبو داود الطيالسي، عن عمرو، عن أبيه، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: [﴿الْجَوَارِ الْكُنَّسِ﴾، قال: البقر تكنس إلى الظل. وكذا قال سعيد بن جبير.\nوقال العوفي عن ابن عباس] [¬٥]: هي الظباء. وكذا قال سعيد أيضًا، ومجاهد والضحاك.\nوقال أبو الشعثاء جابر بن زيد هي الظباء والبقر.\nوقال ابن جرير (^٣٠): حدثنا يعقوب، حدثنا هشيم، أخبرنا مغيرة، عن إبراهيم ومجاهد:\n_________\n(^٢٨) أخرجه الطبري (٣٠/ ٧٥).\n(^٢٩) أخرجه الطبري (٣٠/ ٧٥).\n(^٣٠) أخرجه الطبري (٣٠/ ٧٦) مختصرًا.\n_________\n[¬١]- في خ: عن.\n[¬٢]- ما بين المعكوفين سقط من ز، خ.\n[¬٣]- في خ: عمر.\n[¬٤]- سقط من ز.\n[¬٥]- ما بين المعكوفين سقط من ز، خ.","vol":"14","page":268},{"text":"أنهما تذاكرا هذه الآية: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ (١٦)﴾، فقال إبراهيم لمجاهد: قل فيها بما سمعت. قال: فقال مجاهد: كنا [¬١] نسمع فيها شيئًا، وناس يقولون: إنها النجوم. قال: فقال إبراهيم: قل فيها بما سمعت. قال: فقال مجاهد: كنا نسمع أنها بقر الوحش حين تكنس في حجرتها. قال: فقال إبراهيم: إنهم يكذبون على عليّ، هذا كما رووا عن علي أنه ضمن الأسفل الأعلى، والأعلى الأسفل.\nوتوقف ابن جرير في قوله: ﴿الْخُنَّسِ (١٥) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ﴾: هل هو النجوم، أو الظباء وبقر الوحش؟ قال: ويحتمل أن يكون الجميع مرادًا.\nوقوله: ﴿وَاللَّيلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾ فيه قولان:\nأحدهما: إقباله بظلامه. قال مجاهد: أظلم. وقال سعيد بن جبير: إذا نشأ. وقال الحسن البصري: إذا غشي [¬٢] الناس. وكذا قال عطية العوفي.\nوقال علي بن أبي طلحة، والعوفي عن ابن عباس: ﴿إِذَا عَسْعَسَ﴾: إذا أدبر. وكذا قال مجاهد، وقتادة، والضحاك، وكذا قال زيد بن أسلم، وابنه عبد الرحمن: ﴿إِذَا عَسْعَسَ﴾، أي: إذا ذهب فتولى.\nوقال أبو داود الطيالسي (^٣١): حدثنا شعبة، عن عمرو بن مرة، عن أبي البَخْتَري سمع أبا عبد الرحمن السلمي؛ قال: خرج علينا علي ﵁ حين ثَوَّب المثوِّبُ بصلاة الصبح فقال: أين السائلون عن الوتر: ﴿وَاللَّيلِ إِذَا عَسْعَسَ (١٧) وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ (١٨)﴾ هذا حين أدبر [¬٣] حسن. وقد اختار ابن جرير أن المراد بقوله: ﴿إِذَا عَسْعَسَ﴾: إذا أدبر. قال: لقوله: ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ﴾، أي: أضاء، واستشهد بقول الشاعر أيضًا:\nحتى إذا الصبح له تنفسا … وانجاب عنها ليلها وعسعسا\nأي: أدبر. وعندي أن المراد بقوله. ﴿عسعس﴾: إذا أقبل، وإن كان يصح استعماله في الإِدبار، لكن الإِقبال هاهنا [¬٤] أنسب، كأنه أقسم تعالى بالليل وظلامه إذا أقبل، وبالفجر وضيائه إذا أشرق، كما قال: ﴿وَاللَّيلِ إِذَا يَغْشَى (١) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾، وقال: [﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيلِ إِذَا] [¬٥] سَجَى﴾، وقال: ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ [¬٦] اللَّيلَ سَكَنًا﴾، وغير ذلك من\n_________\n(^٣١) أخرجه أبو داود الطيالسي (ص ٢٥) (١٧٤) من طريق شعبة، عن أبي التياح، عن رجل من عنزة، عن رجل من بني أسد قال: خرج علينا على … الحديث. فذكره بنحوه.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: ما.\n[¬٢]- في ز: عشي.\n[¬٣] في ز: دبر.\n[¬٤]- في ز: هنا.\n[¬٥]- ما بين المعكوفين في ز، خ: \"الضحاك: ﴿والليل إذا﴾.\n[¬٦]- في ز: جاعل.","vol":"14","page":269},{"text":"الآيات.\nوقال كثير من علماء الأصول: إن لفظة ﴿عسعس﴾ تستعمل في الإِقبال والإِدبار على وجه الاشتراك، فعلي هذا يصح أن يراد كل منهما، والله أعلم.\nقال ابن جرير: وكان بعض أهل المعرفة بكلام العرب يزعم أن ﴿عسعس﴾: دنا من أوله وأظلم، وقال الفراء: كان أبو البلاد النحوي ينشد بيتًا:\nعسعس حتى لو يشاء ادّنا … كان له من ضوئه مقبس\nيريد: لو يشاء إذ دنا، أدغم الذال في الدال. وقال الفراء: وكانوا يَرَون أن هذا البيت مصنوع.\nوقوله: ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ﴾، قال الضحاك: إذا طلع. وقال قتادة: إذا أضاء وأقبل. وقال سعيد بن جبير: إذا نشأ. وهو المروي عن علي، ﵁.\nوقال ابن جرير: يعني: وضوء النهار إذا أقبل وتبين.\nوقوله: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾، يعني: إن هذا القرآن لتبليغُ رسول كريم، أي: ملك شريف حَسَن الخلق، بهي المنظر، وهو جبريل ﵊. قاله ابن عباس، والشعبي، وميمون بن مهران، والحسن، وقتادة، والضحاك، والربيع بن أنس، وغيرهم.\n﴿ذِي قُوَّةٍ﴾ كقوله: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (٥) ذُو مِرَّةٍ﴾، أي: شديد الخَلْق، شديد البطش والفعل، ﴿عند ذي العرش مكين﴾، أي: له مكانة عند الله ﷿ ومنزلة رفيعة.\nقال أبو صالح في قوله: ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ﴾ قال: جبريل يدخل في سبعين حجابًا من نور بغير إذن.\n﴿مطاع ثم﴾ أي: له وجاهة، وهو مسموع القول مطاع في الملإِ الأعلى.\nقال قتادة: ﴿مُطَاعٍ ثَمَّ﴾، أي: في السماوات، يعني: ليس هو من أفناء [¬١] الملائكة، بل هو من السادة والأشراف، معتنى به، انتخب لهذه الرسالة العظيمة [¬٢].\nوقوله: ﴿أَمِينٍ﴾: صفة لجبريل بالأمانة، وهذا عظيم جدًّا أن الرب ﷿ يزكي عبده ورسوله الملكي جبريل، كما زكى عبده ورسوله البشري محمدًا ﷺ بقوله: ﴿وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ﴾.\n_________\n[¬١]- في ز: أفناد.\n[¬٢]- سقط من ت.","vol":"14","page":270},{"text":"قال الشعبي، وميمون بن مهران، وأبو صالح، ومن تقدم [¬١]، ذكرهم: المراد بقوله: ﴿وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ﴾، يعني: محمدًا، ﷺ.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ﴾، يعني: ولقد رأى محمدٌ جبريلَ الذي يأتيه بالرسالة عن الله ﷿ على الصورة التي خلقه الله عليها له ستمائة جناح، ﴿بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ﴾، أي: البين، وهي الرؤية الأولى التي كانت بالبطحاء، وهي المذكورة في قوله: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (٥) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى (٦) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى (٧) ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨) فَكَانَ قَابَ قَوْسَينِ أَوْ أَدْنَى (٩) فَأَوْحَى﴾، كما تقدم تفسير ذلك وتقريره.\nوالدليل أن المرادَ بذلك جبريل ﵇. والظاهر -والله أعلم- أن هذه السورة نزلت قبل ليلة الإسراء، لأنه لم يذكر فيها إلا هذه الرؤية وهي الأولى، وأما الثانية وهي المذكورة في قوله: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (١٤) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى (١٥) إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى (١٦)﴾، فتلك إنما ذكرت في سورة النجم، وقد نزلت بعد الإسراء.\nوقوله: ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيبِ بِضَنِينٍ﴾ [أي: وما محمد علي ما أنزله الله إليه بِظَنِينٍ] [¬٢]، أي: بمتهم. ومنهم من قرأ [¬٣] ذلك بالضاد، أي: ببخيل، بل يبذله لكل أحد.\nقال سفيان بن عُيَينة: ظنين وضنين سواء، أي: ما هو بكاذب، وما هو بفاجر. والظنين: المتهم، والضنين: البخيل.\nوقال قتادة: كان القرآن غيبًا، فأنزله الله على محمد، فما [¬٤] ضَنَّ به على [¬٥] الناس، [بل بَلغَه ونشره وبذله لكل من أراده] [¬٦]. وكذا قال عكرمة، وابن [¬٧] زيد، وغير واحد. واختار ابن جرير قراءة الضاد.\nقلت: وكلاهما متواتر، ومعناه صحيح كما تقدم.\nوقوله: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيطَانٍ رَجِيمٍ﴾، أي: وما هذا القرآن بقول شيطان رجيم، أي: لا يقدر على حمله، ولا يريده [¬٨]، ولا ينبغي له، كما قال: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ (٢١٠) وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ (٢١١) إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ (٢١٢)﴾.\nوقوله: ﴿فأين تذهبون﴾ أي: فأين تذهب عقولكم في تكذيبكم بهذا القرآن، مع ظهوره\n_________\n[¬١]- في ز: بعدهم.\n[¬٢]- سقط من ز، خ.\n[¬٣]- في ز: فر.\n[¬٤]- في ز: لما.\n[¬٥]- في ز: عن.\n[¬٦]- سقط من ز.\n[¬٧]- في ز: وأبو.\n[¬٨]- في ز: يدبره.","vol":"14","page":271},{"text":"ووضوحه، وبيان كونه جاء من عند الله ﷿ -كما قال الصديق ﵁ لوفد بني حنيفة حين قدموا مسلمين، وأمرهم فتلوا عليه شيئًا من قرآن مسيلمة الذي هو في غاية الهذيان والركاكة، فقال: ويحكم. أين يُذهب بعقولكم؟ والله إن هذا الكلام لم يخرج من إل، أي: من إله (^٣٢).\nوقال قتادة: [﴿فَأَينَ تَذْهَبُونَ﴾] [¬١] أي: عن كتاب الله وعن طاعته.\nوقوله: ﴿إِنْ هُوَ [¬٢] إلا ذِكْرٌ لِلْعَالمِينَ﴾، أي: هذا القرآن ذكر لجميع الناس، يتذكرون به ويتعظون، ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾، أي: من أراد الهداية فعليه بهذا القرآن، فإنه منجاةٌ له وهداية، ولا هداية فيما سواه، ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالمِينَ﴾، أي: ليست المشيئة موكولة إليكم، فمن شاء اهتدي ومن شاء ضل، بل ذلك كله تابع لمشيئة الله ﷿ ربِّ العالمين.\nقال سفيان الثوري (^٣٣)، عن سعيد بن عبد العزيز، عن سليمان بن موسى: لما نزلت هذه الآية: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾، قال أبو جهل: الأمر إلينا، إن شئنا استقمنا، وإن شئنا لم نستقم. فأنزل الله: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالمِينَ﴾.\n[آخر تفسير سورة التكوير، ولله الحمد والمنة].\n* * *\n_________\n(^٣٢) تقدم مطولًا في سورة يونس، آية: (١٦).\n(^٣٣) أخرجه الطبري (٣٠/ ٨٤).\n_________\n[¬١]- سقط من ز.\n[¬٢]- في ز: هذا.","vol":"14","page":272},{"text":"<span data-type='title' id=toc-203>تفسير سورة الانفطار وهي مكية</span>\nقال النسائي (^١): أخبرنا محمد بن قدامة، حدثنا جرير، عن الأعمش، عن محارب بن دثار، عن جابر؛ قال: قام معاذ فصلى العشاء الآخرة فطول، فقال النبي ﷺ: \"أفتان يا معاذ؛ [أفتان يا معاذ؛] [¬١] أين كنت عن سبح اسم ربك الأعلى، والضحى، وإذا السماء انفطرت؟! \". و[¬٢] أصل الحديث مخرج في الصحيحين (^٢).\nولكن ذُكرَ ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ﴾ في أفراد النسائي: وتقدم من رواية عبد الله بن عمر (^٣)، عن النبي ﷺ قال: \"من سَرّه أن يَنْظُرَ إلي القيامة رأيَ عين فليقرأ: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ و﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ﴾ و﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ \".\n﷽\n﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ (١) وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ (٢) وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ (٣) وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ (٤) عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ (٥) يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (٦) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (٧) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ (٨) كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ (٩) وَإِنَّ عَلَيكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (١٢) إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣)﴾\nيقول تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ﴾ أي: انشقت. كما قال تعالى: ﴿السماء منفطر به﴾.\n_________\n(^١) سنن النسائي الكبرى، كتاب: التفسير، باب: سورة الانفطار، حديث (١١٦٥٢) (٦/ ٥٠٨).\n(^٢) صحيح البخاري، كتاب: الأدب، باب: من لم ير إكفار من قال ذلك متأولًا وجاهلًا. .، حديث (٦١٠٦) (١٠/ ٥١٥ - ٥١٦). ومسلم في كتاب: الصلاة، باب: القراءة في العشاء، حديث (١٧٨، ١٧٩/ ٤٦٥) (٤/ ٢٤٠ - ٢٤٢). كلاهما من حديث جابر ﵁ في قصة طويلة.\n(^٣) تقدم تخريجه في أول سورة التكوير.\n_________\n[¬١]- سقط من ز.\n[¬٢]- سقط من ز.","vol":"14","page":273},{"text":"﴿وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ﴾ أي: تساقطت.\n﴿وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ﴾، قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: فجر الله بعضها في بعض. وقال الحسن: فجر الله بعضها في بعض، فذهب ماؤها. وقال قتادة: اختلط مالحها بعذبها، وقال الكلبي: ملئت.\n﴿وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ﴾، قال ابن عباس: بحثَت. وقال السدي: تبَعثر: تحرك فيخرج من فيها.\n﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾ أي: إذا كان هذا حصل هذا.\nوقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾: هذا تهديد، لا كما يتوهمه بعض الناس من أنه إرشاد إلى الجواب، حيث قال ﴿الكريم﴾، حتى يقول قائلهم: غره كرمه. بل المعنى في هذه الآية: ما غرك يا بن آدم بربك الكريم -أي: العظيم- حتى أقدمت على معصيته، وقابلته بما لا يليق؟ كما جاء في الحديث: \"يقول الله يوم القيامة: ابن آدم، ما غرك بي؟ ابن آدم، ماذا أجبتَ المرسلين؟ \" (^٤).\nقال ابن أبي حاتم (^٥): حدثنا أبي، حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيان [أن عمر] [¬١] سمع رجلًا يقرأ [¬٢]: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾، فقال عمر: الجهل.\nوقال أيضًا: حدثنا عمر بن شَبَّة [¬٣]، حدثنا أبو خلف، حدثنا يحيي [¬٤] البكاء، سمعت ابن عمر يقول وقرأ هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾، قال ابن عمر: غره -واللَّه- جهله.\nقال: روي عن ابن عباس والربيع بن خثيم، والحسن مثل ذلك.\nوقال قتادة: ﴿مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾: شيءٌ ما غَرَّ ابن آدم [] [¬٥]، وهذا العدو الشيطان.\nوقال الفضيل بن عياض: لو قال لي: ما غرك بي؟ لقلت: ستورك المرخاة. وقال أبو بكر\n_________\n(^٤) تقدم تخريجه في الحجر، رقم (٧١).\n(^٥) ورواه سعيد بن منصور كما في \"الدر المنثور\" (٦/ ٥٣٤) بنحوه.\n_________\n[¬١]- سقط من ز، خ.\n[¬٢]- في ز، خ: يقول.\n[¬٣]- في ز، خ: شيبة.\n[¬٤]- في خ: عن. كذا.\n[¬٥]- في ت: غير.","vol":"14","page":274},{"text":"الوراق: لو قال لي ﴿مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾، لقلت: غرني كرم الكريم.\nقال البغوي: وقال بعض أهل الإشارة: إنما قال: ﴿بربك الكريم﴾ دون سائر أسمائه وصفاته، كأنه لقنه الإجابة.\nوهذا الذي تخيله هذا القائل ليس بطائل، لأنه إنما أتى باسمه ﴿الكريم﴾، لينبه على أنه لا ينبغي أن يُقَابل الكريم بالأفعال القبيحة، وأعمال السوء.\nوحكي البغوي عن الكلبي ومقاتل أنهما قالا: نزلت هذه الآية في الأخنس [¬١] بن شَريق، ضرب النبي ﷺ ولم يعاقب في الحالة الراهنة [¬٢]، فأنزل الله: ﴿مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾.\nوقوله: ﴿الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ﴾، أي: ما غرك بالرب الكريم ﴿الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ﴾، أي: جعلك سَويًّا معتدل القامة منتصبها، في أحسن الهيئات [¬٣] والأشكال.\nقال الإمام أحمد (^٦): حدثنا أبو النضر [¬٤]، حدثنا حَريزُ [¬٥]، حدثني عبد الرحمن بن مَيسرة، عن جُبَير بن نُفير، عن بُسْر [¬٦] بن جحَاش القرشي،: أن رسول الله ﷺ بصق يومًا في كفه، فوضع عليها إصبعه، ثم قال: \"قال الله ﷿: ابنَ [¬٧] آدم، أنَّى تُعجزِني وقد خلقتك من مثل هذه؟ حتى إذا سَوّيتك وعدلتك، مشيت بين بردين وللأرض مَنك وَئيدٌ، فجَمَعت ومَنعت، حتى إذا بلغت التراقي قلتَ: أتصدقُ، وأنَّى أوان الصدقة\".\nوكذا رواه ابن ماجة (^٧)، عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن يزيد بن هارون، عن حَريز [¬٨] بن عثمان به.\nقال شيخنا الحافظ أبو الحجاج المزي: وتابعه يحيى بن حمزة، عن ثور بن يزيد، عن عبد الرحمن بن ميسرة.\n_________\n(^٦) تقدم تخريجه في سورة النحل، آية: (٤).\n(^٧) ينظر الموضع السابق.\n_________\n[¬١]- في ز: الأسود.\n[¬٢]- بياض في ز. وسقط من خ.\n[¬٣]- في ز: الهبات.\n[¬٤]- في ز، خ: الغيرة.\n[¬٥]- في ز، خ: جرير.\n[¬٦]- في ز: بشر.\n[¬٧]- في ز: بني.\n[¬٨]- في ز، خ: جرير.","vol":"14","page":275},{"text":"وقوله: ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ قال مجاهد: في أي شبه أبٍ أو أم، أو خالٍ أو عمٍ.\nوقال ابن جرير (^٨): حدثني [محمد بن سنان القزاز، حدثنا مُطَهَّر بن الهيثم، حدثنا موسى بن عُلَيّ بن رَبَاح، حدثني] [¬١] أبي، عن جدي؛ أن النبي ﷺ قال له: \"ما ولد لك؟ \" قال: يا رسول الله، ما عسى أن يولَد لي؟ إما غلام وإما جارية. قال: \"فمن يشبه؟ \". قال: يا رسول الله، من عسى أن يشبه؟ إما أباه واما أمه. فقال النبي ﷺ عندها: \"منه. لا تقولَنّ هكذا، إن النطفة إذا استقرت في الرحم أحضرها الله كل نسب بينها وبين آدم أما قرأت هذه الآية في كتاب الله: ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾، قال: سَلككَ.\nوهكذا رواه ابن أبي حاتم والطبراني (^٩) من حديث مطهر بن الهيثم به [¬٢]. وهذا الحديث لو صح لكان فيصلًا في هذه الآية، ولكن إسناده ليس بالثابت، لأن \"مُطَهّر بن الهيثم\" قال فيه أبو سعيد بن يونس: كان متروك الحديث، وقال ابن حبان: يَرْوي عن موسى بن عُليّ وغيره ما لا يُشبهُ [¬٣] حَديثَ الأثبات. ولكن في الصحيحين (^١٠) عن أبي هُرَيرة أن رَجُلًا قال: يا رسولَ الله، إن امرأتي وَلَدت غُلامًا أسودَ؟. قال: \"هل لك من [¬٤] إبل؟ \". قال: نعم. قال: \"فما ألوانها؟ \". قال: حُمر. قال: \"فهل فيها من أورَق؟ \". قال: نعم. قال: \"فأنَّى أتاها ذلك؟ \". قال: عسى أن يكون نَزَعه عرْق. قال: \"وهذا عسى أن يكون نزعه عرق\".\nوقد قال عكرمة في قوله: ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾: إن شاء في صورة قرد، وإن شاء في صورة خنزير. وكذا قال أبو صالح: إن شاء في صورة كلب، وإن شاء في صورة حمار، وإن شاء في صورة خنزير.\nوقال قتادة: ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾، قال: قادر -والله- ربنا على ذلك.\nومعنى هذا القول عند هؤلاء: أن الله ﷿ قادر على خلق النطفة على شكل قبيح من\n_________\n(^٨) تفسير الطبري (٣٠/ ٨٧).\n(^٩) المعجم الكبير (٥/ ٧٤) (٤٦٢٤). قال الهيثمي في \"المجمع\" (٧/ ١٣٨): رواه الطبراني وفيه مطر بن الهيثم وهو متروك.\n(^١٠) أخرجه البخاري في كتاب: الطلاق، باب: إذا عرَّض بنفي الولد، حديث (٥٣٠٥) (٩/ ٤٤٢). وطرفاه في [٦٨٤٧، ٧٣١٤]. ومسلم في كتاب: اللعان، حديث (١٨ - ٢٠/ ١٥٠٠) (١٠/ ١٨٧ - ١٨٩).\n_________\n[¬١]- سقط من ز، خ.\n[¬٢]- سقط من ز.\n[¬٣]- في ز: به.\n[¬٤]- سقط من ز.","vol":"14","page":276},{"text":"الحيوانات المنكرة الخلق، ولكن بقدرته ولطفه وحلمه يخلقه على شكل حسن مستقيم معتدل تام، حَسَن المنظر والهيئة.\nوقوله: ﴿كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ﴾، أي: بل إنما يحملكم علي مواجهة الكريم ومقابلته بالمعاصي، تكذيب في قلوبكم بالمعاد والجزاء والحساب.\nوقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾، يعني: وإن عليكم لملائكة حفَظة كرامًا كاتبين [¬١] فلا تقابلوهم بالقبائح، فإنهم كتبون عليكم جميع أعمالكم.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا علي بن محمد الطنافسي، حدثنا وكيع، حدثنا سفيان ومسعر، عن علقمة بن مرثد [¬٢]، عن مجاهد قال: قال رسول الله ﷺ: \"أكرموا الكرام الكاتبين الذين لا يفارقونكم إلا عند إحدي حالتين: الجنابة والغائط. فإذا اغتسل أحدكم فليستتر بجرم حائط أو ببعيره، أو ليستره أخوه\".\nوقد رواه الحافظ أبو بكر البزار (^١١)، فوصله بلفظٍ آخر، فقال: حدثنا محمد بن عثمان بن كرامة، حدثنا عبيد الله بن موسى، عن حفص بن سليمان، عن علقمة بن مرثد، عن مجاهد، عن ابن عباس؛ قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن الله ينهاكم عن التعرّي، فاستحيوا من ملائكة الله الذين معكم، الكرام الكاتبين، الذين لا يُفارقونكم إلا عند إحدي ثلاث حالات: الغائط، والجنابة، والغسل. فإذا اغتسل أحدكم بالعراء فليستتر بثوبه، أو جرم حائط، أو ببعيره\".\nثم قال: حفص بن سليمان لين الحديث، وقد روي عنه واحتمل حديثه.\nوقال الحافظ أبو بكر البزار (^١٢): حدثنا زياد بن أيوب، حدثنا مُبَشر بن إسماعيل الحلبي، حدثنا تمام [¬٣] بن نجيح، عن الحسن -يعني البصري- عن أنس؛ قال: قال رسول الله ﷺ: \"ما من حافظين يرفعان إلى الله ﷿ ما حفظا في يوم فيرى في أول الصحيفة وفي آخرها استغفارًا إلا قال الله تعالى: \"قد غفرت لعبدي ما بين طرفي الصحيفة\".\nثم قال: تفرد به تمام بن نجيح، وهو صالح الحديث.\n_________\n(^١١) مختصر زوائد البزار (١/ ١٨١) (٢٠٥) بنحوه.\n(^١٢) مختصر زوائد البزار (٢/ ٤٦٢) (٢٢١٧).\n_________\n[¬١]- سقط من ت.\n[¬٢]- في ز، خ: يزيد.\n[¬٣]- في ز، خ: هشام.","vol":"14","page":277},{"text":"قلت: وثقه ابن معين وضعفه البخاري، وأبر زرعة، وابن أبي [¬١] حاتم، والنسائي، وابن عدي. ورماه ابن حبان بالوضع. وقال الإمام أحمد: لا أعرف حقيقة أمره.\nوقال الحافظ أبو بكر البزار (^١٣): حدثنا إسحاق بن سليمان البغدادي المعروف بالقُلوسي، حدثنا بيان بن حمران، حدثنا سلام، عن منصور [بن زاذان] [¬٢]، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن [لله ملائكة] [¬٣] يعرفون بني آدم -وأحسبه قال: ويعرفون أعمالهم- فإذا نظروا إلى عبد يعمل بطاعة الله ذكروه بينهم وسموه، وقالوا: أفلح الليلة فلان، نجا الليلة فلان. وإذا نظروا إلى عبد يعمل بمعصية الله ذكروه بينهم وسموه، وقالوا: هلك الليلة فلان\".\nثم قال البزار: سلام هذا أحسبه سلامًا المدائني، وهو لين الحديث.\n﴿وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (١٤) يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ (١٥) وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ (١٦) وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٧) ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٨) يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ (١٩)﴾\nيخبر تعالى عما يصير الأبرار إليه من النعيم، وهم الذين أطاعوا الله، ﷿، ولم يقابلوه بالمعاصي.\nوقد روى ابن عساكر (^١٤) في ترجمة \"موسى بن محمد\". عن هشام بن عمار، عن عيسى بن يونس بن أبي إسحاق، عن عبيد الله، عن محارب، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: \"إنما سماهم الله الأبرار لأنهم بروا الآباء والأبناء\".\nثم [¬٤] ذكر ما يصير إليه الفجار من الجحيم والعذاب المقيم، ولهذا قال: ﴿يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ﴾، أي: يوم الحساب والجزاء والقيامة، ﴿وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ﴾، أي: لا يغيبون عن العذاب ساعة واحدة، ولا يخفف عنهم من عذابها، ولا يجابون إلى ما يسألون من الموت أو الراحة، ولو يومًا واحدًا.\n_________\n(^١٣) مختصر زوائد البزار (٢/ ٤٥١) (٢١٩٥) بنحوه. قال ابن حجر: سلام متروك.\n(^١٤) تاريخ دمشق (١٧/ ٤٠٠ مخطوط).\n_________\n[¬١]- سقط من ز.\n[¬٢]- سقط من خ.\n[¬٣]- في ز: ملائكة الله.\n[¬٤]- في ز: و.","vol":"14","page":278},{"text":"وقوله: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ﴾ تعظيم لشأن يوم القيامة، ثم أكده بقوله: ﴿ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ﴾. ثم فسره بقوله: ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيئًا﴾، أي: لا يقدر واحد على نفع أحد ولا خَلاصه مما [¬١] هو فيه، إلا أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى.\nونذكر هاهنا حديث: \"يا بني هاشم، أنقذوا أنفسكم [من النار] [¬٢]، لا أملك لكم من الله شيئًا\" (^١٥). وقد تقدم في آخر تفسير سورة الشعراء؛ ولهذا قال: ﴿وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾، كقوله: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾، وكقوله: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ﴾، وكقوله: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾.\nقال قتادة: ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ (١٩)﴾، والأمر -والله- اليوم لله، ولكنه يومئذ لا ينازعه فيه [¬٣] أحد.\n[آخر تفسير سورة الانفطار، ولله الحمد والمنة وبه التوفيق والعصمة].\n* * *\n_________\n(^١٥) تقدم تخريجه في سورة الإسراء.\n_________\n[¬١]- في ز: عما.\n[¬٢]- سقط من ز، خ.\n[¬٣]- سقط من ت.","vol":"14","page":279},{"text":"<span data-type='title' id=toc-204>[تفسير] سورة المطففين [وهي مدنية]</span>\n﴿وَيلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (٢) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (٣) أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (٤) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (٥) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالمِينَ (٦)﴾\nقال النسائي وابن ماجة (^١): أخبرنا محمد بن عقيل -زاد ابن ماجة: وعبد الرحمن بن بشر- قالا: حدثنا علي بن الحسين بن واقد، حدثني أبي، عن يزيد -هو ابن أبي سعيد النحوي، مولى قريش- عن عكرمة، عن ابن عباس قال: لما قدم نبي الله ﷺ المدينة كانوا من أخبث الناس كيلًا فأنزل الله: ﴿وَيلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ فحسنوا الكيل بعد ذلك.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا جعفر بن النضر بن حماد، حدثنا محمد بن عبيد، عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن عبد الله بن الحارث، عن هلال بن طلق قال: بينا أنا أسير مع ابن عمر، فقلت: من أحسن الناس هيئة وأوفاه كيلًا؟ أهل مكة أو المدينة؟ قال: حق لهم، أما سمعت الله يقول: ﴿وَيلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾.\nوقال ابن جرير (^٢): حدثنا أبو السائب، حدثنا ابن فضيل، عن ضرار، عن عبد الله المكتب، عن رجل، عن عبد الله قال: قال له رجل: يا أبا عبد الرحمن، إن أهل المدينة ليوفون الكيل. قال: وما يمنعهم أن يوفوا الكيل وقد قال الله ﷿: ﴿وَيلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾، حتى بلغ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.\nفالمراد بالتطفيف هاهنا: البخس في المكيال والميزان، إما بالازدياد إن اقتضى من الناس، وإما بالنقصان إن قضاهم. ولهذا فسر تعالى المطففين الذين وعدهم بالخسار والهلاك وهو الويل، بقوله: ﴿الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ﴾، أي: من الناس ﴿يستوفون﴾، أي: يأخذون\n_________\n(^١) سنن النسائي الكبرى، كتاب: التفسير، باب: سورة المطففين، حديث (١١٦٥٤) (٦/ ٥٠٨). وابن ماجة في كتاب: التجارات، باب: التوقي في الكيل والوزن، حديث (٢٢٢٣) (٢/ ٧٤٨).\n(^٢) تفسير الطبري (٣٠/ ٩٠ - ٩١) بهذا الإسناد لكنه قال: عن ضرار عن عبد الله دون ذكر المكتب عن رجل.","vol":"14","page":280},{"text":"حقهم بالوافي والزائد، ﴿وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾، أي: ينقصون. والأحسن أن يجعل \"كالوا\" و\"وزنوا\" متعديًا، ويكون هم في محل نصب: ومنهم من يجعلها ضميرًا مؤكدًا للمستتر في قوله \"كالوا\" و\"وزنوا\"، ويحذف المفعول لدلالة الكلام عليه، وكلاهما متقارب.\nوقد أمر الله تعالى بالوفاء في الكيل والميزان، فقال: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيرٌ وَأَحْسَنُ تَأْويلًا (٣٥)﴾ وقال: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلا وُسْعَهَا﴾، وقال: ﴿وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ (٩)﴾ وأهلك الله قوم شعيب ودمرهم على ما كانوا يبخسون الناس في المكيال والميزان.\nثم قال تعالى متوعدًا لهم: ﴿أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (٤) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ﴾، أي: أما يخاف أولئك من البعث والقيام بين يدي من يعلم السرائر والضمائر، في يومٍ عظيم الهول، كثير الفزع، جليل الخطب، من خسر فيه أدخل نارًا حامية!\nوقوله: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالمِينَ﴾ أي: يقومون حفاة عراة غرلًا، في [¬١] موقف صعب [¬٢] حرج ضيق ضنك على المجرم، ويغشاهم من أمر الله ما تعجز [¬٣] القوى والحواس عنه.\nقال الإِمام مالك: عن نافع، عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: \" ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالمِينَ﴾ حتى يغيب أحدهم في رشحه إلى أنصاف أذنيه\".\nرواه البخاري (^٣) من حديث مالك، و[¬٤] عبد الله بن عون كليهما عن نافع به. ورواه مسلم من الطريقين أيضًا. وكذلك رواه صالح وأيوب بن يحيى، وعبد الله وعبيد الله ابنا عمر، ومحمد بن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر به.\nولفظ الإِمام أحمد (^٤): حدثنا يزيد، أخبرنا ابن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \" ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالمِينَ﴾: لعظمة الرحمن ﷿ يوم القيامة، حتى إن العرق ليلجم الرجال إلى أنصاف آذانهم\".\nحديث آخر، قال الإِمام أحمد (^٥): حدثنا إبراهيم بن إسحاق، حدثنا ابن المبارك،\n_________\n(^٣) أخرجه البخاري في كتاب: التفسير، باب: يوم يقوم الناس لرب العالمين، حديث (٤٩٣٨) من طريق مالك، وفي كتاب: الرقاق حديث (٦٥٣١) من طريق ابن عون. ومسلم في كتاب: الجنة، باب: في صفة يوم القيامة، حديث (٦٠/ ٢٨٦٢) (١٧/ ٢٨٤ - ٢٨٥).\n(^٤) أخرجه أحمد (٢/ ٣١) (٤٨٦٢). وصححه أحمد شاكر.\n(^٥) أخرجه أحمد (٦/ ٣ - ٤) (٢٣٩٢٥). ومسلم في كتاب: الجنة، باب: في صفة يوم القيامة، حديث (٦٢/ ٢٨٦٤) (١٧/ ٢٨٥ - ٢٨٦). والترمذي في كتاب: صفة القيامة، باب: قرب الشمس من العباد يوم القيامة، حديث (٢٤٢٣) (٧/ ١٣٨).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: أي.\n[¬٢]- في ز، خ: ضعيف.\n[¬٣]- في ز: يعجز.\n[¬٤]- في ز، خ: ابن.","vol":"14","page":281},{"text":"عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، حدثني سليم بن عامر، حدثني المقداد -يعني ابن الأسود الكندي- قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"إذا كان يوم القيامة أديت الشمس من العباد، حتى تكون قيد ميل [¬١] أو ميلين، قال: فتصهرهم الشمس، فيكونون في العرق كقدر أعمالهم، منهم من يأخذه إلى عقبيه، ومنهم من يأخذه إلى ركبتيه، ومنهم من يأخذه إلى حقويه، ومنهم من يلجمه إلجامًا\".\nرواه مسلم، عن الحكم بن موسى، عن يحيى بن حمزة -والترمذي، عن سويد، عن ابن المبارك- كلاهما عن ابن جابر، به.\nحديث آخر، قال الإمام أحمد (^٦): حدثنا الحسن بن سوار، حدثنا الليث بن سعد، عن معاوية بن صالح: أن أبا عبد الرحمن حدثة، عن أبي أمامة: أن رسول الله ﷺ قال: \"تدنو الشمس يوم القيامة على قدر ميل، ويزاد في حرها كذا وكذا، تغلي [¬٢] منها الهوام كما تغلي [¬٣] القدور، يعرقون فيها على قدر خطاياهم، منهم من يبلغ إلى كعبيه، ومنهم من يبلغ إلى ساقيه، ومنهم من يبلغ إلى وسطه، ومنهم من يلجمه العرق\". انفرد به أحمد.\nحديث آخر، قال الإمام أحمد (^٧): حدثنا حسن، حدثنا [¬٤] ابن لهيعة، حدثنا أبو عشَّانة حيّ بن يؤمن، أنه سمع عقبة بن عامر يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"تدور الشمس من الأرض فيعرق الناس، فمن الناس من يبلغ عرقه عرقه، ومنهم من يبلغ إلى نصف الساق، ومنهم من يبلغ إلى ركبتيه، ومنهم من يبلغ [العجز، ومنهم من يبلغ الخاصرة، ومنهم من يبلغ منكبيه، ومنهم من يبلغ] [¬٥] وسط فيه\" وأشار بيده فألجمها فاه -رأيت رسول الله ﷺ يشير [¬٦] هكذا- \"ومنهم من يغطيه عرقه\". وضرب بيده إشارة. انفرد به أحمد.\nوفي حديث: أنهم يقومون سبعين سنة لا يتكلمون. وقيل: يقومون ثلاثمائة سنة. وقيل: يقومون أربعين ألف سنة. ويقضى بينهم في مقدار عشرة آلاف سنة، كما في صحيح مسلم\n_________\n(^٦) أخرجه أحمد (٥/ ٢٥٤) (٢٢٢٨٦).\n(^٧) أخرجه أحمد (٤/ ١٥٧) (١٧٤٨٧).\n_________\n[¬١]- سقط من ز، خ.\n[¬٢]- في ز: يغل.\n[¬٣]- في ز: تغل.\n[¬٤]- سقط من ز، خ.\n[¬٥]- سقط من ز، خ.\n[¬٦]- في خ: يشير بيده.","vol":"14","page":282},{"text":"عن أبي هريرة مرفوعًا (^٨): ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾.\nوقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو عون الزيادي، أخبرنا عبد السلام بن عجلان، سمعت أبا يزيد المدني، عن أبي هريرة قال: قال النبي ﷺ لبشير الغفاري: \"كيف أنت صانع في يوم يقوم الناس فيه ثلاثمائة سنة لرب العالمين، من أيام الدنيا، لا يأتيهم فيه خبر من السماء ولا يؤمر فيه بأمر\". قال بشير: المستعان الله. قال: \"فإذا أويت إلى فراشك فتعوذ بالله من كرب يوم القيامة، وسوء الحساب\". ورواه ابن جرير من طريق عبد السلام به (^٩).\nوفي سنن أبي داود (^١٠): أن رسول الله ﷺ كان يتعوذ بالله من ضيق المقام يوم القيامة وعن ابن مسعود: يقومون أربعين سنة رافعي رءوسهم إلى السماء، لا يكلمهم أحد، قد ألجم العرق برهم وفاجرهم. وعن ابن عمر: يقومون مائة سنة. رواهما ابن جرير (^١١).\nوفي سنن أبي داود (^١٢)، والنسائي، وابن ماجة، من [¬١] حديث زيد بن الحباب، عن معاوية بن صالح، عن أزهر بن سعيد الحواري، عن عاصم بن حميد، عن عائشة؛ أن رسول الله ﷺ كان يفتتح قيام الليل: يكبر عشرًا، ويحمد عشرًا، ويسبح عشرًا، ويستغفر عشرًا، ويقول: \"اللهم، اغفر لي واهدني، وارزقني وعافني\". ويتعوذ من ضيق المقام يوم القيامة.\n﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ (٧) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ (٨) كِتَابٌ مَرْقُومٌ (٩) وَيلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٠) الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (١١) وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إلا كُلُّ مُعْتَدٍ\n_________\n(^٨) تقدم تخريجه في تفسير سورة المعارج، آية (٤).\n(^٩) أخرجه الطبري (٣٠/ ٩٣).\n(^١٠) سنن أبي داود، كتاب الصلاة، باب: ما يستفتح به الصلاة بعد الدعاء (٧٦٦).\n(^١١) أخرجه الطبري (٣٠/ ٩٢، ٩٣).\n(^١٢) سنن أبي داود في كتاب: الصلاة، باب: ما يستفتح به الصلاة من الدعاء، حديث (٧٦٦) (١/ ٢٠٣ - ٢٠٤). والنسائي (٣/ ٢٠٨ - ٢٠٩) كتاب: قيام الليل، باب: ذكر ما يستفتح به القيام. وابن ماجة في كتاب: الإقامة، باب: ما جاء في الدعاء إذا قام الرجل من الليل، حديث (١٣٥٦) (١/ ٤٣١) وابن كثير أورده بالمعنى.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: في.","vol":"14","page":283},{"text":"أَثِيمٍ (١٢) إِذَا تُتْلَى عَلَيهِ آيَاتُنَا قَال أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٣) كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٤) كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ (١٦) ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (١٧)\nيقول: حقًّا ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ﴾، أي: إن مصيرهم ومأواهم لفي سجين -فعيل من السجن، وهو الضيق- كما يقال: فسيق وشريب وخمير وسكير، ونحو ذلك؛ ولهذا عظم أمره فقال: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ؟﴾، أي: هو أمر عظيم، وسجن مقيم وعذاب أليم.\nثم قد قال قائلون: هي تحت الأرض السابعة. وقد تقدم في حديث البراء بن عازب (^١٣)، في حديثه الطويل: يقول الله ﷿ في روح الكافر: اكتبوا كتابه في سجين. وسجين: هي تحت الأرض السابعة. وقيل: صخرة [¬١] تحت السابعة خضراء. وقيل: بئر في جهنم.\nوقد روى ابن جرير (^١٤) في ذلك حديثًا غريبًا منكرًا لا يصح فقال: حدثنا إسحاق بن وهب الواسطي، حدثنا مسعود بن موسى بن مشكان الواسطي، حدثنا نصر بن خزيمة الواسوس، عن شعيب بن صفوان، عن محمد بن كعب القرظي، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: \"الفلق [¬٢]: جب في جهنم مغطى، وأما سجين فمفتوح\".\nوالصحيح أن \"سجينًا\" مأخوذ من السجن، وهو الضيق، فإن المخلوقات كل ما تسافل منها ضاق، [وكل ما تعالى منها اتسع، فإن الأفلاك السبعة كل واحد منها] [¬٣] أوسع وأعلى من الذي دونه، وكذلك الأرضون كل واحدة أوسع من التي دونها، حتى ينتهي السفول المطلق والمحل الأطيق إلى المركز في وسط الأرض السابعة، ولما كان مصير الفجار إلى جهنم وهي أسفل السافلين، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (٥) إلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾.\n_________\n(^١٣) تقدم تخريجه في سورة إبراهيم في تفسير قول الله ﷿: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ آية (٢٧).\n(^١٤) أخرجه الطبري (٣٠/ ٣٤٩) فذكر أوله. وأخرجه (٣٠/ ٩٥ - ٩٦).\n_________\n[¬١]- في خ: حجرة.\n[¬٢]- في ز: العلق.\n[¬٣]- سقط من ز.","vol":"14","page":284},{"text":"وقال هاهنا: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ (٧) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ﴾، وهو يجمع الضيق والسفول، كما قال: ﴿وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا﴾.\nوقوله: ﴿كِتَابٌ مَرْقُومٌ﴾ ليس تفسيرًا لقوله، ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ﴾، وإنما هو تفسير لما كتب لهم من المصير إلي سجين، أي: مرقوم مكتوب مفروغ منه، لا يزاد [¬١] فيه أحد ولا ينقص منه أحد، قاله محمد بن كعب القرظي.\nثم قال: ﴿وَيلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾، أي: إذا صاروا يوم القيامة إلى ما أوعدهم الله من السجن والعذاب المهين. وقد تقدم الكلام على قوله ﴿وَيلٌ﴾ بما أغنى عن إعادته، وأن المراد من ذلك [] [¬٢] الهلاك والدمار، كما يقال: ويل لفلان. وكما جاء في المسند (^١٥) والسنن من رواية بهز بن حكيم بن معاوية بن حيدة [¬٣]، عن أبيه، عن جده؛ قال: قال رسول الله ﷺ: \"ويل للذي يحدث فيكذب، ليضحك الناس، ويل له، ويل له\".\nثم قال تعالى مفسرًا للمكذبين الفجار الكفرة: ﴿الَّذِينَ [¬٤] يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾، أي: لا يصدقون بوقوعه، ولا يعتقدون كونه ويستبعدون أمره. قال الله تعالى: ﴿وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إلا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ﴾، أي: معتد في أفعاله، من تعاطى الحرام والمجاوزة في تناول المباح والأثيم في أقواله: إن حدث كذب، وإن وعد أخلف، وإن خاصم فجر.\nوقوله: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيهِ آيَاتُنَا قَال أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾، أي: إذا سمع كلام الله من الرسول، يكذب به، ويظن به ظن السوء، فيعتقد أنه مفتعل مجموع من كتب الأوائل، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾. وقال: ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾.\nقال الله تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾، أي: ليس الأمر كما زعموا ولا كما قالوا، إن هذا القرآن أساطير الأولين، بل هو كلام الله ووحيه وتنزيله علي رسوله ﷺ، وإنما حجب قلوبهم عن الإِيمان به [¬٥] ما عليها من الرين الذي قد\n_________\n(^١٥) أخرجه أحمد (٥/ ٣، ٥، ٧) (٢٠٠٧١، ٢٠٠٩٤، ٢٠١٠٣، ٢٠١٢١). وأبو داود في كتاب: الأدب، باب: في التشديد في الكذب، حديث (٤٩٩٠) (٤/ ٢٩٧ - ٢٩٨). والترمذي في كتاب: الزهد، باب: فيمن تكلم بكلمة ليضحك بها الناس، حديث (٢٣١٦) (٧/ ٧٦). والنسائي في الكبرى في كتاب: التفسير، باب: ﴿فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيرِهِ﴾، حديث (١١١٢٦) (٦/ ٣٢٩). ولم يعزه المزي في تحفة الأشراف (١١٣٨١) إلى ابن ماجة. قال الترمذي: حديث حسن. وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود (٤١٧٥).\n_________\n[¬١]- في ز: يزد. وفي خ: يزيد.\n[¬٢]- في ز: أن.\n[¬٣]- في ز، خ: خلدة.\n[¬٤]- في ز: الذي.\n[¬٥]- سقط من خ.","vol":"14","page":285},{"text":"لبس قلوبهم من كثرة الذنوب والخطايا؛ ولهذا قال تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾. والرين يعتري قلوب الكافرين، والغيم للأبرار، والغين للمقربين.\nوقد روى ابن جرير (^١٦) والترمذي والنسائي وابن ماجة. من طرق، عن محمد بن عجلان، عن القعقاع بن حكيم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ؛ قال: \"إن العبد إذا أذنب ذنبًا كانت نكتة سوداء في قلبه، فإن تاب منها صقل [¬١]، قلبه، وإن [¬٢] زاد زادت؛ فذلك قول الله: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾.\nوقال الترمذي: \"حسن صحيح\". ولفظ النسائي: \"إن العبد إذا أخطأ خطيئة نكت في قلبه نكتة، فإن هو نزغ واستغفر وتاب صقل [¬٣] قلبه، فإن عاد زيد فيها حتى يعلو قلبه، فهو الران الذي قال الله: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾.\nوقال أحمد (^١٧): حدثنا صفوان بن عيسى [¬٤]، أخبرنا ابن عجلان، عن القعقاع بن حكيم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة؛ قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن المؤمن إذا أذنب كانت نكتة سوداء في قلبه، فإن تاب ونزع واستغفر صقل قلبه، فإن زاد زادت حتى يعلو قلبه، وذاك الران الذي ذكر الله في القرآن: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾.\nوقال الحسن البصري: هو الذنب علي الذنب، حتى يعمى القلب، فيموت. وكذا قال مجاهد [بن جبر] [¬٥] وقتادة، وابن [¬٦] زيد، وغيرهم.\nوقوله: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾، أي: لهم يوم القيامة منزل ونزل سجين، ثم هم [يوم القيامة] [¬٧] [مع ذلك] [¬٨] محجوبون عن رؤية ربهم وخالقهم.\n_________\n(^١٦) أخرجه الطبري (٣٠/ ٩٨). والترمذي في كتاب: تفسير القرآن، باب: ومن سورة ويل للمطففين، حديث (٣٣٣١) (٩/ ٦٩). وقال: حسن صحيح. والنسائي في الكبرى في كتاب: التفسير، باب: قوله: تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾، حديث (١١٦٥٨) (٦/ ٥٠٩). وفي كتاب: عمل اليوم والليلة، باب: ما يفعل من بلى بذنب وما يقول، حديث (١٠٢٥١) (٦/ ١١٠). وابن ماجة في كتاب: الزهد، باب: ذكر الذنوب، حديث (٤٢٤٤) (٢/ ١٤١٨). وحسنه الألباني في صحيح ابن ماجة (٣٤٢٢).\n(^١٧) أخرجه أحمد (٢/ ٢٩٧).\n_________\n[¬١]- في ز: سقل.\n[¬٢]- في ز: فإن.\n[¬٣]- عند النسائي: صقلت.\n[¬٤]- في ز، خ: علية.\n[¬٥]- في ز، خ: وابن جبير.\n[¬٦]- في ز، خ: وأبو.\n[¬٧]- سقط من ز.\n[¬٨]- سقط من خ.","vol":"14","page":286},{"text":"قال الإمام أبو عبد الله الشافعي: هذه الآية دليل على أن المؤمنين يرونه ﷿ يومئذ.\nوهذا الذي قاله الإِمام الشافعي ﵀ في غاية الحسن، وهو استدلال بمفهوم هذه الآية، كما دل عليه منطوق قوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾. وكما دلت علي ذلك الأحاديث الصحاح المتواترة في رؤية المؤمنين ربهم ﷿ في الدار الآخرة، رؤية بالأبصار في عرصات القيامة، وفي روضات الجنان [¬١] الفاخرة.\nوقد قال ابن جرير (^١٨): [حدثني محمد بن عمار الرازي] [¬٢]: حدثنا أبو معمر المنقري، حدثنا عبد الوارث [¬٣] بن سعيد، عن عمرو بن عبيد، عن الحسن في قوله: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾، قال: يكشف الحجاب، فينظر إليه المؤمنون والكافرون، ثم يحجب عنه الكافرون، وينظر إليه المؤمنون كل يوم غدوة وعشية. أو كلامًا هذا معناه.\nقوله: ﴿ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ﴾، أي: ثم هم مع هذا الحرمان عن رؤية الرحمن من أهل النيران، ﴿ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾، أي: يقال لهم ذلك [¬٤] على وجه التقريع والتوبيخ، والتصغير والتحقير.\n﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ (١٨) وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ (١٩) كِتَابٌ مَرْقُومٌ (٢٠) يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ (٢١) إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (٢٢) عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (٢٣) تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ (٢٤) يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ (٢٥) خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ (٢٦) وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ (٢٧) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ﴾\nيقول تعالى: حقًّا ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ﴾، وهم بخلاف الفجار، ﴿لَفِي عِلِّيِّينَ﴾، أي: مصيرهم إلى عليين، وهو بخلاف سجين.\nقال الأعمش (^١٩) عن شمر بن عطية، عن هلال بن يساف؛ قال: سأل ابن عباس كعبًا وأنا\n_________\n(^١٨) أخرجه الطبري (٣٠/ ١٠٠) بأخصر من هذا.\n(^١٩) أخرجه الطبري (٣٠/ ١٠١).\n_________\n[¬١]- في ز: الجنات.\n[¬٢]- سقط من ز، خ.\n[¬٣]- في ز، خ: عبد الرزاق.\n[¬٤]- سقط من ز، خ.","vol":"14","page":287},{"text":"حاضر عن سجين، قال: هي الأرض السابعة، وفيها أرواح الكفار. وساعه عن عليين فقال: هي السماء السابعة، وفيها أرواح المؤمنين. وهكذا قال غير واحد: إنها السماء السابعة.\nوقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ يعني: الجنة.\nوفي رواية العوفي، عنه: أعمالهم في السماء عند الله. وكذا قال الضحاك.\nوقال قتادة: عليون: ساق العرش اليمنى، وقال غيره: عليون: عند سدرة المنتهى.\nوالظاهر: أن عليين مأخوذ من العلو، وكلما علا الشيء وارتفع عظم واتسع [¬١]، ولهذا قال معظمًا أمره ومفخمًا شأنه: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ﴾. ثم قال مؤكدًا لما كتب لهم: ﴿كِتَابٌ مَرْقُومٌ (٢٠) يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ﴾، وهم الملائكة، قاله قتادة.\nوقال العوفي عن ابن عباس: يشهد من كل سماء مقربوها.\nثم قال تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾، أي: يوم القيامة هم في نعيم مقيم، وجنات فيها فضل عميم. ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ﴾، وهي: السرر تحت الحجال، ﴿يَنْظُرُونَ﴾، قيل: معناه ينظرون في ملكهم، وما أعطاهم الله من الخير والفضل الذي لا ينقضي ولا يبيد. وقيل: معناه ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ إلى الله ﷿. وهذا مقابلة لما وصف به أولئك الفجار: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾، فذكر عن هؤلاء أنهم يباحون النظر إلى الله ﷿ وهم على سررهم وفرشهم، كما تقدم في حديث ابن عمر: \"إن أدنى أهل الجنة منزلة لمن ينظر في ملكه مسيرة ألفي سنة، يرى أقصاه كما يرى أدناه، وإن أعلاه لمن ينظر إلى الله في اليوم مرتين\".\nوقوله: ﴿تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾، أي: تعرف إذا نظرت إليهم في وجوههم نضرة النعيم، أي: صفة الترافة والحشمة والسرور والدعة والرياسة، مما هم فيه من النعيم العظيم.\nوقوله: ﴿يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ﴾، أي: يسقون من خمر من الجنة. والرحيق: من أسماء الخمر. قاله ابن مسعود، وابن عباس، ومجاهد، والحسن، وقتادة، وابن زيد.\nقال الإمام أحمد (^٢٠): حدثنا حسن، حدثنا زهير، عن سعد أبي المجاهد الطائي، عن عطية بن سعد العوفي، عن أبي سعيد الخدري -أراه قد رفعه إلى النبي ﷺ قال: \"أيما مؤمن سقى مؤمنًا شربة على ظمإٍ، سقاه الله يوم القيامة من الرحيق\n_________\n(^٢٠) المسند (٣/ ١٣ - ١٤) (١١١١٥). وضعفه الترمذي (٢٤٥١) وقد أخرجه من طريق عن عطية، ثم =\n_________\n[¬١]- في ز: وارتفع. هي سقط من خ.","vol":"14","page":288},{"text":"المختوم. وأيما مؤمن أطعم مؤمنًا على جوع، أطعمه الله من ثمار الجنة. وأيما مؤمن كسا مؤمنًا ثوبًا على عري كساه الله من خُضرِ الجنة\".\nوقال ابن مسعود في قوله: ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾ أي: خلطه مسك. وقال العوفي، عن ابن عباس: طيب الله لهم الخمر، فكان آخر شيء جعل فيها مسك، ختم بمسك. وكذا قال قتادة والضحاك.\nوقال إبراهيم والحسن: ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾ أي: عاقبته مسك.\nوقال ابن جرير (^٢١): حدثنا ابن حميد، حدثنا يحيى بن واضح، حدثنا أبو حمزة [¬١]، عن جابر، عن عبد الرحمن بن سابط [¬٢]، عن أبي الدرداء: ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾، قال: شراب أبيض مثل الفضة، يختمون به شرابهم. ولو أن رجلًا من أهل الدنيا أدخل أصبعه فيه ثم أخرجها لم يبقى ذو روح إلا وجد طيبها.\nوقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾، قال: طيبه مسك.\nوقوله: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾، أي: وفي مثل هذا الحال فليتفاخر المتفاخرون، وليتباهى ويكاثر ويستبق إلى مثله المستبقون. كقوله: ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾.\nوقوله: ﴿وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ﴾، أي: ومزاح هذا الرحيق الموصوف من تسنيم، أي: من شراب يقال له: تسنيم، وهو أشرف شراب اهل الجنة وأعلاه [¬٣]. قاله أبو [¬٤] صالح والضحاك، ولهذا قال: ﴿عَينًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ﴾، أي: يشربها المقربون صرفًا، وتمزج لأصحاب اليمين [مزجًا] [¬٥]. [قاله ابن مسعود، وابن عباس، ومسروق، وقتادة، وغيرهم] [¬٦].\n﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (٢٩) وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ\n_________\n= قال: قد روى هذا عن عطية عن أبي سعيد موقوفًا وهو أصح عندنا وأشبه. وضعفه الألباني في ضعيف سنن أبي داود (٣٧١ - ١٦٨٢).\n(^٢١) تفسير الطبري (٣٠/ ١٠٧).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: مرة.\n[¬٢]- في ز: ساقط.\n[¬٣]- في ز: أعلاها.\n[¬٤]- في ز: ابن.\n[¬٥]- سقط من ز، خ.\n[¬٦]- سقط من ز.","vol":"14","page":289},{"text":"(٣٠) وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ (٣١) وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ (٣٢) وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيهِمْ حَافِظِينَ (٣٣) فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (٣٤) عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (٣٥) هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٣٦)﴾\nيخبر تعالى عن المجرمين؛ أنهم كانوا في الدار الدنيا يضحكون من المؤمنين، أي: يستهزئون بهم ويحتقرونهم، وإذا مروا بالمؤمنين يتغامزون عليهم، أي: محتقرين لهم، ﴿وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ [¬١]﴾، أي: إذا انقلب، أي: رجع هؤلاء المجرمون إلى منازلهم، انقلبوا إليها فاكهين، أي: مهما طلبوا وجدوا، ومع هذا ما شكروا نعمة الله عليهم، بل اشتغلوا بالقوم المؤمنين يحقرونهم ويحسدونهم [¬٢]، ﴿وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ﴾، أي: لكونهم على غير دينهم، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيهِمْ حَافِظِينَ﴾، أي: وما بعث هؤلاء المجرمون حافظين على هؤلاء المؤمنين ما يصدر من أعمالهم وأقوالهم، ولا كلفوا بهم فلم اشتغلوا [¬٣] بهم، وجعلوهم نصب أعينهم، كما قال تعالى: ﴿قَال اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ (١٠٨) إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيرُ الرَّاحِمِينَ (١٠٩) فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ (١١٠) إِنِّي جَزَيتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾؛ ولهذا قال هاهنا: ﴿فَالْيَوْمَ﴾ يعني يوم القيامة ﴿الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ﴾، أي: في مقابلة ما ضحك بهم أولئك، ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ﴾، أي: إلى الله ﷿ في مقابلة من زعم فيهم أنهم صالون، ليسوا [¬٤] بضالين، بل هم من أولياء اللَّه المقربين، ينظرون إلى ربهم في دار كرامته.\nوقول: ﴿هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ؟﴾، أي: هل جوزي الكفار على ما كانوا يقابلون به المؤمنين من الاستهزاء والتنقص أم لا؟ يعني: قد جوزوا أوفر الجزاء وأتمه وأكمله.\n[آخر [تفسير سورة] [¬٥] المطففين].\n* * *\n_________\n[¬١]- في ز: فاكهين.\n[¬٢]- في ز: يحسدوهم.\n[¬٣]- في ز: استقلوا.\n[¬٤]- في ز: ليس.\n[¬٥]- سقط من ز.","vol":"14","page":290},{"text":"<span data-type='title' id=toc-205>[تفسير] سورة الانشقاق [وهي مكية]</span>\nقال مالك (^١)، عن عبد الله بن يزيد، عن أبي سلمة: إن أبا هريرة قرأ بهم: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾، فسجد فيها، فلما انصرف أخبرهم أن رسول الله ﷺ سجد فيها. رواه مسلم والنسائي، من طريق مالك به.\nوقال البخاري (^٢): حدثنا أبو النعمان، حدثنا معتمر، عن أبيه، عن بكر، عن أبي رافع قال: صليت مع أبي هريرة العتمة فقرأ: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾، فسجد، فقلت له، قال: سجدت خلف أبي القاسم ﷺ فلا أزال أسجد بها حتى ألقاه.\nورواه أيضًا (^٣) عن مسدد، عن معتمر به. ثم رواه عن مسدد (^٤)، عن يزيد بن زريع، عن التيمي، عن بكر، عن أبي رافع، فذكره. وأخرجه مسلم وأبو داود والنسائي من طرق، عن سليمان بن طرخان التيمي به.\nوقد روى مسلم (^٥) وأهل السنن من حديث سفيان بن عيينة -زاد النسائي (^٦): وسفيان\n_________\n(^١) أخرجه مالك في الموطأ في كتاب: القرآن، باب: ما جاء في سجود القرآن، حديث (١٢) (١/ ١٨١). ومن طريقه مسلم في كتاب: المساجد ومواضع الصلاة، باب: سجود التلاوة، حديث (١٠٧/ ٥٧٨) (٥/ ١٠٦). والنسائي في الكبرى في كتاب: التفسير، باب: سورة الانشقاق، حديث (١١٦٦٠) (٦/ ٥١٠).\n(^٢) صحيح البخاري، كتاب: الأذان، باب: الجهر في العشاء، حديث (٧٦٦) (٢/ ٢٥٠).\n(^٣) صحيح البخاري، كتاب: سجود القرآن، باب: من قرأ السجدة في الصلاة فسجد بها، حديث (١٠٧٨) (٢/ ٥٥٩).\n(^٤) صحيح البخاري كتاب: الأذان، باب: القراءة في العشاء بالسجدة، حديث (٧٦٨) (٢/ ٢٥٠ - ٢٥١). ومسلم في كتاب: المساجد، باب: سجود التلاوة، حديث (١١٠ م / ٥٧٨) (٥/ ١٠٨). وأبو داود في كتاب: الصلاة، باب: السجود في ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ و﴿اقْرَأْ﴾، حديث (١٤٠٨) (٢/ ٥٩). والنسائي (٢/ ١٦٢) كتاب الافتتاح، باب: السجود في الفريضة.\n(^٥) أخرجه مسلم في كتاب: المساجد، باب: سجود التلاوة، حديث (١٠٨/ ٥٧٨) (٥/ ١٠٧). وأبو داود في كتاب: الصلاة، باب: السجود في ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ و﴿اقْرَأْ﴾، حديث (١٤٠٧). والترمذي في كتاب: الصلاة، باب: ما جاء في السجدة في ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ والنسائي (٢/ ١٦٢) كتاب الافتتاح، باب: والسجود في ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾. وابن ماجة في كتاب الإقامة، باب: عدد سجود القرآن، حديث (١٠٥٨).\n(^٦) في الموضع السابق- كذا قال المزي في تحفة الأشراف (١٤٢٠٦). والحديث عنده في الكبرى أيضًا في كتاب الافتتاح، باب: السجود في ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾، حديث (١٠٣٩) (١/ ٣٣٣) من طريق السفيانين.","vol":"14","page":291},{"text":"الثوري -كلاهما- عن أيوب بن موسى، عن عطاء بن ميناء، عن أبي هريرة قال: سجدنا مع رسول الله ﷺ في ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾، و﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾.\n﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (٢) وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ (٣) وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ (٤) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (٥) يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ (٦) فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (٨) وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا (٩) وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ (١٠) فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا (١١) وَيَصْلَى سَعِيرًا (١٢) إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا (١٣) إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ (١٤) بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا (١٥)﴾\nيقول تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾، وذلك يوم القيامة، ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا﴾، أي: استمعت لربها وأطاعت أمره فيما أمرها به من الانشقاق ﴿وَحُقَّتْ﴾، أي: وحق لها أن تطيع أمره؛ لأنه العظيم الذي لا يمانع ولا يغالب، بل قد قهر كل شيء، وذل له كل شيء.\nثم قال: ﴿وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ﴾. أي: بسطت، وفرشت ووسعت.\nقال ابن جرير (^٧) ﵀: حدثنا ابن عبد الأعلى، حدثنا ابن ثور، عن معمر، عن الزهري، عن علي بن الحسين؛ أن النبيَّ ﷺ، قال: \"إذا كان يوم القيامة مد الله الأرض مد الأديم، حتى لا يكون لبشر من الناس إلا موضع قدميه، فأكون أول من يدعى، وجبريل عن يمين الرحمن، والله ما رآه قبلها، فأقول: يا رب، إن هذا أخبرني أنك أرسلته إليَّ؟ فيقول الله ﷿: صدق. ثم أشفع فأقول: يا رب؛ عبادك عبدوك في أطراف الأرض\". قال: \"وهو المقام المحمود\".\nوقوله: ﴿وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ﴾، أي: ألقت ما في بطنها من الأموات، وتخلت منهم. قاله مجاهد، وسعيد، وقتادة، ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾ كما تقدم.\nوقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا﴾ أي: ساع إلى ربك سعيًا، وعامل عملًا، ﴿فَمُلَاقِيهِ﴾، ثم إنك ستلقى ما عملتَ من خير أو شر. ويشهد له ما رواه أبو داود الطيالسي (^٨)، عن الحسن بن أبي جعفر، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: قال رسول الله\n_________\n(^٧) تفسير الطبري (١٥/ ١٤٢) دون قوله: \"فأقول: يا رب، عبادك عبدوك في أطراف الأرض\".\n(^٨) مسند الطيالسي (ص ٢٤٢) حديث (١٧٥٦).","vol":"14","page":292},{"text":"ﷺ: \"قال جبريل: يا محمد، عش ما شئت فإنك ميت، وأحبب ما شئت فإنك مفارقه. واعمل ما شئت فإنك ملاقيه\".\nومن الناس من يعيد الضمير على قوله ﴿رَبِّكَ﴾، أي: فملاق [¬١] ربك، ومعناه: فيجازيك بعملك ويكافئك على سعيك. وعلي هذا فكلا القولين متلازم.\nقال العوفي عن ابن عباس: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا﴾. يقول: تعمل عملًا تلقى الله [¬٢] به، خيرًا كان أو شرًّا.\nوقال قتادة: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا﴾: إن كدحك -يا بن آدم- لضعيف، فمن استطاع أن يكون كدحه في طاعة الله فليفعل، ولا قوة إلا بالله.\nثم قال: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ أي؛ سهلًا. بلا تعسير، أي: لا تحقق عليه جميع دقائق أعماله فإن من حوسب كذلك يهلك لا محالة.\nقال الإِمام أحمد (^٩): حدثنا إسماعيل، أخبرنا أيوب، عن عبد الله بن أبي مليكة، عن عائشة؛ قالت: قال رسول الله ﷺ: \"من نوقش الحساب عذب\". قالت: فقلت: أليس قال الله: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾؟، قال: \"ليس ذاك بالحساب، ولكن ذلك العرض، من نوقش الحساب يوم القيامة عذب\".\nوهكذا رواه البخاري (^١٠) ومسلم والترمذي والنسائي وابن جرير، من حديث أيوب السختياني به.\nوقال ابن جرير (^١١): حدثنا ابن وكيع، حدثنا روح بن عبادة، حدثنا أبو [¬٣] عامر الخزاز [¬٤]، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة؛ قالت: قال رسول الله ﷺ:\n_________\n(^٩) المسند (٦/ ٤٧) (٢٤٣١١). وابن كثير أورده هنا بالمعنى.\n(^١٠) صحيح البخاري، كتاب: التفسير، باب: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾، حديث (٤٩٣٩) (٨/ ٦٩٧). وفي كتاب: الرقاق، باب: من نوقش الحساب عذب، حديث (٦٥٣٦) (١١/ ٤٠٠). ومسلم في كتاب: الجنة، باب: إثبات الحساب، حديث (٧٩/ ٢٨٧٦) (١٧/ ٣٠٢). والترمذي في كتاب: صفة القيامة، باب: من نوقش الحساب عذب، حديث (٢٤٢٨) (٧/ ١٤٢). والنسائي في الكبرى في كتاب: التفسير، باب: سورة الانشقاق، حديث (١١٦٥٩) (٦/ ٥١٠). والطبري (٣٠/ ١١٦).\n(^١١) تفسير الطبري (٣٠/ ١١٦) بنحو هذا اللفظ.\n_________\n[¬١]- في ز: فلاق.\n[¬٢]- سقط من ز.\n[¬٣]- في ز: ابن.\n[¬٤]- في خ: الجزار.","vol":"14","page":293},{"text":"\"إنه ليس أحد يحاسب يوم القيامة إلا معذبًا\". فقلت: أليس الله يقول: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾؟. قال: \"ذاك العرض، إنه من نوقش الحساب عذب\". وقال بيده على إصبعه كأنه [¬١] ينكت.\nوقد رواه أيضًا (^١٢) عن عمرو بن عليّ عن ابن أبي عدي، عن أبي يونس القشيري، عن ابن أبي مليكة، عن القاسم، عن عائشة .. فذكر الحديث. أخرجاه من طريق أبي يونس القشيري، واسمه حاتم بن أبي صغيرة، به.\nو[¬٢] قال ابن جرير (^١٣): وحدثنا نصر بن علي الجهضمي، حدثنا مسلم، عن الحريش بن الخريت أخي الزبير، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة؛ قالت: من نوقش الحساب أو: من حوسب عذب. قال: ثم قالت: إنما الحساب اليسير عرض على الله ﷿ وهو يراهم.\nوقال أحمد (^١٤): حدثنا إسماعيل، حدثنا محمد بن إسحاق، حدثني عبد الواحد بن حمزة بن عبد الله بن الزبير، [عن عباد بن عبد الله بن الزبير] [¬٣]، عن عائشة؛ قالت: سمعت رسول الله ﷺ؛ يقول في بعض صلاته: \"اللَّهم؛ حاسبني حسابًا يسيرًا\". فلما انصرف قلت: يا رسول الله؛ ما الحساب اليسير؟ قال: \"أن ينظر في كتابه فيتجاوز له عنه، إنه من نوقش الحساب يا عائشة يومئذ هلك\". صحيح على شرط مسلم.\n[وقوله تعالى] [¬٤]: ﴿وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا﴾، أي: ويرجع إلى أهله في الجنة. قاله قتادة، والضحاك: ﴿مَسْرُورًا﴾ أي: فرحان مغتبطًا بما أعطاه الله ﷿.\nوقد روى الطبراني (^١٥) عن ثوبان -مولى رسول الله ﷺ أنه قال: \"إنكم\n_________\n(^١٢) تفسير الطبري (٣٠/ ١١٦ - ١١٧). وأخرجه البخاري في كتاب: التفسير، باب: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ حديث (٤٩٣٩) (٨/ ٦٩٧). وفي كتاب: الرقاق، باب: من نوقش الحساب عذب، حديث (٦٥٣٧) (١١/ ٤٠٠). ومسلم في كتاب: الجنة، باب: إثبات الحساب، حديث (٨٠/ ٢٨٧٦) (١٧/ ٣٠٣).\n(^١٣) تفسير الطبري (٣٠/ ١١٦).\n(^١٤) المسند (٦/ ٤٨) (٢٤٣٢٥).\n(^١٥) معجم الطبراني (٢/ ٩٤) (١٤١٦). قال الهيثمي في \"المجمع\" (١٠١/ ٢٣٤): رواه الطبراني وفيه يحيى بن عبد الحميد الحماني وهو ضعيف. ا هـ.\n_________\n[¬١]- في ز: فإنه.\n[¬٢]- سقط من ت.\n[¬٣]- سقط من ز، خ.\n[¬٤]- بياض في ز.","vol":"14","page":294},{"text":"تعملون أعمالًا [لا تعرف] [¬١] يوشك العارف [¬٢] أن يثوب إلى أهله فمسرور [¬٣] ومكظوم\".\nوقوله: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ﴾، أي: بشماله من وراء ظهره، تثنى يده إلى ورائه ويعطى كتابه بها كذلك، ﴿فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا﴾، أي: خسارًا وهلاكًا، ﴿وَيَصْلَى سَعِيرًا (١٢) إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا﴾، أي: فرحًا لا يفكر في العواقب، ولا يخاف مما أمامه، فأعقبه ذلك الفرح اليسير الحزن الطويل، ﴿إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ﴾، أي: كان يعتقد أنه لا يرجع إلى الله ولا يعيده بعد موته. قاله ابن عباس، وقتادة، وغيرهما. والحور: هو الرجوع. قال الله: ﴿بَلَى إِنَّ رَبَّهُ [¬٤] كَانَ بِهِ بَصِيرًا﴾، يعني: بلى [¬٥] سيعيده الله كما بدأه، ويجازيه على أعماله خيرها وشرها، فإنه كان به [¬٦] بصيرًا، أي: عليمًا خبيرًا.\n﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ (١٦) وَاللَّيلِ وَمَا وَسَقَ (١٧) وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ (١٨) لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ (١٩) فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٢٠) وَإِذَا قُرِئَ عَلَيهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ (٢١) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ (٢٢) وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ (٢٣) فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٢٤) إلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيرُ مَمْنُونٍ (٢٥)﴾\nروي عن عليّ، وابن عباس، وعبادة بن الصامت، وأبي هريرة، وشداد بن أوس، وابن عمر، ومحمد بن علي بن الحسين، ومكحول [¬٧]، وبكر بن عبد الله المزني [¬٨]، وبكير [¬٩] ابن الأشج، ومالك، وابن أبي ذئب، وعبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون أنهم قالوا: الشفق: الحمرة.\nوقال عبد الرزاق عن معمر عن ابن خثيم عن ابن لبيبة [¬١٠]، عن أبي هريرة؛ قال: الشفق\n_________\n[¬١]- سقط من ت.\n[¬٢]- كذا في ز، ت. وفي بعض النسخ المطبوعة: الغائب. وفي الطبراني: العازب.\n[¬٣]- في ز: لمسرور.\n[¬٤]- في ز: إنه.\n[¬٥]- في ز: بل.\n[¬٦]- في ز: بها.\n[¬٧]- سقط من ز، خ.\n[¬٨]- في ز: الدني.\n[¬٩]- في ز، خ: وبكر.\n[¬١٠]- في ز، خ: أمية.","vol":"14","page":295},{"text":"فالشفق هو حمرة الأفق إما قبل [¬١] طلوع الشمس، كما قاله مجاهد، وإما بعد غروبها، كما هو معروف عند أهل اللغة.\nقال الخليل بن أحمد: الشفق: الحمرة من غروب الشمس إلى وقت العشاء الآخرة، فإذا ذهب قيل: غاب الشفق.\nوقال الجوهري: الشفق: بقية ضوء الشمس وحمرتها [¬٢] في أول الليل [¬٣] إلى قريب [¬٤] من العتمة.\nوكذا قال عكرمة: الشفق الذي يكون بين المغرب والعشاء.\nوفي صحيح مسلم (^١٦) عن عبد الله بن عمرو عن رسول الله ﷺ أنه قال: \"وقت المغرب ما لم يغب [¬٥] الشفق\".\nففي هذا كله دليل على أن الشفق هو كما قاله الجوهري والخليل. ولكن صح عن مجاهد أنه قال في هذه الآية: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ﴾: هو النهار كله. وفي رواية عنه أيضًا أنه قال: الشفق الشمس. رواهما ابن أبي حاتم.\nوإنما حمله على هذا قرنه بقوله تعالى: ﴿وَاللَّيلِ وَمَا وَسَقَ﴾ أي: جمع. كأنه أقسم بالضياء والظلام.\nوقال ابن جرير: أقسم الله بالنهار مدبرًا، وبالليل مقبلًا. قال ابن جرير: وقال آخرون: الشفق اسم للحمرة والبياض. وقالوا: هو [¬٦] من الأضداد.\nقال ابن عباس، ومجاهد، والحسن، وقتادة: ﴿وَمَا وَسَقَ﴾: وما جمع -قال قتادة: وما جمع من نجم ودابة. واستشهد ابن عباس بقول الشاعر:\n............................. … مستوسقات لو تجدن سائقًا*\nو[¬٧] قال عكرمة: ﴿وَاللَّيلِ وَمَا وَسَقَ﴾، يقول: ما ساق من ظلمة، إذا كان الليل\n_________\n(^١٦) صحيح مسلم في كتاب: المساجد، باب: أوقات الصلوات الخمس، حديث (١٧٣/ ٦١٢) (٥/ ١٥٧).\n_________\n[¬١]- في خ: بعد.\n[¬٢]- في ز: وجرها.\n[¬٣]- في ز: النهار.\n[¬٤]- في ت: قليل.\n[¬٥]- في خ: يغرب.\n[¬٦]- سقط من خ.\n[¬٧]- في ت: قد.","vol":"14","page":296},{"text":"ذهب كل شيء إلى مأواه.\nوقوله: ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ﴾، قال ابن عباس: إذا اجتمع واستوى. وكذا قال عكرمة، ومجاهد، وسعيد بن جبير ومسروق، وأبو صالح، والضحاك، وابن زيد.\n﴿وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ﴾: إذا استوى، وقال الحسن: إذا اجتمع، إذا امتلأ. وقال قتادة إذا استدار.\nومعنى كلامهم أنه إذا تكامل نوره وأبدر، جعله مقابلًا للّيل وما وسق.\nوقوله: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾، قال البخاري (^١٧): أخبرنا سعيد بن النضر، أخبرنا هشيم، أخبرنا أبو بشر، عن مجاهد قال: قال ابن عباس: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾: حالا بعد حال- قال هذا نبيكم ﷺ.\nهكذا رواه البخاري بهذا اللفظ، وهو محتمل أن يكون ابن عباس أسند هذا التفسير عن النبي ﷺ كأنه قال: سمعت هذا من نبيكم ﷺ، فيكون قوله \"نبيكم\" مرفوعًا على الفاعلية من \"قال\" وهو الأظهر، والله أعلم، كما قال أنس (^١٨): لا يأتي عام إلا والذي بعده شر منه، سمعته من نبيكم ﷺ.\nوقال ابن جرير (^١٩): حدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا هشيم، أخبرنا أبو بشر، عن مجاهد: أن ابن عباس كان يقول: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾، قال: يعني نبيكم ﷺ، يقول: حالًا بعد حال. هذا لفظه.\nوقال عليُّ بن أبي طلحة عن ابن عباس ﴿طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ حالًا بعد حال وكذا قال عكرمة ومرة الطيب، ومجاهد، والحسن، والضحاك.\nويحتمل أن يكون المراد: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ حالًا بعد حال: قال هذا.\nيعني المراد بهذا نبيكم ﷺ فيكون مرفوعًا على أن \"هذا\" و\"نبيكم\" يكونان مبتدأ وخبرًا [¬١]. والله أعلم، ولعل هذا قد يكون هو المتبادر إلى كثير من الرواة، كما\n_________\n(^١٧) صحيح البخاري في كتاب: التفسير، باب: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾، حديث (٤٩٤٠) (٨/ ٦٩٨).\n(^١٨) صحيح البخاري في كتاب: الفتن، باب: لا يأتي زمان إلا الذي بعده شر منه، حديث (٧٠٦٨) (١٣/ ١٩ - ٢٠).\n(^١٩) تفسير الطبري (٣٠/ ١٢٢).\n_________\n[¬١]- في ز: وخبر.","vol":"14","page":297},{"text":"قال أبو داود الطيالسي (^٢٠) وغندر: حدثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ قال: محمد ﷺ.\nويؤيد هذا المعنى قراءة عمر، وابن مسعود، وابن عباس، وعامة أهل مكة والكوفة ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا﴾ بفتح التاء والباء.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو أسامة، عن إسماعيل، عن الشعبي: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾، قال: لتركبن يا محمد سماء بعد سماء. وهكذا روي عن ابن مسعود، ومسروق [¬١]، وأبي العالية: ﴿طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾: سماء بعد سماء.\nقلت: يعنون ليلة الإسراء. وقال أبو إسحاق، والسدي، عن رجل، عن ابن عباس: ﴿طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾: منزلًا على منزل: وكذا رواه العوفي، عن ابن عباس مثله -وزاد: \"ويقال [¬٢]: أمرًا بعد أمر وحالًا بعد حال\".\nوقال السدي نفسه: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾: أعمال من قبلكم، منزلًا عن منزل.\nقلت: كأنه أراد معنى الحديث الصحيح (^٢١): \" لتركبن سنن من كان قبلكم، حذو القذة بالقذة، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه\". قالوا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: \"فمن؟ \" وهذا محتمل.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا هشام بن عمار، حدثنا صدقة، حدثنا ابن جابر؛ أنه سمع مكحولًا يقول في قول الله: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾. قال: في كل عشرين سنة تحدثون أمرًا لم [¬٣] تكونوا عليه.\nوقال الأعمش: حدثني إبراهيم؛ قال: قال عبد الله: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾، قال: السماء تنشق ثم تحمر، ثم تكون لونًا بعد لون.\nوقال الثوري عن قيس بن وهب عن مرة عن ابن مسعود: ﴿طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ قال: و[¬٤] السماء مرة كالدهان ومرة تنشق.\nوروى البزار (^٢٢) من طريق جابر الجعفي، عن الشعبي، عن علقمة، عن عبد الله بن\n_________\n(^٢٠) تفسير الطبري (٣٠/ ١٢٣) من طريق غندر، إلا أنه فيه مجاهد عن ابن عباس.\n(^٢١) تقدم تخريجه في سورة التوبة آية: (٣٤).\n(^٢٢) مختصر زوائد البزار (٢/ ١١٦) (١٥٢٧). قال ابن حجر، وجابر ضعيف.\n_________\n[¬١]- في ز: وابن مسروق.\n[¬٢]- سقط من ز، خ.\n[¬٣]- في ز، خ: ثم.\n[¬٤]- سقط من ز.","vol":"14","page":298},{"text":"مسعود: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾، يا محمد؛ يعني حالًا بعد حال. ثم قال: ورواه جابر عن مجاهد، عن ابن عباس.\nوقال سعيد بن جبير: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾، قال: قوم كانوا في الدنيا خسيس أمرهم، فارتفعوا في [¬١] الآخرة. وآخرون كانوا أشرافًا [¬٢] في الدنيا، فاتضعوا [¬٣] في الآخرة.\nوقال عكرمة: ﴿طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ حالًا [بعد حال] [¬٤] فطيمًا بعد ما كان رضيعًا وشيخًا بعد ما كان شابًّا.\nوقال الحسن البصري: ﴿طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾، يقول: حالًا بعد حال رخاءً بعد شدة، وشدة بعد رخاء، وغنى بعد فقر، وفقرًا بعد غنى، وصحة بعد سقم، وسقم بعد صحة.\nوقال ابن أبي حاتم: ذكر عن عبد الله بن زاهر، حدثني أبي، عن عمرو بن شمر، عن جابر -هو الجعفي- عن محمد بن علي، عن جابر بن عبد الله؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ؛ يقول: \"إن ابن آدم لفي غفلة مما خلق له، إن الله إذا أراد خلقه قال للملك: اكتب رزقه، اكتب أجله، اكتب أثره، اكتب شقيًّا أو سعيدًا. ثم يرتفع ذلك الملك ويبعث الله إليه ملكًا فيحفظه حتى يدرك، ثم يرتفع ذلك الملك. ثم يوكل الله به ملكين يكتبان حسناته وسيئاته، فإذا حضره [¬٥]، الموت ارتفع ذالك الملكان. وجاءه ملك الموت فقبض روحه، فإذا دخل قبره رد الروح في جسده. ثم ارتفع ملك الموت وجاءه، ملكا القبر فامتحناه. ثم يرتفعان، فإذا قامت الساعة انحط عليه ملك الحسنات وملك السيئات، فانتشطا كتابًا معقودًا في عنقه، ثم حضرا معه: واحد سائقًا وآخر شهيدًا، ثم قال الله ﷿: ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا﴾. قال رسول الله ﷺ: \" ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ \". قال: \"حالًا بعد حال\". ثم قال النبي ﷺ: \"إن قدامكم لأمرًا عظيمًا لا تقدرونه، فاستعينوا بالله العظيم\".\nهذا حديث منكر، وإسناده فيه ضعفاء، ولكن معناه صحيح، والله ﷾ أعلم.\nثم قال ابن جرير بعد ما حكى أقوال الناس في هذه الآية من القراء والمفسرين [¬٦]: والصواب من التأويل قول من قال: لتركبن أنت -يا محمد- حالًا بعد حال، وأمرًا بعد أمر من الشدائد، والمراد بذلك- وإن كان الخطاب [¬٧] إلي رسول الله ﷺ موجهًا- جميع الناس، و[¬٨] أنهم يلقون من شدائد يوم القيامة وأهواله أحوالًا.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: إلى.\n[¬٢]- في ز، خ: أسرا. كذا.\n[¬٣]- في ز، خ: فارتفعوا.\n[¬٤]- سقط من ت.\n[¬٥]- في ز: حضر.\n[¬٦]- في ز: والمقربين.\n[¬٧]- سقط من ز، خ.\n[¬٨]- سقط من ز.","vol":"14","page":299},{"text":"وقوله: ﴿فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٢٠) وَإِذَا قُرِئَ عَلَيهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ﴾، أي: فماذا يمنعهم من الإِيمان بالله ورسوله واليوم الآخر؟. وما لهم إذا قرئت عليهم آيات الرحمن وكلامه- وهو هذا القرآن، لا يسجدون إعظامًا وإكرامًا واحترامًا؟ وقوله: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ﴾ أي: من سجيتهم التكذيب، والعناد والمخالفة للحق.\n﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ﴾، قال مجاهد وقتادة: يكتمون في صدورهم ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾، أي: فأخبرهم -يا محمد- بأن الله ﷿ قد أعد لهم عذابًا أليمًا.\nوقوله: ﴿إلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾: هذا استثناء منقطع، يعني لكن الذين آمنوا -أي: بقلوبهم- وعملوا الصالحات بجوارحهم، ﴿لَهُمْ أَجْرٌ﴾، أي: في الدار الآخرة.\n﴿غَيرُ مَمْنُونٍ﴾ - قال ابن عباس: غير منقوص، وقال مجاهد والضحاك: غير محسوب.\nوحاصل قولهما أنه غير مقطوع، كما قال تعالى: ﴿عَطَاءً غَيرَ مَجْذُوذٍ﴾. وقال السدي: قال بعضهم: ﴿غَيرَ مَمْنُونٍ﴾: غير منقوص. وقال بعضهم: ﴿غَيرَ مَمْنُونٍ﴾ عليهم.\nوهذا القول الآخر عن بعضهم قد أنكره غير واحد، فإن [¬١] الله-﷿ له المنة على أهل الجنة في كل حال وآن ولحظة، وإنما دخولها بفضله ورحمته لا بأعمالهم، فله عليهم المنة دائمًا سرمدًا، والحمد لله وحده أبدًا، ولهذا يلهمون تسبيحه وتحميده كما يلهمون النفس: ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ﴾.\n[آخر تفسير سورة الانشقاق، ولله الحمد والمنه وبه التوفيق والعصمة].\n* * *\n_________\n[¬١]- في ز: قال.","vol":"14","page":300},{"text":"<span data-type='title' id=toc-206>[تفسير] سورة البروج [وهي مكية]</span>\nقال الإِمام أحمد (^١): حدثنا عبد الصمد، حدثنا رزيق [¬١] بن أبي سلمى، حدثنا أبو المهزم، عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ كان يقرأ في العشاء [¬٢] الآخرة بالسماء ذات البروج، والسماء والطارق.\nوقال أحمد (^٢): حدثنا أبو سعيد -مولى بني هاشم- حدثنا حماد بن عباد السدوسي، سمعت أبا المهزم يحدث عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ أمر أن يقرأ بالسموات في العشاء. تفرد به أحمد.\n﷽\n﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ (١) وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ (٢) وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ (٣) قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ (٤) النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ (٥) إِذْ هُمْ عَلَيهَا قُعُودٌ (٦) وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ (٧) وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إلا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (٨) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ شَهِيدٌ (٩) إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ (١٠)﴾\nيقسم تعالى بالسماء وبروجها، وهي: النجوم والعظام. كما تقدم بيان ذلك في قوله: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا﴾.\nقال ابن عباس، ومجاهد، والضحاك، والحسن، وقتادة، والسدي: البروج: النجوم. وعن مجاهد أيضًا: البروج التي فيها الحرس.\nوقال يحيى بن رافع: البروج [¬٣]: قصور في السماء. وقال المنهال بن عمرو: ﴿وَالسَّمَاءِ\n_________\n(^١) المسند (٢/ ٣٢٦ - ٣٢٧).\n(^٢) المسند (٢/ ٣٢٧). قال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (٢/ ١٢١): رواهما أحمد وفيهما أبو مهذم ضعفه شعبة، وابن المديني، وأبو زرعة، وأبو حاتم، والنسائي، وقال أحمد: ما أقرب حديثه.\n_________\n[¬١]- في ز: زريق.\n[¬٢]- في ز: عشاء.\n[¬٣]- سقط من ز.","vol":"14","page":301},{"text":"ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾: الخلق الحسن.\nواختار ابن جرير [¬١] أنها: منازل الشمس والقمر، وهي اثنا عشر برجًا، تسير الشمس في كل واحد منها شهرًا، ويسير القمر في كل واحد يومين وثلثًا، فذلك ثمانية وعشرون منزلة ويستسر ليلتين.\nوقوله ﴿وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ (٢) وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾: اختلف المفسرون في ذلك، وقد قال ابن أبي حاتم:\nحدثنا عبد [¬٢] الله بن محمد بن عمرو الغزي، حدثنا عبيد [¬٣] الله -يعني ابن موسى- حدثنا موسى بن عبيدة، عن أيوب بن خالد بن صفوان بن أوس الأنصاري، عن عبد [¬٤] الله ابن رافع، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ ﴿وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ﴾ يوم القيامة، ﴿وَشَاهِدٍ﴾ الجمعة. وما طلعت شمس ولا [¬٥] غربت على يوم أفضل من يوم الجمعة، وفيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم [¬٦] يسأل الله فيها خيرًا إلا أعطاه إياه، ولا يستعيذ فيها من شر إلا أعاذه، ﴿وَمَشْهُودٍ﴾ يوم عرفة.\nوهكذا روى هذا الحديث ابن خزيمة [¬٧] من طرق عن موسى بن عبيدة الربذي -وهو ضعيف الحديث- وقد روي موقوفًا [¬٨]- على أبي هريرة وهو أشبه.\nوقال الإِمام أحمد (^٣): حدثنا محمد، حدثنا شعبة، سمعت علي بن زيد ويونس بن عبيد يحدثان عن عمار -مولى بني هاشم- عن أبي هريرة -أما علي فرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسم، وأما يونس فلم يعد أبا هريرة- أنه قال في هذه الآية: ﴿وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾، قال: يعني الشاهد يوم الجمعة، ويوم مشهود يوم القيامة.\n_________\n(^٣) المسند (٢/ ٢٩٨) (٧٩٥٩). وفيه أن الشاهد: هم عرفة، والموعود: يوم القيامة. وأخرجه الحاكم (٢/ ٥١٩)، والبيهقي (٣/ ١٧). كلاهما من طريق أحمد ولفظهما: الشاهد: يوم عرفة ويوم الجمعة، والمشهود: هو اليوم الموعود يوم القيامة. وأورده السيوطي في الجامع الصغير وعزاه إلى الحاكم والبيهقي من حديث أبي هريرة، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع، وفي الضعيفة (٣٧٥٤). وصحح الحاكم الموقوف منه على شرط الشيخين ووافقه الذهبي.\n_________\n[¬١]- في ز: خثيمة. وغير واضحة في خ.\n[¬٢]- في خ: عبيد.\n[¬٣]- في ز، خ: عبد.\n[¬٤]- في ز، خ: عبيد.\n[¬٥]- في خ: وما.\n[¬٦]- في خ: مؤمن.\n[¬٧]- في ز: حزم.\n[¬٨]- في خ: مرفوعًا.","vol":"14","page":302},{"text":"وقال أحمد أيضًا (^٤): حدثنا محمَّد بن جعفر، حدثنا شعبة عن يونس سمعت عمارًا مولى بني هاشم يحدث عن أبي هريرة وأنه قال في هذه الآية ﴿وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾، قال: الشاهد يوم الجمعة، والمشهود يوم عرفة، والموعود يوم القيامة.\nوقد روي عن أبي هريرة أنه قال: اليوم الموعود يوم القيامة. وكذلك قال الحسن، وقتادة، وابن زيد. ولم أرهم يختلفون في ذلك ولله الحمد.\n[ثم قال ابن جرير (^٥): حدثنا محمَّد بن عوف، حدثنا محمَّد بن إسماعيل بن عياش، حدثني أبي، حدثنا ضمضم بن زرعة، عن شريح بن عبيد، عن أبي مالك الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ: \"اليوم الموعود يوم القيامة، وإن الشاهد يوم الجمعة، وإن المشهود يوم عرفة، ويوم الجمعة ذخره الله لنا\"] [¬١].\nثم قال ابن جرير (^٦): حدثنا سهل بن موسى الرازي، حدثنا ابن أبي فديك، عن ابن حرملة، عن سعيد بن المسيب أنه قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن سيد الأيام يوم الجمعة، وهو الشاهد، والمشهود يوم عرفة\".\nوهذا مرسل من مراسيل سعيد بن المسيب. ثم قال ابن جرير (^٧):\nحدثنا أبو كريب، حدثنا وكيع، عن شعبة، عن علي بن زيد، عن يوسف المكي، عن ابن عباس قال: الشاهد هو محمَّد ﷺ، والمشهود يوم القيامة، ثم قرأ: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾.\nوحدثنا ابن حميد (^٨)، حدثنا جرير، عن مغيرة، عن شباك [¬٢] قال: سأل رجل الحسن بن علي عن: ﴿وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾، قال: سألت أحدًا قبلي؟ قال: نعم، سألت ابن عمر وابن الزبير، فقالا: يوم الذبح ويوم الجمعة. فقال: لا، ولكن الشاهد محمَّد صلى الله عليه\n_________\n(^٤) المسند (٢/ ٢٩٨ - ٢٩٩) (٧٩٦٠). والذي في المسند … سمعت عمارًا مولى بني هاشم، يحدث أنه قال في هذه الآية. ولعل الضمير هنا في (أنه) عائد على أبي هريرة كما يدل عليه الحديث السابق -كذا قال أحمد شاكر نحوًا من ذلك في تعليقه على المسند- ولعل ابن كثير أثبت أبا هريرة من نسخة أخرى للمسند أو توضيحًا لما أبهم في الإسناد.\n(^٥) تفسير الطبري (٣٠/ ١٢٨) فذكر صدره، (٣٠/ ١٢٩) فذكر بقيته.\n(^٦) تفسير الطبري (٣٠/ ١٢٩).\n(^٧) تفسير الطبري (٣٠/ ١٣٠).\n(^٨) تفسير الطبري (٣٠/ ١٣٠).\n_________\n[¬١]- سقط من ز، خ.\n[¬٢]- في ز: سيال.","vol":"14","page":303},{"text":"وسلم. ثم قرأ: ﴿فَكَيفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾، والمشهود يوم القيامة، ثم قرأ: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾.\nوهكذا قال الحسن البصري. وقال سفيان الثوري، عن ابن حرملة، عن سعيد بن المسيب: ﴿وَمَشْهُودٍ﴾ يوم القيامة.\nوقال مجاهد وعكرمة، والضحاك: الشاهد ابن آدم، والمشهود يوم القيامة.\nوعن عكرمة أيضًا: الشاهد محمَّد ﷺ، والمشهود يوم الجمعة.\n[وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: الشاهد الله، والمشهود يوم القيامة] [¬١].\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو نعيم الفضل بن دكين، حدثنا سفيان، عن أبي يحيى القتات، عن مجاهد، عن ابن عباس: ﴿وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾ قال: الشاهد الإنسان. والمشهود يوم الجمعة. هكذا رواه ابن أبي حاتم.\nوقال ابن جرير (^٩): حدثنا ابن حميد، حدثنا مهران، عن سفيان، عن [ابن أبي نجيح] [¬٢]، عن مجاهد، عن ابن عباس ﴿وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾، الشاهد: يوم عرفة، والمشهود يوم القيامة.\nوبه عن سفيان -هو الثوري- عن مغيرة، عن إبراهيم قال: يوم الذبح، ويوم عرفة يعني الشاهد والمشهود.\nقال ابن جرير: وقال آخرون: المشهود يوم الجمعة. ورووا في ذلك ما حدثنا أحمد بن عبد الرحمن (^١٠)، حدثني عمي عبد الله بن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، عن سعيد بن أبي هلال، عن زيد بن أيمن، عن عبادة بن نسي، عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ: \"أكثروا علي من الصلاة يوم الجمعة، فإنه يوم مشهود، تشهده [¬٣] الملائكة\".\nوعن سعيد بن جبير: الشاهد الله، وتلا ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾، والمشهود نحن، حكاه البغوي، وقال: الأكثرون على أن الشاهد يوم الجمعة والمشهود يوم عرفة.\n_________\n(^٩) تفسير الطبري (٣٠/ ١٣١).\n(^١٠) تفسير الطبري (٣٠/ ١٣١).\n_________\n[¬١]- سقط من ز، خ.\n[¬٢]- في ز، خ: \"أبي يحيى القتات\".\n[¬٣]- في ز، خ: وتشهده.","vol":"14","page":304},{"text":"وقوله: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ﴾، أي: لعن أصحاب الأخدود، وجمعه أخاديد، وهي الحفير في الأرض. وهذا خبر عن قوم من الكفار عمدوا إلى من عندهم من المؤمنين بالله ﷿ فقهروهم وأرادوهم أن يرجعوا عن دينهم، فأبوا عليهم، فحفروا لهم في الأرض أخدودًا وأججوا فيه نارًا، وأعدوا لها وقودًا يسعرونها به، ثم أرادوهم فلم يقبلوا منهم، فقذفوهم فيها، ولهذا قال تعالى: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ (٤) النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ (٥) إِذْ هُمْ عَلَيهَا قُعُودٌ (٦) وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾، أي: مشاهدون [¬١] لما يفعل بأولئك المؤمنين.\nقال الله تعالى: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إلا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾، أي: وما كان لهم عندهم ذنب إلا إيمانهم بالله العزيز الذي لا يضام من لاذ بجنابه، المنيع الحميد في جميع أفعاله وأقواله وشرعه وقدره، وإن كان قد قدر على عباده هؤلاء هذا الذي وقع بهم بأيدي الكفار به، فهو العزيز الحميد، وإن خفي سبب ذلك على كثير من الناس.\nثم قال: ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، من تمام الصفة أنه المالك لجميع السماوات والأرض وما فيهما وما بينهما، ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ شَهِيدٌ﴾، أي: لا يغيب عنه شيء في جميع السماوات والأرض، ولا تخفى عليه خافية.\nوقد اختلف أهل التفسير في أهل هذه القصة. من هم؟ فعن علي ﵁ أنهم أهل فارس حين أراد ملكهم تحليل تزويج المحارم، فامتنع عليه علماؤهم، فعمد إلى حفر أخدود فقذف فيه من أنكر عليه منهم، واستمر فيهم تحليل المحارم إلى اليوم.\nوعنه أنهم كانوا قومًا باليمن اقتتل مؤمنوهم ومشركوهم، فغلب مؤمنوهم على كفارهم، ثم اقتتلوا فغلب الكفار المؤمنين، فخدوا لهم الأخاديد، وأحرقوهم فيها.\nوعنه أنهم كانوا من أهل الحبشة واحدهم حبشي.\nوقال العوفي، عن ابن عباس: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ (٤) النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ﴾، قال: ناس من بني إسرائيل، خدوا أخدودًا في الأرض، ثم أوقدوا فيه نارًا، ثم أقاموا على ذلك الأخدود رجالًا ونساء، فعرضوا عليها، وزعموا أنه دانيال وأصحابه.\nوهكذا قال الضحاك بن مزاحم، وقيل غير ذلك. وقد قال الإمام أحمد (^١١):\nحدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن\n_________\n(^١١) المسند (٦/ ١٧) (٢٤٠٣٧).\n_________\n[¬١]- في ز: مشاهدين.","vol":"14","page":305},{"text":"صهيب: أن رسول الله ﷺ قال: \"كان ملك [¬١] فيمن كان قبلكم، وكان له ساحر، فلما كبر الساحر قال للملك: إني قد كبرت [¬٢] سني وحضر أجلي، فادفع إليَّ غلامًا لأعلمه السحر. فدفع إليه غلامًا فكان [¬٣] يعلمه السحر، وكان بين الساحر و[بين] [¬٤] الملك راهب، فأتى الغلام على الراهب فسمع من كلامه، فأعجبه نحوه وكلامه، وكان إذا أتى الساحر ضربه وقال: ما حبسك؟ وإذا أتى أهله ضربوه وقالوا: ما حبسك؟ فشكا ذلك إن الراهب، فيال: إذا أراد الساحر أن يضربك فقل: حبسني أهلي. وإذا أراد أهلك أن يضربوك فقل: حبسني الساحر.\nقال: فبينما هو ذات يوم، إذ أتى على دابة فظيعة عظيمة، قد حبست الناس فلا يستطيعون أن يجوزوا، فقال: اليوم أعلم أمر الراهب أحب إلى الله [¬٥] أم أمر الساحر؟ قال: فأخذ حجرًا فقال: اللهم إن كان أمر الراهب أحب إليك وأرضى من أمر الساحر، فاقتل هذه الدابة حتى يجوز الناس. ورماها فقتلها، ومضى الناس. فأخبر الراهب بذلك، فقال: أي بني، أنت أفضل مني، وإنك ستبتلى، فإن ابتليت فلا تدل عليَّ. فكان [¬٦] الغلام يبرئ الأكمه والأبرص وسائر الأدواء ويشفيهم [¬٧]، وكان جليس للملك فعمي، فسمع به، فأتاه بهدايا كثيرة فقال: اشفني ولك ما هاهنا أجمع. فقال: ما أنا أشفي أحدًا، إنما يشفى الله ﷿ فإن آمنت به دعوت الله فشفاك. فآمن فدعا الله فشفاه. ثم أتى الملك فجلس منه نحو ما كان يجلس، فقال له الملك: يا فلان، من رد عليك بصرك؟ فقال: ربي؟ فقال: أنا؟ قال: لا، ربي وربك الله. قال: ولك رب غيري؟ قال: نعم، ربي وربك الله. فلم يزل يعذبه حتى دل على الغلام، فبعث إليه فقال: أي بُني، بلغ من سحرك أن تبرئ الأكمه والأبرص وهذه الأدواء؟. قال: ما أشفي أنا أحدًا، إنما يشفي الله ﷿. قال: أنا؟ قال: لا. قال: أولك رب غيري؟ قال: ربي وربك الله. فأخذه أيضًا بالعذاب، فلم يزل به حتى دل على الراهب، فأتى بالراهب [¬٨] فقال: ارجع عن دينك. فأبى، فوضع المنشار في مفرق رأسم حتى وقع شقاه، وقال للأعمى: ارجع عن دينك. فأبى، فوضع المنشار في مفرق رأسه حتى وقع شقاه إلى الأرض. وقال للغلام: ارجع عن دينك. فأبى، فبعث به مع نفر إلى جبل كذا وكذا، وقال: إذا بلغتم ذروته فإن رجع عن دينه وإلا فدهدهوه فذهبوا به، فلما علوا به [¬٩] الجبل قال: اللَّهم، اكفنيهم بما شئت. فرجف بهم الجبل فدهدهوا أجمعون. وجاء الغلام يتلمس حتى دخل على الملك فقال: ما فعل أصحابك؟ فقال [¬١٠]: كفانيهم الله.\n_________\n[¬١]- سقط من ز، خ.\n[¬٢]- في ز: كبر.\n[¬٣]- في ز: كان.\n[¬٤]- سقط من ز.\n[¬٥]- سقط من ز، خ.\n[¬٦]- في ز: وكان.\n[¬٧]- في خ: وكان يشفيهم.\n[¬٨]- في ز: الراهب.\n[¬٩]- سقط من ز، خ.\n[¬١٠]- في ز: قال.","vol":"14","page":306},{"text":"فبعث به مع نفر في قرقور فقال: إذا لججتم به [¬١] البحر فإن رجع عن دينه وإلا فغرقوه في البحر. فلججوا به البحر فقال الغلام: اللَّهم، اكفنيهم بما شئت. فغرقوا أجمعون، وجاء الغلام حتى دخل على الملك فقال: ما فعل أصحابك؟ فقال: كفانيهم الله. ثم قال للملك: إنك لست بقاتلي حتى تفعل ما آمرك به، فإن أنت فعلت ما آمرك به قتلتني، وإلا فإنك لا تستطيع قتلي. قال: وما هو؟ قال: تجمع الناس في صعيد واحد ثم تصلبني على جذع، و[¬٢] تأخذ سهمًا من كنانتي ثم قل: باسم الله رب الغلام، فإنك إذا فعلت ذلك قتلتني. ففعل، ووضع السهم في كبد قوسه ثم رماه، وقال: باسم الله رب الغلام. فوقع السهم بن صدغه، فوضع الغلام يده على موضع السهم ومات، فقال الناس: آمنا برب الغلام. فقيل للملك: أرأيت ما كنت تحذر؟ فقد -والله- نزل بك، قد آمن الناس كلهم. فأمر بأفواه السكك فخدت فيها الأخاديد، وأضرمت فيها النيران، وقال: من رجع عن دينه فدعوه وإلا فأقحموه فيها. قال: فكانوا يتعادون فيها ويتدافعون [¬٣]، فجاءت امرأة بابن لها ترضعه، فكأنها تقاعست أن تقع في النار، فقال الصبي: اصبري يا أماه، فإنك على الحق.\nوهكذا رواه مسلم (^١٢) في آخر الصحيح عن هدبة بن خالد، عن حماد بن سلمة [به نحوه. ورواه النسائي عن أحمد بن سلمان، عن عفان، عن حماد بن سلمة] [¬٤] ومن طريق حماد بن زيد، كلاهما بين ثابت به، واختصروا أوله.\nوقد جوده الإمام أبو عيسى الترمذي، فرواه (^١٣) في تفسير هذه السورة عن محمود بن غيلان [¬٥] وعبد بن حميد -[المعنى واحد] [¬٦]- قالا: أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن ثابت البناني، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن صهيب قال: كان رسول الله ﷺ إذا صلى العصر همس -والهمس في [قول بعضهم] [¬٧]: تحريك شفتيه كأنه يتكلم- فقيل له: إنك [¬٨]-يا رسول الله- إذا صليت العصر همست؟ قال: \"إن نبيًّا من الأنبياء كان أعجب بأمته فقال: من يقوم لهؤلاء؟ فأوحى الله إليه أن خيرهم بين أن أنتقم منهم [¬٩]، وبين أن أسلط عليهم عدوهم. فاختاروا النقمة، فسلط عليهم الموت، فمات\n_________\n(^١٢) صحيح مسلم في كتاب: الزهد، باب: قصة أصحاب الأخدود. حديث (٧٣/ ٣٠٠٥) (١٨/ ١٧٧ - ١٨٠). والنسائي في الكبرى في كتاب: التفسير، باب: قتل أصحاب الأخدود، حديث (١١٦٦١) (٦/ ٥١٠ - ٥١٢) من طريق حماد بن سلمة.\n(^١٣) سنن الترمذي، كتاب: تفسير القرآن، باب: ومن سورة البروج، حديث (٣٣٣٧) (٩/ ٧١ - ٧٤).\n_________\n[¬١]- سقط من خ.\n[¬٢]- في خ: ثم.\n[¬٣]- في ز: ويدافعون.\n[¬٤]- سقط من ز، خ.\n[¬٥]- في ز، خ: عبدان.\n[¬٦]- سقط من ز، خ.\n[¬٧]- في ز، خ: بعض قولهم.\n[¬٨]- سقط من ز، خ.\n[¬٩]- سقط من ز، خ.","vol":"14","page":307},{"text":"منهم في يوم سبعون ألفًا\". قال: وكان إذا حدث بهذا الحديث، [حدث بهذا الحديث] [¬١] الآخر قال: كان ملك من الملوك، وكان لذلك الملك كاهن يتكهن له، فقال الكاهن: انظروا لي غلامًا فهمًا -[أو قال: فطنًا لقنًا] [¬٢]- فأعلمه علمي هذا .. فذكر القصة بتمامها، وقال في آخره: \"يقول الله ﷿: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ (٤) النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ﴾ حتى بلغ: ﴿الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾. قال: فأما الغلام فإنه دفن قال [¬٣]: فيذكر أنه أخرج في زمان عمر بن الخطاب، وإصبعه على صدغه كما وضعها حين قتل\". ثم قال الترمذي: \"حسن غريب\" …\nوهذا السياق ليس فيه صراحة أن سياق هذه القصة من كلام النبي ﷺ. قال شيخنا الحافظ أبو الحجاج المزي: فيحتمل أن يكون من كلام صهيب الرومي، فإنه قال عنده علم من أخبار النصارى، والله أعلم.\nوقد أورد محمَّد بن إسحاق (^١٤) بن يسار هذه القصة في السيرة بسياق آخر فيها مخالفة لما تقدم، فقال:\nحدثني يزيد بن زياد، عن محمَّد بن كعب القرظي -وحدثني أيضًا بعض أهل نجران، عن أهلها أن أهل نجران كانوا أهل شرك يعبدون الأوثان، وكان في قرية من قراها قريبًا من نجران- ونجران هي القرية العظمى التي إليها جماع أهل تلك البلاد- ساحرٌ يعلم غلمان أهل نجران، السحر، فلما نزلها فيمون- ولم يسموه لي بالاسم الذي سماه ابن منبه، قالوا: رجل نزلها- ابتنى خيمة بين نجران وبين تلك القرية التي فيها الساحر، وجعل أهل نجران يرسلون غلمانهم [¬٤] إلى ذلك الساحر يعلمهم السحر، فبعث الثامر ابنه عبد الله بن الثامر مع غلمان أهل نجران، فكان [¬٥] إذا مر بصاحب الخيمة أعجبه ما يرى من عبادته وصلاته، فجعل يجلس إليه ويسمع منه، حتى أسلم فوحد الله وعبده، وجعل يسأله عن شرائع الإسلام حتى إذا فقه فيه جعل يسأله عن الاسم الأعظم، وكان يعلمه، فكتمه [¬٦] إيَّاه وقال له: يا بن أخي، إنك لن تحمله، أخشى ضعفك عنه. والثامر أبو عبد الله لا يظنن إلا أن [¬٧] ابنه يختلف إلى الساحر كما يختلف الغلمان، فلما رأى عبد الله أن صاحبه قد ضن به عنه، وتخوف ضعفه فيه، عمد إلى أقداح فجمعها، ثم لم يبق لله اسمًا يعلمه إلا كتبه في قدح، وكل اسم في قدح، حتى إذا أحصاها أوقد نارًا ثم جعل يقذفها فيها قدحًا قدحًا، حتى إذا مر بالاسم الاعظم قذف فيها بقدحه،\n_________\n(^١٤) سيرة ابن هشام (١/ ٢١) وما بعدها.\n_________\n[¬١]- سقط من خ.\n[¬٢]- سقط من ز، خ.\n[¬٣]- سقط من ز، خ.\n[¬٤]- سقط من ز، خ.\n[¬٥]- في ز: وكان.\n[¬٦]- في ز: فيكتمه.\n[¬٧]- سقط من خ.","vol":"14","page":308},{"text":"فوثب القدح حتى خرج منها لم يضره شيء، فأخذه ثم أتى به صاحبه، فأخبره أنه قد علم الاسم الأعظم الذي كتمه فقال: وما هو؟ قال: هو كذا وكذا. قال: وكيف علمته؟ فأخبره بما صنع. قال: أي ابن أخي، قد أصبته فأمسك على نفسك، وما أظن أن تفعل.\nفجعل عبد الله بن الثامر إذا دخل نجران لم يلق أحدًا به ضر إلا قال: يا عبد الله، أتوحد الله وتدخل في ديني وأدعو الله لك فيعافيك مما أنت فيه من البلاء؟ فيقول: نعم. فيوحد الله ويسلم، فيدعو الله له فيشفى، حتى لم يبق بنجران أحد به ضر إلا أتاه، فأتبعه على أمره ودعا الله [¬١] له فعوفي، حتى رفع شأنه إلى ملك نجران، فدعاه فقال له: أفسدت عليَّ أهل قريتي، وخالفت ديني وكان آبائي، لأمثلن بك. قال: لا تقدر على ذلك. قال: فجعل يرسل به إلى الجبل الطويل، فيطرح على رأسه، فيقع إلى الأرض ما به بأس، وجعل يبعث به إلى مياه بنجران، بحور لا يلقى فيها شيء إلا هلك، فيلقى به فيها، فيخرج ليس به بأس. فلما غلبه قال له عبد الله بن الثامر: إنكَ -والله- لا تقدر على قتلي حتى توحد الله فتؤمن بما آمنت به، فإنك إن فعلت سلطت عليَّ فقتلتني. قال: فوحد الله ذلك الملك، وشهد شهادة عبد الله بن الثامر، ثم ضربه بعصًا في يده فشجه شجة غير كبيرة، فقتله، وهلك الملك مكانه. واستجمع أهل نجران على دين عبد الله بن الثامر - وكان على ما جاء له عيسى ابن مريم ﵇ من الإِنجيل وحكمه - ثم أصابهم ما أصاب أهل دينهم من الأحداث، فمن هنالك كان أصل دين النصرانية بنجران.\nقال ابن إسحاق: فهذا حديث محمَّد بن كعب القرظي وبعضُ أهل نجران عن عبد الله بن الثامر، والله أعلم أي ذلك كان.\nقال: فسار إليهم ذو نواس بجنده، فدعاهم إلى اليهودية، وخيرهم بين ذلك أو القتل، فاختاروا القتل، فخد الأخدود، فحرق بالنار وقتل بالسيف ومثل بهم، حتى قتل منهم قريبًا من عشرين ألفًا. ففي ذي نواس وجنده أنزل الله ﷿ على رسوله ﷺ ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ (٤) النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ (٥) إِذْ هُمْ عَلَيهَا قُعُودٌ (٦) وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ (٧) وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إلا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (٨) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ شَهِيدٌ﴾.\nهكذا ذكر محمَّد بن إسحاق في السيرة أن الذي قتل أصحاب الأخدود هو [¬٢] ذو نواس، واسمه: زرعة، وتسمى في زمان مملكته بيوسف، وهو ابن [تبان أسعد أبي كرب] [¬٣]، وهو تبع الذي غزا المدينة وكسى الكعبة، واستصحب معه حبرين من يهود المدينة، وكان [¬٤]\n_________\n[¬١]- سقط من ت.\n[¬٢]- سقط من ز، خ.\n[¬٣]- في ز: \"قبا أسعد بن كريب\".\n[¬٤]- في ت: فكان.","vol":"14","page":309},{"text":"تهود [من تهود] [¬١] من أهل اليمن على يديهما، كما ذكره ابن إسحاق مبسوطًا، فقتل ذو نواس في غداة واحدة في الأخدود عشرين ألفًا، ولم ينج منهم سوى رجل واحد يقال له دوس ذو ثعلبان [¬٢]، ذهب فارسًا، وطردوا وراءه فلم يقدروا عليه [¬٣]، فذهب إلى قيصر ملك الشام، فكتب إلى النجاشي ملك الحبشة، فأرسل معه جيشًا من نصارى الحبشة يقدمهم أرياط وأبرهة، فاستنقذوا [¬٤] اليمن من أيدي اليهود، وذهب ذو نواس هاربًا فلجج في البحر؛ فغرق. واستمر مُلكُ الحبشة في أيدي النصارى سبعين سنة، ثم استنقذه سيف بن ذي يزن الحميري من أيدي النصارى، لما استجاش بكسرى ملك الفرس، فأرسل معه من في السجون، وكانوا قريبًا من سبعمائة، ففتح بهم اليمن، ورجع الملك إلى حمير. وسنذكر طرفًا من ذلك -إن شاء الله- في تفسير سورة: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾.\nوقال ابن إسحاق (^١٥): وحدثني عبد الله بن أبي بكر بن محمَّد بن عمرو [¬٥] بن حزم؛ أنه حُدِّث أن رجلًا من أهل نجران كان في زمان عمر بن الخطاب، حفر خربة من خرب نجران لبعض حاجته، فوجد عبد الله بن الثامر تحت دفن فيها قاعدًا، واضعًا يده على ضربة في رأسه، ممسكًا [¬٦] عليها بيده، فإذا أخذت يده عنها ثعبت [¬٧] دمًا، وإذا أرسلت [¬٨] يده ردت عليها، فأمسكت دمها، وفي يده خاتم مكتوب فيه: ربيَ الله. فكتب فيه إلى عمر بن الخطاب يخبره بأمره، فكتب عمر إليهم: أن أقروه على حاله، وردوا عليه الدفن [¬٩] الذي كان عليه؛ ففعلوا.\nوقد قال أبو بكر عبد الله بن محمَّد بن أبي الدنيا ﵀: حدثنا أبو بلال الأشعري، حدثنا إبراهيم بن محمَّد بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، حدثني بعض أهل العلم، أن أبا موسى لما افتتح أصبهان وجد حائطًا من حيطان المدينة قد سقط، فبناه فسقط [¬١٠]، ثم بناه فسقط، فقيل له: إن تحته رجلًا صالحًا. فحفر الأساس فوجد فيه رجلًا قائمًا معه سيف، مكتوب فيه أنا الحارث بن مضاض، نقمت على أصحاب الأخدود. فاستخرجه أبو موسى، وبنى الحائط، فثبت.\nقلت: هو الحارث بن مضاض بن عمرو بن مضاض بن عمرو الجرهمي، أحد ملوك جرهم الذين ولوا أمر الكعبة بعد ولد نبت [¬١١] بن إسماعيل بن إبراهيم، وولد الحارث هذا هو عمرو\n_________\n(^١٥) سيرة ابن هشام (١/ ٢٣ - ٢٤).\n_________\n[¬١]- سقط من ز، خ.\n[¬٢]- في ز: تغلبان.\n[¬٣]- سقط من خ.\n[¬٤]- في ز: فاستنقذا.\n[¬٥]- في ز، خ: هارون.\n[¬٦]- في ز: ممسط.\n[¬٧]- في خ: نبعت.\n[¬٨]- في خ: أرسل.\n[¬٩]- سقط من ز، خ.\n[¬١٠]- في خ: ثم سقط.\n[¬١١]- في ز: بانت. وفي خ: ثابت.","vol":"14","page":310},{"text":"ابن الحارث بن مضاض هو آخر ملوك جرهم بمكة، لما أخرجتهم خزاعة وأجلوهم إلى اليمن، وهو القائل في شعره الذي قال ابن هشام: إنه أول شعر قاله العرب:\nكَأن لَم يَكُن بين الحجون إلى الصّفا … أنيس، ولم يَسْمُر بمكَّةَ سَامرُ\nبَلَى [¬١]، نَحنُ كُنَّا أهلَها فَأبادَنَا … صُروفُ اللَّيَالى والجدُود العَوَاثِرُ [¬٢]\nوهذا يقتضي أن هذه القصة كانت قديمًا بعد زمان إسماعيل ﵇ بقرب [¬٣] من خمسمائة سنة أو نحوها، وما ذكره ابن إسحاق يقتضي أن قصتهم [¬٤] كانت في زمان الفترة التي بين عيسى ومحمد - عليهما من الله السلام - وهو أشبه، والله أعلم.\nوقد يحتمل أن ذلك قد [¬٥] وقع في العالم كثيرًا، كما قال ابن أبي حاتم:\nحدثنا أبي، حدثنا أبو اليمان، أخبرنا صفوان، عن عبد الرحمن بن جبير؛ قال: كانت الأخدود في اليمن زمان تبع، وفي القسطنطنية زمان قسطنطين حين صرف النصارى قبلتهم عن دين المسيح والتوحيد، فاتخذوا أَتونًا [¬٦]، ولقي فيه النصارى الذين كانوا على دين المسيح والتوحيد. وفي العراق في أرض بابل بُخْتَنَصَّر، الذي وضع الصنم وأمر الناس أن يسجدوا له، فامتنع دانيال وصاحباه: عزم وميشائيل، فأوقد لهم أَتونًا وألقى فيه [¬٧] الحطب والنار، ثم ألقاهما فيه، فجعلها الله عليهما بردًا وسلامًا، وأنقذهما منها، وألقى فيها الذين بغوا عليه وهم تسعة وهي، فأكلتهم النار.\nوقال أسباط، عن السدي في قوله: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ﴾، قال: كانت [¬٨] الأخدود ثلاثة [¬٩]: خد بالعراق، وخد بالشام، وخد باليمن، رواه ابن أبي حاتم.\nوعن مقاتل قال: كانت الأخدود ثلاثة: واحدة بنجران باليمن، والأخرى بالشام، والأخرى بفارس، أما التي بالشام فهو انطنانوس الرومي، وأما التي بفارس فهو بختنصر، وأما التي بأرض العرب فهو يوسف ذو نواس. فأما التي بفارس والشام فلم ينزل الله فيهم قرآنًا، وأنزل في التي كانت بنجران.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أحمد بن عبد الرحمن الدشتكي، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أنس، عن الربيع -هو ابن أنس- في قوله: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ\n_________\n[¬١]- في ز: بل.\n[¬٢]- في ز: الغواثر.\n[¬٣]- في خ: بقريب.\n[¬٤]- في ز: قضيتهم.\n[¬٥]- سقط من ز.\n[¬٦]- في ز: اتوتا. كذا.\n[¬٧]- في ز: فيها.\n[¬٨]- في ز: كان.\n[¬٩]- في ز، خ: ثلاثة عشر.","vol":"14","page":311},{"text":"الْأُخْدُودِ﴾، قال: سمعنا أنهم كانوا قومًا في زمان الفترة، فلما رأوا ما وقع في الناس من الفتنة والشر وصاروا أحزابًا، ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيهِمْ فَرِحُونَ﴾، اعتزلوا إلى قرية سكنوها، وأقاموا على عبادة الله ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ﴾، وكان هذا أمرهم حتى سمع بهم جبار من الجبارين، وحدث حديثهم، فأرسل إليهم فأمرهم أن يعبدوا الأوثان التي اتخذوا، وأنهم أبوا عليه كلهم، وقالوا: لا نعبد إلا الله وحده، لا شريك له. فقال لهم: إن لم تعبدوا هذه الآلهة التي عبدت فإني قاتلكم. فأبوا عليه، فخد أخدودًا من نار، وقال لهم الجبار -ووقفهم عليها- فقال [¬١]: اختاروا هذه أو [¬٢] الذي نحن فيه. فقالوا: هذه أحب إلينا. وفيهم نساء وذرية، ففزعت الذرية، فقالوا لهم: لا نار من بعد اليوم. فوقعوا فيها، فقبضت أرواحهم من قبل أن يمسهم حرها، وخرجت النار من مكانها فأحاطت بالجبارين، فأحرقهم الله بها، ففي ذلك أنزل الله ﷿: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ (٤) النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ (٥) إِذْ هُمْ عَلَيهَا قُعُودٌ (٦) وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ (٧) وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إلا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (٨) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ شَهِيدٌ (٩)﴾.\nورواه ابن جرير (^١٦): حُدّثت عن عمار، عن عبد الله بن أبي جعفر به نحوه.\nوقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾، أي: حرقوا. قاله ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، والضحاك، وابن أبزى.\n﴿ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا﴾ أي: لم يقلعوا عَمّا فعلوا، ويندموا على ما أسلفوا.\n﴿فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾، وذلك أن الجزاء من جنس العمل. قال الحسن البصري: انظروا إلى هذا الكرم والجود، قتلوا أولياءه وهو يدعوهم إلى التوبة والمغفرة.\n﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ (١١) إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (١٢) إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ (١٣) وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (١٤) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (١٥) فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (١٦) هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ (١٧) فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ (١٨) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ (١٩) وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ\n_________\n(^١٦) أخرجه الطبري (٣٠/ ١٣٤ - ١٣٥) مختصرًا.\n_________\n[¬١]- سقط من ت.\n[¬٢]- في ز: و.","vol":"14","page":312},{"text":"(٢٠) بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ (٢٢)﴾.\nيخبر تعالى عن عباده المؤمنين أن ﴿لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَار﴾، بخلاف ما أعد لأعدائه من الحريق والجحيم، ولهذا قال: ﴿ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ﴾.\nثم قال: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾، أي: إن بطشه وانتقامه من أعدائه الذين كذبوا رسله وخالفوا أمره، لشديد عظيم قوي، فإنه تعالى ذو القوة المتين، الذي ما شاء كان كما يشاء في مثل لمح البصر، أو هو أقرب؛ ولهذا قال: ﴿إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ﴾، أي: من قوته وقدرته التامة يبدئ الخلق ثم يعيده كما بدأه، بلا ممانع ولا مدافع. ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ﴾، أي: يغفر ذنب من تاب إليه وخضع لديه، ولو كان الذنب من أي شيء كان.\nوالودود -قال ابن عباس وغيره-: هو الحبيب ﴿ذُو الْعَرْشِ﴾، أي: [صاحب العرش] [¬١] المعظم العالي على جميع الخلائق.\nو﴿الْمَجِيدُ﴾: فيه قراءتان: الرفع على أنه صفة للرب ﷿؛ والجر على أنه صفة للعرش، وكلاهما معنى صحيح.\n﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾، أي: مهما أراد فعله، لا معقب لحكمه، ولا يسأل عما يفعل، لعظمته وقهره وحكمته وعدله، كما روينا عن أبي بكر الصديق أنه قيل له -وهو في مرض الموت-: هل نظر إليك الطيب؟ قال: نعم. قالوا: فما قال لك؟ قال [¬٢]: قال لي: إني فعال لما أريد (^١٧).\nوقوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ (١٧) فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ﴾، أي: هل بلغك ما أحل الله [¬٣] بهم من البأس، وأنزل عليهم من النقمة التي لم يردها عنهم أحد؟. وهذا تقرير لقوله: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ أي: إذا أخذ الظالم أخذه أخذًا أليمًا شديدًا، أخذ عزيز مقتدر.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا علي بن محمد الطنافسي، حدثنا أبو بكر بن عياش، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون؛ قال: مر النبي ﷺ على امرأة تقرأ: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ﴾، فقام يسمع، فقال: \"نعم، قد جاءني\".\nوقوله: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ﴾، أي: هم في شك وريب وكفر وعناد، ﴿وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ﴾، أي: هو قادر عليهم، قاهر لا يفوتونه ولا يعجزونه، ﴿بَلْ\n_________\n(^١٧) أخرجه أبو نعيم في الحلية (١/ ٣٤).\n_________\n[¬١]- سقط من ز.\n[¬٢]- سقط من ز.\n[¬٣]- سقط من ز.","vol":"14","page":313},{"text":"هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾، أي: عظيم كريم، ﴿فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾، أي: هو في الملإ الأعلى محفوظ من الزيادة والنقص والتحريف والتبديل.\nقال ابن جرير (^١٨): حدثنا عمرو بن علي، حدثنا قرة بن سليمان، حدثنا حرب بن سريج، حدثنا عبد العزيز بن صهيب، عن أنس بن مالك في قوله: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ قال: إن اللوح المحفوظ الذي ذكر الله: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظ﴾، في جبهة إسرافيل.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو صالح، حدثنا معاوية بن صالح: أن أبا الأعبس -هو عبد الرحمن بن سلمان- قال: ما من شيء قضى الله -القرآن مما [¬١] قبله وما بعده- إلا وهو في اللوح المحفوظ. واللوح المحفوظ بين عيني إسرافيل، لا يؤذن له بالنظر فيه.\nوقال الحسن البصري: إن هذا القرآن المجيد عند الله في لوح محفوظ، ينزل منه ما يشاء على من يشاء من خلقه.\nوقد روى البغوي من طريق إسحاق بن بشر، أخبرني مقاتل وابن جريج [¬٢]، عن مجاهد، عن ابن عباس؛ قال: إن في صدر اللوح لا إله إلا الله وحده، دينه الإسلام، ومحمد عبده ورسوله، فمن آمن بالله وصدق بوعده واتبع رسله. أدخله الجنة- قال: واللوح لوح من درة بيضاء، طوله ما بين السماء والأرض، وعرضه ما بين المشرق والمغرب، وحافتاه الدر والياقوت، ودفتاه ياقوتة حمراء، وقلمه نور، وكلامه معقود بالعرش، وأصله في حجر ملك.\nقال مقاتل: اللوح المحفوط عن يمين العرش.\nوقال الطبراني (^١٩): حدثنا محمد بن عثمان [بن أبي شيبة، حدثنا منجاب بن الحارث] [¬٣]، حدثنا إبراهيم بن يوسف، حدثنا زياد بن عبد الله، عن ليث، عن [¬٤] عبد الملك بن سعيد بن جبير، عن أبيه، عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ قال: \"إن الله خلق لوحًا محفوظًا من دوة بيضاء، صفحاتها من ياقوتة حمراء، قلمه نور وكتابه نور، لله فيه في كل يوم ستون وثلاثمائة لحظة، يخلق ويرزق، ويميت ويحيي، ويعز ويذل، ويفعل ما يشاء\".\n[آخر تفسير سورة البروج، ولله الحمد].\n_________\n(^١٨) أخرجه الطبري (٣٠/ ١٤٠).\n(^١٩) معجم الطبراني الكبير (١٢/ ٧٢) (١٢٥١١).\n_________\n[¬١]- في ت: فما.\n[¬٢]- في خ: جرير.\n[¬٣]- بياض في ز، خ.\n[¬٤]- سقط من خ.","vol":"14","page":314},{"text":"<span data-type='title' id=toc-207>[تفسير] سورة الطارق [وهي مكية]</span>\nقال عبد الله بن الإمام أحمد (^١): حدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن محمد -قال: عبد الله وسمعته أنا منه- حدثنا مروان بن معاوية الفزاري، عن عبد الله بن عبد الرحمن الطائفي، عن عبد الرحمن بن خالد بن أبي جبل العدواني، عن أبيه، أنه أبصر رسول الله ﷺ في مشرق ثقيف وهو قائم على قوس -أو: عصى- حين أتاهم يبتغي عندهم النصر، فسمعته يقول: ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ﴾، حتى ختمها- قال: فوعيتها في الجاهلية وأنا مشرك، ثم قرأتها في الإسلام- قال: فدعتني ثقيف فقالوا: ماذا سمعت من هذا الرجل؟ فقرأتها عليهم، فقال من معهم من قريش: نحن أعلم بصاحبنا، لو كنا نعلم ما يقول حقًّا لاتبعناه.\nوقال النسائي (^٢): حدثنا عمرو بن منصور، حدثنا أبو نعيم، عن مسعر، عن محارب بن دثار، عن جابر قال: صلي معاذ المغرب، فقرأ البقرة والنساء، فقال النبي ﷺ: \"أفتان يا معاذ؟! ما كان يكفيك أن قرأ بالسماء والطارق، والشمس وضحاها، ونحو هذا! \".\n﷽\n﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ (١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ (٢) النَّجْمُ الثَّاقِبُ (٣) إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيهَا حَافِظٌ (٤) فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ (٥) خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (٦) يَخْرُجُ مِنْ بَينِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ (٧) إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ (٨) يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ (٩) فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ (١٠)﴾\nيقسم تعالى بالسماء وما جعل فيها من الكواكب النيرة؛ ولهذا قال: ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ﴾، ثم قال: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ﴾، ثم فسره لقوله ﴿النَّجْمُ الثَّاقِبُ﴾.\nقال قتادة وغيره: إنما سمى النجم طارقًا، لأنه إنما يرى بالليل ويختفى بالنهار. ويؤيده ما جاء في الحديث الصحيح: نهي أن يطرق الرجل أهله طروقًا (^٣). أي: يأتيهم فجأة بالليل.\n_________\n(^١) زوائد السند (٤/ ٣٣٥) (١٩٠١١).\n(^٢) سنن النسائي، كتاب: التفسير، باب: سورة الطارق، حديث (١١٦٦٤) (٦/ ٥١٢).\n(^٣) أخرجه البخاري في كتاب: النكاح، باب: لا يطرق أهله ليلًا إذا أطال الغيبة …، حديث (٥٢٤٣) (٩ / =","vol":"14","page":315},{"text":"وفي الحديث الآخر المشتمل على الدعاء: \"إلا طارقًا يطرق بخير يا رحمن\" (^٤). وقوله: ﴿الثَّاقِبُ﴾، قال ابن عباس: المضيء. وقال السدي: يثقب الشياطين إذا أرسل عليها. وقال عكرمة: هو مضيء ومحرق للشيطان.\nوقوله: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيهَا حَافِظٌ﴾، أي: كل نفس عليها من الله حافظ يحرسها من الآفات، كما قال تعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَينِ يَدَيهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّه …﴾ الآية.\nوقوله: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ﴾: تنبيه للإنسان على ضعف أصله الذي خلق منه، وإرشاد له إلى الاعتراف بالمعاد؛ لأن من قدر على البداءة فهو قادر على الإعادة بطريق الأولى، كما قال: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيهِ﴾.\nوقوله: ﴿خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ﴾، يعني المني، يخرج دفقًا من الرجل ومن المرأة، فيتولد منهما الولد بإذن الله ﷿ ولهنا قال ﴿يَخْرُجُ مِنْ بَينِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾، يعني صلب الرجل وترائب المرأة، وهو صدرها.\nقال شبيب بن بشر، عن عكرمة، عن ابن عباس: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بَينِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾: صلب الرجل وترائب المرأة، أصفر رقيق، لا يكون الولد إلا منهما. وكذا قال سعيد بن جبير، وعكرمة، وقتادة والسدي، وغيرهم.\nوقال ابن أبي حاتم. حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو أسامة، عن مسعر: سمعت الحكم ذكر عن ابن عباس: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بَينِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾، قال: هذه الترائب. ووضع يده على صدره.\nوقال الضحاك وعطية، عن ابن عباس: تربية [¬١] المرأة: مرضع القلادة. وكذا قال عكرمة\n_________\n= ٣٣٩)، وطرفه في [١٨٠١]،. ومسلم في كتاب: الإمارة، باب: كراهية الطروق، حديث (١٨٢، ١٨٣/ ٧١٥) (١٣/ ١٠٦، ١٠٧). كلاهما من حديث جابر ﵁.\n(^٤) أخرجه أحمد (٣/ ٤١٩) (١٥٥٠١). وأبو يعلى (١٢/ ٢٣٧ - ٢٣٨) (٦٨٤٤). كلاهما من حديث عبد الرحمن بن خنبش في حديث طويل. وأخرجه مالك في كتاب: الشعر، باب: ما يؤمر به من التعوذ، حديث (١٠) (٢/ ٧٢٥) عن يحيى بن سعيد مرسلًا بنحو حديث عبد الرحمن. قال البخاري: في إسناده نظر، وقال البزار بعد تخريجه: لم يرو عبد الرحمن غيره فيما أعلم. وقال ابن حبان: له صحبة، وأخرج الحديث المذكور ابن أبي شيبة، والحسن بن سفيان، وأبو زرعة الرازي في مسانيدهم من طريق أبي التياح. وقال البغوي: سكن البصرة. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: رواه أحمد وأبو يعلى والطبراني بنحوه، ورجال أحد إسنادى أحمد وأبي يعلى وبعض أسانيد الطبراني رجال الصحيح.\n_________\n[¬١]- في خ: تربية.","vol":"14","page":316},{"text":"وسعيد بن جبير.\nوقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: الترائب: بين ثدييها.\nوعن مجاهد: الترائب ما بين المنكبين إلى الصدر. وعنه أيضًا. الترائب أسفل من التراقي.\nوقال سفيان الثوري: فوق الثديين. وعن سعيد بن جبير: الترائب أربعة أضلاع من هذا الجانب الأسفل.\nوعن الضحاك: الترائب بين الثديين والرجلين والعينين.\nوقال الليث بن سعد، عن معمر بن أبي حبيبة المدني: أنه بلغه في قول الله ﷿: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بَينِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾، [قال: هو عصارة القلب، من هناك يكون الولد.\nوعن قتادة: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بَينِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾] [¬١] من بين صلبه ونحره.\nوقوله: ﴿إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ﴾ فيه قولان:\nأحدهما: على رجع هذا الماء الدافق إلى مقره الذي خرج منه لقادر على ذلك. قاله مجاهد، وعكرمة، وغيرهما.\nوالقول الثاني: إنه على رجع هذا الإنسان المخلوق من ماء دافق، أي: إعادته وبعثه إلى الدار الآخرة لقادر؛ لأن من قدر علي البداءة قدر علي الإعادة.\nوقد ذكر الله ﷿ هذا الدليل في القرآن في غير ما موضع، وهذا القول قال به الضحاك، واختاره ابن جرير، ولهذا قال: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِر﴾، أي: يوم القيامة تبلى فيه السرائر، أي: تظهر وتبدو، ويبقى السر علانية والمكنون مشهورًا.\nوقد ثبت في الصحيحين (^٥)، عن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ قال: \"يرفع لكل غادر لواء عند استه، يقال: هذه غدرة فلان بن فلان\".\nوقوله: ﴿فَمَا لَهُ﴾ أي: الإنسان يوم القيامة ﴿مِنْ قُوَّةٍ﴾، أي: في نفسه، ﴿وَلَا نَاصِرٍ﴾، أي: من خارج منه، أي: لا يقدر على أن ينقذ نفسه من عذاب الله [¬٢]، ولا يستطيع له أحد ذلك.\n_________\n(^٥) أخرجه البخاري في كتاب: الأدب، باب: ما يدعى الناس بآبائهم، حديث (٦١٧٧، ٦١٧٨) (١٠ /: ٥٦٣). ومسلم في كتاب: الجهاد والسير، باب: تحريم الغدر، حديث (١٧٣٥) (١٢/ ٦٢ - ٦٤).\n_________\n[¬١]- سقط من ز.\n[¬٢]- سقط من ز.","vol":"14","page":317},{"text":"﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ (١١) وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ (١٢) إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ (١٣) وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ (١٤) إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيدًا (١٥) وَأَكِيدُ كَيدًا (١٦) فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيدًا (١٧)﴾\nقال ابن عباس: الرجع: المطر. وعنه هو السحاب فيه المطر. وعنه: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ﴾ تمطر ثم تمطر.\nوقال قتادة: ترجع رزق العباد كل عام، ولولا ذلك لهلكوا وهلكت مواشيهم وقال ابن زيد: ترجع نجومها وشمسها وقمرها، يأتين [¬١] من هاهنا. ﴿وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ﴾، قال ابن عباس: هو انصداعها عن النبات. وكذا قال سعيد بن جبير، وعكرمة، وأبو مالك، والضحاك، والحسن، وقتادة، والسدي، وغير واحد.\nوقوله: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾ قال ابن عباس: حق. وكذا قال قتادة. وقال آخر: حكم عدل.\n﴿وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ﴾، أي: بل هو حق جد.\nثم أخبر عن الكافرين بأنهم كذبون به ويصدون عن سبيله، فقال: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيدًا﴾، أي: يمكرون بالناس في دعوتهم إلى خلاف القرآن.\nثم قال: ﴿فَمَهِّلِ الْكَافِرِين﴾ أي أنظرهم ولا تستعجل لهم، ﴿أَمْهِلْهُمْ رُوَيدًا﴾ أي: قليلًا. أي: وترى ماذا أحل بهم من العذاب والنكال والعقوبة والهلاك، كما قال: ﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾.\n[آخر تفسير سورة الطارق، ولله الحمد والمنة وبه التوفيق والعصمة].\n* * *\n_________\n[¬١]- في خ: نابتين.","vol":"14","page":318},{"text":"<span data-type='title' id=toc-208>[تفسير] سورة \"سبح\" [وهي مكية]</span>\nوالدليل علىذلك ما رواه البخاري (^١)، حدثنا عبدان: أخبرني [¬١] أبي، عن شعبة، عن أبي إسحاق، عن البراء بن عازب قال: أول من قدم علينا من أصحاب النبي ﷺ مصعب بن عمير، وابن أم مكتوم، فجعلا يقرئاننا القرآن. ثم جاء عمار وبلال وسعد. ثم جاء عمر بن الخطاب في عشرين. ثم جاء النبي ﷺ فما رأيت أهل المدينة فرحوا بشيء فرحهم به، حتى رأيت الولائد والصبيان يقولون: هذا رسول الله قد جاء، فما جاء حتى قرأت: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ في سور مثلها.\nوقال الإمام أحمد (^٢): حدثنا وكيع، حدثنا إسرائيل، عن ثوير [¬٢] بن أبي فاخته، عن أبيه، عن علي؛ قال: كان رسول الله ﷺ يحب هذه السورة: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾. تفرد به أحمد، وثبت في الصحيحين (^٣): أن رسول الله ﷺ قال لمعاذ: \"هلا صليت بسبح اسم ربك الأعلى. والشمس وضحاها. والليل إذا يغشى\".\nوقال الإمام أحمد (^٤): حدثنا سفيان، عن إبراهيم، عن محمد بن المنتشر، عن أبيه، عن حبيب بن سالم، عن أبيه، عن النعمان بن بشير أن رسول الله ﷺ قرأ في العيدين: بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، و﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾، وإن وافق يوم الجمعة قرأهما جميعًا.\nهكذا وقع في مسند الإمام أحمد إسناد هذا الحديث. وقد رواه مسلم (^٥) - في صحيحه- وأبو داود والترمذي والنسائي، من حديث أبي عوانة وجرير وشعبة، ثلاثتهم عن [إبراهيم\n_________\n(^١) صحيح البخاري، كتاب: التفسير، باب: سورة ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، حديث (٤٩٤١) (٨/ ٦٩٩ - ٧٠٠).\n(^٢) المسند (١/ ٩٦) (٧٤٢). قال الهيثمي في \"المجمع\" (٧/ ١٣٩): رواه أحمد وفيه ثويبر بن أبي فاختة وهو متروك.\n(^٣) أخرجه البخاري في كتاب: الأذان، باب: من شكا إمامه إذا طول، حديث (٧٠٥) (٢/ ٢٠٠). ومسلم في كتاب: الصلاة، باب: القراءة في العشاء، حديث (١٧٨، ١٧٩/ ٤٦٥) (٤/ ٢٤٠ - ٢٤٢). كلاهما من حديث جابر ﵁ بنحوه.\n(^٤) المسند (٤/ ٢٧١) (١٨٤٣٤).\n(^٥) صحيح مسلم، كتاب: الجمعة، باب: ما يقرأ في صلاة الجمعة، حديث (٦٢/ ٨٧٨) (٦/ ٢٣٧). وأبو داود في كتاب: الصلاة، باب: ما يقرأ به في الجمعة، حديث (١١٢٢) (١/ ٢٩٣). والترمذي=\n_________\n[¬١]- في ز، خ: ثنا.\n[¬٢]- في ز: ثور.","vol":"14","page":319},{"text":"ابن] [¬١] محمد بن المنتشر، عن أبيه، عن حبيب بن سالم، عن النعمان بن بشير، به.\nقال الترمذي: \"وكذا رواه الثوري ومسعر، عن إبراهيم - قال: ورواه سفيان بن عيينة عن إبراهيم- عن أبيه، عن حبيب بن سالم، عن أبيه، عن النعمان. ولا يعرف لحبيب رواية عن [¬٢] أبيه\".\nوقد رواه ابن ماجة (^٦) عن محمد بن الصباح، عن سفيان بن عيينة، عن إبراهيم بن المنتشر، عن أبيه، عن حبيب بن سالم، عن النعمان به. كما رواه الجماعة، والله أعلم. ولفظ مسلم وأهل السنن: كان يقرأ في العيدين ويوم الجمعة، بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، و﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾، وربما اجتمعا في يوم واحد فقرأهما.\nوقد روى الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي بن كعب (^٧)، وعبد الله بن عباس (^٨)، وعبد الرحمن بن أبزى (^٩)، وعائشة أم المؤمنين (^١٠) أن رسول الله ﷺ كان يقرأ في الوتر بـ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، و﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾. زادت عائشة: والمعوذتين.\nوهكذا روي هذا الحديث من طريق جابر وأبي أمامة صدي بن عجلان، وعبد الله بن مسعود، وعمران بن حصين، وعلي بن أبي طالب ﵃. ولولا خشية الإطالة لأوردنا ما تيسر لنا من أسانيد ذلك ومتونه ولكن في الإرشاد بهذا الاختصار كفاية، والله أعلم.\n﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (٣) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى (٤) فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى (٥) سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (٦) إلا مَا شَاءَ اللَّهُ\n_________\n- في كتاب: الصلاة، باب: ما جاء في القراءة في العيدين، حديث (٥٣٣) (٢/ ١٥٠). والنسائي (٣/ ١١٢) كتاب الجمعة، باب: ذكر الاختلاف على النعمان بن بشير في القراءة في صلاة الجمعة.\n(^٦) سنن ابن ماجة، كتاب: الإقامة، باب: ما جاء في القراءة في صلاة العيدين، حديث (١٢٨١) (١/ ٤٠٨).\n(^٧) المسند (٥/ ١٢٣) (٢١٢٢٢) من طريق عبد الرحمن بن أبزى عنه به.\n(^٨) المسند (١/ ٢٩٩، ٣٠٠) (٢٧٢٠، ٢٧٢٥) وصححه أحمد شاكر في تعليقه على المسند.\n(^٩) المسند (٣/ ٤٠٦) (١٥٣٩٣، ١٥٣٩٤).\n(^١٠) المسند (٦/ ٢٢٧) (٢٦٠١٥).\n_________\n[¬١]- سقط من ز.\n[¬٢]- في ز: من.","vol":"14","page":320},{"text":"إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى (٧) وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى (٨) فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى (٩) سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى (١٠) وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى (١١) الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى (١٢) ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى (١٣)﴾\nقال الإمام أحمد (^١١): حدثنا أبو عبد الرحمن، حدثنا موسى -يعني ابن أيوب الغافقي- حدثنا عمي إياس بن عامر، سمعت عقبة بن عامر الجهني لما نزلت: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾، قال لنا رسول الله ﷺ: \"اجعلوها في ركوعكم\". فلما نزلت: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، قال: \"اجعلوها في سجودكم\" ورواه أبو داود، وابن ماجة من حديث ابن المبارك، عن موسى بن أيوب به.\nوقال الإمام أحمد (^١٢): حدثنا وكيع، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ كان إذا قرأ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، قال: \"سبحان ربي الأعلى\".\nوهكذا رواه أبو داود (^١٣) عن زهير بن حرب، عن وكيع به. وقال: خولف فيه وكيع، رواه أبو وكيع وشعبة، عن أبي إسحاق، عن سعيد، عن ابن عباس، موقوفًا.\nوقال الثوري (^١٤)، عن السدي، عن عبد خير قال: سمعت عليًّا قرأ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، فقال: سبحان ربي الأعلى.\nوقال ابن جرير (^١٥): حدثنا ابن [¬١] حميد، حدثنا حكام، عن عنبسة، عن أبي إسحاق الهمداني: أن ابن عباس كان إذا قرأ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، يقول: سبحان ربي الأعلى، وإذا قرأ: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ فأتى على آخرها: ﴿أَلَيسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ\n_________\n(^١١) المسند (٤/ ١٥٥) (١٧٤٦١). وأخرجه أبو داود في كتاب: الصلاة، باب: ما يقول الرجل في ركوعه وسجوده، حديث (٨٦٩) (١/ ٢٣٠). وابن ماجة في كتاب: الإقامة، باب: التسبيح في الركوع والسجود، حديث (٨٨٧) (١/ ٢٨٧). وضعفه الألباني في الإرواء (٢/ ٤٠) (٣٣٤).\n(^١٢) المسند (١/ ٢٣٢) (٢٠٦٦).\n(^١٣) سنن أبي داود في كتاب: الصلاة، باب: الدعاء في الصلاة، حديث (٨٨٣) (١/ ٢٣٣). وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (٧٨٥).\n(^١٤) أخرجه الطبري (٣٠/ ١٥١).\n(^١٥) تفسير الطبري (٣٠/ ١٥١).\n_________\n[¬١]- في ز: أبو.","vol":"14","page":321},{"text":"يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾، يقول: سبحانك وبلى.\nوقال قتادة (^١٦): ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾: ذكر لنا أن نبي الله ﷺ كان إذا قرأها، قال: \"سبحان ربي الأعلى\".\nوقوله: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى﴾، أي: خلق الخليقة وسوى كل مخلوق في أحسن الهيئات.\nوقوله: ﴿وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾ قال مجاهد: هدى الإنسان للشقاوة [¬١] والسعادة، وهدى الأنعام لمراتعها.\nوهذه الآية كقوله تعالى إخبارًا عن موسى أنه قال لفرعون: ﴿رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾، أي: قدر قدرًا، وهدى الخلائق إليه، كما ثبت في صحيح مسلم، عن عبد الله بن عمرو: أن رسول الله ﷺ قال: \"إن الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء\".\nوقوله: ﴿وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى﴾، أي: من جميع صنوف النباتات والزروع، ﴿فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى﴾، قال ابن عباس: هشيمًا متغيرًا. وعن مجاهد، وقتادة، وابن زيد، نحوه.\nقال ابن جرير: وكان بعض أهل العلم بكلام العرب يرى أن ذلك من المؤخر الذي معناه التقديم، وأن معنى الكلام: والذي أخرج المرعى، أحوى، أي: أخضر إلى السواد، فجعله غثاء بعد ذلك. ثم قال ابن جرير: وهذا وإن كان محتملًا إلا أنه غير صواب؛ لمخالفته أقوال أهل التأويل.\nوقوله: ﴿سَنُقْرِئُكَ﴾ -أي: يا محمد- ﴿فَلَا تَنْسَى﴾. وهذا إخبار من الله ﷿ ووعد منه له. بأنه سيقرئه قراءة لا ينساها، ﴿إلا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾. وهذا اختيار ابن جرير.\nوقال قتادة (^١٧): كان رسول الله ﷺ لا ينسى شيئًا إلّا ما شاء الله.\nوقيل: المراد بقوله: ﴿فَلَا تَنْسَى﴾ طلب، وجعلوا معنى الاستثناء على هذا ما يقع من النسخ، أي: لا تنسى ما نقرئك إلا ما يشاء الله رفعه، فلا عليك أن تتركه.\n_________\n(^١٦) أخرجه الطبري (٣٠/ ١٥١).\n(^١٧) أخرجه مسلم في كتاب: القدر، باب: حجاج آدم وموسى ﵉ حديث (١٦/ ٢٦٥٣) (١٦/ ٣١٠).\n_________\n[¬١]- في ز: للشقوة.","vol":"14","page":322},{"text":"وقوله: ﴿إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى﴾ أي: يعلم ما يجهر له العباد وما يخفونه من أقوالهم وأفعالهم، لا يخفى عليه من ذلك شيء.\nوقوله تعالى: ﴿وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى﴾ أي: نسهِّل عليك أفعال الخير وأقواله، ونشرع لك شرعًا سهلًا سمحًا مستقيمًا عدلًا، لا اعوجاج فيه ولا حرج، ولا عسر.\nوقوله: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾، أي: ذكر حيث تنفع التذكرة. ومن هاهنا يؤخذ الأدب في نشر العلم فلا يضعه عند غير أهله، كما قال أمير المؤمنين علي (^١٨) ﵁: ما أنت بمحدث قومًا حديثًا لا تبلغه عقولهم إلا كان فتنة لبعضهم. وقال (^١٩): حدث الناس بما يعرفون، أتحبون أن يكذب الله ورسوله.\nوقوله: ﴿سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى﴾، أي: سيتعظ بما تبلغه - يا محمد - من قلبه يخشى الله ويعلم أنه ملاقيه، ﴿وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى (١١) الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى (١٢) ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى﴾، أي: لا يموت فيستريح ولا يحيى حياة تنفعه [¬١]، بل هي مضرة عليه، لأن بسببها يشعر ما يعاقب به من أليم العذاب، وأنواع النكال.\nقال الإمام أحمد (^٢٠): حدثنا ابن أبي عدي، عن سليمان -يعني التيمي- عن أبي نضرة، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ: \"أما أهل النار الذين هم أهلها لا يموتون ولا يحيون، وأما أناس يريد الله بهم الرحمة فيميتهم في النار فيدخل عليهم الشفعاء، فيأخذ الرجل أنصاره [¬٢] فينبتهم -أو قال: ينبتون- في نهر [الحياء -أو قال] [¬٣]: الحياة- أو قال: الحيوان -أو قال: نهر الجنة فينبتون- نبات الحبة في حميل السيل\" - قال: وقال: النبي ﷺ: \"أما ترون الشجرة تكون خضراء، ثم تكون صفراء، [أو قال: تكون صفراء] [¬٤]، ثم تكون خضراء؟ \" - قال: فقال\n_________\n(^١٨) أخرجه مسلم في \"مقدمة الصحيح\" (١/ ١١٣) لكن الذي في مسلم من حديث ابن مسعود وليس من حديث علي ﵄.\n(^١٩) أخرجه البخاري في كتاب: العلم، باب: من خص بالعلم قومًا دون قوم كراهية أن لا يفهموا، حديث (١٢٧) (١/ ٢٢٥) من حديث علي.\n(^٢٠) أخرجه أحمد (٣/ ٥) (١١٠٢٩). وأخرجه ابن منده في \"الإيمان\" (٨٢٦) من طريق محمد بن بشار ثنا محمد بن إبراهيم بن أبي عدي به. وأخرجه أيضًا - (٨٢٤، ٨٢٥). وعبد بن حميد في المنتخب (٨٦٥). من طرق ثلاثة عن سليمان التيمي به.\nوأخرجه مسلم -كتاب الإيمان، باب: إثبات الشفاعة … (٣٠٦، ٣٠٧) - (١٨٥). وابن ماجه - كتاب الزهد، باب: ذكر الشفاعة - (٤٣٠٩).\n_________\n[¬١]- في ز: فتنفعه.\n[¬٢]- في ز: الصارة.\n[¬٣]- سقط من ز، خ.\n[¬٤]- سقط من ز، خ.","vol":"14","page":323},{"text":"بعضهم: كأن النبي ﷺ كان بالبادية.\nوقال أحمد أيضًا (^٢١): حدثنا إسماعيل، حدثنا سعيد بن يزيد، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: \"أما أهل النار الذين هم أهلها، فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون، ولكن أناس -أو كما قال- تصيبهم النار بذنوبهم -أو قال: بخطاياهم- فيميتهم إماتة، حتى إذا صاروا فحمًا أذن في الشفاعة، فجيء بهم ضبائر ضبائر، فنبتوا [¬١] على أنهار الجنة، فيقال: يا أهل الجنة، أفيضوا عليهم. فينبتون نبات الحبة تكون في حميل السيل\". قال: فقال رجل من القوم حينئذ: كأن رسول الله ﷺ كان [في البادية] [¬٢].\nورواه مسلم من حديث بشر بن [¬٣] المفضل وشعبة، كلاهما [¬٤] عن أبي مسلمة [¬٥] سعيد بن يزيد، به مثله.\nورواه أحمد [¬٦] (^٢٢) أيضًا عن يزيد، عن سعيد بن إياس الجريري، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد، عن النبي ﷺ قال: \"إن أهل النار الذين لا يريد الله إخراجهم لا يموتون فيها ولا يحيون، وإن أهل النار الذين يريد الله إخراجهم يميتهم فيها إماتة، حتى يصيروا فحمًا، ثم يخرجون ضبائر فيلقون على أنهار الجنة، [أو: يرش عليهم من أنهار الجنة] [¬٧]؛ فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل.\nوقد قال الله إخبارًا عن أهل النار: ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَينَا رَبُّكَ قَال إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿لَا يُقْضَى عَلَيهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا …﴾.\nإلى غير ذلك من الآيات في هذا المعنى.\n﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (١٥) بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيرٌ وَأَبْقَى (١٧) إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى (١٨) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ\n_________\n(^٢١) - المسند (٣/ ١١) (١١٠٩١). ومسلم في كتاب: الإيمان، باب: إثبات الشفاعة وإخراج الموحدين من النار، حديث (٣٠٦، ٣٠٧/ ١٨٥) (٣/ ٤٦ - ٤٨).\n(^٢٢) - المسند (٣/ ٢٠) (١١١٦٥).\n_________\n[¬١]- في خ: فينبتون.\n[¬٢]- في ت: بالبادية.\n[¬٣]- في ز: أبو.\n[¬٤]- في ت: كليهما.\n[¬٥]- في ز، خ: مسلم.\n[¬٦]- سقط من ز، خ.\n[¬٧]- سقط من ز، خ.","vol":"14","page":324},{"text":"وَمُوسَى ﴿(١٩)﴾\nيقول تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾، أي: طهر نفسه من الأخلاق الرذيلة، وتابع ما أنزل الله على الرسول صلوات الله وسلامه عليه ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾، أي: أقام الصلاة في أوقاتها، ابتغاء رضوان الله وطاعة لأمر الله وامتثالًا لشرع الله. وقد قال الحافظ أبو بكر البزار (^٢٣):\nحدثنا عباد بن أحمد العرزمي، حدثنا عمي محمد بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن عطاء بن السائب، عن عبد الرحمن بن سابط، عن جابر بن عبد الله، عن النبي ﷺ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾، قال: \"من شهد أن لا إله إلا الله، وخلع الأنداد، وشهد أني رسول الله\"، ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾، قال: \"هي الصلوات الخمس والمحافظة عليها والاهتمام بها\".\nثم قال: لا يروى عن جابر إلّا من هذا الوجه.\nوكذا قال ابن عباس: إن المراد بذلك الصلوات الخمس. واختاره ابن جرير.\nوقال ابن جرير: حدثني عمرو بن عبد الحميد الآملي [¬١]، حدثنا مروان بن معاوية، عن أبي خلدة قال: دخلت على أبي العالية فقال لي: إذا غدوت غدًا إلى العيد فمر بي. قال: فمررت به فقال: هل طعمت شيئًا؟ قلت: نعم. قال: أفضت على نفسك من الماء؟ قلت: نعم. قال: فأخبرني ما فعلت [بزكاتك؟ قلت] [¬٢]: وكأنك قلت: قد وجهتها؟ قال: إنما أردتك لهذا. ثم قرأ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾. وقال: إن أهل المدينة لا يرون صدقة أفضل منها ومن سقاية الماء.\nقلت: وكذلك [¬٣] روينا عن أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز أنه كان يأمر الناس بإخراج صدقة الفطر، ويتلو هذه الآية ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾.\nوقال أبو الأحوص: إذا أتى أحدكم سائل وهو يريد الصلاة، فليقدم بين يدي صلاته زكاته، فإن الله يقول: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾.\nوقال قتادة في هذه الآية: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾: زكى ماله،\n_________\n(^٢٣) كشف الأستار (٢/ ١١٧) (١٥٢٩). قال الهيثمي في \"المجمع\" (٧/ ١٤٠): رواه البزار عن شيخه عباد ابن أحمد العرزمي وهو متروك.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: الأيلي.\n[¬٢]- سقط من ز، خ.\n[¬٣]- في خ: وقد.","vol":"14","page":325},{"text":"وأرضى خالقه.\nثم قال تعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾، أي: تقدمونها على أمر الآخرة، وتبدونها على ما فيه نفعهم وصلاحهم في معاشهم ومعادهم، ﴿وَالْآخِرَةُ خَيرٌ وَأَبْقَى﴾، أي: ثواب الله في الدار الآخرة خير من الدنيا وأبقى، [فإن الدنيا] [¬١] دنية فانية، والآخرة شريفة باقية، فكيف يؤثر عاقل ما يفنى على ما يبقى، ويهتم بما يزول عنه قريبًا، ويترك الاهتمام بدار البقاء والخلد.\nقال الإمام أحمد (^٢٤): حدثنا حسين بن محمد، حدثنا ذويد عن أبي إسحاق، عن عروة، عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ: \"الدنيا دار من لا دار له، ومال من لا مال له، ولها يجمع من لا عقل له\".\nوقال ابن جرير (^٢٥): حدثنا ابن حميد، حدثنا يحيى بن واضح، حدثنا [¬٢] أبو حمزة، عن عطاء، عن عرفجة الثقفي قال: استقرأت ابن مسعود: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ فلما بلغ: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ ترك القراءة، وأقبل على أصحابه وقال [¬٣]: آثرنا الدنيا على الآخرة. فسكت القوم، فقال: آثرنا الدنيا لأنا رأينا زينتها ونساءها وطعامها وشرابها، وزويت عنا الآخرة فاخترنا هذا العاجل وتركنا الآجل.\nوهذا منه على وجه التواضع والهضم، أو هو إخبار عن الجنس من حيث هو، والله أعلم.\nو[قد] [¬٤] قال الإمام أحمد (^٢٦): حدثنا سليمان بن داود الهاشمي، حدثنا إسماعيل بن جعفر، أخبرني عمرو بن أبي عمرو، عن المطلب بن عبد الله، عن أبي موسى الأشعري: أن رسول الله ﷺ قال: \"من أحب دنياه أضر بآخرته، ومن أحب أخرته أضر بدنياه، فآثروا ما يبقى [¬٥] على ما يفنى\" تفرد به أحمد.\n_________\n(^٢٤) تقدم تخريجه في سورة الإسراء، آية (١٨). وفي سورة النجم، آية (٢٩).\n(^٢٥) أخرجه الطبري (٣٠/ ١٥٧).\n(^٢٦) أخرجه أحمد (٤/ ٤١٢) (١٩٧٥١). والحاكم (٤/ ٣٠٨، ٣١٩). والبغوي في شرح السنة (١٤/ ٢٣٨ - ١٣٩) حديث (٤٠٣٨). وابن حبان (٢/ ٤٨٦) حديث (٧٠٩). والبيهقي في الشعب (٧/ ٢٨٨) حديث (١٠٣٣٧). والقضاعي في مسند الشهاب (١/ ٢٥٨ - ٢٥٩). حديث (٤١٨). والبيهقي في الكبرى (٣/ ٣٧٠) كتاب الجنائز، باب: ما ينبغي لكل مسلم أن يستعمله من قصر الأمل والاستعداد للموت فإن الأمر قريب. كلهم من طريق عمرو بن أبي عمرو عن المطلب بن عبد الله بن حنطب عن أبي موسى ﵁ … فذكره. قال الحاكم: حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه =\n_________\n[¬١]- سقط من ز، خ.\n[¬٢]- سقط من ز، خ.\n[¬٣]- في ز: فقال.\n[¬٤]- سقط من ز.\n[¬٥]- في ز: بقي.","vol":"14","page":326},{"text":"وقد رواه أيضًا (^٢٧) عن أبي سلمة [¬١] الخزاعي، عن الدراوردي، عن عمرو بن أبي عمرو، به مثله سواء.\nوقوله: ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى (١٨) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾ قال الحافظ أبو بكر البزار (^٢٨):\nحدثنا نصر بن علي، حدثنا معتمر بن سليمان، عن أبيه عن عطاء بن السائب، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: لما نزلت: ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى (١٨) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾ - قال النبي ﷺ: \"كان كل هذا -أو: كان هذا - في صحف إبراهيم وموسى\".\nثم قال: لا نعلم أسند الثقات عن عطاء بن السائب، عن عكرمة، عن ابن عباس غير هذا، وحديثًا آخر أورده قبل هذا.\nوقال النسائي (^٢٩): أخبرنا زكريا بن يحيى، أخبرنا نصر بن علي، حدثنا المعتمر بن سليمان، عن أبيه، عن عطاء بن السائب، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: لما نزلت: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، قال: كلها في صحف إبراهيم وموسى. فلما نزلت: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ قال: وفَّى ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وزْرَ أُخْرَى﴾.\nيعني أن هذه الآية كقوله في \"سورة النجم\" ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى (٣٦) وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (٣٧) أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وزْرَ أُخْرَى (٣٨) وَأَنْ لَيسَ لِلْإِنْسَانِ إلا مَا سَعَى (٣٩) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (٤٠) ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى (٤١) وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى …﴾ الآيات إلى آخرين.\nوهكذا قال عكرمة -فيما رواه ابن جرير (^٣٠)، عن ابن حميد، عن مهران، عن سفيان الثوري، عن أبيه، عن عكرمة- في قوله: ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى (١٨) صُحُفِ\n_________\n= وتعقبه الذهبي بأن فيه انقطاع. قال الهيثمي في \"المجمع\" (١٠/ ٢٥٢): رواه أحمد والبزار والطبراني ورجالهم ثقات. وقال العراقي في تخريج أحاديث الإحياء (٤/ ١٨٥٣) (٢٩٣٨): وهو منقطع بين المطلب بن عبد الله وبين أبي موسى.\nقال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (١٠/ ٢٥٢): رواه أحمد والبزار والطبراني ورجالهم ثقات.\n(^٢٧) المسند (٢/ ٤١٤) (١٩٧٥٢).\n(^٢٨) كشف الأستار (٢/ ١١٧) (١٥٣٠). قال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (٧/ ١٤٠): رواه البزار وفيه عطاء بن السائب وقد اختلط، وبقية رجاله رجال الصحيح.\n(^٢٩) سنن النسائي الكبرى، كتاب: التفسير، باب: سورة الأعلى، حديث (١١٦٦٨) (٦/ ٥١٣).\n(^٣٠) تفسير الطبري (٣٠/ ١٥٨).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: مسلم.","vol":"14","page":327},{"text":"إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾، يقول: الآيات التي في سبح اسم ربك الأعلى.\nوقال أبو العالية: قصة هذه السورة في الصحف الأولى. واختار ابن جرير أن المراد بقوله: ﴿إِنَّ هَذَا﴾ إشارة إلى قوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (١٥) بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيرٌ وَأَبْقَى﴾، ثم قال: ﴿إِنَّ هَذَا﴾، أي: مضمون هذا الكلام ﴿لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى (١٨) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾.\nوهذا اختيارٌ حسن قوي، وقد روي عن قتادة وابن زيد نحوه، والله أعلم.\n[آخر تفسير سورة \"سبح\"، ولله الحمد والمنة وبه التوفيق والعصمة].","vol":"14","page":328},{"text":"<span data-type='title' id=toc-209>[تفسير] سورة الغاشية [وهي مكية]</span>\nقد تقدم عن النعمان بن بشير (^١): أن رسول الله ﷺ كان يقرأ بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، والغاشية في صلاة العيد ويوم الجمعة.\nوقال الإمام مالك (^٢)، عن ضمرة بن سعيد، عن عبيد [¬١] الله بن عبد الله: أن الضحاك بن قيس سأل النعمان بن بشير: بم كان رسول الله ﷺ يقرأ في الجمعة مع سورة الجمعة؟ قال: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾.\nرواه أبو داود عن القعنبي، والنسائي عن قتيبة، كلاهما عن مالك، به.\nورواه مسلم (^٣) وابن ماجة، من حديث سفيان بن عيينة، عن ضمرة بن سعيد به.\n﷽\n﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ (١) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ (٢) عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ (٣) تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً (٤) تُسْقَى مِنْ عَينٍ آنِيَةٍ (٥) لَيسَ لَهُمْ طَعَامٌ إلا مِنْ ضَرِيعٍ (٦) لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ (٧)﴾\nالغاشية: من أسماء يوم القيامة. قاله ابن عباس، وقتادة، وابن زيد، لأنها تغشى الناس وتعمهم. وقد قال ابن أبي حاتم:\nحدثنا أبي، حدثنا علي بن محمد الطنافسي، حدثنا أبو بكر بن عياش، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون قال: مر النبي ﷺ على امرأة تقرأ: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في أول سورة الأعلى.\n(^٢) أخرجه مالك في كتاب: الجمعة، باب: القراءة في صلاة الجمعة، حديث (١٩) (١/ ١١٢) بنحو هذا اللفظ. وأبو داود في كتاب: الصلاة، باب: ما يقرأ به في الجمعة، حديث (١١٢٣) (١/ ٢٩٣). والنسائي (٣/ ١١٢) كتاب الجمعة، باب: ذكر الاختلاف على النعمان بن بشير في القراءة.\n(^٣) صحيح مسلم، كتاب: الجمعة، باب: ما يقرأ في صلاة الجمعة، حديث (٦٣/ ٨٧٨) (٦/ ٢٣٨).\nوأخرجه ابن ماجة في كتاب: الإقامة، باب: ما جاء في القراءة في الصلاة يوم الجمعة، حديث (١١١٩) (١/ ٣٥٥).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: عبد.","vol":"14","page":329},{"text":"الْغَاشِيَةِ﴾، فقام يستمع ويقول: \"نعم قد جاءني\".\nوقوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ﴾ أي: ذليلة. قاله قتادة.\nوقال ابن عباس: تخشع ولا ينفعها عملها.\nوقوله: ﴿عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ﴾، أي: قد عملت عملًا كثيرًا، ونصبت فيه، وصليت يوم القيامة نارًا حامية.\nوقال الحافظ أبو بكر البرقاني (^٤): حدثنا إبراهيم بن محمد المزكى [¬١]، حدثنا محمد بن إسحاق السراج، حدثنا هارون بن عبد الله، حدثنا سيار [¬٢]، حدثنا جعفر قال: سمعت أبا عمران الجوني يقول: مر عمر بن الخطاب ﵁ بدير راهب، قال: فناداه: يا راهب [يا راهب] [¬٣]. فأشرف، قال [¬٤]: فجعل عمر ينظر إليه ويبكي. فقيل له: يا أمير المؤمنين، ما يبكيك من هذا؟ قال: ذكرت قول الله ﷿ في كتابه ﴿عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ (٣) تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً﴾، فذاك الذي أبكاني.\nوقال البخاري (^٥): قال ابن عباس: ﴿عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ﴾: النصارى.\nوعن عكرمة، والسدي: ﴿عَامِلَةٌ﴾ في الدنيا بالمعاصي، ﴿نَاصِبَةٌ﴾ في النار بالعذاب والأغلال.\nقال ابن عباس، والحسن، وقتادة: ﴿تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً﴾، أي: حارة شديدة الحر. ﴿تُسْقَى مِنْ عَينٍ آنِيَةٍ﴾، أي: قد انتهى حرها وغليانها. قاله ابن عباس، ومجاهد، والحسن، والسدي.\nوقوله: ﴿لَيسَ لَهُمْ طَعَامٌ إلا مِنْ ضَرِيعٍ﴾ قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: شجر من النار.\nوقال سعيد بن جبير: هو الزقوم. وعنه: أنها الحجارة.\nوقال ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، وأبو الجوزاء، وقتادة: هو الشبرق - قال قتادة:\n_________\n(^٤) أخرجه الحاكم (٢/ ٥٢١ - ٥٢٢) من طريق سياد بن حاتم نحوه. قال الحاكم: هذه حكاية في وقتها فإن أبا عمران الجوني لم يدرك زمان عمر.\n(^٥) أخرجه البخاري في: التفسير، باب: سورة ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ (١/ ١٤٨) معلقًا ووصله ابن أبي حاتم كما في \"الفتح\".\n_________\n[¬١]- في ز: المري. وفي خ: المدني.\n[¬٢]- في خ: بشار.\n[¬٣]- سقط من ت.\n[¬٤]- سقط من خ.","vol":"14","page":330},{"text":"قريش تسميه في الربيع الشبرق، وفي الصيف الضريع - قال عكرمة: وهو شجرة ذات شوك لاطئة بالأرض.\nوقال البخاري (^٦): قال مجاهد: الضريع نبت يقال له الشبرق، يسميه أهل الحجاز الضريع إذا يبس، وهو سم.\nوقال معمر عن قتادة: ﴿إلا مِنْ ضَرِيعٍ﴾ هو الشبرق إذا يبس سُمِّيَ الضريع.\nوقال سعيد، عن قتادة: ﴿لَيسَ لَهُمْ طَعَامٌ إلا مِنْ ضَرِيعٍ﴾: من شر الطعام وأبشعه وأخبثه.\nوقوله: ﴿لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ﴾: لا يحصل به مقصود، ولا يندفع به محذور.\n﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ (٨) لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ (٩) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (١٠) لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً (١١) فِيهَا عَينٌ جَارِيَةٌ (١٢) فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ (١٣) وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ (١٤) وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ (١٥) وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ (١٦)﴾\nلما ذكر حال الأشقياء، ثنى بذكر السعداء فقال: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ﴾، أي: يوم القيامة ﴿نَاعِمَةٌ﴾، أي: يعرف النعيم فيها. وإنما حصل لها ذلك بسعيها.\nوقال سفيان: ﴿لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ﴾: قد رضيت عملها.\nوقوله: ﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ﴾، أي: رفيعة بهية في الغرفات آمنون، ﴿لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً﴾، أي: لا يسمع في الجنة التي هم فيها كلمة لغو. كما قال: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إلا سَلَامًا﴾ وقال: ﴿لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ﴾، وقال: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا (٢٥) إلا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا﴾.\n﴿فِيهَا عَينٌ جَارِيَةٌ﴾، أي: سارحة. وهذه نكرة في سياق الإثبات، وليس المراد بها عينًا واحدة، وإنما هذا جنس، يعني: فيها عيون جاريات.\nوقال ابن أبي حاتم (^٧): قرئ على الربيع بن سليمان: حدثنا أسد بن موسى، حدثنا ابن ثوبان، عن عطاء بن قرة، عن عبد الله بن ضمرة، عن أبي هريرة قال: قال النبي صلى الله\n_________\n(^٦) أخرجه البخاري في الموضع السابق.\n(^٧) أخرجه ابن حبان (٨/ ٣٤٣ - موارد) (٢٦٢٢) من طريق أسد بن موسى بنحو ذلك وحسنه حسين أسد.","vol":"14","page":331},{"text":"عليه وسلم: \"أنهار الجنة تفجر من تحت تلال -أو: من تحت جبال- المسك\".\n﴿فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ﴾، أي: عالية ناعمة كثيرة الفرش مرتفعة السمك، عليها الحور العين. قالوا: فإذا أراد ولي الله أن يجلس على تلك السرر العالية تواضعت له. ﴿وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ﴾، يعني: أواني الشراب معدة مرصدة لمن أرادها من أربابها. ﴿وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ﴾، قال ابن عباس: النمارق الوسائد. وكذا قال عكرمة، وقتادة، والضحاك، والسدي، والثوري، وغيرهم.\nوقوله: ﴿وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾ قال ابن عباس: الزرابي: البسط. وكذا قال الضحاك وغير واحد.\nومعنى مبثوثة، أي: هاهنا وهاهنا لمن أراد الجلوس عليها.\nونذكر هاهنا الحديث الذي رواه أبو بكر بن أبي داود (^٨): حدثنا عمرو بن عثمان، حدثنا أبي، عن محمد بن مهاجر، عن الضحاك المعافري، عن سليمان بن موسى: حدثني كريب أنه سمع أسامة بن زيد يقول: قال رسول الله ﷺ \"ألا هل من [¬١] مشمر للجنة فإن الجنة لا خطر [¬٢]، لها، هي -ورب الكعبة- نور تلألأ [¬٣]، وريحانة تهتز، وقصر مشيد، ونهر مطرد، وثمرة نضيجة، وزوجة حسناء جميلة، وحلل كثيرة، ومقام في أبد في دار سليمة، وفاكهة وخضرة، وحبرة ونعمة، في محلة عالية بهية؟ \". قالوا: نعم يا رسول الله، نحن المشمرون لها. قال: \"قولوا: إن شاء الله\". [قال القوم: إن شاء الله] [¬٤].\nورواه ابن ماجة (^٩) عن العباس بن [¬٥] عثمان الدمشقي، عن الوليد بن مسلم، عن محمد بن مهاجر به.\n﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيفَ خُلِقَتْ (١٧) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيفَ رُفِعَتْ (١٨) وَإِلَى\n_________\n(^٨) أخرجه ابن حبان (١٦/ ٣٨٩) (٧٣٨١) من طريق المعافري، وانظر التالي.\n(^٩) أخرجه ابن ماجة في كتاب: الزهد، باب: صفة الجنة، حديث (٤٣٣٢) (٢/ ١٤٤٨). قال البوصيري في الزوائد (٣/ ٣٢٥): هذا إسناد فيه مقال؛ الضحاك المعافري ذكره ابن حبان في الثقات. وقال الذهبي في طبقات التهذيب كتاب مجهول. وسليمان بن موسى الأموي مختلف فيه، وباقي الإسناد ثقات.\n_________\n[¬١]- سقط من ز.\n[¬٢]- في ز، خ: حصر.\n[¬٣]- في ت: يتلألأ.\n[¬٤]- سقط من ز، خ.\n[¬٥]- في ز، خ: عن.","vol":"14","page":332},{"text":"الْجِبَالِ كَيفَ نُصِبَتْ (١٩) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيفَ سُطِحَتْ (٢٠) فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيهِمْ بِمُصَيطِرٍ (٢٢) إلا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ (٢٣) فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ (٢٤) إِنَّ إِلَينَا إِيَابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَينَا حِسَابَهُمْ (٢٦)﴾\nيقول تعالى آمرًا عباده بالنظر في مخلوقاته الدالة على قدرته وعظمته: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيفَ خُلِقَتْ﴾، فإنها خلق عجيب، وتركيبها غريب، فإنها في غاية القوة والشدة، وهي مع ذلك تلين للحمل الثقيل، وتنقاد للقائد الضعيف، وتؤكل، وينتفع بوبرها، ويشرب لبنها. ونبهوا بذلك لأن العرب غالب دوابهم كانت الإبل، وكان شريح القاضي يقول: اخرجوا بنا حتى ننظر إلى الإبل كيف خلقت، وإلى السماء كيف رفعت؟ أي: كيف رفعها الله ﷿ عن الأرض هذا الرفع العظيم، كما قال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيفَ بَنَينَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ﴾.\n﴿وَإِلَى الْجِبَالِ كَيفَ نُصِبَتْ﴾، أي: جعلت منصوبة قائمة ثابتة راسية لئلا تميد الأرض بأهلها، وجعل فيها ما جعل من المنافع والمعادن.\n﴿وَإِلَى الْأَرْضِ كَيفَ سُطِحَتْ﴾، أي: كيف بسطت ومدت ومهدت، فنبَّه البدوي على الاستدلال بما يشاهده من بعيره الذي هو راكب عليه، والسماء التي فوق رأسه، والجبل الذي تجاهه، والأرض التي تحته على قدرة خالق ذلك وصانعه، وأنه الرب العظيم الخالق المتصرف المالك [¬١]، وأنه الإله الذي لا يستحق العبادة سواه. وهكذا أقسم \"ضمام\" في سؤاله على رسول الله ﷺ كما رواه الإِمام أحمد (^١٠) حيث قال:\nحدثنا هاشم بن القاسم، حدثنا سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن أنس قال: كنا نهينا أن نسأل رسول الله ﷺ عن شيء، فكان [¬٢] يعجبنا أن يجيء الرجل من أهل البادية العاقل فيسأله ونحن نسمع، فجاء رجل من أهل البادية فقال: يا محمد، إنه أتانا رسولك فزعم لنا أنك تزعم أن الله أرسلك؟ قال: \"صدق\". قال: فمن خلق السماء؟ قال: \"الله\". قال: فمن خلق الأرض؟ قال: \"الله\". قال: فمن نصب هذه الجبال وجعل فيها ما جعل؟ قال: \"الله\". قال: فبالذي خلق السماء والأرض ونصب هذه الجبال، آلله أرسلك؟ قال: \"نعم\". قال: وزعم رسولك أن علينا خمس صلوات في يومنا وليلتنا؟ قال: \"صدق\". قال: فبالذي أرسلك، آلله أمرك بهذا؟ قال: \"نعم\". قال: وزعم رسولك أن علينا زكاة في أموالنا؟ قال: \"صدق\". قال: فبالذي أرسلك، آللَّه أمرك\n_________\n(^١٠) المسند (٣/ ١٤٣) (١٢٤٧٩) وهو مروى بالمعنى.\n_________\n[¬١]- في ز: الملك.\n[¬٢]- في ز: وكان.","vol":"14","page":333},{"text":"بهذا؟ قال: \"نعم\". قال: وزعم رسولك أن علينا حج البيت من استطاع إليه سبيلًا؟ قال: \"صدق\". قال: ثم ولَّى فقال: والذي بعثك بالحق لا أزيد عليهن شيئًا ولا أنقص منهن شيئًا. فقال النبي ﷺ: \"إن صدق ليدخلن الجنة\".\nوقد رواه مسلم (^١١)، عن عمرو الناقد، عن أبي النضر هاشم بن القاسم، به. وعلقه البخاري (^١٢)، ورواه الترمذي (^١٣) والنسائي، [من حديث سليمان بن المغيرة، به. ورواه الإمام أحمد (^١٤) والبخاري، وأبو داود والنسائي وابن ماجة] [¬١]، من حديث الليث بن سعد، عن سعيد المقبري، عن شريك بن عبد الله بن أبي نمر، عن أنس، به بطوله، وقال في آخره: وأنا ضمام بن ثعلبة أخو بني سعد بن بكر.\nوقال الحافظ أبو [¬٢] يعلى: حدثنا إسحاق، حدثنا عبد الله بن جعفر، حدثني عبد الله بن دينار، عن ابن عمر قال: كان رسول الله ﷺ كثيرًا ما كان يحدث عن امرأة في الجاهلية على رأس جبل، معها ابن لها ترعى غنمًا، فقال لها ابنها: يا أمه، من خلقك؟ قالت: الله. قال: فمن خلق أبي؟ قالت: الله. قال: فمن خلقني؟ قالت: الله قال: فمن خلق السماء؟ قالت: الله. قال: فمن خلق الأرض؟ قالت: الله. قال: فمن خلق الجبل؟ قالت: الله. قال: فمن خلق هذه الغنم؟ قالت: الله. قال: إني لأسمع لله شأنًا. وألقى نفسه من الجبل فتقطع.\nقال ابن عمر: كان رسول الله ﷺ كثيرًا ما يحدثنا هذا [¬٣].\n_________\n(^١١) صحيح مسلم، كتاب: الإيمان، باب: السؤال عن أركان الإسلام، حديث (١٠/ ١٢) (١/ ٢٣٧ - ٢٤٠).\n(^١٢) صحيح البخاري في كتاب: العلم، باب: ما جاء في العلم وقوله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ (١/ ١٤٨).\n(^١٣) سنن الترمذي في كتاب: الزكاة، باب: ما جاء إذا أديت الزكاة فقد قضيت ما عليك، حديث (٦١٩) (١٢/ ١٩٩). والنسائي في الكبرى في كتاب: العلم، باب: العرض على العالم، حديث (٥٨٦٣) (٣/ ٤٣٧ - ٤٣٨).\n(^١٤) أخرجه أحمد (٣/ ١٦٨) (١٢٧٤٢). والبخاري في كتاب: العلم، باب: ما جاء في العلم، وقوله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾، حديث (٦٣) (١/ ١٤٨ - ١٤٩). وأبو داود في كتاب: الصلاة، باب: ما جاء في المشرك يدخل المسجد، حديث (٤٨٦) (١/ ١٣١). والنسائي (٤/ ١٢٢ - ١٢٣) كتاب: الصيام، باب: وجوب الصيام. وابن ماجة في كتاب: الإقامة، باب: ما جاء في فرض الصلوات الخمس والمحافظة عليها، حديث (١٤٠٢) (١/ ٤٤٩ - ٤٥٠).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفين سقط من ز، خ.\n[¬٢]- في ز: ابن.\n[¬٣]- في ت: بهذا.","vol":"14","page":334},{"text":"قال ابن دينار: كان ابن عمر كثيرًا ما يحدثنا بهذا.\nفي إسناده ضعف، وعبد الله بن جعفر هذا هو المديني ضغفه ولده الإمام علي بن المديني وغيره.\nوقوله: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيهِمْ بِمُصَيطِرٍ﴾، أي: فذكر يا محمد الناس بما أرسلت به إليهم، فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب؛ ولهذا قال: ﴿لَسْتَ عَلَيهِمْ بِمُصَيطِرٍ﴾، قال ابن عباس، ومجاهد، وغيرهما: لست عليهم بجبار.\nوقال ابن زيد: لست بالذي تكرههم على الإيمان.\nقال الإمام أحمد (^١٥): حدثنا وكيع، عن سفيان، عن أبي الزبير، عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ: \"أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله ﷿\". ثم قرأ: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيهِمْ بِمُصَيطِرٍ﴾.\nوهكذا رواه مسلم في كتاب \"الإيمان\"، والترمذي والنسائي في كتاب \"التفسير\" من سننيهما، من حديث سفيان بن سعيد الثوري، به بهذه الزيادة. وهذا الحديث مخرج في الصحيحين (^١٦) من رواية أبي هريرة، بدون ذكر هذه الآية.\nوقوله: ﴿إلا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ﴾، أي: تولى عن العمل بأركانه، وكفر بالحق بجنانه ولسانه. وهذه كقوله: ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى (٣١) وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾؛ ولهذا قال: ﴿فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ﴾ قال الإمام أحمد (^١٧):\nحدثنا قتيبة، حدثنا ليث، عن سعيد بن أبي هلال، عن علي بن خالد؛ أن أبا أمامة الباهلي مر على خالد بن يزيد بن معاوية، فسأله عن ألين كلمة سمعها من رسول الله صلى الله\n_________\n(^١٥) المسند (٣/ ٣٠٠) (١٤٢٥٠). وأخرجه مسلم في كتاب: الإيمان، باب: الأمر بقتال الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، محمد رسول الله ﷺ …، حديث (٢١/ ٣٥) (١/ ٢٩١ - ٢٩٢). والترمذي في كتاب: التفسير، باب: ومن سورة الغاشية، حديث (٣٣٣٨) (٩/ ٧٤)، وقال حسن صحيح، والنسائي في الكبرى في كتاب: التفسير، باب: سورة الغاشية، حديث (١١٦٧٠) (٦/ ٥١٤).\n(^١٦) أخرجه البخاري في كتاب: الجهاد، باب: دعاء النبي لله الناس إلى الإسلام، حديث (٢٩٤٦) (٦/ ١١١ - ١١٢). ومسلم في كتاب: الإيمان، باب: الأمر بقتال الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، محمد رسول الله ﷺ …، حديث (٣٣/ ٢١) (١/ ٢٩٠). كلاهما من طريق الزهري عن سعيد بن المسيب عنه به.\n(^١٧) أخرجه أحمد (٥/ ٢٥٨) (٢٢٣٢٦). قال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (١٠/ ٤٠٦): رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح غير علي بن خالد الدولي وهو ثقة.","vol":"14","page":335},{"text":"عليه وسلم، فقال: سمعت رسول الله ﷺ؛ يقول: \"ألا كلكم يدخل الجنة، إلا من شرد على الله شراد البعير على أهله\".\nتفرد بإخراجه الإِمام أحمد، وعلي بن خالد، هذا ذكره ابن أبي حاتم عن أبيه، ولم يزد على ما هاهنا: روى عن أبي أمامة، وعنه سعيد بن أبي هلال.\nوقوله: ﴿إِنَّ إِلَينَا إِيَابَهُمْ﴾، أي: مرجعهم ومنقلبهم، ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَينَا حِسَابَهُمْ﴾، أي: نحن نحاسبهم على أعمالهم ونجازيهم بها، إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر.\n[آخر تفسير سورة الغاشية، ولله الحمد والمنة].\n* * *","vol":"14","page":336},{"text":"<span data-type='title' id=toc-210>[تفسير] سورة الفجر [وهي مكية]</span>\nقال النسائي (^١): أخبرنا عبد الوهاب بن الحكم، أخبرني يحيى بن سعيد، عن سليمان، عن [¬١] محارب بن دثار وأبي صالح، عن جابر؛ قال: صلى معاذ صلاة، فجاء رجل فصلى معه فطول، فصلى في ناحية المسجد ثم انصرف، فبلغ ذلك معاذًا [¬٢] فقال: منافق. فذكر ذلك لرسول الله ﷺ فسأل [¬٣] الفتى، فقال: يا رسول اللَّه؛ [جئت أصلي معه فطول] [¬٤] عليَّ، فانصرفت وصليت في ناحية المسجد، فعلفت ناضحي. فقال رسول الله ﷺ: \"أفتان [¬٥] يا معاذ؟ أين أنت من ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ - و﴿الشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ و﴿الْفَجْرِ﴾ - و﴿اللَّيلِ إِذَا يَغْشَى﴾ \".\nبِسم الله الرحمان الرحيم\n﴿وَالْفَجْرِ (١) وَلَيَالٍ عَشْرٍ (٢) وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (٣) وَاللَّيلِ إِذَا يَسْرِ (٤) هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ (٥) أَلَمْ تَرَ كَيفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (٦) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (٧) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ (٨) وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ (٩) وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ (١٠) الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ (١١) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ (١٢) فَصَبَّ عَلَيهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ (١٣) إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ (١٤)﴾\nأما الفجر فمعروف، وهو الصبح. قاله علي وابن عباس [¬٦]، ومجاهد، وعكرمة، والسدي.\nوعن مسروق، ومجاهد، ومحمد بن كعب: المراد به فجر يوم النحر خاصة، وهو خاتمة الليالي العشر.\nوقيل المراد بذلك الصلاة التي تفعل عندهم، كما قاله عكرمة.\n_________\n(^١) أخرجه النسائي في الكبرى في كتاب: التفسير، باب: و\"الشفع\"، حديث (١١٦٧٣) (٦/ ٥١٥).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: ابن.\n[¬٢]- في ز: معاذ.\n[¬٣]- في ز، خ: قال:\n[¬٤]- في ز: \"حيث أصلي معه يطول\".\n[¬٥]- في ز: أفتانا.\n[¬٦]- بياض في ز، خ.","vol":"14","page":337},{"text":"وقيل: المراد به جميع النهار. وهو رواية عن ابن عباس.\nوالليالي العشر: المراد بها عشر ذي الحجة. كما قاله ابن عباس وابن الزبير، ومجاهد وغير واحد من السلف والخلف. وقد ثبت في صحيح البخاري (^٢)، عن ابن عباس مرفوعًا: \"ما من أيام العمل الصالح أحب إلى الله فيهن [] [¬١] من هذه الأيام\" -يعني: عشر ذي الحجة- قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: \"ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجلًا خرج بنفسه وماله، ثم لم يرجع من ذلك بشيء\". وقيل: المراد بذلك العشر الأول من المحرم، حكاه أبو جعفر بن جرير ولم يعزه إلى أحد.\nوقد روى أبو كدينة، عن قابوس بن أبي ظبيان، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾، قال: هو العشر الأول من رمضان.\nوالصحيح القول الأول؛ قال الإمام أحمد (^٣):\nحدثنا زيد [¬٢] بن الحباب، حدثنا عياش بن عقبة، حدثني خير بن نعيم [¬٣]، عن أبي الزبير، عن جابر، عن النبي ﷺ قال: \"إن العشر عشر الأضحى، والوتر يوم عرفة، والشفع يوم النحر\".\nورواه النسائي عن محمد بن رافع وعبدة بن عبد الله، كل منهما عن زيد بن الحباب، به.\nورواه ابن جرير (^٤) وابن أبي حاتم، من حديث زيد بن الحباب به. [وهذا إسناد رجاله لا بأس بهم وعندي أن المتن في رفعه نكارة، والله أعلم] [¬٤].\nوقوله: ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾ قد تقدم في هذا الحديث أن الوتر يوم عرفة، لكونه التاسع، وأن الشفع يوم النحر لكونه العاشر. وقاله ابن عباس، وعكرمة، والضحاك أيضًا.\n(قول ثان)، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثني عقبة بن خالد، عن واصل بن السائب قال: سألت عطاء عن قوله: ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾، قلت [¬٥]: صلاتنا\n_________\n(^٢) أخرجه البخاري في كتاب: العيدين، باب: فضل العمل في أيام التشريق، حديث (٩٦٩) (٢/ ٢ / ٤٥٧) ولفظه \"ما العمل في أيام العشر أفضل من العمل في هذه … \" الحديث. وقد بين ابن حجر في شرحه الروايات الواردة في ذلك وأزال الإشكال الوارد في هذه الرواية فليراجع فإن فيه فوائد جمة.\n(^٣) المسند (٣/ ٣٢٧) (١٤٥٥٣). والنسائي في الكبرى في كتاب: التفسير، سورة الفجر، حديث (١١٦٧١، ١١٦٧٢) (٦/ ٥١٤).\n(^٤) تفسير الطبري (٣٠/ ١٦٩) طرفًا منه.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: العمل.\n[¬٢]- في خ: يزيد.\n[¬٣]- في ز: أحيم.\n[¬٤]- ما بين المعكوفين سقط من ت.\n[¬٥]- في ز: قال:","vol":"14","page":338},{"text":"وترنا هذا؟ قال: لا، ولكن الشفع يوم عرفة والوتر ليلة الأضحى.\n(قول ثالث)، و[¬١] قال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عامر بن إبراهيم الأصبهاني، حدثني أبي، عن النعمان -يعني ابن عبد السلام- عن أبي سعيد بن عوف، حدثني بمكة قال: سمعت عبد الله بن الزبير يخطب الناس، فقام إليه رجل فقال: يا أمير المؤمنين، أخبرني عن الشفع والوتر. فقال: الشفع قول الله ﷿: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَينِ فَلَا إِثْمَ عَلَيهِ﴾، والوتر قوله: ﴿وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيهِ﴾.\nوقال ابن جريج [¬٢]: أخبرني محمد بن المرتفع أنه سمع ابن الزبير يقول: الشفع أوسط أيام التشريق، والوتر آخر أيام التشريق.\nوفي الصحيحين (^٥) من رواية أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ: \"إن لله تسعة وتسعين اسمًا، مائة إلا واحدًا، من أحصاها دخل الجنة، وهو وتر يحب الوتر\".\n(قول رابع)، قال الحسن البصري، وزيد بن أسلم: الخلق كلهم شفع، ووتر، أقسم تعالى بخلقه. وهو رواية عن مجاهد، والمشهور عنه الأول.\nوقال العوفي، عن ابن عباس: ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾، قال: الله وتر واحد، وأنتم شفع. ويقال: الشفع صلاة الغداة، والوتر: صلاة المغرب.\n(قول خامس)، قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا عبيد [¬٣] الله بن موسى، عن إسرائيل، عن أبي يحيى، عن مجاهد: ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾، قال: الشفع الزوج، والوتر: الله ﷿.\nوقال أبو عبد [¬٤] الله عن مجاهد: الله الوتر، وخلقه الشفع، الذكر [¬٥] والأنثى.\nوقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله: ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾: كل شيء خلقه الله شفع، السماء والأرض، والبر والبحر، والجن والإِنس، والشمس والقمر، ونحو هذا. ونحا مجاهد في هذا ما ذكروه في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيءٍ خَلَقْنَا زَوْجَينِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ أي: لتعلموا أن خالق الأزواج واحد.\n(قول سادس)، قال قتادة، عن الحسن: ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾: هو العدد، منه شفع ومنه\n_________\n(^٥) تقدم تخريجه في تفسير سورة الفاتحة.\n_________\n[¬١]- سقط من ز.\n[¬٢]- في ز، خ: جرير.\n[¬٣]- في ز، خ: عبد.\n[¬٤]- في ز: عبيد.\n[¬٥]- في ز: والذكر.","vol":"14","page":339},{"text":"وتر.\n(قول سابع) في الآية الكريمة رواه ابن أبي حاتم وابن جرير من طريق ابن جريج ثم قال ابن جرير (^٦): وروي عن النبي ﷺ خبر يؤيد القول الذي ذكرنا عن أبي [¬١] الزبير: حدثني عبد الله بن أبي زياد القطواني [¬٢]، حدثنا زيد بن الحباب، أخبرني عياش بن عقبة، حدثني خير [¬٣] بن نعيم، عن أبي الزبير، عن جابر: أن رسول الله ﷺ قال: \"الشفع اليومان، والوتر اليوم الثالث\".\nهكذا أورد [¬٤] هذا الخبر بهذا اللفظ، وهو مخالف لما تقدم من اللفظ في رواية أحمد والنسائي وابن أبي حاتم، وما رواه هو أيضًا، والله أعلم.\nقال أبو العالية، والربيع بن أنس، وغيرهما: هي الصلاة، منها شفع كالرباعية والثنائية، ومنها وتر كالمغرب، فإنها ثلاث، وهي وتر النهار. وكذلك صلاة الوتر في آخر التهجد من [¬٥] الليل.\nوقد قال عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، عن عمران بن حصين: ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾، قال: هي الصلاة المكتوبة، منها شفع ومنها وتر، وهذا منقطع وموقوف، ولفظه خاص بالمكتوبة. وقد روي متصلًا مرفوعًا إلى النبي ﷺ ولفظه عام، قال الإمام أحمد (^٧):\nحدثنا أبو داود هو الطيالسي، حدثنا همام، عن قتادة، عن عمران بي عصام [¬٦]؛ أن شيخًا حدثه من أهل البصرة، عن عمران بن حصين؛ أن رسول الله ﷺ سئل عن الشفع والوتر؛ فقال: \"هي الصلاة، بعضها شفع، وبعضها وتر\".\nهكذا وقع في المسند، وكذا رواه ابن جرير (^٨) عن بندار، عن عفان وعن أبي كريب، عن عبيد الله بن موسى، كلاهما [¬٧] عن همام -وهو ابن يحيى- عن قتادة، عن عمران بن عصام، عن شيخ، عن عمران بن حصين.\n_________\n(^٦) تفسير الطبري (٣٠/ ١٧٢).\n(^٧) المسند (٤/ ٤٣٧) (١٩٩٧٣).\n(^٨) تفسير الطبري (٣٠/ ١٧٢).\n_________\n[¬١]- في خ: ابن.\n[¬٢]- في ز، خ: القطناني.\n[¬٣]- في ز، خ: حر. وفي المطبوع من الطبري: جبير.\n[¬٤]- في ت: ورد.\n[¬٥]- في ز: في.\n[¬٦]- في ز: عاصم.\n[¬٧]- في ت: كليهما.","vol":"14","page":340},{"text":"وكذا رواه أبو عيسى الترمذي (^٩)، عن عمرو بن علي، عن ابن مهدي وأبي داود، كلاهما [¬١] عن همام، عن قتادة، عن عمران بن عصام، عن رجل من أهل البصرة، عن عمران بن حصين، به. ثم قال: غريب، لا نعرفه إلا من حديث قتادة، وقد رواه خالد بن قيس [] [¬٢] أيضًا عن قتادة.\nوقد روي عن عمران بن عصام، عن عمران نفسه، والله أعلم.\nقلت: ورواه ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان الواسطي، حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا همام، عن قتادة، عن عمران بن عصام الضبعي، -شيخ من أهل البصرة- عن عمران ابن حصين، عن النبي ﷺ … فذكره، هكذا رأيته في تفسيره، فجعل الشيخ البصري هو عمران بن عصام.\nوهكذا رواه ابن جرير (^١٠): حدثنا نصر بن علي، حدثني أبي، حدثني خالد بن قيس، عن قتادة، عن عمران بن عصام، عن عمران بن حصين، عن النبي ﷺ في الشفع والوتر قال: \"هي الصلاة، منها شفع، ومنها وتر\".\nفأسقط ذكر الشيخ المبهم، وتفرد به عمران بن عصام الضبعي أبو عمارة البصري، إمام مسجد بني ضبيعة، وهو والد أبي جمرة [¬٣] نصر بن عمران الضبعي. روى عنه قتادة، وابنه أبو جمرة [¬٤]، والمثنى [¬٥] بن سعيد، وأبو التياح يزيد بن حميد. وذكره ابن حبان في كتاب الثقات، وذكره خليفة بن خياط في التابعين من أهل البصرة، وكان شريفًا نبيلًا [¬٦] حظيًّا عند الحجاج بن يوسف، ثم قتله يوم الزاوية سنة ثلاث وثمانين لخروجه مع ابن الأشعث، وليس له عند الترمذي سوى هذا الحديث الواحد. وعندي أن وقفه على عمران بن حصين أشبه، والله أعلم.\nولم يجزم ابن جرير بشيء من هذه الأقوال في الشفع والوتر.\nوقوله: ﴿وَاللَّيلِ إِذَا يَسْرِ﴾، قال العوفي، عن ابن عباس: أي إذا ذهب.\nوقال عبد الله بن الزبير: ﴿وَاللَّيلِ إِذَا يَسْرِ [¬٧]﴾ حتى يذهب بعضه بعضًا.\n_________\n(^٩) سنن الترمذي، كتاب: التفسير، باب: ومن سورة الفجر، حديث (٣٣٣٩) (٩/ ٧٠).\n(^١٠) تفسير الطبري (٣٠/ ١٧٢).\n_________\n[¬١]- في ت: كليهما.\n[¬٢]- في ز: بن قيس. كذا.\n[¬٣]- في ز، خ: حمزة.\n[¬٤]- في ز، خ: حمزة.\n[¬٥]- في ز: وأنس.\n[¬٦]- سقط من ز، خ.\n[¬٧]- في ز: يسري. وكذلك في كل موضع تذكر فيه بعد ذلك.","vol":"14","page":341},{"text":"وقال مجاهد، وأبو العالية، وقتادة، ومالك، عن زيد بن أسلم وابن زيد: ﴿وَاللَّيلِ إِذَا يَسْرِ﴾: إذا سار.\nوهذا يمكن [¬١] حمله على ما قال ابن عباس، أي: ذهب. ويحتمل أن يكون المراد إذا سار، أي: أقبل. وقد يقال: أن هذا أنسب، لأنه في مقابلة قوله: ﴿وَالْفَجْرِ﴾، فإن الفجر هو إقبال النهار وإدبار الليل، فإذا حمل قوله: ﴿وَاللَّيلِ إِذَا يَسْرِ﴾، على (قباله كان قسمًا بإقبال الليل وإدبار النهار. وبالعكس، كقوله: ﴿وَاللَّيلِ إِذَا عَسْعَسَ (١٧) وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ﴾. وكذا قال الضحاك: ﴿إِذَا يَسْرِ﴾ أي: يجري.\nوقال عكرمة: ﴿وَاللَّيلِ إِذَا يَسْر﴾، يعني: ليلة جمع [¬٢]. رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم.\nثم قال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن عصام، حدثنا أبو عامر، حدثنا كثير بن عبد الله بن عمرو قال: سمعت محمد بن كعب القرظي، يقول في قوله: ﴿وَاللَّيلِ إِذَا يَسْر﴾، قال: اسر يا سار [¬٣] ولا تبيتن إلا بجَمْع.\nوقوله: ﴿هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ﴾، أي: لذي عقل ولب وحجًّا [¬٤]، وإنما سمى العقل حجْرًا لأنه يمنع الإنسان من [¬٥] تعاطى ما لا يليق به من الأفعال والأقوال، ومنه جر البيت لأنه يمنع الطائف من اللصوق بجداره الشامي. ومنه حجر اليمامة، وحَجَرَ الحاكم على فلان: إذا منعه التصرف، ﴿وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾، كل هذا من قبيل واحد، ومعنى متقارب، وهذا القسم هو بأوقات العبادة، وبنفس العبادة من حج وصلاة وغير ذلك من أنواع القرب التي يتقرب بها المتقون المطيعون له، الخائفون منه، المتواضعون [¬٦] لديه، الخاشعون لوجهه الكريم.\nولما ذكر هؤلاء وعبادتهم وطاعتهم قال بعده: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ؟﴾، وهؤلاء كانوا متمردين عتاة جبارين، خارجين عن طاعته مكذبين لرسله، جاحدين لكتبه، فذكر تعالى كيف أهلكهم ودمرهم، وجعلهم أحاديث وعِبَرًا: فقال: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (٦) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ﴾: وهؤلاء عاد الأولى، وهم أولاد عاد بن إرم بن عوص بن سام بن نوح، قاله ابن إسحاق، وهم الذين بعث الله [¬٧] فيهم رسوله هودًا ﵇ فكذبوه وخالفوه، فأنجاه الله من بين أظهرهم، ومن آمن معه منهم، وأهلكهم بريح صرصر\n_________\n[¬١]- في ز: ممكن.\n[¬٢]- في ز: أجمع.\n[¬٣]- في ز: ساري.\n[¬٤]- في خ: وحجار.\n[¬٥]- في ز: عن.\n[¬٦]- في خ: الخاضعون.\n[¬٧]- سقط من ز.","vol":"14","page":342},{"text":"عاتية، ﴿سَخَّرَهَا عَلَيهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاويَةٍ (٧) فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ﴾. وقد ذكر الله قصتهم في القرآن في غير ما موضع؛ ليعتبر بمصرعهم المؤمنون.\nفقوله تعالى: ﴿إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ﴾: عطف بيان، زيادة تعريف بهم.\nوقوله: ﴿إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ﴾ لأنهم كانوا يسكنون ييوت الشعر التي ترفع بالأعمدة الشداد، وقد كانوا أشد الناس في زمانهم خلقة وأقواهم بطشًا؛ ولهذا ذكرهم هود [¬١] بتلك النعمة، وأرشدهم إلى أن يستعملوها في طاعة ربهم الذي خلقهم، فقال: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَال بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٧٤)﴾ [الأعراف: ٧٤]. وقال تعالى: ﴿فَأَمَّا [¬٢] عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾. وقال هاهنا: ﴿الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ﴾، أي: القبيلة التي لم يخلق مثلها في بلادهم، لقوتهم وشدتهم وعظم تركيبهم.\nقال مجاهد: ارم: أمة قديمة. يعني عادًا الأولى، كما قال قتادة بن دعامة، والسدي: أن إرم بيت يملكه [¬٣] عاد. وهذا قول حسن جيد قوي.\nوقال مجاهد وقتادة والكلبي في قوله: ﴿ذَاتِ الْعِمَادِ﴾ كانوا أهل عمود لا يقيمون.\nوقال العوفي، عن ابن عباس: إنما قيل لهم: ﴿ذَاتِ الْعِمَادِ﴾ لطولهم.\nواختار الأول ابن جرير، ورد الثاني فأصاب.\nوقوله: ﴿الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ﴾: أعاد ابن زيد الضميرَ على العماد، لارتفاعها، وقال: بنوا عُمُدًا بالأحقاف لم يخلق مثلها في البلاد. وأما قتادة وابن جرير فأعاد الضمير على القبيلة، أي: لم يخلق مثل تلك القبيلة في البلاد، يعني في زمانهم. وهذا القول هو الصواب، وقول ابن زيد ومن ذهب مذهبه - ضعيف، لأنه لو كان أراد ذلك لقال: التي لم يعمل مثلها في البلاد، وإنما قال: ﴿لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ﴾.\nوقال ابن أبي حاتم (^١١): حدثنا أبي، حدثنا أبو صالح كاتب الليث، حدثني معاوية بن صالح، عمن حدثه عن المقدام، عن النبي ﷺ أنه ذكر: ﴿إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ﴾ فقال: \"كان الرجل منهم يأتي على الصخرة فيحملها على الحي فيهلكهم\".\n_________\n(^١١) ذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" (٦/ ٥٨٣) وزاد نسبته إلى ابن مردويه.\n_________\n[¬١]- سقط من ز،\n[¬٢]- في ز: وأما. كذا.\n[¬٣]- في ت: مملكة.","vol":"14","page":343},{"text":"ثم قال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا أبو الطاهر، حدثنا أنس بن عياض، عن ثور بن زيد الديلي. قال: قرأت كتابًا -قد سمى حيث قرأه-: أنا شداد بن عاد، وأنا الذي رفعت العماد، وأنا الذي شددت بذراعي نظر واحد، وأنا الذي كنزت كنزًا على سبعة أذرع، لا يخرجه إلا أمة محمد ﷺ.\nقلت: فعلى كل قول سواء كانت العماد أبنية بنوها، أو أعمدة بيوتهم للبدو، أو سلاحًا يقاتلون به، أو طول الواحد منهم فهم قبيلة وأمة من الأمم، وهم المذكورون في القرآن في غير ما موضع، المقرونون بثمود كما هاهنا، والله أعلم.\nومن زعم أن المراد بقوله: ﴿إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ﴾ مدينة إما دمشق، كما روي عن سعيد بن المسيب وعكرمة -أو إسكندرية كما روي عن القُرَظي -أو غيرهما- ففيه نظر، فإنه كيف يلتئم الكلام على هذا: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (٦) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ﴾، إن جعل ذلك بدلًا أو عطف بيان، فإنه لا يتسق الكلام حينئذ. ثم المراد إنما هو الأخبار عن إهلاك القبيلة المسماة بعاد، وما أحل الله بهم من بأسه الذي لا يرد، لا أن المراد الأخبار عن مدينة أو إقليم.\nوإنما نبهت على ذلك [¬١] لئلا يغتر بكثير مما ذكره جماعة من المفسرين عند هذه الآية، من ذكر مدينة يقال لها: ﴿إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ﴾، مبنية بلبن الذهب والفضة، قصورها ودورها وبساتينها، وأن حصباءها لآلئ وجواهر، وترابها بنادق المسك، وأنهارها سارحة، وثمارها ساقطة، ودورها لا أنيس بها، وسورها وأبوابها تصفر، ليس بها داع ولا مجيب. وأنها تنتقل فتارة تكون بأرض الشام، وتارة باليمن، وتارة بالعراق، وتارة بغير ذلك من البلاد فإن هذا كله من خرافات الإسرائيليين، من وضع بعض زنادقتهم، ليختبروا بذلك عقول الجهلة من الناس أن تصدقهم في جميع ذلك.\nوذكر الثعلبي وغيره أن رجلًا من الأعراب -وهو عبد الله بن قلابة- في زمان معاوية ذهب في طلب أباعر له شردت، فبينما هو يتيه في ابتغائها، إذ اطلع على مدينة عظيمة لها سرر وأبواب، فدخلها فوجد فيها قريبًا مما ذكرناه من صفات المدينة الذهبية التي تقدم ذكرها، وأنه رجع فأخبر الناس، فذهبوا معه إلى المكان الذي قال فلم يروا شيئًا.\nوقذ ذكر ابن أبي حاتم قصة ﴿إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ﴾ هاهنا مطولة جدًّا، فهذه الحكاية ليس يصح إسنادها، ولو صح إلى ذلك الأعرابي فقد كون اختلق ذلك، أو أنه أصابه نوع من الهَوَس والخبال، فاعتقد أن ذلك له حقيقة في الخارج، وليس كذلك، وهذا مما يقطع بعدم صحته، وهذا قريب مما يخبر به كثير من الجهلة والطامعين والمتحيلين، من وجود مطالب تحت الأرض، فيها قناطير الذهب والفضة، وألوان الجواهر واليواقيت واللآلئ والإكسير الكبير، لكن\n_________\n[¬١]- في ز: هذا.","vol":"14","page":344},{"text":"عليها موانع تمنع من الوصول إليها والأخذ منها، فيحتالون على أموال الأغنياء والضعفة والسفهاء، فيأكلونها بالباطل في صرفها في بخاخير وعقاقير ونحو ذلك من الهذيانات، ويَطْنزُون بهم. والذي يجزم به أن في الأرض دفائن جاهلية وإسلامية وكنوزًا كثيرة، من ظفر بشيء منها أمكنه تحوطه، فأما [¬١] على الصفة التي زعموها فكذب وافتراء وبهت، ولم يصح في ذلك شيء مما يقولونه إلا عن نقلهم أو نقل من أخذ عنهم، والله ﷾ الهادي للصواب.\nوقول ابن جرير: يحتمل أن يكون المراد بقوله: ﴿إِرَمَ﴾ قبيلة أو بلدة كانت عاد تسكنها، فلذلك [¬٢] لم تصرف- فيه نظر؛ لأن المراد من السياق إنما هو الأخبار عن القبيلة؛ ولهذا قال بعده: ﴿وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ﴾، يعني يقطعون الصخر بالوادي [¬٣]. قال ابن عباس: ينحتونها ويخرقونها. وكذا قال مجاهد وقتادة، والضحاك وابن زيد، ومنه يقال \"مُجتابي النّمار\" إذا خرقوها، واجتاب الثوب: إذا [فتحه. و] [¬٤] منه الجيب أيضًا. وقال الله تعالى: ﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ﴾.\nوأنشد ابن جرير وابن أبي حاتم هاهنا قول الشاعر:\nألا كُلّ شيء -ما خَلَا الله- بائد … كَما بَاد حيّ من شنيف ومارد\nهم ضربوا في كل صماء صعدة … بأيد شداد أيدات السواعد\nوقال ابن إسحاق: كانوا عربًا، وكان منزلهم بوادي القرى. وقد ذكرنا [قصة عاد] [¬٥] مستقصاة في سورة الأعراف، بما أغنى عن إعادته.\nوقوله: ﴿وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ﴾، قال العوفي، عن ابن عباس: الأوتاد: الجنود الذين يشدون له أمره. ويقال: كان فرعون يوتد أيديهم وأرجلهم في أوتاد من حديد يعلقهم بها. وكذا قال مجاهد: كان يوتد الناس بالأوتاد، وهكذا قال سعيد بن جبير والحسن والسدي. قال السدي: كان يربط الرجل، [] [¬٦] كل قائمة من قوائمه في وتد، ثم يرسل عليه صخرة عظيمة فتشدخه.\nوقال قتادة: بلغنا أنه كانت له مطال وملاعب، يُلْعَب له تحتها، من أوتاد وحبال.\nوقال ثابت البناني، عن أبي رافع: قيل لفرعون ذي الأوتاد، لأنه ضرب لامرأته أربعة أوتاد، ثم جعل على ظهرها رحى عظيمة حتى ماتت.\n_________\n[¬١]- سقط من ز.\n[¬٢]- في ز: فكذلك.\n[¬٣]- في ز: بالواد.\n[¬٤]- في ز: فتحت.\n[¬٥]- في ز: قصته.\n[¬٦]- في ز: في.","vol":"14","page":345},{"text":"وقوله: ﴿الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ (١١) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ﴾، أي: تمردوا وعتوا وعاثوا في الأرض بالإفساد والأذية للناس، ﴿فَصَبَّ عَلَيهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ﴾، أي: أنزل عليهم رجزًا من السماء، وأحل بهم عقوبة لا يردها عن القوم المجرمين.\nوقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ قال ابن عباس: يسمع ويرى.\nيعني: يرصد خلقه فيما يعملون، ويجازي كلًّا بسعيه في الدنيا والأخرى، وسيعرض الخلائق كلهم عليه، فيحكم فيهم بعدله، ويقابل كلًّا بما يستحقه. وهو المنزه عن الظلم والجور.\nوقد ذكر ابن أبي حاتم هاهنا حديئًا غريبًا جدًّا -وفي إسناده نظر و[¬١] في صحته- فقال: حدثنا أبي، حدثنا أحمد بن أبي الحواري، حدثنا يونس الحذاء، عن أبي حمزة البيساني، عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله ﷺ: \"يا معاذ، إن المؤمن لدى الحق أسير. يا معاذ، إن المؤمن لا يسكن روعه، ولا يأمن اضطرابه حتى يُخَلّف جسر جهنم خلف ظهره. يا معاذ، إن المؤمن قيده القرآن عن كثير من شهواته، وعن أن يهلك فيها هو بإذن الله ﷿ فالقرآن دليله، والخوف محجته، والشوق مطيته، والصلاة كهفه، والصوم جنته، والصدقة فكاكه، والصدق أميره، والحياء وزيره، وربه ﷿ من وراء ذلك كله بالمرصاد\".\nقال ابن أبي حاتم: [يونس الحذاء وأبو حمزة مجهولان، وأبو حمزة عن معاذ مرسل. ولو كان عن أبي حمزة لكان حسنًا. أي: لو كان من كلامه لكان حسنًا. ثم قال ابن أبي حاتم] [¬٢]:\nحدثنا أبي، حدثنأ صفوان بن صالح، حدثنا الوليد بن مسلم، عن صفوان بن عمرو، عن أيفع بن عبد الكلاعي، أنه سمعه وهو يعظ الناس يقول: إن لجهنم سبع قناطر -قال: والصراط عليهن، قال:- فيحبس الخلائق عند القنطرة الأولى، فيقول: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾، قال: فيحاسبون على الصلاة ويُسألون عنها، قال: فيهلك فيها من هلك، وينجو من نجا، فإذا بلغوا القنطرة الثانية حُوسبوا على الأمانة كيف أدوها، وكيف خانوها؟ قال: فيهلك من هلك وينجو من نجا، فإذا بلغوا القنطرة الثالثة سُئلوا عن الرحم كيف وَصَلوها وكيف قطعوها؟ قال: فيهلك من هلك وينجو من نجا، قال: والرحم يومئذ متدلية [¬٣] إلى الهُويّ في جهنم تقول: اللهم من وصلني فَصِلْه، ومن قطعني فاقطعه، قال: وهي التي يقول الله ﷿: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ [هكذا أورد هذا الأثر ولم يذكر تمامه] [¬٤].\n_________\n[¬١]- سقط من ز.\n[¬٢]- ما بين المعكوفين سقط من ز، خ.\n[¬٣]- في ز: متدل.\n[¬٤]- سقط من ت.","vol":"14","page":346},{"text":"وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (١٥) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ (١٦) كَلَّا بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (١٧) وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (١٨) وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا (١٩) وَتُحِبُّونَ الْمَال حُبًّا جَمًّا (٢٠)﴾\nيقول تعالى منكرًا على الإنسان في اعتقاده إذا وسع الله عليه في الرزق ليختبره في ذلك، فيعتقد أن ذلك من الله إكرام له وليس كذلك، بل هو ابتلاء وامتحان. كما قال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ﴾. وكذلك في الجانب الآخر إذا ابتلاه وامتحنه [¬١] وضَيّق عليه في الرزق، يعتقد أن ذلك من الله إهانة له. قال الله: ﴿كَلَّا﴾، أي: ليس الأمر كما زعم، لا في هذا ولا في هذا، فإن الله يعطي المال [من يحب ومن لا يحب، وضيق على من يحب ومن لا يحب] [¬٢]، وإنما المدار في ذلك على طاعة الله في كل من الحالين، إذا كان غنيًّا بأن يشكر الله على ذلك، وإذا كان فقيرًا بأن يصبر.\nوقوله: ﴿بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ﴾، فيه أمر بالإكرام له، كما جاء في الحديث الذي رواه عبد الله بن المبارك (^١٢)، عن سعيد بن أبي [¬٣] أيوب، عن يحيى بن أبي [¬٤] سليمان، عن زيد [¬٥] بن أبي عتاب [¬٦]، عن أبي هُرَيرة، عن النبي ﷺ: \"خير بيت في المسلمين بيت فيه يتيم يحسن إليه، وشر بيت في المسلمين بيت فيه يتيم يُسَاء إليه -ثم قال بإصبعه أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا\".\nوقال أبو داود (^١٣): حدثنا محمد بن الصباح بن سفيان، أخبرنا عبد العزيز -يعني: ابن\n_________\n(^١٢) أخرجه عبد الله بن المبارك في الزهد (ص ٢٣٠) (٦٥٤). وأخرجه ابن ماجة (٣٦٧٩) مختصرًا. قال البوصيري في \"الزوائد\" (٣/ ١٦٥): هذا إسناد ضعيف؛ يحيى بن سليمان -أبو صالح- قال فيه البخاري: منكر. وقال أبو حاتم: مضطرب الحديث. وذكره ابن حبان في الثقات.\n(^١٣) سنن أبي داود كتاب: الأدب، باب: في من ضم اليتيم، حديث (٥١٥٠) (٤/ ٣٣٨). وأخرجه البخاري في كتاب: الطلاق، باب: اللعان، حديث (٥٣٠٤) (٩/ ٤٣٩) وطرفه في [٦٠٠٥].\n_________\n[¬١]- في ز: فامتحنه.\n[¬٢]- في خ: \"لمن يحب ولا يحب\".\n[¬٣]- سقط من ز.\n[¬٤]- سقط من ز.\n[¬٥]- في ز، خ: يزيد.\n[¬٦]- في ز، خ: غياث.","vol":"14","page":347},{"text":"أبي حازم [¬١]- حدثني أبي، عن سهل -يعني: ابن سعيد [¬٢]- أن رسول الله ﷺ قال: \"أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة\". وقرن بن إصبعيه [¬٣]: الوسطى والتي تلي الإِبهام.\n﴿وَلَا تَحَاضُّونَ [¬٤] عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾، يعني: لا يأمرون بالإحسان إلى الفقراء والمساكين، ويحث بعضهم على بعض في ذلك، ﴿وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ﴾ يعني: الميراث ﴿أَكْلًا لَمًّا﴾، أي: من أي جهة حصل لهم، من حلال أو حرام، ﴿وَتُحِبُّونَ الْمَال حُبًّا جَمًّا﴾، أي: كثيرًا- زاد بعضهم: فاحشًا.\n﴿كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (٢١) وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢) وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى (٢٣) يَقُولُ يَاليتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي (٢٤) فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ (٢٥) وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ (٢٦) يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي (٣٠)﴾\nيخبر تعالى عما يقع يوم القيامة من الأهوال العظيمة، فقال: ﴿كَلَّا﴾، أي: حقا ﴿إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا﴾، أي: وطئت ومهدت وسويت الأرض والجبال، وقام الخلائق من قبورهم لربهم، ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾، يعني لفصل القضاء بين خلقه، وذلك بعد ما يستشفعون إليه بسيد ولد آدم على الإطلاق محمد ﷺ بعد ما يسألون أولي العزم [من الرسل] [¬٥] واحدًا بعد واحد، فكلهم يقول: لست بصاحب ذاكم، حتى تنتهي النوبة إلى محمد ﷺ فيقول: \"أنا لها، أنا لها\". فيذهب فيشفع عند الله في أن يأتي لفصل القضاء فيشفعه [¬٦] الله في ذلك، وهي أول الشفاعات، وهي المقام المحمود، كما تقدم بيانه في سورة \"سبحان\". فيجيء الرب تعالى لفصل القضاء كما يشاء، والملائكة يجيئون بين يديه صفوفًا صفوفًا.\nوقوله: ﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾، قال الإِمام مسلم بن الحجاج (^١٤) في صحيحه: حدثنا\n_________\n(^١٤) صحيح مسلم في باب: الجنة، باب: في شدة حر نار جنهم، حديث (٢٩/ ٢٨٤٢) (١٧/ ٢٦١).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: حاتم.\n[¬٢]- في ز، خ: سعد.\n[¬٣]- في ز: أصابعه.\n[¬٤]- في ز: تحضون.\n[¬٥]- سقط من ز.\n[¬٦]- في ز، خ: فيستغفر.","vol":"14","page":348},{"text":"عمر بن حفص بن غيَاث، حدثنا أبي، عن العلاء بن خالد [¬١] الكاهلي، عن شقيق، عن عبد الله -هو ابن مسعود- قال: قال رسول الله ﷺ: \"يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف [زمام، مع كل زمام سبعون ألف] [¬٢] مَلَك يجرونها\" وهكذا رواه الترمذي (^١٥) عن عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، عن عُمَر بن حفص، به [¬٣]. ورواه أيضًا (^١٦) عن عبد بن حُمَيد عن أبي عامر، عن سفيان الثوري، عن العلاء بن خالد، عن شقيق بن سلمة -وهو أبو وائل- عن عبد الله بن مسعود، قوله ولم يرفعه. وكذا رواه ابنُ جرير (^١٧)، عن الحسن بن عرفة، عن مَروان بن معاوية الفزاري، عن العلاء بن خالد، عن شقيق، عن عبد الله، قوله.\nوقوله: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ﴾، أي: عملَه وما كان أسلفه في قديم دهره وحديثه، ﴿وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى﴾، أي: وكيف تنفعه الذكرى؟ يقول: ﴿يَاليتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾، يعني: يندم على ما كان سلف منه من المعاصي -إن كان عاصيًا- ويود لو كان ازداد من الطاعات-[إن كان طائعًا] [¬٤]-كما قال الإمام أحمد بن حنبل (^١٨):\nحدثنا علي بن إسحاق، حدثنا عبد الله -يعني: ابن المبارك- حدثنا ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، عن جبير بن نفير، عن محمد بن أبي عَميرَة [¬٥]-وكان من أصحاب رسول الله ﷺ قال: \"لو أن عبدًا خر على وجهه من يوم ولد إلى أن يموت هَرمًا [¬٦] في طاعة الله، لَحَقِره يوم القيامة، ولودّ أده يُرَدّ إلى الدنيا كيما [¬٧] يزداد مَن الأجر والثواب\".\n[وقد رواه أيضًا] [¬٨] [بَحِيرُ بن سَعد (^١٩)] [¬٩] عن خالد بن معدان، عن عتبة بن عبد [¬١٠]\n_________\n(^١٥) سنن الترمذي، كتاب: صفة جنهم، باب: ما جاء في صفة النار، حديث (٢٥٧٦) (٧/ ٢٤٧).\n(^١٦) سنن الترمذي في الموضع السابق.\n(^١٧) والطبري (٣٠/ ١٨٨).\n(^١٨) المسند (٤/ ١٨٥) (١٧٧٠١). قال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (١٠/ ٢٢٨): رواه أحمد موقوفًا ورجاله رجال الصحيح.\n(^١٩) المسند (٤/ ١٨٥) (١٧٧٠٠). قال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (١٠/ ٢٢٨): رواه أحمد وإسناده جيد.\n_________\n[¬١]- في ز: مخلد.\n[¬٢]- سقط من ز، خ.\n[¬٣]- سقط من ز، خ.\n[¬٤]- سقط من ز، خ.\n[¬٥]- في ز، خ: عمرة.\n[¬٦]- سقط من ز، خ.\n[¬٧]- في ز، خ: كما.\n[¬٨]- في ت: ورواه.\n[¬٩]- بياض في ز، خ.\n[¬١٠]- في ز، خ: عبيد.","vol":"14","page":349},{"text":"عن رسول الله ﷺ.\nقال الله تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ﴾، أي: ليس أحد [¬١] أشد عذابًا من تعذيب الله من عصاه، ﴿وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾، أي: وليس أحد أشد قبضًا ووثقًا من الزبانية لمن كفر بربهم ﷿ هذا في حق المجرمين من الخلائق والظالمين، فأما النفس الزكية المطمئنة وهي الساكنة الثابتة الدائرة مع الحق فيقال لها: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ﴾، أي: إلى جواره وثوابه وما أعد لعباده في [¬٢] جنته، ﴿رَاضِيَةً﴾، أي: في نفسها ﴿مَرْضِيَّةً﴾، أي: قد رضيت عن الله ورضي عنها وأرضاها، ﴿فَادْخُلِي فِي عِبَادِي﴾، أي: في جملتهم، ﴿وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾. وهذا يقال لها عند الاحتضار، وفي يوم القيامة أيضًا، كما أن الملائكة يبشرون المؤمن عند احتضاره وعند قيامه من قبره، وكذلك هاهنا.\nثم اختلف المفسرون فيمن نزلت هذه الآية، فروى الضحاك، عن ابن عباس: نزلت في عثمان بن عفان. وعن بُرَيدة بن الحُصَيب: نزلت في حَمزة بن عبد المطلب ﵁.\nوقال العَوفيّ، عن ابن عباس: يقال للأرواح المطمئنة يوم القيامة: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ﴾، يعني صاحبك، وهو بدنها الذي كانت تعمره في الدنيا، ﴿رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾.\nوروي عنه أنه كان يقرؤها: ﴿فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ وكذا قال عكرمة والكلبي، واختاره ابن جرير وهو غريب، والظاهر الأول؛ لقوله: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ﴾، ﴿وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ﴾ أي: إلى حكمه والوقوف [¬٣] بين يديه.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا أحمد بن عبد الرحمن بن عبد الله الدشتكي، حدثني أبي، عن أبيه، عن أشعث، عن جعفر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾، قال: نزلت وأبو بكر جالس، فقال: يا رسول الله، ما أحسن هذا. فقال: \"أما [¬٤] إنه سيقال لك هذا\".\nثم قال: حدثنا أبو سعيد الأشج (^٢٠)، حدثنا ابن يمان، عن أشعث، عن سعيد بن جبير قال: قرئت [¬٥] عند النبي ﷺ: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ\n_________\n(^٢٠) أخرجه أبو نعيم في الحلية (٤/ ٢٨٣ - ٢٨٤) من طريق أشعث عن جعفر عن سعيد بن جبير.\n_________\n[¬١]- في ز: أحدًا.\n[¬٢]- في ز، خ: إلى.\n[¬٣]- في ز: وتويره. كذا بلا نقط. وفي خ: وموقفه.\n[¬٤]- سقط من خ.\n[¬٥]- في الأصول: قرأت.","vol":"14","page":350},{"text":"رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾، فقال أبو بكر ﵁: أن هذا لحسن [¬١]. فقال له النبي ﷺ: \"أما إن الملك سيقول لك هذا عند الموت\".\nوكذا رواه ابن جرير (^٢١) عن أبي كريب، عن ابن يمان به، وهذا مرسل حسن.\nثم قال ابن أبي حاتم: وحدثنا الحسن بن عرفة، حدثنا مَرْوان بن شجاع الجزري [¬٢]، عن سالم الأفطس، عن سعيد بن جبير قال: مات ابن عباس بالطائف، فجاء طير لم ير على خَلْقه، فدخل نعشه، ثم [¬٣] لم ير خارجًا منه فلما دفن تُليت هذه الآية على شفير القبر، ما يدرى من تلاها: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾.\nرواه الطبراني (^٢٢) عن عبد الله بن أحمد عن أبيه، عن مروان بن شجاع عن سالم بن عجلان الأفطس، به فذكره.\nوقد ذكر الحافظ محمد بن المنذر الهروي -المعروف بشكَّر- في كتاب العجائب بسنده عن قُبَاث بن رَزين أبي هاشم قال: أسرت في بلاد الروم، فجمَعنا الملك وعَرَض علينا دينه، على أن من امتنع ضربت عنقه. فارتد ثلاثة، وجاء الرابع فامتنع، فضربت عنقه، وألقي رأسه [في نهر] [¬٤] هناك، فرسب في الماء ثم طفا على وجه الماء، ونظر إلى أولئك الثلاثة فقال: يا فلان، ويا فلان، ويا فلان -يناديهم بأسمائهم- قال الله تعالى في كتابه: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾. ثم غاص في الماء، فكادت النصارى أن يسلموا، ووقع [¬٥] سرير الملك، ورجع أولئك الثلاثة إلى الإسلام. قال: وجاء الفداء من عند الخليفة أبي جعفر المنصور فخلصنا.\nوروى الحافظ ابن عساكر (^٢٣) في ترجمة رواحة بنت أبي عمرو الأوزاعي، عن أبيها: حدثني سليمان بن حبيب المحاربي [¬٦]، حدثني أبو أمامة: أن رسول الله ﷺ قال لرجل: \"قل: اللهم، إني أسألك نفسًا بك مطمئنة، تؤمن بلقائك، وترضى\n_________\n(^٢١) أخرجه الطبري (٣٠/ ١٩١) من طريق ابن يمان عن جعفر عن سعيد به.\n(^٢٢) معجم الطبراني (١٠/ ٢٩٠) (١٠٥٨١). قال الهيثمي في \"المجمع\" (٩/ ٢٨٨): رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح.\n(^٢٣) أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق (١٩/ ٤١٩ مخطوط).\n_________\n[¬١]- في ت: حسن.\n[¬٢]- في خ: الجوزي.\n[¬٣]- سقط من ز، خ.\n[¬٤]- في ز: برنهر. كذا بلا نقط.\n[¬٥]- في ز: ورفع.\n[¬٦]- في ز، خ: المكاري.","vol":"14","page":351},{"text":"بقضائك، وتقنع بعطائك.\nثم روى عن أبي سليمان (^٢٤) بن أبي [¬١] زَبْر أنه قال: حديث رواحة هذا واحد أمَّة.\nآخر تفسير سورة الفجر، ولله الحمد والمنة وبه التوفيق والعصمة.\n* * *\n_________\n(^٢٤) أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق (١٩/ ٤١٩ - ٤٢٠ مخطوط).\n_________\n[¬١]- سقط من ز.","vol":"14","page":352},{"text":"<span data-type='title' id=toc-211>تفسير سورة البلد وهي مكية</span>\n﷽\n﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ (١) وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ (٢) وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ (٣) لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ (٤) أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيهِ أَحَدٌ (٥) يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا (٦) أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ (٧) أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَينَينِ (٨) وَلِسَانًا وَشَفَتَينِ (٩) وَهَدَينَاهُ النَّجْدَينِ (١٠)﴾\nهذا قسم من الله ﷿ بمكة أم القرى في حال كون الساكن فيها حالًا، لينبه على عظمة قدرها في حال إحرام أهلها.\nقال خصيف عن مجاهد ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾: لا: رد عليهم أقسم بهذا البلد.\nوقال شبيب بن بشر، عن عكرمة، عن ابن عباس: ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾، يعني: مكة، ﴿وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾، قال: أنت -يا محمد- يحل لك أن تقابل [¬١] وكذا رُوي عن سعيد بن جُبَير، وأبي صالح، وعطية، والضحاك، وقتادة، والسدي، وابن زيد وقال مجاهد: ما أصبت فيه فهو حلال لك.\nوقال قتادة: ﴿وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾، قال: أنت به من غير حَرَج ولا إثم.\nوقال الحسن البصري: أحلها الله له ساعة من نهار.\nوهذا المعنى الذي قالوه قد وَرَد به الحديث المتفق عليه صحته (^٢٥): \" إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السماوات والأرض، فهو حَرَام بحُرمَة الله إلى يوم القيامة، لا يُعضد شجره ولا يختلى خلاه. وإنما أحلت لي ساعة من نهار، وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس، ألا فليبلغ الشاهد الغائب\". وفي لفظ: \"فإن أحد تَرَخَّص بقتال رسول الله فقولوا: إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم\".\n_________\n(^٢٥) تقدم تخريجه في سورة البقرة، آية: (١٢٦).\n_________\n[¬١]- في خ: تقاتل.","vol":"14","page":353},{"text":"وقوله: ﴿وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ﴾، قال ابن جرير (^٢٦): حدثنا أبو كريب، حدثنا ابن عطية، عن شريك، عن خُصَيف، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ﴾، الوالد: الذي يلد، وما ولد: العاقر الذي لا يولد له.\nورواه ابن أبي حاتم، من حديث شريك - وهو ابن عبد الله القاضي به.\nوقال عكرمة: الوالد: العاقر، وما ولد: الذي يلد. رواه ابن أبي حاتم.\nوقال مجاهد، وأبو صالح، وقتادة، والضحاك، وسفيان الثوري، وسعيد بن جبير، والسدي، والحسن البصري، وخُصَيف، وشرحبيل بن سعد وغيرهم: يعني بالوالد: آدم، وما ولد: ولده.\nوهذا الذي ذهب إليه مجاهد وأصحابه حَسَنٌ [¬١] قوي؛ لأنه تعالى لما أقسم بأم القرى وهي المساكن أقسم بعده بالساكن، وهو آدم أبو البشر وولده.\nوقال أبو عمران الجوني: هو إبراهيم وذريته. رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم.\nواختار ابن جرير أنه عام في كل والد وولده. وهو محتمل أيضًا.\nوقوله: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ﴾: زوي عن ابن مسعود، وابن عباس، وعكرمة، ومجاهد، وإبراهيم النخعي، وخيثمة، والضحاك، وغيرهم: يعني منتصبًا -زاد ابن عباس في رواية عنه- في بطن أمه.\nوالكبد: الاستواء والاستقامة. ومعنى هذا القول: لقد خلقنا الإنسان سويا مستقيمًا كقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (٦) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ﴾ وكقوله: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْويمٍ﴾ وقال ابن جريج وعطاء، عن ابن عباس: في كبد، قال [¬٢]: في شدَة خلق، ألم تر إليه … وذكر مولده ونبات أسنانه.\nوقال مجاهد: ﴿فِي كَبَدٍ﴾: نطفة، ثم علقة، ثم مضغة يتكبد في الخلق - قال مجاهد: وهو كقوله: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا﴾، وأرضعته كرهًا، ومعيشته كره، فهو يكابد ذلك.\nوقال سعيد بن جبير [¬٣]: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ﴾: في شدة وَطَلَب معيشة.\nوقال عكرمة: في شدة وطول. وقال قتادة: في [¬٤] مشقة.\n_________\n(^٢٦) تفسير الطبري (٣٠/ ١٩٥).\n_________\n[¬١]- في خ: حق.\n[¬٢]- سقط من خ.\n[¬٣]- سقط من ز.\n[¬٤]- سقط من خ.","vol":"14","page":354},{"text":"وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن عصام، حدثنا أبو عاصم، أخبرنا عبد الحميد بن جعفر، سمعت محمد بن علي أبا [¬١] جعفر الباقر سأل رجلًا من الأنصار عن قول الله: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ قال: في قيامه واعتداله، فلم ينكر عليه أبو جعفر.\nوروي من طريق أبي مودود: سمعت الحسن (^٢٧) قرأ هذه الآية: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ﴾، قال: يكابد أمرًا من أمر الدنيا، وأمرًا من أمر الآخرة- وفي رواية: يكابَد مضايق الدنيا وشدائد الآخرة.\nوقال ابن زيد: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ قال: آدم خلق في السماء فسمي ذلك الكبد واختار ابن جرير أن المراد مكابدة الأمور ومشاقها.\nوقوله: ﴿أَيَحْسَبُ [] [¬٢] أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيهِ أَحَدٌ﴾. [قال الحسن البصري: يعني ﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيهِ أَحَدٌ﴾ يأخذ ماله] [¬٣].\nوقال قتادة: ﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيهِ أَحَدٌ﴾، قال: ابن آدم يظن أن لن يسأل عن هذا المال: من أين اكتسبه؟ وأين أنفقه؟.\nوقال السدي: ﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيهِ أَحَدٌ﴾؟ قال: الله ﷿.\nوقوله: ﴿يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا﴾، أي: يقول ابن آدم: أنفقت مالا لبدًا، [أي: كثيرًا] [¬٤] قاله مجاهد، وقتادة والسدي وغيرهم.\n﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ﴾، قال مجاهد: أي [¬٥] أيحسب أن لم يره الله ﷿. وكذا قال غيره من السلف.\nوقوله: ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَينَينِ﴾، أي: يبصر بهما، ﴿وَلِسَانًا﴾، أي: ينطق به، فَيُعبر عما في ضميره، ﴿وَشَفَتَينِ﴾ يستعين بهما على الكلام وكل الطعام، وجمالًا لوجهه وفمه [¬٦].\nوقد روى الحافظ ابن عساكر (^٢٨) في ترجمة أبي الربيع الدمشقي، عن مكحول قال: قال\n_________\n(^٢٧) ذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" (٦/ ٥٩٤) وزاد نسبته إلى عبد بن حميد بنحوه.\n(^٢٨) أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق (١٩/ ٤٦ - مخطوط).\n_________\n[¬١]- في خ: أخبرنا.\n[¬٢]- في ز، خ: الإنسان.\n[¬٣]- ما بين المعكوفين مكانه في ز: \"قاله\".\n[¬٤]- مكانه في ز: لبدًا.\n[¬٥]- سقط من ز.\n[¬٦]- في ز: وبسمه.","vol":"14","page":355},{"text":"النبي ﷺ: \"يقول الله تعالى: يا ابن آدم، قد أنعمت عليك نعَمًا عظامًا لا تحصي عددها ولا تطيق شكرها، وإن مما أنعمت عليك أن جعلت لك عينين تنظر بهما. وجعلت لهما غطاءهما [¬١]، [فالنظر بعينيك إلى ما أحللت لك، وإن رأيت ما حرمت عليك فأطبق عليهما غطاءهما] [¬٢]. وجعلت لك لسانًا، وجلت له غلافًا، فانطق بما أمرتك وأحللت لك، فإن عَرَضَ لك ما حرمت عليك فأغلق عليك لسانك. وجعلت لك فرجًا، وجلت لك سترًا، فأصب بفرجك ما أحللت لك، فإن عَرَض لك ما حرمت عليك فَأرخ عليك سترك. يا ابن آدم، إنك لا تحمل سخطي، ولا تطيق انتقامي\".\n﴿وَهَدَينَاهُ النَّجْدَينِ﴾، قال سفيان الثوري، عن عاصم، عن زر، عن عبد الله -هو ابن مسعود-: ﴿وَهَدَينَاهُ النَّجْدَينِ﴾، قال: الخير والشر. وكذا رُوي عن علي، وابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، وأبي وائل، وأبي صالح، ومحمد بن كعب، والضحاك، وعطاء الخراساني في آخرين.\nوقال عبد الله بن وهب (^٢٩): أخبرني ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن سنان بن سعد، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: \"هما نجدان، فما جعل نجد الشر أحب إليكم من نجد الخير\".\nتفرد به سنان بن سعد -ويقال: سعد بن سنان- وقد وثقه ابن معين.\nوقال الإمام أحمد والنسائي والجوزجاني: منكر الحديث. وقال أحمد: تركت حديثه لاضطرابه. وروى خمسة عشر حديثًا منكرة كلها، ما أعرف منها حديثًا واحدًا. يشبه حديثه حديثَ الحسن -يعني البصري- لا يشبه حديثَ أنس.\nوقال ابن جرير (^٣٠): حدثني يعقوب، حدثنا ابن [¬٣] علية، عن أبي رجاء قال: سمعت الحسن يقول: ﴿وَهَدَينَاهُ النَّجْدَينِ﴾ قال: ذكر لنا أن نبي الله ﷺ كان يقول: \"يا أيها الناس، إنهما النجدان، نجد الخير ونجد الشر، فما جعل نجد الشر أحب إليكم من نجد الخير\".\nوكذا رواه حبيب بن الشهيد، ويونس بن عبيد، وأبو وهب عن الحسن مرسلًا، وهكذا\n_________\n(^٢٩) أخرجه ابن عدي في \"الكامل\" (٣/ ١١٩٣) من طريق ابن وهب بهذا الإسناد في ترجمة سعد بن سنان.\n(^٣٠) تفسير الطبري (٣٠/ ٢٠٠).\n_________\n[¬١]- في ت: غطاء.\n[¬٢]- سقط من ز.\n[¬٣]- في ز: أبو.","vol":"14","page":356},{"text":"أرسله قتادة (^٣١).\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن عصام الأنصاري، حدثنا أبو أحمد الزبيري، حدثنا عيسى بن عقال [¬١]، عن أبيه، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَهَدَينَاهُ النَّجْدَينِ﴾، قال: الثديين.\nوروي عن الربيع بن خُثَيم، وقتادة وأبي حازم، مثل ذلك. ورواه ابن جرير (^٣٢) عن أبي كريب، عن وكيع، عن عيسى بن عقال [¬٢]، به ثم قال: والصواب القول الأول.\nونظير هذه الآية قوله [¬٣]: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (٢) إِنَّا هَدَينَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾.\n﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (١١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (١٢) فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (١٥) أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ (١٦) ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ (١٧) أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيمَنَةِ (١٨) وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (١٩) عَلَيهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ (٢٠)﴾\nقال ابن جرير (^٣٣): حدثني عمر بن إسماعيل بن مجالد، حدثنا عبد الله بن إدريس عن أبيه عن عطية [¬٤].\nعن ابن عمر في قوله: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾، قال: جبل في جهنم [] [¬٥].\nوقال كعب الأحبار: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾: هو سبعون درجة في جهنم. وقال الحسن البصري: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾، قال: عقبة في جهنم. وقال قتادة: إنها قحمة [¬٦] شديدة فاقتحموها بطاعة الله ﷿. وقال قتادة: وقوله [¬٧]: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ﴾ ثم أخبر [¬٨]\n_________\n(^٣١) تفسير الطبري (٣٠/ ٢٠١) عن قتادة مرسلًا.\n(^٣٢) تفسير الطبري (٣٠/ ٢٠١).\n(^٣٣) تفسير الطبري (٣٠/ ٢٠١).\n_________\n[¬١]- في ز: عفان.\n[¬٢]- في ز: عال. كذا.\n[¬٣]- في ز: بقوله.\n[¬٤]- في ز: أبي عطية.\n[¬٥]- في ز: أزل.\n[¬٦]- في ز: فحمة.\n[¬٧]- سقط من ت.\n[¬٨]- في ز: فسر.","vol":"14","page":357},{"text":"عن اقتحامها فقال ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣) أَوْ إِطْعَامٌ﴾.\nوقال ابن زيد: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾، أي: أفلا سلك الطريق التي فيها النجاة والخير. ثم بينها [¬١] فقال: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (١٢) فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣) أَوْ إِطْعَامٌ﴾.\nقرئ ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ بالإضافة، وقُرئ على أنه فعل، وفيه ضمير الفاعل، والرقبة مفعوله. وكلتا [¬٢] القراءتين معناهما متقارب.\nقال الإمام أحمد (^٣٤): حدثنا علي بن إبراهيم، حدثنا عبد الله -يعني ابن سعيد بن أبي هند- عن إسماعيل بن أبي حكيم -مولى آل الزبير- عن سعيد بن مرجانة: أنه سمع أبا هُرَيرة يقول: قال رسول الله ﷺ: \"من أعتق رقبة مؤمنة أعتق الله بكل [¬٣] إرب منها إربًا منه من النار، حتى إنه ليعتق باليده اليد، وبالرجل الرجل، وبالفرج الفرج\". فقال علي بن الحسين: أنتَ سَمعتَ هذا من أبي هُرَيرة؟ فقال سعيد: نعم. فقال علي بن الحسين لغلام له: -أفْرَهَ غلمانه- ادع مطرفًا. فلما قام لين يديه قال: اذهب فأنت حر لوجه الله.\nوقد رواه البخاري (^٣٥) ومسلم والترمذي والنسائي، من طرق، عن سعيد بن مرجانة، به. وعند مسلم أن هذا الغلام الذي أعتقه عليّ بن الحسين زين العابدين كان قد أعطى فيه عشرة آلاف درهم.\nوقال قتادة، عن سالم بن أبي الجعد، عن مَعدانَ بن أبي طلحة، عن أبي نَجِيع قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: أيما مسلم أعتقَ رَجُلًا مسلمًا، فإن الله جاعل وفاء كل عظم من عظامه عظمًا من عظام محرره من النار، وأيما امرأة مسلمة أعتقت امرأة مسلمة فإن الله جاعل وفاء [¬٤] كل عظم من عظامها عظمًا من عظامها من النار\".\n_________\n(^٣٤) المسند (٢/ ٤٢٢) هكذا. وأخرجه (٢/ ٤٢٠) فجعل (مكى) مكان (على) والذي في الأطراف (٧/ ٢٥٧) مكي.\n(^٣٥) صحيح البخاري، كتاب: العتق، باب: العتق وفضله، حديث (٢٥١٧) (٥/ ١٤٦)، وطرفه في [٦٧١٥]. ومسلم في كتاب: العتق، باب: فضل العتق، حديث (٢١ - ٢٤/ ١٥٠٩) (١٠/ ٢١٢، ٢١٣). والترمذي في كتاب: النذور والأيمان، باب: ما جاء في ثواب من أعتق رقبة، حديث (١٤٥١) (٥/ ٢٥٩ - ٢٦٠). والنسائي في الكبرى في كتاب: العتق، باب: فضل العتق، حديث (٤٨٧٤ - ٤٨٧٦) (٣/ ١٦٨).\n_________\n[¬١]- في ز: يثنيها.\n[¬٢]- في ز: كلا.\n[¬٣]-في ز: كل.\n[¬٤]- في ز: وقاء.","vol":"14","page":358},{"text":"رواه ابن جرير (^٣٦) هكذا. وأبو نجيح هذا هو عمرو بن عبسة [¬١] السلمي ﵁.\nقال الإمام أحمد (^٣٧): حدثنا حيوة بن شُرَيح، حدثنا بقية، حدثني بَحِير [¬٢] بن سعد، عن خالد بن معدان، عن كثير بن مُرة، عن عمرو بن عَبَسَة [¬٣]: أنه حدثهم: أن النبي ﷺ قال: \"من بنى مسجدًا ليذكر الله فيه، بنى الله له بيتًا في الجنة. ومن أعتق نفسًا مسلمة، كانت فديته من جهنم. ومن شاب شيبة في الإسلام، كانت له دورًا يوم القيامة\".\n(طريق أخرى)، قال أحمد (^٣٨): حدثنا الحكم بن نافع، حدثنا حَريز [¬٤]؛ عن سُليم بن عامر: أن شرحبيل بن السمط قال لعمرو بن عَبَسَة [¬٥]: حَدَّثَنَا حديثًا ليس فيه تَزَيّدٌ ولا نسيان. قال عمرو: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"من أعتق رقبة مسلمة كانت فكاكه من النار، عضوًا بعضو. ومن شاب شيبة في سبيل الله، كانت له نورًا يوم القيامة. ومن رمى بسهم فبلغ فأصاب أو أخطأ، كان كمعتق رقبة من بني إسماعيل\" وروى أبو داود (^٣٩) والنسائي بعضه.\n(طريق أخرى)، قال أحمد (^٤٠): حدثنا هاشم بن القاسم، حدثنا الفرج، حدثنا لقمان، عن أبي أمامة، عن عمرو بن عَبَسَة [¬٦] السلمي قال: قلت له: حدثنا حديثًا سمعته من رسول الله ﷺ ليس فيه انتقاص ولا وَهَم. قال: سمعته يقول: \"من وُلد له ثلاثة أولاد في الإسلام فماتوا قبل أن يبلغوا الحنث، أدخله الله الجنة بفضل رحمته إياهم. ومن شاب شبيبة في سبيل الله كانت له نورًا يوم القيامة، ومن رَمَى بسهم في سبيل الله، بلغ به العدو، أصاب أو أخطأ، كان له عتق رقبة. ومن أعتق رقبة مؤمنة أعتق الله بكل عضو منه\n_________\n(^٣٦) تفسير الطبري (٣٠/ ٢٠٢).\n(^٣٧) المسند (٤/ ٣٨٦) (١٩٤٩٧).\n(^٣٨) المسند (٤/ ١١٣).\n(^٣٩) سنن أبي داود في كتاب: العتق، باب: أي الرقاب أفضل، حديث (٣٩٦٦) (٤/ ٣٠). والنسائي في \"الكبرى\" في كتاب: العتق، باب: فضل العتق، حديث (٤٨٨٤) (٣/ ١٧٠). كلاهما من طريق شرحبيل بن السمط عن عمرو بن عبسة ﵄ به مختصرًا. والحديث بطرقه في الصحيحة (١٧٥٦).\n(^٤٠) المسند (٤/ ٣٨٦) (١٩٤٩٥).\n_________\n[¬١]- في ز: عنبسة.\n[¬٢]- في ز: محمد.\n[¬٣]- في ز: عنبسة.\n[¬٤]- في ز: جرير.\n[¬٥]- في ز: عنبسة.\n[¬٦]- في ز: عنبسة.","vol":"14","page":359},{"text":"عضوًا منه [¬١] من النار، ومن أنفق زوجين في سبيل الله، فإن للجنة ثمانية أبواب، يدخله الله من أي باب شاء منها\". وهذه أسانيد جيدة قوية ولله الحمد.\n(حديث آخر)، قال أبو داود (^٤١): حدثنا عيسى بن محمد الرملي، حدثنا ضمرة، عن ابن أبي عَبلة، عن الغريف بن الديلمي قال: أتينا واثلة بن الأسقع فقلنا له [¬٢]: حَدثنا حديثًا ليس فيه زيادة ولا نقصان. فغضب وقال: إن أحدكم ليقرأ ومصحفه معلق في بيته، فيزيد وينقص. قلنا: إنما أردنا حديثًا سمعته من رسول الله ﷺ. قال: أتينا رسول الله ﷺ في صاحب لنا قد أوجب -يعني النار- بالقتل، فقال: \"أعتقوا عنه يُعتق الله بكل عضو منه عضوا منه من النار\".\nوكذا رواه النسائي من حديث إبراهيم بن أبي عَبلة، عن الغَريف بن عياش الديلمي، عن واثلة، به.\n(حديث آخر)، قال أحمد (^٤٢): حدثنا عبد الصمد، حدثنا هشام، عن قتادة، عن قيس الجذامي، عن عقبة بن عامر الجهني: أن رسول الله ﷺ قال: \"من أعتق رقبة مسلمة فهو فداؤه من النار\".\nوحدثنا عبد الوهاب الخفاف (^٤٣)، عن سعيد، عن قتادة قال: ذُكر أن قيسًا الجذامي حَدث عن عقبة بن عامر: أن رسول الله ﷺ قال: \"من أعتق رقبة مؤمنة فهي فكاكه من النار\". تفرد به أحمد من هذا الوجه.\n(حديث آخر)، قال الإمام أحمد (^٤٤): حدثنا يحيى بن آدم وأبو أحمد قالا: حدثنا عيسى بن عبد الرحمن البجلَي -من بني بجيلة- من بني سليم -عن طلحة- قال أبو أحمد: حدثنا طلحة بن مصرف- عن عبد الرحمن بن عوسجة، عن البراء بن عازب قال: جاء أعرابي إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، علمني عملًا يدخلني الجنة. فقال: \"لئن كنت أقصرت الخطبة [¬٣] لقد أعرضت المسألة. أعتق النسمة، وفك الرقبة\". فقال: يا رسول الله، أو ليستا بواحدة؟ قال: \"لا، إن عتق النسمة أن\n_________\n(^٤١) سنن أبي داود في كتاب: العتق، باب: في ثواب العتق، حديث (٣٩٦٤) (٤/ ٢٩). وسنن النسائي الكبرى، كتاب: العتق، باب: ذكر اسم هذا الولى، حديث (٤٨٩١) (٣/ ١٧٢).\n(^٤٢) المسند (٤/ ١٥٠) (١٧٤٠٥).\n(^٤٣) المسند (٤/ ١٤٧) (١٧٣٧٤).\n(^٤٤) المسند (٤/ ٢٩٩) (١٨٧٠١).\n_________\n[¬١]- سقط من ز.\n[¬٢]- سقط من ز.\n[¬٣]- في ز: الخطية.","vol":"14","page":360},{"text":"تنفرد [¬١] بعتقها، وفك الرقبة أن تعين في عمقها. والمنحة الوكوف، والفيء على ذي الرحم الظالم، فإن لم تُطِق ذلك فأطعم الجائعَ، واسق الظمآن، وأمر بالمعروف، وانه عن المنكر، فإن لم تطق ذلك فكف لسانك إلا من الخير\".\nوقوله: ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾، قال ابن عباس: ذي مجاعة. وكذا قال عكرمة، ومجاهد، والضحاك، وقتادة، وغير واحد. والسغب: هو الجوع.\nوقال إبراهيم النخعي: في يومٍ الطعام فيه عزيز.\nوقال قتادة: في يوم يشتهى [¬٢] فيه الطعام.\nوقوله: ﴿يَتِيمًا﴾، أي: أطعم في مثل هذا اليوم يتيمًا، ﴿ذَا مَقْرَبَةٍ﴾، أي: ذا قرابة منه. قاله ابن عباس، وعكرمة والحسن، والضحاك، والسدي. كما جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد (^٤٥):\nحدثنا يزيد، أخبرنا هشام، عن حفصة بنت سيرين [¬٣] عن سلمان [¬٤] بن عامر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"الصدقة على المسكين [¬٥] صدقة، وعلى ذي الرحم اثنتان، صدقة وصلة\".\nوقد رواه الترمذي والنسائي، وهذا إسناد صحيح.\nوقوله: ﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾، أي: فقيرًا مدقعًا لاصقًا بالتراب، وهو الدقعاء أيضًا.\nقال ابن عباس: ﴿ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ هو المطروح في الطريق، الذي لا بيت له، ولا شيء يقيه من التراب -وفي رواية: هو الذي لصق بالدقعاء من الفقر والحاجة، ليس له شيء- وفي رواية عنه: هو البعيد التربة [¬٦].\nقال ابن أبي حاتم: يعني الغريب عن وطنه.\nوقال عكرمة: هو الفقير المديون المحتاج.\n_________\n(^٤٥) المسند (٤/ ٢١٤) (١٧٩٣٩). وأخرجه الترمذي في كتاب: الزكاة، باب: ما جاء في الصدقة على ذي القرابة، حديث (٦٥٨) (٣/ ٢٠). والنسائي (٥/ ٩٢) كتاب: الزكاة، باب: الصدقة على الأقارب. كلاهما من طريق حفصة عن الرباب عن عمها سلمان بن عامريه مرفوعًا. قال الترمذي: حديث حسن.\n_________\n[¬١]- في ز: تفرد.\n[¬٢]- بياض في ز.\n[¬٣]- في ز: شريف.\n[¬٤]- في ز: سليمان.\n[¬٥]- في ز: المسلمين.\n[¬٦]- في ز: المتربة.","vol":"14","page":361},{"text":"وقال سعيد بن جبير: هو الذي لا أحد له.\nوقال ابن عباس، وسعيد، وقتادة ومقاتل بن حيان: هو ذو العيال. وكل هذه قريبة المعنى.\nوقوله: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾، أي: ثم هو مع هذه [¬١] الأوصاف الجميلة الطاهرة، مؤمن بقلبه، محتسب ثواب ذلك عند الله ﷿. كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾ وقال: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ …﴾ الآية.\nوقوله: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ﴾، أي: كان من المؤمنين العاملين صالحًا، المتواصين بالصبر على أذى الناس، وعلى الرحمة بهم. كما جاء في الحديث (^٤٦): \" الراحمون يرحمهم الرحمن [¬٢]، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء\" وفي الحديث الآخر (^٤٧): \" لا يرحم الله من لا يرحم الناس\" وقال أبو داود (^٤٨): حدثنا بن أبي شيبة، حدثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن ابن عامر، عن عبد الله بن عَمرو - يرويه [¬٣]- قال: \"من لم يرحم صغير لا ويعرف حق كبيرنا، فليس منا\".\nوقوله: ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيمَنَةِ﴾ أي: المتصفون بهذه الصفات من أصحاب اليمين.\nثم قال: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ﴾، أي: أصحاب الشمال، ﴿عَلَيهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ﴾، أي: مطبقة عليهم، فلا محيد لهم عنها، ولا خروج لهم منها.\nقال أبو هريرة، وابن عباس، وعكرمة، وسعيد بن جبير، ومجاهد، ومحمد بن كعب القرظي، وعطية العوفي، والحسن، وقتادة، والسدي: ﴿مُؤْصَدَةٌ﴾، أي: مطبقة. قال ابن عباس: مغلقة الأبواب. وقال مجاهد: أصد الباب بلغة قريش [¬٤]: أي أغلقه.\n_________\n(^٤٦) المسند (٢/ ١٦٠) (٦٤٩٤). وأبو داود في كتاب: الأدب، باب: في الرحمة، حديث (٤٩٤١) (٤/ ٢٨٥). والترمذي في كتاب: البر والصلة، باب: ما جاء في رحمة الناس، حديث (١٩٢٥) (٦/ ١٧٢). كلهم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص. قال الترمذي: حسن صحيح. وصححه أحمد شاكر في تعليقه على المسند.\n(^٤٧) صحيح البخاري في كتاب: التوحيد، باب: قول الله ﵎: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَو ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾، حديث (٧٣٧٦) (١٣/ ٣٥٨) من حديث جرير بن عبد الله بهذا اللفظ. وأخرجه البخاري (٦٠١٣)، ومسلم (٦٦/ ٢٣١٩) من حديث جرير بمعناه.\n(^٤٨) سنن أبي داود في كتاب: الأدب، باب: في الرحمة، حديث (٤٩٤٣) (٤/ ٢٨٦). وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (٤١٣٤).\n_________\n[¬١]- سقط من خ.\n[¬٢]- في ز: الله.\n[¬٣]- في ز: به وبشر.\n[¬٤]- بياض في ز، خ.","vol":"14","page":362},{"text":"وسيأتي في ذلك حديث في سورة ﴿وَيلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾.\nوقال الضحاك: ﴿مُؤْصَدَةٌ﴾ حيط لا باب له.\nوقال قتادة: ﴿مُؤْصَدَةٌ﴾: مطبقة فلا ضوء فيها ولا فُرَج، ولا خروج منها آخر الأبد.\nوقال أبو عمران الجوني: إذا كان يوم القيامة أمر الله بكل جبار وكل شيطان وكل من كان يَخَاف الناس في الدنيا شره، فأوثقوا في الحديد، ثم أمر بهم إلى جهنم، ثم أوصدوها عليهم -أي: أطبقوها- قال: فلا والله لا تستقر أقدامهم على قرار أبدًا، ولا والله لا ينظرون فيها إلى أديم سماء أبدًا، ولا والله لا تلتقي جفون أعينهم على غفض نوم أبدًا ولا والله لا يذوقون فيها بارد شراب أبدًا. رواه ابن أبي حاتم.\nآخر تفسير سورة البلد، ولله الحمد والمنة.\n* * *","vol":"14","page":363},{"text":"<span data-type='title' id=toc-212>[تفسير] سورة والشمس وضحاها [وهي مكية]</span>\nتقدم حديث جابر (^١) الذي في الصحيح [¬١]: أن رسول الله ﷺ قال لمعاذ: \"هلا صليت: بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، و﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ و﴿وَاللَّيلِ إِذَا يَغْشَى﴾؟ \".\n﷽\n﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (١) وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا (٢) وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا (٣) وَاللَّيلِ إِذَا يَغْشَاهَا (٤) وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا (٥) وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا (٦) وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (١٠)\nقال مجاهد: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ أي: وضوئها. وقال قتادة: ﴿وَضُحَاهَا﴾ النهار كله.\nقال ابن جرير: والصواب أن يقال: أقسم الله بالشمس ونهارها، لأن ضوء الشمس الظاهر هو [¬٢] النهار.\n﴿وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا﴾، [قال مجاهد: تبعها. وقال العوفي، عن ابن عباس: ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا﴾] [¬٣]، قال: يتلوم لنهار. وقال قتادة: ﴿إِذَا تَلَاهَا﴾ ليلة الهلال، إذا سقطت الشمس رؤي الهلال.\nوقال ابن زيد: هو يتلوها في النصف الأول من الشهر، ثم هي تتلوه. وهو يتقدمها في النصف الأخير من الشهر.\nوقال مالك، عن زيد بن أسلم: إذا تلاها ليلة القدر.\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في سورة الانفطار في فضائلها.\n_________\n[¬١]- في ت: الصحيحين.\n[¬٢]- سقط من ز، خ.\n[¬٣]- ما بين المعكوفين سقط من ز، خ.","vol":"14","page":364},{"text":"وقوله: ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا﴾ قال مجاهد: أضاء. وقال قتادة: ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا﴾: إذا غشيها النهار.\nقال ابن جرير: وكان بعض أهل العربية يتأول ذلك بمعنى: والنهار إذا جلا الظلمة، لدلالة الكلام عليها.\nقلت: ولو أن هذا القائل تأول بمعنى ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا﴾، أي: البسيطة، لكان أولى [ويصح تأويله في قوله] [¬١]: ﴿وَاللَّيلِ إِذَا يَغْشَاهَا﴾، فكان [¬٢] أجود وأقوى، والله أعلم. ولهذا قال مجاهد: ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا﴾ إنه كقوله: ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾. وأما ابن جرير فاختار عود الضمير في ذلك كله على الشمس، لجريان ذكرها. وقالوا في قوله: ﴿وَاللَّيلِ إِذَا يَغْشَاهَا﴾، يعني إذا يغشى الشمس حين تغيب، فتظلم الآفاق.\nوقال بقية بن الوليد، عن صفوان، حدثني يزيد بن ذي حمامة قال: إذا جاء الليل قال الرب ﷻ: غشي عبادي خلقي العظيم، فالليل يهابه، والذي خلقه أحق أن يهاب. رواه ابن أبي حاتم.\nوقوله: ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا﴾: يحتمل أن تكون \"ما\" هاهنا مصدرية، بمعنى: والسماء وبنائها، وهو قول قتادة. ويحتمل أن تكون بمعنى \"مَن\" يعني [¬٣]: والسماء وبانيها. وهو قول مجاهد، وكلاهما متلازم والبناء هو الوفع، كقوله (﴿وَالسَّمَاءَ بَنَينَاهَا بِأَيدٍ﴾، أي: بقوة ﴿وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ (٤٧) وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ﴾ وهكذا قوله: ﴿وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا﴾، قال مجاهد: ﴿طَحَاهَا﴾ دحاها. وقال العوفي، عن ابن عباس ﴿وَمَا طَحَاهَا﴾: أي: خلق فيها.\nوقال عليّ بن أبي طلحة عن ابن عباس: ﴿طَحَاهَا﴾ قسمها.\nوقال مجاهد، وقتادة، [والضحاك] [¬٤]، والسدي، والثوري، وأبو صالح، وابن زيد: ﴿طَحَاهَا﴾: بسطها.\nوهذا أشهر الأقوال، وعليه الأكثر من المفسرين، وهو المعروف عند أهل اللغة، قال الجوهري: طحوته مثل دحوته، أي: بسطه.\nوقوله: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا﴾، أي: خلقها سوية مستقيمة على الفطرة القويمة، كما [¬٥] قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفين في ت: \"وأصح قول الله\".\n[¬٢]- في ز: لكان.\n[¬٣]- في ز: بمعنى.\n[¬٤]- سقط من ز.\n[¬٥]- في ز: و.","vol":"14","page":365},{"text":"اللَّهِ﴾. وقال رسول الله ﷺ: \"كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو [¬١] ينصرانه أو [¬٢] يُمَجِّسانه، كما تولد البهيمة بهيمة جَمعاء هل تحسون فيها من جدعاء؟ \" أخرجاه من رواية أبي هريرة (^٢).\nوفي صحيح مسلم (^٣) من رواية عياض بن حمَار [¬٣] المجاشعي عن رسول الله ﷺ قال: \"يقول الله ﷿: إنِّي خلقت عبادي حنفاء، فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم [¬٤] عن دينهم\".\nوقوله: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾، أي: فأرشدها إلى فجورها وتقواها، أي: بين لها ذلك، وهداها إلى ما قدر لها.\nقال ابن عباس: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾: بين لها الخير والشر. وكذا قال مجاهد، وقتادة، والضحاك، والثوري.\nوقال سعيد بن جبير: ألهمها الخير والشر. وقال ابن زيد: جعل فيها فجورها وتقواها. وقال ابن جرير (^٤): حدثنا ابن بشار [¬٥]، حدثنا صفوان بن عيسى، وأبو عاصم النبيل؛ قالا: حدثنا عزرة بن ثابت، حدثني يحيى بن عقيل، عن يحيى بن يعمر [¬٦]، عن أبي الأسود الدَّيلي؛ قال: قال لي [¬٧] عمران بن حُصَين: أرأيت ما يعمل فيه الناس ويتكادحون فيه، أشيء قضى عليهم ومضى عليهم مِن قَدر قد سبق، أو فيما يُستقبَلُون مما أتاهم به نبيهم ﷺ، وأكدت عليهم الحجة؟ قلت: بل شيء قضي عليهم. قال: فهل يكون ذلك ظلمًا؟ قال: [ففزعت منه] [¬٨] فزعًا شديدًا، قال: قلت له: ليس شيء إلا وهو [خَلق ذلك بيده] [¬٩]، لا يُسألُ عما يفعل وهم يسألون. قال: سددك الله، إنما سألت لأخبر عقلك، إن رجلًا من مُزَينة -أو: جهينة- أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله؛ أرأيت ما يعمل الناس فيه ويتكادحون، أشيء قضى عليهم ومضى عليهم من قدر قد [¬١٠] سبق، أم شيء مما يستقبلون مما أتاهم به نبيهم. وأكدت به عليهم الحجة؟ قال: \"بل\n_________\n(^٢) تقدم تخريجه في سورة النساء، آية: (١١٩).\n(^٣) تقدم تخريجه في سورة الأعراف آية: (١٧٢).\n(^٤) تفسير الطبري (٣٠/ ٢١١).\n_________\n[¬١]- في ز: و.\n[¬٢]- في ز: و.\n[¬٣]- في ز، خ: حماد.\n[¬٤]- في ز: فاختالتهم.\n[¬٥]- في ز، خ: خالد.\n[¬٦]- في ز، خ: معمر.\n[¬٧]- سقط من خ\n[¬٨]- في ز: فقرعت سنه.\n[¬٩]- في ت: \"خلقه وملك يده\".\n[¬١٠]- سقط من ز.","vol":"14","page":366},{"text":"شيء [قد قضي] [¬١] عليهم\". قال: ففيم [¬٢] نعمل؟ قال: \"من كان الله خلقه لإِحدى المنزلتين يهيئه لها، وتصديق ذلك في كتاب الله: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾. رواه أحمد (^٥)، ومسلم من حديث عزرة [¬٣] بن ثابت به.\nوقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾: يحتمل أن يكون المعنى: قد أفلح من زكى نفسه، أي: بطاعة الله -كما قال قتادة- وطهرها من الأخلاق الدنيئة والرذائل. ويروى نحوه [¬٤] عن مجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير. وكقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾.\n﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾، أي: دسَّسها، أي: أخملها ووضع منها بخذلانه إياها عن الهُدَى، حتى ركب العاصي وترك طاعة الله ﷿.\nوقد يحتمل أن يكون المعنى: قد أفلح من زكى الله نفسه، وقد خاب من دَسَّى الله نفسه، كما قال العوفي وعلي بن أبي طلحة، عن ابن عباس.\nوقال ابن أبي حاتم (^٦): حدثنا أبي وأبو زرعة؟ قالا: حدثنا سهل بن عثمان، حدثنا أبو مالك -يعني [عمرو] [¬٥]، بن هشام- عن جُوَيبر، عن الضحاك، عن ابن عباس قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول في قول الله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾، قال النبي ﷺ: \"أفلحت نفس زكاها الله\".\nورواه ابن أبي حاتم من حديث أبي مالك به، وجويبر هو ابن سعيد، متروك الحديث، والضحاك لم يلق ابن عباس.\nوقال الطبراني (^٧): حدثنا يحيى بن عثمان بن صالح، حدثنا أبي، حدثنا ابن لهيعة، عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس؟ قال: كان رسول الله ﷺ إذا مر بهذه\n_________\n(^٥) المسند (٤/ ٤٣٨) (١٩٩٩٠). وأخرجه مسلم في كتاب: القدر، باب: كيفية الخلق الآدمي في بطن أمه، وكتابة رزقه وأجله وعمله، وشقاوته وسعادته، حديث (١٠/ ٢٦٥٠) (١٦/ ٣٠٤ - ٣٠٥).\n(^٦) ذكز السيوطي في \"الدر المنثور\" (٦/ ٦٠٢) وزاد نسبته إلى أبي الشيخ وابن مردويه والديلمي من طريق جويبر عن الضحاك عن ابن عباس ﵁ به مرفوعًا.\n(^٧) معجم الطبراني (١١/ ١٠٦) (١١١٩١). قال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (٧/ ١٤١): رواه الطبراني وإسناده حسن.\n_________\n[¬١]- في ز: مضى.\n[¬٢]- بياض في ز، خ.\n[¬٣]- في ز، خ: عروة.\n[¬٤]- في ز: غيره.\n[¬٥]- في ز، خ: عمرو بن الحارث.","vol":"14","page":367},{"text":"الآية: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ وقف، ثم قال: \"اللَّهم آت نفسي تقواها، أنت وليها ومولاها، وخير من زكاها\".\n(حديث آخر) قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا يعقوب بن حميد المدني، حدثنا عبد الله بن عبد الله الأموي، حدثنا معن بن محمد الغفاري، عن حنظلة بن علي الأسلمي، عن أبي هريرة قال: سمعت النبي ﷺ يقرأ: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾، قال: اللهم آت نفسي تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها\". لم يخرجوه من هذا الوجه.\nوقال الإمام أحمد (^٨): حدثنا وكيع عن نافع -يعني [¬١] ابن عمر- عن صالح بن سُعَيد، عن عائشة: أنها فَقَدت النبي ﷺ من مضجعه، فلمسته بيدها، فوقعت عليه وهو ساجد، وهو يقول: \"رب؛ أعط نفسي تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها\". تفرد به.\n(حديث آخر) قال الإمام أحمد (^٩): حدثنا عفان، حدثنا عبد الواحد بن زياد، حدثنا عاصم الأحول، عن عبد الله بن الحارث، عن زيد بن أرقم: قال كان رسول الله ﷺ يقول: \"اللَّهم؛ إني أعوذ بك من العجز والكسل والهرم، والجبن والبخل وعذاب القبر. اللَّهم، آت نفسي تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها. اللَّهم؛ إني أعوذ بك من قلب لا يخشع، ومن نفس لا تشبع، وعلم لا ينفع، ودعوة لا يستجاب لها\" قال زيد: كان رسول الله ﷺ يعلمناهن ونحن نعلمكموهن.\nرواه مسلم من حديث أبي معاوية، عن عاصم الأحول، عن عبد الله بن الحارث - وأبي عثمان النهدي، عن زيد بن أرقم، به.\n﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا (١١) إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا (١٢) فَقَال لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا (١٣) فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ\n_________\n(^٨) المسند\" (٦/ ٢٠٩) (٢٥٨٦٥). قال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (٢/ ١٣١): رواه أحمد ورجاله ثقات. ا هـ. وقال في (١٠/ ١١٣): رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح غير صالح بن سعيد الراوي عن عائشة وهو ثقة. ا هـ.\n(^٩) المسند (٤/ ٣٧١) (١٩٣٦٣). ومسلم في كتاب: الذكر والدعاء، باب: التعوذ من شر ما عمل ومن شر ما لم يعمل، حديث (٧٢/ ٢٧٢٢) (١٧/ ٦٣ - ٦٤).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: عن.","vol":"14","page":368},{"text":"فَسَوَّاهَا (١٤) وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا (١٥).\nيخبر تعالى عن ثمود: أنهم كذبوا رسولهم بسبب ما كانوا عليه من الطغيان والبغي.\nوقال محمد بن كعب: ﴿بِطَغْوَاهَا﴾، أي: بأجمعها.\nوالأول أولى، قاله مجاهد وقتادة وغيرهما. فأعقبهم ذلك تكذيبًا في قلوبهم بما جاءهم به رسولهم من الهدى واليقين.\n﴿إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا﴾، أي: أشقى القبيلة، وهو قُدَار بن سالف عاقر الناقة، وهو أحيمر ثمود، وهو الذي قال تعالى: ﴿فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ (٢٩) فَكَيفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾. وكان هذا الرجل عزيزًا فيهم، شريفًا في قومه، نسيبًا رئيسًا مطاعًا، كما قال الإِمام أحمد (^١٠):\nحدثنا ابن نمير، حدثنا هشام، عن أبيه، عن عبد الله بن زَمْعَةَ قال: خطب رسول الله ﷺ فذكر الناقة، وذكر الذي عقرها، فقال: ﴿إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا﴾: انبعث لها رجل عارم عزيز منيع في رهطه مثل أبي زمعة.\nو[¬١] رواه البخاري في التفسير، ومسلم في صفة النار، والترمذي والنسائي في التفسير من سننيهما، وكذا ابن جرير وابن أبي حاتم عن هشام بن عروة، به.\nوقال ابن أبي حاتم (^١١): حدثنا أبو زرعة، حدثنا إبراهيم بن موسى، حدثنا عيسى بن يونس، حدثنا محمد بن إسحاق، حدثني يزيد بن محمد بن خُثيم، عن محمد بن كعب\n_________\n(^١٠) المسند (٤/ ١٧). وأخرجه البخاري في كتاب: التفسير، باب: سورة ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾، حديث (٤٩٤٢) (٨/ ٧٠٥). ومسلم في كتاب: الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب: النار يدخلها الجبارون، والجنة يدخلها الضعفاء، حديث (٤٩/ ٢٨٥٥) (١٧/ ٢٧٤). والترمذي في كتاب: التفسير، باب: ومن سورة ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾، حديث (٣٣٤٠) (٩/ ٧٥)، والنسائي في الكبرى في كتاب: التفسير، باب: سورة الشمس، حديث (١١٦٧٥) (٦/ ٥١٥). والطبري (٣٠/ ٢١٤). قال الترمذي: حديث حسن صحيح.\n(^١١) المسند (٤/ ٢٦٣) (١٨٣٧٤). وأخرجه النسائي في الكبرى في كتاب: الخصائص، باب: ذكر أشقى الناس، حديث (٨٥٣٨) (٦/ ١٥٣). كلاهما من طريق ابن إسحاق بهذا الإسناد به مطولًا. قال الهيثمي في \"المجمع\" (٩/ ١٣٩): رواه أحمد والطبراني والبزار باختصار ورجال الجميع موثقون إلا أن التابعي لم يسمع من عمار. ا هـ. قال الألباني في الصحيحة (١٧٤٣): ولكن للحديث شواهد من حديث صهيب وجابر بن سمرة وعلي بأسانيد فيها ضعف غير حديث علي فإسناده حسن كما قال الهيثمي … ا هـ.\n_________\n[¬١]- سقط من ز.","vol":"14","page":369},{"text":"القرظي، عن محمد بن خُثَيم أبي [¬١] يزيد، عن عمار بن ياسر قال: قال رسول الله ﷺ لعلي: \"ألا أحدثك بأشقى الناس؟ \". قال: بلى، قال: \"رجلان: أحيمر ثمود الذي عَقَر الناقة، والذي يضربك يا علي على هذا -يعني قَرنه- حتى تبتل منه هذه\" يعني لحيته.\nوقوله: ﴿فَقَال لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ﴾، يعني: صالحًا ﵇: ﴿نَاقَةَ اللَّهِ﴾، أي: احذروا ناقة الله أن تمسوها بسوء ﴿وَسُقْيَاهَا﴾، أي: لا تعتدوا [¬٢] عليها في سقياها، فإن لها شرب يوم ولكم شرب يوم معلوم. قال الله: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا﴾، أي: كذبوه فيما جاءهم به فأعقبهم [¬٣] ذلك أن عقروا الناقة التي أخرجها الله [¬٤] من الصخرة آية لهم وحجة عليهم، ﴿فَدَمْدَمَ عَلَيهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ [¬٥]﴾، أي: غضب عليهم، فدمَّر عليهم، ﴿فَسَوَّاهَا﴾، أي: فجعل العقوبة نازلة عليهم على السواء.\nقال قتادة: بلغنا أن أحمير ثمود لم يعقر الناقة حتى تابعه [¬٦] صغيرهم وكبيرهم، وذكرهم وأنثاهم، فلما اشترك القوم في عقرها دمدم الله عليهم بذنبهم [¬٧] فسواها.\nوقوله: ﴿وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا﴾ وقرئ ﴿فلا يخاف عقباها﴾.\nقال ابن عباس: لا يخاف الله من أحد تبعة. وكذا قال مجاهد والحسن وبكر بن عبد الله المزني وغيرهم.\nوقال الضحاك والسدي: ﴿وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا﴾، أي: لم يخف الذي عقرها عاقبة ما صنع.\nوالقول الأول أولى لدلالة السياق عليه، والله أعلم.\nآخر تفسير \"والشمس وضحاها\" [ولله الحمد].\n* * *\n_________\n[¬١]- في ز، خ: ابن.\n[¬٢]- في ز: تعدوا.\n[¬٣]- في ز: وأعقبهم.\n[¬٤]- سقط من ز، خ.\n[¬٥]- سقط من ز.\n[¬٦]- في خ: بايعه.\n[¬٧]- في ت: بذنوبهم.","vol":"14","page":370},{"text":"<span data-type='title' id=toc-213>[تفسير] سورة الليل [وهي مكية]</span>\nتقدم قوله ﵊ لمعاذ: \"فهلا صَلّيت\" هلا صليت: بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، و﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ و﴿وَاللَّيلِ إِذَا يَغْشَى﴾.\n﷽\n﴿وَاللَّيلِ إِذَا يَغْشَى (١) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى (٢) وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٣) إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى (٤) فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (١٠) وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى (١١)﴾\nقال الإمام أحمد (^١): حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا شعبة، عن مغيرة، عن إبراهيم، عن علقمة: أنه قدم الشام، فدخل مسجد دمشق، فصلى فيه ركعتين وقال: اللَّهم، ارزقني جليسًا صالحًا. قال [¬١]: فجلس إلى أبي الدرداء، فقال له أبو الدرداء: ممن أنت؟ قال: من أهل الكوفة. قال: كيف سمعت ابن أم عبد يقرأ [] [¬٢]: ﴿وَاللَّيلِ إِذَا يَغْشَى (١) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾؟ قال علقمة: (والذكر والأنثى). فقال أبو الدرداء: لقد سمعتها من رسول الله ﷺ فما زال هؤلاء حتى شككوني. ثم قال: ثم [¬٣] ألم يكن فيكم صاحب الوساد وصاحب السر الذي لا يعلمه أحد غيره، و[¬٤] الذي أجير [¬٥] من الشيطان على لسان النبي ﷺ.\nوقد رواه البخاري (^٢) هاهنا ومسلم، من طريق الأعمش، عن إبراهيم قال: قدم أصحاب\n_________\n(^١) المسند (٦/ ٤٤٩) (٢٧٦٤٥).\n(^٢) صحيح البخاري، كتاب: التفسير، باب: ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾، حديث (٤٩٤٤) (٨/ ٧٠٧). ومسلم في كتاب: صلاة المسافرين، باب: ما يتعلق بالقرآن، حديث (٨٢٤/ ٢٨٢) (٦/ ١٥٧). والقصة عند مسلم من طريق إبراهيم عن علقمة وهو كذلك عند البخاري في الباب الذي قبله، وقال =\n_________\n[¬١]- سقط من خ.\n[¬٢]- في ز، خ: فقرأ.\n[¬٣]- سقط من خ.\n[¬٤]- سقط من ت.\n[¬٥]- في ز: أجر.","vol":"14","page":371},{"text":"عبد الله على أبي الدرداء، فطلبهم فوجدهم، فقال: أيكم يقرأ على قراءة عبد الله؟ قالوا: كلنا، قال: أيكم أحفظ؟ فأشاروا إلى علقمة، فقال: كيف سمعته يقرأ: ﴿وَاللَّيلِ إِذَا يَغْشَى﴾ قال (والذكر والأنثى) قال: أشهد أني سمعت رسول إله ﷺ يقرأ هكذا. وهؤلاء يريدون [¬١] أن أقرأ: ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾ والله لا أتابعهم.\nهذا لفظ البخاري: هكذا قرأ ذلك ابن مسعود، وأبو الدرداء - ورفعه أبو الدرداء - وأما الجمهور فقرءوا ذلك كما هو مُثَبت في المصحف الإمام العثماني في سائر الآفاق: ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾، فأقسم تعالى ﴿وَاللَّيلِ إِذَا يَغْشَى﴾، أي: إذا غَشيَ الخليقة بظلامه، ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾، أي: بضيائه وإشراقه، ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾، كقوله: ﴿وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا﴾ وكقوله: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيءٍ خَلَقْنَا زَوْجَينِ﴾.\nولما كان القسم بهذه الأشياء المتضادة كان المقسم [¬٢] عليه أيضًا متضادًا، ولهذا قال: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾، أي: أعمال العباد التي اكتسبوها متضادة أيضًا ومتخالفة، فمن فاعل خيرًا ومن فاعلٍ شرًّا، قال الله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى [وَاتَّقَى﴾ أي: أعطى] [¬٣] ما أمر بإخراجه، وأتقى الله في أموره، ﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾، أي: بالمجازاة على ذلك قاله قتادة. وقال خُصَيف: بالثواب. وقال ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، وأبو صالح، وزيد بن أسلم: ﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾ أي: بالخلف. وقال أبو عبد الرحمن السلمي، والضحاك: ﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾] [¬٤] أي: بلا إله إلا الله. وفي رواية عن عكرمة ﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾، أي: بما أنعم الله عليه. وفي رواية عن زيد بن أسلم: ﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾، قال: الصلاة والزكاة والصوم. وقال مرة: وصدقة الفطر.\nوقال ابن أبي حاتم (^٣): حدثنا أبو زرعة، حدثنا صفوان بن صالح الدمشقي، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا زهير بن محمد، حدثني مَن سَمع أبا العالية الرياحي يحدث عن أبي بن كعب قال: سألت رسول الله ﷺ عن الحسنى قال: \"الحسنى: الجنة\".\nوقوله: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ - قال ابن عباس: دعني للخير. وقال زيد بن أسلم: يعني: للجنة.\nوقال بعض السلف: من ثواب الحسنة الحسنة بعدها. ومن جزاء السيئة السيئة بعدها. ولهذا قال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ﴾، أي: بما عنده، ﴿وَاسْتَغْنَى﴾، قال عكرمة، عن\n_________\n= ابن حجر في الفتح (٨/ ٧٠٧): هذا صورته الإرسال لأن إبراهيم ما حضر القصة.\n(^٣) تقدم في سورة يونس، آية: (٢٦).\n_________\n[¬١]- في ت: يريدوني.\n[¬٢]- في ت: القسم.\n[¬٣]- ما بين المعكوفين سقط من ز.\n[¬٤]- ما بين المعكوفين سقط من ز، خ.","vol":"14","page":372},{"text":"ابن عباس؛ أي [بخل بماله] [¬١]، واستغنى عن ربه ﷿. رواه ابن أبي حاتم.\n﴿وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى﴾، أي: بالجزاء في الدار الآخرة، ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾، أي لطريق [¬٢] الشر، كما قال تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾. والآيات في هذا المعنى كثيرة دالة على أن الله ﷿ يجازي مَن قصد الخير بالتوفيق له، ومن قصد الشر بالخذلان. وكل ذلك بقدر مقدر، والأحاديثُ الدالة على هذا المعنى كثيرة.\nرواية أبي بكر الصديق ﵁\". قال الإمام أحمد (^٤): حدثنا علي بن عَيَّاش [¬٣]، حدثني العطاف بن خالد، حدثني رجل من أهل البصرة، عن طلحة بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، عن أبيه قال: سمعت أبي يذكر: أن [¬٤] أباه سمع أبا بكر وهو يقول: قلت لرسول الله ﷺ: يا رسول الله؟ أنعمل على ما فرغ منه أو على أمر مؤتنف؟ قال: \"بل على أمر قد فُرغ منه\". قال: ففيم العملُ يا رسول الله؟ قال: \"كلٌّ ميسر لما خلق له\".\nرواية علي ﵁، قال البخاري (^٥)، حدثنا أبو نعيم: حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن سعد بي عبيدة، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن علي بن أبي طالب قال: كنا مع رسول الله ﷺ في بقيع الغَرقد في جنازة، فقال: \"ما منكم من أحد إلا وقد كُتب مقعده من الجنة ومقعده من النار\". فقالوا: يا رسول الله؟ أفلا نتكل؟ فقال: \"اعملوا، فكل ميسر لما خلق له\". قال: ثم قرأ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ إلى قوله: ﴿لِلْعُسْرَى﴾.\nوكذا رواه من طريق شعبة (^٦) ووكيع (^٧)، عن الأعمش، بنحوه. ثم رواه عن عثمان بن أبي شيبة (^٨)، عن جرير، عن منصور، عن سعد بن عبيدة عن أبي عبد الرحمن، عن [¬٥] علي بن أبي طالب ﵁ قال [¬٦]: كنا في جنازة في بقيع الغرقد، فأتى رسول الله صلى الله\n_________\n(^٤) المسند (١/ ٥ - ٦) (١٩). وضعفه أحمد شاكر في تعليقه على المسند، لكن يشهد له ما بعده.\n(^٥) صحيح البخاري، كتاب: التفسير، باب: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى﴾، حديث (٤٩٤٥) (٨/ ٧٠٨).\n(^٦) صحيح البخاري، باب: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾، حديث (٤٩٤٦) (٨/ ٧٠٨).\n(^٧) صحيح البخاري، باب: ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى﴾ حديث (٤٩٤٧) (٨/ ٧٠٨ - ٧٠٩).\n(^٨) صحيح البخاري، باب: ﴿وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى﴾، حديث (٤٩٤٨) (٨/ ٧٠٩).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: على ماله.\n[¬٢]- في ز: بطريق.\n[¬٣]- في ز، خ: عباس.\n[¬٤]- في خ: عن.\n[¬٥]- في ز، خ: هو.\n[¬٦]- سقط من ت.","vol":"14","page":373},{"text":"عليه وسلم فقعد وقعدنا حوله، ومعه مِخصرة فنكس [¬١] فجعل ينكت بمخصرته، ثم قال: \"ما منكم من أحد -أو ما من نفس منفوسة- إلا كتب مكانها من الجنة والنار، وإلا قد كتبت شقية أو سعيدة\". فقال رجل: يا رسول الله؟ أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل؟ فمن كان منا من أهل السعادة فسيصير إلى أهل السعادة، ومن كان منا من أهل الشقاوة [¬٢] فسيصير إلى أهل الشقاء؟ فقال: \"أما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاء فييسرون [إلى عمل] [¬٣] أهل الشقاء\". ثم قرأ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) [فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى] [¬٤]﴾ الآية.\nوقد أخرجه بقية الجماعة من طرق عن سعد [¬٥] بن عبيدة به.\nرواية عبد الله بن عمر [¬٦]، وقال الإِمام أحمد (^٩): حدثنا عبد الرحمن، حدثنا شعبة عن عاصم بن عبيد الله قال: سمعت سالم بن عبد الله يحدث عن ابن عمر؟ قال: قال عمر: يا رسول الله؟ أرأيت ما نعمل فيه؟ أفي أمر قد فرغ أو مبتدأ أو مبتدع؟ قال: \"فيما قد فرغ منه، فاعمل يا ابن الخطاب فإن كلًّا ميسر أما من كان من أهل السعادة فإنه يعمل للسعادة، وأما من كان من أهل الشقاء، فإنه يعمل للشقاء\".\nورواه الترمذي في القدر عن بندار، عن ابن مهدي، به، وقال: حسن صحيح.\n(حديث آخر) من رواية جابر، قال ابن جرير (^١٠): حدثني يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد إلَّا أنه قال: يا رسول الله، أنعمل لأمر قد فرغ منه، أو لأمر نستأنفه؟ فقال: الأمر قد فرغ منه\". فقال سراقة: ففيم العمل إذًا؟ فقال رسول الله ﷺ: \"كل عامل ميسر لعمله\".\nورواه مسلم، عن أبي الطاهر، عن ابن وهب له.\n(حديث آخر) قال ابن جرير (^١١): حدثني يونس، حدثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن طلق بن حبيب، عن بشير بن كعب العدوي؛ قال: سأل غلامان شابان النبي صلى الله\n_________\n(^٩) المسند (٢/ ٥٢) (٥١٤٠). وأخرجه الترمذي في كتاب: القدر، باب: ما جاء في الشقاء والسعادة، حديث (٢١٣٦) (٦/ ٣٠٨). قال الترمذي: حسن صحيح.\n(^١٠) تفسير الطبري (٣٠/ ٢٢٤). ومسلم في كتاب: القدر، باب: كيفية الخلق الآدمي في بطن أمه، وكتابة رزقه وأجله وعمله وشقاوته وسعادته، حديث (٨/ ٢٦٤٨ م) (١٦/ ٣٠٣).\n(^١١) تفسير الطبري (٣٠/ ٢٢٤ - ٢٢٥).\n_________\n[¬١]- في ت: فنكث.\n[¬٢]- في ت: الشقاء.\n[¬٣]- في خ: لعمل.\n[¬٤]- سقط من ز.\n[¬٥]- في ز، خ: سعيد.\n[¬٦]- في ز: عمرو.","vol":"14","page":374},{"text":"عليه وسلم فقالا: يا رسول الله؛ أنعمل فيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير، أو في شيء يستأنف؟ فقال: \"بل فيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير\". قالا: ففيم العمل إذًا؟ قال: \"اعملوا فكل عامل ميسر لعمله الذي خلق له\". قالا: فالآن [¬١] نجد ونعمل.\n(رواية أبي الدرداء) قال الإِمام أحمد (^١٢): حدثنا هيثم [¬٢] بن خارجة، حدثنا أبو الربيع سليمان بن عتبة السلمي، عن يونس بن ميسرة بن حلبس، عن أبي إدريس، عن أبي الدرداء قال: قالوا: يا رسول الله؟ أرأت ما نعمل، أمر قد فرغ منه أم شيء نستأنفه؟ قال: \"بل أمر قد فرغ منه\". قالوا: فكيف بالعمل يا رسول الله؟ قال: \"كل امرئ مهيأ لما خلق له\". تفرد به أحمد من هذا الوجه.\n(حديث آخر)، قال ابن جرير (^١٣): حدثني الحسن بن سلمة بن أبي كبشة، حدثنا عبد الملك بن عمرو، حدثنا عباد بن راشد، عن قتادة، حدثني خُلَيد العصري، عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ: \"ما من يوم غربت فيه شمسه إلا وبجنبتيها ملكان يناديان يسمعه خلق الله كلهم إلا الثقلين: اللَّهم أعط منفقًا خلفًا، وأعط ممسكًا تلفًا\". وأنزل الله في ذلك القرآن: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ ورواه ابن أبي حاتم عن أبيه عن ابن أبي كبشة بإسناده مثله.\n(حديث آخر)، قال ابن أبي حاتم (^١٤): حدثني أبو عبد الله الطهراني، حدثنا حفص بن عمر العدني [¬٣]، حدثنا الحكم بن أبان عن عكرمة، عن ابن عباس: أن رجلًا كان له نخل، ومنها نخلة فرعها إلى [¬٤] دار رجل صالح فقير ذي عيال، فإذا جاء الرجل فدخل داره وأخذ التمر من نخلته، فتسقط التمرة فيأخذها صبيان الفقير [¬٥]، فنزل من نخلته فنزع التمرة من أيديهم، وإن أدخل [أحدهم التمرة في فمه] [¬٦] أدخل أصبعه في حلق الغلام ونزع التمرة من حلقه. فشكا ذلك الرجل إلى النبي ﷺ وأخبره بما هو فيه من صاحب النخلة، فقال له النبي ﷺ: \"اذهب\".\n_________\n(^١٢) المسند (٦/ ٤٤١) (٢٧٥٩٤). وحسنه الألباني: في الصحيحة (٢٠٣٣).\n(^١٣) تفسير الطبري (٣٠/ ٢٢١).\n(^١٤) ذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" (٦/ ٦٠٣ - ٦٠٤) وعزاه إلى ابن أبي حاتم وضعف سنده.\n_________\n[¬١]- سقط من خ.\n[¬٢]- في ز، خ: هشيم.\n[¬٣]- في ت: العداني.\n[¬٤]- في خ: في.\n[¬٥]- في خ: الرجل.\n[¬٦]- في ز، خ: التمرة في فم أحدهم.","vol":"14","page":375},{"text":"ولقي النبي ﷺ صاحب النخلة، فقال له النبي ﷺ \"أعطني نخلتك التي فرعها في دار فلان ولك بما نخلة في الجنة\" فقال له [¬١]: لقد أعطيت، ولكن يعجبني ثمرها، وإن لي [لنخلًا كثيرًا] [¬٢] ما فيها نخلة أعجب إليَّ ثمرة من ثمرها. فذهب النبي ﷺ فتبعه رجل كان يسمع الكلام من رسول الله ﷺ ومن صاحب النخلة، فقال الرجل: يا رسول الله؟ إن أنا أخذت النخلة فصارت لي النخلة فأعطيتها أتعطيني بها ما أعطيته بها نخلة في الجنة؟ قال: \"نعم\". ثم إن الرجل لقي صاحب النخلة -ولكليهما [¬٣] نخل- فقال له: أخبرك أن محمدًا أعطاني بنخلتي المائلة في دار فلان نخلة في الجنة، فقلت له: قد أعطيت ولكن يعجبني ثمرها. فسكت عنه الرجل فقال له: أتراك إذًا بعتها؟ قال: لا، إلا أن أعطى بها شيئًا، ولا أظنني أعطاه. قال: وما مناك بها [¬٤]؟ قال: أربعون نخلة. فقال له [¬٥] الرجل: لقد جئت بأمر عظيم، نخلتك تطلب بها أربعين نخلة؟! ثم سكتا وأنشآ في كلام، ثم قال: أنا أعطيك [¬٦] أربعين نخلة، فقال: أشهد لي إن كنت صادقًا. فأمر بأناس فدعاهم فقال: اشهدوا أني قد أعطيته [من نخلي] [¬٧] أربعين نخلة بنخلته التي فرعها في دار فلان بن فلان. ثم قال: ما تقول؟ فقال صاحب النخلة: قد رضيت. ثم قال بعد: ليس بيني وبينك بيع لم نفترق. قال له: قد أقالك الله، ولست بأحمق حين أعطيتك أربعين نخلة بنخلتك المائلة. فقال صاحب النخلة: قد رضيت على أن تعطني الأربعين على ما أريد. قال: تعطينيها على ساق. [ثم مكث ساعة ثم قال: هي لك على ساق. وأوقف له شهودًا، وعد له أربعين نخلة على ساق] [¬٨] فتفرقا فذهب الرجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله؛ إن النخلة المائلة في دار فلان قد صارت لي، فهي لك. فذهب رسول الله ﷺ إلى الرجل صاحب الدار فقال له: \"النخلة لك ولعيالك\". قال عكرمة: قال ابن عباس: فأنزل الله ﷿: ﴿وَاللَّيلِ إِذَا يَغْشَى﴾ إلى قوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ إلى آخر السورة.\nهكذا [¬٩] رواه ابن أبي حاتم، وهو حديث غريب جدًّا.\nقال ابن جرير (^١٥): وذكر أن هذه الآية نزلت في أبي بكر الصديق ﵁: حدثني\n_________\n(^١٥) تفسير الطبري (٣٠/ ٢٢١).\n_________\n[¬١]- سقط من ز.\n[¬٢]- في ز: النخل كثير.\n[¬٣]- في ز: ولكلاهما.\n[¬٤]- في ز، خ: فيها.\n[¬٥]- سقط من ت.\n[¬٦]- في ت: أعطيتك.\n[¬٧]- سقط من خ.\n[¬٨]- سقط من ز، خ.\n[¬٩]- في ز: هذا.","vol":"14","page":376},{"text":"هارون بن إدريس الأصم، حدثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي، حدثنا محمد بن إسحاق، عن محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق عن عامر بن عبد الله بن الزبير قال: كان أبو بكر يعتق على الإِسلام بمكة، فكان يعتق عجائز ونساء إذا أسلمن، فقال له أبوه: أي بني؛ أراك تعتق أناسًا ضعفاء، فلو أنك تعتق رجالًا جلداء يقومون معك ويمنعونك ويدفعون عنك؟! فقال: أي أبت؛ إنما أريد - أظنه قال - ما عند الله، قال: فحدثني بعض أهل بيتي أن هذه الآية أنزلت فيه: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾.\nوقوله: ﴿وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى﴾، قال مجاهد: أي: إذا مات. وقال أبو صالح ومالك، عن زيد بن أسلم: إذا تردَّى في النار.\n﴿إِنَّ عَلَينَا لَلْهُدَى (١٢) وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى (١٣) فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى (١٤) لَا يَصْلَاهَا إلا الْأَشْقَى (١٥) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٦) وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (١٧) الَّذِي يُؤْتِي مَالهُ يَتَزَكَّى (١٨) وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى (١٩) إلا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى (٢٠) وَلَسَوْفَ يَرْضَى (٢١)﴾\nقال قتادة: ﴿إِنَّ عَلَينَا لَلْهُدَى﴾، أي: نبين الحلال والحرام. وقال غيره: من سلك طريق الهدى وصل إلى الله. وجعله كقوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾. حكاه ابن جرير.\nوقوله: ﴿وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى﴾ أي الجميع ملكنا وأنا التصرف فيهما.\nوقوله: ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى﴾، قال مجاهد: أي توهج.\n[قال الإِمام أحمد (^١٦): حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن سماك بن حرب، سمعت النعمان بن بشير يخطب يقول: سمعت رسول الله ﷺ يخطب يقول: [أنذركم النار آنذرتكم النار] [¬١]، أنذرتكم النار\" - حتى لو أن رجلًا كان بالسوق لسمعه من مقامي هذا. قال حتى وقعت خميصة كانت على عاتقه عند رجليه] [¬٢].\n_________\n(^١٦) المسند (٤/ ٢٧٢) (١٨٤٤٩). قال الهيثمي في \"المجمع\" (٢/ ١٩٠ - ١٩١): رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفين سقط من ز.\n[¬٢]- ما بين المعكوفين سقط من خ.","vol":"14","page":377},{"text":"وقال الإِمام أحمد (^١٧): حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، حدثني أبو إسحاق: سمعت [¬١] النعمان بن بشير يخطب ويقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"إن أهون أهل النار عذابًا يوم القيامة رجل توضع في أخمص قدميه جمرتان يغلي منهما [¬٢] دماغه\" رواه البخاري.\nوقال مسلم (^١٨): حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو أسامة، عن الأعمش، عن أبي إسحاق، عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن أهون أهل [¬٣] النار عذابًا من له نعلان وشراكان من نار يغلي منهما دماغه كما يغلي المرجل، ما يرى أن أحدًا أشد منه عذابًا، وإنه لأهونهم عذابًا\".\nوقوله: ﴿لَا يَصْلَاهَا إلا الْأَشْقَى﴾ أي: لا يدخلها دخولًا يحيط به من جميع جوانبه إلا الأشقى. ثم فسره فقال: ﴿الَّذِي كَذَّبَ﴾، أي: بقلبه، ﴿وَتَوَلَّى﴾، أي: عن العمل بجوارحه وأركانه.\nقال الإِمام أحمد (^١٩): حدثنا حسن بن موسى، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا عبد ربه [¬٤] بن سعيد، عن المقبري، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ \"لا يدخل النار إلا شقي\". قيل: ومن [¬٥] الشقي؟ قال: \"الذي لا يعمل بطاعة، ولا يترك لله معصية\".\nوقال الإِمام أحمد (^٢٠): حدثنا يونس وسريج قالا: حدثنا فُليح، عن هلال بن علي، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"كل أمتي تدخل الجنة يوم القيامة إلا من أبى\". قالوا: ومن يأبى يا رسول الله؟ قال: \"من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى\". ورواه البخاري عن محمد بن سنان عن فليح به.\nوقوله: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى﴾، أي: وسيزحزح عن النار التقي النقي الأتقى. ثم فسره\n_________\n(^١٧) المسند (٤/ ٢٧٤) (١٨٤٦٤). والبخاري في كتاب: الرقاق، باب: صفة الجنة والنار، حديث (٦٥٦١) (١١/ ٤١٧) وطرفه في [٦٥٦٢]. ومسلم في باب: الإيمان، باب: أهون أهل النار عذابًا، حديث (٢١٣/ ٣٦٣) (٣/ ١٠٦).\n(^١٨) صحيح مسلم، كتاب: الإيمان، باب: أهون أهل النار عذابًا، حديث (٣٦٤/ ٢١٣) (٣/ ١٠٧).\n(^١٩) المسند (٨٥٧٨ - شاكر). وصححه أحمد شاكر.\n(^٢٠) المسند (٣/ ٨٧ - شاكر). والبخاري في كتاب: الاعتصام، باب: الاقتداء بسنن رسول الله ﷺ، حديث (٧٢٨٠) (١٣/ ٢٤٩).\n_________\n[¬١]- في ز: سمعنا.\n[¬٢]- في ز: منها.\n[¬٣]- سقط من ز.\n[¬٤]- في ز، خ: الله.\n[¬٥]- في ز: ما.","vol":"14","page":378},{"text":"بقوله: ﴿الَّذِي يُؤْتِي مَالهُ يَتَزَكَّى﴾ أي: يصرف ماله في طاعة ربه، ليزكي نفسه وماله وما وهبه الله من دين ودنيا، ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى﴾، أي: ليس بذله ماله [¬١] في مكافأة من أسدى إليه معروفًا، فهو يعطي في مقابلة ذلك، وإنما دفعه ذلك ﴿إلا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى﴾، أي: طمعًا في أن يحصل له رؤيته في الدار الآخرة في روضات الجنات، قال الله تعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾، أي: ولسوف يرضى من اتصف بهذه الصفات.\nوقد ذكر غير واحد من المفسرين أن هذه الآيات نزلت في أبي بكر الصديق ﵁ حتى إن بعضهم حكى الإجماع من المفسرين على ذلك. ولا شك أنه داخل فيها، وأولى الأمة بعمومها، فإن لفظها لفظَ العموم، وهو قوله تعالى: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (١٧) الَّذِي يُؤْتِي مَالهُ يَتَزَكَّى (١٨) وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى﴾، ولكنه مقدم الأمة وسابقهم في جميع هذه الأوصاف وسائر الأوصاف الحميدة، فإنه كان صديقًا تقيًّا كريمًا جوادًا بذالًا لأمواله في طاعة مولاه، ونصرة رسول الله، فكم من دراهم ودنانير بذلها ابتغاء وجه ربه الكريم، ولم يكن لأحد من الناس عنده منة يحتاج إلى أن يكافئه بها، ولكن كان فضله وإحسانه على السادات والرؤساء من سائر القبائل، ولهذا قال له عروة بن مسعود - وهو سيد ثقيف، يوم صلح الحديبية: أما والله لولا يد لك كانت عندي لم أجزك بها لأجبتك. وكان الصديق قد أغلظ له في المقالة، فإذا كان هذا حاله مع سادات العرب ورؤساء القبائل، فكيف بمن عداهم؟ ولهذا قال: ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى (١٩) إلا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى (٢٠) وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾. وفي الصحيحين (^٢١) أن رسول الله ﷺ قال: \"من أنفق زوجين في سبيل الله دعته خزنة الجنة: يا عبد الله، هذا خير\" فقال أبو بكر: يا رسول الله، ما على من يُدعى منها ضرورة فهل يدعى منها كلها أحد؟ قال: \"نعم\" وأرجو أن تكون منهم\".\nآخر تفسير سورة الليل، ولله الحمد والمنة\n* * *\n_________\n(^٢١) تقدم في سورة الزمر، آية: (٧٣).\n_________\n[¬١]- في ز: حاله.","vol":"14","page":379},{"text":"<span data-type='title' id=toc-214>[تفسير] سورة الضحى [وهي مكية]</span>\nرُوِّينا من طريق أبي الحسن أحمد بن محمد بن عبد الله بن أبي بزة المقرئ قال: قرأت على عكرمة بن سليمان، وأخبرني أنه قرأ على إسماعيل بن قسطنطين وشبل بن عباد، فلما بلغت ﴿وَالضُّحَى﴾ قالا لي: كبر حتى تختم مع خاتمة كل سورة، فإنا قرأنا على ابن كثير فأمرنا بذلك، وأخبرنا أنه قرأ على مجاهد فأمره بذلك، وأخبره [مجاهد أنه قرأ على ابن عباس فأمره بذلك، وأخبره ابن عباسر أنه قرأ على أبيّ بن كعب فأمره بذلك، وأخبره أُبيّ] [¬١] أنه قرأ على رسول الله ﷺ فأمره بذلك.\nفهذه سنة تفرد بها أبو الحسن أحمد بن محمد بن عبد الله البزي، من ولد القاسم بن أبي بزة، وكان إمامًا في القراءات. فأما في الحديث فقد ضعفه أبو حاتم الرازي، وقال: لا يحدث [¬٢] عنه.\nوكذلك أبو جعفر العقيلي؛ قال: هو منكر الحديث. لكن حكى الشيخ شهاب الدين أبو شامة في شرح الشاطبية عن الشافعي أنه سمع رجلًا يكبر هذا التكبير في الصلاة، فقال له: أحسنت، وأصبت السنة، وهذا يقتضي صحة هذا الحديث.\nثم اختلف الفراء في موضع هذا التكبير وكيفيته، فقال بعضهم: يكبر من [¬٣] آخر ﴿وَاللَّيلِ إِذَا يَغْشَى﴾. وقال آخرون: من آخر ﴿وَالضُّحَى﴾: وكيفية التكبير عند بعضهم أن يقول: الله أكبر ويقتصر، ومنهم من يقول: الله أكبر، لا إله إلا الله والله أكبر.\nوذكر الفراء في مناسبة التكبير من أول \"سورة الضحى\"؛ أنه لما تأخر الوحي عن رسول الله ﷺ وفتر تلك المدة جاءه الملك فأوحى إليه: ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيلِ إِذَا سَجَى …﴾ السورة بتمامها - كبر فرحًا وسرورًا. ولم يرو ذلك بإسناد يحكم عليه بصحة ولا ضعف، فالله أعلم.\n﷽\n﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيلِ إِذَا سَجَى (٢) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (٣) وَلَلْآخِرَةُ خَيرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى (٤) وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (٥) أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من ز، خ.\n[¬٢]- في ز، خ: أحدث.\n[¬٣]- في ز، خ: في.","vol":"14","page":380},{"text":"فَآوَى (٦) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (٧) وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى (٨) فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (٩) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ (١٠) وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (١١)﴾\nقال الإِمام أحمد (^١): حدثنا أبو نعيم، حدثنا سفيان، عن الأسود بن قيس؛ قال: سمعت جندبًا؛ يقول: اشتكى النبي ﷺ فلم يقم ليلة أو ليلتين، فأتت امرأة فقالت: يا محمد؛ ما أرى شيطانك إلا قد تركك. فأنزل الله ﷿: ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيلِ إِذَا سَجَى (٢) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾.\nو[¬١] رواه البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي، وابن أبي حاتم، وابن جرير، من طرق [¬٢]، عن الأسود بن قيس، عن جندب -هو ابن عبد الله البجلي، ثم العلقي به، وفي رواية سفيان بن عيينة عن الأسود بن قيس: سمع جندبًا؛ قال: أبطأ جبريل على رسول الله ﷺ فقال المشركون: وُدّعَ محمد. فأنزل الله ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيلِ إِذَا سَجَى (٢) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾.\nوقال ابن أبي حاتم (^٢): حدثنا أبو سعيد الأشج، وعمرو بن عبد الله الأودي؛ قالا: حدثنا أبو أسامة، حدثني سفيان، حدثني الأسود بن قيس، أنه سمع جندبًا؛ يقول: رمي رسول الله ﷺ بحجر في أصبعه فقال: هل أنت إلا أصبع دميت * وفي سبيل الله ما لقيت؟.\nقال: فمكث ليلتين أو ثلاثًا لا يقوم، فقالت له امرأة: ما أرى شيطانك إلا قد تركك. فنزلت: ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيلِ إِذَا سَجَى (٢) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ - والسياق لأبي سعيد.\n_________\n(^١) المسند (٤/ ٣١٣) (١٨٨٥٨). والبخاري في كتاب: التهجد، باب: ترك القيام للمريض، حديث (١١٢٤) (٣/ ٨). وأطرافه في: [١١٢٥، ٤٩٥٠، ٤٩٨٣]. ومسلم في كتاب: الجهاد والسير، باب: ما لقى النبي ﷺ من أذى المشركين والمنافقين، حديث (١١٤، ١١٥/ ١٧٩٧) (١٢/ ٢١٦ - ٢١٨). والترمذي في كتاب: التفسير، باب: ومن سورة الضحى، حديث (٣٣٤٢) (٩/ ٧٦) بمعناه وقال: حسن صحيح. والنسائي في الكبرى في كتاب: التفسير، باب: سورة الضحى، حديث (١١٦٨١) (٦/ ٥١٧). والطبري (٣٠/ ٢٣١).\n(^٢) وأصله في الصحيحين من طريق الأسود؛ أخرجه البخاري في كتاب: الجهاد، باب: من ينكب في سبيل الله، حديث (٢٨٠٢) (٦/ ١٩)، وطرفه في [٤١٤٦]. ومسلم في باب: الجهاد والسير، باب: ما لقى النبي ﷺ من أذى المشركين والمنافقين، حديث (١١٢، ١١٣/ ١٧٩٦) (١٢/ ٢١٥ - ٢١٦). كلاهما من طريق الأسود عن جندب به نحوه.\n_________\n[¬١]- سقط من ت.\n[¬٢]- في ز، خ: طريق.","vol":"14","page":381},{"text":"قيل: أن هذه المرأة هي أم جميل امرأة أبي لهب، وذكر أن إصبعه، ﵇، دميت. وقوله - هذا الكلام الذي اتفق أنه موزون - ثابت في الصحيحين ولكن الغريب هاهنا جعله سببًا لتركه القيام، ونزول هذه السورة، فأما ما رواه ابن جرير (^٣): حدثنا ابن أبي الشوارب، حدثنا عبد الواحد بن زياد، حدثنا سليمان الشيباني، عن عبد الله بن شداد؛ أن [¬١] خديجة قالت للنبي ﷺ ما أرى ربك إلا قد قلاك. فأنزل الله: ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيلِ إِذَا سَجَى (٢) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ \".\nوقال أيضًا (^٤): حدثنا أبو كريب، حدثنا وكيع، عن هشام بن عروة، عن أبيه؛ قال: أبطأ جبريل على النبي ﷺ فجزع جزعًا شديدًا، فقالت خديجة: إني أرى ربك قد قلاك مما يرى [¬٢] من جزعك. قال: فنزلت: ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيلِ إِذَا سَجَى (٢) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ … إلى آخرهما.\nفإنه حديث مرسل من [هذين الوجهين] [¬٣]، ولعل ذكر خديجة ليس محفوظًا، أو قالته على وجه التأسف والتحزن، والله أعلم.\nوقد ذكر بعض السلف - منهم ابن إسحاق - أن هذه السورة هي التي أوحاها جبريل إلى رسول الله ﷺ حين تبدى له في صورته التي خلقه الله عليها، ودنا إليه وتدلى منهبطًا عليه وهو بالأبطح، ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ قال: قال له هذه السورة: ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيلِ إِذَا سَجَى﴾.\nقال العوفي، عن ابن عباس: لما نزل على رسول الله ﷺ القرآن، أبطأ عنه جبريل أيامًا، فتغير [¬٤] بذلك، فقال المشركون: ودعه ربه وقلاه. فأنزل الله: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾.\nوهذا قسم منه تعالى بالضحى وما جعل فيه من الضياء، ﴿وَاللَّيلِ إِذَا سَجَى﴾، أي: سكن فأظلم وادلهم. قاله مجاهد، وقتادة، والضحاك، وابن زيد، وغيرهم. وذلك دليل ظاهر على قدرة خالق هذا وهذا، كما قال: ﴿وَاللَّيلِ إِذَا يَغْشَى (١) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾ وقال: ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ [¬٥] اللَّيلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾\n_________\n(^٣) تفسير الطبري (٣٠/ ٢٣١).\n(^٤) تفسير الطبري (٣٠/ ٢٣٢).\n_________\n[¬١]- في خ: عن.\n[¬٢]- في ت: نرى.\n[¬٣]- بياض في ز، خ.\n[¬٤]- في الطبري: فعير.\n[¬٥]- في ز: \"وجاعل\"، وهي قراءة ابن كثير.","vol":"14","page":382},{"text":"وقوله: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ﴾، أي: ما تركك، ﴿وَمَا قَلَى﴾ أي: وما أبغضك، ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى﴾، أي وللدار الآخرة خير لك من هذه الدار؛ ولهذا كان رسول الله ﷺ أزهد الناس في الدنيا، وأعظمهم لها اطِّراحًا، كما هو معلوم من سيرته. ولما خير ﵇ في آخر عمره بين الخلد في الدنيا إلى آخرها ثم الجنة، وبين الصيرورة إلى الله ﷿ اختار ما عند الله على هذه الدنيا الدنية.\nقال الإِمام أحمد (^٥): حدثنا يزيد، حدثنا المسعودي، عن عمرو [¬١] بن مرة، عن إبراهيم النخعي، عن علقمة، عن عبد الله -هو ابن مسعود- قال: اضطجع رسول الله ﷺ على حصير، فأثر في جنبه، فلما استيقظ جعلت أمسح جنبه وقلت: يا رسول الله؛ ألا آذنتنا حتى نبسط لك على الحصير شيئًا؟ فقال رسول الله ﷺ: \"ما لي وللدنيا؟! ما أنا والدنيا؟! إنما مثلي ومثل الدنيا كراكب ظل تحت شجرة، ثم راح وتركها\". ورواه الترمذي، وابن ماجة من حديث المسعودي به، وقال الترمذي: حسن صحيح.\nوقوله: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ أي: في الدار الآخرة يعطيه حتى يرضيه في أمته، وفيما أعده [¬٢] له من الكرامة، ومن جملته نهر الكوثر الذي حافتاه قباب اللؤلؤ المجوف، وطينه مسك أذفر، كما سيأتي.\nوقال الإمام أبو عمرو الأوزاعي، عن إسماعيل بن عبيد الله بن أبي [¬٣] المهاجر المخزومي، عن علي بن عبد الله بن عباس، عن أبيه؛ قال: عرض على رسول الله ما هو مفتوح على أمته من بعده كنزًا كنزًا، فسر بذلك، فأنزل الله ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ فأعطاه في الجنة ألف [¬٤] قصر، في كل قصر ما ينبغي له من الأزواج والخدم [¬٥].\nرواه ابن جرير (^٦) من طريقه، وهذا إسناد صحيح إلى ابن عباس. ومثل [¬٦] هذا ما يقال إلا عن توقيف.\n_________\n(^٥) المسند (١/ ٣٩١) (٣٧٠٩). والترمذي في كتاب: الزهد، باب: ما أنا في الدنيا إلا كراكب، حديث (٢٣٧٨) (٧/ ١١٠). وابن ماجة في كتاب: الزهد، باب: مثل الدنيا، حديث (٤١٠٩) (٢/ ١٣٧٦). قال الترمذي: حسن صحيح.\n(^٦) تفسير الطبري (٣٠/ ٢٣٢).\n_________\n[¬١]- في ز: عمر.\n[¬٢]- في خ: وعده.\n[¬٣]- في ز، خ: بشر.\n[¬٤]- في ت: ألف ألف.\n[¬٥]- في ت: والخدام.\n[¬٦]- في ز: وقبل.","vol":"14","page":383},{"text":"وقال السدي عن ابن عباس: من رضا محمد ﷺ أن لا يدخل أحد من أهل بيته النار. رواه [¬١] ابن جرير (^٧)، وابن أبي حاتم.\nوقال الحسن: يعني بذلك: الشفاعة، وهكذا قال أبو جعفر الباقر [¬٢].\nوقال أبو بكر بن أبي شيبة (^٨): حدثنا معاوية بن هشام، عن علي بن صالح، عن يزيد [¬٣] ابن أبي زياد، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله؟ قال: قال رسول الله ﷺ: \"إنا أهل بيت اختار الله لنا الآخرة على الدنيا: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾.\nثم قال تعالى -يعدد نعمه [¬٤] على عبده ورسوله محمد صلوات الله وسلامه عليه: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى﴾، ذلك أن أباه توفي وهو حمل في بطن أمه، وقيل: بعد أن ولد ﵇. ثم توفيت أمه آمنة بنت وهب وله من العمر ست سنين، ثم كان في كفالة جده عبد المطلب، إلى أن توفي وله من العمر ثمان سنين، فكفله عمه أبو طالب، ثم لم يزل يحوطه وينصره ويرفع من قدره ويوقره، ويكف عنه أذى قومه بعد أن ابتعثه الله على رأس أربعين سنة من عمره، هذا وأبو طالب على دين قومه من عبادة الأوثان، وكل ذلك بقدر الله وحسن تدبيره، إلى أن توفي أبو طالب قبل الهجرة بقليل، فأقدم عليه سفهاء قريش وجهالهم، فاختار الله له الهجرة من بين أظهرهم إلى بلد الأنصار من الأوس والخزرج، كما أجرى الله سُنّته [¬٥] على الوجه الأتم الأكمل. فلما وصل إليهم آووه ونصروه وحاطوه وقاتلوا بين يديه ﵃ أجمعين - وكل هذا من حفظ الله له وكلاءته وعنايته به.\nوقوله: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ كقوله: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَينَا إِلَيكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ومنهم من قال: المراد بهذا أنه ﵇ ضل [¬٦] في شعاب مكة وهو صغير، ثم رجع. وقيل: إنه ضل وهو مع عمه في طريق الشام، وكان راكبًا ناقة في الليل، فجاء إبليس يعدل بها عن الطريق، فجاء جبريل، فنفخ إبليس نفخة ذهب منها [إلى الحبشة] [¬٧]، ثم عدل بالراحلة إلى الطريق. حكاهما البغوي.\n_________\n(^٧) أخرجه الطبري (٣٠/ ٢٣٢). وفي إسناده الحكم بن طهير وهو متروك.\n(^٨) أخرجه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" في باب: الفتن، باب: ما ذكر في عثمان، حديث (٧٤) (٨/ ٦٩٧) مطولًا بأتم من ذلك وليس فيه ذكر الآية.\n_________\n[¬١]- في ت: ورواه.\n[¬٢]- سقط من ز، خ.\n[¬٣]- في ت: زيد.\n[¬٤]- في ز: نعمته.\n[¬٥]- في ز: سببه.\n[¬٦]- في ز: صلى.\n[¬٧]- في ز، خ: ذي الجنبة.","vol":"14","page":384},{"text":"وقوله: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾، أي: كنت فقيرًا ذا عيال، فأغناك الله عمن سواه، فجمع له بين مقامي الفقير الصابر والغني الشاكر، صلوات الله وسلامه عليه.\nوقال قتادة في قوله: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (٦) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (٧) وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾، قال: كانت هذه منازل رسول الله ﷺ قبل أن يبعثه الله ﷿. رواه ابن جرير (^٩) وابن أبي حاتم.\nوفي الصحيحين (^١٠) - من طريق عبد الرزاق- عن معمر، عن همام بن منبه؛ قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة؛ قال: قال رسول الله ﷺ: [\"ليس الغنى عن كثرة العَرَض، ولكن الغنى غنى النفس\".\nوفي صحيح مسلم (^١١) عن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله ﷺ] [¬١]-: \"قد أفلح من أسلم ورزق كفافًا وقنَّعه الله بما أتاه\".\nثم قال: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ﴾ أي: كما [¬٢] كنت يتيمًا فآواك الله فلا تقهر [¬٣] اليتيم، أي: لا تذله وتنهره وتهنه، ولكن أحسن إليه، وتلطف به.\nقال قتادة: كن لليتيم كالأب الرحيم.\n﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ﴾ أي كما كنت ضالًّا فهداك الله، فلا تنهر السائل في العلم المسترشد.\nقال ابن إسحاق: ﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ﴾، أي: فلا تكن جبارًا، ولا متكبرًا، ولا فحَّاشًا، ولا فظًّا على الضعفاء من عباد الله.\n_________\n(^٩) أخرجه الطبري (٣٠/ ٢٣٣).\n(^١٠) المسند (٨١٥٩) من هذا الطريق، ولم أجده عند البخاري ومسلم من طريق عبد الرزاق هذا، إنما الذي عند البخاري من طريق أبي صالح عن أبي هريرة، أخرجه في كتاب: الرقاق، باب: الغنى غنى النفس، حديث (٦٤٤٦) (١١/ ٢٧١). وأخرجه مسلم في كتاب: الزكاة، باب: ليس الغنى عن كثرة العرض، حديث (١٢٠/ ١٠٥١) (٧/ ١٩٨). من طريق أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة. وقال الشيخ أحمد شاكر: ولم يروه الشيخان من طريق الصحيفة. ا هـ. يعني صحيفة همام بن منبه أي من هذا الطريق فوافق ما ذكرته والحمد لله.\n(^١١) صحيح مسلم، كتاب: الزكاة، باب: في الكفاف والقناعة، حديث (١٢٥/ ١٠٥٤) (٧/ ٢٠٤ - ٢٠٥).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من ز، خ.\n[¬٢]- سقط من خ.\n[¬٣]- في ز: تنهر.","vol":"14","page":385},{"text":"وقال قتادة: يعني: رد المسكين برحمة ولين.\n﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ أي: وكما كنت عائلًا فقيرًا فأغناك الله، فحدث بنعمة الله عليك، كما جاء في الدعاء المأثور النبوي: \"واجعلنا شاكرين لنعمتك، مثنين بها، قابليها، وأتمها [¬١] علينا\".\nوقال ابن جرير (^١٢): حدثني يعقوب، حدثنا ابن عُلية، حدثنا سعيد بن [إياس] [¬٢] الجُرَيري، عن أبي نضرة؛ قال: كان المسلمون يرون أن من شكر النعم أن يحدث بها.\nوقال عبد الله بن الإمام أحمد (^١٣): حدثنا منصور بن أبي مزاحم، حدثنا الجراح بن مليح، عن أبي عبد الرحمن، عن الشعبي، عن النعمان بن بشير؛ قال: قال رسول الله ﷺ [على المنبر] [¬٣]: \"من لم يشكر القليل، لم يشكر الكثير، ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله. والتحدث [¬٤] بنعمة الله شكر، وتركها كفر؛ والجماعة رحمة، والفرقة عذاب\". إسناده ضعيف.\nوفي الصحيحين (^١٤)، عن أنس، أن المهاجرين قالوا: يا رسول الله؛ ذهب الأنصار بالأجر كله. قال: \"لا، ما دعوتم [¬٥] الله لهم، وأثنيتم [¬٦] عليهم\".\nوقال أبو داود (^١٥): حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا الربيع بن مسلم، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ؛ قال: \"لا يشكر [¬٧] الله من لا يشكر\n_________\n(^١٢) أخرجه الطبري (٣٠/ ٢٣٤).\n(^١٣) أخرجه عبد الله بن أحمد (٤/ ٢٧٨) (١٨٥٠٠) في زوائد المسند.\n(^١٤) لم أجده في الصحيحين. والحديث أخرجه أحمد (٣/ ٢٠٠ - ٢٠١) (١٣٠٩٨) وأبو داود في باب: الأدب، باب: في شكر المعروف، حديث (٤٨١٢) (٤/ ٢٥٥). والترمذي في كتاب: صفة القيامة، باب: مواساة الأنصار للمهاجرين، حديث (٢٤٨٩) (٧/ ١٨٤). والنسائي في الكبرى في باب: عمل اليوم والليلة، باب: ما يقول لمن صنع إليه معروفًا، حديث (١٠٠٠٩) (٦/ ٥٣). والبخاري في الأدب المفرد، وصححه الألباني في صحيح الأدب المفرد (١٥٩، ٢١٧). كلهم من طريق عن أنس ﵁ به مثله ونحوه. قال الترمذي: حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه. والحديث في تحفة الأشراف (٣٤٠) ولم يعزه إلى البخاري ولا مسلم، وعزاه إلى أبي داود والنسائي.\n(^١٥) سنن أبي داود في كتاب: الأدب، باب: في شكر المعروف، حديث (٤٨١١) (٤/ ٢٥٥). وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (٤٠٢٦).\n_________\n[¬١]- في ز: وأتممها.\n[¬٢]- سقط من ز، خ.\n[¬٣]- سقط من ز، خ.\n[¬٤]- في ز: والمحدث.\n[¬٥]- في ز: دعوهم.\n[¬٦]- في ز: وأثنيتهم.\n[¬٧]- في ز: شكر.","vol":"14","page":386},{"text":"الناس\".\nورواه الترمذي (^١٦) عن أحمد بن محمد، عن ابن المبارك، عن الربيع بن مسلم، وقال: صحيح.\nوقال أبو داود (^١٧): حدثنا عبد الله بن الجراح، حدثنا جرير، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، عن النبي ﷺ؟ قال: \"من أبلى بلاء فذكره فقد شكره، وإن كتمه فقد كفره\". تفرد به أبو داود.\nوقال أبو داود (^١٨): حدثنا مسدد، حدثنا بشر، حدثنا عمارة بن غزية، حدثني رجل من قومي، عن جابر بن عبد الله؟ قال: قال رسول الله ﷺ: \"من أعطي [¬١] عطاء فوجد فليجز به، فإن لم يجد فليثن به، فمن أثنى به فقد شكره، ومن كتمه فقد كفره\". قال أبو داود: ورواه يحيى بن أيوب، عن عمارة بن غزية، عن شرحبيل عن جابر كرهوه فلم يسموه. تفرد به أبو داود.\nوقال مجاهد: يعني النبوة التي أعطاك ربك. وفي رواية عنه: القرآن.\nوقال ليث عن رجل عن الحسن بن [¬٢] علي: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾، قال: ما عملت من خير فحدث إخوانك.\nوقال محمد بن إسحاق: ما جاءك الله من نعمة وكرامة من النبوة فحدث بها واذكرها [¬٣]، وادع إليها، وقال: فجعل رسول الله ﷺ يذكر ما أنعم الله به عليه من النبوة سرًّا [¬٤] إلى من يطمئن إليه من أهله، وافترضت عليه الصلاة، فصلى.\nآخر تفسير سورة الضحى\n[ولله الحمد والمنة وبه التوفيق والعصمة]\n* * * *\n_________\n(^١٦) سنن الترمذي، كتاب: البر والصلة، باب: ما جاء في الشكر لمن أحسن إليك، حديث (١٩٥٥) (٦/ ١٨٧، ١٨٨). قال الترمذي: حسن صحيح.\n(^١٧) سنن أبي داود، باب: الأدب، باب: في شكر المعروف، حديث (٤٨١٤) (٤/ ٢٥٦). وصححه الألباني في الصحيحة (٦١٨).\n(^١٨) سنن أبي داود في الموضع السابق، حديث (٤٨١٣) (٤/ ٢٥٥ - ٢٥٦).\n_________\n[¬١]- في ز: أعطا.\n[¬٢]- في خ: عن.\n[¬٣]- في ز: فاذكرها.\n[¬٤]- في خ: سواء.","vol":"14","page":387},{"text":"<span data-type='title' id=toc-215>[تفسير] سورة \"ألم نشرح\" [وهي مكية]</span>\n﷽\n﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١) وَوَضَعْنَا عَنْكَ وزْرَكَ (٢) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (٣) وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (٤) فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٦) فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (٧) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ (٨)﴾\nيقول تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾، يعني أما شرحنا لك صدرك، أي: نورناه وجعلناه فسيحًا رحيبًا واسعًا، كقوله: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ وكما شرح الله صدره كذلك جعل شرعه فسيحًا واسعًا سمحًا سهلًا، لا حرج فيه ولا إصر، ولا ضيق.\nوقيل: المراد بقوله: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾: شرح صدره ليلة الإسراء، كما تقدم من رواية مالك بن صعصعة وقد أورده الترمذي (^١) هاهنا. وهذا وإن كانَ واقعًا، ولكن لا منافاة، فإن من جملة شرح صدره الذي فعل بصدره ليلة الإِسراء، وما نشأ عنه من الشرح المعنوي أيضًا، والله أعلم.\nقال عبد الله بن الإمام أحمد (^٢): حدثني محمد بن عبد الرحيم أبو يحيى البزاز، حدثنا يونس بن محمد، حدثنا معاذ بن محمد بن معاذ بن محمد بن أبي بن كعب، حدثني أبي محمد بن معاذ، [عن معاذ] [¬١] عن محمد، عن أبي بن كعب؛ أن أبا هريرة كان جريًّا على أن يسأل رسول الله ﷺ عن أشياء لا يسأل عنها غيره، فقال: يا رسول الله؛ ما أول ما رأيت من أمر النبوة؟ فاستوى رسول الله ﷺ جالسًا، وقال: \"لقد سألت يا أبا هريرة، إني لفي صحراء [¬٢] ابن عشر سنين وأشهر، وإذا بكلام فوق رأسي، وإذا رجل يقول لرجل: أهو هو؟ [قال: نعم] [¬٣] فاستقبلاني بوجوه لم أرها\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في أول سورة الإسراء.\n(^٢) المسند (٥/ ١٣٩) (٢١٣٣٨). وإسناده ضعيف: قال ابن المديني: حديث مدني إسناده مجهول كله، ولا نعرف محمدًا ولا أباه، لا جده. والحديث ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد في موضعين: الأول (٨/ ٢٢٢، ٢٢٣) وقال: \"رواه عبد الله ورجاله ثقات، وثقهم ابن حبان. والثاني (٩/ ٣٦١) وقال: أيضًا \"رجاله ثقات\".\n_________\n[¬١]- سقط من ز، خ.\n[¬٢]- في ت: الصحراء.\n[¬٣]- سقط من ز، خ.","vol":"14","page":388},{"text":"لخلق [¬١] قط، وأرواح لم أجدها من خلق قط، وثياب لم أرها على أحد قط، فأقبلا إليَّ يمشيان، حتى أخذ كل [] [¬٢] واحد منهما بعضدي، لا أجد لأحدهما مسًّا، فقال أحدهما لصاحبه: أضجعه. [] [¬٣] فأضجعاني بلا قصر ولا هصر. فقال أحدهما لصاحبه: افلق صدره، فهوى [¬٤] أحدهما إلى صدري ففلقه فيما أرى بلا دم ولا وجع، فقال له: أخرج الغل والحسد. فأخرج شيئًا كهيئة العلقة ثم نبذها فطرحها، فقال له: أدخل الرأفة والرحمة، فإذا مثل القمر [¬٥] أخرج شبه الفضة، ثم هز إبهام رجلي اليمنى فقال: اغد واسلم. فرجعت بها أعدو [] [¬٦]، رقة على الصغير، ورحمة للكبير [¬٧].\n[وقوله: ﴿وَوَضَعْنَا عَنْكَ وزْرَكَ﴾ بمعنى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾. ﴿الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾ الإِنقاض: الصوت. وقال غير واحد من السلف في قوله: ﴿الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾، أي أثقلك حمله] [¬٨].\nوقوله: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾، قال مجاهد: لا أذكر إلا ذكرت [¬٩] معي [¬١٠]: أشهد أن لا إله إلا الله، و[¬١١] أشهد أن محمدًا رسول الله، وقال قتادة: رفع الله ذكره في الدنيا والآخرة، فليس خطيب ولا متشهد ولا صاحب صلاة إلا ينادي بها: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله.\nو[¬١٢] قال ابن جرير (^٣): حدثني يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرنا عمرو بن الحارث، عن دراج [¬١٣]، عن [أبي الهيثم] [¬١٤]، عن أبي سعيد، عن رسول الله ﷺ؛ أنه قال: \"أتاني جبريل فقال: إن ربي وربك يقول: كيف رفعت ذكرك؟ قال: الله أعلم. قال: إذا ذكرت ذكرت معي\". وكذا رواه ابن أبي حاتم عن يونس بن عبد الأعلى به. ورواه أبو يعلى (^٤) من طريق ابن لهيعة، عن دراج.\n_________\n(^٣) تفسير الطبري (٣٠/ ٢٣٥).\n(^٤) وأبو يعلى (٢/ ٥٢٢) (١٣٨٠).\n_________\n[¬١]- سقط من ز، خ.\n[¬٢]- في ز: وأخذ كل.\n[¬٣]- في ز، خ: فأضجعه.\n[¬٤]- في ز: فحدا.\n[¬٥]- في ت: الذي.\n[¬٦]- في ز، خ: بها.\n[¬٧]- في ز: الكبير.\n[¬٨]- ما بين المعكوفتين سقط من ز، خ.\n[¬٩]- في خ: ذكر.\n[¬١٠]- في ز: ففي.\n[¬١١]- سقط من ز.\n[¬١٢]- سقط من ت.\n[¬١٣]- في ز، خ: رواحة.\n[¬١٤]- في ز، خ: إبراهيم.","vol":"14","page":389},{"text":"وقال ابن أبي حاتم (^٥): حدثنا أبو زرعة حدثنا أبو عمر الحوضي، حدثنا حماد بن زيد، حدثنا عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس؛ قال: قال رسول الله ﷺ: \"سألت ربي مسألة وددت أني لم أكن سألته. قلت: قد كانت قبلي أنبياء، منهم من سخرت له الريح، ومنهم من يحيي الموتى. قال: يا محمد، ألم أجدك يتيمًا فآويتك؟ قلت: بلى يا رب. قال: ألم أجدك ضالًا فهديتك؟ قلت: بلى يا رب. قال: ألم [¬١] أجدك عائلًا فأغنيتك؟ قال [¬٢]: قلت: بلى يا رب. قال: ألم أشرح لك صدرك؟ ألم أرفع لك ذكرك؟ قلت: بلى يا رب\".\n[وقال أبو نعيم في دلائل النبوة (^٦): حدثنا أبو أحمد الغطريفي، حدثنا موسى بن سهل الجوني، حدثنا أحمد بن القاسم بن بهرام الهيتي، حدثنا نصبر بن حماد، عن عثمان بن عطاء، عن الزهري، عن أنس؛ قال: قال رسول الله ﷺ: \"لما فرغت مما أمرني الله به من أمر السماوات والأرض قلت: يا رب، إنه لم يكن نبي قبلي إلا وقد كرمته، جعلت إبراهيم خليلًا، وموسى كليمًا، وسخرت لداود الجبال، ولسليمان الريح والشياطين [¬٣]، وأحييت لعيسى الموتى، فما جعلت لي؟ قال: أو ليس قد أعطيتك أفضل من ذلك كله، أني لا أذكر إلا ذكرت معي، وجعلت صدور أمتك أناجيل [¬٤] يقرءون القرآن ظاهرًا، ولم أعطها أمة، وأعطيتك كنزًا من كنوز عرشي: لا حول ولا قوة إلا بالله [العلي العظيم] [¬٥] \"].\nوحكى البغوي عن ابن عباس ومجاهد، أن المراد بذلك: الأذان، يعني: ذكره فيه، وأورد من شعر حسان بن ثابت:\nأغَرُّ، عَلَيه للنبوة خَاتَم … مِنَ الله من نُورٍ يَلوحُ ويَشْهد\nوَضمّ الإِلهُ اسم النبي إلى اسمه … إذا قَال في الخَمْس المؤذنُ: أشهدُ\nوَشَقَّ لَهُ مِنَ اسمه ليُجلَّه … فَذُو العَرْش محمودٌ، وَهَذا مُحَمَّدُ\nوقال آخرون: رفع الله ذكره في الأولين والآخرين [¬٦]، ونوه به، حين أخذ الميثاق على\n_________\n(^٥) أخرجه الطبراني (١١/ ٤٥٥) (١٢٢٨٩). والحاكم (٢/ ٥٢٦) وصححه ووافقه الذهبي. والبيهقي في \"دلائل النبوة\" (٧/ ٦٢ - ٦٣) كلهم من طريق حماد بن زيد بهذا الإسناد. قال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (٨/ ٢٥٧): رواه الطبراني في الكبير والأوسط وفيه عطاء بن السائب وقد اختلط. ا هـ.\n(^٦) لم أجده في المطبوع من دلائل النبوة لأبي نعيم، وقد جاء في هامش طبعة الشعب: لم يقع لنا هذا الحديث في دلائل النبوة لأبي نعيم، وهذا يؤكد ما سبق أن ذكرناه أن طبعة حيدر أباد هذه غير كاملة. ا هـ.\n_________\n[¬١]- سقط من ز.\n[¬٢]- سقط من خ.\n[¬٣]- بياض في ز، خ.\n[¬٤]- سقط من ز، خ.\n[¬٥]- سقط من ز.\n[¬٦]- سقط من ز، خ.","vol":"14","page":390},{"text":"جميع النبيين أن يؤمنوا به، وأن يأمروا أممهم بالإيمان به، ثم شهر ذكره في أمته فلا يذكر الله إلا ذكر معه. وما أحسن ما قال الصرصري ﵀:\nلا يصح الأذان في الفرض إلا … باسمه العذب [في الفم المرضى] [¬١]\nوقال أيضًا:\n[ألم تر أنَّا لا يصح أذاننا … ولا فَرْضُنا إِنْ لم نُكَرِّره فيهما] [¬٢]\nوقوله: ﴿فَإِنَّ [¬٣] مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾، أخبر تعالى أن مع العسر يوجد اليسر، ثم أكد هذا [¬٤] الخبر.\nقال ابن أبي حاتم (^٧): حدثنا أبو زرعة، حدثنا محمود بن غيلان، حدثنا حميد بن حماد بن [] [¬٥] خوار أبو الجهم، حدثنا عائذ بن شريح؛ قال: سمعت أنس بن مالك؛ يقول: كان النبي ﷺ جالسًا [¬٦] وحياله حجر، فقال: \"لو جاء العسر فدخل هذا الحجر لجاء اليسر حتى يدخل عليه فيخرجه [¬٧]، فأنزل الله ﷿: ﴿فَإِنَّ [¬٨] مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾.\nورواه أبو بكر البزار (^٨) في مسنده عن محمد بن معمر، عن حميد بن حماد به، ولفظه: \"لو جاء العسر حتى يدخل هذا الحجر لجاء اليسر حتى يخرجه\". ثم قال: ﴿[فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا] [¬٩] (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾، ثم قال البزار: لا نعلم رواه عن أنس إلا عائذ بن شريح.\nقلت: وقد قال فيه أبو حاتم الرازي: في حديثه ضعف، ولكن رواه شعبة، عن معاوية ابن [¬١٠] قرة، عن رجل، عن عبد الله بن مسعود موقوفًا.\n_________\n(^٧) أخرجه الطبراني في الأوسط (٢/ ١٤٥ - ١٤٦) (١٥٢٥). وأبو نعيم في أخبار أصفهان (١/ ١٠٧) والحاكم (٢/ ٢٥٥). والبيهقي في \"الشعب\" (٧/ ٢٠٦) (١٠٠١٢) كلهم من طريق حميد بن حماد به مثله ونحوه.\n(^٨) مختصر زوائد البزار (٢/ ١١٩) (١٥٣٤). قال البزار: لا نعلم رواه عن أنس إلا عائذ. قال ابن حجر: وهو ضعيف. قال الحاكم: هذا حديث غريب، غير أن الشيخين لم يحتجا بعائذ بن شريح. قال الذهبي في التلخيص: تفرد به حميد بن حماد عن عائذ، وحميد منكر الحديث كعائذ.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: المرضي به.\n[¬٢]- بياض في ز، خ.\n[¬٣]- في ز: إن.\n[¬٤]- سقط من خ.\n[¬٥]- في ز، خ: أبي.\n[¬٦]- في ز: جالس.\n[¬٧]- سقط من ز، خ.\n[¬٨]- في ز: إن.\n[¬٩]- سقط من ز.\n[¬١٠]- في ز، خ: عن.","vol":"14","page":391},{"text":"وقال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح، حدثنا أبو قطن، حدثنا المبارك بن فضالة، عن الحسن؛ قال: كانوا يقولون: لا يغلب عسر واحد يسرين اثنين [¬١].\nوقال [¬٢] ابن جرير (^٩): حدثنا ابن عبد الأعلى، حدثنا ابن ثور، عن معمر، عن الحسن؛ قال: خرج النبي ﷺ يومًا مسرورًا فرحًا وهو يضحك، وهو يقول: \"لن يغلب عسر يسرين. لن يغلب عسر يسرين. إن مع العسر يسرًا، إن مع العسر يسرًا\".\nوكذا رواه (^١٠) من حديث عوف الأعرابي [¬٣] ويونس بن عبيد عن الحسن مرسلًا. وقال سعيد، عن قتادة: ذكر لنا أن رسول الله ﷺ بشر أصحابه بهذه الآية فقال: \"لن يغلب عسر يسرين\".\nومعنى هذا أن العسر معرف في الحالين، فهو مفرد، واليسر منكر فتعدد؛ ولهذا قال: \"لن يغلب عسر يسرين\"، يعني قوله: ﴿فَإِنَّ [¬٤] مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾، فالعسر الأول عين الثاني، واليسر تعدد.\nوقال الحسن بن سفيان (^١١): حدثنا يزيد بن صالح، حدثنا خارجة، عن عباد بن كثير، عن أبي الزناد، عن أبي صالح عن أبي هريرة؛ أن رسول الله ﷺ؛ قال: \"نزل المعونة من السماء على قدر المئونة، ونزل الصبر على قدر المصيبة\". ومما يروى عن الشافعي ﵁ أنه قال:\nصبرًا جميلًا ما أقْرَب الفرَجا … مَن رَاقَب الله في الأُمور نجَا\nمَن صدَق الله لَم يَنَلْه أذَى … وَمَن رجاه يَكون حيث رجَا\nوقال ابن دُرَيد: أنشدني أبو حاتم السجستاني:\nإذا اشتَمَلَتْ عَلَى اليَأسِ القُلوبُ … وَضَاقَ لما به الصَّدْرُ الرَّحيب\nوأوطات المَكَاره واطمَأَنَّتْ … وَأرْست في أمَاكنها الخُطوبُ\nوَلم تَرَ لانكشاف الضُّر وجْهًا … وَلَا أغْنى بحيلَتِهِ الأريبُ\n_________\n(^٩) تفسير الطبري (٣٠/ ٢٣٦). وأخرجه الحاكم من طريق آخر عن الحسن (٢/ ٥٢٨) وقال: إسناده مرسل وتبعه الذهبي.\n(^١٠) تفسير الطبري (٣٠/ ٢٣٦).\n(^١١) أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٥/ ٤٠٧ مخطوط).\n_________\n[¬١]- سقط من ت.\n[¬٢]- سقط من ز.\n[¬٣]- في ز: الأعرافي.\n[¬٤]- في ز: إن.","vol":"14","page":392},{"text":"أتَاك على قُنوطٍ منك غَوثٌ … يَمُنُّ به اللطيف المستجيبُ\nوَكُلُّ الحادثاتِ إذا تَنَاهَتْ … فَمَوْصُولٌ بِها الفَرَجُ القَرِيبُ\nوقال آخر:\nوَلَرُب نازلة يَضيقُ بهَا الفَتَى … ذَرْعًا، وعندَ الله منها المَخْرَجُ\nكَمُلت، فَلَما استحْكَمَتْ حلقاتُها … فُرجَت، وكَان يَظُنها لا تُفْرَج\nوقوله: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (٧) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾، أي: إذا فرغت من أمور الدنيا وأشغالها وقطعت علائقها، فانصب في العبادة، وقم إليها نشيطًا فارغ البال، وأخلص لربك النية والرغبة. ومن هذا القبيل قوله ﷺ في الحديث المتفق [¬١] على صحته (^١٢): \" لا صلاة بحضرة طعام، ولا وهو يدافعه الأخبثان\". وقوله (^١٣): ﷺ: \"إذا أقيمت الصلاة وحضر العشاء فابدءوا بالعَشاء\".\nقال مجاهد في هذه الآية: إذا فرغت من أمر الدنيا فقمت إلى الصلاة، فانصب لربك، وفي رواية عنه: إذا قمت إلى الصلاة فانصب في حاجتك، وعن ابن مسعود: إذا فرغت من الفرائض فانصب [¬٢] في قيام الليل. وعن ابن عياض نحوه. وفي رواية عن ابن مسعود: ﴿فَانْصَبْ (٧) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ بعد فراغك من الصلاة وأنت جالس.\nوقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ﴾ يعني: في الدعاء.\nوقال زيد بن أسلم، والضحاك: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ﴾، أي: من الجهاد [¬٣] ﴿فَانْصَبْ﴾، أي: في العبادة. ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ﴾ قال الثوري: اجعل نيتك ورغبتك إلى الله ﷿.\nآخر تفسير سورة ألم نشرح، ولله الحمد [والمنة وبه التوفيق والعصمة]\n* * * *\n_________\n(^١٢) صحيح مسلم، كتاب: المساجد ومواضع الصلاة، باب: كراهة الصلاة حضرة الطعام الذي يريد أكله في الحال، حديث (٦٧/ ٥٦٠) (٥/ ٦٥) من حديث عائشة ﵂. ولم أجده في البخاري، وقد أورده ابن حجر في الفتح من حديث عائشة ونسبه لمسلم دون البخاري كما في فتح الباري (٢/ ٢٤٢). والذي في الصحيحين الحديث الذي بعده.\n(^١٣) أخرجه البخاري في كتاب: الأطعمة، باب: إذا حضر العشاء فلا يعجل عن عشائه، حديث (٥٤٦٥) (٩/ ٥٨٤). ومسلم في كتاب: المساجد، باب: كراهة الصلاة لحضرة الطعام الذي يريد كله في الحال … حديث (٦٥/ ٥٥٨) (٥/ ٦٣). كلاهما من طريق هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂ به.\n_________\n[¬١]- في ز: المبين. كذا.\n[¬٢]- سقط من ز، خ.\n[¬٣]- في ز: الحاد. كذا.","vol":"14","page":393},{"text":"<span data-type='title' id=toc-216>[تفسير] سورة \"والتين والزيتون\" [وهي مكية]</span>\nقال مالك وشعبة، عن عدي بن ثابت، عن البراء بن عازب: كان النبي ﷺ يقرأ في سفر في إحدى الركعتين بالتين والزيتون، فما سمعت أحدًا أحسن صوتًا أو قراءة منه. أخرجه الجماعة في كتبهم (^١).\n﷽\n﴿وَالتِّينِ وَالزَّيتُونِ (١) وَطُورِ سِينِينَ (٢) وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ (٣) لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْويمٍ (٤) ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (٥) إلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيرُ مَمْنُونٍ (٦) فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ (٧) أَلَيسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ (٨)﴾\nاختلف المفسرون هاهنا على أقوال كثيرة، فقيل: المراد بالتين مسجد دمشق. وقيل: هي نفسها. وقيل: الجبل الذي عندها.\nوقال القرطبي: هو مسجد أصحاب الكهف.\n_________\n(^١) أخرجه مالك في كتاب: الطهارة، باب: القراءة في المغرب والعشاء، حديث (٢٧) (١/ ٨٩) عن يحيى بن سعيد عن عدي بن ثابت. ومن طريقه النسائي (٢/ ١٧٣) كتاب الافتتاح باب: القراءة فيها بالتين والزيتون. وفي الكبرى في كتاب: التفسير، باب: سورة التين، حديث (١١٦٨٢) (٦/ ٥١٨).\nوأخرجه البخاري في كتاب: الأذان، في باب: الجهر في العشاء، حديث (٧٦٧) (٢/ ٢٥٠) وأطرافه في [٧٦٩، ٤٩٥٢، ٧٥٤٦]. ومسلم في كتاب: الصلاة، باب: القراءة في العشاء، حديث (١٧٥/ ٤٦٤) (٤/ ٢٣٩ - ٢٤٠). وأبو داود في باب: الصلاة، باب: قصر قراءة الصلاة في السفر، حديث (١٢٢١) (٢/ ٨). كلهم من طريق شعبة.\nوأخرجه البخاري (٧٦٩)، ومسلم (١٧٧/ ٤٦٤). وابن ماجة في كتاب: الإقامة، باب: القراءة في صلاة العشاء، حديث (٨٣٥) (١/ ٢٧٣). كلهم من طريق مسعر عن عدي بن ثابت.\nوأخرجه الترمذي في كتاب: الصلاة، باب: ما جاء في القراءة في صلاة العشاء، حديث (٣١٠) (١/ ٤١٧) من طريق أبي معاوية عن يحيى بن سعيد عن عدي وقال: حسن صحيح.\nوالروايات مختصرة ومطولة فمن طريق مالك وشعبة وأبي معاوية روى الحديث دون قوله: فما سمعت أحدًا أحسن صوتًا، وروى بتمامه من طريق مسعر عن عدي.","vol":"14","page":394},{"text":"وروى العوفي، عن ابن عباس أنه مسجد نوح الذي على الجودي.\nوقال مجاهد: هو تينكم هذا.\n﴿وَالزَّيتُونِ﴾، قال كعب الأحبار، وقتادة، وابن زيد، وغيرهم: هو مسجد بيت المقدس.\nقال مجاهد، وعكرمة: هو هذا [¬١] الزيتون الذي تعصرون.\n﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾، قال كعب الأحبار وغير واحد: هو الجبل الذي كلم الله عليه موسى ﴿وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾: يعني مكة. قاله ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، والحسن، وإبراهيم النخعي، وابن زيد، وكعب الأحبار. ولا خلاف في ذلك.\nوقال بعض الأئمة: هذه محالٌّ ثلاثة بعث الله في كل واحد منها نبيًّا مرسلًا من أولي العزم أصحاب الشرائع الكبار، فالأول: محلة التين والزيتون، وهي بيت المقدس التي بعث الله فيها عيسى ابن مريم. والثاني: طور سنين، وهو طور سيناء الذي كلم الله عليه موسى بن عمران. والثالث: مكة، وهو البلد الأمين الذي من دخله كان آمنا، وهو الذي أرسل فيه محمدًا ﷺ. قالوا: وفي آخر التوراة ذكر هذه الأماكن الثلاثة: جاء الله من طور سيناء - يعني الذي كلم الله عليه موسى - وأشرق من ساعير -يعني جبل بيت المقدس الذي بعث الله منه عيسى - واستعلن من جبال فاران -يعني جبال مكة الذي [¬٢] أرسل الله فيها [¬٣] محمدًا ﷺ فذكرهم على الترتيب الوجودي بحسب ترتيبهم في الزمان؛ ولهذا أقسم بالأشرف، ثم الأشرف منه، ثم بالأشرف منهما.\nوقوله: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْويمٍ﴾، هذا هو المقسم عليه، وهو أنه تعالى خلق الإنسان في أحسن صورة وشكل، منتصب القامة، سِوَيّ الأعضاء حَسَنَها.\n﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ أي: إلى النار. قاله مجاهد، وأبو العالية، والحسن، وابن زيد، وغيرهم. ثم بعد هذا الحسن والنضارة مصيره إلى النار إن لم يطع الله ويتبع الرسل؛ ولهذا قال: ﴿إلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾.\nوقال بعضهم: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾، أي: إلى أرذل العمر. روى هذا عن ابن عباس، وعكرمة، حتى قال عكرمة: من جمع القرآن لم يرد إلى أرذل العمر. واختار ذلك ابن جرير. ولو كان هذا هو المراد لما حسن استثناء المؤمنين من ذلك؛ لأن الهرم قد يصيب بعضهم، وإنما المراد ما ذكرناه، كقوله: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾.\n_________\n[¬١]- سقط من ت.\n[¬٢]- في ت: التي.\n[¬٣]- في ت: منها.","vol":"14","page":395},{"text":"وقوله [¬١]: ﴿فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيرُ مَمْنُونٍ﴾ أي: غير [¬٢] مقطوع كما تقدم.\nثم قال: ﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ﴾، يعني: يا بن آدم ﴿بَعْدُ [¬٣] بِالدِّينِ﴾ أي: بالجزاء في المعاد وقد علمت البدأة، وعرفت أن من قدر على البدأة، فهو قادر على الرجعة بطريق الأولى، فأي شيء يحملك على التكذيب بالمعاد وقد عرفت هذا؟.\nقال ابن أبي حاتم (^٢): حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا عبد الرحمن، عن سفيان، عن منصور؛ قال: قلت لمجاهد: ﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ﴾، عنى به النبي ﷺ؟ قال: معاذ الله! عنى به الإِنسان. وهكذا قال عكرمة وغيره.\nوقوله: ﴿أَلَيسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾، أي: أما هو أحكم الحاكمين، الذي لا يجور ولا يظلم أحدًا، من عدله أن يقيم القيامة فينصف المظلوم في الدنيا ممن ظلمه. وقد قدمنا في حديث أبي هريرة (^٣) مرفوعًا فإذا قرأ أحدكم ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيتُونِ﴾ فأتى على آخرها:. ﴿أَلَيسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾، فليقل: بلى، وأنا على ذلك من الشاهدين\".\nآخر تفسير سورة \"والتين والزيتون\" ولله الحمد والمنة.\n* * * *\n_________\n(^٢) أخرجه الطبري (٣٠/ ٢٤٩) من طريق سفيان.\n(^٣) تقدم تخريجه في آخر تفسير سورة القيامة.\n_________\n[¬١]- سقط من ز، خ.\n[¬٢]- سقط من ت.\n[¬٣]- سقط من ز.","vol":"14","page":396},{"text":"<span data-type='title' id=toc-217>[تفسير] سورة \"اقرأ\" [وهي أول شيء نزل من القرآن]</span>\n﷽\n﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (٥)﴾\nقال الإِمام أحمد (^١): حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة؟ قالت: أول ما بدئ به رسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح؛ ثم حبب إليه الخلاء، فكان يأتي حراء فيتحنث فيه -وهو: التعبد الليالي ذوات العدد- ويتزود لذلك ثم يرجع إلى خديجة فتُزَوِّدُه لمثلها حتى فجأه الحق وهو في غار حراء، فجاءه الملك فيه فقال: اقرأ. قال رسول الله ﷺ: فقلت: ما أنا بقارئ. قال: فأخذني فَغَطَّني حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني، فقال: اقرأ فقلت: ما أنا بقارئ. فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ. فقلت: ما أنا بقارئ. فغطني الثالثة حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ حتى بلغ: ﴿مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾.\nقال: فرجع بها ترجف بوادره حتى دخل على خديجة؛ فقال: \"زملوني زملوني\". فزملوه حتى ذهب عنه الروع. فقال: يا خديجة؛ ما لي؟ فأخبرها الخبر وقال: قد خشيت علي. فقالت له: كلا، ابشر فوالله لا يخزيك الله أبدًا، إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق. ثم انطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى بن قصي -وهو ابن عم خديجة، أخي أبيها، وكان امرأ تنصر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العربي، وكتب بالعربية من الإِنجيل ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخًا كبيرًا. قد عمي- فقالت خديجة: أي ابن عم؛ اسمع من ابن أخيك. فقال ورقة: ابن أخي، ما ترى؟ فأخبره رسول الله ﷺ ما رأى … فقال ورقة: هذا الناموس الذي أنزل على موسى، يا [¬١] ليتني فيها جَذَعًا أكونُ حيًّا حين يخرجك قومك. فقال رسول الله ﷺ: \"أو مخرجي هم؟ \". فقال ورقة:\n_________\n(^١) المسند (٦/ ٢٣٢ - ٢٣٣) (٢٦٠٦٨). والبخاري في باب: بدء الوحي، باب: (٣)، حديث (٣) =\n_________\n[¬١]- سقط من ت.","vol":"14","page":397},{"text":"نعم، لم يأت رجل قط بما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصرًا مؤزرًا.\nثم [¬١] لم ينشب ورقة أن توفي، وفتر الوحي فترة حتى حزن رسول الله ﷺ فيما بلغنا - حزنًا غدا منه [¬٢] مرارًا كي يتردى من رءوس شواهق الجبال، فكلما أوفى بذروة جبل لكي [¬٣] يلقي نفسه منه، تبدى له جبريل فقال له [¬٤]: يا محمد؛ إنك رسول الله حقًّا. فيسكن بذلك جأشه، وتقر نفسه فيرجع. فإذا طالت عليه كرة الوحي غدا لمثل ذلك، فإذا أوفى بذروة جبل تبدى له جبريل، فقال له مثل ذلك.\nوهذا الحديث مخرج في الصحيحين من حديث الزهري، وقد تكلمنا على هذا الحديث من جهة سنده ومتنه ومعانيه في أول شرحنا للبخاري مستقصى، فمن [¬٥] أراده فهو هناك محرر [¬٦]، ولله الحمد والمنة.\nفأول شيء نزل [¬٧] من القرآن هذه الآيات الكريمات المباركات [¬٨]، وهن أول رحمة رحم الله بها العباد، وأول نعمة أنعم الله بها عليهم. وفيها التنبيه على ابتداء خلق الإنسان من علقة، وأن من كرمه تعالى أن علم الإِنسان ما لم يعلم، فشرفه وكرمه بالعلم، وَهو القدر الذي امتاز به أبو البرية آدم على الملائكة، والعلم تارة يكون في الأذهان، وتارة يكون في اللسان، وتارة يكون في الكتابة بالبنان، ذهني ولفظي ورسمي، والرسمي يستلزمهما من غير عكس، فلهذا: قال ﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾. وفي الأثر (^٢): قيدوا العدم بالكتابة وفيه أيضًا (^٣): \" من عمل بما عدم رزقه الله عدم ما لم يكن يعلم [¬٩] \".\n_________\n= (١/ ٢٣). وأطرافه في [٣٣٩٢، ٤٩٥٣، ٤٩٥٦، ٤٩٥٧، ٦٩٨٢]. ومسلم في كتاب: الإيمان، كتاب: بدء الوحي إلى رسول الله ﷺ حديث (١٦٠) (٢٥٩١٢) وما بعدها.\n(^٢) أخرجه ابن عبد البر في \"جامع بيان العلم وفضله\" (٣٩٥). وأبو نعيم في أخبار أصبهان (٢/ ٢٢٨)، والقضاعي في مسند الشهاب (١/ ٣٧٠) (٦٣٧) كلهم من حديث أنس مرفوعًا. وفد روى موقوفًا ومرفوعًا. وفي الباب عن عبد الله بن عمرو وعبد الله بن عباس. وقد حسنه الألباني في الصحيحة (٢٠٢٦) وذكر فيه بحثًا مطولًا فليراجعه من شاء.\n(^٣) أخرجه أبو نعيم في \"الحلية\" (١٠/ ١٤ - ١٥) بنحوه. وحكم الألباني بوضعه في الضعيفة (٤٢٢).\n_________\n[¬١]- سقط من ت.\n[¬٢]- سقط من ز، خ.\n[¬٣]- في ز: كي.\n[¬٤]- سقط من خ.\n[¬٥]- في ز، خ: لمن.\n[¬٦]- في ت: محررًا.\n[¬٧]- سقط من ت.\n[¬٨]- في ز: المباركة.\n[¬٩]- سقط من ت.","vol":"14","page":398},{"text":"﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (٧) إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى (٨) أَرَأَيتَ الَّذِي يَنْهَى (٩) عَبْدًا إِذَا صَلَّى (١٠) أَرَأَيتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى (١١) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى (١٢) أَرَأَيتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٣) أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى (١٤) كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ (١٥) نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ (١٦) فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ (١٧) سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ (١٨) كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ (١٩)﴾\nيخبر تعالى عن الإِنسان أنه ذو فرح وأشر وبطر وطغيان، إذا رأى نفسه قد استغنى وكثر ماله. ثم تهدده وتوعده ووعظه فقال، ﴿إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى﴾، أي، إلى الله المصير والمرجع، وسيحاسبك على مالك: من أين جمعته؟ وفيم صرفته؟.\nقال ابن أبي حاتم (^٤): حدثنا زيد بن إسماعيل الصائغ. حدثنا جعفر بن عون، حدثنا أبو عميس، عن عون؟ قال: قال عبد الله: منهومان لا يشبعان، صاحب العلم وصاحب الدنيا، ولا يستويان، فأما صاحب العلم فيزداد رضي الرحمن، وأما صاحب الدنيا فيتمادى في الطغيان. قال: ثم قرأ عبد الله: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾. وقال للآخر [¬١]: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾.\nوقد روي هذا مرفوعًا (^٥) إلى رسول الله ﷺ: \"منهومان لا يشبعان: طالب علم، وطالب دنيا\".\nثم قال تعالى: ﴿أَرَأَيتَ الَّذِي يَنْهَى (٩) عَبْدًا إِذَا صَلَّى﴾: نزلت في أبي جهل لعنه الله، توعد النبي ﷺ على الصلاة عند البيت، فوعظه الله تعالى بالتي هي أحسن أولًا فقال: ﴿أَرَأَيتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى﴾، أي: فما ظنك أن كان هذا الذي تنهاه على الطريق المستقيمة في فعله، ﴿أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى﴾ بقوله، وأنت تزجره وتتوعده على صلاته، ولهذا قال: ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ أي: أما علم هذا الناهي لهذا [¬٢] المهتدي أن الله يراه\n_________\n(^٤) ذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" (٦/ ٦٢٥) وزاد نسبته إلى عبد بن حميد وابن المنذر بنحوه.\n(^٥) أخرجه ابن عدي في الكامل (٦/ ٢٢٩٨) من حديث أنس في ترجمة محمد بن أحمد بن يزيد وقال عنه: ضعيف حدثنا بأشياء منكرة ويسرق الحديث ولم يكن من أهل الحديث. وأخرجه الحاكم (١/ ٩٢) وصححه ووافقه الذهبي من طريق آخر عن أنس بنحوه. وأخرجه الطبراني (١٠/ ٢٢٣) (١٠٣٨٨). وابن عدي في \"الكامل\" (٤/ ١٤٥٧). =\n_________\n[¬١]- في ز: الآخر.\n[¬٢]- في ز: هذا.","vol":"14","page":399},{"text":"ويسمع كلامه، وسيجازيه على فعله أتم الجزاء.\nثم قال تعالى متوعدًا ومتهددًا: ﴿كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ﴾، أي: لئن لم يرجع عما هو فيه من الشقاق والعناد، ﴿لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ﴾ أي: لنسمنها [¬١] سوادًا يوم القيامة.\nثم قال: ﴿نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾ يعني: ناصية أبي جهل كاذبة في مقالها خاطئة في فعالها.\n﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾، أي: قومه وعشيرته، أي [¬٢]: ليدعهم يستنصر بهم، ﴿سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾، وهم ملائكة العذاب، حتى يعلم [¬٣] من يغلب: أحزبنا أو حزبه.\nقال البخاري (^٦): حدثنا يحيى، حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن عبد الكريم الجزري، عن عكرمة، عن ابن عباس: قال أبو جهل: لئن رأيت محمدًا يصلي عند الكعبة لأطأن على عنقه. فبلغ النبي ﷺ فقال: \"لئن فعله لأخذته الملائكة\". ثم قال: تابعه [¬٤] عمرو بن خالد، عن عبيد الله -يعني ابن عمرو- عن عبد الكريم.\nوكذا رواه الترمذي، والنسائي في تفسيرهما من طريق عبد الرزاق له، وهكذا رواه ابن جرير عن أبي كريب، عن زكريا بن عدي، عن عبيد الله بن عمرو به.\nوروى أحمد (^٧)، والترمذي، [] [¬٥]، وابن جرير - وهذا لفظه - من طريق داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس؛ قال: كان رسول الله ﷺ يصلي عند المقام، فمر به أبو جهل بن هشام؛ فقال: يا محمد، ألم أنهك عن [¬٦] هذا؟ وتوعده فأغلظ له\n_________\n= كلاهما من طريق أبي بكر الداهري عن إسماعيل بن أبي خالد عن زيد بن وهب عن عبد الله به. قال الهيثمي في \"المجمع\" (١/ ١٤٠): رواه الطبراني في \"الكبير\" وفيه أبو بكر الداهري وهو ضعيف. وأخرجه الطبراني (١١/ ٧٦ - ٧٧) (١١٠٩٥) من حديث عبد الله بن عباس بنحوه. قال الهيثمي (١/ ١٤٠): رواه الطبراني في الكبير والأوسط والبزار وفيه ليث بن أبي سليم وهو ضعيف.\n(^٦) أخرجه البخاري في كتاب: التفسير، باب: ﴿كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ (١٥) نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾ حديث (٤٩٥٨) (٨/ ٧٢٤). والترمذي في كتاب: التفسير، باب: ومن سورة ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾، حديث (٣٣٤٥) (٩/ ٧٨). والنسائي في الكبرى في كتاب: التفسير، باب: سورة العلق، حديث (١١٦٨٥) (٦/ ٥١٨). والطبري (٣٠/ ٢٥٦ - ٢٥٧).\n(^٧) أخرجه أحمد (١/ ٣٢٩) (٣٠٤٥) والترمذي في كتاب: التفسير، باب: ومن سورة ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾، حديث (٣٣٤٦) (٩/ ٧٨). والطبري (٣٠/ ٢٥٦). وصححه أحمد شاكر في تعليقات المسند.\n_________\n[¬١]- في ز: ليسمها.\n[¬٢]- سقط من ز.\n[¬٣]- في ز: نعلم.\n[¬٤]- في خ: حدثنا.\n[¬٥]- في ز، خ: والنسائي.\n[¬٦]- في ز: من.","vol":"14","page":400},{"text":"رسول الله ﷺ وانتهره، فقال: يا محمد؛ بأي شيء تهددني؟ أما والله إني لأكثر هذا الوادي ناديًا! فأنزل الله: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ (١٧) سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾، قال ابن عباس: لو دعا ناديه لأخذته ملائكة العذاب من ساعته. وقال الترمذي: حسن صحيح.\nوقال الإِمام أحمد أيضًا (^٨): حدثنا إسماعيل بن زيد [¬١] أبو يزيد، حدثنا فرات، عن عبد الكريم، عن عكرمة، عن ابن عباس؛ قال: قال أبو جهل: لئن رأيت رسول الله صلى [¬٢] عند الكعبة لآتينه حتى أطأ على عنقه. قال: فقال: \"لو فعل لأخذته الملائكة عيانًا، ولو أن اليهود تمنوا الموت لماتوا ورأوا [¬٣] مقاعدهم من النار، ولو خرج الذين يباهلون رسول الله ﷺ، لرجعوا لا يجدون مالًا ولا أهلًا\".\nوقال ابن جرير أيضًا (^٩): حدثنا ابن حميد، حدثنا يحيى بن واضح، أخبرنا يونس بن أبي [¬٤] إسحاق، عن الوليد بن العيزار، عن ابن عباس؛ قال: قال أبو جهل: لئن عاد محمد يصلي عند المقام لأقتلنه. فأنزل الله ﷿: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾، حتى بلغ هذه الآية: ﴿لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ (١٥) نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ (١٦) فَلْيَدْعُ [¬٥] نَادِيَهُ (١٧) سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾. فجاء النبي ﷺ فصلى، فقيل: ما يمنعك؟ قال: قد اسود ما بيني وبينه من الكتائب. قال ابن عباس: والله لو تحرك لأخذته الملائكة والناس ينظرون إليه.\nوقال ابن جرير (^١٠): حدثنا ابن عبد الأعلى، حدثنا المعتمر عن أبيه، حدثنا نعيم بن أبي هند، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، قال: قال أبو جهل: هل يعفر محمد وجهه بين أظهركم؟ قالوا: نعم. قال: فقال: واللات والعزى، لئن رأيته يصلي كذلك لأطأن على رقبته، ولأعفرن وجهه في التراب، فأتى رسول الله ﷺ وهو يصلي ليطأ على رقبته، قال: فما فجأهم منه إلا وهو ينكص على عقبيه ويتقي بيديه، قال: فقيل له: ما لك؟ فقال: إن بيني وبينه خندقًا [¬٦] من نار وهولًا وأجنحة. قال: فقال رسول الله: \"لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضوًّا عضوًّا\". قال: وأنزل الله - لا أدري في حديث أبي هريرة أم لا - ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى. ..﴾ إلى آخر السورة.\nوقد رواه أحمد بن حنبل، ومسلم، والنسائي، وابن أبي حاتم، من حديث معتمر بن\n_________\n(^٨) أخرجه أحمد (١/ ٢٤٨) (٢٢٢٥). وصححه أحمد شاكر.\n(^٩) أخرجه الطبري (٣٠/ ٢٥٦).\n(^١٠) أخرجه الطبري (٣٠/ ٢٥٦). وأحمد (٨٨١٧). ومسلم في كتاب: صفات المنافقين، باب: قوله: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾، حديث (٣٨/ ٢٧٩٧) (١٧/ ٢٠٣ - ٢٠٤). والنسائي =\n_________\n[¬١]- في ز، خ: يزيد.\n[¬٢]- سقط من ز.\n[¬٣]- في ز: وأروا.\n[¬٤]- سقط من ز، خ.\n[¬٥]- في ز: سندع. كدا.\n[¬٦]- في ز: حدقًا.","vol":"14","page":401},{"text":"سليمان به.\nوقوله: ﴿كَلَّا لَا تُطِعْهُ﴾، يعني: يا محمد، [لا تطعه] [¬١] فيما ينهاك عنه من المداومة على العبادة وكثرتها، وكل حيث شئت ولا تباله، فإن الله حافظك وناصرك، وهو يعصمك من الناس، ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾، كما ثبت في الصحيح عند مسلم (^١١) من طريق عبد الله بن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن عمارة بن غزية، عن سُمي، عن أبي صالح، عن أبي هريرة؛ أن رسول الله ﷺ قال: \"أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فأكثروا الدعاء\".\nوتقدم أيضًا (^١٢): أن رسول الله ﷺ كان يسجد في: (﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾، و﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾.\n[آخر تفسير سورة \"اقرأ\" ولله الحمد والمنة، وبه التوفيق]\n* * *\n_________\n= في الكبرى في كتاب: التفسير، باب: \"سورة العلق\"، حديث (١١٦٨٣) (٦/ ٥١٨).\n(^١١) صحيح مسلم، كتاب الصلاة، باب: ما يقال في الركوع والسجود، حديث (٤٨٢/ ٢١٥) (٤/ ٢٦٦ - ٢٦٧).\n(^١٢) تقدم تخريج ذلك في أول سورة الانشقاق.\n_________\n[¬١] سقط من ز، خ.","vol":"14","page":402},{"text":"<span data-type='title' id=toc-218>[تفسير] سورة \"ليلة القدر\" [مكية]</span>\n﷽\n﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيلَةِ الْقَدْرِ (١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيلَةُ الْقَدْرِ (٢) لَيلَةُ الْقَدْرِ خَيرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (٣) تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (٤) سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (٥)﴾\nيخبر الله [¬١] تعالى أنه أنزل القرآن ليلة القدر، وهي الليلة المباركة التي قال الله ﷿: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ وهي ليلة القدر وهي من شهر رمضان كما قال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾.\nقال ابن عباس (^١) وغيره: أنزل الله القرآن جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة من السماء الدنيا، ثم نزل مفصلًا بحسب الوقائع في ثلاث وعشرين سنة على رسول الله ﷺ.\nثم قال تعالى معظمًا لشأن ليلة القدر، التي اختصها بإنزال القرآن العظيم فيها، فقال: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيلَةُ الْقَدْرِ (٢) لَيلَةُ الْقَدْرِ خَيرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾.\nقال أبو عيسى الترمذي (^٢) عند تفسير هذه الآية: حدثنا محمود بن غيلان، حدثنا أبو داود الطيالسي، حدثنا القاسم بن الفضل الحداني، عن يوسف بن سعد قال: قام رجل إلى الحسن بن علي بعد ما بايع معاوية فقال: سودت وجوه المؤمنين -أو: يا مسود وجوه المؤمنين- فقال: لا تؤنبني - رحمك الله - فإن النبي ﷺ أري بني أمية على منبره، فساءه ذلك، فنزلت: ﴿إِنَّا أَعْطَينَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ يا محمد، يعني نهرًا في الجنة، ونزلت: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيلَةِ الْقَدْرِ (١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيلَةُ الْقَدْرِ (٢) لَيلَةُ الْقَدْرِ خَيرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾، يملكها بعدك بنو أمية يا محمد. قال القاسم: فعددنا فإذا هي ألف شهر لا تزيد يومًا ولا تنقص يومًا.\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في الإسراء رقم (٣٧٣)\n(^٢) سنن الترمذي في كتاب: التفسير، باب. ومن سورة ليلة القدر، حديث (٣٣٤٧) (٩/ ٧٩).\n_________\n[¬١]- سقط من ز.","vol":"14","page":403},{"text":"ثم قال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا [من هذا الوجه] [¬١] من حديث القاسم بن الفضل، وهو ثقة وثقه يحيى القطان وابن مهدي. قال: وشيخه يوسف بن سعد - ويقال: يوسف بن مازن - رجل مجهول، ولا نعرف هذا الحديث، على هذا اللفظ إلا من هذا الوجه.\nوقد روى هذا الحديث الحاكم في مستدركه (^٣)، من طريق القاسم بن الفضل، عن يوسف بن مازن، به. وقول الترمذي: إن يوسف هذا مجهول - فيه نظر، فإنه قد روى عنه جماعة، منهم: حماد بن سلمة، وخالد الحذاء، ويونس بن عبيد. وقال فيه يحيى بن معين: هو مشهور، وفي رواية عن ابن معين: هو ثقة. ورواه ابن جرير من طريق القاسم بن الفضل، عن عيسى بن مازن، كذا قال، وهذا يقتضي اضطرابًا في هذا الحديث، والله أعلم. ثم هذا الحديث على كل تقدير منكر جدًّا، قال شيخنا الإمام الحافظ الحجة [¬٢] أبو الحجاج المزي: هو حديث منكر.\nقلت: وقول القاسم بن الفضل الحداني: إنه حسب مدة بنى أمية فوجدها ألف شهر لا تزيد يومًا [¬٣]، ولا تنقص، ليس بصحيح، فإن معاوية بن أبي سفيان ﵁ استقل بالملك [¬٤] حين سلم إليه الحسن بن علي الإِمرة سنة أربعين، واجتمعت البيعة لمعاوية، وسمي ذلك عام الجماعة، ثم استمروا فيها [¬٥] متتابعين بالشام وغيرها، لم تخرج عنهم إلَّا مدة دولة عبد الله بن الزبير في الحرمين والأهواز، وبعض البلاد قريبًا من تسع سنين، لكن لم تزل يدهم [¬٦] عن الإِمرة بالكلية، بل عن بعض البلاد، إلى أن استلبهم بنو العباس الخلافة [] [¬٧] سنة اثنتين وثلاثين ومائة، فيكون مجموع مدتهم اثنتين وتسعين سنة، وذلك أزيد من ألف شهر، فإن الألف شهر عبارة عن ثلاث وثمانين سنة وأربعة أشهر، وكأن القاسم بن الفضل أسقط من مدتهم أيام ابن الزبير، وعلى هذا فتقارب ما قاله للصحة في الحساب، والله أعلم.\nومما يدل على ضعف هذا الحديث أنه سيق لذم دولة بني أمية، ولو أريد ذلك لم يكن بهذا السياق، فإن تفضيل ليلة القدر على أيامهم لا يدل على ذم أيامهم، فإن ليلة القدر شريفة جدًّا، والسورة الكريمة إنما جاءت لمدح ليلة القدر، فكيف تمدح بتفضيلها على أيام بني أمية\n_________\n(^٣) والحاكم (٣/ ١٧٠ - ١٧١). قال الحاكم: هذا إسناد صحيح، وهنا القائل للحسن بن علي هذا القول هو سفيان بن الليل صاحب أبيه. وتعقبه الذهبي بقوله: وروى عن يوسف نوح بن قيس أيضًا وما علمت أن أحدًا تكلم فيه، والقاسم وثقوه، رواه عنه أبو داود والتبوذكي، وما أدرى آفته من أين.\n_________\n[¬١]- سقط من ز، خ.\n[¬٢]- سقط من ز، خ.\n[¬٣]- سقط من خ.\n[¬٤]- سقط من ز، خ.\n[¬٥]- في ز، خ: فيما.\n[¬٦]- في ز: مدتهم.\n[¬٧]- في ت: في.","vol":"14","page":404},{"text":"التي هي مذمومة، بمقتضى هذا الحديث، وهل هذا إلا كما قال القائل:\nأَلَمْ تَرَ أَنَّ السَّيفَ يَنْقُصُ قَدْرُهُ … إِذَا قِيلَ: إِنَّ السَّيفَ أمْضَى مِنَ العَصَا\nوقال آخر:\nإِذَا أَنْتَ فَضَّلْتَ امْرَأً ذَا بَرَاعَةٍ … عَلى نَاقص، كَانَ المديحُ مِنَ النَّقْصِ\nثم الذي يفهم من ولاية الألف الشهر المذكورة في الآية هي أيام بني أمية، والسورة مكية، فكيف يخال على ألف شهر هي دولة بني أمية، ولا يدل عليها لفظ الآية ولا معناها، والمنبر إنما صنع بالمدينة بعد مدة من الهجرة، فهذا كله مما يدل على ضعف هذا الحديث ونكارته، والله أعلم.\nوقال ابن أبي حاتم (^٤): حدثنا أبو زرعة، حدثنا إبراهيم بن موسى، أخبرنا مسلم - يعني ابن خالد - عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: أن النبي ﷺ ذكر رجلًا من بني إسرائيل لبس السلاح في سبيل الله ألف شهر، قال: فعجب المسلمون من ذلك، قال: فأنزل الله ﷿: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيلَةِ الْقَدْرِ (١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيلَةُ الْقَدْرِ (٢) لَيلَةُ الْقَدْرِ خَيرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ التي لبس ذلك الرجل السلاح في سبيل الله ألف شهر.\nوقال ابن جرير (^٥): حدثنا ابن حميد، حدثنا حكام بن سلم، عن المثنى بن الصباح، عن مجاهد قال: كان في بني إسرائيل رجلٌ يقوم الليل حتى يصبح، ثم يجاهد العدو بالنهار حتى يمسي، ففعل ذلك ألف شهر، فأنزل الله هذه الآية: ﴿لَيلَةُ الْقَدْرِ خَيرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ قيام تلك الليلة خير من عمل ذلك الرجل.\nوقال ابن أبي حاتم: أخبرنا يونس، أخبرنا ابن وهب، حدثني مسلمة بن عُلَي، عن علي بن عروة قال: ذكر رسول الله ﷺ يومًا أربعة من بني إسرائيل، عبدوا الله ثمانين عامًا، لم يعصوه طرفة عين فذكر: أيوب، وزكريا، وحزقيل بن العجوز، ويوشع بن نون. قال: فعجب أصحاب رسول الله ﷺ من ذلك، فأتاه جبريل فقال: يا محمد؛ عجبت أمتك من عبادة هؤلاء النفر ثمانين [¬١] سنة، لم يعصوه طرفة عين، فقد أنزل الله خيرًا من ذلك. فقرأ عليه: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيلَةِ الْقَدْرِ (١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيلَةُ الْقَدْرِ (٢) لَيلَةُ الْقَدْرِ خَيرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾، هذا أفضل مما عجبت أنت وأمتك. قال: فسر بذلك رسول الله ﷺ والناس معه.\n_________\n(^٤) أخرجه البيهقي في سننه (٤/ ٣٠٦) كتاب الصيام، باب: فضل ليلة القدر، من طريق مسلم بن خالد، وزاد السيوطي في الدر المنثور (٦/ ٦٢٩) نسبته إلى ابن المنذر. قال البيهقي: وهو مرسل.\n(^٥) أخرجه الطبري (٣٠/ ٢٥١ - ٢٦٠).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: ثمانون.","vol":"14","page":405},{"text":"وقال سفيان الثوري: بلغني عن مجاهد: ليلة القدر خير من ألف شهر. قال: عملها، صيامها وقيامها خير من ألف شهر. رواه ابن جرير.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا إبراهيم بن موسى، أخبرنا ابن أبي زائدة، عن ابن جريج، عن مجاهد: ليلة القدر خير من ألف شهر، ليس في تلك الشهور ليلة القدر. وهكذا قال قتادة بن دعامة، والشافعي، وغير واحد.\nوقال عمرو [¬١] بن قيس الملائي: عمل فيها خير من عمل ألف شهر.\nوهذا القول بأنها أفضل من عبادة ألف شهر - ليس [¬٢] فيها ليلة القدر - هو اختيار ابن جرير. وهو الصواب لا ما عداه، وهو كقوله ﷺ: \"رباط ليلة في سبيل الله خير من ألف ليلة فيما سواه من المنازل\". رواه أحمد (^٦).\nوكما جاء في قاصد الجمعة بهيئة حسنة، ونية صالحة: أنه يكتب له عمل سنة أجر صيامها، وقيامها\" (^٧) إلى غير ذلك من المعاني المشابهة لذلك.\nوقال الإِمام أحمد (^٨): حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، حدثنا أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي هريرة؛ قال: لما حضر رمضان قال رسول الله ﷺ: \"قد جاءكم شهر رمضان، شهر مبارك، افترض الله عليكم صيامه [¬٣]، تفتح فيه أبواب الجنة، وتغلق فيه أبواب الجحيم، وتغل فيه الشياطين، فيه ليلة خير من ألف شهر، من حرم خيرها فقد حرم\". ورواه النسائي من حديث أيوب به.\nولما كانت ليلة القدر تعدل عبادتها عبادة ألف شهر، ثبت في الصحيحين (^٩) عن أبي هريرة\n_________\n(^٦) المسند (١/ ٦٥) (٤٧٠) بلفظ: رباط يوم بدل ليلة. وصححه أحمد شاكر.\n(^٧) المسند (٤/ ٩، ١٠٤). وأبو داود في كتاب: الطهارة، باب: في الغسل يوم الجمعة، حديث (٣٤٥) (١/ ٩٥). والترمذي في كتاب: الصلاة، باب: ما جاء في فضل الغسل يوم الجمعة، حديث (٤٩٦) (٢/ ١٢٨ - ١٢٩). والنسائي (٣/ ٩٥ - ٩٦) كتاب الجمعة، باب: فضل غسل يوم الجمعة. وابن ماجة في كتاب: الإقامة، باب: ما جاء في الغسل يوم الجمعة، حديث (١٠٨٧) (١/ ٣٤٦). وصححه الحاكم (١/ ٢٨١)، وابن حبان (٢٧٨١). كلهم من حديث أوس بن أوس ﵁. وصححه الألباني في الترغيب والترهيب (٦٩٠). وفي الباب عن عبد الله بن عمرو وغيره.\n(^٨) المسند (٢/ ٢٣٠) (٧١٤٨). والنسائي (٤/ ١٢٩) كتاب الصيام، باب: ذكر الاختلاف على معمر فيه.\n(^٩) صحيح البخاري في كتاب: الصوم، باب: من صام رمضان إيمانا واحتسابًا ونية، حديث =\n_________\n[¬١]- في ز: عمر.\n[¬٢]- في ت: وليس.\n[¬٣]- في ز: قيامه.","vol":"14","page":406},{"text":"أن رسول الله ﷺ قال: \"من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه\" وقوله: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ﴾، أي: يكثر تنزل الملائكة في هذه الليلة لكثرة بركتها، والملائكة ينزلون مع تنزل البركة والرحمة، كما يتنزلون عند تلاوة القرآن ويحيطون بحلق الذكر، ويضعون أجنحتهم لطالب العلم بصدق تعظيمًا له.\nوأما الروح فقيل: المراد به هاهنا جبريل ﵇ فيكون من باب عطف الخاص على العام. وقيل: هم ضرب من الملائكة. كما تقدم في سورة النبأ. والله أعلم.\nوقوله: ﴿مِنْ كُلِّ أَمْرٍ﴾ قال مجاهد: سلام هي من كل أَمر.\nوقال سعيد بن منصور: حدثنا عيسى بن يونس، حدثنا الأعمش، عن مجاهد في قوله: ﴿سَلَامٌ هِيَ﴾، قال: هي سالمة، لا يستطيع الشيطان أن يعمل فيها سوءًا أو يعمل فيها أذى.\nوقال قتادة وغيره: تقضى فيها الأمور وتقدر الآجال والأرزاق كما قال تعالى: (﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾.\nوقوله: ﴿سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾، قال سعيد بن منصور: حدثنا هشيم، عن أبي إسحاق، عن الشعبي في قوله تعالى: ﴿مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (٤) سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ قال: تسلم [¬١] الملائكة ليلة القدر على أهل المساجد، حتى مطلع الفجر.\nوروى ابن جرير عن ابن عباس: أنه كان يقرأ: (من كل امرئ سلام هي حتى يطلع الفجر.\nوروى البيهقي في كتابه \"فضائل الأوقات\" عن علي أثرًا غريبًا في نزول الملائكة، ومرورهم على المصلين ليلة القدر، وحصول البركة للمصلين.\nوروى ابن أبي حاتم عن كعب الأحبار أثرًا غريبًا عجيبًا مطولًا جدًّا، في تنزل الملائكة من سدرة المنتهى صحبة جبريل ﵇ إلى الأرض، ودعائهم [¬٢] للمؤمنين والمؤمنات.\nوقال أبو داود الطيالسي (^١٠): حدثنا عمران - يعني القطان - عن قتادة، عن أبي ميمونة، عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال في ليلة القدر: \"إنها ليلة سابعة -\n_________\n= (١٩٠١) (٤/ ١١٥). ومسلم في كتاب: صلاة المسافرين، باب: الترغيب في قيام رمضان وهو التراويح، حديث (١٧٥/ ٧٦٠) (٦/ ٦٠).\n(^١٠) أخرجه الطيالسي في مسنده ص (٣٣٢) حديث (٢٥٤٥).\n_________\n[¬١]- في ز: تسليم.\n[¬٢]- في ز، خ: ودعاؤهم.","vol":"14","page":407},{"text":"أو: تاسعة - وعشرين، وإن الملائكة تلك الليلة في الأرض أكثر من عدد الحصى\" وقال الأعمش، عن المنهال، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى في قوله: ﴿مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (٤) سَلَامٌ﴾ قال: لا يحدث فيها أمر.\nوقال قتادة وابن زيد في قوله: ﴿سَلَامٌ هِيَ﴾، يعني: هي خير كلها، ليس فيها شر إلى مطلع الفجر. ويؤيد هذا المعنى ما رواه الإِمام أحمد (^١١):\nحدثنا حيوة بن شريح، حدثنا بقية، حدثني بحير بن سعد، عن خالد بن معدان، عن عبادة بن الصامت: أن رسول الله ﷺ قال: \"ليلة القدر في العشر البواقي، من قامهن ابتغاء حسبتهن فإن الله يغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وهي ليلة وتر: تسع، أو سبع، أو خامسة، أو ثالثة، أو آخر ليلة\". وقال رسول الله ﷺ: \"إن أمارة ليلة القدر أنها صافية بلجة [¬١]، كأن فيها قمرًا ساطعًا، ساكنة ساجية، لا برد فيها ولا حر، ولا يحل [¬٢] لكوكب يرمى به فيها [¬٣] حتى تصبح. وإن أمارتها أن الشمس صبيحتها تخرج مستوية، ليس لها شعاع مثل القمر ليلة البدر، ولا يحل للشيطان [¬٤] أن يخرج معها يومئذ\" وهذا إسناد حسن وفي المتن غرابة وفي بعض ألفاظه نكارة.\nوقال أبو داود الطيالسي (^١٢): حدثنا زمعة، عن سلمة بن وهرام، عن عكرمة، عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال في ليلة القدر: \"ليلة سمحة طلقة، لا حارة ولا باردة، وتصبح شمس صبيحتها ضعيفة حمراء\".\nوروى ابن أبي عاصم النبيل بإسناده عن جابر بن عبد الله، أن رسول الله ﷺ قال: \"إني رأيت ليلة القدر فأنسيتها، وهي في العشر الأواخر من لياليها وهي [¬٥] ليلة طلقة بلجة، لا حارة ولا باردة، كأن فيها قمرًا، لا يخرج شيطانها حتى يضيء فجرها\".\n[فصل]\nاختلف العلماء: هل كانت ليلة القدر في الأمم السالفة [¬٦]، أو هي من خصائص هذه الأمة؟ على قولين:\n_________\n(^١١) المسند (٥/ ٣٢٣) (٢٢٨٧٠).\n(^١٢) أخرجه الطيالسي في مسنده ص (٣٤٩) حديث (٢٦٨٠).\n_________\n[¬١]- في خ: بالجة.\n[¬٢]- في ز، خ: يحلي.\n[¬٣]- سقط من ز.\n[¬٤]- في ز: الشيطان.\n[¬٥]- سقط من ت.\n[¬٦]- في خ: السابقة.","vol":"14","page":408},{"text":"قال أبو مصعب أحمد بن أبي بكر الزهري: حدثنا مالك (^١٣)؛ أنه بلغه: أن رسول الله ﷺ أري أعمار الناس قبله -أو: ما شاء الله من ذلك- فكأنه تقاصر أعمار أمته أن لا يبلغوا من العمل الذي بلغ [¬١] غيرهم في طول العمر فأعطاه الله ليلة القدر، خيرًا [¬٢] من ألف شهر. وقد أسند من وجه آخر. وهذا الذي قاله مالك يقتضي تخصيص هذه الأمة بليلة القدر، وقد نقله صاحب \"العدة\" أحد أئمة الشافعية عن جمهور العلماء، فالله أعلم. وحكي الخطابي عليه الإِجماع والذي دل عليه الحديث أنها كانت في الأمم الماضين كما هي في أمتنا.\nقال أحمد بن حنبل (^١٤): حدثنا يحيى بن سعيد، عن عكرمة بن عمار: حدثني أبو زميل سماك الحنفي: حدثني مالك بن مرثد بن عبد الله، حدثني مرثد [¬٣] قال: سألت أبا ذر قلت: كيف سألت رسول الله ﷺ عن ليلة القدر؟ قال: أنا كنت أسال الناس عنها، قلت: يا رسول الله، أخبرني عن ليلة القدر، أفي رمضان هي أو في غيره؟ قال: \"بل هي في رمضان\". قلت: تكون مع الأنبياء ما كانوا، فإذا قبضوا رفعت؟ أم هي إلى يوم القيامة؟ قال: \"بل هي إلى هم القيامة\". قلت؟ في أي رمضان هي؟ قال: \"التمسوها في العشر الأول، والعشر الأواخر\". ثم حدث رسول الله ﷺ وحدث، ثم اهتبلت غفلته قلت: في أي العشرين هي؟ قال: \"ابتغوها في العشر الأواخر، لا تسألني عن شيء بعدها\". ثم حدث رسول الله ﷺ ثم اهتبلت غفلته فقلت: يا رسول الله، أقسمت عليك بحقي عليك لما أخبرتني في أي العشر هي؟ فغضب علي غضبًا لم يغضب مثله منذ صحبته، وقال: \"التمسوها في السبع الأواخر، لا تسألني عن شيء بعدها. ورواه النسائي عن الفلاس عن يحيى بن سعيد القطان، به.\nففيه دلالة على ما ذكرناه، وفيه أنها تكون باقية إلى يوم القيامة في كل سنة لا كما زعمه بعض طوائف الشيعة من رفعها بالكلية، على ما فهموه من الحديث الذي سنورده بعد من قوله ﵇: \"فرفعت، وعسى أن يكون خيرًا لكم\"؛ لأن المراد رفع علم وقتها عينًا. وفيه دلالة على أن ليلة القدر يختص وقوعها بشهر رمضان من بين سائر الشهور، لا كما روي عن ابن مسعود ومن تابعه من علماء أهل الكوفة، من أنها توجد في جميع السنة، وترتجي في جميع الشهور على السواء.\n_________\n(^١٣) أخرجه مالك في موطئه، في كتاب: الاعتكاف، باب: ما جاء في ليلة القدر، حديث (١٥) (١/ ٢٦٣) بنحو ذلك.\n(^١٤) المسند (٥/ ١٧١) (٢١٥٨١). والنسائي في الكبرى في كتاب: الاعتكاف، باب: ليلة القدر في رمضان، حديث (٣٤٢٧) (٢/ ٢٧٨).\n_________\n[¬١]- في ز: يبلغ.\n[¬٢]- في ز: خير.\n[¬٣]- في ز، خ: يزيد.","vol":"14","page":409},{"text":"وقد ترجم أبو داود في سننه (^١٥) على هذا فقال: \"باب بيان أن ليلة القدر في كل رمضان\": حدثنا حميد بن زنجويه [¬١] النسائي، أخبرنا سعيد بن أبي مريم، حدثنا محمد بن جعفر بن أبي كثير، حدثني موسى بن عقبة، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير، عن عبد الله بن عمر قال: سئل رسول الله ﷺ وأنا أسمع - عن ليلة القدر، فقال: هي في كل رمضان.\nوهذا إسناد رجاله ثقات إلا أن أبا داود قال: رواه شعبة وسفيان عن أبي إسحاق فأوقفاه.\nوقد حكى عن أبي حنيفة ﵀ رواية أنها ترجى في جميع شهر رمضان. وهو وجه حكاه [¬٢] الغزالي، واستغربه الرافعي جدًّا.\n[فصل]\nثم قد قيل: إنها تكون في أول ليلة من شهر رمضان، يحكى هذا عن أبي رزين. وقيل: إنها تقع ليلة سبع عشرة. وروى فيه أبو داود (^١٦) حديثًا مرفوعًا، عن ابن مسعود، وروي موقوفًا عليه، وعلى زيد بن أرقم (^١٧) وعثمان بن أبي العاص.\nوهو قول عن محمد بن إدريس الشافعي، وحكى عن الحسن البصري. ووجهوه بأنها ليلة بدر، وكانت ليلة جمعة هي السابعة عشرة من شهر رمضان، وفي صبيحتها كانت وقعة لدر، وهو اليوم الذي قال الله تعالى: فيه: ﴿يَوْمَ الْفُرْقَانِ﴾.\nوقيل: ليلة [تسعة عشر] [¬٣]، يحكى عن عليّ، وابن مسعود أيضًا ﵄.\nوقيل: ليلة إحدى وعشرين، لحديث أبي سعيد الخدري قال: اعتكف رسول الله ﷺ العشر الأول من رمضان واعتكفنا معه، فأتاه جبريل فقال: إن الذي تطلب أمامك. فاعتكف العشر الأوسط واعتكفنا معه، فأتاه جبريل فقال: الذي تطلب أمامك ثم قام النبي ﷺ خطيبًا صبيحة عشرين من رمضان، فقال: \"من كان اعتكف معي فليرجع، فإني رأيت ليلة القدر، وإني أنسيتها، وإنها في العشر الأواخر في وتر، وإني رأيت كأني\n_________\n(^١٥) سنن أبي داود في كتاب: الصلاة، باب: من قال: هي في كل رمضان، حديث (١٣٨٧) (٢/ ٥٣ - ٥٤).\n(^١٦) سنن أبي داود في كتاب: الصلاة، باب: من روى أنها ليلة سبع عشرة، حديث (١٣٨٤) (٢/ ٥٣).\n(^١٧) أخرجه الطبراني (٥/ ١٩٨) (٥٠٧٩) أن حوطًا سأل زيد بن أرقم … فذكر نحو ذلك. قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ١٨١): وحوط، قال البخاري: حديثه منكر.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: رعويه.\n[¬٢]- سقط من ت.\n[¬٣]- في خ: تسع عشرة.","vol":"14","page":410},{"text":"أسجد في طين وماء\". وكان سقف المسجد جريدًا من النخل، وما نرى [¬١] في السماء شيئًا، فجاءت قزعة فمطرنا، فصلى بنا النبي ﷺ حتى رأيت أثر الطين والماء على جبهة رسول الله ﷺ تصديق رؤياه وفي لفظ: \"في صبح إحدى وعشرين\" أخرجاه في الصحيحين (^١٨). قال الشافعي: وهذا الحديث أصح الروايات.\nوقيل: ليلة ثلاث وعشرين، لحديث عبد الله بن أنيس في صحيح مسلم (^١٩)، وهو قريب السياق من رواية أبي سعيد، فالله أعلم.\nوقيل: ليلة أربع وعشرين، قال أبو داود الطيالسي (^٢٠): حدثنا حماد بن سلمة، عن الجرهي، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد أن رسول الله ﷺ قال: \"ليلة القدر ليلة أربع وعشرين\" إسناده رجاله ثقات.\nوقال أحمد (^٢١): حدثنا موسى بن داود، حدثنا ابن لهيعة، عن زيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير، عن الصنابحي، عن بلال؛ قال: قال رسول الله ﷺ: \"ليلة القدر ليلة أربع وعشرين\".\nابن لهيعة ضعيف. وقد خالفه ما رواه البخاري (^٢٢) عن أصبغ، عن ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير، عن أبي عبد الله الصنابحي قال [¬٢]: أخبرني بلال مؤذن رسول الله ﷺ أنها أول السبع من العشر الأواخر. فهذا الموقوف أصح، والله أعلم. وهكذا روي عن ابن مسعود، وابن عباس، وجابر، والحسن، وقتادة، وعبد الله بن وهب: أنها ليلة أربع وعشرين. وقد تقدم في \"سورة البقرة\" حديث واثلة بن الأسقع (^٢٣) مرفوعًا: \"أن القرآن أنزل ليلة أربع وعشرين\".\n_________\n(^١٨) صحيح البخاري في كتاب: الأذان، باب: السجود على الأنف والسجود على الطين، حديث (٨١٣) (٢/ ٢٩٨) واللفظ له. وأطرافه في: [٦٦٩، ٨٣٦، ٢٠١٦، ٢٠١٨، ٢٠٢٧، ٢٠٣٦، ٢٠٤٠]. ومسلم في كتاب: الصيام، باب: فضل ليلة القدر، حديث (٢١٥/ ١١٦٧) (٨/ ٨٧ - ٨٨). كلاهما من طريق أبي مسلمة عن أبي سعيد ﵁. والذي في أطراف حديث البخاري وفي مسلم (٢١٣، ٢١٤، ٢١٦، ٢١٧/ ١١٦٧) دون ذكر اعتكاف النبي ﷺ العشر الأول.\n(^١٩) صحيح مسلم في الموضع السابق (٢١٨/ ١١٦٨) (٨/ ٩١).\n(^٢٠) مسند الطيالسي ص (٢٨٨) حديث (٢١٦٧).\n(^٢١) المسند (٦/ ١٢) (٢٣٩٩٧).\n(^٢٢) صحيح البخاري، كتاب: المغازي، باب: (٨٨٥) حديث (٤٤٧٠) (٨/ ١٥٣).\n(^٢٣) تقدم تخريجه في سورة البقرة، آية (١٨٥).\n_________\n[¬١]- في ز: يرى.\n[¬٢]- في ت: قال: قال.","vol":"14","page":411},{"text":"وقيل: تكون ليلة خمس وعشرين، لما رواه البخاري (^٢٤)، عن عبد الله بن عباس: أن رسول الله ﷺ قال: \"التمسوها في العشر الأواخر من رمضان، في تاسعة تبقى، في سابعة تبقى، في خامسة تبقى\" فسره كثيرون بليالي الأوتار وهو أظهر وأشهر، وحمله آخرون على الإشفاع كما رواه مسلم (^٢٥) عن أبي سعيد أنه حمله على ذلك. والله أعلم.\nوقيل: إنها تكون ليلة سبع وعشرين؛ لما رواه مسلم (^٢٦) في صحيحه عن أبي بن كعب عن رسول الله ﷺ أنها ليلة سبع وعشرين.\nقال الإمام أحمد (^٢٧): حدثنا سفيان: سمعت عبدة وعاصمًا [¬١]، عن زر: سألت أُبي بن كعب قلت: أبا المنذر، إن أخاك ابن مسعود يقول: من يقم الحول يصب ليلة القدر. قال: يرحمه الله، لقد علم أنها في شهر رمضان، وأنها ليلة سبع وعشرين. ثم حلف. قلت: وكيف تعلمون ذلك؟ قال: بالعلامة -أو: بالآية- التي أخبرنا بها، تطلع ذلك اليوم لا شعاع لها، أعني الشمس.\nوقد رواه مسلم (^٢٨) من طريق سفيان بن عيينة وشعبة، والأوزاعي، عن عبدة [¬٢]، عن زر، عن أبي … فذكره، وفيه فقال: والله الذي لا إله إلا هو، إنها لفي رمضان يحلف ما يستثني - ووالله إني لأعلم أي ليلة القدر هي التي أمرنا رسول الله ﷺ بقيامها، هي ليلة سبع وعشرين، وأمارتها أن تطلع الشمس في [صبيحة يومها] [¬٣] بيضاء لا شعاع لها.\nوفي الباب عن معاوية، وابن عمر، وابن عباس، وغيرهم، عن رسول الله ﷺ: أنها ليلة سبع وعشرين. وهو قول طائفة من السلف، وهو الجادة من مذهب أحمد بن حنبل ﵀ وهو رواية عن أبي حنيفة أيضًا. وقد حُكي عن بعض السلف أنه حاول استخراج كونها ليلة سبع وعشرين من [¬٤] القرآن، من قوله: ﴿هِي﴾ لأنها الكلمة السابعة\n_________\n(^٢٤) صحيح البخاري، كتاب: فضل ليلة القدر، باب: تحري ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر، حديث (٢٠٢١، ٢٠٢٢) (٤/ ٢٦٠).\n(^٢٥) صحيح مسلم، كتاب: الصيام، باب: فضل ليلة القدر حديث (٢١٧/ ١١٦٧) (٨/ ٨٩ - ٩٠).\n(^٢٦) صحيح - مسلم في الموضع السابق، حديث (٢٢٠، ٧٦٢/ ٢٢١) (٨/ ٩١ - ٩٣).\n(^٢٧) المسند (٥/ ١٣٠) (٢١٢٧٣).\n(^٢٨) صحيح مسلم، كتاب: الصيام، باب: فضل ليلة القدر حديث (٢٢٠، ٢٢١/ ٧٦٢) (٨/ ٩١، ٩٣)، وفي كتاب: صلاة المسافرين، باب: الترغيب في قيام رمضان وهو التراويح، حديث (١٧٩، ١٨٠/ ٧٦٢) (٦/ ٦٢ - ٦٤).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: وهاشمًا.\n[¬٢]- في ز: عبيدة.\n[¬٣]- في خ: صبيحتها.\n[¬٤]- في ز: في.","vol":"14","page":412},{"text":"والعشرون من السورة، والله أعلم.\nوقد قال الحافظ أبو القاسم الطبراني (^٢٩): حدثنا إسحاق بن إبراهيم الدبري، أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن قتادة وعاصم: أنهما سمعا عكرمة يقول: قال ابن عباس: دعا عمر بن الخطاب أصحاب محمد ﷺ فسألهم عن ليلة القدر، فأجمعوا على [¬١] أنها في العشر الأواخر. قال ابن عباس: فقلت لعمر: إني لأعلم -أو: إني لأظن- أي ليلة القدر هي؟ فقال عمر: أي ليلة هي؟ [فقلت] [¬٢]: سابعة تمضي -أو: سابعة تبقى- من العشر الأواخر. فقال عمر: ومن أين علمت ذلك؟ قال ابن عباس فقلت: خلق الله سبع سموات، وسبع [¬٣] أرضين، وسبعة [¬٤] أيام، وأن الشهر يدور على سبع، وخلق الإِنسان من سبع، ويأكل من سبع، ويسجد على سبع، والطواف بالبيت سبع، ورمي الجمار سبع … لأشياء ذكرها. فقال عمر \" لقد فطنت لأمر ما فطنا له. وكان قتادة يزدد عن ابن عباس في قوله: ويأكل من سبع، قال: هو قول الله تعالى: ﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا﴾ … الآية.\nوهذا إسنادٌ جيد قوي ونص غريب جدًّا، والله أعلم.\nوقيل: إنها تكون في ليلة تسع [¬٥] وعشرين. قال أحمد بن حنبل (^٣٠):\nحدثنا أبو [¬٦] سعيد مولى [بني هاشم] [¬٧]، حدثنا سعيد بن سلمة، حدثنا عبد الله بن محمد بن عقيل، عن عمر بن عبد الرحمن، عن عبادة بن الصامت: أنه سأل رسول الله ﷺ عن ليلة القدر، فقال رسول الله ﷺ: \"في رمضان، فالتمسوها في العشر الأواخر، فإنها في وتر إحدى وعشرين، أو ثلاث وعشرين، أو خمس وعشرين، أو سبع وعشرين، [أو تسع وعشرين] [¬٨]، أو في آخر ليلة\".\nوقال الإمام أحمد (^٣١): حدثنا سليمان [¬٩] بن داود -وهو: أبو داود الطيالسي- حدثنا عمران القطَّان، عن قتادة، عن أبي ميمونة، عن أبي هريرة. أن رسول الله صلى الله عليه\n_________\n(^٢٩) معجم الطبراني (١٠/ ٣٢٢) (١٠٦١٨).\n(^٣٠) المسند (٥/ ٣١٨) (٢٢٨١٦). قال الهيثمي في \"المجمع\" (٣/ ١٧٨): رواه أحمد والطبراني في الكبير وفيه عبد الله بن محمد بن عقيل وفيه كلام وقد وثق.\n(^٣١) المسند (٢/ ٥١٩).\n_________\n[¬١]- سقط من ز.\n[¬٢]- سقط من ت.\n[¬٣]- في ت: سبعة.\n[¬٤]- في ز: سبع.\n[¬٥]- في خ: سبع.\n[¬٦]- في ز، خ: ابن.\n[¬٧]- في ز: ابن هشام.\n[¬٨]- سقط من ت.\n[¬٩]- في ز: سعيمان. كذا.","vol":"14","page":413},{"text":"وسلم قال في ليلة القدر: \"إنها [¬١] ليلة سابعة -أو تاسعة- وعشرين وإن الملائكة تلك الليلة في الأرض أكثر من عدد الحصى\".\nتفرد به أحمد بإسناده لا بأس به.\nوقيل: إنها تكون في آخر ليلة، لما تقدم من هذا الحديث آنفًا، ولما رواه الترمذي (^٣٢) والنسائي، من حديث عيينة بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي بكرة أن رسول الله ﷺ قال: \"في تسع يبقين، أو سبع يبقين، أو خمس يبقين، أو ثلاث، أو آخر ليلة\". يعني: التمسوا ليلة القدر وقال الترمذي: حسن صحيح.\nوفي المسند من طريق أبي سلمة عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ في ليلة القدر: \"إنها آخر ليلة\".\n[فصل]\nقال الشافعي في هذه الروايات: صدرت من النبي ﷺ جوابًا للسائل إذا قيل له: ألتمس ليلة القدر في الليلة الفلانية؟ يقول: \"نعم\". وإنما ليلة القدر ليلة معينة [¬٢]: لا تنتقل. نقله الترمذي عنه بمعناه وروى عن أبي قلابة أنه قال: [ليلة القدر] [¬٣] تنتقل في العشر الأواخر. وهذا الذي حكاه عن أبي قلابة نص عليه مالك، والثورى، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وأبو ثور والمزني، وأبو بكر بن خزيمة، وغيرهم. وهو محكي عن الشافعي -نقله القاضي عنه، وهو الأشبه- والله أعلم.\nوقد يستأنس لهذا القول بما ثبت في الصحيحين (^٣٣) عن عبد الله بن عمر: أن رجالًا من أصحاب النبي ﷺ أروا ليلة القدر في المنام في السبع الأواخر من رمضان، فقال رسول الله ﷺ: \"أرى رؤياكم قد تواطأت في السبع الأواخر، فمن كان متحريها فليتحرها في السبع الأواخر\" وفيهما (^٣٤) أيضًا عن عائشة ﵂ أن رسول\n_________\n(^٣٢) سنن الترمذي في كتاب: الصوم، باب: ما جاء في ليلة القدر، حديث (٧٩٤) (٣/ ١٣٧). والنسائي في الكبرى في كتاب: الاعتكاف، باب: والتماس ليلة القدر لثلاث بقين من الشهر، حديث (٣٤٠٣) (٢/ ٢٧٣).\n(^٣٣) أخرجه البخاري في كتاب: التهجد، باب: فضل من تعار من الليل فصلى، حديث (١١٥٨) (٣/ ٤٠)، وأطرافه في: [٢٠١٥، ٦٩٩١]. ومسلم في كتاب: الصيام، باب: فضل ليلة القدر، حديث (٢٠٥/ ١١٦٥) (٨/ ٨٢).\n(^٣٤) أخرجه البخاري في كتاب: فضل ليلة القدر، باب: تحري ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر =\n_________\n[¬١]- في خ: إنها في.\n[¬٢]- في ز، خ: مقيدة.\n[¬٣]- سقط من ز، خ.","vol":"14","page":414},{"text":"الله ﷺ قال: \"تحروا ليلة القدر في الوتر من [¬١] العشر الأواخر من رمضان\" ولفظه للبخاري.\nويحتج للشافعي أنها لا تنتقل، وأنها معينة من الشهر، بما رواه البخاري (^٣٥) في صحيحه، عن عبادة بن الصامت قال: خرج رسول الله ﷺ ليخبرنا بليلة القدر، فتلاحى رجلان من المسلمين، فقال: \"خرجت لأخبركم بليلة القدر، فتلاحى فلان وفلان، فرفعت، وعسى أن يكون خيرًا لكم، فالتمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة، وجه الدلالة منه: أنها لو لم تكن معينة مستمرة التعيين، لما حصل لهم العلم بعينها في كل سنة، إذ لو كانت تنتقل لما علموا تعينها إلا ذلك العام فقط، اللَّهم إلا أن يقال: إنه إنما خرج ليعلمهم بها تلك السنة فقط.\nوقوله: \"فتلاحى فلان وفلان فرفعت\": فيه استئناس لما يقال: إن المماراة تقطع الفائدة والعلم النافع، وكما جاء في الحديث (^٣٦): \" إن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه\".\nوقوله: \"فرفعت\" أي: رفع علم تعينها لكم، لا أنها وقعت بالكلية من الوجود، كما يقوله جهلة الشيعة، لأنه قد قال بعد هذا: \"فالتمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة\".\nوقوله: \"وعسى أن يكون خيرًا لكم\"، يعني عدم تعيينها [¬٢] لكم، فإنها إذا كانت مبهمة اجتهد طلابها في ابتغائها في جميع محال وجائها، فكان أكثر للعبادة، بخلاف ما إذا علموا عينها [¬٣] فإنها كانت الهمم تتقاصر على قيامها فقط. وإنما اقتضت الحكمة إبهامها لتعم العبادة جميع الشهر في ابتغائها، ويكون الاجتهاد في العشر الأواخر أكثر. ولهذا كان رسول الله ﷺ يعتكف العشر الأواخر من رمضان، حتى توفاه الله ﷿. ثم اعتكف أزواجه من بعده. أخرجاه من حديث عائشة (^٣٧).\n_________\n= حديث (٢٠١٧) (٤/ ٢٥٩). وطرفاه في [٢٠١٩، ٢٠٢٠]. ومسلم في كتاب: الصيام، باب: فضل ليلة القدر، حديث (٢١٩/ ١١٦٩) (٨/ ٩١).\n(^٣٥) أخرج البخاري في كتاب: فضل ليلة القدر، باب: رفع معرفة ليلة القدر لتلاحي الناس، حديث (٢٠٢٣) (٤/ ٢٦٧).\n(^٣٦) أخرجه أحمد (٢٧٧/ ٥) (٢٢٤٨٧). والنسائي في الكبرى في باب: الرقائق كما في تحفة الأشراف (٢/ ١٣٣) (٢٠٩٣). وابن ماجة في المقدمة، باب: في القدر، حديث (٩٠) (١/ ٣٥). قال البوصيري في الزوائد (١/ ٦١): سألت شيخنا أبا الفضل العراقي عن هذا الحديث، فقال: هذا حديث حسن. ا هـ.\n(^٣٧) أخرجه البخاري في كتاب: الاعتكاف، باب: الاعتكاف في العشر الأواخر، حديث (٢٠٢٦) =\n_________\n[¬١]- في ز: في.\n[¬٢]- في ت: تعينها.\n[¬٣]- في ت: تعينها.","vol":"14","page":415},{"text":"ولهما عن ابن عمر (^٣٨): كان رسول الله ﷺ يعتكف العشر الأواخر من رمضان وقالت عائشة: كان رسول الله ﷺ إذا دخل العشر، أحيا الليل، وأيقظ أهله، وشد المئزر. أخرجاه (^٣٩).\nولمسلم (^٤٠) عنها: كان رسول الله ﷺ يجتهد في العشر ما لا يجتهد في غيره.\nوهذا معنى قولها: \"وشد المئزر\". وقيل: المراد بذلك: اعتزال النساء. ويحتمل أن يكون كناية عن الأمرين، لما رواه الإِمام أحمد (^٤١):\nحدثنا سريج، حدثنا أبو معشر، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ إذا بقي عشر من رمضان شد مئزره، واعتزل نساءه.\nانفرد به أحمد وقد حكي عن مالك ﵀ أن جميع ليالي العشر في [¬١] تطلب ليلة القدر على السواء، لا يترجح منها ليلة على أخرى، رأيته في شرح الرافعي ﵀.\nوالمستحب الإِكثار من الدعاء في جميع الأوقات، وفي شهر رمضان أكثر، وفي العشر الأخير منه [¬٢]، ثم في أوتاره أكثر. والمستحب أن يكثر من هذا الدعاء: \"اللَّهم، إنك عفو تحب العفو، فاعف عني\"، لما رواه الإِمام أحمد (^٤٢):\nحدثنا يزيد -هو ابن هارون- حدثنا الجريري -وهو: سعيد بن إياس- عن عبد الله بن بريدة: أن عائشة قالت: يا رسول الله، إن وافقت ليلة القدر فما أدعو؟ قال: \"قولي: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني\" وقد رواه الترمذي (^٤٣)، والنسائي، وابن ماجة، من\n_________\n= (٤/ ٢٧١). ومسلم في كتاب: الاعتكاف، باب: اعتكاف العشر الأواخر من رمضان، حديث (٣ - ٥/ ١١٧٢) (٨/ ٩٧ - ٩٨).\n(^٣٨) أخرجه البخاري في كتاب: الاعتكاف، باب: الاعتكاف في العشر الأواخر، والاعتكاف في المساجد كلها، حديث (٢٠٢٥) (٤/ ٢٧١). ومسلم في كتاب: الاعتكاف، باب: اعتكاف العشر الأواخر من رمضان، حديث (١/ ١١٧١) (٨/ ٩٦).\n(^٣٩) أخرجه البخاري في كتاب: فضل ليلة القدر، باب: العمل في العشر الأواخر من رمضان، حديث (٢٠٢٤) (٤/ ٢٦٩). ومسلم في كتاب: الاعتكاف، باب: الاجتهاد في العشر الأواخر من شهر رمضان، حديث (٧/ ١١٧٤) (٨/ ١٠٠).\n(^٤٠) أخرجه مسلم في الموضع السابق، حديث (٨/ ١١٧٥) (٨/ ١٠١).\n(^٤١) أخرجه أحمد (٦/ ٦٦) (٢٤٤٨٨).\n(^٤٢) أخرجه أحمد (٦/ ١٨٢) (٢٥٦٠٢).\n(^٤٣) والترمذي في كتاب: الدعوات، باب: أي الدعاء أفضل، حديث (٢٥٠٨) (٩/ ١٧٧). والنسائي =\n_________\n[¬١]- سقط من ز، خ.\n[¬٢]- سقط من ز، خ.","vol":"14","page":416},{"text":"طريق كهمس بن الحسن عن عبد الله بن بريدة، عن عائشة قالت: قلت: يا رسول الله، أرأيت إن علمت أي ليلة [¬١] ليلة القدر، ما أقول فيها؟ قال: \"قوله: اللهم، إنك عفو تحب العفو، فاعف عني\".\nوهذا لفظ الترمذي ثم قال: هذا حديث حسن صحيح، وأخرجه الحاكم في مستدركه (^٤٤)، وقال: \"هذا صحيح على شرط الشيخين. ورواه النسائي أيضًا من طريق سفيان الثوري، عن علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بريدة عن عائشة قالت [¬٢]: يا رسول الله؟ أرأيت إن وافقت ليلة القدر، ما أقول فيها؟ قال: \"قولي اللَّهم، إنك عفو تحب العفو، فاعف عني\".\nذكر أثر غريب ونبأ عجيب، يتعلق بليلة القدر، رواه الإِمام أبو محمد بن أبي حاتم، عند تفسير هذه السورة الكريمة فقال:\nحدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن أبي زياد القطواني، حدثنا سيار بن حاتم، حدثنا موسى بن سعيد -يعني الراسبي- عن هلال [] [¬٣] أبي جبلة عن أبي عبد السلام، عن أبيه، عن كعب؛ أنه قال: إن سدرة المنتهى على حد السماء السابعة [¬٤]، مما يلي الجنة، فهي على حد هواء الدنيا وهواء الآخرة، علوها [¬٥] في الجنة، وعروقها وأغصانها من [¬٦] تحت الكرسي، فيها ملائكة لا يعلم عدتهم إلا الله ﷿ يعبدون الله ﷿ على أغصانها في كل موضع شعرة [¬٧] منها ملك. ومقام جبريل ﵇ في وسطها، فينادي الله جبريل أن ينزل في كل ليلة قدر مع الملائكة الذين يسكنون سدرة المنتهى، وليس فيهم ملك إلَّا قد أعطي الرأفة والرحمة للمؤمنين، فينزلون [¬٨] على جبريل في ليلة القدر، حين تغرب الشمس، فلا تبقى بقعة في ليلة القدر إلا وعليها ملك، إما ساجد وإما قائم، يدعو للمؤمنين والمؤمنات، إلا أن تكون كنيسة أو بيعة، أو بيت نار أو وثن، أو بعض أماكنكم التي تطرحون فيها الخبث، أو بيت فيه سكران، أو بيت فيه مسكر، أو بيت فيه وثن منصوب، أو بيت فيه جرس معلق، أو\n_________\n= في الكبرى في كتاب: النعوت، باب: العفو: حديث (٧٧١٢) (٧/ ٤٠٤)، وفي عمل اليوم والليلة (١٠٧٠٨، ١٠٧٠٩). وابن ماجة في كتاب: الدعاء، باب: الدعاء بلعفو والعافية، حديث (٣٨٥٠) (٢/ ١٢٦٥).\n(^٤٤) المستدرك (١/ ٥٣٠). ورواه النسائي في الكبرى في باب: عمل اليوم والليلة، باب: ما يقول إذا وافق ليلة القدر، حديث (١٠٧١٣) (٦/ ٢١٩).\n_________\n[¬١]- سقط من ت.\n[¬٢]- في ز: قلت.\n[¬٣]- في ز: ابن.\n[¬٤]- في ز: الرابعة.\n[¬٥]- بياض في ز، خ.\n[¬٦]- في ز: في.\n[¬٧]- في ز: سفرة.\n[¬٨]- في ز، خ: فيقولون.","vol":"14","page":417},{"text":"مبولة، أو مكان فيه كساحة البيت. فلا يزالون ليلتهم تلك يدعون للمؤمنين والمؤمنات، وجبريل لا يدع أحدًا من المؤمنين [¬١] إلا صافحه، علامة ذلك من اقشعر جلده ورق قلبه ودمعت عيناه، فإن ذلك من مصافحة جبريل.\nوذكر كعب أن من قال في ليلة القدر: \"لا إله إلا الله\"، ثلاث مرات، غفر الله له بواحدة، ونجاه من النار بواحدة، وأدخله الجنة بواحدة. فقلنا لكعب الأحبار: يا أبا إسحاق، صادقًا؟ فقال كعب: وهل يقول \"لا إله إلا الله\" في ليلة القدر إلا كل صادق؟ والذي نفسي بيده، إن ليلة القدر لتثقل على الكافر والمنافق، حتى كأنها على ظهره جبل، فلا تزال الملائكة هكذا حتى يطلع الفجر. فأول من يصعد جبريل حتى يكون في وجه الأفق الأعلى من الشمس، فيبسط جناحيه - وله جناحان أخضران، لا ينشرهما إلا في تلك الساعة - فتصير الشمس لا شعاع لها، ثم يدعو ملكًا ملكًا [¬٢] فيصعد، فيجتمع نور الملائكة ونور جناحي جبريل، فلا تزال الشمس يومها ذلك متحيرة، فيقيم جبريل ومن معه بين الأرض وبين السماء الدنيا يومهم ذلك، في دعاء ورحمة واستغفار للمؤمنين والمؤمنات، ولمن صام رمضان احتسابًا، ودعا لمن حدث نفسه إن عاش إلى قابل صام رمضان لله. فإذا أمسوا دخلوا إلى [¬٣] السماء الدنيا، فيجلسون حلقًا حلقًا [¬٤]، فتجتمع إليهم ملائكة سماء الدنيا، فيسألونهم عن رجل رجل، وعن امرأة امرأة، فيحدثونهم حتى يقولوا: ما فعل فلان؟ وكيف وجدتموه العام [¬٥]؟ فيقولون: وجدنا فلانًا عام أول في هذه الليلة متعبدًا ووجدناه العام مبتدعًا [¬٦]، ووجدنا فلانًا مبتدعًا ووجدناه العام عابدًا قال: فيكفون عن الاستغفار لذلك، ويقبلون على الاستغفار لهذا، ويقولون: وجدنا فلانًا وفلانًا يذكران الله، ووجدنا فلانًا راكعًا، وفلانًا ساجدًا، ووجدناه تاليًا لكتاب الله. قال: فهم كذلك يومهم وليلتهم، حتى يصعدون [¬٧] إلى السماء الثانية، ففي كل سماء يوم وليلة، حتى ينتهوا مكانهم من سدرة المنتهى، فتقول لهم سدرة [¬٨] المنتهى: يا سكاني، حدثوني عن الناس وسموهم لي. فإن لي عليكم حقًّا، وإني أحب من أحب اللَّه. فذكر كعب أنهم يعدون لها، ويحكون لها الرجل والمرأة بأسمائهم واسماء آبائهم. ثم تقبل الجنة على السدرة فتقول: أخبريني بما أخبرك سكانك من الملائكة. فتخبرها، قال: فتقول الجنة: رحمة الله على فلان، ورحمة الله على فلانة، اللهم عجَّلهم إليَّ، فيبلغ جبريل مكانه قبلهم، فيلهمه [¬٩] الله فيقول: وجدت فلانًا ساجدًا فاغفر له. فيغفر له، فيُسمعُ جبريلُ جميعَ [¬١٠] حملة العرش فيقولون: رحمة الله على فلان ورحمة الله على فلانة، ومغفرته\n_________\n[¬١]- في ز: الناس.\n[¬٢]- سقط من ت.\n[¬٣]- سقط من ت.\n[¬٤]- سقط من ت.\n[¬٥]- سقط من ز، خ.\n[¬٦]- في ت: متعبدًا.\n[¬٧]- كذا في ز، خ، ت. ولعل الصواب: يصعدوا.\n[¬٨]- في ز، خ: السدرة.\n[¬٩]- سقط من ز، خ.\n[¬١٠]- سقط من خ.","vol":"14","page":418},{"text":"لفلان، ويقول: يا رب، وجدت عبدك فلانًا الذي وجدته عام أول على السنة والعبادة، ووجدته العام قد أحدث حدثًا [وتولى عما أمر به] [¬١]. فيقول الله: يا جبريل، إن تاب فأعتبني قبل أن يموت بثلاث ساعات غفرت له. فيقول جبريل: لك الحمد إلهي، أنت أرحم من جميع خلقك، وأنت أرحم بعبادك من عبادك بأنفسهم، قال: فيرتج العرش وما حوله، والحجب والسماوات ومن فيهن، تقول: الحمد لله الرحيم، الحمد لله الرحيم.\nقال: وذكر كعب أنه من صام رمضان وهو يحدث نفسه إذا أفطر بعد رمضان أن لا يعصي الله، دخل الجنة بغير مسألة ولا حساب.\nآخر تفسير سورة [¬٢] \"ليلة القدر\" [ولله الحمد والمنة]\n* * *\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"ونقل عما أمرته\".\n[¬٢]- سقط من ز.","vol":"14","page":419},{"text":"<span data-type='title' id=toc-219>[تفسير] سورة \"لم يكن\" [وهي مدنية]</span>\nقال الإِمام أحمد (^١): حدثنا عفان، حدثنا حماد -هو [¬١] ابن سلمة- أخبرنا علي -هو ابن زيد- عن عمار بن أبي عمار قال: سمعت أبا حية البدري -وهو: مالك بن عمرو بن ثابت الأنصاري- قال: لما نزلت: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ إلى آخرها، قال جبريل: يا رسول الله، إن ربك يأمرك أن تقرئها أُبيًّا. فقال النبي صلى الله عليه وبسلم لأبي: \"إن جبريل أمرني أن أقرئك هذه السورة\". قال أبي: وقد ذكرت ثم يا رسول الله؟ قال: \"نعم\"، قال فبكى أبي.\n(حديث آخر)، وقال الإِمام أحمد (^٢): حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، سمعت قتادة يحدث عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ لأبي بن كعب: \"إن الله أمرني أن أقرأ عليك: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قال: وسماني لك؟ قال: نعم\" فبكى.\nورواه البخاري ومسلم، والترمذي، والنسائي من حديث شعبة به.\n(حديث آخر)، قال الإِمام أحمد (^٣): حدثنا مؤمل، حدثنا سفيان، حدثنا أسلم المنقري [¬٢]، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، عن أُبي بن كعب قال: قال لي رسول الله ﷺ: \"إني أمرت أن أقرأ عليك سورة كذا وكذا\". قلت: يا رسول الله، وقد ذُكرت هناك؟ قال: \"نعم\" فقلت له: يا أبا المنذر، ففرحت بذلك. قال: وما يمنعني والله يقول: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ قال مؤمل: قلت لسفيان: القراءة في الحديث؟ قال: نعم. تفرد به من هذا الوجه.\n_________\n(^١) المسند (٣/ ٤٨٩) (١٦٠٤٨).\n(^٢) المسند (٣/ ١٣٠) (١٢٣٤١). والبخاري في كتاب: مناقب الأنصار، باب: مناقب أبي بن كعب ﵁ حديث (٣٨٠٩) (٧/ ١٢٧) وأطرافه في: [٤٩٥٩، ٤٩٦٠، ٤٩٦١]. ومسلم في كتاب: صلاة المسافرين، باب: استحباب قراءة القرآن على أهل الفضل. حديث (٢٤٦/ ٧٩٩) (٦/ ١٢٣). والترمذي في كتاب: المناقب، باب: مناقب معاذ وزيد وأبي بن كعب وأبي عبيدة، حديث (٣٧٩٥) (٩/ ٣٤٥). والنسائي في الكبرى في باب: التفسير، باب: سورة البينة، حديث (١١٦٩١) (٦/ ٥٢٠).\n(^٣) أخرجه أحمد (٥/ ١٢٣) (٢١٢١٧).\n_________\n[¬١]- في ت: وهو.\n[¬٢]- في ز: المقري.","vol":"14","page":420},{"text":"(طريق أخرى)، قال أحمد (^٤): حدثنا محمد بن جعفر وحجاج قالا: حدثنا شعبة، عن عاصم بن بهدلة، عن زر بن حبيش، عن أبي بن كعب قال: إن رسول الله ﷺ قال لي: \"إن الله أمرني أن أقرأ عليك القرآن -قال: فقرأ:- ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ - قال: فقرأ فيها: - ولو أن ابن آدم سأل واديًا من مال، فأعطيه، لسأل ثانيًا، ولو سأل ثانيًا فأعطيه لسأل ثالثًا، ولا يملأ جوف ابن آدم إلَّا التراب، ويتوب الله على من تاب. وإن ذلك [¬١] الدين عند الله الحنيفية، غير المشركة ولا اليهودية ولا النصرانية، ومن يفعل خيرًا فلن يكفره\".\nورواه الترمذي من حديث أبي داود الطيالسي عن شعبة به وقال: حسن صحيح.\nطريق أخرى قال الحافظ أبو القاسم الطبراني (^٥): حدثنا أحمد بن خليد الحلبي، حدثنا محمد بن عيسى الطباع، حدثنا معاذ بن محمد بن معاذ بن أُبي بن كعب، عن أبيه، عن جده، عن أُبي بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ: \"يا أبا المنذر: إني أمرت أن أعرض عليك القرآن\" قال: آمنت بالله، وعلى يدك أسلمت، ومنك تعلمت. قال: فرد النبي ﷺ القول، فقال: يا رسول الله، أذكرت هناك؟ قال: \"نعم، باسمك ونسبك في الملأ الأعلى\". قال: فاقرأ إذًا يا رسول الله.\nهذا غريب من هذا الوجه، والثابت ما تقدم. وإنما قرأ عليه النبي ﷺ هذه السورة تثبيتًا له، وزيادة لإِيمانه، فإنه -كما رواه أحمد (^٦) والنسائي، من طريق أنس، عنه.\nورواه أحمد (^٧) وأبو داود من حديث سليمان بن صرد عنه، ورواه أحمد (^٨) عن عفان، عن حماد، عن حميد، عن أنس، عن عبادة بن الصامت، عنه.\nورواه أحمد (^٩) ومسلم وأبو داود والنسائي، من حديث إسماعيل بن أبي خالد، عن\n_________\n(^٤) المسند (٥/ ١٣١) (٢١٢٨٢). والترمذي في كتاب: المناقب، باب: مناقب معاذ بن جبل وزيد بن ثابت وأبي عبيدة بن الجراح ﵃، حديث (٣٧٩٣) (٤/ ٦٢٥ - شاكر).\n(^٥) معجم الطبراني (١/ ٢٠٠) (٥٣٩).\n(^٦) المسند (٥/ ١١٤، ١٢٢) (٢١١٧٠، ٢١٢١٢). والنسائي (٢/ ١٥٤) باب: الافتتاح، باب: جامع ما جاء في القرآن.\n(^٧) المسند (٥/ ١٢٤) (٢١٢٢٩ - ٢١٢٣٢). وأبو داود في باب: الصلاة، باب: أنزل القرآن على سبعة أحرف، حديث (١٤٧٧) (٢/ ٧٦).\n(^٨) المسند (٥/ ١١٤) (٢١١٦٩).\n(^٩) المسند (٥/ ١٢٧) (٢١٢٥١). ومسلم في كتاب: صلاة المسافرين، باب: بيان أن القرآن على =\n_________\n[¬١]- في ز، خ: دار.","vol":"14","page":421},{"text":"عبد [¬١] الله بن عيسى، عن عبد الرحمن بن أبي ليلي، عنه - كان قد أنكر على إنسان، وهو: عبد الله بن مسعود، قراءة شيء من القرآن علي خلاف ما أقرأه رسول الله ﷺ فرفعه إلى النبي ﷺ فاستقرأهما، وقال لكل منهما: \"أصبت\". قال أُبيّ: فأخذني من الشك ولا إذ كنت في الجاهلية. فضرب رسول الله ﷺ في صدره، قال أبي [¬٢]: ففضت عرقًا، وكأنما أنظر إلى الله فرقًا. وأخبره رسول الله ﷺ أن جبريل أتاه فقال: إن الله يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على حرف. فقلت: \"أسأل الله معافاته ومغفرته\". فقال: على حرفين. فلم يزل حتى قال: إن الله يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على سبعة أحرف. كما قدمنا ذكر هذا الحديث بطرقه وألفاظه في أول التفسير. فلما نزلت هذه السورة الكريمة وفيها: ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً (٢) فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ (٣)﴾، قرأها عليه رسول الله ﷺ قراءة إبلاغ وتثبيت وإنذار، لا قراءة تعلم واستذكار، والله أعلم.\nوهذا كما أن عمر بن الخطاب لما سأل رسول الله ﷺ يوم الحديبية عن تلك الأسئلة، وكان فيما قال: أو لم تكن تخبرنا أنا سنأتي البيت ونطوف به؟ [قال: \"بلى، أفأخبرتك أنك تأتيه عامك هذا\". قال: لا، قال: \"فإنك آتيه ومطوف له\"] [¬٣]. فلما رجعوا من الحديبية، وأنزل الله على النبي ﷺ \"سورة الفتح\"، دعا عمر بن الخطاب وقرأها عليه، وفيها قوله [¬٤]: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ …﴾ الآية، كما تقدم (^١٠).\nوروى الحافظ أبو نعيم في كتابه \"أسماء الصحابة\"، من طريق محمد بن إسماعيل الجعفري المدني: حدثنا عبد الله بن سلمة بن أسلم، عن ابن شهاب، عن إسماعيل بن أبي حكيم المدني [حدثني] [¬٥] فضيل: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"إن الله ليسمع قراءة ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، فيقول: أبشر عبدي، فوعزتي لأمكنن [¬٦] لك في الجنة حتى ترضى\".\n_________\n= سبعة أحرف، وبيان معناه، حديث (٢٧٣/ ٨٢٠) (٨/ ٤٦ - ١٤٩). وأخرجه أبو داود في كتاب: الصلاة، باب: أنزل القرآن على سبعة أحرف، حديث (١٤٧٨) (٢/ ٧٦). والنسائي في كتاب: الافتتاح، باب: جامع ما جاء في القرآن، (٢/ ١٥٢ - ١٥٣). كلاهما من طريق محمد بن جعفر عن شعبة عن الحكم عن مجاهد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى.\n(^١٠) تقدم تخريجه في تفسير سورة الفتح، آية (٢٧).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: عبيد.\n[¬٢]- سقط من ز، خ.\n[¬٣]- ما بين المعكوفين سقط من ز، خ.\n[¬٤]- سقط من خ.\n[¬٥]- في ز: \"أحد بني\".\n[¬٦]- في ت: لأمكننه.","vol":"14","page":422},{"text":"حديث غريب جدًّا وقد رواه الحافظ أبو موسى المديني وابن الأثير (^١١) من طريق الزهري عن إسماعيل بن أبي حكيم عن [نظير] [¬١] المزني -أو: المدني- عن النبي، ﷺ: \"إن الله ليسمع قراءة ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فيقول [¬٢]: أبشر عبدي، فوعزتي لا أنساك على حال من أحوال الدنيا والآخرة، ولأمكنن لك في الجنة حتى ترضى\".\n[قوله تعالى] [¬٣]:\n﷽\n﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ (١) رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً (٢) فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ (٣) وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إلا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ (٤) وَمَا أُمِرُوا إلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾\nأما أهل الكتاب فهم: اليهود والنصاري، والمشركون: عبده الأوثان والنيران من العرب ومن العجم.\nوقال مجاهد: لم يكونوا ﴿منفكين﴾ يعني: منتهين حتى يتبين لهم الحق، وكذا قال قتادة.\n﴿حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾، أي: هذا القرآن؛ ولهذا قال تعالى ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ (١)﴾. ثم فسر البينة بقوله: ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً (٢)﴾، يعني محمدًا ﷺ، وما يتلوه من القرآن العظيم، الذي هو مكتتب في الملإ الأعلى، في صحف مطهرة، كقوله: ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ (١٦)﴾.\n_________\n(^١١) \" أسد الغابة\" لابن الأثير (٥/ ٣٢٥).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: \"مطر\".\n[¬٢]- في ت: ويقول.\n[¬٣]- سقط من ت.","vol":"14","page":423},{"text":"وقوله: ﴿فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ (٣)﴾ قال ابن جرير: إن [¬١] في الصحف المطهرة كتب من [] [¬٢] الله قيمة، عادلة مستقيمة، ليس فيها خطأ؛ لأنها من عند الله ﷿.\nقال قتادة: ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً (٢)﴾، يذكر القرآن بأحسن الذكر، ويثني عليه بأحسن الثناء. وقال ابن زيد: ﴿فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ مستقيمة معتدلة.\nوقوله: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إلا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾، كقوله: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ يعني بذلك أهل الكتب المنزلة على الأمم قبلنا، بعد ما أقام الله عليهم الحجج والبينات تفرقوا واختلفوا في الذي أراده الله من كتبهم، واختلفوا اختلافًا كثيرًا، كما جاء في [¬٣] الحديث المروي من طرق (^١٢): \" إن اليهود اختلفوا على إحدي وسبعين فرقة، وإن النصارى اختلفوا على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة\". قالوا: من هم يا رسول الله؟ قال: \"ما أنا عليه وأصحابي\".\nوقوله: ﴿وَمَا أُمِرُوا إلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾، كقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إلا نُوحِي إِلَيهِ [¬٤] أَنَّهُ لَا إِلَهَ إلا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾؛ ولهذا قال: ﴿حنفاء﴾ أي: متحنفين عن الشرك إلى التوحيد. كقوله: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾: وقد تقدم تقرير الحنيف في سورة الأنعام، بما أغنى عن إعادته هاهنا.\n﴿وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾، وهي أشرف عبادات البدن، ﴿وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ﴾، وهي الإِحسان إلي الفقراء والمحاويج. ﴿وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾، أي: الملة القائمة العادلة، أو: الأمة المستقيمة المعتدلة.\nوقد استدل كثير من الأئمة، كالزهري والشافعي، بهذه الآية الكريمة علي أن الأعمال داخلة في الإِيمان، ولهذا قال: ﴿وَمَا أُمِرُوا إلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾.\n﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ (٦) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيرُ الْبَرِيَّةِ (٧) جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ\n_________\n(^١٢) تقديم تخريجه في تفسير سورة يونس، آية: (٩٣) برقم (٩٧).\n_________\n[¬١]- في ت: أي.\n[¬٢]- في ز، خ: كتب.\n[¬٣]- سقط من ز، خ.\n[¬٤]- في ز: يوحي.","vol":"14","page":424},{"text":"اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ (٨)﴾\nيخبر تعالى عن مآل الفجار، من كفرة أهل الكتاب، والمشركين المخالفين لكتب الله المنزلة وأنبياء الله المرسلة؛ أنهم يوم القيامة ﴿فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أي: ماكثين، لا يحولون عنها ولا يزولون. ﴿أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾، أي: شر الخليقة التي برأها الله وذرأها.\nثم أخبر تعالى عن حال الأبرار الذين آمنوا بقلوبهم، وعملوا الصالحات بأبدانهم بأنهم خير البرية.\nوقد استدل بهذه الآية أبو هريرة وطائفة من العلماء، على تفضيل المؤمنين من البرية على الملائكة، لقوله: ﴿أُولَئِكَ هُمْ خَيرُ الْبَرِيَّةِ﴾.\nثم قال: ﴿جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾، أي: يوم القيامة، ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾، أي: بلا انفصال ولا انقضاء ولا فراغ.\n﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾، ومقام رضاه عنهم أعلى مما أوتوه من النعيم المقيم، ﴿وَرَضُوا عَنْهُ﴾ فيما منحهم من الفضل العميم.\nوقوله: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾، أي: هذا الجزاء حاصل لمن خشى الله واتقاه حق تقواه، وعبده كأنه يراه، وعلم أنه [¬١] إن لم يره فإنه يراه.\nوقال الإمام أحمد (^١٣): حدثنا إسحاق بن عيسى، حدثنا أبو معشر [¬٢]، عن أبي وهب -مولى أبي هريرة- عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"ألا أخبركم بخير البرية؟ \". قالوا: بلى، يا رسول الله. قال: \"رجل آخذ بعنان فرسه في سبيل الله، كلما كانت هيعة، استوى عليه [¬٣]. ألا أخبركم بخير البرية؟ \". قالوا: بلى، يا رسول الله. قال: \"رجل في ثلة من غنمه، يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة. ألا أخبركم بشر البرية؟ \". قالوا: بلى. قال: \"الذي يسأل بالله، ولا يعطي به\".\nآخر تفسير سورة \"لم يكن\" [ولله الحمد والمنة]\n_________\n(^١٣) المسند (٢/ ٣٩٦) (٩١٣١). قال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (٥/ ٢٨٢): رواه أحمد، وأبو معشر -نجيح-: ضعيف، وأبو معشر -كذا قال والصواب أبو وهب كما في المسند طبعة أحمد شاكر وصوبه وقال: وهو الذين في المخطوطة- مولى أبي هريرة لم أعرفه. ا هـ.\n_________\n[¬١]- سقط من ز، خ.\n[¬٢]- في ز، خ: معن.\n[¬٣]- في ت: عليها.","vol":"14","page":425},{"text":"<span data-type='title' id=toc-220>[تفسير] سورة إذا زلزلت [وهي مكية]</span>\nقال الإمام [¬١] أحمد (^١): حدثنا أبو عبد الرحمن، حدثنا سعيد، حدثنا عياش بن عباس، عن عيسى بن هلال الصدفي، عن عبد الله بن عمرو قال: أتي رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: أقرئني يا رسول الله. قال له: \"اقرأ ثلاثًا من [ذات الر] [¬٢] \". فقال [¬٣] له الرجل: كبر سني واستد قلبي، وغلظ لساني. قال: \"فاقرأ من ذات حم\". فقال مثل مقالته الأولى، فقال: \"اقرأ ثلاثًا من المسبحات\". فقال مثل مقالته، فقال الرجل: ولكن أقرئني يا رسول الله سورة جامعة. فأقرأه: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالهَا﴾. حتى إذا فرغ منها قال الرجل: والذي بعثك بالحق [نبيًّا] [¬٤] لا أزيد عليها أبدًا، ثم أدبر الرجل فقال رسول الله ﷺ: \"أفلح الرويجل! أفلح الرويجل! ثم قال: علي به\". فجاءه فقال له: أمرت بيوم الأضحى جعله الله عيدًا لهذه الأمة\". فقال له الرجل: أرأيت إن لم أجد إلا منيحة أنثى [¬٥] فأضحي بها؟ قال: \"لا\" ولكنك تأخذ من شعرك، وتقلم أظفارك، وتقص شاربك، وتحلق عانتك، فذاك تمام أضحيتك عند الله ﷿\".\nوأخرجه أبو داود والنسائي من حديث أبي عبد الرحمن المقرئي [¬٦] به.\nوقال الترمذي (^٢): حدثنا محمد بن موسى الحرشي [¬٧] البصري، حدثنا الحسن بن سَلْمٍ [¬٨] بن صالح العجلي، حدثنا ثابت البناني، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: \"من قرأ ﴿إذا زلزلت﴾ عدلت له بنصف القرآن\" … ثم قال: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث [الحسن بن سَلْمٍ] [¬٩].\n_________\n(^١) المسند (٢/ ١٦٩) (٦٥٧٥). وأبو داود في كتاب: الصلاة، باب: تحزيب القرآن، حديث (١٣٩٩) (٢/ ٥٧). والنسائي في الكبرى في كتاب: عمل اليوم والليلة، باب: الفضل في قراءة ﴿تبارك الذي بيده الملك﴾، حديث (١٠٥٥٣) (٦/ ١٨٠).\n(^٢) سنن الترمذي في كتاب: ثواب القرآن، باب: ما جاء في ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾، حديث (٢٨٩٥) (٨/ ١٠٤). قال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث هذا الشيخ: الحسن بن سلم. ا هـ.\n_________\n[¬١]- في خ قبل هذا: \"قال الترمذي: حدثنا محمد بن موسى الجويني البصري، حدثنا الحسن بن مسلم العجلي، حدثنا ثابت\" وانظر تعليق المحقق ط الشعب.\n[¬٢]- في ز: ذوات الراء.\n[¬٣]- في ز: قال.\n[¬٤]- سقط من ت.\n[¬٥]- في ز، خ: ابني.\n[¬٦]- في ز، خ: المقرئ.\n[¬٧]- في ز، خ: الجويني.\n[¬٨]- في ز، خ: مسلم.\n[¬٩]- ما بين المعكوفين في ز، خ: \"الحسن بن مسلم\".","vol":"14","page":426},{"text":"وقد رواه البزار عن محمد بن موسى الحرشي [¬١] عن الحسن بن سَلْمٍ [¬٢]، عن ثابت، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: \" ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ تعدل ثلث القرآن، و﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾ تعدل ربع القرآن\". هذا لفظه.\nوقال الترمذي أيضًا (^٣): حدثنا علي بن حجر، حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا يمان بن المغيرة العنزي، حدثنا عطاء، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾ تعدل نصف القرآن\". ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ تعدل ثلث القرآن، و﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ تعدل ربع القرآن\". ثم قال: غريب، لا نعرفه إلا من حديث يمان بن المغيرة.\nوقال أيضًا (^٤) حدثنا عقبة [¬٣] بن مكرم العمي البصري، حدثني ابن أبي فديك، أخبرني سلمة بن وردان، عن أنس بن مالك، أن رسول الله ﷺ قال لرجل من أصحابه: \"هل تزوجت يا فلان؟ \". قال: لا والله يا رسول الله، ولا عندي ما أتزوج؟! قال: \"أليس معك ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾؟ \" قال: بلى. قال: \"ثلث القرآن\". قال: \"أليس معك ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١)﴾؟ \". قال: بلى. قال: \"ربع القرآن\". قال: \"أليس معك ﴿قل: يا أيها الكافرون﴾؟ \". قال: بلى. قال: \"ربع القرآن\". قال: \"أليس معك ﴿إذا زلزلت الأرض﴾؟ \". قال: بلى، قال: \"ربع القرآن. تزوج، تزوج [¬٤] \". ثم قال: هذا حديث حسن. تفرد بهن ثلاثتهن الترمذي، لم يروهن غيره من أصحاب الكتب.\n﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالهَا (١) وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالهَا (٢) وَقَال الْإِنْسَانُ مَا لَهَا (٣) يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا (٤) بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا (٥) يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالهُمْ (٦) فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَال ذَرَّةٍ خَيرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَال ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾\nقال ابن عباس: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالهَا (١)﴾، أي: تحركت من أسفلها.\n_________\n(^٣) سنن الترمذي في الموضع السابق، حديث (٢٨٩٦) (٨/ ١٠٥).\n(^٤) سنن الترمذي في الموضع السابق (٢٨٩٧).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: الجويني.\n[¬٢]- في ز، خ: مسلم.\n[¬٣]- في ز، خ: عبد الله.\n[¬٤]- سقط من ز، خ.","vol":"14","page":427},{"text":"﴿وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالهَا﴾، يعني: ألقت ما فيها من الموتى. قاله غير واحد من السلف. وهذه كقوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيءٌ عَظِيمٌ. . .﴾، وكقوله: ﴿وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ (٣) وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ (٤)﴾. وقال مسلم (^٥) في صحيحه: حدثنا واصل بن عبد الأعلى، حدثنا محمد بن فضيل، عن أبيه، عن أبي حازم، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"تلق [¬١] الأرض أفلاذ كبدها أمثال الأسطوان من الذهب والفضة، فيجيء القاتل فيقول: في هذا قتلت. ويجيء القاطع فيقول: في هذا قمت رحمي. ويجيء السارق فيقول: في هذا قطعت يدي، ثم يدعونه فلا يأخذون منه شيئًا\".\nوقوله: ﴿وَقَال الْإِنْسَانُ مَا لَهَا﴾: استنكر أمرها بعد ما كانت قارة ساكنة ثابتة، وهو مستقر على ظهرها، أي: تقلبت الحال، فصارت متحركة مضطربة، قد جاءها من أمر الله ما قد أعده [¬٢] لها من الزلزال الذين لا محيد لها عنه، ثم ألقت ما في بطها من الأموات من الأولين والآخرين، وحينئذ استنكر الناس أمرها وتبدلت الأرض غير الأرض والسماوات، وبرزوا لله الواحد القهار.\nوقوله: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾: تحدث بما عمل العاملون علي ظهرها.\nقال الإِمام أحمد (^٦): حدثنا إبراهيم، حدثنا ابن المبارك- وقال الترمذي وأبو عبد الرحمن النسائي، واللفظ له: حدثنا سويد بن نصر، أخبرنا عبد الله هو ابن المبارك عن سعيد بن أبي أيوب، عن يحيى بن أبي سليمان، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة قال: قرأ رسول الله ﷺ هذه الآية: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾، قال: \"أتدرون ما أخبارها؟ \". قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: \"فإن أخبارها أن تشهد على كل عبد وأمة بما عمل على ظهرها، أن تقول: عمل كذا وكذا، [يوم كذا وكذا] [¬٣]. فهذه أخبارها\".\nثم قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب.\nوفي معجم الطبراني (^٧) من حديث ابن لهيعة: حدثني الحارث بن يزيد -سمع ربيعة\n_________\n(^٥) صحيح مسلم في كتاب: الزكاة، باب: الترغيب في الصدقة قبل أن لا يوجد من يقبلها، حديث (٦٢/ ١٠١٣) (٧/ ١٣٦).\n(^٦) المسند (٢/ ٣٧٤). والترمذي في كتاب: التفسير، باب: ومن سورة ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالهَا (١)﴾، حديث (٣٣٥٠) (٩/ ٨٠ - ٨١). والنسائي في الكبرى في كتاب: التفسير، باب: \"سورة الزلزلة\"، حديث (١١٦٩٣) (٦/ ٥٢٦).\n(^٧) معجم الطبراني في \"الكبير\" (٥/ ٦٥) (٤٥٩٦). قال الهيثمي في \"المجمع\" (١/ ٢٤٦): وفيه =\n_________\n[¬١]- في ت: تقيء.\n[¬٢]- في ت: أعد.\n[¬٣]- في ز: قال: وسقط من خ.","vol":"14","page":428},{"text":"الجرشي-: أن رسول الله ﷺ قال: \"تَحفظوا من الأرض، فإنها أمكم، وإنه ليس من أحد عامل عليها خيرًا أو شرًّا، إلا وهي مخبرة\".\nوقوله ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾، قال البخاري: أوحى لها وأوحى إليها، ووحى لها ووحى إليها: واحد وكذا قال ابن عباس: ﴿أوحىلها﴾ أي: أوحى إليها. والظاهر أن هذا مضمن أذن لها.\nوقال شبيب بن بشر، عن عكرمة، عن ابن عباس: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ قال: قال لها ربها: قولي فقالت.\nوقال مجاهد: ﴿أوحى لها﴾ أي: أمرها. وقال القرظي: أمرها أن تنشق عنهم.\nوقوله: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا﴾، أي: يرجعون عن موقف الحساب، ﴿أشتاتًا﴾، أي: أنواعًا وأصنافًا، ما بين شقي وسعيد، مأمور به إلى الجنة، ومأمور به إلى النار.\nقال ابن جريج: يتصدعون أشتاتًا فلا يجتمعون آخر ما عليهم.\nوقال السدي: ﴿أشتاتًا﴾: فرقًا.\nوقوله تعالى: ﴿ليروا أعمالهم﴾، أي: ليعملوا ويجاوزا بما عملوه في الدنيا، من خير وشر؛ ولهذا قال: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَال ذَرَّةٍ خَيرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَال ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾.\nقال البخاري (^٨): حدثنا إسماعيل بن عبد الله، حدثني مالك، عن زيد بن أسلم، عن أبي صالح السمان، عن أبي هريرة؛ أن رسول الله ﷺ؛ قال: \"الخيل لثلاثة، لرجل أجر، ولرجل ستر، وعلى رجل وزر؛ فأما الذي له أجر، فرجل ربطها في سبيل الله فأطال طيلها في مرج أو روضة، فما أصابت في طيلها ذلك في المرج والروضة كان له حسنات، ولو أنها قطعت طيلها فاستنت شرفًا أو شرفين، كانت آثارها وأرواثها حسنات له. ولو أنها مرت بنهر [فشربت] [¬١] منه ولم يرد أن يسقي به كان ذلك حسنات له، وهي لذلك الرجل أجر؛ ورجل ربطها تغنيًّا وتعففًا، ولم ينسَ حق الله في رقابها، ولا ظهورها، فهي له ستر. ورجل ربطها فخرًا ورياء [¬٢] ونواء، فهي على ذلك وزر\".\n_________\n= ابن لهيعة وهو ضعيف.\n(^٨) صحيح البخاري في كتاب: التفسير، باب: قوله: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَال ذَرَّةٍ خَيرًا يَرَهُ﴾، حديث (٤٩٦٢) (٨/ ٧٢٦).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: قريب.\n[¬٢]- في ت: رئاء.","vol":"14","page":429},{"text":"فسئل رسول الله ﷺ عن الحمر، فقال: \"ما أنزل الله فيها شيئًا إلا هذه الآية الفاذة الجامعة: ﴿فَمَنْ [¬١] يَعْمَلْ مِثْقَال ذَرَّةٍ خَيرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَال ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾.\nورواه مسلم (^٩) من حديث زيد بن أسلم به.\nوقال الإمام أحمد (^١٠): حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا جرير بن حازم، حدثنا الحسن، عن صعصعة بن معاوية -عم الفرزدق- أنه أتى النبي ﷺ فقرأ عليه: ﴿فَمَنْ [¬٢] يَعْمَلْ مِثْقَال ذَرَّةٍ خَيرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَال ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾، قال: حسبي! لا أبالي أن لا أسمع غيرها.\nوهكذا رواه النسائي في التفسير، عن إبراهيم بن [يونس بن محمد] [¬٣] المؤدب، عن أبيه عن جرير بن حازم، عن الحسن البصري؛ قال: حدثنا صعصعة عم الفرَزدق … فذكره.\nوفي صحيح البخاري (^١١)، عن عدي مرفوعًا: \"اتقوا [¬٤] النار ولو بشق تمرة، ولو [بكلمة طيبة] [¬٥] \".\nوفي الصحيح (^١٢): لا تحقرن من المعروف شيئًا [¬٦] ولو أن تفرغ من دلوك في إناء المستسقي، ولو أن تلقى أخاك ووجهك إليه منبسط\".\n_________\n(^٩) صحيح مسلم، كتاب: الزكاة، باب: إثم مانع الزكاة، حديث (٢٤/ ٩٨٧) (٧/ ٨٩ - ٩٣).\n(^١٠) أخرجه أحمد (٥/ ٥٩) (٢٠٦٥٠). والنسائي في الكبرى في كتاب: التفسير، باب: سورة الزلزلة، حديث (١١٦٩٤) (٦/ ٥٢٠ - ٥٢١).\n(^١١) صحيح البخاري، كتاب: الرقاق، باب: من نوقش الحساب عذب، حديث (٦٥٤٠) (١١/ ٤٠٠).\n(^١٢) أخرجه أحمد (٥/ ٦٣) (٢٠٦٩٠). والنسائي في الكبرى في كتاب: الزينة، باب: الاختلاف على أبي إسحاق فيه، حديث (٩٦٩٩) (٥/ ٤٨٧).\nكلاهما من حديث جابر بن سليم بهذا اللفظ في حديث طويل، والحديث عند أحمد وأبي داود والترمذي وغيرهم بنحو ذلك، ولم أجده في أحد الصحيحين بهذه السياقة والذي في صحيح مسلم من حديث أبي ذر مرفوعًا: \"لا تحقرن من المعروف شيئًا ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق\"؛ أخرجه مسلم في كتاب: البر والصلة، باب: استحباب طلاقة الوجه عند اللقاء، حديث (١٤٤/ ٢٦٢٦) (١٦/ ٢٧١).\n_________\n[¬١]- في ز: من.\n[¬٢]- في ز: من.\n[¬٣]- في ز، خ: محمد بن يونس.\n[¬٤]- في خ: فاتقوا.\n[¬٥]- سقط من ز، خ.\n[¬٦]- سقط من ز، خ.","vol":"14","page":430},{"text":"وفي الصحيح أيضًا (^١٣): \" يا نساء المؤمنات؛ لا تحقرن جارة لجارتها [¬١] ولو فرسن شاة\". يعني: ظلفها [¬٢]. وفي الحديث الآخر (^١٤): \" ردوا [¬٣] السائل ولو بظلفٍ محرق\".\nوقال الإِمام أحمد (^١٥): حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري، حدثنا كثير بن زيد، عن المطلب [¬٤] بن عبد الله، عن عائشة؛ أن رسول الله ﷺ قال: \"يا عائشة، استتري من النار ولو بشق تمرة، فإنها تسد من الجائع مسدها من الشبعان\". تفرد به أحمد.\nوروي عن عائشة أنها تصدقت بعنبة، وقالت: كم فيها من مثقال ذرة.\nوقال أحمد (^١٦): حدثنا أبو عامر، حدثنا سعيد بن مسلم، سمعت عامر بن عبد الله بن الزبير، حدثني عوف بن الحارث بن الطفيل، أن عائشة أخبرته، أن النبي ﷺ كان يقول: \"يا عائشة؛ إياك ومحقرات الذنوب، فإن لها من الله طالبًا\".\nورواه النسائي وابن ماجة من حديث سعيد بن مسلم بن بانك به.\nوقال ابن جرير (^١٧): حدثني أبو الخطاب الحساني [¬٥]، حدثنا الهيثم بن الربيع، حدثنا\n_________\n(^١٣) أخرجه البخاري في كتاب: الهبة، حديث (٢٥٦٦) (٥/ ١٩٧). وطرفه في [٦٠١٧]. ومسلم في كتاب: الزكاة، باب: الحث على الصدقة ولو بالقليل، حديث (٩٠/ ١٠٣٠) (٧/ ١٦٨). كلاهما من حديث أبي هريرة.\n(^١٤) أخرجه أحمد (٦/ ٤٣٥) (٢٧٥٥٧) واللفظ له. والنسائي (٥/ ٨١) كتاب الزكاة، باب: رد السائل، وفي الكبرى (٢٣٤٦) (٢/ ٤٢). كلاهما من طريق مالك عن زيد بن أسلم عن ابن بجيد الأنصاري عن جدته به.\nوأخرجه أبو داود في كتاب: الزكاة، باب: حق السائل، حديث (١٦٦٧) (٢/ ١٢٦). والترمذي في كتاب: الزكاة، باب: ما جاء في حق السائل، حديث (٦٦٥) (٣/ ٢٦ - ٢٧). من طريق المقبري عن ابن بجيد بنحوه. قال الترمذي: حسن صحيح. وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي (٢٤٠٥).\n(^١٥) أخرجه أحمد (٦/ ٧٩) (٢٤٦١٢).\n(^١٦) أخرجه أحمد (٦/ ١٥١) (٢٥٢٨٦). أخرجه النسائي في كتاب: الرقائق كما في تحفة الأشراف (١٢/ ٢٥٠) (١٧٤٢٥). وابن ماجة في كتاب: الزهد، باب: ذكر الذنوب، حديث (٤٢٤٣) (٢/ ١٤١٧). وصححه الألباني في الصحيحة (٥١٣).\n(^١٧) تفسير الطبري (٣٠/ ٢٦٨).\n_________\n[¬١]- في خ: جارتها.\n[¬٢]- في ت: خلفها.\n[¬٣]- في ت: رد.\n[¬٤]- في ز، خ: عبد المطلب.\n[¬٥]- في ز: الحياني. وفي خ: الخبابي.","vol":"14","page":431},{"text":"سماك بن عطية، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس؛ قال: كان أبو بكر يأكل مع النبي ﷺ فنزلت هذه الآية: ﴿فَمَنْ [¬١] يَعْمَلْ مِثْقَال ذَرَّةٍ خَيرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَال ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾، فرفع أبو بكر يده وقال: يا رسول الله؛ إني أجزي بما عملت من مثقال ذرة من شر؟ فقال: \"يا أبا بكر؛ ما رأيت في الدنيا مما تكره فبمثاقيل ذر الشر ويدخر الله لك مثاقيل ذر [¬٢] الخير حتى توفاه [¬٣] يوم القيامة\".\nورواه ابن أبي حاتم، عن [أبيه عن] [¬٤] أبي الخطاب به. ثم قال ابن جرير (^١٨):\nحدثنا ابن بشار [¬٥]، حدثنا عبد الوهاب، حدثنا أيوب؛ قال: في كتاب أبي قلابة، عن أبي إدريس، أن أبا بكر كان يأكل مع النبي ﷺ … فذكره. ورواه أيضًا عن يعقوب، عن ابن عُلية، عن أيوب؛ عن أبي [¬٦]، قلابة: أن أبا بكر … وذكره.\n(طريق أخرى)، قال ابن جرير (^١٩): حدثني يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وهب، أخبرني حُيي بن عبد الله عن أبي عبد الرحمن الحبُلي، عن عبد الله بن عمرو بن العاص؛ أنه قال: لما نزلت: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالهَا (١)﴾، وأبو بكر الصديق ﵁ قاعد، فبكي حين أنزلت، فقال له رسول الله ﷺ: \"ما يبكيك يا أبا بكر؟ \". قال: يبكيني هذه السورة. فقال له رسول الله ﷺ: \"لولا أنكم تخطئون وتذنبون، فيغفر الله لكم، لخلق الله أمة يخطئون ويذنبون فيغفر لهم\".\n(حديث آخر)، قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة وعلي بن عبد الرحمن [بن محمد] [¬٧] بن المغيرة -المعروف بعلان [¬٨] المصري- قالا: حدثنا عمرو بن خالد الحراني، حدثنا ابن لهيعة، أخبرني هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري؛ قال: لما أنزلت [¬٩]: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَال ذَرَّةٍ خَيرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَال ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ قلت: يا رسول الله؛ إني لراء [¬١٠] عملي؟ قال: \"نعم\". قلت: تلك الكبار الكبار؟ قال: \"نعم\". قلت: الصغار الصغار؟ قال: \"نعم\". قلت: وا ثكل أمي! قال: \"أبشر يا أبا [¬١١]، سعيد؛ فإن الحسنة بعشر أمثالها -يعني إلي سبعمائة ضعف-\n_________\n(^١٨) تفسير الطبري (٣٠/ ٢٦٨) وليس فيه ذكر عبد الوهاب.\n(^١٩) أخرجه الطبري (٣٠/ ٢٧٠).\n_________\n[¬١]- في ز: من.\n[¬٢]- سقط من ز، خ.\n[¬٣]- في ز: توفا. كذا.\n[¬٤]- سقط من ز، خ.\n[¬٥]- في ز، خ: يسار.\n[¬٦]- سقط من ت.\n[¬٧]- سقط من ز، خ.\n[¬٨]- في ز: علات.\n[¬٩]- في ت: نزلت.\n[¬١٠]- في ز، خ: لمرائي.\n[¬١١]- سقط من ت.","vol":"14","page":432},{"text":"ويضاعف الله لمن يشاء، والسيئة بمثلها أو يغفر الله، ولن ينجو أحد منكم بعمله\". قلت: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: \"ولا أنا إلا أن يتغمدني الله منه برحمة\". قال أبو زرعة: لم يرو هذا غير ابن لهيعة.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكير [¬١]، حدثني ابن لهيعة، حدثني عطاء بن دينار، عن سعيد بن جبير في قول الله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَال ذَرَّةٍ خَيرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَال ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾، وذلك لما نزلت هذه الآية؛ ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (٨)﴾ كان المسلمون يرون أنهم لا يؤجرون علي الشيء القليل إذا أعطوه، فيجيء السكين إلى أبوابهم فيستقلون أن يعطوه التمرة [¬٢] والكسرة والجوزة ونحو ذلك، فيردونه ويقولون: ما هذا بشيء؟ إنما نؤجر علي ما نعطي ونحن نحبه. وكان آخرون يرون أنهم لا يلامون علي الذنب اليسير: الكذبة والنظرة والغيبة وأشباه ذلك، يقولون: إنما وعد الله النار على الكبائر. فرغبهم في القليل من الخير أن يعملوه، فإنه يوشك أن يكثر، وحذرهم اليسير من الشر، فإنه يوشك بن يكثر، فنزلت: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَال ذَرَّةٍ﴾، يعني: وزن أضغر النمل [¬٣] ﴿خَيرًا يَرَهُ﴾ يعني في كتابه، ويسره ذلك. قال: يكتب لكل بر وفاجر بكل سيئة سيئة واحدة، وبكل حسنة عشر حسنات، فإذا كان يوم القيامة ضاعف الله حسنات المؤمنين أيضًا، بكل واحدة عشرًا، ويمحو محنه بكل حسنة عشر سيئات، فمن زادته حسناته على سيئاته مثقال ذرة، دخل الجنة.\nوقال الإِمام أحمد (^٢٠): حدثنا سليمان بن داود، حدثنا عصران، عن قتادة، عن عبد ربه، عن أبي عياض، عن عبد الله بن مسعود؛ أن رسول الله ﷺ؛ قال: \"إياكم ومحقرات الذنوب، فإنهن يجتمعن على الرجل حتى يهلكنه\". وإن رسول الله ﷺ ضرب لهن مثلًا كمثل قوم نزلوا أرض فلاة، فحضر صنيع القوم، فجعل الرجل ينطلق فيجيء بالعود، والرجل يجيء بالعود، حتى جمعوا سوادًا، وأججوا نارًا، وأنضجوا ما قذفوا فيها.\n[آخر تفسير سورة \"إذا زلزلت\" ولله الحمد]\n* * *\n_________\n(^٢٠) مسند أحمد (١/ ٤٠٢ - ٤٠٣) (٣٨١٨). وصححه أحمد شاكر.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: بكر.\n[¬٢]- في ز: تمرة.\n[¬٣]- في ز: نمل.","vol":"14","page":433},{"text":"<span data-type='title' id=toc-221>[تفسير] سورة العاديات [وهي مكية]</span>\n﷽\n﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا (١) فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا (٢) فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا (٣) فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا (٤) فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا (٥) إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (٦) وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ (٧) وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيرِ لَشَدِيدٌ (٨) أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ (٩) وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ (١٠) إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ (١١)﴾\nيقسم تعالى بالخيل إذا أجريت في سبيله فعدت وضبحت، وهو: الصوت الذي يسمع من الفرس حين تعدو. ﴿فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا﴾، يعني: اصطكاك نعالها بالصخر [¬١] فتقدح منه النار.\n﴿فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا﴾، يعني الإِغارة وقت الصباح، كما كان رسول الله ﷺ يغير صباحًا، ويتسمع أذانًا، فإن سمع وإلا أغار.\n﴿فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا﴾ يعني: غبارًا في معترك الخيول.\n﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾، أي: توسطن ذلك المكان كلهن جمع.\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا عبدة، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن عبد الله: ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا﴾، قال: الإِبل.\nوقال علي: هي الإِبل. وقال ابن عباس: هي الخيل. فبلغ عليًّا قول ابن عباس، فقال: ما كانت لنا خيل يوم بدر. قال ابن عباس: إنما كان ذلك في سرية بعثت.\nقال ابن أبي حاتم وابن جرير (^١): حدثنا يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرني أبو صخر، عن أبي معاوية البجلي، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس حدثه؛ قال: بينا أنا في الحجر جالسًا، إذ [¬٢] جاءني رجل فسألني عن: ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا﴾، فقلت له: الخيل حين تغير\n_________\n(^١) تفسير الطبري (٣٠/ ٢٧٢ - ٢٧٣).\n_________\n[¬١]- في ت: للصخر.\n[¬٢]- سقط من ز، خ.","vol":"14","page":434},{"text":"في سبيل الله، ثم تأوي إلى الليل، فيصنعون طعامهم، ويورون نارهم. فانفتل عني فذهب إلى علي ﵁ وهو عند سقاية زمزم، فسأله عن ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا (١)﴾، فقال: سألت عنها أحدًا قبلي؟ قال: نعم، سألت ابن عباس فقال: الخيل حين تغير في سبيل الله. قال: اذهب فادعه لي. فلما وقف على رأسه قال [¬١]: تفتي الناس بما لا علم لك، والله لئن كان أول غزوة في الإِسلام بدر، وما كان معنا إلا فرسان: فرس للزبير، وفرس للمقداد، فكيف تكون العاديات ضبحًا، إنما العاديات ضبحًا من عرفة إلي المزدلفة، ومن المزدلفة إلي منى.\nقال ابن عباس: فنزعت عن قولي، ورجعت إلى الذي قال علي ﵁.\nوبهذا الإسناد عن ابن عباس قال: قال علي: إنما ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا﴾ من عرفة إلي المزدلفة، فإذَا أووا إلي المزدلفة أوروا النيران. وقال العوفي عن ابن عباس: هي الخيل.\nوقد قال بقول علي: إنها الإِبل، جماعة منهم: إبراهيم، وعبيد بن عمير؛ وبقول ابن عباس آخرون، منهم: مجاهد وعكرمة، وعطاء وقتادة والضحاك. واختاره ابن جرير.\nقال ابن عباس وعطاء: ما ضبحت دابة قط إلا فرس أو كلب.\nوقال ابن جريج، عن عطاء: سمعت ابن عباس يصف الضبح: أح أح. وقال أكثر هؤلاء في قوله: ﴿فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا﴾، يعني: بحوافرها. وقيل: أسعرن الحرب بين [¬٢] ركبانهن. قاله قتادة. وعن ابن عباس ومجاهد: ﴿فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا﴾ يعني: مكر [¬٣] الرجال. وقيل: هو إيقاد النار إذا رجعوا إلي منازلهم من الليل.\nوقيل: المراد بذلك نيران القبائل. وقال من فسره بالخيل: هو إيقاد النار بالمزدلفة.\nقال ابن جرير: والصواب الأول: [أنها الخيل حين] [¬٤] تقدح بحوافرها.\nوقوله: ﴿فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا﴾ قال ابن عباس، ومجاهد، وقتادة: يعني إغارة الخيل صبحًا في سبيل الله. وقال من فسرها بالإِبل: هو الدفع صبحًا من المزدلفة إلى منى.\nوقالوا كلهم في قوله: ﴿فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا﴾: هو المكان الذي إذا [¬٥] حلت فيه أثارت به الغبار إما في حج أو غزو.\nوقوله: ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾، قال العوفي، عن ابن عباس، وعطاء، وعكرمة،\n_________\n[¬١]- في ز: فقال.\n[¬٢]- في ز: من.\n[¬٣]- في ز: بكر.\n[¬٤]- في ز: \"إنه الخيل حتى\".\n[¬٥]- سقط من ز، خ.","vol":"14","page":435},{"text":"وقتادة، والضحاك: يعني جمع الكفار من العدو.\nويحتمل أن يكون: ﴿فَوَسَطْنَ﴾ بذلك المكان جميعهن [¬١]، ويكون ﴿جَمْعًا﴾ منصوبًا على الحال المؤكدة.\nوقد روى أبو بكر البزار (^٢) هاهنا حديثًا فقال: حدثنا أحمد بن عبدة، حدثنا حفص بن جميع، حدثنا سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس؛ قال: بعث رسول الله ﷺ خيلًا فأشهرت [¬٢] شهرًا لا يأتيه منها خبر، فنزلت: ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا﴾، ضبحت بأرجلها، ﴿فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا﴾، قدحت بحوافرها الحجارة فأورت نارًا، ﴿فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا﴾: صبحت القوم بغارة، ﴿فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا﴾، أثارت بحوافرها التراب، ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾، قال: صبحت القوم جميعًا.\nوقوله: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ هذا هو المقسم عليه، بمعنى أنه لنعم ربه لجحود كفور.\nقال ابن عباس، ومجاهد وإبراهيم النخعي، وأبو الجوزاء، وأبو العالية، وأبو الضحى، وسعيد بن معمر، ومحمد بن قيس، والضحاك، والحسن، وقتادة، والربيع بن أنس، وابن زيد: الكنود: الكفور. قال الحسن: هو الذي يعد المصائب، وينسي نعم ربه.\nوقال ابن أبي حاتم (^٣): حدثنا أبو كريب، حدثنا عبيد [¬٣] الله، عن إسرائيل، عن جعفر بن الزبير، عن القاسم، عن أبي أمامة؛ قال: قال رسول الله ﷺ: \" ﴿إن الإِنسان لربه لكنود﴾، قال: الكفور الذي يأكل وحده، ويضرب عبده، ويمنع رفده\".\nورواه ابن حاتم، من طريق جعفر بن الزبير -وهو متروك- فهذا إسناد ضعيف. وقد رواه ابن جرير (^٤) أيضًا من حديث حريز بن عثمان، عن حمزة بن هانئ، عن أبي أمامة موقوفًا.\nوقوله: ﴿وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ﴾، قال قتادة وسفيان الثوري: وإن الله علي ذلك لشهيد.\nويحتمل أن يعود الضمير على الإِنسان. قاله محمد بن كعب القرظي. فيكون تقديره: وإن\n_________\n(^٢) أخرجه البزار (٢/ ١٢٠ - مختصر) (١٥٣٦). قال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (٥/ ١٤٧): وفيه حفص بن جميع وهو ضعيف.\n(^٣) والطبري (٣٠/ ٢٧٨) بهذا الإسناد.\n(^٤) تفسير الطبري (٣٠/ ٢٧٨).\n_________\n[¬١]- في ت: جمعهن.\n[¬٢]- في ز: فأسهرت.\n[¬٣]- في ز: عبد.","vol":"14","page":436},{"text":"الإِنسان على كونه كنودًا لشهيد، أي: بلسان حاله. أي: ظاهر ذلك عليه في أقواله وأفعاله، كما قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ [¬١] اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ﴾.\nوقوله: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيرِ لَشَدِيدٌ﴾، أي: وإنه لحب الخير -وهو: المال- لشديد.\nوفيه مذهبان: أحدهما: أن المعنى: وإنه لشديد المحبة للمال.\nوالثاني: وإنه لحريص بخيل؛ من محبة المال. وكلاهما صحيح.\nثم قال تعالى مزهدًا في الدنيا، ومرغبًا في الآخرة [¬٢]، ومنبهًا على ما هو كائن بعد هذه الحال، وما يستقبله الإِنسان من الأهوال: ﴿أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ﴾ أي: أخرج ما فيها من الأموات، ﴿وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ﴾، قال ابن عباس وغيره: يعني أبرز وأظهر ما [¬٣] كانوا يسرون في نفوسهم، ﴿إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ﴾، أي: لعالم بجميع ما كانوا يصنعون ويعملون، ومجازيهم [¬٤] عليه أوفر الجزاء، ولا يظلم مثقال ذرة.\nآخر سورة \"والعاديات\"، ولله الحمد [والمنة، وبه التوفيق والعصمة، وهو حسبي]\n* * *\n_________\n[¬١]- في ز: مسجد.\n[¬٢]- في ز: الأخرى.\n[¬٣]- في ز: مما.\n[¬٤]- في ز: ويجازيهم.","vol":"14","page":437},{"text":"<span data-type='title' id=toc-222>[تفسير] سورة القارعة [وهي مكية]</span>\n﷽\n﴿الْقَارِعَةُ (١) مَا الْقَارِعَةُ (٢) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ (٣) يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ (٤) وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ (٥) فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (٦) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٧) وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (٨) فَأُمُّهُ هَاويَةٌ (٩) وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ (١٠) نَارٌ حَامِيَةٌ (١١)﴾\n﴿القارعة﴾: من أسماء يوم القيامة، كالحاقة، والطآمة، والصآخة، والغاشية وغير ذلك.\nثم قال معظمًا أمرها ومهولًا لشأنها: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ﴾، ثم فسر ذلك بقوله: ﴿يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ﴾، أي: في انتشارهم وتفرقهم، وذهابهم ومجيئهم، من حيرتهم مما هم فيه، كأنهم فراش مبثوث. كما قال في الآية الأخرى: ﴿كأنهم جراد منتشر﴾.\nوقوله: ﴿وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ﴾، يعني: قد صارت كأنها الصوف المنفوش، الذي قد شرع في الذهاب والتمزق.\nقال مجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير، والحسن، وقتادة، وعطاء الخراساني، والضحاك، والسدي: ﴿الْعِهْنِ﴾: الصوف.\nثم أخبر تعالى عما يئول إليه عمل العاملين، وما يصيرون إليه من الكرامة أو الإِهانة، بحسب أعمالهم، فقال: ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾، أي: رجحت حسناته على سَيئاته، ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾، يعني: في الجنة. ﴿وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ﴾، أي: رجحت سيئاته علي حسناته.\nوقوله: ﴿فَأُمُّهُ هَاويَةٌ﴾، قيل: معناه: فهو ساقط هاو بأم رأسه في نار جهنم. وعبر عنه بأمه -يعني دماغه- روي نحو هذا عن ابن عباس، وعكرمة، وأبي صالح، وقتادة. قال: قتادة: يهوي في النار على رأسه. وكذا قال أبو صالح: يهوون في النار علي رءوسهم.","vol":"14","page":438},{"text":"وقيل: معناه ﴿فَأُمُّهُ﴾ التي يرجع إليها، ويصير في المعاد إليها ﴿هَاويَةٌ﴾ وهي اسم من أسماء النار.\nقال ابن جرير: وإنما قيل للَّهاوية: أمه؛ لأنه لا مأوي له غيرها.\nوقال ابن زيد: الهاوية: النار، التي [¬١] هي أمه ومأواه التي يرجع إليها ويأوي إليها، وقرأ: ﴿ومأواهم النار﴾.\nقال ابن أبي حاتم: وروي عن قتادة [¬٢] أنه قال: هي النار، وهي مأواهم؛ ولهذا قال تعالى مفسرًا للَّهاوية: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ (١٠) نَارٌ حَامِيَةٌ﴾.\nقال ابن جرير (^١): حدثنا ابن عبد الأعلى: حدثنا ابن ثور، عن معمر، عن الأشعت بن عبد الله الأعمي؛ قال: إذا مات المؤمن ذهب بروحه إلي أرواح المؤمنين، فيقولون: روحوا أخاكم فإنه كان في غم الدنيا. قال: ويسألونه: ما فعل فلان؟ فيقول: مات، أو ما جاءكم؟ فيقولون: ذهب به إلي أمه الهاوية.\nوقد رواه ابن مردويه من طريق أنس بن مالك مرفوعًا، بأبسط من هذا: وقد أوردناه في كتاب صفة النار، أجارنا الله منها بمنَّه وكرمه.\nوقوله: ﴿نَارٌ حَامِيَةٌ﴾ أي: حارة شديدة الحر، قوية اللَّهيب [¬٣]، والسعير.\nقال أبو مصعب، عن مالك (^٢)، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة: إن النبي ﷺ؛ قال: \"نار بني آدم التي توقدون جزء من سبعين جزءًا من نار جهنم\". قالوا: يا رسول الله؛ إن كانت لكافية؟ فقال: \"إنها فضلت عليها بتسعة وستين جزءًا\".\nورواه البخاري، عن إسماعيل بن أبي أويس، عن مالك. ورواه مسلم عن قتيبة، عن المغيرة بن عبد الرحمن، عن أبي الزناد به. وفي بعض ألفاظه: \"إنها فضلت عليها بتسعة وستين جزءًا، كلهن مثل حرها\".\n_________\n(^١) تفسير الطبري (٣٠/ ٢٨٢).\n(^٢) أخرجه مالك في موطئه في كتاب: جهنم، باب: ما جاء في صفة جهنم، حديث (١) (٢/ ٧٥٩). والبخاري في كتاب: بدء الخلق، باب: صفة النار وأنها مخلوقة، حديث (٣٢٦٥) (٦/ ٣٣٠). ومسلم في كتاب: الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب: في شدة حر نار جهنم وبعد قعرها، حديث (٣٠/ ٢٨٤٣) (١٧/ ٢٦١).\n_________\n[¬١]- سقط من ت، ز.\n[¬٢]- سقط من ز. وبياض في خ.\n[¬٣]- في ت: اللهب.","vol":"14","page":439},{"text":"وقال الإِمام أحمد (^٣): حدثنا عبد الرحمن، حدثنا حماد وهو ابن [¬١] سلمة، عن محمد بن زياد سمع أبا هريرة؛ يقول: سمعت أبا القاسم ﷺ؛ يقول: \"نار [بني آدم] [¬٢] التي توقدون، جزء من سبعين جزءًا من نار جهنم\". فقال رجل: إن كانت لكافية؟ فقال: \"لقد فضلت عليها بتسعة وستين جزءًا حرًّا فحرًّا\". تفرد به أحمد من هذا الوجه، وهو علي شرط مسلم.\nوقال الإِمام أحمد أيضًا (^٤): حدثنا سفيان، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ وعمرو، عن يحيى بن جعدة \"إن ناركم هذه جزء من سبعين جزءًا من نار جهنم، [وضربت بالبحر] [¬٣] مرتين، ولولا ذلك ما جعل الله فيها منفعة لأحد\".\nوهذا على شرط الصحة، ولم يخرجوه من هذا الوجه. وقد رواه مسلم في صحيحه من طريق […] [¬٤]\nورواه البزار من حديث عبد الله بن مسعود، وأبي سعيد الخدري: \"ناركم هذه جزء [¬٥] من سبعين جزءًا\".\nوقد قال الإِمام أحمد (^٥): حدثنا قتيبة، حدثنا عبد العزيز -هو ابن محمد الدراوردي- عن سهيل [¬٦] عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ؛ قال: \"هذه النار جزء، من مائة جزء من جهنم\". تفرد به أيضًا من هذا الوجه، وهو علي شرط مسلم أيضًا.\nوقال أبو القاسم الطبراني (^٦): حدثنا أحمد بن عمرو الخلال، حدثنا إبراهيم بن المنذر [الحزامي]، حدثنا معن بن عيسى القزاز، عن مالك، عن عمه [¬٧] أبي سهيل، عن أبيه، عن\n_________\n(^٣) المسند (٢/ ٤٦٧).\n(^٤) المسند (٢/ ٢٤٤) (٧٣٢٣). وصححه أحمد شاكر من هذا الطريق. وأخرجه مسلم في كتاب: الجنة، باب: في شدة حر جهنم حديث (٣٠/ ٢٨٤٣ م) (١٧/ ٢٦٢) من طريق محمد بن رافع عن عبد الرزاق عن معمر عن همام بن منبه عن أبي هريرة.\n(^٥) المسند (٢/ ٣٧٩) (٨٩١٠).\n(^٦) معجم الطبراني في الأوسط (٥/ ١٥٥) (٤٨٥). قال الهيثمي في \"المجمع\" (١٠/ ٣٩٠): رواه الطبراني في الأوسط ورجاله رجال الصحيح.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: أبو.\n[¬٢]- في خ: جهنم.\n[¬٣]- في ز، خ: وحربت بالهجر.\n[¬٤]- بياض في ز.\n[¬٥]- في ز: جزءًا.\n[¬٦]- في خ: سهل.\n[¬٧]- في ز: عمر.","vol":"14","page":440},{"text":"أبي هريرة؛ قال: قال رسول الله ﷺ: \"أتدرون ما مثل ناركم هذه من نار جهنم؟ لهي أشد سوادًا من دخان ناركم هذه بسبعين ضعفًا\".\nوقد رواه أبو مصعب، عن مالك … ولم يرفعه. وروي الترمذي (^٧) وابن ماجة، عن عباس [¬١] الدوري، عن يحيى بن أبي بكير [¬٢]، حدثنا شريك، عن عاصم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة؛ قال: قال رسول الله ﷺ: \"أوقد على النار ألف سنة حتى احمرت، ثم [¬٣] أوقد عليها ألف سنة حتى ابيضت، ثم أوقد عليها ألف سنة حتى اسودت، فهي سوداء مظلمة\". وقد روي هذا من حديث أنس وعمر بن الخطاب.\nوجاء في الحديث -عند [¬٤] الإِمام أحمد- من طريق أبي عثمان النهدي، عن أنس. وأبي نضرة العبدي [¬٥]، عن أبي سعيد (^٨). وعجلان، مولى المشمعل، عن أبي هريرة (^٩)، عن النبي ﷺ؛ أنه قال: \"إن أهون أهل النار عذابًا من له نعلان يغلي منهما دماغه\".\nوثبت في الصحيح (^١٠) أن رسول الله ﷺ قال: \"اشتكت النار إلى ربها فقالت: يا رب، أكل بعضي بعضًا فأذن لها بنفسين: نفس في الشتاء، ونفسٍ في الصيف. فأشد ما تجدون في الشتاء من بردها، وأشد ما تجدون في الصيف من حرها\".\nوفي الصحيحين (^١١): \" إذا اشتد الحرُّ فأبردوا عن الصلاة، فإن شدة الحر من فيح جهنم\".\nآخر تفسير سورة القارعة [ولله الحمد].\n_________\n(^٧) أخرجه الترمذي في كتاب: صفة جهنم، باب: أوقد على النار ثلاثة آلاف سنة حتى صارت سوداء مظلمة، حديث (٢٥٩٤) (٧/ ٢٥٨ - ٢٥٩). وابن ماجة في كتاب: الزهد، باب: صفة النار، حديث (٤٣٢٠) (١٤٤٥).\n(^٨) مسند أحمد (٣/ ١٣) (١١١١٤).\n(^٩) مسند أحمد (٢/ ٤٣٢).\n(^١٠) صحيح البخاري، كتاب: بدء الخلق، باب: صفة النار وأنها مخلوقة، حديث (٣٢٦٠) (٦/ ٣٣٠). وصحيح مسلم في كتاب: المساجد ومواضع الصلاة، باب: استحباب الإبراد بالظهر، حديث (١٨٥/ ٦١٧) (٥/ ١٦٦). كلاهما من حديث أبي هريرة ﵁.\n(^١١) صحيح البخاري، باب: مواقيت الصلاة، باب: الإبراد بالظهر في شدة الحر، حديث (٥٣٣) (٢/ ١٥). وصحيح مسلم، الموضع السابق من صحيحه برقم (١٨٠/ ٦١٥) (٥/ ١٦٣). كلاهما من حديث أبي هريرة ﵁. وفي الباب عن عبد الله بن عمر وأبي ذر.\n_________\n[¬١]- في ز: ابن عباس.\n[¬٢]- في ز، خ: بكر.\n[¬٣]- في ز: و.\n[¬٤]- في ز، خ: عن.\n[¬٥]- في ز، خ: المقدمي.","vol":"14","page":441},{"text":"<span data-type='title' id=toc-223>[تفسير] سورة التكاثر [وهي مكية]</span>\n﷽\n﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (٢) كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣) ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٤) كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (٥) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (٦) ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَينَ الْيَقِينِ (٧) ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (٨)﴾\nيقول تعالى: أشغلكم [¬١]- حب الدنيا ونعيمها وزهرتها عن طلب الآخرة وابتغائها، وتمادي بكم ذلك حتى جاءكم الموت وزرتم المقابر، وصرتم من أهلها؟!\nقال ابن أبي حاتم (^١): حدثنا أبي، حدثنا زكريا بن يحيى الوقار [¬٢] المصري، حدثني خالد بن عبد الدائم، عن ابن زيد بن أسلم، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ عن الطاعة، ﴿حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾: حدثني يأتيكم الموت.\nوقال الحسن البصري: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ في الأموال والأولاد.\nوفي صحيح البخاري (^٢)، في \"الرقاق\" منه: وقال لنا أبو الوليد: حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس بن مالك، عن أبي بن كعب؛ قال: كنا نري هذا من القرآن حتى نزلت: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾، يعني: \"لو كان لابن آدم واد من ذهب\".\nو[¬٣] قال الإِمام أحمد (^٣): حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، سمعت قتادة يحدث عن مطرف -يعني ابن عبد الله بن الشخير- عن أبيه قال: انتهيت إلي رسول الله ﷺ وهو يقول: \" ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾، يقول ابن آدم: مالي مالي. وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت؟! \".\nورواه مسلم والترمذي والنسائي من طريق شعبة به.\n_________\n(^١) ذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" وزاد نسبته إلي ابن مردويه.\n(^٢) أخرجه البخاري في كتاب: الرقاق، باب: ما يتقي من فتنة المال، حديث (٦٤٤٠) (١١/ ٢٥٣).\n(^٣) أخرجه أحمد (٤/ ٢٤). ومسلم في كتاب: الزهد والرقائق، حديث (٣/ ٢٩٥٨ م) (١٨/ ١٢٦). والترمذي في كتاب: التفسير، باب: ومن سورة ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾، حديث (٣٣٥١) (٩/ ٨١) =\n_________\n[¬١]- في ت: شغلكم.\n[¬٢]- في ز: الوتار.\n[¬٣]- سقط من ز.","vol":"14","page":442},{"text":"وقال مسلم في صحيحه (^٤): حدثنا سويد بن سعيد، حدثنا حفص بن ميسرة، عن العلاء، عن أبيه عن أبي هريرة؛ قال: قال رسول الله ﷺ \"يقول العبد: مالي مالي؟ وإنما له من ماله ثلاث: ما أكل فأفنى، أو لبس فأبلى، أو تصدق فاقتنى [¬١]، وما سوى ذلك فذاهب وتاركه للناس\". تفرد به مسلم.\nوقال البخاري (^٥): حدثنا الحمَيدي، حدثنا سفيان، حدثنا عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حَزم، سمع أنس بن مالك؛ يقول: قال رسول الله ﷺ: \"يتبع الميتَ ثلاثة، فيرجع اثنان ويبقى معه واحد: يتبعه أهله وماله وعمله، فيرجع أهله وماله، ويبقى عمله\".\nوكذا رواه مسلم والترمذي والنسائي، من حديث سفيان بن عيينة به.\nوقال الإِمام أحمد (^٦): حدثنا يحيى، عن شعبة، حدثنا قتادة، عن أنس؛ أن النبي ﷺ قال: \"يهرم ابن آدم وتبقى منه اثنتان: الحرص والأمل\". أخرجاه في الصحيحين.\nوذكر الحافظ ابن عساكر (^٧)، في ترجمة الأحنف بن قيس -واسمه الضحاك- أنه رأي في يد رجل درهمًا فقال: لمن هذا الدرهم؟ فقال الرجل: لي. فقال إنما هو لك إذا أنفقته في أجر أو ابتغاء شكر. ثم أنشد الأحنف متمثلًا قول الشاعر:\nأنت للمال إذا أمسكته … فإذا أنفقته فالمال لك\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو أسامة؛ قال: صالح بن حيان حدثني عن ابن بريدة في قوله: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾. قال: نزلت في قبيلتين [من قبائل الأنصار، في بني حارثة وبني الحارث، تفاخروا وتكاثروا، فقالت] [¬٢] إحداهما: فيكم مثل فلان بن فلان، وفلان؟ وقال الآخرون مثل ذلك، تفاخروا بالأحياء، ثم قالوا: انطلقوا بنا إلى القبور. فجعلت إحدي الطائفتين تقول: فيكم مثل فلان؟ يشيرون إلي القبر ومثل فلان؟\n_________\n= والنسائي في الكبرى في كتاب: التفسير، باب: سورة التكاثر، حديث (١١٦٩٦) (٦/ ٥٢١).\n(^٤) أخرجه مسلم في كتاب: الزهد والرقائق، حديث (٤/ ٢٩٥٩) (١٨/ ١٢٦).\n(^٥) أخرجه البخاري في كتاب: الرقاق، باب: سكرات الموت، حديث (٦٥١٤) (١١/ ٣٦٢). ومسلم في كتاب: الزهد، حديث (٥/ ٢٩٦٠) (١٨/ ١٢٦ - ١٢٧). والترمذي في كتاب: الزهد، باب: ما جاء: مثل ابن آدم وأهله وماله وعمله، حديث (٢٣٨٠) (٧/ ١١١). والنسائي في الكبرى في كتاب: الجنائز، باب: النهي عن سب الأموات، حديث (٢٠٦٤) (١/ ٦٣٠).\n(^٦) أخرجه أحمد (٣/ ١١٥) (١٢١٦٢).\n(^٧) ابن عساكر في تاريخ دمشق (٨/ ٤٤٣ مخطوط).\n_________\n[¬١]- في خ: فأمضى.\n[¬٢]- ما بين المعكوفين سقط من ز، خ.","vol":"14","page":443},{"text":"وفعل الآخرون مثل ذلك، فأنزل الله: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (٢)﴾، لقد كان لكم فيما رأيتم عبرة وشغل.\nوقال قتادة: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (٢)﴾ كانوا يقولون: نحن أكثر من بني فلان، ونحن أعَدّ من بني فلان وهم كل يوم يتساقطون [¬١] إلي آخرهم، والله ما زالوا كذلك حتى صاروا من أهل القبور كلهم.\nوالصحيح أن المراد بقوله: ﴿زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾، أي: صرتم إليها ودفنتم فيها، كما جاء في الصحيح (^٨)؛ أن رسول الله ﷺ دخل علي رجل من الأعراب يعوده، فقال: \"لا باس، طَهُور إن شاء الله\". فقال: قلت: طَهُور؟! بل هي حمى تفور، علي شيخ كبير، تُزيره القبور!. قال: \"فَنَعَم إذًا\".\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا محمد بن سعيد الأصبهاني، أخبرنا حكام بن سَلم [¬٢] الرازي، عن عمرو بن أبي قيس، عن الحجاج، عن المنهال، عن زر بن حبيش، عن علي قال: ما زلنا نشك في عذاب القبر حتى نزلت: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (٢)﴾.\nورواه الترمذي (^٩) عن أبي كريب، عن حكام بن سلم، به [¬٣] وقال: غريب.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا سلمة بن داود العُرْضي [¬٤]، حدثنا أبو المليح الرقي، عن ميمون بن مهران؛ قال: كنت جالسًا عند عمر بن عبد العزيز، فقرأ: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (٢)﴾، فلبث [¬٥] هنيهة [¬٦] فقال: يا ميمون؛ ما أرى المقابر إلا زيارة، وما للزائر بد من أن يرجع إلى منزله.\nقال أبو محمد: يعني أن يرجع إلى منزله إلى جنة أو إلى [¬٧] نار، وهكذا ذُكرَ أن بعضَ الأعراب سمع رجلًا يتلو [¬٨] هذه الآية ﴿حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾، فقال: بُعث اليوم ورَبّ الكعبة. أي: إن الزائر سيرحل من مقامه ذلك إلي غيره.\n_________\n(^٨) صحيح البخاري، كتاب: المناقب، باب: علامات النبوة في الإسلام، حديث (٣٦١٦) (٦/ ٦٢٤). وأطرافه في: [٥٦٥٦، ٥٦٦٢، ٧٤٧٠].\n(^٩) سنن الترمذي، كتاب: تفسير القرآن، باب: ومن سورة ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾، حديث (٣٣٥٢) (٩/ ٨١ - ٨٢).\n_________\n[¬١]- في ز: ساقطون.\n[¬٢]- في ز: مسلم.\n[¬٣]- سقط من ت.\n[¬٤]- في ز، خ: المعرضي.\n[¬٥]- في خ: فقلت.\n[¬٦]- في ز: هنية.\n[¬٧]- سقط من ت.\n[¬٨]- في ز: ينكر.","vol":"14","page":444},{"text":"وقوله: ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣) ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٤)﴾ قال الحسن البصري: هذا وعيد بعد وعيد.\nوقال الضحاك: ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾، يعني الكفار، ﴿ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ يعني: أيها المؤمنون.\nوقوله: ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ﴾، أي: لو علمتم حق العلم لما ألهاكم التكاثر عن طلب الدار الآخرة، حتى صرتم إلي المقابر.\nثم قال: ﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (٦) ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَينَ الْيَقِينِ﴾، هذا تفسير الوعيد المتقدم، وهو قوله: ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣) ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٤)﴾ تَوعَّدَهم بهذا الحال، وهي رؤية النار التي إذا زفرت زفرة واحدة [¬١]- خوَرّ كل ملك مقرب، ونبي مرسل علي ركبتيه، من المهابة والعظمة ومعاينة الأهوال، علي ما جاء به الأثر المروي في ذلك.\nوقوله: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (٨)﴾ أي: ثم لتسألن يومئذ عن شكر ما أنعم الله به عليكم، من الصحة والأمن والرزق وغير ذلك. [ما إذا] [¬٢] قابلتم به نعمة من شكره وعبادته.\nو[¬٣] قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زُرْعَة، حدثنا زكريا بن يحيى الخزاز [¬٤] المقري، حدثنا عبد الله بن عيسى أبو خالد الخزاز [¬٥]، حدثنا يونس بن عبيد، عن عكرمة، عن ابن عباس؛ أنه سمع عمر بن الخطاب؛ يقول: خرج رسول الله ﷺ عند الظهيرة، فوجد أبا بكر في المسجد فقال: \"ما أخرجك هذه الساعة؟ \" قال: أخرجني الذي أخرجك يا رسول الله. قال: وجاء عمر بن الخطاب فقال: \"ما أخرجك يا بن الخطاب؟ \"، قال: أخرجني الذي أخرجكما. قال: فقعد عمر، وأقبل رسول الله ﷺ يحدثهما، ثم قال: \"هل بكما من قوة، تنطلقان إلى هذا النخل فتصيبان طعامًا وشرابًا وظلًّا؟ \". قلنا: نعم. قال: \"مُرّوا بنا إلى منزل ابن التَّيِّهان أبي الهيثم الأنصاري\". قال: فتقدم رسول الله ﷺ بين أيدينا، فسلم واستأذن -[] [¬٦] ثلاث مرات- وأم الهيثم من وراء الباب تسمع الكلام، تريد أن يزيدها رسول الله ﷺ من السلام، فلما أراد أن ينصرف خرجت أم الهيثم تسعى خلفهم، فقالت: يا رسول الله، قد -والله- سمعت تسليمك، ولكن أردت أن تزيدنا من سلامك. فقال لها رسول الله ﷺ: \"خيرًا\". ثم\n_________\n[¬١]- سقط من ت، ز.\n[¬٢]- في ز: فإذا.\n[¬٣]- سقط من ز.\n[¬٤]- في خ: الجزار.\n[¬٥]- في خ: الجزار.\n[¬٦]- في ز، خ: في.","vol":"14","page":445},{"text":"قال: \"أين أبوا [¬١]- الهيثم؛ لا أراه\". قالت: يا رسول الله، هو قريب ذهب يَستعذبُ الماء، ادخلوا فإنه يأتي الساعة إن شاء الله فبسطت بساطًا تحت شجرة، فجاء أبو الهيثم ففرح بهم وقَرَّت عيناه بهم، فصعد على نخلة فصَرَم لهم أعذاقًا، فقال له رسول الله ﷺ: \"حَسْبُك يا أبَا الهيثم\". قال: يا رسول الله، تأكلون من بُسره، ومن رُطبه، ومن تَذْنُوبه، ثم أتاهم بماء فشربوا عليه، فقال رسول الله ﷺ: \"هذا من النعيم الذي تسألون عنه\". هذا [¬٢] غريب من هذا الوجه.\nوقال ابن جرير (^١٠): حدثني الحسين بن علي الصدائي، حدثنا الوليد بن القاسم، عن يزيد بن كيسان، عن أبي حازم، عن أبي هريرة؛ قال: بينما أبو بكر وعمر جالسان، إذ جاءهما النبي ﷺ؛ فقال: \"ما أجلسكما هاهنا؟ \" قالا: والذي بعثك بالحق ما أخرجنا من بيوتنا إلا الجوع. قال: \"والذي بعثني بالحق ما أخرجني غيره\". فانطلقوا حتى أتوا بيت رجل من الأنصار. فاستقبلتهم المرأة، فقال لها النبي ﷺ: \"أين فلان؟ \". فقالت: ذهب يستعذب لنا ماء. فجاء صاحبهم يحمل قربته فقال: مرحبًا [¬٣] ما زار [العباد شيء] [¬٤] أفضل من شيء زارني اليوم. فعلق قرْبَتَه [بكرَب نخلة] [¬٥]، وانطلق فجاءهم بعذق؛ فقال النبي ﷺ: \"ألا كنت [¬٦] اجتنيت؟ \" فقال: أحببت أن تكونوا الذين تختارون علي أعينكم. ثم أخذ الشفرة، فقال النبي ﷺ: \"إياك والحلوب\". فذبح لهم يومئذ، فأكلوا. فقال النبي ﷺ: \"لتسألن عن هذا يوم القيامة، أخرجكم من بيوتكم الجوع، فلم ترجعوا حتى أصبتم هذا، فهذا من النعيم\".\nورواه مسلم من حديث يزيد بن كيسان به ورواه أبو يعلى وابن ماجة، من حديث المحاربي [¬٧]، عن يحيى بن عُبَيد الله، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن أبي بكر الصديق به.\nوقد رواه أهل السنن الأربعة (^١١)، من حديث عبد الملك بن عمير [¬٨]، عن أبي سلمة، عن\n_________\n(^١٠) تفسير الطبري (٣٠/ ٢٨٧). ومسلم في كتاب: الأشربة، باب: جواز استتباعه غيره الي دار من يثق يرضاه بذلك، حديث (١٤٠/ ٢٠٣٨) (١٣/ ٣٠٥ - ٣٠٦). وأخرجه أبو يعلى (١/ ٧٩ - ٨١) (٧٨). وابن ماجة في كتاب: الذبائح، باب: النهي عن ذبح ذوات الدر، حديث (٣١٨١) (٢/ ١٠٦٢) مختصرًا. قال في الزوائد: في إسناده يحيى بن عبد الله: واهي الحديث.\n(^١١) أخرجه أبو داود في كتاب: الأدب، باب: في المشورة، حديث (٥١٢٨) (٤/ ٣٣٣). وابن ماجة في كتاب الأدب، باب: المستشار مؤتمن، حديث (٣٧٤٥) (٢/ ١٣٣٣). فذكروا قول النبي ﷺ: =\n_________\n[¬١]- في خ: أبي.\n[¬٢]- سقط من خ.\n[¬٣]- سقط من خ.\n[¬٤]- في ز: الغبار.\n[¬٥]- في ز: بكدب يحمله.\n[¬٦]- في ز، خ: ليت.\n[¬٧]- في ز، خ: المكاري.\n[¬٨]- في ز، خ: عمر.","vol":"14","page":446},{"text":"أبي هريرة، بنحو من هذا السياق وهذه القصة.\nوقال الإِمام أحمد (^١٢): حدثنا سُرَيج، حدثنا حشرج، عن أبي نُصَيرة [¬١]، عن أبي عَسيب -يعني مولى رسول الله- قال: خرج رسول الله ﷺ ليلًا فَمرَّ بي، فدعاني فخرجت إليه، ثم مرَّ بأبي بكر فدعاه فخرج إليه، ثم مرّ [¬٢] بعمر فدعاه فخرج إليه فانطلق حتى أتي حائطًا لبعض الأنصار، فقال لصاحب الحائط: \"أطعمنا\"، فجاء بعذق فوضعه، فأكل رسول الله ﷺ وأصحابه، ثم دعا بماء بارد فشرب، وقال: \"لتسألن عن هذا يوم القيامة\". قال: فأخذ عُمَرُ العذْقَ فَضَرب به الأرض، حتى تناثر البُسرُ قبل رسول الله ﷺ، ثم قال: يا رسول الله؛ إنا لمسئولون عن هذا يوم القيامة؟ قال: \"نعم، إلا من ثلاثة: خرقة لفَ بها الرجل عورته، أو كسرة سدَّ بها جوعته، أو جُحر تدخل فيه من الحرّ والقرّد. تفرد به أحمد.\nوقال الإِمام أحمد (^١٣): حدثنا عبد الصمد، حدثنا حماد، حدثنا عمار، سمعت جابر بن عبد الله؛ يقول: أكل رسول الله ﷺ وأبو بكر [وعمر] [¬٣] رطبًا، وشربوا ماء، فقال رسول الله ﷺ \"هذا من النعيم الذي تسألون عنه\".\nورواه النسائي من حديث حماد بن سلمة به [¬٤].\nوقال الإِمام أحمد (^١٤): [] [¬٥]: حدثنا يزيد، حدثنا محمد بن عمرو، عن صفوان بن سليم، عن محمود بن الربيع؛ قال: لما نزلت ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾، فقرأ حتى بلغ: ﴿لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾، قالوا: يا رسول الله؛ عن أَي نعيم نُسأل؟ وإنما هما الأسودان الماء والتمر، وسيوفنا علي رقابنا، والعدو حاضر، فعن أبي نعيم نسأل؟ قال: \"أما إن ذلك سيكون\".\n_________\n= \"المستشار مؤتمن\" فقط دون ذكر بقية القصة. وأخرجه الترمذي في كتاب: الزهد، باب: ما جاء في معيشة أصحاب النبي ﷺ، حديث (٢٣٧٠) (٤/ ١٠٧ - ١٠٦) بنحوه. والنسائي في الكبرى في كتاب: التفسير، باب: سورة التكاثر، حديث (١١٦٩٧) (٦/ ٥٢١) مختصرًا.\n(^١٢) مسند أحمد (٥/ ٨١) (٢٠٨٢٤). قال الهيثمي: رواه أحمد ورجاله ثقات. ا هـ.\n(^١٣) مسند أحمد (٣/ ٣٥١) (١٤٨٢٩). والنسائي في كتاب: الوصايا، باب: قضاء الدين قبل الميراث (٦/ ٢٤٦). وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي (٣٤٠٠).\n(^١٤) مسند أحمد (٥/ ٤٢٩) (٢٣٧٥٢). قال الهيثمي في \"المجمع\" (٧/ ١٤٥): رواه أحمد وفيه محمد بن عمرو بن علقمة، وحديثه حسن وفيه ضعف لسوء حفظه، وبقية رجاله رجال الصحيح.\n_________\n[¬١]- في خ: نضرة.\n[¬٢]- سقط من ز.\n[¬٣]- سقط من ز، خ.\n[¬٤]- سقط من ز، خ.\n[¬٥]- في ت: حدثنا أحمد.","vol":"14","page":447},{"text":"وقال أحمد (^١٥): حدثنا أبو عامر عبد الملك بن عمرو، حدثنا عبد الله بن سليمان؛ حدثنا معاذ بن عبد الله بن حُبيَب [¬١]، عن أبيه، عن عمه قال: كنا في مجلس فطلع علينا النبي ﷺ وعلي رأسه أثر ماء، فقلنا: يا رسول الله؛ نراك طيب النفس. قال: \"أجل\". قال [¬٢]: ثم خاض الناس في ذكر الغني، فقال رسول الله ﷺ: \"لا بأس بالغنى لمن اتقى الله. والصحة لمن اتقى الله [¬٣] خير من الغني، وطيب النفس من النعيم\".\nورواه ابن ماجة، عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن خالد بن مخلد [¬٤]، عن عبد الله بن سليمان به.\nوقال الترمذي (^١٦): حدثنا عبد بن حميد، حدثنا شبابة، عن عبد الله بن العلاء، عن الضحاك بن عبد الرحمن بن عرزم الأشعري؛ قال: سمعت أبا هريرة يقول: قال النبي ﷺ: \"إن أول ما يسأل عنه -يعني يوم القيامة- العبد من النعيم أن يقال له: ألم نصح لك جسمك، ونروك [¬٥] من الماء البارد\".\nتفرد به الترمذي. ورواه ابن حبان في صحيحه، من طريق الوليد بن مسلم، عن عبد الله بن العلاء بن [¬٦] زَبْر به.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا مسدد، حدثنا سفيان، عن محمد بن عمرو، عن يحيى بن حاطب، عن عبد الله بن الزبير، قال: قال الزبير: لما نزلت: ﴿ثُمَّ [¬٧] ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾، قالوا: يا [¬٨] رسول الله؛ لأيّ نعيم نسأل [¬٩] عنه، وإنما هما الأسودان التمر والماء؟ قال: \"إن ذلك سيكون\".\nوكذا رواه الترمذي (^١٧) وابن ماجة، من حديث سفيان -هو ابن عيينة- به [¬١٠]. ورواه\n_________\n(^١٥) أخرجه أحمد (٥/ ٣٧٢) (٢٣٢٦٤). وابن ماجة في كتاب: التجارات، باب: الحث على المكاسب، حديث (٢١٤١) (٢/ ٧٢٤). قال البوصيري في \"الزوائد\" (٢/ ١٥٨): هذا إسناد صحيح رجاله ثقات.\n(^١٦) أخرجه الترمذي في كتاب: تفسير القرآن، باب: ومن سورة ﴿ألهاكم التكاثر﴾، حديث (٣٣٥٥)، (٩/ ٨٣). وابن حبان (١٦/ ٣٦٤ - ٣٦٥) (٧٣٦٤).\n(^١٧) أخرجه الترمذي في كتاب: تفسير القرآن، باب: ومن سورة ألهاكم التكاثر، حديث (٣٣٥٣) (٩/ ٨٢). وابن ماجة في كتاب: الزهد، باب: معيشة أصحاب النبي ﷺ، حديث (٤١٥٨) (٢/ ١٣٩٢).\n_________\n[¬١]- في ز: خبيب.\n[¬٢]- سقط من ز، خ.\n[¬٣]- سقط من ز، خ.\n[¬٤]- في ز، خ: مجاهد.\n[¬٥]- في ز: ونرويك.\n[¬٦]- في ز: عن.\n[¬٧]- سقط من ز.\n[¬٨]- سقط من ز.\n[¬٩]- في ز: تسأل.\n[¬١٠] سقط من ز، خ.","vol":"14","page":448},{"text":"أحمد (^١٨) عنه، وقال الترمذي: حسن.\nوقال ابن أبي حاتم (^١٩): حدثنا أبو عبد الله الظهراني، حدثنا حفص بن عمر العَدَني، عن الحكم بن أبان، عن عكرمة؛ قال: لما [¬١] أنزلت هذه الآية: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (٨)﴾، قالت الصحابة: يا رسول الله؛ وأيّ نعيم نحن فيه، وإنما نأكل في أنصاف بطوننا خبز الشعير؟ فأوحى الله إلى نبيه ﷺ: قل لهم: أليس تحتذون النعال، وتشربون الماء البارد؟ فهذا من النعيم.\nوقال ابن أبي حاتم (^٢٠): حدثنا أبو زرعة، حدثنا إبراهيم بن موسى، أخبرنا محمد بن سُليمان [¬٢] ابن الأصبهاني، عن ابن أبي ليلي -أظنه عن عامر- عن ابن مسعود عن النبي ﷺ في قوله: ﴿لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (٨)﴾، قال: \"الأمن والصحة\".\nوقال زيد بن أسلم (^٢١): عن رسول الله ﷺ: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (٨)﴾، يعني: شبع البطون، وبارد الشراب، وظلال المساكن، واعتدال الخَلْق، ولذة النوم. رواه ابن أبي حاتم بإسناده المتقدم عنه في أول السورة.\nوقال سعيد بن جبير: حتى عن شربة عسل. وقال مجاهد: عن كل لذة من لذات الدنيا. وقال الحسن البصري: نعيم الغداء والعشاء، وقال أبو قلابة: من النعيم أكل العسل والسمن بالخبز النقي. وقول مجاهد هذا أشمل هذه الأقوال.\nوقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (٨)﴾، قال: النعيم: صحة الأبدان والأسماع والأبصار، يسأل الله العباد فيما استعملوها، وهو أعلم بذلك منهم، وهو قوله تعالى: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (٣٦)﴾.\nوثبت في صحيح البخاري (^٢٢)، وسنن الترمذي والنسائي وابن ماجة من حديث عبد الله بن سعيد بن أبي هند، عن أبيه، عن ابن عباس؛ قال: قال رسول الله ﷺ:\n_________\n(^١٨) أخرجه أحمد (١/ ١٦٤) (١٤٠٥). وصححه أحمد شاكر.\n(^١٩) ذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" (٦/ ٦٦١) وزاد نسبته إلي عبد بن حميد.\n(^٢٠) أخرجه الطبري (٣٠/ ٢٨٥) من طريق محمد بن سليمان.\n(^٢١) تقدم برقم (١).\n(^٢٢) أخرجه البخاري في كتاب: الرقاق، باب: ما جاء في الرقاق وأن لا عيش إلا عيش الآخرة، حديث (٦٤١٢) (١١/ ٢٢٩). والترمذي في كتاب: الزهد، باب: الصحة والفراغ نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس، حديث (٢٣٠٥) (٧/ ٦٨). والنسائي في الكبرى في كتاب: الرقاق كما في \"تحفة الأشراف\" (٤/ ٤٦٥) (٥٦٦٦). وابن ماجة في كتاب: الزهد، باب: الحكمة، حديث (٤١٧٠) (٢/ ١٣٩٦).\n_________\n[¬١]- سقط من ز، خ.\n[¬٢]- في ز: السلمان.","vol":"14","page":449},{"text":"\"نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ\".\nومعنى هذا أنهم مقصرون في شكر هاتين النعمتين، لا يقومون بواجبهما، ومن لا يقوم بحق ما وجب عليه فهو مغبون.\nوقال الحافظ أبو بكر البزار (^٢٣): حدثنا القاسم بن محمد بن يحيى المروزي، حدثنا علي بن الحسين بن شقيق [¬١]، حدثنا أبو حمزة، عن ليث، عن أبي فزارة، عن يزيد بن الأصم، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: \"ما فوق الإِزار، وظل الحائط، وخُبْز [¬٢]، يحاسب به العبد يوم القيامة، أو يسأل عنه\". ثم قال: لا نعرفه إلّا بهذا الإسناد.\nوقال الإِمام أحمد (^٢٤): حدثا بهز وعفان؛ قالا: حدثنا حماد، قال عفان في حديثه: قال إسحاق بن عبد الله، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ؛ قال: \"يقول الله ﷿ -قال عفان: يوم القيامة-: يا بن آم، حملتك علي الخيل والإِبل، وزوجتك النساء، وجعلتك تربع وترأس، فأين شكر ذلك؟ \". تفرد به من هذا الوجه.\nآخر تفسير سورة \"التكاثر\" ولله الحمد والمنة\n* * *\n_________\n(^٢٣) مختصر زوائد البزار (٢/ ٥٠٥ - ٥٠٦) (٢٣٠١). قال الهيثمي في \"المجمع\" (١٠/ ٢٧٠): رواه البزار وفيه ليث بن أبي سليم وقد وثق علي ضعف فيه، وبقية رجاله رجال الصحيح غير القاسم بن محمد بن يحيى المروزي وهو ثقة.\n(^٢٤) أخرجه أحمد (٢/ ٤٩٢). وأصله في صحيح مسلم في كتاب: الزهد (١٦/ ٢٩٦٨).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: سفيان.\n[¬٢] في ز، خ: وجر.","vol":"14","page":450},{"text":"<span data-type='title' id=toc-224>[تفسير] سورة العصر [وهي مكية]</span>\nذكروا أن عمرو بن العاص (^١) وفد على مسيلمة الكذاب، وذلك بعد ما بعث رسول الله ﷺ وقبل أن يسلم عمرو، فقال له مسيلمة: ماذا أنزل على صاحبكم في هذه المدة؟ قال: لقد أنزل عليه سورة وجيزة بليغة. فقال: وما هي؟ فقال: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾. ففكر مسيلمة هُنَيهة ثم قال: وقد أنزل عليّ مثلها. فقال له عمرو: وما هو؟ فقال: ياوَبْر ياوَبْر، إنما أنت أذنان وصَدْر، وسائرك [¬١] حفز نَقْز. ثم قال: كيف تري يا عمرو؟ فقال له عمرو: والله إنك لتعلم أني أعلم أنك تكذب.\nوقد رأيت \"أبا بكر الخرائطي\" أسند في كتابه المعروف \"بمساوي الأخلاق\"، في الجزء الثاني منه، شيئًا من هذا أو قريبًا منه.\nوالوبر: دويبة تشبه الهرّ، أعظم شيء فيه أذناه، وصدره وباقيه [دميم] [¬٢]، فأراد مسيلمة أن يركب من هذا الهذيان ما يعارض به القرآن، فلم يرج ذلك علي عابد الأوثان في ذلك الزمان.\nوذكر الطبراني (^٢) من طريق حماد بن سلمة، عن ثابت، عن عبيد الله بن حصن [] [¬٣]؛ قال: كان الرجلان من أصحاب رسول الله إذا التقيا لم يتفرقا إلا علي أن يقرأ أحدهما علي الآخر \"سورة العصر\" إلي آخرها، ثم يسلم أحدهما علي الآخر.\nوقال الشافعي ﵀: لو تدبر الناس هذه السورة لوسعتهم.\n﷽\n﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾\nالعصر: الزمان الذي يقع فيه حركات بني آدم، من خيرٍ وشر. وقال مالك عن زيد بن أسلم: هو العشيّ [¬٤]، والمشهور الأول.\n_________\n(^١) تقدم تخريجه في سورة يونس آية (١٥) رقم (١٨).\n(^٢) أخرجه الطبراني في الأوسط (٥/ ٢١٥) (٥١٢٤).\n_________\n[¬١]- في خ: وساتر.\n[¬٢]- في ز، خ: الطرف ذميم.\n[¬٣]- في ر، خ: أبي مذينة.\n[¬٤]- في ر: العشر.","vol":"14","page":451},{"text":"فأقسم تعالى بذلك على أن الإِنسان لفي خسر، أي: في خسارة وهلاك، ﴿إلا الَّذِينَ آمَنُوا [وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ]﴾، فاستثنى من جنس الإِنسان عن الخسران الذين آمنوا] [¬١] بقلوبهم، وعملوا الصالحات بجوارحهم. ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ﴾، وهو أداء الطاعات، وترك المحرمات، ﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ على المصائب والأقدار، وأذى من يؤذي ممن يأمرونه بالمعروف وينهونه عن المنكر.\nآخر تفسير سورة العصر، ولله الحمد والمنة.\n* * *\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفين سقط من ز، خ.","vol":"14","page":452},{"text":"<span data-type='title' id=toc-225>[تفسير] سورة \"ويل لكل همزة لمزة\" [وهي مكية]</span>\n﷽\nوَيلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ (١) الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ (٢) يَحْسَبُ أَنَّ مَالهُ أَخْلَدَهُ (٣) كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ (٤) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ (٥) نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ (٦) الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ (٧) إِنَّهَا عَلَيهِمْ مُؤْصَدَةٌ (٨) فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ (٩)\nالهماز بالقول، واللماز بالفعل. يعني يزدري بالناس ويتنقص بهم. وقد تقدم بيان ذلك في قوله: ﴿هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾.\nقال [¬١] ابن عباس: ﴿هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾: طعان معياب [¬٢]. وقال الربيع بن أنس: الهُمزة: همزه [¬٣] في وجهه، ولمَزه [¬٤]: من خلفه. وقال قتادة: [همزه ولمزه] [¬٥]، بلسانه وعينه، ويأكل لحوم الناس، ويطعنُ عليهم. وقال مجاهد: الهمزة باليد والعين، واللّمزةُ باللسان. وهكذا قال ابن زيد.\n[وقال مالك] [¬٦]: عن زيد بن أسلم: هُمَزة لحومِ الناس.\nثم قال بعضهم: المراد بذلك الأخنس بن شريق، وقيل: غيره. وقال مجاهد: هي عامة. وقوله: ﴿الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ﴾ أي: جمعه بعضه على بعض، وأحصى عدده كقوله: ﴿وَجَمَعَ فَأَوْعَى﴾. قاله السدي وابن جرير.\nوقال محمد بن كعب في قوله: ﴿الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ﴾، ألهاه ماله بالنهار، هذا إلى هذا، فإذا كان الليل نام كأنه جيفة.\nوقوله: ﴿يَحْسَبُ أَنَّ مَالهُ أَخْلَدَهُ﴾، أي: يظن أن جمعه [¬٧] المال يخلده في هذه الدار\n_________\n[¬١]- سقط من ز.\n[¬٢]- في ز: نصاب.\n[¬٣]- في ت: يهمزه.\n[¬٤]- في ت: واللمزة.\n[¬٥]- في ت: يهمزه ويلمزه.\n[¬٦]- في ز، خ: وقيل ذلك.\n[¬٧]- في ز: جمع.","vol":"14","page":453},{"text":"﴿كَلَّا﴾، أي: ليس الأمر كما زعم ولا كما حسب. ثم قال تعالى: ﴿لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ﴾، [أي ليلقين هذا الذي جمع مالًا فعدده في الحطمة] [¬١] وهي اسم من أسماء النار صفة [¬٢]، لأنها تحطم من فيها؛ ولهذا قال: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ * نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ * الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ﴾. قال ثابت البناني: تحرقهم إلى الأفئدة وهم أحياء، ثم [¬٣] يقول: لقد بلغ منهم العذاب، ثم يبكي.\nوقال محمد بن كعب: تأكل كل شيء من جسده، حتى إذا [¬٤] بلغت [¬٥] فؤاده حذو حلقه ترجع [¬٦] على جسده.\nوقوله: ﴿إِنَّهَا عَلَيهِمْ مُؤْصَدَةٌ﴾ أي: مطبقة، كما تقدم تفسيره في سورة البلد.\nوقال ابن مرْدويه: حدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا علي بن سراج، حدثنا عثمان بن خَرزاذ، حدثنا شجاع بن أشرس، حدثنا شريك، عن عاصم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ: ﴿إِنَّهَا عَلَيهِمْ مُؤْصَدَةٌ﴾، قال [¬٧]: مطبقة.\nوقد رواه [أبو بكر] [¬٨] ابن أبي شيبة، عن عبد الله بن أسيد، عن إسماعيل بن خالد [¬٩]، عن أبي صالح، قوله ولم يرفعه.\n﴿فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾، قال عطية العوفي: عمد من حديد. وقال السدي: من نار. وقال شبيب بن بشر، عن عكرمة، عن ابن عباس: ﴿فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾، يعني: الأبواب هي الممدودة.\nوقال قتادة في قراءة عبد الله بن مسعود: إنها عليهم مؤصدة بعمد [¬١٠] ممددة.\nوقال العوفي: عن ابن عباس: أدخلهم في عَمَد فمدت عليهم بعماد، و[¬١١] في أعناقهم السلاسل فسدت [¬١٢] بها الأبواب. وقال قتادة: كنا نحدث أنهم يعذبون بعمد في النار. واختاره ابن جرير.\nوقال أبو صالح: ﴿فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾ يعني: القيود الطوال.\nآخر تفسير \"ويل لكل همزة لمزة\"\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفين سقط من ز، خ.\n[¬٢]- في خ: طبقة.\n[¬٣]- سقط من ز، خ.\n[¬٤]- سقط من خ.\n[¬٥]- في ز: يلعب.\n[¬٦]- في ز: فرجع.\n[¬٧]- سقط من ز، خ.\n[¬٨]- سقط من ت.\n[¬٩]- في ز: أبي خالد.\n[¬١٠]- في ز: ببعمده.\n[¬١١]- سقط من ز.\n[¬١٢]- في ز: فشدت.","vol":"14","page":454},{"text":"<span data-type='title' id=toc-226>[تفسير] سورة الفيل [وهي مكية]</span>\n﷽\nأَلَمْ تَرَ كَيفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ (١) أَلَمْ يَجْعَلْ كَيدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ (٢) وَأَرْسَلَ عَلَيهِمْ طَيرًا أَبَابِيلَ (٣) تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ (٤) فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ (٥)\nهذه من النعم التي امتن الله بها على قريش، فيما صرف عنهم من أصحاب الفيل، الذين كانوا قد عزموا على هدم الكعبة ومحو أثرها من الوجود، فأبادهم الله، وأرغم آنافهم، وخيب سعيهم، وأضل عملهم، وردهم بشر خيبة. وكانوا قومًا نصارى، وكان دينهم إذ ذاك أقرب حالًا مما كان عليه قريش من عبادة الأوثان، ولكن كان هذا من باب الإِرهاص والتوطئة لمبعث رسول الله ﷺ، فإنه في ذلك العام ولد على أشهر الأقوال، ولسان حال القدر يقول: لم ننصركم -يا معشر قريش- على الحبشة لخيريتكم عليهم، ولكن صيانة للبيت العتيق الذي سنشرفه ونعظمه ونوقره ببعثة النبي الأمي محمد صلوات الله وسلامه عليه خاتم الأنبياء.\nوهذه قصة أصحاب الفيل (^١) على وجه الإيجاز والاختصار والتقريب، قد تقدم في قصة أصحاب الأخدود أن ذا نواس -وكان آخر ملوك حمير، وكان مشركًا- هو الذي قتل أصحاب الأخدود، وكانوا نصارى، وكانوا قريبًا من عشرين ألفًا، فلم يفلت منهم إلا دَوْس ذو ثعلبان، فذهب فاستغاث بقيصر ملك الشام -وكان نصرانيًّا- فكتب له إلى النجاشي ملك الحبشة، لكونه أقرب إليهم، فبعث معه أميرين: أرياط وأبرهة بن الصباح أبا يكسوم [¬١]، في جيش كثيف، فدخلوا اليمن فجاسوا خلال الديار، واستلبوا الملك من حمير، وهلك ذو نواس غريقًا في البحر، واستقل الحبشة بملك اليمن وعليهم هذان الأميران: أرياط وأبرهة، فاختلفا في أمرهما وتصاولا وتقاتلا وتصافا، فقال أحدهما للآخر: إنه لا حاجة بنا إلى اصطدام الجيشين بيننا، ولكن أبرز إليّ وأبرز إليك، فأينا قتل الآخر استقل بعده بالملك. فأجابه إلى ذلك فتبارزا، وخلف كل واحد منهما قناة، فحمل أرياط على أبرهة فضربه بالسيف، فشرم أنفه\n_________\n(^١) ذكر القصة في سيرة ابن هشام من طريق ابن إسحاق (ص ٢٧) وما بعدها، والطبري في تفسير هذه السورة.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: مكسوم.","vol":"14","page":455},{"text":"وفمه وشق وجهه، وحمل عتودة مولى أبرهة على أرياط فقتله، ورجع أبرهة جريحًا، فداوى جرحه فبرأ، واستقل بتدبير جيش الحبشة باليمن. فكتب إليه النجاشي يلومه على ما كان منه، ويتوعده ويحلف ليطأن بلاده ويجزن ناصيته. فأرسل إليه أبرهة يترقق له ويصانعه، وبعث مع رسوله بهدايا وتحف، وبجراب فيه من تراب اليمن، وجز ناصيته وأرسلها [¬١] معه، ويقول في كتابه: ليطأ الملك على هذا الجراب فيبر قسمه، وهذه ناصيتي قد بعثت بها إليك. فلما وصل ذلك إليه أعجبه منه، ورضي عنه، وأقره على عمله. وأرسل أبرهة يقول للنجاشي: إني سأبني لك كنيسة بأرض اليمن لم يبن قبلها مثلها. فشرع في بناء كنيسة هائلة بصنعاء، رفيعة البناء، عالية الفناء، مزخرفة الأرجاء، سمتها العرب: القُليس، لارتفاعها، لأن الناظر إليها تكاد تسقط قلنسوته عن رأسه من ارتفاع بنائها. وعزم أبرهة الأشرم على أن يصرف حج العرب إليها كما حج إلى الكعبة بمكة، ونادى بذلك في مملكته. فكرهت العرب العدنانية والقحطانية ذلك، وغضبت قريش لذلك غضبًا شديدًا، حتى قصدها بعضهم، وتوصل إلى أن دخلها ليلًا، فأحدث فيها وكرَّ راجعًا. فلما رأى السدنة ذلك الحدث رفعوا أمره إلى ملكهم أبرهة، وقالوا له: إنما صنع هذا بعض قريش غضبًا لبيتهم الذي ضاهيت هذا به. فأقسم أبرهة ليسيرن إلى بيت مكة، وليخربنه حجرًا حجرًا.\nوذكر مقاتل بن سليمان أن فتية من قريش دخلوها فأججوا فيها نارًا، وكان يومًا فيه هواء شديد فأحرقته، وسقطت إلى الأرض.\nفتأهب أبرهة لذلك، وصار في جيش كثيف عرمرم؛ لِئلا يصده أحد عنه، واستصحب معه فيلًا عظيمًا كبير الجثة لم ير مثله، يقال له: محمود. وكان قد بعثه إليه النجاشي ملك الحبشة لذلك، ويقال: كان معه أيضًا ثمانية أفيال، وقيل: اثنا [¬٢] عشر فيلًا. وقيل غيره، والله أعلم.\nيعني ليهدم به الكعبة، بأن يجعل السلاسل في الأركان، وتوضع في عنق الفيل، ثم يزجر ليلقي الحائط جملة واحدة.\nفلما سمعت العرب بمسيره أعظموا ذلك جدًّا، ورأوا أن حقًّا عليهم المحاجبة دون البيت، ورد من أراده بكيد. فخرج إليه رجل من أشراف أهل اليمن وملوكهم، يقال له \"ذو نَفْر\" فدعا قومه ومن أجابه من سائر العرب إلى حرب أبرهة، وجهاده عن بيت الله، وما يريده [¬٣] من هدمه وخرابه. فأجابوه وقاتلوا أبرهة، فهزمهم لما يريده الله ﷿ من كرامة البيت وتعظيمه، وأسر \"ذو نفر\" فاستصحبه معه. ثم مضى [لوجهه حتى] [¬٤] إذا كان بأرض\n_________\n[¬١]- في ت: فأرسلها.\n[¬٢]- في خ: اثني.\n[¬٣]- في ت: يريد.\n[¬٤]- سقط من خ.","vol":"14","page":456},{"text":"خثعم عرض [¬١] له نفيل بن حبيب الخثعمي في قومه: شهران [¬٢] وناهس، فقاتلوه، فهزمهم أبرهة، وأسر نفيل بن حبيب، فأراد قتله ثم عفا عنه، واستصحبه معه ليدله في بلاد الحجاز. فلما اقترب من أرض الطائف خرج إليه أهلها ثقيف وصانعوه خيفة على بيتهم الذي عندهم الذي يسمونه اللات. فأكرمهم وبعثوا معه \"أبا رغال\" دليلًا. فلما انتهى أبرهة إلى المغمس، وهو قريب من مكة، نزل به، وأغار جيشه على سرح أهل مكة من الإبل وغيرها، فأخذوه. وكان في السرح مائتا بعير لعبد المطلب، وكان الذي أغار على السرح بأمر أبرهة أمير المقدمة، وكان يقال له: \"الأسود بن مفصود\" فهجاه بعض العرب -فيما ذكره ابن إسحاق- وبعث أبرهة حناطة الحميري إلى مكة، وأمره أن يأتيه بأشرف قريش، وأن يخبره أن الملك لم يجئ لقتالكم إلا أن تصدوه عن البيت. فجاء حناطة فدُل على عبد المطلب بن هاشم [¬٣]، وبلغه عن أبرهة ما قال: فقال له عبد المطلب: والله ما نريد حربه، وما لنا بذلك من طاقة، هذا بيت الله الحرام، وبيت خليله إبراهيم، فإن يمنعه منه فهو بيته وحرمه، وإن يخلي بينه وبينه، فوالله ما عندنا دفع عنه. فقال له حناطة: فاذهب معي إليه. فذهب معه، فلما رآه أبرهة أجلّه، وكان عبد المطلب رجلًا جميلًا حسن المنظر، ونزل أبرهة عن سريره، ونزل [¬٤] معه على البساط، وقال لترجمانه: قل له: حاجتك؟ فقال للترجمان: إن حاجتي أن يرد عليّ الملك مائتي بعير أصابها لي. فقال أبرهة لترجمانه: قل له: لقد [¬٥] كنت أعجبتني حين رأيتك، ثم قد زهدت فيك حين كلمتني، أتكلمني في مائتي بعير أصبتها لك، وتترك بيتًا هو دينك ودين آبائك، قد جئت لهدمه لا تكلمني فيه؟! فقال له عبد المطلب: إني أنا رب الإِبل، وإن للبيت ربًّا سيمنعه. قال: ما كان ليمتنع مني! قال: أنت وذاك.\nويقال: إنه ذهب مع عبد المطلب جماعة من أشراف العرب فعرضوا على أبرهة ثلث [¬٦] أموال تهامة على أن يرجع عن البيت، فأبى عليهم، ورد أبرهة على عبد المطلب إبله، ورجع عبد المطلب إلى قريش، فأمرهم بالخروج من مكة، والتحصن في رءوس الجبال، تخوفًا عليهم بن معرة الجيش. ثم قام عبد المطلب فأخذ بحلقة باب الكعبة، وقام معه نفر من قريش يدعون الله ويستنصرونه على أبرهة وجنده، وقال عبد المطلب وهو آخذ بحلقة باب الكعبة:\nلاهُمَّ [¬٧] إِنَّ المرْءَ يَمْـ … ـنَعُ رَحْلَهُ [] [¬٨] فَامْنَعْ حلَالكْ\nلا يَغْلبَن صَليبَهُم … ومِحَالُهُم غَدْوًا [¬٩] مِحالُك\n_________\n[¬١]- في ز: فعرض.\n[¬٢]- في ز، خ: شهدان.\n[¬٣]- سقط ز: هشام.\n[¬٤]- في ت: وجلس.\n[¬٥]- سقط من ز.\n[¬٦]- سقط من خ.\n[¬٧]- في ز، خ: اللهم.\n[¬٨]- في ز، خ: وحلاله.\n[¬٩]- في ز، خ: عذرًا.","vol":"14","page":457},{"text":"قال ابن إسحاق: ثم أرسل عبد المطلب حلقة الباب، ثم خرجوا إلى رءوس الجبال.\nوذكر مقاتل بن سليمان أنهم تركوا عند البيت مائة بدنة مقلدة، لعل بعض الجيش ينال منها شيئًا بغير حق، فينتقم الله منهم [¬١].\nفلما أصبح أبرهة تهيأ لدخول مكة، وهيأ فيله -وكان اسمه محمودًا [¬٢]- وعبأ جيشه، فلما وجهوا الفيل نحو مكة أقبل نفيل بن حبيب حتى قام إلى جنبه، ثم أخذ بأذنه وقال: ابرك محمود، أو ارجع راشدًا من حيث جئت، فإنك في بلد الله الحرام. ثم أرسل أذنه، فبرك الفيل، وخرج نفيل بن حبيب يشتد حتى أصعد في الجبل. وضربوا الفيل ليقوم فأبى، فضربوا في رأسه بالطبرزين، وأدخلوا محاجنهم [¬٣] في مراقه وبزغوه بها ليقوم، فأبى، فوجهوه راجعًا إلى اليمن فقام يهرول. ووجهوه إلى الشام ففعل مثل ذلك، ووجهوه إلى المشرق ففعل مثل ذلك، ووجهوه إلى مكة فبرك، وأرسل الله عليهم طيرًا من البحر أمثال الخطاطيف والبلسان [¬٤]، مع كل طائر منها ثلاثة أحجار يحملها: حجر في منقاره، وحجران في رجليه، أمثال الحمص والعدس، لا تصيب منهم أحدًا إلا هلك، وليس كلهم أصابت. وخرجوا هاربين يبتدرون الطريق، ويسألون عن نفيل ليدلهم على الطريق. هذا ونفيل على رأس الجبل مع قريش وعرب الحجاز، ينظرون ماذا أنزل الله بأصحاب الفيل من النقمة، وجعل نفيل يقول:\nأينَ المَفَرُّ؟ والإِلهُ الغالِبُ [¬٥] … والأشْرَمُ المغْلُوبُ غيرُ الغالب\nقال ابن إسحاق: وقال نفيل في ذلك أيضًا:\nألا حُيِّيتَ [¬٦] عنَّا يا رُدَيْنَا … نَعِمْنَاكُمْ مَعَ الإِصباحِ عينا\nردينةُ لو رأيت -ولا تَرَيه … لَدَى جَنْب المحصَّب- مَا رَأينَا\nإذًا لَعَذَرتنِي وَحَمِدت أمْري … وَلَم تَأسَي [¬٧] عَلَى مَا فَات بَينَا\nحَمدتُ الله إذ أبصَرتُ طَيرًا … وَخِفْتُ حجارَةً تُلقَى عَلَينا\nفَكُلّ القومِ يَسألُ عَن نُفَيلٍ … كَأنّ عليّ للحُبْشَان دَينًا؟\nوذكر الواقدي بأسانيده أنهم لما تعبئوا لدخول الحرم وهيئوا الفيل، جعلوا لا يصرفونه إلى جهة من سائر الجهات إلا ذهب، فإذا وجهوه إلى الحرم ربض وصاح. وجعل أبرهة يحمل على سائس الفيل وينهره ويضربه، ليقهر الفيل على دخول الحرم. وطال الفصل في ذلك. هذا وعبد المطلب وجماعة من أشراف مكة، منهم المطعم بن عدي، وعمرو بن عائذ بن عمران بن\n_________\n[¬١]- في ت: منه.\n[¬٢]- في ز: محمود.\n[¬٣]- في ز، خ: محاجزتهم.\n[¬٤]- في خ: التلبسان.\n[¬٥]- في ت: الطالب.\n[¬٦]- في خ: جنبت.\n[¬٧]- في ز: يأت. بلا نقط. وفي خ: تأتي.","vol":"14","page":458},{"text":"مخزوم، ومسعود الثقفي، على حراء ينظرون إلى ما الحبشة يصنعون، وماذا يلقون من أمر الفيل وهو العجب العجاب. فبينما هم كذلك إذ بعث الله عليهم طيرًا أباييل، أي قطعًا قطعًا صفرًا [¬١] دون الحمام، وأرجلها حمر، ومع كل طائر ثلاثة أحجار، وجاءت فحلقت عليهم، وأرسلت تلك الأحجار عليهم فهلكوا.\nوقال محمد بن كعب [¬٢]: [جاءوا بفيلين، فأبى محمود فربض] [¬٣]، وأمَّا الآخر فشجع فحُصِبَ.\nوقال وهب بن منبه: كان معهم فيلة، فأما محمود -وهو فيل الملك- فربض، ليقتدي به بقية الفيلة، وكان فيها فيل تشجع [¬٤] فحصب، فهربت بقية الفيلة.\nوقال عطاء بن يسار، وغيره: ليس كلهم أصابه العذاب في الساعة الراهنة، بل منهم من هلك سريعًا، ومنهم من جعل يتساقط عضوًا عضوًا وهم هاربون، وكان أبرهة ممن يتساقط عضوًا عضوًا، حتى مات ببلاد خثعم.\nقال ابن إسحاق: فخرجوا يتساقطون بكل طريق، ويهلكون على كل منهل، وأصيب أبرهة في جسده، وخرجوا به معهم يسقط أنملة أنملة، حتى قدموا به صنعاء وهو مثل فرخ الطائر، فما مات حتى انصدع صدره عن [¬٥] قلبه فيما يزعمون.\nوذكر مقاتل بن سليمان؛ أن قريشًا أصابوا مالًا جزيلًا من أسلابهم، وما كان معهم، وأن عبد المطلب أصاب يومئذ من الذهب ما ملأ حفرة.\nوقال ابن إسحاق: وحدثني يعقوب بن عتبة؛ أنه حدث أن أول ما رؤيت الحصبة والجدري بأرض العرب ذلك العام، وأنه أول ما رؤي [¬٦] به مَرائر الشجر الحَرْمل، والحنظل [¬٧] والعُشر ذلك العام [¬٨].\nوهكذا روى عن عكرمة من طريق جيد.\nقال ابن إسحاق: فلما بعث الله محمدًا ﷺ كان فيما يعد به على قريش من نعمته عليهم وفضله ما رد عنهم من أمر الحبشة، لبقاء أمرهم ومدنهم، فقال: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ * أَلَمْ يَجْعَلْ كَيدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ * وَأَرْسَلَ عَلَيهِمْ طَيرًا أَبَابِيلَ *\n_________\n[¬١]- في ز: صفر.\n[¬٢]- في ت: جعفر.\n[¬٣]- في ت: \"قال بفيلين فأما محمود فتربض\".\n[¬٤]- في ز: فشجع.\n[¬٥]- في ز: من.\n[¬٦]- في ز: ري.\n[¬٧]- في ز: الفضل.\n[¬٨]- سقط من ز.","vol":"14","page":459},{"text":"تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ * فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾. ﴿لإِيلَافِ قُرَيشٍ * إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيفِ * فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾، أي: لئلا يغير شيئًا من حالهم التي كانوا عليها، لما أراد الله بهم من الخير لو قبلوه.\nقال ابن هشام: الأبابيل: الجماعات، ولم تتكلم العرب بواحده. قال: وأما السجيل، فأخبرني يونس النحوي وأبو عبيدة أنه عند العرب: الشديد الصلب. قال: وذكر بعض المفسرين أنهما كلمتان بالفارسية، جعلتهما العرب كلمة واحدة، وإنما هو سَنج وجِلّ يعني بالسنج: الحجر، والجِلّ: الطين، يقول: الحجارة من هذين الجنسين: الحجر والطين. قال: والعصف: ورق الزرع الذي لم يُقْضِبْ، واحدته عصفة. انتهى ما ذكره.\nوقد قال حماد بن سلمة عن عاصم، عن زر، عن عبد الله -وأبو سلمة بن عبد الرحمن-: ﴿طَيرًا أَبَابِيلَ﴾، قال: الفرق.\nوقال ابن عباس، والضحاك: أبابيل يتبع بعضها بعضًا. وقال الحسن البصري، وقتادة: الأبابيل: الكثيرة. وقال مجاهد: أبابيل: شتى متتابعة مجتمعة. وقال ابن زيد: الأبابيل: المختلفة، تأتي من هاهنا ومن هاهنا، أتتهم من كل مكان.\nوقال الكسائي: سمعت [النحويين يقولون: أبّول مثل العجّول. قال: وقد سمعت] [¬١] بعض النحويين يقول: واحد الأبابيل: إبيل.\nوقال ابن جرير (^٢): [حدثنا ابن المثنى] [¬٢]، حدثني عبد الأعلى، حدثني داود، عن إسحاق بن عبد الله بن الحارث بن نوفل؛ أنه قال في قوله: ﴿وَأَرْسَلَ عَلَيهِمْ طَيرًا أَبَابِيلَ﴾ هي: الأقاطيع، كالإِبل المؤبلة.\nوحدثنا أبو كريب (^٣)، حدثنا وكيع، عن ابن عون، عن ابن سيرين، عن ابن عباس: ﴿وَأَرْسَلَ عَلَيهِمْ طَيرًا أَبَابِيلَ﴾ قال: لها خراطيم كخراطيم [¬٣] الطير، وأكف كأكف الكلاب.\nوحدثنا يعقوب (^٤) [] [¬٤]، حدثنا هشيم، أخبرنا حصين، عن عكرمة في قوله: ﴿طَيرًا\n_________\n(^٢) تفسير الطبري (٣٠/ ٢٩٧).\n(^٣) تفسير الطبري (٣٠/ ٢٩٨) وليس فيه ابن سيرين.\n(^٤) تفسير الطبري في الموضع السابق.\n_________\n[¬١]- سقط من ز، خ.\n[¬٢]- سقط من ز، خ.\n[¬٣]- سقط من خ.\n[¬٤]- في ز: ابن. كذا. وفي خ: ابن إبراهيم.","vol":"14","page":460},{"text":"أَبَابِيلَ﴾، قال: كانت طيرًا خضرًا خرجت من البحر، لها رءوس كرءوس السباع.\nوحدثنا ابن بشار (^٥)، حدثنا ابن مهدي، عن سفيان، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن عبيد بن عمير [¬١]: ﴿طَيرًا أَبَابِيلَ﴾، قال: هي طير سود بحرية [¬٢]، [في منقارها] [¬٣] وأظافيرها [¬٤] الحجارة. وهذه أسانيد صحيحة.\nوقال سعيد بن جبير: كانت طيرًا خضرًا لها مناقير صفر، تختلف عليهم.\nوعن ابن عباس ومجاهد وعطاء: كانت الطير الأبابيل مثل التي يقال لها عنقاء مغرب. رواه عنهم ابن أبي حاتم.\nوقال ابن أبي حاتم (^٦): حدثنا أبو زرعة، حدثنا عبد الله بن محمد بن أبي شيبة، حدثنا أبو [¬٥] معاوية، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن عبيد بن عمير؛ قال: لما أراد الله أن يهلك أصحاب الفيل، بعث عليهم طيرًا أنشئت [¬٦] من البحر، أمثال الخطاطيف، كل طيرٍ منها يحمل ثلاثة أحجار مجزّعة: حجرين في رجليه وحجرًا في منقاره، قال: فجاءت حتى صفت على رءوسهم، ثم صاحت وألقت ما في أرجلها ومناقيرها، فما يقع حجر على رأس رجل إلا خرج من دبره، ولا يقع على شيء من جسده إلا خرج من الجانب الآخر. وبعث الله ريحًا شديدة فضربت الحجارة فزادتها شدة فأهلكوا جميعًا.\nوقال السدي عن عكرمة، عن ابن عباس: ﴿بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ﴾ قال: طين [¬٧] في حجارة: \"سَنْك [¬٨]- وكِل\".\nوقد قدمنا بيان ذلك بما أغنى عن إعادته هاهنا.\nوقوله: ﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾، قال سعيد بن جبير: يعني التبن الذي تسميه العامة: هَبّور. وفي رواية عن سعيد: ورق الحنطة. وعنه أيضًا: العصف: التبن. والمأكول:\n_________\n(^٥) تفسير الطبري (٣٠/ ٢٩٨).\n(^٦) أخرجه أبو نعيم في: دلائل النبوة (ص ١٠٧) من طريق الأعمش. وأخرجه سعيد بن منصور عن أبي معاوية عن الأعمش. ومن طريقه البيهقي في \"دلائل النبوة\" (١/ ١٢٣ - ١٢٤). وزاد السيوطي نسبته (٦/ ٦٧٤) إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: عمرو.\n[¬٢]- في ز: بحيرية. وفي خ: محترسة.\n[¬٣]- في ز، خ: مناقيرها.\n[¬٤]- في ز: وأظافيها.\n[¬٥]- سقط من ز.\n[¬٦]- في ز: أنساب. وفي خ: أسباب.\n[¬٧]- في ز، خ: \"طير\".\n[¬٨]- في ز: سيد.","vol":"14","page":461},{"text":"القصيل يجزُّ [¬١] للدواب. وكذلك قال الحسن البصري. وعن ابن عباس: العصف: القشرة التي على الحبة، كالغلاف على الحنطة.\nوقال ابن زيد: العصف: ورق الزرع، وورق البقل، إذا أكلته البهائم فراثته، فصار دَرينا.\nوالمعنى أن الله ﷾ أهلكهم ودمرهم، وردهم بكيدهم وغيظهم لم ينالوا خيرًا، وأهلك عامتهم، ولم يرجع منهم مخبر إلا وهو جريح، كما جرى لملكهم أبرهة، فإنه انصدع صدره عن قلبه حين وصل إلى بلده صنعاء، وأخبرهم بما جرى لهم، ثم مات. فملك بعده ابنه يكسوم، ثم من بعده أخوه مسروق بن أبرهة، ثم خرج سيف بن ذي يزن الحميري إلى كسرى فاستغاثه على الحبشة، فأنفذ معه من جيرشه فقاتلوا معه، فرد الله إليهم ملكهم، وما كان في آبائهم من الملك، وجاءته وفود العرب للتهنئة.\nوقد قال محمد بن إسحاق (^٧): حدثنا عبد الله بن أبي بكر، عن عمرة بنت عبد الرحمن بن أسعد بن زرارة، عن عائشة؛ قالت: لقد رأت قائد الفيل وسائسه بمكة أعميين مقعدين، يستطعمان. ورواه الواقدي، عن عائشة مثله. ورواه أيضًا عن أسماء بنت أبي بكر أنها قالت: كانا مقعدين يستطعمان الناس، عند إساف ونائلة، حيث يذبح المشركون ذبائحهم.\nقلت: كان اسم قائد الفيل أنيسًا.\nوقد ذكر الحافظ أبو نعيم (^٨) في كتاب \"دلائل النبوة\"من طريق ابن وهب، عن ابن لهيعة، عن عقيل بن خالد، عن عثمان بن المغيرة قصة أصحاب الفيل، ولم يذكر أن أبرهة قدم من اليمن، وإنما بعث علي الجيش رجلًا يقال له: [شمر] [¬٢] بن مفصود، وكان الجيش عشرين ألفًا، وذكر أن الطير طرقتهم ليلًا؛ فأصبحوا صرعى.\nوهذا السياق غريب جدًّا، وإن كان أبو نعيم قد قواه ورجحه علي غيره. والصحيح أن أبرهة الأشرم الحبشي قدم مكة كما دل في ذلك السياقات والأشعار. وهكذا روى ابن لهيعة، عن الأسود، عن عروة؛ أن أبرهة بعث الأسود بن مفصود على كتيبة معهم الفيل، ولم يذكر قدوم أبرهة نفسه. والصحيح قدومه، ولعل ابن مفصود كان علي مقدمة الجيش، والله أعلم.\nثم ذكر ابن إسحاق شيئًا من أشعار العرب، فيما كان من قصة أصحاب الفيل (^٩)، فمن ذلك شعر عبد الله بن الزِّبَعرَى [] [¬٣]:\n_________\n(^٧) سيرة ابن هشام (١/ ٣٧).\n(^٨) أخرجه أبو نعيم في دلائل النبوة (ص ١٠١) وما بعدها.\n(^٩) السيرة النبوية (١/ ٣٨) وما بعدها.\n_________\n[¬١]- في ز: يحز.\n[¬٢]- في ز، خ: شمس.\n[¬٣]- في خ: وهو القائل.","vol":"14","page":462},{"text":"تَنَكَّلُوا عَن بطن مَكَّةَ، إنها … كَانَتْ قَديمًا لا يُرَام حَريمُها\nلَم تُخلَقِ الشِّعرَى لَيالي حُرِّمَتْ … إذْ لا عَزيزَ مِنَ الأنام يَرومُها\nسَائل أميرَ الجيش عَنْها: ما رَأى؟ … فَلَسَوفَ يُنبي الجاهليَن عَليمُهَا\nستّونَ ألفًا لم يئُوبوا أرضَهم، … بَل لَم يعش بَعدَ الإياب سقيمُها\nكَانَتْ بها عَادْ وجُزهُم قَبلَهم … واللهُ من فَوق العبَادَ يُقيمُهما\nوقال أبو قيس بن الأسلت الأنصاري المرّي [¬١]:\nومن صنعه يوم فيل الحبو … ش، إذ كل ما بعثوه رزمْ\nمحاجنهم تحت أقرابه [¬٢] … وقَدْ شَرَموا أنفَه [¬٣] فانخَرَمْ\nوَقَدْ جَعَلوا سَوطَه مغْولًا … إذا يمموه قفاه كُلِّمَ\n[فَولى و] [¬٤] أدْبَرَ أدْرَاجَه … وقد بَاء بالظلم من كان ثَمّ\nفأرسَلَ مِنْ فَوقهم حَاصبًا … يَلُفهمُ مثْل لَفّ القُزُم\nتحث [¬٥] على الصبر أخبارهم … وقد ثأجوا كثؤاج الغنم\nوقال أبو الصلت بن أبي ربيعة الثقفي، ويروى لأمية بن أبي الصلت بن أبي ربيعة:\nإنّ آيات رَبّنا بَاقيات … ما يمَاري فيهن إلا الكفور\nخُلِق الليل والنهار، فكلٌّ … مستبين حسابه مقدورُ\nثم يجلو النهارَ ربٌّ رحيمُ … بمهاة شعاعها منشور\nحُبِس الفيلُ بالمغمّس حتى صار … يحبو كأنه معقورُ\nلازمًا حَلقُه الجرانَ كما قُطّر … مِن ظَهْر كَبكَب محدورُ\nحَوْلَهُ مِنْ مُلُوكِ كِنْدَةَ أَبْطَالٌ … مَلَاويثُ [¬٦] في الحُرُوبِ صُقُورُ\nخَلَّفُوه ثم ابذَعَرّوا جَمِيعًا، … كُلّهم عَظْمُ ساقِه مَكْسُورُ\nكُلُّ دِينٍ يَومَ القِيَامَةِ عند الـ … ـله إلا دينَ الحنَيفَةِ [¬٧] بُورُ\nوقد قدمنا في تفسير\"سورة الفتح\" (^١٠) أن رسول الله ﷺ لما أطل يوم الحديبية على الثنية التي تهبط به على قريش، بركت ناقته، فزجروها فألحت، فقالوا: خلأت\n_________\n(^١٠) آية (٢٥).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: المدني.\n[¬٢]- في ز: أقرانه.\n[¬٣]- في ز، خ: أنفهم.\n[¬٤]- في ت: فسول.\n[¬٥]- في ت: تحتث.\n[¬٦]- في ت: ملاوث.\n[¬٧]- في ز: الحنيفية.","vol":"14","page":463},{"text":"القصواء. أي: حَرَنت. فقال رسول الله ﷺ: \"ما خلأت القصواء، وما ذاك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل\". ثم قال: \"والذي نفسي بيده، لا يسألوني اليوم خطة يعظمون فيها حرمات الله، إلا أجبتهم إليها\". ثم زجرها فقامت. والحديث من أفراد البخاري.\nوفي الصحيحين (^١١) أن رسول الله ﷺ قال يوم فتح مكة: \"إن الله حبس عن مكة الفيل، وسلط عليها رسوله والمؤمنين، وإنه قد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس، ألا فليبلغ الشاهد الغائب\".\nآخر [تفسير] سورة الفيل ولله الحمد والمنة.\n* * *\n_________\n(^١١) صحيح البخاري في كتاب: العلم، باب: كتابة العلم، حديث (١١٢) (١/ ٢٠٥) وطرفاه في [٢٤٣٤، ٦٨٨٠]. ومسلم في كتاب: الحج، باب: تحريم مكة وصيدها وخلاها وشجرها، حديث (٤٤٧/ ١٣٥٥) (٩/ ١٨٢ - ١٨٣) كلاهما من حديث أبي هريرة ﵁.","vol":"14","page":464},{"text":"<span data-type='title' id=toc-227>[تفسير] سورة \"لإيلاف قريش\" [وهي مكية]</span>\n(ذكر حديث غريب في فضلها)، قال البيهقي في كتاب الخلافيات (^١): حدثنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا بكر بن محمد بن حمدان الصيرفي بمرو، حدثنا أحمد بن عبيد الله الزينبي [¬١]، حدثنا يعقوب بن محمد الزهري، حدثنا إبراهيم بن محمد بن ثابت بن شرحبيل، حدثني عثمان بن عبد الله بن [أبي عتيق] [¬٢]، عن سعيد بن عمرو بن جعدة بن هبيرة، عن أبيه، عن جدته أم هانئ بنت أبي طالب؛ أن رسول الله ﷺ؛ قال: \"فضل الله قريشًا بسبع خلال: أني منهم [¬٣]، وأن النبوة فيهم، والحجابة والسقاية فيهم، وأن الله نصرهم على الفيل، وأنهم عبدوا الله ﷿ عشر سنين لا يعبده غيرهم، وأن الله أنزل فيهم سورة من القرآن\". ثم تلاها رسول الله: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ لإِيلَافِ قُرَيشٍ إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيفِ فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيتِ الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾.\n﷽\n﴿لإِيلَافِ قُرَيشٍ (١) إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيفِ (٢) فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيتِ (٣) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (٤)﴾\nهذه السورة مفصولة عن التي قبلها في المصحف الإمام، كتبوا بينهما سطر … ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ … وإن كانت متعلقة بما قبلها، كما صرح بذلك محمد بن إسحاق، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم؛ لأن المعنى عندهما: حبسنا عن مكة الفيل وأهلكنا أهله ﴿لإِيلَافِ قُرَيشٍ﴾، أي: لائتلافهم واجتماعهم في بلدهم آمنين.\nوقيل: المراد بذلك ما كانوا يألفونه من الرحلة في الشتاء إلى اليمن، وفي الصيف إلى الشام في المتاجر وغير ذلك، ثم يرجعون إلى بلدهم آمنين في أسفارهم، لعظمتهم عند الناس، لكونهم سكان حرم الله، فمن عرفهم احترمهم، بل من صوفي إليهم وسار معهم أمن بهم، هذا حالهم في أسفارهم ورحلتهم في شتائهم وصيفهم، وأما في حال إقامتهم في البلد فكما قال\n_________\n(^١) المستدرك (٥/ ٥٣٦) ومن طريق الحاكم أخرجه البيهقي في الخلافيات. قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وتعقبه الذهبي بأن فيه يعقوب ضعيف، وإبراهيم صاحب مناكير هذا أنكرها. ا هـ.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: المديني.\n[¬٢]- في ز، خ: عبيد.\n[¬٣]- في ز: فيهم.","vol":"14","page":465},{"text":"الله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾، ولهذا قال: ﴿لإِيلَافِ قُرَيشٍ (١) إِيلَافِهِمْ﴾، بدل من الأول ومفسر له؛ ولهذا قال: ﴿لإِيلَافِ قُرَيشٍ (١) إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيفِ﴾.\nوقال ابن جرير: الصواب أن اللام لامُ التعجب، كأنه يقول: اعجبوا لإيلاف قريش [ونعمتي عليهم] [¬١] في ذلك. قال: وذلك لإجماع المسلمين علي أنهما سورتان منفصلتان مستقلتان.\nثم أرشدهم إلى شكر هذه النعمة العظيمة فقال: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيتِ﴾، أي: فليوحدوه بالعبادة، كما جعل لهم حرمًا آمنا وبيتًا محرمًا [¬٢]، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾.\nوقوله: ﴿الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ﴾، أي: هو رب البيت، وهو الذي أطعمهم من جوع، ﴿وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾، أي: تفضل عليهم بالأمن والرخص، فليفردوه بالعبادة وحده لا شريك له، ولا يعبدوا من دونه صنمًا ولا ندًّا ولا وثنًا؛ ولهذا [¬٣] من استجاب لهذا الأمر [¬٤] جمع الله له بين أمن الدنيا وأمن الآخرة، ومن عصاه سلبهما منه، كما قال تعالى: ﴿وَ[¬٥] ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (١١٢) وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾.\nوقد قال ابن أبي حاتم (^٢): حدثنا عبد الله بن عمرو العدني، حدثنا قبيصة، حدثنا سفيان، عن ليث، عن شهر بن حوشب، عن أسماء بنت يزيد؛ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"ويل أمكم [¬٦] قريش لإيلاف قريش\". ثم قال: حدثنا أبي، حدثنا المؤمل بن الفضل الحراني، حدثنا عيسى -يعني ابن يونس- عن عبيد الله بن أبي زياد، عن شهر بن حوشب، عن أسامة بن زيد؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"لإِيلاف قريش إيلافهم رحلة الشتاء والصيف، ويحكم يا معشر قريش؛ اعبدوا رب هذا\n_________\n(^٢) مسند أحمد (٦/ ٤٦٠) (٢٧٧١٥) من طريق شهر بنحوه. قال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (٧/ ١٤٦): رواه أحمد والطبراني (٢٤/ ١٧٨ / ٤٤٧) باختصار إلا أنه قال: \"ويل أمكم يا قريش لإلافكم رحلة الشتاء والصيف\" وفيه عبيد الله بن أبي زياد القداح وشهر بن حوشب وقد وثقا وفيهما ضعف، وبقية رجال أحمد ثقات. ا هـ.\n_________\n[¬١]- بياض في ز، خ.\n[¬٢]- في ز: محترمًا.\n[¬٣]- في ز: وهذا.\n[¬٤]- في ز: الأمن.\n[¬٥]- سقط من ت.\n[¬٦]- في ز، خ: انكم.","vol":"14","page":466},{"text":"البيت الذي أطعمكم من جوع وآمنكم من خوف\".\nهكذا رأيته عن أسامة بن زيد، وصوابه عن أسماء بنت يزيد بن السكن، أم سلمة الأنصارية، ﵂. فلعله وقع غلط في النسخة أو في أصل الرواية، والله أعلم.\n[آخر تفسير سورة \"لإيلاف قريش\" ولله الحمد]\n* * *\n_________","vol":"14","page":467},{"text":"<span data-type='title' id=toc-228>[تفسير السورة التي يذكر فيها الماعون] [¬١] [وهي مكية]</span>\n﷽\n﴿أَرَأَيتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (١) فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (٢) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (٣) فَوَيلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥) الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (٦) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ (٧)﴾\nيقول تعالى: ﴿أَرَأَيتَ﴾ -يا محمد- ﴿الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ﴾، وهو: المعاد والجزاء والثواب، ﴿فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ﴾، أي: هو الذي يقهر اليتيم ويظلمه حقه، ولا يطعمه ولا يحسن إليه، ﴿وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾، كما قال تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (١٧) وَلَا يَحضُّونَ] [¬٢] عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ يعني: الفقير الذي لا شيء له يقوم بأوده وكفايته.\nثم قال: ﴿فَوَيلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾، قال ابن عباس، وغيره: يعني المنافقين، الذين يصلون في العلانية ولا يصلون في السر؛ ولهذا قال: ﴿لِلْمُصَلِّينَ﴾، أي: الذين هم من أهل الصلاة وقد التزموا بها، ثم هم عنها ساهون، إما عن فعلها بالكلية، كما قاله ابن عباس، وإما عن فعلها في الوقت المقدر لها [¬٣] شرعًا، فيخرجها عن وقتها بالكلية، كما قاله مسروق، وأبوالضحي.\nوقال عطاء بن دينار: والحمد لله الذي قال: ﴿عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ ولم يقل في صلاتهم ساهون.\nوإما عن وقتها الأول فيؤخرونها إلي آخره دائمًا أو غالبًا [¬٤]. وإما عن أدائها بأركانها وشروطها علي الوجه المأمور به. وإما عن الخشوع فيها والتدبر لمعانيها. فاللفظ يشمل هذا كله، ولكل من اتصف بشيء من ذلك قسط من هذه الآية. ومن اتصف بجميع ذلك فقد تم نصيبه منها، وكمل له النفاق العملي. كما ثبت في الصحيحين (^١) أن رسول الله ﷺ؛ قال: \"تلك صلاة المنافق، تلك صلاة المنافق، تلك صلاة المنافق، يجلس يرقب\n_________\n(^١) أخرجه مالك في موطئه في كتاب: القرآن، باب: النهي عن الصلاة بعد الصبح وبعد العصر، حديث =\n_________\n[¬١]- في ت: سورة الماعون.\n[¬٢]- كذا في خ. وهي قراءة أبي عمرو.\n[¬٣]- في ز: له.\n[¬٤]- في ز: غائبًا. كذا.","vol":"14","page":468},{"text":"الشمس، حتى إذا كانت بين قرني شيطان [¬١] قام فنقر أربعًا لا يذكر الله فيها إلا قليلًا\".\nفهذا آخر صلاة العصر التي هي الوسطى، كما ثبت به النص إلي آخر وقتها، وهو وقت كراهة، ثم قام إليها فنقرها نقر الغراب، لم يطمئن ولا خشع فيها أيضًا؛ ولهذا قال: \"لا يذكر الله فيها إلا قليلًا\". ولعله إنما حمله على [¬٢] القيام إليها مراءاة الناس، لا ابتغاء وجه الله، فهو إذًا لم يصلّ بالكلية. قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إلا قَلِيلًا﴾ وقال هاهنا: ﴿الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ﴾.\nوقال الطبراني (^٢): حدثنا يحيى بن عبد الله بن عبدويه [¬٣] البغدادي، حدثني أبي، حدثنا عبد الوهاب بن عطاء، عن يونس، عن الحسن، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: \"إن في جهنم لواديًا تستعيذ جهنم من ذلك الوادي في كل يوم أربعمائة مرة، أعد ذلك الوادي للمرائين من أمة محمد: لحامل كتاب الله، وللمصدق في غير ذات الله، وللحاج إلي بيت الله، وللخارج في سبيل الله\".\nوقال الإمام أحمد (^٣): حدثنا أبو نعيم، حدثنا الأعمش، عن عمرو بن مرة؛ قال: كنا جلوسًا عند أبي عبيدة فذكروا الرياء، فقال رجل يكني بأبي يزيد: سمعت عبد الله بن عمرو [¬٤]؛ يقول: قال رسول الله ﷺ: \"من سمّع الناس بعمله، سمع الله به سامع خلقه وحقره وصغره\".\nورواه أيضًا عن غندر (^٤) ويحيى القطان (^٥) عن شعبة، عن عمرو بن مرة، عن رجل، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ … فذكره [¬٥].\n_________\n= (٤٦) (١/ ١٩٢). ومسلم في كتاب: المساجد ومواضع الصلاة، باب: استحباب التبكير بالعصر، حديث (١٩٥/ ٦٢٢) (٥/ ١٧٢) كلاهما من حديث أنس بنحوه. ولم أقف عليه في البخاري.\n(^٢) أخرجه الطبراني في الكبير (١٢/ ١٧٥) (١٢٨٠٣). قال الهيثمي (١٠/ ٢٢٥): رواه الطبراني عن شيخه محمد -كذا في المجمع والذي في الطبراني يحيى كما هنا في التفسير- ابن عبد الله بن عبدويه عن أبيه ولم أعرفهما، وبقية رجاله رجال الصحيح. ا هـ.\n(^٣) مسند أحمد (٢/ ٢١٢) (٦٩٨٦).\n(^٤) وأخرجه أيضًا (٢/ ١٩٥) (٦٨٣٩).\n(^٥) المسند (٢/ ١٦٢) (٦٥٠٩). قال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (١٠/ ٢٢٥): رواه الطبراني=\n_________\n[¬١]- في ت: الشيطان.\n[¬٢]- في ز: إلى.\n[¬٣]- في ز: عبد ربه. وفي خ: عبد الله.\n[¬٤]- في ز: عمر.\n[¬٥]- سقط من ت.","vol":"14","page":469},{"text":"ومما يتعلق بقوله تعالى ﴿الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ﴾ أن من عمل عملًا لله فاطّلع عليه الناس، فأعجبه ذلك، أن هذا لا يعد رياء، والدليل علي ذلك ما رواه الحافظ أبو يعلَى الموصلي في مسنده (^٦): حدثنا هارون بن معروف، حدثنا مخلد بن يزيد [¬١]، حدثنا سعيد بن بشير، حدثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة؛ قال: كنت أصلي، فدخل عليَّ رجل، فأعجبني ذلك، فذكرته لرسول الله ﷺ، فقال: \"كتب لك أجران: أجر السر، وأجر العلانية\".\nقال أبو علي هارون بن معروف: بلغني أن ابن المبارك قال: نعم الحديث للمرائين.\nوهذا حديث غريب من هذا الوجه، وسعيد بن بشير [¬٢] متوسط، وروايته عن الأعمش عزيزة، وقد رواه غيره عنه [¬٣].\nقال أبو يعلى أيضًا (^٧): حدثنا محمد بن المثنى بن موسى، حدثنا أبو داود، حدثنا أبو سنان، عن حبيب بن أبي ثابت، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال [¬٤] رجل: يا رسول الله، الرجل يعمل العمل يسره، فإذا اطلع عليه [¬٥] أعجبه؟ قال: قال رسول الله ﷺ: \"له أجران، أجر السر وأجر العلانية\".\nوقد رواه الترمذي (^٨) عن محمد بن المثنى، وابن ماجة عن بندار، كليهما [¬٦] عن أبي داود الطيالسي، عن أبي سنان الشيباني، واسمه: ضرار بن مرة. ثم قال الترمذي: غريب، وقد رواه الأعمش وغيره، عن حبيب، عن [أبي صالح] [¬٧] … مرسلًا.\n_________\n= في الكبير، والأوسط .. ورواه أحمد وسمى الطبراني الرجل وهو خيثمة بن عبد الرحمن فبهذا الاعتبار رجال أحمد وأحد أسانيد الطبراني في الكبير رجال الصحيح. ا هـ. وصححه أحمد شاكر في تعليقاته على المسند.\n(^٦) رواه البغوي في شرح السنة (١٤/ ٣٢٨) رقم (٤١٤١) من طريق عبد الحميد بن حريث القرشي عن سعيد بن بشير به. وسعيد بن بشير ضعيف كما في التقريب.\n(^٧) رواه الطيالسي ص (٣١٨) رقم (٢٤٣٠) وحبيب بن أبي ثابت مدلس وقد عنعن.\n(^٨) سنن الترمذي في كتاب: الزهد، باب: عمل السر، حديث (٢٣٨٥) (٧/ ١١٥). وابن ماجة في كتاب: الزهد، باب: الثناء الحسن، حديث (٤٢٢٦) (٢/ ١٤١٢). وضعفه الألباني في الضعيفة (٤٣٤٤).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: مرثد.\n[¬٢]- في ز: جبير.\n[¬٣]- في ز: عنهم.\n[¬٤]- سقط من خ.\n[¬٥]- في ز: عليهم.\n[¬٦]- في ز: كلاهما.\n[¬٧]- في ت: النبي ﷺ.","vol":"14","page":470},{"text":"وقد قال أبو جعفر بن جرير (^٩): حدثني أبو كريب، حدثنا معاوية بن هشام، عن شيبان النحوي، عن جابر الجعفي، حدثني رجل، عن أبي برزة الأسلمي؛ قال: قال رسول الله ﷺ لما نزلت هذه الآية: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾، قال: \"الله أكبر، هذا خير لكم من أن لو أعطي كل رجل منكم مثل جميع [¬١] الدنيا. و[¬٢] هو الذي إن صلى لم يَرْجُ خير صلاته، وإن تركها لم يخف ربه\".\nفيه جابر الجعفي، وهو ضعيف، وشيخه مبهم لم يسم، والله أعلم.\nوقال ابن جرير أيضًا (^١٠): حدثني زكريا بن أبان المصري، حدثنا عمرو بن طارق، حدثنا عكرمة بن إبراهيم، حدثني عبد الملك بن عمير، عن مصعب بن سعد، عن سعد بن أبي وقاص؛ قال: سألت رسول الله ﷺ عن ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾، قال: \"هم الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها\".\nوتأخير الصلاة عن وقتها يحتمل تركها بالكلية، أو صلاتها بعد وقتها شرعًا، أو تأخيرها عن أول الوقت [سهوًا حتى ضاع الوقت] [¬٣].\nوكذا رواه الحافظ أبو يعلى (^١١) عن شيبان بن فروخ، عن عكرمة بن إبراهيم به. ثم رواه (^١٢) عن أبي الربيع، عن جابر [¬٤]، عن عاصم، [عن مصعب] [¬٥]، عن أبيه موقوفًا. [] [¬٦]، وهذا أصح إسنادًا، وقد ضعف البيهقي رفعه وصحح وقفه (^١٣) وكذلك الحاكم.\nوقوله: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ أي: لا أحسنوا [¬٧] عبادة ربهم، ولا أحسنوا إلى خلقه حتى ولا بإعارة ما ينتفع به ويستعان به، مع بقاء عينه ورجوعه إليهم. فهؤلاء لمنع [¬٨] الزكاة وأنواع القربات أولى وأولى. وقد قال ابن أبي نجيح: عن مجاهد، قال علي: الماعون: الزكاة.\n_________\n(^٩) تفسير الطبري (٣٠/ ٣١٣).\n(^١٠) تفسير الطبري (٣٠/ ٣١٣).\n(^١١) مسند أبي يعلى (٢/ ١٤٠) (٨٢٢).\n(^١٢) وأخرجه أيضًا (٢/ ٦٣ - ٦٤) (٧٤). إلا أنه قال: حدثنا أبو الربيع حدثنا حماد ولم يقل جابر.\n(^١٣) أخرجه البيهقي (٢/ ٢١٤ - ٢١٥) مرفوعًا وموقوفًا ثم قال: وهذا الحديث إنما يصح موقوفًا، وعكرمة بن إبراهيم قد ضعفه يحيى بن معين وغيره من أئمة الحديث.\n_________\n[¬١]- سقط من خ.\n[¬٢]- سقط من ز.\n[¬٣]- سقط من ز، خ.\n[¬٤]- بياض في ز، خ.\n[¬٥]- ما بين المعكوفين سقط من خ.\n[¬٦]- بياض في ز، خ بمقدار كلمة، بعدها كلمة: الوقت.\n[¬٧]- في ز: أحبوا.\n[¬٨]- في ز: يمنع.","vol":"14","page":471},{"text":"وكذا رواه السدي، عن أبي صالح، عن علي. وكذا روي من غير وجه عن ابن عمر، وبه يقول محمَّد بن الحنفية وسعيد بن جبير، وعكرمة، ومجاهد، وعطاء، وعطية العوفي، والزهري، والحسن، وقتادة، والضحاك، وابن زيد.\nوقال الحسن البصري: إن صلى راءى، وإن فاتت [¬١] لم يأس عليها، ويمنع زكاة ماله. وفي لفظ: صدقة ماله.\nوقال زيد بن أسلم: هم المنافقون، ظهرت الصلاة فصلوها، وضمنت الزكاة فمنعوها.\nوقال الأعمش وشعبة، عن الحكم، عن يحيى بن الجزار: أن أبا العُبيدَين سأل عبد الله بن مسعود عن الماعون، فقال: هو ما يتعاوره الناس بينهم من الفأس والقدر.\n[وقال المسعودي عن سلمة بن كهيل، عن أبي العبيدين: إنه سُئِل ابن مسعود عن الماعون، فقال: هو ما يتعاطاه الناس بينهم، من الفأس والقدر] [¬٢] والدلو وأشباه ذلك.\nوقال ابن جرير (^١٤): حدثني محمَّد بن عبيد المحاربي، حدثنا أبو الأحوص، عن أبي إسحاق، عن أبي العبيدين، وسعد [¬٣] بن عياض، عن عبد الله؛ قال: كنا أصحاب رسول الله ﷺ نتحدث أن الماعون الدلو والفأس والقدر، لا يستغنى عنهن.\nوحدثنا خلاد بن أسلم (^١٥)، أخبرنا النضر بن شميل، أخبرنا شعبة، عن أبي إسحاق؛ قال: سمعت سعد بن عياض يحدث عن أصحاب النبي ﷺ … مثله.\nوقال الأعمش (^١٦) عن إبراهيم، عن الحارث بن سويد، عن عبد الله: إنه سئل عن الماعون، فقال: ما يتعاون [¬٤] الناس لكنهم: الفأس والدلو وشبهه.\nوقال ابن جرير (^١٧): حدثنا عمرو [بن علي] [¬٥] الفلاس، حدثنا أبو داود هو الطيالسي، حدثنا أبو عوانة، عن عاصم بن بهدلة، عن أبي وائل، عن عبد الله؛ قال: كنا مع نبينا صلى\n_________\n(^١٤) تفسير الطبري (٣٠/ ٣١٧) وزاد بين أبي إسحاق وأبي العبيدين- حارثة.\n(^١٥) تفسير الطبري (٣٠/ ٣١٧) من طريق أبي داود عن شعبة بهذا الإسناد.\n(^١٦) تفسير الطبري (٣٠/ ٣١٨).\n(^١٧) تفسير الطبري (٣٠/ ٣١٩). وأبو داود في كتاب: الزكاة، باب: في حقوق المال، حديث (١٦٥٧) (٢/ ١٢٤). والنسائي في الكبرى في كتاب: التفسير، باب: قوله تعالى: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾، حديث (١١٧٠١) (٦/ ٥٢٢). وحسنه الألباني في صحيح أبي داود (١٤٥٩).\n_________\n[¬١]- في ت: فاتته.\n[¬٢]- سقط من ز، خ.\n[¬٣]- في خ، والطبري: سعيد.\n[¬٤]- في ت: يتعاوره.\n[¬٥]- في ز، خ: وعكرمة هو.","vol":"14","page":472},{"text":"الله عليه وسلم ونحن نقول: الماعون: منع الدلو وأشباه ذلك.\nوقد رواه أبو داود والنسائي، عن قتيبة، عن أبي عوانة بإسناده، نحوه [¬١]. ولفظ النسائي عن عبد الله قال: كل معروف صدقة، كنا نعد الماعون على عهد رسول الله ﷺ عارية الدلو والقدر.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، عن عاصم، عن زر، عن عبد الله؛ قال: الماعون: العواري؛ القدر، والميزان، والدلو.\nوقال ابن أبي نجيح عن مجاهد، عن ابن عباس: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾، يعني متاع البيت. وكذا قال مجاهد، وإبراهيم النخعي، وسعيد بن جبير، وأبو مالك، وغير واحد: إنها العارية للأمتعة.\nوقال ليث بن أبي سليم، عن مجاهد، عن ابن عباس: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ [قال: لم يجيء أهلها بعدُ.\nوقال العوفي عن ابن عباس: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾] [¬٢]، قال: اختلف الناس في ذلك، فمنهم من قال: يمنعون الزكاة، ومنهم من قال: يمنعون الطاعة، ومنهم من قال: يمنعون العارية. رواه ابن جرير (^١٨). ثم روي عن يعقوب بن إبراهيم (^١٩)، عن ابن علية، عن ليث بن أبي سليم، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي: الماعون: منع الناس الفأس والقدر والدلو.\nوقال عكرمة: رأس الماعون زكاة المال، وأدناه المُنْخُل والدلو والأبرة. رواه ابن أبي حاتم.\nوهذا الذي قاله عكرمة حسن، فإنه يشمل الأقوال كلها، وترجع كلها إلى شيء واحد، وهو ترك المعاونة بمال أو منفعة؛ ولهذا قال محمَّد بن كعب: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾، قال: المعروف؛ ولهذا جاء في الحديث (^٢٠): \" كل معروف صدقة\".\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا وكيع، عن ابن أبي ذئب، عن الزهري: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾، قال: بلسان قريش: المال.\n_________\n(^١٨) تفسير الطبري (٣٠/ ٣١٩).\n(^١٩) تفسير الطبري (٣٠/ ٣١٩) وزاد أيضًا: الزكاة.\n(^٢٠) أخرجه البخاري في كتاب: الأدب، باب: كل معروف صدقة، حديث (٦٠٢١) من حديث جابر- ﵁.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: عنه.\n[¬٢]- ما بين المعكوفين سقط من ز، خ.","vol":"14","page":473},{"text":"وروى ها هنا حديثًا غريبًا عجيبًا في إسناده ومتنه، فقال (^٢١): حدثنا أبي وأبو زرعة؛ قالا: حدثنا قيس بن حفص الدارمي، حدثنا دلهم بن دهثم [¬١] العجلي، حدثنا عائذ [¬٢] بن ربيعة النميري، حدثني قرة بن دُعمُوص النميري؛ أنهم وفدوا إلى رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله، ما تعهد إلينا؟ قال: \"لا تمنعوا [¬٣] الماعون\". قالوا: يا رسول الله؛ وما الماعون؛ قال: \"في الحجر، وفي الحديدة، وفي الماء\". قالوا: فأي الحديدة؟ قال: \"قدوركم النحاس، وحديد الفأس الذي تمتهنون به\". قالوا: وما الحجر؟ قال: \"قدوركم الحجارة\".\nغريب جدًّا، ورفعه [¬٤] منكر، وفي إسناده من لا يعرف، والله أعلم.\nوقد ذكر ابن الأثير في الصحابة ترجمة \"علي النميري\"، فقال: روى ابن قانع (^٢٢) بسنده إن عائذ بن ربيعة بن قيس النميري، عن علي بن فلان النميري سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"المسلم أخو المسلم، إذا لقيه حياه [¬٥] بالسلام، ويرد عليه ما هو خير منه، لا يمنع الماعون\". قلت: يا رسول الله؛ ما الماعون؟ قال: \"الحجر والحديد، وأشباه ذلك\".\n[آخر تفسير سورة الماعون]\n* * *\n_________\n(^٢١) ذكره السيوطي في \"الدر المنثور\" (٦/ ٦٨٤) وزاد نسبته إلى ابن مردويه.\n(^٢٢) وانظر أسد الغابة لابن الأثير (٤/ ١٢٧).\n_________\n[¬١]- في ز: دهشم.\n[¬٢]- في ز: عابد.\n[¬٣]- في ز: تمنعون.\n[¬٤]- في ز: رفع.\n[¬٥]- في ز: جاء.","vol":"14","page":474},{"text":"<span data-type='title' id=toc-229>[تفسير] سورة الكوثر [مدنية، وقيل: مكية]</span>\n﷽\n﴿إِنَّا أَعْطَينَاكَ الْكَوْثَرَ (١) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢) إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (٣)﴾\nقال الإمام أحمد (^١): حدثنا محمَّد بن فضيل، عن المختار بن فلفل، عن أنس بن مالك قال: أغفى رسول الله ﷺ إغفاءة، فرفع رأسه متبسمًا، إما قال لهم وإما قالوا له: لم ضحكت؟ فقال رسول الله ﷺ: \"إنه أنزلت عليّ آنفًا سورة\"، فقرأ: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم * إِنَّا أَعْطَينَاكَ الْكَوْثَرَ﴾، حتى ختمها قال: \"هل تدرون ما الكوثر؟ \"، قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: \"هو نهر أعطانيه ربي ﷿ في الجنة، عليه خير كثير، ترد عليه أمتي يوم القيامة، آنيته عدد الكواكب، يُخْتَلَج العبد منهم فأقول: يا رب؛ إنه من أمتي. فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك\". هكذا رواه الإمام أحمد بهذا الإسناد الثلاثي، وهذا السياق.\nوقد ورد في صفة الحوض يوم القيامة أنه يشْخُب فيه ميزابان من السماء من نهر الكوثر، وأن عليه آنية عدد نجوم السماء. وقد روى هذا الحديث مسلم وأبو داود والنسائي، من طريق محمَّد بن فضيل وعلي بن مسهر، كليهما [¬١] عن المختار بن فلفل، عن أنس، ولفظ مسلم قال: \"بينا رسول الله ﷺ بين أظهرنا [في المسجد] [¬٢] إذ أغفى إغفاءة ثم رفع رأسه متبسمًا، قلنا: ما أضحكك يا رسول الله؟ قال: \"أنزلت عليّ آنفًا سورة\"، فقرأ ﴿بسم الله الرحمن الرحيم * ﴿إِنَّا أَعْطَينَاكَ الْكَوْثَرَ (١) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢) إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾. ثم قال: \"أتدرون ما الكوثر؟ \" قلنا: الله ورسوله أعلم. قال: \"فإنه نهر وعدنيه ربي ﷿ عليه خير كثير، هو حوض ترد عليه أمتي يوم القيامة، آنيته عدد النجوم، فَيُخْتَلَجُ العبد منهم، فأقول: رب؛ إنه من أمتي. فيقول: إنك [¬٣] ما تدري ما أحدث\n_________\n(^١) مسند أحمد (٣/ ١٠٢) (١٢٠١٤). ومسلم في كتاب: الصلاة، باب: حجة من قال البسملة آية من كل سورة، حديث (٥٣/ ٤٠٠) (٤/ ١٤٨ - ١٤٩). وأبو داود في كتاب: الصلاة، باب: من لم يجهر بسم الله الرحمن الرحيم، حديث (٧٨٤) (١/ ٢٠٨). والنسائي (٢/ ١٣٣ - ١٣٤) كتاب الافتتاح، باب: قراءة بسم الله الرحمن الرحيم.\n_________\n[¬١]- في ز: كلاهما.\n[¬٢]- سقط من ز.\n[¬٣]- سقط من ز.","vol":"14","page":475},{"text":"بعدك\".\nوقد استدل به كثير من القراء على أن هذه السورة مدنية، وكثير من الفقهاء على أن البسملة من السورة، وأنها منزلة معها.\nفأما قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَينَاكَ الْكَوْثَرَ﴾، فقد تقدم في هذا الحديث أنه نهر في الجنة. وقد رواه الإمام أحمد (^٢) من طريق أخرى، عن أنس فقال: حدثنا عفان، حدثنا حماد، أخبرنا ثابت، عن أنس: أنه قرأ هذه الآية: ﴿إِنَّا أَعْطَينَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ قال: قال رسول الله ﷺ: \"أعطيت الكوثر فإذا هو نهر يجري، ولم يشق شقًّا، وإذا حافتاه قباب. اللؤلؤ، فضربت بيدي في تربته، فإذا مسكة [¬١] ذَفِرَةٌ وإذا حصباؤه [¬٢] اللؤلؤ\".\nوقال الإِمام أحمد (^٣) أيضًا: حدثنا محمَّد بن أبي عدي، عن حميد، عن أنس؛ قال: قال رسول الله ﷺ: \"دخلت الجنة فإذا أنا بنهر، حافتاه خيام اللؤلؤ، فضربت بيدي إلى ما جري فيه الماء، فإذا مسك أذفر، قلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر الذي أعطاكه الله ﷿\".\nورواه البخاري (^٤) في \"صحيحه\" ومسلم، من حديث شيبان بن عبد الرحمن، عن قتادة، عن أنس بن مالك؛ قال: لما عرج بالنبي ﷺ إلى السماء قال: \"أتيت على نهر؛ حافتاه قباب اللؤلؤ المجوفة [¬٣]، فقلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر\". وهذا لفظ البخاري ﵀.\nوقال ابن جرير (^٥): حدثنا الربيع، أخبرنا [¬٤] ابن وهب، عن سليمان بن بلال، عن شريك بن أبي نمر؛ قال: سمعت أنس بن مالك يحدثنا؛ قال: لما أسري برسول الله ﷺ مضى به جبريل في السماء الدنيا، فإذا هو بنهر عليه قصر [¬٥] من لؤلؤ وزبرجد، فذهب يشم ترابه فإذا هو مسك، قال: \"يا جبريل؛ ما هذا النهر؟ قال: هو الكوثر الذي خبأ لك\n_________\n(^٢) مسند أحمد (٣/ ٢٤٧) (١٣٦٠٤).\n(^٣) مسند أحمد (٣/ ١٠٣) (١٢٠٢٦).\n(^٤) صحيح البخاري، كتاب: التفسير، باب: سورة إنا أعطناك الكوثر، حديث (٤٩٦٤) (٨/ ٧٣١). وعزاه المزي في تحفة الأشراف (١/ ٣٣٧) (١٢٩٩) لمسلم. وقال المزي: حديث مسلم هذا لم يذكره أبو مسعود ووجدته ملحقًا في كتاب خلف. ا هـ. وتعقبه ابن حجر في النكت بأن الحميدي أورده في أفراد البخاري.\n(^٥) تفسير الطبري (٣٠/ ٣٢١).\n_________\n[¬١]- سقط من ز.\n[¬٢]- في ت: حصاه.\n[¬٣]- في ت: المجوف.\n[¬٤]- في ز: أو.\n[¬٥]- في ز: قبة.","vol":"14","page":476},{"text":"ربك\".\nوقد تقدم حديث الإسراء (^٦) في سورة \"سبحان\"، من طريق شريك عن أنس، وهو مخرج في الصحيحين.\nوقال سعيد عن قتادة (^٧)، عن أنس: إن رسول الله ﷺ؛ قال: \"بينا أنا أسير في الجنة إذ عرض لي نهر، حافتاه قباب اللؤلؤ مجوف، فقال الملك الذي معه: أتدري ما [هذا؟ هذا] [¬١] الكوثر الذي أعطاك الله. وضرب بيده إلى أرضه فأخرج من طينه المسك\".\nوكذلك [¬٢] رواه سليمان بن طرخان، ومعمر [¬٣]، وهمام، وغيرهم، عن قتادة، به.\nوقال ابن جرير: حدثنا أحمد بن أبي سريج [¬٤]، حدثنا أبو أيوب العباس، حدثنا إبراهيم بن سعد، حدثني محمَّد بن عبد الله ابن أخي [¬٥] ابن شهاب، عن أبيه، عغ أنس؛ قال: سئل رسول الله ﷺ عن الكوثر، فقال: \"هو نهر أعطانيه الله في الجنة، ترابه مسك، أبيض من اللبن، وأحلى من العسل، ترده طير، أعناقها مثل أعناق الجُزُر\". فقال أبو بكر: يا رسول الله، إنها لناعمة؛ قال: \"آكلها أنعم منها\".\nوقال أحمد (^٨): حدثنا أبو سلمة الخزاعي، حدثنا الليث، عن يزيد بن الهاد، عن عبد الوهاب، عن عبد الله بن مسلم بن شهاب، عن أنس أن رجلًا قال: يا رسول الله؛ ما الكوثر؟ قال: \"نهر في الجنة أعطانيه ربي، لهو أشد بياضًا من اللبن، وأحلى من العسل، فيه طيور أعناقها كأعناق الجزر\". قال عمر: يا رسول الله، إنه الناعمة! قال: \"آكلها أنعم منها يا عمر\".\nو[¬٦] رواه ابن جرير، من حديث الزهري، عن أخيه [] [¬٧] عبد الله، عن أنس أنه سأل رسول الله ﷺ عن الكوثر … فذكر مثله سواء.\nوقال البخاري (^٩): حدثنا خالد بن يزيد الكاهلي، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن\n_________\n(^٦) تقدم تخريجه في سورة الإسراء، آية: (١).\n(^٧) مسند أحمد (٣/ ٢٣١) (١٣٤٤٩) وانظر أول سورة الإسراء. والطبري (٣٠/ ٣٢٤).\n(^٨) مسند أحمد (٣/ ٢٢٠ - ٢٢١) (١٣٣٣٠). وأخرجه الطبري (٤/ ٣٢٣٠).\n(^٩) صحيح البخاري، كتاب: التفسير، باب: سورة ﴿إِنَّا أَعْطَينَاكَ الْكَوْثَرَ﴾، حديث (٤٩٦٥) (٨/ ٧٣١). وأخرجه أحمد (٦/ ٢٨١) (٢٦٥١٣). والنسائي في الكبرى في كتاب: التفسير، باب: سورة الكوثر، حديث (١١٧٠٥) (٦/ ٥٢٣).\n_________\n[¬١]- في ز: هو.\n[¬٢]- في ز: كذلك.\n[¬٣]- في ز: عمر.\n[¬٤]- في ز: شريح.\n[¬٥]- في ز: أبي.\n[¬٦]- سقط من ت.\n[¬٧]- في ز: عن.","vol":"14","page":477},{"text":"أبي عبيدة، عن عائشة، قال: سألتها عن قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَينَاكَ الْكَوْثَرَ﴾، قالت: نهر أعطيه نبيكم ﷺ، شاطئاه عليه در مجوف، آنيته كعدد النجوم.\nثم قال البخاري: رواه زكريا وأبو الأحوص ومطرف عن أبي إسحاق. ورواه أحمد والنسائي من طريق مطرف به.\nوقال ابن جرير (^١٠): حدثنا أبو كريب، حدثنا وكيع، عن سفيان، وإسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة، عن عائشة؛ قالت: الكوثر نهر في الجنة، شاطئاه در مجوف. وقال إسرائيل: نهر في الجنة عليه من الآنية عدد نجوم السماء.\nو[¬١] حدثنا ابن حميد (^١١)، حدثنا يعقوب القمي، عن حفص بن حميد، عن شمر بن عطية، عن شقيق [¬٢] أو مسروق؛ قال: قلت لعائشة: يا أم المؤمنين؛ حدثيني عن الكوثر. قالت: نهر في بطنان الجنة. قلت: وما بطنان الجنة؟ قالت: وسطها، حافتاه قصور اللؤلؤ والياقوت، ترابه المسك، وحصباؤه اللؤلؤ والياقوت.\nوحدثنا أبو كريب (^١٢)، حدثنا وكيع، عن أبي جعفر الرازي، عن ابن أبي نجيح، عن عائشة قالت: من أحب أن يسمع خرير الكوثر، فليجعل أصبعيه في أذنيه.\nوهذا منقطع بين ابن أبي نجيح وعائشة، وفي بعض الروايات: \"عن رجل، عنها\".\nومعنى هذا أنه يسمع نظير ذلك، لا أنه يسمعه نفسه، والله أعلم.\nقال السهيلي: ورواه الدارقطني مرفوعًا، من طريق مالك بن مغول، عن الشعبيّ، عن مسروق، عن عائشة، عن النبي ﷺ.\nثم قال البخاري (^١٣): حدثنا يعقوب بن إبراهيم، [حدثنا هشيم] [¬٣]، أخبرنا أبو بشر، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال في الكوثر: هو الخير الذي أعطاه الله إياه. قال أبو بشر: قلت لسعيد بن جبير: فإن ناسًا يزعمون أنه نهر في الجنة؟ فقال سعيد: النهر الذي في\n_________\n(^١٠) تفسير الطبري (٣٠/ ٣٢١).\n(^١١) تفسير الطبري (٣٠/ ٣٢٠).\n(^١٢) تفسير الطبري (٣٠/ ٣٢١).\n(^١٣) صحيح البخاري، كتاب: التفسير، باب: سورة ﴿إِنَّا أَعْطَينَاكَ الْكَوْثَرَ﴾، حديث (٤٩٦٦) (٨/ ٧٣١).\n_________\n[¬١]- سقط من ت.\n[¬٢]- في ز: سفيان.\n[¬٣]- سقط من ز.","vol":"14","page":478},{"text":"الجنة من الخير الذي أعطاه الله إياه.\nورواه أيضًا (^١٤) من حديث هشيم، عن أبي بسر [¬١]، وعطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: الكوثر: الخير الكثير.\n[وقال الثوري (^١٥) عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس؛ قال: الكوثر: الخير الكثير] [¬٢].\nوهذا التفسير يعم النهر وغيره؛ لأن الكوثر من الكثرة، وهو الخير الكثير، ومن ذلك النهر، كما قال ابن عباس، وعكرمة، وسعيد بن جبير، ومجاهد [¬٣]، ومحارب بن دثار، والحسن بن أبي الحسن البصري. حتى [¬٤] قال مجاهد: هو الخير الكثير في [¬٥] الدنيا والآخرة.\nوقال عكرمة: هو النبوة والقرآن، وثواب الآخرة.\nوقد صح عن ابن عباس أنه فسره [¬٦] بالنهر أيضًا، فقال ابن جرير (^١٦):\nحدثنا أبو كريب، حدثنا عمر بن عبيد، عن عطاء، عن سعيد [بن جبير] [¬٧]، عن ابن عباس قال: الكوثر: نهر في الجنة، حافتاه ذهب وفضة، يجري على الياقوت والدر، ماؤه أبيض من الثلج وأحلى من العسل.\nوروى العوفي عن الشيخ عباس نحو ذلك.\nوقال ابن جرير (^١٧): حدثني يعقوب، حدثنا هشيم، أخبرنا عطاء بن السائب، عن محارب بن دثار، عن ابن عمر أنه قال: الكوثر نهر في الجنة، حافتاه ذهب وفضة، يجري على الدر والياقوت، ماؤه أشد بياضًا من اللبن، وأحلى من العسل.\n_________\n(^١٤) صحيح البخاري، كتاب: الرقاق، باب: في الحوض وقول الله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَينَاكَ الْكَوْثَرَ﴾، حديث (٦٥٧٨) (١١/ ٤٦٣).\n(^١٥) تفسير الطبري (٣٠/ ٣٢٠).\n(^١٦) تفسير الطبري (٣٠/ ٣٢٠).\n(^١٧) سيأتي مرفوعًا عند الترمذي وقد خرجه المزي في تحفة الأشراف (٧٤١٢) ولم يذكر هذا الطريق الموقوف. والحديث بهذا الإسناد في الطبري (٣٠/ ٣٢٠).\n_________\n[¬١]- في ز: بشر.\n[¬٢]- ما بين المعكوفين سقط من ز.\n[¬٣]- سقط من ز.\n[¬٤]- في ز، خ: حين.\n[¬٥]- في ز: من.\n[¬٦]- في ز: فسر.\n[¬٧]- سقط من خ.","vol":"14","page":479},{"text":"وكذا رواه الترمذي عن ابن حميد، عن جرير، عن عطاء بن السائب، له مثله، موقوفًا.\nوقد روي مرفوعًا فقال الإمام أحمد (^١٨): حدثنا علي بن حفص، حدثنا [¬١] ورقاء قال … وقال عطاء عن محارب بن دثار، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: \"الكوثر نهر في الجنة، حافتاه من ذهب، والماء يجري على اللؤلؤ، وماؤه أشد بياضًا من اللبن، وأحلى من العسل\".\nوهكذا رواه الترمذي، وابن ماجه، وابن أبي حاتم، وابن جرير، من طريق محمَّد بن فضيل، عن عطاء بن السائب، به مرفوعًا. وقال الترمذي: \"حسن صحيح\".\nوقال ابن جرير (^١٩): حدثني يعقوب، حدثنا ابن علية، أخبرنا عطاء بن السائب قال: قال لي محارب بن دثار: ما قال سعيد بن جبير في الكوثر؟ قلت: حدثنا عن ابن عباس أنه قال: هو الخير الكثير. فقال: صدق، و[¬٢] الله إنه للخير الكثير، ولكن حدثنا ابن عمر قال: لما [¬٣] نزلت: ﴿إِنَّا أَعْطَينَاكَ الْكَوْثَرَ﴾، قال رسول الله ﷺ: \"الكوثر نهر في الجنة، حافتاه من ذهب، يجري على الدر والياقوت\".\nوقال ابن جرير (^٢٠): حدثني ابن البرقي [¬٤]، حدثنا ابن [أبي مريم] [¬٥]، حدثنا محمَّد بن جعفر بن أبي كثير، أخبرني حرام [¬٦] بن عثمان، عن عبد الرحمن الأعرج، عن أسامة بن زيد، أن رسول الله ﷺ أبي حمزة بن عبد المطلب يومًا فلم يجده، فسأل امرأته عنه -وكانت من بني النجار- فقالت: خرج -يا نبي الله- آنفًا عامدًا نحوك، فأظنه أخطأك في بعض أزقة بني النجار، أو لا تدخل يا [¬٧] رسول الله؟ فدخل، فقدمت إليه حيسًا فأكل منه، فقالت: يا رسول الله، هنيئًا لك ومريئًا، لقد جئتَ وأنا أريد أن آتيك فأهْنيك وأمْريك، أخبرني أبو عمارة أنك أعطيت نهرًا في الجنة [يدعى الكوثر] [¬٨]. فقال: \"أجل،\n_________\n(^١٨) مسند أحمد (٢/ ٦٧) (٥٣٥٥). والترمذي في كتاب: التفسير، باب: ومن سورة الكوثر، حديث (٣٣٥٨) (٩/ ٨٤). وابن ماجه في كتاب: الزهد، باب: صفة الجنة، حديث (٤٣٣٤) (٢/ ١٤٥٠). والطبري (٣٠/ ٣٢٤). وصححه أحمد شاكر.\n(^١٩) تفسير الطبري (٣٠/ ٣٢٥).\n(^٢٠) تفسير الطبري (٣٠/ ٣٢٥).\n_________\n[¬١]- سقط من ز، خ.\n[¬٢]- سقط من ز.\n[¬٣]- سقط من ز.\n[¬٤]- بياض في ز، خ.\n[¬٥]- في ز، خ: إبراهيم.\n[¬٦]- في ز: حزام.\n[¬٧]- سقط من ز.\n[¬٨]- سقط من خ.","vol":"14","page":480},{"text":"وعرضه -يعني أرضه- ياقوت ومرجان، وزبرجد ولؤلؤ\".\nحرام [¬١] بن عثمان: ضعيف. ولكن هذا سياق حسن، وقد صح أهل هذا، بل قد تواتر من طرق [¬٢] تفيد القطع عند كثير من أئمة الحديث، وكذلك أحاديث الحوض. [] [¬٣] وهكذا روي بن أنس، وأبي العالية، ومجاهد، وغير واحد من السلف: أن الكوثر نهر في الجنة. وقال عطاء: هو حوض في الجنة.\nوقوله: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾، أي: كما أعطيناك الخير الكثير في الدنيا والآخرة، ومن ذلك النهر الذي تقدم صفته: فأخلص لربك صلاتك المكتوبة والنافلة ونحرك، فاعبده وحده لا شريك له، وانحر على اسمه وحده لا شريك له. كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾، قال ابن عباس، وعطاء، ومجاهد، وعكرمة، والحسن: يعني بذلك نحو البُدْن ونحوها. وكذا قال قتادة، ومحمد بن كعب القرظي، والضحاك، والربيع، وعطاء الخراساني، والحكم، وإسماعيل بن أبي خالد، وغير واحد من السلف. وهذا بخلاف ما كان المشركون عليه من السجود لغير الله، والذبح على غير اسمه، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ …﴾ الآية.\nوقيل: المراد بقوله: ﴿وَانْحَرْ﴾: وضع اليد اليمنى على اليسرى تحت النحر. روى هذا عن علي، ولا يصح، وعن الشعبي مثله [¬٤].\nوعن أبي جعفر الباقر: ﴿وَانْحَرْ﴾ يعني: ارفع اليدين عند افتتاح الصلاة.\nوقيل [¬٥]: ﴿وَانْحَرْ﴾، أي: استقبل بنحرك القبلة. ذكر هذه الأقوال الثلاثة ابنُ جرير.\nوقد روى ابن أبي حاتم ها هنا حديثًا منكرًا جدًّا فقال: حدثنا وهب بن إبراهيم الفامي [¬٦]-سنة خمس وخمسين ومائتين- حدثنا إسرائيل بن حاتم المروزي، حدثنا مقاتل بن حيان، عن الأصبغ بن نباتة، عن علي بن أبي طالب؛ قال: لما نزلت هذه السورة على النبي ﷺ: ﴿إِنَّا أَعْطَينَاكَ الْكَوْثَرَ (١) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾، قال رسول الله: \"يا جبريل؛ ما هذه النحيرة التي أمرني بها ربي؟ \" فقال [¬٧]: ليست بنحيرة، ولكنه يأمرك إذا تحرمت للصلاة، ارفع يديك إذا كبرت وإذا ركعت، وإذا رفعت رأسك من الركوع، وإذا سجدت،\n_________\n[¬١]- في ز، خ: حزام.\n[¬٢]- في ز: طريق.\n[¬٣]- في ز، خ: \"ولنذكرها هنا وكل هذه الأقوال غريبة جدًّا\".\n[¬٤]- سقط من ز.\n[¬٥]- في ز: وأقبل.\n[¬٦]- في ز، خ: القاضي.\n[¬٧]- في ز: قال.","vol":"14","page":481},{"text":"فإنها صلاتنا وصلاة الملائكة الذين في السماوات السبع، وإن لكل شيء زينة، وزينة الصلاة رفع اليدين عند كل تكبيرة.\nوهكذا رواه الحاكم (^٢١) في المستدرك من حديث إسرائيل بن حاتم به.\nوعن عطاء الخراساني، [﴿وَانْحَرْ﴾ أي،] [¬١]: ارفع صلبك بعد الركوع واعتدل، وأبرز نحرك، يعني به الاعتدال. رواه ابن أبي حاتم.\n[وكل هذه الأقوال غريبة جدًّا] [¬٢]. والصحيح القول الأول: أن المراد بالنحر ذبح المناسك؛ ولهذا كان رسول اللَّه ﷺ يصلي يوم [¬٣] العيد ثم ينحر نسكه ويقول: \"من صلى صلاتنا ونسك نسكنا، فقد أصاب النسك. ومن نسك قبل الصلاة فلا نسك له\". فقام أبو بردة بن نيار فقال: يا رسول اللَّه؛ إني نسكت شاتي قبل الصلاة، وعرفت أن اليوم يوم يشتهى فيه اللحم. قال: \"شاتك شاة لحم\". قال: فإن عندي عناقًا هي أحب إِليَّ من شاتين، أفتجزئ عنّي؟ قال: \"تجزئك، ولا تجزئ أحدًا بعدك\" (^٢٢).\nقال أبو جعفر بن جرير: والصواب قول من قال: معنى ذلك: فاجعل صلاتك كلها لربك خالصًا دون ما سواه من الأنداد والآلهة، وكذلك نحرك اجعله له دون الأوثان، شكرًا له على ما أعطاك من الكرامة والخير، الذي لا كِفَاءَ له، وخصك به.\nوهذا الذي قاله في غاية الحسن، وقد سبقه إلى هذا المعنى: محمد بن كعب القرظي وعطاء.\nوقوله: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾، أي: إن مبغضك -يا محمد- ومبغض ما جئت به من الهدى والحق والبرهان الساطع والنور المبين، هو الأبتر الأقل الأذل المنقطع ذكره.\nقال ابن عباس، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وقتادة: نزلت في العاص بن وائل.\nوقال محمد بن إسحاق عن يزيد بن رومان؛ قال: كان العاص بن وائل إذا ذكر رسول اللَّه ﷺ يقول: دعوه فإنه رجل أبتر لا عقب له، فإذا هلك انقطع ذكره. فأنزل اللَّه هذه السورة. وقال شمر بن عطية: نزلت في عقبة بن أبي معيط.\n_________\n(^٢١) المستدرك (٢/ ٥٣٧ - ٥٣٨). وتعقبه الذهبي بأن فيه إسرائيل صاحب عجائب لا يعتمد عليه، وأصبغ شيعي متروك عند النسائي.\n(^٢٢) أخرجه البخاري في كتاب: العيدين، باب: الأكل يوم النحر، حديث (٩٥٥) (٢/ ٤٤٧). ومسلم في كتاب: الأضاحي، باب: وقتها، حديث (١٩٦١). كلاهما من حديث البراء به نحوه.\n_________\n[¬١]- سقط من ز، خ.\n[¬٢]- سقط من ز، خ.\n[¬٣]- سقط من ت.","vol":"14","page":482},{"text":"وقال ابن عباس أيضًا، وعكرمة: نزلت في كعب بن الأشرف، و[¬١] جماعة من كفار [¬٢] قريش.\nوقال البزار (^٢٣): حدثنا زياد بن يحيى الحساني، حدثنا ابن أبي عدي، عن داود، عن عكرمة، عن ابن عباس؟ قال: قدم كعب بن الأشرف مكة فقالت له قريش: أنت [سيدهم] [¬٣]، ألا ترى إلى هذا المُصَنبر المنبتر من قومه؟ يزعم أنه خير منا، ونحن أهل الحجيج، وأهل السدانة، وأهل السقاية. فقال: أنتم خير منه. قال: فنزلت: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾.\nو[¬٤] هكذا رواه البزار [¬٥]، وهو إسناد صحيح.\nوعن عطاء قال [¬٦]: نزلت في أبي لهب، وذلك حين مات ابن لرسول اللَّه ﷺ فذهب أبو لهب إلى المشركين وقال: بتر محمد الليلة. فأنزل اللَّه [في ذلك] [¬٧]: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾.\nوعن ابن عباس: نزلت في أبي جهل. وعنه ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ﴾، يعني: عدوك. وهذا يعم جميع من اتصف بذلك ممن ذكر وغيرهم.\nوقال عكرمة: الأبتر: الفهد. وقال السدي: كانوا إذا مات ذكور الرجل قالوا: بتر. فلما مات أبناء رسول اللَّه ﷺ قالوا: بتر محمد. فأنزل اللَّه: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾.\nوهذا يرجع إلى ما قلناه من أن الأبتر الذي إذا مات انقطع ذكره، فتوهموا لجهلهم أنه إذا مات بنوه [¬٨] ينقطع ذكره، وحاشا وكلّا، بل قد أبقى اللَّه ذكره على رءوس الأشهاد، وأوجب شرعه على رقاب العباد، مستمرًّا على دوام الآباد، إلى يوم الحشر والمعاد، صلوات اللَّه وسلامه عليه دائمًا إلى يوم التناد.\nآخر تفسير سورة الكوثر، وللَّه الحمد والمنة\n* * *\n_________\n(^٢٣) مختصر زوائد البزار (٢/ ١٢١) (١٥٣٨) من طريق الحسن بن علي الواسطي عن يحيى بن راشد عن داود بهذا الإسناد. قال ابن حجر: ضعيف.\n_________\n[¬١]- في ز: في.\n[¬٢]- يسقط كبار.\n[¬٣]- في ز: سيد ثم.\n[¬٤]- سقط من ز.\n[¬٥]- في ز: الترمذي.\n[¬٦]- سقط من ت.\n[¬٧]- سقط من خ.\n[¬٨]- سقط من خ.","vol":"14","page":483},{"text":"<span data-type='title' id=toc-230>[تفسير] سورة ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [وهي مكية]</span>\nثبت في صحيح مسلم (^١)، عن جابر، أن رسول اللَّه ﷺ قرأ بهذه السورة، وبـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ في ركعتي الطواف. وفي صحيح مسلم (^٢)، من حديث أبي هريرة، أن رسول اللَّه ﷺ قرأ بهما في ركعتي الفجر.\nوقال الإِمام أحمد (^٣): حدثنا وكيع، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن مجاهد، عن ابن عمر، أن رسول اللَّه ﷺ قرأ في الركعتين قبل الفجر والركعتين بعد المغرب، بضعًا وعشرين مرة -أو: بضع عشرة مرة- ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾.\nوقال أحمد أيضًا (^٤): حدثنا محمد بن عبد اللَّه بن الزبير، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن مجاهد، عن ابن عمر؛ قال: رمقت النبي ﷺ أوبعًا وعشرين -أو: خمسًا وعشرين- مرة، يقرأ في الركعتين قبل الفجر والركعتين بعد المغرب ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾.\nوقال أحمد (^٥): حدثنا أبو أحمد -هو محمد بن عبد اللَّه بن الزبير [¬١] الزبيري- حدثنا سفيان -هو [¬٢] الثوري- عن أبي إسحاق، عن مجاهد، عن ابن عمر؛ قال: رمقت النبي ﷺ شهرًا، وكان يقرأ في الركعتبن قبل الفجر بـ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾.\n_________\n(^١) صحيح مسلم، كتاب: الحج، باب: حجة النبي ﷺ، حديث (١٤٧/ ١٢١٨) (٨/ ٢٤٣) في حديث جابر الطويل.\n(^٢) صحيح مسلم، كتاب: صلاة المسافرين، حديث (٩٨/ ٧٢٦) (٦/ ٨).\n(^٣) مسند أحمد (٢/ ٢٤) (٤٧٦٣). وصححه أحمد شاكر.\n(^٤) مسند أحمد (٢/ ٩٩) (٥٧٤٢). وصححه أحمد شاكر.\n(^٥) مسند أحمد (٢/ ٩٤) (٥٦٩١). والترمذي في كتاب: الصلاة، باب: ما جاء في تخفيف ركعتي الفجر، حديث (٤١٧) (٨٤١٢). وابن ماجة في كتاب: الإقامة، باب: ما جاء فيما يقرأ في الركعتين قبل الفجر، حديث (١١٤٩) (١/ ٣٦٣). وقد وقع في المطبوع من ابن ماجة إسحاق بدلًا من أبي إسحاق وهو تحريف. ينظر تحفة الأشراف (٦/ ٢٣٨٠) (٧٣٨٨). والحديث صححه أحمد شاكر.\n_________\n[¬١]- سقط من ز.\n[¬٢]- في ز، خ: عن.","vol":"14","page":484},{"text":"وكذا رواه الترمذي و[ابن ماجة، من حديث أبي أحمد الزبيري] [¬١]، أخرجه النسائي (^٦) من وجه آخر، عن أبي إسحاق، به. وقال الترمذي: \"هذا حديث حسن\".\nو[قد [¬٢] تقدم في الحديث] [¬٣] أنها تعدل ربع القرآن، و﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾ تعدل ربع القرآن.\nوقال الإمام أحمد (^٧): حدثنا هاشم بن القاسم، حدثنا زهير، حدثنا أبو إسحاق، عن فروة بن نوفل -هو ابن معاوية- عن أبيه؛ أن رسول اللَّه ﷺ قال له: \"هل لك في ربيبة لنا تكفلها؟ \". قال: أراها زينب. قال: ثم جاء فسأله النبي ﷺ عنها، قال: \"ما فعلت الجارية؟ \" قال: تركتها عند أمها. قال \"فمجيء ما جاء بك؟ \" قال: جعت لتعلمني شيئًا أقوله عند منامي. قال: \"اقرًا: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، ثم نم على خاتمتها، فإنها براءة من الشرك\". تفرد به أحمد.\nوقال أبو القاسم الطبراني (^٨): حدثنا أحمد بن عمرو القطراني، حدثنا محمد بن الطفيل، حدثنا شريك، عن أبي إسحاق، عن جبلة بن حارثة -وهو أخو زيد بن حارثة- أن النبي ﷺ قال: \"إذا أويت إلى فراشك فاقرأ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ حتى تمر بآخرها، فإنها براءة من الشرك\".\nوقال الإمام أحمد (^٩): حدثنا حجاج، حدثنا شريك، عن أبي إسحاق، عن فروة [¬٤] بن نوفل، عن الحارث بن جبلة قال: قلت: يا رسول اللَّه؛ علمني شيئًا أقوله عند منامي. قال: \"إذا أخذت مضجعك من الليل فاقرأ: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، فإنها براءة من الشرك\".\nوروى الطبراني (^١٠) من طريق شريك، [عن] جابر، عن معقل الزبيدي، عن [عباد أبي\n_________\n(^٦) سنن النسائي (٢/ ١٧٠) كتاب الافتتاح، باب: القراءة في الركعتين بعد المغرب.\n(^٧) أطراف المسند لابن حجر (٥/ ٤٢٥) (٧٤٨٤) وهو ساقط من المطبوع. والحديث عند أحمد من طريق يحيى بن آدم، ثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق (٥/ ٤٥٦) (٢٣٩٢٠). به نحوه.\n(^٨) معجم الطبراني (٢/ ٢٨٧) (٢١٩٥). قال الهيثمي في \"المجمع\" (١٠/ ١٢٤): رواه الطبراني ورجاله وثقوا.\n(^٩) أطراف المسند (٢/ ٢٢٠ - ٢٢١) (٢١٣٦).\n(^١٠) رواه الطبراني (٤/ ٨١) (٣٧٠٨) من حديث محمد بن عبد اللَّه الحضرمي، عن أحمد بن عثمان بن حكيم الأودي، عن عبد الرحمن بن شريك، عن أبيه وعن جابر، عن معقل به.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من ز.\n[¬٢]- سقط من خ.\n[¬٣]- في ز: \"وتقدم حديث\".\n[¬٤]- في ز، خ: عروة.","vol":"14","page":485},{"text":"الأخضر عن خباب، رسول اللَّه ﷺ كان إذا أخذ مضجعه قرأ: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ حتى يختمها [واللَّه أعلم] [¬١].\n﷽\n﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٢) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٣) وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (٤) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٥) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (٦)﴾\nهذه السورة سورة البراءة من [¬٢] العمل الذي يعمله المشركون، وهي آمرة بالإخلاص فيه، فقوله: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ شمل كل كافر على وجه الأرض، ولكن المواجهين [¬٣] بهذا الخطاب هم كفار قريش.\nوقيل: إنهم من جهلهم دعوا رسول اللَّه ﷺ عبادة أوثانهم سنة، ويعبدون معبوده سنة، فأنزل اللَّه هذه السورة، وأمر رسوله ﷺ فيها أن يتبرأ من دينهم بالكلية، فقال: ﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ يعني من الأصنام والأنداد، ﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾، وهو اللَّه وحده لا شريك له. فـ \"ما\" هاهنا بمعنى \"من\".\nثم قال: ﴿وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (٤) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾، أي: ولا أعبد عبادتكم، أي: لا أسلكها ولا أقتدي بها، وإنما أعبد اللَّه على الوجه الذي يحبه ويرضاه؛ ولهذا قال: ﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾، أي: لا تقتدون بأوامر اللَّه وشرعه في عبادته، بل قد اخترعتم شيئًا من تلقاء أنفسكم، كما قال: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إلا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾، فتبرأ منهم في جميع ما هم فيه، فإن العابد لا بد له من معبود يعبده، وعبادة يسلكها إليه، فالرسول وأتباعه يعبدون اللَّه بما شرعه، ولهذا كان كلمة الإِسلام [¬٤] \"لا إله إلا اللَّه محمد رسول اللَّه\"، أي: لا معبود إلا اللَّه ولا طريق إليه إلا بما جاء به الرسول ﷺ، والمشركون يعبدون غير اللَّه عبادة لم يأذن بها اللَّه؛ ولهذا قال لهم الرسول ﷺ: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ [¬٥] كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا\n_________\n[¬١]- سقط من ت.\n[¬٢]- في ز: في.\n[¬٣]- في ز: المواجهون.\n[¬٤]- في خ: الإخلاص.\n[¬٥]- في ز: فإن.","vol":"14","page":486},{"text":"تَعْمَلُونَ﴾. وقال: ﴿لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾.\nوقال البخاري (^١١): يقال: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ﴾ الكفر، ﴿وَلِيَ دِينِ﴾ الإِسلام. ولم يقل \"ديني\" لأن الآيات بالنون، فحذف الياء، كما قال: ﴿فَهُوَ يَهْدِينِ﴾ و﴿يَشْفِينِ﴾. وقال غيره: لا أعبد ما تعبدون الآن، ولا أجيبكم فيما بقي من عمري، ولا أنتم عابدون ما أعبد، وهم الذين قال: ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾. انتهى ما ذكره.\nونقل ابن جرير عن بعض أهل العربية أن ذلك من باب التكيد، كقوله ﴿[فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا] [¬١] (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾، وكقوله: ﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (٦) ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَينَ الْيَقِينِ﴾. وحكاه بعضهم -كابن الجوزي وغيره- عن ابن قتيبة، فاللَّه اعلم.\nفهذه ثلاثة أقوال: أولها ما ذكرناه أولًا. الثاني: ما حكاه البخاري وغيره من المفسرين أن المراد: ﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٢) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ في الماضي ﴿وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (٤) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ في المستقبل. الثالث: أن ذلك تأكيد محض.\nوثمَّ قول رابع، نصره أبو العباس بن تيميّة في بعض كتبه، وهو أن المراد بقوله: ﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ نفي الفعل لأنها جملة فعلية، ﴿وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ﴾، نفي قبوله لذلك بالكلية؛ لأن النفي بالجملة الاسمية آكد فكأنه نفى الفعل وكونه قابلًا لذلك. ومعناه نفي الوقوع ونفي الإمكان الشرعي أيضًا. وهو قول حسن أيضًا، واللَّه أعلم.\nوقد استدل الإِمام أبو عبد اللَّه الشافعي وغيره بهذه الآية الكريمة: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾، على أن الكفر كله ملة واحدة تورثه اليهود من النصارى، وبالعكس، إذا [¬٢] كان بينهما [نسب أو] [¬٣] سبب يتوارث به؛ لأن الأديان ما عدا الإِسلام كلها كالشيء الواحد في البطلان.\nوذهب أحمد بن حنبل ومن وافقه إلى عدم توريث النصارى من اليهود وبالعكس، لحديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول اللَّه ﷺ: \"لا يتوارث أهل ملتين شتى\" (^١٢).\n_________\n(^١١) فتح الباري (٨/ ٧٣٣) في كتاب: التفسير، باب: سورة: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾.\n(^١٢) أخرجه أحمد (٢/ ١٧٨ - ١٩٥). وأبو داود في كتاب: الفرائض، باب: هل يرث المسلم الكافر، حديث (٢٩١١) (٣/ ١٢٥ - ١٢٦). وابن ماجة في كتاب: الفرائض، باب: ميراث أهل الإسلام من أهل الشرك، حديث (٢٧٣١) (٢/ ٩١٢). وابن الجارود في المنتقي (٩٦٧). وحسنه الألباني في الإرواء (١٦٧٥).\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من ز، خ.\n[¬٢]- في ت: إذ.\n[¬٣]- في ز: نسبا و.","vol":"14","page":487},{"text":"آخر تفسير [¬١] سورة ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، وللَّه الحمد والمنة.\n[وبه التوفيق والعصمة] [¬٢].\n* * *\n_________\n[¬١]- سقط من ز.\n[¬٢]- سقط من ز، ت.","vol":"14","page":488},{"text":"<span data-type='title' id=toc-231>[تفسير] سورة إذا جاء نصر اللَّه والفتح [وهي مدنية]</span>\nقد تقدم أنها تعدل ربع القرآن، و﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾ تعدل ربع القرآن.\nوقال النسائي (^١): أخبرنا محمد بن إسماعيل بن إبراهيم، أخبرنا جعفر، عن أبي العُمَيس (ح) وأخبرنا أحمد [¬١] بي سليمان، حدثنا جعفر بن عون، حدثنا أبو العميس، عن عبد المجيد بن سهيل، عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة، قال: قال لي ابن عباس: يا بن عتبة، أتعلم آخر سورة من القرآن نزلت؟ قلت: نعم، ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾. قال: صدقت.\nوروى الحافظ أبو بكر البزار (^٢) والبيهقي، من حديث موسى بن عبيدة الربذي، عن صدقة بن يسار، عن ابن عمر؛ قال: أنزلت هذه السورة: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ على رسول اللَّه ﷺ أوسط أيام التشريق، فعرف أنه الوداع، فأمر براحلته القصواء [¬٢] فرحلت [¬٣]، ثم قام فخطب الناس … فذكر خطبته المشهورة.\nوقال [¬٤] الحافظ البيهقي (^٣): أخبرنا علي بن أحمد بن عبدان، أخبرنا أحمد بن عبيد [¬٥] الصفار، حدثنا الأسفاطي، حدثنا سعيد بن سليمان، حدثنا [عباد بن] [¬٦] العمام، عن هلال بن خباب، عن عكرمة، عن ابن عباس؛ قال: لما نزلت: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾، دعا رسول اللَّه ﷺ فاطمة وقال: \"إنه قد نعيت إليّ نفسي\"، فبكت، ثم ضحكت، وقالت: أخبرني أنه نعيت إليه نفسه فبكيت، ثم قال: \"اصبري فإنك أول أهلي لحاقًا [¬٧] بي\". فضحكت.\nوقد رواه النسائي كما سيأتي بدون ذكر فاطمة.\n_________\n(^١) سنن النسائي، الكبرى في كتاب: التفسير، باب: سورة النصر، حديث (١١٧١٣) (٦/ ٥٢٥). والحديث في صحيح مسلم (٢١/ ٣٠٢٤) في كتاب: التفسير من طريق جعفر بن عون.\n(^٢) أخرجه البزار كما في \"مجمع الزوائد\" (٣/ ٢٦٩ - ٢٧١) وقال الهيثمي. قلت في الصحيح وغيره طرف منه- رواه البزار وفيه موسى بن عبيدة وهو ضعيف. ا هـ.\n(^٣) أخرجه البيهقي في \"دلائل النبوة\" (٧/ ١٦٧).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: محمد.\n[¬٢]- في ز: القصوى.\n[¬٣]- سقط من خ.\n[¬٤]- بياض في ز.\n[¬٥]- في ز: عبد.\n[¬٦]- في ز، خ: عساكر.\n[¬٧]- في ز: إلحاقًا.","vol":"14","page":489},{"text":"﷽\n﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (٣)﴾\nقال البخاري (^٤): حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا أبو عوانة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس؛ قال: كان عمر يدخلني مع أشياخ بدر، فكأن بعضهم وجد في نفسه، فقال: لم يدخل هذا معنا، ولنا أبناء مثله؟ فقال عمر: إنه ممن علمتم، فدعاهم ذات يوم فأدخله معهم، فما رُؤيتُ أنه دعاني فيهم يومئذ إلا ليريهم. فقال: ما تقولون في قول اللَّه ﷿: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ فقال بعضهم: أمرنا أن نحمد اللَّه ونستغفره إذا نصرنا وفتح علينا. وسكت بعضهم فلم يقل شيئًا، فقال لي: أكذلك [¬١] تقول يا بن عباس؟ فقلت: لا. فقال: ما تقول؟ فقلت: هو أجل رسول اللَّه ﷺ أعلمه له، قال: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ فذلك علامة أجلك، ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾. فقال عمر بن الخطاب: لا أعلم منها إلا ما تقول. تفرد به البخاري.\nوروى ابن جرير (^٥)، عن محمد بن حميد، عن مهران، عن الثوري، عن عاصم، عن أبي رزين، عن ابن عباس .. فذكر مثل هذه [¬٢] القصة، أو نحوها.\nوقال الإِمام أحمد (^٦): حدثنا محمد بن فضيل، حدثنا عطاء، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس؛ قال: لما نزلت: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾، قال رسول اللَّه ﷺ: \"نعيت إليّ نفسي … \" بأنه مقبوض في تلك السنة. تفرد به أحمد.\nوروى العوفي، عن ابن عباس مثله. وهكذا قال مجاهد، وأبو العالية، والضحاك، وغير واحد: إنها أجل رسول اللَّه ﷺ نعي إليه.\nوقال ابن جرير (^٧): حدثني إسماعيل بن موسى، حدثنا الحسين بن عيسى الحنفي، عن\n_________\n(^٤) صحيح البخاري في كتاب: التفسير، باب: قوله: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾، حديث (٤٩٧٠) (٨/ ٧٣٤ - ٧٣٥).\n(^٥) تفسير الطبري (٣٠/ ٣٣٤).\n(^٦) مسند أحمد (١/ ٢١٧) (١٨٧٣). وصحح إسناده أحمد شاكر.\n(^٧) تفسير الطبري (٣٠/ ٣٣٢).\n_________\n[¬١]- في ز: أكذاك.\n[¬٢]- في ز: هية.","vol":"14","page":490},{"text":"معمر، عن الزهري، عن أبي حازم، عن ابن عباس؛ قال: بينما رسول اللَّه ﷺ في المدينة إذ قال: \"اللَّه أكبر، اللَّه أكبر، جاء نصر اللَّه والفتح، جاء أهل اليمن\". قيل: يا رسول اللَّه، وما أهل اليمن؟ قال: \"قوم رقيقة قلوبهم، لينة طباعهم، الإِيمان يمان، والفقه يمان، والحكمة يمانية\".\nثم رواه (^٨) عن ابن عبد الأعلى، عن ابن ثور [¬١]، عن معمر، عن عكرمة … مرسلًا.\nوقال الطبراني (^٩): حدثنا زكريا بن يحيى، حدثنا أبو كامل الجحدري، حدثنا أبو عوانة، عن هلال بن خباب، عن عكرمة، عن ابن عباس؛ قال: لما نزلت: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ حتى ختم السورة، قال: نعيت لرسول اللَّه صلى اللَّه عليه ليسلم نفسه حين نزلت، قال: فأخذ بأشد ما كان قط اجتهادًا في أمر الآخرة. وقال رسول اللَّه ﷺ بعد ذلك: \"جاء الفتح ونصر اللَّه، وجاء أهل اليمن\". فقال رجل: يا رسول اللَّه؛ وما أهل اليمن؟ قال: \"قوم رقيقة قلوبهم، لينة طباعهم [¬٢]، الإِيمان يمان، والفقه يمان\".\nوقال الإِمام أحمد (^١٠): حدثنا وكيع، عن سفيان، عن عاصم، عن أبي رزين، عن ابن عباس قال: لما نزلت: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾، علم النبي ﷺ أن قد نعيت إليه نفسه، فقيل: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ السورة كلها.\nحدثنا وكيع (^١١)، عن سفيان، عن عاصم، عن أبي رزين: أن عمر سأل ابن عباس عن هذه الآية: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾، قال: لما نزلت نعيت إلى رسول اللَّه ﷺ نفسه.\nوقال الطبراني (^١٢): حدثنا إبراهيم بن أحمد بن عمر الوكيعي، حدثنا أبي، حدثنا جعفر بن عون، عن أبي العميس، عن أبي بكر بن أبي الجهم، عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة، عن ابن عباس قال: آخر سورة نزلت من القرآن جميعًا: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾.\nوقال الإِمام أحمد أيضًا (^١٣): حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن عمرو بن مرة،\n_________\n(^٨) تفسير الطبري (٣٠/ ٣٣٣).\n(^٩) معجم الطبراني (١١/ ٣٢٨ - ٣٢٩) (١١٩٠٣). قال الهيثمي في \"المجمع\" (٩/ ٢٦): رواه الطبراني في الكبير والأوسط بأسانيد … وأحد أسانيده رجاله رجال الصحيح.\n(^١٠) مسند أحمد (١/ ٣٤٤) (٣٢٠١). وصحح إسناده أحمد شاكر.\n(^١١) مسند أحمد (١/ ٢٥٦) (٣٣٥٣).\n(^١٢) معجم الطبراني الكبير (١٠/ ٣٦٩) (١٠٧٣٦).\n(^١٣) مسند أحمد (٣/ ٢٢) (١١١٨١).\n_________\n[¬١]- في ز: برز.\n[¬٢]- في ز، ت: قلوبهم.","vol":"14","page":491},{"text":"عن أبي البختري الطائي، عن أبي سعيد الخدري، عن رسول الله ﷺ؛ أنه قال لما نزلت هذه السورة: ﴿إذا جاء نصر الله والفتح﴾، قرأها رسول الله ﷺ حتى ختمها، فقال: \"الناس حيز، وأنا وأصحابي حيز\". وقال: \"لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية\". فقال له مروان [¬١]: كذبت -وعنده رافع بن خديج، وزيد بن ثابت، قاعدان معه على السرير- فقال أبو سعيد: لو شاء هذان لحدثاك، ولكن هذا يخاف أن تنزعه عن عرافة [¬٢] قومه، وهذا يخشى أن تنزعه عن الصدقة. فرفع مروان عليه الدرة ليضربه، فلما رأيا ذلك قال: صدق.\nتفرد به أحمد، في هذا الذي أنكره مروان على أبي سعيد ليس بمنكر، فقد ثبت من رواية ابن عباس؛ أن رسول الله ﷺ قال يوم الفتح: \"لا هجرة، ولكن جهاد ونية، ولكن إذا استنفرتم فانفروا\". أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما (^١٤).\nفالذي فسر به بعض الصحابة من جلساء عمر ﵃ أجمعين- من أنه قد أمرنا إذا فتح الله علينا المدائن والحصون أن نحمد الله ونشكره ونسبحه، يعني نصلي له ونستغفره معنى مليح صحيح، وقد ثبت له شاهد من صلاة النبي ﷺ يوم فتح مكة وقت الضحى ثماني ركعات، فقال قائلون: هي صلاة الضحى. وأجيبوا بأنه لم يكن يواظب عليها، فكيف صلاها ذلك اليوم وقد كان مسافرًا لم ينو الإقامة بمكة؟ ولهذا أقام فيها إلى آخر شهر رمضان قريبًا من [تسعة عشر] [¬٣] يومًا يقصر الصلاة ويفطر هو وجميع الجيش، وكانوا نحوًا من عشرة آلاف. قال هؤلاء: وإنما كانت صلاة الفتح، قالوا: فيستحب لأمير الجيش إذا فتح بلدًا أن يصلي فيه أول ما يدخله ثماني ركعات. وهكذا فعل سعد بن أبي وقاص يوم فتح المدائن، ثم قال بعضهم: يصليها كلها بتسليمة واحدة. والصحيح أنه مسلم من كل ركعتين، كما ورد في سنن أبي داود (^١٥)، أن رسول الله ﷺ كان مسلم يوم الفتح من كل ركعتين. وأما ما فسر به ابن عباس وعمر ﵄ [] [¬٤] أن هذه السورة نعي فيها إلى رسول الله ﷺ نفسه الكريمة، واعلم أنك إذا فتحت مكة -وهي: قريتك التي أخرجتك- ودخل الناس في دين الله أفواجًا، فقد فرغ شغلنا [¬٥] بك [¬٦] في الدنيا، فتهيأ للقدوم علينا والوفود إلينا، فالآخرة خير لك من الدنيا، ولسوف يعطيك ربك فترضى؛ ولهذا قال: ﴿فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابًا﴾.\n_________\n(^١٤) تقدم تخريجه في آل عمران (٩٧).\n(^١٥) سنن أبي داود في كتاب: الصلاة، باب: صلاة الضحى حديث (١٢٩٠) (٢/ ٢٨) من حديث أم هانئ ﵂ وضعفه الألباني في ضعيف أبي داود (٢٨١).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: هارون.\n[¬٢]- في ز: عراقية.\n[¬٣]- في ز: تسع عشرة.\n[¬٤]- في ت: من.\n[¬٥]- في ز: شغلكا. كذا. وفي خ: شغلك.\n[¬٦]- سقط من خ.","vol":"14","page":492},{"text":"قال النسائي (^١٦): أخبرنا عمرو بن منصور، حدثنا محمد بن محبوب، حدثنا أبو عوانة، عن هلال بن خباب، عن عكرمة، عن ابن عباس؛ قال لما نزلت: ﴿إذا جاء نصر الله والفتح …﴾ إلى آخر السورة، قال: نعيت لرسول الله ﷺ نفسه حين أنزلت، فأخذ في أشد ما كان اجتهادًا في أمر الآخرة، وقال رسول الله ﷺ بعد ذلك: \"جاء الفتح، وجاء نصر الله، وجاء أهل اليمن\". فقال رجل: يا رسول الله؛ وما أهل اليمن؟ قال: \"قوم رقيقة قلوبهم، لينة قلوبهم، الإِيمان يمان [¬١]، والحكمة يمانية، والفقه يمان\".\nوقال البخاري (^١٧): حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا جرير، عن منصور، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن عائشة؛ قالت: كان رسول الله ﷺ يكثر [أن يقول في ركوعه وسجوده: \"سبحانك اللَّهم ربنا وبحمدك، اللّهم اغفر لي\"- يتأول القرآن.\nوأخرجه بقية الجماعة إلا الترمذي، من حديث منصور به.\nوقال الإِمام أحمد (^١٨): حدثنا محمد بن أبي عدي، عن داود، عن الشعبي، عن مسروق؛ قال: قالت عائشة: كان رسول الله ﷺ يكثر] [¬٢] في آخر أمره من قول: \"سبحان الله وبحمده، أستغفر الله وأتوب إليه\". وقال: \"إن ربي كان أخبرني أني سأرى علامه في أمتي، وأمرني إذا رأيتها أن أسبح بحمده وأستغفره، إنه كان توابًا، فقد رأيتها: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا\".\nورواه مسلم من طريق داود، وهو ابن أبي هند به.\nوقال ابن جرير (^١٩): حدثنا أبو السائب، حدثنا حفص، حدثنا عاصم، عن الشعبي، عن أم سلمة قالت: كان رسول الله ﷺ في آخر أمره لا يقوم ولا يقعد، ولا\n_________\n(^١٦) سنن النسائي الكبرى، كتاب: التفسير، باب: سورة النصر، حديث (١١٧١٢) (٦/ ٥٢٥).\n(^١٧) صحيح البخاري، كتاب: التفسير، باب: سورة إذا جاء نصر الله والفتح، حديث (٤٩٦٨) (٨/ ٧٣٣). وأخرجه مسلم في كتاب: الصلاة، باب: ما يقال في الركوع والسجود، حديث (٢١٧/ ٤٨٤) (٤/ ٢٦٨). وأبو داود في كتاب: الصلاة، باب: في الدعاء في الركوع والسجود (٢/ ١٩٠) كتاب: الافتتاح، باب: نوع آخر من الذكر في الركرع. وابن ماجة في كتاب: الإقامة، باب: التسبيح في الركوع والسجود، حديث (٨٨٩) (١/ ٢٨٧).\n(^١٨) مسند أحمد (٦/ ٣٥) (٢٤١٧٤). ومسلم في كتاب: الصلاة، باب: ما يقال في الركوع والسجود، حديث (٢٢٠/ ٤٨٤) (٤/ ٢٧٠).\n(^١٩) تفسير الطبري (٣٠/ ٣٣٥).\n_________\n[¬١]- سقط من ز.\n[¬٢]- ما بين المعكوفين سقط من خ.","vol":"14","page":493},{"text":"يذهب ولا يجئ، إلا قال: \"سبحان الله وبحمده\". فقلت: يا رسول الله، إنك تكثر من سبحان الله وبحمده، لا تذهب ولا تجئ، ولا تقوم ولا تقعد إِلا قلت: \"سبحان اللَّه وبحمده\"؟ قال: \"إني أمرت بها\"، فقال: ﴿إذا جاء نصر الله والفتح …﴾ إلى آخر السورة. غريب، وقد كتبنا حديث كفارة المجلس من جميع طرقه وألفاظه في جزء مفرد، فيكتب هاهنا.\nوقال الإمام أحمد (^٢٠): حدثنا وكيع، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة، عن عبد الله؛ قال: لما نزلت على رسول الله ﷺ: ﴿إذا جاء نصر الله والفتح﴾، كان يكثر إذا قرأها -وركع- أن يقول: \"سبحانك اللَّهم ربنا وبحمدك، اللَّهم اغفر لي إنك أنت التواب الرحيم\". ثلاثًا. تفرد به أحمد. ورواه ابن أبي حاتم، عن أبيه، عن عمرو بن مرة، عن شعبة، عن أبي إسحاق به.\nوالمراد بالفتح هاهنا فتح مكة قولًا واحدًا، فإن أحياء العرب كانت تتلوم بإسلامها فتح مكة، يقولون: إن ظهر على قومه فهو نبي. فلما فتح اللَّه عليه مكة دخلوا في دين الله أفواجًا، فلم تمض سنتان حتى استوسقت جزيرة العرب إيمانًا، ولم يبق في سائر قبائل العرب إلا مظهر للإِسلام، ولله الحمد والمنة.\nوقد روى البخاري (^٢١) في صحيحه، عن عمرو بن سلمة قال: لما كان الفتح بادر كل قوم بإسلامهم إلى رسول الله ﷺ، وكانت الأحياء تتلوم بإسلامها فتح مكة، يقولون: دعوه وقومه، فإن ظهر عليهم فهو نبي .. الحديث. وقد حررنا غزوة الفتح في كتابنا: \"السيرة\"، فمن أراد [¬١] فليراجعه هناك، ولله الحمد والمنة.\nوقال الإِمام أحمد (^٢٢): حدثنا معاوية بن عمرو، حدثنا أبو إسحاق، عن الأوزاعي، حدثني أبو عمار، حدثني جار لجابر بن عبد الله؛ قال: قدمت من سفر فجاءني جابر بن عبد الله، فسلم علي، فجعلت أحدثه عن افتراق الناس، وما أحدثوا فجعل جابر يبكي، ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ؛ يقول: \"إن الناس دخلوا في دين الله أفواجًا، وسيخرجون منه أفواجًا\".\n[آخر تفسير سورة النصر، ولله الحمد]\n_________\n(^٢٠) مسند أحمد (١/ ٣٨٨) (٣٦٨٣).\n(^٢١) صحيح البخاري، كتاب: المغازي، باب: (٥٣)، حديث (٤٣٠٢) (٨/ ٢٢).\n(^٢٢) مسند أحمد (٣/ ٣٤٣) (١٤٧٣٨). قال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (٧/ ٢٨٤): رواه أحمد وجابر -كذا قال ولعل الصواب جار جابر- لم أعرفه وبقية رجاله رجال الصحيح. ا هـ.\n_________\n[¬١]- في ت: أراده.","vol":"14","page":494},{"text":"<span data-type='title' id=toc-232>[تفسير] سورة المسد [¬١] [وهي مكية]</span>\n﷽\n﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (١) مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ (٢) سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ (٣) وَامْرَأَتُهُ حَمَّالةَ الْحَطَبِ (٤) فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ (٥)﴾\nقال البخاري (^١): حدثنا محمد بن سلام، حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، أن النبي ﷺ خرج إلى البطحاء، فصعد الجبل فنادى: \"يا صباحاه! \". فاجتمعت إليه قريش، فقال [¬٢]: \"أرأيتم إن حدثتكم أن العدو مصبحكم أو مُمْسيكم، \"أكنتم تصدقوني؟ \". قالوا: نعم. قال: \"فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد\". فقال أبو لهب: ألهذا جمعتنا؟ تبا لك! فأنزل الله: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ إلى آخرها.\nوفي رواية (^٢): فقام ينفض يديه، وهو يقول: تبًّا لك سائر اليوم! ألهذا جمعتنا؟ فأنزل الله: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾.\nالأول دعاء عليه [¬٣]، والثاني خبر عنه، فأبو لهب هذا هو أحد أعمام رسول الله ﷺ واسمه: عبد العزى بن عبد المطلب، وكنيته أبو عتبة. وإنما سمي \"أبا لهب\" لإشراق وجهه، وكان كثير الأذية لرسول الله ﷺ والبغضة له، والازدراء به، والتنقص له ولدينه.\nقال الإمام أحمد (^٣): حدثنا إبراهيم بن العباس [¬٤]، حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد، لعن أبيه قال: أخبرني رجل يقال له: ربيعة بن عباد، من بني الديل، وكان جاهليًّا فأسلم، قال:\n_________\n(^١) صحيح البخاري، كتاب: التفسير، كتاب: ﴿وتب مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾، حديث (٤٩٧٢) (٨/ ٧٣٧). وأطرافه في: [١٣٩٤، ٣٥٢٥، ٣٥٢٦، ٤٧٧٠، ٤٨٠١، ٤٩٧١، ٤٩٧٣].\n(^٢) صحيح البخاري (٤٧٧٠) دون: فقام ينفض يديه.\n(^٣) المسند (٤/ ٣٤١) (١٩٠٥٨).\n_________\n[¬١]- في ز: تبت.\n[¬٢]- في ز: قال.\n[¬٣]- سقط من ت ز، خ.\n[¬٤]- في ز: أبي العباس.","vol":"14","page":495},{"text":"رأيت النبي ﷺ في الجاهلية في سوق ذي المجاز وهو يقول: \"يا أيها الناس؛ قولوا: لا إله إلا الله. تفلحوا\". والناس مجتمعون [¬١] عليه، ووراءه رجل وضيء الوجه أحول ذو غديرتين، يقول: إنه صابئ كاذب، يتبعه حيث ذهب، فسألت عنه؟ فقالوا: هذا عمّه أبو لهب.\nثم رواه عن سريج [¬٢] (^٤)، عن ابن أبي الزناد، عن أبيه، فذكره. قال أبو الزناد: قلت لربيعة: كنت يومئذ صغيرًا؟ قال: لا، والله إني يومئذ لأعقل أني أزفر [¬٣] القربة. تفرد به أحمد.\nوقال محمد بن إسحاق (^٥): حدثني حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس؛ قال: سمعت ربيعة بن عباد الديلي؛ يقول: إني لمع أبي رجل شاب، انظر إلى رسول الله ﷺ يتبع القبائل -ووراءه رجل أحول وضيء، ذو جمة- يقف رسول الله ﷺ على القبيلة فيقول: \"يا بني فلان؛ إني رسول الله إليكم، آمركم أن تعبدوا الله لا تشركوا به شيئًا، وأن تصدقوني وتمنعوني حتى أنفِّذَ عن الله ما بعثني به\". وإذا فرغ من مقالته قال الآخر من خلفه: يا بني فلان؛ هذا يريد منكم أن تسلخوا اللات والعزى وحلفاءكم من الجن من بني مالك بن أقيش، إلى ما جاء به من البدعة والضلالة، فلا تسمعوا له ولا تتبعوه. فقلت لأبي: من هذا؟ قال: عمه أبو لهب. رواه أحمد أيضًا والطبراني بهذا اللفظ.\nفقوله تعالى: ﴿تبت يدا أبي لهب﴾، أي: خسرت وخابت، وضل عمله وسعيه، ﴿وتب﴾، أي: وقد تبَّ تحقق [¬٤] خسارته وهلاكه.\nوقوله: ﴿ما أغنى عنه ماله وما كسب﴾ قال ابن عباس وغيره: ﴿وما كسب﴾ يعني: ولده. وروى عن عائشة ومجاهد وعطاء والحسن وابن سيرين، مثله.\nوذكر عن ابن مسعود أن رسول الله ﷺ لما دعا قومه إلى الإِيمان، قال أبو لهب: إن كان ما يقول ابن أخي حقًّا، فإني أفتدي نفسي يوم القيامة من العذاب بمالي وولدي. فأنزل الله: ﴿مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾.\nوقوله: ﴿سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ﴾، أي: ذات ثور ولهيب وإحراق شديد، ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالةَ الْحَطَبِ﴾، و[¬٥] كانت زوجته من سادات نساء قريش، وهي: أم جميل،\n_________\n(^٤) مسند أحمد (٤/ ٣٤١ - ٣٤٢) (١٩٠٥٩).\n(^٥) سيرة ابن هشام (٢/ ٢٨٧) بنحوه إلا أنه قال: سمعت ربيعة بن عباد يحدثه أبي قال: إني لغلام ....\n_________\n[¬١]- في ز، خ: يجتمعون.\n[¬٢]- في ز: شريح.\n[¬٣]- في ز: أرفرف. وزفر الشيء: حمله.\n[¬٤]- في خ: تحققت.\n[¬٥]- سقط من ز.","vol":"14","page":496},{"text":"واسمها أروى بنت حرب بن أمية، وهي أخت أبي سفيان، وكانت عونًا لزوجها على كفره وجحوده وعناده، فلهذا تكون يوم القيامة عونًا عليه في عذابه في نار جهنم؛ ولهذا قال: ﴿حَمَّالةَ الْحَطَبِ (٤) فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾، يعني: تحمل الحطب فتلقي على زوجها، ليزداد على ما هو فيه، وهي مهيأة لذلك مستعدة له.\n﴿فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾ قال مجاهد وعروة: من مسد النار.\nوعن مجاهد، وعكرمة، والحسن، وقتادة، والثوري، والسدي: ﴿حَمَّالةَ الْحَطَبِ﴾: كانت تمشي بالنميمة.\n[وقال العوفي عن ابن عباس، وعطية الجدلي، والضحاك، وابن زيد: كانت تضع الشوك في طريق رسول الله ﷺ. واختاره ابن جرير].\nقال ابن جرير: وقيل: كانت تعير النبي ﷺ بالفقر، وكانت تحتطب، فعيرت [¬١] بذلك.\nكذا حكاه، ولم يعزه إلى أحد. والصحيح الأول، والله أعلم.\nقال سعيد بن المسيب: كانت لها زيادة فاخرة، [فقالت: لأنفقنها] [¬٢] في عداوة محمد. يعني فأعقبها الله بها حبلًا في جيدها من مسد النار.\nوقال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا وكيع، عن سليم مولى الشعبي، عن الشعبي قال: المسد: الليف.\nوقال عروة بن الزبير: السد: سلسلة ذرعها سبعون ذراعًا. وعن الثوري: هي زيادة من نار، طولها سبعون ذراعًا.\nوقال الجوهري: المسد: الليف. والمسد أيضًا: حبل من ليف أو خوص، وقد يكون من جلود الإِبل أو أوبارها، ومسدت الحبل أمسده مسدًا: إذا أجدت فتله.\nوقال مجاهد: ﴿فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾، أي: طرق من حديد، ألا ترى أن العرب يسمون البكرة مسدًا؟.\nوقال ابن أبي حاتم (^٦): حدثنا أبي وأبو زرعة؛ قال: حدثنا عبد الله بن الزبير الحميدي،\n_________\n(^٦) أخرجه الحميدي (١/ ١٥٣ - ١٥٤) (٣٢٣). وأخرجه الحاكم (٢/ ٣٦١) وصححه ووافقه الذهبي. والبيهقي في الدلائل (٢/ ١٩٥ - ١٩٦). كلهم من طريق سفيان لهذا الإسناد بنحوه.\n_________\n[¬١]- في ز: فعثرت.\n[¬٢]- في ز: قالت لأنفقها.","vol":"14","page":497},{"text":"حدثنا سفيان، حدثنا الوليد بن كثير، عن ابن بدوس، عن أسماء بنت أبي بكر؛ قالت: لما نزلت: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾، أقبلت [¬١] العوراء أم جميل بنت حرب، ولها ولولة، وفي يدها فهر، وهي تقول، لعنها الله [¬٢]:\nمُذمَّمًا أبينَا\nودينَه قَلَيْنا\nوَأمرَه عَصَينا\nورسول الله ﷺ جالس في المسجد ومعه أبو بكر، فلما رآها أبو بكر قال: يا رسول الله، قد أقبلت وأنا أخاف عليك أن تراك. فقال رسول الله ﷺ: \"إنها لن تراني\". وقرأ قرآنا اعتصم به، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا﴾. فأقبلت حتى وقفت على أبي بكر ولم تر رسول الله ﷺ فقالت: بها أبا بكر؛ إني [¬٣] أخبرت أن صاحبك هجاني؟ قال: لا، ورب هذا البيت ما هجاك. فولت وهي تقول: قد علمت قريش أني ابنة سيدها. قال: وقال الوليد في حديثه أو غيره: فعثرت أم جميل في مرطها وهي تطوف بالبيت [] [¬٤]، فقالت: تعس مذمم! فقالت أو حكيم بنت عبد المطلب: إني لحصان فما [¬٥] أكفم، وثقاف فما [¬٦] أعلم، وكلنا من بني العم [¬٧]، وقريش بعدُ أعلم.\nوقال الحافظ أبو بكر البزار (^٧): حدثنا إبراهيم بن سعيد، وأحمد بن إسحاق؛ قالا: حدثنا أبو أحمد، حدثنا عبد السلام بن حرب، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس؛ قال: لما نزلت: ﴿تبت يدا أبي لهب﴾ [جاءت امرأة أبي لهب] [¬٨] ورسول الله ﷺ جالس، ومعه أبو بكر، فقال له أبو بكر: لو تنحيت لا تؤذيك بشيء. فقال رسول الله ﷺ: \"إنه سيحال بيني وبينها\". فأقبلت حتى وقفت على أبي بكر؛ فقالت: يا أبا بكر، هجانا صاحبك. فقال أبو بكر: لا، ورب هذه البنية ما نطق بالشعر ولا يتفوه به. فقالت: إنك لمصدق. فلما ولت قال أبو بكر ﵁: ما رأتك؟! قال: \"لا، ما زال ملك يسترني حتى ولت\".\n_________\n(^٧) أخرجه البزار (٢/ ١٢١ - ١٢٢) (١٥٣٩، ١٥٤٠).\n_________\n[¬١]- في ز: أقبل.\n[¬٢]- سقط من ت.\n[¬٣]- سقط من ز، خ.\n[¬٤]- في ز، خ: في مرطها.\n[¬٥]- في ت: مما.\n[¬٦]- في ت: مما.\n[¬٧]- في ز: الهم.\n[¬٨]- سقط من خ.","vol":"14","page":498},{"text":"ثم قال البزار: [لا نعلمه يروى بأحسن من هذا الإسناد، عن أبي بكر وضي الله عنه] [¬١].\nوقد قال بعض أهل العلم في قوله تعالى: ﴿فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾، أي: في عنقها حبل من نار، تُرفَع به إلى شفيرها [¬٢]، ثم يرمى بها إلى أسفلها، ثم كذلك دائمًا.\nقال أبو الخطاب بن دحَية في كتابه التنوير -وقد روى ذلك-: وعبر بالمسد عن حبل الدلو، كما قال أبو حنيفة الدينوري في كتاب \"النبات\": كل مسد: رشاء، وأنشد في ذلك:\nوَبَكْرَةً ومِحْوَرًا صِرَارًا … وَمَسَدًا مِن أبق مُغَارًا\nقال: والأبقُ: القنَّبُ.\nوقال الآخر شعرًا [¬٣]:\nيا مَسَدَ الخُوص [¬٤] تَعوّذْ مني [إنْ تَك] [¬٥] لَدْنًا لَيِّنًا فإني\nما شئْتَ منْ أشْمَط مُقْسْئنّ [¬٦]\nقال العلماء: وفي هذه السورة معجزة ظاهرة ودليل واضح على النبوة، فإنه منذ نزل قوله تعالى: ﴿سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ (٣) وَامْرَأَتُهُ حَمَّالةَ الْحَطَبِ (٤) فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾، فأخبر عنهما بالشقاء وعدم الإيمان، لم يقيض لهما أن يؤمنا ولا واحد منهما، لا ظاهرًا ولا باطنًا، لا مسرًّا ولا معلنًا، فكان هذا من أقوى الأدلة الباهرة على النبوة الظاهرة.\n[آخر تفسير سورة المسد، ولله الحمد]\n* * *\n_________\n[¬١]- في البزار: \"وهذا أحسن الإسناد ويدخل في مسند أبي بكر\".\n[¬٢]- في ز، خ: سعيرها.\n[¬٣]- سقط من ت.\n[¬٤]- في ز: الحوض.\n[¬٥]- في ز، خ: إني بك.\n[¬٦]- في ز: مكسئن.","vol":"14","page":499},{"text":"<span data-type='title' id=toc-233>[تفسير] سورة الإخلاص [وهي مكية]</span>\n<span data-type='title' id=toc-234>ذكر سبب نزولها وفضيلتها</span>\nقال الإمام أحمد (^١): حدثنا أبو سعد محمد بن مُيسَّر [¬١] الصاغاني، حدثنا أبو جعفر الرازي، حدثنا الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب؛ أن المشركين قالوا للنبي ﷺ: يا محمد؛ انسب لنا ربك. فأنزل الله: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾.\nوكذا رواه الترمذي وابن جرير، عن أحمد بن منيع، زاد ابن جرير: ومحمود بن خداش، عن أبي سعد محمد بن ميسر به، زاد ابن جرير والترمذي، قال: ﴿الصمد﴾: الذي لم يلد ولم يولد، لأنه ليس شيء يولد [¬٢] إلا سيموت، وليس شيء يموت إلا سيورث، وإن الله ﷻ لا يموت ولايورث، ﴿ولم يكن له كفوًا أحد﴾ ولم يكن له شبه ولا عدل، وليس كمثله شيء.\nورواه ابن أبي حاتم، من [¬٣] حديث أبي سعد محمد بن ميسر به.\nثم رواه الترمذي (^٢) عن عبد بن حميد، عن عبيد الله بن موسى، عن أبي جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية … فذكره مرسلًا، ولم يذكر (أبيًّا). ثم قال الترمذي:: هذا أصح من حديث أبي [¬٤] سعد.\n(حديث آخر في معناه) قال الحافظ أبو يعلى الموصلي (^٣): حدثنا [سريج بن يونس] [¬٥]، حدثنا إسماعيل بن مجالد، عن مجالد، عن الشعبي، عن جابر، أن أعرابيًّا جاء إلى النبي\n_________\n(^١) مسند أحمد (٥/ ١٣٣ - ١٣٤) (٢١٢٩٩). وأخرجه الترمذي في كتاب: التفسير، باب: ومن سورة الإخلاص حديث (٣٣٦١) (٩/ ٨٦). والطبري (٣٠/ ٣٤٦).\n(^٢) سنن الترمذي (٣٣٦٢) (٩/ ٨٦ - ٨٧).\n(^٣) مسند أبي يعلى (٤/ ٣٨ - ٣٩) (٢٠٤٤). وإسناده ضعيف؛ لضعف مجالد بن سعيد. وأورده الهيثمي في المجمع (٧/ ١٤٩) وقال: فيه مجالد بن سعيد، وبقية رجاله رجال الصحيح.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: مبشر. وكذا في الموضعين القادمين.\n[¬٢]- في ز، خ: بذلك.\n[¬٣]- في ز: في.\n[¬٤]- سقط من ز، خ.\n[¬٥]- ما بين المعكوفين في ز: \"شريح، حدثنا ابن يونس\".","vol":"14","page":500},{"text":"ﷺ فقال: انسب لنا ربك. فأنزل الله ﷿: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ …﴾ إلى آخرها. إسناده مقارب.\nوقد رواه ابن جرير (^٤)، عن محمد بن عوف، عن سريج [¬١]، فذكره. وقد أرسله غير واحد من السلف.\nوروى عبيد [¬٢] بن إسحاق العطار، عن قيس بن الربيع، عن عاصم، عن أبي وائل، عن ابن مسعود؛ قال: قالت قريش لرسول الله ﷺ: انسب لنا ربك. فنزلت هذه السورة: ﴿قل هو الله أحد …﴾ (^٥).\nقال الطبراني: رواه الفريابي وغيره، عن قيس، [عن] [¬٣] عاصم، عن أبي وائل، مرسلًا.\nثم روى الطبراني من حديث عبد الرحمن بن عثمان الطائفي، عن الوازع بن نافع، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة؛ قال: قال رسول الله ﷺ: \"لكل شيء نسبة، ونسبة الله: قل هو الله أحد\".\n(حديث آخر في فضلها) قال البخاري (^٦): حدثنا محمد -هو الذهلي- حدثنا أحمد بن صالح، حدثنا ابن وهب، أخبرنا عمرو، عن ابن أبي هلال، أن أبا الرجال محمد بن عبد الرحمن حدثه، عن أمه عمرة بنت عبد الرحمن -وكانت في حجر عائشة زوج النبي ﷺ عن عائشة؛ أن النبي ﷺ بعث رجلًا على سرية، وكان يقرأ لأصحابه في صلاتهم، فيختم بـ ﴿قل هو الله أحد﴾ فلما رجعوا ذكروا [¬٤] ذلك للنبي ﷺ فقال: \"سلوه لأي شيء يصنع ذلك؟ \" فسألوه، فقال: لأنها صفة الرحمن، وأنا أحب أن أقرأ بها. فقال النبي ﷺ: \"أخبروه أن الله تعالى يحبه\".\nهكذا رواه في كتاب \"التوحيد\". ومنهم من يسقط ذكر \"محمد الذهلي\"، ويجعله من\n_________\n(^٤) تفسير الطبري (٣٠/ ٣٤٣).\n(^٥) أخرجه أبو الشيخ في \"العظمة\" (١/ ٣٧٥ - ٣٧٦) (٨٩) من طريق أبي داود عن قيس مرسلًا- ليس فيه ابن مسعود.\n(^٦) صحيح البخاري في كتاب: التوحيد، باب: ما جاء في دعاء النبي ﷺ أمته إلى توحيد الله ﵎، حديث (٧٣٧٥) (١٣/ ٣٤٧) بإسقاط الذهلي من الإسناد. وأخرجه مسلم في كتاب: صلاة المسافرين، باب: فضل قراءة ﴿قل هو الله أحد﴾، حديث (٢٦٣/ ٨١٣) (٦/ ١٣٨). والنسائي (٢/ ١٧٠ - ١٧١) كتاب الافتتاح، باب: الفضل في قراءة ﴿قل هو الله أحد﴾.\n_________\n[¬١]- في ز: شريح.\n[¬٢]- في ز، خ: عبد.\n[¬٣]- في ز: بن. وفي باقي النسخ: عن أبي.\n[¬٤]- سقط من ز.","vol":"14","page":501},{"text":"روايته عن أحمد بن صالح، وقد رواه مسلم والنسائي أيضًا من حديث عبد الله بن وهب، عن عمرو بن الحارث [¬١]، عن سعيد بن أبي هلال به.\nحديث آخر: قال البخاري في كتاب الصلاة (^٧): وقال عبيد [¬٢] الله، عن ثابت، عن أنس؛ قال: كان رجل من الأنصار يؤمهم في مسجد قباء، فكان كلما افتتح سورة يقرأ بها لهم في الصلاة مما يقرأ به، افتتح بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ حتى يفرغ منها، ثم يقرأ سورة أخرى معها، وكان يصنع ذلك في كل ركعة. فكلمه أصحابه فقالوا: إنك تفتتح بهذه السورة ثم لا ترى أنها تجزئك حتى تقرأ بالأخرى، فإما أن [تقرأ بها] [¬٣]، وإما أن تدعها وتقرأ بأخرى. فقال: ما أنا بتاركها، إن أحببتم أن أؤمكم بذلك فعلت، وإن كرهتم تركتكم. وكانوا يرون أنه من أفضلهم، وكرهوا أن يؤمهم غيره. فلما أتاهم النبي ﷺ أخبروه الخبر فقال: \"يا فلان، ما يمنعك أن تفعل ما يأمرك به أصحابك، وما حملك على لزوم هذه السورة في كل ركعة؟ \". قال: إني أحبها. قال: \"حبك إياها أدخلك الجنة\".\nهكذا رواه البخاري تعليقًا مجزومًا به. وقد رواه أبو عيسى الترمذي في جامعه، عن البخاري، عن إسماعيل بن أبي أويس، عن عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن عبيد الله بن عمر … فذكر بإسناده مثله سواء، ثم قال الترمذي: \"غريب من حديث عبيد الله، عن ثابت\". قال: وروى مبارك بن فضالة، عن ثابت، عن أنس أن رجلًا قال: يا رسول الله؛ إني أحب هذه السورة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾. قال: \"إن [¬٤] حبك إياها أدخلك الجنة\".\nوهذا الذي علقه الترمذي، قد رواه الإمام أحمد في مسنده متصلًا، فقال (^٨):\nحدثنا أبو النضر، حدثنا مبارك بن فضالة، عن ثابت عن أنس؛ قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ؛ فقال: إني أحب هذه السورة: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾. فقال رسول الله ﷺ: \"حبك إياها أدخلك الجنة\".\n(حديث في كونها تعدل ثلث القرآن) قال البخاري (^٩): حدثنا إسماعيل، حدثني مالك، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة، عن أبيه، عن أبي سعيد؛ أن\n_________\n(^٧) أخرجه البخاري تعليقًا في كتاب: الأذان، باب: الجمع بين السورتين في الركعة، حديث (٧٧٤ م) (٢/ ٢٥٥). وأخرجه الترمذي في كتاب: ثواب القرآن، باب: ما جاء في سورة الإخلاص، حديث (٢٩٠٣) (٨/ ١٠٩ - ١١٠).\n(^٨) مسند أحمد (٣/ ١٤١) (١٢٤٥٤).\n(^٩) صحيح البخاري في كتاب: التوحيد، باب: ما جاء في دعاء النبي ﷺ أمته إلى توحيد الله ﵎، حديث (٧٣٧٤) (١٣/ ٣٤٧).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: أيوب.\n[¬٢]- في ز، خ: عبد.\n[¬٣]- في خ: تقرأها.\n[¬٤]- سقط من خ.","vol":"14","page":502},{"text":"رجلًا سمع رجلًا يقرأ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، يرددها، فلما أصبح جاء إلى النبي ﷺ فذكر [¬١] ذلك له، وكأن الرجل يتقالَّها، فقال النبي ﷺ: \"والذي نفسي بيده، إنها لتعدل ثلث القرآن\".\nزاد إسماعيل بن جعفر (^١٠)، عن مالك، عن عبد الرحمن بن عبد الله، عن أبيه، عن أبي سعيد؛ قال: أخبرني أخي [¬٢] قتادة بن النعمان، عن النبي ﷺ.\nوقد رواه البخاري (^١١) أيضًا عن عبد الله بن يوسف، والقعنبي، ورواه أبو داود عن القعنبي، والنسائي عن قتيبة، كلهم عن مالك به. وحديث قتادة بن النعمان أسنده النسائي (^١٢) من طريقين، عن إسماعيل بن جعفر، عن مالك به.\n(حديث آخر) قال البخاري (^١٣): حدثنا عمر [¬٣] بن حفص، حدثنا أبي، حدثنا الأعمش، حدثنا إبراهيم، والضحاك المشرقي، عن أبي سعيد؛ قال: قال رسول الله ﷺ لأصحابه: \"أيعجز أحدكم أن يقرأ ثلث القرآن في ليلة؟ \" فشق ذلك عليهم وقالوا: أينا يطيق ذلك يا رسول الله؟ فقال: \"الله الواحد الصمد ثلث القرآن\".\nتفرد بإخراجه البخاري من حديث إبراهيم بن يزيد النخعي، والضحاك بن شرحبيل الهمداني المشرقي، كلاهما [¬٤] عن أبي سعيد، قال الفربري: سمعت أبا جعفر محمد بن أبي حاتم وراق [¬٥] أبي عبد الله؛ قال: قال أبو عبد الله البخاري: عن إبراهيم، مرسل، وعن الضحاك، مسند.\n_________\n(^١٠) صحيح البخاري في كتاب: فضائل القرآن، باب: فضل ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، حديث (٥٠١٣) (٩/ ٥٨ - ٥٩).\n(^١١) صحيح البخاري، كتاب: الأيمان والنذور، باب: كيف كانت يمين النبي ﷺ، حديث (٦٦٤٣) (١١/ ٥٣٥). وأخرجه أبو داود في كتاب: الصلاة، باب: في سورة الصمد، حديث (١٤٦١) (٢/ ٧٢). والنسائي (٢/ ١٧١) كتاب الافتتاح، باب: الفضل في قراءة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾.\n(^١٢) سنن النسائي، الكبرى، كتاب: فضائل القرآن، باب: سورة الإخلاص، حديث (٨٠٢٩) (٥/ ١٦ - ١٧) من طريق محمد بن جعفر عن إسماعيل بن جعفر. وأخرجه في كتاب: عمل اليوم والليلة، باب: ما يستحب للإنسان أن يقرأ كل ليلة، حديث (١٥٠٣٦) (٦/ ١٧٦). من طريق إسماعيل بن إبراهيم عن إسماعيل بن جعفر.\n(^١٣) صحيح البخاري في كتاب: فضائل القرآن، باب: فضل ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، حديث (٥٠١٥) (٩/ ٥٩).\n_________\n[¬١]- في ز: ذكر.\n[¬٢]- في ز: أبو.\n[¬٣]- في خ: عمرو.\n[¬٤]- في ت: كليهما.\n[¬٥]- في ز، خ: وراد.","vol":"14","page":503},{"text":"(حديث آخر): قال الإمام أحمد (^١٤): حدثنا يحيى بن إسحاق، حدثنا ابن لهيعة، عن الحارث بن يزيد، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري؛ قال: بات قتادة بن النعمان يقرأ الليل كله بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، فذكر ذلك للنبي ﷺ فقال: \"والذي نفسي بيده، لتعدل نصف القرآن، أو: ثلثه\".\n(حديث آخر [¬١]: قال الإمام أحمد (^١٥): حدثنا حسن، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا حيى بن عبد الله، عن أبي عبد الرحمن الحبلي، عن عبد الله بن عمرو، أن أبا أيوب الأنصاري كان في مجلس وهو يقول: ألا يستطيع أحدكم أن يقوم بثلث القرآن كل ليلة؟ فقالوا: وهل يستطيع ذلك أحد؟! قال: فإن ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ثلث القرآن. قال: فجاء النبي ﷺ وهو يسمع أبا أيوب، فقال: \"صدق أبو أيوب\".\n(حديث آخر): قال أبو عيسى الترمذي (^١٦): حدثنا محمد بن بشار [¬٢]، حدثنا يحيي بن سعيد، حدثنا يزيد بن كيسان، أخبرني أبو حازم، عن أبي هريرة؛ قال: قال رسول الله ﷺ: \"احشدوا، فإني سأقرأ عليكم ثلث القرآن\". فحشد من حشد، ثم خرج نبي الله ﷺ فقرأ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، ثم دخل، فقال بعضنا لبعض: قال رسول الله ﷺ: \"فإني سأقرأ عليكم ثلث القرآن\"، إني لأرى هذا خبرًا جاء من السماء، ثم خرج نبي الله ﷺ فقال: \"إني قلت: سأقرأ عليكم ثلث القرآن، ألا وإنها تعدل ثلث القرآن\".\nوهكذا رواه مسلم في صحيحه، عن محمد بن بشار به. وقال الترمذي: \"حسن صحيح غريب، واسم أبي حازم سلمان\".\n(حديث آخر): قال الإمام أحمد (^١٧): حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن زائدة بن\n_________\n(^١٤) مسند أحمد (٣/ ١٥) (١١١٢٩).\n(^١٥) مسند أحمد (٢/ ١٧٣) (٦٦١٣). قال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (٧/ ١٥٠): رواه أحمد وفيه ابن لهيعة وفيه ضعف.\n(^١٦) سنن الترمذي في كتاب: ثواب القرآن، باب: ما جاء في سورة الإخلاص، حديث (٢٩٠٢) (٨/ ١٠٨ - ١٠٩). ومسلم في كتاب: صلاة المسافرين، باب: فضل قراءة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، حديث (٨٢١) (٦/ ١٣٧ - ١٣٨) من طريقين عن يحيى بن سعيد ليس فيهما محمد بن بشار، وقد أورده المزي في تحفة الأشراف (١٠/ ٩٤) (١٣٤٤١) ولم يذكر محمد بن بشار.\n(^١٧) مسند أحمد (٥/ ٤١٨ - ٤١٩) (٢٣٦٦١). والترمذي في كتاب: فضائل القرآن، باب: ما جاء في سورة الإخلاص، حديث (٢٨٩٩) (٥/ ١٥٣ - ١٥٤ - ط شاكر). والنسائي (٢/ ١٧١ - ١٧٢).\n_________\n[¬١]- سقط من خ.\n[¬٢]- في ز، خ: يسار.","vol":"14","page":504},{"text":"قدامة، عن منصور، عن هلال بن يساف، عن الربيع بن خثيم، عن عمرو بن ميمون، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن امرأة من الأنصار، عن أبي أيوب، عن النبي ﷺ قال: \"أيعجز أحدكم أن يقرأ ثلث القرآن في ليلة؟ فإنه من قرأ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ في ليلة، فقد قرأ ليلتئذ ثلث القرآن\".\nهذا حديث تساعيُّ الإسناد للإمام أحمد. ورواه الترمذي [¬١] والنسائي، كلاهما عن محمد بن بشار، بندار، زاد [¬٢] الترمذي: وقتيبة - كلاهما عن عبد الرحمن بن مهدي به [¬٣]. فصار لهما عشاريًّا. وفي رواية الترمذي: عن امرأة أبي أيوب، عن أبي أيوب به. ثم قال: وفي الباب عن أبي الدرداء، وأبي سعيد، وقتادة بن النعمان، وأبي هريرة، وأنس، وابن عمر، وأبي مسعود. وهذا حديث حسن، ولا نعلم أحدًا روى هذا الحديث أحسن من رواية \"زائدة\". وتابعه على روايته إسرائيل، والفضيل بن عياض. وقد روى شعبة وغير واحد من الثقات هذا الحديث عن منصور، واضطربوا فيه.\n(حديث آخر): قال أحمد (^١٨): حدثنا هشيم، عن حصين، عن هلال بن يساف، عن عبد الرحمن ابن أبي ليلى، عن أبي بن كعب -أو: رجل من الأنصار- قال: قال رسول الله ﷺ: \"من قرأ بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ فكأنما قرأ بثلث القرآن\".\nورواه النسائي في \"اليوم والليلة\"، من حديث هشيم، عن حصين، عن ابن أبي ليلى به. ولم يقع في روايته: هلال بن يساف.\n(حديث آخر): قال الإمام أحمد (^١٩): حدثنا وكيع، عن سفيان، عن أبي قيس، عن عمرو بن ميمون، عن أبي مسعود؛ قال: قال رسول الله ﷺ: \" ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ تعدل ثلث القرآن\".\nوهكذا رواه ابن ماجة عن علي بن محمد الطنافسي، عن وكيع به. ورواه النسائي في اليوم والليلة من طرق أخر، عن عمرو بن ميمون، مرفوعًا وموقوفًا.\n_________\n(^١٨) مسند أحمد (٥/ ١٤١) (٢١٣٥٤). أخرجه النسائي في الكبرى في كتاب: عمل اليوم والليلة، باب: ما يستحب للإنسان أن يقرأ كل ليلة، حديث (١٠٥٢٢) (٦/ ١٧٤).\n(^١٩) مسند أحمد (٤/ ١٢٢) (١٧١٥٧). ورواه ابن ماجة في كتاب: الأدب، باب: ثواب القرآن، حديث (٣٧٨٩) (٢/ ١٢٤٥). قال في الزوائد: هذا إسناد صحيح رجاله ثقات، وأبو قيس هو عبد الرحمن بن ثروان. وأخرجه النسائي في الكبرى في كتاب: عمل اليوم والليلة، باب: ما يستحب للإنسان أن يقرأ كل ليلة، حديث (١٠٥٢٤ - ١٠٥٢٨).\n_________\n[¬١]- سقط من ت.\n[¬٢]- سقط من ز، خ.\n[¬٣]- سقط من خ.","vol":"14","page":505},{"text":"(حديث آخر): قال الإمام أحمد (^٢٠): حدثنا بهز، حدثنا بكير [¬١] بن أبي السميط، حدثنا قتادة، عن سالم بن أبي الجعد، عن معدان بن أبي طلحة، عن أبي الدرداء؛ أن رسول الله ﷺ؛ قال: \"أيعجز أحدكم أن يقرأ كل يوم ثلث القرآن؟ \". قالوا: نعم يا رسول الله، نحن أضعف من ذلك وأعجز. قال: \"فإن الله جزأ القرآن ثلاثة أجزاء، فـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ثلث القرآن\". ورواه مسلم والنسائي من حديث قتادة به.\n(حديث آخر): قال الإمام أحمد (^٢١): حدثنا أمية بن خالد، حدثنا محمد بن عبد الله بن مسلم ابن أخي ابن شهاب عن عمه [] [¬٢] الزهري، عن حميد بن عبد الرحمن -هو ابن عوف- عن أمه -وهي: أم كلثوم بنت عقبة [¬٣] بن أبي معيط- قالت: قال رسول الله ﷺ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ تعدل ثلث القرآن\".\nوكذا رواه النسائي في \"اليوم والليلة\"، عن عمرو بن عليّ، عن أمية بن خالد به.\nثم رواه (^٢٢) من طريق مالك، عن الزهري، عن حميد بن عبد الرحمن، قوله.\nورواه النسائي (^٢٣) أيضًا في \"اليوم والليلة\" من حديث محمد بن إسحاق، عن الحارث بن الفضيل الأنصاري، عن الزهري، عن حميد بن عبد الرحمن، أن نفرًا من أصحاب محمد ﷺ حدثوه عن النبي ﷺ؛ أنه قال: \" ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ تعدل ثلث القرآن لمن صلى بها\".\n(حديث آخر في كون قراءتها توجب الجنة): قال الإمام مالك بن أنس (^٢٤)، عن عبيد الله بن عبد الرحمن، عن عبيد بن حنين [¬٤]؛ قال: سمعت أبا هريرة، يقول: أقبلت مع النبي\n_________\n(^٢٠) مسند أحمد (٦/ ٤٤٧) (٢٧٦٢٩). ومسلم في كتاب: صلاة المسافرين، باب: فضل قراءة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، حديث (٢٥٩/ ٨١١) (٦/ ١٣٦). والنسائي في كتاب: عمل اليوم والليلة، باب: \"ما يستحب للإنسان أن يقرأ كل ليلة\" حديث (١٠٥٣٧) (٦/ ١٧٦ - ١٧٧).\n(^٢١) مسند أحمد (٦/ ٤٠٤) (٢٧٣٨٢). والنسائي في الكبرى في: عمل اليوم والليلة، باب: ما يستحب للإنسان أن يقرأ كل ليلة، حديث (١٠٥٣١) (٦/ ١٧٥).\n(^٢٢) سنن النسائي في الموضع السابق برقم (١٠٥٣٣) (٦/ ١٧٥ - ١٧٦)،\n(^٢٣) سنن النسائي أيضًا في الموضع السابق برقم (١٠٥٣٢) (٦/ ١٧٥).\n(^٢٤) الموطأ كتاب: القرآن، باب: ما جاء في قراءة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ و﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾، حديث (١٨) (١/ ١٨٣). ومن طريقه الترمذي في كتاب: ثواب القرآن، باب: ما جاء في سورة الإخلاص، حديث (٢٨٩٩) (٨/ ١٠٧). والنسائي في الكبرى في كتاب: عمل اليوم والليلة، باب، الفضل في قراءة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، حديث (١٠٥٣٨) (٦/ ١٧٧).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: بكر.\n[¬٢]- في ز: عن.\n[¬٣]- في ز: عتبة.\n[¬٤]- في خ: حسين.","vol":"14","page":506},{"text":"ﷺ فسمع رجلًا يقرأ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ فقال رسول الله ﷺ: \"وجبت\" قلت: وما وجبت؟ قال: \"الجنة\".\nورواه الترمذي والنسائي، من حديث مالك. وقال الترمذي: \"حسن صحيح غريب، لا نعرف إلا من حديث مالك\". وتقدم حديث (^٢٥): \" حبك إياها أدخلك [¬١] الجنة\".\n(حديث في تكرار قراءتها): قال الحافظ أبو يعلى الموصلي (^٢٦): حدثنا قطن بن نُسير الغبري، حدثنا عُبيس بن ميمون القرشي، حدثنا يزيد الرقاشي، عن أنس قال: سمعت رسول الله ﷺ؛ يقول: \"أما يستطيع أحدكم أن يقرأ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ثلاث مرات في ليلة، فإنها تعدل ثلث القرآن؟ \".\nهذا إسناد [¬٢] ضعيف، وأجود منه حديث آخر، قال عبد الله بن الإمام أحمد (^٢٧):\nحدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي، حدثنا الضحاك بن مخلد، حدثنا ابن أبي ذئب، عن أسيد بن أبي أسيد، عن معاذ بن [عبد الله بن خبيب] [¬٣]، عن أبيه؛ قال: أصابنا عطش [¬٤] وظلمة، فانتظرنا رسول الله ﷺ يصلي لنا، فخرج فأخذ بيدي، فقال: \"قل\". فسكت، قال: \"قل\". قلت: ما أقول؟ قال: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ والمعوذتين حين تمسي وحين تصبح ثلاثًا، تكفك كل يوم مرتين\".\nورواه أبو داود والترمذي والنسائي من حديث ابن أبي ذئب به.\nوقال الترمذي: حسن صحيح غريب من هذا الوجه.\nوقد رواه النسائي (^٢٨) من طريق أخرى، عن معاذ بن عبد الله بن خبيب [¬٥]، عن أبيه، عن عقبة بن عامر … فذكره.\n_________\n(^٢٥) تقدم قريبًا.\n(^٢٦) أخرجه أبو يعلى (٧/ ١٥٠) (٤١١٨) إلا أن فيه عبيس بن ميمون القرشي بين يزيد وقطن. قال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (٧/ ١٥٠): رواه أبو يعلى وفيه عبيس بن ميمون وهو متروك.\n(^٢٧) عبد الله بن أحمد في \"زوائد المسند\" (٥/ ٣١٢) (٢٢٧٦٧). وأبو داود في كتاب: الأدب، باب، ما يقول إذا أصبح، حديث (٥٠٨٢) (٤/ ٣٢١ - ٣٢٢). والترمذي في كتاب: الدعوات، باب: \"دعاء يقال عند النوم\"، حديث (٣٥٧٠) (٩/ ٢١٦). والنسائي (٨/ ٢٥٠) في أول كتاب الاستعاذة.\n(^٢٨) سنن النسائي (٨/ ٢٥١) في أول كتاب الاستعاذة، من طريق عبد الله بن سليمان عن معاذ بنحوه.\n_________\n[¬١]- في ز: أدخل.\n[¬٢]- في ز: إسناده.\n[¬٣]- في ز، خ: \"عبد الرحمن بن حبيب\".\n[¬٤]- في ت: طش.\n[¬٥]- في ز: حبيب.","vol":"14","page":507},{"text":"(حديث آخر في ذلك) قال الإمام أحمد (^٢٩): حدثنا إسحاق بن عيسى، حدثنا ليث بن سعد، حدثني الخليل بن مرة، عن الأزهر بن [¬١] عبد الله، عن تميم الداري؛ قال: قال رسول الله ﷺ: \"من قال: لا إله إلا الله، واحدًا أحدًا صمدًا، لم يتخذ صاحبة ولا ولدًا، ولم يكن له كفوًا أحد - عشر مرات - كتب له أربعون ألف ألف حسنة\". تفرد به أحمد، والخليل بن مرة: ضعَّفه البخاري وغيره بمرة [¬٢].\n(حديث آخر): قال أحمد (^٣٠) أيضًا [¬٣]: حدثنا حسن بن موسى، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا زبان [¬٤] بن فائد، عن سهل بن معاذ بن أنس الجهني، عن أبيه، عن رسول الله ﷺ قال: \"من قرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ حتى يختمها - عشر مرات - بنى الله له قصرًا في الجنة\". فقال عمر: إذن نستكثر يا رسول الله. فقال رسول الله ﷺ: \"الله أكثر وأطيب\". تفرد به أحمد.\nورواه أبو محمد الدارمي في مسنده (^٣١) [] [¬٥] فقال [¬٦]: حدثنا عبد الله بن يزيد، حدثنا حيوة، حدثنا أبو [عقيل زهرة] [¬٧] بن معبد -قال الدارمي: وكان من الأبدال- أنه سمع سعيد بن المسيب؛ يقول: إن نبي الله ﷺ؛ قال: \"من قرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ عشر مرات بنى الله له قصرًا في الجنة، ومن قرأها عشرين مرة بنى الله له قصرين في الجنة، ومن قرأها ثلاثين مرة بنى الله له ثلاثة قصور في الجنة\". فقال عمر بن الخطاب: إذن لتكثر قصورنا. فقال رسول الله ﷺ: \"الله أوسع من ذلك\". وهذا مرسل جيد.\n(حديث آخر): قال الحافظ أبو يعلى: حدثنا نصر بن علي، حدثني نوح بن قيس، أخبرني محمد العطار، أخبرتنى أم كثير الأنصارية، عن أنس بن مالك، عن رسول الله ﷺ قال: \"من قرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ خمسين مرة، غفرت له ذنوب خمسين سنة\". إسناده ضعيف.\n_________\n(^٢٩) أخرجه أحمد (٤/ ١٠٣).\n(^٣٠) أخرجه أحمد (٣/ ٤٣٧) (١٥٦٥٢).\n(^٣١) أخرجه الدارمي في كتاب: فضائل القرآن، باب: في فضل ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، حديث (٣٤٣٢) (٢/ ٣٣٠).\n_________\n[¬١]- في ز: عن.\n[¬٢]- في ز: سمرة.\n[¬٣]- سقط من ز.\n[¬٤]- في ز، خ: زياد.\n[¬٥]- في ز، خ: \"إسناده ضعيف، حاتم ابن ميمون ضعفه البخاري وغيره\". ومكانها في ت: في نهاية الفقرة بعد القادمة.\n[¬٦]- سقط من ز، خ.\n[¬٧]- في ز، خ: عبيد وغيره.","vol":"14","page":508},{"text":"(حديث آخر): قال أبو يعلى (^٣٢): حدثنا أبو الربيع، حدثنا حاتم بن ميمون، حدثنا ثابت، عن أنس؛ قال: قال رسول الله ﷺ: \"من قرأ في يوم ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ مائتي مرة كتب الله له ألفًا وخمسمائة حسنة، إلا أن يكون عليه دين\". [إسناده ضعيف، حاتم ابن ميمون ضعفه البخاري وغيره].\nورواه الترمذي (^٣٣)، عن محمد بن مرزوق البصري، عن حاتم بن ميمون، به، ولفظه: \"من قرأ كل يوم، مائتي مرة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ محي عنه ذنوب خمسين سنة، إلا أن يكون عليه دين\".\nقال الترمذي: وبهذا الإسناد عن النبي ﷺ؛ قال: \"من أراد أن ينام على فراشه، فنام على يمينه، ثم قرأ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ مائة مرة، فإذا كان يوم القيامة يقول له الرب ﷿: يا عبدي؛ ادخل على يمينك الجنة\".\nثم قال: غريب من حديث ثابت، وقد روي من غير هذا الوجه عنه.\nوقال أبو بكر البزار: حدثنا سهل بن بحر، حدثنا حبان بن أغلب، حدثنا أبي، حدثنا ثابت، عن أنس؛ قال: قال رسول الله ﷺ: \"من قرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ مائتي مرة حط الله عنه ذنوب مائتي سنة\".\nثم قال: لا نعلم رواه عن ثابت إلا الحسن بن أبي جعفر، والأغلب بن تميم، وهما متقاربان في سوء الحفظ.\n(حديث آخر في الدعاء بما تضمنته من الأسماء) قال النسائي عند تفسيرها (^٣٤): حدثنا عبد الرحمن بن خالد، حدثنا زيد بن الحباب، حدثني مالك بن مغول، حدثنا عبد الله بن بريدة، عن أبيه؛ أنه دخل مع رسول الله ﷺ المسجد، فإذا رجل يصلي، يدعو يقول: اللَّهم؛ إني أسألك بأني أشهد أن لا إله إلا أنت، الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد. قال: \"والذي نفسي بيده، لقد سأله باسمه الأعظم، الذي إذا سئل به أعطى، وإذا دعي به أجاب\".\nوقد أخرجه بقية أصحاب السنن من طرق، عن مالك بن مغول، عن عبد الله بن بريدة،\n_________\n(^٣٢) أخرجه أبو يعلى (٦/ ١٠٣) (٣٣٦٥).\n(^٣٣) سنن الترمذي، كتاب: ثواب القرآن، باب: ما جاء في سور القرآن، حديث (٢٩٠٠) (٨/ ١٠٧).\n(^٣٤) أخرجه النسائي في التفسير، كما في تحفة الأشراف (٢/ ٩٠) (١٩٩٨). وأخرجه أبو داود في كتاب: الصلاة، باب: الدعاء، حديث (١٤٩٣، ١٤٩٤). والترمذي في كتاب: الدعوات، باب: ما جاء في جامع الدعوات عن رسول الله ﷺ، حديث (٣٤٧١) (٩/ ١٥٤). وابن ماجة في كتاب: الأدب، باب: اسم الله الأعظم، حديث (٣٨٥٧) (٢/ ١٢٦٧ - ١٢٦٨).","vol":"14","page":509},{"text":"عن أبيه به. وقال الترمذي: حسن غريب.\n(حديث آخر في قراءتها عشر مرات بعد المكتوبة [¬١] قال الحافظ أبو يعلى (^٣٥): حدثنا عبد الأعلى، حدثنا بشر بن منصور، عن عمر بن نبهان [¬٢]، عن أبي شداد، عن جابر بن عبد الله؛ قال: قال رسول الله ﷺ: \"ثلاث من جاء بهن مع الإيمان دخل من أي أبواب الجنة شاء، وزوج من الحور العين حيث شاء [¬٣]: من عفا عن قَاتله [¬٤]، وأدى دينًا خفيًّا [¬٥]، وقرأ [¬٦] في دبر كل صلاة مكتوبة عشر مرات: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ \". قال: فقال أبو بكر: أو إحداهن يا رسول الله؟ قال: \"أو إحداهن\".\n(حديث في قراءتها عند دخول المنزل) قال الحافظ أبو القاسم الطبراني (^٣٦): حدثنا محمد بن عبد الله بن بكر السراج العسكري، حدثنا محمد بن الفرج، حدثنا محمد بن الزبرقان، عن مروان بن سالم، عن أبي زرعة، عن عمرو بن جرير، عن جرير بن عبد الله؛ قال: قال رسول الله ﷺ: \"من قرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ حين يدخل منزله، نفت الفقر عن أهل ذلك المنزل والجيران\". إسناده ضعيف.\n(حديث في الإكثار من قراءتها في سائر الأحوال) قال الحافظ أبو يعلى (^٣٧): حدثنا محمد بن إسحاق المسيبي، حدثنا يزيد بن هارون، عن العلاء أبي [¬٧] محمد الثقفي؛ قال: سمعت أنس بن مالك؛ يقول: كنا مع رسول الله ﷺ بتبوك، فطلعت الشمس بضياء وشعاع ونور لم نرها طلعت فيما مضى بمثله، فأتى جبريل النبي ﷺ فقال: \"يا جبريل؛ ما لي أرى الشمس طلعت اليوم بضياء ونور وشعاع لم أرها طلعت [¬٨] فيما مضى؟! \". قال: إن ذلك معاوية بن معاوية الليثي، مات بالمدينة اليوم، فبعث الله إليه سبعين ألف ملك يصلون عليه. قال: \"وفيم ذلك؟ \" قال: كان يكثر قراءة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ في الليل والنهار، وفي ممشاه وقيامه وقعوده، فهل لك يا رسول الله أن أقبض لك الأرض فتصلي عليه؟ قال: \"نعم\". فصلى عليه.\n_________\n(^٣٥) أخرجه أبو يعلى (٣/ ٣٣٢) (١٧٩٤). قال الهيثمي في المجمع رواه أبو يعلى وفيه عمر بن نبهان، وهو متروك.\n(^٣٦) معجم الطبراني الكبير (٢/ ٣٤٠) (٢٤١٩).\n(^٣٧) أخرجه أبو يعلى (٧/ ٢٥٦ - ٢٥٧) (٤٢٦٧).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: المغرب.\n[¬٢]- في ز: شيبان. والمثبت من أبي يعلى.\n[¬٣]- سقط من ز.\n[¬٤]- في ز، خ: قائمه. بلا نقط.\n[¬٥]- سقط من ز.\n[¬٦]- سقط من خ.\n[¬٧]- في خ: بن. وكذلك في أبي يعلى.\n[¬٨]- بعده في ت: بمثله.","vol":"14","page":510},{"text":"وكذا رواه الحافظ أبو بكر البيهقي في دلائل النبوة (^٣٨)، من طريق يزيد بن هارون، عن العلاء أبي [¬١] محمد وهو متهم بالوضع، فالله أعلم.\n(طريق أخرى) قال أبو يعلى (^٣٩): حدثنا محمد بن إبراهيم الشامي أبو عبد الله، حدثنا عثمان بن الهيثم -مؤذن مسجد الجامع بالبصرة عندي- عن محمد أبي عبد الله، عن عطاء بن أبي ميمونة، عن أنس؛ قال: نزل جبريل على النبي ﷺ فقال: مات معاوية بن معاوية الليثي، فتحب أن تصلي عليه؟ قال: \"نعم\". فضرب بجناحه الأرض، فلم تبق شجرة ولا أكمة إلا تضعضعت، فرفع سريره فنظر إليه، فكبر عليه وخلفه صفان من الملائكة، في كل صف سبعون ألف ملك، فقال النبي ﷺ: \"يا جبريل؛ بم نال هذه المنزلة من الله تعالى؟ \". قال: بحبه ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ وقراءته إياها ذاهبًا وجائيًا [¬٢]، قائمًا وقاعدًا، وعلى كل حال.\nورواه البيهقي (^٤٠) من رواية عثمان بن الهيثم المؤذن، عن محبوب بن هلال، عن عطاء بن أبي ميمونة، عن أنس … فذكره وهذا هو الصواب، ومحبوب بن هلال قال أبو حاتم الرازي: ليس بالمشهور. وقد روي هذا من طرق أخر، تركناها اختصارًا، وكلها ضعيفة.\n(حديث آخر في فضلها مع المعوذتين) قال الإمام أحمد (^٤١): حدثنا أبو المغيرة، حدثنا معاذ بن رفاعة، حدثني علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة، عن عقبة بن عامر؛ قال: لقيت رسول الله ﷺ فابتدأته فأخذت بيده، فقلت: يا رسول الله؛ بم نجاة المؤمن؟ قال: \"يا عقبة؛ أخرس لسانك وليسعك بيتك وابك على خطيئتك\". قال: ثم لقيني رسول الله ﷺ فابتدأني فأخذ بيدي، فقال: \"يا عقبة بن عامر، ألا أعلمك خير ثلاث سور أنزلت في التوراة، والإنجيل، والزبور، والقرآن العظيم؟ \" قال: قلت: بلى، جعلني الله فداك. قال: فأقرأني ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾. ثم قال: \"يا عقبة، لا تنسهن ولا تبت [¬٣] ليلة حتى تقرأهن\". قال: فما نسيتهن منذ قال: \"لا تنسهن\"، وما بت ليلة قط حتى أقرأهن. قال عقبة: ثم لقيت رسول الله ﷺ فابتدأته، فأخذت بيده فقلت: يا رسول الله؛ أخبرني\n_________\n(^٣٨) \" دلائل النبوة\" (٥/ ٢٤٥).\n(^٣٩) أخرجه أبو يعلى (٧/ ٢٥٨) (٤٢٦٨).\n(^٤٠) \" دلائل النبوة\" (٥/ ٢٤٦).\n(^٤١) أخرجه أحمد (٤/ ١٤٧) (١٧٣٨٢). والترمذي في كتاب: الزهد، باب: ما جاء في حفظ اللسان، حديث (٢٤٠٨) (٧/ ١٢٨).\n_________\n[¬١]- في ز، خ: بن.\n[¬٢]- في ز: وجالسًا.\n[¬٣]- في ز: تبيت.","vol":"14","page":511},{"text":"بفواضل الأعمال. فقال: \"يا عقبة؛ صل من قطعك، وأعط من حرمك، وأعرض عمن ظلمك\".\nروى الترمذي بعضه في \"الزهد\"، من حديث عبيد الله بن زحر [¬١]، عن علي بن يزيد وقال: هذا حديث حسن. وقد رواه أحمد من طريق آخر (^٤٢):\nحدثنا حسين بن محمَّد، حدثنا ابن عياش، عن أسيد بن عبد الرحمن الخثعمي، عن فروة بن مجاهد اللخمي، عن عقبة بن عامر، عن النبي ﷺ، فذكر مثله سواء. تفرد به أحمد.\n(حديث آخر في الاستشفاء بهن) قال البخاري (^٤٣): حدثنا قتيبة، حدثنا المفضل، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة؛ أن النبي ﷺ كان إذا أوى إلى فراشه كل ليلة جمع كفيه، ثم نفث فيهما فقرأ فيهما ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾، ثم يمسح بهما ما استطاع من جسده، يبدأ بهما على رأسه ووجهه، وما أقبل من جسده، يفعل [¬٢] ذلك ثلاث مرات. وهكذا رواه أهل السنن، من حديث عقيل به.\n﷽\n﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾\nقد تقدم ذكر سبب نزولها. وقال عكرمة: لما قالت اليهود: نحن نعبد عُزَير [¬٣] ابن الله،\n_________\n(^٤٢) مسند أحمد (٤/ ١٥٨) (١٧٥٠٠).\n(^٤٣) صحيح البخاري في كتاب: فضائل القرآن، باب: فضل المعوذات، حديث (٥٠١٧) (٩/ ٦٢). وأبو داود في كتاب: الأدب، باب: ما يقال عند النوم، حديث (٥٠٥٦) (٤/ ٣١٣). والترمذي في كتاب: الدعوات، باب: ما جاء فيما يقرأ من القرآن عند المنام، حديث (٣٣٩٩) (٩/ ١٠٩). والنسائي في الكبرى في كتاب: عمل اليوم والليلة، باب: كم يقول ذلك، حديث (١٠٦٢٤) (٦/ ١٩٧). وابن ماجه في كتاب: الدعاء، باب: ما يدعو به إذا أوى إلى فراشه، حديث (٣٨٧٥). وابن ماجه ذكر نفسه بالمعوذتين فقط.\n_________\n[¬١]- في ز: أحر.\n[¬٢]- في ز: ففعل.\n[¬٣]- في ز: عزيرًا.","vol":"14","page":512},{"text":"وقالت النصارى: نحن نعبد المسيح ابن الله، وقالت المجوس: نحن نعبد الشمس والقمر، وقالت المشركون: نحن نعبد الأوثان، أنزل الله على رسوله ﷺ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾.\nيعني: هو الواحد الأحد، الذي لا نظير له ولا وزير، ولا نديد ولا شبيه ولا عديل، ولا يطلق هذا اللفظ على [¬١] أحد في الإثبات إلا على الله ﷿ لأنه الكامل في جميع صفاته وأفعاله.\nوقوله: ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ قال عكرمة عن ابن عباس: يعني الذي يصمد الخلائق إليه في حوائجهم ومسائلهم.\nقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: هو السيد الذي قد كمل في سؤدده، والشريفُ الذي قد كمل [في شرفه، والعظيمُ الذي قد كمل في عظمته، والحليمُ الذي قد كمل في حلمه، والعليمُ الذي قد كمل في] [¬٢] علمه، والحكيمُ الذي قد كمل في حكمته. وهو الذي قد كمل في أنواع الشرف والسؤدد، وهو الله سبحانه، هذه صفته لا تنبغي إلا له، ليس له كفء، وليس كمثله شيء، سبحان الله الواحد القهار.\nوقال الأعمش عن شقيق [¬٣]، عن أبي وائل: ﴿الصَّمَدُ﴾: السيد الذي قد انتهى سؤدده ورواه عاصم، عن أبي وائل، عن ابن مسعود، مثله.\nوقال مالك عن زيد بن أسلم: ﴿الصَّمَدُ﴾: السيد. وقال الحسن وقتادة: هو الباقي بعد خلقه. وقال الحسن أيضًا: ﴿الصَّمَدُ﴾: الحي القيوم الذي لا زوال له. وقال عكرمة: ﴿الصَّمَدُ﴾: الذي لم يخرج منه شيء ولا يطعم [¬٤].\nوقال الربيع بن أنس: هو الذي لم يلد ولم يولد. كأنه جعل ما بعده تفسيرًا له، وهو قوله: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾. وهو تفسير جيد، وقد تقدم الحديث من رواية ابن جرير، عن أُبي بن كعب في ذلك، وهو صريح فيه.\nوقال ابن مسعود وابن عباس، وسعيد بن المسيب، ومجاهد، وعبد الله بن بريدة [¬٥]، وعكرمة أيضًا، وسعيد بن جبير، وعطاء بن أبي رباح، وعطية العوفي، والضحاك، والسدي: ﴿الصَّمَدُ﴾: الذي لا جوف له.\n_________\n[¬١]- سقط من ز.\n[¬٢]- ما بين المعكوفين سقط من ز.\n[¬٣]- في ز: سفيان.\n[¬٤]- في ز: يطعه. كذا.\n[¬٥]- في ز: يزيد.","vol":"14","page":513},{"text":"قال سفيان عن منصور، عن مجاهد: ﴿الصَّمَدُ﴾: المصمت الذي لا جوف له.\nوقال الشعبيّ: هو الذي لا يأكل الطعام [¬١]، ولا يشرب الشراب.\nوقال عبد الله بن بريدة [¬٢] أيضًا: ﴿الصَّمَدُ﴾ نور يتلألأ.\nروى ذلك كله وحكاه ابن أبي حاتم، والبيهقي، والطبراني، وكذا أبو جعفر بن جرير ساق أكثر ذلك بأسانيده، وقال (^٤٤):\nحدثني العباس بن أبي طالب، حدثنا محمَّد بن عمرو بن رومي، عن عبيد الله بن سعيد قائد الأعمش، حدثني صالح بن حيان [¬٣]، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه، قال: لا أعلم إلا قد رفعه، قال: ﴿الصَّمَدُ﴾: الذي لا جوف له.\nوهذا غريب جدًّا، والصحيح أنه موقوف على عبد الله بن بريدة.\nوقد قال الحافظ أبو القاسم الطبراني في كتاب السنة له، بعد إيراده كثيرًا من هذه الأقوال في تفسير ﴿الصَّمَدُ﴾: وكل هذه صحيحة، وهي صفات ربنا ﷿ و[¬٤] هو الذي يصمد إليه في الحوائج، وهو الذي قد انتهى سؤدده، وهو الصمد الذي لا جوف له، ولا يأكل ولا يشرب، وهو الباقي بعد خلقه. وقال البيهقي نحو ذلك أيضًا [¬٥].\nوقوله: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ أي: ليس له ولد ولا والد ولا صاحبة.\nقال مجاهد: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾، يعني: لا صاحبة له.\nوهذا كما قال تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيءٍ﴾. أي دعو مالك كل شيء وخالقه، فكيف يكون له من خلقه نظير يساميه، أو قريب يدانيه، تعالى وتقدس وتنزه، قال الله تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (٨٨) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيئًا إِدًّا (٨٩) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (٩١) وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (٩٢) إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إلا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (٩٤) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾. وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ\n_________\n(^٤٤) تفسير الطبري (٣٠/ ٣٤٥).\n_________\n[¬١]- سقط من ز.\n[¬٢]- في ز: يزيد.\n[¬٣]- في ز: حبان.\n[¬٤]- سقط من ز.\n[¬٥]- سقط من ت.","vol":"14","page":514},{"text":"بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾. وقال تعالى: ﴿وَجَعَلُوا بَينَهُ وَبَينَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (١٥٨) سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾.\nوفي الصحيح -صحيح البخاري (^٤٥) -: \" لا أحد أصبر على أذى سمعه من الله، إنهم يجعلون له ولدا وهو يرزقهم ويعافيهم\".\nوقال البخاري (^٤٦): حدثنا أبو اليمان، حدثنا شعيب، حدثنا أبو الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: \"قال الله ﷿: كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم يكن له ذلك، فأما تكذيبه إياي فقوله: لن يعيدني كما بدأني. وليس أول الخلق بأهون علي من [¬١]، إعادته. وأما شتمه إياي فقوله: اتخذ الله ولدا. وأنا الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد\".\nورواه أيضًا (^٤٧) من حديث عبد الرزاق، عن معمر، عن همام بن منبه، عن أبي هريرة، مرفوعًا بمثله. تفرد بهما من هذين الوجهين.\nآخر تفسير سورة الإخلاص\n* * *\n_________\n(^٤٥) صحيح البخاري، كتاب: الأدب، باب: الصبر على الأذى، حديث (٦٠٩٩) (١٠/ ٥١١). ومسلم في كتاب: صفات المنافقين، باب: لا أحد أصبر على أذى من الله ﷿ حديث (٢٨٠٤) (١٧/ ٢١٣). كلاهما من حديث أبي موسى الأشعري.\n(^٤٦) صحيح البخاري، كتاب: التفسير، باب: سورة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، حديث (٤٩٧٤) (٨/ ٧٣٩).\n(^٤٧) صحيح البخاري، باب: قوله: ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾، حديث (٤٩٧٥).\n_________\n[¬١]- في ز: حين.","vol":"14","page":515},{"text":"<span data-type='title' id=toc-235>[تفسير] سورتي المعوذتين [وهما مدنيتان]</span>\nقال الإمام أحمد (^١): حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، أخبرنا عاصم بن بهدلة، عن زر بن حبيش، قال: قلت لأبي بن كعب: إن ابن مسعود كان [¬١] لا يكتب المعوذتين في مصحفه؟ فقال: أشهد أن رسول الله ﷺ أخبرني أن جبريل ﵇ قال له: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ فقلتها، قال: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾، فقلتها. فنحن نقول ما قال النبي ﷺ.\nورواه أبو بكر الحميدي في مسنده (^٢)، عن سفيان بن عيينة، حدثنا عبدة بن أبي لبابة، وعاصم بن بهدلة، أنهما سمعا زر بن حبيش؛ قال: سألت أبي بن كعب عن المعوذتين، فقلت: يا أبا المنذر، إن أخاك ابن مسعود يحكهما [¬٢] من المصحف. فقال: إني سألت رسول الله ﷺ؟ فقال [¬٣]: \"قيل لي: قل، فقلت\" فنحن نقول كما قال رسول الله ﷺ.\nوقال أحمد (^٣): حدثنا وكيع، حدثنا سفيان، عن عاصم، عن زر قال: سألت ابن مسعود عن المعوذتين .. فقال: سألت النبي ﷺ عنهما؟ فقال: \"قيل لي، فقلت لكم، فقولوا\". قال أبي: فقال لنا النبي ﷺ، فنحن نقول.\nوقال البخاري (^٤): حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا سفيان، حدثنا عبدة بن أبي لبابة، عن زر بن حبيش -وحدثنا عاصم عن زر- قال: سألت أبي بن كعب فقلت: أبا المنذر؛ إن أخاك ابن مسعود يقول كذا وكذا. فقال: إني سألت النبي ﷺ؟ فقال: \"قيل لي، فقلت\". فنحن نقول كما قال رسول الله ﷺ.\nورواه البخاري أيضًا والنسائي (^٥)، عن قتيبة، عن سفيان بن عيينة، عن عبدة، وعاصم بن أبي النجود، عن زر بن حبيش، عن أبي بن كعب به.\n_________\n(^١) - المسند (٥/ ١٢٩).\n(^٢) - مسند الحميدي (١/ ١٨٥) رقم (٣٧٤).\n(^٣) - المسند (٥/ ١٢٩). ورواه الطبراني في الكبير (١٠/ ١٣٢) رقم (١٠٢١١).\n(^٤) - صحيح البخاري، كتاب التفسير، رقم (٤٩٧٧).\n(^٥) - صحيح البخاري، كتاب التفسير (٤٩٧٦). وأخرجه النسائي في كتاب التفسير من الكبرى.\n_________\n[¬١]- سقط من ز.\n[¬٢]- في ز: يحيكما. كذا بلا نقط.\n[¬٣]- في ز: قال.","vol":"14","page":516},{"text":"وقال الحافظ أبو يعلى (^٦): حدثنا الأزرق بن علي، حدثنا حسان بن إبراهيم، حدثنا الصلت [¬١] ابن بهرام، عن إبراهيم، عن علقمة؛ قال: كان عبد الله يحك المعوذتين من المصحف، قوله: إنما أمر رسول الله ﷺ أن يتعوذ بهما. ولم يكن عبد الله يقرأ بهما.\nورواه عبد الله بن أحمد (^٧) من حديث الأعمش، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن يزيد؛ قال: كان عبد الله يحك المعوذتين من مصاحفه ويقول: إنهما ليستا من كتاب الله. قال الأعمش: وحدثنا عاصم، عن زر بن حبيش، عن أبي بن كعب؛ قال: سألنا عنهما رسول الله ﷺ؛ قال: \"قيل لي، فقلت\".\nوهذا مشهور عند كثير من القراء والفقهاء، أن ابن مسعود كان لا يكتب المعوذتين في مصحفه، فلعله لم يسمعهما من النبي ﷺ، ولم يتواتر عنده، ثم لعله [¬٢] قد رجع عن قوله ذلك إلى قول الجماعة، فإن الصحابة ﵃ كتبوهما [¬٣] في المصاحف الأئمة، ونفذوها إلى سائر الآفاق كذلك، ولله الحمد والمنة.\nوقد قال مسلم في صحيحه (^٨): حدثنا قتيبة، حدثنا جرير، عن بيان، عن قيس بن أبي حازم، عن عقبة بن عامر؛ قال: قال رسول الله ﷺ: \"ألم تر آيات أنزلت هذه الليلة لم ير مثلهن قط: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾، و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ \".\nورواه أحمد، ومسلم أيضًا، والترمذي، والنسائي (^٩)، من حديث إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن عقبة به. وقال الترمذي: حسن صحيح.\nطريق أخرى، قال الإِمام أحمد (^١٠): حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا ابن جابر، عن\n_________\n(^٦) - رواه الطبراني في الكبير (٩/ ٢٣٥) رقم (٩١٥٢) من طريق أبي يعلى، عن عبد الله بن أحمد بن حنبل عن الأزرق به.\n(^٧) - زوائد المسند (٥/ ١٢٩، ١٣٠). ورواه الطبراني في الكبير (٩/ ٢٣٥) رقم (٩١٥٠). وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ١٥٢٩) ثم قال: رواه عبد الله بن أحمد والطبراني. ورجال عبد الله رجال الصحيح. ورجال الطبراني ثقات.\n(^٨) - صحيح مسلم كتاب صلاة المسافرين رقم (٨١٤).\n(^٩) - صحيح مسلم رقم (٨١٤) كتاب صلاة المسافرين. ورواه أحمد في السند (٤/ ١٥٢). والترمذي رقم (٢٩٠٢) كتاب فضائل القرآن. والنسائي في الكبرى -كتاب فضائل القرآن-.\n(^١٠) - السند (٤/ ١٤٤).\n_________\n[¬١]- في ز: أصلت.\n[¬٢]- سقط من ز، خ.\n[¬٣]- في ز: كتبوها.","vol":"14","page":517},{"text":"القاسم أبي عبد الرحمن، عن عقبة بن عامر؛ قال: بينا أنا أقود برسول الله ﷺ في نقب من [¬١] تلك النقاب، إذ قال لي: \"يا عقبة، ألا تركب؟ \" [قال: فأجللت رسول الله ﷺ أن أركب مركبه. ثم قال: \"يا عُقَيبُ، ألا تركب؟ \" قال] [¬٢]: فأشفقت أن تكون معصية، قال: فنزل رسول الله ﷺ وركبت هنيهة، ثم ركب، ثم قال: \" [يا عُقيب] [¬٣]، ألا أعلمك سورتين من خير سورتين قرأ بهما الناس؟ \". قلت: بلى يا رسول الله؛ فاقرأني: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾، و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾. ثم أقيمت الصلاة، فتقدم رسول الله ﷺ فقرأ بهما، ثم مر بي فقال: \"كيف رأيت يا عقيب [¬٤]؛ اقرأ بهما كلما نمت وكلما قمت\".\nورواه النسائي [¬٥] من حديث الوليد بن مسلم (^١١) وعبد الله بن المبارك (^١٢)، كلاهما [¬٦] عن ابن جابر به [¬٧]. ورواه أبو داود والنسائي أيضًا (^١٣)، من حديث ابن وهب، عن معاوية [¬٨] بن صالح، عن العلاء بن الحارث، عن القاسم بن [¬٩] عبد الرحمن، عن عقبة به.\n(طريق أخرى) قال أحمد (^١٤): حدثنا أبو عبد الرحمن، حدثنا سعيد بن أبي أيوب، حدثني يزيد بن عبد العزيز الرعيني، وأبو مرحوم، عن يزيد بن محمَّد القرشي، عن علي بن رباح، عن عقبة بن عامر؛ قال: أمرني رسول الله ﷺ أن اقرأ بالمعوذات في دبر كل صلاة.\nورواه أبو داود والترمذي والنسائي (^١٥)، من طرق، عن علي بن رباح، وقال الترمذي: غريب.\n_________\n(^١١) - السنن (٨/ ٢٥٣) كتاب الاستعاذة.\n(^١٢) - \" عمل اليوم والليلة\" رقم (٨٨٩).\n(^١٣) - سنن أبي داود رقم (١٤٦٢) كتاب الصلاة. والنسائي (٨/ ٢٥٢، ٢٥٣) كتاب الاستعاذة.\n(^١٤) - المسند (٤/ ١٥٥).\n(^١٥) - سنن أبي داود رقم (١٥٢٣) كتاب الصلاة. والنسائي (٣/ ٦٨) كتاب السهو. والترمذي رقم (٢٠٩٣) كتاب فضائل القرآن.\n_________\n[¬١]- في خ: في.\n[¬٢]- ما بين المعكوفين سقط من ز، خ، والمثبت من المسند.\n[¬٣]- ما بين المعكوفين في ز، خ: \"عقب\".\n[¬٤]- في ز: عقب.\n[¬٥]- في ز، خ: الترمذي.\n[¬٦]- في ت: كليهما.\n[¬٧]- سقط من خ.\n[¬٨]- في ز، خ: معن.\n[¬٩]- في ز: \"كان أبي\".","vol":"14","page":518},{"text":"(طريق أخرى) قال أحمد (^١٦): حدثنا يحيى [¬١] بن إسحاق، حدثنا ابن لهيعة، عن مشرح بن هاعان، عن عقبة بن عامر؛ قال: قال لي [¬٢] رسول الله ﷺ: \"اقرأ بالمعوذتين، فإنك لن تقرأ بمثلهما\". تفرد به أحمد.\n(طريق أخرى) قال أحمد (^١٧): حدثنا حيوة بن شريح، حدثنا بقية، حدثنا بحير بن سعد، عن خالد بن معدان، عن جبير بن نفير [¬٣]، عن عقبة بن عامر أنه قال: إن رسول الله ﷺ أهديت له بغلة شهباء، فركبها، فأخذ عقبة يقودها له، فقال رسول الله ﷺ، لعقبة [¬٤]: \"اقرأ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ \". فأعادها له حتى قرأها، فعرف أني لم أفرح بها جدًّا، فقال: \"لعلك تهاونت [¬٥] بها؟ فما قمت تصلي بشيء مثلها\".\nورواه النسائي (^١٨) عن عمرو بن عثمان، عن بقية به. ورواه النسائي أيضًا من حديث الثوري، عن معاوية بن صالح، عن عبد الرحمن [بن جبير] [¬٦] بن نفير، عن أبيه، عن عقبة بن عامر؛ أنه سأل رسول الله ﷺ عن المعوذتين، فذكر نحوه.\n(طريق أخرى) قال النسائي (^١٩): أخبرنا محمَّد بن عبد الأعلى، حدثنا المعتمر، سمعت النعمان، عن زياد أبي الأسد، عن عقبة بن عامر؛ أن رسول الله ﷺ؛ قال: \"إن الناس لم يتعوذوا بمثل هذين: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾، و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾.\n(طريق أخرى) قال النسائي (^٢٠): أخبرنا قتيبة، حدثنا الليث، عن ابن عجلان، عن سعيد المقبري [¬٧]، عن عقبة بن عامر، قال: كنت أمشي مع رسول الله ﷺ\n_________\n(^١٦) - السند (٤/ ١٤٦) وفيه ابن لهيعة ضعيف، ومشرح قال الذهبي في الميزان (٤/ ١١٧) يروي عن عقبة مناكير لا يتابع عليها، فالصواب ترك ما انفرد به ا هـ.\n(^١٧) - المسند (٤/ ١٤٩).\n(^١٨) - أخرجه النسائي (٨/ ٢٥٢) كتاب الاستعاذة.\n(^١٩) - أخرجه النسائي (٢/ ١٥٨) كتاب الاستفتاح.\n(^٢٠) - أخرجه النسائي (٨/ ٢٥٣، ٢٥٤) كتاب الاستعاذة.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: محمَّد.\n[¬٢]- سقط من خ.\n[¬٣]- في ز، خ: سفيان.\n[¬٤]- سقط من ت.\n[¬٥]- في ز، خ: تهازيت.\n[¬٦]- سقط من ز، خ.\n[¬٧]- في ز: المقري.","vol":"14","page":519},{"text":"فقال: \"يا عقبة؛ قُلْ\". قلت: ماذا أقول؟ فسكت عني، ثم قال: \"قل\". قلت: ماذا أقول يا رسول الله؟! [فسكت عني، فقلت: اللهم، أردده علي. فقال: \"يا عقبة؛ قل\". قلت: ماذا أقول يا رسول الله؟، فقال: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ \"، فقرأتها حتى أتيت على آخرها، ثم قال: \"قل\". قلت: ماذا أقول يا رسول الله؟] [¬١] قال: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ \"، فقرأتها حتى [¬٢] أتيت على آخرها، ثم قال رسول الله ﷺ عند ذلك: \"ما سأل سائل بمثلهما [¬٣]، ولا استعاذ مستعيذ بمثلهما [¬٤] \".\n(طريق أخرى) قال النسائي (^٢١): أخبرنا محمَّد بن بشار [¬٥]، حدثنا عبد الرحمن، حدثنا معاوية، عن العلاء بن الحارث، عن مكحول، عن عقبة بن عامر؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسم قرأ بهما في صلاة الصبح.\n(طريق أخرى) قال النسائي (^٢٢): أخبرنا قتيبة، حدثنا الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي عمران أسلم، عن عقبة بن عامر؛ قال: اتبعت رسول الله ﷺ وهو راكب، فوضعت يدي على قدمه فقلت: أقرئني سورة هود أو سورة يوسف. فقال: \"لن تقرأ شيئًا أنفع عند الله من ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾.\n(حديث آخر) قال النسائي (^٢٣): أخبرنا محمود بن خالد، حدثنا الوليد، حدثنا أبو عمرو الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث، عن أبي عبد [¬٦] الله، عن ابن عائش [¬٧] الجهني؛ أن النبي ﷺ قال له: \"يا بن عائش [¬٨]؛ ألا أدلك -أو: ألا أخبرك- بأفضل ما يتعوذ به المتعوذون؟ \" قال: بلى، يا رسول الله. قال: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾، و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ هاتان السورتان\".\nفهذه طرق عن عقبة كالمتواترة عنه، تفيد القطع عند كثير من المحققين في الحديث.\nوقد تقدم في رواية صدي بن عجلان (^٢٤)، وفروة بن مجاهد (^٢٥)، عنه: \"ألا أعلمك\n_________\n(^٢١) - أخرجه النسائي (٨/ ٢٥٢) كتاب الستعاذة.\n(^٢٢) - أخرجه النسائي (٢/ ١٥٨) كتاب الافتتاح.\n(^٢٣) - أخرجه النسائي (٨/ ٢٥١، ٢٥٢) كتاب الاستعاذة.\n(^٢٤) - أخرجه أحمد في المسند (٤/ ١٤٨) من حديث أبي أمامة الباهلي.\n(^٢٥) - أخرجه أحمد في المسند (٤/ ١٥٨) من حديث فروة بن مجاهد بن عقبة.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفين سقط من ز، خ.\n[¬٢]- في خ: ثم.\n[¬٣]- في ز: بمثلها.\n[¬٤]- في ز: بمثلها.\n[¬٥]- في ز: يسار.\n[¬٦]- في ز، خ: عبيد.\n[¬٧]- في ز، خ: عباس.\n[¬٨]- في ز، خ: عباس.","vol":"14","page":520},{"text":"ثلاث سور لم ينزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في الفرقان مثلهن؟ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾.\n(حديث آخر) قال الإمام أحمد (^٢٦): حدثنا إسماعيل، حدثنا الجريري، عن أبي العلاء؛ قال: قال رجل: كنا مع رسول الله ﷺ في سفر، والناس يعتقبون، وفي الظهر قلة، فحانت نزلة رسول الله ﷺ ونزلتي، فلحقني فضرب [من بعدي منكبي] [¬١]، فقال: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ \" [فقلت: أعو برب الفلق] [¬٢]، فقرأها رسول الله ﷺ وقرأتها [¬٣] معه، ثم قال: \" ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ \". فقرأها رسول الله ﷺ وقرأتها معه، فقال: \"إذا صليت فاقرأ بهما\". و[¬٤] الظاهر أن [¬٥] هذا الرجل هو عقبة بن عامر، والله أعلم.\nورواه النسائي (^٢٧) عن يعقوب بن إبراهيم، عن ابن علية به.\nحديث آخر، قال النسائي (^٢٨): أخبرنا محمَّد بن المثنى، حدثنا محمَّد بن جعفر، عن عبد الله بن سعيد، حدثني يزيد بن رومان [¬٦]، عن عقبة بن عامر، عن عبد الله الأسلمي -هو ابن أنيس- أن رسول الله ﷺ وضع يده على صدره ثم قال: \"قل\". فلم أدر ما أقول، ثم قال في: \"قل\". قلت: هو الله أحد. ثم قال في: \"قل\". قلت: أعوذ برب الفلق. من شر ما خلق، حتى فرغت منها. ثم قال في: \"قل\". قلت: أعوذ برب الناس، حتى فرغت منها. فقال رسول الله ﷺ: \"هكذا فتعوذ، ما تعوذ المتعوذون بمثلهن قط\".\nحديث آخر قال النسائي (^٢٩): أخبرنا عمرو بن علي أبو حفص، حدثنا بدل، حدثنا شداد بن سعيد أبو طلحة، عن سعيد الجريري، حدثنا أبو نضرة، عن جابر بن عبد الله؛ قال: قال لي رسول الله ﷺ: \"اقرأ يا جابر\". قلت: وما أقرأ بأبي أنت وأمي؟ قال: \"اقرأ: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾، و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ \". فقرأتهما، فقال: \"اقرأ بهما، ولن تقرأ بمثلهما\".\n_________\n(^٢٦) - المسند (٥/ ٧٩) وصحح السيوطي إسناده في الدر المنثور (٦/ ٧١٤).\n(^٢٧) - عزاه السيوطي في الدر المنثور (٦/ ٧١٤) لأحمد وابن الضريس ولم يعزه للنسائي، فالله أعلم.\n(^٢٨) - النسائي في الكبرى (٤/ ٤٣٩) كتاب الاستعاذة. رقم (٧٨٤٥).\n(^٢٩) - النسائي (٨/ ٢٥٤) كتاب الاستعاذة.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: صلبي.\n[¬٢]- سقط من ت.\n[¬٣]- في ت: فقرأتها.\n[¬٤]- سقط من ز.\n[¬٥]- سقط من ز.\n[¬٦]- بياض في ز. وفي خ: هارون.","vol":"14","page":521},{"text":"وتقدم حديث عائشة أن رسول الله ﷺ كان يقرأ بهن، ينفث في كفيه، ويمسح بهما رأسه ووجهه، وما أقبل [¬١] من جسده.\nوقال الإمام مالك (^٣٠) عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة؛ أن رسول الله ﷺ كان إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوذتين. وينفث، فلما اشتد وجعه كنت أقرأ عليه وأمسح بيده عليه رجاء بركتها.\nورواه البخاري (^٣١) عن عبد الله بن يوسف، ومسلم عن يحيى بن يحيى، وأبو داود عن القعنبي، والنسائي عن قتيبة، ومن حديث ابن القاسم، وعيسى بن يونس، وابن ماجة من حديث معن، وبشر بن عمر، ثمانيتهم عن مالك به.\nوتقدم في آخر سورة: ﴿ن﴾، من حديث أبي نضرة، عن أبي سعيد: أن رسول الله ﷺ كان يتعوذ من أعين الجان [¬٢] وعين الإنسان، فلما نزلت المعوذتان أخذ بهما، وترك ما سواهما. رواه الترمذي والنسائي وابن ماجة، وقال الترمذي: \"حديث حسن\".\n﷽\n﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١) مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ (٢) وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ (٣) وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (٤) وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ (٥)﴾\nقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن عصام، حدثنا أبو أحمد الزبيري، حدثنا حسن بن صالح، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر قال: ﴿الْفَلَقِ﴾: الصبح.\nوقال العوفي: عن ابن عباس: ﴿الْفَلَقِ﴾: الصبح. وروي عن مجاهد، وسعيد بن جبير، وعبد الله بن محمد بن عقيل، والحسن، وقتادة، ومحمد بن كعب القرظي، وابن\n_________\n(^٣٠) - أخرجه مالك في الموطأ رقم (١٠) كتاب العين.\n(^٣١) - صحيح البخاري رقم (٥٠١٦) كتاب فضائل القرآن. وأخرجه مسلم رقم (٢١٩٢) كتاب السلام. وأخرجه أبو داود رقم (٣٩٠٢) كتاب الطب. والنسائي في الكبرى -كتاب الطب والتفسير، وأخرجه أيضًا في اليوم والليلة رقم (١٠٠٩). وأخرجه ابن ماجة رقم (٣٥٢٩) كتاب الطب.\n_________\n[¬١]- في ز: أقل.\n[¬٢]- في ز: الجنان. بلا نقط.","vol":"14","page":522},{"text":"زيد، ومالك عن [¬١] زيد بن أسلم - مثل هذا.\nقال القرظي، وابن زيد، وابن جرير (^٣٢): وهي كقوله تعالى: ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ﴾.\nوقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: ﴿الْفَلَقِ﴾: الخلق. وكذا قال الضحاك: أمر الله نبيه أن يتعوذ من الخلق كله.\nوقال كعب الأحبار: ﴿الْفَلَقِ﴾: بيت في جهنم، إذا فتح صاح جميع أهل النار من شدة حره، ورواه ابن أبي حاتم، ثم قال:\nحدثنا أبي، حدثنا سهيل بن عثمان، عن رجل سماه، عن السدي، عن زيد بن علي، عن آبائه أنهم قالوا: ﴿الْفَلَقِ﴾: جب في قعر جهنم، عليه غطاء، فإذا كشف عنه خرجت منه نار تصيح منه جهنم، من شدة حر ما يخرج منه.\nوكذا روي عن عمرو بن عَبَسَةَ [¬٢]، [] [¬٣] والسدي، وغيرهم.\nوقد ورد في ذلك حديث مرفوع منكر، فقال ابن جرير (^٣٣):\nحدثني إسحاق بن وهب الواسطي، حدثنا مسعود بن موسى بن مشكان الواسطي، حدثنا نصر بن خزيمة الخراساني، عن شعيب بن صفوان، عن محمَّد بن كعب القرظي، عن أبي هُريرة، عن النبي ﷺ قال: \"الفلق جُبّ في جهنم مغطى\". إسناده غريب ولا يصح رفعه.\nوقال أبو عبد الرحمن الحبلي: ﴿الْفَلَقِ﴾: من أسماء جهنم.\nقال ابن جرير (^٣٤): والصواب القول الأول، أنه فلق الصبح. وهذا هو الصحيح، وهو اختيار البخاري ﵀ في صحيحه.\nوقوله: ﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾، أي: من شر جميع المخلوقات.\nوقال ثابت البناني، والحسن البصري: جهنم وإبليس وذريته [¬٤] مما خلق.\n_________\n(^٣٢) - سنن الترمذي رقم (٢٠٥٨) كتاب الطب. والنسائي (٨/ ٢٧١) كتاب الاستعاذة. وابن ماجه رقم (٣٥١١) كتاب الطب. وصحح الألباني إسناده كما في تعليقه على أحاديث المشكاة رقم (٤٥٦٣).\n(^٣٣) - تفسير الطبري (٣٠/ ٢٢٥).\n(^٣٤) - تفسير الطبري (٣٠/ ٢٢٥).\n_________\n[¬١]- في ز: بن.\n[¬٢]- في ز، خ: عنبسة.\n[¬٣]- في ز، خ: وابن عباس.\n[¬٤]- في ز، خ: وورثته.","vol":"14","page":523},{"text":"﴿وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾، قال مجاهد: غاسقُ الليل إذا وقب غُروبُ الشمس.\nحكاه البخاري عنه (^٣٥) ورواه ابن أبي نجِيح، عنه.\nوكذا قال ابن عباس، ومحمد بن كعب القرظي، والضحاك، وخُصَيف، والحسن، وقتادة: إنه الليل إذا أقبل بظلامه.\nوقال الزهريّ: ﴿وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾: الشمس إذا غربت. وعن عطية وقتادة: إذا وقب الليل: إذا ذهب. وقال أبو المهزم، عن أبي هريرة: ﴿وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾ كوكب. وقال ابن زيد: كانت العرب تقرل: الغاسق سقوط الثريا، وكان الأسقام والطواعين تكثر عند وقوعها، وترتفع عند طلوعها.\nقال ابن جرير (^٣٦): ولهؤلاء من الأثر ما حدثني نصر بن علي، حدثني بكار بن عبد الله -ابن أخي همام- حدثنا محمَّد بن عبد العزيز بن عمر بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبيه، عن أبي سلمة، عن أبي هُرَيرة، عن النبي ﷺ: ﴿وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾، قال: \"النجم الغاسق\".\nقلت: وهذا الحديث لا يصح رفعه إلى النبي ﷺ.\nقال ابن جرير (^٣٧): وقال آخرون: هو القمر.\nقلت: وعمدة أصحاب هذا القول ما رواه الإمام أحمد (^٣٨):\nحدَثنا أبو داود الحَفَري، عن ابن أبي ذئب، عن الحارث عن [¬١] أبي سلمة قال: قالت عائشة ﵂: أخذ رسول الله ﷺ بيدي فأراني القمر حين طلع، وقال: \"تعوذي بالله من شر هذا الغاسق إذا وقب\".\nورواه الترمذي والنسائي (^٣٩)، في كتاب [¬٢] التفسير من سننيهما، من حديث محمَّد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب، عن خاله الحارث بن عبد الرحمن، به. وقال الترمذي: \"حسن\n_________\n(^٣٥) - صحيح البخاري (٨/ ٦١٣ - فتح).\n(^٣٦) - تفسير الطبري (٣٠/ ٢٢٧).\n(^٣٧) - تفسير الطبري (٣٠/ ٢٢٧).\n(^٣٨) - المسند (٦/ ٦١).\n(^٣٩) - سنن الترمذي رقم (٣٣٦٦) كتاب التفسير، وأخرجه النسائي في الكبرى (٦/ ٨٣) كتاب عمل اليوم والليلة رقم (١٠١٣٧).\n_________\n[¬١]- في ز: بن.\n[¬٢]- في ت: كتابي.","vol":"14","page":524},{"text":"صحيح\".\nولفظه: \"تَعوّذي بالله من شر [¬١] هذا، فإن هذا الغاسق إذا وقب\". ولفظ النسائي: \"تعوذي بالله من شر هذا، هذا الغاسق إذا وقب\".\nقال أصحاب القول الأول، وهو أنه [¬٢] الليل إذا ولج: هذا لا ينافي قولنا؛ لأن القمر آيةُ الليل، ولا يوجد له سلطان إلا فيه، وكذلك النجوم لا تضئ إلا في الليل، فهو يرجع إلى ما قلناه. والله أعلم.\nوقوله: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾، قال مجاهد، وعكرمة، والحسن، وقتادة والضحاك: يعني السواحر - قال مجاهد: إذا رقين [¬٣] ونفثن في العقد.\nوقال ابن جرير (^٤٠): حدثنا ابن عبد الأعلى، حدثنا ابن ثور [¬٤]، عن معمر، عن ابن طاوس، عن إليه قال: ما من شيء أقرب إلى [¬٥] الشرك من رقية الحية والمجانين.\nوفي الحديث الآخر (^٤١) أن جبريل جاء إلى رسول الله ﷺ فقال: اشتكيت [¬٦] يا محمد؟ فقال: \"نعم\"، فقال: باسم الله أرقيك، من كل داء يؤذيك، ومن شر كل حاسد وعين، الله يشفيك.\nولعل هذا كان من شكواه ﵇ حين سحر، ثم عافاه الله تعالى وشفاه، وردّ كيد السحَرَة الحسَّاد من اليهود في رءوسهم، وجعل تدميرهم في تدبيرهم، وفضحهم ولكن مع هذا لم يعاتبه رسول الله ﷺ يومًا من الدهر، بل كفى الله وشفى وعافى.\nوقال الإمام أحمد (^٤٢): حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن يزيد بن حَبَّان، عن زيد بن أرقم قال: سحر النبي ﷺ رجلٌ من اليهرد، فاشتكى لذلك أيامًا، قال: فجاءه جبريل فقال: إن رجلًا من اليهود سحرك، عقد لك عُقَدًا في بئر كذا وكذا، فأرسل إليها من يجيء بها. فبعث رسول الله ﷺ[عليًّا، رضي الله تعالى\n_________\n(^٤٠) - تفسير ابن جرير (٣٠/ ٢٢٧).\n(^٤١) - المسند (٣/ ٢٨، ٥٦). ورواه الترمذي رقم (٩٧٢) كتاب الجنائز. وابن ماجه رقم (٣٥٢٣) كتاب الطب. وقال الترمذي: حسن صحيح.\n(^٤٢) - المسند (٤/ ٣٦٧).\n_________\n[¬١]- سقط من خ.\n[¬٢]- في ز: آية.\n[¬٣]- في ز: رفثن.\n[¬٤]- في ز: مرو.\n[¬٥]- فإنه: من.\n[¬٦]- في ز: شكيت.","vol":"14","page":525},{"text":"عنه] [¬١] فاستخرجها، فجاء بها فحللَّها، قال: فقام رسول الله ﷺ كأنما نَشط من عقال، فما ذكر ذلك [لليهودي ولا رآه في وجهه قط حتى] [¬٢] مات.\nورواه النسائي (^٤٣) عن هَنّاد، عن أبي معاوية محمَّد بن حَازم الضرير.\nوقال البخاري في \"كتاب الطب\" من صحيحه (^٤٤): حدثنا عبد الله بن محمد قال: سمعت سفيان بن عيينة يقول: أول من حدثنا به ابن جريج [¬٣]، مول: حدثني آل [¬٤] عُروة، عن عروة، فسألت هشامًا عنه، فحدثَنا عن أبيه، عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ سُحِر حتى كان يرى أنه يأتي النساء ولا يأتيهن -قال سفيان: وهذا أشد ما يكون من السحر، إذا كان كذا- فقال: \"يا عائشة، أعلمت أن الله قد أفتاني فيما استفتيتُه فيه؟ أتاني رجلان فقعد أحدهما عند رأسي، والآخر عند رجلي، فقال الذي عند رأسي للآخر: ما بال الرجل؟ قال: مطبوب (^٤٥). قال: ومن طَبَّه؟ قال: لبيد بن أعصم -رجل من بني زُريق حَليف ليهُودَ، كان منافقًا- قال: وفيم؟ قال: في مُشط ومُشاقة (^٤٦) قال: وأين؟ قال: في جُفّ طَلْعَة ذكر (^٤٧) تحت رعوفة (^٤٨) في بئر ذَرْوَان. قالت: [فأتى النبي ﷺ] [¬٥] البئر حتى استخرجه فقال: \"هذه البئرُ التي أريتُها، وكان ماءها نُقّاعة الحنَّاء، وكأن نخلها رءوس الشياطين\". قال: فاستُخرجَ قالت [¬٦]: فقلت: أفلا؟ أي [¬٧]: تنَشَّرْتَ [¬٨] (^٤٩)؟ فقال: \"أمَّا الله فقد شفاني، وأكره أن أثير على أحد من الناس شرًّا\".\n_________\n(^٤٣) - سنن النسائي (٧/ ١١٢) كتاب التحريم.\n(^٤٤) - صحيح البخاري رقم (٥٧٦٥) كتاب الطب.\n(^٤٥) - مطبوب: أي مسحور.\n(^٤٦) - قوله: في مشط ومشاطة: المشاطة ما يخرج من الشعر إذا مشط.\n(^٤٧) - قوله: جف طلعة ذكر: هو الغشاء الذي يكون على طلع النخل ويطلق على الذكر والانثى فلهذا قيده هنا بالذكر.\n(^٤٨) - الراعوفة: حجر يوضع على رأس البئر لا يستطاع قلعه، يقوم عليه المستسقي.\n(^٤٩) - أفلا تنشرت: إما أن يكون من النشرة، وإما أن يكون بمعنى الإخراج، أي فهلا أخرجته. فتح الباري رقم (٥٧٦٣) كتاب الطب.\n_________\n[¬١]- ما بين المعكوفين سقط من ز، خ.\n[¬٢]- ما بين المعكوفين في ز: \"اليهودي ولا وأبي وجهه حتى\".\n[¬٣]- في خ: جرير.\n[¬٤]- في ز: إلى. كذا.\n[¬٥]- سقط من ز.\n[¬٦]- سقط من ز، خ.\n[¬٧]- في ز: أتى.\n[¬٨]- في ز: انتشرت.","vol":"14","page":526},{"text":"وأسنده من حديث عيسى بن يونس، وأبي ضمرة أنس بن عياض، وأبي أسامة، ويحيى القطان وفيه: \"قالت: حتى كان يخيل إليه أنه فعل الشيء ولم يفعله\".\nوعنده \"فأمر بالبئر فدفنت\".\nوذكر أنه رواه عن هشام أيضًا ابنُ أبي [¬١] الزناد والليث بن سعد.\nوقد رواه مسلم (^٥٠)، من حديث أبي أسامة حماد بن أسامة وعبد الله بن نمير [¬٢] [وروه أحمد عن عفان، عن وهب، عن هشام به (^٥١)].\nورواه الإمام أحمد (^٥٢) أيضًا عن إبراهيم بن خالد [عن رباح] [¬٣] عن معمر، عن هشَام، عن أبيه، عن عائشة قالت: لبث رسول الله ﷺ ستة أشهر يُرَي أنه يأتي ولا يأتي، فأتاه ملكان، فجلس أحدهما عند رأسه، والآخر عند رجليه، فقال أحدهما للآخر: ما باله؟ قال: مطبوب. قال: ومن طبه؟ قال: لبيد بن الأعصم، وذكر تمام الحديث.\nوقال الأستاذ المفسر الثعلبي في تفسيره: قال ابن عباس وعائشة ﵄: كان غلام من اليهود يخدم رسول الله ﷺ فدبَّت إليه اليهود، فدم يزالوا به حتى أخذ مُشَاطة رأس النبي ﷺ وعدة أسنان من مُشطه، فأعطاها اليهود، فسحروه فيها.\nوكان الذي تولى ذلك رجل منهم -يقال له: لبيد [¬٤] بن أعصم- ثم دسها في بئر لبني زُريق، قال لها [¬٥]: ذَرْوان، فمرض رسول الله ﷺ وانتثر شعر رأسه، ولبث ستة أشهر هي أنه يأتي النساء ولا يأتيهن، وجعل يَذُوب ولا يدري ما عراه. فبينما هو نائم إذ أتاه ملكان فَقَعد أحدهما عند رأسه والآخر عند رجليه، فقال الذي عند رجليه للذي عند رأسه: ما بال الرجل؟ قال: طُبَّ. قال: وما طُبّ؟ قال: سُحر. قال: ومن سحره؟ قال: لبيد بن أعصم اليهودي. قال: وبم طَبّه؟ قال: بمشط ومشاطة. قال: وأين هو؟ قال: في جُفّ طلعة تحت راعوفة [¬٦] في بئر ذَرْوان- والجف: قشر الطلع. والراعوفة [¬٧]: حجر في أسفل البئر\n_________\n(^٥٠) - صحيح مسلم رقم (٢١٨٩) كتاب السلام.\n(^٥١) - المسند (٦/ ٩٦).\n(^٥٢) - المسند (٦/ ٦٣).\n_________\n[¬١]- سقط من ت.\n[¬٢]- في ز: بحير.\n[¬٣]- سقط من ز، خ.\n[¬٤]- سقط من ت.\n[¬٥]- سقط من ز.\n[¬٦]- في ز: راعونة.\n[¬٧]- في ز: وراعونة.","vol":"14","page":527},{"text":"ناتئ [¬١] يقوم عليه الماتح [¬٢] (^٥٣) - فانتبه رسول الله ﷺ مذعورًا، وقال: \"يا عائشة، أما شعرت أن الله أخبرني بدائي؟ \". ثم بعث رسول الله ﷺ عليًّا والزبير وعمار بن ياسر، فنزحوا ماء البئر كأنه نُقَاعة الحناء، ثم رفعوا الصخرة، وأخرجوا الجفّ فإذا فيه مشاطة رأسه وأسنان من مشمطه، وإذا فيه وتر [¬٣] معقود\" فيه اثنتا [¬٤] عشرة عقدة مغروزة بالإبر. فأنزل الله تعالى السورتين، فجعل كما قرأ آية انحلت عقدة، ووجد رسول الله ﷺ خفة حين انحلّت العقدة الأخيرة، فقام كأنما نَشط من عقال، وجعل جبريل ﵇ يقول: باسم الله أرقيك، من كل شر [¬٥] يؤذيك، من حاسد وعين الله يشفيك. فقالوا: يا رسول الله، أفلا نأخذ الخبيث نقتله؟ فقال رسول الله ﷺ: \"أما أنا فقد شفاني الله، وأكره أن يثير على الناس شرًّا\".\nهكذا أورده بلا إسناد، وفيه غرابة، وفي بعضه نكارة شديدة، ولبعضه شواهد مما تقدم، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^٥٣) - الماتح: الذي يشرب الماء من البئر.\n_________\n[¬١]- في ز، خ: ثابت.\n[¬٢]- في خ: المالح.\n[¬٣]- في ز، خ: دين.\n[¬٤]- في ز: اثني.\n[¬٥]- في خ: شيء.","vol":"14","page":528},{"text":"<span data-type='title' id=toc-237>تفسير سورة الناس</span>\n﷽\n﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١) مَلِكِ النَّاسِ (٢) إِلَه النَّاسِ (٣) مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (٤) الَّذِي يُوَسْوسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (٥) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (٦)﴾\nهذه الصفات [¬١] من صفات الرب ﷿ الربوبية، والملك، والإلهية. فهو رب كل شيء ومليكه وإلهه، فجميع الأشياء مخلوقة [¬٢] له. مملوكة عبيد له، فأمر المستعيذ أن ينعوذ بالمتصف بهذه الصفات، من شر الوسواس الخناس، وهو الشيطان الموكل بالإنسان، فإنه ما من أحد من بني آدم إلا وله قرين يُزَيّن له الفواحش، ولا يألوه جهدًا في الخبال. والمعصوم من عَصَم الله.\nوقد ثبت في الصحيح أنه أمر [ﷺ قال]: \"ما منكم [¬٣] من أحد إلا قد وُكل به قرينهُ\". قالوا: وأنت يا رسول الله؟ قال: \"نعم إلا أن الله أعانني عليه، فأسلم، فلا يأمرني إلا بخير\" (^٥٤).\nوثبت في الصحيح (^٥٥)، عن أنس في قصة زيارة صفية للنبيّ ﷺ وهو معتكف، وخروجه معها ليلًا ليردها إلى منزلها، فلقيه رجلان من الأنصار، فلما رأيا رسول الله ﷺ أسرعا، فقال رسول الله: \"على رسلكما، إنها صفية بنت حُيي\".\nفقالا: سبحان الله! كما رسول الله. فقال: \"إن الشيطان يجري من بن آدم مجرى الدم، وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شيئًا. أو قال: شرًّا\".\nوقال الحافظ أبو يعلى الموصلي (^٥٦): حدثنا محمَّد بن بحر، حدثنا عدي بن أبي عمارة،\n_________\n(^٥٤) - صحيح مسلم رقم (٢٨١٤) كتاب صفات المنافقين.\n(^٥٥) - صحيح البخاري رقم (٦٢١٩) كتاب الأدب. ومسلم رقم (٢١٧٥) كتاب السلام.\n(^٥٦) - مسند أبي يعلى في مسنده (٧/ ٢٢٨، ٢٧٩) رقم (٤٣٠١). وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ١٥٢) ثم قال: رواه أبو يعلى وفيه عدي بن أبي عمارة وهو ضعيف. ا هـ. قلت: وفيه أيضًا زيادة النميري ضعيف.\n_________\n[¬١]- في خ: ثلاث صفة.\n[¬٢]- سقط من خ.\n[¬٣]- بعده في ز: له.","vol":"14","page":529},{"text":"حدثنا زياد النّميري، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن الشيطان واضع خطمه على قلب ابن آدم، فإن ذكر خَنَس، وإن نسي التقم قلبه، فذلك الوسواس الخناس\". غريب.\nوقال الإمام أحمد (^٥٧): حدثنا محمَّد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن عاصم، سمعت أبا تميمة [¬١] يُحدّث عن رَديف رسول الله ﷺ قال: عثر بالنبي ﷺ حمارُه، فقلت: تَعس الشيطان! فقال النبي ﷺ: \"لا تقل: تعس الشيطان، فإنك إذا قلت: تعس الشيطان، تعاظم، وقال: بقوتي صرعته. وإذا قلت: باسم الله، تصاغر حتى يصير مثل الذباب\".\nتفرد به أحمد، إسناده جيد قوي، وفيه دلالة على أن القلب متى ذكر الله تصاغر الشيطان وغُلِب، وإن لم يذكر الله تعاظم وغلب.\nوقال الإِمام أحمد (^٥٨): حدثنا أبو بكر الحنفي، حدثنا الضحاك بن عثمان، عن سَعيد المقبري، عن أبي هُريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"إن أحدكم إذا كان في المسجد، جاءه الشيطان فأبَس [¬٢] (^٥٩) به كما يُبَسُّ [¬٣] الرجل بدابته، فإذا سكن له زنقه (^٦٠) - أو: ألجمه\"- قال أبو هُرَيرة: وأنتم ترون ذلك، أما المزنوق فتراه مائلًا -كذا- لا يذكر الله، وأما الملجم ففاتح فاه لا يذكر الله ﷿. تفرد به أحمد.\nوقال سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله: ﴿الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ﴾، قال الشيطان جاثم على قلب ابن آدم، فإذا سها وغفل وسوس، فإذا ذكر الله خَنَس. وكذا قال مجاهد، وقتادة.\nوقال المعتمر بن سليمان، عن أنس: ذُكرَ لي أن الشيطان، أو الوسواس ينفث في قلب [ابن آدم] [¬٤] عند الحزن وعند الفرخ، فإذا ذكر الله خنس.\nوقال العوفي عن ابن عباس في قوله: ﴿الْوَسْوَاسِ﴾، قال: هو الشيطان يأمر، فإذا أطيع خنس.\n_________\n(^٥٧) - المسند (٥/ ٥٩). وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ١٣٤، ١٣٥) وقال: رواه أحمد بأسانيد. ورجالها كلها رجال الصحيح.\n(^٥٨) - المسند (٢/ ٣٣٠). وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد وقال: رجال أحمد رجال الصحيح.\n(^٥٩) - أبس به: أي قُهر وغلب.\n(^٦٠) - زنقه: أي ضيق عليه.\n_________\n[¬١]- في خ: تميم.\n[¬٢]- في خ: فأنس.\n[¬٣]- في خ: ينس.\n[¬٤]- في خ: الإنسان.","vol":"14","page":530},{"text":"وقوله: ﴿الَّذِي يُوَسْوسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ﴾، هل يختص هذا ببني آدم -كما هو الظاهر- أو يعمّ بني آدم والجن؟ فيه قولان، ويكونون قد دخلوا في لفظ الناس تغليبًا.\nوقال ابن جرير: وقد استعمل فيهم ﴿بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ﴾ فلا بدع في إطلاق الناس عليهم.\nوقوله: ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾، هل هو تفصيل لقوله ﴿الَّذِي يُوَسْوسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ﴾، ثم بينهم فقال: ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ وهذا يقوي القول الثاني.\nوقيل: قوله: ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾، تفسير للذي يُوسوس في صدور الناس من شياطين الإنس والجن، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾، وكما قال الإمام أحمد (^٦١):\nحدثنا وكيع، حدثنا المسعودي، حدثنا أبو عُمر الدمشقي، حدثنا عبيد بن الخشخاش، عن أبي ذر قال: أتيت رسول الله ﷺ وهو في المسجد، فجلست، فقال: \"يا أبا ذر، هل صليت؟ \". قلت: لا. قال: \"قم فصل\". قال: فقمت فصليت، ثم جلست فقال: \"يا أبا ذر، تعوذ بالله من شر [¬١] شياطين الإنس والجن\".\nقال [¬٢]: قلت: يا رسول الله، وللإنس شياطين؟ قال: \"نعم\". قال: قلت: يا رسول الله، الصلاة؟ قال: \"خير موضوع، من شاء أقل، ومن شاء أكثر\". قلت: يا رسول الله. فالصوم؟ قال: \"فرض مجزئ [¬٣]، وعند الله مزيد [¬٤] \".\nقلت: يا رسول الله، فالصدقة؟ قال: \"أضعاف مضاعفة\". قلت: يا رسول الله، فأيها [¬٥] أفضل؟ فقال [¬٦]: \"جُهد من مُقل، أو سرّ إلى فقير\". قلت: كما رسول الله، أي الأنبياء كان أول؟ قال: \"آدم\". قلت: يا رسول الله، ونبي [¬٧] كان؟ قال: \"نعم، نبي مكلم [¬٨] \". قلت: يا رسول الله، كم المرسلون؟ قال: \"ثلاثمائة وبضعة عشر، جمًّا غفيرًا\". وقال مرة؟: \"خمسة عشر\" - قلت: يا رسول الله، أيما أنزل عليك أعظم؟ قال: \"آية الكرسي: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾.\nورواه النسائي (^٦٢)، من حديث أبي عمر الدمشقي، به. وقد أخرج هذا الحديث مطولًا جدًّا\n_________\n(^٦١) - المسند (٥/ ١٧٨) وأخرجه أيضًا (٥/ ١٧٩) من طريق يزيد عن المسعودي به.\n(^٦٢) - سنن النسائي مقتصرًا على ذكر الاستعاذة فقط (٨/ ٣١٦) كتاب الاستعاذة.\n_________\n[¬١]- سقط من خ.\n[¬٢]- سقط من ز.\n[¬٣]- في خ: يجزئ.\n[¬٤]- في ز، خ: يزيد.\n[¬٥]- في خ: أيها.\n[¬٦]- في ت: قال.\n[¬٧]- في ز: ومتى.\n[¬٨]- في ز: تكلم.","vol":"14","page":531},{"text":"أبو حاتم بن حبان في صحيحه (^٦٣)، بطريق آخر، ولفظ آخر مطول جدًّا، فالله أعلم.\nوقال الإمام أحمد (^٦٤): حدثنا وكيع، عن سفيان، عن منصور، عن ذَرّ بن عبد الله الهَمْداني، عن عبد الله بن شداد، عن ابن عباس قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله؛ إني أحدث نفسي بالشيء لأن أخر من السماء أحب إلى من أن أتكلم به. قال: فقال النبي ﷺ: \"الله أكبر الله أكبر، الحمد لله الذي رد كيده إلى الوسوسة\".\nورواه أبو داود والنسائي (^٦٥)، من حديث منصور - زاد النسائي: والأعمش - كلاهما عن ذر، به.\n\nآخر التفسير، ولله الحمد والمنة\n_________\n(^٦٣) - الإحسان (٢/ ٧٦) رقم (٣٦١٠). وأبو نعيم في الحلية (١/ ١٦٦ - ١٦٨). وفيه إبراهيم بن هشام بن يحيى الغساني الدمشقي. قال أبو حاتم: كذّاب كما في الجرح والتعديل (٢/ ١٤٢٩) وقال ابن الجوزي: قال أبو زهرة: كذاب كما في ميزان الاعتدال (١/ ٧٣٩) وقال الذهبي عنه أيضًا: إبراهيم بن هشام: أحد المتروكين الذين مشاهم ابن حبان فلم يصب. الميزان (٤/ ٣٧٨).\n(^٦٤) - المسند (١/ ٢٣٥).\n(^٦٥) - سنن أبي داود رقم (٥١١٢) كتاب الأدب. والنسائي في اليوم والليلة رقم (٦٦٨، ٦٦٩).","vol":"14","page":532},{"text":"<span data-type='title' id=toc-238>خاتمة ناسخ المخطوطة \"ز\"</span>\n﷽\nوالحمد لله رب العالمين. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين. ورضي الله عن الصحابة أجمعين. حسبنا الله ونعم الوكيل. وكان الفراغ منه في العاشر من جمادى الأولى [] (^١) سنة خمس وعشرين وثمانمائة. والحمد لله وحده.\nالحمد لله الذي رفع السماء بغيرِ عمادٍ، وبسط الأرض وثبتها بالأطواد، ومنح معرفته ومحبته من شاء من العباد، وأقام لدينه أولياء ينصرونه ويقومون به، وجعل منهم النجباء والأقطاب والأوتاد، وأعلى منار الدين بالعلماء العاملين، وأوضح بهم طرق الرشاد، وقمع لهم أهل الزيغ والأهواء والبدع والفساد، وثبت لهم دينهم بالنقل عن نبيهم بصحيح الإسناد، ونفى عنهم التدليس والشذوذ والانفراد.\nوأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، المتعالى عن الشركاء والنظراء والأنداد، المنزه عن الحلول والاتحاد والإلحاد.\nوأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وحبيبه وخليله، سيدُ العباد، صلى الله عليه وعلى آله النجباء الأنجاد، وصحابته السادة الأبرار الأمجاد، صلاة تدوم وتقوم ما قامت السموات والأرض بأمره، وقابل البياض السواد.\nوبعد، فقد أمرني السيد الجليل، من وصل الله له جناح الصنيع الجميل، وواصل عليه السول، وأوصل إليه المأمول، وعمَّر بحبه ربوع أنسي، وأمطر بفيضه ربيع نفسي، مولانا وسيدنا العبد الفقير إلى الله -سبحانه- الآمل الراجي عفوه الكريم وإحسانه، قاضي القضاة، حاكم الحكام، نجم الدين حجة الإسلام والمسلمين، سيد العلماء في العالمين، بهاء الملة، لسان الشريعة، عز السنة، حصن الأمة، خطب الخطباء، إمام البلغاء، غرة الزمان، ناصر الإيمان، شيخ الشيوخ العارفين -أبو حفص عمر- ابن سيدنا ومولانا العبد الفقير إلى الله -تعالى- الشيخ الإمام العلامة، والحبر الفهامة، قدوة العلماء العاملين، أبي محمد حجي السعدي الشافعي -أمر- أعلى الله أمره، وأسنى (^٢) قدره، من لا يتقلب إلا في طاعته، ولا يتصرف إلا في مرضاته- أن يُكتَبَ برسم خزانته (^٣) تفسير الشيخ (^٤) الإمام العالم الكبير، العلامة عماد الدين بن كثير ﵀ وأرضاه، وجعل بحبوحة الجنة مقره ومثواه. فامتثلت أمره بالسمع والطاعة، وعددت هذا الأمر من أنفس البضاعة، مع أني في الكتابة قليل الصناعة. فكتبت قدر ما قدرت عليه، ووصلت إليه، فإن صادفت قبولًا وبلغت مأمولًا، فيكون سعدي سعيدًا، ويقع سهمي سديدًا …\nفَإن وقَفَتْ بي قُدْرَتي دُونَ همتي … فمبلغُ علمْي والمعاذيرُ تُقْبَلُ\nقد جَمَعت هذه الخزانةُ الشريفةُ أشتات العلوم على الإطلاق، من رام مثلها فهو مُقَصر عن يوم أسباب اللحاق، خصوصًا إذ كان بها هذا التفسير الذي مادته سنن المصطفى المنبه على جوامع ما يزداد اللبيب بها بصيرة في علمه النافع؛ إذ كان ﷺ قد أوتي جوامع الكلام، وعلَّم فصل الخطاب. فلم يسمع الناس كلامًا أعم نفعًا، ولا أقصر لفظًا، ولا أعدل وزنًا (^٥)، ولا أجمل مذهبًا، ولا أكرم مطلبًا، ولا أحسن موقعًا، ولا\n_________\n(^١) - في ز: من.\n(^٢) - في ش: وأسد.\n(^٣) - في ش: خزانة.\n(^٤) - سقط من ش.\n(^٥) - في ش: وفرًا.","vol":"14","page":533},{"text":"أسهل مخرجًا، ولا أفصح عن معناه، ولا أبين في فحواه ﷺ.\nفلله در مولانا، إذ جمع أفراد (^٦) الفضائل، ونظم آحاد العقائل، وحاز من العلم الذرى والغوارب. فلا يخفى على ذي لب أنه أغرق في الفهم نُصولًا، وأعرق في العلم أصولًا فأقول مختصرًا، وعما يليق بمدحه معتذرًا، عسى يمر به من تضاعيف ثنائي عليه ما يبلغني به الزلفى في حبه، والقربى من قلبه، وتلك أمنيتي حتى (^٧) ألقى منيتي، لا أتعداها، ولا أتمنى سواها، ولله در القائل:\nإذا ابنُ حجي جادت (^٨) لنا يده … لم يُحمد الأجودان: البحر والمطر\nوإن أضاءت لنا أنوارُ غُرته … تضاءَل الأنوران: الشمس والقمرُ\nوإن مضى رأيه أو جَد عزمته … تأخر الماضيان: السيف والقدر\nمن لم يبت حذرًا من خوف سطوته … لم يدر ما المزعجان: الخوف والحذر\nكأنه الدهر في نعمى وفي نقم … إذا تعاقب منه: النفع والضرر\nكأنه - وزمام الدهر في يدهِ … يدا عواقب: ما يأتي ومَا يذَرُ\nفالحمد لله الذي جعل جمال منظرك موازيًا لكمال مخبرك، وشامخ فَرْعك مقارنًا لراسخ عنصرك.\nوالله حسبي فيك من كل … ما يعوَّذ العبد به المولى\nواسلم وعش لا زلت في نعمة … أنت بها من غيرك الأولى\nوصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.\n* * *\nكتبه الفقير محمد بن علي الصوفي البواب، بالخانقاة (^٩) الثميصاتية (^١٠)، بدمشق المحروسة، حامدًا ومصليًا، ومحسبلًا ومحوقلًا، والحمد لله وحده.\n_________\n(^٦) - سقط من ش.\n(^٧) - في ش: حين.\n(^٨) - في ش: حادت.\n(^٩) - في ش: لمنعاه.\n(^١٠) - في ش: التصائية.","vol":"14","page":534},{"text":"اللوحة قبل الأخيرة من النسخة \"ز\"","vol":"14","page":535},{"text":"اللوحة الأخيرة من النسخة \"ز\"","vol":"14","page":536}]}